######OpenITI# #META# URI: 1314JamalDinAfghani.CurwaWuthqa.Hindawi68096495 #META# Tags: literature #META# ID: 68096495 #META# Title: العروة الوثقى #META# AuthorID: 71572096 :: 61829392 #META# Author: جمال الدين الأفغاني :: محمد عبده #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الشيخ محمد عبده‏ # العروة الوثقى‏ # فاتحة الجريدة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # باب النتف والأخبار‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # الفصل السابع والأربعون‏ # الفصل الثامن والأربعون‏ # الفصل التاسع الأربعون‏ # الفصل الخمسون‏ # الفصل الحادي والخمسون‏ # الفصل الثاني والخمسون‏ # الفصل الثالث والخمسون‏ # الفصل الرابع والخمسون‏ # الفصل الخامس والخمسون‏ # الفصل السادس والخمسون‏ # الفصل السابع والخمسون‏ # الفصل الثامن والخمسون‏ # الفصل التاسع والخمسون‏ # الفصل الستون‏ # الفصل الحادي والستون‏ # الفصل الثاني والستون‏ # الفصل الثالث والستون‏ # الفصل الرابع والستون‏ # الفصل الخامس والستون‏ # الفصل السادس والستون‏ # الفصل السابع والستون‏ # الفصل الثامن والستون‏ # الفصل التاسع والستون‏ # الفصل السبعون‏ # الفصل الحادي والسبعون‏ # الفصل الثاني والسبعون‏ # الفصل الثالث والسبعون‏ # الفصل الرابع والسبعون‏ # الفصل الخامس والسبعون‏ # الفصل السادس والسبعون‏ # الفصل السابع والسبعون‏ # الفصل الثامن والسبعون‏ # الفصل التاسع والسبعون‏ # الفصل الثمانون‏ # الفصل الحادي والثمانون ms001 ‏ # الفصل الثاني والثمانون‏ # الفصل الثالث والثمانون‏ # الفصل الرابع والثمانون‏ # الفصل الخامس والثمانون‏ # الفصل السادس والثمانون‏ # الفصل السابع والثمانون‏ # الفصل الثامن والثمانون‏ # الفصل التاسع والثمانون‏ # الفصل التسعون‏ # الفصل الحادي والتسعون‏ # الفصل الثاني والتسعون‏ # الفصل الثالث والتسعون‏ # الفصل الرابع والتسعون‏ # الفصل الخامس والتسعون‏ # الفصل السادس والتسعون‏ # الفصل السابع والتسعون‏ # الفصل الثامن والتسعون‏ # الفصل التاسع والتسعون‏ # الفصل المائة‏ # الفصل الحادي والمائة‏ # الفصل الثاني والمائة‏ # الفصل الثالث والمائة‏ # الفصل الرابع والمائة‏ # الشيخ محمد عبده‏ # العروة الوثقى‏ # فاتحة الجريدة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # باب النتف والأخبار‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # الفصل السابع والأربعون‏ # الفصل الثامن والأربعون‏ # الفصل التاسع الأربعون‏ # الفصل الخمسون‏ # الفصل الحادي والخمسون‏ # الفصل الثاني والخمسون‏ # الفصل الثالث والخمسون‏ # الفصل الرابع والخمسون‏ # الفصل الخامس والخمسون‏ # الفصل السادس والخمسون‏ # الفصل السابع والخمسون‏ # الفصل الثامن ms002 والخمسون‏ # الفصل التاسع والخمسون‏ # الفصل الستون‏ # الفصل الحادي والستون‏ # الفصل الثاني والستون‏ # الفصل الثالث والستون‏ # الفصل الرابع والستون‏ # الفصل الخامس والستون‏ # الفصل السادس والستون‏ # الفصل السابع والستون‏ # الفصل الثامن والستون‏ # الفصل التاسع والستون‏ # الفصل السبعون‏ # الفصل الحادي والسبعون‏ # الفصل الثاني والسبعون‏ # الفصل الثالث والسبعون‏ # الفصل الرابع والسبعون‏ # الفصل الخامس والسبعون‏ # الفصل السادس والسبعون‏ # الفصل السابع والسبعون‏ # الفصل الثامن والسبعون‏ # الفصل التاسع والسبعون‏ # الفصل الثمانون‏ # الفصل الحادي والثمانون‏ # الفصل الثاني والثمانون‏ # الفصل الثالث والثمانون‏ # الفصل الرابع والثمانون‏ # الفصل الخامس والثمانون‏ # الفصل السادس والثمانون‏ # الفصل السابع والثمانون‏ # الفصل الثامن والثمانون‏ # الفصل التاسع والثمانون‏ # الفصل التسعون‏ # الفصل الحادي والتسعون‏ # الفصل الثاني والتسعون‏ # الفصل الثالث والتسعون‏ # الفصل الرابع والتسعون‏ # الفصل الخامس والتسعون‏ # الفصل السادس والتسعون‏ # الفصل السابع والتسعون‏ # الفصل الثامن والتسعون‏ # الفصل التاسع والتسعون‏ # الفصل المائة‏ # الفصل الحادي والمائة‏ # الفصل الثاني والمائة‏ # الفصل الثالث والمائة‏ # الفصل الرابع والمائة‏ # | العروة الوثقى # | العروة الوثقى # تأليف # جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده # السيد جمال الدين الأفغاني. # الشيخ محمد عبده. # | جمال الدين الأفغاني # بقلم مصطفى عبد الرازق # اتفق من ترجموا للسيد جمال الدين على أن اسمه: محمد جمال الدين، واسم أبيه صفدر، وقد ~~حرف هذا الاسم من كتبوا ترجمته بالعربية فقالوا: صفتر. # وصفدر لفظ فارسي من ألقاب الإمام علي، مركب من كلمة «صف» العربية، و«در» وصف من فعل ~~دريدان الفارسي بمعنى افترس أو اقتحم. # ولم يختلفوا في أن جمال الدين ولد سنة 1254ه/1838-1839م. # وهل هو بعد ذلك ولد في أسعد آباد، قرية من قرى كير، من أعمال كابل، من بيت عظيم في بلاد ~~الأفغان، حنفي المذهب، ينتمي نسبه إلى السيد علي الترمذي المحدث المشهور، ويرتقي إلى ~~سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب، وفي كابل تلقى علومه واستكمل الغاية من دروسه؟ # أم هو قد ولد في أسد آباد قرب همدان من أعمال فارس، وتعلم في مدينة قزوين ومدينة طهران، ~~ثم سافر إلى الأفغان، وليس أفغاني الجنس كما يزعم أهل السنة والجماعة؟ # أم أن والده من أهالي مازنداران، إحدى ولايات ms003 إيران، وكان ضابطا في الجيش الإيراني ~~أوفدته حكومته إلى بلاد الأفغان لمهمة، فطابت له السكنى هناك وتزوج، وولد له جمال ~~الدين في إيران، وحمله معه صغيرا؟ # هذا خلاف لا سبيل إلى تمحيصه؛ فإن ما يتعلق بنشأة السيد جمال الدين وحياته قبل اتصال ~~الشيخ محمد عبده به سنة 1871م هو - على قلة مصادره - محاط بغموض واضطراب - كما قال الأستاذ ~~براون. # ويدل على هذا قول الشيخ محمد عبده في فاتحة تعريبه لرسالة الرد على الدهريين: ~~«يحملني على ذكر شيء من سيرة هذا الرجل الفاضل ما رأيناه من تخالف الناس في أمره، وتباعد ~~ما بينهم في معرفة حاله، وتباين صوره في مخيلات اللاقفين لخبره، حتى كأنه حقيقة كلية ~~تجلت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحية قامت لكل نظر بشكل يشاكله.» # ويرى أن السيد جمال الدين، وإن كان في الحقيقة فارسيا، فقد انتسب إلى الأفغان ~~لأمرين: ~~(1) # أن يكون من السهل عليه الظهور بمظهر السني لا الشيعي. ~~(2) # أن يستطيع الخلاص من رقابة الحكومة الإيرانية لرعاياها في الخارج. # وقد عني والده بتربيته، فأيدت العناية به قوة فطرته. # وتلقى معارف جمة بين علوم عربية وعلوم شرعية وعلوم عقلية وفنون رياضية، ودرس نظريات ~~الطب والتشريح. # أخذ جميع تلك الفنون عن أساتذة ماهرين، على الطريقة المعروفة في تلك البلاد، وعلى ما ~~في الكتب الإسلامية المشهورة. # بدأ تعلمه في السنة الثامنة من عمره، واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشرة. # ويقول جورج كوتشي: إن جمال الدين قد استرعى الأنظار منذ حداثة السن؛ بذكائه النادر، وميله ~~الواضح إلى كل ما له صلة بالفنون العسكرية. # ولما أتم دروسه سافر إلى الهند، وأقام سنة تعلم في خلالها شيئا من العلوم الأوروبية ~~وأساليبها. # وقصد بعد ذلك إلى الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج، فقضى نحو عام يتنقل في بلاد العرب ~~حتى وافى مكة سنة 1273ه/1857م. # وعاد إلى بلاد الأفغان فانتظم في خدمة الأمير دست محمد خان، وعلت منزلته عنده، ~~ورافقه في بعض غزواته، ولما مات الأمير انحاز جمال الدين إلى الأمير محمد أعظم ms004 خان، ~~الذي أثار حربا عوانا على شير علي، وهو أخوه أصغر منه سنا، تولى عرش الأفغان بتأييد ~~الإنجليز. # وكان جمال الدين زعيم القواد في جيش محمد أعظم خان، فميزته كفاية باهرة، ولكن الأمير ~~أوجس في نفسه خيفة أن يساميه إلى العرش؛ فجعل لا يصغي إلى نصائحه، وعلى أثر الهزيمة شخصا ~~معا إلى الهند، وكانت الهند يومئذ تفور بالفتن، وخشيت الحكومة الإنجليزية أن يتصل الثوار ~~بالسيد جمال الدين؛ فردته من حيث جاء. # ولم يأمن الأمير شير على مقام السيد في الأفغان، وأحس السيد ما توسوس به نفس ~~الأمير؛ فاستأذن في الخروج للحج وارتحل من طريق الهند مع خادمه أبي تراب. # ولما بلغ التخوم الهندية تلقته حكومتها بحفاوة وإجلال، ولكنها لم تسمح له بطول المكث، ~~ولم تأذن في لقائه إلا على عين من رجالها، وبعد نحو شهر سيرته من سواحل الهند في بعض ~~مراكبها على نفقتها إلى السويس، فجاء مصر وأقام بها أربعين يوما، تردد في خلالها على ~~الجامع الأزهر، وخالط كثيرين من طلبة العلم السوريين، وألقى عليهم محاضرات في ~~مسكنه. # ثم تحول عن الحجاز عزمه، وصرف عنانه إلى الأستانة سنة 1287ه/1870م، وكانت سبقته شهرته ~~الذائعة فحومت إليه - لفضله - قلوب الأمراء والوزراء، وعلا ذكره بينهم، واتصل برجال الأدب ~~والعلم. # وبعد ستة أشهر سمي عضوا في مجلس المعارف برعاية عالي باشا الصدر الأعظم، فأدى حق ~~الاستقامة والنصح في آرائه، وأشار إلى طرق لتعميم المعارف لم يوافقه عليها رفقاؤه، ومن تلك ~~الطرق ما أحفظ عليه قلب شيخ الإسلام لذلك العهد حسن أفندي فهمي؛ لأنها كانت تمس شيئا من ~~رزقه، وأضمر له السوء وأرصد له العنت، حتى كان رمضان سنة 1287ه فرغب إلى السيد مدير دار ~~الفنون أن يلقي خطابا في الحث على الصناعات، واحتشد الناس لسماع المحاضرة في تلك الدار ~~من جميع الطبقات العالية، وكان فيما ذكره السيد تشبيه المعيشة الإنسانية ببدن حي، وأن ~~كل صناعة بمنزلة عضو من ذلك البدن، ثم قال: هذا ما يتألف منه جسم السعادة الإنسانية، ولا ~~حياة لجسم إلا ms005 بروح، وروح هذا الجسم إما النبوة وإما الحكمة. # هنالك راح شيخ الإسلام يقيم من الحق باطلا؛ ليصيب غرضه من الانتقام، فأشاع أن جمال ~~الدين يزعم أن النبوة صنعة، محتجا بأنه ذكرها في خطاب يتعلق بالصناعات، ثم أوعز إلى ~~الوعاظ في المساجد أن يذكروا ذلك محفوفا بالتفنيد والتبديد، وأكثرت الجرائد من الخوض في ~~المسألة، وانقسم الناس فيها شيعا. # وأشار بعض أصحاب السيد عليه بأن يغضي على الكريهة ويلزم السكون، والزمن كفيل ~~باضمحلال هذه الإشاعة وتلاشي أثرها، ولكن جمال الدين كان عصبيا دمويا، في مزاجه حدة، ~~فلج في مخاصمة شيخ الإسلام وطلب محاكمته، حتى صدر الأمر إليه بالجلاء عن الأستانة ريثما ~~تسكن الخواطر، وحمله بعض من كان معه على أن يهبط مصر، فجاءها أول سنة 1288ه/1871م وكان ذلك ~~في زمن إسماعيل، واستمالته مساعي رياض باشا للمقام؛ حيث لم يكن ينويه، وأجرت عليه الحكومة ~~المصرية راتبا سنويا مقداره 120 جنيها نزلا، أكرمته به لا في مقابلة عمل. # استقر قرار الرجل في وادي النيل بعد أسفار بعيدة، ومشاغل عديدة، في حياة الميادين ~~والكفاح. # ولم تكن كل هذه الشواغل لتعوق جمال الدين عن متابعة الدراسة العلمية العالية التي كان له ~~إليها نزوع شديد، ولقد كان ينتقل في البلاد مصحوبا بكتبه، وكان قارئا نهما لا يشبع، عرف ~~في شبابه كل المؤلفات القديمة في الفارسية والعربية، ولم يكن يجهل أي كتاب من الكتب ~~الحديثة ترجم إلى لغة شرقية. # لم يكن جمال الدين ذا لهو ولا شهوانيا، وكان قليل الطعام يتبلغ منه بوجبة النهار، ~~ويكتفي بمنقوع الشاي يشربه مرارا، وكان مغرما بتدخين السيجار، ولم يكن لخلابة النساء ~~وسحرهن سلطان على قلبه الحديدي. # شهد في مصر أواخر عهد إسماعيل وأوائل عهد توفيق، إذ كانت تتمخض البلاد عن أزمات اقتصادية ~~واجتماعية وفكرية وسياسية؛ بسبب إسراف إسماعيل وضعف توفيق، وبما بدا من التصادم بين القديم ~~والحديث، وبسبب الدسائس السياسية وتدخل الأجانب. # كل ذلك هيأ الوسائل لمواهب رجل أوتي حظا عظيما من سمو النفس، ومتانة الخلق، ~~وتوقد الذكاء، وقوة الذاكرة، ودقة الملاحظة، ms006 إلى علم غزير، ونشاط لا يكل ، وشجاعة لا تعرف ~~الخوف، وبلاغة في الكتابة والخطاب خارقة للعادة، مع نفوذ ساحر وسمت مهيب جليل، جذبت إلى ~~السيد مزاياه الباهرة قلوب كثير من الأمراء وأرباب المقامات العالية وأهل العلم والأدب، ~~فكانوا يوافونه في القهوات والمنتزهات العامة حيث كان سامره مجلس علم وحكمة وأدب ~~وسياسة. # والتف حوله أذكياء الطلاب، ومن بينهم عدد من خيرة مجاوري الأزهر، فكان يلقي عليهم ~~دروسا في الأدب والمنطق والتوحيد والفلسفة وعلم التصوف وأصول الفقه والفلك، في مسامرات ~~خالية التكاليف والقيود. # وكانت مدرسته بيته، ولم يذهب إلى الأزهر قط مدرسا، وإنما كان يذهب إليه زائرا، ~~وأكثر ما كان يزوره في يوم الجمعة. # وكان يحمل تلاميذه على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والاجتماعية والسياسية، ~~فاشتغلوا على نظره، وبرعوا بين يديه، وكانوا طليعة النهضة الأدبية في مصر، وكانوا مؤسسي ~~بنيانها. # وانتظم السيد في الماسونية وتقدم في درجاتها، ثم أنشأ محفلا وطنيا جمع فيه نبهاء ~~طلابه ومريديه حتى صار عدد أعضائه نحو 300، وكان هو رئيسه يمرن فيه تلاميذه على الخطابة ~~ويلهمهم مبادئه ويعدهم للعمل، ويوقظ فيهم عواطف الوطنية ويعلمهم الشغف بحياة الحرية ~~وبالنظم الدستورية. # وقد هيأ من تلاميذه طبقة ذات حرية وجرأة في السياسة والأدب والإصلاح، وأخذ يتوسل بالحركات ~~السياسية، وكان الرجل سياسيا، يعتبره أشياعه وطنيا عظيما، ويعتبره خصومه مهيجا ~~خطرا! # وفي سنة 1296ه/1879م صدر أمر الخديوي توفيق بإخراجه من القطر المصري هو وتابعه أبو تراب؛ ~~لأن مساعيه السياسية أوغرت عليه صدر المستر فيفان قنصل إنجلترا الجنرال، وتعليمه الفلسفي ~~هيج عليه الجامدين من الأزهريين، فجاءه الكيد من هنا وهناك! # أبحر السيد من السويس إلى «بوشيهر»، ومنها ذهب إلى حيدر أباد، فأقام عاما كتب في ~~أثنائه مذكرات كثيرة باللغة الفارسية والأفغانية، وكتب في ذلك الوقت بالفارسية رسالة ~~الرد على الدهريين. # ولما كانت الثورة العرابية دعي من حيدر أباد إلى كلكتا، وألزمته حكومة الهند بالإقامة ~~فيها حتى انقضى أمر الفتنة، وكانت الحكومة الإنجليزية تظن أن له فيها يدا، ثم أبيح له أن ~~ينطلق إلى ms007 حيث شاء، فاختار الذهاب إلى أوروبا وقصد مدينة لوندرا، فأقام فيها أياما قلائل، ~~ثم انتقل إلى باريس وأقام بها ما يزيد على ثلاث سنوات. # وكتب في طريقه من بورسعيد إلى الشيخ محمد عبده يخبره بذهابه إلى لوندرا، ويطلب إليه أن ~~يرسل الرد بعنوان جريدة الشرق والغرب، أو المستر بلانت. # وهذا يدل على أن السيد ذهب من الهند إلى لوندرا، خلافا لما نقله جولد شهير في دائرة ~~المعارف الإسلامية عن المستر براون في روايته عن المستر بلانت «من أن السيد ذهب من ~~الهند إلى أميريكا فأقام بها بضعة أشهر على عزم أن يتجنس بالجنسية الأمركية، ولكنه - فيما ~~يظهر - لم ينفذ هذا العزم»، فإنا نجده في لندرا سنة 1883 حيث أقام زمنا قصيرا، ثم انحدر ~~إلى باريس مع صديقه ومريده الأمين محمد عبده، الذي صار بعد ذلك مفتي مصر. # والأقرب إلى الصحة أن السيد جمال الدين وصل باريس آتيا من لوندرا سنة 1883؛ كما ذكره ~~جورج كوتشي في رسالته التي عنوانها: «الشيخ جمال الدين الأفغاني ودخائل صاحب الجلالة ~~الإمبراطورية السلطان عبد الحميد الثاني.» # أما الشيخ محمد عبده فقد وافى أستاذه في باريس مدة مقامه بها - على ما صرح به في ترجمته ~~لأستاذه في فاتحة تعريبه لرسالة الرد على الدهريين. # وكان ذلك في أواخر سنة 1883؛ لأن الشيخ عبده سافر إلى سوريا منفيا في أواخر سنة 1882، ~~وبعد نحو عام من مقامه هناك دعاه إلى باريس فسافر إليها. # وكان السيد جمال الدين في باريس منذ أول سنة 1883 ولقي الفيلسوف رينان في ذلك العهد، ~~كما يقول رينان نفسه في رده على السيد جمال الدين المكتوب في 18 مايو سنة 1883: # لقد تعرفت بالشيخ جمال الدين منذ نحو شهرين، فوقع في نفسي منه ما لم يقع لي إلا ~~من القليلين، وأثر في تأثيرا قويا، وجرى بيننا حديث عقدت من أجله النية على ~~أن تكون علاقة العلم بالإسلام موضوع محاضراتي في السربون، والشيخ جمال الدين ~~رجل أفغاني لا سلطان عليه لمؤثرات الإسلام، وهو ينتمي إلى ذلك الجنس القوي ~~المستوطن ms008 إيران العليا الواقعة على حدود الهند، والتي لا يزال الذهن الآري يعيش ~~فيها مطويا في غلالة رقيقة من الإسلام الرسمي، والشيح جمال الدين نفسه خير دليل ~~يمكن أن نسوقه على تلك النظرية القائلة بأن قيمة الأديان بقيمة الأجناس التي ~~تعتنقها، وقد خيل إلي من حرية فكره ونبالة شيمه وصراحته وأنا أتحدث ~~إليه أنني أرى - وجها لوجه - أحد من عرفتهم من القدماء، وأنني أشهد ابن سينا أو ~~ابن رشد أو أحد أولئك الملحدين العظام الذي ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير ~~الإنسانية من الإسار. # ألقى رينان محاضرته في الإسلام والعلم في مارس 1883، ونشرت عقب إلقائها في جريدة ~~الديبا، فأرسل السيد جمال الدين إلى مدير هذه الجريدة ردا بالعربية ترجم إلى الفرنسة ~~ونشر بعد بضعة أسابيع، وعقب عليه رينان برد مملوء باللطف والمجاملة. # أخذ السيد جمال الدين ينشر أفكاره السياسية محاربا تدخل بعض الدول الغربية في شئون ~~الأمم الإسلامية، خصوصا الهند ومصر، في مقالات تداولتها الجرائد الكبرى، وامتدت إليها ~~أعناق الدوائر السياسية المشتغلة بشئون الشرق. # على أن أكبر مظهر لنشاط جمال الدين السياسي والأدبي في باريس كان في إنشاء «العروة ~~الوثقى»، وهي مجلة أسبوعية عربية، كان هو مدير سياستها والشيخ محمد عبده محررها، وكانت ~~تتولى الإنفاق عليها جمعية اسمها «جمعية العروة الوثقى» ذات فروع في الهند ومصر وغيرهما من ~~أقطار الشرق الإسلامي، تعمل على إنهاض الدول الإسلامية من ضعفها وتنبيهها للقيام على ~~شئونها، ويدخل في هذا تنكيس دولة بريطانيا في الأقطار الشرقية، وتقليص ظلها عن رءوس ~~الطوائف الإسلامية، وقد أخذت هذه الجريدة من قلوب الشرقيين - عموما - والمسلمين - ~~خصوصا - ما لم يأخذه قبلها وعظ واعظ ولا تنبيه منبه، وهي ذات أثر في كل ما جد بعد من ~~حركات الوطنية والحرية في بلاد الشرق. # وقد لقيت هذه الجريدة كل مصادرة في الهند ومصر، حتى كانت توضع في غلاف لتصل إلى من يراد ~~إيصالها إليه، وحتى أعلن في الجريدة الرسمية المصرية أن كل من توجد عنده العروة الوثقى ~~يغرم خمسة جنيهات مصرية إلى خمسة وعشرين ms009 جنيها! وقد نشر منها في ثمانية أشهر 18 عددا، ~~صدر آخرها في ذي الحجة 1301. # خفت صوت العروة الوثقى بما أرصدته لها إنجلترا من عنت وإرهاق، وترك الشيخ محمد عبده ~~باريس عائدا إلى سوريا. # أما السيد جمال الدين فبقي في أوروبا متنقلا بين لوندرا وباريس، يتصل بالعلماء ~~والكتاب ورجالات السياسة، وينشر فصوله ومقالاته في الجرائد الكبرى. # وجمع المستر بلانت بينه وبين اللورد سالسبوري واللورد تشرشل للمفاوضة في أمر ثورة المهدي ~~في السودان، وهي يومئذ شغل القوم الشاغل، لكن التوفيق بين وجهات نظر متناقضة لم يكن ~~مستطاعا. # وفي جمادى الأولى 1303 سافر السيد إلى البلاد الإيرانية بدعوة من الشاه ناصر الدين، ~~فنال مكانة سامية، وتزاحم حوله الأمراء والمجتهدون والكبراء، وتمكن من نظم كثير منهم في ~~سلك الماسونية. # وكأنما غشيت الشاه من ذلك ريبة، وملأه الخوف من تعاظم السلطان الروحي لجمال ~~الدين على شعب أصبح يحيطه بإجلاله ومحبته. # ولمح جمال الدين تنكر الشاه له، فغادر بلاد فارس إلى روسيا، فحل من الشعب الروسي ~~محل الكرامة، وجعلت تتلقفه المجامع العالية، ونشر في الجرائد الروسية فصولا تردد في عالم ~~السياسة صداها. # ثم سافر إلى باريس ليزور معرضها الكبير سنة 1899، فالتقى في منخ بالشاه ناصر الدين عائدا ~~من باريس، وما زال الشاه يزين له العودة إلى فارس حتى لان شماسه وأجاب الدعوة. # وقد سارع الشعب الإيراني إلى الالتفاف حول السيد من جديد، على وجه أبعث للمهابة ~~وأدل على الحب والثقة، ولم يقتصر أمر مؤثريه على سماع مسامراته التي كان يبث فيها ~~معارفه وأفكاره الحرة، بل جعل الشعب يتوسل به إلى تحقيق مطامحه في إصلاح الإدارة وإقامة ~~العدل والقانون، وبدت نهضة إصلاح يكرهها الصدر الأعظم ويخشى عواقبها على سلطانه، فوسوس ~~للشاه حتى غير قلبه على السيد. # هنالك خرج جمال الدين إلى «شاه عبد العظيم»، وهو مكان على بعد عشرين كيلو مترا من طهران ~~به مقام مقدس، لكنه لم يخلد إلى راحة هناك ولا سكون، بل جعلت طوائف المستنيرين من ~~الطبقات المختلفة حتى طبقات الشبان من الضباط تشد ms010 رحالها إلى «شاه عبد العظيم». # أدرك الشاه ناصر الدين الفزع، وخاف أن تزلزل تلك الحركة قواعد سلطانه المطلق، فبعث إلى ~~جمال الدين بخمسمائة من فرسانه مدججين بالسلاح اقتحموا عليه - وهو عليل في فراشه - ~~وقاده خمسون منهم إلى ما وراء الحدود. # أقام جمال الدين في البصرة زمنا حتى أبل من سقامه، ولم يزل يوالي أنصاره في فارس ~~بكتبه؛ يثير فيهم الحمية ويؤجج بين جوانحهم نار الوطنية، وكأن ما ناله من عسف الشاه قد ~~أثار حفيظتهم. # وفي سنة 1890 كانت حكومة فارس جعلت حق احتكار التنباك لشركة إنجليزية، فاغتنم الفرصة ~~السيد جمال الدين وكتب خطابا لميرزا حسن الشيرازي رئيس المجتهدين، يعيب فيه على ~~الحكومة هذا العمل الضار بثروة البلاد الممكن لأعدائها. # وكان من أثر هذا الخطاب أن أصدر المجتهد الشيرازي فتوى حرم بها على كل مؤمن ~~تدخين التنباك ما لم تعدل الحكومة عن مشروعها، وقد اضطرت إلى العدول عنه ودفعت للشركة ~~تعويضا. # وكذلك قويت دعوة الحرية والإصلاح الدستوري في فارس، حتى طاحت بعد برأس الشاه ناصر ~~الدين. # وفي سنة 1892 ذهب السيد إلى لوندرا مرة أخرى وأقام فيها ثمانية أشهر، موجها كل همته ~~إلى محاربة الشاه ناصر الدين بقلمه ولسانه، داعيا إلى تخليص الشعب الفارسي من ظلم ~~الحكم الاستبدادي، وكان من المؤسسين للمجلة الشهرية «ضياء الخافقين» التي كانت تصدر ~~بالعربية والإنجليزية، وكان من أكثر العاملين فيها نشاطا. # وأرسل السلطان عبد الحميد إلى السيد جمال الدين بوساطة سفير تركيا في لوندرا كتابا ~~خلابا؛ يستدعيه إلى الأستانة، فتردد السيد واعتذر، لكن السلطان وجه إليه رسالة ثانية ~~أكثر خداعا ودهاء، فأجاب برسالة برقية أنه ملب دعوة صاحب الجلالة، على أن يؤذن له ~~بالعودة إلى أوروبا عقب الحظوة بالمقابلة. # وسافر جمال الدين إلى القسطنطينية، فاستغواه السلطان عبد الحميد، وهيأ له منزلا جميلا ~~يقوم على ربوة نشان طاغ، غير بعيد من قصر يلدز، وفرض له 57 جنيها تركيا راتبا ~~شهريا. # وقضى السيد جمال الدين خمس سنين من حياته في الأستانة «يعيش بين مظاهر خداعة من ~~عطف السلطان، ms011 ودسائس لا تحصى يبيتها له رجال القصر! وكم تضرع إليهم أن يسمحوا له بالسفر، ~~فأمسكوه بقية عمره في إسار مموه بالذهب.» # ذلك وصف سائح ألماني زاره سنة 1896. # ومات جمال الدين يوم الثلاثاء 9 مارس سنة 1897 الساعة 12 والدقيقة 13 إثر أوجاع مضنية، ~~وعقب موته أرسل السلطان بعض موظفي قصره ليستحوذوا على أوراقه ومؤلفاته. # ويؤكد أكثر الإيرانيين، وغيرهم ممن ترجموا لجمال الدين؛ أن موته لم يكن طبيعيا، وأنه ~~لقح في شفته بمادة سامة، سببت له حالة مرضية تشبه السرطان، ويقولون: إن ذلك من كيد أبي ~~الهدى. # وأمر السطان بدفنه لساعتين من وفاته، فسير نعشه بين جموع عديدة من الشرطة؛ مخافة فتنة ~~مباغتة من أنصاره الذين كانوا في ريب من أسباب موته. # هكذا مات السيد جمال الدين وشيعت جنازته، بعد أن عاش رجلا ممتازا، مؤثرا في حوادث ~~الشرق الإسلامي خلال عشرين سنة أكثر مما أثر فيها أي رجل آخر من أهل زمانه. # وقد عاش متنقلا في البلاد منذ طفولته، فزار بلاد العرب ومصر وتركيا، وأقام بالأفغان ~~والهند وفارس، واتصل بحكومة الأفغان في شبابه مشتركا في حروبها الداخلية، كما اتصل بحركات ~~النهوض في كل بلاد الشرق التي حل بها، وزار كثيرا من العواصم الأوروبية وكتب في ~~جرائدها، وخطب في مجامعها، وخالط رجال السياسة والعلم والأدب فيها، وشهد دسائس الاستعمار ~~الإنجليزي والأفغاني، والهند، وطارده الإنجليز في مصر وغيرها، وأماتوا مجلة العروة الوثقى ~~في مهدها، ووضعوا العقبات في سبيله أنى سار! # من أجل ذلك لم يتعلق ببلد من البلاد على أنه وطن، ولم تدخل فكرة الوطنية بهذا المعنى ~~في مذهبه الاجتماعي، ومن أجل ذلك اشتد كرهه للإنجليز وعاش عدوا لهم لدودا. # هو قد رأى الرقي في بلاد أوروبا، ورأى الانحطاط في بلاد الشرق التي زارها، شهد نفوذ ~~الأجنبي فيها وسوء أثر الحكم الاستبدادي؛ فتوجهت فكرته إلى إنهاض تلك البلاد جملة ~~وفرادى، ولهذه الممالك الشرقية الإسلامية حب في نفسه ينظمها جميعا. # أما أساس النهوض لهذه البلاد عنده فهو خلاصها من سلطان الأجنبي، وخلاصها من الحكم ms012 ~~الاستبدادي، ثم تلائمها بنوع من الوحدة يقوي التناصر بينها، ويكفل لها الغلب. # وإن استيفاء النظر في تاريخ السيد جمال الدين هو - كما يقول الأستاذ براون - إحاطة ~~بتاريخ المسألة الشرقية كلها في الأزمان الحديثة، يدخل في ذلك تاريخ الأفغان والهند، ويدخل ~~فيها - بوجه أخص - تاريخ تركيا ومصر وإيران، وفي هذه البلاد الثلاثة الأخيرة لا يزال ~~تأثيره حيا. # وإذا كان قبر السيد جمال الدين الأفغاني ظل في الأستانة مهدما مهجورا حتى جاءه في ~~العام الماضي مستر كرين الأميركي فشيده وأظهره، فبحسب السيد أن مبادئه بعد مماته وموت ~~الطغيان في الأستانة قامت حية مشرقة على أطلاله. # حسب جمال الدين من عظمة ومجد؛ أنه في تاريخ الشرق الحديث أول داع إلى الحرية، وأول ~~شهيد في سبيل الحرية. # | الشيخ محمد عبده # في محلة نصر، إحدى قرى مركز شبراخيت بمديرية البحيرة، ولد الشيخ محمد عبده من أب اسمه ~~عبده خير الدين، كان ممن رزقوا بسطة في جسومهم وقوة، ومرنوا على الرماية والفروسية، وما ~~إليها، فكسبوا من الهيبة بقوتهم وبطشهم فوق ما كان لهم من عز ومال. # أما أمه فالسيدة جتينة أيم ذات ولد، من حصة