######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009293 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي (المتوفى: 1307هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1307 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الروضة الندية (ومعها: التعليقات الرضية على «الروضة الندية») #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه عام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009293 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9293 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9293 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1423 هـ - 2003 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن القيم للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، دار ابن عفان للنشر والتوزيع، القاهرة - جمهورية مصر العربية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # التعليقات الرضية # على # "الروضة الندية" # للعلامة صديق حسن خان # رحمه الله # بقلم # العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني # ضبط نصه، وحققه، وقام على نشره # علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري # المجلد الأول # الطهارة - الخمس # دار ابن القيم - دار ابن عفان # PageV01P001 # جميع الحقوق محفوظة # الطبعة الأولى # 1423 ه - 2003 م # رقم الإيداع 15932/2001 # الترقيم الدولي 4-30-6052-977 # دار ابن القيم للنشر والتوزيع # هاتف: 4315882 - فاكس: 4318891 # الرياض: ص. ب: 156471 # الرمز البريدى: 11778 # المملكة العربية السعودية # دار ابن عفان # للنشر والتوزيع # القاهرة: 11 درب الأتراك خلف الجامع الأزهر # ت: 5066420 - محمول: 0101583626 # الإدارة - الجيزة برج الأطباء أول ش فيصل # ت: 5693615 - تليفاكس: 5692850 - 3255820 # ص. ب 8 بين السرايات # جمهورية مصر العربية # E-mail:ebnaffan@hotmail.com # PageV01P002 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني # (1) # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ~~أجمعين: # أما بعد: # فهذا كتابي: "التعليقات الرضية على الروضة الندية"؛ يخرج لإخواننا القراء ~~-طلبة العلم- مطبوعا بهيا؛ وذلك بعد انتهائي من تدريسه، والتعليق عليه: ~~بأكثر من أربعين سنة؛ على الرغم من تعاهدي إياه الفينة بعد الفينة، على مر ~~هذه السنين ### | .... # وإني لأحمد الله -سبحانه- أن سهل ذلك، ويسر أسبابه؛ فالكتاب -الأصل- من ~~الكتب الفقهية النافعة التي انتهج مؤلفها -رحمه الله تعالى- طريقة أصحاب ~~الحديث؛ قياما بالحجة والدليل؛ بعيدا عن التقليد ومحض الأقاويل؛ ولكنه ~~-كسائر البشر- عرضة للنقد، والتخطئة، والمراجعة؛ وله على ذلك كله -إن شاء ~~الله- أجر ... PageV01P003 # ولقد كان عرض علي -منذ أكثر من سنتين- ولدنا وصاحبنا الأخ أبو الحارث علي ~~بن حسمن بن علي الحلبي -وفقه الله- فكرة طباعة تلك التعليقات -المشار ~~إليها-، ونشرها؛ لما رأى فيها من نفع وفائدة -حتى لا تظل حبيسة فوق جدران ~~الكتب-؛ ولينتفع بها الدارسون، ويستفيد منها المتفقهون: فوافقت على ذلك؛ ~~وناولته نسختي الخاصة -بتعليقاتي التي بخط يدي، والتي كنت قد سميتها منذ ~~أمد: " التعليقات الرضية على الروضة الندية "-؛ ليقوم -جزاه الله خيرا- ~~بهذه المهمة العلمية. # وها هو الكتاب -بتعليقاته- بحمد الله ومنته- مطبوعا بين أيدي ms001 القراء؛ ~~يفيدون منه، ويفيدون به؛ والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # وإني لأسال الله -تبارك وتعالى- أن يجزي صاحبنا أبا الحارث -زاده الله ~~توفيقا- على ما قام به من جهد مشكور في تحقيقه لهذه "التعليقات"، وإبرازها ~~إلى حيز الوجود، وكذا الناشر للكتاب: دار ابن عفان/القاهرة؛ داعيا الله -جل ~~وعلا- لهما - أن يبارك جهودهما في خدمة -ونشر- الكتب العلمية السلفية ~~النافعة -إن شاء الله-. # كما أسأله -عز وجل- أن ينفع بما أكتب، وأن يلهمني الحق والصواب، وأن ~~يجعله خالصا لوجهه، وأن يدخر لي أجر ذلك عنده؛ إنه -سبحانه- خير مسؤول. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # 19/رمضان/1419 ه # محمد ناصر الدين الألباني # أبو عبد الرحمن # عمان # PageV01P004 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة التحقيق # إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. # أما بعد: # "فإنه ينبغي لكل أحد أن يتخلق بأخلاق رسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويقتدي بأقواله وأفعاله وتقريره؛ في الأحكام والآداب وسائر معالم الإسلام، ~~وأن يعتمد في ذلك ما صح ويجتنب ما ضعف، ولا يغتر بمخالفي السنن الصحيحة، ~~ولا يقلد معتمدي الأحاديث الضعيفة؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- قال: {وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ، وقال- تعالى-: {لقد كان لكم ~~في رسول الله أسوة حسنة} ، وقال- تعالى-: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} ؛ فهذه الآيات -وما في معناهن- حث على ~~اتباعه - صلى الله عليه وسلم -. # ونهانا عن الابتداع والاختراع، وأمرنا الله -سبحانه وتعالى- عند التنازع # PageV01P005 # بالرجوع إلى الله والرسول -أي: الكتاب والسنة-، وهذا كله في سنة صحت، أما ~~ما لم تصح: فكيف تكون سنة؟! وكيف يحكم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قاله أو فعله من غير مسوغ لذلك؟!! # ولا تغترن بكثرة المتساهلين في العمل -والاحتجاج في الأحكام- بالأحاديث ~~الضعيفة! وإن كانوا مصنفين وأئمة في الفقه وغيره!!.." (1) . # و"الفقه في الدين: من أفضل ما ms002 يتنافس فيه ويطلب، ويثابر على السعي في ~~تحصيله ويرغب؛ لأن به صلاح العبد في معاشه ومعاده، وبه يهتدي من غيه ~~لرشاده، وعليه مدار الفلاح والسعادة، وبه يتمكن من القيام بواجب العبادة، ~~وأهله هم الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ شرعه وأحكامه، وتمييز حلاله ~~من حرامه. # وقد فاز بهذه الفضيلة الصدر الأول، ومن على نقلهم وفهمهم في النصوص ~~المعول؛ فاقتسموا إرث النبوة فرضا وتعصيبا، ولم يتركوا لسواهم من تلك ~~الفريضة حظا ولا نصيبا، ثم اقتدى بهم في نهجهم القويم الأسنى؛ من سبقت له ~~من الله السعادة والحسنى، حتى انتهت تلك الوراثة إلى الأئمة الكبار، ~~المقتدى بهم في سائر الأعصار والأمصار، فكانوا وسائل وطرقا وأدلة بين الناس ~~وبين الرسول، يبلغونهم ما قاله، ويفهمونهم مراده؛ بحسب اجتهادهم واستطاعتهم ~~-رضي الله عنهم-" (2) . # ومن بين هؤلاء الأئمة الفحول، المقتفين آثار الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-: الشيخ PageV01P006 # العلامة صديق حسن خان -تغمده بعفوه الرحيم الرحمن-؛ فقد ألف كتابا فريدا، ~~نسج فيه منهجا سديدا؛ سماه "الروضة الندية" (1) ؛ مبنيا على الدلائل البينة ~~العلمية. # ولقد "سلك فيه -رحمه الله تعالى- مسلك الإنصاف، وجانب في الترجيح سبيل ~~الجور والاعتساف، وهذب مبانيه، وحرر معانيه، واعتنى بتقدير الأدلة ونصب ~~أعلامها، وتوضيح وجوه الدلالة وأحكامها، وذكر مذاهب الأسلاف، وما وقع بينهم ~~من الوفاق والخلاف، مع ترجيح ما عضده البرهان، من غير نظر في ذلك إلى ~~خصوصية إنسان، رائيا أن الحق أحق بأن يعض بالنواجذ عليه، وأن ما سواه يطرح ~~في زوايا الإهمال ولا يعول عليه" (2) . # فجاء كتابا رائعا، بديعا جامعا، بعبارة سهلة ميسرة، وأدله منقحة محررة، ~~ومسائل منضبطة محبرة. # ولما لهذا الكتاب من أهمييما ومكانة -بما حواه من قوة ومتانة-: فقد اعتنى ~~به علماؤنا، وأوصى به كبراؤنا؛ ودرسه وشرحه فضلاؤنا: # -فهذا الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر- المتوفى سنة (1377 ه) -رحمه الله ~~تعالى- يقوم بالتعليق. عليه وخدمته -كما في آخر الطبعة PageV01P007 # المنيرية-. (1) (2/365) بقلم الشيخ شاكر نفسه؛ حيث قال: # "بسم الله الرحمن الرحيم: عهد إلي الأخ الأستاذ الشيخ محمد منير الدمشقي ~~(2) -صاحب (إدارة الطباعة المنيرية) ms003 - بتصحيح هذا الكتاب -"الروضة ~~الندية"-؛ فقمت بمراجعة الأصل الذي يطبع منه، وبذلت وسعي في مراجعة ما عرض ~~من الشبهات في تخريج الأحاديث والكلام على رواتها، وكتبت ما عن لي من ~~التعليقات؛ رغبة في خدمة السنة الشريفة. # ونسأل الله أن يعيننا على القصد إلى الخير. # أحمد محمد شاكر -القاضي الشرعي-". # وهذا شيخنا العلامة الألباني -حفظه الله-، ينصح به (3) ، ويدرسه (4) ، بل ~~ويضع عليه تعليقا مكتوبا، ونقدا لطيفا مرغوبا -وهو هذا الذي بين أيدينا-؛ ~~وقد سماه "التعليقات الرضية على الروضة الندية". # من أجل هذا كله: رأيت لزوم نشر الكتاب، مع تعليقات مشايخنا عليه؛ فلما ~~عرضت هذا الأمر على شيخنا -نفع الله به- وافق ذلك مباركة كريمة منه -حفظه ~~الله تعالى، ونفع به-؛ فدفع إلي نسخته الخاصة، المكتوبة PageV01P008 # على حواشيها تعليقاته، ونقداته -بخطه (1) -، لأقوم بتحقيقها وإظهارها إلى ~~حيز الوجود-؛ فجزاه الله خيرا على حسن ظنه بولده وتلميذه، وأكرمه في ~~الدارين بأكمل الحسنيين. # كل ذلك إفادة للأمة، وعناية بها، وإعظاما لأمرها؛ عسى أن يكتبنا الله ~~-سبحانه- من حملة العلم النبوي الشريف، قائمين بالعمل، والتعليم، والتعريف. # فالله أسأل التوفيق والسداد، والهدى والرشاد. # وختاما، فإني أتقدم بالشكر الجزيل لكل من كان له يد في نشر هذا الكتاب؛ ~~تعليقا (2) ، وتصحيحا، وتنضيدا، وتدقيقا، وضبطا. # وشكر خاص موصول: للأخ الفاضل أبي عبد الله كمال الدين بن حسين عويس -وفقه ~~الله لمراضيه-، صاحب دار ابن عفان/القاهرة-، على صبره، واحتماله، وقيامه ~~بالدعم المادي والأدبي -الدؤوب- لإخراج هذا العمل العلمي مطبوعا، مشرقا، ~~بهيا؛ فجزاه الله خير الجزاء، وزادنا وإياه من فضله. # وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. # وكتب # أبو الحارث الحلبي الأثري # 23 رجب 1419 ه # الزرقاء - الأردن PageV01P009 ### | تعريف ب "التعليقات الرضية على الروضة الندية" # * هي تعليقات علمية منوعة؛ بلغت نحوا من ألف تعليق. # * وهي -أصلا- ملاحظات على "الروضة" (1) عرضت أثناء تدريس الكتاب، وشرحه ~~لطلبة العلم؛ ولكنها لم تستوعب كل ما ينبغي التعليق عليه؛ فضلا عن تغير ~~الاجتهاد -فقها ونقدا- في عدد منها. # * وعدد كثير من هذه التعليقات -أيضا- جاءت زيادة على تلك ms004 الملاحظات؛ جراء ~~نظر الشيخ في الكتاب، أو نقده، وتخريجه لبعض المرويات الواردة في كتب أخرى؛ ~~فيضع خلاصة بحثه في تعليق له هنا. # وقد جاء عدد من تعليقاته هذه -حفظه الله- على تعليقات للشيخ أحمد شاكر ~~على "الروضة" (2) . PageV01P011 # * كتب شيخنا -بخطه- على آخر نسخته من "الروضة" ما لفظه: "فرغنا من قراءته ~~بمناسبة الاعتداء المثلث (1) على مصر ليلة السبت ( ... (2) /4/1377 ه) . # ثم فرغنا من قراءته كله -حاشا كتاب الوصية- ليلة السبت (29/8/1379 ه) . ~~". # * وهذه التعليقات (الرضية) منوعة متعددة، منها (3) : ### | أولا: شرح الغريب؛ # ومن أمثلته: ### | 1- # قال في (1/4) شرحا لكلمة (العلق) : "بكسر العين: النفيس من كل شيء، ~~والجراب؛ ولعل هذا هو المراد هنا". ### | 2- # شرح في (1/187) (الخلفات) ، وقال: " اسم للنوق الحوامل، واحدتها خلفة، ~~وبنت المخاض، وابن المخاض: ما دخل في السنة الثانية ... " إلخ. ### | 3- # وشرح في (1/187) -أيضا- (ابن اللبون) ، مبينا أنه: "ما أتى عليه سنتان من ~~الإبل ... ". PageV01P012 ### | 4- # شرح في (2/12) معنى "العصبة" ناقلا إياه عن "نهاية" ابن الأثير. ### | 5- # بين في (2/13) خطأ تفسير "عوان"، مبينا وجه الصواب فيه. ### | ثانيا: التخريج، والنقد؛ # ومن أمثلته: ### | 1- # قال في (1/12) تعليقا على قول المؤلف: (النهي عن الوضوء بفضل وضوء ~~المرأة) : "يشير إلى حديث: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل ~~المرأة بفضل الرجل.."، ثم قال: رواه أبو داود، والنسائي، بسند صحيح". ### | 2- # فصل في (1/42) بإيضاح الزيادات بين الروايات في العزو. ### | 3- # فصل في (1/164) بتخريج حديث خرج إجمالا؛ مبينا مخرجه وصحابيه. ### | 4- # خرج (1/196) حديث: "الوسق ستون صاعا"! مبينا مصادره، ومعلا له ~~بالانقطاع.. ### | 5- # خرج في (1/222) حديثا، مشيرا إلى تصحيح جماعة من أهل العلم له، ثم ذكر ~~بعض من ضعفه، مرجحا تضعيفه.. ### | 6- # أشار في (1/272) إلى تتبع ألفاظ حديث في "الصحيحين"، ثم بين أنه لم يجد ~~لفظة ذكرها المصنف -رحمه الله-. ### | ثالثا: المناقشة والتعقب؛ # ومن أمثلته: ### | 1- # ناقش في (1/7) صحة حديث القلتين مؤيدا ثبوته، ثم قال: # PageV01P013 # "فلا التفات إلى قول من ضعفه؛ لأنه وهم نشأ من عدم تتبع طرق الحديث". ### | 2- # ثم قال في (1/7) حول الحديث نفسه؛ رادا على من أعله ms005 بالاضطراب، قائلا: ~~"وخلاصة الجواب أن الحديث صحيح إسناده، والاضطراب المزعوم فيه لا يضر، وأن ~~متنه بلفظ: "قلتين"، وأما ما يخالفه؛ فهو إما شاذ أو ضعيف، لا ينهض لمعارضة ~~النص الصحيح". ### | 3- # ناقش في (1/5) تعليلا من المؤلف لحديث: "الماء طهور ... "، ثم قال: ~~"فالعلة ما ذكرنا من الجهالة، لا ما أراد أن يصوره الشارح من الاختلاف". # 4- تعقب في (1/13) عزو المصنف حديثا للبيهقي؛ قائلا: "لقد أبعد المصنف ~~النجعة، فالحديث رواه أبو داود، وابن ماجه -أيضا-، وإسناده صحيح، -كما ~~بينته في "صحيح السنن" (رقم 408) -". ### | 5- # تعقب في (1/14) تعليل المصنف النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، بأنها: ~~"ربما تؤذي المصلي"! بقوله: "هذا التعليل لا أصل له في السنة..". ### | 6- # تعقب في (1/157) عزو المصنف لحديث عن سمرة في "صحيح مسلم"، وكشف ما في طي ~~ذلك من وهم. ### | 7- # رد على الصنف في (1/173) استدلاله بحديث على اتباع الجنازة! بينما هو في ~~الانصراف منها! # PageV01P014 ### | 8- # تعقب المصنف في (1/183) بنقله عن الشوكانى نصا، مع تركه جزءا مهما منه! ### | رابعا: شرح مصطلحات حديثية، وذكر قواعد اصطلاحية؛ # ومن أمثلته: ### | 1- # شرح في (1/5) مصطلح (غريب) عند ابن الملقن، قال: "يعني: لا يعلم من رواه؛ ~~كما نص عليه في المقدمة". ### | 2- # قال في (1/20) : "ومراسيل الحسن ضعيفة، قالوا: إنها كالريح". ### | 3- # تكلم في (1/44) عن قاعدة انجبار الحديث بكثرة طرقه، مبينا شرطها، وأن لا ~~يكون فيها متهم أو متروك. ### | 4- # وكذلك أشار في (2/21) إلى القاعدة نفسها. ### | 5- # أشار في (1/161) إلى تساهل ابن حبان في توثيقه المجاهيل. ### | 6- # بين في (1/165) أن الاستحباب حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل صحيح. ### | 7- # بين في (2/12) عدم جواز رد الحديث بنسيان راو، مع حفظ آخر له. ### | خامسا: تصحيح الأخطاء المطبعية والسقط؛ # ومن أمثلته: ### | 1- # قال في (1/4) تعليقا على قول المؤلف: (طالب الحق الصادق) : "لعله: للحق ~~صادق". # PageV01P015 ### | 2- # قال في (1/10) : "ولعله سقط منه قوله: "كونه ساكنا" كما يدل عليه السياق ~~والسباق". ### | 3- # بين في (1/259) خطأ في النقل عن الترمذي تحسين حديث، مشيرا إلى أن ذلك ~~تحريف؛ من الناسخ، أو الطابع!! ms006 ### | سادسا: الشرح، والبيان، والتعريف، # ومن أمثلته: ### | 1- # قال في (1/43) تعقيبا على قول المصنف -في شرح حديث "إنما الأعمال ~~بالنيات"-: "فإن كان المقدر عاما" ما لفظه: "أي: لا عمل إلا بالنية، ولما ~~كان هذا متروك الظاهر -لأن الذوات غير منتفية- قيده الشارع بالعمل الشرعي، ~~وإن كان خاصا بالأعمال -الأعمال الصالحة- كما يدل عليه سياق الحديث". ### | 2- # ناقش (1/64) مسألة صفة الحيض وحقيقته، رادا على المصنف عدم اعتباره ~~الصفرة والكدرة. ### | 3- # قال في (1/148) تعليقا على قوله "ليلة الهرير": "بفتح الهاء"، ثم شرحها، ~~وذكر تعريفها نقلا عن النووي في "تهذيب الأسماء واللغات". ### | 4- # عرف في (1/150) الفرسخ، والبريد. ### | 5- # أفاد في (1/178) أن الأصوب في بناء القبر تسنيمه، دون تسطيحه. ### | 6- # فرق في (1/253) بين سدل المحرمة على وجهها -فأجازه-، # PageV01P016 # وبين تنقبها -فمنعه-. ### | 7- # ثبت في (1/254) القول بالإجماع على إفساد الحج بالجماع. ### | سابعا: الاختيار والترجيح؛ # ومن أمثلته: ### | 1- # قال في (1/18) تعقيبا على كلام المصنف حول (النجاسات) : # "كان اللائق ذكر المذي في النجاسات المنصوص عليها؛ لورود الأمر بغسله؛ ~~كما يشير المؤلف نفسه إلى ذلك". ### | 2- # نقد في (1/18) نقل القرطبي القول بالاتفاق على نجاسة الدم؛ مرجحا خلافه. ### | 3- # أفاض في (1/60) في ترجيح عدم مشروعية المسح على الجبيرة، مناقشا الدلائل ~~والمسائل. ### | 4- # رجح في (1/99) "أن السنة الوضع على الصدر"، وبين أن ما يخالفه: "ضعيف ~~باتفاق المحدثين؛ فلا يعتمد عليه". ### | 5- # رجح في (1/156) وجوب صلاة الكسوف. ### | 6- # رد في (1/180) على من منع اتباع النساء للجنائز، مبينا أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - منعهن دون عزم عليهن. # ... وغير هذا وذاك -كثير- من مباحث شرعية، ونقدات علمية؛ تفيد الباحثين، ~~وتنفع الراغبين. # PageV01P017 # فجزى الله -سبحانه- خيرا: شيخنا؛ على ما قدم -ويقدم- من أعمال علمية ~~فقهية حديثة؛ لها أثرها في الأمة، وتأصيل بنائها. # PageV01P018 ### | ترجمة العلامة صديق حسن خان # جرى المصنف -رحمه الله- على أن يترجم لنفسه في خواتيم بعض كتبه الهامة، ~~مثل: "أبجد العلوم" (3/271) ، و "التاج المكلل" (541) ، و"إتحاف النبلاء" ~~(263) ، وفعل مثل ذلك في خاتمة كتابه "الحطة في ذكر الصحاح الستة" المطبوع ~~-بتحقيقي- (ص 471-485) . # وهو إذ يترجم لنفسه يتوسع في ذلك ويفيض؛ ms007 فيذكر مولده، ونشأته، وأخذه عن ~~العلماء، ورحلاته، وأعماله، ومؤلفاته. # بيد أنه لا مناص في هذه المقدمة من إيراد ترجمة وجيزة مختصرة له، تضع بين ~~يدي القارىء نبذة من حياته -رحمه الله-، فأقول: # * هو أبو الطيب، صديق حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، ~~نزيل بهوبال - الهند. # * كان مولده في التاسع عشر من شهر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومئتين ~~وألف من الهجرة النبوية، ببلدة "بريلي" موطن جده لأمه، ثم انتقلت أسرته إلى ~~بلدة "قنوج" موطن آبائه، ولما بلغ السادسة من عمره انتقل والده إلى رحمة ~~الله -تعالى-، وبقي في حجر أمه يتيما، ونشأ عفيفا، طاهرا، محبا للعلم ~~والعلماء. # * سافر إلى "دهلي" ليتم تعليمه فيها، واجتهد في إتقان معارف القرآن # PageV01P019 # والسنة وتدوين علومهما، وكانت له رغبة في اقتناء الكتب، وفهم زائد في ~~قراءتها، وتحصيل فوائدها، وبخاصة كتب التفسير والحديث والأصول، ثم سافر إلى ~~"بهوبال" طلبا للمعيشة، فتزوج ملكتها، وفاز بثروة وافرة. # * شيوخه عدة: منهم الشيخ محمد يعقوب أخو الشيخ محمد إسحاق حفيد الشيخ عبد ~~العزيز الدهلوي المحدث، ومنهم الشيخ القاضي حسين بن محسن السبيعي الأنصاري، ~~والشيخ عبد الحق بن فضل الهندي (1) . # * كان له في التأليف ملكة عجيبة، بحيث يكتب عدة كراريس في يوم واحد، ~~ويصنف الكتب الفخمة في أيام قليلة، وقد شاعت كتبه وانتشرت في أقطار العالم ~~الإسلامي، وكتب له كثير من العلماء رسائل فيها الثناء على كتبه والدعاء له، ~~وعد من رجال النهضة الإسلامية المجددين. # * ترجمه الجم الغفير من المصنفين؛ فله ترجمة في: "طبقات الأصوليين" ~~(3/160) ، و"مشاهير علماء نجد" (541-457) ، و"حلية البشر" (2/ PageV01P020 # 746) ، و "أنموذج الأعمال الخيرية" (388) ، و "الأعلام" (6/167) ، و"نزهة ~~الخواطر"، (8/187) و"جلاء العينين" (30) ، و "معجم المؤلفين " (10/90) ، ~~و"هدية العارفين" (2/388) ، و "معجم المطبوعات" (1201) ، و"فهرس الفهارس" ~~(2/1055) ، و"إيضاح المكنون" (1/10) ، و"تاريخ آداب اللغة العربية" (2/96) ~~، و"المنجد" (421) ، و"عثرات المنجد" (317) ، و "التعليقات الظراف على ~~الإتحاف" (34) ، و"حركة التأليف باللغة العربية ... " (274) ، و "اكتفاء ~~القنوع" (497) و"تاريخ الأدب العربي" (2/859 - الملحق) ، و"الثقافة ~~الإسلامية في الهند" (141) ، و"كشف الظنون عن كشف الظنون" (ص 3) ، و " مجلة ~~الحج ms008 " (11/636) ، و"مجلة الجامعة الإسلامية" (12/47) . # ولسليم فارس الشدياق كتاب في ترجمته وذكر المثنين عليه، اسمه "قرة ~~الأعيان ومسرة الأذهان". # ولابنه علي حسن في سيرته كتاب سماه "مآثر صديقي"، وآخر سماه " الروض ~~البسام ". # "وترجمه بعض العلماء بكتاب اسمه "قطر الصيب في ترجمة الإمام أبي الطيب". # وترجم هو لنفسه بكتاب سماه "إبقاء المنن". # وللأستاذ أختر جمال لقمان رسالة جامعية عن "عقيدة صديق حسن خان"، وهي ~~مطبوعة. # * توفي -رحمه الله تعالى- سنة ألف وثلاث مئة وسبع هجرية، الموافق لسنة ~~ألف وثمان مئة وتسع وثمانين ميلادية، فتكون مدة حياته تسعا وخمسين # PageV01P021 # سنة قمرية، وسبعا وخمسين سنة شمسية -رحمه الله تعالى رحمة واسعة-. # * بين المتعاصرين: # في الفترة التي عاش فيها العلامة الشيخ صديق حسن خان؛ كان هناك عالم كبير ~~لا يقل عنه علما، ولا ينقص عنه قدرا، وهو العلامة الشيخ عبد الحي اللكنوي ~~-رحمه الله تعالى-، وجرت -على عادة الأقران- بينهما مباحثات علمية، وردود ~~فقهية، وألف كل واحد في الرد على صاحبه كتبا ورسائل، إما تلميحا أو تصريحا. # وكانت الحملة موجهة من قبل الشيخ اللكنوي أكثر منها من ناحية القنوجي؛ ~~فلقد أكثر الأول في مثاني تصانيفه، وتعليقاته عليها من قوله: "وقال غير ~~ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا"! مشيرا بذلك إلى العلامة القنوجي!! # وبلغت هذه الردود في لحظة من اللحظات أوج الشدة، حتى قال الشيخ عبد الحي ~~الحسني -رحمه الله- واصفا تلك الردود والمباحثات -في كتابه المستطاب "نزهة ~~الخواطر" (8/236) -: " ### | .... # وانجر إلى ما تأباه الفطرة السليمة ... "! # وكان الشيخ اللكنوي حريصا الحرص كله على متابعة هذه الردود، وعدم ~~انقطاعها إلا لصالحه! بدليل ما قاله العلامة عبد الحي الحسني -رحمه الله- ~~في كتابه "الثقافة الإسلامية في الهند" (ص 86) أثناء تعداده أسماء مصنفات ~~اللكنوي، فقال: " ... و"إبراز الغي الواقع في شفاء العي"، و"تذكرة الراشد ~~برد تبصرة الناقد" -كلها بالعربية- للشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي ~~المذكور، أما "شفاء العي عما أورده الشيخ عبد الحي"؛ فهو لبعض العلماء، ~~صنفه في الرد على تعقبات الشيخ عبد الحي المذكور في مصنفاته على السيد # PageV01P022 # صديق حسن خان القنوجي ms009 في الوفيات، فأجاب عنه الشيخ عبد الحي في "إبراز ~~الغي"، فرد عليه بعضهم في رسالة مستقلة سماها "تبصرة الناقد برد كيد ~~الحاسد"، فأجاب عنه الشيخ عبد الحي في "تذكرة الراشد ... ". (1) # قلت: ولعل مرجع هذا كله إلى سببين: # الأول: اعتداد اللكنوي بنفسه، واعتقاده أنه يختلف عن علماء عصره، كما قال ~~هو نفسه في "ظفر الأماني" (2) (ص 245) : " ... وإني أحمد الله حمدا ~~متواليا، وأشكره شكرا متتاليا على أن وفقني للتوسط في جميع المباحث الفقهية ~~والحديثية، ورزقني نظرا وسيعا، وفهما رفيعا، أقتدر به على الترجيح فيما بين ~~أقوالهم المتفرقة، ونجاني من بلية تقليد المتشددين المتساهلين تقليدا ~~جامدا، واختيار قول إحدى الطائفتين من دون تبصر وتفكر اختيارا كاسدا، لا ~~أقول هذا تكبرا وفخرا! بل متحدثا بنعمة الرب وشكرا، ولربي علي منن مختصة، ~~لا أقدر على عدها، ونعم متكثرة لا يمكن مني حصرها، فشكري هو العجز عن أداء ~~شكرها، وأرجو من ربي دوامها وذخرها" (3) . # الثاني: جبلة القنوجي وطبيعة خلقته؛ فقد كان -رحمه الله- كما وصفه ~~معاصروه "حلو المنطق، مقلا من الكلام، غير جاف ولا عبوس، كثير الحلم، قليل ~~الغضب، عفيف اللسان، لا يقترح لنفسه شيئا، مشغول الفكر بالمطالعة ~~PageV01P023 # والتأليف ... منصفا، يعرف لأقرانه ولكثير ممن يخالفه فضلهم ... " (1) . # قلت: ودليل على هذا قول ولده الفاضل السيد علي حسن خان واصفا حالة والده ~~عند موت اللكنوي -رحمة الله عليه-: "إنه لما بلغه نعي العلامة عبد الحي بن ~~عبد الحليم اللكنوي؛ وضع يده على جبهته، وأطرق رأسه برهة، ثم رفع رأسه، ~~وعيناه تدمعان، وهو يدعو للشيخ ويترحم، وقال: اليوم غربت شمس العلم، وقال: ~~إن اختلافنا كان مقصورا على تحقيق بعض المسائل، ولم يأكل طعاما في تلك ~~الليلة ... " (2) . # والخلاصة أن: "كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل، ويتأنى فيه ... "، ~~كما قال الحافظ الذهبي (3) -رحمه الله-. # * المنهج التأليفي عند المصنف: # اختلفت أنظار أهل العلم وطلبته في مصنفات العلامة القنوجي؛ فمنهم من قال: ~~إنه لخصها من بعض مصنفات السابقين ولم يزد عليها شيئا يذكر! ومنهم من قال: ~~إن سائره من إبداعه، وتصنيفه، وتأليفه!! # ورحم الله ms010 العلامة الكتاني القائل في كتابه "فهرس الفهارس" # (2/1057) ردا على مثل ذلك الادعاء: "وما لبعض المسيحيين (4) في كتاب له ~~اسمه "اكتفاء القنوع بما هو مطبوع" من أن المترجم -وهو القنوجي- كان عاميا ~~PageV01P024 # وتزوج بملكة بهوبال، فعندما اعتز بالمال جمع إليه العلماء! وأرسل يبتاع ~~الكتب بخط اليد! وكلف العلماء بوضع المؤلفات ثم نسبها لنفسه! بل كان يختار ~~الكتب القديمة العديمة الوجود (!) وينسبها لنفسه ... إلخ!! فكلام أعدائه ~~فيه، وإلا فالتآليف تآليفه، ونفسه فيها متحد ... ". # قلت: فهذه الدعوى مجازفة واضحة، وفرية عريضة من فنديك المذكور، والصواب ~~ما قاله الكتاني -رحمه الله تعالى-، وإن كانت السمة البارزة على مصنفاته ~~-رحمه الله- التلخيص والتهذيب، والزيادة والترتيب، والجمع والتبويب، وهو ~~بذلك مشابه لإمام كبير من أئمة العلم، وهو الحافظ السيوطي (1) المتوفى سنة ~~(911 ه) ؛ فقد عرف عنه المنهج نفسه، وهو منهج يدل على استبحار في العلوم، ~~ونظر في الكتب والفنون، وليس أمرا سهلا هينا كما يظنه بعض المنتسبين العلم! # ومما ينبه عليه -في هذا المقام- أن الادعاء على أهل العلم -أو بعض منهم- ~~بالانتحال! والسرقات العلمية (!) شأن قديم لم ينج الأكابر -فيه- من كيد ~~الأصاغر!! ثم (تجدد) هذا النمط من التهم -هذه الأيام- حتى ألفت فيه مؤلفات! ~~ووزعت من أجله بيانات!! خدمة لأهداف مخالفة لمنهج الأسلاف!!! # وترى شيئا من تفصيل القول في هذه المسألة (الخطيرة) في كتاب "الفارق بين ~~المصنف والسارق" للعلامة السيوطي -ومقدمتي عليه-؛ وهو مطبوع -منذ سنوات- ~~بتحقيقي ... # وأخيرا؛ رحم الله العلامة صديق حسن خان، وجمعنا -وإياه- في جنته، إنه ~~-سبحانه- ولي ذلك والقادر عليه. PageV01P025 ### | "الدرر البهية" تعريف وبيان # * هو متن فقهي مختصر؛ اسمه: "الدرر البهية في المسائل الفقهية" (1) ؛ جمع ~~فيه مؤلفه -وهو الإمام محمد بن علي الشوكاني -رحمه الله تعالى- عيون مسائل ~~الفقه التي رجح دليلها، وثبتت حجتها. # * وهذا المتن -على صغره ووجازته- محتو على أبواب الفقه جميعها؛ بعبارة ~~جامعة، وألفاظ بديعة رائعة. # * وقد شرحه -واعتنى به- غير واحد من أهل العلم؛ منهم: ### | 1- # مؤلفه نفسه؛ بكتاب اسمه: "الدراري المضية شرح الدرر البهية"، وهو مطبوع ~~مرارا. ### | 2- # ولد مؤلفه، وهو أحمد بن محمد بن علي الشوكاني -وقد ms011 توفي سنة (1281 ه) -، ~~بكتاب اسمه: "السموط الذهبية الحاوية للدرر البهية"، وهو مطبوع. ### | 3- # صديق حسن خان، في كتابه: "الروضة الندية" (2) -وهو كتابنا هذا-. ~~PageV01P027 ### | 4- # محمد صبحي حسن حلاق -معاصر-، بكتاب اسمه: "الأدلة الرضية لمتن الدرر ~~البهية"، وهو مطبوع. ### | 5- # سعد الدين بن محمد الكبي -معاصر-؛ بكتاب اسمه: "التعليقات الزهية على ~~الدرر البهية"، وهو مطبوع. ### | 6- # وهناك نظم ل "الدرر البهية" بقلم (علي بن محمد بن عقيل الحازمي) المتوفى ~~سنة (1252 ه) ، كما في "نيل الوطر" (2/160) . ### | 7- # ونظم آخر مبني على "الدرر" ل (علي بن عبد الله الإرياني) المتوفى سنة ~~(1323 ه) ، كما في كتاب "هجر العلم ومعاقله في اليمن" (1/69) . # * وليست هذه العناية من أهل العلم -هؤلاء- إلا من أجل مكانته ومتانته. # فرحم الله مؤلفه، وأعلى مقامه في الدارين؛ بمن الله -سبحانه- وكرمه. # PageV01P028 # صورة غلاف النسخة المعتمدة في التحقيق وظاهر فيها خطوط شيخنا الألباني ~~ومن ذلك عنوان كتابه # PageV01P029 # صورة نموذج من تعليقات شيخنا الألباني على الجزء الأول من "الروضة ~~الندية" # PageV01P030 # صورة نموذج من التعليقات (الكبيرة) التي أثبتها شيخنا الألباني في نسخته # PageV01P031 ### | متن "الدرر البهية في المسائل الفقهية" # PageV01P035 # بسم الله الرحمن الرحيم # أحمد من أمرنا بالتفقه في الدين، وأشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن سيد ~~المرسلين، وأصلي وأسلم على الرسول الأمين، وآله الطاهرين وأصحابه الأكرمين. # (1 - ### | كتاب الطهارة # (1 - ### | باب # هذا الكتاب قد اشتمل على مسائل: # الأولى: الماء طاهر مطهر، لا يخرجه عن الوصفين إلا ما غير ريحه، أو لونه، ~~أو طعمه من النجاسات، وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات ~~الطاهرة، ولا فرق بين قليل وكثير، وما فوق القلتين وما دونهما، ومتحرك ~~وساكن، ومستعمل وغير مستعمل. # (2 - ### | باب النجاسات # فصل: # والنجاسات هي غائط الإنسان مطلقا، وبوله - إلا الذكر الرضيع -، ولعاب ~~كلب، وروث، ودم حيض، ولحم خنزير، وفيما عدا ذلك خلاف، والأصل الطهارة؛ فلا ~~ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه. # فصل: # ويطهر ما يتنجس بغسله، حتى لا يبقى لها عين، ولا لون، ولا ريح، # PageV01P037 # ولا طعم، والنعل ms012 بالمسح، والاستحالة مطهرة لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، ~~وما لا يمكن غسله فبالصب عليه أو النزح منه؛ حتى لا يبقى للنجاسة أثر. # والماء هو الأصل في التطهير؛ فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع. # (3 - ### | باب قضاء الحاجة # على المتخلي الاستتار حتى يدنو من الأرض، والبعد أو دخول الكنيف، وترك ~~الكلام، والملابسة لما له حرمة، وتجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع ~~أو عرف، وعدم الاستقبال، والاستدبار للقبلة، وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار ~~طاهرة، أو ما يقوم مقامها، ويندب الاستعاذة عند الشروع، والاستغفار والحمد ~~بعد الفراغ. # (4 - ### | باب الوضوء # يجب على كل مكلف أن يسمي إذا ذكر، ويتمضمض ويستنشق، ثم يغسل جميع وجهه، ~~ثم يديه مع مرفقيه، ثم يمسح رأسه مع أذنيه، ويجزئ مسح بعضه، والمسح على ~~العمامة، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، وله المسح على الخفين. # ولا يكون وضوءا شرعيا إلا بالنية لاستباحة الصلاة. # فصل: # يستحب التثليث في غير الرأس، وإطالة الغرة والتحجيل، وتقديم السواك، وغسل ~~اليدين إلى الرسغين - ثلاثا - قبل الشروع في غسل الأعضاء المتقدمة. # PageV01P038 # فصل: # وينتقض الوضوء من الفرجين من عين أو ريح، وبما يوجب الغسل، ونوم المضطجع، ~~وأكل لحم الإبل، والقيء، ونحوه، ومس الذكر. # (5 - ### | باب الغسل # يجب بخروج المني بشهوة - ولو بتفكر -، وبالتقاء الختانين، وبانقطاع الحيض ~~والنفاس، وبالاحتلام - مع وجود بلل -، وبالموت، وبالإسلام. # فصل: # والغسل الواجب هو: أن يفيض الماء على جميع بدنه، أو ينغمس فيه، مع ~~المضمضة والاستنشاق، والدلك لما يمكن دلكه، ولا يكون شرعيا إلا بالنية لرفع ~~موجبه، وندب تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين، ثم التيامن. # فصل: # ويشرع لصلاة الجمعة، والعيدين، ولمن غسل ميتا، وللإحرام، ولدخول مكة. # (6 - ### | باب التيمم # يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل لمن لا يجد الماء، أو خشي الضرر من ~~استعماله، وأعضاؤه: الوجه ثم الكفان، يمسحهما مرة بضربة # PageV01P039 # واحدة، ناويا مسميا، ونواقضه نواقض الوضوء. # (7 - ### | باب الحيض # لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطهر، فذات العادة ~~المتقررة تعمل عليها، وغيرها ترجع إلى ms013 القرائن، فدم الحيض يتميز من غيره، ~~فتكون حائضا إذا رأت دم الحيض، ومستحاضة إذا رأت غيره، وهي كالطاهرة، وتغسل ~~أثر الدم، وتتوضأ لكل صلاة، والحائض لا تصلي، ولا تصوم، ولا توطأ؛ حتى ~~تغتسل بعد الطهر، وتقضي الصيام. # فصل: # والنفاس أكثره أربعون يوما، ولا حد لأقله، وهو كالحيض. # (2 - ### | كتاب الصلاة # (1 - ### | باب مواقيت الصلاة # أول وقت الظهر الزوال، وآخره مصير ظل الشيء مثله - سوى فيء الزوال -، وهو ~~أول وقت العصر، وآخره ما دامت الشمس بيضاء نقية، وأول وقت المغرب غروب ~~الشمس، وآخره ذهاب الشفق الأحمر، وهو أول العشاء، وآخره نصف الليل، وأول ~~وقت الفجر إذا انشق الفجر، وآخره طلوع الشمس، ومن نام عن صلاته أو سها عنها ~~فوقتها حين يذكرها، ومن كان معذورا وأدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها، ~~والتوقيت واجب، والجمع لعذر جائز، والمتيمم وناقص الصلاة - أو الطهارة - ~~يصلون كغيرهم من غير تأخير، وأوقات الكراهة - في غير مكة -: بعد الفجر حتى ~~ترتفع الشمس، وعند الزوال - في غير يوم الجمعة -، وبعد العصر حتى تغرب. # PageV01P040 # (2 - ### | باب الأذان # يشرع لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذنا؛ ينادي بألفاظ الأذان المشروعة عند ~~دخول وقت الصلاة، ويشرع للسامع أن يتابع المؤذن، ثم تشرع الإقامة على الصفة ~~الواردة. # (3 - ### | باب شروط الصلاة # ويجب على المصلي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسة، وستر عورته؛ ولا ~~يشتمل الصماء، ولا يسدل، ولا يسبل، ولا يكفت، ولا يصلي في ثوب حرير، ولا ~~ثوب شهرة، ولا مغصوب، وعليه استقبال عين الكعبة - إن كان مشاهدا لها أو في ~~حكم المشاهد -، وغير المشاهد يستقبل الجهة بعد التحري. # (4 - ### | باب كيفية الصلاة # لا تكون شرعية إلا بالنية، وأركانها كلها مفترضة؛ إلا قعود التشهد الأوسط ~~والاستراحة، ولا يجب من أذكارها إلا التكبير؛ والفاتحة في كل ركعة - ولو ~~كان مؤتما -، والتشهد الأخير، والتسليم، وما عدا ذلك فسنن، وهي: الرفع في ~~المواضع الأربعة، والضم، والتوجه بعد التكبيرة، والتعوذ، والتأمين، وقراءة ~~غير الفاتحة معها، والتشهد الأوسط، والأذكار الواردة في كل ركن، والاستكثار ~~من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة؛ ms014 بما ورد وبما لم يرد. # (5 ### | - باب متى تبطل الصلاة؟ وعمن تسقط؟) # فصل: # وتبطل الصلاة بالكلام، وبالاشتغال بما ليس منها، وبترك شرط أو ركن عمدا. # PageV01P041 # فصل: # ولا تجب على غير مكلف، وتسقط عمن عجز عن الإشارة، وعمن أغمي عليه حتى خرج ~~وقتها، ويصلي المريض قائما، ثم قاعدا، ثم على جنب. # (6 - ### | باب صلاة التطوع # هي أربع قبل الظهر، وأربع بعده، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، ~~وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر، وصلاة الضحى، وصلاة الليل - ~~وأكثرها ثلاث عشرة ركعة؛ يوتر في آخرها بركعة -، وتحية المسجد، والاستخارة، ~~وركعتان بين كل أذان وإقامة. # (7 - ### | باب صلاة الجماعة # هي من آكد السنن؛ وتنعقد باثنين، وإذا كثر الجمع؛ كان الثواب أكثر، وتصح ~~بعد المفضول، والأولى أن يكون الإمام من الخيار، ويؤم الرجل بالنساء - لا ~~العكس -، والمفترض بالمتنفل - والعكس -، وتجب المتابعة في غير مبطل، ولا ~~يؤم الرجل قوما هم له كارهون، ويصلي بهم صلاة أخفهم، ويقدم السلطان، ورب ~~المنزل، والأقرأ، ثم الأعلم، ثم الأسن، وإذا اختلت صلاة الإمام؛ كان ذلك ~~عليه لا على المؤتمين به، وموقفهم خلفه؛ إلا الواحد فعن يمينه، وإمامة ~~النساء وسط الصف، وتقدم صفوف الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء، والأحق بالصف ~~الأول أولو الأحلام والنهى، وعلى الجماعة أن يسووا صفوفهم، وأن يسدوا ~~الخلل، وأن يتموا الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم # PageV01P042 # كذلك. ### | باب سجود السهو # وهو سجدتان قبل التسليم أو بعده؛ وبإحرام، وتشهد، وتحليل، ويشرع لترك ~~مسنون، وللزيادة - ولو ركعة - سهوا، وللشك في العدد، وإذا سجد الإمام تابعه ~~المؤتم. ### | باب القضاء للفوائت # إن كان الترك عمدا لا لعذر؛ فدين الله - تعالى - أحق أن يقضى، وإن كان ~~بعذر، فليس بقضاء؛ بل أداء في وقت زوال العذر؛ إلا صلاة العيد؛ ففي ثانيه. ### | باب صلاة الجمعة # تجب على كل مكلف؛ إلا المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض، وهي كسائر ~~الصلوات؛ لا تخالفها إلا في مشروعية الخطبتين قبلها، ووقتها وقت الظهر، ~~وعلى من حضرها أن لا يتخطى رقاب الناس، وأن ينصت حال الخطبتين، وندب له ~~التبكير، ms015 والتطيب، والتجمل، والدنو من الإمام، ومن أدرك ركعة منها؛ فقد ~~أدركها، وهي في يوم العيد رخصة. ### | باب صلاة العيدين # هي ركعتان؛ في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الثانية خمس كذلك، ~~ويخطب بعدها، ويستحب التجمل، والخروج إلى خارج البلد، # PageV01P043 # ومخالفة الطريق، والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى، ووقتها بعد ~~ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال، ولا أذان فيها ولا إقامة. ### | باب صلاة الخوف # قد صلاها رسول الله [صلى الله عليه وسلم] على صفات مختلفة؛ وكلها مجزئة، ~~وإذا اشتد الخوف والتحم القتال؛ صلاها الراجل والراكب - ولو إلى غير القبلة ~~ولو بالإيماء -. ### | باب صلاة السفر # يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر؛ وإن كان دون بريد، وإذا أقام ~~ببلد مترددا؛ قصر إلى عشرين يوما، وإذا عزم على إقامة أربع؛ أتم بعدها، وله ~~الجمع تقديما وتأخيرا؛ بأذان وإقامتين. ### | باب صلاة الكسوفين # وهي سنة، وأصح ما ورد في صفتها ركعتان؛ وفي كل ركعة ركوعان، وورد ثلاثة، ~~وأربعة، وخمسة، يقرأ بين كل ركوعين، وورد في كل ركعة ركوع، وندب الدعاء، ~~والتكبير، والتصدق، والاستغفار. ### | باب صلاة الاستسقاء # تسن عند الجدب ركعتان؛ بعدهما خطبة؛ تتضمن الذكر، والترغيب في الطاعة، ~~والزجر عن المعصية، ويستكثر الإمام ومن معه من الاستغفار، والدعاء برفع ~~الجدب، ويحولون - جميعا - أرديتهم. # PageV01P044 # (3 - ### | كتاب الجنائز # من السنة عيادة المريض، وتلقين المحتضر الشهادتين، وتوجيهه وتغميضه إذا ~~مات، وقراءة (يس) عليه، والمبادرة بتجهيزه - إلا لتجويز حياته -، والقضاء ~~لدينه، وتسجيته، ويجوز تقبيله، وعلى المريض أن يحسن الظن بربه، ويتوب إليه، ~~ويتخلص عن كل ما عليه. # فصل: # ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء، والقريب أولى بالقريب؛ إذا كان من ~~جنسه، وأحد الزوجين بالآخر، ويكون الغسل ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر؛ بماء ~~وسدر؛ وفي الآخرة كافور، وتقدم الميامن، ولا يغسل الشهيد. # فصل: # يجب تكفينه بما يستره - ولو لم يملك غيره -، ولا بأس بالزيادة - مع ~~التمكن - من غير مغالاة، ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها، وندب تطييب ~~بدن الميت وكفنه. # فصل: # وتجب الصلاة على الميت، ويقوم الإمام ms016 حذاء رأس الرجل، ووسط المرأة، ويكبر ~~أربعا أو خمسا، ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة، ويدعو بين ~~التكبيرات بالأدعية المأثورة، ولا يصلى على الغال، وقاتل نفسه، والكافر، ~~والشهيد، ويصلى على القبر، وعلى الغائب. # PageV01P045 # فصل: # ويكون المشي بالجنازة سريعا، والمشي معها، والحمل لها سنة، والمتقدم ~~عليها والمتأخر عنها سواء، ويكره الركوب، ويحرم النعي، والنياحة، واتباعها ~~بنار، وشق الجيب، والدعاء بالويل والثبور، ولا يقعد المتبع لها حتى توضع، ~~والقيام لها منسوخ. # فصل: # ويجب دفن الميت في حفرة تمنعه من السباع، ولا بأس بالضرح، واللحد أولى، ~~ويدخل الميت من مؤخر القبر، ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلا، ويستحب حثو ~~التراب - من كل من حضر - ثلاث حثيات، ولا يرفع القبر زيادة على شبر. # والزيادة للموتى مشروعة، ويقف الزائر مستقبلا للقبلة، ويحرم اتخاذ القبور ~~مساجد، وزخرفتها، وتسريجها، والقعود عليها، وسب الأموات. # والتعزية مشروعة، وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت. # (4 - ### | كتاب الزكاة # تجب في الأموال التي ستأتي؛ إذا كان المالك مكلفا. ### | باب زكاة الحيوان # إنما تجب منه في النعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم. # PageV01P046 # فصل: # إذا بلغت الإبل خمسا؛ ففيها شاة، ثم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا ~~وعشرين؛ ففيها ابنة مخاض، أو ابن لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين ~~جذعة، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مئة وعشرين، ~~فإذا زادت؛ ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة. # فصل: # ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مسنة، ثم كذلك. # فصل: # ويجب في أربعين من الغنم شاة إلى مئة وإحدى وعشرين وفيها شاتان إلى مئتين ~~وواحدة، وفيها ثلاث شياه إلى ثلاث مئة وواحدة، وفيها أربع، ثم في كل مئة ~~شاة. # فصل: # ولا يجمع بين مفترق من الأنعام، ولا يفرق بين مجتمع؛ خشية الصدقة. # فصل: # ولا شيء فيما دون الفريضة، ولا في الأوقاص، وما كان من خليطين فيتراجعان ~~بالسوية، ولا تؤخذ هرمة، ولا ذات عوار، ولا عيب، ولا صغيرة، ولا أكولة، ولا ~~ربى، ولا ماخض، ولا فحل غنم. ms017 # PageV01P047 ### | باب زكاة الذهب والفضة # هي - إذا حال على أحدهما الحول - ربع العشر، ونصاب الذهب عشرون دينارا، ~~ونصاب الفضة مئتا درهم، ولا شيء فيما دون ذلك، ولا زكاة في غيرهما من ~~الجواهر، وأموال التجارة، والمستغلات. ### | (باب زكاة النبات) # يجب العشر في الحنطة، والشعير، والذرة، والتمر، والزبيب؛ وما كان يسقى ~~بالمسني منها؛ ففيه نصف العشر، ونصابها خمسة أوسق، ولا شيء فيما عدا ذلك، ~~كالخضروات وغيرها، ويجب في العسل العشر. # ويجوز تعجيل الزكاة، وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم، ~~ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان - وإن كان جائرا -. ### | باب مصارف الزكاة # هي ثمانية - كما في الآية -، وتحرم على بني هاشم ومواليهم، وعلى ~~الأغنياء، والأقوياء المكتسبين. ### | باب صدقة الفطر # هي صاع من القوت المعتاد عن كل فرد، والوجوب على سيد العبد، ومنفق ~~الصغير، ونحوه، ويكون إخراجها قبل صلاة العيد، ومن لا يجد زيادة على قوت ~~يومه وليلته؛ فلا فطرة عليه، ومصرفها مصرف الزكاة. # PageV01P048 # (5 ### | - كتاب الخمس) # يجب فيما يغنم في القتال، وفي الركاز، ولا يجب فيما عدا ذلك، ومصرفه من ~~قوله - تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} . # (6 - ### | كتاب الصيام # يجب صيام رمضان لرؤية هلاله من عدل، أو إكمال عدة شعبان، ويصوم ثلاثين ~~يوما؛ ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها، وإذا رآه أهل بلد؛ لزم سائر ~~البلاد الموافقة، وعلى الصائم النية قبل الفجر. ### | باب مبطلات الصيام # ويبطل بالأكل، والشرب، والجماع، والقيء عمدا، ويحرم الوصال، وعلى من أفطر ~~عمدا كفارة ككفارة الظهار، ويندب تعجيل الفطر وتأخير السحور. # فصل: # يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي، والفطر للمسافر ونحوه رخصة؛ إلا أن ~~يخشى التلف أو الضعف عن القتال؛ فعزيمة، ومن مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه، ~~والكبير العاجز عن الأداء والقضاء؛ يكفر عن كل يوم بإطعام مسكين، والصائم ~~المتطوع أمير نفسه، لا قضاء عليه ولا كفارة. ### | باب صوم التطوع # يستحب صيام ست من شوال، وتسع ذي الحجة، ومحرم، وشعبان، # PageV01P049 # والاثنين ms018 والخميس، وأيام البيض، وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم، ويكره ~~صوم الدهر، وإفراد يوم الجمعة، ويوم السبت، ويحرم صوم العيدين، وأيام ~~التشريق، واستقبال رمضان بيوم أو يومين. ### | باب الاعتكاف # يشرع - ويصح - في كل وقت في المساجد، وهو في رمضان آكد، سيما في العشر ~~الأواخر منه، ويستحب الاجتهاد في العمل فيها، وقيام ليالي القدر، ولا يخرج ~~المعتكف إلا لحاجة. # (7 - ### | كتاب الحج # يجب على كل مكلف مستطيع فورا، وكذلك العمرة؛ وما زاد فهو نافلة. # فصل: # يجب تعيين نوع الحج بالنية؛ من تمتع أو قران أو إفراد، والأول أفضلها، ~~ويكون الإحرام من المواقيت المعروفة، ومن كان دونها؛ فمهله أهله؛ حتى أهل ~~مكة من مكة. # فصل: # ولا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ~~ثوبا مسه ورس، ولا زعفران، ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين؛ فليقطعهما حتى ~~يكونا أسفل من الكعبين، ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس # PageV01P050 # القفازين، وما مسه الورس والزعفران، ولا يتطيب ابتداء، ولا يأخذ من شعره ~~أو بشره إلا لعذر، ولا يرفث، ولا يفسق، ولا يجادل، ولا ينكح، ولا ينكح، ولا ~~يخطب، ولا يقتل صيدا، ومن قتله؛ فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ~~ذوا عدل، ولا يأكل ما صاده غيره؛ إلا إذا كان الصائد حلالا ولم يصده لأجله، ~~ولا يعضد من شجر الحرم؛ إلا الإذخر، ويجوز قتل الفواسق الخمس، وصيد حرم ~~المدينة وشجره كحرم مكة؛ إلا أن من قطع شجره أو خبطه؛ كان سلبه حلالا لمن ~~وجده، ويحرم صيد وج وشجره. # فصل: # وعند قدوم الحاج مكة؛ يطوف للقدوم سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأولى، ~~ويمشي فيما بقي، ويقبل الحجر الأسود، أو يستلمه بمحجن ويقبل المحجن ونحوه، ~~ويستلم الركن اليماني، ويكفي القارن طواف واحد، وسعي واحد، ويكون حال ~~الطواف متوضئا ساتر العورة، والحائض تفعل ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوف ~~بالبيت، ويندب الذكر حال الطواف بالمأثور، وبعد فراغه يصلي ركعتين في مقام ~~إبراهيم، ثم يعود إلى الركن فيستلمه. # فصل: # ويسعى بين الصفا والمروة سبعة ms019 أشواط داعيا بالمأثور، وإذا كان متمتعا؛ ~~صار بعد السعي حلالا؛ حتى إذا كان يوم التروية؛ أهل بالحج، وتوجه إلى منى، ~~وصلى بها: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر. # PageV01P051 # فصل: # ثم يأتي عرفة صبح يوم عرفة ملبيا مكبرا، ويجمع العصرين فيها، ويخطب، ثم ~~يفيض من عرفة بعد الغروب، ويأتي المزدلفة؛ ويجمع فيها بين العشاءين، ثم ~~يبيت بها، ثم يصلي الفجر، ويأتي المشعر؛ فيذكر الله عنده، ويقف به إلى قبل ~~طلوع الشمس، ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر، ثم يسلك الطريق الوسطى إلى الجمرة ~~التي عند الشجرة وهي جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة - ~~مثل حصى الخذف -، ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس؛ إلا النساء والصبيان؛ ~~فيجوز لهم قبل ذلك، ويحلق رأسه أو يقصره، فيحل له كل شيء إلا النساء، ومن ~~حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي؛ فلا حرج، ثم يرجع إلى منى: ~~فيبيت بها ليالي التشريق، ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث ~~بسبع حصيات؛ مبتدئا بالجمرة الدنيا، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، ويستحب لمن ~~يحج بالناس أن يخطبهم يوم النحر، وفي وسط أيام التشريق، ويطوف الحاج طواف ~~الإفاضة - وهو طواف الزيارة - يوم النحر، وإذا فرغ من أعمال الحج، وأراد ~~الرجوع؛ طاف للوداع وجوبا؛ إلا أنه خفف عن الحائض. # فصل: # والهدي؛ أفضله البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، وتجزئ البدنة والبقرة عن ~~سبعة، ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه، ويركب عليه، ويندب له إشعاره ~~وتقليده، ومن بعث بهدي؛ لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. # PageV01P052 ### | باب العمرة المفردة # يحرم لها من الميقات، ومن كان في مكة؛ خرج إلى الحل، ثم يطوف، ويسعى، ~~ويحلق - أو يقصر -، وهي مشروعة في جميع السنة. # (8 - ### | كتاب النكاح # يشرع لمن استطاع الباءة، ويجب على من خشي الوقوع في المعصية، والتبتل غير ~~جائز؛ إلا لعجز عن القيام بما لا بد منه، وينبغي أن تكون المرأة ودودا، ~~ولودا، بكرا، ذات جمال، وحسب، ودين، ومال، وتخطب الكبيرة إلى نفسها، ~~والمعتبر ms020 حصول الرضا منها لمن كان كفأ، والصغيرة إلى وليها، ورضا البكر ~~صماتها، وتحرم الخطبة في العدة وعلى الخطبة، ويستحب النظر إلى المخطوبة، ~~ولا نكاح إلا بولي وشاهدين؛ إلا أن يكون عاضلا، أو غير مسلم؛ ويجوز لكل ~~واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح ولو واحدا. # فصل: # ونكاح المتعة منسوخ، والتحليل حرام، وكذلك الشغار، ويجب على الزوج الوفاء ~~بشرط المرأة؛ إلا أن يحل حراما، أو يحرم حلالا. ### | باب المحرمات في النكاح # ويحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة؛ والعكس، ومن صرح القرآن ~~بتحريمه، والرضاع كالنسب، والجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، وما زاد ~~على العدد المباح؛ للحر والعبد، وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده؛ فنكاحه # PageV01P053 # باطل، وإذا أعتقت الأمة ملكت أمر نفسها، وخيرت في زوجها. ### | (باب العيوب وأنكحة الكفار) # ويجوز فسخ النكاح بالعيب، ويقر من أنكحة الكفار - إذا أسلموا - ما يوافق ~~الشرع، وإذا أسلم أحد الزوجين؛ انفسخ النكاح، وتجب العدة، فإن أسلم ولم ~~تتزوج المرأة؛ كانا على نكاحهما الأول؛ ولو طالت المدة؛ إذا اختارا ذلك. ### | (باب المهر والعشرة) # المهر واجب، وتكره المغالاة فيه، ويصح ولو خاتما من حديد، أو تعليم قرآن، ~~ومن تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا؛ فلها مهر نسائها إذا دخل بها، ويستحب ~~تقديم شيء من المهر قبل الدخول، وعليه إحسان العشرة، وعليها الطاعة، ومن ~~كانت له زوجتان فصاعدا؛ عدل بينهن في القسمة وما تدعو الحاجة إليه، وإذا ~~سافر أقرع بينهن، وللمرأة أن تهب نوبتها، أو تصالح الزوج على إسقاطها، ~~ويقيم عند الجديدة البكر سبعا، والثيب ثلاثا، ولا يجوز العزل، ولا يجوز ~~إتيان المرأة في دبرها. # فصل: # والولد للفراش، ولا عبرة لشبهه بغير صاحبه، وإذا اشترك ثلاثة في وطء أمة ~~في طهر ملكها كل واحد منهم فيه، فجاءت بولد، وادعوه جميعا؛ فيقرع بينهم، ~~ومن استحقه بالقرعة؛ فعليه للآخرين ثلثا الدية. # PageV01P054 # (9 - ### | كتاب الطلاق # هو جائز من مكلف مختار، ولو هازلا؛ لمن كانت في طهر لم يمسها فيه، ولا ~~طلقها في الحيضة التي قبله، أو في حمل قد استبان، ms021 ويحرم إيقاعه على غير هذه ~~الصفة، وفي وقوعه - ووقوع ما فوق الواحدة من دون تخلل رجعة - خلاف، والراجح ~~عدم الوقوع. # فصل: # ويقع بالكناية مع النية، وبالتخيير إذا اختارت الفرقة، وإذا جعله الزوج ~~إلى غيره؛ وقع منه، ولا يقع بالتحريم، والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقها، ~~يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق رجعيا، ولا تحل له بعد الثالثة، حتى تنكح ~~زوجا غيره. ### | (باب الخلع) # وإذا خالع الرجل امرأته؛ كان أمرها إليها، لا ترجع إليه بمجرد الرجعة، ~~ويجوز بالقليل والكثير؛ ما لم يجاوز ما صار إليها منه، ولا بد من التراضي ~~بين الزوجين على الخلع، أو إلزام الحاكم مع الشقاق بينهما. # وهو فسخ، وعدته حيضة. ### | باب الإيلاء # هو أن يحلف الزوج على جميع نسائه - أو بعضهن -: لا أقربهن، فإن وقت بدون ~~أربعة أشهر؛ اعتزل حتى ينقضي ما وقت به، وإن لم يوقت شيئا # PageV01P055 # - أو وقت بأكثر منها -؛ خير بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق. ### | (باب الظهار) # وهو قول الزوج لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو: ظاهرتك، أو نحو ذلك؛ فيجب ~~عليه قبل أن يمسها أن يكفر بعتق رقبة، فإن لم يجد فليطعم ستين مسكينا، فإن ~~لم يجد فصيام شهرين متتابعين: ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين؛ ~~إذا كان فقيرا لا يقدر على الصوم، وله أن يصرف منها لنفسه وعياله، وإذا كان ~~الظهار مؤقتا؛ فلا يرفعه إلا انقضاء الوقت، وإذا وطئ قبل انقضاء الوقت - أو ~~قبل التكفير -؛ كف حتى يكفر في المطلق، أو ينقضي وقت المؤقت. ### | باب اللعان # إذا رمى الرجل امرأته بالزنا، ولم تقر بذلك، ولا رجع عن رميه؛ لاعنها، ~~فيشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله ~~عليه إن كان من الكاذبين، ثم تشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، وإذا كانت حاملا ~~أو كانت قد وضعت؛ أدخل نفي الولد في أيمانه، ويفرق الحاكم بينهما، وتحرم ~~عليه أبدا، ويلحق الولد بأمه فقط، ومن رماها به، ms022 فهو قاذف. ### | (باب العدة والإحداد) # هي للطلاق من الحامل؛ بالوضع، ومن الحائض؛ بثلاث حيض، ومن # PageV01P056 # غيرهما؛ بثلاثة أشهر، وللوفاة؛ بأربعة أشهر وعشرا؛ وإن كانت حاملا ~~فبالوضع؛ ولا عدة على غير مدخولة، والأمة كالحرة، وعلى المعتدة للوفاة ترك ~~التزين، والمكث في البيت الذي كانت فيه عند موت زوجها، أو بلوغ خبره، ~~وامرأة المقود تربص أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة، وهي امرأته ما لم ~~تتزوج. ### | باب استبراء الإماء # يجب استبراء الأمة المسبية والمشتراة ونحوهما بحيضه؛ إن كانت حائضا، ~~والحامل بوضع الحمل، ومنقطعة الحيض حتى يتبين عدم حملها، ولا تستبرأ بكر، ~~ولا صغيرة مطلقا؛ ولا يلزم الاستبراء على البائع ونحوه. ### | باب النفقة # تجب على الزوج للزوجة، والمطلقة رجعيا - لا بائنا، ولا في عدة الوفاة؛ ~~فلا نفقة ولا سكنى؛ إلا أن تكونا حاملتين -، وتجب على الوالد الموسر لولده ~~المعسر - والعكس -، وعلى السيد لمن يملكه، ولا تجب على القريب لقريبه؛ إلا ~~من باب صلة الرحم، ومن وجبت نفقته؛ وجبت كسوته وسكناه. ### | (باب الرضاع) # إنما يثبت حكمه بخمس رضعات؛ مع تيقن وجود اللبن، وكون الرضيع قبل الفطام، ~~ويحرم به ما يحرم بالنسب، ويقبل قول المرضعة، ويجوز إرضاع الكبير - ولو كان ~~ذا لحية - لتجويز النظر. # PageV01P057 ### | باب الحضانة # الأولى بالطفل أمه؛ ما لم تنكح، ثم الخالة، ثم الأب، ثم يعين الحاكم من ~~القرابة من رأى فيه صلاحا، وبعد بلوغ سن الاستقلال؛ يخير الصبي بين أبيه ~~وأمه، فإن لم يوجد؛ كفله من كان له في كفالته مصلحة. # (10 - ### | كتاب البيوع # المعتبر فيه مجرد التراضي - ولو بإشارة من قادر على النطق -، ولا يجوز ~~بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، والكلب، والسنور، والدم، وعسب ~~الفحل، وكل حرام، وفضل الماء، وما فيه غرر - كالسمك في الماء، وحبل الحبلة، ~~والمنابذة، والملامسة، وما في الضرع، والعبد الآبق، والمغانم حتى تقسم، ~~والثمر حتى يصلح، والصوف في الظهر، والسمن في اللبن، والمحاقلة، والمزابنة، ~~والمعاومة، والمخاضرة، والعربون، والعصير إلى من يتخذه خمرا، والكالئ ~~بالكالئ، وما اشتراه قبل قبضه، والطعام حتى يجري فيه الصاعان -، ولا يجوز ~~الاستثناء في ms023 البيع إلا إذا كان معلوما، ومنه استثناء ظهر المبيع، ولا يجوز ~~التفريق بين المحارم، ولا أن يبيع حاضر لباد، والتناجش، والبيع على البيع، ~~وتلقي الركبان، والاحتكار، والتسعير، ويجب وضع الجوائح، ولا يحل سلف وبيع، ~~ولا شرطان في بيع، ولا بيعتان في بيعة، وربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عند ~~البائع - ويجوز بشرط عدم الخداع -، والخيار في المجلس ثابت؛ ما لم يتفرقا. ### | (باب الربا) # يحرم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير # PageV01P058 # بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ إلا مثلا بمثل يدا بيد، وفي ~~إلحاق غيرها بها خلاف، فإن اختلفت الأجناس؛ جاز التفاضل إذا كان يدا بيد، ~~ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي - وإن صحبه غيره -، ولا ~~بيع الرطب بما كان يابسا إلا لأهل العرايا، ولا بيع اللحم بالحيوان، ويجوز ~~بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه، ولا يجوز بيع العينة. ### | باب الخيارات # يجب على من باع ذا عيب أن يبينه؛ وإلا ثبت للمشتري الخيار، والخراج ~~بالضمان، وللمشتري الرد بالغرر - ومنه المصراة -؛ فيردها - وصاعا من تمر، ~~أو ما يتراضيان عليه -، ويثبت الخيار لمن خدع أو باع قبل وصول السوق، ولكل ~~من المتبايعين بيعا منهيا عنه الرد، ومن اشترى شيئا لم يره؛ فله رده إذا ~~رآه، وله رد ما اشتراه بخيار، وإذا اختلف البيعان؛ فالقول ما يقوله البائع. ### | (باب السلم) # هو أن يسلم رأس المال في مجلس العقد؛ على أن يعطيه ما يتراضيان عليه ~~معلوما إلى أجل معلوم، ولا يأخذ إلا ما سماه أو رأس ماله، ولا يتصرف فيه ~~قبل قبضه. ### | باب القرض # يجب إرجاع مثله، ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر؛ إذا لم يكن مشروطا، # PageV01P059 # ولا يجوز أن يجر القرض نفعا للمقرض. ### | (باب الشفعة) # سببها الاشتراك في شيء واحد - ولو منقولا -؛ فإذا وقعت القسمة فلا شفعة، ~~ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه، ولا تبطل بالتراخي. ### | باب الإجارة # يجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي، وتكون الأجرة معلومة عند ~~الاستئجار، فإن لم تكن كذلك؛ ms024 استحق الأجير مقدار عمله عند أهل ذلك العمل، ~~وقد ورد النهي عن كسب الحجام، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، ~~وأجرة المؤذن، وقفيز الطحان، ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن؛ لا على ~~تعليمه، وأن يكري العين مدة معلومة؛ بأجرة معلومة - ومن ذلك كراء الأرض لا ~~بشطر ما يخرج منها -، ومن أفسد ما استؤجر عليه، أو أتلف ما استأجره؛ ضمن. ### | باب الإحياء والإقطاع # من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره؛ فهو أحق بها، وتكون ملكا له، ~~ويجوز للإمام أن يقطع - من في إقطاعه مصلحة - شيئا من الأرض الميتة، أو ~~المعادن، أو المياه. ### | (باب الشركة) # الناس شركاء في الماء، والنار، والكلإ، وإذا تشاجر المستحقون للماء؛ # PageV01P060 # كان الأحق به الأعلى فالأعلى، يمسكه إلى الكعبين، ثم يرسله إلى من تحته، ~~ولا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، وللإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي ~~دواب المسلمين في وقت الحاجة، ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات، ويقسم ~~الربح على ما تراضيا عليه، وتجوز المضاربة ما لم تشتمل على ما لا يحل، وإذا ~~تشاجر الشركاء في عرض الطريق؛ كان سبعة أذرع، ولا يمنع جار جاره أن يغرز ~~خشبة في جداره، ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء، ومن ضار شريكه؛ جاز للإمام ~~عقوبته بقلع شجره أو بيع داره. ### | باب الرهن # يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه؛ والظهر يركب واللبن يشرب بنفقة ~~المرهون، ولا يغلق الرهن بما فيه. ### | (باب الوديعة والعارية) # تجب على الوديع والمستعير تأدية الأمانة إلى من ائتمنه، ولا يخن من خانه، ~~ولا ضمان عليه إذا تلفت بدون جنايته وخيانته، ولا يجوز منع الماعون - ~~كالدلو، والقدر - وإطراق الفحل، وحلب المواشي - لمن يحتاج ذلك -، والحمل ~~عليها في سبيل الله. ### | (باب الغصب) # يأثم الغاصب ويجب عليه رد ما أخذه، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه، وليس لعرق ظالم حق، ومن زرع في أرض قوم بغير إذنهم؛ فليس له من الزرع ~~شيء؛ وله نفقته، ومن غرس في أرض غيره غرسا رفعه، # PageV01P061 # ولا يحل الانتفاع ms025 بالمغصوب، ومن أتلفه؛ فعليه مثله أو قيمته. ### | باب العتق # أفضل الرقاب أنفسها، ويجوز العتق بشرط الخدمة ونحوها، ومن ملك رحمه عتق ~~عليه، ومن مثل بمملوكه فعليه أن يعتقه؛ وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم، ومن ~~أعتق شركا له في عبد؛ ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم؛ وإلا عتق نصيبه فقط ~~واستسعي العبد، ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق، ويجوز التدبير؛ فيعتق ~~بموت مالكه؛ وإذا احتاج المالك جاز له بيعه، ويجوز مكاتبة المملوك على مال ~~يؤديه، فيصير عند الوفاة حرا، ويعتق منه بقدر ما سلم، وإذا عجز عن تسليم ~~مال الكتابة؛ عاد في الرق، ومن استولد أمته؛ لم يحل له بيعها؛ وعتقت بموته، ~~أو بتخييره لعتقها. ### | باب الوقف # من حبس ملكه في سبيل الله؛ صار محبسا، وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء ~~مما فيه قربه، وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف، وللواقف أن يجعل نفسه ~~في وقفه كسائر المسلمين، ومن وقف شيئا مضارة لوارثه؛ كان وقفه باطلا، ومن ~~وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد؛ جاز صرفه في أهل الحاجات ومصالح ~~المسلمين، ومن ذلك ما يوضع في الكعبة، أو في مسجده [صلى الله عليه وسلم] ، ~~والوقف على القبور - لرفع سمكها، أو تزيينها، أو فعل ما يجلب على زائرها ~~فتنة - باطل. ### | باب الهدايا # يشرع قبولها ومكافأة فاعلها، وتجوز بين المسلم والكافر، ويحرم # PageV01P062 # الرجوع فيها، وتجب التسوية بين الأولاد، والرد - لغير مانع شرعي - مكروه. ### | باب الهبات # إن كانت بغير عوض؛ فلها حكم الهدية في جميع ما سلف، وإن كانت بعوض؛ فهي ~~بيع ولها حكمه، والعمرى والرقبى توجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه من ~~بعده؛ لا رجوع فيهما. # (11 - ### | كتاب الأيمان # الحلف إنما يكون باسم الله - تعالى -، أو صفة له، ويحرم بغير ذلك، ومن ~~حلف فقال: إن شاء الله؛ فقد استثنى، ولا حنث عليه، ومن حلف على شيء فرأى ~~غيره خيرا منه؛ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، ومن أكره على اليمين؛ ~~فهي غير لازمة، ولا يأثم بالحنث فيها، واليمين الغموس ms026 هي التي يعلم الحالف ~~كذبها، ولا مؤاخذة باللغو، ومن حق المسلم على المسلم إبرار قسمه، وكفارة ~~اليمين هي ما ذكره الله في كتابه العزيز. # (12 ### | - كتاب النذر) # إنما يصح إذا ابتغي وجه الله، فلا بد أن يكون قربة، ولا نذر في معصية ~~الله، ومن النذر في المعصية ما فيه مخالفة للتسوية بين الأولاد، أو مفاضلة ~~بين الورثة؛ مخالفة لما شرعه الله تعالى، ومنه النذر على القبور، وعلى ما ~~لم يأذن به الله، ومن أوجب على نفسه فعلا لم يشرعه الله؛ لم يجب عليه، ~~وكذلك إن كان مما لم يشرعه الله وهو لا يطيقه، ومن نذر نذرا لم يسمه - أو ~~كان معصية، أو لا يطيقه -؛ فعليه كفارة يمين، ومن نذر بقربة؛ # PageV01P063 # وهو مشرك ثم أسلم؛ لزمه الوفاء، ولا ينفذ النذر إلا من الثلث، وإذا مات ~~الناذر بقربة، ففعلها عنه ولده؛ أجزأه ذلك. # (13 - ### | كتاب الأطعمة # الأصل في كل شيء الحل، ولا يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله، وما سكتا عنه ~~فهو عفو، فيحرم ما في الكتاب العزيز، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من ~~الطير، والحمر الإنسية، والجلالة قبل الاستحالة، والكلاب، والهر، وما كان ~~مستخبثا، وما عدا ذلك فهو؛ حلال. ### | باب الصيد # ما صيد بالسلاح الجارح والجوارح؛ كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه، وما ~~صيد بغير ذلك؛ فلا بد من التذكية، وإذا شارك الكلب المعلم كلب آخر؛ لم يحل ~~صيدهما، وإذا أكل الكلب المعلم ونحوه من الصيد؛ لم يحل؛ فإنما أمسك على ~~نفسه، وإذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية فيه ميتا - ولو بعد أيام - في غير ~~ماء؛ كان حلالا ما لم ينتن، أو يعلم أن الذي قتله غير سهمه. ### | باب الذبح # هو ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، وذكر اسم الله عليه - ولو بحجر أو نحوه ~~-؛ ما لم يكن سنا أو ظفرا، ويحرم تعذيب الذبيحة، والمثلة بها، وذبحها لغير ~~الله، وإذا تعذر الذبح لوجه؛ جاز الطعن والرمي، وكان ذلك كالذبح، وذكاة ~~الجنين ذكاة أمه، وما أبين من الحي فهو ms027 ميتة، ويحل ميتتان ودمان: السمك ~~والجراد، والكبد والطحال، وتحل الميتة للمضطر. # PageV01P064 ### | باب الضيافة # يجب على من وجد ما يقري به من نزل من الضيوف أن يفعل ذلك، وحد الضيافة ~~إلى ثلاثة أيام، وما كان وراء ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى ~~يحرجه، وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه؛ كان للضيف أن يأخذ من ~~ماله بقدر قراه، ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه، ومن ذلك حلب ماشيته، وأخذ ~~ثمرته وزرعه، لا يجوز إلا بإذنه؛ إلا أن يكون محتاجا إلى ذلك؛ فليناد صاحب ~~الإبل أو الحائط، فإن أجابه؛ وإلا فليشرب وليأكل - غير متخذ خبنة -. ### | باب آداب الأكل # يشرع للآكل التسمية، والأكل باليمين ومن حافتي الطعام لا من وسطه، ومما ~~يليه، ويلعق أصابعه والصحفة، والحمد عند الفراغ، والدعاء، ولا يأكل متكئا. # (14 - ### | كتاب الأشربة # كل مسكر حرام، وكل مفتر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام، ويجوز ~~الانتباذ في جميع الآنية، ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين، ويحرم تخليل ~~الخمر، ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه، ومظنة ذلك ما زاد على ثلاثة ~~أيام. # وآداب الشرب؛ أن يكون ثلاثة أنفاس، وباليمين، ومن قعود، وتقديم الأيمن ~~فالأيمن، ويكون الساقي آخرهم شربا، ويسمي في أوله، ويحمد في آخره، ويكره ~~التنفس في السقاء، والنفخ فيه، والشرب من فيه، وإذا وقعت # PageV01P065 # النجاسة في شي من المائعات؛ لم يحل شربه، وإن كان جامدا ألقيت وما حولها، ~~ويحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. # (15 - ### | كتاب اللباس # ستر العورة واجب في الملإ والخلاء، ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير، إذا ~~كان فوق أربع أصابع؛ إلا للتداوي، ولا يفترشه، ولا المصبوغ بالعصفر، ولا ~~ثوب شهرة، ولا ما يختص بالنساء، ولا العكس، ويحرم على الرجال التحلي بالذهب ~~- لا بغيره -. ### | (كتاب الأضحية) # تشرع لأهل كل بيت، وأقلها شاة، ووقتها بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام ~~التشريق، وأفضلها أسمنها، ولا يجزئ ما دون الجذع من الضأن، ولا الثني من ~~المعز، ولا الأعور، والمريض، والأعرج، والأعجف، وأعضب القرن والأذن، ويتصدق ms028 ~~منها ويأكل ويدخر، والذبح في المصلى أفضل، ولا يأخذ - من له أضحية - من ~~شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة؛ حتى يضحي. ### | باب الوليمة # هي مشروعة، ويجب الإجابة عليها، ويقدم السابق ثم الأقرب بابا، ولا يجوز ~~حضورها إذا اشتملت على معصية. # فصل: # والعقيقة مستحبة - وهي شاتان عن الذكر، وشاة عن الأنثى - يوم سابع # PageV01P066 # المولود، وفيه يسمى، ويحلق رأسه، ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة. # (17 - ### | كتاب الطب # يجوز التداوي، والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر، ويحرم بالمحرمات، ويكره ~~الاكتواء، ولا بأس بالحجامة، وبالرقية - بما يجوز - من العين وغيرها. # (18 ### | - كتاب الوكالة) # يجوز لجائز التصرف أن يوكل غيره في كل شيء؛ ما لم يمنع منه مانع، وإذا ~~باع الوكيل - بزيادة على ما رسمه موكله -؛ كانت الزيادة للموكل، وإذا خالفه ~~إلى ما هو أنفع، أو إلى غيره ورضي به؛ صح. # (19 - ### | كتاب الضمانة # يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال أن يغرمه عند الطلب، ويرجع على ~~المضمون عنه؛ إن كان مأمورا من جهته، ومن ضمن بإحضار شخص؛ وجب عليه إحضاره؛ ~~وإلا غرم ما عليه. # (20 - ### | كتاب الصلح # هو جائز بين المسلمين؛ إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، ويجوز عن ~~المعلوم والمجهول؛ بمعلوم وبمجهول، وعن الدم - كالمال - بأقل من الدية أو ~~أكثر؛ ولو عن إنكار. # PageV01P067 # (21 - ### | كتاب الحوالة # من أحيل على مليء فليحتل، وإذا مطل المحال عليه أو أفلس؛ كان للمحال أن ~~يطالب المحيل بدينه. # (22 - ### | كتاب المفلس # يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه؛ إلا ما كان لا يستغنى عنه ~~- وهو: المنزل، وستر العورة، وما يقيه البرد، ويسد رمقه ومن يعول -، ومن ~~وجد ماله عنده بعينه فهو أحق به، وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع ~~دينه؛ كان الموجود أسوة الغرماء، وإذا تبين إفلاسه؛ فلا يجوز حبسه، ولي ~~الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته، ويجوز للحاكم أن يحجره عن التصرف في ماله، ~~ويبيعه لقضاء دينه، وكذلك يجوز له الحجر على المبذر ومن لا يحسن التصرف، ~~ولا يمكن اليتيم ms029 من التصرف في ماله؛ حتى يؤنس منه الرشد، ويجوز لوليه أن ~~يأكل من ماله بالمعروف. # (23 ### | - كتاب اللقطة) # من وجد لقطة فليعرف عصافها ووكاءها، فإن جاء صاحبها دفعها إليه؛ وإلا عرف ~~بها حولا، وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه، ويضمن مع مجيء صاحبها، ~~ولقطة مكة أشد تعريفا من غيرها، ولا بأس بأن ينتفع الملتقط بالشيء الحقير - ~~كالعصا والسوط ونحوهما - بعد التعريف به ثلاثا، وتلتقط ضالة الدواب؛ إلا ~~الإبل. # PageV01P068 # (24 - ### | كتاب القضاء # إنما يصح قضاء من كان مجتهدا، متورعا عن أموال الناس، عادلا في القضية، ~~حاكما بالسوية، ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه، ولا يحل للإمام تولية ~~من كان كذلك، ومن كان متأهلا للقضاء؛ فهو على خطر عظيم، وله مع الإصابة ~~أجران، ومع الخطأ أجر - إن لم يأل جهدا في البحث -، وتحرم عليه الرشوة، ~~والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا، ولا يجوز له الحكم حال الغضب، ~~وعليه التسوية بين الخصمين؛ إلا إذا كان أحدهما كافرا، والسماع منهما قبل ~~القضاء، وتسهيل الحجاب بحسب الإمكان، ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة، ~~والشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح، وحكمه ينفذ ظاهرا فقط، فمن قضي له ~~بشيء فلا يحل له؛ إلا إذا كان الحكم مطابقا للواقع. # (25 - ### | كتاب الخصومة # على المدعي البينة، وعلى المنكر اليمين، ويحكم الحاكم بالإقرار، وبشهادة ~~رجلين، أو رجل وامرأتين، أو رجل ويمين المدعي، وبيمين المنكر، وبيمين الرد ~~وبعلمه، ولا تقبل شهادة من ليس بعدل، ولا الخائن، ولا ذي العداوة، والمتهم، ~~والقانع لأهل البيت، والقاذف، ولا بدوي على صاحب قرية، وتجوز شهادة من يشهد ~~على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة، وشهادة الزور من أكبر الكبائر، ~~وإذا تعارض البينتان ولم يوجد وجه ترجيح؛ قسم المدعى، وإذا لم يكن للمدعي ~~بينة؛ فليس له إلا يمين صاحبه، ولو كان فاجرا، ولا تقبل البينة بعد اليمين، ~~ومن أقر بشيء - عاقلا بالغا غير هازل ولا # PageV01P069 # بمحال عقلا أو عادة -؛ لزمه ما أقر به؛ كائنا ما كان، ويكفي مرة واحدة؛ ~~من غير فرق بين ms030 موجبات الحدود وغيرها - كما سيأتي -. # (26 - ### | كتاب الحدود ### | باب حد الزاني # إن كان بكرا حرا جلد مئة جلدة، وبعد الجلد يغرب عاما، وإن كان ثيبا جلد ~~كما يجلد البكر، ثم يرجم حتى يموت، ويكفي إقراره مرة، وما ورد من التكرار ~~في وقائع الأعيان؛ فلقصد الاستثبات، وأما الشهادة فلا بد من أربعة، ولا بد ~~أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج، ويسقط بالشبهات ~~المحتملة، وبالرجوع عن الإقرار، وبكون المرأة عذراء أو رتقاء، ويكون الرجل ~~مجبوبا أو عنينا، وتحرم الشفاعة في الحدود، ويحفر للمرجوم إلى الصدر، ولا ~~ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها - إن لم يوجد من يرضعه -، ويجوز الجلد حال ~~المرض بعثكال ونحوه، ومن لاط بذكر، قتل ولو كان بكرا، وكذلك المفعول به؛ ~~إذا كان مختارا ويعزر من نكح بهيمة، ويجلد المملوك نصف جلد الحر، ويحده ~~سيده أو الإمام. ### | باب حد السرقة # من سرق - مكلفا مختارا - من حرز ربع دينار فصاعدا؛ قطعت كفه اليمنى، ~~ويكفي الإقرار مرة واحدة، أو شهادة عدلين، ويندب تلقين المسقط، ويحسم موضع ~~القطع، وتعلق اليد في عنق السارق، ويسقط بعفو المسروق عليه قبل البلوغ إلى ~~السلطان - لا بعده؛ فقد وجب -، ولا قطع في ثمر ولا # PageV01P070 # كثر؛ ما لم يؤوه الجرين - إذا أكل ولم يتخذ خبنة -؛ وإلا كان عليه ثمن ما ~~حمله مرتين، وضرب نكال، وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع، وقد ثبت ~~القطع في جحد العارية. ### | باب حد القذف # من رمى غيره بالزنا؛ وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة إن كان حرا، وأربعين ~~إن كان مملوكا، ويثبت ذلك بإقراره مرة، أو بشهادة عدلين، وإذا لم يتب؛ لم ~~تقبل شهادته أبدا، فإن جاء بعد القذف بأربعة شهود؛ سقط عنه الحد، وهكذا إذا ~~أقر المقذوف بالزنا. ### | باب حد الشرب # من شرب مسكرا - مكلفا مختارا -؛ جلد على ما يراه الإمام - إما أربعين ~~جلدة، أو أقل، أو أكثر -؛ ولو بالنعال، ويكفي إقراره مرة، أو شهادة عدلين - ~~ولو على القيء -، وقتله في الرابعة منسوخ. # فصل: # والتعزير في المعاصي - التي لا ms031 توجب حدا - ثابت؛ بحبس، أو ضرب، أو ~~نحوهما، ولا يجاوز عشرة أسواط. ### | باب حد المحارب # وهو أحد الأنواع المذكورة في القرآن الكريم - القتل، أو الصلب، أو قطع ~~اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض -، يفعل الإمام منها ما # PageV01P071 # رأى فيه صلاحا؛ لكل من قطع طريقا ولو في المصر؛ إذا كان قد سعى في الأرض ~~فسادا، فإن تاب قبل القدرة عليه؛ سقط عنه ذلك. ### | باب من يستحق القتل حدا # هو الحربي، والمرتد، والساحر، والكاهن، والساب لله، أو لرسوله، أو ~~للإسلام أو للكتاب أو للسنة، والطاعن في الدين والزنديق بعد استتابتهم، ~~والزاني المحصن، واللوطي - مطلقا -، والمحارب. # (27 - ### | كتاب القصاص # يجب على المكلف المختار العامد - إن اختار ذلك الورثة -؛ وإلا فلهم طلب ~~الدية، وتقتل المرأة بالرجل - والعكس -، والعبد بالحر، والكافر بالمسلم، - ~~لا العكس -، والفرع بالأصل - لا العكس -، ويثبت القصاص في الأعضاء ونحوها، ~~والجروح - مع الإمكان -، ويسقط بإبراء أحد الورثة، ويلزم نصيب الآخرين من ~~الدية، فإن كان فيهم صغير؛ ينتظر في القصاص بلوغه، ويهدر ما سببه من المجني ~~عليه، وإذا أمسك رجل وقتل آخر؛ قتل القاتل وحبس الممسك، وفي قتل الخطأ ~~الدية والكفارة - وهو ما ليس بعمد، أو من صبي، أو مجنون -، وهي على العاقلة ~~- وهم العصبة -. # (28 - ### | كتاب الديات # دية الرجل المسلم مئة من الإبل، أو مئتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف ~~دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، أو مئتا حلة، وتغلظ دية العمد وشبهه؛ بأن ~~يكون المئة من الإبل؛ في بطون أربعين منها أولادها، ودية الذمي نصف دية # PageV01P072 # المسلم، ودية المرأة نصف دية الرجل، والأطراف وغيرها كذلك في الزائد على ~~الثلث، وتجب الدية كاملة في العينين، والشفتين، واليدين، والرجلين، ~~والبيضتين، وفي الواحدة منها نصفها، وكذلك تجب كاملة في الأنف، واللسان، ~~والذكر، والصلب، وأرش المأمومة والجائفة ثلث دية المجني عليه، وفي المنقلة ~~عشر الدية ونصف عشرها، وفي الهاشمة عشرها، وفي كل سن نصف عشرها، وكذا في ~~الموضحة، وما عدا هذه المسماة؛ فيكون أرشه بمقدار نسبته إلى أحدها تقريبا، ~~وفي الجنين - إذا ms032 خرج ميتا - الغرة، وفي العبد قيمته، وأرشه بحسبها. ### | باب القسامة # إذا كان القاتل من جماعة محصورين ثبتت - وهي خمسون يمينا -، يختارهم ولي ~~القتيل، والديه - إن نكلوا - عليهم؛ وإن حلفوا سقطت، وإن التبس الأمر؛ كانت ~~من بيت المال. # (29 - ### | كتاب الوصية # تجب على من له ما يوصي فيه، ولا تصح ضرارا، ولا لوارث، ولا في معصية، وهي ~~- في القرب - من الثلث، ويجب تقديم قضاء الديون، ومن لم يترك ما يقضي دينه؛ ~~قضاه السلطان من بيت المال. # (30 - ### | كتاب المواريث # هي مفصلة في الكتاب العزيز، ويجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة، وما بقي ~~فللعصبة، والأخوات مع البنات عصبة، ولبنت الابن مع البنت # PageV01P073 # السدس تكملة الثلثين، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين، وللجدة أو الجدات ~~السدس مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقطه، ولا ميراث للإخوة والأخوات ~~مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب، وفي ميراثهم مع الجد خلاف، ويرثون مع ~~البنات إلا الإخوة لأم، ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين، وأولو الأرحام ~~يتوارثون؛ وهم أقدم من بيت المال؛ فإن تزاحمت الفرائض فالعول، ولا يرث ولد ~~الملاعنة والزانية؛ إلا من أمه وقرابتها والعكس، ولا يرث المولود إلا إذا ~~استهل، وميراث العتيق لمعتقه، ويسقط بالعصبات، وله الباقي بعد ذوي السهام، ~~ويحرم بيع الولاء وهبته، ولا توارث بين أهل ملتين، ولا يرث القاتل من ~~المقتول. # (31 - ### | كتاب الجهاد والسير # الجهاد فرض كفاية مع كل بر وفاجر - إذا أذن الأبوان -، وهو - مع إخلاص ~~النية - يكفر الخطايا إلا الدين، ويلحق به حقوق الآدميين، ولا يستعان فيه ~~بالمشركين إلا لضرورة، ويجب على الجيش طاعة أميرهم؛ إلا في معصية الله، ~~وعليه مشاورتهم، والرفق بهم، وكفهم عن الحرام، ويشرع للإمام إذا أراد غزوا ~~أن يوري بغير ما يريده، وأن يذكي العيون، ويستطلع الأخبار، ويرتب الجيوش، ~~ويتخذ الرايات والألوية، وتجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال: إما ~~الإسلام، أو الجزية، أو السيف، ويحرم قتل النساء، والأطفال، والشيوخ - إلا ~~لضرورة -، والمثلة، والإحراق بالنار، والفرار من الزحف - إلا إلى فئة ms033 -، ~~ويجوز تبييت الكفار، والكذب في الحرب والخداع. # PageV01P074 # فصل: # وما غنمه الجيش؛ كان لهم أربعة أخماسه، وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه، ~~ويأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل سهما، ويستوي في ذلك القوي ~~والضعيف، ومن قاتل ومن لم يقاتل، ويجوز تنفيل الإمام بعض الجيش، وللإمام ~~الصفي، وسهمه كأحد الجيش، ويرضخ من الغنيمة لمن حضر، ويؤثر المؤلفين إن رأى ~~في ذلك صلاحا، وإذا رجع ما أخذه الكفار من المسلمين كان لمالكه، ويحرم ~~الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة - إلا الطعام والعلف -، ويحرم الغلول، ~~ومن جملة الغنيمة الأسرى؛ ويجوز القتل، أو الفداء، أو المن. # فصل: # ويجوز استرقاق العرب، وقتل الجاسوس، وإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه ~~أحرز أمواله، وإذا أسلم عبد الكافر؛ صار حرا، والأرض المغنومة أمرها إلى ~~الإمام؛ فيفعل الأصلح من قسمتها، أو تركها مشتركة بين الغانمين، أو بين ~~جميع المسلمين، ومن أمنه أحد المسلمين؛ صار آمنا، والرسول كالمؤمن، وتجوز ~~مهادنة الكفار ولو بشرط، وإلى أجل أكثره عشرة سنين، ويجوز تأييد المهادنة ~~بالجزية، ويمنع المشركون وأهل الذمة من السكون من جزيرة العرب. # فصل: # ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع ~~مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا تغنم أموالهم. # PageV01P075 # فصل: # وطاعة الأئمة واجبة؛ إلا في معصية الله، ولا يجوز الخروج عليهم؛ ما ~~أقاموا الصلاة، ولم يظهروا كفرا بواحا، ويجب الصبر على جورهم، وبذل النصيحة ~~لهم، وعليهم الذب عن المسلمين، وكف يد الظالم، وحفظ ثغورهم، وتدبيرهم ~~بالشرع في الأبدان، والأديان، والأموال، وتفريق أموال الله في مصارفها، ~~وعدم الاستئثار بما فوق الكفاية بالمعروف، والمبالغة في إصلاح السيرة ~~والسريرة. # (تم الكتاب وربنا محمود ... وله المكارم والعلا والجود) # (وعلى النبي محمد صلواته ... ما ناح قمري وأورق عود) # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # PageV01P076 # بسم الله الرحمن الرحيم # ( [ ### | مقدمة المؤلف # ] ) # نحمدك اللهم أنت الذي علمت الناس في دينهم حكما، وفي دنياهم أحكاما، ~~وجعلت أمة خاتم الرسل المرحومة أكرم الأمم كلها منزلا ومقاما، وما زلت ~~ألهمت من شئت وتلهم من تشاء منهم في كل ms034 قرن استعمال السنن المطهرة على ~~وجهها إلهاما، ونهيتهم عن التفرق في الدين، وأوضحت لهم سبيل اليقين، ~~فأصبحوا بنعمتك بررة كراما، وما انفك عدولهم نفوا عن الدين وينفون عنه ~~انتحال (1) المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين (2) ، حتى عاد علم ~~الحق معتدلا قواما. # ونصلي عليك أيها النبي الكريم، بك من علينا بالإيمان وهدانا إسلاما، لطفا ~~بنا ورحمة علينا، وبركة فينا، وإحسانا إلينا وإكراما، فكان ذلك لزاما، ~~ولولاك (3) ما اهتدينا، ولا صلينا، ولا علمنا أحكاما، فكنت أنت داعينا إلى ~~PageV01P079 # الله - سبحانه وتعالى -، وهاديا لنا، ورؤوفا بنا، وفينا إماما. # ونسلم عليكم أهل البيت الطاهرين الطيبين أنتم أصبتم من سعادة الدارين ~~سهاما، وقمتم بالحق الحقيق بالاتباع كما يحق قياما. # ورضي الله عنكم أصحاب النبي [صلى الله عليه وسلم] ؛ بكم انتظم مبتغي ~~الأمة الأمية بدءا وختاما، ومنكم استتب أمر الملة المكرمة أصلا وفرعا ~~واهتماما. # ورحمة الله وبركاته عليكم أهل الحديث، أنتم كشفتم للناس عن صراح (1) الحق ~~وصحاح السنة وقح (2) الشريعة ظلاما، وعن وجه الدين القويم والصراط المستقيم ~~لثاما، وكيف وقد جعلكم الله - تعالى - للمتقين إماما؟ ! # وبعد: # فلما جمع الإمام الهمام عز المسلمين والإسلام، سلالة السلف الصلحاء، ~~تذكار العرب العرباء (3) ، وارث علوم سيد المرسلين، خاتمة المفسرين ~~والمحدثين، شيخ شيوخنا الكاملين، المجتهد المطلق العلامة الرباني، قاضي ~~قضاة القطر اليماني، محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني، المتوفى سنة خمس ~~وخمسين ومئتين وألف الهجرية - رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الفردوس ~~منزله ونزله ومأواه - المختصر الذي سماه " الدرر البهية في المسائل الفقهية ~~" قاصدا بذلك جمع المسائل التي صح دليلها، واتضح سبيلها، تاركا لما كان ~~منها من PageV01P080 # محض الرأي، فإنه قالها وقيلها، غير ملتفت إلى ما اشتهر، فالحق أحق ~~بالاتباع، وغير جامد على ما ذكر في الزبر (1) فلمسلك التحقيق اتساع، بل محض ~~فيه النصح النصيح، ومخض (2) عن زبد الحق الصريح، وأتى بتحقيقات جليلة خلت ~~عنها الدفاتر، وأشار إلى تدقيقات نفيسة لم تحوها صحف الأكابر. # ونسبة هذا المختصر إلى المطولات من الكتب الفقهية، نسبة السبيكة الذهبية ~~إلى التربة المعدنية، كما يعرف ذلك ms035 من رسخ في العلوم قدمه؛ وسبح في بحار ~~المعارف ذهنه ولسانه وقلمه، سأله جماعة من أهل الانتقاد والفهم النافذ، ~~العاضين على علوم الاجتهاد بأقوى لحي (3) وأحد ناجذ (4) ، أن يجلي عليهم ~~عروس ذلك المختصر، ويزفه إليهم ليمنعوا في محاسنه النظر، فاستمهلهم ريثما ~~يصحح منه ما يحتاج إلى التصحيح، وينقح فيه ما لا يستغني عن التنقيح، ويرجح ~~من مباحثه ما هو مفتقر إلى الترجيح، ويوضح من غوامضه ما لا بد فيه من ~~التوضيح، فشرحه بشرح مختصر، من معين عيون الأدلة معتصر، وسماه " الدراري ~~المضية شرح الدرر البهية " (5) ، وفيهما قال قائل: # (إن شئت في شرع النبي ... تقدح بزند فيه واري (6)) PageV01P081 # (فاعكف على الدرر التي ... سلكت بسمط (1) من دراري) # وشرحه هذا كان بالقول (2) ، فجعلته شرحا ممزوجا (3) ، وصيرته على منواله ~~منسوجا، مستوعبا للفظه ومعناه، ومستصحبا لفحاويه ومبناه، مضيفا إليه مذاهب ~~الفقهاء ليظهر ضعفها أو قوتها، عند تقابل الأدلة وتعارضها بالآراء، لا ~~للأخذ بها على ما كان بأي حال؛ فإن الرجال تعرف بالحق لا الحق بالرجال، ثم ~~زدت عليه أشياء من حاشية الماتن (4) على " شفاء الأوام (5) " التي سماها " ~~وبل الغمام " (6) ومن غيرها عند النظر الثاني في هذا الكتاب، فعاد بحمد ~~الله تعالى؛ كما قيل: اللبأ وابن طاب (7) . # هذا وقد أمليت هذا الشرح على طريق الارتجال بالاستعجال، إرشادا إلى ~~PageV01P082 # طرق من العلم طالما تركت، وهزا لطبائع جامدة طالما ركدت، راجيا من الله ~~تعالى أن أكون ممن تعلم علم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وعلمه وأذاعه، ~~وحفظه على الناس وفيهم روجه وأشاعه. # فدونك هذا المشروح والشرح، يلقي إليك زمام التفويض في المدح والقدح، يا ~~من له في أوج (1) التحقيق صعود، وعليه من ملابس التدقيق برود، كيف وهو يروي ~~غليل طالبي فقه السنة، ويشفي عليل السائقين إلى مساق الجنة؟ ! فليسعد به كل ~~طالب الحق الصادق (2) ؛ ويضن به كل ذي باطل زاهق، ولئن رده القاصرون، ~~فسيقبله الماهرون، وإن ذمه الجهلة، فسوف يمدحه الكملة. # وسميت هذا الشرح الأنيس، بل العلق (3) النفيس " الروضة الندية شرح الدرر ~~البهية ". # والله - سبحانه وتعالى - أرجو ms036 أن يعين على التمام، وينفعني به ومن أخلفه ~~وجميع المتبعين للسنن في هذه الدار ودار السلام، إنه ولي الإجابة؛ وبيده ~~الهداية والإصابة. PageV01P083 # (الكتاب الأول: كتاب الطهارة) # PageV01P085 # قال - رضي الله عنه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # أحمد من أمرنا بالتفقه في الدين، وأشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن سيد ~~المرسلين، وأصلي وأسلم على الرسول الأمين، وآله الطاهرين وأصحابه الأكرمين. # (1 - ### | كتاب الطهارة # (1 - ### | باب # (هذا الباب قد اشتمل على مسائل: # الأولى: الماء طاهر ومطهر) : ولا خلاف في ذلك، وقد نطق بذلك الكتاب ~~والسنة، وكما دل الدليل على كونه طاهرا، مطهرا، وقام على ذلك الإجماع، كذلك ~~يدل على ذلك الأصل، والظاهر (1) ، والبراءة (2) ، فإن أصل عنصر الماء طاهر ~~مطهر بلا نزاع، وكذلك الظهور يفيد ذلك، والبراءة الأصلية عن مخالطة النجاسة ~~له مستصحبة: # (لا يخرجه عن الوصفين) : أي: عن وصف كونه طاهرا، وعن وصف كونه مطهرا (إلا ~~ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات) . PageV01P087 # هذه المسألة الثانية من مسائل الباب، وهي أنه لا يخرج الماء عن الوصفين ~~إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها، وهذا المذهب هو ~~أرجح المذاهب وأقواها. # والدليل عليه ما أخرجه أحمد - وصححه - وأبو داود والترمذي وحسنه، ~~والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم (1) ، وصححه أيضا يحيى بن ~~معين وابن حزم من حديث أبي سعيد، قال: " قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر ~~بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض (2) ولحوم الكلاب والنتن، فقال رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " الماء طهور لا ينجسه شيء "، وقد أعله ابن القطان ~~باختلاف الرواة في اسم الراوي له عن أبي سعيد واسم أبيه، وليس ذلك بعلة (3) ~~، وقد اختلف في أسماء كثيرة من الصحابة والتابعين على أقوال، ولم يكن ذلك ~~موجبا للجهالة، على أن ابن القطان نفسه قال بعد ذلك الإعلال: وله طريق أحسن ~~PageV01P088 # من هذه، ثم ساقها عن أبي سعيد. # وقد قامت الحجة بتصحيح من صححه من أولئك الأئمة. # وله شواهد، منها: حديث سهل بن سعد عند الدارقطني (1) ، ومن حديث ابن ms037 عباس ~~عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان (2) ، ومن حديث عائشة عند الطبراني في " ~~الأوسط "، وأبي يعلى، والبزار، وابن السكن (3) ؛ كلها بنحو حديث أبي سعيد. # وأخرجه بزيادة الاستثناء الدارقطني (4) ، من حديث ثوبان بلفظ: " الماء ~~طهور لا ينجسه شيء؛ إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه "، وأخرجه أيضا مع ~~الزيادة ابن ماجة والطبراني (5) ، من حديث أبي أمامة بلفظ: " إن الماء طهور ~~إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه "؛ وفي إسنادهما من لا ~~يحتج به. # وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة، لكنه قد وقع الإجماع ~~PageV01P089 # على مضمونها؛ كما نقله ابن المنذر، وابن الملقن في " البدر المنير (1) "، ~~والمهدي في " البحر (2) "، فمن كان يقول بحجية الإجماع (3) كان الدليل عنده ~~على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع؛ ومن كان لا يقول بحجية الإجماع كان ~~هذا الإجماع مفيدا لصحة تلك الزيادة، لكونها قد صارت مما أجمع على معناها ~~وتلقي بالقبول، فالاستدلال بها لا بالإجماع. # (وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة (4)) : # هذه المسألة الثالثة من مسائل الباب، ووجه ذلك أن الماء الذي شرع لنا ~~التطهير به هو الماء المطلق الذي لم يضف إلى شيء من الأمور التي تخالطه، ~~فإن خالطه شيء أوجب إضافته إليه، كما يقال: ماء ورد، ونحوه، فليس هذا الماء ~~المقيد بنسبته إلى الورد - مثلا - هو الماء المطلق الموصوف بأنه طهور في ~~الكتاب العزيز بقوله سبحانه: {ماء طهورا} [الفرقان: 48] ، وفي السنة ~~المطهرة بقوله [صلى الله عليه وسلم] : " الماء طهور " (5) ، فخرج بذلك عن ~~كونه مطهرا، ولم يخرج به عن كونه طاهرا، لأن الفرض أن الذي خالطه طاهر، ~~واجتماع الطاهرين لا يوجب PageV01P090 # خروجهما عن الوصف الذي كان مستحقا لكل واحد منهما قبل الاجتماع (1) . # قال في " حجة الله البالغة " (2) : وأما الوضوء من الماء المقيد الذي لا ~~يطلق عليه اسم الماء بلا قيد فأمر تدفعه الملة بادي الرأي، نعم؛ إزالة ~~الخبث به محتمل، بل هو الراجح (3) . # وقد أطال القوم في فروع موت الحيوان في البئر، والعشر في ms038 العشر (4) ، ~~والماء الجاري، وليس في كل ذلك حديث عن النبي [صلى الله عليه وسلم] البتة { # وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في الزنجي ~~(5) ، وعلي بن أبي طالب - رضي الله تعالى - عنه في الفأرة (6) ، والنخعي ~~والشعبي في نحو السنور (7) ، فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة، ولا مما ~~اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى. # وعلى تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطييبا للقلوب وتنظيفا للماء، لا من ~~جهة الوجوب الشرعي، كما ذكر في كتب المالكية (8) ، ودون نفي هذا ~~PageV01P091 # الاحتمال خرط القتاد " اه. # وبالجملة؛ فليس في هذا الباب شي يعتد به ويجب العمل عليه، وحديث القلتين ~~(1) أثبت من ذلك كله بغير شبهة. # ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه المسائل لعباده شيئا زيادة على ~~ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات - وهي مما يكثر وقوعه وتعم به البلوى -، ثم ~~لا ينص عليه النبي [صلى الله عليه وسلم] نصا جليا، ولا يستفيض في الصحابة ~~ومن بعدهم، ولا حديث واحد فيه. والله أعلم. انتهى. # قلت: وقد أطال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في تخريج حديث القلتين ~~والكلام عليه جرحا وتعديلا، لفظا ومعنى: في كتابه " تلخيص الحبير " في ~~تخريج أخبار الرافعي الكبير " (2) إطالة حسنة فليرجع إليه (3) . # (ولا فرق بين قليل وكثير) : هذه المسألة الرابعة من مسائل الباب، والمراد ~~بالقلة والكثرة ما وقع من الاختلاف في ذلك بين أهل العلم، بعد إجماعهم ~~PageV01P092 # على أن ما غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر. # فقيل: إن الكثير ما بلغ قلتين، والقليل ما كان دونهما؛ لما أخرجه أحمد، ~~وأهل " السنن "، والشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، ~~والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (1) من حديث عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله تعالى عنهما -، قال: " سمعت رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة (2) من الأرض، وما ينوبه من السباع ~~والدواب؟ فقال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ". # وفي لفظ أحمد: " لم ينجسه شيء ". # وفي لفظ لأبي داود: ms039 " لم ينجس ". # وأخرجه بهذا اللفظ (3) ابن حبان والحاكم، وقال ابن مندة: إسناد حديث ~~القلتين على شرط مسلم (4) . انتهى. # ولكنه حديث قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه، كما هو مبين في مواطنه، وقد ~~أجاب من أجاب عن دعوى الاضطراب (5) . PageV01P093 # وقد دل هذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، وإذا كان ~~دون القلتين فقد يحمل الخبث، ولكنه كما قيد حديث: " الماء طهور لا ينجسه ~~شيء " بتلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها؛ كذلك يقيد حديث القلتين بها، ~~فيقال: إنه لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين في حال من الأحوال إلا في حال تغير ~~بعض أوصافه بالنجاسة، فإنه حينئذ قد حمل الخبث بالمشاهدة وضرورة الحس، فلا ~~منافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة المجمع عليها. # وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث، وليس فيه أنه يحمل الخبث ~~قطعا وبتا، ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية، لأن الخبث المخرج ~~عن الطهورية هو خبث خاص، وهو الموجب لتغير أحد أوصافه أو كلها، لا الخبث ~~الذي لم يغير. # وحاصله: أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما دونهما قد يحمل الخبث ~~لا يستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها، وأما أنه ~~يصير نجسا خارجا عن كونه طاهرا فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك، ولا ~~ملازمة بين حمل الخبث والنجاسة المخرجة عن الطهورية، لأن الشارع قد نفى ~~النجاسة عن مطلق الماء، كما في حديث أبي سعيد المتقدم وما شهد له، ونفاها ~~عن الماء المقيد بالقلتين - كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدم أيضا -، ~~وكان النفي بلفظ هو أعم صيغ العام، فقال في الأول: " لا ينجسه شيء "، وقال ~~في الثاني أيضا - كما في تلك الرواية -: " لم ينجسه شيء "، فأفاد ذلك أن كل ~~ماء يوجد على وجه الأرض طاهر، إلا ما ورد فيه التصريح بما يخصص هذا العام، ~~مصرحا بأنه يصير الماء نجسا، كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع ~~عليها، ms040 فإنها وردت بصيغة الاستثناء من ذلك الحديث، # PageV01P094 # فكانت من المخصصات المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد، ومن المخصصات ~~المنفصلة بالنسبة إلى حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - على ~~القول الراجح في الأصول؛ وهو: أنه يبنى العام على الخاص مطلقا، فتقرر بهذا ~~أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث، بل يقال فيه: إن ~~ما دون القلتين إن حمل الخبث حملا استلزم تغير ريح الماء أو لونه أو طعمه، ~~فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملا لا يغير ~~أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزما للنجاسة. # وقد ذهب إلى تقدير الماء القليل بما دون القلتين، والكثير بهما: الشافعي ~~- رحمه الله - وأصحابه رحمهم الله -، وذهب إلى تقدير القليل بما يظن ~~استعمال النجاسة باستعماله، والكثير بما لا يظن استعمال النجاسة باستعماله ~~ابن عمر ومجاهد، وقد روي أيضا عن الشافعية - رحمهم الله -، والحنفية، - ~~رحمهم الله -، وأحمد بن حنبل - رحمه الله -، ولا أدري: هل تصح هذه الرواية ~~أم لا؟ ! فمذاهب هؤلاء مدونة في كتب أتباعهم، من أراد الوقوف عليها راجعها. # واحتج أهل هذا المذهب بمثل قوله - تعالى -: {والرجز (1) فاهجر} ، وبخبر ~~الاستيقاظ، وخبر الولوغ، وأحاديث النهي عن البول في الماء الدائم، وهي ~~جميعها في " الصحيح "، ولكنها لا تدل على المطلوب، ولو فرضنا أن لشيء منها ~~دلالة بوجه ما، كان ما أفادته تلك الدلالة مقيدا بما تقدم؛ لأن التعبد إنما ~~هو بالظنون الواقعة على الوجه المطابق للشرع، على أنه لا يبعد أن يقال: إن ~~العاقل لا يظن استعمال النجاسة باستعمال الماء إلا إذا خالطت الماء ~~PageV01P095 # بجرمها أو بريحها أو بلونها أو بطعمها مخالطة ظاهرة توجب ذلك الظن. # ولا شك ولا ريب أن ما كان من الماء على هذه الصفة ينجس، لأن المخالطة إن ~~كانت بالجرم فالمتوضئ مستعمل لعين النجاسة، وإن كانت المخالطة بالريح أو ~~اللون أو الطعم فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه. # والحاصل: أنهم إن أرادوا بقولهم: إن ظن استعمال النجاسة باستعماله فهو ~~القليل، ms041 وإن لم يظن فهو الكثير: ما هو أعم من عين النجاسة وريحها ولونها ~~وطعمها: فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه إلا من جهة أن ~~هؤلاء اعتبروا المظنة وأهل المذهب الأول اعتبروا المئنة، ولكن لا يخفى أن ~~المظنة إذا كانت هي الصادرة من غير أهل الوسوسة والشكوك، فهي لا تكاد تخالف ~~المئنة (1) في مثل هذا الموضع، وإن أرادوا استعمال العين فقط أو عدم ~~استعمال العين فقط، فهو مذهب مستقل غير ذلك المذهب، ولكن الظاهر أنهم ~~أرادوا المعنى الأول، ويدل على ذلك أنه قد وقع الإجماع على أن ما غير لون ~~الماء، أو ريحه، أو طعمه من النجاسات أوجب تنجيسه - كما تقدم تقريره -، ~~فأهل هذا المذهب من جملة القائلين بذلك لدخولهم، في الإجماع، بل هو مصرح ~~لحكاية الإجماع في " البحر ". # فتقرر بهذا أنهم يريدون المعنى الأول، أعني الأعم من العين والريح واللون ~~والطعم ثبوتا وانتفاء، وحينئذ؛ فلا مخالفة بين المذهبين، لأن أهل المذهب ~~الأول لا يخالفون في أن استعمال المطهر لعين النجاسة مع الماء موجب ~~PageV01P096 # لخروج الماء عن الطهورية خروجا زائدا على خروجه عند استعمال ما فيه مجرد ~~الريح أو اللون أو الطعم؛ فتأمل هذا فهو مفيد، بل مجموع ما اشتمل عليه هذا ~~البحث في الجمع بين المذاهب المختلفة في الماء، وبين الأدلة الدالة عليها ~~على هذه الصورة التي لخصتها مما لم أقف عليه لأحد من أهل العلم، وهذه ~~المسألة هي من المضايق التي يتعثر في ساحاتها كل محقق، ويتبلد عند تشعب ~~طرائقها كل مدقق. # وقد حررها الماتن في سائر مؤلفاته (1) تحريرات مختلفة لهذه العلة، وأطال ~~الكلام عليها في " طيب النشر في المسائل العشر ". # وقد استدل بعض أهل العلم بمثل حديث: " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون "، ~~ومثل حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، ولا يستفاد منهما إلا أن ~~التورع عند الظن من الإقدام أولى. # وأهل هذا المذهب يوجبون العمل بذلك الظن حتما وجزما، وقد عرفت أن أدلة ~~المذهب الأول على الوجه الذي لخصناه تدل على المذهب الثاني، ms042 فإبعاد النجعة ~~إلى مثل حديث: " استفت قلبك " و: " دع ما يريبك " ليس كما ينبغي { # فإن قيل: إنه قصد الاستدلال على مجرد العمل بالظن من غير نظر إلى هذه ~~المسألة، فيقال: أدلة العمل بالظن في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأكثر ~~منها أدلة النهي عن العمل به، وهكذا التعويل على حديث الولوغ والاستيقاظ ~~ونحو ذلك لا يفيد. # وقد حكي في تحديد الماء الكثير أقوال، منها: أن الكثير هو المستبحر} # وقيل: ما إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر { # وقيل: ما كان مساحة مكانه كذا} وقيل غير ذلك! PageV01P097 # وهذه الأقوال ليس عليها أثارة من علم، بل هي خارجة عن باب الرواية ~~المقبولة والدراية المعقولة. # (وما فوق القلتين وما دونهما) : قدر الشافعي الماء الذي لا ينجس بوقوع ~~النجاسة ما لم يتغير بالقلتين وقدرهما بخمس قرب، وفسرها أصحابه بخمس مئة ~~رطل، وقدره الحنفية بالغدير الكبير الذي لا يتحرك جانب منه بتحريك الآخر، ~~والعشر في العشر. كذا في " المسوى شرح الموطأ ". # وقال في " حجة الله البالغة ": " ومن لم يقل بالقلتين اضطر إلى مثلهما في ~~ضبط الماء الكثير - كالمالكية -، أو الرخصة في آبار الفلوات من نحو أبعار ~~الإبل " انتهى. # ويدفع ذلك ما مر من عدم الفرق بين ما دون القلتين وما فوقهما مع الدليل ~~عليه. # وإن شئت زيادة التفصيل فعليك ب " الفتح الرباني في فتاوى الشوكاني "؛ ~~ففيها ما يشفي العليل ويسقي الغليل # ( [ ### | حكم الماء الراكد # ] ) # (ومتحرك وساكن) : وجه ذلك أن سكونه - وإن كان قد ورد النهي عن التطهير به ~~(1) حالة -؛ فإن ذلك لا يخرجه عن كونه طهورا؛ لأنه يعود إلى وصف كونه طهورا ~~بمجرد تحركه. PageV01P098 # وقد دلت الأحاديث على أنه لا يجوز التطهير بالماء الساكن ما دام ساكنا، ~~كحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عند مسلم وغيره: أن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] قال: " لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب "، ~~فقالوا: يا أبا هريرة! كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا. # وفي لفظ لأحمد وأبي داود: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل ms043 ~~فيه من جنابة ". # وفي لفظ للبخاري: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم ~~يغتسل فيه ". # وفي لفظ للترمذي (1) : " ثم يتوضأ منه ". # وغير هذه الروايات التي يفيد مجموعها النهي عن البول في الماء الدائم على ~~انفراده، والنهي عن الاغتسال فيه على انفراده، والنهي عن مجموع الأمرين. # ولا يصح أن يقال: إن روايتي الانفراد مقيدتان بالاجتماع؛ لأن البول في ~~الماء على انفراده لا يجوز، فأفاد هذا أن الاغتسال والوضوء في الماء الدائم ~~من دون بول فيه غير جائز، فمن لم يجد إلا ماء ساكنا، وأراد أن يتطهر منه؛ ~~فعليه أن يحتال قبل ذلك بأن يحركه، حتى يخرج عن وصف كونه ساكنا، ثم يتوضأ ~~منه. # وأما أبو هريرة؛ فقد حمل النهي على الانغماس في الماء الدائم، ولهذا لما ~~سئل: كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا، ولكنه لا يتم ذلك في الوضوء، ~~PageV01P099 # فإنه لا انغماس فيه، بل هو يتناوله تناولا من الابتداء، فالأولى تحريك ~~الماء قبل الشروع في الطهارة، ثم يتطهر (1) به. # وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ما دلت عليه هذه الروايات، فلم يفرقوا بين ~~المتحرك والساكن، ومنهم من قال: إن هذه الروايات محمولة على الكراهية فقط! ~~ولا وجه لذلك. # وقد قيل: إن المستبحر مخصوص من هذا بالإجماع. # والراجح أن الماء الساكن لا يحل التطهر به ما دام ساكنا، فإذا تحرك عاد ~~له وصفه الأصلي، وهو كونه مطهرا. # وهذه هي المسألة الخامسة من مسائل الباب. # ( [ ### | حكم الماء المستعمل # ] :) # (ومستعمل وغير مستعمل) : هذه المسألة السادسة من مسائل الباب، وقد وقع ~~الاختلاف بين أهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات؛ هل يخرج ~~بذلك عن كونه مطهرا أم لا؟ # فحكي عن أحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعي ومالك - في إحدى ~~الروايتين عنهما -، وأبو حنيفة - في رواية عنه -: أن الماء المستعمل غير ~~مطهر، واستدلوا بما تقدم من حديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم. # ولا دلالة له على ذلك؛ لأن علة النهي عن التطهير به ليست كون ذلك الماء ~~PageV01P100 # مستعملا؛ بل كونه ساكنا، وعلة السكون ms044 لا ملازمة بينها وبين الاستعمال. # واحتجوا أيضا بما ورد من النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة (1) ، ولا ~~تنحصر علة ذلك في الاستعمال، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -، فلا ~~يتم الاستدلال بذلك لاحتماله، ولو كانت العلة الاستعمال؛ لم يختص النهي ~~بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة والعكس، بل كان النهي سيقع من الشارع لكل ~~أحد عن كل فضل. # ومن جملة ما استدلوا به: أن السلف كانوا يكملون الطهارة بالتيمم عند قلة ~~الماء، لا بماء ساقط منه. # وهذه حجة ساقطة لا ينبغي التعويل على مثلها في إثبات الأحكام الشرعية، ~~فعلى هذا المستدل أن يوضح: هل كان هذا التكميل يفعله جميع السلف أو بعضهم؟ # والأول: باطل. # والثاني: لا يدرى من هو؟ {فليبين لنا من هو؟} # على أنه لا حجة إلا الإجماع عند من يحتج بالإجماع. # وقد استدلوا بأدلة هي أجنبية عن محل النزاع؛ مثل حديث غسل اليد ثلاثا بعد ~~الاستيقاظ قبل إدخالها الإناء، ونحوه. PageV01P101 # فالحق: أن المستعمل طاهر ومطهر؛ عملا بالأصل، وبالأدلة الدالة على أن ~~الماء طهور. # وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والخلف، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان ~~الثوري، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر، ونقله غيره عن الحسن البصري، والزهري، ~~والنخعي، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة - في إحدى الروايات عن الثلاثة ~~المتأخرين -. # والحق: أن الماء لا يخرج عن كونه طهورا بمجرد استعماله للطهارة؛ إلا أن ~~يتغير بذلك ريحه أو لونه أو طعمه، وقد كان الصحابة يكادون يقتتلون على ما ~~تساقط من وضوئه [صلى الله عليه وسلم] ، فيأخذونه ويتبركون به، والتبرك به ~~(1) يكون بغسل بعض أعضاء الوضوء كما يكون بغير ذلك. # والحاصل: أن إخراج ما جعله الله طهورا عن الطهورية لا يكون إلا بدليل. ~~PageV01P102 ### | باب النجاسات ### | فصل # ( [ ### | تعريف النجاسة # ] :) # (والنجاسات) : جمع نجاسة، وهي: كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة ~~ويتحفظون عنه، ويغسلون الثياب إذا أصابها؛ كالعذرة والبول. # ( [ ### | أنواع النجاسات # ] :) # (1 -[ ### | بول الآدمي وغائطه # ] :) # (هي غائط الإنسان مطلقا وبوله) بالأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك، بل ~~نجاستهما من باب الضرورة الدينية، كما ms045 لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة ~~الشرعية، وبما كان عليه الأمر في عصر النبوة، ولا يقدح في ذلك التخفيف في ~~تطهيرهما في بعض الأحوال. # أما الغائط: فكما في حديث أبي هريرة: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~قال: " إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى؛ فإن التراب له طهور "؛ وفي لفظ: " إذا ~~وطئ الأذى بخفيه؛ فطورهما التراب ". # رواهما أبو داود - رحمه الله -، وابن السكن، والحاكم، والبيهقي. # PageV01P103 # وقد اختلف فيه على الأوزاعي (1) . # وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، وابن حبان من حديث أبي سعيد: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " إذا جاء أحدكم المسجد؛ فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خبثا ~~فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما ". # وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم في " العلل " الموصول (2) . # وأخرج أهل " السنن " عن أم سلمة مرفوعا بلفظ: " يطهره ما بعده " (3) . # وعن أنس عند البيهقي بسند ضعيف بنحوه. # وكذلك عن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي (4) - أيضا -. # فإن جعل التراب مع المسح مطهرا لذلك لا يخرجه عن كونه نجسا بالضرورة؛ إذ ~~اختلاف وجه التطهير لا يخرج النجس عن كونه نجسا. PageV01P104 # وأما التخفيف في تطهير البول؛ فكما ثبت أن النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~أمر بأن يراق على بول الأعرابي ذنوب (1) من ماء. # وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة وأنس - رضي الله عنهما -. # (2 -[ ### | طهارة بول ما يؤكل لحمه # ] :) # وأما ما عدا غائط الآدمي وبوله من الأبوال والأزبال؛ فلم يحصل الاتفاق ~~على شيء في شأنها، والأدلة مختلفة: # فورد في بعضها ما يدل على طهارته كأبوال الإبل؛ فإنه ثبت في " الصحيحين " ~~وغيرهما: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] أمر العرنيين بأن يشربوا من أبوال ~~الإبل. # ومن ذلك حديث: " لا بأس ببول ما يؤكل لحمه "؛ وهو حديث ضعيف أخرجه ~~الدارقطني من حديث جابر - رضي الله عنه -؛ والبراء رضي الله عنه، وفي ~~إسناده عمرو بن الحصين العقيلي؛ وهو ضعيف جدا لا تقوم بمثله الحجة (2) . # وورد ما يدل على نجاسة الروث: ما أخرجه البخاري (3) وغيره: أنه قال ms046 [صلى ~~الله عليه وسلم] في الروثة: " إنها ركس "؛ والركس النجس. # وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير. # ولكن زاد ابن خزيمة في رواية: " إنها ركس؛ إنها روثة حمار ". PageV01P105 # ومعظم ما استدل به القائلون بالتعميم في النجاسة؛ لا ينطبق على غير ~~الخارج من الآدمي. # وحديث الروثة لا يستلزم التعميم. # وحديث عمار قد أطبق من رواه على أنه من الضعف بمكان يسقط به عن درجة ~~الاعتبار؛ لأنه من رواية ثابت بن حماد، عن علي بن زيد بن جدعان، والأول: ~~مجمع على تركه، والثاني: مجمع على ضعفه؛ فلا ينتهض بمثله حجة على التعميم ~~(1) . # واحتجوا بإذنه [صلى الله عليه وسلم] بالصلاة في مرابض الغنم، وبإذنه بشرب ~~أبوال الإبل، وهما صحيحان. # ولا حكم للمعارضة بنهيه [صلى الله عليه وسلم] عن الصلاة في معاطن الإبل؛ ~~لأن النهي معلل بأنها ربما تؤذي المصلي (2) ، فلا يستلزم ذلك عدم طهارة ~~أزبالها وأبوالها، PageV01P106 # كما أن تعليل الصلاة في مرابض الغنم بأنها بركة، لا يستلزم أن الصلاة ~~إنما كانت لأجل كونها بركة؛ فإن مثل ذلك لا يسوغ مباشرة ما ليس بطاهر. # (3 ### | -[ ### | روث الحيوانات # ] :) # فالحق الحقيق بالقبول: الحكم بنجاسة ما ثبتت نجاسته بالضرورة الدينية - ~~وهو بول الآدمي وغائطه -، وأما ما عداهما؛ فإن ورد فيه ما يدل على نجاسته - ~~كالروثة -؛ وجب الحكم بذلك من دون إلحاق، وإن لم يرد؛ فالبراءة الأصلية ~~كافية في نفي التعبد بكون الشيء نجسا من دون دليل؛ فإن الأصل في جميع ~~الأشياء الطهارة، والحكم بنجاستها حكم تكليفي تعم به البلوى، ولا يحل إلا ~~بعد قيام الحجة. # قال الماتن - رحمه الله تعالى -: " ولا يخفى عليك أن الأصل في كل شيء أنه ~~طاهر؛ لأن القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام، والأصل عدم ~~ذلك، والبراءة قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتا ينقل عن ذلك، ~~وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثما ممن أبطل ما ~~قد ثبت دليله من الأحكام، فالكل إما من التقول على الله - تعالى - بما لم ms047 ~~يقل، أو من إبطال ما قد شرعه لعباده بلا حجة ". # (4 -[ ### | نجاسة بول الرضيع # ] :) # (إلا الذكر الرضيع) : لحديث: " يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام ~~"، أخرجه أبو داود - رحمه الله تعالى -، والنسائي - رحمه الله تعالى -، ~~وابن ماجه، والبزار، وابن خزيمة، من حديث أبي السمح - خادم رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم]-، وصححه الحاكم. # PageV01P107 # وأخرج أحمد، والترمذي - وحسنه -، من حديث علي - رضي الله عنه -: أن النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] قال: " بول الغلام الرضيع ينضح، وبول الجارية يغسل ". # وأخرجه - أيضا - ابن ماجه، وأبو داود بإسناد صحيح عن علي موقوفا (1) . # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني من ~~حديث أم الفضل لبابة بنت الحارث، قالت: بال الحسين بن علي في حجر النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] ، فقلت: يا رسول الله! أعطني ثوبك والبس ثوبا غيره، ~~حتى أغسله، فقال: " إنما ينضح من بول الذكر، ويغسل من بول الأنثى ". # وثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أم قيس بنت محصن: أنها أتت بابن ~~لها صغير لم - يأكل الطعام - إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، فبال ~~على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله. # وفي " صحيح البخاري " من حديث عائشة، قالت: أتي رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] بصبي يحنكه، فبال عليه، فأتبعه الماء. # وفي " صحيح مسلم " عنها، قالت: كان يؤتى بالصبيان، فيبرك عليهم ويحنكهم، ~~فأتي بصبي، فبال عليه، فدعا بماء، فأتبعه بوله ولم يغسله. # فهذا تصريح بأنه لم يغسله، فيكون إتباعه الماء مجرد النضح، كما وقع في ~~الحديثين الآخرين، أو مجرد صب الماء عليه من دون غسل. PageV01P108 # وبالجملة: فالتصريح منه [صلى الله عليه وسلم] بالقول بما هو الواجب في ~~ذلك؛ هو الأولى بالاتباع؛ لكونه كلاما مع أمته، فلا يعارضه ما وقع من فعله؛ ~~على فرض أنه مخالف للقول. # ( [ ### | أقوال الفقهاء في تطهير بول الرضيع # ] :) # وقد ذهب إلى الاكتفاء بالنضح في بول الغلام لا الجارية جماعة؛ منهم: علي، ~~وأم سلمة، والثوري، والأوزاعي، والنخعي، وداود، وابن وهب، وعطاء، والحسن، ~~والزهري، وأحمد، وإسحاق ms048 ومالك - في رواية -. # وهذا هو الحق الذي لا محيص عنه. # وذهب بعض أهل العلم - وقد حكي عن مالك، والشافعي، والأوزاعي - إلى أنه ~~يكفي النضح فيهما، وهذا فيه مخالفة لما وقع في هذه الأحاديث الصحيحة من ~~التفرقة بين الغلام والجارية. # وذهب الحنفية - رحمهم الله -، وسائر الكوفيين إلى أنهما سواء في وجوب ~~الغسل، وهذا المذهب كالذي قبله - في مخالفة الأدلة -. # وقد استدل أهل هذا المذهب الثالث بالأدلة الواردة في نجاسة البول على ~~العموم، ولا يخفاك أنها مخصصة بالأدلة الخاصة المصرحة بالفرق بين بول ~~الجارية والغلام. # وأما ما قيل من قياس بول الغلام على بول الجارية: فلا يخفاك أنه قياس في ~~مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار. # PageV01P109 # وقد شدد (1) ابن حزم فقال: إنه يرش من بول الذكر - أي ذكر كان - {وهو ~~إهمال للقيد المذكور سابقا، بلفظ -: " بول الغلام الرضيع ينضح "، والواجب ~~حمل المطلق على المقيد. # قال في " الحجة ": " قد أخذ بالحديث أهل المدينة وإبراهيم النخعي، وأضجع ~~فيه القول محمد فلا تغتر بالمشهور بين الناس ". # قلت: قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: ينضح من بول الغلام ما لم يطعم، ~~ويغسل من بول الجارية ". # فسره البغوي بأن بول الصبي نجس، غير أنه يكتفى فيه بالرش، وهو أن ينضح ~~الماء عليه بحيث يصل إلى جميعه، فيطهر من غير مرس ولا دلك. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: يغسل منهما سواء. # ويتجه أن يقال من جانب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -: إن المراد بالنضح ~~الغسل الخفيف، وبالغسل المرس والدلك. # وأصل المسألة: أن التطهير إنما يكون بإزالة عين النجاسة وأثرها، وبول ~~الجارية أغلظ وأنتن، فاحتيج فيه إلى زيادة المرس. كذا في " المسوى ". # وأقول: أحاديث التخصيص ههنا صحيحة، لا شك في ذلك ولا ريب، فما الذي دعاهم ~~إلى الوقوع في مضيق التأويل المتعسف، الذي لا يسوغ ارتكاب مثله مع وجود ~~السعة؟} PageV01P110 # وهذا كلام عاطل الجيد عن الفائدة بمرة؛ لأن هذا المعنى قد استفيد من ~~العام، ثم إهدار لفائدة المغايرة بالمرة، وحكم على كلام من أوتي جوامع ~~الكلم - وكان أفصح العرب -، بما ms049 يلحقه بكلام من هو من العي بمنزلة توقعه في ~~الكلام القاصر عن رتبة الفصاحة والبلاغة. # وقد ذكر في " النهاية " ما يفيد أن النضح يأتي بمعنى الغسل. # قلت: قد يرد في مثل ذلك نادرا إذا اقتضاه المقام، وههنا وقع مقابلا ~~للغسل، فكيف يصح تفسيره به؟ { # وقد أطبق أئمة اللغة أن النضح هو الرش، فيجب حمله على ذلك إذا لم تقم ~~قرينة على إرادة غيره، فكيف إذا كان الكلام لا يصح إلا بالحمل على ذلك ~~المعنى الأعم الأغلب؟} وإلا كان الكلام حشوا. # وإن كان استعظام قائل قد قال بوجوب غسل البول؛ فليس أحد أعظم منزلة ولا ~~أكبر قدرا من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، فأقل الأحوال أن يجعل ~~لكلامه مزية على غيره من علماء أمته، فيكون كلامهم مردودا إلى كلامه. # وليت أن المشغوفين بمحبة مذاهب الأسلاف جعلوه كأسلافهم، فسلكوا فيما بين ~~كلامه وكلامهم طريقة الإنصاف، ولكنهم في كثير من المواطن يجعلون الحظ ~~لأسلافهم، فيردون كلامه [صلى الله عليه وسلم] إلى كلامهم، فإن وافقهم فبها ~~ونعمت، وإن لم يوافقهم فالقول ما قالت حذام (1) . # فإن أنكرت هذا؛ فهات؛ أبن لي ما الذي اقتضى هذه التأويلات PageV01P111 # المتعسفة، ورد أحاديث التخصيص الصحيحة؟ {مع تسليمهم أن الخاص مقدم على ~~العام، وأن يبنى العام على الخاص} # وهذا مشتهر في الأصول اشتهار النهار. # (5 -[لعاب الكلب] :) # (ولعاب كلب) : قد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة - رضي ~~الله عنه -: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " إذا شرب الكلب في ~~إناء أحدكم؛ فليغسله سبعا ". # وثبت - أيضا - عندهما وغيرهما مثله من حديث عبد الله بن مغفل، فدل ذلك ~~على نجاسة ### | لعاب الكلب # ؛ وهو المطلوب هنا. # والكلام في الخلاف بين من عمل بظاهر هذه الأدلة ومن اكتفى بالتثليث ~~معروف، وليس ذلك مما يقدح في كونه نجسا؛ لأن محل الدليل على النجاسة هو ~~إيجاب الغسل، وهكذا لا يتعلق بما نحن بصدده زيادة التغليظ بالتتريب، كما ~~وقع في أحاديث الباب في " الصحيحين " وغيرهما؛ فإنه ليس المقصود ههنا إلا ~~إثبات كون ms050 اللعاب نجسا، لا بيان كيفية تطهيره، فلذلك موضع آخر. # والحاصل: أن الحق ما قضى به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من التسبيع ~~والتتريب، وليس من شرط التعبد الاطلاع على علل الأحكام التي تعبدنا الله ~~بها - على ما هو الراجح -، وقد صح لنا الأمر منه [صلى الله عليه وسلم] ~~بالغسل على الصفة المذكورة بالأحاديث الصحيحة، ولم نجد عنه ما يدلنا على ~~خلاف هذا الحكم، فلا يحل تحويل الشرع المتقرر بأقوال علماء الأمة، سواء كان ~~القول المخالف منسوبا إلى # PageV01P112 # جميعهم أو إلى بعضهم، وقد حفظ الله هذه السنة بأقوال جماعة من علماء ~~الأمة، كما هو معروف في كتب الخلاف والفقه وشروح السنة. # ومن أغرب ما يراه من ألهمه الله رشده وحبب إليه الإنصاف؛ ما يقع في كثير ~~من المواطن - من جماعة - من ذلك عن الشريعة بمعزل، والميل عن الحكم الثابت ~~بشرع أوضح من الشمس؛ من دون سبب يقتضي ذلك - كما فيما نحن بصدده -، وفيما ~~سلف في بول الصبي، وأشباه هذا ونظائره لا تحصى؛ والله المستعان. # (5 -[الروث] :) # (وروث) : الدليل على نجاسته ما تقدمت الإشارة إليه من قوله [صلى الله ~~عليه وسلم] في ### | الروث # ة: " إنها ركس "؛ والركس - في اللغة -: النجس؛ فالروثة نجس، وهو المطلوب. # وقد قدمنا كلام التيمي في تخصيص ذلك بروث الخيل والبغال والحمير. # (6 -[ ### | دم الحيض # ] :) # (ودم حيض) : الدليل على ذلك ما ثبت عند أحمد، وأبي داود، والترمذي من ~~حديث خولة بنت يسار، قالت: يا رسول الله {ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض ~~فيه؟ قال: " فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه " قالت: يا رسول الله} ~~إن لم يخرج أثره؟ قال: " يكفيك الماء، ولا يضرك أثره ". # PageV01P113 # وفي إسناده ابن لهيعة (1) . # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان من ~~حديث أم قيس بنت محصن مرفوعا بلفظ: " حكيه بضلع (2) واغسليه بماء وسدر ". # قال ابن القطان: إسناده في غاية الصحة (3) . # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى ~~عنهما -، قالت: جاءت امرأة ms051 إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ، فقالت: إحدانا ~~يصيب ثوبها من دم حيض؛ فكيف تصنع؟ قال: " تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ~~ثم تصلي فيه ". # فالأمر بغسل دم الحيض وحكه بضلع يفيد ثبوت نجاسته، وإن اختلف وجه تطهيره، ~~فذلك لا يخرجه عن كونه نجسا. PageV01P114 # وأما سائر الدماء؛ فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية ~~مستصحبة، حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية. (1) # ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله - تعالى -: {فإنه رجس} إلى جميع ~~ما تقدم في الآية الكريمة - من الميتة والدم المسفوح و ### | لحم الخنزير # -؛ لكان ذلك مفيدا لنجاسة الدم المسفوح والميتة، ولكنه لم يرد ما يفيد ~~ذلك، بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب؟ ! والظاهر رجوعه إلى ~~الأقرب - وهو لحم الخنزير؛ - لإفراد الضمير، ولهذا جزمنا ههنا بنجاسة لحم ~~الخنزير دون الميتة، والدم الذي ليس بدم حيض، ولا سيما وقد ورد في الميتة ~~ما يفيد أنه لا يحرم منها إلا أكلها، كما ثبت في " الصحيح " بلفظ: " إنما ~~حرم من الميتة أكلها ". # ومن رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في ~~الآية؛ فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على القيد الواقع بعد جملة ~~مشتملة على أمور متعددة. # (7 -[لحم الخنزير] :) # (ولحم خنزير) : الدليل على نجاسته ما قدمنا قريبا من الآية الكريمة. ~~PageV01P115 ### | ( [الأدلة على طهارة المني] :) # (وفيما عدا ذلك خلاف) : وأما المني؛ فاحتجوا على نجاسته بأمور: # الأول: حديث عمار، وقد سلف عدم صلاحيته للاحتجاج. # والثاني: بما ورد عن جماعة من الصحابة، وذلك لا تقوم به حجة؛ لأنه لم يكن ~~إجماعا ولا مرفوعا. # والثالث: بما ورد في المذي (1) من الأمر بغسل الفرج والأنثيين. # ويجاب عنه: أنه إثبات لنجاسة المني بقياس؛ لأنهما متغايران، على أنه يمكن ~~أن يكون التغليظ في المذي؛ إما لكونه يخرج غالبا مختلطا بالبول، أو لأنه ~~ليس بأصل للنسل. # ويلزم أن يطهر بالنضح؛ لما ورد عند أبي داود، والترمذي - وصححه - من حديث ~~سهل بن حنيف بلفظ: " يكفيك أن تأخذ ms052 كفا من ماء، فتنضح به حيثما ترى أنه (2) ~~أصاب من ثوبك " (3) . # وأما الجواب عن حديث أمره [صلى الله عليه وسلم] لعائشة بفرك المني؛ بأن ~~المراد به الفرك قبل الغسل، لا مجرد الفرك فقط! فهذا خلاف ما تقتضيه ~~المقابلة للفرك بالغسل. PageV01P116 # وكان أقرب من هذا أن يجاب: بأن الفرك لم يكن بأمره [صلى الله عليه وسلم] ~~؛ إنما قالت عائشة: كنت أفركه من ثوب رسول الله [صلى الله عليه وسلم]- كما ~~في كتب الحديث -. # والأمر الرابع: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يغسل موضع المني من ~~ثوبه؛ ويجاب عنه: بأن هذا فعل لا يصلح لإثبات النجاسة المستلزم لوجوب ~~الإزالة، مع احتمال أن يكون غسله تقذرا لما فيه من مخالفة النظافة. # وأما فرك عائشة لمنيه [صلى الله عليه وسلم] من ثوبه حال صلاته بأنه (1) ~~لم يعلم بذلك: فالجواب عنه بأنه لو كان نجسا لما أقره الله على ذلك، كما ~~ثبت في حديث خلع النعل بعد دخوله في الصلاة لإخبار جبريل له بذلك. # وقد قدمت لك أن الحكم بكون الشيء نجسا لا يقبل إلا بدليل تقوم به الحجة؛ ~~غير معارض بما هو أنهض أو مساو؛ لأن الحكم بكون الشيء نجسا يستلزم تعبد ~~العباد بحكم من أحكام الشرع تعم به البلوى. # وقد أوردت في " مسك الختام شرح بلوغ المرام " حجج المختلفين، ورجحت هناك ~~ما رجحت، وظهر لي الآن أن القيام في مقام المنع هو الذي ندين به عند الله. # وفي " سبل السلام ": والحق أن الأصل الطهارة، والدليل على القائل ~~بالنجاسة، فنحن باقون على الأصل. # وذهب الحنفية - رحمهم الله - إلى نجاسة المني كغيرهم، ولكن قالوا: يطهره ~~الغسل، أو الفرك، أو الإزالة بالخرقة، أو الإذخرة؛ عملا بالحديثين، ~~PageV01P117 # وبين الفريقين القائلين بالنجاسة والقائلين بالطهارة مجادلات ومناظرات ~~واستدلالات طويلة استوفيناها في حواشي " شرح العمدة ". انتهى # ( [ ### | الأصل في الأشياء الطهارة # ] :) # (والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو ~~يقدم عليه) : لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة ~~وجزئياتها، ولا ريب أن الحكم بنجاسة ms053 شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام ~~الشرع، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى، ~~وقد أرشدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى السكوت عن الأمور التي سكت ~~الله - تعالى - عنها، وأنها عفو؛ فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على ~~نجاسته؛ فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد، أو ~~غلط في الاستدلال، كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرمه الله - تعالى ~~-، زاعما أن النجاسة والتحريم متلازمان. # وهذا الزعم من أبطل الباطلات، فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ~~ولا تضمن ولا التزام (1) ؛ فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ~~ذلك، وكأن الشارع قد علم وقوع مثل هذا الغلط لبعض أمته، فأرشدهم إلى ما ~~يدفعه قائلا: " إنما حرم من الميتة أكلها " (2) ، ولو كان مجرد تحريم شيء ~~PageV01P118 # مستلزما لنجاسته؛ لكان مثل قوله - تعالى -: {حرمت عليكم أمهاتكم} إلى ~~آخره دليلا على نجاسة النساء المذكورات في الآية! ### | ( [المسلم طاهر حيا وميتا] :) # والمسلم لا ينجس حيا ولا ميتا، كما ثبت ذلك عنه [صلى الله عليه وسلم] في ~~" الصحيح "، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها وهي طاهرة ~~بالاتفاق (1) ، كالأنصاب والأزلام وما يسكر من النبات والثمرات بأصل ~~الخلقة. # فإن قلت: إذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيته أو ركسيته يدل على أنه ~~نجس - كما قلت في نجاسة الروثة ولحم الخنزير - فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر ~~لقوله - تعالى -: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} ؟} قلت: لما ~~وقع الخمر ههنا مقترنا بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى ~~الرجسية إلى غير النجاسة الشرعية. # ( [ ### | نجاسة المشرك # ] :) # وهكذا قوله - تعالى: {إنما المشركون نجس} : لما جاءت الأدلة الصحيحة ~~المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين، كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم، ~~والتوضؤ من آنيتهم والأكل فيها، وإنزالهم المسجد: كان ذلك دليلا على أن ~~المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية، بل قد ورد (2) ~~البيان من الشارع PageV01P119 # لذلك بما لا يحتاج إلى زيادة، فقال في وفد ثقيف ms054 لما أنزلهم المسجد: " ليس ~~على الأرض من أنجاس القوم شيء؛ إنما أنجاسهم على أنفسهم "، فهذا يدل على أن ~~تلك النجاسة حكمية لا حسية، والتعبد إنما هو بالنجاسة الحسية. # وأما ما ورد فيه ما يدل على نجاسته - ولكنه قد عورض بما هو أرجح منه -: ~~فلا شك أن يتعين العمل بالأرجح، فإن عورض بما يساويه؛ فالأصل عدم التعبد ~~بما يتضمن ذلك الحكم، حتى يرد موردا خالصا عن شوب المعارضة، أو راجحا على ~~ما عارضه. # وبالجملة: فالواجب على المنصف أن يقوم مقام المنع، ولا يتزحزح عن هذا ~~المقام إلا بحجة شرعية. # قال في " سبل السلام ": " والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن ~~التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإن الحشيشة محرمة طاهرة، وكل المخدرات ~~والسمومات القاتلة لا دليل على نجاستها، وأما النجاسة فيلازمها التحريم فكل ~~نجس محرم ولا عكس، وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع عن ملامستها على كل ~~حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإنه يحرم ~~لبس الحرير والذهب؛ وهما طاهران ضرورة شرعية وإجماعا، إذا عرفت هذا: فتحريم ~~الحمر والخمر - الذي دلت عليه النصوص - لا يلزم منه نجاستها، بل لا بد من ~~دليل آخر عليه؛ وإلا بقيا على الأصول PageV01P120 # المتفق عليها من الطهارة، فمن ادعى خلافه فالدليل عليه ". انتهى. # وقد أوضح الماتن في مصنفاته: ك " شرح المنتقى " و " وبل الغمام حاشية ~~شفاء الأوام " هذه المباحث المتعلقة بالنجاسة ما لا يحتاج الناظر في ذلك ~~إلى النظر في غيره؛ فليراجع. ### | (فصل [تطهير النجاسات] ) # ( [ ### | الاقتصار على ما ورد في الشرع # ] :) # (ويطهر ما يتنجس بغسله) ؛ أي: بإسالة الماء عليه، ثم إن ورد فيه شيء عن ~~الشارع؛ كان الواجب الاقتصار في صفة التطهير على ذلك الوارد، من دون مخالفة ~~بزيادة عليه أو نقصان عنه، كما ورد في أن النعل إذا تلوث بالنجاسة طهر ~~بمسحه، وقد تقدم ما يدل على ذلك، وتقدم - أيضا - ما ورد في كيفية تطهير ما ~~ينجس بدم الحيض وبلعاب الكلب. # وبالجملة: فكل ما علمنا الشارع كيفية تطهيره؛ كان علينا أن نقتصر على ms055 تلك ~~الكيفية، وأما ما ورد فيه عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه بيان كيفية ~~تطهيره؛ فالواجب علينا إذهاب تلك العين. # (حتى لا يبقى لها عين ولا لون ولا ريح ولا طعم) : لأن الشيء الذي يجد ~~الإنسان ريحه أو طعمه - قد بقي فيه - جزء من العين، وإن لم يبق جرمها ~~ولونها؛ إذ انفصال الرائحة لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له ~~الريح، وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له ~~الطعم. # PageV01P121 # ( [ ### | تطهير النعل بالمسح # ] :) # (والنعل بالمسح) وكذلك الخف؛ لأنه جسم صلب لا يتخلل فيه النجاسة، والظاهر ~~أنه عام في الرطبة واليابسة، فيطهر من النجاسة التي لها جرم بالدلك. # ثم إن النبي [صلى الله عليه وسلم] لما علم حدوث الشكوك في الطهارات فيما ~~يأتي من الزمان، وأطلعه الله على ما يأتي به المصابون بالوسوسة من ~~التأويلات التي ليس لها في الشريعة أساس: أوضح هذا المعنى إيضاحا ينهدم ~~عنده كل ما بنوه على قنطرة الشك والخيال، فقال: " إذا جاء أحدكم المسجد؛ ~~فلينظر نعليه، فإن كان فيها خبث فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما ". # ولفظ أحمد وأبي داود: " إذا جاء أحدكم إلى المسجد؛ فليقلب نعليه ولينظر ~~فيهما، فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما ". # فانظر هذه العبارة الهادمة لكل شك، فإنه - أولا - بين لهم أنهم إذا وجدوا ~~النجاسة في النعلين وجودا محققا؛ فعلوا المسح بالأرض، ثم أمرهم بالصلاة في ~~النعلين ليعلموا بأن هذه هي الطهارة التي تجوز الصلاة بعدها. # ( [ ### | تلبيس الشيطان على الموسوسين # ] :) # ثم ترى أحدهم يلعب به الشيطان حتى يصير ما هو فيه نوعا من الجنون! فيغسل ~~يده أو وجهه مرة بعد مرة، حتى يبلغ العدد إلى حد يضيق عنه الحصر، مع دلك ~~شديد، وكلفة عظيمة، واستغراق للفكر، وهو يعلم بأن ذلك العضو لم تصبه نجاسة ~~مغلظة ولا مخففة، فلا يزال في تعب ونصب # PageV01P122 # ومزاولة، لا يشك من رآه أنه لم يبق عنده من العقل بقية، ثم إذا فرغ من ~~العضو الأول ms056 بعد جهد جهيد؛ شرع في العضو الثاني ثم كذلك، وكثير منهم من ~~يدخل محل الطهارة قبل طلوع الفجر ولا يخرج إلا بعد طلوع الشمس، فما بلغ ~~الشيطان هذا المبلغ من أحد من العصاة؛ لأنه عذب نفسه في معصية لا لذة فيها ~~للنفس ولا رفعة للقدر، وصار بمجرد مجاوزة الثلاث الغسلات - كما قال رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] فيمن تجاوزها -: " ... فقد أساء وتعدى وظلم "، ~~فجمع له [صلى الله عليه وسلم] بين هذه الثلاثة أنواع، ثم لم يقنع منه بهذا، ~~حتى صيره تاركا للفريضة التي ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركها، كما ثبت ~~في الحديث الصحيح عن جابر بلفظ: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " ~~بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، ~~والترمذي، وابن ماجة. # وأخرج أهل " السنن "، وأحمد من حديث بريدة، قال: سمعت رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد ~~كفر ". # وأخرج الترمذي عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: " كان أصحاب محمد [صلى ~~الله عليه وسلم] لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر؛ غير الصلاة ". # فانظر كيف صار هذا الموسوس - بنص رسول الله [صلى الله عليه وسلم]- مسيئا ~~متعديا ظالما كافرا (1) ، إن بلغ إلى الحد الذي ذكرناه، فهذا باعتبار ما له ~~عند ربه. # وأما باعتبار ما له عند الخلق؛ فأقل الأحوال أن يقال: مجنون يلعب به ~~الشيطان في مخالفة شريعة الرحمن، ف {خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين} ، ومع هذا؛ فهو يعذب نفسه بأشد العذاب، وكثيرا ما يفضي PageV01P123 # به ذلك إلى علة كبيرة تكون سببا لهلاكه، فيلقى ربه قاتلا لنفسه في معصية، ~~فلا يراح رائحة الجنة، كما ثبت عنه [صلى الله عليه وسلم] فيمن قتل نفسه (1) ~~، وهذه المحنة يقع فيها العالم والجاهل. # فمن كان جاهلا؛ اعتذر لنفسه بأعذار شيطانية قد استزله الشيطان بها؛ فمنهم ~~من يقول: لم أتيقن كمال الثلاث الغسلات في كل عضو {وهو قد غسل ذلك العضو ~~مئات} { # ومنهم من يقول: أريد أن ms057 أغسل غسلا مشروعا، لا تبقى شعرة ولا بشرة إلا وقد ~~شملها الغسل والدلك} فتراه يقلب يديه ورجليه ويدلك كل موضع منه في مقدار ~~الجثة (2) دلكا فظيعا، فيشرع بالأنملة، ثم يدلك جزءا بعد جزء، حتى يفرغ من ~~الأصبع، ثم يأخذ في الأخرى، ثم كذلك؛ فلا يفرغ من غسل يده؛ إلا بعد مدة ~~طويلة، ثم يلعب به الشيطان، فيشككه فيما قد غسله أنه لم يغسله، فيعود إليه، ~~ثم كذلك، فلا يكمل الثلاث الغسلات في زعمه؛ إلا بعد أن يبلغ بنفسه إلى حد ~~يرحمه من رآه. # ومن كان عالما؛ يعترف بأن هذا الفعل مخالف للشريعة، وأنه وسوسة شيطانية، ~~وهو أقبح الرجلين؛ فإنه ممن أضله الله على علم، ونادى على نفسه بأنه منقاد ~~لطاعة شيطانه في مخالفة خالقه، مستغرق بعبادة عدو الله إبليس، لم يبق فيه ~~بقية تزجره عن معصيته، فلم يستحي من الله؛ فيحمله الحياء على إيثار الرحمن ~~على الشيطان، ولم يستحي من الناس؛ فيردعه حياؤه عن PageV01P124 # التحدث لعباد الله بأنه قد اشتغل عن ربه بطاعته الشيطان {وفي مثل هذا قال ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ". # والحاصل: أن هذه المحنة قد عمت وطمت؛ عند كل فرد من أفراد العباد منها ~~جزء من الأجزاء وإن قل} والكل من طاعة الشيطان ومخالفة الرحمن، والناجي من ~~ذلك هو الكبريت الأحمر وعنقاء مغرب، والغراب الأبقع (1) . # ومن أنكر هذا فليجرب نفسه، ويعمل بمثل هذا النص الثابت عنه [صلى الله ~~عليه وسلم] في مسح الأذى الذي يعلق بالنعل في الأرض، ثم يصلي فيه، وينظر ~~عند ذلك كيف يجد نفسه؟ {مع أن ذلك هو المهيع الذي لا يرجح المجتهد سواه، إن ~~أنصف من نفسه فليصدق فعله قوله، وإن كان مقلدا فله بالأئمة الأسلاف قدوة، ~~وهم الأقل من القائلين بذلك، وهيهات ذاك؛ فإن الشكوك والخيالات قد جعلها ~~الشيطان ذريعة يقتنص بها من لم يقع في شباكه المنصوبة للمتهتكين من العصاة ~~المستهترين بمحبتها؛ لأنه وجد قوما لا تطمح أنفسهم إلى شرب الخمور وارتكاب ~~الفجور، فحفر ms058 لهم حفيرة جمع لهم فيها بين خزي الدنيا والآخرة؛ فهم أشقى ~~أتباعه. # اللهم} أعذنا من نزعات الشيطان، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. # ( [ ### | التطهير بالاستحالة # ] :) # (والاستحالة مطهرة) ؛ أي: إذا استحال الشيء إلى شيء آخر، حتى كان ~~PageV01P125 # ذلك الشيء الآخر مخالفا للشيء الأول - لونا وطعما وريحا -، كاستحالة ~~العذرة رمادا. # وقد أوضحت ذلك في كتابي " دليل الطالب " فليراجع، وحققه الماتن في " وبل ~~الغمام "، و " السيل الجرار "، وغيرهما. # (لعدم وجود الوصف المحكوم عليه) يعني: فقد فقد الوصف الذي وقع الحكم من ~~الشارع بالنجاسة عليه، وهذا هو الحق. # والخلاف في ذلك معروف. # ( [ ### | تطهير ما لا يمكن غسله # ] :) # (وما) كان (لا يمكن غسله) من المتنجسات كالأرض والبئر (ف) تطهيره (بالصب ~~عليه أو النزح منه حتى لا يبقى) أي: لا يوجد (للنجاسة أثر) ؛ لأنها لو كانت ~~باقية لكان التعبد بإذهابها باقيا، ولكن هذا إنما يكون في مثل النجاسة التي ~~لها جرم ولون؛ وأما مثل البول؛ فقد ورد عن الشارع أن تطهيره بأن يصب عليه ~~ذنوب من ماء، فإن وقع ذلك صارت الأرض المتنجسة - بالبول - طاهرة. # أقول: البول على الأرض يطهره مكاثرة الماء عليه، وهو مأخوذ مما تقرر عند ~~الناس قاطبة: أن المطهر الكثير يطهر الأرض، وأن المكاثرة تذهب بالرائحة ~~المنتنة، وتجعل البول متلاشيا كأن لم يكن. # في " المسوى ": قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " إذا أصاب الأرض بول ~~أو غيره من النجاسة المائعة، فصب عليها الماء حتى غلبها؛ طهرت، # PageV01P126 # والغسالة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير، ولكنها لا تطهر، وفرق بين ورود ~~النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة ". # وعند الحنفية - رحمهم الله تعالى - الغسالة نجسة، والأرض لا تطهر بصب ~~الماء حتى تزول عنها الغسالة. انتهى. # ( [ ### | الأصل في التطهير هو الماء # ] :) # (والماء هو الأصل في التطهير فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع) : ~~لأن كون الأصل في التطهير هو الماء، قد وصف بذلك في الكتاب والسنة وصفا ~~مطلقا غير مقيد، بل قوله [صلى الله عليه وسلم] : " الماء طهور " يرشد إلى ~~ما ذكرنا إرشادا تشهد له قواعد ms059 علم المعاني وعلم الأصول، فإذا ثبت عن ~~الشارع أن تطهير شيء من النجاسات يكون بغير الماء - كمسح النعل بالأرض ونحو ~~ذلك -؛ كان الماء غير متعين في تطهير تلك النجاسة بخصوصها، بل نقتصر عليه ~~هناك، ويتعين الماء فيما عداها، وهذا هو الحق. # وقد ذهب الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات، وذهب أبو ~~حنيفة - رحمه الله تعالى - وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - إلى أنه يجوز ~~التطهير بكل مائع طاهر. # ويرد على الجمهور بما ثبت عن الشارع تطهيره بغير الماء إن كانوا يقولون: ~~إن الماء يتعين في مثل ذلك. # ويرد على أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ومن معه بأن إثبات مطهر لم يرد ~~عن الشارع أو تطهير على غير الصفة الثابتة عنه مدفوع. # PageV01P127 # (3 - ### | باب قضاء الحاجة # والحاجة: كناية عن خروج البول والغائط، وهو مأخوذ من قوله [صلى الله عليه ~~وسلم] : " إذا قعد أحدكم لحاجته "، وعبر عنه الفقهاء ب (باب الاستطابة) ؛ ~~لحديث: " ولا يستطيب بيمينه "، والمحدثون ب (باب التخلي) ؛ مأخوذ من قوله: ~~" إذا دخل أحدكم الخلاء "، والتبرز من قوله: " البراز في الموارد ". # والكل من العبارات صحيح. # ( [ ### | آداب قضاء الحاجة # ] :) # (1 - ### | أن يستتر # ) : # (على المتخلي الاستتار) : فينبغي أن يبعد؛ لئلا يسمع منه صوت أو يشم منه ~~ريح أو يرى منه عورة. # ( [2 - ### | أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض # ] :) # (ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) عند قضاء الحاجة، ويستتر بمثل حائش ~~نخل مما يواري أسفل بدنه، " ... فمن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل ~~فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " (1) ، وذلك لأن الشيطان جبل ~~على أفكار فاسدة وأعمال شنيعة. كذا في " الحجة ". PageV01P128 # وذلك لما ورد من الأدلة الدالة على وجوب ستر العورة عموما وخصوصا؛ إلا ~~عند الضرورة، ومنها قضاء الحاجة، فلا يكشف عورته إلا عند القعود. # وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من ~~حديث أبي هريرة بلفظ: " من أتى الغائط فليستتر ". # ( [3 - ### | أن يبعد في المذهب أو يدخل الكنيف # ] :) # (والبعد) : لما أخرجه ms060 أهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث جابر - ~~رضي الله عنه -، قال: خرجنا مع النبي [صلى الله عليه وسلم] في سفر، فكان لا ~~يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى. # ولفظ أبي داود: كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد. # ورجاله رجال الصحيح؛ إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي، ففيه مقال يسير. # (أو دخول الكنيف) ؛ يعني: إذا أراد أن يقضي الحاجة في البنيان، وهناك ~~كنيف؛ فليس عليه إلا أن يدخله، وإن قرب من الناس؛ لما سيأتي من حديث ابن ~~عمر. # ( [4 - ### | أن يترك الكلام # ] :) # (و) أما (ترك الكلام) : فلحديث: " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين ~~عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك " (1) ؛ أخرجه أحمد، وأبو ~~PageV01P129 # داود، وابن ماجة من حديث أبي سعيد. # وأخرج نحوه ابن السكن (1) - وصححه - من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه ~~-. # ( [5 - ### | أن لا يصطحب ما فيه اسم الله # ] :) # (و) أما ترك (الملابسة لما له حرمة) : فلحديث أنس - رضي الله عنه - عند ~~أهل " السنن " - وصححه الترمذي، والمنذري، وابن دقيق العيد - بلفظ: كان ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] إذا دخل الخلاء ينزع خاتمه. # ولم يأت من ضعفه (2) بما تقوم به الحجة في التضعيف. # ( [6 - ### | أن لا يتخلى في الموارد والظل والطرق # ] :) # (وتجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع) : كالتخلي في ظل الناس ~~وطريقهم ومتحدثهم والماء الدائم، فقد ورد في ذلك أحاديث: # منها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم - رحمه الله تعالى -، ~~وأحمد - رحمه الله تعالى -، وأبي داود - رحمه الله تعالى -، قال: " اتقوا ~~اللاعنين "، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ {قال: الذي يتخلى في طريق ~~PageV01P130 # الناس أو في ظلهم "؛ وافهم أن الحكمة الاحتراز عن لعنهم وتأذيهم. # ومنها حديث معاذ بن جبل عند أبي داود، وابن ماجة، والحاكم، وابن السكن - ~~وصححاه -، قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " اتقوا الملاعن ~~الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل ". # وقد أعل (1) بأنه من رواية أبي سعيد الحميري عن معاذ - ولم يسمع منه -. # وفي الباب أحاديث فيها مقال. # ( [7 ms061 - ### | أن لا يبول في الجحر # ] :) # ومن الأمكنة التي نهى الشارع عنها: الجحر؛ لحديث عبد الله بن سرجس، قال: ~~نهى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن يبال في الجحر. # أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي. # وقد أعل بأنه من رواية قتادة عنه - ولم يسمع منه -، ولكنه قد صحح سماعه ~~منه علي بن المديني، وصحح الحديث ابن خزيمة وابن السكن (2) . # والجحر؛ قد يكون مأوى حية أو مثلها، فتخرج وتؤذي. # ( [8 - ### | أن لا يبول في مستحمه # ] :) # ومنها ما أخرجه أحمد - رحمه الله تعالى -، وأهل " السنن " من حديث عبد ~~الله بن مغفل، عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، قال: " لا يبولن أحدكم في ~~مستحمه، ثم PageV01P131 # يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه " (1) . # ومنها ما أخرجه مسلم - رحمه الله تعالى -، وأحمد - رحمه الله تعالى - ~~والنسائي - رحمه الله تعالى - وابن ماجة - رحمه الله تعالى - عن جابر - رضي ~~الله تعالى عنه -: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] نهى أن يبال في الماء ~~الراكد. # (أو عرف) : وجهه أنهم يتأذون بذلك، وما كان ذريعة إلى ما لا يحل، فهو لا ~~يحل. # ( [9 - ### | ترك استقبال واستدبار القبلة # ] :) # (وعدم الاستقبال والاستدبار للقبلة) : قد ورد في ذلك أحاديث: # منها ما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي أيوب بلفظ: " إذا أتيتم ~~الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا " # وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -، ومن ~~حديث سلمان - أيضا -. # وابن ماجة، وابن حبان من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو داود من ~~حديث عبد الله بن مغفل، والدارمي في " مسنده "، من حديث سهل بن حنيف. # ( [ ### | أقوال العلماء # ] :) # وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال، استوفاها الماتن في ~~PageV01P132 # " نيل الأوطار ". # وقد استدل من لم يمنع من ذلك بما أخرجه الجماعة من حديث ابن عمر، قال: ~~رقيت يوما على بيت حفصة - رضي الله تعالى عنها -، فرأيت النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة "، وجعلوا هذا الحديث ~~ناسخا لأحاديث ms062 النهي. # ومن جملة ما استدلوا به: حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - عند أحمد - ~~رحمه الله تعالى -، وأبي داود - رحمه الله تعالى -، والترمذي - رحمه الله ~~تعالى؛ وحسنه - وابن ماجة - رحمه الله تعالى -، والبزار - رحمه الله تعالى ~~-، وابن الجارود - رحمه الله تعالى -، وابن خزيمة - رحمه الله تعالى -، ~~وابن حبان - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، والدارقطني - ~~رحمه الله تعالى -، قال: نهى النبي [صلى الله عليه وسلم] أن نستقبل القبلة ~~ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. # قد نقل الترمذي عن البخاري - رحمه الله تعالى - تصحيحه، وصححه - أيضا - ~~ابن السكن، وحسنه - أيضا - البزار. # ولا يخفى أنه قد تقرر في الأصول: أن فعله [صلى الله عليه وسلم] لا يعارض ~~القول الخاص بالأمة، فما وقع منه [صلى الله عليه وسلم] لا يعارض النهي عن ~~الاستقبال والاستدبار للقبلة (1) PageV01P133 # فإن قلت: حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - عند أحمد - رحمه الله تعالى ~~-، وابن ماجة - رحمه الله تعالى -، قالت: ذكر لرسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم؟ فقال: " أو قد فعلوها؟ ~~{حولوا مقعدتي قبل القبلة "، قلت: لو صح هذا لكان صالحا للنسخ؛ لأن النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] فعله لقصد التشريع للأمة، ولمخالفة من كان يكره ~~الاستقبال. # ولكنه لم يصح؛ فإن في إسناده خالد بن أبي الصلت: قال ابن حزم: هو مجهول، ~~وقال الذهبي في " الميزان " في ترجمة خالد بن أبي الصلت: إن هذا الحديث ~~منكر (1) . # وقد استدل من خصص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة بالفضاء بما ~~أخرجه أبو داود - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، عن ~~مروان الأصفر - رضي الله عنه -، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته؛ مستقبل ~~القبلة يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن} أليس قد نهي عن ذلك؟ ! فقال: ~~بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا ~~بأس. # وقد حسن (2) الحافظ في " الفتح " إسناده، ولكنه إنما يكون هذا دليلا إذا ~~كان قد سمع من النبي [صلى الله عليه ms063 وسلم] ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق. # وأما إذا كان مستنده إنما هو مجرد فهمه من فعله [صلى الله عليه وسلم] في ~~بيت حفصة PageV01P134 # - رضي الله عنها -: فلا يكون هذا الفهم حجة، ومع الاحتمال لا ينتهض ~~للاستدلال. # قال الشافعي - رحمه الله -: الاستقبال والاستدبار محرمان في الصحراء لا ~~في البنيان، ووجه الجمع عنده تنزيل النهي والإباحة على حالتين. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: مكروهان فيهما سواء، ووجه الجمع ~~عنده أن النهي للتنزيه، والفعل لبيان الجواز في الجملة. # كذا في " المسوى ". # قال في " سبل السلام: اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال: أقربها: يحرم ~~في الصحارى دون العمران؛ لأن أحاديث الإباحة وردت في الإباحة فحملت عليه، ~~وأحاديث النهي عامة، وبعد تخصيص العمران بأحاديث فعله التي سلفت: بقيت ~~الصحراء على التحريم، وقد قال ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا ~~كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وغيره. # وهذا القول ليس بالبعيد؛ لبقاء أحاديث النهي على بابها، وأحاديث الإباحة ~~كذلك. انتهى. # وروي عن عائشة عند الترمذي: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يبل قائما. # وروي عن عمر عند الترمذي (1) : أن النبي [صلى الله عليه وسلم] نهاه أن ~~يبول قائما. PageV01P135 # وروى الحاكم: أن بوله [صلى الله عليه وسلم] قائما كان لمرض؛ لكن ضعفه ~~الدارقطني، والبيهقي، فلم يكن صالحا لحمل بوله على حال الضرورة، فالأولى أن ~~يقال: إن فعله [صلى الله عليه وسلم] لبيان الجواز، وإن البول من قيام مكروه ~~فقط، وفعله للمكروه لبيان حكم شرعي جائز. # ولا ريب أن البول من قيام: من الجفاء (1) والغلظة والمخالفة للهيئة ~~المستحسنة، مع كونه مظنة لانتضاح البول وترشرشه على البائل وثيابه، فأقل ~~أحوال النهي مع هذه الأمور: أن يكون البول من قيام مكروها. # وهذا على فرض أن فعله [صلى الله عليه وسلم] لقصد التشريع حتى يكون لبيان ~~الجواز، ويكون صارفا للنهي، فإن لم يكن كذلك؛ فالنهي باق على حقيقته، ~~والبول من قيام من خصائصه (2) ، ولكن بعد ثبوت النهي من طريق صحيحة ms064 أو حسنة ~~(3) { # وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى ". # ( [10 - ### | أن يستجمر بثلاثة أحجار # ] :) # (وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة) ؛ أي: مسحات؛ لأنها لا تنقي ~~PageV01P136 # غالبا بأقل من ثلاثة أحجار؛ لما في " صحيح مسلم " وغيره من حديث سلمان: ~~أن النبي [صلى الله عليه وسلم] نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، وعن ~~الاستنجاء برجيع أو عظم. # وأخرج أحمد - رحمه الله تعالى -، والنسائي - رحمه الله تعالى -، وأبو ~~داود - رحمه الله تعالى -، وابن ماجة - رحمه الله تعالى - والدارقطني - ~~رحمه الله تعالى -؛ وقال: إسناده صحيح حسن - من حديث عائشة - رضي الله عنها ~~-، أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ ~~فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزيء عنه ". # وأخرج نحوه أبو داود، والنسائي من حديث أبي هريرة. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي - رحمه الله تعالى -، وابن ماجة - رحمه ~~الله تعالى -، من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروثة والرمة. # وأخرج ابن خزيمة، وابن حبان، والدارمي، وأبو عوانة في " صحيحه "، ~~والشافعي - رحمهم الله تعالى - من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ~~أيضا بلفظ: " وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار ". # وفي الباب أحاديث غير ما ذكرناه. # ثم اعلم أنه قال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في " المسوى شرح ~~الموطأ ": قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " الاستنجاء واجب، والمراد ~~ثلاث مسحات ". # PageV01P137 # وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: سنة، والمراد الإنقاء. # وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار، وإن حصل الإنقاء ~~بما دونها، فإن لم يحصل يجب أن يزيد حتى يحصل، فإن حصل بعدها بشفع يستحب أن ~~يختم بالوتر. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: " يسن الإنقاء ولا يستحب الإيتار ". # وتأويل الحديث عنده: أن المراد بالإيتار هو التثليث، كنى به عن الإنقاء، ~~ويستحب الاستنجاء بالماء من غير وجوب. # عن عمر بن الخطاب: " يتوضأ بالماء لما تحت إزاره ". # قلت: معنى الوضوء ههنا الغسل والتنظيف؛ وعليه عامة أهل العلم. انتهى. # وورد ms065 كيفية استعمال الثلاث في حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: " حجران ~~للصفحتين (1) ، وحجر للمسربة " - بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة -: مجرى ~~للحدث من الدبر. # ( [11 - ### | أن يستجمر بما يقوم مقام الأحجار فيما عدا المنهي عنه # ] :) # (وما يقوم مقامها) : للضرورة؛ أي: إذا لم توجد الأحجار، ما لم يكن ذلك ~~الغير مما ورد النهي عنه - كالروثة والرجيع والعظم -، فإنه لا يجوز ولا ~~يجزيء. PageV01P138 # قال في " الحجة ": لأنه طعام الجن، وكذا سائر ما ينتفع به، ويستحب الجمع ~~بين الحجر والماء (1) . # وأقول: لا شك أن الاستنجاء بالماء أفضل من الاستنجاء بالحجارة من دون ~~ماء؛ لأنه أقطع للنجاسة، فلا تبقى بعده عين للنجاسة ولا ريح، بخلاف ~~الاستنجاء بالحجارة - وهو الاستجمار -، فإذا لم يبق جزء من عين النجاسة بقي ~~أثر من آثارها، وإذا لم يبق شيء من الآثار بقيت الريح، ومع هذا؛ فهو من ~~السنن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مقرونا بما لا خلاف في مشروعيته، إنما ~~الشأن في كونه يجب على من قضى الحاجة - إذا أراد القيام إلى الصلاة - أن ~~يستنجي بالماء، ولا يكفيه الاستجمار بالأحجار ثم يتوضأ وضوء الصلاة ثم ~~يصلي. # والاستدلال على الوجوب بحديث أهل قبا، لا يخفى أن غاية ما فيه تخصيصهم ~~بالأمر بذلك دون غيرهم، فإن سائر الصحابة كانوا إذ ذاك لا يستنجون بالماء، ~~ولهذا خص الله أهل قباء بالثناء، ثم لم يرد أنه [صلى الله عليه وسلم] أمر ~~غير أهل قبا بذلك. # وقد ذهب إلى أنه يكفي الأحجار: ابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، والشافعية، ~~والحنفية، كما حكى ذلك في " البحر الزخار " عنهم. # بل حكى - أيضا - عن عطاء أن غسل الدبر محدث. # وعن سعيد بن المسيب: ما يفعله إلا النساء. PageV01P139 # هكذا في " البحر ". # وروى عنه أنه كان يقول: إذن لا يزال في يدي نتن - يعني: إذا غسل فرجه ~~بالماء -. # ويدل على عدم الوجوب أحاديث الأمر بالاستجمار. # وما ورد - من أن ثلاثة أحجار ينقين المؤمن - لم يصح { # والحاصل: أنه لا نزاع في كون الماء أفضل؛ إنما النزاع في أنه يتعين ولا ms066 ~~يجزيء غيره، وهذا كله على فرض ثبوت قوله في حديث أهل قبا: " ذلكموه ~~فعليكموه "} ولكنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث؛ بل الذي في " الجامع " عن ~~أنس: ان النبي [صلى الله عليه وسلم] قال لأهل قبا: " إن الله قد أحسن ~~الثناء عليكم؛ فما ذاك "؟ ، قالوا: نجمع في الاستجمار بين الأحجار والماء. # قال في " الجامع ": ذكره رزين (1) . # وفي " التلخيص " (2) عن البزار في " مسنده " قال: نبأنا عبد الله بن ~~شبيب: نبأنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز، قال: وجدت في كتاب أبي: عن ~~الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن العباس، قال: نزلت هذه الآية في أهل ~~قبا: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} ، فسألهم رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] ؟ قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. # قال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن الزهري؛ إلا محمد بن عبد العزيز، ~~PageV01P140 # ولا عنه إلا ابنه. انتهى. # ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم، فقال: ليس له ولأخويه - عمران وعبيد ~~الله - حديث مستقيم. # وعبد الله بن شبيب - أيضا - ضعيف. # وأصل الحديث في " سنن أبي داود "، " والترمذي "، وابن حبان في " صحيحه " ~~من حديث أبي هريرة. # وليس في شيء هنا الجمع بين الأحجار والماء، فمحل الاستدلال على وجوب ~~الاستنجاء بالماء - هو قوله لهم: " فعليكموه " (1) : إغراء لهم على الفعل ~~بمعنى: الزموه - لم يثبت حتى يثبت ما دل عليه. # ( [ ### | الأدلة على الاستنجاء بالأحجار للقبل أو الدبر # ] ) # واعلم أن الأدلة في هذه المسألة غير مقيدة بكون الأحجار المذكورة للفرج ~~الأعلى أو الأسفل أو لهما جميعا؛ إذ يصدق قوله (2) [صلى الله عليه وسلم] : ~~وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار؛ على من أراد أن يستنجي بعد البول ~~فقط، أو بعد الغائط فقط، أو بعدهما. # وكذلك قوله (3) [صلى الله عليه وسلم] وكان يأمرنا بثلاثة أحجار؛ يصدق على ~~كل ذاهب PageV01P141 # إلى الغائط سواء ذهب إلى البول فقط، أو إلى الغائط فقط، أو لهما. # والمراد بالغائط في قوله [صلى الله عليه وسلم] : " إذا أتى أحدكم الغائط ~~": المكان المطمئن، لا نفس ms067 الخارج، كما صرح به أئمة اللغة. # وكذلك قوله: " وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار ": شامل لكل قاض للحاجة - سواء ~~ذهب إلى البول فقط، أو الغائط فقط، أو ذهب إليهما جميعا -. # وكذلك قوله [صلى الله عليه وسلم] : " فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطب بهن؛ ~~فإنها تجزئ عنه ": يتناول من بال فقط، كما يتناول من تغوط فقط. # وكذلك قوله [صلى الله عليه وسلم] : " فليستنج بثلاثة أحجار ": يصدق على ~~كل قاض للحاجة كما عرفت. # وكذلك حديث: أمرنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن لا نجتزئ بأقل من ~~ثلاثة أحجار، وقوله: " وأعدوا النبل (1) ". # إذا تقرر هذا: علمت أنه شرع الاستجمار لمن بال، كما شرع لمن تغوط، وأن ~~يكون بثلاثة أحجار: ولم يرد ما يخالف هذا من شرع ولا لغة ولا اشتقاق. # والاستنجاء: هو غسل البدن عن الأذى بالماء ومسحه بالحجر؛ كما صرح به صاحب ~~" النهاية "، وصاحب " الصحاح "، " والقاموس ". PageV01P142 # والاستجمار عندهم: استعمال الجمار والتمسح بالجمار - وهي الأحجار الصغار ~~-، وهو استعمال من غير تقييد. # قال في " القاموس ": استجمر: استنجى. انتهى. # وهو - كما لا يخفى - يصدق على من استنجى بها للفرج الأعلى أو الأسفل أو ~~لهما. # وكذلك تصدق الاستطابة على مسح الذكر والفرج. # قال في " النهاية ": الاستطابة والإطابة: كناية عن الاستنجاء، وسمي بها ~~من الطيب؛ لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء؛ أي: يطهره. # ومثل ذلك في " الصحاح "، و " القاموس ". # ثم قد وردت أحاديث فيها مجرد الأمر بثلاثة أحجار من غير ذكر استنجاء ولا ~~استطابة ولا استجمار؛ ولا نزاع في صدقها على الذاهب إلى البول كما تصدق على ~~الذاهب إلى الغائط. # وحينئذ تعلم أنه شرع لمن بال أن يستجمر بالأحجار عقب البول، كما شرع لمن ~~تغوط أن يفعل ذلك، ولا ينافي ذلك حديث: " إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثا ~~"؛ كما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي من حديث عيسى بن يزداد، عن أبيه. # وقد قال ابن معين: لا يعرف عيسى ولا أبوه. # PageV01P143 # وقال الثوري: اتفقوا على أنه ضعيف. # وقال أبو حاتم: حديثه مرسل: # لأن الحديث - وإن كان مما ms068 لا تقوم به الحجة (1) - لكنه يمكن الجمع بينه ~~وبين أحاديث الاستجمار؛ إذ الاستجمار إنما هو المسح بالجمار لما تلوث ~~بالبول أو الغائط من خارج الفرج أو الذكر، لا لاستخراج ما كان داخلهما، ~~فالنتر والاستجمار مختلفان - مفهوما وصدقا وزمانا ومكانا وصفة -، فكيف يجعل ~~أحدهما معارضا للآخر؟ {لا سيما وحديث النتر بمكان من الضعف لا تقوم به ~~الحجة على فرض انفراده، فكيف يؤخذ به وتترك أحاديث الاستجمار المتواترة ~~تواترا معنويا عند من له أدنى ممارسة للفن؟} # وقد أوضحت ذلك في " دليل الطالب على أرجح المطالب "؛ فليراجع. # (12 -[ ### | الاستعاذة عند دخول الكنيف # ] :) # (وتندب الاستعاذة عند الشروع) ؛ أي: الدخول؛ لأن الحشوش محتضرة (2) ~~يحضرها الشياطين؛ لأنهم يحبون النجاسة، ووجهه ما أخرجه الجماعة من حديث أنس ~~- رضي الله تعالى عنه -، قال: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] إذا دخل ~~الخلاء قال: " اللهم {إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ". # وقد روى سعيد بن منصور في " سننه ": أنه كان [صلى الله عليه وسلم] يقول: ~~" اللهم} إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "، وإسناده على شرط مسلم. ~~PageV01P144 # (13 -[ ### | أن يستغفر ويحمد بعد قضاء الحاجة # ] :) # (والاستغفار والحمد بعد الفراغ) : لأنه وقت ترك ذكر الله - تعالى - ~~ومخالطة الشياطين، والدليل عليه ما أخرجه ابن ماجه - رحمه الله تعالى - ~~بإسناد صالح (1) من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه -، قال: كان النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] إذا خرج من الخلاء قال: " الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ~~(2) ". # وأخرج نحوه النسائي - رحمه الله تعالى -، وابن السني - رحمه الله تعالى ~~-، من حديث أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - ورمز السيوطي - رحمه الله تعالى ~~- لصحته (3) - وأخرج أحمد - رحمه الله تعالى -، وأبو داود - رحمه الله ~~تعالى -، والترمذي - رحمه الله تعالى -، وابن ماجه - رحمه الله تعالى - من ~~حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~إذا خرج من الخلاء قال: " غفرانك ". # وصححه ابن حبان - رحمه الله تعالى -، وابن خزيمة - رحمه الله تعالى -، ~~والحاكم - رحمه الله تعالى -. PageV01P145 # (4 - ### | باب الوضوء ### | (الفصل الأول: فرائض الوضوء] ) ### | ( [متى فرض ms069 الوضوء؟] :) # فرض مع الصلاة قبل الهجرة بسنة، وهو من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية ~~الأمم، لا لأنبيائهم. # (1 -[ ### | التسمية إذا ذكر # ] :) # (يجب على كل مكلف) : لمن أراد الصلاة وهو محدث أو جنب (أن يسمي) ؛ وجه ~~وجوب التسمية ما ورد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] ، أنه قال: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم ~~يذكر اسم الله عليه "؛ أخرجه أحمد - رحمه الله تعالى -؛ وأبو داود - رحمه ~~الله تعالى -؛ وابن ماجه - رحمه الله تعالى -، والترمذي - رحمه الله تعالى ~~-، في " العلل "، والدارقطني - رحمه الله تعالى -، وابن السكن - رحمه الله ~~تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى -، وليس ~~في إسناده ما يسقطه عن درجة الاعتبار. # وله طرق أخرى (1) من حديثه عند الدارقطني - رحمه الله تعالى - ~~PageV01P146 # والبيهقي - رحمه الله -. # وأخرج نحوه أحمد - رحمه الله تعالى -، وابن ماجه - رحمه الله تعالى - من ~~حديث سعيد بن زيد - رضي الله عنه -، ومن حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -. # وأخرج آخرون نحوه من حديث عائشة - رضي الله عنها -، وسهل بن سعد - رضي ~~الله عنه - وأبي سبرة - رضي الله عنه -، وأم سبرة - رضي الله عنها -، وعلي ~~- رضي الله عنه -، وأنس - رضي الله عنه -. # ولا شك ولا ريب أنها جميعا تنتهض للاحتجاج؛ بها، بل مجرد الحديث الأول ~~ينتهض للاحتجاج لأنه حسن، فكيف إذا اعتضد بهذه الأحاديث الواردة في معناه؟ ~~{ # ولا حاجة للتطويل في تخريجها فالكلام عليها معروف، وقد صرح الحديث بنفي ~~وضوء من لم يذكر اسم الله، وذلك يفيد الشرطية التي يستلزم عدمها العدم، ~~فضلا عن الوجوب؛ فإنه أقل ما يستفاد منه (1) . PageV01P147 # (إذا ذكر) : تقييد الوجوب بالذكر؛ للجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث: " ~~من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم ~~الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه " (1) ؛ أخرجه الدارقطني - رحمه الله ~~تعالى -، والبيهقي - رحمه الله - من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، وفي ~~إسناده متروك. # ورواه الدارقطني - رحمه الله تعالى -، والبيهقي ms070 - رحمه الله تعالى - من ~~حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، وفي إسناده - أيضا - متروك. # ورواه أيضا الدارقطني - رحمه الله تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى - ~~من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وفيه ضعيفان. # وهذه الأحاديث لا تنتهض للاستدلال بها، وليس فيها أيضا دلالة على المطلوب ~~من أن الوجوب ليس إلا على الذكر، ولكنه يدل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة ~~على السهو والنسيان، وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز، فقد اندرجت تلك ~~الأحاديث الضعيفة تحت هذه الأدلة الكلية، ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء ~~القطعية، وبعد هذا كله: ففي التقييد بالذكر إشكال. # قال في " الحجة البالغة ": قوله [صلى الله عليه وسلم] : " لا وضوء لمن لا ~~يذكر الله " هذا الحديث لم يجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه، وعلى ~~تقدير صحته؛ فهو من المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] فقد استمر المسلمون يحكون وضوء النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~، PageV01P148 # ويعلمون الناس ولا يذكرون التسمية، حتى ظهر زمان أهل الحديث (1) ، وهو نص ~~على أن التسمية ركن أو شرط، ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد هو ~~التذكر بالقلب (2) ؛ فإن العبادات لا تقبل إلا بالنية، وحينئذ يكون صيغة: " ~~لا وضوء " على ظاهرها. # نعم؛ التسمية أدب كسائر الآداب - لقوله [صلى الله عليه وسلم]-: " كل أمر ~~ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر " (3) ، وقياسا على مواضع كثيرة. # ويحتمل أن يكون المعنى: لا يكمل الوضوء، لكن لا أرتضي مثل هذا التأويل؛ ~~فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ. انتهى. # وأقول: قد تقرر أن النفي في مثل قوله: " لا وضوء ... " يتوجه إلى الذات ~~إن أمكن، فإن لم يمكن؛ توجه إلى الأقرب إليها - وهو نفي الصحة -؛ فإنه أقرب ~~المجازين، لا إلى الأبعد - وهو نفي الكمال -، وإذا توجه إلى الذات - أي: لا ~~ذات وضوء شرعية، أو إلى الصحة -: دل على وجوب التسمية؛ لأن انتفاء التسمية ~~قد استلزم انتفاء الذات الشرعية، أو انتفاء صحتها؛ فكان تحصيل ما يحصل ~~الذات الشرعية، أو صحتها واجبا، ms071 ولا يتوجه إلى نفي الكمال إلا لقرينة؛ لأن ~~الواجب الحمل على الحقيقة، ثم على أقرب المجازات إليها إن تعذر الحمل على ~~الذات، ثم لا يحمل على أبعد المجازات إلا لقرينة. # يمكن أن يقال: إن القرينة - ههنا - المسوغة لحمل النفي على المجاز الأبعد ~~PageV01P149 # هي ما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر، قال: قال رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] : " من توضأ وذكر اسم الله على وضوئه كان طهورا لجسده، ومن ~~توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهورا لأعضائه "؛ وسنده ضعيف (1) . # (2 -[ ### | المضمضة والاستنشاق # ] :) # (ويتمضمض ويستنشق) : وجهه أنهما من جملة الوجه الذي ورد القرآن الكريم ~~بغسله، وقد بين النبي [صلى الله عليه وسلم] ما في القرآن بوضوئه المنقول ~~إلينا، ومن جملة ما نقل إلينا المضمضة والاستنشاق، فأفاد ذلك أن الوجه ~~المأمور بغسله من جملة المضمضة والاستنشاق. # وقد ورد الأمر بذلك كما أخرجه الدارقطني - رحمه الله - من حديث أبي هريرة ~~- رضي الله عنه -، قال: أمر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بالمضمضة ~~والاستنشاق (2) . # وثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أيضا - ~~أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: " إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماء ~~ثم لينتثر ". # وثبت عند أهل " السنن " - وصححه الترمذي، رحمه الله تعالى - من حديث لقيط ~~بن صبرة - رضي الله تعالى عنه - بلفظ: " ... وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن ~~تكون صائما (3) ". PageV01P150 # وأخرج النسائي - رحمه الله تعالى - من حديث سلمة بن قيس - رضي الله تعالى ~~عنه -: " إذا توضأت فانتثر ". # وأخرجه الترمذي - رحمه الله تعالى - أيضا. # وفي رواية من حديث لقيط بن صبرة - رضي الله تعالى عنه - المذكور: " إذا ~~توضأت فمضمض "؛ أخرجها أبو داود بإسناد صحيح. # وقد صحح حديث لقيط - رضي الله تعالى عنه - الترمذي - رحمه الله تعالى -، ~~والنووي - رحمه الله تعالى -، وغيرهما؛ ولم يأت من أعله بما يقدح فيه. # وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد - رحمه الله تعالى -، وإسحاق - ~~رحمه الله تعالى -، وبه قال ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى -، وحماد بن ~~أبي سليمان - رحمه ms072 الله تعالى (1) -. # وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء، ~~والمضمضة سنة فيهما. # حكى هذا المذهب النووي - رحمه الله تعالى - في " شرح مسلم " عن أبي ثور - ~~رحمه الله تعالى -، وأبي عبيد - رحمه الله تعالى -، وداود الظاهري، ~~PageV01P151 # وابن المنذر - رحمه الله تعالى -، ورواية عن أحمد - رحمه الله تعالى -. # وقد روى غيره مثل ذلك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، والثوري - رحمه ~~الله تعالى -، وزيد بن علي - رحمه الله تعالى -. # وذهب مالك - رحمه الله تعالى -، والشافعي - رحمه الله تعالى -، والأوزاعي ~~- رحمه الله تعالى -، والليث - رحمه الله تعالى -، والحسن البصري - رحمه ~~الله تعالى -، والزهري - رحمه الله تعالى -، وربيعة - رحمه الله تعالى -، ~~ويحيى بن سعيد - رحمه الله تعالى -، وقتادة - رحمه الله تعالى -، والحكم بن ~~عتيبة - رحمه الله تعالى -، ومحمد بن جرير الطبري - رحمه الله تعالى -، إلى ~~أنهما غير واجبين، واستدلوا على عدم الوجوب بحديث: " عشر من سنن المرسلين ~~... " - وهو حديث صحيح (1) -، ومن جملتها المضمضة والاستنشاق. # ورد بأنه لم يرو بلفظ: " عشر من السنن "، بل بلفظ: " عشر من الفطرة ... " ~~(2) ، وعلى فرض وروده بذلك اللفظ: فالمراد بالسنة الطريقة، وهي تعم الواجب، ~~لا ما وقع في اصطلاح أهل الأصول، فإن ذلك اصطلاح حادث، وعرف متجدد لا تحمل ~~عليه أقوال الشارع! # وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - بلفظ: " ~~المضمضة والاستنشاق سنة "؛ أخرجه الدارقطني - رحمه الله تعالى -، وإسناده ~~ضعيف (3) . PageV01P152 # والمراد بالسنة في اصطلاح الشارع وأهل عصره: ما دل عليه دليل من قوله ~~[صلى الله عليه وسلم] أو فعله أو تقريره، ولهذا جعلت السنة مقابلة للقرآن، ~~فهذه اللفظة أعم من المدعى، فإنها تطلق على الواجب كما تطلق على المندوب، ~~فيقال مثلا: الدليل على هذا الحكم من السنة. # ولا يقال: إن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية؛ لأن المراد بالسنة - ~~كما عرفت - في لسان الشارع، ليس ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول؛ فتأمل! # (3 -[ ### | غسل الوجه # ] :) # (ثم يغسل جميع وجهه) : والمراد بالوجه ما يسمى وجها عند أهل الشرع ~~واللغة. # ووجوب غسل الوجه لا ms073 خلاف فيه في الجملة، وقد قام عليه الدليل كتابا وسنة. # (4 -[ ### | غسل اليدين مع المرفقين # ] :) # (ثم يديه مع مرفقيه) : هو نص القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولا خلاف في ~~ذلك، وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما، ومما يدل على وجوب ~~غسلهما جميعا حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - عند الدارقطني - رحمه الله ~~تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى -: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~أدار الماء على مرفقيه، ثم قال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به "؛ ~~وفي إسناده ضعيفان هما: عباد بن يعقوب، والقاسم بن محمد بن عبد الله بن ~~محمد بن عقيل (1) . PageV01P153 # ولكن يغني عن هذا الضعيف ما في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة - رضي ~~الله تعالى عنه -: أنه توضأ ثم غسل يده، حتى شرع في العضد. ثم قال: رأيت ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يتوضأ هكذا. # وفي رواية الدارقطني - رحمه الله تعالى - من حديث عثمان - رضي الله عنه ~~-: أنه غسل وجهه ويديه، حتى مس أطراف العضدين؛ قال الحافظ: وإسناده حسن. # وأخرج البزار والطبراني (1) من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه - مرفوعا -: ~~ثم غسل ذراعيه، حتى يسيل الماء على مرفقيه. # وهذا بيان لما في القرآن، فأفاد أن الغاية داخلة فيما قبلها. # (5 -[ ### | مسح الرأس # ] :) # (ثم يمسح رأسه) : ولا خلاف فيه - في الجملة -، وإنما وقع الخلاف: هل ~~المتعين مسح الكل؟ أم يكفي البعض؟ وما في الكتاب العزيز قد وقع الخلاف في ~~كونه يدل على مسح الكل أم البعض، والسنة الصحيحة وردت بالبيان، وفيها ما ~~يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات، كما في " صحيح مسلم "، ~~وغيره من حديث المغيرة - رضي الله عنه -: أنه [صلى الله عليه وسلم] توضأ، ~~ومسح بناصيته وعلى العمامة. # وأخرج أبو داود (2) - رحمه الله تعالى - من حديث أنس - رضي الله ~~PageV01P154 # عنه -: أنه [صلى الله عليه وسلم] أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم ~~رأسه ولم ينقض العمامة. # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. # وهذه هي الهيئة التي ms074 استمر عليها [صلى الله عليه وسلم] ، فاقتضى هذا ~~أفضلية الهيئة التي كان [صلى الله عليه وسلم] يداوم عليها - وهي مسح الرأس ~~مقبلا ومدبرا -، وإجزاء غيرها في بعض الأحوال. # ولا يخفى أن قوله - تعالى -: {وامسحوا برؤسكم} لا يفيد إيقاع المسح على ~~جميع الرأس كما في نظائره من الأفعال؛ نحو: ضربت رأس زيد، وضربت برأسه، ~~وضربت زيدا، وضربت يد زيد، فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك بوجود ~~الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة، وهكذا ما في الآية. # وليس النزاع في مسمى الرأس - لغة - حتى يقال: إنه - حقيقة - في جميعه، بل ~~النزاع في إيقاع المسح عليه، وعلى فرض الإجمال: فقد بينه الشارع تارة بمسح ~~الجميع، وتارة بمسح البعض، بخلاف الوجه؛ فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال ~~من الأحوال، بل غسله جميعا، وأما اليدان والرجلان؛ فقد صرح فيهما بالغاية ~~للمسح والغسل. # فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت به؛ قلت: لا ينكر أحد من أهل ~~اللغة أنه يصدق قول من قال: مسحت الثوب - أو بالثوب -، أو مسحت الحائط - أو ~~بالحائط -، على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط، وإنكار مثل هذا مكابرة. # PageV01P155 # وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في " حاشية الشفاء " وغيرها؛ ~~فليراجع. # ( [ ### | مسح الأذنين # ] :) # (مع أذنيه) : وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه [صلى الله عليه وسلم] ~~مسحهما مع مسح رأسه، وقد ثبت عنه [صلى الله عليه وسلم] بلفظ: " الأذنان من ~~الرأس " من طرق يقوي بعضها بعضا (1) . # (ويجزئ مسح بعضه) قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: الفرض أدنى ما يطلق ~~عليه اسم المسح. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: مسح ربع الرأس. # وقال مالك: مسح جميع الرأس. # في " سفر السعادة " (2) : وكان يمسح جميع رأسه أحيانا، وأحيانا يمسح على ~~العمامة، وأحيانا يمسح على الناصية والعمامة، ولم يقتصر على مسح بعض الرأس ~~أبدا، وكان يمسح الآذان ظاهرا وباطنا، ولم يثبت في مسح الرقبة حديث. انتهى. ~~PageV01P156 # ( [ ### | المسح على العمامة # ] :) # (والمسح على العمامة) أو غيرها مما هو على الرأس، فقد ثبت ذلك عنه [صلى ms075 ~~الله عليه وسلم] من حديث عمرو بن أمية الضمري عند البخاري - رحمه الله ~~تعالى - وغيره، ومن حديث بلال - رضي الله عنه - عند مسلم - رحمه الله تعالى ~~- وغيره، ومن حديث المغيرة - رضي الله عنه - عند الترمذي - رحمه الله، ~~وصححه -. # وليس فيه المسح على الناصية، بل هو بلفظ: ومسح على الخفين والعمامة. # وفي الباب أحاديث غير هذه: # منها عن سلمان - رضي الله عنه - عند أحمد - رحمه الله تعالى -، وعن ثوبان ~~- رضي الله عنه - عند أبي داود وأحمد - رحمه الله - أيضا. # والحاصل: أنه قد ثبت المسح على الرأس وحده، وعلى العمامة وحدها، وعلى ~~الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت. # وقد ورد في حديث ثوبان - رحمه الله - ما يشعر بالإذن بالمسح على العمامة ~~مع العذر، وهو عند أحمد - رحمه الله -، وأبي داود (1) - رحمه الله -: أنه ~~[صلى الله عليه وسلم] بعث سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على ~~العصائب والتساخين؛ وفي إسناده راشد بن سعد؛ PageV01P157 # قال الخلال في " علله ": إن أحمد - رحمه الله - قال: لا ينبغي أن يكون ~~راشد ابن سعد سمع من ثوبان - رضي الله عنه - لأنه مات قديما (1) . # (6 -[ ### | غسل الرجلين # ] :) # (ثم يغسل رجليه) : وجهه ما ثبت عنه [صلى الله عليه وسلم] في جميع ~~الأحاديث الواردة في حكاية وضوئه؛ فإنها جميعها مصرحة بالغسل، وليس في شيء ~~منها أنه مسح؛ إلا في روايات لا تقوم بمثلها الحجة، ويؤيد ذلك قوله [صلى ~~الله عليه وسلم] للماسحين على أعقابهم: " ويل للأعقاب من النار " - كما ثبت ~~في " الصحيحين " وغيرهما -. # ومما يؤيد ذلك وقوع الأمر منه [صلى الله عليه وسلم] بغسل الرجلين، كما في ~~حديث جابر - رضي الله عنه - عند الدارقطني (2) - رحمه الله -. # ويؤيده - أيضا - قوله [صلى الله عليه وسلم] : " فمن زاد على هذا أو نقص ~~(3) فقد أساء وظلم "؛ وهو حديث رواه أهل " السنن "، وصححه ابن خزيمة - رحمه ~~الله -، ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص. # وكذلك قوله [صلى الله عليه وسلم] : " هذا وضوء ms076 لا يقبل الله الصلاة إلا ~~به "، وكان في ذلك الوضوء قد غسل رجليه. # وكذلك قوله [صلى الله عليه وسلم] للأعرابي: " توضأ كما PageV01P158 # أمرك الله " (1) ، ثم ذكر له صفة الوضوء؛ وفيها غسل الرجلين. # وهذه أحاديث صحيحة معروفة، وهي تفيد أن قراءة الجر إما منسوخة أو محمولة ~~على أن الجر بالجوار (2) ؛ وقد ذهب إلى هذا الجمهور. # قال النووي: ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع. # وقال الحافظ - رحمه الله - في " الفتح ": إنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ~~- رضي الله تعالى عنهم - خلاف ذلك؛ إلا عن علي - رضي الله تعالى عنه -، ~~وابن عباس - رضي الله عنه -، وأنس - رضي الله عنه -، وقد ثبت الرجوع منهم ~~عن ذلك. # وروى سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - رحمه الله -، قال: اجتمع ~~أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم]- رضي الله عنهم - على غسل القدمين. # وقالت الإمامية (3) : الواجب مسحهما. # وقال محمد بن جرير، والحسن البصري - رحمه الله -، والجبائي: إنه مخير بين ~~الغسل والمسح. # وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين الغسل والمسح. PageV01P159 # ولم يحتج من قال بوجوب المسح إلا بقراءة الجر؛ وهي لا تدل على أن المسح ~~متعين؛ لأن القراءة الأخرى ثابتة بلا خلاف، بل غاية ما تدل عليه هذه ~~القراءة هو التخيير، لو لم يرد عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ما يوجب ~~الاقتصار على الغسل. # أقول: الحق أن الدليل القرآني قد دل على جواز الغسل والمسح؛ لثبوت قراءة ~~النصب والجر ثبوتا لا ينكر (1) . # وقد تعسف القائلون بالغسل فحملوا الجر على الجوار، وأنه ليس للعطف على ~~مدخول الباء في مسح الرأس، بل هو معطوف على الوجوه، فلما جاور المجرور ~~انجر. # وتعسف القائلون بالمسح، فحملوا قراءة النصب على العطف على محل الجار ~~والمجرور في قوله: {برؤسكم} (2) ، كما أن قراءة الجر عطف على لفظ المجرور. # وكل ذلك ناشئ عن عدم الإنصاف عند عروض الاختلاف، ولو وجد أحد القائلين ~~بأحد التأويلين اسما مجرورا في رواية ومنصوبا في أخرى مما لا يتعلق به ~~الاختلاف، ووجد ms077 قبله منصوبا لفظا ومجرورا: لما شك أن النصب عطف على المنصوب ~~والجر عطف على المجرور، وإذا تقرر هذا؛ كان الدليل القرآني قاضيا بمشروعية ~~كل واحد منهما على انفراده، لا على مشروعية الجمع بينهما؛ وإن قال به قائل ~~- فهو من الضعف بمكان؛ لأن الجمع بين الأمرين لم يثبت في شيء من الشريعة -. ~~PageV01P160 # انظر الأعضاء المتقدمة على هذا العضو من أعضاء الوضوء؛ فإن الله سبحانه ~~شرع في الوجه الغسل فقط، وكذلك في اليدين، وشرع في الرأس المسح فقط؛ ولكن ~~الرسول [صلى الله عليه وسلم] قد بين للأمة أن المفروض عليهم هو غسل الرجلين ~~لا مسحهما، فتواترت الأحاديث عن الصحابة في حكاية وضوئه [صلى الله عليه ~~وسلم] ، وكلها مصرحة بالغسل، ولم يأت في شيء منها المسح إلا في مسح الخفين، ~~فإن كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح؛ فالواجب ~~الغسل بما وقع منه [صلى الله عليه وسلم] من البيان المستمر جميع عمره (1) . # وإن كان ذلك لا يوجب الإجمال؛ فقد ورد في السنة الأمر بالغسل ورودا ~~ظاهرا؛ ومنه الأمر بتخليل الأصابع؛ فإنه يستلزم الأمر بالغسل؛ لأن المسح لا ~~تخليل فيه، بل يصيب ما أصاب، ويخطئ ما أخطأ. # والكلام على ذلك يطول جدا. # والحاصل: أن الحق ما ذهب إليه الجمهور؛ من وجوب الغسل وعدم إجزاء المسح ~~(1) . # قال في " الحجة البالغة ": ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء، فأنكروا غسل ~~الرجلين متمسكين بظاهر الآية (2) ؛ فإنه لا فرق عندي بين من قال بهذا ~~القول، وبين من أنكر غزوة بدر وأحد - مما هو كالشمس في رابعة النهار -. # نعم؛ من قال بأن الاحتياط (3) الجمع بين الغسل والمسح، أو أن أدنى ~~PageV01P161 # الفرض المسح - وإن كان الغسل مما يلام أشد الملامة على تركه -؛ فذلك أمر ~~يمكن أن يتوقف فيه العلماء حتى تنكشف جلية الحال. انتهى. # قلت: ويدفعه ما تقدم من الدليل على عدم إجزاء المسح والجمع بينه وبين ~~الغسل؛ فلا فائدة للتوقف في ذلك. # (مع الكعبين) ؛ أي: مع القدمين للآية - وهما العظمان الناتئان عند مفصل ~~الساق والقدم -؛ فالكلام في ذلك ms078 كالكلام في المرفقين، ولكنه لم يثبت في ~~غسلهما عنه [صلى الله عليه وسلم] مثل ما ثبت في المرفقين، وإذا تقرر أنه لا ~~يتم الواجب إلا بغسلهما: ففي ذلك كفاية مغنية عن الاستدلال بدليل آخر. # ( [ ### | شروط المسح على الخفين # ] :) # (1 -[ ### | أن يلبسهما على طهارة # ] :) # (وله المسح على الخفين) ، ويشترط في المسح عليهما: أن يكون أدخل رجليه ~~فيهما وهما طاهرتان. # قال الشافعي - رحمه الله -: يشترط كمال الوضوء عند اللبس. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: عند الحدث. # ومسح أعلى الخف فرض، ومسح أسفله سنة عند الشافعي - رحمه الله -. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يمسح إلا الأعلى. # وبالجملة: فوجهه ما ثبت تواترا عن النبي [صلى الله عليه وسلم] من فعله ~~وقوله. # PageV01P162 # وقد قال الإمام أحمد - رحمه الله -: فيه أربعون حديثا، وكذلك قال غيره. # وقال ابن أبي حاتم - رحمه الله -: إنه رواه عن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] من الصحابة (رض) (1) أحد وأربعون رجلا. # وقال ابن عبد البر - رحمه الله -: أربعون رجلا. # وقال ابن منده: إن الذين رووه من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - عن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] ثمانون رجلا. # ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك - رحمه الله -، أنه قال: ليس في المسح ~~على الخفين عن الصحابة رضي الله عنهم اختلاف؛ لأن كل من روي عنه منهم ~~إنكاره فقد روي عنه إثباته. # وقد ذكر أحمد - رحمه الله - أن حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - في ~~إنكار المسح باطل. # وكذلك ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وابن عباس - رضي الله عنه - قد ~~أنكره الحفاظ، ورووا عنهم خلافه. # وكذلك ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: سبق الكتاب الخفين؛ فهو ~~منقطع. # وقد روى عنه مسلم - رحمه الله -، والنسائي - رحمه الله - القول بالمسح ~~PageV01P163 # عليهما بعد موت النبي [صلى الله عليه وسلم] . # وقد روى الإمام المهدي (1) في " البحر " عن علي - رضي الله عنه - القول ~~بمسح الخفين. # وقد ثبت في " الصحيح " من حديث جرير - رضي الله عنه -: أنه [صلى الله ~~عليه وسلم] مسح ms079 على الخفين؛ وإسلام جرير - رضي الله تعالى عنه - كان بعد ~~نزول المائدة؛ لأن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع. # وقد روى المغيرة - رضي الله عنه - عن النبي [صلى الله عليه وسلم] المسح ~~على الخفين، وأنه فعل ذلك في غزوة تبوك، وتبوك متأخرة عن المريسيع ~~بالاتفاق. # وقد ذكر البزار - رحمه الله - أن حديث المغيرة - رضي الله عنه - هذا رواه ~~عنه ستون رجلا. # وبالجملة: فمشروعية المسح على الخفين أظهر من أن يطول الكلام عليهما، ~~ولكنه لما كثر الخلاف فيها وطال النزاع؛ اشتغل الناس بها، حتى جعلها بعض ~~أهل العلم من مسائل الاعتقاد. # (2 -[ ### | أن يكون المسح مؤقتا # ] :) # وقد ورد توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر، وبيوم وليلة للمقيم. # قال ابن القيم - رحمه الله - في " إعلام الموقعين " (2) : سئل رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] PageV01P164 # عن المسح على الخفين؟ فقال: " للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما "، وسأل ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أبي بن عمارة - رضي الله عنه -، فقال: يا ~~رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: " نعم "، قال: يوما؟ قال: " ويومين "، ~~قال: وثلاثة أيام؟ قال: " نعم، وما شئت ". ذكره أبو داود (1) - رحمه الله ~~-. # وطائفة قالت: هذا مطلق، وأحاديث التوقيت مقيدة، والمقيد يقضي على المطلق ~~انتهى. # وأما مسح الرقبة؛ فقد ورد من الروايات ما يصلح للتمسك به على مشروعية مسح ~~الرقبة (2) ، وقد بسطه المجتهد الرباني في " شرح المنتقى " (3) ، وقد كاد ~~يقع الإجماع بين أهل المذاهب على أنه بدعة. # (3 -[ ### | النية # ] :) # (ولا يكون وضوءا شرعيا إلا بالنية لاستباحة الصلاة) ؛ لحديث: " إنما ~~الأعمال بالنيات " وهو في " الصحيحين " وغيرهما، وورد من طرق بألفاظ. # قال في " التلخيص ": لم يبق من أصحاب الكتب المعتمدة - رحمهم الله - من ~~لم يخرجه؛ سوى مالك - رحمه الله -، فإنه لم يخرجه في " الموطأ "، وإن كان ~~ابن دحية - رحمه الله - وهم في ذلك، وادعى أنه في " الموطأ " (4) . ~~PageV01P165 # قال الهروي: كتب هذا الحديث عن سبع مئة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. # قلت: تتبعته من الكتب والأجزاء، حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء، ~~فما استطعت أن ms080 أكمل له سبعين طريقا، هذا ما كنت وقفت عليه؛ ثم إن في " ~~المستخرج لابن منده " - رحمه الله - عدة طرق، فضممتها إلى ما عندي، فزادت ~~على ثلاث مئة طريق. انتهى. # فإن كان المقدر عاما (1) فهو يفيد أنه لا يثبت العمل الشرعي إلا بها، وإن ~~كان خاصا؛ فأقرب ما يقدر الصحة، وهي تفيد ذلك. # قال في " الفتح ": " وقد اتفق العلماء على أن النية شرط في المقاصد، ~~واختلفوا في الوسائل ". # ومن ثم خالفت الحنفية - رحمهم الله - في اشتراطها للوضوء، ورد ابن القيم ~~- رحمه الله - على الحنفية - رحمهم الله - بأحد وخمسين وجها في " إعلام ~~الموقعين " فليرجع إليه. # وقد نسب القول بفرضية النية إلى الشافعي - رحمه الله -، ومالك - رحمه ~~الله -، والليث - رحمه الله -، وربيعة - رحمه الله -، وأحمد بن حنبل - رحمه ~~الله -، وإسحاق بن راهويه - رحمه الله -. ### | ( [فصل: سنن الوضوء] ) # (1 -[ ### | التثليث # ] ) # (ويستحب التثليث) : وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه PageV01P166 # [صلى الله عليه وسلم] غسل كل عضو ثلاث مرات، وبين أن الواجب مرة واحدة. # (في غير الرأس) : لأن الأحاديث الواردة بتثليث سائر الأعضاء وقع التصريح ~~فيها بإفراد مسح الرأس، ولا تقوم الحجة بما ورد في تثليثه (1) . # ( [ ### | بيان حكم الترتيب # ] :) # وأما الترتيب: فمن جملة ما استدل به القائل بوجوب الترتيب: أن الآية ~~مجملة باعتبار أن (الواو) لمطلق الجمع على أي صفة كان؛ فبين النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] للأمة أن الواجب من ذلك هيئة مخصوصة هي المروية عنه، وهي ~~مرتبة. # وأيضا؛ الوضوء الذي قال فيه [صلى الله عليه وسلم] : " لا يقبل الله ~~الصلاة إلا به " كان مرتبا (2) ؛ والحديث المذكور - وإن كان في جميع طرقه ~~مقال -؛ لكنها يقوي بعضها بعضا؛ ويؤيده ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه ~~وغيرهم مرفوعا عن أبي هريرة: " إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم " (3) : # قال ابن دقيق العيد: هو خليق بأن يصح. # وقد حقق الكلام على هذا شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى ". # (2 -[ ### | إطالة الغرة والتحجيل # ] :) # (وإطالة الغرة والتحجيل) : لثبوته في الأحاديث الصحيحة، كقوله [صلى الله ~~عليه وسلم] : PageV01P167 # " إن أمتي يدعون يوم القيامة ms081 غرا محجلين من آثار الوضوء " (1) ، فمن ~~استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. # (3 -[ ### | السواك # ] :) # (وتقديم السواك استحبابا) : وجهه الأحاديث المتواترة من قوله [صلى الله ~~عليه وسلم] وفعله، وليس في ذلك خلاف. # قال في " الحجة ": " قوله [صلى الله عليه وسلم] : " لولا أن أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة "؛ معناه: لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطا ~~للصلاة كالوضوء؛ وقد ورد بهذا الأسلوب أحاديث كثيرة جدا؛ وهي دلائل واضحة ~~على أن لاجتهاد النبي [صلى الله عليه وسلم] مدخلا في الحدود الشرعية، وأنها ~~منوطة بالمقاصد، وأن رفع الحرج من الأصول التي بني عليها الشرائع. # وقول الراوي في صفة تسوكه [صلى الله عليه وسلم] : يقول: أع أع؛ كما ~~يتهوع. # أقول: ينبغي للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصي الفم، فيخرج بلاغم الحلق ~~والصدر، والاستقصاء في السواك يذهب بالقلاع ويصفي الصوت ويطيب النكهة ". ~~انتهى. # (4 -[ ### | غسل الكفين ثلاثا # ] :) # (وغسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل الشروع في غسل الأعضاء المتقدمة) : ~~PageV01P168 # لحديث أوس بن أوس الثقفي، قال: رأيت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~توضأ، فاستوكف ثلاثا "؛ أي: غسل كفيه، أخرجه أحمد - رحمه الله -، والنسائي ~~- رحمه الله -. # وثبت في " الصحيحين " من حديث عثمان - رضي الله عنه -: " فأفرغ على كفيه ~~ثلاث مرات يغسلهما ". # وثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - يروونه عن النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] . ### | (فصل: [نواقض الوضوء] ) # (1 -[ ### | خروج شيء من أحد السبيلين # ] :) # (وينتقض الوضوء بما خرج من الفرجين من عين أو ريح) : فقد وردت الأدلة ~~بذلك مثل حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الثابت في " الصحيحين " وغيرهما، ~~قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا ~~أحدث حتى يتوضأ "، وقد فسره أبو هريرة - رضي الله عنه - لما قال له رجل: ما ~~الحدث؟ قال: فساء أو ضراط. # ومعنى الحدث أعم مما فسره به، ولكنه نبه بالأخف على الأغلظ. # ولا خلاف في انتقاض الوضوء بذلك. # (2 -[ ### | الجماع # ] :) # (وبما يوجب الغسل) في الجماع، ولا خلاف في انتقاضه به أيضا. # PageV01P169 # (3 ms082 -[ ### | نوم المضطجع # ] :) # (ونوم المضطجع) : وجهه أن الأحاديث الواردة بانتقاض الوضوء بالنوم كحديث: ~~" من نام فليتوضأ " مقيدة بما ورد أن النوم الذي ينتقض به الوضوء هو نوم ~~المضطجع، وقد روي من طرق متعددة، والمقال الذي فيها ينجبر بكثرة طرقها (1) ~~؛ وبذلك يكون الجمع بين الأدلة المختلفة. # وفي ذلك ثمانية مذاهب استوفيناها في " مسك الختام شرح بلوغ المرام "، ~~واستوفاها الماتن في " نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار "، وذكر الأحاديث ~~المختلفة وتخريجها، وترجيح ما هو الراجح. # قال الشافعي - رحمه الله -: النوم ينقض الوضوء إلا نوم ممكن مقعدته. ~~PageV01P170 # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لو نام قائما أو قاعدا أو ساجدا؛ لا وضوء ~~عليه، حتى ينام مضطجعا أو متكئا ". # كذا في " المسوى ". # (4 ### | -[ ### | أكل لحم الإبل # ] :) # (وأكل لحم الإبل) : وجهه قوله [صلى الله عليه وسلم]- لما قيل له: ~~أنتوضأ من لحوم الإبل؟ - قال: " نعم "، وهو في " الصحيح " من حديث جابر بن ~~سمرة - رضي الله عنه -. # وقد روي - أيضا - من طريق غيره. # وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، واستدلوا بالأحاديث التي نسخت ~~الأحاديث الواردة في الوضوء مما مست النار. # ولا يخفى أنه لم يصرح في شيء منها بلحوم الإبل حتى يكون الوضوء منها ~~منسوخا. # وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل - رحمه الله -، ~~وإسحاق بن راهويه - رحمه الله -، ويحيى بن يحيى - رحمه الله، وابن المنذر - ~~رحمه الله -، وابن خزيمة - رحمه الله -، والبيهقي - رحمه الله -، وحكي عن ~~أصحاب الحديث - رحمهم الله -، وحكي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ~~كما قال النووي رحمه الله. # قال البيهقي - رحمه الله - حكي عن بعض أصحابنا عن الشافعي # PageV01P171 # - رحمه الله - أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به، قال البيهقي ~~- رحمه الله -: قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه -، ~~وحديث البراء - رضي الله عنه -. # قال في " الحجة ": " وأما لحم الإبل فالأمر فيه أشد، لم يقل به أحد من ~~فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين - رضي الله عنهم - ولا سبيل إلى ~~الحكم بنسخه، ms083 فلذلك لم يقل به من يغلب عليه التخريج (1) ، وقال به أحمد ~~(رح) (2) ، وإسحاق (رح) ؛ وعندي أنه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان. والله ~~أعلم ". # وقد أطال ابن القيم (رح) في " إعلام الموقعين " (3) في إثبات النقض به. # أقول: الإنصاف في هذا أن لحوم الإبل ناقضة للوضوء، وحديث النقض من الصحة ~~بمكان يعرفه من يعرف هذا الشأن: أخرجه مسلم و " أهل السنن "، وصححه جماعة ~~من غيرهم؛ ولم يأت عنه [صلى الله عليه وسلم] ما يخالف هذا من قول أو فعل أو ~~تقرير، وإلى هذا التخصيص ذهب جماعة من أهل العلم - كما تقدم -. # ومن أراد الاطلاع على مذاهب العلماء وأدلتهم في هذه المسألة؛ فهي مستوفاة ~~في مؤلفات شيخنا العلامة الشوكاني. # وأما حمل الوضوء على غسل اليد؛ فالواجب علينا حمل ألفاظ الشارع ~~PageV01P172 # على الحقائق الشرعية إن وجدت، وهي ههنا موجودة؛ فإنه في - لسان الشارع ~~وأهل عصره -؛ لغسل أعضاء الوضوء لا لغسل اليد فقط. # ولم يصح من أحاديث الغسل قبل الطعام وبعده شيء (1) . # (5 -[ ### | القيء # ] :) # (والقيء) : وجهه ما روي عنه [صلى الله عليه وسلم] : أنه قاء فتوضأ (2) ؛ ~~أخرجه أحمد (رح) ، و " أهل السنن " (رح) . # قال الترمذي: هو أصح شيء في الباب. # وصححه ابن منده (رح) . # وليس فيه ما يقدح في الاحتجاج به، ويؤيده أحاديث، منها: حديث عائشة - رضي ~~الله تعالى عنها -، عنه [صلى الله عليه وسلم] : " من أصابه قيء أو رعاف أو ~~قلس أو مذي؛ فلينصرف فليتوضأ "؛ وفي إسناده إسماعيل بن عياش؛ وفيه مقال (3) ~~. # وفي الباب عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، والمجموع ينتهض ~~للاستدلال به. # وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة (رح) ، وأصحابه (رح) . PageV01P173 # وذهب الشافعي (رح) وأصحابه (رح) إلى أنه غير ناقض، وأجابوا عن أحاديث ~~الوضوء من القيء بأن المراد بها غسل اليدين! ولا يخفى أن الحقيقة الشرعية ~~مقدمة. # وفي " الحجة البالغة ": قال إبراهيم (رح) بالوضوء من الدم السائل والقيء ~~الكثير، والحسن (رح) بالوضوء من القهقهة في الصلاة، ولم يقل بذلك آخرون، ~~وفي كل حديث لم يجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه. ms084 # والأصح في هذه أن من احتاط فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن لا: فلا سبيل ~~عليه في صراح الشريعة. # والدم السائل والقيء الكثير ملوثان للبدن مبلدان للنفس، والقهقهة في ~~الصلاة خطيئة تحتاج إلى كفارة، فلا عجب أن يأمر الشارع بالوضوء من هذه، ولا ~~عجب أن يأمر ويرغب فيه من غير عزيمة. # وفي " المسوى ": قال الشافعي - رحمه الله -: خروج النجاسة من غير الفرجين ~~لا يوجب الوضوء. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يوجبه بشرطه. انتهى (1) . PageV01P174 # ( [ ### | القلس والرعاف # ] :) # (ونحوه) والمراد بنحو القيء: هو القلس والرعاف، والخلاف في القلس كالخلاف ~~في القيء. # قال الخليل (1) : هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه - وليس بقيء -. # وفي " النهاية ": القلس ما خرج من الجوف، ثم ذكر مثل كلام الخليل. # وأما الرعاف فقد ذهب إلى أنه ناقض أبو حنيفة - رحمه الله -، وأبو يوسف - ~~رحمه الله -، ومحمد - رحمه الله -، وأحمد بن حنبل - رحمه الله -، وإسحاق - ~~رحمه الله -، وقيدوه بالسيلان. # وذهب ابن عباس - رضي الله عنه -، ومالك - رحمه الله -، والشافعي - رحمه ~~الله - وروي عن ابن أبي أوفى - رضي الله عنه -، وأبي هريرة - رضي الله عنه ~~-، وجابر بن زيد - رضي الله عنه -، وابن المسيب - رحمه الله -، ومكحول - ~~رحمه الله -، وربيعة - رحمه الله - إلى أنه غير ناقض. # وأجابوا عن دليل الأولين بما فيه من المقال، وبالمعارضة بمثل حديث: أن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] احتجم، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل ~~محاجمه؛ رواه الدارقطني (2) - رحمه الله -، وفي إسناده صالح بن مقاتل، وهو ~~ضعيف. # ويجاب عن الأول بأنه ينتهض بمجموع طرقه (3) ، وعن المعارضة بأنها غير ~~PageV01P175 # صالحة للاحتجاج، وبأن دم الرعاف غير دم الحجامة فلا يبعد أن يكون لخروجه ~~من الأعماق تأثير في النقض. # في " المسوى " قال الشافعي - رحمه الله -: الرعاف والحجامة لا ينقضان ~~الوضوء. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ينقضان إذا كان الدم سائلا. # وقال مالك - رحمه الله -: الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف ولا دم ولا ~~من قيح يسيل من الجسد، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو ms085 دبر أو نوم. ~~(1) انتهى. # أقول: قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بخروج الدم، وجميع ما هو نص ~~في النقض أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح للاحتجاج بها، وقد تقرر أن كون ~~الشيء ناقضا للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح للاحتجاج؛ وإلا وجب البقاء على ~~الأصل؛ لأن التعبد بالأحكام الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله أو رسوله، وإلا ~~فليس بشرع. # ومع هذا؛ فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يباشرون مع معارك القتال ~~ومجاولة الأبطال في كثير من الأحوال ما هو من الشهرة بمكان أوضح من الشمس، ~~فلو كان خروج الدم ناقضا: لما ترك [صلى الله عليه وسلم] بيان ذلك مع شدة ~~الاحتياج إليه، وكثرة الحامل عليه. # ومثل الدم القيء في عدم ورود دليل يدل على أنه ناقض، وغاية ما ~~PageV01P176 # هناك حديث إسماعيل بن عياش، وفيه من المقال ما لا يخفى. # (6 -[ ### | مس الذكر # ] :) # (ومس الذكر) : وقد دل على ذلك حديث بسرة بنت صفوان - رضي الله عنها -، أن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: " من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ "؛ رواه ~~أحمد - رحمه الله -، وأهل " السنن " - رحمهم الله -، ومالك - رحمه الله -، ~~والشافعي - رحمه الله -، وابن خزيمة - رحمه الله -، وابن حبان - رحمه الله ~~-، والحاكم - رحمه الله -، وابن الجارود. # وصححه أحمد - رحمه الله -، والترمذي - رحمه الله -، والدارقطني - رحمه ~~الله -، ويحيى بن معين - رحمه الله -، والبيهقي - رحمه الله -، والحازمي - ~~رحمه الله -، وابن حبان - رحمه الله -، وابن خزيمة - رحمه الله -. # قال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب. # وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -؛ منهم: جابر - ~~رضي الله عنه -، وأبو هريرة - رضي الله عنه -، وأم حبيبة - رضي الله عنها ~~-، وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، وزيد بن خالد - رضي الله عنه -، ~~وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، وعائشة - رضي الله عنها -، وابن عباس - ~~رضي الله عنهما -، ابن عمرو - رضي الله عنهما -، والنعمان بن بشير - رضي ~~الله عنه -، وأنس - رضي الله عنه -، وأبي بن كعب، ومعاوية بن حيدة ms086 (1) - ~~رضي PageV01P177 # الله عنه -، وقبيصة - رضي الله عنه -، وأروى بنت أنيس (1) - رضي الله ~~عنها - (2) . # وحديث بسرة - رضي الله عنها - بمجرده أرجح من حديث طلق بن علي - رضي الله ~~عنه - عند أهل " السنن " - رحمهم الله - مرفوعا، بلفظ: الرجل يمس ذكره ~~أعليه وضوء؟ فقال [صلى الله عليه وسلم] : " إنما هو بضعة منك "؛ فكيف إذا ~~انضم إلى حديث بسرة - رضي الله عنها - أحاديث كثيرة كما أشرنا إليه؟ { # ومن مال إلى ترجيح حديث طلق: فلم يأت بطائل} # وقد تقرر في الأصول: أن رواية الإثبات أولى من رواية النفي، وأن المقتضي ~~للحظر أولى من المقتضي للإباحة. # قد ذهب إلى انتقاض الوضوء بمس الذكر جماعة من الصحابة والتابعين - رضي ~~الله عنهم، والأئمة - رحمهم الله -، ومالوا إلى العمل بحديث بسرة؛ لتأخر ~~إسلامها. # وذهب إلى خلاف ذلك جماعة كذلك. # والحق الانتقاض. # وقد ورد ما يدل على أنه ينتقض الوضوء بمس الفرج؛ وهو أعم من PageV01P178 # القبل والدبر، كما أخرجه ابن ماجه - رحمه الله - من حديث أم حبيبة - رضي ~~الله عنها -، قالت: سمعت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: " من مس ~~فرجه فليتوضأ "، وصححه أحمد - رحمه الله -، وأبو زرعة - رحمه الله -، وقال ~~ابن السكن - رحمه الله -: لا أعلم له علة. # وأخرج الدارقطني - رحمه الله - من حديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا: ~~" إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ "؛ وفي إسناد عبد الرحمن بن عبد الله ~~العمري؛ وفيه مقال (1) . # وأخرج أحمد - رحمه الله -، والترمذي - رحمه الله -، والبيهقي - رحمه الله ~~-، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~قال: " أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ "، وفي ~~إسناده بقية بن الوليد، ولكنه صرح بالتحديث (2) . # قال في " المسوى ": قال الشافعي - رحمه الله -: يجب الوضوء على من مس ~~الفرج، وشرطه أن يمس ببطن الكف أو بطون الأصابع. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: مس الفرج لا ينقض؛ واحتج بقوله [صلى الله ~~عليه وسلم] : " هل هو إلا بضعة منك؟ ! ". انتهى. # قالوا: إن مس الفرج لما كانت حاجة الناس ms087 إليه عامة، والبلوى به دائمة: ~~وجب أن ينقل شرعا ثابتا متواترا مستقرا. PageV01P179 # أقول: قد وقع في الأصول أن الحكم الذي تعم به البلوى لا بد أن ينقل نقلا ~~مستفيضا؛ والقائل بذلك بعض الحنفية. # وخالفهم الجمهور لعموم الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد. # وهذه القاعدة كثيرا ما ترى المشغوفين بمحبة ما ألفوه من مذاهب الأسلاف ~~يدفعون بها الحجج الشرعية التي يوردها خصومهم { # فإذا استدلوا لأنفسهم على إثبات حكم قد دأبوا عليه ودرجوا، وصار عندهم من ~~المألوفات المعروفات: مالوا عن ذلك ولم يعرجوا عليه، وهذا ستراه في غير ~~موطن من كتب المتمذهبين، فإن كنت ممن لا تنفق عليه التدليسات، ولا يغره ~~سراب التلبيسات: فلا تلعب بك الرجال من حال إلى حال بزخارف ما تنمقه من ~~الأقوال. # (فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا) # ولا حرج على المجتهد إذا رجح غير ما رجحناه؛ إنما الشأن في التكلم في ~~مواطن الخلاف بما يتبرأ منه الإنصاف، اللهم} بصرنا بالصواب، واجعل بيننا ~~وبين العصبية من لطفك أمنع حجاب. # وفي " الحجة البالغة ": " موجبات الوضوء في شريعتنا على ثلاث درجات: # إحداها: ما اجتمع عليه جمهور الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، وتطابق ~~فيه الرواية والعمل الشائع، وهو البول والغائط والريح والمذي والنوم الثقيل ~~وما في معناها. # PageV01P180 # الثانية: ما اختلف فيه السلف من فقهاء الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم ~~-، وتعارض فيه الرواية عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ؛ كمس الذكر لقوله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " من مس ذكره فليتوضأ "؛ قال به عمر وسالم وعروة ~~وغيرهم - رضي الله عنهم -، ورده علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - وفقهاء ~~الكوفة، ولهم قوله [صلى الله عليه وسلم] : " هل هو إلا بضعة منك؟ ! "؛ ولم ~~يجيء الثلج (1) بكون أحدهما منسوخا. # ( [ ### | لمس المرأة لا ينقض الوضوء # ] :) # ولمس المرأة، قال به عمر وابن مسعود وإبراهيم - رضي الله عنهم -؛ لقوله ~~تعالى: {أو لامستم النساء} (2) ، ولا يشهد له حديث، بل يشهد حديث عائشة - ~~رضي الله عنها - بخلافه، لكن فيه نظر؛ لأن في إسناده انقطاعا (3) . # وعندي أن مثل هذه ms088 العلة إنما تعتبر في مثل ترجيح أحد الحديثين على الآخر، ~~ولا تعتبر في ترك حديث من غير تعارض. والله تعالى أعلم. # وبالجملة: فجاء الفقهاء من بعدهم على ثلاث طبقات: آخذ به على ظاهره، ~~وتارك له رأسا، وفارق بين الشهوة وغيرها. # ولا شبهة أن لمس المرأة مهيج للشهوة مظنة لقضاء شهوة دون شهوة ~~PageV01P181 # الجماع، أن مس الذكر فعل شنيع، ولذلك جاء النهي عن مس الذكر بيمينه في ~~الاستنجاء، فإذا كان قبضا عليه كان من أفعال الشياطين لا محالة. # والثالثة: ما وجد فيه شبهة من لفظ الحديث؛ وقد أجمع الفقهاء من الصحابة ~~والتابعين - رضي الله تعالى عنهم - على تركه. # ( [ ### | الوضوء مما مسته النار منسوخ # ] :) # كالوضوء مما مست النار؛ فإنه ظهر عمل النبي [صلى الله عليه وسلم] ، ~~والخلفاء، وابن عباس، وأبي طلحة وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم - بخلافه، ~~وبين جابر - رضي الله عنه - أنه منسوخ. # قلت: " عامة أهل العلم على أن الوضوء مما مسته النار منسوخ، وتأول بعضهم ~~على غسل اليد والفم، قال قتادة - رضي الله عنه -: من غسل فمه فقد توضأ ". ~~كذا في " المسوى ". # PageV01P182 # (5 - ### | باب الغسل ### | ( [الفصل الأول: موجبات الغسل] ) # (1 ### | -[خروج المني] : وأصله تعميم البدن بالغسل:) # (يجب بخروج المني بشهوة ولو بتفكر) وقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة ~~كأحاديث: " الماء من الماء "، وأحاديث: " في المني الغسل "، وصدق اسم ~~الجنابة على من كان كذلك؛ وقد قال الله - تعالى -: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ~~، والاطهار استيعاب جميع البدن، بالغسل (1) . كذا في " المسوى ". # ولا أعلم في ذلك خلافا، وإنما وقع الخلاف المشهور بين الصحابة - رضي الله ~~تعالى عنهم - وكذلك بين من بعدهم: هل يجب الغسل ب ### | التقاء الختانين # من دون خروج مني أم لا يجب إلا بخروج المني؟ # والحق: الأول لحديث: " إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه ~~الغسل "؛ أخرجه البخاري، ومسلم وغيرهما - رحمهم الله - من حديث أبي هريرة - ~~رضي الله عنه -. # وأخرج نحوه مسلم، وأحمد، والترمذي - رحمهم الله تعالى، وصححه - من حديث ~~عائشة - رضي الله تعالى عنها -. PageV01P183 # فهذان الحديثان - وما ms089 ورد في معناهما - ناسخان لما كان في أول الإسلام من ~~أن الغسل إنما يجب بخروج المني. # ويدل على ذلك حديث أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه -، قال: إن الفتيا ~~التي كانوا يقولون: " الماء من الماء " رخصة كان رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. # وأخرج مسلم (1) - رحمه الله تعالى - من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها ~~-: أن رجلا سأل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عن الرجل يجامع أهله ثم ~~يكسل - وعائشة - رضي الله تعالى عنها - جالسة -؟ فقال رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] : " إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل ". # وقال في " الحجة البالغة ": " اختلف أهل الرواية هل يحمل الإكسال - أي: ~~الجماع من غير إنزال - على الجماع الكامل في معنى قضاء الشهوة - أعني ما ~~يكون معه الإنزال -؟ والذي صح رواية، وعليه جمهور الفقهاء: هو أن من جهد ~~فقد وجب عليهما الغسل، وإن لم ينزل. # واختلفوا في كيفية الجمع بين هذا الحديث، وحديث: " إنما الماء من الماء ~~": # فقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: للاحتلام. PageV01P184 # وفيه ما فيه {لأنه يأباه سبب ورود الحديث كما أخرجه مسلم. # وقال أبي - رضي الله تعالى عنه -: كانت رخصة في أول الإسلام، ثم نهي ~~عنها. # وقد روي (1) عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي بن كعب وأبي أيوب - رضي ~~الله تعالى عنهم - فيمن جامع امرأته ولم يمن، قالوا: يتوضأ كما يتوضأ ~~للصلاة ويغسل ذكره "، ورفع ذلك إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] . # ولا يبعد عندي أن يحمل ذلك على المباشرة الفاحشة؛ فإنه قد يطلق الجماع ~~عليها. # قلت: على هذا أكثر أهل العلم: أن غسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما ~~بإدخال الحشفة في الفرج، أو بخروج الماء الدافق من الرجل أو المرأة. # (2 -[ ### | التقاء الختانين # ] :) # (بالتقاء الختانين) وعلى هذا أكثر أهل العلم: أن من جامع امرأته فغيب ~~الحشفة؛ وجب الغسل عليهما وإن لم ينزل. # والختان: موضع القطع من ذكر الغلام، ونواة (2) الجارية. PageV01P185 # (3 -[انقطاع الحيض] ، 4 -[والنفاس] :) # (وب ms090 ### | انقطاع الحيض والنفاس # ) ولا خلاف في ذلك. # وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر السنة، وكذلك وقع الإجماع على وجوبه ~~بانقطاع النفاس. # (5 -[ ### | الاحتلام مع وجود بلل # ] :) # (و) كذلك وقع الإجماع على وجوبه (بالاحتلام) ؛ إلا ما يحكى عن النخعي - ~~رحمه الله تعالى -، ولكنه إنما يجب إذا وجد المحتلم بللا. # (مع وجود بلل) : كما في حديث عائشة - رضي الله عنها -، قالت: سئل رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما؟ فقال: " ~~يغتسل "، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: " لا غسل عليه "؛ ~~أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه - رحمهم الله - ورجاله رجال ~~الصحيح؛ إلا عبد الله بن عمر العمري؛ وفيه مقال خفيف (1) . # وأخرج نحوه أحمد والنسائي - رحمهما الله - من حديث خولة بنت حكيم - رضي ~~الله تعالى عنها -. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما - رحمهم الله تعالى - من حديث أم سلمة - رضي ~~الله تعالى عنها -: أن أم سليم - رضي الله تعالى عنها - قالت: PageV01P186 # يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة الغسل إذا ~~احتلمت؟ قال: " نعم؛ إذا رأت الماء ". # وهذه الأحاديث ترد على من اعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ذلك. # والمراد من البلل المني، فإن رأى بللا ولم يتيقن أنه مني؛ لم يجب الغسل ~~عند أكثر أهل العلم. # قال في " الحجة ": " أراد الحكم على البلل دون الرؤيا؛ لأن الرؤيا تكون ~~تارة حديث نفس، ولا تأثير له، وتارة تكون قضاء شهوة، ولا تكون بغير بلل، ~~فلا يصلح لإدارة الحكم إلا البلل. # وأيضا؛ فإن البلل شيء ظاهر يصلح للانضباط، وأما الرؤيا فإنها كثيرا ما ~~تنسى ". انتهى. # (6 -[ ### | الموت # ] :) # (وبالموت) : المراد وجوب ذلك على الأحياء؛ إذ لا وجوب بعد الموت من ~~الواجبات المتعلقة بالبدن؛ أي: يجب على الأحياء أن يغسلوا من مات. # وقد حكى المهدي في " البحر " والنووي - رحمه الله -، الإجماع على وجوب ~~غسل الميت، وناقش في ذلك بعض المتأخرين مناقشة واهية. # وسيأتي الكلام على غسل الميت، وصفته وتفاصيله - إن شاء الله تعالى -. # PageV01P187 # وفي ms091 " الحجة ": وأما غسل الميت: فلأن الرشاش ينتشر في البدن. # وجلست عند محتضر، فرأيت أن الملائكة الموكلة بالقبض لها نكاية عجيبة في ~~المحتضرين، ففهمت أنه لا بد من تغيير الحالة لتنبه النفس لمخالفها. # (7 -[ ### | إسلام الكافر # ] :) # (وبالإسلام) : وجهه ما أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ~~حبان، وابن خزيمة - رحمهم الله - عن قيس بن عاصم - رضي الله عنه -: أنه ~~أسلم، فأمره النبي [صلى الله عليه وسلم] أن يغتسل بماء وسدر. # وصححه ابن السكن - رحمه الله -. # وأخرج أحمد وعبد الرزاق، والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان - رحمهم الله - ~~من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ثمامة - رضي الله تعالى عنه - أسلم، ~~فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه ~~أن يغتسل " (1) . # وأصله في " الصحيحين "، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، بل فيهما أنه اغتسل. # قال في " الحجة ": قال (2) لآخر: " ألق عنك شعر الكفر "؛ وسره أن يتمثل ~~عنده الخروج من شيء، أصرح ما يكون، والله تعالى أعلم. انتهى. # وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه - رحمهم الله -. PageV01P188 # وذهب الشافعي - رحمه الله - إلى عدم الوجوب. # والحق الأول. # ويؤيده ما وقع منه [صلى الله عليه وسلم] من الأمر بالغسل عند الإسلام ~~لواثلة بن الأسقع، وقتادة الرهاوي - رضي الله عنه - كما أخرجه الطبراني - ~~رحمه الله -، وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب - رضي الله عنه -، كما أخرجه ~~الحاكم - رحمه الله - في " تاريخ نيسابور "؛ وفي أسانيدها مقال (1) . ### | ( [الفصل الثاني: كيفية الغسل] ) # ( [ ### | تعريف الغسل # ] :) # (والغسل الواجب هو أن يفيض الماء على جميع بدنه، أو ينغمس فيه) أقول: ~~الغسل شرعا ولغة هو ما ذكر. # وقد وقع النزاع في دخول الدلك في مسمى الغسل؛ ولكنه لا يخفى أن مجرد بل ~~الثوب أو البدن من دون دلك لا يسمى غسلا، كما يفهم ذلك من الاستعمالات ~~العربية، وكما يفيد ذلك ما تقدم في بول الصبي: أنه [صلى الله عليه وسلم] ~~أتبعه الماء ولم يغسله؛ وهو في " صحيح مسلم " - رحمه الله -، وغيره. # ( [ ### | وجوب المضمضة والاستنشاق # ] :) # (مع المضمضة والاستنشاق) : فقد ثبتا ms092 في الغسل من فعله [صلى الله عليه ~~وسلم] ، ووجه الوجوب ما قدمناه في الوضوء. PageV01P189 # وفيهما وفي السواك إزالة المخاط والبخر. # (والدلك لما يمكن دلكه، ولا يكون شرعيا إلا بالنية لرفع موجبه) لما ~~قدمناه في الوضوء. # ( [ ### | مندوبية الوضوء قبل الغسل ما عدا غسل القدمين # ] :) # (وندب) لا أنه وجب؛ لأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن ~~من غير تقدم. # (تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين) : لما قد ثبت في " الصحيحين " ~~وغيرهما: أنه كان [صلى الله عليه وسلم] إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل ~~يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ~~يفيض على سائر جسده، ثم يغسل رجليه، وهو من حديث عائشة - رضي الله عنها -. # وورد في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ميمونة - رضي الله عنها - بلفظ: ~~أنه [صلى الله عليه وسلم] أفرغ على يديه، فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ ~~بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثم ~~غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه، ~~فغسل قدميه. # وثبت عنه [صلى الله عليه وسلم] : أنه كان لا يتوضأ بعد الغسل، كما أخرجه ~~أحمد وأهل " السنن " - رحمهم الله -. # وقال الترمذي - رحمه الله -: حسن صحيح. # PageV01P190 # وأخرجه البيهقي - رحمه الله - أيضا بأسانيد جيدة. # وقد روى ابن أبي شيبة - رحمه الله -، عن ابن عمر - رضي الله عنه -، ~~مرفوعا وموقوفا؛ أنه قال - لما سئل عن الوضوء بعد الغسل -: وأي وضوء أعم من ~~الغسل؟ { (1) # وروي عن حذيفة - رضي الله عنه -، أنه قال: أما يكفي أحدكم أن يغتسل من ~~قرنه إلى قدمه، حتى يتوضأ؟