شيشير، من مركز السنطة بمديرية ~~الغربية، تزوجها أبوه في هجرته مطاردا من بعض الحكام. # وحفظ الشيخ محمد عبده القرآن في بلده، ثم ذهب إلى طنطا فجوده في الجامع الأحمدي، وصد ~~عن طلب العلم، فعاد إلى بلده ليشتغل بالزراعة، وتزوج يومئذ - على حداثة سنه. # وكان في خئولة أبيه رجل متصوف يدعى الشيخ درويش خضر كفكف من جماح الشباب، فجعله ~~متصوفا، ورده إلى طلب العلم في طنطا. # ورحل بعد ذلك الشيخ محمد عبده إلى الأزهر، فحضر دروس كبار العلماء في مختلف العلوم ~~الأزهرية مع الاشتغال بالتصوف، وجاء إلى مصر السيد جمال الدين الأفغاني فحضر دروسه ~~ولازمه، وظهرت في وقت قصير آثار انتفاعه بعشرته ومعارفه، فألف في التصوف «رسالة ~~الواردات»، ثم ألف حاشية على شرح التصوواني على العقائد العضدية «في التوحيد»، وأخذ يكتب ~~فصولا في الجرائد استرعت إليه الأنظار. # ثم نال شهادة العالمية من ms013 الدرجة الثانية بعد امتحان ظهر فيه أن الشيوخ ينقمون عليه ~~نزعاته الفكرية المتأثرة بمذهب أستاذه. # وعين على أثر ذلك مدرسا في مدرسة دار العلوم وفي مدرسة الألسن الخديوية، ولما نفي ~~السيد جمال الدين من مصر عزل تلميذه وأمر بالمقام في بلده لا يبرحه، وعفي عنه فجعل ~~من محرري الجرنال الرسمي «الوقائع الرسمية» ثم عين رئيسا للتحرير. # وجاءت الثورة العربية، فحوكم مع زعمائها، وحكم عليه بالنفي ثلاث سنين وثلاثة أشهر، قضى ~~شطرا منها في سورية، ثم دعاه أستاذه السيد الأفغاني إلى أوروبا فأصدرا في باريس معا ~~جريدة «العروة الوثقى» التي لم تعش إلا نحو ثمانية أشهر. # ثم رجع الشيخ إلى بيروت فعين أستاذا في المدرسة السلطانية، وكان يشتغل مع التدريس ~~بالتأليف والكتابة، فألف «رسالة التوحيد» ونقل إلى العربية «رسالة الرد على ~~الدهريين» التي كتبها السيد جمال الدين الأفغاني بالفارسية، وشرح «نهج البلاغة» ~~و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» ونشر في الجرائد مقالات عديدة. # وفي بيروت تزوج زوجته الثانية بعد وفاة زوجته الأولى. # وعاد من منفاه فعين قاضيا أهليا، فمستشارا في محكمة الاستئناف الأهلية، ثم جعل ~~عضوا في مجلس إدارة الأزهر، وهو أول مجلس أسس ليكون رسول الإصلاح، ثم عين مفتيا ~~للديار المصرية، فظل في هذا المنصب حتى أدركه الأجل. # وفي عهد توليه الإفتاء كتب في إصلاح المحاكم الشرعية تقريرا جليلا وأصدر فتاوى ذات ~~شأن، ووضع تفسير جزء عم وتفاسير لبعض السور ولبعض الآيات المشكلة، وألف «كتاب الإسلام ~~والنصرانية مع العلم والمدنية» وكتب للمجلات والجرائد فصولا قيمة في موضوعات دينية وغير ~~دينية. ~~••• # هذه الصورة المجملة من تاريخ الشيخ محمد عبده؛ تبين مناصبه وتعدد مؤلفاته، لكنها لا ~~ترسم جوانب عظمته؛ فإن المناصب والكتب ليست مجلي عظمة الشيخ محمد عبده، وإن كان ترك نفحة ~~من النبل والعظم في كل ما اتصل به. # تخلد ذكرى العالم الكتب يودع فيها آيات عبقريته، ويخلد الأثر الفني ذكرى الفنان، أما ~~المصلح فهو يهيئ للجماعة مثلا أعلى لم تعرفه من قبله، ويحاول أن يصرف إلى ذلك المثل ~~القلوب محاولة تظهر فيها ms014 قوة نفسه وقوة عزيمته، ويظهر فيها فيض ما وهب من عبقرية ~~وإلهام. # والشيخ محمد عبده مصلح جريء، حاول الهدم والبناء في أقدس هيكل عند البشر، فيما يعتبره ~~الناس دينا. # عرض لذلك في الشرق موطن العواطف الدينية، وبين المسلمين أشد المتدينين بدينهم كبرا ~~وأكثرهم غيرة وحفاظا على ما له صورة دين. # أرسل صيحته في الأزهر تدوي بين شيوخ إن لم يكونوا يومئذ هيئة كبار العلماء، فلعلهم ~~لم يكونوا دون هؤلاء جمودا. # ولم يبال الأستاذ بما لقي من الأذى، وقد لقي من الأذى كثيرا. ~~••• # كان الشيخ محمد عبده رجلا مربوع القامة أو فوق ذلك قليلا، ممتلئ الجسم متين البنية شديد ~~العضل رشيق الحركة نشيطها. # ملامح وجهه جميلة في جملتها وتفصيلها، تزيدها جمالا ومهابة تلك اللحية البيضاء النضيرة ~~المطيفة بمحيا مشرق، ذي جبهة غراء انحسر الشعر عنها رويدا وارتفعت فسحة ناطقة بالعقل ~~والإرادة والذكاء. # ولعينيه المعتدلتين في السعة من غير ضيق؛ بريق ساحر، يملأ الصدر هيبة وإعجابا ~~وحبا. # وأشهد لقد كان جمال الشيخ محمد عبده من الجنود التي سخرها الله لعبقريته، وكان صوته ~~العذب المؤثر من جنود عبقريته أيضا، كنت طالبا من صغار الطلاب أيام جاء الشيخ محمد عبده ~~إلى الأزهر، وكان أساتذتنا، عفا الله عنهم، لا يفتئون يذمون لنا الشيخ ويمثلونه خطرا ~~على الدين وأهله داهما، فتتأثر بذلك عقولنا الطفلة، وكنت أفر بديني من أن ألقى ~~الأستاذ أو أستمع لدروسه مع أنه صديق لوالدي. # وحضرت درسه مرة لأشهد كيف تشيه وجوه الملحدين وتشيه معها عقولهم وقلوبهم. # فلما رأيت الرجل بالرواق العباسي وسمعته يفسر كتاب الله، قلت - منذ ذلك اليوم: اللهم إن ~~كان هذا إلحادا فأنا أول الملحدين: # إن كان رفضا حب آل محمد # فليشهد الثقلان أني رافضي # كان الشيخ محمد عبده متميزا من ناحية الكمال الجسماني بالفطرة والوراثة والنشأة الريفية، ~~ويظهر أنه كان ذا منزلة خاصة عند أبويه؛ لأنه أصغر أبناء أمه وأنجب إخوته، فتربى على شيء من ~~الحرية يكون عادة للأبناء المميزين ولا يكون لغيرهم؛ فينشئون ذوي استقلال وجرأة وإقدام، ~~ولا ms015 ينكر أثر التربية الصوفية في نفس الأستاذ؛ فإنها وجهت كل عواطف الشباب في ~~نفس الفتى إلى اللذائذ القدسية ، لذائذ العارفين. # وإذا كانت التربية الحديثة تدعو إلى تلطيف السر بأنواع من الرياضة البدنية والروحية ~~... # قال ابن سينا في الإشارات: # العارف هش بش بسام، وكيف لا يهش وهو فرحان بالحق وبكل شيء فإنه يرى فيه ~~الحق. # العارف شجاع، كيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت؟ وجواد، وكيف لا وهو بمعزل عن ~~محبة الباطل؟ وصفاح، وكيف لا وذكره مشغول بالحق؟ # هذه التعاليم الصوفية من شأنها أن تربي جانب الوجدان، وتلطف السر وتجمل النفس ~~وتزينها، ولا جرم كان الشيخ محمد عبده صوفي الأخلاق، وقد هذبت من صوفيته تربية السيد ~~جمال الدين الأفغاني، وزاده ما استفاد من الأسفار وتعلم اللغة الفرنسية تهذيبا. # قال المرحوم قاسم بك أمين في وصف الأستاذ: «بلغت فيه طيبة النفس إلى درجة تكاد تكون غير ~~محدودة، كان يجذبه الخير كما يجذب المغناطيس الحديد فيندفع إليه ويسعى إلى كل نفع للغير عام ~~أو خاص، كان ملجأ للفقراء واليتامى والمظلومين والمرفوتين والمصابين بأي مصيبة، وأهل ~~الأزهر الذين هم أكثر الناس احتياجا إلى المساعدة؛ لأنهم في وسط المدنية الحاضرة ~~المتأخرون العاجزون عن الدفاع عن أنفسهم في ميدان حياتنا الجديدة، يبذل إليهم ماله ~~ويسعى لهم عند ولاة الأمور بهمة لا تعرف الملل، كأنما كان يسعى لأعز إنسان لديه، بل ~~كان يسعى لصاحب الحاجة وهو يعلم أنه أساء إليه وقدح فيه، وتحالف مع خصومه في ترويج عبارات ~~القذف والنميمة التي لم تنقطع عنه يوما مدة حياته، كان الأستاذ يرى أن الشر لا فائدة منه ~~مطلقا، وأن التسامح والعفو عن كل شيء وعن كل شخص هما أحسن ما يعالج به السوء، ويفيد في ~~إصلاح فاعله.» ~~••• # اتصل الشيخ محمد عبده بالمناصب الحكومية وبالشئون السياسية وبالحركة العلمية والأدبية ~~وبأعمال البر، وكان له في كل هذه الميادين نشاط مثمر ورأي مصلح، وعزم لا يعرف دون الكمال ~~تراجعا ولا فتورا، لكن الميدان الذي أنفق في رحابه الشيخ محمد عبده خير ما ms016 وهب من صحة ~~وهمة وعقل وعلم وفصاحة هو ميدان الإصلاح الديني؛ دعا الشيخ محمد عبده إلى الإصلاح الديني ~~باعتباره أساسا لكل إصلاح في الشرق. # وتنتظم دعوة الشيخ إلى الإصلاح الديني أمورا ثلاثة: ~~(1) # تحرير الفكر من قيد التقليد؛ حتى لا يخضع العقل لسلطان غير سلطان البرهان، ~~ولا يتحكم فيه زعماء الدنيا ولا زعماء الأديان. ~~(2) # اعتبار الدين صديقا للعلم لا موضع لتصادمهما؛ إذ لكل منهما وظيفة يؤديها، ~~وهما حاجتان من حاجات البشر، لا تغني إحداهما عن الأخرى. ~~(3) # فهم الدين على طريقة السلف قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ~~ينابيعها الأولى. # ومنابع الإسلام في سذاجته التي ورد بها من صاحب الدين نفسه هي: الكتاب، وقليل من السنة ~~في العمل. # هذا هو الأصل الذي ينبغي أن يرد إليه الدين الإسلامي في مذهب أستاذنا. # ولما كان الثابت بالتواتر من السنة قليلا، فقد صرح الشيخ في تفسير سورة الفاتحة ~~«أنه يجب أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذهب والآراء في الدين.» # لهذا توجهت عزيمة الشيخ في أخريات حياته إلى العناية بتفسير القرآن عناية كانت ~~تكاد تستغرق كل مجهوده للإصلاح الديني. # وجهة الطرافة في تفسير الأستاذ هي حسن الطريقة في البحث ولطف التصوير لمعاني القرآن ~~على ما يوافق ذوق هذه العصور وإدراكها حاجاتها. والشيخ في كلا الأمرين متأثر بمنهاج ~~الفكر الحديث. # ولا شك أن الشيخ قد تأثر بالحياة الغربية على وجه ما في حياته العقلية ومعيشته الخاصة، ~~ذلك بأنه تعلم اللغة الفرنسية وسافر إلى أوروبا عدة مرات، وعاشر الأوروبيين في مصر وفي غير ~~مصر، فاستفاد من مخالطته وسياحاته ومن مطالعاته لكتب الغربيين في الفنون المختلفة، وظهر أثر ~~ذلك في أفكاره وكتاباته ودعواته الإصلاحية. ~~••• # ولا يسع المؤرخ حين يترجم للشيخ محمد عبده أن يغفل الإشارة إلى ما بلغه الرجل في حياته ~~من عز وجاه وحرمة موفورة، كان للشيخ محمد عبده خصوم يكرهونه ويكيدون له ويضعون له ~~العقبات في سبيل إصلاحه، ولكن أحدا لم يكن يستطيع أن يغض من جلال الشيخ أو ينكر ~~عليه منزلته الرفيعة في ms017 النفوس. # كان الشيخ محمد عبده بين الطوائف الراقية من المصريين وبين طوائف الأجانب في مصر ~~محبوبا معظما معترفا له بمقام الإمامة الذي لا يساميه مقام، وانتشر صيته في أقطار ~~الشرق وتوجهت إليه الأنظار. # ولو شاء الشيخ محمد عبده لكان ذا غنى، ولترك لأرملته المحترمة المريضة ثروة تكفل لها من ~~بعده رفه الشيخوخة وتصونها من ذلة العسر، ولكن الأستاذ الإمام كان أكبر نفسا وأشد احتقارا ~~للدنيا من أن يبذل جهده في جمع المال، فعاش عظيما فقيرا، ومات فقيرا عظيما. # | العروة الوثقى # المقالات والفصول # | فاتحة الجريدة # ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير ~~. ~~••• # هذا ما تمده العناية الإلهية من قول الحق، متعلقا بأحوال الشرق، وعلى الله المتكل ~~في نجاح العمل. # خفيت مذاهب الطامعين أزمانا ثم ظهرت، بدأت على طرق ربما لا تنكرها الأنفس ثم ~~التوت، أوغل الأقوياء من الأمم في سيرهم بالضعفاء حتى تجاوزوا بيداء الفكر، وسحروا ~~ألبابهم حتى أذهلوهم عن أنفسهم وخرجوا بهم عن محيط النظام، وبلغوا بهم من الضيم حدا ~~لا تحتمله النفوس البشرية. # ذهب أقوام إلى ما يسوله الوهم، ويغري به شيطان الخيال، فظنوا أن القوة الآلية، ~~وإن قل عمالها، يدوم لها سلطان على الكثرة العددية وإن اتفقت آحادها، بل زعموا أنه ~~يمكن استهلاك الجم الغفير في النزر اليسير، وهو زعم يأباه القياس، بل يبطله ~~البرهان: فإن تقلبات الحوادث في الأزمان البعيدة والقريبة ناطقة بأنه إن ساغ أن ~~عشيرة قليلة العدد فنيت في سواد أمة عظيمة، ونسيت تلك العشيرة اسمها ونسبتها، فلم ~~يجز في زمن من الأزمان إمحاء أمة أو ملة كبيرة بقوة أمة تماثلها في العدد أو تكون ~~منها على نسبة متقاربة، وإن بلغت القوة أقصى ما يمثله الخيال. # والذي يحكم به العقل الصريح ويشهد به سير الاجتماع الإنساني، من يوم علم تاريخه إلى ~~اليوم؛ أن الأمم الكبيرة إذا عراها ضعف لافتراق في الكلمة، وغفلة في عاقبة لا تحمد، أو ~~ركون إلى راحة لا تدوم، أو افتتان بنعيم يزول؛ ثم صالت عليها قوة أجنبية، أزعجتها ~~ونبهتها بعض التنبيه، ms018 فإذا توالت عليها وخزات الحوادث، وأقلقتها آلامها؛ فزعت إلى ~~استبقاء الموجود ورد المفقود، ولم تجد بدا من طلب النجاة من أي سبيل، وعند ذلك تحس ~~بقوتها الحقيقية، وهي ما تكون بالتئام أفرادها، والتحام آحادها، وأن الإلهام الإلهي ~~والإحساس الفطري والتعليم الشرعي ترشدها إلى أن لا حاجة لها إلى ما وراء هذا الاتحاد، ~~وهو أيسر شيء عليها. # إن النفوس الإنسانية، وإن بلغت من فساد الطبع والعادة ما بلغت، إذا كثر عديدها تحت ~~جامعة معروفة لا تحتمل الضيم إلا إلى حد يدخل تحت الطاقة ويسعه الإمكان، فإذا تجاوز ~~الاستطاعة كرت النفوس إلى قواها، واستأسد ذئبها، وتنمر ثعلبها، والتمست خلاصها، ولن ~~تعدم عند الطلب رشادا. # ربما تخطئ مرة فتكون عليها الدائرة، لكن ما يصيبها من زلة الخطأ يلهمها تدارك ما فرط ~~والاحتراس من الوقوع في مثله، فتصيب أخرى فيكون لهم الظفر والغلبة، وإن الحركة التي ~~تنبعث لدفع ما لا يطاق إذا قام بتدبيرها قيم عليها، ومدبر لسيرها، لا يكفي في ~~توقيف سريانها أو محو آثارها، قهر ذاك القيم وإهلاك ذاك المدبر، فإن العلة ما دامت ~~موجودة لا تزال آثارها تصدر عنها، فإن ذهب قيم خلفه آخر أوسع منه خبرة وأنفذ ~~بصيرة، نعم، يمكن تخفيف الأثر أو إزالته بإزالة علته ورفع أسبابه. # جرت عادة الأمم أن تأنف من الخضوع لمن يباينها في الأخلاق والعادات والمشارب، ~~وإن لم يكلفها بزائد عما كانت تدين به لمن هو على شاكلتها، فكيف بها إذا حملها ما ~~لا طاقة لها به؟ لا ريب أنها تستنكره، وإن كانت تستكبره، وكلما أنكرته بعدت عن الميل ~~إليه، وكلما ابتعدت منه بجهة كونه غريبا تقرب بعضها من بعض، فعند ذلك تستصغره فتلفظه ~~كما تلفظ النواة، وما كان ذلك بغريب. # إن مجاوزة الحد في تعميم الاعتداء تنسي الأمم ما بينها من الاختلاف في الجنسية ~~والمشرب، فترى الاتحاد لدفع ما يعمها من الخطر ألزم من التحزب للجنس والمذهب، ~~وفي هذه الحالة تكون دعوة الطبيعة البشرية إلى الاتفاق أشد من دعوتها إليه للاشتراك ~~في طلب المنفعة. ms019 # أبعد هذا يأخذنا العجب إذا أحسسنا بحركة فكرية في أغلب أنحاء المشرق في هذه ~~الأيام؟! كل يطلب خلاصا ويبتغي نجاة، وينتحل لذلك من الوسائل والأسباب ما يصل إليه ~~فكره على درجته من الجودة والأفن، وإن العقلاء في كثير من أصقاعه يتفكرون في جعل ~~القوى المتفرقة قوة واحدة يمكن لها القيام بحقوق الكل. # بلي، كان هذا أمرا ينتظره المستبصر وإن عمي عنه الطامع. وليس في الإمكان إقناع ~~الطامعين بالبرهان، ولكن ما يأتي به الزمان من عاداته في أبنائه، بل ما يجري به القضاء ~~الإلهي من سنة الله في خلقه؛ سيكشف لهم وهمهم فيما كانوا يظنون. # بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته، ووصل العدوان فيهم نهايته، وأدرك المتغلب منهم ~~نكايته، خصوصا في المسلمين منهم، فمنهم ملوك أنزلوا عن عروشهم جورا، وذوو حقوق في ~~الإمرة حرموا حقوقهم ظلما، وأعزاء باتوا أذلاء وأجلاء أصبحوا حقراء، وأغنياء أمسوا ~~فقراء، وأصحاء أضحوا سقاما، وأسود تحولت أنعاما، ولم تبق طبقة من الطبقات إلا وقد ~~مسها الضر من إفراط الطامعين في أطماعهم، خصوصا من جراء هذه الحوادث التي بذرت ~~بذورها في الأراضي المصرية من نحو خمس سنوات بأيدي ذوي المطامع فيها، حملوا إلى البلاد ~~ما لا تعرفه فدهشت عقولها، وشدوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها، وألزموها ما ليس في ~~قدرتها فاستعصت عليه قواها، وخضدوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة ليهيئوا بكل ذلك ~~وسيلة لنيل المطمع؛ فكانت الحركة العرابية العشواء فاتخذوها ذريعة لما كانوا طالبين، ~~فاندفع بهم سيل المصاعب، بل طوفان المصائب، على تلك البلاد، وظنوا بلوغ الأرب، ولكن ~~أخطأ الظن وهموا بما لم ينالوا. # لم تكد تخمد تلك الحركة في بادئ النظر حتى خلفتها حركة أخرى، وفتح باب كان ~~مسدودا، وقام قائم بدعوة لها المكانة الأولى في نفوس المسلمين، بل هي بقية آمالهم، ~~ولا ندري الآن ماذا تستعقبه هذه الحركة الجديدة، وربما يوجد من يدري أن مسببيها في ~~حيرة من تلافيها، نعم إنهم غرسوا غرسا، إلا أنهم سيجنون، أو هم الآن يجنون منه حنظلا ~~ويطعمون منه زقوما، لا ms020 جرم هذه هي العواقب التي لا محيص عنها لمن يغالي في طمعه ويغلغل ~~في حرصه، ولو أنهم تركوا الأمر من ذاك الوقت لأربابه وفوضوا تدارك كل حادث للخبراء به ~~والقادرين عليه العارفين بطرق مدافعته أو اقتناء فائدته؛ لحفظوا بذلك مصالحهم، ونالوا ~~ما كانوا يشتهون من المنافع الوافرة بدون أن تزل لهم قدم أو ينكس لهم علم. # غير أنهم ركبوا الشطط وغرهم ما وجدوا من تفرق الكلمة وتشتت الأهواء، وهو ~~أنفذ عواملهم وأقتلها، وما علموا أنه وإن كان ذريع الفتك إلا أنه سريع العطب، وما ~~أسرع أن يتحول عند اشتداد الخطوب إلى عامل وحدة يسدد لقلوب المعتدين، فإن بلاء الجور ~~إذا حل بشطر من الأمة وعوفي منه باقيها؛ كانت سلامة البعض تعزية للمصابين وحجاب غفلة ~~للسالمين يحول بينهم وبين الإحساس بما أصاب إخوانهم، أما إذا عم الضرر فلا محالة ~~يحيط بهم الضجر، ويعز عليهم الصبر فيندفعوا إلى ما فيه خيرهم، ولا خير فيه ~~لغيرهم. # إن الحالة السيئة التي أصبحت فيها الديار المصرية لم يسهل احتمالها على نفوس المسلمين ~~عموما. إن مصر تعتبر عندهم من الأراضي المقدسة ولها في قلوبهم منزلة لا يحلها سواها؛ ~~نظرا لموقعها من الممالك الإسلامية، ولأنها باب الحرمين الشريفين، فإن كان هذا ~~الباب أمينا كانت خواطر المسلمين مطمئنة على تلك البقاع، وإلا اضطربت أفكارهم ~~وكانوا في ريب من سلامة ركن عظيم من أركان الديانة الإسلامية. # إن الخطر الذي ألم بمصر نغرت له أحشاء المسلمين، وتكلمت به قلوبهم، ولن تزال ~~آلامه تستفزهم ما دام الجرح نغارا، وما هذا بغريب على المسلمين؛ فإن رابطتهم الملية ~~أقوى من روابط الجنسية واللغة، وما دام القرآن يتلى بينهم وفي آياته ما لا يذهب على ~~أفهام قارئيه فلن يستطيع الدهر أن يذلهم. # إن الفجيعة بمصر حركت أشجانا كانت كامنة، وجددت أحزانا لم تكن بالحسبان، وسرى ~~الألم في أرواح المسلمين سريان الاعتقاد في مداركهم، وهم من تذكار الماضي ومراقبة ~~الحاضر يتنفسون الصعداء، ولا نأمن أن يصير التنفس زفيرا، بل نفيرا عاما، بل يكون ~~صاخة تمزق ms021 مسامع من أصمه الطمع. # إن أولى المتغلبين بالاحتراس من هذه العواقب جيل من الناس لا كتائب له في ~~فتوحاته إلا المداهاة، ولا فيالق يسوقها للاستملاك سوى المحاباة، ولا أسنة يحفظ ~~بها ما تمتد إليه يده إلا المراضاة، يظهر بصور مختلفة الألوان متقاربة الأشكال كحافظ ~~عروش الملوك والمدافع عن ممالكهم ومثبت مراكز الأمراء ومسكن الفتن ومخلص ~~الحكومات من غوائل العصيان وواقي مصالح المغلوبين، فكان أول ما يجب عليه ملاحظته في ~~سيره هذا أن لا يأتي من أعماله بما يهتك هذا الستر الرقيق الذي يكفي لتمزيقه رجع البصر ~~وكر النظر، وأن يتحاشى العنف مع أمة يشهد تاريخها بأنها إذا حنقت خنقت، وليس له أن يغتر ~~بعدم مكنتهم وهو يعلم أن الكلمة إذا اتحدت لا تعوزها الوسائط ولا يعدم المتحدون قويا ~~شديد البأس يساعدهم بما يلزمهم لترويج سياسته، وإن المغيظ لا يبالي في الإيقاع بمناوئه ~~أسلم أو عطب، فهو يضر ليضر، إن مسه الضر. # إلا أن غشية النهم ذهبت بعقول المنهومين ووقرت أسماعهم عن حسيس الهمسات المتراسلة من ~~الهند إلى مكة ومن مكة إلى مصر، والكرير # 1 # الممتد من مصر إلى مكة ومن مكة إلى الهند، وكلها تتلاقى بين تراقي ~~المغرورين بقوتهم المسترسلين في جفوتهم. # إن الرزايا الأخيرة التي حلت بأهم مواقع الشرق جددت الروابط وقاربت بين الأقطار ~~المتباعدة بحدودها المتصلة بجامعة الاعتقاد بين ساكنيها، فأيقظت أفكار العقلاء وحولت ~~أنظارهم لما سيكون من عاقبة أمرهم، مع ملاحظة العلل التي أدت بهم إلى ما هم فيه، ~~فتقاربوا في النظر وتواصلوا في طلب الحق وعمدوا إلى معالجة الحق وعلل الضعف، راجين أن ~~يسترجعوا بعض ما فقدوا من القوة ومؤملين أن تمهد لهم الحوادث سبيلا حسنا يسلكونه ~~لوقاية الدين والشرف، وإن في الحاضر منها لنهزة تغتنم وإليها بسطوا أكفهم، لا يخالونها ~~تفوتهم، ولئن فاتت فكم في الغيب من مثلها، وإلى الله عاقبة الأمور. # تألفت عصبات خير من أولئك العقلاء لهذا المقصد الجليل في عدة أقطار، خصوصا البلاد ~~الهندية والمصرية، وطفقوا يتحسسون أسباب النجاح من كل وجه، ms022 ويوحدون كلمة الحق في كل ~~صقع، لا ينون في السعي ولا يقصرون في الجهد، ولو أفضى بهم ذلك إلى أقصى ما يشفق منه ~~حي على حياته. # ولما كانت بدايتهم تستدعي مساعدة من يضارعهم في مثل حالهم؛ رأوا أن يعقدوا الروابط ~~الأكيدة مع الذين يتململون من مصابهم ويحبون العدالة العامة ويحامون عنها من أهالي ~~أوروبا، وكتبوا على أنفسهم النظر في أمر السلطة العامة الإسلامية وفروض القائم بها، ~~وبما أن مكة المكرمة مبعث الدين ومناط اليقين وفيها موسم الحجيج العام في كل عام يجتمع ~~إليه الشرقي والغربي، ويتآخى في مواقعها الطاهرة الجليل والحقير والغني والفقير؛ كانت ~~أفضل مدينة تتوارد إليها أفكارهم ثم تنبث إلى سائر الجهات - والله يهدي من يشاء إلى ~~سواء السبيل. # ولما كان نيل الغاية على وجه أبعد من الخطر وأقرب إلى الظفر؛ يستدعي أن يكون ~~للداعي في كل قلب سليم نفثة حق ودعوة صدق؛ طلبوا عدة طرق لنشر أفكارهم بين من خفي عن ~~شأنهم من إخوانهم، واختاروا أن يكون لهم في هذه الأيام جريدة بأشرف لسان عندهم وهو ~~اللسان العربي، وأن تكون في مدينة حرة كمدينة باريس ليتمكنوا بواسطتها من بث آرائهم ~~وتوصيل أصواتهم إلى الأقطار القاصية؛ تنبيها للغافل وتذكيرا للذاهل، فرغبوا إلى ~~السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني أن ينشئ تلك الجريدة بحيث تتبع مشربهم وتذهب ~~مذهبهم، فلبى رغبتهم، بل نادى حقا واجبا عليه لدينه ووطنه، وكلف الشيخ محمد عبده ~~أن يكون رئيس تحريرها، فكان ما حمل الأول على الإجابة حمل الثاني على الامتثال - وعلى ~~الله الاتكال في جميع الأحوال. # الجريدة ومنهجها # سيأتي في خدمة الشرقيين على ما في الإمكان من بيان الواجبات التي كان التفريط ~~فيها موجبا للسقوط والضعف، وتوضيح الطرق التي يجب سلوكها لتدارك ما فات، ~~والاحتراس من غوائل ما هو آت. # ويستتبع ذلك البحث في أصول الأسباب ومناشئ العلل التي قصرت بهم إلى جانب التفريط ~~والبواعث التي دفعت بهم إلى مهامه حيرة عميت فيها السبل، واشتبهت بها المضارب، ~~وتاه فيها الخريت، # 2 # وضل المرشد حتى لا ms023 يدري السالكون من أين تفجعهم الطوارق المفزعة ~~والمزعجات المدهشة والمدهشات القاتلة. # وتكشف الغطاء ما استطاعت عن الشبه التي شغلت أوهام المترفين، ولبست عليهم ~~مسالك الرشد، وتزيح الوساوس التي أخذت بعقول المنعمين حتى أورثتهم اليأس من مداواة ~~علاتهم وشفاء أدوائهم، وظنوا أن زمان التدارك قد فات وأن العناية بلغت حدها. # وتحاول إشراب الأفهام أن لا حاجة في الوصول إلى نقطة الخلاص المرغوبة إلى قطع ~~دائرة عظيمة، تصورها يوجب فتور الهمم وانحطاط العزائم، وأن تخيل تلك الدائرة ~~الواسعة إنما عرض من الإدبار عن المطلوب وهو تحت الجناح ويكفي في الوصول إليه ~~عطفة نظر وقطع بعض خطوات قصيرة. # وإن الظهور في مظهر القوة لدفع الكوارث إنما يلزم له التمسك ببعض الأصول ~~التي كان عليها آباء الشرقيين وأسلافهم، وهي ما تمسكت به أعز دولة أوروبية ~~وأمنعها، ولا ضرورة في إيجاد المنعة إلى اجتماع الوسائط وسلوك المسالك التي جمعها ~~وسلكها بعض الدول الغربية الأخرى، ولا ملجئ للشرقي في بدايته أن يقف موقف الأوروبي ~~في نهايته، بل ليس له أن يطلب ذلك، وفيما مضى أصدق شاهد على أن من طلبه فقد أوقر ~~نفسه وأمته وقرا أعجزها وأعوزها. # وتنبه على أن التكافؤ في القوى الذاتية والمكتسبة هو الحافظ للعلاقات والروابط ~~السياسية، فإن فقد التكافؤ لم تكن الرابطة إلا وسيلة القوي لابتلاع الضعيف، وتجعل ~~إهاب الوداد المرقش بألوان الملاطفة المدبج بأشكال المجاملة شفافا ينم عما ~~وراءه، وتنقب عن المسالك الدقيقة التي يسري بها الطامعون في دياجر الغفلات. # وتهتم بدفع ما يرمى به الشرقيون عموما والمسلمون خصوصا من التهم الباطلة، التي ~~يوجهها إليهم من لا خبرة له بحالهم ولا وقوف على حقائق أمورهم، وإبطال زعم ~~الزاعمين أن المسلمين لا يتقدمون إلى المدنية ما داموا على أصولهم التي فاز بها ~~آباؤهم الأولون، ولا تهن في تبليغ الشرقيين ما يمسهم من حوادث السياسة العمومية وما ~~يتداوله السياسيون في شئونهم مع اختيار الصادق، وانتقاء الثابت، وتراعي في جميع ~~سيرها تقوية الصلات العمومية بين الأمم وتمكين الألفة في أفرادها وتأييد المنافع ~~المشتركة بينها ms024 والسياسيات القويمة التي لا تميل إلى الحيف والإجحاف بحقوق ~~الشرقيين. # ومع كل هذا، فهذه الجريدة تتبع سير الداعين إليها والحاملين عليها، لا تظهر إذا ~~أدلجوا، ولا تنجد إذا غوروا، وتذهب مذاهب الرشد، وتصيب - بحول الله - مواقعه عند ~~من سبق في أزلي علم الله هدايته، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وترسل إلى ~~الذين نعرف أسماءهم مجانا بدون مقابل ليتداولها الأمير والحقير والغني والفقير، ~~ومن لم يصل إلينا اسمه فما عليه إلا أن يكتب إلى إدارة الجريدة بالاسم المعروف به ~~ومحل إقامته على النهج الذي يريده، والله الموفق. # | الفصل الأول # الجنسية والديانة الإسلامية # إن استقراء حال الأفراد من كل أمة واستطلاع أهوائها؛ يثبت لجلي النظر ودقيقه وجود ~~تعصب للجنس ونعرة عليه عند الأغلب منهم، وإن المتعصب لجنسه منهم ليتيه بمفاخر ~~بنيه ويغضب لما يمسهم حتى يقتل دون دفعه بدون تنبه منه لطلب السبب ولا بحث في علة ~~هذا الوجدان، حتى ظن كثيرون من طلاب الحقيقة أن التعصب للجنس من الوجدانيات الطبيعية، ~~إلا أنه يبعد ظنهم ما نراه في حال طفل ولد في أمة من الأمم ثم نقل قبل التمييز إلى ~~أرض أمة أخرى وربي فيها إلى أن عقل ولم يذكر له مولده، فإنا لا نرى في طبعه ميلا ~~إليه، بل يكون خالي الذهن من قبله، ويكون مع سائر الأقطار سواء، بل ربما كان آلف ~~لمرباه وأميل إليه؛ والطبيعي لا يتغير. # ولهذا لا نذهب إلى أنه طبيعي، ولكن قد يكون من الملكات العارضة على الأنفس، ترسمها ~~على ألواحها الضرورات؛ فإن الإنسان في أي أرض له حاجات جمة، وفي أفراده ميل إلى ~~الاختصاص والاستئثار بالمنفعة إذا لم يصبغوا بتربية زكية، وسعة المطمع إذا صحبها ~~اقتدار تدعو بطبعها إلى العدوان؛ فلهذا صار بعض الناس عرضة لاعتداء بعض آخر، ~~فاضطروا بعد منازلة الشرور أحقابا طوالا إلى الاعتصاب بلحمة النسب على درجات ~~متفاوتة حتى وصلوا إلى الأجناس، فتوزعوا أمما كالهندي والإنجليزي والروسي ~~والتركماني، ونحو ذلك، ليكون كل قبيل منهم بقوة أفراده المتلاحمة قادرا على صيانة ms025 ~~منافعه وحفظ حقوقه من تعدي القبيل الآخر، ثم تجاوزوا في ذلك حد الضرورة - كما هي عادة ~~الإنسان في أطواره - فذهبوا إلى حد أن يأنف كل قبيل من سلطة الآخر عليه، علما بأنه ~~لا بد أن يكون جائرا إذا حكم، ولئن عدل فإن في قبول حكمه ذلا تحس به النفس، وينفعل ~~له القلب. # فلو زالت الضرورة لهذا النوع من العصبية؛ تبع هو الضرورة في الزوال كما تبعها في ~~الحدوث - بلا ريب - وتبطل الضرورة بالاعتماد على حاكم تتصاغر لديه القوى وتتضاءل لعظمته ~~القدرة وتخضع لسلطته النفوس بالطمع، وتكون بالنسبة إليه متساوية الأقدام وهو مبدأ ~~الكل وقهار السماوات والأرض، ثم يكون القائم من قبله بتنفيذ أحكامه مساهما للكافة ~~في الاستكانة والرضوخ لأحكام أحكم الحاكمين، فإذا أذعنت الأنفس بوجود الحاكم الأعلى ~~وأيقنت بمشاركة القيم على أحكامه لعامتهم في التضامن، لما أمر به؛ اطمأنت في حفظ الحق ~~ودفع الشر إلى صاحب هذه السلطة المقدسة، واستغنت عن عصبية الجنس لعدم الحاجة إليها ~~فمحي أثرها من النفوس، والحكم لله العلي الكبير. # هذا هو السر في إعراض المسلمين - على اختلاف أقطارهم - عن اعتبار الجنسيات، ورفضهم أي ~~نوع من أنواع العصبيات ما عدا عصبتهم الإسلامية؛ فإن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ ~~فيه اعتقاده يلهو عن جنسه وشعبه ويلتفت عن الروابط الخاصة إلى العلاقة العامة، وهي ~~علاقة المعتقد. # لأن الدين الإسلامي لم تكن أصوله قاصرة على دعوة الخلق إلى الحق، وملاحظة أحوال ~~النفوس من جهة كونها روحانية مطلوبة من هذا العالم الأدنى إلى عالم أعلى، بل هي كما ~~كانت كافلة لهذا؛ جاءت وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد وبيان الحقوق كليها ~~وجزئيها، وتحديد السلطة الوازعة التي تقوم بتنفيذ المشروعات وإقامة الحدود وتعيين ~~شروطها، حتى لا يكون القابض على زمامها إلا من أشد الناس خضوعا لها، ولن ينالها ~~بوراثة ولا امتياز في جنس أو قبيلة أو قوة بدنية وثروة مالية، وإنما ينالها بالوقوف عند ~~أحكام الشريعة والقدرة على تنفيذها ورضاء الأمة، فيكون وازع المسلمين في الحقيقة ~~شريعتهم المقدسة الإلهية التي لا ms026 تميز بين جنس وجنس واجتماع آراء الأمة، وليس للوازع ~~أدنى امتياز عنهم إلا بكونه أحرصهم على حفظ الشريعة والدفاع عنها . # وكل فخار تكسبه الأنساب وكل امتياز تفيده الأحساب لم يجعل له الشارع أثرا في ~~وقاية الحقوق وحماية الأرواح والأموال والأعراض، بل كل رابطة سوى رابطة الشريعة الحقة ~~فهي ممقوتة على لسان الشارع، والمعتمد عليها مذموم والمتعصب لها ملوم، فقد قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على ~~عصبية»، والأحاديث النبوية والآيات المنزلة متضافرة في هذا، ولكن يمتاز بالكرامة ~~والاحترام من يفوق الكافة في التقوى - اتباع الشريعة: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، ~~ومن ثم قام بأمر المسلمين في كثير من الأزمان على اختلاف الأجيال؛ من لا شرف له ~~في جنسه، ولا امتياز له في قبيله، ولا ورث الملك عن آبائه، ولا طلبه بشيء من حسبه ~~ونسبه، وما رفعه إلى منصة الحكم إلا خضوعه للشرع وعنايته بالمحافظة عليه. # وإن بسطة ملك الوازعين في المسلمين كان يسديها إليهم على حسب امتثالهم للأحكام ~~الإلهية، واهتدائهم بهديها، وتجردهم عن الاعتلاء الشخصي، وكلما أراد الوازع أن يختص ~~نفسه بما يفوق به غيره، في أبهته ورفاهة معيشته، وأن يستأثر على المحكومين بحظ زائد؛ ~~رجعت الأجناس إلى تعصبها ووقع الاختلاف، وانقبضت سلطة ذاك الوازع. # هذا ما أرشدنا إليه سير المسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن، لا يعتدون برابطة ~~الشعوب وعصبات الأجناس، وإنما ينظرون إلى جامعة الدين؛ لهذا ترى العربي لا ينفر من سلطة ~~التركي، والفارسي يقبل سيادة العربي، والهندي يذعن لرياسة الأفغاني، ولا اشمئزاز عند ~~أحد منهم ولا انقباض، وأن المسلم في تبدل حكوماته لا يأنف ولا يستنكر ما يعرض عليه ~~من أشكالها وانتقالها من قبيل إلى قبيل ما دام صاحب الحكم حافظا لشأن الشريعة ذاهبا ~~مذاهبها. نعم، إذا نبأ في سيره عنها وجار في حكمه عما نصت عليه وطلب الأثرة بما ليس من ~~حقه؛ انصدعت منه القلوب، وانحرفت عن محبته الأنفس، وأصبح ms027 وإن كان وطنيا فيهم أشنع ~~حالا من الأجنبي عنهم. # إن المسلمين اختصوا من بين سائر أرباب الأديان بالتأثر والأسف عندما يسمعون بانفصال ~~بقعة إسلامية عن حكم إسلامي بدون التفات إلى جنسها وقبيلها. # ولو أن حاكما صغيرا بين قوم مسلمين من أي جنس كان تبع الأوامر الإلهية وثابر على ~~رعايتها، وأخذ الدهماء بحدودها وضرب بسهمه مع المحكومين في الخضوع لها، وتجافى عن ~~الاختصاص بمزايا الفخفخة الباطلة؛ لأمكنه أن يحوز بسطة في الملك وعظمة في السلطان، وأن ~~ينال الغاية من رفعة الشأن في الأقطار المعمورة بأرباب هذا الدين، ولا يتجشم في ذلك ~~أتعابا ولا يحتاج إلى بذل النفقات ولا تكثير الجيوش، ولا مظاهرة الدول العظيمة ولا ~~مداخلة أعوان التمدن وأنصار الحرية ... ويستغني عن كل هذا بالسير على نهج الخلفاء ~~الراشدين والرجوع إلى الأصول الأولى في الديانة الإسلامية القويمة، ومن سيره هذا ~~تنبعث القوة وتتجدد لوازم المنعة، أكرر عليك القول بأن السبب هو أن الدين الإسلامي لم ~~تكن وجهته كوجهة سائر الأديان إلى الآخرة فقط، ولكن مع ذلك أتى بما فيه مصلحة العباد ~~في دنياهم وما يكسبهم السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة، وهو المعبر عنه في الإصلاح ~~الشرعي بسعادة الدارين، وجاء بالمساواة في أحكامه بين الأجناس المتباينة والأمم ~~المختلفة. # ابيضت عين الدهر وامتقع لون الزمان حتى أصاب أن بعضا من المسلمين على حكم ~~الندرة يعز عليهم الصبر، ويضيق منهم الصدر لجور حكامهم وخروجهم في معاملتهم عن أصول ~~العدالة الشرعية، فيلجئون للدخول تحت سلطة أجنبية، على أن الندم يأخذ بأرواحهم عند أول ~~خطوة يخطونها في هذا الطريق، فمثلهم كمثل من يريد الفتك بنفسه حتى إذا أحس بالألم ~~رجع واسترجع ... وإن بعض ما يطرأ على الممالك الإسلامية من الانقسام والتفريق إنما يكون ~~منشأه قصور الوازعين وحيدانهم عن الأصول القويمة التي بنيت عليها الديانة ~~الإسلامية، وانحرافهم عن مناهج أسلافهم الأقدمين، فإن منابذة الأصول الثابتة والنكوب ~~عن المناهج المألوفة؛ أشد ما يكون ضررهما بالسلطة العليا، فإذا رجع الوازعون في ~~الإسلام إلى قواعد شرعهم وساروا سيرة الأولين ms028 السابقين، لم يمض قليل من الزمان إلا ~~وقد آتاهم بسطة في الملك وألحقهم في العزة بالراشدين أئمة الدين - وفقنا الله ~~للسداد، وهدانا طريق الرشاد. # | الفصل الثاني # ماضي الأمة وحاضرها وعلاج عللها # 1 # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا ~~. ~~••• # أرأيت أمة من الأمم لم تكن شيئا مذكورا، ثم انشق عنها عماء العدم، فإذا هي بحمية كل ~~واحد منها كون بديع النظام قوي الأركان شديد البنيان، عليها سياج من شدة البأس ~~ويحيطها سور من منعة الهمم، تخمد في ساحاتها عاصفات النوازل، وتنحل بأيدي مديريها ~~عقد المشاكل، نمت فيها أفنان العزة بعدما ثبتت أصولها ورسخت جذورها، وامتد ~~لها السلطان على البعيد عنها والداني إليها، ونفذت منها الشوكة وعلت لها الكلمة ~~وكملت القوة، فاستعلت آدابها على الآداب وسادت أخلاقها وعاداتها على ما كان من ذلك ~~لسابقيها ومعاصريها، وأحست مشاعر سواها من الأمم بأن لا سعادة إلا في انتهاج منهجها ~~وورود شريعتها، وصارت وهي قليلة العدد كثيرة الساحات كأنها للعالم روح مدبر وهو لها ~~بدن عامل. # وبعد هذا كله وهى بناؤها وانتثر منظومها وتفرقت فيها الأهواء وانشقت العصا، وتبدد ~~ما كان مجتمعا وانحل ما كان منعقدا، وانفصمت عرى التعاون وانقطعت روابط التعاضد، ~~وانصرفت عزائم أفرادها عما يحفظ وجودها، ودار كل في محيط شخصه المحدود بنهايات بدنه، ~~لا يلمح في مناظره بارقة من حقوقها الكلية والجزئية، وهو في غيبة عن أن ضروريات حاجاته ~~لا تنال إلا على أيدي الملتحمين معه بلحمة الأمة، وأنه أحوج إلى شد عضدهم من تقوية ~~ساعده، وإلى توفير خيرهم من تنمية رزقه، وكأنه بهذه الغيبة في سبات يخاله الناظر إليه ~~صحوا، وذبول يظنه المغرور زهوا، وأخذ القنوط بآمال أولئك المدهوشين فأبادها، وحدثت ~~فيهم قناعة التهم والرضا بكل حال. # ولئن تنبه خاطر للحق في خيال أحدهم أو استفزه داع من قلبه إلى ما يكسب ملته ~~شرفا أو يعيد إليها مجدا عده هوسا وهذيانا أصيب به من ضعف في المزاج أو خلل في ~~البنية، أو حسب أنه لو ms029 أجاب داعي الذمة لعاد عليه بالوبال وأورده موارد الهلكة، أو لصار ~~من أقرب الأسباب لزوال نعمته ونكد معيشته، ويحكم لنفسه سلاسل من الجبن وأغلالا من ~~اليأس، فتغل يداه عن العمل وتقف قدماه عن السعي، ويحس بعد ذلك بغاية العجز عن كل ما فيه ~~خيره وصالحه، ويقصر نظره عن درك ما أتى أسلافه من قبل، وتجمد قريحته عن فهم ما قام به ~~أولئك الآباء الذين تركوه خليفة على ما كسبوا وقيما على ما أورثوه لأعقابهم، ويبلغ ~~هذا المرض من الأمة حدا يشرف بها على الهلاك ويطرحها على فراش الموت فريسة لكل عاد ~~وطعمة لكل طاعم. # نعم، رأيت كثيرا من الأمم لم تكن ثم كانت، وارتفعت ثم انحطت، وقويت ثم ضعفت، وعزت ~~ثم ذلت، وصحت ثم مرضت، ولكن أليس لكل علة دواء؟ بلى. # واأسفا ما أصعب الداء! وما أعز الدواء! وما أقل العارفين بطرق العلاج! كيف يمكن ~~جمع الكلمة بعد افتراقها وهي لم تفترق إلا لأن كلا عكف على شأنه ... أستغفر الله. لو ~~كان له شأن يعكف عليه لما انفصل عن أخيه وهو أشد أعضائه اتصالا به، ولكنه صرف ~~لشئون غيره وهو يظنها من شئون نفسه، نعم، ربما التفت كل إلى ما هو في فطرة كل حي من ~~ملاحظة حفظ حياته بمادة غذائه، وهو لا يدري من أي وجه يحصلها ولا بأية طريقة يكون في ~~أمن عليها، كيف تبعث الهمم بعد موتها وما ماتت إلا بعدما سكنت زمنا غير قصير إلى ~~ما ليس من معاليها؟ هل من السهل رد التائه إلى الصراط المستقيم وهو يعتقد أن ~~الفوز في سلوك سواه، خصوصا بعدما استدبر المقصد، وفي كل خطوة يظن أنه على مقربة من ~~الحظوة؟ كيف يمكن تنبيه المستغرق في منامه المبتهج بأحلامه، وفي أذنه وقر وفي ملامسه ~~خدر؟ هل من صيحة تقرع قلوب الآحاد المتفرقة من أمة عظيمة تتباعد أنحاؤها وتتنائى ~~أطرافها وتتباين عاداتها وطبائعها؟ هل من نبأة تجمع أهواءها المتفرقة وتوحد آراءها ~~المتخالفة بعدما تراكم جهل وران غبن، وخيل للعقول أن كل ms030 قريب بعيد وكل سهل ~~وعر؟ ايم الله، إنه لشيء عسير يعيى في علاجه النطاسي، ويحار فيه الحكيم ~~البصير. # هل يمكن تعيين الدواء إلا بعد الوقوف على أصل الداء وأسبابه الأولى والعوارض التي ~~طرأت عليه، إن كان المرض في أمة، فكيف يمكن الوصول إلى علله وأسبابه إلا بعد معرفة ~~عمرها وما اعتراها فيه من تنقل الأحوال وتنوع الأطوار؟ أيمكن لطبيب يعالج شخصا ~~بعينه أن يختار له نوعا من العلاج قبل أن يعرف ما عرض له من قبل في حياته، ليكون على ~~بينة من حقيقة المرض، وإلا فإن كثيرا من الأمراض تتولد جراثيمها في طور من أطوار العمر ~~ثم لا تظهر إلا في طور آخر لتغلب قوة الطبيعة على مادة المرض فلا يبدو أثرها؟ كلا، إنه ~~ليصعب على الطبيب الماهر تشخيص علة لشخص واحد سنو عمره محدودة وعوارض حياته محصورة، ~~فكيف بمن يريد مداواة ملة طويلة الأجل وافرة العدد؟ لهذا يندر في أجيال وجود بعض رجال ~~يقومون بإحياء أمة أو إرجاع شرفها ومجدها إليها، وإن كان المتشبهون بهم كثيرين، وكما أن ~~المتطبب القاصر في الأمراض البدنية لا يزيد علاجه المرض إلا شدة لولا مساعدة الاتفاق ~~والصدفة، بل ربما يفضي بالمريض إلى الموت، كذلك يكون حال الذين يقومون بتعديل أخلاق ~~الأمم على غير خبرة تامة بشأنها وموجب اعتلالها، ووجوه العلة فيها وأنواعها، وما يكتنف ~~ذلك من العادات، وما يوجد في أفرادها من المذاهب والاعتقادات، وحوادثها المتتابعة على ~~اختلاف مواقعها من الأرض، ومكانتها الأولى من الرفعة، ودرجتها الحالية من الضعة، ~~وتدرجها فيما بين المنزلتين، فإن أخطأ طالب إصلاحها في اكتناه شيء مما ذكرنا تحول ~~الدواء داء والوجود فناء. # فمن له حظ في الكمال الإنساني ولم يطمس من قلبه موضع الإلهام الإلهي؛ لا يجرؤ على ~~القيام بما يسمونه تربية الأمم وإصلاح ما فسد منها، وهو يحس من نفسه أدنى قصور في أداء ~~هذا الأمر العظيم علما أو عملا. نعم، يكون ذلك من محبي الفخفخة الباطلة وطلاب العيش ~~في ظل وظائف ليسوا من حقوقها في شيء. ms031 # ظن قوم في هذه الأزمان أن أمراض الأمم تعالج بنشر الجرائد، وأنها تكفل إنهاض الأمم ~~وتنبيه الأفكار وتقويم الأخلاق ... كيف يصدق هذا الظن، وإنا لو فرضنا أن كتاب الجرائد لا ~~يقصدون بما يكتبون إلا نجاح الأمم مع التنزه عن الأغراض، فبعدما عم الذهول واستولت ~~الدهشة على العقول وقل القارئون والكاتبون؛ لا تجد لها قارئا، ولئن وجدت القارئ فقلما ~~تجد الفاهم، والفاهم قد يحمل ما يجده على غير ما يراد منه لضيق في التصور أو ميل مع ~~الهوى، فلا يكون منه إلا سوء التأثير، فيشبه غذاء لا يلائم الطبع فيزيد الضرر أضعافا، ~~على أن الهمة إذا كانت في درك الهبوط، فمن يستطيع تفهيمها فائدة الجرائد حتى تتجه ~~منها الرغبات لاستطلاع ما فيها مع قصر المدة وتدفق سيول الحوادث، إن هذا وحقك ~~لعزيز. # ويظن قوم آخرون أن الأمة المنبثة في أقطار واسعة من الأرض مع تفرق أهوائها وإخلادها ~~إلى ما دون رتبتها بدرجات لا تحصر، ورضاها بالدون من العيش والتماس الشرف بالانتماء لمن ~~ليس من جنسها ولا من مشربها، بل لمن كان خاضعا لسيادتها راضخا لأحكامها؛ مع هذا كله ~~يتم شفاؤها من هذه الأمراض القاتلة بإنشاء المدارس العمومية دفعة واحدة في كل بقعة من ~~بقاعها، وتكون على الطراز الجديد المعروف بأوروبا حتى تعم المعارف جميع الأفراد في زمن ~~قريب، ومتى عمت المعارف كملت الأخلاق واتحدت الكلمة واجتمعت القوة، وما أبعد ما ~~يظنون، فإن هذا العمل العظيم إنما يقوم به سلطان قوي قاهر يحمل الأمة على ما تكره ~~أزمانا حتى تذوق لذته وتجني ثمرته، ثم يكون ميلها الصادق من بعد نائبا عن سلطته في ~~تنفيذ ما أراد من خيرها، ويلزم له ثروة وافرة تفي بنفقات تلك المدارس وهي كثيرة، ~~وموضوع كلامنا في الضعف ودوائه، فهل مع الضعف سلطة تقهر وثروة تغني؟ ولو كان للأمة هذان ~~لما عدت من الساقطين. # فإن قالوا: يمكن التدريج مع الاستمرار والثبات؛ وافقناهم على الإمكان، لولا ما يكون ~~من طمع الأقوياء حتى لا يدعوا لهم سبيلا لأن يستنشقوا نسيم ms032 القوة، فأين الزمان لنجاح ~~تلك الوسائل البطيئة الأثر؟ # على أنا لو فرضنا مسالمة الدهر، ومنحت الأمة مدة من الزمان تكفي لبث تلك العلوم ~~في بعض الأفراد والاستزادة منها شيئا فشيئا، فهل يصح الحكم بأن هذا التدرج يفيدها ~~فائدة جوهرية، وأن ما يصيبه البعض منها يهيئه للكمال اللائق به ويمكنه من القيام ~~بإرشاد الباقي من أبناء أمته؟ واعجبا! كيف يكون هذا وإن الأمة في بعد عن معرفة تلك ~~العلوم الغريبة عنها؟ وكيف بذرت بذورها، وكيف نبتت واستوت على سوقها وأينعت وأثمرت؟ ~~وبأي ماء سقيت وبأي تربة غذيت، ولا وقوف لها على الغاية التي قصدت منها في مناشئها، ~~ولا خبرة لها بما يترتب عليها من الثمرات؟ وإن وصل إليها طرف من ذلك فإنما يكون ظاهرا ~~من القول لا نبأ عن الحقيقة، فهل مع هذا يصيب الظن بأن مفاجأة بعض الأفراد بها وسوقها ~~إلى أذهانهم المشحونة بغيرها، يقوم من أفكارهم ويعدل من أخلاقهم ويهديهم طرق ~~الرشاد في إفادة إخوانهم؟ # لعل الأقرب أن ناقلي تلك العلوم، وهم من أمة هذا شأنها مع ما ينعكس إليهم ~~من الأوهام المألوفة فيها، وما رسخ في نفوسهم على عهد الصبا، وما يعظمونه من أمر الأمة ~~التي تلقوا عنها علومهم؛ يكونون بين أمتهم كخلط غريب لا يزيد طبائعها إلا ~~فسادا. # ماذا يكون من أولئك الناشئين في علوم لم تكن ينابيعها من صدورهم ولو صدقوا في خدمة ~~أوطانهم، يكون منهم ما تعطيه حالهم، يؤدون ما تعلموه كما سمعوه، لا يراعون فيه النسبة ~~بينه وبين مشارب الأمة وطباعها وما مرنت عليه من عاداتها، فيستعملونه على غير وضعه، ~~ولبعدهم عن أصله ولهوهم بحاضره عن ماضيه وغفلتهم عن آتيه يظنونه على ما بلغهم هو ~~الكمال لكل نفس والحياة لكل روح، فيرومون من الصغير ما لا يرام إلا من الكبير وبالعكس، ~~غير ناظرين إلا إلى صور ما تعلموه ولا مفكرين في استعداد من يعرض عليهم وهل يكون له من ~~طباعهم مكان يحمد أو يزيدها على ما بها أضعافا، وما هذا إلا لكونهم ليسوا أربابها، ms033 ~~وإنما هم لها نقلة وحملة. # فهؤلاء الصادقون - إلا من وفقه الله منهم بعنايته الإلهية - يكون مثلهم كمثل ~~والدة حنون يلذ لها غذاء فتفيض منه على ولدها وهو رضيع ليساهمها في اللذة، وسنه سن ~~اللبان لا يقبل سواه، فيسرع إليه المرض وينتهي به إلى التلف، فتكون منزلتهم من الأمة ~~منزلة الآلة المحللة يشتتون بقية الجمع ويبددون أخريات الالتئام، إن كان الفساد أبقى ~~للقوم بعض الروابط، فهؤلاء المغرورون يغشونهم بما يذهلهم عنها، وما قصدوا إلا خيرا إن ~~كانوا مخلصين، ويوسعون بذلك الخصاص # 2 # حتى تعود أبوابا، ويباعدون ما بين الضفاف حتى تصير ميادين لتداخل الأجانب ~~فيهم تحت اسم النصحاء وعنوان المصلحين، ويذهبون بأمتهم إلى الفناء والاضمحلال وبئس ~~المصير. # شيد العثمانيون والمصريون عددا من المدارس على النمط الجديد، وبعثوا بطوائف منهم إلى ~~البلاد الغربية ليحملوا ما يحتاجون إليه من العلوم والمعارف والصنائع والآداب، وكل ما ~~يسمونه تمدنا، وهو في الحقيقة تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير ~~الاجتماع الإنساني، هل انتفع المصريون والعثمانيون بما قدموا لأنفسهم من ذلك وقد مضت ~~عليهم أزمان غير قصيرة؟ هل صاروا أحسن حالا مما كانوا عليه قبل التمسك بهذا الحبل ~~الجديد؟ هل استنقذوا أنفسهم من أنياب الفقر والفاقة؟ هل نجوا بها من ورطات ما يلجئهم ~~إليه الأجانب بتصرفاتهم؟ هل أحكموا الحصون وسدوا الثغور؟ هل نالوا بها من المنعة ما ~~يدفع عنهم غارة الأعداء عليهم؟ هل بلغوا من البصر بالعواقب والتصرف في الأفكار حدا ~~يميل عزائم الطامعين عنهم؟ هل وجدت فيهم قلوب مازجتها روح الحياة الوطنية فهي تؤثر ~~مصلحة البلاد على كل مصلحة وتطلبها وإن تجاوزت محيط الحياة الدنيا، وإن بادت في ~~سبيلها خلفها وارث على شاكلتها - كما كان في كثير من الأمم؟ # نعم، ربما وجد بينهم أفراد يتفيهقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية وما شاكلها، ~~ويصوغونها في عبارات متقطعة بتراء لا تعرف غايتها ولا تعلم بدايتها، ووسموا أنفسهم ~~زعماء الحرية أو بسمة أخرى على حسب ما يختارون، ووقفوا عند هذا الحد، ومنهم آخرون ~~عمدوا إلى العمل بما ms034 وصل إليهم من العلم فقلبوا أوضاع المباني والمساكن وبدلوا ~~هيئات المآكل والملابس والفراش والآنية وسائر الماعون، وتنافسوا في تطبيقها على ~~أجود ما يكون منها في الممالك الأجنبية، وعدوها من مفاخرهم وعرضوها معرض ~~المباهاة؛ فنسفوا بذلك ثروتهم إلى غير بلادهم، واعتاضوا عنها أعراض الزينة مما يروق ~~منظره ولا يحمد أثره، فأماتوا أرباب الصنائع من قومهم وأهلكوا العاملين في المهن لعدم ~~اقتدارهم أن يقوموا بكل ما تستدعيه تلك العلوم الجديدة من الحاجيات الجديدة والكماليات ~~الجديدة؛ لأن مصانعهم لم تتحول إلى الطراز الجديد، وأيديهم لم تتعود على الصنع الجديد، ~~وثروتهم لا تسع جلب الآلات الجديدة من البلاد البعيدة، وهذا جدع لأنف الأمة، يشوه ~~وجهها ويحط شأنها، وما كان هذا إلا لأن تلك العلوم وضعت فيهم على غير أساسها وفجأتهم ~~قبل أوانها. # علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار ~~غيرها، يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس ~~ومخازن الدسائس، بل يكونون، بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم واحتقار ~~من لم يكن على مثالهم؛ شؤما على أبناء أمتهم يذلونهم ويحتقرون ويستهينون بجميع ~~أعمالهم وإن جلت، وإن بقي في بعض رجال الأمة بقية من الشمم أو نزوع إلى معالي ~~الهمم؛ انصبوا عليه وأرغموا من أنفه حتى يمحى أثر الشهامة وتخمد حرارة الغيرة ويصير ~~أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين، وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون ~~الأبواب ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطتهم، ذلك بأنهم لا يعلمون فضلا لغيرهم ولا يظنون ~~أن قوة تغالب قواهم. # أقول - ولا أخشى لوما: لو كان في البلاد الأفغانية عدد قليل من تلك الطلائع عندما ~~تغلب على بعض أراضيها الإنجليز لما بارحوها أبد الآبدين، فإن نتيجة العلم عند ~~هؤلاء ليست إلا توطيد المسالك والركون إلى قوة مقلديهم واستقبال مشارق فنونهم، ~~فيبالغون في تطمين النفوس وتسكين القلوب حتى يزيلوا الوحشة التي قد يصون بها ~~الناس حقوقهم ويحفظون بها استقلالهم؛ ولهذا، لو طرق الأجانب أرضا لأية أمة ترى هؤلاء ~~المتعلمين فيها يقبلون عليهم، ويعرضون أنفسهم لخدمتهم ms035 بعد الاستبشار بقدومهم، ويكونون ~~بطانة لهم ومواضع لثقتهم، كأنما هم منهم! ويعدون الغلبة الأجنبية في بلادهم مباركة ~~عليهم وعلى أعقابهم. ~~••• # فما الحيلة وما الوسيلة، والجرائد بعيدة الفائدة ضعيفة الأثر لو صحت الضمائر فيها، ~~والعلوم الجديدة لسوء استعمالها رأينا ما رأينا من آثارها، والوقت ضيق والخطب شديد ... أي ~~جهوري من الأصوات يوقظ الراقدين على حشايا الغفلات؟ أي قاصفة تزعج الطباع الجامدة ~~وتحرك الأفكار الخامدة؟ أي نفخة تبعث هذه الأرواح في أجسادها وتحشرها إلى مواقف صلاحها ~~وفلاحها؟ الأقطار فسيحة الجوانب بعيدة المناكب، المواصلات عسرة بين الشرقي والغربي ~~والجنوبي والشمالي، الرءوس مطرقة إلى ما تحت القدم أو منغضة إلى ما فوق السماء، ليس ~~للأبصار جولان إلى الأمام والخلف واليمين والشمال، ولا للأسماع إصغاء، ولا للنفوس ~~رغبات وللأهواء تحكم وللوساوس سلطان. # ماذا يصنع المشفقون على الأمة والزمن قصير؟ ماذا يحاولون والأخطار محدقة بهم؟ ~~بأي سبب يتمكنون ورسل المنايا على أبوابهم؟ لا أطيل عليك بحثا ولا أذهب بك في ~~مجالات بعيدة من البيان، ولكني أستلفت نظرك إلى سبب يجمع الأسباب ووسيلة تحيط بالوسائل، ~~أرسل فكرك إلى نشأة الأمة التي خملت بعد النباهة، وضعفت بعد القوة، واسترقت بعد ~~السيادة وضيمت بعد المنعة، وتبين أسباب نهوضها الأول حتى تتبين مضارب الخلل وجراثيم ~~العلل، فقد يكون ما جمع كلمتها وأنهض همم آحادها ولحم ما بين أفرادها، وصعد بها إلى ~~مكانة تشرف منها على رءوس الأمم وتسوسهم، وهي في مقامها بدقيق حكمتها؛ إنما هو دين قويم ~~الأصول محكم القواعد شامل لأنواع الحكم، باعث على الألفة داع إلى المحبة مزك ~~للنفوس، مطهر للقلوب من أدران الخسائس، منور للعقول بإشراق الحق من مطالع قضاياه، ~~كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان من مباني الاجتماعات البشرية، وحافظ وجودها، وينادي ~~بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية. # فإن كانت هذه شرعتها ولها وردت وعنها صدرت، فما تراه من عارض خللها وهبوطها عن ~~مكانتها إنما يكون من طرح تلك الأصول ونبذها ظهريا وحدوث بدع ليست منها في شيء، ~~أقامها المعتقدون مقام الأصول الثابتة، وأعرضوا عما يرشد إليه ms036 الدين وعما أتى لأجله ~~وما أعدته الحكمة الإلهية له، حتى لم يبق منه إلا أسماء تذكر وعبارات تقرأ، ~~فتكون هذه المحدثات حجابا بين الأمة وبين الحق الذي تشعر بندائه أحيانا بين ~~جوانحها. # فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في ~~بدايته، وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق، وإيقاد نيران ~~الغيرة، وجمع الكلمة، وبيع الأرواح لشرف الأمة، ولأن جرثومة الدين متأصلة في النفوس ~~بالوراثة من أحقاب طويلة، والقلوب مطمئنة إليه، وفي زواياها نور خفي من محبته؛ فلا ~~يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفثها في جميع الأرواح لأقرب ~~وقت، فإذا قاموا لشئونهم ووضعوا أقدامهم على طريق نجاحهم وجعلوا أصول دينهم الحقة ~~نصب أعينهم؛ فلا يعجزهم بعد أن يبلغوا بسيرهم منتهى الكمال الإنساني. # ومن طلب إصلاح أمة - شأنها ما ذكرنا - بوسيلة سوى هذه؛ فقد ركب بها شططا، وجعل ~~النهاية بداية وانعكست التربية وخالف فيها نظام الوجود، فينعكس عليه القصد ولا ~~يزيد الأمة إلا نحسا ولا يكسبها إلا تعسا. # هل تعجب أيها القارئ من قولي: إن الأصول الدينية الحقة المبرأة عن محدثات البدع ~~تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف على لذة الحياة، وتبعثها على اقتناء ~~الفضائل وتوسيع دائرة المعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية؟ إن عجبت فإن عجبي ~~من عجبك أشد! هل نسيت تاريخ الأمة العربية وما كانت عليه قبل بعثة الدين من الهمجية ~~والشتات وإتيان الدنايا والمنكرات، حتى إذا جاءها الدين فوحدها وقواها وهذبها ~~ونور عقولها وقوم أخلاقها وسدد أحكامها، فسادت على العالم وساست من تولته ~~بسياسة العدل والإنصاف، وبعد أن كانت عقول أبنائها في غفلة عن لوازم المدينة ~~ومقتضياتها نبهتها شريعتها وآيات دينها إلى طلب الفنون المتنوعة والتبحر فيها، ~~ونقلوا إلى ديارهم طب بقراط وجالينوس وهندسة إقليدس وهيئة بطليموس وحكمة أفلاطون ~~وأرسطو، وما كانوا قبل الدين في شيء من هذا، وكل أمة سادت تحت هذا اللواء إنما ~~كانت قوتها ومدنيتها في التمسك بأصول دينها؟ # وقد تكون ms037 نشأة الأمة قائمة بدعوة الملك وافتتاح الأقطار وطلب السيادة على الأمصار، ~~وتلك الدعوة؛ لما تستدعيه من عظم الهمم وارتفاع النفوس عن الدنايا وبعد الغايات ~~وعلو المقاصد؛ هي التي هذبت أخلاقهم، وقومت أفكارهم، وكفتهم عن معاطاة ~~الرذائل وخسائس الأمور وسوافلها، ثم بعد مضي زمان من نشأتها أصابها من الانحطاط ~~ما أصابها. # فبيان أسباب الخلل فيها وعلاته نفرد له فصلا مستقلا في عدد آخر - إن شاء ~~الله، وهو الموفق للصواب. # | الفصل الثالث # النصرانية والإسلام وأهلهما # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد ~~. ~~••• # خلق الله الإنسان عالما صناعيا، ويسر له سبيل العمل لنفسه، وهداه للإبداع ~~والاختراع، وقدر له الرزق من صنع يديه، بل جعله ركن وجوده، ودعامة بقائه، فهو ~~على جميع أحواله من ضيق وسعة، وخشونة ورفاهة، وتبد وحضارة؛ صنيعة أعماله ... أقواته ~~من معالجة الأرض بالزراعة أو قيامه على الماشية، وسرابيله وما يقيه الحر والبرد والوجى ~~من عمل يديه نسجا أو خصفا، وأكنانه ومساكنه ليست إلا مظاهر تقديره وتفكيره، وجميع ما ~~يفتتن فيه من دواعي ترفه ونعيمه إنما هي صور أعماله ومجالي أفكاره، ولو نفض يديه من ~~العمل لنفسه ساعة من الزمان وبسط أكفه للطبيعة؛ ليستجديها نفسا من حياة، ~~لشحت به عليه، بل دفعته إلى هاوية العدم، وهو في صنعه وإبداعه محتاج إلى ~~أستاذ يثقفه وهاد يرشده، فكما يعمل لتوفير لوازم معيشته وحاجات حياته يعمل ليعلم كيف ~~يعمل، وليقتدر على أن يعمل، فصنعته أيضا من صنعه، فهو في جميع شئونه الحيوية عالم ~~صناعي كأنه منفصل عن الطبيعة بعيد عن آثارها، حاجته إليها كحاجة العامل لآلة العمل. ~~هذا هو الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه. # دعه في هذه الحالة وخذ طريقا من النظر إلى أحواله النفسية؛ من الإدراك ~~والتعقل والأخلاق والملكات والانفعالات الروحية؛ تجده فيها أيضا عالما صناعيا: ~~شجاعته وجبنه، جزعه وصبره، كرمه وبخله، شهامته ونذالته، قسوته ولينه، عفته وشرهه، ~~وما يشبهها من الكمالات والنقائص جميعها تابع لما يصادفه في تربيته الأولى، وما ~~يودع في نفسه من أحوال ms038 الذين نشأ فيهم وتربى بينهم، ومرامي أفكاره، ومناهج تعقله، ~~ومذاهب ميله، ومطامع رغباته، ونزوعه إلى الأسرار الإلهية أو ركونه إلى البحث في الخواص ~~الطبيعية، وعنايته باكتشاف الحقيقة في كل شيء، أو وقوفه عند بادئ الرأي فيه، وكل ما ~~يرتبط بالحركات الفكرية إنما هي ودائع اختزنها لديه الآباء والأمهات، والأقوام ~~والعشائر والمخالطون. # وأما هواء المولد والمربي ونوع المزاج، وشكل الدماغ وتركيب البدن، وسائر الغواشي ~~الطبيعية؛ فلا أثر له في الأعراض النفسية والصفات الروحانية إلا ما يكون في الاستعداد ~~والقابلية، على ضعف في ذلك الأثر، فإن التربية وما ينطبع في النفس من أحوال ~~المعاشرين وأفكار المثقفين تذهب به كأن لم يكن أودع في الطبع، نعم إن أفكارا تتجدد، ~~ومعقولات من أخرى تتولد، وصفات تسمو، وهمما تعلو، حتى يفوق اللاحقون فيها السابقين، ~~ويظن أن هذا من تصرف الطبيعة لا من آثار الاكتساب، ولكن الحق فيه أن ثمرة ما غرس ~~ونتيجة ما كسب فهو مصنوع يتبع مصنوعا، فالإنسان في عقله وصفات روحه عالم ~~صناعي. # هذا مما لا يرتاب عليه العقلاء والسذج، ولكن هل تذكرت - مع هذا - أن الأعمال ~~البدنية، إنما تصدر عن الملكات والعزائم الروحية، وأن الروح هي السلطان القاهر على ~~البدن؟ أظنك لا تحتاج فيه إلى تذكير؛ لأنه مما لا يغرب عن الأذهان. إنما قبل الدخول في ~~موضوعنا أقول كلمة حق في الدين، ولا أظن منكرا يجحدها: # إن الدين وضع إلهي، ومعلمه والداعي إليه البشر، تتلقاه العقول عن المبشرين ~~المنذرين، فهو مكسوب لمن لم يختصهم الله بالوحي، ومنقول عنهم بالبلاغ والدراسة ~~والتعليم والتلقين، وهو عند جميع الأمم أول ما يمتزج بالقلوب، ويرسخ في الأفئدة، وتصبغ ~~النفوس بعقائده وما يتبعها من الملكات والعادات، وتتمرن الأبدان على ما ينشأ عنه من ~~الأعمال عظيمها وحقيرها، فله السلطة الأولى على الأفكار وما يطاوعها من العزائم ~~والإرادات، فهو سلطان الروح ومرشدها إلى ما تدبر به بدنها، وكأنما الإنسان في ~~نشأته لوح صقيل، وأول ما يخط في رسم الدين، ثم ينبعث إلى سائر الأعمال بدعوته وإرشاده، ~~وما يطرأ على ms039 النفوس من غيره؛ فإنما هو نادر شاذ، حتى لو خرج مارق عن دينه لم ~~يستطع الخروج عما أحدثه فيه من الصفات، بل تبقى طبعته فيه كأثر الجرح في البشرة بعد ~~الاندمال. ~~••• # وبعد هذا، فموضوع بحثنا الآن الملة المسيحية والملة الإسلامية، وهو بحث ~~طويل الذيل، وإنما نأتي فيه على إجمال ينبئك عن تفصيل أن الديانة المسيحية بنيت ~~على المسالمة والمياسرة في كل شيء، وجاءت برفع القصاص واطراح الملك والسلطة، ~~ونبذ الدنيا وبهرجها، ووعظت بوجوب الخضوع لكل سلطان يحكم المتدين بها، وترك أموال ~~السلاطين للسلاطين، والابتعاد عن المنازعات الشخصية والجنسية، بل والدينية. # ومن وصايا الإنجيل: «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر»، ومن أخباره: أن الملوك ~~إنما ولايتهم على الأجساد وهي فانية، والولاية الحقيقية الباقية على الأرواح هي لله ~~وحده، فمن يقف على مباني هذه الديانة، ويلاحظ ما قلنا من أن الدين صاحب الشوكة العظمى ~~على الأفكار، مع ملاحظة أن لكل خيال أثرا في الإرادة يتبعه حركة في البدن على حسبه؛ ~~يعجب كل العجب من أطوار الآخذين بهذا الدين السلمي، المنتسبين في عقائدهم إليه؛ فإنهم ~~يتسابقون في المفاخرة والمباهاة بزينة هذه الحياة ورفه العيش فيها، ولا يقفون عند حد ~~في استيفاء لذاتها، ويسارعون إلى افتتاح الممالك، والتغلب على الأقطار الشاسعة، ~~ويخترعون كل يوم فنا جديدا من فنون الحرب، ويبدعون في اختراع الآلات الحربية ~~القاتلة، ويستعملها بعضهم في بعض، ويصولون بها على غيرهم، ويبالغون في ترتيب الجيوش ~~وتدبير سوقها في ميادين القتال، ويصرفون عقولهم في إحكام نظامها، حتى وصلوا غاية صار ~~بها الفن العسكري من أوسع الفنون وأصعبها، وإن أصول دينهم صارفة لعقولهم عن العناية ~~بحفظ أملاكهم، فضلا عن الالتفات إلى طلب غيرها. # الديانة الإسلامية وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة والافتتاح والعزة، ورفض كل ~~قانون يخالف شريعتها، ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية على تنفيذ ~~أحكامها، فالناظر في أصول هذه الديانة، ومن يقرأ سورة من كتابها المنزل؛ يحكم حكما لا ~~ريب فيه بأن المعتقدين بها لا بد أن ms040 يكونوا أول ملة حربية في العالم، وأن يسبقوا جميع ~~الملل إلى اختراع الآلات القاتلة، وإتقان العلوم العسكرية، والتبحر فيما يلزمها من ~~الفنون كالطبيعة والكمياء وجر الأثقال والهندسة وغيرها، ومن تأمل في آية # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # أيقن أن من ~~صبغ بهذا الدين فقد صبغ بحب الغلبة، وطلب كل وسيلة إلى ما يسهل له سبيلها، والسعي ~~إليها بقدر الطاقة البشرية، فضلا عن الاعتصام بالمنعة والامتناع من تغلب غيره عليه. ~~ومن لاحظ أن الشرع الإسلامي حرم المراهنة إلا في السباقة والرماية، انكشف مقدار رغبة ~~الشارع في معرفة الفنون العسكرية والتمرن عليها. # ولكن مع كل ذلك تأخذه الدهشة من أحوال المتمسكين بهذا الدين لهذه الأوقات؛ إذ يراهم ~~يتهاونون بالقوة، ويتساهلون في طلب لوازمها، وليست لهم عناية بالبراعة في فنون ~~القتال ولا في اختراع الآلات، حتى فاقتهم الأمم سواهم فيما كان أول واجب عليهم، واضطروا ~~لتقليدها فيما يحتاجون إليه من تلك الفنون والآلات، وسقط كثير منهم تحت سلطة مخالفيهم ~~واستكانوا لها ورضخوا لأحكامها، ومن وازن بين الديانتين حار فكره، كيف اخترع مدفع ~~الكروب والمتراليوز، وغيرهما؛ بأيدي أبناء الديانة الأولى قبل الثانية! وكيف وجدت ~~بندقية مارتين في ديار الأولين، قبل وجودها عند الآخرين! وكيف أحكمت الحصون، ودرعت ~~البواخر، وأخذت مغالق البحار بسواعد أهل السلامة والسلم، دون أهل الغلبة ~~والحرب؟! # لم لا يحار الحكيم وإن كان نطاسيا؟! لم لا يقف الخبير دون استكناه الحقيقة؟! هل ~~القرون الخالية والأحقاب الماضية لم تكن كافية لرسوخ الديانتين في نفوس المتمسكين ~~بعراهما؟ هل نبذت كل ملة من الملتين عقائد دينها ظهريا من أجيال بعيدة؟ هل اقتصر ~~النصارى في دينهم على الأخذ بشريعة موسى، واقتفاء سيرة يوشع بن نون؟ هل تخللت بعض آيات ~~الإنجيل من حيث يدرى ولا يدرى بين الخطب والمواعظ التي تتلى على منابر المسلمين، أو ~~ألقي شيء منها في أماني معلميهم وناشري شريعتهم عندما يتربعون في محافل دروسهم؟ هل ~~تبدلت سنة الله في الملتين، هل تحول مجرى الطبيعة فيهما؟ هل استبدت الأبدان ~~فيهما على الأرواح؟ أو ms041 وجد للأرواح دبير سوى الفكر والخيال؟ أو انفلتت الأفكار من سلطة ~~الدين؟ أو تعاصت النفوس عن الانتقاش بنقشته، وهو أول حاكم عليها وأقوى مؤثر فيها؟ هل ~~تتخلف العلل عن معلولاتها؟ هل تنقطع النسب بين الأسباب ومسبباتها؟ ماذا عساه يرشد ~~العقول إلى كشف المساتير وحل المعميات؟ # أينسب هذا إلى اختلاف الأجناس، وكثير من أبناء الملتين يرجعون إلى أصول واحدة، ~~ويتقاربون في الأنساب الدانية؟ أينسب هذا إلى اختلاف الأقطار، وكثير من القبيلين ~~يتشابهون في طبائع البلدان، ويتجاورون في مواقع الأمكنة؟ ألم يصدر من المسلمين وهم ~~في شبيبة دينهم أعمال بهرت الأبصار، وأدهشت الألباب؟ ألم يكن منهم مثل فارس والعرب ~~والترك الذين دوخوا الممالك واستووا على كرسي السيادة فيها ... كان للمسلمين في الحروب ~~الصليبية آلات نارية أشباه المدافع، فزع لها المسيحيون، وغابوا عن معرفة أسبابها. ذكر ~~ملكام سرجم «إنجليزي» في تاريخ فارس: أن محمودا القزنوني كان يحارب وثنيي الهند ~~بالمدافع، وكانت هي الأسباب في انهزامهم بين يديه سنة 400 من الهجرة، وما كان المسيحيون ~~لذلك العهد يعرفون شيئا منها. # فأي عون من الدهر أخذ بأيدي الملة المسيحية فقدمها إلى ما لم يكن في ~~قواعد دينها؟ وأي صدمة من صدماته دفعت في صدور المسلمين فأخرتهم عن تعاطي الوسائل ~~لما هو أول مفروض في دينهم؟ مقام للحيرة وموضع للعجب! ويظن أن لا بد لهذا التخالف من ~~سبب، نعم، وتفصيله يطول، ولكن نجمل على ما شرطنا أن الدين المسيحي إنما امتد ظله ~~وعمت دعوته في الممالك الأوروبية من أبناء الرومانيين، وهم على عقائد وآداب وملكات ~~وعادات ورثوها عن أديانهم السابقة، وعلومهم وشرائعهم الأولى، وجاء الدين المسيحي إليهم ~~مسالما لعوائدهم ومذاهب عقولهم، وداخلهم من طرق الإقناع ومسارقة الخواطر لا من مطارق ~~البأس والقوة، فكان كالطراز على مطارفهم، ولم يسلبهم ما ورثوه عن أسلافهم، ومع هذا فإن ~~صحف الإنجيل الداعية إلى السلامة والسلم لم تكن لسابق العهد مما يتناوله الكافة من ~~الناس، بل كانت مذخورة عند الرؤساء الروحانيين. # ثم إن الأحبار الرومانيين لما أقاموا أنفسهم في منصب التشريع، ms042 وسنوا محاربة ~~الصليب، ودعوا إليها دعوة الدين؛ التحمت آثارها في النفوس بالعقائد الدينية، ~~وجرت منها مجرى الأصول، ولحقها على الأثر تزعزع عقائد المسيحيين في أوروبا، ~~وافترقوا شيعات وذهبوا مذاهب تنازع الدين في سلطته، وعاد وميض ما أودعه أجدادهم في ~~جراثيم وجودهم ضراما، وتوسعوا في فنون كثيرة، وانفسح لهم مجال الفكر فيها، وكانت ~~براعتهم في الفن العسكري واختراع آلات الحرب والدفاع مساوية لبراعتهم في سائر ~~الفنون. # أما المسلمون، فبعد أن نالوا في نشأة دينهم ما نالوا، وأخذوا من كل كمال حربي حظا، ~~وضربوا في كل فخار عسكري بسهم، بل تقدموا سائر الملل في فنون المقارعة وعلوم النزال ~~والمكافحة؛ ظهر فيهم أقوام بلباس الدين وأبدعوا فيه، وخلطوا بأصوله ما ليس منها، ~~فانتشرت بينهم قواعد الجبر، وضربت في الأذهان حتى اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتى ~~أمسكت بعنانها عن الأعمال، هذا إلى ما أدخله الزنادقة فيما بين القرن الثالث والرابع، ~~وما أحدثه السوفسطائية الذين أنكروا مظاهر الوجود وعدوها خيالات تبدو للنظر ولا تثبتها ~~الحقائق، وما وضعه كذبة النقل من الأحاديث ينسبونها إلى صاحب الشرع # صلى الله عليه وسلم # ويثبتونها في الكتب، وفيها السم القاتل لروح الغيرة، وإن ما يلصق منها بالعقول يوجب ~~ضعفا في الهمم وفتورا في العزائم. # وتحقيق أهل الحق وقيامهم ببيان الصحيح والباطل من كل ذلك لم يرفع تأثيره عن العامة، ~~خصوصا بعد حصول النقص في التعليم، والتقصير في إرشاد الكافة إلى أصول دينهم الحقة ~~ومبانيه الثابتة التي دعا إليها النبي وأصحابه، فلم تكن دراسة الدين على طريقها ~~القويم إلا منحصرة في دوائر مخصوصة وبين فئة ضعيفة، لعل هذا هو العلة في وقوفهم، بل ~~الموجب لتقهقرهم، وهو الذي نعاني من عنائه اليوم ما نسأل الله السلامة منه. # إلا أن هذه العوارض التي غشيت الدين، وصرفت قلوب المسلمين عن رعايته - وإن كان حجابها ~~كثيفا - لكن بينها وبين الاعتقادات الصحيحة التي لم يحرموها بالمرة تدافع دائم ~~وتغالب لا ينقطع، والمنازعة بين الحق والباطل كالمدافعة بين المرض وقوة المزاج، وحيث ~~إن الدين الحق هو أول صبغة ms043 صبغ الله بها نفوسهم، ولا يزال وميض برقه يلوح في أفئدتهم ~~بين تلك الغيوم العارضة؛ فلا بد يوما أن يسطع ضياؤه ويقشع سحاب الأغيان. # وما دام القرآن يتلى بين المسلمين وهو كتابهم المنزل وإمامهم الحق، وهو القائم عليهم ~~يأمرهم بحماية حوزتهم والدفاع عن ولايتهم، ومغالبة المعتدين، وطلب المنعة من كل ~~سبيل، لا يعين لها وجها، ولا يخصص لها طريقا ... فإننا لا نرتاب في عودتهم إلى مثل ~~نشأتهم، ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم، فيتقدمون على من سواهم في فنون ~~الملاحمة والمنازلة والمصاولة حفظا لحقوقهم، وضنا بأنفسهم عن الذل وملتهم عن الضياع، ~~وإلى الله تصير الأمور. # | الفصل الرابع # انحطاط المسلمين وسكونهم وسبب ذلك # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا ~~. ~~••• # إن للمسلمين شدة في دينهم، وقوة في إيمانهم، وثباتا على يقينهم، يباهون بها من ~~عداهم من الملل، وإن في عقيدتهم أوثق الأسباب لارتباط بعضهم ببعض، ومما رسخ في نفوسهم ~~أن في الإيمان بالله وما جاء به نبيهم # صلى الله عليه وسلم # كفالة لسعادة الدارين، ومن حرم ~~الإيمان فقد حرم السعادتين، ويشفقون على أحدهم أن يمرق من دينه أشد مما يشفقون عليه من ~~الموت والفناء، وهذه الحالة - كما هي في علمائهم - متمكنة في عامتهم، حتى لو سمع أي ~~شخص منهم في أي بقعة من بقاع الأرض عالما كان أو جاهلا أن واحدا ممن وسم بسمة ~~الإسلام في أي قطر ومن أي جنس صبأ عن دينه؛ رأيت من يصل إليه هذا الخبر في تحرق ~~وتأسف يلهج بالحوقلة والاسترجاع، ويعد النازلة من أعظم المصائب على من نزلت به، بل ~~على جميع من يشاركه في دينه، ولو ذكرت مثل هذه الحادثة في تاريخ وقرأها قارئهم بعد ~~مائين من السنين؛ لا يتمالك قلبه من الاضطراب ودمه من الغليان، ويستفزه الغضب ويدفعه ~~لحكاية ما رأى كأنه يحدث عن غريب أو يحكي عن عجيب. # المسلمون - بحكم شريعتهم ونصوصها الصريحة - مطالبون عند الله بالمحافظة على ما يدخل ~~في ولايتهم من البلدان، وكلهم مأمور بذلك لا فرق بين قريبهم وبعيدهم، ms044 ولا بين المتحدين ~~في الجنس ولا المختلفين فيه، وهو فرض عين على كل واحد منهم، إن لم يقم قوم ~~بالحماية عن حوزتهم كان على الجميع أعظم الآثام، ومن فروضهم في سبيل الحماية وحفظ ~~الولاية، بذل الأموال والأرواح، وارتكاب كل صعب، واقتحام كل خطب، ولا يباح لهم ~~المسالمة مع من يغالبهم في حال من الأحوال حتى ينالوا الولاية خاصة لهم من دون ~~غيرهم، وبالغت الشريعة في طلب السيادة منهم على من يخالفهم إلى حد لو عجز المسلم عن ~~التملص من سلطة غيره؛ لوجبت عليه الهجرة من دار حربه، وهذه قواعد مثبتة في الشريعة ~~الإسلامية يعرفها أهل الحق، ولا يغير منها تأويلات أهل الأهواء وأعوان الشهوات في كل ~~زمان. # المسلمون يحث كل واحد منه بهاتف يهتف من بين جنبيه يذكره بما تطالبه به ~~الشريعة، وما يفرض عليه الإيمان، وهو هاتف الحق الذي بقي له من إلهامات دينه، ومع كل ~~هذا نرى أهل هذا الدين في هذه الأيام بعضهم في غفلة عما يلم بالبعض الآخر، ولا ~~يألمون لما يألم له بعضهم، فأهل «بلوجستان» كانوا يرون حركات الإنجليز في «أفغانستان» ~~على مواقع أنظارهم ولا يجيش لهم جأش، ولم تكن لهم نعرة على إخوانهم، والأفغانيون كانوا ~~يشهدون تداخل الإنجليز في بلاد فارس ولا يضجرون ولا يتململون، وإن جنود الإنجليز تضرب ~~في الأراضي المصرية ذهابا وإيابا وتقتل وتفتك، ولا ترى نجدة في نفوس إخوانهم المشرفين ~~على مجاري دمائهم، بل السامعين لخريرها من حلاقيمهم، الذين احمرت أحداقهم من مشاهدها ~~بين أيديهم وتحت أرجلهم وعن شمائلهم. # تمسك المسلمين بتلك العقائد وإحساسهم بداعية الحق في نفوسهم، مع هذه الحالة التي هم ~~عليها؛ مما يقضي بالعجب ويدعو إلى الحيرة، ويسبق إلى بيان السبب، فخذ مجملا عنه: إن ~~الأفكار العقلية والعقائد الدينية وسائر المعلومات والمدركات والوجدانيات النفسية، ~~وإن كانت هي الباعثة على الأعمال وعن حكمها، تصدر بتقدير العزيز العليم؛ لكن الأعمال ~~تثبتها وتقويها وتطبعها في الأنفس عليها حتى يصير ما يعبر عنه بالملكة والخلق، ~~وتترتب عليه الآثار التي تلائمها. # نعم، إن ms045 الإنسان إنسان بفكره وعقائده إلا ما ينعكس إلى مرايا عقله من مشاهد نظره ~~ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكرا ، وكل فكر يكون له أثر في ~~داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر، ولا ينقطع الفعل والانفعال ~~بين الأعمال والأفكار، ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد. # إن للأخوة وسائر نسب القرابة صورة عند العقل، ولا أثر لها في الاعتصاب والالتحام ~~لولا ما تبعث عليه الضرورات وتلجئ إليه الحاجات، عن تعاون الأنسباء والعصبة على نيل ~~المنافع، وتضافرهم على دفع المضار، وبعد كرور الأيام على المضافرة والمناصرة تأخذ ~~النسبة من القلب مأخذا يصرفه في آثارها بقية الأجل، ويكون انبساط النفس لعون القريب، ~~وغضاضة القلب لما يصيبه من ضيم أو نكبة جاريا مجرى الوجدانيات الطبيعية، كالإحساس ~~بالجوع والعطش والري والشبع، بل اشتبه أمره على بعض الناظرين فعده طبيعا، فلو ~~أهملت صلة النسب بعد ثبوتها والعلم بها، ولم تدع ضرورات الحياة في وقت من الأوقات إلى ~~ما يمكن تلك الصلة ويؤكدها، أو وجد صاحب النسب من يظاهره في غير نسبه أو ألجأته ~~ضرورة إلى ذلك؛ ذهب أثر تلك الرابطة النفسية، ولم يبق منها إلا صورة في العقل تجري ~~مجرى المحفوظات من الروايات والمنقولات. # وعلى مثال ما ذكرنا في رابطة النسب - وهي أقوى رابطة بين البشر - يكون الأمر في سائر ~~الاعتقادات التي لها أثر في الاجتماع الإنساني من حيث ارتباط بعضه ببعض، إذا لم يصحب ~~العقد الفكري ملجئ الضرورة أو قوة الداعية إلى عمل تنطبع عليه الجارحة وتمرن عليه ~~ويعود أثر تكريره على الفكر حتى يكون هيئة للروح وشكلا من أشكالها، فلن يكون منشأ ~~لآثاره، وإنما يعد في الصور العلمية له رسم يلوح في الذاكرة عند الالتفات إليه - كما ~~قدمنا. # بعد تدبر هذه الأصول البينة والنظر فيها بعين الحكمة؛ يظهر لك السبب في سكون ~~المسلمين إلى ما هم فيه مع شدتهم في دينهم، والعلة في تباطؤهم عن نصرة إخوانهم، وهم ~~أثبت الناس في ms046 عقائدهم؛ فإنه لم يبق من جامعة بين المسلمين - في الأغلب - إلا ~~العقيدة الدينية مجردة عما يتبعها من الأعمال، وانقطع التعارف بينهم، وهجر بعضهم ~~بعضا هجرا غير جميل؛ فالعلماء - وهم القائمون على حفظ العقائد وهداية الناس إليها - ~~لا تواصل بينهم ولا تراسل، فالعالم التركي في غيبة عن حال العالم الحجازي فضلا عمن ~~يبعد عنهم، والعالم الهندي في غفلة عن شئون العالم الأفغاني، وهكذا. # بل العلماء من أهل قطر واحد لا ارتباط بينهم ولا صلة تجمعهم، إلا ما يكون بين أفراد ~~العامة لدواع خاصة؛ من صداقة أو قرابة بين أحدهم وآخر، أما في هيئتهم الكلية فلا وحدة ~~لهم، بل لا أنساب بينهم، وكل ينظر إلى نفسه ولا يتجاوزها كأنه كون برأسه. # كما كانت هذه الجفوة وذاك الهجران بين العلماء؛ كانت كذلك بين الملوك والسلاطين من ~~المسلمين، أليس بعجيب أن لا تكون سفارة للعثمانيين في مراكش ولا لمراكش عند العثمانيين؟ ~~أليس بغريب أن لا تكون للدولة العثمانية صلات صحيحة مع الأفغانيين وغيرهم من طوائف ~~المسلمين في المشرق؟ # هذا التدابر والتقاطع وإرسال الحبال على الغوارب عم المسلمين، حتى صح أن ~~يقال: لا علاقة بين قوم منهم وقوم ولا بلد وبلد إلا طفيف من الإحساس بأن بعض الشعوب ~~على دينهم ويعتقدون مثل اعتقادهم، وربما يتعرفون مواقع أقطارهم بالصدفة إذا التقى ~~بعضهم ببعض في موسم الحجيج العام، وهذا النوع من الإحساس هو الداعي إلى الأسف وانقباض ~~الصدر إذا شعر مسلم بضياع حق مسلم على يد أجنبي عن ملته، لكنه لضعفه لا يبعث على النهوض ~~لمعاضدته. # كانت الملة كجسم عظيم قوي البنية صحيح المزاج، فنزل به من العوارض ما أضعف ~~الالتئام بين أجزائه، فتداعت للتناثر والانحلال، وكاد كل جزء يكون على حدة وتضمحل هيئة ~~الجسم. # بدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلامية عند انفصال الرتبة العلمية عن ~~رتبة الخلافة، وقتما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يحوزوا شرف العلم ~~والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه كما كان الراشدون - رضي الله ~~عنهم. # كثرت بذلك المذاهب ms047 وتشعب الخلاف من بداية القرن الثالث من الهجرة إلى حد لم يسبق له ~~مثيل في دين من الأديان، ثم انثلمت وحدة الخلافة فانقسمت إلى أقسام: خلافة عباسية في ~~بغداد، وفاطمية في مصر والمغرب، وأموية في أطراف الأندلس، تفرقت بهذا كلمة الأمة ~~وانشقت عصاها وانحطت رتبة الخلاف إلى وظيفة الملك، فسقطت هيبتها من النفوس، وخرج ~~طلاب الملك والسلطان يدأبون إليه من وسائل القوة والشوكة ولا يرعون جانب ~~الخلافة. # وزاد الاختلاف شدة وتقطعت الوشائج بينهم بظهور جنكيز خان وأولاده، وتيمورلنك وأحفاده، ~~وإيقاعهم بالمسلمين قتلا وإذلالا حتى أذهلوهم عن أنفسهم، فتفرق الشمل بالكلية ~~وانفصمت عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعا، وانفرد كل بشأنه أو انصرف إلى ما ~~يليه، فتبدد الجمع إلى آحاد، وافترق الناس فرقا كل فرقة تتبع داعيا إما إلى ~~ملك أو مذهب، فضعفت آثار العقائد التي كانت تدعو إلى الوحدة، وتبعث على اشتباك ~~الوشيجة، وصار ما في العقول منها صورا ذهنية تحويها مخازن الخيال، وتلحظها الذاكرة ~~عند عرض ما في خزائن النفس من المعلومات، ولم يبق من آثارها إلا أسف وحسرة ~~يأخذان بالقلوب عندما تنزل المصائب ببعض المسلمين، بعد أن ينفذ القضاء ويبلغ الخبر إلى ~~المسامع على طول من الزمان، وما هو إلا نوع من الحزن على الفائت، كما يكون على الأموات ~~من الأقارب لا يدعو إلى حركة لتدارك النازلة، ولا دفع الغائلة. # وكان من الواجب على العلماء قياما بحق الوراثة التي شرفوا بها على لسان الشارع، أن ~~ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية، ويتداركوا الاختلاف الذي وقع في الملك بتمكين الاتفاق ~~الذي يدعو إليه الدين، ويجعلوا معاقد هذا الاتفاق في مساجدهم ومدارسهم حتى يكون كل ~~مسجد وكل مدرسة مهبطا لروح حياة الوحدة، ويصير كل واحد منهم كحلقة في سلسلة واحدة إذا ~~اهتز أحد أطرافها اضطرب لهزته الطرف الآخر، ويرتبط العلماء والخطباء والأئمة والوعاظ ~~في جميع أنحاء الأرض بعضهم ببعض، ويجعلون لهم مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها في ~~شئون وحدتهم، ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر، ويجمعوا أطراف ~~الوشائج ms048 إلى معقد واحد يكون مركزه في الأقطار المقدسة وأشرفها معهد بيت الله الحرام، ~~حتى يتمكنوا بذلك من شد أزر الدين وحفظه من قوارع العدوان، والقيام بحاجات الأمة إذا ~~عرض حادث الخلل وتطرق الأجانب للتداخل فيها بما يحط من شأنها، ويكون كذلك أدعى لنشر ~~العلوم وتنوير الأفهام وصيانة الدين من البدع، فإن إحكام الربط إنما يكون بتعيين ~~الدرجات العلمية وتحديد الوظائف، فلو أبدع مبدع أمكن بالتواصل بين الطبقات تدارك ~~بدعته ومحوها قبل فشوها بين العامة، وليس بخاف على المستبصرين ما يتبع هذا من قوة ~~الأمة وعلو كلمتها واقتدارها على دفع ما يغشاها من النوازل. # إلا أنا نأسف غاية الأسف إذا لم تتوجه خواطر العلماء والعقلاء من المسلمين إلى هذه ~~الوسيلة، وهي أقرب الوسائل، وإن التفتت إليها في هذه الأيام طائفة من أرباب الغيرة، ~~ورجاؤنا من ملوك المسلمين وعلمائهم من أهل الحمية والحق أن يؤيدوا هذه الفئة ولا ~~يتوانوا فيما يوحد جمعهم ويجمع شتيتهم، فقد دارستهم التجارب ببيان لا مزيد عليه، وما ~~هو بالعسير عليهم أن يبثوا الدعاة إلى من يبعد عنهم، ويصافحوا بالأكف من هو على ~~مقربة منهم، ويتعرفوا أحوال بعضهم فيما يعود على دينهم وملتهم بفائدة، أو ما يخشى أن ~~يمسها بضرر، ويكونوا بهذا العمل الجليل قد أدوا فريضة وطلبوا سعادة، والرمق باق ~~والآمال