} (2) # وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم، حتى ~~قال أبو بكر ابن العربي: إنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل، ~~وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث. # وهكذا نقل الإجماع ابن بطال - رحمه الله -. # وتعقب بأنه قد ذهب جماعة - منهم أبو ثور، وداود، وغيرهما - رحمهم الله - ~~إلى ms093 أن الغسل لا ينوب عن الوضوء. # وأما كون تقديم أعضاء الوضوء غير واجب: فلأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه ~~بالإفاضة على جميع البدن؛ من غير تقديم. # ( [ ### | يستحب التيامن # ] :) # (ثم التيامن) : لثبوته عنه [صلى الله عليه وسلم] قولا وفعلا، عموما ~~وخصوصا: PageV01P191 # فمن العموم ما ثبت في " الصحيح ": " أنه [صلى الله عليه وسلم] كان يعجبه ~~التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله ". # ومن الخصوص ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أنه بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم ~~الأيسر في الغسل. # وقد ثبت من قوله ما يفيد ذلك؛ ولا خلاف في استحباب التيامن. ### | (فصل: [الأغسال المسنونة] ) # (1 -[ ### | غسل الجمعة # ] :) # (ويشرع) ؛ أي: الغسل (لصلاة الجمعة) لحديث: " إذا جاء أحدكم الجمعة ~~فليغتسل "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -. # وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول، ورواه عن نافع - رحمه الله - نحو ~~ثلاث مئة نفس. # ورواه من الصحابة - غير ابن عمر؛ رضي الله عنه - نحو أربعة وعشرين ~~صحابيا. # وقد ذهب إلى وجوبه جماعة. # قال النووي - رحمه الله -: حكي وجوبه عن طائفة من السلف - رحمهم الله -، ~~حكوه عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم -، وبه قال أهل الظاهر، # PageV01P192 # وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار - رضي الله عنه -، ومالك، وحكاه ~~الخطابي عن الحسن البصري، وحكاه ابن حزم عن جمع من الصحابة - رضي الله عنهم ~~- ومن بعدهم. # وذهب الجمهور إلى أنه مستحب، واستدلوا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~عند مسلم بلفظ: " من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت؛ غفر ~~له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة (1) أيام " وبحديث سمرة - رضي ~~الله عنه، أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: " من توضأ للجمعة؛ فبها ~~ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي ~~- رحمهم الله -، وفيه مقال مشهور، وهو عدم سماع الحسن - رحمه الله - من ~~سمرة - رحمه الله - (2) ؛ وغير ذلك من الأحاديث، قالوا: وهي صارفة للأمر ~~إلى الندب. # ولكنه إذا كان ما ذكروه صالحا لصرف الأمر؛ فهو لا يصلح لصرف مثل قوله ms094 ~~[صلى الله عليه وسلم] : " حق (3) على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ~~يوما؛ يغسل فيه رأسه وجسده "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة - رضي الله عنه -. # وقد استوفى الماتن - رحمه الله - الكلام على حكم غسل الجمعة في " نيل ~~PageV01P193 # الأوطار "، فليرجع إليه. # ولا يخفى أن تقييد الغسل بالمجيء للجمعة يدل على أنه للصلاة لا لليوم. # (2 -[ ### | غسل العيدين # ] :) # (وللعيدين) : فقد روي من فعله [صلى الله عليه وسلم] من حديث الفاكه بن ~~سعد - رضي الله عنه -: أنه [صلى الله عليه وسلم] كان يغتسل يوم الجمعة ويوم ~~الفطر ويوم النحر؛ أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبزار، والبغوي (1) - رحمه ~~الله -. # وأخرج نحوه ابن ماجه (2) - رحمه الله - من حديث ابن عباس - رضي الله عنه ~~-. # وأخرجه البزار (3) - رحمه الله - من حديث أبي رافع - رضي الله عنه -. # وفي أسانيدها ضعف، ولكنه يقوي بعضها بعضا (4) ، ويقوي ذلك آثار عن ~~الصحابة - رضي الله عنهم - جيدة (5) . # أقول: قد روي في ذلك أحاديث لم يصح منها شيء، ولا بلغ شيء. PageV01P194 # منها إلى رتبة الحسن لذاته ولا لغيره. # وأما اعتبار كون المغتسل يصلي صلاة العيد بذلك الغسل - أي: من دون أن ~~يتخلل بين الغسل وبين الصلاة شيء من الأحداث -: فلا أحفظ فيه حديثا صحيحا ~~ولا ضعيفا ولا قول صحابي، وما أحسن الاقتصار على ما ثبت، وإراحة العباد مما ~~لم يثبت (1) . # (3 -[ ### | من غسل الميت # ] :) # (ولمن غسل ميتا) : وجهه ما أخرجه أحمد، وأهل " السنن " - رحمهم الله - من ~~حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: " من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله ~~فليتوضأ "، وقد روي من طرق، وأعل بالوقف، وبأن في إسناده صالحا - مولى ~~التوأمة - رحمه الله -. # ولكنه قد حسنه الترمذي - رحمه الله -، وصححه ابن القطان - رحمه الله -، ~~وابن حزم. # وقد روي من غير طريق (2) . # قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: هو - لكثرة طرقه - أسوأ أحواله أن ~~يكون حسنا، فإنكار النووي - رحمه الله - على الترمذي رحمه الله تحسينه ~~معترض. # وقال الذهبي - رحمه الله -: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ~~PageV01P195 # - رحمهم ms095 الله -. # وذكر الماوردي - رحمه الله - أن بعض أصحاب الحديث - رحمهم الله - خرج ~~لهذا الحديث مئة وعشرين طريقا. # وقد روي نحوه عن علي - رضي الله عنه - عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، ~~وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والبيهقي - رحمهم الله -، وعن حذيفة - ~~رضي الله عنه - عند البيهقي - رحمه الله -. # قال ابن أبي حاتم - والدارقطني، رحمهما الله -: لا يثبت. # وعن عائشة - رضي الله عنها - من فعله [صلى الله عليه وسلم] عند أحمد، ~~وأبي داود - رحمهما الله -. # وقد ذهب إلى الوجوب علي وأبو هريرة - رضي الله عنهما -، والإمامية. # وذهب الجمهور إلى أنه مستحب فقط. # قالوا: وهذا الأمر المذكور في الحديث السابق مصروف عن الوجوب بحديث: " إن ~~ميتكم يموت طاهرا؛ فحسبكم أن تغسلوا أيديكم " (1) ؛ أخرجه البيهقي، وحسنه ~~ابن حجر - رحمهما الله -، ولحديث: كنا نغسل الميت؛ فمنا من يغتسل ومنا من ~~لا يغتسل؛ أخرجه الخطيب - رحمه الله -، عن ابن عمر - رضي الله عنه -، وصحح ~~ابن حجر أيضا إسناده (2) ، ولما وقع من الفتيا من PageV01P196 # الصحابة - رضي الله عنهم - لأسماء بنت عميس - امرأة أبي بكر؛ رضي الله ~~عنه - لما غسلته فقالت لهم: إن هذا يوم شديد البرد؛ وأنا صائمة؛ فهل علي من ~~غسل؟ قالوا: لا. رواه مالك - رحمه الله - في " الموطأ " (1) . # (4 -[ ### | الإحرام # ] :) # (وللإحرام) : لحديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: أنه رأى النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] تجرد لإهلاله واغتسل؛ أخرجه الترمذي، والدارقطني، ~~والبيهقي، والطبراني - وحسنه الترمذي -، وضعفه العقيلي - رحمهم الله -. # ولعل وجه التضعيف كون عبد الله بن يعقوب المدني (2) في إسناده. # قال ابن الملقن في " شرح المنهاج ": لعل الترمذي - رحمه الله - حسنه؛ ~~لأنه عرف عبد الله بن يعقوب؛ أي: عرف حاله. # وفي الباب عن عائشة - رضي الله عنها - عند أحمد - رحمه الله -، وعن أسماء ~~- رضي الله عنها - عند مسلم - رحمه الله -. # وقد ذهب إلى استحباب غسل الإحرام الجمهور. # وقال الحسن البصري - رحمه الله -، ومالك - رحمه الله -: إنه محتمل. ~~PageV01P197 # (5 -[ ### | لدخول مكة # ] :) # (ولدخول مكة) المكرمة - حرسها الله تعالى -؛ لما أخرجه مسلم عن ابن عمر - ~~رضي الله ms096 عنه -: أنه كان لا يدخل مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم ~~يدخل مكة نهارا، ويذكر عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه فعله. # وأخرج البخاري - رحمه الله - معناه. # قال في " الفتح ": قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع ~~العلماء، وليس في تركه عندهم فدية. # وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء. # PageV01P198 # (6 - ### | باب التيمم # قال الله - تعالى -: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه} ؛ وقد كثر الاختباط في تفسير هذه الآية، والحق أن قيد عدم ~~الوجود راجع إلى قوله - تعالى -: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء} . # ( [ ### | الأسباب المبيحة للتيمم # ] :) # فتكون الأعذار ثلاثة: السفر، والمرض، وعدم الوجود في الحضر، وهذا ظاهر ~~على قول من قال: إن القيد إذا وقع بعد جمل متصلة كان قيدا (1) لآخرها. # وأما من قال: أنه يكون قيدا للجميع إلا أن يمنع مانع: فكذلك أيضا (2) ؛ ~~لأنه قد وجد المانع ههنا من تقييد السفر والمرض بعدم الوجود للماء، وهو: أن ~~كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا الباب - كالصوم -. # ويؤيد هذا أحاديث التيمم الواردة مطلقة ومقيدة بالحضر. PageV01P199 # فإن قلت: ما المعتبر في تسويغ التيمم للمقيم؟ هل هو عدم الوجود عند إرادة ~~الصلاة كما هو الظاهر من الآية؟ أم عدم الوجود مع طلب مخصوص - كما قيل: إنه ~~يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل -، أو ينتظر إلى آخر الوقت حتى لا ~~يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم؟ # قلت: الحق أن المعتبر هو ما يصدق عليه مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام ~~إلى الصلاة، فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة، وأراد المصلي القيام إليها، ~~فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به، أو يغتسل في منزله ومسجده وما يقرب منهما: كان ~~ذلك عذرا مسوغا للتيمم. # وليس المراد بعدم الوجود في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإحفاء (1) ~~السؤال، بل المراد أن لا يكون معه علم ms097 أو ظن بوجود شيء منه هنالك، ولم ~~يتمكن في تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه، فهذا يصدق عليه أنه لم يجد ~~الماء عند أهل اللغة. # والواجب حمل كلام الله على ذلك مع عدم وجود عرف شرعي (2) ، وقد وقع منه ~~[صلى الله عليه وسلم] ما يشعر بما ذكرناه؛ فإنه تيمم في المدينة من جدار؛ ~~كما ثبت ذلك في " الصحيحين " من دون أن يسأل ويطلب، ولم يصح عنه في الطلب ~~شيء تقوم به الحجة، فهذا - كما يدل على عدم وجوب الطلب - يدل على عدم وجوب ~~انتظار آخر الوقت. # ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر، ثم وجدوا الماء، ~~PageV01P200 # فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فقال [صلى الله عليه وسلم] للذي لم يعد: " ~~أصبت السنة "؛ أخرجه أبو داود، والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد (1) ، ~~فإنه يرد قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم، سواء كان ~~مسافرا أو مقيما. # إذا تقرر لك هذا: استرحت عن الاشتغال بكثير من التفاريع المحررة في كتب ~~الفقه؛ فإن هذه هي ثمرة الاجتهاد. # فأي فرق بين من لا يفرق بين الغث والسمين من المجتهدين، وبين من هو في ~~عداد المقلدين؟ ! # ( [ ### | الخلاف في الصعيد الذي يتيمم به # ] :) # قال في " القاموس ": والصعيد: التراب، أو وجه الأرض. انتهى. # والثاني هو الظاهر من لفظ الصعيد؛ لأنه ما صعد؛ أي: علا وارتفع على وجه ~~الأرض، وهذه الصفة لا تختص بالتراب، ويؤيد ذلك حديث: " جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا "؛ وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره. # وما ثبت في رواية بلفظ: " وتربتها طهورا "؛ كما أخرجه مسلم من حديث ~~حذيفة؛ فهو غير مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء،؛ لأن غاية ذلك ~~أن لفظ التراب دل بمفهومه على أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في ~~الطهورية. PageV01P201 # وهذا مفهوم لقب (1) لا ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسنة، ولهذا لم يعمل ~~به من يعتد به من أئمة الأصول، فيكون ذكر التراب في تلك الرواية من باب ~~التنصيص على بعض أفراد العام. # وهكذا يكون ms098 الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث، ووجه ذكره: أنه الذي ~~يغلب استعماله في هذه الطهارة، ويؤيد هذا ما تقدم من تيممه [صلى الله عليه ~~وسلم] من جدار. # وأما الاستدلال بوصف الصعيد بالطيب، ودعوى أن الطيب لا يكون إلا ترابا ~~طاهرا منبتا لقوله - تعالى -: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث ~~لا يخرج إلا نكدا} : فغير مفيد للمطلوب إلا بعد بيان اختصاص الطيب بما ذكر، ~~والضرورة تدفعه؛ فإن التراب المختلط بالأزبال أجود إخراجا للنبات. # قال الماتن في " شرح المنتقى " (2) : ومن الأدلة الدالة على أن المراد ~~خصوص التراب ما ورد في القرآن والسنة من ذكر الصعيد، فالأمر بالتيمم منه ~~وهو التراب، لكنه قال في " القاموس ": والصعيد: التراب أو وجه الأرض، وفي " ~~المصباح ": الصعيد وجه الأرض؛ ترابا كان أو غيره، قال الزجاج: لا أعلم ~~اختلافا بين أهل اللغة في ذلك، قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد ~~في قوله - تعالى -: {صعيدا طيبا} هو التراب، وفي كتاب " فقه اللغة " ~~للثعالبي: الصعيد تراب وجه الأرض، ولم يذكر غيره، وفي " المصباح " - أيضا ~~-: ويقال: الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي وجه الأرض، ~~وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق. PageV01P202 # ويؤيد حمل الصعيد على العموم تيممه [صلى الله عليه وسلم] من الحائط؛ فلا ~~يتم الاستدلال. # وقد ذهب إلى تخصيص التيمم بالتراب الشافعي، وأحمد، وداود. # وذهب مالك، وأبو حنيفة، وعطاء، والأوزاعي، والثوري إلى أنه يجزئ بالأرض ~~وما عليها. # قال: واستدل القائل بتخصيص التراب بما عند مسلم من حديث حذيفة مرفوعا ~~بلفظ: " وجعلت تربتها لنا طهورا "، وهذا خاص؛ فينبغي أن يحمل عليه العام. # وأجيب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، فلا يتم الاستدلال. # ورد بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ: " التراب "؛ أخرجه ابن خزيمة ~~وغيره، وفي حديث علي: " جعل التراب لي طهورا "؛ أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد ~~حسن (1) . # وأجيب أيضا عن ذلك الاستدلال بأن تعليق الحكم بالتربة مفهوم لقب، ومفهوم ~~اللقب ضعيف عند أرباب الأصول، ولم يقل به إلا الدقاق، فلا ينتهض ms099 لتخصيص ~~المنطوق. # ورد بأن الحديث سيق لإظهار التشريف، فلو كان جائزا بغير التراب لما اقتصر ~~عليه؛ وأنت خبير بأنه لم يقتصر على التراب إلا في هذه الرواية. PageV01P203 # نعم؛ الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدا دون الآخر، - كما ~~سيأتي في حديث مسلم - يدل على الافتراق في الحكم. # وأحسن من هذا أن قوله - تعالى - في آية المائدة: {منه} يدل على أن المراد ~~التراب، وذلك لأن كلمة " من " للتبعيض (1) كما قال في " الكشاف ": أنه لا ~~يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن والتراب؛ إلا معنى ~~التبعيض. انتهى. # فإن قلت: سلمنا التبعيض، فما الدليل على أن ذلك البعض هو التراب؟ قلت: ~~التنصيص عليه في الحديث المذكور. انتهى. # ( [ ### | ما يباح به التيمم # ] :) # (يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل لمن لا يجد الماء) : لأن حكم التيمم ~~مع العذر المسوغ له حكم الوضوء لمن لم يكن جنبا، وحكم الغسل لمن كان جنبا، ~~يصلي به ما يصلي المتوضئ بوضوئه، ويستبيح به ما يستبيحه المغتسل بغسله، ~~فيصلي به الصلوات المتعددة، ولا ينتقض بفراغ من صلاة، ولا بالاشتغال بغيره، ~~ولا بخروج وقت على ما هو الحق. # والخلاف في ذلك معروف. # والأدلة الواردة لمشروعية التيمم عند عدم الماء ثابتة كتابا وسنة. # قال في " الحجة ": ولم أجد في حديث صحيح تصريحا بأنه يجب أن PageV01P204 # يتيمم لكل فريضة، أو لا يجوز التيمم للآبق ونحوه، وإنما ذلك من التخريجات ~~(1) ، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء، ولم يشرع التمرغ؛ لأن من حق ما ~~لا يعقل - بادي الرأي - أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو ~~الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج، فلا يصلح ~~رافعا للحرج بالكلية. # وفي معنى المرض البرد الضار - لحديث (2) عمرو بن العاص - رضي الله عنه -. # والسفر ليس بقيد، إنما هو صورة لعدم وجدان الماء، تتبادر إلى الذهن، ~~وإنما لم يؤمر بمسح الرجل بالتراب؛ لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ~~ليس حاصلا ليحصل التنبيه به. انتهى. # (أو خشي ms100 الضرر من استعماله) : لما أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني ~~- رحمهم الله -، من حديث جابر - رضي الله عنه -، قال: خرجنا في سفر، فأصاب ~~رجلا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون له رخصة في ~~التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة؛ وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما ~~قدمنا على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ؛ أخبرناه بذلك؟ فقال: " قتلوه ~~قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ ! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان ~~يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل PageV01P205 # سائر جسده (1) ". # وقد تفرد به الزبير بن خريق (2) - رحمه الله - وليس بالقوي، وقد صححه ابن ~~السكن - رحمه الله -. # وروي من طريق أخرى عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. # وقد ذهب إلى مشروعية التيمم بالعذر الجمهور. PageV01P206 # وذهب أحمد بن حنبل - رحمه الله -، وروي عن الشافعي - رحمه الله - في قول ~~له - أنه لا يجوز التيمم لخشية الضرر. # ولا أدري كيف صحة ذلك عنهما (1) ؟ {فإن هذا الحديث يؤيده قوله - تعالى -: ~~{وإن كنتم مرضى} الآية. # وكذلك حديث المسح على الجبائر (2) المروي عن علي - رضي الله عنه -. # وكذلك حديث عمرو بن العاص: لما بعثه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في ~~غزوة ذات السلاسل، فاحتلم في ليلة باردة، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما قدموا ~~ذكروا ذلك لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] ؟ فقال: " يا عمرو} أصليت مع ~~أصحابك وأنت جنب؟ "، فقال: ذكرت قوله الله - تعالى -: {ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما} ، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] ، ولم يقل شيئا. رواه أحمد، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، وأخرجه ~~البخاري تعليقا (3) . # قال في " الحجة ": وكان عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - لا يريان ~~التيمم عن الجنابة، وحملا الآية على اللمس (4) ، وأنه ينقض الوضوء، لكن ~~حديث عمران وعمار يشهد بخلاف ذلك. PageV01P207 # ( [ ### | أعضاء التيمم # ] :) # (وأعضاؤه: الوجه ثم الكفان يمسحهما) ؛ أي: الوجه والكفين؛ لما ورد من ~~الأحاديث الصحيحة قولا وفعلا، وقد أشار بالعطف ب (ثم) إلى الترتيب بين ~~الوجه ms101 والكفين. # وأما الاقتصار على الكفين: فلكون الأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك: # منها حديث عمار بن ياسر: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] أمره بالتيمم ~~للوجه والكفين؛ أخرجه الترمذي وغيره - وصححه -. # ومنها ما في " الصحيحين " من حديث عمار - أيضا -: أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] قال له: " إنما كان يكفيك هكذا "، وضرب النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. # وفي لفظ للدارقطني: " إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ ~~فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين ". # وقد ذهب إلى أنه يقتصر من اليدين على الكفين عطاء، ومكحول، والأوزاعي، ~~وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث. هكذا في " شرح مسلم ". # وذهب الجمهور إلى أن المسح في التيمم إلى المرفقين. # وذهب الزهري إلى أنه يجب المسح إلى الإبطين. # وقال الخطابي: إنه لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم مسح # PageV01P208 # ما وراء المرفقين. # والحق ما ذهب إليه الأولون؛ لأن الأدلة التي استدل بها الجمهور منها ما ~~لا ينتهض للاحتجاج به، كحديث ابن عمر عند الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، ~~مرفوعا بلفظ: " التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين "؛ ~~وفي إسناده علي بن ظبيان (1) ، قال الدارقطني: وثقه (2) يحيى بن [سعيد بن] ~~القطان وهشيم وغيرهما، وقال الحافظ: هو ضعيف؛ ضعفه ابن القطان، وابن معين، ~~وغير واحد. # وأما ما ورد فيه لفظ اليدين - كما وقع في بعض روايات من حديث عمار -: ~~فالمطلق يحمل على المقيد بالكفين. # واحتج الزهري بما ورد في رواية من حديث عمار أيضا بلفظ: ". . إلى الآباط ~~"؛ وقد نسخ ذلك ما قال الشافعي. # ( [ ### | كيفية التيمم # ] :) # (مرة بضربة واحدة) : لأن ذلك هو الثابت في الأحاديث الصحيحة، ولم يثبت ما ~~يخالف ذلك من وجه صحيح. # وقد ذهب إلى كون التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور. # وذهب جماعة من الأئمة والفقهاء إلى أن الواجب ضربتان: ضربة للوجه، وضربة ~~لليدين. PageV01P209 # وذهب ابن المسيب وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاثة ضربات: ضربة للوجه، ~~وضربة للكفين، وضربة للذراعين. # (ناويا ms102 مسميا) لما تقدم في الوضوء؛ لأنه بدل عنه، وأدلة النية شاملة لكل ~~عمل. # ( [ ### | نواقض التيمم # ] :) # (ونواقضه نواقض الوضوء) : لما ذكرنا من البدلية (1) ، ومن أثبت للتيمم ~~شيئا من النواقض لم يثبت في الوضوء؛ لم يقبل منه ذلك إلا بدليل، ولم نجد ~~دليلا تقوم به الحجة يصلح لذلك، فالواجب الاقتصار على نواقض الوضوء. # وأما وجود الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة بالتيمم؛ فقد صرح النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لمن لم يعد الصلاة من الرجلين اللذين سألاه بعد أن صلياها بالتيمم، ثم ~~وجدا الماء، أن الذي لم يعد أصاب السنة، والحديث معروف (2) . # وأما قوله للذي أعاد: " لك الأجر مرتين "؛ فلكونه قد كرر العبادة معتقدا ~~وجوب ذلك، فكان له الأجر الآخر لذلك. # وليس المراد ههنا إلا الإجزاء وسقوط الوجوب، وقد أفاد ذلك قوله [صلى الله ~~عليه وسلم] : " أصبت السنة "، مع ما في إصابة السنة من الخير والبركة، ~~والتعريض (3) PageV01P210 # بأن ما عدا ذلك مخالف للسنة كما لا يخفى. # وأما القول بأن من أسباب التيمم تعذر استعمال الماء وخوف سبيله - ونحو ~~ذلك -: فلا يخفى أن هذه داخلة تحت ما ذكرناه من عدم الماء أو خشية الضرر من ~~استعماله؛ فإن من تعذر عليه استعمال الماء؛ هو عادم للماء؛ إذ ليس المراد ~~الوجود الذي لا ينفع، فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر، يتعذر عليه الوصول ~~إليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم، وهكذا خوف السبيل الذي يسلك إلى الماء، ~~وهكذا من كان ينجسه - ولا محالة - إذا استعمله، وهكذا من كان يحتاجه للشرب؛ ~~فهو عادم له بالنسبة إلى الوضوء. # وأما ما قيل من أن فوات الصلاة باستعمال الماء وإدراكها بالتيمم سبب من ~~أسباب التيمم! فليس على ذلك دليل، بل الواجب استعمال الماء، وهو إن كان ~~تراخيه عن تأدية الصلاة إلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير - كالنوم والسهو ~~ونحوهما -؛ فلم يوجب الله - تعالى - عليه إلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت ~~بالطهور الذي أوجبه الله - تعالى -، وإن كان التراخي لا لعذر إلى وقت لو ~~استعمل الوضوء فيه لخرج الوقت: فعليه ms103 الوضوء وقد باء بإثم المعصية. # وأما ما قيل من الطلب إلى مقادير محدودة: فليس على ذلك حجة نيرة. # PageV01P211 # (7 - ### | باب الحيض والنفاس ### | ( [الفصل الأول: أحكام الحيض] ) # ( [ ### | عدم وجود دليل بتحديد أقل الحيض وأكثره # ] :) # (لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطهر) ؛ لأن ما ~~ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما، فهو إما موقوف ولا تقوم به الحجة، ~~أو مرفوع ولا يصح، فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه، بل المعتبر لذات ~~العادة المتقررة هو العادة، وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من ~~الدم. # ( [ ### | تعمل المرأة بعادتها # ] :) # (فذات العادة المتقررة تعمل عليها) فقد صح في غير حديث اعتبار الشارع ~~للعادة كحديث: " إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي ~~عنك الدم وصلي " أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة. # وأخرج مسلم وغيره من حديثها - نحو ذلك -. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أم سلمة: " أنها ~~استفتت النبي [صلى الله عليه وسلم] في امرأة تهراق الدم؟ فقال: " لتنتظر ~~قدر الليالي # PageV01P212 # والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر (1) فتدع الصلاة " وهو حديث ~~صالح للاحتجاج به. # وكذلك حديث زينب بنت جحش: " أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال في ~~المستحاضة: " تجلس أيام أقرائها " أخرجه النسائي (2) . # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. # ( [ ### | تعمل المرأة غير المعتادة بالقرائن المستفادة من الدم # ] :) # (وغيرها ترجع إلى القرائن) المستفادة من الدم؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش: ~~أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي [صلى الله عليه وسلم] : " إن كان دم ~~الحيض فإنه أسود يعرف (3) ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر ~~فتوضئي وصلي؛ فإنما هو عرق " أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، ~~والحاكم، وأخرجه أيضا الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، - أيضا - بزيادة: " ~~فإنما هو داء عرض، أو ركضة من الشيطان، أو عرق انقطع " (4) . PageV01P213 # ( [ ### | صفات دم الحيض # ] :) # (فدم الحيض يتميز عن غيره، فتكون حائضا إذا رأت دم الحيض) أخرج أبو داود، ~~والنسائي؛ من حديث فاطمة بنت أبي حبيش، أنه قال [صلى الله عليه وسلم] : " ~~دم ms104 الحيض أسود يعرف " صححه ابن حزم، وأخرج النسائي من حديث عائشة مرفوعا - ~~نحوه (1) -. # وأخرج الطبراني، والدارقطني من حديث أبي أمامة مرفوعا، بلفظ: " دم الحيض ~~لا يكون إلا أسود " (2) ، فدلت هذه الأحاديث على أنه لا يقال للصفرة ~~والكدرة: دم حيض، ولا يعتد بها سواء كانت بين دمي حيض أو بعد دم الحيض، ~~وليس التحيض بين دمي الحيض مع تخلل الصفرة والكدرة لأجلهما، بل لكون ما ~~توسط بين دمي الحيض حيضا، كما لو لم يخرج دم أصلا بين دمي الحيض. # ولا يعارض هذا ما أخرجه في " الموطأ " - وعلقه في " البخاري " -: أن ~~PageV01P214 # النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة من دم الحيض ~~ليسألنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء "؛ فإن ~~هذا - مع كونه رأيا (1) منها - ليس بمخالف لما تقدم؛ لأنها لم تخبرهن بأن ~~الصفرة والكدرة حيض، إنما أمرتهن بالانتظار إلى حصول دليل يدل على أنه قد ~~انقضى الحيض، وهو خروج القصة، فمتى خرجت لم يخرج بعدها دم حيض، ولم تأمرهن ~~بالانتظار ما دامت الصفرة والكدرة. # وهذا واضح لا يخفى. # ( [ ### | تعريف المستحاضة وأحكامها # ) :) # (ومستحاضة) ؛ وهي التي يستمر خروج الدم منها. # (إذا رأت غيره) تعمل على العادة المتقررة، فتكون فيها حائضا تثبت لها فيه ~~أحكام الحائض، وفي غير أيام العادة تكون طاهرا لها حكم الطاهر. ### | ( [تعامل المستحاضة كالطاهرة] :) # (وهي كالطاهرة) كما أفادت ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة من غير ~~PageV01P215 # وجه، فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمبتدأة والملتبسة عليها عادتها؛ ~~فإنها ترجع إلى التمييز، فإن دم الحيض أسود يعرف - كما قال -[صلى الله عليه ~~وسلم] فتكون إذا رأت دما كذلك: حائضا، وإذا رأت دما ليس كذلك: طاهرا. # وقد أطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل، وكثرت فيه التفريعات ~~والتدقيقات، والأمر أيسر من ذلك. # (وتغسل أثر الدم) لقوله [صلى الله عليه وسلم] في حديث عائشة الثابت في " ~~الصحيح ": " فاغسلي عنك الدم وصلي "، وقد ورد ما يفيد معنى ذلك من غير وجه. # ( [ ### | المستحاضة تتوضأ لكل صلاة # ] :) # (وتتوضأ لكل صلاة) وذلك ms105 هو الذي ورد من وجه معتبر (1) ، وإذا جمعت بين ~~الصلاتين فأخرت الأولى إلى آخر وقتها، وقدمت الثانية في أول وقتها كان لها ~~أن تصليهما بوضوء واحد. # ولم يأت في شيء من الأحاديث الصحيحة إيجاب الغسل لكل صلاة، ولا لكل ~~صلاتين، ولا في كل يوم، بل الذي صح إيجاب الغسل عند انقضاء وقت حيضها ~~المعتاد، أو عند انقضاء ما يقوم مقام العادة من التمييز بالقرائن، كما في ~~حديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " فإذا أقبلت الحيضة فدعي ~~الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي ". # وأما ما في " صحيح مسلم ": " أن أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة ": ~~PageV01P216 # فلا حجة في ذلك؛ لأنها فعلته من جهة نفسها، ولم يأمرها النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] بذلك، بل قال لها: " امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي ~~"؛ فإن ظاهر هذه العبارة أنها تغتسل بعد المكث قدر ما كانت تحبسها الحيضة، ~~وذلك هو الغسل الكائن عند إدبار الحيضة، وليس فيه ما يدل على أنها تغتسل ~~لكل صلاة. # وقد ورد الغسل لكل صلاة من طرق لا تقوم بمثلها الحجة (1) ، لا سيما مع ~~معارضتها لما ثبت في " الصحيح "، ومع ما في ذلك من المشقة العظيمة على ~~النساء الناقصات العقول والأديان، والشريعة سمحة سهلة، {وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج} ، {فاتقوا الله ما استطعتم} . # ( [ ### | أحكام الحائض # ] :) # (والحائض لا تصلي ولا تصوم) لما ورد في ذلك من الأدلة الصحيحة؛ كحديث: " ~~أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ! "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ~~أبي سعيد - وهو مجمع عليه -، وكان هذا شأن الحائض في زمن النبوة وأيام ~~الصحابة فمن بعدهم، أنها تدع الصلاة والصوم أيام حيضتها، وتقضي الصوم لا ~~الصلاة بعد طهرها. # ولم يخالف في ذلك غير الخوارج (2) ، ولا ريب أن القضاء إن كان بدليل ~~الأصل - كما ذهب إليه البعض - فلا وجوب للأصل ههنا، ولا دليل عليه في حال ~~الحيض، وإن كان بدليل جديد غير دليل المقضي، فلم يقم في الصلاة PageV01P217 # وقام في الصيام، فطاح القياس وذهب الإلزام. # ( [ ### | الحائض ms106 لا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر # ] :) # (و) أما كونها (لا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر) فذلك نص الكتاب العزيز؛ قال ~~الله - تعالى - {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} ~~، والأحاديث في ذلك كثيرة؛ منها قوله [صلى الله عليه وسلم] : " اصنعوا كل ~~شيء إلا النكاح " وهو في " الصحيح "، وهو مجمع على تحريم ذلك، ليس فيه ~~خلاف. # وتحريم الصلاة والصوم على الحائض كما تقدم، وكذلك وطؤها: هو إلى غاية هي ~~الغسل بعد الطهر - كما صرحت بذلك الأدلة -. # ( [ ### | الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة # ] :) # (و) أما كونها (تقضي الصيام) فلحديث عائشة بلفظ: " فنؤمر بقضاء الصيام ~~ولا نؤمر بقضاء الصلاة "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما. # وقد نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على ذلك، وحكى ابن ~~عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة! # ولا يقدح في إجماع الأمة مخالفة هؤلاء الذين هم كلاب النار (1) . ### | (فصل: [أحكام النفساء] ) ### | ( [أكثر النفاس أربعون يوما ولا حد لأقله] :) # PageV01P218 # (والنفاس أكثره أربعون يوما) لحديث أم سلمة، قالت: " كانت النفساء تجلس ~~على عهد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أربعين يوما " أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم (1) ، وللحديث طرق يقوي بعضها بعضا. # وإلى ذلك ذهب الجمهور. # وقد قيل: إن أكثره ستون يوما، وقيل: سبعون يوما، وقيل: خمسون، وقيل: نيف ~~وعشرون، والحق الأول، وهذا القدر هو أرجح ما قيل؛ لأن ما عداه خال عن ~~الدليل. # (و) أما كونه (لا حد لأقله) فلم يأت في ذلك دليل، بل ما دام الدم باقيا ~~كانت المرأة نفساء، فإن انقطع قبل الأربعين اقتطع عنها حكم النفاس، فإن ~~جاوز دمها الأربعين عاملت نفسها معاملة المستحاضة إذا جاوزت أيام العادة ~~المتقررة. # ( [ ### | أحكام النفساء كأحكام الحائض # ] :) # (وهو) أي: النفاس (كالحيض) في تحريم الوطء وترك الصلاة والصيام، ولا خلاف ~~في ذلك، وكذلك لا تقضي النفساء الصلاة. # في رواية لأبي داود من حديث أم سلمة، قالت: " كانت المرأة من نساء النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] تقعد في النفاس أربعين ليلة ms107 لا يأمرها النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بقضاء صلاة النفاس ". PageV01P219 # وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض، وهو في النفاس إجماع كذلك. # ولعل الخوارج يخالفون ههنا كما خالفوا هنالك! ولا يعتد بهم. # PageV01P220 ### | (الكتاب الثاني: ### | كتاب الصلاة # ) # PageV01P221 # (2 - ### | كتاب الصلاة # (1 - ### | باب مواقيت الصلاة # قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} ~~والأمر بمطلق الصلاة إنما يفيد الإتيان بها في زمان ومكان من دون تعيين؛ ~~لأن مطلق الزمان والمكان من ضروريات الفعل. # وأما الوقت الخاص الذي شرع الله فيه الصلاة، وكذلك كونها على هيئة مخصوصة ~~مع شروط محصورة، فهذا لا دلالة للآية عليه بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام ~~(1) ، ولم يدل على ذلك إلا السنة الثابتة عنه [صلى الله عليه وسلم] قولا ~~وفعلا، وليس في القرآن من ذلك إلا النادر القليل؛ كقوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} فإنه في هذه الآية ذكر الوضوء، وهو شرط من شروط ~~الصلاة، وقيد الأمر به بالقيام إليها، فكان ذلك مقيدا لوجوب الفعل، ولا بد ~~للشرطية من دليل أخص من ذلك، وقد ورد في السنة ما يفيد الشرطية، وكذلك ورد ~~في القرآن ذكر بعض هيآت الصلاة؛ كالسجود والركوع، ولكن بدون ذكر صفة ولا ~~عدد، ولا كون ذلك في الموضع الذي بينته السنة المطهرة. # ( [ ### | بيان أول وقت الظهر وآخره # ] :) # (أول وقت الظهر) تعيين أول الأوقات وآخرها قد ثبت في الأحاديث ~~PageV01P223 # الصحيحة من تعليم جبرائيل - عليه السلام - له [صلى الله عليه وسلم] ، ومن ~~تعليمه [صلى الله عليه وسلم] لمن سأله، وغير ذلك من أقواله وأفعاله. # (الزوال) أي: زوال الشمس، ويبين ذلك باخضرار الجدار إلى جهة الشرق، يعرفه ~~كل ذي عينين. # (وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال) فإن قلت: أخرج النسائي وأبو ~~داود من حديث ابن مسعود: " كان قدر صلاة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~[الظهر] في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى ~~سبعة أقدام " (1) . # قلت: إنهم حملوه على الإبراد (2) ؛ كما قاله ابن العربي المالكي في " ~~القبس ms108 "، وتبعه الحافظ السيوطي، وأنه حديث قد قدح فيه؛ فإنه من رواية عبيدة ~~بن حميد الضبي الكوفي، عن أبي مالك سعد بن طارق، عن كثير بن مدرك، عن ~~الأسود. # وفي عبيدة وشيخه سعد خلاف، ففي " الميزان " في ترجمة سعد: " وثقه أحمد ~~وابن معين، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه في القنوت ". # وقد ضعف عبد الحق حديث تقدير صلاة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~بالأقدام في الشتاء والصيف. # والعجب من الحافظ ابن حجر في " التخليص " لم يتكلم على لفظ PageV01P224 # الحديث ولا سنده! # وذكر كلام ابن العربي وأبطله السيد محمد الأمير في " اليواقيت ". # نعم؛ أيام الشتاء يحسن التأني بالظهر حتى يحصل ظن أن الشمس لو كانت في ~~كبد السماء أن قد زالت، لأنه يدرك بالحس والمشاهدة إذا كانت من جهة الجنوب، ~~لأن ظلها يزداد في جهة الشرق زيادة كثيرة، لكن لا إلى الحد الذي يقدر ~~بالأقدام، وغايته أن ينظر في أمارات تحصل الظن بالزوال، وأهل الأقدام ليس ~~معهم إلا الظن لا غير، وليس أحد مخاطبا بظن غيره بل بظن نفسه، فتأمل. # ( [ ### | بيان أول وقت العصر وآخره # ] :) # (وهو أول وقت العصر) أي: صيرورة ظله مثله. # قال ابن القيم: وأنهم كانوا يصلونها مع النبي [صلى الله عليه وسلم] ، ثم ~~يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة (1) . # وقال أنس: صلى بنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] العصر، فأتاه رجل من ~~بني سلمة، فقال: يا رسول الله: إنا نريد أن ننحر جزورا، وإنا نحب أن ~~تحضرها، قال: " نعم "، فانطلق، وانطلقنا معه، فوجد الجزور لم تنحر، فنحرت، ~~ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس " (2) ، ومحال أن ~~يكون هذا بعد المثلين. PageV01P225 # وفي " صحيح مسلم " عنه: " وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر " (1) ، ولا ~~معارض لهذه السنن في الصحة ولا في الصراحة والبيان، فردت بالمجمل من قوله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجيرا، ~~فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ... " (2) الخ. # ويا لله ms109 العجب {أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل ~~مثلين بنوع من أنواع الدلالة،؟} وإنما يدل على أن من صلاة العصر إلى غروب ~~الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر، وهذا لا ريب فيه. انتهى. # (وآخره) أي: آخر وقت العصر صيرورة ظله مثليه. # قال الشافعي: " آخر الوقت المختار للعصر أن يكون ظل كل شيء مثليه. # وقيل: إلى أن تصفر الشمس، وآخر وقت الضرورة مغيب الشمس ". كذا في " ~~المسوى ". # وفي " الحجة البالغة ": وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت العصر أن ~~تتغير الشمس، وهو الذي أطبق عليه الفقهاء، فلعل المثلين بيان لآخر الوقت ~~المختار والذي يستحب فيه، أو نقول: لعل الشرع نظر - أولا - إلى المقصود من ~~اشتقاق العصر، أن يكون الفصل بين كل صلاتين نحوا من PageV01P226 # ربع النهار، فجعل الأمد الآخر بلوغ الظل إلى المثلين، ثم ظهر من حوائجهم ~~وأشغالهم ما يوجب الحكم بزيادة الأمد. # وأيضا معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل وحفظ الفيء الأصلي ورصده. # وإنما ينبغي أن يخاطب الناس في مثل ذلك بما هو محسوس ظاهر، فنفث الله ~~تعالى في روعه [صلى الله عليه وسلم] أن يجعل الأمد تغير قرص الشمس أو ~~ضوئها، والله تعالى أعلم. # (ما دامت الشمس بيضاء نقية) فإذا اصفرت خرج وقت العصر؛ لما ورد في ذلك من ~~الأحاديث، منها حديث ابن عمرو، قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ~~" وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ~~ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور (1) الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف ~~الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس ". # أخرجه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود. # ولا يخالف ما وقع في هذا الحديث - في آخر وقت العصر والعشاء - ما ورد في ~~بعض الأحاديث " أن آخر وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه، وآخر وقت العشاء ~~ذهاب ثلث الليل (2) "؛ فإن هذا الحديث قد تضمن زيادة غير منافية للأصل؛ لأن ~~وقت اصفرار الشمس هو ms110 متأخر عن المثلين، إذ هي تبقى PageV01P227 # بيضاء نقية بعد المثلين، وكذلك نصف الليل، وهو متضمن لزيادة غير منافية ~~لما وقع في رواية بلفظ " ثلث الليل "، على أن الرواية المتضمنة للزيادتين ~~هي أصح من الأخرى (1) . # ( [ ### | بيان أول وقت المغرب وآخره # ] :) # (وأول وقت المغرب غروب الشمس) أي: سقوط القرص، وهو وقت الاختيار الذي ~~يجوز أن يصلى فيه من غير كراهية، والعمدة فيه حديثان: حديث جبرائيل (2) - ~~عليه السلام -؛ فإنه صلى بالنبي [صلى الله عليه وسلم] يومين، وحديث بريدة ~~(3) ؛ ففيه أنه [صلى الله عليه وسلم] أجاب السائل عنها - أي: عن الأوقات - ~~بأن صلى يومين، والمفسر منهما قاض على المبهم، وما اختلف يتبع فيه حديث ~~بريدة؛ لأنه مدني متأخر، والأول مكي متقدم، وإنما يتبع الآخر. # كذا في " الحجة ". # (وآخره ذهاب الشفق الأحمر) جميع كتب اللغة مصرحة بهذا، وجميع PageV01P228 # أشعار العرب ومن بعدهم، فمن زعم أن الشفق في لسان أهل اللغة - أو لسان ~~أهل الشرع - يطلق على البياض فعليه الدليل، ولا دليل. # ولو فرض وجود ما يدل على ذلك فلا ينكر ندوره، كما لا ينكر أن الشائع في ~~لسان العرب وأهل الشرع إطلاقه على الحمرة، والحمل على الأعم الأغلب هو ~~الواجب، ولا يحمل على النادر، فليس ههنا ما يسوغ اختلاف المذاهب. # قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق - ~~كما في " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمر - وقد تقدم -. # وفي " صحيحه " - أيضا - عن أبي موسى، أن سائلا سأل رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] عن المواقيت؟ فذكر الحديث، وفيه: " فأمره، فأقام المغرب حين ~~وجبت الشمس، فلما كان اليوم الثاني قال: ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط ~~الشفق، ثم قال: " الوقت ما بين هذين ". # وهذا متأخر عن حديث جبرائيل - عليه السلام -؛ لأنه كان بمكة، وهذا قول ~~وذلك فعل، وهذا يدل على الجواز، وذاك على الاستحباب، وهذا في " الصحيح " ~~وذاك في " السنن "، وهذا يوافق قوله [صلى الله عليه وسلم] : " وقت كل صلاة ~~ما لم يدخل وقت التي بعدها " (1) ، وإنما خص منه ms111 الفجر بالإجماع، فما عداها ~~من الصلوات داخل في عمومه، والفعل إنما يدل على الاستحباب، فلا يعارض العام ~~ولا الخاص. PageV01P229 # ( [ ### | بيان أول وقت العشاء وآخره # ] :) # (وهو) - أي: ذهاب الشفق وغروبه - (أول العشاء) للإجماع على دخوله بالشفق، ~~والأحمر هو المتبادر منه؛ لأن وقت الاستحباب الذي يستحب أن يصلى فيه هو ~~أوائل الأوقات؛ إلا العشاء. # (وآخره نصف الليل) فالمستحب الأصلي تأخيرها، وهو قوله [صلى الله عليه ~~وسلم] : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء "، ولأنه أنفع في ~~تصفية الباطن من الأشغال المنسية لذكر الله - تعالى -، وأقطع لمادة السمر ~~بعد العشاء، لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة، وتنفير القوم، وفيه ~~قلب الموضوع، فلهذا كان النبي [صلى الله عليه وسلم] إذا كثر الناس عجل، ~~وإذا قلوا أخر. # كذا في " الحجة "، فهذه علامات، وكان المعلم لها جبرائيل - عليه السلام ~~-، ثم محمد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] للأمة. # ( [ ### | بيان أول وقت الفجر وآخره # ] :) # (وأول وقت الفجر إذا انشق الفجر) أي: ظهور الضوء المنتشر، وبينه [صلى ~~الله عليه وسلم] أشفى بيان، فقال لهم: " أنه يطلع معترضا في الأفق "، و " ~~أنه ليس الذي يلوح بياضه كذنب السرحان (1) "، وهذا شيء تدركه الأبصار، وقال ~~- تعالى -: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ، فجاء ~~بلفظ التفعل، لإفادة أنه لا يكفي إلا التبين الواضح، أي: يتبين لكم شيئا ~~فشيئا حتى يتضح؛ فإنه لا يتم تبينه وظهوره إلا بعد كمال ظهوره، فإنه يطلع - ~~أولا - PageV01P230 # تباشير الضوء، ثم ذنب السرحان وهو الفجر الكذاب، ثم يتضح نور الصباح الذي ~~أبداه بقدرته فالق الإصباح، ولذلك قال الشاعر: # (وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب) # قال ابن القيم: " إن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يقرأ بالستين آية ~~إلى المئة، ثم ينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس (1) ، وأن صلاته كانت ~~في التغليس حتى توفاه الله - تعالى -، وأنه أسفر بها مرة واحدة، وكان بين ~~سحوره وصلاته قدر خمسين آية، فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: " أسفروا ~~بالفجر ms112 فإنه أعظم للأجر " (2) ، وهذا - بعد ثبوته - إنما المراد به الإسفار ~~بها دواما، لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا، كما كان يفعله ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، فقوله موافق لفعله لا مناقض له، وكيف يظن ~~به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟ ! " انتهى. # (وآخره طلوع الشمس) : ومما ينبغي أن يعلم: أن الله - عز وجل - لم يكلف ~~عباده في تعريف أوقات الصلوات بما يشق عليهم ويتعسر، فالدين يسر، والشريعة ~~سمحة سهلة، بل جعل ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # للأوقات علامات حسية يعرفها كل أحد، فقال في الفجر: طلوع النور الذي هو ~~من أوائل أجزاء النهار يعرفه كل أحد، وقال في الظهر: " إذا دحضت الشمس " ~~(3) ، إذا زالت الشمس، PageV01P231 # وقال في العصر: " والشمس بيضاء نقية "، وقال في المغرب: " إذا أقبل الليل ~~من ههنا وأدبر النهار من ههنا "، وقال في العشاء: من قدر وقت صلاته بأنه ~~كان يصليها وقت غروب الهلال ليلة ثالث الشهر، وورد التقدير بالشفق، وورد ~~(1) التقدير بثلث الليل وبنصفه، فهذه العلامات لا تلتبس على أكمه. # ( [ ### | بيان استغناء الشريعة عن علم النجوم # ] :) # والنظر في النجوم - وإن كنت لا أظن ثبوت ذلك - هو النظر الذي يكون في ~~الشمس والقمر والأظلة المقترنة بالنجوم، والمراد أنه يستدل على دخول وقت ~~كذا بكون النجم في مكان كذا، كما يكون مثل ذلك في الشمس والقمر، لا أنه ~~النظر المفضي إلى الاشتغال بعلم النجوم - المؤدي إلى الوقوع في مضايق عن ~~الشريعة بمعزل -؛ فإن هذا علم نهى عنه الشارع، وحذر عن إتيان صاحبه، حتى ~~جعل ذلك كفرا، فكيف يجعل طريقا إلى أمر من أمور الشريعة ومهم من مهماتها؟ ! # فمن ظن أن شيئا من علم الشريعة محتاج إلى علم النجوم المصطلح عليه (2) ؛ ~~فهو إما جاهل لا يدري بالشريعة، أو مغالط قد مالت نفسه إلى ما PageV01P232 # نهى عنه الشارع، وأراد أن يدفع عن نفسه القالة، فاعتل بأنه لم يتعلق ~~بمعرفة ذلك إلا لكونه قد تعلقت به معرفة أوقات الصلوات، وكثيرا ما نسمعه - ~~من المشتغلين بذلك - يدلي بهذه الحجة الباطلة، ms113 فيصدقه من لم يثبت قدمه في ~~علم الشريعة المطهرة. # ومن أعظم المروجات لهذه البلية ما وقع من جماعة من المشتغلين بعلم الفقه ~~من تعداد النجوم وتقدير المنازل، والاستكثار من ذلك بما لا طائل تحته، إلا ~~تأنيس المنجمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون! # وحاصل الكلام: أن هذه تكاليف موجهة، كلف الله - تعالى - بها عباده، وعين ~~أوقاتها تعيينا يعرفه العالم والجاهل، والقروي والبدوي، والحر والعبد، ~~والذكر والأنثى على حد سواء، اشترك فيه كل هؤلاء، لا يحتاج معه إلى شيء ~~آخر. # (أمع الصبح للنجوم تجل ... أم مع الشمس للظلام بقاء) # قال صاحب " سبل السلام ": التوقيت في الأيام والشهور والسنوات بالحساب ~~للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة، فلا يمكن عالم من علماء الدنيا أن يدعي ~~أن ذلك كان في عصره ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، أو عصر خلفائه الراشدين، وإنما هو بدعة لعلها ظهرت في عصر المأمون، حين ~~أخرج كتب الفلاسفة وعربها، ومنها المنطق والنجوم؛ فإنه علم أولئك الذين قال ~~الله - تعالى - فيهم: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم} ، # PageV01P233 # فأقل أحوال المقرين على حساب المنازل القمرية أنهم مبتدعون، وكل بدعة ~~ضلالة. # ولقد عظمت هذه البدعة في الحرمين الشريفين، فإنهم في مكة المكرمة لا ~~يعتمدون إلا على ذلك، ولهم فيه أنواع مؤلفات مثل " الربع المجيب " (1) ~~ونحوه؛ يدرسونه ويقرءونه ويعتمدونه، وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " علم لا ينفع وجهل لا يضر " (2) . # وهو من علم أهل الكتاب، فإن أعيادهم ونحوها تدور على حساب سير الشمس، ~~ولعله دخل على المسلمين من علم اليونان وأهل الكتاب، ومات رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بعد أن أنزل الله - تعالى - عليه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ، وكان أهل بيته وأصحابه - رضي الله عنهم - ~~على ذلك؛ لا يعرفون منازل الزيادة والنقصان، ولا ما يجعله المتأخرون هو ~~الميزان، ولا شيئا من هذه الأمور التي صار ذلك التكليف المؤقت عليها يدور ~~". انتهى (3) . PageV01P234 # ( [ ### | وقت صلاة النائم أو الساهي عنها # ] :) # (ومن نام عن صلاته أو ms114 سها عنها فوقتها حين يذكرها) ؛ أي: وقت القضاء إذا ~~ذكر، وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة؛ كحديث أنس عند البخاري ومسلم ~~وغيرهما، وحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره. # وقد ورد المعنى من غير وجه، وهو قوله [صلى الله عليه وسلم] : " من نسي ~~صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله - عز وجل - يقول في كتابه ~~العزيز: {أقم الصلاة لذكري} ". # قلت: وعلى هذا أهل العلم، وقاسوا المفوت قصدا على النائم (1) . كذا في " ~~المسوى ". # ( [ ### | المعذور إذا أدرك ركعة في الوقت أدرك الصلاة # ] :) # (ومن كان معذورا) : لأن الأوقات للصلوات قد عينها الشارع، وحدد أوائلها ~~وأواخرها بعلامات حسية، وجعل ما بين الوقتين لكل صلاة هو الوقت لتلك ~~الصلاة، وجعل الصلاة المفعولة في غير هذه الأوقات المعينة صلاة المنافق ~~وصلاة الأمراء الذين يميتون الصلاة، كقوله في حديث أنس - الثابت في " ~~الصحيح " -، قال: سمعت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: " تلك صلاة ~~المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقرها ~~أربعا، لا يذكر الله إلا قليلا "، وكقوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لأبي ذر: " كيف أنت إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة - أو يؤخرون الصلاة ~~عن PageV01P235 # وقتها -؟ ! "، قلت: فما تأمرني؟ قال: " صل الصلاة لوقتها ... " الحديث؛ ~~ونحو ذلك. # وهكذا أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، فكان ما ذكرناه ~~دليلا على أن إدراك الركعة في الوقت الخارج عن الأوقات المضروبة - كوقت ~~طلوع الشمس وغروبها وطلوع الفجر - هو خاص بالمعذور، كمن مرض مرضا شديدا لا ~~يستطيع معه تأدية الصلاة، ثم شفي وأمكنه إدراك ركعة، وكالحائض إذا طهرت ~~وأمكنها إدراك ركعة ونحو ذلك. # ( [ ### | من أدرك ركعة في الوقت أدرك الصلاة # ] :) # (وأدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) ؛ أي: الصلاة، لما ورد في ذلك من ~~الأحاديث الصحيحة، كحديث أبي هريرة أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: ~~" من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من ~~العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر "؛ وهو في " الصحيحين " ~~وغيرهما. ms115 # ونحو ذلك حديث عائشة عند " مسلم " وغيره، وقد ثبت من حديث أبي هريرة في " ~~الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1) ~~، وهذا يشمل جميع الصلوات لا يخص شيئا منها. PageV01P236 # قلت: هذا الحديث يحتمل وجوها: أحدها من أدرك ركعة من الصلاة في الوقت؛ ~~فالجميع أداء وإلا فقضاء، وهو الأصح عند الشافعية. # وقال أبو حنيفة بذلك في العصر خاصة (1) . # وثانيها: من أدرك من المعذورين من الوقت ما يسع ركعة من الصلاة؛ فقد وجبت ~~عليه تلك الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي. # وثالثها: أن الجماعة تدرك بركعة، وهو وجه للشافعية. # وقال أبو حنيفة: لو أدرك التشهد كان مدركا للجماعة. كذا في " المسوى ". # فمن صلى ركعة في الوقت، والباقي خارج الوقت؛ لا يكون عند الشافعي كمن صلى ~~الكل خارج الوقت. # وقال أبو حنيفة مثله؛ إلا في صلاة العصر خاصة. # وقد رد ابن القيم على من قال بكونها خلاف الأصول، ورده بالمتشابه من نهيه ~~[صلى الله عليه وسلم] عن الصلاة وقت طلوع الشمس أتم رد - في " إعلام ~~الموقعين " -؛ فليرجع إليه. # ( [ ### | وجوب المحافظة على الوقت # ] :) # (والتوقيت واجب) : لما ورد في ذلك من الأوامر الصحيحة بتأدية الصلاة ~~PageV01P237 # لوقتها، والنهي عن فعلها في غير وقتها المضروب لها. # (والجمع لعذر جائز) ؛ أي: بين الصلاتين إن كان صوريا (1) ، وهو فعل ~~الأولى في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها، فليس بجمع في الحقيقة؛ لأن كل ~~صلاة مفعولة في وقتها المضروب لها، وإنما هو جمع في الصورة، ومنه جمعه [صلى ~~الله عليه وسلم] في المدينة المنورة من غير مطر ولا سفر - كما في " الصحيح ~~" من حديث ابن عباس وغيره -؛ فإنه قد وقع التصريح في بعض الروايات بما يفيد ~~ذلك، بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري. # وقد أوضح الماتن ذلك في رسالة مستقلة، فالمراد بالجمع الجائز للعذر هو ~~جمع المسافر والمريض، وفي المطر، كما وردت بذلك الأدلة الصحيحة (2) . # وقد اختلف في جواز الجمع بين الصلاتين لغير هذه الأعذار، أو مع عدم ~~العذر. # والحق عدم جواز ms116 ذلك، كما حققه المجتهد الرباني شيخنا العلامة محمد ابن ~~علي الشوكاني في " الفتح الرباني "، وغيره من مؤلفاته المباركة عليها ولها ~~وفيها. # ( [ ### | المتيمم والماسح على الجبيرة # ] :) # (والمتيمم وناقص الصلاة) : كمن به مرض يمنعه عن استيفاء بعض أركانها. ~~PageV01P238 # (أو الطهارة) : كمن في بعض أعضاء وضوئه ما يمنعه من غسله بالماء. # (يصلون كغيرهم من غير تأخير) : وجهه أنهم داخلون في الخطاب المشتمل على ~~تعيين الأوقات وبيان أولها وآخرها، ولم يأت ما يدل على أنهم خارجون عنها، ~~وأن صلاتهم لا تجزئ إلا في آخر الوقت. # ولم يعول من أوجب التأخير على شيء تقوم به الحجة، بل ليس بيده إلا مجرد ~~الرأي البحت، كقولهم: إن صلاتهم بدلية، ونحو ذلك! وهذا لا يغني من الحق ~~شيئا. # أقول: لم يأت ما يدل على وجوب التأخير على من كان ناقص صلاة أو طهارة من ~~كتاب ولا سنة، بل التيمم مشروع عند عدم الماء إذا حضر وقت الصلاة، وكذلك من ~~كانت به علة لا يتمكن معها من استيفاء الطهارة أو الصلاة؛ جاز له أن يصلي ~~إذا حضر وقت الصلاة كيف أمكن، وذلك هو المطلوب منه والواجب عليه، ولو كان ~~التأخير واجبا على من كان كذلك؛ لبينه الشارع؛ لأنه من الأحكام التي تعم ~~بها البلوى. # ولا فرق بين من كان راجيا لزوال العلة في آخر الوقت، ومن كان آيسا من ~~زوالها في الوقت، ومن زعم أنه يجب تأخير صلاة من الصلوات على فرد من أفراد ~~العباد؛ لم يقبل منه ذلك إلا بدليل. # وأما ما يقال من أن الصلاة الناقصة أو الطهارة الناقصة بدل عن الصلاة ~~الكاملة أو الطهارة الكاملة: فكلام لا ينفق في مواطن الخلاف، ولا تقوم ~~بمثله الحجة على أحد. # PageV01P239 # على أن البدلية غير مسلمة، وعلى فرض تسليمها: فلا نسلم أن البدل لا يجزئ ~~إلا عند تعذر المبدل إلى آخر الوقت، فإنهم يجعلون الظهر أصلا والجمعة بدلا، ~~والجمعة مجزئة في أول وقت الظهر، بل لا يجزئ في ذلك الوقت غيرها لمن لم يكن ~~معذورا. # ثم لو سلمنا أن البدل ms117 لا يجزئ إلا عند تعذر المبدل، فوقت التعذر هو وقت ~~الصلاة مثلا، فإذا دخل أول جزء من أجزاء الوقت، والمبدل متعذر: كان البدل ~~في ذلك الوقت مجزئا، ومن زعم غير هذا جاءنا بحجة. # ( [ ### | بيان الأوقات التي تكره فيها الصلاة # ] :) # (و) أما كون (أوقات الكراهة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وعند الزوال، ~~وبعد العصر حتى تغرب) : فلما ثبت في " الصحيح " عن جماعة من الصحابة ~~مرفوعا؛ من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب ~~الشمس (1) ، وعند الزوال، وورد في روايات أخر: النهي عن الصلاة في الثلاثة ~~الأوقات: وقت الطلوع، ووقت الزوال، ووقت الغروب. # قال في " الحجة ": " الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر منها فليفعل ~~" (2) ، غير أنه نهي عن خمسة أوقات: ثلاثة منها أوكد نهيا من الباقيين وهي ~~الساعات الثلاث إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة ~~حتى تميل، وحين تتضيف (3) للغروب حتى تغرب، لأنها أوقات صلاة المجوس. ~~PageV01P240 # وأما الآخران فقوله [صلى الله عليه وسلم] : " لا صلاة بعد الصبح حتى تبزغ ~~الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب " ولذلك صلى فيهما النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] تارة. # وروي استثناء نصف النهار يوم الجمعة (1) . # واستنبط جوازها في الأوقات الثلاثة في المسجد الحرام من حديث: " يا بني ~~عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت ~~وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " (2) . # وعلى هذا فالسر في ذلك أنهما (3) وقت ظهور شعائر الدين ومكانه فعارضا ~~المانع (4) من الصلاة ". انتهى. # وأقول: الأحاديث في النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر قد ~~صحت بلا ريب، وهي عمومات قابلة للتخصيص بما هو أخص منها مطلقا، لا بما هو ~~أعم منها من وجه، وأخص منها من وجه، كأحاديث الأمر بصلاة تحية المسجد (5) ؛ ~~فإنه من باب تعارض العمومين، والواجب المصير PageV01P241 # إلى الترجيح، فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر وجب العمل به، وإن لم ~~يمكن؛ وجب المصير إلى الترجيح بأمور خارجة، فإن تعذر من ms118 جميع الوجوه؛ ~~فالتخيير أو الاطراح في مادة. # إذا تقرر هذا: فما عورضت به أحاديث النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين ~~لا يصلح للمعارضة: # أما حديث الرجلين اللذين أمرهما [صلى الله عليه وسلم] بالإعادة (1) ؛ فقد ~~اختلفت الرواية؛ ففي بعض الروايات أنه قال: " هذه فريضة وتلك نافلة "، وفي ~~بعضها عكس ذلك، وعلى الرواية الأولى: لا معارضة، وعلى الثانية: غاية ما ~~هناك أن ذلك يكون مخصصا لأحاديث النهي بمثل حال الرجلين، وهو من دخل مسجد ~~جماعة يصلون فيه فريضة في أحد الوقتين، فإنه يتنفل معهم. # وحديث: أنه [صلى الله عليه وسلم] كان يصلي ركعتين بعد العصر (2) ؛ قد ~~تبين في روايات الحديث الثابتة في الأمهات أنه وفد عليه وفد عبد القيس، ~~فشغلوه عن ركعتي الظهر، فصلاهما بعد العصر، وكان هديه [صلى الله عليه وسلم] ~~أنه إذا فعل شيئا داوم عليه، حتى سألته بعض نسائه، وقالت: هل نقضيهما إذا ~~فاتتانا؟ فقال: " لا " (3) . PageV01P242 # وقد ذكر من روى ذلك وما عليه شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " ~~(1) . # وأما حديث: " لا تمنعوا طائفا ... ": فهو مع كونه غير صلاة - وإن كان ~~مشبها بها؛ فليس المشبه كالمشبه به هو أيضا عام مخصص بأحاديث النهي، أو خاص ~~بنوع من أنواع الصلاة وهو الطواف؛ فليعلم. PageV01P243 # (2 - ### | باب الأذان # ( [ ### | حكم الأذان # ] :) # أقول: هذه العبادة من أعظم شعائر الإسلام، وأشهر معالم الدين، فإنها وقعت ~~المواظبة عليها منذ شرعها الله - سبحانه وتعالى - إلى أن مات رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] : في ليل ونهار، وحضر وسفر، ولم يسمع بأنه وقع ~~الإخلال بها، أو الترخيص في تركها. # (يشرع) : وقد اختلف في وجوبه، والظاهر الوجوب؛ لأمره [صلى الله عليه ~~وسلم] بذلك في غير حديث. # والحاصل: أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في ~~وجوبها؛ فإنها أشهر من نار على علم، وأدلتها هي الشمس المنيرة. # ( [ ### | شروط المؤذن # ] :) # (لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذنا) : وأما كون المؤذن مكلفا ذكرا؛ فهذا هو ~~الظاهر؛ لأن الأذان عبادة شرعية لا تجزئ إلا من مكلف بها، ولم يسمع في ms119 أيام ~~النبوة ولا في الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم أنه وقع التأذين ~~المشروع - الذي هو إعلام بدخول الوقت، ودعاء إلى الصلاة - من امرأة قط. # وأما أذان المرأة لنفسها، أو لمن يحضر عندها من النساء، مع عدم رفع # PageV01P244 # الصوت رفعا بالغا: فلا مانع من ذلك، بل الظاهر أن النساء ممن يدخل في ~~الخطاب بالأذان، ولم يأت ما تقوم به الحجة، لا في كون المؤذن طاهرا من ~~الحدث الأكبر، ولا من الحدث الأصغر؛ لأن ما هو مرفوع في ذلك لم يصح، وما هو ~~موقوف على صحابي أو تابعي لا تقوم به الحجة. # وإن كان التطهر للمؤذن من الحدثين هو الأولى والأحسن؛ فقد كره النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] أن يرد السلام وهو محدث حدثا أصغر حتى توضأ - كما في رواية ~~(1) -، وتيمم - كما في أخرى (2) -، والأذان أولى بذلك من مجرد السلام. # قال الماتن في " حاشية الشفاء ": وظاهر الأحاديث أنه لا يصح أذان غير ~~المتوضئ. # وقد ورد حديث يدل على اشتراط كون المؤذن متوضئا، أخرجه الترمذي بلفظ: " ~~لا يؤذن إلا متوضئ " (3) ، وقد أعل بالانقطاع والإرسال، ويشهد له (4) حديث: ~~" إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر "، أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة ~~وابن حبان. # ( [ ### | الأذان بالألفاظ المشروعة # ] :) # (ينادى بألفاظ الأذان المشروعة) : لإعلامهم بمواقيت الصلاة، وللتمسك ~~PageV01P245 # بشعائر الإسلام، فقد كان الغزاة في أيام النبوة وما بعدها إذا جهلوا حال ~~أهل القرية، تركوا حربهم حتى يحضر وقت الصلاة، فإن سمعوا أذانا كفوا عنهم، ~~وإن لم يسمعوا قاتلوهم مقاتلة المشركين (1) . # وأما غير أهل البلد، كالمسافر والمقيم بفلاة من الأرض؛ فيؤذن لنفسه ~~ويقيم، فإن كانوا جماعة أذن لهم أحدهم وأقام. # وألفاظ الأذان قد ثبتت في أحاديث كثيرة، وفي بعضها اختلاف بزيادة ونقص، ~~وقد تقرر أن العمل على الزيادة التي لا تنافي المزيد، فما ثبت من وجه صحيح ~~مما فيه زيادة تعين قبوله، كتربيع الأذان وترجيع الشهادتين، ولا تطرح ~~الزيادة إذا كانت أدلة الأصل أقوى منها؛ لأنه لا تعارض حتى يصار إلى ~~الترجيح، كما وقع لكثير من أهل ms120 العلم في هذا الباب وغيره من الأبواب، بل ~~الجمع ممكن بضم الزيادة إلى الأصل، وهو مقدم على الترجيح، وقد وقع الإجماع ~~على قبول الزيادة التي لم تكن منافية كما تقرر في الأصول، وأدلة إفراد ~~الإقامة أقوى من أدلة تشفيعها، ولكن التشفيع مشتمل على زيادة خارجة من مخرج ~~صالح للاعتبار، فكان العلم على أدلة التشفيع متعينا. # ( [ ### | دخول الوقت شرط لصحة الأذان إلا في الفجر # ] :) # (عند دخول وقت الصلاة) : إلا الأذان للفجر قبل دخول وقتها؛ لما في " ~~الصحيحين " من حديث سالم بن عبد الله، عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنه قال: " إن بلالا يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم ~~مكتوم ". PageV01P246 # وفي " صحيح مسلم " عن سمرة، عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض، حتى ينفجر الفجر "؛ وهو في " ~~الصحيحين " من حديث ابن مسعود، ولفظه: " لا يمنع أحدكم أذان بلال من سحوره ~~فإنه يؤذن - أو ينادي - ليرجع قائمكم وينبه نائمكم ". # قال مالك: لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر. # فردت هذه السنة لمخالفتها الأصول والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد ~~بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، ~~فأمره النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن ~~العبد نام # ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك؛ فإنها أصل بنفسها، وقياس وقت الفجر على ~~غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمة للسنة لكفى في رده، فكيف والفرق ~~قد أشار إليه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ؟ ! وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة، التي لا تكون في غير ~~الفجر، وإذا اختص وقتها بأمر لا يكون في سائر الصلوات؛ امتنع الإلحاق. # وأما حديث حماد، عن أيوب (1) : فحديث معلول عند أئمة الحديث، لا تقوم به ~~حجة. كذا في " إعلام الموقعين ". # وقد أطال ابن القيم في تعليل هذا الحديث، والجواب عنه وعن غيره؛ فليرجع ~~إليه. PageV01P247 # ( [ ### | متابعة السامع للمؤذن سنة # ] :) # (ويشرع للسامع أن ms121 يتابع المؤذن) : لما قد ثبت في " الصحيح " من حديث أبي ~~سعيد، أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " إذا سمعتم النداء؛ فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". # وفي الباب عن جماعة من الصحابة بنحو هذا. # وورد مفصلا مبينا من حديث عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله ~~أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم ~~قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: حي ~~على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر ~~الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله - من قلبه - دخل ~~الجنة "؛ أخرجه مسلم وغيره. # وأخرج نحوه البخاري. # وقد اختار بعض العلماء الجمع عند الحيعلتين بين المتابعة للمؤذن ~~والحوقلة، وهو جمع حسن (1) ؛ وإن لم يكن متعينا. PageV01P248 # ( [ ### | الكلام على الإقامة # ] :) # (ثم تشرع الإقامة على الصفة الواردة) : أقول: قد ثبت تشفيع الأذان وإيتار ~~الإقامة في " الصحيحين " وغيرهما. # وروي من وجه صحيح تشفيع جميع ألفاظ الإقامة. # وورد في الإقامة من وجه صحيح ما يدل على إيتارها، إلا التكبير في أولها ~~وآخرها، و: قد قامت الصلاة، فإن ذلك يكون مثنى مثنى. # وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكل سنة، وأيها فعلها المؤذن ~~والمقيم؛ فقد فعل ما هو حق وسنة. # قال الماتن في " شرح المنتقى " - بعد ما ذكر اختلاف الناس في ذلك، وأطال ~~في بيانه -: إذا عرفت هذا: تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج ~~بها، وأحاديث إفراد الإقامة، وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في " ~~الصحيحين "، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم، ~~لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها. انتهى. # ثم اعلم أن هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعات، بل كل ms122 مصل عليه أن يؤذن ~~ويقيم، لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته. # ثم الظاهر أن النساء كالرجال (1) ؛ لأنهن شقائقهم، والأمر لهم أمر لهن، ~~ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن، فإن الوارد في ذلك في ~~PageV01P249 # أسانيده متروكون، لا يحل الاحتجاج بهم، فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك، ~~وإلا فهن كالرجال. # PageV01P250 # (3 - ### | باب شروط الصلاة # (ويجب على المصلي تطهير ثوبه) : # (1 -[ ### | طهارة الثوب # ] :) # لنص القرآن: {وثيابك فطهر} ، ولقوله [صلى الله عليه وسلم] لمن سأله: هل ~~يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله؟ فقال: " نعم؛ إلا أن يرى فيه شيئا، ~~فيغسله "، أخرجه أحمد وابن ماجه، ورجال إسناده ثقات. # ومثله عن معاوية، قال: قلت لأم حبيبة: هل كان النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم يكن فيه أذى؛ أخرجه أحمد، ~~وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ بإسناد رجاله ثقات. # ومنها حديث خلعه [صلى الله عليه وسلم] النعل (1) ؛ أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان، وله طرق عن جماعة من الصحابة يقوي ~~بعضها بعضا. # ومنها الأدلة المتقدمة في تعيين النجاسات. # (2 -[ ### | طهارة البدن # ] :) # (وبدنه) : لأنه أولى من تطهير الثوب، ولما ورد من وجوب تطهيره. ~~PageV01P251 # (3 -[ ### | طهارة المكان # ] :) # (ومكانه من النجاسة) : لما ثبت عنه [صلى الله عليه وسلم] من رش الذنوب ~~على بول الأعرابي، ونحو ذلك. # وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة للصلاة، وذهب جمع إلى أن ذلك شرط ~~لصحة الصلاة، وذهب آخرون إلى أنه سنة، والحق الوجوب؛ فمن صلى ملابسا لنجاسة ~~عامدا؛ فقد أخل بواجب، وصلاته صحيحة، والشرطية التي يؤثر عدمها في عدم ~~المشروط - كما قرره أهل الأصول -؛ لا يصلح للدلالة عليها إلا ما كان يفيد ~~ذلك، مثل نفي القبول، أو نحو: لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس، أو النهي عن ~~الصلاة في المكان المتنجس؛ لدلالة النهي على الفساد (1) . # وأما مجرد الأمر فلا يصلح لإثبات الشروط؛ اللهم إلا على قول من قال: إن ~~الأمر بالشيء نهي عن ضده، ms123 فليكن هذا منك على ذكر، فإنك إن تفطنت له رأيت ~~العجب في كتب الفقه، فإنهم كثيرا ما يجعلون الشيء شرطا، ولا يستفاد من ~~دليله غير الوجوب، وكثيرا ما يجعلون الشيء واجبا، ودليله يدل على الشرطية، ~~والسبب الحامل على ذلك: عدم مراعاة القواعد الأصولية والذهول عنها. # والحاصل: أن ما دل على الشرطية دل على الوجوب وزيادة، وهو تأثير بطلان ~~المشروط، وما دل على الوجوب لا يدل على الشرطية؛ لأن غاية PageV01P252 # الواجب أن تاركه يذم، وأما أنه يستلزم بطلان الشيء الذي ذلك الواجب جزء ~~من أجزائه، أو عارض من عوارضه: فلا. # فمن حكم على الشيء بالوجوب، وجعل عدمه موجبا للبطلان، أو حكم على الشيء ~~بالشرطية، ولم يجعل عدمه موجبا للبطلان: فقد غفل عن هذين المفهومين. # وفي المقام أدلة مختلفة ومقالات طويلة، ليس هذا محل بسطها. # (4 -[ ### | ستر العورة # ] :) # (وستر عورته) : لقوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} ؛ ~~قلت: الزينة: ما وارى عورتك ولو عباءة، قاله مجاهد، والمسجد: الصلاة، ولما ~~وقع منه [صلى الله عليه وسلم] من الأمر بسترها في كل الأحوال، كما في حديث ~~بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي ~~منها وما نذر؟ قال: " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك "، قلت: ~~فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: " إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها ~~"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: " الله - تبارك وتعالى - أحق أن يستحيا ~~منه "، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وعلقه البخاري، وحسنه ~~الترمذي، وصححه الحاكم. # ومن ذلك قوله [صلى الله عليه وسلم] لعلي: " لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى ~~فخذ حي ولا ميت "، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، والبزار؛ وفي ~~إسناده مقال (1) . PageV01P253 # ولكنه يعضده حديث محمد بن [عبد الله بن] جحش، قال: مر رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] على معمر؛ وفخذاه مكشوفتان، فقال: " يا معمر! غط فخذيك؛ ~~فإن الفخذين عورة "، أخرجه أحمد، والبخاري في " صحيحه " تعليقا، وأخرجه - ~~أيضا ms124 - في " تاريخه "، والحاكم في " المستدرك ". # وروى الترمذي، وأحمد من حديث ابن عباس مرفوعا: " الفخذ عورة ". # وأخرج نحوه مالك في " الموطأ "، وأحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، ~~وابن حبان - وصححه -، وعلقه البخاري. # وقد عارض أحاديث: " الفخذ عورة " أحاديث أخر، وليس فيها إلا أنه [صلى ~~الله عليه وسلم] كشف عن فخذه يوم خيبر أو في بيته، ولا يصلح ذلك لمعارضة ما ~~تقدم. # وورد في الركبة ما يفيد أنها تستر، وما يخالف ذلك. # وأما والمرأة؛ فورد حديث: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار "، أخرجه ~~أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم؛ وقد روي ~~موقوفا ومرفوعا من حديث عائشة، ومن حديث أبي قتادة. # ومما يفيد وجوب ستر العورة: أحاديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس ~~على عاتق المصلي منه شيء، وفي بعضها: " فليخالف بين طرفيه "، وفي بعضها: " ~~وإن كان ضيقا فاتزر به "، وكلها في " الصحيح "، ولكن ليس فيها ما يستفاد ~~منه الشرطية التي صرح بها جماعة من المصنفين. # وحديث الخمار إذا انتهض للاستدلال به على الشرطية: فهو خاص # PageV01P254 # بالمرأة، وقد عرفت مما سلف أن الذي يستلزم عدمه عدم الصلاة - أي: بطلانها ~~- هو الشرط أو الركن، لا الواجب، فمن زعم أن من ظهر شيء من عورته في ~~الصلاة، أو صلى بثياب متنجسة؛ كانت صلاته باطلة: فهو مطالب بالدليل، ولا ~~ينفعه مجرد الأوامر بالستر أو التطهير؛ فإن غاية ما يستفاد منها الوجوب. # ( [ ### | أشياء ورد النهي عنها في الصلاة # ] :) # (1 -[ ### | اشتمال الصماء # ] :) # (ولا يشتمل الصماء) : لحديث أبي هريرة: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~نهى أن يشتمل الصماء "، وهو في " الصحيحين ". # وفي لفظ فيهما: " ... وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى؛ إلا أن يخالف ~~بطرفيه على عاتقه ". # وأخرج نحوه الجماعة من حديث أبي سعيد. # واشتمال الصماء: هو أن يجلل جسده بالثوب، لا يرفع منه جانبا، ولا يبقى ما ~~يخرج منه يده. # (2 -[ ### | السدل # ] :) # (ولا يسدل) : لحديث النهي عن السدل في الصلاة؛ وهو عند أحمد وأبي داود، ~~والترمذي، والحاكم في " المستدرك "، وفي الباب عن جماعة ms125 من الصحابة. # PageV01P255 # والسدل: هو إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه، بل يلتحف ~~به، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك. # (3 -[ ### | الإسبال # ] :) # (ولا يسبل) : لما ورد من الأحاديث الصحيحة من النهي عن إرسال الإزار، ~~والمراد بالإسبال: أن يرخي إزاره حتى يجاوز الكعبين. # (4 -[ ### | كفت الثوب أو الشعر # ] :) # (ولا يكفت) : لأنه قد ورد النهي عن أن يكفت الرجل ثوبه أو شعره، أما كفت ~~الثوب: فكمن يأخذ طرف ثوبه، فيغرزه في حجزته أو نحو ذلك، وأما كفت الشعر: ~~فنحو أن يأخذ منه خصلة مسترسلة، فيكفتها في شعر رأسه، أو يربطها بخيط إليه، ~~أو نحو ذلك. # (5 -[ ### | لبس ثوب الحرير # ] :) # (ولا يصلي في ثوب حرير) : والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها يدل على المنع ~~من لبس ثوب الحرير الخالص. # وأما المشوب: فالمذاهب في ذلك معروفة؛ فبعض الأحاديث يدل على أنه إنما ~~يحرم الخالص لا المشوب، كحديث ابن عباس عند أحمد، وأبي داود (1) ، قال: ~~إنما نهى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عن الثوب المصمت من القز. # قال ابن عباس: أما السدي والعلم؛ فلا نرى به بأسا. PageV01P256 # وبعضها يدل على المنع، كما وردت في حلة السيراء؛ فإنه غضب لما رأى عليا ~~قد لبسها، وقال: " إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك ~~لتشققها خمرا بين النساء "، وهو في " الصحيح ". # والسيراء - قد قيل -: إنها المخلوطة بالحرير لا الحرير الخالص، وقيل: ~~إنها الحرير الخالص المخطط، وقيل غير ذلك. # ولكنه قد ورد في طريق من طرق هذا الحديث ما يفيد أنها غير خالصة؛ فأخرج ~~ابن أبي شيبة، وابن ماجه (1) ، والدورقي هذا الحديث بلفظ: قال علي: أهدي ~~إلي رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حلة مسيرة؛ إما سداها وإما لحمتها "؛ ~~فذكر الحديث. # (6 -[ ### | لبس ثوب الشهرة # ] :) # (ولا ثوب شهرة) : لحديث: " من لبس ثوب شهرة في الدنيا؛ ألبسه الله ثوب ~~مذلة يوم القيامة "، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي؛ بإسناد ~~رجاله ثقات من حديث ابن عمر. # وهذا الوعيد يدل على أن لبسه ms126 محرم في كل وقت، فوقت الصلاة أولى بذلك. # وأما الثوب المصبوغ بالصفرة والحمرة: فالأدلة في ذلك متعارضة؛ فلهذا لم ~~نذكره، وقد أفرده الماتن برسالة مستقلة. PageV01P257 # (7 ### | -[لبس الثوب المغصوب] :) # (ولا مغصوب) : لكونه ملك الغير، وهو حرام بالإجماع. # (8 -[ ### | استقبال عين الكعبة للمشاهد وجهتها للغائب بعد التأكد # ] :) # (وعليه استقبال عين الكعبة إن كان مشاهدا لها أو في حكم المشاهد) وجوبا؛ ~~لأنه قد تمكن من اليقين، فلا يعدل عنه إلى الظن. # والأحاديث المتواترة مصرحة بوجوب الاستقبال، بل هو نص القرآن الكريم: ~~{فول وجهك شطر المسجد الحرام} ؛ وعلى ذلك أجمع المسلمون، وهو قطعي من ~~قطعيات الشريعة. # (وغير المشاهد) ، ومن في حكمه (يستقبل الجهة بعد التحري) : لأن ذلك هو ~~الذي يمكنه ويدخل تحت استطاعته، ولم يكلفه الله - تعالى - ما لا يطيق، كما ~~صرح بذلك في كتابه العزيز، وقد جعل النبي [صلى الله عليه وسلم] بين المشرق ~~والمغرب قبلة؛ كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي، وابن ماجه. # ومثل ذلك ورد عن الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم -، وقد استقبل ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] الجهة بعد خروجه من مكة المكرمة، وشرع للناس ~~ذلك. # أقول: استقبال القبلة هو من ضروريات الدين، فمن أمكنه استقبال القبلة ~~تحقيقا: فذلك الواجب عليه، مثل القاطن حولها المشاهد لها، من دون قطع ~~مسافة، ولا تجشم مشقة، ومن لم يكن كذلك: ففرضه استقبال الجهة، وليس المراد ~~من تلك الجهة الكعبة على الخصوص، بل المراد ما أرشد إليه [صلى الله عليه ~~وسلم] من كون بين المشرق والمغرب قبلة. # PageV01P258 # فمن كان في جهات اليمن وعرف جهة المشرق وجهة المغرب؛ توجه بين الجهتين، ~~فإن تلك الجهة هي القبلة. # وكذلك من كان بجهة الشام؛ يتوجه بين الجهتين من دون إتعاب للنفس في تقدير ~~الجهات؛ فإن ذلك مما لم يرد به الشرع ولا كلف به العباد. # والمحاريب (1) المنصوبة في المساجد والمشاهد المعمورة في بلاد المسلمين، ~~الذين لهم عناية بأمر الدين؛ مغنية عن التكلف، وكذلك إخبار العدول المرضيين ~~كافة، فإن من قال: هذه جهة القبلة، أو عمر ms127 محرابا يأوي إليه الناس؛ لا شك ~~أنه قد بلغ من التحري ما يبلغه من أراد تأدية صلاة أو صلوات في مكان من ~~الأمكنة؛ لأن معرفة الجهة التي عرفناك بها من السير ما تراد لمعرفته لكون ~~الجهات الأربع معلومة لكل عاقل. # وقد يعرض اللبس في بعض المواطن على بعض الأفراد؛ إما لعدم ظهور ما يهتدي ~~به في ظلمة الليل، أو حيلولة جبال عالية في أرض عالية لا يعرفها، مع تلون ~~طرقها التي قد سلكها، فهذا فرضه أن يمعن النظر في تعريف الجهة، فإذا أعوزه ~~الأمر توجه حيث شاء، هذا في الفرائض، وأما النوافل فقد خفف الشارع فيها ~~وسوغ تأديتها على ظهر الراحلة إلى جهة القبلة وغير جهتها، بل سوغ تأدية ~~الفريضة في الأرض الندية على ظهر الراحلة، كما تجد ذلك في " المنتقى " و " ~~شرحه ". # فهذا خلاصة ما تعبدنا الله به في أمر القبلة، وهو يغنيك عن التفريعات ~~الطويلة والتهويلات المهيلة في كتب الفقه. PageV01P259 # (4 - ### | باب كيفية الصلاة # ( [ ### | كيفية الصلاة النبوية # ] :) # وهي - على ما تواتر عنه [صلى الله عليه وسلم] ، وتوارثته الأمة -: أن ~~يتطهر، ويستر عورته، ويقوم ويستقبل القبلة بوجهه، ويتوجه إلى الله - تعالى ~~- بقلبه، ويخلص له العمل، ويقول: " الله أكبر "؛ بلسانه، ويقرأ فاتحة ~~الكتاب، ويضم معها - إلا في ثالثة الفرض ورابعته (1) - سورة من القرآن، ثم ~~يركع وينحني بحيث يقتدر على أن يمسح ركبتيه برؤوس أصابعه، حتى يطمئن راكعا، ~~ثم يرفع رأسه حتى يطمئن قائما، ثم يسجد على الآراب السبعة: اليدين والرجلين ~~والركبتين والوجه، ثم يرفع رأسه حتى يستوي جالسا، ثم يسجد ثانيا كذلك، فهذه ~~ركعة، ثم يقعد على رأس كل ركعتين ويتشهد، فإن كان آخر صلاته؛ صلى على النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] ، ودعا أحب الدعاء إليه، وسلم على من يليه من ~~الملائكة والمسلمين، فهذه صلاة النبي [صلى الله عليه وسلم] ؛ لم يثبت أنه ~~ترك شيئا من ذلك قط عمدا من غير عذر في فريضة، وصلاة الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم من أئمة المسلمين، وهي التي توارثوا أنها مسمى الصلاة، وهي من ms128 ~~ضروريات الملة. # نعم؛ اختلف الفقهاء في أحرف منها؛ هل هي أركان الصلاة، لا يعتد ~~PageV01P260 # بها بدونها، أو واجباتها التي تنقص بتركها، أو أبعاض يلام على تركها، ~~وتجبر بسجدة السهو،؟ كذا في " الحجة البالغة ". # ( [ ### | النية شرط للصلاة # ] :) # (لا تكون شرعية إلا بالنية) : لقوله - تعالى -: {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين} . # وروى مالك بإسناده - في غير رواية يحيى بن يحيى (1) -، عن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] : " إنما الأعمال بالنيات ". # قلت: وعلى وجوب النية في ابتداء الصلاة أهل العلم. # وعندي: أن المقدر في حديث " إنما الأعمال بالنية ": إن كان الحصول أو ~~الوجود أو الثبوت أو الصحة - أو ما يلاقي هذه الأمور في المعنى الذي لا ~~تكون تلك الصلاة شرعية إلا به -: فالنية في مثل الصلاة شرط من شروطها،؛ ~~لأنه قد استلزم عدمها عدم الصلاة، وهذه خاصة الشروط. # وإن كان المقدر الكمال أو ما يلاقيه في المعنى الذي تكون الصلاة شرعية ~~بدونه: فليست النية بواجبة؛ فضلا عن أن تكون شرطا، لكن قد عرف رجحان ~~التقدير المشعر بالمعنى الأول؛ لكون الحصر في " إنما " في معنى (ما الأعمال ~~إلا بالنية) ، وإن اختلفا في أمور خارجة عن هذا؛ كما تقرر في علمي المعاني ~~والأصول، والنفي يتوجه إلى المعنى الحقيقي، وهو الذات الشرعية، وانتفاؤها ~~ممكن؛ لأن الموجود في الخارج ذات غير شرعية، وعلى فرض وجود PageV01P261 # مانع عن التوجه إلى المعنى الحقيقي؛ فلا ريب أن الصحة أقرب إلى المعنى ~~الحقيقي من الكمال؛ لاستلزامها لعدم الاعتداد بتلك الذات، وترجيح أقرب ~~المجازي ن متعين. # فظهر بهذا أن القول بأن النية شرط للصلاة؛ أرجح من القول بأنها من جملة ~~واجباتها. # والكلام على هذا يطول ليس هذا موضع ذكره. # ( [ ### | فروض الصلاة تنقسم إلى واجبات وأركان وشروط # ] :) # (وأركانها كلها مفترضة) : لكونها ماهية الصلاة التي لا يسقط التكليف إلا ~~بفعلها، وتعدم الصورة المطلوبة بعدمها، وتكون ناقصة بنقصان بعضها، وهي: ~~القيام، فالركوع، فالاعتدال، فالسجود، فالاعتدال، فالسجود، فالقعود للتشهد. # وقد بين الشارع صفاتها وهيئاتها، وكان يجعلها قريبا من السواء، - كما ثبت ~~في " الصحيح " عنه -. # أقول: ms129 وجملة القول في هذا الباب: إنه ينبغي لمن كان يقتدر على تطبيق ~~الفروع على الأصول، وإرجاع فرع الشيء إلى أصله، أن يجعل هذه الفروض ~~المذكورة في هذا الباب منقسمة إلى ثلاثة أقسام: # - واجبات: كالتكبير، والتسليم، والتشهد. # - وأركان: كالقيام، والركوع، والاعتدال، والسجود، والاعتدال، # PageV01P262 # والسجود، والقعود للتشهد. # - وشروط: كالنية، والقراءة. # أما النية: فلما قدمنا. # وأما القراءة: فلورود ما يدل على شرطيتها؛ كحديث: " لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب "، وحديث: " لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب "، ونحوها، فإن النفي ~~إذا توجه إلى الذات أو إلى صحتها؛ أفاد الشرطية؛ إذ هي تأثير عدم الشرط في ~~عدم المشروط، وأصرح من مطلق النفي: النفي المتوجه إلى الإجزاء. # والحاصل: أن شروط الشيء يقتضي عدمها عدمه، وأركانه كذلك؛ لأن عدم الركن ~~يوجب عدم وجود الصورة المأمور بها على الصفة التي اعتبرها الشارع، وما كان ~~كذلك لا يجزئ؛ إلا أن يقوم دليل على أن مثل ذلك الركن لا يخرج الصورة ~~المأمور بها عن كونها مجزئة، كما يقول بعض أهل العلم في الاعتدال وقعود ~~التشهد، وإن كان الحق خلاف ما قال. # وأما الواجبات: فغاية ما يستفاد من دليلها - وهو مطلق الأمر -: أن تركها ~~معصية، لا أن عدمها يستلزم عدم الصورة المأمور بها. # إذا تقرر هذا: لاح لك أن هذه الفروض المعدودة في هذا الباب متوافقة في ~~ذات بينها، والفرض والواجب مترادفان على ما ذهب إليه الجمهور، وهو الحق. # وحقيقة الواجب: ما يمدح فاعله ويذم تاركه، والمدح على الفعل، والذم على ~~الترك: لا يستلزمان البطلان؛ بخلاف الشرط، فإن حقيقته ما يستلزم عدمه عدم ~~المشروط كما عرفت. # PageV01P263 # فاحفظ هذا التحقيق؛ تنتفع به في مواطن وقع التفريع فيها مخالفا للتأصيل، ~~وهو كثير الوجود في مؤلفات الفقهاء من جميع المذاهب، وكثيرا ما تجد العارف ~~بالأصول، إذا تكلم في الفروع؛ ضاقت عليه المسالك، وطاحت عنه المعارف، وصار ~~كأحد الجامدين على علم الفروع؛ إلا جماعة منهم، {وقليل ما هم} ، {وقليل من ~~عبادي الشكور} . # ( [ ### | قعود التشهد الأوسط من سنن الصلاة # ] :) # (إلا قعود التشهد الأوسط) : لكونه لم يأت في ms130 الأدلة ما يدل على وجوبه ~~بخصوصه، كما ورد في قعود التشهد الأخير؛ فإن الأحاديث التي فيها الأوامر ~~بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن المراد التشهد الأخير. # فإن قلت: قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء، كما في رواية لأبي داود ~~من حديث رفاعة، ولم يذكر فيه التشهد الأخير. # قلت: لا تقوم الحجة بمثل ذلك، ولا يثبت به التكليف العام، والتشهد الأخير ~~وإن لم يثبت ذكره في حديث المسيء؛ فقد وردت به الأوامر، وصرح الصحابة ~~بافتراضه، وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في " حاشية الشفاء " إيضاحا ~~حسنا؛ فلتراجع. # ( [ ### | الاستراحة من سنن الصلاة # ] :) # (والاستراحة) : لكونه لم يأت دليل يفيد وجوبها (1) ، وذكرها في حديث ~~PageV01P264 # المسيء وهم، كما صرح بذلك البخاري (1) . # ( [ ### | تكبيرة الإحرام من واجبات الصلاة # ] :) # (ولا يجب من أذكارها) : أي: الصلاة (إلا التكبير) ؛ لقوله تعالى: {وربك ~~فكبر} ، ولقوله [صلى الله عليه وسلم] في حديث المسيء: " إذا قمت إلى الصلاة ~~فكبر "، ولما ورد من أن تحريم الصلاة التكبير. # أقول: تعيين التكبير للدخول في الصلاة؛ محكم صريح؛ لقوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " لا يقبل الله صلاة أحدكم، حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة ~~ويقول: الله أكبر " (2) ، وبما تقدم من النصوص، وهي نصوص في غاية الصحة، ~~فردت بالمتشابه من قوله - تعالى - {وذكر اسم ربه فصلى} . # ( [ ### | مشروعية رفع اليدين # ] :) # قال في " الحجة ": فإذا كبر يرفع يديه إلى أذنيه ومنكبيه، وكل ذلك سنة. ~~انتهى. PageV01P265 # أقول: إن الأدلة على هذه السنة قد تواترت تواترا لا ينكره من له أدنى ~~إلمام بعلم الأدلة، واختصت باجتماع العشرة المبشرة بالجنة على روايتها، ~~ومعهم من الصحابة جماهير، ونقل جماعة من الحفاظ أنه لم يقع الخلاف في ذلك ~~بين الصحابة، بل اتفقوا عليه. # والحاصل: أنه قد نقل إلينا هذه السنة الذين نقلوا إلينا أعداد ركعات ~~الصلاة، فإن لم يثبت بمثل ما ورد فيها مشروعيتها؛ فليس في الدنيا مشروع؛ ~~لأن كثيرا مما وقع الإطباق على مشروعيته، وصار من قطعيات المرويات؛ لم يبلغ ~~ما بلغ إليه نقل الرفع، وليس في المقام ما يصلح لمعارضة هذه السنة، ms131 لا من ~~قوله [صلى الله عليه وسلم] ، ولا من فعله، ولا عن أصحابه؛ من أقوالهم، ولا ~~من أفعالهم، وقد درج عليها خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. # وأما حديث البراء، قال: رأيت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا افتتح ~~الصلاة؛ رفع يديه ثم لم يعد: فهو قد تضمن إثبات الرفع عند الافتتاح، ولفظ: ~~ثم لم يعد: قد اتفق الحفاظ عل أنه مدرج من قول يزيد بن أبي زياد، وقد رواه ~~عنه بدونها جماعة من الأئمة منهم: شعبة، والثوري، وخالد الطحان، وزهير، ~~وغيرهم، ومع هذا؛ فالحديث - من أصله - قد أطبق الأئمة على تضعيفه. # وكما ثبت الرفع عند الافتتاح: ثبت عند الركوع، وعند الاعتدال منه؛ ~~بأحاديث تقارب أحاديث الرفع عند الافتتاح. # وكذلك ثبت الرفع عند القيام من التشهد الأوسط؛ بأحاديث صحيحة؛ كما سيأتي ~~بيانه. # PageV01P266 # ( [ ### | قراءة الفاتحة في كل ركعة شرط للصلاة # ] :) # (والفاتحة في كل ركعة) : لقوله [صلى الله عليه وسلم] في حديث المسيء: " ~~ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن "، وفي لفظ من حديث المسيء لأبي داود: " ثم ~~أقرأ بأم القرآن "، وكذلك في لفظ منه لأحمد، وابن حبان؛ بزيادة: " ثم اصنع ~~ذلك في كل ركعة " - بعد قوله: " ثم اقرأ بأم القرآن " -، فكان ذلك بيانا ل ~~" ما تيسر ". # وورد ما يفيد وجوب الفاتحة في غير حديث المسيء كأحاديث: " لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب "، وهي صحيحة. # ويدل على وجوبها في كل ركعة: ما وقع في حديث المسيء؛ فإنه [صلى الله عليه ~~وسلم] وصف له ما يفعل في كل ركعة، وقد أمره بقراءة الفاتحة، فكانت من جملة ~~ما يجب في كل ركعة، كما أنه يجب فعل ما اقترن بها في كل ركعة، بل ورد ما ~~يفيد ذلك من لفظه [صلى الله عليه وسلم] ، فإنه قال للمسيء: " ثم افعل ذلك ~~في الصلاة كلها "؛ وهو في " الصحيح " من حديث أبي هريرة، قال ذلك بعد أن ~~وصف له ما يفعل في الركعة الواحدة، لا في جملة الصلاة، فكان ذلك قرينة على ~~أن المراد بالصلاة كل ms132 ركعة تماثل تلك الركعة من الصلاة. # قال في " الحجة ": وما ذكره النبي [صلى الله عليه وسلم] بلفظ الركنية، ~~كقوله [صلى الله عليه وسلم] : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "، وقوله: " لا ~~يجزيء صلاة الرجل، حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود "، وما سمى الشارع ~~الصلاة به؛ فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة. انتهى. # ( [ ### | قراءة الفاتحة ولو مؤتما # ] :) # (ولو كان مؤتما) : فوجوب الفاتحة في كل ركعة على المؤتم؛ لما ورد من # PageV01P267 # الأدلة الدالة على أن المؤتم يقرأها خلف الإمام؛ كحديث: " لا تفعلوا إلا ~~بفاتحة الكتاب "، ونحوه، ولدخول المؤتم تحت هذه الأدلة المقتضية لوجوب ~~الفاتحة في كل ركعة على كل مصل. # قال في " الحجة البالغة ": " وإن كان مأموما؛ وجب عليه الإنصات ~~والاستماع، فإن جهر الإمام لم يقرأ إلا عند الإسكاتة، وإن خافت فله الخيرة، ~~فإن قرأ فليقرأ الفاتحة قراءة لا يشوش على الإمام. # وهذا أولى الأقوال عندي، وبه يجمع بين أحاديث الباب ". انتهى. # وفي " تنوير العينين " (1) دلائل الجانبين فيه قوية، لكن يظهر بعد التأمل ~~في الدلائل؛ أن القراءة أولى من تركها، فقد عولنا فيه على قول محمد؛ كما ~~نقل عنه صاحب " الهداية "، وتركنا الكلام. # وقال ابن القيم في " الأعلام ": ردت النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في ~~تعيين قراءة الفاتحة فرضا؛ بالمتشابه من قوله - تعالى -: {فاقرؤا ما تيسر ~~منه} ، وليس ذلك في الصلاة، وإنما يدل على قيام الليل، وبقوله للأعرابي: " ~~ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن "؛ وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة ~~للصلاة، وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يسيء في قراءتها، فأمره ~~أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها، ~~فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه، فلا يترك الصريح. انتهى. PageV01P268 # وقال في " إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء " (1) : روى البيهقي عن يزيد بن ~~شريك، أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب، فقلت: ~~وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت ". # قلت: روى أهل الكوفة عن أصحاب ms133 عمر الكوفيين: أن المأموم لا يقرأ شيئا. # والجمع - أن القبيح - في الأصل - أن ينازع الإمام في القرآن، وقراءة ~~المأموم قد تفضي إلى ذلك، ثم إن اشتغال المأموم بمناجاة ربه مطلوب، فتعارضت ~~مصلحة ومفسدة، فمن استطاع أن يأتي بالمصلحة بحيث لا تخدشها مفسدة فليفعل، ~~ومن خاف المفسدة ترك، والله تعالى أعلم. انتهى. # أقول: الأوجه هو الإتيان بفاتحة الكتاب خلف الإمام، كما تشهد له أدلة ~~السنة الصريحة من دون تعارض، والأمر بالإنصات في قوله - تعالى -: {أنصتوا} ~~عام يتناول فاتحة الكتاب وغيرها، وكذلك حديث: " وإذا قرأ فأنصتوا " - وإن ~~كان فيه مقال (2) ؛ لا ينتهض معه للاستدلال، وعلى فرض انتهاضه؛ فغاية ما ~~فيه أنه اقتضى أن الإنصات حال قراءة الإمام يجب على المؤتم، ولا يقرأ ~~بفاتحة الكتاب ولا غيرها. # وأما حديث: " خلطتم علي ": فلا يشك عارف أن خلط المؤتم على PageV01P269 # إمامه إنما يكون إذا قرأ المؤتم جهرا، وأما إذا قرأ سرا فلا خلط، وكذلك ~~المنازعة لا تكون إلا إذا سمع الإمام قراءة المؤتم. # وأما حديث جابر في هذا الباب: فهو من قوله، ولم يرفعه إلى النبي [صلى ~~الله عليه وسلم]- كما في " الترمذي " " والموطأ " وغيرهما -، وقول الصحابي ~~لا تقوم به حجة (1) ، فلم يبق ههنا ما يدل على منع قراءة المؤتم خلف الإمام ~~حال قراءته؛ إلا الآية الكريمة، وحديث: " إذا قرأ فأنصتوا "، وهما عامان ~~كما عرفت، يتناولان فاتحة الكتاب وغيرهما، والعام معرض للتخصيص، والمخصص ~~ههنا موجود، وهو حديث عبادة بن الصامت، وهو حديث صحيح. # وبناء العام على الخاص واجب باتفاق أهل الأصول، فلا معذرة عن قراءة فاتحة ~~الكتاب حال قراءة الإمام، ولا سيما وقد دل الدليل على وجوبها على كل مصل في ~~كل ركعة من ركعات صلاته (2) . # ( [ ### | التشهد الأخير من واجبات الصلاة # ] :) # (والتشهد الأخير) : واجب؛ لورود الأمر به في الأحاديث الصحيحة، وألفاظه ~~معروفة، وقد ورد بألفاظ من طريق جماعة من الصحابة، وفي كل تشهد ألفاظ تخالف ~~التشهد الآخر. # والحق الذي لا محيص عنه: أنه يجزئ للمصلي أن يتشهد بكل واحد من تلك ~~التشهدات الخارجة من مخرج صحيح، ms134 وأصحها التشهد الذي علمه PageV01P270 # النبي [صلى الله عليه وسلم] ابن مسعود، وهو ثابت في " الصحيحين " وغيرهما ~~من حديثه، بلفظ: " التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! ~~ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله "، وفي بعض ألفاظه: " إذا قعد أحدكم ~~فليقل ... ". # ( [ ### | ذكر ألفاظ التشهد # ] :) # قال في " الحجة البالغة ": وجاء في التشهد صيغ، أصحها تشهد ابن مسعود - ~~رضي الله تعالى عنه -، ثم تشهد ابن عباس، وعمر - رضي الله تعالى عنهما - ~~وهي كأحرف القرآن؛ كلها كاف وشاف. انتهى. # قلت: اختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود، والشافعي تشهد ابن عباس، ومالك ~~تشهد عمر، واختلافهم في المختار لا في الإجزاء. كذا في " المسوى ". # وأما الصلاة على النبي [صلى الله عليه وسلم] التي يفعلها المصلي في ~~التشهد: فقد وردت بألفاظ، وكل ما صح منه أجزأ، ومن أصح ما ورد؛ ما ثبت في " ~~الصحيح " بلفظ: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت ~~على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد "؛ وزاد في " الحجة ": " اللهم ~~صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد ~~وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " انتهى. # قال الماتن في " حاشية الشفاء ": وما ينبغي أن يعلم: أن التشهد وألفاظ ~~الصلاة # PageV01P271 # على النبي [صلى الله عليه وسلم] وآله - عليهم السلام -؛ كلها مجزئة إذا ~~وردت من وجه معتبر. # وتخصيص بعضها دون بعض - كما يفعله بعض الفقهاء - قصور باع وتحكم محض، ~~وأما اختيار الأصح منها وإيثاره مع القول بإجزاء غيره: فهو من اختيار ~~الأفضل من المتفاضلات، وهو من صنيع المهرة بعلم الاستدلال والأدلة. انتهى. # وقال في موضع آخر: التشهدات الثابتة عنه [صلى الله عليه وسلم] موجودة في ~~كتب الحديث، فعلى من رام التمسك بما صح عنه [صلى الله عليه وسلم] أن ينظرها ~~في دواوين الإسلام الموضوعة لجمع ms135 ما ورد من السنة، ويختار أصحها ويستمر ~~عليها، أو يعمل تارة بهذا وتارة بهذا؛ مثلا يتشهد في بعض الصلوات بتشهد ابن ~~مسعود، وفي بعضها بتشهد ابن عباس، وفي بعضها بتشهد غيرهما، فالكل واسع، ~~والأرجح هو الأصح، لكن كونه الأصح؛ لا ينافي إجزاء الصحيح. انتهى. # قلت: عامة أهل العلم على أن الصلاة على النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~مستحبة في التشهد الأخير غير واجبة، وإلى هذا يشير لفظ ابن عمر وعائشة في ~~باب التشهد، وأن التشهد الأول ليس محلا لها. # وذهب الشافعي - وحده - إلى وجوبها في التشهد الأخير، فإن لم يصل لم تصح ~~صلاته (1) ، وإلى استحبابها في التشهد الأول. PageV01P272 # ( [ ### | وجوب التعوذ من أربع # ] :) # وورد ما يفيد وجوب التعوذ من أربع؛ كما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " إذا فرغ أحدكم من ~~التشهد الأخير؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن ~~فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال ". # وورد نحو ذلك من حديث عائشة، وهو في " الصحيحين " وغيرهما. # فيكون هذا التعوذ من تمام التشهد، ثم يتخير المصلي بعد ذلك من الدعاء ~~أعجبه، كما أرشد إلى ذلك رسول الله [صلى الله عليه وسلم] . # قال في " الحجة ": وورد في صيغ الدعاء في التشهد: " اللهم إني ظلمت نفسي ~~ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك ~~أنت الغفور الرحيم ". # وورد: " اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما ~~أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ". # ( [ ### | التسليم من واجبات الصلاة # ] :) # (والتسليم) : وهو واجب؛ لكون النبي [صلى الله عليه وسلم] جعله تحليل ~~الصلاة، فلا تحليل لها إلا به، فأفاد ذلك وجوبه، وإن لم يذكر في حديث ~~المسيء. # قال في " الحجة ": " وجب أن لا يكون الخروج من الصلاة إلا بكلام هو # PageV01P273 # أحسن كلام الناس، أعني: السلام، وأن يوجب ذلك ". انتهى. # قال ابن القيم: " إن السنة الصحيحة الصريحة ms136 المحكمة عن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] التي رواها خمس عشرة نفسا من الصحابة: أنه كان يسلم في الصلاة ~~عن يمينه وعن يساره: " السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله ~~"؛ منهم عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن سمرة، وأبو موسى ~~الأشعري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، ووائل بن حجر، ~~وأبو مالك الأشعري، وعدي بن عميرة الحضرمي، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو ~~رمثة، والأحاديث بذلك ما بين صحيح وحسن، فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في ~~صحتها، واردة في تسليمة واحدة ". انتهى. # وقد أطال في الجواب عنها إلى خمسة أوراق (1) ، فليرجع إليه. # قلت: وعامة أهل العلم على أنه يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله، واحتجوا ~~بحديث عبد الله بن مسعود، عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ؛ رواه أبو داود، ~~والترمذي، ولفظه: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يسلم عن يمينه: " ~~السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، السلام عليكم ورحمة ~~الله، حتى يرى بياض خده الأيسر "، رواه النسائي، وأحمد، وابن حبان، ~~والدارقطني، وغيرهم. # وفي الباب عن سهل بن سعد، وحذيفة، ومغيرة بن شعبة، وواثلة بن PageV01P274 # الأسقع، ويعقوب بن الحصين (1) . # ووقع في " صحيح ابن حبان " من حديث ابن مسعود زيادة: " وبركاته "، وهي ~~عند ابن ماجة أيضا، وعند أبي داود أيضا في حديث وائل بن حجر. # فالعجب من ابن الصلاح؛ كيف يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب ~~الحديث؛ إلا في رواية وائل بن حجر؟ {كذا في " التلخيص ". # وقال مالك: يسلم الإمام والمنفرد تسليمة واحدة: السلام عليكم؛ لا يزيد ~~على ذلك، ويستحب للمأموم أن يسلم ثلاثا: عن يمينه، وعن شماله، وتلقاء وجهه؛ ~~يردها على إمامه. كذا في " المسوى ". # أقول: وورود التسلمية الواحدة فقط لا يعارض الثابت مما فيه زيادة عليها، ~~وهي أحاديث التسليمتين؛ لما عرفناك غير مرة أن الزيادة التي لم تكن منافية ~~يجب قبولها، فالقول بتسليمتين إعمال لجميع ما ورد، بخلاف القول بتسليمة ~~فإنه إهدار لأكثر ms137 الأدلة بدون مقتض. # وأما كون التسليم واجبا أو غير واجب فقد تقرر أن المرجع حديث المسيء، ~~وأنه لا وجوب لغير ما لم يذكر فيه؛ إلا أن يثبت إيجابه بعد تاريخ حديث ~~المسيء إيجابا، لا يمكن صرفه بوجه من الوجوه (2) . PageV01P275 # ( [ ### | وجوب الطمأنينة في الصلاة # ] :) # وأما الطمأنينة في حال الركوع والسجودين: فلا خلاف في ذلك. # وأما في حال الاعتدال من الركوع وبين السجدتين: فخالف في ذلك قوم، والحق ~~أنه من آكد فرائض الصلاة في الموطنين؛ بل المشروع إطالتهما، وقد ثبت عنه ~~[صلى الله عليه وسلم] ما يدل على ذلك، كما في حديث البراء: أنه حزر أركان ~~صلاته [صلى الله عليه وسلم] ، وعد من جملتها الاعتدال من الركوع، والاعتدال ~~بين السجدتين، فوجدها قريبا من السواء؛ وهذا يدل على أنه كان يلبث فيهما ~~كما يلبث في الركوع والسجود، وثبت أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يقف في اعتداله من الركوع كاعتداله من السجود، حتى يظن من رآه أنه قد ~~نسي؛ لإطالته لهما، وثبت من أدعية فيهما ما يدل على طولهما. # فالحاصل: أن أصل الاطمئنان في الركوع والسجود والاعتدالين: ركن من أركان ~~الصلاة لا تتم بدونه. # وأما طول اللبث زيادة عن الاطمئنان: فمن السنن المؤكدة؛ لأنه لم يذكر في ~~حديث المسيء، وقد صارت هذه السنة متروكة في الاعتدال إلى غاية؛ بل صار ~~الاطمئنان فيهما مما يقل وجوده، وما أحق من نازعته نفسه إلى اتباع الآثار ~~المصطفوية أن يثبت معتدلا من ركوعه، ومعتدلا من سجوده، ويدعو بالأدعية ~~المأثورة فيهما، ويجعل مقدار اللبث كمقدار لبثه في الركوع والسجود {فذلك هو ~~السنة التي لا يجهل ورودها إلا جاهل} والله المستعان. # PageV01P276 # ( [ ### | سنن الصلاة # ] :) # (وما عدا ذلك فسنن) : لأنه لم يرد فيها ما يفيد وجوبها من أمر بالفعل، أو ~~نهي عن الترك، غير مصروفين عن المعنى الحقيقي، أو وعيد شديد يفيد الوجوب، ~~ولا ذكر شيء منها في حديث المسيء؛ إلا على وجه لا تقوم به الحجة، أو تقوم ~~به، وقد ورد ما يفيد أنه غير واجب. # والحاصل: أن مرجع واجبات الصلاة ms138 كلها هو حديث المسيء، فما ذكره [صلى الله ~~عليه وسلم] فيه كان واجبا، وما لم يذكره فليس بواجب، لكن قد تشعبت روايات ~~حديث المسيء، وثبت في بعضها ما لم يثبت في البعض الآخر، فعلى من أراد تحقيق ~~الحق؛ أن يجمع طرقه الصحيحة (1) ، ويحكم بوجوب ما اشتملت عليه، أو شرطيته، ~~أو ركنيته؛ بحسب ما يقتضيه الدليل، وما خرج عنه خرج عن ذلك. # وقد جمع ما صح من طرقه شيخنا الحافظ الرباني العلامة الشوكاني في " شرح ~~المنتقى " في موضع واحد منه؛ فمن رام ذلك فليرجع إليه (2) . # ( [ ### | الرفع في المواضع الأربعة # ] :) # (وهي الرفع في المواضع الأربعة) ؛ أي: عند تكبيرة الإحرام، وعند ~~PageV01P277 # الركوع، وعند الاعتدال من الركوع، هذه الثلاثة المواضع في كل ركعة، ~~والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة، فقد دلت على ذلك الأحاديث ~~الصحيحة. # أما عند التكبير فقد روي ذلك عن النبي [صلى الله عليه وسلم] نحو خمسين ~~رجلا من الصحابة، منهم العشرة المبشرة بالجنة، ورواه كثير من الأئمة عن ~~جميع الصحابة من غير استثناء. # وقال الشافعي: روى الرفع جمع من الصحابة، لعله لم يرد قط حديث بعدد أكثر ~~منهم. # وقال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~كان يرفع يديه. # وقال البخاري في " جزء رفع اليدين ": روى الرفع تسعة عشر نفسا من ~~الصحابة. # وسرد البيهقي في " السنن " وفي " الخلافيات " أسماء من روى الرفع؛ نحوا ~~من ثلاثين صحابيا. # وقال الحسن، وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يرفعون أيديهم، ولم يستثن أحدا منهم. كذا في " التلخيص ". # وقال النووي في " شرح مسلم ": إنها أجمعت على ذلك عند تكبيرة # PageV01P278 # الإحرام، وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك، وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري، ~~وأبو الحسن أحمد بن سيار، والنيسابوري، والأوزاعي، والحميدي، وابن خزيمة ~~(1) . # وأما الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه: فقد رواه زيادة على عشرين رجلا ~~من الصحابة، عن النبي [صلى الله عليه وسلم] . # وقال محمد بن نصر المروزي: إنه أجمع علماء الأمصار على ذلك إلا أهل ms139 ~~الكوفة. # وأما الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة: فهو ثابت في " الصحيح " من ~~حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي - ~~وصححه -، وصححه أيضا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب، عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وفي " حجة الله البالغة ": فإذا أراد أن يركع رفع يديه حذو منكبيه، وكذلك ~~إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود، وهو من الهيئات التي ~~فعلها النبي [صلى الله عليه وسلم] مرة وتركها أخرى، والكل سنة، وأخذ بكل ~~واحد جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. # وهذا أحد المواضع التي اختلف فيها الفريقان: أهل المدينة، وأهل الكوفة، ~~ولكل واحد أصل أصيل، والحق عندي في مثل ذلك أن الكل سنة، PageV01P279 # ونظيره الوتر بركعة واحدة، أو بثلاث، والذي يرفع أحب إلي ممن لا يرفع؛ ~~فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت، غير أنه لا ينبغي لإنسان في مثل هذه الصور، ~~أن يثير على نفسه فتنة عوام بلده، وهو قوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة "؛ ولا يبعد أن يكون ابن مسعود ~~- رضي الله تعالى عنه - ظن أن السنة المتقررة آخرا هو تركه لما تلقن من أن ~~مبنى الصلاة على سكون الأطراف، ولم يظهر له أن الرفع فعل تعظيمي، ولذلك ~~ابتدىء به في الصلاة، أو لما تلقن من أنه فعل ينبيء عن الترك، فلا يناسب ~~كونه في أثناء الصلاة، ولم يظهر له أن تجديد التنبيه لترك ما سوى الله - ~~تعالى - عند كل فعل أصلي من الصلاة مطلوب. والله - تعالى - أعلم. # قوله: لا يفعل ذلك في السجود؛ أقول: القومة شرعت فارقة بين الركوع ~~والسجود، فالرفع معها رفع للسجود، فلا معنى للتكرار. انتهى بحروفه. # وفي " التكميل " للشيخ رفيع الدين الدهلوي - ولد صاحب " الحجة البالغة " ~~-: اختلفوا في سنية رفع اليدين في الصلاة بعد التحريمة (1) ، مع اتفاقهم ~~على أنه لم يصح فيه أمر باستحباب، ولا بيان فضيلة، ولا نهي الصحابة عنه قط، ~~وعلى أنه ثبت عنه [صلى الله عليه وسلم] فعله مدة، إلا أنه ms140 زاد ابن مسعود، ~~فقال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ؟ ! فلم يرفع يديه ~~إلا في أول مرة، وظاهر أنه لم يرد تركه أبدا، وإنما أراد تركه آخرا، كما ~~يشعر به بعض ما ينقل عنه أن آخر الأمرين ترك الرفع، ولا يدرى مدة الترك، ~~فيحتمل أنه تركه في أيام المرض للضعف، فظن قوم أن سنيته كانت بمجرد الفعل، ~~فبطلت PageV01P280 # بالترك، وقوم أن الترك بعذر، وبغير نهي لا ينفي السنية كترك القيام للفرض ~~بالعذر؛ فهي - إذا - باقية، فلا مناقشة للمجتهدين في أصل سنيته في الجملة ~~ولا في بقاء جوازه، وإن منعه بعض المتعصبة؛ إذ ليس مما يخالف أفعال الصلاة؛ ~~لبقائه في التحريمة والقنوت والعيدين، فلا نكير على فاعله لأحد، بل في بقاء ~~سنيته بناء على الظن، فلا نزاع إلا في المواظبة والرجحان، وحيث واظب عليه ~~جمع بلغوا حد الاستفاضة فوق الشهرة، ولم يتعرض [صلى الله عليه وسلم] لفعلهم ~~كما تعرض لرفع اليد في السلام؛ حيث قال: " ما بال أيديكم كأنها أذناب خيل ~~شمس؟ ! "؛ وهو [صلى الله عليه وسلم] كان يرى خلفه كما يرى أمامه، فثبت بقاء ~~سنيته. # وتركه [صلى الله عليه وسلم] أحيانا؛ كما رواه ابن مسعود، والبراء بن ~~عازب، وعدم التعرض لتاركه يقضي بسقوط تأكيده. # ولم يبلغ أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - خبر هذا الجمع، إنما روى له ~~الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -، ~~فرجح عليه أبو حنيفة حمادا، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود: بكثرة ~~الفقه لا بكثرة الحفظ، فكأنه ظن أنه تفطن ابن مسعود للنسخ دون ابن عمر؛ حيث ~~لم يرفع إلا في التحريمة؛ بناء على أن السكوت في معرض البيان يفيد الحصر، ~~وما يذكر (1) عن الشافعي من عدم الرفع عند قبره مشعر بعدم التأكيد. انتهى. # وفي " تنوير العينين " للشيخ محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي - حفيد ~~PageV01P281 # صاحب " حجة الله البالغة " -: " إن رفع اليدين عند الافتتاح، والركوع، ~~والقيام منه، والقيام إلى الثالثة سنة غير مؤكدة من سنن الهدى، فيثاب ms141 فاعله ~~بقدر ما فعل، إن دائما فبحسبه، وإن مرة فبمثله، ولا يلام تاركه وإن تركه ~~مدة عمره. # وأما الطاعن العالم بالحديث - أي: من ثبت عنده الأحاديث المتعلقة بهذه ~~المسالة -: فلا إخاله إلا فيمن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ~~ونريد بسنة الهدى ههنا فعل غير فرض، وغير مختص بالنبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # فعله هو والخلفاء الراشدون - رضي الله تعالى عنهم -، أو أمروا به وأقروا ~~عليه؛ قربة، ولم ينسخ ولم يترك بالإجماع، وبغير المؤكدة: ما فعلوه مرة ~~وتركوه أخرى. # فبقولنا: فعل؛ خرج به عدم الرفع، فإن العدم ليس بفعل، نعم؛ إذا كان العدم ~~مستمرا في زمان النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # والخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم -، فقطعه يكون بدعة، وليس في ~~مفهوم البدعة إزالة السنة حتى يلزم كون العدم سنة، بل مفهومها فعل لم يفهم ~~في زمنهم. # وبقولنا: غير فرض؛ خرجت الفرائض كلها. # وبقولنا: غير مختص؛ خرجت النوافل المختصة به ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ كالوصال في الصوم. # وبقولنا: لم ينسخ؛ خرجت السنن المنسوخة؛ كالقيام للجنازة. # وبقولنا: لم يترك بالإجماع؛ خرجت السنن المتروكة به كالرفع بين السجدتين. ~~انتهى. # PageV01P282 # وفيما لا بد منه أن رفع اليدين عند الإمام الأعظم ليس بسنة، ولكن أكثر ~~الفقهاء والمحدثين يثبتونه. انتهى. # وفي " سفر السعادة ": إن الأخبار والآثار التي رويت في هذا الباب تبلغ ~~إلى أربع مئة. انتهى. # قال شارحه الشيخ عبد الحق الدهلوي: " إن الرفع وعدم الرفع كلاهما سنة ". ~~انتهى. # وقد مر الجواب عنه. # وفي " سفر السعادة " - العربي (1) -: " وقد ثبت رفع اليدين في هذه ~~المواضع الثلاثة، ولكثرة رواته؛ شابه المتواتر، فقد صح في هذا الباب أربع ~~مئة خبر وأثر؛ رواه العشرة المبشرة، ولم يزل على هذه الكيفية حتى رحل عن ~~هذا العالم، ولم يثبت غير هذا. انتهى بعبارته. # ونقل ابن الجوزي في " نزهة الناظر للمقيم والمسافر "، عن المزني، أنه ~~قال: سمعت الشافعي يقول: لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في رفع اليدين في افتتاح الصلاة، وعند الركوع، والرفع من الركوع أن يترك ms142 ~~الاقتداء بفعله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ وهذا صريح في أنه يوجب ذلك ". انتهى. # وبالجملة: فقد ثبت رفع اليدين في المواضع الأربعة المذكورة بروايات صحيحة ~~ثابتة، وآثار مرضية راجحة، ومذاهب حقة صادقة عن النبي - PageV01P283 # [صلى الله عليه وسلم]-، وعن كبراء الصحابة، وعظماء العلماء والفقهاء ~~والمجتهدين، بحيث لا يشوبها نسخ ولا تعارض، حتى ادعى بعضهم التواتر، ولا ~~أقل من أن تكون مشهورة. كذا في " التنوير ". # 2 ### | -[ ### | الضم # ] : # (والضم) لليدين؛ أي: اليمنى على اليسرى حال القيام، إما على الصدر، أو ~~تحت السرة، أو بينهما؛ بأحاديث تقارب العشرين في العدد، ولم يعارض هذه ~~السنن معارض، ولا قدح أحد من أهل العلم بالحديث في شيء منها، وقد رواه عن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] نحو ثمانية عشر صحابيا، حتى قال ابن عبد البر: ~~إنه لم يأت فيه عن النبي [صلى الله عليه وسلم] خلاف. # وفي " تنوير العينين ": " إن وضع اليد على الأخرى أولى من الإرسال؛ لأن ~~الإرسال لم يثبت عن النبي -[صلى الله عليه وسلم]-، ولا عن أصحابه، ~~بل ثبت الوضع بروايات صحيحة ثابتة عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وعن أصحابه - رضي الله تعالى عنهم -، كما روى مالك في " الموطأ "، ~~والبخاري في " صحيحه " عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل ~~يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة "؛ قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ~~ينمي ذلك إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] . # وروى الترمذي عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: كان رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه، قال الترمذي: وفي الباب عن وائل بن ~~حجر، وغطيف بن الحارث، وابن عباس، وابن مسعود، وسهل بن سعد. # قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن. # PageV00P000 # والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~والتابعين ومن بعدهم: يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة. # ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة. # ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم ". انتهى. # وكذلك أخرج مسلم ms143 عن وائل بن حجر، وابن مسعود. # والنسائي عن وائل بن حجر. # والبخاري، والحاكم عن علي. # وابن أبي شيبة عن غطيف بن الحارث، وقبيصة بن هلب عن أبيه، ووائل بن حجر، ~~وعلي، وأبي بكر الصديق، وأبي الدرداء، أنه قال: من أخلاق النبيين: وضع ~~اليمين على الشمال في الصلاة. # وعن الحسن، أنه قال: قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " كأني أنظر إلى أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في ~~الصلاة " (1) . # وهكذا أخرج عن أبي مجلز، وأبي عثمان النهدي، ومجاهد، وأبي الجوزاء. ~~PageV01P285 # وأما ما روي من الإرسال عن بعض التابعين - من نحو الحسن، وإبراهيم، وابن ~~المسيب، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، كما أخرجه ابن أبي شيبة -: فإن بلغ ~~عندهم حديث الوضع؛ فمحمول على أنه لم يحسبوه سنة من سنن الهدى، بل حسبوه ~~عادة من العادات، فمالوا إلى الإرسال؛ لأصالته مع جواز الوضع، فعملوا ~~بالإرسال بناء على الأصل؛ إذ الوضع أمر جديد يحتاج إلى الدليل، وإذ لا دليل ~~لهم؛ فاضطروا إلى الإرسال، لا أنه ثبت عندهم الإرسال، وإلى ذلك يشير قول ~~ابن سيرين حيث سئل عن الرجل يمسك بيمينه شماله؟ قال: إنما فعل ذلك من أجل ~~الدم. كما أخرج ابن أبي شيبة. # وأما ما أخرج أبو بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت عمرو بن ~~دينار، قال: كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه! فهي رواية شاذة مخالفة لما ~~روى الثقات عنه. # كما أخرج أبو داود عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن الزبير يقول: صف ~~القدمين ووضع اليد على اليد من السنة. # وإن سلم كونها صحيحة؛ فهذه فعله، والفعل لا عموم له، ورواية الوضع عنه ~~مرفوعة لأنه نسبه إلى السنة، وقول الصحابي: من السنة؛ في حكم الرفع، كما ~~حقق في كتب أصول الحديث. # ومع هذا لعله لم ير الوضع من سنن الهدى، وفهم الصحابي ليس بحجة - كما مضى ~~-، لا سيما إذا كان مخالفا لأجله الصحابة، كأميري المؤمنين أبي بكر الصديق، ~~وعلي المرتضى، وابن عباس، وابن مسعود، وسهل بن ms144 سعد، ونحوهم. # PageV01P286 # على أنها مخالفة للأحاديث المرفوعة المشهورة، وأعمال الصحابة المستفيضة ~~في باب الوضع، فينبغي أن لا يعول عليها، وتسقط على الاعتبار ولا يلتفت ~~إليها. # وأما مالك بن أنس: فقد اضطربت الروايات عنه: # فالمدنيون من أصحابه رووا عنه أمر الوضع مطلقا، سواء كان في الفرض أو ~~النفل، كما يشهد به حديث " الموطأ " عن سهل بن سعد، وأثره عن عبد الكريم بن ~~أبي المخارق البصري. # والمصريون من أصحابه رووا عنه الإرسال في الفرض والوضع في النفل. # وعبد الرحمن بن القاسم روى عنه الإرسال مطلقا. # وروى أشهب عنه إباحة الوضع. # وتلك الروايات - أي: روايات المصريين وابن القاسم عنه - وإن عمل بها ~~المتأخرون من المالكية، لكنها روايات شاذة مخالفة لرواية جمهور أصحابه، فلا ~~تخرق الإجماع والاتفاق، ولا تصادم ما ادعينا من الإطباق، ولكونها شاذة ~~أولها ابن الحاجب في " مختصره في الفقه " بالاعتماد على الأرض إذا رفع رأسه ~~من السجدة ونهض إلى القيام. # ووضع اليدين تحت السرة وفوقها متساويان؛ لأن كلا منهما مروي عن أصحاب ~~النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # PageV01P287 # أخرج أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة عن علي (1) : السنة وضع الكف في ~~الصلاة تحت السرة. # رواه رزين وغيره. # في " سفر السعادة ": وضع الكف تحت الصدر في " صحيح ابن خزيمة ". # قال الترمذي: رأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت ~~السرة، وكل ذلك واسع عندهم؛ كما ذكرناه سابقا. # وقال الشيخ ابن الهمام: " ولم يثبت حديث صحيح يوجب (2) العمل في كون ~~الوضع تحت الصدر، وفي كونه تحت السرة، والمعهود من الحنفية هو كونه تحت ~~السرة، وعن الشافعية تحت الصدر، وعند أحمد قولان كالمذهبين، والتحقيق ~~المساواة بينهما؛ كما ذكرنا سابقا، والله - تعالى - أعلم بأحكامه ". انتهى. # وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين " بعد تخريج الأخبار والآثار في وضع ~~اليمنى على اليسرى: ردت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه ~~أحب إلي! ولا أعلم شيئا ردت به سواه. انتهى. PageV01P288 # وفي " حاشية الشفاء ": " ومن الغرائب أنها صارت في هذه الديار، وفي هذه ~~الأعصار - عند العامة ms145 ومن يشابههم، ممن يظن أنه قد ارتفع عن طبقتهم - من ~~أعظم المنكرات، حتى إن المتمسك بها يصير في اعتقاد كثير في عداد الخارجين ~~عن الدين، فترى الأخ يعادي أخاه، والوالد يفارق ولده، إذا رآه يفعل واحدة ~~منها - أي: من هذه السنن -، وكأنه صار متمسكا بدين آخر، ومنتقلا إلى شريعة ~~غير الشريعة التي كان عليها، ولو رآه يزني، أو يشرب الخمر، أو يقتل النفس، ~~أو يعق أحد أبويه، أو يشهد الزور، أو يحلف الفجور: لم يجر بينه وبينه من ~~العداوة ما يجري بينه وبينه بسبب التمسك بهذه السنن أو ببعضها، لا جرم هذه ~~علامات آخر الزمان، ودلائل حضور القيامة وقرب الساعة ". انتهى. # والإشارة بقوله: " بهذه السنن "؛ إلى رفع اليدين في المواضع الأربعة، وضم ~~اليدين في الصلاة. # قال: وأعجب من فعل العامة الجهلة وأغرب: سكوت علماء الدين وأئمة المسلمين ~~عن الإنكار على من جعل المعروف منكرا والمنكر معروفا، وتلاعب بالدين وبسنة ~~سيد المرسلين. انتهى. # (3 -[ ### | التوجه بعد تكبيرة الإحرام # ] :) # (والتوجه) : فقد وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة، ويجزئ التوجه بواحد ~~منها، إذا خرج من مخرج صحيح، وأصحها الاستفتاح المروي من حديث أبي هريرة، ~~وهو في " الصحيحين " وغيرهما، بل قد قيل: إنه تواتر لفظا، وهو: " اللهم ~~باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، # PageV01P289 # اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من ~~خطاياي بالماء والثلج والبرد ". # قال في " الحجة ": " وقد صح في ذلك صيغ منها: " اللهم باعد بيني. . " إلى ~~آخره، ومنها: " إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من ~~المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا، شريك له، وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين " (1) ومنها: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، ~~وتعالى جدك، ولا إله غيرك "، ومنها: " الله أكبر كبيرا - ثلاثا -، والحمد ~~لله كثيرا - ثلاثا -، وسبحان الله بكرة وأصيلا - ثلاثا - ". # والأصل في الاستفتاح حديث علي - في الجملة -، وأبي هريرة، وعائشة، وجبير ~~بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم، وحديث عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة، وثوبان، ~~وكعب ms146 بن عجرة في سائر المواضع، وغير هؤلاء ". انتهى ملخصا. # قلت: ذهب الشافعي في دعاء الافتتاح إلى حديث علي - رضي الله تعالى عنه -: ~~" إني وجهت وجهي ... " الخ. # وأبو حنيفة إلى حديث عائشة: " سبحانك اللهم وبحمدك ... " الخ. # وقال مالك: لا نقول شيئا من ذلك. PageV01P290 # ومعنى قوله عندي؛ أنه ليس بسنة لازمة. # وأشار البغوي إلى أن الاختلاف في أذكار الصلاة من دعاء الافتتاح، وذكر ~~الركوع والسجود، وما بعد التشهد - بين الأئمة - من الاختلاف المباح. فذكر ~~كل أصح ما عنده، وليس أحد ينكر ما عند الآخر. # (بعد التكبيرة) : لأنه لم يأت في ذلك خلاف عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~، بل كل من روى عنه الاستفتاح روى أنه بعد التكبيرة، ولم يأت في شيء أنه ~~توجه قبلها، وقد أوضح ذلك العلامة الشوكاني في " حاشية الشفاء ". # وأما ما يتوجه به: فهو الذي ثبت عنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وفيه الصحيح والأصح، والوقوف على ذلك ممكن بالنظر في مختصر من مختصرات ~~الحديث، وسبحان الله وبحمده {ما فعلت هذه المذاهب بأهلها؟} # (4 -[ ### | التعوذ قبل القراءة # ] :) # (و) أما (التعوذ) : فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة: أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] كان يفعله بعد الاستفتاح قبل القراءة؛ ولفظه: " أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه "؛ كما أخرجه أحمد، وأهل " ~~السنن " من حديث أبي سعيد الخدري. # قال في " الحجة ": ثم يتعوذ؛ لقوله - تعالى -: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم} ، وفي التعوذ صيغ؛ منها: " أعوذ بالله من # PageV01P291 # الشيطان الرجيم "، ومنها: " أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " (1) ، ثم ~~يبسمل سرا؛ لما شرع الله - تعالى - لنا من تقديم التبرك باسم الله - تعالى ~~- على القراءة، ولأن فيه احتياطا، إذ قد اختلفت الرواية؛ هل هي آية من ~~الفاتحة أم لا؟ فقد صح عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه كان يفتتح ~~الصلاة؛ أي: القراءة ب {الحمد لله رب العالمين} ، ولا يجهر ب {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} . انتهى. # أقول: قد وقع الخلاف في البسملة من جهات: # الأولى: في كونها قرآنا في كل سورة ms147 أم لا؟ # الثانية: في قراءتها في الصلاة، أو سرا في السرية وجهرا في الجهرية؟ # ولأهل العلم في كل طرف من هذه الأطراف خلاف طويل ومنازعات كثيرة، ~~والقراء؛ منهم من يقرؤها في أول كل سورة، ومنهم من لا يقرؤها. # وقد أورد شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " ما لا يحتاج الناظر ~~فيه إلى غيره. # والحاصل: أن الحق ثبوت قراءتها، وأنها آية من كل سورة، وأنها تقرأ في ~~الصلاة؛ جهرا في الجهرية وسرا في السرية، وأحاديث عدم سماع جهره [صلى الله ~~عليه وسلم] بها؛ وإن كانت صحيحة؛ فالجمع بينها وبين أحاديث الجهر ممكن؛ بأن ~~يحمل نفي من نفى على أنه عرض له مانع من سماعها، فإن وقت قراءة PageV01P292 # الإمام لها وقت اشتغال المؤتم بالدخول في الصلاة، والإحرام والتوجه، ~~وتكبير القائمين إلى الصلاة، ورواة الإسرار هم مثل أنس وعبد الله بن مغفل، ~~وهم - إذ ذاك - من صغار الصحابة، قد لا يقفون في الصفوف المتقدمة لأنها ~~موقف كبار الصحابة، كما ورد الدليل بذلك. # وعلى كل تقدير: فالمثبت مقدم على النافي، وأحاديث الجهر و - إن كانت غير ~~سليمة من المقال -؛ فهي قد بلغت في الكثرة إلى حد يشهد بعضها لبعض، مع ~~كونها معتضدة بالرسم في المصاحف، وهو دليل علمي - كما قاله العضد وغيره -، ~~فقد وافقت سائر الآيات القرآنية في ذلك، فالظاهر مع من قال بأن صفتها وصفة ~~سائر الآيات متفقة. # وأما ما في " تنوير العينين " من أن ترك الجهر بالتسمية أولى من الجهر ~~بها؛ لأن رواية ترك جهره أكثر وأوضح من جهره (1) . انتهى: فقد دفعه ما تقدم ~~آنفا. # (5 -[ ### | التأمين # ] :) # (و) أما (التأمين) : فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثا، وربما تفيد أحاديثه ~~الوجوب على المؤتم إذا أمن إمامه، كما في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " ~~وغيرهما بلفظ: " إذا أمن الإمام فأمنوا "؛ فيكون ما في المتن مقيدا بغير ~~المؤتم إذا أمن إمامه. # وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم. PageV01P293 # ومما يؤكد مشروعيته: أن فيه إغاظة لليهود؛ لما أخرجه أحمد، وابن ماجه (1) ~~، والطبراني من حديث عائشة ms148 مرفوعا: " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم ~~على قول: آمين ". # قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " السنة المحكمة الصحيحة؛ الجهر ~~بآمين في الصلاة؛ كقوله في " الصحيحين ": " إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من ~~وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له "، ولولا جهره بالتأمين؛ لما أمكن ~~المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين. # وأصرح من هذا؛ حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن ~~وائل بن حجر، قال: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا قال: {ولا ~~الضالين} ؛ قال: " آمين "، ورفع بها صوته. # وفي لفظ: وطول بها؛ رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح. # وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث، فقال: وخفض بها صوته. # وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان؛ فقال الترمذي: سمعت محمد بن ~~إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل في هذا الباب؛ أصح من ~~حديث شعبة، وأخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: عن حجر أبي العنبس ~~{وإنما كنيته: أبو السكن، وزاد فيه: عن علقمة ابن وائل} وإنما هو: حجر بن ~~عنبس، عن وائل بن حجر؛ ليس فيه: علقمة، PageV01P294 # وقال: وخفض بها صوته، والصحيح: أنه جهر بها. # قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة، إذا اختلفا؟ فقال: ~~القول قول سفيان ... ، إلى قوله: # " فرد هذا كله بقوله - تعالى -: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} ، ~~والذي نزلت عليه هذه الآية؛ هو الذي رفع صوته بالتأمين، والذين أمروا بها؛ ~~رفعوا به أصواتهم، ولا معارضة بين هذه الآية والسنة بوجه ما ". اه. # ثم أطال ابن القيم في بيان أدلة ترجيح هذه السنة وتقريرها، تركنا ذكرها ~~مخافة الإطالة. # وفي " تنوير العينين " يظهر - بعد التعمق في الروايات والتحقيق - أن ~~الجهر بالتأمين أولى من خفضه، لأن رواية جهره أكثر وأوضح من خفضه اه. # (6 ### | -[ ### | قراءة سورة أو آية مع الفاتحة # ] :) # (وقراءة غير الفاتحة معها) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ~~أبي قتادة: أن النبي -[صلى الله عليه وسلم]- كان يقرأ في الظهر؛ في ~~الأوليين بأم ms149 الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. # وورد ما يشعر بوجوب قرآن مع الفاتحة من غير تعيين، كحديث أبي هريرة: أن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] أمره أن يخرج، فينادي: " لا صلاة إلا بقراءة ~~فاتحة الكتاب فما زاد "، أخرجه أحمد، وأبو داود؛ وفي إسناده مقال! # PageV01P295 # ولكنه قد أخرج مسلم في " صحيحه " وغيره من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: " ~~لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا "؛ وقد أعلها البخاري في " جزء ~~القراءة " (1) . # وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما ~~تيسر. # قال ابن سيد الناس: وإسناده صحيح ورجاله ثقات. # وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح. # وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ: " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة ~~ب {الحمد} وسورة "؛ وهو حديث ضعيف. # وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد، بل ~~مجرد الآية الواحدة يكفي، وأما زيادة على ذلك - كقراءة سورة مع الفاتحة في ~~كل ركعة من الأولتين -؛ فليس بواجب، فيكون ما في المتن مقيدا بما فوق ~~الآية. # قال في " الحجة البالغة ": " ثم يرتل سورة الفاتحة وسورة من القرآن ~~ترتيلا، يمد الحروف، ويقف على رؤوس الآي، يخافت في الظهر والعصر، ويجهر ~~الإمام في الفجر والمغرب والعشاء، ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مئة؛ تداركا ~~لقلة ركعاته بطول قراءته، وفي العشاء {سبح اسم ربك الأعلى} ، PageV01P296 # {والليل إذا يغشى} ومثلهما، وحمل الظهر على الفجر، والعصر على العشاء، ~~وفي بعض الروايات: الظهر على العشاء، والعصر على المغرب، وفي بعضها: وفي ~~المغرب بقصار المفصل؛ لضيق الوقت ". انتهى. # (7 -[ ### | التشهد الأوسط # ] :) # (و) أما (التشهد الأوسط) : فلم يرد فيه ألفاظ تخصه، بل يقول فيه ما يقول ~~في التشهد الأخير، ولكنه يسرع بذلك. # وفي " حاشية الشفاء " للشوكاني - رحمه الله -: " وأما ما يقال فيه؛ فهو ~~ما يقال في التشهد الأخير سواء بسواء؛ إلا ما ورد تخصيصه بالآخر؛ فيختص به، ~~وظاهر الأدلة الواردة في التشهد شامل للتشهدين جميعا، إلا أنه ينبغي تخفيفه ~~كما ms150 ورد الدليل بذلك، وأقل ما يقال فيه تشهد ابن مسعود، ويضم إليه الصلاة ~~على النبي وآله [صلى الله عليه وسلم] بأخصر لفظ، فهذا لا ينافي التخفيف ~~المشروع ". انتهى. # وقد روى أحمد، والنسائي من حديث ابن مسعود قال: إن محمدا قال: " إذا ~~قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك ~~أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ~~أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من ~~الدعاء أعجبه إليه؛ فليدع به ربه - عز وجل - "، ورجاله ثقات. # وأخرجه الترمذي بلفظ: علمنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا قعدنا في ~~الركعتين. # PageV01P297 # فالتقييد بالقعود في كل ركعتين يفيد أن هذا التشهد هو التشهد الأوسط، ~~ولكن ليس فيه ما ينفي زيادة الصلاة على النبي [صلى الله عليه وسلم] ، وقد ~~شرعها رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في التشهد مقترنة بالسلام على النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] ، كما ورد بلفظ: قد علمنا كيف السلام عليك؛ فكيف ~~الصلاة؟ وهو في " الصحيحين " من حديث كعب ابن عجرة. # وفي رواية من حديث ابن مسعود: فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ # وإنما لم يكن التشهد الأوسط واجبا ولا قعوده لأن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] تركه سهوا، فسبح الصحابة، فلم يعد له، بل استمر وسجد للسهو، فلو كان ~~واجبا؛ لعاد له عند ذهاب السهو بوقوع التنبيه من الصحابة؛ فلا يقال: إن ~~سجود السهو يكون لجبران الواجب كما يكون لجبران غير الواجب! لأنا نقول: محل ~~الدليل ههنا هو عدم العود لفعله بعد التنبيه على السهو. # أقول: لا ريب أنه [صلى الله عليه وسلم] لازم التشهد الأوسط، ولم يثبت في ~~حديث من الأحاديث الحاكية لفعله [صلى الله عليه وسلم] أنه تركه مرة واحدة، ~~ولكن هذا القدر لا يثبت به الوجوب، وإن كان بيانا لمجمل واجب، وانضم إليه ~~حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي "؛ لأن الاقتصار في حديث المسيء على بعض ما ~~كان يفعله دون بعض يشعر بعدم ms151 وجوب ما لم يذكر فيه، وأحاديث التشهد الصحيحة ~~التي فيها لفظ " قولوا " - وإن كان أصل الأمر للوجوب -؛ لكنه مصروف عن ~~حقيقته بحديث المسيء. # ويشكل على ذلك قول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا # PageV01P298 # التشهد ... الحديث؛ فإن هذه العبارة تدل على أن التشهد من المفترضات، ~~ويمكن أن يقال: إن فهم ابن مسعود للفرضية لا يستلزم أن يكون الأمر كذلك؛ ~~لأنه من مجالات الاجتهادات، واجتهاده ليس بحجة على أحد (1) ، وأيضا: بعض ~~التشهد تعليم كيفية، وتعليم الكيفيات - وإن كان بلفظ الأمر - لا يدل على ~~وجوبها، وما نحن بصدده من ذلك؛ فإنه وقع في جواب: كيف نصلي عليك؟ وإنما كان ~~كذلك؛ لأن جواب السائل عن الكيفية يكون بالأمر، وإن كانت غير واجبة إجماعا، ~~تقول: كيف أغسل ثوبي وأحمل متاعي: فيقول المسؤول: افعل كذا؛ غير مريد ~~لإيجاب ذلك عليك، بل لمجرد التعليم للهيئة المسؤول عنها ب (كيف؟) ؛ فلا بد ~~أن يكون الشيء المسؤول عن كيفيته قد وجب بدليل آخر غير تعليم الكيفية (2) . # وقد وقع في بعض طرق حديث المسيء ذكر للتشهد فراجعه في الموطن، فإن صحت ~~تلك الطرق؛ كانت هي المفيدة للوجوب، # أما حديث: " إذا أحدث المصلي بعد آخر سجدة ": فليس مما تقوم به الحجة؛ ~~فليعلم. PageV01P299 # (8 -[ ### | الأذكار الواردة في الصلاة # ] :) # (و) أما (الأذكار الواردة في كل ركن) : فكثيرة جدا: # منها تكبير الركوع والسجود، والرفع والخفض، كما دل عليه حديث ابن مسعود، ~~قال: رأيت النبي [صلى الله عليه وسلم] يكبر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود. # وأخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي - وصححه -. # وأخرج نحوه البخاري، ومسلم من حديث عمران بن حصين. # وأخرج نحوه من حديث أبي هريرة. # وفي الباب أحاديث؛ إلا عند الارتفاع من الركوع؛ فإن الإمام والمنفرد ~~يقولان: " سمع الله لمن حمده "، والمؤتم يقول: " اللهم ربنا {ولك الحمد " ~~(1) ؛ وهو في " الصحيح " من حديث أبي موسى. # قال في " حاشية الشفاء ": الظاهر من الأدلة أن الإمام والمنفرد يجمعان ~~بين السمعلة والحمدلة، فيقولان: " سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا} ولك ~~الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ms152 "، وأما المؤتم ففيه احتمال (1) ، وقد ~~أوضحت الصواب فيه في " شرح المنتقى ". انتهى. # قال ابن القيم في " الإعلام ": السنة الصريحة في قول الإمام: " ربنا! لك ~~الحمد "؛ كما في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة: كان رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] إذا PageV01P300 # قال: " سمع الله لمن حمده "؛ قال: " اللهم ربنا {لك الحمد ". # وفيهما - أيضا - عنه: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يكبر حين يقوم، ~~ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: " سمع الله لمن حمده " حين يرفع صلبه من ~~الركعة، ثم يقول وهو قائم: " ربنا} لك الحمد ". # وفي " صحيح مسلم " عن ابن عمر: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان إذا ~~رفع رأسه من الركوع قال: " سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا {لك الحمد ": ~~فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله [صلى الله عليه وسلم] : " إذا ~~قال الإمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا} لك الحمد ". انتهى. # وأما ذكر الركوع فهو: " سبحان ربي العظيم "؛ وذكر السجود: " سبحان ربي ~~الأعلى "، ويدعو بعد ذلك بما أحب من المأثور وغيره، وأقل ما يستحب من ~~التسبيح في الركوع والسجود ثلاث؛ لحديث ابن مسعود: أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] قال: " إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات؛ ~~فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث ~~مرات؛ فقد تم سجوده، وذلك أدناه "، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ ~~وفي إسناده انقطاع. # وأما ذكر الاعتدال: فقد ثبت في " الصحيح " من حديث ابن عباس: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: " اللهم ربنا! لك الحمد، ملء السموات ~~وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، ~~أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". # PageV01P301 # وأما الذكر بين السجدتين: فقد روى الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، ~~والحاكم - وصححه - من حديث ابن عباس: أن النبي ### | -[صلى الله عليه ms153 وسلم]- # كان يقول بين السجدتين: " اللهم! اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، ~~وارزقني ". # أقول: قد بين لنا [صلى الله عليه وسلم] كيفية تسبيح الركوع والسجود بيانا ~~شافيا، نقله لنا عنه الذين نقلوا إلينا سائر الأحكام الشرعية، فقالوا: كان ~~يقول في ركوعه: " سبحان ربي العظيم "، وفي سجوده: " سبحان ربي الأعلى "، ~~وكذلك أرشد إليه [صلى الله عليه وسلم] قولا. # وأما التقييد بعدد مخصوص: فلم يرد ما يدل عليه؛ إنما كان الصحابة يقدرون ~~لبثه في ركوعه وسجوده تقادير مختلفة، والتطويل في الصلاة من السنن الثابتة؛ ~~ما لم يكن المصلي إماما لقوم؛ فإنه يصلي بهم صلاة أخفهم كما أرشد إليه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # (9 -[ ### | الاستكثار من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة # ] :) # (و) الأحاديث في الأذكار الكائنة في الصلاة كثيرة جدا، فينبغي (الاستكثار ~~من الدعاء) في الصلاة. # (بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد) : والأولى أن يأتي بهذه ~~الأذكار قبل الرواتب؛ فإنه جاء في بعض الأذكار ما يدل على ذلك، كقوله: " من ~~قال قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله ... " ~~(1) الخ، وكقول الراوي: كان إذا سلم من صلاته يقول بصوته PageV01P302 # الأعلى: لا إله إلا الله ... " الخ، قال ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة ~~رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بالتكبير (1) . # وفي بعضها ما يدل ظاهرا كقوله: " دبر كل صلاة ". # وأما قول عائشة: كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: " اللهم أنت ~~السلام ... " الخ فيحتمل وجوها ذكرتها في " شرح بلوغ المرام ". # وبالجملة: فالأدعية كلها بمنزلة أحرف القرآن؛ من قرأ منها شيئا فاز ~~بالثواب الموعود. # وهذا الباب يحتمل البسط، وليس المراد هنا إلا الإشارة إلى ما يحتاج إليه. # وقد ذكر الماتن هذه المسائل والأذكار في " شرح المنتقى "، وأورد كل ما ~~يحتاج إليه على وجه لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. PageV01P303 # (5 ### | - باب متى تبطل الصلاة؟ وعمن تسقط؟) # ( [ ### | الفصل الأول # ] ) # ( [ ### | ما لا يجوز في الصلاة # ] :) # (1 -[ ### | الكلام # ] :) # (وتبطل الصلاة بالكلام) : لحديث زيد بن أرقم في " الصحيحين " وغيرهما، ~~قال: كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم ms154 الرجل منا صاحبه حتى نزلت: {وقوموا لله ~~قانتين} ؛ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. # وهكذا حديث ابن مسعود في " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " إن في الصلاة ~~لشغلا ". # وفي رواية لأحمد، والنسائي، وأبي داود، وابن حبان في " صحيحه ": " إن ~~الله يحدث من أمره ما شاء، وإنه أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة ". # ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم عامدا عالما فسدت صلاته، وإنما الخلاف ~~في كلام الساهي، ومن لم يعلم بأنه ممنوع. # فأما من لم يعلم؛ فظاهر حديث معاوية بن الحكم السلمي الثابت في # PageV01P304 # " الصحيح " أنه لا يعيد، وقد كان شأنه [صلى الله عليه وسلم] أن لا يحرج ~~على الجاهل، ولا يأمره بالقضاء في غالب الأحوال، بل يقتصر على تعليمه وعلى ~~إخباره بعدم جواز ما وقع منه، وقد يأمره بالإعادة كما في حديث المسيء. # وأما كلام الساهي والناسي؛ فالظاهر أنه لا فرق بينه وبين العامد العالم ~~في إبطال الصلاة. # قال أبو حنيفة: كلام الناسي يبطل الصلاة، وحديث أبي هريرة كان قبل تحريم ~~الكلام ثم نسخ. # وفيه بحث؛ لأن تحريم الكلام كان بمكة، وهذه القصة بالمدينة. # وقال الشافعي: كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وكلام العامد يبطلها ولو قل، ~~وتأويل الحديث عنده: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان ناسيا، بانيا كلامه ~~على أن الصلاة تمت وهو نسيان، وكلام ذي اليدين على توهم قصر الصلاة؛ فكان ~~حكمه حكم الناسي، وكلام القوم كان جوابا للرسول، وإجابة الرسول لا تبطل ~~الصلاة. # وقال مالك: إن كان كلام العمد يسيرا لإصلاح الصلاة لا يبطل، مثل أن يقال: ~~لم تكمل، فيقول: قد أكملت، وحديث: نهينا عن الكلام، و: " لا تكلموا ": خص ~~منه هذا النوع من الكلام. كذا في " المسوى ". # أقول: أما فساد صلاة من تكلم ساهيا؛ فلا أعرف دليلا يدل عليه؛ إلا عموم ~~حديث النهي عن الكلام، وهو مخصص بمثل حديث تكلمه [صلى الله عليه وسلم] بعد ~~أن سلم على ركعتين، كما في حديث ذي اليدين، فإنه تكلم في تلك الحال # PageV01P305 # ساهيا عن كونه مصليا، وهو ms155 المراد بكلام الساهي؛ لأن المراد إصدار الكلام ~~من غير قصد. # فإن قيل: إن ثم فرقا بين من تكلم وهو داخل الصلاة لم يخرج منها، وبين من ~~تكلم وقد خرج منها ساهيا؛ فإن الأول أوقع الكلام حال الصلاة، والآخر أوقعه ~~خارجها، واعتداده بما قد فعله قبل الخروج ساهيا؛ لا يوجب كونه بعد الخروج ~~قبل الرجوع في الصلاة؛ وأدل دليل على ذلك: تكبيره للدخول بعد الخروج سهوا. # فيقال: الأدلة الواردة في رفع الخطاب عن الساهي مخصصة لذلك العموم، ~~فاقتضى ذلك أن المفسد هو كلام العامد لا كلام الساهي. # وأما عدم أمره لمعاوية بن الحكم بالإعادة - كما في الحديث -: فيمكن أن ~~يكون لتنزيل كلام الجاهل بالتحريم منزلة كلام الساهي، ويمكن أن يكون الجهل ~~عذرا بمجرده. # (2 -[ ### | الاشتغال بما ليس منها # ] :) # (وبالاشتغال بما ليس منها) : وذلك مقيد بأن يخرج به المصلي عن هيئة ~~الصلاة، كمن يشتغل مثلا بخياطة، أو نجارة، أو مشي كثير، أو التفات طويل، أو ~~نحو ذلك. # وسبب بطلانها بذلك أن الهيئة المطلوبة من المصلي قد صارت بذلك الفعل ~~متغيرة عما كانت عليه، حتى صار الناظر لصاحبها لا يعده مصليا. # أقول: اختلفت أنظار أهل العلم في تعريف الفعل الكثير المفسد للصلاة # PageV01P306 # والمبطل لها، والذي أراه طريقا إلى معرفة الفعل الكثير؛ أن ينظر المتكلم ~~في ذلك إلى ما صدر منه [صلى الله عليه وسلم] من الأفعال، مثل حمله لأمامة ~~بنت أبي العاص، وطلوعه ونزوله في المنبر وهو في حال الصلاة، ونحو ذلك مما ~~وقع منه [صلى الله عليه وسلم] ؛ لا لإصلاح الصلاة، فيحكم بأنه غير كثير، ~~وكذلك ما وقع لقصد إصلاح الصلاة؛ مثل خلعه [صلى الله عليه وسلم] للنعل، ~~وإذنه بمقاتلة الحية - وما أشبه ذلك -؛ ينبغي الحكم بأنه غير كثير بالأولى، ~~وما خرج عن الواقع من أفعاله، والمسوغ بأقواله، فهو فعل غير مشروع، ورجع في ~~كونه مفسدا وغير مفسد إلى الدليل، فإن ورد ما يدل على أحد الطرفين كان ~~العمل عليه، وإن لم يرد فالأصل الصحة، والفساد خلاف الأصل، لا يصار إليه ~~إلا ms156 لقيام دليل يدل على الفساد، ولكنه إذا صدر من المصلي من الأفعال - التي ~~لمجرد العبث - ما يخرج به عن هيئة من يؤدي هذه العبادة؛ مثل أن يشتغل بعمل ~~من الأعمال التي لا مدخل لها في الصلاة، ولا في إصلاحها؛ نحو حمل الأثقال، ~~والخياطة، والنسخ ونحو ذلك: فهذا غير مصل. # فإذا قال قائل بفساد صلاته؛ فهو من حيث إنه قد فعل ما ينافي الصلاة. # وأما الاستدلال بحديث: " اسكنوا في الصلاة ": فهو - مع كونه لا يفيد إلا ~~الوجوب، والواجب لا يستلزم عدمه فساد ما هو واجب فيه -: مخصص بجميع ما فعله ~~[صلى الله عليه وسلم] ، أو أذن به، أو قرره. # وما خرج عن ذلك؛ ففعله غير جائز، بل يجب تركه فقط؛ فمن تركه كان ممدوحا، ~~ومن فعله كان مذموما. # PageV01P307 # ومن قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده (1) ، والنهي يقتضي الفساد - كما هو ~~مذهب طائفة من أهل الأصول -: فغاية ما هناك أن ذلك الفعل الذي فعله ولم ~~يتركه - كما يجب عليه - فاسد، وأما كون الصلاة التي فعل فيها ذلك الفعل ~~فاسدة؛ فشيء آخر. # قال مجد الدين الفيروزآبادي في " الصراط المستقيم ": " ولسماع بكاء الطفل ~~كان يخفف الصلاة، وأحيانا كان يتعلق به وهو في الصلاة طفل فيحمله على ~~عاتقه، وأحيانا كان يأتي الحسين وهو في السجود، فيركب على ظهره المبارك، ~~فيطيل السجود لأجله، وأحيانا كانت عائشة تأتي وهو في الصلاة؛ وقد غلق ~~الباب، فيخطو ليفتح الباب لها، وأحيانا كان يسلم عليه وهو في الصلاة، فيجيب ~~بالإشارة باسطا يده، وقد يومئ برأسه المبارك، وكانت عائشة نائمة تجاه ~~صلاته، فكان عند السجود يضع يده على رجلها؛ لتخلي مكان السجود بضم رجلها، ~~وكان قد يصل إلى آية السجدة على المنبر، فيهبط إلى الأرض ليسجد ثم يصعد، ~~واختصم وليدتان من بني عبد المطلب، فتصارعتا، فلما دنتا منه أمسكهما بيده ~~وفرق بينهما (2) ، وكان يبكي في الصلاة كثيرا، ويتنحنح أحيانا لحاجة، ويصلي ~~منتعلا وغير منتعل، وقال: " صلوا في نعالكم خلافا لليهود ". اه. # قال في " الحجة البالغة ": " إن النبي [صلى الله عليه ms157 وسلم] قد فعل أشياء ~~في الصلاة بيانا للمشروع، وقرر على أشياء، فذلك وما دونه لا يبطل الصلاة. # والحاصل من الاستقراء: أن القول اليسير - مثل: ألعنك بلعنة الله، ~~PageV01P308 # ويرحمك الله، وياثكل أماه {وما شأنكم تنظرون إلي؟} والبطش اليسير مثل وضع ~~صبية من العاتق ورفعها، وغمز الرجل، ومثل فتح الباب، والمشي اليسير؛ ~~كالنزول من درج المنبر إلى مكان - ليتأتى منه السجود في أصل المنبر -، ~~والتأخر من موضع الإمام إلى الصف، والتقدم إلى الباب المقابل ليفتح، ~~والبكاء خوفا من الله - تعالى -، والإشارة المفهمة، وقتل الحية والعقرب، ~~واللحظ يمينا وشمالا من غير لي العنق -: لا يفسد، وإن تعلق القذر بجسده أو ~~ثوبه - إذا لم يكن بفعله، أو كان لا يعلمه - لا يفسد ". اه. # قلت: اتفقوا على أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة. # في " العالمكيرية " (1) : إن حمل صبيا أو ثوبا على عاتقه؛ لم تفسد صلاته، ~~وإن حمل شيئا يتكلف في حمله؛ فسدت. # وفي " المنهاج ": الكثرة بالعرف، فالخطوتان والضربتان قليل، والثلاث ~~كثير، وتبطل بالوثبة الفاحشة، لا الحركات الخفيفة المتوالية، كتحريك أصابعه ~~في سبحة، أو حك - في الأصح -. # وفي " العالمكيرية ": لو فتح على غير إمامه تفسد؛ إلا إذا عنى به التلاوة ~~دون التعليم، وإن فتح على إمامه؛ فالصحيح لا تفسد بحال. # وفي " المنهاج ": " لو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم، ك {يا يحيى خذ ~~الكتاب} ، قصد معه قراءة؛ لم تفسد، وإلا بطلت "؛ كذا في " المسوى ". ~~PageV01P309 # (3 ### | -[ ### | ترك شرط أو ركن عمدا # ] :) # (وبترك شرط) : كالوضوء، فلأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط. # (أو ركن) : لكون ذهابه يوجب خروج الصلاة عن هيئتها المطلوبة. # (عمدا) ، وإذا ترك الركن فما فوقه سهوا فعله، وإن كان قد خرج عن الصلاة، ~~كما وقع منه -[صلى الله عليه وسلم]- في حديث ذي اليدين؛ فإنه سلم ~~على ركعتين ثم أخبر بذلك، فكبر وفعل الركعتين المتروكتين. # وأما ترك ما لم يكن شرطا ولا ركنا من الواجبات؛ فلا تبطل به الصلاة؛ لأنه ~~لا يؤثر عدمه في عدمها، بل حقيقة الواجب: ما يمدح فاعله ويذم تاركه، وكونه ~~يذم لا ms158 يستلزم أن صلاته باطلة. # والحاصل: أن الشروط للشيء هي التي تثبت بدليل يدل على انتفاء المشروط عند ~~انتفاء الشرط، نحو أن يقول الشارع: من لم يفعل كذا فلا صلاة له، أو يأتي عن ~~الشارع ما هو تصريح بعدم الصحة، أو بعدم القبول أو الأجر، أو يثبت عنه ~~النهي عن الإتيان بالمشروط بدون الشرط؛ لأن النهي يدل على الفساد المرادف ~~للبطلان على ما هو الحق. # وأما كون الشيء واجبا: فهو يثبت بمجرد طلبه من الشارع، ومجرد الطلب لا ~~يستلزم زيادة على كون الشيء واجبا، فتدبر هذا؛ تسلم من الخبط والخلط. # PageV01P310 ### | ( [الفصل الثاني: على من تجب الصلوات الخمس؟ وعمن تسقط؟] ) # ( [ ### | تجب الصلاة على المكلف # ] :) # (ولا تجب) الصلوات المكتوبة الخمس (على غير مكلف) : لأن خطاب التكليف لا ~~يتناول غير مكلف، ولا خلاف في ذلك في الواجبات الشرعية. # وأما ما ورد من تعويد الصبيان وتمرينهم: فالخطاب في ذلك للمكلفين، ~~والوجوب عليهم لا على الصغار. # ( [ ### | عمن تسقط الصلاة # ؟] :) # (1 -[ ### | عن العاجز عن الإشارة # ] :) # (وتسقط عمن عجز عن الإشارة) : لأن إيجابها على المريض مع بلوغه إلى ذلك ~~الحد؛ هو من تكليف ما لا يطاق، ولم يكلف الله - تعالى - أحدا فوق طاقته. # (2 -[ ### | عن المغمى عليه حتى خرج وقتها # ] :) # (و) كذلك (عمن أغمي عليه حتى خرج وقتها) : فلا وجوب عليه؛ لأنه غير مكلف ~~في الوقت. # ( [ ### | كيف يصلي المريض # ؟] :) # (ويصلي المريض قائما ثم قاعدا ثم على جنب) : لحديث عمران بن # PageV01P311 # حصين عند البخاري، وأهل " السنن "، وغيرهم قال: كانت بي بواسير، فسألت ~~النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # عن الصلاة؟ فقال: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى ~~جنب "؛ وقد نطق بمضمون ذلك القرآن الكريم. # وإذا تعذر على المصلي صفة من صفات صلاة العليل الواردة؛ أتى بالصلاة على ~~صفة أخرى مما ورد، ثم يفعل ما قدر عليه ودخل تحت استطاعته: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} ، " وإذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". # PageV01P312 # (6 - ### | باب صلاة التطوع # ( [ ### | دليل مشروعية سنة الظهر والعصر # ] :) # (هي: أربع قبل الظهر، وأربع بعده، وأربع قبل ms159 العصر) : لما ثبت في ذلك من ~~حديث أم حبيبة، قالت: سمعت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: " من صلى ~~أربع ركعات قبل الظهر، وأربعا بعدها؛ حرمه الله على النار "؛ رواه أحمد، ~~وأهل " السنن " - وصححه الترمذي، وابن حبان -. # قال في " سفر السعادة ": وكان يفصل بين هذه الأربع بتسليمتين. # قال أمير المؤمنين علي: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يصلي قبل الظهر ~~أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم (1) على الملائكة المقربين، ومن معهم من ~~المسلمين والمؤمنين؛ رواه أحمد، والترمذي - محسنا -. اه. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمر، أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] قال: " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا " - وحسنه الترمذي، وصححه ~~ابن حبان وابن خزيمة -. # ( [ ### | دليل مشروعية سنة المغرب # ] :) # (وركعتان بعد المغرب) : قال في " سفر السعادة ": وفي سنة المغرب سنتان: ~~PageV01P313 # إحداهما: أن لا يتكلم بينهما وبين الفريضة؛ لما في الحديث: " من صلى ~~ركعتين بعد المغرب - قال مكحول: يعني قبل أن يتكلم -: رفعت صلاته في عليين ~~" (1) . # الثانية: أن تكون في البيت: دخل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] مسجد بني ~~الأشهل وصلى المغرب، فلما فرغ رأى أهل المسجد اشتغلوا بصلاة السنة، فقال: " ~~هذه صلاة البيوت " (2) ، وفي لفظ ابن ماجه: " اركعوا هاتين في بيوتكم " (3) ~~. # حاصله: أن عادة حضرة سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : أنه كان ~~يصلي جميع السنن في بيته؛ إلا أن يكون بسبب، وكان يقول: " أيها الناس! صلوا ~~في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة " اه. # وقال - أيضا -: وكان الصحابة يصلون قبل المغرب ركعتين، ولم يمنعهم [صلى ~~الله عليه وسلم] من ذلك، وثبت في " الصحيحين "؛ أنه [صلى الله عليه وسلم] ~~قال: " صلوا قبل المغرب "، وقال في الثالثة: " لمن شاء "؛ كراهة أن يتخذها ~~الناس سنة، فصلاتها مندوبة مستحبة، لكن لا تبلغ درجة الرواتب. اه. # ( [ ### | دليل مشروعية سنة العشاء والفجر # ] :) # (وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) : لما ثبت في " الصحيحين " ~~وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر، قال: حفظت عن رسول الله ### | -[صلى الله عليه ms160 وسلم]- # PageV01P314 # ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد ~~العشاء، وركعتين قبل الغداة ". # وأخرج - نحوه - مسلم في " صحيحه "، وأحمد، والترمذي - وصححه - من حديث ~~عبد الله بن شقيق. # وأخرج - نحوه - مسلم، وأهل " السنن " من حديث أم حبيبة. # ولا ينافي هذا ما تقدم من الدليل الدال على مشروعية أربع قبل الظهر وأربع ~~بعده؛ لأن هذه زيادة مقبولة. # وثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر. # وثبت في " صحيح مسلم " وغيره من حديثها: " أن ركعتي الفجر خير من الدنيا ~~وما فيها ". # وفيهما أحاديث كثيرة. # قال في " سفر السعادة ": وكان يحافظ على ركعتي الفجر؛ بحيث إنه كان يواظب ~~عليهما في السفر أيضا، ولم يرو أنه [صلى الله عليه وسلم] صلى في السفر شيئا ~~من السنن الرواتب؛ إلا سنة الفجر وصلاة الوتر. # وللعلماء في أفضلية سنة الفجر وصلاة الوتر قولان: # قال بعضهم: سنة الفجر آكد. # PageV01P315 # وقال بعضهم: بل الوتر. # وكما أن الوتر واجب عند البعض؛ كذا سنة الفجر تجب عند البعض (1) . # وقال بعض المشايخ: سنة الفجر ابتداء العمل، والوتر ختم العمل، فلا جرم ~~صرفنا العناية لشأنهما، ولهذا السبب شرع فيهما قراءة سورة الإخلاص، وسورة ~~{قل يا} (2) ؛ لاشتمالهما على توحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة ~~والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، كما بيناه في كتاب " حاصل كورة الخلاص ~~في فضائل سورة الإخلاص " (3) . اه. # ( [ ### | دليل مشروعية سنة الضحى # ] :) # (وصلاة الضحى) ؛ والأحاديث فيها متواترة عن جماعة من الصحابة. # وأقلها ركعتان،؛ كما في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، وأكثرها ~~اثنتا عشرة ركعة؛ كما دلت على ذلك الأدلة. # وفي " الحجة البالغة ": وللضحى ثلاث درجات: أقلها ركعتان، وفيها أنها ~~تجزي عن الصدقات الواجبة على كل سلامي ابن آدم. # وثانيتها: أربع ركعات، وفيها عن الله - تعالى -: " يا ابن آدم {اركع لي ~~أربع ركعات من أول النهار؛ أكفك آخره ". # وثالثها: ما زاد عليها؛ كثماني ركعات وثنتي عشرة. PageV01P316 # وأكمل أوقاته؛ حين يرتحل النهار وترمض الفصال (1) . اه. # ( [ ### | سنة صلاة الليل ms161 # ] :) # (وصلاة الليل) ؛ والأحاديث فيها صحيحة متواترة، لا يتسع المقام لبسطها: ~~قال - تعالى -: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا} ، وقال [صلى الله ~~عليه وسلم] : " صلوا بالليل والناس نيام ". # وكانت العناية بصلاة التهجد أكثر، فبين [صلى الله عليه وسلم] فضائلها، ~~وضبط آدابها وأذكارها، قال: " عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ~~وهو قربة لكم إلى ربكم، مكفرة للسيئات، منهاة عن الإثم " (2) ؛ وغير ذلك. # (وأكثرها ثلاث عشرة ركعة) ، وقد كان ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يصلي صلاة الليل على أنحاء مختلفة، فتارة يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر ~~بركعة، وتارة يصلي أربعا أربعا، وتارة يجمع بين زيادة على الأربع، وذلك كله ~~سنة ثابتة. # قال في " الحجة البالغة ": صلاها النبي [صلى الله عليه وسلم] على وجوه، ~~والكل سنة. # قال في " المنح " (3) : " قالت عائشة: ولا أعلم رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح ". اه. PageV01P317 # ( [ ### | سنة الوتر # ] :) # (يوتر في آخرها بركعة) : إما منفردة أو منضمة إلى شفع قبلها. # قال ابن القيم: " ووردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس ~~متصلة وسبع متصلة، كحديث أم سلمة: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يوتر ~~بسبع وبخمس، لا يفصل بسلام ولا كلام؛ رواه أحمد، وكقول عائشة: كان رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك ~~بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن " متفق عليه، وكحديث عائشة: أنه يصلي من الليل ~~تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ~~يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ~~ركعة، فلما أسن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأخذه اللحم؛ أوتر بسبع، ~~وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول "، وفي لفظ عنها: فلما أسن وأخذه ~~اللحم؛ أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في ~~السابعة، وفي لفظ: صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن. # وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض ms162 لها، فردت بقوله [صلى الله عليه وسلم] ~~: " صلاة الليل مثنى مثنى "؛ وهو حديث صحيح، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر ~~بالسبع والخمس، وسنته كلها حق يصدق بعضها بعضا، فالنبي [صلى الله عليه ~~وسلم] أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها: " مثنى مثنى "، ولم يسأله عن ~~الوتر، وأما السبع والخمس والتسع والواحدة: فهي صلاة الوتر، والوتر اسم ~~للواحدة المنفصلة عما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم ~~للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدى عشرة،؛ كان الوتر # PageV01P318 # اسم الركعة المفصولة وحدها، كما قال [صلى الله عليه وسلم] : " صلاة الليل ~~مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة؛ توتر له ما قد صلى "، فاتفق فعله ~~[صلى الله عليه وسلم] وقوله، وصدق بعضه بعضا ". اه. # والحق أن الوتر سنة، هو أوكد السنن، بينه علي، وابن عمر، وعبادة ابن ~~الصامت، وإليه ذهب أكثر العلماء، إلا أبا حنيفة خاصة؛ فإنه واجب على الصحيح ~~عنده، وثلاث ركعات لا يزيد ولا ينقص! # قال في " المسوى ": " وأقل الوتر ركعة في قول أكثرهم، وأكثره إحدى عشرة، ~~أو ثلاث عشرة، وأدنى الكمال ثلاث، وما زاد فهو أفضل ". اه. # وكان النبي [صلى الله عليه وسلم] إذا صلاها ثلاثا؛ يقرأ في الأولى ب {سبح ~~اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية ب {قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة ب ~~{قل هو الله أحد} والمعوذتين. # ( [ ### | بيان وقت الوتر # ] :) # أقول: دلت الأخبار على أن وقت الوتر بعد الفراغ من العشاء الآخرة إلى ~~طلوع الفجر، وهذا هو عين ما أفتى به أبو موسى، وفتواه هي الثابتة عن رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] ؛ أخرجه مسلم في " صحيحه " من حديث أبي سعيد، ~~قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " أوتروا قبل أن تصبحوا ". # وأخرج ابن حبان عنه [صلى الله عليه وسلم] ، أنه قال: " إذا طلع الفجر؛ ~~فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر ". # PageV01P319 # والأحاديث في الباب كثيرة، والأحاديث الثابتة في إيتاره [صلى الله عليه ~~وسلم] بركعة أكثر من أن تحصى، فهي صالحة لتخصيص ما ms163 هو من العمومات في أعلى ~~طبقة، فكيف بما لا صحة له قط؟ {وحديث البتيراء لم يصح (1) . # والذي ينبغي التعويل عليه في دفع الوجوب؛ الأحاديث المصرحة بأن الوتر غير ~~واجب. # والوتر عبارة عن آخر صلاة الليل؛ وقد ثبت في ذلك صفات متعددة بأحاديث ~~صحيحة - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك -. # والحاصل: أن لصلاة الليل - باعتبار وترها - ثلاث عشرة صفة، كما ذكر ذلك ~~ابن حزم في " المحلى "، فالقول بأن الوتر ثلاث ركعات فقط لا يجوز أن يكون ~~الإيتار بغيرها} ضيق عطن، وقصور باع، ولمثل هذا صار أكثر فقهاء العصر لا ~~يعرفون الوتر إلا بأنها ثلاث ركعات بعد صلاة العشاء، حتى إن كثيرا منهم ~~يكون له قيام في الليل وتهجد، فتراه يصلي الركعات المتعددة ويظن أن الوتر ~~شيء قد فعله، وأنه لا يتعلق له بهذه الصلاة التي يفعلها في الليل، وهو لا ~~يدري أن الوتر هو ختام صلاة الليل، وأنه لا صلاة بعده إلا الركعتان ~~المعروفتان بسنة الفجر، وكثيرا ما يقع الإنسان في الابتداع وهو يظن أنه في ~~الاتباع! والسبب عدم الشغل بالعلم وسؤال أهل الذكر. # وأما ما روي عن الحسن البصري، أنه قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث ~~لا يسلم إلا في آخرهن (2) : PageV01P320 # فإن أراد أن الإجماع وقع على هذا القدر، وأنه لا يجوز الإيتار بغيره: فهو ~~من البطلان بمكان لا يخفى على عارف، فهذه الدفاتر الإسلامية الحاكية لمذاهب ~~الصحابة الذين أدركهم الحسن البصري، ولمذاهب التابعين الذين هو واحد منهم، ~~قاضية بخلاف هذه الحكاية، وهي بين أيدينا. # وإن أراد أن هذه الصفة هي إحدى صفات الوتر: فنحن نقول بموجب ذلك، فقد روي ~~الإيتار بثلاث، ولكنه روي النهي عن الإيتار بثلاث (1) كما أوضح ذلك الماتن ~~رحمه الله - في " شرح المنتقى "، فتعارضت رواية الثلاث ورواية النهي. # والعالم بكيفية الاستدلال لا يخفى عليه الصواب، وقد تقدم أن حديث ~~البتيراء لا أصل له (2) ، على أن النسخ لا يتم ادعاؤه إلا بعد معرفة ~~التاريخ؛ لأن الناسخ لا يكون إلا متأخرا بإجماع المسلمين القائلين بثبوت ~~أصل النسخ في ms164 هذه الشريعة المطهرة، فدعوى النسخ بمجرد الاحتمال مجازفة ~~عظيمة، ولا سيما إذا كان المدعي لذلك لم يتعب نفسه في علوم السنة المطهرة. # ( [ ### | سنة تحية المسجد # ] :) # (وتحية المسجد) : لحديث " إذا دخل أحدكم المسجد؛ فلا يجلس حتى يصلي ~~ركعتين "؛ أخرجه الجماعة من حديث أبي قتادة، وفي ذلك أحاديث كثيرة. ~~PageV01P321 # وقد وقع الاتفاق على مشروعية تحية المسجد، وذهب أهل الظاهر إلى أنهما ~~واجبتان، وذلك غير بعيد (1) ، وقد حقق الماتن المقام في " شرح المنتقى "، ~~وفي رسالة مستقلة. # ( [ ### | صلاة الاستخارة # ] :) # (و) صلاة (الاستخارة) ، وفيها أحاديث كثيرة منها: حديث جابر عند البخاري ~~وغيره؛ بلفظ: كان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها؛ كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " ~~إذا هم أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم {إني ~~أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم،؛ فإنك تقدر ولا ~~أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم} إن كنت تعلم أن هذا الأمر ~~خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله -؛ فاقدره ~~لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ~~ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله -؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، ~~واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به - قال -، ويسمي حاجته ". # قال في " الحجة البالغة ": وعندي أن إكثار الاستخارة في الأمور ترياق ~~مجرب بتحصيل شبه الملائكة، وضبط النبي [صلى الله عليه وسلم] آدابها ~~ودعاءها، فشرع ركعتين، وعلم: اللهم! إني أستخيرك ... الخ. اه. PageV01P322 # ( [ ### | صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة # ] :) # (وركعتان بين كل أذان وإقامة) : لحديث: " بين كل أذانين صلاة "، قال ذلك ~~ثلاث مرات، ثم قال: " لمن شاء "؛ وهو حديث صحيح. # والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة تغليبا؛ كالقمرين والعمرين. # PageV01P323 # (7 - ### | باب صلاة الجماعة # ( [ ### | حكم صلاة الجماعة # ] :) # (هي من آكد السنن) وأعظم الشعائر الإسلامية وأفضل القرب الدينية؛ لما ورد ~~فيها من الترغيبات، حتى إنه [صلى الله عليه وسلم] صرح بأنها تزيد على صلاة ~~الفرد بسبع وعشرين درجة؛ كما في " الصحيحين ms165 "، ووقع منه الإخبار بأنه قد هم ~~بأن يحرق على المتخلفين دورهم. # قال ابن القيم: ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة، فترك الصلاة في الجماعة هو من ~~الكبائر. اه. # ولازمها [صلى الله عليه وسلم] من الوقت الذي شرعها الله - تعالى - فيه ~~إلى أن قبضه الله - تعالى - إليه، ولم يرخص [صلى الله عليه وسلم] في تركها ~~لمن سمع النداء، فإنه سأله الرجل الأعمى أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ~~ولى دعاه، فقال: " هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: " فأجب "، وكل ما ~~ذكرناه ثابت في " الصحيح ". # وثبت في " الصحيح " أيضا عن ابن مسعود، أنه قال: " لقد رأيتنا؛ وما يتخلف ~~عنها إلا منافق معلوم النفاق ". # قال ابن القيم: وهذا فوق الكبيرة. اه. # PageV01P324 # " ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف " (1) . # أقول: أما كونها فريضة متحتمة؛ فالأدلة متعارضة، ولكن ههنا طريقة أصولية ~~يجمع بها بين هذه الأدلة؛ وهي أن أحاديث أفضلية الجماعة مشعرة بأن صلاة ~~المنفرد مجزئة، وهي أحاديث كثيرة؛ مثل حديث: " الذي ينتظر الصلاة مع ~~الإمام؛ أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام "؛ وهو في " الصحيح ". # ومنه حديث المسيء صلاته - المشهور -؛ فإنه أمره بأن يعيد الصلاة منفردا. # ومنه حديث: " ألا رجل يتصدق على هذا؟ " عند أن رأى رجلا يصلي منفردا. # ومن ذلك أحاديث التعليم لأركان الإسلام؛ فإنه لم يأمر من علمه بأن لا ~~يصلي إلا في جماعة، مع أنه قال لمن قال له؛ لا يزيد على ذلك ولا ينقص: " ~~أفلح - وأبيه (2) - إن صدق ". # ونحو ذلك من الأدلة؛ فالجميع صالح لصرف: " فلا صلاة له "؛ الواقع في ~~الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة إلى نفي الكمال، لا إلى نفي الصحة. ~~PageV01P325 # وأما ما وقع منه [صلى الله عليه وسلم] من الهم بتحريق المتخلفين: فهو وإن ~~لم يكن قولا ولا فعلا ولا تقريرا، لكنه لا يكون ما يهم به إلا جائزا، ولا ~~يجوز التحريق بالنار لمن ترك ما لم يفرض عليه: فالجواب عنه قد بسطه شيخنا ~~العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى ". # قال في " الحجة البالغة ms166 ": لما كان في شهود الجماعة حرج للضعيف، والسقيم، ~~وذي الحاجة: اقتضت الحكمة أن يرخص في تركها عند ذلك؛ ليتحقق العدل بين ~~الإفراط والتفريط. # فمن أنواع الحرج؛ ليلة ذات برد ومطر، ويستحب عند ذلك قول المؤذن: ألا ~~صلوا في الرحال (1) . # ومنها حاجة يعسر التربص بها كالعشاء إذا حضر؛ فإنه ربما يتشوف إليه، ~~وربما يضيع الطعام. # وكمدافعة الأخبثين؛ فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة، مع ما به من اشتغال ~~النفس. # ولا اختلاف بين حديث: " لا صلاة بحضرة الطعام "، وحديث: " لا تؤخر الصلاة ~~لطعام ولا غيره " (2) ؛ إذ يمكن تنزيل كل واحد على صورة أو معنى، والمراد ~~نفي وجوب الحضور؛ سدا لباب التعمق، وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أمن شر ~~التعمق، وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالين، PageV01P326 # أو التأخير إذا كان تشوف إلى الطعام أو خوف ضياع، وعدمه - إذا لم يكن ~~كذلك - مأخوذ من حال العلة. # ومنها ما إذا كانت خوف فتنة؛ كامرأة أصابت بخورا، ولا اختلاف بين قوله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ~~"، وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهن؛ إذ المنهي عنه الغيرة التي ~~تنبعث من الأنفة دون خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " الغيرة غيرتان ... " (1) الحديث، وحديث عائشة: أن ~~النساء أحدثن ... الحديث. # ومنها الخوف والمرض، والأمر فيهما ظاهر، ومعنى قوله [صلى الله عليه وسلم] ~~للأعمى: " أتسمع النداء؟ ... " الخ: أن سؤاله كان في العزيمة، فلم يرخص له. # ( [ ### | ما القدر الذي تنعقد به صلاة الجماعة # ؟] :) # (وتنعقد باثنين) ، وليس في ذلك خلاف، وقد ثبت في " الصحيح " من حديث ابن ~~عباس: أنه صلى بالليل مع النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وحده، وقام (2) عن يساره، فأداره إلى يمينه. # ( [ ### | يزداد ثواب الجماعة بازدياد العدد # ] :) # (وإذا كثر الجمع كان الثواب أكثر) : لأنه قد ثبت عن أبي بن كعب، قال: قال ~~رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " صلاة الرجل مع PageV01P327 # الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، ~~وما كان أكثر ms167 فهو أحب إلى الله "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ~~ماجة، وابن حبان، وصححه ابن السكن، والعقيلي، والحاكم. # ( [ ### | تصح إمامة المفضول للفاضل # ] :) # (ويصح بعد (1) المفضول) : لأنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قد صلى بعد أبي بكر، وبعد غيره من الصحابة؛ كما في " الصحيح "، ولعدم ~~وجود دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل، والأحاديث التي فيها: " لا يؤمنكم ~~ذو جرأة في دينه " (2) ، ونحوها: لا تقوم بها الحجة، وعلى فرض أنها تقوم ~~بها الحجة؛ فليس فيها إلا المنع من إمامة من كان ذا جرأة في دينه، وليس ~~فيها المنع من إمامة المفضول. # وقد عورض ذلك بأحاديث تتضمن الإرشاد إلى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وخلف من ~~قال: لا إله إلا الله؛ وهي ضعيفة، وليست بأضعف مما عارضها { PageV01P328 # والأصل أن الصلاة عبادة تصح تأديتها خلف كل مصل، إذا قام بأركانها ~~وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة، وإن كان الإمام غير ~~متجنب للمعاصي، ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره، ولهذا إن الشارع ~~إنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن، ولم يعتبر الورع والعدالة، فقال: " ~~يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، ~~فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم ~~سنا " أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود. # وفي حديث مالك بن الحويرث: " وليؤمكما أكبركما "، وهو في " الصحيحين " ~~وغيرهما. # وقد استخلف النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم، وهو أعمى. # والحاصل: أن الشارع اعتبر الأفضلية في القراءة، والعلم بالسنة، وقدم ~~الهجرة، وعلو السن، فلا ينبغي للمفضول في مثل هذه الأمور أن يؤم الفاضل إلا ~~بإذنه، ولا اعتبار بالفضل في غير ذلك. # ( [ ### | الأولى أن يكون الإمام من الخيار # ] :) # (والأولى أن يكون الإمام من الخيار) : لحديث ابن عباس، قال: قال رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] : " اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما ~~بينكم وبين ربكم "، رواه الدارقطني (1) . PageV01P329 # وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي، عنه [صلى الله عليه وسلم] : " إن ms168 ~~سركم أن تقبل صلاتكم؛ فيؤمكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم " ~~(1) . # قال في " منح المنة ": وكان [صلى الله عليه وسلم] يجيز إمامة الأرقاء، ~~وكان سالم - مولى أبي حذيفة - يصلي بالمهاجرين الأولين لما نزلوا بقباء (2) ~~لكونه أكثرهم قرآنا، وكان [صلى الله عليه وسلم] يقول: " صلوا خلف كل بر ~~وفاجر " (3) ، وكانت الصحابة يصلون خلف الحجاج (4) ، وقد أحصي الذين قتلهم ~~من الصحابة والتابعين، فبلغوا مئة ألف وعشرين ألفا. اه. # أقول: الأحاديث الواردة - في الصلاة خلف كل بر وفاجر، وما قابلها من ~~الأحاديث المقتضية للمنع من الصلاة خلف الفاجر، ومن كان ذا جرأة -: لم يبلغ ~~منها شيء إلى حد يجوز العمل عليه، فوجب الرجوع إلى الأصل. # وأما عدم اعتبار قيد العدالة: فلعدم ورود دليل يدل عليه. # وأما كون الصلاة خلف كامل العدالة، واسع العلم، كثير الورع؛ أفضل وأحب: ~~فلا نزاع في ذلك؛ إنما النزاع في كون ذلك شرطا من شروط الجماعة، مع أنه قد ~~ثبت ما يدل على عدم الاعتبار، مثل حديث: " يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ~~ولهم، وإن أخطأوا فعلى أنفسهم " - أو كما قال -، وهو حديث صحيح. ~~PageV01P330 # والحاصل: أن الدين يسر، وقد جاءنا [صلى الله عليه وسلم] بالشريعة السمحة ~~السهلة، ولم يأمرنا بالكشف عن الحقائق، وسن لنا أن نصلي بعد من كان بالنسبة ~~إلى الواحد منا في الحضيض، باعتبار المزايا الموجبة للفضل، فإنه [صلى الله ~~عليه وسلم] صلى بعد أبي بكر، وعتاب بن أسيد (1) ، وهما بالنسبة إليه لا ~~يعدان شيئا. # ولا ريب أن الذي ينبغي تقديمه لمثل هذه العبادة، ليكون وافد المؤتمين به ~~إلى الله: هو من أرشد إليه [صلى الله عليه وسلم] بقوله: " يؤم القوم أقرأهم ~~... " إلى آخر الحديث. # إنما الشأن فيمن يلعب به الشيطان في الوسوسة المفضية إلى إساءة الظن ~~بأئمة الصلاة المتبعين للسنة، فيوقع في قلبه العداوة لكل واحد منهم، بمجرد ~~خيالات مختلة وضلالات مضلة، فيقول له: هذا العالم لا يصلح للإمامة لكونه ~~كذا {وهذا الفاضل لا يصلح لها لكونه كذا} (2) ثم ينقله من درجة إلى درجة، ~~ومن واحد ms169 إلى واحد، حتى لا يجد على ظهر البسيطة من يصلح لإمامة الصلاة ~~{فهذا مخدوع؛ قد لعب به الشيطان كيف يشاء، حتى أحرمه (3) فضيلة الجماعة ~~التي هي من أعظم شعائر الإسلام، وأجل أسباب الأجور، ومع هذا؛ فهو قد أوقعه ~~في ورطة أخرى، وهي حمل جميع المسلمين على غير السلامة، فصار ظالما لكل واحد ~~منهم مظلمة يستوفيها منه بين يدي الجبار. PageV01P331 # وقد ينضم إلى هذه المصائب أن هذا الذي صار في يد الشيطان يلعب به كيف ~~يشاء؛ قد يعتقد الفضل في نفسه، وأن الإمامة لم تكن تصلح إلا له، ولم يكن ~~يصلح إلا لها، فيجتنب الجماعة ولا يقتدي بأحد من المسلمين، بل يجمع له ~~جماعة يكون إمامهم، فهو أشقى ممن قبله؛ لأنه اعتقد أنه لم يبق في أرض الله ~~من عباده الصلحاء سواه، فلا حياه الله ولا بياه! ### | ( [الرجل يؤم النساء، لا العكس] :) # (ويؤم الرجل بالنساء، لا العكس) : لحديث أنس في " الصحيحين " وغيرهما: ~~أنه صف هو واليتيم وراء النبي [صلى الله عليه وسلم] ، والعجوز من ورائهم. # وقد أخرج الإسماعيلي (1) عن عائشة، أنها قالت: كان النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] إذا رجع من المسجد صلى بنا. # وقد كانت النساء يصلين خلفه [صلى الله عليه وسلم] في مسجده. # وليس في صلاة النساء خلف الرجل مع الرجال نزاع، وإنما الخلاف في صلاة ~~الرجل بالنساء فقط، ومن زعم أن ذلك لا يصح؛ فعليه الدليل. # وأما عدم صحة إمامة المرأة بالرجل؛ فلأنها عورة، وناقصة عقل ودين، ~~والرجال قوامون على النساء، ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، كما ثبت في " ~~الصحيح "، ومن ائتم بالمرأة فقد ولاها أمر صلاته. PageV01P332 ### | ( [يؤم المفترض بالمتنفل، والعكس] :) # (والمفترض بالمتنفل، والعكس) : لحديث معاذ: أنه كان يؤم قومه بعد أن يصلي ~~تلك الصلاة بعد النبي [صلى الله عليه وسلم] ؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما. # وهذا دليل على جواز ذلك؛ لأنه كان متنفلا وهم مفترضون؛ لما في بعض ~~الروايات من تصريح معاذ بأنه كان يصلي بقومه متنفلا، وهذه الزيادة المصرحة ~~بالمطلوب - وإن كان فيها مقال معروف (1) - لكنها ms170 معتضدة بما عرف من حرص ~~الصحابة على الأوفر أجرا، والأكمل ثوابا، ولا شك أن الصلاة خلفه [صلى الله ~~عليه وسلم] أفضل وأكمل وأتم. # وأما الجواب عن حديث معاذ؛ بأنه حكاية فعل: فساقط لاستلزامه لبطلان قسم ~~من أقسام السنة المطهرة، وهو قسم الأفعال الذي دارت عليه رحى بيانات ~~القرآن، وجماهير من أحكام الشريعة. # مع أن هذا الاعتذار غير نافع ههنا؛ لأن الحجة هي تقريره [صلى الله عليه ~~وسلم] لمعاذ ولقومه على ذلك، لا نفس فعل معاذ حتى يعتذر عنه بذلك! # وأما الجواب بأن فعل آحاد الصحابة لا يكون حجة: فكلام صحيح، ولكن الحجة ~~ليست فعل معاذ؛ بل تقريره [صلى الله عليه وسلم]- كما عرفت -. # وهذا من الوضوح بمكان لا يخفى. # والحاصل: أن الأصل صحة الاقتداء من كل مصل بكل مصل، فمن PageV01P333 # زعم أن ثم مانعا في بعض الصور؛ فعليه الدليل، فإن نهض به صح ما يقوله، ~~وإن لم ينهض به بطل. # وأما صلاة المتنفل بعد المتنفل؛ فكما فعله [صلى الله عليه وسلم] في صلاة ~~الليل، وصلى معه ابن عباس، وكذلك صلاته بأنس واليتيم والعجوز وغير ذلك، ~~والكل ثابت في " الصحيح ". # ( [ ### | تجب متابعة الإمام في غير مبطل # ] :) # (وتجب المتابعة في غير مبطل) : لحديث: " إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا ~~تختلفوا عليه " وهو ثابت في " الصحيح " من حديث أبي هريرة، وأنس، وجابر، ~~وثابت خارج " الصحيح " عن جماعة من الصحابة. # وورد الوعيد على المخالفة، كحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] : " أما يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قبل الإمام - أن يحول ~~الله رأسه رأس حمار، أو يحول صورته صورة حمار؟ ! - "؛ أخرجه الجماعة. # ولا يتابعه في شيء يوجب بطلان صلاته، نحو أن يتكلم الإمام، أو يفعل ~~أفعالا تخرجه عن صورة المصلي، ولا خلاف في ذلك. # قال في " المسوى ": هو كذلك عند الجمهور؛ أنه يجب اتباع الإمام في جميع ~~الحالات، وقوله: " إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا " منسوخ (1) . PageV01P334 # ومعنى: كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر - على الصحيح -: أنه كان ~~PageV01P335 # مسمعا لمن خلفه. # في " العالمكيرية ms171 ": إذا رفع المقتدي رأسه من الركوع والسجود قبل الإمام ~~ينبغي أن يعود، ولا يصير ركوعين وسجودين. # قلت: عامة أهل العلم على أن هذا الفعل منهي عنه، وصلاته مجزئة، وأكثرهم ~~يأمرونه بأن يعود إلى السجود. # ( [ ### | لا يؤم رجل قوما يكرهونه # ] :) # (ولا يؤم الرجل قوما هم له كارهون) : لحديث عبد الله بن عمرو، أن رسول ~~الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: " ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من يقدم قوما وهم له كارهون، ورجل ~~أتى الصلاة دبارا، ورجل اعتبد محررة "، أخرجه أبو داود، وابن ماجه؛ وفي ~~إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وفيه ضعف (1) . # وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة، قال: قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت ~~وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون "، وقد حسنه الترمذي، وضعفه ~~البيهقي (2) . # قال النووي في " الخلاصة ": والأرجح قول الترمذي. # وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا. PageV01P336 # أقول: ظاهر الأحاديث الواردة في الترهيب عن ذلك؛ أنه لا فرق بين كون ~~الكارهين من أهل الفضل أو من غيرهم، فيكون مجرد حصول الكراهة عذرا لمن كان ~~يصلح للإمامة في تركها. # وغالب الكراهات الكائنة بين هذا النوع الإنساني - خصوصا في هذه الأزمنة - ~~راجعة إلى أغراض دنيوية { # والراجع هنا إلى أغراض دينية أقل قليل، ومع كونه كذلك؛ فغالبه صادر عن ~~اعتقادات فاسدة، وخيالات مختلفة، كما يقع بين المتخالفين في المذاهب، فإن ~~العصبية الناشئة بينهم تعمي بصائرهم عن الصواب، فلا يقيم أحدهم للآخر وزنا، ~~ولا ينظر إليه إلا بعين السخط لا بعين الرضا، فيرى محاسنه مساوئ كائنة ما ~~كانت. # وقد تقع هذه العداوة بين أهل مذهب واحد؛ باعتبار الاختلاف في كون أحدهم ~~من المشتغلين بالدين والعلم، والآخر من الجهلة المتهتكين. # وكثيرا ما ترى أرباب المعاصي إذا رأوا أرباب الدين والعلم تضيق بهم الأرض ~~بطولها والعرض، ولا يطيقونهم بغضا (1) . # فإن كان ثم دليل يدل على تخصيص الكراهة بما كان منها راجعا إلى ما هو ~~مختص بالله ms172 - عز وجل -، كمن يكره إنسانا لكونه مكبا على المعاصي، أو ~~متهاونا بما أوجبه الله عليه: فهذه الكراهة هي الكبريت الأحمر} لا توجد ~~حقيقتها إلا عند أفراد من العباد. PageV01P337 # وإن لم يوجد دليل يخصص الكراهة بذلك: فالأولى لمن عرف أن جماعة من الناس ~~يكرهونه - لا لسبب، أو لسبب ديني -: أن لا يؤمهم؛ وأجره في الترك يفضل أجره ~~في الفعل. ### | ( [من أم فليخفف] :) # (ويصلي بهم صلاة أخفهم) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة، أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، ~~فإذا صلى لنفسه؛ فليطول ما شاء ". # وفي الباب أحاديث صحيحة واردة في التخفيف. # قال في " الحجة ": وكان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يطول ويخفف على ما يرى من المصلحة الخاصة بالوقت، واختار بعض السور في ~~بعض الصلوات لفوائد، من غير حتم ولا طلب مؤكد، فمن اتبع فقد أحسن، ومن لا ~~فلا حرج، وقصة معاذ في الإطالة مشهورة. انتهى حاصله. # وأما ارتفاع الإمام عن المأموم: فلا يضر؛ قدر القامة ولا فوقها، لا في ~~المسجد ولا في غيره، من غير فرق بين الارتفاع والانخفاض، والبعد والحائل، ~~ومن زعم أن شيئا من ذلك تفسد به الصلاة؛ فعليه الدليل. # ولا دليل إلا ما روي عن حذيفة: أنه أم الناس بالمدائن على دكان ... ~~الحديث؛ أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. # PageV01P338 # وفي رواية للحاكم التصريح برفعه. # ورواه أبو داود من وجه آخر؛ وفيه: قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] يقول: " إذا أم الرجل القوم: فلا يقم أرفع من مقامهم - أو ~~نحو ذلك - ... " الحديث، وفي إسناده الرجل المجهول. # ورواه البيهقي أيضا. # ففي هذين الحديثين دليل على منع الإمام من الارتفاع عن المؤتم، ولكن هذا ~~النهي يحمل على التنزيه؛ لحديث صلاته [صلى الله عليه وسلم] على المنبر كما ~~في " الصحيحين " وغيرهما. # ومن قال: إنه [صلى الله عليه وسلم] فعل ذلك للتعليم كما وقع في آخر ~~الحديث: فلا يفيده ذلك؛ لأنه ms173 لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في ~~غيره. # ولا يصح القول باختصاص ذلك بالنبي [صلى الله عليه وسلم] . # وقد جمع الماتن - رحمه الله تعالى - في هذا البحث رسالة مستقلة؛ جوابا عن ~~سؤال بعض الأعلام، فمن أحب تحقيق المقام فليرجع إليها. # ( [ ### | لا يؤم الرجل في سلطانه # ] :) # (ويقدم السلطان ورب المنزل) : لما ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي مسعود ~~عقبة بن عمرو مرفوعا: " لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه "، وفي لفظ: " لا ~~يؤمن الرجل الرجل في أهله ولا سلطانه ". # وورد تقييد جواز ذلك بالإذن. # PageV01P339 # وفي لفظ لأبي داود " لا يؤم الرجل في بيته ". # وأخرج أحمد وأبو داود: والترمذي، والنسائي عن مالك بن الحويرث، قال: سمعت ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: " من زار قوما فلا يؤمهم، ليؤمهم رجل ~~منهم ". # ( [ ### | الترتيب في الأحق بالإمامة # ] :) # (والأقرأ، ثم الأعلم، ثم الأسن) : لما في حديث أبي مسعود بلفظ: " يؤم ~~القوم أقرأهم لكتاب الله؛ فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة؛ فإن ~~كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة؛ فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ~~"، وهو في " الصحيح ". # وإنما لم يذكر الهجرة في المتن؛ لأنه لا هجرة بعد الفتح، كما في الحديث ~~الصحيح. # ( [ ### | اختلال صلاة الإمام عليه فقط # ] :) # (وإذا اختلت صلاة الإمام كان ذلك عليه، لا على المؤتمين به) : لحديث أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " يصلون بكم؛ فإن أصابوا ~~فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم "، أخرجه البخاري وغيره. # وأخرج ابن ماجه من حديث سهل بن سعد نحوه. # ( [ ### | بيان موقف المؤتمين # ] :) # (وموقفهم) ، أي: المؤتمين (خلفه) ؛ أي: خلف الإمام (إلا الواحد فعن # PageV01P340 # يمينه) : لحديث جابر بن عبد الله: أنه صلى مع النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~فجعله عن يمينه، ثم جاء آخر، فقام عن يسار النبي [صلى الله عليه وسلم] ، ~~فأخذ بأيديهما، فدفعهما حتى أقامهما خلفه. وهو في " الصحيح ". # وقد كان هذا فعله وفعل أصحابه في الجماعة؛ يقف الواحد عن يمين الإمام، ~~والإثنان فما زاد خلفه. # وقد ذهب الجمهور ms174 إلى وجوب ذلك. # وقال سعيد بن المسيب: إنه مندوب فقط. # وروي عن النخعي: أن الواحد يقف خلف الإمام. # ( [ ### | إمامة النساء وسط الصف # ] :) # (وإمامة النساء وسط الصف) : لما روي من فعل عائشة: أنها أمت النساء فقامت ~~وسط الصف؛ أخرجه عبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي، وابن أبي شيبة، والحاكم ~~(1) . # وروي مثل ذلك عن أم سلمة؛ أخرجه الشافعي، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، ~~والدارقطني. PageV01P341 # قال ابن القيم: في " المسند " و " السنن " (1) من حديث عبد الرحمن بن ~~خلاد، عن أم ورقة بنت الحارث: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان ~~يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا كان يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها. # قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا. # ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله [صلى الله عليه وسلم] : " تفضل صلاة ~~الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ": لكفى. # وأخرج البيهقي بسنده عن عائشة: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " ~~لا خير في جماعة النساء؛ إلا في صلاة أو جنازة " (2) . # والاعتماد على ما تقدم. # فردت هذه السنن بالمتشابه من قوله [صلى الله عليه وسلم] : " لن يفلح قوم ~~ولوا أمرهم امرأة "، رواه البخاري. # وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء. # وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة: فلا تدخل في هذا. # ومن العجب: أن من خالف هذه السنة جوز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور ~~المسلمين {فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم، ولم تفلح أخواتها من النساء إذا ~~أمتهن؟} انتهى حاصله. PageV01P342 # ( [ ### | بيان ترتيب المؤتمين # ] :) # (وتقدم صفوف الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء) : لحديث أبي مالك الأشعري: ~~أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان. ~~أخرجه أحمد. # وأخرج بعضه أبو داود؛ وفي إسناده شهر بن حوشب (1) . # ويؤيده ما في " الصحيحين " من حديث أنس: أنه قام هو واليتيم خلف النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] ؛ وأم سليم خلفهم. # (و) أما كون (الأحق بالصف الأول) هم (أولو الأحلام والنهى) : فلحديث أبي ~~مسعود الأنصاري الثابت في " الصحيح " أن النبي ms175 ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم ". # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي (2) ، قال: كان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يحب أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليأخذوا عنه. # قال في " الحجة ": ولئلا يشق على أولي الأحلام تقديم من دونهم عليهم. ~~انتهى. PageV01P343 # ( [ ### | على المؤتمين تسوية الصفوف # ] :) # (و) أما كون الأمر (على الجماعة أن يسووا صفوفهم وأن يسدوا الخلل) (1) : ~~فلما رواه أبو داود (2) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " وسطوا الإمام، وسدوا الخلل ". # وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ". # وعنه أيضا في " الصحيحين ": كان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر، فيقول: " تراصوا واعتدلوا ". # وثبت في " الصحيح " من حديث نعمان بن بشير، أنه قال ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " عباد الله! لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم ". # قلت: وهو قول أهل العلم؛ أن تسوية الصفوف سنة. ### | ( [إتمام الصف الأول، ثم الذي يليه] :) # (وأن يتموا الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم كذلك) : لما ورد في الأحاديث ~~الصحيحة من أمره ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بإتمام الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم كذلك. PageV01P344 # فالسنة أن لا يقف المؤتم في الصف الثاني؛ وفي الصف الأول سعة، ثم لا يقف ~~في الصف الثالث؛ وفي الصف الثاني سعة، ثم كذلك. # وورد أيضا أن الوقوف يمنة الصف أولى وأفضل. # وأما الاعتداد بالركعة التي لحق الإمام فيها راكعا: ففيه خلاف لجماعة من ~~الأئمة، والحق عدم الاعتداد بها بمجرد إدراك ركوعها من دون قراءة الفاتحة ~~(1) ، ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليرجع إلى: " شرح المنتقى "، و " طيب ~~النشر "، و " السيل الجرار " و " حاشية الشفاء "، و " الفتح الرباني "، و " ~~دليل الطالب "، فالمسألة من المعارك. # وأما جعل ما أدركه مع الإمام: أول صلاته؛ فهذا هو الحق، فالهيئة المشروعة ~~في الصلاة لا تتغير بتقديم أو تأخير؛ بل الأصل الأصيل البقاء على الصفة ~~المشروعة، فيفعل الداخل مع الإمام ms176 - بعد أن فاته بعض الركعات - ما يفعله لو ~~كان داخلا معه في الابتداء، أو كان منفردا. # وحديث " فاقضوا " - وإن كان صحيحا - فحديث " أتموا " أصح منه (2) . ~~PageV01P345 # وقد أمكن الجمع؛ بحمل معنى القضاء على التمام؛ لأنه أحد معانيه (1) ، ~~ولكن يترك المؤتم مخالفة إمامه في الأركان، فلا يقعد في موضع ليس بموضع ~~قعود للإمام، وإن كان موضع قعود له، ولا يدع القعود في موضع قعود للإمام، ~~وإن لم يكن موضع قعود له؛ لأن الاقتداء والمتابعة لازمان في صلاة الجماعة، ~~وتركهما يخرج الصلاة عن كونها صلاة جماعة، وقد ورد الأمر بالمتابعة في ~~الأركان بيانا لقوله: " لا تختلفوا على إمامكم "، ولم يرد الأمر بذلك في ~~الأذكار. PageV01P346 # (8 - ### | باب سجود السهو # سن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # فيما إذا قصر الإنسان في صلاته؛ أن يسجد سجدتين تداركا لما فرط، ففيه شبه ~~القضاء وشبه الكفارة، والمواضع التي ظهر فيها النص أربعة؛ وسيأتي. # قال في " سفر السعادة ": " من جملة منن الحق - تعالى - ونعمه على الأمة ~~المحمدية: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يسهو في الصلاة، لتقتدي الأمة به في التشريع، وإذ ذاك يقول: " إنما ~~أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " وقال: " إنما أنسى أو أنسى ~~لأسن " (1) ؛ يعني: لأسن ما شرع في جبر ذلك ". انتهى. # ( [ ### | ما هو سجود السهو # ؟] :) # (هو سجدتان قبل التسليم أو بعده) ، ووجه التخيير: أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] صح عنه أنه سجد قبل التسليم، وصح عنه أنه سجد بعده. # أما ما صح عنه مما يدل على أنه قبل التسليم: فحديث عبد الرحمن بن عوف عند ~~أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -، قال: سمعت رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] يقول: " إذا شك أحدكم، فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين! فليجعلها ~~PageV01P347 # واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا {فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر ~~ثلاثا صلى أم أربعا} فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس - ~~قبل أن يسلم - سجدتين ". # وفي الباب أحاديث: منها ما هو في " الصحيح "؛ كحديث أبي سعيد الخدري، ms177 ~~قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " إذا شك أحدكم في صلاته، فلم ~~يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا! فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد ~~سجدتين قبل أن يسلم ". # ومنها ما هو في غير " الصحيحين ". # وأما ما صح عنه مما يدل على أنه بعد التسليم: فكحديث ذي اليدين الثابت في ~~" الصحيحين "؛ فإن فيه أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # سجد بعد ما سلم. # وحديث ابن مسعود وهو في " الصحيحين " وغيرهما مرفوعا بلفظ: " إذا شك ~~أحدكم في صلاته؛ فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين ". # وحديث المغيرة بن شعبة: أنه صلى بقوم، فترك التشهد الأوسط، فلما فرغ من ~~صلاته، سلم ثم سجد سجدتين وسلم، وقال: هكذا صنع بنا رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # . رواه أحمد والترمذي - وصححه -. # وحديث ابن مسعود الثابت في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # صلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: # PageV01P348 # " لا؛ وما ذاك؟ ! " فقالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعد ما سلم. # فهذه الأحاديث المصرحة بالسجود تارة قبل التسليم، وتارة بعده: تدل على ~~أنه يجوز جميع ذلك. # ولكنه ينبغي في موارد النصوص أن يفعل كما أرشد إليه الشارع، فيسجد قبل ~~التسليم فيما أرشد إلى السجود فيه قبل التسليم، ويسجد بعد التسليم فيما ~~أرشد فيه إلى السجود بعد التسليم، وما عدا ذلك؛ فهو بالخيار، والكل سنة. # قال في " سفر السعادة ": وسجد للسهو قبل السلام في بعض المواضع، وبعده في ~~بعضها، فجعله الإمام الشافعي في كل حال قبل السلام. # والإمام أبو حنيفة جعله بعد السلام في كل حال. # وقال الإمام مالك: يسجد لسهو النقصان قبل السلام، ولسهو الزيادة في ~~الصلاة بعد السلام، وإن اجتمع سهوان، أحدهما زائد والآخر ناقص؛ يسجد لهما ~~قبل السلام. " # وقال الإمام أحمد: يسجد قبل السلام في المحل الذي سجد فيه النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قبل السلام، وما عداه يسجد للسهو بعد السلام. # وقال داود الظاهري: لا يسجد للسهو إلا في هذه المواطن الخمس التي سجد ~~فيها رسول الله ### | -[صلى ms178 الله عليه وسلم]- # ، ولو سها في غيرها # PageV01P349 # لا يسجد للسهو، ولم يعرض له ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # الشك في الصلاة، لكن قال: " من شك فليبن على اليقين "، ولم يعتبر الشك، ~~ويسجد للسهو قبل السلام. # وقال الإمام أبو حنيفة: إن كان له ظن بنى علي غالب ظنه، وإن لم يكن له ظن ~~بنى على اليقين. # وقال الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد: بنى على اليقين مطلقا. ~~انتهى. # ولا يشك منصف أن الأحاديث الصحيحة مصرحة بأنه كان يسجد في بعض الصلوات ~~قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، فالجزم بأن محلهما بعد السلام فقط طرح ~~لبعض الأحاديث الصحيحة، لا لموجب إلا لمجرد مخالفتها لما قاله فلان أو ~~فلان! كما أن الجزم بأن محلهما قبل التسليم فقط طرح لبعض الأحاديث الصحيحة ~~لمثل ذلك. # والمذاهب في المسألة منتشرة؛ قد بسطها الماتن في " شرح المنتقى ". # والحق عندي: أن الكل جائز وسنة ثابتة، والمصلي مخير بين أن يسجد قبل أن ~~يسلم: أو بعد أن يسلم، وهذا فيما كان من السهو غير موافق للسهو الذي سجد له ~~[صلى الله عليه وسلم] قبل السلام أو بعده. # وأما في السهو الذي سجد له [صلى الله عليه وسلم] : فينبغي الاقتداء به في ~~ذلك، وإيقاع السجود في المواضع الذي أوقعه فيه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # مع الموافقة في السهو، وهي مواضع محصورة مشهورة، يعرفها من له اشتغال ~~بعلم السنة المطهرة. # PageV01P350 # ( [ ### | بم يكون سجود السهو # ؟] :) # (و) أما كون سجود السهو (بإحرام وتشهد وتحليل) : فقد ثبت عنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : أنه كبر وسلم؛ كما في حديث ذي اليدين الثابت في " الصحيح "، وفي غيره ~~من الأحاديث. # وأما التشهد: فلحديث عمران بن حصين: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # صلى بهم، فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم. أخرجه أبو داود، والترمذي - ~~وحسنه -، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (1) . # وقد روي نحو ذلك من حديث المغيرة وابن مسعود وعائشة. # ( [ ### | أسباب سجود السهو # ] :) # (1 ### | -[ ### | لترك مسنون # ] :) # (و) أما كونه (يشرع لترك مسنون) : فلحديث سجوده -[صلى الله عليه ~~وسلم]- لترك ms179 التشهد الأوسط، ولحديث: " لكل سهو سجدتان " (2) ، ~~PageV01P351 # والكلام فيه معروف. # ونحو ذلك إذا كان ذلك المسنون تركه المصلي سهوا؛ لأنه قد ثبت أن سجود ~~السهو فيه ترغيم للشيطان، كما في حديث أبي سعيد الثابت في " الصحيح "، ولا ~~يكون الترغيم إلا مع السهو؛ لأنه من قبل الشيطان. # وأما مع العمد: فهو من قبل المصلي، وقد فاته ثواب تلك السنة. # قلت: مذهب أبي حنيفة والشافعي: أن من سلم من ركعتين ساهيا أتم وسجد ~~سجدتين، وهو في مذهب أبي حنيفة خاص بمن سلم على رأس الركعتين على ظن أنهما ~~أربعة، فلو سلم على رأسهما على ظن أنهما جمعة أو على أنه مسافر؛ فإنه ~~يستقبل الصلاة. كذا في " العالمكيرية " في فصل المفسدات. # واستخرج له الشافعي علة، وهي فعل شيء يبطل الصلاة، عمده دون سهوه. # أقول ما وقع من اصطلاح الفقهاء على تسميته هيئة؛ هو لا يخرج به عن كونه ~~مندوبا، وتخصيص وجوب السجود للسهو بترك ما كان مسنونا دون ما كان مندوبا لا ~~دليل عليه، ولا سيما وهذه الأسماء إنما هي اصطلاحات حادثة. # وإلا؛ فالمسنون والمندوب إليه معناهما - لغة - أعم من معناهما اصطلاحا، ~~وأيضا الفرق بين المسنون والمندوب إنما هو اصطلاح لبعض أهل الأصول دون ~~جمهورهم. # وغاية ما هناك: أن المسنون هو المندوب المؤكد، وصدق اسم السهو على # PageV01P352 # ترك المندوب كصدقه على ترك المسنون، فيندرج تحت حديث: " لكل سهو سجدتان ~~"، وتحقق الزيادة والنقص حاصل لكل واحد منهما، فمدعي التفرقة بينهما مطالب ~~بالدليل (1) . # ولا ريب أن بعض ما عدوه من الهيئات لا يتحقق، مثل ترك نصب القدم، وترك ~~وضع اليدين. # (2 -[ ### | لزيادة ركعة # ] :) # (و) أما كونه يشرع (للزيادة ولو ركعة سهوا) : فللحديث المتقدم، وما دون ~~الركعة بالأولى. # قال في " المسوى ": " عند الحنفية: إن سها عن القعدة الآخرة وقام إلى ~~الخامسة رجع إلى القعدة؛ ما لم يسجد، وتشهد ثم سجد للسهو، وإن قيد الخامسة ~~بالسجدة بطل فرضه، ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم؛ عاد إلى القعدة ما ~~لم يسجد للخامسة، وسلم وسجد للسهو، وإن قيدها ms180 بالسجدة تم فرضه؛ فيضم إليها ~~ركعة أخرى لتكونا تطوعا، فإن لم يضم وقطع الصلاة لم يلزمه القضاء؛ لأنه ~~إنما شرع ظنا. # وعند الشافعية: في أية حالة ذكر أنها خامسة؛ قعد وألغى الزائد، وراعى ~~ترتيب الصلاة مما قبل الزائد، ثم سجد للسهو، وفي معنى الركعة عنده الركوع ~~والسجود. # ويتجه على مذهب الحنفية أن يقال في حديث ابن مسعود: إنه حكاية ~~PageV01P353 # حال؛ فلعله قام بعد القعدة ولم يضم السادسة؛ لبيان أنه غير واجب ". ~~انتهى. # (3 -[ ### | عند الشك في العدد # ] :) # (و) أما (للشك في العدد) : ففيه الأحاديث المتقدمة المصرحة بأن من شك في ~~العدد بنى على اليقين وسجد للسهو. # قال في " الحجة البالغة ": " وهو الأول من المواضع الأربع التي ظهر فيها ~~النص، وفي معناه الشك في الركوع والسجود. # والثاني: زيادة الركعة كما سبق، وفي معناه زيادة الركن. # والثالث: أنه [صلى الله عليه وسلم] سلم من ركعتين، فقيل له في ذلك؟ فصلى ~~ما ترك وسجد سجدتين، وأيضا روي أنه سلم وقد بقي عليه ركعة بمثله، وفي معناه ~~أن يفعل سهوا ما يبطل عمده. # الرابع: أنه [صلى الله عليه وسلم] قام من الركعتين - كما مر -، وفي معناه ~~ترك التشهد في القعود، وقوله [صلى الله عليه وسلم] : " إذا قام الإمام من ~~الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس، وإن استوى قائما؛ فلا يجلس، ~~ويسجد سجدتي السهو ". # أقول: في الحديث دليل على أن من كان قريب الاستواء؛ ربما يستوي؛ فإنه لا ~~يجلس؛ خلافا لما عليه العامة " (1) . انتهى. # وفي " المسوى ": " اختلفوا في ذلك: PageV01P354 # فعند الشافعية: إذا شك في صلاته بنى على اليقين؛ وهو الأقل؛ سواء كان شك ~~في ركعة أو ركن. # وعند الحنفية: إن كان ذلك أول مرة سها؛ يستقبل الصلاة، وإن كان يعرض له ~~كثيرا؛ بنى على أكبر رأيه؛ لحديث ابن مسعود: " إذا شك أحدكم في صلاته؛ ~~فليتحر الصواب ". # وقال أحمد: يطرح الشك؛ إما بأخذ الأقل وإما بالتحري، فإن اختار الأول؛ ~~سجد قبل السلام، وإن اختار الثاني؛ سجد بعده ". انتهى. # ( [ ### | متابعة الإمام في سجود السهو # ] :) # (وإذا ms181 سجد الإمام تابعه المؤتم) : لأن ذلك من تمام الصلاة، ولأنه كان ~~يسجد الصحابة إذا سجد النبي [صلى الله عليه وسلم] ، وقد ورد الأمر بمتابعة ~~الإمام كما سبق. # PageV01P355 # (9 - ### | باب القضاء للفوائت # ( [ ### | الاختلاف في قضاء الفوائت المتروكة # ] :) # (إن كان الترك عمدا - لا لعذر - فدين الله تعالى أحق أن يقضى) : وقد ~~اختلف أهل العلم في قضاء الفوائت المتروكة لا لعذر: فذهب الجمهور إلى وجوب ~~القضاء. # وذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا قضاء على ~~العامد غير المعذور، بل قد باء بإثم ما تركه من الصلاة، وإليه ذهب شيخ ~~الإسلام تقي الدين ابن تيمية. # ولم يأت الجمهور بدليل يدل على ذلك، ولم أجد أنا دليلا لهم من كتاب ولا ~~سنة؛ إلا ما ورد في حديث الخثعمية؛ حيث قال لها النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " فدين الله أحق أن يقضى "، وهو حديث صحيح، وفيه من العموم الذي يفيده ~~المصدر المضاف ما يشمل هذا الباب؛ فهذا الدليل ليس بأيدي الموجبين سواه (1) ~~. # وقد اختلف أهل الأصول: هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب المقضي؟ PageV01P356 # أم لا بد من دليل جديد يدل على وجوب القضاء؟ # والحق أنه لا بد من دليل جديد؛ لأن إيجاب القضاء هو تكليف مستقل غير ~~تكليف الأداء، ومحل الخلاف هو الصلاة المتروكة لغير عذر عمدا. # وأقول: حكمه ما في الأحاديث الصحيحة: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: ~~لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويحجوا البيت، ويصوموا ~~رمضان، فمن فعل ذلك؛ فقد عصم دمه وماله إلا بحقه "، ومن لم يفعل فلا عصمة ~~لدمه وماله؛ بل نحن مأمورون بقتاله، كما أمر رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] ، والمقاتلة تستلزم القتل، ثم التوبة مقبولة، فتارك الصلاة إن تاب ~~وأناب؛ وجب علينا أن نخلي سبيله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم} فمن علمنا أنه ترك صلاة من الصلوات الخمس؛ وجب علينا أن ~~نؤذنه بالتوبة، فإن فعل فذاك، وإن لم يفعل قتلناه؛ حكم الله {ومن أحسن من ~~الله حكما} . # وأما إطلاق اسم ms182 الكفر عليه؛ فقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وتأويلها ~~لم يوجبه الله علينا؛ ولا أذن لنا فيه (1) . # ومن غرائب بعض الفقهاء التردد في إطلاق اسم الفسق عليه، معللا ذلك بأن ~~التفسيق لا يجوز إلا بدليل قطعي! مع أنه يرمي بالكفر من خالفه في أدنى ~~معتقداته التي لم يأذن الله لنا باعتقادها، فضلا عن التكفير بها، والله ~~المستعان. # وأما كيفية القضاء؛ فأقول: لا شك أن تقديم المقضية على المؤداة، ~~PageV01P357 # وتقديم الأولى من المقضيات على الأخرى: هو الأولى والأحب، ولو لم يرد في ~~ذلك إلا فعله [صلى الله عليه وسلم] في يوم الخندق؛ لكان فيه كفاية. # وإنما الشأن في كون ذلك متحتما لا يجوز غيره. # ( [ ### | وجوب الإيمان بالصلاة المتروكة لعذر # ] ) # (وإن كان) ؛ أي: الترك (لعذر) : من نوم، أو سهو، أو نسيان، أو اشتغال ~~بملاحمة القتال مع عدم إمكان صلاة الخوف والمسايفة (فليس بقضاء) ، بل تجب ~~تأدية تلك الصلاة المتروكة عند زوال العذر، وذلك وقتها، وفعلها فيه أداء، ~~كما يفيد ذلك أحاديث: " من نام عن صلاة أو سها عنها؛ فوقتها حين يذكرها " ~~(1) - وقد تقدمت في أول كتاب الصلاة -؛ وفي ذلك خلاف. # والحق أن ذلك هو وقت الأداء، لا وقت القضاء؛ للتصريح منه [صلى الله عليه ~~وسلم] أن وقت الصلاة المنسية، أو التي نام عنها المصلي؛ وقت الذكر. # وأما المتروكة لغير نوم وسهو، كمن يترك الصلاة لاشتغاله بالقتال - كما ~~سبق -؛ فقد شغل النبي [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه يوم الخندق عن صلاة ~~الظهر والعصر، وما صلوهما إلا بعد هوي (2) من الليل، كما أخرجه أحمد، ~~والنسائي من حديث أبي سعيد. # وهو في " الصحيحين " من حديث جابر. PageV01P358 # وليس فيه ذكر الظهر، بل العصر فقط، ولذلك قال الماتن: # (بل أداء في وقت زوال العذر، إلا صلاة العيد) المتروكة لعذر؛ وهو عدم ~~العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد. # (ففي ثانيه) ؛ أي: تفعل في اليوم الثاني، ولا تفعل في يوم العيد بعد خروج ~~الوقت، إذا حصل العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد؛ لحديث أبي عمير بن أنس عن ~~عمومة ms183 له: أنه غم عليهم الهلال، فأصبحوا صياما، فجاء ركب من آخر النهار، ~~فشهدوا عند رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا ~~لعيدهم من الغد "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان ~~في " صحيحه "، وصححه ابن المنذر، وابن السكن، وابن حزم، والخطابي، وابن حجر ~~في " بلوغ المرام " (1) . # أقول: وأما الكافر إذا أسلم: فلا يجب عليه القضاء على كل حال؛ لأن القائل ~~بأنه غير مخاطب بالشرعيات ينفي عنه الوجوب حال الكفر، والقائل أنه مخاطب؛ ~~يجعل الخطاب باعتبار الثواب والعقاب، لا باعتبار وجوب الأداء أو القضاء، ~~فالإسلام يجب ما قبله بلا خلاف. # والظاهر أن المرتد حكمه حكم غيره من الكفار في عدم وجوب القضاء؛ لأن ~~الدليل يصدق عليه كما يصدق على غيره من الكفار. PageV01P359 # (10 - ### | باب صلاة الجمعة # ( [ ### | الجمعة فريضة من فروض الأعيان # ] :) # (تجب على كل مكلف) : لأن الجمعة فريضة من فرائض الله - تعالى -، وقد صرح ~~بذلك كتاب الله - عز وجل -، وما صح من السنة المطهرة، كحديث أنه [صلى الله ~~عليه وسلم] هم بإحراق من يتخلف عنها (1) ، وهو في " الصحيح " من حديث ابن ~~مسعود، وكحديث أبي هريرة: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن ~~الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين "؛ أخرجه مسلم وغيره. # ومن ذلك حديث حفصة مرفوعا: " رواح الجمعة واجب على كل محتلم "؛ أخرجه ~~النسائي بإسناد صحيح. # وحديث طارق بن شهاب: " الجمعة حق واجب على كل مسلم "؛ أخرجه أبو داود ~~وسيأتي. # وقد واظب عليها النبي [صلى الله عليه وسلم] من الوقت الذي شرعها الله - ~~تعالى - فيه إلى أن قبضه الله - عز وجل -. # وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين. PageV01P360 # وقال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأمة. # وقال ابن قدامة في " المغني ": أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، وإنما ~~الخلاف: هل هي من فروض الأعيان؟ أو من فروض الكفايات؟ # ومن نازع في فرضية الجمعة فقد أخطأ ولم يصب. # قال في " المسوى ": " اتفقت الأمة على فرضية الجمعة، وأكثرهم على أنها ms184 من ~~فروض الأعيان، واتفقوا على أنه لا جمعة في العوالي، وأنه يشترط لها ~~الجماعة، وأن الوالي إن حضر فهو الإمام، ثم اختلفوا في الوالي، وشرط ~~الموضع، والجماعة. # قال الشافعي: كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا مقيمين؛ تجب عليهم ~~الجمعة، ولا تنعقد إلا بأربعين رجلا كذلك، والوالي ليس بشرط. # وقال أبو حنيفة: لا جمع إلا في مصر جامع أو في فنائه، وتنعقد بأربعة، ~~والوالي شرط. # وقال مالك: إذا كان جماعة في قرية، بيوتها متصلة وفيها سوق ومسجد يجمع ~~فيه؛ وجبت عليهم الجمعة. # وفي " مختصر ابن الحاجب ": لا تجزيء الأربعة ونحوها، ولا بد من قوم تتقرى ~~بهم القرية، ولا يشترط السلطان على الأصح. # قال في " العالمكيرية ": القروي إذا دخل المصر، ونوى أن يخرج في يومه ذلك ~~قبل دخول الوقت، أو بعد دخوله؛ لا جمعة عليه " (1) . انتهى. PageV01P361 ### | ( [لا تجب الجمعة على المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض] :) # (إلا المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض) : لحديث: " الجمعة حق واجب على ~~كل مسلم في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض " ~~أخرجه أبو داود (1) من حديث طارق بن شهاب، عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وقد أخرجه الحاكم من حديث طارق، عن أبي موسى. # قال الحافظ: وصححه غير واحد. # وفي حديث أبي هريرة وحديث جابر: ذكر المسافر. # وفي الحديثين مقال معروف. # والغالب أن المسافر لا يسمع النداء، وقد ورد أن الجمعة على من سمع ~~النداء، كما في حديث ابن عمرو عند أبي داود (2) . # قال في " المسوى ": " واتفقوا على أنه لا جمعة على مريض، ولا مسافر، ولا ~~امرأة، ولا عبد، وأنه إن صلاها منهم أحد سقط الفرض، وعلى أنه إن أم مريض أو ~~مسافر جاز. # وفي " المنهاج ": وتصح خلف العبد، والصبي، والمسافر - في الأظهر -، إذا ~~تم العدد بغيره. PageV01P362 # وفيه أيضا: ولا جمعة على معذور مرخص [له] في ترك الجماعة. # وفي " العالمكيرية ": " المطر الشديد والاختفاء من السلطان الظالم؛ مسقط ~~". # قال في " المنح ": " وكان ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يرخص في تركها وقت المطر، ولو لم يبتل أسفل النعلين (1) ، وكان ms185 يرخص في ~~السفر يوم الجمعة لا سيما للجهاد ". انتهى. # ( [ ### | الجمعة لا تخالف الصلوات إلا في مشروعية الخطبة قبلها # ] :) # (وهي كسائر الصلوات لا تخالفها) : لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها ~~في غير ذلك. # وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل: إنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم، ~~والمصر الجامع، والعدد المخصوص! فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد ~~استحبابها؛ فضلا عن وجوبها؛ فضلا عن كونها شروطا، بل إذا صلى رجلان الجمعة ~~في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة؛ فقد فعلا ما يجب عليهما. # فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة، وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط (2) ، ~~ولولا حديث طارق بن شهاب - المذكور قريبا - من تقييد الوجوب على كل مسلم ~~بكونه في جماعة، ومن عدم إقامتها في زمنه [صلى الله عليه وسلم] في غير ~~جماعة: لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات. PageV01P363 # وأما ما يروى من: " أربعة إلى الولاة ... ": فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ~~ليس من كلام النبوة (1) ، ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة، حتى ~~يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله، وإنما هو من كلام الحسن البصري. # ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله - تعالى - ~~عليهم في الأسبوع، وجعلها شعارا من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجمعة؛ من ~~الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائغة، والاجتهادات الداحضة (2) : قضى من ذلك ~~العجب. # فقائل يقول: الخطبة كركعتين، وإن من فاتته لم تصح جمعته؛ وكأنه لم يبلغه ~~ما ورد عن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا، ويشد بعضها من عضد بعض (3) ، أن " من ~~فاتته ركعة من ركعتي الجمعة؛ فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته "، ولا بلغه ~~غير هذا الحديث من الأدلة. # وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الإمام { # وقائل يقول: بأربعة} # وقائل يقول: بسبعة { # وقال يقول: بتسعة} # وقائل يقول: باثني عشر! PageV01P364 # وقائل يقول: بعشرين { # وقائل يقول: بثلاثين} # وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين { # وقائل يقول: بخمسين} # وقائل يقول: لا تنعقد إلا بسبعين ms186 { # وقائل يقول: فيما بين ذلك} # وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد { # وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع} # وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف { # وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمام} # وآخر قال: أن يكون فيه كذا وكذا { # وآخر قال: إنها لا تجب إلا مع الإمام الأعظم، فإن لم يوجد، أو كان مختل ~~العدالة بوجه من الوجوه؛ لم تجب الجمعة ولم تشرع. # ونحو هذه الأقوال، التي عليها أثارة من علم، ولا يوجد في كتاب الله - ~~تعالى - ولا في سنة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حرف واحد يدل على ما ~~ادعوه من كون هذه الأمور المذكورة شروطا لصحة الجمعة، أو فرضا من فرائضها، ~~أو ركنا من أركانها. # فيا لله العجب} ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم من # PageV01P365 # الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم، وما يخبرونه في ~~أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل؟ ! # يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة، وكل متصف بصفة الإنصاف، وكل من ثبت ~~قدمه، ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال. # ومن جاء بالغلط؛ فغلطه رد عليه مضروب به في وجهه، والحكم بين العباد هو ~~كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كما قال - سبحانه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، {إنما ~~كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا} ، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . # فهذه الآيات ونحوها تدل أبلغ دلالة، وتفيد أعظم فائدة؛ أن المرجع مع ~~الاختلاف إلى حكم الله ورسوله، وحكم الله هو كتابه، وحكم رسوله بعد أن قبضه ~~الله - تعالى - هو سنته؛ ليس غير ذلك، ولم يجعل الله - تعالى - لأحد من ~~العباد - وإن بلغ في العلم أعلى مبلغ، وجمع منه ما لا يجمع غيره -، أن يقول ~~في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا ms187 سنة، والمجتهد - وإن جاءت ~~الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل -؛ فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك ~~الرأي كائنا من كان. # وإني - كما علم الله - لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين، ~~وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به، وهو ~~على شفا جرف هار، ولم يختص هذا بمذهب من المذاهب، ولا بقطر من الأقطار، ولا # PageV01P366 # بعصر من العصور، بل تبع فيه الآخر الأول كأنه أخذه من أم الكتاب، وهو ~~حديث خرافة، وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإشارة إليها؛ ~~بلا برهان، ولا قرآن، ولا شرع، ولا عقل! والبحث في هذا يطول جدا (1) . # قال الماتن - رحمه الله -: وقد جمعت فيه مصنفين؛ مطولا ومختصرا، ولله ~~الحمد. # ( [ ### | مشروعية الخطبتين # ] :) # (إلا في مشروعية الخطبتين قبلها) : لأن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # سن في الجمعة خطبتين يجلس بينهما، وما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا ~~وخطب فيها. # إنما دعوى الوجوب إن كانت بمجرد فعله المستمر: فهذا لا يناسب ما تقرر في ~~الأصول، ولا يوافق تصرفات الفحول، وسائر أهل المذهب المنقول، وأما الأمر ~~بالسعي إلى ذكر الله: فغايته أن السعي واجب، وإذا كان هذا الأمر مجملا ~~فبيانه واجب، فما كان متضمنا لبيان نفس السعي إلى الذكر: يكون واجبا؛ فأين ~~وجوب الخطبة (2) ؟ PageV01P367 # فإن قيل: إنه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى؛ فيقال: ليس السعي ~~لمجرد الخطبة، بل وإليها وإلى الصلاة، ومعظم ما وجب السعي لأجله هو الصلاة، ~~فلا تتم هذه الأولوية. # وهذا النزاع في نفس الوجوب، وأما في كون الخطبة شرطا للصلاة؛ فعدم وجود ~~دليل يدل عليه لا يخفى على عارف؛ فإن شأن الشرطية أن يؤثر عدمها في عدم ~~المشروط، فهل من دليل يدل على أن عدم الخطبة يؤثر في عدم الصلاة؟ (1) # ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لأجله شرعت. # وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله، أو قراءة شيء من ms188 ~~القرآن، فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في ~~خطبته ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم. # ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ، دون ما يقع قبله من الحمد ~~والصلاة عليه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، وقد كان عرف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاما ويقول ~~مقالا، شرع بالثناء على الله وعلى رسوله. # وما أحسن هذا وأولاه! ولكن ليس هو المقصود؛ بل المقصود ما بعده، ~~PageV01P368 # ولو قال قائل: إن من قام في محفل من المحافل خطيبا ليس له باعث على ذلك؛ ~~إلا أن يصدر منه الحمد والصلاة لما كان هذا مقبولا، بل كل طبع سليم يمجه ~~ويرده. # إذا تقرر هذا: عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، ~~فإذا فعله الخطيب؛ فقد فعل الأمر المشروع؛ إلا أنه إذا قدم الثناء على الله ~~وعلى رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية: كان أتم وأحسن (1) . # ( [ ### | وقت الجمعة وقت الظهر # ] :) # (ووقتها وقت الظهر) : لكونها بدلا عنه، وقد ورد ما يدل على أنها تجزئ قبل ~~الزوال كما في حديث أنس: أنه كان ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يصلي الجمعة، ثم يرجعون إلى القائلة يقيلون. وهو في " الصحيح ". # ومثله من حديث سهل بن سعد في " الصحيحين ". # وثبت في " الصحيح " من حديث جابر: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيريحونها حين تزول الشمس. # وهذا فيه التصريح بأنهم صلوها قبل زوال الشمس. # وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل؛ وهو الحق. PageV01P369 # وذهب الجمهور إلى أن أول وقتها أول وقت الظهر! # ( [ ### | حكم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة # ] :) # (وعلى من حضرها أن لا يتخطى رقاب الناس) ؛ إلا إذا كان إماما، أو كان بين ~~يديه فرجة لا يصلها إلا بتخط، كما نقله المحلي عن " الروضة "؛ لحديث عبد ~~الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة؛ والنبي [صلى الله ~~عليه وسلم] يخطب، فقال له رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ms189 : " اجلس فقد ~~آذيت "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره. # ولحديث أرقم بن أبي الأرقم المخزومي، أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، ويفرق بين الاثنين بعد خروج ~~الإمام؛ كالجار قصبه (1) في النار "؛ أخرجه أحمد، والطبراني في " الكبير "، ~~وفي إسناده مقال. (2) # وفي الباب أحاديث: # منها عن معاذ بن أنس عند الترمذي، وابن ماجه، قال: قال رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] : " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة؛ اتخذ جسرا إلى جهنم "، ~~قال الترمذي: حديث غريب (3) ، والعمل عليه عند أهل العلم. PageV01P370 # وفي " تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ": ومنها: تخطي رقاب الناس يوم ~~الجمعة؛ كذا عده الشيخ شمس الدين ابن القيم من الكبائر، وقد صرح النووي ~~وغيره بأنه حرام. انتهى. # قلت: وفي الباب عن عثمان وأنس - أيضا -. # ( [ ### | الإنصات حال الخطبتين واجب # ] :) # (وأن ينصت حال الخطبتين) : لحديث أبي هريرة، أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] قال: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت؛ والإمام يخطب؛ فقد لغوت "؛ ~~وهو في " الصحيحين " وغيرهما. # وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث علي، قال: من دنا من الإمام فلغا ولم ~~يستمع ولم ينصت؛ كان عليه كفل (1) من الوزر، ومن قال: صه؛ فقد لغا، ومن لغا ~~فلا جمعة له، ثم قال: هكذا سمعت نبيكم [صلى الله عليه وسلم] . # وفي إسناده مجهول. # وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة. # أقول: وحاصل ما يستفاد من الأدلة: أن الكلام منهي عنه حال الخطبة نهيا ~~عاما، وقد خصص هذا النهي بما يقع من الكلام في صلاة التحية؛ من قراءة ~~وتسبيح وتشهد ودعاء، والأحاديث المخصصة لمثل ما ذكر صحيحة (2) ، ~~PageV01P371 # فلا محيص لمن دخل المسجد حال الخطبة من صلاة ركعتي التحية، إن أراد ~~القيام بهذه السنة المؤكدة، والوفاء بما دلت عليه الأدلة؛ فإنه [صلى الله ~~عليه وسلم] أمر سليكا الغطفاني - لما وصل إلى المسجد حال الخطبة، فقعد ولم ~~يصل التحية - بأن يقوم فيصلي، فدل هذا على كون ذلك من المشروعات المؤكدة، ~~بل من الواجبات، كما قرره شيخنا العلامة ms190 الشوكاني في رسالة مستقلة، وبينت ~~أنا في " دليل الطالب إلى أرجح المطالب " وجوب صلاة التحية. # ومن جملة مخصصات صلاة التحية حديث: " إذا جاء أحدكم والإمام يخطب؛ فليصل ~~ركعتين "، وهو حديث صحيح متضمن للنص في محل النزاع. # وأما ما عدا صلاة التحية؛ من الأذكار، والأدعية، والمتابعة للخطيب في ~~الصلاة على النبي [صلى الله عليه وسلم] : فلم يأت ما يدل على تخصيصها من ~~ذلك العموم (1) . # والمتابعة في الصلاة عليه [صلى الله عليه وسلم]- وإن وردت بها أدلة قاضية ~~بمشروعيتها -: فهي أعم من أحاديث منع الكلام حال الخطبة من وجه، وأخص منها ~~من وجه؛ فيتعارض العمومان، وينظر في الراجح منهما، وهذا إذا كان اللغو ~~المذكور في حديث: " ومن لغا فلا جمعة له " يشمل جميع أنواع الكلام (2) . # وأما إذا كان مختصا بنوع منه (3) - وهو ما لا فائدة فيه -: فليس فيه ما ~~يدل على منع الذكر والدعاء والمتابعة في الصلاة عليه [صلى الله عليه وسلم] ~~. PageV01P372 # وأما حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب؛ فلا صلاة ولا كلام حتى ~~يفرغ الإمام ": فقد أخرجه الطبراني في " الكبير " عن ابن عمر، وفي سنده ~~ضعف، كما قاله صاحب " مجمع الزوائد "، فلا تقوم به الحجة. # ولكنه قد روي ما يقويه: # فأخرج أبو يعلى، والبزار عن جابر (1) ، قال: قال سعد بن أبي وقاص لرجل: ~~لا جمعة لك، فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " لم يا سعد؟ ! "، فقال: ~~لأنه تكلم وأنت تخطب، فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " صدق سعد "؛ وفي ~~إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف عند الجمهور. # وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة. # وقد ذكر العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " أحاديث تفيد معنى هذا ~~الحديث؛ فليراجع. # ويقويها ما يقال: إن المراد باللغو المذكور في الحديث التلفظ، وإن كان ~~أصله ما لا فائدة فيه؛ بقرينة أن قول من قال لصاحبه: أنصت؛ لا يعد من ~~اللغو؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سماه النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] لغوا. # ويمكن أن يقال: إن ذلك الذي قال: أنصت؛ لم يؤمر في ذلك ms191 الوقت بأن يقول ~~هذه المقالة؛ فكان كلامه لغوا حقيقة من هذه الحيثية. PageV01P373 ### | ( [يندب التبكير للجمعة] :) # (وندب له التبكير) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، أن رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم ~~راح؛ فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية؛ فكأنما قرب بقرة، ومن ~~راح في الساعة الثالثة؛ فكأنما قرب كبشا أقرن (1) ، ومن راح في الساعة ~~الرابعة؛ فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة؛ فكأنما قرب بيضة، ~~فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ". # وفي الباب أحاديث في مشروعية التبكير. # قال في " المسوى شرح الموطأ ": " الأصح أن هذه الساعات ساعات لطيفة بعد ~~الزوال (2) ، لا الساعات التي يدور عليها حساب الليل والنهار ". انتهى. ### | ( [يندب التطيب والتجمل للجمعة] :) # (والتطيب والتجمل) : لحديث أبي سعيد، عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، ~~قال: " على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب ~~مس منه "؛ أخرجه أحمد وأبو داود. # وهو في " الصحيحين " بلفظ: " الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن ~~يستن، وأن يمس طيبا إن وجد ". # وأخرج أحمد، والبخاري وغيرهما من حديث سلمان الفارسي، قال: PageV01P374 # قال النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ~~أو يمس من طيب بيته، ثم يروح إلى المسجد، ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما ~~كتب له، ثم ينصت للإمام إذا تكلم: إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة ~~الأخرى ". # وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أيوب، قال: سمعت رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: " من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ~~ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة، حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له، ولم يؤذ ~~أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يصلي: كان كفارة لما بينها وبين الجمعة ~~الأخرى "؛ ورجال إسناده ثقات (1) . # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | يندب الدنو من الإمام # ] :) # (والدنو من الإمام) : لحديث سمرة عند أحمد، وأبي داود، ms192 أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى ~~يؤخر في الجنة وإن دخلها " وفي إسناده انقطاع (2) . # وفي الباب أحاديث. # ومن جملة ما يشرع يوم الجمعة الغسل، وقد تقدم الكلام عليه في باب الغسل. ~~PageV01P375 # ( [ ### | من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها # ] :) # (ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها) : لحديث: " من أدرك ركعة من صلاة ~~الجمعة؛ فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته ". # فهذا - وإن كان فيه مقال - غايته الإعلال بالإرسال، فقد ثبت رفعه من طريق ~~جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة؛ فإنه روي عنه من ثلاث عشرة طريقا، ومن ~~ثلاث طرق (1) عن ابن عمر، وبعضها يؤيد بعضا، فهي لا تقصر عن رتبة الحسن ~~لغيره. # وقد أخرجه الحاكم من ثلاث طرق عن أبي هريرة، وقال فيها: " على شرط ~~الشيخين ". (2) # فالعجب من أن يؤثر على هذا كله قول عمر بن الخطاب، ويدعم بتلك العصا التي ~~لا يأخذها إلا الزمن، أو من ضاقت عليه المسالك، فيقال: ولم يرد خلافه عن ~~أحد من الصحابة! والحال أن أول المخالفين له رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] ؛ بعموم قوله وخصوصه. # والحاصل: أن الحديث له طرق كثيرة يصير بها حسنا لغيره، وقد قدمنا ~~PageV01P376 # أنها كسائر الصلوات، وليست الخطبة شرطا من شروط الجمعة حتى يتوقف إدراك ~~الصلاة على إدراك الخطبة، فمن زعم أن صلاة الجمعة تختص بحكم يخالف سائر ~~الصلوات؛ فعليه الدليل. # وقد أوضح الماتن المقال في أبحاث مطولة وقعت مع بعض الأعلام، مشتملة على ~~ما يحتاج إليه في هذا البحث؛ فليرجع إلى ذلك فهو مفيد جدا. # ( [ ### | صلاة الجمعة يوم العيد رخصة # ] :) # (وهي في يوم العيد رخصة) : لحديث زيد بن أرقم، أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] صلى العيد في يوم جمعة، ثم رخص في الجمعة، فقال: " من شاء أن يجمع ~~فليجمع "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم، وصححه علي ~~بن المديني (1) . # وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] ، أنه قال: ms193 " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه ~~من الجمعة؛ وإنا مجمعون " (2) ؛ وقد أعل بالإرسال، وفي إسناده أيضا بقية بن ~~الوليد. # وفي الباب أحاديث عن ابن عباس، وابن الزبير وغيرهما. PageV01P377 # وظاهر أحاديث الترخيص يشمل من صلى العيد ومن لم يصل (1) # بل روى النسائي، وأبو داود أن ابن الزبير في أيام خلافته لم يصل بالناس ~~الجمعة بعد صلاة العيد، فقال ابن عباس لما بلغه ذلك: أصاب السنة؛ وفي ~~إسناده مقال (2) . # أقول: الظاهر أن الرخصة عامة للإمام وسائر الناس، كما يدل على ذلك ما ورد ~~من الأدلة. # وأما قوله [صلى الله عليه وسلم] : " ونحن مجمعون ": فغاية ما فيه أنه ~~أخبرهم بأنه سيأخذ بالعزيمة، وأخذه بها لا يدل على أن لا رخصة في حقه، وحق ~~من تقوم بهم الجمعة؛ وقد تركها ابن الزبير في أيام خلافته - كما تقدم -، ~~ولم ينكر عليه الصحابة ذلك. PageV01P378 # (11 - ### | باب صلاة العيدين # ( [ ### | صلاة العيدين سنة # ] :) # قد اختلف أهل العلم: هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحق الوجوب؛ لأنه [صلى ~~الله عليه وسلم] مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها، كما في حديث أمره ~~[صلى الله عليه وسلم] للناس أن يغدوا إلى مصلاهم، بعد أن أخبره الركب برؤية ~~الهلال، وهو حديث صحيح. # وثبت في " الصحيح " من حديث أم عطية، قالت: أمرنا رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق (1) والحيض وذوات الخدور، ~~فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. # فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب (2) ، ~~والرجال أولى من النساء بذلك؛ لأن الخروج وسيلة إليها، ووجوب الوسيلة ~~يستلزم وجوب المتوسل إليه، بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد؛ كما ذكره ~~أئمة التفسير في قوله - تعالى -: {فصل لربك وانحر} ؛ فإنهم قالوا: المراد ~~صلاة العيد. PageV01P379 # ومن الأدلة على وجوبها: أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد، وما ~~ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبا. # ( [ ### | صلاة العيد ركعتين # ] :) # (هي ركعتان) : يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ عند إرادة التخفيف: {سبح اسم ~~ربك الأعلى} و ms194 {هل أتاك} ، وعند الإتمام: {ق} و {اقتربت الساعة} . # وعند الشافعي: تشرع صلاة العيد جماعة للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر، ~~ولا يخطب المنفرد، ويخطب إمام المسافرين. # وعند أبي حنيفة: تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، ويشترط ~~لصلاة العيد ما يشترط لصلاة الجمعة. كذا في " المسوى " وغيره. ### | ( [التكبير في الركعة الأولى سبع، وفي الثانية خمس قبل القراءة] :) # (في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الثانية خمس كذلك) : لحديث عمرو ~~بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كبر في عيد اثنتي ~~عشرة تكبيرة؛ سبعا في الأولى وخمسا في الثانية؛ أخرجه أحمد، وابن ماجه. # وقال أحمد: أنا أذهب إلى هذه. # قال العراقي: إسناده صالح. # ونقل الترمذي في " العلل " - المفردة - عن البخاري أنه قال: إنه حديث ~~صحيح. # PageV01P380 # وفي رواية لأبي داود، والدارقطني: " التكبير في الفطر سبع في الأولى، ~~وخمس في الأخيرة، والقراءة بعدهما كلتيهما "؛ وإسناد الحديث صالح، وقد صححه ~~البخاري. # وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كبر في العيدين! في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا قبل ~~القراءة؛ وقد حسنه الترمذي، وأنكر عليه تحسينه؛ لأن في إسناده كثير بن عبد ~~الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده؛ وهو متروك. # قال النووي: لعله اعتضد بشواهد وغيرها. انتهى. # قال العراقي: إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري، فقد قال في كتاب " ~~العلل " المفردة: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: ليس في هذا ~~الباب شيء أصح منه، وبه أقول. انتهى. # وقد أخرجه ابن ماجه بدون ذكر القراءة. # وأخرجه الدارقطني، وابن عدي، والبيهقي؛ وفي إسناده كثير بن عبد الله ابن ~~عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده. # قال الشافعي، وأبو داود: إنه ركن من أركان الكذب. # وقال ابن حبان: له نسخة موضوعة، عن أبيه، عن جده. # وأخرج ابن ماجه من حديث سعد القرظ (1) المؤذن: أن رسول الله PageV01P381 ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يكبر في العيدين؛ في الأولى سبعا قبل القراءة، ms195 وفي الآخرة خمسا قبل ~~القراءة. # قال العراقي: وإسناده ضعيف. # وفي الباب أحاديث تشهد لذلك، والجميع يصلح للاحتجاج به. # وفي المسألة عشرة مذاهب؛ هذا أرجحها (1) . # قال في " الحجة ": يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة، والثانية خمسا قبل ~~القراءة ". # وعمل الكوفيين؛ أن يكبر أربعا كتكبير الجنائز في الأولى قبل القراءة وفي ~~الثانية بعدها، وهما سنتان وعمل الحرمين أرجح ". انتهى. # أقول: الذي دلت عليه الأدلة؛ أن يكون التكبير مقدما على القراءة في ~~الركعتين، كما ثبت ذلك من فعله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في حديث عمرو بن عوف المزني المتقدم (2) ، ولم يأت من قال بمشروعية تقديم ~~القراءة في الركعتين، أو تأخيرها في الأولى وتقديمها في الثانية بحجة قط. # ثم اعلم أن الحافظ قال في " التلخيص ": قوله: ويقف بين كل تكبيرتين بقدر ~~آية لا طويلة ولا قصيرة؛ روي مثل ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا. # قلت: رواه الطبراني والبيهقي موقوفا؛ وسنده قوي، وفيه عن حذيفة. ~~PageV01P382 # وأبي موسى مثله، وعن عمر أنه كان يرفع يديه في التكبيرات؛ رواه البيهقي؛ ~~وفيه ابن لهيعة. # واحتج ابن المنذر والبيهقي بحديث روياه من طريق بقية (1) ، عن الزبيدي، ~~عن الزهري، عن سالم، عن أبيه في الرفع عند الإحرام والركوع والرفع منه، وفي ~~آخره: يرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع ". انتهى # قال في " شرح المنتقى ": " والظاهر عدم وجوب التكبير - كما ذهب إليه ~~الجمهور -؛ لعدم وجدان دليل يدل عليه ". انتهى. # والحاصل: أنه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا. # قال ابن قدامة: ولا أعلم فيه خلافا. # قالوا: وإن تركه لا يسجد للسهو. # وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه يسجد للسهو. # والحق الأول. # ( [ ### | الخطبة بعد صلاة العيد # ] :) # (ويخطب بعدها) ؛ يأمر بتقوى الله - تعالى - ويذكر ويعظ، لما ثبت في " ~~الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي سعيد، قال: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~يخرج يوم PageV01P383 # الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم ~~مقابل الناس؛ والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان ~~يريد أن يقطع بعثا (1) أو يأمر بشيء ms196 أمر به، ثم ينصرف ". # وفي الباب من حديث جابر عند مسلم وغيره. # وأول من خطب قبل الصلاة في العيد، مروان، وأنكر عليه ذلك. # وأخرج النسائي، وابن ماجة، وأبو داود من حديث عبد الله بن السائب، قال: ~~شهدت مع النبي [صلى الله عليه وسلم] العيد فلما قضى الصلاة قال: " إنا نريد ~~أن نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب " (2) . # ( [ ### | التجمل بالثياب في العيد مستحب # ] :) # (ويستحب) في العيد (التجمل) بالثياب، فقد ثبت في " الصحيحين ": أن عمر ~~وجد حلة في السوق من إستبرق (3) تباع، فأخذها، فأتى بها النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] ، فقال: يا رسول الله! ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد، فقال: ~~" إنما هذه لباس من لا خلاق (4) له ". PageV01P384 # وأخرج الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ~~جده: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يلبس برد حبرة (1) في كل عيد. # وشيخ الشافعي ضعيف، ولكنه قد تابعه سعيد بن الصلت، عن جعفر ابن محمد، عن ~~أبيه، عن جده، عن ابن عباس ... بمثله. أخرجه الطبراني (2) . # وأخرج ابن خزيمة (3) عن جابر: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يلبس ~~البرد الأحمر في العيدين وفي الجمعة. # ( [ ### | السنة صلاة العيدين في المصلى # ] :) # (والخروج إلى خارج البلد) : لمواظبته [صلى الله عليه وسلم] على ذلك (4) ، ~~وصلى بهم [صلى الله عليه وسلم] صلاة العيد في المسجد لمطر وقع؛ كما في حديث ~~أبي هريرة عند أبي داود، وابن ماجة، والحاكم؛ وفي إسناده مجهول. # ( [ ### | يستحب مخالفة الطريق # ] :) # (ومخالفة الطريق) : لحديث أبي هريرة عند البخاري وغيره، قال: كان النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] إذا كان يوم العيد خالف الطريق (5) . PageV01P385 # وأخرج أبو داود، وابن ماجة نحوه من حديث ابن عمر. # وفي الباب أحاديث غير ما ذكر. # ( [ ### | يستحب الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى # ] :) # (والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى) : لما ثبت في " الصحيح " من ~~حديث أنس، قال: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ~~تمرات، ms197 ويأكلهن وترا. # وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، ~~والبيهقي من حديث بريدة، قال: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لا يغدو ~~يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع. # زاد أحمد: فيأكل من أضحيته. # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | بيان أول وقت صلاة العيدين # ] :) # (ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال) : لما أخرجه أحمد بن الحسن ~~البناء في " كتاب الأضاحي " (1) من حديث جندب، قال: كان النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يصلي بنا يوم الفطر؛ والشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رمح ". ~~PageV01P386 # وأخرج أبو داود، وابن ماجة (1) من حديث عبد الله بن بسر - صاحب رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : أنه خرج مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا ~~كنا فرغنا ساعتنا هذه؛ وذلك حين التسبيح - أي: حين وقت صلاة العيد -. # وأخرج الشافعي - مرسلا -: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كتب إلى عمرو بن ~~حزم وهو بنجران، أن عجل الأضحى وأخر الفطر. # وفي إسناده إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي؛ وهو ضعيف. # وقد وقع الإجماع على ما أفادته الأحاديث؛ وإن كانت لا تقوم بمثلها الحجة ~~(2) . # ( [ ### | بيان آخر وقت صلاة العيدين # ] :) # وأما آخر وقت صلاة العيدين: فزوال الشمس. # وإذا كان الغدو من بعد طلوع الشمس إلى الزوال - كما قال بعض أهل العلم -: ~~فحديث أمره [صلى الله عليه وسلم] للركب أن يغدوا إلى مصلاهم يدل على ذلك. # قال في " البحر ": وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال. # ولا أعرف فيه خلافا. PageV01P387 # ( [ ### | لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين # ] :) # (ولا أذان فيها ولا إقامة) : لما ثبت في " الصحيح " من حديث جابر بن سمرة ~~قال: صليت مع النبي [صلى الله عليه وسلم] غير مرة ولا مرتين بغير أذن ولا ~~إقامة. # وثبت في " الصحيحين " عن ابن عباس، أنه قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا ~~يوم الأضحى. # وفي الباب أحاديث. # وأما تكبير أيام التشريق: فلا شك في مشروعية مطلق التكبير في الأيام ~~المذكورة، ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص، ولا ms198 وقت مخصوص، ولا عدد مخصوص، بل ~~المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات. # فما جرت عليه عادة الناس اليوم - استنادا إلى بعض الكتب الفقهية - من ~~جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات، وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة، وقصر ~~المشروعية على ذلك فحسب! ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم، وأصح ما ورد فيه ~~عن الصحابة؛ أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. # وأما صفة التكبير: فأصح ما ورد فيه؛ ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ~~سلمان، قال: كبروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا. # قال في " شرح المنتقى " - نقلا عن " الفتح " -: وقد أحدث في هذا الزمان ~~زيادة في ذلك؛ لا أصل لها. انتهى. # PageV01P388 # قال الشوكاني: " والظاهر أن تكبير التشريق لا يختص استحبابه بعقب ~~الصلوات، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام؛ كما تدل على ذلك الآثار (1) ~~" انتهى. PageV01P389 # (12 - ### | باب صلاة الخوف # (وقد صلاها رسول الله [صلى الله عليه وسلم] على صفات مختلفة) ؛ قيل: على ~~ستة عشر، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: أقل من ذلك. # وقد صح منها أنواع: # (1 -[ ### | صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين بسلام # ] :) # فمنها: أنه [صلى الله عليه وسلم] صلى بكل طائفة ركعتين، فكان للنبي [صلى ~~الله عليه وسلم] أربع، وللقوم ركعتان. # وهذه الصفة ثابتة في " الصحيحين " من حديث جابر. # (2 -[ ### | صلاة الإمام بكل طائفة ركعة # ] :) # ومنها: أنه صلى بكل طائفة ركعة؛ فكان له ركعتان، وللقوم ركعة. # وهذه الصفة أخرجها النسائي بإسناد رجاله ثقات. # (3 ### | -[اشتراك الطائفتين مع الإمام، وتقدم الثانية، وتأخر الأولى، والسلام جميعا] :) # ومنها: أنه صلى بهم جميعا، فكبر وكبروا، وركع وركعوا، ورفع # PageV01P390 # ورفعوا، ثم سجد وسجد معه الصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، ~~فلما قضى النبي [صلى الله عليه وسلم] السجود والصف الذي يليه؛ انحدر الصف ~~المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، وفعلوا ~~كالركعة الأولى، ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدما، والمقدم مؤخرا، ثم سلم ~~النبي [صلى الله عليه ms199 وسلم] وسلموا جميعا. # وهذه الصفة ثابتة في " صحيح مسلم " وغيره من حديث جابر، ومن حديث أبي ~~عياش الزرقي عند أحمد، وأبي داود، والنسائي. # (4 ### | ### | -[صلاة الإمام بكل طائفة ركعة، وقضاء كل طائفة ركعة] :) # ومنها: أنه -[صلى الله عليه وسلم]- صلى بإحدى الطائفتين ركعة؛ ~~والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين ~~على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ركعة، ثم سلم، ~~ثم قضى هؤلاء ركعة. # وهذه الصفة ثابتة في " الصحيحين " من حديث ابن عمر. # (5 ### | -[ ### | اشتراك الطائفتين مع الإمام في القيام والسلام # ] :) # ومنها: أنها قامت مع النبي -[صلى الله عليه وسلم]- طائفة، وطائفة ~~أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبر فكبروا جميعا: الذين معه ~~والذين مقابل العدو، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد، ~~فسجدت التي تليه؛ والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام وقامت الطائفة التي ~~معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت # PageV01P391 # مقابل العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت ~~الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا؛ ورسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قاعد ومن معه، ثم كان السلام؛ فسلم وسلموا جميعا، فكان لرسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ركعتان، وللقوم لكل طائفة ركعتان. # وهذه الصفة أخرجها أحمد، والنسائي، وأبو داود. # (6 ### | -[صلاة الإمام بكل طائفة ركعة، وانتظاره لقضاء كل طائفة ركعة] :) # ومنها: أنه [صلى الله عليه وسلم] صلى بطائفة ركعة، وطائفة وجاه العدو، ثم ~~ثبت قائما، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، ~~فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، فأتموا لأنفسهم فسلم بهم. # وهذه الصفة ثابتة في " الصحيحين " من حديث سهل بن أبي حثمة. # وإنما اختلفت صلاته [صلى الله عليه وسلم] في الخوف؛ لأنه كان في كل موطن ~~يتحرى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة. # (وكلها مجزئة) : لأنها وردت على أنحاء كثيرة، وكل نحو روي عن النبي [صلى ~~الله ms200 عليه وسلم] ؛ فهو جائز، يفعل الإنسان ما هو أخف عليه، وأوفق بالمصلحة ~~حالتئذ؛ كذا في " الحجة ". # أقول: من زعم من أهل العلم أن المشروع من صلاة الخوف ليس إلا صفة من ~~الصفات الثابتة دون ما عداها: فقد أهدر شريعة ثابتة، وأبطل سنة # PageV01P392 # قائمة بلا حجة نيرة، وغالب ما يدعو إلى ذلك ويوقع فيه: قصور الباع، وعدم ~~الاعتناء بكتب السنة المطهرة. # فالحق الحقيق بالقبول: جواز جميع ما ثبت من الصفات. # وقد ذكر هنا صاحب " المنتقى " أنواعا هي حاصل ما ذكره المحدثون مما بلغ ~~إلى رتبة الصحيح، وثم صفات أخر ليست ببالغة إلى تلك الرتبة. # فإن قلت: ما الحكمة في وقوع هذه الصلاة على أنواع مختلفة؟ # قلت: أمران: # الأول: اقتضاء الحادثة لذلك، والمقتضيات مختلفة؛ ففي بعض المواطن تكون ~~بعض الصفات أنسب من بعض؛ لما يكون فيها من أخذ الحذر، والعمل بالحزم ما ~~يناسب الخوف العارض، فقد يكون الخوف في بعض المواطن شديدا والعدو متصلا أو ~~قريبا، وفي بعض المواطن قد يكون الخوف خفيفا والعدو بعيدا، فتكون هذه الصفة ~~أولى بهذا الموطن، وهذه أولى بهذا الموطن. # الأمر الثاني: أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # فعلها متنوعة إلى تلك الأنواع لقصد التشريع وإرادة البيان للناس. # وأما صلاة المغرب: فقد وقع الإجماع على أنه لا يدخلها القصر. # ووقع الخلاف: هل الأولى أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، والثانية ~~ركعة أو العكس؟ # PageV01P393 # ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وقد روي (1) أن عليا - رضي الله تعالى عنه - صلاها ليلة الهرير (2) . # واختلفت الرواية في حكاية فعله كما اختلفت الأقوال؛ والظاهر أن الكل ~~جائز، وإن صلى لكل طائفة ثلاث ركعات فيكون له ست ركعات، وللقوم ثلاث ركعات، ~~فهو: صواب؛ قياسا على فعله في غيرها، وقد تقرر صحة إمامة المتنفل بالمفترض؛ ~~كما سبق. # ( [ ### | الصلاة في شدة الخوف وما يباح فيها من كلام وإيماء # ] :) # (وإذا اشتد الخوف والتحم القتال صلاها الراجل والراكب - ولو إلى غير ~~القبلة - ولو بالإيماء -) ؛ ويقال لصلاة الخوف عند التحام القتال: صلاة ~~المسايف. # أخرج البخاري عن ms201 ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: فإن كان خوف أشد من ~~ذلك: صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها. # قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] . PageV01P394 # وهو في " مسلم " من قول ابن عمر؛ بنحو ذلك. # وقد رواه ابن ماجة عن ابن عمر: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] وصف صلاة ~~الخوف وقال: " فإن كان خوف أشد من ذلك: فرجالا وركبانا ". # وأخرج أحمد، وأبو داود - بإسناد حسن (1) - عن عبد الله بن أنيس، قال: ~~بعثني رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو ~~عرنة وعرفات، فقال: " اذهب فاقتله "، قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، ~~فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا ~~أصلي، أوميء إيماء نحوه، فلما دنوت منه ... الحديث. # ومن البعيد؛ أن لا يخبر النبي [صلى الله عليه وسلم] بذلك، ولو أنكره لذكر ~~ذلك. PageV01P395 # (13 - ### | باب صلاة السفر # ( [ ### | وجوب القصر في السفر # ] :) # (يجب القصر) : لحديث عائشة الثابت في " الصحيح "، أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] قال (1) : " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين؛ فزيدت في الحضر، وأقرت ~~في السفر ". # فهذا يشعر بأن صلاة السفر باقية على الأصل، فمن أتم؛ فكأنه صلى في الحضر ~~الثنائية أربعا، والرباعية ثمانيا عمدا. # وثبت أيضا في " الصحيح " أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: " صدقة تصدق ~~الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته ". # وكان النبي [صلى الله عليه وسلم] يقتصر في جميع أسفاره على القصر. # قلت: اتفقت الأمة على جواز القصر في السفر. # واختلف المفسرون في قوله - تعالى -: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح} : أنزلت في السفر؛ وقيد الخوف اتفاقي؟ أو في الخوف وقيد السفر ~~اتفاقي؟ والمراد في القصر؛ الإيماء في الركوع والسجود؟ PageV01P396 # فذهب إلى الأول جماعات من المفسرين. # وإلى الثاني يشير قول ابن عمر، ويدل عليه بناء قوله - تعالى -: {وإذا كنت ~~فيهم} على آية القصر من غير ذكر الخوف ثانيا. # ثم ms202 مذهب الأكثرين أن القصر واجب. # وقال الشافعي: " إن شاء أتم، وإن شاء قصر؛ والقصر أفضل ". كذا في " ~~المسوى ". # أقول: الحق وجوب القصر، والأحاديث مصرحة بما يقتضي ذلك، وأما ما يروى عن ~~عائشة: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ~~ويصوم: فلم يثبت؛ كما صرح به جماعة من الحفاظ (1) . # وكذلك ما روي عنها: أنها فعلت ذلك ولم ينكر عليها رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] ؛ وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة بما تسقط به حجيته (2) . # وكذلك ما روي من أن عثمان أتم الصلاة بمنى! فلا حجة في ذلك، وقد صح إنكار ~~بعض الصحابة عليه، واعتذاره عن ذلك؛ فلم يبق في المقام ما يوجب التردد. # والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار: عدم الفرق بين من سفره في ~~PageV01P397 # طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر؛ لأن صلاة المسافر شرعها الله ~~كذلك، فكما أن الله شرع للمقيم صلاة التمام - من غير فرق بين من كان مطيعا ~~ومن كان عاصيا بلا خلاف -: كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق. # وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولا زائدا على تناول أدلة الإفطار له؛ لأن ~~القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعا، بخلاف ~~الإفطار؛ فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت ~~هنا عامة، وإنما المراد بطلان القياس، والركعتان في السفر تمام غير قصر. # ومعناه عند الحنفية: أنه لا يكون فرض المسافر غير ركعتين، وإن صلى أربعا ~~ولم يقعد للتشهد بطلت صلاته، وإن قعد أتمها أربعا والأخريان نفل. # وعند الشافعية: أن المسافر إذا قصر في السفر؛ فليس عليه ما تركه إذا صار ~~مقيما بخلاف الصوم، فإنه يعيد ما أفطر إذا صار مقيما. # ( [ ### | وجوب القصر لمن خرج من بلده قاصدا للسفر دون بريد # ] :) # وإيجاب القصر (على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد) (1) ~~وجهه أن الله - تعالى - قال: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم PageV01P398 # جناح أن تقصروا من الصلاة} ، والضرب في الأرض ms203 يصدق على كل ضرب، لكنه خرج ~~الضرب - أي: المشي - لغير السفر؛ لما كان يقع منه [صلى الله عليه وسلم] من ~~الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر. # ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء، فوجب الرجوع إلى ~~ما يسمى سفرا لغة وشرعا، ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل يعد في مسيره إليه ~~مسافرا: قصر الصلاة، وإن كان ذلك المحل دون البريد. # ولم يأت من اعتبر البريد، واليوم، واليومين، والثلاثة، وما زاد على ذلك ~~بحجة نيرة، وغاية ما جاءوا به حديث: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم "، وفي رواية: " يوما وليلة "، وفي ~~رواية: " بريدا " (1) ، وليس في هذا الحديث ذكر القصر، ولا هو في سياقه، ~~والاحتجاج به مجرد تخمين (2) . # وأحسن ما ورد في التقدير: ما رواه شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: ~~سألت أنسا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا ~~خرج مسيرة ثلاثة أميال - أو ثلاثة فراسخ -: صلى ركعتين - والشك من شعبة -. ~~أخرجه مسلم وغيره. # فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون ~~PageV01P399 # محرم: هو كونه [صلى الله عليه وسلم] سمى ذلك سفرا. # قلت: تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا، فقد سمى النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] مسافة الثلاث سفرا، كما سمى مسافة البريد سفرا في ذلك الحديث؛ ~~باعتبار اختلاف الرواية، وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا. # فإن قلت: أخرج الدارقطني، والبيهقي، والطبراني من حديث ابن عباس أنه [صلى ~~الله عليه وسلم] قال: " يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة ~~إلى عسفان " (1) . # قلت: هو ضعيف لا تقوم به الحجة؛ فإن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن ~~جبر؛ وهو متروك. # (2) # قال الماتن: وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي. # وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام. # وفي " العالمكيرية ": الصحيح أنه لا يشترط سير كل اليوم إلى الليل، فلو ~~بكر في ms204 كل يوم ومشى إلى الزوال ثم نزل؛ يصير مسافرا. # وقال الشافعي: أربعة برد. # وقال مالك: وذلك أحب ما سمعت يقصر فيه الصلاة إلي، وتفسيرها ستة عشر ~~فرسخا. PageV01P400 # ويتجه على هذا أن قولهما متقاربان. # قال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون: مسيرة يوم تام، وإنما يحل القصر إذا ~~خرج من بيوت القرية. # قال العلماء: إذا جاوز عمران المصر: قصر. # أقول: مسألة أقل السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعبت ~~فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إليه؛ إلا مجرد قول الرواة: قصر رسول ~~الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في كذا؛ من دون بيان لمقدار يرجع إليه. # وأصرح ما في ذلك؛ ما قاله بعض الرواة: أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يقصر إذا سافر ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ؛ هكذا على الشك! مع أنه ~~لم يبين مقدار المسافة التي هي انتهاء سفره، وغاية ما وقع التعويل عليه ~~أحاديث: " لا يحل لامرأة ... " كما تقدم، والمعمول عليه ههنا رواية البريد؛ ~~لأن ما فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب. # لكن؛ لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة وبين وجوب القصر على غيرها من ~~المسافرين؛ لأن علة مشروعية المحرم غير علة مشروعية القصر، فلم يبق في ~~المسألة ما يصلح للاستناد إليه، فوجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى الضرب ~~في الأرض على وجه يخالف ما يفعله المقيم من ذلك، وهو يصدق على من أراد سفرا ~~زائدا على الميل، لا ما كان ميلا فما دون، فقد يتردد المقيم في الجوانب ~~المقاربة لبلد إقامته، وقد كان ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يخرج # PageV01P401 # إلى البقيع لزيارة الأموات ولا يقصر، وإن كان هذا لا يتم الاحتجاج به إلا ~~بعد تسليم أنه خرج إلى هنالك، وحضر وقت الصلاة فصلى تماما {وهو ممنوع، ~~فالتعويل في استثناء الميل هو ما قدمنا، وفيه ما فيه، لولا أنه أوجب الرجوع ~~إليه البقاء على الأصل، والفرار من التحكمات التي لا ترجع إلى شيء؛ كما ~~يقول بعض أهل العلم: إن مسافة القصر ما بين الشام والعراق} ونحو ذلك. # فالحاصل: أن الواجب الرجوع ms205 إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعا أو لغة أو ~~عرفا لأهل الشرع، فما كان ضربا في الأرض يصدق عليه أنه سفر؛ وجب فيه القصر. # وأما ما رواه سعيد بن منصور (1) : أنه كان ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة؛ فهو أيضا لا ينفي السفر فيما دون ذلك. # ( [ ### | مدة القصر للمتردد # ] :) # (وإذا أقام ببلد مترددا قصر إلى عشرين يوما) ثم يتم، وجهه أن من حط رحله ~~بدار إقامة؛ فقد ذهب عنه حكم السفر، وفارقته المشقة، فلولا أن الشارع سمى ~~من أقام كذلك مسافرا، فقال: " أتموا يا أهل مكة! فإنا قوم سفر " (2) : لما ~~كان حكم السفر ثابتا له، فالواجب الاقتصار في القصر مع الإقامة على المقدار ~~PageV01P402 # الذي سوغه الشارع، وما زاد عليه؛ فللمسافر حكم المقيم، يجب عليه أن يتم ~~صلاته؛ لأنه مقيم لا مسافر، وقد أقام النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بمكة في غزوة الفتح؛ قيل: ثماني عشرة ليلة، وقيل: تسع عشرة ليلة، وقيل: ~~أقل من ذلك، وفي " صحيح البخاري " وغيره: تسع عشرة ليلة. # وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث جابر، قال: أقام النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. # وأخرجه أيضا ابن حبان، والبيهقي، وصححه ابن حزم، والنووي (1) ؛ فوجب ~~علينا أن نقتصر على هذا المقدار ونتم بعد ذلك. # ولله در الحبر ابن عباس {ما أفقهه وما أفهمه للمقاصد الشرعية} فإنه قال ~~فيما رواه عنه البخاري وغيره: لما فتح النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # مكة: أقام فيها تسع عشرة، يصلي ركعتين، قال: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع ~~عشرة؛ قصرنا، وإن زدنا أتممنا ". # وأقول: هذا هو الفقه الدقيق، والنظر المبني على أبلغ تحقيق، ولو قال له ~~جابر: أقمنا مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بتبوك عشرين ليلة نقصر ~~الصلاة؛ لقال بموجب ذلك. # قال الماتن: وفي المسألة مذاهب؛ هذا أرجحها لدي. انتهى. # ( [ ### | أقصى مدة يقصر فيها المسافر إذا أقام # ] :) # أقول: الظاهر فيمن أقام ببلد وحط الرحل يوما بعد يوم، وليلة بعد ~~PageV01P403 # ليلة: أنه لا يقصر الصلاة؛ لأنه غير مسافر، فلو لم ms206 يرد الدليل الدال على ~~أن من أقام عازما على السفر؛ كان له حكم المسافر: لم يثبت القصر في حقه، ~~فينبغي أن يقتصر على ما ورد ولا يجاوز، أما مع التردد وعدم العزم على إقامة ~~أيام معينة: فلا يزال يقصر المسافر حتى يبلغ مدة إقامته مقدار المدة التي ~~أقامها رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بمكة بعد الفتح، وأكثر ما قيل: ~~عشرون ليلة، وقد روي أنه أقام في غزوة تبوك بمكان نحو ذلك، وروي أكثر. # فإن قيل: إن الاقتصار على مقدار إقامته [صلى الله عليه وسلم] ، وعدم ~~تجويز القصر فيما زاد عليها؛ لا يصلح للتمسك به؛ لأنه مجرد فعل لا دلالة ~~فيه على قصر الجواز على تلك المدة، ومن أين لنا أنه لو عرض له ما يوجب ~~إقامته فوق تلك المدة لما قصر الصلاة، بل كان يتمها؟ # فيقال: هذا صحيح، ولم نقل: إن هذا الفعل يدل بمجرده على ذلك، بل قلنا: إن ~~من حط رحله بمحل؛ فالظاهر أنه في ذلك الوقت غير مسافر فيما كان من الإقامة ~~زائدا على ما يعتاده المسافرون؛ من الإراحة لأنفسهم ودوابهم يوما أو بعض ~~يوم، وليلة أو بعض ليلة، فإذا سمي بعد إقامته أياما مسافرا؛ فهذه التسمية ~~غير مناسبة لما هو الظاهر، فوجب الاقتصار على مقدار المدة التي أقامها ~~الشارع وقصر الصلاة فيها، وقال: " إنا قوم سفر "، ومن زعم جواز القصر فيما ~~زاد عليها؛ فعليه الدليل. # وأما إذا نوى إقامة أيام معينة: فقد وقع الاضطراب في ذلك؛ فقيل: أربعة ~~أيام، فإن نوى إقامة أكثر منها قصر، واستدل هذا القائل بإقامته [صلى الله ~~عليه وسلم] في مكة في حجة الوداع أربعة أيام يقصر الصلاة، ووجه الاستدلال ~~بهذا؛ كالوجه # PageV01P404 # الذي ذكرناه مع التردد سواء بسواء، وهو أشف ما قيل. # وغاية ما تمسك به أهل الأقوال الآخرة: ما روي عن جماعة من الصحابة من ~~الاجتهادات المختلفة، ولا حجة في ذلك، وما يقال من: أنها بمنزلة المرفوع ~~لكونها ليست من مسارح الاجتهاد {فمردود على أن التقدير بالأربع مع كونه أشف ms207 ~~ما قيل - كما ذكرنا -؛ يمكن أن يقال عليه: إنما يتم الاستدلال به بعد ثبوت ~~أنه [صلى الله عليه وسلم] عزم على إقامة الأربع، ولم ينقل ذلك} # ويمكن أن يجاب بأن أعمال الحج لا يمكن الإتيان بها في دون تلك المدة، ~~فالعزم على الإقامة قدرها لا بد منه. # وأما ما روي عن أنس، أنه قال: أقمنا مع النبي [صلى الله عليه وسلم] عشرا؛ ~~فهو محمول على جميع أيام الإقامة بمكة ونواحيها، وأما نفس الإقامة بمكة؛ ~~فليست إلا أربعة أيام؛ فليعلم. # ( [ ### | مدة القصر لمن عزم على إقامة أربع # ] :) # (وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها) : وجهه ما عرفناك من أن المقيم لا ~~يعامل معاملة المسافر؛ إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع، ويجب الاقتصار ~~عليه، وقد ثبت عنه مع التردد ما قدمنا ذكره. # وأما مع عدم التردد، بل العزم على إقامة أيام معينة: فالواجب الاقتصار ~~على ما اقتصر عليه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # مع عزمه على الإقامة في أيام الحج؛ فإنه ثبت في " الصحيحين ": أنه قدم ~~مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، ~~وصلى الصبح في اليوم # PageV01P405 # الثامن، ثم خرج إلى منى، فلما أقام النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة - مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازما على ~~الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج -: كان ذلك دليلا على أن العازم على إقامة ~~مدة معينة؛ يقصر إلى تمام أربعة أيام، ثم يتم، وليس ذلك لأجل كون النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لو أقام زيادة على الأربع لأتم؛ فإنا لا نعلم ذلك، ولكن وجهه ما قدمنا من ~~أن المقيم العازم على إقامة مدة معينة لا يقصر إلا بإذن، كما أن المتردد ~~كذلك، ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك، ولا ثبت عن الشارع غيره. # قال الشافعي: لو نوى إقامة أربعة أيام بموضع؛ انقطع سفره بوصوله. # قال في " المنهاج ": ولا يحسب منها يوما دخوله وخروجه على الصحيح. # وقال أبو حنيفة: لا يزال على حكم السفر، حتى ينوي الإقامة في بلدة ms208 أو ~~قرية خمسة عشر يوما. # وقول أكثر أهل العلم: إنه يقصر أبدا ما لم يجمع إقامة (1) . # واختلف أصحاب الشافعي في حكاية مذهبه. # وحكاية البغوي: أنه إذا لم يجمع الإقامة، فزاد مكثه على أربعة أيام وهو ~~عازم على الخروج أتم؛ إلا أن يكون في خوف أو حرب فيقصر. # وقد قصر رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # عام الفتح PageV01P406 # بحرب هوازن تسعة عشر أو ثمانية عشر يوما. # وله قول آخر موافق للجمهور. # قال الماتن: " واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب؛ هي ~~من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان، وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابا ~~شديدا، وتباينت فيها الأنظار تباينا زائدا ". انتهى. # ( [ ### | للمسافر الجمع تقديما أو تأخيرا بأذان وإقامتين # ] :) # (وله الجمع تقديما وتأخيرا) : وجهه ما ثبت في " الصحيحين " من حديث أنس، ~~قال: " كان النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع ~~بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل؛ صلى الظهر ثم ركب. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني - ~~وحسنه الترمذي - من حديث معاذ (1) : أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخر الظهر حتى يجمعها إلى ~~العصر؛ يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس؛ صلى الظهر والعصر جميعا، ~~ثم سار ". # وأخرج أحمد من حديث ابن عباس نحوه؛ وزاد: المغرب والعشاء. # وأخرجه أيضا البيهقي، والدارقطني، وصحح إسناده ابن العربي، PageV01P407 # وتعقب بأن في إسناده من لا يحتج بحديثه. # وللحديثين طرق يقوي بعضها بعضا، وليس فيها من المقال ما يبطل الاحتجاج ~~بمجموعها. # ومن الجمع بين المغرب والعشاء: حديث ابن عمر الثابت في " الصحيحين " ~~وغيرهما: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان إذا جد به السير؛ أخر المغرب حتى يغيب الشفق، ثم يجمع بينها وبين ~~العشاء. # قال ابن القيم: " وكل هذه سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها، ~~فردت بأنها أخبار آحاد وأوقات الصلوات ثابتة بالتواتر، كحديث إمامة جبريل - ~~عليه السلام - للنبي [صلى الله عليه وسلم] ، وقوله للسائل ms209 عن المواقيت، ~~وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل الأوقات، مجمع عليها بين الأمة، ~~وأحاديث الجمع غير صريحة؛ لجواز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل وفي ~~الوقت، فكيف يترك المبين للمجمل؟ ! # والجواب أن يقال: الجميع حق، والذي وقت هذه المواقيت وبينها بفعله وقوله؛ ~~هو الذي شرع الجمع بقوله وفعله، فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها؛ فأحاديث ~~الجمع مع أحاديث الأفراد، بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث ~~الشروط والواجبات، فالسنة يبين بعضها بعضا، لا يرد بعضها ببعض. # ومن تأمل أحاديث الجمع: وجدها كلها صريحة في جمع الوقت، لا في جمع الفعل، ~~وألفاظ السنة الصريحة ترده ". # PageV01P408 # كذا في " إعلام الموقعين ". # قال في " المسوى ": أكثر أهل العلم على جواز الجمع في السفر بين الظهر ~~والعصر، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما. # وقالت الحنفية: لا يجوز، ومعنى الحديث عندهم: أن يؤخر إحدى الصلاتين إلى ~~آخر وقتها، ويعمل الأخرى في أول وقتها، فيحصل الجمع صورة (1) ، رووا ذلك عن ~~علي، وسعد بن أبي وقاص. # وأما الجمع للحاج فمتفق عليه ". انتهى. # (بأذان وإقامتين) : لثبوت ذلك في " الصحيحين " في جمع مزدلفة. ~~PageV01P409 # (14 - ### | باب صلاة الكسوفين # ( [ ### | صلاة الكسوفين سنة # ] :) # وهي صلاة الآيات (وهي سنة) . # قال الماتن في " شرحه ": أي: لعدم ورود ما يفيد الوجوب، ومجرد الفعل لا ~~يفيد زيادة على كون المفعول مسنونا. انتهى. # وزاد في " السيل الجرار ": " اعلم أنه قد اجتمع ههنا في صلاة الكسوف ~~الفعل والقول، ومن ذلك قوله [صلى الله عليه وسلم] : " إن الشمس والقمر ~~آيتان من آيات الله، وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما ~~كذلك؛ فافزعوا إلى المساجد "، وفي رواية: " فصلوا وادعوا "، والظاهر ~~الوجوب؛ فإن صح ما قيل من وقوع الإجماع على عدم الوجوب؛ كان صارفا؛ وإلا ~~فلا ". انتهى (1) . # قال في " الحجة البالغة ": " قد صح عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه ~~صلاها جماعة، PageV01P410 # وأمر أن ينادى بها: أن الصلاة جامعة، وجهر بالقراءة، فمن اتبع فقد أحسن، ~~ومن صلى صلاة معتدا بها في الشرع؛ فقد عمل بقوله [صلى الله عليه وسلم] ms210 : " ~~فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، وتصدقوا ". انتهى. # ورجح ابن القيم الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف لحديث عائشة في " صحيح ~~البخاري ": أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قرأ قراءة طويلة، يجهر بها ~~في صلاة الكسوف. # وأما قول سمرة: صلى بنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في كسوف، ولم ~~نسمع له صوتا. # فقال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة. # ( [ ### | أصح ما ورد في صفة صلاة الكسوفين # ] :) # (وأصح ما ورد في صفتها ركعتان؛ في كل ركعة ركوعان) : لثبوت ذلك في " ~~الصحيحين " وغيرهما من حديث عائشة، وابن عمر، وابن عباس # (وورد ثلاثة) ركوعات في ركعة: فثبت ذلك من حديث جابر عند مسلم وغيره. # ومن حديث ابن عباس عند الترمذي - وصححه -. # ومن حديث عائشة عند أحمد، والنسائي. # (و) ورد (أربعة) في كل ركعة؛ لما ثبت في " صحيح مسلم " وغيره من حديث ابن ~~عباس. # PageV01P411 # (و) ورد (خمسة) ركوعات في كل ركعة؛ أخرجه أبو داود، والحاكم، والبيهقي من ~~حديث أبي بن كعب. # قال ابن القيم: " السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صلاة الكسوف، تكرار ~~الركوع في كل ركعة؛ لحديث عائشة، وابن عباس، وجابر، وأبي بن كعب، وعبد الله ~~بن عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري؛ كلهم روى عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # تكرار الركوع في الركعة الواحدة، والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددا، ~~وأجل، وأخص برسول الله [صلى الله عليه وسلم] من الذين لم يذكروه ". انتهى. # ( [ ### | القراءة بين الركوعين # ] :) # (يقرأ بين كل ركوعين وورد في كل ركعة ركوع) فقط في " صحيح مسلم " من حديث ~~سمرة (1) . # وأخرجه أبو داود، وأحمد، والنسائي، والحاكم، وصححه ابن عبد البر والحاكم ~~من حديث النعمان بن بشير. PageV01P412 # وأخرجه أبو داود، والنسائي، والحاكم من حديث قبيصة (1) . # قلت: وأجاب ابن القيم عن هذه الروايات من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن أحاديث تكرار الركوع أصح إسنادا، وأسلم من العلة والاضطراب، ~~ولا سيما حديث عبد الله بن عمرو الذي في " الصحيحين "، وهذا أصح وأصرح من ~~حديث كل ركعة بركوع، فلم يبق إلا ms211 حديث سمرة ونعمان؛ وليس منهما شيء في " ~~الصحيح ". # والثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر، وأحفظ وأجل من سمرة ونعمان بن ~~بشير؛ فلا ترد روايتهم بها. # الثالث: أنها متضمنة لزيادة؛ صح الأخذ بها. انتهى. # وأقول: قد رويت هذه الصلاة من فعله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # على أنواع: # - ركعتين كسائر الصلوات في كل ركعة ركوع واحد. # - وركوعين في كل ركعة. # - وثلاثة وأربعة وخمسة كما تقدم. # والكل سنة؛ أيها فعل المكلف؛ فقد فعل ما شرع له، واختيار الأصح منها على ~~الصحيح هو دأب الراغبين في الفضائل، العارفين بكيفية الدلائل. PageV01P413 # وقد أورد على هذه الروايات المنسوبة إلى فعله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # إشكال، هو: أنه لم يصلها ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # غير مرة واحدة، فكيف تشعبت الروايات إلى هذه الصفات. # وقد أجيب عن ذلك بأجوبة؛ ذكرها الماتن - رحمه الله - في " شرح المنتقى ". # وقد ثبت الجهر بالقراءة وثبت الإسرار، والجهر أصح. # والقيام بهذه السنة جماعة أفضل، وليست الجماعة شرطا فيها؛ لما في ~~الأحاديث الصحيحة بلفظ: " فصلوا "، ولما في حديث قبيصة الهلالي يرفعه: أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة "؛ أخرجه ~~أحمد، والنسائي (1) . # ( [ ### | ماذا يندب عند الكسوفين # ؟] :) # (وندب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار) : لحديث أسماء: " فإذا رأيتم ~~ذلك؛ فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا "؛ وهو في " الصحيحين ". # وفي حديث أبي موسى بلفظ: " فإذا رأيتم شيئا من ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله ~~ودعائه واستغفاره "؛ وهو في " الصحيحين " أيضا. # وفي حديث المغيرة: " فإذا رأيتموهما؛ فادعوا الله وصلوا، حتى تنجلي "؛ ~~وهو أيضا في " الصحيحين ". PageV01P414 # (15 - ### | باب صلاة الاستسقاء # قال في " الحجة " (1) : " وقد استسقى النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته؛ أن خرج بالناس ~~إلى المصلى، متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا، فصلى لهم ركعتين جهر بهم فيهما ~~بالقراءة، ثم خطب واستقبل فيها القبلة يدعو، ورفع يديه وحول رداءه ". ~~انتهى. ### | ( [متى تسن صلاة الاستسقاء؟ وكم عدد ركعاتها؟] :) # وهذه الصلاة مسنونة (تسن عند الجدب) : لعدم ورود ما يدل على الوجوب. # (ركعتان بعدهما خطبة) ms212 لكونه [صلى الله عليه وسلم] خرج حين بدا حاجب ~~الشمس، فقعد على المنبر ... الحديث بطوله، وفيه الدعاء وتحويل الرداء؛ وهو ~~في " سنن أبي داود ". # وأخرجه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، وصححه ابن السكن (2) . # وأخرج أحمد، وابن ماجه (3) ، وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: ~~PageV01P415 # خرج النبي [صلى الله عليه وسلم] يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين، بلا أذان ~~ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله - عز وجل -، وحول وجهه نحو القبلة رافعا ~~يديه، ثم قلب رداءه؛ فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن. # وفي الباب أحاديث بمعنى ما ذكر، وهي متضمنة للدعاء برفع الجدب وبنزول ~~المطر، وتحويل الأردية؛ من الإمام وغيره. # وروى سعيد بن منصور في " سننه " (1) : أن عمر استسقى، فلم يزد على ~~الاستغفار. # قال أبو حنيفة: لا تسن الصلاة في الاستسقاء. # وقال الشافعي: ثبت من حديث عبد الله بن زيد، وابن عباس، أنه [صلى الله ~~عليه وسلم] صلى. # وروي ذلك من حديث جعفر بن محمد: عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، وأبي ~~بكر، وعمر (2) . # قال في " إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء ": " الأوجه عندي: أن من دعا ولم ~~يصل؛ فقد أصاب أصل الاستسقاء، وقد فعل ذلك النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~وعمر، ومن صلى ودعا؛ فقد أصاب الأكمل الأفضل؛ فإن الدعاء أرجى في حرمة ~~الصلاة، وقد ثبت عن النبي [صلى الله عليه وسلم] وعمر ". انتهى. # وقد كان [صلى الله عليه وسلم] يرفع يديه في الاستسقاء، حتى يرى بياض ~~إبطيه، وكان الصحابة فمن بعدهم يستسقون بأهل الصلاح، ولا سيما من كان من ~~قرابة النبي PageV01P416 # [صلى الله عليه وسلم] ؛ كما فعل عمر؛ فإنه استسقى بالعباس (1) - رضي الله ~~تعالى عنهما -. # ( [ ### | ماذا تتضمن الخطبة # ؟] :) # (تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة، والزجر عن المعصية، ويستكثر الإمام ومن ~~معه من الاستغفار والدعاء برفع الجدب) : لأن روح هذه الصلاة، وأساسها، ~~وعمادها الذي لا تقوم بدونه: هو الاستكثار من الاستغفار قبلها وبعدها، ~~وإخلاص التوبة من الذنوب التي يقارفها الإنسان، والخروج من التبعات ~~والظلامات في الدماء والأموال والأعراض، وذلك غير مختص بفرد من ms213 الأفراد، بل ~~يفعله كل أحد، ويشرع للإمام - أو من يقوم مقامه - أن يخطب الناس، ويذكرهم ~~بما يفعلونه من الأسباب الموجبة للرحمة، وقد روي عنه [صلى الله عليه وسلم] ~~أنه خطب قبل الصلاة وخطب بعدها؛ فالكل سنة. # ومن جملة أدعيته [صلى الله عليه وسلم] : " اللهم {أغثنا، اللهم} أغثنا "؛ ~~كما في " الصحيحين " من حديث أنس. # ومن أدعيته [صلى الله عليه وسلم] : " اللهم! اسقنا غيثا مغيثا مريئا (2) ~~مريعا (3) طبقا (4) غدقا (5) عاجلا غير رائث (6) "، وهذا لفظ ابن ماجه من ~~حديث ابن عباس. PageV01P417 # وهذه الألفاظ ثابتة من رواية غيره من الصحابة في غير " سنن ابن ماجه " ~~(1) . # ومنها: " اللهم {أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني، ونحن الفقراء؛ ~~أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين "؛ وهو في " سنن ~~أبي داود " بإسناد صحيح (2) من حديث عائشة. # ومن دعائه: " اللهم} اسق عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت " ~~(3) ؛ إلى غير ذلك. # ( [ ### | ما يصنع المصلون بأرديتهم # ؟] :) # (ويحولون جميعا أرديتهم) : لما روي في ذلك - ما تقدم - من جعل الأيمن ~~أيسر والأيسر أيمن. # وروي: أنه قلبه ظهرا لبطن وحول الناس معه؛ أخرجه أحمد (4) من حديث عبد ~~الله بن زيد؛ وأصله في " الصحيح ". PageV01P418 ### | (الكتاب الثالث: ### | كتاب الجنائز # ) # PageV01P419 # (3 - ### | كتاب الجنائز ### | (الفصل الأول: أحكام المحتضر) # ( [ ### | دليل مشروعية زيارة المريض # ] :) # (من السنة عيادة المريض) : لأن الأحاديث في مشروعيتها متواترة، وقد جعلها ~~الشارع من حقوق المسلم على المسلم. # ففي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع ~~الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ". # وزاد مسلم: " النصيحة ". # وزاد البخاري من حديث البراء: " نصر المظلوم، وإبرار القسم ". # ( [ ### | تلقين المحتضر # ] :) # (وتلقين المحتضر) ؛ وهو في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام ~~الآخرة. # (الشهادتين) : فوجب أن يحث على الذكر، والتوجه إلى الله - تعالى -؛ # PageV01P421 # لتفارق نفسه وهي في غاشية من الإيمان، فيجد ثمرتها في معاده. # ودليله حديث أبي سعيد الثابت في " الصحيح "، عن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] ms214 ، قال: " لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله ". # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | توجيه المحتضر للقبلة # ] :) # (وتوجيهه) (1) إلى القبلة؛ لحديث عبيد بن عمير، عن أبيه، أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال - وقد سأله رجل عن الكبائر؟ - فقال: " هن تسع: الشرك، والسحر، وقتل ~~النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، ~~وعقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام: قبلتكم أحياء وأمواتا "؛ أخرجه أبو ~~داود (2) ، والنسائي، والحاكم. PageV01P422 # وقد أخرج البغوي في " الجعديات " (1) من حديث ابن عمر نحوه؛ وفي إسناده ~~أيوب بن عتبة، وهو ضعيف. # وقد استدل بهذا على مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها؛ لقوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " قبلتكم أحياء وأمواتا "، وفيه نظر؛ لأن المراد بقوله: " أحياء " عند ~~الصلاة، وبقوله: " أمواتا " في اللحد، والمحتضر حي غير مصل، فلا يتناوله ~~الحديث، وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي، وعدم اختصاصه بحال ~~الصلاة! وهو خلاف الإجماع. # والأولى الاستدلال بما رواه الحاكم، والبيهقي، عن أبي قتادة: أن البراء ~~بن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر، فقال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " أصاب الفطرة ". (2) PageV01P423 # وقد اختلف في الصفة التي يكون التوجه إلى القبلة عليها، فقيل: يكون ~~مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه، وقيل: على جنبه الأيمن؛ وهو الأولى. # أقول: وهو الصفة التي يوجه عليها في قبره، والصفة التي أمر ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # النائم أن ينام عليها. # ومن ذلك فعل البتول - رضي الله عنها (1) -، ولا وجه لاختيار الاستلقاء، ~~إلا وهم أنه أكمل. # ( [ ### | تغميض عيني المحتضر إذا مات # ] :) # (وتغميضه إذا مات) : لحديث شداد بن أوس عند أحمد، وابن ماجة، والحاكم (2) ~~، والطبراني، والبزار، قال: قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " إذا حضرتم موتاكم؛ فأغمضوا البصر؛ فإن البصر يتبع الروح، وقولوا ~~خيرا؛ فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت ". # وأخرج مسلم في " صحيحه ": أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # PageV01P424 # دخل على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه ~~البصر ". # ( [ ### | قراءة يس عند المحتضر # ] :) # (وقراءة يس عليه) : لحديث: " اقرأوا على موتاكم {يس} "؛ أخرجه أبو ms215 داود، ~~والنسائي، وابن حبان - وصححه - من حديث معقل بن يسار مرفوعا؛ وقد أعل (1) . # وقد أخرج نحوه صاحب " مسند الفردوس " من حديث أبي الدرداء، وأبي ذر. # وأخرج نحوه أيضا أبو الشيخ في " فضل القرآن " من حديث أبي ذر وحده (2) . # قال ابن حبان في " صحيحه ": المراد بقوله: " اقرأوا على موتاكم {يس} ": ~~من حضرته المنية لا الميت، وكذلك: " لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله ". # ( [ ### | المبادرة بتجهيز الميت # ] :) # (والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته) : لما أخرجه أبو داود من حديث ~~الحصين بن وحوح (3) : أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # PageV01P425 # يعوده، فقال: " إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت؛ فآذنوني به وأعجلوا ~~(1) ؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله ". # وأخرج أحمد، والترمذي (2) من حديث علي مرفوعا بلفظ: " ثلاث لا يؤخرن: ~~الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفأ ". # وأما إذا كان يظن أنه لم يمت؛ فلا يحل دفنه حتى يقع القطع بالموت؛ كصاحب ~~البرسام وغيره. # ( [ ### | المبادرة بقضاء دين الميت # ] :) # (والقضاء لدينه) : لحديث امتناعه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # من الصلاة على الميت الذي عليه دين، حتى التزم بذلك بعض الصحابة؛ والحديث ~~معروف (3) ، وحديث: " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه "؛ أخرجه أحمد، ~~وابن ماجة، والترمذي - وحسنه - من حديث أبي هريرة. # ( [ ### | تسجية الميت # ] :) # (وتسجيته) : لما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # عند موته ببرد حبرة، وهو في " الصحيحين " من حديث عائشة. PageV01P426 # وذلك لا يكون إلا بجري العادة بذلك في حياته ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ( [ ### | جواز تقبيل الميت # ] :) # (ويجوز تقبيله) : لتقبيله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لعثمان بن مظعون وهو ميت، كما في حديث عائشة عند أحمد، وابن ماجة، ~~والترمذي - وصححه -. # وفي " الصحيح " من حديثها، وحديث ابن عباس: أن أبا بكر قبل النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] بعد موته. # ( [ ### | على المريض أن يحسن الظن بربه # ] :) # (وعلى المريض أن يحسن الظن بربه) ، والأحاديث في ذلك كثيرة، ولو لم يكن ~~منها إلا حديث النهي عن أن يموت الميت؛ إلا وهو ms216 حسن الظن بربه (1) ، وحديث ~~المريض الذي زاره النبي [صلى الله عليه وسلم] ، فقال: " كيف تجدك؟ " فقال: ~~أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال: " ما اجتمعا في قلب امريء في مثل هذا الموطن؛ ~~إلا دخل الجنة " (2) . - أو كما قال -. # ( [ ### | على المريض أن يتوب من ذنوبه # ] :) # (ويتوب إليه) ، والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع ~~PageV01P427 # المقام لبسطها. # وفي " الصحيحين ": " أن الله يفرح بتوبة عبده "، وأن باب التوبة مفتوح لا ~~يغلق. ### | ( [على المريض أن يتخلص مما عليه من حقوق، وأقله بالوصية] :) # (ويتخلص عن كل ما عليه) ، ووجوب ذلك معلوم. # وإذا أمكن - بإرجاع كل شيء لمن هو له؛ من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك ~~-: فهو الواجب. # وإن لم يكن في الحال: فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب. # وورد الأمر بالوصية، وأنه لا يحل لأحد أن يبيت إلا ووصيته عند رأسه؛ كما ~~في الأحاديث الصحيحة. # PageV01P428 # (2 ### | - فصل: غسل الميت) # ( [ ### | وجوب غسل الميت على الأحياء # ] :) # (ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء) ؛ وهو مجمع عليه، كما حكى ذلك ~~النووي، والمهدي في " البحر ". # ومستند هذا الإجماع أحاديث الأمر بالغسل والترغيب فيه، كالأمر منه [صلى ~~الله عليه وسلم] بغسل الذي وقصته (1) ناقته، وبغسل ابنته زينب؛ وهما في " ~~الصحيح ". # ( [ ### | القريب أولى بغسل قريبه # ] :) # (والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه) : لحديث: " ليليه أقربكم إن كان ~~يعلم، فإن لم يكن يعلم؛ فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة "؛ أخرجه أحمد (2) ~~، والطبراني، وفي إسناده جابر الجعفي، والحديث إن كان لا يصلح للاحتجاج به، ~~ولكن للقرابة مزية وزيادة حنو وشفقة، توجب كمال العناية، ولا شك أنها وجه ~~مرجح؛ مع علم القريب بما يحتاج إليه في الغسل. # ( [ ### | أحد الزوجين أولى بالآخر # ] :) # (وأحد الزوجين بالآخر) أولى؛ لقوله [صلى الله عليه وسلم] لعائشة: " ما ~~ضرك لو مت PageV01P429 # قبلي فغسلتك وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك؟ {" أخرجه أحمد، وابن ماجة، ~~والدارمي، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وفي إسناده محمد بن إسحاق، ولم ~~ينفرد به؛ فقد تابعه عليه صالح بن كيسان (1) . # وأصل الحديث في " البخاري " (2) بلفظ: " ذاك لو ms217 كان وأنا حي؛ فأستغفر لك ~~وأدعو لك ". # وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما غسل رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] إلا نساؤه "؛ أخرجه أحمد وابن ماجة وأبو داود (3) . # وقد غسلت الصديق زوجته أسماء - كما تقدم في الغسل لمن غسل ميتا -؛ وكان ~~ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه (4) . # وغسل علي فاطمة؛ كما رواه الشافعي، والدارقطني، وأبو نعيم، والبيهقي ~~بإسناد حسن. PageV01P430 # وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. # قال في " المسوى ": " اتفقوا على جواز غسل المرأة زوجها، واختلفوا في غسل ~~الزوج امرأته. # قالت الحنفية: لا يجوز، فإن لم يكن إلا الزوج يممها. # وقال الشافعي: يجوز؛ لما مر ". # ( [ ### | غسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر # ] :) # (ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو كثر بماء وسدر) (1) : لقوله [صلى الله ~~عليه وسلم] للنسوة الغاسلات لابنته زينب: " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر ~~من ذلك - إن رأيتن - بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا "؛ وهو في " ~~الصحيحين " من حديث أم عطية. # وفي لفظ لهما أيضا: " اغسلنها وترا: ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ~~ذلك؛ إن رأيتن ". # وفيه دليل على تفويض عدد الغسلات إلى الغاسل. # قال في " الحجة ": " إنما أمر بالسدر وزيادة الغسلات؛ لأن المريض مظنة ~~الأوساخ والرياح المنتنة ". اه. # (وفي الآخرة كافور) : لقوله [صلى الله عليه وسلم] : " واجعلن في الآخرة ~~كافورا "، كما PageV01P431 # سبق، وإنما أمر بالكافور في الآخرة؛ لأن من خاصيته أن لا يسرع التغير ~~فيما استعمل [فيه] . # ويقال: من فوائده أنه لا يقرب منه حيوان مؤذ. # ( [ ### | تقديم الميامن في غسل الميت # ] :) # (وتقدم الميامن) : ليكون غسل الموتى بمنزلة غسل الأحياء، وليحصل إكرام ~~هذه الأعضاء. # ودليله قوله [صلى الله عليه وسلم] في حديث أم عطية هذا: " ابدأن بميامنها ~~ومواضع الوضوء منها ". # قال ابن القيم: " السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس الميت ثلاث ضفائر، ~~كقوله في " الصحيحين " في غسل ابنته: " اجعلوا رأسها ثلاثة قرون "، قالت أم ~~عطية: ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها، ثلاثة قرون، وألقيناه من خلفها. # فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا {وإنما يرسل شعرها شقتين على ms218 ثديها} ! # وسنة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أحق بالاتباع. اه. # ( [ ### | الشهيد لا يغسل # ] :) # (ولا يغسل الشهيد) : بل يدفن في ثيابه ودمائه؛ تنويها بما فعل، وليتمثل ~~صورة بقاء عمله بادي الرأي، وهذا هو الحق؛ لما ثبت في شهداء أحد أنه # PageV01P432 ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، وهو في " الصحيح ". # وما قيل بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال: فمردود بما عند ~~أحمد (1) في هذا الحديث عنه [صلى الله عليه وسلم] ، أنه قال في قتلى أحد: " ~~لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم؛ يفوح مسكا يوم القيامة ". # وأخرج أبو داود عن جابر، قال: رمي رجل بسهم في صدره - أو في حلقه -، ~~فمات؛ فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ؛ ~~وإسناده على شرط مسلم. # وعن ابن عباس عند أبي داود، وابن ماجة، قال: أمر النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم؛ ~~وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة، وفيه أيضا عطاء بن ~~السائب؛ وفيه مقال (2) . # وفي الباب أحاديث. # وبالجملة: فقد جرت السنة في الشهيد أن لا يغسل، ولم يرو أنه [[صلى الله ~~عليه وسلم]] غسل شهيدا؛ وبه قال الجمهور. # وأما من أطلق عليه اسم الشهيد - كالمطعون والمبطون (3) والنفساء ونحوهم ~~-: فقد حكى في " البحر " الإجماع على أنهم يغسلون. PageV01P433 # (3 ### | - فصل: تكفين الميت) # ( [ ### | تكفين الميت واجب ولو لم يملك غير الكفن # ] :) # (ويجب تكفينه) : الأصل في التكفين التشبه بحال النائم المسجى بثوبه. # أكمله في الرجل: إزار وقميص وملحفة أو حلة، وفي المرأة: هذه مع زيادة ما؛ ~~لأنها يناسبها زيادة الستر. # (بما يستره) : لأمره ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بإحسان الكفن؛ كما في حديث: " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه "؛ وهو في ~~" صحيح مسلم " وغيره من حديث أبي قتادة (1) ، والكفن الذي لا يستر ليس بحسن ~~(2) . # (ولو لم يملك غيره) ؛ أي: الكفن؛ لأمره ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بتكفين مصعب بن عمير في النمرة (3) التي لم يترك غيرها؛ ms219 كما في ~~PageV01P434 # " الصحيحين " وغيرهما من حديث خباب بن الأرت. # ( [ ### | جواز الزيادة في الكفن مع القدرة من دون مغالاة # ] :) # (ولا بأس بالزيادة مع التمكن من غير مغالاة) : لما وقع منه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في كفن ابنته؛ فإنه كان يناول النساء ثوبا ثوبا؛ وهو عند الباب، فناولهن ~~الحقو (1) ، ثم الدرع، ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب ~~الآخر؛ أخرجه أحمد (2) ، وأبو داود من حديث ليلى بنت قائف الثقفية. # وقد كفن ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في ثلاثة اثواب سحولية (3) جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة؛ أدرج ~~فيها إدراجا "؛ وهو في " الصحيحين ". # وأخرج أبو داود (4) من حديث علي (5) : " لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب ~~سريعا ". PageV01P435 # أقول: أراد العدل بين الإفراط والتفريط، وأن لا ينتحلوا عادة الجاهلية في ~~المغالاة. # والحاصل: أنه لا ريب في مشروعية الكفن للميت، ولا شك في عدم وجوب زيادة ~~على الواحد، ولم يثبت عنه [صلى الله عليه وسلم] كون الكفن على صفة من ~~الصفات، أو عدد من الأعداد؛ إلا ما كان منه [صلى الله عليه وسلم] في تكفين ~~ابنته أم كلثوم. # وهذا الحديث - وإن كان فيه مقال - لكنه لا يخرج به عن حد الاعتبار. # فغاية ما يقال: إنه يستحب أن يكون كفن المرأة على هذه الصفة (1) ، وأما ~~كفن الرجل؛ فلم يثبت عنه إلا الأمر بالتكفين في الثوب الواحد، كما في قتلى ~~أحد، وفي الثوبين؛ كما في المحرم الذي وقصته ناقته. # وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود؛ فإنه لولا ورود الشرع ~~به: لكان من إضاعة المال؛ لأنه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفعه على الحي، ~~ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: " إن الحي أحق بالجديد (2) "؛ لما قيل ~~له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: " إن هذا خلق " (3) . PageV01P436 # والأولى أن يكون الكفن من الأبيض؛ لحديث: " البسوا من ثيابكم البياض؛ ~~فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ~~ماجة، والترمذي - وصححه -، والشافعي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وصححه ~~ابن القطان. # وفي معناه أحاديث أخر ms220 عن عمران، وسمرة، وأنس، وابن عمر، وأبي الدرداء. # ( [ ### | الشهيد يكفن في ثيابه التي قتل فيها # ] :) # (ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها) : فقد كان ذلك صنعه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في الشهداء المقتولين معه. # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة من حديث ابن عباس، قال: أمر رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يوم أحد بالشهداء؛ أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وقال: " ادفنوهم بدمائهم ~~وثيابهم " (1) . # وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن ثعلبة: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال يوم أحد: " زملوهم في ثيابهم " (2) . # ( [ ### | تطييب بدن الميت وكفنه سنة # ] :) # (وندب تطييب بدن الميت وكفنه) : لحديث جابر عند أحمد، والبيهقي (3) ، ~~PageV01P437 # والبزار - بإسناد رجاله رجال الصحيح -، قال: " قال رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] : " إذا أجمرتم الميت؛ فأجمروه (1) ثلاثا ". # ولقوله [صلى الله عليه وسلم] في حديث المحرم الذي وقصته ناقته: " ولا ~~تمسوه بطيب "؛ وهو في " الصحيح " من حديث ابن عباس؛ فإن ذلك يشعر أن غير ~~المحرم يطيب، ولا سيما مع تعليله [صلى الله عليه وسلم] بقوله: " فإنه يبعث ~~ملبيا ". # قال في " الحجة ": " فوجب المصير إليه ". # وإلى هذه النكتة أشار النبي [صلى الله عليه وسلم] بقوله: " الميت يبعث في ~~ثيابه التي يموت فيها (2) ". # وأما ما قيل: تتبع بالطيب مساجده {} فلعل وجه ما قاله ابن مسعود ومن ~~بعده، تكريم هذه الأعضاء لكون الاعتماد عليها في أشرف طاعات الله وهي ~~الصلاة، ولم يرد في ذلك من المرفوع شيء، ولكنه يحسن لستر ما لعله يظهر من ~~روائح الميت التي يتأذى بها المتولون لتجهيزه. PageV01P438 # (4 - ### | فصل صلاة الجنازة # ( [ ### | الصلاة على الجنازة فرض كفاية # ] :) # (وتجب الصلاة على الميت) : لأن اجتماع أمة من المؤمنين شافعين للميت؛ له ~~تأثير بليغ في نزول الرحمة عليه. # والصلاة على الأموات ثابتة ثبوتا ضروريا من فعله [صلى الله عليه وسلم] ~~وفعل أصحابه، ولكنها من واجبات الكفاية؛ لأنهم قد كانوا يصلون على الأموات ~~في حياته [صلى الله عليه وسلم] ولا يؤذونه (1) ؛ كما في حديث السوداء التي ~~كانت تقم (2) المسجد، فإنه لم يعلم النبي [صلى الله عليه وسلم] إلا ms221 بعد ~~دفنها، فقال لهم: " ألا آذنتموني؟ ! "؛ وهو في " الصحيح "، وامتنع من ~~الصلاة على من عليه دين، وأمرهم بأن يصلوا عليه. ### | ( [يقف الإمام حذاء رأس الرجل، ووسط المرأة] :) # (ويقوم الإمام حذاء رأس الرجل، ووسط المرأة) : لحديث أنس بن مالك: أنه ~~صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، فلما رفعت أتي بجنازة امرأة، فصلى ~~عليها، فقام وسطها، فسئل عن ذلك، وقيل له: هكذا كان رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم؛ أخرجه ~~أحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، وابن ماجة. PageV01P439 # ولفظ أبي داود: " هكذا كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يصلي على ~~الجنازة كصلاتك؛ يكبر عليها أربعا، ويقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة؟ ~~قال: نعم. # وفي " الصحيحين " من حديث سمرة، قال: صليت وراء رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] في الصلاة وسطها ". # والخلاف في المسألة معروف، وهذا هو الحق. # أقول: الثابت عنه [صلى الله عليه وسلم] ؛ أنه كان يقف مقابلا لرأس الرجل، ~~ولم يثبت عنه غير ذلك. # وأما المرأة؛ فروي أنه كان يقوم مقابلا لوسطها، وروي أنه كان يقوم مقابلا ~~لعجيزتها، ولا منافاة بين الروايتين، فالعجيزة يصدق عليها أنها وسط. # وإيثار ما ثبت عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عند أئمة الفن، الذين ~~هم المرجع لغيرهم؛ واجب. # ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة - أو من غيرهم - على ~~قول رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وفعله، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى. # ( [ ### | التكبير أربعا أو خمسا على الجنازة # ] :) # (ويكبر أربعا أو خمسا) : لورود الأدلة بذلك. # أما الأربع فثبتت ثبوتا متواترا من طريق جماعة من الصحابة: أبي # PageV01P440 # هريرة، وابن عباس، وجابر، وعقبة بن عامر، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، ~~وابن مسعود وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم -. # وأما الخمس؛ فثبتت في " الصحيح " من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ~~كان زيد بن أرقم يكبر ms222 على جنائزنا أربعا؛ وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألته؟ ~~فقال: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يكبرها "؛ أخرجه مسلم، وأحمد، ~~وأهل " السنن ". # وأخرج أحمد عن حذيفة: أنه صلى على جنازة، فكبر خمسا، ثم التفت، فقال: ما ~~نسيت ولا وهمت، ولكن كبرت كما كبر النبي [صلى الله عليه وسلم] ، صلى على ~~جنازة فكبر خمسا؛ وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري؛ وهو ضعيف. # وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في عدد تكبير صلاة الجنازة: فذهب الجمهور ~~إلى أنه أربع، وذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه خمس. # وقال القاضي عياض: اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع. # قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء وأهل ~~الفتوى بالأمصار على أربع؛ على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك ~~عندهم؛ فشذوذ لا يلتفت إليه (1) . اه. # وهذه الدعوى مردودة؛ فالخلاف في ذلك معروف بين الصحابة وإلى PageV01P441 # الآن، ولا وجه لعدم العمل بالخمس بعد خروجها من مخرج صحيح مع كونها زيادة ~~غير منافية؛ إلا أن يصح ما رواه ابن عبد البر في " الاستذكار " من طريق أبي ~~بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبيه: كان النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وسبعا وثمانيا، حتى جاء موت النجاشي، فخرج ~~فكبر أربعا، ثم ثبت النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # على أربع، حتى توفاه الله - تعالى - (1) . # على أن استمراره على الأربع لا ينسخ ما وقع منه [صلى الله عليه وسلم] من ~~الخمس؛ ما لم يقل قولا يفيد ذلك. # وقد أخرج الطبراني في " الأوسط " (2) عن جابر مرفوعا: " صلوا على موتاكم ~~بالليل والنهار، والصغير والكبير، والدنيء والأمير؛ أربعا "؛ وفي إسناده ~~عمرو بن هشام البيروتي؛ تفرد به عن ابن لهيعة، وما أحق هذا بأن لا يصح ولا ~~يثبت! # وقد روى البخاري عن علي: أنه كبر على سهل بن حنيف ستا، وقال: إنه شهد ~~بدرا. # وروى سعيد بن منصور عن الحكم بن عتيبة، أنه قال: كانوا يكبرون على أهل ~~بدر خمسا ms223 وستا وسبعا. PageV01P442 # ( [ ### | بعد التكبيرة الأولى يقرأ الفاتحة وسورة # ] :) # (ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة) : لحديث ابن عباس عند البخاري ~~وأهل " السنن ": أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنه ~~من السنة. # ولفظ النسائي: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر، فلما فرغ قال: سنة وحق. # وروى الشافعي في " مسنده " عن أبي أمامة بن سهل: أنه أخبره رجل من أصحاب ~~النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : أن السنة في الصلاة على الجنازة؛ أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة ~~الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا ~~في نفسه؛ قال في " الفتح ": وإسناده صحيح. # وقد أخرجه عبد الرزاق، والنسائي بدون قوله: بعد التكبيرة، ولا قوله: ثم ~~يسلم سرا في نفسه. # قال في " الحجة ": " ومن السنة قراءة الفاتحة؛ لأنها خير الأدعية ~~وأجمعها، علمها الله - تعالى - عباده في محكم كتابه " أه. # والحاصل: أن الموطن موطن دعاء، لا موطن قراءة قرآن، فيتوجه الاقتصار على ~~ما ورد وهو الفاتحة وسورة، ويكون ذلك بعد التكبيرة الأولى، ويشتغل فيما ~~بعدها بمحض الدعاء. # PageV01P443 # ( [ ### | الأدعية المأثورة في الصلاة على الميت # ] :) # (ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة) : منها ما أخرجه أحمد، ~~والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، قال: كان النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # إذا صلى على جنازة قال: " اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، ~~وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم {من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ~~ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان ". # زاد أبو داود، وابن ماجه: " اللهم} لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده ". # وأخرجه أيضا النسائي، وابن حبان، والحاكم، قال: وله شاهد صحيح من حديث ~~عائشة نحوه. # وأخرج هذا الشاهد الترمذي، وأعله بعكرمة بن عمار. # وأخرج مسلم وغيره من حديث عوف بن مالك، قال: سمعت النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: " اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله ووسع مدخله، ~~واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض ms224 من الدنس، ~~وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وقه ~~فتنة القبر، وعذاب النار ". # وقد وردت أدعية متنوعة في أحاديث صحيحة؛ هي أولى من الاستحسانات التي ~~ذكرها الفقهاء في كتبهم من عند أنفسهم، فإنهم لم يقصدوا أنها أولى من ~~الثابت عنه [صلى الله عليه وسلم] ، ولكن فن الرواية هم عنه بمعزل، فضاقت ~~عليهم المسالك؛ وهي واسعة. # PageV01P444 # قال في " الحجة البالغة ": ومن دعاء النبي [صلى الله عليه وسلم] على ~~الميت: " اللهم {إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك؛ فقه من فتنة القبر ~~وعذاب النار؛ وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم} اغفر له وارحمه؛ إنك أنت ~~الغفور الرحيم " (1) . # وأما الصلاة على الجنائز في المساجد: فغاية ما استدل به من قال بالكراهة؛ ~~ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] : " من صلى على جنازة في المسجد؛ فلا شيء عليه " (2) . # وأخرجه ابن ماجه بلفظ: " فليس له شيء ". # وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأجوبة: # منها: أنه ضعيف؛ كما قاله جماعة من الحفاظ؛ فإن في إسناده صالحا - مولى ~~التوأمة - (3) . # ومنها: أن الذي في النسخ المشهورة الصحيحة من " سنن أبي داود " بلفظ: " ~~فلا شيء عليه " كما تقدم. # وعلى فرض ثبوت الرواية باللفظ الآخر؛ فيجب تأويلها؛ لما ثبت من صلاته ~~[صلى الله عليه وسلم] على ابني بيضاء في المسجد. PageV01P445 # بل أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة (1) : أن الصحابة صلوا على أبي بكر ~~وعمر في المسجد. # وأما إنكار من أنكر على عائشة (2) فلا حجة فيه، ولا سيما وقد انقطع عند ~~أن قامت عليه الحجة. # وأما الصلاة على الجنازة فرادى؛ فأقول: الاستدلال ممن قال باشتراط ~~التجميع فيها بأنه [صلى الله عليه وسلم] ما صلى على جنازة إلا في جماعة: لا ~~تتم به الحجة؛ لأن الأصل في كل صلاة مشروعة أن تكون كالصلوات الخمس في ~~إجزائها فرادى كما تجزئ جماعة. # ومن زعم غير ذلك فعليه الدليل. # ولو كان فعلها منه [صلى الله عليه وسلم] في ms225 جماعة تقوم به الحجة؛ للزم في ~~صلاة الفرائض الخمس أن لا تصح إلا جماعة؛ لأنه [صلى الله عليه وسلم] لم ~~يؤدها إلا جماعة. # إذا تقرر هذا: فالاقتصار في الاستدلال لصحة صلاة الجنازة فرادى على ما ~~ذكرناه مغن عن غيره؛ فإن تحقيق إجماع الصحابة على تجويز الصلاة عليه [صلى ~~الله عليه وسلم] عند موته فرادى (3) ممنوع؛ لأنهم قد تفرقوا بعض تفرق في ~~تلك الحال، وإن كان الباقون في المدينة جمهورهم وأكابرهم. # ثم لو فرض الإجماع على ذلك: فهو إجماع سكوتي، وانتهاضه PageV01P446 # للاحتجاج فيه ما لا يخفى على عارف بالأصول. # ثم هذا مبني على صدور ذلك، ولم يرد إلا بإسناد ضعيف أنهم فعلوا ذلك. # وأما ما يقال: إنه [صلى الله عليه وسلم] أوصاهم بأن يصلوا عليه فرادى، ~~ففي إسناده عبد المنعم بن إدريس؛ وهو - كما قيل - كذاب، وصرح بعض الحفاظ ~~بأن الحديث موضوع. # ( [ ### | لا يصلى على الغال # ] :) # (ولا يصلى على الغال) (1) : لامتناعه [صلى الله عليه وسلم] في غزاة خيبر ~~من الصلاة على الغال (2) ؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ~~PageV01P447 # ( [ ### | لا يصلى على قاتل نفسه # ] :) # (وقاتل نفسه) : لحديث جابر بن سمرة عند مسلم، وأهل " السنن ": أن رجلا ~~قتل نفسه بمشاقص (1) ، فلم يصل عليه النبي [صلى الله عليه وسلم] . # ( [ ### | لا يصلى على الكافر # ] :) # (والكافر) ، وذلك هو المعلوم منه [صلى الله عليه وسلم] ؛ فإنه لم ينقل ~~عنه أنه صلى على كافر، وقد صرح بذلك القرآن الكريم، قال الله - عز وجل - ~~{ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} . # ( [ ### | لا يصلى على الشهيد # ] :) # (والشهيد) ، وقد اختلفت الروايات في ذلك، وقد ثبت في " صحيح البخاري " من ~~حديث جابر: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يصل على شهداء أحد. # وأخرجه أيضا أهل " السنن ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم من حديث أنس أنه [صلى الله ~~عليه وسلم] لم يصل عليهم. # أقول: لا يشك من له أدنى إلمام بفن الحديث؛ أن أحاديث الترك أصح إسنادا ~~وأقوى متنا، حتى قال بعض الأئمة: إنه كان ينبغي ms226 لمن عارض أحاديث النفي ~~بأحاديث الإثبات أن يستحي على نفسه، لكن الجهة التي جعلها المجوزون وجه ~~ترجيح وهي الإثبات؛ لا ريب أنها من المرجحات الأصولية؛ PageV01P448 # إنما الشأن في صلاحية أحاديث الإثبات لمعارضة أحاديث النفي؛ لأن الترجيح ~~فرع المعارضة. # والحاصل: أن أحاديث الإثبات مروية من طرق متعددة؛ لكنها جميعا متكلم ~~عليها. # وقد أطال الماتن الكلام على هذا في " شرح المنتقى "، وسرد الروايات ~~المختلفة واختلاف أهل العلم في ذلك؛ فليرجع إليه؛ فإن هذا المقام من ~~المعارك. # ( [ ### | يصلى على القبر وعلى الغائب # ] :) # (ويصلى على القبر وعلى الغائب) : لحديث - أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # انتهى إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعا؛ وهو في " ~~الصحيحين " من حديث ابن عباس. # وكذلك صلاته على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد؛ وهو أيضا في " ~~الصحيحين "، وغيرهما من حديث أبي هريرة. # وصلى على قبر أم سعد، وقد مضى لذلك شهر؛ أخرجه الترمذي (1) . # وصلى على النجاشي هو وأصحابه؛ كما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر، ~~وأبي هريرة، وهو مات في دياره بالحبشة فصلى عليه النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بالمدينة. PageV01P449 # والخلاف في الصلاة على القبر والغائب (1) معروف؛ ولم يأت المانع بشيء ~~يعتد به. # أقول: الأدلة ثابتة في الصلاة على القبر ثبوتا لا يقابله أهل العلم بغير ~~القبول. # أما فيمن لم يصل عليه؛ فالأمر أوضح من أن يخفى، ولا تزال الصلاة مشروعة ~~عليه؛ ما علم الناس أنه لم يصل عليه أحد. # وأما فيمن قد صلي عليه: فلمثل حديث السوداء المتقدم، ومعلوم أن الميت لا ~~يدفن في عصره [صلى الله عليه وسلم] بدون صلاة عليه. # وأما المانعون من الصلاة على القبر مطلقا: فأشف ما استدلوا به؛ ما روي ~~عنه [صلى الله عليه وسلم] في حديث السوداء المذكور، أنه قال: " إن هذه ~~القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم " (2) . # قالوا: فهذا يدل على اختصاصه [صلى الله عليه وسلم] بذلك. # وتعقب بأنه [صلى الله عليه وسلم] لم ينكر على من صلى معه على القبور، ولو ~~كان خاصا به لأنكر عليهم. ms227 # وأجيب عن هذا التعقب؛ بأن الذي يقع بالتبعية لا يصلح للاستدلال به على ~~الفعل أصالة. PageV01P450 # وأحسن ما يجاب به عن هذه الزيادة؛ بأنها مدرجة في هذا الحديث، كما بين ~~ذلك جماعة من أصحاب حماد بن زيد (1) . # على أنه يمكن الجواب بأن كون الله ينور القبور بصلاة رسوله [صلى الله ~~عليه وسلم] عليها لا ينفي مشروعية الصلاة من غيره تأسيا به، لا سيما بعد ~~قوله [صلى الله عليه وسلم] : " صلوا كما رأيتموني أصلي ". # قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " ردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه ~~من قوله: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها "، وهذا حديث صحيح، والذي ~~قاله هو الذي صلى على القبر، فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الآخر؛ ~~فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر، فهذه صلاة ~~الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان؛ بل فعلها في غير المسجد أفضل من ~~فعلها فيه، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه؛ فإنه ~~المقصود بالصلاة في الموضعين. # ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض، وبين كونه في بطنها؛ بخلاف سائر ~~الصلوات؛ فإنها لم تشرع في القبور، ولا إليها؛ لأنها ذريعة إلى اتخاذها ~~مساجد. # وقد لعن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من فعل ذلك، فأين ما لعن فاعله ~~وحذر منه، وأخبر أن أهله شرار الخلق - كما قال: " إن من شرار الناس من ~~تدركهم الساعة PageV01P451 # وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " - إلى ما فعله [صلى الله عليه ~~وسلم] مرارا متكررة؟ ! وبالله التوفيق ". # PageV01P452 # (5 - ### | المشي بالجنازة # ( [ ### | المشي بالجنازة سريعا # ] :) # (ويكون المشي بالجنازة سريعا) : لحديث أبي بكرة عند أحمد، والنسائي، وأبي ~~داود، والحاكم، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ؛ وإنا ~~لنكاد نرمل بالجنازة رملا (1) . # وأخرج البخاري في " تاريخه " (2) ، قال: أسرع النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~، حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ. # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " أسرعوا بالجنازة، ms228 فإن كانت صالحة؛ قربتموها إلى ~~الخير، وإن كان غير ذلك؛ فشر تضعونه عن رقابكم ". # وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسراع مستحب، وقال ابن حزم بوجوبه (3) . # وذهب بعض أهل العلم إلى أن المستحب التوسط؛ لحديث أبي موسى، قال: مرت ~~برسول الله [صلى الله عليه وسلم] جنازة تمخض مخض الزق، فقال رسول الله ~~PageV01P453 # [صلى الله عليه وسلم] : " عليكم القصد "؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة، ~~والبيهقي؛ وفي إسناده ضعف. # وأخرج الترمذي، وأبو داود من حديث ابن مسعود، قال: سألنا رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] عن المشي خلف الجنازة؟ فقال: " ما دون الخبب؛ فإن كان خيرا ~~عجلتموه، وإن كان شرا؛ فلا يبعد إلا أهل النار "؛ وفي إسناده مجهول (1) . # ولا يخفاك أن حديث أبي موسى لا يصلح للاحتجاج به، على فرض عدم وجود ما ~~يعارضه، فكيف وقد عارضه ما هو في " الصحيحين " بلفظ الأمر؟ ! # وأما حديث ابن مسعود فلا ينافي الإسراع، لأن الخبب هو ضرب من العدو، وما ~~دونه إسراع. # أقول: والحق هو القصد في المشي، فالأحاديث المصرحة بمشروعية الإسراع؛ ليس ~~المراد بها الإفراط في المشي الخارج عن حد الاعتدال، والأحاديث التي فيها ~~الإرشاد إلى القصد؛ ليس المراد بها الإفراط في البطء، فيجمع بين الأحاديث ~~بسلوك طريقة وسطى بين الإفراط والتفريط، يصدق عليها أنه إسراع بالنسبة إلى ~~الإفراط في البطء، وأنها قصد بالنسبة إلى الإفراط في الإسراع، فيكون ~~المشروع دون الخبب، وفوق المشي الذي يفعله من يمشي في غير مهم. # ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي، وأبو داود (2) عن ابن مسعود، قال: سألنا ~~رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # عن المشي خلف PageV01P454 # الجنازة؟ فقال: ما دون الخبب. # وقد ضعفه جماعة بأبي ماجد المذكور في إسناده، قيل: إنه مجهول، وقيل: منكر ~~الحديث، والراوي عنه يحيى الجابري؛ وهو ضعيف. # وأخرج أحمد، والنسائي، والحاكم عن أبي بكرة، قال: لقد رأيتنا مع رسول ~~الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا " (1) ؛ فمعنى: نكاد نرمل؛ أي: نقارب ~~الرمل. # ( [ ### | المشي مع الجنازة سنة # ] :) # (والمشي معها) سنة، وهو ظاهر لأنه ### | -[صلى الله ms229 عليه وسلم]- # كان يمشي مع الجنائز هو وأصحابه، كما يفيد ذلك الأحاديث المتقدمة في صفة ~~المشي، والأحاديث الآتية في التقدم والتأخر على الجنازة، ولحديث أبي هريرة ~~الثابت في " الصحيح ": " من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا ... " الحديث. # ( [ ### | حمل الجنازة سنة # ] :) # (والحمل لها سنة) : لحديث ابن مسعود، قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب ~~السرير كلها؛ فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع؛ أخرجه ابن ~~ماجة، وأبو داود الطيالسي، والبيهقي من رواية أبي عبيدة ابن عبد الله بن ~~مسعود عنه (2) . PageV01P455 # وفي الباب عن جماعة من الصحابة (1) ، والأحاديث يقوي بعضها بعضا، ولا ~~تقصر عن إفادة مشروعية الحمل. # ( [ ### | المتقدم على الجنازة والمتأخر عنها سواء # ] :) # (والمتقدم عليها والمتأخر عنها سواء) : لما ثبت في " صحيح مسلم " وغيره: ~~أن الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح (2) . # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وابن حبان - وصححه ~~أيضا -، والحاكم - وقال: على شرط البخاري (3) - من حديث المغيرة: أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها؛ قريبا منها؛ عن يمينها أو عن ~~يسارها ". # ولفظ أبي داود: " والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها ~~قريبا منها ". # وفي لفظ لأحمد، والنسائي، والترمذي: " الراكب خلف الجنازة، PageV01P456 # والماشي حيث شاء منها ". # وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان - وصححه - ~~من حديث ابن عمر: أنه رأى النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. # وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المشي أمام الجنازة أفضل، وبعضهم إلى أن ~~المشي خلفها أفضل. # أقول: فإذا لم يكن المشي أمام الجنازة أفضل: فأقل الأحوال أن يكون مساويا ~~للمشي خلفها في الفضيلة، ولم يأت حديث صحيح ولا حسن؛ أن المشي خلف الجنازة ~~أفضل، وأقوال الصحابة مختلفة، فالحق أن ذلك سواء. # ولا ينافيه رواية من روى أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # مشى أمامها أو خلفها؛ فذلك سواء؛ لأن المشي مع الجنازة إنما يكون أمامها ~~أو خلفها أو في جوانبها، وقد أرشد إلى ذلك النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كما تقدم، فكل مكان من الأمكنة ms230 المذكورة هو من جملة ما أرشد إليه. # قال في " الحجة ": " وهل يمشي أمام الجنازة أو خلفها؟ وهل يحملها أربعة ~~أو اثنان؟ وهل يسل من قبل رجليه، أو من القبلة؟ # المختار: أن الكل واسع، وأنه قد صح في الكل حديث أو أثر " (1) أه. # ( [ ### | الركوب مع الجنازة مكروه # ] :) # (ويكره الركوب) : لحديث ثوبان، قال: خرجنا مع رسول الله - PageV01P457 # [صلى الله عليه وسلم]- فرأى ناسا ركبانا، فقال: " ألا تستحيون؟ إن ملائكة ~~الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب "؛ أخرجه ابن ماجة، والترمذي (1) ~~. # وأخرج أبو داود (2) من حديث ثوبان - أيضا -: أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أتي بدابة وهو مع جنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة، فركب، ~~فقيل له؟ ! فقال: " إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ~~ذهبوا ركبت ". # وقد خرج ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # مع جنازة ابن الدحداح ماشيا، ورجع على فرس؛ كما في حديث جابر بن سمرة عند ~~الترمذي - وقال: صحيح -. # ولا يعارض الكراهة ما تقدم من قوله: " الراكب خلف الجنازة؛ لأنه يمكن أن ~~يكون ذلك لبيان الجواز مع الكراهة، أو المراد بأن كون الراكب خلفها ~~PageV01P458 # أن يكون بعيدا على وجه لا يكون في صورة من يمشي مع الجنازة. # ( [ ### | يحرم النعي على الميت # ] :) # (ويحرم النعي) : لحديث حذيفة عند أحمد، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -: ~~أن النبي [صلى الله عليه وسلم] نهى عن النعي (1) . # وحديث ابن مسعود، عن النبي [صلى الله عليه وسلم] : " إياكم والنعي؛ فإن ~~النعي عمل الجاهلية "؛ أخرجه الترمذي؛ وفي إسناده أبو حمزة ميمون الأعور، ~~وليس بالقوي. # وفي الباب أحاديث. # والذي في " الصحاح " و " القاموس " و " النهاية " وغيرها من كتب اللغة: ~~أن النعي: الإخبار بموت الميت، فظاهره تحريم ذلك، وإن لم يصحبه ما يستنكر ~~كما كانت تفعله الجاهلية من إرسال من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور ~~والأسواق. # ولكنه قد ثبت أنه [صلى الله عليه وسلم] نعى النجاشي للناس في اليوم الذي ~~مات فيه؛ أي: أخبرهم، وأخبر بقتلى مؤتة، وقال في السوداء التي كانت تقم ~~المسجد: " ألا أخبرتموني بموتها؟ ms231 ! "؛ فدلت هذه الأحاديث على جواز الإعلام ~~بمجرد الموت؛ لمن يحضر الغسل والتكفين والصلاة، والمنع منه لغير ذلك. ~~PageV01P459 # ( [ ### | تحرم النياحة على الميت # ] :) # (والنياحة) : لحديث: " من نيح عليه يعذب (1) بما نيح عليه "؛ وهو في " ~~الصحيحين " وغيرهما من حديث المغيرة. # وعلى النياحة تحمل الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وأن الميت يعذب ~~ببكاء أهله عليه. # وفي " صحيح مسلم " من حديث ابن عمر، عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، ~~قال: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ". # وأخرج أحمد، ومسلم من حديث أبي مالك الأشعري: " النائحة - إذا لم تتب قبل ~~موتها - تقام يوم القيامة؛ وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب ". # وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي موسى بلفظ: أنا بريء مما بريء منه ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ؛ فإن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بريء ~~من الصالقة (2) ، والحالقة، والشاقة ". PageV01P460 # أقول: الأحاديث في هذا الباب قد اختلفت، فمنها ما فيه الإذن بمطلق ~~البكاء، ومنها ما فيه النهي عن مطلق البكاء، ووردت أحاديث مصرحة بالنهي عن ~~النوح، كما تقدم بعض ذلك؛ ولم يأت ما يدل على جوازه. # واختلف الناس في الجمع بين الأحاديث، فالذي يترجح: الجزم بتحريم نفس ~~النوح؛ لأنه أمر زائد على البكاء. # وأما ما لا يستطاع دفعه من دمع العين، وما عجز الطبع عن كتمه من الصوت ~~فلا مانع منه، وعليه تحمل أحاديث الإذن بالبكاء، وفيها ما يرشد إلى هذا؛ ~~فليعلم. # ( [ ### | يحرم اتباع الجنازة بنار # ] :) # (واتباعها بنار، وشق الجيب، والدعاء بالويل والثبور) : لحديث أبي بردة، ~~قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت، فقال: لا تتبعوني بمجمر، قالوا: أو ~~سمعت فيه شيئا؟ ! قال: نعم، من رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ أخرجه ابن ماجة؛ وفي إسناده مجهول (1) . # وقد كان هذا الفعل من أفعال الجاهلية. # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن مسعود، أن النبي -[صلى الله عليه ~~وسلم] PageV01P461 # قال: " ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ". # ( [ ### | السنة أن لا يقعد المتبع للجنازة حتى توضع # ] :) # (ولا يقعد المتبع لها حتى توضع) : لحديث: ms232 " إذا رأيتم الجنازة فقوموا ~~لها، فمن اتبع؛ فلا يجلس حتى توضع "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ~~أبي سعيد. # وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة نحوه. # وقد وردت أحاديث صحيحة في القيام للجنازة إذا مرت بمن كان قاعدا، كحديث: ~~" إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، حتى تخلفكم أو توضع "؛ وهو في " الصحيحين ~~" وغيرهما من حديث ابن عمر وغيره. # وأخرج مسلم من حديث علي، قال: قام النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ يعني: في الجنازة؛ ثم قعد. # وفي رواية من حديثه، قال: كان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس؛ رواه أحمد، ~~وابن ماجة، وأبو داود، وابن حبان. # وأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار من حديث عبادة بن الصامت: ~~أن يهوديا قال - لما كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يقوم للجنازة -: هكذا ~~نفعل، فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " اجلسوا وخالفوهم "؛ وفي إسناده ~~بشر بن أبي رافع، وليس # PageV01P462 # بالقوي - كما قال الترمذي -، وقال البزار: تفرد به بشر وهو لين. # فأفاد ما ذكرناه: # ( [ ### | القيام للجنازة منسوخ # ] :) # (أن القيام لها) إذا مرت (منسوخ) ، وأما قيام الماشي خلفها حتى توضع على ~~الأرض: فمحكم لم ينسخ (1) . # قال القاضي عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي ~~هذا. # أقول: وهذا الحديث - بلفظ: ثم قعد -؛ لا يصلح لنسخ الأحاديث الصحيحة ~~المصرحة بأمره [صلى الله عليه وسلم] لنا بالقيام، وعلل ذلك بأن الموت فزع، ~~وقام لجنازة، فقيل: إنها جنازة يهودي! فقال: " أليست نفسا؟ " (2) ؛ فغاية ~~ما يدل عليه قعوده - من بعد - هو أن القيام ليس بواجب عليه، وقد تقرر في ~~الأصول أنه إذا فعل فعلا - لم يظهر منه التأسي به فيه، وكان ذلك مخالفا لما ~~قد أمر به الأمة أو نهاها عنه -؛ فإنه يكون مختصا به، ويبقى حكم الأمر أو ~~النهي للأمة على حاله (3) . PageV01P463 # ولفظ: أمرنا بالجلوس (1) ؛ إن بلغ إلى حد الاعتبار صلح للنسخ، ويؤيده ~~حديث عبادة بن الصامت المتقدم - وفيه ما تقدم -، والمقام عندي من المضايق. ~~PageV01P464 # (6 ms233 ### | - فصل: دفن الميت) # ( [ ### | مواراة الميت ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا # ] :) # (ويجب دفن الميت) ، أي: مواراة جيفته (في حفرة) قبر؛ بحيث لا تنبشه ~~السباع، و (تمنعه من السباع) ، ولا تخرجه السيول المعتادة. # ولا خلاف في ذلك، وهو ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا. # وقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " احفروا وأعمقوا وأحسنوا "؛ أخرجه ~~النسائي (1) ، والترمذي - وصححه -. ### | ( [جواز الضرح واللحد، مع أن اللحد أولى] :) # (ولا بأس بالضرح، واللحد أولى) : لأن اللحد أقرب من إكرام الميت، وإهالة ~~التراب على وجهه - من غير ضرورة - سوء أدب. # ودليله حديث: أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح، وأن أبا طلحة كان يلحد "، ~~وقد أخرجه ابن ماجة (2) من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف. PageV01P465 # وأخرج أحمد، وابن ماجة من حديث أنس، قال: لما توفي رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] كان رجل يلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، ~~فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا له "، وإسناده ~~حسن (1) . # فتقريره [صلى الله عليه وسلم] للرجلين في حياته 0 هذا يلحد وهذا يضرح -؛ ~~يدل على أن الكل جائز. # وأما أولوية اللحد: فلحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] : اللحد لنا والشق لغيرنا "؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وقد حسنه ~~الترمذي، وصححه ابن السكن؛ مع أن في إسناده عبد الأعلى بن عامر؛ وهو ضعيف. # وأخرج أحمد، والبزار، وابن ماجة من حديث جرير نحوه، وفيه عثمان ابن عمير؛ ~~وهو ضعيف (2) . # وقد ذهب إلى ذلك الأكثر. # وحكى النووي في " شرح مسلم " (3) اتفاق العلماء على جواز اللحد والشق. # وعلى كل حال: اللحد أولى للخروج من الريبة، وإن كان المقام مقام احتمال. ~~PageV01P466 # ( [ ### | كيف يدخل الميت في قبره # ؟] :) # (ويدخل الميت من مؤخر القبر) : لحديث عبد الله بن يزيد: أنه أدخل ميتا من ~~قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السنة؛ أخرجه أبو داود (1) # وأخرج ابن ماجة (2) من حديث أبي رافع، قال: سل رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] سعد بن معاذ سلا. # وقد روى الشافعي من حديث ابن عباس، وأبو بكر ms234 النجاد (3) من حديث ابن عمر: ~~أن النبي [صلى الله عليه وسلم] سل من قبل رأسه سلا. # وقد روى البيهقي من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وبريدة: أنهم أدخلوا ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] من جهة القبلة (4) ؛ وقد ضعفها البيهقي. # ولا يعارض السنة ما وقع من بعض الصحابة عند دفنه [صلى الله عليه وسلم] # ( [ ### | كيف يوضع الميت في قبره # ؟] :) # (ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلا) ؛ وهو مما لا أعلم فيه خلافا. ~~PageV01P467 # ( [ ### | يستحب لكل حاضر الحثو ثلاثا # ] :) # (ويستحب حثو التراب من كل من حضر ثلاث حثيات) : لحديث أبي هريرة: أن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه من ~~قبل رأسه ثلاثا؛ أخرجه ابن ماجة، وأبو داود؛ وإسناده صحيح، لا كما قال أبو ~~حاتم (1) { # وأخرج البزار، والدارقطني من حديث عامر بن ربيعة: أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] حثى على قبر عثمان بن مظعون - ثلاثا - (2) . # وفي الباب غير ذلك. # ( [ ### | لا يرفع القبر زيادة على شبر # ] :) # (ولا يرفع القبر زيادة على شبر) : لحديث علي عند مسلم، وأحمد، وأهل " ~~السنن ": أنه بعثه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] على أن لا يدع تمثالا ~~إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه. # وفي " مسلم " - أيضا - وغيره - من حديث جابر: أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] نهى أن يبنى على القبر. # وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي من حديث جعفر بن محمد، عن PageV01P468 # أبيه: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] رش على قبر ابنه إبراهيم، ووضع ~~عليه حصباء، ورفعه شبرا (1) . # أقول: الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور، وقد ثبت من حديث أبي ~~الهياج ما تقدم، فما صدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف - لغة -: فهو من ~~منكرات الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها؛ من غير فرق بين ~~نبي وغير نبي، وصالح وطالح، فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره [صلى ~~الله عليه وسلم] ، ولم يرفع قبورهم، بل أمر عليا بتسوية المشرف منها، ومات ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ولم يرفع قبره ms235 أصحابه، وكان من آخر قوله: " لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد "، ونهى أن يتخذوا قبره وثنا. # فما أحق الصلحاء والعلماء أن يكون شعارهم هو الشعار الذي أرشدهم إليه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وتخصيصهم بهذه البدعة المنهي عنها؛ تخصيص لهم بما لا يناسب العلم والفضل؛ ~~فإنهم لو تكلموا لضجوا من اتخاذ الأبنية على قبورهم وزخرفتها؛ PageV01P469 # لأنهم لا يرضون بأن يكون لهم شعار من مبتدعات الدين ومنهياته، فإن رضوا ~~بذلك في الحياة - كمن يوصي من بعده أن يجعل على قبره بناء، أو يزخرفه -؛ ~~فهو غير فاضل، والعالم يزجره علمه عن أن يكون على قبره ما هو مخالف لهدي ~~نبيه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # فما أقبح ما ابتدعه جهلة المسلمين من زخرفة القبور وتشييدها {وما أسرع ما ~~خالفوا وصية رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عند موته، فجعلوا قبره على هذه ~~الصفة التي هو عليها الآن} # وقد شد من عضد هذه البدعة؛ ما وقع من بعض الفقهاء من تسويغها لأهل الفضل، ~~حتى دونوها في كتب الهداية، والله المستعان { # ومثل هذا التسويغ: الكتب على القبور بعد ورود صريح النهي عن ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة (1) ؛ كأنه لم يكف الناس ابتداعهم في مطعمهم ومشربهم ~~وملبوسهم وسائر أمور دنياهم، فجعلوا على قبورهم شيئا من هذه البدع؛ لتنادي ~~عليهم بما كانوا عليه حال الحياة، وتغالوا في ذلك حتى جعلوه مختصا بأهل ~~العلم والفضل؛ اللهم غفرا} PageV01P470 # وما جعلوه وجها لرفع القبور - وهو تمييزها لأجل الزيارة -: فهذا ممكن ~~بوضع حجر على القبر، أو بوضع قضيب، أو نحو ذلك، لا بتشييد الأبنية، ورفع ~~الحيطان والقبب، وتزويق الظاهر والباطن. # ( [ ### | زيارة القبور مشروعة للرجال والنساء # ] :) # (والزيارة للموتى مشروعة) ، أي: زيارة القبور؛ لحديث: " كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه؛ فزوروها فإنها تذكر الآخرة ~~"، أخرجه الترمذي - وصححه -؛ وهو في " صحيح مسلم ". # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة بنحو ذلك. # وفي الباب أحاديث. # وقد قيل باختصاص ذلك بالرجال؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] لعن زوارات القبور؛ أخرجه ms236 أحمد، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -، وابن ~~حبان في " صحيحه ". # وفي الباب عن حسان بن ثابت عند أحمد، وابن ماجة، والحاكم. # وعن ابن عباس عند أحمد، وأهل " السنن "، والحاكم، والبزار؛ بإسناد فيه ~~صالح - مولى التوأمة -؛ وهو ضعيف. # وقد وردت أحاديث في نهي النساء عن اتباع الجنائز، وهي تقوي المنع من ~~الزيارة. # PageV01P471 # وروى الأثرم في " سننه "، والحاكم (1) من حديث عائشة: أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] رخص لهن في زيارة القبور. # وأخرج ابن ماجة عنها مختصرا: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] رخص في زيارة ~~القبور. # فيمكن أنها أرادت الترخيص الواقع في قوله [صلى الله عليه وسلم] : " ~~فزوروها "؛ كما سبق، فلا يكون في ذلك حجة؛ لأن الترخيص العام لا يعارض ~~النهي الخاص. # لكنه يؤيد ما روته عائشة: ما في " صحيح مسلم " عنها، أنها قالت: يا رسول ~~الله {كيف أقول إذا زرت القبور؟ قال: " قولي: السلام على أهل الديار من ~~المؤمنين ... " الحديث. # وروى الحاكم: أن فاطمة - رضي الله تعالى عنها - كانت تزور قبر عمها حمزة ~~كل جمعة (2) . # ويجمع بين الأدلة: بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح ~~ونحوه، والإذن لمن لم تفعل ذلك. PageV01P472 # أقول: استدلوا للجواز بأحاديث الإذن العام بالزيارة، وغير خاف على عارف ~~بالأصول؛ أن الأحاديث الواردة في النهي للنساء عن الزيارة، والتشديد في ~~ذلك، حتى لعن [صلى الله عليه وسلم] من فعلت ذلك؛ بل وردت أحاديث صحيحة في ~~نهيهن عن اتباع الجنائز (1) ، فزيارة القبور ممنوعة منهن بالأولى، وشدد في ~~ذلك حتى قال للبتول - رضي الله عنها -: " لو بلغت معهم - يعني: أهل الميت - ~~الكدى؛ ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " (2) ؛ فهذه الأحاديث مخصصة ~~لأحاديث الإذن العام بالزيارة. # لكنه يشكل على ذلك أحاديث أخر: # منها: حديث عائشة المتقدم: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] علمها كيف تقول ~~إذا زارت القبور (3) . # ومنها: ما أخرجه البخاري: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] مر بامرأة تبكي ~~على قبر، ولم ينكر عليها الزيارة. PageV01P473 # قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث؛ إنما هو ms237 للمكثرات من الزيارة؛ لما ~~تقتضيه الصيغة من المبالغة - يعني: لفظ " زوارات " -. # قال: ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج. # ( [ ### | كيف يقف الزائر للقبور # ؟] :) # (ويقف الزائر مستقبلا للقبلة) : لحديث: أنه جلس رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] مستقبل القبلة لما خرج إلى المقبرة؛ أخرجه أبو داود (1) من حديث ~~البراء، وهو [صلى الله عليه وسلم] خرج في هذا الحديث مع جنازة؛ فأفاد ~~مشروعية قعود من خرج مع الجنازة مستقبلا حتى يدفن، وكذلك مشروعية الاستقبال ~~للزائر؛ لكونه قد خرج إلى المقبرة كما يخرج من معه جنازة، وقعد كما يقعد. # ( [ ### | ماذا يقول الزائر للقبور # ؟] :) # وقد كان [صلى الله عليه وسلم] يقول عند الزيارة: " السلام عليكم أهل دار ~~قوم مؤمنين {وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية "؛ ~~فينبغي للزائر أن يقول كذلك. # وقال في " الحجة ": وفي رواية " السلام عليكم يا أهل القبور} يغفر الله ~~لنا ولكم، وأنتم سلفنا ونحن بالأثر (2) "؛ والله - تعالى - أعلم. ~~PageV01P474 # ( [ ### | يحرم اتخاذ القبور مساجد # ] :) # (ويحرم اتخاذ القبور مساجد) ، الأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة في " الصحيحين ~~" وغيرهما، ولها ألفاظ منها: # " لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". # وفي لفظ: " قاتل الله اليهود ... " الحديث. # وفي لفظ: " لا تتخذوا قبري مسجدا ". # وفي آخر: " لا تتخذوا قبري وثنا ". # واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة ~~عليها. (1) # وفي " مسلم ": " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، ولا عليها " (2) ~~. # قال البيضاوي: " وأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب ~~منه، لا لتعظيم له، ولا لتوجه نحوه: فلا يدخل في ذلك الوعيد " {انتهى. # وتعقبه في " سبل السلام " وقال: قوله: لا لتعظيم له} يقال: اتخاذ ~~PageV01P475 # المسجد بقربه، وقصد التبرك به تعظيم له، ثم أحاديث النهي مطلقة، ولا دليل ~~على التعليل بما ذكر، والظاهر أن العلة سد الذريعة، والبعد عن التشبه بعبدة ~~الأوثان التي تعظم الجمادات التي لا تسمع، ولا تنفع، ولا تضر، ولما في ~~إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، ms238 ولأنه سبب ~~لإيقاد السرج عليها، الملعون فاعله، ومفاسد ما بني على القبور من المشاهد ~~والقباب لا تحصر. # وقد أخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة عن ابن عباس: لعن رسول ~~الله ### | -[صلى الله عليه وسلم] زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (1) "؛ وقد حققنا ذلك في رسالة مستقلة. انتهى. # ( [ ### | يحرم زخرفة القبور # ] :) # (وزخرفتها) : لحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول ~~الله -[صلى الله عليه وسلم]-: " ما أمرت بتشييد المساجد "؛ أخرجه ~~أبو داود، وصححه ابن حبان. # قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (2) . # والتشييد: رفع البناء وتزيينه بالشيد، وهو الجص، والحديث ظاهر في ~~الكراهة، أو التحريم؛ لقول ابن عباس: كما زخرفت اليهود والنصارى؛ فإن ~~التشبه بهم محرم؛ وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا أن تكن الناس ~~PageV01P476 # من الحر والبرد، وتزيينه يشغل القلوب عن الإقبال على الطاعة، ويذهب ~~الخشوع الذي هو روح جسم العبادة، والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل! # قال المهدي في " البحر ": إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ولا ~~سكوت رضا - أي: من العلماء -؛ وإنما فعله أهل الدول الجبابرة، من غير ~~مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء من غير رضا. # وهو كلام حسن. # وفي قوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " ما أمرت ": إشعار بأنه لا يحسن؛ فإنه لو كان حسنا لأمره الله - تعالى ~~- به ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وأخرج البخاري من حديث ابن عمر: أن مسجده ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان على عهده مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه ~~أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، ~~وبنى جدرانه بالأحجار المنقشة، والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه ~~بالساج. # قال ابن بطال: وهذا يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو ~~في تحسينه، فقد كان عمر - رضي الله تعالى عنه - مع كثرة الفتوحات في أيامه، ~~وكثرة المال عنده؛ ms239 لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده؛ ~~لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم قال عند عمارته: أكن # PageV01P477 # الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، ثم كان عثمان المال ~~في زمنه أكثر، فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه. # وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك، وذلك في أواخر عصر الصحابة، ~~وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك؛ خوفا من الفتنة؛ فتأمل. # ( [ ### | يحرم تسريج القبور # ] :) # (وتسريجها) : لحديث: " لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وحسنه -، وفي ~~إسناده أبو صالح باذام، وفيه مقال. (1) # وأخرج أحمد، ومسلم، وأهل " السنن " عن جابر، قال: نهى النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. # وزاد الترمذي: وأن يكتب عليه، وأن يوطأ - وصححه -. # وأخرج النهي عن الكتابة - أيضا - النسائي. # وقال الحاكم: إن الكتابة - وإن لم يخرجها مسلم -: فهي على شرطه. # ( [ ### | يحرم القعود على القبور # ] :) # (والقعود عليها) : لما أخرجه مسلم، وأحمد، وأهل " السنن " من حديث ~~PageV01P478 # أبي هريرة، (1) قال: " لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى ~~جلده: خير له من أن يجلس على قبر ". (2) # وأخرج أحمد بإسناد صحيح، (3) عن عمرو بن حزم، قال: رآني رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # متكئا على قبر، فقال: " لا تؤذ صاحب هذا القبر ". # قال في " الحجة البالغة ": ومعنى: أن لا يقعد عليه؛ قيل: أن يلازمه ~~المزورون، وقيل: أن يطأوا القبور، وعلى هذا؛ فالمعنى إكرام الميت، فالحق ~~التوسط بين التعظيم الذي يقارب الشرك، وبين الإهانة وترك الموالاة به. # ( [ ### | يحرم سب الأموات # ] :) # (وسب الأموات) : لقوله [صلى الله عليه وسلم] : " لا تسبوا الأموات؛ فإنهم ~~قد أفضوا إلى ما قدموا "؛ أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة. # وأخرج أحمد، والنسائي من حديث ابن عباس: " لا تسبوا أمواتنا؛ فتؤذوا ~~أحياءنا "؛ وفي إسناده صالح بن نبهان؛ وهو ضعيف، ولكنه يشهد له ما ورد ~~بمعناه من حديث سهل بن سعد، والمغيرة (3) . PageV01P479 # أقول: أما ms240 السباب للأموات من الشافعين لهم، القائمين بالصلاة عليهم: فما ~~لهذا حمل الحاملون الجنازة إليهم؛ فإذا كان لا يستجيز الدعاء للميت، كمن ~~يكون - مثلا - معلوم النفاق؛ فيدعو المصلي لنفسه، ولسائر المسلمين إذا ~~ألجأته الضرورة إلى الصلاة عليه، و " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ~~"؛ و " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، طوبى لمن شغلته عيوبه عن عيوب الناس ~~(1) . # قال بعض المقصرين لرجل من أهل العلم: ألا تلعن فلانا؟ {قال: وهل تعبدنا ~~الله بذلك؟} قال: نعم، قال: فمتى عهدك بلعن الشيطان وفرعون؛ فإنهما من رؤوس ~~هذه الطائفة التي زعمت أن الله تعبدك بلعنها؟ قال: لا أدري {قال: لقد فرطت ~~فيما تعبدك الله به، وتركت ما هو أحق بما تفعل} فعرف ذلك المقصر خطأه (2) . # ( [ ### | التعزية مشروعة بألفاظ مأثورة # ] :) # (والتعزية مشروعة) : لحديث: " من عزى مصابا فله مثل أجره "، أخرجه ابن ~~ماجة، والترمذي، والحاكم من حديث ابن مسعود، وقد أنكر هذا الحديث على علي ~~بن عاصم (3) . PageV01P480 # وأخرج ابن ماجة من حديث عمرو بن حزم، عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة؛ إلا كساه الله - عز وجل - من حلل ~~الكرامة يوم القيامة "؛ ورجال إسناده ثقات (1) . # وأخرج الشافعي من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: لما توفي ~~رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وجاءت التعزية؛ سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من ~~كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب من حرم ~~الثواب "؛ وفي إسناده القاسم بن عبيد الله بن عمرو؛ وهو متروك (2) . # وأخرج البخاري، ومسلم من حديث أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] ، فأرسلت إليه إحدى بناته؛ تدعوه وتخبره أن صبيا لها - أو ~~ابنا لها - في الموت، فقال للرسول: " ارجع إليها، فأخبرها أن لله ما أخذ، ~~ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب ". # فينبغي التعزية بهذه الألفاظ الثابتة في " الصحيح "، ولا يعدل عنها إلى ~~PageV01P481 # غيرها (1) . # ( [ ### | إهداء الطعام لأهل ms241 الميت مشروع # ] :) # (وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت) : لحديث عبد الله بن جعفر، قال: لما جاء ~~نعي جعفر حين قتل؛ قال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " اصنعوا لآل جعفر ~~طعاما؛ فقد أتاهم ما يشغلهم "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ~~ماجة، وصححه ابن السكن، وحسنه الترمذي. (2) # وأخرج نحوه أحمد، والطبراني، وابن ماجة من حديث أسماء بنت عميس - أم عبد ~~الله بن جعفر -. # وأخرج أحمد، وابن ماجة بإسناد صحيح (3) من حديث جرير، قال: كنا نعد ~~الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. # ولا يعارض هذا ما قد ثبت (4) عن النبي -[صلى الله عليه وسلم] وشرف وكرم ~~-. PageV01P482 ### | (الكتاب الرابع: ### | كتاب الزكاة # ) # PageV01P483 # (4 - ### | كتاب الزكاة # ( [ ### | الزكاة ركن من أركان الإسلام # ] :) # وهي فريضة من فرائض الدين، وركن من أركانه، وضروري من ضرورياته؛ ولكنها ~~لا تجب إلا فيما أوجب فيه الشارع الزكاة من الأموال، وبينه للناس؛ فإن ذلك ~~هو بيان لمثل قوله: {خذ من أموالهم صدقة} و {آتوا الزكاة} ، كما بين للناس ~~قوله - تعالى -: {أقيموا الصلاة} ما شرعه الله - تعالى - من الصلوات التي ~~بينها رسول الله [صلى الله عليه وسلم] للناس. # قال الماتن: وقد توسع كثير من أهل العلم في إيجاب الزكاة في أموال لم ~~يوجب الله الزكاة فيها، بل صرح النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في بعض الأموال بعدم الوجوب، كقوله: " ليس على المرء في عبده ولا فرسه ~~صدقة ... " (1) . # وقد كان للصحابة أموال وجواهر، وتجارات وخضراوات، ولم يأمرهم ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بتزكية ذلك، ولا طلبها منهم، ولو كانت واجبة في شيء من ذلك؛ لبين للناس ~~ما نزل إليهم، فقد أوردنا في هذا المختصر ما تجب فيه، وأشرنا إلى أشياء من ~~الأموال التي لا زكاة فيها، مما قد جعله بعض أهل العلم من الأموال التي تجب ~~فيها الزكاة؛ كما ستسمع ذلك. ا. ه PageV01P485 # (تجب في الأموال التي ستأتي) - ببيانها عن قريب -. # واجتمعت الأمة على أن منع الزكاة كبيرة. # قال في " العالمكيرية ": " هي فريضة محكمة، يكفر جاحدها، ويقتل مانعها ". # قال مالك: الأمر عندنا: أن ms242 كل من منع فريضة من فرائض الله - تعالى -، فلم ~~يستطع المسلمون أخذها: كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه، وبلغه (1) أن ~~أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال: " لو منعوني عقالا لجاهدتهم ~~عليه "؛ كذا في " المسوى ". # ( [ ### | تجب الزكاة على المالك المكلف # ] :) # (إذا كان المالك مكلفا) : اعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من ~~يسمعها؛ فإذا راجع الإنصاف، ووقف حيث أوقفه الحق؛ علم أن هذا هو الحق. # وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام، ودعائمه وقوائمه، ولا خلاف أنه ~~لا يجب شيء من الأربعة الأركان - التي الزكاة خامستها - على غير مكلف، ~~فإيجاب الزكاة عليه؛ إن كان بدليل: فما هو؟ ! فما جاء عن الشارع في هذا شيء ~~مما تقوم به الحجة. # كما يروى عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : أنه أمر PageV01P486 # بالاتجار في أموال الأيتام؛ لئلا تأكلها الزكاة، فلم يصح ذلك في شيء ~~مرفوعا إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ؛ فليس مما تقوم به الحجة (1) . # ( [ ### | اختلاف الصحابة بوجوب الزكاة في مال اليتيم # ] :) # وأما ما روي عن بعض الصحابة: فلا حجة فيه أيضا، وقد عورض بمثله؛ كما روى ~~البيهقي (2) عن ابن مسعود قال: من ولي مال يتيم، فليحص عليه السنين، فإذا ~~رفع إليه ماله؛ أخبره بما فيه من الزكاة؛ فإن شاء زكى، وإن شاء ترك. # وروي نحو ذلك عن ابن عباس. # وإن قال قائل: إن الخطاب في الزكاة عام، كقوله: {خذ من أموالهم} ، ونحوه: ~~فذلك ممنوع، وليس الخطاب في ذلك إلا لمن يصلح له الخطاب، وهم المكلفون، ~~وأيضا؛ بقية الأركان - بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها ~~على من ليس بمكلف -: الخطابات بها عامة للناس، والصبي من جملة الناس، فلو ~~كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين؛ لكان العموم ~~في غيرها كذلك، وأنه باطل بالإجماع، وما استلزم الباطل باطل. # مع أن تمام الآية - أعني: قوله - تعالى -: {خذ من أموالهم صدقة} يدل على ~~عدم وجوبها على الصبي؛ وهو قوله: {تطهرهم وتزكيهم بها} ؛ فإنه لا معنى ~~لتطهير الصبي والمجنون، ms243 ولا لتزكيته، فما جعلوه مخصصا لغير المكلفين ~~PageV01P487 # في سائر الأركان الأربعة؛ لزمهم أن يجعلوه مخصصا في الركن الخامس - وهو ~~الزكاة -. # وبالجملة: فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة، لا يحللها إلا ~~التراضي، وطيبة النفس، أو ورود الشرع كالزكاة، والدية، والأرش، والشفعة، ~~ونحو ذلك، فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله - سيما من كان قلم التكليف ~~عنه مرفوعا -؛ فعليه البرهان. # والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع، حتى يزحزحه عنه الدليل. # ولم يوجب الله - تعالى - على ولي اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من ~~مالهما، ولا أمره بذلك، ولا سوغه له، بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع ~~التي تتصدع لها القلوب، وترجف لها الأفئدة. # ( [ ### | الراجح أن الكفار مخاطبون بجميع الشرعيات # ] :) # أقول: وأما اشتراط الإسلام: فالراجح أن الكفار مخاطبون بجميع الشرعيات، ~~لكنه منع صحتها منهم مانع الكفر، فليس الإسلام شرطا في الوجوب، بل الكفر ~~مانع عن الصحة، والمكلف مخاطب برفع الموانع التي لا يجزيء عنه ما وجب عليه ~~مع وجودها؛ فخذ هذه قاعدة كلية في كل باب من الأبواب التي يجعلون الإسلام ~~فيها شرطا للوجوب. # واما اشتراط الحرية: فلا ريب أن هذا الاشتراط؛ إنما يتم على قول من قال: ~~إن العبد لا يملك، وهي مسألة قد تعارضت فيها الأدلة بما لا يتسع المقام ~~لبسطه. # PageV01P488 # وهذه شرطية حقيقية عند القائل بعدم تملك العدم؛ لأنه لا يجب على العبد أن ~~يسعى في تحرير نفسه لتجب عليه الزكاة؛ لما تقرر أن تحصيل شرط الواجب ليجب: ~~لا يجب، فلا وجوب على العبد حال العبودية، بخلاف الكافر؛ فإن الوجوب ثابت ~~عليه في حال كفره، ولكنه لا تتم تأدية الواجب؛ إلا بإزالة المانع؛ وهو ~~الكفر، وما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه. # ومن ههنا يتبين لك الفرق بين هاتين القاعدتين: # فالاولى: تستعمل قبل وجوب ذلك الواجب على الشخص. # والثانية: بعد وجوبه عليه مع مانع يمنعه عنه. # ومما ينبغي أن يجعل شرطا في وجوب الزكاة: التكليف - كما فعل الماتن - ~~رحمه الله -، مع أنها مشروعة للتطهرة والتزكية؛ كما ms244 نطق بذلك القرآن، وهما ~~لا يكونان لغير المكلفين، فمن أوجب على الصبي زكاة في ماله - تمسكا ~~بالعمومات -؛ فليوجب عليه بقية الأركان الأربعة تمسكا بالعمومات! # وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة: {لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} ، " لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه "، ولا سيما أموال ~~اليتامى؛ فإن القوارع القرآنية، والزواجر الحديثية - فيها - أظهر من أن ~~تذكر، وأكثر من أن تحصر، فلا يأمن ولي اليتيم - إذا أخذ الزكاة من ماله - ~~من التبعة؛ لأنه أخذ شيئا لم يوجبه الله على المالك، ولا على الولي، ولا ~~على المال: # أما الأول: فلأن المفروض؛ أنه صبي لم يحصل له ما هو مناط التكاليف # PageV01P489 # الشرعية، وهو البلوغ. # وأما الثاني: فلأنه غير مالك للمال؛ والزكاة لا تجب على غير مالك. # وأما الثالث: فلأن التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإنساني، لا تجب ~~على دابة ولا جماد؛ والله أعلم. # PageV01P490 # (1 - ### | باب زكاة الحيوان # ( [ ### | تجب الزكاة في الأنواع الثلاثة من الحيوانات # ] :) # (إنما تجب منه في النعم) ، أي: الماشية، وهي في أكثر البلدان الإبل، ~~والبقر، والغنم، ويجمعها اسم الأنعام. # وأما الخيل فلا تكثر صرمها (1) ، ولا تناسل نسلا وافرا؛ إلا في أقطار ~~يسيرة، كتركستان؛ كذا في " الحجة ". # (وهي الإبل والبقر والغنم) : " فتؤخذ من كل صرمة من الإبل ناقة، ومن كل ~~قطيع من البقر بقرة، ومن كل ثلة من الغنم شاة مثلا، ثم يعرف كل واحد من هذه ~~بالمثال، والقسمة، والاستقراء؛ ليتخذ ذلك ذريعة إلى معرفة الحدود الجامعة ~~المانعة ... "؛ كذا في " الحجة ". # وكونها لا تجب في غير الثلاثة الأنواع من الحيوانات: فلأن الذي بين للناس ~~ما نزل إليهم لم يوجبها عليهم في غيرها. # وأما ما ورد من ذكر حق الله - تعالى - في الخيل؛ فالمراد به الجهاد. ~~PageV01P491 # (1 ### | - فصل: [نصاب الإبل] ) # (إذا بلغت الإبل خمسا ففيها شاة، ثم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا ~~وعشرين ففيها ابنة مخاض (1) أو ابن لبون (2) ، وفي ست وثلاثين ابنة لبون ~~(3) ، وفي ست وأربعين (4) حقة، وفي إحدى وستين جذعة (5) ، وفي ست وسبعين ~~بنتا لبون، وفي إحدى ms245 وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففي كل ~~أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة) . # ( [ ### | التفصيل في بيان نصاب الإبل # ] :) # هذا التفصيل في فرائض الصدقة؛ هو الثابت في حديث أنس: أن أبا بكر كتب لهم ~~أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # على المسلمين، ثم ذكر فيه ما يجب في كل عدد - كما في هذا المختصر -، ثم ~~قال فيه: فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات؛ فمن بلغت عنده صدقة ~~الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين، إن ~~استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ~~جذعة؛ فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين، ومن بلغت عنده ~~صدقة الحقة، وليست عنده، PageV01P492 # وعنده ابنة لبون، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين؛ إن استيسرتا له، أو ~~عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون، وليست عنده إلا حقة؛ فإنها ~~تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة ابنة ~~لبون، وليست عنده ابنة لبون، وعنده ابنة مخاض؛ فإنها تقبل منه، ويجعل معها ~~شاتين؛ إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، ~~وليس عنده إلا ابن لبون ذكر؛ فإنه يقبل منه، وليس معه شيء، ومن لم تكن معه ~~إلا أربع من الإبل؛ فليس شيء إلا أن يشاء ربها. # وقد أخرج هذا الحديث أحمد، والنسائي، وأبو داود. # وأخرجه - أيضا - البخاري مفرقا في " صحيحه ". # قال ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة، عمل به الصديق بحضرة العلماء، ولم ~~يخالفه أحد، وصححه ابن حبان وغيره. # وقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والدارقطني، والحاكم، ~~والبيهقي نحو ما اشتمل عليه المختصر من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، ~~قال: كان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قد كتب الصدقة، ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي، فأخرجها أبو بكر، فعمل ~~بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعده، فعمل بها، قال: فلقد هلك عمر يوم ms246 ~~هلك؛ وإن ذلك لمقرون بوصيته ... ثم ذكر الحديث. # قال في " الحجة ": وقد استفاض ذلك من رواية أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، ~~وعمرو بن حزم، وغيرهم، بل صار متواترا بين المسلمين. انتهى. # PageV01P493 # (2 ### | - فصل: نصاب البقر) # (ويجب في ثلاثين من البقر تبيع (1) أو تبيعة، وفي أربعين مسنة (2) ثم ~~كذلك (3)) : يدل على ذلك ما أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وابن حبان، ~~والحاكم - وصححاه - (4) من حديث معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل ~~أربعين مسنة، فإذا زادت على الأربعين؛ فلا شيء في الزائد، حتى يبلغ سبعين ~~وفيها تبيع ومسنة إلى ثمانين، وفيها مسنتان، ثم كذلك. # وقال ابن عبد البر في " الاستذكار ": لا خلاف بين العلماء أن السنة في ~~زكاة البقرة على ما في حديث معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه. # (3 ### | - فصل: [نصاب الغنم] ) # (ويجب في أربعين من الغنم شاة، إلى مائة وإحدى وعشرين وفيها شاتان، إلى ~~مائتين وواحدة وفيها ثلاث شياة، إلى ثلاثمائة وواحدة وفيها أربع، ثم في كل ~~مائة شاة) : هذا التفصيل هو الثابت في حديث أنس، وحديث ابن عمر - اللذين ~~تقدم تخريجهما في باب زكاة الإبل -، وقد وقع الإجماع على ذلك. PageV01P494 # (4 ### | - فصل: في الجمع والتفريق، والأوقاص) ### | ( [لا يجوز الجمع بين مفترق، ولا التفريق بين مجتمع] :) # (ولا يجمع بين مفترق من الأنعام ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) : لنهيه ~~[صلى الله عليه وسلم] عن ذلك، كما في كتاب أبي بكر المحكي عن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # وقد تقدمت الإشارة إليه -، وكذلك في حديث ابن عمر حاكيا لكتاب رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في ذلك، كما سبقت الإشارة إليه، وكذلك وقع التصريح بالنهي عن ذلك في غير ~~الحديثين المذكورين؛ فإن فيه النهي كذلك. # ومعنى التفريق بين مجتمع؛ أن يكون لثلاثة أنفار - لكل واحد أربعون شاة - ~~فإذا لم يجمعوها كان على كل واحد شاة، وإذا جمعوها لم يجب فيها إلا شاة. # وصورة الجمع بين مفترق، ms247 أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة، فيكون عليهما ~~فيها ثلاث شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، ~~ونحو ذلك من الصور. # وهذا على اعتبار المسرح والمراح والخلطة، وإن اختلف المالكون، كما دلت ~~على ذلك الأدلة. # ( [ ### | لا شيء فيما دون النصاب # ] :) # (ولا شيء فيما دون الفريضة) ، ولا خلاف في ذلك (ولا في الأوقاص) ؛ # PageV01P495 # وهي ما بين الفريضتين، فلا خلاف في ذلك أيضا؛ إلا في رواية عن أبي حنيفة. # وفي حديث معاذ عند أحمد وغيره: أن الأوقاص لا فريضة فيها. # ( [ ### | تراجع الخليطين بالسوية # ] :) # (وما كان من خليطين فيتراجعان بالسوية) : لما وقع في الكتابين المذكورين ~~من قوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " وما كان من خليطين؛ فإنهما يتراجعان بالسوية ". # والمراد: أنهما إذا خلطا ما يملكانه من المواشي فبلغت النصاب؛ أخرجا زكاة ~~تلك الماشية المخلوطة، وكان على كل واحد بحساب ماشيته. # وصورة ذلك: أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة، فيأخذ المصدق - من ~~الأربعين - شاة من ملك أحدهما، فيرجع على صاحبه بنصف قيمتها. # وهذا على أن مجرد خلط الشريكين بملكيهما يصيرهما بمنزلة الماشية المملوكة ~~لرجل واحد، وهو الحق كما دلت على ذلك الأدلة. # ( [ ### | الأنواع التي نهي المصدق عن أخذها # ] :) # (ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار ولا عيب ولا صغيرة ولا أكولة ولا ربى ولا ~~ماخض، ولا فحل غنم) : لما في كتاب أبي بكر بلفظ: " ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ~~ولا ذات عوار ولا تيس ". # وفي كتاب عمر المحكي عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # PageV01P496 # " لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب ". # وفي حديث عبد الله بن معاوية الغاضري - مرفوعا - بلفظ: " ولا تعطي ~~الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط (1) اللئيمة، ولكن من أوسط ~~أموالكم "؛ أخرجه أبو داود، والطبراني بإسناد جيد. # وأخرج مالك في " الموطأ "، والشافعي عن سفيان بن عبد الله الثقفي: أن عمر ~~بن الخطاب نهى المصدق أن يأخذ الأكولة، والربى، والماخض، وفحل الغنم. # وقد روى ذلك عن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ابن أبي شيبة في " مسنده ". # والهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها. # وذات ms248 العوار: - بفتح العين المهملة وضمها -؛ قيل: هي العوراء، وقيل: هي ~~المعيبة. # وقد شمل قوله: " ولا عيب " كل ما فيه عيب يعد عند العارفين بالمواشي ~~نقصا؛ فإنه لا يخرج في الصدقة، فتدخل في ذلك الدرنة - بفتح الدال المهملة ~~مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون -؛ وهي: الجرباء. # والشرط اللئيمة: هي صغار المال وشراره. PageV01P497 # واللئيمة: البخيلة باللبن وغيرها. # وأما الأكولة: فهي - بفتح الهمزة وضم الكاف -؛ العاقر من الشاة. # والربى: - بضم الراء وتشديد الباء الموحدة -؛ الشاة التي تربى في البيت ~~للبنها. # والماخض: الحامل (1) . # وفحل الغنم: هو الذي ينزو عليها؛ لأن المالك يحتاج إليه، وإن لم يكن من ~~الخيار. PageV01P498 # (2 - ### | باب زكاة الذهب والفضة # ( [ ### | النصاب والحول شرطان لوجوب زكاة الذهب والفضة # ] :) # لا خلاف في وجوب الزكاة في الذهب ولا الفضة مع النصاب والحول، ولهذا قال ~~الماتن - رحمه الله -: # (إذا حال على أحدهما الحول ربع العشر) ؛ وذلك لأن الكنوز أنفس المال، ~~يتضررون بإنفاق المقدار الكثير منها، فمن حق زكاته أن يكون أخف الزكوات، ~~والذهب محمول على الفضة. # (نصاب الذهب عشرون دينارا، ونصاب الفضة مائتا درهم) : لحديث علي، قال: ~~قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة؛ من كل أربعين ~~درهما درهما، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين؛ ففيهما خمسة ~~دراهم "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. # وفي لفظ: " وليس فيما دون المائتين زكاة "؛ وفي إسناده مقال، وقد حسنه ~~ابن حجر، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه (1) . # وأخرج أحمد، ومسلم من حديث جابر، قال: قال رسول الله - PageV01P499 # [صلى الله عليه وسلم]-: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس ~~فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمس أوسق من التمر صدقة ". # وأخرجه أحمد، والبخاري من حديث أبي سعيد. # وأخرج أبو داود من حديث علي، قال: إذا كان لك مائتا درهم، وحال عليها ~~الحول؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني: في الذهب -، حتى يكون لك ~~عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا، وحال عليها ms249 الحول؛ ففيها نصف ~~دينار "؛ وفي إسناده مقال، ولكنه حسنه الحافظ ابن حجر، ونقل الترمذي عن ~~البخاري تصحيحه - كالحديث الأول - (1) . # وقد وقع الإجماع على أن نصاب الفضة مئتا درهم، ولم يخالف في ذلك إلا ابن ~~حبيب الأندلسي، والخمس الأواقي المذكورة في الحديث: هي مئتا درهم؛ لأن وزن ~~كل أوقية أربعون درهما. # وذهب إلى أن نصاب الذهب عشرون دينارا الجمهور. # وقد روي عن الحسن وطاوس ما يخالف ذلك؛ وهو مردود. # وذهب إلى اعتبار الحول الأكثر. # وذهب ابن عباس، وابن مسعود، وداود إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد ~~نصابا أن يزكيه في الحال؛ تمسكا بما دل على مطلب الوجوب؛ وهو PageV01P500 # إهمال للقيد. # ( [ ### | الأدلة في زكاة الحلي متعارضة # ] :) # (ولا شيء فيما دون ذلك) : قال في " الحجة ": " وهل في الحلي زكاة؟ ~~الأحاديث فيه متعارضة، وإطلاق الكنز عليه بعيد، ومعنى الكنز حاصل، والخروج ~~من الاختلاف أحوط ". # وفي " الموطأ " (1) : كانت عائشة تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن ~~الحلي؛ فلا تخرج من حليهن الزكاة. # قال مالك: من كان عنده تبر أو حلي - من ذهب أو فضة - لا ينتفع به للبس؛ ~~فإن عليه فيه الزكاة في كل عام، بوزن فيؤخذ ربع عشره؛ إلا أن ينقص من وزن ~~عشرين دينارا عينا، أو مئتي درهم، فإن نقص من ذلك؛ فليس فيه زكاة. # وإنما تكون الزكاة إذا كان إنما يمسكه لغير اللبس، فأما التبر والحلي ~~المكسور، الذي يريد أهله صلاحه ولبسه؛ فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون ~~عند أهله، فليس على اهله فيه زكاة (2) . # قال مالك: ليس في اللؤلؤ، ولا في المسك، ولا في العنبر زكاة. PageV01P501 # قلت: قال به الشافعي في أظهر قوليه، وخصه بالمباح. # وأما المحظور - كالأواني وكالسوار والخلخال للرجل -: فتجب فيه الزكاة بكل ~~حال. # وعند الحنفية: تجب في الحلي إذا كان من ذهب أو فضة، دون اللؤلؤ ونحوه. # ( [ ### | لا تجب الزكاة في الجواهر # ] :) # (ولا زكاة في غيرهما من الجواهر) كالدر، والياقوت، والزمرد، والألماس (1) ~~واللؤلؤ، والمرجان ونحوها؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، والبراءة الأصلية ~~مستصحبة، وقد تقدم في ms250 أول كتاب الزكاة ما يفيد هذا. # أقول: ليس من الورع ولا من الفقه؛ أن يوجب الإنسان على العباد ما لم ~~يوجبه الله عليهم؛ بل ذلك من الغلو المحض، والاستدلال بمثل: {خذ من أموالهم ~~صدقة} ؛ يستلزم وجوب الزكاة في كل جنس من أجناس ما يصدق عليه اسم المال، ~~ومنه الحديد، والنحاس، والرصاص، والثياب، والفراش، والحجر، والمدر، وكل ما ~~يقال له: مال؛ على فرض أنه ليس من أموال التجارة، ولم يقل بذلك أحد من ~~المسلمين، وليس ذلك لورود أدلة تخصص الأموال المذكورة من عموم: {خذ من ~~أموالهم} ، حتى يقول قائل: إنها تجب زكاة؛ ما لم يخصه دليل؛ لبقائه تحت ~~العموم، بل الذي شرع الله فيه الزكاة من أموال عباده؛ هو أموال مخصوصة، ~~وأجناس معلومة، ولم يوجب عليهم PageV01P502 # الزكاة في غيرها. # فالواجب حمل الإضافة في الآية الكريمة على العهد؛ لما تقرر في علم الأصول ~~والنحو والبيان: أن الإضافة تنقسم إلى الأقسام التي تنقسم إليها اللام، ومن ~~جملة أقسام اللام: العهد، بل قال المحقق الرضي: إنه الأصل في اللام. # إذا تقرر هذا: فالجواهر، واللآليء، والدر، والياقوت، والزمرد، والعقيق، ~~واليسر، وسائر ما له نفاسة وارتفاع قيمة: لا وجه لإيجاب الزكاة فيه، ~~والتعليل للوجوب بمجرد النفاسة؛ ليس عليه أثارة من علم {ولو كان ذلك صحيحا؛ ~~لكان في المصنوعات من الحديد - كالسيوف والبنادق ونحوها -، ما هو أنفس ~~وأعلى ثمنا، ويلحق بذلك الصين، والبلور، واليشم، وما يتعسر الإحاطة به من ~~الأشياء التي فيها نفاسة، وللناس إليها رغبة. # فما أحسن الإنصاف والوقوف على الحد الذي رسمه الشارع، وإراحة الناس من ~~هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان} # على أن الآية التي أوقعت كثيرا من الناس في إيجاب الزكاة فيما لم يوجبه ~~الله - وهي {خذ من أموالهم} - قد ذكر أئمة التفسير؛ أنها في صدقة النفل، ~~وليست في صدقة الفرض التي نحن بصددها. # ( [ ### | حكم الزكاة في أموال التجارة # ] :) # (وأموال التجارة) لما قدمنا من عدم قيام دليل يدل على ذلك، وقد كانت ~~التجارة في عصره ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قائمة في ms251 أنواع مما يتجر # PageV01P503 # به، ولم ينقل عنه ما يفيد ذلك. # وأما ما أخرجه أبو داود، والدارقطني، والبزار من حديث جابر بن سمرة قال: ~~كان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يأمرنا بأن نخرج الزكاة فيما نعد ": فقال ابن حجر في " التلخيص ": إن في ~~إسناده جهالة. # وأما ما رواه الحاكم، والدارقطني عن عمران - مرفوعا - بلفظ: " في الإبل ~~صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته " - بالزاي المعجمة (1) - فقد ~~ضعف الحافظ في " الفتح " جميع طرقه، وقال في واحدة منها: هذا إسناد لا بأس ~~به. # ولا يخفاك أن مثل هذا لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها ~~البلوى. # على أنه قد قال ابن دقيق العيد: إن الذي رآه في " المستدرك " في هذا ~~الحديث: " البر " - بضم الباء الموحدة وبالراء المهملة -، قال: والدارقطني ~~رواه بالزاي، لكن من طريق ضعيفة، وهذا مما يوجب الاحتمال، فلا يتم ~~الاستدلال، فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح إسناد هذا الحديث - كما قال المحلي ~~في " شرح المنهاج " -؛ لكان مجرد الاحتمال مسقطا للاستدلال، فكيف إذا قد ~~عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم؛ مع تأخر عصرهم عنه ~~واستدراكهم عليه؟ ! PageV01P504 # ويؤيد عدم الوجوب: ما ثبت عنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # في " الصحيح " من حديث أبي هريرة: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا ~~فرسه "؛ وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال. # وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة، وهذا النقل ليس بصحيح، ~~فأول من يخالف في ذلك الظاهرية، وهم فرقة من فرق الإسلام. # أقول: وأما الاستدلال بقوله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " وأما خالد؛ فقد حبس أدراعه وأعتده (1) في سبيل الله ": فلا تقوم به ~~الحجة؛ إلا إذا كانت المطالبة له بزكاة ذلك الذي حبسه مع كونه للتجارة، ~~فعرفهم النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنها قد صارت محبسة، وأنه لا زكاة فيها بعد التحبيس، وليس الأمر كذلك، بل ~~الظاهر أنهم لما أخبروا النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # بأن خالدا امتنع من الزكاة رد عليهم بذلك. # والمراد: أن من بلغ في التقرب إلى الله إلى ms252 هذا الحد - وهو تحبيس أدراعه ~~وأعتده -؛ يبعد كل البعد أن يمتنع من تأدية ما أوجبه الله عليه من الزكاة، ~~مع كونه قد تقرب بما لا يجب عليه، فلا يكون في ذلك دليل على وجوب زكاة ~~التجارة. # وأما الاستدلال بقول عمر (2) ؛ فهو (3) ممن لا يقول بحجية قول ~~PageV01P505 # الصحابي، ولكنه إذا وافق قول الصحابي ما يعتقده؛ ضم إليه دعوى الإجماع ~~السكوتي مجازفة. # إذا تقرر هذا: علمت أنه لا دليل يدل على وجوب زكاة التجارة، والبراءة ~~الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها. # وأما ما حكاه ابن المنذر من الإجماع على زكاة التجارة: فلا أدري كيف ~~تجاسر على هذا؟ ولو سلمناه لما قامت به حجة؛ إلا على من يقول بحجية ~~الإجماع. # وقد عرفت ما هو الصواب في هذا الباب في كتابنا " حصول المأمول من علم ~~الأصول " (1) . # وقد حقق الماتن - رحمه الله - المقام في كتابه " إرشاد الفحول إلى تحقيق ~~الحق من علم الأصول "؛ فليراجع. # ( [ ### | لا تجب الزكاة في المستغلات # ] :) # (والمستغلات) : كالدور التي يكريها مالكها، وكذلك الدواب ونحوها؛ لعدم ~~الدليل - كما قدمنا -، وأيضا حديث: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه ~~"؛ يتناول هذه الحالة، أعني: حالة استغلالهما بالكراء لهما، وإن كان لا ~~حاجة إلى الاستدلال؛ بل القيام مقام المنع يكفي. # أقول: هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة؛ ~~PageV01P506 # باعتبار ما لهم من المناقب (1) ؛ فإن إيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال ~~التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق - كالدور، والعقار، والدواب ونحوها - بمجرد ~~تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها - مما لم يسمع به في الصدر الأول ~~الذين هم خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فضلا أن يسمع فيه ~~بدليل من كتاب أو سنة، وقد كانوا يستأجرون، ويؤجرون، ويقبضون الأجرة من ~~دورهم وضياعهم ودوابهم، ولم يخطر ببال أحدهم أنه يخرج في رأس الحول ربع عشر ~~قيمة داره أو عقاره أو دوابه {وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاق، ~~حتى كان آخر القرن الثالث، من أهل المئة الثالثة، فقال بذلك من قال ms253 بدون ~~دليل؛ إلا مجرد القياس على أموال التجارة، وقد عرفت الكلام في الأصل؛ فكيف ~~يقوم الظل والعود أعوج؟} # مع أن هذا القياس في نفسه مختل بوجوه؛ منها: وجود الفارق بين الأصل ~~والفرع؛ فإن الانتفاع بالمنفعة ليس كالانتفاع بالعين. # وأما العمومات التي أوردوها؛ فهي عن الدلالة على المطلوب بمراحل، والأمر ~~أوضح من أن تستغرق الأوقات في إبطاله ودفعه. # وأما ما زعموه من أن الموجب أولى من المسقط: فذلك - على عدم تسليمه - ~~إنما هو بعد الاتفاق على أن الموجب والمسقط اجتمعا في أمر قد قضى الشرع ~~بالوجوب في أصله، والأمر ههنا بالعكس؛ فإن الشرع لم يوجب في أعيان الدور ~~والعقار - التي هي أصل الاستغلال - شيئا، ثم أين هذا الموجب؟ وما هو؟ ~~PageV01P507 # (3 - ### | باب زكاة النبات # ( [ ### | تجب الزكاة في الأصناف الخمسة من النبات # ] :) # (يجب العشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب) : وجوب الزكاة من ~~هذه الأجناس، لشمول الأدلة الصحيحة لها، وللتنصيص عليها في حديث أبي موسى ~~ومعاذ، حين بعثهما ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # إلى اليمن، يعلمان الناس أمر دينهم، فقال: " لا تأخذا الصدقة إلا من هذه ~~الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر "، أخرجه الحاكم، والبيهقي (1) ~~، والطبراني. # قال البيهقي: رواته ثقات؛ وهو متصل. # وأخرج الطبراني عن عمر، قال: إنما سن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~الزكاة في هذه الأربعة ... فذكرها. # وأخرج ابن ماجه، والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ~~بلفظ: إنما سن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب - زاد ابن ماجه -، والذرة؛ ~~وفي PageV01P508 # إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي (1) ؛ وهو متروك. # وأخرج البيهقي من طريق مجاهد، قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # إلا في خمسة ... فذكرها (2) . # وأخرج أيضا من طريق الحسن، فقال: لم يفرض الصدقة النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] إلا في عشرة ... فذكر الخمسة المذكورة، والإبل، والبقر، والغنم، ~~والذهب، والفضة. # وأخرج أيضا عن الشعبي، أنه قال: كتب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى ~~أهل اليمن: " إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، ms254 والتمر، والزبيب "؛ قال ~~البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة، وهي يؤكد بعضها بعضا، ومعها حديث أبي ~~موسى، ومعها قول عمر، وعلي، وعائشة: ليس في الخضروات زكاة (3) . انتهى. ### | ( [ما سقت السماء ففيه العشر، وما سقي بالمسني فنصف العشر] :) # (وما كان يسقى بالمسني منها ففيه نصف العشر) : وجهه حديث جابر، عن النبي ~~PageV01P509 # [صلى الله عليه وسلم] ، قال: " فيما سقت الأنهار والغيم عشر، وفيما سقي ~~(1) بالسانية نصف العشر "؛ رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، قال (2) ~~: " الأنهار والعيون ". # وأخرج البخاري، وأحمد، وأهل " السنن " من حديث ابن عمر، أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " فيما سقت السماء والعيون - أو كان عثريا - العشر، وفيما يسقى ~~بالنضح نصف العشر "؛ فإن الذي هو أقل تعانيا وأكثر ريعا أحق بزيادة ~~الضريبة، والذي هو أكثر تعانيا وأقل ريعا أحق بتخفيفها. # والعثري - بفتح العين المهملة والمثلثة وكسر الراء المهملة -: هو الذي ~~يشرب بعروقه، وقيل: الذي في سواقي العيون ونحوها. # والحق وجوب الزكاة من العين، ولا يسوغ إخراج القيمة إلا لعذر مسوع، ~~لحديث: " خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من ~~البقر "؛ أخرجه أبو داود، والحاكم - وصححه على شرط الشيخين (3) - ~~PageV01P510 # وأما قول معاذ؛ فهو فعل صحابي لا حجة فيه، على أنه منقطع كما صرح بذلك ~~الحفاظ (1) . # وأما الاعتذار عن الحديث بأنه لا ظاهر له؛ فهذه إحدى العصي التي يتوكأ ~~عليها المقلدة! # ( [ ### | نصاب النبات خمسة أوسق # ] :) # (ونصابها خمسة أوسق) : لحديث أبي سعيد في " الصحيحين " وغيرهما عن النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ". # وفي رواية لأحمد، وابن ماجه (2) : # أن النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " الوسق ستون صاعا ". # وفي رواية لأحمد، وأبي داود: " الوسق ستون مختوما " (3) . # قال في " الحجة البالغة ": " وإنما قدر من الحب والتمر خمسة أوسق؛ ~~PageV01P511 # لأنها تكفي أهل بيت إلى سنة، وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة، وثالث - ~~خادم أو ولد بينهما -، وما يضاهي ذلك من أقل البيوت، وغالب قوت الإنسان ~~رطل، أو مد من الطعام، فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار؛ كفاهم ms255 لسنة، ~~وبقيت بقية لنوائبهم أو إدامهم " انتهى. # قال ابن القيم (1) : " وقد ردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير ~~نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله: " فيما سقت السماء العشر، وما ~~سقي بنضح أو غرب (2) ؛ فنصف العشر "، قالوا: وهذا يعم القليل والكثير، وقد ~~عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قدم الأحوط وهو ~~الوجوب {فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر ~~وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة الرسول فرض في هذا وفي هذا، ولا تعارض ~~بينهما بحمد الله - تعالى - بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: " فيما سقت السماء ~~العشر "، إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، ~~فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب. # وأما مقدار النصاب؛ فسكت عنه في هذا الحديث، وبينه نصا في الحديث الآخر، ~~فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم - الذي لا يحتمل غير ما أول ~~عليه البتة - إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم، لم ~~يقصدوا بيانه بالخاص المحكم المبين، كبيان سائر العمومات بما يخصها من ~~النصوص؟} ". انتهى. PageV01P512 # أقول: الأحاديث القاضية بإيجاب العشر أو نصف العشر تقتضي التسوية بين ~~القليل والكثير. # وأحاديث: " لا زكاة فيما دون خمسة أوسق " تقتضي اختصاص الوجوب بمقدار ~~معلوم، هو الخمسة الأوسق، وعدم الوجوب فيما دونها. # فالأحاديث الأولة (1) عامة لقليل ما أخرجت الأرض من الأنواع المخصوصة ~~ولكثيره، والأحاديث الثانية خاصة ببعض ذلك الخارج دون بعض، مصرحة بنفي ~~الوجوب عن دون الخمسة الأوسق بمنطوقها، مثبتة لوجوبها في الخمسة فصاعدا ~~بمفهومها، وهي أحاديث صحيحة، فإهمالها - مع كونها خاصة، والرجوع إلى العامة ~~- خارج عن سنن الإنصاف، ولم يكن بيد من أهملها شيء يدفعها؛ إلا مجرد تكليف ~~العباد بما هو أشق الشكوك، كشكوك الموسوسين في الطهارة. # وهذا رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة، ولا ~~فيما دون خمس ذود صدقة "؛ ثبت هذا عنه في حديث واحد، فكان على من أوجب ~~الزكاة فيما دون خمسة أوسق ms256 أن يوجبها فيما دون خمس أواق وخمس ذود؛ بل ~~يوجبها فيما دون الأربعين من الغنم، والثلاثين من البقر، تمسكا بالعمومات ~~القاضية بوجوب أصل الزكاة في الأموال، فإنه لا فرق بينها وبين حديث: ~~PageV01P513 # " فيما أخرجت الأرض العشر " (1) ، وليست المكيلات بالشك أولى من غيرها، ~~والله المستعان. # وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما ~~أخرجت الأرض (2) ، والمقام وإن كان حقيقا بأن يقع الإجماع عليه، لكن الخلاف ~~لجماعة من العلماء أشهر من نار على علم، وكيف خفي على ابن المنذر مذهب أبي ~~حنيفة - رحمه الله -، وهو متداول عند جميع أهل المذاهب، حتى قال ابن العربي ~~المالكي: " إن أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين مذهب أبي حنيفة، وهو التمسك ~~بالعموم "؟ {انتهى. # وهذه غفلة من مثل هذا الحافظ، ناشئة عن الوسوسة التي قدمنا لك ذكرها، فإن ~~الشارع أشفق بفقراء أمته من كل أحد، وأي قوة وأحوطية في شيء مخالف لنصه ~~الصريح} ؟ # وكيف يخفى على عالم أن هذه - الشفقة التي هي المستندة لهذه المقالة - ~~مستلزمة لظلم الأغنياء وأخذ أموالهم بدون طيبة من أنفسهم وأكلها بالباطل، ~~وسيوف السلاطين تابعة لأقلام العلماء، فإذا أجبروا أهل الأموال على تسليم ~~زكاة دون الخمسة الأوسق استنادا إلى قول من قال بذلك بمجرد الشك، والشفقة ~~على الفقراء لا لما يقتضيه الاجتهاد؛ فهم شركاء في هذه المظلمة، التي هي ~~محض أكل أموال الناس بالباطل. # وما أحسن الوقوف على الحدود الشرعية، والمشي على الطريقة النبوية! ~~PageV01P514 # فذلك هو الورع الخالص، وخير الهدي هدي محمد ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ( [ ### | لا زكاة في الرقيق ولا في الخيل والبغال والحمر # ] :) # (ولا شيء فيما عدا ذلك) ؛ قال المجد في " الصراط المستقيم ": " ولم يكن ~~من العادة النبوية أخذ الزكاة من الخيل، والرقيق، والبغال، والحمر، ~~والبقول، والبطيخ، والخيار، والعسل، والفواكه التي لا تدخل المكيال ولا ~~تصلح للادخار؛ إلا الرطب والعنب، فإنه كان يأخذ الزكاة منهما، لا يفرق بين ~~الرطب واليابس ". انتهى. # ( [ ### | لا زكاة في الخضراوات # ] :) # (كالخضراوات وغيرها) : حديث الخضراوات أخرجه الدارقطني، والحاكم، والأثرم ~~في " سننه ": أن عطاء ms257 بن السائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ ~~صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات، فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك، ~~إن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # كان يقول: " ليس في ذلك صدقة "؛ وهو مرسل قوي (1) . # وقد أخرجه الدارقطني، والحاكم من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه ~~موسى بن طلحة، عن معاذ؛ بلفظ: وأما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقصب؛ فعفو ~~عفا عنه رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # . PageV01P515 # قال الحافظ: وفيه ضعف وانقطاع (1) . # وروى الترمذي بعضه من حديث موسى بن طلحة، عن معاذ. # وقد رواه ابن عدي من وجه آخر عن أنس. # والدارقطني من حديث علي، ومن حديث محمد بن جحش، ومن حديث عائشة. # ورواه أيضا البيهقي عن علي وعمر موقوفا. # [و] في طرق حديث الخضروات مقال، لكنه روي من طرق كثيرة يشهد بعضها لبعض؛ ~~فينتهض للاحتجاج به، وإذا انضم إلى ما تقدم في وجوب الزكاة في تلك الأجناس ~~الأربعة، أو الخمسة؛ انتهض الجميع للاحتجاج بلا شك ولا شبهة. # وقد رويت تلك الروايات بلفظ الحصر على تلك الأجناس كما سبق، وكان ذلك هو ~~البيان منه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لما أنزله الله - تعالى -، فلا تجب في غير ذلك من النباتات. # وقد ذهب إلى ذلك الحسن البصري، والحسن بن صالح، والثوري، والشعبي. # وأيضا: يمكن الجمع بطريق أخرى، وهي: أن هذه الأدلة المذكورة هنا مخصصة ~~لعمومات القرآن والسنة، وذلك واضح، ولا يصح جعل ذلك من PageV01P516 # باب التنصيص على بعض أفراد العام؛ لما في ذلك من الحصر تارة، والنفي لما ~~عدا ما ذكر أخرى. # أقول: العمومات الشاملة للخضراوات كقوله - تعالى -: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} ، وقوله: {خذ من أموالهم صدقة} ، وقوله [صلى الله عليه وسلم] : " ~~فيما سقت السماء العشر "؛ قد خصصت بمخصصات كثيرة، منها: حديث الأوساق، ~~ومنها: الأحاديث القاضية بأن الزكاة لا تجب إلا في الأربعة الأنواع: ~~الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب، هذا في الأشياء التي تنبت على وجه ~~الأرض، وفيما عداها السوائم الثلاث والذهب والفضة؛ والواجب بناء العام على ~~الخاص، ms258 كما هو إجماع من يعتد به من أهل العلم، فلا وجوب فيما عدا هذه ~~الثلاثة الأمور، سواء كان من الخضراوات أو غيرها. # بل قد ورد في الخضراوات بخصوصها ما يدل على عدم وجوب الزكاة فيها من طرق ~~يشهد بعضها لبعض، كما أوضح ذلك الماتن في " شرح المنتقى ". # فليكن هذا البحث منك على ذكر؛ فإن الاحتجاج بمثل هذه العمومات قد كثر في ~~أهل العلم مع عدم الالتفات إلى الأدلة الخاصة، والذهول عن وجوب بناء العام ~~على الخاص. # والحاصل: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قد بين للناس ما نزل إليهم، ~~ففرض على الأمة فرائض في بعض أملاكهم، ولم يفرض عليهم في البعض الآخر، ومات ~~على ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول، فمن زعم ~~أنها تجب الزكاة في غير ما بينه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] متمسكا ~~بالعمومات القرآنية؛ كان محجوجا بما ذكرناه، هذا على فرض أنه لم يثبت عنه ~~إلا مجرد # PageV01P517 # البيان من دون ما يفيد عدم الوجوب في البعض المسكوت عنه، فكيف وقد ثبت ~~عنه ما يفيد ذلك؟ ! # كحديث أبي موسى، ومعاذ، عند الحاكم والبيهقي والطبراني: أن رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] لما بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم؛ قال: " ~~لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر "؛ ~~قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل (1) . # وأخرج الطبراني عن عمر، قال: إنما سن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~الزكاة في هذه الأربعة ... فذكرها. # ونحوه عن جماعة من الصحابة، وفي بعضها ذكر الذرة (2) ، ولكن من طريق لا ~~تقوم بمثلها الحجة. # ( [ ### | تجب الزكاة في العسل # ] :) # (ويجب في العسل العشر) : وجهه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] : أنه أخذ من العسل العشر؛ أخرجه ابن ماجه. # وقال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث، وابن لهيعة، عن عمرو بن ~~شعيب. # ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن شعيب. PageV01P518 # ومثله حديث أبي سيارة عند ms259 أحمد، وابن ماجه، وأبي داود (1) ، والبيهقي، ~~قال: قلت: يا رسول الله! إن لي نحلا، قال: فأد العشور؛ وهو منقطع. # وأخرج الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال في ~~العسل: " في كل عشرة أزقاق زق؛ وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ. # وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا، بلفظ: " أدوا العشر في ~~العسل "، وفي إسناده منير بن عبد الله وهو ضعيف. # والجميع لا يقصر عن الصلاحية للاحتجاج به (2) . # وفي العسل أحاديث أخرى لم ينتهض شيء منها للاحتجاج به، وقد جمعها الماتن ~~في " شرح المنتقى "؛ فليراجع. # ( [ ### | يجوز تعجيل الزكاة # ] :) # (ويجوز تعجيل الزكاة) : لحديث علي: أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] في تعجيل صدقته قبل أن تحل؟ فرخص له في ذلك "؛ أخرجه ~~أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وقد ~~قيل: إنه مرسل (3) . # وقد روي عن علي بلفظ آخر من طريق أخرى؛ أخرجها البيهقي، أن PageV01P519 # النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: " إنا كنا احتجنا، فأسلفنا العباس صدقة ~~عامين؛ ورجاله ثقات؛ إلا أن فيه انقطاعا. # وفي " الصحيح " من حديث أبي هريرة، أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال في ~~زكاة العباس: " هي علي ومثلها معها "؛ لما قيل: إنه منع من الصدقة، وقد ~~قيل: إنه كان تسلف منه صدقة عامين، فدل على أنه يجزئ عن المعجل أن يسقط ~~الوجوب عند الاتصاف به، ولا شك أن التعجل لا يكون تعجيلا إلا إذا كان قبل ~~الوجوب. # ( [ ### | توزع زكاة كل محلة على فقرائها # ] :) # (وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم) : وجهه حديث أبي ~~جحيفة، قال: قدم علينا مصدق رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، فأخذ الصدقة ~~من أغنيائنا، فجعلها في فقرائنا، فكنت غلاما يتيما، فأعطاني منها قلوصا؛ ~~أخرجه الترمذي - وحسنه -. # وحديث عمران بن حصين: أنه استعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين ~~المال؟ فقال: وللمال أرسلتني؟ ! أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] ، ووضعناه ms260 حيث كنا نضعه؛ أخرجه أبو داود، وابن ماجه. # وعن طاوس، قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف؛ فإن صدقته ~~وعشره في مخلاف عشيرته؛ أخرجه الأثرم، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح (1) . ~~PageV01P520 # وفي " الصحيحين " عن معاذ: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] لما بعثه إلى ~~اليمن قال له: " خذها من أغنيائهم، وضعها في فقرائهم ". # ( [ ### | تجزئ الزكاة وإن دفعت لسلطان جائر # ] :) # (ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان وإن كان جائرا) : لحديث ابن مسعود في ~~" الصحيحين " وغيرهما، أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " إنها ~~ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها " قالوا: يا رسول الله {فما تأمرنا؟ قال: " ~~تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم ". # وأخرج مسلم، والترمذي - وصححه - من حديث وائل بن حجر، قال: سمعت رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء ~~يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟} فقال: " اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما ~~حملوا وعليكم ما حملتم ". # وأخرج أبو داود من حديث جابر بن عتيك (1) - مرفوعا - بلفظ: " سيأتيكم ركب ~~مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون؛ فإن عدلوا ~~فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم ". # وأخرج الطبراني (2) عن سعد بن أبي وقاص - مرفوعا -: " ادفعوا إليهم ما ~~صلوا الخمس ". PageV01P521 # وفي الباب آثار عن الصحابة؛ حتى أخرج البيهقي عن عمر، أنه قال: ادفعوها ~~إليهم وإن شربوا الخمر؛ وإسناده صحيح. # وأخرج أحمد (1) من حديث أنس: أن رجلا قال لرسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] : إذا أديت الزكاة إلى رسولك؛ فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال: ~~" نعم، إذا أديتها إلى رسولي؛ فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فلك أجرها، ~~وإثمها على من بدلها ". # وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة: إذا أتاك المصدق فأعطه صدقتك، فإن ~~اعتدى عليك؛ فوله ظهرك ولا تلعنه وقل: اللهم {إني أحتسب عندك ما أخذ مني. # وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة الجمهور، وأن الدفع إلى السلطان أو ~~بأمره يجزي المالك، وإن صرفها في غير ms261 مصرفها، سواء كان عادلا أو جائرا. # أقول: لا ريب أن مجموع الأدلة يقتضي أن أمر الزكاة إلى النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] ؛ فإن قوله - تعالى -: {خذ من أموالهم} خطاب له، إن سلم أنه في ~~صدقة الفرض، وقد تقدم ما فيه. # وأنص من الآية على المطلوب حديث: " أمرت أن آخذها من أغنيائكم "، وأحاديث ~~بعثه [صلى الله عليه وسلم] للسعاة، وأمره لهم بأخذ الصدقات. PageV01P522 # ومن ذلك الأدلة الواردة في الاعتداد بما أخذه سلاطين الجور، فإنها متضمنة ~~لوجوب الدفع إليهم، والاجتزاء بما دفع إليهم: # ومن ذلك حديث: " من أعطاها مؤتجرا فله أجره، ومن منعها فإنا نأخذها وشطر ~~ماله " (1) . # ومنها الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب طاعة أولي الأمر. # ولكن لا يخفى أن مجموع هذه الأدلة وإن أفاد أن للأئمة والسلاطين المطالبة ~~بالزكاة وقبضها، ووجوب الدفع إليهم عند طلبهم لها؛ فليس فيها ما يدل على أن ~~رب المال إذا صرفها في مصرفها قبل أن يطالبه الإمام بتسليمها لا تجزئه، ولا ~~يجوز له ذلك؛ لأن الوجوب على أرباب الأموال، والوعيد الشديد لهم، والترغيب ~~تارة والترهيب أخرى، لمن عليه الزكاة إذا لم يخرجها، يستفاد من مجموعه أن ~~لهم ولاية الصرف. # أما مع عدم الإمام: فظاهر. # وأما مع وجوده من غير طلب منه: فكذلك أيضا، ويؤيد ذلك حديث: " أما خالد ~~فقد حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله "؛ فإنه [صلى الله عليه وسلم] أجاب بذلك ~~على من قال له: إن خالدا منع من تسليم الزكاة. # وأما مع المطالبة من الإمام؛ فالظاهر أنه لا يجوز لرب المال الصرف؛ لأنه ~~عصيان لمن أمر الله بطاعته، ولكن؛ هل يجزئه ذلك أم لا؟ PageV01P523 # الظاهر الإجزاء؛ لأنه لا ملازمة بين كونه عاصيا لأمر الإمام، وبين عدم ~~الإجزاء، ومن زعم ذلك طولب بالدليل. # فإن قيل: الدليل ما تقدم من قوله [صلى الله عليه وسلم] : " ... ومن منعها ~~فإنا نأخذها وشطر ماله ": فيقال: الحديث - على ما فيه من المقال - لا يصلح ~~للاستدلال به على هذا؛ لأن المراد أنه منع الزكاة؛ ولم يسلمها إلى الإمام، ~~ولا ms262 صرفها في مصارفها، كما هو مدلول المنع الواقع على ضمير الزكاة في ~~الحديث، كما في أحاديث الوعيد لمانع الزكاة، فإن المراد به المانع لها عن ~~الإخراج مطلقا. # ومما يؤيد ثبوت الولاية لرب المال قوله - تعالى -: {إن تبدوا الصدقات ~~فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} ؛ ففي هذه الآية أعظم ~~متمسك وأوضح مستند، ومن زعم أنها في صدقة النفل بدليل السياق؛ فلم يصب؛ لأن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول. # نعم؛ تطبيق الأدلة الواردة منه [صلى الله عليه وسلم] على من بعده من ~~الأئمة والسلاطين حتى يكون لهم مثل الذي له في أمر الزكاة؛ يحتاج إلى فضل ~~نظر، ولا يقنع الناظر بمجرد الإجماع السكوتي الواقع من الناس بعد عصره [صلى ~~الله عليه وسلم] . # وأما قتال الصحابة لمانعي الزكاة؛ فلكونهم ارتدوا بذلك، وصمموا على منع ~~إخراجها، وقد أمر [صلى الله عليه وسلم] أمته بقتال الناس حتى يقيموا ~~الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويفعلوا سائر أركان الإسلام. # وأعظم ما يستأنس به ما ورد في طاعة السلاطين؛ وإن ظلموا، وأن # PageV01P524 # دفعها إليهم من الطاعة لهم؛ كما في حديث ابن مسعود، أن رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] قال: " إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها "، قالوا: يا ~~رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: " تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي ~~لكم "، أخرجه الشيخان وغيرهما. # وعن وائل بن حجر، قال: سمعت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ورجل يسأله، ~~فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟ قال: " اسمعوا ~~وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم "، أخرجه مسلم وغيره. # وفي الباب أحاديث كثيرة، وهي تفيد وجوب طاعتهم فيما طلبوا إذا كان في ~~معروف غير معصية، وطلبهم للزكاة من المعروف إذا كانوا يجعلونها في أمر غير ~~معصية الله، والأمر بالطاعة فرع ثبوت الولاية، وثبوتها يستلزم الإجزاء، وقد ~~ذهب إلى هذا الجمهور من الصحابة فمن بعدهم. # ويؤيد ذلك حديث جابر بن عتيك عند أبي داود مرفوعا بلفظ " سيأتيكم ركب ~~مبغضون، فإذا أتوكم ms263 فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون؛ فإن عدلوا ~~فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم ". # وأخرج الطبراني من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: " ادفعوا إليهم؛ ما صلوا ~~الخمس ". # ويغني عن جميع هذا؛ التكليف بطاعة سلاطين الجور ما أقاموا الصلاة، وفي ~~بعض الأحاديث الأمر بالطاعة للظلمة ما لم يظهروا كفرا؛ فمن طلب الزكاة ~~منهم؛ لم تتم الطاعة له التي كلفنا الله بها إلا بالدفع إليه، والله أعدل # PageV01P525 # أن يجمع على رب المال في ماله زكاتين: زكاة للظالم المأمور بطاعته، وزكاة ~~أخرى تصرف إلى غيره. # PageV01P526 # (4 - ### | باب مصارف الزكاة # ( [ ### | مصارف الزكاة ثمانية # ] :) # (هي ثمانية كما في الآية) الكريمة: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} ؛ فإنها تضمنت الثمانية الأنواع، ~~الذين هم مصارف الزكاة. # وقد أخرج أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: أتيت رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول ~~الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، ~~فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك "؛ وفي إسناده عبد ~~الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وفيه مقال (1) . # قال في " المسوى ": الفقير: هو - عند الشافعي - من لا مال له، ولا حرفة ~~تقع منه موقعا. # وعند أبي حنيفة من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب، أو قدر نصاب ~~PageV01P527 # غير تام وهو مستغرق في الحاجة. # والمسكين: هو - عند الشافعي - من له مال أو حرفة تقع منه موقعا، ولا ~~يغنيه. # وعند أبي حنيفة: من لا شيء له، فيحتاج إلى المسألة لقوته، أو ما يواري ~~بدنه. # والعامل: له مثل عمله سواء كان فقيرا أو غنيا؛ وعليه أهل العلم. # والمؤلفة قلوبهم قسمان: من أسلم ونيته ضعيفة، أو له شرف يتوقع بإعطائه ~~إسلام غيره، فيعطون من الزكاة - على الأصح من مذهب الشافعي -. # وقال أبو حنيفة: سقط سهمهم لغلبة ms264 الإسلام. # والرقاب: هم المكاتبون؛ عند الشافعية والحنفية. # والغارم: هو - عند أبي حنيفة - من لزمه دين ولا يملك نصابا فاضلا عن ~~دينه، أو كان له مال على الناس لا يمكنه أخذه. # وعند الشافعي قسمان: من استدان لنفسه في غير معصية، والأظهر اشتراط ~~الحاجة، أو استدان لإصلاح البين ويعطى مع الغنى. # وسبيل الله: غزاة لا فيء لهم، ويشترط فقرهم عند أبي حنيفة. # وعند الشافعي: يعطون مع الغنى. # وابن السبيل: هو الغريب المنقطع عن ماله عند الحنفية، أو منشئ سفر، # PageV01P528 # أو مجتاز له حاجة عند الشافعية. # وشرط هؤلاء الأصناف الإسلام عند أهل العلم. # وعند الشافعي: يجب استيعاب الأصناف الثمانية إن كان هناك عامل؛ وإلا ~~فاستيعاب السبعة، وتجب التسوية بين الأصناف لا بين آحاد الصنف. # وعند أبي حنيفة: لو صرف الكل إلى صنف واحد أو شخص واحد؛ يجوز. # قال مالك: الأمر عندنا في قسم الصدقات: أن ذلك لا يكون إلا على وجه ~~الاجتهاد من الوالي، فأي الأصناف كانت الحاجة فيه والعدد: أوثر ذلك الصنف ~~بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين ~~أو أعوام، فيؤثر أهل الحاجة والعدد حيثما كان ذلك، وعلى هذا أدركت من أرضى ~~من أهل العلم. انتهى. # قال الماتن: " وقد أطال أئمة التفسير والحديث والفقه الكلام على الأصناف ~~الثمانية، وما يعتبر في كل صنف، والحق أن المعتبر صدق الوصف شرعا، أو لغة؛ ~~فمن صدق عليه أنه فقير كان مصرفا، وكذلك سائر الأوصاف، وإذا لم يكن للوصف ~~حقيقة شرعية؛ وجب الرجوع إلى مدلوله اللغوي، وتفسيره به؛ فما وقع من الشروط ~~والاعتبارات المذكورة لأهل العلم؛ إن كانت داخلة في مدلول الوصف لغة أو ~~شرعا أو لدليل يدل على ذلك؛ كانت معتبرة، وإلا فلا اعتبار لشيء منها ". ~~انتهى. # PageV01P529 # ( [ ### | الكلام على الفقير والمسكين # ] :) # أقول: الواجب الجزم بأن الفقير من ليس بغني، والغني قد ثبت في الشريعة ~~المطهرة تعريفه، كما أخرجه أهل " السنن " من حديث ابن مسعود مرفوعا: أنه ~~قيل: يا رسول الله! وما الغنى؟ قال: " خمسون درهما أو ms265 قيمتها من الذهب "، ~~فمن لم يملك هذا المقدار فهو فقير؛ لأنه إذا ارتفع عنه اسم الغنى ثبت له ~~الفقر؛ إذ النقيضان لا يرتفعان، كما لا يجتمعان، ولا بد من كونه يملك معها ~~ما لا بد منه من ملبوس وفراش ومسكن، حاصله ما تدعو الضرورة إليه؛ لأن من ~~المعلوم أنه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لم يرد بذلك المقدار قيمة ما يلبسه ويسكنه، ويلحق بذلك ما لا يتم له ~~القيام بالأمور الدينية أو الدنيوية بدونه، كآلة الجهاد للمجاهد، وكتب ~~العلم للعالم، وآلة الصناعة للصانع؛ فمن ملك مما هو خارج عن هذه الأمور ما ~~يساوي خمسين درهما؛ كان كمن ملك الخمسين أو قيمتها من الذهب فيكون غنيا، ~~ومن لم يملك ذلك المقدار فهو فقير تحل له الزكاة، والمصير إلى ما قررناه ~~متحتم. # والحق أن الفقير والمسكين متحدان، يصح إطلاق كل واحد من الاسمين على من ~~لم يجد فوق ما تدعو الضرورة إليه خمسين درهما، وليس في قوله - تعالى -: ~~{كانت لمساكين} ما ينافي هذا؛ لأن ملكهم لها لا يخرجهم عن صدق اسم الفقر ~~والمسكنة عليهم، لما عرفت من أن آلات ما تقوم به المعيشة مستثناة، والسفينة ~~للملاح كدابة السفر لمن يعيش بالمكاراة، والضرب في الأرض. # وليس في الآية الكريمة ما يدل على أن صدقة كل إنسان تصرف في كل # PageV01P530 # صنف من الأصناف الثمانية، بحيث يحصل لكل صنف مقدار معين، وهذا أوضح. # ثم أقول: كتاب الله وسنة رسوله مصرحان بأن الفقير يعطى من الزكاة، وليس ~~فيهما التقييد بمقدار معين، وليس المعتبر إلا اتصاف المصرف وهو الفقير ~~والمسكين، ومن كان الفقر شرطا للصرف فيه بصفة الفقر أو المسكنة؛ فمن صرف ~~إليه في تلك الحال فقد صرف إلى مصرف شرعي، وإن أعطاه مالا جما، وأنصباء ~~متعددة؛ فهو إنما اتصف بصفة الغني بعد الصرف إليه، وذلك غير ضائر للصارف ~~ولا مانع من الإجزاء. # ومن زعم أنه لا يجوز إلا دون النصاب؛ فعليه الدليل الصالح لتقييد ما كان ~~مطلقا من الأدلة وتخصيص ما كان عاما، وليس هناك إلا مجرد تخيلات ms266 فاسدة، لم ~~تبن على أساس صحيح. # وأما الغارم؛ فظاهر إطلاق الآية يشمل من عليه دين، سواء كان غنيا أو ~~فقيرا، مؤمنا أو فاسقا، في طاعة أو معصية. # أما عدم الفرق بين الغني والفقير؛ فليس فيه إشكال؛ لدخولهما تحت الآية، ~~ولاستثناء الغارم من حديث: " لا تحل الصدقة لغني ". # وما سلكه صاحب " المنار " من التخصيص والتعميم، فوهم منشؤه تجريد النظر ~~إلى لفظ " غني " من غير نظر إلى تمام الحديث المشتمل على استثناء خمسة، ~~أحدهم الغارم. # وأما عدم الفرق بين المؤمن والفاسق؛ فلإطلاق الآية، لا سيما إذا كان # PageV01P531 # ما استدانه الفاسق في غير سرف ولا معصية، فلا معنى لاشتراط الإيمان. # وأما عدم الفرق بين الدين في طاعة أو معصية؛ فلتناول الإطلاق له، وإذا ~~ورد ما يقتضي التقييد بما لزم في طاعة فله حكمه. # نعم؛ إذا كانت الإعانة له تستلزم إغراءه على المعاصي، ووقوعه فيما يحرم ~~عليه؛ فلا ريب أنه ممنوع لأدلة أخرى، وأما إذا لزمه الدين في السرف ~~والمعصية، ثم تاب وأقلع وطلب أن يعان من الزكاة على القضاء؛ فالظاهر عدم ~~المنع. # وأما سبيل الله؛ فالمراد هنا الطريق إليه - عز وجل -، والجهاد - وإن كان ~~أعظم الطرق إلى الله عز وجل - لكن لا دليل على اختصاص هذا السهم به؛ بل يصح ~~صرف ذلك في كل ما كان طريقا إلى الله - عز وجل -؛ هذا معنى الآية لغة، ~~والواجب الوقوف على المعاني اللغوية، حيث لم يصح النقل هنا شرعا. # وأما اشتراط الفقر في المجاهد؛ ففي غاية البعد! بل الظاهر إعطاؤه نصيبا ~~وإن كان غنيا، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يأخذون من أموال الله - ~~عز وجل - التي من جملتها الزكاة في كل عام، ويسمون ذلك عطاء، وفيهم ~~الأغنياء والفقراء، وكان عطاء الواحد منهم يبلغ إلى ألوف متعددة، ولم يسمع ~~من أحد منهم أنه لا نصيب للأغنياء في العطاء، ومن زعم ذلك فعليه الدليل. # فإن قال: الدليل حديث: " إن الصدقة لا تحل لغني "؛ قلنا: أصناف مصارف ~~الزكاة ثمانية، أحدها الفقير، فمن لم يكن فيه إلا كونه فقيرا ms267 بدون # PageV01P532 # اتصافه بوصف آخر من أوصاف أصناف مصارف الزكاة؛ فلا ريب أنه إذا صار غنيا ~~لم تحل له. # وأما من أخذها بمسوغ آخر غير الفقر، وهو كونه مجاهدا أو غارما أو نحوهما؛ ~~فهو لم يأخذها لكونه فقيرا حتى يكون الغنى مانعا؛ بل أخذها لكونه مجاهدا أو ~~غارما أو نحوهما، فتدبر هذا؛ فهو مفيد. # ( [ ### | ممن يشملهم سبيل الله # ] :) # ومن جملة سبيل الله: الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين ~~الدينية؛ فإن لهم في مال الله نصيبا، سواء كانوا أغنياء أو فقراء (1) ؛ بل ~~الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين، ~~وبهم تحفظ بيضة الإسلام، وشريعة سيد الأنام، وقد كان علماء الصحابة يأخذون ~~من العطاء ما يقوم بما يحتاجون إليه مع زيادات كثيرة يتفوضون بها في قضاء ~~حوائج من يرد عليهم من الفقراء وغيرهم، والأمر في ذلك مشهور، ومنهم من كان ~~يأخذ زيادة على مئة ألف درهم. # ومن جملة هذه الأموال التي كانت تفرق بين المسلمين على هذه الصفة الزكاة، ~~وقد قال ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # لعمر لما قال له يعطي PageV01P533 # من هو أحوج منه: " ما آتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف، ولا سائل فخذه، ~~وما لا؛ فلا تتبعه نفسك "، كما في " الصحيح "؛ والأمر ظاهر. # وأما ابن السبيل؛ فإذا كان فقيرا لا يملك شيئا في وطنه ولا في غيره؛ فلا ~~نزاع في أنه يعان على سفره بنصيب غير النصيب الذي يأخذه لأجل فقره، وإن كان ~~غنيا في وطنه، وفي المحل الذي يريد السفر منه؛ فلا نزاع أنه لا يأخذ شيئا ~~لكونه ابن السبيل. # وإن كان غنيا في وطنه، ولم يتمكن من ماله في المحل الذي يريد السفر منه؛ ~~فإن كان لا يمكنه القرض؛ فلا ريب أنه يعان على سفره؛ لأنه كالفقير لعدم ~~إمكان انتفاعه بماله بوجه من الوجوه، وإن كان يمكنه القرض فهذا محل النزاع. # وأما صرف الزكاة كلها في صنف واحد؛ فهذا المقام خليق بتحقيق الكلام: # والحاصل: أن الله سبحانه جعل الصدقة مختصة بالأصناف الثمانية غير ms268 سائغة ~~لغيرهم، واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة بينهم على السوية، ولا أن ~~يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم؛ بل المعنى أن جنس الصدقات لجنس هذه ~~الأصناف؛ من وجب عليه شيء من جنس الصدقة ووضعه في جنس الأصناف، فقد فعل ما ~~أمره الله به، وسقط عنه ما أوجبه الله عليه، ولو قيل: إنه يجب على المالك ~~إذا حصل له شيء تجب فيه الزكاة تقسيطه على جميع الأصناف الثمانية - على فرض ~~وجودهم جميعا -؛ لكان # PageV01P534 # ذلك مع ما فيه من الحرج والمشقة مخالفا لما فعله المسلمون؛ سلفهم وخلفهم، ~~وقد يكون الحاصل شيئا حقيرا، لو قسط على جميع الأصناف لما انتفع كل صنف بما ~~حصل له - ولو كان نوعا واحدا فضلا أن يكون عددا -. # إذا تقرر لك هذا: لاح لك عدم صلاحية ما وقع منه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # من الدفع إلى سلمة بن صخر (1) من الصدقات للاستدلال. # ولم يرد ما يقتضي إيجاب توزيع كل صدقة صدقة على جميع الأصناف. # وكذلك لا يصلح للاحتجاج حديث أمره [صلى الله عليه وسلم] لمعاذ أن يأخذ ~~الصدقة من أغنياء أهل اليمن، ويردها في فقرائهم؛ لأن تلك - أيضا - صدقة ~~جماعة من المسلمين، وقد صرفت في جنس الأصناف. # وكذلك حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من هذه الصدقة، فقال له رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، ~~فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك "؛ لأن في إسناده عبد ~~الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي؛ وقد تكلم فيه غير واحد. PageV01P535 # وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج؛ فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة مصارفها، كما هو ~~ظاهر الآية التي قصدها ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، ولو كان المراد تجزئة الصدقة نفسها، وأن كل جزء لا يجوز صرفه في غير ~~الصنف المقابل له؛ لما جاز صرف نصيب ما هو معدوم من الأصناف إلى غيره، وهو ~~خلاف الإجماع من المسلمين. ms269 # وأيضا؛ لو سلم ذلك؛ لكان باعتبار مجموع الصدقات التي تجتمع عند الإمام، ~~لا باعتبار صدقة كل فرد، فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط؛ بل يجوز إعطاء ~~بعض المستحقين بعض الصدقات وإعطاء بعضهم بعضا آخر. # نعم؛ إذا جمع الإمام جميع صدقات أهل قطر من الأقطار، وحضر عنده جميع ~~الأصناف الثمانية؛ كان لكل صنف حق في مطالبته بما فرضه الله، وليس عليه ~~تقسيط ذلك بينهم بالسوية، ولا تعميمهم بالعطاء؛ بل له أن يعطي بعض الأصناف ~~أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطي بعضهم دون بعض، إذا رأى في ذلك صلاحا ~~عائدا على الإسلام وأهله. # مثلا: إذا جمعت لديه الصدقات وحضر الجهاد، وحقت المدافعة عن حوزة الإسلام ~~من الكفار أو البغاة؛ فإن له إيثار صنف المجاهدين بالصرف إليهم، وإن استغرق ~~جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا اقتضت المصلحة إيثار غير المجاهدين. # ( [ ### | تحرم الزكاة على بني هاشم ومواليهم # ] :) # (وتحرم على بني هاشم) ، وبنو عبد المطلب مثلهم. # أقول: الأحاديث القاضية بتحريم ذلك عليهم قد تواترت تواترا معنويا، # PageV01P536 # ولم يأت من خادع نفسه بتسويغها بشيء ينبغي الالتفات إليه، بل مجرد هذيان ~~هو عن الحق بمعزل، واحتج لعدم التحريم بحديث: " إن لكم في خمس الخمس ما ~~يغنيكم "، قال: فإذا منعوا ذلك حلت لهم الزكاة، وفي إسناده حسين بن قيس ~~الرحبي؛ الملقب بحنش (1) . # قال الهيثمي: وفيه كلام كثير، وقد وثقه أبو محصن (2) . # وقال في " خلاصة البدر المنير ": ضعفوه. # وليس في هذا - مع كونه أشف ما جاء به هو وغيره ممن ترخص في هذا الأمر - ~~ما يدل على الحل؛ لأنهم إذا منعوا ما يحل لهم؛ لم يحل لهم ما حرم عليهم، ~~فما وزان هذا إلا وزان قول القائل: لا يحل الزنا؛ لأن في النكاح ما يغني ~~عنه {فهل يقول من له أدنى تمسك بالعلم: إنه إذا لم يقدر على النكاح حل له ~~الزنا؟} # وأما التعليل للتحريم بالتهمة له ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، وقد زالت بموته، فحلت لقرابته، كما رواه عن أبي حنيفة - رحمه الله -: ~~فمجرد تخمين لا مستند له، ms270 وتخيل لا مرشد إليه، ولو كان الأمر كذلك؛ لكانت ~~التهمة في الخمس وصفي الغنيمة أدخل وأشد؛ والله المستعان. # (ومواليهم) : لحديث أبي هريرة مرفوعا وفيه: " إنا لا نأكل الصدقة "، وفي ~~PageV01P537 # لفظ: " إنا لا تحل لنا الصدقة "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما. # وفي حديث أبي رافع: " إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم ~~"، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وابن حبان، وابن ~~خزيمة - وصححاه أيضا -. # وفي رواية لأحمد (1) ، والطحاوي من حديث الحسن بن علي: " لا تحل لآل محمد ~~الصدقة ". # وفي حديث المطلب بن ربيعة، أنه [صلى الله عليه وسلم] قال: " إن الصدقة لا ~~تنبغي لمحمد ولا لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس "؛ وهو في " صحيح مسلم ". # وفي الباب أحاديث. # قال في " الحجة البالغة ": " إنما كانت أوساخا؛ لأنها تكفر الخطايا، ~~وتدفع البلايا، وتقع فداء عن العبد في ذلك، فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى ~~أنها هي، فتدرك بعض النفوس العالية أن فيها ظلمة، وقد يشاهد أهل المكاشفة ~~(2) تلك الظلمة، وكان سيدي الوالد - قدس سره - يحكي ذلك من نفسه (2) . # وأيضا؛ المال الذي يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع، ولا يراد به ~~احترام وجهه؛ فيه ذلة ومهانة، ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة؛ وهو قوله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " اليد العليا خير من اليد السفلى "؛ فلا جرم أن ~~التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب، لا يليق بالمطهرين المنوه بهم في الملة ~~". اه. PageV01P538 # قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ~~المفروضة. # وكذا حكى الإجماع [أبو طالب - من أهل البيت -؛ كما حكى ذلك عنه في " ~~البحرش، وكذا حكاه] (1) ابن رسلان في " شرح السنن ". # وقد وقع الخلاف في (الآل) الذين تحرم عليهم الصدقة على أقوال؛ أظهرها ~~أنهم بنو هاشم، وحكم مواليهم حكمهم في ذلك. # أقول: الحق تحريم الزكاة أجمع على بني هاشم، سواء كانت الزكاة منهم، أو ~~من غيرهم، وما استروح إليه من قال بجواز صدقة بعضهم لبعض من حديث العباس بن ~~عبد المطلب، أنه قال: قلت: ms271 يا رسول الله {إنك حرمت علينا صدقات الناس، هل ~~تحل لنا صدقات بعضنا لبعض؟ قال: " نعم "، أخرجه الحاكم (2) : فليس بصالح ~~للاحتجاج به لما فيه من المقال، حتى قيل: إنه اتهم بعض رواته، كما حققه ~~صاحب " الميزان "، وقد عرفت عموم أحاديث التحريم، فلا يجوز تخصيصها بمخصص ~~غير ناهض. # ( [ ### | تحرم الزكاة على الأقوياء المكتسبين # ] :) # (و) تحرم (على الأغنياء والأقوياء المكتسبين) : وجهه ما في الأحاديث ~~PageV01P539 # الصحيحة الثابتة عن جماعة أنها " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ". # وفي لفظ لأحمد، وأهل " السنن " من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار ~~مرفوعا: " ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ". # وفي بعض الأخبار. " ولا لذي مرة قوي ". # والمرة - بكسر الميم وتشديد الراء -: القوة وشدة العقل؛ كذا قال الجوهري. # قال في " الحجة البالغة ": " وجاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال؛ ~~أنها أوقية، أو خمسون درهما، وجاء أيضا أنها ما يغديه أو يعشيه، وهذه ~~الأحاديث ليست متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتى، ولكل واحد كسب لا ~~يمكن أن يتحول عنه، فمن كان كاسبا بالحرفة؛ فهو معذور حتى يجد آلات الحرفة، ~~ومن كان زارعا حتى يجد آلات الزرع، ومن كان تاجرا حتى يجد البضاعة، ومن كان ~~على الجهاد مسترزقا بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، فالضابط فيه: أوقية، أو خمسون درهما، ومن كان كاسبا بحمل الأثقال في ~~الأسواق، أو احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك؛ فالضابط فيه: ما يغديه ويعشيه ~~". أه. # في " الموطأ " (1) من حديث عطاء بن يسار، أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل PageV01P540 # الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله (1) ، أو لرجل له ~~جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني ". # قال في " المسوى ": " لا خلاف في صورة تبدل الأيدي، وكذا في العامل وابن ~~السبيل، وأما الغارم والغازي؛ فتحل الصدقة لهما وإن كانا غنيين عند ~~الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا تحل إلا إذا كانا فقيرين. # وظاهر ms272 الآية مع الشافعي؛ لأن الله - تعالى - جعلهما قسيمي الفقير ~~والمسكين. # وعند الحنفية: تحل الصدقة لمن ليس عنده نصاب غير مستغرق في حاجته، فلو ~~ملك نصابا غير نام، لكنه غير مستغرق لم تحل له، ولو ملك نصبا كثيرة - إلا ~~أنها مستغرقة - حلت له، ولا يحل السؤال إلا لمن لا يملك قوت يومه بعد ستر ~~بدنه؛ كذا في " العالمكيرية ". # قال في " شرح السنة ": إذا رأى الإمام السائل جلدا قويا، وشك في أمره؛ ~~أنذره وأخبره بالأمر، فإن زعم أنه لا كسب له، أو له عيال لا يقوم كسبه ~~بكفايتهم قبل منه وأعطاه ". # أقول: يمكن أن يطبق بين الأحاديث باختلاف الأحوال، والأصل اعتبار معنى ~~الحاجة والاستغناء بالكسب المتيسر، فالأوقية تمنع السؤال لمن كان حاله مثل ~~حال المهاجر في زمان النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، كانوا مرتزقين من الفيء دفعة بعد دفعة، وفي الفيء قلة، والاحتطاب مانع ~~من PageV01P541 # السؤال لمن كان قويا حاذقا في الاحتطاب، أو أراد أن يسأل غير الإمام؛ ~~وعلى هذا القياس غيرهما ". اه. # أقول: قد قدمنا ما هو الحق في تفسير الغنى المانع من أخذ الزكاة، وقدمنا ~~- أيضا - ما هو الحق في بعض الأصناف الثمانية من عدم اشتراط الفقر كالمجاهد ~~ونحوه. # ( [ ### | صرف الصدقة في ذوي الأرحام أفضل # ] :) # ثم اعلم أن الأدلة طافحة بأن الصرف في ذوي الأرحام أفضل؛ من غير فرق بين ~~الصدقة الواجبة والمندوبة، كما يدل على ذلك ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ~~(1) ، فإنه ينزل منزلة العموم. # على أنه قد ورد التصريح في حديث أبي سعيد عند البخاري، أن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] قال لامرأة: " زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ". # وثبت عند البخاري، وأحمد عن معن بن يزيد، قال: أخرج أبي دنانير يتصدق بها ~~عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى ~~رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ، فقال: " لك ما نويت يا يزيد {ولك ما أخذت يا معن} ". # وهذه الأدلة إنما هي تبرع من القائل بالجواز والإجزاء، وإلا فهو قائم ~~مقام المنع من كون القرابة ms273 أو وجوب النفقة مانعين، ولم يأت القائل بذلك ~~بدليل ينفق في محل النزاع، على فرض أنه لم يكن بيد القائل بالجواز إلا ~~PageV01P542 # التمسك بالأصل، فكيف والأدلة عموما وخصوصا ناطقة بما ذهبوا إليه؟ ! # ( [ ### | الكلام في الجزية والعشور على أهل الذمة # ] :) # وأما أهل الذمة؛ فالذي ثبت عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وشرعه؛ هو ~~أخذ الجزية من أهل الذمة بدلا عن دمائهم، وصالح بعض أهل الذمة على شيء ~~معلوم يسلمونه في كل سنة، وهو الجزية أيضا، فقد تكون الجزية مضروبة على كل ~~فرد من أفراد أهل الذمة كذا، وقد تكون مضروبة على الجميع بمقدار معين. # وأما الاستئناس لقول عمر - رضي الله عنه - بكونه بمشاورة الصحابة؛ فليس ~~ذلك مستلزما لكونه إجماعا، وليس الحجة إلا إجماعهم، وليس فيه حجة على ثبوت ~~مثل هذا التكليف الشاق على أهل الذمة، ولم يثبت هذا عن رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] . # وأما حديث: " ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى ": ~~فهذا الحديث هو أشف ما يستدل به على المطلوب، وقد أخرجه أبو داود من طرق ~~وفي بعضها مقال. # وأخرجه أحمد، والبخاري في " التاريخ "، وساق الاضطراب في سنده (1) ، ~~وقال: لا يتابع عليه، والراوي له عن النبي [صلى الله عليه وسلم] رجل بكري، ~~وهو مجهول، ولكن جهالة الصحابي غير قادحة، كما قرره شيخنا العلامة ~~الشوكاني، في الرسالة التي سماها " القول المقبول في رد المجهول من غير ~~صحابة الرسول ". PageV01P543 # وفي بعض ألفاظ هذا الحديث عند أبي داود: " الخراج "، مكان: " العشور "؛ ~~ولكن إنما يتم الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب؛ لو كان المراد به هو نصف ~~عشر ما يتجرون به كما زعموه، وليس كذلك؛ بل فيه خلاف. # فقال في " القاموس ": " عشرهم يعشرهم عشرا، وعشورا: أخذ عشر أموالهم ". ~~اه. # وقال في " النهاية ": " العشور جمع عشر؛ يعني: ما كان من أموالهم ~~للتجارات دون الصدقات، والذي يلزمهم من ذلك عند الشافعي ما صولحوا عليه وقت ~~العهد، فإن لم يصالحوا على شيء، فلا تلزمهم إلا الجزية. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن أخذوا ms274 من المسلمين إذا دخلوا بلادهم ~~للتجارة؛ أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا للتجارة، ومنه: " احمدوا الله إذ رفع ~~عنكم العشور " (1) ؛ يعني: ما كانت الملوك تأخذه منهم. # ومنه أن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا؛ أي: لا ~~يؤخذ عشر أموالهم (2) . اه كلام " النهاية ". PageV01P544 # وقال الخطابي مثل ما نقله صاحب " النهاية " في أول كلامه. # فحصل من جميع هذا أن العشور إما العشر، أو المال المصالح به، أو ما يؤخذ ~~من تجار أهل الذمة إن أخذوا من تجارنا، أو ما يأخذه الملوك من الجبايات ~~والضرائب، أو الخراج كما في بعض روايات الحديث، ومع هذا الاحتمال لا ينتهض ~~للاستدلال به. # والحاصل: أن الأصل في أموال الناس - مسلمهم وكافرهم - التحريم: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ؛ فلا بد من دليل يدل على تحليل المطلوب؛ ~~لأنه خارج عن الأقسام المسوغة؛ إذ ليس بجزية، ولا مال صلح، ولا خراج، ولا ~~معاملة، ولا زكاة؛ لعدم صحتها منهم؛ لأن الكفر مانع. # وأظهر ما يقال في معنى العشور؛ أحد أمرين: إما الخراج؛ لأن بعض ألفاظ ~~الحديث يفسر بعضا، أو الضرائب التي تضرب عليهم - كالجزية ومال الصلح -، ~~فيكون المراد أن المسلمين ليس عليهم الخراج؛ أي: لا يوضع في أموالهم ~~ابتداء، وليس عليهم ضريبة في رقابهم أو أموالهم كاليهود، وحينئذ لم يبق ما ~~يصلح للتمسك به على جواز أخذ نصف عشر أموال تجار أهل الذمة. # ومما يؤيد ما ذكرناه في معنى العشور: ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي ~~من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " لا تصلح قبلتان في أرض، وليس على مسلم جزية " (1) ؛ فيمكن أن يكون ~~مفسرا لحديث: " ليس على المسلمين عشور "، ولم يثبت عن النبي PageV01P545 ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # تقدير ما يؤخذ من أهل الذمة؛ إلا ما في حديث معاذ: أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، ~~والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، والحاكم. # وهذا الحديث - وإن كان فيه مقال (1) - فهو لا يخرج به عن صلاحيته ~~للاستدلال، ms275 فالوقوف على هذا المقدار متعين لا تجوز مجاوزته. # وأما النقص منه - إذا رآه الإمام أو المسلمون - فلا بأس به؛ لأن الجزية ~~حق لهم؛ يجوز لهم الاقتصار على بعض ما وجب. # والظاهر أنه لا فرق بين الغني والفقير والمتوسط في أنهم يستوون في جواز ~~أخذ هذا المقدار منهم؛ لأن الجزية لما كانت عوضا عن الدم كان ذو المال كمن ~~لا مال له. # وأما من ذهب إلى أنه يجب على الفقير نصف ما على المتوسط، وعلى المتوسط ~~نصف ما على الغني، وجعلوا الغني من يملك ألف دينار أو ما يساويها، ويركب ~~الخيل، ويتختم الذهب، والمتوسط دونه، تمسكا بما روي عن علي؛ أنه كان يجعل ~~على المياسير من أهل الذمة ثمانية وأربعين درهما، وعلى الأوساط أربعة ~~وعشرون، وعلى الفقراء اثني عشر: فهذا - مع كونه غير مرفوع إلى النبي [صلى ~~الله عليه وسلم]- لا تقوم به الحجة؛ لأن في إسناده أبا خالد الواسطي؛ ولا ~~يحتج بحديثه إذا كان مرفوعا، فكيف إذا كان موقوفا؟ ! # وكذلك لا تقوم الحجة بما أخرجه في " الموطأ " عن عمر: أنه كان يأخذ ~~PageV01P546 # على أهل الذهب من أهل الذمة الجزية أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين ~~درهما؛ لأنه فعل صحابي لا يصلح للاحتجاج به، فالاقتصار على ما في حديث معاذ ~~متحتم. # ويؤيده ما أخرجه البيهقي (1) عن أبي الحويرث - مرسلا -: أن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] صالح أهل أيلة وكانوا ثلاث مئة رجل على ثلاث مئة دينار. # وأما ما روي عن الشافعي، قال: سمعت بعض أهل العلم من أهل نجران يذكر أن ~~قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار: فهذا - مع كونه ليس بمرفوع ولا ~~موقوف ولا معلوم قائله - لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن المأخوذ من أهل نجران إنما ~~كان صلحا بمقدار من المال على جميعهم، ومحل النزاع ما يضرب على كل فرد ~~ابتداء. # ثم نقول: أموال أهل الحرب على أصل الإباحة، يجوز لكل أحد أخذ ما شاء منها ~~كيف شاء قبل التأمين لهم، فيجوز للسلطان أن يأذن لهم بدخول بلاد ms276 المسلمين ~~والتجارة فيها على ما شاء من قليل أو كثير، يأخذه من أموالهم؛ إنما الشأن ~~في أخذ مثل ذلك من المسلمين الذين يسافرون للتجارة من أرض إلى أرض، فيأخذ ~~منهم أهل الأرض التي يصلون إليها شطرا من أموالهم من غير نظر إلى كون ذلك ~~زكاة تجارة ولا غيرها؛ بل لا يعتبرون في استحلال أخذه؛ إلا مجرد خروجهم من ~~سفائن البحر، أو وصولهم من البر إلى حدود الأرض التي يخرجون إليها، فهذا ~~عند التحقيق ليس هو إلا المكس من غير شك ولا شبهة، وقد حققت المقام في " ~~إكليل الكرامة "؛ فليراجع. PageV01P547 # (5 - ### | باب صدقة الفطر # ( [ ### | مقدار صدقة الفطر # ] :) # (هي صاع من القوت المعتاد عن كل فرد) : لحديث ابن عمر في " الصحيحين " ~~وغيرهما، قال: فرض رسول الله [صلى الله عليه وسلم] زكاة الفطر من رمضان ~~صاعا من تمر أو صاعا من شعير؛ على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، ~~والكبير من المسلمين "، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. # وفي " صحيح مسلم "، وغيره: " ليس على المسلم في عبده صدقة؛ إلا صدقة ~~الفطر ". # وأخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عمر، قال: أمر رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد؛ عمن ~~تمونون ". # وأخرج نحوه الدارقطني من حديث علي؛ وفي إسناده ضعف؛ وله طرق. # والخطابات في إخراجها على من ليس بمكلف؛ إنما هي كائنة مع المكلفين (1) . ~~PageV01P548 # وقد ذهب الجمهور إلى أنها صاع من البر وغيره. # وذهب بعض الصحابة إلى أن الفطرة من البر نصف صاع، وقد حكاه ابن المنذر عن ~~علي، وعثمان، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه أسماء بنت ~~أبي بكر؛ بأسانيد صحيحة، كما قال الحافظ، وإليه ذهب أبو حنيفة. # وقد تمسكوا بحديث ابن عباس مرفوعا: " صدقة الفطر: مدان من قمح "؛ أخرجه ~~الحاكم (1) . # وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعا. # وفي الباب أحاديث تعضد ذلك، ولكن ليس هذا بإجماع من الصحابة، حتى يكون ~~حجة. # وقد أخرج ابن خزيمة، والحاكم في " صحيحيهما " (2) : أن أبا سعيد ms277 قال لما ~~ذكروا عنده صدقة رمضان: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : صاع تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير، أو صاع أقط "، ولكن هذا - مع كونه ~~غير مصرح باطلاع رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # على ذلك ولا تقريره -: قد قال ابن خزيمة: ذكر PageV01P549 # الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوهم! ؟ # وكذلك قال أبو داود. # وقد روى الحاكم (1) من حديث ابن عباس، والترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده مرفوعا أيضا: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] أمر صارخا بمكة ~~ينادي: " إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم؛ صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، ~~حر أو مملوك، حاضر أو باد: مدان من قمح، أو صاع من شعير، أو تمر ". # وأخرج نحوه الدارقطني من حديث عصمة بن مالك بلفظ: " مدان من قمح "؛ وفي ~~إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف. # ويؤيده ما عند أبي داود، والنسائي عن الحسن - مرسلا - بلفظ: فرض رسول ~~الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # هذه الصدقة: صاعا من تمر، أو من شعير، أو نصف صاع من قمح. # وأخرج أيضا أبو داود (2) من حديث عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله بن أبي ~~صعير بلفظ: قال رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # : " صدقة الفطر صاع من بر، أو قمح عن كل اثنين ". # وأخرج سفيان الثوري في " جامعه " عن علي موقوفا بلفظ: نصف صاع بر. ~~PageV01P550 # وهذه الروايات متعاضدة صالحة لتخصيص لفظ الطعام على فرض شموله للبر، كما ~~قال بذلك بعض أهل العلم. # قال في " المسوى ": في الحديث: " صدقة الفطر فريضة "؛ وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: واجبة. # وفيه: أنه لا يشترط لها النصاب؛ بل هي فريضة على الغني والفقير، وعليه ~~الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من يملك نصابا، وإن لم يكن ناميا. # وفيه: أنها تجب على الصغير والمجنون ومن لم يطق الصوم، وعليه أكثر أهل ~~العلم. # وفيه: أنها تجب عن الرقيق - مطلقا - سواء كانوا للتجارة، أو ms278 للخدمة، ~~وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا تجب عن رقيق التجارة. # وفيه: أنها لا تجب عن العبد الكافر، وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: تجب عنه. # وفيه: أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ولا الخبز ولا القيمة؛ وعليه ~~الشافعي. # PageV01P551 # وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك. # وفيه: أنه لا يجوز أقل من صاع من أي جنس أخرج، وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يجوز من البر نصف صاع. # وفيه: أن الواجب مقدر بصاع النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ وهو خمسة أرطال وثلث بالرطل العراقي، وقدرها بالقدح المصري: قدحان. # وقال أبو حنيفة: بصاع الحجاز، وهو ثمانية أرطال. # وقال الشافعي: تجب فطرة المرأة على زوجها. # وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه ". # ( [ ### | وقت إخراج صدقة الفطر # ] :) # (والوجوب على سيد العبد ومنفق الصغير ونحوه، ويكون إخراجها قبل صلاة ~~العيد) : لحديث ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما: " أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ". # فيه دليل على وجوب الإخراج في ذلك الوقت. # وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم - وصححه - عن ابن عباس ~~مرفوعا بلفظ: " فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها # PageV01P552 # بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات " (1) ، وهذا يدل على أنها لا تجزئ بعد ~~الصلاة؛ لأنها حينئذ صدقة كسائر الصدقات التي يتصدق بها الإنسان، وليست ~~بزكاة الفطر. # قال في " المسوى ": " السنة عند أهل العلم: أن يخرج صدقة الفطر يوم العيد ~~قبل الخروج إلى الصلاة، ولو عجلها بعد دخول رمضان يجوز، ولا يجوز تأخيرها ~~عن يوم الفطر عند بعضهم. # وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس ". # وفي " سفر السعادة ": " وظاهر هذه الأحاديث أنها بعد الصلاة لا تجزئ ". ~~اه. # ( [ ### | من الذي لا تجب عليه صدقة الفطر # ؟] :) # (ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه) : لأنه إذا أخرج ~~قوت يومه، أو بعضه كان مصرفا لا صارفا؛ لقوله [صلى الله عليه وسلم] : " ~~أغنوهم في هذا اليوم "، أخرجه البيهقي، والدارقطني من حديث ابن عمر (2) . # فإذا ملك زيادة على قوت ms279 يومه؛ أخرج الفطرة إن بلغ الزائد قدرها. # ويؤيده تحريم السؤال على من ملك ما يغديه ويعشيه، كما أخرجه أحمد، وأبو ~~داود من حديث سهل ابن الحنظلية مرفوعا؛ لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنيا ولا ~~فقيرا. PageV01P553 # وقد أخرج أحمد، وأبو داود عن عبد الله بن ثعلبة، قال: قال رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] : " صدقة الفطر صاع تمر، أو صاع شعير عن كل رأس، أو صاع بر ~~أو قمح بين اثنين: صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، غني أو فقير، أما ~~غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى ". # وقد وقع الخلاف في تقدير ما يعتبر في وجوب زكاة الفطر: فقيل: ملك النصاب، ~~وقيل: قوت عشر. # أقول: التقدير بقوت عشرة أيام محض رأي؛ ليس عليه أثارة من علم، وليس هو ~~أيضا على أسلوب مناسب باعتبار محض الرأي، فإن الرأي إذا لم يكن له علة ~~معقولة، سائغة في العقل، مقبولة في الطبع؛ فهو مردود عند أهل الرأي! # وقد ورد ما يدل على أن الفقير كالغني في الفطرة؛ ففي حديث ابن أبي صعير ~~(1) عند أبي داود بلفظ: " غني أو فقير "، ويؤيده حديث ابن ثعلبة (1) ~~المتقدم؛ لأن المراد أن الله يرد عليه من العوض خيرا مما أخرج. # وقال مالك، والشافعي، وعطاء، وأحمد بن حنبل، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون ~~مخرج الفطرة مالكا لقوت يومه وليلته. # والظاهر: أن من وجد ما يكفيه ومن يعول ليوم الفطر، ووجد صاعا PageV01P554 # زائدا على ذلك أخرجه؛ لحديث: " أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم "، أخرجه ~~البيهقي، والدارقطني عن ابن عمر مرفوعا. # وأخرجه ابن سعد أيضا في " الطبقات " (1) من حديث عائشة وأبي سعيد. # فظاهر قوله: " أغنوهم ": أنهم يصيرون أغنياء إذا نالوا ما يكفيهم في ~~يومهم، والمراد أنهم أغنياء عن الطواف، وأن الغني في الفطرة من استغنى عن ~~الطواف في يومه، والفقير من افتقر إلى الطواف في يومه، فيكون الوجوب متحتما ~~على من وجد ما يغنيه في يومه؛ مع زيادة قدر ما يجب عليه من الفطرة، ms280 ويكون ~~مصرفها من لم يجد ذلك، لا كما قالوا: إن مصرفها مصرف الزكاة! # ( [ ### | مصرف صدقة الفطر مصرف الزكاة # ] :) # (ومصرفها مصرف الزكاة) : لكونه ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قد سماها زكاة، كقوله: " فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة "، وقول ~~ابن عمر: إن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أمر بزكاة الفطرة - وقد تقدما ~~-، ولكنه ينبغي تقديم الفقير للأمر بإغنائهم في ذلك اليوم، فما زاد صرف في ~~سائر الأصناف. # وقال في " سفر السعادة ": وكان يخص المساكين بهذه الصدقة، ولا يقسمها على ~~الأصناف الثمانية، ولم يرد بذلك أمر أيضا، وبه قال بعض العلماء، ويجوز ~~الصرف للأصناف الثمانية، بل خص بها المساكين. انتهى. PageV01P555 ### | (الكتاب الخامس: ### | كتاب الخمس # ) # PageV01P557 # (5 - ### | كتاب الخمس ### | ( [يجب الخمس فيما يغنم في القتال وفي الركاز] :) # (يجب فيما يغنم في القتال) وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله - تعالى - في ~~كتاب الجهاد والسير. # ولا فرق بين الأراضي والدور المأخوذة من الكفار وبين المنقولات؛ فإن ~~الجميع مغنم في القتال. # وأما الفيء - وهو ما أخذ بغير قتال -: فحكمه مذكور في قوله - تعالى -: ~~{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} ، والمراد بقوله - تعالى -: {من ~~شيء} ما بينه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، لا كل ما يطلق عليه اسم ~~الغنيمة، بل ما غنم بالقتال - كما في " النهاية " وغيرها -؛ ولو بقي على ~~عمومه، لاستلزم وجوب الخمس في الأرباح والمواريث ونحوهما، وهو خلاف ~~الإجماع، وما استلزم الباطل باطل. # (وفي الركاز) الخمس؛ لأنه يشبه الغنيمة من وجه، ويشبه المجان، فجعلت ~~زكاته خمسا، لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] قال: " العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز ~~الخمس ". # PageV01P559 # ( [ ### | اختلاف العلماء في تعريف الركاز # ] :) # والركاز - بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي -: قال مالك والشافعي: ~~الركاز دفن الجاهلية. # وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز. # وخالفهم في ذلك الجمهور، فقالوا: لا يقال للمعدن: ركاز، واحتجوا بما وقع ~~في هذا الحديث من التفرقة بينهما بالعطف، وأن ذلك يدل على المغايرة. # وفي " القاموس " تفسير الركاز ms281 بالمعدن ودفين الجاهلية. # وقال صاحب " النهاية ": إن الركاز يقع عليهما، وإن الحديث ورد في الدفين. ~~هذا معنى كلامه. # قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " وفي قوله: " المعدن جبار " ~~قولان: # أحدهما: أنه إذا استأجر من يحفر له معدنا، فسقط عليه فقتله؛ فهو جبار؛ ~~ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: " البئر جبار، والعجماء جبار ". # والثاني: أنه لا زكاة فيه، ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: " وفي الركاز ~~الخمس "، ففرق بين المعدن والركاز، فأوجب الخمس في الركاز؛ لأنه مال مجموع ~~يؤخذ بغير كلفة ولا تعب، وأسقطها عن المعدن؛ لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في ~~استخراجه، والله - تعالى - أعلم ". اه. # PageV01P560 # قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم يقولون: ~~إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية؛ ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف ~~فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤنة، فأما ما طلب بمال، وتكلف فيه كبير عمل ~~فأصيب مرة وأخطئ مرة؛ فليس بركاز. # قال في " المسوى ": " هو أظهر أقوال الشافعي في تفسير الركاز، وله قول: ~~إن المعدن من الركاز أو بمنزلة الركاز، وعليه أبو حنيفة. # والمراد بالركاز على أظهر أقوال الشافعي: هو الدفين الجاهلي من النقد. # وأما الإسلام؛ فإن علم مالكه فله؛ وإلا فلقطة، وإنما يملكه الواجد، وتجب ~~فيه الزكاة إذا وجد في موات أو ملك أحياء، فإن وجد في ملك شخص فللشخص، أو ~~في مسجد أو شارع؛ فلقطة. # قال مالك: المعدن بمنزلة الزرع، يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع، يؤخذ منه ~~إذا خرج من المعدن من يومه ذلك، ولا ينتظر به الحول، كما يؤخذ من الزرع إذا ~~حصد العشر ولا ينتظر به أن يحول عليه الحول. # قلت: وبه قال الشافعي في أظهر أقواله، ولم يوجب في غير الذهب والفضة. # وقال الشافعي - في حديث معادن القبلية (1) في قول آخر -: ليس هذا مما ~~PageV01P561 # يثبته أهل الحديث، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] ؛ إلا إقطاعه. # وأما الزكاة فليست مروية عنه، كذا روى عنه البيهقي في ms282 " سننه ". # أقول: ولو كانت الزكاة مروية؛ فليس ذلك نصا في ربع العشر، بل يحتمل ~~معنيين آخرين: # أحدهما: يؤخذ منه الخمس وهو زكاة، وهو قول للشافعي، والحصر بالنسبة إلى ~~الكل. # والثاني: إذا ملكه وحال عليه الحول؛ تؤخذ منه الزكاة؛ وهو قول جمع من ~~المحدثين ". انتهى. # ( [ ### | لا يجب الخمس في غير الغنائم والركاز # ] :) # (ولا يجب فيما عدا ذلك) : لعدم الإيجاب الشرعي، والبقاء تحت البراءة ~~الأصلية. # وقال أبو حنيفة: الخمس في كل جوهر ينطبع كالحديد والنحاس. # أقول: إن إيجاب الزكاة في جميع المعادن، ومجاوزة ذلك إلى صيد البر والبحر ~~والمسك والحطب والحشيش - كما فعله كثير من المصنفين -: ليس بصواب؛ لعدم ~~وجود دليل يدل على ذلك، والأصل في أموال العباد التي قد دخلت في أملاكهم ~~بوجه من الوجوه المقتضية للملك؛ هو الحرمة، ولا يجوز أخذ شيء منها إلا ~~بطيبة من نفس مالكها: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه "، وإلا ~~كان أكلا بالباطل: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} . # PageV01P562 # والمتيقن وجوب الخمس في الغنيمة من القتال، وفي معدن الذهب والفضة؛ لما ~~أخرجه البيهقي (1) في حديث الركاز بزيادة: قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ ! ~~قال: " الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلقت "، وهو - وإن كان في ~~إسناده سعيد بن أبي سعيد المقبري -: فهو لا يقصر عن صلاحية حديثه للتفسير؛ ~~فليعلم. # ( [ ### | مصرف الغنائم والركاز # ] :) # (ومصرفه) ؛ أي: مصرف الزكاة عند الشافعي، ومصرف خمس الفيء عند أبي حنيفة. # (من في قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} ) ؛ وكفى بها دليلا على ذلك. # وفي " حجة الله البالغة ": " يوضع سهم الرسول [صلى الله عليه وسلم] بعده ~~في مصالح المسلمين؛ الأهم فالأهم، وسهم ذوي القربى في بني هاشم وبني ~~المطلب، الفقير منهم والغني، والذكر والأنثى، وعندي أنه يخير الإمام في ~~تعيين المقادير، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - يزيد في فرض آل النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] من بيت المال، ويعين المدين منهم، والناكح، وذا ~~الحاجة، وسهم اليتامى لصغير ms283 فقير لا أب له، وسهم الفقراء والمساكين لهم، ~~يفوض كل ذلك إلى الإمام، يجتهد في الفرض، وتقديم الأهم فالأهم، ويفعل ما ~~أدى إليه اجتهاده، PageV01P563 # ويقسم أربعة أخماسه في الغانمين، يجتهد الإمام أولا في حال الجيش، فمن ~~كان نفله أوفق بمصلحة المسلمين نفل له. # وأما الفيء؛ فمصرفه ما بين الله - تعالى -: {ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} إلى ~~قوله: {رءوف رحيم} ، ولما قرأها عمر قال: هذه استوعبت المسلمين؛ فيصرفه إلى ~~الأهم فالأهم، وينظر في ذلك إلى مصالح المسلمين لا مصلحته الخاصة. # واختلفت كيفية قسمة الفيء: فكان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا أتاه ~~الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظا. # وكان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - يقسم للحر والعبد؛ يتوخى كفاية ~~الحاجة. # ووضع عمر الديوان على السوابق والحاجات، فالرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، ~~والرجل وعياله، والرجل وحاجته. # والأصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف: أن يحمل على أنه إنما فعل ذلك ~~على الاجتهاد، فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في وقته ". انتهى حاصله. # [انتهى المجلد الأول من كتاب " التعليقات الرضية على الروضة الندية "، ~~ويتلوه: المجلد الثاني - منه -، وأوله: 6 - كتاب الصيام] # PageV01P564 ### | (الكتاب السادس: ### | كتاب الصيام # ) # PageV02P005 # (6 - ### | كتاب الصيام # (1 - ### | أحكام الصيام ### | (الفصل الأول: وجوب صوم رمضان) # ( [ ### | صيام رمضان ركن من أركان الدين # ] :) # (يجب صيام رمضان) وهو ركن من أركان الدين، وضروري من ضرورياته. # ( [ ### | يجب صوم رمضان برؤية الهلال من عدل أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما # ] :) # (لرؤية هلاله من عدل) : لصيامه - صلى الله عليه وسلم -، وأمره للناس ~~بالصيام لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه، أخرجه أبو داود، والدارمي، ~~وابن حبان، والحاكم - وصححاه -. # وصححه أيضا ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: تراءى الناس الهلال، فأخبرت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه (1) . ~~PageV02P007 # وأخرج أهل " السنن "، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم من حديث ~~ابن عباس، قال: جاء أعرابي ms284 إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني ~~رأيت الهلال - يعني رمضان -، فقال: " أتشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: ~~نعم، قال: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ "، قال: نعم، قال: " يا بلال! أذن ~~في الناس؛ فليصوموا غدا " (1) . # وأخرج الدارقطني، والطبراني من طريق طاوس، قال: شهدت المدينة؛ وبها ابن ~~عمر وابن عباس، فجاء رجل إلى واليها، وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان، ~~فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته؟ فأمراه أن يجيزه، وقالا: إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز ~~شهادة الإفطار إلا بشهادة الرجلين. # قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي؛ وهو ضعيف. # وقد ذهب إلى العمل بشهادة الواحد: ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، والشافعي ~~في أحد قوليه. # قال النووي: وهو الأصح. # وذهب مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري إلى أنه يعتبر اثنان، PageV02P008 # واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وفيه: " فإن شهد شاهدان ~~مسلمان؛ فصوموا وأفطروا "، أخرجه أحمد، والنسائي. # وفي حديث أمير مكة الحارث بن حاطب، قال: عهد إلينا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن ننسك للرؤية؛ فإن لم نره وشهد شاهدا عدل؛ نسكنا بشهادتهما ~~"؛ أخرجه أبو داود، والدارقطني، وقال: هذا الإسناد متصل صحيح. # وغاية ما في الحديثين: أن مفهوم الشرط يدل على عدم قبول الواحد، ولكن ~~أحاديث قبول الواحد أرجح من هذا المفهوم، وقد حققه الماتن - رحمه الله - في ~~كتابه " إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال ~~". # ويؤيد وجوب العمل بخبر الواحد: الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد على ~~العموم؛ إلا ما خصه دليل، فمحل النزاع مندرج تحت العموم بعد التنصيص عليه ~~بما في حديث الأعرابي، وبما في حديث ابن عمر. # وأما التأويل باحتمال أن يكون قد شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل ~~قبل شهادة ابن عمر؛ فلو كان مجرد هذا الاحتمال قادحا في الاستدلال؛ لم يبق ~~دليل شرعي إلا وأمكن دفعه بمثل هذا التأويل الباطل. # في " المسوى ": اختلفوا ms285 في هلال رمضان: فقيل: يثبت بشهادة الواحد، وعليه ~~أبو حنيفة، وقيل: لا بد من عدلين، وعليه مالك، وللشافعي قولان كالمذهبين؛ ~~أظهرهما الأول، ولا فرق عنده بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة. # PageV02P009 # وقال أبو حنيفة في الصحو: لا بد من جمع كثير. # وفي " العالمكيرية ": إذا رأوا الهلال قبل الزوال أو بعده؛ لا يصام به ~~ولا يفطر، وهو من الليلة المستقبلة. # وفي " الأنوار ": وإذا رؤي الهلال بالنهار يوم الثلاثين فهو لليلة ~~المستقبلة ". # (أو إكمال عدة شعبان) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، ~~فإن غم عليكم؛ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ". # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. # وفي " الحجة البالغة ": لما كان وقت الصوم مضبوطا بالشهر القمري باعتبار ~~رؤية الهلال، وهو تارة ثلاثون يوما، وتارة تسع وعشرون: وجب في صورة ~~الاشتباه أن يرجع إلى هذا الأصل، وأيضا مبنى الشرائع على الأمور الظاهرة ~~عند الأميين دون التعمق والمحاسبات النجومية، بل الشريعة واردة بإخمال ~~ذكرها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ". ~~انتهى. # ( [ ### | يصام رمضان ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال # ] :) # (ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها) : وجهه ما ورد من ~~الأدلة الصحيحة أن الهلال إذا غم صاموا ثلاثين يوما، كحديث أبي هريرة ~~المذكور، ومثله في " صحيح مسلم " من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن # PageV02P010 # عباس عند أحمد، والنسائي، والترمذي - وصححه -، ومن حديث عائشة عند أحمد، ~~وأبي داود، والدارقطني بإسناد صحيح، وغير ذلك من الأحاديث؛ وفيها التصريح ~~بإكمال العدة ثلاثين يوما؛ في بعضها عدة شعبان، وفي بعضها ما يفيد أنها عدة ~~رمضان، وفي بعضها الإطلاق وعدم التقييد بأحد الشهرين. # قال في " الحجة ": " قوله - صلى الله عليه وسلم -: " شهرا عيد لا ينقصان؛ ~~رمضان وذو الحجة " (1) قيل: لا ينقصان معا، وقيل: لا يتفاوت أجر ثلاثين ~~وتسعة وعشرين، وهذا الآخر أقعد بقواعد التشريع، كأنه أراد سد أن يخطر في ~~قلب أحد ذلك ". انتهى. # أقول: يمكن أن ms286 يقال: إن هذا إخبار من الشارع بعدم دخول النقص في الشهرين ~~المذكورين، فما ورد عنه أنه يكون الشهر تسعة وعشرين عام مخصص بالشهرين ~~المذكورين، وما ورد في خصوص شهر رمضان، مما يدل على أنه قد يكون تسعة ~~وعشرين؛ فيمكن أن يقال فيه: إن ذلك إنما هو باعتبار ما ظهر للناس من طلوع ~~الهلال عليهم، وفي نفس الأمر ذلك الشهر هو ثلاثون يوما. # قال بعض المحققين: التكليف الشهري علق معرفة وقته برؤية الهلال دخولا ~~وخروجا، أو إكمال العدة ثلاثين يوما، فهل في الأكوان أوضح من هذا البيان؟ ! ~~والتوقيت في الأيام والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة. ~~انتهى. # أقول: إن الرؤية التي اعتبرها الشارع في قوله: " صوموا لرؤيته " هي ~~PageV02P011 # الرؤية الليلية لا الرؤية النهارية، فليست بمعتبرة، سواء كانت قبل الزوال ~~أو بعده، ومن زعم خلاف هذا؛ فهو عن معرفة المقاصد الشرعية بمراحل. # واحتجاج من احتج برؤية الذين أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم رأوه ~~بالأمس باطل، كاحتجاج من احتج على وجوب الإتمام بقوله - تعالى -: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} ، وكلا الدليلين لا دلالة لهما على محل النزاع: # أما الأول: فإنهم إنما أخبروا عن الرؤية في الوقت المعتبر، وذلك مرادهم ~~بلفظ: أمس، كما لا يخفى على عالم. # وأما الثاني: فالمراد به وجوب إتمام الصيام إلى الوقت الذي يسوغ فيه ~~الإفطار؛ تعيينا لوقته الذي لا يكون صوما بدونه. # والحاصل: أن المجادلة عن هذا القول الفاسد - وهو الاعتداد برؤية الهلال ~~نهارا - يأباه الإنصاف. # وإن قال المتحذلق: إن الاعتبار بالرؤية؛ وقد وقعت؛ لحديث: " صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته "، والاعتبار بعموم اللفظ، ونحو ذلك من المجادلات التي لا ~~يجهل صاحبها أنه غالط أو مغالط، ولو كان هذا صحيحا لوجب الإفطار عند كل ~~رؤية للهلال في أي وقت من أوقات الشهر، وهو باطل بالضرورة الدينية. # ( [ ### | اختلاف مذاهب العلماء في المطلع # ] :) # (وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة) : وجهه الأحاديث المصرحة # PageV02P012 # بالصيام لرؤيته والإفطار لرؤيته، وهي خطاب لجميع الأمة، فمن رآه منهم في ~~أي مكان؛ كان ذلك ms287 رؤية لجميعهم. # وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره: أنه استهل عليه رمضان ~~وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة، فأخبر بذلك ابن عباس، ~~فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، ثم ~~قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وله ألفاظ -: # فغير صحيح؛ لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه ~~أمرهم بإكمال الثلاثين أو يروه، ظنا منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل؛ ~~وهذا خطأ في الاستدلال، أوقع الناس في الخبط والخلط، حتى تفرقوا في ذلك على ~~ثمانية مذاهب. # وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سماها " إطلاع أرباب الكمال على ~~ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال ". # قال في " المسوى ": " لا خلاف في أن رؤية بعض أهل البلد موجبة على ~~الباقين، واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر. # والأقوى - عند الشافعي -: يلزم حكم البلد القريب دون البعيد. # وعند أبي حنيفة: يلزم مطلقا ". # ( [ ### | وجوب تبييت النية قبل الفجر في صوم الفرض # ] :) # (وعلى الصائم النية قبل الفجر) : لحديث حفصة، عن النبي - # PageV02P013 # صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " من لم يجمع الصيام قبل الفجر؛ فلا صيام ~~له "؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وابن خزيمة، وابن حبان - وصححاه -، ولا ~~ينافي ذلك رواية من رواه موقوفا، فالرفع زيادة يتعين قبولها، على ما ذهب ~~إليه أهل الأصول، وبعض أهل الحديث. # وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، وخالفهم آخرون، واستدلوا بما لا ~~تقوم به الحجة (1) . # أما حديث أمره صلى الله عليه وسلم لمن أصبح صائما أن يتم صومه في يوم ~~عاشوراء؛ فغاية ما فيه: أن من لم يتبين له وجوب الصوم إلا بعد دخول النهار؛ ~~كان ذلك عذرا له عن التبييت (2) . # وأما حديث: أنه صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه ذات يوم، فقال: " ~~هل عندكم من شيء؟ "، فقالوا: لا، فقال: " فإني ms288 إذن صائم ": فذلك في صوم ~~التطوع. # قال في " المسوى ": قال الشافعي: يشترط للفرض التبييت، ويصح النفل بنيته ~~قبل الزوال. # وقال أبو حنيفة: يكفي في الفرض والنفل أن ينوي قبل نصف النهار، ولا بد في ~~القضاء والكفارات من التبييت. # أقول: وأما أنه يجب تجديد النية لكل يوم؛ فلا يخفى أن النية هي مجرد ~~القصد إلى الشيء، أو الإرادة له من دون اعتبار أمر آخر، ولا ريب أن من ~~PageV02P014 # قام في وقت السحر، وتناول طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به، ~~في غير أيام الصوم؛ فقد حصل له القصد المعتبر؛ لأن أفعال العقلاء لا تخلو ~~عن ذلك، وكذلك الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لا يكون ~~إلا من قاصد للصوم بالضرورة، إذا لم يكن ثم عذر مانع عن الأكل والشرب غير ~~الصوم، ولا يمكن وجود مثل ذلك من غير قاصد؛ إلا إذا كان مجنونا أو ساهيا أو ~~نائما، كمن ينام يوما كاملا. # وإذا تقرر هذا؛ فمجرد القصد إلى السحور قائم مقام تبييت النية عند من ~~اعتبر التبييت، ومجرد الإمساك عن المفطرات وكف النفس عنها في جميع النهار ~~يقوم أيضا مقام النية عند من لم يعتبر التبييت، ومن قال: إنه يجب في النية ~~زيادة على هذا المقدار؛ فليأت بالبرهان؛ فإن مفهوم النية لغة وشرعا لا يدل ~~على غير ما ذكرناه، وهكذا سائر العبادات؛ فإن مجرد قصدها كاف من غير احتياج ~~إلى زيادة على ذلك. # مثلا؛ يكفي في نية الوضوء مجرد دخول المكان المعتاد لذلك، والاشتغال بغسل ~~الأعضاء المخصوصة على الصفة المشروعة، وكذلك في الصلاة؛ يكفي الدخول في ~~المحل الذي تقام فيه، والتأهب لها، والشروع فيها على الصفة المشروعة، فإن ~~القصد والإرادة لازمان لهذه الأفعال؛ لعدم صدور مثل ذلك من العقلاء؛ لمجرد ~~اللعب والعبث. # (2 - ### | فصل مبطلات الصوم # ( [ ### | يبطل الصوم بالأكل والشرب عمدا # ] :) # (يبطل بالأكل والشرب) عمدا، لا خلاف في ذلك، وأما مع النسيان؛ # PageV02P015 # فلا؛ لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~- صلى ms289 الله عليه وسلم -: " من نسي وهو صائم، فأكل وشرب؛ فليتم صومه؛ فإنما ~~الله أطعمه وسقاه ". # وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح: " فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء ~~عليه ". # وفي لفظ آخر للدارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم: " من أفطر يوما ~~من رمضان ناسيا؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة "؛ وإسناده صحيح أيضا؛ قاله ~~الحافظ ابن حجر (1) . # وأخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد مرفوعا: " من أكل في شهر رمضان ناسيا؛ ~~فلا قضاء عليه ". # قال ابن حجر: وإسناده وإن كان ضعيفا؛ لكنه صالح للمتابعة، فأقل درجات هذا ~~الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا، فيصلح للاحتجاج به. انتهى. # وقد ذهب إلى العمل بهذا: الجمهور، وهو الحق، ومن قابل هذه السنة بالرأي ~~الفاسد؛ فرأيه رد عليه، مضروب في وجهه. # ( [ ### | يبطل الصوم بالجماع عمدا # ] :) # (و) هكذا (الجماع) ؛ لا خلاف في أنه يبطل الصيام إذا وقع من عامد، ~~PageV02P016 # وأما إذا وقع مع النسيان؛ فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا، ~~وتمسك بقوله في الرواية الأخرى " من أفطر يوما من رمضان ناسيا؛ فلا قضاء ~~عليه ولا كفارة "، وبعضهم منع من الإلحاق. # أقول: إفساد الصوم بالوطء لا يعرف في مثل هذا خلاف، وقد ثبت في " ~~الصحيحين " وغيرهما: أن المجامع في رمضان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~هلكت يا رسول الله {قال: " وما أهلكك؟} "، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، ~~فأمره بالكفارة. # وفي رواية لأبي داود، وابن ماجه: أنه صلى الله عليه وسلم قال له: " وصم ~~يوما مكانه "؛ وهذه الزيادة مروية من أربع طرق، ويقوي بعضها بعضا. # ويدل على تحريم الوطء للصائم واجبا: مفهوم قوله - سبحانه - {أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسائكم} . # ( [ ### | يبطل الصوم بالقيء عمدا # ] :) # (والقيء عمدا) : لحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ~~ذرعه القيء؛ فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا؛ فليقض "؛ أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم - وصححه -. # وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام؛ وفيه نظر؛ ~~فإن ابن ms290 مسعود، وعكرمة، وربيعة قالوا: إنه لا يفسد الصوم، سواء كان غالبا ~~أو مستخرجا؛ ما لم يرجع منه شيء باختياره، واستدلوا بحديث: # PageV02P017 # " ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة (1) ، والاحتلام "، أخرجه الترمذي من ~~حديث أبي سعيد، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. # وعلى فرض صلاحيته للاستدلال؛ فلا يعارض حديث أبي هريرة؛ لأن هذا مطلق ~~وذاك مقيد بالعمد. # أقول: حديث أبي هريرة المتقدم هو في عدة من كتب الحديث، وله طرق مختلفة ~~ينتهض معها للاستدلال (2) ، وفيه الفرق بين المتعمد للقيء وغير المتعمد، ~~ولا يعارض هذا حديث أبي سعيد المتقدم؛ لأنه عام مخصص بحديث الفرق بين ~~المتعمد وغير المتعمد، فيكون معناه: أن القيء إذا وقع من غير اختيار الصائم ~~بل ذرعه؛ كان غير مفطر، وهذا الجمع لا بد منه. # ويؤيده حديث: أنه صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر (3) ؛ فإن بعض الحفاظ ~~فسره بأنه استقاء، والمراد بالاستقاء؛ تعمد القيء؛ كما صرح به أهل العلم. # ( [ ### | يحرم الوصال # ] :) # (ويحرم الوصال) : لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ كما في حديث أبي ~~هريرة، وابن عمر، وعائشة؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما. PageV02P018 # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | كفارة من أفطر عمدا # ] :) # (وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار) : لحديث المجامع في رمضان؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " هل تجد ما تعتق رقبة؟ "، قال: لا، ~~قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال: لا، قال: " فهل تجد ما ~~تطعم ستين مسكينا؟ "، قال: لا، ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه ~~تمر، فقال: " تصدق بهذا "، قال: فهل على أفقر منا؟ ! فما بين لابتيها أهل ~~بيت أحوج منا، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، وقال: " ~~اذهب فأطعمه أهلك "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، ~~وعائشة. # وقد قيل: إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب، بل بالجماع فقط، ~~ولكن الرجل إنما جامع امرأته؛ فليس في الجماع في نهار رمضان إلا ما في ~~الأكل والشرب؛ لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا ms291 لعارض الصوم. # وقد وقع في رواية من هذا الحديث: أن رجلا أفطر؛ ولم يذكر الجماع (1) . ~~PageV02P019 # أقول: إذا ورد ما يدل على وجوب مثل كفارة الظهار، وورد ما يدل على أنه ~~يجزئ أقل منها،؛ كان ورود الأقل رخصة لمن لا يجد مثل كفارة الظهار، وهذا ~~ظاهر لا لبس فيه. # ( [ ### | تعجيل الفطر وتأخير السحور مندوب # ] :) # (ويندب تعجيل الفطر وتأخير السحور) : لحديث سهل بن سعد، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر "؛ وهو في " ~~الصحيحين " وغيرهما. # وعن أبي ذر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال أمتي بخير؛ ما ~~أخروا السحور، وعجلوا الفطر " (1) ؛ أخرجه أحمد، وفي إسناده سليمان بن ~~عثمان، قال أبو حاتم: مجهول. # وقد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث زيد بن ثابت: أنه كان بين تسحره ~~صلى الله عليه وسلم ودخوله في الصلاة؛ قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. # وفي الباب أحاديث كثيرة. # (3 - ### | قضاء الصوم # :) # ( [ ### | من أفطر لعذر شرعي وجب عليه القضاء # ] :) # (يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي) كالمسافر والمريض، وقد PageV02P020 # صرح بذلك القرآن الكريم: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر} . # وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة؛ وقد تقدم ذكره؛ والنفساء مثلها. # ( [ ### | الفطر للمسافر رخصة # ] :) # (والفطر للمسافر ونحوه رخصة؛ إلا أن يخشى التلف، أو الضعف عن القتال؛ ~~فعزيمة) ، الأحاديث في ذلك كثيرة: # منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر "؛ لما ~~سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر؛ وهو في " الصحيحين " من حديث ~~عائشة، وفيه دليل على تفويض الفطر في الصوم وعدمه إلى المسافر، ومن حمله ~~على صوم التطوع فلم يصب؛ فإنه عند أبي داود، والحاكم - وصححه -: أنه قال: ~~ربما صادفني هذا الشهر - يعني: رمضان -: # وأما حديث: أنه قيل له صلى الله عليه وسلم: إن جماعة لم يفطروا في سفر من ~~أسفاره، فقال: " أولئك العصاة ": فذاك لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان ~~أمرهم بالإفطار في ms292 ذلك اليوم بخصوصه، فسماهم عصاة؛ لمخالفة أمره، لا لمجرد ~~الصوم في السفر. # وأما حديث: " ليس من البر الصيام في السفر " - وهو متفق عليه -: ففي # PageV02P021 # رواية زادها النسائي في هذا الحديث: " عليكم برخص الله التي رخص لكم؛ ~~فاقبلوا " (1) ؛ فالتصريح بالرخصة مشعر بأن الصوم عزيمة، وهو المطلوب. # وأما ما روي بلفظ: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ": فقد صحح جماعة ~~من الحفاظ وقفه على عبد الرحمن بن عوف، ولا حجة في ذلك. # وفي " الصحيحين " من حديث أنس: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. # وأخرج مسلم وغيره (2) عن حمزة بن عمرو الأسلمي: أنه قال: يا رسول الله ~~{أجد مني قوة على الصوم، فهل علي جناح؟ فقال: هي رخصة من الله - تعالى -، ~~فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم؛ فلا جناح عليه ". # وفي " الصحيحين " من حديث جابر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: " ما هذا؟} "، فقالوا: صائم، ~~فقال: " ليس من البر الصوم في السفر ". # وأخرج مسلم (3) ، وأحمد، وأبو داود من حديث أبي سعيد، قال: سافرنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم ~~"، فكانت رخصة؛ فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال: " ~~إنكم PageV02P022 # مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم؛ فأفطروا "، فكانت عزيمة، ثم لقد رأيتنا ~~نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر. # وقد ذهب إلى كون الصوم رخصة في السفر: الجمهور. # وروي عن بعض الظاهرية - وهو محكي عن أبي هريرة -: أن الفطر في السفر ~~واجب، وأن الصوم لا يجزئ. # والمراد ب (نحو المسافر) : الحبلى والمرضع؛ لما أخرجه أحمد، وأهل " السنن ~~" - وحسنه الترمذي - من حديث أنس بن مالك الكعبي، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إن الله - عز وجل - وضع ms293 عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، ~~وعن الحبلى والمرضع الصوم ". # ( [ ### | من مات وعليه صوم صام عنه وليه # ] :) # (ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه) : لحديث عائشة في " الصحيحين " ~~وغيرهما، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من مات وعليه صيام؛ صام ~~عنه وليه "؛ وقد زاد البزار لفظ: " إن شاء ". # قال في " مجمع الزوائد ": " وإسناده حسن " (1) . # وبه قال أصحاب الحديث، وبعض الشافعية، وأبو ثور، والأوزاعي، PageV02P023 # وأحمد بن حنبل. # قال البيهقي في " الخلافيات ": " هذه السنة ثابتة، لا أعلم خلافا بين أهل ~~الحديث في صحتها ". # وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب صوم الولي عن وليه. # وقال في " الحجة ": ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم: " من مات ~~وعليه صوم؛ صام عنه وليه " وقوله فيه أيضا: " فليطعم عنه مكان كل يوم ~~مسكينا "؛ إذ يجوز أن يكون كل من الأمرين مجزئا. # قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " (1) : " وصح عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليه "، فطائفة حملت هذا على عمومه ~~وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض. # وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض. # وفصلت طائفة، فقالت: يصام النذر دون الفرض الأصلي، وهذا قول ابن عباس ~~وأصحابه، والإمام أحمد وأصحابه؛ وهو الصحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى ~~الصلاة؛ فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يسلم أحد عن أحد؛ فكذلك الصيام، وأما ~~النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي ~~دينه، وهذا محض الفقه، وطرد هذا أنه لا يحج عنه، ولا يزكي عنه؛ إلا إذا كان ~~معذورا بالتأخير، كما يطعم الولي عمن أفطر PageV02P024 # في رمضان لعذر، فأما المفطر من غير عذر أصلا (1) ؛ فلا ينفعه أداء غيره ~~عنه لفرائض الله - تعالى - التي فرط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاء ~~وامتحانا دون الولي، فلا ينفع توبة أحد عن أحد، ولا إسلامه عنه، ولا أداء ~~الصلاة عنه، ولا غيرها من فرائض الله - تعالى - التي فرط فيها حتى مات، ~~والله - تعالى - أعلم. # أقول: ms294 الظاهر - والله أعلم - أنه يجب على الولي أن يصوم عن قريبه الميت ~~إذا كان عليه صوم، سواء أوصى أو لم يوص، كما هو مدلول الحديث، ومن زعم خلاف ~~ذلك؛ فليأت بحجة تدفعه (2) . ### | ( [يكفر الكبير العاجز عن الأداء والقضاء] :) # (والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر عن كل يوم بإطعام مسكين) : لحديث ~~سلمة بن الأكوع الثابت في " الصحيحين " وغيرهما، قال: لما نزلت هذه الآية ~~{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ؛ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى ~~نزلت الآية التي بعدها فنسختها. # وأخرج هذا الحديث أحمد، وأبو داود عن معاذ بنحو ما تقدم؛ وزاد: ~~PageV02P025 # ثم أنزل الله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ، فأثبت الله صيامه على المقيم ~~الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع ~~الصيام. # وأخرج البخاري عن ابن عباس، أنه قال: ليست هذه الآية منسوخة: هي للشيخ ~~الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما؛ فيطعمان مكان كل يوم ~~مسكينا. # وأخرج أبو داود، عن ابن عباس، أنه قال: أثبتت للحبلى والمرضع أن يفطرا؛ ~~ويطعما كل يوم مسكينا. # وأخرج الدارقطني، والحاكم - وصححاه - عن ابن عباس، أنه قال: رخص للشيخ ~~الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليه. # وهذا من ابن عباس تفسير لما في القرآن، مع ما فيه من الإشعار بالرفع؛ ~~فكان ذلك دليلا على أن الكفارة هي إطعام مسكين عن كل يوم. # أقول: لم يثبت في الكفارة على من لم يطق الصوم شيء من المرفوع في شيء من ~~كتب الحديث، وليس في الكتاب العزيز ما يدل على ذلك؛ لأن قوله - تعالى -: ~~{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ؛ إن كانت منسوخة - كما ثبت عن سلمة ~~بن الأكوع عند أهل الأمهات كلهم: أنها كانت في أول الإسلام، فكان من أراد ~~أن يفطر يفتدي؛ حتى نسختها الآية التي بعدها وهي قوله - تعالى - {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} ، ومثل ذلك روي عن معاذ ابن جبل؛ أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، ومثله عن ابن عمر؛ أخرجه البخاري -: # PageV02P026 # فالمنسوخ ليس بحجة بلا ms295 خلاف. # وإن كانت محكمة - كما رواه أبو داود عن ابن عباس -: فظاهرها جواز ترك ~~الصوم لمن كان مطيقا غير معذور، ووجوب الفدية عليه، وهو خلاف ما أجمع عليه ~~المسلمون. # وأما قول ابن عباس المتقدم: فكلام غير مناسب لمعنى الآية؛ لأنها في ~~المطيقين، لا فيمن لا يستطيع أن يصوم كما قال، وكذلك ما رواه عنه أبو داود ~~أنها أثبتت للحبلى والمرضع، فإنه يدل على أنها منسوخة فيما عداهما. # فعلى كل حال؛ ليس في الآية دليل على وجوب الإطعام على من ترك الصوم وهو ~~لا يطيقه، وهو محل النزاع، وإذا لم يوجد دليل في كتاب الله، ولا في سنة ~~رسوله: فليس في غيرهما أيضا ما يدل على ذلك، فالحق عدم وجوب الإطعام، وقد ~~ذهب إليه جماعة من السلف؛ منهم: مالك، وأبو ثور، وداود. # وكذا لا فدية على من حال عليه رمضان - وعليه رمضان أو بعضه، ولم يقضه -؛ ~~لأنه لم يثبت في ذلك شيء صح رفعه، وغاية ما فيه آثار عن جماعة من الصحابة ~~من أقوالهم، وليس بحجة على أحد، ولا تعبد الله بها أحدا من عباده، والبراءة ~~الأصلية مستصحبة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح، وقد ذهب إلى هذا النخعي؛ ~~وأبو حنيفة، وأصحابه. # وأما التفريق في قضاء رمضان: فقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عمر: أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - سئل عن قضاء رمضان؟ فقال: # PageV02P027 # " إن شاء فرقه، وإن شاء تابعه "؛ وفي إسناده سفيان بن بشر؛ وقد ضعفه ~~بعضهم. # وقال ابن الجوزي: ما علمنا أحدا طعن فيه، ثم صحح الحديث. # ويؤيد ما دل عليه هذا الحديث من التخيير: قوله - تعالى -: {فعدة من أيام ~~أخر} ؛ وهذه العدة تصدق على ما كان مجتمعا ومتفرقا؛ لأنه يحصل من كل واحد ~~منهما عدة، والبراءة الأصلية قاضية بعدم التعبد بما هو أشق ما يصدق عليه ~~معنى الآية دون ما هو أخف. # وأما ما يروى من أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " من كان عليه صوم من ~~رمضان فليسرده، ولا يقطعه " - كما أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة ms296 -: ~~ففي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، وقد ضعفه جماعة من الأئمة؛ وقال ~~البيهقي: لا يصح، وأنكره أبو حاتم على عبد الرحمن. # وأما ابن القطان فقال: لم يأت من ضعفه بحجة (1) . انتهى. # ولكنه - مع ذلك - لا ينتهض للنقل عن مجرد البراءة الأصلية، فضلا عما ~~عضدها. PageV02P028 # (2 - ### | باب صوم التطوع ### | (الفصل الأول: ما يستحب صيامه) # (1 -[ ### | صيام ستة أيام من شوال # ] :) # (يستحب صيام ست من شوال) : لحديث: " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال؛ ~~فذاك صيام الدهر "، أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي أيوب. # وفي الباب أحاديث. # قال في " الحجة البالغة ": " والسر في مشروعيتها: أنها بمنزلة السنن ~~الرواتب في الصلاة، تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتام فائدتها بهم، ~~وإنما خص في بيان الفضيلة التشبه بصوم الدهر؛ لأن من القواعد المقررة أن ~~الحسنة بعشر أمثالها، وبهذه الستة يتم الحساب ". انتهى. # أقول: ظاهر الحديث أنه يكفي صيام ست من شوال، سواء كانت من أوله، أو من ~~أوسطه، أو من آخره، ولا يشترط أن تكون متصلة به لا فاصل بينها وبين رمضان؛ ~~إلا يوم الفطر، وإن كان ذلك هو الأولى؛ لأن الاتباع - وإن صدق على جميع ~~الصور -؛ فصدقه على الصورة التي لم يفصل فيها بين رمضان وبين الست إلا يوم ~~الفطر الذي لا يصح صومه؛ لا شك أنه أولى. # PageV02P029 # وأما أنه لا يحصل الأجر إلا لمن فعل كذلك فلا؛ لأن من صام ستا من آخر ~~شوال؛ فقد أتبع رمضان بصيام ست من شوال بلا شك، وذلك هو المطلوب. # (2 -[ ### | صيام تسع ذي الحجة # ] :) # (وتسع ذي الحجة) : لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من حديث حفصة عند ~~أحمد، والنسائي، قالت: أربع لم يكن يدعهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر. # وأخرجه أبو داود بلفظ: كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام ~~من كل كل شهر، وأول اثنين من الشهر والخميس (1) . # وقد أخرج مسلم عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت رسول الله - صلى ms297 الله عليه ~~وسلم - صائما في العشر قط. # وفي رواية: لم يصم العشر قط. # وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم. # وآكد التسع يوم عرفة. PageV02P030 # وقد ثبت في " صحيح مسلم " وغيره من حديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " صوم يوم عرفة يكفر سنتين؛ ماضية ومستقبلة، وصوم ~~يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية ". # (3 -[ ### | صيام شهر المحرم # ] :) # (و) أما صيام شهر (محرم) : فلحديث أبي هريرة عند مسلم، وأحمد، وأهل " ~~السنن ": أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ فقال: ~~" شهر الله المحرم ". # وآكده يوم عاشوراء؛ لما ورد فيه من الأحاديث الثابتة في " الصحيحين "، ~~وغيرهما عن جماعة من الصحابة: أنه صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه، ثم ~~قال: " هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ~~ومن شاء فليفطر؛ وقد تقدم أنه يكفر سنة ماضية. # وثبت في " مسلم " (1) ، وغيره: أنه لما أمر بصيامه؛ قالوا: يا رسول الله! ~~إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى؟ فقال: " إذا كان العام المقبل - إن شاء ~~الله -؛ صمنا التاسع "، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قلت: وعليه أهل العلم، واستحب أكثرهم أن يصوم التاسع والعاشر. # وفي " العالمكيرية ": ويكره صوم يوم عاشوراء مفردا. انتهى. # وفي الباب أحاديث أخرى أوردها الشيخ عبد الحق الحنفي الدهلوي في ~~PageV02P031 # " ما ثبت من السنة في أيام السنة ". # أقول: أما شهر المحرم؛ فلا ريب أنه قد خصه دليل صحيح ناطق؛ بأنه أفضل ~~الصيام المتطوع به، ولم يعارضه في هذه الأفضلية إلا ما قيل في صوم يوم ~~عرفة، وقد ذكر الجمع الماتن - رحمه الله - في " شرح المنتقى ". # (4 -[ ### | صيام شهر شعبان # ] :) # (وشعبان) : لحديث أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم ~~من السنة شهرا تاما إلا شعبان؛ يصل به رمضان "؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن " ~~- وحسنه الترمذي (1) -. # وفي " الصحيحين " من حديث عائشة: ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في ~~شعبان؛ كان يصومه إلا قليلا؛ بل كان ms298 يصومه كله. # وفي لفظ: وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان. # (5 -[ ### | صيام الاثنين والخميس # ] :) # (والاثنين والخميس) : لحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يتحرى صيام الاثنين والخميس؛ أخرجه أحمد، والترمذي - وصححه -، والنسائي، ~~وابن ماجه، وابن حبان - وصححه -. # وأخرج نحوه أبو داود من حديث أسامة بن زيد. PageV02P032 # وأخرجه أيضا النسائي، وفي إسناده مجهول؛ مع أنه قد صححه ابن خزيمة. # وأخرج أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فأحب أن يعرض عملي؛ وأنا صائم ". # وفي " صحيح مسلم ": أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ ~~فقال: " ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه ". # (6 -[ ### | صيام أيام البيض # ] :) # (وأيام البيض) : لحديث أبي قتادة عند مسلم وغيره، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر كله ~~". # وأخرج أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن حبان - وصححه - من حديث أبي ذر، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا صمت من الشهر ثلاثة؛ فصم ~~ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة ". # وفي الباب أحاديث. # قال في " الحجة البالغة ": " وقد اختلفت الرواية في اختيار تلك الأيام؛ ~~فورد: " يا أبا ذر! ... " إلخ. # وورد: كان يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: ~~الثلاثاء، والأربعاء، والخميس. # PageV02P033 # وورد: من غرة كل شهر ثلاثة أيام. # وورد: أنه أمر أم سلمة بثلاثة أولها الاثنين والخميس. # ولكل وجه ". انتهى. # (7 -[ ### | صوم يوم وإفطار يوم أفضل التطوع # ] :) # (وأفضل التطوع؛ صوم يوم وإفطار يوم) : لحديث عبد الله بن عمرو في " ~~الصحيحين " وغيرهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صم في كل شهر ~~ثلاثة أيام "، قلت: فإني أقوى من ذلك، فلم يزل يرفعني، حتى قال: " صم يوما، ~~وأفطر يوما؛ فإنه أفضل الصيام، وهو صوم أخي داود - عليه السلام - ". # قال في " الحجة البالغة ": " واختلفت سنن الأنبياء - عليهم السلام - في ~~الصوم، فكان نوح - عليه السلام - يصوم الدهر، وكان ms299 داود - عليه السلام - ~~يصوم يوما ويفطر يوما، وكان عيسى - عليه السلام - يصوم يوما ويفطر يومين أو ~~أياما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه يصوم حتى يقال: لا ~~يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، ولم يكن يستكمل صيام شهر؛ إلا رمضان، وذلك ~~أن الصيام ترياق، والترياق لا يستعمل إلا بقدر المرض، وكان قوم نوح - عليه ~~السلام - شديدي الأمزجة، حتى روي عنهم ما روي، وكان داود - عليه السلام - ~~ذا قوة ورزانة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " وكان لا يفر إذا لاقى "، ~~وكان عيسى - عليه السلام - ضعيفا في بدنه، فارغا لا أهل له ولا مال، فاختار ~~كل واحد ما يناسب الحال، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم عارفا بفوائد الصوم ~~والإفطار، مطلعا على مزاجه وما يناسبه، فاختار بحسب مصلحة الوقت ما شاء ". # PageV02P034 ### | ( [الفصل الثاني: ما يكره صومه] ) # (1 -[ ### | صوم الدهر # ] :) # (ويكره صوم الدهر) : لحديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " لا صام من صام الأبد "؛ وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. # وأخرج أحمد، وابن حبان، وابن خزيمة، والبيهقي، وابن أبي شيبة من حديث أبي ~~موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من صام الدهر؛ ضيقت عليه جهنم ~~هكذا "؛ وقبض كفه. # ولفظ ابن حبان: " ضيقت عليه جهنم هكذا "؛ وعقد تسعين (1) ؛ ورجاله رجال ~~الصحيح. # وهذه الأحاديث من أعظم الأدلة الدالة على أن صوم الدهر مخالف لهديه صلى ~~الله عليه وسلم؛ لأنه نزل صوم صائم الدهر منزلة العدم في الحديث الأول؛ وفي ~~رواية: " لا صام من صام الدهر ولا أفطر "؛ والحديث صحيح. # ويؤيده ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من نهيه صلى الله عليه وسلم لابن ~~عمرو لما أراد أن يصوم الدهر، وقال له: " لا تفعل "، وقال لما بلغه عن ~~المتكلفين في العبادة، أنهم سألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم؟ ~~فاستقلوها، فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أقوم ولا أنام، وقال ~~الثالث: لا أنكح النساء، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما أنا: فأصوم وأفطر، ~~وأقوم وأنام، ms300 وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني ". PageV02P035 # وأما تقريره صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو، قال له: يا رسول الله! ~~إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: " إن شئت " - كما أخرجه الشيخان ~~وغيرهما -: فليس فيه دليل على صوم الدهر؛ لأن السرد يصدق بصوم أيام ~~متتابعة، وإن كانت بعض سنة، فضلا عن أكثر منها. # ومن جملة الوعيد لمن صام الدهر: حديث أبي موسى المتقدم، وهذا وعيد شديد، ~~ومن زعم أنه ترغيب في صوم الدهر؛ فلم يصب (1) . # (2 -[ ### | إفراد يوم الجمعة # ] :) # (وإفراد يوم الجمعة) : لحديث جابر في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم يوم الجمعة. # وفي رواية: أن يفرد بصوم. # وفي الصحيحين " من حديث أبي هريرة: " لا تصوموا يوم الجمعة؛ إلا وقبله ~~يوم أو بعده يوم ". # وفي لفظ لمسلم: " ولا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا ~~يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ". # وفي الباب أحاديث. # قال الشافعي: يكره إفراد الجمعة. # وفي " العالمكيرية ": يستحب صوم يوم الجمعة بانفراده. PageV02P036 # أقول: الأحاديث واردة بالنهي عنه، وحقيقة النهي التحريم؛ إذا لم يصم يوما ~~قبله ولا يوما بعده. # وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من أنه كان يصومه؛ لا يصلح لجعله ~~قرينة صارفة؛ لوجهين: # الأول: أنه لم ينقل أنه كان يصومه منفردا؛ بل الظاهر أنه كان يصومه على ~~غير الصفة التي نهانا عنها. # الثاني: أن فعله لا يعارض قوله الخاص بالأمة؛ كما تقرر في الأصول، وعلى ~~فرض عدم الاختصاص لقوله بالأمة بل شموله له ولهم: فهو مخصص له من العموم، ~~وذلك لا يصلح قرينة صارفة للنهي عن معناه الحقيقي. # (3 -[ ### | إفراد يوم السبت # ] :) # (ويوم السبت) : لحديث الصماء بنت بسر عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، ~~وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، والبيهقي، وصححه ابن السكن، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تصوموا يوم السبت؛ إلا فيما ~~افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء ms301 شجر؛ فليمضغه ". ### | ( [الفصل الثالث: ما يحرم صومه] ) # (1 -[ ### | صوم العيدين # ] :) # (ويحرم صوم العيدين) : لحديث أبي سعيد في " الصحيحين "، وغيرهما، # PageV02P037 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم ~~النحر. # وقد أجمع المسلمون على ذلك. # (2 -[ ### | صوم أيام التشريق # ] :) # (وأيام التشريق) : لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصوم فيها، كما ثبت ذلك ~~من طريق جماعة من الصحابة. # وقد سرد أحاديثه الماتن في " شرح المنتقى ". # (3 -[ ### | استقبال رمضان بيوم أو يومين # ] :) # (واستقبال رمضان بيوم أو يومين) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " ~~وغيرهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتقدمن أحدكم رمضان ~~بصوم يوم أو يومين؛ إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما؛ فليصمه ". # ويؤيده حديث أبي هريرة أيضا عند أصحاب " السنن " - وصححه ابن حبان، وغيره ~~(1) - مرفوعا بلفظ: " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ". # وفي الباب أحاديث. # والخلاف طويل مبسوط في المطولات. # أقول: وما زال الخلاف في هذه المسألة من عصر الصحابة إلى الآن، ~~PageV02P038 # وقد صارت مركزا من المراكز التي يتغالى الناس في أمرها إثباتا ونفيا، ولم ~~يحتج أحد منهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه. # وأما ما احتجوا به من العمومات الدالة على مشروعية مطلق الصوم واستحبابه: ~~فنحن نقول بموجبها، ونقول: هي مخصصة بأحاديث أمره صلى الله عليه وسلم ~~بالصوم لرؤية الهلال، والإفطار لرؤيته، أو إكمال العدة كما صح في جميع ~~دواوين الإسلام، وبأحاديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بيوم أو ~~يومين، وهو في " الصحيح "؛ بل ورد النهي عن صوم النصف الأخير من شعبان. # وقال عمار: من صام يوم الشك؛ فقد عصى أبا القاسم؛ وهو صحيح. # بل قال ابن عبد البر: لا يختلفون في رفعه. # ولعل مراده أن له حكم الرفع، لا أن القائل له هو النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ فهذا إذا لم يصلح لتخصيص العمومات لم يصلح مخصص قط. # ومن نظر إلى ما يقع من عوام المسلمين - بل ومن بعض خواصهم في هذه الأعصار ~~من التجاري على ms302 الصوم والإفطار بمجرد الشكوك والخيالات، التي هي عن الشريعة ~~بمعزل -: قضى العجب، وبكى على الدين، وانتظر القيامة. # PageV02P039 # (3 - ### | باب الاعتكاف # ( [ ### | مشروعية الاعتكاف # ] :) # (يشرع) : لا خلاف في مشروعية الاعتكاف، وقد كان يعتكف النبي صلى الله ~~عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، كما ثبت في " ~~الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة. # ( [ ### | يصح الاعتكاف في كل وقت في المساجد # ] :) # (ويصح في كل وقت في المساجد) : لأنه ورد الترغيب فيه، ولم يأت ما يدل على ~~أنه يختص بوقت معين. # وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن عمر سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: ~~" فأوف بنذرك ". # وأما كونه لا يكون إلا في المساجد؛ فلأن ذلك هو معنى الاعتكاف شرعا؛ إذ ~~لا يسمى من اعتكف في غيرها معتكفا شرعا. # وقد ورد ما يدل على ذلك؛ كحديث: " لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة "؛ أخرجه ~~ابن أبي شيبة (1) ، وسعيد بن منصور من حديث حذيفة. PageV02P040 # قال في " المسوى ": " الاعتكاف جائز في كل مسجد، فإن لم يكن المسجد ~~جامعا: فالخروج للجمعة واجب عليه، فإذا خرج يبطل اعتكافه عند الشافعي، ~~فيحتاج إلى نية جديدة لما يستقبله إن كان تطوعا، ولا يبطل عند أبي حنيفة ~~كما لو خرج لقضاء الحاجة ". # أقول: لا ريب أن مسمى الاعتكاف الشرعي لا يحصل إلا إذا كان في المسجد، ~~ولهذا لم تختلف الأمة في اعتبار ذلك؛ إلا ما يروى عن محمد بن عمر بن لبابة ~~المالكي؛ فإنه أجازه في كل مكان. # وإنما اختلفوا هل يجزىء الاعتكاف في كل مسجد؟ أم في الثلاثة المساجد فقط؟ ~~أم في المسجد الحرام فقط؟ # والظاهر أنه يجزىء في كل مسجد؛ قال - تعالى -: {وأنتم عاكفون في المساجد} ~~؛ ولا حجة في قول عائشة، ولا في قول حذيفة (1) في هذا الباب. # ( [ ### | أفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان # ] :) # (وهو في رمضان آكد سيما في العشر الأواخر منه) : أفضل وآكد؛ لكونه صلى ~~الله عليه وسلم كان يعتكف فيها؛ ms303 ولم يرد ما يدل على توقيته بيوم أو أكثر، ~~ولا على اشتراط الصيام؛ إلا من قول عائشة. # وحديث نذر عمر - المتقدم - يرده. PageV02P041 # وكذلك حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس على ~~المعتكف صيام؛ إلا أن يجعله على نفسه " (1) ، أخرجه الدارقطني، والحاكم، ~~وقال: " صحيح الإسناد "، ورجح الدارقطني، والبيهقي وقفه. # وبالجملة: فلا حجة إلا في الثابت من قوله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت ~~عنه ما يدل على أنه لا اعتكاف إلا بصوم، بل ثبت عنه ما يخالفه في نذر عمر. # وقد روى أبو داود عن عائشة مرفوعا من حديث: " ولا اعتكاف إلا بصوم ". # ورواه غيره من قولها، ورجح ذلك الحفاظ. # أقول: اعلم أن كون الشيء شرطا لشيء آخر، أو ركنا له أو فرضا من فروضه: لا ~~يثبت إلا بدليل؛ لأنه حكم شرعي أو وضعي، ولم يأت ما يدل على أن الاعتكاف لا ~~يكون إلا بصوم، بل ثبت الترغيب منه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف؛ ولم ~~ينقل إلينا أنه اعتبر ذلك، ولو كان معتبرا؛ لبينه للأمة. # وأما اعتكافه صلى الله عليه وسلم في صومه: فلا يستلزم أن يكون الاعتكاف ~~كذلك؛ لأنه أمر اتفاقي، ولو كان ذلك معتبرا؛ لكان اعتكافه في مسجده معتبرا؛ ~~فلا يصح من أحد الاعتكاف في غيره، وأنه باطل. # وأما قول عائشة المتقدم: فظاهر هذا السياق أن لفظ: " ولا اعتكاف إلا بصوم ~~"؛ ليس من بيان السنة المذكورة في أول كلامها، بل ابتداء كلام منها، فقد ~~أخرجه النسائي؛ ولم يذكر فيه قولها: من السنة. PageV02P042 # وكذلك أخرجه أيضا من حديث مالك؛ وليس فيه ذلك. # وقال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: من السنة. # وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج، وما عداه ~~ممن دونها. # وكذلك رجح ذلك البيهقي (1) ؛ كما ذكره ابن كثير في " إرشاده ". # ومما يؤيد هذا: حديث: " من اعتكف فواق ناقة "، وكذلك حديث: " ليس على ~~المعتكف صيام "؛ وفيهما مقال أوضحه الماتن - رحمه الله - في " شرح المنتقى ~~". # وقد ثبت ms304 عنه صلى الله عليه وسلم، أنه اعتكف عشرا من شوال، ولم ينقل عنه ~~أنه صامها، بل روي (2) عنه أنه اعتكف العشر الأول من شوال، ولا يخفى أن يوم ~~الفطر من جملتها، وليس بيوم صوم. # فالحق عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف لما تقدم، ولما ثبت: أن عمر سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في ~~المسجد الحرام؟ فقال: " أوف بنذرك "؛ وهو متفق عليه. # وفي رواية لمسلم: " يوما " مكان: " ليلة ". # وما في " الصحيحين " أرجح مما في أحدهما؛ إذا لم يمكن الجمع. PageV02P043 # وقد جمع ابن حبان، وغيره بأنه نذر اعتكاف ليلة ويوم. # وفي رواية أبي داود، والنسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ~~اعتكف وصم "؛ ولكن في إسناده عبد الله بن بديل، وهو ضعيف، وقد ذكر ابن عدي، ~~والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار. # وقال الحافظ في " الفتح ": إن رواية من روى: " يوما " شاذة. # وإذا عرفت ما تقدم من عدم انتهاض ما احتجوا به على شرطية الصوم؛ فالحق ~~الحقيق بالقبول: أن الاعتكاف يكون ساعة فما فوقها. # بل حديث: " من اعتكف فواق ناقة "؛ يدل على أنه يكون أقله لحظة مختطفة، ~~وهذا الحديث - وإن لم يكن صالحا للاحتجاج به -: فالأصل عدم التقدير بوقت ~~معين، والدليل على مدعي ذلك. # ثم كون اليوم الكامل شرطا للصوم لا يستلزم أن يكون شرطا للاعتكاف؛ لأنه ~~يمكن الاعتكاف بعض اليوم مع الصوم لكل اليوم، فاليوم شرط الصوم لا شرط ~~الاعتكاف؛ على تسليم أن الصوم شرط. # ( [ ### | استحباب الاجتهاد في العمل في العشر الأواخر من رمضان # ] :) # (ويستحب الاجتهاد في العمل فيها) : لحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل كله، وأيقظ أهله، وشد المئزر؛ ~~وهو في " الصحيحين " وغيرهما. # PageV02P044 # ( [ ### | مشروعية قيام ليالي القدر # ] :) # (وقيام ليالي القدر) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما ~~تقدم من ذنبه ". # وفي تعيين ليلة القدر أحاديث ms305 مختلفة، وأقوال جاوزت الأربعين؛ ذكرتها في " ~~مسك الختام شرح بلوغ المرام " بالفارسية؛ وقد استوفاها الماتن في " نيل ~~الأوطار ". # وفي " حاشية الشفاء " للماتن: # " أقول: في تعيينها مذاهب يطول تعدادها، وقد بسطتها في " شرح المنتقى "، ~~فكانت سبعة وأربعين قولا، وذكرت أدلتها، وبينت راجحها من مرجوحها، ورجحت ~~أنها في أوتار العشر الأواخر؛ لما ذكرته هنالك ". انتهى. # قال في " الحجة البالغة ": إن ليلة القدر ليلتان: # إحداهما: ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، وفيها نزل القرآن جملة واحدة، ثم ~~نزل بعد ذلك نجما نجما، وهي ليلة في السنة، ولا يجب أن تكون في رمضان، نعم؛ ~~رمضان مظنة غالبة لها، واتفق أنها كانت في رمضان عند نزول القرآن. # والثانية: يكون فيها نوع من انتشار الروحانية، ومجيء الملائكة إلى الأرض، ~~فيتفق المسلمون فيها على الطاعات، فتتعاكس أنوارهم فيما بينهم، # PageV02P045 # ويتقرب منهم الملائكة، ويتباعد منهم الشياطين، ويستجاب منهم أدعيتهم ~~وطاعاتهم، وهي ليلة في كل رمضان في أوتار العشر الأواخر، تتقدم وتتأخر ~~فيها، ولا تخرج منها، فمن قصد الأولى قال: هي في كل سنة، ومن قصد الثانية ~~قال: هي في العشر الأواخر من رمضان (1) . # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع ~~الأواخر، فمن كان متحريها؛ فليتحرها في السبع الأواخر "، وقال: " أريت هذه ~~الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين "، فكان ذلك في ليلة إحدى ~~وعشرين. # واختلاف الصحابة فيها مبني على اختلافهم في وجدانها. # ومن أدعية من وجدها: " اللهم {إنك عفو تحب العفو؛ فاعف عني ". # وفي " المسوى ": " اختلفوا في [أي] ليلة هي أرجى؟ والأقوى أنها ليلة في ~~أوتار العشرة الأخيرة تتقدم وتتأخر. # وقول أبي سعيد: إنها ليلة إحدى وعشرين. # وقال المزني، وابن خزيمة: إنها تنتقل كل سنة ليلة؛ جمعا بين الأخبار. # قال في " الروضة ": وهو قوي. # ومذهب الشافعي أنها لا تلزم ليلة بعينها. PageV02P046 # وفي " المنهاج ": وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والثالث والعشرين. # وعن أبي حنيفة: أنها في رمضان، لا يدرى أية ليلة هي؟ وقد تتقدم وتتأخر. # وعندهما كذلك؛ إلا أنها متعينة ms306 لا تتقدم ولا تتأخر ". # ( [ ### | لا يخرج المعتكف إلا لحاجة # ] :) # (ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة) : لما ثبت من حديث عائشة في " الصحيحين "، ~~عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان؛ إذا ~~كان معتكفا. # وأخرج أبو داود، عنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمر ~~بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه؛ وفي إسناده ليث بن أبي ~~سليم. # قال الحافظ: والصحيح عن عائشة من فعلها؛ أخرجه مسلم وغيره، وقال: صح ذلك ~~عن علي. # وأخرج أبو داود عن عائشة أيضا، قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود ~~مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة؛ إلا ~~لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. # وأخرجه أيضا النسائي؛ وليس فيه: قالت: السنة. # PageV02P047 # قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: قالت: السنة. # وجزم الدارقطني بأن القدر من حديث عائشة قولها: لا يخرج، وما عداه ممن ~~دونها (1) . # قال في " المسوى ": اتفق أهل العلم على أن المعتكف يخرج للغائط والبول، ~~ولا يفسد به اعتكافه، ولا يخرج للأكل والشرب، ويجوز غسل الرأس، وترجيل ~~الشعر، وما في معناه. # وأكثرهم على أنه لا يجوز له الخروج لعيادة المريض، وصلاة الجنازة؛ إلا أن ~~يخرج لحاجة فيسأل المريض مارا. # وإن شرط في اعتكافه الخروج لشيء من هذا؛ جاز له أن يخرج عند الشافعي، ولا ~~يجوز عند أبي حنيفة؛ كذا في " شرح السنة ". PageV02P048 ### | (الكتاب السابع: ### | كتاب الحج # ) # PageV02P049 # (7 - ### | كتاب الحج # (1 ### | - باب: أحكام الحج) ### | (الفصل الأول: وجوب الحج) # ( [ ### | تعريف الحج # ] :) # أقول: الحج في اللغة: القصد، فمعنى قوله - تعالى -: {ولله على الناس حج ~~البيت} : قصد البيت، والقصد لا إجمال فيه، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " خذوا عني مناسككم "؛ فهو أمر بالاقتداء به في أفعاله وأقواله، والأمر ~~يفيد الوجوب، فتكون المناسك التي بينها - صلى الله عليه وسلم - واجبة، ولا ~~يخرج عن الوجوب منها؛ إلا ما خصه دليل. # ( [ ### | لا دليل على ms307 اختلال الحج باختلال بعض المناسك إلا الوقوف بعرفة # ] :) # وأما كونه لا يصح الحج إلا بفعل جميع المناسك، أو يختل باختلال بعضها: ~~فلا دليل على ذلك؛ لأن الذي يؤثر عدمه في العدم، هو الشرط لا الواجب، وليس ~~في أدلة مناسك الحج ما يفيد تأثير عدمه في عدم الحج؛ إلا الوقوف بعرفة، ولا ~~ريب أنه نسك من مناسك الحج يختص بمزية لا توجد في غيره من المناسك؛ لحديث: ~~" الحج عرفة، من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ". # PageV02P051 # أخرجه أحمد، وأصحاب " السنن "، والحاكم، والبيهقي، وابن حبان من حديث عبد ~~الرحمن بن نعيم الدؤلي. # وأخرج من تقدم ذكره من حديث عروة بن مضرس: " من صلى معنا هذه الصلاة - ~~يعني: صلاة يوم النحر -، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا؛ فقد تم حجه ~~وقضى تفثه ". # وصحح هذا الحديث جماعة من الحفاظ؛ كالحاكم، والدارقطني، وابن العربي (1) ~~. # وفي رواية من حديث عبد الرحمن المذكور: " من جاء عرفة قبل أن يطلع الفجر؛ ~~فقد أدرك الحج ". # وفي رواية لأبي نعيم: " ومن لم يدرك جمعا؛ فلا حج له ". # فهذه الروايات تدل على أن الوقوف بعرفة ركن من الأركان التي لا يتم الحج ~~بدونها. # وههنا بحث؛ وهو أن الاستدلال ببعض أفعاله على الوجوب، وبعضها على الندب ~~تحكم، وكذلك القول بأن بعضها نسك، وبعضها غير نسك، والظاهر أن جميع أفعاله ~~الصادرة عنه في حجته مناسك؛ لأنه لم يبين لنا أن النسك هو هذا الفعل دون ~~هذا، ولكن لا بد أن تكون الأفعال مقصودة لذاتها؛ كالإحرام، والوقوف بعرفة، ~~والطواف، والسعي، ورمي الجمار، لا ما كان غير مقصود لذاته، كالمبيت بمنى ~~ليالي الرمي، أو كان بسبب غير الحج؛ كجمع الصلاتين في مزدلفة، ونحو ذلك. ~~PageV02P052 # وقد زعم الجلال في " ضوء النهار " أن من زعم أن حجه صلى الله عليه وسلم ~~مجمل بين بفعله فقد أسرف في الجهل، قال: " لأن اسم الحج ومسماه ظاهران "، ~~ثم قال: " إن تلك التي فعلها صلى الله عليه وسلم إنما هي أفعال، وهي لا تدل ~~على الوجوب، حتى يعلم أنه فعلها على ms308 وجه الوجوب، وإلا فالظاهر القربة فقط، ~~وهي لا تستلزم الوجوب ولا الشرطية ". انتهى. # ولعله لم يخطر بباله - حال تحرير هذا البحث - حديث: " خذوا عني مناسككم ~~"، وهو حديث صحيح في " مسلم " وغيره، ولا ريب أنه يفيد وجوب مناسك الحج كما ~~قدمنا. # ( [ ### | دليل وجوب الحج على المكلف المستطيع فورا # ] :) # (يجب على كل مكلف مستطيع) : لنص الكتاب العزيز: {ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا} ؛ وعليه إجماع الأمة؛ قالوا: الحج فريضة محكمة يكفر ~~جاحدها، وقالوا: الحر المكلف القادر، إذا وجد الزاد والراحلة وأمن الطريق؛ ~~يلزمه الحج؛ كذا في " المسوى ". # أقول: حديث تفسيره صلى الله عليه وسلم للسبيل بالزاد والراحلة فيه مقال، ~~ولكنه قد روي من طريق جماعة من الصحابة، وفي جميع الطرق علل، لا تمنع تقوية ~~بعضها لبعض، ويشد من عضدها حديث: " من وجد زادا وراحلة "؛ وهو مروي من طريق ~~ثلاثة من الصحابة، وفي جميعها مقال. # فالحاصل: أن مجموع ما ورد في تفسير السبيل بالزاد والراحلة، وترتيب ~~الوجوب عليها؛ ينتهض للاحتجاج به على ذلك، فلا وجوب على من لم يجد الراحلة، ~~كما أنه لا وجوب على من لم يجد الزاد، ولا وجه لقصر # PageV02P053 # السبيل على الزاد والراحلة، بل السلامة من المرض والأمن هما من السبيل، ~~وكذلك المحرم للمرأة؛ لدلالة الدليل على ذلك. # ثم التحقيق: أن الشروط تنقسم إلى قسمين: شرط يتعلق بالفاعل، وشرط يتعلق ~~بالفعل: # فالأول: يتوقف عليه تعلق الخطاب به. # والثاني: يتوقف عليه كونه مطلوبا من فاعله. # والأول - أيضا - هو الذي يقال له: شرط الإيجاب، وشرط الطلب. # والثاني: هو الذي يقال له: شرط الواجب، وشرط المطلوب. # وإيضاح هذا: أن التكليف والإسلام والحرية؛ شروط متعلقة بالفاعل، والزاد، ~~والراحلة، والأمن، والمحرم؛ شروط متعلقة بالفعل، فجعل بعض شروط الفعل ~~للوجوب، وبعضها للأداء؛ غير موافق لعقل ولا نقل، وأنت خبير بأن المرأة ~~منهية عن السفر بدون محرم، كما ثبت النهي عن ذلك في " الصحيح "، ولم يثبت ~~النهي عن الحج لمن لم يجد الراحلة مثلا، بل كان الإيجاب متعلقا بوجودها، ~~وهذا يقتضي أن تحصيل المحرم ms309 أهم من تحصيل الراحلة؛ لأن السفر بدون محرم ~~حرام، كما يقتضيه النهي بحقيقته، وكما يقتضيه لفظ: " لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام - أو يوما، أو ليلة، أو بريدا - ~~بدون محرم "؛ على اختلاف الروايات. # ولم يرد ما يدل على تحريم السفر بدون الراحلة، فإيجاب الوصية بالحج على ~~من ماتت ولها زاد وراحلة وليس لها محرم، دون من ماتت ولها زاد # PageV02P054 # ومحرم وليس لها راحلة: ليس بمناسب؛ فإن فاقدة المحرم لم تستطع إلى الحج ~~سبيلا؛ كفاقدة الراحلة وزيادة. # ومعنى كون الشيء شرطا لتأدية شيء آخر: أن التأدية بدونه لا تصح، وهذا ~~يعود إلى شرط الصحة، وهم لا يريدون هذا، بل معنى شرط الأداء عندهم: أن يكون ~~المكلف قد كملت له شروط الصحة والوجوب، ولم يبق إلا التأدية؛ وهي مشروطة ~~بشرط، وهذا اصطلاح قليل الثمرة، غاية ما فيه؛ أن من مات وقد كملت له شروط ~~الصحة والوجوب، ولم يبق إلا شرط الأداء؛ وجب عليه الإيصاء بالحج، وقد تقدم ~~ما هو الحق في ذلك. # (فورا) : لحديث ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " تعجلوا إلى ~~الحج؛ فإن أحدكم ما يدري ما يعرض له "؛ أخرجه أحمد. # وأخرج أحمد - أيضا -، وابن ماجه من حديث ابن عباس، عن الفضل - أو أحدهما ~~عن الآخر - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أراد الحج ~~فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة "؛ وفي إسناده ~~إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل، وهو صدوق ضعيف الحفظ. # وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وسعيد بن منصور، والبيهقي من حديث أبي أمامة ~~مرفوعا: " من لم يحبسه مرض، أو حاجة ظاهرة، أو مشقة ظاهرة، أو سلطان جائر، ~~فلم يحج؛ فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا "؛ وفي إسناده ليث بن أبي ~~سليم، وشريك، وفيهما ضعف. # وأخرجه الترمذي من حديث علي مرفوعا: " من ملك زادا وراحلة تبلغه # PageV02P055 # إلى بيت الله ولم يحج؛ فلا عليه أن يموت نصرانيا، أو يهوديا؛ وذلك لأن ~~الله - تعالى - قال في كتابه: {ولله على ms310 الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} ". # قال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال والحديث يضعف، وهلال بن عبد الله ~~الراوي له عن أبي إسحاق مجهول. # وقال العقيلي: لا يتابع عليه. # وقد روي من طريق ثالثة من حديث أبي هريرة عند ابن عدي بنحوه. # وروى سعيد بن منصور في " سننه " عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد ~~هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج، ~~فيضربوا عليهم الجزية؛ ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين؛ وأخرجه أيضا البيهقي. # وقد ذهب إلى القول بالفور: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي. # وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد: إنه على التراخي. # قال في " حجة الله البالغة " - تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من ~~ملك زادا وراحلة ... " الخ -: # " أقول: ترك ركن من أركان الإسلام يشبه بالخروج عن الملة، وإنما شبه تارك ~~الحج باليهودي والنصراني، وتارك الصلاة بالمشرك؛ لأن اليهود والنصارى يصلون ~~ولا يحجون، ومشركو العرب يحجون ولا يصلون. # PageV02P056 # والمصلحة المرعية في الحج إعلاء كلمة الله، وموافقة سنة إبراهيم - عليه ~~السلام -، وتذكر نعمة الله عليه ". انتهى. # ( [ ### | دليل وجوب العمرة # ] :) # وفي بعض نسخ المتن: # (وكذلك العمرة؛ وما زاد فهو نافلة) ، وفي حديث أبي هريرة، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج ~~المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ". # قلت: الحج المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم. # ( [ ### | من منكرات الحج تضييع الصلاة # ] :) # وفي " تنبيه الغافلين " للشيخ محيي الدين بن إبراهيم النحاس؛ في ذكر ~~منكرات الحجاج: # " وأعظمها فتنة، وأجلها مصيبة، وأكثرها وجودا وبلية: هو تضييع أكثرهم ~~الصلاة في الحج، وكثير منهم لا يتركونها؛ بل يضيعون أوقاتها، ويجمعونها على ~~غير الوجه الشرعي، وذلك حرام بالإجماع، ومن تحقق أن ذلك نصيبه في حجه؛ حرم ~~عليه الحج، رجلا كان أو امرأة. # قال ابن الحاج: وقد قال علماؤنا في المكلف: إذا علم أنه تفوته الصلاة ~~الواحدة إذا خرج إلى الحج؛ فقد سقط الحج عنه. # PageV02P057 # وقد سئل ms311 (1) مالك في الذي يركب البحر ولا يجد موضعا يسجد فيه إلا على ظهر ~~أخيه (2) : أيجوز له الحج؟ فقال - رحمه الله -: أيركب حيث لا يصلي؟ {ويل ~~لمن ترك الصلاة} ويل له { # وأما النساء؛ فلا يمكن إحداهن الصلاة في وقتها المشروع إلا في النادر ~~الذي لا حكم له، وسبب هذا المنكر العظيم أمراء الحاج وتهاونهم في الإنكار، ~~وخوف المصلي من فوات الرفقة، ومشقة اللحوق بهم، فالواجب على الأمراء أن ~~يقفوا بالحج في أوقات الصلاة إذا دخلت عليهم وهم مسافرون، ويتفقدوا من لم ~~يصل من الجمالين وغيرهم، ويشددوا عليهم في أمر الصلاة، ويمنعوا من يتقدم ~~منهم قبل الصلاة، فإن لم يفعلوا؛ كان إثم من ترك الصلاة كذلك في أعناقهم، ~~ومن تركها تهاونا وكسلا ولم يعلموا به؛ فإثمه في عنق نفسه، وحكمه مذكور في ~~كتب الفقه ". انتهى حاصله (3) . ### | (الفصل الثاني: وجوب تعيين نوع الحج بالنية) # ( [ ### | تعيين نوع الحج بالنية واجب # ] :) PageV02P058 # (ويجب تعيين نوع الحج بالنية) : لأن المناسك - على ما استفاض من الصحابة، ~~والتابعين، وسائر المسلمين - أربعة: حج مفرد، وعمرة مفردة، وتمتع، وقران: # (من تمتع) : وهو أن يحرم الآفاقي بالعمرة في أشهر الحج، فيدخل مكة ويتم ~~عمرته ويخرج من إحرامه، ثم يبقى حلالا حتى يحج، وعليه أن يذبح ما استيسر من ~~الهدي. # (أو قران) : وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معا، ثم يدخل مكة ويبقى ~~على إحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج، وعليه أن يطوف طوافا واحدا، ويسعى سعيا ~~واحدا - في قول -، وطوافين وسعيين، ثم يذبح ما استيسر من الهدي، فإذا أراد ~~أن ينفر من مكة؛ طاف للوداع. # (أو إفراد) ؛ أي: حج مفرد أو عمرة مفردة، فالحج لحاضر مكة أن يحرم منها، ~~ويجتنب في الإحرام الجماع ودواعيه، والحلق، وتقليم الأظفار، ولبس المخيط، ~~وتغطية الرأس، والتطيب، والصيد، ويجتنب النكاح على قول، ثم يخرج إلى عرفات، ~~ويكون فيها عشية عرفة، ثم يرجع منها بعد غروب الشمس، ويبيت بمزدلفة، ويدفع ~~منها قبل شروق الشمس، فيأتي منى، ويرمي العقبة الكبرى، ويهدي إن كان معه، ~~ويحلق أو يقصر، ثم يطوف ms312 للإفاضة في أيام منى، ويسعى بين الصفا والمروة. # وللآفاقي أن يحرم من ميقات. # فإن دخل مكة قبل الوقوف؛ طاف للقدوم ورمل فيه، وسعى بين الصفا والمروة، ~~ثم بقي على إحرامه حتى يقوم بعرفة، ويرمي ويحلق، ويطوف، ولا رمل ولا سعي ~~حينئذ. # PageV02P059 # والعمرة: أن يحرم من الحل، فإن كان آفاقيا فمن الميقات، فيطوف ويسعى ~~ويحلق أو يقصر. # وبالجملة: فتعيين نوع الحج بالنية؛ لما تقدم في الوضوء. # وقد ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث عائشة، قالت: خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ~~ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل "، قالت: وأهل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، وأهل به ناس معه، وأهل معه ناس ~~بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة. # وفي " البخاري " من حديث جابر: أن إهلال النبي صلى الله عليه وسلم من ذي ~~الحليفة حين استوت به راحلته. # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر، قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا من عند المسجد - يعني: مسجد ذي الحليفة -. # وقد وقع الخلاف في المحل الذي أهل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حسب اختلاف الرواة؛ فمنهم من روى أنه أهل من المسجد، ومنهم من روى أنه أهل ~~حين استقلت به راحلته، ومنهم من روى أنه أهل لما علا شرف البيداء، وقد جمع ~~بين ذلك ابن عباس، فقال: إنه أهل في جميع هذه المواضع، فنقل كل راو ما سمع. # قال في " الحجة البالغة ": " وبين ابن عباس أن الناس كانوا أتوه أرسالا، ~~فأخبر كل واحد بما رآه ". # PageV02P060 # ( [ ### | التمتع أفضل أنواع الحج # ] :) # (والأول) ؛ أي: التمتع (أفضلها) ؛ أي: الأنواع الثلاثة. # واعلم أن هذه المسألة قد طال فيها النزاع، واضطربت فيها الأقوال، فمنهم ~~من قال بأن أفضل الأنواع القران؛ لكونه صلى الله عليه وسلم حج قرانا على ما ~~هو الصحيح، ms313 وإن كان قد ورد ما يدل على أنه حج إفرادا، لكن الأحاديث الصحيحة ~~الثابتة في " الصحيحين " وغيرهما من طرق عديدة؛ مصرحة بأنه أهل بحج وعمرة، ~~فلو لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن غير ما فعله أفضل مما ~~فعله؛ لكان القران أفضل الأنواع، لكنه ورد ما يدل على ذلك. # ففي " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " يا أيها الناس! أحلوا؛ فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم "، قال: ~~فأحللنا، حتى وطئنا النساء، وفعلنا كما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم ~~التروية، وجعلنا مكة بظهر؛ أهللنا بالحج. # وثبت مثل ذلك في حديث جماعة من الصحابة بألفاظ: منها: " لو استقبلت من ~~أمري ما استدبرت؛ ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة ". # وقد ذهب إلى هذا جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ كمالك وأحمد، وهو ~~الحق؛ لأنه لم يعارض هذه الأدلة معارض، وقد أوضح فيها صلى الله عليه وسلم ~~أن نوع التمتع أفضل من النوع الذي فعله، وهو القران. # وقد أوضح الماتن حجج الأقوال، وما احتج به كل فريق في " شرح المنتقى "، ~~والعبد الضعيف في " شرح بلوغ المرام "، وكذلك أوضح الماتن فيه؛ # PageV02P061 # أن حجه - صلى الله عليه وسلم - كان قرانا. # أقول: قد روى الفسخ عنه صلى الله عليه وسلم أربعة عشر رجلا من الصحابة. # وأما قول أبي ذر؛ فليس بحجة على أحد؛ لأنه رأي صحابي فيما للاجتهاد فيه ~~مسرح. # والحاصل: أن هذا البحث يطول الكلام عليه جدا، فمن رام العثور على الصواب؛ ~~فعليه ب " شرح المنتقى "، أو ب " الهدي النبوي " للحافظ ابن القيم - رحمه ~~الله -. # قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " أفتى صلى الله عليه وسلم بجواز ~~فسخهم الحج إلى العمرة، ثم أفتاهم باستحبابه، ثم أفتاهم بفعله حتما، ولم ~~ينسخه شيء بعده، وهو الذي ندين الله به؛ أن القول بوجوبه أقوى وأصح من ~~القول بالمنع منه. # وقد صح عنه صحة لا شك فيها أنه قال: " من لم يكن أهدى؛ فليهل بعمرة، ومن ~~أهدى؛ فليهل بحج ثم ms314 مع عمرة ". # وأما ما فعله هو: فإنه صح عنه أنه قرن بين الحج والعمرة من بضع وعشرين ~~رواية عن ستة وعشرين نفسا من أصحابه، ففعل القران وأمر بفعله من ساق الهدي، ~~وأمر بفسخه إلى التمتع من لم يسق الهدي، وهذا من فعله وقوله؛ كأنه رأي عين؛ ~~وبالله التوفيق ". # ( [ ### | توضيح ما يتعلق بحج الرسول صلى الله عليه وسلم # ] :) # فإن قيل: كيف وقع اختلاف بين الصحابة - رضي الله تعالى # PageV02P062 # عنهم - في صفة حجته صلى الله عليه وسلم؛ وهي حجة واحدة، وكل واحد منهم ~~يخبر عن مشاهدة في قصة واحدة؟ # قلت: قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث؛ فمن مجد ~~منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر. # قال: وأوسعهم في ذلك نفسا؛ أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فإنه تكلم في ذلك في ~~زيادة على ألف ورقة، وتكلم معه في ذلك أيضا أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد ~~الله بن أبي صفرة، ثم المهلب، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقاضي ~~أبو الحسن بن القصار البغدادي، والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم. # قال القاضي عياض: وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم، ~~واخترناه من اختياراتهم، مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة؛ ليدل على ~~جواز جميعها، ولو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزئ، فأضيف الجميع إليه، ~~وأخبر كل واحد بما أمره به، وأباحه له، ونسبه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ إما لأمره وإما لتأويله عليه. انتهى. # أقول: إنما ذكر المختلفون في أفضل الأنواع نوع حجته صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأنهم يقولون: إن النوع الذي اختاره صلى الله عليه وسلم لنفسه لا يكون إلا ~~فاضلا، ولا سيما والتلبية كانت عن وحي من الله - عز وجل -؛ كما في حديث: ~~أنه نزل جبريل فقال: " قل: لبيك بحجة وعمرة ". # PageV02P063 # وقد اختلف في نوع حجته صلى الله عليه وسلم، والحق أنه قران كما قرر ~~الماتن ms315 ذلك في " شرح المنتقى "، ولكنه قال بعد ذلك: " لو استقبلت من أمري ~~ما استدبرت؛ ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة "، يعني: كما فعل أصحابه صلى الله ~~عليه وسلم عن أمره، وهذا الحديث متفق على صحته كما تقدم، فدل على أن التمتع ~~أفضل من القران بلا ريب. # ولا اعتبار بقول من قال: إنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك تطييبا ~~لقلوب أصحابه؛ حيث حجوا تمتعا لعدم الهدي؛ لأن المقام مقام تشريع، لا مقام ~~جبر خواطر، وتطييب قلوب، فالحق أن التمتع أفضل. # وأما أنه متعين لا يجوز غيره - كما رجحه ابن القيم - رحمه الله -، وأطال ~~الكلام في تقريره -؛ فلا (1) . # قال في " التكميل ": " اختلفوا في نسك النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان ~~مفردا للحج، أو قارنا، أو متمتعا سائق الهدي؟ ووجه التطبيق: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين جمع الناس، وخرج من المدينة المنورة إلى مكة المعظمة؛ ~~كان لا ينوي إلا الحج، فلما بات بذي الحليفة في العقيق؛ أمر بالقران، فقال: ~~" لبيك بحجة وعمرة "، فلما دخل مكة، وتذكر جهالة العرب أن العمرة في أشهر ~~الحج من أفجر الفجور، وعرف أنه في آخر عمره ولا يعيش إلى قابل؛ أراد رد هذا ~~الوهم بأبلغ وجه، فأمر الناس بفسخ إحرام الحج وجعله عمرة، وقال: " لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما سقت الهدي، وأحللت مع الناس كما حلوا "، ~~فكان مفردا بحسب ابتداء النية والشهرة، وقارنا بحسب تلبيته من PageV02P064 # العقيق؛ حيث أمر: " صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة "، وكان ~~متمتعا سائق الهدي بحسب الهم والرغبة، ولم ينقل تجديد الإحرام للحج يوم ~~التروية، نعم؛ عرف تجديد التلبية عند إنشاء السفر إلى عرفة من منى، فكان ~~قارنا حقيقة، مفردا في أول الأمر، متمتعا في آخره ". انتهى. # قال في " المسوى ": " والتحقيق في هذه المسألة: أن الصحابة لم يختلفوا في ~~حكاية ما شاهدوه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم من أنه أحرم من ذي ~~الحليفة، وطاف أول ما قدم، وسعى بين الصفا المروة، ثم خرج ms316 يوم التروية إلى ~~منى، ثم وقف بعرفات، ثم بات بمزدلفة، ووقف بالمشعر الحرام، ثم رجع إلى منى، ~~ورمى، ونحر، وحلق، ثم طاف طواف الزيارة، ثم رمى الجمار في الأيام الثلاثة؛ ~~وإنما اختلفوا في التعبير عما فعل باجتهادهم وآرائهم. # فقال بعضهم: كان ذلك حجا مفردا، وكان الطواف الأول للقدوم، والسعي لأجل ~~الحج، وكان بقاؤه على الإحرام؛ لأنه قصد الحج. # وقال بعضهم: كان ذلك تمتعا بسوق الهدي، وكان الطواف الأول للعمرة، كأنهم ~~سموا طواف القدوم والسعي بعده عمرة، وإن كان للحج، وكان بقاؤه على الإحرام؛ ~~لأنه كان متمتعا بسوق الهدي. # وقال بعضهم: كان ذلك قرانا، والقران لا يحتاج إلى طوافين وسعيين. # وهذا الاختلاف سبيله سبيل الاختلاف في الاجتهاديات. # أما أنه سعى تارة أخرى بعد طواف الزيارة - سواء قيل بالتمتع أو القران -؛ ~~فإنه لم يثبت في الروايات المشهورة، بل ثبت عن جابر أنه لم يسع بعده ". ~~انتهى. # PageV02P065 # قال النووي في " شرح صحيح مسلم ": " وأما إحرامه صلى الله عليه وسلم ~~بنفسه؛ فأخذ بالأفضل، فأحرم مفردا للحج، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة، وأما ~~الروايات بأنه كان متمتعا؛ فمعناها: أمر به، وأما الروايات بأنه كان قارنا؛ ~~فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل إخبار عن حاله حين أمر ~~أصحابه بالتحلل من حجهم، وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية؛ إلا من كان معه ~~هدي، وكان هو صلى الله عليه وسلم ومن معه هدي في آخر إحرامهم قارنين؛ يعني: ~~أنهم أدخلوا العمرة على الحج؛ وفعل ذلك مواساة لأصحابه، وتأنيسا لهم في ~~فعلها في أشهر الحج، لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج؛ ولم يمكنه ~~التحلل معهم بسبب الهدي، واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم، فصار النبي ~~صلى الله عليه وسلم قارنا في آخر أمره، وقد اتفق جمهور العلماء على جواز ~~إدخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه ". انتهى. # (ويكون الإحرام) ؛ وهو في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة، فيه ~~تصوير الإخلاص والتعظيم، وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر، وفيه جعل النفس متذللة ~~خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة، ms317 وأنواع التجمل، وفيه تحقيق ~~معاناة التعب والتشعث والتغير لله. # أقول: وليس في إيجاب الإحرام - على غير من دخل لأحد النسكين - دليل. # أما الآية - أعني: قوله - تعالى -: {وإذا حللتم فاصطادوا} -؛ فإنها بيان ~~لما حرمه عليهم من الصيد حال الإحرام، في قوله تعالى -: {إلا ما يتلى # PageV02P066 # عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم} - وقد علم أنه لا إحرام إلا لأحد ~~النسكين -، ثم أخبرهم بإباحة الصيد لهم إذا حلوا. # وأما قول ابن عباس؛ فاجتهاد منه، وليس ذلك من الحجة في شيء، والمقام مقام ~~اجتهاد، ولهذا خالفه ابن عمر، فجاوز الميقات غير محرم، كما روى ذلك عنه ~~مالك في " الموطإ ". # وقد كان المسلمون في عصره صلى الله عليه وسلم يختلفون إلى مكة لحوائجهم، ~~ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بإحرام، كقصة الحجاج بن علاط، وكذلك قصة أبي ~~قتادة لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال، وقد كان أرسله لغرض قبل ~~الحج، فجاوز الميقات غير مريد للحج ولا للعمرة، والبراءة الأصلية مستصحبة؛ ~~فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح يجب العمل به. # وقد ذهب إلى جواز المجاوزة من غير إحرام - لغير الحاج والمعتمر - ابن عمر ~~والشافعي في أخير قوليه. # وأما إيجاب الدم على من جاوز - معللا ذلك بأنه ترك نسكا -: ففاسد؛ فإن ~~الإحرام ليس بنسك لغير من أراد الحج أو العمرة، على أنه لم يثبت عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: " من ترك نسكا فعليه دم "؛ وإنما روي ذلك عن ابن ~~عباس؛ كما في " الموطإ ". # ( [ ### | الإحرام من المواقيت المكانية المحددة # ] :) # (من المواقيت المعروفة) : لحديث ابن عباس في " الصحيحين " وغيرهما، قال: ~~وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا # PageV02P067 # الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، ~~قال: " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن؛ لمن كان يريد الحج والعمرة ". # وفائدة التأقيت: المنع عن تأخير الإحرام، فلو قدم عليها جاز. # أقول: قال قوم: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يوقت لأهل العراق ~~ذات عرق، وإنما وقته عمر بن ms318 الخطاب - رضي الله عنه -. # قلت: قد ذهب إلى هذا طاوس، ورواه أحمد بن حنبل عن ابن عباس، وإليه ذهب ~~جماعة من الشافعية - كالغزالي والرافعي والنووي وغير هؤلاء -، ووجه ذلك؛ ما ~~قاله ابن خزيمة وابن المنذر من أنه لم يصح أنه - صلى الله عليه وسلم - وقت ~~ذات عرق لأهل العراق في حديث صحيح. # قال الحافظ في " الفتح ": " لعل من قال: إنه غير منصوص؛ لم يبلغه، أو رأى ~~ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق من طرقه لا تخلو عن مقال، لكن الحديث بمجموع ~~طرقه يقوى ". انتهى. # وقد ذكر الماتن - رحمه الله - في " شرح المنتقى " من روى حديث توقيت ذات ~~عرق لأهل العراق من الصحابة، ومجموع ما رووه لا يخرج عن حد الحسن لغيره، ~~وهو مما تقوم به الحجة. # ( [ ### | يحرم من كان دون المواقيت من مكانه # ] ) # (ومن كان دونها فمهله) من (أهله) وكذلك (حتى أهل مكة) يهلون منها. # PageV02P068 # ومثله في " الصحيحين " أيضا من حديث ابن عمر. # وفي رواية من حديثه لأحمد: أنه قاس الناس ذات عرق بقرن. # وفي " البخاري " من حديثه: أن عمر قال لأهل البصرة والكوفة: انظروا حذو ~~قرن من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق. # في " المسوى ": " وميقات المكي للحج جوف مكة، وللعمرة الحل. # في " العالمكيرية ": والتنعيم أفضل. # وفي المنهاج ": أفضل بقاع الحل الجعران (1) ، ثم التنعيم، ثم الحديبية ". # وأما الغسل للإحرام: ففيه حديث خارجة بن زيد - حسنه الترمذي، وضعفه ~~العقيلي -. # وأما حديث جابر في ولادة أسماء وغسلها: فهو صحيح، ولكنه قد قيل: إن أمرها ~~بذلك ليس للإحرام؛ بل لقذر النفاس، وكذلك أمره للحائض. # وقد أخرج الحاكم، والبيهقي من حديث ابن عباس: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~اغتسل ولبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم أحرم بالحج؛ وفي ~~إسناده يعقوب بن عطاء، وهو ضعيف. # والحديث محتمل؛ فيمكن أن يكون الغسل للإحرام، ويمكن أن يكون PageV02P069 # لغيره، كإذهاب وعثاء السفر، أو التبرد أو نحوهما. # ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من الناس أن يغتسل للإحرام؛ ~~إلا ما وقع منه ms319 الأمر للحائض والنفساء دون غيرهما، فدل ذلك على أن ~~اغتسالهما للقذر، ولو كان للإحرام؛ لكان غيرهما أولى بذلك منهما، فمع ~~الاحتمال في فعله - وعدم صدور الأمر منه -؛ لا تثبت المشروعية أصلا. # وأما إزالة التفث (1) قبل الإحرام: فلم يرد في هذا شيء يصلح لإثبات مثل ~~هذا الحكم الشرعي؛ وهو الاستحباب. # وأما ما قيل من أنه يقاس على تطييبه صلى الله عليه وسلم: فقياس فاسد، ولا ~~سيما وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم الإرشاد إلى ترك الشعر والبشر بعد ~~رؤية هلال ذي الحجة لمن أراد أن يضحي؛ كما في " صحيح مسلم "، وسائر " السنن ~~" من حديث أم سلمة؛ والحاج أولى بهذه السنة من غيره؛ لأنه في شغل شاغل عن ~~ذلك. # وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عمر: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: من الحاج يا رسول الله؟ ! قال: " الشعث التفل (2) ". # وقد كان ابن عمر إذا أفطر من رمضان وهو عازم على الحج في ذلك العام؛ لم ~~يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا؛ حتى يحج كما في " الموطإ ". PageV02P070 # والحاصل: أن التساهل في الأحكام الشرعية بلا دليل - بل إثبات ما قام ~~الدليل على خلافه -: ليس من دأب أهل الإنصاف. ### | ( [الفصل الثالث: فصل محظورات الإحرام] ) # (1 -[ ### | لباس المخيط # ] :) # (ولا يلبس المحرم القميص) : الفرق بين المخيط وما في معناه وبين غير ذلك: ~~أن الأول ارتفاق وتجمل وزينة، والثاني ستر عورة، وترك الأول تواضع لله، ~~وترك الثاني سوء أدب؛ كذا في " الحجة ". # (ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس، ولا زعفران، ~~ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا ~~تنتقب (1) المرأة، ولا تلبس القفازين، وما مسه الورس والزعفران) : لحديث ~~ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما، قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ما يلبس المحرم؟ فقال: " لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا ~~البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس (2) ، ولا زعفران، ولا الخفين؛ إلا ~~أن لا يجد نعلين؛ فليقطعهما حتى يكونا أسفل من ms320 الكعبين ". # قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه ~~المحرم. PageV02P071 # وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" من لم يجد نعلين؛ فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا؛ فليلبس سراويل ". # وفي " الصحيحين " نحوه من حديث ابن عباس. # وأخرج أحمد، والبخاري، والنسائي، والترمذي - وصححه - من حديث ابن عمر، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس ~~القفازين ". # زاد أبو داود، والحاكم، والبيهقي: " وما مس الورس والزعفران من الثياب ". # والقفاز - بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي -: ما تلبسه المرأة في ~~يدها، فتغطي أصابعها وكفها عند معاناة شيء. # (2 -[ ### | التطيب ابتداء # ] :) # (ولا يتطيب ابتداء) ، ويجوز له أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل ~~الإحرام؛ فذلك هو الراجح؛ جمعا بين الأدلة. # وقد أوضح الماتن ذلك في " شرح المنتقى "، و " حاشية الشفاء " وغيرهما. # قال صاحب " سبل السلام " في " منسكه ": " ولما أراد الإحرام اغتسل ~~لإحرامه، ثم طيبته عائشة بذريرة وطيب فيه مسك في يديه ورأسه، حتى كان وبيص ~~(1) المسك يرى في مفارقه ولحيته صلى الله عليه وسلم، ثم استدامه ولم يغسله ~~". انتهى. PageV02P072 # (3 -[ ### | الأخذ من الشعر والبشرة إلا لعذر # ] :) # (ولا يأخذ من شعره وبشره إلا لعذر) : لحديث كعب بن عجرة في " الصحيحين " ~~وغيرهما، قال: كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~والقمل بتناثر على وجهي، فقال: " ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى! ~~أتجد شاة؟ "، قلت: لا، فنزلت الآية {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ، قال: ~~" هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين - نصف صاع -؛ طعاما لكل مسكين ". # وقد تقدم الكلام على إزالة التفث؛ فليراجع. # (4 -[ ### | الجدال والرفث والفسق # ] :) # (ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل) : لنص القرآن الكريم: {فلا رفث ولا فسوق ~~ولا جدال في الحج} ؛ وهذه الأمور لا تحل للحلال، ولكنها مع الإحرام أغلظ. # وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى ms321 الله عليه ~~وسلم يقول: " من حج ولم يرفث ولم يفسق؛ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ". # قال الحافظ المنذري: الرفث يطلق ويراد به الجماع، ويطلق ويراد به ~~الفحشاء، ويطلق ويراد به خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق به الجماع. # وقد نقل [أن] معنى هذا الحديث كل واحد من هذه الثلاثة عن جماعة من ~~العلماء. # PageV02P073 # قلت: فيحرم الجميع. # وقال مالك: الرفث إصابة النساء، والله - تعالى - أعلم؛ قال الله - تعالى ~~-: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} . # والفسوق الذبح للأنصاب، والله - تعالى - أعلم؛ قال - تعالى: {أو فسقا أهل ~~لغير الله به} . # والجدال في الحج: أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقزح ~~(1) ، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، فكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن ~~أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فقال الله - تعالى -: {لكل أمة جعلنا منسكا ~~هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} ؛ فهذا ~~الجدال في الحج، فيما نرى، والله - تعالى - أعلم. # وأما فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة: فإن كان الدليل (2) على هذا ~~PageV02P074 # الفساد أقوال الصحابة؛ فمع كون الروايات عنهم إنما هي بطريق البلاغ - كما ~~ذكره مالك في " الموطإ "، وليس ذلك بحجة لو كان في المرفوع فضلا عن الموقوف ~~-: فقد عرفت غير مرة أن قول الصحابي ليس بحجة؛ إنما الحجة في إجماعهم عند ~~من يقول بحجية الإجماع. # وأما الاستدلال على ذلك بما أخرجه أبو داود في " المراسيل " بإسناد رجاله ~~ثقات: أن رجلا جامع امرأته وهما محرمان، فسألا النبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: " اقضيا نسككما، واهديا هديا ": فالمرسل لا حجة فيه على ما هو الحق ~~(1) . # وأما الاستدلال بقوله - تعالى -: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} : ~~فعلى تسليم أن الرفث هو الجماع؛ غاية ما يدل عليه المنع منه، لا أنه يفسد ~~الحج، وإلا لزم في الجدال أنه يفسد الحج؛ ولا قائل بذلك (2) . # والمروي في هذا الحديث المرسل هو إيجاب الهدي عليهما، والهدي يصدق على ~~الشاة والبقرة والبدنة، ولا وجه لإيجاب أشد ما يطلق عليه اسم الهدي. ms322 # ولا حجة فيما رواه في " الموطإ " عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل واقع أهله ~~وهو بمنى قبل أن يفيض؟ فأمره أن ينحر بدنة؛ ولا يصح تقييد المطلق به ولا ~~تفسير المجمل. PageV02P075 # فالحاصل: أن البراءة الأصلية مستصحبة، ولا ينقل عنها إلا ناقل صحيح تقوم ~~به الحجة، وليس ههنا ما هو كذلك، فمن وطئ قبل الوقوف أو بعده، قبل الرمي أو ~~قبل طواف الزيارة: فهو عاص يستحق العقوبة، وتغفر له بالتوبة، ولا يبطل حجه، ~~ولا يلزمه شيء، ومن زعم غير هذا؛ فعليه الدليل المرضي، فليس بين أحد وبين ~~الحق عداوة. # ( [ ### | النكاح والإنكاح # ] :) # (ولا ينكح ولا ينكح ولا يخطب) : لحديث عثمان - الثابت في " مسلم " وغيره ~~-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا ~~يخطب " (1) . # وفي الباب أحاديث. # وأما ما في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ~~ميمونة وهو محرم: # فقد عارضه ما في " صحيح مسلم " وغيره من حديث ميمونة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تزوجها وهو حلال. # وما أخرجه أحمد، والترمذي - وحسنه (2) - من حديث أبي رافع: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالا، وكان أبو رافع السفير بين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة. # وهما أعرف بذلك. PageV02P076 # وعلى فرض صحة خبر ابن عباس ومطابقته للواقع: فلا يعارض الأحاديث المصرحة ~~بالنهي، بل يكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قرر الماتن في ~~مؤلفاته: أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا خالف ما أمر الأمة به أو نهاهم ~~عنه؛ يكون مختصا به. # قال في " الحجة البالغة ": " اختار أهل الحجاز من الصحابة والتابعين ~~والفقهاء أن السنة للمحرم أن لا ينكح ولا ينكح، واختار أهل العراق أنه يجوز ~~له ذلك، ولا يخفى عليك أن الأخذ بالاحتياط أفضل. # وعلى الأول: السر فيه أن النكاح من الارتفاقات المطلوبة أكثر من الصيد، ~~ولا يقاس الإنشاء على الإبقاء؛ لأن الفرح والطرب إنما يكون في الابتداء، ~~ولذلك يضرب بالعروس المثل في هذا الباب دون ms323 البقاء ". انتهى. # (6 -[ ### | قتل الصيد # ] :) # (ولا يقتل صيدا) : فإن الله - تعالى - حرم على المحرم صيد البر ما دام ~~حرما. # والمراد من الصيد عند الشافعي: كل صيد مأكول بري، فذبح الأنعام ليس منه، ~~وكذا ما ليس بمأكول، وكذا الصيد البحري (1) . # وعند أبي حنيفة: غير المأكول قد يكون صيدا. # ( [ ### | بيان جزاء قتل الصيد # ] :) # (ومن قتله فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل) : لما ورد ~~PageV02P077 # بذلك القرآن الكريم: {ومن قتله منكم متعمدا (1) فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ~~ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام} . # أقول: ههنا أمران: أحدهما: اعتبار المماثلة، الثاني: حكم العدلين. # وظاهره أن العدلين إذا حكما بغير المماثل لم يلزم حكمهما؛ لأنه قال: ~~{يحكم به} ؛ أي: بالمماثل. # وحق العدالة أن لا يقع من صاحبها الحكم بغير المماثل؛ إلا لغلط أو طرو ~~شبهة؛ بأن المعتبر في المماثلة هو هذا الوصف دون هذا الوصف؛ والواقع ~~بخلافه. # ثم الظاهر أن العدلين إذا حكما بحكم في السلف؛ لا يكون ذلك الحكم لازما ~~للخلف، بل تحكيم العدلين ثابت عند كل حادثة تحدث في قتل الصيد. # إذا تقرر لك هذا: فاعلم أن جعل الظبي مشبها بالشاة دون التيس؛ مخالف ~~للمشاهد المحسوس؛ فإن الظبي يشبه التيس في غالب ذاته وصفاته، ولا مشابهة ~~بينه وبين الشاة في غالب ذاته وصفاته، وكذلك الحمامة؛ فإنها لا تشبه الشاة ~~في شيء من الأوصاف، وكذلك سائر الطيور ليس بمشابه للشاة في شيء. ~~PageV02P078 # وإذا صح عن بعض السلف أنه حكم في شيء منها بشاة؛ فذلك غير لازم لنا؛ لما ~~عرفت من أن حكم العدلين لا بد أن يكون بالمثل، كما صرح به القرآن الكريم. # (7 -[ ### | الأكل مما صيد لأجله # ] :) # (ولا يأكل ما صاده غيره) : لحديث الصعب بن جثامة في " الصحيحين " ~~وغيرهما: أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا (1) وهو ~~بالأبواء ms324 أو بودان (2) ، فرده عليه، فلما رأى في وجهه؛ قال: " إنا لم نرده ~~عليك؛ إلا أنا حرم ". # وأخرج مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم. # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أكل من صيده الذي صاده وهو حلال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~محرما، فأكل عضد حمار الوحش الذي صاده. # وجمع بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة المتفق عليه؛ بأنه صلى الله عليه ~~وسلم إنما امتنع من أكل صيد الصعب لكونه صاده لأجله، وأكل من صيد أبي قتادة ~~لكونه لم يصده لأجله، فلو كان صيد الحلال حراما على المحرم لما أكل منه صلى ~~الله عليه وسلم، وقرر الصحابة على الأكل منه، فهذا يدل على جواز أكل المحرم ~~لصيد الحلال. PageV02P079 # ويدل على ذلك أيضا حديث جابر عند أحمد، وأهل " السنن "، وابن خزيمة، وابن ~~حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~صيد البر لكم حلال وأنتم حرم؛ ما لم تصيدوه أو يصد لكم "؛ وهذا الحديث وإن ~~كان فيه مقال (1) ؛ فهو لا يقدح في انتهاضه للاستدلال، وهو نص في الفرق ~~باعتبار القصد وعدمه. # ( [ ### | جواز أكل صيد الحلال إذا لم يصده لأجل المحرم # ] :) # (إلا إذا كان الصائد حلالا، ولم يصده لأجله) ، ولا بد من ضبط الصيد؛ فإن ~~الإنسان قد يقتل ما يريد أكله، وقد يقتل ما لا يريد أكله، وإنما يريد به ~~التمرن بالاصطياد، وقد يقتل ويريد أن يدفع شره عنه، أو عن أبناء جنسه، وقد ~~يذبح بهيمة الأنعام. # فأيها الصيد؟ # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن المحرم منه ما صاده المحرم أو صيد لأجله، ~~وما لم يكن كذلك فإنه حلال، كما أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من ~~حديث جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صيد البر حلال لكم؛ ~~ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ". # وفي لفظ: " أو يصد لكم ". # فما ورد من الأحاديث في ذلك تحريما وتحليلا: حمل على ذلك التفصيل. ~~PageV02P080 # (8 -[ ### | قطع شجر الحرم إلا الإذخر # ] :) # (ولا يعضد ms325 (1) من شجر الحرم إلا الإذخر (2)) : لحديث ابن عباس في " ~~الصحيحين " وغيرهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " ~~إن هذا البلد حرام؛ لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه (3) ، ولا ينفر صيده، ولا ~~تلتقط لقطته إلا لمعرف "، قال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه لا بد لهم منه؛ ~~فإنه للقيون (4) والبيوت؟ فقال: " إلا الإذخر ". # وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة. # ( [ ### | يجوز للمحرم قتل الفواسق # ] :) # (ويجوز له قتل الفواسق الخمس) : لحديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما، ~~قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: ~~الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور. # وفي " الصحيحين " أيضا من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " خمس من الدواب؛ ليس في قتلهن جناح ". PageV02P081 # وفي " صحيح مسلم " من حديث ابن عمر زيادة: " الحية ". # وكذلك في حديث ابن عباس عند أحمد بإسناد فيه ليث بن أبي سليم. # قال البغوي: " اتفق أهل العلم على أنه يجوز للمحرم قتل هذه الأعيان ~~المذكورة في الخبر، ولا شيء عليه في قتلها. # وقاس الشافعي عليها كل حيوان لا يؤكل لحمه، فقال: لا فدية على من قتلها ~~في الإحرام أو الحرم ". # ( [ ### | صيد المدينة وشجره كحرم مكة # ] :) # (وصيد حرم المدينة وشجره كحرم مكة) : لحديث علي، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " المدينة حرم؛ ما بين عير إلى ثور "؛ وهو في " الصحيحين " ~~وغيرهما. # وفي " الصحيحين " أيضا من حديث عباد بن تميم، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم ~~إبراهيم مكة ". # وفي الباب أحاديث في " الصحيحين " وغيرهما عن جماعة من الصحابة. # قال ابن القيم: " وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة ~~وعشرون صحابيا في أن المدينة حرم يحرم صيدها، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول ~~ومعارضتها بالمتشابه من قوله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا عمير! ما فعل ~~النغير (1) ". PageV02P082 # ويالله العجب {أي الأصول التي خالفتها هذه السنن، وهي من أعظم الأصول؟ ~~فهلا ms326 رد حديث أبي عمير لمخالفته لهذه الأصول؟} ونحن نقول: معاذ الله {أن ~~نرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة صحيحة غير معلومة النسخ أبدا. # وحديث أبي عمير يحتمل أربعة أوجه، قد ذهب إلى كل منها طائفة: # أحدها: أن يكون متقدما على أحاديث تحريم المدينة؛ فيكون منسوخا. # الثاني: أن يكون متأخرا عنها معارضا لها؛ فيكون ناسخا. # الثالث: أن يكون النغير مما صيد خارج المدينة ثم أدخل المدينة كما هو ~~الغالب من الصيود. # الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رخص لأبي بردة في ~~التضحية بالعناق دون غيره. # فهو متشابه كما ترى، فكيف يجعل أصلا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة ~~الصريحة التي لا تحتمل إلا وجها واحدا؟} ". انتهى. # ( [ ### | من قطع شجر المدينة أو خبطه سلب # ] :) # (إلا أن من قطع شجره أو خبطه كان سلبه حلالا لمن وجده) : لحديث سعد ابن ~~أبي وقاص: أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا، أو يخبطه فسلبه، ~~فلما رجع سعد جاءه أهل العبد، فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من ~~غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأبى أن يرد عليهم؛ أخرجه مسلم، وأحمد. # PageV02P083 # وفي لفظ لأحمد، وأبي داود، والحاكم - وصححه -، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " من رأيتموه يصيد فيه شيئا؛ فلكم سلبه ". # أقول: عندي أنه لا يجب على من قتل صيدا - أو قطع شجرا من حرم المدينة -، ~~لا جزاء ولا قيمة، بل يأثم فقط، ويكون لمن وجده يفعل ذلك أخذ سلبه؛ ولا يجب ~~على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شيء؛ إلا مجرد الإثم. # وأما من كان محرما: فعليه الجزاء الذي ذكره الله - عز وجل - إذا قتل ~~صيدا، وليس عليه شيء في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة. # وما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدوحة الكبيرة: " إذا قطعت ~~من أصلها؛ بقرة ": لم يصح. # وما يروى عن بعض السلف لا حجة ms327 فيه. # والحاصل: أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد وقطع الشجر، وبين وجوب ~~الجزاء أو القيمة؛ بل النهي يفيد بحقيقته التحريم، والجزاء والقيمة لا ~~يجبان إلا بدليل، ولم يرد دليل إلا قول الله - تعالى -: {لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم} الآية؛ وليس فيها إلا ذكر الجزاء فقط؛ فلا يجب غيره. ### | ( [صيد وج وشجره حرام] :) # (ويحرم صيد وج) - بفتح الواو وتشديد الجيم -: اسم واد بالطائف (وشجره) : ~~لحديث الزبير، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # PageV02P084 # " إن صيد وج وعضاهه (1) حرام؛ محرم لله - عز وجل - "، أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، والبخاري في " تاريخه "، وحسنه المنذري (2) ، وصححه الشافعي. # وأخرج أبو داود من حديث الزبير بن العوام بلفظ، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " صيد وج محرم "، وحسنه الترمذي (3) ، وصححه الشافعي. ~~PageV02P085 # وقد ذهب إلى ما في الحديث: الشافعي؛ وهو الحق. # ولم يأت من قدح في الحديث بما يصلح للقدح المستلزم لعدم ثبوت التكليف بما ~~تضمنه. ### | ( [الفصل الرابع: فصل ما يجب عمله أثناء الطواف] ) # [طواف القدوم سبعة أشواط] : # (وعند قدوم الحاج مكة يطوف للقدوم) : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما دخل المسجد الحرام؛ بدأ بالطواف ولم يصل تحية المسجد؛ فإن تحية المسجد ~~الحرام الطواف بالبيت. # قد استفاض عن الصحابة أن أول شيء كانوا يبدأون به الطواف بالبيت، ثم لا ~~يحلون؛ رواه الشيخان. # ولا يسن طواف القدوم لمن أحرم من مكة؛ وعليه أهل العلم. # في " المنهاج ": يختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف. # (سبعة أشواط) : الأقرب - والله أعلم -: أن الطواف يوافق الصلاة، فمن شك: ~~هل طاف ستة أشواط أو سبعة أشواط؟ فليطرح الشك وليتحر الصواب، PageV02P086 # فإن أمكنه ذلك عمل عليه، وإن لم يمكنه فليبن على الأقل، كما ورد بذلك ~~الدليل الصحيح. # وشرع الطواف في الأصل؛ لإغاظة المشركين كما في حديث ابن عباس، قال: قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم ~~قد وهنتهم (1) حمى يثرب، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا ~~الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما ms328 بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا ~~الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم؛ متفق عليه. # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا طاف بالبيت الطواف الأول؛ خب (2) ثلاثا، ومشى أربعا. # وفي لفظ: رمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحجر إلى الحجر ~~ثلاثا، ومشى أربعا. # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن عمر، أنه قال: فيم الرملان الآن، ~~والكشف عن المناكب وقد أطى (3) الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ ! ومع ذلك ~~لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد ذهب الجمهور إلى فرضية الطواف للقدوم. PageV02P087 # وقال أبو حنيفة: سنة. # وروي عن الشافعي أنه كتحية المسجد. # والحق الأول؛ لقوله - تعالى -: {وليطوفوا بالبيت العتيق} . # ( [ ### | يرمل الحاج في الثلاثة الأولى من الطواف # ] :) # (يرمل في الثلاثة الأولى، ويمشي فيما بقي) : # قال في " الحجة ": " وأول طواف بالبيت رمل واضطباع (1) ، وبعده سعي بين ~~الصفا والمروة، وكان عمر أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم ~~تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض، فلم يتركهما ". # ( [ ### | يقبل الحاج الحجر الأسود # ] :) # (ويقبل الحجر الأسود) : لما في " الصحيحين " من حديث عمر: أنه كان يقبل ~~الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنقع، ولولا أني رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم ~~من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي هذا ~~الحجر يوم القيامة؛ له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه ~~بحق ". PageV02P088 # وفي الباب أحاديث. # وأما الابتداء بالحجر: فلأنه وجب عند التشريع أن يعين محل البداية وجهة ~~المشي، والحجر أحسن مواضع البيت؛ لأنه نازل من الجنة، واليمين أيمن ~~الجهتين. # (أو يستلمه) ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في استلامه ثلاث صفات: أحدها: ~~تقبيله، وثانيها: أنه وضع يده عليه ثم قبلها، وثالثها: أنه يشير إليه ~~بالمحجن (1) . # ولم يقل: طوافي لكذا، ولا افتتحه بالتكبير كما ms329 يفعله كثير ممن لا علم ~~عنده، وذلك من البدع المنكرة. # (بمحجن ويقبل المحجن) : لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عباس، ~~قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن ~~بمحجن. # وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل، وزاد: ويقبل المحجن. # (ونحوه) ؛ أخرج أحمد من حديث عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ~~يا عمر! إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر؛ فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلة ~~فاستلمه؛ وإلا فاستقبله وهلل وكبر "؛ وفي إسناده مجهول (2) . PageV02P089 # ( [ ### | ويستلم الحاج الركن اليماني # ] :) # (ويستلم الركن اليماني) : لما أخرج أحمد، والنسائي عن ابن عمر، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا ~~حطا "؛ وفي إسناده عطاء بن السائب (1) . # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر، قال: لم أر النبي صلى الله ~~عليه وسلم يمس من الأركان إلا اليمانيين. # وأخرج البخاري في " تاريخه "، وأبو يعلى من حديث ابن عباس، قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليماني؛ وفي إسناده عبد الله بن مسلم ~~بن هرمز؛ وهو ضعيف (2) . # وأخرج أحمد، وأبو داود من حديثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~الركن اليماني، ويضع خده عليه. # قال صاحب " سبل السلام " (3) : " وكان يقول عند استلامهما: " بسم الله ~~والله أكبر "، وكان كلما أتى الحجر يقول: " الله أكبر ". # ولم يحفظ له دعاء معين في الطواف؛ إلا أنه أخرج أبو داود، وابن ~~PageV02P090 # حبان (1) : أنه يقول بين الركنين: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار} ، وفي الطواف: " اللهم! قنعني بما رزقتني، وبارك لي ~~فيه، واخلف على كل غائب لي بخير "، أخرجه الحاكم. # وفي " مصنف ابن أبي شيبة ": " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له ~~الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ". # والموضع موضع دعاء، فيختار فيه ما شاء ". انتهى. # قلت: إنما خص الركنين اليمانيين بالاستلام - كما ذكره ابن عمر - من أنهما ~~باقيان على بناء إبراهيم دون الركنين ms330 الآخرين، فإنهما من تغيرات الجاهلية، ~~وإنما اشترط له شروط الصلاة كما ذكره ابن عباس؛ لأن الطواف يشبه الصلاة في ~~تعظيم الحق وشعائره، فحمل عليها. # ( [ ### | القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد # ] :) # (ويكفي القارن طواف واحد، وسعي واحد) : لكونه صلى الله عليه وسلم حج ~~قرانا على الأصح، واكتفى بطواف واحد للقدوم، وبسعي واحد، ولا دليل على وجوب ~~طوافين وسعيين. # وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: " من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأة ~~طواف واحد وسعي واحد "؛ وقد حسنه الترمذي. # أقول: الأدلة القاضية بأن الواجب على القارن ليس إلا طواف واحد ~~PageV02P091 # وسعي واحد: ثابتة قولا وفعلا: # أما القول: فحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~قرن بين حجه وعمرته؛ أجزأه لهما طواف واحد "؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة. # وأخرجه أيضا الترمذي بلفظ: " من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد ~~وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعا "، وقال " " هذا حديث حسن ". # وأخرجه أيضا سعيد بن منصور بنحو لفظ الترمذي. # وأما إعلال الطحاوي لهذا الحديث بالوقف: فقد رده غيره من الحفاظ؛ لأن ~~الطحاوي قال: إن الدراوردي أخطأ في رفعه، وإنه موقوف، فأجابوا عنه بأن ~~الدراوردي صدوق، وأن رفعه حجة (1) . # ومن القول؛ حديث طاوس عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " ~~يسعك طوافك لحجك وعمرتك "، أخرجه أحمد، ومسلم. # وأخرج أيضا مسلم من طريق مجاهد عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لها: " يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ". # وأما أحاديث الفعل: فأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة: أن الذين جمعوا بين ~~الحج والعمرة طافوا طوافا واحدا. PageV02P092 # وأخرج مسلم، وأبو داود عن جابر: أنه لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. # وأخرج البخاري عن ابن عمر: أنه طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا؛ بعد أن ~~قال: إنه سيفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس: أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول ~~الله ms331 صلى الله عليه وسلم لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا. # واستدل القائلون بأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين بفعل علي - رضي الله ~~عنه -، وقوله: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هكذا؛ أخرجه عبد ~~الرزاق، والدارقطني، وغيرهما (1) . # وقد روي نحوه عن ابن مسعود، وابن عمر بأسانيد في بعضها متروك، وفي البعض ~~الآخر ضعيف. # حتى قال ابن حزم: لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من ~~أصحابه في ذلك شيء. # وتعقب بأن حديثي علي وابن مسعود (2) ؛ لا بأس بإسناديهما، ولهذا رجح ~~البيهقي وغيره المصير إلى الجمع: أنه طاف طواف القدوم، وطواف الإفاضة، قال: ~~وأما السعي فلم يثبت فيه شيء. PageV02P093 # وقد حكى الحافظ في " الفتح " أنه روى جعفر الصادق عن أبيه: أنه كان يحفظ ~~عن علي للقارن طوافا واحدا؛ خلاف ما يقوله أهل العراق. # والحاصل: أن الجمع بما تقدم - إن اندفع به النزاع - فالمراد؛ وإلا وجب ~~المصير إلى التعارض والترجيح، ولا يشك عالم بالحديث أن أدلة الطواف الواحد ~~والسعي الواحد أرجح. # ( [ ### | وجوب الوضوء وستر العورة أثناء الطواف # ] :) # (ويكون حال الطواف متوضئا ساتر العورة) : لما في " الصحيحين " من حديث ~~عائشة: أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم؛ أنه توضأ، ثم ~~طاف بالبيت. # وفيهما أيضا من حديث أبي بكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ~~يطوف بالبيت عريان ". # في " شرح السنة ": عند الشافعي لا يجزىء الطواف إلا بما يجزىء به الصلاة؛ ~~من الطهارة عن الحدث والنجاسة، وستر العورة، فإن ترك شيئا منها؛ فعليه ~~الإعادة (1) . # قال في " الأنوار ": ولو أحدث في الطواف عمدا؛ توضأ وبنى، ولا ~~PageV02P094 # يجب الاستئناف وإن طال الفصل. # والكلام في الطواف مباح، ويستحب أن لا يتكلم؛ إلا بذكر الله أو حاجة أو ~~علم. # وقال أبو حنيفة: إذا طاف جنبا أو محدثا وفارق مكة؛ لا تلزمه الإعادة ~~وعليه دم. # وفي " العالمكيرية ": " أن كل عبادة تؤدى لا في المسجد من المناسك؛ ~~فالطهارة ليست من شرطها، كالسعي، والوقوف بعرفة، وكل عبادة في المسجد؛ ~~فالطهارة ms332 من شرطها كالطواف ". # أقول: أما فرضية الوضوء للطواف أو شرطيته - كما زعمه البعض -: فغاية ما ~~في ذلك حديث: أنه توضأ صلى الله عليه وسلم ثم طاف، وهذا مجرد فعل لا ينتهض ~~للوجوب، وليس الوضوء بداخل في عموم المناسك، حتى يقول: إنه بيان لقوله: " ~~خذوا عني مناسككم ". # فإن قيل: إنه شرط النسك أو فرضه؛ فيكون من جملة بيان المناسك؛ فيجاب بأن ~~هذه مصادرة على المطلوب؛ لأن كونه شرطا أو فرضا هو محل النزاع، ومع هذا ~~ففعله للوضوء يحتمل أن يكون لما يتعقب الطواف من الصلاة، ولا سيما وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم لا يدخل المسجد إلا متوضئا في غير الحج، فملازمته لذلك ~~في الحج أولى. # وأما منعه صلى الله عليه وسلم للحائض أن تطوف بالبيت: فليس فيه دليل على ~~أن المنع لها لكون الطهارة شرطا أو فرضا للطواف؛ لاحتمال أن يكون المنع لها ~~لكون # PageV02P095 # الطواف من داخل المسجد، وهي ممنوعة من المساجد، ولو سلم فغايته أن ~~الطهارة من الحيض هي الشرط، لا الوضوء. # وأما حديث: " الطواف بالبيت صلاة ": فمع كونه في إسناده عطاء بن السائب ~~(1) ؛ وهو ضعيف؛ فليس التشبيه بمقتض لمساواة المشبه للمشبه به في جميع ~~الأوصاف، بل الاعتبار التشابه في أخص الأوصاف؛ وليس هو الوضوء. # ( [ ### | يحرم الطواف على الحائض # ] :) # (والحائض تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف) طواف القدوم وكذا طواف ~~الوداع (بالبيت) : لحديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " ~~الحائض تقضي المناسك كلها؛ إلا الطواف "؛ أخرجه أحمد. # وأخرج نحوه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من حديث ابن عمر. # ولحديث عائشة أيضا في " الصحيحين " وغيرهما: أنه قال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت، حتى ~~تغتسلي (2) ". PageV02P096 # ( [ ### | يسن الذكر بالمأثور أثناء الطواف # ] :) # (ويندب الذكر حال الطواف بالمأثور) : لحديث عبد الله بن السائب، قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين الركن اليماني والحجر: {ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ms333 ؛ أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم؛ لأنه دعاء جامع نزل به القرآن، ~~وهو قصير اللفظ يناسب تلك الفرصة القليلة. # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " وكل به - يعني: ~~الركن اليماني - سبعون ملكا، فمن قال: اللهم {إني أسألك العفو والعافية في ~~الدنيا والآخرة {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار} ؛ قالوا: آمين "؛ أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه إسماعيل بن عياش، وهشام ~~بن عمار؛ وهما ضعيفان (1) . # وأخرج ابن ماجه أيضا من حديثه أنه سمعه يقول: " من طاف بالبيت سبعا، ولا ~~يتكلم إلا بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله: محيت عنه عشر سيئات، وكتب له عشر حسنات، ورفع له بها ~~عشر درجات "، وفي إسناده من تقدم في الحديث الأول (2) . PageV02P097 # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي - وصححه - (1) من حديث عائشة، قالت: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا ~~والمروة؛ لإقامة ذكر الله - تعالى - ". # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | صلاة ركعتين في مقام إبراهيم بعد الطواف # ] :) # (وبعد فراغه يصلي ركعتين) : # وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: هما واجبتان. # (في مقام إبراهيم ثم يعود إلى الركن فيستلمه) : لحديث جابر عند مسلم ~~وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انتهى إلى مقام إبراهيم؛ قرأ ~~{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ؛ فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب، و {قل يا ~~أيها الكافرون} ، و {قل هو الله أحد} ، ثم عاد إلى الركن، فاستلمه. # قلت: وجهر فيهما بقراءته نهارا، فالجهر فيهما السنة؛ ليلا ونهارا، فلما ~~PageV02P098 # فرغ منهما؛ أتى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي ~~يقابله. ### | ( [الفصل الخامس: وجوب السعي بين الصفا والمروة] ) # ( [ ### | وجوب السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط # ] :) # (ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط داعيا بالمأثور) ؛ والسعي واجب؛ ~~لقوله - تعالى -: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} ms334 ؛ وعليه أهل ~~العلم؛ إلا أنه عند الشافعي من الأركان؛ فلا يجبر بالدم. # وذهب الجمهور إلى أنه فرض. # وعند أبي حنيفة: من الواجبات، وعلى من تركه دم؛ كذا في " المسوى ". # والسعي هو النسك الثالث؛ لأن النسك الأول الإحرام، والثاني الطواف؛ كما ~~تقدم. # ودليله ما أخرج أحمد، والشافعي، من حديث حبيبة بنت أبي تجزأة (1) ، ~~PageV02P099 # أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي ~~"؛ وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف. # وله طريق أخرى في " صحيح ابن خزيمة "، و " الطبراني " عن ابن عباس. # وأخرج أحمد نحوه من حديث صفية بنت شيبة (1) . # وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما فرغ من طوافه؛ أتى الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، ~~فجعل يحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو. # وأخرج نحوه النسائي من حديث جابر. # وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما دنا من الصفا قرأ: " {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ؛ أبدأ بما بدأ ~~الله به "، فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد ~~الله وكبره، قال: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، ~~وهزم الأحزاب وحده "، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى ~~المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا؛ مشى حتى أتى ~~المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا. # ويجوز السعي راكبا، وماشيا - وهو أفضل -، وعليه أهل العلم. PageV02P100 # ( [ ### | المتمتع بعد السعي يصبح حلالا # ] :) # (وإذا كان متمتعا صار بعد السعي حلالا حتى إذا كان يوم التروية أهل ~~بالحج) : لقول عائشة حاكية لحجهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم -: فأما من ~~أهل بالعمرة؛ فأحلوا حين طافوا بالبيت، وبالصفا والمروة؛ وهو في " الصحيحين ~~" وغيرهما. # وفيهما أيضا من حديث جابر، أن النبي - صلى الله عليه ms335 وسلم - قال: " أحلوا ~~من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالا، حتى ~~إذا كان يوم التروية؛ فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم لها متعة ". # وفي لفظ لمسلم من حديثه أيضا، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، فأهللنا من الأبطح. # أقول: الإهلال هو رفع الصوت بلفظ: لبيك بحجة وعمرة، والظاهر من الأدلة؛ ~~أنه لا يجب إلا نية الإحرام بالحج، وليس وراء ذلك أمر آخر هو الإحرام؛ بل ~~هو مجرد النية. # وأما اشتراط كونها مقارنة لتلبية أو تقليد؛ فلم يدل عليه دليل؛ بل ~~التلبية ذكر مستقل وسنة منفردة، وكذلك التقليد للهدي، ولا كلام في ثبوت ~~مشروعيتهما، وأما أنهما شرط لنية الإحرام بالحج؛ فلا، ومن ادعى ذلك؛ فعليه ~~البرهان. # PageV02P101 ### | ( [الفصل السادس: مناسك الحج] ) # ( [ ### | التوجه إلى عرفات صبح يوم التاسع # ] ) ### | ( [ويصلي: الظهر والعصر جمع تقديم مع خطبة] :) # (ثم يأتي عرفة صبح يوم عرفة ملبيا مكبرا، ويجمع العصرين) الظهر والعصر ~~(فيها ويخطب) : لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس وهو على ~~راحلته خطبة بديعة؛ قرر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك ~~والجاهلية، وقرر فيها المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء ~~والأموال والأعراض، وغير ذلك من الأحكام، وكانت خطبة واحدة، لم تكن خطبتين ~~يجلس بينهما. # وقال في " الحجة ": " إنما خطب يومئذ بالأحكام التي يحتاج الناس إليها، ~~ولا يسعهم جهلها؛ لأن اليوم يوم اجتماع، وإنما تنتهز مثل هذه الفرصة لمثل ~~هذه الأحكام، التي يراد تبليغها إلى جميع الناس ". انتهى. # ( [ ### | الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة ويصلي المغرب والعشاء جمع تأخير # ] :) # (ثم يفيض من عرفة ويأتي المزدلفة ويجمع فيها بين العشاءين) المغرب ~~والعشاء بأذان وإقامتين، ولا يسبح (1) ههنا؛ كما ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم. # ( [ ### | المبيت في المزدلفة ويصلي الفجر فيها # ] :) # (ثم يبيت بها) : قال النحاس: إن كثيرا من الحجاج لا يقف بالمزدلفة، ~~PageV02P102 # وإن وقف فلا يبيت، وهذه بدعة يجب على الأمير، ومن قدر أن يمنع منها؛ لأن ~~من ترك المبيت ms336 بالمزدلفة وجب عليه إراقة دم في الأظهر. # وذهب ابن خزيمة، وجماعة من العلماء إلى أن المبيت بها ركن. # فعلى هذا إذا تركه فسد (1) حجه، ولا يجبر بدم ولا بغيره، وشرط المبيت أن ~~يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل، فلو رحل قبله لم يسقط عنه الدم، ~~ولو عاد إليها قبل الفجر سقط. انتهى. # (ثم يصلي الفجر) حتى يتبين له الصبح بأذان وإقامة. # ( [ ### | الوقوف في المشعر مع ذكر الله # ] :) # (ويأتي المشعر) الحرام. # تركهم السنة في الوقوف بالمشعر الحرام بدعة أيضا، ويستقبل القبلة. # (فيذكر الله عنده) ويدعوه ويكبره ويهلله ويوحده. # أقول: وما أحق الذكر عند المشعر الحرام بأن يكون واجبا أو نسكا؛ لأنه - ~~مع كونه مفعولا له صلى الله عليه وسلم ومندرجا تحت قوله: " خذوا عني ~~مناسككم " - فيه PageV02P103 # أيضا النص القرآني بصيغة الأمر: {فاذكروا (1) الله عند المشعر الحرام} . # (ويقف به) ؛ والوقوف هو النسك الرابع من مناسك الحج. # (إلى قبل طلوع الشمس ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر) ؛ وهو محل هلاك أصحاب ~~الفيل، وبرزخ بين المزدلفة ومنى ليس من هذه ولا هذه، فمن شأن من خاف الله ~~وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرب من الغضب. # ( [ ### | ترمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس # ] :) # (ثم يسلك الطريق الوسطى) بين الطريقين (إلى الجمرة التي عند الشجرة وهي ~~جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة) ؛ مثل حصى الخذف. # (ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس) ؛ وإنما كان رمي الجمار يوم الأول غدوة، ~~وفي سائر الأيام عشية؛ لأن من وظيفة الأول النحر والحلق والإفاضة، وهي كلها ~~بعد الرمي، ففي كونه غدوة توسعة. # وأما سائر الأيام: فأيام تجارة وقيام أسواق، فالأسهل أن يجعل ذلك بعد ~~PageV02P104 # ما يفرغ من حوائجه، وأكثر ما كان الفراغ في آخر النهار. # ( [ ### | الترخيص للضعفاء بالرمي بعد منتصف ليلة النحر # ] :) # (إلا النساء والصبيان فيجوز لهم قبل ذلك) . # ( [ ### | يحلق رأسه أو يقصره # ] :) # (ويحلق رأسه) (1) : فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين مرة واحدة (أو يقصره) ؛ وهو النسك الخامس. # (فيحل له كل ms337 شيء إلا النساء، ومن حلق، أو ذبح، أو أفاض إلى البيت قبل أن ~~يرمي فلا حرج) . # ( [ ### | المبيت بمنى ليالي التشريق # ] ) # (ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق) ؛ وهو النسك السادس. # والحاصل: أن المبيت بمنى ليس بمقصود في ذاته؛ إنما هو لأجل الرمي ~~المشروع؛ لأنه فعل، والزمان والمكان من ضرورياته، فالحق ما قاله الحنفية ~~وبعض الشافعية؛ من عدم وجوبه في نفسه (2) . PageV02P105 # ( [ ### | يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بسبع حصيات بالترتيب # ] :) # (ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبع حصيات مبتدئا ~~بالجمرة الدنيا، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة) : لما أخرج أحمد، وأهل " السنن ~~"، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني من حديث عبد الرحمن بن يعمر: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر مناديا فنادى: " الحج عرفة ". # وأخرج أحمد، وأبو داود عن ابن عمر، قال: غدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من منى حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة، ~~وهي منزل الإمام الذين ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر؛ راح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم ~~راح فوقف على الموقف من عرفة. # وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر، قال: لما كان يوم التروية؛ توجهوا إلى ~~منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بها الظهر ~~والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة ~~من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تشك قريش ~~PageV02P106 # أنه واقف عند المشعر الحرام؛ كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل ~~بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء (1) ؛ فرحلت له، فأتى بطن الوادي، ~~فخطب الناس وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم؛ كحرمة يومكم هذا، في ~~شهركم هذا، في بلدكم هذا ". # وفي " صحيح مسلم " من حديث أسامة بن زيد: أن رسول الله صلى الله ms338 عليه ~~وسلم قال في عشية عرفة، وغداة جمع للناس حين دفعوا: " عليكم السكينة "؛ وهو ~~كاف ناقته، حتى دخل محسرا. # وفي حديث جابر عند مسلم، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ~~المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما ~~شيئا، ثم اضطجع، حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان ~~وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله ~~وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، ~~حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا (2) ، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على ~~الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع PageV02P107 # حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف؛ رمى من بطن الوادي، ثم انصرف ~~إلى المنحر. # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر، قال: رمى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد؛ فإذا زالت الشمس. # وفيهما أيضا من حديث ابن مسعود: أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، فجعل البيت ~~عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة ~~البقرة. # وفي رواية: حتى انتهى إلى جمرة العقبة. # وفي " الصحيحين " (1) وغيرهما من حديث ابن عباس، قال: أنا ممن قدم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. # وفيهما (2) أيضا من حديث عائشة، قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة (3) ، ~~فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من جمع بليل. # وفي الباب أحاديث. # وفي " صحيح مسلم "، وغيره من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ~~منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: " خذ "، ~~وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس. PageV02P108 # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم {اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله} ~~وللمقصرين؟ {قال: " اللهم} اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله ~~{وللمقصرين؟} قال: " اللهم {اغفر للمحلقين "، قالوا: ms339 يا رسول الله} ~~وللمقصرين؟ {قال: " وللمقصرين ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عباس، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رميتم الجمرة؛ فقد حل لكم كل شيء؛ إلا ~~النساء " (1) . # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ وأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله} ~~حلقت قبل أن أرمي؟ قال: " ارم ولا حرج "، وأتاه آخر فقال: ذبحت قبل أن ~~أرمي؟ فقال: " ارم ولا حرج "، وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن ~~أرمي؟ فقال: " ارم ولا حرج ". # وفي رواية فيهما: فما سئل عن شيء؛ إلا قال: " افعل ولا حرج ". # وأخرج أحمد من حديث علي، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! حلقت قبل أن ~~أنحر؟ قال: " انحر ولا حرج "، ثم أتاه آخر فقال: إني أفضت PageV02P109 # قبل أن أحلق؟ قال: " احلق - أو قصر - ولا حرج ". # وفي لفظ للترمذي - وصححه -، قال: إني أفضت قبل أن أحلق؟ # وفي " الصحيحين " وغيرهما عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل ~~له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير؟ فقال: " لا حرج ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم من حديث عائشة، قالت: أفاض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، ~~فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع ~~حصيات؛ يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، وعند الثانية، فيطيل القيام ~~ويتضرع، ويرمي الثالثة لا يقف عندها. # وعن ابن عباس، قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمار حين زالت ~~الشمس؛ رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -. # وفي " البخاري " عن ابن عمر، قال: كنا نتحين؛ فإذا زالت الشمس رمينا. # وأخرج الترمذي - وصححه - من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا رمى الجمار مشى إليها، ذاهبا وراجعا. # وفي لفظ عنه: أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبا، وسائر ذلك ms340 ماشيا، ~~ويخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك؛ أخرجه أحمد، وأبو داود. # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس، وابن عمر: أن العباس استأذن # PageV02P110 # النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى؛ من أجل سقايته؟ فأذن ~~له. # وفي " البخاري "، و " أحمد " من حديث ابن عمر: أنه كان يرمي الجمرة ~~الدنيا بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل (1) ، فيقوم مستقبل ~~القبلة طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، ~~فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمي ~~الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. # وأخرج أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث عاصم ابن عدي: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون ~~يوم النحر، ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم النفر. # وأخرج أحمد (2) ، والنسائي عن سعد بن مالك، قال: رجعنا في الحجة مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وبعضنا يقول: رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول: رميت بست ~~حصيات، ولم يعب بعضهم على بعض؛ ورجاله رجال الصحيح. # ( [ ### | تستحب الخطبة يوم النحر # ] ) # (ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم) بعد الزوال خطبتين خفيفتين ~~PageV02P111 # قائما، والأخيرة أخف، ويجلس بينهما كالجمعة (1) ؛ يعلم فيهما المناسك إلى ~~اليوم الثاني، وإذا زالت الشمس اغتسل، إن أحب. # (يوم النحر) : لحديث الهرماس بن زياد، قال: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى؛ أخرجه أحمد، وأبو داود (2) ~~. # وأخرج نحوه أبو داود (3) أيضا من حديث أبي أمامة. # وأخرج نحوه هو، والنسائي من حديث عبد الرحمن بن معاذ التيمي. # وأخرجه البخاري (4) ، وأحمد من حديث أبي بكرة، وفيه أنه قال: " فإن ~~دماءكم وأموالكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بدلكم هذا ~~إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ {"، قالوا: نعم، قال: " اللهم} اشهد، ~~فليبلغ الشاهد الغائب؛ فرب ms341 مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب ~~بعضكم رقاب بعض ". # ( [ ### | تستحب الخطبة في وسط أيام التشريق # ] :) # (و) يستحب الخطبة (في وسط أيام التشريق) : لحديث سراء بنت نبهان، ~~PageV02P112 # قالت: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الرؤوس (1) ، فقال: " ~~أي يوم هذا؟ "، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " أليس أوسط أيام التشريق؟ ! ~~"؛ أخرجه أبو داود، ورجاله رجال الصحيح (2) . # وأخرج نحوه أحمد من حديث أبي بصرة؛ ورجاله رجال الصحيح. # وأخرج نحوه أبو داود عن رجلين من بني بكر. # فتضمنت حجته - صلى الله عليه وسلم - ثلاث خطب: يوم عرفة، ويوم النحر، ~~وثاني أيام التشريق. # قال الماتن - رحمه الله - في " حاشية الشفاء ": " الخطب المشروعة في الحج ~~أربع؛ كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة؛ وقد بيناها في " شرح المنتقى " ~~(3) ؛ فليرجع إليه ". انتهى. # ( [ ### | طواف الإفاضة ركن # ] :) # (ويطوف الحاج طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر) : لحديث ابن عمر ~~في " الصحيحين " وغيرهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفاض يوم ~~النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى. PageV02P113 # وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر نحوه (1) . # والمراد بقوله: أفاض؛ أي: طاف طواف الإفاضة. # قال النووي: وقد أجمع (2) العلماء أن هذا الطواف - وهو طواف الإفاضة - ~~ركن من أركان الحج، لا يصح إلا به، واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر ~~بعد الرمي والنحر والحلق، فإن أخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأه، ولا ~~دم عليه بالإجماع. # قال صاحب " سبل السلام ": " طواف الزيارة - ويقال له: طواف الصدر، ويسمى ~~طواف الإفاضة -؛ طاف صلى الله عليه وسلم ولم يطف غيره، ولم يسع (3) ، ~~وتضمنت حجته رفع يديه للدعاء ست مرات: الأولى: على الصفا، الثانية: على ~~المروة، الثالثة: بعرفة، الرابعة: بمزدلفة، الخامسة: عند الجمرة الأولى، ~~السادسة: عند الجمرة الثانية ". انتهى. # أقول: الأدلة تدل على عدم وجوب طواف الزيارة على التعيين، فضلا عن كونه ~~ركنا من أركان الحج التي لا يصح بدونها، فعلى المجتهد أن يبحث PageV02P114 # عن المسائل التي قلد فيها الآخر الأول، وجعل عليها سورا لا يستطيع صعوده ~~من كان هيابا للقيل والقال، ومخبوطا ms342 بأسواط آراء الرجال، وهو دعوى الإجماع؛ ~~فإن ما كان كذلك؛ قل أن يكشف عن أصله ومستنده؛ إلا من كان من الأبطال ~~المؤهلين للنظر في الدلائل، الفارقين بين العالي منها والسافل؛ {وقليل ما ~~هم} ؛ بل هم أقل من القليل، والله المستعان. # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عند الشيخين وغيرهما من حديث عائشة: أنه ~~قال لها: " طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ يكفيك لحجك وعمرتك ". # وأخرج الشيخان (1) وغيرهما من حديث ابن عمر، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~" من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد "؛ واللفظ للترمذي. # وهذا يدل على أن الواجب ليس إلا طواف واحد لا ثلاثة: طواف القدوم، ~~والزيارة، والوداع. # ويدل عليه ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر: أنه حج، فطاف بالبيت ولم ~~يطف طوافا غير ذلك (2) . PageV02P115 # ( [ ### | طواف الوداع واجب # ] : PageV02P116 # (وإذا فرغ من أعمال الحج طاف للوداع) : لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره، ~~قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لا ينفرن أحد؛ حتى يكون آخر عهده بالبيت ". # وفي لفظ للبخاري، ومسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن يكون ~~آخر عهدهم بالبيت؛ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. # وفي الباب أحاديث. # وإلى وجوب طواف الوداع: ذهب الجمهور. # وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة، لا شيء في تركه. # قال في " الحجة ": " والسر فيه تعظيم البيت أن يكون هو الأول، وهو الآخر، ~~تصويرا لكونه هو المقصود من السفر، وموافقة لعادتهم في توديع الوفود ملوكها ~~عند النفر ". # وقال في " سبل السلام ": " ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - طاف طواف ~~الوداع ليلا سحرا، ولم يرمل في هذا الطواف، وصلى الفجر بالحرم، وقرأ ب ~~{الطور} ، ثم نادى بالرحيل، فارتحل راجعا إلى المدينة، فلما أتى ذا الحليفة ~~بات بها، فلما رأى المدينة كبر ثلاثا، وقال: " لا إله إلا الله، وحده لا ~~شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، ~~عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق وعده، ونصر ms343 عبده، وهزم الأحزاب وحده "، ~~ثم دخلها نهارا ". انتهى. # PageV02P117 ### | ( [الفصل السابع: أفضل أنواع الهدي] ) # (1 -[ ### | البدنة # ] :) # (والهدي) : لقوله - تعالى - {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} ، واتفق ~~أهل العلم على أن الهدي مستحب للحاج المفرد والمعتمر المفرد، وواجب على ~~المتمتع والقارن، وعلى من وجب عليه جزاء العدوان على الإحرام، ويعتبر في ~~الهدايا ما يعتبر في الضحايا. # (أفضله البدنة) : لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يهدي البدن، ولأنها ~~أنفع للفقراء. # (2 ### | -[البقرة] ، 3 -[الشاة] :) # (ثم البقرة ثم الشاة) : لأن البقرة أنفع بالنسبة إلى الشاة؛ وهذا إذا كان ~~الذي يهدي البدنة والبقرة واحدا. # أما إذا كانوا جماعة بعدد ما تجزئ عنه البدنة والبقرة؛ فقد وقع الخلاف، ~~هل الأفضل سبع البدنة أو البقرة، أم الشاة عن الواحد؟ # والظاهر أن الاعتبار بما هو أنفع للفقراء. # ( [ ### | البدنة أو البقرة تجزئ عن سبعة # ] :) # (وتجزئ البدنة والبقرة عن سبع) : لحديث جابر في " الصحيحين " وغيرهما، ~~قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك # PageV02P118 # في الإبل والبقر؛ كل سبعة منا في بدنة. # وفي لفظ لمسلم: فقيل لجابر: أيشترك في البقر ما يشترك في الجزور؟ فقال: ~~ما هي إلا من البدن. # وأخرج أحمد، وابن ماجه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ~~رجل فقال: إن علي بدنة، وأنا موسر ولا أجدها؛ فأشتريها؟ فأمره صلى الله ~~عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن؛ ورجاله رجال الصحيح (1) . # ولا يعارض هذا حديث ابن عباس عند أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي - ~~وحسنه (2) - قال: كنا في سفر، فحضر الأضحى، فذبحنا البقرة عن سبعة، والبعير ~~عن عشرة. # وكذلك لا يعارضه ما في " الصحيحين " من حديث رافع بن خديج: أنه صلى الله ~~عليه وسلم قسم، فعدل (3) عشرا من الغنم ببعير: # لأن تعديل البدنة بسبع شياه هو في الهدي، وتعديلها بعشر هو في الأضحية ~~والقسمة. PageV02P119 # وقد ذهب الجمهور إلى أن عدل البدنة في الهدي سبع شياه. # وادعى الطحاوي وابن رشد (1) أنه إجماع؛ ولا تصح هذه الدعوى فالخلاف ~~مشهور. # ( [ ### | يجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه ms344 # ] :) # (ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه) : لحديث جابر: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر من كل بدنة ببضعة (2) ، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل هو وعلي من ~~لحمها، وشربا من مرقها؛ أخرجه أحمد، ومسلم. # وفي " الصحيحين " من حديث عائشة: أنه دخل عليها يوم النحر بلحم بقر، ~~فقالت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه. # قال النووي: " وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة ". ~~انتهى. # والظاهر أنه لا فرق بين هدي التطوع وغيره؛ لقوله - تعالى -: {فكلوا منها} ~~. # ( [ ### | يجوز للمهدي أن يركب على هديه # ] :) # (ويركب عليه) ، أي: المهدي على هديه؛ لحديث أنس في " الصحيحين " وغيرهما، ~~قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يسوق بدنة، فقال: " اركبها "، ~~PageV02P120 # فقال: إنها بدنة؟ قال: " اركبها "، قال: إنها بدنة؟ قال: " اركبها ". # وفيهما نحوه من حديث أبي هريرة. # وأخرج أحمد، ومسلم من حديث جابر: أنه سئل عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها، ~~حتى تجد ظهرا ". # ( [ ### | يندب إشعار الهدي وتقليده # ] :) # (ويندب له إشعاره وتقليده) (1) : لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته، ~~فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين. # قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " قالوا: إنها خلاف الأصول؛ إذ ~~الإشعار مثلة، ولعمر الله؛ إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة {وما ضرها ذلك ~~شيئا، والمثلة المحرمة هي العدوان، لا يكون عقوبة، ولا تعظيما لشعائر الله، ~~فأما شق صفحة سنام البعير المستحب أو الواجب ذبحه، ليسيل دمه قليلا، فيظهر ~~شعار الإسلام، وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله وفق ~~الأصول؛ وأي كتاب أو سنة حرم ذلك حتى يكون خلافا للأصول؟} وقياس الإشعار ~~على المثلة المحرمة من أفسد قياس على وجه الأرض؛ فإنه قياس ما يحبه الله ~~ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى عنه؛ ولو لم يكن في حكمة الإشعار ~~PageV02P121 # إلا ms345 تعظيم شعائر الله وإظهارها، وعلم الناس بأن هذه قرابين الله - عز وجل ~~- تساق إلى بيته، تذبح له، ويتقرب بها إليه عند بيته، كما يتقرب إليه ~~بالصلاة إلى بيته، عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ~~ويصلون لها، فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم لله وحده، ~~وأن يظهروا شعائر توحيده غاية الإظهار، ليعلو دينه على كل دين: فهذه هي ~~الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها؛ ولله الحمد ". # ( [ ### | بيان حكم من بعث بهديه # ] :) # (ومن بعث بهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم) : لحديث عائشة في " ~~الصحيحين " وغيرهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يهدي من المدينة، ~~ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم. # أقول: هذا آخر كلام الماتن على أحكام الحج. # ( [ ### | بيان حكم الحج عن الميت # ] :) # وأما الحج عن الميت والاستئجار له؛ فاعلم أن الحج من الواجبات المتعلقة ~~ببدن المكلف، والظاهر في الواجبات البدنية أنها لا تلزم بعد رفع قلم ~~التكليف، وانتقال المكلف من هذه الدار التي هي دار التكاليف إلى دار ~~الآخرة؛ لأنه لم يبق من طلب منه الفعل، فمن قال: إنه يلزم الميت الإيصاء ~~بشيء من الواجبات البدنية بأن يفعل عنه غيره بعد موته؛ لم يقبل إلا بدليل. # أو قال: من تبرع عن ميت بفعل واجب بدني أجزأه؛ لم يقبل ذلك منه إلا ~~بدليل. # PageV02P122 # وقد ورد الدليل في أمور، منها الصوم؛ لحديث: " من مات وعليه صوم؛ صام عنه ~~وليه "، ولكن ليس في هذا الحديث وجوب على الميت، بل الإيجاب على الولي (1) ~~، وغاية ما يستفاد من قوله: " صام عنه "؛ أنه يجزىء ذلك الصوم عن الميت. # وأما الحج؛ فلم يرد ما يدل على وجوب الوصية على الميت به، بل ورد ما يدل ~~على وقوع الحج من القريب عن قريبه الميت؛ كما في حديث من نذرت أخته أن تحج، ~~فماتت قبل أن تحج (2) ، وكذلك ورد ما يدل على وقوع الحج من الولد لأبيه، ~~إذا كان في الحياة عاجزا عن الإتيان بالفريضة؛ كما في خبر الخثعمية. ms346 ~~PageV02P123 # وأما إيجاب الوصية بالحج، أو أنه يجزىء من كل أحد عن كل ميت: فلا دليل ~~على ذلك فيما أعلم. # نعم؛ إذا أوصى بالحج بنصيب من ماله؛ فقد جعل الله له ثلث ماله في آخر ~~عمره يتصرف به كيف يشاء؛ ما لم يكن ضرارا؛ فالموصي بالحج كأنه أوصى بنصيب ~~من ماله المأذون له بالتصرف في ثلثه، فيجب امتثال وصيته. # وأما كون ذلك يسقط الواجب على الميت؛ فمحل تردد عندي، ولا سيما إذا كان ~~الذي حج عنه ليس من قرابته (1) ؛ فإن القرابة لها تأثير في القيام ببعض ~~الواجبات البدنية من الحي عن الميت؛ كما في حديث: " صام عنه وليه "، وكما ~~في حديث الذي نذرت أخته أن تحج. # وأما حديث: " حج عن نفسك، ثم عن شبرمة " (2) : فهو - وإن كان في بعض " ~~السنن " -؛ لكن لم يصرح فيه بأن الملبي عن شبرمة كان أجنبيا عنه، بل ورد في ~~رواية: وهو أخ له أو صديق؛ ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال. # وفي لفظ؛ أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " من شبرمة؟ "، قال: أخ ~~لي أو قريب لي؛ وقد أخرج هذه الرواية البيهقي. # والظاهر: أن اعتناءه به، وتلبيته عنه، وطيبة نفسه بأن يكون حجه له؛ ~~PageV02P124 # للقرابة بينهما؛ إذ من البعيد أن يفعل ذلك لغير من بينه وبينه قرابة؛ ثم ~~ليس في الحديث أن شبرمة هذا قد كان مات إذ ذاك. # وأما ما رواه الثعلبي في " تفسيره " بلفظ: " من أوصى بحجة؛ كانت أربع ~~حجج، وحجة للذي كتبها "؛ فمع كونه غير مرفوع؛ لا يدرى كيف إسناده؟ والثعلبي ~~ليس من أهل الرواية، فقد روى في " تفسيره " الموضوعات. # وقد أخرج البيهقي مثل ما ذكره عن جابر مرفوعا، كما ذكره صاحب التخريج؛ ~~فينظر في سنده؛ فما أظنه يصح (1) . # والحاصل: أن هذا البحث طويل الذيول، متشعب الحجج والنقول، فمن رام العثور ~~على الصواب؛ فعليه ب " الفتح الرباني فتاوى الشوكاني "، و " دليل الطالب ~~على أرجح المطالب "؛ لهذا العبد الضعيف. # وليس مقصودنا هنا إلا التنبيه على الحق الحقيق بالقبول؛ وإن أباه أكثر ~~العقول. # وحديث: ms347 " فدين الله أحق أن يقضى "؛ ليس المراد به دفع الأجرة لمن ~~PageV02P125 # يحج، بل المراد أن الحج عن الوالد يصح من الولد؛ كما يصح منه قضاء الدين. # ولا يرد على هذا أن اللفظ عام والاعتبار به؛ لأنا نقول: العموم ليس هو ~~إلا باعتبار فعل فريضة الحج، لا باعتبار دفع المال لمن يحج؛ فهذا لم يرد به ~~دليل، فعرفت بهذا أن ما يوصي به الميت من أجرة من يحج عنه؛ يكون خارجا من ~~ثلثه المأذون به له. # وأما من قال بوجوب الوصية على من لم يحج؛ فكان قياس قوله؛ أن تكون الأجرة ~~الموصى بها من رأس المال؛ لأن وجوب الوصية فرع وجوب الأجرة في مال الموصي، ~~ولا فرق بين وجوب مثل الأجرة من ماله، وبين وجوب مثل الزكاة. # وأما ما يذكرونه من الفرق بين ما يتعلق بالمال ابتداء وانتهاء، وبين ما ~~يتعلق بالبدن ابتداء وبالمال انتهاء: فشيء لا مستند له، ولا معول عليه. # PageV02P126 # (2 - ### | باب العمرة المفردة # وقد تقدمت صفتها. # ( [ ### | يحرم للعمرة من الميقات # ] :) # (يحرم لها من الميقات) ، أي: كالتنعيم؛ لأن الإحرام لها كالإحرام للحج، ~~وقد تقدمت الأدلة في ذكر المواقيت؛ فإنها للحج والعمرة. # ( [ ### | من كان في مكة يحرم للعمرة من الحل # ] :) # (ومن كان في مكة خرج إلى الحل) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج عائشة إلى ~~التنعيم، فتحرم للعمرة منه. # (ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر) ، ولا خلاف في ذلك. # وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ~~جماعة من الصحابة: أنه أمر من لم يكن معه هدي بالطواف، والسعي، والحلق أو ~~التقصير، فمن فعل ذلك؛ فقد حل الحل كله؛ فواقعوا النساء بعد ذلك. # PageV02P127 # ( [ ### | العمرة مشروعة في جميع أيام السنة # ] :) # (وهي مشروعة) : # في " العالمكيرية ": العمرة عندنا سنة، وليست بواجبة. # وللشافعي قولان: أظهرهما أنها فرض، والثاني: سنة. # أقول: ولم يأت من قال بوجوبها بدليل ينتهض للوجوب، بل كل ما روي في ذلك ~~متكلم عليه، ms348 مع أنه معارض بأحاديث أوردها من قال بعدم الوجوب مصرحة بذلك، ~~وهي لا تخلو عن مقال. # والواجب العمل على البراءة الأصلية، حتى يرد ناقل ينقل عنها، ولم يأت إلا ~~ما يفيد مطلق المشروعية، لا المقيدة بالوجوب. # فالحق ما قاله من ذهب إلى عدم الوجوب. # (في جميع السنة) : لحديث عائشة عند أبي داود: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال. # وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع ~~عمر في ذي القعدة؛ إلا التي اعتمر مع حجته. # ومن ذلك عمرة عائشة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن أن ~~يعمرها من التنعيم؛ فإن ذلك كان مع حجتها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ~~كان أهل الجاهلية يحرمون العمرة في أيام الحج، فرد عليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم واعتمر، وأمر بالعمرة فيها. # PageV02P128 # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة ". # أقول: ثبت اعتماره صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج، بل روي أن عمره كلها ~~كانت في أشهر الحج، وإنما فعل ذلك لقصد الرد على المشركين؛ فإنهم كانوا ~~يرونها في أشهر الحج من أفجر الفجور. # وأما تعليل بعض الفقهاء للكراهة بأن العمرة تشغل عن أعمال الحج: فليست ~~أعمال الحج بمستغرقة لشوال والقعدة وبعض الحجة؛ بل هي في بعض أيام ذي ~~الحجة؛ فما بال من ذهب إلى كراهة العمرة في أشهر الحج، وخالف هدي محمد صلى ~~الله عليه وسلم؟ ! # والحاصل: أن هذا ونحوه صنيع من لا يدري بالمدارك؛ خفيها وجليها، والله ~~المستعان. # ومن أراد الاطلاع على تفصيل أحكام الحج والعمرة على الوجه الثابت ~~المأثور: فليرجع إلى منسكنا " رحلة الصديق إلى البيت العتيق "، وإلى كتابنا ~~" مسك الختام شرح بلوغ المرام ". # PageV02P129 ### | (الكتاب الثامن: ### | كتاب النكاح # ) # PageV02P131 # (8 - ### | كتاب النكاح ### | ( [الفصل الأول: أحكام الزواج] ) # ( [ ### | تعريف النكاح # ] :) # قال الزمخشري في " الكشاف ": # " النكاح: الوطء، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من ms349 حيث إنه طريق له، ~~ونظيره تسمية الخمر إثما؛ لأنها سبب في اقتراف الإثم ". انتهى. # ولا ينافي هذا كثرة ورود النكاح في القرآن بمعنى العقد؛ حتى قال في " ~~الكشاف ": # " إنه لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد؛ لأن الكثرة ~~ليست من خواص الحقيقة، ولا مخرجة للمجاز عن كونه مجازا، كما تقرر في موضعه ~~". # على أن دعوى الكلية التي ذكرها صاحب " الكشاف " ممنوعة؛ فإن قوله تعالى: ~~{حتى تنكح زوجا غيره} لا يصح أن يراد به العقد؛ كما دل عليه الدليل من ~~السنة، وذهب إليه جماهير الأمة، وكذلك ما ورد في كتاب الله من ألفاظ النكاح ~~للمملوكات لا يكون إلا للوطء؛ إذ لا عقد هناك. # PageV02P133 # وبالجملة؛ فمعنى النكاح حقيقة: الوطء، ومجازا: العقد؛ كما صرح به ~~الزمخشري، وهو أقعد بمعرفة اللغة من غيره؛ لا سيما التمييز بين المعاني ~~الحقيقية والمجازية؛ فإنه المرجوع إليه في ذلك دون غيره ممن صارت مؤلفاتهم ~~الآن متداولة بين أهل هذه العصور؛ كما لا يخفى على فطن. # ( [ ### | لمن يشرع الزواج # ؟] ) # (يشرع لمن استطاع الباءة) : لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن ~~للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء (1) ". # والمراد بالباءة: النكاح. # والأحاديث الواردة في الترغيب في النكاح كثيرة. # وقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ~~إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} . ~~PageV02P134 # ( [ ### | على من يجب الزواج # ؟] :) # (ويجب على من خشي الوقوع في المعصية) ؛ لأن اجتناب الحرام واجب، وإذا لم ~~يتم الاجتناب إلا بالنكاح كان واجبا. # وعلى ذلك تحمل الأحاديث المقتضية لوجوب النكاح؛ كحديث أنس في " الصحيحين ~~" وغيرهما، أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: لا ~~أتزوج، وقال بعضهم: أصلي ولا أنام، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر؛ فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " ما بال أقوام قالوا كذا ms350 وكذا؟ ! لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج ~~النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني ". # وأخرج ابن ماجة، والترمذي من حديث الحسن، عن سمرة، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن التبتل. # قال الترمذي: إنه حسن غريب. # قال: وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن، عن سعد ابن هشام، عن ~~عائشة. # ويقال: كلا الحديثين صحيح. انتهى. # وفي سماع الحسن عن سمرة مقال معروف. # وأخرج النهي عن التبتل: أحمد، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أنس. # PageV02P135 # وأخرج ابن ماجة من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " النكاح من سنتي؛ فمن لم يعمل بسنتي فليس مني ". # ( [ ### | التبتل حرام # ] :) # (والتبتل غير جائز) : لما تقدم. # وقد رد صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون. # وكانت المانوية والمترهبة من النصارى يتقربون إلى الله بترك النكاح، وهذا ~~باطل؛ لأن طريقة الأنبياء - عليهم السلام - التي ارتضاها الله تعالى للناس: ~~هي إصلاح الطبيعة، ودفع اعوجاجها، لا سلخها عن مقتضياتها. # (إلا لعجز عن القيام بما لا بد منه) ؛ لما ثبت في الكتاب العزيز من النهي ~~عن مضارة النساء، والأمر بمعاشرتهن بالمعروف، فمن لا يستطيع ذلك؛ لم يجز له ~~أن يدخل في أمر يوقعه في حرام. # وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في العزبة والعزلة. # ( [ ### | الأحكام الخمسة تعتري الزواج # ] :) # أقول: الحاصل أن من كان محتاجا إلى النكاح، أو كان فعله له أولى من تركه ~~من دون احتياج؛ فلا ريب أن أقل الأحوال أن يكون في حقه مندوبا؛ للأدلة ~~الواردة فيها. # ومن لم يكن محتاجا إليه، ولا كان فعله أولى له - كالحصور والعنين -؛ # PageV02P136 # فقد يكون في حقه مكروها؛ إذا كان يخشى الاشتغال عن الطاعات؛ من طلب العلم ~~أو غيره مما يحتاج إليه أهله، أو كانت المرأة تتضرر بترك الجماع من دون أن ~~تقدم على المعصية، وأما إذا كان في غنية، بحيث لا يشتغل عن الطاعات، وكانت ~~المرأة لا تتضرر بترك الجماع، ولا يحصل له بالنكاح نفع فيما يرجع إلى ~~الباءة؛ فالظاهر أنه مباح، وإن لم ms351 يأت من الأدلة ما يقتضي هذه التفاصيل، ~~فثم أدلة أخرى تقتضيها، وقواعد كلية؛ ولو قيل: إنه لا يكون في تلك الصورة ~~مباحا؛ بل مكروها - لما ورد في العزبة والعزلة آخر الزمان -؛ لم يكن بعيدا ~~من الصواب. # ( [ ### | الصفات التي ينبغي توفرها في الزوجة # ] :) # (وينبغي أن تكون المرأة ودودا) ، لأن تواد الزوجين به تتم المصلحة ~~المنزلية، وكثرة النسل بها تتم المصلحة المدنية والملية. # وود المرأة لزوجها دال على صحة مزاجها، وقوة طبيعتها، مانع لها من أن ~~يطمح بصرها إلى غيره، باعث على تجملها بالامتشاط وغير ذلك، وفيه تحصين فرجه ~~ونظره. # (ولودا) ؛ لحديث أنس عند أحمد (1) وابن حبان - وصححه -: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ". # وأخرج نحوه أحمد من حديث ابن عمر، وفي إسناده جرير بن عبد الله ~~PageV02P137 # العامري، وقد وثق، وفيه ضعف. # وأخرج نحوه أبو داود (1) ، والنسائي، وابن حبان، من حديث معقل بن يسار. # (بكرا) : لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له: # " تزوجت بكرا أم ثيبا؟ "، قال: ثيبا. قال: " فهلا تزوجت بكرا تلاعبها ~~وتلاعبك؟ ! ". # (ذات جمال) ؛ فإن الطبيعة البشرية راغبة في الجمال، وكثير من الناس تغلب ~~عليهم الطبيعة. # والجمال وما يشبهه من الشباب مقصد من غلب عليه حجاب الطبيعة. # (وحسب) ؛ يعني: مفاخر آباء المرأة؛ فإن التزوج في الأشراف شرف وجاه. # (ودين) ؛ أي: عفة عن المعاصي، وبعدها عن الريب، وتقربها إلى بارئها ~~بالطاعات. # والدين مقصد من تهذب بالفطرة؛ فأحب أن تعاونه امرأته في دينه، ورغب في ~~صحبة أهل الخير. # (ومال) ؛ بأن يرغب في المال، ويرجى مواساتها معه في مالها، وأن يكون ~~أولاده أغنياء؛ لما يجدون من قبل أمهم. PageV02P138 # والمال والجاه مقصد من غلب عليه حجاب الرسم. # ووجهه ما في " الصحيحين "، من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك ". # وفي " صحيح مسلم " وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المرأة ms352 تنكح على دينها، ومالها، وجمالها؛ فعليك بذات الدين تربت ~~يداك ". # قال في " الحجة ": # " قال صلى الله عليه وسلم: " خير النساء اللاتي ركبن الإبل؛ نساء قريش؛ ~~أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده " (1) . # أقول: يستحب أن تكون المرأة من كورة وقبيلة؛ عادات نسائها صالحة؛ فإن ~~الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وعادات القوم ورسومهم غالبة على الإنسان، ~~وبمنزلة الأمر المجبول هو عليه. # وبين أن نساء قريش خير النساء؛ من جهة أنهن أحنى إنسان على ولد في صغره، ~~وأرعاه على الزوج في ماله ورقيقه، ونحو ذلك. # وهذان من أعظم مقاصد النكاح، وبهما انتظام تدبير المنزل، وإن أنت فتشت ~~حال الناس اليوم في بلادنا، وبلاد ما وراء النهر وغيرها؛ لم تجد أرسخ ~~PageV02P139 # قدما في الأخلاق الصالحة، ولا أشد لزوما لها من نساء قريش ". انتهى. # ( [ ### | إلى من تخطب المرأة الكبيرة # ؟] ) # (وتخطب الكبيرة إلى نفسها) ؛ لما في " صحيح مسلم " (1) : أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أرسل إلى أم سلمة يخطبها. # ( [ ### | ما هو المعتبر من الكبيرة إذا خطبت إلى نفسها # ؟] :) # (والمعتبر حصول الرضا منها) ؛ لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره: # " الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها ". # وفي " الصحيحين " وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وعائشة نحوه. # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والدارقطني، من حديث ابن عباس: أن ~~جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، ~~فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الحافظ: ورجال إسناده ثقات (2) . # وروي نحوه من حديث جابر؛ أخرجه النسائي (3) ، ومن حديث عائشة؛ ~~PageV02P140 # أخرجه أيضا النسائي (1) . # وأخرج ابن ماجة (2) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: # جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن ~~أخيه ليرفع بي خسيسته؛ قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ~~ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء؛ ورجاله رجال ~~الصحيح. # وأخرجه أحمد، والنسائي، من حديث ابن بريدة، عن عائشة ms353 (3) . # قال في " الحجة البالغة ": # " أقول: لا يجوز أيضا أن يحكم الأولياء فقط؛ لأنهم لا يعرفون ما تعرف ~~المرأة من نفسها، ولأن حار العقد وقاره راجعان إليها، والاستئمار طلب أن ~~PageV02P141 # تكون هي الآمرة صريحا، والاستئذان طلب أن تأذن ولا تمنع، وأدناه السكوت. # وإنما المراد استئذان البكر البالغة دون الصغيرة، كيف ولا رأي لها؟ ! قد ~~زوج أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - عائشة من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهي بنت ست سنين ". انتهى. # ( [ ### | هل الكفاءة في الزواج معتبرة # ؟] :) # (لمن كان كفأ) ؛ لحديث علي عند الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم (1) إذا ~~وجدت لها كفؤا " (2) . # ولكن ليس في هذا الحديث ما يدل على اعتبار الكفاءة في النسب؛ بل يحمل على ~~أن المرأة إذا وجدت لها كفؤا ترضى خلقه ودينه؛ كما سيأتي. # وأخرج الحاكم، من حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " العرب أكفاء بعضهم لبعض؛ قبيلة لقبيلة، وحي لحي، ورجل لرجل؛ إلا حائك، ~~أو حجام ". # وفي إسناده رجل مجهول، وقال أبو حاتم: إنه كذب، لا أصل له، وذكر الحفاظ ~~أنه موضوع، وقد أوضح الكلام عليه الماتن في كتابه - في PageV02P142 # الموضوعات - الذي سماه " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ". # ولكن رواه البزار في " مسنده " من طريق أخرى عن معاذ بن جبل رفعه: " ~~العرب بعضها أكفاء لبعض "؛ وفيه سليمان بن أبي الجون (1) . # ويغني عن ذلك ما في " الصحيحين " وغيرهما، من حديث أبي هريرة: # " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام؛ إذا فقهوا ". # ولكن ليس فيه دلالة على المطلوب؛ لأن إثبات كون البعض خيرا من بعض لا ~~يستلزم أن الأدنى غير كفؤ للأعلى. # وهكذا حديث: " إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من ~~كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم " (2) : # فإن هذا الاصطفاء لا يدل على أن الأدنى غير كفؤ للأعلى. # وأخرج الترمذي، من حديث أبي حاتم المزني، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا أتاكم ms354 من ترضون دينه وخلقه؛ فأنكحوه؛ إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض، وفساد كبير "، قالوا: يا رسول الله {وإن كان فيه؟} قال: " إذا جاءكم ~~من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " - ثلاث مرات -؛ وقد حسنه الترمذي، وقال: " ~~هذا حديث حسن غريب ". PageV02P143 # ونقل المناوي عن البخاري أنه لم يعده محفوظا، وعده أبو داود في المراسيل، ~~وأعله ابن القطان بالإرسال، وضعف راويه، وأبو حاتم المزني له صحبة، ولا ~~يعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث (1) . # وأخرج الدارقطني، عن عمر، أنه قال: لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من ~~الأكفاء ". # ( [ ### | بيان اعتبار الكفاءة في النكاح # ] :) # أقول: استدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه ابن ماجة بإسناد ~~رجاله رجال الصحيح، من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن فتاة جاءت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي ~~خسيسته؟ ! قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن ~~أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء شيء. # وأخرجه أحمد، والنسائي، من حديث ابن بريدة عن عائشة (2) . # ومحل الحجة منه قولها: ليرفع بي خسيسته؛ فإن ذلك مشعر بأنه غير كفؤ لها. # ولا يخفى أن هذا إنما هو من كلامها، وإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأمر إليها؛ PageV02P144 # لكون رضاها معتبرا، فإذا لم ترض لم يصح النكاح؛ سواء كان المعقود له كفؤا ~~أو غير كفؤ. # أيضا هو زوجها بابن أخيه؛ وابن عم المرأة كفؤ لها. # واستدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه أحمد، والنسائي - وصححه -، ~~وابن حبان، والحاكم (1) ، من حديث بريدة مرفوعا: " إن أحساب أهل الدنيا ~~الذين (2) يذهبون إليه المال ". # وبما أخرجه أحمد، والترمذي - وصححه هو والحاكم (3) - من حديث سمرة ~~مرفوعا: " الحسب المال، والكرم التقوى ". # ويحتمل أن يكون المراد: أن هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا - كما صرح به ~~في حديث بريدة -، وأن هذا حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال، وعدم اعتدادهم ~~بالدين، فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع. # وقد ثبت ms355 أنه - صلى الله عليه وسلم - زوج مولاه زيد بن حارثة PageV02P145 # بزينب بنت جحش القرشية، وزوج أسامة بن زيد بفاطمة بنت قيس القرشية، وزوج ~~عبد الرحمن بن عوف بلالا بأخته. # وأخرج أبو داود: أن أبا هند حجم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا ~~بني بياضة {أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه ". # أخرجه أيضا الحاكم، وحسنه (1) ابن حجر في " التلخيص ". # وأخرج البخاري، والنسائي، وأبو داود، عن عائشة: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس - وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم - تبنى ~~سالما، وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من ~~الأنصار. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه؛ فزوجوه؛ إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض، وفساد عريض ". # أخرجه الترمذي، من حديث أبي هريرة. # قال في " الحجة البالغة ": # " أقول: ليس في هذا الحديث أن الكفاءة غير معتبرة، كيف وهي مما جبل عليه ~~طوائف الناس، وكاد يكون القدح فيها أشد من القتل؟} والناس على مراتبهم، ~~والشرائع لا تهمل مثل ذلك، ولذلك قال عمر: لأمنعن النساء إلا من أكفائهن؛ ~~ولكنه أراد أن لا يتبع أحد محقرات الأمور نحو قلة المال، PageV02P146 # ورثاثة الحال، ودمامة الجمال، أو يكون ابن أم ولد، ونحو ذلك من الأسباب ~~بعد أن يرضى دينه وخلقه؛ فإن أعظم مقاصد تدبير المنزل: الاصطحاب في خلق ~~حسن، وأن يكون ذلك الاصطحاب سببا لصلاح الدين ". # وقال في " المسوى " في باب الكفاءة. # " قال الله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} ، وقال ~~تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما ~~يجمعون} . # قلت: هذه الآيات تدل على تفاوت مراتب الناس، وأن ذلك أمر ثابت فيهم، ولم ~~يرده الله تعالى، فكان تقريرا. # ثم اختلفوا في تحديد المعاني التي يقع بها التفاوت، فذهب أكثرهم إلى أنها ~~أربعة: الدين، والحرية، والنسب، والصناعة، والمراد من ms356 الدين: الإسلام ~~والعدالة. # واعتبر الشافعي السلامة من العيوب المثبتة للخيار أيضا، ومعنى اعتبار ~~الكفاءة عند أبي حنيفة: أن المرأة إذا زوجت نفسها من غير الكفؤ؛ فللأولياء ~~أن يفرقوا بينهما. # وعند الشافعي: أن أحد الأولياء المستوين إذا زوجها برضاها نم غير كفؤ؛ لم ~~يصح، وفي قول: يصح. # وله الفسخ إذا زوج الأب بكرا صغيرة أو بالغة بغير رضاها، وفيه القولان ~~أيضا ". انتهى. # PageV02P147 # أقول: قوله صلى الله عليه وسلم: " من ترضون دينه وخلقه "؛ فيه دليل على ~~اعتبار الكفاءة في الدين والخلق. # وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين: مالك. # ونقل عن عمر وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر ابن عبد ~~العزيز، ويدل عليه قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . # واعتبر الكفاءة في النسب: الجمهور. # وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضا، والعرب كذلك. # وليس أحد من العرب كفؤا لقريش، كما ليس أحد من غير العرب كفؤا للعرب؛ وهو ~~وجه للشافعية. # قال في " الفتح ": " والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا ~~هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض ". # قال الشافعي: " ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث ". # وأما ما أخرجه البزار، من حديث معاذ رفعه: # " العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض "؛ فإسناده ضعيف. # قال في " الفتح ": " واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه؛ فلا تحل ~~المسلمة لكافر ". انتهى. # PageV02P148 # وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النكاح على الإطلاق: العلم؛ لحديث: ~~" العلماء ورثة الأنبياء ". # أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، من حديث أبي الدرداء، وضعفه ~~الدارقطني في " العلل "، قال المنذري: " هو مضطرب الإسناد ". # وقد ذكر البخاري في " صحيحه " بغير إسناد (1) . # والقرآن الكريم شاهد على ما ذكرناه. # فمن ذلك قوله - تعالى -: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ، ~~وقوله - تعالى -: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ، ~~وقوله - تعالى - {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} ، ~~وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث: " خياركم في الجاهلية ~~خياركم في الإسلام إذا فقهوا " - وقد تقدم -. # وبالجملة: إذا ms357 تقرر لك هذا؛ عرفت أن المعتبر هو الكفاءة في الدين والخلق، ~~لا في النسب. # لكن؛ لما أخبر صلى الله عليه وسلم بأن حسب أهل الدنيا المال، وأخبر صلى ~~الله عليه وسلم - كما ثبت في " الصحيح " عنه - أن في أمته ثلاثا من أمر ~~الجاهلية: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، ~~والنياحة؛ كان تزوج غير الكفؤ في النسب والمال من أصعب ما ينزل بمن لم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر. PageV02P149 # قال الماتن - رحمه الله -: " ومن هذا القبيل؛ استثناء الفاطمية من قوله: ~~(ويغتفر برضا الأعلى والولي) ، وجعل بنات فاطمة - رضي الله عنها - أعلى ~~قدرا وأعظم شرفا من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلبه ". # فيا عجبا كل العجب من هذه التعصبات الغريبة، والتصلبات على أمر الجاهلية، ~~وإذا لم يتركها من عرف أنها من أمور الجاهلية من أهل العلم؛ فكيف يتركها من ~~لم يعرف ذلك؟ ! # والخير كل الخير في الإنصاف والانقياد لما جاء به الشرع؛ ولهذا أخرج ~~الحاكم في " المستدرك " - وصححه (1) - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: " أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس ". # فهذا نص في محل الخلاف. # انظر أمهات العبرة الطاهرة، الذين هم قدوة السادة وأسوة القادة في كل خير ~~ودين، من كن؟ # فأم أبي العترة الإمام زين العابدين علي بن الحسين: شهريانو بنت يزدجرد ~~ابن شهريار بن شيرويه بن خسروبرويز بن هرمز بن نوشيروان - ملك الفرس -. # وأم الإمام موسى الكاظم أم ولد؛ اسمها حميدة. # وأم الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم أم ولد أيضا؛ اسمها تكتم. ~~PageV02P150 # وأم الإمام علي بن محمد بن علي المذكور الملقب بالجواد والتقي أم ولد؛ ~~اسمها خيزران، وقيل: ريحانة. # وأم الإمام علي بن محمد الملقب بالهادي والعسكري أم ولد، اسمها سمانة. # وأم الإمام حسن بن علي الملقب بالزكي والخالص والعسكري أم ولد؛ اسمها ~~سوسن. # وأم الإمام محمد بن حسن الملقب بالحجة والقائم والمهدي أم ولد؛ اسمها ~~نرجس. # وهكذا كان شأن التزوج في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يعرج ~~أحد منهم ms358 على الكفاءة في النسب، وإنما أخذ بذلك الجهلة من الأمة، لا سيما ~~أهل القرى والقصبات من نسل العترة والصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -. # وأكثرهم خائضون في الباطل، عاطلون عن حلي العلم الموصل إلى الحق؛ وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا. # ( [ ### | إلى من تخطب الصغيرة # ؟] :) # (و) تخطب (الصغيرة إلى وليها) ؛ لما في " صحيح البخاري " وغيره، عن عروة: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر (1) . PageV02P151 # (ورضا البكر صمتها) ؛ لما تقدم من الأحاديث الصحيحة. # ( [ ### | متى تحرم الخطبة # ] :) # (1 -[ ### | في العدة # ] :) # (وتحرم الخطبة في العدة) ؛ لحديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثا، ~~فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة، وقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حللت فآذنيني "؛ فآذنته (1) الحديث، وهو في ~~" صحيح مسلم " وغيره. # وأخرج البخاري (2) ، عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {فيما عرضتم به من ~~خطبة النساء} ، قال: يقول: إني أريد التزويج، ولوددت أنه ييسر (3) لي امرأة ~~صالحة. # وأخرج الدارقطني، عن محمد بن علي الباقر - عليهما السلام -: أنه دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة، فقال: " لقد ~~علمت أني رسول الله، وخيرته من خلقه، وموضعي من قومي "؛ وكانت تلك خطبته ". # والحديث منقطع. PageV02P152 # قال في " الفتح ": " واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم: من مات ~~عنها زوجها، واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن، وكذا من وقف نكاحها، ~~وأما الرجعية فقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها. # والحاصل؛ أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح في ~~الأولى، وحرام في الأخيرة، ومختلف فيه في البائن ". # (2 -[ ### | الخطبة على الخطبة # ] :) # (و) الخطبة (على الخطبة) ؛ لحديث عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع ~~أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يذر "؛ وهو في " صحيح مسلم "، وغيره. # وأخرج البخاري، وغيره، من حديث أبي هريرة: " لا يخطب الرجل على خطبة ~~أخيه؛ ms359 حتى ينكح أو يترك ". # وأخرج أيضا، من حديث ابن عمر: " لا يخطب الرجل على خطبة الرجل؛ حتى يترك ~~الخاطب قبله، أو يأذن له ". # وقد ذهب إلى تحريم ذلك الجمهور. # ( [ ### | جواز النظر إلى المخطوبة # ] :) # (ويجوز) له (النظر إلى المخطوبة) ؛ لحديث المغيرة عند أحمد، والنسائي، ~~وابن ماجة، والترمذي، والدارمي، وابن حبان - وصححه -: أنه خطب امرأة # PageV02P153 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يودم (1) ~~بينكما "، فأتى أبويها، فأخبرهما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكأنهما كرها ذلك، فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر فانظر؛ وإلا فإني أنشدك (2) ؛ كأنها عظمت ~~ذلك عليه، فنظرت إليها فتزوجتها، فذكر من موافقتها؛ ذكره أحمد، وأهل " ~~السنن " (3) . PageV02P154 # وأخرج مسلم، من حديث أبي هريرة، قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " أنظرت إليها؟ "، قال: لا، قال: " فاذهب فانظر إليها؛ فإن في ~~أعين الأنصار شيئا ". # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | الولي شرط لصحة النكاح # ] :) # (ولا نكاح إلا بولي) ؛ لحديث أبي موسى عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، ~~والترمذي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه -، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: # " لا نكاح إلا بولي ". # وحديث عائشة عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، وابن ~~حبان، والحاكم، وأبي عوانة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها ~~باطل، فإن دخل بها؛ فلها المهر بما استحل من فرجها؛ فإن اشتجروا فالسلطان ~~ولي من لا ولي له ". # وفي الباب أحاديث. # قال الحاكم: " وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش "، ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا. # أقول: الأدلة الدالة على اعتبار الولي - وأنه لا يكون العاقد سواه، وأن ~~العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليها باطل -؛ قد رويت من طريق جماعة # PageV02P155 # من الصحابة، فيها الصحيح ms360 والحسن وما دونهما، فاعتباره متحتم. # وعقد غيره مع عدم عضله باطل بنص الحديث، لا فاسد؛ على تسليم أن الفساد ~~واسطة بين الصحة والبطلان. # ولا يعارض هذه الأحاديث حديث: " الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر ~~تستأذن "، ونحوه كحديث: " ليس للولي مع الثيب أمره، واليتيمة تستأمر " (1) ~~؛ لأن المراد أنها أحق بنفسها في تعيين من تريد نكاحه إن كانت ثيبا، والبكر ~~يمنعها الحياء من التعيين، فلا بد من استئذانها، وليس المراد أن الثيب تزوج ~~نفسها، أو توكل من يزوجها مع وجود الولي؛ فعقد النكاح أمر آخر. # وبهذا تعلم أن لا وجه لما ذهبت إليه الظاهرية؛ من اعتبار الولي في البكر ~~دون الثيب. # والولي عند الجمهور هو الأقرب من العصبة (2) ، وروي عن أبي حنيفة: أن ذوي ~~الأرحام من الأولياء. # ( [ ### | من هو الولي # ؟] :) # أقول: الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال: " إن الأولياء هم ~~PageV02P156 # قرابة المرأة الأدنى فالأدنى، الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، ~~وكان المزوج لها غيرهم. # وهذا المعنى لا يختص بالعصبات؛ بل قد يوجد في ذوي السهام؛ كالأخ لأم، ~~وذوي الأرحام؛ كابن البنت، وربما كانت الغضاضة معهما أشد منها مع بني ~~الأعمام ونحوهم. # فلا وجه لتخصيص ولاية النكاح بالعصبات، كما أنه لا وجه لتخصيصها بمن يرث، ~~ومن زعم ذلك فعليه الدليل، أو النقل بأن معنى الولي في النكاح - شرعا أو ~~لغة - هو هذا. # وأما ولاية السلطان فثابتة بحديث: " إذا تشاجر الأولياء فالسلطان ولي من ~~لا ولي لها "؛ فهذا الحديث، وإن كان فيه مقال (1) ؛ فهو لا يسقط به عن رتبة ~~الاستدلال؛ وهو يدل على حكمين: # الأول: أن تشاجر الأولياء يوجب بطلان ولايتهم، ويصيرهم كالمعدومين. # الثاني: أنهم إذا عدموا كانت الولاية للسلطان (2) . PageV02P157 # وإذا تحرر لك ما ذكرناه في الأولياء؛ فاعلم أن من غاب منهم عند حضور ~~الكفء ورضا المكلفة به - ولو في محل قريب، إذا كان خارجا عن بلد المرأة ومن ~~يريد نكاحها -؛ فهو كالمعدوم، والسلطان ولي من لا ولي له، اللهم إلا أن ~~ترضى المرأة ومن يريد الزواج بالانتظار لقدوم الغائب، فذلك ms361 حق لهما، وإن ~~طالت المدة. # وأما مع عدم الرضا فلا وجه لإيجاب الانتظار، ولا سيما مع حديث: " ثلاث لا ~~يؤخرن إذا حانت - منها -: الأيم إذا حضر كفؤها "، كما أخرجه الترمذي ~~والحاكم؛ وجميع ما ذكر من تلك التقديرات بالشهر وما دونه؛ ليس على شيء منها ~~أثارة من علم. # ومع ذلك؛ فالقول بأن غيبة الولي الموجبة لبطلان حقه هي الغيبة التي يجوز ~~الحكم معها على الغائب؛ هو قول مناسب إذا صح الدليل على أنه لا يجوز الحكم ~~على الغائب؛ إلا إذا كان في مسافة القصر؛ فإن لم يصح دليل على ذلك؛ فالواجب ~~الرجوع إلى ما ذكرناه. # فإن قلت: إذا كان ولي النكاح هو أعم من العصبات كما ذكرته؛ فما وجهه؟ ~~قلت: وجهه أنا وجدنا الولاية قد أطلقت في كتاب الله - تعالى - على ما هو ~~أعم من القرابة: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} ، ووجدناها قد ~~أطلقت في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو أخص من ذلك؛ قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: " السلطان ولي من لا ولي له ". # ولا ريب أنه لم يكن المراد في الحديث ما في الآية؛ وإلا لزم أنه لا # PageV02P158 # ولاية للسلطان إلا عند عدم المؤمنين، وهو باطل؛ لأنه أحدهم؛ بل له مزية ~~عليهم لا توجد في أفرادهم. # وإذا ثبت أنه لم يكن المراد بالولي في الحديث الأولياء المذكورين في ~~الآية؛ فليس بعض من يصدق عليه اسم الإيمان أولى من بعض إلا بالقرابة؛ ~~[فتبين أن المراد القرابة] (1) ؛ ولا ريب أن بعض القرابة أولى من بعض. # وهذه الأولوية ليست باعتبار استحقاق نصيب من المال، أو استحقاق التصرف ~~فيه حتى يكون كالميراث أو كولاية الصغير؛ بل باعتبار أمر آخر؛ وهو ما يجده ~~القريب من الغضاضة التي هي العار اللاصق به، وهذا لا يختص بالعصبات كما ~~بينا؛ بل يوجد في غيرهم، ولا شك أن بعض القرابة أدخل في هذا الأمر من بعض. # فالآباء والأبناء أولى من غيرهم، ثم الإخوة لأبوين، ثم الإخوة لأب أو ~~لأم، ثم أولاد البنين وأولاد البنات، ms362 ثم أولاد الإخوة وأولاد الأخوات، ثم ~~الأعمام والأخوال، ثم هكذا من بعد هؤلاء. # ومن زعم الاختصاص بالبعض دون البعض؛ فليأتنا بحجة، وإن لم يكن بيده إلا ~~مجرد أقوال من تقدمه؛ فلسنا ممن يعول على ذلك؛ وبالله التوفيق. # قال في " الحجة ": # " وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم. # واستبداد النساء بالنكاح وقاحة منهن؛ منشؤها قلة الحياء، واقتضاب على ~~PageV02P159 # الأولياء، وعدم اكتراث بهم. # وأيضا؛ يجب أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير؛ وأحق التشهير أن يحضر ~~أولياؤها، ولا يجوز أن يحكم في النكاح النساء خاصة؛ لنقصان عقلهن، وسوء ~~فكرهن؛ فكثيرا ما لا يهتدين للمصلحة. # ولعدم حماية الحسب منهن غالبا؛ فربما رغبن في غير الكفء، وفي ذلك عار على ~~قومها، فوجب أن يجعل للأولياء شيء من هذا الباب؛ لتسد المفسدة. # وأيضا فإن (1) السنة الفاشية في الناس من قبل - ضرورة -؛ أنهن عوان (2) ~~بأيديهم، وهو قوله - تعالى -: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض} ". انتهى. # قال الشافعي: # " لا ينعقد نكاح امرأة إلا بعبارة الولي القريب، فإن لم يكن؛ فبعبارة ~~الولي البعيد، فإن لم يكن؛ فبعبارة السلطان، فإن زوجت نفسها أو غيرها بإذن ~~الولي أو بغير إذنه؛ بطل ولم يتوقف ". PageV02P160 # وتأويل قوله: " لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها ": لا يزوجها إلا وكيل ~~الولي، ويفهم تزويجها بنفسه بالأولى. # وقال أبو حنيفة: ينعقد نكاح المرأة الحرة العاقلة البالغة برضاها - وإن ~~لم يعقد عليها ولي - بكرا كانت أو ثيبا. # وتأويل الحديث: أنه يكره لها ذلك؛ خشية أن تقصر في رعاية الكفاءة وغيرها، ~~أو تنسب إلى الوقاحة. # أو تأويله: إن للولي حق الاعتراض في غير الكفء. # فمعنى قوله: " لا تنكح "؛ أي: لا تستقل بنكاحها إلا بإذنه؛ لأن له حق ~~الاعتراض في غير الكفء. # وقال محمد: ينعقد موقوفا على إذنه؛ كذا في " المسوى ". # ( [ ### | الشاهدان شرط لصحة النكاح # ] :) # (وشاهدين) ؛ لحديث عمران بن حصين عند البيهقي، والدارقطني في " العلل "، ~~وأحمد في رواية ابنه عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا ~~نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". # وفي إسناده عبد ms363 الله بن محرر، وهو متروك. # وأخرج الدارقطني، والبيهقي، من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن # PageV02P161 # تشاجروا؛ فالسلطان ولي من لا ولي له " (1) . # وإسناده ضعيف. # وأخرج الترمذي، من حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~" البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة " (2) . # وصحح الترمذي وقفه. # وهذه الأحاديث - وما ورد في معناها - يقوي بعضها بعضا؛ وقد ذهب إلى ذلك ~~الجمهور. # قال في " شرح السنة ": " أكثر أهل العلم على أن النكاح لا ينعقد إلا ~~ببينة، ولا ينعقد حتى يكون الشهود حضورا حالة العقد، واختلفوا في صفة ~~الشهود؛ قال الشافعي: لا ينعقد إلا بمشهد رجلين عدلين، وقال أبو حنيفة: ~~ينعقد برجل وامرأتين، وبفاسقين ". كذا في " المسوى ". # وفي " الموطإ " في باب: " لا يحل نكاح السر ": " مالك: عن أبي الزبير ~~المكي، أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة؛ فقال: هذا ~~نكاح السر ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت ". # ( [ ### | متى تبطل ولاية الولي # ؟] :) # (إلا أن يكون) الولي (عاضلا أو غير مسلم) ؛ لقوله - تعالى -: {فلا ~~PageV02P162 # تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} ، ولتزوجه - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة ~~بنت أبي سفيان من غير وليها؛ لما كان كافرا حال العقد. # ( [ ### | جواز التوكيل لعقد النكاح # ] :) # (ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح؛ ولو واحدا) ؛ لحديث ~~عقبة بن عامر عند أبي داود (1) : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: " ~~أترضى أن أزوجك فلانة؟ "، قال: نعم، وقال للمرأة: " أترضين أن أزوجك فلانا؟ ~~"، قالت: نعم؛ فزوج أحدهما صاحبه ... الحديث. # وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم: الأوزاعي، وربيعة، والثوري، ومالك، ~~وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث، وأبو ثور. # وحكى في " البحر " عن الشافعي، وزفر: أنه لا يجوز. # وقال في " الفتح ": وعن مالك: لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، ~~فزوجها من نفسه أو ممن اختار؛ لزمها ذلك،؛ ولو لم تعلم عين الزوج. # وقال الشافعي: يزوجه السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه، ms364 ووافقه زفر. # وأما استحباب النثار؛ فأقول: لم يصح في ذلك شيء؛ كما أوضحه في " النيل "، ~~و " السيل "، ولا بأس بنثر شيء من المأكولات، فهو من جملة PageV02P163 # الإطعام المندوب؛ إنما الشأن في الحكم بمشروعية انتهابه مع ورود الأحاديث ~~الصحيحة بالنهي عن النهبى؛ والظاهر أن هذا نوع منها، ولم يرد ما يدل على ~~التخصيص؛ لا من وجه صحيح، ولا حسن، بل ولا ضعيف ينجبر. # وأما إجابة الوليمة؛ فأحاديث الأمر بالإجابة صحيحة؛ ولم يأت ما يقتضي ~~صرفها عن الوجوب. # نعم؛ الولائم المشوبة بالمنكرات - مع عدم القدرة على التغيير - لا يجوز ~~حضورها؛ كما يدل عليه حديث النهي عن الجلوس على المائدة التي تدار عليها ~~الخمر، وسائر المعاصي تقاس على ذلك. ### | ( [الفصل الثاني: الأنكحة المحرمة] ) # (1 -[ ### | حكم نكاح المتعة # ] ) # (ونكاح المتعة) (1) ؛ قال في " الحجة ": # " رخص فيها - صلى الله عليه وسلم - أياما، ثم نهى عنها ". # أما الترخيص أولا؛ فلمكان حاجة تدعو إليه؛ كما ذكره ابن عباس فيمن يقدم ~~بلدة ليس بها أهله، أشار ابن عباس أنها لم تكن يومئذ استئجارا على مجرد ~~البضع؛ بل كان ذلك مغمورا في ضمن حاجات؛ من باب تدبير المنزل (2) ، كيف ~~PageV02P164 # والاستئجار على مجرد البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية، ووقاحة يمجها ~~الباطن السليم؟ { # وأما النهي عنها؛ فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات، وأيضا ففي جريان ~~الرسم به اختلاط الأنساب؛ لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج من حيزه، ويكون ~~الأمر بيدها، فلا يدري ماذا تصنع؟} # وضبط العمدة في النكاح الصحيح الذي بناؤه على التأبيد في غاية العسر؛ فما ~~ظنك بالمتعة وإهمال النكاح الصحيح المعتبر في الشرع؟ ! فإن أكثر الراغبين ~~في النكاح؛ إنما غالب داعيتهم قضاء شهوة الفرج. # وأيضا؛ فإن من الأمر الذي يتميز به النكاح من السفاح: التوطين على ~~المعاونة الدائمة، وإن كان الأصل فيه قطع المنازعة فيها على أعين الناس ". ~~انتهى. # في " شرح السنة ": اتفق العلماء على تحريم المتعة؛ وهو كالإجماع بين ~~المسلمين. # ( [ ### | الأدلة على نسخ نكاح المتعة # ] :) # (منسوخ) ؛ فإنه لا خلاف أنه قد كان ثابتا في الشريعة؛ كما صرح بذلك ~~القرآن: ms365 {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن (1) } ؛ ولما في " الصحيحين " ~~PageV02P165 # من حديث ابن مسعود، قال: كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا - بعد - أن ~~ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ". # وفي الباب أحاديث. # وثبت النسخ من حديث جماعة: # فأخرج مسلم، وغيره من حديث سبرة الجهني: أنه غزا مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فتح مكة، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة ~~النساء؛ قال: فلم يخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي لفظ من حديثه: وأن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة. # وأخرج الترمذي (1) ، عن ابن عباس: إنما كانت المتعة في أول الإسلام؛ حتى ~~نزلت هذه الآية: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} . # وفي " الصحيحين "، من حديث علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة ~~النساء يوم خيبر. # والأحاديث في هذا الباب كثيرة، والخلاف طويل، وقد استوفاه الماتن في " ~~نيل الأوطار ". PageV02P166 # ورواية من روى تحريمها إلى يوم القيامة هي الحجة في هذا الباب. # وهذا نهي مؤبد وقع في آخر موطن من المواطن التي سافر فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وتعقبه موته بعد أربعة أشهر، فوجب المصير إليه. # ولا يعارضه ما روي عن بعض الصحابة؛ أنهم ثبتوا على المتعة في حياته صلى ~~الله عليه وسلم وبعد موته إلى آخر أيام عمر؛ كما زعمه صاحب " ضوء النهار "؛ ~~فإن من علم النسخ المؤبد حجة على من لم يعلم، واستمرار من استمر عليها؛ ~~إنما كان لعدم علمه بالناسخ. # وأما ما صار يهول به جماعة من المتأخرين؛ من أن تحليل المتعة قطعي، وحديث ~~تحريمها على التأبيد ظني، والظني لا ينسخ القطعي، حتى قال المقبلي: إن ~~الجمهور لم يجدوا جوابا على هذا؛ فيقال: إن كان كون التحليل قطعيا لكونه ~~منصوصا عليه في الكتاب العزيز -؛ فذلك وإن كان قطعي المتن؛ فليس بقطعي ~~الدلالة؛ لأمرين: # أحدهما: أنه يمكن حمله على الاستمتاع بالنكاح الصحيح. # الثاني: أنه ms366 عموم؛ وهو ظني الدلالة (1) . # على أنه قد روى الترمذي، عن ابن عباس، أنه قال: إنما كانت المتعة حتى ~~نزلت هذه الآية: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} ؛ قال ابن عباس: فكل ~~فرج سواهما حرام. PageV02P167 # وهذا يدل على التحريم بالقرآن فيكون ما هو قطعي المتن ناسخا لما هو قطعي ~~المتن، وإن كان التحليل قطعيا - لكونه قد وقع الإجماع من الجميع عليه في ~~أول الأمر -؛ فيقال: وقد وقع الإجماع أيضا على التحريم في الجملة عند ~~الجميع، وإنما الخلاف في التأبيد هل وقع أم لا؟ وكون هذا التأبيد ظنيا؛ لا ~~يستلزم ظنية التحريم الذي وقع النسخ به. # فالحاصل؛ أن الناسخ للتحليل المجمع عليه هو التحريم المجمع عليه المقيد ~~بقيد ظني، وهو التأبيد، فالناسخ والمنسوخ قطعيان. # هذا على التسليم أن ناسخ القطعي لا يكون إلا قطعيا؛ كما قرره جمهور أهل ~~الأصول، وإن كنت لا أوافقهم على ذلك. # (2 -[ ### | نكاح التحليل حرام # ] :) # (والتحليل حرام) ؛ لحديث ابن مسعود عند أحمد، والنسائي، والترمذي، - ~~وصححه -، قال: # لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. # وصححه أيضا ابن القطان، وابن دقيق العيد. # وله طريق أخرى؛ أخرجها عبد الرزاق، وطريق ثالثة؛ أخرجها إسحاق في " مسنده ~~". # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وصححه ابن السكن، من حديث ~~علي مثله. # PageV02P168 # وأخرج ابن ماجه، والحاكم، من حديث عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ "، قالوا بلى يا رسول الله! قال: هو " ~~المحلل؛ لعن الله المحلل والمحلل له ". # وفي إسناده يحيى بن عثمان، وهو ضعيف، وقد أعل بالإرسال (1) . # وأخرج أحمد، والبيهقي، والبزار، وابن أبي حاتم، والترمذي في " العلل "، ~~من حديث أبي هريرة نحوه، وحسنه البخاري (2) . PageV02P169 # وأخرج الحاكم، والطبراني في " الأوسط "، من حديث عمر (1) : أنهم كانوا ~~يعدون التحليل سفاحا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال في " تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ": " رواه ابن ماجه بإسناد ~~رجاله موثقون ". # وصح عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما. # رواه ms367 ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، في " مصنفيهما "، وابن المنذر في " ~~الأوسط ". # وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر، أنه سئل عن ذلك؟ فقال: كلاهما زان. # والكلام في ذلك عن الصحابة والتابعين طويل، قد أطال شيخ الإسلام تقي ~~الدين ابن تيمية الكلام عليه، وأفرده مصنفا سماه: " بيان الدليل على إبطال ~~التحليل ". انتهى. # أقول: حديث لعن المحلل مروي من طريق جماعة من الصحابة بأسانيد بعضها ~~صحيح، وبعضها حسن. # واللعن لا يكون إلا على أمر غير جائز في الشريعة المطهرة،؛ بل على ~~PageV02P170 # ذنب هو من أشد الذنوب. # فالتحليل غير جائز في الشرع، ولو كان جائزا لم يلعن فاعله والراضي به، ~~وإذا كان لعن الفاعل لا يدل على تحريم فعله؛ لم تبق صيغة تدل على التحريم ~~قط، وإذا كان هذا الفعل حراما غير جائز في الشريعة؛ فليس هو النكاح الذي ~~ذكره الله في قوله: {حتى تنكح زوجا غيره} ، كما أنه لو قال: لعن الله بائع ~~الخمر؛ لم يلزم من لفظ (بائع) أنه قد جاز بيعه وصار من البيع الذي أذن فيه ~~بقوله: {وأحل الله البيع} ؛ والأمر ظاهر. # قال ابن القيم: # " ونكاح المحلل لم يبح في ملة من الملل قط، ولم يفعله أحد من الصحابة، ~~ولا أفتى به واحد منهم ... ، ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم ~~من حرة مصونة، أنشب فيها المحلل مخالب إرادته؟ ! فصارت له بعد الطلاق من ~~الأخدان، وكان بعلها منفردا بوطئها؛ فإذا هو والمحلل ببركة التحليل شريكان، ~~فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء، [وألقاها بين براثن ~~العشراء والحرفاء] (1) ، ولولا التحليل؛ لكان منال الثريا دون منالها، ~~والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القنا دون عناقها، والأخذ ~~بذراع الأسد دون الأخذ بساقها ". # وأما هذه الأزمان التي شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، ~~PageV02P171 # وقبح ما يرتكبه المحللون؛ مما هو رمد؛ بل عمى في عين الدين، وشجى في حلوق ~~المؤمنين؛ من قبائح تشمت أعداء الدين به، وتمنع كثيرا ممن يريد الدخول فيه ~~بسببه؛ بحيث لا يحيط ms368 بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم ~~من أقبح القبائح، ويعدونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيرت ~~منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد ~~طيبها للتحليل، فيالله العجب {أي طيب أعارها هذا التيس الملعون؟ وأي مصلحة ~~حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل الدون؟} "؛ إلى غير ذلك. انتهى. # وقد أطال - رحمه الله تعالى - في تخريج أحاديث التحليل في " إعلام ~~الموقعين " إطالة حسنة؛ فليراجع. # ( [3 - ### | نكاح الشغار حرام # ] :) # (وكذلك الشغار) ؛ لثبوت النهي عنه؛ كما في حديث ابن عمر في " الصحيحين " ~~وغيرهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشغار. # وأخرج مسلم، من حديث أبي هريرة، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن الشغار، والشغار أن يقول الرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني ~~أختك وأزوجك أختي. # وأخرج مسلم أيضا، من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~لا شغار في الإسلام ". # PageV02P172 # وفي الباب أحاديث. # قال ابن عبد البر: # " أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته؛ ~~والجمهور على البطلان " (1) . # قال الشافعي: هذا النكاح باطل كنكاح المتعة. # وقال أبو حنيفة: جائز؛ ولكل واحدة منهما مهر مثلها ". انتهى. # أقول: النهي عن الشغار ثابت بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة. # وعلى كل حال؛ فكون الشغار من مفسدات العقد غير مناسب لما تقرر في الأصول؛ ~~لأن النهي عن الشغار يقتضي قبحه، أو تحريمه، أو فساده؛ على اختلاف الأقوال، ~~وإذا اقتضى ذلك وجب على كل واحد من الزوجين توفير المهر لزوجته بما استحل ~~من فرجها، فهو بمنزلة فساد التسمية، وفسادها لا يستلزم فساد عقد النكاح، ~~والمهر ليس بشرط للعقد، فالحكم بأن الشغار يفسد العقد غير مناسب لما تقرر ~~في الأصول، ولا موافق لقواعد الفروع. # ولو فرض أن النهي عن النكاح الذي فيه شغار؛ لم يكن ذلك مقتضيا ~~PageV02P173 # لفساد العقد؛ لأن النهي ليس لذات العقد ولا لوصفه؛ بل لأمر خارج عنه، وقد ~~تقرر في الأصول أن ذلك لا ms369 يوجب الفساد. # ( [ ### | الوفاء بشرط المرأة واجب ما لم يحل حراما أو يحرم حلالا # ] :) # (ويجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة) ؛ لحديث عقبة بن عامر، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج "؛ وهو في " الصحيحين " ~~وغيرهما. # قلت: هو قول أكثر أهل العلم، وقالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: " إن أحق ~~الشروط ... " الخ خاص في شرط المهر، إذا سمى لها مالا في الذمة - أو عينا ~~-؛ عليه أن يوفيها ما ضمن لها، وفي الحقوق الواجبة التي هي مقتضى العقد. # وأما ما سوى ذلك؛ مثل أن يشترط في العقد للمرأة أن لا يخرجها من دارها، ~~ولا ينقلها من بلدها، أو لا ينكح عليها؛ أو نحو ذلك، فلا يلزمه الوفاء به، ~~وله إخراجها، ونقلها، وأن ينكح عليها؛ إلا أن يكون في ذلك يمين، فيلزمه ~~اليمين؛ كذا في " المسوى ". # أقول: الوفاء بمطلق الشروط مشروع، قال - تعالى -: {أوفوا بالعقود} . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " المسلمون عند شروطهم؛ # PageV02P174 # إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا "؛ وهو حديث حسن (1) . # ولكن هذا المخصص المتصل - أعني قوله: " إلا شرطا ... " الخ - يدل على أن ~~ما كان من الشروط بهذه الصفة؛ لا يجب الوفاء به. # وكما يخصص عموم أول الحديث كذلك يخصص عموم الآية، ويؤيد هذا المخصص ~~الحديث المتفق عليه بلفظ: # " كل شرط ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله؛ فهو باطل " (2) . # ولا يعارض هذا حديث: " أحق الشروط ... " الخ وهو متفق عليه. # ووجه عدم المعارضة: أن عموم هذا الحديث مخصص بما قبله من الحديثين ~~الدالين على أن الشروط التي تحلل الحرام أو تحرم الحلال - مما ليس في كتاب ~~الله، ولا سنة رسوله -؛ لا يجب الوفاء بها؛ سواء كانت في نكاح أو غيره؛ لا ~~كما قاله الجلال في " ضوء النهار " (3) . PageV02P175 # (إلا أن يحل حراما أو يحرم حلالا) ؛ فلا يحل الوفاء به؛ كما ورد بذلك ~~الدليل؛ وقد ثبت النهي عن اشتراط أمور؛ كحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، ~~وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ms370 يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو ~~يبيع على بيعة أخيه، " ولا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكتفىء ما في صحفتها ~~أو إنائها؛ فإنما رزقها على الله ". # وأخرج أحمد؛ من حديث عبد الله بن عمر (1) ، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " لا يحل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى ". # (4 -[ ### | نكاح الزانية أو المشركة حرام والعكس # ] :) # (ويحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة) ؛ لقوله - تعالى -: {الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على ~~المؤمنين} (2) . PageV02P176 # ولما أخرجه أحمد بإسناد - رجاله ثقات (1) -، والطبراني في " الكبير "، و ~~" الأوسط " من حديث عبد الله بن عمرو: أن رجلا من المسلمين استأذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في امرأة - يقال لها: أم مهزول - كانت تسافح، ~~وتشترط له أن تنفق عليه، فقرأ عليه - صلى الله عليه وسلم -: " {والزانية لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك} . # وأخرج أبو داود، والنسائي، والترمذي - وحسنه (2) - من حديث ابن عمر: أن ~~مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي - يقال لها: ~~عناق -، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول ~~الله! أنكح عناقا؟ قال: فسكت عني، فنزلت الآية: {والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك} ، فدعاني فقرأها علي، وقال: " لا تنكحها ". # وأخرج أحمد، وأبو داود (3) بإسناد (4) رجاله ثقات، من حديث أبي هريرة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله ". # قال ابن القيم: PageV02P177 # " أخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها: الإمام أحمد ومن وافقه، وهي من ~~محاسن مذهبه؛ فإنه لم يجوز أن ينكح الرجل زوجا تحبه، ويعضد مذهبه بضعة ~~وعشرون دليلا، قد ذكرناها في موضع آخر ". انتهى. # وأخرج ابن ماجه، والترمذي - وصححه - من حديث عمرو بن الأحوص: أنه شهد حجة ~~الوداع مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله وأثنى عليه وذكر، ووعظ، ~~ثم قال: # " استوصوا في النساء خيرا؛ فإنما هن عندكم عوان، ليس تملكون منهن شيئا ~~غير ذلك؛ ms371 إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، ~~واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ". # وأخرج أبو داود، والنسائي، من حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس؟ قال: " غربها "، قال: ~~أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: " فاستمتع بها ". # قال المنذري: ورجال إسناده محتج بهم في " الصحيحين ". # قال ابن القيم: # " عورض - بهذا الحديث المتشابه - الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من ~~تزوج (1) البغايا، واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه: # فقالت طائفة: المراد باللامس: ملتمس الصدقة، لا ملتمس الفاحشة. ~~PageV02P178 # وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر، وإنما المانع ورود العقد على ~~الزانية؛ فهذا هو الحرام. # وقالت طائفة: بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما؛ فإنه لما أمر ~~بمفارقتها خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما، فأمره حينئذ بإمساكها؛ إذ ~~مواقعتها بعقد النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح. # وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت (1) . # وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية، وإنما فيه أنها لا ~~تمنع من يمسها، أو يضع يده عليها، أو نحو ذلك، فهي تعطي الليان لذلك، ولا ~~يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى، ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها الداعي إلى ~~الفاحشة، فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه؛ فلما أخبره بأن ~~نفسه تتبعها وأنه لا صبر له عنها؛ رأى مصلحة إمساكها أرجح المسالك. ~~PageV02P179 # والله - تعالى - أعلم ". انتهى. # وفي " المسوى ": # " أقول: الظاهر عندي أن مبنى اختلافهم هذا اختلافهم في مرجع {ذلك} في ~~قوله: {حرم ذلك} ؛ فقال أحمد: مرجعه نكاح الزانية والمشركة، وقال غيره: ~~مرجعه الزنا والشرك، والمراد على هذا: أن العادة قاضية بأن الزانية لا يرغب ~~فيها إلا زان أو مشرك، والزنا والشرك حرام على المؤمنين، فنكاحها لا يليق ~~بحال المؤمنين. ولا يقولون: إن الحديث ناسخ؛ بل يقولون: إنه مبين لتأويل ~~الآية، ومع ذلك فلا يخلو عن بعد ". # في " الكافي في مذهب أحمد ": " الزانية يحرم نكاحها كالمعتدة ". # وأما غير ms372 أحمد فقولهم؛ جواز نكاح الفاجرة؛ وإن كان الاختيار غير ذلك؛ ~~لحديث: " لا ترد يد لامس ". # قال الواحدي؛ عن أبي عبيد: مذهب مجاهد: أن التحريم لم يكن إلا على جماعة ~~خاصة من فقراء المهاجرين؛ أرادوا نكاح البغايا لينفقن عليهم، ومذهب سعيد: ~~أن التحريم كان عاما ثم نسخته الرخصة؛ وأورد أبو عبيد على هذا الحديث أنه ~~خلاف الكتاب والسنة المشهورة؛ لأن الله - تعالى - إنما أذن في نكاح ~~المحصنات خاصة، ثم أنزل في القاذف آية اللعان، وسن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - التفريق بينهما، فلا يجتمعان أبدا، فكيف يأمر بالإقامة على ~~عاهرة لا تمتنع ممن أرادها؟ ! # والحديث مرسل، فإن ثبت؛ فتأويله أن الرجل وصف امرأته بالخرق # PageV02P180 # وضعف الرأي، وتضييع ماله؛ فهي لا تمنعه من طالب، ولا تحفظه من سارق، وهذا ~~أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأحرى بحديثه. # أقول: في الاستدلال بحديث: " لا ترد يد لامس " نظر من وجهين: # أحدهما: أن هذا ليس رميا لها بالزنا البتة؛ بل رمي بقلة الاحتياط في أمر ~~الملامسة، فيحتمل حينئذ أن لا تتورع من اللمس الحرام، وتتورع من حقيقة ~~الزنا المفضي إلى الحد، والمقتضي للحبل الموجب للفضيحة الشديدة، وكم من ~~امرأة لا تتورع من النظر واللمس المحرمين، وتتورع من موجب الحد وسبب الحبل ~~خوفا من الفضيحة، فلما لم يصرح بالزنا؛ لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليه الفراق (1) . # وثانيهما: أن حالة الابتداء تفارق حالة البقاء في أكثر المسائل، كالمحرم ~~لا يبتدىء بالنكاح في حالة إحرامه، ولا يضره البقاء، فإذا جوز النبي صلى ~~الله عليه وسلم إمساكها في حالة بقاء النكاح؛ من أين لكم أنه يجوز ابتداء ~~النكاح؟ ! ". انتهى. # (والعكس) ؛ وإنما قال ب (العكس) ؛ لأن هذا الحكم لا يختص بالرجل دون ~~المرأة؛ كما تفيد ذلك الآية الكريمة: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} . # أقول: هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، ودعوى أن سبب نزول الآية فيمن ~~سأله صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن ينكح عناقا - وكانت مشركة ms373 -: مدفوعة ~~بأن PageV02P181 # الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لا سيما والآية الكريمة قد تضمنت ~~نكاح الزانية على حدة، ونكاح المشركة على حدة. # وأما حديث: " إن امرأتي لا ترد يد لامس "؛ فالظاهر أنه كناية عن كونها ~~زانية؛ لا كما قال المقبلي: إن المراد أنها ليست نفورا من الريبة؛ لا أنها ~~زانية، ثم استبعد أن يقول له صلى الله عليه وسلم: " استمتع بها "؛ وقد عرف ~~أنها زانية، وأن ذلك مناف لأخلاقه الشريفة (1) . # وأقول: هذا التأويل خلاف الظاهر، والاستبعاد لا يجوز إثبات الأحكام ~~الشرعية أو نفيها بمجرده، فالأولى التعويل على شيء آخر؛ هو أن الحديث قد ~~اختلف في وصله وإرساله؛ بل قال النسائي: إنه ليس بثابت (2) . # وهكذا لا وجه لحمل الحديث على مجرد التهمة؛ فإن الرجل لم يقل: إنه يتهم ~~أنها لا ترد يد لامس، أو يشك، أو يظن؛ بل قال ذلك جزما. # ( [ ### | المحرمات من النساء # ] :) # (ومن صرح القرآن بتحريمه) ؛ وهو ظاهر؛ لقوله - تعالى -: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم PageV02P182 # وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين ~~الأختين إلا ما قد سلف) {ثم قال} (وأحل لكم ما وراء ذلكم} . # (1 -[ ### | المحرمات من النسب # ] :) # قال في " المسوى ": " اتفقت الأمة على أنه يحرم على الرجل أصوله، وفصوله، ~~وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده؛ فالأصول هي: الأمهات، والجدات ~~وإن علون، والفصول هي: البنات، وبنات الأولاد، وإن سفلن؛ وفصول أول الأصول ~~هي: الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، وإن سفلن، وأول فصل من كل أصل بعده ~~هي: العمات، والخالات، وإن علت درجتهن ". انتهى. # (2 -[ ### | المحرمات من الرضاع # ] :) # (والرضاع كالنسب) ؛ لحديث ابن عباس في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم ". # وفي لفظ: " من النسب ". # وفيهما أيضا، من حديث عائشة مرفوعا: # " يحرم من الرضاعة ما يحرم من ms374 الولادة ". # وأخرج أحمد، والترمذي - وصححه - من حديث علي، قال: قال # PageV02P183 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب ~~". # قال أهل العلم: والمحرمات من الرضاع سبع: الأم، والأخت - بنص القرآن -، ~~والبنت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت؛ لأن هؤلاء يحرمن من ~~النسب، فيحرمن من الرضاع، وقد وقع الخلاف: هل يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~الصهار؟ # وقد حقق الكلام في ذلك ابن القيم في " الهدي ". # قال في " المسوى ": # " اتفقت الأمة على أن كل من عقد النكاح على امرأة تحرم المنكوحة على آباء ~~الناكح وإن علوا، وعلى أبنائه، وأبناء أولاده من النسب والرضاع جميعا وإن ~~سفلوا؛ تحريما مؤبدا بمجرد العقد. # ويحرم على الناكح أمهات المنكوحة، وجداتها من الرضاع والنسب جميعا؛ ~~تحريما مؤبدا بمجرد العقد. # فإن دخل بالمنكوحة حرمت عليه بناتها، وبنات أولادها من النسب والرضاع ~~جميعا. # وإن فارقها قبل أن يدخل بها؛ جاز له نكاح بناتها. # واتفقوا على أن حرمة الرضاع كحرمة النسب في المناكح، فإذا أرضعت المرأة ~~رضيعا؛ يحرم على الرضيع وعلى أولاده من أقارب المرضعة: كل من يحرم على ~~ولدها من النسب، ولا تحرم المرضعة على أبي الرضيع، ولا على # PageV02P184 # أخيه، ولا تحرم عليك أم أختك إذا لم تكن أمك ولا زوجة أبيك. # ويتصور هذا في الرضاع، ولا يتصور في النسب؛ ليس لك أم أخت إلا وهي أم لك ~~أو زوجة لأبيك. # وكذلك لا تحرم عليك أم نافلتك (1) إذا لم تكن ابنتك أو زوجة ابنك. # ولا جدة ولدك إذا لم تكن أمك أو أم زوجتك، ولا أخت ولدك إذا لم تكن ابنتك ~~أو ربيبتك. # وحرمة الرضاع تكون بالرجال كما تكون بالنساء، وهو قول أكثر أهل العلم ". ~~انتهى. # ( [ ### | من المحرمات مؤقتا # ] :) # (1 -[ ### | الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها # ] :) # (والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " ~~وغيرهما؛ قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو ~~خالتها. # وفي لفظ لهما: نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين ms375 المرأة وخالتها. # وفي الباب أحاديث. # وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن عامة أهل العلم، وقال: لا نعلم بينهم ~~اختلافا في ذلك. PageV02P185 # وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم. # وقد حكى الإجماع أيضا الشافعي، والقرطبي، وابن عبد البر. # قلت: اتفقت الأمة على أنه يحرم عليه أن يجمع بين الأختين، وبين العمة ~~وبنت أخيها، وبين الخالة وبنت أختها؛ من النسب والرضاع جميعا. # وجملته: أن كل امرأتين من أهل النسب - لو قدرت إحداهما ذكرا حرمت الأخرى ~~عليه -؛ فالجمع بينهما حرام. # ولا بأس بالجمع بين المرأة وزوجة أبيها أو زوجة ابنها؛ لأنه لا نسب ~~بينهما؛ كذا في " المسوى ". # (2 -[ ### | الزيادة على الأربع للحر # ] :) # (و) يحرم (ما زاد على العدد المباح للحر والعبد) ؛ لحديث قيس بن الحارث، ~~قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة؛ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، ~~فقال: " اختر منهن أربعا "؛ أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وفي إسناده محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. # وقال ابن عبد البر: ليس له إلا حديث واحد (1) ، ولم يأت من وجه صحيح (2) ~~، ويؤيده ما سيأتي فيمن أسلم وعنده أكثر من أربع. PageV02P186 # وأما الاستدلال بقوله - تعالى -: {مثنى وثلاث ورباع} ؛ ففيه ما أوضحه ~~الماتن في " شرح المنتقى "، وفي " حاشية الشفاء "، وقد قيل: إنه لا خلاف في ~~تحريم الزيادة على الأربع، وفيه نظر كما أوضحه هنالك. # أقول: قال الماتن - رحمه الله تعالى - في كتابه " السيل الجرار المتدفق ~~على حدائق الأزهار ": # " أما الاستدلال على تحريم الخامسة، وعدم جواز زيادة على الأربع بقوله - ~~عز وجل -: {مثنى وثلاث ورباع} ؛ فغير صحيح؛ كما أوضحته في شرحي ل " المنتقى ~~"، ولكن الاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحارث، وحديث غيلان الثقفي، وحديث ~~نوفل بن معاوية هو الذي ينبغي الاعتماد عليه؛ وإن كان في كل أحد منها مقال؛ ~~لكن الإجماع على ما دلت عليه قد صارت به من المجمع على العمل عليه. # وقد حكى الإجماع صاحب " فتح الباري "، والمهدي في " البحر "، والنقل عن ~~الظاهرية ms376 لم يصح؛ فإنه قد أنكر ذلك منهم من هو أعرف بمذهبهم. # وأيضا قد ذكرت في تفسيري الذي سميته " فتح القدير " تصحيح بعض هذه ~~الأحاديث، وأطلت المقال في ذلك، فليرجع إليه ". انتهى. # وقال في " نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ": # " حديث قيس بن الحارث - وفي رواية: الحارث بن قيس -؛ في إسناده محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة؛ قال أبو القاسم ~~البغوي: ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا، وقال أبو عمر # PageV02P187 # النمري (1) : ليس له إلا حديث واحد، ولم يأت به من وجه صحيح. # وفي معنى هذا الحديث: حديث غيلان الثقفي؛ وهو عن الزهري، عن سالم، عن ابن ~~عمر؛ قال: أسلم غيلان الثقفي، وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، ~~فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يختار منهن أربعا؛ رواه أحمد، وابن ~~ماجه، والترمذي، وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأن المرسل أصح. # وحكى الحاكم عن مسلم: أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة. # قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة. # وقد أخذ ابن حبان، والحاكم، والبيهقي بظاهر الحكم، وأخرجوه من طرق عن ~~معمر؛ من حديث أهل الكوفة، وأهل خراسان، وأهل اليمامة، عنه. # قال الحافظ: " ولا يفيد ذلك شيئا؛ فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه ~~بالبصرة، وعلى تقدير أنهم سمعوا بغيرها؛ فحديثه الذي حدث به في غير بلده ~~مضطرب؛ لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدث من ~~حفظه بأشياء؛ وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به؛ كابن المديني، ~~والبخاري، وابن أبي حاتم، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم. # وحكى الأثرم عن أحمد أن هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه، وأعله بتفرد ~~معمر في وصله، وتحديثه به في غير بلده. PageV02P188 # وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة. # وقد أطال الدارقطني في " العلل " تخريج طرقه. # ورواه ابن عيينة، ومالك، عن الزهري مرسلا؛ ورواه عبد الرزاق عن معمر ~~كذلك. # وقد وافق معمرا على وصله: بحر بن كنيز (1) السقاء، عن ms377 الزهري، ولكنه ~~ضعيف. # وكذا وصله يحيى بن سلام، عن مالك، ويحيى ضعيف (2) ". # وفي الباب: عن نوفل بن معاوية عند الشافعي: أنه أسلم وتحته خمس نسوة، ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أمسك أربعا وفارق الأخرى "، وفي ~~إسناده رجل مجهول؛ لأن الشافعي قال: حدثنا بعض أصحابنا، عن أبي الزناد، عن ~~عبد المجيد بن سهل، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية، قال: أسلمت ... . ~~فذكره (3) . PageV02P189 # وفي الباب أيضا عن عروة بن مسعود، وصفوان بن أمية عند البيهقي. # وقوله: " اختر منهن أربعا "؛ استدل به الجمهور على تحريم الزيادة على ~~أربع. # وذهبت الظاهرية إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا، ولعل وجهه قوله تعالى: ~~{مثنى وثلاث ورباع} ، ومجموع ذلك - لا باعتبار ما فيه من العدل - تسع، وحكي ~~ذلك عن ابن الصباغ، والعمراني، وبعض الشيعة، وحكي أيضا عن القاسم بن ~~إبراهيم، وأنكر الإمام يحيى الحكاية عنه، وحكاه صاحب " البحر " عن ~~الظاهرية، وقوم مجاهيل. # وأجابوا عن حديث قيس بن الحارث المذكور بما فيه من المقال المتقدم، ~~وأجابوا عن حديث غيلان الثقفي بما تقدم فيه من المقال، وكذلك أجابوا عن ~~حديث نوفل بن معاوية بما قدمنا من كونه في إسناده مجهول. # قالوا: ومثل هذا الأصل العظيم لا يكتفى فيه بمثل ذلك، ولا سيما وقد ثبت ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جمع بين تسع، أو إحدى عشرة، وقد ~~قال - تعالى -: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} . # وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع؛ فهو محل النزاع؛ ولم يقم عليه ~~دليل. # وأما قوله - تعالى - {مثنى وثلاث ورباع} ؛ ف (الواو) فيه للجمع لا ~~للتخيير، وأيضا لفظ: {مثنى} معدول به عن اثنين اثنين، وهو يدل على # PageV02P190 # تناول ما كان متصفا من الأعداد بصفة الاثنينية؛ وإن كان في غاية الكثرة ~~البالغة إلا ما فوق الألوف؛ فإنك تقول: جاءني القوم مثنى؛ أي: اثنين اثنين، ~~وهكذا ثلاث ورباع، وهذا معلوم في لغة العرب لا يشك فيه أحد. # فالآية المذكورة تدل بأصل الوضع على أنه يجوز للإنسان أن يتزوج ms378 من النساء ~~اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. # وليس من شرط ذلك أن لا تأتي الطائفة الأخرى في العدد؛ إلا بعد مفارقته ~~للطائفة التي قبلها؛ فإنه لا شك أنه يصح لغة وعرفا أن يقول الرجل لألف رجل ~~عنده: جاءني هؤلاء اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة؛ فحينئذ ~~الآية تدل على إباحة الزواج بعدد من النساء كثير؛ سواء كانت الواو للجمع أو ~~للتخيير؛ لأن خطاب الجماعة بحكم من الأحكام بمنزلة الخطاب به لكل واحد ~~منهم، فكأن الله سبحانه قال لكل فرد من الناس: انكح ما طاب لك من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع؛ ومع هذا فالبراءة الأصلية مستصحبة، وهي بمجردها كافية في ~~الحل، حتى يوجد ناقل صحيح ينقل عنها. # وقد يجاب بأن مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن ~~لغيره، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال، ~~ويؤيد ذلك كون الأصل في الفروج الحرمة - كما صرح به الخطابي -؛ فلا يجوز ~~الإقدام على شيء منها إلا بدليل، وأيضا هذا الخلاف مسبوق بالإجماع على عدم ~~جواز الزيادة على الأربع؛ كما صرح بذلك في " البحر " (1) PageV02P191 # وقال في " الفتح ": # " اتفق العلماء على أن من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - الزيادة على ~~أربع نسوة يجمع بينهن ". # وقد ذكر الحافظ في " الفتح "، و " التلخيص " الحكمة في تكثير نسائه - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ فليراجع ذلك ". انتهى. # وقال في تفسيره " فتح القدير ": # " وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع، وبينوا ذلك بأنه خطاب ~~لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال ~~للجماعة: اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم - أو هذا المال الذي في البدرة - ~~درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. # وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عين مكانه، أما لو كان مطلقا ~~- كما يقال: اقتسموا الدراهم، ويراد بها ما كسبوه -؛ فليس المعنى هكذا، ~~والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول. # على أن من قال لقوم يقتسمون مالا ms379 معينا كبيرا: اقتسموه مثنى وثلاث ورباع، ~~فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين، وبعضه ثلاثة ثلاثة، وبعضه أربعة أربعة؛ ~~كان هذا هو المعنى العربي. # ومعلوم أنه إذا قال القائل: جاءني القوم مثنى - وهم مئة ألف -؛ كان ~~المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين، وهكذا: جاءني القوم ثلاث ورباع، والخطاب # PageV02P192 # للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد؛ كما في قوله - تعالى -: {اقتلوا ~~المشركين} ، {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، ونحوها. # ومعنى قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} : لينكح كل ~~فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، ~~هذا ما تقتضي لغة العرب، فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به عليه. # ويؤيد هذا قوله - تعالى - في آخر الآية: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} ؛ ~~فإنه وإن كان خطابا للجميع؛ فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد؛ فالأولى أن ~~يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن. # وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو ~~الجامعة، وكأنه قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور؛ فهذا جهل بالمعنى ~~العربي، ولو قال: انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا؛ كان هذا القول له وجه، وأما ~~مع المجيء بصيغة العدل فلا، وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون (أو) ؛ ~~لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ~~ليس بمراد من النظم القرآني. # وأخرج الشافعي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، ~~والبيهقي، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة؛ فقال ~~له النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " اختر منهن ". # وفي لفظ: " أمسك منهن أربعا، وفارق سائرهن ". # PageV02P193 # وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق. # وعن نوفل بن معاوية الديلي، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] : " أمسك أربعا، وفارق الأخرى "، أخرجه الشافعي في " ~~مسنده " (1) . # وأخرج ابن ماجه، والنحاس في " ناسخه "، عن قيس بن الحارث الأسدي قال: ~~أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ~~" اختر منهن أربعا، وخل سائرهن ms380 "، ففعلت. # وهذه شواهد للحديث الأول؛ كما قال البيهقي. # ( [ ### | بيان الخلاف في عدد نساء المملوك # ] :) # وعن الحكم، قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك ~~لا يجمع من النساء فوق اثنتين ". انتهى كلامه. # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق ~~تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين؛ رواه الدارقطني. # قال الماتن - رحمه الله - في " نيل الأوطار ": # " قد تمسك بهذا من قال: إنه لا يجوز للعبد أن يتزوج فوق اثنتين؛ وهو مروي ~~عن علي، وزيد بن علي، والناصر، والحنفية، والشافعية. # ولا يخفى أن قول الصحابي لا يكون حجة على من لم يقل بحجيته، PageV02P194 # نعم؛ لو صح إجماع الصحابة على ذلك لكان دليلا عند القائلين بحجية ~~الإجماع؛ ولكنه قد روي عن أبي الدرداء، ومجاهد، وربيعة، وأبي ثور، والقاسم ~~بن محمد، وسالم: أنه يجوز له أن ينكح أربعا كالحر. # حكى ذلك عنهم صاحب " البحر ". # فالأولى الجزم بدخوله تحت قوله - تعالى -: {فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء} ، والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم؛ إلا أن يقوم دليل يقتضي ~~المخالفة؛ كما في المواضع المعروفة بالتخالف بين حكميهما ". انتهى. # ويوضح ذلك ما حرره الماتن - رحمه الله تعالى - في " وبل الغمام حاشية ~~شفاء الأوام "؛ عبارته هكذا: # " الذي نقله إلينا أئمة اللغة والإعراب - وصار كالمجمع عليه عندهم -: أن ~~العدل في الأعداد يفيد أن المعدود لما كان متكثرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد ~~كثيرة؛ كانت صيغة العدل المفردة في قوة تلك الأعداد، فإن كان مجيء القوم ~~مثلا اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة - وكانوا ألوفا مؤلفة -، ~~فقلت: جاءني القوم مثنى؛ أفادت هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين اثنين، حتى ~~تكاملوا، فإن قلت: مثنى، وثلاث، ورباع؛ أفاد ذلك: أن القوم جاءوك تارة ~~اثنين اثنين، وتارة ثلاثة ثلاثة، وتارة أربعة أربعة، فهذه الصيغ بينت مقدار ~~عدد دفعات المجيء؛ لا مقدار عدد جميع القوم، فإنه لا يستفاد منها أصلا، بل ~~غاية ما يستفاد منها: أن عددهم متكثر تكثرا تشق الإحاطة به. # ومثل هذا إذا قلت: نكحت النساء ms381 مثنى؛ فإن معناه: نكحتهن اثنتين اثنتين، ~~وليس فيه دليل على أن كل دفعة من الدفعات لم يدل في نكاحه إلا # PageV02P195 # بعد خروج الأولى، كما أنه لا دليل - في قولك: جاءني القوم مثنى - أنه لم ~~يصل الاثنان الآخران إليك؛ إلا وقد فارقك الاثنان الأولان. # إذا تقرر هذا؛ فقوله - تعالى -: {مثنى وثلاث ورباع} ؛ يستفاد منه جواز ~~نكاح النساء اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، والمراد جواز تزوج ~~كل دفعة من هذه الدفعات في وقت من الأوقات، وليس في هذه تعرض لمقدار عددهن؛ ~~بل يستفاد من الصيغ الكثرة من غير تعيين؛ كما قدمنا في مجيء القوم، وليس ~~فيه أيضا دليل على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى، ومن ~~زعم أنه نقل إلينا أئمة اللغة والإعراب ما يخالف هذا؛ فهذا مقام الاستفادة ~~منه، فليتفضل بها علينا، وابن عباس إن صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على ~~أربع؛ فهو فرد من أفراد الأمة. # وأما القعقعة بدعوى الإجماع من المصنف وأمثاله، فما أهونها وأيسر خطبها ~~عند من لم تفزعه هذه الجلبة، وكيف يصح إجماع خالفته الظاهرية (1) ، وابن ~~الصباغ، والعمراني، والقاسم بن إبراهيم نجم آل الرسول، وجماعة من ~~PageV02P196 # الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين، وخالفه أيضا القرآن الكريم كما بيناه، ~~وخالفه أيضا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما صح تواترا من جمعه ~~بين تسع أو أكثر في بعض الأوقات: {وما آتاكم الرسول فخذوه} ، {لقد كان لكم ~~في رسول الله أسوة حسنة} ، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ؟ ~~! # ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى دليل، والبراءة الأصلية مستصحبة؛ لا ينقل عنها ~~إلا ناقل صحيح تنقطع عنده المعاذير. # وأما حديث أمره - صلى الله عليه وسلم - لغيلان لما أسلم وتحته عشرة نسوة؛ ~~بأن يختار منهن أربعا، ويفارق سائرهن؛ كما أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وابن ~~حبان؛ فهو وإن كان له طرق؛ فقد قال ابن عبد البر: كلها معلولة؛ وأعله غيره ~~من الحفاظ بعلل أخرى. # ومثل هذا لا ينتهض للنقل عن الدليل القرآني، والفعل المصطفوي الذي مات ~~صلى ms382 الله عليه وسلم عليه، والبراءة الأصلية. # ومن صحح لنا هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة، أو جاءنا بدليل في معناه؛ ~~فجزاه الله خيرا؛ فليس بين أحد وبين الحق عداوة، وعلى العالم أن يوفي ~~الاجتهاد حقه؛ لا سيما في مقامات التحرير والتقرير؛ كما نفعله في كثير من ~~الأبحاث، وإذا حاك في صدره شيء؛ فليكن تورعه في العمل؛ لا في تقرير الصواب. # فإياك أن تحامي التصريح بالحق الذي تبلغ إليه ملكتك لقيل وقال، ولا # PageV02P197 # سيما في مثل مواطن تجبن عنها كثير من الرجال؛ فإنك لا تسأل يوم القيامة ~~عن الذي ترتضيه منك العباد؛ بل عن الذي يرتضيه المعبود؛ و (إذا جاء نهر ~~الله بطل نهر معقل) ، و (من ورد البحر استقل السواقيا) ". انتهى. # واندفع بهذا ما في " المسوى " من قوله: # " قلت: اتفقت الأمة على أن الحر يجوز له أن ينكح أربع حرائر، ولا يجوز له ~~أن ينكح أكثر من أربع. # قال الشافعي: انتهى الله - تعالى - بالحرائر إلى أربع؛ تحريما لأن يجمع ~~أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم بين أكثر من أربع. # وأما العبد؛ فأكثر الأمة على أنه لا ينكح أكثر من امرأتين، وفي الآية ما ~~يدل على أنها في الأحرار وهو قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} ، وملك اليمين لا ~~يكون إلا للأحرار ". انتهى. # وأما العدد الذي يحل للعبد؛ فقد حكى البيهقي، وابن أبي شيبة، أنه أجمع ~~الصحابة على أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنتين، وكذلك حكى إجماع الصحابة ~~الشافعي. # وروى الدارقطني، عن عمر أنه قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين. # وسيأتي ما ورد في طلاق الأمة والعدة - في باب العدة -، فمن قال بأن إجماع ~~الصحابة حجة كفاه إجماعهم، ومن لم يقل بحجية إجماعهم؛ أجاز # PageV02P198 # للعبد ما يجوز للحر من العدد (1) ، وقد أوضح الماتن حكم الإجماع في أول " ~~حاشية الشفاء ". # ( [ ### | حكم زواج العبد بغير إذن سيده # ] :) # (وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده؛ فنكاحه باطل) (2) ؛ لحديث جابر عند أحمد ~~(3) ، وأبي داود، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان، والحاكم - وصححاه -، قال: ~~قال رسول الله ms383 صلى الله عليه وسلم: # " من تزوج بغير إذن سيده؛ فهو عاهر ". # وأخرجه أيضا ابن ماجه من حديث ابن عمر. # قال الترمذي: " لا يصح؛ إنما هو عن جابر ". PageV02P199 # وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر أيضا، وفي إسناده مندل بن علي؛ وهو ضعيف ~~(1) . # وقد ذهب إلى عدم صحة عقد العبد بغير إذن مولاه: الجمهور. # وقال مالك: إن العقد نافذ، ولسيده فسخه. # وورد بأن العاهر الزاني، والزنا باطل، وفي رواية من حديث جابر بلفظ: " ~~باطل ". # ( [ ### | حكم الأمة في الزواج إذا عتقت # ] :) # (وإذا عتقت الأمة ملكت أمر نفسها، وخيرت في زوجها) ؛ لحديث عائشة في " ~~صحيح مسلم " وغيره: أن بريرة خيرها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها ~~عبدا. # وكذا في " صحيح البخاري " من حديث ابن عباس. # وفي حديث آخر لعائشة عند أحمد، وأهل " السنن ": أن زوج بريرة كان حرا. # (2) # وقد اختلفت الروايات في ذلك (3) PageV02P200 # وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار إذا كان الزوج حرا: # فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت، وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة، وقد ~~وقع في بعض الروايات:: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: " ملكت ~~نفسك؛ فاختاري " (1) ؛ فإن هذا يفيد أنه لا فرق بين الحر والعبد. # والحاصل: أن الاختلاف في كون زوجها حرا أو عبدا لا يقدح في ذلك؛ لأن ~~ملكها لأمر نفسها يقتضي عدم الفرق. # ولكن دعوى أن تمكينها لزوجها بعد علمها بالعتق، وثبوت الخيار، مبطل ~~لخيارها؛ لا دليل عليها (2) ، وتركه صلى الله عليه وسلم لاستفصال بريرة أو ~~زوجها عن ذلك: يفيد أنه غير مبطل، ولو كان مبطلا لم يتركه. # ( [ ### | حكم فسخ النكاح بالعيب # ] :) # (ويجوز فسخ النكاح بالعيب) ؛ لحديث كعب بن زيد - أو زيد بن كعب - أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها، ووضع ~~ثوبه، وقعد على الفراش؛ أبصر بكشحها بياضا، فانحاز عن الفراش، ثم قال: " ~~خذي عليك ثيابك "؛ ولم يأخذ مما آتاها شيئا. # أخرجه أحمد، وسعيد بن منصور، وابن عدي، والبيهقي. PageV02P201 # وأخرجه - من حديث كعب بن عجرة ms384 - الحاكم في " المستدرك ". # وأخرجه أبو نعيم في " الطب "، والبيهقي، من حديث ابن عمر، وفي الحديث ~~اضطراب (1) . # وروى مالك في " الموطإ "، والدارقطني، وسعيد بن منصور، والشافعي، وابن ~~أبي شيبة، عن عمر، أنه قال: أيما امرأة غر بها رجل - بها جنون أو جذام أو ~~برص -؛ فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غره؛ ورجال إسناده ~~ثقات. # وفي الباب عن علي عند سعيد بن منصور. # وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن النكاح يفسخ بالعيوب، وإن اختلفوا في ~~تفاصيل ذلك. # وروي عن علي، وعمر، وابن عباس، أنها لا ترد النساء إلا بالعيوب الثلاثة ~~المذكورة، والرابع: الداء في الفرج. # وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في البيع، ~~ورجحه ابن القيم، واحتج له في " الهدي " بالقياس على البيع. # وذهب البعض إلى أن المرأة ترد الزوج بتلك الثلاثة، وبالجب، والعنة (2) . ~~PageV02P202 # والخلاف في هذا البحث طويل. # أقول: اعلم أن الذي ثبت بالضرورة الدينية؛ أن عقد النكاح لازم، تثبت به ~~أحكام الزوجية؛ من جواز الوطء، ووجوب النفقة ونحوها، وثبوت الميراث، وسائر ~~الأحكام، وثبت بالضرورة الدينية أن يكون الخروج منه بالطلاق والموت. # فمن زعم أنه يجوز الخروج من النكاح بسبب من الأسباب؛ فعليه الدليل الصحيح ~~المقتضي للانتقال عن ثبوته بالضرورة الدينية. # وما ذكروه من العيوب؛ لم يأت في الفسخ بها حجة نيرة، ولم يثبت شيء منها. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " الحقي بأهلك " (1) ؛ فالصيغة صيغة طلاق ~~(2) ؛ وعلى فرض الاحتمال؛ فالواجب الحمل على المتيقن دون ما سواه، وكذلك ~~الفسخ بالعنة لم يرد به دليل صحيح، والأصل البقاء على النكاح حتى يأتي ما ~~يوجب الانتقال عنه. # ومن أعجب ما يتعجب منه: تخصيص بعض العيوب بذلك دون بعض؛ PageV02P203 # لا لمجرد دليل (1) ، فسبحان الله وبحمده! # ( [ ### | حكم أنكحة الكفار إذا أسلموا # ] :) # (ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلموا ما يوافق الشرع) ؛ لحديث الضحاك بن ~~فيروز، عن أبيه، عند أحمد (2) ، وأهل " السنن "، والشافعي، والدارقطني، ~~والبيهقي - وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان -، قال: أسلمت وعندي امرأتان ~~أختان، فأمرني ms385 النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أطلق إحداهما (3) . # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والشافعي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه ~~-، عن ابن عمر، قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن ~~معه، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يختار منهن أربعا. PageV02P204 # وقد أعل الحديث بأن الثابت منه إنما هو قول عمر؛ كما قال البخاري. # قال ابن القيم: # " السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان؛ أنه يخير في ~~إمساك من شاء منهما وترك الأخرى، وردت بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس ~~الأصول يقتضي أنه إن نكح واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح ~~الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معا فنكاحهما باطل ولا يخير، ~~وكذلك حديث من أسلم على عشر نسوة، وربما أولوا التخيير بتخييره في ابتداء ~~العقد على من شاء من المنكوحات ". # ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشد الإباء؛ فإنه قال: " أمسك أربعا وفارق ~~سائرهن "؛ رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن غيلان أسلم ... ~~فذكره. # وحديث فيروز المتقدم؛ فهذان الحديثان هما الأصول التي يرد ما خالفهما من ~~القياس، أما أن تعقد قاعدة، وتقول: هذا هو الأصل، ثم ترد السنة لأجل مخالفة ~~تلك القاعدة، فلعمر الله؛ لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله - تعالى - ورسوله؛ ~~أفرض علينا من رد حديث واحد. # وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفار لم يتعرض لها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف وقعت؟ وهل صادفت الشروط المعتبرة في ~~الإسلام فتصح؛ أو لم تصادفها فتبطل؟ وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ ~~فإن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرهما، ولو كان # PageV02P205 # في الجاهلية؛ وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك؛ وإن لم ~~يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار؛ لم يقر عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم ~~محرم، أو أختان، أو أكثر من أربع، فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وما خالفه فلا يلتفت إليه، والله الموفق ". انتهى ~~ملخصا. # ( [ ### | حكم ms386 النكاح إذا أسلم أحد الزوجين # ] ) # (وإذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح وتجب العدة) ؛ لحديث ابن عباس عند ~~البخاري، قال: # كان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب؛ لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت ~~حل لها النكاح، وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. # وأخرج مالك في " الموطإ "، عن الزهري، أنه قال: # ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله؛ وزوجها كافر مقيم بدار ~~الحرب؛ إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها؛ إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن ~~تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في ~~عدتها. # وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس، قال: # كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: أهل ~~حرب يقاتلهم ويقاتلونه؛ وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت ~~امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن # PageV02P206 # هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. # ( [ ### | حكم نكاح من أسلم وزوجته لم تنقض عدتها # ] :) # (فإن أسلم ولم تتزوج المرأة كانا على نكاحهما الأول؛ ولو طالت المدة؛ إذا ~~اختارا ذلك) ؛ لحديث ابن عباس عند أحمد، وأبي داود، وصححه الحاكم: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص - زوجها - بنكاحها الأول ~~بعد سنتين، ولم يحدث شيئا. # وفي لفظ: ولم يحدث صداقا. # وفي لفظ للترمذي (1) : ولم يحدث نكاحا، وقال: " هذا حديث حسن، ليس ~~بإسناده بأس ". # وأخرج الترمذي، وابن ماجه، من حديث ابن عمرو: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ردها على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد؛ وفي إسناده الحجاج بن ~~أرطاة، وهو ضعيف. # (وروي بإسناد ضعيف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ... مثله) (2) . ~~PageV02P207 # قال الترمذي: " في إسناده مقال "؛ وقال الإمام أحمد: " هذا حديث ضعيف، ~~والصحيح: أنه أقرهما على النكاح الأول ". # وقال الدارقطني: " هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس: " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول ". # وقال الترمذي في كتاب " العلل " له: ms387 سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ ~~فقال: حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو ابن شعيب ". # قال ابن القيم: # " فكيف يجعل هذا الحديث الضعيف أصلا ترد به السنة الصحيحة المعلومة وتجعل ~~خلاف الأصول؟ ! ". انتهى. # وقد ذهب إلى ما دل عليه حديث ابن عباس جماعة من الصحابة، ومن بعدهم؛ لا ~~كما نقله ابن عبد البر من الإجماع؛ على أنه لا يبقى العقد بعد انقضاء ~~العدة، ولا مانع من جعل حديث ابن عباس - وما ورد في معناه - مخصصا لما ورد ~~من أن العدة إذا انقضت فقد ذهب العقد؛ ولم تحل للزوج إلا بعقد جديد. # قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ". # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يفرق بين من أسلم وبين امرأته ~~إذا لم تسلم معه؛ بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوج، هذه سنته ~~المعلومة. # PageV02P208 # قال الشافعي: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة، وبخزاعة ~~مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على ~~غير الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت: اقتلوا الشيخ الضال؛ ثم أسلمت هند بعد ~~إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار ~~الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت بعد انقضاء العدة، ~~واستقرا على النكاح، لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت، وكان كذلك حكيم بن حزام ~~وإسلامه. # وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما ~~دار الإسلام وظهر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهرب عكرمة إلى ~~اليمن، وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة، ~~وهي دار الإسلام، وشهد حنينا وهو كافر، ثم أسلم، فاستقرت عنده امرأته ~~بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض عدتها. # وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة، ~~فأسلمت، وهاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها وهي في العدة، فاستقرا على النكاح ~~". انتهى. # أقول: إن ms388 إسلام المرأة مع بقاء زوجها في الكفر ليس بمنزلة الطلاق؛ إذ لو ~~كان كذلك لم يكن له عليها سبيل بعد انقضاء عدتها إلا برضاها؛ مع تجديد ~~العقد. # فالحاصل: أن المرأة المسلمة إن حاضت بعد إسلامها، ثم طهرت؛ كان لها أن ~~تتزوج بمن شاءت، فإذا تزوجت؛ لم يبق للأول عليها سبيل إذا أسلم، # PageV02P209 # وإن لم تتزوج كانت تحت عقد زوجها الأول، ولا يعتبر تجديد عقد ولا تراض؛ ~~هذا ما تقتضيه الأدلة، وإن خالف أقوال الناس. # وهكذا الحكم في ارتداد أحد الزوجين؛ فإنه إذا عاد المرتد إلى الإسلام؛ ~~كان حكمه حكم إسلام من كان باقيا على الكفر. ### | ( [الفصل الثالث: أحكام المهر] ) # ( [ ### | دليل وجوب مهر المرأة # ] :) # (المهر واجب) ؛ وبه يتحقق التمييز بين النكاح والسفاح، وهو قوله - تعالى ~~-: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} ، فلذلك أبقى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وجوب المهر كما كان. # ودليل وجوبه: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسوغ نكاحا بدون مهر أصلا. # وفي الكتاب العزيز: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} ، وقوله: {فلا تأخذوا ~~منه شيئا} ، وقال: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} الآية، وقال - ~~تعالى -: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} . # وقد أخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم - وصححه - (1) من حديث ابن عباس: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع عليا أن يدخل PageV02P210 # بفاطمة - عليهما السلام - حتى يعطيها شيئا، ولما قال: ما عندي شيء؛ قال: ~~" فأين درعك الحطمية؟ "؛ فأعطاه إياها. # وحديث سهل بن سعد الآتي قريبا من أعظم الأدلة على وجوب المهر. # ( [ ### | كراهة المغالاة في المهر # ] :) # (وتكره المغالاة فيه) : لحديث عائشة عند الطبراني في " الأوسط ": أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة "، وفي إسناده ضعف (1) . # وفي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال له: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا "، قال: قد نظرت ~~إليها، قال: " على كم تزوجتها؟ ms389 "، قال: على أربع أواق، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " على أربع أواق؟ {كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل} ~~ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه "؛ قال: فبعث بعثا ~~إلى بني عبس؛ بعث ذلك الرجل فيهم. # وأخرج أبو داود، والحاكم - وصححه - من حديث عقبة بن عامر، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " خير الصداق أيسره " (2) . PageV02P211 # وعن عائشة: أنه كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؛ اثنتي عشرة ~~أوقية ونشا (1) "؛ أي: نصفا. # وهو في " صحيح مسلم " وغيره. # قال في " الحجة ": # " ولم يضبط النبي صلى الله عليه وسلم المهر بحد لا يزيد ولا ينقص؛ إذ ~~العادات في إظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في ~~المشاحة طبقات؛ فلا يمكن تحديده عليهم؛ كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء ~~المرغوبة بحد مخصوص، ولذلك قال: " التمس ولو خاتما من حديد "، غير أنه سن ~~في صداق أزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا. # وقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: لا تغالوا في صدقات النساء؛ فإنها لو ~~كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ لكان أولاكم بها نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم (2) ". انتهى. # ( [ ### | ما يصح به المهر # ] :) # (ويصح ولو خاتما من حديد أو تعليم قرآن) : لما أخرجه أحمد، وابن ~~PageV02P212 # ماجة، والترمذي (1) - وصححه - من حديث عامر بن ربيعة: أن امرأة من بني ~~فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أرضيت عن نفسك ومالك بنعلين؟ ، فقالت: نعم؛ فأجازه ". # وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا - ملء يديه - طعاما كانت له حلالا "، وفي ~~إسناده ضعف. # وأخرج الدارقطني، في حديث لأبي سعيد في المهر، قال: " ولو على سواك من ~~أراك ". # وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله {إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما ~~طويلا، فقام رجل، فقال: ms390 يا رسول الله} زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة {فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل عندك من شيء تصدقها؟ "، قال: ما عندي ~~إلا إزاري هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أعطيتها إزارك جلست ~~لا إزار لك، فالتمس شيئا} "، فقال: ما أجد شيئا! قال: " التمس ولو خاتما من ~~حديد "، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " هل معك ~~من القرآن شيء؟ "، قال: نعم سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها -، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " قد زوجتكها بما معك من القرآن ". PageV02P213 # ولا يعارض ما ذكر حديث: " لا مهر أقل من عشرة دراهم " - عند الدارقطني من ~~حديث جابر -؛ لأن في إسناده مبشر بن عبيد، وحجاج بن أرطاة، وهما ضعيفان. # قال ابن القيم: # " وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما قل من مهر، ولو ~~خاتما من حديد - مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: {أن تبتغوا بأموالكم} ، ~~وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على القليل والكثير - بأثر لا يثبت، ~~وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق. # وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به إلى قطع اليد في السرقة؟ ~~! # وقد تقدم مرارا أن أصح الناس قياسا أهل الحديث، وكلما كان الرجل إلى ~~الحديث أقرب؛ كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد؛ كان قياسه أفسد ". ~~انتهى. # أقول: الحاصل؛ أن الأدلة قد دلت على أنه يصح أن يكون المهر قليلا بدون ~~تقييد بمقدار؛ بل ما كان له قيمة صح أن يكون مهرا؛ فإن حديث: " ولو خاتما ~~من حديد "، وكذلك حديث المرأة التي تزوجت بنعلين، وأقرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكذلك حديث: أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن رجلا ~~أعطى امرأة صداقا - ملء يديه - طعاما كانت له حلالا "، وكذلك حديث عبد ~~الرحمن بن عوف أنه تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب؛ يدل على عدم التقييد ~~بحد في جانب # PageV02P214 # القلة، والأحاديث المذكورة هي في الأمهات: # فالأول: متفق عليه. # والثاني: ms391 أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -. # والثالث: أخرجه أحمد، وأبو داود. # والرابع: أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . # فهذه الأحاديث تدل على أنه لا حد للمهر في جانب القلة؛ بل إذا كان له ~~قيمة صح أن يكون مهرا. # وأما في جانب الكثرة؛ فكذلك أيضا لا حد له، ولذلك ذكر الله القنطار، ~~وكانت مهور زوجاته - صلى الله عليه وسلم - لكل واحدة اثنتا عشرة أوقية ~~ونصف؛ عن خمس مئة درهم (2) . # فمن زعم أن المهر لا يكون إلا كذا؛ فعليه الدليل الصحيح. # ولا ريب أن المغالاة في المهور مكروهة كما تقدم. # ( [ ### | مقدار مهر المرأة المدخول بها والتي لم يحدد صداقها # ] :) # ومن تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا فلها مهر نسائها إذا دخل بها) ؛ ~~PageV02P215 # لحديث علقمة عند أحمد، وأهل " السنن "، والحاكم، والبيهقي، (1) وصححه ~~الترمذي، وابن حبان، قال: أتي عبد الله - يعني: ابن مسعود - في امرأة ~~تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقا، ولم يكن دخل بها؟ قال: ~~فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، ~~فشهد معقل بن سنان الأشجعي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في بروع ~~ابنة واشق بمثل ما قضى. # وفي " إعلام الموقعين ": " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل ~~تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا حتى مات؟ فقضى لها على صداق نسائها، وعليها ~~العدة، ولها الميراث؛ ذكره أحمد وأهل " السنن " وصححه الترمذي وغيره ". # قال ابن القيم " وهذه فتوى لا معارض لها، فلا سبيل إلى العدول عنها " ~~انتهى. # ( [ ### | تقديم شيء من المهر قبل الدخول مستحب # ] :) # (ويستحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول) ؛ لحديث ابن عباس المتقدم قريبا. # وأخرج أبو داود، وابن ماجه من حديث عائشة، قالت: أمرني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا. # ولا يعارض هذا حديث ابن عباس؛ فإن غاية ما فيه أنه يدل على أن ~~PageV02P216 # تقدمه شيء من المهر قبل الدخول غير واجبة، ولا ينفي كونها مستحبة (1) . # ( [ ### | ما على الزوج ms392 # ] :) # (1 -[ ### | المعاشرة بالمعروف # ] :) # (وعليه إحسان العشرة) ؛ لقوله - تعالى -: {وعاشروهن بالمعروف} . # وفي " الصحيحين " وغيرهما، من حديث أبي هريرة: " إن المرأة كالضلع؛ إن ~~ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها، فاستوصوا بالنساء ". # وأخرج أحمد، والترمذي - وصححه - من حديثه أيضا، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم ". # وأخرج الترمذي - وصححه - من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " خيركم خيركم لأهله؛ وأنا خيركم لأهلي ". PageV02P217 # (2 -[ ### | كظم الغيظ والتجاوز عن الخطإ # ] :) # وقال في " الحجة البالغة ": # " الإنسان إذا أراد استيفاء مقاصد المنزل منها؛ لا بد أن يجاوز عن محقرات ~~الأمور، ويكظم الغيظ فيما يجده خلاف هواه؛ إلا ما يكون من باب الغيرة ~~المحمودة، وتداركا لجور، ونحو ذلك ". # (3 -[ ### | النفقة عليها من طعام وسكن وكسوة # ] :) # والواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالرزق والكسوة وحسن المعاملة، ولا يمكن في الشرائع المستندة إلى الوحي أن ~~يعين جنس القوت وقدره مثلا؛ فإنه لا يكاد يتفق أهل الأرض على شيء واحد، ~~ولذلك إنما أمر أمرا مطلقا. # قال في " المسوى ": # " إذا أعسر الزوج بنفقة امرأته؛ فهل يثبت لها حق الخروج من النكاح؟ قال ~~الشافعي: لها الخروج عن النكاح، وقال أبو حنيفة: ليس لها ذلك، وكذلك الخلاف ~~في الإعسار بالصداق إلا أن عند الشافعي في الإعسار بالنفقة: إذا رضيت مرة، ~~ثم بدا لها؛ فلها الخروج؛ وفي الإعسار بالصداق: إذا رضيت مرة سقط حقها ". ~~انتهى. # ( [ ### | ما يجب على المرأة # ] :) # (1 -[ ### | الطاعة بالمعروف # ] :) # (وعليها الطاعة) ؛ لقوله تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} . # PageV02P218 # وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها؛ ~~لعنتها الملائكة حتى تصبح ". # وأخرج أهل " السنن "، وصححه الترمذي، من حديث عمرو بن الأحوص: " أنه شهد ~~حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر، ~~ووعظ، ثم قال: # " استوصوا بالنساء خيرا؛ فإنما هن ms393 عندكم عوان، ليس تملكون منهن شيئا غير ~~ذلك؛ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن؛ فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ~~ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن لكم من نسائكم حقا ~~ولنسائكم عليكم حقا؛ فأما حقكم على نسائكم: فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا ~~يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن ~~وطعامهن ". # وفي الباب أحاديث كثيرة. # (2 -[ ### | خدمة الزوج في بيته # ] :) # وأما أن عليها خدمته في بيته أم لا؟ فأقول: # إيجاب ذلك عليها غير ظاهر، ولكن قد كان نساء الصحابة يعملن الأعمال التي ~~تصلح المعيشة؛ بل ويعملن من الأعمال الخارجة عن ذلك ما هو # PageV02P219 # متبالغ في المشقة، ولم يسمع أن امرأة امتنعت من ذلك، وقالت: هذا ليس علي، ~~أو لست ممن يعمل هذه الأعمال؛ لكوني بمكان من الشرف، أو بمحل من الجمال. # فقد صح في " الصحيحين " وغيرهما: أن الرحى أثرت في يد البتول، والقربة ~~أثرت في نحرها؛ ولا شرف كشرفها - رضي الله عنها وأرضاها -. # فمن زعمت أنه لا يجب عليها إلا تمكين زوجها من الوطء، وأرادت الرجوع ~~بأجرة عملها؛ لم تحل إجابتها إلى ذلك. # إنما الإشكال إذا امتنعت من المباشرة للأعمال ابتداء - قائلة: هذا لا يجب ~~علي -؛ فإجبارها على ذلك يحتاج إلى دليل، فإن صح الأمر منه صلى الله عليه ~~وسلم للبتول بخدمة زوجها؛ كان ذلك صالحا للتمسك به على إجبار الممتنعة (1) ~~. # وأما استدلال القائلين بعدم الوجوب بقوله - تعالى -: {نساؤكم حرث لكم} ، ~~ونحو ذلك؛ فليس مما يفيد المطلوب، وكان يكفيهم أن يقولوا: لم نقف على دليل ~~على الوجوب، ولا يثبت مثل هذا الحكم الشاق بدون ذلك، PageV02P220 # ومجرد تقريره صلى الله عليه وسلم لنسائه ونساء المسلمين على العمل في ~~بيوت الأزواج؛ غايته الجواز لا الوجوب. # ( [ ### | العدل بين الزوجات # ] :) # (ومن كان له زوجان فصاعدا عدل بينهن في القسمة وما تدعو الحاجة إليه) ؛ ~~لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأهل " السنن "، والدارمي، وابن حبان، والحاكم - ~~وقال: " إسناده على شرط الشيخين "، وصححه الترمذي -، عن النبي صلى الله ms394 ~~عليه وسلم قال: # " من كانت له امرأتان؛ يميل لإحداهما على الأخرى؛ (1) جاء يوم القيامة ~~يجر أحد شقيه ساقطا - أو مائلا - ". # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فكن يجتمعن كل ~~ليلة في بيت التي يأتيها؛ كما في " الصحيح ". # وأخرج أهل " السنن "، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - من حديث عائشة، ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: # " اللهم! هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (2) . # قال في " الحجة البالغة ": PageV02P221 # " والظاهر أن ذلك منه صلى الله عليه وسلم كان تبرعا وإحسانا من غير وجوب ~~عليه؛ لقوله تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} ، وأما في غيره ~~فموضع تأمل واجتهاد، ولكن جمهور الفقهاء أوجبوا القسم واختلفوا في القرعة. # أقول: وفيه أن قوله: " فلم يعدل "؛ مجمل لا يدرى أي عدل أريد به؟ ". ~~انتهى. # أقول: وأما الأمة المعقود عليها عقد نكاح؛ فيصدق عليها أنها زوجة، ويصدق ~~عليها أنها امرأة، فيكون الوعيد الوارد فيمن له زوجتان أو امرأتان شاملا ~~لهما. # فالقول بأن الأمة لا تستحق إلا نصف الحرة في القسمة محتاج إلى دليل، ولم ~~يصح في المرفوع شيء، والموقوف على الصحابة - وكذلك المرسلات -؛ ليس فيها ~~حجة. # ( [ ### | لا كراهة في الكلام حال الجماع # ] :) # وأما الكلام حال الجماع؛ فقد استدل بعض أهل العلم على كراهة الكلام حال ~~الجماع بالقياس على كراهته حال قضاء الحاجة، فإن كان ذلك بجامع الاستخباث؛ ~~فباطل؛ فإن حالة الجماع حالة مستلذة، لا حالة مستخبثة، وفي المكالمة - ~~حالته - نوع من إحسان العشرة؛ بل فيه لذة ظاهرة؛ كما قال بعض الشعراء: # (ويعجبني منك حال الجماع ... لين الكلام وضعف النظر # PageV02P222 # وإن كان الجامع شيئا آخر؛ فما هو؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرع ~~الملاعبة والمداعبة، ووقت الجماع أولى بذلك من غيره. # ( [ ### | القرعة بين النساء # ] :) # (وإذا سافر أقرع بينهن) : دفعا لوحر (1) الصدر؛ لحديث عائشة في " ~~الصحيحين " وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يخرج ~~سفرا؛ أقرع بين أزواجه؛ فأيتهن خرج ms395 سهمها خرج بها. # ( [ ### | جواز تنازل المرأة عن نوبتها # ] :) # (وللمرأة أن تهب نوبتها أو تصالح الزوج على إسقاطها) ؛ لحديث عائشة في " ~~الصحيحين " وغيرهما: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (2) . # وفي " الصحيحين " عن عائشة، في تفسير قوله - تعالى -: {فلا جناح عليهما ~~أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} ، قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا ~~يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها؛ فتقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم ~~تزوج غيري، وأنت في حل من النفقة علي والقسم (3) لي. PageV02P223 # ( [ ### | للزوجة الجديدة البكر سبعة أيام وثلاثة للثيب # ] :) # (ويقيم عند الجديدة البكر سبعا والثيب ثلاثا) ؛ لأن البكر؛ الرغبة فيها ~~أتم، والحاجة إلى تأليف قلبها أكثر، فجعل قدرها السبع، وقدر الثيب الثلاث؛ ~~لحديث أم سلمة عند مسلم، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ~~أقام عندها ثلاثة أيام. # وفي " الصحيحين " من حديث أنس، قال: " من السنة إذا تزوج البكر على الثيب ~~أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب؛ أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | حكم العزل # ] :) # (ولا يجوز العزل) ؛ يشير إلى كراهة العزل من غير تحريم. # قال في " المسوى ": # " اختلف أهل العلم في العزل، فرخص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، ~~وكرهه جمع منهم، ولا شك أن تركه أولى ". # وبالجملة؛ فدليله حديث جذامة بنت وهب الأسدية: أنهم سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن العزل؟ فقال: " ذلك الوأد الخفي "؛ أخرجه مسلم، وغيره. # PageV02P224 # وأخرج أحمد (1) ، وابن ماجه، عن عمر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أن نعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال. # وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي (2) من حديث ابن عباس، قال: نهى عن عزل الحرة ~~إلا بإذنها. # وقد استدل من جوز العزل بحديث جابر في " مسلم "، وغيره، قال: كنا نعزل ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل. # وفي رواية: فبلغه ذلك؛ فلم ينهنا. # وغايته أن جابرا لم يعلم بالنهي، وقد ms396 علمه غيره. # وأما ما في " الصحيحين "، من حديث أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لما سألوه عن العزل: " ما عليكم أن لا تفعلوا؛ فإن الله عز وجل قد كتب ~~ما هو خالق إلى يوم القيامة ": PageV02P225 # فقد قيل: إن معناه النهي، وقيل (1) : إن معناه ليس عليكم أن تتركوا، ~~وغايته الاحتمال، ولا يصلح للاستدلال. # وأخرج أحمد (2) ، والترمذي، والنسائي، بإسناد رجاله ثقات، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في العزل -: " أنت تخلقه؟ {أنت ترزقه؟} أقرره ~~قراره؛ فإنما ذلك القدر " (3) . # وأخرج أحمد، ومسلم، من حديث أسامة بن زيد: أن رجلا جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P226 # -: " لم تفعل ذلك؟ "، فقال: أشفق على ولدها، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " لو كان ضارا ضر فارس والروم ". # وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا ~~بإذنها، وتعقب بأن الشافعية تقول: إنه لا حق للمرأة في الجماع. # أقول: وفي حديث أبي سعيد الذي أخرجه أهل " السنن " (1) ، قال: قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: زعموا أن العزل هو المؤودة الصغرى؟ فقال: # " كذبت يهود؛ لو أراد الله أن يخلق لم تستطع أن تصرفه ". # وأخرج نحوه النسائي، من حديث أبي هريرة، وجابر. # ويمكن الجمع بحمل الأحاديث القاضية بالمنع على مجرد الكراهة فقط من دون ~~تحريم. # ( [ ### | حرمة إتيان المرأة في دبرها # ] :) # (ولا يجوز إتيان المرأة في دبرها) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأهل " ~~السنن "، والبزار، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: PageV02P227 # " ملعون من أتى امرأة في دبرها "، وفي إسناده الحارث بن مخلد، لا يعرف ~~حاله (1) . # وأخرج أحمد، والترمذي، وأبو داود، من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: # " من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه؛ فقد كفر بما أنزل ~~على محمد "؛ وفي إسناده أبو تميمة عنه، قال البخاري: لا يعرف لأبي تميمة ~~سماع عن أبي هريرة؛ ms397 وقال البزار: هذا حديث منكر. # وفي إسناده أيضا حكيم بن الأثرم (2) ، قال البزار: لا يحتج به، وما تفرد ~~به فليس بشيء. # وأخرج أحمد، وابن ماجه، من حديث خزيمة بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها؛ وفي إسناده عمر (3) بن أحيحة، وهو ~~مجهول. # وفي الباب عن علي بن طلق عند أحمد (4) ، والترمذي، والنسائي، وابن ~~PageV02P228 # ماجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تأتوا النساء في أعجازهن - أو قال: في أدبارهن - "؛ ورجال إسناده ~~ثقات. # وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أحمد (1) ، والنسائي: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي امرأته في دبرها: " هو اللوطية الصغرى ~~". # وفي الباب أحاديث، وبعضها يقوي بعضا. # وحكي عن بعض أهل العلم الجواز؛ واستدلوا بقوله - تعالى -: {فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم} ؛ والبحث طويل لا يتسع المقام لبسطه. # أقول: كان اليهود يضيقون في هيئة المباشرة من غير حكم سماوي، وكان ~~الأنصار ومن وليهم يأخذون سنتهم، وكانوا يقولون (2) : إذا أتى الرجل امرأته ~~من دبرها في قبلها كان الولد أحول، فنزلت هذه الآية؛ أي: أقبل وأدبر ~~PageV02P229 # ما كان في صمام واحد، وذلك لأنه لا شيء تتعلق به المصلحة المدنية ~~والملية، والإنسان أعرف بمصلحة خاصة نفسه، وإنما كان ذلك من تعمقات اليهود، ~~فكان من حقه أن ينسخ. # قال في " إعلام الموقعين ": " وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة من ~~الأنصار عن وطء المرأة في قبلها من ناحية دبرها؟ فتلا عليها قوله تعالى: ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} : " صماما واحدا "؛ ذكره أحمد. # وسأله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: يا رسول الله {هلكت} قال: وما أهلكك؟ ~~" قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله تعالى إلى رسوله: ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} : " أقبل وأدبر؛ واتق الحيضة والدبر ~~"؛ ذكره أحمد (1) ، والترمذي. # وهذا هو الذي أباحه الله تعالى ورسوله، وهو الوطء من الدبر لا في الدبر ~~". انتهى. # أقول: هذه النصوص المذكورة فيها مقالات لأئمة الحديث، ولكن ms398 لها طرق عن ~~جماعة من الصحابة، وهي منتهضة بمجموعها (2) ؛ على فرض أن PageV02P230 # معنى قوله - تعالى -: {أنى شئتم} : أين شئتم. # فإن كل ما في هذه الأحاديث من المقالات لا يبلغ بواحد منها إلى حد السقوط ~~عن درجة الاعتبار، وقد استوفى الماتن - رحمه الله - البحث في " النيل " ~~واستوفاه الجلال في " ضوء النهار "، وساق الأدلة برصانة ومتانة - رحمه الله ~~-. # وأعظم ما يستشكل في المقام: ما صح عن ابن عمر من طرق (1) : أنه قرأ: ~~{نساؤكم حرث لكم} ، فقال: تدري يا نافع! فيم أنزلت هذه الآية؟ قال: لا، ~~قال: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فوجد من ذلك وجدا شديدا، ~~فأنزل الله سبحانه: {نساؤكم حرث لكم} . # لكنه قد وهمه حبر الأمة ابن عباس في ذلك؛ كما في " سنن أبي داود " (2) . ~~PageV02P231 ### | ( [الفصل الرابع: الولد للفراش] :) # ( [ ### | الدليل على أن الولد للفراش # ] :) # (والولد للفراش) ، وللعاهر الحجر، (ولا عبرة لشبهه بغير صاحبه) ؛ لحديث ~~أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". # وفيهما أيضا من حديث عائشة، قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول الله {إن ابن أخي ~~عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا ~~أخي يا رسول الله} ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، وقال: " هو لك يا عبد بن زمعة {الولد ~~للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة} ". # ( [ ### | لمن ولد الأمة الموطوءة من ثلاثة في طهر واحد ملكها كل واحد منهم فيه # ؟] :) # (وإذا اشترك ثلاثة في وطء أمة في طهر ملكها كل واحد منهم فيه، فجاءت بولد ~~وادعوه جميعا؛ فيقرع بينهم، ومن استحقه بالقرعة فعليه للآخرين ثلثا الدية) ~~؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، من حديث زيد بن أرقم، ~~قال: أتي علي وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر ms399 واحد، فسأل اثنين، ~~وقال: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، ثم سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ ~~قالا: لا، فجعل كلما سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا؛ فأقرع ~~بينهم، فألحق الولد بالذي أصابته القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت نواجذه. # PageV02P232 # وأخرجه النسائي، وأبو داود موقوفا على علي بإسناد أجود من الأول؛ لأن في ~~الإسناد الأول يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالأجلح، وقد وثقه يحيى بن ~~معين، والعجلي، وضعفه النسائي بما لا يوجب ضعفا (1) . # وقد أخذ بالقرعة مطلقا: مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، حكى ذلك عنهم ~~ابن رسلان في كتاب العتق من " شرح السنن "، وقد ورد العمل بها في مواضع؛ ~~هذا منها. # أقول: القرعة قد صح الدليل باعتبارها؛ كما أوضحت ذلك في " ظفر اللاضي بما ~~يجب في القضاء على القاضي " وأوضحه الماتن في " شرح المنتقى "، فإذا أعوز ~~الأمر، ولم يمكن التعيين بسبب من الأسباب الراجعة إلى ثبوت الفراش، أو ~~البينة أو نحوهما؛ فإنه يرجع إلى القرعة؛ فقد اعتبرها صلى الله عليه وسلم ~~في الإلحاق مع الاختلاف، واعتبرها في تعيين من يعتق؛ كما في حديث من أوصى ~~بعتق ستة أعبد، فأقرع بينهم وأعتق اثنين وأرق أربعة، بعد أن جزأهم ثلاثة ~~أجزاء، وأعتق الجزء الذي وقعت عليه القرعة، وورد أيضا غير ذلك. # فالحاصل: أن القرعة معتبرة شرعا في غير باب. PageV02P233 ### | (الكتاب التاسع: ### | كتاب الطلاق # ) # PageV02P235 # (9 - ### | كتاب الطلاق # (1 - ### | باب أنواع الطلاق ### | ( [الفصل الأول: ### | مشروعية الطلاق # وأحكامه] ) # ( [ ### | تعريف الطلاق # ] :) # هو مشتق من الإطلاق: وهو الإرسال والترك، ومنه: طلقت البلاد؛ أي: تركتها. # ( [مشروعية الطلاق] :) # (هو جائز) : بنص الكتاب العزيز، ومتواتر السنة المطهرة، وإجماع المسلمين، ~~وهو قطعي من قطعيات الشريعة، ولكنه يكره مع عدم الحاجة. # وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه (1) - من حديث ~~ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة ~~". PageV02P237 # وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وصححه - (1) ، عن ms400 ابن عمر، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # وقال في " الحجة البالغة ". # " إن في الإكثار من الطلاق، وجريان الرسم بعدم المبالاة به؛ مفاسد كثيرة، ~~وذلك أن ناسا ينقادون لشهوة الفرج، ولا يقصدون إقامة تدبير المنزل، ولا ~~التعاون في الارتفاقات، ولا تحصين الفرج، وإنما مطمح أبصارهم التلذذ ~~بالنساء، وذوق لذة كل امرأة، فيهيجهم ذلك إلى أن يكثروا الطلاق والنكاح، ~~ولا فرق بينهم وبين الزناة؛ من جهة ما يرجع إلى نفوسهم، وإن تميزوا عنهم ~~بإقامة سنة النكاح، والموافقة لسياسته المدنية، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " لعن الله الذواقين والذواقات ". انتهى. # أقول: هذا الحديث ذكره صاحب " الحجة " تبعا لابن همام من غير تخريج، ولم ~~أجده في كتب الحديث مخرجا. # نعم حديث: " لا أحب الذواقين من الرجال والذواقات من النساء " (2) ؛ رواه ~~الطبراني، عن أبي موسى مرفوعا، وكذا الدارقطني في " الأفراد "، وهو ~~PageV02P238 # في " الجامع الصغير " للسيوطي بلفظ: " إن الله لا يحب ... " (1) الخ، قال ~~شراحه: وفي سنده راو لم يسم. # وأما حديث: " إن الله يكره المطلاق الذواق "؛ فقال السخاوي - كغيره -: " ~~لا أعرفه "؛ كذلك. # ثم قال في " الحجة ": # " وأيضا؛ ففي جريان الرسم بذلك إهمال لتوطين النفس على المعاونة الداعية، ~~أو شبه الداعية، وعسى إن فتح هذا الباب أن يضيق صدره أو صدرها في شيء من ~~محقرات الأمور، فيندفعان إلى الفراق ". # وأين ذلك من احتمال أعباء الصحبة، والإجماع على إدامة هذا النظم؟ ! وأيضا ~~فإن اعتيادهن بذلك، وعدم مبالاة الناس به، وعدم حزنهم عليه؛ يفتح باب ~~الوقاحة، وأن لا يجعل كل منهما ضرر الآخر ضرر نفسه، وأن يخون كل واحد الآخر ~~يمهد لنفسه إن وقع الافتراق، وفي ذلك ما لا يخفى. # ومع ذلك؛ لا يمكن سد هذا الباب والتضييق فيه؛ فإنه قد يصير الزوجان ~~متناشزين، إما لسوء خلقهما أو لطموح عين أحدهما إلى حسن إنسان آخر، أو لضيق ~~معيشتهما، أو لخرق واحد منهما، ونحو ذلك من الأسباب. # فيكون إدامة هذا النظم مع ذلك بلاء عظيما وحرجا ". انتهى. PageV02P239 # ( [ ### | من يقع منه الطلاق # ؟] :) # (من ms401 مكلف مختار) ؛ لأن أمر الصغير إلى وليه، وطلاق المكره لا حكم له. # والأدلة على هاتين المسألتين مقررة في مواضعهما، وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ". # معناه: في إكراه، وطلاق المكره هدر. # ( [ ### | حكم طلاق الهازل # ] :) # (ولو هازلا) (1) ، وهو الذي يتكلم من غير قصد لموجبه وحقيقته، بل على وجه ~~اللعب، ونقيضه الحاد - من الجد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل - لحديث أبي ~~هريرة عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - ~~وصححه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة ". # وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أردك (2) ، وهو مختلف فيه. # وفي الباب عن فضالة بن عبيد عند الطبراني مرفوعا: PageV02P240 # " ثلاث لا يجوز فيهن اللعب: الطلاق والنكاح والعتق "؛ وفي إسناده ابن ~~لهيعة. # وعن عبادة بن الصامت - عند الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " - مرفوعا ~~بنحوه، وزاد: " فمن قالهن فقد وجبن "؛ وفي إسناده انقطاع. # وعن أبي ذر - عند عبد الرزاق - رفعه: # " من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز، ومن نكح ~~وهو لاعب فنكاحه جائز "؛ وفي إسناده أيضا انقطاع (1) . # وعن علي موقوفا - عند عبد الرزاق أيضا -. # وعن عمر مرفوعا عنده أيضا. # وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا. # قال ابن القيم: # " وأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح؛ كما صرح به ~~النص، وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، حكاه أبو ~~حفص أيضا عن أحمد، وهو قول الصحابة، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر ~~بعضهم أن الشافعي نص على أن نكاح الهازل لا PageV02P241 # يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك - رواه ابن القاسم عنه، وعليه العمل عند ~~أصحابه -؛ أن هزل النكاح والطلاق لازم بخلاف البيع ". انتهى. # ( [ ### | حكم الطلاق السني # ] :) # (لمن كانت في طهر لم يمسها فيه؛ ولا طلقها في الحيضة التي قبله؛ أو [كانت ~~(1) ] في حمل قد استبان) # أقول: ويشترط في طلاق السنة أن لا تكون المرأة حائضا، وهذا لغضبه - صلى ~~الله عليه وسلم - على ابن ms402 عمر لما طلق امرأته في الحيض؛ كما في " الصحيحين ~~" وغيرهما. # وأما اشتراط أن لا تكون نفساء؛ فلأن قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ~~ابن عمر: " ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإذا بدا له أن يطلقها ~~فليطلقها "؛ فهذا فيه أن طلاق السنة يكون حال الطهر، والنفاس ليس بطهر. # وأما اشتراط أن يكون في طهر لم يجامعها فيه؛ فلقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- في حديث ابن عمر: " فليطلقها قبل أن يمسها "؛ يعني: في ذلك الطهر. # وأما اشتراط أن لا يطلقها في ذلك الطهر أكثر من طلقة؛ فلما رواه ~~الدارقطني من حديث ابن عمر: وأنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن ~~يتبعها تطليقتين أخريين عند القرء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: PageV02P242 # " يا ابن عمر {ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل ~~الطهر؛ فتطلق لكل قرء "، وفي لفظ: " في كل قرء تطليقة ". # وقد أنكر الحافظ ابن حجر هذه الرواية (1) . # وأخرج النسائي (2) ، من حديث محمود بن لبيد، قال: وأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، فقال: # " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟} ". # وأما اشتراط أن لا يطلقها في طهر قد طلقها في حيضه المتقدم؛ فلأمره صلى ~~الله عليه وسلم لابن عمر أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر؛ فلولا أن ~~الطلاق في الحيض مانع من الطلاق في الطهر المتعقب له؛ لم يأمره بإمساكها في ~~الطهر الذي عقب الحيضة التي طلقها فيها. # وجميع ما ذكرناه من حديث ابن عمر متفق عليه؛ إلا رواية الدارقطني التي ~~ذكرناها. # وفي رواية من حديث ابن عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائي: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر؛ ثم إن شاء طلق أو أمسك. # وفي لفظ لمسلم أيضا، والترمذي: " مره فليراجعها؛ ثم ليطلقها طاهرا أو ~~حاملا ". PageV02P243 # وظاهر هاتين الروايتين: أن الطلاق في الطهر المتعقب للحيضة التي وقع ~~الطلاق فيها يكون طلاق سنة لا بدعة، ms403 ولكن الرواية الأولى التي فيها: " ثم ~~يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر "؛ متضمنة لزيادة يجب العمل بها وهي أيضا ~~في " الصحيحين "، فكانت أرجح من وجهين. # ويدل قوله: " أو حاملا " أن طلاق الحامل للسنة، وأما من كانت صغيرة أو ~~آيسة، أو منقطعا حيضها؛ فالظاهر أنه يكون طلاقها للسنة من غير شرط إلا مجرد ~~إفراد الطلاق. # وأما القول بأنه ليس بسنة ولا بدعة - كما في " البحر " وغيره - ففاسد؛ ~~لأن الأصل عدم عروض ما يمنع من الطلاق المشروع. # ( [ ### | حكم الطلاق البدعي # ] :) # (ويحرم إيقاعه على غير هذه الصفة) ؛ لحديث ابن عمر عند مسلم، وأهل " ~~السنن " وأحمد: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال: " مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا، أو حاملا ". # وفي لفظ: أنه قال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر، فإن ~~بدا له أن يطلقها؛ فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله ". وهو ~~في " الصحيحين "، وغيرهما. # وفي رواية في " الصحيح ": أنه قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم -: {يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} . # PageV02P244 # وللحديث ألفاظ. # ووقع الخلاف بين الرواة: هل حسبت تلك الطلقة أم لا؟ ورواية عدم الحسبان ~~لها أرجح، وقد أوضح الماتن هذه المسألة في " شرح المنتقى " (1) ، وفي رسالة ~~مستقلة، والخلاف طويل، والأدلة كثيرة، والراجح عدم وقوع البدعي لما ذكره ~~هنالك (2) . # وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، أنه طلق ~~امرأته وهي حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ذلك بشيء ". # وقد روى ابن حزم في " المحلى " بسنده المتصل إلى ابن عمر: أنه قال في ~~الرجل يطلق امرأته وهي حائض: لا يعتد بذلك؛ وإسناده صحيح. # وقد تابع أبا الزبير - الراوي لعدم الحسبان لتطليقة ابن عمر المذكورة في ~~الحديث -: أربعة: عبد الله بن عمر العمري، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي ~~رواد، ويحيى بن سليم، وإبراهيم بن أبي حسنة. # ولو لم يكن في المقام إلا قول الله - عز وجل -: {يا أيها النبي ms404 إذا طلقتم ~~PageV02P245 # النساء فطلقوهن لعدتهن} ، وقد تقرر أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي ~~يقتضي الفساد، وقول الله - تعالى -: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ، ~~والمطلق على غير ما أمر الله تعالى به لم يسرح بإحسان. # وقد ذهب إلى عدم الوقوع جماعة من السلف؛ كابن علية (1) ، وإليه ذهب ابن ~~حزم، وابن تيمية، وذهب الجمهور إلى الوقوع. # ( [ ### | أقوال العلماء في وقوع الطلاق البدعي وعدمه # ] :) # (وفي وقوعه) ؛ أقول: هذه المسألة من المعارك التي لا يجول في حافاتها إلا ~~الأبطال، ولا يقف على تحقيق الحق في أبوابها إلا أفراد الرجال، والمقام ~~يضيق عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب، فمن رام الوقوف على سرها؛ فعليه ~~بمؤلفات ابن حزم ك " المحلى "، ومؤلفات ابن القيم ك " الهدي ". # وقد جمع السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في ذلك مصنفا حافلا، وجمع ~~الإمام الشوكاني رسالة ذكر فيها حاصل ما يحتاج إليه من ذيول المسألة، وقرر ~~ما ألهم الله إليه، وذكر في " شرح المنتقى " أطرافا من ذلك. # وخلاصة ما عول عليه القائلون بوقوع الطلاق البدعي؛ هو اندراجه تحت الآيات ~~العامة، وتصريح ابن عمر بأنها حسبت تلك طلقة. # وأجاب القائلون بعدم الوقوع عنهم؛ بمنع اندراجه تحت العمومات؛ لأنه ليس ~~من الطلاق الذي أذن الله به؛ بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه؛ ~~PageV02P246 # قال: {فطلقوهن لعدتهن} ، وقال صلى الله عليه وسلم: " مره فليراجعها "، ~~وصح أنه غضب عند أن بلغه ذلك، وهو لا يغضب مما أحله الله. # وأما قول ابن عمر: إنها حسبت؛ فلم يبين من الحاسب لها (1) ؛ بل أخرج عنه ~~أحمد، وأبو داود، والنسائي: أنه طلق امرأته وهي حائض؛ فردها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولم يرها شيئا. # وإسناد هذه الرواية صحيح (2) ، ولم يأت من تكلم عليها بطائل، وهي مصرحة ~~بأن الذي لم يرها شيئا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يعارضها ~~قول ابن عمر؛ لأن الحجة في روايته لا في رأيه. # وأما الرواية بلفظ: " مره فليراجعها، ويعتد بتطليقة "؛ فهذه لو صحت لكانت ~~حجة ظاهرة، ولكنها لم تصح؛ ms405 كما جزم به ابن القيم في " الهدي "؛ وقد روي في ~~ذلك روايات في أسانيدها مجاهيل وكذابون، لا تثبت الحجة بشيء منها. ~~PageV02P247 # والحاصل: أن الاتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السنة يقال له: ~~طلاق بدعة؛ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن كل بدعة ضلالة، ولا خلاف ~~أيضا أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه، وبينه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حديث ابن عمر. # وما خالف ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو رد؛ لحديث عائشة ~~عنه صلى الله عليه وسلم: # " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد "؛ وهو حديث متفق عليه. # فمن زعم أن هذه البدعة يلزم حكمها، وأن هذا الأمر الذي ليس من أمره صلى ~~الله عليه وسلم يقع من فاعله ويعتد به؛ لم يقبل منه ذلك إلا بدليل. # وإذا كان من جملة طلاق البدعة إيقاع الثلاث دفعة - كما سيأتي -؛ فهذه ~~الصورة من طلاق البدعة بخصوصها. # ( [ ### | أقوال العلماء في وقوع الطلاق الثلاث في مجلس واحد # ] :) # (ووقوع ما فوق الواحدة من دون تخلل رجعة خلاف) ؛ قال الماتن في " رسالته ~~" في هذا الباب: # " اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقوال: # (الأول) : وقوع جميعها؛ وهو مذهب الأئمة، وجمهور العلماء، وكثير من ~~الصحابة، وفريق من أهل البيت. # (الثاني) : عدم الوقوع مطلقا - لا واحدة ولا ما فوقها -؛ لأنه بدعة ~~محرمة؛ وهذا المذهب حكاه ابن حزم، وحكى للإمام أحمد ما يكفي، وقال: # PageV02P248 # هو مذهب الرافضة. # قلت: بل هو مذهب جماعة من التابعين؛ كما حكاه الليث، ومذهب ابن علية، ~~وهشام بن الحكم، وجميع الإمامية، ومن أهل البيت - عليهم السلام -: الباقر، ~~والصادق، والناصر، وبه قال أبو عبيدة، وبعض الظاهرية؛ لأن هؤلاء قالوا: إن ~~الطلاق البدعي لا يقع، والثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة لا يقع. # (الثالث) : وقوع الثلاث إن كان المطلقة مدخولة، وواحدة إن لم تكن كذلك؛ ~~وهذا هو مذهب جماعة من أصحاب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه. # (الرابع) : أنه يقع واحدة رجعية من غير فرق بين المدخول بها ms406 وغيرها؛ وهذا ~~مذهب ابن عباس على الأصح، وابن إسحاق، وعطاء، وعكرمة، وأكثر أهل البيت. # وهذا أصح الأقوال ". انتهى. # ثم سرد أدلة هؤلاء، ورجح القول الرابع، فليرجع إليه. # قال ابن القيم: # " قد صح عنه - صلى الله عليه وسلم -: أن الثلاث كانت واحدة في عهده، وعهد ~~أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ~~ذلك ولم يبلغه، وهذا وإن كان كالمستحيل؛ فإنه # PageV02P249 # يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك. # وقد أفتى هو - صلى الله عليه وسلم -؛ فهذه فتواه وعمل أصحابه؛ كأنه أخذ ~~باليد ولا معارض لذلك، ورأى عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يحمل الناس على ~~إنفاذ الثلاث؛ عقوبة وزجرا لهم لئلا يرسلوها جملة، وهذا اجتهاد منه - رضي ~~الله تعالى عنه -؛ غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها، ولا يجوز ترك ما أفتى ~~به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد ~~خليفته. # فإذا ظهرت الحقائق؛ فليقل امرؤ ما شاء، وبالله التوفيق ". انتهى. # ( [ ### | الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع طلقة واحدة على الراجح # ] :) # (الراجح عدم الوقوع) ؛ قال الماتن: " ذهب الجمهور إلى أنه يقع، وأن ~~الطلاق يتبع الطلاق، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الطلاق لا يتبع ~~الطلاق؛ بل يقع واحدة، وقد حكي ذلك عن أبي موسى، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، ~~وجابر بن زيد، وأحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى، ورواية عن علي، ورواية عن ~~زيد بن علي، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن القيم، وقد حكاه ~~ابن مغيث في كتاب " الوثائق " عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، ~~والزبير، وحكاه أيضا عن جماعة من مشايخ قرطبة، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ~~ابن عباس. # واستدل الجمهور بحديث ركانة بن عبد الله: أنه طلق امرأته سهيمة البتة، ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال ~~رسول # PageV02P250 # الله صلى الله عليه وسلم: " والله ما أردت إلا واحدة؟ "، قال ركانة: ~~والله ما ms407 أردت إلا واحدة! فردها إليه؛ أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي ~~- وصححه (1) أبو داود، وابن حبان، والحاكم، - وفي إسناده (2) الزبير بن ~~سعيد الهاشمي، وقد ضعفه غير واحد، وقيل: إنه متروك.، وفي إسناده (2) أيضا: ~~نافع بن عجير، وهو مجهول. # ومتنه أيضا مضطرب؛ كما قال البخاري، ففي لفظ منه: أنه طلقها PageV02P251 # ثلاثا، وفي لفظ: واحدة، وفي لفظ: البتة. # وقال أحمد: طرقه كلها ضعيفة. # وأما استدلالهم بقوله - تعالى -: {الطلاق مرتان} ، وبقوله: {فإن طلقها ~~فلا تحل له} ؛ فليس في ذلك من الحجة شيء؛ بل هو عليهم لا لهم، وقد حقق هذا ~~صاحب " الهدي " بما يشفي. # وقد ورد ما يدل على أن الطلاق يتبع الطلاق، وليس في الصحيح شيء من ذلك. # وأرجح من الجميع؛ والحجة في هذا المقام: حديث ابن عباس الثابت في " صحيح ~~مسلم " وغيره: أن الطلاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي ~~بكر، وصدرا من إمارة عمر؛ الثلاث واحدة، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس؛ ~~فأجازه عليهم ". انتهى. # وكل رجال إسناده أئمة، وله ألفاظ وأسانيد، وفي لفظ: أن أبا الصهباء قال ~~له: ألم تعلم أن الثلاث كانت واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؟ قال: نعم. # ولم يأت من حاول التخلص عنه بحجة تنفق، والتمسك بما في بعض الروايات من ~~تقييد ذلك بالطلاق قبل الدخول لا وجه له (1) ؛ فإن الطلاق لا PageV02P252 # يتفاوت الحال فيه قبل الدخول وبعده، وإذا ثبت الحكم في أحدهما؛ ثبت في ~~الآخر، ومن ادعى الفرق فعليه إيضاحه. # وفي حديث محمود بن لبيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل ~~طلق امرأته ثلاثا جميعا، فقام غضبان، فقال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين ~~أظهركم؟ {"؛ حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله} ألا أقتله؟ ! # وقد أخرجه النسائي بإسناد صحيح. # وروى البيهقي (1) ، عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس ~~واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف ~~طلقتها؟ "، فقال: طلقتها ثلاثا، ms408 فقال: " في مجلس واحد؟ "، قال: نعم، قال: " ~~إنما تلك واحدة؛ إن شئت فراجعها ". # وأخرج نحوه عبد الرزاق، وأبو داود، من حديثه. # وهذا خلاصة الحجج في هذه المسألة (2) ، وهي طويلة الذيول، كثيرة ~~PageV02P253 # النقول، متشعبة الأطراف، قديمة الخلاف، والإحاطة بجميع ما فيها من ~~الأقوال PageV02P254 # وأدلتها وتصحيحها يحتمل مصنفا مستقلا، وقد جمع في ذلك شيخنا العلامة ~~الشوكاني رسالة بسط فيها بعض البسط، وقد امتحن بهذه المسألة جماعة من ~~العلماء؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من بعده، والحق بأيديهم، ولكن ~~لما كان مذهب الأربعة الأئمة أن الطلاق يتبع الطلاق؛ كان المخالف لذلك عند ~~عامة أتباعهم، وكثير من خاصتهم كالمخالف للإجماع. # وقد ظهر مما سقناه ههنا من الأدلة والنقول؛ أن الطلاق ثلاثا بلفظ واحد - ~~أو ألفاظ في مجلس واحد من دون تخلل رجعة - يقع واحدة، وإن كان بدعيا؛ فتكون ~~هذه الصورة من صور الطلاق البدعي واقعة من إثم الفاعل دون سائر صور البدعي؛ ~~فلا يقع الطلاق فيها لما قدمنا تحقيقه. # وأطال ابن القيم في تخريج أحاديث الباب والكلام عليها، وأثبته بالكتاب، ~~والسنة، واللغة، والعرف، وعمل أكثر الصحابة، ثم قال بعد ذلك: # " فهذا كتاب الله - تعالى -، وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والصحابة كلهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب. # فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا أنهم (1) كانوا يرون الثلاث واحدة؛ ~~إما بفتوى، وإما بإقرار عليها، ولو فرض منهم من لم يكن يرى ذلك؛ فإنه لم ~~يكن منكرا للفتوى به؛ بل كانوا ما بين مفت، ومقر بفتيا، وساكت غير منكر. ~~PageV02P255 # وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون ~~على الألف قطعا؛ كما ذكر يونس بن بكير عن أبي إسحاق. # فكل صحابي كان على أن الثلاث واحدة بفتوى، أو إقرار، أو سكوت. # ولقد ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة ولله الحمد ~~على خلافه؛ ms409 بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن وإلى يومنا هذا. # فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس؛ كما رواه حماد ابن ~~زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد؛ ~~فهي واحدة. # وأفتى بأنها واحدة: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف؛ حكاه عنهما ~~ابن وضاح. # وأما التابعون؛ فأفتى به عكرمة، وطاوس. # وأما تابعو التابعين؛ فأفتى به محمد بن إسحاق، وخلاس بن عمرو، والحارث ~~العكلي. # وأما أتباع تابعي التابعين؛ فأفتى به داود بن علي، وأكثر أصحابه، وأفتى ~~به بعض أصحاب مالك، وأفتى به بعض الحنفية، وأفتى به بعض أصحاب أحمد. # والمقصود: أن هذا القول قد دل عليه الكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع ~~القديم، ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر - رضي الله ~~تعالى عنه - أن الناس استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه # PageV02P256 # جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم، فرأى عمر أن هذا ~~مصلحة لهم في زمانه. # والذي ندين الله - تعالى - به، ولا يسعنا غيره، وهو القصد في هذا الباب: ~~أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصح عنه حديث آخر ~~ينسخه؛ أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا ~~نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان ". انتهى حاصله. # وتمام هذا البحث في " إعلام الموقعين " (1) ، و " إغاثة اللهفان " للحافظ ~~ابن القيم، وفي رسالة مستقلة للماتن، وفي كتابنا " مسك الختام "، فليرجع ~~الطالب إليها إن أراد التفصيل والتحقيق، وبالله التوفيق. # ( [ ### | الحالات التي يطلق فيها القاضي # ] :) ### | ( [الأولى: التطليق لعدم النفقة] :) # وأما التفريق بين المعسر وبين امرأته؛ فأقول: إذا كانت المرأة مثلا ~~جائعة، أو عارية في الحالة الراهنة؛ فهي في ضرار، والله - تعالى - يقول: ~~{ولا تضاروهن} ، وهي أيضا غير معاشرة بالمعروف، والله يقول: {وعاشروهن ~~بالمعروف} ، وهي أيضا غير ممسكة بمعروف، والله يقول: {فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} ؛ بل هي ممسكة ضرارا، والله يقول: {ولا تمسكوهن ضرارا} ، ~~والنبي صلى الله ms410 عليه وسلم يقول: " لا ضرر ولا ضرار " (2) . PageV02P257 # وقد ثبت في الفسخ بعدم النفقة ما أخرجه الدارقطني، والبيهقي (1) ، من ~~حديث أبي هريرة مرفوعا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل لا ~~يجد ما ينفق على امرأته: " يفرق بينهما ". # وأخرجه الشافعي (2) ، وعبد الرزاق، عن سعيد بن المسيب، وقد سأله سائل عن ~~ذلك؟ فقال: يفرق بينهما؛ فقيل له: سنة؟ فقال: نعم، سنة. # وما زعمه ابن القطان من توهيم الدارقطني؛ فليس بظاهر (3) . # ثم من أعظم ما يدل على جواز الفسخ بعدم النفقة؛ أن الله سبحانه قد شرع ~~الحكمين بين الزوجين عند الشقاق، وجعل إليهما الحكم بينهما، ومن أعظم ~~الشقاق؛ أن يكون الخصام بينهما في النفقة، وإذا لم يمكنهما دفع الضرر عنها ~~إلا بالتفريق؛ كان ذلك إليهما، وإذا جاز ذلك منهما؛ فجوازه من القاضي أولى. ~~PageV02P258 # فإن قلت: تجويزك الفسخ للنفقة بتلك الأدلة العامة (1) يستلزم جوازه ~~للعيوب؛ إذا كان يحصل التضرر بها على أحد الزوجين. # قلت: النفقة وتوابعها واجبة للزوجة على زوجها (2) ، وليس ما يفوت ~~PageV02P259 # بسبب تلك العيوب بواجب لها عليه، ثم التضرر بترك النفقة وتوابعها لا ~~يعادله شيء، وإذا كان العيب في الزوجة؛ كالجنون والجذام، والبرص؛ فقد فات ~~الزوج شيء واجب له؛ لكن قد جعل الله بيده الطلاق. # ثم قد ورد في خصوص الفسخ بعدم النفقة ما قدمنا ذكره. ### | ( [الثانية: التطليق لغيبة الزوج] :) # وأما التفريق بين المفقود وبين امرأته؛ فأقول: قد تشعبت المذاهب في هذه ~~المسألة إلى شعب ليس عليها أثارة من علم؛ لا سيما التحديدات بمقادير معلومة ~~من الأوقات؛ منها ما هو رجوع إلى مذاهب الطبائعية؛ كقول من قال: إنه ينتظر ~~المفقود حتى يمضي له من يوم ولادته مئة وعشرون سنة؛ فإن هذا هو عين مذهب ~~جماعة من الطبائعية، قالوا: أكثر ما يعيش الإنسان مئة وعشرون سنة؛ لأن كل ~~طبيعة من الطبائع الأربع؛ إذا لم يعرض لها ما يفسدها تغلب على الإنسان ~~ثلاثين سنة، فتحصل من مجموع الأربع الطبائع مئة وعشرون سنة، وهذا مذهب ~~كفري، وكلام بمعزل عن الشريعة (1) . # قال الماتن ms411 في " حاشية الشفاء ": # " وقد رأينا في عمرنا من عاش مئة وسبعا وعشرين سنة ونصف سنة، ورأيناه وهو ~~في هذا السن في كمال من حواسه وجوارحه، بحيث إنه لم يفقد PageV02P260 # منها شيئا؛ وهو يذهب، ويجيء، ويحضر المساجد، وغاب عنا بعد ذلك، فالله ~~أعلم كم عاش بعد هذه المدة ". انتهى. # أقول: وقد رأينا من عاش فوق المئة إلى عشرين سنة أو أكثر من ذلك، وهم ~~كثيرون، وسمعنا بمن عاش فوق المئة إلى أربعين سنة؛ بل أزيد من ذلك وهم ~~قليلون، والقدرة الإلهية صالحة للكل. # وبالجملة؛ فمن العلماء من قال: مئة وخمسون، ومنهم من قال: مئتان. ومنهم ~~من قال: أربع مئة، ومنهم من قال زيادة على ذلك، ومنهم من فرق بين من كان له ~~أهل ومال، ومن لم يكن له أهل ومال، والكل محض رأي. # وعندي: أن تحريم نكاح المحصنة ورد به النص القرآني، وأجمع عليه جميع ~~المسلمين؛ بل هو معلوم من ضرورة الدين، وامرأة المفقود محصنة؛ فالأصل ~~الأصيل تحريم نكاحها، وإذا لم يكن لها ما تستنفقه، وكان إمساكها حينئذ، ~~وإلزامها على استمرار نكاح الغائب فيه إضرار بها؛ كان ذلك وجها للفسخ. # وهكذا إذا طالت مدة الغيبة، وكانت المرأة تتضرر بترك النكاح؛ فالفسخ لذلك ~~جائز، وإذا جاز الفسخ للعنة؛ فجوازه للغيبة الطويلة أولى؛ لأنه قد علم من ~~نصوص الكتاب والسنة تحريم الإمساك ضرارا، والنهي للأزواج عن الضرار في غير ~~موضع، فوجب دفع الضرار عن الزوجة بكل ممكن، وإذا لم يكن إلا بالفسخ؛ جاز ~~ذلك؛ بل وجب (1) . PageV02P261 # ( [ ### | حكم طلاق المكره # ] :) # وأما عدم وقوع طلاق المكره؛ فدليله حديث: " لا طلاق في إغلاق "؛ أخرجه ~~أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والحاكم - وصححه - من حديث عائشة، ~~وضعفه أبو حاتم (1) بمحمد بن عبيد الله بن أبي صالح. # ورد عليه بأنه قد أخرجه البيهقي من طريق غيره. # والإغلاق عند علماء اللغة: الإكراه؛ كما في " النهاية " وغيرها (2) . ~~PageV02P262 # وأما عدم صحة الطلاق قبل أن ينكحها؛ فالأحاديث الواردة في هذا الباب لا ~~تخلو عن مقال، لكن لها طرق عدة عن جماعة من ms412 الصحابة، وهي لا تقصر عن بلوغ ~~رتبة الحسن لغيره (1) ؛ فالعمل بها متحتم، ولم يأت من خالفها بشيء؛ إلا ~~مجرد رأي محض. # ثم إن السيد لا يطلق عن عبده؛ بل الطلاق إلى العبد، وذلك هو الأصل في ~~الشريعة المطهرة، فمن زعم أنه يصح طلاق غير زوج؛ فعليه الدليل. ### | ( [الفصل الثاني: بما يقع الطلاق] ) # ( [ ### | حكم الطلاق بلفظ من ألفاظ الكناية # ] :) # (ويقع بالكناية مع النية) ؛ لحديث عائشة عند البخاري، وغيره: أن ابنة ~~الجون لما أدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودنا منها قالت: ~~أعوذ بالله منك! فقال لها: " لقد عذت بعظيم؛ الحقي بأهلك ". # وفي " الصحيحين "، وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلقها أم ماذا ~~أفعل؟ قال: " بل اعتزلها؛ فلا تقربنها "، فقال لامرأته: الحقي بأهلك. ~~PageV02P263 # فأفاد الحديثان أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد، ولا تكون طلاقا مع ~~عدمه. # ( [ ### | حكم الطلاق بالتخيير # ] :) # (و) يقع الطلاق (بالتخيير إذا اختارت الفرقة) ؛ لقوله - تعالى -: {يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا} الآية، {وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله والدار الآخرة} الآية. # وقد ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ~~نساءه لما نزلت الآية، فخيرهن. # وثبت في " الصحيحين "، وغيرهما، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فاخترناه، فلم يعدها شيئا. # وفي المسألة خلاف، وهذا هو الحق، وبه قال الجمهور. # ( [ ### | حكم الطلاق بالتوكيل # ] :) # (وإذا جعله الزوج إلى غيره وقع منه) ؛ لأنه توكيل بالإيقاع، وقد تقرر ~~جواز التوكيل من غير فرق بين الطلاق وغيره، فلا يخرج من ذلك إلا ما خصه ~~دليل، وقد سئل أبو هريرة، وابن عباس، وعمرو بن العاص عن رجل جعل أمر امرأته ~~بيد أبيه؟ فأجازوا طلاقه؛ كما أخرجه أبو بكر البرقاني في " كتابه " المخرج ~~على " الصحيحين ". # ( [ ### | حكم الطلاق بلفظ التحريم # ] :) # PageV02P264 # (ولا يقع بالتحريم) ؛ لما في " الصحيحين "، عن ابن عباس، قال: # إذا حرم الرجل امرأته؛ فهي يمين يكفرها، وقال: ms413 {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة} . # وأخرج عنه النسائي: أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما؟ فقال: ~~كذبت؛ ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك} ، عليك أغلظ الكفارة: عتق رقبة. # وأخرج النسائي أيضا بإسناد صحيح، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة، حتى حرمها على نفسه، ~~فأنزل الله عز وجل: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآية. # وفي الباب روايات عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكر. # وفي هذه المسألة مذاهب؛ قد ذكر الحافظ ابن القيم منها ثلاثة عشر مذهبا، ~~وقال: إنها تزيد على عشرين مذهبا، والذي أرجحه منها: هو أن التحريم ليس من ~~صرائح الطلاق، ولا من كناياته، بل هو يمين من الأيمان كما سماه الله عز وجل ~~في كتابه، فقال: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ، فهذه الآية مصرحة بأن ~~التحريم يمين؛ والسبب وإن كان خاصا - وهو العسل الذي حرمه على نفسه، أو ~~الأمة التي كان يطؤها -؛ فلا اعتبار بخصوص السبب؛ فإن لفظ {ما أحل الله لك} ~~عام، وعلى فرض عدم العموم؛ فلا فرق بين الأعيان التي هي حلال. # PageV02P265 # وأخرج الترمذي، عن عائشة، قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~نسائه؛ فجعل الحرام حلالا، وجعل في اليمين كفارة؛ أي: جعل الشيء الذي حرمه ~~حلالا بعد تحريمه. # وفي " صحيح مسلم "، عن ابن عباس، قال: إذا حرم الرجل امرأته؛ فهي يمين ~~يكفرها، ثم قال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} . # وفي الباب عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه. # وبالجملة: الحق ما ذكرناه، وقد ذهب إليه جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، ~~وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهذا إذا أراد تحريم العين، وأما ~~إذا أراد الطلاق بلفظ التحريم ms414 غير قاصد لمعنى اللفظ؛ بل قصد التسريح؛ فلا ~~مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات. # ( [ ### | الرجعة حق للزوج مدة العدة من طلاق رجعي # ] :) # (والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه؛ يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق ~~رجعيا) ؛ لحديث ابن عباس عند أبي داود، والنسائي، في قوله - تعالى -: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن} الآية، قال: وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، ~~وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك: {الطلاق مرتان} . # وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال (1) . PageV02P266 # وأخرج الترمذي، عن عائشة، قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، ~~وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة، وإن طلقها مئة مرة أو أكثر، حتى قال ~~رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدا، وقالت: وكيف ذلك؟ ~~قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على ~~عائشة؛ فأخبرتها، فسكتت حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأخبرته، فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} ، قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا؛ من كان طلق، ~~ومن لم يكن طلق. # وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والطبراني، عن عمران بن حصين: أنه ~~سئل عن الرجل يطلق امرأته؛ يقع بها؛ ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها؟ ~~فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا ~~تعد (1) . # ( [ ### | حكم الطلاق البائن # ] :) # (ولا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره) ؛ لقول الله - تعالى -: ~~{حتى تنكح زوجا غيره} ، ولما في " الصحيحين "، وغيرهما من قوله صلى الله ~~عليه وسلم لامرأة رفاعة القرظي: " لا؛ حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". # وهو مجمع على ذلك. PageV02P267 # (2 - ### | باب الخلع # ( [ ### | بيان مشروعية الخلع # ] :) # وفيه شناعة ما؛ لأن الذي أعطاه من المال قد وقع في مقابلة المسيس؛ وهو ~~قوله - تعالى -: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا) . # واعتبر ms415 النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في اللعان؛ حيث قال: " إن ~~صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها " (1) ، ومع ذلك فربما تقع الحاجة إلى ~~ذلك؛ فذلك قوله - تعالى -: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} . # قلت: دلت الآية الأولى على النهي عن الخلع، والثانية على جوازه، فتكلم ~~الفقهاء في ترتيبهما. # قال البغوي وغيره: " إذا آذاها بمنع بعض حقوقها حتى ضجرت، فاختلعت نفسها؛ ~~فهذا الفعل منه حرام، ولكن الخلع نافذ؛ لأن الله - تعالى - قال في صورة ~~النهي: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} ، PageV02P268 # والعضل: التضييق والمنع، وقال: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} ، وهذا ~~إشارة إلى طموح بصره إلى غيرها؛ من غير أن يرى منها التقصير. # والخلع المباح بلا كراهية أن تكره المرأة صحبة الزوج، ولا يمكنها القيام ~~بأداء حقوقه، فتخرج فتختلع نفسها؛ لقوله تعالى: {إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله} ، إلى أن قال: {فلا جناح عليهما} ، ولتقريره صلى الله عليه وسلم ~~حبيبة بنت سهل على الخلع حين ذكرت الشقاق. # ولو اختلعت نفسها بلا سبب؛ فجائز مع الكراهة (1) ؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه لم يفتشوا عن سبب الاختلاع من جانبها، وقد ثبت (2) أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أبغض الحلال إلى الله - تعالى - ~~الطلاق ". # أقول: في قولهم: " هذا الفعل منه حرام، ولكن الخلع نافذ " نظر؛ لأن قوله ~~- تعالى -: {لا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} ، وقوله: ~~{ولا يحل لكم} نصان في تحريم أخذ البدل، وهو يقتضي بطلان العقد؛ كما في ~~كثير من مسائل البيوع، فإما أن يكون العقد باطلا من أصله، أو يمضى ~~PageV02P269 # الطلاق ويرد عليها ما لها؛ كما قال مالك. والله - تعالى - أعلم (1) . # واتفق أهل العلم على أنه إن طلقها على مال فقبلت؛ فهو طلاق بائن. # واختلفوا في الخلع، فقال أبو حنيفة: تطليقة بائنة؛ وهو أصح قولي الشافعي، ~~وله قول أنه فسخ وليس بطلاق، ولا ينقص به العدد؛ كذا في " المسوى ". # ( [ ### | الخلع يجعل أمر المرأة بيدها # ] :) # (وإذا خالع الرجل امرأته كان أمرها بيدها) بعد ms416 الخلع، (لا ترجع إليه ~~بمجرد الرجعة) . # ( [ ### | مقدار العوض في الخلع # ] :) # (ويجوز بالقليل والكثير ما لم يجاوز ما صار إليها منه) ؛ لحديث ابن عباس ~~عند البخاري، وغيره: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين؛ ولكني ~~أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتردين عليه ~~حديقته؟ "، قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقبل الحديقة، ~~وطلقها ". PageV02P270 # وفي رواية لابن ماجه، والنسائي، بإسناد رجاله ثقات: أنها قالت: لا أطيقه ~~بغضا؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: ~~نعم؛ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الحديقة ولا يزداد. # وفي رواية للدارقطني بإسناد صحيح: أن أبا الزبير قال: إنه كان أصدقها ~~حديقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ ~~"، قالت: نعم؛ وزيادة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما الزيادة فلا؛ ~~ولكن حديقته "؛ قالت: نعم. # فهذه الفرقة؛ إنما كانت بسبب ما افتدت به المرأة، فلو لم يكن أمرها ~~إليها؛ كانت الفدية ضائعة. # وقد أفاد ما ذكرناه أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما صار إليها ~~منه؛ وقد ذهب إلى هذا علي، وطاوس، وعطاء، والزهري، وأبو حنيفة، وأحمد، ~~وإسحاق. # وذهب الجمهور إلى أنه يجوز أن يأخذ منها زيادة على ما أخذت منه؛ استدلالا ~~بقوله - تعالى -: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ؛ فإنه عام للقليل ~~والكثير. # ويجاب بأن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لذلك؛ كحديث: " أما ~~الزيادة فلا "؛ صححه الدارقطني، فصلح لتخصيص ذلك العموم كما هو الحق عند ~~الماتن - رحمه الله - من جواز تخصيص عموم القرآن بالآحاد. # ومذاهب الصحابة فمن بعدهم في هذا مختلفة مبسوطة في المطولات. # PageV02P271 # وأما ما أخرجه البيهقي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كانت أختي تحت رجل من ~~الأنصار، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: " أتردين ~~حديقته؟ "، قالت: وأزيد عليها؛ فردت ms417 عليه حديقته وزادته؛ ففي إسناده ضعف؛ ~~مع أنه لا حجة فيه؛ لأنه لم يقررها على تسليم الزيادة. # وأيضا قوله - تعالى -: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله} : يدل على منع الأخذ مما آتوهن إلا مع ذلك ~~الأمر، فلا بأس بأن يأخذوا مما آتوهن لا كله؛ فضلا عن زيادة عليه. # ( [ ### | الخلع بتراضي الزوجين أو إلزام الحاكم # ] :) # (ولا بد من التراضي بين الزوجين على الخلع، أو إلزام الحاكم مع الشقاق ~~بينهما) ؛ لقوله - تعالى -: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح ~~خير} . # وأما اعتبار إلزام الحاكم؛ فلارتفاع ثابت وامرأته إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وإلزامه بأن يقبل الحديقة ويطلق، ولقوله - تعالى -: {وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} ، وهذه الآية - كما تدل ~~على بعث حكمين -؛ تدل على اعتبار الشقاق في الخلع. # ويدل على ذلك أيضا قوله - تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} ، ويدل عليه قصة امرأة ثابت ~~المذكورة، وقولها: أكره الكفر بعد الإسلام؛ وقولها: لا أطيقه بغضا. # فلهذا اعتبرنا الشقاق في الخلع. # PageV02P272 # ( [ ### | هل الخلع فسخ أم طلاق # ] :) # (وهو فسخ) ؛ وليس بطلاق؛ ولكن قال الماتن - رحمه الله - في " حاشية ~~الشفاء " بخلاف ما قال ههنا، ورجح أن الخلع طلاق وليس بفسخ، وقال: # " هذا هو الحق؛ لأن الله سبحانه ذكر أحكام الخلع بعد قوله: {الطلاق ~~مرتان} ، والضمائر من آيات الاختلاع راجعة إلى ذلك؛ كقوله: {إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله} ، وقوله: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} (1) ، وقد ~~سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - طلاقا؛ كما في " صحيح البخاري " وغيره؛ ~~فإنه قال لثابت بن قيس: " اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة (2) ". # ولا يعارضه ما روي في " سنن النسائي ": أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرها ~~أن تعتد بحيضة، وكذلك في " سنن أبي داود ": # لأنه لا ملازمة بين الاعتداد بحيضة وبين الفسخ؛ بل إذا ورد في بعض ~~المطلقات ما يدل على مخالفة عدتها لعدة سائر ms418 المطلقات المصرح بها في ~~القرآن؛ كان ذلك مخصصا لعموم العدة، وقد أطال ابن القيم الكلام على ذلك، ~~ورجح أن الخلع فسخ، ولم يأت ببرهان يشفي سوى ما ذكرنا من أمره - صلى الله ~~عليه وسلم - لها أن تعتد بحيضة، وهو في غير محل النزاع كما عرفت ". انتهى. ~~PageV02P273 # ثم رجح في فتاواه المسماة ب " الفتح الرباني " كون الخلع فسخا وقال: " ~~الظاهر أنه فسخ لا طلاق ". # وهو قول جماعة من العلماء منهم ابن عباس؛ رواه عنه ابن عبد البر في " ~~التمهيد "، وكذلك رواه عن أحمد، وإسحاق، وداود، وهو قول الصادق والباقر، ~~وأحد قولي الشافعي، ومن قال بذلك لم يشترط فيه أن يكون للسنة، وأجازه في ~~الحيض وأوقعه، وإن كان لا يرى وقوع الطلاق البدعي. # واحتجوا لذلك بقول الله - تعالى -: {الطلاق مرتان} ، ثم ذكر الافتداء، ثم ~~عقبه بقوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ، فلو كان ~~الافتداء طلاقا؛ لكان الطلاق الذي لا تحل له إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع، ~~وبحديث الربيع: أنها اختلعت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أمرت - أن تعتد بحيضة؛ أخرجه ~~الترمذي (1) ، وبحديث ابن عباس الآتي في قصة امرأة ثابت بن قيس. # قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: بحثت عن رجال الحديثين معا؛ فوجدتهم ~~ثقات. # ولحديث رواه مالك، عن حبيبة بنت سهل الأنصاري: أنها قالت للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: يا رسول الله! كل ما أعطاني عندي، PageV02P274 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت: " خذ منها "؛ فأخذ وجلست في أهلها. # قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في هذا الحديث، وهو حديث مسند صحيح، ~~ووجه دلالته أنه لم يذكر فيه طلاقا، ولا زاد على الفرقة، ويدل على ذلك من ~~النظر: أنه لا يصح أن يجعله طلاقا بائنا ولا رجعيا: # أما الأول؛ فلأنه خلاف الظاهر؛ لأنها تطليقة واحدة. # وأما الثاني؛ فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة. # ولا يرد على هذا - أعني: الاكتفاء في العدة ms419 بحيضة - قول الله - تعالى -: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ؛ لأن الخلع عندهم فسخ لا طلاق، فلا ~~يندرج تحت عمومه (1) ؛ فالآية في الطلاق الرجعي بدليل آخرها، وهو قوله - ~~تعالى -: {وبعولتهن أحق بردهن} (1) ، فالآية عامة وأدلتنا خاصة. # وذهب الجمهور إلى أنه طلاق؛ مستدلين بحديث ابن عباس عند البخاري، وأبي ~~داود بلفظ: " طلقها تطليقة ". # قلنا: ثبت من حديث المرأة نفسها عند " الموطإ "، وأبي داود، والنسائي ~~بلفظ: " وخل سبيلها "، وعند أبي داود، من حديث عائشة بلفظ: [" وفارقها "] ؛ ~~(2) وصاحب القصة أخص بها. # قال ابن القيم رحمه الله: " لا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة ". ~~PageV02P275 # وقال الخطابي في " معالم السنن ": " إنه احتج ابن عباس على أنه ليس بطلاق ~~بقوله - تعالى -: {الطلاق مرتان} ". انتهى. # ومخالفة الراوي لما روى دليل على علمه بناسخ لوجوب حمله على السلامة. # قال الترمذي: " قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وغيرهم: إن عدة المختلعة عدة الطلاق ". # قلت: قد عرفت أن ابن القيم قال: " إنه لم يصح عن صحابي "، وعرفت الأدلة ~~الدالة على أن العدة بحيضة، ولا حجة في أحد غير الشارع. # قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: " وقد استدل الزيدية في أنه طلاق ~~بثلاثة أحاديث "، وأجاب عنها بوجوه؛ حاصلها: أنها مقطوعة الأسانيد، وأنها ~~معارضة بما هو أرجح، وأن أهل الصحاح لم يذكروها. # واختلف العلماء أيضا في شروط الخلع، فالزيدية جعلوا منها النشوز، وهو قول ~~داود الظاهري، والجمهور على أنه ليس بشرط، وهو الحق؛ لأن المرأة اشترت ~~الطلاق بمالها، ولذلك لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق. # قال العلامة ابن الوزير: " ثم تأملت؛ فإذا الأمر المشترط فيه خوف أن لا ~~يقيما حدود الله هو طيب المال للزوج لا الخلع؛ لقوله - تعالى -: {فإن خفتم ~~أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ، ولم يقل: في ~~الخلع، يوضحه أنه لو ضارها حرم عليه؛ لقوله - تعالى -: {ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} ". انتهى. # ثم قال في " السيل الجرار " بعد ذكر أدلة الفريقين الدالة على أن الخلع # PageV02P276 # طلاق أو ms420 فسخ ما نصه: # " فهذه الأحاديث تدل على أنه فسخ لا طلاق ... "، قال: " والذي ينبغي ~~الجمع به هو أن عدة الخلع حيضة لا غير، وليس الغير - سواء كان بلفظ الطلاق ~~أو بغيره - مما يشعر بتخلية السبيل؛ أو بتركها وشأنها من دون أن يجري منه ~~لفظ قط. # قد يكون الوارد في هذا الطلاق الكائن في الخلع مخصصا لما ورد في عدة ~~المطلقة، فتكون عدة الطلاق ثلاثة قروء؛ إلا إذا كان الطلاق مع الافتداء؛ ~~فإنه حيضة واحدة، ولا تحسب عليه طلقة إلا إذا جاء بلفظ الطلاق (1) ، أو بما ~~يدل عليه؛ لا إذا لم يقع منه لفظ البتة بل تركها وشأنها؛ فإن هذا لا يحسب ~~عليه طلاقا. # وبهذا التقرير تجتمع الأدلة، ويرتفع الإشكال على كل تقدير. # وأما كونه يمنع الرجعة؛ فلما قدمنا أن الطلاق لا يتبع الطلاق ". انتهى. # ( [ ### | عدة المختلعة # ] :) # (وعدته حيضة) ؛ لحديث الربيع بنت معوذ عند النسائي في قصة امرأة ثابت: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " خذ الذي لها PageV02P277 # عليك؛ وخل سبيلها "، قال: نعم، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن تعتد بحيضة واحدة، وتلحق بأهلها. # ورجال إسناده كلهم ثقات. # ولها حديث آخر عند الترمذي، والنسائي، وابن ماجه: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمرها أن تعتد بحيضة. # وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث. # وأخرج أبو داود، والترمذي - وحسنه -، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت ابن قيس ~~اختلعت من زوجها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة. # وأخرج الدارقطني، والبيهقي - بإسناد صحيح -، عن أبي الزبير، وفيه: فأخذها ~~وخلى سبيلها. # قال الدارقطني: سمعه أبو الزبير من غير واحد. # فهذه الأحاديث - كما تدل على أن العدة في الخلع حيضة - تدل على أنه فسخ؛ ~~لأن عدة الطلاق ثلاث حيض، وأيضا تخلية السبيل هي الفسخ لا الطلاق. # وأما ما وقع في بعض روايات الحديث: أنه طلقها تطليقة؛ فقد أجيب عن ذلك ~~بجوابات طويلة؛ قد أودعها الماتن في " شرح المنتقى "، فليرجع إليه. # قال ابن القيم: # " واختلف الناس في عدة المختلعة؛ ms421 فذهب إسحاق، وأحمد - في أصح الروايتين ~~عنه دليلا -؛ أنها تعتد بحيضة واحدة، وهو مذهب عثمان بن عفان، وعبد الله بن ~~عباس، وقد حكى إجماع الصحابة، ولا يعلم لهما مخالف، وقد # PageV02P278 # دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة دلالة صريحة، وعذر من ~~خالفها أنها لم تبلغه، أو لم تصح عنده، أو ظن الإجماع على خلاف موجبها. # فهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر. # وأما رجحانه أثرا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المختلعة قط أن ~~تعتد بثلاث حيض؛ بل قد روى أهل " السنن " عنه من حديث الربيع بنت معوذ، ~~وحديث امرأة ثابت بن قيس المتقدمة. # وهذه الأحاديث لها طرق يصدق بعضها بعضا، فيكفي في ذلك فتاوى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # قال أبو جعفر النحاس في كتاب " الناسخ والمنسوخ ": هو إجماع من الصحابة ~~(1) ". انتهى حاصله. PageV02P279 # (3 - ### | باب الإيلاء # (1)) # ( [ ### | تعريفه # ] :) # (هو أن يحلف الزوج من جميع نسائه أو بعضهن؛ لا أقربهن) ، وهو ظاهر. # ( [ ### | مدته # ] :) # (فإن وقت بدون أربعة اشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقت به) ؛ لما ثبت في " ~~الصحيحين " وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا، ثم ~~دخل بهن بعد ذلك. # ( [ ### | حكمه # ] :) # (وإن وقت بأكثر منها خير بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق) ؛ لقوله - تعالى ~~-: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} الآية (2) . # وقد أخرج البخاري عن ابن عمر، قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق. ~~PageV02P280 # قال البخاري: ويذكر ذلك عن عثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة، واثني عشر ~~رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # وأخرج الدارقطني، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يوقفون المولي. # وأخرج أيضا، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: سألت اثني عشر رجلا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يولي؟ قالوا: ليس عليه شيء حتى يمضي ~~أربعة أشهر، فيوقف؛ فإن فاء وإلا طلق. # قال في " المسوى ": # " اختلفوا فيما إذا ms422 انقضت أربعة أشهر وهو لم يفئ؛ قال الشافعي: لا يقع ~~الطلاق بمضيها؛ بل يوقف؛ فإما أن يفيء ويكفر عن يمينه، أو يطلق، فإن طلق ~~فبها؛ وإلا طلق عليه السلطان، وقال أبو حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر وقعت ~~عليها طلقة بائنة، وقال سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن: يقع عليها ~~طلقة رجعية ". انتهى (1) . # قال الماتن: وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء؛ فذهب الجمهور إلى أنها ~~PageV02P281 # أربعة أشهر فصاعدا، قالوا: فإن حلف على أنقص لم يكن موليا؛ واحتجوا ~~بالآية، وهي لا تدل على مطلوبهم؛ لأنها لبيان المدة التي تضرب للمولي ليفيء ~~بعدها أو يطلق، وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم الإيلاء شهرا، ودخل على ~~نسائه بعده، فلو كان الإيلاء أربعة أشهر: فصاعدا - ولا يصح أقل منها - لم ~~يقع منه صلى الله عليه وسلم ذلك. # وقد ذهب إلى جواز الإيلاء دون أربعة أشهر جماعة من أهل العلم، وهو الحق. # وأما لزوم الحد إذا نكلت (1) ؛ فقد أوضح ابن القيم في " الهدي " هذا ~~البحث بما لا مزيد عليه؛ فليراجع؛ فإنه لا يستغنى عنه. # قال في " المسوى ": # " إيلاء العبد نحو إيلاء الحر، وهو عليه واجب، وإيلاء العبد شهران. # قلت: وعليه مالك؛ أن مدة الإيلاء تنتصف برق الرجل. # وقال أبو حنيفة: مدة الإيلاء تنتصف برق المرأة. # وقال الشافعي: الحر والعبد في مدة الإيلاء سواء ". انتهى. PageV02P282 # (4 - ### | باب الظهار # ( [ ### | تعريف الظهار وبيان كفارته # ] :) # (وهو قول الزوج لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ أو ظاهرتك؛ أو نحو ذلك، فيجب ~~عليه قبل أن يمسها أن يكفر بعتق رقبة، فإن لم يجد فليطعم ستين مسكينا، فإن ~~لم يجد فليصم شهرين متتابعين) ، وإنما جعلت كفارة هذه؛ لأن من مقاصد ~~الكفارة أن يكون بين عيني المكلف ما يكبحه عن الاقتحام في الفعل خشية أن ~~يلزمه ذلك، ولا يمكن ذلك إلا بكونها طاعة شاقة تغلب على النفس؛ إما من جهة ~~كونها بذل ما تشح به؛ أو من جهة مقاساة جوع أو عطش مفرطين. # والدليل على ما اشتمل عليه هذا الباب - من التكفير ms423 على هذا الترتيب -: ما ~~في القرآن الكريم: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ~~ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم} . # وقد بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة سلمة بن صخر لما ظاهر من ~~امرأته، ثم وطئها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعتق رقبة "، # PageV02P283 # فقال: لا والذي بعثك بالحق؛ ما أصبحت أملك غيرها - وضرب صفحة رقبته -، ~~قال: " فصم شهرين متتابعين "، قال: قلت: يا رسول الله {وهل أصابني ما ~~أصابني إلا في الصوم؟} قال: " فتصدق "، قال: والذي بعثك بالحق؛ لقد بتنا ~~ليلتنا ما لنا عشاء؛ قال: " اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها ~~إليك، فأطعم منها - وسقا من تمر - ستين مسكينا، ثم استعن بسائره عليك وعلى ~~عيالك ". # أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه -، وابن ~~خزيمة وابن الجارود. # وفي لفظ لأبي داود: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كله أنت وأهلك ~~". # وأخرج نحوه أهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث ابن عباس، وصححه ~~أيضا الحاكم. # قال ابن حجر: رجاله ثقات؛ لكن أعله أبو حاتم، والنسائي بالإرسال. # وقال ابن حزم: رواته ثقات؛ ولا يضره إرسال من أرسله. # وللحديثين شواهد. # وأخرج نحوه أبو داود، وأحمد، من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة. وأخرج ابن ~~ماجه نحوه من حديث عائشة. # وأخرجه الحاكم أيضا. # PageV02P284 # وقد قام الإجماع على أن الكفارة تجب بعد العود؛ لقوله - تعالى -: {ثم ~~يعودون لما قالوا} ، واختلف أهل العلم؛ هل العلة في وجوبها؛ العود أو ~~الظهار؟ واختلفوا أيضا هل المحرم الوطء فقط أم هو مع مقدماته؟ # فذهب الجمهور إلى الثاني؛ لقوله - تعالى -: {من قبل أن يتماسا} ، وذهب ~~البعض إلى الأول؛ قالوا: لأن المسيس كناية عن الجماع (1) . # واختلفوا في العود ما هو؟ # فقال قتادة، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وأصحابه: إنه إرادة ms424 المسيس لما ~~حرم بالظهار؛ لأنه إذا أراد فقد عاد من عزم الترك إلى عزم الفعل؛ سواء فعل ~~أم لا. # وقال الشافعي: بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ولم PageV02P285 # يطلق؛ إذ تشبيهها بالأم يقتضي إبانتها، وإمساكها نقيضه. # وقال مالك وأحمد: بل هو العزم على الوطء فقط؛ وإن لم يطأ. # وقد وقع الخلاف أيضا إذا وطئ المظاهر قبل التكفير، فقيل: تجب عليه ~~كفارتان، وقيل: ثلاث، وقيل: تسقط الكفارة، وذهب الجمهور إلى أن الواجب ~~كفارة واحدة؛ وهو الحق كما تفيده الأدلة المذكورة. # واعلم أن الرقبة؛ وإن كانت مطلقة في كفارة الظهار؛ فقد ورد ما يدل على ~~اعتبار كونها مؤمنة، وليس ذلك الدال على اعتبار الإيمان هو ما وقع في ~~القرآن في كفارة القتل - لما تقرر في الأصول أن المختلفين سببا لا يصح ~~تقييد أحدهما بالآخر -؛ بل الدال على ذلك هو سؤاله صلى الله عليه وسلم لمن ~~قال: عليه رقبة عن إيمانها، وقوله لها: " أين الله؟ "، و: " من أنا؟ "، ثم ~~قال: " أعتقها فإنها مؤمنة "؛ كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي (1) ، ~~ولم يستفصله صلى الله عليه وسلم عن وجوب تلك الرقبة عليه؛ هل هو عن كفارة ~~ظهار، أو قتل، أو يمين، أو غير ذلك؟ # وقد تقرر: أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم؛ إذا كان في مقام الاحتمال ~~(2) . # ( [ ### | إعانة الإمام للمظاهر # ] :) # (ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين إذا كان فقيرا لا يقدر على ~~PageV02P286 # الصوم، وله أن يصرف منها لنفسه وعياله، وإذا كان الظهار مؤقتا فلا يرفعه ~~إلا انقضاء الوقت) ؛ لتقريره صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر لما قال له ~~إنه ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان، وهو في " مسند أحمد "، و " سنن أبي ~~داود "، و " الترمذي " - وحسنه -، والحاكم، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود ~~كما تقدم. # وظاهر القرآن: أنه لا يوجب الكفارة إلا العود. # فالظهار المؤقت إذا انقضى وقته لم يكن إرادة الوطء عودا، فلا تجب فيه ~~كفارة. # وأما إذا كان الموجب للكفارة قول المنكر والزور؛ فهي واجبة في مطلق ~~ومؤقت؛ لأنه ms425 قد وقع القول بمجرد إيقاع الظهار. # ( [ ### | المسيس قبل التكفير # ] :) # (وإذا وطئ قبل انقضاء الوقت أو قبل التكفير؛ كف حتى يكفر في المطلق أو ~~ينقضي وقت المؤقت) ؛ لحديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للمظاهر الذي وطئ امرأته: " لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله "؛ أخرجه أهل ~~" السنن " (1) ، وصححه الترمذي، والحاكم. # وظهار العبد نحو ظهار الحر، وصيام العبد في الظهار شهران كالحر بالاتفاق. ~~PageV02P287 # (5 - ### | باب اللعان # ( [ ### | تعريف اللعان # ] :) # والأصل فيه أنه أيمان مؤكدة تبرئ الزوج من حد القذف، وتثبت اللوث عليها؛ ~~تحبس لأجله ويضيق عليها به، فإن نكل ضرب الحد، وأيمان مؤكدة منها تبرئها، ~~فإن نكلت ضربت الحد. # وبالجملة؛ فلا أحسن - فيما ليس فيه بينة، وليس مما يهدر ولا يسمع -؛ من ~~الأيمان المؤكدة. # ( [ ### | مشروعية اللعان # ] :) # (وإذا رمى الرجل امرأته بالزنا) ؛ حكم اللعان مذكور في الكتاب العزيز؛ ~~قال الله - تعالى -: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله ~~عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} ، واستفاض ~~حديث عويمر العجلاني وهلال بن أمية. # (ولم تقر بذلك ولا رجع عن رميه) ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يحث المتلاعنين على ذلك. # PageV02P288 # ففي " الصحيحين " وغيرهما: أنه وعظ الزوج وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا ~~أهون من عذاب الآخرة. # ثم وعظ المرأة وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة "، فإذا أقرت ~~المرأة؛ كان عليها حد الزاني المحصن إذا لم يكن هناك شبهة، وإذا أقر الرجل ~~بالكذب؛ كان عليه حد القذف. # (لاعنها؛ فيشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن ~~لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين؛ وإذا كانت ~~حاملا أو كانت قد وضعت؛ أدخل نفي الولد في أيمانه) ؛ وقد نطق بذلك ms426 الكتاب ~~العزيز، والسنة المطهرة في ملاعنته - صلى الله عليه وسلم - بين عويمر ~~العجلاني وامرأته، وبين هلال بن أمية وامرأته. # ( [ ### | التفريق بين المتلاعنين إلى الأبد # ] :) # (ويفرق الحاكم بينهما، وتحرم عليه أبدا) ؛ لحديث سهل بن سعد عند أبي داود ~~(1) قال: مضت السنة بعد في المتلاعنين؛ أن يفرق بينهما؛ ثم لا يجتمعان ~~أبدا. # وفي حديث ابن عباس (2) عند الدارقطني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P289 # - قال: " المتلاعنان إذا تفرقا؛ لا يجتمعان أبدا ". # وأخرج نحوه عنه أبو داود. # وفي " الصحيحين " وغيرهما: أن عويمرا طلق امرأته ثلاث تطليقات قبل أن ~~يأمره - صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين (1) . # ( [ ### | إلحاق الولد بأمه # ] :) # (ويلحق الولد بأمه (2) فقط، ومن رماها به فهو قاذف) ؛ لحديث عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ولد ~~المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ومن رماها به جلد ثمانين. # أخرجه أحمد، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وبقية رجاله ثقات. # ويؤيد هذا الحديث: الأدلة الدالة على أن الولد للفراش - ولا فراش هنا -، ~~والأدلة الدالة على وجوب حد القذف. # والملاعنة داخلة في المحصنات؛ [ما] (3) لم يثبت عليها ما يخالف ذلك، ~~وهكذا من قذف ولدها؛ فإنه كقذف أمه؛ يجب الحد على القاذف. PageV02P290 # (6 - ### | باب العدة ### | ( [الفصل الأول: أنواع العدة] ) # وكانت من المشهورات المسلمة في الجاهلية، وكانت مما يكادون يتركونه، وكان ~~فيها مصالح كثيرة؛ فأقرها الشارع. # (1 -[ ### | عدة الحامل # ] :) # (هي للطلاق من الحامل بالوضع) ؛ لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} . # (2 -[ ### | عدة الحائض # ] :) # (ومن الحائض بثلاث حيض) ؛ لقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} ، والقروء هي الحيض؛ كما تقدم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: # " دعي الصلاة أيام أقرائك ". # والقرء - وإن كان في الأصل مشتركا بين الأطهار والحيض -؛ لكنه هنا قد دل ~~الدليل على أن المراد أحد معنيي المشترك، وهو الحيض؛ لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # PageV02P291 # " تعتد بثلاث حيض " (1) ، وقوله: " تجلس أيام أقرائها "، وقوله: " وعدتها ~~حيضتان "، وسيأتي. # (3 -[ ### | عدة الصغيرة والتي يئست من المحيض ms427 # ] :) # (ومن غيرهما) ؛ أي: غير الحامل والحائض - وهي الصغيرة والكبيرة التي لا ~~حيض فيها، أو التي انقطع حيضها بعد وجوده -؛ فإنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لقوله ~~- تعالى -: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن} الآية. # وقد وقع الخلاف في منقطعة الحيض لعارض؛ فقيل: إنها تتربص حتى يعود؛ فتعتد ~~بالحيض، أو تيأس؛ فتعتد بالأشهر. # والحق ما ذكرناه؛ لأنه يصدق عليها عند الانقطاع أنها من اللائي لم يحضن. # (4 -[ ### | عدة التي مات عنها زوجها # ] :) # (وللوفاة بأربعة أشهر وعشر) ؛ لقوله - تعالى -: {والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ؛ هذا من غير الحامل. # (وإن كانت حاملا فبالوضع) ؛ لقوله - تعالى -: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} . PageV02P292 # وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أكمل بيان. # ففي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أم سلمة: أن امرأة من أسلم - يقال لها: ~~سبيعة - كانت تحت زوجها، فتوفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، ~~فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين؛ فمكثت ~~قريبا من عشر ليال، ثم نفست، ثم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: ~~" انكحي ". # وأخرج البخاري عن ابن مسعود؛ في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؛ قال: ~~أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة؟ {لنزلت سورة النساء القصرى ~~بعد الطولى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} . # وقد أخرج أحمد، والدارقطني، عن أبي بن كعب، - رضي الله عنه -، قال: قلت: ~~يا رسول الله} {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ؛ للمطلقة ثلاثا ~~وللمتوفى عنها؟ قال: " هي للمطلقة ثلاثا، وللمتوفى عنها " (1) . # وأخرجه أبو يعلى، والضياء في " المختارة "، وابن مردويه. # وفي إسناده المثنى بن الصباح؛ وثقه ابن معين، وضعفه الجمهور. # وقد أخرج ابن ماجه، عن الزبير بن العوام: أنها كانت عنده أم كلثوم بنت ~~عقبة، فقالت له وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة! فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى ~~الصلاة، فرجع وقد وضعت؛ فقال: ما لها قد خدعتني؟ خدعها PageV02P293 # الله! ثم أتى النبي صلى الله عليه ms428 وسلم؟ فقال: سبق الكتاب أجله؛ اخطبها ~~إلى نفسها ". # ورجال إسناده رجال الصحيح؛ إلا محمد بن عمر بن هياج، وهو صدوق لا بأس به ~~(1) . # وقد تمسك بعض الصحابة بالآيتين، فجعل عليها أطول الأجلين، فقال: إذا وضعت ~~قبل مضي أربعة أشهر وعشر؛ لم تنقض عدتها حتى تمضي أربعة أشهر وعشر، وإذا ~~انقضت الأربعة الأشهر وعشر، ولم تضع؛ لم تنقض العدة حتى تضع، وبه قال جماعة ~~من أهل العلم. # والحق: أن عدة الحامل بالوضع في الطلاق والوفاة؛ للأدلة التي ذكرناها، ~~وهي نصوص في محل النزاع، ومبينة للمراد. # قال ابن القيم: # " وقد كان بين السلف نزاع في المتوفى عنها؛ أنها تتربص أبعد الأجلين، ثم ~~حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل، وأما عدة الوفاة فتجب بالموت؛ سواء ~~دخل بها أو لم يدخل؛ كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة واتفاق الناس ~~". انتهى. # ( [ ### | لا عدة على غير المدخول بها # ] :) # (ولا عدة على غير مدخولة) ؛ لقوله - تعالى - في غير الممسوسات: {فما ~~PageV02P294 # لكم عليهن من عدة تعتدونها} . # ( [ ### | كيف تعتد الأمة # ] :) # (والأمة) ؛ أي: عدتها (كالحرة) ؛ لأن حديث عائشة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان "؛ أخرجه الترمذي، ~~وأبو داود، والبيهقي، قال فيه أبو داود: " هو حديث مجهول " (1) ، وقال ~~الترمذي: " حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر ~~لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث ". انتهى. # وأخرج ابن ماجه، والدارقطني، ومالك في " الموطإ "، والشافعي من حديث ابن ~~عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " طلاق الأمة اثنتان وعدتها ~~حيضتان "؛ وفي إسناده عمرو بن شبيب، وعطية العوفي، وهما ضعيفان. # وصحح الدارقطني أنه موقوف على ابن عمر. # وأخرج الدارقطني من حديث ابن مسعود، وابن عباس: # " الطلاق بالرجال والعدة بالنساء "، وقد أعل بالوقف. # وأخرج أحمد عن علي نحو ذلك. PageV02P295 # وإذا كان الصحيح الوقف فيما عدا حديث عائشة؛ فلم يكن في الباب ما تقوم به ~~الحجة؛ لأن حديث عائشة ضعيف كما عرفت، فوجب الرجوع إلى أدلة الكتاب والسنة ~~المشتملة على تفصيل العدد، وهي ms429 غير مختصة بالحرائر. # ( [ ### | الإحداد واجب على المعتدة من وفاة # ] :) # (وعلى المعتدة للوفاة ترك التزين) ؛ لحديث أم سلمة في " الصحيحين ": أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام؛ إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا ". # وفي الباب عن أم حبيبة، وزينب بنت جحش في " الصحيحين "، وغيرهما. # وفيهما أيضا من حديث أم سلمة: أن امرأة توفي زوجها، فخشوا على عينها، ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاستأذنوه في الكحل؟ فقال: " لا ~~تكتحل؛ كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها (1) - أو شر بيتها (2) -، فإذا كان ~~حول فمر كلب؛ رمت ببعرة (3) ، فلا؛ حتى تمضي أربعة أشهر وعشر ". # وفي " الصحيحين " من حديث أم عطية قالت: # كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج أربعة أشهر PageV02P296 # وعشرا، ولا نكتحل، ولا نطيب، ولا نلبس ثوبا مصبوغا؛ إلا ثوب عصب (1) ، ~~وقد رخص لنا عند الطهر - إذا اغتسلت إحدانا من محيضها - في نبذة من كست (2) ~~أظفار ". # وفي الباب أحاديث. # وقد روي ما يعارض هذه الأحاديث؛ فأخرج أحمد، وابن حبان - وصححه - من حديث ~~أسماء بنت عميس قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم لليوم الثالث ~~من قتل جعفر بن أبي طالب، قال: " لا تحدي بعد يومك هذا "، وهي كانت امرأته ~~بالاتفاق. # وقد أجيب بأنه حديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد وقع الإجماع على ~~خلافه، وقيل: إنه منسوخ، وقد أعله البيهقي (3) بالانقطاع. # وهذه الأحاديث المؤقتة في الإحداد بأربعة أشهر وعشر هي في غير الحامل، ~~وأما هي فعليها ذلك حتى تنقضي عدتها بالوضع، ثم الإحداد إنما يكون للموت لا ~~لغيره؛ لأنه التظهر بما يدل على الحزن والكآبة لمفارقة الزوج PageV02P297 # بالموت، لا لمطلق المفارقة بالطلاق وغيره؛ لأنه لم يرد فيه شيء، ولا ~~فعلته النساء في أيام النبوة والخلفاء الراشدين، فمن ادعى وجوبه على غير ~~المميتة؛ فنحن نطالبه بالدليل. # ( [ ### | لزوم المعتدة من وفاة بيت زوجها # ] :) # (والمكث في البيت الذي كانت فيه عند موت زوجها أو بلوغ خبره) ؛ لحديث ms430 ~~فريعة بنت مالك - عند أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي، وابن حبان، ~~والحاكم -، قالت: خرج زوجي في طلب أعلاج (1) له، فأدركهم في طريق القدوم ~~(2) ، فقتلوه، فأتى نعيه، وأنا في دار شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة عن ~~أهلي من دور أهلي، ولم يدع نفقة، ولا مالا ورثته، وليس المسكن له، فلو ~~تحولت إلى أهلي وإخوتي؛ لكان أرفق بي في بعض شأني؟ قال: " تحولي "؛ فلما ~~خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني - أو أمر بي -، فدعيت فقال: " امكثي ~~في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله "، قالت: فاعتددت فيه ~~أربعة أشهر وعشرا. # وفي بعض ألفاظه (3) : أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك، فأخبرته، فأخذ به. # وقد أعل هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به (4) . PageV02P298 # وأخرج النسائي، وأبو داود - وعزاه المنذري إلى البخاري -، عن ابن عباس في ~~قوله - تعالى -: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا ~~إلى الحول غير إخراج} : نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله - تعالى - لها ~~من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا " (1) . # وقد ذهب إلى العمل بحديث فريعة: جماعة من الصحابة فمن بعدهم، وقد روي ~~جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم، ولم يأت من أجاز ذلك ~~بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة. # وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة؛ وليست بحجة؛ لا سيما إذا عارضت ~~المرفوع (2) . PageV02P299 # وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق (1) ، عن مجاهد مرسلا: أن رجالا استشهدوا ~~بأحد، فقال نساؤهم: يا رسول الله! إنا نستوحش في بيوتنا، أفنبيت عند ~~إحدانا؟ فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن؛ فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة ~~إلى بيتها. # وهذا - مع إرساله - لا تقوم به الحجة. # وأما أنها لا تعتد بما مضى من الأيام قبل العلم وبعد الطلاق أو نحوه؛ فلا ~~وجه له؛ لأن مشروعية العدة لم يشترطها الشارع بعلم المعتدة؛ إنما ضرب للعدة ~~مقادير كما في القرآن، ms431 فإذا مضت تلك المقادير من يوم الطلاق أو الموت انقضت ~~العدة، ومن زعم أنه لا يحتسب بجميع العدة أو ببعضها قبل العلم فعليه ~~الدليل؛ لأنه يدعي إما فقد شرط؛ أو وجود مانع، وكلاهما خلاف الأصل. # ثم الفرق بين بعض المعتدات دون بعض - في اعتبار العلم وعدمه؛ كما وقع في ~~كتب الفروع -؛ لا مستند له إلا خيالات مختلة. ### | ( [الفصل الثاني: استبراء الأمة المسبية والمشتراة] ) # ( [ ### | كيف تستبرأ الأمة المسبية والمشتراة # ] :) # (ويجب استبراء الأمة المسبية والمشتراة ونحوهما بحيضة إن كانت حائضا، ~~والحامل بوضع الحمل) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود (2) ، والحاكم - وصححه - ~~PageV02P300 # من حديث أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في سبايا أوطاس: # " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة ". # ولما أخرجه مسلم وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يلعن الرجل ~~الذي أراد وطء امرأة حامل من السبي لعنة تدخل معه قبره. # وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حرم وطء السبايا، حتى يضعن ما في بطونهن. # وأخرج ابن أبي شيبة من حديث علي، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن توطأ حامل حتى تضع، ولا توطأ حائل حتى تسبثرأ بحيضة. # وفي إسناده ضعف وانقطاع. # وأخرج أحمد، والطبراني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ~~يقعن رجل على امرأة؛ وحملها لغيره "؛ وفي إسناده بقية، والحجاج بن أرطاة؛ ~~وهما مدلسان. # وهو يشمل المسبية وغيرها؛ كالمشتراة والموهوبة. # وكذلك حديث رويفع بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يسقي ماءه ولد غيره "؛ أخرجه ~~أحمد، والترمذي، وأبو داود (1) ، وابن أبي شيبة، والدارمي، والطبراني، ~~PageV02P301 # والبيهقي، والضياء المقدسي، وابن حبان - وصححه -، والبزار - وحسنه -. # وهو - كما يتناول الحامل المشتراة ونحوها -؛ كذلك يتناول من يجوز حملها ~~من الغير كائنا من كان؛ لأن العلة كونه يسقي بمائه ولد غيره. # وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم ms432 ~~خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم، وقال: " لا تسق ماءك زرع غيرك ". # وأصله في " النسائي ". # وأخرج البخاري عن ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو أعتقت؛ ~~فلتستبرأ بحيضة، ولا تستبرأ العذراء. # ويدل على استبراء المشتراة التي هي حامل - أو مجوز حملها - الأدلة ~~الواردة في المسبية؛ لأن العلة واحدة، وأما العذراء والصغيرة فليستا ممن ~~تصدق عليه تلك العلة، وإن كان حمل العذراء البالغة ممكنا مع بقاء البكارة، ~~ولكنه في غاية الندرة؛ فلا اعتبار به. # وأما ما أخرجه البخاري، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى ~~اليمن ليقبض الخمس، فاصطفى علي منه سبية، فأصبح وقد اغتسل، ثم بلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم ينكره؛ بل قال في بعض الروايات: " لنصيب علي ~~أفضل من وصيفة "؛ فيحمل على أنها كانت صغيرة أو بكرا؛ جمعا بين الأدلة، أو ~~أنه قد كان مضى لها من وقت الصبا ما تبين به أنها غير حامل. # (ومنقطعة الحيض) تستبرأ (حتى يتبين عدم حملها) ؛ لأنه لا يمكن العلم # PageV02P302 # بعدم الحمل إلا بذلك؛ إذ لا حيض؛ بل المفروض أنه منقطع لعارض؛ أو أنها ~~ضهيأ (1) . # وأما من قد بلغت سن الإياس من الحيض؛ فقد صار حملها مأيوسا كحيضها، ولا ~~اعتبار بالنادر. # (ولا تستبرأ بكر ولا صغيرة مطلقا، ولا يلزم) الاستبراء (على البائع ~~ونحوه) ؛ لعدم الدليل على ذلك؛ لا بنص ولا بقياس صحيح؛ بل هو محض رأي. ~~PageV02P303 # (7 - ### | باب النفقة # ( [ ### | نفقة الزوجة واجبة على زوجها # ] :) # (تجب على الزوج للزوجة) ؛ لا أعرف في ذلك خلافا، وقد أوجبها القرآن ~~الكريم، قال الله - تعالى -: {وارزقوهم فيها واكسوهم} ، وقد قرر دلالة هذه ~~الآية على المطلوب الموزعي في " تفسيره ". # ولحديث إذنه صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها أبي ~~سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف، وهو في " الصحيحين " وغيرهما. # ولقوله صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن حق الزوجة على الزوج -: " أن ~~تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت "؛ وهو عند أهل " السنن " وغيرهم. # قال في " المسوى ms433 ": # " تجب نفقة الزوجة على الزوج - موسرا كان أو معسرا -، قال - تعالى - ~~{لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} ، وقال - ~~تعالى -: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وقال - تعالى -: {ذلك ~~أدنى ألا تعولوا} . # PageV02P304 # قلت: قال الشافعي: أي: لا يكثر من تعولون (1) . # وفيه دليل على أن على الرجل نفقة امرأته. # وقد أنكر على الشافعي بعض أهل العربية هذا التفسير، فأجاب البغوي بأن ~~الكسائي قال: يقال: عال الرجل يعول: إذا كثر عياله، واللغة الجيدة: أعال. # وأجاب الزمخشري بأنه بيان حاصل المعنى، ووجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل ~~عياله يعولهم؛ كقولهم: مانهم يمونهم: إذا أنفق عليهم، ومن كثر عياله لزمه ~~أن يعولهم، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم ". # ( [ ### | الأمور التي تضمنتها فتوى الرسول صلى الله عليه وسلم لهند # ] :) # وقال ابن القيم في حديث هند المتقدم: # " تضمنت هذه الفتوى أمورا: # أحدها: أن نفقة الزوجة غير مقدرة؛ بل بالمعروف لنفي تقديرها، وإن لم يكن ~~تقديرها معروفا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة، ولا ~~التابعين، ولا تابعيهم. # الثاني: أن نفقة الزوجة من جنس نفقة الولد؛ كلاهما بالمعروف. PageV02P305 # الثالث: انفراد الأب بنفقة أولاده. # الرابع: أن الزوج والأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه؛ فللزوجة ~~والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف. # الخامس: أن المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها؛ لم يكن لها ~~إلى الفسخ سبيل. # السادس: أن ما لم يقدره الله - تعالى - ورسوله من الحقوق الواجبة؛ ~~فالمرجع فيه إلى العرف. # السابع: أن من منع الواجب عليه، وكان سبب ثبوته ظاهرا؛ فلمستحقه أن يأخذ ~~بيده إذا قدر عليه؛ كما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم هندا ". انتهى ~~حاصله. # ( [ ### | النفقة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص # ] ) # أقول: هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، فنفقة زمن ~~الخصب؛ المعروف فيها غير المعروف في زمن الجدب، ونفقة أهل البوادي؛ المعروف ~~فيها ما هو الغالب عندهم، وهو غير المعروف من نفقة أهل المدن، وكذلك ~~المعروف من نفقة الأغنياء على ms434 اختلاف طبقاتهم غير المعروف من نفقة الفقراء، ~~والمعروف من نفقة أهل الرياسات والشرف غير المعروف من نفقة أهل الوضاعات. # فليس المعروف المشار إليه في الحديث هو شيء متحد؛ بل مختلف باختلاف ~~الاعتبار، وقد أوضحت المقام في كتابي " دليل الطالب "، فليراجع. # PageV02P306 # وقال الماتن - رحمه الله - في " الفتح الرباني " في جواب سؤال في الفرض ~~للزوجة ونحوها ما لفظه: # " قد اختلفت المذاهب في تقدير النفقة بمقدار معين وعدم التقدير: # فذهب جماعة من أهل العلم - وهم الجمهور - إلى أنه لا تقدير للنفقة إلا ~~بالكفاية، وقد اختلفت الرواية عن الفقهاء؛ فقال الشافعي: على المسكين ~~والمتكسب مد، وعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف. # وقال أبو حنيفة: على الموسر سبعة دراهم إلى ثمانية في الشهر، وعلى المعسر ~~أربعة دراهم إلى خمسة. # قال بعض أصحابه: هذا التقدير في وقت رخص الطعام، وأما في غيره فيعتبر ~~بالكفاية ". انتهى. # والحق: ما ذهب إليه القائلون بعدم التقدير؛ لاختلاف الأزمنة والأمكنة، ~~والأحوال والأشخاص؛ فإنه لا ريب أن بعض الأزمنة قد يكون أدعى للطعام من ~~بعض، وكذلك الأمكنة؛ فإن بعضها قد يعتاد أهله أن يأكلوا في اليوم مرتين، ~~وفي بعضها ثلاثا، وفي بعضها أربعا. # وكذلك الأحوال؛ فإن حالة الجدب تكون مستدعية لمقدار من الطعام أكثر من ~~المقدار الذي تستدعيه حالة الخصب. # وكذلك الأشخاص؛ فإن بعضهم قد يأكل الصاع فما فوقه، وبعضهم قد يأكل نصف ~~صاع، وبعضهم دون ذلك. # PageV02P307 # وهذا الاختلاف معلوم بالاستقراء التام، ومع العلم بالاختلاف؛ يكون ~~التقدير على طريقة واحدة ظلما وحيفا. # ثم إنه لم يثبت في هذه الشريعة المطهرة التقدير بمقدار معين قط؛ بل كان - ~~صلى الله عليه وسلم - يحيل على الكفاية مقيدا لذلك بالمعروف؛ كما في حديث ~~عائشة عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وأحمد ابن حنبل، وغيرهم: ~~أن هندا قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني ~~وولدي؛ إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؟ فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ~~". # فهذا الحديث الصحيح؛ فيه الإحالة على الكفاية مع التقييد بالمعروف، ~~والمراد به ms435 الشيء الذي يعرف، وهو خلاف الشيء الذي ينكر، وليس هذا المعروف ~~الذي أرشد إليه الحديث شيئا معينا، ولا المتعارف بين أهل جهة معينة؛ بل هو ~~في كل جهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها، المتعارف بينهم. # مثلا؛ أهل صنعاء؛ المتعارف بينهم الآن أنهم ينفقون على أنفسهم وأقاربهم ~~الحنطة والشعير والذرة، ويعتادون الإدام سمنا ولحما، فلا يحل أن يجعل طعام ~~من تجب نفقته من طعام غير الثلاثة الأجناس المتقدمة: كالعدس، والفول، ولا ~~من الشعير، والذرة فقط، ولا بدون إدام، ولا بإدام غير المعتاد كالزيت، ~~والتلبينة، ونحو ذلك؛ فإن ذلك جميعه؛ وإن كان يصدق عليه لفظ الكفاية؛ لكنه ~~لا يصدق عليه معنى المعروف، والعمل بالمطلق وإهمال قيده لا يحل. # وأما أهل البوادي المتصلة بصنعاء - والقريبة منها بمقدار بريد ودونه # PageV02P308 # وفوقه -؛ فالمعروف عندهم هو الكفاية من أي طعام كان؛ من غير سمن، ولا ~~لحم؛ إلا في أندر الأحوال؛ بل يكتفون تارة بالتلبينة، وتارة بما يقوم ~~مقامها. # فالمتوجه شرعا على من وجبت عليه النفقة؛ أن يدفع إلى من كان في مثل صنعاء ~~ما هو المعروف لديهم مما قدمنا، وإلى من كان في البوادي ما قدمنا مما هو ~~المعروف لديهم، ويعتبر في كل محل بعرف أهله، ولا يحل العدول عنه إلا مع ~~التراضي. # وكذلك الحاكم يجب عليه مراعاة المعروف بحسب الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، ~~والأشخاص؛ مع ملاحظة حال الزوج في اليسار والإعسار؛ لأن الله - تعالى - ~~يقول: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} . # وإذا تقرر لك أن الحق عدم جواز تقدير الطعام بمقدار معين؛ فكذلك لا يجوز ~~تقدير الإدام بمقدار معين، بل المعتبر الكفاية بالمعروف. # وقد حكى صاحب " البحر " أنه قد قدر في اليوم أوقيتان دهنا من الموسر، ومن ~~المعسر أوقية، ومن المتوسط أوقية ونصف. # وفي " شرح الإرشاد ": أنه يعتبر في الإدام تقدير القاضي باجتهاده عند ~~التنازع، فيقدر في المد من الإدام ما يكفيه، ويقدر على الموسر ضعف ذلك، ~~وعلى المتوسط بينهما، ويعتبر في اللحم عادة البلد للموسرين والمتوسطين ~~كغيرهم. # قال الرافعي: وقد تغلب الفاكهة في أوقاتها ms436 فتجب. # ثم قال: وإنما يجب ما ذكر لزوجته إن لم تواكله حال كونها رشيدة، فإن # PageV02P309 # واكلته وهي رشيدة سقطت نفقتها؛ ثم ذكر كلاما طويلا. # وأقول: المرجع ما هو معروف عند أهل البلد في الإدام جنسا، ونوعا، وقدرا، ~~وكذلك في الفاكهة، لا يحل الإخلال بشيء مما يتعارفون به؛ إن قدر من تجب ~~عليه النفقة على ذلك، وكذلك ما يعتاد من التوسعة في الأعياد ونحوها، ويدخل ~~في ذلك مثل القهوة والسليط (1) . # وبالجملة؛ فقد أرشد الشارع إلى ما هو معروف من الكفاية، وليس بعد هذا ~~الكلام الجامع المفيد شيء من البيان. # وأما ما أجاب به عن الحديث بعض من لم يتمرن بعلم الأدلة، ولم يتدرب ~~بمسالك الاجتهاد؛ من أنه لم يكن منه صلى الله عليه وسلم على طريقة الحكم؛ ~~بل على طريقة الإفتاء؛ فهذه غفلة كبيرة، وبعد عن الحقيقة؛ لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يفتي إلا بما هو حق وشرع. # وقد تقرر أن السنة: أقواله، وأفعاله، وتقريراته؛ لا مجرد أحكامه فقط التي ~~تكون بعد الخصومة وحضور المتخاصمين، ولو كانت السنة ليست إلا الأحكام ~~الكائنة على تلك الصفة؛ لم يبق منها حجة على العباد إلا أقل من عشر ~~معشارها؛ لأن صدور الحكم منه صلى الله عليه وسلم على تلك الصفة؛ إنما وقع ~~في قضايا محصورة؛ كقضية الحضرمي، والزبير، وعبد بن زمعة، والمتلاعنين. # فإن قلت: ما وجه ما يفعله كثير من القضاة في هذه الأزمنة؛ من تقدير ~~PageV02P310 # النفقة بقدح من الطعام متنوعا؟ # قلت: هو من تقدير الكفاية بالمعروف؛ لأن القدح يكفي غالب الأشخاص شهرا؛ ~~لا سيما في مثل صنعاء، فيكون للشخص في كل يوم نصف صاع، يأتي المجموع في ~~ثلاثين يوما خمسة عشر صاعا، وهي قدح ينقص صاعا. # فهذا فيه ملاحظة للمعروف باعتبار الغالب، ولكن إذا انكشف أنه لا يكفي؛ ~~بأن يكون الشخص أكولا؛ فلا يحل العمل بذلك الغالب؛ لأن فيه إهمالا لما أرشد ~~إليه صلى الله عليه وسلم من الكفاية، وهذا ليس فيه كفاية. # فالحاصل: أنه لا بد من ملاحظة أمرين: # أحدهما: الكفاية. ms437 # والثاني: كونها بالمعروف. # فإذا علم مقدار الكفاية؛ كان المرجع في صفاتها إلى المعروف، وهو الغالب ~~في البلد، وإذا لم يعلم حال الشخص في مقدار ما يكفيه، أو وقع الاختلاف بينه ~~وبين من يجب عليه إنفاقه؛ كان القول قول من يدعي ما هو المتعارف به. # مثلا؛ إذا قال من له النفقة: لا يكفيه إلا قدحان، وقال من عليه النفقة: ~~قدح؛ كان القول قول من عليه النفقة؛ بكونه مدعيا لما هو الغالب في العادة، ~~وإذا تبين حال من له النفقة، وجب الرجوع إلى ذلك؛ لما عرفناك من أنه لا # PageV02P311 # يحل الوقوف على مقدار معين على طريق القطع والبت. # ثم الظاهر من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف "؛ أن ذلك غير مختص بمجرد الطعام والشراب؛ بل يعم جميع ما يحتاج ~~إليه، فيدخل تحته الفضلات التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة؛ بحيث يحصل ~~التضرر بمفارقتها، أو التضجر، أو التكدر، ويختلف ذلك بالأشخاص، والأزمنة، ~~والأمكنة، والأحوال، ويدخل فيه الأدوية ونحوها، وإليه يشير قوله - تعالى -: ~~{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ؛ فإن هذا نص في نوع من أنواع ~~النفقات؛ أن الواجب على من عليه النفقة رزق من عليه إنفاقه، والرزق يشمل ما ~~ذكرناه. # قال في " الانتصار ": ومذهب الشافعي: لا تجب أجرة الحمام وثمن الأدوية ~~وأجرة الطبيب؛ لأن ذلك يراد لحفظ البدن؛ كما لا يجب على المستأجر أجرة ~~إصلاح ما انهدم من الدار. # وقال في " الغيث ": " الحجة أن الدواء لحفظ الروح؛ فأشبه النفقة ". ~~انتهى. # قلت: هو الحق؛ لدخوله تحت عموم قوله: " ما يكفيك "، وتحت قوله: {رزقهن} ؛ ~~فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ ما، والثانية عامة لأنها مصدر مضاف، ~~وهي من صيغ العموم، واختصاصه ببعض المستحقين للنفقة لا يمنع من الإلحاق. # وبمجموع ما ذكرناه؛ يتقرر لك أن الواجب على من عليه النفقة لمن له ~~النفقة؛ هو ما يكفيه بالمعروف، وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له # PageV02P312 # النفقة، وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل من خشية السرف في ~~بعض الأحوال؛ بل ms438 المراد تسليم ما يكفي على وجه لا سرف فيه؛ بعد تبين مقدار ~~ما يكفي بإخبار المخبرين، أو تجريب المجربين؛ كما سبق، وهو معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " بالمعروف "؛ أي: لا بغير المعروف، وهو السرف والتقتير. # ( [ ### | الرشد شرط في المرأة لأخذ النفقة من الزوج بغير علمه # ] :) # نعم؛ إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة؛ جاز لنا الإذن لمن له ~~النفقة بأن يأخذ ما يكفيه إذا كان من أهل الرشد؛ لا إذا كان من أهل السرف ~~والتبذير؛ فإنه لا يجوز لنا تمكينه من مال من عليه النفقة؛ لأن الله - ~~تعالى - يقول: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ؛ بل ورد ما يدل على عدم جواز ~~دفع أموال من لا رشد لهم إليهم؛ كما في قوله - تعالى -: {فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} ؛ فجعل الرشد شرطا لدفع أموالهم؛ فكيف يجوز ~~دفع أموال غيرهم إليهم مع عدم الرشد؟ ! # ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا، ومن له النفقة ليس بذي ~~رشد؛ أن نجعل الأخذ إلى ولي من لا رشد له، أو إلى رجل عدل. # وأما ما ورد في بعض التفاسير؛ من أن المراد بالسفهاء في قوله - تعالى -: ~~{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} : تمكين المرأة من مال الرجل كما ذكره السائل؛ ~~فذلك إنما هو باعتبار أن غالب نوع النساء خال عن الرشد؛ وإلا فلا شك أن عدم ~~الرشد يوجد في غيرهن كالصبيان، والمجانين، ومن يلتحق بهم من البله، ~~والمعتوهين، وكثير ممن {ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} . # PageV02P313 # ولا نشك - أيضا - أن في النساء من لها من الرشد والكمال ما لا يوجد إلا ~~في أفراد الرجال، ومنهن هند بنت عتبة المذكورة في الحديث؛ فإنها كانت من ~~سروات (1) نساء قريش المشهورات بحسن العقل وكمال الفطنة؛ كما يعرف ذلك من ~~عرف أخبارها، ومحاورتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند مبايعته لها. # فالحاصل: أنه لا ملازمة بين القول بوجوب الكفاية في النفقة؛ وبين حضور ~~السرف؛ بل الأمر كما قدمنا، والله أعلم. # ( [ ### | نفقة المطلقة ms439 رجعيا واجبة على الزوج # ] :) # (والمطلقة رجعيا) ؛ لحديث فاطمة بنت قيس: أنه قال لها - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة "؛ ~~أخرجه أحمد، والنسائي (2) . # وفي لفظ لأحمد: " فإذا لم يكن عليها رجعة؛ فلا نفقة ولا سكنى "؛ وفي ~~إسناده مجالد بن سعيد. # وقد توبع، وأعل بالوقف، ولكن الرفع زيادة مقبولة إذا صح مخرجها أو حسن. # وقد أثبت لها القرآن الكريم السكنى؛ قال الله - تعالى -: {يا أيها النبي ~~إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا ~~PageV02P314 # تخرجوهن من بيوتهن} ، ويستفاد من النهي عن الإخراج وجوب النفقة من ~~السكنى، ويؤيده قوله - تعالى -: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} . # ويدل على وجوب النفقة، قوله - تعالى -: {وللمطلقات متاع بالمعروف} ، ~~وقوله - تعالى - في آخر الآية الأولى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ؛ وهو ~~الرجعة، فكان ذلك في الرجعية. # ( [ ### | لا نفقة للبائنة إلا أن تكون حاملا # ] :) # (لا بائنا) ؛ فالبائنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لحديث فاطمة بنت قيس عند ~~مسلم وغيره، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المطلقة ثلاثا: " لا نفقة ~~ولا سكنى ". # وفي " الصحيحين " وغيرهما عنها، أنها قالت: طلقني زوجي ثلاثا، فلم يجعل ~~لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نفقة ولا سكنى. # وقد صح حديثها؛ فلا نزاع. # وقد أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، أنه قال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " لا نفقة لك؛ إلا أن تكوني حاملا ". # وقد أنكر عليها عمر وعائشة هذا الحديث، وقال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة ~~نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت؟ ! # وقد قالت فاطمة حين بلغها ذلك: بيني وبينكم كتاب الله؛ قال الله - تعالى ~~-: {فطلقوهن لعدتهن} ، حتى قال: {لا تدري لعل الله يحدث بعد # PageV02P315 # ذلك أمرا} ؛ فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ! # وقد ذهب إلى عدم وجوب النفقة والسكنى للبائنة: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وداود، وأتباعهم، وحكاه في " البحر " عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطاء، ~~والشعبي، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والإمامية. # وذهب الجمهور إلى ms440 أنه لا نفقة لها، ولها السكنى؛ لقوله - تعالى -: ~~{أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} . # وقد تقدم ما يدل على أنها في الرجعية. # وذهب عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأهل الكوفة إلى وجوب ~~النفقة والسكنى. # ( [ ### | لا نفقة للمعتدة من وفاة إلا أن تكون حاملا # ] :) # (ولا في عدة الوفاة؛ فلا نفقة ولا سكنى؛ إلا أن تكونا حاملتين) ؛ لعدم ~~وجود دليل يدل على ذلك في غير الحامل، ولا سيما بعد قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: # " إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة، فإذا لم يكن ~~عليها رجعة؛ فلا نفقة ولا سكنى ". # ويؤيده - أيضا - تعليل الآية المتقدمة بقوله - تعالى -: {لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا) ؛ وهو الرجعة، ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر. # PageV02P316 # ويفيده - أيضا - مفهوم الشرط في قوله - تعالى -: {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} ، وهي أيضا تدل على وجوب النفقة للحامل؛ ~~سواء كانت في عدة الرجعي، أو البائن، أو الوفاة. # وكذلك يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: " لا نفقة ~~لك؛ إلا أن تكوني حاملا ". # وقد روى البيهقي، عن جابر يرفعه - في الحامل المتوفى عنها - قال: " لا ~~نفقة لها ". # قال ابن حجر: ورجاله ثقات؛ لكنه قال: المحفوظ وقفه. # فلو صح رفعه لكان نصا في محل النزاع. # وينبغي أن يقيد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة؛ بما تقدم في وجوب ~~اعتدادها في البيت الذي بلغها موت زوجها وهي فيه؛ فإن ذلك يفيد أنها إذا ~~كانت في بيت الزوج بقيت فيه حتى تنقضي العدة، ويكون ذلك جمعا بين الأدلة؛ ~~من باب تقييد المطلق أو تخصيص العام؛ فلا إشكال. # قال في " المسوى ": # " اختلف أهل العلم في السكنى للمعتدة عن الوفاة؛ فقال أبو حنيفة: لا سكنى ~~لها؛ بل تعتد حيث شاءت، وقال مالك: لها السكنى، وللشافعي قولان كالمذهبين، ~~ومنشأ ذلك تردده في تأويل حديث فريعة، فرأى مرة أن إذنه لها في الخروج حكم، ~~وقوله: " امكثي في بيتك " استحباب، ورأى مرة ms441 أخرى أن إذنه صار منسوخا بقوله ~~آخرا: " امكثي في بيتك ". # PageV02P317 # أقول: يحتمل أن يكون إذنه لها من حيث إنها ذكرت أن زوجها لم يتركها في ~~مسكن يملكه ". انتهى. # أقول: الحق؛ أن المتوفى عنها زوجها لا تستحق - في عدة الوفاة - لا نفقة ~~ولا سكنى؛ سواء كانت حاملا أو حائلا؛ لزوال سبب النفقة بالموت، واختصاص آية ~~السكنى بالمطلقة رجعيا، واختصاص آية إنفاق الحامل بالمطلقة كما تقدم. # فإذا مات وهي في بيته؛ اعتدت فيه؛ لا لأن لها السكنى؛ بل لوجوب الاعتداد ~~عليها في البيت الذي مات وهي فيه. # مع أن في حديث الفريعة؛ أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن ~~زوجها لم يتركها في منزل يملكه، فأمرها أن تعتد في ذلك المنزل الذي بلغها ~~نعي زوجها وهي فيه، وهو غير مملوك له. # وبهذا يتضح أن ذلك لا يستلزم وجوب السكنى من تركة الميت؛ بل هو أمر تعبد ~~الله به المرأة، فإن كان المنزل ملكها فذاك، وإن كان ملك غيرها وجب عليها ~~تسليم الأجرة مع الطلب؛ سواء كان ملكا لورثة الزوج أو لغيرهم. # وعلى هذا يحمل قوله - تعالى -: {غير إخراج} ، وقوله: {ولا يخرجن} ، ~~وقوله: {ولا تخرجوهن} . # فتقرر بمجموع ما ذكر؛ أن المتوفى عنها مطلقا كالمطلقة بائنا - إذا لم تكن ~~المطلقة بائنا حاملا - في عدم وجوب النفقة والسكنى، فإن كانت المطلقة بائنا ~~حاملا فلها النفقة ولا سكنى لها. # PageV02P318 # وأما المطلقة الرجعية؛ فلها النفقة والسكنى؛ سواء كانت حاملا أو حائلا. # وأما المطلقة قبل الدخول؛ فلا عدة عليها، فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك ~~السكنى والمتعة المذكورة لها في القرآن؛ هي عوض عن المهر. # والملاعنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إن كانت كالمطلقة بائنا كانت ~~مثلها في ذلك، وإن كانت كالمتوفى عنها زوجها فكذلك. # ولا ريب أن فرقتها أشد من فرقة المطلقة بائنا؛ لأن هذه يجوز نكاحها في ~~حال من الأحوال؛ بخلاف تلك. # ( [ ### | نفقة الوالد على ولده واجبة والعكس # ] :) # (وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر) ؛ لحديث هند بنت عتبة المتقدم، ~~ويؤيده ما تقدم في الفطرة من ms442 وجوبها على الرجل ومن يمون. # وأما العكس؛ فلأن النفقة هي أقل ما يفيده قوله - تعالى -: {وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا} ، وقوله: {وبالوالدين إحسانا} . # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أنت ومالك لأبيك "؛ أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، وابن خزيمة، وابن الجارود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. # وحديث: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه؛ فكلوا من أموالهم ~~"، أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وابن حبان، والحاكم. # ويؤيد ذلك حديث: من أبر يا رسول الله؟ ! قال: " أمك "، قال: ثم # PageV02P319 # من؟ قال: " أمك "، قال: ثم من؟ قال: " أباك "؛ وهو في " الصحيحين "، ~~وغيرهما من حديث أبي هريرة. # قال في " المسوى ": # " تجب على الابن نفقة الأبوين إذا كان موسرا وهما معسران؛ قال - تعالى -: ~~{وبالوالدين إحسانا} ، وقال: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} . # ومن المعلوم؛ أنه ليس من الإحسان، ولا من المصاحبة بالمعروف؛ أن يموتا ~~جوعا والولد في أرغد عيش. # قلت: على هذا أهل العلم؛ إلا أن الشافعي قال: إن كان واحد منهما قويا ~~سويا يمكنه تحصيل قوته؛ لا تجب نفقته وإن كان معسرا. # وأوجب سائر الفقهاء نفقتهم عند الإعسار؛ ولم يشترطوا الزمانة ". # وفي " إعلام الموقعين ": # " وسأله صلى الله عليه وسلم: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك "، ~~قال: ثم من؟ قال: " ثم أمك "، قال: ثم من؟ قال: " ثم أبوك "؛ متفق عليه. # قال الإمام أحمد: الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر ". # ( [ ### | نفقة المملوك واجبة على سيده # ] :) # (وعلى السيد لمن يملكه) : لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ~~ما لا يطيق ". # PageV02P320 # وحديث: " فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس "، وهو في " الصحيحين "، ~~وغيرهما من حديث أبي ذر. # قلت: وذلك أنه مشغول بخدمته عن الاكتساب، فوجب أن يكون كفاية عليه. # وعليه أهل العلم. # ( [ ### | النفقة على الأقرباء مستحبة لصلة الرحم # ] :) # (ولا تجب على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم) ؛ لعدم ورود دليل يخص ~~ذلك؛ بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة، والرحم المحتاج إلى ms443 نفقة أحق ~~الأرحام بالصلة. # وقد قال - تعالى -: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ~~آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} ، {على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره} . # وعند أبي داود: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أبر؟ قال: " ~~أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك الذي يلي ذلك، حق واجب، ورحم موصولة " ~~(1) . # وقال: " ثم الأقرب فالأقرب ". # وفي المسألة مذاهب مختلفة؛ قد بسطها صاحب " الهدي " وغيره. PageV02P321 # وأما ما قيل من أن المراد بمثل هذه الأدلة صلة الرحم؛ فقد أجيب عن ذلك ~~بأن الله - سبحانه - سماه حقا. # على أنه لو سلم؛ لم يكن قادحا في الاستدلال؛ فإن من ترك قريبه بغير نفقة ~~ولا كسوة، مع حاجته إليهما؛ لم يكن واصلا لرحمه - لا لغة، ولا عرفا، ولا ~~شرعا -. # ومن أنكر هذا فليخبرنا: ما هي الصلة التي تختص بها الرحم لأجل كونه رحما، ~~ويمتاز بها عن الأجنبي؟ فإنه لا يمكنه أن يعين مسقطا للنفقة؛ إلا وكان أولى ~~بإسقاط ما عداها. # فالحاصل: أن من وجد ما يكفيه، وكان له زيادة يستغني عنها؛ وجب عليه أن ~~ينفقها على المحاويج من قرابته، ويقدم الأقرب فالأقرب كما دلت عليه الأدلة ~~السالفة، وهذا هو معنى الغنى - أي: الاستغناء عن فضلة تفضل على الكفاية -، ~~لا ما ذكره الفقهاء من تلك التقديرات التي لا ترجع إلى دليل عقل ولا نقل. # ( [ ### | الكسوة واجبة وكذا السكن مع النفقة # ] :) # (ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه) ؛ لما يستفاد من الآيات القرآنية ~~والأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها. # PageV02P322 # (8 - ### | باب الرضاع # ( [ ### | بكم رضعة يثبت حكم الرضاع # ] :) # (إنما يثبت حكمه بخمس رضعات) ؛ لحديث عائشة عند مسلم، وغيره: أنها قالت: ~~كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس رضعات، ~~فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهن فيما يقرأ من القرآن. # وللحديث طرق ثابتة في " الصحيح ". # ولا يخالفه حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحرم ~~المصة ولا المصتان "؛ أخرجه أحمد، ومسلم، وأهل " السنن "، وكذلك حديث ms444 أم ~~الفضل عند مسلم وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحرم الرضعة ~~ولا الرضعتان، والمصة والمصتان "، وفي لفظ: " لا تحرم الإملاجة (1) ولا ~~الإملاجتان "، وأخرج نحوه أحمد، والنسائي، والترمذي من حديث عبد الله بن ~~الزبير: # لأن غاية ما في هذه الأحاديث: أن المصة والمصتين، والرضعة والرضعتين، ~~والإملاجة والإملاجتين؛ لا يحرمن. # وهذا هو معنى الأحاديث منطوقا، وهو لا يخالف حديث الخمس PageV02P323 # الرضعات؛ لأنها تدل على أن ما دون الخمس لا يحرم. # وأما معنى هذه الأحاديث مفهوما - وهو أنه يحرم ما زاد على الرضعة ~~والرضعتين -؛ فمدفوع بحديث الخمس، وهي مشتملة على زيادة، فوجب قبولها ~~والعمل بها، ولا سيما عند قول من يقول: إن بناء الفعل على المنكر يفيد ~~التخصيص. # والرضعة: هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه، ثم يستمر على ذلك؛ حتى يتركه ~~باختياره لغير عارض. # وقد ذهب إلى اعتبار الخمس: ابن مسعود، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، ~~وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والليث بن سعد، والشافعي، ~~وأحمد، وإسحاق، وابن حزم، وجماعة من أهل العلم. # وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب. # وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يقتضي التحريم، وإن قل. # قال في " المسوى ": # " ذهب الشافعي إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس رضعات متفرقات، ~~وذهب أكثر الفقهاء - منهم مالك، وأبو حنيفة - إلى أن قليل الرضاع وكثيره ~~محرم، وقال بعضهم: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~لا تحرم المصة ولا المصتان " (1) . PageV02P324 # ويحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات، وهو قول شاذ. # والظاهر أن عائشة وحفصة إنما كانتا تذهبان إلى عشر رضعات؛ تورعا وتشفيا ~~للخاطر؛ لا من جهة حكم الشرع؛ كما ذكرنا في لبن الفحل. # قال البغوي: " قول عائشة: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما ~~يقرأ في القرآن: أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرأ على ms445 الرسم الأول؛ لأن النسخ لا ~~يتصور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة؛ كالرجم في الزنا حكمه باق مع ارتفاع ~~التلاوة في القرآن، أو أن الحكم يثبت بأخبار الآحاد؛ ويجب العمل به، ~~والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد؛ فلم يجز كتبه بين الدفتين ". انتهى. # وتمامه في كتابنا " إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ "، فليرجع إليه. # أقول: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في هذه المسألة اختلافا كثيرا، وكذلك ~~اختلفت المذاهب، ونحن نعرفك بما هو الحق الذي يجتمع فيه جميع الأدلة فنقول: # أما ما ورد من الرضاع مطلقا من دون تقييد بعدد؛ فالأحاديث الواردة بذكر ~~العدد تفيد تقييده؛ كما هو شأن المطلق والمقيد. # وقد أفاد حديث: " لا تحرم المصة والمصتان، والإملاجة والإملاجتان "، # PageV02P325 # وحديث: " لا تحرم الرضعة الواحدة ": أن الرضعة والرضعتين لا تحرمان، فلو ~~لم يرد إلا هذا؛ لكانت الثلاث مقتضية للتحريم، ولكنه ثبت في " الصحيح " عن ~~عائشة، أنها قالت: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم قالت: خمس رضعات معلومات ~~يحرمن، وصرحت بأن العشر منسوخة بالخمس، وصرحت أيضا بأنه توفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن، وليس من شرط القرآن تواتر النقل ~~على ما هو الحق. # ولو سلم ذلك؛ فالقراءة الآحادية منزلة منزلة أخبار الآحاد. # ولكن ههنا إشكال، وهو أن حديث: " لا تحرم المصة والمصتان "؛ دل بمفهوم ~~العدد على أن الثلاث والأربع يثبت بهما التحريم، وحديث الخمس دل بمفهومه ~~على أنهما لا يحرمان. # وأقول: قد تقرر في علم المعاني والبيان: أن الإخبار بالفعل المضارع يفيد ~~الحصر، وصرح بذلك الزمخشري في " الكشاف "، ولا سيما إذا بني الفعل على ~~المنكر؛ كما هو مقرر في مواطنه، فيكون قد انضم إلى مفهوم العدد في الخمس ~~مفهوم الحصر، فلا يثبت التحريم بدونها. # ويؤيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ حديث سهلة بنت سهيل: أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: " أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه " (1) ، وهذا التركيب في ~~قوة: " إن ترضعيه خمسا تحرمي عليه "، فانضم إلى مفهومي العدد والحصر مفهوم ms446 ~~الشرط، وكما تصلح هذه الأدلة لتقييد مطلق القرآن؛ تصلح أيضا لتقييد ~~PageV02P326 # حديث: " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم "، وحديث: " الرضاعة من ~~المجاعة " (1) ؛ هذا على فرض أن الرضعة والرضعتين تنبت اللحم، فيكون المراد ~~أن المقتضي للتحريم من الرضاع الذي ينبت اللحم، والذي في زمن المجاعة هو ما ~~كان على صفة مخصوصة؛ وهي خمس رضعات. # هذا تقرير الاستدلال على وجه تجتمع فيه الأدلة. # وأما الجواب عن الوجوه التي ذكروها في دفع ما ذكرناه من الأدلة؛ فقد بسطه ~~الماتن - رحمه الله - في " وبل الغمام حاشية شفاء الأوام "، فمن شاء ~~الاطلاع على ذلك؛ فليراجعه. # ( [ ### | لا يثبت حكم الرضاع إلا مع وجود اللبن # ] :) # (مع تيقن وجود اللبن) ؛ لأنه سبب ثبوت حكم الرضاع، فلو لم يكن وجوده ~~معلوما، وارتضاع الصبي منه معلوما؛ لم يكن لإثبات حكم الرضاع وجه مسوغ. # قال في " الحجة البالغة ": # " يعتبر في الإرضاع شيئان: # أحدهما: القدر الذي يتحقق به هذا المعنى، فكان فيما أنزل من القرآن: عشر ~~رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات. # والثاني: أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل، وتشبح صورة الولد؛ ~~PageV02P327 # وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل؛ ~~كالشاب يأكل الخبز ". انتهى. # ( [ ### | لا رضاع إلا ما كان في حولين # ] :) # (وكون الرضيع قبل الفطام) ؛ لحديث أم سلمة عند الترمذي - وصححه -، ~~والحاكم - وصححه أيضا -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي (1) ، وكان قبل الفطام ~~". # وأخرج سعيد بن منصور، والدارقطني، والبيهقي، وابن عدي من حديث ابن عباس؛ ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا رضاع إلا ما كان في ~~الحولين ". # وقد صحح البيهقي وقفه، ورجحه ابن عدي، وابن كثير (2) . # وأخرج أبو داود الطيالسي، من حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام ". # وقد قال المنذري: إنه لا يثبت. PageV02P328 # وفي " الصحيحين " وغيرهما (1) من حديث عائشة، قالت: لما دخل علي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي رجل، ms447 فقال: " من هذا؟ " قلت: أخي من ~~الرضاعة، قال: " يا عائشة {انظرن من إخوانكن؛ فإنما الرضاعة من المجاعة ". # ( [ ### | يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب # ] :) # (ويحرم به ما يحرم بالنسب) ، قد تقدم الاستدلال عليه فيمن يحرم نكاحه - ~~من (كتاب النكاح) -؛ من أم، وأخت، وغيرهما. # ( [ ### | قول المرضعة مقبول # ] :) # (ويقبل قول المرضعة) ؛ لما أخرجه البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحارث: ~~أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما (2) ، ~~قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؟ فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ~~ذلك له، فقال: " وكيف [وقد قيل؟} ] (3) وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ {"، فنهاه. # وفي لفظ: " دعها عنك "، وهو في " الصحيح ". # وفي لفظ آخر: " كيف وقد قيل؟} "، ففارقها عقبة. PageV02P329 # وقد ذهب إلى ذلك: عثمان، وابن عباس، والزهري، والحسن، وإسحاق، والأوزاعي، ~~وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وروي عن مالك. # وأما دفع الحجة بأنها شهدت على تقرير فعلها؛ فهذه قاعدة فقهية لم يرد بها ~~كتاب الله، ولا سنة رسوله. # وهذا الحديث أول حجة يبطلها؛ فكيف يكون الأمر بالعكس؟ ! # وحسبنا الله ونعم الوكيل. # ( [ ### | حكم إرضاع الكبير لتجويز النظر # ] :) # (ويجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر) ؛ لحديث زينب بنت أم ~~سلمة، قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك هذا الغلام الأيفع الذي ما ~~أحب أن يدخل علي} فقالت عائشة: ما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ~~حسنة؟ {وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله} إن سالما يدخل علي ~~وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أرضعيه حتى يدخل عليك "؛ أخرجه مسلم، وغيره. # وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة (1) أيضا. # وقد روى هذا الحديث من الصحابة: أمهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل (2) ، ~~وزينب بنت أم سلمة. PageV02P330 # ورواه من التابعين جماعة كثيرة، ثم رواه عنهم الجمع الجم. # وقد ذهب إلى ذلك: علي، وعائشة، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ~~والليث بن سعد، وابن علية، وداود الظاهري، وابن حزم؛ وهو الحق. # وذهب ms448 الجمهور إلى خلاف ذلك. # قال ابن القيم: # " أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى؛ منهم عائشة، ولم يأخذ به أكثر أهل ~~العلم، وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر ~~وبالحولين لوجوه: # أحدها: كثرتها؛ وانفراد حديث سالم. # الثاني: أن جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - سوى عائشة - في شق ~~المنع. # الثالث: أنه أحوط. # الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما، ولا ينشز عظما، فلا يحصل به ~~البعضية التي هي سبب التحريم. # الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في ~~قصته. # السادس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، # PageV02P331 # فاشتد ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: " انظرن من ~~إخوانكن من الرضاعة؛ فإنما الرضاعة من المجاعة "؛ متفق عليه، واللفظ لمسلم. # وفي قصة سالم مسلك؛ وهو أن هذا كان موضع حاجة؛ فإن سالما كان قد تبناه ~~أبو حذيفة ورباه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد، فإذا دعت الحاجة ~~إلى مثل ذلك؛ فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد. # ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح، والله تعالى أعلم ~~". انتهى. # أقول: الحاصل: أن الحديث المتقدم صحيح، وقد رواه الجم الغفير عن الجم ~~الغفير؛ خلفا عن سلف، ولم يقدح فيه من رجال هذا الشأن أحد، وغاية ما قاله ~~من يخالفه؛ أنه ربما كان منسوخا، ويجاب بأنه لو كان منسوخا لوقع الاحتجاج ~~على عائشة بذلك، ولم ينقل أنه قال قائل به؛ مع اشتهار الخلاف بين الصحابة. # وأما الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إلا في الحولين وقبل الفطام؛ فمع ~~كونها فيها مقال؛ لا معارضة بينها وبين رضاع سالم؛ لأنها عامة وهذا خاص، ~~والخاص مقدم على العام، ولكنه يختص بمن عرض له من الحاجة إلى إرضاع الكبير ~~ما عرض لأبي حذيفة وزوجته سهلة؛ فإن سالما لما كان لهما كالابن، وكان في ~~البيت الذي هما فيه، وفي الاحتجاب مشقة عليهما؛ رخص صلى الله عليه وسلم في ~~الرضاع ms449 على تلك الصفة. # PageV02P332 # فيكون رخصة لمن كان كذلك، وهذا لا محيص عنه. # قال في " المسوى ": # " يجب إحياء المولود بالإرضاع حولين كاملين؛ إلا إذا اجتمع رأي الوالدين ~~عن تشاور منهما؛ على أن الفطام لا يضره؛ فحينئذ يجوز الفطام قبل الحولين، ~~والمرضع يجوز أن تكون الوالدة أو الظئر المسترضعة، فإن لم تتيسر المسترضعة، ~~أو لم يقدر الوالد على استئجارها؛ تعينت الوالدة؛ فإن أرضعت الوالدة؛ فليس ~~لها إلا النفقة والكسوة بالمعروف مما كان بسبب الزوجية، وإن أرضعت الظئر ~~فلها أجرها؛ قال - تعالى -: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس ~~إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك ~~فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله} ~~. # قلت: الظاهر: أن الوالدات تعم المطلقات وغيرها، وقيل: تختص بالمطلقات؛ ~~لأن سياق الآية في قصة المطلقات. # أقول: وحينئذ يؤخذ حكم غير المطلقات بالأولى؛ وقوله: {على المولود له} : ~~يدل على أن الوالدة ما دامت زوجة أو معتدة لا تستحق الأجر، وعليه أبو ~~حنيفة. # وقوله: {على الوارث مثل ذلك} : المراد منه وارث الأب، وهو # PageV02P333 # الصبي؛ أي: مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب. # قوله: {فإن أرادا فصالا} ؛ يعني: قبل الحولين؛ قوله: {أن تسترضعوا} ؛ أي: ~~المراضع؛ {أولادكم} ؛ أي: تأخذوا مراضع لأولادكم. # قوله: {ما آتيتم} ؛ أي: ما أردتم إيتاءه؛ كقوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة} ". انتهى. # PageV02P334 # (9 - ### | باب الحضانة ### | ( [الأولى بحضانة الطفل أمه؛ ما لم تنكح] :) # (الأولى بالطفل أمه ما لم تنكح) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو: أن امرأة ~~قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي ~~له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني؟ فقال: " أنت أحق به ما لم تنكحي (1) "؛ ~~أخرجه أحمد (2) ، وأبو داود، والبيهقي، والحاكم - وصححه -. # وقد وقع الإجماع على أن الأم أولى بالطفل من الأب. # وحكى ابن ms450 المنذر الإجماع على أن حقها يبطل بالنكاح، وقد روي عن عثمان أنه ~~لا يبطل بالنكاح؛ وإليه ذهب الحسن البصري، وابن حزم، واحتجوا ببقاء ابن أم ~~سلمة في كفالتها بعد أن تزوجت بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويجاب عن ذلك؛ بأن مجرد البقاء مع عدم المنازع لا يحتج به؛ لاحتمال أنه ~~لم يبق له قريب غيرها. PageV02P335 # واحتجوا أيضا بما سيأتي في حديث ابنة حمزة؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بأن الحق لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقد قال: " ~~الخالة بمنزلة الأم ". # ويجاب عن هذا؛ بأنه لا يدفع النص الوارد في الأم، ويمكن أن يقال: إن هذا ~~يكون دليلا على ما ذهبت إليه الحنفية؛ من أن النكاح إذا كان لمن هو رحم ~~للصغير (1) ؛ فلا يبطل به الحق، ويكون حديث ابنة حمزة مقيدا لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " ما لم تنكحي ". # (ثم الخالة) أولى بعد الأم ممن عداها؛ لحديث البراء بن عازب في " ~~الصحيحين " وغيرهما: أن ابنة حمزة اختصم فيها (2) علي وجعفر وزيد، فقال ~~علي: أنا أحق بها؛ هي ابنة عمي {وقال جعفر: بنت عمي وخالتها؛ تحتي} وقال ~~زيد: ابنة أخي! فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: " ~~الخالة بمنزلة الأم " (3) ؛ والمراد بقول زيد: ابنة أخي؛ أن حمزة قد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينهما. # ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه قد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن، ~~فمقتضى التشبيه أن تكون الخالة أقدم من غيرها؛ من غير فرق بين الأب وغيره، ~~وقد قيل: إن الأب أقدم منها إجماعا، وليس ذلك بصحيح، والخلاف معروف، ~~والحديث يحج من خالفه. PageV02P336 # قال في " المسوى ": # " إذا فارق الرجل امرأته وبينهما ولد صغير؛ فالأم وأم الأم أولى بالحضانة ~~من الأب: لرواية مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم ابن محمد يقول: ~~كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه ~~فارقها، فجاء عمر بن الخطاب قباء، فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد، ms451 فأخذ ~~بعضده فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه، حتى ~~أتيا أبا بكر الصديق، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني، فقال أبو بكر: ~~خل بينها وبينه، قال: فما راجعه عمر الكلام " (1) . # ( [ ### | الأولى بحضانة الطفل بعد الأم الأب # ] :) # (ثم الأب) ؛ وإن لم يرد بذلك دليل يخصه؛ لكنه قد استفيد من مثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم للأم: " أنت أحق به ما لم تنكحي "؛ فإن هذا يدل على ثبوت ~~أصل الحق للأب بعد الأم، ومن هو بمنزلتها؛ وهي الخالة، وكذلك إثبات التخيير ~~بينه وبين الأم في الكفالة؛ فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة. # وقال في " المسوى ": " روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه، ثم طبق بين الحديث والأثر بأن ~~المولود إذا كان دون سبع سنين؛ فالأم أولى به، وإذا بلغ سبع سنين وعقل عقل ~~مثله؛ خير بين الأبوين؛ سواء كان ذكرا أو أنثى، فأيهما اختاره يكون عنده. ~~PageV02P337 # وأخذ هذا النوع من التطبيق؛ من قضاء علي - رضي الله تعالى عنه -؛ فإنه ~~خير صبيا - كان ابن سبع سنين، أو ثمان سنين - بين الأم والعم، وقال لأخيه ~~الصغير منه: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته. # وقال أبو حنيفة: الأم أحق بالغلام حتى يأكل ويلبس وحده، وبالجارية حتى ~~تحيض، ثم بعد ذلك الأب أحق بهما ". # أقول: الحق أن الحضانة للأم، ثم للخالة؛ للدليل الذي قدمنا، ولا حضانة ~~للأب ولا لغيره من الرجال والنساء؛ إلا بعد بلوغ الصبي سن التمييز، فإن بلغ ~~إليه؛ ثبت تخييره بين الأم والأب (1) ، وإذا عدما كان أمره إلى أوليائه إن ~~وجدوا؛ وإلا كان إلى قرابته الذين ليسوا بأولياء، ويقدم الأقرب فالأقرب. # ولكن ليس هذا الدليل اقتضى ذلك؛ بل لأن حضانة الصبي وكفالة أمره لا بد ~~منه، والقرابة أولى به من الأجانب؛ بلا ريب، وبعض القرابة أولى من بعض، ~~فأحقهم به - بعد عدم من وردت النصوص بثبوت حضانته - هو الأولياء؛ لكون ~~ولاية النظر في مصالحه إليهم، ms452 ومع عدمهم تكون حضانته إلى الأقرب فالأقرب. # هذا ما يقتضيه النظر الصحيح، ومن رام الوقوف على جميع العلل التي علل بها ~~المختلفون في التقديم والتأخير في باب الحضانة؛ فعليه ب " الهدي " لابن ~~القيم، ولكنه لم يترجح لدي إلا ما ذكرته ههنا، وذكره الماتن. PageV02P338 # وقد يقال: إن حديث: " أنت أحق به ما لم تنكحي "؛ يفيد ثبوت أصل الحق في ~~الحضانة للأب بعد الأم، ومن هو بمنزلتها؛ وهي الخالة، فتكون أهل الحضانة ~~الأم، ثم الخالة، ثم الأب. # ( [ ### | الأولى بالطفل قرابته إذا انعدمت الأم والخالة والأب # ] :) # (ثم يعين الحاكم من القرابة من رأى فيه صلاحا) ؛ لأنه إذا عدمت الأم ~~والخالة والأب؛ فالصبي محتاج إلى من يحضنه بالضرورة؛ والقرابة أشفق به، ~~فيعين الحاكم من يقوم به منهم ممن يرى فيه صلاحا للصبي. # وقد أخرج عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: إن امرأة عمر بن الخطاب خاصمته إلى ~~أبي بكر في ولد عليها، فقال أبو بكر: هي أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنى، وهي ~~أحق بولدها ما لم تتزوج. # فهذه الأوصاف تفيد أن أبا بكر جعل العلة: العطف، واللطف، والرحمة، ~~والحنو. # ( [ ### | يخير الصبي بين أبيه وأمه بعد ما يبلغ سن الاستقلال # ] :) # (وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه) ؛ لحديث أبي هريرة ~~عند أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - (1) : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه. PageV02P339 # وفي لفظ (1) : أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب ~~بابني، وقد سقاني من بئر أبي عتبة، وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " استهما عليه "، قال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " هذا أبوك وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت "، فأخذ بيد أمه، ~~فانطلقت به. # أخرجه أهل " السنن "، وابن أبي شيبة؛ وصححه الترمذي، وابن حبان، وابن ~~القطان. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني من حديث عبد ~~الحميد بن جعفر الأنصاري (2) عن جده: أن جده أسلم - وأبت امرأته أن تسلم، ~~فجاء بابن صغير له لم ms453 يبلغ، قال: فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب ههنا ~~والأم ههنا، ثم خيره؛ وقال: " اللهم اهده "؛ فذهب إلى أبيه. # قال ابن القيم: # " الحضانة قضي فيها خمس قضايا: # إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقال: " ~~الخالة بمنزلة الأم "، فتضمن هذا القضاء: أن الخالة قائمة مقام الأم في ~~الاستحقاق، وأن تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية. PageV02P340 # القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ، فاختصم فيه هو وأمه، ~~ولم يسلم، فأجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم الأب ههنا، وأجلس الأم ههنا، ~~ثم خير الصبي وقال: " اللهم {اهده "، فذهب إلى أمه؛ ذكره أحمد. # القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقالت: ابنتي فطيم - أو شبيهه -، وقال رافع: ابنتي، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقعد ناحية " وقال لها: " اقعدي ~~ناحية "، فأقعد الصبية بينهما، ثم قال: " ادعواها "، فمالت إلى أمها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم} اهدها "، فمالت إلى أبيها؛ فأخذها؛ ~~ذكره أحمد. # القضية الرابعة: جاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني ... الخ؛ ~~ذكره أبو داود. # القضية الخامسة: جاءته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: يا رسول الله! إن ~~ابني هذا كان بطني له وعاء ... الخ؛ ذكره أبو داود. # فعلى هذه القضايا الخمس؛ تدور الحضانة؛ وبالله التوفيق ". # (فإن لم يوجد) من له في ذلك حق بنص الشرع (أكفله من كان له في كفالته ~~مصلحة) ؛ لكونه محتاجا إلى ذلك، فكانت المصلحة معتبرة في بدنه كما اعتبرت ~~في ماله. # وقد دلت على ذلك الأدلة الواردة في أموال اليتامى من الكتاب والسنة. # PageV02P341 ### | (الكتاب العاشر: ### | كتاب البيوع # ) # PageV02P343 # (10 - ### | كتاب البيوع # (1 - ### | ### | أنواع البيوع المحرمة # ) ### | ( [المعتبر في صحيح البيع: رضا الطرفين] :) # (المعتبر فيه مجرد التراضي) ، وحقيقة التراضي لا يعلمها إلا الله تعالى. # والمراد هنا: أمارته كالإيجاب والقبول، وكالتعاطي عند القائل به. # وعلى هذا أهل العلم. # (ولو بإشارة) ، وينعقد بالكناية (من قادر على النطق) ms454 ؛ لكونه لم يرد ما ~~يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة، وأنه لا يجوز البيع ~~بغيرها، ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعت منك، وبعتك؛ فإنا لا ~~ننكر أن البيع يصح بذلك، وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها، ولم يرد في ~~ذلك شيء، وقد قال الله - تعالى -: {تجارة عن تراض} ، فدل ذلك على أن مجرد ~~التراضي هو المناط. # ولا بد من الدلالة عليه بلفظ، أو إشارة، أو كناية بأي لفظ وقع، وعلى أي ~~صفة كان، وبأي إشارة مفيدة حصل، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه "، فإذا وجدت طيبة # PageV02P345 # النفس مع التراضي؛ فلا يعتبر غير ذلك. # أقول: هذا غاية ما يستفاد من الأدلة؛ أعني: أن المعتبر في البيع هو مجرد ~~التراضي، والمشعر بالرضا لا ينحصر فيما ذكروه من الألفاظ المخصوصة المقيدة ~~بقيود، بل ما أشعر بالرضا ولو بكناية، أو إشارة، أو معاطاة من دون لفظ ولا ~~ما في معناه؛ فإن البيع عند وجود المشعر بمطلق الرضا بيع صحيح، وعلى مدعي ~~الاختصاص الدليل. # ولا ينفعه في المقام مثل حديث: " إذا بعت "، وحكاية مبايعته - صلى الله ~~عليه وسلم - للأعرابي، وما أشبه ذلك؛ لأنا لا نمنع من إشعار لفظ: (بعت) ~~ونحوه بالرضا، وإنما نمنع دعوى التخصيص ببعض الأفراد التي لا تستفاد إلا من ~~صيغ مخصوصة، ومن ههنا يلوح لك أن قولهم: (لا ربا في المعاطاة) باطل، وهكذا ~~أخواته. # والحاصل: أنا لم نجد في الكتاب والسنة بعد ذكر مطلق البيع إلا قيد الرضا، ~~والأمور المشعرة به أعم من الألفاظ التي اصطلح عليها الفقهاء، فيندرج تحت ~~الرضا كل ما دل عليه؛ ولو إشارة من قادر، وكتابة من حاضر (1) . # ( [ ### | أنواع البيوع المحرمة # ] :) # (1 -[ ### | بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام # ] :) # (ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) ؛ لحديث جابر في ~~PageV02P346 # " الصحيحين " وغيرهما: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن ~~الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ". # (2 -[ ### | بيع الكلب والسنور # ] :) # (والكلب والسنور) ms455 ؛ لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي مسعود؛ قال: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب. # وفيهما (1) أيضا من حديث أبي جحيفة نحوه. # وفي " صحيح مسلم " (2) ، وغيره من حديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن ثمن الكلب والسنور. # وأخرج النسائي بإسناد رجاله ثقات؛ قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ثمن الكلب؛ إلا كلب صيد (3) . PageV02P347 # قال في " المسوى ": # " اختلفوا في بيع الكلب؛ فقال الشافعي: حرام، وقال أبو حنيفة: جائز، ~~ويضمن متلفه ". # (3 -[ ### | بيع الدم # ] :) # (والدم (1)) ؛ لحديث أبي جحيفة في " الصحيحين "، قال: إن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حرم ثمن الدم. ### | 4 - # ( [ ### | عسب الفحل # ] :) # (وعسب الفحل) : وهو ماء الفحل؛ يكريه صاحبه؛ لينزي به: # لما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~ثمن عسب الفحل. # ومثله في " صحيح مسلم " من حديث جابر. # وفي الباب أحاديث. # ورخص (2) في الكرامة؛ وهي ما يعطى على عسب الفحل؛ من غير شرط شيء عليه؛ ~~كذا في " الحجة البالغة ". PageV00P000 # (5 -[ ### | بيع المحرم # ] :) # (وكل حرام) : لما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث جابر: قيل: يا رسول ~~الله {أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح ~~بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام "، ثم قال: # " قاتل الله اليهود} إن الله لما حرم شحومها؛ جملوه (1) ثم باعوه؛ وأكلوا ~~ثمنه ". # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود من حديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم؛ فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله ~~إذا حرم على قوم أكل شيء؛ حرم عليهم ثمنه ". # قال ابن القيم في " الإعلام ": # " وفي قوله: " حرام " قولان: # أحدهما: أن هذه الأفعال حرام. # والثاني: أن البيع حرام؛ وإن كان المشتري يشتريه لذلك. PageV02P349 # والقولان مبنيان على أن السؤال؛ هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور؟ ~~أو عن الانتفاع المذكور؟ والأول اختاره شيخنا، وهو الأظهر (1) ؛ لأنه لم ~~يخبرهم أولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه، وإنما ~~أخبرهم عن ms456 تحريم البيع، فأخبروه أنهم يبتاعونه لهذا الانتفاع، فلم يرخص لهم ~~في البيع، ولم ينههم عن الانتفاع المذكور، ولا تلازم بين جواز البيع وحل ~~المنفعة، والله - تعالى - أعلم ". انتهى. # قلت: والأقرب إلى السنة ما ذهب إليه الماتن. # (6 -[ ### | بيع فضل الماء # ] :) # (وفضل الماء) (2) ؛ لحديث إياس بن عبد: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن بيع فضل الماء؛ رواه أحمد (3) ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه ~~-. # وقال القشيري: هو على شرط الشيخين. # ولحديث جابر عند مسلم، وأحمد، وابن ماجه بنحوه. PageV02P350 # وقد ورد مقيدا في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " لا يمنع ~~فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ ". # وفي لفظ: " لا يباع فضل الماء ليمنع به الكلأ "؛ وهو في " مسلم ". # (7 -[ ### | بيع الغرر # ] :) # (وما فيه غرر كالسمك في الماء) ، وهو استتار عاقبة الشيء، وتردده بين ~~جهتين ممكنتين؛ كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء؛ لحديث أبي هريرة ~~عند مسلم، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر. # وأخرج أحمد من حديث ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غرر " (1) . # وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد رجح البيهقي وقفه، ولكنه داخل في بيع ~~الغرر. # قال في " المسوى ": # " قال مالك: ومن الغرر والمخاطرة: أن يعمد الرجل قد ضلت دابته، أو أبق ~~غلامه، وثمن شيء من ذلك خمسون دينارا، فيقول رجل: أنا آخذه منك بعشرين ~~دينارا؛ فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارا، وإن لم يجده ذهب ~~البائع من المبتاع بعشرين دينار. PageV02P351 # قال مالك: وفي ذلك أيضا عيب آخر؛ أن تلك الضالة إن وجدت؛ لم يدر زادت أم ~~نقصت، أم ما حدث بها من العيوب؟ {وهذا أعظم المخاطرة. # قال مالك: والأمر عندنا: أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإناث ~~من النساء والدواب؛ لأنه لا يدري أيخرج أم لا يخرج؟} فإن خرج لم يدر أيكون ~~حسنا، أم قبيحا، أم تاما، أم ناقصا، أم ذكرا، أم أنثى؟ ! وذلك كله يتفاضل؛ ~~إن ms457 كان على كذا فقيمته كذا، وإن كذا فقيمته كذا ". انتهى (1) . # (8 -[ ### | بيع حبل الحبلة # ] :) # (وحبل الحبلة (2)) : لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ كما في " مسلم "، ~~وغيره من حديث ابن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل ~~الحبلة؛ أخرجه مالك. PageV02P352 # وفي " الصحيحين ": كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة ~~- وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت -؛ فنهاهم ~~عن ذلك. # وقد قيل: إنه بيع ولد الناقة الحامل في الحال. # وقيل: بيع ولد ولدها؛ كما في الرواية. # وقد ورد النهي عن شراء ما في بطون الأنعام؛ كما في حديث أبي سعيد عند ~~أحمد، وابن ماجه، والبزار، والدارقطني، وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه ضعف. # وروى مالك؛ عن سعيد بن المسيب، أنه قال: # لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، ~~والملاقيح، وحبل الحبلة؛ فالمضامين ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح ما في ~~ظهور الجمال. # قلت: وعليه أهل العلم. # قال محمد: هذه البيوع كلها مكروهة، ولا ينبغي مباشرتها؛ لأنها غرر عندنا. # وفي " المنهاج ": # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حبل الحبلة - وهو نتاج النتاج؛ ~~بأن يبيع نتاج # PageV02P353 # النتاج أو بثمن إلى نتاج النتاج -، وعن الملاقيح - وهي ما في البطون -، ~~والمضامين - وهي ما في أصلاب الفحول - ". # (9 -[ ### | بيع المنابذة # ] :) # (والمنابذة) : أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه؛ على ~~غير تأمل، ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا؛ فهذا الذي نهي عنه. # (10 -[ ### | بيع الملامسة # ] :) # (والملامسة) : أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، ولا يتبين ما فيه، أو ~~يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه؛ لحديث أبي سعيد في " الصحيحين "؛ قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة في البيع. # وأخرج نحوه مالك في " الموطإ " من حديث أبي هريرة، وفسرهما بما تقدم. # ولفظ الماتن: الملامسة: لمس ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه، ~~والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون ذلك بيعهما ms458 من غير نظر ~~ولا تراض؛ كذا في الرواية. # وفي الباب عن أنس عند البخاري. # قلت: وعليه أهل العلم. # قال [في] " المحلى ": " والبطلان فيهما لعدم الرؤية، أو عدم الصيغة (1) ، ~~PageV02P354 # أو الشرط الفاسد؛ أي: لا خيار له إذا رآه "؛ كذا في " المسوى ". # (11 -[ ### | بيع المجهول # ] :) # (وما في الضرع، والعبد الآبق، والمغانم حتى تقسم، والثمر حتى يصلح، ~~والصوف في الظهر، والسمن في اللبن) ؛ لحديث أبي سعيد - المتقدم - في النهي ~~عن شراء ما في بطون الأنعام؛ فإن فيه النهي عن بيع ما في ضروعها، وعن شراء ~~العبد الآبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم. # وقد ورد النهي عن بيع المغانم حتى تقسم؛ من حديث ابن عباس عند النسائي، ~~ومن حديث أبي هريرة عند أحمد، وأبي داود. # وقد ورد النهي عن بيع الثمر حتى يطعم (1) ، والصوف على الظهر، واللبن في ~~الضرع، والسمن في اللبن؛ من حديث ابن عباس أيضا عند الدارقطني، والبيهقي؛ ~~وفي إسناده عمر بن فروخ، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. # وأحاديث النهي عن بيع الغرر تشد من عضد جميع ما في هذه الروايات؛ لأن ~~الغرر يصدق على جميع هذه الصور. # وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ نهى البائع والمبتاع. # وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي هريرة. PageV02P355 # وفي " الصحيحين " من حديث أنس نحوه. # قال مالك: # " الأمر عندنا في بيع البطيخ، والقثاء، والخربز (1) ، والخربز: أن بيعه - ~~إذا بدا صلاحه - حلال جائز، ثم يكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره ويهلك. # وليس في ذلك وقت مؤقت، وذلك أن وقته معروف، وربما دخلته العاهة، فقطعت ~~ثمرته قبل أن يأتي ذلك الوقت، فإذا دخلته العاهة بجائحة تبلغ الثلث فصاعدا؛ ~~كان ذلك موضوعا عن الذي ابتاعه ". # (12 -[ ### | بيع المحاقلة # ] :) # (والمحاقلة) : بيع الزرع بكيل من الطعام معلوم. # قال مالك: المحاقلة كراء الأرض بالحنطة. # وقال في " المسوى ": # " المحاقلة: بيع الزرع بعد اشتداد الحب نقيا ". # (13 -[ ### | بيع المزابنة # ] :) # (والمزابنة) : بيع ثمر النخل بأوساق من التمر. # وقال مالك: ms459 PageV02P356 # " المزابنة: اشتراء التمر بالتمر في رؤوس النخل ". # وقال في " المسوى ": # " المزابنة: بيع الثمر على الشجر بجنسه على الأرض. # قال مالك: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، وتفسير ~~المزابنة: أن كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده؛ ~~ابتيع بشيء مسمى من الكيل، والوزن، والعدد. # وذلك أن يقول الرجل للرجل؛ يكون له الطعام المصبر الذي لا يعلم كيله من ~~الحنطة والتمر، أو ما أشبه ذلك من الأطعمة، أو يكون للرجل السلعة من الخبط، ~~أو النوى، أو القضب، أو العصفر، أو الكرسف، أو الكتان، أو القز، أو ما أشبه ~~ذلك من السلع، لا يعلم كيل شيء من ذلك، ولا وزنه، ولا عدده، فيقول الرجل ~~لرب تلك السلعة: كل سلعتك هذه، أو مر من يكيلها، أو زن من ذلك ما يوزن، أو ~~اعدد منها ما كان يعد؛ فما نقص من كذا وكذا صاعا - لتسمية يسميها -، أو وزن ~~كذا وكذا رطلا، أو عدد كذا وكذا؛ فما نقص من ذلك؛ فعلي غرمه حتى أوفيك تلك ~~التسمية، فما زاد على تلك التسمية فهو لي؛ أضمن ما نقص من ذلك على أن يكون ~~لي ما زاد. # فليس ذلك بيعا؛ ولكنه المخاطرة، والغرر والقمار يدخل هذا؛ لأنه لم يشتر ~~منه شيئا بشيء أخرجه، ولكن ضمن له ما سمى من ذلك الكيل أو الوزن أو العدد؛ ~~على أن يكون له ما زاد على ذلك، فإن نقصت تلك السلعة # PageV02P357 # من تلك التسمية؛ أخذ من مال صاحبه ما نقص بغير ثمن أعطاه إياه، وإن زادت ~~تلك السلعة على تلك التسمية؛ أخذ الرجل من مال رب السلعة مالا بغير ثمن ولا ~~هبة، طيبة بها نفسه؛ فهذا يشبه القمار. # وما كان مثل هذا من الأشياء؛ فذلك يدخله. # قلت في " شرح السنة ": والعمل على هذا عند عامة أهل العلم. # والعلة في النهي: أن المساواة بينهما شرط، وما على الشجر لا يحرز بكيل ~~ولا وزن، وإنما يكون تقديره بالخرص، وهو حدس وظن لا يؤمن فيه من التفاوت. # فأما ms460 إذا باع بجنس آخر من الثمار على الأرض أو على الشجر؛ يجوز؛ لأن ~~المماثلة بينهما غير شرط، والتقابض شرط في المجلس، وقبض ما على الأرض ~~بالنقل، وقبض ما على الشجر بالتخلية. # أقول: ومعنى هذا الكلام: أن سبب التحريم هو شبه الربا، ومعنى قول مالك؛ ~~أن سبب التحريم معنى القمار، وكلا الأمرين صحيح ". انتهى. # (14 -[ ### | بيع المعاومة # ] :) # (والمعاومة) : بيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد، والجميع بيع غرر ~~وجهالة. # (15 -[ ### | بيع المخاضرة # ] :) # (والمخاضرة) : بيع الثمرة خضراء قبل بدو صلاحها. # PageV02P358 # دليل ذلك: حديث أنس عند البخاري، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن المحاقلة، والمخاضرة، والمنابذة، والملامسة، والمزابنة. # وفي " الصحيحين " من حديث جابر، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة. # وفي الباب أحاديث. # (16 -[ ### | بيع العربون # ] :) # (والعربون) : هو أن يعطي المشتري البائع درهما أو نحوه قبل البيع؛ على ~~أنه إذا ترك الشراء كان الدرهم للبائع بغير شيء؛ لما أخرجه أحمد، والنسائي، ~~وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع العربون. # ولا يعارض هذا ما أخرجه عبد الرزاق في " مسنده " عن زيد بن أسلم: أنه سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن العربان (1) في البيع؟ فأحله؛ لأن في إسناده ~~إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف؛ وأيضا الحديث مرسل. # قال في " المسوى ": # " قال مالك: وذلك فيما نرى - والله تعالى أعلم -: أن يشتري الرجل العبد، ~~أو الوليدة، أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشتراه منه، أو تكارى ~~PageV02P359 # منه: أعطيتك دينارا، أو درهما، أو أقل، أو أكثر من ذلك؛ على أني إن أخذت ~~السلعة، أو ركبت ما تكاريت منك؛ فالذي أعطيتك من ثمن السلعة، أو من كراء ~~الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة، أو كراء الدابة؛ فما أعطيتك فهو لك بغير ~~شيء. # قلت: وعليه أهل العلم. # في " المنهاج ": ولا يصح بيع العربون؛ بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من ~~الثمن إن رضي السلعة؛ وإلا فهي هبة. # قال [في] ms461 " المحلى " (1) : وعدم صحته لاشتماله على شرط الرد، والهبة إن ~~لم يرض السلعة ". انتهى. # (17 -[ ### | بيع العصير إلى من يتخذه خمرا # ] :) # (والعصير إلى من يتخذه خمرا) ؛ لحديث: " لعن بائع الخمر، وشاربها، ~~ومشتريها، وعاصرها "؛ أخرجه الترمذي، وابن ماجه، ورجاله ثقات؛ من حديث أنس. # وأخرج نحوه أحمد، وابن ماجه، وأبو داود؛ وفي إسناده عبد الرحمن ابن عبد ~~الله الغافقي (2) ، وقد قيل: إنه غير معروف. وقيل: إنه معروف، وهو ~~PageV02P360 # من أمراء الأندلس؛ وصحح الحديث ابن السكن. # وأخرج الطبراني في " الأوسط "، عن بريدة، مرفوعا: # " من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه؛ من يهودي، أو نصراني، أو ممن ~~يتخذه خمرا؛ فقد تقحم النار على بصيرة "؛ وإسناده حسن، كما قال الحافظ (1) ~~. # وأخرجه أيضا البيهقي، وزاد: " أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ". # ويؤيده حديث أبي أمامة عند الترمذي (2) ، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا تبيعوا القينات المغنيات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في ~~تجارة فيهن، وثمنهن حرام ". # وفي الباب أحاديث. # وأخرج مالك، عن ابن عمر: أن رجالا من أهل العراق قالوا له: يا أبا عبد ~~الرحمن {إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب؛ فنعصره خمرا فنبيعها؟ فقال عبد ~~الله بن عمر: إني أشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجن والإنس؛ أني ~~لا آمركم أن تبيعوها، ولا تبتاعوها، ولا تعصروها، ولا تسقوها؛ فإنها رجس من ~~عمل الشيطان. PageV02P361 # قلت: وعليه أهل العلم. # (18 -[ ### | بيع المعدوم بالمعدوم # ] :) # (والكالئ بالكالئ) أي: المعدوم بالمعدوم؛ لحديث ابن عمر عند الدارقطني، ~~والحاكم - وصححه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ ~~بالكالئ. # ولكنه اعترض على الحاكم بأنه وهم في تصحيحه؛ لأن في إسناده موسى بن ~~عبيدة، وهو ضعيف (1) . # ولكنه قد رواه الشافعي، بلفظ: " نهى عن الدين بالدين ". # ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بيع الكالئ بالكالئ؛ دين بدين؛ وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي (2) ~~، وهو ضعيف، وقد قال أحمد فيه: لا تحل الرواية عنه عندي، ولا أعرف هذا ~~الحديث ms462 عن غيره. # وقال: " ليس في هذا أيضا حديث يصح، ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع ~~دين بدين ". انتهى. # يعني: روي الإجماع على معنى الحديث، فشد ذلك من عضده؛ لأنه صار متلقى ~~بالقبول، ويؤيده النهي عن بيع الملاقيح، والمضامين، وحبل الحبلة؛ ~~PageV02P362 # لأن العلة في ذلك هي كونه بيع معدوم. # وتقويه أيضا الأحاديث الواردة في اشتراط التقابض؛ كحديث: " إذا كان يدا ~~بيد "، وهو في " الصحيح "، وحديث: " ما لم تتفرقا وبينكما شيء ". # (19 -[ ### | بيع السلعة قبل قبضها # ] :) # (وما اشتراه قبل قبضه) ؛ لحديث جابر عند مسلم، وغيره، قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: # " إذا ابتعت طعاما؛ فلا تبعه حتى تستوفيه ". # وأخرج مسلم - أيضا - وغيره، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع ~~السلع حتى تستوفى. # وأخرج أحمد من حديث حكيم بن حزام، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ~~إذا اشتريت شيئا؛ فلا تبعه حتى تقبضه "؛ وفي إسناده العلاء بن خالد الواسطي ~~(1) . # وأخرج أبو داود (2) ، والدارقطني، والحاكم، وابن حبان - وصححاه - من ~~PageV02P363 # حديث زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث ~~تبتاع؛ حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. # وفي الباب أحاديث، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. # وفي " الحجة البالغة ": # " قيل: مخصوص بالطعام؛ لأنه أكثر الأموال تعاورا وحاجة، ولا ينتفع به إلا ~~بإهلاكه، فإذا لم يستوفه؛ فربما تصرف فيه البائع، فيكون قضية في قضية. # وقيل: يجري في المنقول؛ لأنه مظنة أن يتغير ويتعيب، فتحصل الخصومة في ~~الخصومة. # وقال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. # وهو الأقيس بما ذكرنا في العلة ". انتهى. # قال في " المسوى ": # " قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا - الذي لا اختلاف فيه -: أنه من ~~اشترى طعاما؛ برا، أو شعيرا، أو سلتا، أو ذرة، أو دخنا، أو شيئا من الحبوب ~~القطنية، أو شيئا مما يشبه القطنية مما تجب فيه الزكاة، أو شيئا من الأدم ~~كلها: الزيت، والسمن، والعسل، والخل، والجبن، واللبن، والشبرق، وما أشبه ~~ذلك من الأدم؛ فإن المبتاع لا يبيع شيئا ms463 من ذلك؛ حتى يقبضه ويستوفيه ". # PageV02P364 # وفي " شرح السنة ": # " اتفق أهل العلم على أن من ابتاع طعاما؛ لا يجوز له بيعه قبل القبض، ~~واختلفوا فيما سواه: # فقال الشافعي، ومحمد: لا فرق بين الطعام، والسلع، والعقار في أن بيع شيء ~~منها لا يجوز قبل القبض. # قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يجوز بيع العقار قبل القبض، ولا يجوز بيع ~~المنقول. # وقال مالك: ما عدا المطعوم؛ يجوز بيعه قبل القبض. # قلت: كان الأمراء يكتبون للناس بأرزاقهم وعطياتهم كتبا، وكان الناس ~~يبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها، ويعطون المشتري الصك ليمضي به ويقبضه؛ فذلك ~~بيع الصكوك ". انتهى. # (20 -[ ### | بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان # ] :) # (والطعام حتى يجري فيه الصاعان) ؛ لحديث عثمان عند أحمد، والبخاري (1) : ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: PageV02P365 # " إذا ابتعت فاكتل، وإذا بعت فكل ". # وأخرج ابن ماجه (1) ، والدارقطني، والبيهقي، من حديث جابر، قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، ~~وصاع المشتري؛ وفي إسناده ابن أبي ليلى. # وفي الباب عن أبي هريرة بإسناد حسن (2) ، وعن غيره بأسانيد فيها مقال. # وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. # (21 -[ ### | بيع الثنيا # ] :) # (ولا يصح الاستثناء في البيع) ؛ مثل أن يبيع عشرة أفراق إلا شيئا؛ لأن ~~فيه جهالة مفضية إلى المنازعة، والمفسد هو المفضي إلى المنازعة. # (إلا إذا كان معلوما) ؛ لحديث جابر عند مسلم وغيره: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى PageV02P366 # عن بيع الثنيا. # وزاد النسائي، والترمذي، وابن حبان - وصححاه -: " إلا أن تعلم " (1) . # والمراد: أن يبيع شيئا ويستثني منه شيئا مجهولا - لا إذا كان معلوما -؛ ~~فيصح. # (ومنه) ؛ أي: من الثنيا المعلومة (استثناء) جابر (ظهر المبيع) ؛ أي: جمله ~~إلى المدينة؛ بعد أن باعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في " الصحيحين ~~"، وغيرهما من حديثه. # قال النووي في " شرح مسلم ": # " الثنيا المبطلة للبيع: قوله: بعتك هذه الصبرة إلا بعضها، أو هذه ~~الأشجار إلا بعضها؛ فلا يصح البيع؛ لأن المستثنى مجهول. # ولو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، ms464 أو إلا ربعها، أو الصبرة إلا ~~ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهما: صح البيع باتفاق العلماء. # ولو باع الصبرة إلا صاعا منها؛ فالبيع باطل عند الشافعي. # وصحح مالك أن يستثني منها ما لا يزيد على ثلثها، وإذا باع ثمرة نخلات ~~واستثنى عشرة آصع للبائع؛ فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والعلماء كافة: بطلان ~~البيع. PageV02P367 # وقال مالك، وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك؛ ما لم يزد على قدر ثلث ~~الثمرة ". # (22 -[ ### | البيع المفرق بين المحارم # ] :) # (ولا يجوز التفريق بين المحارم) ؛ لحديث أبي أيوب، قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " من فرق بين والدة وولدها؛ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ". # أخرجه أحمد، والترمذي، والدارقطني، والحاكم وصححه. # وحديث علي: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أبيع غلامين أخوين؛ ~~فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك له؛ فقال: " أدركهما فارتجعهما، ولا ~~تبعهما إلا جميعا ". # أخرجه أحمد، وقد صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، ~~وغيرهم (1) . # وحديث أبي موسى، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرق بين ~~الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه (2) . # أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، ولا بأس بإسناده. # وحديث علي: أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك، PageV02P368 # ورد البيع (1) . # أخرجه أبو داود، والدارقطني، والحاكم - وصححه -؛ وقد أعل بالانقطاع. # وفي الباب أحاديث. # وقد قيل: إنه مجمع على ذلك؛ وفيه نظر. # أقول: الاختلاف في هذه المسألة - أعني: بيع أمهات الأولاد بين الصحابة - ~~أشهر من نار على علم، وروي عن علي - كرم الله وجهه - الموافقة لعمر ومن معه ~~في عدم جواز بيعهن، ثم صح عنه القول بجواز البيع. # وقد ذكر الماتن في " شرح المنتقى " متمسكات الجميع، فليرجع إليه. # والعجب ممن يزعم أن تحريم البيع قطعي. # وأما المدبر؛ فقد دلت الأدلة الصحيحة على جواز بيعه للحاجة؛ كالدين، ~~والإعواز عن النفقة، ونحوهما. # (23 -[ ### | بيع الحاضر للباد # ] ) # (ولا أن يبيع حاضر لباد) (2) ؛ لحديث ابن عمر، قال: نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن PageV02P369 # يبيع حاضر لباد؛ أخرجه البخاري. ms465 # وأخرج مسلم، وغيره من حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ~~يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ". # وفي " الصحيحين " من حديث أنس، قال: نهينا أن يبيع حاضر لباد؛ وإن كان ~~أخاه لأبيه وأمه. # قلت: وعليه أهل العلم. # وفي " المنهاج ": # " بيع حاضر لباد؛ بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه؛ ليبيعه بسعر ~~يومه، فيقول بلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدريج ". # وفي " الوقاية ": # " كره بيع الحاضر للبادي؛ طمعا في الثمن الغالي زمان القحط ". انتهى. # (24 -[ ### | بيع النجش # ] :) # (والتناجش) : وهو الزيادة في ثمن السلعة عن مواطأة؛ لرفع ثمنها. # وعن ابن عمر عند مالك، قال: النجش: أن تعطيه في السلعة أكثر من ثمنها، ~~وليس في نفسك اشتراء، فيقتدي بك غيرك. # وفي " الصحيحين "، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ~~يبيع حاضر لباد، وأن يتناجشوا # PageV02P370 # وفيهما من حديث ابن عمر، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش. # وأخرجه مالك أيضا. # قلت: وعليه أهل العلم. # وفي " المنهاج ": " ومن المنهي عنه: النجش؛ بأن يزيد في الثمن لا لرغبة؛ ~~بل ليخدع غيره فيشتريها ". # وفي " الوقاية ": " كره النجش ". # (25 -[ ### | بيع المسلم على المسلم # ] :) # (والبيع على البيع) ؛ لحديث ابن عمر عند أحمد، والنسائي، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ". # وهو في " الصحيحين " أيضا بنحو ذلك. # وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا: " لا يبيع الرجل على بيع أخيه ". # وقد ورد أن: " من باع من رجلين؛ فهو للأول منهما " (1) . # أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وحسنه -، وصححه أبو زرعة، ~~وأبو حاتم، والحاكم. # وفي " الموطإ " من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~لا يبع PageV02P371 # بعضكم على بعض ". # قلت: وعليه الشافعي. # وفي " المنهاج ": # " ومن المنهي عنه: البيع على بيع غيره قبل لزومه؛ بأن يأمر المشتري ~~بالفسخ ليبيعه مثله، والشراء على الشراء؛ بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه ~~بأكثر ". # وفي " شرح السنة ": # " عند الحنفية: المراد بالبيع على بيع أخيه: هو ms466 السوم؛ لأن عنده؛ خيار ~~المكان لا يثبت بالبيع، فلا يتصور بعد التواجب بيع الغير عليه ". # (26 -[ ### | الشراء من الركبان # ] :) # (وتلقي الركبان) ؛ بأن يتلقى طائفة يحملون متاعا إلى البلد، فيشتريه منهم ~~قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر، وله الخيار إذا عرف الغبن؛ كذا في " المنهاج ~~"؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يتلقى الجلب، فإن تلقاه إنسان فابتاعه؛ فصاحب السلعة فيها بالخيار؛ إذا ورد ~~السوق. # وفي " الصحيحين " من حديث ابن مسعود، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن تلقي البيوع. # وفيهما أيضا نحو ذلك من حديث ابن عمر، وابن عباس. # PageV02P372 # وفي " الموطإ " من حديث أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بعض، ولا تناجشوا، ولا ~~يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم ". # قلت: وعليه أهل العلم. # ( [ ### | احتكار الطعام حرام # ] :) # (والاحتكار) ؛ لحديث ابن عمر عند أحمد (1) ، والحاكم، وابن أبي شيبة، ~~والبزار، وأبي يعلى مرفوعا: " من احتكر الطعام أربعين ليلة؛ فقد برئ من ~~الله وبرئ الله منه ". وفي إسناده أصبغ بن زيد، وفيه مقال (2) . # وأخرج مسلم (3) ، وغيره من حديث معمر بن عبد الله مرفوعا: " لا يحتكر إلا ~~خاطئ ". PageV02P373 # وأخرج نحوه أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة (1) . # قلت: وعليه أهل العلم. # قال النووي في " شرح مسلم ": # " قال أصحابنا: الاحتكار المحرم: هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن ~~يشتري الطعام في وقت الغلاء، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه. # فأما إذا اشتراه، أو جاء من قرية وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت ~~الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في الوقت؛ فليس باحتكار، ولا ~~تحريم فيه. # وأما غير الأقوات؛ فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال؛ هذا تفصيل مذهبنا ". # وفي " الهداية ": # " يكره الاحتكار في أقوات الآدمي والبهائم؛ إذا كان ذلك في بلد يضر ~~الاحتكار بأهله، ومن احتكر غلة ضيعته أو جلبه من بلد آخر؛ فليس بمحتكر ". # أقول: الحق: أن الأحاديث المطلقة في تحريم الاحتكار مقيدة بالطعام ms467 (2) ، ~~PageV02P374 # فلا يصح ما قيل من تحريم احتكار قوت البهائم؛ والقياس له على قوت الآدمي ~~قياس مع الفارق. # ولا يكون الاحتكار محرما إلا إذا كان لقصد أن يغلي ذلك على المسلمين - ~~كما ورد في حديث أبي هريرة عند أحمد والحاكم -؛ فاعتبار هذا القيد لا بد ~~منه، فمن لم يقصد ذلك؛ لم يحرم عليه الاحتكار. # وظاهره: أن القاصد باحتكاره غلاء الأسعار على المسلمين داخل تحت النهي ~~والوعيد؛ سواء كان بالمسلمين حاجة أم لا؛ لأن هذا القصد بمجرده كاف. # أما إجبار المحتكر على البيع فجائز - إن لم يكن واجبا -؛ لأنه من باب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان على كل مكلف. # ( [ ### | التسعير جائز عند الحاجة # ] :) # (والتسعير) ؛ لحديث أنس عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، ~~والدارمي، والبزار، وأبي يعلى: أن السعر غلا على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله! سعر لنا؛ فقال: " إن الله هو المسعر ~~القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى الله، وليس أحد منكم يطالبني ~~بمظلمة في دم ولا مال "؛ وصححه ابن حبان، والترمذي. PageV02P375 # وفي الباب أحاديث. # وفي " الهداية ": # " ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس؛ فإن كان أرباب الطعام يتحكمون، ~~ويتعدون في القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا ~~بالتسعير؛ فحينئذ لا بأس به؛ بمشورة من أهل الرأي والبصر ". انتهى. # ( [ ### | وضع الجوائح # ] :) # (ويجب وضع الجوائح) ؛ الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال؛ لحديث ~~جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع الجوائح؛ أخرجه أحمد، والنسائي، ~~وأبو داود. # وأخرجه أيضا مسلم بلفظ: أمر بوضع الجوائح. # وفي لفظ لمسلم، وغيره: " إن كنت بعت من أخيك ثمرا، فأصابتها جائحة؛ فلا ~~يحل لك أن تأخذ منه شيئا؛ بم تأخذ مال أخيك؟ ! ". # وفي الباب عن عائشة في " الصحيحين ". # وعن أنس فيهما أيضا. # وقد ذهب إلى ذلك: الشافعي، وأبو حنيفة، والليث، وسائر الكوفيين. # قلت: وهو عند أبي حنيفة على الاستحباب، وعند الشافعي في القديم # PageV02P376 # على الوجوب، وفي الجديد على الاستحباب. # ( [ ### | لا يصح سلف وبيع # ] :) # (ولا يحل سلف ms468 وبيع) ؛ قال مالك: # " وتفسير ذلك: أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا؛ على أن تسلفني ~~كذا وكذا، فإن عقدا بيعهما على هذا؛ فهو غير جائز، فإن ترك الذي اشترط ~~السلف ما اشترط منه؛ كان ذلك البيع جائزا ". # قلت: وعليه أهل العلم. # وفي " شرح السنة ": # " هو أن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشرة دراهم؛ على أن تقرضني عشرة دراهم؛ ~~والمراد بالسلف هنا القرض، فهذا فاسد؛ لأنه جعل العشرة وفق القرض ثمنا ~~للثوب، فإذا بطل الشرط سقط بعض الثمن، وصار ما يبقى من المبيع بمقابلة ~~الباقي مجهولا " (1) . # قال الماتن: قال مالك (2) : هو - أي: السلف هنا - أن تقرض قرضا، ثم ~~تبايعه عليه بيعا يزداد عليه، وهو فاسد؛ لأنه إنما تقرضه على أن تحابيه في ~~الثمن. PageV02P377 # وقد يكون السلف بمعنى السلم، وذلك مثل أن تقول: أبيعك عبدي هذا بألف؛ على ~~أن تسلفني ماله في كذا وكذا. # ( [ ### | لا يصح شرطان في بيع # ] :) # (ولا شرطان في بيع) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا ~~بيع ما ليس عندك ". # أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وكذلك صححه ابن ~~خزيمة، والحاكم. # والشرطان في بيع؛ أن يقول: بعتك هذا بألف إن كان نقدا، وبألفين إن كان ~~نسيئة (1) . # وقيل: هو أن يقول: بعتك ثوبي بكذا؛ وعلي قصارته وخياطته. # وفي " الحجة البالغة ": # " ومعنى الشرطين: أن يشترط حقوق البيع، ويشترط شيئا خارجا منها؛ مثل أن ~~يهبه كذا، أو يشفع له إلى فلان، أو إن احتاج إلى بيعه لم PageV02P378 # يبع إلا منه، ونحو ذلك. # فهذان شرطان في صفقة واحدة ". # ( [ ### | لا يصح بيعتان في بيعة # ] :) # (ولا بيعتان في بيعة) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، والنسائي، وأبي داود، ~~والترمذي - وصححه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين في بيعة. # ولفظ أبي داود: " من باع بيعتين في بيعة؛ فله أوكسهما أو الربا ". # وأخرجه أحمد من حديث عبد الله بن مسعود؛ قال: نهى النبي - صلى ms469 الله عليه ~~وسلم - عن صفقتين في صفقة. # قال سماك: هو الرجل يبيع البيع؛ فيقول: بنسء كذا؛ وبنقد كذا. # ورجاله رجال الصحيح. # وما ذكره سماك: هو معنى البيعتين في بيعة، وقد تقدم تفسير الشرطين في ~~بيعة بمثل هذا؛ وليس بصحيح؛ بل المراد بالشرطين في بيعة: أن البيع واحد شرط ~~فيه شرطان، وهنا البيع بيعان. # قلت: وفي " شرح السنة ": " فسروا البيعتين في بيعة على وجهين: # أحدهما: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا؛ أو بعشرين نسيئة إلى سنة، ~~فهو فاسد عند أكثر أهل العلم. # PageV02P379 # فإذا باعه على أحد الأمرين في المجلس؛ فهو صحيح لا خلاف فيه. # والآخر: أن يقول: بعتك عبدي هذا بعشرين دينارا؛ على أن تبيعني جاريتك؛ ~~فهذا فاسد؛ لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارا، وشرط بيع الجارية، وذلك شرط ~~لا يلزم، وإذا لم يلزم ذلك؛ بطل بعض الثمن، فيصير ما بقي من المبيع في ~~مقابلة الباقي مجهولا. # أما إذا جمع بين شيئين في صفقة واحدة؛ بأن باع دارا وعبدا بثمن واحد؛ فهو ~~جائز، وليس من باب البيعتين في بيعة، إنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين ". # وأما بيع الشيء بأكثر من سعر يومه مؤجلا (1) ؛ فأقول: الزيادة على سعر ~~يوم البيع ليست من الربا في ورد ولا صدر؛ لأن الربا زيادة أحد المتساويين ~~على الآخر، ولا تساوي بين الشيء وثمنه مع اختلاف جنسهما، فلا يصح أن يكون ~~تحريم هذه الصورة لكونها ربا. # فإن قيل: إن تحريمها لكون الزيادة في مقابل التنفيس بالأجل فقط؛ فلا يخفى ~~أن تحريم مثل ذلك مفتقر إلى دليل، والمسألة محتملة للبسط، وقد أفردها ~~الماتن برسالة مستقلة سماها " شفاء العلل " في حكم الزيادة لأجل الأجل ". # ولكن يمكن الاستدلال لهذا المنع بما أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي - ~~وصححه - (2) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P380 # -: " من باع بيعتين في بيعة؛ فله أوكسهما أو الربا ". # وبما أخرجه أحمد، والبزار، والطبراني في " الكبير "، و " الأوسط " عن ~~سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: ms470 نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة. # قال سماك: هو الرجل يبيع المبيع، فيقول: هو بنساء كذا؛ وهو بنقد كذا. # قال في " مجمع الزوائد ": " رجال أحمد ثقات ". # فهذان الحديثان قد دلا على أن الزيادة لأجل النساء ممنوعة، ولهذا قال: " ~~فله أوكسهما أو الربا ". # والأعيان التي هي غير ربوية داخلة في عموم الحديثين. # وقد ذهب الجمهور إلى جواز بيع الشيء بأكثر من بيع يومه لأجل النساء، ~~ونازعوا في دلالة الحديثين المذكورين على محل النزاع. # (وربح ما لم يضمن) ؛ لما تقدم في دليل: " لا يحل سلف وبيع "، وهو أن يبيع ~~شيئا لم يدخل في ضمانه؛ كالبيع قبل القبض. # ( [ ### | لا يصح بيع ما ليس عند البائع # ] :) # (وبيع ما ليس عند البائع) ؛ لحديث حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله! ~~يأتيني الرجل؛ فيسألني عن البيع ليس عندي؛ أبيعه منه ثم أبتاعه # PageV02P381 # من السوق؟ فقال: " لا تبع ما ليس عندك ". # أخرجه أحمد، وأهل " السنن " (1) - وصححه الترمذي - وابن ماجه -. # والمراد بقوله: " ما ليس عندك ": أي: ما ليس في ملكك وقدرتك. # وفي معنى بيع ما ليس عنده: أن يبيع مال غيره بغير إذنه؛ لأنه غرر؛ لا ~~يدري هل يجيزه غيره أو لا؟ وهو قول الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الفضولي، ويكون موقوفا على إجازة المالك. # وبيع القطوط - عند أهل العلم -؛ لا يجوز؛ حتى تصل إلى من كتبت له فيملك، ~~ثم يبيع. # والقط: الصك؛ ومنه قوله - تعالى -: {عجل لنا قطنا} . # ( [ ### | جواز خيار الشرط # ] :) # (ويجوز بشرط عدم الخداع) ؛ لحديث ابن عمر (2) في " الصحيحين "، قال: ذكر ~~رجل (3) لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع؟ فقال: " من ~~بايعت؛ فقل: لا خلابة ". PageV02P382 # وفي الباب أحاديث. # والخلابة: الخديعة، وظاهره أن من قال بذلك ثبت له الخيار؛ سواء غبن أو لم ~~يغبن (1) . # ( [ ### | ثبوت خيار المجلس # ] :) # (والخيار في المجلس ثابت ما لم يتفرقا) ؛ لحديث حكيم بن حزام في " ~~الصحيحين "، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " البيعان بالخيار ما لم ~~يتفرقا ". # وفيهما أيضا نحوه من حديث ابن ms471 عمر. # وأيضا في " الموطإ " من حديث ابن عمر بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " المتبايعان؛ كل واحد منهما بالخيار على صاحبه؛ ما لم يتفرقا؛ ~~إلا بيع الخيار ". # وفي الباب أحاديث. # وقد ذهب إلى إثبات خيار المجلس جماعة من الصحابة؛ منهم: علي PageV02P383 # وأبو برزة الأسلمي، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم. # ومن التابعين: شريح، والشعبي، وطاوس، وعطاء، وابن أبي مليكة؛ نقل ذلك ~~عنهم البخاري. # ونقل ابن المنذر القول به أيضا: عن سعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ~~ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم. # وبالغ ابن حزم فقال: لا يعرف لهم مخالف من التابعين؛ إلا النخعي وحده. # وحكاه صاحب " البحر " أيضا عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. # وذهب الحنفية والمالكية وغيرهم إلى أنها إذا وجبت الصفقة؛ فلا خيار (1) . # والحق: القول الأول. PageV02P384 # (2 - ### | باب الربا # ( [ ### | حكمه # ] :) # قال الله - تعالى -: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} ، وقال: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} ، وقال: {وذروا ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ~~. # واتفق أهل العلم أن الربا من الكبائر، وأنه إذا وقع هذا العقد فهو باطل، ~~ولا يجب إلا رد رأس المال، وإن كان ذو عسرة فحكمه الإنظار إلى الميسرة. # أقول: هذا الحكم يستفاد من كتاب الله - تعالى -، قال - عز وجل -: {وإن ~~تبتم فلكم رؤوس أموالكم} ، ومفهوم الشرط يدل على جواز أخذ مال المربي مع ~~عدم التوبة، ويستدل بهذه الآية أيضا على جواز أخذ ما ربح المربي من الربا، ~~وهو ما زاد على رأس ماله؛ سواء تاب أو لم يتب. # فالحاصل: أن يجوز أخذ جميع ماله: الربح ورأس المال؛ مع عدم التوبة، ويجوز ~~أخذ الربح فقط معها. # ( [ ### | أصول الربويات # ] :) # (يحرم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير # PageV02P385 # بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا مثلا بمثل يدا بيد) ، فإذا ms472 ~~اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، والستة الأجناس ~~المذكورة هي المنصوص عليها في الأحاديث. # كحديث أبي سعيد بلفظ: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، ~~والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح: مثلا بمثل، يدا بيد، فمن ~~زاد أو ازداد فقد أربى (1) ؛ الآخذ والمعطي فيه سواء ". # وهو في " الصحيح "، وسائر الأحاديث في " الصحيحين "، وغيرهما هكذا؛ ليس ~~فيها إلا ذكر الستة الأجناس. # وفي " الحجة البالغة ": # " وتفطن الفقهاء أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة المنصوص ~~عليها، وأن الحكم متعد منها إلى كل ملحق بشيء منها ". PageV02P386 # في " شرح السنة ": # " اتفق العلماء على أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة التي نص الحديث ~~عليها. # وذهب عامتهم إلى أن حكم الربا غير مقصور عليها بأعيانها؛ إنما ثبت لأوصاف ~~فيها، ويتعدى إلى كل ما يوجد فيه تلك الأوصاف. # وذهبوا إلى أن الربا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف؛ وفي الأشياء الأربعة ~~بوصف آخر. # ثم اختلفوا في ذلك الوصف؛ فقال الشافعي: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف ~~النقدية، وقال أبو حنيفة: بعلة الوزن، حتى إن الربا يجري في الحديد والنحاس ~~والقطن. # وقال الشافعي في القديم: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الطعم مع الكيل ~~والوزن؛ كما قال سعيد بن المسيب. # وفي الجديد: ثبت فيها بوصف الطعم فقط، وأثبت في جميع الأشياء المطعومة ~~مثل الثمار، والفواكه، والبقول، والأدوية. # وإنما قال ذلك في الجديد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " الطعام بالطعام ~~مثلا بمثل "؛ علق الحكم باسم الطعام، فدل على أن مأخذ الاشتقاق علة. # وقال أبو حنيفة: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الكيل؛ حتى إن الربا يجري ~~في الجص والنورة ". # PageV02P387 # وسيأتي ما يدفع ذلك كله. # ( [ ### | بيان ما يلحق بأصول الربويات # ] :) # (وفي إلحاق غيرها بها خلاف) ؛ هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة غيرها، ~~فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء؛ مع الاتفاق في الجنس، أو تحريم ~~النساء فقط؛ مع الاختلاف في الجنس والاتفاق في العلة؟ # فقالت الظاهرية: إنه لا يلحق بها غيرها. # ورجحه في " سبل السلام " (1) ؛ وقال: # " قد أفردنا الكلام على ms473 ذلك في رسالة مستقلة سميناها: (القول المجتبى) ". ~~انتهى. # وتفصيل ذلك في " مسك الختام ". # وذهب من عداهم إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة، واختلفوا في العلة ~~ما هي؟ فقيل: الاتفاق في الجنس والطعم، وقيل: الجنس والتقدير بالكيل والوزن ~~والاقتيات، وقيل: الجنس ووجوب الزكاة، وقيل: الجنس والتقدير بالكيل والوزن. # وقد يستدل لمن قال بالإلحاق بما أخرجه الدارقطني (2) ، والبزار، عن ~~PageV02P388 # الحسن؛ من حديث عبادة وأنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما وزن ~~مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك؛ فإذا اختلف النوعان فلا ~~بأس به ". # قد أشار إلى هذا الحديث صاحب " التلخيص " ولم يتكلم عليه، وفي إسناده ~~الربيع بن صبيح؛ وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، قال أحمد: لا بأس به، ~~وقال يحيى بن معين - في رواية عنه -: ضعيف، وفي أخرى: ليس به بأس، وربما ~~دلس، وقال ابن سعد والنسائي: ضعيف، وقال أبو زرعة: شيخ صالح، وقال أبو ~~حاتم: رجل صالح. انتهى. # ولا يلزم من وصفه بالصلاح أن يكون ثقة في الحديث (1) ، وقال في " التقريب ~~": " صدوق سيئ الحفظ ". PageV02P389 # ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث؛ لا سيما في مثل هذا الأمر ~~العظيم؛ فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله - سبحانه وتعالى - على ~~غير الأجناس التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يستلزم ~~الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن القطعيات ~~الشرعية. # ومع هذا؛ فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم والسواد الأعظم، ولم ~~يخالف في ذلك إلا الظاهرية فقط. # وهذا الحديث - كما يدل على إلحاق غير الستة بها -؛ كذلك يدل على أن العلة ~~الاتفاق في الكيل والوزن؛ مع اتحاد الجنس. # ومما يدل على أن الربا يثبت في غير هذه الأجناس: حديث ابن عمر في " ~~الصحيحين "، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة: أن يبيع ~~الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، ~~وإن ms474 كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام؛ نهى عن ذلك كله. # وفي لفظ لمسلم: وعن كل ثمر بخرصه. # فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب (1) ؛ ورواية مسلم ~~تدل على أعم من ذلك. # ومما يدل على الإلحاق ما أخرجه مالك في " الموطإ "، عن سعيد بن ~~PageV02P390 # المسيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان. # وأخرجه أيضا الشافعي، وأبو داود في " المراسيل "، ووصله الدارقطني في " ~~الغريب عن مالك "، عن الزهري، عن سهل بن سعد، وحكم بضعفه، وصوب الرواية ~~المرسلة، وتبعه ابن عبد البر. # وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار، وفي إسناده ثابت بن زهير، وهو ~~ضعيف. # وأخرجه أيضا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضا، وأبو أمية ضعيف. # وله شاهد أقوى منه؛ من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم (1) ، والبيهقي، ~~وابن خزيمة. # ومما يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة، عند الترمذي في رخصة ~~العرايا؛ وفيه: وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمر بخرصه (2) . # ومما يدل على أن المعتبر الاتفاق في الوزن: حديث أبي سعيد عند أحمد، ~~ومسلم، بلفظ: " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق؛ إلا PageV02P391 # وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء ". # وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي من حديث أبي هريرة: " الذهب بالذهب وزنا ~~بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل ". # وعند مسلم، والنسائي، وأبي داود، من حديث فضالة بن عبيد، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الذهب بالذهب؛ إلا وزنا بوزن ". # ومما ورد في اعتبار الكيل: حديث ابن عمر المتقدم وفيه: " وإن كان كرما أن ~~تبيعه بزبيب كيلا "، وما سيأتي قريبا من النهي عن بيع الصبرة لا يعلم ~~كيلها. # أقول: أما اختلاف مثبتي القياس في علة الربا؛ فليس على شيء من هذه ~~الأقوال حجة نيرة، إنما هي مجرد تظننات وتخمينات؛ انضمت إليها دعاوى طويلة ~~بلا طائل. # هذا يقول: العلة التي ذهب إليها ساقه إلى القول بها مسلك من مسالك العلة ~~كتخريج المناط. # والآخر يقول: ساقه ms475 إلى ما ذهب إليه مسلك آخر كالسبر والتقسيم. # ونحن لا نمنع كون هذه المسالك تثبت بمثلها الأحكام الشرعية؛ بل نمنع ~~اندراج ما زعموه علة في هذا المقام تحت شيء منها، فما أحسن الاقتصار على ~~نصوص الشريعة؛ وعدم التكليف بمجاوزتها، والتوسع في تكليفات العباد بما هو ~~تكليف محض. # PageV02P392 # ولسنا ممن يقول بنفي القياس؛ لكنا نقول بمنع التعبد به فيما عدا العلة ~~المنصوصة، وما كان طريق ثبوته فحوى الخطاب. # وليس ما ذكروه ههنا من هذا القبيل؛ فليكن هذا المبحث على ذكر منك؛ تنتفع ~~به في مسائل كثيرة. # قال الماتن - رحمه الله - في كتابه " السيل الجرار ": # " ولا يخفاك أن ذكره صلى الله عليه وسلم للكيل والوزن في الأحاديث؛ لبيان ~~ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها، فكيف كان هذا الذكر سببا ~~لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في ~~الأحاديث؟ {وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك؟} وأي مناط استفيد منها؛ مع العلم ~~أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي؛ كما قال: " مثلا بمثل سواء بسواء "؟ { # وأما الاتفاق في الجنس والطعم كما قال الشافعي، واستدلوا على ذلك بما ثبت ~~في " صحيح مسلم "، وغيره من حديث معمر بن عبد الله، قال: كنت أسمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " الطعام بالطعام مثلا بمثل "، وكان طعامنا يومئذ ~~الشعير؛ فأقول: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الطعام؛ فكان ماذا؟} وأي دليل ~~على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق؟ {وأي فهم يسبق إلى كون ذلك هو العلة ~~المعدية حتى تركب عليها القناطر وتبنى عليها القصور؟} ويقال: هذا دليل على ~~أن كل ما له طعم كان بيعه بما له طعم متفاضلا ربا! مع أن أول ما يدفع هذا ~~الاستدلال الذهب والفضة؛ اللذان هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة ~~بذكر الأجناس التي تحرم فيها الربا. # PageV02P393 # ومما يدفع القولين جميعا: أنه قد ثبت في الأحاديث: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكر العدد؛ كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ: " لا تبيعوا ~~الدينار بالدينارين "، وفي رواية من حديث ms476 أبي سعيد: " ولا درهمين بدرهم "، ~~ولا يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين، ولا من غيرهم. # وقد وافقت المالكية الشافعي في الطعم، وزادت عليه الادخار والاقتيات؛ ~~فوسعوا الدائرة بما ليس بشيء. # والحاصل (1) : أنه لم يرد دليل تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس ~~المنصوص عليها بها ". # ( [ ### | لا ربا مع اختلاف الأجناس # ] :) # (فإن اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدا بيد) ؛ لما ثبت في " ~~الصحيحين " من حديث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~الذهب بالذهب (2) ، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر ~~بالتمر، والملح بالملح؛ مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه ~~الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يدا بيد ". PageV02P394 # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | لا يجوز بيع الشيء بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة # ] :) # (ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي) ؛ لما وقع في الأحاديث ~~الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم: " مثلا بمثل، سواء بسواء، وزنا بوزن ~~"؛ فإن هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الشيء بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة ~~والمساواة، ومما يدل على ذلك حديث جابر عند مسلم، وغيره، قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر - لا يعلم كيلها - بالكيل ~~المسمى من التمر "؛ فإن هذا يدل على أنه لا يجوز البيع إلا بعد العلم. # (وإن صحبه غيره) ؛ أي: لا تأثير لمصاحبة شيء آخر لأحد المثلين؛ لحديث ~~فضالة بن عبيد عند مسلم وغيره؛ قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر ~~دينارا؛ فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، ~~فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: " لا تباع حتى تفصل ". # وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف؛ منهم عمر بن الخطاب، وقال به الشافعي، ~~وأحمد، وإسحاق. # وذهب جماعة منهم الحنفية إلى جواز التفاضل؛ مع مصاحبة شيء آخر إذا كانت ~~الزيادة مساوية لما قابلها (1) . PageV02P395 # ( [ ### | لا يجوز بيع الشيء من المطعوم بجنسه أحدهما رطب والآخر يابس # ] :) # (ولا يبيع الرطب بما كان يابسا) ؛ لحديث ابن ms477 عمر المتقدم في النهي عن أن ~~يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب ~~كيلا، وكذلك حديث رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة - المتقدمان -. # وفي " الموطإ " (1) حديث سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسأل عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أينقص ~~الرطب إذا يبس؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك. # قلت: وعليه الشافعي. # وهذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شيء من المطعوم بجنسه؛ أحدهما رطب ~~والآخر يابس؛ مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، وبيع اللحم الرطب ~~بالقديد، وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وصاحبا أبي ~~حنيفة. # وجوزه أبو حنيفة (2) وحده، ورده بالمتشابه من قوله - تعالى -: {وأحل ~~PageV02P396 # الله البيع وحرم الربا} ، وبالمتشابه من قياس في غاية الفساد، وهو قولهم: ~~الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين؛ وإما أن يكون جنسا واحدا، وعلى ~~التقديرين؛ فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر. # قال ابن القيم: # " وإذا نظرت إلى هذا القياس؛ رأيته مصادما للسنة أعظم مصادمة، ومع أنه ~~فاسد في نفسه - بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا بنية -؛ فهو ~~أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتميزها، ولا يمكن أن يجعل في ~~مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال؛ إذ هو ظن وحسبان، ~~فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس، لو لم تأت به سنة، وحتى لو لم ~~يكن ربا، ولا القياس يقتضيه؛ لكان أصلا قائما بنفسه يجب التسليم والانقياد ~~له، كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة ". انتهى. # ( [ ### | رخص صلى الله عليه وسلم في بيع العرايا # ] :) # (إلا لأهل العرايا) ؛ لحديث زيد بن ثابت عند البخاري، وغيره: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا؛ أن تباع بخرصها كيلا. # وفي لفظ (1) في " الصحيح ": رخص في العرية يأخذها أهل البيت (2) ~~PageV02P397 # بخرصها تمرا يأكلونها رطبا. # وأخرج أحمد (1) ، والشافعي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من حديث ~~جابر، قال: سمعت ms478 رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول - حين أذن لأهل ~~العرايا أن يبيعوها بخرصها -: " الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة ... ". # وفي الباب أحاديث. # والمراد: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للفقراء الذين لا نخل لهم أن ~~يشتروا من أهل النخل رطبا يأكلونه في شجرة بخرصه تمرا. # والعرايا: جمع عرية، وهي في الأصل: عطية ثمر النخل دون الرقبة. # وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ومن خالف فالأحاديث ترد عليه. # قلت: العرية: فعيلة بمعنى مفعولة؛ من عراه يعروه إذا قصده، وهي عقد ~~مقصود. # أو: بمعنى فاعلة من عري يعرى إذا خلع ثوبه كأنها عريت (2) ، وهي: ~~PageV02P398 # بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض، والعنب في الشجر بزبيب فيما دون خمسة ~~أوسق. # وقال محمد (1) : وبهذا نأخذ. # ولفظ البخاري في: (باب تفسير العرايا) (2) : " قال مالك: العرية: أن يعري ~~الرجل الرجل النخلة، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه بتمر. # وقال ابن إدريس (3) : العرية: لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد، ولا ~~تكون بالجزاف. # ومما يقويه قول ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة. # وقال ابن إسحاق: في حديثه عن نافع عن ابن عمر: كانت العرايا؛ أن يعري ~~الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين. # وقال يزيد (4) : عن سفيان بن حسين: العرايا: نخل كانت توهب PageV02P399 # للمساكين؛ فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، رخص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من ~~التمر ". انتهى. # أقول: العرايا؛ أصلها أن العرب كانت تطوع على من لا ثمر له؛ كما يتطوع ~~صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة، وهي عطية اللبن دون الرقبة. # قال الجوهري في " الصحاح ": # " العرية: هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا؛ بأن يجعل له ثمرها ~~عاما؛ من عراه إذا قصده ". انتهى. # فرخص صلى الله عليه وسلم لمن لا نخل لهم أن يشتري الرطب على النخل بخرصها ~~تمرا؛ كما وقع في " الصحيحين " وغيرهما من حديث زيد بن ثابت. # وفي لفظ في " الصحيحين " من حديثه: رخص في العرايا يأخذها أهل البيت ~~بخرصها تمرا؛ يأكلونها رطبا. # وفي لفظ لهما من حديثه: ولم يرخص في غير ذلك. ms479 # فهذا جائز، والذي أخبرنا بتحريم الربا، ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص ~~لنا في العرايا، والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة، ومن منع ذلك؛ فقد تعرض ~~لرد الخاص بالعام، ولرد الرخصة بالعزيمة، ولرد السنة بمجرد الرأي، وهكذا من ~~منع من البيع وجوز الهبة؛ كما روي عن أبي حنيفة - رحمه الله -، ولكن هذه ~~الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة؛ كما وقع ~~في حديث جابر عند الشافعي، وأحمد، وصححه # PageV02P400 # ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (1) ؛ فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك. # ( [ ### | لا يجوز بيع اللحم بالحيوان # ] :) # (ولا بيع اللحم بالحيوان) ؛ لما تقدم (2) قريبا من حديث سعيد بن المسيب ~~عند مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم. # وقال سعيد (3) : من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين. # وقال: نهى عن بيع الحيوان باللحم. # وقال أبو الزناد: كل من أدركت من أهل العلم ينهون عن بيع الحيوان باللحم؛ ~~أي: من جنسه، وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره. # وفي " شرح السنة ": # " ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى تحريمه، وإليه ذهب الشافعي ". # وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلا؛ لكن يتقوى بعمل الصحابة، واستحسن ~~الشافعي مرسل ابن المسيب، وذهب جماعة إلى إباحته، واختارها المزني إذ لم ~~يثبت الحديث، وكان فيه قول متقدم ممن يكون بقوله اختلاف، ولأن الحيوان ليس ~~بمال الربا؛ بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين، فبيع اللحم PageV02P401 # بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه، فيجوز ذلك في القياس؛ إلا أن ~~يثبت الحديث فنأخذ به وندع القياس ". # وقال محمد في " الموطإ ": " وبهذا نأخذ؛ من باع لحما من لحم الغنم بشاة ~~حية؛ لا يدري اللحم أكثر أو ما في الشاة أكثر؟ فالبيع فاسد مكروه، ولا ~~ينبغي، وهذا مثل المزابنة والمحاقلة. # وكذا بيع الزيتون بالزيت، ودهن السمسم بالسمسم ". # أقول: والأحسن عندي أن معنى الحديث: أن يقول للقصاب: كم يخرج من هذه ~~الشاة؟ فيقول القصاب: عشرون رطلا، فيقول: خذ هذه الشاة بعشرين رطلا من ~~اللحم؛ إن خرج أكثر فلك، أو ms480 أقل فعليك. # وهذا نوع من القمار، ورجع الحديث إلى القياس. # ( [ ### | يجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه # ] :) # (ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه) ؛ لحديث جابر عند أحمد، وأهل ~~" السنن " - وصححه الترمذي -؛ قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى عبدا ~~بعبدين. # وأخرجه أيضا مسلم في " صحيحه ". # وأخرج أيضا مسلم، وغيره من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى ~~صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي. # PageV02P402 # وأخرج أحمد (1) ، وأبو داود من حديث ابن عمرو: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره أن يبعث جيشا على إبل كانت عنده، قال فحملت الناس عليها حتى نفذت ~~الإبل وبقيت بقية من الناس، قال: فقلت: يا رسول الله! الإبل قد نفذت، وبقيت ~~بقية من الناس لا ظهر لهم، فقال لي: " ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل ~~الصدقة إلى محلها؛ حتى ينفذ هذا البعث "، قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين ~~وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها؛ حتى نفذت ذلك البعث، فلما جاءت إبل ~~الصدقة أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV02P403 # وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال، وقوى في " الفتح " إسناده. # وأخرج أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي -، وابن الجارود من حديث ~~سمرة قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (1) ~~. # وهو من رواية الحسن عن سمرة، ولم يسمع منه (2) . # وقد جمع الشافعي بين الحديثين؛ بأن المراد به النسيئة من الطرفين؛ فيكون ~~ذلك من بيع الكالئ بالكالئ؛ لا من طرف واحد؛ فيجوز. # وفي " الموطإ " (3) : أن علي بن أبي طالب باع جملا له - يدعى عصيفر - ~~بعشرين بعيرا إلى أجل، وأن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة ~~مضمونة عليه؛ يوفيها صاحبها بالربذة. # وسئل ابن شهاب عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل؟ فقال: لا بأس بذلك. # قال الشافعي: يجوز سواء كان الجنس واحدا أو مختلفا، مأكول اللحم أو غير ~~مأكول اللحم، سواء باع واحدا بواحد أو باثنين. PageV02P404 # وقال أبو حنيفة: لا يجوز. # وفي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة خلاف. ms481 # ( [ ### | لا يجوز بيع العينة # ] :) # (ولا يجوز بيع العينة) لحديث ابن عمر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب ~~البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء؛ فلا يرفعه حتى ~~يراجعوا دينهم ". # أخرجه أحمد (1) وأبو داود، والطبراني، وابن القطان - وصححه -، وقال ~~الحافظ: " رجاله ثقات ". # والمراد بالعينة - بكسر العين المهملة -: بيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل؛ ~~ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن. # ويدل على المنع من ذلك: ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن امرأته: أنها دخلت ~~على عائشة، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت: يا أم المؤمنين {إني بعت ~~غلاما من زيد بن أرقم بثمان مئة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بست مئة نقدا؟ ~~فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت} إن جهاده مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد بطل؛ إلا أن يتوب. PageV02P405 # أخرجه الدارقطني (1) ، وفي إسناده الغالية بنت أيفع. # وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح، وقرر كلامه ابن كثير في " إرشاده ". # وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجوز ذلك ~~الشافعي، وأصحابه. # وقد ورد النهي عن العينة من طرق؛ عقد لها البيهقي في " سننه " بابا. # أقول: أما بيع أئمة الجور وشراؤهم - على وجه التجارة مع رعاياهم -؛ فهذه ~~المسألة قد عمت وطمت وكادت تطبق الأرض، وقد رأينا في كتب التواريخ حكايات ~~عن ملوك مصر من الجراكسة، وذلك من أشدها وأعظمها جرما: أنهم إذا أرادوا بيع ~~شيء لهم؛ أكرهوا التجار على شرائه بأضعاف ثمنه، وإذا أراد أحد منهم ~~الامتناع ضربوه ضربا مبرحا، وأخذوا ماله كرها. # ومن ذلك: أنهم يمنعون الناس من الشراء من أحد من التجار؛ حتى ينفق ما ~~يريدون بيعه من أموالهم، فيرتفع ثمنه لأجل ذلك، وينفق سريعا. # قال الماتن في " حاشية الشفاء ": # " وفي الديار اليمنية من هذا القبيل أنواع: منها: أنهم يرسمون صرف القرش ~~بمقدار محدود من الضربة التي يضربونها من الفضة المغشوشة بالنحاس المغلوبة ~~بالغش؛ على وجه لا تكون ms482 الفضة الخالصة إلا مقدار نصف الفضة التي في القرش، ~~ثم إن الرعايا لا تمتثل هذا الرسم، بل يتعاملون في المصارفة PageV02P406 # بزيادة على ذلك إلى مقدار الثلث أو الربع من ذلك الرسم، فإذا كان النقد ~~خارجا من مال الدولة إلى غيرهم من الأجناد ونحوهم؛ كان على ذلك الرسم ~~الناقص، وإذا كان النقد داخلا إلى أموال الدولة من الرعايا؛ لم يقبلوا منهم ~~إلا القروش الفرانسة، أو الصرف الزائد الذي يتعامل به الرعية فيما بينهم، ~~فيأخذون ثلث أموال الرعية أو ربعها ظلما، وإذا تزايد صرف القروش بين ~~الرعايا؛ أمر الأمراء بكسر السكة، ويضربون ضربة أخرى مثل المكسورة في ~~الخالص والغش، أو أكثر منها غشا، ثم يمنعون التعامل بتلك الضربة الأولى، ~~فيبيعونها الرعايا وزنا من الدولة، فيأتي ثمن القفلة (1) منها بنصف قفلة من ~~الضربة الأخرى، وقد يزيد قليلا، أو ينقص قليلا، ثم يأخذون تلك السكة الأولى ~~ويضربونها على تلك الضربة الأخرى، ويدفعونها إلى الرعايا بصرف قد رسموه، ~~فيأكلون بهذه الذريعة نصف أموال العباد، أو قريبا من ذلك، والرعايا لا ~~يقدرون على الاستمرار على الرسم الذي يرسمونه لهم في صرف القروش من تلك ~~الضربة؛ لأنهم يحتاجون إلى القروش الفرانسة في كثير من الحالات؛ لكونه لا ~~ينفق لهم في المعاملة لتجار سائر الأرض إلا هي. # ومن الأنواع التي يأكلون بها أموال الرعايا أكلا ظاهرا، ويتجرون فيها ~~اتجارا بينا: أنهم يجعلون ضرائب على الباعة في الأسواق؛ يجبرونهم على ~~تسليمها؛ شاءوا أم أبوا، ثم يأذنون لهم بالزيادة في الأسعار، فيبيعون بما ~~شاءوا ويصنعون بالناس ما أرادوا، وليس عليهم إلا الوفاء بالضرائب، فإذا ~~استغاث مستغيث بالناس من زيادة الأسعار، أو أراد منكر أن ينكر على الباعة ~~ما يفعلونه؛ قالوا: هذه الزيادات للدولة؛ فيلقمون المنكر والمستغيث حجرا. ~~PageV02P407 # وكم أعدد لك من هذه الأحبولات الشيطانية، التي هي السحت بلا شك ولا شبهة، ~~نسأل الله أن يصلح الجميع ". انتهى. # ومن هذا القبيل: أنواع المكوس على أهل الدور والتجارات والضرائب المتنوعة ~~التي لا تكاد تنحصر على الرعايا في الأشياء المختلفة، وكل ذلك من ms483 جهة ~~الدول، ولا شكوى في ذلك من الكفرة الفجرة الذين استولوا على أكثر البلاد ~~الإسلامية؛ بل من ملوك الإسلام وولاة المسلمين المدعين للتدين بالدين ~~المحمدي، والله - سبحانه وتعالى - يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # وانظر في كتابنا " إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة "؛ يتضح عليك ~~الحق في هذا الباب من الباطل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # قال الماتن في " حاشية الشفاء ": # " اعلم أن باب المصارفة قد صار في هذه الأزمنة؛ بحيث لا يتمكن من الخلوص ~~عن الدخول به في الربا البحت أحد؛ كما عرفناك فيما سبق ". # ثم إن الناس يحتاجون إلى التعامل بهذه الضربة في تصرفاتهم، ويضطرون إلى ~~المصارفة بها إلى القرش الفرنجي بذلك المقدار المرسوم لهم، فيبيعون الفضة ~~بالفضة مع العلم بالتفاضل، وهذا ربا بحت. # والعارف منهم يستروح إلى حيل قد رآها في كتب الفروع التي لا يرجع غالبها ~~إلى دليل، وهي لا تغني من الحق شيئا. # وها نحن نعرفك بغالب ما يظنونه من الحيل مخلصا لهم من ورطة الربا. # PageV02P408 # فمن ذلك: أن بعض المتفقهة - الذين لا يعرفون لعلوم الاجتهاد رسما - قد ~~أفتاهم بأنه لا ربا في المعاطاة، وأن الصرف الذي يفعله الناس الآن هو ~~معاطاة لعدم وقوع العقد، وهذا المقصر لا يدري بأن أدلة الكتاب والسنة مصرحة ~~بتحريم الربا من غير نظر إلى عقد؛ بل لم يعتبر الله في البيع إلا مجرد ~~الرضا. # ومن ذلك: ما قاله أيضا بعض المصنفين في الفروع؛ أن الغش في كل واحد من ~~البدلين يكون مقابلا للفضة في الآخر، وهذا لا يرضى به عاقل قط، وكيف يرضى ~~العاقل أن يبيع تسع أواقي فضة بأوقية نحاس؟ ! فإن كان مراد هذا القائل أن ~~ذلك مخلص عن الربا - سواء رضي كل واحد من المتبايعين بالبدل أم لم يرض -؛ ~~فهذا جهل لا علم. # ومن ذلك: أن الغش في كل واحد من البدلين يكون جريرة مسوغة للصرف، وهذا ~~يرده حديث القلادة؛ فإنه قد انضم إلى الفضة غيرها، ولم يجعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذلك مسوغا ms484 للبيع، بل أمر بالفصل والتمييز بين الفضتين. # وقد ذكروا غير هذه الأمور؛ مما هو من السقوط بمكان لا يخفى على من له ~~أدنى فطنة. # فإن قلت: فهل من مخلص من هذه الورطة التي وقع الناس فيها؟ # قلت: نعم؛ ثم مخلص أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو ما قاله ~~لمن اشترى تمرا جيدا بتمر رديء؛ أحد التمرين جمع والآخر جنيب، وأخبره أنه # PageV02P409 # اشترى الصاع الجيد بصاعين من الرديء، فقال له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إن ذلك ربا "، فسأل رسول الله: كيف يصنع؟ فقال: إنه يبيع التمر ~~الرديء بالدراهم ثم يشتري بها التمر الجيد: # فهذه وسيلة شرعية ومعاملة نبوية، فمن أراد أن يصرف الدراهم المغشوشة ~~بالقروش الفرنجية؛ فليشتر صاحب الدراهم - مثلا - بمقدار صرف القرش سلعة من ~~صاحب القرش، ثم يبيعها منه بالقرش، ولا مخلص من ذلك إلا هذه الصورة. # ومن ظن أن ثم مخلصا في غيرها؛ فهو مخادع بنفسه بما هو صريح الربا المتوعد ~~عليه بحرب من الله ورسوله. # وعلى الضارب لتلك الدراهم المغشوشة نصيبه من الإثم؛ لأنه حمل الناس على ~~الربا، وألجأهم إلى الدخول فيه، وسن لهم هذه السنة الملعونة لقصد الحطام، ~~وأكل أموال الناس بالباطل. # ولو كان ممتثلا لما أمر الله به من الرفق بالرعية، والعدل في القضية؛ ~~لكان له بضرب الفضة الخالصة عن الغش مندوحة، وأقل أحوال المسلم أن يكون في ~~رعاية مصالح الرعية؛ كالفرنج، فيجعل ضربته كضربتهم، حتى يرتفع الربا في ~~المصارفة ". انتهى. # PageV02P410 # (3 - ### | باب الخيارات # ( [ ### | يجب على البائع بيان العيب # ] :) # (يجب على من باع ذا عيب أن يبينه؛ وإلا ثبت للمشتري الخيار) ؛ لحديث عقبة ~~بن عامر عند ابن ماجه (1) ، والدارقطني، والحاكم، والطبراني - قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب؛ إلا بينه ~~". # وقد حسن إسناده الحافظ في " الفتح ". # وأخرج نحوه أحمد (2) ، وابن ماجه، والحاكم في " المستدرك " من حديث واثلة ~~مرفوعا، وفي إسناده أبو جعفر الرازي، وأبو سباع، والأول مختلف ms485 فيه، والثاني ~~مجهول. PageV02P411 # وأخرج ابن ماجه (1) ، والترمذي، والنسائي، وابن الجارود، والبخاري تعليقا ~~من حديث العداء بن خالد قال: كتب لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله؛ اشترى منه ~~عبدا - أو أمة - (2) ؛ لا داء (3) ، ولا غائلة، ولا خبثة (4) - بكسر الخاء ~~-؛ بيع المسلم المسلم ". # ويؤيد هذه الأحاديث: حديث: " من غشنا فليس منا "؛ وهو في " صحيح مسلم "، ~~وغيره (5) من حديث أبي هريرة. # فدلت هذه الأحاديث على أن من باع ذا عيب ولم يبينه؛ فقد باع بيعا لا يحل ~~شرعا، فيكون المشتري بالخيار؛ إن رضيه فقد أثم البائع وصح البيع؛ ~~PageV02P412 # لوجود المناط الشرعي وهو التراضي، وإن لم يرضه كان له رده؛ لأن العلم ~~بالعيب كشف عن عدم الرضا الواقع حال العقد؛ فلم يوجد المناط الشرعي، ولما ~~ورد في رد المعيب؛ وسيأتي. # ( [ ### | الدخل والمنفعة بضمان الأصل # ] :) # (والخراج بالضمان) ؛ لحديث عائشة - عند أحمد (1) ، وأهل " السنن "، ~~والشافعي - وصححه الترمذي -، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، وابن ~~القطان، وابن خزيمة -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الخراج ~~بالضمان. # وفي رواية: أن رجلا ابتاع غلاما، فاستغله، ثم وجد به عيبا، فرده بالعيب، ~~فقال البائع: غلة عبدي! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الغلة ~~بالضمان ". # والمراد بالخراج: الدخل والمنفعة؛ أي: يملك المشتري الخراج الحاصل من ~~المبيع بضمان الأصل الذي عليه؛ أي: بسببه. # قال مالك - في الرجل يشتري العبد؛ فيؤاجره بالإجارة العظيمة أو القليلة، ~~ثم يجد به عيبا؛ يرد منه -: # " إنه يرده بذلك العيب، وتكون له إجارته وغلته، وذلك الأمر الذي ~~PageV02P413 # كانت عليه الجماعة ببلدنا، وذلك لو أن رجلا ابتاع عبدا، فبنى له دارا ~~قيمة بنيانها ثمن العبد أضعافا، ثم يوجد به عيب يرد منه؛ رده، ولا يحسب ~~للعبد عليه إجارة فيما عمل له ذلك؛ فكذلك تكون له إجارته إذا آجره من غيره ~~لأنه ضامن له ". # قلت: وعليه أهل العلم. # ( [ ### | من حق المشتري الرد إذا تبين له الغرر # ] :) # (وللمشتري الرد بالغرر) ؛ لأن المشتري إنما رضي بالمبيع عند العقد قبل ms486 ~~علمه بالغرر، فإذا تبين له الغرر؛ كشف عن عدم الرضا الذي هو المناط الشرعي. # ( [ ### | التصرية حرام تثبت الخيار للمشتري # ] :) # (ومنه) ؛ أي: من ذلك الغرر (المصراة، فيردها وصاعا من تمر) ؛ فإنه ثبت ~~الخيار فيها بوجود الغرر الكائن بالتصرية، وهو حبس اللبن في الضروع؛ ليخيل ~~للمشتري غزارته فيغتر. # وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك؛ فهو بخير ~~النظرين بعد أن يحلبها؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر ". # وفي رواية مسلم، وغيره: " من اشترى مصراة؛ فهو منها بالخيار ثلاثة أيام ~~(1) ؛ PageV02P414 # إن شاء أمسكها؛ وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر لا سمراء (1) ". # قلت: وعليه الشافعي. # وفي " المنهاج ": " التصرية حرام؛ تثبت الخيار على الفور. # وقيل: يمتد ثلاثة أيام؛ فإن رد بعد تلف اللبن (2) ؛ رد معها صاع تمر. # وقيل: يكفي صاع قوت. # والأصح: أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن ". # وفي " شرح السنة ". # " قال أبو حنيفة: لا خيار له بسبب التصرية، وليس له ردها بالعيب بعد ما ~~حلبها. # وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: يردها ويرد معها قيمة اللبن ". # قال في " الحجة البالغة ": # " واعتذر بعض من لم يوفق للعمل بهذا الحديث بضرب قاعدة من عند نفسه؛ ~~فقال: كل حديث لا يرويه إلا غير فقيه، [إذا] (3) انسد باب الرأي فيه؛ يترك ~~العمل به. PageV02P415 # وهذه القاعدة - على ما فيها -: لا تنطبق على صورتنا هذه؛ لأنه أخرجه ~~البخاري (1) عن ابن مسعود أيضا، وناهيك به {ولأنه بمنزلة سائر المقادير ~~الشرعية يدرك العقل حسن تقدير ما فيه، ولا يستقل بمعرفة حكمه هذا القدر ~~خاصة؛ اللهم إلا عقول الراسخين في العلم ". انتهى. # قال ابن القيم: # " ومنها رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من القياس، ~~وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل، فيقال: الأصول كتاب الله وسنة ~~رسوله وإجماع الأمة والقياس الصحيح والموافق للكتاب والسنة. # فالحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟} هذا من أبطل ~~الباطل، والأصول في ms487 الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله - تعالى -، ~~وكلام رسوله، وما عداهما فمردود إليهما. # فالسنة أصل قائم بنفسه، والقياس فرع؛ فكيف يرد الأصل بالفرع؟ ! # قال الإمام أحمد: إنما القياس أن يقيس على أصل، فأما أن يجيء إلى ~~PageV02P416 # أصل فيهدمه ثم يقيس؛ فعلى أي يقيس؟ { # وقد تقدم بيان موافقة حديث المصراة للقياس، وإبطال قول من زعم أنه خلاف ~~القياس، وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح. # وأما القياس الباطل؛ فالشريعة كلها مخالفة له. # ويا لله العجب} كيف وافق الوضوء - بالنبيذ المشتد - الأصول حتى قبل؛ ~~وخالف خبر المصراة الأصول حتى رد؟ ! ". انتهى. # والحاصل: أنه لم يرد ما يعارض حديث المصراة، ولم تصح الرواية بلفظ: " ~~طعام أو بر "؛ بل الذي صح: الصاع من التمر. # وللحنفية أجوبة عن الحديث كثيرة، ليس على شيء منها أثارة من علم، وقد ~~استوفاها الماتن في " شرح المنتقى "، ودفعها جميعها، ولا نؤثر على نصر ~~الشارع شيئا، بل نقول: إذا تنازع بائع المصراة ومشتريها في قيمة اللبن ~~المستهلك، ورد المشتري صاعا من تمر؛ وجب على البائع قبوله، ولا يجاب إلى ~~غيره ولو كان المثل موجودا. # نعم؛ إذا عدم التمر كان الواجب الرجوع إلى قيمته. # وكذلك إذا تراضى البائع والمشتري على قيمة أخرى؛ كان الرضا له حكمه. # وتمام هذا البحث في شرحنا ل " بلوغ المرام "؛ فليرجع إليه. # (أو ما يتراضيان عليه) ؛ لأن حق الآدمي مفوض إليه، فإذا رضي بأخذ # PageV02P417 # عوض عنه؛ جاز ذلك؛ كما لو رضي بإسقاطه أو أخذ بعضه. # ( [ ### | من خدع في بيعه فله الخيار # ] :) # (ويثبت الخيار لمن خدع) ؛ فإن كان مع شرط عدم الخداع؛ فلا ريب في ذلك ~~(لما تقدم من حديث ابن عمر: أن رجلا كان يخدع في البيوع، فقال له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: " من بايعت فقل: لا خلابة "، وهو في " الصحيحين "، ~~و " الموطأ "، وزاد فيه: # فكان الرجل إذا بايع يقول: لا خلابة. # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لحبان بن منقذ الذي كان يخدع في ~~البيوع خيار ثلاثة أيام؛ كما ms488 في حديث ابن عمر في رواية منه، وكذلك في حديث ~~غيره، وأما إذا لم يشترط؛ فالبيع الذي وقع ليس هو بيع المسلم إلى المسلم؛ ~~بل هو مشتمل على الخبث والخداع والغائلة، فللمخدوع الخيار لكونه كذلك، ~~ولكون الخداع كشفا عن عدم الرضا المحقق، الذي هو المناط؛ كما تقدم تقريره. # قلت: اختلفوا في تفسير هذا الحديث؛ فقال المحلي: " لا خلابة ": عبارة عن ~~اشتراط الخيار ثلاثة أيام. # وفي رواية البيهقي، وابن ماجه: " ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ~~ليال ". # وقال محمد: نرى أن هذا كان لذلك الرجل خاصة؛ يريد أنه خيار الغبن، وليس ~~بمطرد. # PageV02P418 # وفي " شرح السنة ": # " عند أحمد: الخبر عام في حق كافة الناس، إذا ذكر هذه الكلمة في البيع؛ ~~كان له الرد إذا ظهر في بيعه الغبن، وسبيله سبيل من باع واشترى بشرط الخيار ~~". # في " المنهاج ": " لهما ولأحدهما شرط الخيار؛ وإنما يجوز في مدة معلومة، ~~ولا تزيد على ثلاثة أيام ". # ( [ ### | من باع قبل وصول السوق فله الخيار # ] :) # (أو باع قبل وصول السوق) ؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره قال: نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الجلب؛ فإن تلقاه إنسان فابتاعه؛ فصاحب ~~السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق (1) . # وتلقي الجلب: هو أن يقدم ركب بتجارة، فيتلقاه رجل قبل أن يدخلوا البلد ~~ويعرفوا السعر، فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد، وهذا مظنة ضرر للبائع؛ ~~لأنه إن نزل بالسوق كان أغلى له، ولذلك كان له الخيار إذا عثر على الضرر. # ( [ ### | البيعان بالخيار إذا وقع البيع على صورة محرمة # ] :) # (ولكل من المتبايعين - بيعا منهيا عنه - الرد) ؛ كتلك الصور المتقدمة؛ ~~ووجهه: أن النهي إن كان مقتضيا للفساد المرادف للبطلان - كما تقرر في ~~PageV02P419 # الأصول -؛ فوجود العقد كعدمه، وهو غير لازم لواحد منهما، فالرد بالخيار ~~هو بمعنى الرد لما هو غير لازم، وإن كان النهي غير مقتض للفساد؛ فوقوع ~~العقد على صورة من تلك الصور؛ إن رضيه كل واحد منهما؛ فقد حصل المناط ~~الشرعي وهو الرضا، وإن لم يحصل الرضا منهما، أو من أحدهما ms489 لوقوعه على وجه ~~يخالف الشرع؛ فقد فقد المناط. # ( [ ### | من اشترى شيئا ولم يره فله رده إذا رآه # ] :) # (ومن اشترى شيئا لم يره؛ فله رده إذا رآه) ؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: # " من اشترى ما لم يره؛ فله الخيار إذا رآه ". # أخرجه الدارقطني، والبيهقي (1) ، وفي إسناده عمر بن إبراهيم الكردي، وهو ~~ضعيف (2) ولكنهما أخرجا عن مكحول مرسلا، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه؛ ~~وفي إسناده - أيضا - أبو بكر بن أبي مريم (3) ؛ وهو ضعيف (2) ، ومثل هذا لا ~~تقوم به الحجة. # ولكن الخيار في الغالب يمكن الاستدلال عليه بأحاديث النهي عن الغرر؛ فإن ~~ما لم يقف الإنسان على حقيقته لا يخلو عن نوع غرر؛ سواء كان بعناية ~~PageV02P420 # البائع أم لا، وأيضا لا بد من حصول المناط الشرعي وهو التراضي، فإذا لم ~~يرض المشتري بالمبيع عند رؤيته؛ فقد فقد الرضا وعدم المصحح. # ( [ ### | من اشترى شيئا بخيار فله رده # ] :) # (وله رد ما اشتراه بخيار) ، وذلك نحو أن يشتري شيئا على أن له فيه الخيار ~~مدة معلومة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة الواردة في خيار المجلس بلفظ: " ~~كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا؛ إلا بيع الخيار "، وفي لفظ: " إلا أن ~~يكون صفقة خيار "، وهما في " الصحيحين "، وفيهما ألفاظ بهذا المعنى، ولكنه ~~قد اختلف في تفسير بيع الخيار، فقيل هذا، وقيل غيره. # ويؤيد ثبوت خيار الشرط ما تقدم من حديث من كان يخدع في البيوع: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له: " إذا بايعت فقل: لا خلابة "، وفي بعض ~~الروايات: " ولك الخيار ثلاثة أيام "، وقد تقدم ذلك. # ( [ ### | القول للبائع إذا اختلف البيعان # ] :) # (وإذا اختلف البيعان؛ فالقول ما يقوله البائع) ؛ لحديث ابن مسعود - عند ~~أحمد (1) ، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وصححه ~~الحاكم، وابن السكن - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV02P421 # " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة؛ فالقول ما يقول صاحب السلعة؛ أو ~~يترادان ". # وفي لفظ: " والمبيع قائم بعينه ". # وفي لفظ: " إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك؛ فالقول قول البائع ". # وفي لفظ: " ولا بينة ms490 لأحدهما ". # وفي الباب روايات كثيرة؛ قد استوفاها المصنف في " نيل الأوطار ". # وحاصلها يفيد أن القول قول البائع، وقد قيل: إن هذا الحديث مخصص لأحاديث ~~أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين، وسيأتي. # وقيل: بينهما عموم وخصوص من وجه، فظاهر حديث: " القول ما يقول البائع ": ~~أن القول قوله؛ سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، وظاهر حديث: " على المدعي ~~البينة وعلى المنكر اليمين ": أن القول قول المنكر مع يمينه؛ سواء كان ~~بائعا أو غير بائع. # وقد تقرر أنه إذا تعارض عمومان - كما نحن بصدده -؛ وجب المصير إلى ~~الترجيح إن أمكن؛ والترجيح ههنا ممكن، فإن حديث: " على المدعي البينة وعلى ~~المنكر اليمين " أصح من حديث: " فالقول قول البائع "؛ ومقتضى هذا الترجيح: ~~أن القول لا يكون قول البائع؛ إلا إذا كان منكرا غير مدع؛ من غير فرق بين ~~المبيع الباقي والتالف، ولكنه يرشد إلى الجمع ما رواه أحمد (1) في ~~PageV02P422 # " زوائد المسند "، والدارمي، والطبراني من حديث ابن مسعود الذي فيه: " ~~فالقول ما يقول البائع " بزيادة: " والسلعة قائمة "؛ ولكن في إسناد هذه ~~الزيادة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف لسوء حفظه، فلا يصلح ~~للجمع بين الحديثين بها. # وقد اختلف الفقهاء في ذلك اختلافا طويلا. # قال مالك: # " الأمر عندنا في الرجل يشتري السلعة، فيختلفان في الثمن؛ فيقول البائع: ~~بعتكها بعشرة دنانير، ويقول المبتاع: ابتعتها منك بخمسة دنانير: أنه يقال ~~للبائع: إن شئت فأعطها المشتري بما قال، وإن شئت فاحلف بالله ما بعت سلعتك ~~إلا بما قلت. # فإن حلف قيل للمشتري: إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع، وإما أن تحلف ~~بالله ما اشتريتها إلا بما قلت، فإن حلف بريء منها، وذلك أن كل واحد منهما ~~مدع على صاحبه ". # وفي " شرح السنة ": # " ولا فرق عند الشافعي بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة؛ في أنهما ~~PageV02P423 # يتحالفان ويرد قيمة السلعة، وإليه رجع محمد بن الحسن. # وذهب أبو حنيفة إلى أنهما لا يتحالفان بعد هلاك السلعة عند المشتري، بل ~~القول قول المشتري مع يمينه. # فإذا اختلفا في ms491 الأجل أو الخيار أو الرهن أو الضمين؛ فهو عند الشافعي ~~كالاختلاف في الثمن يتحالفان، وقال أبو حنيفة: القول قول من ينفيها (1) ، ~~ولا تحالف عنده إلا عند اختلاف الثمن ". # وفي " الحجة البالغة ": # " القول قول صاحب المال؛ لكن المبتاع بالخيار؛ لأن البيع مبناه على ~~التراضي " (2) . PageV02P424 # (4 - ### | باب السلم # ( [ ### | شروط السلم # ] :) # (1 -[ ### | أن يكون الثمن نقدا # ] :) # (هو) نوع مخصوص من أنواع البيع؛ فلا يجوز أن يكون المالان مؤجلين؛ لأن ~~ذلك هو بيع الكالئ بالكالئ، وقد تقدم المنع منه؛ فلا بد أن يكون رأس المال ~~مدفوعا عند العقد. # (2 -[ ### | أن يقبض الثمن في المجلس # ] :) # (أن يسلم رأس المال في مجلس العقد) ، وقد وقع الاتفاق على أنه يشترط فيه ~~ما يشترط في البيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، وقد شرط في السلم ~~جماعة من أهل العلم شروطا لم يدل عليها دليل. # (3 -[ ### | أن يكون البيع معلوما كيلا أو وزنا إلى أجل معلوم # ] :) # (على أن يعطيه ما يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم) ؛ لما ثبت في " ~~الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: " من أسلف؛ فليسلف في ~~كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ". # PageV02P425 # وأخرج أحمد، والبخاري من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله ابن أبي ~~أوفى، قالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~يأتينا أنباط (1) من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى ~~أجل مسمى؛ قيل: أكان لهم زرع أو لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك. # وفي لفظ لأحمد، وأهل " السنن " - إلا الترمذي -: وما نراه عندهم. # في " شرح السنة ": # " السلف له معنيان في المعاملات: أحدهما: القرض؛ والثاني: السلم. # ومعناه عند الشافعي: لو كان مؤجلا اشترط معرفة الأجل، ولو كان مكيلا أو ~~موزونا؛ اشترط معرفة الكيل أو الوزن، وفهم معرفة الجنس والوصف بالأولى ". # وفي " الوقاية ": # " يصح فيما يعلم قدره وصفته؛ لا فيما لا يعلم قدره وصفته كالحيوان، ~~وشروطه بيان جنسه ونوعه وصفته، ms492 وقدره معلوما، وأجله معلوما، وأقله شهر ". # وفي " الحجة البالغة ": # " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة ~~والسنتين PageV02P426 # والثلاث، فقال: " من أسلف في شيء؛ فليسلف في كيل ووزن إلى أجل معلوم "، ~~وذلك لترتفع المناقشة بقدر الإمكان، وقاسوا عليها الأوصاف التي يبين بها ~~الشيء من غير تضييق، ومبنى القرض على التبرع من أول الأمر، وفيه معنى ~~الإعارة، فلذلك جازت النسيئة وحرم الفضل ". انتهى. # ( [ ### | شروط لم يدل عليها دليل # ] :) # أقول: أما اعتبار الجنس والصفة؛ فليس في الحديث ما يدل عليه، وكذلك ~~اشتراط تعيين المكان ليس في الحديث ما يدل عليه، وإنما اعتبر تعيين هذه ~~الأمور لرفع التشاجر من بعد. # ولا يخفى أن الرجوع إلى النوع المعهود، أو الصفة المعهودة، أو إلى الأوسط ~~من ذلك يرفع التشاجر، وكذلك يرفع التشاجر في تعيين المكان إلى الأصل، وهو ~~عدم وجوب الإيصال على المسلم إليه، والرجوع إلى البلدة التي هي وطنه، أو ~~بلد إقامته؛ يرفع ذلك أيضا. # فالحاصل: أن شروط السلم تعيين الجنس المسلم فيه؛ وكونه معلوما بكيل أو ~~وزن، وكونه إلى أجل معلوم، فهذه ثلاثة شروط، ولم يدل الدليل على اشتراط ~~غيرها. # ( [ ### | إذا عجز البائع عن تسليم المبيع وأقاله المبتاع فله ما دفع إليه # ] :) # (ولا يأخذ إلا ما سماه أو رأس ماله) ؛ لحديث ابن عمر - عند الدارقطني -، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV02P427 # " من أسلف شيئا؛ فلا يشترط على صاحبه غير قضائه " (1) . # وفي لفظ: " من أسلف في شيء؛ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله ". # قال مالك: # " الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى، فحل الأجل، ~~فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاع منه فأقاله؛ فإنه لا ينبغي له ~~أن يأخذ إلا ورقه أو ذهبه، أو الثمن الذي دفع إليه بعينه ". # ( [ ### | لا يتصرف المبتاع بالمبيع إلا بعد تسلمه # ] :) # (ولا يتصرف فيه قبل قبضه) ؛ لما أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أسلم ms493 في شيء؛ فلا يصرفه إلى غيره ~~". # وفي إسناده عطية بن سعيد العوفي، وفيه مقال. PageV02P428 # والمعنى: أنه لا يحل جعل المسلم فيه ثمنا لشيء قبل قبضه (1) ، ولا يجوز ~~بيعه قبل القبض. # وقد اختلف أهل العلم في ذلك. # قال مالك: # " لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه، وذلك أنه إذا أخذ غير ~~الثمن الذي دفع إليه، أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه؛ فهو بيع ~~الطعام قبل أن يستوفى ". # قلت: وعليه أهل العلم. # في " الوقاية ": # " ولم يجز التصرف في رأس المال والمسلم فيه؛ كالشركة والتولية قبل قبضه ~~". # وفي " المنهاج ": # " ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه، ولا الاعتياض عنه " (1) . ~~PageV02P429 # (5 - ### | باب القرض # ( [ ### | يجب على المقترض إرجاع ما اقترضه # ] :) # (يجب إرجاع مثله) ؛ لأنه إذا وقع التعاطي على أن يكون القضاء زائدا على ~~أصل الدين؛ فذلك هو الربا، بل قد ورد ما يدل على أن مجرد الهدية من ~~المستقرض للمقرض ربا؛ كما أخرجه البخاري (1) عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: ~~قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش، ~~فإذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت (2) ؛ ~~فلا تأخذنه فإنه ربا. # ( [ ### | يجوز الإحسان من المقترض للمقرض بدون شرط # ] :) # (ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا) ؛ لحديث جابر في " ~~الصحيحين "، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي عليه دين؛ فقضاني ~~وزادني. # وفي " الصحيحين " أيضا من حديث أبي هريرة، قال: كان لرجل على PageV02P430 # النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل، فجاء يتقاضاه، فقال: " أعطوه "، ~~فطلبوا سنه، فلم يجدوا إلا سنا فوقها، فقال: " أعطوه "، فقال: أوفيتني ~~أوفاك الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن خيركم أحسنكم قضاء ". # وأخرج نحوه مسلم، وغيره من حديث أبي رافع. # وهذا الحديثان - كما يدلان على جواز أن يكون القضاء أفضل -؛ يدلان على ~~أنه يصح قرض الحيوان، وإليه ذهب الجمهور. # ومنع من ذلك الكوفيون (1) . # ( [ ### | يحرم أي نفع يجره ms494 القرض للمقرض # ] :) # (ولا يجوز أن يجر القرض نفعا للمقرض) (2) ؛ لحديث أنس - عند ابن ماجه -: ~~أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة؛ ~~فلا يركبها ولا يقبله؛ إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ". # وفي إسناده يحيى بن إسحاق الهنائي، وهو مجهول، وفي إسناده أيضا ~~PageV02P431 # عتبة بن حميد الضبي، وقد ضعفه أحمد، والراوي عنه إسماعيل بن عياش، وهو ~~أيضا ضعيف (1) . # وقد أخرج البخاري في " التاريخ "؛ من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # " إذا أقرض فلا يأخذ هدية " (2) . # وأخرج البيهقي عن ابن مسعود، وأبي كعب، وعبد الله بن سلام، وابن عباس في ~~" السنن الكبرى " موقوفا عليهم: # إن كل قرض جر منفعة؛ فهو وجه من وجوه الربا ". # وأخرج البيهقي أيضا نحو ذلك في " المعرفة " عن فضالة بن عبيد؛ موقوفا ~~عليه. # وقد تقدم ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن سلام (3) . PageV02P432 # وقد أخرجه الحارث بن أبي أسامة من حديث علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن قرض جر منفعة. # وفي رواية: " كل قرض جر منفعة فهو ربا ". # وفي إسناده سوار بن مصعب، وهو متروك. # وما في الباب من الأحاديث (1) والآثار؛ يشهد بعضها لبعض. PageV02P433 # (6 - ### | باب الشفعة # والأصل فيها دفع الضرر عن الجيران والشركاء. # ( [ ### | ما سبب الشفعة # ؟] :) # (سببها الاشتراك في شيء ولو منقولا) ؛ لعموم الأحاديث الواردة في ذلك؛ ~~كحديث جابر في " البخاري "، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق (1) ؛ فلا شفعة. # وأخرجه أيضا بنحو هذا اللفظ أهل " السنن ". # وحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا قسمت ~~الدار وحدت؛ فلا شفعة فيها ". # أخرجه أبو داود، وابن ماجه، بإسناد رجاله ثقات (2) . # وأخرج مسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم من حديث جابر: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم. # وأخرج البيهقي ms495 من حديث ابن عباس مرفوعا: " الشفعة في كل شيء "، ~~PageV02P434 # ورجاله ثقات؛ إلا أنه أعل بالإرسال (1) . # وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به (2) . # ( [ ### | القسمة تبطل الشفعة # ] :) # (فإذا وقعت القسمة فلا شفعة) ؛ لما في هذه الأحاديث من التصريح بأنها في ~~الشيء الذي لم يقسم، ثم فسر القسمة بقوله: " فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق؛ ~~فلا شفعة ". # فالأحاديث الواردة في مطلق شفعة الجار - كأحاديث: " الجار أحق بسقبه (3) ~~"، وهي ثابتة في " الصحيحين " وغيرهما -؛ مقيدة بعدم القسمة؛ لأن الجار - ~~كما يصدق على الملاصق -؛ يصدق على المخالط. # وأما تقييد شفعة الجار باتحاد الطريق - كما في حديث جابر عند أحمد، ~~PageV02P435 # وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " الجار أحق بشفعة جاره؛ ينتظر بها إن كان غائبا؛ إذا كان طريقهما ~~واحدا " -؛ فهذا الحديث يؤيد ما قلناه من أنه لا شفعة إلا للخليط؛ لأن ~~الطريق إذا كانت واحدة؛ فالخلطة كائنة فيها، ولم تقع القسمة الموجبة لبطلان ~~الشفعة؛ لعدم تصريف الطرق. # فالحق: أن سبب الشفعة هو واحد فقط، وهو الشركة قبل القسمة؛ والخلطة ~~الكائنة بين الشريكين في المشترك بينهما، أو في طريقه، أو في مجاريه، أو ~~منبعه، فما قيل من أن من أسبابها الاشتراك في الطريق، والاشتراك في قرار ~~النهر أو مجاري الماء؛ هو راجع إلى السبب الذي ذكرناه؛ لأن الاشتراك في ~~طريق الشيء، أو في سواقيه؛ هو اشتراك في بعض ذلك الشيء. # والحاصل: أن هذه الأحاديث مخصصة لذلك العموم؛ لأن الظاهر من قوله: " فلا ~~شفعة "؛ أن القسمة مانعة من ثبوت الشفعة؛ سواء كانت القسمة بين المشتري ~~والشفيع، أو متقدمة؛ كما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي. # وقد حقق الماتن المقام في رسالة مستقلة؛ أورد فيها جميع ما ورد في الشفعة ~~من الأدلة، وجمع بينها جمعا نفيسا، فليرجع إليها (1) . PageV02P436 # وقد حكى في " البحر " عن علي، وعثمان، وعمر، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن ~~يسار، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، ~~وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن، والإمامية: أن الشفعة لا ms496 تثبت إلا بالخلطة. # وحكي عن أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن سيرين: أن ~~الشفعة تثبت بالجوار، واستدلوا بالأحاديث الواردة في شفعة الجار. # قال في " شرح السنة ": # " اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع (1) المنقسم؛ إذا باع ~~أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة؛ فللباقين أخذه بالشفعة بمثل الثمن الذي وقع ~~عليه البيع، وإن باع بشيء متقوم من ثوب أو عبد؛ فليأخذ بقيمته. # واختلفوا في ثبوت الشفعة للجار: # قال الشافعي: لا شفعة للجار. # وذهب أبو حنيفة إلى ثبوت الشفعة للجار. # وفي " المنهاج ": " وكل ما لو قسم بطلت منفعته - كحمام ورحى -؛ لا شفعة ~~فيه في الأصح (2) ". PageV02P437 # وفي " الموطإ ": عن عثمان بن عفان: لا شفعة في بئر ولا نخل (1) . # قال في " الحجة البالغة ": " أرى أن الشفعة شفعتان: شفعة يجب على المالك ~~أن يعرضها على الشفيع، فيما بينه وبين الله، وأن يؤثره على غيره، ولا يجبر ~~عليها في القضاء، وهي للجار الذي ليس بشريك. # وشفعة يجبر عليها في القضاء، وهي للجار الشريك فقط، وهذا وجه الجمع بين ~~الأحاديث المختلفة في الباب ". انتهى. # والحق ما قدمناه. # ( [ ### | بيان أنه لا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه # ] :) # (ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه) ؛ لحديث جابر عند مسلم وغيره: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم - ربعة أو ~~حائط -؛ لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن ~~باعه ولم يؤذنه؛ فهو أحق به. # ( [ ### | لا تبطل الشفعة بالتراخي # ] :) # (ولا تبطل بالتراخي) ؛ لما في الأحاديث الواردة في الشفعة من الإطلاق. # وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ: " لا شفعة لغائب ~~PageV02P438 # ولا لصغير، والشفعة كحل العقال ": ففي إسناده محمد بن عبد الرحمن ~~البيلماني، وهو ضعيف جدا، وقال ابن حبان: لا أصل للحديث، وقال أبو زرعة: ~~منكر، وقال البيهقي: ليس بثابت، ولا يصح تأييد هذا الحديث الباطل بما روي ~~من قول شريح؛ فإنه لا حجة في ذلك. # على أن هذا الحديث ms497 قد اشتمل على ثلاثة أحكام: نفي شفعة الغائب، ونفي شفعة ~~الصغير، واعتبار الفور، وقد هجر ظاهره في الحكمين الأولين، فكان ذلك مفيدا ~~لترك الاحتجاج به في الحكم الثالث، على فرض أنه غير باطل. # والحاصل: أنه ليس في اشتراط الفورية ما يصلح متمسكا كما لا يخفى على ~~عارف، وقد ثبتت الشفعة بتلك الأحاديث الصحيحة، فتقييد الثبوت بقيد لا دليل ~~عليه مستلزم لإبطال ما يستفاد من أحاديث الثبوت من الإطلاق بدون حجة؛ وذلك ~~باطل. # فالحق: أن الشفعة لا تبطل بالتراخي؛ لأن دفع الضرر الذي شرعت لأجله لا ~~يختص بوقت دون وقت. # وما قيل من أن إثباتها مع التراخي يستلزم الإضرار بالمشتري - لأن ملكه ~~يكون معلقا -: ممنوع، والسند أن ملكه مستقر يتصرف به كيف يشاء، غاية ما ~~هناك أن للشفيع حقا؛ متى طلبه وجب، وليس ذلك من التعليق في شيء، ولا إضرار ~~في ذلك بحال (1) . PageV02P439 # (7 - ### | باب الإجارة # ( [ ### | الأدلة على مشروعية الإجارة # ] :) # قال الله - تعالى في قصة موسى وشعيب - عليهما السلام - {قالت إحداهما يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} ، وقال - تعالى: {وإن أردتم ~~أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} . # في هذه الآية مشروعية الإجارة مطلقا، ومشروعية الإجارة بتسليم نفسه ~~للخدمة، وعليه أهل العلم، وتدل أيضا على أنه إن أطلق الخدمة؛ فهي محمولة ~~على المتعارف، ولا يضرها الجهالة في الجملة؛ لأن الإرضاع والرعي لا يضبتان ~~حق الضبط. # (تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي) ؛ لإطلاق الأدلة الواردة في ~~ذلك؛ كحديث أبي سعيد، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استئجار ~~الأجير حتى يبين له أجره. # أخرجه أحمد (1) ؛ ورجال إسناده رجال الصحيح. PageV02P440 # وأخرجه أيضا البيهقي، وعبد الرزاق، وإسحاق في " مسنده "، وأبو داود في " ~~المراسيل "، والنسائي في (المزارعة) ؛ غير مرفوع (1) . # ولفظ بعضهم: " من استأجر أجيرا؛ فليسم له أجرته ". # ولإطلاق حديث أبي هريرة - عند البخاري، وأحمد، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " يقول الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت ms498 ~~خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ورجل استأجر ~~أجيرا؛ فاستوفى منه ولم يوفه أجره " (2) . # وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم دليلا عند هجرته إلى المدينة؛ كما ~~في " البخاري " وغيره. # وثبت في حديث أبي هريرة عند البخاري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم "، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: " نعم؛ كنت ~~أرعاها على قراريط لأهل مكة ". # وأخرج أحمد (3) ، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث سويد بن قيس، ~~قال: جلبت أنا ومخرمة (4) العبدي بزا من هجر، فأتينا به مكة، PageV02P441 # فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، فساومنا سراويل فبعناه، وثم ~~رجل يزن بالأجر، فقال له: " زن وأرجح ". # وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر قدر أجرته؛ بل أعطاه ما يعتاده في ~~مثل ذلك، وقد كان الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يؤجرون أنفسهم في عصره ~~صلى الله عليه وسلم، ويعملون الأعمال المختلفة، حتى إن عليا آجر نفسه من ~~امرأة على أن ينزع لها كل ذنوب بتمرة، فنزع ستة عشر ذنوبا، حتى مجلت (1) ~~يداه، فعدت له ست عشرة تمرة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأكل ~~معه منها؛ أخرجه أحمد (2) من حديث علي بإسناد جيد. # وأخرجه أيضا ابن ماجه، وصححه ابن السكن. # وأخرجه البيهقي (3) ، وابن ماجه من حديث ابن عباس: أن عليا آجر نفسه من ~~يهودي؛ يسقي له كل دلو بتمرة. PageV02P442 # وأما المانع الشرعي؛ فهو مثل الصور التي سيأتي ذكرها. # ( [ ### | مشروعية تقدير الأجرة عند الاستئجار # ] :) # (وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار) ؛ لحديث أبي سعيد المتقدم. # ( [ ### | إذا لم تقدر الأجرة عند الاستئجار فله أجرة مثيله # ] :) # (فإن لم تكن) أجرته (كذلك) ؛ أي: معلومة (استحق الأجير مقدار عمله عند ~~أهل ذلك العمل) ؛ لحديث سويد بن قيس السابق، ولكون ذلك هو الأقرب إلى ~~العدل. # وأما أجرة القسام فأقول: القسام أجير كسائر الأجراء، يستحق أجرته ممن عمل ~~له، فإن كانت مسماة لم يستحق سواها، وإن كانت غير مسماة كانت له [أجرة] (1) ~~مثله على حسب ms499 العمل، ولكنه لا يجعل له من الأجرة ما يجعل لمن يزاول الأعمال ~~الوضيعة؛ لأن مرجع صناعة القسمة إلى العلم، وهو أشرف صناعة دينا ودنيا، ولا ~~يجعل له ما يجعل للقسامين في هذا العصر من الأجرة؛ التي تكاد تبلغ إلى ~~مقدار نصيب بعض المقتسمين، فإن ذلك من الظلم البحت، بل يسلك به مسلكا وسطا، ~~وتكون الأجرة على مقدار الأنصباء، فيكون على كل واحد من الشركاء بمقدار ~~نصيبه. # وأما ما يروى عن بعض أهل العلم؛ أن أجرة القسام تكون نصف عشر التركة، أو ~~ربع عشرها؛ فمجازفة لا ترجع إلى دليل؛ بل إعانة لظلمة القسامين على أكل ~~أموال الناس بالباطل، ولقد تفاحش كثير من الحكام PageV02P443 # ونوابهم في هذا الأمر، وصنعوا صنيع من لا يخشى تبعة في الدنيا والآخرة، ~~نسأل الله السلامة! # مع أن من كان منهم يأخذ مقررا من بيت المال؛ لا يستحق على القسمة شيئا من ~~الأجرة؛ لأنه قد صار مستغرق المنافع، فكما أنه لا يأخذ أجرة على قضائه؛ ~~كذلك لا يأخذ أجرة على القسمة؛ لأن الكل من مصالح المسلمين؛ التي أخذ نصيبا ~~من بيت المال في مقابلة القيام بها بحسب طاقته. # ( [ ### | كسب الحجام مكروه وأجرة الكاهن والزانية حرام # ] :) # (وقد ورد النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن) ؛ لحديث أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن ~~الكلب. # أخرجه أحمد (1) برجال الصحيح. # وأخرجه أيضا الطبراني في " الأوسط ". # ومثله من حديث رافع بن خديج عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، والترمذي - ~~وصححه -، وهو أيضا في " صحيح مسلم " (2) . # وفي " الصحيحين "، وغيرهما، عن أبي مسعود البدري، قال: نهى النبي ~~PageV02P444 # صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن. # (وعسب الفحل) ، وقد تقدم الكلام على ثمن الكلب، وعلى عسب الفحل في البيع. # والمراد بمهر البغي: ما تأخذه الزانية على الزنا، والمراد بحلوان الكاهن: ~~عطية الكاهن لأجل كهانته، والحلوان بضم الحاء المهملة: مصدر حلوته إذا ~~أعطيته. # وقد استدل بما تقدم بعض أهل الحديث، فقال: إنه يحرم كسب الحجام، ms500 وقد ورد ~~في معنى ما تقدم أحاديث، وفي بعضها التصريح (1) بأنه خبيث وأنه سحت. # وذهب الجمهور إلى أنه حلال لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم احتجم؛ حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلم ~~مواليه فخففوا عنه (2) . # وفيهما أيضا من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم؛ وأعطى ~~الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه (3) . # والأولى الجمع بين الأحاديث؛ بأن كسب الحجام مكروه غير حرام؛ إرشادا منه ~~صلى الله عليه وسلم إلى معالي الأمور، ويؤيد ذلك حديث محيصة بن مسعود - عند ~~أحمد، PageV02P445 # وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات (4) -: أنه كان له ~~غلام حجام، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن كسبه، فقال له: ألا أطعمه ~~أيتاما لي؟ قال: " لا "، قال: أفلا أتصدق به؟ قال: " لا "، فرخص له أن ~~يعلفه ناضحه. # فلو كان حراما بحتا؛ لم يرخص له أن يعلفه ناضحه، ويستفاد منه أن إعطاءه ~~صلى الله عليه وسلم الحجام لا يستلزم أن يأكله أهله، حتى لا تتعارض ~~الأحاديث، فقد يكون مكروها لهم، ويكون وصفه بالسحت والخبث مبالغة في ~~التنفير. # وقد يمكن الجمع؛ بأن المنع عن مثل ما منع منه محيصة، والإذن بمثل ما أذن ~~له ورخص له فيه (1) . PageV02P446 # ( [ ### | نهى صلى الله عليه وسلم عن أجر المؤذن # ] :) # (وأجر المؤذن) ؛ لحديث عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لعثمان بن أبي العاص: " واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا "، وفي لفظ: " ~~لا تتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا "، والحديث في " الصحيح " (1) . # ( [ ### | نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان # ] :) # (وقفيز الطحان) ؛ لحديث أبي سعيد، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن قفيز الطحان. # أخرجه الدارقطني، والبيهقي؛ وفي إسناده هشام أبو كليب (2) ؛ قيل: لا ~~يعرف، وقد أورده ابن حبان في " الثقات "، ووثقه مغلطاي. # وقفيز الطحان: هو أن يطحن الطعام بجزء منه. # وقيل: المنهي عنه طحن الصبرة (3) - لا يعلم قدرها - بجزء منها. ~~PageV02P447 # ( [ ### | جواز الاستئجار على تلاوة القرآن # ] :) # (ويجوز ms501 الاستئجار على تلاوة القرآن (1)) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري، ~~وغيره (2) : أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم ~~لديغ، أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق، فإن في ~~الماء رجلا لديغا أو سليما؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، ~~فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا؟ ~~{حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله} أخذ على كتاب الله أجرا! فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ". # وفي لفظ من حديث أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أصبتم؛ ~~اقتسموا واضربوا لي معكم سهما "، وضحك النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث ~~في " الصحيحين " بألفاظ. # وفي حديث خارجة بن الصلت، عن عمه؛ في رقية المجنون بفاتحة الكتاب: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خذها؛ فلعمري؛ من أكل برقية باطل؛ فقد ~~أكلت برقية حق ". # أخرجه أحمد (3) ، وأبو داود، والنسائي. PageV02P448 # ( [ ### | عدم جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن # ] :) # (لا على تعليمه) ، لحديث أبي بن كعب، قال: علمت رجلا القرآن، فأهدى لي ~~قوسا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: " إن أخذتها أخذت قوسا من ~~نار "؛ فرددتها. # أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وقد أعل بالانقطاع، وتعقب، وأعل أيضا بجهالة ~~بعض رواته، وتعقب (1) . # وله شاهد عند الطبراني من حديث الطفيل بن عمرو الدوسي، قال: أقرأني أبي ~~بن كعب القرآن، فأهديت إليه قوسا، فغدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد ~~تقلدها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " تقلدها من جهنم ". # وعلى هذا يحمل حديث عبد الرحمن بن شبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: " اقرؤوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا ~~تستكثروا به "؛ أخرجه أحمد (2) برجال الصحيح. # وأخرجه أيضا البزار، وله شواهد (3) . PageV02P449 # وحديث عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقرؤوا القرآن، ~~واسألوا الله به؛ فإن من بعدكم قوما يقرؤون ms502 القرآن يسألون الناس به "؛ ~~أخرجه أحمد، والترمذي - وحسنه -. # وفي الباب أحاديث. # ووجه المنع من أخذ الأجرة على تعليمه: أن ذلك من تبليغ الأحكام الشرعية؛ ~~وهو واجب، وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، وأصحابه، وأبو حنيفة، وبه قال ~~عطاء، والضحاك، والزهري، وإسحاق، وعبد الله بن شقيق. # هذا؛ وقد مال الماتن في " حاشية الشفاء " إلى أن الجمع مقدم على الترجيح؛ ~~قال: # " لأن حديث: " أحق ما أخذتم عليه أجرا القرآن " عام يصدق على التعليم، ~~وأخذ الأجرة على التلاوة لمن طلب من القارئ ذلك، وأخذ الأجرة على الرقية، ~~وأخذ ما يدفع إلى القارئ من العطاء لأجل كونه قارئا، ونحو ذلك؛ فيخص من هذا ~~العموم تعليم المكلف، ويبقى ما عداه داخلا تحت العموم، وبعض أفراد العام ~~فيه أدلة خاصة تدل على جوازه؛ كما دل العام على ذلك. # فمن تلك الأفراد: " أخذ الأجرة على الرقية، وتعليم المرأة في مقابلة ~~مهرها؛ فهكذا ينبغي تحرير الكلام في المقام. # والمصير إلى الترجيح من ضيق العطن، ولا سيما لما لا مدخل له فيما نحن ~~بصدده؛ كما زعمه المصنف، والمقبلي. # PageV02P450 # وبهذا تعلم أن ما ساقه في أدلة القائلين بجواز أخذ الأجرة على التعليم من ~~حديث الرقية؛ لا دلالة فيه على المطلوب ". # ( [ ### | جواز كراء العين مدة معلومة بأجرة معلومة # ] :) # (و) يجوز (أن يكري العين مدة معلومة بأجرة معلومة) ؛ لما ورد من إكراء ~~الأراضي في عصره - صلى الله عليه وسلم -، كحديث رافع بن خديج في " الصحيحين ~~"، قال: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، ~~فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالورق فلم ينهنا. # وفي لفظ مسلم، وغيره: فأما شيء معلوم مضمون؛ فلا بأس به. # وسائر الأعيان لها حكم الأرض. # وفي " شرح السنة ": # " ذهب عامة أهل العلم إلى جواز كراء الأرض بالدراهم والدنانير وغيرها من ~~صنوف الأموال؛ سواء كان مما تنبت الأرض أولا تنبت؛ إذا كان معلوما بالعيان ~~أو بالوصف، كما يجوز إجارة غير الأراضي من العبيد والدواب وغيرها، وجملته: ~~أن ما جاز ms503 بيعه جاز أن يجعل أجرة ". # قال محمد: لا بأس بكراء الأرض بالذهب والورق، وبالحنطة كيلا معلوما؛ ~~وضربا معلوما، ما لم يشترط ذلك مما يخرج منها، فإن اشترط مما يخرج منها ~~كيلا معلوما؛ فلا خير فيه، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. # PageV02P451 # ( [ ### | جواز كراء الأرض بأجرة معلومة # ] :) # (ومن ذلك الأرض لا بشطر ما يخرج منها) ؛ لأن أحاديث: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من تمر أو زرع - وإن كانت ثابتة في " ~~الصحيحين " وغيرهما -؛ فهي منسوخة بمثل حديث رافع - المتقدم -، (1) وما ورد ~~في معناه. # وفي المسألة مذاهب متنوعة، وأدلة مختلفة، واجتهادات مضطربة، قد أوضحها ~~الماتن في " شرح المنتقى "، وفي رسالة مستقلة، وذكرتها في " مسك الختام ". # ومن أصرح أحاديث النهي: حديث جابر - عند مسلم وغيره -، قال: كنا نخابر ~~(2) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصيب من القصري (3) ومن كذا ~~ومن كذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من كانت له أرض؛ فليزرعها أو ~~ليحرثها أخاه؛ وإلا فليدعها ". PageV02P452 # وفي حديث سعد بن أبي وقاص: أنه نهاهم أن يكروا بذلك، وقال: " أكروا ~~بالذهب والفضة "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، ورجاله ثقات (1) . # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة نحو حديث جابر. # وفي " الحجة البالغة ": # " اختلف الرواة في حديث رافع اختلافا فاحشا، وكان زيادة وجوه التابعين ~~يتعاملون بالمزارعة، ويدل على الجواز حديث معاملة أهل خيبر. # وأحاديث النهي عنها محمولة على الإجارة بما على الماذيانات، أو قطعة ~~معينة، وهو قول رافع (2) ، أو على التنزيه والإرشاد، وهو قول ابن عباس (3) ~~، PageV02P453 # أو على مصلحة خاصة بذلك الوقت من جهة كثرة مناقشتهم في هذه المعاملة ~~حينئذ، وهو قول زيد - رضي الله تعالى عنه -، والله - تعالى - أعلم ". # " والمزارعة: أن يكون الأرض والبذر لواحد، والعمل والبقر من الآخر، ~~والمخابرة: أن يكون الأرض لواحد، والبذر والبقر والعمل من الآخر، ونوع آخر ~~يكون العمل من أحدهما والباقي من الآخر ". انتهى. # ( [ ### | بيان أن من أفسد ما استؤجر عليه أو تلف ما استأجره ضمن # ] :) # (ومن أفسد ما استؤجر ms504 عليه، أو أتلف ما استأجره ضمن) ؛ لمثل حديث (1) : " ~~على اليد ما أخذت حتى تؤديه ". # أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححه -، وهو من ~~حديث الحسن عن سمرة؛ وفي سماعه منه كلام مشهور. # والمراد: أن على اليد ضمان ما أخذت حتى تؤديه. # وأخرج أبو داود (2) ، والنسائي، وابن ماجه، والبزار من حديث عمرو ابن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: PageV02P454 # " من تطبب ولم يعلم منه طب؛ فهو ضامن ". # وقد أخرجه النسائي مسندا منقطعا. # ويؤيده حديث عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني بعض الوفد الذين ~~قدموا على أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما طبيب تطبب على قوم؛ لا يعرف له تطبب قبل ذلك، فأعنت (1) ؛ فهو ~~ضامن "؛ أخرجه أبو داود. # فالمتطبب إنما ضمن؛ لكونه أقدم على بدن المريض غير عالم بما يعلم به أهل ~~هذه الصناعة، فكان ضامنا. # وهكذا من استؤجر على عمل معين، فأقدم على العمل فيها غير عالم بالصناعة، ~~وأفسدها لتعاطيه؛ ضمن. # وهكذا من استأجر دابة ليركب عليها إلى مكان، فسار بها سيرا غير معتاد، ~~فهلكت، أو ترك علفها، فماتت؛ فإنه ضامن. PageV02P455 # (8 - ### | باب الإحياء والإقطاع # ( [ ### | من أحيا أرضا ميتة فهي له # ] :) # (من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره؛ فهو أحق بها، وتكون ملكا له) ~~؛ لحديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أحيا أرضا ميتة فهي ~~له ". # أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، وصححه الترمذي. # وفي لفظ: " من أحاط حائطا على أرض؛ فهي له "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، والبيهقي، وصححه ابن الجارود من حديث ~~الحسن، عن سمرة؛ مرفوعا: # " من أحاط حائطا على أرض فهي له " (1) . # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والنسائي من ~~PageV02P456 # حديث سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق (1) ظالم حق " (2) . # وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله ms505 عليه ~~وسلم: # " من عمر أرضا ليست لأحد؛ فهو أحق بها ". # وأخرج أبو داود من حديث أسمر بن مضرس، قال: أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فبايعته، فقال: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم؛ فهو له "؛ فخرج ~~الناس يتعادون يتخاطون؛ أي: يجعلون في الأرض خطوطا علامة لما سبقوا إليه. # وصححه الضياء في " المختارة " (3) . # في " شرح السنة ": # " من أحيا مواتا - لم يجر عليه ملك أحد في الإسلام - يملكه، وإن لم يأذن ~~السلطان؛ وبه قال الشافعي. # وذهب بعضهم إلى أنه يحتاج إلى إذن السلطان، وهو قول أبي حنيفة، وخالفه ~~صاحباه. PageV02P457 # وقوله: " ليس لعرق ظالم حق "؛ هو أن يغتصب أرض الغير، فيغرس فيها أو ~~يزرع؛ فلا حق له، ويقلع غراسه وزرعه ". # وفي " المنهاج ": # " ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبل - أي: وقف -، أو فقيه إلى مدرسة، أو ~~صوفي إلى (خانقاه) ؛ لم يزعج منه، ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه ". ~~انتهى. # في " الحجة البالغة ": # " الأرض كلها بمنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على أبناء السبيل، وهم شركاء ~~فيه، فيقدم الأسبق فالأسبق. # ومعنى الملك في حق الآدمي: كونه أحق بالانتفاع من غيره ". انتهى. # ( [ ### | الأدلة على جواز إقطاع الإمام بعض رعيته لمصلحة # ] :) # (ويجوز للإمام أن يقطع من في إقطاعه مصلحة شيئا من الأرض الميتة أو ~~المعادن أو المياه) ؛ لما في " الصحيحين " من حديث أسماء بنت أبي بكر: من ~~أنها كانت تنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وأخرج أحمد، وأبو داود، عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقطع الزبير حضر (1) فرسه، وأجرى الفرس حتى قام (2) ، ثم PageV02P458 # رمى بسوطه فقال: " أقطعوه حيث بلغ السوط "؛ وفي إسناده عبد الله بن عمر ~~ابن حفص؛ وفيه مقال خفيف (1) . # وأقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - وائل بن حجر أرضا بحضرموت؛ كما أخرجه ~~الترمذي، وأبو داود، وابن حبان، والبيهقي، والطبراني، والمنذري (2) ؛ ~~بإسناد حسن، وصححه الترمذي. # وأخرج أحمد (3) من حديث عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عوف قال: ~~أقطعيني النبي ms506 - صلى الله عليه وسلم -، وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا. # وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس، قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأنصار ليقطع لهم البحرين، فقالوا: يا رسول الله {إن فعلت فاكتب لإخواننا ~~من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " إنكم ~~ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني ". # وأخرج أحمد (4) ، وأبو داود من حديث ابن عباس قال: أقطع النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P459 # بلال بن الحرث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها (1) ". # وأخرجاه أيضا من حديث عمرو بن عوف المزني. # وأخرج الترمذي، وأبو داود، والنسائي - وصححه ابن حبان، وحسنه (2) الترمذي ~~- من حديث أبيض بن حمال: أنه وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ استقطعه ~~الملح، فقطع له، فلما أن ولى؛ قال رجل من المجلس: أتدري ما أقطعت له؟ إنما ~~أقطعته الماء العد (3) ، قال: فانتزعه منه. # وفي الباب غير ذلك. # قال في " المنهاج ": " المعدن الظاهر - وهو ما يخرج بلا علاج -؛ لا يملك ~~بالإحياء، ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع. # والمعدن الباطن - وهو ما لا يخرج إلا بعلاج؛ كذهب وفضة وحديد ونحاس -؛ لا ~~يملك بالحفر والعمل؛ في الأظهر ". # قال المحلي: " والثاني يملك بذلك، وللسلطان إقطاعه على الملك، وكذا على ~~عدمه في الأظهر، ولا يقطع إلا قدرا يتأتى في العمل عليه ". PageV02P460 # قال في " الحجة البالغة ": # " ولا شك أن المعدن الظاهر الذي لا يحتاج إلى كثير عمل: إقطاعه لواحد من ~~المسلمين؛ إضرار بهم وتضييق عليهم ". انتهى. # PageV02P461 # (9 - ### | باب الشركة # ( [ ### | بيان أن الناس شركاء في الماء والنار والكلإ # ] :) # (الناس شركاء في الماء والنار والكلإ) ؛ لحديث أبي خداش (1) ، عن بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلإ والنار " (2) . # أخرجه أحمد، وأبو داود. # وقد رواه أبو نعيم في " الصحابة " في ترجمة أبي خداش (1) ، ولم يذكر ~~الرجل، وقد سئل أبو حاتم عنه؟ فقال: أبو خداش لم يدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال ابن حجر: رجاله ثقات. ms507 # وقد أخرج الحديث ابن ماجه (3) عن ابن عباس، وفي إسناده عبد الله ابن ~~خداش، وهو متروك، وقد صححه ابن السكن. PageV02P462 # وأخرج ابن ماجه أيضا من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " لا يمنع الماء والنار والكلأ " (1) ؛ قال ابن حجر: إسناده صحيح. # وأخرج الخطيب من حديث عمر نحو ما في الباب، وزاد: " والملح "، وفيه عبد ~~الحكيم بن ميسرة. # ورواه الطبراني بسند حسن، عن زيد بن جبير، عن ابن عمر. # وله عنده طريق أخرى. # وأخرجه أبو داود من حديث بهيسة، عن أبيها. # وأخرجه ابن ماجه من حديث عائشة، أنها قالت: يا رسول الله! ما الشيء الذي ~~لا يحل منعه؟ قال: " الملح والماء والنار "، وإسناده ضعيف. # وأخرجه الطبراني، عن أنس بلفظ: " خصلتان لا يحل منعهما: الماء والنار " ~~(2) . # وأخرجه العقيلي في " الضعفاء " من حديث عبد الله بن سرجس. # وأحاديث الباب تنتهض بمجموعها. # وقد خصص الحديث بما وقع من الإجماع على أن الماء المحرز في الجرار ملك. ~~PageV02P463 # قال في " الحجة ": # " يتأكد استحباب المواساة في هذه فيما كان مملوكا. # وما ليس بمملوك أمره ظاهر ". انتهى. # ( [ ### | بيان توزيع الماء بين المستحقين # ] :) # وإذا تشاجر المستحقون للماء كان الأحق به الأعلى فالأعلى، يمسكه إلى ~~الكعبين، ثم يرسله إلى من تحته) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور (1) : أن يمسك حتى يبلغ ~~الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل؛ أخرجه أبو داود (2) ، وابن ماجه. # قال ابن حجر في " الفتح ": " وإسناده حسن ". # وأخرجه الحاكم في " المستدرك ". من حديث عائشة، وصححه الحاكم، وأعله ~~الدارقطني بالوقف. # وأخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث ثعلبة بن مالك. # وأخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " من حديث أبي حاتم القرظي، عن أبيه، عن ~~جده. # وأخرج ابن ماجه، والبيهقي، والطبراني من حديث عبادة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P464 # قضى في شرب النخل من السيل: أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى ~~الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي ms508 الحوائط أو ~~يفنى الماء. # وأحاديث الباب صالحة للاحتجاج بها. # قال في " المنهاج ": # " والمياه المباحة - من الأودية والعيون والسيول والأمطار -؛ يستوي الناس ~~فيها، فإن أراد الناس سقي أرضهم منها فضاق؛ سقى الأعلى فالأعلى، وحبس كل ~~واحد الماء حتى يبلغ الكعبين. # وقال محمد: بهذا نأخذ؛ لأنه كان كذلك الصلح بينهم، ولكل قوم ما اصطلحوا ~~وأسلموا عليه من عيونهم وسيولهم وأنهارهم وشربهم ". # ( [ ### | لا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ # ] :) # (ولا يجوز منع فضل الماء ليمنع به الكلأ) ؛ لحديث أبي هريرة في " ~~الصحيحين "، وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تمنعوا فضل ~~الماء لتمنعوا به الكلأ ". # وفي لفظ مسلم: " لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ ". # وفي لفظ للبخاري: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ ". # وفي الباب أحاديث. # PageV02P465 # وفي لفظ لأحمد: " ولا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه "، وهو أن يتغلب ~~رجل على عين أو واد؛ فلا يدع أحدا يسقي منه ماشية إلا بالأجر؛ فإنه يفضي ~~إلى بيع الكلإ المباح؛ يعني: يصير المرعى من ذلك بإزاء مال، وهذا باطل؛ لأن ~~الماء والكلأ مباحان. # وقيل: يحرم بيع الماء الفاضل عن حاجته لمن أراد الشرب أو سقي الدواب. # وأما ماء البئر؛ فلا يمنع من أراد شربه أو سقي بهائمه؛ كما في " الموطإ " ~~من حديث عمرة بنت عبد الرحمن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ~~يمنع نقع بئر "؛ أي: فضل مائها. # قلت: وعليه أهل العلم. # في " المنهاج ": # " وحافر بئر بموات للارتفاق أولى بمائها حتى يرتحل. # والمحفورة - أي في أرض موات للتملك، أو في ملك يتملك ماءها في الأصح، ~~وسواء ملكه أم لا -: لا يلزمه بذل ما فضل عن حاجته لزرع، ويجب لماشية. # قال المحلي: في المحفورة للارتفاق - وقبل ارتحاله -؛ ليس له منع ما فضل ~~عنه عن محتاج إليه للشرب؛ إذا استسقى بدلو نفسه، ولا منع مواشيه، وله منع ~~غيره لسقي الزرع. # PageV02P466 # قال محمد: وبهذا نأخذ؛ أيما رجل كانت له بئر؛ فليس له أن يمنع الناس ~~منها؛ أن يستقوا منها ms509 بشفاههم. # أما لزرعهم ونخلهم؛ فله أن يمنع ذلك، وهو قول أبي حنيفة والعامة من ~~فقهائنا ". # ( [ ### | يصح للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي دواب المسلمين # ] :) # (وللإمام أن يحمي بعض المواضع لرعي دواب المسلمين في وقت الحاجة) ؛ لحديث ~~ابن عمر عند أحمد (1) ، وابن حبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع ~~(2) للخيل؛ خيل المسلمين. # وأخرج أحمد (3) ، وأبو داود، والحاكم من حديث الصعب بن جثامة (4) ؛ وزاد: ~~" لا حمى إلا لله ورسوله ". PageV02P467 # وهذه الزيادة في " صحيح البخاري "؛ (1) وفيه (2) : أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حمى النقيع، وأن عمر حمى شرف (3) والربذة. # قلت: وعليه الشافعي. # في " المنهاج ": # " والأظهر أن للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي نعم جزية، وصدقة وضالة، ~~وضعيف من النجعة، ولا يحمي لغير ذلك ". انتهى. # لأن الحمى تضييق على الناس، وظلم عليهم، وإضرار لهم. # ( [ ### | جواز الاشتراك في النقود والتجارات # ] :) # (ويجوز الاشتراك في النقود والتجارات، ويقسم الربح على ما تراضيا عليه) ؛ ~~لحديث السائب بن أبي السائب، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: كنت شريكي ~~في الجاهلية، فكنت خير شريك؛ لا تداريني (4) ولا تماريني. PageV02P468 # أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم - وصححه (1) -. # وفي لفظ لأبي داود، وابن ماجه: أن السائب المخزومي كان شريك النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخي وشريكي؛ لا ~~تداري ولا تماري. # وله طرق غير هذه. # وأخرج البخاري عن أبي المنهال: أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا ~~شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهما ~~أن " ما كان يدا بيده فخذوه، وما كان نسيئة فردوه ". # وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن ابن مسعود قال: اشتركت أنا ~~وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار ~~بشيء؛ وفيه انقطاع (2) . # وأخرج أحمد (3) ، وأبو داود، عن رويفع بن ثابت، قال: إن كان أحدنا في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذ نضو (4) أخيه؛ على أن له النصف مما ~~يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ms510 ليطير له النصل والريش وللآخر القدح (5) . ~~PageV02P469 # وأخرجه الدارقطني، والبيهقي. # ( [ ### | جواز المضاربة ما لم تشتمل على حرام # ] :) # (وتجوز المضاربة) ، وهو في لغة أهل المدينة: القراض، والضرب بمعنى السفر، ~~والمضاربة المعاملة على السفر، وأيضا الضرب بمعنى الشركة، والمضاربة ~~المعاملة على الشركة. # اتفق أهل العلم على جواز المضاربة، ولا تجوز إلا على الدراهم والدنانير، ~~وهو أن يعطي شيئا منها لرجل ليعمل ويتجر، فما يحصل من الربح يكون بينهما ~~مناصفة، أو أثلاثا؛ على ما يتشارطان. # (ما لم تشتمل على ما لا يحل) ؛ لما روي عن حكيم بن حزام: أنه كان يشترط ~~على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به: أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ~~ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئا من ذلك؛ فقد ضمنت ~~مالي. # وقد قيل: إنه لم يصح في المضاربة شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ~~فعلها الصحابة: منهم حكيم المذكور، ومنهم علي كما رواه عبد الرزاق، ومنهم ~~ابن مسعود كما رواه الشافعي، ومنهم العباس كما رواه البيهقي، ومنهم جابر ~~كما رواه البيهقي أيضا، ومنهم أبو موسى وابن عمر كما رواه في " الموطإ "، ~~والشافعي، والدارقطني، ومنهم عمر كما رواه الشافعي، ومنهم عثمان كما رواه ~~البيهقي. # وقد روي في ذلك من المرفوع ما أخرجه ابن ماجه من حديث صهيب، # PageV02P470 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وإخلاط البر بالشعير ~~للبيت لا للبيع "؛ ولكن في إسناده مجهولان. # أقول: قد صرح جماعة من الحفاظ بأنه لم يثبت في هذا الباب - أعني: ~~المضاربة - شيء مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل جميع ما فيه ~~آثار عن الصحابة، وقد وقع إجماع من بعدهم على جواز هذه المعاملة؛ كما حكى ~~ذلك غير واحد. # وصرح الحافظ ابن حجر بأنها كانت ثابتة في عصر النبوة، فقال: # " والذي نقطع به؛ أنها كانت ثابتة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعلم ~~بها وأقرها، ولولا ذلك لما جازت البتة ". انتهى. # ولا ms511 يخفاك أن عدم الجواز الذي ذكره - على فرض عدم ثبوتها في أيام النبوة ~~- مبني على أن الأصل عدم جواز كل معاملة لم يثبت فيها دليل، وهو غير مسلم؛ ~~بل الأصل الجواز؛ ما لم تكن على وجه يستلزم ما لا يحل شرعا. # وعندي أن المضاربة داخلة تحت قول الله: {وأحل الله البيع} ، وتحت قوله - ~~تعالى -: {تجارة عن تراض} ؛ بل كل ما دل على جواز البيع، وعلى جواز ~~الإجارة، وعلى جواز الوكالة؛ دل عليها. # وبيان ذلك: ان المالك للنقد إذا دفعه إلى آخر، ووكله بالشراء له بنقده # PageV02P471 # ما رآه، ووكله أيضا ببيعه، وجعل له أجرة على تولي البيع وتولي الشراء، ~~وهي ما سماه له من الربح؛ فجواز البيع والشراء داخل تحت أدلة البيع ~~والشراء، وجواز التوكيل بهما داخل تحت أدلة الوكالة، وجواز جعل جزء من ~~الربح للوكيل داخل تحت أدلة الإجارة؛ فعرفت بهذا أن القراض غير خال من دليل ~~يدل عليه العموم؛ بل الذي لم يثبت هو الدليل الذي يدل عليه بخصوصه، فلا وجه ~~لما قاله الحافظ ابن حجر: أنها لو لم تثبت هذه المعاملة بخصوصها في عصر ~~النبوة لما جازت البتة (1) . # واعلم أن هذه الأسامي التي وقعت في كتب الفروع - لأنواع من الشركة ~~كالمفاوضة (2) والعنان والوجوه والأبدان - لم تكن أسماء شرعية ولا لغوية؛ ~~بل اصطلاحات حادثة متجددة، ولا مانع للرجلين أن يخلطا ماليهما ويتجرا؛ كما ~~هو معنى المفاوضة المصطلح عليها؛ لأن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء؛ ما ~~لم يستلزم ذلك التصرف محرما مما ورد الشرع بتحريمه. PageV02P472 # وإنما الشأن في اشتراط استواء المالين وكونهما نقدا واشتراط العقد، فهذا ~~لم يرد ما يدل على اعتباره؛ بل مجرد التراضي بجمع المالين والاتجار بهما ~~كاف، وكذلك لا مانع من أن يشترك الرجلان في شراء شيء؛ بحيث يكون لكل واحد ~~منهما نصيب منه بقدر نصيبه من الثمن؛ كما هو معنى شركة العنان اصطلاحا، وقد ~~كانت هذه الشركة ثابتة في أيام النبوة، ودخل فيها جماعة من الصحابة، فكانوا ~~يشتركون في شراء شيء من الأشياء، ويدفع ms512 كل واحد منهم نصيبا من قيمته، ~~ويتولى الشراء أحدهما أو كلاهما. # وأما اشتراط العقد والخلط؛ فلم يرد ما يدل على اعتباره. # وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الآخر أن يستدين له مالا، ويتجر فيه؛ ~~ويشتركا في الربح؛ كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحا، ولكن لا وجه لما ذكروه ~~من الشروط. # وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الآخر في أن يعمل عنه عملا استؤجر ~~عليه؛ كما هو معنى شركة الأبدان اصطلاحا، ولا معنى لاشتراط شروط في ذلك. # والحاصل: أن جميع هذه الأنواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي؛ لأن ما ~~كان منها من التصرف في الملك؛ فمناطه التراضي، ولا يتحتم اعتبار غيره، وما ~~كان منها من باب الوكالة أو الإجارة؛ فيكفي فيه ما يكفي فيهما. # فما هذه الأنواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها؟ {وأي دليل عقل أو ~~نقل ألجأهم إلى ذلك؟} فإن الأمر أيسر من هذا التهويل والتطويل؛ لأن # PageV02P473 # حاصل ما يستفاد من شركة المفاوضة والعنان والوجوه: أنه يجوز للرجل أن ~~يشترك هو وآخر في شراء شيء وبيعه، ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل ~~واحد منهما من الثمن، وهذا شيء واحد واضح المعنى، يفهمه العامي فضلا عن ~~العالم، ويفتي بجوازه المقصر فضلا عن الكامل، وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه ~~كل واحد منهما من الثمن أو يختلف، وأعم من أن يكون المدفوع نقدا أو عرضا، ~~وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل واحد منهما أو بعضه، وأعم من أن ~~يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما. # وهب أنهم جعلوا لكل قسم من هذه الأقسام - التي هي في الأصل شيء واحد - ~~اسما يخصه؛ فلا مشاحة في الاصطلاحات؛ لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات، ~~وتكلفهم لتلك الشروط، وتطويل المسافة على طالب العلم، وإتعابه بتدوين ما لا ~~طائل تحته؟ { # وأنت لو سألت حراثا أو بقالا عن جواز الاشتراك في شراء الشيء وفي ربحه؛ ~~لم يصعب عليه أن يقول: نعم. # ولو قلت له: هل يجوز العنان ms513 أو الوجوه أو الأبدان؛ لحار في فهم معاني هذه ~~الألفاظ} # بل قد شاهدنا كثيرا من المتبحرين في علم الفروع؛ يلتبس عليه كثير من ~~تفاصيل هذه الأنواع، ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها من بعض، اللهم! إلا أن ~~يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه؛ فربما يسهل عليه ما يهتدي به ~~إلى ذلك. # PageV02P474 # وليس المجتهد من وسع دائرة الآراء العاطلة عن الدليل، وقبل كل ما يقف ~~عليه من قال وقيل؛ فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد؛ بل المجتهد من قرر الصواب ~~وأبطل الباطل، وفحص في كل مسألة عن وجوه الدلائل، ولم يحل بينه وبين الصدع ~~بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين، فالحق لا يعرف بالرجال. # ولهذا المقصد؛ سلكنا في هذه الأبحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صفى فهمه ~~عن التعصبات، وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات، والله المستعان. # ( [ ### | بيان عرض الطريق إذا اختلف الشركاء # ] ) # (وإذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع) ؛ لحديث أبي هريرة في ~~" الصحيحين " وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا اختلفتم في ~~الطريق؛ فاجعلوه سبعة أذرع ". # وأخرج معناه عبد الله بن أحمد في " المسند " (1) ، والطبراني من حديث ~~عبادة بن الصامت. # وأخرجه أيضا عبد الرزاق من حديث ابن عباس (2) . # وأخرجه أيضا ابن عدي من حديث أنس. PageV02P475 # ( [ ### | النهي عن منع الجار جاره أن يغرز خشبة في جداره # ] :) # (ولا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) ؛ لحديث أبي هريرة في " ~~الصحيحين " وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يمنع جار جاره ~~أن يغرز خشبه في جداره ". # وروى نحوه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي عن جماعة من الصحابة. # ( [ ### | بيان أنه لا ضرر ولا ضرار بين الشركاء # ] :) # (ولا ضرر ولا ضرار بين الشركاء) ؛ لحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار؛ وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره، ~~وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع ". # أخرجه أحمد (1) ، وابن ماجه، والبيهقي، والطبراني، وعبد الرزاق. # قال ابن كثير: # " أما ms514 حديث: " لا ضرر ولا ضرار "؛ فرواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت (2) ~~، وروي من حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وهو حديث مشهور ". انتهى. ~~PageV02P476 # فحديث ابن عباس هو المذكور في الباب، وحديث عبادة أخرجه أيضا البيهقي، ~~وحديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه (1) ، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي. # وقد رواه - من حديث ثعلبة بن مالك القرظي -: الطبراني في " الكبير "، ~~وأبو نعيم. # ( [ ### | بيان عقوبة من ضار شريكه # ] :) # (ومن ضار شريكه كان للإمام عقوبته بقلع شجره أو بيع داره) ؛ لحديث سمرة ~~بن جندب: أنه كانت له عضد (2) من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع ~~الرجل أهله، قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الرجل ويشق عليه، فطلب ~~إليه أن يناقله؛ فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فطلب ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، ~~قال: " فهبه لي؛ ولك كذا وكذا "؛ أمر أرغبه فيه، فأبى، فقال: " أنت مضار "؛ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: " اذهب فاقلع نخله ". ~~PageV02P477 # وهو من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه (1) ، عن سمرة، ولم يسمع منه. # وقد روى المحب الطبري في " أحاديث الأحكام " عن واسع بن حبان، قال: كان ~~لأبي لبابة عذق (2) في حائط رجل، فكلمه ... ثم ذكر نحو قصة سمرة. ~~PageV02P478 # (10 - ### | باب الرهن # ( [ ### | دليل مشروعية الرهن # ] :) # (يجوز رهن ما يملكه الراهن في دين عليه) . # الرهن جائز بالإجماع؛ وقد نطق به الكتاب العزيز، وتقييده بالسفر خرج مخرج ~~الغالب، كما ذهب إليه الجمهور. # وقال مجاهد والضحاك والظاهرية: لا يشرع إلا في السفر. # وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعا له عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه ~~شعيرا لأهله؛ كما أخرجه البخاري، وغيره من حديث أنس، وهو في " الصحيحين " ~~من حديث عائشة، وأخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن ~~عباس، وصححه الترمذي، وصاحب " الاقتراح ". # وفي ذلك دليل على مشروعية الرهن في الحضر؛ كما قال الجمهور. # ( [ ### | ينتفع بالمرهون إذا كان دابة تركب أو بهيمة تحلب # ] :) # (والظهر يركب ms515 واللبن يشرب بنفقة المرهون) ؛ لما أخرجه البخاري، وغيره من ~~حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول: " الظهر يركب ~~بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي ~~يركب ويشرب النفقة ". # PageV02P479 # وللحديث ألفاظ. # والمراد: أن المرتهن ينتفع بالرهن وينفق عليه، وقد ذهب إلى ذلك أحمد ~~وإسحاق والليث والحسن وغيرهم. # قال ابن القيم: # " وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى، وهو الصواب ". # وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من ~~الرهن بشيء؛ بل الفوائد للراهن والمؤن عليه، قالوا: والحديث ورد على خلاف ~~القياس. # ويجاب بأن هذا القياس فاسد الاعتبار، مبني على شفا جرف هار، ولا يصح ~~الاحتجاج به؛ لما ورد من النهي عن أن تحلب ماشية الرجل بغير إذنه - كما في ~~" البخاري " وغيره -؛ لأن العام لا يرد به الخاص؛ بل يبنى عليه. # وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": # " وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا يصلح للراهنين غيره، وما عداه ~~ففساده ظاهر. # فإن الراهن قد يغيب، ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ ~~الرهن، ويشق عليه؛ أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن إثبات غيبة ~~الراهن. # وإثبات أن قدر النفقة عليه قدر حلبه وركوبه، وطلبه منه الحكم له بذلك # PageV02P480 # في هذا؛ من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة، فشرع الشارع ~~الحكيم القيم بمصالح العباد. # وللمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره - وعليه نفقته -، وهذا محض القياس ~~لو لم تأت به السنة الصحيحة ". انتهى. # ثم أطال في تخريج هذا القياس إلى ما لا يسعه هذا القرطاس. # ( [ ### | لا يستحق المرتهن الرهن إذا لم يفكه الراهن # ] :) # (ولا يغلق (1) الرهن بما فيه) ؛ لحديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه ". # أخرجه الشافعي (2) والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن حبان في ~~PageV02P481 # " صحيحه "، وحسن الدارقطني إسناده. # وقال الحافظ ابن حجر في " بلوغ المرام ": أن رجاله ثقات؛ إلا أن المحفوظ ~~عند أبي داود وغيره ms516 إرساله. # وأخرجه ابن ماجه من طريق أخرى (1) ، والرفع زيادة، وقد خرجت من مخرج ~~مقبول. # والمراد بالغلاق هنا: استحقاق المرتهن له؛ حيث لم يفكه الراهن في الوقت ~~المشروط. # وروى عبد الرزاق عن معمر؛ أنه فسر غلاق الرهن؛ بما إذا قال الرجل: إن لم ~~آتك بمالك فالرهن لك، قال: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا، ~~إنما هلك من رب الرهن؛ له غنمه وعليه غرمه. # وقد روي أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن؛ إذا لم يؤد الراهن إليه ~~ما يستحقه في الوقت المضروب، فأبطله الشارع. # والغنم والغرم - هنا - هو أعم مما تقدم؛ من أن الظهر يركب بنفقة المرهون، ~~واللبن يشرب. # قال في " الحجة البالغة ": # " ومبنى الرهن على الاستيثاق، وهو بالقبض؛ فلذلك اشترط فيه. # ولا اختلاف عندي بين حديث: " لا يغلق الرهن "؛ وحديث: " الظهر ~~PageV02P482 # يركب " ... الخ؛ لأن الأول هو الوظيفة. # لكن إذا امتنع الراهن من النفقة عليه، وخيف الهلاك، وأحياه المرتهن؛ فعند ~~ذلك ينتفع به بقدر ما يراه الناس عدلا ". انتهى. # قلت: وعليه أهل العلم. # قال محمد: وبهذا نأخذ. # وتفسير قوله: " لا يغلق الرهن ": أن الرجل كان يرهن الرهن - أي: المرهون ~~عند الرجل -؛ فيقول: إن جئتك بمالك إلى كذا وكذا؛ وإلا فالرهن لك بمالك، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يغلق الرهن، ولا يكون للمرتهن ~~بماله "، وكذلك نقول، وهو قول أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس. # وفي " شرح السنة ": # " معناه لا يستغلق بحيث لا يعود إلى الراهن، بل متى أدى الحق المرهون به؛ ~~افتك وعاد إلى الراهن. # وروى الشافعي هذا الحديث مع زيادة، ولفظه: " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي ~~رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه ". # قال الشافعي: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه. # وفيه دليل على أنه إذا هلك في يد المرتهن؛ يكون من ضمان الراهن، ولا يسقط ~~بهلاكه شيء من حق المرتهن، وعليه الشافعي. # PageV02P483 # وقال أبو حنيفة: قيمته إن كانت قدر الحق؛ يسقط بهلاكه الحق، وإن كانت أقل ~~من الحق؛ يسقط بقدره، وإن كان أكثر من ms517 الحق؛ يسقط الحق. # وعند الشافعي: دوام القبض ليس بشرط في الرهن، فيستعمل الدابة المرهونة ~~بالنهار، وترد إلى المرتهن بالليل، ولا يسافر عليها. # ولم يجوزه أبو حنيفة ". # أقول: الحق أن الرهن إذا تلف في يد المرتهن - بدون جنايته ولا تفريطه -؛ ~~فهو غير مضمون عليه. # وإن كان بجنايته أو تفريطه؛ ضمنه للجناية عليه، أو التفريط؛ لا لكونه ~~مستحقا حبسه؛ فإن الحبس للرهن بمجرده ليس بسبب للضمان. # والمدارك الشرعية واضحة المنار. # PageV02P484 # (11 - ### | باب الوديعة والعارية # ( [ ### | دليل مشروعية العارية # ] :) # أقول: العارية من مكارم الأخلاق ومحاسن الطاعات وأفضل الصلات؛ لأنها ~~إباحة المالك لمنافع ملكه لمن له إليه حاجة، ولا ريب أن هذا الفعل داخل تحت ~~نصوص الكتاب والسنة؛ فإن فيهما من الترغيب في ذلك ما لا يحيط به الحصر، ومن ~~جملة ذلك قوله - تعالى -: {وتعانوا على البر والتقوى} ، وقوله: {ويمنعون ~~الماعون} . # والحاصل: أن العارية - في لسان العرب والشرع - هي: إباحة المنافع بلا ~~عوض، فما وجد فيه هذا المعنى كان من العارية؛ وما لا فلا. # ( [ ### | تأدية الأمانة إلى صاحبها واجب # ] :) # (تجب على الوديع (1) والمستعير تأدية الأمانة إلى من ائتمنه، ولا يخون من ~~خانه) : لقوله - تعالى -: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ، ~~ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من ~~خانك "؛ أخرجه أبو داود، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه - ~~PageV02P485 # من حديث أبي هريرة، وفي إسناده طلق بن غنام، عن شريك (1) . # وقد استشهد له الحاكم بحديث أبي التياح، عن أنس، وفي إسناده أيوب بن ~~سويد، وهو مختلف فيه، وقد تفرد به؛ كما قال الطبراني. # وأخرجه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " من حديث أبي بن كعب، وفي ~~إسناده من لا يعرف. # وأخرجه أيضا الدارقطني (2) عنه. # وأخرجه البيهقي، والطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف. # وأخرجه الدارقطني، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم من حديث أنس. # وأخرجه أحمد، وأبو داود، والبيهقي عن رجل من الصحابة؛ وفي إسناده مجهول ~~غير الصحابي. # ( [ ### | بيان أنه لا ضمان على مؤتمن # ] :) # (ولا ضمان عليه إذا تلفت) العين المستعارة أو المستودعة (بدون جنايته ms518 ~~PageV02P486 # وخيانته) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " لا ضمان على مؤتمن "؛ أخرجه الدارقطني (1) ؛ وفي إسناده ضعف. # وقد وقع الإجماع على أن الوديع لا يضمن؛ إلا لجناية منه على العين (2) ؛ ~~لما أخرجه الدارقطني في الحديث السابق من طريق أخرى بلفظ: # " ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا المستودع غير المغل ضمان ". # والمغل: هو الخائن، والجاني خائن. # وأما المستعير؛ فقد ذهب إلى أنه لا يضمن - إلا لجناية أو خيانة -: ~~الحنفية والمالكية، وحكى في " الفتح " عن الجمهور: أن المستعير يضمنها إذا ~~تلفت في يده؛ إلا إذا كان التلف على الوجه المأذون فيه. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم (3) - وصححه - من ~~حديث الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " على اليد ~~PageV02P487 # ما أخذت حتى تؤديه "؛ وفي سماع الحسن عن سمرة مقال مشهور. # وأخرج أحمد، وأبو داود (1) ، والنسائي، والحاكم (2) من حديث صفوان بن ~~أمية: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدراعا، فقال: ~~أغصبا يا محمد؟ ! قال: " بل عارية مضمونة ". # قال الماتن في " حاشية الشفاء ": # " وجميع هذه الأسباب داخلة تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: " على اليد ~~ما أخذت حتى تؤدي "؛ إن كان المراد على اليد ضمان ما أخذت، ولكن الظاهر أن ~~المراد: على اليد حفظ ما أخذت حتى تؤديه، وذلك إنما يكون في الباقي، وليس ~~فيه دليل على ضمان التالف (3) ". # ( [ ### | لا يجوز منع الماعون # ] :) # (ولا يجوز منع الماعون: كالدلو والقدر) ؛ لحديث ابن مسعود، قال: كنا نعد ~~الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية؛ الدلو والقدر. # أخرجه أبو داود (4) ، وحسنه المنذري. # وروي عن ابن مسعود، وابن عباس: أنهما فسرا قوله - تعالى -: PageV02P488 # {ويمنعون الماعون} : أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم؛ من الفأس ~~والدلو والحبل والقدر، وما أشبه ذلك. # وعن عائشة: الماعون: الماء والنار والملح. # وقيل: الماعون: الزكاة. # ( [ ### | أمثلة على ما لا يجوز منع عاريته # ] : # (وإطراق الفحل، وحلب المواشي لمن يحتاج ذلك، والحمل عليها في سبيل ms519 الله) ~~؛ لما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها؛ إلا أقعد لها يوم القيامة ~~بقاع قرقر (1) ، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها "، قلنا: ~~يا رسول الله! وما حقها؟ قال: " إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها وحلبها ~~على الماء، وحمل عليها في سبيل الله ". # والمراد بإطراق فحلها: عاريته من يحتاج أن يطرق به على ماشيته. # والمراد بمنحتها: أن يعطي المحتاج لينتفع بحلبها ثم يردها. # وأما الحمل عليها في سبيل الله؛ فإذا طلب ذلك من لا ماشية له من صاحب ~~المواشي التي فيها زيادة على حاجته. PageV02P489 # (12 - ### | باب الغصب # ( [ ### | الأدلة على تحريم الغصب # ] :) # (يأثم الغاصب) ؛ لأنه أكل مال غيره بالباطل، أو استولى عليه عدوانا، وقد ~~قال الله - تعالى -: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: " لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه ". # أخرجه الدارقطني (1) من طرق عن أنس مرفوعا؛ وفي أسانيدها ضعف. # وأخرجه أحمد (2) ، والدارقطني من حديث أبي حرة الرقاشي، عن عمه؛ وفي ~~إسناده علي بن زيد بن جدعان؛ وهو متكلم عليه. # وأخرجه الحاكم (3) من حديث ابن عباس. PageV02P490 # وأخرجه الدارقطني عنه من طريق أخرى. # وأخرجه البيهقي (1) ، وابن حبان، والحاكم في " صحيحيهما " من حديث أبي ~~حميد الساعدي. # وقد أخرج أحمد (2) ، وأبو داود، والترمذي - وحسنه - من حديث السائب بن ~~يزيد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا، ولا لاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه ~~فليردها عليه ". # وحديث: " إنما أموالكم ودماؤكم عليكم حرام "؛ وهو ثابت في " الصحيحين "، ~~وغيرهما. # وهو مجمع على تحريم الغصب عند كافة المسلمين، ومجمع على وجوب رد المغصوب ~~إذا كان باقيا، وعلى تسليم عوضه إن كان تالفا. # ( [ ### | ماذا يجب على الغاصب # ؟] :) # (ويجب عليه رد ما أخذ، ولا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه) ؛ كما ~~تقدم دليله. # ( [ ### | بيان حكم من زرع أو غرس في أرض غيره بالقوة # ] :) # (وليس لعرق ms520 ظالم حق، ومن زرع في أرض قوم بغير إذنهم؛ فليس له من ~~PageV02P491 # الزرع شيء، ومن غرس في أرض غيره غرسا رفعه) ؛ لحديث رافع بن خديج، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم؛ فليس له من ~~الزرع شيء، وله نفقته (1) ". # أخرجه أحمد (2) ، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والبيهقي، والطبراني، ~~وابن أبي شيبة، والطيالسي، وأبو يعلى، وحسنه البخاري (3) . # وأخرج أبو داود، والدارقطني (4) من حديث عروة بن الزبير: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " من أحيا أرضا فهي له، وليس لعرق ظالم حق ". # قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض ~~بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب ~~أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم (5) ". PageV02P492 # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والنسائي، وأخرجه البخاري ~~تعليقا من حديث سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق " (1) . # أقول: الحق الحقيق بالقبول: أن الزرع لمالك الأرض، وعليه للغاصب ما أنفقه ~~على الزرع (2) ؛ كما ثبت ذلك عند أهل " السنن "، ولفظه في رواية: # أنه صلى الله عليه وسلم أتى بني حارثة، فرأى زرعا في أرض ظهير، فقال: " ~~ما أحسن زرع ظهير {" قيل: ليس لظهير، قال: " أليست أرض ظهير؟} "، قالوا: ~~بلى، ولكنه زرع (3) فلان، قال: " فخذوا زرعكم، وردوا عليه النفقة " ... ~~الحديث (4) . # ( [ ### | الانتفاع بالمغصوب حرام # ] :) # (ولا يحل الانتفاع بالمغصوب) ؛ لما تقدم من الأدلة القاضية بأنه لا يحل ~~مال الغير - لا عينا ولا انتفاعا -، وقد ورد في غصب الأرض - التي لا ثمرة ~~لغصبها إلا الانتفاع بها بالزرع ونحوه - أحاديث: PageV02P493 # منها: عن عائشة في " الصحيحين " وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " من ظلم شبرا من الأرض؛ طوقه الله من سبع أرضين ". # وفيهما أيضا من حديث سعيد بن زيد نحوه. # وفي " البخاري " وغيره من حديث ابن عمر ms521 نحوه أيضا. # وفي " مسلم " من حديث أبي هريرة نحوه أيضا. # ( [ ### | إذا أتلف المغصوب فعلى الغاصب قيمته أو مثله # ] :) # (ومن أتلفه فعليه مثله أو قيمته) ؛ لحديث عائشة: أنها لما كسرت إناء صفية ~~الذي أهدت فيه للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال لها: " إناء كإناء؛ وطعام ~~كطعام ". # أخرجه أحمد، وأبو داود (1) ، والنسائي، وحسنه الحافظ في " الفتح ". # وأخرج البخاري، وغيره من حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، ~~فضربت بيدها؛ فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال: " كلوا "، ودفع ~~القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسورة. # ولفظ الترمذي؛ قال: أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه طعاما ~~في PageV02P494 # قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " طعام بطعام وإناء بإناء ". # وقد استدل بذلك من قال: إن القيمي يضمن بمثله، ولا يضمن بالقيمة؛ إلا عند ~~عدم المثل، وهو الشافعي والكوفيون. # وقال مالك: إن القيمي يضمن بقيمته مطلقا. # قيل: لا خلاف في أن المثلي يضمن بمثله، ولكنه قد ورد في حديث المصراة - ~~الثابت في " الصحيح " - ردها وصاعا من تمر. # واللبن مثلي. # والبحث مستوفى في مواطنه. # PageV02P495 # (13 - ### | باب العتق # ( [ ### | أحادث ترغب في العتق # ] :) # الترغيب في العتق قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة؛ ~~كحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~من أعتق رقبة مسلمة؛ أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار؛ حتى فرجه بفرجه ~~". # وأخرج الترمذي (1) - وصححه - من حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أيما امرئ مسلم أعتق أمرأ مسلما؛ كان ~~فكاكه من النار؛ يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امريء مسلم أعتق امرأتين ~~مسلمتين؛ كانتا فكاكه من النار؛ يجزي كل عضو منهما عضوا منه ". # وفي لفظ (2) : # " أيما امرأة مسلمة؛ أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار؛ يجزي كل ~~عضو من أعضائها عضوا من أعضائها "؛ وإسناده صحيح. ms522 PageV02P496 # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | بيان أن أفضل الرقاب أنفسها عند أهلها # ] :) # (أفضل الرقاب أنفسها) ؛ لما في " الصحيحين " من حديث أبي ذر، قال: قلت: ~~يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: " الإيمان بالله، والجهاد في سبيل ~~الله "، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: " أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا ~~". # ( [ ### | جواز العتق بشرط الخدمة # ] :) # (ويجوز العتق بشرط الخدمة ونحوها) ؛ لحديث سفينة أبي عبد الرحمن، قال: ~~أعتقتني أم سلمة، وشرطت علي أن أخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عاش. # أخرجه أحمد (1) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال: لا بأس بإسناده. # وأخرجه الحاكم، وفي إسناده سعيد بن جهمان أبو حفص الأسلمي، وقد وثقه ابن ~~معين وغيره، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. # ووجه الحجة من هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا PageV02P497 # يخفى عليه مثل ذلك. # وقد قيل: إن تعليق العتق بشرط الخدمة يصح إجماعا. # ( [ ### | الأدلة الدالة على أن من ملك رحمه عتق عليه # ] :) # (ومن ملك رحمه عتق عليه) ؛ لحديث سمرة - عند أحمد (1) ، وأبي داود، ~~والترمذي، وابن ماجه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من ملك ذا ~~رحم محرم فهو حر ". # ولفظ أحمد: " فهو عتيق "؛ وهو من رواية الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه ~~مقال مشهور، وقال علي بن المديني: هو حديث منكر، وقال البخاري: لا يصح. # وأخرج النسائي، والترمذي، والحاكم من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر "، وهو من رواية ضمرة، عن ~~الثوري، عن عبد الله بن دينار، عنه؛ قال النسائي: حديث منكر، ولا نعلم أحدا ~~رواه عن سفيان غير ضمرة، وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا ~~الحديث. PageV02P498 # لكنه قد وثقه يحيى بن معين وغيره، وحديثه في " الصحيحين "، وقد صحح حديثه ~~- هذا - ابن حزم، وعبد الحق، وابن القطان. # وأخرج أبو داود، والنسائي عن عمر بن الخطاب موقوفا مثل حديث سمرة؛ وهو من ~~رواية قتادة عنه؛ ولم يسمع منه. # أقول: الحاصل أن جميع الأخبار الواردة في عتق ذي ms523 الرحم لا تخلو عن مقال، ~~ولكنها تنتهض بمجموعها للاستدلال. # ولا يعارضها حديث أبي هريرة - الآتي - عند مسلم. # وقد ذهب إلى أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه: أكثر أهل العلم من الصحابة ~~والتابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد. # وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إنه يعتق عليه الأولاد والآباء ~~والأمهات، ولا يعتق عليه غيرهم من قرابته، وزاد مالك: الإخوة. # ولا ينافي ما ذكرناه حديث أبي هريرة - عند مسلم وغيره - قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لا يجزي ولد عن والده؛ إلا أن يجده مملوكا؛ ~~فيشتريه فيعتقه ": # لأن إيقاع العتق تأكيدا لا ينافي وقوعه بالملك. # وزاد في " حاشية الشفاء ": " لأن الإعتاق ههنا - وإن كان ظاهرا في ~~الإنشاء بعد الشراء -؛ فهو لا يستلزم أن الشراء بنفسه لا يكون سببا ". ~~انتهى. # PageV02P499 # وقد تمسك بحديث أبي هريرة: الظاهرية، فقالوا: لا يعتق أحد على أحد (1) # ( [ ### | بيان كفارة من أهان مملوكه # ] :) # (ومن مثل (2) بمملوكه فعليه أن يعتقه) ؛ لحديث ابن عمر - عند مسلم، وغيره ~~- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من لطم مملوكه أو ضربه؛ ~~فكفارته أن يعتقه ". # وفي " مسلم " أيضا؛ عن سويد بن مقرن، قال: كنا - بني مقرن - على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا إلا خادم واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " أعتقوها "، وفي رواية (3) : " إذا ~~استغنوا عنها فليخلوا سبيلها ". # وفي " مسلم " أيضا من حديث أبي مسعود البدري، قال: كنت أضرب غلاما ~~بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي ... إلى أن قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " إن الله أقدر منك على هذا الغلام "، وفيه: قلت: يا رسول الله! ~~هو حر لوجه الله، فقال: " لو لم تفعل للفحتك النار - أو لمستك النار - ". ~~PageV02P500 # (وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم) ؛ لحديث عمرو بن شعيب؛ عن أبيه، عن جده؛ ~~في المملوك الذي جب سيده مذاكيره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " علي ~~بالرجل "، فلم يقدر عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اذهب؛ ms524 فأنت حر ~~"؛ أخرجه أبو داود (1) ، وابن ماجه، وقد أخرجه أحمد؛ وفي إسناده الحجاج بن ~~أرطاة، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجال أحمد ثقات، وأخرجه أيضا الطبراني. # وقد حكى في " البحر " عن علي، والشافعية، والحنفية: أنه لا يعتق العبد ~~بمجرد المثلة، بل يؤمر السيد بالعتق؛ فإن تمرد؛ فالحاكم. # وقال مالك والليث وداود والأوزاعي: بل يعتق بمجردها. # قال النووي في " شرح مسلم ": " إنه أجمع العلماء على أن ذلك العتق ليس ~~واجبا، وإنما هو مندوب؛ رجاء الكفارة وإزالة إثم اللطم. # وذكر من أدلتهم: إذنه صلى الله عليه وسلم بأن يستخدموها كما تقدم. # ودعوى الإجماع غير صحيحة، وإذنه صلى الله عليه وسلم بالاستخدام لا يدل ~~على عدم الوجوب؛ بل الأمر قد دل على الوجوب، والإذن بالاستخدام دل على كونه ~~وجوبا متراخيا إلى وقت الاستغناء عنها ". انتهى (2) . PageV02P501 # ( [ ### | بيان حكم من أعتق عبدا له فيه شركاء # ] :) # (ومن أعتق شركا له في عبد؛ ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم؛ وإلا عتق ~~نصيبه فقط واستسعي العبد) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أعتق شركا له في عبد؛ وكان له مال يبلغ ~~ثمن العبد؛ قوم عليه العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد؛ ~~وإلا فقد عتق عليه ما عتق "، زاد الدارقطني: " ورق ما بقي " (1) . # وأخرج أحمد (2) ، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي المليح، عن أبيه: أن ~~رجلا من قومه أعتق شقصا له من مملوك، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فجعل خلاصه عليه في ماله، وقال: " ليس لله شريك ". # وفي " الصحيحين " أيضا من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: " من أعتق شقيصا من مملوك؛ فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له ~~مال؛ قوم المملوك قيمة عدل؛ ثم استسعي في نصيب الذي لم يعتق؛ غير مشقوق ~~عليه ". # ولا تنافي بين هذا وبين حديث ابن عمر؛ بل الجمع ممكن؛ وهو أن من ~~PageV02P502 # أعتق شركا له في عبد ولا مال له؛ لم يعتق إلا نصيبه، ms525 ويبقى نصيب شريكه ~~مملوكا، فإن اختار العبد أن يستسعي لما بقي استسعي؛ وإلا كان بعضه حرا ~~وبعضه عبدا. # وأخرج أحمد (1) من حديث إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده، قال: كان لهم ~~غلام - يقال له: طهمان أو ذكوان -، فأعتق جده نصفه، فجاء العبد إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " تعتق في عتقك، وترق ~~في رقك "؛ قال: فكان يخدم سيده حتى مات؛ ورجاله ثقات. # وأخرجه الطبراني. # قال في " المسوى ": " قلت: عليه الشافعي: أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك ~~بينه وبين غيره، وهو موسر بقيمة نصيب الشريك؛ يعتق عليه، ويكون ولاؤه كله ~~للمعتق، وإن كان معسرا عتق نصيبه، ونصيب الشريك رقيق لا يكلف إعتاقه، ولا ~~يستسعى العبد في فكه. # قوله: " فأعطى شركاءه حصصهم "؛ يحتمل معنيين: # أحدهما: أنه لا يعتق نصيب الشريك بنفس اللفظ ما لم يؤد إليه قيمته، وقال ~~به الشافعي في القديم. PageV02P503 # وثانيهما: أنه يعتق كله عليه بنفس الإعتاق، ولا يتوقف على أداء القيمة، ~~وذلك لأن إعطاء القيمة والعتق حكمان لمن أعتق شركا له في عبد؛ يردان عليه ~~جميعا، وقال به الشافعي في الجديد. # وقال أبو حنيفة: إن كان المعتق موسرا فالذي لم يعتق بالخيار؛ إن شاء أعتق ~~نصيبه، وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه، فإذا أدى عتق، فكان الولاء ~~بينها، وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه، ثم شريكه بعد ما ضمن رجع على العبد ~~استسعاه، فإذا أداه عتق؛ وولاؤه كله له. # وقال صاحباه: لا يعتق نصيب الشريك بنفس الإعتاق؛ بل يستسعى العبد، فإذا ~~أدى قيمة النصف الآخر عتق كله، والولاء بينهما، ومأخذ قولهم حديث أبي هريرة ~~مرفوعا: " من أعتق شقيصا في عبد؛ عتق كله إن كان له مال؛ وإلا يستسعى غير ~~مشقوق عليه "؛ رواه الشيخان. # قوله: " غير مشقوق عليه "؛ أي: لا يستغلى عليه في الثمن، وتأويل هذا ~~الحديث على قول الشافعي: إن معنى " يستسعى ": يستخدم لسيده الذي لم يعتق إن ~~كان معسرا، ومعنى " غير مشقوق عليه ": أنه لا يحمل من الخدمة فوق ms526 ما يلزمه؛ ~~إنما يطالبه بقدر ما له فيه من الرق ". انتهى. # ( [ ### | بيان أن الولاء لمن أعتق # ] :) # (ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق) : لحديث عائشة في " الصحيحين "، ~~وغيرهما: أنها جاءت إليها بريرة تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من ~~كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك ~~كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت بريرة ذلك لأهلها فأبوا، وقالوا: إن ~~شاءت أن # PageV02P504 # تحتسب عليك فلتفعل؛ ويكون لنا ولاؤك؛ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابتاعي فأعتقي؛ فإنما ~~الولاء لمن أعتق "، ثم قام فقال: " ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب ~~الله تعالى؟ ! من اشترط شرطا ليس في كتاب الله؛ فليس له، وإن شرط مئة مرة، ~~شرط الله أحق وأوثق ". # وللحديث طرق وألفاظ. # قال ابن القيم رحمه الله: # " قال شيخنا: الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط، ولا إباحة له، ولكن عقوبة لمشترطه؛ إذ ~~أبى أن يبيع جارية للعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله - تعالى - وشرعه، ~~فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل؛ ليظهر به حكم الله ورسوله في أن الشروط ~~الباطلة لا تغير شرعه، وأن من شرط ما يخالف دينه؛ لم يجبر أن يوفي له ~~بشرطه. # ولا يبطل من البيع به؛ وإن عرف فساد الشرط، وشرطه إلغاء اشتراطه ولم ~~يعتبر، والله تعالى أعلم ". # قلت: وعليه أهل العلم: أن من أعتق عبدا يثبت له عليه الولاء ويرثه به، ~~ولا يثبت الولاء بالحلف والموالاة، وبأن يسلم رجل على يدي رجل؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أضاف الولاء إلى المعتق ب (الألف واللام) ، فأوجب ذلك ~~قطعه عن غيره، كما يقال: الدار لزيد، فيه إيجاب الملك فيها لزيد وقطعها عن ~~غيره، وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بعقد المولاة. # PageV02P505 # ( [ ### | جواز بيع المدبر للحاجة # ] :) # (ويجوز التدبير، فيعتق بموت مالكه، وإذا احتاج المالك جاز له بيعه) ؛ ~~لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما: ms527 أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر، ~~فاحتاج، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " من يشتريه مني؟ "، ~~فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه. # وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر - مرفوعا وموقوفا - بلفظ: " المدبر من ~~الثلث ". # ورواه الدارقطني مرفوعا بلفظ: " المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من ~~الثلث "، وفي إسناده عبيدة بن حسان (1) ، وهو منكر الحديث. # وقد ذهب إلى جواز بيع المدبر للحاجة: الشافعي، وأهل الحديث، ونقله ~~البيهقي في " المعرفة " عن أكثر الفقهاء. # وحكى النووي عن الجمهور: أنه لا يجوز بيع المدبر مطلقا، وبه قال أبو ~~حنيفة، وتعقبه الشافعي بما روي عن جابر، وتقدم. # وأجيب باحتمال أن يكون تدبيره مقيدا بشرط أو زمان. # ورد بأن اسم التدبير إذا أطلق؛ فيفهم منه التدبير المطلق لا غير. # واتفقوا على جواز وطء المدبرة. # ومن أجاز بيعه قال: يباع في الجناية. # أقول: قد دل الحديث على جواز البيع للحاجة، وليس فيه دلالة على ~~PageV02P506 # عدم جوازه مع عدمها، ولم يرد ما يدل على ذلك إلا ما لا يحتج بمثله. # فالقائل بالجواز واقف في موقف المنع، وعلى مدعي عدمه بيان المانع، فإن ~~قال المانع: العتق؛ قلنا: الناجز، وأما المشروط بشرط لم يقع؛ فممنوع كونه ~~مانعا. # ( [ ### | بيان جواز مكاتبة المملوك على مال يؤديه # ] :) # (ويجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه) ؛ لقوله - تعالى - {فكاتبوهم} ~~الآية. # وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية، فقرر ذلك الإسلام، ولا أعرف خلافا في ~~مشروعيتها. # قلت: وعليه أبو حنيفة. # وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في العبد - بدلالة الكتاب - الاكتساب مع ~~الأمانة، فأحب أن لا يمتنع من كتابته إذا كان هكذا. # ( [ ### | متى يصير المكاتب حرا # ؟] :) # (فيصير عند الوفاء حرا، ويعتق منه بقدر ما سلم) ؛ لحديث ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " يودى (1) المكاتب بحصة ما أدى دية الحر، ~~وما بقي دية العبد "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي (2) . # وأخرج أحمد، وأبو داود، نحوه من حديث علي (2) . PageV02P507 # وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وذهب آخرون إلى أن حكم المكاتب حكم ms528 العبد ~~حتى يوفي مال الكتابة. # واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " أيما عبد كوتب بمئة أوقية، فأداها إلا عشر أوقيات؛ فهو رقيق "؛ ~~رواه أحمد (1) ، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححه -. # وفي لفظ لأبي داود: " المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم ". # ولا يعارض هذا ما تقدم. # فالجمع ممكن؛ بحمل هذا على ما لا يمكن تبعضه من الأحكام، وفي حديث أم ~~سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان ~~عنده ما يؤدي؛ فلتحتجب منه "، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي ~~- وصححه - (2) . # فأثبت له ههنا حكم الحر؛ لأن العبد يجوز له أن ينظر إلى مولاته؛ لقوله - ~~تعالى -: {أو ما ملكت أيمانهن} . # قال في " المسوى ": # " المكاتب عبد ما بقي عليه شيء، وعليه أكثر أهل العلم، فلا يرث من ~~PageV02P508 # قريبه شيئا، وإذا أصاب حدا ضرب حد العبد ". # ( [ ### | بيان مصير المكاتب إذا عجز عن تسليم المال # ] :) # (وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة عاد في الرق) ؛ لكون المالك لم يعتقه إلا ~~بعوض، وإذا لم يحصل العوض لم يحصل العتق، وقد اشترت عائشة بريرة بعد أن ~~كاتبها أهلها؛ كما تقدم. # ( [ ### | يحرم بيع الأمة التي ولدت له # ] :) # (ومن استولد أمته لم يحل له بيعها) ؛ لحديث ابن عباس، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " من وطئ أمته فولدت له؛ فهي معتقة عن دبر منه ". # أخرجه أحمد (1) ، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وفي إسناده الحسين ابن ~~عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف. # وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس، قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: " أعتقها ولدها " (2) . # وأخرجه أيضا الدارقطني، وفي إسناده الحسين بن عبد الله، وهو ضعيف؛ كما ~~تقدم. # وأخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عباس أيضا: " أم الولد ~~PageV02P509 # حرة؛ وإن كان سقطا "، وإسناده ضعيف (1) . # وأخرج البيهقي من حديث ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لأم إبراهيم: ms529 " أعتقك ولدك "؛ وهو معضل. # وقال ابن حزم: صح هذا بسند رواته ثقات عن ابن عباس. # وأخرج الدارقطني (2) عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه ~~نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقا ل: " لا يبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع ~~بها السيد ما دام حيا، وإذا مات فهي حرة ". # وقد أخرجه مالك في " الموطإ "، والدارقطني أيضا من قول ابن عمر (3) ، ~~وأخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا. # وهذه الأحاديث - وإن كان في أسانيدها ما تقدم -؛ فهي تنتهض للاحتجاج بها، ~~وقد أخذ بها الجمهور. # وذهب من عداهم إلى الجواز، وتمسكوا بحديث جابر، قال: كنا نبيع سرارينا ~~أمهات أولادنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم PageV02P510 # - وأبي بكر، فلما كان عمر؛ نهانا فانتهينا "، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، ~~والبيهقي (1) . # وأخرجه أيضا أحمد، وابن حبان والحاكم. # وليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اطلع على ذلك. # والخلاف في المسألة - بين الصحابة فمن بعدهم - معروف مشهور. # ( [ ### | تعتق الأمة بموت الذي استولدها # ] :) # (وعتقت بموته) ؛ أي: سيدها الذي استولدها؛ لقوله في الحديث المتقدم: " ~~فهي معتقة عن دبر منه "؛ أي: في دبر حياته. # (أو بتخييره) ؛ أي: تخيير مستولدها (2) (لعتقها) ؛ لأن إيقاع العتق يوجب ~~عتق من لم يوجب لعتقه سبب. # فمن قد وجد له سبب عتقه أولى بذلك، ولا سيما بعد قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " أعتقها ولدها "؛ فإنه يدل على أنه قد وقع العتق بالولادة، ولكن ~~بقي للسيد حق يوجب عليها بعض ما يجب على المملوك حتى يموت، فإذا نجز العتق؛ ~~فقد رضي بإسقاط ذلك الحق. PageV02P511 # (14 - ### | باب الوقف # ( [ ### | تعريف الوقف # ] :) # قال في " الحجة البالغة ": # " وهو من التبرعات، كان أهل الجاهلية لا يعرفونه، فاستنبطه النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمصالح لا توجد في سائر الصدقات؛ فإن الإنسان ربما يصرف في ~~سبيل الله مالا كثيرا ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، وتجيء ~~أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن ~~يكون شيء حبسا للفقراء وابن السبيل، يصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله على ms530 ملك ~~الواقف ". انتهى. # ( [ ### | الأدلة على مشروعية الوقف # ] :) # (من حبس ملكه في سبيل الله صار محبسا) ؛ قد ذهب إلى مشروعيتة الوقف ~~ولزومه جمهور العلماء. # قال الترمذي: " لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في ~~جواز وقف الأرضين ". # وجاء عن شريح أنه أنكره. # PageV02P512 # وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه؛ إلا زفر. # وقد حكى الطحاوي عن أبي يوسف، أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة - يعني: الدليل ~~-؛ لقال به. # وقال القرطبي: راد الوقف مخالف للإجماع، فلا يلتفت إليه. # ومما يدل على صحته ولزومه؛ حديث أبي هريرة - عند مسلم، وغيره -، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله؛ إلا من ثلاثة ~~أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". # وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عمر: أن عمر أصاب أرضا بخيبر، ~~فقال: يا رسول الله! أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه؛ فما ~~تأمرني؟ فقال: " إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها "، فتصدق بها عمر - على أن ~~لا تباع ولا توهب ولا تورث - في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضعيف وابن ~~السبيل؛ لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم؛ غير متمول. # وأخرج النسائي، والترمذي - وحسنه -، والبخاري - تعليقا - من حديث عثمان: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة؛ وليس بها ماء يستعذب غير بئر ~~رومة، فقال: " من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين؛ بخير ~~له منها في الجنة؟ "، فاشتريتها من صلب مالي. # وفي " الصحيحين ": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أما خالد؛ فقد حبس ~~أدرعه # PageV02P513 # وأعتده (1) في سبيل الله ". # ( [ ### | للواقف أن يجعل غلات الموقوف لمن شاء # ] :) # (وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة) ؛ لقوله صلى الله عليه ~~وسلم لعمر في الحديث السابق: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها "، فإطلاق ~~الصدقة يشعر بأن للواقف أن يتصدق بها كيف شاء؛ فيما فيه قربة. # وقد فعل عمر ذلك، فتصدق بها على الفقراء وذوي القربى والرقاب ms531 والضعيف ~~وابن السبيل؛ كما تقدم. # والحاصل: أن الوقف الذي جاءت به الشريعة - ورغب فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفعله أصحابه -؛ هو الذي يتقرب به إلى الله - عز وجل -، حتى يكون ~~من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها، فلا يصح أن يكون مصرفه ~~غير قربة؛ لأن ذلك خلاف موضوع الوقف المشروع؛ لكن القربة توجد في كل ما ~~أثبت فيه الشرع أجرا لفاعله؛ كائنا ما كان. # فمن وقف - مثلا - على إطعام نوع من أنواع الحيوانات المحترمة؛ كان وقفه ~~صحيحا؛ لأنه قد ثبت في السنة الصحيحة: " أن في كل كبد رطبة أجرا ". # ومثل هذا: لو وقف على من يخرج القذارة من المسجد، أو يرفع ما يؤذي ~~المسلمين في طريقهم؛ كان ذلك وقفا صحيحا؛ لورود الأدلة الدالة على ~~PageV02P514 # ثبوت الأجر لفاعل ذلك. # فقس على هذا غيره مما هو مساو له في ثبوت الأجر لفاعله، وما هو آكد منه ~~في استحقاق الثواب. # ( [ ### | جواز الأكل من وقفه وأن يجعل نفسه عليه # ] :) # (وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف) ؛ لما تقدم في وقف عمر الذي قرره ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # (وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين) ؛ لما تقدم في حديث عثمان ~~من قوله صلى الله عليه وسلم: " فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين ". # ( [ ### | بطلان وقف من أراد مضارة لوارثه # ] :) # (ومن وقف شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا) ؛ لأن ذلك مما لم يأذن به ~~الله - سبحانه -؛ بل لم يأذن إلا بما كان صدقة جارية ينتفع بها صاحبها؛ لا ~~بما كان إثما جاريا وعقابا مستمرا. # وقد نهى الله - تعالى - عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا، ونهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم عموما؛ كحديث: " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ~~" - وقد تقدم -، وخصوصا؛ كما في ضرار الجار، وضرار الوصية، ونحوهما. # والحاصل: أن الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة ~~فرائض الله - عز وجل -: فهي باطلة من أصلها؛ لا تنعقد بحال. # وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون ms532 إناثهم، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا # PageV02P515 # لم يرد التقرب إلى الله - تعالى -؛ بل أراد المخالفة لأحكام الله - عز ~~وجل -، والمعاندة لما شرعه لعباده، وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك ~~المقصد الشيطاني، فليكن هذا منك على ذكر؛ فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة { # وهكذا وقف من لا يحمله على الوقف؛ إلا محبة بقاء المال في ذريته وعدم ~~خروجه عن أملاكهم، فيقفه على ذريته؛ فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله ~~- عز وجل -؛ وهو انتقال الملك بالميراث، وتفويض الوارث في ميراثه يتصرف فيه ~~كيف يشاء، وليس أمر غنى الورثة أو فقرهم إلى هذا الواقف؛ بل هو إلى الله - ~~عز وجل -. # وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا؛ بحسب اختلاف ~~الأشخاص. # فعلى الناظر أن يمعن النظر في الأسباب المقتضية لذلك. # ومن هذا النادر: أن يقف على من تمسك بالصلاح من ذريته، أو اشتغل بطلب ~~العلم؛ فإن هذا الوقف ربما يكون المقصد فيه خالصا، والقربة متحققة، ~~والأعمال بالنيات، ولكن تفويض الأمر إلى ما حكم الله به بين عباده وارتضاه ~~لهم؛ أولى وأحق. # ( [ ### | بيان حكم المال الموقوف الذي يوضع في مكان لا يستفاد منه # ] :) # (ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد (1) لا ينتفع به أحد؛ جاز صرفه في ~~PageV02P516 # أهل الحاجات ومصالح المسلمين، ومن ذلك ما يوضع في الكعبة وفي مسجده - صلى ~~الله عليه وسلم -) ؛ لحديث عائشة - في " صحيح مسلم " وغيره -، قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو ~~قال: بكفر -؛ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ". # فهذا يدل على جواز إنفاق ما في الكعبة إذا زال المانع، وهو حداثة عهد ~~الناس بالكفر، وقد زال ذلك، واستقر أمر الإسلام، وثبت قدمه في أيام ~~الصحابة؛ فضلا عن زمان من بعدهم. # وإذا كان هذا هو الحكم في الأموال التي في الكعبة؛ فالأموال التي في ~~غيرها من المساجد أولى بذلك؛ بفحوى الخطاب. # فمن وقف على مسجده - صلى الله عليه وسلم -، أو على الكعبة، أو على سائر ~~المساجد ms533 شيئا يبقى فيها لا ينتفع به أحد؛ فهو ليس بمتقرب ولا واقف ولا ~~متصدق؛ بل كانز يدخل تحت قوله - تعالى -: {الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله} الآية. # ولا يعارض هذا ما روى أحمد، والبخاري، عن أبي وائل، قال: جلست إلى شيبة ~~في هذا المسجد، فقال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا، فقال: لقد هممت أن لا أدع ~~فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: ~~لم؟ {قلت: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرآن يقتدى بهما "} # لأن هذا - من عمر ومن شيبة بن عثمان بن طلحة - اقتداء بما وقع من # PageV02P517 # النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر؛ وقد أبان حديث عائشة السبب الذي ~~لأجله ترك صلى الله عليه وسلم ذلك. # أقول: وفي " حاشية الشفاء ": # " وأما أموال المساجد؛ فإن كانت كالأموال التي يقفها الواقفون عليها؛ ~~ليحصل من غلاتها ما يحتاج إليه من عمارة ونحوها، وما يقوم بمن يحييها ~~بالصلاة والتلاوة وتدريس العلوم؛ فلا شك أن هذا من أعظم القرب، ولا يحل ~~لمسلم أن يأخذ منه شيئا. # وإن كان ذلك من الأمور التي لمجرد الزخرفة - التي هي من علامات القيامة، ~~أو للمباهاة والمكاثرة -؛ فهو من إضاعة المال؛ بل من وضعه في معاصي الله؛ ~~فيكون أخذه وصرفه في مصالح المسلمين من باب القيام بواجبين: # أحدهما: النهي عن المنكر. # والثاني: توقي إضاعة المال المنهي عنها بالدليل الصحيح. # وأما وضع الحلي في الكعبة، والدراهم والدنانير والجواهر النفيسة؛ فلا ~~أستبعد أن يكون فاعله من الكانزين الذين قال الله - عز وجل - فيهم: {يوم ~~يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} ، ولا أرى على من أخذها - ليصرفها في مصالح ~~المؤمنين؛ أو يدفع بها مفاسدهم بأسا، ولم يرد - ما يدل على المنع ". انتهى. # PageV02P518 # وقد أوضح الماتن الكلام فيها في " شرح المنتقى "، فليراجع. ### | ( [تحريم الوقف على القبور لتزيينها أو زخرفتها] :) # (والوقف على القبور - لرفع سمكها، أو تزيينها، أو فعل ما يجلب على ms534 زائرها ~~فتنة - باطل) ؛ لأن رفعها قد ورد النهي عنه؛ كما في حديث علي: أنه أمره صلى ~~الله عليه وسلم أن لا يدع قبرا مشرفا إلا # سواه، ولا تمثالا إلا طمسه. # وهو في " مسلم " وغيره. # وكذلك تزيينها، وأشد من ذلك ما يجلب الفتنة على زائرها؛ كوضع الستور ~~الفائقة، والأحجار النفيسة، ونحو ذلك؛ فإن هذا مما يوجب أن يعظم صاحب ذلك ~~القبر في صدر زائره من العوام، فيعتقد فيه ما لا يجوز. # وهكذا إذا وقف للنحر عند القبور ونحوه مما فيه مخالفة لما جاء عن الشارع. # أما إذا وقف على إطعام من يفد إلى ذلك القبر، أو نحو ذلك؛ فهذا هو وقف ~~على الوافد لا على القبر (1) ، وما صنع الواقف بوقفه على القبر إلا ما ~~يعرضه للإثم؛ فقد يكون ذلك سببا للاعتقادات الفاسدة. # وبالجملة: فالوقف على القبور مفسدة عظيمة ومنكر كبير؛ إلا أن يقف على ~~القبر - مثلا - لإصلاح ما انهدم من عمارته؛ التي لا إشراف فيها ولا رفع ولا ~~تزيين PageV02P519 # فقد يكون لهذا وجه صحة؛ وإن كان غير القبر أحوج إلى ذلك؛ كما قال الصديق ~~- رضي الله تعالى عنه -: الحي أولى بالجديد من الأكفان؛ أو كما قال. # PageV02P520 # (15 - ### | باب الهدايا # ( [ ### | فائدة الهدية # ] :) # جمع هدية؛ قال في " الحجة البالغة ": # " إنما يبتغى بها إقامة الألفة فيما بين الناس، ولا يتم هذا المقصود إلا ~~بأن يرد إليه مثله؛ فإن الهدية تحبب المهدي إلى المهدى له؛ من غير عكس. # وأيضا؛ فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، ولمن أعطى الطول على من أخذ، ~~فإن عجز فليشكره، وليظهر نعمته؛ فإن الثناء أول اعتداد بنعمته وإضمار ~~لمحبته، وأنه يفعل في إيراث الحب ما تفعل الهدية، ومن كتم فقد خالف عليه ما ~~أراده، وناقض مصلحة الائتلاف، وغمط حقه. # ومن أظهر ما ليس في الحقيقة؛ فلذلك كذب ". انتهى. # ( [ ### | دليل مشروعية الهدية # ] :) # (يشرع قبولها ومكافأة فاعلها) ؛ لحديث أبي هريرة - عند البخاري -، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لو دعيت إلى كراع (1) أو ذراع؛ لأجبت، ~~ولو أهدي إلي ذراع أو كراع؛ ms535 لقبلت ". PageV02P521 # وأخرج أحمد، والترمذي - وصححه - نحوه من حديث أنس. # وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم الخزاعية، قالت: قلت يا رسول الله {تكره ~~رد اللطف؟ قال: " ما أقبحه} لو أهدي إلي كراع لقبلته " (1) . # وأخرج أحمد (2) برجال الصحيح؛ من حديث خالد بن عدي، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من جاءه من أخيه معروف - من غير إشراف ولا مسألة -؛ فليقبله ولا يرده؛ ~~فإنما هو رزق ساقه الله إليه ". # وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقبل الهدية، ويثيب عليها. # والأحاديث في قبول الهدية والمكافأة عليها كثيرة، وذلك معلوم منه صلى ~~الله عليه وسلم. # ( [ ### | جواز تبادل الهدايا بين المسلم والكافر # ] :) # (وتجوز بين المسلم والكافر) : لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~هدايا الكفار، ويهدي لهم، كما أخرجه أحمد (3) ، والترمذي، والبزار من حديث ~~علي، PageV02P522 # قال: أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقبل منه، وأهدى له قيصر؛ ~~فقبل منه، وأهدت له الملوك؛ فقبل منها. # وأخرج أبو داود (1) من حديث بلال: أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عظيم فدك. # وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن أكيدر دومة أهدى لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جبة سندس. # وأخرج أبو داود (2) من حديثه: أن ملك الروم أهدى إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم مستقة (3) سندس؛ فلبسها. # وفيهما أيضا من حديث علي: أن أكيدر دومة الجندل (4) أهدى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثوب حرير، فأعطاه عليا، فقال: " شققه خمرا بين الفواطم (5) ~~". # وأخرج البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر، قال: أتتني أمي راغبة ~~PageV02P523 # في عهد قريش وهي مشركة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أصلها؟ قال: " ~~نعم "، قال ابن عيينة (1) : فأنزل الله فيها: {لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين} . # وقد أخرج أحمد، والطبراني من حديث أم سلمة: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لها: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى ~~النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي ms536 إلا مردودة؛ فإن ردت إلي فهي لك "؛ وفي ~~إسناده مسلم بن خالد الزنجي؛ وثقه يحيى ابن معين وغيره، وضعفه جماعة (2) . # والأحاديث في قبوله - صلى الله عليه وسلم - لهدايا الكفار كثيرة جدا. # وأما ما أخرجه أحمد (3) ، وأبو داود، والترمذي، وابن خزيمة - وصححاه - من ~~حديث عياض بن حمار: أنه أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - هدية، أو ناقة، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أسلمت؟ ". قال: لا، قال: " إني قد ~~نهيت عن زبد المشركين ". PageV02P524 # وأخرج موسى بن عقبة في " المغازي " عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أن ~~عامر بن مالك - الذي يقال له: ملاعب الأسنة - قدم على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأهدى له؛ فقال: " إني لا أقبل هدية مشرك " (1) . # قال في " الفتح " (2) : " رجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل، قال الخطابي: يشبه ~~أن يكون هذا الحديث منسوخا ". # وقيل: إنما رد ذلك إليهم لقصد الإغاظة؛ أو لئلا يميل إليهم، ولا يجوز ~~الميل إلى المشركين. # وأما قبوله لهدية من تقدم ذكره؛ فهو لكونهم قد صاروا من أهل الكتاب. # وقيل: إن الرد في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من ~~يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه. # ويمكن أن يكون النهي لمجرد الكراهة التي لا تنافي الجواز؛ جمعا بين ~~الأدلة. # وزبد المشركين: هو بفتح الزاي، وسكون الموحدة، بعدها دال مهملة. # قال في " الفتح ": " هو الرفد ". انتهى. # ( [ ### | الرجوع بالهدية حرام # ] :) # (ويحرم الرجوع فيها) ؛ لكون الهدية هي هبة - لغة وشرعا -، وقد ورد ~~PageV02P525 # في ذلك حديث ابن عباس - عند البخاري، وغيره -، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه "؛ وهو في " مسلم " أيضا. # وفي لفظ للبخاري: " ليس لنا مثل السوء ". # وأخرج أحمد (1) ، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم - ~~من حديث ابن عمر، وابن عباس، رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده، ~~ومثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها؛ كمثل الكلب؛ أكل حتى إذا شبع قاء، ثم ~~رجع ms537 في قيئه ". # وقد دل قوله: " لا يحل " على تحريم الرجوع من غير نظر إلى التمثيل الذي ~~وقع الخلاف فيه؛ هل يدل على الكراهة أو التحريم؟ ! # وقد ذهب إلى التحريم جمهور العلماء؛ إلا هبة الوالد لولده؛ كذا قال في " ~~الفتح ". # ( [ ### | تجب التسوية بالهدايا بين الأولاد # ] :) # (وتجب التسوية بين الأولاد) ؛ لحديث جابر - عند مسلم وغيره -، قال: قالت ~~امرأة بشير: انحل ابني غلاما وأشهد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها ~~غلامي، فقال: " له PageV02P526 # إخوة؟ "، قال: نعم، قال: " فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ "، قال: لا، قال: ~~" فليس يصلح هذا؛ وإني لا أشهد إلا على حق ". # وفي لفظ لأحمد من حديث النعمان بن بشير: " لا تشهدني على جور؛ إن لبنيك ~~عليك من الحق أن تعدل بينهم " (1) . # وفي " الصحيحين " من حديثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " أكل ~~ولدك نحلته مثل هذا؟ "، فقال: لا، فقال: " فأرجعه ". # وفي لفظ لمسلم من حديثه: " اتقوا الله واعدلوا في أولادكم "، فرجع أبي في ~~تلك الصدقة. # وكذا في " البخاري "؛ ولكنه بلفظ: " العطية ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديثه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: ~~" اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم ". # وأخرج الطبراني، والبيهقي (2) ، وسعيد بن منصور من حديث ابن عباس؛ بلفظ: ~~" سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء "، وفي ~~إسناده سعيد بن يوسف؛ وفيه ضعف، وقد حسن في " الفتح " إسناده. PageV02P527 # وهذه الأحاديث تدل على وجوب التسوية، وأن التفضيل باطل جور يجب على فاعله ~~استرجاعه، وبه قال طاوس، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وبعض المالكية. # وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فقط، وأجابوا عن الأحاديث بما لا ~~ينبغي الالتفات إليه. # والحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتسوية بين الأولاد، وقد ~~تولى الله - سبحانه - كيفية ذلك في محكم كتابه، وسمى التفضيل جورا، فمن زعم ~~أنه يجوز التفضيل لسبب من الأسباب - كالبر ونحوه -؛ فعليه الدليل، ولا ~~ينفعه ms538 المجيء بما هو أعم من هذا الحديث المقتضي للأمر بالتسوية. # والمقام محتمل للتطويل والبسط، وقد جمع الماتن - رحمه الله - فيه رسالة ~~مستقلة، وذكر في " شرح المنتقى " ما أجاب به القائلون بعدم وجوب التسوية، ~~وهي وجوه عشرة، وأجاب عن كل واحد منها. # وأوضحت المقام أيضا في كتابي: " دليل الطالب على أرجح المطالب "، ~~فليراجع. # قال ابن القيم - في حديث نعمان بن بشير المتقدم -: # " هذا الحديث هو من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه، وقامت به ~~السماوات والأرض، وأثبتت عليه الشريعة، فهو أشد موافقة للقرآن من كل قياس ~~على وجه الأرض، وهو محكم الدلالة غاية الإحكام، فرد بالمتشابه من قوله: " ~~كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين "، فكونه أحق به # PageV02P528 # يقتضي جواز تصرفه فيه كما يشاء، وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب. # ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم، والقياس لا يقاوم هذا ~~المحكم المبين غاية البيان ". انتهى. # وفي " شرح السنة ": " ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن تفضيل بعض الأولاد ~~على بعض في النحل مكروه، ولو فعل نفذ. # وقد فضل أبو بكر عائشة بجداد (1) عشرين وسقا؛ نحلها إياه دون سائر ~~أولاده. # وفي الحديث دليل على أن الوالد إذا وهب لولده شيئا؛ جاز له الرجوع فيه، ~~وكذلك الأمهات والأجداد. # وأما غير الوالدين؛ فلا رجوع لهم فيما وهبوا وسلموا؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم: " العائد في هبته كالعائد في قيئه ". # وهو قول الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا رجوع له فيما وهب لولده ". # ( [ ### | متى يحرم قبول الهدايا ومتى يكره ردها # ؟] :) # (والرد لغير مانع شرعي مكروه) ؛ لما قدمنا في أول البحث من الأدلة، فإن ~~كان ثم مانع شرعي من قبول الهدية؛ لم يحل قبولها، وذلك كالهدايا ~~PageV02P529 # لأهل الولايات؛ توصلا إلى أن يميلوا مع المهدي؛ فإن ذلك رشوة، وستأتي ~~الأدلة الدالة على تحريمها. # وقد ورد في هدايا الأمراء ما يفيد أنها لا تحل، وسيأتي الكلام على طرق ~~حديث هدايا الأمراء في (كتاب القضاء) . # والعلة أنها تؤول إلى الرشوة: إما في الحكم؛ أو في ms539 شيء مما يجب قيام ~~الأمراء به. # ومن ذلك: الهدية إلى من يعلم المهدي القرآن، وقد تقدم الدليل على ذلك في ~~الإجارات. # وهكذا حلوان الكاهن، ومهر البغي، ونحوهما. # ومن ذلك: الهدية لمن يقضي للمهدي حاجة؛ لحديث أبي أمامة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: " من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها؛ ~~فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ". # أخرجه أبو داود (1) من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأموي - مولاهم - ~~الشامي؛ وفيه مقال. # وبالجملة: فكل مانع شرعي - قام الدليل على ما نعيته من قبول الهدايا -؛ ~~له حكم ما ذكرناه. PageV02P530 # (16 - ### | باب الهبات # ( [ ### | متى تكون الهبة بحكم الهدية # ؟] :) # (إن كانت بغير عوض؛ فلها حكم الهدية في جميع ما سلف) ؛ لكون الهدية هبة ~~لغة وشرعا، والفرق بينهما إنما هو اصطلاح جديد. # فإذا كانت الهبة بغير عوض؛ كانت المكافأة عليها مشروعة، وتجوز للكافر ~~ومنه، ولا يحل الرجوع فيها. # وتجب التسوية بين الأولاد، ويكره الرد بغير مانع شرعي. # ( [ ### | متى تكون الهبة بيعا # ] :) # (وإن كانت بعوض؛ فهي بيع، ولها حكمه) ؛ لأن المعتبر في التبايع إنما هو ~~التراضي والتعاوض، وهما حاصلان في الهبة بعوض؛ إذا كان ذلك واقعا عند ~~التواهب، وأما إذا كان في الموهوب له مكافأة - غير مرادة للواهب عند الهبة ~~- فهي كالهدية. # وبالجملة؛ فتنطبق - على الهبة بغير عوض - الأدلة المتقدمة في الهدية، ~~وتنطبق - على الهبة بعوض - الأدلة المتقدمة في البيع، وقد تقدمت؛ فلا حاجة ~~إلى إيرادها ههنا. # PageV02P531 # ( [ ### | ما هي العمرى # ؟] :) # (والعمرى) : بضم العين المهملة، وسكون الميم مع القصر - عند الأكثر -؛ ~~وهي مأخوذة من العمر، وهو الحياة؛ سميت بذلك؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي ~~الرجل الرجل الدار، ويقول له: أعمرتك إياها؛ أي: أبحتها لك مدة عمرك ~~وحياتك، فقيل لها: عمرى؛ لذلك. # ( [ ### | ما هي الرقبى # ؟] :) # (والرقبى) : بوزن العمرى: مأخوذة من المراقبة؛ لأن كل واحد منهما يرقب ~~الآخر؛ متى يموت لترجع إليه؟ وكذا ورثته يقومون مقامه، هذا أصلهما لغة. ### | ( [بيان أن العمرى والرقبى يوجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه أبدا] :) # (توجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه من بعده؛ ms540 لا رجوع فيهما) ؛ لحديث ~~أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~العمرى ميراث لأهلها - أو قال: جائزة - ". # وفيهما من حديث جابر، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن ~~وهبت له. # وفي لفظ لمسلم: " فمن أعمر عمرى فهي للذي أعمر حيا وميتا ولعقبه ". # PageV02P532 # وفي لفظ لأحمد (1) ، ومسلم (2) ، وأبي داود: إنما العمرى التي أجازها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ~~ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها. # ولكن قد قيل: إن ذلك من كلام أبي سلمة مدرج (3) في حديث جابر؛ فلا تقوم ~~بهذه الرواية الحجة، ولا تصلح لتقييد الأحاديث المطلقة؛ كالحديثين ~~المتقدمين. # وحديث زيد بن ثابت - عند أحمد (4) ، وأبي داود، وابن ماجه، وابن ~~PageV02P533 # حبان - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أعمر عمرى؛ فهي ~~لمعمره حياته ومماته، لا ترقبوا؛ من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث ". # وأخرج أحمد، والنسائي (1) من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لا تعمروا ولا ترقبوا؛ فمن أعمر شيئا أو أرقبه؛ فهو له حياته ~~ومماته "؛ ورجال إسناده ثقات. # وورد في محل النزاع ما أخرجه النسائي (2) من حديث جابر بلفظ: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى بالعمرى - أن يهب الرجل - الرجل ولعقبه - الهبة، ~~ويستثني إن حدث بك حدث ولعقبك؛ فهي إلي وإلى عقبي -؛ أنها لمن أعطاها ~~ولعقبه. # وهكذا ما أخرجه أحمد من حديث جابر: أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من ~~نخيل حياتها، فماتت، فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء، قال: فأبى، ~~فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقسمها بينهم ميراثا؛ ورجاله رجال ~~الصحيح (3) . # وقد أخرجه - أيضا - أبو داود. PageV02P534 # فهذا وما قبله؛ يفيد أنها تكون للوارث وإن لم يذكر؛ بل ذكر الموروث؛ بل ~~وإن استثنى وقال: إن حدث بك حدث فهي إلي؛ فإن ذلك لا يفيد، بل يكون للمعمر ~~والمرقب ولورثته من بعده. # وقد ذهب إلى هذا جماعة من الشافعية. # وذهب الجمهور ms541 إلى أنه إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإذا مت رجعت إلي؛ فهي ~~عارية مؤقتة، ترجع إلى المعمر عند موت المعمر، وتمسكوا برواية جابر ~~المتقدمة. # وقد قدمنا ما قيل فيها من الإدراج (1) . # ثم اعلم أن الهبة تصح بمجرد الإيجاب، ولا تفتقر إلى قبول، ولكنها تبطل ~~بالرد، ومن زعم أنها لا تتم إلا بالقبول احتاج إلى الدليل. # ولا حجة لمن اشترط القبض في الهبة (2) ، ومن كان له صبر على الفاقة وقلة ~~ذات اليد، فلا بأس بالتصدق بأكثر ماله أو بكله، ومن كان يتكفف الناس إذا ~~احتاج؛ لم يحل له أن يتصدق بجميع ماله ولا بأكثره، وهذا هو وجه الجمع بين ~~الأحاديث الدالة على أن مجاوزة الثلث غير مشروعة، وبين PageV02P535 # الأدلة التي دلت على مشروعية التصدق بزيادة على الثلث. # وأما رجوع الوالد في هبة الولد؛ فيستدل على ذلك بما أخرجه أهل السنن، ~~وصححه الترمذي من حديث ابن عمر، وابن عباس قالا: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده ". # وظاهر الحديث تحريم الرجوع في الهبة مطلقا؛ إلا ما تقدم تخصيصه؛ إلا أن ~~يصح ما أخرجه الحاكم (1) من حديث الحسن، عن سمرة - مرفوعا - بلفظ: " إذا ~~كانت الهبة لذي رحم محرم، لم يرجع "؛ ورواه الدارقطني (2) من حديث ابن ~~عباس؛ قال ابن الجوزي: وهما ضعيفان، وقال الحافظ: في إسناد الثاني ضعف. # فإذا انتهضا للاحتجاج؛ كانا مخصصين لذي الرحم من العموم، وكذلك إذا صح ~~حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حزم (3) مرفوعا بلفظ: " الواهب أحق ~~PageV02P536 # بهبته ما لم يثب فيها (4) ". # وأخرج الطبراني في " الكبير " عن ابن عباس مرفوعا: " من وهب هبة؛ فهو أحق ~~بها حتى يثاب عليها " (5) ، وقد ضعف حديث أبي هريرة: ابن الجوزي، وصححه ~~الحاكم (6) من قول عمر. # فإن صح الحديثان أو أحدهما؛ كانا مخصصين للهبة التي لم يثب عليها، فيجوز ~~الرجوع فيها. # وأما حديث " الصحيحين " بلفظ: " العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه ". # وزاد البخاري: " ليس لنا مثل السوء "، وثبت بلفظ: " لا يحل ms542 " كما في حديث ~~ابن عمر، وابن عباس، والرواية التي فيها: " كالكلب يعود في قيئه "؛ ليست ~~إلا المبالغة في الزجر. # وليس المراد بالحديث إلا تمثيل فعل الراجع في الهبة بالكلب العائد في ~~قيئه، وهذه صورة في غاية الشناعة والفظاعة. # وليس المراد بيان ما يجوز للكلب من الرجوع في قيئه، وليس في الشرع ~~PageV02P537 # ما يدل على ألفاظ مخصوصة، ولا على مجلس، ولا على قبض. # ومن زعم أن في الشريعة ما يدل على شيء من ذلك؛ فهو مطالب بالدليل، والفرق ~~بين الحقوق والأملاك - وجعل كل واحد منهما مختصا بشيء مما تحت يد الثابت ~~عليه -؛ إنما هو مجرد اصطلاح من بعض أهل الفروع. # وإذا عرفت ذلك هان عليك الخطب، ولم تحتج إلى الاشتغال بما في ذلك من ~~التفاريع والتفاصيل. # PageV02P538 ### | (الكتاب الحادي عشر: ### | كتاب الأيمان # ) # PageV02P539 # (11 - ### | كتاب الأيمان # ( [ ### | ما تنعقد به اليمين # ] :) # (الحلف إنما يكون باسم) من أسماء (الله تعالى) ؛ وهو ظاهر، (أو صفة له) ~~من صفات ذاته؛ لحلفه - صلى الله عليه وسلم - ب " مقلب القلوب "؛ كما في ~~حديث ابن عمر في " صحيح البخاري "، وغيره، وقال: كان أكثر ما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يحلف: " لا ومقلب القلوب ". # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~زيد بن حارثة: " وأيم الله؛ إن كان لخليقا للإمارة ". # وهكذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الحلف بقوله: " والذي نفسي بيده "، وهو ~~في " الصحيح " # وحكى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن جبرئيل - عليه السلام -، أنه قال: ~~" وعزتك؛ لا يسمع بها أحد إلا دخلها "؛ يعني: الجنة، وهو في " الصحيح " ~~أيضا. # والأحاديث في هذا كثيرة جدا. ### | ( [الحلف بغير الله وصفاته: حرام] :) # (ويحرم بغير ذلك) ؛ أي: بغير اسم الله - تعالى - وصفاته؛ فإن أهل # PageV02P541 # الجاهلية كانوا يعتقدون في أناس أن أسماءهم مباركة معظمة، وكانوا يعتقدون ~~أن الحلف بأسمائهم على الكذب يستوجب حرما في ماله وأهله، فلا يقدمون على ~~ذلك. # ولذلك كانوا يستحلفون الخصوم بأسماء الشركاء بزعمهم، فنهوا عن ذلك؛ كما ~~في حديث ابن عمر - عند ms543 مسلم، وغيره -: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر ~~وهو يحلف بأبيه، فقال: " إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا؛ ~~فليحلف بالله أو ليصمت ". # وفي لفظ: " ومن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله ". # وفي حديث أبي هريرة - عند أبي داود (1) والنسائي، وابن حبان، والبيهقي -، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تحلفوا إلا بالله، ولا ~~تحلفوا إلا وأنتم صادقون ". # وأخرج أبو داود (2) ، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه -، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " من حلف بغير الله فقد كفر "، وفي لفظ: " فقد أشرك ". ~~PageV02P542 # وهو عند أحمد من هذا الوجه. # وفي لفظ للترمذي، والحاكم: " فقد كفر وأشرك ". # وفي الباب أحاديث. # قال في " الحجة البالغة ": # " وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد، ولا أقول بذلك، ~~وإنما المراد عندي اليمين المنعقدة، واليمين الغموس باسم غير الله - تعالى ~~- على اعتقاد ما ذكرنا ". # وقال في " المسوى ": # " قال الشافعي: من حلف بغير الله؛ فهو يمين مكروهة، وأخشى أن يكون معصية. # فإن قيل: أليس قد أقسم الله ببعض مخلوقاته فقال: {والسماء ذات البروج} ، ~~{والشمس وضحاها} ؟ {أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ~~الأعرابي؟} : " أفلح - وأبيه - إن صدق "؟ ! # فالجواب يكون بوجهين: # أحدهما: أن فيه إضمارا معناه: ورب السماء، ورب الشمس، ورب أبيه، ونحو ذلك ~~حيثما وقع. # وثانيهما - وهو الأصح -: أن النهي إنما وقع عما كان على قصد التعظيم ~~للمحلوف باسمه، كالحلف بالله يقصد بذكره التعظيم؛ دون ما كانت العرب ~~تستعمله؛ تؤكد به كلامها؛ من غير ذلك التعظيم. # PageV02P543 # أقول: الحلف باسم غير الله - تعالى - على اعتقاد تعظيمه - بحيث يكون ~~الحنث مع ذكر اسمه موجبا عنده للعقوبة في الدنيا والآخرة -: شرك. # وبغير هذا التعظيم: مكروه لأجل المشابهة؛ مثل ما ذكروا من التفصيل في ~~النهي عن القول ب (مطرنا بنوء كذا وكذا) ". انتهى. # وفي حديث " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " من حلف باللات والعزى؛ فليقل: لا ~~إله إلا الله "، ولا ريب أن الإنسان إنما يحلف بما هو عظيم عنده، ولهذا أمر ~~رسول الله صلى الله ms544 عليه وسلم الحالف أن يحلف بالله أو يصمت. # فمن حلف باللات والعزى؛ كان معظما لهما، ومن عظمهما كفر، ومن كفر لم يرجع ~~إلى الإسلام إلا بكلمة الإسلام؛ وهي: لا إله إلا الله. # ( [ ### | لا حنث على من حلف واستثنى # ] :) # (ومن حلف فقال: إن شاء الله؛ فقد استثنى، ولا حنث عليه) ؛ لحديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حلف فقال: إن شاء الله؛ ~~لم يحنث "؛ أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، وابن حبان. # ولفظ ابن ماجه: " فله ثنياه ". # ولفظ النسائي: " فقد استثنى ". # وأخرجه الحاكم (1) ، وقد صححه ابن حبان. PageV02P544 # وأخرج أبو داود، عن عكرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله ~~لأغزون قريشا "، ثم قال: " إن شاء الله "، ثم قال: " والله لأغزون قريشا "، ~~ثم قال: " إن شاء الله "، ثم قال: والله لأغزون قريشا "، ثم سكت، ثم قال: " ~~إن شاء الله "، ثم لم يغزهم. # قال أبو داود: إنه قد أسنده غير واحد عن ابن عباس (1) ، وقد رواه البيهقي ~~موصولا ومرسلا. # ويؤيد أحاديث الباب ما في " الصحيحين ": " أن سليمان بن داود قال: لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة " ... الحديث؛ وفيه: فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " لو قال: إن شاء الله؛ لم يحنث ". # وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. # وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك، فقال: " أجمع المسلمون على أن قوله: ~~إن شاء الله؛ يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا ". # وفي " الموطإ " عن ابن عمر: من قال: والله، ثم قال: إن شاء الله، ثم لم ~~يفعل الذي حلف عليه؛ لم يحنث. # قال مالك: أحسن ما سمعت في الثنيا: أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه، وما ~~كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت؛ فإذا سكت وقطع كلامه؛ فلا ~~ثنيا له. PageV02P545 # قلت: وعلى هذا أهل العلم؛ أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين؛ فلا حنث ~~عليه. # أقول: ثم اعلم أن اعتبار الأعراف في الأيمان لا بد منه؛ فإن الحالف عند ~~حلفه من شيء - أو على شيء - لا يخطر بباله غير العرف ms545 الذي غلب عليه في ~~محاوراته، فلو فرض أن عرفه فيما حلف عليه مخالف لاسمه اللغوي أو الشرعي؛ ~~كان العرف مقدما: # أما إذا كان ممن لا يعرف الشرع أو اللغة فظاهر، وأما إذا كان ممن يعرفها ~~فكذلك أيضا؛ لأن خطور المعنى العرفي أسبق من خطور غيره بالبال؛ إلا أن ~~يقول: أردت ذلك؛ فإنه يقبل منه؛ إن كان لا يتعلق بالمعنى العرفي حق للغير. # ( [ ### | يكفر عن يمينه من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه # ] :) # (ومن حلف على شيء؛ فرأى غيره خيرا منه؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر عن ~~يمينه) ؛ لما ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث عبد الرحمن ابن سمرة، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا حلفت على يمين؛ فرأيت ~~غيرها خيرا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك ". # وفي لفظ: " فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير ". # وفي لفظ للنسائي، وأبي داود (1) : " فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير ". ~~PageV02P546 # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عدي بن حاتم، ومن حديث أبي هريرة نحوه. # وفي " الصحيحين " من حديث أبي موسى: " لا أحلف على يمين؛ فأرى غيرها خيرا ~~منها؛ إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني ". # وفي الباب أحاديث. # قلت: قال الله - تعالى -: {واحفظوا أيمانكم} ، واختلفوا في وجه الجمع ~~بينه وبين حديث أبي هريرة: # فقال أبو حنيفة: قوله - تعالى - مخصوص بما إذا كان المحلوف عليه معصية؛ ~~إذ من المعلوم أن الله - تعالى - لا يأمر بمعصية؛ فمن حلف على معصية - كترك ~~الكلام مع أبيه -؛ حنث وكفر. PageV02P547 # وقال الشافعي: مخصوص بما إذا حلف على معصية، أو حلف على ترك مندوب، أو ~~فعل مكروه؛ لقوله - تعالى -: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} ؛ ~~أي: مانعا لكم عن البر. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير "؛ ~~فقال أبو حنيفة: # لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، فمعناه: فليقصد أداء الكفارة كقوله: ~~{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} . # وقال الشافعي: يجوز تقديمها على الحنث [إن لم] (1) يكفر بالصوم ms546 (2) ، ~~وعلى قياس هذا؛ كل حق مالي تعلق بشيئين يجوز تقديمه على الشيئين؛ كالزكاة ~~إذا تم النصاب ولم يتم الحول ". # ( [ ### | لا يأثم بالحنث من أكره على اليمين # ] :) # (ومن أكره على اليمين؛ فهي غير لازمة، ولا يأثم بالحنث فيها) ؛ لكون فعل ~~المكره كلا فعل، وقد رفع الله - تعالى - الخطاب به في التكلم بكلمة الكفر، ~~فقال - تعالى -: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ، ولحديث: " رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (3) . PageV02P548 # وهو حديث فيه مقال طويل (1) . # وتكليف الحالف بيمينه التي أكره عليها؛ من تكليف ما لا يطاق، وهو باطل ~~بالأدلة العقلية والنقلية. # ( [ ### | من علم كذب يمينه فهي غموس # ] :) # (واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها) ؛ لحديث ابن عمر، قال: جاء ~~أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ ~~فذكر الحديث، وفيه: " اليمين الغموس "، وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: ~~" التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب "؛ أخرجه البخاري. # قال مالك: " وعقد اليمين: أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير، ~~ثم يبيعه بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه، ونحو هذا؛ فهذا الذي ~~يكفر صاحبه عن يمينه، وليس في اللغو كفارة. # وأما الذي يحلف على الشيء - وهو يعلم أنه آثم -، ويحلف على الكذب - وهو ~~يعلم -؛ ليرضي به أحدا، أو ليعتذر به إلى معتذر له، أو ليقطع به مالا؛ فهذا ~~أعظم من أن يكون فيه كفارة ". # قلت: الغموس هي الحلف على ما يعلم بطلانه؛ لا على ما يظن صدقه؛ فإنه خارج ~~عن الأقسام الثلاثة، والحلف على الظن لا يجوز؛ لأن الله - سبحانه - قد نهى ~~عن اتباع الظن - والعمل به - نهيا عاما مخصصا بأمور؛ ليس الحلف منها. ~~PageV02P549 # ومن زعم أنه يجوز الحلف على الظن؛ فهو مطالب بدليل صالح لتخصيص ذلك. # ولا نسلم صدق اسم الاعتقاد على الظن؛ بل هو أخص منه، ولو سلم دخوله تحته ~~بالمعنى العام؛ فلا نسلم أن الاعتقاد الذي يكون مطابقته صدقا هو ذلك العام، ~~ولو سلمنا أنه العام؛ فلا نسلم أن ms547 كل صدق بهذا المعنى يجوز الحلف عليه؛ بل ~~الذي يجوز الحلف عليه؛ هو نوع من أنواع الصدق خاص، وهو ما كان معلوما؛ لا ~~ما كان مظنونا. # ومن زعم غير هذا فعليه الدليل. ### | ( [معنى اللغو في اليمين، وبيان حكمه] :) # (ولا مؤاخذة باللغو) : لقوله - تعالى -: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} . # وفي " البخاري " (1) عن عائشة، أنها قالت: أنزلت هذه الآية: {لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم} في قول الرجل: لا والله، بلى والله. # وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، ~~وجماعة من التابعين. # وأخرج أبو داود (2) عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~هو كلام PageV02P550 # الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله ". # وأخرجه أيضا البيهقي، وابن حبان. # وصحح الدارقطني الوقف؛ قال أبو داود: رواه غير واحد عن عطاء عن عائشة ~~موقوفا. # وذهبت الحنفية إلى أن لغو اليمين: أن يحلف على الشيء يظنه، ثم يظهر ~~خلافه، وبه قال جماعة. # وقيل: أن يحلف وهو غضبان. # والخلاف في ذلك طويل، وتفسير الصحابة الآية الكريمة مقدم على تفسير ~~غيرهم. # قلت: الأيمان ثلاثة أقسام: لغو لا كفارة فيها، ومنعقدة تجب فيها الكفارة ~~إن حنث، وغموس اختلفوا في كفارتها. # قالت عائشة: لغو اليمين؛ قول الإنسان: لا والله. # وقال مالك: أحسن ما سمعت في هذا: أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن ~~أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك؛ فهو اللغو. # وذهب الشافعي في تفسير اللغو إلى قول عائشة. PageV02P551 # وأبو حنيفة إلى ما حسنه مالك. # أقول: الأولى أن يقال: إن اللغو لما وقعت في كتاب الله عز وجل مقابلة ~~للمعقودة - وقد تقرر أن تعقيد اليمين قصدها، والمراد عقد القلب بها؛ كما ~~صرح به صاحب " الكشاف " -؛ فاللغو: هي ما لم يقصد؛ كقول الرجل: لا والله، ~~وبلى والله؛ في محاوراته من غير قصد لليمين؛ سواء كان في حال اليمين أم لا. # فلو لم يرد في اللغو إلا وقوعها في القرآن مقابلة للمعقودة؛ لكان القول ~~بأنها ما ms548 ذكرناه متعينا، فكيف وقد فسرت عائشة اللغو المذكورة في القرآن بما ~~قلنا؟ ! # ( [ ### | من حق المسلم على المسلم إبرار قسمه # ] :) # (ومن حق المسلم على المسلم إبرار قسمه) : لما ثبت في " الصحيحين " من ~~أمره صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كما في حديث البراء (1) ، وغيره. # وأخرج أحمد من حديث أبي الزاهرية، عن عائشة: أن امرأة أهدت إليها تمرا، ~~فأكلت بعضه، وبقي بعضه، فقالت: أقسمت عليك؛ إلا أكلت بقيته، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أبريها؛ فإن الإثم على المحنث "؛ ورجاله رجال الصحيح ~~(2) . # ( [ ### | بيان كفارة اليمين في كتاب الله # ] :) # (وكفارة اليمين هي ما ذكره الله في كتابه العزيز) ؛ وهو قوله - تعالى -: ~~{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~PageV02P552 # كفارة أيمانكم إذا حلفتم} . # قلت: ذهب ابن عمر إلى أن {أو} ههنا للتقسيم؛ لا للتخيير، وتعقبه عامة أهل ~~العلم بالقياس الجلي على فدية الحلق في الإحرام، فقالوا: يتخير الرجل بين: ~~أن يطعم عشرة من المساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة؛ فإن عجز عنها صام ~~ثلاثة أيام. # وأما قدر الإطعام والكسوة؛ فكان ابن عمر يكفر عن يمينه بإطعام عشرة ~~مساكين؛ لكل مسكين مد من حنطة - مختصر (1) -. # وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين؛ أعطوا ~~مدا من حنطة بالمد الأصغر، ورأوا ذلك مجزئا عنهم. # قال مالك: " أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة: أنه إن كسا ~~الرجال كساهم ثوبا ثوبا، وإن كسا النساء كساهن ثوبين ثوبين، درعا وخمارا، ~~وذلك أدنى ما يجزئ كلا في صلاته ". # قلت: على هذا الشافعي في الإطعام، وقال في الكسوة أولا مثل ما قال مالك، ~~ثم رجع، وقال: " إن اختار الكسوة؛ فعليه لكل مسكين ثوب واحد من قميص، أو ~~سراويل، أو مقنعة، أو إزار؛ يصلح لكبير أو صغير؛ لصحة إطلاق الكسوة على كل ~~ذلك سواء ". # وقال أبو حنيفة: " الإعتاق والإطعام كما مر في الظهار، وأما الكسوة؛ فلكل ms549 ~~واحد ثوب يستر عامة بدنه؛ فلا يجوز السراويل والإزار، ونحوهما ". ~~PageV02P553 # قال مالك: " فأما التوكيد؛ فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد، يردد فيه ~~الأيمان يمينا بعد يمين؛ كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا؛ يحلف بذلك ~~مرارا ثلاثا، أو أكثر من ذلك، قال: فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين ". # أقول: الذي في القرآن الكريم؛ إطعام عشرة مساكين، ومعناه الحقيقي أن يجعل ~~لهم طعاما يأكلونه مرة واحدة؛ من غير تقدير بمقدار معين، ولا على صفة ~~معينة؛ من اجتماعهم، أو كونه في وقت مخصوص؛ بل ما يصدق عليه مسمى إطعام ~~العشرة - لغة -. # ولا ريب أنه يقال لمن أطعم عشرة - ليلا أو نهارا، مجتمعين أو مفترقين -: ~~إنه مطعم لذلك القدر. # فما وقع الجزم به من اعتبار إطعام العشرة مرتين؛ لا وجه له. # وأما الظن من حديث كفارة الظهار (1) فغير ظاهر؛ فإنه وقع الاختلاف الطويل ~~العريض في مقدار العرق (2) من التمر، أو المكتل، وهل الإعانة منه صلى الله ~~عليه وسلم فقط؟ أو منه ومن المرأة؟ PageV02P554 # ثم هو مهجور الظاهر؛ فإنه أمر أوس بن الصامت أن ينفقه على نفسه؛ كما ثبت ~~في " الصحيح " (1) . # [انتهى المجلد الثاني من كتاب " التعليقات الرضية على الروضة الندية "، ~~ويتلوه: المجلد الثالث - منه -، وأوله: 12 - كتاب النذر] PageV02P555 ### | (الكتاب الثاني عشر: ### | كتاب النذر # ) # PageV03P005 # (12 - ### | كتاب النذر # ( [ ### | متى يصح النذر # ؟] :) # (إنما يصح إذا ابتغي به وجه الله، فلا بد أن يكون قربة، ولا نذر في معصية ~~الله) ؛ لأنه قد ورد النهي عن النذر؛ كما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ~~ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: " إنه لا ~~يرد شيئا، وإنما يستخرج به من مال البخيل ". # وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة نحوه. # ثم ورد الإذن بالنذر في الطاعة، والنهي عنه في المعصية؛ كما في " ~~الصحيحين "، وغيرهما من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه "؛ وعلى ذلك يحمل قوله ~~- تعالى -: {يوفون بالنذر} . # وقد ms550 أخرج الطبري بسند صحيح، عن قتادة في قوله - تعالى -: {يوفون بالنذر} ~~، قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، ~~والعمرة، وما افترض عليهم، فسماهم الله أبرارا. # وورد بلفظ الحصر: أنه لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله؛ كما أخرجه # PageV03P007 # أحمد (1) ، وأبو داود، وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله ". # وأخرج مسلم (2) ، وغيره من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " من نذر نذرا في معصية؛ فكفارته كفارة يمين ". # وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين " (3) ، والأحاديث في هذا ~~الباب كثيرة. # ( [ ### | من أنواع نذر المعصية # ] :) # (1 -[ ### | عدم التسوية بين الأولاد في العطاء # ] :) # (ومن النذر في المعصية ما فيه مخالفة للتسوية بين الأولاد) ؛ لما قدمنا ~~في كتاب الهدايا. PageV03P008 # (2 -[ ### | المفاضلة بين الورثة خلافا للشرع # ] :) # (أو مفاضلة بين الورثة مخالفة لما شرعه الله - تعالى -) ؛ لأن المخالفة ~~لذلك معصية ولا نذر في معصية، كما تقدم. # (3 -[ ### | النذر على القبور # ] :) # (ومنه النذر على القبور) ؛ لكون ذلك ليس من النذر في الطاعة، ولا من ~~النذر الذي يبتغى به وجه الله - تعالى -؛ بل قد يكون من النذر في المعصية؛ ~~إذا كان يتسبب عنه اعتقاد باطل في صاحب القبر؛ كما يتفق ذلك كثيرا. # وقد أخرج أبو داود (1) بإسناد صالح عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من ~~الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني ~~القسمة؛ فكل مالي في رتاج الكعبة (2) ، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن ~~مالك، كفر عن يمينك [وكلم أخاك؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~لا يمين عليك ولا نذر] (3) ، ولا تنذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ~~ولا فيما لا تملك ". PageV03P009 # وأخرج مالك (1) والبيهقي بسند صحيح - وصححه ابن السكن -، عن عائشة: أنها ~~سئلت عن رجل جعل ماله ms551 في رتاج الكعبة؛ إن كلم ذا قرابة؟ فقالت: يكفر عن ~~اليمين. # وإذا كان هذا في الكعبة؛ فغيرها من المشاهد والقبور بالأولى. # قلت: اختلف أهل العلم في النذر إذا خرج مخرج اليمين؛ مثل أن يقول: إن ~~كلمت فلانا فلله علي عتق رقبة، أو: إن دخلت الدار فلله علي أن أصوم، أو ~~أصلي، فهذا نذر أخرج مخرج اليمين؛ لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل؛ كالحالف ~~يقصد بيمينه منع نفسه عن الفعل، فأصح قولي الشافعي: أنه بمنزلة اليمين؛ ~~عليه الكفارة إن حنث (2) ، والمشهور من مذهب أبي حنيفة: أن عليه الوفاء بما ~~سمى الرتاج الباب، وجعل ماله في رتاج الكعبة؛ معناه: جعله لها، كنى عنها ~~بالباب؛ لأنه يدخل إليها منه ". # (4 -[ ### | النذر على المساجد لتزخرف # ] :) # (وعلى ما لم يأذن به الله) ؛ كالنذر على المساجد لتزخرف، أو على أهل ~~المعاصي ليستعينوا بذلك على معاصيهم؛ فإن ذلك من النذر في المعصية، وأقل ~~الأحوال: أن يكون النذر على ما لم يأذن به الله خارجا عن النذر، الذي أذن ~~الله به، وهو النذر في الطاعة، وما ابتغي به وجه الله. PageV03P010 # فيشمل هذا كل نذر على مباح، أو مكروه، أو محرم. # ( [ ### | لا يجب النذر في فعل لم يشرعه الله # ] :) # (ومن أوجب على نفسه فعلا لم يشرعه الله؛ لم يجب عليه) ؛ لحديث ابن عباس ~~عند البخاري، وغيره قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب؛ إذ هو برجل ~~قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد ولا ~~يستظل، ولا يتكلم وأن يصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مروه ليتكلم، ~~وليستظل، وليقعد، وليتم صومه ". # وأخرج أحمد (1) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - نحوه -؛ فيمن ~~نذر أن لا يزال في الشمس حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله ". # قلت: وعلى هذا أهل العلم. # ( [ ### | لا يجب النذر على الإنسان فيما لا يطيقه # ] :) # (وكذلك إن كان) النذر (مما ms552 شرعه الله وهو لا يطيقه) ؛ لم يجب عليه الوفاء ~~به؛ لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~شيخا يهادى (2) بين ابنيه، فقال: " ما هذا؟ ! ". قالوا: نذر أن يمشي، قال: # " إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني "، وأمره أن يركب. PageV03P011 # زاد النسائي في رواية: " نذر أن يمشي إلى بيت الله ". # وأخرج أبو داود بإسناد صحيح (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من نذر نذرا لم يسمه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لم يطقه؛ ~~فكفارته كفارة يمين ". # وأخرجه أيضا ابن ماجه، وزاد: " من نذر نذرا أطاقه فليف به ". # ومن ذلك: أمره صلى الله عليه وسلم لمن نذر أن يمشي إلى الكعبة بالركوب؛ ~~كما في " الصحيحين " من حديث عقبة بن عامر. # وفي " مسند أحمد "، و " سنن أبي داود " من حديث ابن عباس. # وفي " مسند أحمد " من حديث عقبة بن عامر. # قلت: ذهب أبو حنيفة والشافعي - في أصح قوليه - إلى أن عليه دم شاة. # وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب إلا على وجه الاحتياط - لحديث أنس - في مثل ~~هذه الصورة، ولم يذكر هديا ولا قضاء. ### | ( [تجب كفارة اليمين على من نذر في معصية، أو نذر فيما لا يطيقه] :) # (ومن نذر نذرا لم يسمه، أو كان معصية، أو لا يطيقه؛ فعليه كفارة ~~PageV03P012 # يمين) ؛ لحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه، والترمذي - وصححه (1) ، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كفارة النذر إذا لم يسمه كفارة يمين ~~". # وهو في " صحيح مسلم " دون قوله: " إذا لم يسمه ". # وقد تقدم حديث ابن عباس - قريبا - فيمن نذر نذرا لم يسمه. # وأخرج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من نذر ~~نذرا في معصية؛ فكفارته كفارة يمين "، كذا نسبه صاحب " المنتقى " إلى مسلم ~~(2) ؛ وفيه نظر. # وهو عند أبي داود، وابن ماجه، وأحمد. # وأخرج أحمد، وأهل " السنن ": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نذر ~~في معصية، وكفارته كفارة يمين "، وفي إسناده مقال (3) . PageV03P013 # وأخرج أبو داود، وابن ms553 ماجه بإسناد صحيح من حديث ابن عباس: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " من نذر نذرا لم يطقه؛ فكفارته كفارة يمين ". # وهكذا أمر صلى الله عليه وسلم المرأة التي نذرت أن تمشي - وهي لا تطيق - ~~بأن تكفر؛ كما أخرجه أحمد، وأبو داود. # ( [ ### | يجب الوفاء بالنذر المباح # ] :) # أقول: النذر بالمباح يصدق عليه مسمى النذر، فيدخل تحت العمومات المتضمنة ~~للأمر بالوفاء به. # ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود (1) : أن المرأة قالت: يا رسول الله! إني ~~نذرت إذا انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: " أوفي ~~بنذرك ". # وضرب الدف إذا لم يكن مباحا فهو إما مكروه، أو أشد من المكروه؛ ولا يكون ~~قربة أبدا، فإن كان مباحا؛ فهو دليل على وجوب الوفاء بالمباح، وإن كان ~~مكروها؛ فالإذن بالوفاء به يدل على الوفاء بالمباح بالأولى (2) . ~~PageV03P014 # وكذلك إيجاب الكفارة على من نذر نذرا لم يسمه يدل على وجوب الكفارة ~~بالأولى في المباح. # فالحاصل: أن النذر بالمباح لا يخرج عن أحد القسمين: إما وجوب الوفاء به؛ ~~أو وجوب الكفارة مع عدم الوفاء. # ولا ينافي ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من الإذن لمن نذرت أن تمشي ~~إلى بيت الله حافية غير مختمرة؛ بأن تختمر وتركب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ~~أمرها مع ذلك بصيام ثلاثة أيام. # وفي رواية: أنه أمرها بأن تهدي بدنة. # ومثل ذلك حديث الشيخ الذي نذر أن يمشي، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الله لغني عن تعذيب هذا نفسه "؛ فإنه لا يعارض ما قدمنا - لوجهين -: # الأول: أن عدم التصريح بوجوب الكفارة عليه لا ينافي الأحاديث المصرحة ~~بوجوبها. # والثاني: أنه رآه يضعف عن ذلك؛ كما في الرواية: أنه رآه يهادى بين ابنيه، ~~ولهذا قال: " إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه ". PageV03P015 # ومحل النزاع من نذر بمباح مقدور له من غير تعذيب لنفسه، ثم تعذيب النفس ~~إن كان من قبيل المعصية، فقد ثبت أن في نذر المعصية كفارة يمين، وإن كان ~~لكونه يلحق بغير المقدور، فقد ثبت ms554 أن من نذر فيما لا يملك؛ فعليه كفارة ~~يمين، وما ليس بمقدور للإنسان داخل فيما لا يملكه. # وقد أخرج أبو داود حديثا، وفيه: " ومن نذر نذرا لا يطيقه؛ فكفارته كفارة ~~يمين ". # والحاصل: أن النذر إن كان بطاعة مقدورة وجب الوفاء به؛ سواء كانت تلك ~~الطاعة واجبة أو مندوبة، وإن كان بغير طاعة فهو: إما من المباح؛ أو الحرام؛ ~~أو المكروه، فإن كان من المباح فقد تقدم، وإن كان من الحرام؛ فقد ثبت وجوب ~~الكفارة فيه مع المنع من الوفاء به، وإن كان مكروها؛ فهو إما أن يكون لاحقا ~~بالحرام أو بالمباح. # إن كان الأول وجبت الكفارة، ولم يجز الوفاء به. # وإن كان الثاني فقد تقدم. # هذا خلاصة الكلام في أنواع النذر، ولا دليل بيد من لم يوجب الوفاء، ولا ~~الكفارة في المندوب والمباح: # ( [ ### | يلزم المشرك الوفاء إذا نذر بطاعة ثم أسلم # ] :) # (ومن نذر بقربة وهو مشرك، ثم أسلم؛ لزمه الوفاء) ؛ لحديث عمر في " ~~الصحيحين " وغيرهما: أنه قال: قلت: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية # PageV03P016 # أن أعتكف في المسجد الحرام، فقال: " أوف بنذرك ". # وأخرج أحمد (1) ، وابن ماجه عن ميمونة بنت كردم (2) : أن أباها سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أنحر ببوانة (3) ، ~~فقال: " أبها وثن أو طاغية؟ ". قال: لا، قال: " أوف بنذرك "، ورجال إسناده ~~رجال الصحيح. # وأخرج أبو داود نحوه من حديث ثابت بن الضحاك، وإسناده صحيح. # ( [ ### | ماذا على من نذر كل ماله # ؟] :) # (ولا ينفذ النذر إلا من الثلث) ؛ لحديث كعب بن مالك في " الصحيحين ": ~~PageV03P017 # أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ~~ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك ". # وفي لفظ لأبي داود (1) : إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى ~~الله ورسوله صدقة، قال: " لا " قلت: فنصفه؟ قال: " لا "، قلت: فثلثه؟ قال: ~~" نعم ". # وفي إسناده محمد بن إسحاق. # وفي لفظ لأبي داود أنه قال له: ms555 " يجزي عنك الثلث ". # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود، من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب ~~PageV03P018 # الله عليه قال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن ~~أنخلع من مالي صدقة لله - عز وجل - ولرسوله، فقال: " يجزي عنك الثلث ". # قلت: وهو قول أهل العلم في الجملة. # ولو حلف الرجل بصدقة ماله، أو قال: مالي في سبيل الله. # فقال قوم: عليه كفارة يمين، وهو من نذر اللجاج، وعليه الشافعي. # وقال مالك: يخرج ثلث ماله، لحديث أبي لبابة المذكور. # وقال أبو حنيفة: ينصرف ذلك إلى كل ما يجب فيه الزكاة من عينه من المال؛ ~~دون ما لا زكاة فيه من العقار والدواب ونحوها. # ( [ ### | وفاء الولد بنذر أبيه بعد موته مجزئ # ] :) # (وإذا مات الناذر بقربة، ففعلها عنه ولده؛ أجزأه ذلك) ؛ لحديث ابن عباس: ~~أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أمي ماتت وعليها ~~نذر لم تقضه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقضه عنها "، أخرجه أبو ~~داود، والنسائي بإسناد صحيح. # وأصل القصة في " الصحيحين ". # وفي " البخاري ": " أن ابن عمر أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء ~~ثم ماتت، أن تصلي عنها ". # وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس نحو ذلك بإسناد صحيح. # PageV03P019 # وقد روي عنهما خلاف ذلك. # قلت: هو القول القديم للشافعي: إن من فاته شيء من رمضان، وتمكن من قضاءه، ~~ثم مات ولم يقض، وكذا النذر والكفارة؛ تدارك عنه وليه؛ إما بالصوم عنه؛ أو ~~الإطعام من تركته. # قال النووي: القديم ههنا أظهر. # وقال محمد: ما كان من نذر، أو صدقة، أو حج قضاها الولي أجزأ ذلك إن شاء ~~الله - تعالى -، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. # PageV03P020 ### | (الكتاب الثالث عشر: ### | كتاب الأطعمة # ) # PageV03P021 # (13 - ### | كتاب الأطعمة # (1 - ### | باب المحرمات من الأطعمة ### | ( [الأصل في الأشياء: الحل. والحرام: ما حرمه الله ورسوله] :) # (الأصل في كل شيء الحل، ولا يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله، وما سكتا عنه ~~فهو عفو) ؛ لمثل قوله - تعالى -: {قل ms556 لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه} الآية؛ فإن النكرة في سياق النفي تدل على العموم، ولمثل حديث سلمان ~~الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء؟ ~~فقال: # " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت ~~عنه فهو مما عفا لكم "، أخرجه ابن ماجه، والترمذي، وفي إسناد ابن ماجه سيف ~~بن هارون (1) البرجمي، وهو ضعيف (2) . PageV03P023 # وفي " الصحيحين " من حديث سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما؛ من سأل عن شيء لم يحرم على الناس؛ ~~فحرم من أجل مسألته ". # وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم ". # وأخرجه البزار وقال: سنده صالح، والحاكم (1) - وصححه - من حديث أبي ~~الدرداء، ورفعه بلفظ: " ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، ~~وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ~~"، وتلا: {وما كان ربك نسيا} . # وأخرج الدارقطني (2) من حديث أبي ثعلبة رفعه: # " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت ~~PageV03P024 # عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ". # وفي الكتاب والسنة مما يتقرر به هذا الأصل الكثير الطيب، فيتوجه الاقتصار ~~في رفع الحل على ما ورد فيه دليل يخصه، ومن التخصيص قوله - تعالى - في آخر ~~تلك الآية: {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ### | لحم خنزير # } ، وكذلك قوله - تعالى -: {حرمت عليكم ### | الميتة # } إلى آخر الآية. # ( [ ### | المحرمات من الأطعمة في كتاب الله # ] :) # (فيحرم ما في الكتاب العزيز) : # (1 -[الميتة] :) # وهو قوله - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة} ؛ أي: ما مات حتف أنفه. # (2 -[ ### | الدم المسفوح # ] :) # {والدم} ، وهو المسفوح؛ صرح بذلك في الآية؛ والمفسر قاض على المبهم، وهذا ~~مما ينقض به قول ms557 القائل: المبهم على إبهامه، والمفسر على تفسيره؛ فإنهم ~~اتفقوا في هذه الآية على التقييد. # (3 -[لحم خنزير] :) # {ولحم الخنزير} ، وكل شيء من الخنزير حرام، وتخصيص اللحم بالذكر؛ لأنه ~~يقصد في العادة، والخنزير حيوان مسخ بصورته قوم. # ولم يزل نوح ومن بعده من الأنبياء يحرمون الخنزير، ويأمرون بالتبعد # PageV03P025 # عنه؛ إلى تنزل عيسى - عليه السلام - فيقتله، ويشبه أن الخنزير كان يأكله ~~قوم فنطقت الشرائع بالنهي عنه، وهجر أمره أشد ما يكون. # (4 -[ ### | كل حيوان لم يذكر اسم الله عند ذبحه # ] :) # {وما أهل لغير الله به} ؛ أي: ذكر اسم غير الله عند ذبحه. # (5 -[ ### | المنخنقة # ] :) # {والمنخنقة} : هي التي تختنق فتموت. # (6 -[ ### | الموقوذة # ] :) # {والموقوذة} : هي المقتولة بالعصا. # (7 -[ ### | المتردية # ] :) # {والمتردية} : هي التي تتردى من مكان عال فتموت. # (8 -[ ### | النطيحة # ] :) # {والنطيحة} : هي التي تنطحها أخرى فتموت. # (9 -[ ### | ما أكل السبع # ] :) # {وما أكل السبع} : يريد: ما بقي مما أكل السبع؛ لأنه ضبط المذبوح الطيب ~~بما قصد إزهاق الروح باستعمال المحدد في حلقه، أو لبته، فجر ذلك إلى تحريم ~~الأشياء. # PageV03P026 # {إلا ما ذكيتم} ؛ أي: ما أدركتم من هذه الأشياء وفيه حياة مستقرة ~~فذبحتموه. # أما ما صار إلى حالة المذبوح؛ فهو في حكم الميتة. # (10 -[ ### | ما ذبح على النصب # ] :) # {وما ذبح على النصب} : قيل: مفرد كعنق، وقيل: جمع نصاب، وهو الشيء ~~المنصوب من حجر ونحوه؛ أمارة للطاغوت. # والجمع بينه وبين ما أهل لغير الله به يدل على الفرق بينهما. # وذلك لأن المذبوح عند النصب قصد به تعظيم الطاغوت دلالة؛ وإن لم يتلفظ ~~باسمه؛ فهو بمنزلة ما أهل لغير الله به. # {وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق} ، إلى قوله: {فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} . # قلت: قد اتفق المسلمون على ذلك في الجملة؛ وإن كان لهم في التفاصيل ~~اختلاف. # (11 -[ ### | كل ذي ناب من السباع # ] :) # (وكل ذي ناب من السباع) ؛ لخروج طبيعتها من الاعتدال، وبشكاسة أخلاقها، ~~وقسوة قلوبها؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني عند مسلم، ومالك، وغيره: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل ms558 ذي ناب من السباع فأكله حرام "، وفي # PageV03P027 # الباب أحاديث في " الصحيحين "، وغيرهما. # والمراد بالناب: السن الذي خلف الرباعية؛ جمعه: أنياب، وكل ذي ناب يتقوى ~~به ويصاد، وقال في " النهاية ": " هو ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا؛ كالأسد ~~والذئب والنمر ونحوها ". # قال في " القاموس ": " السبع - بضم الباء -: المفترس من الحيوان ". ~~انتهى. # وأراد بذي ناب: ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم؛ مثل: الذئب والأسد ~~والكلب والفهد والنمر، وعلى هذا أهل العلم. # إلا أن الشافعي ذهب إلى إباحة الضبع والثعلب. # وقال أبو حنيفة: هما حرامان كسائر السباع. # أقول: قد قيل: إنه لا ناب للضبع، وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل ~~الفرس؛ كذا قال ابن رسلان في " شرح السنن ". # وعلى تسليم أن لها نابا؛ فيخصصها (1) من حديث كل ذي ناب؛ حديث جابر؛ فإنه ~~قيل له: الضبع صيد؟ قال: نعم، فقال له السائل: آكلها؟ قال: نعم، فقال له: ~~أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم؛ أخرجه أبو داود (2) ، وابن ~~PageV03P028 # ماجه، والنسائي، والترمذي - وصححه -. # وصححه أيضا البخاري، وابن حبان، وابن خزيمة، والبيهقي. # ولا يعارض هذا الحديث الصحيح ما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة ابن جزء ~~قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع؟ فقال: " أو يأكل الضبع ~~أحد؟ {". وفي رواية: " ومن يأكل الضبع؟} "؛ لأن في إسناده عبد الكريم أبا ~~أمية، وهو متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف (1) . # (12 -[ ### | كل ذي مخلب من الطير # ] :) # (وكل ذي مخلب من الطير) ؛ لحديث ابن عباس عند مسلم، وغيره، قال: " نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من ~~الطير ". PageV03P029 # والمخلب: بكسر الميم، وفتح اللام؛ قال أهل اللغة: المراد به ما هو في ~~الطير بمنزلة الظفر للإنسان، ويباح منه الحمام والعصفور؛ لأنهما من ~~المستطاب. # (13 -[ ### | الحمر الإنسية # ] :) # (و) من ذلك (الحمر الإنسية) ، وكان كثير من أهل الطباع السليمة من العرب ~~يحرمونه، ويشبه الشياطين، وهو يرى الشيطان فينهق، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا سمعتم ms559 نهيق الحمار؛ فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنه رأى شيطانا " ~~(1) ، ويضرب به المثل في الحمق والهوان. # وقد حرمه من العرب أذكاهم فطرة، وأطيبهم نفسا؛ كما في حديث البراء بن ~~عازب في " الصحيحين "، وغيرهما: أنه صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن ~~لحوم الحمر الإنسية. # وفيهما من حديث ابن عمر، وأبي ثعلبة الخشني نحوه. # وفي الباب غير ذلك، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. # قلت: وأما الحمار الوحشي فاتفقوا على إباحته؛ كذا في " المسوى "، وأهدي ~~له صلى الله عليه وسلم الحمار الوحشي فأكله (2) ؛ كذا في " الحجة البالغة ~~". PageV03P030 # (14 -[ ### | الجلالة # ] :) # (و) من ذلك (الجلالة (1) قبل الاستحالة) ؛ لحديث ابن عمر عند أحمد، وأبي ~~داود (2) ، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها. # وأخرج أحمد (3) ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، ~~والبيهقي، وصححه الترمذي، وابن دقيق العيد، من حديث ابن عباس: النهي عن أكل ~~الجلالة وشرب لبنها. # وأخرج أحمد (4) ، والنسائي، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، من حديث عمرو ~~بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحو ذلك. # وفي الباب غير ذلك. PageV03P031 # وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، والثوري، والشافعية. # وذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة فقط. # وظاهر النهي التحريم (1) . # والعلة تغير لحمها ولبنها، فإذا زالت العلة - بمنعها عن ذلك حتى يزول ~~الأثر (2) -؛ فلا وجه للتحريم؛ لأنها حلال بيقين؛ إنما حرمت لمانع؛ وقد ~~زال. # قال في " الحجة البالغة ": # " الجيفة وما تأثر منها خبيث في جميع الأمم والملل، فإذا تميز الخبيث من ~~غيره ألقي الخبيث وأكل الطيب، وإن لم يكن التميز حرم أكله؛ ودل الحديث على ~~حرمة كل نجس ومتنجس. # ونهى صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها؛ لأنها لما شربت ~~أعضاؤها النجاسة وانتشرت في أجزائها؛ كان حكمها حكم النجاسات، أو حكم من ~~يتعيش بالنجاسة ". # أقول: الاستحالة مطهرة، والأولى أن يقال في طهارة ما استحال: إن العين ~~التي حكم الشارع بنجاستها لم تبق اسما، ولا صفة، فإن حكمه بنجاسة العذرة ~~مقيد بكونها عذرة، فإذا صارت رمادا فليست بعذرة. ms560 PageV03P032 # فمن ادعى بقاء النجاسة مع ذهاب الاسم والصفة؛ فعليه الدليل. # (15 -[ ### | الكلب # ] :) # (و) من ذلك (الكلاب) ، ولا خلاف في ذلك يعتد به. # وهو مستخبث، وقد وقع الأمر بقتله عموما وخصوصا، وقد نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أكل ثمنه - كما تقدم - وسيأتي -. # وتقدم أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. # وقد جعله بعضهم داخلا في ذوات الناب من السباع. # قال في " الحجة البالغة ": # " ويحرم الكلب والسنور؛ لأنهما من السباع، ويأكلان الجيف، والكلب شيطان ~~". # (16 -[ ### | الهر # ] :) # (و) من ذلك (الهر) ؛ لحديث جابر عند أبي داود، وابن ماجه، والترمذي: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها. # وفي إسناده عمر بن زيد (1) الصنعاني، وهو ضعيف. # لكن يشد من عضده ما ثبت من النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور، وهو في " ~~الصحيح "، وقد تقدم. # ولا فرق بين الوحشي والأهلي، وللشافعية وجه في حل الوحشي. PageV03P033 # (17 -[ ### | كل ما كان مستخبثا # ] :) # (و) من ذلك (ما كان مستخبثا) لقوله - تعالى -: {ويحرم عليهم الخبائث (1) ~~} . # فما استخبثه الناس من الحيوانات - لا لعلة ولا لعدم اعتياد؛ بل لمجرد ~~الاستخباث - فهو حرام. # وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر؛ كحشرات الأرض، وكثير ~~من الحيوانات التي ترك الناس أكلها، ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها، فإن ~~تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة، فتندرج تحت قوله: {ويحرم ~~عليهم الخبائث} . # وقد أخرج أبو داود، عن ملقام بن تلب [، عن أبيه] (2) ، قال: صحبت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما. # وقد قال البيهقي: إن إسناده غير قوي، وقال النسائي: ينبغي أن يكون ~~PageV03P034 # ملقام بن تلب ليس بالمشهور (1) . # وهذا الحديث ليس فيه ما يخالف الآية، وغايته عدم سماعه لشيء من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو لا يدل على العدم. # وقد أخرج ابن عدي، والبيهقي، من حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن أكل الرخمة (2) ؛ وفي إسناده خارجة بن مصعب، وهو ضعيف جدا، ~~فلا ينتهض للاحتجاج به. # وأخرج أحمد، وأبو ms561 داود، من حديث عيسى بن نميلة الفزاري، عن أبيه، قال: ~~كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ؟ فتلا هذه الآية: {قل لا أجد فيما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه} الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " خبيثة من الخبائث "، فقال ابن عمر: ~~إن كان قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو كما قال. # وعيسى بن نميلة ضعيف (3) ، فلا يصلح الحديث لتخصيص القنفذ من PageV03P035 # أدلة الحل العامة. # وقد قيل: إن من أسباب التحريم الأمر بقتل الشيء كالخمس؛ الفواسق والوزغ ~~(1) ونحو ذلك، والنهي عن قتله؛ كالنملة والنحلة والهدهد والصرد (2) والضفدع ~~ونحو ذلك، ولم يأت عن الشارع ما يفيد تحريم أكل ما أمر بقتله، أو نهي عن ~~قتله حتى يكون الأمر والنهي دليلين على ذلك، ولا ملازمة عقلية ولا عرفية، ~~فلا وجه لجعل ذلك أصلا من أصول التحريم. # بل إن كان المأمور بقتله أو المنهي عن قتله مما يدخل في الخبائث؛ كان ~~تحريمه بالآية الكريمة، وإن لم يكن من ذلك؛ كان حلالا عملا بما أسلفنا من ~~أصالة الحل، وقيام الأدلة الكلية على ذلك، ولهذا قلنا: # ( [ ### | الكلام فيما عدا السابق # ] :) # (وما عدا ذلك فهو حلال) ، قال الشافعي: ما لم يرد فيه نص تحريم، ولا ~~تحليل، ولا أمر بقتله، ولا نهي عن قتله؛ فالمرجع فيه إلى العرب من سكان ~~البلاد والقرى دون أجلاف البوادي، فإن استطابته العرب، أو سمته باسم حيوان ~~حلال؛ فهو حلال، وإن استخبثته، أو سمته باسم حيوان حرام؛ فهو حرام. # فأما ما أمر الشرع بقتله، أو نهى عن قتله؛ فلا يكون حلالا، فقد قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: " خمس يقتلن في الحل والحرم ... " الحديث، وأمر ~~بقتل الوزغ، ونهى عن قتل أربعة من الدواب: PageV03P036 # النملة، والنحلة، والصرد، والهدهد. # وبالجملة: فتحل الطيبات، وتحرم الخبائث لقوله - تعالى -: {ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ، والطيبات: ما تستطيبه العرب، وتستلذه من ~~غير أن [يكون قد] ورد بتحريمه نص من كتاب أو سنة. # قال الماتن ms562 في " حاشية الشفاء ": # " إن القول بكراهية أكل الأرنب لا مستند له؛ بخلاف الضب؛ فإنه قد ورد ~~النهي عن أكله؛ كما أخرجه أبو داود (1) . PageV03P037 # وثبت في " صحيح مسلم " أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب، ولا أدري لعل هذا ~~منها ". # والنهي حقيقة في التحريم، لولا ما ثبت في " الصحيحين " من حديث جماعة من ~~الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم بأكل الضب، فقال لهم: " كلوه ~~فإنه حلال، ولكن ليس من طعامي "؛ فإن هذا الحديث يصرف النهي عن حقيقته إلى ~~مجازه - وهو الكراهة -. # وحديث تردده صلى الله عليه وسلم في كونه ممسوخا مؤيد لذلك. # وأما أكل التراب؛ فلم يصح في المنع منه شيء؛ لكنه من أسباب العلل الصعبة، ~~التي يتأثر عنها انحلال البنية، وقد نهى الله - سبحانه - عن قتل الأنفس. # PageV03P038 # (2 - ### | باب الصيد # وكان الاصطياد ديدنا للعرب، وسيرة فاشية فيهم؛ حتى كان ذلك أحد المكاسب ~~التي عليها معاشهم، فأباحه النبي صلى الله عليه وسلم. # ( [ ### | ما يجوز الاصطياد به # ] :) # (ما صيد بالسلاح الجارح والجوارح (1) كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه) ؛ ~~لحديث أبي ثعلبة الخشني في " الصحيحين "، قال: قلت يا رسول الله {إنا بأرض ~~صيد أصيد بقوسي، وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم؛ فما يصلح لي؟ فقال: ~~" ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم ~~الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل ". # ( [ ### | يشترط للصيد بالمعراض أن يخزق # ] :) # وفي " الصحيحين "، من حديث عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله} إني ~~أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله؟ قال: " إذا PageV03P039 # أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله؛ فكل ما أمسك عليك "، قلت: وإن قتلن؟ ! ~~قال: " وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها "، قال: قلت: فإني أرمي ~~بالمعراض (1) الصيد فأصيد، قال: " إذا رميت بالمعراض فخزق (2) فكل، وإن ~~أصابه بعرضه فلا تأكل ". # وفي رواية: " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته ms563 حيا ~~فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة ". # وفي لفظ من حديثه عند أحمد، وأبي داود: قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل ولم ~~يأكل منه شيئا؛ فإنما أمسكه عليك ". # وفي " الصحيحين " من حديثه: " فكل مما أمسكن عليك؛ إلا أن يأكل الكلب فلا ~~تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ". # وفي حديث ابن عباس عند أحمد (3) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: # " إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل؛ فإنما أمسكه على نفسه، فإذا ~~أرسلته فقتل ولم يأكل فكل؛ إنما أمسكه على صاحبه ". PageV03P040 # وقد أخرج أحمد (1) ، وأبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا ثعلبة ~~الخشني قال: يا رسول الله {إن لي كلابا مكلبة؛ فأفتني في صيدها؟ قال: " إن ~~كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك "، فقال: يا رسول الله} ذكي وغير ~~ذكي؟ ، قال: " ذكي وغير ذكي " قال: وإن أكل منه؟ ، قال: " وإن أكل منه " ~~قال: يا رسول الله! أفتني في قوس، قال: " كل ما أمسك عليك قوسك "، قال: ذكي ~~وغير ذكي؟ ، قال: " ذكي وغير ذكي " قال: فإن تغيب عني؟ قال: " وإن تغيب عنك ~~ما لم يصل (2) - يعني: يتغير - أو تجد فيه أثر غير سهمك ". # وقد قال ابن حجر: إنه لا بأس بإسناده. PageV03P041 # وفيه نظر؛ لأن في إسناده (1) داود بن عمرو الأودي الدمشقي، وفيه مقال ~~وخلاف. # وقد أخرج نحو هذا الحديث أبو داود، من حديث أبي ثعلبة نفسه، ولا ينتهض ~~هذا لمعارضة ما في " الصحيحين " من النهي عن أكل ما أكل منه الكلب. # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود، من حديث عدي بن حاتم: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " ما علمت من كلب أو باز، ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه؛ ~~فكل ما أمسك عليك ". # وقد أكل صلى الله عليه وسلم من حمار الوحش الذي صاده أبو قتادة طعنا ~~برمحه، وهو في " الصحيح "، وقد تقدم في الحج. # وقد ذكر الله في كتابه العزيز تحليل ما صيد ms564 بالجوارح، فقال: {وما علمتم ~~من الجوارح} الآية، وأباح الأكل، فقال: {فكلوا مما أمسكن عليكم} . ~~PageV03P042 # وقد دل ما ذكرناه من هذه الأدلة على ما اشتمل عليه المتن؛ من أن ما صيد ~~بالجارح والجوارح كان حلالا إذا ذكر اسم الله عليه. # ( [ ### | الصيد بغير ما يشرع يحتاج إلى التذكية # ] :) # (وما صيد بغير ذلك فلا بد من التذكية) ، وقد نزل صلى الله عليه وسلم ~~المعراض إذا أصاب فخزق منزلة الجارح، واعتبر مجرد الخزق؛ كما في حديث عدي ~~بن حاتم المذكور. # وفي لفظ لأحمد من حديث عدي قال: قلت: يا رسول الله! إنا قوم نرمي؛ فما ~~يحل لنا؟ قال: " يحل لكم ما ذكيتم، وما ذكرتم اسم الله عليه فخزقتم فكلوا " ~~(1) ، فدل على أن المعتبر مجرد الخزق. # وإن كان القتل بمثقل؛ فيحل ما صاده من يرمي بهذه البنادق الجديدة التي ~~يرمى بها بالبارود، والرصاص؛ لأن الرصاص تخزق خزقا زائدا على خزق السلاح، ~~فلها حكمه - وإن لم يدرك الصائد بها ذكاة الصيد إذا ذكر اسم الله على ذلك ~~-. # ( [ ### | الصيد بالبنادق اليوم حلال # ] :) # وعبارة الماتن في " حاشية الشفاء ": # " أقول: ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي ~~يرمى بها بالبارود والرصاص، فإن الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم ~~والرمح والسيف، ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة. PageV03P043 # ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشا - أو نحوه - فوق رماد دقيق، أو تراب ~~دقيق، وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها، ثم ضربتها بالسيف المحدد - ونحو ذلك ~~من الآلات - لم يقطعها وهي على هذه الحالة. # ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها، فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم؛ لا من ~~عقل، ولا من نقل. # وما روي من النهي عن أكل ما رمي بالبندقة؛ كما في رواية من حديث عدي بن ~~حاتم عند أحمد (1) بلفظ: " ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت "؛ فالمراد ~~بالبندقة هنا: هي التي تتخذ من طين، فيرمي بها بعد أن تيبس. # وفي " صحيح البخاري ": قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة. # وكرهه سالم والقاسم ms565 ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن. # وهكذا ما صيد بحصى الخذف، فقد ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث عبد ~~الله بن المغفل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف (2) وقال: " ~~إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ (3) عدوا؛ لكنها تكسر السن وتفقأ العين ". ~~PageV03P044 # ( [ ### | الصيد بالرمي بالحجارة لا يحل # ] :) # ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحددة إذا لم تخزق؛ فإنه وقيذ لا ~~يحل. # وأما إذا خزقت حل؛ قال في " المسوى ": " يحل ما اصطاد بكلبه إذا ذكر اسم ~~الله عليه، عند إرساله وكان الكلب معلما، قال تعالى: {وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه} ". # ( [ ### | متى يكون الحيوان الصائد معلما # ؟] :) # والتعليم هو أن يوجد فيه ثلاثة أشياء: إذا أشليت استشلت (1) ، وإذا زجرت ~~انزجرت، فإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل. # فإذا وجد ذلك منها مرارا - وأقله ثلاث مرات - كانت معلمة يحل صيدها. # (1 -[ ### | إذا أرسله صاحبه استرسل # ] :) # وعلى هذا كله أهل العلم في الجملة. # وأكثر أهل العلم على أن المراد بالجوارح الكواسر من سباع البهائم كالفهد ~~والكلب، ومن سباع الطير كالبازي والصقر؛ مما يقبل التعليم، فيحل صيد ~~جميعها. PageV03P045 # (2 -[ ### | إذا زجره صاحبه انزجر # ] :) # والمكلب: هو الذي يغري الكلاب على الصيد ويعلمها. # {فكلوا مما أمسكن} : أراد أن الجارحة المعلمة إذا جرحت بإرسال صاحبها، ~~فأخذت الصيد وقتلته؛ كان حلالا. # (3 -[ ### | أن لا يأكل من الصيد # ] :) # قلت: وهذا هو مذهب مالك، والقول القديم للشافعي، ثم تعقبه الشافعي بحديث ~~عدي بن حاتم المذكور، وهو مذهب أبي حنيفة، وسمع مالك أهل العلم يقولون في ~~البازي والعقاب والصقر وما أشبه ذلك: إنه إذا كان معلما يفقه كما تفقه ~~الكلاب المعلمة؛ فلا بأس بأكل ما قتلوه مما صادت؛ إذا ذكر اسم الله على ~~إرسالها. # قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا: أن المسلم إذا أرسل كلب المجوسي ~~الضاري، فصاد أو قتل؛ أنه إذا كان معلما؛ فأكل ذلك الصيد حلال لا بأس به ~~(1) ؛ وإن لم يذكه المسلم، وإنما مثل ذلك مثل المسلم ms566 يذبح بشفرة المجوسي، ~~أو يرمي بقوسه، أو بنبله فيقتل بها، فصيده ذلك وذبيحته حلال لا بأس بأكله. # قال مالك: " إذا أرسل المجوسي كلب المسلم الضاري على صيد فأخذه؛ فإنه لا ~~يؤكل ذلك الصيد إلا أن يذكى، وإنما مثل ذلك قوس المسلم ونبله PageV03P046 # يأخذها المجوسي، فيرمي بها الصيد فيقتله، وبمنزلة شفرة المسلم يذبح به ~~المجوسي؛ فلا يحل أكل شيء من ذلك ". انتهى. # ( [ ### | لا يحل الصيد إذا اشترك فيه كلبان معلم وغير معلم # ] :) # (وإذا شارك الكلب المعلم كلب آخر لم يحل صيدهما) ؛ لما تقدم في حديث عدي ~~من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ما لم يشركها كلب ليس معها ". # وفي لفظ له في " الصحيحين " قال: قلت: يا رسول الله! إني أرسل كلبي ~~وأسمي؟ قال: " إن أرسلت كلبك وسميت، فأخذ فقتل فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، ~~فإنما أمسك على نفسه "؛ قلت: إني أرسل كلبي أجد معه كلبا؛ لا أدري أيهما ~~أخذه؟ قال: " فلا تأكل؛ فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره "، وفي لفظ ~~له: " فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره، وقد قتل فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما ~~قتله ". # ( [ ### | لا يحل صيد الكلب المعلم إذا أكل منه # ] :) # (وإذا أكل الكلب المعلم - ونحوه - من الصيد؛ لم يحل؛ فإنما أمسك على ~~نفسه) ؛ لما تقدم من الأدلة على ذلك، وتقدم أيضا ترجيحها على حديث عبد الله ~~بن عمرو (1) . # ( [ ### | حكم الصيد إذا وجد بعد أيام # ] :) # (وإذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية فيه ميتا - ولو بعد أيام في غير ماء - ~~كان حلالا ما لم ينتن؛ أو يعلم أن الذي قتله غير سهمه) ؛ لحديث أبي ثعلبة ~~PageV03P047 # الخشني، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إذا رميت سهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته؛ فكله ما لم ينتن "، أخرجه مسلم ~~وغيره. # وفي " الصحيحين "، من حديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الصيد؟ قال: " إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد ~~قتل فكل؛ إلا أن تجده قد وقع في ماء؛ فإنك لا تدري؛ ms567 الماء قتله أو سهمك ". # وفي لفظ من حديثه لأحمد، والبخاري؛ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~" إذا رميت الصيد؛ فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن ~~وقع في الماء فلا تأكل ". # وفي لفظ لمسلم نحوه. # وفي لفظ للبخاري من حديثه: إنا نرمي الصيد، فنقتفي أثره اليومين ~~والثلاثة، ثم نجده ميتا وفيه سهمه؟ قال: " يأكل إن شاء ". # وفي لفظ للترمذي (1) - وصححه - قال: قلت: يا رسول الله! أرمي الصيد، فأجد ~~فيه سهمي من الغد؟ قال: " إذا علمت أن سهمك قتله؛ ولم تر فيه أثر سبع؛ فكل ~~". # قلت: وعلى هذا أهل العلم في الجملة. PageV03P048 # (3 - ### | باب الذبح # ( [ ### | تعريف الذبح # ] :) # (هو ما أنهر الدم) ؛ أي: أساله، (وفرى) ؛ أي: قطع (الأوداج) ، وهما عرقان ~~بينهما الحلقوم. # ( [ ### | الأداة التي يصح بها الذبح # ] :) # (وذكر اسم الله عليه ولو بحجر أو نحوه) ؛ كخشب وغيره؛ (ما لم يكن سنا أو ~~ظفرا) ؛ لحديث رافع بن خديج في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: قلت: يا رسول ~~الله! إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه؛ فكلوا؛ ما لم يكن سنا أو ظفرا، سأحدثكم ~~عن ذلك؛ أما السن فعظم؛ وأما الظفر فمدى الحبشة ". # وأخرج أبو داود (1) من حديث ابن عباس، وأبي هريرة قالا: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان؛ وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري ~~الأدواج، وفي إسناده عمرو بن عبد الله الصنعاني، وهو ضعيف. # وأخرج أحمد، والبخاري من حديث كعب بن مالك: أنها كانت لهم PageV03P049 # غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا، فكسرت حجرا فذبحتها، ~~فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أرسل إليه ~~من يسأله عن ذلك، وأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك - أو أرسل ~~إليه -؟ فأمره بأكلها. # وفيه دليل على أن ذبح النساء والرقيق جائز، وعليه أهل العلم. # وأخرج أحمد (1) ، والنسائي، وابن ماجه من حديث زيد ms568 بن ثابت: أن ذئبا نيب ~~في شاة، فذبحوها بمروة، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكلها. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان من حديث ~~عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله {إنا نصيد الصيد، فلا نجد سكينا إلا ~~الظرار (2) وشقة العصا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " أمر (3) الدم بما شئت، ~~واذكر اسم الله عليه " (4) ؛ والظرار: الحجر أو المدر. PageV03P050 # وأخرج البخاري، وغيره من حديث عائشة: أن قوما قالوا: يا رسول الله {إن ~~قوما يأتوننا باللحم؛ لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: " سموا عليه ~~أنتم وكلوا "، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. # وهذا لا ينافي وجوب التسمية على الذابح؛ بل فيه الترخيص لغير الذابح إذا ~~شك في اللحم؛ هل ذكر عليه اسم الله عند الذبح أم لا؟ فإنه يجوز له أن يسمي ~~ويأكل. # ( [ ### | لا دليل على استحباب استقبال القبلة عند الذبح # ] :) # وأما استقبال القبلة؛ فليس في السنة ما يدل على هذا. # فإن كان الدال على استقبال القبلة هو قوله في الحديث: " فلما وجههما "؛ ~~فليس فيه أنه وجههما إلى القبلة؛ بل المراد وجههما للذبح. # وقد تقرر أن حذف المتعلق مشعر بالعموم. # وإن كان الاستدلال بقوله: " وجهت وجهي "؛ فكذلك أيضا ليس فيه دلالة على ~~ذلك. # ولا أعلم دليل يدل على مشروعية (1) الاستقبال حال الذبح. PageV03P051 # قال الماتن في " السيل الجرار ": # " ليس على هذا دليل لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من قياس. # وما قيل من أن القول بندب الاستقبال في الذبح قياس على الأضحية! فليس ~~بصحيح؛ لأنه لا دليل على الأصل حتى يصلح للقياس عليه، بل النزاع فيه كائن ~~كما هو كائن في الفرع، والندب حكم من أحكام الشرع، فلا يجوز إثباته إلا ~~بدليل تقوم به الحجة ". انتهى. # ( [ ### | تعذيب الذبيحة حرام # ] :) # (ويحرم تعذيب الذبيحة) ؛ لحديث شداد بن أوس، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، ~~وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، ms569 وليرح ذبيحته "؛ أخرجه ~~أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. # وأخرج أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: " إذا ذبح أحدكم فليجهز "؛ ~~أي: يتمها. # وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف (1) . # قلت: في اختيار أقرب طريق لإزهاق الروح اتباع داعية الرحمة؛ وهي ~~PageV03P052 # خلة يرضى بها رب العالمين، ويتوقف عليها أكثر المصالح المنزلية والمدنية. # ( [ ### | المثلة بالذبيحة حرام # ] :) # (والمثلة بها) ؛ لما ورد في تحريمها من الأحاديث الثابتة في " الصحيح " ~~وغيره، وهي عامة. # ( [ ### | يحرم الذبح لغير الله # ] :) # وتحريم (ذبحها لغير الله) ؛ لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من لعن ~~من ذبح لغير الله؛ كما في " صحيح مسلم " وغيره، ولقوله - تعالى -: {وما أهل ~~لغير الله} . # وكان أهل الجاهلية يتقربون إلى الأصنام والنجوم بالذبح لأجلهم؛ إما ~~بالإهلال عند الذبح بأسمائهم؛ وإما بالذبح على الأنصاب المخصوصة لهم، فنهوا ~~عن ذلك، وهذا أحد مظان الشرك. # وأما الذبح للسلطان؛ وهل هو داخل في عموم ما أهل به لغير الله أم لا؟ فقد ~~أجاب الماتن - رحمه الله - في بحث له على ذلك بما لفظه: # " اعلم أن الأصل الحل؛ كما صرحت به العمومات القرآنية والحديثية، فلا ~~يحكم بتحريم فرد من الأفراد، أو نوع من الأنواع إلا بدليل ينقل ذلك الأصل ~~المعلوم من الشريعة المطهرة؛ مثل تحريم ما ذبح على النصب، والميتة، ~~والمتردية، والنطيحة، والموقوذة، وما أهل به لغير الله، ولحم الخنزير، وكل ~~شيء خرج من ذلك الأصل بدليل من الكتاب، أو السنة المطهرة؛ كتحريم كل ذي ناب ~~من السباع، ومخلب من الطير، وتحريم الحمر الإنسية. # PageV03P053 # وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أصول التحريم: الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس، أو وقوع الأمر بالقتل، أو النهي عنه، أو الاستخباث، أو التحريم ~~على الأمم السالفة، إذا لم ينسخ؛ فلا بد للقائل بتحريم فرد من الأفراد، أو ~~نوع من الأنواع من اندراجه تحت أصل من هذه الأصول، فإن تعذر عليه ذلك؛ فليس ~~له أن يتقول على الله ما ms570 لم يقل. # فإن من حرم ما أحله الله كمن حلل ما حرم الله، فلا فرق بينهما، وفي ذلك ~~من الإثم ما لا يخفى على عارف. # ولا شك أن البراءة الأصلية بمجردها كافية - على ما هو الحق -؛ فكيف إذا ~~انضم إليها من العمومات مثل قوله - تعالى -: {قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما} الآية، وقوله: {أحل لكم الطيبات} ، وقوله: {والطيبات من الرزق} ، ~~وقوله: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} ، وقوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا} ، وقوله: {يحل لهم الطيبات} ؟ ! # والحاصل: أن الواجب وقف التحريم على المنصوص على حرمته، والتحليل على ما ~~عداه، وقد صرح بذلك حديث سلمان عند الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما ~~سكت عنه؛ فهو مما عفا عنه " (1) . # وأخرج أبو داود (2) ، عن ابن عباس موقوفا: كان أهل الجاهلية يأكلون ~~PageV03P054 # أشياء، ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله تعالى نبيه، وأنزل كتابه، فأحل ~~حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو ~~عفو، وتلا: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} . # وأخرج الترمذي، وأبو داود، من حديث قبيصة بن هلب [عن أبيه] (1) قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قال له رجل: إن من الطعام طعاما ~~أتحرج منه؟ فقال: " ضارعت النصرانية! لا يختلجن في نفسك شيء ". # ( [ ### | اختلاف العلماء في جواز الذبح للسلطان # ] :) # إذا تقرر هذا: # فمسألة السؤال - أعني: ما ذبح من الأنعام لقدوم السلطان -، والاستدلال ~~على تحريم ذلك بقوله - تعالى -: {وما أهل به لغير الله} فاسد. # فإن الإهلال: رفع الصوت للصنم ونحوه، وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات ~~والعزى؛ كذا قال الزمخشري في " الكشاف "، والذابح عند قدوم السلطان لا يقول ~~عند ذبحه: باسم السلطان، ولو فرض وقوع ذلك؛ كان محرما بلا نزاع، ولكنه ~~يقول: باسم الله. # وقد استدل على ذلك بما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي من حديث أمير ~~PageV03P055 # المؤمنين علي - كرم الله وجهه (1) -: أنه سمع النبي صلى ms571 الله عليه وسلم ~~يقول: " لعن الله من ذبح لغير الله ... " الحديث. # وليس ذلك الاستدلال بصحيح؛ فإن الذبح لغير الله - كما بينه شراح هذا ~~الحديث من العلماء -: أن يذبح باسم غير الله؛ كمن ذبح للصنم، أو للصليب أو ~~لموسى، أو لعيسى، أو للكعبة، أو نحو ذلك؛ فكل هذا حرام، ولا تحل هذه ~~الذبيحة؛ سواء كان الذابح مسلما، أو يهوديا، أو نصرانيا؛ كما نص على ذلك ~~الشافعي وأصحابه. # قال النووي في " شرح مسلم ": " فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له - ~~وكان غير الله تعالى -، والعبادة له؛ كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح مسلما ~~قبل ذلك صار بالذبح مرتدا ". انتهى. # وهذا إذا كان الذبح باسم أمر من تلك الأمور؛ لا إذا كان لله، وقصد به ~~الإكرام لمن يجوز إكرامه؛ فإنه لا وجه لتحريم الذبيحة ههنا كما سلف. # وذكر الشيخ إبراهيم المروزي من أصحاب الشافعي أن ما يذبح عند استقبال ~~السلطان تقربا إليه؛ أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله. # قال الرافعي: " هذا إنما يذبحونه استبشارا بقدومه، فهو كذبح العقيقة ~~لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم ". انتهى. # وهذا هو الصواب. PageV03P056 # وفي " روضة الإمام النووي ": " من ذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بيت ~~الله؛ أو لرسول الله لأنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فهذا لا يمنع ~~الذبيحة؛ بل تحل " (1) ، قال: " ومن هذا القبيل الذبح الذي يذبح عند ~~استقبال السلطان استبشارا بقدومه؛ فإنه نازل منزلة الذبح للعقيقة لولادة ". ~~انتهى. # وقد أشعر أول كلامه أن من ذبح للسلطان تعظيما له - لكونه سلطان الإسلام - ~~كان ذلك جائزا؛ مثل الذبح له لأجل الاستبشار بقدومه؛ إذ لا فرق بين ذلك ~~وبين الذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بيت الله. # وذكر الدواري: أن من ذبح للجن، وقصد به التقرب إلى الله - تعالى - ليصرف ~~عنه شرهم؛ فهو حلال، وإن قصد الذبح لهم فهو حرام ". انتهى. # وهذا يستفاد منه حل ما ذبح لإكرام السلطان بالأولى، وذلك هو الحق؛ لما ~~أسلفناه من أن الأصل الحل، وأن الأدلة العامة قد دلت ms572 عليه، وعدم وجود ناقل ~~عن ذلك الأصل، ولا مخصص لذلك العموم، والله أعلم ". انتهى كلام الشوكاني. # وفيه دليل على التفرقة بين ما يذبح للتقرب إلى غير الله - تعالى - وبين ~~ما يذبح لغيره من الاستبشار ونحوه؛ كالذبح للعقيقة، والوليمة، والضيافة، ~~ونحوها، فالأول يحرم، والثاني يحل. # قال ابن حجر المكي في " الزواجر ": PageV03P057 # " وجعل أصحابنا مما يحرم الذبيحة أن يقول: باسم الله، واسم محمد، أو محمد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجر (اسم) الثاني، أو (محمد) إن عرف ~~النحو فيما يظهر، أو أن يذبح كتابي لكنيسة، أو لصليب، أو لموسى، أو لعيسى، ~~ومسلم للكعبة، أو لمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ أو تقربا لسلطان، أو غيره، ~~أو للجن. # فهذا كله يحرم المذبوح، وهو كبيرة ". # قال: " ومعنى ما أهل به لغير الله: ما ذبح للطواغيت والأصنام؛ قاله جمع. # وقال آخرون: يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله. # قال الفخر الرازي: وهذا القول أولى؛ لأنه أشد مطابقة للفظ الآية. # قال العلماء: لو ذبح مسلم ذبيحة، وقصد بذبحه التقرب بها إلى غير الله - ~~تعالى -؛ صار مرتدا، وذبيحته ذبيحة مرتد ". انتهى كلام " الزواجر ". # وقال صاحب " الروض ": # " إن المسلم إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر ". انتهى. # قال الشوكاني في " الدر النضيد ": # " وهذا القائل من أئمة الشافعية، وإذا كان الذبح لسيد الرسل صلى الله ~~عليه وسلم كفرا عنده؛ فكيف الذبح لسائر الأموات؟ ! ". انتهى. # PageV03P058 # قال الشيخ الفاضل - مفتي الديار النجدية - عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن ~~عبد الوهاب بن سليمان بن علي؛ في كتابه " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " في ~~(باب ما جاء في الذبح لغير الله) : " قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن ~~تيمية - رحمه الله - في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم " (1) في الكلام ~~على قوله - تعالى -: {وما أهل به لغير الله} : إن الظاهر أنه ما ذبح لغير ~~الله؛ مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود؛ فسواء لفظ به ~~أو لم يلفظ! . # وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم ms573 المسيح ونحوه، ~~كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله؛ كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، ~~وقلنا عليه: باسم الله. # فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: ~~لأجل المسيح أو الزهرة، وقصد به ذلك أولى؛ فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا ~~من الاستعانة بغير الله. # وعلى هذا؛ فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم؛ وإن قال فيه: باسم الله؛ ~~كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة؛ الذين قد يتقربون إلى الكواكب ~~بالذبح، والبخور، ونحو ذلك. # وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال؛ لكونه يجتمع في الذبيحة ~~مانعان: PageV03P059 # الأول: أنه مما أهل لغير الله به. # والثاني: أنها ذبيحة مرتد. # ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن ذبائح الجن (1) . # قال الزمخشري: " كانوا إذا اشتروا دارا، أو بنوها، أو استخرجوا عينا؛ ~~ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك ". انتهى كلام ~~" فتح المجيد ". # وقد نقل الشوكاني أيضا العبارة المتقدمة لشيخ الإسلام في رسالته " الدر ~~النضيد "، واستدل به على تحريم ما ذبح لغير الله - تعالى -؛ سواء لفظ به ~~الذابح عند الذبح أو لم يلفظ؛ وهذا هو الحق. # ( [ ### | الطعن أو الرمي للحيوان كالذبح إذا ند # ] :) # (وإذا تعذر الذبح لوجه جاز الطعن والرمي، وكان ذلك كالذبح) ؛ لحديث أبي ~~العشراء عن أبيه: قلت: يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ ~~قال: " لو طعنت في فخذها لأجزأك "؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وفي إسناده ~~مجهولون، وأبو العشراء لا يعرف من أبوه، ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة، فهو ~~مجهول، فلا تقوم الحجة بروايته. # والذي يصلح للاستدلال به حديث رافع بن خديج في " الصحيحين "، PageV03P060 # وغيرهما، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فند (1) بعير ~~من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد ms574 الوحش (2) ، فما فعل منها هذا؛ فافعلوا ~~به هكذا ". # ( [ ### | ذكاة الجنين ذكاة أمه # ] :) # (وذكاة الجنين ذكاة أمه) ؛ لحديث أبي سعيد عند أحمد، وابن ماجه، وأبي ~~داود، والترمذي، والدارقطني، وابن حبان - وصححه -، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ أنه قال في الجنين: " ذكاته ذكاة أمه "؛ وللحديث طرق يقوي بعضها ~~بعضا. # وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة تشهد له. # قلت: وعليه الشافعي، ووافقه محمد بن الحسن (3) . # وقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى يخرج حيا فيذكى. # أقول: وأما التمسك بالآية الكريمة؛ فلا يخفى أنه من معارضة الخاص بالعام، ~~وقد تقرر أن الخاص مقدم على العام. PageV03P061 # وقد قال ابن المنذر: إنه لم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء؛ أن ~~الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه؛ إلا ما روي عن أبي حنيفة - رحمه ~~الله -. # قال ابن القيم: " وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ~~ذكاة أمه؛ بأنها خلاف الأصول، وهو تحريم الميتة؛ فيقال: الذي جاء على لسانه ~~تحريم الميتة استثنى السمك والجراد من الميتة، فكيف وليست بميتة؟ {فإنها ~~جزء من أجزاء الأم، والذكاة قد أتت على جميع أعضائها، فلا يحتاج أن يفرد كل ~~جزء منها بذكاة، والجنين تابع للأم جزء منها، فهذا هو مقتضى الأصول ~~الصحيحة؛ ولو لم ترد السنة بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة ~~للقياس والأصول؟} ". # فقد اتفق النص، والأصل، والقياس؛ ولله الحمد. # ( [ ### | ما قطع من الحيوان الحي فهو ميتة # ] :) # (وما أبين من الحي فهو ميتة) ؛ لحديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " ما قطع من بهيمة وهي حية؛ فما قطع منها فهو ميتة "؛ أخرجه ابن ~~ماجه، والبزار، والطبراني، وقد قيل: إنه مرسل. # هذا يدل على تحريم الأكل، ولا ملازمة بينه وبين النجاسة؛ كما عرفت غير ~~مرة. # وأخرج أحمد (1) ، والترمذي، وأبو داود، والدارمي من حديث أبي واقد ~~PageV03P062 # الليثي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما قطع من البهيمة وهي حية؛ فهو ~~ميتة ". # وأخرج ابن ماجه، والطبراني، وابن عدي نحوه من حديث تميم الداري. # قلت: وكان أهل ms575 الجاهلية يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فنهوا ~~عن ذلك؛ لأن فيه تعذيبا ومناقضة لما شرع الله - تعالى - من الذبح. ### | ( [أحل السمك والجراد من الميتة، والكبد والطحال من الدماء] :) # (وتحل ميتتان ودمان: السمك والجراد) ، وعليه أهل العلم. # (والكبد والطحال) ، وهما عضوان من أعضاء بدن البهيمة؛ لكنهما يشبهان ~~الدم، فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم الشبهة فيهما، وليس في الحوت والجراد ~~دم مسفوح؛ فلذلك لم يشرع فيهما الذبح. # ووجهه حديث ابن عمر عند أحمد، وابن ماجه، والدارقطني، والشافعي، ~~والبيهقي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أحل لنا ميتان ودمان؛ فأما الميتتان؛ فالحوت والجراد، وأما الدمان؛ ~~فالكبد والطحال ". # وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف (1) . PageV03P063 # وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سبع غزوات؛ نأكل الجراد. # وفيهما - أيضا - من حديث جابر: أن البحر ألقى حوتا ميتا، فأكل منه الجيش، ~~فلما قدموا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: " كلوا رزقا أخرج الله ~~لكم، أطعمونا منه إن كان معكم "، فأتاه بعضهم بشيء. # وفي " البخاري " عن عمر؛ في قوله - تعالى -: {أحل لكم صيد البحر} قال: ~~صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. # وفيه، عن ابن عباس، قال: طعامه ميتته؛ إلا ما قذرت منها. # وفيه، قال ابن عباس: كل من صيد البحر؛ صيد يهودي، أو نصراني، أو مجوسي. ~~انتهى. # وإلى هذا ذهب الجمهور، فقالوا: ميتة البحر حلال؛ سواء ماتت بنفسها أو ~~بالاصطياد. # وذهبت الحنفية إلى أنه لا يحل إلا ما مات بسبب آدمي، أو بإلقاء الماء له، ~~أو جزره عنه، وأما ما مات أو قتله حيوان غير آدمي؛ فلا يحل. # واستدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث جابر - مرفوعا - بلفظ: # " ما ألقاه البحر أو جزر عنه؛ فكلوا، وما مات فيه فطفا؛ فلا تأكلوه؛ وفي ~~إسناده يحيى بن سليم، وهو ضعيف الحفظ. # PageV03P064 # وقد روي من غير هذا الوجه، وفيه ضعف. # قلت: ظاهر القرآن والحديث إباحة ميتات البحر كلها، والمراد منها كل ms576 ما ~~يعيش في البحر، فإذا أخرج منه كان عيشه عيش المذبوح كالسمك، فكل ذلك حلال ~~بأنواعه، ولا حاجة إلى ذبحه؛ سواء يؤكل مثله في البر، كالبقر والغنم؛ أو لا ~~يؤكل، كالكلب والخنزير، والكل سمك وإن اختلفت الصور؛ بخلاف ما يعيش في ~~الماء؛ فإذا أخرج دام حيا، فإن كان طائرا كالبط فذبح؛ فحلال، ولا يحل ~~ميتتها. # وإن كان غيرها - كالضفدع، والسرطان، والسلحفاة، وذوات السموم؛ كالحية، ~~والعقرب -؛ فحرام، وعليه الشافعي. # أقول: وعلى هذا فقوله - تعالى -: {أحل لكم صيد البحر} ؛ المراد منه: ما ~~يصطاد بالقصد والاختيار، وقوله: {وطعامه} المراد منه: ميتات البحر؛ مما لم ~~يصد بالاختيار، كنى به عن الميتة كراهية لذكر الميتة في مقام التحليل. # وقوله: {متاعا لكم} : إباحته لأهل الحضر. # وقوله: {وللسيارة} ؛ المراد منه: إباحته للأهل السفر. # وقال أبو حنيفة: جميع حيوانات البحر حرام؛ إلا السمك المعروف. # أقول: الحق أن كل حيوان بحري حلال على أي صورة كان؛ {أحل لكم صيد البحر} ~~، " هو الطهور ماؤه والحل ميتته "، فمن جاءنا بدليل يصلح # PageV03P065 # لتخصيص هذا العموم؛ قبلناه. # ( [ ### | الضرورات تبيح المحظورات # ] :) # (وتحل الميتة للمضطر) ؛ لقوله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} ، وقد ثبت ~~تحليل الميتة عند الجوع من حديث أبي واقد الليثي عند أحمد، والطبراني، ~~برجال ثقات (1) ، ومن حديث جابر بن سمرة عند أحمد (2) ، وأبي داود بإسناد ~~لا مطعن فيه، ومن حديث الفجيع العامري عند أبي داود (3) . # وقد اختلف في المقدار الذي يحل تناوله، وظاهر الآية أنه يحل ما يدفع ~~الضرورة؛ لأن من اندفعت ضرورته فليس بمضطر. # قال في " المسوى ": " أما ذبائح أهل الكتاب فتحل بنص الكتاب: {وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} . # أقول: معنى الآية باتفاق المفسرين: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم، ~~وذبائحكم حلال لهم. PageV03P066 # قيل: أي فائدة في الحل لهم؛ وهم كفار ليسوا من أهل الشرع؟ { # فقال الزجاج: معناه حلال لكم أن تطعموهم، وأقول: معناه: حلال لهم إذا ~~التزموا شريعتنا أكلوها. # وكان اليهود يزعمون أن بني إسرائيل لا يحل لهم ذبائح العرب، فبين الله - ~~تعالى - أن الأحكام الشرعية لا تتفاوت ms577 بالنسبة إلى قوم دون قوم. # وعليه أهل العلم؛ أن ذبائح اليهود والنصارى حلال لنا، وذبائح المجوس لا ~~تحل ". # وفي " الموطإ ": سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب؟ فقال: لا بأس بها، ~~وتلا هذه الآية: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} . # قلت: عليه أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا تحل ذبيحة المتنصر بعد التحريف والنسخ (1) ، والمشكوك ~~فيه. # ( [ ### | ذبائح المسلمين على اختلاف نحلهم حلال # ] :) # أقول: ذبائح جميع المسلمين - على اختلاف نحلهم، وتبيان طرائقهم - ~~PageV03P067 # حلال؛ لأن الله - جل جلاله - إنما نهانا عن أكل ما لم يذكر عليه اسمه، ~~وكل مسلم لا يذبح إلا ذاكرا لاسم الله تحقيقا أو تقديرا؛ على أي مذهب كان. # وذبائح أهل الكتاب تابعة لتحليل أطعمتهم؛ إما لصدق اسم الطعام عليها؛ أو ~~لأنها من الإدام اللاحق للطعام. # ويؤيده أكله صلى الله عليه وسلم للشاة التي أهدتها له اليهودية من خيبر ~~بعد طبخها لها. # ولا نسلم أن ذبائحهم مما لم يذكر عليه اسم الله، فإنهم يذبحون لله، ~~وليسوا كأهل الكفر من غيرهم. # فالحاصل: أن الذبح الذي تحل به الذبيحة ما في حديث رافع بن خديج بلفظ: " ~~ما أنهر الدم وذكر الله عليه فكلوا "؛ أخرجه الجماعة كلهم. # وذبيحة المسلم - على أي مذهب كان، وفي أي بدعة وقع - هي مما يذكر عليه ~~اسم الله، ومع الالتباس؛ هل وقعت التسمية من المسلم أو لا؟ # قد دل الدليل على الحل؛ لما أخرجه البخاري، والنسائي، وأبو داود، وابن ~~ماجه، من حديث عائشة: قالت: يا رسول الله! إن قوما حديثو عهد بجاهلية ~~يأتوننا باللحمان؛ لا ندري أذكروا اسم الله عليها؛ أم لم يذكروا؛ أنأكل ~~منها أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذكروا اسم الله وكلوا ~~". # فأمره صلى الله عليه وسلم بإعادة التسمية مشعر بأن ذبيحة من لم يسم - ~~سواء كان مسلما أو غير مسلم - حلال. # PageV03P068 # ويحمل قوله - تعالى -: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} على عدم ~~الذكر الكلي عند الذبح، وعند الأكل، وهو الظاهر من نفي ذكر اسم الله. # فاللحم إذا سمى عليه الآكل ms578 عند الأكل - والذابح كافر لم يسم - يكون مما ~~ذكر عليه اسم الله - تعالى -، وهذا من الوضوح بمكان، ولا عبرة بخصوص السبب؛ ~~وهو كون عائشة كان سؤالها عن اللحمان التي يأتي بها من المسلمين من كان ~~حديث عهد بالجاهلية؛ بل الاعتبار بعموم اللفظ - كما تقرر في الأصول -. # والحق: أن ذبيحة الكافر حلال إذا ذكر عليها اسم الله، ولم يهل بها لغير ~~الله؛ كالذبح للأوثان ونحوها. # فإن قلت: الكافر لا يذكر اسم الله على الذبيحة، وقد قال - تعالى -: {ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} وقال: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا ~~اسم الله عليه} وقال صلى الله عليه وسلم: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله ~~عليه فكلوه "، # قلت: هذا لا يتم إلا بعد العلم بأن الكافر لا يذكر اسم الله على ذبيحته. # وأما الاحتجاج لعدم اشتراط التسمية بحديث اللحمان المتقدم؛ فليس فيه دليل ~~على عدم اشتراط التسمية مطلقا؛ بل عدم اشتراطها عند الذبح. # وأما حديث: " ذبيحة المسلم حلال؛ ذكر اسم الله أو لم يذكر (1) "؛ فهو إما ~~مرسل؛ أو موقوف؛ فكيف ينتهض لمعارضة الكتاب العزيز؟ ! PageV03P069 # ثم هو خاص بالمسلم، والنزاع في الكافر، وكذلك الحديث الأول خاص بالمسلم؛ ~~لقوله: " إن قوما حديثو عهد بالجاهلية "، فلا يتم الاستدلال به على عدم ~~اشتراط التسمية مطلقا. # وحاصل البحث: أنه إذا ذبح الكافر ذاكرا لاسم الله عز وجل، غير ذابح لغير ~~الله، وأنهر الدم، وفرى الأوداج؛ فليس في الآية ما يدل على تحريم هذه ~~الذبيحة الواقعة على هذه الصفة. # فمن زعم أن الكافر خارج من بعد ذلك بعد أن ذبح لله تعالى وسمى؛ فالدليل ~~عليه (1) . # وأما ذبح الكافر لغير الله؛ فهذه الذبيحة حرام؛ ولو كانت من مسلم. # وهكذا إذا ذبح غير ذاكر لاسم الله - عز وجل -؛ فإن إهمال التسمية منه ~~كإهمال التسمية من مسلم حيث ذبحا جميعا لله - عز وجل -. # وإذا عرفت هذا؛ لاح لك أن الدليل على من قال باشتراط إسلام الذابح؛ لا ~~على من قال بأنه لا يسقط، فلا حاجة إلى الاستدلال على عدم الاشتراط ms579 بما لا ~~دلالة فيه على المطلوب؛ كالاحتجاج بقوله (2) صلى الله عليه وسلم: " لم ينه ~~عن ذبائح المنافقين "؛ فإن المنافقين كان يعاملهم صلى الله عليه وسلم ~~معاملة المسلمين في جميع الأحكام؛ عملا بما أظهروه من الإسلام، وجريا على ~~الظاهر. PageV03P070 # وأما ما يقال من حكاية الإجماع على عدم حل ذبيحة الكافر؛ فدعوى الإجماع ~~غير مسلمة، وعلى تقدير أن لها وجه صحة؛ فلا بد من حملها على ذبيحة كافر ذبح ~~لغير الله، أو لم يذكر اسم الله تعالى. # وأما ذبيحة أهل الذمة؛ فقد دل على حلها القرآن الكريم: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم} . # ومن قال: إن اللحم لا يتناوله الطعام؛ فقد قصر في البحث، ولم ينظر في كتب ~~اللغة، ولا نظر في الأدلة الشرعية المصرحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكل ذبائح أهل الكتاب؛ كما في أكله صلى الله عليه وسلم للشاة التي طبختها ~~يهودية، وجعلت فيها سما، والقصة أشهر من أن تحتاج إلى التنبيه عليها. # ولا مستند للقول بتحريم ذبائحهم؛ إلا مجرد الشكوك والأوهام التي يبتلى ~~بها من لم يرسخ قدمه في علم الشرع. # فإن قلت: قد يذبحونه لغير الله، أو بغير تسمية، أو على غير الصفة ~~المشروعة في الذبح. # قلت: إن صح شيء من هذا (1) ؛ فالكلام في ذبيحته كالكلام في ذبيحة المسلم، ~~إذا وقعت على أحد هذه الوجوه، وليس النزاع إلا في مجرد كون كفر الكتابي ~~مانعا؛ لا كونه أخذ بشرط معتبر. انتهى. PageV03P071 # (4 - ### | باب الضيافة # ( [ ### | حكم الضيافة في الإسلام # ] :) # (يجب على من وجد ما يقري به من نزل من الضيوف أن يفعل ذلك، وحد الضيافة ~~إلى ثلاثة أيام، وما كان وراء ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى ~~يحرجه، وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه؛ كان للضيف أن يأخذ من ~~ماله بقدر قراه) ؛ لحديث عقبة بن عامر في " الصحيحين " قال: قلت: يا رسول ~~الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا؛ فما ترى؟ قال: " إن نزلتم بقوم؛ ~~فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن ms580 لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف ~~الذي ينبغي لهم ". # وفيهما من حديث أبي شريح الخزاعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه جائزته "، قالوا: وما جائزته يا ~~رسول الله؟ قال: " يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو ~~صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه "؛ أي: يضيق صدره. # وأخرج أحمد (1) ، وأبو داود، من حديث المقدام: أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما؛ ~~كان PageV03P072 # دينا له عليه؛ إن شاء اقتضاه؛ وإن شاء تركه "، وإسناده صحيح. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، من حديث أبي هريرة نحوه، وإسناده صحيح. # وفي الباب أحاديث. # وقد ذهب الجمهور إلى أن الضيافة مندوبة لا واجبة، واستدلوا بقوله: " ~~فليكرم ضيفه جائزته "؛ قالوا: والجائزة هي العطية والصلة، وأصلها الندب. # ولا يخفى أن هذا اللفظ لا ينافي الوجوب، وأدلة الباب مقتضية لذلك؛ لأن ~~التغريم لا يكون للإخلال بأمر مندوب، وكذلك قوله: " واجبة "؛ فإنه نص في ~~محل النزاع، وكذلك قوله: " فما كان وراء ذلك فهو صدقة ". # قال في " المسوى ": # " وفي قوله: " جائزته " قولان: # أحدهما: يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له، ويقدم له في اليوم الثاني ~~والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ~~ومعروف، إن شاء فعل؛ وإن شاء ترك. # والثاني: أن جائزته أن يعطيه ما يجوز به مسافر يوما وليلة (1) ". # ( [ ### | تحريم أكل طعام الغير بدون إذنه # ] :) # (ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه) ؛ لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم ~~PageV03P073 # بينكم بالباطل} ، وكل ما دل على تحريم مال الغير دل على ذلك؛ لأنه مال. # وإنما خص منه ما ورد فيه دليل يخصه؛ كالضيف إذا حرمه من يجب عليه ضيافته؛ ~~كما مر. # ( [ ### | أمثلة على أكل مال الغير # ] :) # (ومن ذلك: حلب ماشيته، وأخذ ثمرته وزرعه لا يجوز إلا بإذنه؛ إلا أن يكون ~~محتاجا إلى ذلك؛ فليناد صاحب الإبل، أو الحائط، فإن أجابه؛ وإلا فليشرب، ms581 ~~وليأكل غير متخذ خبنة (1)) ؛ للأدلة العامة والخاصة. # أما العامة؛ فظاهر كالآية الكريمة، وحديث خطبة الوداع، ونحو ذلك. # وأما الأدلة الخاصة فمثل: حديث ابن عمر في " الصحيحين ": أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه؛ أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فينتثل ~~(2) طعامه؟ وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد ~~إلا بإذنه ". # وأخرج أحمد من حديث عمير مولى آبي اللحم، قال: " أقبلت مع سادتي نريد ~~الهجرة، حتى إذا دنونا من المدينة، قال: فدخلوا وخلفوني في ظهرهم، فأصابتني ~~مجاعة شديدة، قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة، PageV03P074 # فقالوا: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها، قال: فدخلت حائطا، فقطعت ~~منه قنوين، فأتاني صاحب الحائط، وأتى بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأخبره خبري، وعلي ثوبان، فقال لي: " أيهما أفضل؟ "، فأشرت إلى أحدهما، ~~فقال: " خذه وأعط صاحب الحائط الآخر "، فخلى سبيلي "، وفي إسناده ابن لهيعة ~~(1) . # وله طريق أخرى عند أحمد، وفي إسنادها أيضا أبو بكر بن يزيد بن المهاجر؛ ~~غير معروف الحال. # وقد أعل هذا الحديث بأن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق عن محمد ابن زيد، ~~وهو ضعيف (2) . # وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، من حديث ابن عمر، قال: سئل PageV03P075 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يدخل الحائط؟ فقال: " يأكل غير ~~متخذ خبنة ". # وأخرج أبو داود، والترمذي، - وصححه - من حديث سمرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إذا أتى أحدكم على ماشية؛ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، ~~فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه ~~أحد فليستأذنه، فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب، ولا يحمل "، وهو من سماع ~~الحسن عن سمرة، وفيه مقال معروف. # وأخرج أحمد، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي ~~سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أتى أحدكم حائطا، فأراد ~~أن يأكل؛ فليناد صاحب الحائط ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر ms582 أحدكم ~~بإبل؛ فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد: يا صاحب الإبل {أو: يا راعي الغنم} ~~فإن أجابه وإلا فليشرب ". # وأخرج الترمذي، وأبو داود، من حديث رافع، قال: كنت أرمي نخل الأنصار، ~~فأخذوني، فذهبوا بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رافع {لم ~~ترمي نخلهم؟ "، قال: قلت يا رسول الله} الجوع. قال: " لا ترم؛ وكل ما وقع؛ ~~أشبعك الله وأرواك " (1) . # وأخرج أبو داود، والنسائي، من حديث شرحبيل بن عباد في قصة مثل قصة رافع، ~~وفيها: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الحائط: " ما علمت إذ كان ~~جاهلا، ولا أطعمت إذ كان جائعا؟ ! " (2) . PageV03P076 # والمراد بالخبنة: ما يحمله الإنسان في حضنه؛ وهي: بضم الخاء المعجمة، ~~وسكون الباء الموحدة، وبعدها نون. # ويمكن الجمع بين الأحاديث: بأن تغريم النبي صلى الله عليه وسلم لآبي ~~اللحم لعدم المناداة منه، ولو فرضنا عدم صحة الجمع بهذا؛ كانت أحاديث الإذن ~~عند الحاجة مع المناداة أرجح. # PageV03P077 # (5 - ### | باب آداب الأكل # فقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - آدابا يتأدبون بها في الطعام؛ كما ~~ستأتي. # (1 -[ ### | التسمية # ] :) # (تشرع للآكل التسمية) ؛ لحديث عائشة عند أحمد (1) ، وأبي داود، وابن ~~ماجه، والنسائي، والترمذي - وصححه - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: بسم الله؛ فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله ~~على أوله وآخره ". # وأخرج مسلم، وغيره من حديث جابر: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا ~~مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله؛ قال الشيطان: ~~PageV03P078 # أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر الله عند طعامه؛ قال: أدركتم المبيت والعشاء ~~". # وأخرج مسلم، وغيره من حديث حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الشيطان ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه "؛ الحديث. # وأخرج الترمذي (1) ، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأكل طعاما في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله ms583 بلقمتين، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أما إنه لو سمى لكفى لكم "، وقال: حسن صحيح. # وفي الباب أحاديث. # قلت: وعليه أهل العلم. # قال النووي: الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (2) ، فإن قال: بسم ~~الله. حصلت السنة. # (2 -[ ### | الأكل باليمين # ] :) # (والأكل باليمين) ؛ لحديث ابن عمر عند مسلم، وغيره: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل PageV03P079 # بشماله، ويشرب بشماله. # قلت: وعليه أهل العلم. # (3 -[ ### | الأكل من حافتي الطعام # ] :) # (ومن حافتي الطعام لا من وسطه) ؛ لحديث ابن عباس عند أحمد، وابن ماجه، ~~والترمذي وصححه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه ". # وأخرجه أبو داود (1) بلفظ: # " إذا أكل أحدكم طعاما؛ فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها؛ ~~فإن البركة تنزل من أعلاها ". # (4 -[ ### | الأكل مما يليه # ] :) # (ومما يليه) ؛ لحديث عمر بن أبي سلمة في " الصحيحين "، وغيرهما قال: كنت ~~غلاما في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال ~~لي: " يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك ". # (5 -[ ### | لعق الأصابع والصحفة # ] :) # (ويلعق أصابعه والصحفة) ؛ لحديث أنس عند مسلم، وغيره: أن النبي ~~PageV03P080 # صلى الله عليه وسلم كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث، وقال: # " إذا وقعت لقمة أحدكم؛ فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان ~~"، وأمرنا أن نسلت (1) القصعة، وقال: # " إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ". # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها (2) ". # وأخرج مسلم من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع ~~والصحفة، وقال: # " إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ". # قال في " الحجة البالغة ": # " وقد اتفق لنا أنه زارنا ذات يوم رجل من أصحابنا، فقربنا إليه شيئا، ~~فبينا يأكل؛ إذ سقطت كسرة من يده، وتدهدهت في الأرض، فجعل يتبعها، ms584 وجعلت ~~تتباعد عنه، حتى تعجب الحاضرون بعض العجب، وكابد هو في تتبعها بعض الجهد، ~~ثم إنه أخذها فأكلها، فلما كان بعد أيام تخبط الشيطان إنسانا (3) ، وتكلم ~~على لسانه، فكان فيما تكلم: إني مررت بفلان وهو يأكل، فأعجبني ذلك الطعام، ~~فلم يطعمني منه شيئا، فخطفته من يده، فنازعني حتى أخذه مني. PageV03P081 # وبينا يأكل أهل بيتنا أصول الجزر؛ إذ تدهده بعضها، فوثب إليه إنسان فأخذه ~~وأكله، فأصابه وجع في صدره ومعدته، ثم تخبطه الشيطان، فأخبر على لسانه أنه ~~كان أخذ ذلك المتدهده. # وقد قرع أسماعنا شيء كثير من هذا النوع، حتى علمنا أن هذه الأحاديث ليست ~~من باب إرادة المجاز، وإنما أريد به حقيقتها، فمن العلم الذي أعطاه الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم حال الملائكة والشياطين، وانتشارهم في الأرض ". ~~انتهى. # (6 -[ ### | الحمد عند الفراغ # ] :) # (والحمد عند الفراغ والدعاء) ؛ لحديث أبي أمامة عند البخاري، وغيره: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: " الحمد لله كثيرا طيبا ~~مباركا فيه؛ غير مكفي (1) ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ". # وأخرج أحمد، وأبو داود (2) ، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، والبخاري في ~~" التاريخ " من حديث أبي سعيد، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل ~~وشرب قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه - (3) من حديث معاذ بن أنس، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV03P082 # " من أكل طعاما، فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ~~ولا قوة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه ". # وأخرج أبو داود (1) من حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم {بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه. # وإذا سقي لبنا؛ فليقل: اللهم} بارك لنا فيه وزدنا منه؛ فإنه ليس شيء يجزي ~~من الطعام والشراب إلا اللبن ". # وأخرجه الترمذي بنحوه وحسنه، ولكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه ~~ضعف. # وقد رواه عن محمد بن حرملة. # قال أبو حاتم: ms585 بصري لا أعرفه! # (7 -[ ### | أن يستوي جالسا # ] :) # (ولا يأكل متكئا) ؛ لحديث أبي ححيفة عند البخاري، وغيره، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما أنا فلا آكل متكئا ". # قلت: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في العرب، وعاداتهم ~~PageV03P083 # أوسط العادات، ولم يكونوا يتكلفون تكلف العجم، والأخذ بها أحسن، ولا أحسن ~~لأصحاب الملة من أن يتبعوا سيرة إمامها في كل نقير وقطمير. # وما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان (1) ، ولا في سكرجة (1) ، ~~ولا خبز له مرقق، ولا رأى شاة سميطا (2) بعينه قط، وما رأى منخلا - كانوا ~~يأكلون الشعير غير منخول -. PageV03P084 ### | (الكتاب الرابع عشر: ### | كتاب الأشربة # ) # PageV03P085 # (14 - ### | كتاب الأشربة # ( [ ### | كل مسكر خمر وكل مسكر حرام # ] :) # (كل مسكر حرام) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث ابن عمر: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام "، فيشمل ذلك جميع أنواع ~~الخمر؛ من الشجرتين وغيرهما، فيتناوله قوله - تعالى -: {إنما الخمر ~~والميسر} الآية. # وفي لفظ لمسلم: " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ". # وفي " الصحيحين " من حديث عائشة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن البتع؟ وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " كل شراب أسكر فهو حرام ". # وفيهما نحوه من حديث أبي موسى. # وفي الباب أحاديث. # قال في " الحجة البالغة ": # " وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحاديث كثيرة؛ من طرق ~~لا تحصى، وعبارات مختلفة، فقال: " الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة ~~". # PageV03P087 # وكذلك اتفقت جميع الملل والنحل على قبحه بالمرة. # وليس الأمر كما يظنه من لا بصيرة له؛ من أنه حسن بالنظر إلى الحكمة ~~العملية؛ لما فيه من تقوية الطبيعة! فإن هذا الظن من باب اشتباه الحكمة ~~الطبية بالحكمة العملية. # والحق أنهما متغايرتان، وقد نزل تحريم الخمر؛ وهي من خمسة أشياء: العنب، ~~والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل. # ( [ ### | مم يكون الخمر # ؟] :) # والخمر: ما خامر العقل. # وقال: لقد حرمت الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة ms586 ~~خمرنا: البسر والتمر، وكسروا دنان الفضيخ (1) حين نزلت، وهو يقتضيه قوانين ~~التشريع؛ فإنه لا معنى لخصوصية العنب، وإنما المؤثر في التحريم كونه مزيلا ~~يدعو قليله إلى كثيره، فيجب به القول. # ولا يجوز لأحد اليوم أن يذهب إلى تحليل ما اتخذ من غير العنب، واستعمل ~~أقل من حد الإسكار. # نعم؛ كان ناس من الصحابة والتابعين لم يبلغهم الحديث في أول الأمر، ~~فكانوا معذورين؛ ولما استفاض الحديث، وظهر الأمر كرابعة النهار، وصح حديث: ~~" ليشربن ناس من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها "؛ لم يبق عذر، أعاذنا ~~الله - تعالى - والمسلمين من ذلك ". انتهى. PageV03P088 # وتمام هذا البحث في " مسك الختام "، فليرجع إليه. # ( [ ### | ما أسكر كثيره فقليله حرام # ] :) # (وما أسكر كثيره فقليله حرام) ، لحديث عائشة عند أحمد، وأبي داود، ~~والترمذي وحسنه، وابن حبان، والدارقطني - وأعله بالوقف -، قالت: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: # " كل مسكر حرام؛ وما أسكر الفرق (1) منه؛ فملء الكف منه حرام "، ورجاله ~~رجال الصحيح؛ إلا عمرو بن سالم الأنصاري مولاهم المدني؛ قال المنذري: لم أر ~~أحدا قال فيه كلاما، وقال الحاكم: هو معروف بكنيته؛ يعني: أبا عثمان (2) . # وأخرج أحمد (3) ، وابن ماجه، والدارقطني - وصححه -، من حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". # وأخرجه أبو داود (4) ، والترمذي - وحسنه -، وقال ابن حجر: رجاله ثقات -، ~~من حديث جابر. PageV03P089 # وأخرجه أيضا أحمد (1) ، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده. # وفي الباب أحاديث. # قال في " المسوى ": # " وعليه الشافعي، وأبو حنيفة؛ إلا أن الشافعي يقول: كل ما خامر العقل فهو ~~خمر، قليله وكثيره حرام، يجب منه الحد؛ سواء كان من عنب، أو تمر، أو عسل، ~~أو غير ذلك؛ وسواء كان نيئا أو مطبوخا. # وفي مذهب أبي حنيفة: النيء من ماء العنب إذا اشتد هو الخمر، والمسكر من ~~فضيخ التمر حرام؛ يحد منه دون سائر المسكرات ". انتهى. # ( [ ### | ما هي الآنية التي يجوز الانتباذ بها # ؟] :) # (ويجوز الانتباذ في جميع الآنية) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث بريدة، ~~قال: ms587 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم (2) ، فاشربوا في كل وعاء؛ ~~غير أن لا تشربوا مسكرا ". # وفي لفظ لمسلم - أيضا -، وغيره: " نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفا لا ~~PageV03P090 # يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام ". # وفي الباب أحاديث مصرحة بنسخ ما قد كان وقع منه صلى الله عليه وسلم؛ من ~~النهي عن الانتباذ في الدباء، والنقير، والمزفت، والحنتم (1) ، ونحوها؛ كما ~~هو مذكور في الأحاديث المروية في " الصحيحين "، وغيرهما. # ذهب قوم إلى بقاء الحظر فيها، وبه قال مالك وأحمد. # ( [ ### | حكم انتباذ جنسين مختلطين # ] :) # (ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ~~ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا. # وفيهما من حديث أبي قتادة نحوه. # ولمسلم نحوه من حديث أبي سعيد. # وله - أيضا - نحوه من حديث أبي هريرة. # وفي الباب أحاديث. # ووجه النهي عن انتباذ الخليطين؛ أن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط، ~~فيظن المنتبذ أنه لم يبلغ حد الإسكار وقد بلغه. PageV03P091 # قال النووي: # " ومذهب الجمهور: أن النهي في ذلك للتنزيه لا للتحريم، وإنما يحرم إذا ~~صار مسكرا، ولا تخفى علامته. # وقال بعض المالكية: هو للتحريم ". # وقد ورد ما يدل على منع انتباذ جنسين؛ سواء كان مما ذكر في الأحاديث ~~السابقة أم لا، وهو ما أخرجه النسائي، وأحمد، من حديث أنس قال: نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بين شيئين فينبذا؛ يبغي أحدهما على ~~صاحبه "، ورجال إسناده ثقات (1) . # قال في " المسوى ": # " اختلف أهل العلم؛ فذهب جماعة إلى تحريمه؛ وإن لم يكن الشراب المتخذ منه ~~مسكرا لظاهر الحديث، وبه قال مالك وأحمد. # وقال الأكثرون: هو حرام إذا كان مشتدا ومسكرا؛ إذ المعنى فيه الإسكار، ~~وإنما خص ذكره؛ لأنه كان من عادتهم اتخاذ النبيذ المسكر بذلك. # وقال الليث: إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعا؛ لأن أحدهما يشد صاحبه ". # ( [ ### | حكم تخليل الخمر # ] :) # (ويحرم تخليل الخمر) ؛ لحديث أنس عند أحمد، وأبي داود، ms588 والترمذي ~~PageV03P092 # وصححه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الخمر يتخذ خلا؟ فقال: " ~~لا ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، من حديثه - أيضا -: أن أبا طلحة سأل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرا؟ فقال: " أهرقها "، قال: ~~أفلا نجعلها خلا؟ قال: " لا ". # وقد عزاه المنذري في " مختصر السنن " إلى مسلم. # وله حديث ثالث نحوه أخرجه الدارقطني. # وأخرج أحمد من حديث أبي سعيد نحوه. # قال ابن القيم: # " وفي الباب عن أبي الزبير وجابر، وصح ذلك عن عمر بن الخطاب، ولا نعلم له ~~في الصحابة مخالفا، ولم يزل أهل المدينة ينكرون ذلك. # قال الحاكم: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحيري يقول: سمعت محمد بن إسحاق ~~يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمت المدينة أيام مالك، فتقدمت إلى قاض، ~~فقلت: عندك خل خمر؟ فقال: سبحان الله! في حرم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: ثم قدمت بعد موت مالك، فذكرت ذلك لهم، فلم ينكر علي أحد. # وأما ما روي عن علي من اصطناعه الخمر، وعن عائشة: أنه لا بأس به؛ فهو خل ~~الخمر إذا تخللت بنفسها لا باتخاذها ". اه. # PageV03P093 # وفي " الحجة البالغة ": # " سئل عن الخمر يتخذ خلا؟ قال: " لا "، قيل: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: " ~~إنه ليس بدواء، ولكنه داء ". # أقول: لما كان الناس مولعين بالخمر، وكانوا يتحيلون لها حيلا؛ لم تتم ~~المصلحة إلا بالنهي عنها على كل حال؛ لئلا يبقى عذر لأحد ولا حيلة ". ~~انتهى. # ( [ ### | جواز شرب العصير والنبيذ قبل تخمره # ] :) # (ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه) ؛ لحديث أبي هريرة عند أبي داود ~~(1) ، والنسائي، وابن ماجه، قال: علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يصوم، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء، ثم أتيته به، فإذا هو ينش (2) ~~فقال: # " اضرب بهذا الحائط؛ فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ". # وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير، قال: اشربه ما لم يأخذه شيطانه؟ قيل: ~~وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: في ثلاث. PageV03P094 # وأخرج مسلم، وغيره من حديث ابن عباس: ms589 أنه كان ينقع للنبي صلى الله عليه ~~وسلم الزبيب، فيشربه اليوم، والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به ~~فيسقي الخادم أو يهراق. # قال أبو داود: ومعنى يسقي الخادم: يبادر به الفساد. # ( [ ### | ما هي مدة الانتباذ # ؟] :) # (ومظنة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام) ؛ لحديث ابن عباس المذكور. # وقد أخرج مسلم، وغيره من حديث عائشة: " أنها كانت تنتبذ لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غدوة، فإذا كان من العشي فتعشى شرب على عشائه، وإن فضل شيء ~~صبته أو أفرغته، ثم تنتبذ له بالليل، فإذا أصبح تغدى فشرب على غدائه، قالت: ~~نغسل السقاء غدوة وعشية "، وهو لا ينافي حديث ابن عباس - المتقدم - أنه كان ~~يشربه اليوم، والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة؛ لأن الثلاث مشتملة على ~~زيادة غير منافية، والكل في " الصحيح ". # ( [ ### | آداب الشرب # ] :) # (1 -[ ### | أن يتنفس ثلاثا # ] :) # (وآداب الشرب أن يكون ثلاثة أنفاس) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين ": أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتنفس في الإناء ثلاثا. # وفي لفظ لمسلم: أنه كان يتنفس في الشراب ثلاثا، ويقول: " إنه أروى وأمرأ ~~" (1) ، والمراد أنه كان يتنفس بين كل شربتين في غير الإناء. PageV03P095 # (2 -[ ### | أن لا يتنفس في الإناء # ] :) # وأما التنفس في الإناء فمنهي عنه؛ لحديث أبي قتادة في " الصحيحين "، ~~وغيرهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - (1) ، من حديث ابن ~~عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ ~~فيه. # وأخرج أحمد، والترمذي (2) - وصححه -، من حديث أبي سعيد: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن النفخ في الشراب، فقال الرجل: القذاة أراها في ~~الشراب، فقال: " أرقها "، فقال: إني لا أروى من نفس واحد، قال: " فأبن؟ ~~القدح إذا عن فيك "، قلت: وعلى هذا أهل العلم. والنهي عن التنفس فيه، من ~~أجل ما يخاف أن يبرز شيء من ريقه أو مخاطه فيقع في الماء. # وقد تكون النكهة من بعض من يشرب متغيرة، ms590 فتتعلق الرائحة بالماء لرقته ~~ولطفه. # ثم إنه من فعل الدواب، إذا كرعت في الأواني كرعت، ثم تنفست فيها، ثم عادت ~~فشربت، فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه. ~~PageV03P096 # والنفخ فيه يكون لأحد معنيين: فإن كان من حرارة الشراب؛ فليصبر حتى يبرد، ~~وإن كان من أجل قذى؛ فليمطه بأصبع أو خلال، وإن تعذر فليرقها؛ كما جاء في ~~الحديث. # (3 -[ ### | أن يشرب باليمين # ] :) # (وباليمين) ؛ لما تقدم في آداب الأكل. # (4 -[ ### | أن يشرب قاعدا # ] :) # (ومن قعود) ؛ لأن الشرب قاعدا من الهيئات الفاضلة، وأقرب لجموم النفس ~~والري، وأن تصرف الطبيعة الماء في محله؛ لحديث أبي سعيد عند مسلم، وغيره: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائما. # وأخرج مسلم أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسي فليستقئ " (1) . # ولا يعارض هذا حديث ابن عباس في " الصحيحين ": أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم شرب من ماء زمزم قائما، ولا ما أخرج البخاري، وغيره من حديث علي: أنه ~~شرب وهو قائم، ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صنع مثل ما صنعت، ولا ما أخرجه أحمد (2) ، وابن ماجه، والترمذي ~~PageV03P097 # - وصححه - من حديث ابن عمر، قال: " كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام " (1) ؛ لأنه يمكن الجمع بأن الكراهة ~~للتنزيه؛ وإن كان قوله: " فمن نسي فليستقئ " يشعر بعدم الجواز في حق من قصد ~~مخالفة السنة (2) ؛ على أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص ~~بالأمة، ويخصص القول الشامل له وللأمة، فيكون الفعل خاصا به؛ كما تقرر في ~~الأصول. # قلت: وعليه أكثر أهل العلم؛ رأوا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب ~~قائما نهي أدب وإرفاق؛ ليكون تناوله على سكون وطمأنينة، فيكون أبعد من أن ~~يكون منه فساد في المعدة؛ كالكباد وغيره. # (5 -[ ### | أن يشرب الأيمن فالأيمن # ] :) # (وتقديم الأيمن فالأيمن) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين ms591 "، وغيرهما: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو ~~بكر، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، وقال: " الأيمن فالأيمن ". # وفيهما من حديث سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب ~~منه، وعن يمنيه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: " أتأذن لي أن أعطي ~~هؤلاء؟ "، فقال الغلام: والله يا رسول الله! لا أوثر بنصيبي منك أحدا، ~~فتله؛ أي: وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. # قال في " الحجة البالغة ": PageV03P098 # " أراد بذلك قطع المنازعة، فإنه لو كانت السنة تقديم الأفضل؛ ربما لم يكن ~~الفضل مسلما بينهم، وربما يجدون في أنفسهم من تقديم غيرهم حاجة ". اه # (6 -[ ### | الساقي آخر القوم شربا # ] :) # (ويكون الساقي آخرهم شربا) ؛ لحديث أبي قتادة عند ابن ماجه، وأبي داود، ~~والترمذي - وصححه - وقال المنذري: رجال إسناده ثقات -، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " ساقي القوم آخرهم شربا ". # وقد أخرجه أيضا مسلم بلفظ: قلت: لا أشرب حتى يشرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " إن الساقي آخرهم شربا ". # (7، 8 ### | -[التسمية على الشرب، والحمد في آخره] :) # (ويسمي في أوله، ويحمد في آخره) ؛ لحديث ابن عباس عند الترمذي (1) قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير، ~~ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا الله إذا أنتم شربتم، واحمدوا الله إذا أنتم ~~رفعتم ". # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، PageV03P099 # والبخاري في " التاريخ " من حديث أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا أكل وشرب قال: " الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين ". ### | ( [حكم التنفس في السقاء، والنفخ فيه والشرب من فمه] :) # (ويكره التنفس في السقاء، والنفخ فيه) ؛ وقد تقدمت أدلة ذلك في الشرب ~~ثلاثة أنفاس. # (والشرب من فمه) لأنه إذا ثنى فم القربة فشرب منه؛ فإن الماء يتدفق وينصب ~~في حلقه دفعة، وهو يورث الكباد، ويضر بالمعدة، ولا يتميز عنده في دفق الماء ~~وانصبابه القذاة ونحوها. # ودليله حديث أبي سعيد في ms592 " الصحيحين " قال: نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن اختناث الأسقية؛ أن يشرب من أفواهها (1) . # وفي رواية لهما: " واختناثها: أن يقلب رأسها ثم يشرب منه ". # وفي " البخاري " من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~أن يشرب من في السقاء. PageV03P100 # وزاد أحمد: قال أيوب: فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية. # وزاد في " الحجة البالغة ": " فدخلت في جوفه ". # وفي " البخاري "، وغيره من حديث ابن عباس، قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الشرب من في السقاء. # وهذا لا يعارضه ما رواه ابن ماجة (1) ، والترمذي - وصححه -، من حديث ~~كبشة، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشرب من في قربة معلقة ~~قائما، فقمت إلى فيها فقطعته ". # وأخرج أحمد (2) ، وابن شاهين، والترمذي في " الشمائل "، والطبراني، ~~والطحاوي، من حديث أم سليم نحوه. # وأخرج أبو داود (3) ، والترمذي من حديث عبد الله بن بسر نحوه - أيضا -؛ ~~لأن فعله صلى الله عليه وسلم قد يكون لبيان الجواز، فتحمل أحاديث النهي على ~~الكراهة لا على التحريم. PageV03P101 # وقد يكون ما فعله صلى الله عليه وسلم لعذر، فتحمل أحاديث النهي على عدم ~~العذر. # وقد جزم ابن حزم بالتحريم (1) . # وروي عن أحمد أن أحاديث النهي ناسخة. # ( [ ### | حكم المائع إذا وقعت فيه نجاسة # ] :) # (وإذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات؛ لم يحل شربه، وإن كان جامدا ~~ألقيت وما حولها) ؛ لحديث ميمونة عند البخاري، وغيره: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت؟ فقال: " ألقوها وما حولها، وكلوا ~~سمنكم ". # وأخرج أبو داود (2) والنسائي - في لفظ لهما من هذا الحديث -: أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: " إن كان جامدا ~~فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه "، وصححه ابن حبان. # وأخرج أحمد، وأبو داود (3) ، والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: ~~PageV03P102 # سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فأرة وقعت في سمن فماتت؟ فقال: ~~" إن كان جامدا فخذوها وما حولها، ثم ms593 كلوا ما بقي، وإن كان مائعا فلا ~~تقربوه ". # وقد أخرجه أيضا النسائي. # وحكم غير الفأرة - مما هو مثلها في النجاسة والاستقذار - حكمها إذا وقع ~~في سمن أو نحوه. # قلت: وعليه أهل العلم؛ ومعناه عندهم: إذا كان جامدا؛ فإن كان مائعا تنجس ~~كله، فلا يجوز أكله بالاتفاق، وجوز أبو حنيفة بيعه، ولم يجوزه الشافعي. # ( [ ### | حكم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة # ] :) # (ويحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة) ؛ لحديث حذيفة في " الصحيحين ~~"، وغيرهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا ~~تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ". # وفيهما - أيضا - من حديث أم سلمة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ". # PageV03P103 # ولفظ مسلم: " إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة ". # وأخرج مسلم من حديث البراء بن عازب، قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الشرب في الفضة؛ فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في ~~الآخرة. # وأخرج أحمد، وابن ماجه من حديث عائشة نحو حديث أم سلمة. # قلت: الجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف، وعليه أهل العلم. # وفي حكمها الذهب. # ورخص الشافعي في تضبيب الإناء بقليل من الفضة عند الحاجة؛ لحديث أنس: أن ~~قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب (1) سلسلة من فضة. # قال الشيخ محيي الدين بن إبراهيم النحاس في " تنبيه الغافلين ": # " ومنها استعمال أواني الذهب والفضة للرجال والنساء في الأكل، والشرب، ~~والادهان، والاكتحال، ونحو ذلك. # وكذا قال الشيخ شمس الدين ابن القيم وغيره. # ولا فرق بين أن تكون الآنية كبيرة؛ كالصحن، والزبدية ونحوهما، أو صغيرة؛ ~~كالمكحلة، والميل، والإبرة، ونحوها. # وكما يحرم استعمال أواني الذهب والفضة يحرم اتخاذها لغير استعمال على ~~الرجال، والنساء، ويحرم على الصائغ عملها. PageV03P104 # ومن قدم إليه طعام في آنية ذهب، أو فضة، ولم يستطع الإنكار؛ فطريقه أن ~~يأخذ الطعام ms594 من الآنية، ويضعه في وعاء آخر، أو على الخبز، أو في يده ~~الشمال، ثم يأكل منه؛ لأن ذلك ليس بأكل فيها، وكذلك إذا أراد الاكتحال من ~~كحل في مكحلة فضة؛ أفرغ منه في شيء ثم اكتحل منه، والله تعالى أعلم ". اه. # ( [ ### | حكم استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب # ] :) # أقول: استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب فيها؛ لم يرد ما يدل على ~~المنع منه، ولم يثبت إلا المنع من الأكل والشرب فيها فقط. # ومن زعم تحريم غيرهما؛ لم يقبل إلا بدليل؛ لأن الأصل الحل، فلا ينقل عنه ~~إلا بناقل. # وأما التحلي بهما؛ فلم يرد ما يمنع من ذلك إلا في الذهب (1) . ~~PageV03P105 # وأما الفضة؛ فلم يرد شيء؛ بل قال صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالفضة؛ ~~فالعبوا بها كيف شئتم (1) ". # هذا خلاصة ما ينبغي القول به في الاستعمال والتحلي، وللماتن - رحمه الله ~~تعالى - أبحاث جليلة المقدار راجحة الأنظار في ذلك، فلتراجع. PageV03P106 ### | (الكتاب الخامس عشر: ### | كتاب اللباس # ) # PageV03P107 # (15 - ### | كتاب اللباس # ( [ ### | دليل وجوب ستر العورة في الملإ والخلاء # ] :) # (ستر العورة واجب في الملأ والخلاء) ؛ لحديث حكيم بن حزام، عن أبيه، عند ~~أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه - (1) ، ~~قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها؟ وما نذر؟ فقال: " احفظ ~~عورتك؛ إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك "، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في ~~بعض؟ قال: " إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها "، فقلت: فإذا كان أحدنا ~~خاليا؟ قال: " فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه " (2) . PageV03P109 # وقد اختلف أهل العلم في حد العورة، وكذلك اختلفت الأدلة، وقد استوفاها ~~الماتن في " شرح المنتقى ". # ( [ ### | حكم لباس الحرير للذكور والإناث # ] :) # (ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير) ؛ لحديث عمر في " الصحيحين "، وغيرهما ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تلبسوا الحرير، فإنه من ~~لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". # وفيهما نحوه من حديث أنس. # وفيهما - وغيرهما - من حديث ابن عمر: أنه رأى عمر حلة من إستبرق، فأتى ~~بها النبي ms595 صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ابتع هذه فتجمل بها ~~للعيد وللوفود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما هذه لباس من لا ~~خلاق له ". # وأخرج أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه من حديث أبي موسى: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها "، وفي إسناده سعيد ~~بن أبي هند، عن أبي موسى، قال أبو حاتم: إنه لم يلقه. # وقد صححه (1) أيضا ابن حزم. # وروي من حديث علي عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، ~~قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله ~~PageV03P110 # في شماله، ثم قال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي "، زاد ابن ماجه: " حل ~~لإناثهم "، وهو حديث حسن. # وأخرج البيهقي بإسناد حسن نحوه. # وأخرج البزار من حديث عمرو بن جرير البجلي (1) نحوه أيضا، وفي إسناده قيس ~~بن أبي حازم. # وفي الباب أحاديث. # وقد ذكر المهدي في " البحر " أنه مجمع على تحريم الحرير للرجال، وقال ~~فيه: إنه خالف في ذلك ابن علية. # وانعقد الإجماع بعده على التحريم. # وقال القاضي عياض: إنه حكي عن قوم إباحته. # وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسا من الصحابة. # ( [ ### | الخلاف في جواز لبس الحرير المشوب # ] :) PageV03P111 # وقد اختلف أهل العلم في الحرير المشوب بغيره. # واستدل المانعون من لبسه بما ورد من منعه صلى الله عليه وسلم للبس حلة ~~السيراء؛ كما في " الصحيحين " من حديث علي، ولكنه قد وقع الخلاف في تفسير ~~حلة السيراء ما هي؟ # فقيل: إنها ذات الخطوط، وقيل: المختلفة الألوان. # وهذان التفسيران لا يدلان على مطلوب من استدل بذلك على المنع من لبس ~~المشوب؛ على أنه قد قيل: إنه الحرير المحض. # واستدل من لم يقل بتحريم المشوب - بل حرم الخالص فقط - بمثل حديث ابن ~~عباس عند أحمد، وأبي داود، قال: # " إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من قز "، وفي ~~إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وفيه ضعف (1) . # والمصمت بضم الميم ms596 الأولى، وفتح الثانية المخففة؛ وهو: الذي جميعه حرير ~~لا يخالطه قطن ولا غيره. # وهذا البحث طويل الذيول. PageV03P112 # أقول: مسألة تحريم مشوب الحرير من المعارك التي تحتمل البسط. # قال الماتن في " حاشية الشفاء ": # " وقد طالت المراجعة فيها بيني وبين شيخي المجتهد المطلق السيد عبد ~~القادر بن أحمد الكوكباني - رحمه الله - أيام قراءتي عليه، فكان جميع ما ~~حرره وحررته نحو سبع رسائل، وقد لخصت ما ظهر لي في المسألة في " شرح ~~المنتقى " باختصار، فليرجع إليه ". # قلت: وحاصله ترجيح التحريم؛ كما قررته في " هداية السائل إلى أدلة ~~المسائل "؛ فليراجع. # قال في " المسوي ": # " الحلة السيراء: التي فيها خطوط كالسيور، وهي برود من الحرير، أو الغالب ~~فيها الحرير، والقسي: ثياب مضلعة من الحرير؛ أي: منقوشة بصورة الضلاع (1) ~~وأشباهه، قيل: نسبة إلى قس قرية بساحل البحر، وقيل: إلى القز بالزاي، فأبدل ~~من الزاي السين. # وعلى هذا أهل العلم أن الحرير حرام على الرجال دون النساء، ويرخص في موضع ~~إصبع، أو إصبعين، أو ثلاث، أو أربع من أعلام الحرير، ورخص بعضهم في لبسه ~~لأجل الحكة والقمل ". اه. # وفي حديث علي عند مالك: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي، ~~PageV03P113 # وعليه أهل العلم. # وفي " الأنوار ": " يجوز لبس الكتان والقطن والصوف والخز وإن كانت نفيسة ~~". # (إذا كان فوق أربع أصابع) ؛ لحديث عمر في " الصحيحين " وغيرهما: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم [أصبعيه] (1) الوسطى والسبابة وضمهما. # وفي لفظ لمسلم وغيره: نهى عن لبس الحرير؛ إلا موضع أصبعين، أو ثلاثة أو ~~أربعة (2) . # قال في " الحجة البالغة ": # " لأنه ليس من باب اللباس، وربما تقع الحاجة إلى ذلك، ونهى عن لبس الحرير ~~والديباج والقسي والمياثر والأرجوان ". اه. # ( [ ### | جواز لبس الحرير للرجال بقصد التداوي # ] :) # (إلا للتداوي) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما. ~~PageV03P114 # قال في " الحجة البالغة ": # " لأنه لم يقصد ms597 حينئذ به الإرفاه، وإنما قصد به الاستشفاء ". # ( [ ### | حكم افتراش الحرير # ] :) # (ولا يفترشه) - أي: الحرير - لحديث حذيفة عند البخاري، قال: نهانا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، ~~وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: " هو لهم في الدنيا، ولنا ~~في الآخرة ". # وفي معنى ذلك أحاديث، وهذا نص في محل النزاع. # وأما الاسترواح بالقياس على جواز افتراش ما فيه تصاوير؛ فقياس في مقابلة ~~النص، وهو فاسد الاعتبار. # قال ابن القيم: # " ولم لم يأت هذا النص؛ لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه؛ كما هو ~~متناول للالتحاف به، وذلك لبس لغة وشرعا؛ كما قال أنس: قمت إلى حصير لنا قد ~~اسود من طول ما لبس. # ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي؛ لكان القياس المحض ~~موجبا لتحريمه؛ إما قياس المثل؛ أو قياس الأولى. # فقد دل على تحريم الافتراش النص الخاص، واللفظ العام، والقياس الصحيح. # ولا يجوز رد ذلك كله بالمتشابه من قوله - تعالى -: {خلق لكم ما في # PageV03P115 # الأرض جميعا} ، ومن القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون ~~ظهارته؛ فإن الحكم في ذلك التحريم على أصح القولين، والفرق على القول الآخر ~~مباشرة الحرير وعدمها؛ كحشو الفراش. # فإن صح الفرق بطل القياس، وإن بطل الفرق منع الحكم. # وقد تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء؛ فحرموه على ~~الرجال والنساء، وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي، وقابلهم من ~~أباحه بنوعين. # والصواب التفصيل؛ وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه، ومن حرم عليه حرم ~~عليه، وهذا قول الأكثرين، وهي طريقة العراقيين من الشافعية ". اه. # وفي " تنبيه الغافلين ": # " الجلوس على الحرير والالتحاف به حرام على الرجال. # وصحح الرافعي تحريم افتراشه على النساء. # وخالفه النووي في ذلك. # وحكى ابن الرفعة عن بعض العلماء أنه لا ينعقد النكاح بحضور الجالس على ~~الحرير، واستبعد. # وحكم القز (1) في التحريم حكم الحرير على الأصح، إذا كان على صبي ~~PageV03P116 # غير بالغ ثوب حرير؛ قال الغزالي: # " الصحيح أن ذلك منكر ms598 يجب نزعه عنه إن كان مميزا؛ بعموم قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " هذان حرامان على ذكور أمتي ". # وكما يجب منع الصبي عن شرب الخمر؛ لا لكونه مكلفا؛ ولكن لكونه يأنس به، ~~فإذا بلغ عسر عليه الصبر عنه، كذلك شهوة التزين بالحرير. # وأما الصبي الذي لا تمييز له؛ فيضعف - يعني: التحريم - في حقه، ولا تخلو ~~عن احتمال، والعلم فيه عند الله تعالى ". هذا كلام الغزالي. # وصحح النووي الجواز مطلقا، والله - تعالى - أعلم ". اه. # وروي عن ابن عباس، وأنس: أنه يجوز افتراش الحرير، وإليه ذهب الحنفية، ~~واستدل لهم بأن افتراش الحرير إهانة، وليس هذا مما يستدل به على المسائل ~~الشرعية على فرض عدم المعارض؛ فكيف وقد عارضه الدليل الصحيح الصريح؟ ! # ( [ ### | لبس الثوب المعصفر حرام # ] :) # (ولا المصبوغ بالعصفر) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وغيره، قال: ~~رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي ثوبين معصفرين، فقال: " إن هذه ~~من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها ". # وأخرج مسلم، وغيره - أيضا - من حديث علي، قال: " نهاني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، # PageV03P117 # وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر ". # وفي الباب أحاديث. # والعصفر يصبغ الثوب صبغا أحمر على هيئة مخصوصة، فلا يعارضه ما ورد في لبس ~~مطلق الأحمر؛ كما في " الصحيحين " من حديث البراء، قال: " كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة ~~أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه ". # وفي الباب أحاديث؛ يجمع بينها بأن الممنوع منه هو الأحمر الذي صبغ ~~بالعصفر، والمباح هو الأحمر الذي لم يصبغ به (1) . # ( [ ### | لبس ثوب الشهرة حرام # ] :) # (ولا ثوب شهرة) ؛ لحديث ابن عمر: # " من لبس ثوب شهرة في الدنيا؛ ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة "، أخرجه ~~أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ورجال إسناده ثقات (2) . # والمراد به الثوب الذي يشهر لابسه بين الناس، ويلحق بالثوب غيره من ~~PageV03P118 # الملبوس ونحوه مما يشهر به اللابس له لوجود العلة. ### | ( [لبس ثوب الرجل ms599 للمرأة حرام، والعكس] :) # (ولا ما يختص بالنساء، ولا العكس) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأبي ~~داود، والنسائي (1) : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن الرجل يلبس ~~لبس المرأة، والمرأة تلبس لبس الرجل ". # وفي " صحيح البخاري "، وغيره من حديث ابن عباس، قال: " لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء ~~". # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | التحلي بالذهب للرجل حرام # ] :) # (ويحرم على الرجال التحلي بالذهب لا بغيره) ؛ لما تقدم من الأحاديث ~~الواردة في تحريم الذهب، وهو لا يكون إلا حلية؛ إذ لا يمكن لبسه. # وأما ما يخلط في بعض الثياب بالحرير أو بغيره، فهو فضة لا ذهب، وإن سماه ~~الناس ذهبا. # ومن الأدلة على ذلك ما ورد في المنع من خاتم الذهب، وما ورد فيمن حلى ~~حبيبا له ولو بخربصيصة (2) . PageV03P119 # وقد جمع الماتن رسالة مستقلة في تحريم التحلي بقليل الذهب وكثيره. # وجمع أيضا رسالة مستقلة في تحلي النساء بالذهب، وهل يجوز ذلك أم لا؟ ~~فليرجع إليهما. # قال المجد في " القاموس ": " خربصيصة؛ أي: شيء من الحلي "، ونحوه في " ~~تاج اللغات ". # وفي " نهاية الحديث ": " الخربصيصة: الهنة التي تتراءى في الرمل، لها ~~بصيص كأنها عين جرادة. # قال في " الحجة البالغة ": " ومن تلك الرؤوس الحلي المترفة وهنا أصلان: # أحدهما: أن الذهب هو الذي يفاخر به العجم، ويفضي جريان الرسم بالتحلي به ~~إلى الإكثار من طلب الدنيا - دون الفضة -، ولذلك شدد النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الذهب وقال: " ولكن عليكم بالفضة؛ فالعبوا بها " (1) . # والثاني: أن النساء أحوج إلى التزين ليرغب فيهن أزواجهن، ولذلك جرت عادة ~~العرب والعجم جميعا بأن يكون تزينهن أكثر من تزينهم، فوجب أن يرخص لهن أكثر ~~مما يرخص لهم، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: " أحل الذهب والحرير ~~للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها ". # وقال صلى الله عليه وسلم في خاتم ذهب في يد رجل: " يعمد أحدكم إلى جمر من ~~نار فيجعله في يده "، ورخص عليه السلام في خاتم الفضة؛ لا سيما لذي ~~PageV03P120 # سلطان، وقال: " ولا تتمه مثقالا ms600 " (1) ؛ ونهى النساء عن غير المقطع من ~~الذهب، وهو ما كان قطعة واحدة كبيرة، قال: " من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من ~~نار فليحلقه من ذهب ". # وذكر على هذا الأسلوب الطوق والسوار. # وكذا جاء التصريح بقلادة من ذهب، وسلسلة من ذهب، وبين المعنى في هذا ~~الحكم حيث قال: " أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به " ~~(2) . # وكان لأم سلمة أوضاح (3) من ذهب، والظاهر أنها كانت مقطعة. # وقال صلى الله عليه وسلم: " أحل الذهب للإناث "؛ معناه: الحل في الجملة. # هذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحاديث، ولم أجد لها معارضا. # ومذهب الفقهاء في ذلك معلوم ومشهور، وهو التحليل مطلقا بلا فرق بين ~~المقطع وغيره، والله - تعالى - أعلم بحقيقة الحال ". PageV03P121 ### | ( [حكم التختم باليمين، واليسار، والسبابة، والوسطى] :) # أقول: وأما التختم؛ فقد أخرج أبو داود من حديث عمر، والنسائي من حديث ~~أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يتختم في يساره. # وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث علي، والترمذي، والنسائي - أيضا - من ~~حديث أبي رافع، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتختم في يمينه ". # فالكل جائز بدون كراهة، ولم يرد النهي إلا عن التختم في السبابة والوسطى؛ ~~كما أخرجه مسلم، وأهل " السنن " من حديث علي بلفظ: نهائي أن أجعل الخاتم في ~~هذه أو في التي تليها، وأشار إلى السبابة. # PageV03P122 ### | (الكتاب السادس عشر: ### | كتاب الأضحية # ) # PageV03P123 # (16 - ### | كتاب الأضحية ### | ( [الباب الأول: أحكام الأضحية] ) # ( [ ### | مشروعية الأضحية # ] :) # (تشرع لأهل كل بيت) ؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري، قال: كان الرجل في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، أخرجه ابن ~~ماجه، والترمذي - وصححه - (1) . # وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث أبي سريحة (2) بإسناد صحيح. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث مخنف (3) بن سليم: أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا أيها الناس! على كل أهل بيت في كل عام أضحية " (4) . PageV03P125 # وفي إسناده أبو رملة، واسمه عامر؛ قال الخطابي: مجهول. # ( [ ### | حكم الأضحية # ] :) # وقد اختلف في وجوب الأضحية، فذهب الجمهور إلى ms601 أنها سنة غير واجبة، وبه ~~قال مالك، وقال: لا أحب لأحد ممن قوي على ثمنها أن يتركها، وعليه الشافعي. # وذهب ربيعة، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والليث، - وبعض المالكية - إلى أنها ~~واجبة على الموسر، وحكي عن مالك، والنخعي. # وتمسك القائلون بالوجوب بمثل حديث: " على كل أهل بيت أضحية " المتقدم، ~~وبمثل حديث أبي هريرة عند أحمد، وابن ماجه، وصححه الحاكم - وقال ابن حجر في ~~" الفتح ": " رجاله ثقات؛ لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب؛ ~~قاله الطحاوي وغيره (1) - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من ~~وجد سعة فلم يضح؛ فلا يقربن مصلانا ". # ومن أدلة الموجبين: قوله - تعالى - {فصل لربك وانحر} ، والأمر للوجوب. # وقد قيل: إن المراد تخصيص الرب بالنحر لا للأصنام، ومن ذلك حديث جندب بن ~~سفيان البجلي في " الصحيحين " وغيرهما، قال: قال رسول PageV03P126 # الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من كان ذبح قبل أن يصلي؛ فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى ~~صلينا؛ فليذبح باسم الله ". # ومن حديث جابر نحوه. # وجعل الجمهور حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى عمن لم يضح من أمته ~~بكبش - كما في حديث جابر عند أحمد (1) ، وأبي داود، والترمذي، وأخرج نحوه ~~أحمد، والطبراني، والبزار من حديث أبي رافع بإسناد حسن (2) - قرينة صارفة ~~لما تفيده أدلة الموجبين. # ولا يخفى أنه يمكن الجمع بأنه ضحى عن غير الواجدين من أمته؛ كما يفيده ~~قوله: " من لم يضح من أمته "، مع قوله: " على كل أهل بيت أضحية ". # وأما مثل حديث: " أمرت بالأضحى ولم يكتب عليكم " ونحوه؛ فلا تقوم بذلك ~~الحجة؛ لأن في أسانيدها من رمي بالكذب ومن هو ضعيف بمرة. PageV03P127 ### | ( [الشاة تجزئ عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة] :) # (وأقلها شاة) ؛ لما تقدم. # وقال المحلي: " البعير والبقرة تجزئ عن سبعة، والشاة تجزئ عن الواحد. # وإن كان له أهل بيت حصلت بجميعهم، وكذا يقال في كل واحد من السبعة؛ يعني: ~~المشتركين في البدنة والبقرة. # فالتضحية سنة كفاية لكل أهل بيت، وسنة عين لمن ليس له بيت. # وعند الحنفية: الشاة لا تجزئ ms602 إلا عن واحد، والبقرة والبدنة لا تجزئان إلا ~~عن سبعة سبعة. # ولم يفرقوا بين أهل البيت وغيره. # وتأويل الحديث عندهم أن الأضحية لا تجب إلى على غني، ولم يكن الغني في ~~ذلك الزمان غالبا إلا صاحب البيت، ونسبت إلى أهل بيته على معنى أنهم ~~يساعدونه في التضحية، ويأكلون لحمها، وينتفعون بها. # ويصح اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة، وإن كانوا أهل بيوت شتى، وهو قول ~~العلماء، وقاسوا الأضحية على الهدي، ولا أضحية عن الجنين، وهو قول العلماء ~~". # ( [ ### | بيان وقت الأضحية # ] :) # (ووقتها بعد صلاة عيد النحر) ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: # " من كان ذبح قبل أن نصلي؛ فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى ~~صلينا؛ فليذبح باسم الله "، وهو في " الصحيحين " - كما تقدم قريبا -. # PageV03P128 # وفي " الصحيحين " من حديث أنس عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " من ~~كان ذبح قبل الصلاة فليعد ". # قال ابن القيم: " ولا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. # سأله أبو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد؟ فقال: " أقبل الصلاة؟ "، ~~قال: نعم، قال: " تلك شاة لحم " الحديث. # قال: وهو صحيح صريح في أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ؛ سواء دخل وقتها؛ أو ~~لم يدخل، وهذا الذي ندين الله به قطعا، ولا يجوز غيره ". اه. # وفي الباب أحاديث، وفيه التصريح بأن المعتبر صلاة الإمام. # ويمتد (إلى آخر أيام التشريق) ؛ لحديث جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: " كل أيام التشريق ذبح "، أخرجه أحمد، وابن حبان في " ~~صحيحيه "، والبيهقي، وله طرق يقوي بعضها بعضا (1) . # وقد روي أيضا من حديث جابر، وغيره. # وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. # والخلاف في المسألة معروف. # وفي " الموطأ " عن ابن عمر: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى، ومثل ذلك عن ~~علي بن أبي طالب (2) ، وعليه الحنفية. PageV03P129 # ومذهب الشافعية: أنه يمتد وقته إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق؛ ~~لحديث الحاكم الدال على ذلك. # ( [ ### | أفضل الأضحية # ] :) # (وأفضلها) أي: الضحايا (أسمنها) ؛ لحديث أبي رافع: أن النبي ms603 صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين ... الحديث، وهو عند أحمد وغيره ~~بإسناد حسن (1) . # وأخرج البخاري من حديث أبي أمامة بن سهل، قال: " كنا نسمن الأضحية ~~بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون ". # أقول: الحق أن أفضل الأضحية الكبش الأقرن؛ كما ورد الحديث بذلك عن عبادة ~~بن الصامت عند أبي داود (2) ، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي مرفوعا بلفظ: " ~~خير الأضحية الكبش الأقرن ". # وأخرجه أيضا الترمذي. # وأخرجه أيضا ابن ماجه، والبيهقي، من حديث أبي أمامة، وفي إسناده عفير بن ~~معدان، وهو ضعيف. PageV03P130 # والأضحية هي غير الهدي، وقد ورد النص فيها، فوجب تقديمه على القياس. # وحديث الكبش الأقرن نص في محل النزاع، فإن كان خاصا بالفحل فظاهر، وإن ~~كان شاملا له وللخصي؛ فالأفضلية لا تختص بالخصي، وتضحية النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالخصي لا تستلزم أن يكون أفضل من غيره؛ بل غاية ما هناك أن ~~الخصي يجزئ. # ( [ ### | يجزئ في الأضحية جذع من الضأن # ] :) # (ولا يجزئ ما دون الجذع من الضأن) ؛ لحديث جابر عند مسلم، وغيره قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تذبحوا إلا مسنة؛ إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " (1) . # وأخرج أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " نعم - أو: نعمت - الأضحية الجذع من الضأن (1) " وأخرج ~~أحمد، وابن ماجه، والبيهقي، والطبراني من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يجوز الجذع من الضأن ضحية " (1) . # وفي " الصحيحين " من حديث عقبة بن عامر، قال: قسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضحايا بين أصحابه، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله! أصابني ~~جذع؟ فقال: " ضح به ". PageV03P131 # وقد ذهب إلى أنه يجزئ الجذع من الضأن الجمهور. # ومن زعم أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، أو عن ثلاثة فقط، أو زعم أن غيرها ~~أفضل منها؛ فعليه الدليل. # ولا يفيده ما ورد في الهدي، فذلك باب آخر. # ( [ ### | يجزئ في الأضحية ثني من المعز # ] :) # (و) لا يجزئ ms604 دون (الثني من المعز) ، وهو ما استكمل سنتين، وطعن في ~~الثالثة؛ لحديث أبي بردة في " الصحيحين " وغيرهما: أنه قال: يا رسول الله! ~~إن عندي داجنا جذعة من المعز؟ فقال: " اذبحها؛ ولا تصلح لغيرك ". # وأما ما روي في " الصحيحين " وغيرهما من حديث عقبة، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود، فذكره للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: " ضح به أنت ". # والعتود من ولد المعز: ما أتى عليه حول؛ فقد أخرج البيهقي عنه بإسناد ~~صحيح، أنه قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنما أقسمها ضحايا ~~بين أصحابي، فبقي عتود منها؟ فقال: " ضح به أنت، ولا رخصة لأحد فيه بعدك " ~~(1) . # وقد حكى النووي الاتفاق على أنه لا يجزئ الجذع من المعز. # قلت: اتفقوا على أنه لا يجوز من الإبل والبقر والمعز دون الثني. # والجذع من الضأن يجزئ عندهم. PageV03P132 # ولا تجزئ مقطوعة الأذن؛ إلا أن أبا حنيفة قال: إن كان المقطوع أقل من ~~النصف؛ فيجوز. # ( [ ### | الأضحية التي لا تجزئ # ] :) # (ولا الأعور والمريض والأعرج والأعجف (1) وأعضب القرن والأذن (2)) ؛ ~~لحديث البراء عند أحمد، وأهل " السنن "، وصححه الترمذي، وابن حبان، ~~والحاكم، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، ~~والعرجاء البين ظلعها (3) ، والكسير التي لا تنقي (4) ؛ أي: التي لا مخ ~~لها. PageV03P133 # وقد وقع في رواية: العجفاء، بدل: الكسيرة. # وأخرج أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث علي، قال: " نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نضحي بأعضب القرن والأذن "، قال ~~قتادة: العضب: النصف فأكثر من ذلك. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبخاري في " تاريخه " (1) قال: # " إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء ~~والمشيعة والكسيرة، فالمصفرة: التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، ~~والمستأصلة: التي ذهب قرنها من أصله، والبخقاء: التي تبخق عينها (2) ، ~~والمشيعة: التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا، والكسيرة: التي لا تنقي "، وهذا ~~التفسير هو أصل الرواية. # وفي الباب أحاديث. # وأما ms605 مسلوبة الألية؛ فأخرج أحمد، وابن ماجه، والبيهقي من حديث أبي سعيد، ~~قال: اشتريت كبشا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ فقال: " ضح به "، وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف جدا. ~~PageV03P134 # ( [ ### | كيف يوزع لحم الأضحية # ؟] :) # (ويتصدق منها ويأكل ويدخر) ؛ لحديث عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: " كلوا وادخروا وتصدقوا "، وهو في " الصحيحين ". # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | مكان ذبح الأضحية # :) # (والذبح في المصلى أفضل) إظهارا لشعائر الدين؛ لحديث ابن عمر عند ~~البخاري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يذبح وينحر بالمصلى. # ( [ ### | ما يسن لمن أراد أن يضحي # ] :) # (ولا يأخذ من له أضحية من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي) ؛ ~~لحديث أم سلمة عند مسلم، وغيره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فليسمك عن شعره وأظفاره ~~". # وفي لفظ لمسلم، وغيره - أيضا -: " من كان له ذبح يذبحه؛ فإذا أهل هلال ذي ~~الحجة؛ فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي ". # PageV03P135 # وقد اختلف العلماء في ذلك: # فذهب سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود، وبعض أصحاب الشافعي ~~إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية. # وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه. # وحكى المهدي في " البحر " عن الشافعي وغيره: أن ترك الحلق والتقصير لمن ~~أراد التضحية مستحب. وقال أبو حنيفة: لا يكره. # PageV03P136 # (2 - ### | باب الوليمة ### | ( [الفصل الأول: أحكام وليمة العرس] ) # ( [ ### | حكم الوليمة في العرس # ] :) # (هي مشروعة) ؛ لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لعبد الرحمن بعد عوف: " أولم ولو بشاة "، وقد أولم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على نسائه، فأولم على صفية بتمر وسويق؛ كما أخرجه ~~أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان من حديث أنس. # وأخرج مسلم، وغيره من حديثه: " أنه جعل وليمتها التمر والأقط والسمن "، ~~وهو في " الصحيحين " بنحو هذا. # وفيه التصريح بأنه ما كان فيها من خبز ولا ms606 لحم. # وفي " الصحيحين " أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أولم على شيء من ~~نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة. # وقد قال بوجوب وليمة العرس مالك، وقيل: إن المشهور عنه أنها مندوبة. # PageV03P137 # وروي الوجوب عن أحمد، وبعض الشافعية، وأهل الظاهر، وهو الحق. # ولم يأت في الأحاديث ما يشعر بصرف الأوامر بالوليمة عن المعنى الحقيقي ~~(1) . # وأما كونها بشاة فأكثر، فيمكن أن يكون فعله صلى الله عليه وسلم صارفا ~~للوجوب على فرض عدم الاختصاص به، ويمكن أن يكون الأمر بالشاة فما فوقها ~~مقيدا بالتمكن من ذلك، فيكون واجبا مع التمكن. # وذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة. # ( [ ### | حكم إجابة الداعي إلى وليمة العرس # ] :) # (ويجب الإجابة إليها) ، لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما: " شر ~~الطعام طعام الوليمة؛ يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة ~~فقد عصى الله ورسوله ". # وفيهما من حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها ". # وفي لفظ لهما من حديثه: " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ". # وفي آخر لمسلم، وغيره من حديثه: " من دعي فلم يجب؛ فقد عصى الله ورسوله ~~". PageV03P138 # وفي " مسلم "، وغيره من حديث جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك ". # وفي لفظ من حديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره: # " إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم ". # وقد نقل ابن عبد البر والقاضي عياض والنووي الاتفاق على وجوب الإجابة إلى ~~وليمة العرس. # قال في " الفتح ": وفيه نظر. # نعم؛ المشهور من أقوال العلماء الوجوب. # وصرح جمهور الشافعية، والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن بعض ~~الشافعية، والحنابلة أنها مستحبة. # وحكى في " البحر " عن الشافعي أن الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة كغيرها. # والأدلة المذكورة تدل على الوجوب؛ لا سيما بعد التصريح بأن من لم يجب فقد ~~عصى الله ورسوله. # أقول: أحاديث الأمر بإجابة دعوة الوليمة معناها حقيقة الوجوب، مقيدة ms607 بعدم ~~المانع من منكر، أو مباهاة، أو حضور الأغنياء فقط، أو نحو ذلك. # ولم يأت ما يدل على صرف تلك الأوامر عن معناها الحقيقي، ووقع # PageV03P139 # الخلاف في إجابة دعوة غير العرس؛ هل تجب أم لا؟ # فمن قال بالوجوب استدل بالرواية المطلقة المذكورة. # ومن قال بعدم الوجوب قال: المطلقة محمولة على المقيدة. # وقد أوضح الماتن ما هو الحق (1) في " شرح المنتقى ". # قال البغوي: " من كان له عذر؛ وكان الطريق بعيدا يلحقه المشقة؛ فلا بأس ~~أن يتخلف ". # وفي " الأنوار ": " من شروط وجوب الإجابة إلى الوليمة أن يعم عشيرته، أو ~~جيرانه، أو أهل حرفته؛ أغنياءهم وفقراءهم، فإن خص الأغنياء فلا يجب، ولو ~~دعا أهل حرفته - وهم أغنياء - لزمتهم الإجابة ". # قال في " المسوى ": " في كونه شرطا لوجوب الإجابة نظر؛ لأن معنى كلام أبي ~~هريرة إثبات الشرية لهذا الطعام بوجه من الوجوه، وإثبات المعصية لمن لم ~~يأتها وذلك صادق بأن يكون تخصيص الأغنياء مكروها للداعي، ولا يكون مانعا ~~لتأكد الإجابة ". # ( [ ### | من يجيب إذا اجتمع الداعيان # ؟] :) # (ويقدم السابق ثم الأقرب بابا) ؛ لحديث حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ~~رجل من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: PageV03P140 # " إذا اجتمع الداعيان؛ فأجب أقربهما بابا؛ فإن أقربهما بابا أقربهما ~~جوارا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وفي إسناده ~~زيد (1) بن عبد الرحمن الدالاني، وقد وثقه أبو حاتم، وضعفه ابن حبان (2) . # وأخرج البخاري، وغيره من حديث عائشة: أنها سألت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالت: إن لي جارين؛ فإلى أيهما أهدي؟ فقال: " إلى أقربهما منك بابا ~~"، فهذا يشعر باعتبار القرب في الباب. # ( [ ### | شروط وجوب إجابة الدعوة # ] :) # (ولا يجوز حضورها إذا اشتملت على معصية) ؛ لحديث علي عند ابن ماجه (3) ~~بإسناد رجاله رجال الصحيح، قال: صنعت طعاما؛ فدعوت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فجاء، فرأى في البيت تصاوير، فرجع. # وأخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم من حديث ابن عمر، قال: نهى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، ms608 ~~وأن يأكل وهو منبطح على بطنه "، وفي إسناده انقطاع (4) . PageV03P141 # وقد ورد النهي عن القعود على المائدة التي تدار عليها الخمر من حديث عمر ~~عند أحمد بإسناد ضعيف (1) ، ومن حديث جابر عند الترمذي - وحسنه -. # وأخرجه أيضا أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم من حديثه مرفوعا. # وفي الباب غير ذلك. # ويؤيده أدلة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر؛ ومن ذلك: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه ". # وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. PageV03P142 ### | ( [الباب الثاني: أحكام العقيقة] ) # ( [ ### | حكم العقيقة # ] :) # (والعقيقة مستحبة) ، يدل على مشروعيتها حديث سلمان بن عامر الضبي عند ~~البخاري، وغيره قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى ". # وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، وصححه الترمذي، والحاكم، وعبد الحق من حديث ~~الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كل غلام ~~رهينة بعقيقته؛ يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه ". # وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا هذا الحديث (1) . # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، ~~قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن PageV03P143 # العقيقة؟ فقال: " لا أحب العقوق "، وكأنه كره الاسم، فقالوا: يا رسول ~~الله {إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ قال: " من أحب منكم أن ينسك عن ولده ~~فليفعل؛ عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة ". # فكان هذا الحديث دليلا على أن الأحاديث الواردة في رهن الغلام بعقيقته ~~ليست على الوجوب؛ بل للاستحباب فقط، ولو كان واجبا لم يكن مفوضا إلى ~~الإرادة (1) ، ولما قال: لمن أحب أن ينسك. # والأولى في تفسير قوله: " مرتهن بعقيقته ": أن العقيقة لما كانت لازمة؛ ~~شبهت - باعتبار لزومها للمولود - بالرهن باعتبار لزومه. # وقيل: إن معنى كونه مرهونا بعقيقته: أنه لا يسمى، ولا يحلق شعره إلا بعد ~~ذبحها، وبه صرح صاحب " المشارق "، و " النهاية ". # وقال أحمد بن حنبل: " إن معناه: إذا مات وهو طفل ولم يعق عنه؛ لم يشفع ~~لأبويه ". # قلت: العقيقة ms609 سنة عند أكثر أهل العلم؛ إلا عند أبي حنيفة؛ فإنه قال: ليست ~~بسنة. # ( [ ### | ما يذبح عن الغلام والبنت # ] :) # (وهي شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى) - وبذلك قال الشافعي - لحديث عمرو ~~بن شعيب المذكور؛ ولحديث عائشة عند أحمد، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي - ~~وصححه الترمذي - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV03P144 # " عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة ". # وأخرج نحوه أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم، والدارقطني، وصححه ~~الترمذي من حديث أم كرز الكعبية. # والمراد بقوله: " مكافأتان ": المستويتان أو المتقاربتان. # ولا يعارض هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه عبد الحق ~~وابن دقيق العيد من حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن ~~الحسن والحسين كبشا كبشا؛ لأن الأحاديث المتقدمة متضمنة للزيادة، وهي أيضا ~~خطاب مع الأمة، فلا يعارضها فعله صلى الله عليه وسلم؛ كما تقرر في الأصول، ~~والزيادة مقبولة إذا كانت غير منافية. # فلا يكون الفاعل للعقيقة متسننا؛ إلا إذا ذبح عن الذكر شاتين لا شاة ~~واحدة. # وقد وقع الإجماع على أن العقيقة عن الأنثى شاة. # وأما الذكر فذهب الجمهور إلى أن العقيقة عنه شاتان. # وقال مالك: شاة. # وقال المحلي: " يحصل أصل السنة في عقيقة الذكر بشاة وكمال السنة شاتان. # وقال الشافعي: العقيقة في الأكل والتصدق كالأضحية، ويسن طبخها، ولا يكسر ~~عظمها ". اه. # PageV03P145 # أقول: ليس على شيء مما ذكروه - من عدم الكسر، والفصل من المفاصل، وجميع ~~العظام، ودفنها، وغير ذلك - دليل من كتاب ولا سنة، لا من عقل؛ بل هذه ~~الأمور خيالات شبيهة بما يقع من النساء، ونحوهن من العوام؛ مما لا يعود على ~~فاعله بنفع دنيوي ولا ديني. # ( [ ### | وقت الذبح # ] :) # (يوم سابع المولود) ؛ لحديث سمرة المتقدم، ولأنه لا بد من فصل بين ~~الولادة والعقيقة، فإن أهله مشغولون بإصلاح الوالدة والولد في أول الأمر، ~~فلا يكلفون حينئذ بما يضاعف شغلهم. # وايضا؛ فرب إنسان لا يجد شاة إلا بسعي، فلو سن كونها في أول يوم لضاق ~~الأمر عليهم، والسبعة أيام مدة صالحة للفصل المعتد به غير الكثير. ms610 ### | ( [وقت التسمية، وأحب الأسماء] :) # (وفيه يسمى) ، وأحب الأسماء إلى الله - تعالى - عبد الله وعبد الرحمن - ~~كما في الحديث - لأنهما أشهر الأسماء، ولا يطلقان على غيره - تعالى -، ~~بخلاف غيرهما، وأنت تستطيع أن تعلم من هذا سر استحباب تسمية المولود بمحمد ~~وأحمد (1) . # فإن طوائف الناس أولعوا بتسمية أولادهم بأسماء أسلافهم المعظمين عندهم، ~~وكان يكون ذلك تنويها بالدين، وبمنزلة الإقرار بأنه من أهله؛ وأصدق الأسماء ~~همام، وحارث، وأخناها ملك الأملاك. PageV03P146 ### | ( [وقت الحلق، والأذان في أذن المولود] :) # (ويحلق رأسه) ، وإماطة الأذى للتشبيه بالحاج، وقد أذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة (1) . # والسر فيه أن الأذان من شعائر الإسلام، وأعلام الدين المحمدي. # ومن خاصية الأذان أن الشيطان يفر منه، والشيطان يؤذي الولد في أول نشأته؛ ~~حتى ورد في الحديث أن استهلاله لذلك (2) . # ( [ ### | حكم التصدق بوزن شعر المولود ذهبا أو فضة # ] :) # (ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة) ؛ لأمره صلى الله عليه وسلم لفاطمة الزهراء - ~~عليها السلام - أن تحلق شعر رأس الحسن، وتصدق بوزنه من الورق. أخرجه أحمد، ~~والبيهقي، وفي إسناده ابن عقيل، وفيه مقال (3) . # ويشهد له ما أخرجه مالك، وأبو داود في " المراسيل "، والبيهقي من حديث ~~جعفر بن محمد - زاد البيهقي - عن أبيه عن جده: " أن فاطمة وزنت شعر الحسن ~~والحسين وزينب وأم كلثوم، فتصدقت بوزنه فضة ". # وأخرج الترمذي والحاكم من حديث علي، قال: عق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الحسن شاة، وقال: PageV03P147 # " يا فاطمة! احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة "، فوزناه، فكان وزنه ~~درهما أو بعض درهم. # وأخرج الطبراني في " الأوسط " عن ابن عباس، قال: # " سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى، ويختن، ويماط عنه الأذى، ~~ويثقب أذنه، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ بدم عقيقته، ويتصدق بوزنه ذهبا أو ~~فضة "، وفي إسناده رواد بن الجراح، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. # وفي لفظه ما ينكر؛ وهو ثقب الأذن، والتلطخ بدم العقيقة. # وقد أخرج أبو داود (1) ، والنسائي، بإسناد صحيح من حديث بريدة الأسلمي، ~~قال: كنا في ms611 الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما ~~جاء الله بالإسلام؛ كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران. # وقد أخرج نحوه ابن حبان، وابن السكن، وصححاه من حديث عائشة. # وقد ذهب الظاهرية، والحسن البصري إلى وجوب (2) العقيقة، وذهب الجمهور إلى ~~أنها سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة، وقيل: إنها عنده ~~تطوع. PageV03P148 ### | (الكتاب السابع عشر: ### | كتاب الطب # ) # PageV03P149 # (17 - ### | كتاب الطب # وحقيقته: التمسك بطبائع الأدوية الحيوانية، والنباتية، أو المعدنية، ~~والتصرف في الأخلاط نقصا وزيادة. # والقواعد الملية تصححه؛ إذ ليس فيه شائبة شرك، ولا فساد في الدين ~~والدنيا؛ بل فيه نفع كثير، وجمع لشمل الناس. # ( [ ### | مشروعية التداوي بالحلال # ] :) # (يجوز التداوي) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث جابر: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: # " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله ". # وأخرج البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، قال: # " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء ". # وأخرج أحمد، وأبو داود (1) ، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -، وصححه أيضا ~~ابن خزيمة، والحاكم من حديث أسامة: قالت الأعراب: يا رسول PageV03P151 # الله {ألا نتداوى؟ قال: " نعم عباد الله} تداووا؛ فإن الله لم يضع داء ~~إلا وضع له شفاء؛ إلا داء واحدا "، قالوا: يا رسول الله {وما هو؟ قال: " ~~الهرم ". # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي (1) - وحسنه - من حديث أبي خزامة، قال: ~~قلت: يا رسول الله} أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها؛ هل ~~ترد من قدر الله شيئا؟ قال: " هي من قدر الله ". # قلت: وعلى هذا اتفق المسلمون؛ لا يرون به بأسا. # ( [ ### | التوكل مع الصبر أفضل # ] :) # (والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر) ؛ لحديث ابن عباس في " الصحيحين " ~~وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتته امرأة سوداء، فقال: إني أصرع ~~وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت ~~الله أن يعافيك "، قالت: أصبر. # وفي " الصحيحين " أيضا من حديثه: أن النبي صلى الله عليه ms612 وسلم قال: ~~PageV03P152 # " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب؛ هم الذي لا يسترقون، ولا ~~يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ". # ولا يخالف هذا ما تقدم من الأمر بالتداوي، فالجمع ممكن بأن التفويض أفضل ~~مع الاقتدار على الصبر؛ كما يفيده قوله: " إن شئت صبرت ". # وأما مع عدم الصبر على المرض، وصدور الحرج، والحرد، وضيق الصدر من المرض؛ ~~فالتداوي أفضل؛ لأن فضيلة التفويض قد ذهبت بعدم الصبر (1) . # ( [ ### | التداوي بالمحرمات حرام # ] :) # (ويحرم بالمحرمات) ؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن الدواء الخبيث، أخرجه مسلم، وغيره. # وأخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا ~~PageV03P153 # بحرام "، في إسناده إسماعيل بن عياش (1) . # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عن التداوي بالخمر؛ كما في " صحيح مسلم ~~"، وغيره. # وفي " البخاري " عن ابن مسعود، أنه قال: # " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ". # وقد ذهب إلى تحريم التداوي بالأدوية النجسة والمحرمة الجمهور. # ولا يعارض هذا إذنه صلى الله عليه وسلم بالتداوي بأبوال الإبل؛ كما في " ~~الصحيح "؛ لأنها لم تكن نجسة ولا محرمة، ولو سلمنا تحريمها؛ لكان الجمع ~~ممكنا ببناء العام على الخاص. # قال في " المسوى ": # " اختلف أهل العلم في التداوي بالشيء النجس: # فأباح كثير منهم التداوي به إلا الخمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أباح للرهط العرنيين شرب أبوال الإبل، وأما الخمر فقال: " إنها ليست بدواء، ~~ولكنها داء ". # وقال بعضهم: لا يجوز التداوي بالنجس، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الدواء ~~الخبيث، والمراد به خبث النجاسة. # وقال آخرون: المراد به الخبيث من جهة الطعم والسم ". اه. PageV03P154 # وفي " الحجة البالغة ": # " إلا المداواة بالخمر؛ إذ للخمر ضراوة لا تنقطع، والمداواة بالخبيث - ~~أي: السم ما أمكن العلاج بغيره - فإنه ربما يفضي إلى القتل، والمداواة ~~بالكي - ما أمكن بغيره - لأن الحرق بالنار أحد الأسباب التي تنفر منها ~~الملائكة ". اه. # وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في ms613 كتابي " دليل الطالب إلى أرجح ~~المطالب ". # ( [ ### | الكي يكره تنزيها # ] :) # (ويكره الاكتواء) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري - وغيره (1) -، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو ~~كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي "، وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوي ". # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - من ~~PageV03P155 # حديث عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي، ~~فاكتوينا؛ فما أفلحنا ولا أنجحنا. # وقد ورد ما يدل على أن النهي عن الكي للتنزيه لا للتحريم؛ كما في حديث ~~جابر عند مسلم، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في ~~أكحله مرتين. # وأخرج الترمذي (1) - وحسنه - من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كوى سعد ابن زرارة من الشوكة. # ووجه الكراهة: أن في ذلك تعذيبا بالنار، ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب ~~النار، وقد قيل: إن وجه الكراهة غير ذلك. # وقد جمع بين الأحاديث بجموعات غير ما ذكرنا. # ( [ ### | مشروعية الحجامة # ] :) # (ولا بأس بالحجامة) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن كان في شيء من أدويتكم خير؛ ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة ~~بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي ". PageV03P156 # وقد تقدم حديث ابن عباس مثله. # وقد ثبت من حديث أنس عند الترمذي، وأبي داود بإسناد صحيح (1) ، قال: # كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل (2) ، وكان ~~يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين. # وأخرج أبو داود (3) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " من احتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين؛ كان شفاء من ~~كل داء "، ولا بأس بإسناده. # وفي الباب أحاديث متضمنة لذكر الأيام التي ينبغي فيها الحجامة. # وليس المراد هنا إلا الاستدلال على جوازها. # قلت: وعلى هذا عمل المسلمين. PageV03P157 # ( [ ### | مشروعية الرقية بالوارد # ] :) # (و) لا بأس (بالرقية) ، وحقيقتها: تمسك بكلمات لها تحقق في المثال وأثر. # والقواعد ms614 الملية لا تدفعها؛ ما لم يكن فيها شرك؛ لا سيما إذا كان من ~~القرآن أو السنة، أو ما يشبههما من التضرعات إلى الله - تعالى -. # وكل حديث فيه نهي عن الرقي والتمائم والتولة (1) ؛ فمحمول على ما فيه ~~شرك، أو انهماك في التسبب بحيث يغفل عن الباري جل شأنه. # وفي " المسوى ": اختلفت الأحاديث في الاسترقاء، ووجه الجمع: أن تحمل على ~~الأحوال المتغايرة، فالمنهي من الرقى ما كان فيه شرك، أو كان يذكر فيه مردة ~~الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب، ولا يدرى ما هو؟ ولعله يدخل فيه ~~سحر أو كفر. # وأما ما كان بالقرآن، وبذكر الله - تعالى - فإنه مستحب. # ثم للرقية أنواع؛ بعضها مأثور (2) عن السلف؛ فقد روي عن عائشة أنها كانت ~~لا ترى بأسا أن يعوذ في الماء - أي: يقرأ التعوذ، وينفث في الماء - ثم ~~يعالج به المريض. # وقال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض. PageV03P158 # وأمر ابن عباس رجلا أن يكتب لامرأة تعسر عليها الولادة آيتين من القرآن ~~وكلمات، ثم يغسل وتسقى. # وسئل سعيد بن المسيب عن الصحف الصغار يكتب فيها القرآن؛ تعلق على النساء ~~والصبيان؟ فقال: لا بأس بذلك إذا جعل في كبر (1) من ورق، أو شيء من الأديم، ~~أو يخرز عليه. # وقد روي النفث في الأحاديث المرفوعة. # ( [ ### | مشروعية الرقية من العين وغيرها # ] :) # (بما يجوز من العين وغيرها) ؛ لحديث أنس عند مسلم، وغيره، قال: رخص رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من العين والحمة (2) والنملة. # والمراد بالحمة: السم من ذوات السموم، وبالنملة: القروح تخرج من الجنب. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عوف بن مالك، قال: كنا نرقي في الجاهلية، ~~فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: " اعرضوا علي رقاكم؛ لا بأس ~~بالرقى ما لم يكن فيه شرك ". # وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر، قال: نهى - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، PageV03P159 # فقالوا: يا رسول الله {إنه كانت عندنا رقية ms615 نرقي بها من العقرب، وإنك ~~نهيت عن الرقى؟ قال: فعرضوها عليه، فقال: " ما أرى بأسا؛ فمن استطاع منكم ~~أن ينفع أخاه فلينفعه ". # وفي " الصحيحين " من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا مرض أحد من أهله؛ نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه؛ ~~جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها أعظم بركة من يدي. # وما ورد من الأدلة الدالة على النهي عن الرقى، وأنها من الشرك؛ فهي ~~محمولة على الرقية بما لا يجوز؛ كالتي تكون بأسماء الشياطين والطواغيت، ~~ونحو ذلك. # وكذلك يحمل على هذا ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد (1) ، وابن ~~ماجه، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " من اكتوى أو استرقى؛ فقد برئ من التوكل ". # وقد ورد في " الصحيحين " من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمرني أن أسترقي من العين. # وأخرج أحمد (2) ، والنسائي، والترمذي - وصححه - من حديث أسماء بنت عميس: ~~" أنها قالت: يا رسول الله} إن بني جعفر تصيبهم العين؛ PageV03P160 # أفنسترقي لهم؟ قال: " نعم؛ فلو كان شيء سابق القدر سبقته العين ". # وأخرج نحوه مسلم، وغيره من حديث ابن عباس. # وفي الباب أحاديث. # وفيها ذكر الاستغسال من العين - أي: غسل وجه العائن، ويديه، ومرفقيه، ~~وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخل (1) إزاره في قدح - ثم يصب الماء على من أصيب ~~بالعين على رأسه وظهره من خلفه. # أخرج ذلك أحمد (2) ، ومالك في " الموطأ "، والنسائي، وصححه ابن حبان. # قال الزهري: يؤتى الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه فيمضمض، ثم يمجه في ~~القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على كفه اليمنى في ~~القدح، ثم يغسل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب ~~على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده ~~اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى، ثم ~~يدخل يده اليسرى فيصب على ركبة ms616 اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبة ~~اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس ~~الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة. PageV03P161 ### | (الكتاب الثامن عشر: ### | كتاب الوكالة # ) # PageV03P163 # (18 - ### | كتاب الوكالة # هي أن يكون أحدهما يعقد العقود لصاحبه. # ( [ ### | مشروعية الوكالة # ] :) # (يجوز لجائز التصرف أن يوكل غيره في كل شيء ما لم يمنع منه مانع) ؛ لأنه ~~قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم التوكيل في قضاء الدين؛ كما في حديث أبي ~~رافع: أنه أمره صلى الله عليه وسلم أن يقضي الرجل بكره، - وقد تقدم -. # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم التوكيل في استيفاء الحد؛ كما في حديث: " ~~واغد يا أنيس! إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها "، وهو في " الصحيح " (1) ~~- وسيأتي -. # وثبت عنه التوكيل في القيام على بدنة، وتقسيم جلالها وجلودها، وهو في " ~~الصحيح " (2) . # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم التوكيل في حفظ زكاة رمضان؛ كما في " صحيح ~~البخاري " من حديث أبي هريرة. # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أعطى عقبة بن عامر غنما يقسمها بين ~~أصحابه، وقد PageV03P165 # تقدم في الضحايا. # وثبت (1) عنه صلى الله عليه وسلم أنه وكل أبا رافع، ورجلا من الأنصار، ~~فزوجاه ميمونة، وقد تقدم. # وثبت عنه (2) صلى الله عليه وسلم أنه قال لجابر: " إذا أتيت وكيلي؛ فخذ ~~منه خمسة عشر وسقا "؛ كما أخرجه أبو داود، والدارقطني. # وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ما يفيد جواز الوكالة، فلا يخرج عن ذلك إلا ~~ما منع منه مانع، وذلك كالتوكيل في شيء لا يجوز للموكل أن يفعله ويجوز ~~للوكيل؛ كتوكيل المسلم للذمي في بيع الخمر، أو الخنزير، أو نحو ذلك؛ فإن ~~ذلك لا يجوز، ولا يكون محللا للثمن؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه "، وقد تقدم. # وقد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على جواز التوكيل؛ كقوله PageV03P166 # - تعالى -: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه} ، وقوله: {اجعلني على خزائن ~~الأرض} . # وقد أورد البخاري في الوكالة ستة وعشرين حديثا؛ ms617 ستة معلقة، والباقية ~~موصولة، وقد قام الإجماع على مشروعيتها. # ( [ ### | بيان حكم بيع الوكيل بزيادة على ما أذن به الموكل # ] :) # (وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه موكله؛ كانت الزيادة للموكل) ؛ لما ~~ثبت في " صحيح البخاري "، وغيره من حديث عروة البارقي: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين، فباع ~~إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ~~التراب لربح فيه. # وأخرج الترمذي من حديث حكيم بن حزام: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ~~ليشتري له أضحية بدينار ... فذكر نحو حديث عروة البارقي، وفي إسناده ~~انقطاع؛ لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم، ولم يسمع منه. # وأخرج أبو داود من حديث أبي حصين، عن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم نحو ~~ذلك، وفيه هذا الشيخ المجهول. # وقد ذهب إلى ما ذكرنا الجمهور. # وقال الشافعي - في الجديد - وأصحابه: إن العقد باطل - أي: عقد البيع ~~الواقع من الوكيل في مثل الصورة المذكورة - لأنه لم يأمره الموكل بذلك. # PageV03P167 # ( [ ### | حكم مخالفة الوكيل للموكل إلى ما هو أنفع # ] :) # (وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو إلى غيره ورضي به؛ صح) ؛ لكون الرضا مناطا ~~مسوغا لذلك ومجوزا له، وإذا لم يرض؛ لم يلزمه ما وقع من الوكيل مخالفا لما ~~رسمه له؛ لعدم المناط المعتبر. # وقد ثبت في " البخاري "؛ وغيره من حديث معن بن يزيد، قال: كان أبي خرج ~~بدنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، ~~فقال: والله ما إياك أردت بها، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~" لك ما نويت يا يزيد {ولك يا معن} ما أخذت ". # ولعل هذه الصدقة صدقة تطوع لا صدقة فرض، فقد وقع الإجماع على أنها لا ~~تجزئ في الولد (1) . PageV03P168 ### | (الكتاب التاسع عشر: ### | كتاب الضمانة # ) # PageV03P169 # (19 - ### | كتاب الضمانة # ( [ ### | ماذا يجب على من ضمن على حي أو ميت # ] :) # (يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال؛ أن يغرمه ms618 عند الطلب) ؛ لما ~~أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي من حديث أبي أمامة: أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: " الزعيم غارم (1) "، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ~~ولكنه ثقة في الشاميين، وقد رواه هنا عن شامي، وهو شرحبيل بن مسلم، فلم يصب ~~ابن حزم في تضعيف الحديث بإسماعيل بن عياش. # وقد أخرجه النسائي من طريقين: إحداهما من طريق أبي عامر الوصابي (2) ، ~~والأخرى من طريق حاتم بن حريث؛ كلاهما عن أبي أمامة. # وقد صححه ابن حبان من طريق حاتم هذه، وحاتم قد وثقه الدارمي. PageV03P171 # وقد أخرج الحديث ابن ماجه، والطبراني من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أنس. # وأخرجه ابن عدي من حديث ابن عباس، وضعفه بإسماعيل بن زياد السكوني، ورواه ~~أبو موسى المديني في " الصحابة " من طريق سويد بن جبلة. # قال الدارقطني: لا تصح له صحبة، وحديثه مرسل؛ قال: وبعضهم يقول: له صحبة. # ورواه الخطيب في " التلخيص " من طريق ابن لهيعة، عن عبد الله بن حبان ~~الليثي (1) ، عن رجل، عن آخر منهم. # وأخرج البخاري، وغيره من حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم امتنع من الصلاة على من عليه الدين، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول ~~الله! وعلي دينه، فصلى عليه. # وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي قتادة، وصححه. # وأخرجهما أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم من ~~حديث جابر. # وفي لفظ من حديث جابر هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي قتادة: ~~" قد أوفى الله حق الغريم، وبرئ منه الميت "، قال: نعم، فصلى عليه، فلما ~~PageV03P172 # قضاها قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الآن بردت عليه جلده ". # أخرج ذلك أحمد، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، وصححه ابن حبان، ~~والحاكم. # (ويرجع على المضمون عنه إن كان مأمورا من جهته) (1) ؛ لكون الدين عليه، ~~والأمر منه للضمين بالضمانة؛ كالأمر له بالتسليم، فيرجع عليه لذلك. # ( [ ### | ماذا يجب على من ضمن بإحضار شخص # ؟] :) # (ومن ضمن بإحضار شخص؛ وجب عليه إحضاره؛ وإلا غرم ما عليه) ؛ لعموم قوله ~~صلى ms619 الله عليه وسلم: " الزعيم غارم ". # والخلاف في الضمانة معروف، وهذا خلاصة ما ورد به الشرع. PageV03P173 ### | (الكتاب العشرون: ### | كتاب الصلح # ) # PageV03P175 # (20 - ### | كتاب الصلح # ( [ ### | مشروعية الصلح # ] :) # (هو جائز بين المسلمين) ؛ لقوله - تعالى -: {لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} . # ( [ ### | متى يحرم الصلح # ؟] :) # (إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا) ؛ لحديث عمرو بن عوف عند أبي داود، ~~وابن ماجه، والترمذي، والحاكم، وابن حبان، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما "، وفي ~~إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، وهو ضعيف جدا؛ وقد صحح ~~الحديث الترمذي! فلم يصب. # وقد اعتذر له ابن حجر، فقال: كأنه اعتبر بكثرة طرقه؛ وذلك لأنه رواه أبو ~~داود، والحاكم من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة؛ قال ~~الحاكم: " على شرطهما (1) ". PageV03P177 # وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي. # وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس، ومن حديث عائشة. # [وكذلك] أخرجه الدارقطني. # ( [ ### | دليل جواز الصلح عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول # ] :) # (ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول) ؛ لحديث أم سلمة عند أحمد ~~(1) ، وأبي داود، وابن ماجه، قالت: جاء رجلان إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، في مواريث بينهما قد درست؛ ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل ~~بعضكم ألحن (2) بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت ~~له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار؛ يأتي بها ~~إسطاما (3) في عنقه يوم القيامة "، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي ~~لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ~~ثم توخيا الحق، ثم استهما (4) ، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه "، وفي إسناد ~~هذا الحديث أسامة بن زيد بن أسلم المدني، وفيه مقال، ولكن أصل الحديث في " ~~الصحيحين ". PageV03P178 # وقد استدل به ms620 على جواز الصلح، والإبراء من المجهول. # وأخرج البخاري من حديث جابر: أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد ~~الغرماء في حقوقهم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألهم أن يقبلوا ~~ثمر حائطي ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطي، ~~وقال: " سنغدو عليك "، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل، ودعا في ثمرها ~~بالبركة، فجددتها (1) ، فقضيتها، وبقي لنا من ثمرها. # وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول. # أقول: إسقاط الشيء فرع العلم به، فمن جهل ما يريد إسقاطه؛ فإما أن يعلمه ~~بوجه من الوجوه، أو يجهله من جميع الوجوه، فإن علمه بوجه من الوجوه على ~~صورة تتميز عنده بعض تميز - بحيث يغلب في ظنه أنه من الجنس الفلاني، وأن ~~مقداره لا يجاوز كذا - فهذا يصح إسقاطه. # وإن كان مجهولا من جميع الوجوه - بحيث لا يعرف جنسه، ولا مقداره كيفا ولا ~~كما - فهذا لا يصح إسقاطه؛ لأنه قد يكون على صفة لو علم بها لم تطب نفسه ~~بالإسقاط. # ( [ ### | دليل جواز الصلح في حد القتل # ] :) # (وعن الدم كالمال بأقل من الدية أو أكثر) ؛ لكون اللازم في الدم مع عدم ~~القصاص هو المال، فهو صلح بمال عن مال يدخل تحت عموم قوله - تعالى -: ~~PageV03P179 # {أو إصلاح بين الناس} ، وتحت قوله صلى الله عليه وسلم: " الصلح جائز ". # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، ~~عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل متعمدا دفع إلى أولياء ~~المقتول؛ فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة (1) ~~وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وذلك عقل العمد، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك ~~تشديد العقل "، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه مقال (2) . # ( [ ### | دليل جواز الصلح عن إنكار وسكوت # ] :) # (ولو عن إنكار) ؛ لعموم الأدلة، واندراج الصلح عن إنكار تحتها، ولم يأت ~~من منعه ببرهان. # وقد ذهب إلى جوازه الجمهور، وحكى في " البحر " عن الشافعي، وابن أبي ليلى ~~أنه لا يصح الصلح عن إنكار. ms621 # وقد ثبت في " الصحيح " عن كعب في قصة المتخاصمين في المسجد في ~~PageV03P180 # دين، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدين أن يضع شطر دينه، ~~ويتعجل الباقي، وهو دليل على جواز الصلح مع الخصام، ووضع البعض واستيفاء ~~البعض. # قال في " الحجة البالغة ": ومنه وضع جزء من الدين؛ كقصة ابن أبي حدرد (1) ~~، وهذا الحديث أحد الأصول في باب المعاملات. # أقول: الظاهر أنها تجوز المصالحة عن إنكار؛ نحو أن يدعي رجل على آخر مائة ~~دينار، فينكره في جميعها، فيصالحه على النصف من ذلك المقدار؛ لأن مناط ~~الصلح التراضي، والمنكر قد رضي بأنه يكون عليه بعض ما أنكره، وأي مقتض يمنع ~~هذا؟ ! # وإن كان مثل حديث: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه "، فهذا قد ~~سلم بعضا مما أنكره طيبة به نفسه، وإن كان غير ذلك فما هو؟ # ثم حديث كعب المتقدم المشتمل على وقوع التنازع بين الرجلين؛ إن كان ~~التنازع بينهما في المقدار؛ فهو أيضا صلح عن إنكار، وقد جوزه الشارع. # وإن كان التنازع بينهما في التعجيل والتأجيل؛ فهو أيضا صلح عن إنكار؛ لأن ~~منكر الأجل قد صولح، على أن يتعجل البعض من دينه، ويسقط الباقي إلى مقابل ~~دعوى صاحبه للأجل. PageV03P181 ### | (الكتاب الحادي والعشرون: ### | كتاب الحوالة # ) # PageV03P183 # (21 - ### | كتاب الحوالة # وهي جائزة، وعليه أهل العلم. # ( [ ### | دليل مشروعيتها # ] :) # (من أحيل على مليء فليحتل) ، ويقبل ذلك لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، ~~وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مطل الغني ظلم، ومن أحيل على مليء فليحتل "، وفي لفظ لهما: " وإذا أتبع ~~أحدكم على مليء فليتبع ". # وقد أخرج نحوه ابن ماجه، وأحمد، والترمذي من حديث ابن عمر، وفي إسناد ابن ~~ماجه إسماعيل بن توبة (1) ، وهو صدوق، وبقية رجاله رجال " الصحيح ". # وفي " شرح السنة ": # " قوله: " أتبع أحدكم " بالتخفيف معناه: إذا أحيل أحدكم على مليء ~~PageV03P185 # فليتبع؛ أي: فليحتل؛ أي: فليقبل الحوالة، يقال: أتبعت غريمي على فلان، ~~فتبعه؛ أي: أحلته، فاحتال، وقوله: " فليتبع ": ليس ذلك على طريق الوجوب (1) ~~؛ بل على طريق الإباحة؛ أي: الندب؛ ms622 إن اختار قبل الحوالة، وإن شاء لم يقبل ~~". انتهى. # وقد قيل: إنه يشترط في صحتها رضا المحيل - بلا خلاف -، والمحتال - عند ~~الأكثر -، والمحال عليه - عند بعض أهل العلم -. # قال في " الحجة ": # " هذا أمر استحباب لأن فيه قطع المناقشة. # ( [ ### | هل تبرأ ذمة المحيل بالحوالة # ؟] :) # (وإذا مطل المحال أو أفلس؛ كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه) لكون الدين ~~باقيا بذمة المحيل لا يسقط عنه؛ إلا بتسليمه إلى المحتال من المحال عليه، ~~فإذا لم يحصل التسليم؛ كان دينه باقيا كما كان قبل الحوالة (2) ، ويستفاد ~~ذلك من قوله: " على مليء "، فإن من مطل أو أفلس؛ ليس بالمليء الذي أرشد - ~~صلى الله عليه وسلم - صاحب الدين أن يقبل الحوالة عليه. # قال يحيى: سمعت مالكا يقول: الأمر عندنا في الرجل يحيل الرجل PageV03P186 # عل الرجل بدين له عليه؛ إن أفلس الذي أحيل عليه، أو مات، ولم يدع وفاء؛ ~~فليس للمحتال على الذي أحاله شيء، وأنه لا يرجع على صاحبه الأول، قال مالك، ~~وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا. # فأما الرجل يتحمل له الرجل بدين له على رجل آخر، ثم يهلك المتحمل، أو ~~يفلس؛ فإن الذي تحمل له يرجع على غريمه الأول؛ كذا في " الموطأ ". # قلت: وعليه الشافعي. # وفي " شرح السنة ": # " إذا قبل الحوالة؛ تحول الدين من المحيل إلى ذمة المحال عليه، ولا رجوع ~~للمحتال على المحيل من غير عذر، فإن أفلس المحال عليه، أو مات، ولم يترك ~~وفاء؛ قال الشافعي: لا رجوع له على المحيل بحال، وقال أبو حنيفة: يرجع إذا ~~أفلس، أو مات، ولم يترك وفاء ". # PageV03P187 ### | (الكتاب الثاني والعشرون: ### | كتاب المفلس # ) # PageV03P189 # (22 - ### | كتاب المفلس # ( [ ### | بيان ما يجوز لأهل الدين أخذه من المدين # ] :) # (يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه) ؛ أي: مع المفلس (إلا ما ~~كان لا يستغنى عنه؛ وهو المنزل، وستر العورة، وما يقيه البرد، ويسد رمقه ~~ومن يعول) ؛ لحديث أبي سعيد عند مسلم، وغيره قال: أصيب رجل على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال: ms623 تصدقوا ~~عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لغرمائه: " خذوا ما وجدتم؛ وليس لكم إلا ذلك ". # وأخرج الدارقطني (1) ، والبيهقي، والحاكم وصححه من حديث كعب بن مالك: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه. # وأخرج سعيد بن منصور، وأبو داود، وعبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب ~~بن مالك مرسلا، قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم ~~يزل يدان؛ حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول PageV03P191 # الله صلى الله عليه وسلم، فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ماله؛ ~~حتى قام معاذ بغير شيء. # قال عبد الحق: المرسل أصح، وقال ابن الطلاع في " الأحكام ": هو حديث ثابت ~~(1) . # فأفاد ما ذكرناه أن أهل الدين يأخذون جميع ما يجدونه مع المفلس. # لكنه لم يثبت أنهم أخذوا ثيابه التي عليه، أو أخرجوه من منزله، أو تركوه ~~هو ومن يعول لا يجدون ما لا بد لهم منه، ولهذا ذكرنا أنه يستثنى له ذلك. # ( [ ### | ما حكم من أدرك ماله عند المدين المفلس # ؟] :) # (ومن وجد ماله عنده بعينه؛ فهو أحق به) ؛ لأنه كان في الأصل ماله من غير ~~مزاحمة، ثم باعه ولم يرض في بيعه بخروجه من يده إلا بالثمن، فكان البيع ~~إنما هو بشرط إيفاء الثمن، فلما لم يؤد؛ كان له نقضه ما دام المبيع قائما ~~بعينه، فإذا فات المبيع لم يمكن أن يرد البيع، فصار دينه كسائر الديون. # ودليله حديث حسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من وجد ~~متاعه عند مفلس بعينه؛ فهو أحق به "، أخرجه أحمد، وأبو داود (2) ، وقال ابن ~~حجر في " الفتح ": إسناده حسن؛ ولكن سماع الحسن، عن سمرة فيه مقال معروف. ~~PageV03P192 # وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: " من أدرك ماله بعينه عند رجل ms624 أفلس، أو إنسان قد أفلس؛ فهو أحق ~~به من غيره ". # وفي لفظ لمسلم: أنه صلى الله عليه وسلم قال في الرجل الذي يعدم: " إذا ~~وجد عنده المتاع ولم يفرقه؛ أنه لصاحبه الذي باعه ". # وفي لفظ لأحمد: " أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتضى من ~~ماله شيئا؛ فهو له ". # وأخرج الشافعي (1) ، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وصححه - عن أبي ~~هريرة، أنه قال في مفلس أتوه به: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " من أفلس أو مات، فوجد الرجل متاعه بعينه؛ فهو أحق به ". # وأخرج مالك في " الموطأ "، وأبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام مرسلا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " أيما رجل ~~باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقتض الذي باعه PageV03P193 # من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه؛ فهو أحق به، وإن مات المشتري؛ فصاحب ~~المتاع أسوة الغرماء " (1) . # وقد وصله أبو داود فقال: عن أبي هريرة، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ~~ولكنه ههنا روى عن الزبيدي (2) ، وهو شامي، وهو قوي في الشاميين. # وقد ذهب إلى أن البائع أولى بعين ماله الموجود عند المفلس الجمهور، ~~وخالفت في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يكون أولى به، والحديث يرد عليهم. # وقد ذهب الجمهور أيضا إلى أن المشتري إذا كان قد قضى بعض الثمن؛ لم يكن ~~البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه؛ بل يكون أسوة الغرماء؛ كما أفاده ما ~~تقدم في الرواية من قوله: " ولم يكن اقتضى من ماله شيئا " (3) ، وقال ~~الشافعي: إن البائع أولى به. # وهكذا إذا مات المشتري والسلعة قائمة؛ فذهب مالك وأحمد إلى أنها تكون ~~أسوة الغرماء (3) وقال الشافعي: البائع أولى بها. PageV03P194 # ( [ ### | متى يكون صاحب المتاع أسوة كالغرماء # ؟] :) # (وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دينه؛ كان الموجود أسوة الغرماء) ؛ ~~لأن ذلك هو العدل؛ لأن الديون اللازمة مستوية في استحقاق قضائها من مال ~~المفلس، وليس بعضها بأولى به من بعض إلا لمخصص، ولا مخصص ههنا. # وقد أشار إلى هذا ms625 ما تقدم في الرواية من قوله: " فصاحب المتاع أسوة ~~الغرماء ". # ( [ ### | هل يجوز حبس من تبين إفلاسه # ؟] :) # (وإذا تبين إفلاسه فلا يجوز حبسه) ؛ لأنه خلاف حكم الله - سبحانه - قال - ~~تعالى -: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} . # (و) لمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لي الواجد (1) ظلم) ، وهو حديث ~~صحيح قد تقدم في الباب الذي قبل هذا (2) . # والمفلس ليس بواجد. (يحل عرضه وعقوبته) . # وأما إذا لم يتبين إفلاسه، ولا كونه واجدا؛ فهذا محل اللبس، والواجب ~~PageV03P195 # البحث عن حاله بحسب الإمكان؛ حتى يتبين كونه واجدا؛ فيعاقب بالحبس أو ~~نحوه؛ كما دل عليه حديث: " مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته ". # وفي لفظ: " لي الواجد ظلم "، والكل (1) في " الصحيح "، أو تبين كونه غير ~~واجد فينظر إلى ميسرة. # وأما حبس من تبين إفلاسه؛ فلا يحل بوجه؛ فإنه ظلم بحت. # قال في " الحجة البالغة ": " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ". # أقول: هو أن يغلظ له في القول، ويحبس، ويجبر على البيع إن لم PageV03P196 # يكن له مال غيره. # وفي " شرح السنة ": # " وهذا قول أهل العلم: إن مال المفلس يقسم بين غرمائه على قدر ديونهم، ~~فإن نفد ماله وفضل الدين ينظر إلى الميسرة. # قال مالك: إذا كان على رجل مال وله عبد لا شيء له غيره، فأعتقه؛ لم يجز ~~عتقه، وعند الشافعي تصرف المديون نافذ ما لم يحجر عليه القاضي، ثم بعد ~~الحجر لا ينفذ تصرفه في ماله ". # وفي " شرح السنة " - أيضا -: # " أما المعسر فلا حبس عليه؛ بل ينظر؛ فإنه غير ظالم بالتأخير، وهذا قول ~~مالك والشافعي؛ فإن كان له مال يخفيه؛ حبس وعزر حتى يظهر ماله. # وذهب شريح إلى أن المعسر يحبس، وهو قول أهل الرأي ". # ( [ ### | متى يجوز الحجر على المفلس # ؟] :) # (ويجوز للحاكم أن يحجره عن التصرف في ماله، ويبيعه لقضاء دينه) ؛ لحجره - ~~صلى الله عليه وسلم - على معاذ كما تقدم، وكذلك يبيع الحاكم مال المفلس ~~لقضاء دينه؛ كما فعله صلى الله عليه وسلم في مال معاذ. # ( [ ### | متى يجوز الحجر على المبذر # ؟] :) # (وكذلك يجوز له الحجر على المبذر، ms626 ومن لا يحسن التصرف) ؛ لقوله # PageV03P197 # - تعالى -: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ؛ قال في " الكشاف ": السفهاء ~~المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يد لهم بإصلاحها ~~وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء، وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من ~~جنس ما يقيم به الناس معايشهم؛ كما قال - تعالى -: {ولا تقتلوا أنفسكم} ، ~~وقال: {فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} . # والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: {وارزقوهم فيها ~~واكسوهم} . # ومما يدل على ذلك عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على قرابة حبان أن يحجر ~~عليه؛ صح ذلك (1) ، ويدل على ذلك رده صلى الله عليه وسلم للبيضة التي تصدق ~~بها من لا مال له؛ كما أخرجه أبو داود (2) ، وصححه ابن خزيمة من حديث جابر. # وكذلك رده صلى الله عليه وسلم صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه؛ كما ~~أخرجه أهل " السنن "، وصححه (3) الترمذي، وابن حبان من حديث أبي سعيد. # وكذلك رده صلى الله عليه وسلم عتق من أعتق عبدا له عن دبر، ولا مال له ~~غيره؛ كما PageV03P198 # أشار إلى ذلك البخاري، وترجم عليه: " باب من رد أمر السفيه والضعيف ~~العقل، وإن لم يكن حجر عليه الإمام ". # وأخرج الشافعي في " مسنده " (1) ، والبيهقي عن عروة بن الزبير، قال: ~~ابتاع عبد الله بن جعفر بيعا، فقال علي - رضي الله عنه - لآتين عثمان ~~فلأحجرن عليه، فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير، فقال: أنا شريكك في بيعتك، فأتى ~~عثمان، فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: أأحجر على ~~رجل شريكه الزبير؟ ! # ففي هذه القصة دليل على أن الحجر كان عندهم أمرا معروفا ثابتا في ~~الشريعة، ولولا ذلك لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة، ولكان الجواب من ~~عثمان على علي بأن هذا غير جائز، وكذلك الزبير وعبد الله بن جعفر؛ لو كان ~~مثل هذا الأمر غير جائز؛ لكان لهما عن تلك الشركة مندوحة. # وقد ذهب إلى جواز الحجر على السفيه الجمهور، وعليه أهل العلم. # وفي " الوقاية ": # " الحجر: منع نفاذ تصرف قولي، وسببه الصغر والجنون والرق؛ فإن أتلفوا ~~شيئا ms627 ضمنوا ". # وفي " المنهاج ": # " ولا يصح من المحجور عليه بسفه بيع ولا شراء ولا عتاق وهبة ونكاح بغير ~~إذن وليه، ويصح بإذن الولي نكاحه؛ لا التصرف المالي في الأصح ". ~~PageV03P199 # ( [ ### | متى يمكن اليتيم من ماله # ؟] :) # (ولا يمكن اليتيم من التصرف في ماله حتى يؤنس منه الرشد) ؛ لقوله - تعالى ~~-: {فإن آنستم منهم رشدا} . # في " المنهاج ": # " حجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدا، فلو بلغ غير رشيد دام الحجر ". # وفي " الوقاية ": # " فإن بلغ غير رشيد؛ لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، وصح ~~تصرفه قبله وبعده؛ يسلم إليه ولو بلا رشد ". # ( [ ### | هل يجوز لولي اليتيم أن يأكل من ماله # ؟] :) # (ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف) ؛ لقوله - تعالى -: {ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} . # وقد ثبت في " الصحيحين "، عن عائشة أنها قالت: " نزلت هذه الآية في ولي ~~اليتيم؛ إذا كان فقيرا أنه يأكل منه بالمعروف ". # وأخرج أحمد (1) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو ابن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني ~~فقير، وليس لي شيء، ولي يتيم؟ فقال: " كل من مال يتيمك؛ غير مسرف ولا مبادر ~~ولا متأثل (2) ". PageV03P200 # والمراد بقوله: " ولا مبادر " ما في قوله - تعالى -: {ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا} ؛ أي: مسرفين ومبادرين كبر الأيتام، فهذه الآية والحديث ~~مخصصان لقوله - تعالى -: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} . # في " شرح السنة ": " اختلفوا في ذلك؛ فذهب قوم إلى أنه يأكل ولا يقضي، ~~وعليه أحمد، وآخرون إلى أنه يأكل ويرد مثله إذا كبر ". # أقول: اختاره محمد بن الحسن. # والولي يتجر في أموال اليتامى ويضارب، ويفعل ما فيه الغبطة. # قال مالك: قال عمر بن الخطاب: اتجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها ~~الزكاة. # وكانت عائشة تعطي أموال اليتامى من يتجر لهم فيها. # قال مالك: لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى لهم (1) ، وإذا كان الولي ~~مأمونا فلا أرى عليه ضمانا. # قلت: وعليه الشافعي -[كما] في " المنهاج " -: وله - أي: ms628 للولي - بيع ماله ~~بقرض ونسيئة للمصلحة، ويزكي ماله، وينفق عليه بالمعروف. PageV03P201 ### | (الكتاب الثالث والعشرون: ### | كتاب اللقطة # ) # PageV03P203 # (23 - ### | كتاب اللقطة # ( [ ### | ما يفعل من وجد لقطة # ] :) # (من وجد لقطة فليعرف عفاصها) : وهو الوعاء الذي تكون فيه من جلد، أو ~~خرقة، أو غير ذلك؛ من العفص: وهو الثني والعطف، وبه سمي الجلد الذي يكون ~~على رأس القارورة (1) . # (ووكاءها) وهو الخيط الذي يشد به الوعاء، قيل: فائدة المعرفة: أنه لو ~~ادعاها أحد ووصفها دفعها إليه. # وقيل: أن لا تختلط بماله اختلاطا لا يمكن معه التمييز إذا جاء مالكها. # في " شرح السنة ": # " قال الشافعي: إذا عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن، ووقع في ~~نفسه أنه صادق؛ فله أن يعطيه، ولا أجبره عليه إلا ببينة؛ لأنه قد يصيب ~~الصفة بأن يسمع الملتقط يصفها. وفي " الهداية ": فإن أعطى علامتها حل ~~للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء ". انتهى (2) . ~~PageV03P205 # ( [ ### | كيف تسلم اللقطة إلى صاحبها # ؟] :) # (فإن جاء صاحبها دفعها إليه) ؛ لحديث عياض بن حمار، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # " من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، أو ليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها؛ ~~فلا يكتم؛ فهو أحق بها، وإن لم يجيء صاحبها، فهو مال الله يؤتيه من يشاء "، ~~أخرجه أحمد (1) ، وابن ماجه، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان. # وفي " الصحيحين " من حديث زيد بن خالد، قال: سئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن لقطة الذهب والورق؟ فقال: " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها ~~سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من ~~الدهر فأدها إليه ". # وسأله عن ضالة الإبل؟ فقال: " ما لك ولها؟ ! دعها؛ فإن معها حذاءها ~~وسقاءها؛ ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها ". # وسأله عن الشاة؟ فقال: " خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك (2) ، أو للذئب ". # وفي لفظ لمسلم: " فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها ووكاءها؛ ~~PageV03P206 # فأعطها إياه؛ وإلا فهي لك ". # وفي " مسلم "، وغيره (1) من حديث أبي بن كعب: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " عرفها؛ فإن جاء ms629 أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكائها؛ فأعطها ~~إياه؛ وإلا فاستمتع بها ". # فدل ما ذكرناه على أنه إذا جاء صاحبها دفعها إليه. # وفي " إعلام الموقعين ": # " قال: يا رسول الله! فاللقطة يجدها في سبيل العامرة؟ قال: " عرفها حولا؛ ~~فإن وجدت باغيها فأدها إليه؛ وإلا فهي لك " قال: ما يوجد في الخراب؟ قال: " ~~فيه وفي الركاز الخمس ". ذكره أحمد، وأهل السنن ". # قال ابن القيم: " والإفتاء بما فيه متعين وإن خالفه من خالفه، فإنه لم ~~يعارضه ما يوجب تركه ". انتهى. # ( [ ### | متى يجوز له صرف اللقطة # ؟] :) # (وإلا عرف بها حولا، وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه، ويضمن مع مجيء ~~صاحبها) ؛ يعني: إن جاء صاحبها بعد ذلك عرفها له، إن كان قد أتلفها، ~~وأرجعها بعينها إن كانت باقية؛ كما يفيده قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه ". # وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب التعريف بعد الحول. PageV03P207 # وقد ورد في لفظ للبخاري - من حديث أبي - ما يدل على أن التعريف يجب بعد ~~الحول، ولفظه: قال: وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: " عرفها حولا "، فعرفتها، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته ثانيا، ~~فقال: " عرفها حولا "، فلم أجد، ثم أتيته ثالثا، فقال: " احفظ وعاءها ~~وعددها ووكاءها؛ فإن جاء صاحبها؛ وإلا فاستمتع بها "، فاستمتعت بها، فلقيته ~~- بعد - بمكة (1) . # وقد وقع الاختلاف بين الحفاظ في هذه الرواية: # فعن بعضهم: أن الزيادة على العام غلط؛ كما جزم بذلك ابن حزم. # قال ابن الجوزي: والذي يظهر لي أن سلمة أخطأ فيها، ثم ثبت واستمر على عام ~~واحد. # وجمع بعضهم بأن الزيادة على العام محمولة على مزيد الورع. # والكلام في ذلك يطول. # والمراد بقوله في الحديث: " ولتكن وديعة عندك ": أنه يجب ردها، فتجوز ~~بذكر الوديعة عن وجوب الرد؛ لعوضها بعد الاستنفاق بها. # قال في " المسوى ": PageV03P208 # " قوله: " عرف سنة " عليه الشافعي وأبو حنيفة. # وخص منه الحقير؛ لحديث علي: أنه التقط دينارا في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم يعرفه (1) . # وفي ms630 " المنهاج ": # " والأصح أن الحقير لا يعرف سنة؛ بل زمنا يظن أن صاحبه يعرض عنه غالبا ". # وفي " الوقاية ": " عرفت مدة لا تطلب بعدها ". # ( [ ### | المبالغة في تعريف لقطة مكة # ] :) # (ولقطة مكة) المكرمة زادها الله شرفا (أشد تعريفا من غيرها) ؛ لما ثبت في ~~" الصحيح ": " أنها لا تحل لقطة مكة إلا لمعرف ". # مع أن التعريف لا بد منه في لقطة مكة وغيرها؛ فحمل ذلك على المبالغة في ~~التعريف؛ لأن الحاج قد يرجع إلى بلده ولا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى ~~المبالغة في التعريف، وقد قيل غير ذلك. PageV03P209 # ( [ ### | هل يجوز له أن ينتفع بالشيء الحقير من اللقطة # ؟] :) # (ولا بأس بأن ينتفع الملتقط بالشيء الحقير - كالعصا والسوط ونحوهما - بعد ~~التعريف به ثلاثا) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث جابر، قال: رخص لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ~~ينتفع به. # وفي إسناده المغيرة بن زياد، وفيه مقال، وقد وثقه وكيع، وابن معين، وابن ~~عدي (1) . # وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في ~~الطريق فقال: " لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ". # وقد أخرج أحمد، والطبراني، والبيهقي من حديث يعلى بن مرة مرفوعا: # " من التقط لقطة يسيرة؛ حبلا أو درهما أو شبه ذلك؛ فليعرفها ثلاثة أيام، ~~فإن كان فوق ذلك؛ فليعرفه ستة أيام ". # زاد الطبراني: " فإن جاء صاحبها؛ وإلا فليتصدق بها ". # وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى، وهو ضعيف. PageV03P210 # وأخرج عبد الرزاق من حديث أبي سعيد: أن عليا جاء إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بدينار وجده في السوق؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " عرفه ~~ثلاثا "، ففعل، فلم يجد أحدا يعرفه، فقال: " كله " (1) . # وأما إذا كان الشيء مأكولا؛ فلا يجب التعريف به؛ بل يجوز أكله في الحال؛ ~~لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم في التمرة. # ( [ ### | ما يلتقط من الدواب # ] :) # (وتلتقط ضالة الدواب إلا الإبل) ؛ للحديث المتقدم عن زيد بن خالد، وإلحاق ~~سائر الدواب بالشاة؛ لكونها مثلها في ms631 معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " هي ~~لك أو لأخيك أو للذئب ". # ولا يخرج من ذلك إلا الإبل؛ كما صرح به صلى الله عليه وسلم، ومما يفيد ~~ذلك ما أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" لا يأوي (2) الضالة إلا ضال ما لم يعرفها "؛ فإن الضالة تصدق على الشاة ~~وغيرها، وقد قيد ذلك بالتعريف؛ فدل على جواز الالتقاط، وخرجت الإبل بالحديث ~~الآخر. # في " المنهاج ": # " والحيوان الممتنع من صغار السباع بقوة؛ أو بعدو أو طيران؛ إن وجد ~~بمفازة فللقاضي التقاطه، ويحرم التقاطه للتملك، وإن وجد بقرية فالأصح جواز ~~التقاطه للتملك، وما لا يمتنع منها - كشاة - يجوز التقاطه في القرية ~~والمفازة، ولا فرق عند أبي حنيفة بين أن يكون بهيمة أو غيرها. PageV03P211 ### | (الكتاب الرابع والعشرون: ### | كتاب القضاء # ) # PageV03P213 # (24 - ### | كتاب القضاء # ( [ ### | من يصح منه القضاء # ؟] :) # (إنما يصح قضاء من كان مجتهدا) ؛ لما في الكتاب العزيز من الأمر بالقضاء ~~بالعدل والقسط وبما أراه الله، ولا يعرف العدل إلا من كان عارفا بما في ~~الكتاب والسنة من الأحكام، ولا يعرف ذلك إلا المجتهد؛ لأن المقلد إنما يعرف ~~قول إمامه دون حجته. # وهكذا لا يحكم بما أراه الله إلا من كان مجتهدا؛ لا من كان مقلدا، فما ~~أراه الله شيئا؛ بل أراه إمامه ما يختاره لنفسه. # ومما يدل على اعتبار الاجتهاد: حديث بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة؛ ~~فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق، وجار في الحكم، فهو في النار، ورجل ~~قضى للناس على جهل، فهو في النار "، # أخرجه ابن ماجه، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، والحاكم - وصححه -، وقد ~~جمع ابن حجر طرقه في جزء مفرد (1) . PageV03P215 # ووجه الدلالة منه أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدا. # ( [ ### | المقلد لا يجوز له أن يتقلد القضاء # ] :) # وأما المقلد؛ فهو يحكم بما قال إمامه، ولا يدري أحق هو أم باطل؟ فهو ~~القاضي الذي قضى للناس على ms632 جهل، وهو أحد قاضيي النار. # ومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله - تعالى -: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون} ، و {الظالمون} ، و {الفاسقون} ، ولا يحكم بما ~~أنزل الله إلا من يعرف التنزيل والتأويل. # ومما يدل على ذلك حديث معاذ لما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال ~~له: " بما تقضي؟ "، قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد؟ "، قال: فبسنة ~~رسول الله، قال: " فإن لم تجد؟ "، قال: فبرأيي. # قال الماتن: وهو حديث مشهور (1) ، قد بينت طرقه ومن خرجه في بحث مستقل. # ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة، ولا رأي له، بل لا يدري بأن ~~الحكم موجود في الكتاب أو السنة فيقضي به، أو ليس بموجود فيجتهد برأيه. # فإذا ادعى المقلد أنه حكم برأيه؛ فهو يعلم أنه يكذب على نفسه؛ ~~PageV03P216 # لاعترافه بأنه لا يعرف كتابا ولا سنة، فإذا زعم أنه حكم برأيه؛ فقد أقر ~~على نفسه أنه حكم بالطاغوت. # وللسيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة مستقلة في تيسير الاجتهاد ~~سماها: " إرشاد النقاد "، فليرجع إليها. # أقول: الحاصل أن المقلد ليس ممن يعقل حجج الله إذا جاءته؛ فضلا عن أن ~~يعرف الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والراجح من المرجوح. # بل لا ينبغي أن ينسب المقلد إلى العلم مطلقا، ولهذا نقل عضد الدين ~~الإجماع على أنه لا يسمى المقلد عالما (1) . # وأما ما صار يستروح إليه من جوز قضاء المقلد من قلة المجتهدين في الأزمنة ~~الأخيرة، وأنه لو لم يل القضاء إلا من كان مجتهدا لتعطلت الأحكام! فكلام في ~~غاية السقوط، فالمجتهدون في كل قطر، ولكنهم في زمان غربة: # فمنهم من يخفي اجتهاده مخافة صولة المقصرين. # ومنهم من يحتقره المقلدون عن أن يكون مجتهدا لضيق أعطانهم، وحقارة ~~عرفانهم، وتبلد أذهانهم، وجمود قرائحهم، وخمود أفكارهم، ولا يعرف الفضل ~~لأهل الفضل إلا أهله. # ولقد عرفت مشايخي الذين أخذت عنهم العلم؛ فأكثرهم مجتهدون. PageV03P217 # وفي مدينة صنعاء من المجتهدين من يستغنى به عن القضاة المقلدين في جميع ~~الأقطار اليمنية، مع أنه لا يسلم ms633 لهم الاجتهاد إلا من كان مثلهم أو مقاربا ~~لهم. # وأما أسراء التقليد؛ فهيهات أن يذعن واحد منهم لأحد بالاجتهاد مع أن ~~العلوم المعتبرة في الاجتهاد عند هؤلاء المقلدين؛ هي العلوم الخمسة ~~المذكورة في كتب أصول الفقه (1) ، وهي بالنسبة إلى ما يحفظ من وصفناه من ~~المجتهدين شيء يسير. # قال الماتن - رحمه الله -: " ومن غريب ما أحكيه لك: أنه لما كثر الخلط من ~~قضاة حضرة الخلافة؛ استأذنت الخليفة - حفظه الله - في جمعهم لقصد ترغيبهم ~~في العدل، وترهيبهم عن الجور، فاجتمع منهم نحو أربعين قاضيا، فسألتهم عن ~~شيء مما يتعلق بشروط القضاء المدونة في كتب الفروع؟ فلم يهتد أحد منهم إلى ~~الجواب على وجه الصواب؛ بل اعترفوا جميعا بالقصور عن فهم دقائق التقليد؛ ~~فضلا عن معرفة علوم الاجتهاد أو بعضها! # وليت أنهم إذا قصروا في العلم لم يقصروا في الورع، فإن الورع يردع صاحبه ~~عن المجازفة، ويرشده إلى أن شفاء العي السؤال، ويكفه عن التسلق لأموال ~~المسلمين، ويرده عن التسرع إليها بأدنى شبهة. # ولعمري أن القاضي إذا جمع بين الجهل وعدم الورع أشد على عباد الله من ~~الشيطان؛ لأنه يقضي بين الناس بالطاغوت؛ موهما لهم أنه إنما يقضي ~~PageV03P218 # بينهم بالشريعة المطهرة، ثم ينصب الحبائل لاقتناص أموالهم، ويأكلها ~~بالباطل؛ ولا سيما أموال اليتامى والنساء. # اللهم {أصلح عبادك، وتداركهم من كل ما لا يرضيك ". انتهى. # فإن قلت: حديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عليا إلى اليمن ~~قاضيا، فقال: يا رسول الله} بعثتني بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ قال: ~~فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدري، وقال: " اللهم اهده وثبت ~~لسانه "، قال علي: فوالذي فلق الحبة؛ ما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه أهل ~~" السنن "، وغيرهم (1) ؛ هل يدل على جواز قضاء من ليس بمجتهد؛ لقوله: أنا ~~شاب ولا أدري ما القضاء؟ ! # قلت: من تمسك بهذا؛ فليأتنا برجل يدعو للقاضي الذي لا علم له بالقضاء ~~بمثل هذه الدعوة النبوية؛ حتى لا يشك بعدها كما لم يشك علي - كرم الله وجهه ~~- بعد ms634 تلك الدعوة، فإذا فعل هذا فنحن لا نخالفه. # والكلام على هذه المسألة يحتمل البسط، وقد قضينا عنها الوطر في كتابنا: " ~~ظفر اللاضي (2) بما يجب في القضاء على القاضي "؛ فليراجع، فإن فيه ما يشفي ~~العليل، ويهدي إلى سواء السبيل. # ( [ ### | ما هي صفات القاضي # ؟] :) # (متورعا عن أموال الناس، عادلا في القضية، حاكما بالسوية) ؛ لكون من ~~PageV03P219 # لم يتورع عن أموال الناس لا يتورع عن الرشوة، وهي تحول بينه وبين الحق؛ ~~كما سيأتي. # وهكذا من لم يكن عادلا - لجرأة فيه أو مداهنة أو محاباة - فهو يترك الحق ~~وهو يعلم به، فهو أحد قضاة النار؛ لأنه عرف الحق وجار في الحكم. # قال في " الحجة البالغة ": # " أقول: لا يستوجب القضاء إلا من كان عدلا بريئا من الجور والميل، وقد ~~عرف منه ذلك، وعالما يعرف الحق؛ لا سيما في مسائل القضاء. # والسر في ذلك واضح، فإنه لا يتصور وجود المصلحة المقصودة إلا بها ". # أقول: وأما توليه القضاء من جهة الظلمة؛ فالسلطان الذي أوجب الله طاعته ~~في كتابه العزيز، وتواترت الأحاديث الصحيحة بذلك؛ هو من كان مسلما لم يفعل ~~ما يوجب كفرا بواحا (1) ، وكان مقيما لأعظم أركان الإسلام وأجل شعائره؛ وهو ~~الصلاة؛ فهذا هو السلطان الذي تجب على الناس طاعته، وامتثال أوامره، ويحرم ~~عليهم أن ينزعوا أيديهم من طاعته، ولكن بشرط أن لا يكون ما يأمر به معصية؛ ~~لما ثبت أن: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، وأن " الطاعة في المعروف ~~"، فإذا أمر بما هو من الطاعة وجب الامتثال، وأمره للعالم بأن يكون قاضيا ~~هو أمر بطاعة يجب امتثاله بنص الكتاب والسنة. PageV03P220 # ولا يقدح في ذلك كونه مرتكبا لشيء مما لا يحل له، أو يظلم الرعية في بعض ~~ما لا يحل له، فإن ذلك أمر آخر لا يوجب سقوط طاعته، ونعم القدوة السلف ~~الصالح، فقد كانوا يعملون لسلاطين بني أمية الأعمال، ويلون لهم القضاء؛ مع ~~كونهم في العلم والعمل بمكان لا يجهله أحد، وسلاطين تلك الأزمنة فيهم من ~~يستحل الدماء بغير حقها، والأموال بدون حلها (1) . # نعم؛ القضاء قد ms635 ورد فيه ما يدل على الترغيب تارة والترهيب أخرى، بل ورد ~~في الإمارة - التي هي أعم من القضاء - ما يشعر بأن تجنبها أولى. # ( [ ### | الجمع بين أحاديث الترغيب في القضاء والترهيب منه # ] :) # والجمع بين الأحاديث - فيما يظهر لي - يرجع إلى الأشخاص: # فمن علم من نفسه القيام بالحق، والصدع به، وعدم الضعف في الأمر، وقوة ~~الصلابة في القضاء والعفة عن الأموال، والتسوية بين القوي والضعيف؛ فالدخول ~~في القضاء أولى له إن لم يكن واجبا عليه؛ بشرط أن يكون في العلم على الصفة ~~التي قدمنا ذكرها. # ومن كان يضعف عن هذه الأوصاف؛ فالترك أولى به، وقد يجب عليه الترك. # ومما يرشد إلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: " إني أراك ~~ضعيفا "، ثم أرشده إلى عدم الدخول في الإمارة؛ كما ثبت ذلك في الحديث ~~المشهور (2) . PageV03P221 # وقد أوضحت المقام في رسالتي في القضاء، وبسطت المقال على مسائل الإمامة ~~في كتابي " إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة "، وهما هما في هذين ~~البابين، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وهو المستعان، وبه التوفيق. # ( [ ### | ما حكم من يحرص على القضاء # ؟] :) # (ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه) ؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة في " ~~الصحيحين "، وغيرهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا عبد ~~الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت ~~عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه - (1) من حديث أنس، ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه ينزل عليه ملك يسدده ". # وأخرج البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: # " إنكم ستحرصون على الإمارة؛ وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة ~~وبئست الفاطمة ". PageV03P222 # ولا ينافي هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود بإسناد لا مطعن فيه (1) من ~~حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره؛ ms636 فله الجنة، ومن غلب ~~جوره عدله؛ فله النار "؛ لأن إثم الطلب قد لزمه بالطلب، وحصل له الثواب بعد ~~ذلك بالعدل الغالب على الجور. # قال الماتن في " نيل الأوطار ": # " وقد كثر التتابع من الجهلة في هذا المنصب الشريف، واشتروه بالأموال ممن ~~هو أجهل منهم؛ حتى عمت البلوى بهم جميع الأقطار اليمنية ". اه. # قلت: ومثل ذلك وقع في الحرمين الشريفين من جهة الترك، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # ( [ ### | هل يحل للإمام تولية من طلب القضاء # ؟] :) # (ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك) ؛ أي: حريصا على القضاء أو طالبا له؛ ~~لحديث أبي موسى في " الصحيحين "، قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله {أمرنا على بعض ما ~~ولاك الله - عز وجل -، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: " إنا - والله - لا نولي ~~هذا العمل أحدا يسأله؛ أو أحدا يحرص عليه ". PageV03P223 # والسر فيه: أن الطالب لا يخلو غالبا من داعية نفسانية؛ من مال أو جاه، أو ~~التمكن من انتقام عدو، ونحو ذلك، فلا يتحقق منه خلوص النية الذي هو سبب ~~نزول البركات. # ( [ ### | حكم أخذ الأجر على القضاء # ] :) # أقول: وأما أخذ الرزق على القضاء؛ فمال الله موضوع لمصالح المسلمين، ~~ولهذا قيل له: بيت مال المسلمين. # ومن أعظم مصالح دينهم ودنياهم القاضي العادل في أحكامه، العارف من ~~الشريعة المطهرة بما يحتاج إليه في حله وإبرامه؛ بل ذلك هو المصلحة التي لا ~~توازنها مصلحة؛ لأنه يرشدهم إلى مناهج الشرع، ويفصل خصوماتهم بأحكام الله، ~~فهو المتحمل لأعباء الدين، المترجم عنه لمن يحتاج إليه من المسلمين، فرزقه ~~من بيت المال من أهم الأمور؛ ولا سيما إذا استغرق أوقاته في فصل خصوماتهم، ~~فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والخلفاء الراشدون، ومن بعدهم ~~من السلف الصالح يقسمون أموال الله بين المسلمين، ويجعلون للعلماء نصيبا ~~موفرا. # فالقاضي إذا كان متورعا عن أموال العباد، قائما بمصالح الحاضر منهم ~~والباد؛ فقد استحق ما يكفيه من بيت المال من جهات؛ منها كونه من المسلمين، ~~ومنها ms637 كونه عالما، ومنها كونه قاضيا. # وأما ما اعتاده جماعة من القضاة من أخذ الأجرة من الخصوم على الرقوم، فمن ~~كان مكفيا من بيت مال المسلمين؛ لا يحل له ذلك! لأنه قد # PageV03P224 # قبض أجرته من بيت المال، وإن أظهر من يأتيه أن نفسه طيبة به، فالذي أوجب ~~طيبها كونه قاضيا، وكون الأعراف قد جرت بمثل ذلك، وإلا فهو لا يسمح له ~~بماله لو لم يكن كذلك، وهذا مما لا شك فيه ولا شبهة. # وأما إذا لم يكن مكفيا من بيت المال؛ فشرط الحل أن يأخذ مقدار أجرته ~~بطيبة من نفس من يقصده، ويكون كالأجير له حكمه؛ لكونه غير مؤجر من بيت مال ~~المسلمين. # ( [ ### | القاضي المتأهل على خطر عظيم # ] :) # (ومن كان متأهلا للقضاء؛ فهو على خطر عظيم) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، ~~وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني، وحسنه ~~الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " من جعل قاضيا بين الناس؛ فقد ذبح بغير سكين (1) ". # قال في " الحجة البالغة ": PageV03P225 # " هذا بيان أن القضاء حمل ثقيل، وأن الإقدام عليه مظنة للهلاك؛ إلا أن ~~يشاء الله ". انتهى. # وأخرج أحمد (1) ، وابن ماجه، والبيهقي من حديث ابن مسعود، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: # " ما من حاكم يحكم بين الناس؛ إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى ~~يقف به على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله - عز وجل - فإن قال: ألقه، ألقاه ~~في مهوي، فهوى أربعين خريفا "، وفي إسناده عثمان بن محمد الأخنسي، وفيه ~~مقال (2) . # وأخرج ابن ماجه، والترمذي وحسنه، والحاكم في " المستدرك "، وابن حبان من ~~حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكله إلى نفسه ". # وفي لفظ الترمذي: " فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان ". # وفي الباب أحاديث مشتملة على الترهيب، وأحاديث مشتملة على الترغيب، وقد ~~استوفاها الماتن في " شرح المنتقى ". PageV03P226 ### | ( [إذا أصاب القاضي له أجران، وإذا أخطأ له أجر] ms638 :) # (وله مع الإصابة أجران، ومع الخطأ أجر؛ إن لم يأل جهدا في البحث) ؛ يعني: ~~بذل طاقته في اتباع الدليل؛ وذلك لأن التكليف بقدر الوسع، وإنما وسع ~~الإنسان أن يجتهد، وليس في وسعه أن يصيب الحق البتة. # ودليله حديث عمرو بن العاصي الثابت في " الصحيحين "، وغيرهما عنه صلى ~~الله عليه وسلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله ~~أجر ". # وقد ورد في روايات (1) : " أنه إذا أصاب فله عشرة أجور ". # ( [ ### | الرشوة حرام وخاصة على القاضي # ] :) # (وتحرم عليه الرشوة) ؛ وفي " الأنوار " في تفسير الرشوة وجهان: # الأول: أن الرشوة هي التي يشترط على قابلها الحكم بغير الحق، أو الامتناع ~~عن الحكم بالحق. # والثاني: بذل المال لأحد ليتوسل بجاهه إلى أغراضه، إذا كان جاهه بالقضاء ~~والعمل، فذلك هو الرشوة. # ويحرم على الرعية إعطاء الرشوة للحاكم ليتوسلوا بذلك إلى ظلم، ويحرم على ~~الحاكم أخذها؛ قال الله - تعالى -: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم PageV03P227 # بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم ~~وأنتم تعلمون} ؛ كذا في " المسوى ". # وروى مالك بإسناده أن عبد الله بن رواحة قال ليهود خيبر: فأما ما عرضتم ~~من الرشوة؛ فإنما هي سحت، وإنا لا نأكلها. # ( [ ### | الهدية حرام على القاضي # ] :) # (والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد ~~(1) ، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان - وصححه -، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -، وابن حبان، ~~والطبراني، والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو - كحديث أبي هريرة -. # وأخرج أحمد، والحاكم من حديث ثوبان، قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الراشي والمرتشي والرائش - يعني: الذي يمشي PageV03P228 # بينهما -، وفي إسناده ليث بن أبي سليم؛ قال البزار: إنه تفرد به. # وفي إسناده أيضا أبو الخطاب؛ قيل: وهو مجهول. # وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم، وعن عائشة، وأم سلمة - أشار ~~إليهما الترمذي -. # وقد أجمع أهل العلم على تحريم الرشوة، وقد استدل على تحريم ms639 الرشوة بقوله ~~- تعالى -: {أكالون للسحت} ؛ كما روي عن الحسن، وسعيد بن جبير أنهما فسرا ~~الآية بذلك. # وحكي عن مسروق عن ابن مسعود: أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة؟ فقال: لا؛ ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، و {الظالمون} ، و ~~{الفاسقون} ؛ ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته، فيهدي لك، فإن أهدى ~~لك فلا تقبل. # وقد سبق حديث في هذا المعنى في كتاب الهدايا. # ويدل على تحريم الهدية التي أهديت للقاضي لأجل كونه قاضيا حديث: " هدايا ~~الأمراء غلول ". # أخرجه البيهقي وابن عدي من حديث ابن حميد؛ قال ابن حجر: وإسناده ضعيف. # ولعل وجه الضعف أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز. # وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث أبي هريرة؛ قال ابن حجر: # PageV03P229 # وإسناده أشد ضعفا. # وأخرجه سنيد بن داود في " تفسيره " من حديث جابر، وفي إسناده إسماعيل بن ~~مسلم، وهو ضعيف. # وأخرجه الخطيب في " تلخيص المتشابه " من حديث أنس، بلفظ: " هدايا العمال ~~سحت ". # وأخرج أبو داود من حديث بريدة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: " ~~من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا؛ فما أخذه بعد ذلك فهو غلول ". # وقد بوب البخاري في أبواب القضاء " باب هدايا العمال "، وذكر فيه حديث ~~ابن اللتبية المشهور (1) . # ومما يؤيد ذلك أن الهدية للقاضي لأجل كونه قاضيا نوع من الرشوة عاجلا أو ~~آجلا. # قال ابن القيم: # " أما الهدية؛ ففيها تفصيل: # " فإن كانت بغير سبب الفتوى - كمن عادته يهاديه، أو من لا يعرف أنه مفت - ~~فلا بأس بقبولها، والأولى أن يكافئ عليها. PageV03P230 # وإن كانت بسبب الفتوى؛ فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ~~ممن لا يهدي له؛ لم يجز له قبول هديته؛ لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء. # وأما أخذ الرزق من بيت المال؛ فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك. # وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان - وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل ~~اليتيم -؛ فمن ألحقه بعامل الزكاة؛ قال: النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ~~ألحقه بعامل ms640 اليتيم منعه من الأخذ. # وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي؛ بل القاضي أولى بالمنع. # وأما أخذ الأجرة؛ فلا يجوز؛ لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا ~~تجوز المعاوضة عليه؛ كما لو قال: لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا ~~بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام، فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة، فهذا ~~حرام قطعا، ويلزمه رد العوض ولا يملكه ". انتهى. # ( [ ### | قضاء القاضي وهو غضبان # ] :) # (ولا يجوز له الحكم حال الغضب) : لحديث أبي بكرة في " الصحيحين "، ~~وغيرهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان ". # ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن الزبير، عن أبيه في " الصحيحين "، ~~وغيرهما: أنه اختصم هو وأنصاري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: # PageV03P231 # " اسق يا زبير {ثم أرسل الماء إلى أخيك "، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا ~~رسول الله} أن كان ابن عمتك؟ {فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال: " اسق يا زبير} ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (1) "؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم معصوم في غضبه ورضائه، بخلاف غيره؛ فإن الغضب يحول بينه ~~وبين الحق، ويختلط حال الغضب، ويتشوش خاطره، ويتكدر ذهنه، ويذهل عن الصواب. # فلا يصلح الاستدلال بقضائه صلى الله عليه وسلم حال غضبه لهذا الفرق. # فالحق: أن حكم الحاكم حال الغضب حرام. # وأما كونه يصح أو لا يصح؛ فينبغي النظر في نفس الحكم، فإن كان واقعا على ~~الصواب فالاعتبار بذلك، ومجرد صدوره حال الغضب لا يوجب بطلانه، وهو صواب، ~~وإن كان واقعا على خلاف الصواب فهو باطل. # وإذا التبس الأمر: هل هو صواب أو خطأ؟ - كما يحصل الاشتباه في كثير من ~~مسائل الخلاف - فالاعتبار بما رآه الحاكم صوابا؛ لأنه متعبد باجتهاده، فإن ~~وجد حكمه الواقع حال الغضب بعد سكون غضبه صحيحا موافق لما يعتقده حقا؛ فهو ~~صحيح لازم للمحكوم عليه، وإن كان آثما بإيقاع الحكم حال الغضب - كما تقدم - ~~فلا ملازمة بين الإثم وبطلان الحكم، ثم ظاهر النهي ms641 التحريم. # وقد ذهب الجمهور إلى أنه يصح حكم الغضبان إن وافق الحق. PageV03P232 # قال ابن القيم: # " ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف ~~مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل قلب مستول عليه، أو حال مدافعة الأخبثين، بل ~~متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه؛ ~~أمسك عن الفتوى، فإن أفتى في هذه الحال بالصواب صحت فتياه، ولو حكم في هذه ~~الحال؛ فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟ # فيه ثلاثة أقوال: النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم ~~الحكومة فينفذ؛ وبين أن يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ في مذهب ~~الإمام أحمد ". # ( [ ### | متى يسوي القاضي بين الخصمين # ؟] :) # (وعليه التسوية بين الخصمين؛ إلا إذا كان أحدهما كافرا) ؛ لحديث علي عند ~~أبي أحمد الحاكم في " الكنى ": أنه جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي، ~~فقال: لو كان خصمي مسلما جلست معه بين يديك؛ لكني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " لا تساووهم في المجالس "، وقد قال أبو أحمد الحاكم بعد إخراجه: إنه ~~منكر. # وأورده ابن الجوزي في " العلل " من هذا الوجه، وقال: لا يصح. # PageV03P233 # ورواه البيهقي (1) من وجه آخر من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: خرج ~~علي إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعا، فعرف علي الدرع ... وذكر ~~الحديث، وفي إسناده عمرو بن سمرة (2) ، عن جابر الجعفي، وهما ضعيفان. # وأخرج أحمد وأبو داود، والبيهقي، والحاكم - وصححه - من حديث عبد الله بن ~~الزبير، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي ~~الحاكم. # وفي إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير؛ وهو ضعيف. # ( [ ### | لا يقتصر على السماع من أحد الخصمين دون الآخر # ] :) # (والسماع منهما قبل القضاء) ؛ لحديث علي عند أحمد، وأبي داود، والترمذي - ~~وحسنه -، وابن حبان - وصححه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا ~~علي! إذا جلس إليك الخصمان؛ فلا تقض بينهما حتى تسمع من ms642 الآخر كما ~~PageV03P234 # سمعت من الأول؛ فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء "؛ وللحديث طرق (1) . # ( [ ### | على القاضي أن يسهل الدخول عليه # ] :) # (و) يجب عليه (تسهيل الحجاب) ؛ لحديث عمرو بن مرة عند أحمد (2) ، ~~والترمذي، والحاكم، والبزار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة (3) والمسكنة؛ إلا ~~أغلق الله باب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته ". # وأخرج أبو داود (4) ، والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي - مرفوعا - بلفظ: # " من تولى شيئا من أمر المسلمين؛ فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم؛ احتجب الله ~~عنه دون حاجته "؛ قال ابن حجر في " الفتح ": إن سنده جيد. # وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ: PageV03P235 # " أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم؛ احتجب الله عنه يوم القيامة "؛ قال ~~ابن أبي حاتم: هو حديث منكر. # (بحسب الإمكان) ؛ لأن لنفسه عليه حقا، ولأهله عليه حقا، فلا يلزمه ~~استيعاب كل أوقاته، فإن ذلك يكدر ذهنه ويشوش فهمه، ولا يحتجب كل أوقاته، ~~فإن ذلك ظلم لأهل الخصومات. # وقد ثبت في " الصحيح " من حديث أبي موسى: أنه كان بوابا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لما جلس على قف (2) البئر. # وثبت في " الصحيح " أيضا في قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا: أن عمر ~~استأذن له الأسود لما قال له: يا رباح! استأذن لي. # وقد ثبت في " الصحيح " أيضا: أنه كان لعمر حاجب يقال له: يرفأ. # ( [ ### | حكم اتخاذ القاضي للأعوان # ] :) # (ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة) ؛ لما ثبت في " البخاري " من حديث ~~أنس: أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة ~~صاحب الشرطة من الأمير. # وقد يجب عليه ذلك إذا كان لا يمكنه إنفاذ الحق ودفع الباطل إلا بهم. # ( [ ### | يجوز للقاضي الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح # ] :) # (و) يجوز للحاكم (الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح) ؛ لحديث هامش # (2) قف البئر - بضم القاف -: هو الدكة التي تجعل حولها. # PageV03P236 # كعب بن مالك في " الصحيحين " وغيرهما: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان ~~له ms643 عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: " يا كعب {" ~~فقال: لبيك يا رسول الله} قال: " ضع من دينك هذا "، وأومأ إليه؛ أي: الشطر، ~~قال: قد فعلت يا رسول الله! قال: " قم فاقضه ". # وهذا الحديث فيه دليل على ما ذكرناه من الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى ~~الصلح؛ لأنه شفاعة لمن عليه الدين باستيضاع من له الدين بعضه، وفيه إرشاد ~~إلى الصلح أيضا. # وقد سبق في كتاب الصلح ما يدل على مشروعيته من الكتاب والسنة، والقاضي ~~داخل في عموم الأدلة. # ( [ ### | حكم القاضي لا يحلل الحرام # ] :) # (وحكمه ينفذ ظاهرا فقط) ؛ لحديث أم سلمة في " الصحيحين "، وغيرهما: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن (1) بحجته من ~~بعض، فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما ~~أقطع له قطعة من النار ". # وقد حكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحل الحرام. # قال النووي: والقول بأن حكم الحاكم يحلل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا ~~PageV03P237 # الحديث الصحيح وللإجماع المذكور. # وبالجملة؛ فلا وجه لما ذهبت إليه الحنفية من أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا ~~وباطنا، ويحلل الحرام، وقد جاؤوا في هذا المقام بما لا ينفق على من له في ~~العلم قدم. # وتفصيل ذلك في " نيل الأوطار " و " مسك الختام ". # واللحن مفتوحة الحاء: الفطنة، يقال: لحنت للشيء - بكسر الحاء - ألحن له ~~لحنا، أي: فطنت، وأما اللحن بسكون الحاء؛ فهو: الخطأ. # قال في " المسوى ": # " اتفق أهل العلم عن أن القضاء في الدماء والأملاك المطلقة لا ينفذ إلا ~~ظاهرا. # واختلفوا في العقود والفسوخ؛ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينفذ القضاء فيها ~~ظاهرا وباطنا؛ حتى لو شهد شاهدان زورا أن فلانا طلق امرأته، فقضى به ~~القاضي؛ وقعت الفرقة بينهما بقضائه، ويجوز لكل من الشاهدين أن ينكحها. # وقال الشافعي: لا ينفذ باطنا. # وأما المسائل المختلف فيها؛ مثل أن يقضي حنفي بشفعة الجار لرجل ms644 لا يعتقد ~~ثبوتها، أو مات رجل عن جد وأخ؛ فقضى القاضي بالميراث للجد على مذهب الصديق ~~- رضي الله تعالى عنه -، والمحكوم له يرى رأي زيد، أو مات رجل عن خال لا ~~يرى توريث ذوي الأرحام؛ فقضى له القاضي بالمال؛ فأكثر أصحاب الشافعي على ~~أنه ينفذ ظاهرا وباطنا؛ لأنه أمر مجتهد فيه لا يتصور # PageV03P238 # ظهور الخطأ فيه يقينا في الدنيا. # وفي الحديث دليل على أن كل مجتهد ليس بمصيب؛ إنما الإصابة لواحد. # وإثم الخطأ موضوع عن الآخر؛ لكونه معذورا فيه؛ وعليه أكثر أهل العلم. # وفي الحديث دليل على أن بينة المدعي مسموعة بعد يمين المدعى عليه، وعليه ~~الشافعي (1) ". انتهى. # (فمن قضي له بشيء فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقا للواقع) لما تقرر ~~أن حكم الحاكم ظني سواء تعلق بمحكوم فيه قطعي أو ظني - في إيقاع أو وقوع - ~~فلا ينفذ إلا ظاهرا لا باطنا، فلا يحل به الحرام ولا يحرم به الحلال ~~للمحكوم له والمحكوم عليه، ولكنه يجب امتثاله بحكم الشرع. # ويجبر من امتنع منه، فإن كان المحكوم له يعلم بأن الحكم له بباطل لم يحلل ~~له قبوله، ولا يجوز له استحلاله بمجرد حكم الحاكم من غير فرق. # ومن قال: ينفذ حكم الحاكم ظاهرا وباطنا؛ فمقالته باطلة، وشبهتها داحضة، ~~وقد دفعها الله - عز وجل - في كتابه العزيز بقوله: {ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم ~~وأنتم تعلمون} ، ودفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " فمن قضيت له ~~بشيء من مال أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار ". PageV03P239 # هذا على تقدير أنهم يعممون المسألة في الأموال وغيرها، والذي في كتبهم ~~تخصيص ذلك بما عدا الأموال. # ولا يختلف في هذا من يقول بأن كل مجتهد مصيب! ومن لا يقول بذلك؛ لأن ~~القائل بالتصويب لا يريد بذلك أن المجتهد قد أصاب ما في نفس الأمر، وما هو ~~الحكم عند الله - عز وجل - وإنما يريد أن حكمه في المسألة هو الذي كلف به ms645 ~~وإن كان خطأ في الواقع، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: # " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب فله أجران "، فجعله ~~مصيبا تارة ومخطئا أخرى، ولو كان مصيبا دائما لم يصح هذا التقسيم النبوي. # وبهذا نعرف أن المراد بقول من قال: كل مجتهد مصيب؛ أنه أراد من الصواب ~~الذي لا ينافي الخطأ؛ لا من الإصابة التي تنافيه؛ والله أعلم. # PageV03P240 ### | (الكتاب الخامس والعشرون: ### | كتاب الخصومة # ) # PageV03P241 # (25 - ### | كتاب الخصومة # ( [ ### | البينة على المدعي # ] :) # (على المدعي البينة) ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " شاهداك أو يمينه "؛ ~~كما في " الصحيحين " من حديث الأشعث بن قيس. # وأخرجه مسلم من حديث وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للكندي: " ألك بينة؟ "، قال: لا، قال: " فلك يمينه ". # ( [ ### | اليمين على المنكر # ] :) # (وعلى المنكر اليمين) : لحديث ابن عباس في " الصحيحين ": أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه. # وأخرجه البيهقي (1) بإسناد صحيح بلفظ: " البينة على المدعي، واليمين على ~~من أنكر ". # وأخرج ابن حبان من حديث ابن عمر نحوه. # وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه. PageV03P243 # وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. # وروي عن مالك أنه لا يتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط؛ ~~لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل. # وهو رد للرواية بمحض الرأي. # (1 -[ ### | يحكم الحاكم بالإقرار # ] :) # (ويحكم الحاكم بالإقرار) ؛ وليس في ذلك خلاف، ودلالة الكتاب العزيز على ~~لزوم حكم الإقرار للمقر، وفيه من ذلك الكثير الطيب؛ فإن الله سبحانه رتب في ~~كتابه العزيز أحكاما وعقوبات على حصول أمور هي إقرارات؛ وإن لم يذكر فيها ~~لفظ الإقرار، وهو أقوى مستندات الحكم إذا لم يكن معلوم البطلان، ولزوم ~~المقر لما أقر به؛ وجواز الحكم للحاكم بإقراره لا يحتاج إلى إيراد الأدلة ~~عليه؛ فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسفك به الدماء، ويقيم الحدود، ~~ويقطع الأموال؛ بل اكتفى به في أعظم الأمور وهو الرجم؛ كما وقع من المقر ~~عند رسول الله - صلى ms646 الله عليه وسلم؛ كما في حديث: " واغد يا أنيس! إلى ~~امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها "، وهو في " الصحيح " كما سيأتي؛ فكيف ~~بالإقرار فيما هو أخف من الرجم؟ # (2 -[ ### | الحكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين # ] :) # (و) الحكم (بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين) ؛ لنص القرآن الكريم، وليس في ~~ذلك خلاف إذا كان الشهود مرضيين؛ كما قال - تعالى -: {ممن ترضون من ~~الشهداء} . # PageV03P244 # (3 -[ ### | يحكم الحاكم بشهادة رجل ويمين المدعي # ] :) # (أو رجل ويمين المدعي) ؛ لحديث ابن عباس - عند مسلم وغيره -: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد؛ وأخرج أحمد، وابن ماجه، ~~والترمذي، والبيهقي، من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~باليمين مع الشاهد؛ وهو من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر. # قد روي من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق؛ أخرجه أحمد، والدارقطني. # وقد صحح حديث جابر أبو عوانة، وابن خزيمة. # وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: قضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد، ورجال إسناده ثقات، ~~وصححه أبو حاتم وأبو زرعة. # وأخرجه ابن ماجه، وأحمد من حديث سرق، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا الراوي له ~~عن سرق؛ فإنه مجهول. # وقد ذكر ابن الجوزي في " التحقيق " عدد من روى هذا الحديث - يعني: حكمه ~~صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين من الصحابة -؛ فزاد على عشرين صحابيا ~~(1) . # وإليه ذهب الجمهور من الصحابة فمن بعدهم. PageV03P245 # ويروى عن زيد بن علي، والزهري، والنخعي، وابن شبرمة، والحنفية: أنه لا ~~يجوز الحكم بشاهد ويمين. # وأحاديث هذا الباب ترد عليهم. # قلت: قال مالك في " الموطأ ": مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد ~~الواحد؛ يحلف صاحب الحق مع شاهده، ويستحق حقه، فإن نكل أو أبى أن يحلف؛ ~~أحلف المطلوب؛ فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق ~~لصاحبه. # قال مالك: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة، ms647 ولا يقع ذلك في شيء من ~~الحدود، ولا في نكاح، ولا في طلاق، ولا في عتاقة، ولا في سرقة، ولا في ~~فرية. # قال مالك: ومن الناس من يقول: لا يكون اليمين مع الشاهد الواحد، ويحتج ~~بقول الله - تبارك وتعالى -: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون ~~من الشهداء} ؛ يقول: فإن لم يأت برجل وامرأتين فلا شيء له، ولا يحلف مع ~~شاهده. # قال مالك: فمن الحجة على من قال ذلك القول؛ أن يقال له: أرأيت لو أن رجلا ~~ادعى على رجل مالا؛ أليس يحلف المطلوب: ما ذلك الحق عليه؛ فإن حلف بطل ذلك ~~عنه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق: إن حقه لحق، وثبت حقه على صاحبه؟ ~~فهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس، ولا ببلد من البلدان، فبأي شيء ~~أخذ هذا؟ وفي أي كتاب الله وجده؟ فإذا أقر # PageV03P246 # بهذا فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله، وإنه ليكفي ~~ذلك ما مضى من السنة، ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب وموقع الحجة؛ ~~ففي هذا يجيء بيان؛ إن شاء الله تعالى. # قال في " المسوى ": # " وعلى هذا أهل العلم؛ إلا مسألة القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدعي ~~في الأموال خاصة: # قال الشافعي: يجوز ذلك. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز. # وقد قال - تعالى - في حد القذف: {فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله ~~هم الكاذبون} ، وقال في الطلاق: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ، وقال في الدين: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون ~~من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} . # وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب - وهو عامل على الكوفة -: أن اقض باليمين مع الشاهد. # وإن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا: هل يقضى باليمين مع ~~الشاهد؟ فقالا: نعم. # والحاصل: أن شهود الزنا أربعة، وشهود سائر الحقوق اثنان، وشهود # PageV03P247 # الأموال رجلان؛ أو رجل وامرأتان، فإن لم ms648 يتيسر؛ قضي بيمين المدعي مع ~~الشاهد الواحد ". # أقول: الحق: أن الحكم بالشاهد العدل واليمين واجب، وقد ثبت ذلك في السنة ~~ثبوتا لا ينكره إلا من لا يعرف السنة. # وجملة من رواه من الصحابة زيادة على عشرين رجلا، وللمانعين من ذلك أجوبة ~~خارجة عن الإنصاف. # وأشف ما تمسكوا به: أن الله تعالى أمر بإشهاد رجلين، وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: " شاهداك أو يمينه ". # ولا يخفاك أنه ليس في ذلك ما يفيد الحصر؛ بل غاية ما فيه: أن مفهومه يدل ~~على عدم قبول الشاهد الواحد مع اليمين، ولا حكم لهذا المفهوم مع وجود ~~المنطوق؛ وهو القضاء بالشاهد واليمين؛ مع أن هذا المفهوم هو مفهوم لقب؛ وهو ~~مما لا يعمل به نحارير الأصول؛ كما ذلك معروف. # وقد استوفى الماتن حجج الجميع في " شرح المنتقى "، فليرجع إليه. # (4 -[ ### | يجوز للحاكم أن يحكم بيمين المنكر # ] :) # (و) يجوز الحكم (بيمين المنكر) ؛ لما قدمنا من أن اليمين على المنكر. # وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث وائل بن حجر: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال للكندي: " ألك بينة؟ "، قال: لا، قال: " فلك يمينه "، فقال: يا ~~رسول الله! الرجل فاجر؛ لا يبالي على ما حلف # PageV03P248 # عليه، وليس يتورع من شيء؟ ! فقال: " ليس لك منه إلا ذلك ". # (5 -[ ### | يجوز للحاكم أن يحكم بيمين الرد # ] :) # (و) يجوز الحكم (بيمين الرد) ؛ لأن من عليه الحق قد رضي بها؛ سواء قلنا: ~~إنها تجب على المدعي عند ردها من المنكر؛ أم لا. # وقد استدل من لم يجعلها مستندا بمفهوم الحصر في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~" ولكن اليمين على المدعي عليه "؛ كما في بعض ألفاظ حديث ابن عباس عند مسلم ~~وغيره، ولقوله في حديث وائل: " ليس لك منه إلا ذلك ". # ولكن هذا إنما يفيد أنها لا تجب على المدعي إذا ردها المنكر. # وأما أنه يفيد عدم جواز الحكم بيمين الرد، إذا طلبها المنكر ورضي بها؛ ~~وقبل ذلك المدعي فحلف؛ فلا. # وأما ما رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي من حديث ابن عمر: أن النبي ms649 ~~صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق: # فلو صح؛ لكان صالحا لتخصيص ما تقدم؛ ولكن في إسناده محمد بن مسروق، وهو ~~غير معروف، وفي إسناده أيضا إسحاق بن الفرات، وفيه مقال (1) . # وقد أشار القرآن الكريم إلى رد اليمين بقوله: {أن ترد أيمان بعد أيمانهم) ~~(2) ، ولكن فيه احتمال؛ إذ يمكن أن يكون المراد برد اليمين عدم قبولها. ~~PageV03P249 # وأما النكول؛ فلا يجوز الحكم به؛ لأن غاية ما فيه: أن من عليه اليمين ~~بحكم الشرع لم يقبلها ويفعلها، وعدم فعله لها ليس بإقرار بالحق؛ بل ترك لما ~~جعله الشارع عليه بقوله: " ولكن اليمين على المدعى عليه ". # فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد الأمرين: إما اليمين ~~التي نكل عنها؛ أو الإقرار بما ادعاه المدعي، وأيهما وقع؛ كان صالحا للحكم ~~به؛ كما مر. # (6 -[ ### | يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه # ] :) # (و) يجوز الحكم (بعلمه) ؛ لأن ذلك من العدل والحق اللذين أمر الله بالحكم ~~بهما، وليس في الأدلة ما يدل عى المنع من ذلك. # وحديث: " شاهداك أو يمينه "؛ لا حصر فيه. # ومما يؤيد جواز الحكم بعلم الحاكم: ما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم ~~للمدعي: " ألك بينة؟ "؛ فإن البينة ما يتبين بالأمر، وليس بعد العلم بيان، ~~بل هو أعلى أنواع البيان؛ فإنه لا يحصل من سائر المستندات للحكم إلا مجرد ~~الظن بأن المقر صادق في إقراره، والحالف بار في يمينه، والشاهد صادق في ~~شهادته، وإذا جاز الحكم بمستند لا يفيد إلا الظن؛ فكيف لا يجوز الحكم ~~بالعلم واليقين؟ # وفي هذه المسألة مذاهب مختلفة. # وقد احتج أهل كل مذهب بحجج لا تصلح، ولا تنطبق على محل النزاع. # وأقربها: ما أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم من حديث أبي هريرة، قال: جاء ~~رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للمدعي: " أقم ~~البينة "، فلم # PageV03P250 # يقمها، فقال للآخر: " احلف "، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده ~~شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاص ~~(لا ms650 إله إلا الله) ". # وفي رواية الحاكم: " بل هو عندك؛ ادفع إليه حقه " (1) . # وأما أقوال الصحابة؛ فلا تقوم بها الحجة؛ إلا إذا أجمعوا على ذلك - عند ~~من يقول بحجية الإجماع -. # أقول: حكم القاضي بعلمه؛ هذا هو الحق، ومن منع من ذلك لم يأت بحجة واضحة، ~~وليس في الأدلة المقتضية لوجوب الشاهدين - أو اليمين، أو ما يقوم مقام ~~أحدهما - دليل يدل على انحصار مستند الحكم فيها، ولا ريب أن الحاصل عن مثل ~~الشهادة من عدلين، أو يمين من ثقة، أو نكول، أو إقرار: هو مجرد الظن للحاكم ~~فقط؛ لأن من الجائز أن يكذب الشاهدان، ويفجر الحالف في يمينه، ويكذب المقر ~~في إقراره. # وأما العلم؛ فلا يكون إلا عن مشاهدة، أو ما يقوم مقامها، وهو أولى من ~~الظن بلا نزاع. # وقد تقرر في الأصول: أن فحوى الخطاب معمول به عند جميع المحققين، وهذا ~~منه؛ فإن العلم أولى من الظن عقلا وشرعا ووجدانا، والأدلة. PageV03P251 # العامة شاملة له - كالآيات التي ذكروها -. # وتخصيص الحدود بقول عمر (1) مما لا يرتضيه الإنصاف؛ لأن المقام من مجالات ~~الاجتهاد، واجتهاده ليس بحجة على غيره. # ودعوى الإجماع؛ هي من تلك الدعاوى التي قد عرفناك بها غير مرة. # وقد حقق الماتن هذا البحث في " شرح المنتقى " (2) بما لم أجده لغيره. # ( [ ### | من لا تقبل شهادته # ] :) # (1 -[ ### | غير العدل # ] ) # (ولا تقبل شهادة من ليس بعدل) ؛ لقوله - تعالى -: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~(3) ، وقوله - تعالى -: {ممن ترضون من الشهداء} (4) ، وقوله - تعالى -: ~~PageV03P252 # {إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية. # وقد حكى في " البحر " الإجماع على أنها لا تصح شهادة فاسق. # قلت: شرط الشاهد كونه مسلما حرا مكلفا؛ أي: عاقلا بالغا ضابطا ناطقا عدلا ~~ذا مروءة؛ ليست به تهمة، وعليه أكثر أهل العلم في الجملة؛ غير أنهم اختلفوا ~~في بعض التفاصيل: # فشهادة الذمي لا تقبل عند الشافعي على الإطلاق. # وقال أبو حنيفة: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض جائزة، وإن اختلفت مللهم. # وشهادة الصبيان لا تقبل عند الأكثرين؛ إلا عند مالك في الجراح فيما بينهم ~~خاصة؛ ما لم يصلوا إلى ms651 أهل بيتهم. # وأثر عبد الله بن الزبير - أنه كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من ~~الجراح؛ معارض بقول ابن عباس: إنها لا تجوز؛ لأن الله - تعالى - يقول: {ممن ~~ترضون من الشهداء} . # وحد العدالة: أن يكون محترزا عن الكبائر، غير مصر على الصغائر. # والمروءة: هي ما تتصل بآداب النفس؛ مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي ~~حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإذا كان الرجل يظهر من نفسه شيا مما ~~يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب؛ يعلم به قلة مروءته، وترد شهادته؛ وإن ~~كان ذلك مباحا. # PageV03P253 # (2 ### | و 3 -[الخائن] و [العدو] :) # (ولا) تقبل شهادة (الخائن ولا ذي العداوة) ؛ وإن كان مقبول الشهادة على ~~غيره؛ لأنه متهم في حق عدوه، ولا يؤمن أن تحمله عداوته على إلحاق ضرر به، ~~فإن شهد لعدوه تقبل؛ إذا لم يظهر في عداوته فسق. # (4 و 5 -[المتهم] و [القانع] :) ### | والمتهم والقانع # لأهل البيت) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - عند أحمد (1) ، ~~وأبي داود، والبيهقي -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجوز ~~شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر (2) على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع ~~لأهل البيت "، والقانع: الذي ينفق عليه أهل البيت. # ولأبي داود في رواية: " ولا زان ولا زانية ". # قال ابن حجر في " التلخيص ": " وسنده قوي ". # والغمر - بكسر المعجمة، وسكون الميم، بعدها راء مهملة -: الحقد؛ أي: لا ~~تقبل شهادة العدو على العدو. # وأخرج الترمذي، والدارقطني، والبيهقي من حديث عائشة مرفوعا؛ بلفظ: " لا ~~تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر لأخيه، ولا ظنين (3) ، PageV03P254 # ولا قرابة "، وفي إسناده يزيد بن زياد الشامي، وهو ضعيف. # وقد أخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عمر نحوه، وفي إسناده عبد ~~الأعلى، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي، وهما ضعيفان. # وأخرج أبو داود في " المراسيل " من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث مناديا: أنها لا تجوز شهادة خصم ولا ~~ظنين. # ورواه البيهقي من طريق الأعرج مرسلا: أن رسول ms652 الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة (1) "، يعني: الذي بينك وبينه عداوة. # ورواه الحاكم من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه مثله؛ قال ابن ~~حجر: وفي إسناده نظر (2) . # والمراد بالمتهم: هو من يظن به أنه يشهد زورا لمن يحابيه؛ كالقانع، ~~والعبد لسيده. # وقد حكى في " البحر " الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده. # قال في " المسوى ": # " ولا تجوز شهادة الوالد لولده (3) ولا الولد لوالده، ويجوز عليهما. ~~PageV03P255 # وكذا لا تقبل شهادة من جر إلى نفسه نفعا؛ كمن شهد لرجل بشراء دار وهو ~~شفيعها، أو شهد للمفلس واحد من غرمائه بدين على رجل، أو شهد على رجل أنه ~~قتل مورثه؛ فهذه كلها مواضع التهمة. # واتفقوا على قبول شهادة الأخ للأخ وسائر الأقارب. # واختلفوا في شهادة أحد الزوجين لصاحبه؛ فلم يجزها أبو حنيفة، وأجازها ~~الشافعي. # أقول: الحق: أن القرابة - بمجردها - ليست بمانعة؛ سواء كانت قريبة أو ~~بعيدة؛ إنما المانع التهمة، فإذا كان القريب ممن تأخذه حمية الجاهلية، ولا ~~يردعه عن العصبية دين ولا حياء؛ فشهادته غير مقبولة. # وإن كان على العكس من ذلك؛ فشهادته مقبولة (1) . # والأصل في المنع من قبول شهادة المتهم حديث: " لا تقبل شهادة ذي الظنة ~~والحنة "؛ والظنة: هي التهمة، ولم يرد ما يدل على منع شهادة القريب لأجل ~~القرابة. # (6 -[ ### | القاذف # ] :) # (والقاذف) : لقوله - تعالى -: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} ، بعد قوله: ~~{والذين يرمون المحصنات} ، وقد وقع الخلاف في كتب التفسير والأصول في ~~PageV03P256 # حكم التوبة المذكورة في آخر الآية: # قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن الذي يجلد الجلد ثم تاب ~~وأصلح؛ تجوز شهادته، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك. # قلت: وعليه الشافعي. # وذهب أبو حنيفة إلى أن شهادة القاذف لا ترد بالقذف، فإذا حد فيه؛ ردت ~~شهادته على التأبيد؛ وإن تاب. # وأصل المسألة: أن الاستثناء يعود إلى الفسق فقط في قول أهل العراق، وإلى ~~الفسق وعدم قبول الشهادة جميعا في قول أهل الحجاز. # وقال الشافعي: هو قبل أن يحد شر ms653 منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات، فكيف ~~تردونها في أحسن حاليه وتقبلونها في شر حاليه؟ {وإذا قبلتم توبة الكافر ~~والقاتل عمدا؛ كيف لا تقبلون توبة القاذف؛ وهو أيسر ذنبا؟} # قيل: معنى قول أبي حنيفة؛ أن القاذف ما لم يحد يحتمل أن يكون صادقا وأن ~~يكون معه شهود تشهد بالزنا، فإذا لم يأت بالشهداء وأقيم عليه الحد؛ صار ~~مكذبا بحكم الشرع؛ لقوله - تعالى -: {فأولئك عند الله هم الكاذبون} (1) ، ~~فوجب رد شهادته. # ثم رد شهادة المحدود في القذف تأبيدي عنده؛ لقوله - تعالى -: {ولا ~~PageV03P257 # تقبلوا لهم شهادة أبدا} ، والتأبيد ينافي التعليق؛ فلا يجري فيه القياس. # وقال الواحدي: أبد كل إنسان؛ مقدار مدته فيما يتصل بقصته، يقال: الكافر ~~لا يقبل منه شيء أبدا؛ معناه: ما دام كافرا. # كذلك القاذف لا تقبل شهادته أبدا ما دام قاذفا، فإذا زال عنه الكفر زال ~~عنه أبده، وإذا زال عنه الفسق زال أبده؛ لا فرق بينهما في ذلك (1) . # (7 -[ ### | البدوي على صاحب القرية # ] :) # (ولا) تقبل شهادة (بدوي على صاحب قرية) ؛ لحديث أبي هريرة، أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ". # أخرجه أبو داود (2) ، وابن ماجه، والبيهقي. # قال المنذري: رجال إسناده احتج بهم مسلم في " صحيحيه ". # قال في " النهاية ": PageV03P258 # " إنما كره شهادة البدوي؛ لما فيه من الخفاء في الدين، والجهالة بأحكام ~~الشرع، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ". # وبنحو هذا قال الخطابي. # وروي نحوه عن أحمد بن حنبل، وذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب أحمد، وبه قال ~~مالك وأبو عبيد، وذهب الأكثر إلى القبول. # قال ابن رسلان: # " وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو، والغالب أنهم ~~لا تعرف عدالتهم ". انتهى. # وهذا توجيه قوي، ومحمل سوي. # ( [ ### | حكم من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة # ] :) # (وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة) ؛ لأنه ~~لم يرد ما يمنع من ذلك حتى يخصصه من عموم الأدلة. # وأيضا حديث قبول خبر ms654 المرضعة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - بعد خبرها: " ~~كيف وقد قيل؟ "، ورتب على خبرها التحريم - وقد تقدم في الرضاع -؛ وهي شهدت ~~على تقرير فعلها كما لا يخفى. # ولم يستدل المانع إلا على (1) أن الشاهد إذا شهد على تقرير قوله أو فعله؛ ~~لم يخل من تهمة، وقد قيدنا ذلك بانتفاء التهمة. PageV03P259 # وأما تحليف الشهود عند الريبة؛ فالظاهر أنه من جملة التثبت المأمور به؛ ~~ولا سيما مع فساد الزمان، وتواثب كثير من الناس على شهادة الزور، وكثيرا ما ~~يتحرج بعض المتساهلين في الشهادة عن اليمين الفاجرة، والبعض بالعكس من ذلك. # ولم يرد دليل على المنع من تحليف الشهود. # وأما الاستدلال بقوله - تعالى -: {فيقسمان بالله} ؛ ففي انطباقه على محل ~~النزاع خلاف. # وأما تفريق الشهود؛ فهو من أعظم ما يستعان به على الفرق بين صدق الشهادة ~~وكذبها؛ ولا سيما إذا سألهم الحاكم عن بعض الأحوال التي لا يجوز تواطؤهم ~~عليها. # قال الماتن - رحمه الله - في " حاشية الشفاء ": # " ولقد انتفعت بتفريق الشهود، وتنويع سؤالهم، وقل ما تصح شهادة بعد ذلك، ~~والحاكم لا يحل له التساهل؛ بل يجب عليه إكمال البحث عن كل ما يتوصل به إلى ~~كشف الحقيقة، وهذا منه ". # ( [ ### | شهادة الزور من أكبر الكبائر # ] :) # (وشهادة الزور من أكبر الكبائر) ؛ لحديث أنس - في " الصحيحين "، وغيرهما ~~- قال: ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبائر، أو سئل عن الكبائر؟ ~~فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين "، وقال: " ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر؟ ! قول الزور - أو قال: شهادة الزور - ". # PageV03P260 # وفي " الصحيحين " أيضا من حديث أبي بكرة، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ {"، قلنا: بلى يا رسول الله} ~~قال: " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين "، وكان متكئا؛ فجلس وقال: " ألا ~~وقول الزور؛ وشهادة الزور "، فما زال يكررها؛ حتى قلنا: ليته سكت! # ثم أقول: المراد بالشهادة: الإخبار بما يعلمه الشاهد عند التحاكم بأي لفظ ~~كان، وعلى أي صفة وقع، ولا يعتبر إلا أن يأتي بكلام مفهوم يفهمه سامعه، ~~فإذا قال مثلا: رأيت كذا وكذا، أو: سمعت ms655 كذا وكذا؛ فهذه شهادة شرعية. # وقد أحسن المحقق ابن القيم - رحمه الله - حيث قال في " فوائده ": # " ليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل؛ لا من كتاب ولا من سنة ولا ~~إجماع ولا قياس صحيح ". انتهى. # وقد تقرر في محله: أن اشتراط الألفاظ إنما هو صنيع من لم يمعن النظر في ~~حقائق الأشياء، ولا وصل إلى أن يعقل أن الألفاظ غير مرادة لذاتها، وإنما هي ~~قوالب للمعاني تؤدى بها، فإذ قد حصلت التأدية للمعنى المراد؛ فاشتراط زيادة ~~على ذلك لم تدل عليه رواية ولا دراية. # ( [ ### | ما يلزم إذا تعارضت البينتان # ] :) # (وإذا تعارض البينتان، ولم يوجد وجه ترجيح؛ قسم المدعى) ؛ لحديث أبي # PageV03P261 # موسى - عند أبي داود (1) ، والحاكم، والبيهقي -: أن رجلين ادعيا بعيرا ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث كل واحد منهما بشاهدين، ~~فقسمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما نصفين. # وقد أخرج نحوه ابن حبان من حديث أبي هريرة (2) - وصححه -. # وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث تميم بن طرفة. # ووصله الطبراني عن جابر بن سمرة. # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قسمة المدعى؛ إذا لم يكن للخصمين بينة: # فأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي من حديث أبي موسى: أن رجلين ~~اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابة ليس لواحد منهما بينة؛ ~~فجعلها بينهما نصفين. # وثبتت قسمة المدعى عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى المذكور ~~أولا؛ بزيادة ذكرها النسائي، فقال: ادعيا دابة وجداها عند رجل، فأقام كل ~~منهما شاهدين، PageV03P262 # فلما أقام كل واحد منهما شاهدين؛ نزعت من يد الثالث ودفعت إليهما (1) . # ( [ ### | حكم يمين المنكر في حال انعدام بينة المدعي # ] .) # (وإذا لم يكن للمدعي بينة؛ فليس له إلا يمين صاحبه ولو كان فاجرا) ؛ ~~لحديث الأشعث بن قيس - في " الصحيحين "، وغيرهما -، قال: كان بيني وبين رجل ~~خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " ~~شاهداك أو يمينه "، فقلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي {فقال: " من حلف على يمين ~~يقتطع ms656 بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان ". # وأخرج مسلم، وغيره من حديث وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للكندي: " ألك بينة؟ "، قال: لا، قال: " فلك يمينه "، فقال: يا رسول الله} ~~الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء {فقال: " ليس لك ~~منه إلا ذلك ". # ( [ ### | حكم بينة المدعي بعد يمين المنكر # ] :) # (ولا تقبل البينة بعد اليمين) ؛ لما يفيده قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~شاهداك أو يمينه ". # فاليمين إذا كانت تطلب من المدعي؛ فهي مستند للحكم صحيح، ولا يقبل ~~المستند المخالف لها بعد فعلها؛ لأنه لا يحصل بكل واحد منهما إلا مجرد ظن، ~~ولا ينتقص الظن بالظن. # وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، والخلاف معروف. PageV03P263 # ( [ ### | ما هي شروط المعترف # ؟] :) # (ومن أقر بشيء - عاقلا بالغا غير هازل ولا بمحال عقلا أو عادة -؛ لزمه ما ~~أقر به كائنا ما كان) ؛ لما تقدم. # وأما تقييده بكون المقر عاقلا بالغا؛ فلأن المجنون والصبي ليسا بمكلفين؛ ~~فلا حكم لإقرارهما. # وأما تقييده بكونه غير هازل؛ فلكون إقرار الهازل ليس هو الإقرار الذي ~~يجوز أخذه به. # وهكذا إذا أقر بما يحيله العقل أو العادة؛ لأن كذبه معلوم، ولا يجوز ~~الحكم بالكذب. # (ويكفي مرة واحدة من غير فرق بين موجبات الحدود وغيرها؛ كما سيأتي) ؛ ~~لكون المقر بالشيء على نفسه قد لزمه إقراره. # واعتبار التكرار في الحدود سيأتي أنه لم يثبت عليه دليل يوجب المصير ~~إليه. # PageV03P264 ### | (الكتاب السادس والعشرون: ### | كتاب الحدود # ) # PageV03P265 # (26 - ### | كتاب الحدود # (1 - ### | باب حد الزاني # والزنا من أكبر الكبائر في جميع الأديان؛ قال - تعالى -: {ولا تقربوا ~~الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} ، وعلى هذا اتفق المسلمون؛ وإن كان لهم في ~~حد الزنا اختلاف. # ( [ ### | حد البكر الزاني # ] :) # (إن كان بكرا حرا جلد مئة جلدة) ؛ لقوله - تعالى -: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} . # وفي قوله: {لا تأخذكم بهما ms657 رأفة} : نهي عن تعطيل الحدود، وقيل: نهي عن ~~تخفيف الضرب؛ بحيث لا يحصل وجع معتد به، وقوله: {ليشهد عذابهما} ؛ قيل: يجب ~~حضور ثلاثة فما فوقهم، وقيل: أربعة بعد شهود الزنا، وقال أبو حنيفة: الإمام ~~والشهود إن ثبت الزنا بالشهود. # والأحاديث في هذا الباب كثيرة. # (وبعد الجلد يغرب عاما) ؛ لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد في # PageV03P267 # " الصحيحين "، وغيرهما: أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله {أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، وقال ~~الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم؛ فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قل "، قال: إن ابني كان عسيفا على ~~هذا؛ فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاة ~~ووليدة، فسألت أهل العلم؟ فأخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن ~~على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي ~~بيده؛ لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد ~~مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس} - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت ~~فارجمهما "، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فرجمت. # قال مالك: العسيف: الأجير. # وفي " البخاري "، وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قضى فيمن زنى ولم يحصن؛ بنفي عام وإقامة الحد عليه. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر؛ ~~جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم ". # وقد ذهب إلى تغريب الزاني الذي لم يحصن: الجمهور؛ حتى ادعى محمد بن نصر ~~في كتاب " الإجماع " الاتفاق على نفي الزاني البكر؛ إلا عن الكوفيين. # PageV03P268 # وقد حكى ابن المنذر أنه عمل بالتغريب: الخلفاء الراشدون، ولم ينكره أحد؛ ~~فكان إجماعا. # ولم يأت من لم يقل بالتغريب بحجة نيرة، وغاية ما تمسكوا به؛ عدم ms658 ذكره في ~~بعض الأحاديث، وذلك لا يستلزم العدم. # واختلف من أثبت التغريب؛ هل تغرب المرأة أم لا؟ فقال مالك والأوزاعي: لا ~~تغريب على المرأة؛ لأنها عورة، وظاهر الأدلة عدم الفرق. # قلت: والتغريب من جملة الإيذاء الذي أمر به القرآن، قال: {فآذوهما} ، ~~وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يغرب. # ( [ ### | حد الثيب الزاني # ] :) # (وإن كان ثيبا جلد كما يجلد البكر) ؛ بما تقدم من الأدلة وبغيرها؛ كرجمه ~~صلى الله عليه وسلم لماعز، ورجمه صلى الله عليه وسلم لليهودي واليهودية، ~~ورجمه للغامدية (1) ، والكل في " الصحيح ". # (ثم يرجم حتى يموت) ؛ والرجم كان متلوا ثم نسخت تلاوته. # وأيضا يتناوله الإيذاء، وعلى هذا أكثر أهل العلم. # وتكلموا في ترتيب هذه الدلائل مع حديث عبادة: " الثيب بالثيب جلد ~~PageV03P269 # مئة والرجم "، وجمع علي - كرم الله وجهه - بين الرجم والجلد: # فقالوا: الجلد منسوخ فيمن وجب عليه الرجم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجم ماعزا والغامدية واليهوديين، ولم يجلد واحدا منهم، وقال لأنيس الأسلمي: ~~" فإن اعترفت فارجمها "، ولم يأمر بالجلد، وهذا آخر الأمرين؛ لأن أبا هريرة ~~قد رواه، وهو متأخر الإسلام، فيكون ناسخا لما سبق من الحدين: الجلد والرجم، ~~ثم رجم الشيخان أبو بكر، وعمر في خلافتهما، ولم يجمعا بين الرجم والجلد. # قال في " المسوى ": # " في حديث عبادة ما يدل على أنه من آخر أحكام النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأن لفظه: " خذوا عني " إلخ؛ فيه إشارة إلى قوله - تعالى -: {أو يجعل الله ~~لهن سبيلا} ، فهو متأخر عن هذه الآية، وهذه الآية في سورة النساء، وهي من ~~آخر ما نزل، فلا تدل رواية أبي هريرة إياه على النسخ. # بل الظاهر عندي؛ أنه يجوز للإمام أن يجمع بين الجلد والرجم، ويستحب له أن ~~يقتصر على الرجم؛ لاقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم. # والحكمة في ذلك: أن الرجم عقوبة تأتي على النفس، فأصل الرجم المطلوب حاصل ~~به، والجلد زيادة عقوبة رخص في تركها، فهذا هو وجه الاقتصار على الرجم ~~عندي، والعلم عند الله تعالى ". # ( [ ### | يثبت الزنا بالإقرار مرة والتربيع فيه ms659 للتثبت # ] :) # (ويكفي إقراره مرة، وما ورد من التكرار في وقائع الأعيان فلقصد # PageV03P270 # الاستثبات) ؛ لأن أخذ المقر بإقراره هو الثابت في الشريعة. # فمن أوجب تكرار الإقرار في فرد من أفراد الشريعة؛ كان الدليل عليه، ولا ~~دليل ههنا بيد من أوجب تربيع الإقرار؛ إلا مجرد ما وقع من ماعز من تكرار ~~الإقرار، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمره أو أمر غيره بأن ~~يكرر الإقرار، ولا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن إقرار الزنا لا يصح إلا ~~إذا كان أربع مرات. # وإنما لم يقم على ماعز الحد بعد الإقرار الأول؛ لقصد التثبت في أمره، ~~ولهذا قال له - صلى الله عليه وسلم -: " أبك جنون؟ "، ووقع منه صلى الله ~~عليه وسلم السؤال لقوم ماعز عن عقله؟ وقد اكتفى صلى الله عليه وسلم ~~بالإقرار مرة واحدة. # كما ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم: " واغد يا ~~أنيس {إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها ". # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أنه رجم الغامدية، ولم تقر إلا مرة واحدة؛ ~~كما في " صحيح مسلم "، وغيره. # وكما أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج، عن أبيه: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجم رجلا أقر مرة واحدة (1) . PageV03P271 # ومن ذلك: حديث الرجل الذي ادعت المرأة أنه وقع عليها، فأمر برجمه، ثم قام ~~آخر فاعترف أنه الفاعل، فرجمه. # وفي رواية: أنه عفا عنه، والحديث في " سنن النسائي " و " الترمذي " (1) . # ومن ذلك رجم اليهودي واليهودية؛ فإنه لم ينقل أنهما كررا الإقرار، فلو ~~كان الإقرار أربع مرات شرطا في حد الزاني؛ لما وقع منه صلى الله عليه وسلم ~~المخالفة له في عدة قضايا. # فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد - بعد صدور الإقرار مرة ~~- على من كان أمره ملتبسا في ثوب العقل وعدمه، والصحو والسكر؛ ونحو ذلك. # وأحاديث إقامة الحد - بعد الإقرار مرة - على من كان معروفا بصحة العقل ~~ونحوه. # وأما اعتبار كون الشهود أربعة؛ فذلك لمزيد الاحتياط في الحدود؛ لكونها ~~تسقط بالشبهة، ms660 ولا وجه للاحتياط بعد الإقرار؛ فإن إقرار الرجل على نفسه لا ~~يبقى بعده ريبة؛ بخلاف شهادة الشهود عليه، وهذا أمر واضح. PageV03P272 # وقد ذهب إلى ما ذكرنا جماعة من أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم. # وحكاه صاحب " البحر " عن أبي بكر، وعمر، والحسن البصري، ومالك، وحماد، ~~وأبي ثور، والبتي، والشافعي. # وذهب الجمهور إلى التربيع في الإقرار. # أقول: هذه المسألة من المعارك. # والحق: أن الإقرار الذي يستباح به الجلد والرجم؛ لا يشترط فيه أن يكون ~~زيادة على مرة، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رجم وأمر بالرجم، وجلد ~~بمجرد الإقرار مرة واحدة؛ كما ثبت ذلك في عدة أحاديث. # وأما سكوته صلى الله عليه وسلم في مثل قضية ماعز حتى أقر أربعا؛ فليس ~~فيها أن ذلك شرط؛ بل غاية ما فيها أن الإمام إذا تثبت في بعض الأحوال حتى ~~يقع الإقرار مرات؛ كان له ذلك. # وقد بسط الماتن المسألة في " شرح المنتقى "، فليرجع إليه، فالمقام حقيق ~~بالتحقيق. # ( [ ### | أو يثبت الزنا بأربعة شهداء # ] :) # (وأما الشهادة فلا بد من أربعة) ؛ ولا أعلم في ذلك خلافا، وقد دل على ذلك ~~الكتاب والسنة. # قال في " المسوى ": # PageV03P273 # " يثبت الزنا بالإقرار وبأربعة شهداء؛ قال الله - تعالى -: {واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} ". # قلت: على هذا أهل العلم. # (ولا بد أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج) ؛ ~~لقوله صلى الله عليه وسلم لماعز: " لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ {"، فقال: ~~لا؛ يا رسول الله} قال: " أفنكتها؟ " - لا يكني - قال: نعم، فعند ذلك أمر ~~برجمه. # أخرجه البخاري، وغيره من حديث ابن عباس. # وأخرج أبو داود، والنسائي، والدارقطني من حديث أبي هريرة، قال: جاء ~~الأسلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما ~~- أربع مرات -؛ كل ذلك يعرض عنه، فأقبل عليه في الخامسة، فقال: " أنكتها؟ ~~"، قال: نعم، قال: " كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ "، قال: ms661 ~~نعم ... الحديث، وفي إسناده ابن الهصهاص (1) . # قال البخاري: حديثه في أهل الحجاز؛ ليس يعرف إلا بهذا الواحد (2) . # وقد وقع من عمر بمحضر من الصحابة في استفصال شهود المغيرة بنحو هذا، ~~والقصة معروفة. PageV03P274 # ( [ ### | الشبهات مسقطة للحد # ] :) # (ويسقط) الحد (بالشبهات المحتملة) ؛ لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " ادرأوا الحدود على المسلمين ما استطعتم، فإن كان له ~~مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ~~"، أخرجه الترمذي. # وقد رواه الترمذي أيضا من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة. # وقد أعل الحديث بالوقف (1) . # وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا؛ بلفظ: " ادفعوا الحدود ما ~~وجدتم لها مدفعا " (2) . # وقد روي من حديث علي مرفوعا: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (3) . # وروي نحوه عن عمر، وابن مسعود بإسناد صحيح. # وفي الباب من الروايات ما يعضد بعضه ويقويه. # ومما يؤيد ذلك؛ قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لو كنت راجما أحدا بغير ~~بينة لرجمتها "؛ يعني: امرأة العجلاني؛ كما في " الصحيحين " من حديث ابن ~~عباس. PageV03P275 # ( [ ### | الرجوع عن الإقرار مسقط للحد # ] :) # (وبالرجوع عن الإقرار) ؛ لحديث أبي هريرة - عند أحمد، والترمذي -: أن ~~ماعزا لما وجد مس الحجارة فر يشتد؛ حتى مر برجل معه لحي (1) جمل؛ فضربه به، ~~وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: ~~" هلا تركتموه {". # قال الترمذي: " إنه حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ". انتهى. # ورجال إسناده ثقات. # وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث جابر نحوه، وزاد: أنه لما وجد مس ~~الحجارة صرخ: يا قوم} ردوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن ~~قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ~~قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبرناه؛ قال: " فهلا تركتموه وجئتموني به! ". # وقد أخرج البخاري، ومسلم طرفا من هذا الحديث. # وفي الباب روايات. # وقد ذهب إلى ذلك أحمد، والشافعية، والحنفية، وهو مروي عن ms662 مالك في قوله ~~له. PageV03P276 # وقد ذهب ابن أبي ليلى، والبتي، وأبو ثور، ورواية عن مالك، وقول للشافعي ~~أنه لا يقبل منه الرجوع عن الإقرار. # ( [ ### | تبطل الشهادة ويندفع الإقرار لوجود مانع النكاح في المرأة أو الرجل # ] :) # (وبكون المرأة عذراء (1) أو رتقاء (2) ، وبكون الرجل مجبوبا أو عنينا) : ~~لكون المانع موجودا، فتبطل به الشهادة أو الإقرار؛ لأنه قد علم كذب ذلك ~~قطعا، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم بعث عليا لقتل رجل كان يدخل على ~~مارية القبطية، فذهب فوجده يغتسل في ماء، فأخذ بيده، فأخرجه من الماء ~~ليقتله، فرآه مجبوبا؛ فتركه، ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره ~~بذلك، والقصة مشهورة، وهذا معناه. # قلت: وقد أخرج مسلم وغيره ما حكاه الماتن، وذكره جمع من أهل السير. # ( [ ### | تحرم الشفاعة في الحدود # ] :) # (وتحرم الشفاعة في الحدود) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم - وصححه ~~- من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فهو مضاد لله في أمره ". # وفي " الصحيحين " من حديث عائشة في قصة المرأة المخزومية التي ~~PageV03P277 # سرقت لما شفع فيها أسامة بن زيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: # " أتشفع في حد من حدود الله؟ {". # وفي لفظ: " لا أراك تشفع في حد من حدود الله ". # وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، وصححه الحاكم، وابن الجارود (1) : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له - لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه -: ~~" هلا كان قبل أن تأتيني به} ". # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | مشروعية الحفر للمرجوم # ] :) # (ويحفر للمرجوم إلى الصدر) ؛ لكونه صلى الله عليه وسلم أمر بأن يحفر ~~للغامدية إلى صدرها، وهو في " صحيح مسلم "، وغيره: أنه حفر لماعز حفرة، ثم ~~أمر به فرجم؛ كما في حديث عبد الله بن بريدة في قصة ماعز. # وأخرجها أحمد، وزاد: فحفر له حفرة، فجعل فيها إلى صدره. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج، عن أبيه: أنه ~~اعترف رجل بالزنا، فقال له رسول الله صلى ms663 الله عليه وسلم: " أحصنت؟ "، قال: ~~نعم، فأمر برجمه، فذهبنا فحفرنا له؛ حتى أمكننا، ورميناه بالحجارة حتى هدأ. # وقد ثبت في " مسلم "، وغيره من حديث أبي سعيد، قال: لما أمرنا ~~PageV03P278 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرجم ماعز بن مالك؛ خرجنا به إلى ~~البقيع، فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه. # ويؤيد هذا؛ ما وقع في حديث غيره أنه هرب؛ كما تقدم، ولكن ترك الحفر له لا ~~ينافي ثبوت مشروعية الحفر. # قال ابن القيم - بعد تخريج حديث ماعز المتقدم بألفاظ -: # " وكل هذه الألفاظ صحيحة، وفي بعضها أنه أمر فحفرت له حفيرة؛ ذكرها مسلم، ~~وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر (1) ؛ وإن كان مسلم روى له في " الصحيح ~~"؛ فالثقة قد يغلط، على أن أحمد وأبا حاتم قد تكلما فيه. # وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية، فسرى إلى ماعز، والله تعالى أعلم ". ~~انتهى. # أقول: وجمع بين الحديثين؛ بأنه قد كان حفر له حفرة صغيرة، ثم خرج منها، ~~ورجموه وهو قائم؛ كما تدل عليه رواية أبي سعيد. # وأما الحفر للمرأة فثابت. # وقد اختلف في مشروعيته، والحق أنه مشروع. PageV03P279 # ( [ ### | متى يقام الحد على الحبلى من الزنا # ؟] :) # (ولا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها؛ إن لم يوجد من يرضعه) ؛ لحديث ~~سليمان بن بريدة، عن أبيه - عند مسلم، وغيره -: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جاءته امرأة - من غامد من الأزد -، فقالت: طهرني يا رسول الله ~~{فقال: " ويحك} ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه "، فقالت: أراك تريد أن ~~تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ {قال: " وما ذاك؟ "، قالت: إني حبلى من ~~الزنا، قال: " أنت؟ "، قالت: نعم، فقال لها: " حتى تضعي ما في بطنك "، قال: ~~فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: " إذن؛ لا نرجمها وندع ولدها صغير السن، ليس ~~له من يرضعه "، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله} قال: " ~~فارجمها ". # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت ms664 النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبت حدا ~~فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: " أحسن إليها؛ ~~فإذا وضعت فأتني "، ففعل، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشدت ~~عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ... الحديث. # وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر بن عبد الله، ~~وجابر بن سمرة، وابن عباس. # وأحاديثهم عند مسلم. # PageV03P280 # وقد اختلفت الروايات؛ ففي بعضها ما تقدم في حديث بريدة، وفي بعضها: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر رجمها إلى الفطام، فجاءت بعد ذلك فرجمت، ~~وقد جمع بينهما بجموعات. # ( [ ### | جواز الجلد بعثكال للزاني الضعيف # ] :) # (ويجوز الجلد حال المرض بعثكال (1) ونحوه) ؛ لحديث أبي أمامة بن سهل، عن ~~سعيد بن سعد بن عبادة، قال: كان بين أبياتنا رجل ضعيف مخدج، فلم يرع الحي ~~إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ وكان ذلك الرجل مسلما، فقال: " اضربوه حده "، قالوا: ~~يا رسول الله! إنه أضعف مما تحسب؛ لو ضربناه مئة قتلناه، فقال: " خذوا له ~~عثكالا فيه مئة شمراخ (2) ، ثم اضربوه به ضربة واحدة "، قال: ففعلوا. # رواه أحمد (3) ، وابن ماجه، والشافعي، والبيهقي. # ورواه الدارقطني، عن فليح، عن أبي سالم، عن سهل بن سعد. # ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري. ~~PageV03P281 # ورواه أبو داود من حديث رجل من الأنصار. # وأخرجه النسائي من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه. # وإسناد الحديث حسن. # وقد أخرج مسلم (1) ، وغيره من حديث علي، قال: إن أمة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فأتيتها؛ فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت ~~إن [أنا جلدتها] (2) أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~" أحسنت؛ اتركها حتى تماثل ". # وقد جمع بين هذا الحديث والحديث الأول؛ بأن المريض إذا كان مرضه مرجوا ~~أمهل، كما في الحديث الآخر، وإن كان ms665 مأيوسا جلد؛ كما في الحديث الأول. # وقد حكى في " البحر " الإجماع على أنه تمهل البكر: حتى تزول شدة الحر ~~والبرد والمرض المرجو. # فإن كان مأيوسا؛ فقال أصحاب الشافعي: إنه يضرب بعثكول؛ إن احتمله. ### | ( [حد اللواط: القتل للفاعل والمفعول به بكرا أم محصنا] :) # (ومن لاط بذكر قتل ولو كان بكرا؛ وكذلك المفعول به إذا كان مختارا) ؛ ~~لحديث ابن عباس - عند أحمد (3) ، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، ~~PageV03P282 # والحاكم، والبيهقي -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". # قال ابن حجر: رجاله موثقون؛ إلا أن فيه اختلافا. # وأخرج ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به؛ أحصنا أو لم يحصنا "، وإسناده ضعيف. # قال ابن الطلاع في " أحكامه ": # " لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه ~~حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به "، رواه عنه ابن ~~عباس وأبو هريرة (1) ". انتهى. # وأخرج البيهقي (2) ، عن علي: أنه رجم لوطيا. # قال الشافعي: وبهذا نأخذ؛ نرجم اللوطي؛ محصنا كان أو غير محصن. # وأخرج البيهقي أيضا عن أبي بكر (3) : أنه جمع الناس في حق رجل ~~PageV03P283 # ينكح كما تنكح النساء، فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ ~~فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب، قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من ~~الأمم إلا أمة واحدة؛ صنع الله بها ما قد علمتم؛ نرى أن نحرقه بالنار، ~~فاجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يحرقوه بالنار، فكتب ~~أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار. # وأخرج أبو داود (1) ، عن سعيد بن جبير ومجاهد، عن ابن عباس: في البكر ~~يوجد على اللوطية؛ يرجم. # وأخرج البيهقي (2) ، عن ابن عباس أيضا: أنه سئل عن حد اللوطي؟ فقال: ينظر ~~أعلى بناء في القرية؛ فيرمى به منكسا، ثم يتبع الحجارة. # وقد اختلف أهل العلم في عقوبة اللواط ms666 - بعد اتفاقهم على تحريمه، وأنه من ~~الكبائر -: # فذهب من تقدم من الصحابة إلى أن حده القتل ولو كان بكرا؛ سواء كان فاعلا ~~أو مفعولا به، وإليه ذهب الشافعي. PageV03P284 # وحكى صاحب " شفاء الأوام " إجماع الصحابة على القتل. # وحكى البغوي عن الشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق: أنه يرجم محصنا ~~كان أو غير محصن. # وروي عن النخعي أنه قال: لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين؛ لرجم ~~اللوطي. # وقال المنذري: حرق اللوطية بالنار أبو بكر وعلي وعبد الله بن الزبير ~~وهشام بن عبد الملك (1) . # وذهب من عدا من تقدم إلى أن حد اللوطي حد الزاني. # وقال الشافعي: في الأظهر أن حد الفاعل حد الزنا؛ إن كان محصنا رجم؛ وإلا ~~جلد وغرب، وحد المفعول به الجلد والتغريب، وفي قول: كالفاعل، وفي قول: يقتل ~~الفاعل والمفعول به. # وقال أبو حنيفة: يعزز باللواط، ولا يجلد ولا يرجم (2) . # أقول: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتل الفاعل والمفعول به، ~~وصح عن الصحابة امتثال هذا الأمر، وقتلهم لمن ارتكب هذه الفاحشة العظيمة من ~~غير PageV03P285 # فرق بين بكر وثيب، ووقع ذلك في عصرهم مرات، ولم يظهر في ذلك خلاف من أحد ~~منهم؛ مع أن السكوت في مثل إراقة دم امرئ مسلم لا يسوغ لأحد من المسلمين، ~~وكان في ذلك الزمن: الحق مقبول من كل من جاء به؛ كائنا من كان. # فإن كان اللواط مما يصح اندراجه تحت عموم أدلة الزاني؛ فهو مخصص بما ورد ~~فيه من القتل لكل فاعل؛ سواء كان محصنا أو غير محصن. # وإن كان غير داخل تحت أدلة الزنا؛ ففي أدلته الخاصة له ما يشفي ويكفي. ### | ( [حد ناكح البهيمة: التعزير] :) # (ويعزز من نكح بهيمة) ؛ لكون (1) الحديث المروي عن ابن عباس، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " من وقع على بهيمة؛ فاقتلوه واقتلوا البهيمة ". # أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. # فقد روى الترمذي، وأبو داود من حديث أبي رزين، عن ابن عباس، أنه قال: من ~~أتى بهيمة فلا حد عليه. # وقال: ms667 إنه أصح من الحديث الأول (2) . PageV03P286 # قال: والعمل على هذا عند أهل العلم. # وقد روى أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة نحو حديث ابن عباس في القتل؛ ~~ولكن في إسناده عبد الغفار (1) ؛ قال ابن عدي؛ إنه رجع عنه، وذكر أنهم ~~كانوا لقنوه. # وقد وقع الإجماع على تحريم إتيان البهيمة؛ كما حى ذلك صاحب " البحر ". # ووقع الخلاف بين أهل العلم. # فقيل: يحد كحد الزاني. # وقيل: يعزر فقط؛ إذ ليس بزنا. # وقيل: يقتل. # ووجه ما ذكرنا من التعزير: أنه فعل محرما مجمعا عليه، فاستحق العقوبة ~~بالتعزير، وهذا أقل ما يفعل به. # والحاصل: أن من وقع على بهيمة؛ فقد ورد ما يدل على أنه يقتل، ولكن لم ~~يثبت ثبوتا تقوم به الحجة، ولا وقع من الصحابة مثل ما وقع في اللواط، وفي ~~النفس شيء من دخوله تحت أدلة الزنا العامة. # فالظاهر التعزير فقط؛ من غير فرق بين بكر وثيب. PageV03P287 # ( [ ### | حد المملوك نصف حد الحر # ] :) # (ويجلد المملوك نصف جلد الحر) ؛ لقوله - تعالى -: {فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} ، ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد؛ كما حكى ذلك صاحب ~~" البحر ". # وقد أخرج عبد الله بن أحمد في " المسند " (1) من حديث علي، قال: أرسلني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أمة سوداء زنت؛ لأجلدها الحد، ~~فوجدتها في دمها، فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " إذا ~~تعالت من نفاسها؛ فاجلدها خمسين "، وهو في " صحيح مسلم "؛ كما تقدم بدون ~~ذكر الخمسين. # وأخرج مالك في " الموطإ " عن عبد الله بن عياش المخزومي (2) ، قال: أمرني ~~عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين ~~في الزنا. # وذهب ابن عباس إلى أنه لا حد على مملوك حتى يتزوج؛ تمسكا بقوله - تعالى ~~-: {فإذا أحصن} الآية. # وأجيب بأن المراد بالإحصان هنا: الإسلام. PageV03P288 # قلت: الإحصان في كلام العرب: المنع، ويقع في القرآن والسنة على الإسلام ~~والحرية والعفاف والتزوج؛ لأن الإسلام يمنعه عما لا يباح له، وكذلك الحرية ~~والعفاف والتزوج. # وقوله - تعالى -: {والمحصنات من النساء} ms668 ؛ أراد: المزوجات. # وقوله - تعالى -: {أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم} ؛ أراد ~~به: الحرائر. # وقوله - تعالى -: {والذين يرمون المحصنات} ؛ أراد: العفاف. # وقوله - تعالى -: {محصنين غير مسافحين} ؛ أراد: المتزوجين. # وقوله - تعالى -: {فإذا أحصن} ؛ أي: تزوجن. # وعلى هذا أهل العلم (1) . PageV03P289 # ( [ ### | من يحد المملوك # ؟] :) # (ويحده سيده أو الإمام) ؛ لعموم الأدلة الواردة في مطلق الحد. # ولحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إذا زنت أمة أحدكم؛ فتبين زناها؛ فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم ~~إن زنت؛ فليجلدها الحد ولا يثرب (1) عليها، ثم إن زنت الثالثة؛ فليبعها ولو ~~بحبل من شعر ". # وقد ذهب إلى أن السيد يجلد مملوكه: جماعة من السلف. # قال الشافعي: للسيد إقامة الحد على مملوكه دون السلطان. # وقال أبو حنيفة: يرفعه المولى إلى السلطان، ولا يقيمه بنفسه. PageV03P290 # (2 - ### | باب السرقة # (1 -[ ### | من شروط القطع أن يكون السارق مكلفا # ] :) # (من سرق مكلفا مختارا) ، وقد تقدم وجه اشتراط التكليف والاختيار. # (2 -[ ### | أن يكون المسروق من حرز # ] :) # (من حرز) ؛ أي: مال محرز، واستدل على ذلك بما أخرجه أبو داود (1) من حديث ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد سأله رجل عن الحريسة التي تؤخذ من مراتعها؟ قال: " فيها ثمنها مرتين ~~وضرب نكال، وما أخذ من عطنه ففيه القطع؛ إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن ~~" قال: يا رسول الله! فالثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: " من أخذ بفمه ~~ولم يتخذ خبنة؛ فليس عليه شيء (2) ، ومن احتمل؛ فعليه ثمنه PageV03P291 # مرتين وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه؛ ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ~~ثمن المجن ". # وقد أخرجه - أيضا - أحمد، والنسائي، والحاكم - وصححه -، وحسنه الترمذي. # والحريسة (1) : التي ترعى وعليها حرس. # وكذا حديث: " لا قطع في ثمر ولا كثر (2) " - عند أحمد (3) ، وأهل " السنن ~~"، والحاكم، وصححه ابن حبان، والبيهقي من حديث رافع بن خديج. # وقد ذهب إلى اعتبار الحرز: الأكثر. # وذهب أحمد وإسحاق والظاهرية وطائفة من أهل الحديث إلى عدم اعتباره، ms669 ~~واستدلوا على عدم الاعتبار -؛ وإن كان قيامهم مقام المنع يكفيهم -؛ ~~PageV03P292 # بما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، ومالك في " الموطإ " ~~(1) ، والشافعي، والحاكم - وصححه - (2) من حديث صفوان بن أمية، قال: كنت ~~نائما في المسجد على خميصة لي؛ فسرقت، فأخذنا السارق، فرفعناه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله! أفي خميصتي ثمن ~~ثلاثين درهما؟ أنا أهبها له، قال: " فهلا كان قبل أن تأتيني به؟ ". # وأخرج أحمد (3) ، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قطع يد سارق سرق برنسا من صفة النساء؛ ثمنه ثلاثة (4) ~~دراهم. # وقد أخرج مسلم معناه. # وقد روي نحو حديث صفوان؛ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وضعف ~~إسناده ابن حجر. # ويجاب عن الاستدلال بهذه الأحاديث على عدم اعتبار الحرز؛ بأن المساجد حرز ~~لما دخل إليها، ولو كان على صاحبه، فيكون الحرز أعم مما وقع تبيينه في كتب ~~الفقه، ولكنه يشكل على من اعتبر الحرز حديث قطع جاحد الوديعة، وسيأتي. ~~PageV03P293 # ويمكن أن يكون ذلك خاصا بما ورد فيه، فلا يعارض ما ورد في اعتبار الحرز ~~في غيره. # قال في " المسوى ": # " ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا قطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة، ولا ~~الخشب، ولا الحشيش؛ عملا بعموم حديث رافع. # وتأوله الشافعي على معنى اشتراط الحرز، وقال: نخيل المدينة لا حوائط ~~لأكثرها؛ فلا تكون محرزة، وإنما خرج الحديث مخرج العادة، يوضح ذلك حديث ~~الجرين، وقطع عثمان في أترجة (1) ". # قال في " الحجة البالغة ": # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة ~~جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين (2) ؛ فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ". # أقول: أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرز شرط القطع، وسبب ذلك: أن ~~غير المحرز يقال فيه: الالتقاط، فيجب الاحتراز عنه ". # قلت: والحرز ما يعده الناس حرزا لمثل ذلك المال، فالمتبن حرز للتبن، ~~والإصطبل للدواب، والمراح للغنم، والجرين للثمار. PageV03P294 # وأما إذا كان المال ms670 في صحراء أو في مسجد؛ فإنما حرزه أن يكون له ناظر؛ ~~بحسب ما جرت العادة من النظر، وعليه أهل العلم في الجملة. # (3 -[ ### | أن يبلغ المسروق ربع دينار # ] :) # (ربع دينار فصاعدا) ؛ لحديث عائشة - في " الصحيحين " وغيرهما -، قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا. # وفي رواية لمسلم، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقطع يد ~~السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ". # وفي لفظ لأحمد (1) : " اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا في ما هو أدنى من ~~ذلك "، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما. # وفي رواية للنسائي؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقطع ~~يد السارق فيما دون ثمن المجن "، قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع ~~دينار. # وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عمر، قال: " قطع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مجن؛ ثمنه ثلاثة دراهم. # وقد عرفت أن الثلاث الدراهم هي صرف ربع دينار؛ كما تقدم في رواية أحمد. # قال الشافعي: وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم، وذلك أن الصرف على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر درهما بدينار، وهو موافق لما في ~~تقدير PageV03P295 # الديات من الذهب بألف دينار، ومن الفضة باثني عشر ألف درهم. # وقد ذهب - إلى كون نصاب القطع ربع دينار أو ثلاثة دراهم -: الجمهور من ~~السلف والخلف، ومنهم الخلفاء الأربعة. # وفي المسألة اثنا عشر مذهبا؛ قد أوضحها الماتن في " شرح المنتقى ". # وأما ما روي من حديث أبي هريرة - في " الصحيحين " وغيرهما -، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله السارق يسرق البيضة؛ فتقطع يده، ~~ويسرق الحبل؛ فتقطع يده ": # فقد قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ~~ما يساوي ثلاثة دراهم؛ كذا في " البخاري "، وغيره. # قال في " الحجة البالغة ": # " الحاصل: أن هذه التقديرات الثلاث كانت منطبقة على شيء واحد في زمانه ~~صلى الله عليه وسلم ثم اختلف بعده، ولم يصلح ms671 المجن للاعتبار لعدم انضباطه، ~~فاختلف المسلمون في الحديثين الأخيرين: # فقيل: ربع دينار. # وقيل: ثلاثة دراهم. # وقيل: بلوغ المال إلى أحد القدرين، وهو الأظهر عندي. # وهذا شرعه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فرقا بين التافه وغيره؛ لأنه لا ~~يصلح للتقدير # PageV03P296 # جنس دون جنس؛ لاختلاف الأسعار في البلدان، واختلاف الأجناس - نفاسة ~~وخساسة - بحسب اختلاف البلاد. # فمباح قوم وتافههم؛ مال عزيز عند آخرين، فوجب أن يعتبر التقدير في الثمن. # وقيل: لا يعتبر فيها، وأن الحطب - وإن كان قيمته عشرة دراهم - لا يقطع ~~فيه ". # قال في " المسوى ": # " ذهب الشافعي إلى حديث عائشة؛ أن نصاب السرقة ربع دينار. # وذهب مالك إلى حديث ابن عمر. # والجواب من قبل الشافعي عن حديث ابن عمر: أن الشيء التافه قد جرت العادة ~~بتقويمه بالدراهم، وكانت الثلاثة دراهم تبلغ قيمتها ربع دينار. # يوضح ذلك حديث عثمان (1) ؛ فإنه يدل على أن العبرة بالذهب، ومن أجل ذلك ~~ردت قيمة الدراهم إليه بعد ما قومت الأترجة بالدراهم. # ويوضح ذلك أيضا: وقوع اثني عشر ألف درهم موضع ألف دينار في الدية. # وقال أبو حنيفة: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم ". PageV03P297 # أقول: أصح ما روي: أن ثمن المجن ثلاثة دراهم، وهي ربع دينار، وقد ورد ~~التقدير بربع دينار في الروايات الصحيحة، والنهي عن القطع فيما دونه، فنصاب ~~السرقة: إما ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ هذا هو الحق. # وما روي من زيادة ثمن المجن؛ فقد بين سقوط الاستدلال به في " شرح المنتقى ~~". # ( [ ### | يقطع الكف الأيمن للسارق # ] :) # (قطعت كفه اليمنى) ؛ لقوله - تعالى -: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} . # قلت: اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة؛ تقطع يده اليمنى، ثم ~~إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا بعد قطع يده ~~ورجله؛ فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى (1) ، ثم إذا سرق أيضا تقطع ~~رجله اليمنى، ثم إذا سرق أيضا يعزر ويحبس. # وعليه الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ ولكن يعزر ويحبس. # ( [ ### | تثبت السرقة بأحد أمرين # ] :) # (1 -[ ### | إقرار ms672 السارق مرة واحدة # ] :) # (ويكفي الإقرار مرة واحدة) ؛ لما قدمنا في الباب الأول. PageV03P298 # وقد قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - يد سارق المجن، وسارق رداء صفوان، ~~ولم ينقل أنه أمره بتكرار الإقرار. # وأما ما وقع منه صلى الله عليه وسلم من قوله للسارق الذي اعترف بالسرق: " ~~ما إخالك سرقت! "، قال: بلى - مرتين أو ثلاثا -؛ فهذا هو من باب الاستثبات؛ ~~كما تقدم. # وقد ذهب إلى أنه يكفي الإقرار مرة واحدة: مالك والشافعية والحنفية. # وذهب ابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى اعتبار المرتين. # والحق: هو الأول. # (2 -[ ### | شهادة عدلين # ] :) # (أو شهادة عدلين) ؛ لكون السرقة مندرجة تحت ما ورد من أدلة الكتاب والسنة ~~في اعتبار الشاهدين. # ( [ ### | لا بأس بتلقين السارق ما يسقط عنه الحد # ] :) # (ويندب تلقين المسقط (1)) ؛ لحديث أبي أمية المخزومي - عند أحمد، وأبي ~~داود، والنسائي بإسناد رجاله ثقات (2) -: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي ~~بلص اعترف PageV03P299 # اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~إخالك سرقت {"، قال: بلى - مرتين أو ثلاثا -. # وقد روي عن عطاء أنه قال: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ ~~قال: لا، وسمى أبا بكر وعمر. # أخرجه عبد الرزاق. # وفي الباب عن جماعة من الصحابة. # ( [ ### | يحسم موضع القطع في زيت مغلي # ] :) # (ويحسم موضع القطع) ؛ لئلا يسري فيهلك؛ فإن الحسم سبب عدم السراية؛ لما ~~أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي - وصححه ابن القطان - (1) من حديث أبي ~~هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا ~~رسول الله} إن هذا قد سرق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما ~~إخاله سرق {"، فقال السارق: بلى يا رسول الله} فقال: " اذهبوا به فاقطعوه، ~~ثم احسموه، ثم ائتوني به "، فقطع؛ فأتي به، فقال: تب إلى الله "، فقال: قد ~~تبت إلى الله، قال: " تاب الله عليك ". # ( [ ### | يستحب أن تعلق يد السارق في عنقه للعبرة # ] :) # (وتعلق اليد في عنق السارق) ؛ لما أخرجه أهل " السنن " - وحسنه ~~PageV03P300 # الترمذي - من حديث فضالة بن عبيد قال: أتي ms673 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسارق؛ فقطعت يده، ثم أمر بها، فعلقت في عنقه. # وفي إسناده الحجاج بن أرطاة؛ قال النسائي: هو ضعيف لا يحتج بحديثه (1) . # قال في " الحجة البالغة ": # " إنما فعل هذا للتشهير، وليعلم الناس أنه سارق، وفرقا بين ما يقطع اليد ~~ظلما؛ وبين ما يقطع حدا ". # ( [ ### | يسقط الحد إذا عفا صاحب المال قبل رفعه إلى السلطان # ] :) # (ويسقط بعفو المسروق عليه (2) قبل البلوغ إلى السلطان لا بعده؛ فقد وجب) ~~؛ لحديث صفوان المتقدم. # وأخرج النسائي (3) ، وأبو داود، والحاكم - وصححه - من حديث عبد الله ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم، فما ~~بلغني من PageV03P301 # حد فقد وجب ". # قلت: وعليه أهل العلم. # ويحرم الشفاعة للسارق - إذا بلغ أمره السلطان - أن لا يقطع يده. # ( [ ### | لا قطع في أربعة # ] :) # (1 -[ ### | الأكل من الثمر ولم يحمل إلى بيته # ] :) # (ولا قطع في ثمر ولا كثر؛ ما لم يؤوه الجرين إذا أكل ولم يتخذ خبنة (1) ؛ ~~وإلا كان عليه ثمن ما حمله مرتين وضرب نكال) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، ورافع ~~بن خديج المتقدمين في أول الباب. # والكثر: جمار النخل أو طلعها. # وإلزامه بالثمن مرتين تأديب له بالمال، ولم يكتف صلى الله عليه وسلم ~~بذلك؛ بل قال: " وضرب نكال "؛ ليجمع له بين عقوبة المال والبدن. # والخبنة: ما يحمله الإنسان في حضنه، وقد تقدم ضبطها وتفسيرها. # (2 ### | و 3 و 4 -[الخائن] و [المنتهب] و [المختلس] :) # (وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع) ؛ لحديث جابر - عند أحمد، ~~PageV03P302 # وأهل " السنن "، والحاكم، والبيهقي، وصححه الترمذي (1) ، وابن حبان -، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ". # وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو حديث جابر. # وأخرج ابن ماجه أيضا والطبراني من حديث أنس نحوه. # قلت: وعلى هذا أهل العلم. # ( [ ### | جاحد العارية سارق يقام عليه الحد # ] :) # (وقد ثبت القطع في جحد العارية) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره من حديث عائشة، ~~قالت: كانت امرأة مخزومية (2) تستعير المتاع ms674 وتجحده، فأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقطع يدها. PageV03P303 # وأخرج أحمد، والنسائي، وأبو داود، وأبو عوانة في " صحيحه " من حديث ابن ~~عمر مثل حديث عائشة. # وقد ذهب إلى قطع جاحد العارية؛ من لم يشترط الحرز، وهم من تقدم. # وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع يد جاحد العارية؛ قالوا: لأن الجاحد ~~للعارية ليس بسارق لغة، وإنما ورد الكتاب والسنة بقطع السارق. # ويرد بأن الجاحد إذا لم يكن سارقا لغة؛ فهو سارق شرعا، والشرع مقدم على ~~اللغة. # وقد ثبت الحديث من طريق عائشة، وابن عمر كما تقدم، وكذا من حديث جابر، ~~وابن مسعود (1) ، وغير هؤلاء. # وقد وقع في رواية من حديث ابن مسعود (1) عند ابن ماجه، والحاكم - وصححه ~~-: أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ووقع في مراسيل حبيب بن أبي ثابت: أنها سرقت حليا. PageV03P304 # فيمكن أن تكون هذه المخزومية قد جمعت بين السرقة وجحد العارية (1) . ~~PageV03P305 # (3 - ### | باب حد القذف # رمي المحصنات بالزنا كبيرة؛ قال الله - تعالى -: {إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} ، واتفق على ذلك ~~المسلمون. # ( [ ### | حد القاذف ثمانون جلدة # ] :) # (من رمى غيره بالزنا؛ وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة) ؛ لقوله تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} . # وقد أجمع أهل العلم على ذلك، واختلفوا هل ينصف للعبد أم لا؟ # فذهب الأكثر إلى الأول، وروى مالك (1) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، ~~قال: أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء - هلم جرا -؛ فما رأيت ~~أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين. # وذهب ابن مسعود والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وابن حزم ~~إلى أنه لا ينصف؛ لعموم الآية. # أقول: الآية الكريمة عامة يدخل تحتها الحر والعبد، والغضاضة بقذف ~~PageV03P306 # العبد للحر أشد منها بقذف الحر للحر، وليس في حد القذف ما يدل على تنصيفه ~~للعبد؛ لا من الكتاب ولا من السنة. # ومعظم ما وقع التعويل عليه هو قوله - تعالى - في حد الزنا: {فعليهن نصف ~~ما ms675 على المحصنات من العذاب} ، ولا يخفى أن ذلك في حد آخر غير حد القذف، ~~فإلحاق أحد الحدين بالآخر فيه إشكال؛ لا سيما مع اختلاف العلة، وبكون ~~أحدهما حقا لله محضا، والآخر مشوبا بحق آدمي. # قال في " المسوى ": # " من رمى إنسانا بالزنا؛ فإن كان المقذوف محصنا؛ يجب على القاذف جلد ~~ثمانين إن كان حرا، فإن كان عبدا فجلد أربعين، فإن كان المقذوف غير محصن؛ ~~فعلى قاذفه التعزير. # وكذا لا حد في النسبة إلى غير الزنا؛ إنما فيه التعزير ". # ( [ ### | شرائط الإحصان # ] :) # وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة من ~~الزنا. # حتى إن من زنى في أول بلوغه، ثم تاب وحسنت حالته، وامتد عمره، فقذفه ~~قاذف؛ لا حد عليه. # وعلى هذا أهل العلم. # وإذا عفا المقذوف؛ لم يجلد قاذفه، وإذا قذف أبوا رجل وقد هلكا؛ # PageV03P307 # فله المطالبة بالحد. # وفي " الأنوار ": # " حد القاذف وتعزيره حق الآدمي، يورث عنه، ويسقط بعفوه وعفو وارثه؛ إن ~~مات أو قذفه ميتا، وهو حق جميع الورثة ". # وفي " الهداية ": # " لا يصح عفو المقذوف عندنا، وفيها لو قال: يا ابن الزانية! وأمه ميتة ~~محصنة، فطالب الابن بحد القذف؛ حد القاذف؛ لأنه قذف محصنة، ولا يطالب بحد ~~القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه، وهو الوالد والولد. # ومذهب الشافعية والحنفية: أن الوالد لا يجلد بقذف ولده. # وإذا قذف جماعة؛ جلد حدا واحدا، وعليه أبو حنيفة. # وقال الشافعي: إذا اختلف المقذوف فلا تداخل، والتعريض الظاهر ملحق ~~بالصريح، وعليه مالك. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلحق به ولا يحد إلا بالصريح ". # أقول: التحقيق: أن المراد من رمي المحصنات المذكور في كتاب الله - عز وجل ~~-: هو أن يأتي القاذف بلفظ يدل - لغة، أو شرعا، أو عرفا - على الرمي ~~بالزنا، ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يرد إلا ذلك، ولم يأت بتأويل # PageV03P308 # مقبول يصح حمل الكلام عليه، فهذا يوجب حد القذف بلا شك ولا شبهة. # وكذلك لو جاء بلفظ لا يحتمل الزنا، أو يحتمله احتمالا مرجوحا، وأقر أنه ~~أراد الرمي بالزنا؛ فإنه ms676 يجب عليه الحد. # وأما إذا عرض بلفظ محتمل، ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي ~~بالزنا؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لا يسوغ إيلامه بمجرد الاحتمال. # ( [ ### | يثبت حد القذف بأمرين # ] :) # (1 -[ ### | إقرار القاذف # ] :) # (ويثبت ذلك بإقراره مرة) ؛ لكون إقرار المرء لازما له. # ومن ادعى أنه يشترط التكرار مرتين؛ فعليه الدليل، ولم يأت في ذلك دليل من ~~كتاب ولا سنة. # (2 -[ ### | شهادة عدلين # ] :) # (أو بشهادة عدلين) ؛ كسائر ما تعتبر فيه الشهادة؛ كما أطلقه الكتاب ~~العزيز. # ( [ ### | القاذف ساقط العدالة حتى يتوب # ] :) # (وإذا لم يتب لم تقبل شهادته) ؛ لقوله - تعالى -: {ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا} ، ثم ذكر بعد ذلك التوبة. # PageV03P309 # ( [ ### | يسقط الحد عن القاذف بأمرين # ] :) # (1 -[ ### | إذا جاء القاذف بأربعة شهود # ] ) # (فإن جاء بعد القذف بأربعة شهود) ؛ يشهدون على المقذوف بأنه زنى (سقط عنه ~~الحد) ؛ لأن القاذف لم يكن حينئذ قاذفا؛ بل قد تقرر صدور الزنا بشهادة ~~الأربعة، فيقام الحد على الزاني. # (2 -[ ### | إذا أقر المقذوف بالزنا # ] :) # (وهكذا إذا أقر المقذوف بالزنا) ؛ فلا حد على من رماه به؛ بل يحد المقر ~~بالزنا. # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه جلد أهل الإفك؛ كما في " مسند أحمد ~~"، و " أبي داود "، و " ابن ماجه "، و " الترمذي " - وحسنه -، وأشار إلى ~~ذلك البخاري في " صحيحه ". # فثبت حد القذف بالسنة كما ثبت بالقرآن. # ووقع في أيام الصحابة جلد من شهد على المغيرة بالزنا؛ حيث لم تكمل ~~الشهادة، وذلك معروف ثابت. # PageV03P310 # (4 - ### | باب حد الشرب # شرب الخمر كبيرة، وعليه أهل العلم. # ( [ ### | شروط وجوب الحد # ] :) # (من شرب مسكرا مكلفا مختارا) ؛ وقد تقدم دليله. ### | ( [كم حد شارب الخمر، وبم يضرب؟] :) # (جلد على ما يراه الإمام؛ إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر؛ ولو بالنعال) ~~؛ لما ثبت في " الصحيحين " من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد ~~في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين. # وفي " مسلم " من حديثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب ~~الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو ms677 بكر، فلما كان عمر؛ ~~استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. # وفي " البخاري " وغيره من حديث عقبة بن الحارث، قال: جيء بالنعيمان - أو ~~ابن النعيمان (1) - شاربا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان في ~~البيت أن يضربوه، فكنت فيمن ضربه بالنعال والجريد. PageV03P311 # وفيه أيضا من حديث السائب بن يزيد، قال: كنا نؤتى بالشارب - في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وفي إمرة أبي بكر، وصدرا من إمرة عمر -؛ فنقوم ~~إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا؛ حتى كان صدرا من إمرة عمر؛ فجلد فيها ~~أربعين؛ حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين (1) . # وفيه أيضا من حديث أبي هريرة نحوه. # وفي الباب أحاديث يستفاد من مجموعها: أن حد السكر لم يثبت تقديره عن ~~الشارع، وأنه كان يقام بين يديه على صور مختلفة؛ بحس ما يقتضيه الحال. # فالحق: أن جلد الشرب غير مقدر؛ بل الذي يجب فعله؛ هو إما الضرب باليد، أو ~~بالعصا، أو النعل، أو الثوب على مقدار يراه الإمام؛ من قليل أو كثير، فيكون ~~على هذا من جملة أنواع التعزير. # وفي " الصحيحين "؛ عن علي أنه قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت، وأجد ~~في نفسي شيئا؛ إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يسنه. # قلت: وعليه أهل العلم؛ إلا أن الشافعي يقول: أصل حد الخمر أربعون، وما ~~زاده عمر على الأربعين كان تعزيرا (2) ؛ لما روي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV03P312 # أتي بشارب، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، فلما كان أبو بكر سأل ~~من حضر ذلك المضروب؛ فقومه أربعين، فضرب أربعين حياته، ثم عمر، حتى تتايع ~~الناس، فاستشار عمر؛ فضرب ثمانين، ثم قال علي - حين أقام الحد على وليد بن ~~عقبة لما بلغ أربعين -: حسبك؛ جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد ~~أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. # قال في " الحجة البالغة ": # " ثم قال: - أي النبي صلى الله عليه وسلم ms678 -: " بكتوه "، فأقبلوا عليه ~~يقولون: ما اتقيت الله؟ {ما خشيت الله؟} ما استحييت من رسول الله (1) ؟ ! ~~وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ ترابا من الأرض، فرمى به وجهه ". ~~انتهى. # وروى مالك، عن ابن شهاب: أنه سئل عن حد العبد في الخمر؟ فقال: بلغني أن ~~عليه نصف الحد في الحر، وأن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن ~~عمر قد جلدوا عبيدهم نصف حد الحر في الخمر. # ولا يجوز للإمام أن يعفو عن حد. # قال سعيد بن المسيب: ما من شيء؛ إلا يحب الله أن يعفو عنه؛ ما لم يكن ~~حدا. # قلت: وعليه أهل العلم. PageV03P313 # ( [ ### | يثبت الحد على شارب الخمر بالإقرار أو بشهادة عدلين # ] :) # (ويكفي إقراره مرة أو شهادة عدلين) ؛ لمثل ما تقدم، ولعدم وجود دليل يدل ~~على اعتبار التكرار. # (ولو على القيء) ؛ لكون خروجها من جوفه يفيد القطع بأنه شربها، والأصل ~~عدم المسقط، ولهذا حد الصحابة الوليد بن عقبة لما شهد عليه رجلان؛ أحدهما ~~أنه شربها؛ والآخر أنه تقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها؛ كما ~~في " مسلم "، وغيره. ### | ( [قتل شارب الخمر في الرابعة: منسوخ] :) # (وقتله في الرابعة منسوخ) ؛ لما رواه الترمذي (1) ، والنسائي، عن جابر، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن شرب الخمر فاجلدوه؛ فإن عاد في الرابعة ~~فاقتلوه "، ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك برجل قد شرب في ~~الرابعة؛ فضربه ولم يقتله. # ومثله ما أخرج أبو داود، والترمذي من حديث قبيصة (2) بن ذؤيب، وفيه: ثم ~~أتي به - يعني: في الرابعة -؛ فجلده ورفع القتل. PageV03P314 # وفي رواية لأحمد (1) من حديث أبي هريرة: فأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسكران في الرابعة؛ فخلى سبيله. # أقول: قد وردت الأحاديث بالقتل في الثالثة في بعض الروايات، وفي الرابعة ~~في بعض، وفي الخامسة في بعض (2) ، وورد ما يدل على النسخ من فعله صلى الله ~~عليه وسلم، وأنه رفع القتل عن الشارب، وأجمع على ذلك جميع أهل العلم، ~~وخالفه فيه بعض أهل الظاهر (3) . # ( [ ### | جواز التعزير في المعاصي التي ms679 لا توجب حدا # ] :) # (والتعزير في المعاصي التي لا توجب حدا ثابت؛ بحبس أو ضرب أو نحوهما، ولا ~~يجاوز عشرة أسواط) ؛ لحديث أبي بردة بن نيار في " الصحيحين "، وغيرهما -، ~~أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في ~~حد من حدود الله ". PageV03P315 # وأخرج أحمد (1) ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وحسنه -، وقال الحاكم: ~~" صحيح الإسناد " -؛ من حديث بهز بن حكيم [، عن أبيه، عن جده] (2) : أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس رجلا في تهمة يوما وليلة. # وقد ثبت أن عمر أمر أبا عبيدة بن الجراح أن يربط خالد بن الوليد بعمامته ~~(3) ، لما عزله عن إمارة الجيش - كما في كتب السير -؛ وسبب ذلك أنه استنكر ~~منه إعطاء شيء من أموال الله. # وتقدم في باب السرقة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وضرب نكال ". # أقول: هذا الفصل يراد به كل عقوبة ليست بحد من الحدود المتقدمة والآتية؛ ~~فمنها الضرب، ولكن يكون عشرة أسواط فما دون؛ لحديث أبي بردة المتقدم، ولا ~~تجوز الزيادة على ذلك. # ولكن ليس في هذا الحديث ما يدل على وجوب التعزير؛ بل غاية ما فيه الجواز ~~فقط، وقد اطلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جماعة ارتكبوا ذنوبا ~~لا توجب حدا؛ فلم يضربهم، ولا حبسهم، ولا نعى ذلك عليهم؛ كالمجامع في نهار ~~رمضان، والذي لقي امرأة فأصاب منها ما PageV03P316 # يصيب الرجل من زوجته؛ غير أنه لم يجامعها، وغير ذلك كثير. # ومن أنواع التعزير: الحبس، ويجوز الحبس مع التهمة، وهكذا يجوز حبس من كان ~~يخشى على المسلمين من معرته وإضراره بهم لو كان مطلقا؛ فإن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر واجبان بقدر الإمكان، ولا يمكن القيام بهما في حق من عرف ~~بذلك؛ إلا بالحيلولة بينه وبين الناس بالحبس. # ومنها: النفي؛ كما فعله صلى الله عليه وسلم بجماعة من المخنثين. # ومنها ترك المكالمة، كما فعله صلى الله عليه وسلم بالثلاثة الذين تخلفوا ~~عنه؛ حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. # ومنها: الشتم الذي لا فحش فيه؛ كقول ms680 الله - تعالى - حاكيا عن موسى - عليه ~~السلام -: {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين} ، ~~ومن ذلك: قول يوسف - عليه السلام - لإخوته: {أنتم شر مكانا} ؛ لما نسبوه ~~إلى السرقة. # وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: " إنك امرؤ فيك جاهلية " - كما في " ~~البخاري " (1) - لما سمعه - صلى الله عليه وسلم - يسب امرأة. # وفي " مسلم: أن رجلا أكل بشماله عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~" كل بيمينك "، فقال: لا أستطيع، فقال: " لا استطعت! ما منعه إلا الكبر "، ~~قال: فما رفعها إلى فيه. PageV03P317 # وفي " مسلم ": " من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد؛ فليقل: لا ردها الله ~~عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا ". # وفي " مسلم " أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " لا وجدت ". # وفي " الترمذي ": " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد؛ فقولوا: لا ~~أربح الله تجارتك ". # وقال صلى الله عليه وسلم للخطيب: " بئس خطيب القوم أنت "؛ أخرجه مسلم، ~~وغيره. # ووقع منه صلى الله عليه وسلم من هذا الجنس شيء كثير. # وكذلك وقع من الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح - من ذلك - ما يرشد إلى ~~جوازه؛ إذا ظن فاعله تأثيره في المرتكب للذنب. # PageV03P318 # (5 - ### | باب حد المحارب # ( [ ### | عقوبة الحرابة # ] :) # (هو أحد الأنواع المذكورة في القرآن: القتل، أو الصلب، أو قطع اليد ~~والرجل من خلاف، أو نفي من الأرض) ؛ لقوله - تعالى -: {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم} . # قلت: أكثر أهل العلم على أن هذه الآية نزلت في أهل الإسلام لا الكفار؛ ~~بدليل قوله - تعالى -: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} ، ~~والإسلام يحقن الدم؛ سواء أسلم قبل القدرة عليه أو بعدها. # وإنما أضاف الحرب إلى الله ورسوله؛ إيذانا بأن حرب المسلمين كأنه حرب ~~الله - تعالى - ورسوله. # أقول: ظاهر القرآن الكريم: أن من صدق عليه أنه محارب لله ms681 ورسوله، ساع في ~~الأرض فسادا؛ فإن عقوبته: إما القتل، أو الصلب، أو القطع من خلاف، أو النفي ~~من الأرض؛ من غير فرق بين كونه قتل أو لم يقتل. # والظاهر: أنه لا يجمع له بين هذه الأنواع، ولا بين اثنين منها، ولا # PageV03P319 # يجوز تركه عن أحدها؛ هذا معنى النظم القرآني. # فإن قلت: كيف عقوبة الصلب؟ هل يفعل به ما يصدق عليه مسمى الصلب ولو كان ~~قليلا؟ # قلت: يفعل به ما يصدق عليه أنه صلب عند أهل اللغة؛ فإن كان الصلب عندهم ~~هو الذي يفضي إلى الموت فذاك، وإن كان أعم منه؛ فالامتثال يحصل بفرد من ~~أفراده (1) . # وقال الشافعي: المكابرون في الأمصار قطاع. # وقال أبو حنيفة: لا. # وظاهر مذهب الشافعي في صفة الصلب: أنه يقتل ويغسل ويصلى عليه، ثم يصلب ~~ثلاثا، ثم ينزل ويدفن. # وقيل: يصلب حيا، ثم يطعن حتى يموت مصلوبا. # وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى على قاطع الطريق. # ومعنى النفي عند الحنفية: الحبس حتى يرى عليه أثر الصلاح. # وعند الشافعي: للإمام أن يحبس أو يغرب أو يطلبه للتعزير، والطلب نفي ~~أيضا؛ لأنه حامل على هربه. PageV03P320 # ( [ ### | الإمام مخير في الحكم على المحاربين بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي # ] :) # (يفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحا لكل من قطع طريقا - ولو في المصر - ~~إذا كان قد سعى في الأرض فسادا (1)) ؛ هذا ظاهر ما دل عليه الكتاب العزيز؛ ~~من غير نظر إلى ما حدث من المذاهب (2) ؛ فإن الله - سبحانه - قال: {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} ، فضم إلى محاربة ~~الله ورسوله - أي: معصيتهما - السعي في الأرض فسادا، فكان ذلك دليلا على أن ~~من عصى الله ورسوله بالسعي في الأرض فسادا؛ كان حده ما ذكره الله في الآية. # ولما كانت الآية الكريمة نازلة في قطاع الطريق - وهم العرنيون -؛ كان ~~دخول من قطع طريقا تحت عموم الآية دخولا أوليا. # ثم حصر الجزاء في قوله: {أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف أو ينفوا من الأرض} ms682 ، فخير بين هذه الأنواع؛ فكان للإمام أن يختار ما ~~رأى فيه صلاحا منها. # فإن لم يكن إمام؛ فمن يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات. # فهذا ما يقتضيه نظم القرآن الكريم، ولم يأت من الأدلة النبوية ما ~~PageV03P321 # يصرف ما يدل عليه القرآن الكريم عن معناه الذي تقتضيه لغة العرب. # وأما ما روي عن ابن عباس؛ كما أخرجه الشافعي في " مسنده ": أنه قال في ~~قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا الأموال؛ صلبوا. # وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال؛ قتلوا ولم يصلبوا. # وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. # وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا؛ نفوا من الأرض: # فليس هذا الاجتهاد مما تقوم به الحجة على أحد. # ولو فرضنا أنه في حكم التفسير للآية - وإن كان مخالفا لها غاية المخالفة ~~-: ففي إسناده ابن أبي يحيى؛ وهو ضعيف جدا (1) ، لا تقوم بمثله الحجة. # وأما ما روي عن ابن عباس أيضا: أن الآية نزلت في المشركين - كما أخرجه ~~أبو داود، والنسائي عنه (2) -: # فذلك مدفوع بأنها نزلت في العرنيين، وقد كانوا أسلموا؛ كما في الأمهات. ~~PageV03P322 # ولو سلمنا ما روي عن ابن عباس؛ لم تقم به حجة من قال باختصاص ما في الآية ~~بالمشركين؛ لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ؛ لا بخصوص السبب. # على أن في إسناد ذلك: علي بن الحسين بن واقد، وهو ضعيف. # وقد ذهب إلى مثل ما ذهبنا إليه جماعة من السلف؛ كالحسن البصري، وابن ~~المسيب، ومجاهد. # وأسعد الناس بالحق: من كان معه كتاب الله. # وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرنيين: أنه فعل بهم أحد ~~الأنواع المذكورة في الآية، وهو القطع؛ كما في " الصحيحين "، وغيرهما من ~~حديث أنس. # والمراد بالصلب المذكور في الآية: هو الصلب على الجذوع أو نحوها حتى ~~يموت؛ إذا رأى الإمام ذلك، أو يصلبه صلبا لا يموت فيه؛ فإن اسم الصلب يصدق ~~على الصلب المفضي إلى الموت، والصلب الذي لا يفضي إلى الموت. # ولو فرضنا أنه يختص بالصلب المفضي إلى الموت؛ لم يكن ms683 في ذلك تكرار بعد ~~ذكر القتل؛ لأن الصلب هو قتل خاص. # وأما النفي من الأرض؛ فهو طرده من الأرض التي أفسد فيها. # وقد قيل: إنه الحبس؛ وهو خلاف المعنى العربي. # PageV03P323 # ( [ ### | توبة المحارب قبل القدرة عليه # ] :) # (فإن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ذلك) ؛ لنص القرآن بذلك، وهو قوله - ~~تعالى -: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم} . # قلت: معناه عند الشافعي: إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه؛ يسقط عنه ~~من العقوبة ما يختص بقطع الطريق. # فإن كان قتل يسقط تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص، فالولي فيه بالخيار؛ إن ~~شاء استوفاه، وإن شاء عفا عنه. # وإن كان قد أخذ المال؛ سقط عند قطع اليد والرجل، وقيل في سقوط قطع اليد: ~~حكمه حكم السارق في البلد إذا تاب. # وإن كان قد قتل وأخذ المال؛ سقط عنه تحتم القتل والصلب. # وإذا تاب بعد القدرة؛ لا يسقط عنه شيء من العقوبات. # ولا يسقط سائر الحدود بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أظهر قولي الشافعي. # والقول الثاني: أن كل عقوبة تجب حقا لله تعالى - مثل عقوبات قاطع الطريق، ~~وقطع السرقة، وحد الزنا، والشرب -؛ تسقط بالتوبة؛ لأن التائب من الذنب كمن ~~لا ذنب له (1) . PageV03P324 # وأقول: الآية ليس فيها إلا الإشارة إلى عفو الله ورحمته لمن تاب قبل ~~القدرة، وليس فيها القطع بحصول المغفرة والرحمة لمن تاب. # ولو سلم القطع؛ فذلك في الذنوب التي أمرها إلى الله، فيسقط بالتوبة ~~الخطاب الأخروي والحد الذي شرعه الله. # وأما الحقوق التي للآدميين - من دم، أو مال، أو عرض -: فليس في الآية ما ~~يدل على سقوطها. # ومن زعم أن ثم دليلا يدل على السقوط؛ فما الدليل على هذا الزعم؟ ! # PageV03P325 # (6 - ### | باب من يستحق القتل حدا # (1 -[ ### | الحربي # ] :) # (هو الحربي) ، ولا خلاف في ذلك؛ لأوامر الله - عز وجل - بقتل المشركين في ~~مواضع من كتابه العزيز، ولما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا متواترا ~~من قتالهم، وأنه كان يدعوهم إلى ثلاث، ويأمر بذلك من يبعثه للقتال. # ((2) [ ### | المرتد ms684 # ] ) # (والمرتد) ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من بدل دينه فاقتلوه "؛ وهو ~~للبخاري وغيره من حديث ابن عباس. # وحديث: " لا يحل دم امرئ مسلم؛ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان ... " ~~الحديث؛ وهو في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن مسعود. # ولحديث أبي موسى في " الصحيحين " أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال له: " اذهب إلى اليمن "، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه؛ ألقى له ~~وسادة، وقال: انزل؛ وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا ~~فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء الله ورسوله! # PageV03P326 # قال في " المسوى ": # " من ارتد عن الإسلام؛ إن كان في منعة من قومه؛ جمع الإمام - المسلمين - ~~وقاتلهم؛ قال - تعالى -: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم} ؛ وفي هذه الآية إخبار عما علم الله - تعالى - وقوعه. # وقد ارتد أكثر العرب في زمن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه -؛ فبعث ~~إليهم المسلمين؛ وقاتلهم حتى رجعوا. # وعلى هذا أهل العلم. # ومن ارتد عن الإسلام وليس له منعة؛ قتل. # وعليه أهل العلم؛ إذا كان المرتد رجلا ". # ( [ ### | أقوال العلماء في المرتدة # ] :) # واختلفوا في المرتدة؛ قال الشافعي: تقتل، وقال أبو حنيفة: لا تقتل؛ ولكن ~~تحبس حتى تسلم. # أقول: الأدلة الدالة على قتل المرتد عامة، ولم يرد ما يقتضي تخصيصها. # وأما حديث النهي عن قتل النساء؛ فذلك إنما هو في حال الحرب؛ فإن # PageV03P327 # النساء المشركات لا يقتلن، وليس ذلك محل النزاع. # ثم قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قتل عدة نساء؛ كاللاتي أمر بقتلهن ~~يوم الفتح؛ لما كان يقع منهن السب له، وكذلك قتل امرأتين من بني قريظة، ~~وغير ذلك. # ثم ليس النهي عن قتل النساء مستلزما لتركهن على الكفر؛ إذا امتنعن من ~~الإسلام والجزية؛ فإنه لا يجوز التقرير على الكفر. # فإذا قالت امرأة: لا أسلم أبدا، ولا أعطي الجزية، وصممت على ذلك؛ كان ~~تركها حينئذ كافرة ms685 غير جائز لأحد من المسلمين. # ومن ههنا؛ يلوح لك أن النهي عن قتل النساء؛ إنما هو لأجل كونهن مستضعفات، ~~يحصل منهن الانقياد للإسلام بدون ذلك، وليس عندهن غناء في القتال. # ولهذا كان سبب النهي عن قتلهن: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة ~~مقتولة؛ فقال: " ما كانت هذه لتقاتل {"، ثم نهى عن قتلهن. # فانظر كيف جعل النهي عن قتلهن معللا بعدم المقاتلة؟} ### | ( [بيان خطإ من قال: إن المتأول كالمرتد] :) # وأما قول بعض أهل العلم: إن المتأول كالمرتد؛ فههنا تسكب العبرات، ويناح ~~على الإسلام وأهله، بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين؛ من ~~الترامي بالكفر لا بسنة ولا قرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان. # PageV03P328 # بل لما غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة ~~المسلمين؛ لقنهم الزمان بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء، والسراب ~~في البقيعة (1) . # في الله وللمسلمين من هذه الفاقرة (2) التي هي أعظم فواقر الدين، والرزية ~~التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين! # وأنت - إن بقي فيك نصيب من عقل، وبقية من مراقبة الله - عز وجل -، وحصة ~~من الغيرة الإسلامية -: علمت - وعلم كل من له علم بهذا الدين - أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام؟ قال - في بيان حقيقته وإيضاح ~~مفهومه -: إنه إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وشهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والأحاديث بهذا المعنى متواترة. # فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام؛ فهو المسلم على رغم ~~أنف من أبى ذلك؛ كائنا من كان، فمن جاءك بما يخالف هذا - من ساقط القول، ~~وزائف العلم بالجهل -؛ فاضرب به في وجهه، وقل له: قد تقدم هذيانك هذا: ~~برهان محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه -: # (دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر) PageV03P329 # وكما أنه تقدم الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قام بهذه ~~الأركان الخمسة بالإسلام؛ فقد حكم لمن آمن - بالله، وملائكته، وكتبه، ms686 ~~ورسله، والقدر خيره وشره - بالإيمان، وهذا منقول عنه نقلا متواترا. # فمن كان هكذا؛ فهو المؤمن حقا، وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب ~~العظيم من تكفير المسلمين، والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم ~~واحترامه: ما يدل - بفحوى الخطاب - على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف ~~بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية؟ {فإن هذه جناية لا تعدلها ~~جناية، وجرأة لا تماثلها جرأة} # وأين هذا المجترئ على تكفير أخيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~الثابت عنه في " الصحيح " أيضا -: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ~~"؟ { # ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - الثابت عنه في " الصحيح " أيضا ~~-: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "؟} # ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم؛ ~~عليكم حرام "؟ {وهو أيضا في " الصحيح ". # وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية؟} # والهداية بيد الله - عز وجل -: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء} ": هذا ما أفاده الماتن العلامة في " السيل ". # وقال أيضا: " اعلم أن الحكم على الرجل المسلم - بخروجه من دين # PageV03P330 # الإسلام ودخوله في الكفر -؛ لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يقدم عليه؛ إلا ببرهان أوضح من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث ~~الصحيحة - المروية من طريق جماعة من الصحابة - أن: " من قال لأخيه: يا كافر ~~{فقد باء بها أحدهما "؛ هكذا في " الصحيح ". # وفي لفظ آخر في " الصحيحين "، وغيرهما: " من دعا رجلا بالكفر؛ أو قال: ~~عدو الله} وليس كذلك؛ إلا حار عليه "؛ أي: رجع. # وفي لفظ في " الصحيح ": " فقد كفر أحدهما ". # ففي هذه الأحاديث - وما ورد موردها - أعظم زاجر، وأكبر واعظ عن السراع في ~~التكفير. # وقد قال - عز وجل -: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} ؛ فلا بد من شرح الصدر ~~بالكفر، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه. # فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك؛ لا سيما مع الجهل بمخالفتها ~~لطريقة الإسلام. # ولا اعتبار بصدور فعل كفري؛ لم يرد به فاعله الخروج ms687 عن الإسلام إلى ملة ~~الكفر. # ولا اعتبار بلفظ يلفظ به المسلم يدل على الكفر؛ وهو لا يعتقد معناه. # فإن قلت: قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام، وورد ~~في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلما؛ كما تقدم، # PageV03P331 # وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلا يخالف الشرع؛ كما في ~~حديث: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض "، ونحوه مما ورد مورده، ~~وكل ذلك يفيد أن صدور شيء من هذه الأمور يوجب الكفر؛ وإن لم يرد قائله أو ~~فاعله به الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر { # قلت: إذا ضاقت عليك سبل التأويل، ولم تجد طريقا تسلكها في مثل هذه ~~الأحاديث؛ فعليك أن تقرها كما وردت، وتقول: من أطلق عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اسم الكفر؛ فهو كما قال. # ولا يجوز إطلاقه على غير من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المسلمين كافرا؛ إلا من شرح بالكفر صدرا، فحينئذ تنجو من معرة الخطر، وتسلم ~~من الوقوع في المحنة؛ فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح ~~على دينه، ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة. # فكيف إذا كان على نفسه - إذا أخطأ - أن يكون في عداد من سماه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كافرا؟} # أفهذا يقود إليه العقل؛ فضلا عن الشرع؟ ! # ومع هذا؛ فالجمع بين أدلة الكتاب والسنة واجب، وقد أمكن هنا بما ذكرناه، ~~فتعين المصير إليه. # فحتم على كل مسلم؛ أن لا يطلق كلمة الكفر؛ إلا على من شرح به صدرا، ويقصر ~~ما ورد مما تقدم على مورده: # PageV03P332 # (وهذا الحق لي به خفاء ... فدعني عن بنيات (1) الطريق) # و (يأبى (2) الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح) # وكيف يحكم بالكفر على من حكى قولا كفريا صدر من كافر؟ ! فإن القرآن ~~الكريم قد اشتمل على ما يأبى عنه الحصر؛ من حكاية ما هو كفر بواح من أقوال ~~الكفار. # وهكذا؛ لا ms688 يحكم بكفر من كفر مكرها؛ فقد استثناه القرآن الكريم بقوله: ~~{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ؛ وكفى به ". اه. # (3 -[ ### | الساحر # ] :) # (والساحر) ؛ لكون عمل السحر نوعا من الكفر؛ ففاعله مرتد يستحق ما يستحقه ~~المرتد. # وقد روى الترمذي، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم من حديث جندب، قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " حد الساحر ضربة بالسيف ". # قال الترمذي: " والصحيح عن جندب موقوفا ". PageV03P333 # قال: " والعمل على هذا عند بعض أهل العلم؛ من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس. # وقال الشافعي: " إنما يقتل الساحر؛ إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به ~~الكفر، فإذا عمل عملا دون الكفر؛ لم نر عليه قتلا ". اه. # وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. # وأخرج أحمد، وعبد الرزاق، والبيهقي: أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر: ~~أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. # والأرجح ما قاله الشافعي؛ لأن الساحر إنما يقتل لكفره، فلا بد أن يكون ما ~~عمله من السحر موجبا للكفر. # قال في " المسوى ": # " السحر كبيرة "؛ قال - تعالى -: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر} ، واختلف في ذلك أهل العلم. # فقال مالك وأحمد: يقتل الساحر. # وقال الشافعي ما تقدم. # ولو قتل الساحر رجلا بسحره، وأقر: إني سحرته، وسحر يقتل غالبا؛ يجب عليه ~~القود عند الشافعي، ولا يجب عند أبي حنيفة. # ولو قال: سحري قد يقتل وقد لا يقتل؛ فهو شبع عمد. # PageV03P334 # ولو قال: أخطأت إليه من غيره؛ فهو خطأ تجب فيه الدية المخففة، وتكون في ~~ماله؛ لأنه ثبت باعترافه؛ إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم ". # أقول: لا شك أن من تعلم السحر بعد إسلامه؛ كان بفعل السحر كافرا مرتدا، ~~وحده حد المرتد، وقد تقدم. # وقد ورد في الساحر بخصوصه أن حده القتل، ولا يعارض ذلك ترك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره (1) ؛ فقد يكون ذلك قبل أن ~~يثبت أن حد الساحر القتل، وقد يكون ذلك لأجل خشية معرة اليهود - وقد كانوا ms689 ~~أهل شوكة - حتى أبادهم الله، وفل شوكتهم، وأقلهم وأذلهم. # وقد عمل الخلفاء الراشدون على قتل السحرة، وشاع ذلك وذاع، ولم ينكره أحد. # (4 -[ ### | الكاهن # ] :) # (والكاهن؛ لكون الكهانة نوعا من الكفر؛ فلا بد أن يعمل من كهانته ما يوجب ~~الكفر. PageV03P335 # وقد ورد أن تصديق الكاهن كفر؛ فبالأولى الكاهن إذا كان معتقدا بصحة ~~الكهانة. # ومن ذلك حديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من أتى كاهنا أو عرافا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ". # وفي الباب أحاديث. # (5 -[ ### | الساب لله أو لرسوله أو للكتاب أو للسنة أو للإسلام # ] :) # (والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين) ~~، وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح، ففاعلها مرتد؛ حده حده. # وقد أخرج أبو داود من حديث علي: أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دمها. # ولكنه من رواية الشعبي، عن علي، وقد قيل: إنه ما سمع منه. # وأخرج أبو داود (1) ، والنسائي من حديث ابن عباس: أن أعمى كانت له أم ولد ~~تشتم النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلها، فأهدر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- دمها؛ ورجال إسناده ثقات. # وأخرج أبو داود (2) ، والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر، ~~PageV03P336 # فتغيظ علي رجل، فاشتد غضبه، فقلت: أتأذن لي يا خليفة رسول الله! أن أضرب ~~عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلي، فقال ما الذي قلت ~~آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: ~~لا والله؛ ما كان لبشر بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وجب قتله. # ونقل أبو بكر الفارسي - أحد أئمة الشافعية - في كتاب " الإجماع " أن من ~~سب النبي صلى الله عليه وسلم بما هو قذف صريح؛ كفر باتفاق العلماء، فلو تاب ~~لم ms690 يسقط عنه القتل؛ لأن حد قذفه القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة. # وخالفه القفال؛ فقال: كفر بالسب، فيسقط القتل بالإسلام. # قال الخطابي: لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما. اه. # وإذا ثبت ما ذكرنا في سب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فبالأولى من سب ~~الله - تبارك وتعالى -؛ أو سب كتابه أو الإسلام، أو طعن في دينه وكفر؛ من ~~فعل هذا لا يحتاج إلى برهان. # أقول: وقريب من هذا: من جعل سب الصحابة شعاره ودثاره؛ فإنه لا مقتضى ~~لسبهم قط، ولا حامل عليه أصلا؛ إلا غش الدين في قلب فاعله، وكراهة الإسلام ~~وأهله، فإن هؤلاء هم أهله على الحقيقة؛ أقاموه بسيوفهم، وحفظوا هذه الشريعة ~~المطهرة، ونقلوها إلينا كما هي. # PageV03P337 # فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأقمأ (1) المشتغلين بثلبهم وتمزيق أعراضهم ~~المصونة. # وقد رأينا في التواريخ ما صار يفعله أهل مصر والشام والمغرب؛ من قتل من ~~كان كذلك؛ بعد مرافعته إلى حكام الشريعة، وحكمهم بسفك دمائهم. # وهذا؛ وإن كان عندنا غير جائز - لما عرفناك من عصمة دم المسلم، حتى يقوم ~~الدليل الدال على جواز سفكه -؛ ولكن فيه القيام التام بحقوق أساطين ~~الإسلام. # (6 -[ ### | الزنديق # ] :) # (والزنديق) ؛ وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويعتقد بطلان الشرائع؛ ~~فهذا كافر بالله وبدينه، مرتد عن الإسلام أقبح ردة؛ إذا ظهر منه ذلك بقول ~~أو فعل. # وقد اختلف أهل العلم؛ هل تقبل توبته أم لا؟ # والحق: قبول التوبة. # قال في " المسوى " - " في باب حكم الخوارج والقدرية وأشباههم -: " قال ~~الشافعي: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج، وتجنبوا الجماعات وأكفروهم؛ لم ~~يحل بذلك قتالهم. PageV03P338 # بلغنا أن عليا - رضي الله تعالى عنه - سمع رجلا يقول: (لا حكم إلا لله) ~~في ناحية المسجد، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل! لكم علينا ثلاث: لا ~~نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت ~~أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. # وقال أهل الحديث من الحنابلة: يجوز قتلهم. # أقول: الظاهر عندي - دراية ورواية - قول أهل الحديث: # أما رواية؛ فلقوله - صلى ms691 الله عليه وسلم -: " فأين (1) لقيتموهم فاقتلوهم ~~". # وأما قول علي؛ فمعناه: أن الإنكار على الإمام والطعن فيه لا يوجب قتلا؛ ~~حتى ينزع يده من الطاعة، فيكون باغيا أو قاطع طريق، وإذا أنكر ضروريا من ~~ضروريات الدين؛ يقتل لذلك لا للإنكار على الإمام. # بيان ذلك: أن المفتي إذا سئل عن بعض أفعال زيد؟ حكم بالجواز، وإذا سئل عن ~~بعضها الآخر؟ حكم بالفسق، ثم إذا سئل عن بعضها الآخر؟ حكم بالكفر؛ فههنا لم ~~يظهر هذا الرجل عنده إلا الإنكار في مسألة التحكيم، فحكم حسبما أظهر، ولو ~~أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة، أو إنكار الحوض [أو] الكوثر، وما يجري ~~مجرى ذلك من الثابت في الدين بالضرورة؛ لحكم بالكفر. PageV03P339 # وأما حديث: " أولئك الذين نهاني الله عنهم "؛ ففي المنافقين دون ~~الزنادقة. # بيان ذلك: أن المخالف للدين الحق؛ إن لم يعترف به، ولم يذعن له لا ظاهرا ~~ولا باطنا؛ فهو الكافر، وإن اعترف بلسانه وقلبه على الكفر؛ فهو المنافق، ~~وإن اعترف به ظاهرا وباطنا؛ لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما ~~فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة؛ فهو الزنديق. # كما إذا اعترف بأن القرآن حق، وما فيه من ذكر الجنة والنار حق؛ لكن ~~المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنار ~~هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار؛ ~~فهو الزنديق؛ وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أولئك الذين نهاني الله عنهم ~~"؛ في المنافقين دون الزنادقة. # وأما دراية؛ فلأن الشرع كما نصب القتل جزاء للارتداد؛ ليكون مزجرة ~~للمرتدين وذبا عن الملة التي ارتضاها؛ فكذلك نصب القتل في هذا الحديث ~~وأمثاله جزاء للزندقة؛ ليكون مزجرة للزنادقة، وذبا عن تأويل فاسد في الدين ~~لا يصح القول به. # ثم التأويل تأويلان: # تأويل لا يخالف قاطعا من الكتاب والسنة واتفاق الأمة. # وتأويل يصادم ما يثبت بقاطع؛ فذلك الزندقة. # فكل من أنكر الشفاعة، أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر ~~وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب - سواء قال: ms692 لا أثق بهؤلاء ~~الرواة، أو قال: أثق بهم لكن الحديث مؤول، ثم ذكر تأويلا فاسدا لم # PageV03P340 # يسمع ممن قبله -؛ فهو الزنديق. # وكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر - مثلا -: ليسا من أهل الجنة؛ مع ~~تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم ~~النبوة، ولكن معنى هذا الكلام: أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنبي، وأما ~~معنى النبوة - وهو كون الإنسان مبعوثا من الله - تعالى - إلى الخلق، مفترض ~~الطاعة - معصوما من الذنوب ومن البقاء على الخطإ فيما يرى -؛ فهو موجود في ~~الأئمة بعده؛ فذلك هو الزنديق. # وقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا ~~المجرى، والله - تعالى - أعلم ". اه. # ( [ ### | متى يقام حد القتل على المستحقين # ؟] :) # (بعد استتابتهم) ؛ لحديث جابر عند الدارقطني، والبيهقي: أن امرأة - يقال ~~لها: أم مروان - ارتدت، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعرض عليها ~~الإسلام؛ فإن تابت وإلا قتلت. # وله طريقان (1) ضعفهما ابن حجر. PageV03P341 # وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف، عن عائشة: أن امرأة ارتدت يوم أحد، فأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تستتاب؛ فإن تابت وإلا قتلت. # وأخرج أبو الشيخ في " كتاب الحدود " عن جابر: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~استتاب رجلا أربع مرات؛ وفي إسناده العلاء بن هلال، وهو متروك. # وأخرجه البيهقي من وجه آخر. # وأخرج الدارقطني، والبيهقي: أن أبا بكر استتاب امرأة - يقال لها: أم قرفة ~~-، كفرت بعد إسلامها، فلم تتب؛ فقتلها. # قال ابن حجر: وفي السير: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل أم قرفة ~~(1) يوم قريظة، وهي غير تلك. # وأخرج مالك في " الموطأ " (2) ، والشافعي: أن رجلا قدم على عمر بن ~~PageV03P342 # الخطاب من قبل أبي موسى، فسأله عن الناس؟ فأخبره، فقال: هل من مغربة خبر ~~(1) ؟ قال: نعم؛ رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال قربناه فضربنا ~~عنقه، فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا؛ واستتبتموه؟ ~~{لعله يتوب ويراجع أمر الله، اللهم} إني لم أحضر، ولم أرض إذ ms693 بلغني. # وقد اختلف أهل العلم في وجوب الاستتابة؛ ثم كيفيتها. # والظاهر: أنه يجب تقديم الدعاء إلى الإسلام قبل السيف؛ كما كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يدعو أهل الشرك، ويأمر بدعائهم إلى إحدى ثلاث خصال، ~~ولا يقاتلهم حتى يدعوهم. # فهذا ثبت في كل كافر، فيقال للمرتد: إن رجعت إلى الإسلام؛ وإلا قتلناك، ~~وللساحر، والكاهن، والساب لله، أو لرسوله، أو للإسلام، أو للكتاب، أو ~~للسنة، أو للطاعن في الدين، أو الزنديق: قد كفرت بعد إسلامك؛ فإن رجعت إلى ~~الإسلام؛ وإلا قتلناك، فهذه هي الاستتابة، وهي واجبة؛ كما وجب دعاء الحربي ~~إلى الإسلام. # وأما كونه يقال للمرتد بأي نوع من تلك الأنواع مرتين أو ثلاثة، أو في ~~ثلاثة أيام، أو أقل أو أكثر؛ فلم يأت ما تقوم به الحجة في ذلك. # بل يقال لكل واحد من هؤلاء: ارجع إلى الإسلام، فإن أبى قتل مكانه. ~~PageV03P343 # قال في " المسوى ": # " اختلفت الروايات عن أبي حنيفة والشافعي في ذلك: # في " المنهاج ": ويجب استتابة المرتد والمرتدة، وفي قول: يستحب وهي في ~~الحال، وفي قول: ثلاثة أيام؛ فإن أصرا قتلا. # وفي " الهداية ": " إذا ارتد المسلم عن الإسلام؛ عرض عليه الإسلام، فإن ~~كانت له شبهة؛ كشفت عنه، ويحبس ثلاثة أيام؛ فإن أسلم وإلا قتل. # وفي " الجامع الصغير ": يعرض عليه الإسلام؛ فإن أبى قتل. # قيل: تأويل الأول؛ أنه إن استمهل يمهل ثلاثة أيام. # وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يستحب أن يؤجله؛ طلب ذلك أو لم يطلب ". اه. # أقول: الأدلة الصحيحة المصرحة بقتل المرتد؛ لم يثبت في شيء منها ~~الاستتابة؛ بل فيها الأمر بالقتل للفور. # وما ورد عن بعض الصحابة من إنكار قتل المرتدين قبل الاستتابة؛ فليس بحجة، ~~ولا يصلح لتقييد ما ثبت عن الشارع، ودعوى أن ذلك إجماع - بواسطة عدم ~~الإنكار - دعوى باطلة. # فالحق: أن المرتد يقال له: ارجع إلى الإسلام، فإن أجاب وجب حقن دمه، وإن ~~لم يجب تعين قتله في ذلك الوقت، وقد حصل الدعاء المشروع بمجرد قولنا له: ~~ارجع إلى الإسلام. # PageV03P344 # (والزاني المحصن واللوطي مطلقا ms694 والمحارب) ، وقد تقدم الكلام فيهم. # ( [ ### | لم يصح في قتل الديوث شيء # ] :) # وأما الديوث؛ فلم يصح في قتله شيء. # وأصل دم المسلم العصمة، وليس كل معصية مبيحة للقتل؛ بل معاصي مخصوصة ورد ~~الشرع بها، ولا سيما بعد ورود الحصر في حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم؛ إلا ~~بإحدى ثلاث "؛ وليس هذا منها. # فالحاصل: أن الديوث من أعظم العصاة؛ مع ما في ذلك من الهجنة المنافية ~~للدين والمروءة. # وأما أنه يقتل؛ فلا؛ ولا كرامة. # ( [ ### | حكم الإسلام في الباطنية # ] :) # وأما قتل الباطنية؛ فالحق أنهم - مع تسترهم بالكفر -؛ لا يحل قتل أحد ~~منهم؛ إلا بعد أن يفعل أو يقول ما هو كفر بدون تأويل؛ ولا سيما والمشهور ~~عنهم؛ أنهم يظهرون لعوامهم الإسلام والصلاح، ويوهمونهم أنهم على الحق. # فإن صح هذا؛ فجميع عوامهم لا يعلمون أنهم على الكفر؛ بل يعتقدون أنهم على ~~الحق؛ فهم إلى تعريفهم بالحق أحوج منهم إلى القتل، فلا يجوز قتل أحد من ~~الباطنية - وهم البواهر في أرض الهند - إلا بعد أن يظهر منه كفر بواح؛ لأن ~~كلمتهم إسلامية، ودعوتهم نبوية؛ وإن كانوا على شفا جرف هار من أمور الدين. # PageV03P345 ### | (الكتاب السابع والعشرون: ### | كتاب القصاص # ) # PageV03P347 # (27 - ### | كتاب القصاص # ( [ ### | الدليل على وجوب القصاص # ] :) # ووجوبه بنص الكتاب العزيز: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ، {ولكم في ~~القصاص حياة يا أولي الألباب} ، وبمتواتر السنة كحديث: " لا يحل دم امرئ ~~مسلم؛ إلا بإحدى ثلاث "؛ منها: " والنفس بالنفس "، وهو في " الصحيحين "، ~~وغيرهما من حديث ابن مسعود. # وفي " مسلم "، وغيره من حديث عائشة. # وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " من قتل له قتيل؛ فهو بخير النظرين؛ إما أن يفتدي؛ وإما أن يقتل ". # وأخرجه أحمد (1) ، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي شريح الخزاعي قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: # " من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح -؛ فهو بالخيار بين إحدى ~~PageV03P349 # ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة؛ فخذوا على ~~يده ". # وفي إسناده ms695 سفيان بن أبي العوجاء السلمي، وفيه مقال، وفيه أيضا محمد بن ~~إسحاق، وقد عنعن. # وقد أخرج البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل ~~القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله - تعالى - لهذه الأمة: {كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر} الآية، {فمن عفي له من أخيه شيء} ، قال: ~~فالعفو: أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف: أن يتبع الطالب ~~بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} : فيما كتب ~~على من كان قبلكم، ولا خلاف بين أهل الإسلام في وجوب القصاص عند وجود ~~المقتضي وانتفاء المانع. # ( [ ### | على من يجب القصاص # ؟] ) # (يجب على المكلف المختار) ، وقد تقدم وجهه (العامد) ؛ لما أخرجه أبو داود ~~(1) ، والنسائي، والحاكم - وصححه - من حديث عائشة بلفظ: # " لا يحل قتل مسلم؛ إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل ~~مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله ورسوله؛ فيقتل، أو يصلب، ~~أو ينفى من الأرض ". PageV03P350 # وأخرج الترمذي (1) ، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ ~~بلفظ: " من قتل متعمدا؛ أسلم إلى أولياء المقتول؛ فإن أحبوا قتلوا ... " ~~الحديث. # وهي معلوم - بالأدلة والإجماع من أهل الإسلام -: أن القصاص لا يجب إلا مع ~~العمد، ولا بد أن يكون عدوانا؛ لأن من قتل - عمدا مقتولا يستحق القتل شرعا ~~-: لم يجب القصاص عليه. # ( [ ### | أنواع القتل ثلاثة # ] :) # (1 -[ ### | عمد محض # ] :) # قلت: عند الشافعي: القتل على ثلاثة أنواع: # عمد محض: وهو أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا؛ سواء كان بمحدد ~~أو مثقل؛ فيجب فيه القصاص عند وجود المكافئ، أو الدية مغلظة في مال الجاني ~~حالة. # (2 -[ ### | شبه العمد # ] :) # والثاني: شبه العمد: وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب ~~غالبا؛ بأن ضربه بعصا خفيفة - أو حجر صغير - ضربة أو ضربتين فمات؛ فلا يجب ~~فيه القصاص، ويجب به الدية مغلظة على عاقلته، PageV03P351 # مؤجلة إلى ثلاث سنين، فإن كان المضروب صغيرا أو مريضا يموت منه غالبا، أو ~~كان قويا ms696 - غير أن الضارب والى عليه بالضرب حتى مات -: يجب القود. # (3 -[ ### | الخطأ المحض # ] :) # والثالث: الخطأ المحض: وهو أن لا يقصد ضربه، وإنما قصد غيره فأصابه، أو ~~حفر بئرا فتردى فيه إنسان، أو نصب شبكة حيث لا يجوز، فتعلق بها رجل ومات؛ ~~فلا قود عليه، وتجب الدية مخففة على العاقلة في ثلاث سنين. # ثم القتل ينقسم باعتبار المقتولين إلى أقسام، ولكل قسم حكم يخصه؛ إما في ~~القود، وإما في الدية، وإما فيهما جميعا: قتل الحر، وقتل العبد، وقتل ~~الذكر، وقتل الأنثى، وقتل المسلم، وقتل الكافر، وقتل الجنين. # ولا اعتبار لكون المقتول شريفا أو وضيعا، جميلا أو دميما، صغيرا أو ~~كبيرا؛ غنيا أو فقيرا. # وإذا وجب القود على إنسان، فترك له شيء من الدم - بأن عفا أحد الورثة -: ~~صار موجبه الدية للآخرين، وسيأتي تفصيلها. # ( [ ### | لا دليل على إنكار القصاص في دار الحرب # ] :) # وأما إنكار القصاص في دار الحرب مطلقا؛ فلا وجه له من كتاب، ولا سنة، ولا ~~قياس صحيح، ولا إجماع؛ فإن أحكام الشرع لازمة للمسلمين في أي مكان وجدوا، ~~ودار الحرب ليست بناسخة للأحكام الشرعية أو لبعضها، # PageV03P352 # فما أوجبه الله - تعالى - على المسلمين من القصاص؛ ثبت في دار الحرب كما ~~هو ثابت في غيرها؛ مهما وجدنا إلى ذلك سبيلا، ولا فرق بين القصاص وثبوت ~~الأرش؛ إلا مجرد الخيال المبني على الهباء؛ فإن كل واحد منهما حق لآدمي ~~محض، يجب الحكم له به على خصمه، وهو مفوض إلى اختياره. # وغاية ما ثبت في هذا: ما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - من وضع الدماء ~~التي وقعت في أيام الجاهلية، وليس في هذا تعرض لدماء المسلمين؛ فهي على ما ~~ورد فيها من أحكام الإسلام، ولا يرفع شيئا من هذه الأحكام إلا دليل يصلح ~~للنقل؛ وإلا وجب البقاء على الثابت في الشرع؛ من لزوم القصاص ولزوم الأرش. # ( [ ### | من حق الورثة التنازل عن القصاص وطلب الدية # ] :) # (إن اختار ذلك الورثة؛ وإلا فلهم طلب الدية) ؛ لما تقدم من قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " من قتل له ms697 قتيل؛ فهو بخير النظرين ". # ( [ ### | اتفاق العلماء في قتل المرأة بالرجل والعبد بالحر والكافر بالمسلم # ] :) # (وتقتل المرأة بالرجل، والعكس، والعبد بالحر، والكافر بالمسلم) ؛ لما ~~أخرج مالك، والشافعي من حديث عمرو بن حزم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ~~في كتابه إلى أهل اليمن: أن الذكر يقتل بالأنثى. # ورواه أبو داود، والنسائي؛ من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري. . ~~مرسلا. # PageV03P353 # ورواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي - موصولا مطولا - من حديث ~~الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. # وفي هذا الحديث كلام طويل، وقد صححه ابن حبان، والحاكم (1) ، والبيهقي. # وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل ~~العلم، يستغنى بشهرته عن الإسناد؛ لأنه أشبه بالمتواتر في مجيئه؛ لتلقي ~~الناس له بالقبول. # وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب ~~عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون ~~إليه، ويدعون رأيهم. # وقال الحاكم: " قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره - الزهري - بالصحة ~~لهذا الكتاب " (2) . # ومما استدل به على ذلك: ما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث PageV03P354 # أنس: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان ~~أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به، فاعترف، فأمر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فرض رأسه بين حجرين. # وقد استوفى الماتن ذلك البحث في " شرح المنتقى ". # وإلى ذلك: ذهب الجمهور، واختلفوا؛ هل تستوفي ورثة الرجل من ورثة المرأة ~~نصف الدية أم لا؟ # وقد حكى ابن المنذر الإجماع على قتل الرجل بالمرأة؛ إلا رواية عن علي، ~~وعن الحسن، وعطاء. # ورواه البخاري عن أهل العلم؛ هذا في قتل الرجل بالمرأة. # وأما قتل المرأة بالرجل؛ فالأمر واضح، وهكذا قتل العبد بالحر، والكافر ~~بالمسلم، والفرع بالأصل، وليس في ذلك خلاف. ### | ( [اختلاف العلماء في قتل الرجل بالمرأة، والحر بالعبد والمسلم بالكافر] :) # وأما العكس من هذه الصور الثلاث؛ ms698 فقد قيل: إنه يقتل الحر بالعبد، وهو ~~محكي عن الحنفية، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري؛ هذا ~~إذا كان العبد مملوكا لغير القاتل. # وأما إذا كان مملوكا له؛ فقد حكى في " البحر " الإجماع على أنه لا يقتل ~~السيد بعبده؛ إلا عن النخعي. # وهكذا حكى الخلاف - عن النخعي وبعض التابعين -: الترمذي. # PageV03P355 # واستدل المثبتون بما أخرجه أحمد، وأهل " السنن " - وحسنه الترمذي - من ~~حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل عبده ~~قتلناه، ومن جدع (1) عبده جدعناه "، وفي إسناده ضعف؛ لأنه من رواية الحسن، ~~عن سمرة، وفي سماعه منه خلاف مشهور. # واستدل المانعون بقوله - تعالى -: {الحر بالحر والعبد بالعبد} . # وفي الاستدلال بالآية إشكال كالإشكال في استدلال من استدل بقوله - تعالى ~~-: {النفس بالنفس} . # واستدلوا أيضا بما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده: أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونفاه ~~سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقد به، وأمره أن يعتق رقبة. # وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ولكنه رواه عن الأوزاعي، وهو شامي، وإسماعيل ~~قوي في الشاميين. # وفي إسناده أيضا محمد بن عبد العزيز الشامي، وهو ضعيف. # وأخرج البيهقي، وابن عدي من حديث عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده "؛ وفي إسناده ~~عمر بن عيسى الأسلمي، وهو منكر الحديث؛ كما قال البخاري. PageV03P356 # وأخرج الدارقطني والبيهقي، من حديث ابن عباس مرفوعا: " لا يقتل حر بعبد ~~"؛ وفي إسناده جويبر، وغيره من المتروكين. # وأخرج البيهقي عن علي قال: من السنة: أن لا يقتل حر بعبد؛ وفي إسناده ~~جابر الجعفي، وهو متروك. # وأخرج البيهقي من حديث علي نحو حديث عمرو بن شعيب. # وفي الباب أحاديث تشهد لهذه وتقويها (1) . # ( [ ### | الدليل على عدم قتل المؤمن بالكافر # ] :) # (لا العكس) ؛ أي: لا يقتل مؤمن بكافر؛ لحديث علي، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " ألا لا يقتل مؤمن بكافر ". # وأخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم ms699 - وصححه -. # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ~~نحوه. # وأخرجه ابن حبان في " صحيحيه " من حديث ابن عمر. # وأخرج البخاري وغيره عن علي: أنه قال له أبو جحيفة (2) : هل عندكم شيء من ~~الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ ~~PageV03P357 # إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في ~~هذه الصحيفة؟ قال: # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ". # وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقتل المسلم بالكافر الحربي. # وأما بالذمي؛ فذهب إلى ذلك الجمهور، وبه قال أبو حنيفة (1) . # ولم يأت من ذهب إلى قتل المسلم بالذمي بما يصلح للاستدلال به. # قال مالك: الأمر عندنا: أن لا يقتل مسلم بكافر؛ إلا أن يقتله المسلم قتل ~~غيلة؛ فيقتل به (2) . # قلت: وعليه الشافعي؛ إلا أنه أسقط هذا الاستثناء؛ لأن الأحاديث الصحيحة ~~في هذا الباب - مثل حديث علي وعبد الله بن عمر - ساكتة عنه. # ( [ ### | لا يقتل الأصل بالفرع # ] :) # (والفرع بالأصل لا العكس) ؛ أي: لا يقتل الأصل بالفرع؛ لحديث: " لا يقتل ~~الوالد بالولد ". PageV03P358 # أخرجه الترمذي من حديث عمر، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة (1) . # ولكن له طريق أخرى عند أحمد، والبيهقي، والدارقطني، ورجال إسنادها ثقات. # وأخرج نحوه الترمذي أيضا من حديث سراقة، وفي إسنادها ضعف. # وأخرجه أيضا من حديث ابن عباس. # وقد أجمع أهل العلم على ذلك، لم يخالف فيه؛ إلا البتي ورواية عن مالك. # ( [ ### | يثبت القصاص في الأعضاء والجروح # ؟] :) # (ويثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان) ؛ لقوله - تعالى -: ~~{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} ، وهي - وإن كانت حكاية عن بني إسرائيل ~~-؛ فقد قرر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في حديث أنس في " الصحيحين ~~"، وغيرهما: أن الربيع كسرت ثنية جارية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقصاص. # وأما تقييد ذلك بالإمكان؛ فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها؛ كعدم ~~إمكان الاقتصار ms700 على مثل ما في المجني عليه، وخطاب الشرع PageV03P359 # محمول على الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجني عليه، فإذا ~~كان لا يمكن إلا بمجاوزة للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار؛ فالأدلة الدالة على ~~تحريم دم المسلم، وتحريم الإضرار به - بما هو خارج عن القصاص - مخصصة لدليل ~~الاقتصاص. # قلت: إن كل طرف له مفصل معلوم، فقطعه ظالم من مفصله من إنسان اقتص منه؛ ~~كالإصبع يقطعها من أصلها، أو اليد يقطعها من الكوع، أو من المرفق، أو الرجل ~~يقطعها من المفصل؛ يقتص منه. # وكذلك لو قلع سنه، أو قطع أنفه، أو أذنه، أو فقأ عينه، أو جب ذكره، أو ~~قطع أنثييه؛ يقتص منه. # وكذلك لو شجه موضحة (1) في رأسه أو وجهه؛ يقتص منه. # ولو جرح رأسه دون الموضحة، أو جرح موضعا آخر من بدنه، أو هشم العظم؛ فلا ~~قود فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه. # وكذلك لو قطع يده من نصف الساعد؛ فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله ~~أن يقتص من الكوع، ويأخذ حكومة لنصف الساعد. # وعلى هذا أكثر أهل العلم في الجملة، وفي التفاصيل لهم اختلاف. # ( [ ### | يسقط القصاص بإبراء أحد الورثة # ] :) # (ويسقط بإبراء أحد الورثة، ويلزم نصيب الآخرين من الدية) : لما تقدم من ~~PageV03P360 # كون أمر القصاص والدية إلى الورثة، وأنهم بخير النظرين، فإذا أبرأوا من ~~القصاص سقط، وإن أبرأ أحدهم سقط؛ لأنه لا تبعض، ويستوفي الورثة نصيبهم من ~~الدية. # وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " وعلى المقتتلين أن ينحجزوا؛ الأول فالأول؛ وإن كانت امرأة ". # وأراد بالمقتتلين: أولياء المقتول. # وينحجزوا؛ أي: ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كانت امرأة (1) . # وقوله: " الأول فالأول "؛ أي: الأقرب فالأقرب. # هكذا فسر الحديث أبو داود. # وفي إسناده حصن بن عبد الرحمن - ويقال: ابن محصن - أبو حذيفة الدمشقي؛ ~~قال أبو حاتم الرازي: لا أعلم من روى عنه غير الأوزاعي، ولا أعلم أحدا نسبه ~~(2) . # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن ms701 ~~أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى: أن يعقل (3) عن المرأة ~~PageV03P361 # عصبتها (1) من كانوا، ولا يرثوا منها إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت ~~فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها. # وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه ~~غير واحد (2) . # فقوله: وهم يقتلون قاتلها: يفيد أن ذلك حق لهم؛ يسقط بإسقاطهم أو إسقاط ~~بعضهم. # وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه. # ( [ ### | متى يؤخر القصاص # ؟] :) # (فإذا كان فيهم صغير ينتظر في القصاص بلوغه) ؛ دليله: ما قدمنا من أن ذلك ~~حق لجميع الورثة، ولا اختيار للصبي قبل بلوغه (3) . # ( [ ### | متى يهدر القصاص # ؟] :) # (ويهدر ما سببه من المجني عليه) ؛ لحديث عمران بن حصين في " الصحيحين "، ~~وغيرهما: أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل؟ ! لا ~~دية لك ". # وفيهما أيضا من حديث يعلى بن أمية (4) . PageV03P362 # وإلى ذلك ذهب الجمهور. # ( [ ### | ما حكم من أمسك رجل ليقتله آخر # ] ) # (وإذا أمسك رجل وقتل آخر؛ قتل القاتل وحبس الممسك) ؛ لحديث ابن عمر - عند ~~الدارقطني (1) -، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إذا أمسك الرجل الرجل، وقتله الآخر؛ يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك "، ~~وهو من طريق الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر. # ورواه معمر، وغيره، عن إسماعيل؛ قال الدارقطني: والإرسال أكثر. # وأخرجه أيضا البيهقي، ورجح المرسل، وقال: إنه - موصولا - غير محفوظ. # قال ابن حجر: ورجاله ثقات، وصححه ابن القطان. # وأخرج الشافعي، عن علي: أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا، وأمسكه آخر، ~~قال: يقتل القاتل، ويحبس الآخر في السجن حتى يموت. # وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية والشافعية، ويؤيده قوله - تعالى -: {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} . # وبالجملة: فقتل القاتل مندرج تحت الأدلة المثبتة للقصاص. # وأما حبس الممسك؛ فذلك نوع من التعزير استحقه بسبب إمساكه للمقتول. # وقد روي عن النخعي، ومالك، والليث: أنه يقتل الممسك ms702 كالمباشر للقتل؛ ~~لأنهما شريكان. PageV03P363 # وفي " الموطإ ": أن عمر بن الخطاب قتل نفرا - خمسة أو سبعة - برجل واحد ~~قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء؛ لقتلتهم جميعا. # قال مالك: الأمر عندنا: أنه يقتل في العمد الرجال الأحرار بالرجل الحر ~~الواحد، والنساء بالمرأة كذلك، والعبيد (1) بالعبد كذلك أيضا. # في " المسوى ": # " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ قالوا: إذا اجتمع جماعة على قتل ~~واحد يقتلون به قصاصا ". اه. # أقول: إذا اشترك جماعة من الرجال - أو الرجال والنساء في قتل رجل عمدا ~~بغير حق -؛ قتلوا به كلهم، وهذا هو الحق؛ لأن الأدلة القرآنية والحديثية لم ~~تفرق بين كون القاتل واحدا أو جماعة. # والحكمة التي شرع القصاص لأجلها - وهي حقن الدماء وحفظ النفوس -: مقتضية ~~لذلك. # ولم يأت من قال بعدم جواز قتل الجماعة بالواحد بحجة شرعية؛ بل غاية ما ~~استدلوا به على المنع تدقيقات ساقطة ليست من الشرع في قبيل ولا دبير (2) ؛ ~~كما فعله الجلال في " ضوء النهار "، والمقبلي. PageV03P364 # وقد نقض الماتن ذلك في أبحاث أجاب بها على بعض علماء العصر، واستوفى جميع ~~الحجج. # وقوله: قتلوه غيلة؛ أي: حيلة، يقال: اغتالني فلان: إذا احتال حيلة يتلف ~~بها ماله. # ويقال: الغيلة؛ هي أن يخدعه؛ حتى يخرجه إلى موضع يخفى فيه، ثم يقتله. # تمالأ عليه أهل صنعاء؛ أي: تعاونوا عليه، واجتمعوا إليه. # قال في " الهدي ": # " وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا؛ فلا يسقط العفو، ولا نعتبر ~~فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره ~~شيخنا وأفتى به ". اه. # وقال قبل هذا ما لفظه: # " وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرتهم؛ فإنه من المعلوم: أن كل واحد ~~منهم - يعني: العرنيين - لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك ". اه. # ( [ ### | ما هي عقوبة قتل الخطإ # ] :) # (وفي قتل الخطإ الدية والكفارة) ؛ لنص الكتاب العزيز؛ على ما في النظم ~~القرآني من القيود والتفاصيل. # PageV03P365 # وقد وقع الإجماع على وجوب الدية والكفارة في الجملة، وإن وقع الخلاف في ms703 ~~بعض الصور؛ كوجوب الكفارة من مال الصغير إذا قتل؛ لأن عمده خطأ. # والخلاف في وجوب الكفارة من ماله معروف، فمن لم يوجبها؛ جعل إيجابها من ~~باب التكليف، فقال: لا تجب إلا على مكلف، ومن أوجبها؛ جعله من خطاب الوضع، ~~وهكذا المجنون. # والكفارة هي ما ذكر الله - سبحانه -: من تحرير الرقبة وما بعده من ~~الإطعام الصوم. # وأما الدية؛ فسيأتي بيانها، وبيان الخطإ المحض، والخطإ الذي هو شبه ~~العمد. # ( [ ### | ما هو قتل الخطإ # ؟] :) # (وهو ما ليس بعمد أو من صبي أو مجنون) ؛ قال مالك في " الموطإ ": " الأمر ~~المجتمع عليه عندنا: أنه لا قود بين الصبيان، وأن عمدهم خطأ؛ ما لم تجب ~~عليهم الحدود ويبلغوا الحلم، وأن قتل الصبي لا يكون إلا خطأ ". # قلت: وعلى هذا أكثر أهل العلم. # ( [ ### | على من تجب دية قتل الخطأ # ؟] ) # (وهي على العاقلة، وهم العصبة (1)) ؛ لحديث أبي هريرة - في PageV03P366 # " الصحيحين " - قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من ~~بني لحيان - سقط ميتا - بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها ~~بالغرة (1) توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها ~~وزوجها، وأن العقل على عصبتها. # وفي لفظ لهما: وقضى بدية المرأة على عاقلتها. # وفي " مسلم "، وغيره من حديث جابر، قال: كتب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على كل بطن عقولة (2) . # وأخرج أبو داود، وابن ماجه (3) : أن امرأتين - من هذيل - قتلت إحداهما ~~الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية ~~المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال عاقلة المقتولة: ~~ميراثها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ميراثها لزوجها وولدها ~~". # وصححه النووي؛ وفي إسناده مجالد، وهو ضعيف (4) . # وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب - قريبا - وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قضى أن تعقل عن المرأة عصبتها ... الحديث. PageV03P367 # وقد أجمع العلماء على ثبوت العقل، وإنما اختلفوا في التفاصيل، وفي مقدار ~~ما يلزم كل واحد من العاقلة. # أقول: الأدلة قد وردت بما ms704 يستفاد منه: أن القبيلة تعقل عن الجاني منها، ~~وأن البطن يعقل عن الجاني منه، والقرابة يعقلون عن القريب الجاني. # ولا منافاة بين هذه الأحاديث؛ بل يجمع بينها؛ بأن القرابة إذا قدروا على ~~تسليم ما لزم؛ فهم أخص من غيرهم، وإن احتاج اللازم إلى زيادة عليهم، ولم ~~يقدروا على الوفاء؛ لزم البطن (1) ، ثم القبيلة. # وبمجموع ما ورد في العقل: يرد على من قال: إنه غير ثابت في الشريعة، ~~مستدلا بمثل قوله - تعالى -: {لا تزر وازرة وزر أخرى} ، وبمثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " لا يجني جان إلا على نفسه "؛ لأن أدلة العقل أخص مطلقا؛ ~~فالعمل بها واجب. # والظاهر: أن العقل لازم في كل جنايات الخطإ؛ من غير فرق بين الموضحة وما ~~دونها وما فوقها. PageV03P368 ### | (الكتاب الثامن والعشرون: ### | كتاب الديات # ) # PageV03P369 # (28 - ### | كتاب الديات # (1 ### | - أحكام الدية والشجاج) # الأصل في الدية أنها تجب أن تكون مالا عظيما يغلبهم وينقص من مالهم، ~~ويجدون له ألما عندهم، ويكون بحيث يؤدونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر، ~~وهذا القدر يختلف باختلاف الأشخاص. # ( [ ### | مقدار دية الرجل المسلم # ] :) # (دية الرجل المسلم مائة من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف ~~دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، أو مائتا حلة) ؛ تقدير الدية بذلك؛ لحديث ~~عطاء بن أبي رباح، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: عطاء، عن جابر، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية على أهل الإبل مائة من ~~الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل ~~الحلل مائتي حلة "، رواه أبو داود، مسندا ومرسلا، وفيه عنعنة محمد بن ~~إسحاق. # وأخرج أحمد (1) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو ~~PageV03P371 # ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ~~من كان عقله في البقر؛ على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاء؛ ~~ألفي شاة "، وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد تكلم ms705 فيه غير ~~واحد، ووثقه جماعة. # وفي حديث عمرو بن حزم: " أن في النفس الدية مائة من الإبل ". # وهو حديث صحيح - قد تقدم تخريجه في قتل الرجل بالمرأة، وفيه أيضا -: " ~~وعلى أهل الذهب ألف دينار ". # وأخرج أبو داود (1) من حديث ابن عباس: أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا. # وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا. # وأخرج أبو داود (2) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ~~PageV03P372 # كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار، ~~أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، قال: ~~فكان كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا، فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ~~ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، ~~وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي ~~حلة. # ولا يخفى أن هذا لا يعارض ما تقدم؛ فقد وقع التصريح فيه برفع ذلك إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد اختلف أهل العلم في مقادير الدية، والحق: ما ثبت من تقدير الشارع؛ ~~كما ذكرناه. # وفي " الموطأ ": أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى، فجعلها على ~~أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. # قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق. # قلت: عليه مالك، وهو القول القديم للشافعي؛ إلا أنه قال: يقدر بتقدير عمر ~~بن الخطاب عند إعواز الإبل، والإبل هي الأصل في باب الديات، ثم رجع، وقال: ~~الأصل فيها الإبل، فإذا أعوزت؛ تجب قيمتها بالغة ما بلغت، وتأول حديث عمر ~~على أن قيمة الإبل كانت قد بلغت في زمانه اثني عشر ألف درهم، أو ألف دينار؛ ~~لحديث عمرو بن شعيب المتقدم. # وقال أبو حنيفة: الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. # وقال صاحباه: على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ms706 # PageV03P373 # والورق ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى ~~أهل الشاء ألفا شاة، وعلى أهل الحلل ألف حلة ". # ( [ ### | متى تغلظ الدية # ؟] :) # (وتغلظ دية العمد وشبهه) ، واتفقوا على أن التغليظ لا يعتبر؛ إلا في ~~الإبل دون الذهب والورق. # أقول: قد اختلفت الأحاديث في الديات تغليظا وتخفيفا ولكل قسم: # فالدية المغلظة في الخطأ الذي هو شبه العمد، والدية المخففة في الخطأ ~~المحض، والأحاديث مصرحة بذلك، فليرجع إليها، والمذاهب مختلفة. # وليس الحجة إلا في الدليل؛ لا في القال والقيل. # ( [ ### | كيف تغلظ الدية # ؟] :) # (بأن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها) ، لحديث عقبة بن ~~أوس، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خطب يوم فتح مكة، فقال: # " ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر؛ فيه دية مغلظة مائة من ~~الإبل؛ منها أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة (1) ". PageV03P374 # أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في " تاريخه "، ~~وساق اختلاف الرواة فيه (1) . # وأخرجه أيضا الدارقطني. # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عقل شبه العمد مغلظ كعقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان ~~بين الناس، فتكون دماء في غير ضغينة، ولا حمل سلاح ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في " التاريخ "، ~~والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل ~~منها أربعون في بطونها أولادها " وصححه ابن حبان، وابن القطان (3) . # وأخرج هذا الحديث من تقدم ذكره من حديث ابن عمر. # وفي الباب أحاديث. # وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أن القتل ~~على ثلاثة أضرب: عمد، وخطأ، وشبه عمد: PageV03P375 # ففي العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد - وهو ما كان بما مثله ~~لا يقتل في العادة؛ كالعصا ms707 والسوط والإبرة، مع كونه قاصدا للقتل - دية ~~مغلظة، وهي مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. # وممن ذهب إلى هذا: زيد بن علي، والشافعية، والحنفية، وأحمد، وإسحاق. # وقال مالك والليث: إن القتل ضربان: عمد وخطأ: # فالخطأ ما وقع بسب من الأسباب، أو غير مكلف، أو غير قاصد للمقتول ونحوه، ~~أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة. # والعمد ما عداه، والأول لا قود فيه. # وقد حكى صاحب " البحر " الإجماع على هذا؛ مع كون مذهب الجمهور على خلافه! # ( [ ### | مقدار دية الذمي # ] :) # (ودية الذمي نصف دية المسلم) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عقل الكافر نصف دية المسلم ". # أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه، وابن الجارود وصححه. # وأخرجه أيضا ابن ماجه بنحوه. # وأخرج ابن حزم من حديث عقبة بن عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # PageV03P376 # " دية المجوسي ثمانمائة درهم ". # وأخرجه أيضا الطحاوي، والبيهقي، وابن عدي، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ~~ضعيف. # وأخرج الشافعي، والدارقطني، والبيهقي، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر ~~يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة. # وقد ذهب إلى كون دية الذمي نصف دية المسلم مالك. # وقال الشافعي: إن دية الكافر أربعة آلاف درهم؛ كذا روي عنه. # والذي في " منهاج النووي ": " أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ~~ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم ". # قال شارحه المحلي: إنه قال بذلك عمر وعثمان وابن مسعود. # وحكى في " البحر " عن زيد بن علي وأبي حنيفة أن دية المجوسي كالذمي. # وذهب الثوري والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة: إلى أن دية الذمي كدية ~~المسلم. # وروي عن أحمد: أن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا؛ وإلا فنصف الدية. # احتج القائلون بتنصيف دية الذمي بالنسبة إلى دية المسلم بما تقدم. # واحتج القائلون بأنها كدية المسلم بقوله - تعالى -: {وإن كان من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} . # PageV03P377 # ويجاب بأن هذا الإطلاق مقيد بما ثبت عنه - صلى الله عليه ms708 وسلم - من كونها ~~على النصف من دية المسلم. # وعند الترمذي: " عقل الكافر نصف عقل المؤمن ". # قال ابن القيم: " هذا حديث حسن يصحح مثله أكثر أهل الحديث ". # وعند أبي داود: " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ: النصف ~~من دية المسلم، فلما كان عمر رفع دية المسلمين، وترك دية أهل الذمة، لم ~~يرفعها فيما رفع من الدية ". انتهى. ### | ( [مقدار دية المرأة، ودية أطرافها] :) # (ودية المرأة نصف دية الرجل، والأطراف وغيرها كذلك في الزائد على الثلث) ~~؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " عقل المرأة مثل عقل الرجل؛ حتى يبلغ الثلث من ديته " أخرجه النسائي (1) ~~، والدارقطني، وصححه ابن خزيمة. PageV03P378 # وأخرج البيهقي من حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " دية المرأة نصف دية الرجل "؛ قال البيهقي: إسناده لا يثبت مثله (1) . # وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن علي، أنه قال: دية المرأة على النصف من ~~دية الرجل في الكل (2) . # وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن عمر. # وقد أفاد الحديث المذكور: أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، وأن ~~أرشها (3) إلى الثلث من الدية مثل أرش الرجل، وقد وقع الخلاف في ذلك بين ~~السلف والخلف. # وأخرج مالك في " الموطأ "، والبيهقي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه ~~قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: فكم ~~في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، قلت: فكم في ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون من ~~الإبل، قلت: فكم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل، قلت: حين عظم جرحها واشتدت ~~مصيبتها نقص عقلها، قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت، أو جاهل ~~متعلم، قال: هي السنة يا ابن أخي! (4) PageV03P379 ### | ( [مقدار دية الأعضاء والشجاج] :) # (وتجب الدية كاملة في العينين والشفتين واليدين والرجلين والبيضتين، وفي ~~الواحدة منها نصفها، وكذلك تجب كاملة في الأنف واللسان والذكر والصلب، وأرش ~~المأمومة والجائفة ثلث ms709 دية المجني عليه، وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشرها، ~~وفي الهاشمة عشرها، وفي كل سن نصف عشرها، وكذا في الموضحة) (1) ؛ لحديث ~~عمرو بن حزم الذي تقدم تخريجه وتصحيحه، وفيه: " أن في الأنف إذا أوعب جدعة ~~الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي ~~الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف ~~الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمسة ~~عشر من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن ~~خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل ". # وأخرج أحمد (2) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضى في الأنف إذا جدع كله بالعقل كاملا، وإذا جدعت ~~PageV03P380 # أرنبته فنصف العقل، وقضى في العين نصف العقل، والرجل نصف العقل، واليد ~~نصف العقل، والمأمومة ثلث العقل، والمنقلة خمسة عشر من الإبل. # وقد أخرجه أبو داود، وابن ماجه بدون ذكر العين والمنقلة، وفي إسناده محمد ~~بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد تكلم فيه جماعة، ووثقه جماعة (1) . # وأخرج الترمذي (2) - وصححه - من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " دية أصابع اليدين والرجلين سواء؛ عشر من الإبل لكل أصبع ". # وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي ~~موسى. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في كل أصبع عشر من الإبل، وفي كل ~~سن خمس من الإبل، والأصابع سواء، والأسنان سواء ". # وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، وابن خزيمة، وابن الجارود - وصححاه - من ~~حديث عمرو بن شعيب أيضا، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " في المواضح خمس من الإبل ". # وفي " البخاري "، وغيره من حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: # " هذه وهذه - يعني: الخنصر والإبهام - سواء ". PageV03P381 # وأخرج أبو داود (1) ، وابن ماجه من حديث ms710 ابن عباس: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " الأسنان سواء؛ الثنية والضرس سواء ". # والمراد بالمأمومة: الجناية التي بلغت أم الدماغ، أو الجلدة الرقيقة التي ~~عليه. # وإلى إيجاب ثلث الدية فيها؛ ذهب علي وعمر والحنفية والشافعية. # والمراد بالجائفة: الجناية التي تبلغ الجوف. # وإلى إيجاب ثلث الدية فيها ذهب الجمهور. # والمراد بالمنقلة: الجناية التي تنقل العظام عن أماكنها. # وقد ذهب إلى إيجاب خمسة عشر ناقة فيها علي وزيد بن ثابت والشافعية ~~والحنفية. # والمراد بالهاشمة: التي تهشم العظم. # وقد أخرج الدارقطني، والبيهقي، وعبد الرزاق من حديث زيد بن ثابت: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في الهاشمة عشرا من الإبل. PageV03P382 # وقد قيل: إنه موقوف؛ لكن لذلك حكم الرفع في المقادير. # والمراد بالموضحة: التي تبلغ العظم ولا تهشم. # وقد اختلف في المنقلة والهاشمة والموضحة؛ هل هذا الأرش هو بالنسبة إلى ~~الرأس فقط أم في الرأس وغيره؟ # والظاهر: أن عدم الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في ~~المقال؛ كما تقرر في الأصول. # ( [ ### | مقدار أرش الجروح غير المسماة # ] :) # (وما عدا هذه المسماة فيكون أرشه بمقدار نسبته إلى أحدها تقريبا) ؛ لأن ~~الجناية قد لزم أرشها بلا شك؛ إذ لا يهدر دم المجني عليه بدون سبب، ومع عدم ~~ورود الشرع بتقدير الأرش لم يبق إلا التقدير بالقياس على تقدير الشارع. # وبيان ذلك: أن الموضحة إذا كان أرشها نصف عشر الدية - كما ثبت عن الشارع ~~- نظرنا إلى ما هو دون الموضحة من الجنايات، فإن أخذت الجناية نصف اللحم، ~~وبقي نصفه إلى العظم؛ كان أرش هذه الجناية نصف أرش الموضحة، وإن أخذت ثلثه؛ ~~كان الأرش ثلث أرش الموضحة، ثم هكذا. # وكذلك إذا كان المأخوذ بعض الأصبع كان أرشه بنسبة ما أخذ من الأصبع؛ إلى ~~جميعها، فأرش نصف الأصبع عشر الدية، ثم كذلك. # وهكذا الأسنان؛ إذا ذهب نصف السن؛ كان أرشه نصف أرش السن. # PageV03P383 # ويسلك هذا في الأمور التي تلزم فيها الدية كاملة كالأنف، فإذا كان الذاهب ~~نصفه؛ ففيه نصف الدية، والذكر، ونحو ذلك. # فهذا أقرب المسالك إلى ms711 الحق، ومطابقة العدل، وموافقة الشرع. # أقول: اعلم أن كل جناية فيها أرش مقدر من الشارع - كالجنايات التي في ~~حديث عمرو بن حزم الطويل، وفي غيره مما ورد في معناه - فالواجب الاقتصار في ~~المقدار على الوارد في النص. # وكل جناية ليس فيها أرش من الشارع - بل ورد تقدير أرشها عن صحابي أو ~~تابعي، أو من بعدهما - فليس في ذلك حجة على أحد. # بل المرجع في ذلك نظر المجتهد، وعليه أن ينظر في مقدار نسبتها من نسبة ~~الجناية، التي ورد فيها أرش مقدر من الشارع، فإذا غلب في ظنه مقدار النسبة؛ ~~جعل لها من الأرش مقدار نسبتها. # مثلا الموضحة ورد في الشرع تقدير أرشها، فإذا كانت الجناية دون الموضحة ~~كالسمحاق والمتلاحمة والباضعة والدامية (1) ؛ فعليه أن ينظر - مثلا - مقدار ~~ما بقي من اللحم إلى العظم، فإن وجده مقدار الخمس، والجناية قد قطعت من ~~اللحم أربعة أخماس؛ جعل في الجناية أربعا من الإبل، أو أربعين مثقالا؛ لأن ~~مجموع أرش الموضحة خمس من الإبل، أو خمسون مثقالا، وإن وجد الباقي من اللحم ~~ثلثا؛ جعل أرش الجناية بمقدار الثلثين من أرش PageV03P384 # الموضحة، ثم كذلك إذا بقي النصف أو الربع أو الخمس أو العشر، وهكذا في ~~سائر الجنايات التي لم يرد تقدير أرشها، فإنه ينبغي النسبة بينها وبين ما ~~ورد تقدير أرشه من جنسها، وحينئذ لا يحتاج الحاكم العالم إلى تقليد غيره من ~~المجتهدين كائنا من كان. # ولا يبقى تقسيم للجناية إلى ما يجب فيه أرش مقدر، وما تجب فيه حكومة. # ( [ ### | مقدار دية الجنين إذا خرج ميتا # ] :) # (وفي الجنين إذا خرج ميتا الغرة) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين ": أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا ~~بغرة: عبد أو أمة، وهو ثابت في " الصحيحين " بنحو هذا من حديث المغيرة ~~ومحمد بن مسلمة. # والغرة - بضم المعجمة وتشديد الراء -: أصلها البياض في وجه الفرس، وهنا ~~هي (1) العبد أو الأمة، كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله. # وأما إذا خرج الجنين حيا ثم ms712 مات من الجناية؛ ففيه الدية أو القود. # وهذا إنما هو في الجنين الحر. # والخلاف في الغرة طويل؛ قد استوفاه الماتن في " شرح المنتقى ". # ( [ ### | مقدار دية العبد وأرشه # ] ) # (وفي العبد قيمته، وأرشه بحسبها) ، لا خلاف في ذلك، وإنما اختلفوا إذا ~~PageV03P385 # جاوزت قيمته دية الحر؛ هل تلزم الزيادة أم لا؟ والأولى اللزوم. # وأرش الجناية عليه منسوب من قيمته؛ فما كان فيه في الحر نصف الدية، أو ~~ثلثها أو عشرها، أو نحو ذلك؛ ففيه في العبد نصف القيمة، أو ثلثها، أو ~~عشرها، أو نحو ذلك. # أقول: وجه قول من قال: " إنها تجب قيمة العبد وإن جاوزت دية الحر ": أن ~~العبد عين من الأعيان التي يصح تملكها، فكما يجب على متلف العين قيمتها وإن ~~جاوزت دية الحر؛ كذلك يجب على متلف العبد. # ووجه قول من قال: " إنه لا يلزم ما زاد على دية الحر ": أن العبد من نوع ~~الإنسان، وهو دون الحر في جميع الصفات المعتبرة، فغاية ما ينتهي إليه أن ~~يكون إنسانا حرا في الكمال، فتجب فيه الدية. # وأما الزيادة على ذلك فلا؛ لأن دية الحر هي نهاية ما يجب في الفرد من هذا ~~النوع الإنساني، والأول أرجح من حيث الرأي. # وأما من طريق الرواية؛ فلم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ~~شيء. # وقد روي عن علي مثل القول الأول، وروي عنه مثل القول الثاني. # ( [ ### | بيان حكم قتل الدابة والجناية عليها # ] ) # وأما الدابة إذا قتلها قاتل؛ ففيها قيمتها، وإذا جنى عليها؛ كان الأرش ~~مقدار نقص قيمتها بالجناية. # PageV03P386 # وهذا وإن لم يقم عليه دليل بخصوصه؛ فهو معلوم من الأدلة الكلية؛ لأن ~~العبد وسائر الدواب من جملة ما يملكه الناس، فمن أتلفه كان الواجب عليه ~~قيمته، ومن جنى عليه جناية تنقصه؛ كان الواجب عليه أرش النقص، كما لو جنى ~~على عين مملوكة من غير الحيوانات؛ وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر ~~الدواب؛ يجب في الجناية عليه نقص القيمة. # PageV03P387 # (2 - ### | باب القسامة # ( [ ### | بيان صورة القسامة # ] :) # صورة القسامة: أن يوجد قتيل، وادعى وليه على ms713 رجل أو على جماعة، وعليهم ~~لوث ظاهر. # واللوث: ما يغلب على القلب صدق المدعي بأن وجد فيما بين قوم أعداء لا ~~يخالطهم غيرهم؛ كقتيل خيبر (1) وجد بينهم، والعداوة بين الأنصار وبين أهل ~~خيبر ظاهرة، أو اجتمع جماعة في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو وجد في ~~ناحية قتيل وثم رجل مختضب بدمه، أو يشهد عدل واحد على أن فلانا قتله، أو ~~قاله جماعة من العبيد والنسوان جاؤوا متفرقين؛ بحيث يؤمن تواطؤهم (2) ، ~~ونحو ذلك من أنواع الموت، فيبدأ بيمين المدعي؛ فيحلف خمسين يمينا، ويستحق ~~دعواه، فإن نكل المدعي عن اليمين؛ ردت إلى المدعى عليه؛ فيحلف خمسين يمينا ~~على نفي القتل. # ويجب بها الدية المغلظة، فإن لم يكن هناك لوث؛ فالقول قول المدعى ~~PageV03P388 # عليه مع يمينه، كما في سائر الدعاوى. # ثم يحلف يمينا واحدا أو خمسين يمينا؛ قولان؛ أصحهما الأول. # فإن كان المدعون جماعة؛ توزع الأيمان عليهم على قدر مواريثهم على أصح ~~القولين، ويجبر الكسر. # والقول الثاني: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا، وإن كان المدعى عليهم ~~جماعة، ووزع على عدد رؤوسهم على أصح القولين؛ إن كان الدعوى في الأطراف - ~~سواء كان اللوث أو لم يكن - فالقول قول المدعى عليه مع يمينه. # هذا كله بيان مذهب الشافعي. # وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يبدأ بيمين المدعي؛ بل يحلف المدعى عليه، ~~وقال: إذا وجد قتيل في محلة؛ يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها، ~~ويحلفهم على أنهم ما قتلوه، ولا عرفوا له قاتلا، ثم يأخذ الدية من أرباب ~~الخطة (1) ، فإن لم يعرفوا؛ فمن سكانها. # أقول: اعلم أن هذا الباب قد وقع فيه لكثير من أهل العلم مسائل عاطلة عن ~~الدلائل، ولم يثبت في حديث صحيح ولا حسن قط ما يقتضي الجمع بين PageV03P389 # الأيمان والدية، بل بعض الأحاديث مصرح بوجوب الأيمان فقط، وبعضها مصرح ~~بوجوب الدية فقط. # والحاصل: أنه قد كثر الخبط والخلط في هذا الباب إلى غاية، ولم يتعبدنا ~~الله بإثبات الأحكام العاطلة عن الدلائل، ولا سيما إذا خالفت ما هو شرع ms714 ~~ثابت، وكانت تستلزم أخذ المال الذي هو معصوم إلا بحقه، ولهذا ذهب جماعة من ~~السلف - منهم أبو قلابة، وسالم بن عبد الله، والحكم بن عتيبة، وقتادة، ~~وسليمان بن يسار، وإبراهيم ابن علية، ومسلم بن خالد، وعمر بن عبد العزيز - ~~إلى أن القسامة غير ثابتة؛ لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه؛ قد ذكرها ~~الماتن - رحمه الله - في " شرح المنتقى "، وذكر ما أجيب به عنها من طريق ~~الجمهور، فليراجع. # ( [ ### | بم تثبت القسامة # ؟] :) # (إذا كان القاتل من جماعة محصورين ثبتت، وهي خمسون يمينا) لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " فتبرئكم اليهود بخمسين يمينا "؛ وهو في " الصحيحين " ~~من حديث سهل بن أبي حثمة. # ( [ ### | يخير المدعى عليهم بين أن يحلفوا خمسين يمينا أو يسلموا الدية # ] :) # (يختارهم ولي القتيل، والدية إن نكلوا عليهم، وإن حلفوا سقطت) ؛ لما ~~أخرجه مسلم، وغيره من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن رجل ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. # PageV03P390 # وقد ثبت أنهم في الجاهلية كانوا يخيرون المدعى عليهم، بين أن يحلفوا ~~خمسين يمينا أو يسلموا الدية؛ كما في القسامة التي كانت في بني هاشم - كما ~~أخرجه البخاري، والنسائي من حديث ابن عباس - وهي قصة طويلة، وفيها: أن ~~القاتل كان معينا، وأن أبا طالب قال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن ~~تؤدي مائة من الإبل؛ فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم ~~تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فأخبرهم، فقالوا: نحلف، فأتته امرأة ~~من بني هاشم كانت تحت رجل منهم،؛ كانت قد ولدت منه، فقالت: يا أبا طالب ~~{أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تصبر (1) يمينه حيث تصبر ~~الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب} أردت خمسين رجلا أن ~~يحلفوا مكان مائة من الإبل، فيصيب كل رجل منهم بعيران، هذان البعيران ~~فاقبلهما مني، ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية ~~وأربعون ms715 فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده؛ ما حال الحول ومن ~~الثمانية والأربعين عين تطرف. # ( [ ### | على من تكون الدية إذا التبس الأمر # ؟] :) # (وإن التبس الأمر كانت من بيت المال) ؛ لحديث سهل بن أبي حثمة، قال: ~~انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، ~~فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه، ثم قدم ~~المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة أبناء PageV03P391 # مسعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: " ~~كبر كبر "، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما، فقال: " أتحلفون وتستحقون قاتلكم ~~أو صاحبكم؟ "، فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ {قال: " فتبرئكم اليهود ~~بخمسين يمينا؟ " فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي صلى الله ~~عليه وسلم من عنده، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. # وفي لفظ: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة من ~~إبل الصدقة. # وقد اختلف أهل العلم في كيفية القسامة اختلافا كثيرا، وما ذكره الماتن هو ~~أقرب إلى الحق، وأوفق لقواعد الشريعة المطهرة. # وقد وقع في رواية من حديث سهل المذكور: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" تقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته "، فقالوا: أمر لم نشهده كيف ~~نحلف؟} # وقد أخرج أحمد والبيهقي، عن أبي سعيد، قال: وجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قتيلا بين قريتين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذرع ما ~~بينهما، فوجد أقرب إلى أحد الجانبين بشبر، فألقى ديته عليهم. # قال البيهقي: تفرد به أبو إسرائيل عن عطية، ولا يحتج بهما. # وقال العقيلي: هذا الحديث ليس له أصل. # وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن الشعبي: أن قتيلا وجد بين ~~وادعة وشاكر، فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى وادعة ~~أقرب، فأحلفهم خمسين يمينا؛ كل رجل: ما قتلته، ولا # PageV03P392 # علمت قاتلا، ثم أغرمهم الدية، فقالوا: يا أمير المؤمنين {لا أيماننا دفعت ~~عن أموالنا ولا أموالنا ms716 دفعت عن أيماننا، فقال عمر: كذلك الحق. # وأخرج نحوه الدارقطني، والبيهقي، عن سعيد بن المسيب، وفيه: أن عمر قال: ~~إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم صلى الله عليه وسلم. # قال البيهقي: رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم منكر، وفيه عمر بن صبيح ~~(1) ؛ أجمعوا على تركه. # وقال الشافعي: ليس بثابت؛ إنما رواه الشعبي، عن الحارث الأعور. # وهذا لا تقوم به حجة؛ لضعف إسناده - على فرض رفعه -. # وأما مع عدم الرفع؛ فليس في ذلك حجة؛ سواء ورد بإسناد صحيح أو غير صحيح، ~~والرجوع إلى قسامة الجاهلية التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~الصواب، وقد تقدم ذكرها. # وقد أخرج أبو داود (2) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، ~~عن رجل من الأنصار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود - وبدأ بهم -: ~~PageV03P393 # " يحلف منكم خمسون رجلا "، فأبوا، فقال للأنصار: " استحقوا "، فقالوا: ~~نحلف على الغيب يا رسول الله؟ ! فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دية ~~على اليهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم. # وهذا - إذا صح - لا يخالف ما ذكرناه من وجوب الدية على المتهمين إذا لم ~~يحلفوا، ولكنه مخالف لما ثبت في " الصحيحين " إن كانت هذه القصة هي تلك ~~القصة. # وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا الحديث ضعيف لا يلتفت إليه (1) . ~~PageV03P394 ### | (الكتاب التاسع والعشرون: ### | كتاب الوصية # ) # PageV03P395 # (29 - ### | كتاب الوصية # ( [ ### | متى تجب الوصية # ؟] :) # (تجب على من له ما يوصي فيه) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما حق امريء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه؛ إلا ووصيته ~~مكتوبة عند رأسه ". # وقد ذهب إلى الوجوب: عطاء، والزهري، وأبو مجلز، وطلحة بن مصرف، وآخرون، ~~وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق، وداود، وأبو عوانة، ~~وابن جرير. # وذهب الجمهور إلى أن الوصية مندوبة وليست بواجبة، ويجاب عنه بقوله - ~~تعالى -: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف} . # ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين لا يستلزم ms717 نسخ وجوبها في غير ذلك، ويجاب ~~عنه أيضا بحديث الباب، فإنه يفيد الوجوب. # قال في " المسوى ": # " وعليه أهل العلم، قال محمد: وبهذا نأخذ، هذا حسن جميل. # PageV03P397 # قال النووي: قال الشافعي: معنى الحديث: الجزم والاحتياط، وأن المستحب ~~تعجيل الوصية، وأن يكتبها في صحته ". # ( [ ### | متى تحرم الوصية # ؟] :) # (ولا تصح ضرارا) ؛ لحديث أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: # " إن الرجل ليعمل - أو المرأة - بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، ~~فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار "، ثم قرأ أبو هريرة: {من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله} إلى قوله: {وذلك الفوز العظيم} . # أخرجه أبو داود والترمذي. # وأخرج أحمد وابن ماجه معناه، وقالا فيه: " سبعين سنة "، وقد حسنه الترمذي ~~(1) ، وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال، وقد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن ~~معين. # وأخرج سعيد بن منصور موقوفا بإسناد صحيح عن ابن عباس: " الإضرار في ~~الوصية من الكبائر ". # وأخرجه النسائي مرفوعا (2) بإسناد رجاله ثقات. PageV03P398 # والآية الكريمة مغنية عن غيرها؛ ففيها تقييد الوصية المأذون بها بعدم ~~الضرار. # وقد روى جماعة من الأئمة الإجماع على بطلان وصية الضرار. # والحاصل: أن وصية الضرار ممنوعة بالكتاب السنة. # ( [ ### | أمثلة على أنواع الضرار بالوصية # ] :) # ومن جملة أنواع الضرار: تفضيل بعض الورثة على بعض؛ فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سمى ذلك جورا؛ كما في حديث النعمان بن بشير الصحيح. # ومن جملتها: أن تكون لإخراج المال مضارة للورثة؛ فإن من أوصى بماله؛ أو ~~جزء منه لقربة من القرب؛ مريدا بذلك إحرام الورثة جميع ميراثهم أو بعضه؛ ~~فوصيته باطلة؛ لأنه مضار. # وظاهر الأدلة: أنه لا ينفذ من وصية الضرار شيء؛ سواء كانت بالثلث أو بما ~~دونه أو بما فوقه؛ بل هي رد على فاعلها، فتكون أحاديث الإذن بالثلث مقيدة ~~بعدم الضرار، وقد جمع الماتن - رحمه الله - في هذا رسالة مختصرة. # ( [ ### | الدليل على أن الوصية لا تصح لوارث # ] :) # (ولا) تصح (لوارث) ؛ لحديث عمرو بن خارجة: أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms718 يقول: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث ". # أخرجه أحمد، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي، والدارقطني، # PageV03P399 # والبيهقي، وصححه الترمذي. # وأخرجه أيضا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه من حديث أبي ~~أمامة، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وهو قوي إذا روى عن الشاميين، وهذا ~~الحديث من روايته عنهم؛ لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وقد ~~حسنه الحافظ أيضا. # وأخرجه أيضا الدارقطني، من حديث ابن عباس؛ قال ابن حجر: رجاله ثقات، ~~ولفظه: # " لا تجوز وصية لوارث؛ إلا أن تشاء الورثة " (1) . # وأخرج الدارقطني، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لا وصية لوارث؛ إلا أن تجيز الورثة " (1) . # قال في " التلخيص ": إسناده واه. # وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه. # وعن جابر عند الدارقطني. # وعن علي عنده أيضا. # وقد قال الشافعي: " إن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن ~~حفظنا عنهم - من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم - لا يختلفون في أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: " لا وصية لوارث "، ويأثرونه عمن ~~حفظوه عنه ممن لقوه من PageV03P400 # أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد ". انتهى. # فيكون هذا الحديث مقيدا لقوله - تعالى -: {من بعد وصية يوصي بها} ، وقد ~~ذهب إلى ذلك الجمهور. # قال مالك في " الموطأ ": السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها: أنه ~~لا يجوز وصية لوارث؛ إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت ". # قلت: وعليه أهل العلم. # ( [ ### | الدليل على أن الوصية لا تصح في المعصية # ] :) # [ولا] تصح (في معصية) ؛ لحديث أبي الدرداء عند أحمد، والدارقطني، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم؛ ليجعلها ~~لكم زيادة في أعمالكم " (1) . # وأخرجه ابن ماجه (2) والبزار، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وفي إسناده ~~ضعف. # وأخرجه أيضا الدارقطني، والبيهقي، من حديث أبي أمامة، وإسناده ضعيف. # وأخرجه العقيلي في " الضعفاء " من حديث أبي بكر ms719 الصديق، وفيه متروك. # وأخرجه ابن السكن، وابن قانع، وأبو نعيم، والطبراني، من حديث PageV03P401 # خالد بن عبد الله السلمي، وهو مختلف في صحبته. # وهي تنتهض بمجموعها، وقد دلت على أن الإذن بالوصية بالثلث إنما هو لزيادة ~~الحسنات، والوصية في المعصية معصية؛ قد نهى الله عباده عن معاصيه في كتابه ~~وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. # فلو لم يرد ما يدل على تقييد الوصية بغير المعصية؛ لكانت الأدلة الدالة ~~على المنع من معصية الله مفيدة للمنع من الوصية في المعصية. # ( [ ### | بيان مقدار الوصية في القرب # ] :) # (وهي في القرب من الثلث) ؛ لحديث ابن عباس في " الصحيحين "، وغيرهما، ~~قال: لو أن الناس غضوا من الثلث؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " الثلث والثلث كثير ". # ومثله حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " ~~الثلث والثلث كثير - أو كبير - " لما قال: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: " لا "، ~~قال: فالشطر؟ قال: " لا "، قال: فالثلث؟ قال: " الثلث والثلث كثير - أو ~~كبير -؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس "، ~~وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. # وقد ذهب الجمهور إلى المنع من الزيادة على الثلث، ولو لم يكن للموصي ~~وارث. # وجوز الزيادة مع عدم الوارث: الحنفية، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية، ~~وهو قول علي، وابن مسعود. # PageV03P402 # واحتجوا بأن الوصية مطلقة في الآية، فقيدتها السنة بمن له وارث، فبقي من ~~لا وارث له على الإطلاق. # وقد أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، من حديث أبي زيد الأنصاري: أن رجلا ~~أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأعتق اثنين وأرق أربعة. # وفي لفظ لأبي داود، أنه قال صلى الله عليه وسلم: " لو شهدته قبل أن يدفن ~~لم يدفن في مقابر المسلمين ". # وقد أخرج الحديث مسلم وغيره من حديث عمران بن حصين. # وفي لفظ لأحمد: أنه جاء ورثته من الأعراب، فأخبروا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بما صنع، فقال: " أو فعل ذلك؟ ms720 ! لو علمنا - إن شاء الله - ما ~~صلينا عليه ". # اعلم أن الثلث المأذون به لكل أحد هو باعتبار ما يفعله الميت لنفسه من ~~القرب المقربة، التي لم تكن قد وجبت عليه بإيجاب الله - تعالى -، فما كان ~~من هذا القبيل؛ فهو من الثلث المأذون به، وأما ما كان قد تقدم له وجوب على ~~الميت - سواء كان حقا لله - عز وجل - كالزكاة والكفارات التي يعتقد الميت ~~وجوبها والحج، أو حق الآدمي كالديون - فإنه يجب إخراجه من رأس المال قبل كل ~~شيء، ولا وجه للتفصيل الذي ذكروه بين ما يتعلق بالمال ابتداء وما يتعلق به ~~انتهاء؛ فإن ذلك لا تأثير له أصلا. # فالحاصل: أن الميت إذا مات وجب إخراج ما قد وجب عليه من حقوق الله، وحقوق ~~الآدميين من رأس تركته، ثم ينظر فيما بقي، فإن كان الميت قد أوصى بقرب - لم ~~يتقدم لها وجوب عليه؛ بل أراد التقرب بها؛ إخراجها من # PageV03P403 # ثلث الباقي؛ لأن الله - سبحانه - قد أذن له أن يتصرف بثلث ماله كيف شاء؛ ~~بشرط عدم الضرار؛ كتفضيل بعض الورثة على بعض، أو إخراج المال عنهم لا لمقصد ~~ديني؛ بل لمجرد إحرامهم. # ثم ينظر في تلك القرب التي جعلها الميت لنفسه عند الموت، فإن استغرقت ثلث ~~الباقي، من دون زيادة ولا نقصان؛ فإنفاذها واجب، وإن زادت لم ينفذ الزائد؛ ~~إلا بإذن من الورثة. # فإذا أذنوا؛ فقد رضوا على أنفسهم بخروج جزء مما يملكونه؛ سواء كان قليلا ~~أو كثيرا، وإن نقصت عن استغراق الثلث؛ كان الفاضل من الثلث للورثة. # فهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه. # وأما جعل بعض حقوق الله الواجبة من الثلث، وبعضها من رأس المال؛ فلا أصل ~~لذلك؛ إلا مجرد خيالات مختلة. # ثم اعلم أن الظاهر عندي: أنه لا فرق بين حقوق الله الواجبة، وحقوق ~~الآدميين في مخرجها من التركة، وأنه لا يجب تقديم حقوق الآدمي على حقوق ~~الله؛ بل جميعها مستوية في ذلك؛ لأنها قد اشتركت في وجوبها على الميت، ولا ~~فرق بين واجب وواجب. # ومن زعم أن ms721 بعضها أقدم من بعض؛ فعليه الدليل. # على أنه لو قال قائل: إن حقوق الله أقدم من حقوق بني آدم؛ مستدلا على ذلك ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: " فدين الله أحق أن يقضى "؛ لم يكن بعيدا من ~~الصواب، لولا أن المراد بقوله: " يقضى "؛ أي: يفعله الفاعل؛ كالقريب يحج # PageV03P404 # عن قريبه ويصوم عنه، لا أن المراد أنه يدفع المال ليفعل ذلك فاعل آخر؛ ~~فإن ذلك يحتاج إلى دليل يدل على أنه يصح؛ فضلا عن أنه يجب. # ( [ ### | قضاء الديون مقدم على الوصية وجوبا # ] :) # (ويجب تقديم قضاء الديون) ؛ لحديث سعيد الأطول (1) عند أحمد، وابن ماجه، ~~بإسناد رجاله رجال الصحيح (2) : أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك ~~عيالا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه "، فقال: يا رسول الله {قد أديت ~~عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة؛ وليس لها بينة} قال: " فأعطها؛ فإنها محقة ~~". # وليس في ذلك خلاف، وقد دل عليه قوله - تعالى -: {من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين (3) } . PageV03P405 # ( [ ### | السلطان يقضي دين من مات ولم يترك ما يقضي دينه # ] :) # (ومن لم يترك ما يقضي دينه؛ قضاه السلطان من بيت المال) ؛ لحديث أبي ~~هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: # " من خلف مالا أو حقا فلورثته، ومن خلف كلا (1) أو دينا (2) ؛ فكله إلي ~~ودينه علي ". # وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، من حديث ~~جابر (3) . # وأخرجه أيضا البيهقي، والدارقطني، من حديث أبي سعيد. # وأخرجه أيضا الطبراني، من حديث سلمان. # وأخرجه ابن حبان في " ثقاته "، من حديث أبي أمامة. PageV03P406 ### | (الكتاب الثلاثون: ### | كتاب المواريث # ) # PageV03P407 # (30 - ### | كتاب المواريث # ( [ ### | المواريث واضحة في كتاب الله # ] :) # (هي مفصلة في الكتاب العزيز) ، ومعلومة لأهل العلم والتمييز. # قال الماتن: " لم نتعرض ههنا لذكرها، واقتصرنا على ذكر ما ثبت في السنة ~~أو الإجماع، ولم نذكر ما كان لا مستند له إلا محض الرأي؛ كما جرت به عادتنا ~~في هذا الكتاب، فليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين، ms722 فلكل عالم رأيه واجتهاده ~~مع عدم الدليل، ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر. # وإذا عرفت هذا؛ اجتمع لك مما في الكتاب العزيز، وما ذكرناه ههنا جميع علم ~~الفرائض الثابت بالكتاب والسنة، فإن عرض لك من المواريث ما لم يكن فيهما؛ ~~فاجتهد فيه برأيك؛ عملا بحديث معاذ المشهور (1) ". انتهى. ### | ( [مراتب الورثة: أصحاب الفروض أولا ثم العصبات ثانيا] :) # (ويجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة، وما بقي فللعصبة) (2) لحديث ابن ~~PageV03P409 # عباس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى (1) رجل ذكر ". # والمراد بالفرائض هنا: الأنصباء المقدرة. # وأهلها: هم المستحقون لها بالنص. # وما بقي بعد إعطاء ذوي الفرائض فرائضهم؛ فهو لأولى رجل ذكر. # ( [ ### | مثال على العصبة # ] :) # (والأخوات مع البنات عصبة) ؛ أي: يأخذن ما بقي من غير تقدير؛ كما يأخذه ~~الرجل بعد فروض أهل الفروض؛ لحديث ابن مسعود عند البخاري وغيره: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، بأن للبنت النصف، ولبنت ~~الابن السدس؛ تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. # وقد أفاد هذا أن ل ### | بنت الابن مع البنت # السدس؛ تكملة الثلثين. # ( [ ### | المستحقون للسدس # ] :) # (1 -[بنت الابن مع البنت] :) # (ولبنت الابن مع البنت السدس؛ تكملة الثلثين) ، وقد قيل: إن ذلك مجمع ~~عليه. PageV03P410 # (2 -[ ### | الأخت لأب مع الأخت لأبوين # ] :) # (3 -[ ### | الجدة مع عدم الأم # ] :) # (وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين، وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم) ؛ ~~لحديث قبيصة بن ذؤيب عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وصححه وابن ~~حبان، والحاكم؛ قال: " جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها؟ فقال: ما لك ~~في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا، فارجعي حتى أسأل ~~الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ~~ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، قال: ثم جاءت الجدة الأخرى ~~إلى عمر، فسألته ms723 ميراثها؟ فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك ~~السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها (1) . # قال ابن حجر: وإسناده صحيح لثقة رجاله؛ إلا أن صورته مرسل؛ فإن قبيصة لا ~~يصح سماعه من الصديق، ولا يمكن شهوده القصة؛ قاله ابن عبد البر، وقد اختلف ~~في مولده، والصحيح: أنه ولد عام الفتح، فيبعد شهوده القصة. # وأخرج عبد الله بن أحمد في " مسند أبيه "، وابن منده في " مستخرجه "، ~~والطبراني في " الكبير "، من حديث عبادة بن الصامت: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما، وهو من رواية إسحاق بن ~~يحيى عن عبادة، ولم يسمع منه (2) . PageV03P411 # وأخرج أبو داود والنسائي، من حديث بريدة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم. # وصححه ابن السكن، وابن خزيمة، وابن الجارود، وقواه ابن عدي، وفي إسناده ~~عبيد الله العتكي، وهو مختلف فيه. # وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن يزيد - مرسلا -، قال: أعطى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثلاث جدات السدس؛ ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل ~~الأم " (1) . # وأخرجه أيضا أبو داود في " المراسيل " عن إبراهيم النخعي. # وأخرجه أيضا البيهقي من مرسل الحسن. # وأخرجه الدارقطني من طرق عن زيد بن ثابت. # وفي الباب آثار غير ما ذكر. # قال في " البحر ": مسألة: فرضهن - يعني: الجدات - السدس وإن كثرن إذا ~~استوين، وتستوي أم الأم وأم الأب؛ لا فضل بينهما، فإن اختلفن سقط الأبعد ~~بالأقرب، ولا يسقطهن إلا الأمهات. # والأب يسقط الجدات من جهة، والأم من الطرفين. # أقول: التفاصيل والتفاريع المذكورة في الكتب ينبغي إمعان النظر في ~~PageV03P412 # مستنداتها، ومجرد اجتهاد فرد من أفراد الصحابة ليس بحجة على أحد، وكذلك ~~اجتهاد جماعة منهم لم يبلغوا حد الإجماع. # (4 -[ ### | للجد مع من لا يسقطه # ] :) # (وهو للجد مع من لا يسقطه) ؛ لحديث عمران بن حصين: أن رجلا أتى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن ابن ابني مات؛ فما لي من ميراثه؟ قال: " لك ~~السدس "، فلما ms724 أدبر دعاه، قال: " لك سدس آخر "، فلما أدبر دعاه، فقال: " إن ~~السدس الآخر طعمة " (1) . # رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي - وصححه -. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن الحسن: أن عمر سأل عن ~~فريضة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجد؟ فقام معقل بن يسار المزني، ~~فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ماذا؟ قال: السدس، قال: ~~مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت؛ فما تعني إذن؟ ! # وهو منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر (2) . # وقد أخرج البخاري ومسلم في " صحيحيهما " حديث الحسن عن معقل. # وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم اختلافا كثيرا، ورويت عنهم قضايا متعددة. ~~PageV03P413 # وقد دل الدليل على أنه يستحق السدس، وأنه فرضه، فإذا صار إليه زيادة ~~عليه؛ فهو طعمة، وذلك كما في حديث عمران. # وإنما قيدنا استحقاقه للسدس بعدم المسقط؛ لأنه إذا كان معه من يسقطه ~~كالأب؛ فلا شيء له، وهكذا إذا كان مع الجد؛ من يسقطه الجد فله بالميراث ~~كله. # أقول: ليس في الأحاديث المتقدمة ذكر من كان معه من الورثة، ولم يبق بعد ~~ذلك إلا مجرد روايات من علماء الصحابة ومن بعدهم، وتمثيلات وتشبيهات ليست ~~من الحجة في شيء، ولا يبعد أن يقال: بأنه أحق الميراث من الأخوة والأخوات ~~مطلقا؛ لأنه إن لم يكن والدا حقيقة، فهو بمنزلة الوالد، والأب يسقط الأخوة ~~والأخوات مطلقا. # ومن زعم أنه وجد في الأب من المزايا ما لا يشاركه فيها الجد؛ فعليه ~~الدليل، ومن قال: إن ثم دليلا يقتضي أن الجد يقاسم الأخوة، ويأخذ الباقي ~~بعد الأخوات؛ فعليه أيضا الدليل. # ( [ ### | بيان أنه لا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب # ] :) # (ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب) ، ولا ~~خلاف في ذلك بين أهل العلم. # ( [ ### | بيان الخلاف في ميراث الإخوة والأخوات مع الجد # ] :) # (وفي ميراثهم مع الجد خلاف) ؛ لعدم ورود الدليل الذي تقوم به الحجة: # PageV03P414 # فذهب جماعة من الصحابة - منهم أبو بكر - وعمر - إلى أن الجد ms725 أولى من ~~الإخوة، وذهب جماعة - منهم علي وابن مسعود وزيد بن ثابت - إلى أن الجد ~~يقاسم الإخوة. # والخلاف في المسألة يطول، فمن قال: إنه يسقط الإخوة؛ قال: إنه يصدق عليه ~~اسم الأب، وأجاب الآخرون بأنه مجاز لا تقوم به الحجة. # ووقع الخلاف في كيفية المقاسمة؛ كما هو مبين في كتب الفرائض. ### | ( [بيان أن الأخوة يرثون مع البنات؛ إلا الأخوة لأم] :) # (ويرثون) ؛ أي: الأخوة (مع البنات؛ إلا الإخوة لأم) ؛ لحديث جابر عند ~~أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، والحاكم، قال: جاءت امرأة ~~سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتيها من سعد، فقالت: ~~يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع؛ قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، ~~وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا بمال؟ فقال: " ~~يقضي الله في ذلك "، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عمهما، فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو ~~لك " (1) ، فهذا دليل على ميراث الإخوة مع البنات. # وأما الإخوة لأم؛ فلا يرثون مع البنت؛ لقوله - تعالى -: {وإن كان رجل ~~يورث كلالة} الآية، وهي في الإخوة لأم كما في بعض القراءات. # ( [ ### | بيان أن الأخ لأب يسقط مع الأخ لأبوين # ] :) # (ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين) ؛ لحديث علي، قال: إنكم تقرؤون ~~PageV03P415 # هذه الآية: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} ، وإن رسول صلى الله عليه وسلم ~~قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات؛ الرجل ~~يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. # أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم، وفي إسناده الحارث الأعور (1) ~~. # ولكنه قد وقع الإجماع على ذلك، والمراد بالأعيان: الإخوة لأبوين، والمراد ~~ببني العلات: الإخوة لأب، ويقال للإخوة لأم: الأخياف. ### | ( [المرتبة الثالثة: للورثة ذوي الأرحام] :) # (وأولو الأرحام يتوارثون، وهم أقدم من بيت المال) ؛ لقوله تعالى: {وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض} ؛ فإنها تفيد أنه إذا مات ميت، ولا وارث له إلا ~~من هو من ذوي أرحامه - وهو من ms726 عدا العصبات وذوي السهام في مصطلح أهل ~~الفرائض - فإنه يرثه، وقوله - تعالى -: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} ، ولفظ الرجال والنساء ~~والأقربين يشمل ذوي الأرحام. # ومما يؤيد ذلك: حديث المقدام بن معد يكرب عند أحمد، وأبي داود، وابن ~~ماجه، والنسائي، والحاكم، وابن حبان وصححاه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: # " من ترك مالا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له؛ أعقل عنه وأرثه، ~~PageV03P416 # والخال وارث من لا وارث له؛ يعقل عنه ويرثه ". # وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، من حديث عمر، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، بلفظ: " والخال وارث من لا وارث له ". # وأخرجه بهذا اللفظ من حديث عائشة: الترمذي، والنسائي، والدارقطني، وحسنه ~~الترمذي، وأعله الدارقطني بالاضطراب. # وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينة. # وأخرجه العقيلي، وابن عساكر عن أبي الدرداء. # وأخرجه ابن النجار عن أبي هريرة. # كلها مرفوعة؛ وهو حديث له طرق؛ أقل أحواله أن يكون حسنا لغيره. # ومن ذلك: حديث: " ابن أخت القوم منهم "، وهو حديث صحيح. # ومن ذلك: ما ثبت من جعله - صلى الله عليه وسلم - ميراث ابن الملاعنة ~~لورثة أمه، وهم لا يكونون إلا ذوي الأرحام. # والكلام على هذه الأحاديث مبسوط في " شرح المنتقى ". # ويمكن أن يقال: إن حديث: " فما أبقت الفرائض؛ فلأولى رجل ذكر ": يدل على ~~أن الذكور من ذوي الأرحام أولى من الإناث، فيكون حديث نفي ميراث العمة ~~والخالة مفيدا لهذا المعنى ومقويا له؛ مع حديث: " الخال وارث ". # PageV03P417 # وبذلك يجمع بين الأحاديث. # وقد قال بمثل ذلك أبو حنيفة، وقد اختلف في ذلك الصحابة فمن بعدهم، وإلى ~~توريث ذوي الأرحام ذهب الجمهور. # وهذه الأدلة - كما تفيد إثبات التوارث بين ذوي الأرحام - تفيد تقديمهم ~~على بيت المال، ومما يؤيد ذلك: حديث عائشة عند أحمد، وأهل " السنن "، وحسنه ~~الترمذي: أن مولى للنبي صلى الله عليه وسلم خر من عذق نخلة، فمات، فأتي به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " هل له من نسب أو رحم؟ "، قالوا: لا، ~~قالوا: ms727 " أعطوا ميراثه بعض أهل قريته ". # فقوله: " أو رحم ": فيه دليل على تقديم ميراث ذوي الأرحام على الصرف إلى ~~بيت مال المسلمين. # وأخرج أبو داود، من حديث ابن عباس، قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس ~~بينهما نسب، فيرث أحدهما من الآخر، فنسخ ذلك آية الأنفال، فقال: {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض} ، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال. # وأخرجه أيضا الدارقطني. # وأخرج نحوه ابن سعد، عن أبي الزبير. # وفي ذلك دليل على أن الآية في توريث ذوي الأرحام محكمة، وبها # PageV03P418 # نسخ ما كان من الميراث بالمخالفة. # ( [ ### | متى يصار إلى العول # ؟] :) # (فإن تزاحمت الفرائض فالعول) (1) ، وذلك هو الحق الذي لا يمكن الوفاء بما ~~أمر الله به؛ إلا بالمصير إليه. # وقد أوضح الماتن ذلك في رسالة مستقلة سماها " إيضاح القول في إثبات مسألة ~~العول "، ودفع جميع ما قاله النافون للعول. # وقد أوضحت المقام في " دليل الطالب على أرجح المطالب "، فليراجع. # ( [ ### | من يرث ولد الملاعنة والزانية # ؟] :) # (ولا يرث ولد الملاعنة والزانية؛ إلا من أمه وقرابتها، والعكس) ؛ لحديث ~~سهل بن سعد في " الصحيحين " وغيرهما في حديث الملاعنة: " أن ابنها كان ينسب ~~إلى أمه، فجرت السنة: أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها ". # وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. # وفي إسناده أبو محمد (2) . PageV03P419 # وأخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث واثلة ابن ~~الأسقع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عنه ~~"؛ قال الترمذي: حسن غريب، وفي إسناده عمر بن روبة (1) التغلبي، وفيه مقال. # وقد صحح هذا الحديث الحاكم. # وأخرج أحمد، وأبو داود، من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " لا مساعاة (2) في الإسلام، من ساعى في الجاهلية؛ فقد ألحقته بعصبته، ~~ومن ادعى ولدا من غير رشدة (3) ؛ فلا يرث ولا يورث ". # وأخرج الترمذي، من حديث عمرو ms728 بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: # " أيما رجل عاهر بحرة أو أمة؛ فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث "؛، ~~PageV03P420 # وفي إسناده أبو محمد عيسى بن موسى القرشي الدمشقي؛ قال البيهقي: ليس ~~بمشهور (1) . # وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب - أيضا - عن أبيه، عن جده: أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قضى أن كل مستلحق ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو ~~أمة، وذلك فيما استلحق في أول الإسلام. # وفي إسناده محمد بن راشد المكحولي الشامي، وفيه مقال (2) . # وقد أجمع العلماء على أن ولد الملاعنة وولد الزنا لا يرثان من الأب، ولا ~~من قرابته، ولا يرثونهما، وأن ميراثهما يكون لأمهما ولقرابتها، وهما يرثان ~~منهم. # ( [ ### | متى يرث المولود # ؟] :) # (ولا يرث المولود إلا إذا استهل) ؛ لحديث أبي هريرة عند أبي داود، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا استهل المولود ورث " (3) ، وفي ~~إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف. # وقد روي عن ابن حبان تصحيحه. # وأخرج أحمد في رواية ابنه عبد الله في " المسند " عن المسور بن مخرمة ~~PageV03P421 # وجابر بن عبد الله، قالا: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لا يرث الصبي حتى يستهل " (1) . # وأخرجه أيضا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، بلفظ: # " إذا استهل السقط صلي عليه وورث " (1) ، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم، ~~وهو ضعيف. # قال الترمذي: وروي مرفوعا، والموقوف أصح، وبه جزم النسائي، وقال ~~الدارقطني في " العلل ": لا يصح رفعه. # والمراد بالاستهلال: صدور ما يدل على حياة المولود من صياح، أو بكاء، أو ~~نحوهما. # ولا خلاف بين أهل العلم في اعتبار الاستهلال في الإرث. # (وميراث العتيق لمعتقه، ويسقط بالعصبات، وله الباقي بعد ذوي السهام) ؛ ~~لحديث: " الولاء لمن أعتق "، وهو ثابت في " الصحيح ". # وأخرج أحمد عن قتادة، عن سلمى بنت حمزة: " أن مولاها مات وترك ابنته، ~~فورث النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته النصف، وورث يعلى النصف، وكان ابن ~~سلمى " (2) ، ورجال أحمد رجال الصحيح، ولكن PageV03P422 # قتادة لم يسمع من سلمى بنت ms729 حمزة. # وأخرجه أيضا الطبراني. # وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس: " أن مولى لحمزة توفي وترك ابنته ~~وابنة حمزة، فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته النصف، وابنة حمزة ~~النصف ". # وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابنة حمزة. # وكذلك أخرجه النسائي، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ~~ضعيف. # وقد وقع الاختلاف في اسم ابنة حمزة، فقيل: سلمى، وقيل: فاطمة. # وفي الحديثين دليل على أن لذوي سهام العتيق سهامهم، والباقي للمعتق أو ~~لعصبته. # وقد وقع الخلاف فيمن ترك ذوي أرحامه ومعتقه؛ فروي عن عمر بن الخطاب وابن ~~مسعود وابن عباس: أن مولى العتاق لا يرث؛ إلا بعد ذوي الأرحام، وذهب غيرهم ~~إلى أنه يقدم على ذوي الأرحام، ويأخذ الباقي بعض ذوي السهام، ويسقط ~~بالعصبات. # وقد روي: أن المولى كان لحمزة، واستدل به من قال: إنه يكون لذوي سهام ~~المعتق الباقي بعد ذوي سهام العتيق. # PageV03P423 # والصحيح: أنه مولى ابنة حمزة. # وقد أخرج ابن أبي شيبة، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا ترث النساء من الولاء؛ إلا ولاء ~~من أعتقن، أو أعتقه من أعتقن " (1) . # وأخرج البيهقي، عن علي، وعمر، وزيد بن ثابت: أنهم كانوا لا يورثون النساء ~~من الولاء؛ إلا ولاء من أعتقن (1) . # وأخرج البرقاني على شرط الصحيح، عن هذيل بن شرحبيل، قال: جاء رجل إلى عبد ~~الله بن الزبير، فقال: إني أعتقت عبدا لي وجعلته سائبة، فمات وترك مالا ولم ~~يدع وارثا؟ قال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإنما كان أهل ~~الجاهلية يسيبون، وأنت ولي نعمته؛ فلك ميراثه، وإن تأثمت وتحرجت في شيء؛ ~~فنحن نقبله ونجعله في بيت المال. # ( [ ### | بيان تحريم بيع الولاء وهبته # ] :) # (ويحرم بيع الولاء وهبته) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الولاء وهبته. # وفي الباب أحاديث - قد تقدم بعضها -: PageV03P424 # منها: حديث: " الولاء لحمة كلحمة النسب؛ لا يباع ms730 ولا يوهب " (1) ، وقد ~~صححه ابن حبان. # والبيهقي من حديث ابن عمر أيضا. # وقد ذهب الجمهور إلى عدم جواز بيع الولاء وهبته، وخالف في ذلك مالك، ~~وتقدمه بعض الصحابة. # ( [ ### | لا توارث بين ملتين # ] :) # (ولا توارث بين أهل ملتين) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، ~~والدارقطني، وابن السكن، من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: # " لا يتوارث أهل ملتين شتى ". # وأخرج الترمذي، من حديث جابر مثله بدون لفظ: " شتى (2) "، وفي إسناده ابن ~~أبي ليلى. # وأخرج البخاري، وغيره من حديث أسامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~PageV03P425 # - قال: # " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم "؛ وهو أيضا في " مسلم ". # وأخرج البخاري، وغيره حديث: " وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ! "، وكان عقيل ~~وطالب كافرين. # وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يرث المسلم من الكافر، ولا الكافر من ~~المسلم، والخلاف في توارث الملل الكفرية المختلفة. # وعموم حديث عبد الله بن عمرو وجابر يقتضي عدم التوارث. # قال في " المسوى ": # " والكفر ملة واحدة؛ يرث اليهودي من النصراني، وبالعكس ". # أقول: وأما المرتد؛ فكافر ليس من أهل ملة الإسلام، فقد شملته الأحاديث ~~المتقدمة. # فمن زعم أنه يرث مال المرتد قرابته المسلمون؛ فعليه الدليل الصالح ~~للتخصيص. # ( [ ### | بيان أنه لا يجوز للقاتل أن يرث من المقتول # ] :) # (ولا يرث القاتل من المقتول) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لا يرث القاتل شيئا ". # PageV03P426 # أخرجه أبو داود (1) والنسائي، وأعله الدارقطني، وقواه ابن عبد البر. # وأخرج مالك في " الموطأ "، وأحمد، وابن ماجه، والنسائي، والشافعي، وعبد ~~الرزاق، والبيهقي عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: # " ليس لقاتل ميراث " وفيه انقطاع. # وأخرج الدارقطني، من حديث ابن عباس مرفوعا: # " لا يرث القاتل شيئا " وفي إسناده كثير بن سليم (2) ، وهو ضعيف. # وأخرج البيهقي عنه حديثا آخر بلفظ: " من قتل قتيلا فإنه لا يرثه؛ وإن لم ~~يكن له وارث غيره ". # وفي لفظ: " وإن كان والده أو ولده ms731 "، وفي إسناده عمرو بن برق (3) ، وهو ~~ضعيف. # وأخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ: " القاتل لا ~~PageV03P427 # يرث " وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو ضعيف. # وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، وهي تدل على أنه لا يرث القاتل؛ من غير ~~فرق بين العامد والخاطئ، وبين الدية وغيرها من مال المقتول. # وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأكثر أهل العلم. # وقال مالك والنخعي: إن قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية، وهو تخصيص ~~بغير مخصص (1) . # ويرده على الخصوص ما أخرجه الطبراني: أن عمر بن شيبة (2) قتل امرأته خطأ، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " أعقلها ولا ترثها ". # وما أخرجه البيهقي: أن عديا الجذامي (3) كان له امرأتان اقتتلتا، فرمى ~~إحداهما فماتت، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه ~~PageV03P428 # فذكر ذلك له، فقال له: # " أعقلها ولا ترثها ". # وأخرج البيهقي أيضا: أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه، فطالب في ميراثها، فقال ~~له - صلى الله عليه وسلم -: # " حقك من ميراثها الحجر "، وأغرمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شيئا. # وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة مصرحة بذلك؛ ساقها البيهقي وغيره. # قلت: وعليه عامة أهل العلم: أن من قتل مورثه لا يرثه؛ عمدا كان القتل أو ~~خطأ. # إلا أن أبا حنيفة قال: قتل الصبي لا يمنع الميراث! كذا في " المسوى ". # ( [ ### | بيان إرث المماليك # ] :) # وأما إرث المماليك من بعضهم البعض، أو من مواليهم؛ فقد قيل: إنه وقع ~~الإجماع على أن الرق من موانع الإرث، وفي دعوى الإجماع نظر؛ فإن الخلاف في ~~كون العبد يملك أو لا يملك معروف، ومقتضى ذلك إثبات الميراث. # وليس في المقام ما يدل على عدم الإرث، وقد ورد من حديث ابن عباس: أن رجلا ~~مات على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم # PageV03P429 # -، ولم يترك وارثا إلا عبدا؛ فأعطاه ميراثه، أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، ~~وحسنه الترمذي (1) ، وقد قيل: إنه صرف إليه ذلك صرفا، وهو خلاف الظاهر. ~~PageV03P430 ### | (الكتاب الحادي والثلاثون: ### | كتاب الجهاد والسير # ) # PageV03P431 # (31 - ### | كتاب الجهاد والسير ### | ( [الفصل ms732 الأول: أحكام الجهاد] ) # ( [ ### | فضل الجهاد والترغيب فيه # ] :) # (الجهاد) (1) ؛ قد ورد في فضله والترغيب فيه من الكتاب والسنة ما هو ~~معروف، وقد أفرد ذلك بالتأليف جماعة من أهل العلم، وحررت فيه كتاب " العبرة ~~بما جاء في الغزو والشهادة والهجرة "، وهو أجمع ما جمع في ذلك في هذا القطر ~~والعصر. # وقد أمر الله بالجهاد بالأنفس والأموال، وأوجب على عباده أن ينفروا إليه، ~~وحرم عليهم التثاقل عنه. # وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لغدوة (2) أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها "، وهو في " ~~الصحيحين "، وغيرهما من حديث أنس. PageV03P433 # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الجنة تحت ظلال السيوف "، كما ~~في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي موسى، وابن أبي أوفى. # وثبت في " صحيح البخاري "، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من اغبرت قدماه في سبيل الله؛ حرمه الله على النار ". # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من ~~الدنيا وما عليها "، كما في " الصحيحين " من حديث سهل بن سعد. # وأخرج أهل " السنن " (1) - وصححه الترمذي - من حديث معاذ بن جبل: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قاتل في سبيل الله فواق (2) ناقة؛ وجبت له الجنة ". # فناهيك بعمل يوجب الله لصاحبه الجنة، ويحرمه على النار، ويكون مجرد الغدو ~~إليه أو الرواح منه خيرا من الدنيا وما فيها. ### | ( [متى يكون الجهاد فرض عين؟ ومتى يكون فرض كفاية؟] :) # (فرض كفاية) ؛ لما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس قال: " {إلا تنفروا ~~يعذبكم عذابا أليما} ، و {ما كان لأهل المدينة} إلى قوله: {يعملون} : ~~PageV03P434 # نسختها الآية التي تليها: {وما كان المؤمنون} "، وقد حسنه ابن حجر (1) . # قال الطبري: يجوز أن يكون {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} خاصا، والمراد ~~به من استنفره النبي صلى الله عليه وسلم فامتنع، قال ابن حجر: والذي يظهر ~~لي أنها مخصوصة وليست بمنسوخة، وقد وافق ابن عباس على دعوى النسخ عكرمة ~~والحسن البصري؛ كما روى ذلك الطبري ms733 عنهما. # ومن الأدلة الدالة على أنه فرض كفاية: أنه كان صلى الله عليه وسلم يغزو ~~تارة بنفسه، وتارة يرسل غيره ويكتفي ببعض المسلمين، وقد كانت سراياه وبعوثه ~~متعاقبة، والمسلمون بعضهم في الغزو وبعضهم في أهله. # وإلى كونه فرض كفاية ذهب الجمهور. # وقال الماوردي: إنه كان فرض عين على المهاجرين دون غيرهم. # وقال السهيلي: كان عينا على الأنصار. # وقال ابن المسيب: إنه فرض عين. # وقال قوم: إنه كان فرض عين في زمن الصحابة. # أقول: الأدلة الواردة في فرضية الجهاد كتابا وسنة: أكثر من أن تكتب ~~PageV03P435 # ههنا، ولكن لا يجب ذلك إلا على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن ~~الباقين، وقبل أن يقوم به البعض هو فرض عين على كل مكلف، وهكذا يجب على من ~~استنفره الإمام أن ينفر، ويتعين ذلك عليه ولهذا توعد الله - سبحانه - من لم ~~ينفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ويدل على عدم وجوب الجهاد على الجميع قوله - عز وجل -: {وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة} ، فتحمل هذه الآية على أنه قد قام بالجهاد من المسلمين من ~~يكفي، وأن الإمام لم يستنفر غير من قد خرج للجهاد. # وبهذا تعرف أن الجمع بين هذه الآيات ممكن، فلا يصار إلى القول بالترجيح ~~أو النسخ. # وأما غزو الكفار، ومناجزة أهل الكفر، وحملهم على الإسلام، أو تسليم ~~الجزية، أو القتل؛ فهو معلوم من الضرورة الدينية؛ ولأجله بعث الله - تعالى ~~- رسله وأنزل كتبه، وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله - ~~سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلا هذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شؤونه. # وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام، ولا لبعضها. # وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة؛ فذلك منسوخ باتفاق ~~المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال؛ مع ظهور القدرة عليهم، ~~والتمكن من حربهم، وقصدهم إلى ديارهم (1) . # وأما غزو البغاة إلى ديارهم - فإن كان ضررهم يتعدى إلى أحد من أهل ~~PageV03P436 # الإسلام؛ إذا ترك المسلمون غزوهم إلى ms734 ديارهم - فذلك واجب دفعا لضررهم، ~~وإن كان ضررهم لا يتعدى؛ فقد أخلوا بواجب الطاعة للإمام، والدخول فيما دخل ~~فيه سائر المسلمين، ولا شك أن ذلك معصية عظيمة. # لكن إذا كانوا مع هذا مسلمين للواجبات، غير ممتنعين من تأدية ما يجب ~~تأديته عليهم؛ تركوا وشأنهم؛ مع تكرير الموعظة لهم، وإقامة الحجة عليهم. # وأما إذا امتنعوا من ذلك؛ فقد تظاهروا بالبغي، وجاهروا بالمعصية، وقد قال ~~الله - عز وجل -: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ~~إلى أمر الله} ، وقد أجمع الصحابة على العزيمة التي عزمها أبو بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - من المقاتلة لمن فرق بين الصلاة والزكاة. # وسيأتي الكلام على صفة مقاتلة البغاة في الفصل الذي عقده الماتن لذلك. # ( [ ### | لا يشترط السلطان العادل لوجوب الجهاد # ] :) # (مع كل بر وفاجر) ؛ لأن الأدلة الدالة على وجوب الجهاد - من الكتاب ~~والسنة - وعلى فضيلته والترغيب فيه وردت غير مقيدة بكون السلطان أو أمير ~~الجيش عادلا. # بل هذه فريضة من فرائض الدين، أوجبها الله - تعالى - على عباده المسلمين؛ ~~من غير تقييد بزمن أو مكان أو شخص، أو عدل أو جور. # فتخصيص وجوب الجهاد بكون السلطان عادلا ليس عليه أثارة من علم، وقد يبلي ~~الرجل الفاجر في الجهاد ما لا يبليه البار العادل، وقد ورد بهذا الشرع؛ كما ~~هو معروف. # PageV03P437 # وأخرج أحمد في " المسند " - من رواية ابنه عبد الله (1) -، وأبو داود (2) ~~، وسعيد بن منصور من حديث أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، لا تكفره بذنب، ~~ولا تخرجه عن الإسلام بعمل، والجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر ~~أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ". # ولا يعتبر في الجهاد إلا أن يقصد المجاهد بجهاده أن تكون كلمة الله هي ~~العليا كما ثبت في حديث أبي موسى في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: # سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ~~ويقاتل رياء؛ فأي ذلك ms735 في سبيل الله؟ فقال: # " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله ". ### | ( [في جهاد التطوع: لا بد من إذن الوالدين] :) # (إذا أذن الأبوان) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو، قال: جاء رجل إلى النبي ~~PageV03P438 # - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في الجهاد، فقال: " أحي والداك؟ "، قال: ~~نعم، قال: " ففيهما فجاهد " (1) . # وفي رواية لأحمد، وأبي داود، وابن ماجه: قال: يا رسول الله {إني جئت أريد ~~الجهاد معك، ولقد أتيت وإن والدي يبكيان؟ قال: " فارجع إليهما فأضحكهما كما ~~أبكيتهما ". # وقد أخرج هذا الحديث مسلم من وجه آخر (2) . # وأخرج أبو داود (3) من حديث أبي سعيد، أن رجلا هاجر إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من اليمن، فقال: " هل لك أحد باليمن؟ "، فقال: أبواي، فقال: " ~~أذنا لك؟ "، فقال: لا، فقال: " ارجع إليهما واستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد؛ ~~وإلا فبرهما "، وصححه ابن حبان. # وأخرج أحمد (4) والنسائي، والبيهقي من حديث معاوية بن جاهمة السلمي: أن ~~جاهمة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله} أردت الغزو، ~~وجئتك أستشيرك،؟ فقال: " هل لك من أم؟ "، قال: نعم، فقال: " الزمها؛ فإن ~~الجنة عند رجليها "، وقد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا. PageV03P439 # وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجب استئذان الأبوين في الجهاد، ويحرم إذا لم ~~يأذنا أو أحدهما؛ لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، قالوا: وإذا تعين ~~الجهاد فلا إذن. # ويدل على ذلك ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر (1) ، قال: جاء ~~رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عن أفضل الأعمال؟ قال: " ~~الصلاة "، قال: ثم مه؟ قال: " الجهاد "، قال: فإن لي والدين، قال: " آمرك ~~بوالديك خيرا "، فقال: والذي بعثك نبيا؛ لأجاهدن ولأتركنهما، قال: " فأنت ~~أعلم ". # قالوا: وهو محمول على جهاد فرض العين، أي: حيث يتعين على من له أبوان أو ~~أحدهما؛ توفيقا بين الحديثين (2) . ### | ( [الجهاد بإخلاص يكفر الخطايا؛ إلا حقوق الآدميين] :) # (وهو مع إخلاص النية يكفر الخطايا؛ إلا الدين) ؛ لحديث أبي قتادة عند ~~مسلم، وغيره أن رجلا قال: يا رسول الله ms736 {أرأيت إن قتلت في سبيل الله؛ يكفر ~~عن خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: PageV03P440 # " نعم؛ وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر؛ إلا الدين؛ فإن جبرائيل عليه ~~السلام قال لي ذلك ". # وأخرج مثله أحمد (1) والنسائي من حديث أبي هريرة. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: # " يغفر الله للشهيد كل ذنب؛ إلا الدين فإن جبرائيل عليه السلام قال لي ~~ذلك ". # وأخرج الترمذي - وحسنه - من حديث أنس نحوه. # (ولحق به) ؛ أي: بالدين كل (حقوق الآدميين) ؛ من غير فرق بين دم، أو عرض، ~~أو مال؛ إذ لا فرق بينها. # ( [ ### | بيان حكم الاستعانة بالمشركين في الجهاد # ] :) # (ولا يستعان فيه) ؛ أي: في الجهاد (بالمشركين؛ إلا لضرورة) ؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - لمن أراد الجهاد معه من المشركين: # " ارجع فلن أستعين بمشرك "، فلما أسلم استعان به، وهو في " صحيح مسلم "، ~~وغيره من حديث أبي هريرة (2) . PageV03P441 # وأخرج أحمد، والشافعي، والبيهقي، والطبراني نحوه من حديث حبيب (1) بن عبد ~~الرحمن، عن أبيه، عن جده، ورجال إسناده ثقات. # وأخرج أحمد، والنسائي، من حديث أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تستضيئوا بنار المشركين "، وفي إسناده أزهر بن راشد، وهو ضعيف، ~~وبقية إسناده ثقات. # وقد أخرج الشافعي (2) من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استعان بناس من اليهود يوم خيبر. # وأخرجه أبو داود في " مراسيله " من حديث الزهري. # وأخرجه أيضا الترمذي مرسلا. # وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث ذي مخبر (3) قال: ~~PageV03P442 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ستصالحون الروم صلحا، وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم ". # وقد ذهب جماعة من العلماء إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وذهب آخرون ~~إلى جوازها. # وقد استعان النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمنافقين في يوم أحد، وانخزل ~~(1) عنه عبد الله بن أبي بأصحابه. # وكذلك استعان بجماعة منهم في يوم حنين. # وقد ثبت في السير أن رجلا يقال له: قزمان، خرج مع النبي - صلى ms737 الله عليه ~~وسلم - يوم أحد وهو مشرك، فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين؛ ~~حتى قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليأزر (2) هذا الدين بالرجل الفاجر ". # وخرجت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم على قريش عام الفتح وهم مشركون. # فيجمع بين الأحاديث؛ بأن الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلا لضرورة؛ لا إذا ~~لم تكن ثم ضرورة (3) . PageV03P443 # ( [ ### | متى تجب على الجيش طاعة الأمير # ؟] :) # (وتجب على الجيش طاعة أميرهم؛ إلا في معصية الله) ؛ لحديث أبي هريرة في " ~~الصحيحين "، وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد ~~أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ". # وعن ابن عباس في قوله - تعالى -: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} ؛ قال: " نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، بعثه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية ". # أخرجه أحمد (1) ، وأبو داود، وهو في " الصحيحين ". # وفيهما - أيضا - من حديث علي، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فعصوه ~~في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا، ثم ~~قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا وتطيعوا! ؟ ~~فقالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه، وطفئت ~~النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~PageV03P444 # " لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا "، وقال: # " لا طاعة في معصية الله؛ إنما الطاعة في المعروف ". # والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيها التصريح بأنه لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق، وإنما تجب طاعة الأمراء ما لم يأمروا بمعصية الله. # ( [ ### | على الأمير مشاورة الغزاة والرفق بهم # ] :) # (وعليه) ؛ أي: على الأمير (مشاورتهم، والرفق بهم، وكفهم عن الحرام) ؛ ~~لدخول ذلك تحت قوله: {وشاورهم في الأمر} ، وقد كان رسول ms738 الله صلى الله عليه ~~وسلم يشاور الغزاة معه في كل ما ينوبه، ووقع منه ذلك في غير موطن. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه ~~حين بلغه إقبال أبي سفيان ... ، والقصة مشهورة، وأجاب عليه سعد بن عبادة ~~بقوله: " والذي نفسي بيده؛ لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ". # وأخرج أحمد، والشافعي (1) من حديث أبي هريرة، قال: ما رأيت أحدا قط كان ~~أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " اللهم {من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم؛ فارفق به ". PageV03P445 # وأخرج مسلم - أيضا - من حديث معقل بن يسار، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: # " ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، ولا ينصح لهم؛ إلا لم ~~يدخل الجنة ". # وأخرج أبو داود (1) من حديث جابر، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتخلف في المسير، فيرجي الضعيف، ويردف ويدعو لهم ". # وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: غزونا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غزوة كذا وكذا، فضيق الناس الطريق، فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى: # " من ضيق منزلا، أو قطع طريقا؛ فلا جهاد له ". # وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وسهل بن معاذ ضعيف (2) . # وقد جاءت الأدلة المفيدة للقطع بوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~PageV03P446 # المنكر، وأحق الناس بذلك الأمير. # ( [ ### | مشروعية التورية إذا أراد غزوا # ] :) # (ويشرع للإمام إذا أراد غزوا أن يوري بغير ما يريده) ؛ لحديث كعب بن ~~مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وهو ~~في " الصحيحين "، وغيرهما. # ( [ ### | مشروعية الاستطلاع إذا أراد الإمام غزوا # ] :) # (و) يشرع له (أن يذكي (1) العيون، ويستطلع الأخبار) ؛ لحديث جابر في " ~~الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: # " من يأتيني بخبر القوم؟ "، قال الزبير: أنا ... الحديث. # وثبت في " صحيح ms739 مسلم "، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عينا ~~ينظر عير أبي سفيان. # وثبت أنه بعث من يأتيه بمقدار جيش المشركين يوم بدر، وغيره. # وكان يأمر من يستطلع أخبار العدو، ويقف في المواضع التي بينه وبينهم. # وذلك مدون في الكتب الموضوعة في السيرة والغزوات. # ( [ ### | مشروعية ترتيب الجيش واتخاذ الرايات # ] :) # (و) يشرع له أن (يرتب الجيوش، ويتخذ الرايات والألوية) ، وقد وقع منه ~~PageV03P447 # صلى الله عليه وسلم من ترتيب جيوشه عند ملاقاته للعدو ما هو مشهور، وكان ~~يأمر بعضا يقف في هذا المكان، وآخرين في المكان الآخر، وقال للرماة يوم ~~أحد: إنهم يقفون حيث عينه لهم، ولا يفارقوا ذلك المكان، ولو تخطفه هو ومن ~~معه الطير. # وقد كانت له رايات؛ كما في حديث ابن عباس عند الترمذي (1) ، وأبي داود، ~~قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، ولواؤه أبيض. # وأخرج أبو داود من حديث سماك بن حرب، عن رجل من قومه، عن آخر منهم، قال: ~~رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء، وفي إسناده مجهول. # وأخرج أهل " السنن "، والحاكم، وابن حبان من حديث جابر: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض (2) . # وفي حديث الحارث بن حسان: أنه رأى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رايات سودا، أخرجه الترمذي، وابن ماجه، ورجاله رجال الصحيح. # وفي الباب أحاديث. # ( [ ### | وجوب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال # ] :) # (وتجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال: إما الإسلام، أو ~~PageV03P448 # الجزية، أو السيف) ؛ لحديث سليمان بن بريدة، عن أبيه عند مسلم، وغيره ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية؛ ~~أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: # " اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ~~ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين؛ ~~فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف ms740 عنهم: ~~ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول ~~من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين ~~وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون ~~كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في ~~الفيء والغنيمة شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فاسألهم ~~الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، وإن أبوا؛ فاستعن بالله عليهم ~~وقاتلهم ... " الحديث. # وفي الباب أحاديث. # وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تقديم الدعوة لمن لم تبلغهم الدعوة، ولا تجب ~~لمن قد بلغتهم. # وذهب قوم إلى الوجوب مطلقا. # وقوم إلى عدم الوجوب مطلقا. # ( [ ### | حكم قتل النساء والشيوخ والأطفال # ] :) # (ويحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ إلا) ؛ أن يقاتلوا، فيدفعوا بالقتل # PageV03P449 # (لضرورة) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: وجدت امرأة ~~مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. # وأخرج أبو داود من حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا صغيرا، ولا امرأة "، وفي إسناده خالد بن ~~الفرز (1) ، وفيه مقال. # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، ~~والبيهقي من حديث رباح (3) بن ربيع؛ أنه قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا "، والعسيف: الأجير. # وأخرج أحمد (4) من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع "، وفي إسناده إبراهيم بن ~~إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو ضعيف، وقد وثقه أحمد. # وأخرج أحمد أيضا، والإسماعيلي في " مستخرجه " من حديث كعب بن PageV03P450 # مالك (1) ، عن عمه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى ابن أبي ~~الحقيق بخيبر؛ نهى عن قتل النساء والصبيان، ورجاله رجال الصحيح (2) . # وأخرج أحمد، والترمذي - وصححه - من حديث سمرة مرفوعا، بلفظ: " اقتلوا ~~شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم (3) ". # وقد قيل: إنه وقع الاتفاق على المنع عن قتل النساء والصبيان؛ ms741 إلا إذا كان ~~ذلك لضرورة؛ كأن يتترس بهم المقاتلة أو يقاتلون. # وقد أخرج أبو داود في " المراسيل " عن عكرمة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين، فقال: " من قتل هذه؟ "، فقال رجل: أنا يا ~~رسول الله {غنمتها وأردفتها خلفي، فلما رأت الهزيمة فينا؛ أهوت إلى قائم ~~سيفي لتقتلني، فقتلتها، فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ووصله الطبراني في " الكبير " (4) . PageV03P451 # قلت: قال الشافعي: النهي عن قتل نسائهم وصبيانهم إنما هو في حال التمييز ~~والتفرد، وأما البينات فيجوز، وإن كان فيه إصابة ذراريهم ونسائهم. # ( [ ### | المثلة حرام # ] :) # (والمثلة) ؛ لما تقدم قريبا في حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن جده، ~~وفيه: " ولا تمثلوا ". # وأخرج نحو ذلك أحمد، وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال. # وأحاديث النهي عن المثلة كثيرة. # ( [ ### | حكم الحرق بالنار للمحارب والمتاع والمال # ] :) # (والإحراق بالنار) ؛ لحديث أبي هريرة عند البخاري، وغيره، قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: # " إن وجدتم فلانا وفلانا - لرجلين - فاحرقوهما بالنار "، ثم قال حين ~~أردنا الخروج: # " إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا ~~الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما ". # وأما تحريق الشجر والأصنام والمتاع؛ فقد ثبت الإذن بذلك عن الشارع؛ إذا ~~كان فيه مصلحة. # ( [ ### | حكم الفرار من الزحف # ] :) # (و) يحرم (الفرار من الزحف إلا إلى فئة) ، وقد نطق بذلك القرآن # PageV03P452 # الكريم؛ قال الله - تعالى -: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} . # وثبت في " الصحيحين "، وغيرهما: أن الفرار من الزحف هو من السبع ~~الموبقات. # ولا خلاف في ذلك في الجملة، وإن اختلفوا في مسوغات الفرار. # وقد جوز الله - تعالى - الفرار إلى الفئة. # وأما التحرف للقتال؛ فهو وإن كان فيه تولية الدبر؛ لكنه ليس بفرار على ~~الحقيقة. # قال في " المسوى ": # " قوله: {متحرفا لقتال} : هو أن ينصرف من ضيق إلى سعة، أو من سفل إلى ~~علو، أو من مكان منكشف إلى مستتر، ونحو ذلك مما هو ms742 أمكن له في القتال. # قوله: {أو متحيزا} ؛ أي: يصير إلى حيز فئة من المسلمين؛ يستنجدهم ويقاتل ~~معهم. # وبالجملة؛ يجب ثبات المسلمين يوم الزحف في مقابلة زحفهم من الكفار، ~~والفرار حينئذ كبيرة. # ( [ ### | حكم تبييت العدو ليلا # ] :) # (ويجوز تبييت الكفار) ؛ لحديث الصعب بن جثامة في " الصحيحين "، # PageV03P453 # وغيرهما، أن رسول - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أهل الدار من المشركين ~~يبيتون، فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ ثم (1) قال: " هم منهم ". # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث سلمة ابن ~~الأكوع، قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق، وكان أمره علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. والبيات: هو الغارة بالليل. # قال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل، وأن يبيتوا، ~~وكرهه بعضهم، قال أحمد وإسحاق: لا بأس به؛ أن يبيت العدو ليلا. # ( [ ### | الكذب في الحرب جائز # ] :) # (والكذب في الحرب) ؛ لما ثبت عند مسلم (3) ، وغيره من حديث جابر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما بعث محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف؛ قال: ~~يا رسول الله! فأذن لي فأقول، قال: " قد فعلت "؛ يعني: يأذن له بأن يخدعه ~~بمقال ولو كان كذبا؛ كما وقع منه في هذه القصة، وهي أيضا في " البخاري ". ~~PageV03P454 # وأخرج مسلم من حديث أم كلثوم بنت عقبة، قالت: لم أسمع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يرخص في شيء من الكذب - مما يقول الناس - إلا في الحرب، ~~والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. # وهذا الكذب المذكور هنا: هو التعريض والتلويح بوجه من الوجوه؛ ليخرج عن ~~الكذب الصراح؛ كما قاله جماعة من أهل العلم (1) . # ( [ ### | الخداع في الحرب جائز # ] :) # (والخداع) في الحرب؛ لما في " الصحيحين " من حديث جابر، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " الحرب خدعة (2) ". # وفيهما من حديث أبي هريرة، قال: سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحرب ~~خدعة. # قال النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن؛ إلا أن ~~يكون فيه نقض عهد. PageV03P455 ### | ( [الفصل الثاني: أحكام الغنائم] ) # ( [ ### | كيف تقسم الغنيمة ms743 على الجيش والمصارف الأخرى # ؟] :) # (وما غنمه الجيش كان لهم أربعة أخماسه، وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه) ؛ ~~لقوله - تعالى -: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى (2) واليتامى والمساكين} . # قلت: اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تخمس؛ فالخمس للأصناف التي ذكرت في ~~القرآن، وأربعة أخماسها للغانمين. # وقوله - تعالى -: {فأن لله خمسه} : ذهب عامة أهل العلم إلى أن ذكر الله - ~~تعالى - فيه للتبرك به، وإضافة هذا المال إليه لشرفه، ثم بعد ما أضاف جميع ~~الخمس إلى نفسه بين مصارفها. # واختلفوا في سهم ذوي القربى: # قال أبو حنيفة: إنما يعطون لفقرهم. # وقال الشافعي: لقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالميراث، ~~غير أنه أعطى القريب والبعيد من ذوي القربى، ولا يفضل عنده فقير على غني، ~~ويعطى الرجل سهمين والمرأة سهما، ومن ذلك ما ورد في القرآن في الفيء ~~والغنيمة. PageV03P456 # وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن عبسة، قال: صلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، فلما سلم؛ أخذ وبرة من جنب البعير، ~~ثم قال: " ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا؛ إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ". # وأخرج نحوه أحمد، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت، وحسنه ~~ابن حجر. # وأخرج نحوه - أيضا - أحمد، وأبو داود، والنسائي، ومالك، والشافعي من حديث ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحسنه أيضا ابن حجر. # وروي نحو ذلك أيضا من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية. # ( [ ### | كيف توزع الغنيمة بين الفارس والراجل # ؟] :) # (ويأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل سهما) ؛ لما ورد في ذلك من ~~الأحاديث. # منها حديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما، وله ألفاظ فيها التصريح بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، وللراجل سهما. # وفيهما معنى ذلك من حديث أنس، ومن حديث عروة البارقي. # ومنها حديث الزبير بنحو ذلك عند أحمد، ورجاله رجال الصحيح. # وحديث أبي رهم عند الدارقطني، وأبي يعلى، والطبراني. # وحديث أبي هريرة عند الترمذي، والنسائي. # PageV03P457 # وحديث ms744 جرير عند مسلم، وغيره. # وحديث عتبة بن عبد عند أبي داود. # وحديث جابر، وأسماء بنت يزيد عند أحمد. # وفي الباب أحاديث. # وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. # وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفارس يأخذ له ولفرسه سهمين، والراجل ~~سهما؛ وتمسكوا بحديث مجمع بن جارية عند أحمد، وأبي داود (1) ، وقال: قسمت ~~خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة؛ فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى ~~الفارس سهمين، والراجل سهما. # وهذا الحديث في إسناده ضعف. # قال أبو داود: إن فيه وهما، وإنه قال: ثلثمائة فارس! وإنهم كانوا مائتين. # ( [ ### | يتساوى القوي والضعيف من أفراد الجيش # ] :) # (ويستوي في ذلك القوي والضعيف، ومن قاتل ومن لم يقاتل) ؛ لحديث ~~PageV03P458 # ابن عباس عند أبي داود (1) والحاكم، وصححه أبو الفتح (2) في " الاقتراح " ~~على شرط البخاري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم غنائم بدر ~~بالسوي بعد وقوع الخصام بين من قاتل ومن لم يقاتل، ونزول قوله - تعالى -: ~~{يسألونك عن الأنفال} . # وأخرج نحوه أحمد برجال الصحيح من حديث عبادة بن الصامت. # وأخرج أحمد من حديث سعد بن مالك، قال: قلت: يا رسول الله {الرجل يكون ~~حامية القوم؛ ويكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: # " ثكلتك أمك ابن أم سعد} وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟ {". # وأخرجه البخاري أيضا، والنسائي عن مصعب بن سعد، قال: رأى سعد أن له فضلا ~~على من دونه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " هل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم؟} ". # وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -. # قال في " الحجة البالغة ": # " ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش - كالبريد والطليعة والجاسوس - يسهم ~~PageV03P459 # له؛ وإن لم يحضر الواقعة؛ كما كان لعثمان يوم بدر ". # ( [ ### | تنفيل بعض الجيش جائز بحسب المصلحة # ] :) # (ويجوز تنفيل بعض الجيش) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس وسهم الراجل؛ جمعهما له. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي - وعزاه المنذري في " مختصر ~~السنن " إلى مسلم -: أن النبي - صلى ms745 الله عليه وسلم - نفل سعد بن أبي وقاص ~~يوم بدر سيفا. # وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. # وحكى بعض أهل العلم الإجماع عليه. # واختلف العلماء؛ هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس؟ # وقد ورد في تنفيل السرية حديث حبيب بن مسلمة عند أحمد، وأبي داود، وابن ~~ماجه، وصححه ابن الجارود، وابن حبان، والحاكم: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نفل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته (1) . # وأخرج نحوه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه ابن حبان من حديث عبادة بن ~~الصامت. PageV03P460 # وأخرج أحمد وأبو داود، وصححه الطحاوي من حديث معن بن يزيد، قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا نفل إلا بعد الخمس ". # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ~~ذلك كله. # وفيهما: أنه نفل بعض السرايا بعيرا بعيرا. # وفي الباب أحاديث. # قال في " الحجة البالغة ": # " وعندي: إن رأى الإمام أن يزيد لركبان الإبل، أو للرماة شيئا، أو يفضل ~~العراب على البراذين (1) لشيء دون السهم؛ فله ذلك بعد أن يشاور أهل الرأي، ~~ويكون أمرا لا يختلف عليه لأجله. # وبه يجمع اختلاف سير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الباب ". # ( [ ### | للإمام صفي وسهم # ] :) # (وللإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش) ؛ لحديث يزيد بن عبد الله بن الشخير ~~عند أبي داود والنسائي، وسكت عنه أبو داود (2) ، والمنذري قال: كنا ~~PageV03P461 # بالمربد (1) ؛ إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها، فإذا فيها: # " من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش (2) : # إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأقمتم الصلاة، ~~وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وسهم الصفي؛ فأنتم آمنون بأمان الله ورسوله ". # فقلنا: من كتب لك هذا؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال المنذري: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد الله، وسمى الرجل النمر ابن ms746 ~~تولب. # وأخرج أبو داود (3) عن الشعبي - مرسلا - قال: كان للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم سهم يدعى الصفي؛ إن شاء عبدا، وإن شاء أمة، فرسا؛ يختاره قبل الخمس. # وأخرج أبو داود أيضا من حديث ابن عون (4) مرسلا نحوه. PageV03P462 # وأخرج أحمد، والترمذي (1) - وحسنه - من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر. # وأخرج أبو داود (2) من حديث - عائشة -، قالت: كانت صفية من الصفي. # وأخرج أبو داود أيضا من حديث أنس نحوه. # ويعارضه ما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أنس - أيضا - قال: صارت ~~صفية لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي رواية: إنه اشتراها منه بسبعة أرؤس. # ( [ ### | ما جاء في الرضخ من الغنيمة لمن حضر # ] :) # (ويرضخ من الغنيمة لمن حضر) ؛ لحديث ابن عباس عند مسلم، وغيره: أنه سأله ~~سائل عن المرأة والعبد؛ هل كان لهما سهم معلوم إذا حضرا البأس؟ فأجاب: أنه ~~لم يكن لهما سهم معلوم؛ إلا أن يحذيا (3) من غنائم القوم. PageV03P463 # وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو بالنساء؛ فيداوين الجرحى، ~~ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم (1) ؛ فلم يضرب لهن ". # وأخرج أبو داود (2) ، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - من حديث عمير مولى ~~آبي اللحم: أنه شهد خيبر مع مواليه، فأمر له صلى الله عليه وسلم بشيء من ~~خرثي (3) المتاع. # وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث حشرج بن زياد، عن جدته، أم ~~أبيه: أنها خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر سادسة ست نسوة، ~~فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إلينا، فجئنا، فرأينا فيه الغضب، ~~فقال: " مع من خرجتن؟ {وبإذن من خرجتن؟} "، فقلنا: يا رسول الله {خرجنا ~~نغزل الشعر، ونعين في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونناول السهم ونسقي ~~السويق، فقال: " قمن فانصرفن (4) ، حتى إذا فتح الله عليه خيبر؛ أسهم لنا ~~كما أسهم للرجال، قال: فقلت لها: يا جدة} وما كان ذلك؟ قالت: تمرا. # وفي إسناده رجل مجهول، وهو حشرج. PageV03P464 # وقال الخطابي " إسناده ضعيف لا ms747 تقوم به الحجة. # وأخرج الترمذي عن الأوزاعي - مرسلا - قال: أسهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~للصبيان بخيبر. # وحديث حشرج - كما عرفت - ضعيف، وهذا مرسل؛ فلا ينتهضان لمعارضة ما تقدم. # وقد حمل الإسهام هنا على الرضخ جمعا بين الأحاديث. # وقد اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب الجمهور إلى أنه لا يسهم للنساء ~~والصبيان؛ بل يرضخ لهم فقط إن رأى الإمام ذلك. # ( [ ### | للإمام إيثار المؤلفين # ] :) # (ويؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك صلاحا) ؛ لحديث أنس في " البخاري "، ~~وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم في أشراف قريش تأليفا لهم، ~~وترك الأنصار والمهاجرين. # وهكذا ثبت في " الصحيح " من حديث ابن مسعود وغيره: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ~~أناسا من أشراف العرب. # والقصة مشهورة مذكورة في كتب السير بطولها. # والمراد بأشراف قريش: أكابر مسلمة الفتح؛ كأبي سفيان بن حرب، # PageV03P465 # وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية. # ( [ ### | المالك أحق بماله إذا رده الكفار # ] :) # (وإذا رجع ما أخذه الكفار من المسلمين؛ كان لمالكه) ؛ لحديث عمران بن ~~حصين عند مسلم، وغيره: أن العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصيبت، فركبتها امرأة من المسلمين، ورجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد كانت نذرت أن تنحرها إن نجاها الله عليها - فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد ~~". # وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عمر: أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر ~~عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبق عبد ~~له، فلحق بأرض الروم، وظهر عليه المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي رواية لأبي داود: أن غلاما لابن عمر أبق إلى العدو، فظهر عليه ~~المسلمون، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر ولم يقسم. # وقد ذهب الشافعي، وجماعة من أهل العلم ms748 إلى أن أهل الحرب لا يملكون ~~بالغلبة شيئا من أموال المسلمين، ولصاحبه أخذه قبل الغنيمة وبعدها. # وروي عن علي، والزهري، وعمرو بن دينار، والحسن: أنه لا يرد أصلا، ويختص ~~به أهل المغانم. # PageV03P466 # وروي عن عمر، وسليمان بن ربيعة، وعطاء، والليث، ومالك، وأحمد، وآخرين: إن ~~وجده صاحبه قبل القسمة؛ فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمة؛ فلا يأخذه إلا ~~بالقيمة. # وقد روي عن ابن عباس الدارقطني مثل هذا التفصيل مرفوعا، وإسناده ضعيف ~~جدا. # وروي عن الفقهاء السبعة. # قال في " المسوى ": # " وعليه أكثر أهل العلم في الجملة، ولهم في التفاصيل اختلاف ". # ( [ ### | بيان تحريم الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل تقسيمها # ] :) # (ويحرم الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف) ؛ لحديث ~~رويفع بن ثابت عند أحمد (1) ، وأبي داود، والدارمي، والطحاوي، وابن حبان: ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتناول مغنما حتى يقسم، ولا ~~يلبس ثوبا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه، ولا أن يركب دابة ~~PageV03P467 # من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه "، وفي إسناده محمد بن إسحاق، ~~وفيه مقال معروف. # وقال ابن حجر: إن رجال إسناده ثقات، وقال أيضا: إن إسناده حسن. # وأخرج البخاري من حديث ابن عمر، قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، ~~فنأكله ولا نرفعه. # زاد أبو داود (1) : فلم يؤخذ منهما الخمس، وصحح هذه الزيادة ابن حبان. # وأخرج أبو داود (1) ، والبيهقي - وصححه من حديث ابن عمر - أيضا -: أن ~~جيشا غنموا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما وعسلا؛ فلم ~~يأخذوا منهم الخمس. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبد الله بن مغفل، قال: أصبت جرابا من شحم يوم ~~خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، فالتفت، فإذا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - متبسما. # وأخرج أبو داود (2) ، والحاكم، والبيهقي من حديث ابن أبي أوفى، قال: ~~أصبنا طعاما يوم خيبر، وكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ~~ينطلق. PageV03P468 # وأخرج أبو داود (1) من ms749 حديث القاسم مولى عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، قال: كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه، حتى إن ~~كنا لنرجع إلى رحالنا، وأخرجتنا مملوءة منه، وقد تكلم في القاسم غير واحد. # وقد ذهب إلى جواز الانتفاع بالطعام والعلف للدواب بغير قسمة الجمهور؛ ~~سواء أذن الإمام أو لم يأذن. # وقال الزهري: لا يأخذ شيئا من الطعام ولا غيره. # وقال سليمان بن موسى: يأخذ؛ إلا أن ينهى الإمام. # قال مالك في " الموطأ ": # " لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم ما وجدوا ~~من ذلك كله؛ قبل أن تقع في المقاسم ". # وقال أيضا: " أنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام؛ يأكل منه ~~المسلمون إذا دخلوا أرض العدو؛ كما يأكلون من الطعام ". # وقال: " ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم ويقسم بينهم؛ أضر ذلك ~~بالجيوش ". PageV03P469 # قال: " فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله؛ على وجه المعروف والحاجة إليه، ~~ولا أرى أن يدخر ذلك شيئا يرجع به إلى أهله ". # قلت: وعليه أهل العلم. # ( [ ### | بيان تحريم الغلول وما جاء في الترهيب منه # ] :) # (ويحرم الغلول) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما في قصة العبد ~~الذي أصابه سهم، فقال الصحابة: هنيئا له الشهادة يا رسول الله {فقال: # " كلا والذي نفس محمد بيده؛ إن الشملة لتلتهب عليه نارا؛ أخذها من ~~الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم "، قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو ~~شراكين، فقال: يا رسول الله} أصبت هذا يوم خيبر، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " شراك من نار، أو شراكان من نار ". # وأخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم خيبر؛ قتل نفر من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، ~~وفلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " كلا؛ إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة ". # وأخرج البخاري، وغيره من حديث ابن عمر، قال: ms750 كان على ثقل النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجل يقال له: كركرة (1) ، فمات، فقال PageV03P470 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو في النار "، فذهبوا ينظرون إليه، ~~فوجدوا عباءة قد غلها، وقد قال الله - سبحانه -: {ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة} . # وثبت في " البخاري "، وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس، على رقبته شاة ... " ~~الحديث. # وقد نقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر. # وقد ورد في تحريق متاع الغال ما أخرجه أبو داود، والحاكم، والبيهقي من ~~حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال، وضربوه، وفي إسناده زهير بن محمد ~~الخراساني (1) . PageV03P471 # وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي من حديث عمر بن ~~الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إذا وجدتم الغال قد غل؛ ~~فأحرقوا متاعه واضربوه "، وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة؛ تكلم فيه غير ~~واحد (1) . # ( [ ### | يجوز للإمام أن يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين في الأسرى # ] :) # (ومن جملة الغنيمة: الأسرى) ؛ ولا خلاف في ذلك. # (ويجوز القتل أو الفداء أو المن) ؛ لقوله - تعالى -: {ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ، وقوله - تعالى -: {فإما منا بعد وإما ~~فداء} . # وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل للأسرى، وأخذ الفداء ~~منهم، والمن عليهم؛ ثبوتا متواترا في وقائع: # ففي يوم بدر قتل بعضهم، وأخذ الفداء من غالبهم. # وأخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~أسارى بدر: " لو كان مطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم ~~له ". PageV03P472 # وفي " مسلم " من حديث أنس: أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الثمانين النفر، ~~الذين هبطوا عليه وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، ثم إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتقهم، فأنزل الله - عز وجل -: {وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم ms751 وأيديكم عنهم ببطن مكة} الآية. # وقد ذهب الجمهور إلى أن الإمام يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين في ~~الأسارى؛ فيقتل، أو يأخذ الفداء، أو يمن. # وقال الزهري، ومجاهد، وطائفة: لا يجوز أخذ الفداء من أسرى الكفار أصلا. # وعن الحسن، وعطاء: لا يقتل الأسير؛ بل يتخير بين المن والفداء. # وعن مالك: لا يجوز المن بغير فداء. # وعن الحنفية: لا يجوز المن أصلا؛ لا بفداء ولا بغيره. ### | ( [الفصل الثالث: أحكام الأسير والجاسوس والهدنة] ) # ( [ ### | بيان جواز استرقاق الكفار من عرب أو عجم # ] :) # (ويجوز استرقاق العرب) ؛ لأن الأدلة الصحيحة قد دلت على جواز استرقاق ~~الكفار؛ من غير فرق بين عربي وعجمي، وذكر وأنثى، ولم يقم دليل يصلح للتمسك ~~قط في تخصيص أسر العرب بعدم جواز استرقاقهم؛ بل الأدلة قائمة متكاثرة على ~~أن حكمهم حكم سائر المشركين. # PageV03P473 # منها: حديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما: أنها كانت عند عائشة ~~سبية من بني تميم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعتقيها؛ ~~فإنها من ولد إسماعيل ". # وأخرج البخاري، وغيره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين جاء ~~وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: " أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين؛ ~~إما السبي، وإما المال ... " الحديث. # وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عمر: أن جويرية بنت الحارث - من ~~سبي بني المصطلق - كاتبت عن نفسها، ثم تزوجها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على أن يقضي كتابتها، فلما تزوجها؛ قال الناس: أصهار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم! فأرسلوا ما بأيديهم من السبي. # وأخرجه أحمد من حديث عائشة. # وقد ذهب إلى جواز استرقاق العرب: الجمهور. # وحكى في " البحر " عن الحنفية: أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام، ~~أو السيف، واستدل بقوله - تعالى - {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين} الآية. # ولا يخفى أنه لا دليل في الآية على المطلوب، ولو سلم ذلك؛ كان ما وقع منه ~~صلى الله عليه وسلم مخصصا لذلك، وقد صرح القرآن الكريم ms752 بالتخيير بين المن # PageV03P474 # والفداء، فقال: {فإما منا بعد وإما فداء} ، ولم يفرق بين عربي وعجمي. # واستدلوا أيضا بما أخرجه الشافعي، والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال يوم حنين: " لو كان الاسترقاق جائزا على العرب؛ لكان اليوم؛ إنما هو ~~أسرى "، وفي إسناده الواقدي، وهو ضعيف جدا. # ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض، وهو أشد ضعفا من ~~الواقدي. # وقد أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفدية من ذكور العرب في بدر، ~~وهو فرع الاسترقاق. # أقول: فقد سبى صلى الله عليه وسلم جماعة من بني تميم، وأمر عائشة أن تعتق ~~منهم كما تقدم. # وبالغ صلى الله عليه وسلم؛ فقال: " من فعل كذا؛ فكأنما أعتق رقبة من ولد ~~إسماعيل "، وقال لأهل مكة: " اذهبوا فأنتم الطلقاء " (1) . # والحاصل: أن الواجب الوقوف على ما دلت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة؛ من ~~التخيير في كل مشرك بين القتل، والمن، والفداء، والاسترقاق، فمن ادعى تخصيص ~~نوع منهم، أو فرد من أفرادهم؛ فهو مطالب بالدليل. PageV03P475 # وأما أسر نساء العرب؛ فالأمر أظهر من أن يذكر، والوقائع في ذلك ثابتة في ~~كتب الحديث: " الصحيحين "، وغيرهما، وفي كتب السير جميعها. # ( [ ### | حكم قتل الجاسوس # ] :) # (وقتل الجاسوس) ، لحديث سلمة بن الأكوع عند البخاري وغيره؛ قال: أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عين وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ثم ~~انسل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اطلبوه فاقتلوه "، فسبقتهم إليه فقتلته، فنفلني سلبه. # وهو متفق على قتل الجاسوس الحربي. # وأما المعاهد والذمي؛ فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك. # وأخرج أحمد (1) ، وأبو داود عن فرات بن حيان: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر بقتله، وكان عينا لأبي سفيان، وحليفا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة ~~من PageV03P476 # الأنصار، فقال: إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إنه يقول: ~~إنه مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم؛ منهم فرات بن حيان "، وفي إسناده أبو ~~همام الدلال محمد بن محبب، ولا يحتج بحديثه ms753 (1) ، وهو يرويه عن سفيان. # ولكنه قد روى الحديث المذكور عن سفيان بشر بن السري البصري، وهو ممن اتفق ~~على الاحتجاج به البخاري ومسلم (2) . # ورواه عن الثوري أيضا عباد بن موسى الأزرق العباداني، وهو ثقة (3) # ( [ ### | بيان أن الحربي إذا أسلم طوعا أحرز أمواله # ] :) # (وإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه، أحرز أمواله) ؛ لحديث صخر ابن عيلة: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أسلم الرجل؛ فهو أحق بأرضه وماله ~~". PageV03P477 # أخرجه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات (1) . # وفي لفظ: " إن القوم إذا أسلموا؛ أحرزوا أموالهم ودماءهم ". # وأخرج أبو يعلى من حديث أبي هريرة - مرفوعا -: # " من أسلم على شيء فهو له ". # وضعفه ابن عدي بياسين الزيات الراوي له عن أبي هريرة. # قال البيهقي: " وإنما يروى عن ابن أبي مليكة وعن عروة - مرسلا - ". # وقد أخرجه عن عروة - مرسلا - سعيد بن منصور برجال ثقات: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حاصر بني قريظة، فأسلم ثعلبة وأسد بن سعيه (2) ، فأحرز لهما ~~إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار. # ومما يدل على ذلك الحديث الصحيح الثابت من طرق أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: " فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقها ". PageV03P478 # وقد ذهب الجمهور إلى أن الحربي إذا أسلم طوعا؛ كانت جميع أمواله في ملكه، ~~ولا فرق بين من أسلم في دار الحرب أو دار الإسلام. # ( [ ### | بيان أن عبد الكافر إذا أسلم ثبتت له الحرية # ] :) # (وإذا أسلم عبد الكافر صار حرا) ؛ لحديث ابن عباس عند أحمد (1) ، وابن ~~أبي شيبة، قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف من خرج إليه ~~من عبيد المشركين. # وأخرجه أيضا سعيد بن منصور - مرسلا -. # وقصة أبي بكرة في تدليه من حصن الطائف مذكورة في " صحيح البخاري ". # ورواها أبو داود عن الشعبي، عن رجل من ثقيف، قال: سألنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يرد إلينا أبا بكرة، وكان مملوكنا، فأسلم قبلنا، فقال: " ~~لا؛ هو طليق الله، ثم طليق رسوله ". # وأخرج أبو داود، والترمذي - وصححه - من حديث علي، قال: خرج عبدان إلى ~~رسول ms754 الله صلى الله عليه وسلم - يعني: يوم الحديبية - قبل الصلح، فكتب إليه ~~مواليهم، فقالوا: والله يا محمد {ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا ~~هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله} ردهم إليهم، فغضب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقال: PageV03P479 # " ما أراكم تنتهون يا معشر قريش {حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على ~~هذا "، وأبى أن يردهم، وقال: " هم عتقاء الله عز وجل " (1) . # وأخرج أحمد عن أبي سعد الأعسم، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~العبد؛ إذا جاء فأسلم، ثم جاء مولاه فأسلم: أنه حر، وإذا جاء المولى، ثم ~~جاء العبد بعد ما أسلم مولاه: فهو أحق به، وهو مرسل (2) . # ( [ ### | حكم الأرض المغنومة مفوض إلى الإمام يفعل فيها ما فيه المصلحة # ] :) # (والأرض المغنومة أمرها إلى الإمام، فيفعل الأصلح من قسمتها، أو تركها ~~مشتركة بين الغانمين، أو بين جميع المسلمين) ؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قسم أرض قريظة والنضير بين الغانمين، وقسم نصف أرض خيبر بين ~~المسلمين، وجعل النصف الآخر لمن ينزل به من الوفود، والأمور، ونوائب الناس. # كما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث بشير بن يسار، عن رجال من الصحابة. # وأخرج نحوه - أيضا - أبو داود من حديث سهل بن أبي حثمة. # وقد ترك الصحابة ما غنموه من الأراضي مشتركة بين جميع المسلمين} ~~PageV03P480 # يقسمون خراجها بينهم. # وقد ذهب إلى ما ذكرناه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وعمل عليه الخلفاء ~~الراشدون. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: # " أيما قرية أتيتموها، فأقمتم فيها، فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ~~ورسوله؛ فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم ". # أقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين - من خراج، ومعاملة، وجزية، وصلح، ~~وغير ذلك - ينبغي تفويض قسمتها إلى الإمام العادل الذي يمحض النصح لرعيته، ~~ويبذل جهده في مصالحهم، فيقسم بينهم ما يقوم بكفايتهم، ويدخر لحوادثهم ما ~~يقوم بدفعها، ولا يلزمه في ذلك سلوك طريق معينة سلكها السلف الصالح؛ فإن ~~الأحوال ms755 تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. # فإن رأى الصلاح في تقسيم ما حصل في بيت المال في كل عام؛ فعل، وإن رأى ~~الصلاح في تقسيمه في الشهر، أو الأسبوع، أو اليوم؛ فعل. # ثم إذا فاض من بيت مال المسلمين على ما يقوم بكفايتهم، وما يدخر لدفع ما ~~ينوبهم؛ جعل ذلك في مناجزة الكفرة، وفتح ديارهم، وتكثير جهات المسلمين، وفي ~~تكثير الجيوش والخيل والسلاح؛ فإن تقوية جيوش المسلمين هي الأصل الأصيل في ~~دفع المفاسد، وجلب المصالح. # PageV03P481 # ومن أعظم موجبات تكثير بيت المال، وتوسيع دائرته العدل في الرعية، وعدم ~~الجور عليهم، والقبول من محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم. # وهذا معلوم بالاستقراء في جميع دول الإسلام والكفر، فما عدل ملك في ~~رعيته؛ إلا ونال بعدله أضعاف أضعاف ما يناله الجائر بجوره، مع ما في العدل ~~من السلامة من انتقام الرب - عز وجل - في هذه الدار، أو في دار الآخرة؛ ~~فإنها جرت عادة الله - سبحانه - بمحق نظام الظلم، وخراب بنيانه، وهدم أساسه ~~حتى صارت دول الظلمة من أعظم العبر للمعتبرين؛ فإنه لا بد أن يحل بهم من ~~نكال الله وسخطه ما يعرفه من له فطنة واعتبار وتفكر، ومن نظر في تواريخ ~~الدول؛ رأى من هذا ما يقضي منه العجب. # فالحاصل: أن الظالم ممن خسر الدنيا والآخرة: # أما خسران الآخرة؛ فواضح معلوم من هذه الشريعة بالضرورة. # وأما خسران الدنيا؛ فهو وإن تم له منها نصيب نزر فهو على كدر وتخوف، ونغص ~~وتحيل، ووحشة من رعيته، فلا يزال متوقعا لزوال ملكه في كل وقت بسبب ما قد ~~فعله بهم، وهم مع ذلك على بغضه، وهو منطو على بغضهم، وينضم إلى ذلك كله ~~تناقص الأمر، وخراب البلاد، وهلاك الرعية، وفقر أغنيائهم، ففي كل عام هو في ~~نقص؛ مع ما جرت به عادة الله - عز وجل - من قصم الظلمة وهلاكهم في أيسر ~~مدة. # فأقل الملوك مدة أشدهم بطشا وأكثرهم ظلما، وهذا هو الغالب، وما # PageV03P482 # خالفه فنادر. # فأين حال هؤلاء الظلمة في الدين والدنيا من حال الملوك العادلين بالرعية، ~~المحبوبين عندهم، الممتعين ms756 بلذة العدل؛ مع لذة العيش الصافي عن كدر ~~المخاوف؛ التي لا يأمن الظلمة هجومها عليهم في كل وقت؟ ! # ولو لم يكن من ذلك كله إلا الأمن من عقاب الله وانتقامه؛ بل الرجاء في ~~ثوابه وجزيل إفضاله، وما وعد به العادلين في الآخرة؛ مما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لكان مغنيا. # ( [ ### | بيان أن من أمنه أحد المسلمين صار آمنا # ] :) # (ومن أمنه أحد المسلمين؛ صار آمنا) ؛ لحديث علي عند أحمد (1) وأبي داود، ~~والنسائي، والحاكم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: # " ذمة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم ". # وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ~~- مرفوعا - بلفظ: # " يد المسلمين على من سواهم؛ تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، ~~PageV03P483 # ويرد عليهم أقصاهم (1) ، وهم يد على من سواهم ". # وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " من حديث ابن عمر مطولا. # وأخرجه ابن ماجه من حديث - معقل بن يسار - مختصرا - بلفظ: # " المسلمون يد على من سواهم؛ تتكافأ دماؤهم ". # وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة - مختصرا - أيضا -. # وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - أيضا - بلفظ: # " إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما؛ فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين ". # وهو في " الصحيحين " من حديث علي. # وأخرجه البخاري من حديث أنس. # وفي الباب أحاديث. # وقد أجمع أهل العلم على أن من أمنه أحد المسلمين صار آمنا. # قال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة ". انتهى. ~~PageV03P484 # وأما العبد؛ فأجاز أمانه الجمهور. # وأما الصبي؛ فقال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على أن أمان الصبي غير ~~جائز ". انتهى. # وأما المجنون؛ فلا يصح أمانه بلا خلاف. # قلت: إنما يصح الأمان من آحاد المسلمين؛ إذا أمن واحدا أو اثنين. # فأما عقد الأمان لأهل ناحية على العموم؛ فلا يصح إلا من الإمام؛ على سبيل ~~الاجتهاد وتحري المصلحة، كعقد الذمة، ولو جعل ذلك لآحاد الناس؛ صار ذريعة ~~إلى إبطال الجهاد. ### | ( [بيان أن الرسول كالمؤمن] :) # (والرسول كالمؤمن) ؛ لحديث ابن مسعود عند أحمد (1) ، وأبي داود ms757 والنسائي، ~~والحاكم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرسولي مسيلمة: " لو كنت ~~قاتلا رسولا لقتلتكما ". # وأخرج أحمد (2) ، وأبو داود من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي: أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال لهما: " والله؛ لولا أن PageV03P485 # الرسل لا تقتل؛ لضربت أعناقكما ". # وقد أخرج أحمد (1) ، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان - وصححه -: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي رافع لما بعثته قريش إليه، فقال: يا ~~رسول الله {لا أرجع إليهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في قلبك ~~الذي فيه الآن - يعني: الإسلام -؛ فارجع ". # ( [ ### | توسيط القول في جواز مهادنة الكفار # ] :) # (وتجوز مهادنة الكفار) وملوكهم وقبائلهم؛ إذا اجتهد الإمام وذوو الرأي من ~~المسلمين، فعرفوا نفع المسلمين في ذلك، ولم يخافوا من الكفار مكيدة. # (ولو بشرط، وإلى أجل أكثره عشر سنين) ؛ لحديث أنس عند مسلم، وغيره: أن ~~قريشا صالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فاشترطوا عليه: أن من جاء منكم ~~لا نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله} أنكتب ~~(2) هذا؟ قال: " نعم؛ إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم ~~سيجعل الله له فرجا ومخرجا ". # وهو في " البخاري "، وغيره من حديث المسور بن مخرمة، ومروان PageV03P486 # - مطولا -، وفيه: أن مدة الصلح بينه صلى الله عليه وسلم وبين قريش عشر ~~سنين. # وقد اختلف أهل العلم في جواز مصالحة الكفار على رد من جاء منهم مسلما، ~~وفعله صلى الله عليه وسلم قد دل على جواز ذلك، ولم يثبت ما يقتضي نسخه. # ( [ ### | بيان قدر مدة الصلح مع الكفار # ] :) # وأما قدر مدة الصلح؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يكون أكثر من عشر ~~سنين؛ لأن الله - سبحانه - قد أمرنا بمقاتلة الكفار في كتابه العزيز، فلا ~~يجوز مصالحتهم بدون شيء من جزية أو نحوها، ولكنه لما وقع ذلك من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ كان دليلا على الجواز إلى المدة التي وقع الصلح ms758 ~~عليها، ولا تجوز الزيادة عليها رجوعا إلى الأصل، وهو وجوب مقاتلة الكفار ~~ومناجزتهم الحرب. # وقد قيل: إنها لا تجوز مجاوزة أربع سنين، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: لا تجوز ~~مجاوز سنتين. # ( [ ### | تفصيل القول في جواز تأبيد المهادنة بالجزية # ] :) # (ويجوز تأبيد المهادنة بالجزية) ؛ لما تقدم من أمره - صلى الله عليه وسلم ~~- بدعاء الكفار إلى إحدى ثلاث خصال؛ منها الجزية. # وحديث عمرو بن عوف الأنصاري - في " الصحيحين "، وغيرهما -: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو صالح أهل البحرين، أمر # PageV03P487 # عليهم العلاء ابن الحضرمي. # وأخرج أبو عبيد (1) ، عن الزهري - مرسلا - قال: قبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الجزية من أهل البحرين، وكانوا مجوسا. # وأخرج أبو داود (2) من حديث أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~خالدا إلى أكيدر دومة (3) ، فأخذوه فأتوا به، فحقن دمه، وصالح على الجزية. # وأخرج أبو عبيد في كتاب " الأموال "، عن الزهري: أن أول من أعطى الجزية ~~أهل نجران، وكانوا نصارى. # وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم على أهل اليمن؛ على كل حالم دينارا كل ~~سنة، أو قيمته من المعافري (4) ، يعني: أهل الذمة منهم؛ رواه الشافعي في " ~~مسنده " عن عمر بن عبد العزيز، وهو ثابت في حديث معاذ المشهور عند أبي ~~داود. # وأخرج البخاري، وغيره من حديث المغيرة بن شعبة: أنه قال لعامل كسرى: ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو ~~تؤدوا الجزية. PageV03P488 # وأخرج البخاري عن ابن أبي نجيح، قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم ~~أربعة دنانير؛ وأهل اليمن عليهم دينار؟ {قال: جعل ذلك من قبيل اليسار. # وقد وقع الاتفاق على أنها تقبل الجزية من كفار العجم؛ من اليهود، ~~والنصارى، والمجوس. # قال مالك والأوزاعي وفقهاء الشام: إنها تقبل من جميع الكفار؛ من العرب ~~وغيرهم (1) . # وقال الشافعي: إن الجزية تقبل من أهل الكتاب؛ عربا كانوا أو عجما، ويلحق ~~بهم المجوس في ذلك. # وقد ms759 استدل من لم يجوز أخذها إلا من العجم فقط؛ بما وقع في حديث ابن عباس ~~عند أحمد (2) ، والترمذي - وحسنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لقريش؛ أنه يريد منهم كلمة، تدين لهم بها العرب، ويؤدي إليهم بها العجم ~~الجزية؛ يعني: كلمة الشهادة. PageV03P489 # وليس هذا مما ينفي أخذ الجزية من العرب؛ ولا سيما مع قوله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث سليمان بن بريدة - المتقدم -: " وإذا لقيت عدوك من المشركين؛ ~~فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - "، وفيها الجزية. # قال في " المسوى " - في باب أخذ الجزية من أهل الكتاب -: # " قال - تعالى -: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . # قلت: عليه أهل العلم في الجملة. # وقال الشافعي: الجزية على الأديان لا على الأنساب؛ فتؤخذ من أهل الكتاب؛ ~~عربا كانوا أو عجما، ولا تؤخذ من أهل الأوثان. # والمجوس لهم شبهة كتاب. # وقال أبو حنيفة: لا يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف. # وفي حديث ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس ~~البحرين، وأن عمر بن الخطاب أخذها من البربر (1) . # وفي حديث جعفر بن علي بن محمد، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، ~~فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ ! فقال عبد الرحمن بن PageV03P490 # عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: " سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب " (1) . # قلت: وعليه أهل العلم. # قال مالك: مضت السنة: أن لا جزية على نساء أهل الكتاب (2) ، ولا على ~~صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم. # قلت: وعليه أهل العلم. # ( [ ### | بيان مقدار الجزية # ] :) # وأما قدرها: فضرب عمر بن الخطاب الجزية على أهل الذهب: أربعة دنانير، ~~وعلى أهل الورق: أربعين درهما؛ مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام. # قلت: قد صح (3) من حديث معاذ؛ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، ms760 ~~فأمره أن يأخذ من كل حالم دينار أو عدله معافريا. # فاختلفوا في الجمع بينه وبين حديث عمر: PageV03P491 # فقال الشافعي: أقل الجزية دينار على كل بالغ في كل سنة، ويستحب للإمام ~~المماسكة ليزداد، ولا يجوز أن ينقص من دينار، وأن الدينار مقبول من الغني ~~والمتوسط والفقير. # وتأول أبو حنيفة حديث عمر على الموسرين، وحديث معاذ على الفقراء؛ لأن أهل ~~اليمن أكثرهم فقراء، فقال: على كل موسر أربعة دنانير، وعلى كل متوسط ~~ديناران، وعلى كل فقير دينار. # وعن عمر بن عبد العزيز: من مر بك من أهل الذمة؛ فخذ بما يديرون به من ~~التجارات؛ من كل عشرين دينار؛ فما نقص فبحساب ذلك؛ حتى يبلغ عشرة دنانير، ~~فإن نقصت ثلث دينار؛ فدعها ولا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم بما تأخذ منهم ~~كتابا إلى مثله من الحول. # قلت: عليه أبو حنيفة. # وقال الشافعي: الذي يلزم اليهود والنصارى من العشور: هو ما صولحوا وقت ~~عقد الذمة (1) . # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل ~~الجزية حين يسلمون. # قلت: عليه أبو حنيفة. PageV03P492 # وقال الشافعي: لا تسقط بالإسلام ولا بالموت؛ لأنه دين حل عليه كسائر ~~الديون ". انتهى. # ( [ ### | بيان منع المشركين وأهل الذمة من توطن جزيرة العرب # ] :) # (ويمنع المشركون وأهل الذمة من السكون من (1) جزيرة العرب) ؛ لحديث ابن ~~عباس - في " الصحيحين "، وغيرهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى ~~عند موته بثلاث: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما ~~كنت أجيزهم "، ونسيت الثالثة - والشك (2) من سليمان الأحول -. # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عمر: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب،؛ حتى لا أدع فيها إلا ~~مسلما ". # وأخرج أحمد من حديث عائشة: أن آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أن قال: " لا يترك بجزيرة العرب دينان ": # وهو من رواية ابن إسحاق؛ قال: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة، عنها (3) . PageV03P493 # والأدلة - هذه - قد ms761 دلت على إخراج كل مشرك من جزيرة العرب؛ سواء كان ذميا ~~أو غير ذمي، وقيل: إنما يمنعون من الحجاز فقط؛ استدلالا بما أخرجه أحمد (1) ~~، والبيهقي من حديث أبي عبيدة بن الجراح، قال: آخر ما تكلم به النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ". # وهذا لا يصلح لتخصيص العام؛ لما تقرر في الأصول من أن التخصيص بموافق ~~العام لا يصح. # وقد حكى ابن حجر في " فتح الباري " عن الجمهور: أن الذي يمنع منه ~~المشركون من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة؛ قال: وهو مكة والمدينة واليمامة ~~وما والاها؛ لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم الجزيرة (2) . # وعن الحنفية: يجوز مطلقا؛ إلا المسجد الحرام. # وعن مالك: يجوز دخولهم الحرم للتجارة. # وقال الشافعي: لا يدخلون الحرم أصلا؛ إلا بإذن الإمام. # أقول: الأحاديث مصرحة بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وذكر الحجاز هو من ~~التنصيص على بعض أفراد العام لا من تخصيصه؛ لأنه قد PageV03P494 # تقرر في الأصول: أن مفاهيم اللقب لا يجوز العمل بها إجماعا؛ إلا عند ~~الدقاق. # ولفظ الحجاز يدل على أن غيره من مواضع الجزيرة يخالفه بمفهوم لقبه؛ هذا ~~هو الصواب الذي ينبغي التعويل عليه. # وقد جمع المغربي - مؤلف شرح " بلوغ المرام " - رسالة رجح فيها التخصيص، ~~وقد دفعها الماتن - رحمه الله - بأبحاث، ليس هذا موضع ذكرها. # قال في " المسوى " - في باب لا يدخل المسجد الحرام كافر -: # " قال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله} ". # قلت: قوله {فلا يقربوا المسجد الحرام} : معناه المسجد الحرام وما حوله من ~~الحرم (1) ؛ يدل عليه قوله - تعالى -: {وإن خفتم عيلة} ، وعليه أهل العلم؛ ~~قالوا: لا يجوز لكافر أن يدخل الحرم بحال؛ سواء كان ذميا أو لم يكن، وإذا ~~جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام، وهو في الحرم؛ فلا يأذن في دخوله بل ~~يخرج الإمام إليه، أو يبعث من يسمع رسالته. # قلت: قد صح في ms762 غير حديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل الكفار في ~~مسجده. PageV03P495 # من ذلك: ربط ثمامة بن أثال بسارية من سواري المسجد: # فقال الشافعي: لا يدخلون المسجد إلا بإذن مسلم. # وقال آخرون: يجوز له الدخول ولو بغير إذن، وتأويل الآية على قولهم: أنهم ~~أخيفوا بالجزية. # أقول: لا ريب أن مواطن العبادة المعدة للمسلمين ينبغي تنزيهها من أدران ~~المشركين؛ فهم الذين لا يتطهرون من جنابة، ولا يغتسلون من نجاسة، فإن كان ~~تلويثهم لمساجد المسلمين بالنجاسات، او استهزاؤهم بالعبادة مظنونا؛ فذلك ~~مفسدة، وكل مفسدة ممنوعة؛ ما لم يعارضها مظنة إسلام من دخل منهم المسجد؛ ~~لما يسمعه ويراه من المسلمين؛ فإن تلك المفسدة مغتفرة بجنب هذه المصلحة ~~التي لا يقدر قدرها. # وأما إذا كان تلويثهم المسجد غير مظنون؛ فلا وجه للمنع؛ ولا سيما قد تقرر ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل كثيرا من وفود المشركين مسجده الشريف، وهو ~~أفضل من غيره من المساجد؛ غير المسجد الحرام ". # ثم قال في " المسوى ": # " قال مالك: قال ابن شهاب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى يهود ~~خيبر. # قال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران، وفدك. # فأما يهود خيبر؛ فخرجوا منها، ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء. # PageV03P496 # وأما يهود فدك؛ فكان لهم نصف الثمر ونصف الأرض؛ لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان صالحهم على نصف الثمر ونصف الأرض، فأقام لهم عمر بن الخطاب ~~نصف الثمر، ونصف الأرض قيمته؛ من ذهب وورق وإبل وحبال وأقتاب، ثم أعطاهم ~~القيمة وأجلاهم منها. # قلت: عليه أهل العلم، قالوا: الحجاز؛ يجوز للكافر دخولها بالإذن، ولا ~~يقيم بها أكثر من مقام السفر؛ فإن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما أجلاهم؛ ~~أجل - لمن يقدم منهم تاجرا - ثلاثا ". انتهى. ### | ( [الفصل الرابع: حكم قتال البغاة] ) # ( [ ### | بيان وجوب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق # ] :) # (ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق) ؛ لقوله - تعالى -: {وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى ms763 تفيء إلى أمر الله} ، فأوجب الله - سبحانه - قتال الطائفة ~~الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، ولا فرق بين أن يكون البغي من بعض المسلمين ~~على إمامهم، أو على طائفة منهم. # قال في " المسوى ": # " قال الواحدي والبغوي وغيرهما: نزلت هذه الآية في ضرب كان بينهم بالجريد ~~والأيدي والنعال، فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهم (1) . PageV03P497 # والظاهر: أنها في قتال ومضاربة يكون في الغضب بين المسلمين؛ حيث يكون حكم ~~الله - تعالى - معلوما؛ لقوله - تعالى -: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله} ، وليست في البغاة؛ وهم الذين لهم منعة وشبهة، فنصبوا رئيسا ~~وخرجوا على الإمام العدل؛ إذ ليس هناك قاطع يطلب منهم الفيء إليه؛ بل كل ~~فرقة منهما تدعي أن ما ذهبت إليه هو الحق الموافق لكتاب الله. # وإنما يستفاد حكم البغاة من آثار علي - رضي الله تعالى عنه - حين قاتل ~~أهل البصرة وأهل الشام وأهل النهروان، وهذا أحسن ما فهمت في هذه الآية، ~~والعلم عند الله تعالى ". انتهى. # أقول: اعلم أن هذا الفصل مستفاد من اجتهادات الصحابة - رضي الله عنهم - ~~وأكثر من روي عنه في ذلك؛ علي - كرم الله وجهه -، ولم يثبت في ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم شيء؛ إلا حديث ابن مسعود الآتي، وقد ضعفه جماعة من ~~المسلمين (1) ، وقد أجمع المسلمون على بعض الأحكام؛ كعدم جواز سبي البغاة. # والحاصل: أن أصل دم المسلم وماله العصمة، ولم يأذن الله - عز وجل - بسوى ~~قتال الطائفة الباغية حتى تفيء، فيجب الاقتصار على هذا، ويكون الجائز قتال ~~من لم يحصل منه الفيء؛ وإن كان جريحا أو منهزما؛ من غير فرق بين من له فئة ~~ومن لا فئة له؛ ما دام مصرا على بغيه. # وأما المال؛ فلا يجوز أخذ شيء منه. # هذا ما عندي في ذلك، فإن ثبت ما يخالفه؛ فالثابت شرعا أولى بالاتباع. ~~PageV03P498 # ( [ ### | بيان حكم قتل أسير البغاة وغنيمة أموالهم والإجهاز على جريحهم # ] ) # (ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم، ولا يجاز (1) على جريحهم، ولا تغنم ~~أموالهم) : لما أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن ms764 عمر: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لابن مسعود: " يا ابن أم عبد! ما حكم من بغى من أمتي؟ "، ~~قال: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يتبع ~~مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم ". # وفي لفظ: " ولا يذفف (2) على جريحهم، ولا يغنم منهم "؛ سكت عنه الحاكم. # وقال ابن عدي: هذا الحديث غير محفوظ. # وقال البيهقي: ضعيف. # وقال صاحب " بلوغ المرام ": إن الحاكم صححه فوهم؛ لأن في إسناده كوثر بن ~~حكيم، وهو متروك (3) . # وصح عن علي من طرق نحوه - موقوفا -. PageV03P499 # والصحيح: أنه نادى بذلك منادي علي يوم صفين، ولم يثبت الرفع. # وأخرج ابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي من طريق عبد خير، عن علي بلفظ: ~~نادى منادي علي يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم. # وأخرج سعيد بن منصور عن مروان بن الحكم، قال: صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: ~~لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح ~~فهو آمن. # وأخرج أحمد - في رواية الأثرم، واحتج به -، عن الزهري، قال: هاجت الفتنة ~~- وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون -؛ فأجمعوا: أن لا يقاد ~~أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن؛ إلا ما وجد بعينه. # وأخرج البيهقي عن أبي أمامة، قال: شهدت صفين؛ فكانوا لا يجيزون على جريح، ~~ولا يقتلون موليا، ولا يسلبون قتيلا. # وأخرج البيهقي، عن علي، أنه قال يوم الجمل: إن ظفرتم على القوم؛ فلا ~~تطلبوا مدبرا، ولا تجيزوا على جريح، وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آلة ~~فاقبضوه، وما سوى ذلك؛ فهو لورثتهم ". # قال البيهقي: هذا منقطع. # والصحيح أنه لم يأخذ شيئا، ولم يسلب قتيلا. # ويؤيد جميع هذه الآثار: أن الأصل في دماء المسلمين وأموالهم الحرمة؛ # PageV03P500 # فلا يحل شيء منها إلا بدليل شرعي. # والمراد بالإجازة على الجريح، والإجهاز، والتذفيف: أن يتمم قتله ويسرع ~~فيه. # ( [ ### | بيان أنه لا قصاص في أيام الفتنة # ] :) # وما حكاه الزهري من الإجماع على عدم القود؛ يدل على أنه ms765 لا قصاص في أيام ~~الفتنة، وقد أخرج هذا الأثر - عن الزهري - البيهقي؛ بلفظ: # هاجت الفتنة الأولى، فأدركت - يعني: الفتنة - رجالا ذوي عدد من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن شهد معه بدرا، وبلغنا أنهم يرون أن هذا ~~أمر الفتنة؛ لا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل، ولا ~~حد في سبي امرأة سبيت، ولا يرى عليها حد، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة، ولا ~~يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد، ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد ~~عدتها من زوجها الآخر، ويرى أن يرثها زوجها الأول ". انتهى. # قال في " البحر ": ولا يجوز سبيهم، ولا اغتنام ما لم يجلبوا به إجماعا؛ ~~لبقائهم على الملة. # وحكى عن النفس الزكية، والحنفية، والشافعية: أنه لا يغنم منهم شيء. # ( [ ### | بيان حكم من حارب عليا رضي الله عنه # ] :) # أقول: وأما الكلام فيمن حارب عليا - كرم الله وجهه -؛ فلا شك ولا # PageV03P501 # شبهة أن الحق بيده في جميع مواطنه. # أما طلحة والزبير ومن معهم؛ فلأنهم قد كانوا بايعوه، فنكثوا بيعته بغيا ~~عليه، وخرجوا في جيوش من المسلمين، فوجب عليه قتالهم. # وأما قتاله للخوارج؛ فلا ريب في ذلك، والأحاديث المتواترة قد دلت على ~~أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. # وأما أهل صفين؛ فبغيهم ظاهر؛ لو لم يكن في ذلك إلا قوله صلى الله عليه ~~وسلم لعمار: " تقتلك الفئة الباغية "؛ لكان ذلك مفيدا للمطلوب. # ثم ليس معاوية ممن يصلح لمعارضة علي، ولكنه أراد طلب الرياسة والدنيا بين ~~قوم أغتام (1) ؛ لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فخادعهم بأنه طلب بدم ~~عثمان، فنفق ذلك عليهم، وبذلوا بين يديه دماءهم وأموالهم، ونصحوا له؛ حتى ~~كان يقول علي لأهل العراق أنه يود أن يصرف العشرة منهم بواحد من أهل الشام ~~صرف الدراهم بالدينار. # وليس العجب من مثل عوام الشام؛ إنما العجب ممن له بصيرة ودين كبعض ~~الصحابة المائلين إليه، بعض فضلاء التابعين، فليت شعري؛ أي أمر اشتبه عليهم ~~في ذلك الأمر؛ حتى نصروا المبطلين ms766 وخذلوا المحقين؛ وقد سمعوا قول الله - ~~تعالى -: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله} ، وسمعوا الأحاديث المتواترة في تحريم عصيان PageV03P502 # الأئمة ما لم يروا كفرا بواحا، وسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمار أنه: " تقتله الفئة الباغية "؟ { # ولولا عظيم قدر الصحابة، ورفيع فضل خير القرون؛ لقلت: حب الشرف والمال قد ~~فتن سلف هذه الأمة كما فتن خلفها} اللهم غفرا (1) {} # ثم اعلم أنه قد جاء القرآن والسنة بتسمية من قاتل المحقين باغيا كما في ~~الآية المتقدمة، وحديث عمار بن ياسر المتقدم، فالباغي مؤمن يخرج عن طاعة ~~الإمام التي أوجبها الله - تعالى - على عباده، ويقدح عليه في القيام بمصالح ~~المسلمين، ودفع مفاسدهم من غير بصيرة، ولا على وجه المناصحة، فإن انضم إلى ~~ذلك المحاربة له والقيام في وجهه؛ فقد تم البغي، وبلغ إلى غايته، وصار كل ~~فرد من أفراد المسلمين مطالبا بمقاتلته؛ لقوله - سبحانه وتعالى -: {فإن بغت ~~إحداهما} الآية. # وليس القعود عن نصرة الحق من الورع؛ بعد قول الله - عز وجل -: {فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي} . # والحاصل: أنه إذا تبين الباغي ولم يلتبس، ولا دخل في الصلح؛ كان ~~PageV03P503 # القعود عن مقاتلته خلاف ما أمر الله به، وأما مع اللبس؛ فلا وجوب حتى ~~يتبين المحق من المبطل؛ لكن يجب السعي في الصلح كما أمر الله به. # وليس من البغي إظهار كون الإمام سلك في اجتهاده في مسألة أو مسائل طريق ~~مخالفة لما يقتضيه الدليل؛ فإنه ما زال المجتهدون هكذا، ولكنه ينبغي لمن ~~ظهر له غلط الإمام أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل ~~كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده، ويخلو به ويبذل له النصيحة (1) ، ولا ~~يذل سلطان الله. # ولا يجوز الخروج على الأئمة - وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ -؛ ما أقاموا ~~الصلاة (2) ، ولم يظهر منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة بهذا المعنى ~~متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيه في معصية ~~الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق ms767 في معصية الخالق. # وقد ابتلي علي - رضي الله عنه - بقتال البغاة على اختلاف أنواعهم، وإذا ~~كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه مربوطة به كما كان ~~في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم -؛ فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ~~ثبوت ولاية الأول؛ أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة. # وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد؛ فليس أحدهما أولى من ~~الآخر؛ بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما، حتى يجعل الأمر ~~في أحدهما، فإن استمرا على التخالف؛ كان على أهل PageV03P504 # الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا تخفى وجوه ~~الترجيح على المتأهلين لذلك. # وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد ~~صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام، أو سلطان، وفي القطر الآخر أو ~~الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في غير قطره، أو أقطاره التي ~~رجعت إلى ولايته. # فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة ~~على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر. # فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله؛ كان ~~الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا يجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا ~~الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار؛ فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر ~~إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات. # فالتكليف بالطاعة - والحال هذه -؛ تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من ~~له اطلاع على أحوال العباد والبلاد؛ فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له ~~الولاية في أرض المغرب؛ فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته، وهكذا العكس، وكذلك ~~أهل ما وراء النهر؛ لا يدرون بمن له الولاية في اليمن، وهكذا العكس. # فاعرف هذا؛ فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما يدل عليه # PageV03P505 # الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية ~~الإسلامية في ms768 أول الإسلام وما هي عليه الآن؛ أوضح من شمس النهار. # ومن أنكر هذا؛ فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها، ~~والله المستعان! (1) ### | ( [الفصل الخامس: من أحكام الإمامة] ) # ( [ ### | بيان وجوب طاعة الإمام إلا في معصية الله # ] :) # (وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله) ؛ باتفاق السلف الصالح؛ لقوله - ~~تعالى -: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ، وللأحاديث ~~المتواترة في وجوب طاعة الأئمة؛ منها: # ما أخرجه البخاري من حديث أنس مرفوعا: # " اسمعوا وأطيعوا؛ وإن استعمل عليكم عبد حبشي؛ كأن رأسه زبيبة (2) ؛ ما ~~أقام فيكم كتاب الله ". # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني ~~فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن ~~يعص الأمير فقد عصاني ". PageV03P506 # وفي " الصحيحين " - أيضا - من حديث ابن عمر، عنه صلى الله عليه وسلم: # " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره؛ إلا أن يؤمر بمعصية، ~~فإن أمر بمعصية؛ فلا سمع ولا طاعة ". # والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا. # ( [ ### | متى يجوز الخروج على الإمام # ؟] :) # (ولا يجوز الخروج) بعد ما حصل الاتفاق. # (عليهم ما أقاموا الصلاة ولم يظهروا كفرا بواحا) ؛ لحديث عوف بن مالك - ~~عند مسلم (1) ، وغيره -، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار ~~أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم "، قال: قلنا: يا ~~رسول الله {أفلا ننابذهم عند ذلك؟} قال: " لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة؛ ألا ~~من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية، ~~ولا ينزعن يدا عن طاعة ". # وأخرج مسلم - أيضا -، وغيره من حديث حذيفة بن اليمان، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون ~~بسنتي، وسيقوم فيكم رجال؛ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنسان "، قال: ~~قلت: كيف أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ PageV03P507 # قال: " تسمع وتطيع؛ وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع ". # وأخرج مسلم ms769 - أيضا -، وغيره من حديث عرفجة الأشجعي، قال: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: " من أتاكم - وأمركم جميع على رجل واحد -؛ ~~يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه ". # وفي " الصحيحين " من حديث عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -[على السمع والطاعة] (1) في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ~~ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله؛ " إلا أن تروا كفرا بواحا؛ ~~عندكم فيه من الله برهان ". # والبواح - بالموحدة والمهملة -؛ قال الخطابي: معنى قوله: بواحا: يريد ~~ظاهرا. # وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة عنه، صلى الله عليه وسلم: " من خرج عن ~~الطاعة، وفارق الجماعة؛ فميتته جاهلية " (2) . # وأخرج نحوه أيضا عن ابن عمر. # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: # " من حمل علينا السلاح؛ فليس منا ". PageV03P508 # وأخرجاه أيضا من حديث أبي موسى. # وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وسلمة بن الأكوع. # والأحاديث في هذا الباب لا يتسع المقام لبسطها. # وقد ذهب إلى ما ذكرناه: جمهور أهل العلم. # وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخروج على الظلمة - أو وجوبه -؛ تمسكا ~~بأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وهي أعم مطلقا من أحاديث الباب، ولا تعارض بين عام وخاص، ويحمل ما وقع من ~~جماعة من أفاضل السلف على اجتهاد منهم، وهم أتقى لله، وأطوع لسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ممن جاء بعدهم من أهل العلم. # قال في " الحجة البالغة ": # " ثم إن استولى من لم يجمع الشروط؛ لا ينبغي أن يبادر إلى المخالفة؛ لأن ~~خلعه لا يتصور غالبا إلا بحروب ومضايقات، وفيها من المفسدة أشد مما يرجى من ~~المصلحة. # وبالجملة؛ فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين؛ حل قتاله - ~~بل وجب -؛ وإلا لا؛ وذلك لأنه حينئذ فاتت مصلحة نصبه؛ بل يخاف مفسدته على ~~القوم، فكان قتاله من الجهاد في سبيل الله ". انتهى. # ( [ ### | بيان وجوب الصبر على جور الأئمة # ] :) # (ويجب الصبر على جورهم) ؛ لما تقدم من الأحاديث. # PageV03P509 # وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " من ms770 رأى من أميره شيئا يكرهه؛ فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبرا، ~~فمات؛ فميتته جاهلية ". # وفيهما من حديث أبي هريرة - مرفوعا -: " أعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم ~~عما استرعاهم ". # وأخرج أحمد (1) من حديث أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~يا أبا ذر {كيف بك عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيء؟ "؛ قال: والذي بعثك ~~بالحق؛ أضع سيفي على عاتقي، وأضرب حتى ألحقك، قال: " أولا أدلك على ما هو ~~خير لك من ذلك؟} تصبر حتى تلحقني ". # وفي الباب أحاديث كثيرة. # ( [ ### | بيان وجوب النصيحة للأئمة # ] ) # (وبذل النصيحة لهم) ؛ لما ثبت في " الصحيح " من أن: " الدين النصيحة؛ لله ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين " - من حديث تميم الداري بهذا اللفظ -. # والأحاديث الواردة في مطلق النصيحة متواترة، وأحق الناس بها الأئمة. # ( [ ### | بيان ما يجب على الأئمة نحو رعيتهم # ] :) # (وعليهم) ؛ أي: على الأئمة (الذب عن المسلمين، وكف يد الظالم، ~~PageV03P510 # وحفظ ثغورهم، وتدبيرهم بالشرع في الأبدان والأديان والأموال، وتفريق ~~أموال الله في مصارفها، وعدم الاستئثار بما فوق الكفاية بالمعروف، ~~والمبالغة في إصلاح السيرة والسريرة) ؛ وذلك معلوم من أدلة الكتاب والسنة ~~التي لا يتسع المقام لبسطها. # ولا خلاف في وجوبها جميعا على الإمام، وهذه الأمور هي التي شرع الله - ~~تعالى - نصب الأئمة لها، فمن أخل من الأئمة والسلاطين بشيء منها؛ فهو غير ~~مجتهد لرعيته، ولا ناصح لهم؛ بل غاش خائن. # وقد ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث معقل بن يسار، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد يسترعيه الله رعية؛ يموت - يوم ~~يموت - وهو غاش لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة ". # وفي لفظ لمسلم: " ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، ولا ~~ينصح لهم؛ إلا لم يدخل الجنة ". # وأخرج مسلم، وغيره من حديث عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئا، فرفق بهم؛ فارفق به ". # وبالجملة؛ فعلى الإمام والسلطان أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وبالخلفاء الراشدين في جميع ما ms771 يأتي ويذر؛ فإنه إن فعل ذلك؛ كان له ما ~~لأئمة العدل من الترغيبات الثابتة في الكتاب والسنة. # وحاصلها: الفوز بنعيم الدنيا والآخرة. # PageV03P511 # وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # (تم الكتاب وربنا محمود ... وله المكارم والعلا والجود) # (وعلى النبي محمد صلواته ... ما ناح قمري وأورق عود) # [انتهى المجلد الثالث من كتاب " التعليقات الرضية على الروضة الندية "، ~~وبه يتم الكتاب؛ والحمد لله الملك الوهاب] . (1) PageV03P512 ms772