مقبلة، وإلى الله المصير. # | الفصل الخامس # سبات من له حق ... وحراك من لا حق له # هذه دول أوروبا جميعا ودولة فرنسا خصوصا، شاخصة الأبصار إلى ما أصاب مصالحها وأضاع ~~حقوقها في القطر المصري وأضر بتجارتها فيه، ولا تبدي حركة ولا يسمع لها صوت، إلا همس ~~خفي في الجرائد، والدولة العثمانية وهي شديدة الأزر قوية العضد؛ لما لها من المكانة ~~في قلوب الهنديين، وكل إنجليزي قلبه بين أصابع الدولة العثمانية، وأحشاه مستقرة على ~~أناملها، وفي نظرها أن سلطتها أشرفت على الزوال في الأقطار المصرية، وسيادتها عليها ~~كادت تكون اسما، ومع ذلك لا تأتي عملا ولا تخطو خطوة، سوى أنها اكتفت بإقامة الحجج ~~ورفع الصوت بالاستغاثة لدى الدول ms049 حتى أبحها الصياح، وليس من يسمع ولا من ~~يجيب. # وذوو الحقوق في الولاية على مصر والأخذ بزمام الحكم فيها على اختلاف مشاربهم، قد ~~شدت أياديهم بحبال من الآمال، وسلاسل من المخاوف، لا يجدون لهم قرارا على فكر، ~~ولا ثباتا على رأي، وإنما هم بين إعصار من الأوهام، وتيارات من هواجس الخيال، يحملقون ~~إلى مواقع الحوادث، حائرين لا يطرف لهم طرف، ولا يغمض لهم جفن. # وعامة الأهالي في الديار المصرية بين فقر كاد يفضي إلى قحط، واختلاف في النظام، وضعف ~~في السلطة، وخبط في الأحكام، كادت تؤدي إلى يأس من الإصلاح، وقد أخذهم الدوار من ~~التلف إلى جوانبهم طورا ينظرون إلى أحكامهم نظر الآمل في هممهم، وحسن تدبيرهم، وآخر ما ~~وعدتهم به الحكومة الإنجليزية من الجلاء عن أوطانهم، وتركهم وما يدبرون لأنفسهم، ~~والقرعة تضرب عند الأمة البريطانية على ديارهم، بدون أن يجعل لهم فيها سهم، كأنما ~~هم عنها أغراب لا يؤبه بهم، ولا يبالى بشأنهم. # نزاع بين رجال السياسة الإنجليزية، بعضهم يدفع الحكومة للاستيلاء على مصر وإعلان ~~السيادة فيها واستلام أزمة أحكامها، وآخرون يقولون: هذا مما يخالف أحكام الزمن، ~~ولا تسوغه شريعة الوفاء، وإنما علينا أن نحل بها عساكرنا زمنا يكفي لقضاء ما نريده ~~فيها، ثم نخليها إذا لم يوجد موجب يحتم البقاء. # عبارات مختلفة، ومعان متشابهة، يتنازعون وهم متوافقون، ويتخالفون وهم متحدون، يذهبون ~~في انتحال الأسباب لما يبتغون مذاهب مختلفة، فبعض الجرائد كجريدة «التايمز» وما على ~~مشربها تعتل بالجنرال جوردون وتهون ما حل به من الفشل، وتتقدم إلى الحكومة الإنجليزية ~~بطلب إنقاذه من الخطر، ولا وسيلة لخلاصه إلا إعلان الحكومة بالسيادة على البلاد ~~المصرية. # فلهذا الإعلان من القوة المعنوية التي تدافع عن الجنرال ما ليس لجيش عرمرم، أما إرسال ~~الجيوش فهو محال لوعرة السبل وكثرة النفقات وشدة الحرارة، ولئن همت به الحكومة فإنما ~~يكون من أعمال اليأس والقنوط، فهذه الجرائد جعلت هذه المصالح الدولية وحقوق الدولة ~~العثمانية وحقوق ستة ملايين من سكان القطر المصري، فداء لرأس الجنرال جوردون، وفي زعمها ms050 ~~أن ما تراه ليس رأيا يبديه أرباب الجرائد بل هو ما تراه الأمة البريطانية بأسرها، ~~وربما لا يكون بعيدا. # وبعض الجرائد - وتشاركهم جريدة «التايمز» - تتذرع فيما تطلب بما حصل لأرباب الديون ~~المصرية من القلق على ديونهم، وليس لهم ضمانة ترفع قلقهم، وتسكن اضطرابهم، إلا إعلان ~~السيادة على القطر المصري، وقوم آخرين منهم يجعلون حجتهم مصائب الأهالي المصريين ~~ورزاياهم وما حل ببلادهم من احتلال، ولا ينقذهم من هذا الشقاء إلا السيادة ~~الإنجليزية. # جميعهم على وفاق على أن هذه السيادة هي الجوهر الثمين والسر المكنون، والإكسير ~~المضنون به على غير أهله، متى أبرزوه لم يبق مريض إلا عوفي، ولا ضعيف إلا قوي، ولا ~~فاسد إلا صلح، كأن في هذا الاسم ما في الرقى والطلاسم، يغني عن الجيوش والأموال والعدة ~~والرجال. # ولا نظن أن يكون في هذا الاسم ما يدعيه الإنجليز من القوة، ولا أن تكون في طيه هذه ~~الأسرار العجيبة، ولو أننا فرضنا تنازل أرباب الحقوق عن حقوقهم من الدول الأوروبية ~~والدولة العثمانية وأرباب الشأن والولاية، وسوغوا لحكومة إنجلترا أن تنقش أحرف السيادة ~~في أوراقها الرسمية أو في هواء الديار؛ فليس من السهل عليها أن تزيد الحامية إلى ~~حد يحفظ ملكا عظيما يتاخم بلاد أوروبا، وقد ظهرت آثار قوتها مدة الحلول وما عاد ~~منها على البلاد. # على أن الأهالي كانوا في سكون تام؛ لركونهم إلى ما تعدهم به حكومة إنجلترا من ~~الجلاء عن أوطانهم، فإذا أعلنت السيادة انقصمت علائق الآمال، وانحرفت القلوب ومالت ~~إلى الدعوة القائمة على القرب منها، وانقلب الكافة إلى الذود عن حقوقهم الوطنية أو ~~الملية، ولا يرهبون القوة الإنجليزية في داخل البلاد بعدما علموا شأنها، ويكون هذا حجة ~~جديدة لمحمد أحمد في تأييد دعواه لدى المصريين، ولا يرعبه اسم السيادة بعدما لم ترهبه ~~جيوش الجنرال هكس وجراهام، وفتكه بالأولى وإلجائه الثانية إلى إخلاء سواحل البحر ~~الأحمر، فأي شأن يكون لهذا الاسم الشريف، نعم يكون بداية مشكل جديد في مصر، والله أعلم ~~بعاقبته. # | الفصل السادس # التعصب # اتبعوا ما أنزل إليكم ms051 من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء ~~. ~~••• # لفظ شغل مناطق الناس خصوصا في البلاد المشرقية، تلوكه الألسن وترمي به ~~الأفواه في المحافل والمجامع ، حتى صار تكأة # 1 # للمتكلمين، يلجأ إليه العيي # 2 # في تهتهته، # 3 # والذملقاني # 4 # في تفيهقه، # 5 # أخذ هذا اللفظ بمواقع التعبير، فقلما تكون عبارة إلا وهو فاتحها أو حشوها ~~أو خاتمها، يعدون مسماه علة لكل بلاء، ومنبعا لكل عناء، ويزعمونه حجابا كثيفا وسدا ~~بين المتصفين به وبين الفوز والنجاح، ويجعلونه عنوانا على النقص وعلما للرذائل، ~~والمتسربلون بسرابيل الإفرنج الذاهبون في تقليدهم مذاهب الخبط والخلط لا يميزن بين حق ~~وباطل، هم أحرص الناس على التشدق بهذا البدع الجديد، فتراهم في بيان مفاسد التعصب ~~يهزون الرءوس ويعبثون باللحى ويبرمون السبال، وإذا رموا به شخصا للحط من شأنه أردفوه ~~للتوضيح بلفظ أفرنجي «فناتيك»: # 6 # فإن عهدوا بشخص نوعا من المخالفة لمشربهم عدوه متعصبا، وهمزوا به ~~وغمزوا ولمزوا، وإذا رأوه عبسوا وبسروا، وشمخوا بأنوفهم كبرا وولوه دبرا، ونادوا عليه ~~بالويل والثبور. ماذا سبق إلى أفهامهم من هذا اللفظ، وماذا اتصل بعقولهم من معناه حتى ~~خالوه مبدأ لكل شناعة، ومصدرا لكل نقيصة، وهل لهم وقوف على شيء من حقيقته؟ # التعصب قيام بالعصبية، والعصبية من المصادر النسبية، نسبة إلى العصبة، وهي قوم الرجل ~~الذين يعززون قوته، ويدفعون عنه الضيم والعداء، فالتعصب وصف للنفس الإنسانية، ~~تصدر عنه نهضة لحماية من يتصل بها والذود عن حقه، ووجوه الاتصال تابعة لأحكام النفس ~~في معلوماتها ومعارفها. # هذا الوصف هو الذي شكل الله به الشعوب، وأقام بناء الأمم، وهو عقد الربط في كل أمة، ~~بل هو المزاج الصحيح يوحد المتفرق منها تحت اسم واحد، أو ينشئها بتقدير الله ~~خلقا واحدا، كبدن تألف من أجزاء وعناصر، تدبره روح واحدة، فتكون كشخص يمتاز في ~~أطواره وشئونه وسعادته وشقائه عن سائر الأشخاص. # وهذه الوحدة هي مبعث المباراة بين أمة وأمة، وقبيل وقبيل، ومباهاة كل من الأمتين ~~المتقابلتين بما يتوفر لها من أسباب الرفاهة وهناء العيش، وما تجمعه قواها من وسائل ms052 ~~العزة والمنعة، وسمو المقام ونفاذ الكلمة، والتنافس بين الأمم كالتنافس بين ~~الأشخاص، أعظم باعث على بلوغ أقصى درجات الكمال في جميع لوازم الحياة بقدر ما تسعه ~~الطاقة. # التعصب روح كلي مهبطه هيئة الأمة وصورتها، وسائر أرواح الأفراد حواسه ومشاعره، فإذا ~~ألم بأحد المشاعر ما لا يلائمه من أجنبي عنه انفعل الروح الكلي، وجاشت طبيعته ~~لدفعه، فهو لهذا مثار الحمية العامة، ومسعر النعرة الجنسية، هذا هو الذي يرفع نفوس آحاد ~~الأمة عن معاطاة الدنايا وارتكاب الخيانات فيما يعود على الأمة بضرر، أو يئول إلى سوء ~~عاقبة، وإن استقامة الطباع ورسوخ الفضيلة في أمة تكون على حسب درجة التعصب فيها ~~والالتحام بين آحادها، يكون كل منهم بمنزلة عضو سليم من بدن حي، لا يجد الرأس بارتفاعه ~~غنى عن القدم، ولا يرى القدمان في تطرفهما انحطاطا في رتبة الوجود، وإنما كل يؤدي ~~وظائفه لحفظ البدن وبقائه. # وكلما ضعفت قوة الربط بين أفراد الأمة بضعف التعصب فيهم؛ استرخت الأعصاب، ورثت ~~الأطناب، ورقت الأوتار، وتداعى بناء الأمة إلى الانحلال كما يتداعى بناء البنية ~~البدنية إلى الفناء، بعد هذا يموت الروح الكلي، وتبطل هيئة الأمة وإن بقيت آحادها، ~~فما هي إلا كالأجزاء المتناثرة، إما أن تتصل بأبدان أخرى - بحكم ضرورة الكون - وإما أن ~~تبقى في قبضة الموت إلى أن ينفخ فيها روح النشأة الأخرى. # سنة الله في خلقه، إذا ضعفت العصبية في قوم رماهم الله بالفشل، وغفل بعضهم عن بعض، ~~وأعقب الغفلة تقطع في الروابط، وتبعه تقاطع وتدابر، فيتسع للأجانب والعناصر الغريبة ~~مجال التداخل فيهم، ولن تقوم لهم قائمة من بعد حتى يعيدهم الله كما بدأهم بإفاضة روح ~~التعصب في نشأة ثانية. # نعم، إن التعصب وصف كسائر الأوصاف، له حد اعتدال وطرفا إفراط وتفريط، واعتداله هو ~~الكمال الذي بينا مزاياه، والتفريط فيه هو النقص الذي أشرنا لرزاياه، والإفراط فيه ~~مذمة تبعث على الجور والاعتداء؛ فالمفرط في تعصبه يدافع عن الملتحم به بحق وبغير حق، ~~ويرى عصبته منفردة باستحقاق الكرامة، وينظر إلى الأجنبي عنه كما ينظر إلى ms053 الهمل، لا ~~يعترف به بحق، ولا يرعى له ذمة، فيخرج بذلك عن جادة العدل، فتنقلب منفعة التعصب إلى ~~مضرة ويذهب بهاء الأمة، بل يتقوض مجدها، فإن العدل قوام الاجتماع الإنساني، وبه ~~حياة الأمم، وكل قوة لا تخضع للعدل فمصيرها إلى الزوال، وهذا الحد من الإفراط في ~~التعصب هو الممقوت على لسان الشارع # صلى الله عليه وسلم # في قوله: «ليس منا من دعا إلى ~~عصبية.» # التعصب كما يطلق ويراد منه النعرة على الجنس، ومرجعها رابطة النسب والاجتماع في منبت ~~واحد. كذلك توسع أهل العرف فيه، فأطلقوه على قيام الملتحمين بصلة الدين لمناصرة بعضهم ~~بعضا، والمتنطعون من مقلدة الإفرنج يخصون هذا النوع منه بالمقت، ويرمونه بالتعس، ولا ~~نخال مذهبهم هذا مذهب العقل، فإن لحمة يصير بها المتفرقون إلى وحدة تنبعث عنها قوة ~~لدفع الغائلات وكسب الكمالات؛ لا يختلف شأنها إذا كان مرجعها الدين أو النسب، وقد كان ~~من تقدير العزيز العليم وجود الرابطتين في أقوام مختلفة من البشر، وعن كل منهما صدرت في ~~العالم آثار جليلة يفتخر بها الكون الإنساني، وليس يوجد عند العقل أدنى فرق بين مدافعة ~~القريب عن قريبه ومعاونته على حاجات معيشته، وبين ما يصدر من ذلك عن المتلاحمين بصلة ~~المعتقد ورابطة المشرب. # فتعصب المشتركين في الدين المتوافقين في أصول العقائد - بعضهم لبعض - إذا وقف عند ~~الاعتدال ولم يدفع إلى جور في المعاملة، ولا انتهاك لحرمة المخالف لهم أو نقض لذمته؛ ~~فهو فضيلة من أجل الفضائل الإنسانية، وأوفرها نفعا وأجزلها فائدة، بل هو أقدس ~~رابطة وأعلاها، إذا استحكمت صعدت بذوي المكنة فيها إلى أوج السيادة وذروة المجد، خصوصا ~~إن كانوا من قبيل قوي فيهم سلطان الدين، واشتدت سطوته على الأهواء الجنسية حتى ~~أشرف بها على الزوال كما في أهل الديانة الإسلامية - على ما أشرنا إليه في العدد ~~الثاني من جريدتنا. # ولا يؤخذ علينا في القول بأنه من أقدس الروابط؛ فإنه كما يطمس رسوم الاختلاف بين ~~أشخاص وآحاد متعددة، ويصل ما بينهم في المقاصد والعزائم والأعمال، وكذلك يمحو أثر ~~المنابذة ms054 والمنافرة بين القبائل والعشائر، بل الأجناس المتخالفة في المنابت واللغات ~~والعادات، بل المتباعدة في الصور والأشكال، ويحول أهواءها المتضاربة إلى قصد واحد، وهو: ~~تأصيل المجد وتأييد الشرف وتخليد الذكر تحت الاسم الجامع لهم، هذا الأثر الجليل عهد ~~لقوة التعصب الديني، وشهد عليه التاريخ بعدما أرشد إليه العقل الصحيح، وما كانت رابطة ~~الجنس لتقوى على شيء منه. # ثغثغ جماعة من متزندقة هذه الأوقات في بيان مفاسد التعصب الديني، وزعموا أن حمية أهل ~~الدين لما يؤخذ به إخوانهم من ضيم، وتضافرهم لدفع ما يلم بدينهم من غاشية الوهن والضعف، ~~هو الذي يصدهم عن السير إلى كمال المدنية، ويحجبهم عن نور العلم والمعرفة، ويرمي بهم ~~في ظلمات الجهل، ويحملهم على الجور والظلم والعدوان على من يخالفهم في دينهم، ومن ~~رأي أولئك المثغثغين أن لا سبيل لدرء المفاسد واستكمال المصالح إلا بانحلال العصبية ~~الدينية ومحو أثرها، وتخليص العقول من سلطة العقائد، وكثيرا ما يرجفون بأهل الدين ~~الإسلامي، ويخوضون في نسبة مذام التعصب إليهم. # كذب الخراصون، إن الدين أول معلم وأرشد أستاذ وأهدى قائد للأنفس إلى اكتساب ~~العلوم والتوسع في المعارف، وأرحم مؤدب وأبصر مروض بطبع الأرواح على الآداب ~~الحسنة والخلائق الكريمة، ويقيمها على جادة العدل، وينبه فيها حاسة الشفقة ~~والرحمة، خصوصا دين الإسلام؛ فهو الذي رفع أمة كانت من أعرق الأمم في التوحش ~~والقسوة والخشونة، وسما بها إلى أرقى مراقي الحكمة والمدنية في أقرب مدة، وهي الأمة ~~العربية. # قد يطرأ على التعصب الديني من التغالي والإفراط مثل ما يعرض على التعصب الجنسي فيفضي ~~إلى ظلم وجور، ربما يؤدي إلى قيام أهل الدين بإبادة مخالفيهم ومحق وجودهم، كما قامت ~~الأمم الغربية واندفعت على بلاد الشرق لمحض الفتك والإبادة لا للفتح ولا للدعوة إلى ~~الدين في الحرب الهائلة المعروفة بحرب الصليب، وكما فعل الإسبانيوليون بمسلمي الأندلس، ~~وكما وقع قبل هذا وذاك في بداية ما حصلت الشوكة للدين المسيحي، أن صاحب السلطان من ~~المسيحيين جمع اليهود في القدس وأحرقهم، إلا أن هذا العارض لمخالفته لأصول الدين ~~قلما ms055 تمتد له مدة، ثم يرجع أرباب الدين إلى أصوله القائمة على قواعد السلم ~~والرحمة والعدل. # أما أهل الدين الإسلامي فمنهم طوائف شطت في تعصبها في الأجيال الماضية، إلا أنه ~~لم يصل بهم الإفراط إلى حد يقصدون فيه الإبادة وإخلاء الأرض من مخالفيهم في دينهم، ~~وما عهد ذلك في تاريخ المسلمين بعدما تجاوزوا حدود جزيرة العرب، ولنا الدليل الأقوم ~~على ما نقول، وهو وجود الملل المختلفة في ديارهم إلى الآن حافظة لعقائدها وعوائدها من ~~يوم تسلطوا عليها وهم في عنفوان القوة وهي في وهن الضعف، نعم كان للمسلمين ولع بتوسيع ~~الممالك وامتداد الفتوحات، وكانت لهم شدة على من يعارضهم في سلطانهم، إلا أنهم كانوا ~~- مع ذلك - يحفظون حرمة الأديان، ويرعون حق الذمة، ويعرفون لمن يخضع لهم من الملل ~~المختلفة حقه، ويدفعون عنه غائلة العدوان، ومن العقائد الراسخة في نفوسهم: «أن من ~~رضي بذمتنا فله ما لنا وعليه ما علينا» ولم يعدلوا في معاملتهم لغيرهم عن أمر الله في ~~قوله: # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين ~~، اللهم إلا ما لا تخلو عنه الطبائع البشرية. # ومن نشأة المسلمين إلى اليوم لم يدفعوا أحدا من مخالفيهم عن التقدم إلى ما يستحقه ~~من علو الرتبة وارتفاع المكانة، ولقد سما في دول المسلمين - على اختلافها - إلى ~~المراتب العالية؛ كثير من أرباب الأديان المختلفة، وكان ذلك في شبيبتها وكمال ~~قوتها، ولم يزل الأمر على ما كان، وفي الظن أن الأمم الغربية لم تبلغ هذه ~~الدرجة من العدل إلى اليوم «فسحقا لقوم يظنون أن المسلمين بتعصبهم يمنعون ~~مخالفيهم من حقوقهم.» # لم يسلك المسلمون من عهد قريب مسلك الإلزام بدينهم والإجبار على قبوله مع شدة بأسهم ~~في بدايات دولهم، وتغلغلهم في افتتاح الأقطار، واندفاع هممهم للبسطة في الملك ~~والسلطة، وإنما كانت لهم دعوة يبلغونها، فإن قبلت وإلا استبدلوا بها رسما ~~ماليا يقوم مقام الخراج عند غيرهم مع رعاية شروط عادلة تعلم من كتب الفقه ~~الإسلامي، هذا على خلاف متنصرة الرومانيين ms056 واليونانيين أيام شوكتهم الأولى، فإنهم ما ~~كانوا يطئون أرضا إلا ويلزمون أهلها بخلع أديانهم، والتطوق بدين أولئك المسلطين وهو ~~الدين المسيحي؛ كما فعلوا في مصر وسورية، بل وفي البلاد الإفرنجية نفسها. # هذا فصل من الكلام ساق إليه البيان وفيه تبصرة لمن يتبصر، وتذكرة لمن يتذكر، ثم ~~أعود بك إلى سابق الحديث فيما كنا بصدده: هل لعاقل لم يصب برزيئة في عقله أن الاعتدال ~~من التعصب الديني نقيصة؟ وهل يوجد فرق بينه وبين التعصب الجنسي إلا بما يكون به التعصب ~~الديني أقدس وأطهر وأعم فائدة؟ لا نخال عاقلا يرتاب في صحة ما قررناه، فما لأولئك ~~القوم يهذرون بما لا يدرون؟ أي أصل من أصول العقل يستندون إليه في المفاخرة والمباهاة ~~بالتعصب الجنسي فقط، واعتقاده فضيلة من أشرف الفضائل، ويعبرون عنه بمحبة الوطن، وأي ~~قاعدة من قواعد العمران البشري في التهاون بالتعصب الديني المعتدل وحسبانه نقيصة يجب ~~الترفع عنها؟ # نعم، إن الإفرنج تأكد لديهم أن أقوى رابطة بين المسلمين إنما في الرابطة الدينية، ~~وأدركوا أن قوتهم لا تكون إلا بالعصبية الاعتقادية، ولأولئك الإفرنج مطامع في ديار ~~المسلمين وأوطانهم؛ فتوجهت عنايتهم إلى بث هذه الأفكار الساقطة بين أرباب الديانة ~~الإسلامية، وزينوا لهم هجر هذه الصلة المقدسة وفصم حبالها، لينقضوا بذلك بناء ~~الملة الإسلامية ويمزقوها شيعا وأحزابا؛ فإنهم علموا - كما علمنا وعلم العقلاء ~~أجمعون - أن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم واعتقادهم، وتسنى للمفسدين ~~نجاح في بعض الأقطار الإسلامية، وتبعهم بعض الغفل من المسلمين جهلا وتقليدا ~~فساعدوهم على التنفير من العصبية الدينية بعدما فقدوها ولم يستبدلوا بها رابطة الجنس ~~التي يبالغون في تعظيمها واحترامها حمقا منهم وسفاهة، فمثلهم كمثل من هدم بيته قبل أن ~~يهيئ لنفسه مسكنا سواه فاضطر للإقامة بالعراء معرضا لفواعل الجو وما تصول به على ~~حياته. # من هذا ما سلك الإنجليز في الهند لما أحسوا بالعراء بخيال السلطنة يطوف على أفكار ~~المسلمين منهم لقرب عهدها بهم، وفي دينهم ما يبعثهم على الحركة إلى استرداد ما سلب ~~منهم، وأرشدهم البحث ms057 في طبائع الملل إلى أن حياة المسلمين قائمة على الوصلة الدينية، ~~وما دام الاعتقاد المحمدي والعصبة الملية سائدة فيهم فلا تؤمن بعثتهم إلى طلب حقوقهم؛ ~~فاستهووا طائفة ممن يتسمون بسمة الإسلام، ويلبسون لباس المسلمين، وفي صدورهم غل ونفاق ~~وفي قلوبهم زيغ وزندقة، وهم المعروفون في البلاد الهندية بالنيجرية أي الدهريين، ~~فاتخذهم الإنجليز أعوانا لهم على فساد عقائد المسلمين، وتوهين علائق التعصب الديني، ~~ليطفئوا بذلك نار حميتهم ويخمدوا ثائرة غيرتهم، ويبددوا جمعهم، ويمزقوا شملهم، وساعدوا ~~تلك الطائفة على إنشاء مدرسة كبيرة في «عليكر» ونشر جريدة لبث هذه الأباطيل بين ~~الهنديين حتى يعم الضعف في العقائد وترث أطناب الصلات بين المسلمين، فيستريح الإنجليز ~~في التسلط عليهم، وتطمئن قلوبهم من جهتهم كما اطمأنت من جهة غيرهم، وغر أولئك الغفل ~~المتزندقين أن رجال دولة بريطانيا يظهرون لهم رعاية صورية، ويدنونهم من بعض الوظائف ~~الخسيسة - تعس من يبيع ملته بلقمة وذمته برذال العيش! # هذا أسلوب من السياسة الأوروبية أجادت الدول اختباره وجنت ثماره، فأخذت به ~~الشرقيين لتنال مطامعها فيهم، فكثير من تلك الدول نصبت الحبائل في البلاد العثمانية ~~والمصرية وغيرها من الممالك الإسلامية، ولم تعدم صيدا من الأمراء والمنتسبين إلى ~~العلم والمدنية الجديدة، واستعملتهم آلة في بلوغ مقاصدها من بلادهم، وليس عجبنا من ~~الدهريين والزنادقة ممن يتسترون بلباس الإسلام أن يميلوا مع هذه الأهواء الباطلة، ~~ولكنا نعجب من أن بعضا من سذج المسلمين - مع بقائهم على عقائدهم وثباتهم في إيمانهم - ~~يسفكون الكلام في ذم التعصب الديني، ويهجرون في رمي المتعصبين بالخشونة، والبعد عن ~~معدات المدنية الحاضرة، ولا يعلم أولئك المسلمون أنهم بهذا يشقون عصاهم، ويفسدون شأنهم، ~~ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المارقين، يطلبون محو التعصب المعتدل، وفي محوه محو ~~الملة ودفعها إلى أيدي الأجانب يستعبدونها ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء. # والله ما عجبنا من هؤلاء وهؤلاء بأشد من العجب لأحوال الغربيين من الأمم الإفرنجية ~~الذين يفرغون وسعهم لنشر هذه الأفكار بين الشرقيين ولا يخجلون من تبشيع التعصب الديني ~~ورمي المتعصبين بالخشونة، الإفرنج أشد الناس في ms058 هذا النوع من التعصب وأحرصهم على ~~القيام بدواعيه، ومن القواعد الأساسية في حكوماتهم السياسية الدفاع عن دعاة الدين ~~والقائمين بنشره ومساعدتهم على نجاح أعمالهم، وإذا عدت عادية مما لا يخلو عنه ~~الاجتماع البشري على واحد ممن على دينهم ومذاهبهم في ناحية من نواحي الشرق سمعت ~~صياحا وعويلا وهيعات ونياءات تتلاقى أمواجها في جو بلاد المدنية الغربية وينادي ~~جميعهم: ألا قد ألمت ملمة، وحدثت حادثة مهمة، فأجمعوا الأمر وخذوا الأهبة لتدارك ~~الواقعة والاحتياط من وقوع مثلها، حتى لا تنخدش الجامعة الدينية، وتراهم على اختلافهم ~~في الأجناس وتباغضهم وتحاقدهم وتنابذهم في السياسات، وترقب كل دولة منهم لعثرة الأخرى ~~حتى توقع بها السوء؛ يتقاربون ويتآلفون ويتحدون في توجيه قواهم الحربية والسياسية ~~لحماية من يشاكلهم في الدين وإن كان في أقصى قاصية من الأرض، ولو تقطعت بينه ~~وبينهم الأنساب الجنسية. # أما لو فاض طوفان الفتن وطم وجه الأرض وغمر البسيطة من دماء المخالفين لهم في ~~الدين والمذهب، فلا ينبض فيهم عرق ولا يتنبه لهم إحساس، بل يتغافلون عنه ويذرونه وما ~~يجرف حتى يأخذ مده الغاية من حده، ويذهلون عما أودع في الفطر البشرية من الشفقة ~~الإنسانية والمرحمة الطبيعية، كأنما يعدون الخارجين عن دينهم من الحيوانات السائمة ~~والهمل الراعية، وليس من نوع الإنسان الذي يزعم الأوروبيون أنهم حماته وأنصاره، وليس ~~هذا خاصا بالمتدينين منهم، بل الدهريون ومن لا يعتقدون بالله وكتبه ورسله يسابقون ~~المتدينين في تعصبهم الديني، ولا يألون جهدا في تقوية عصبيتهم، وليتهم يقفون عند الحق، ~~ولكن كثيرا ما تجاوزوه، أما إن شأن الإفرنج في تمسكهم بالعصبية الدينية لغريب ~~...! # يبلغ الرجل منهم أعلى درجة في الحرية كجلادستون، ثم لا تجد كلمة تصدر عنه إلا وفيها ~~نفثة من روح بطرس الراهب، # 7 # بل لا ترى روحه إلا نسخة من روحه (انظر إلى كتب جلادستون وخطبه ~~السابقة). # فيا أيتها الأمة المرحومة، هذه حياتكم فاحفظوها، ودماؤكم فلا تريقوها، وأرواحكم فلا ~~تزهقوها، وسعادتكم بثمن فلا تبيعوها دون الموت، هذه هي روابطكم الدينية فلا تغرنكم ~~الوساوس ولا تستهوينكم الترهات، ms059 ولا تدهشكم زخارف الباطل، ارفعوا غطاء الوهم عن باصرة ~~الفهم، واعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها العربي ~~بالتركي، والفارسي بالهندي، والمصري بالمغربي، وقامت لهم مقام الرابطة النسبية حتى ~~إن الرجل منهم ليألم لما يصيب أخاه من عاديات الدهر وإن تناءت دياره، وتقاصت ~~أقطاره. # هذه صلة من أمتن الصلات، ساقها الله إليكم، وفيها عزتكم ومنعتكم وسلطانكم ~~وسيادتكم فلا توهنوها، ولكن عليكم في رعايتها أن تخضعوا لسطوة العدل؛ فالعدل أساس ~~الكون وبه قوامه، ولا نجاح لقوم يزدرون العدل بينهم، وعليكم أن تتقوا الله وتلزموا ~~أوامره في حفظ الذمم، ومعرفة الحقوق لأربابها، وحسن المعاملة وإحكام الألفة في ~~المنافع الوطنية بينكم وبين أبناء أوطانكم وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة، فإن ~~مصالحكم لا تقوم إلا بمصالحهم، كما لا تقوم مصالحهم إلا بمصالحكم، وعليكم أن لا ~~تجعلوا عصبة الدين وسيلة للعدوان، وذريعة لانتهاك الحقوق؛ فإن دينكم ينهاكم عن ذلك ~~ويوعدكم عليه بأشد العقاب، هذا ولا تجعلوا عصبيتكم قاصرة على مجرد ميل بعضكم لبعض، بل ~~تضافروا بها على مباراة الأمم في القوة والمنعة والشوكة والسلطان، ومنافستهم في اكتساب ~~العلوم النافعة والفضائل والكمالات الإنسانية. # اجعلوا عصبيتكم سبيلا لتوحيد كلمتكم، واجتماع شملكم، وأخذ كل منكم بيد أخيه ليرفعه ~~من هوة النقص إلى ذروة الكمال، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان. # | الفصل السابع # القضاء والقدر # مضت سنة الله في خلقه بأن للعقائد القلبية سلطانا على الأعمال البدنية، فما يكون ~~في الأعمال من صلاح أو فساد، فإنما مرجعه فساد العقيدة وصلاحها على ما بينا في ~~بعض الأعداد الماضية، ورب عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار فيتبعها عقائد ومدركات ~~أخرى، ثم تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس، ورب أصل من أصول الخير ~~وقاعدة من قواعد الكمال إذا عرضت على الأنفس في تعليم أو تبليغ شرع يقع فيها الاشتباه ~~على السامع فتلتبس عليه بما ليس من قبيلها أو تصادف عنده بعض الصفات الرديئة أو ~~الاعتقادات الباطلة فيعلق بها عند الاعتقاد شيء مما تصادفه، وفي كلا ms060 الحالين يتغير ~~وجهها ويختلف أثرها. # وربما تتبعها عقائد فاسدة مبنية على الخطأ في الفهم، أو على خبث الاستعداد، فتنشأ ~~عنها أعمال غير صالحة، وذلك على غير علم من المعتقد كيف اعتقد، ولا كيف يصرفه ~~اعتقاده، والمغرور بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن الاعتقاد بذلك الأصل وتلك ~~القاعدة. # ومن مثل هذا الانحراف في الفهم وقع التحريف والتبديل في بعض أصول الأديان ~~غالبا، بل هو علة البدع في كل دين - على الأغلب - وكثيرا ما كان هذا الانحراف وما ~~يتبعه من البدع منشأ لفساد الطباع وقبائح الأعمال، حتى أفضى بمن ابتلاهم الله به إلى ~~الهلاك وبئس المصير، وهذا ما يحمل بعض من لا خبرة لهم على الطعن في دين من الأديان، أو ~~عقيدة من العقائد الحقة؛ استنادا إلى أعمال بعض السذج المنتسبين إلى الدين أو ~~العقيدة. # من ذلك عقيدة القضاء والقدر، التي تعد من أصول العقائد في الديانة الإسلامية الحقة، ~~كثر فيها لغط المغفلين من الإفرنج وظنوا بها الظنون، وزعموا أنها ما تمكنت من نفوس قوم ~~إلا وسلبتهم الهمة والقوة، وحكمت فيهم الضعف والضعة، ورموا المسلمين بصفات ونسبوا ~~إليهم أطوارا، ثم حصروا علتها في الاعتقاد بالقدر؛ فقالوا: إن المسلمين في فقر وفاقة ~~وتأخر في القوة الحربية والسياسية عن سائر الأمم، وقد فشا فيهم فساد الأخلاق فكثر ~~الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد والتباغض، وتفرقت كلمتهم وجهلوا أحوالهم الحاضرة ~~والمستقبلة، وغفلوا عما يضرهم وما ينفعهم، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون، ~~ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة، ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضر أخاه لا يقصر في إلحاق ~~الضرر به، فجعلوا بأسهم بينهم والأمم من ورائهم تبتلعهم لقمة بعد أخرى. # رضوا بكل عارض، واستعدوا لقبول كل حادث، وركنوا إلى السكون في كسور بيوتهم، يسرحون ~~في مرعاهم، ثم يعودون إلى مأواهم، الأمراء فيهم يقطعون أزمنتهم في اللهو واللعب ~~ومعاطاة الشهوات، وعليهم فروض وواجبات تستغرق في أدائها أعمارهم ولا يؤدون منها ~~شيئا. # يصرفون أموالهم فيما يقطعون به زمانهم إسرافا وتبذيرا، نفقاتهم واسعة ولكن لا ~~يدخل في ms061 حسابها شيء يعود على ملتهم بالمنفعة، يتخاذلون ويتنافرون، وينوطون المصالح ~~العمومية بمصالحهم الخصوصية، فرب تنافر بين أميرين يضيع أمة كاملة، كل منهما يخذل ~~صاحبه، ويستعدي عليه جاره، فيجد الأجنبي فيهما قوة فانية وضعفا قاتلا فينال من ~~بلادهما ما لا يكلفه عددا ولا عدة. # شملهم الخوف وعمهم الجبن والخور، يفزعون من الهمس، ويألمون من اللمس، قعدوا عن ~~الحركة إلى ما يلحقون به الأمم في العزة والشوكة، وخالفوا في ذلك أوامر دينهم، مع ~~رؤيتهم لجيرانهم - بل الذين تحت سلطتهم - يتقدمون عليهم ويباهونهم بما يكسبون، وإذا ~~أصاب قوما من إخوانهم مصيبة أو عدت عليهم عادية لا يسعون في تخفيف مصابهم، ولا ~~ينبعثون لمناصرتهم، ولا توجد فيهم جمعيات ملية كبيرة لا جهرية ولا سرية، يكون من ~~مقاصدها إحياة الغيرة، وتنبيه الحمية، ومساعدة الضعفاء، وحفظ الحق من بغي الأقوياء ~~وتسلط الغرباء. # هكذا نسبوا إلى المسلمين هذه الصفات وتلك الأطوار، وزعموا أن لا منشأ لها إلا ~~اعتقادهم بالقضاء والقدر وتحويل جميع مهماتهم على القدرة الإلهية، وحكموا بأن المسلمين ~~لو داموا على هذه العقيدة فلن تقوم لهم قائمة، ولن ينالوا عزا ولن يعيدوا مجدا، ولا ~~يأخذون بحق، ولا يدفعون تعديا، ولا ينهضون بتقوية سلطان، أو تأييد ملك، ولا يزال بهم ~~الضعف يفعل في نفوسهم، ويركس من طباعهم، حتى يؤدي بهم إلى الفناء والزوال - والعياذ ~~بالله - يفني بعضهم بعضا بالمنازعات الخاصة، وما يسلم من أيدي بعضهم يحصده ~~الأجانب. # واعتقد أولئك الإفرنج أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب ~~الجبرية، القائلين: بأن الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله، وتوهموا أن المسلمين - ~~بعقيدة القضاء - يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء، تقلبها الرياح كيفما تميل، ~~ومتى رسخ في نفوس قوم أنه لا خيار لهم في قول ولا عمل، ولا حركة ولا سكون، وإنما جميع ~~ذلك بقوة جابرة، وقدرة قاسرة؛ فلا ريب تتعطل قواهم، ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من ~~المدارك والقوى، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب، وأجدر بهم - بعد ذلك - أن ~~يتحولوا من عالم الوجود إلى عالم ms062 العدم. # هكذا ظنت طائفة من الإفرنج، وذهب مذهبها كثيرون من ضعفاء العقول في المشرق، ولست ~~أخشى أن أقول: كذب الظان، وأخطأه الوهم، وبطل الزاعم، وافتروا على الله والمسلمين ~~كذبا؛ لا يوجد مسلم في هذا الوقت من سني وشيعي، وزيدي وإسماعيلي، ووهابي وخارجي؛ يرى ~~مذهب الجبر المحض، ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرة، بل كل من هذه الطوائف ~~المسلمة يعتقدون بأن لهم جزاء اختياريا في أعمالهم، ويسمى بالكسب، وهو مناط الثواب ~~والعقاب عند جميعهم، وأنهم محاسبون بما وهبهم الله من هذا الجزء الاختياري، ومطالبون ~~بامتثال جميع الأوامر الإلهية، والنواهي الربانية، الداعية إلى كل خير، الهادية إلى ~~كل فلاح، وأن هذا النوع من الاختيار هو مورد التكليف الشرعي، وبه تتم الحكمة ~~والعدل. # نعم، كان بين المسلمين طائفة تسمى بالجبرية ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع ~~أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار، وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك الشخص فكه للأكل ~~والمضغ وبين أن يتحرك بقفقفة البرد عند شدته، ومذهب هذه الطائفة يعده المسلمون من منازع ~~السفسطة الفاسدة، وقد انقرض أرباب هذا المذهب في أواخر القرن الرابع من الهجرة ولم يبق ~~لهم أثر، وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر، ولا من مقتضيات ذلك ~~الاعتقاد ما ظنه أولئك الواهمون. # الاعتقاد بالقضاء يؤيده الدليل القاطع، بل ترشد إليه الفطرة، وسهل على من له فكر ~~أن يلتفت إلى أن كل حادث له سبب يقاربه في الزمان، وأنه لا يرى من سلسلة الأسباب ~~إلا ما هو حاضر لديه، ولا يعلم ماضيها إلا مبدع نظامها، وأن لكل منها مدخلا زاهرا ~~فيما بعده بتقدير العزيز العليم، وإرادة الإنسان إنما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة، ~~وليست الإرادة إلا أثرا من آثار الإدراك، والإدراك انفعال النفس بما يعرض على ~~الحواس وشعورها بما أودع في الفطرة من الحاجات، فلظواهر الكون من السلطة على الفكر ~~والإرادة ما لا ينكره أبله، فضلا عن عاقل، وإن مبدأ هذا الأسباب التي ترى في ~~الظواهر مؤثرة إنما هو بيد مدبر الكون الأعظم الذي ms063 أبدع الأشياء على وفق حكمته، وجعل كل ~~حادث تابعا لشبهه كأنه جزاء له، خصوصا في العالم الإنساني. # ولو فرضنا أن جاهلا ضل عن الاعتراف بوجود إله صانع للعالم، فليس في إمكانه أن يتملص ~~من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية والحوادث الدهرية في الإرادات البشرية، فهل ~~يستطيع إنسان أن يخرج عن هذه السنة التي سنها الله في خلقه؟ هذا أمر يعترف به طلاب ~~الحقائق فضلا عن الواصلين. وإن بعضا من حكماء الإفرنج وعلماء سياستهم التجئوا إلى ~~الخضوع لسلطة القضاء، وأطالوا البيان في إثباتها، ولسنا في حاجة إلى الاستشهاد ~~بآرائهم. # إن للتاريخ علما فوق الرواية عني بالبحث فيه العلماء من كل أمة، وهو العلم ~~الباحث عن سير الأمم في صعودها وهبوطها، وطبائع الحوادث العظيمة وخواصها، وما ينشأ عنها ~~من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق والأفكار، بل في خصائص الإحساس الباطن ~~والوجدان، وما يتبع ذلك كله من نشأة الأمم، وتكون الدول، أو فناء بعضها واندراس ~~أثره. # هذا الفن الذي عدوه من أجل الفنون الأدبية وأجزلها فائدة بناء البحث فيه على ~~الاعتقاد بالقضاء والقدر، والإذعان بأن قوى البشر في قبضة مدبر للكائنات ومصرف ~~للحادثات، ولو استقلت قدرة البشر بالتأثير ما انحط رفيع، ولا ضغف قوي، ولا انهدم ~~مجد، ولا تقوض سلطان. # الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرد عن شناعة الجبر يتبعه صفة الجراءة والإقدام، وخلق ~~الشجاعة والبسالة، ويبعث على اقتحام المهالك التي توجف بها قلوب الأسود، وتنشق منها ~~مرائر النمور، هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات، واحتمال المكاره، ومقارعة ~~الأهوال، ويحليها بحلى الجود والسخاء، ويدعوها إلى الخروج من كل ما يعز عليها، بل ~~يحملها على بذل الأرواح، والتخلي عن نضرة الحياة؛ كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها ~~للاعتقاد بهذه العقيدة. # الذي يعتقد بأن الأجل محدود، والرزق مكفول، والأشياء بيد الله يصرفها كما يشاء، كيف ~~يرهب الموت في الدفاع عن حقه وإعلاء كلمة أمته، أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه ~~من ذلك؟ وكيف يخشى الفقر مما ينفق من ماله في تعزيز الحق وتشييد المجد، ms064 على حسب ~~الأوامر الإلهية، وأصول الاجتماعات البشرية؟ # امتدح الله المسلمين بهذا الاعتقاد مع بيان فضيلته في قوله الحق: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل ~~عظيم ~~. اندفع المسلمون في أوائل نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ~~ويتسلطون عليها، فأدهشوا العقول وحيروا الألباب بما دوخوا الدول وقهروا الأمم، ~~وامتدت سلطتهم من جبال بيريني الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا إلى جدار الصين، مع قلة ~~عدتهم وعددهم، وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة، وطبائع الأقطار المتنوعة، أرغموا ~~الملوك وأذلوا القياصرة والأكاسرة في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة، إن هذا ليعد من ~~خوارق العادات وعظائم المعجزات. # دمروا بلادا، ودكدكوا أطوادا، ورفعوا فوق الأرض أرضا ثانية من القسطل، وطبقة أخرى ~~من النقع، وسحقوا رءوس الجبال تحت حوافر جيادهم، وأقاموا بدلها جبالا وتلالا من رءوس ~~النابذين لسلطانهم، وأرجفوا كل قلب وأرعدوا كل فريصة، وما كان قائدهم وسائقهم إلى جميع ~~هذا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر. # هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يغص بها ~~الفضاء، ويضيق بها بسيط الغبراء، فكشفوهم عن مواقعهم، وردوهم على أعقابهم. # بهذا الاعتقاد لمعت سيوفهم بالمشرق، وانقضت شهبها على الحيارى في هبوات الحروب من ~~أهل المغرب، وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وجميع ما يملكون من رزق في سبيل إعلاء ~~كلمتهم، لا يخشون فقرا ولا يخافون فاقة، هذا الاعتقاد هو الذي سهل عليهم حمل ~~أولادهم ونسائهم ومن يكون في حجورهم إلى ساحات القتال في أقصى بلاد العالم، كأنما ~~يسيرون إلى الحدائق والرياض، وكأنهم أخذوا لأنفسهم بالتوكل على الله أمانا من كل ~~غادرة، وأحاطوها من الاعتماد عليه بحصن يصونهم من كل طارقة. # وكان نساؤهم وأولادهم يتولون سقاية جيوشهم، وخدمتها فيما تحتاج إليه، لا يفترق النساء ~~والأولاد عن الرجال والكهول إلا بحمل السلاح، ولا تأخذ النساء رهبة، ولا تغشى ~~الأولاد مهابة. # هذا الاعتقاد هو الذي ارتفع بهم إلى ms065 حد كان ذكر اسمهم يذيب القلوب، ويبدد أفلاذ ~~الأكباد، حتى كانوا ينصرون بالرعب، ويقذف به في قلوب أعدائهم فيهزمون بجيش الرهبة قبل ~~أن يشيموا بروق سيوفهم ولمعان أسنتهم، بل قبل أن تصل إلى تخومهم أطراف ~~جحافلهم. # بكائي على السالفين ونحيبي على السابقين، أين أنتم يا عصابة الرحمة وأولياء الشفقة، ~~أين أنتم يا أعلام المروءة، وشوامخ القوة؟ أين أنتم يا آل النجدة وغوث المضيم يوم ~~الشدة؟ أين أنتم يا خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر؟ أين أنتم ~~أيها الأمجاد الأنجاد القوامون بالقسط الآخذون بالعدل الناطقون بالحكمة، ~~المؤسسون لبناء الأمة؟ ألا تنظرون من خلال قبوركم إلى ما أتاه خلفكم من بعدكم، وما أصاب ~~أبناءكم ومن ينتحل نحلتكم، انحرفوا عن سنتكم، وجاروا عن طريقكم فضلوا عن سبيلكم وتفرقوا ~~فرقا وأشياعا، حتى أصبحوا من الضعف على حال تذوب لها القلوب أسفا، وتحترق الأكباد ~~حزنا، أضحوا فريسة للأمم الأجنبية لا يستطيعون ذودا عن حوضهم، ولا دفاعا عن حوزتهم، ~~ألا يصيح من برازخكم صائح منكم ينبه الغافل، ويوقظ النائم، ويهدي الضال إلى سواء ~~السبيل؟ «إنا لله وإنا إليه راجعون.» # أقول، وربما لا أخشى واهما ينازعني فيما أقول: إنه من بداية تاريخ الاجتماع البشري ~~إلى اليوم ما وجد فاتح عظيم، ولا محارب شهير، نبت في أوسط الطبقات، ثم رقي بهمته ~~إلى أعلى الدرجات، فذلت له الصعاب، وخضعت الرقاب، وبلغ من بسطة الملك ما يدعو إلى ~~العجب، ويبعث الفكر لطلب السبب؛ إلا كان معتقدا بالقضاء والقدر، سبحان الله! الإنسان ~~حريص على حياته شحيح بوجوده على مقتضى الفطرة والجبلة، فما الذي يهون عليه ~~اقتحام المخاطر، وخوض المهالك، ومصارعة المنايا، إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر، ~~وركون قلبه إلى أن المقدر كائن ولا أثر لهول المظاهر. # أثبتت لنا التواريخ أن كورش الفارسي «كيخسرو»، وهو أول فاتح يعرف في تاريخ ~~الأقدمين؛ ما تسنى له الظفر في فتوحاته الواسعة، إلا لأنه كان معتقدا بالقضاء ~~والقدر، فكان لهذا الاعتقاد لا يهوله هول، ولا توهن عزيمته شدة، وإن إسكندر الأكبر ~~اليوناني كان ممن ms066 رسخ في نفوسهم هذه العقيدة الجليلة، وجنكيز خان التتري صاحب الفتوحات ~~المشهورة كان من أرباب هذا الاعتقاد، بل كان نابليون الأول بونابرت الفرنساوي من أشد ~~الناس تمسكا بعقيدة القضاء، وهي التي كانت تدفعه بعساكره القليلة على الجماهير ~~الكثيرة، فيتهيأ له الظفر، وينال بغيته من النصر. # فنعم الاعتقاد الذي يطهر النفوس الإنسانية من رذيلة الجبن، وهو أول عائق ~~للمتدنس به عن بلوغ كماله في طبقته أيا كانت، نعم، إننا لا ننكر أن هذه العقيدة وقد ~~خالطها في نفوس بعض العامة من المسلمين شوائب من عقيدة الجبر، وربما كان هذا سببا في ~~رزيئتهم ببعض المصائب التي أخذتهم بها الحوادث في الأعصر الأخيرة، ورجاؤنا في ~~الراسخين من علماء العصر أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة الشريفة من بعض ما طرأ ~~عليها من لواحق البدع، ويذكروا العامة بسنن السلف الصالح وما كانوا يعملون، وينشروا ~~بينهم ما أثبته أئمتنا - رضي الله عنهم - كالشيخ الغزالي وأمثاله من أن التوكل والركون ~~إلى القضاء إنما طلبه الشرع منا في العمل، لا في البطالة والكسل، وما أمرنا الله أن ~~نهمل فروضنا، وننبذ ما أوجب علينا، بحجة التوكل عليه، فتلك حجة المارقين عن الدين، ~~الحائدين عن الصراط المستقيم، ولا يرتاب أحد من أهل الدين الإسلامي في أن الدفاع ~~عن الملة في هذه الأوقات صار من الفروض العينية على كل مؤمن مكلف، وليس بين ~~المسلمين وبين الالتفات إلى عقائدهم الحقة التي تجمع كلمتهم، وترد إليهم عزيمتهم، وتنهض ~~غيرتهم لاسترداد شأنهم الأول؛ إلا دعوة خير من علمائهم، وإن جميع ذلك موكول إلى ~~ذمتهم. # أما ما زعموه في المسلمين من الانحطاط والتأخر فليس منشأه هذه العقيدة (ولا غيرها ~~من العقائد الإسلامية)، ونسبته إليها كنسبة النقيض إلى نقيضه، بل أشبه ما يكون بنسبة ~~الحرارة إلى الثلج والبرودة إلى النار، نعم، حدث للمسلمين بعد نشأتهم نشوة من الظفر، ~~وثمل من العز والغلب، وفاجأهم وهم على تلك الحال صدمتان قويتان: صدمة من طرف الشرق وهي ~~غارة التتر من جنكيز خان وأحفاده، وصدمة من جهة الغرب ms067 وهي زحف الأمم الأوروبية بأسرها ~~على ديارهم، وإن الصدمة في حال النشوة تذهب بالرأي، وتوجب الدهشة والسبات بحكم الطبيعة، ~~وبعد ذلك تداولتهم حكومات متنوعة، ووسد الأمر فيهم إلى غير أهله ، وولي على أمورهم ~~من لا يحسن سياستها، فكان حكامهم وأمراؤهم من جراثيم الفساد في أخلاقهم ~~وطباعهم، وكانوا مجلبة لشقائهم وبلائهم، فتمكن الضعف من نفوسهم، وقصرت أنظار الكثير ~~منهم على ملاحظة الجزئيات التي لا تتجاوز لذاته الآنية، وأخذ كل منهم بناصية الآخر، ~~يطلب له الضرر ويلتمس له السوء من كل باب، لا لعلة صحيحة ولا داع قوي، وجعلوا هذا ثمرة ~~الحياة، فآل الأمر بهم إلى الضعف والقنوط وأدى إلى ما صاروا إليه. # ولكني أقول - وحق ما أقول: إن هذه الملة لن تموت ما دامت هذه العقائد الشريفة ~~آخذة مأخذها من قلوبهم، ورسومها تلوح في أذهانهم، وحقائقها متداولة بين العلماء ~~الراسخين منهم، وكل ما عرض عليهم من الأمراض النفسية والاعتلال العقلي، فلا بد أن ~~تدفعه قوة العقائد الحقة، ويعود الأمر كما بدأ وينشطون من عقالهم، ويذهبون مذاهب ~~الحكمة والتبصر في إنقاذ بلادهم، وإرهاب الأمم الطامعة فيهم، وإيقافها عند حدها، وما ~~ذلك ببعيد، والحوادث التاريخية تؤيده، فانظر إلى العثمانيين الذي نهضوا بعد تلك ~~الصدمات القوية (حروب التتر والحروب الصليبية) وساقوا الجيوش إلى أرجاء العالم، واتسعت ~~لهم ميادين الفتوحات، ودوخوا البلاد وأرغموا أنوف الملوك، ودانت لسلطانهم الدول ~~الإفرنجية، حتى كان السلطان العثماني يلقب بين الدول بالسلطان الأكبر. # ثم ارجع البصر تجد هزة في نفوسهم وحركة في طباعهم أحدثها فيهم ما توعدتهم به الحوادث ~~الأخيرة من رداءة العاقبة وسوء المنقلب: حركة سرت في أفكار ذوي البصيرة منهم في أغلب ~~الأنحاء شرقا وغربا، وتألفت من خيارهم عصبات للحق كتبت على نفسها نصرة العدل ~~والشرع، والسعي بغاية الجهد لبث أفكارها، وجمع الكلمة المفترقة، وضم الأشتات ~~المتبددة، وجعلوا من أصغر أعمالهم نشر جريدة عربية، لتصل بما يكتب فيها بين المتباعدين ~~منهم وتنقل إليهم بعض ما يضمره الأجانب لهم، وإنا نرى عدد الجمعية الصالحة يزداد ~~يوما بعد يوم، نسأل ms068 الله تعالى نجاح أعمالها، وتأييد مقصدها الحق، ورجاؤنا من كرمه ~~أن يترتب على حسن سعيها أثر مفيد للشرقيين عموما، وللمسلمين خصوصا. # | الفصل الثامن # الفضائل والرذائل وأثرهما # وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين ~~. ~~••• # قالوا: للإنسان كمال، مفروض عليه أن يسعى إليه، وقالوا: إنه عرضة لنقص يجب عليه ~~الترفع عنه، وقالوا: كماله في استيفاء ما يمكن من الفضائل، ونقصه في التلوث برذيلة ~~من الرذائل، فما هي الفضائل وما هي الرذائل، الفضائل سجايا للنفس من مقتضاها التأليف ~~والتوفيق بين المتصفين بها، كالسخاء والعفة والحياء ونحوها، فالسخيان لا ~~يتشاحان ولا يتنازعان في التعامل، فإن من سجية كل منهما البذل في الحق، والمنع إذا ~~اقتضاه الحق، فكل يعرف حده فيقف عنده. # فلا يوجد موضوع للنزاع عند معاطاة الأعمال المالية، والأعفاء لا يتزاحمون على مشتهى ~~من المشتهيات؛ فإن من خلق كل منهم التجافي عن الشهوة، وفي طبيعته الإيثار ~~بالرغائب. # وهكذا، إذا استقريت جميع ما عده علماء التهذيب من الصفات الفاضلة؛ تجد أن من لوازم ~~كل فضيلة منها التأليف بين المتصفين بها في متعلق الأثر الناشئ عن تلك الفضيلة، فإذا ~~اجتمعت الفضائل أو غلبت في شخصين؛ مالت نفوسهما إلى الاتحاد والالتئام في جميع ~~الأعمال والمقاصد أو جلها، ودامت الوحدة بينهما بمقدار رسوخ الفضيلة، وعلى هذا النحو ~~يكون الأمر في الأشخاص الكثيرة، فالفضائل هي مناط الوحدة بين الهيئة الاجتماعية وعروة ~~الاتحاد بين الآحاد، تميل بكل منهما إلى الآخر إلى من يشاكله حتى يكون الجمهور من ~~الناس كواحد منهم، يتحرك بإرادة واحدة، ويطلب في حركته غاية واحدة. # مجموع الفضائل هو العدل في جميع الأعمال، فإذا شمل طائفة من نوع الإنسان وقف بكل ~~من آحادها عند حده في عمله، لا يتجاوزه بما يمس حقا للآخر فيه يكون التكافؤ ~~والتوازر، لكل شخص من أفراد الإنسان وجود خاص به، وأودعت فيه العناية الإلهية من ~~القوى ما به يحفظ وجوده، وما به التناسل لبقاء النوع، وهو في هذا يساوي سائر أفراد ~~الحيوان، لكن قضت حكمة الله أن يكون الإنسان ممتازا عن بقية الأنواع الحيوانية ms069 ~~بكون آخر، ووجود أرقى وأعلى، وهو كون الاجتماع، حتى يتألف من أفراده الكثيرة بنية ~~واحدة يعمها اسم واحد، والأفراد فيها كأعضاء تختلف في الوظائف والأشكال، وإنما كل ~~يؤدي عمله لبقاء البنية الجامعة وتقويتها وتوفير حظها من الوجود؛ ليعود إليه نصيب من ~~عملها الكلي كما أودع الله في أعضاء أبداننا وبنيتنا الشخصية. # والفضائل في المجتمع الإنساني كقوة الحياة المستكملة في كل عضو ما يقدره على أداء ~~عمله مع الوقوف عند حد وظيفته، كاليد بها البطش والتناول وليس من خصائصها ~~الإبصار، والعين بها الإبصار وتميز الألوان والأشكال وليس من وظائفها البطش، والكل حي ~~بحياة واحدة، وإن شئت قلت: الفضائل في عالم الإنسان كالجذبة العامة في العالم الكبير، ~~فكما أن الجذبة العامة يحفظ بها نظام الكواكب والسيارات، وبالتوازن في الجاذبية ثبت كل ~~كوكب في مركزه، وحفظت النسبة بينه وبين الكوكب الآخر، وانتظم بها سيره في مداره الخاص ~~بتقدير العزيز العليم، حتى تمت حكمة الله في وجود الأكوان وبقائها؛ كذلك شأن الفضائل ~~في الاجتماع الإنساني، بها يحفظ الله الوجود الشخصي إلى الأجل المحدود ويثبت البقاء ~~النوعي إلى أن يأتي أمر الله. # أي أمة يكون الواضع فيها والرافع، والحارث والوازع، والجالب والدافع، وجميع من يدير ~~أمورها، ويسوسها في شئونها إنما هم أفراد منها، من هاماتها أو من لهازمها «من الأعلياء ~~والأوساط، بل سائر الأطراف» ويكون كل واحد منها قائما بحق الكل، ولا يختار مقصدا يعكس ~~مقصد الكل، ولا يسعى إلى غاية تميل به من غاية الكل، ولا يهمل عملا يتعلق بالأمة، حتى ~~يكون الجميع كالبنيان المتين لا تزعزعه العواصف ولا تدكه الزلازل، وبقوة كل ~~منهم يجتمع للأمة قوة، تحفظ بها موقعها، وتدفع بها عن شرفها ومجدها، وترد غارة ~~الأغيار عليها، فهي الأمة التي سادت فيها الفضائل، واستعلت فيها مكارم ~~الأخلاق. # إن أمة هذا شأنها لا يتخالف أفرادها إلا للتآلف، ولا يتغايرون إلا للاتحاد، فمثلهم ~~في اختلاف أعمالهم كمثل المتدابرين على محيط دائرة يتفارقان في مبدأ السير ليتلاقيا على ~~نقطة من المحيط، ومثالهم في تغاير مأخذهم ms070 لجلب منافعهم كجاذبي طرفي خيطة واحدة - حبل ~~واحد - كل آخذ بطرف، مع تعادل القوتين، ففي جذب أحدهما لصاحبه إبعاد لنفسه عنه من ~~وجه، وحفظ لمكان قربه منه من وجه آخر ، فلا يفترقان ولا يتباينان، ولا تفنى منفعة أحدهما ~~في منفعة الآخر، أما إن مسالك الأفراد من مثل هذه الأمة بما منحوه من الارتباط بينهم ~~كأنصاف دائرة مركزها حياة الأمة وعظمتها، ولا يخرج ولا واحد منهم عن محيط الجنسية، ~~وإنهم في جلب منافعها واستكمال فوائدها كالجداول تمد البحر لتستمد منه. # يرى كل واحد منهم أن ما تبتهج به النفوس البشرية وتمتاز بالميل إليه عن سائر ~~الحيوانات من رفعة المكانة والغلب وبسط الجاه ونفاذ الكلمة؛ إنما يمكن إذا توفر للأمة ~~حظها من هذه المزايا فيسعى جهده لإبلاغ كل واحد من الأمة أقصى ما يؤهله استعداده ~~ليأخذ بسهم مما يناله، فلا يهمل ولا يخون في الدفاع عن فرد من أفرادها، فضلا عن ~~هيئتها العامة، وإلا فقد خان نفسه؛ لأنه أبطل آلة من آلات عمله، وقطع سببا من أسباب ~~غايته، ولا يحتقر واحدا من الآحاد، ولا يزدري بعمله، ويحسب الشخص من الأمة - وإن كان ~~صغيرا - بمنزل مسمار صغير في آلة كبيرة، لو سقط منها تعطلت الآلة بسقوطه. # عليك أن تنظر في حقائق الصفات لتحكم بما ينشأ عنها من الأثر الذي بيناه: التعقل ~~والتروي وانطلاق الفكر من قيود الأوهام، والعفة والسخاء والقناعة والدماثة (لين ~~الجانب)، والوقار والتواضع وعظم الهمة، والصبر والحلم والشجاعة والإيثار (تقديم الغير ~~بالمنفعة على النفس)، والنجدة والسماحة والصدق والوفاء والأمانة، وسلامة الصدر من ~~الحقد والحسد، والعفو والرفق والمروءة والحمية وحب العدالة والشفقة. # ألا ترى لو عمت هذه الصفات الجليلة أمة من الأمم أو غلبت في أفرادها لا ~~يكون بينها سوى الاتحاد والالتئام التام؟ هل يوجد مثار للخلاف والتنافر بين عاقلين ~~حرين، صادقين وفيين، كريمين شجاعين، رفيقين صابرين، حليمين متواضعين، وقورين ~~عفيفين رحيمين؟ أما والله لو نفخت نسمة من أرواح هذه الفضائل على أرض قوم وكانت مواتا ~~لأحيتها، أو قفرا لأنبتتها، أو جدبا ms071 لأمطرتها من غيث الرحمة ما يسبغ نعمة الله ~~عليها، ولأقامت لها من الوحدة سياجا لا يخرق، وحرزا منيعا لا يهتك، وإن أولى ~~الأمم بأن تبلغ الكمال في هذه السجايا الشريفة أمة قال نبيهم: «إنما بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق.» الفضيلة حياة الأمم؛ تصون أجسامها عن تداخل العناصر الغريبة، ~~وتحفظها من الانحلال المؤدي إلى الزوال # وما كان ربك ~~ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ~~. # وأما الرذائل فهي كيفيات خبيثة تعرض للأنفس، من طبيعتها التحليل والتفريق بين ~~النفوس المتكيفة بها، كالقحة (قلة الحياء) والبذاء (التطاول على الأعراض بما لا ~~تقتضيه الحشمة والأدب من الكلام)، والسفه والبله، والطيش والتهور، والجبن والدناءة ~~والجزع، والحقد والحسد، والكبرياء واللجاج والسخرية، والغدر والخيانة والكذب والنفاق، ~~فأي صفة من هذه الصفات تلوث بها نفسان ألفت بينهما العداوة والبغضاء، وذهبت بهما ~~مذاهب الخلاف إلى حيث لا يبقى أمل في الوفاق؛ فإن طبيعة كل واحدة منها إما مجاوزة ~~الحدود في التعدي على الحقوق، وإما السقوط إلى ما لا يمكن معه للشخص أداء الواجب ~~عليه لمن يشاركه في الجنسية أو الملة أو القبيلة أو العشيرة أو بأي نوع من أنواع ~~التعامل. # والإنسان مجبول بالطبع على النفرة ممن يتعدى على حقوقه أو يمنعه حقا منها، وإن شئت ~~فتخيل وقحين بذيئين سفيهين جبانين بخيلين (كل يمنع الآخر حقه)، شرهين حاقدين حاسدين ~~متكبرين (كل لا يستحسن إلا فعل نفسه)، لجوجين خائنين غادرين كاذبين منافقين، هل يمكن ~~أن يجمعهما مقصد أو توحد بينهما غاية؟ أليس كل وصف على حدته قاضيا بانتباذ كل من صاحبه ~~وإن لم تكن داعية، وكفى بخلقه وصفته باعثا قويا للتنابذ. # هذه الرذائل إذا فشت في أمة نقضت بناءها ونثرت أعضاءها بددتها شذر مذر، واستدعت ~~بعد ذلك طبيعة الوجود الاجتماعي؛ أن تسطو على هذه الأمة قوة أجنبية عنها لتأخذها ~~بالقهر، وتصرفها في أعمال الحياة بالقسر، فإن حاجاتهم في المعيشة طالبة للاجتماع، وهو ~~لا يمكن مع هذه الأوصاف، فلا بد من قوة خارجة تحفظ صورة الاجتماع إلى حد ~~الضرورة. # هذه صفات إذا رسخت في نفوس ms072 قوم صار بأسهم بينهم شديدا، تحسبهم جميعا وقلوبهم ~~شتى، تراهم أعزة بعضهم على بعض أذلة للأجنبي عنهم، يدعون أعداءهم للسيادة ~~عليهم، ويفتخرون بالانتماء إليهم، يمهدون السبل للغالبين إلى النكاية بهم ، ~~ويمكنون مخالب المغتالين من أحشائهم، ويرون كل حسن من أبناء جنسهم قبيحا، وكل ~~جليل منهم حقيرا، إذا نطق أجنبي بما يدور على ألسنة صبيانهم عدوه من جوامع الكلم ~~ونفائس الحكم، وإذا غاص أحدهم بحر الوجود واستخرج لهم درر الحقائق وكشف لهم دقائق ~~الأسرار عدوه من سقط المتاع، وقالوا بلسان حالهم أو مقالهم: ليس في الإمكان أن يكون منا ~~عارف ومن المحال أن يوجد بيننا خبير! ويغلب عليهم حب الفخفخة والفخر الكاذب، ويتنافسون ~~في سفاسف الأمور ودنياتها. # يرتابون في نصح الناصحين، وإن قامت على صدقهم أقطع البراهين، يسخرون بالواعظين، وإن ~~كانوا في طلب خيرهم من أخلص المخلصين، يبذلون جهدهم لخيبة من يسعى لإعلاء شأنهم، وجمع ~~كلمتهم، ويقعدون له بكل سبيل، يقيمون في طريقه العقبات، ويهيئون له أسباب العثار، ~~تراهم بتضارب أخلاقهم وتعاكس أطوارهم كالبدن المصاب بالفالج لا تنتظم لأعضائه حركة، ~~ولا يمكن تحريك عضو منه على وجه مخصوص لمقصد معلوم، فتنفلت أعمالهم عن حد الضبط، ~~وتخرج عن قواعد الربط، فساد طباعهم بهذه الأخلاق يجعلهم منبعا ومبعثا للضر، يصير ~~الواحد منهم كالكلب الكلب، أول ما يبدأ بعض صاحبه قبل الأجنبي، بل كالمبتلى بجنون ~~مطبق، أول ما يفتك بمربيه ومهذبه ثم يثني بطبيبه ومن يعالج داءه، تكون الآحاد منهم ~~كالأمراض الأكالة من نحو الجذام والآكلة، يمزقون الأمة قطعا وجذاذات بعدما يشوهون ~~وجهها ويشوشون هيئتها. # أولئك قوم يسامون في مراعي الدنايا والخسائس لتغلب النذالة على سائر أوصافهم، ~~فينتفخون على أبناء جلدتهم، ويذلون لقزم الأجانب فضلا عن عليتهم، وبهذا يمكنون ~~الذلة في نفوسهم، من دونهم، ويطبعونها على الخضوع للغرباء، بل الأعداء الألداء، من ~~طبقة إلى طبقة حتى تضمحل الأمة وتنسخ هيئتها وتفنى في أمة أو ملة أخرى، سنة الله في ~~تبديل الدول وفناء الأمم # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم ms073 شديد ~~، أعاذنا الله ~~من هذه العاقبة، وحرس أمتنا وملتنا من المصير إلى هذه النهاية. # بقيت لنا لمحة نظر إلى ما به تقتنى الفضائل، وتمحص النفوس من الرذائل، حتى ~~تسعد الجمعيات البشرية بالاتحاد، وتصون به أكوانها من الفساد «كل مولود يولد على ~~الفطرة» مادة مستعدة لقبول كل شكل، والتلون بأي لون، فهل ينال كمال الفضيلة من آبائه ~~وأسلافه؟ أنى يكون لهم حظ منها وقد كانوا ناشئين على مثل ما نشأ وليدهم؟ يرشدنا رائد ~~الحق إلى أن الاعتدال في أصول الأخلاق، والتحلي بحلية الفضائل وترويض القوى والآلات ~~البدنية على العمل بآثارها؛ إنما يكون بالدين، ولن يتم أثر الدين في نفوس الآخذين به ~~فيصيبوا حظا وافرا مما يرشد إليه فيتمتعوا بحياة طبية وعيشة مرضية؛ إلا إذا قام ~~رؤساء الدين وحملته وحفظته بأداء وظائفهم؛ من تبيين أوامره ونواهيه وتثبيتها في ~~العقول ودعوة الناس إلى العمل بها، وتنبيه الغافلين عن رعايتها وتذكير الساهين عن ~~هديها، أما إذا أهمل خدمة الدين وظائفهم أو تهاونوا في تأدية أعمالها؛ ضعف اليقين ~~في النفوس، وذهلت العقول عن مقتضيات العقائد الدينية، وأظلمت البصائر بالغفلة، ~~وتحكمت الشهوات البهيمية، وتسلطت الحاجات المعاشية، ومال ميزان الاختيار مع الهوى، ~~فحشدت إلى الأنفس أوفاد الرذائل، فيحق على الناس كلمة العذاب، ويحل بهم من الشقاء ~~ما أشرنا إليه سابقا. # هذه علل الخراب في كل أمة، لقد ظهر أثرها في أمم لا تحصى عددا من بداية كون الإنسان ~~إلى الآن، ولم يزل بقايا بعضها يشهد على ما فتكت به الرذائل فيهم، بعدما بدلوا ~~وغيروا، كما في طائفة الدهيرو «منك» من سكنة الأقطار الهندية المعروفين عند ~~الأوروبيين بطائفة «باريا» # قل سيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~، فالدين وهو السائق إلى ~~السعادة في الدنيا كما يسوق إليها في الآخرة. # تقلب قلب الدهر على بعض طوائف من المسلمين في أقطار مختلفة من الأرض ~~وسلبهم تيجان عزهم وألقاها على هامات قوم آخرين، واليوم ينازع طوائف أخرى، ~~ولا نخاله يتغلب عليهم، فكشف هذا عن نوع من الضعف، ولا ms074 يكون ناشئا إلا عن شيء من ~~الإهمال في اتباع أوامر الشرع الإسلامي ونواهيه بحكم قول الله في كتابه: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~، وقد يكون ذلك، وربما لا ينكر الآن أن كثيرا من عامة ~~المسلمين وإن صحت عقائدهم من حيث ما تعلق به الاعتقاد، إلا أنهم لا ينهجون في بعض ~~أعمالهم منهاج الشريعة الغراء، وهذا مما يحدث ضعفا في قوة الأمة بقدر الميل عن جادة ~~الاعتدال في الفضائل والأعمال # وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ~~. # إلا أن المسلمين لم يزالوا على أصول الفضائل الموروثة عن أسلافهم، ولهم حسن الإذعان ~~بما جاء به شرعهم وكتاب الله متلو على ألسنتهم، وسنة نبيهم يتناقلونها رواية ودراية، ~~وسير الخلفاء الراشدين والسلف الصالح مرسومة على صفحات نفوس الخاصة منهم، فليس ما طرأ ~~على بعضهم من الغفلة عن متابعة الشرع وما تسبب عنه من الضعف في القوة إلا عرضا لا ~~يبقى، وحالا لا يدوم. # انظر نظرة إنصاف إلى ما أودعته آيات القرآن من غرر الفضائل وكرائم الشيم، وإلى حرص ~~المسلمين على احترام كتابهم وتبجيله؛ تجد من نفسك حكما باتا بأن علماء الديانة ~~الإسلامية لو نشطوا لأداء وظائفهم المفروضة عليهم بحكم وراثتهم لصاحب الشرع، والمحتومة ~~على ذمتهم بأمر الله الموجه إلى الذين يعقلونه، وهم هم في قوله الحق: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون ~~، وبالحض الإلهي المفهوم من قوله: # فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~(من المؤمنين) # طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~~، ولو قاموا يعظون ~~العامة بما ينطق به القرآن، ويذكرونهم بما كان عليه صاحب الشرع # صلى الله عليه وسلم # وخلفاؤه ~~الناهجون على سنته من الأخلاق المحمودة والأعمال المبرورة؛ لرأيت أن الأمة ~~الإسلامية ناشطة من عقالها، متضافرة على إعادة مجدها وصيانة ولايتها العامة من الضعف، ~~وبيضة دينها من الصدع، كل ذلك في أقرب وقت، ولن تكون إلا صيحة واحدة فإذا هم قيام ~~ينظرون. # ولا ريب أن الراسخين ms075 في العلم من أهل الدين الإسلامي يعلمون أن ما أصيب به المسلمون ~~في هذه الأزمان الأخيرة، إنما هو مما امتحنهم الله به جزاء على بعض ما فرطوا، وليس ~~للناس على الله حجة، فالرجاء في هممهم وغيرتهم الدينية وحميتهم الملية أن يوجهوا ~~العناية إلى رتق الفتق قبل اتساعه، ومداواة العلة قبل استحكامها، فيذكروا أبناء ~~الملة بأحكام الله، ويحكموا بينهم روابط الأخوة والألفة كما أمر الله في كتابه وعلى ~~لسان نبيه، ويبذلوا الجهد لمحو اليأس والقنوط الذي ملك أفئدة البعض منهم، ويقنعوهم أنه ~~لا ييأس من لطف الله إلا الذين في قلوبهم مرض وفي عقائدهم زيغ، ويسيروا بهم في سبيل ~~يجمع كلمتهم، ويوحد وجهتهم، ويقوي فيهم إباءة الضيم، والنفرة من الذل، ويحرك فيهم ~~روح الأنفة، حتى لا تسمح نفس أحدهم أن يأتي الدنية في دينه، ويكشفوا لهم حقيقة وعد ~~الله ووعده الحق في قوله: # وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين ~~. # | الفصل التاسع # الوحدة الإسلامية # وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم ~~. ~~••• # أظلت ولاية الإسلام ما بين نقطة الغرب الأقصى إلى تونازني على حدود الصين في عرض ما ~~بين فازان من جهة الشمال وبين سرنديب تحت خط الاستواء. أقطار متصلة، وديار متجاورة، ~~يسكنها المسلمون، وكان لهم فيها السلطان الذي لا يغالب. أخذ بصولجان الملك منهم ملوك ~~عظام، فأداروا بشوكتهم كرة الأرض إلا قليلا، ما كان يهزم لهم جيش، ولا يعكس لهم علم، ~~ولا يرد قول على قائلهم، قلاعهم وصياصيهم متلاقية، ومنابتهم ومغارسهم في سهوبهم ~~(أراضيهم السهلة الواسعة) وأخيافهم (الأراضي المنحدرة عن الجبل) رابية مزدهية بأنواع ~~النبات، حالية بأصناف الأشجار، صنع أيدي المسلمين، ومدنهم كانت آهلة مؤسسة على أمتن ~~قواعد العمران تباهي مدن العالم بصنائع سكانها وبدائعهم، وتفاخرها بشموس الفضل، وبدور ~~العلم، ونجوم الهداية، من رجال لهم المكان الأعلى في العلوم والآداب. # كان في نقطة الشرق من حكمائهم: ابن سينا والفارابي والرازي، ومن يشاكلهم. وفي الغرب ~~ابن باجه وابن رشد وابن الطفيل، ومماثلوهم. وما بين ذلك أمصار تتزاحم فيها أقدام ~~العلماء في الحكمة والطب ms076 والهيئة والهندسة وسائر العلوم العقلية، هذا فضلا عن العلوم ~~الشرعية التي كانت عامة في جميع طبقات الملة، كان خليفتهم العباسي ينطق بالكلمة ~~فيخضع لها فغفور الصين، # 1 # وترتعد منها فرائص أعظم الملوك في أوروبا، ومن ملوكهم في قرونهم المتوسطة ~~مثل محمود الغزنوي، وملكشاه السلجوقي، وصلاح الدين الأيوبي، وكان منهم في المشرق مثل ~~تيمور الكوركان، وفي الغرب السلطان محمد الفاتح، والسلطان سليم والسلطان سليمان ~~العثماني. أولئك رجال قضوا ولم يطو الزمان ذكرهم ولم يمح أثرهم. # كان لأساطيل المسلمين سلطة لا تبارى في البحر الأبيض والأحمر والمحيط الهندي، ولها ~~الكلمة العليا في تلك البحار إلى زمان غير بعيد، كان مخالفوهم يدينون لملكوت فضلهم كما ~~يذلون لسلطان عليهم. # والمسلمون اليوم هم يملئون تلك الأقطار التي ورثوها عن آبائهم وعديدهم لا ينقص عن ~~أربعمائة مليون، وأفرادهم في كل قطر بما أشربت قلوبهم من عقائد دينهم أشجع وأسرع ~~إقداما على الموت ممن يجاورهم، وهم بذلك أشد الناس ازدراء بالحياة الدنيا وأقلهم ~~مبالاة بزخرفها البطل. # جاءهم القرآن بمحكم آياته يطالب الناظرين بالبرهان على عقائدهم، ويعيب الأخذ بالظنون ~~والتمسك بالأوهام، ويدعو إلى الفضائل وعقائل الصفات، فأودع في أفكارهم جراثيم الحق ~~وبذر في نفوسهم بذور الفضل، فهم بأصول دينهم أنور عقلا وأنبه ذهنا وأشد ~~استعدادا لنيل الكمالات الإنسانية، وأقرب إلى الاستقامة في الأخلاق. وربما يرون ~~لأنفسهم من الاختصاص بالشرف، وما وعدوا به على لسان كتابهم الصادق من إظهار شأنهم على ~~شئون العالم أجمع ولو كره المبطلون. # لا يرغبون بسلطة لغيرهم عليهم، ولا يحوم بفكر واحد منهم أن يخضع لذي سطوة من سواهم، ~~وإن بلغت من الشدة أو اللين ما بلغت؛ لما بينهم من الإخاء المؤزر بمناطق العقائد، يحسب ~~كل واحد منهم أن سقوط طائفة من بني ملته تحت سلطة الأجانب سقوط لنفسه، ذلك إحساس يشعر ~~به وجدانه ولا يجد عنه مسليا، وبما ساخ (غاص ورسب) في نفوسهم من جذور المعارف التي ~~أرشدهم إليها دينهم، ونالوا منها النصيب الأعلى في عنفوان دولتهم؛ يعدون أنفسهم أولى ~~الناس بالعلم وأجدرهم بالفضل. ms077 # ذلك شأنهم الأول وهذا وصفهم الآن، ولكنهم مع هذا كله وقفوا في سيرهم، بل تأخروا عن ~~غيرهم في المعارف والصنائع بعد أن كانوا فيها أساتذة العالم، وأخذت ممالكهم تنقص ~~أطرافها وتتمزق حواشيها مع أن دينهم يرسم عليهم أن لا يدينوا لسلطة من يخالفهم، بل ~~الركن الأعظم لدينهم طرح ولاية الأجنبي عنهم وكشفها عن ديارهم، بل منازعة كل ذي شوكة في ~~شوكته. # هل نسوا وعد الله لهم بأن يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون؟ هل غفلوا عن تكفل الله ~~لهم بإظهار شأنهم على سائر الشئون ولو كره المجرمون؟ هل سهوا عن أن الله اشترى منهم - ~~لإعلاء كلمته - أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؟ لا، لا، إن العقائد الإسلامية مالكة ~~لقلوب المسلمين حاكمة في إرادتهم، وسواء في العقائد الدينية والفضائل الشرعية عامتهم ~~وخاصتهم. # نعم، يوجد للتقصير في إنماء العلوم، وللضعف في القوة، أسباب أعظمها تخالف طلاب ~~الملك فيهم؛ لأنا بينا أن لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم، فتعدد الملكة عليهم ~~كتعدد الرؤساء في قبيلة واحدة، والسلاطين في جنس واحد، مع تباين الأغراض وتعارض ~~الغايات، فشغلوا أفكار الكافة بمظاهرة كل خصم على خصمه، وألهوا العامة بتهيئة وسائل ~~المغالبة وقهر بعضهم لبعض، فأدت هذه المغالبات وهي أشبه شيء بالمنازعات الداخلية ~~إلى الذهول عما نالوا من العلوم والصنائع، فضلا عن التقصير في طلب ما لم ينالوا منها، ~~والإعسار دون الترقي في عواليها، ونشأ من هذا ما تراه من الفاقة والاحتياج وعقبه الضعف ~~في القوة والخلل في النظام، وجلب تنازع الأمراء على المسلمين تفرق الكلمة وانشقاق ~~العصا، فلهوا بأنفسهم عن تعرض الأجانب بالعدوان عليهم. # هذا كان من أمراء المسلمين مع ما فيه من الضرر الفادح عندما كانوا منفردين في ميادين ~~الوغى، لا يجاريهم فيها سواهم من الملل ولكن ضرب الفساد في نفوس أولئك الأمراء ~~بمرور الزمان، وتمكن من طباعهم حرص وطمع باطل، فانقلبوا مع الهوى، وضلت عنهم غايات ~~المجد المؤثل، وقنعوا بألقاب الإمارة وأسماء السلطنة وما يتبع هذه الأسماء من مظاهر ~~الفخفخة وأطوار النفخة ونعومة العيش مدة من ms078 الزمان، واختاروا موالاة الأجنبي عنهم ~~المخالف لهم في الدين والجنس، ولجئوا للاستنصار به وطلب المعونة منه على أبناء ~~ملتهم؛ استبقاء لهذا الشبح البالي والنعيم الزائل. # هذا الذي أباد مسلمي الأندلس، وهدم أركان السلطنة التيمورية في الهند، وفي ~~أطلالها وعلى رسومها شيد الإنجليز ملكهم بتلك الديار، هكذا تلاعبت أهواء السفهاء ~~بالممالك الإسلامية، ودهورتها أمانيهم الكاذبة في مهاوي الضعف والوهن، قبح ما ~~صنعوا وبئس ما كانوا يعملون، أولئك اللاهون بلذاتهم، العاكفون على شهواتهم، هم الذين ~~بددوا شمل الملة، وأضاعوا شأنها، وأوقفوا سير العلوم فيها، وأوجبوا الفترة في ~~الأعمال النافعة، من صناعة وتجارة وزراعة بما غلوا من أيدي بنيها. # ألا قاتل الله الحرص على الدنيا والتهالك على الخسائس، ما أشد ضررهما وما أسوأ ~~أثرهما، نبذوا كلام الله خلف ظهورهم، وجحدوا فرضا من أعظم فروضه، فاختلفوا والعدو ~~على أبوابهم، وكان من الواجب عليهم أن يتحدوا في الكلمة الجامعة، حتى يدفعوا غارة ~~الأباعد عنهم، ثم لهم أن يعودوا لشئونهم، ماذا أفادتهم المغالاة في الطمع والمنافسة في ~~السفاسف؟ أفادتهم حسرة دائمة في الحياة، وشقاء أبديا بعد الممات، وسوء ذكر لا ~~تمحوه الأيام. # أما وعزة الحق وسر العدل، لو ترك المسلمون وأنفسهم بما هم عليه من العقائد مع رعاية ~~العلماء العاملين منهم؛ لتعارفت أرواحهم وائتلفت آحادهم، ولكن واأسفا! تخللهم ~~أولئك المفسدون الذين يرون كل السعادة في لقب أمير أو ملك ولو على قرية لا أمر فيها ولا ~~نهي، هؤلاء الذين حولوا أوجه المسلمين عما ولاهم الله، وخرجوا على ملوكهم ~~وخلفائهم، حتى تناكرت الوجوه وتباينت الرغائب. # الاتفاق والتضافر على تعزيز الولاية الإسلامية، من أشد أركان الديانة المحمدية، ~~والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين، لا يحتاجون فيه إلى أستاذ يعلم، ولا كتاب ~~يثبت، ولا رسائل تنشر، إن رعاة المسلمين - فضلا عمن علاهم - تتصاعد زفراتهم، ~~وتفيض أعينهم من الدمع؛ حزنا وبكاء على ما أصاب ملتهم من تفرق الآراء، وتضارب ~~الأهواء، ولولا وجود الغواة من الأمراء، ذوي المطامع في السلطة بينهم؛ لاجتمع شرقيهم ~~بغربيهم، وشماليهم بجنوبيهم، ولبى جميعهم نداء واحدا، ms079 إن المسلمين لا يحتاجون في ~~صيانة حقوقهم، إلا إلى تنبه أفكارهم لمعرفة ما به يكون الدفاع، واتفاق آرائهم على ~~القيام به عند لزومه، وارتباط قلوبهم الناشئ عن إحساس بما يطرأ على الملة من ~~الأخطار. # ألم تر أمة الروس، هل تجد فيها ما يزيد على هذه الأصول الثلاثة؟ هي أمة متأخرة في ~~الفنون والصنائع عن سائر أمم أوروبا وليس في ممالكها ينابيع للثروة، ولئن كانت فليس ~~هناك ما يستفيضها من الأعمال الصناعية، فهي مصابة بالحاجة والإعواز، غير أنه تنبه أفكار ~~آحادها لما به يكون الدفاع عن أمتهم واتفاقهم في النهوض به وارتباط قلوبهم؛ صير ~~لها دولة تميد لسطوتها رواسي أوروبا، لم يكن للروسية مصانع لمعظم الآلات الحربية، ~~ولكن لم يمنعها ذلك عن اقتنائها، ولم يرتق فيها الفن العسكري إلى حد ما عليه جيرانها، ~~إلا أن هذا لم يقعدها عن جلب ضباط من الأمم الأخرى لتعليم عساكرها، حتى صار لجيشها ~~صولة تخيف، وحملة تخشاها دول أوروبا. # فما الذي أقعدنا عن مشاكلة غيرنا، فيما هو أيسر الأشياء علينا، ونحن أشد الناس ~~ميلا إليه: من رعاية شرف الملة والتألم بما يحط منه والتعاون على صون الوحدة ~~الجامعة لنا عن كل ما يثلمها، ما رد الأفكار عن الحركة، وما أقعد الهمم عن النهوض، إلا ~~أولئك المترفون، يحرصون على طيب في المطعم، ولين في المضجع، وتطاول في البنيان، ~~وتفاخر بالخدم والخول، ولا يراعون في حرصهم ما بعد يومهم، ويحافظون على لقب موضوع ~~ورسم متبوع، يقنعون منه بالاحتفال لهم في المواسم والأعياد وهز الرءوس وثني الأعطاف، ~~تعظيما وتبجيلا، ثم تذييل الأوراق الرسمية بأسماء ليس لها مسميات، هؤلاء الساقطون ~~يرضون لتخيل هذه المواثل (جمع ماثل، من الرسوم: ما ذهب أثره) بكل دنيئة، هؤلاء يقبلون ~~من تصرف أعدائهم في بيوتهم ما لا يقبله واحد من آحاد الناس دون موته، أولئك صاروا ~~في أعناق المسلمين سلاسل وأغلالا، يحبسون هذه الأسود عن فريستها بل يجعلونها طعمة ~~للثعالب، لا حول ولا قوة إلا بالله. # أيا بقية الرجال، ويا خلف الأبطال، ويا نسل ms080 الأقيال؛ هل ولى بكم الزمان، هل مضى وقت ~~التدارك، هل آن أوان اليأس؟ لا، لا، معاذ الله أن ينقطع أمل الزمان منكم، إن من أدرنة ~~إلى يشاور دولا إسلامية متصلة الأراضي ، ومتحدة العقيدة يجمعهم القرآن، لا ينقص عددهم ~~عن خمسين مليونا، وهم ممتازون بين أجيال الناس بالشجاعة والبسالة، أليس لهم أن ~~يتفقوا على الذب والإقدام كما اتفق عليه سائر الأمم؟ ولو اتفقوا فليس ذلك ببدع منهم، ~~فالاتفاق من أصول دينهم، هل أصاب الخدر مشاعرهم فلا يحسون بحاجات بعضهم البعض؟ ~~أليس لكل واحد أن ينظر إلى أخيه بما حكم الله في قوله: # إنما ~~المؤمنون إخوة # فيقيمون بالوحدة سدا يحول عنهم هذه السيول ~~المتدفقة عليهم من جميع الجوانب؟ # لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا، فإن هذا ربما كان ~~عسيرا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ~~ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع، فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه، إلا أن هذا بعد ~~كونه أساسا لدينهم تقضي به الضرورة، وتحكم به الحاجة في هذه الأوقات. # هذا آن الاتفاق، هذا آن الاتفاق، ألا إن الزمان يواسيكم بالفرص، وهي لكم غنائم، ~~فلا تفرطوا، إن البكاء لا يحيي الميت، إن الأسف لا يرد الفائت، إن الحزن لا يدفع ~~المصيبة، إن العمل مفتاح النجاح، إن الصدق والإخلاص سلم الفلاح، إن الوجل يقرب الأجل، ~~إن اليأس وضعف الهمة من أسباب الحتف # وقل اعملوا فسيرى ~~الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون # ألا لا ~~تكونوا ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وقيل اقعدوا مع القاعدين، احذروا أن تقعوا ~~تحت قول الله: # رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ~~الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ~~، إن القرآن حي لا يموت، ~~ومن أصابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب بسهم من مقته فهو ممقوت، كتاب الله لا ~~ينسخ فارجعوا إليه، وحكموه في أحوالكم وطباعكم # وما الله ~~بغافل عما تعملون ~~. # ولعل أمراء المسلمين قد ms081 وعظوا بسوء مغبة أعمال السالفين وهموا بملافاة أمرهم، قبل أن ~~يقضى عليهم، بما رزئ به المفرطون من قبلهم، ورجاؤنا أن أول صيحة تبعث إلى الوحدة وتوقظ ~~من الرقدة، تصدر عن أعلاهم مرتبة، وأقواهم شوكة، ولا نرتاب في أن العلماء العاملين ~~ستكون لهم اليد الطولى في هذا العمل الشريف، والله يهدي من يشاء ولله الأمر من قبل ومن ~~بعد. # | الفصل العاشر # الوحدة والسيادة أو الوفاق والغلب ~~«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.» ~~••• # أمران خطيران، تحمل عليهما الضرورة تارة، ويهدي إليهما الدين تارة أخرى، وقد تفيدهما ~~التربية وممارسة الآداب، وكل منهما يطلب الآخر ويستصحبه، بل يستلزمه، وبهما ~~نمو الأمم وعظمها ورفعتها واعتلاؤها؛ وهما: الميل إلى وحدة تجتمع، والكلف ~~بسيادة لا توضع، وإذا أراد الله بشعب أن يوجد ويلقي بوانيه (يثبت ويقيم) إلى أجل ~~مسمى؛ أودع في ضآضئه (أصوله) هذين الوصفين الجليلين، فأنشأه خلقا سويا، ثم استبقى ~~له حياته بقدر ما مكن فيه من الصفتين إلى منتهى أجله. # كل أمة لا تمد ساعدها لمغالبة سواها لتنال منها بالغلب ما تنمو به بنيتها، ويشتد ~~به بناؤها؛ فلا بد يوما أن تقضم وتهضم وتضمحل ويمحى أثرها من بسيط الأرض، إن ~~التغلب في الأمم كالتغذي في الحياة الشخصية، فإذا أهمل البدن من الغذاء وقفت حركة ~~النمو، ثم ارتدت إلى الذبول والنحول، ثم أفضت إلى الموت والهلاك، وليس من الممكن ~~لأمة أن تحفظ قوامها، وتصول على من يليها لتختزل منه ما يكون مادة لنمائها، إلا أن ~~تكون متفقة في تحصيل ما تحتاج إليه هيئتها. # إذا أحسست من أمة ميلا إلى الوحدة فبشرها بما أعد الله لها في مكنون غيبه من ~~السيادة العليا والسلطة على متفرقة الأمم. # إذا تصفحنا تاريخ كل جنس واستقرينا أحوال الشعوب في وجودها وفناها؛ وجدنا سنة الله ~~في الجمعيات البشرية: حظها من الوجود على مقدار حظها من الوحدة، ومبلغها من العظمة على ~~حسب تطاولها في الغلب، وما انحرف شأن قوم وما هبطوا عن مكانتهم، إلا عند لهوهم بما في ~~أيديهم، وقناعتهم بما تسنى لهم، ms082 ووقوفهم على أبواب ديارهم، ينظرون طارقهم بالسوء، ~~وما أهلك الله قبيلا إلا بعدما رزئوا بالافتراق، وابتلوا بالشقاق، فأورثهم ذلا ~~طويلا وعذابا وبيلا، ثم فناء سرمديا. # الوفاق تواصل وتقارب، يحدثه إحساس كل فرد من أفراد الأمة بمنافعها ومضارها، وشعور ~~جميع الآحاد في جميع الطبقات بما تكسبه من مجد وسلطان، فيلذ لهم كما يلذ أشهى مرغوب ~~لديهم، وبما تفقده من ذلك، فيألمون له كما يألمون لأعظم رزء يصابون به، وهذا الإحساس هو ~~ما يبعث كل واحد على الفكر في أحوال أمته، فيجعل جزءا من زمنه للبحث فيما يرجع إليها ~~بالشرف والسؤدد، وما يدفع عنها طوارق الشر والغيلة. # ولا يكون همه بالفكر في هذا أقل من همه بالنظر في أحواله الخاصة، ثم لا يكون نظرا ~~عقيما حائزا بين جدران المخيلة، دائرا على أطراف الألسنة، بل يكون استبصارا تتبعه ~~عزيمة يصدر عنها عمل يثابر على استكماله بما يمكن من السعة، وما تحتمله القدرة على نحو ~~ما يكون في استحصال مواد المعيشة بلا فرق، بل تجد الأنفس أن شأن الأمة في المكان الأول ~~من النظر، والدرجة الأولى من الاعتبار، والشئون الخاصة في المنزلة الثانية ~~منهما. # ولا تقف فيما تجد عند جلب المصالح ودرء المفاسد لأوقاتها الحاضرة، بل يأخذ العقلاء ~~منها سبلا من التفكير، ويخترطون سيوفا من الهمة، ليصيبوا من سعيهم شوارد من القوة، ~~ونواد من المكنة، ويستخرجوا دفائن من الثروة ويجمعوا ذلك للأمة، لصيانة حياتها إلى حد ~~العمر اللائق بها، كما يسعى الحازم جهده لتوفير ما يلزم لمعيشته، وما يطمئن به قلبه في ~~دفع حاجته مدة العمر الغالب، بل يزيد عليه ما فيه الكفاية لأبنائه من بعده، وإن الدور ~~الأول من أعمار الأمم لا ينقص عن خمسة قرون ثم تتلوه سائر الأدوار، وأولها أقصرها وهو ~~سن الطفولية، وبدء الكمال فيما يليه، فما أرفع همم العقلاء في الأمم المستبصرة! # إذا بلغ الإحساس من مشاعر أفراد الأمة إلى الحد الذي بيناه، رأيت في الدهماء منهم ~~والخاصة همما تعلو، وشيما تسمو، وإقداما يقود، وعزما يسوق، كل يطلب السيادة ms083 ~~والغلب، فتتلاقى هممهم، وتتلاحق عزائمهم في سبيل الطلب، فيندفعون للتغلب على الذين ~~يلونهم، كما تندفع السيول على الوهاد، ولا تقف حركتهم دون الغاية مما نهضوا إليه، ويكون ~~نزوهم على الأمم بعد الغلب الأول تدفقا من الطبع لا يحتاج إلى فكر وروية إلا في إعداد ~~وسائل الفوز والظفر. # هذا الأمران - الوفاق والغلب - عمادان قويان وركنان شديدان من أركان الديانة ~~الإسلامية، وفرضان محتومان على من يستمسك بها، ومن خالف أمر الله فيما فرض منهما ~~عوقب من مقته بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، جاء في قول صاحب الشرع: «إن المؤمن ~~للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وإن المؤمن ينزل من المؤمن منزلة أحد أعضائه إذا مس ~~أحدها ألم تأثر له الآخر، وجاء في نهيه: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا ~~عباد الله إخوانا»، وأنذر ما شذ عن الجماعة بالخسران والهلكة، وضرب له مثل الشاة ~~القاصية تكون فريسة للذئاب. # هذا كله بعدما أمر الله عباده بالاعتصام بحبله، ونهاهم عن التفرق والتغابن، ~~وامتن عليهم بنعمة الأخوة بعد أن كانوا أعداء، ونطق الكتاب الإلهي: # إنما المؤمنون إخوة ~~، وطلب من المخاطبين بآياته ~~أن يبادروا بإصلاح ذات البين عند التخالف، ثم شدد على وجوب الإصلاح وإن أدى إلى ~~مقاتلة الباغي، فقال: # وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله ~~، وإنما أمر الله الدخول فيما اتفق عليه المؤمنون وتوحيد الكلمة ~~الجامعة: # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~من بعد ما جاءهم البينات ~~، وتوعد الكتاب الأقدس كل من انحرف ~~عن سبيل المؤمنين بالعقاب الأليم، فحكم بأن من يتبع غير سبيل المؤمنين يوله الله ما ~~تولى، ويصله جهنم وساءت مصيرا، وفي أمره الصريح إيجاب التعاون على البر والتقوى، ولا ~~بر أحق بالتعاون عليه من تعزيز كلمة الحق وإعلاء منار الأمة. # وأخبر الصادق # صلى الله عليه وسلم # أن: «يد الله مع الجماعة»، وكفى بالقدرة الإلهية عونا إذا صح ~~الاجتماع وصدقت الألفة، وقد بلغت مكانة الاتفاق في الشريعة الإسلامية أسمى درجة ms084 في ~~الرعاية الدينية، حتى جعل إجماع الأمة واتفاقها على أمر من الأمور كاشفا عن حكم الله ~~وما في علمه، وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعد جحوده مروقا من الدين ، ~~وانسلاخا عن الإيمان، ومن عناية الشارع بأمر الاتفاق قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو دعيت إلى ~~حلف الفضول لفعلت» (حلف الفضول: ما كان من هاشم وزهرة وتيم، حيث وفدوا على عبد الله ~~بن جدعان وتحالفوا على أن يدفعوا الظلم ويأخذوا الحق من الظالم، وسمي حلف الفضول؛ ~~لأنهم تحالفوا على أن لا يدعوا عند أحد فضلا يزيد عن حقه ويكون نواله بالظلم إلا أخذوه ~~منه وردوه لمستحقيه)، فهو من حلف الجاهلية، وقد صرح الشارع بقبوله لو دعي إليه، هذا ~~إجمال الأدلة على وجوب الاتفاق وحظر المنابذة والمغابنة بين المسلمين، بل وبينهم ~~وبين غيرهم ممن رضي بذمتهم وقبل جوارهم بالمعروف في شرعهم، فإن سبيل المؤمنين يسعه ~~ولا يضيق عنه. # وأما السعي لإعلاء كلمة الحق وبسطة الملك وعموم السيادة، فلا تجد آية من آيات القرآن ~~الشريف إلا وهي داعية إليه، جاهرة بمطالبة المسلمين بالجد فيه، حاظرة عليهم أن يتوانوا ~~في أداء المفروض منه، ومن الأوامر الشرعية أن لا يدع المسلمون تنمية ملتهم حتى لا يكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله، وفي السنة المحمدية والسيرة النبوية، مما يضافر آيات القرآن ~~ما جمعه العلماء في مجلدات يطول عدها، هذا حكم ديننا لا يرتاب فيه أحد من المؤمنين به ~~والمستمسكين بعروته. # هل يمكن لنا - ونحن على ما نرى من الاختلاف والركون إلى الضيم - أن ندعي القيام ~~بفروض ديننا؟ كيف ومعظم الأحكام الدينية موقوف إجراؤه على قوة الولاية الشرعية، فإن لم ~~يكن الوفاق والميل إلى الغلب فرضين لذاتهما، أفلا يكونان مما لا يتم الواجب إلا به؟ ~~فكيف وهما ركنان قامت عليهما الشريعة - كما قدمنا؟ هل لنا عذر نقيمه عند الله يوم العرض ~~والحساب، يوم لا ينفع خلة ولا شفاعة بعد هدم هذين الركنين، وأيسر شيء علينا إقامتهما ~~وعديدنا خمسمائة مليون أو يزيد، هل يتيسر لنا - إذا ms085 خلونا بأنفسنا وجادلتنا ضمائرنا - ~~أن نقنعها ونرضيها بما نحن عليه الآن؟ # كل هذه الرزايا التي حطت بأقطارنا، ووضعت من أقدارنا، ما كان قاذفنا ببلائها، ~~ورامينا بسهامها إلا افتراقنا وتدابرنا والتقاطع الذي نهانا الله ونبيه عنه. لو أدينا ~~حقوقا تطالبنا بها تلك الكلمة التي تهل بها ألسنتنا، وتطمئن قلوبنا بذكرها - وهي كلمة ~~الله العليا - هل كان يمكن للأغراب أن يمزقوا ممالكنا كل ممزق؟ وهل كان يلمع سيف ~~العدوان في وجوهنا؟ وهل كنا نشيم نيران الأعداء إلا وأقدامنا في صياصيهم، وأيدينا على ~~نواصيهم؟ إن لأبناء الملة الإسلامية يقينا بما جاء به شرعهم، لكن أليس على صاحب ~~اليقين بدين أن يقوم بما فرض الله عليه في ذلك الدين؟ # أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ~~. # ولا ريبة في أن المؤمن يسره أن يعلمه الله صادقا لا كاذبا، وأي صدق تظهره ~~الفتنة ويمتاز به الصادق من الكاذب إلا الصدق في العمل، هل يود المسلم لو يعمر ألف ~~سنة في الذل والهوان وهو يعلم أن الازدراء بالحياة هو دليل الإيمان، أنرضى - ونحن ~~المؤمنون - وقد كانت لنا الكلمة العليا أن تضرب علينا الذلة والمسكنة، وأن يستبد في ~~ديارنا وأموالنا من لا يذهب مذهبنا، ولا يرد مشربنا، ولا يحترم شريعتنا، ولا يرقب فينا ~~إلا ولا ذمة، بل أكبر همه أن يسوق علينا جيوش الفناء حتى يخلي منا أوطاننا، ويستخلف ~~فيها بعدنا أبناء جلدته، والجالية من أمته؟ # لا. لا. إن المخلصين في إيمانهم الواثقين بوعد الله في نصر من ينصر الله الثابت في ~~قوله: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم # لا يتخلفون عن بذل أموالهم وبيع أرواحهم، والحق داع والله ~~حاكم والضرورة قاضية، فأين المفر؟ المبصر بنور الله يعلم أنه لا سبيل لنصر الله وتعزيز ~~دينه إلا بالوفاق وتعاون المخلصين من المؤمنين، هل يسوغ لنا أن نرى أعلامنا منكسة، ~~وأملاكنا ممزقة، والقرعة تضرب بين الغرباء على ما بقي في أيدينا، ثم لا نبدي حركة، ms086 ~~ولا نجتمع على كلمة، وندعي مع هذا أننا مؤمنون بالله وبما جاء به محمد؟ واخجلتاه لو خطر ~~هذا ببالنا! ولا أظنه يخطر ببال مسلم يجري على لسانه شاهد الإسلام. # إن الميل للوحدة والتطلع للسيادة وصدق الرغبة في حفظ حوزة الإسلام؛ كل هذه صفات ~~كامنة في نفوس المسلمين قاطبة، ولكن دهاهم بعض ما أشرنا إليه في أعداد ماضية، فألهاهم ~~عما يوحي به الدين في قلوبهم وأذهلهم أزمانا عن سماع صوت الحق يناديهم من بين ~~جوانحهم، فسهوا وما غووا، وزلوا وما ضلوا، ولكنهم دهشوا وتاهوا، فمثلهم مثل جواب ~~المجاهيل من الأرض في الليالي المظلمة، كل يطلب عونا وهو معه ولكن لا يهتدي إليه، ~~وأرى أن العلماء العاملين لو وجهوا فكرتهم لإيصال أصوات بعض المسلمين إلى مسامع ~~بعض؛ لأمكنهم أن يجمعوا بين أهوائهم في أقرب وقت، وليس بعسير عليهم ذلك بعدما اختص ~~الله من بقاع الأرض بيته الحرام بالاحترام وفرض على كل مسلم أن يحجه ما استطاع، وفي ~~تلك البقعة يحشر الله من جميع رجال المسلمين وعشائرهم وأجناسهم، فما هي إلا كلمة تقال ~~بينهم من ذي مكانة في نفوسهم تهتز لها أرجاء الأرض، وتضطرب لها سواكن القلوب، هذا ~~ما أعدتهم له العقائد الدينية. # فإن أضفت إليه ما أذاب قلوبهم من تعديات الأجانب عليهم، وما ضاقت به صدورهم من ~~غارات الغرباء على بلادهم، حتى بلغت أرواحهم التراقي، ذهبت إلى أن الاستعداد بلغ من ~~نفوس المسلمين حدا يوشك أن يكون فعلا، وهو مما يؤيد الساعين في هذا المقصد، ويهيئ ~~لهم فوزا ونجاحا بعون الله الذي ما خاب قاصده، وهو ربي إليه أدعو وإليه أنيب. # | الفصل الحادي عشر # الأمل وطلب المجد # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون ~~. # ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون ~~. ~~••• # تلك آيات الكتاب الحكيم، تنبئ عن سر عظيم، اختص الله به الإنسان، ورفعه به على سائر ~~الأكوان، ليبلغ به المقام المحمود، ويحوز ما أعدته له العناية الإلهية من الكمال ~~اللائق به، راجع نفسك، وأصغ لمناجاة سرك؛ تجد في وجدانك ms087 ميلا قويا، وحرصا ~~شديدا، يدفعك إلى طلب المجد، وعلو المنزلة في قلوب أبناء جنسك، ثم ارفع بصرك إلى سواد ~~أمة بتمامها؛ تجد مثل ذلك في كليتها كما هو في آحادها، تبتغي رفعة المكانة في نفوس ~~الأمم سواها، ذلك أمر فطري جبل الله عليه طبيعة هذا النوع منفردا ومجتمعا. # ليس من السهل على طالب المجد وعلو المكانة أن يصل إلى ما يطلب، ولكنه يلاقي في ~~الوصول إليه وعرا في السبل، وعقبات تصد عن المسير، ومع هذا فلا يضعف حرصه، ولا ينقص ~~ميله، يقطع شعابا، ويعاني صعابا، حتى يرقى ذروة المجد، ويتسنم شاهق العزة، ~~ولو قام في وجهه مانع عن الاسترسال في مسيره والتجأ للسكون؛ رأيته يتململ كأنما ~~يتقلب على الرمضاء، ولو سبر الحكيم الخبير أعمال البشر، ونسب كل عمل إلى غاية ~~العامل منه؛ رأى أن معظمها في طلب الكرامة وعلو المقام، كل على حسبه، وما يتعلق ~~منها بتقويم المعيشة ليس شيئا مذكورا بالنسبة لما يتعلق بشئون الشرف. # هذه خلة ثابتة في الكافة من كل شعب على اختلاف الطبقات من أرباب المهن إلى أصحاب ~~الأمر والنهي، كل ينافس أهل طبقته في أسباب الكرامة بينهم، ويأنف من ضعته فيهم ويحرص ~~على ما يحله من قلوبهم محل الاعتبار، حتى إذا بلغ الغاية مما به الرفعة عندهم، تخطى ~~حدود تلك الطبقة ودخل في طبقة أخرى، ونافس أهلها في الجاه، ولا يزال يتبع سيره ما دام ~~حيا يخطر في بسيط الأرض؛ ذلك لأن الكمال الإنساني ليس له حد، ولا تحده نهاية، ~~وليس في استطاعة أحد من الناس أن يقنع نفسه ويعتقد أنه بلغ من الكمال حدا ليست ~~بعده غاية. # سبحان الله! ماذا أخذت محبة الشرف من قلب الإنسان، وماذا ملكت من أهوائه؟ يعده ثمرة ~~حياته وغاية وجوده، حتى إنه يحتقر الحياة عند فقده والعجز عن دركه، أو عند مسه والخوف ~~من سلبه، أرأيت أن فقيرا ذا أسمال لا يؤبه له إذا اعتدى عليه من تطول يده إليه بفعلة ~~تهينه، أو قذفة تشينه؛ يغلبه الغضب للدفاع عن ms088 المنزلة التي هو فيها فيرتكب مخاطرة ربما ~~تفضي به إلى الموت، وإن القذف أو الإهانة ما نقصت شيئا من طعامه ولا شرابه، ولا خشنت ~~مضجعه في مبيته، آلاف مؤلفة من الناس في الأجيال المختلفة والأجناس المتنوعة ألقوا ~~بأنفسهم إلى المهالك، وماتوا دفاعا عن الشرف أو طلبا للكرامة والمجد. # جل شأن الله، لا يهنأ للإنسان طعام ولا شراب، ولا يلين له مضجع إلا أن يلحظ فيه أن ~~ما نال منه أعلى مما نال سواه، مع وقوف بعض من الناس على ذلك ليعترفوا له بالأعلوية ~~فيه، كأن لذة التغذية والتوليد إنما وضعت لتكون وسيلة للذة المباهاة والمفاخرة، فما ~~ظنك بسائر اللذائذ. # كم يعاني الإنسان من التعب البدني، وكم يقاسي من مشاق الأسفار، وكم يخاطر بروحه ~~في اقتحام الحروب والمكافحات، وكم يتحمل في الانقطاع عن اللذات، مع التمكن منها، كل ~~ذلك لينال شهرة أو ليكسب فخارا أو ليحفظ ما أتاه الله منه، ما أجل عناية الله ~~بالإنسان! لا يعيش إلا ليشرف فيشرف به العالم، وكل لذة دون الشرف فهي وسيلة إليه، بل ~~الحياة الدنيا هي السبيل الوعرة يسلكها الحي إلى ما يستطيع من المجد، وفي نهاية ~~الأجل يفارقها قرير العين بما قارب منه، آسف الفؤاد على ما قصر عنه. # ما هو المجد الذي يسعى إليه الإنسان بالإلهام الإلهي، ويخوض الأخطار في طلبه ويقارع ~~الخطوب في تحصيله؟ هو شأن تعترف النفوس لصاحبه بالسؤدد، وتذعن له بالاعتلاء، وتلقي ~~إليه قياد الطاعة، يكون هذا له ولكل من يدخل في نسبته إليه من ذوي قرابته وعشيرته وسائر ~~أمته، فتنفذ كلمته إليه وكلمة المتصلين به، والملتحمين معه في شئون من سواهم، وهو أعظم ~~مكافأة من العزيز الحكيم على معاناة الأوصاب لتحصيل ذلك الشأن في هذه الحياة الأولى، ~~فما كان يحسبه طالب المجد عائدا إلى نفسه بالمنفعة، يبارك فيه مدبر الكون فيفيض خيره ~~على بني جلدته أجمعين، واها! تلك حكمة بالغة: إذا نال الواحد من الأمة مطلبه من المجد ~~نالت الأمة حظها من السؤدد، نعم، وهل نال ما نال ms089 إلا بمعونة سائر الآحاد منها؟ # ذلك تقدير العزيز العليم ~~. ماذا يستطيع ~~المجاهد وحده، وماذا يكسبه من سعيه؟ إن لم يكن له إعضاد من بني قبيله، فمن كان همه أن ~~يصعد إلى عرش العزة، ويرقى إلى ذروة السيادة، فعليه أن يهيئ نفسه والمنتمين إليه ~~لتحصيل كل ما يعد في العالم الإنساني فضيلة وكمال، ما أصعب القيام بخدمة هذا الميل ~~الفطري والإلهام الإلهي! وما أشد ما تحمل النفوس في قضاء بعض الوطر مما يتصل به! وما ~~أعظم الحامل للأنفس على تجشم المصاعب لنيل ما تميل إليه من هذا الأمر الرفيع! ما هذا ~~الباعث الشريف الذي يسهل على الأرواح كل صعب ويقرب كل بعيد، ويصغر كل عظيم، ويلين ~~كل خشن، ويسليها عن جميع الآلام، ويرضيها بالتعرض للتهلكة ومفارقة الحياة، فضلا عن بذل ~~كل نفيس، والسماح بكل عزيز، هذا الباعث الجليل، وهذا الموجب الفعال هو الأمل. # الأمل ضياء ساطع في ظلام الخطوب، ومرشد حاذق في يهماء الكروب، وعلم هاد في مجاهيل ~~المشكلات، وحاكم قاهر للعزائم إذا اعترتها فترة، ومستفز للهمم إن عرض لها سكون، ليس ~~الأمل هو الأمنية والتشهي اللذين يلمحهما الذهن تارة بعد أخرى، ويعبر عنهما بليت لي ~~كذا من المال وكذا من الفضل مع الركون إلى الراحة والاستلقاء على الفراش، واللهو بما ~~يبعد عن المرغوب كأن صاحبهما يروم أن يبدل الله سنته في سير الإنسان عناية بنفسه ~~الشريفة أو الخسيسة، فيسوق إليه ما يهجس بخاطره دون أن يصيب تعبا أو يلاقي مشقة، إنما ~~الأمل رجاء يتبعه عمل، ويصحبه حمل النفس على المكاره، وعرك لها في المشاق والمتاعب، ~~وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر، والشدائد بالجلد، وتهوين كل ملم يعرض لها في سبيل ~~الغرض من الحياة، حتى يرسخ في مداركها أن الحياة لغو إذا لم تغذ بنيل الأرب، فيكون بذل ~~الروح أول خطوة يخطوها القاصد فضلا عن المال الذي لا يقصد منه إلا وقاية بناء الحياة ~~من صدمات حوادث الكون. # وكما كان الميل للرفعة أمرا فطريا، كذلك الأمل وثقة النفس بالوصول إلى غاية ~~سعيها من ms090 ودائع الفطرة، غير أن ثبوتهما في فطرة عموم البشر كان داعيا للمزاحمات ~~والممانعات، فإن كل واحد بما أودع في جبلته يطلب الكرامة والتمكن في قلب الآخر، فكل ~~طالب ومطلوب. # ولم تبلغ سعة العقل الإنساني إلى درجة تعين لكل فرد من الأفراد عملا تكون له به ~~المنزلة العليا في جميع النفوس، غير ما يكون به للآخر مثل تلك المنزلة، حتى يكون ~~جميعهم أمجادا شرفاء بما يأتون من أعمالهم، ولكنهم تزاحموا في الآمال والأهواء، ~~ومسالكهم ضيقة، ومشارعهم ضنكة، فنشأت تلك المقاومات والمصادمات بين النوع البشري؛ حكمة ~~من الله ليعلم الذي جاهدوا ويعلم الصابرين. # فإذا توالى الصدام على شخص أو قوم حدث في الهمم ضعف وأصابها انحطاط، وحصل الفساد في ~~هاتين الحليتين الشريفتين «الرجاء وطلب المجد»، كما يحصل الفساد في سائر الأخلاق ~~الفاضلة بسوء التربية وربما يئول الضعف إلى اليأس والقنوط - نعوذ بالله ~~منهما. # ماذا يكون حال القانطين المنقطعة آمالهم، يحكمون على أنفسهم بالحطة، ويسجلون عليها ~~العجز عن كل رفعة، فيأتون الدنايا ويتعاطون الرذائل، ولا ينفرون من الإهانة والتحقير ~~بل يوطنون أنفسهم على قبول ما يوجه إليهم من ذلك - أيا كان - فتسلب منهم جميع ~~الإحساسات والوجدانات الإنسانية التي يمتاز بها الإنسان عن الأنعام، فيرضون بما ترضى ~~به البهائم، فلا يهتمون إلا بحاجات قبقبهم وذبذبهم. # ثم يا ليتهم يكونون هملا وسوائب يرعون النبات، ويتبعون مواقع الغيث، ولكنهم وإن ~~تركوا العمل لأنفسهم فالله تعالى يسلط عليهم من يكلفهم بالعمل لغيرهم، فيكونون كالنمال ~~الحمالة لا تستفيد مما تحمل شيئا، وظيفتها أن تسعى وتشقى ليسعد غيرها ويستريح، ~~فيعالجون العمل في الفلاحة والصناعة وغيرهما من الأعمال الشاقة، ويدأبون بأشد مما يدأب ~~العامل لنفسه، ثم لا ينالون مما يعملون شيئا. # ثمرات كسبهم بأسرها محولة إلى الذين سادوا عليهم بهممهم (هذا الذي يتجشمه الذليل في ~~ذله من مشاق الأعمال ومعاناة المكاره لو تحمل بعضا منه في طلب العزة لأصاب حظه ~~منها) بل تصير درجة القانطين عند من سادوا عليهم أدنى من درجة الحيوانات العاملة، فإن ~~السائدين يشعرون - بحكم البداهة - أن ms091 هؤلاء أسقطوا أنفسهم عن منزلة كانوا سيستحقونها ~~بمقتضى الفطرة الإنسانية، ورضوا لها بما دون حقها، بل بما لا يصح أن يكون من شأنها، ~~وكفروا نعمة الله في تكوينهم على الشكل الإنساني وإيداعهم ما أودع في أفراد الإنسان، ~~فيعاملهم أولئك السادات بما لا يعاملون به ما يقتنون من الحيوانات، ولنا على ذلك شاهد ~~العيان في الأمم التي أدركها اليأس وسقطت في أيدي الأجانب. # ونظن أنه يوجد أقوام آخرون سامهم سادتهم في الزمن السابق - ويسومونهم الآن - ما ~~لا تسام به السوائم الراعية، وهم على القرب منا وليسوا ببعيد عنا. # عجبا، كيف تتبدل أحكام الجبلة وكيف يمحى أثر الفطرة؟ كيف تسفل النفس حتى لا تطلب ~~رفعة؟ وكيف تقنط حتى لا يكون لها أمل، والأمل وحب الكرامة طبيعيان في الإنسان؟ بعد ~~إمعان النظر نجد السبب في ذلك ظن الإنسان أن جميع أعماله إنما تصدر عن قدرته وإرادته ~~بالاستقلال، وأن قوته هي سلطان أعماله، وليس فوق يده يد تمده بالمعونة أو تصده بالقهر، ~~فإذا صادفته الموانع مرة بعد أخرى وقطعت عليه سبيل الوصول لمطلبه، رجع إلى قدرته ~~فوجدها فانية، وقوته فرآها واهنة، فيعترف بوهنه، ويسكن إلى عجزه، فييأس ويقنط، ويذل ~~ويسفل اعتقادا منه بأنه لا دافع لتلك الموانع التي تعاصت على قدرته، ومتى كانت قوة ~~المانع أعظم من قوته فلا سبيل إلى العمل لاستحالة قهر المانع، فيقطع الأمل فيقع في ~~الشقاء الأبدي. # أما لو أيقن أن لهذا الكون مدبرا عظيم القدرة تخضع كل قوة لعظمته، وتدين كل سطوة ~~لجبروته الأعلى، وأن ذلك القادر العظيم بيده مقاليد ملكه يصرف عباده كيف يشاء؛ لما ~~أمكن مع هذا اليقين أن يتحكم فيه اليأس، وتغتال آماله غائلة القنوط، فإن صاحب اليقين ~~لو نظر إلى ضعف قدرته لا يفوته النظر إلى قوة الله التي هي أعلى من كل قوة، فيركن إليها ~~في أعماله، ولا يجد اليأس إلى نفسه طريقا، فكلما تعاظمت عليه الشدائد زادت همته ~~انبعاثا في مدافعتها معتمدا على أن قدرة الله أعظم منها، وكلما أغلق في وجهه باب ms092 ~~فتحت له من الركون إلى الله أبواب، فلا يمل ولا يكل، ولا تدركه السآمة، لاعتقاده أن في ~~قدرة مدبر الكون أن يقهر الأعزاء، ويلقي قيادهم إلى الأذلاء، وأن يدك الجبال، ويشق ~~البحار، ويمكن الضعفاء من نواصي الأقوياء، وكم كانت لقدرة الله من هذه الآثار. # فتشتد عزيمته ويدأب فيما كلفه الله من السعي لنيل الكمال والفوز بما أعده الله له من ~~السعادة في الأولى والآخرة، وما كان لموقن بالله وبقدرته وعزته وجبروته أن يقنط وييأس، ~~ولهذا أخبر الله تعالى عن الواقع والحقيقة التي لا ريبة فيها بما قال وهو أصدق ~~القائلين: # إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون ~~، وبما حكي من قول نبيه إبراهيم: # ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ~~، ~~فقد جعل الله اليأس والقنوط دليلا على الكفر، ومن أين يطرق اليأس قلبا عقد على ~~الإيمان بالله وقدرته الكاملة. # لهذا نقول: إن المسلمين لا يسمح لهم يقينهم بالله وبما جاء به محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - أن يقنطوا من رحمة ربهم في إعادة مجدهم مع كثرة عددهم، ولا يسوغ لهم إيمانهم ~~أن يرضخوا للذل، ويرضوا للضيم، ويتقاعدوا عن إعلاء كلمتهم وهم إلى الآن محفوظون مما ~~ابتلي به كثير من الأمم، فإن لهم ملوكا عظاما، ولا يزال في أيديهم ملك عظيم على ~~بسيط الأرض، وإن من الحق أن نقول: إن أبواب رحمة الله مفتحة لديهم وما عليهم سوى أن ~~يلجوها، وإن روح الله نافحة عليهم وما يلزمهم سوى أن يستنشقوها، والفرص دائما تمد ~~أيديها إليهم تطلب إنهاضهم وتنبه غافلهم وتوقظ نائمهم، وليس عليهم في استرجاع ~~مكانتهم الأولى والصعود إلى مقامهم الأول إلا أن يجمعوا كلمتهم ويتعاونوا على ما ~~يقصدون من إعزاز ملتهم، وذلك أيسر ما يكون عليهم، بعد تمكن الجامعة الدينية بينهم، ~~فأي موجب لليأس وأي داع للقنوط وبين أيديهم كتاب الله الناطق بأن اليأس من أوصاف ~~الضالين، وهل توجد واسطة بين الرشد والغي # فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال ~~؟ هل يكون للقانطين فيهم من عذر؟ أيرضون بالعبودية ~~للأجانب بعد تلك ms093 السيادة العليا، ماذا يبتغون من الحياة إن كانت في ذل وإهانة وفقر ~~وفاقة وشقاء دائم بيد عدو غاشم؟ أيطمئنون وهم بين أجنبي حاكم، وبغيض شامت، ومقبح غبي، ~~ومشنع دني، ومعير خسيس ، يرمونهم بضعف العقول ونقص الاستعداد، ويحكمون بأن محالا عليهم ~~أن يصيروا أمة في عداد الأمم؟ ألم ينسلخ الإنسان عن كل خاصة إنسانية؟ كيف يرضى بحياة ~~مكتنفة بكل هذه التعاسات والمكدرات؟ أينسون أنهم كانوا الأعلين في الأرض وما طال على ~~ذلك الزمان، ولا محيت التواريخ ولا عفت الآثار، ولا اضمحلت بالكلية شوكة المسلمين من ~~وجه الأرض. # إن كان للعامة عذر في الغفلة عما أوجب الله عليهم، فأي عذر يكون للعلماء وهم حفظة ~~الشرع والراسخون في علومه، لم لا يسعون في توحيد متفرق المسلمين؟ لم لا يبذلون الجهد في ~~جمع شملهم؟ لم لا يفرغون الوسع لإصلاح ما فسد من ذات بينهم؟ لم لا يأتون على ما في ~~الطاقة لتقوية آمال المسلمين، وتذكيرهم بوعود الله التي لا تخلف لمن صدق في طاعته ~~واليقين به، وتبشيرهم بهبوب روح الله على أرواحهم؟ # بلى، إن قوما شرح الله صدرهم للإيمان قاموا بهذا الأمر في مواقع مختلفة من الأرض، ~~يجمع التواصل بينها عقدة واحدة، إلا أن أملنا في بقية المسلمين أن يتفقوا معهم ويقوموا ~~بتعضيدهم، ليتمكن الجميع من نصر الله # إن تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم ~~. # | الفصل الثاني عشر # رجال الدولة وبطانة الملك وكيف يجب أن يكونوا؟ # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت ~~البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد ~~بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ~~. ~~••• # قالوا: تصان البلاد ويحرس الملك بالبروج المشيدة، والقلاع المنيعة، والجيوش العاملة، ~~والأهب الوافرة، والأسلحة الجيدة، قلنا: نعم، هي أحراز وآلات لا بد منها للعمل فيما ~~يقي البلاد، ولكنها لا تعمل بنفسها، ولا تحرس بذاتها، فلا صيانة بها ولا حراسة إلا أن ~~يتناول أعمالها رجال ذوو خبرة، وأولو رأي وحكمة، يتعهدونها بالإصلاح زمن السلم، ~~ويستعملونها فيما قصدت له زمن ms094 الحرب. # وليس بكاف حتى يكون رجال من ذوي التدبير والحزم وأصحاب الحذق والدراية يقومون على ~~سائر شئون المملكة، يوطئون طريق الأمن، ويبسطون بساط الراحة، ويرفعون بناء الملك على ~~قواعد العدل، ويوقفون الرعية عند حدود الشريعة، ثم يراقبون روابط المملكة مع سائر ~~الممالك الأجنبية ليحفظوا لها المنزلة التي تليق بها بينها، بل يحملوها على أجنحة ~~السياسة القويمة إلى أسمى مكانة تمكن لها. # ولن يكونوا أهلا للقيام على هذه الشئون الرفيعة حتى تكون قلوبهم فائضة بمحبة ~~البلاد، طافحة بالمرحمة والشفقة على سكانها، وحتى تكون الحمية ضاربة في نفوسهم ~~آخذة بطباعهم، يجدون في أنفسهم منبها على ما يجب عليهم، وزاجرا عما لا يليق بهم، ~~وغضاضة وألما موجعا عندما يمس مصلحة الدولة ضرر، ويوجس عليها من خطر، ليتيسر لهم ~~بهذا الإحساس وتلك الصفات أن يؤدوا أعمال وظائفهم كما ينبغي، ويصونوها من الخلل ~~الذي ربما يفضي قليله إلى فساد كبير في الملك، فهؤلاء الرجال بهذه الخلال هم المنعة ~~الواقية والقوة الغالبة. # يسهل على حاكم في أي قبيل أن يكتب الكتائب ويجمع الجنود ويوفر العدد من كل نوع بنقد ~~النقود وبذل النفقات، ولكن من أين يصيب بطانة من أولئك الذين أشرنا إليهم: عقلاء ~~رحماء، وأباة أصفياء، تهمهم حاجات الملك كما تهمهم ضرورات حياتهم؟ لا بد أن يتبع في هذا ~~الأمر الخطير قانون الفطرة، ويراعي ناموس الطبيعة؛ فإن متابعة هذا الناموس تحفظ الفكر ~~من الخطأ وتكشف له خفيات الدقائق، وقلما يخطئ في رأيه أو يتأود في عمله من أخذ به ~~دليلا، وجعل له من هديه مرشدا، وإذا نظر العاقل في أنواع الخطأ التي وقعت في العالم ~~الإنساني من كلية وجزئية وطلب أسبابها؛ لا يجد لها من علة سوى الميل عن قانون الفطرة، ~~والانحراف عن سنة الله في خلقه. # من أحكام هذا الناموس الثابت أن الشفقة والمرحمة والحمية والنعرة على الملك والرعية؛ ~~إنما تكون لمن له في الأمة أصل راسخ ووشيج يشد صلته بها، هذه فطرة فطر الله الناس ~~عليها، إن الملتحم مع الأمة بعلاقة الجنس أو المشرب ms095 يراعي نسبته إليها ونسبتها إليه، ~~ويراها لا تخرج عن سائر نسبه الخاصة به، فيدافع الضيم عن الداخلين معه في تلك النسبة ~~دفاعه عن حوزته وحريمه (راجع رأيك فيما تشهده كثيرا حتى بين العامة عندما يرمي أحدهم ~~أهل البلد الآخر أو دينه بسوء على وجه عام، كسوري ينتقد المصريين أو مصري ينتقد ~~السوريين)، هذا إلى ما يعلمه كل واحد من الأمة أن ما تناله أمته من الفوائد يلحقه حظ ~~منها، وما يصيبها من الأرزاء يصيبه سهم منه، خصوصا إن كان بيده هامات أمورها وفي ~~قبضته زمام التصرف فيها؛ فإن حظه من المنفعة أوفر ومصيبته بالمضرة أعظم، وسهمه من ~~العار الذي يلحق الأمة أكبر، فيكون اهتمامه بشئون الأمة التي هو منها وحرصه على ~~سلامتها بمقدار ما يؤمله من المنفعة أو يخشاه من المضرة. # فعلى ولي الأمر في الدولة أن لا يكل شيئا من عمله إلا إلى أحد رجلين: إما رجل يتصل ~~به في جنسية سالمة من الضعف والتمزيق موقرة في نفوس المنتظمين فيها، محترمة في قلوبهم، ~~يحملهم توقيرها واحترامها على التفاني في وقايتها من كل شين يدنو منها، ولم توهن ~~روابطها اختلافات المشارب والأديان، وإما رجل يجتمع معه في دين قامت جامعته مقام ~~الجنسية، بل فاقت منزلته من القلوب منزلتها، كالدين الإسلامي الذي حل عند المسلمين - ~~وإن اختلفت شعوبهم - محل كل رابطة نسبية، فإن كلا من الجامعتين - الجنسية على النحو ~~السابق والدينية - مبدآن للحمية على الملك ومنشآن للغيرة عليه. # أما الأجانب الذين لا يتصلون بصاحب الملك في جنس ولا في دين تقوم رابطته مقام الجنس، ~~فمثلهم في المملكة كمثل الأجير في بناء بيت، لا يهمه إلا استيفاء أجرته، ثم لا يبالي ~~أسلم البيت أو جرفه السيل أو دكته الزلازل، هذا إذا صدقوا في أعمالهم يؤدون ~~منها بمقدار ما يأخذون من الأجر، واقفين فيها عند الرسم الظاهر، فإن الواحد منهم لا ~~يشرف بشرف الأمة الذي هو خادم فيها ولا يمسه شيء مما يمسها من الضعة؛ لأنه منفصل ~~عنها، إذا فقد العيش فيها فارقها ms096 وارتد إلى منبته الذي ينتسب إليه، بل هو في حال عمله ~~وخدمته لغير جنسه لاصق بمنبته في جميع شئونه ما عدا الأجر الذي يأخذه. # وهذا معلوم ببداهة العقل فلا يجد في طبيعته ولا في خواطر قلبه ما يبعثه على الحذر ~~الشديد مما يفسد الملك أو الحرص الزائد على ما يعلي شأنه، بل لا يجد باعثا يبعثه على ~~الفكر فيما يقوم مصلحته من أي وجه، هذه حالهم هي لهم بمقتضى الطبيعة لو فرضنا صدقهم ~~وبراءتهم من أغراض أخر، فما ظنك بالأجانب لو كانوا نازحين من بلادهم فرارا من الفقر ~~والفاقة وضربوا في أرض غيرهم طلبا للعيش من أي طريق، وسواء عليهم في تحصيله صدقوا أو ~~كذبوا، وسواء وفوا أو قصروا، وسواء راعوا الذمة أو خانوا، أو لو كانوا مع هذا كله ~~يخدمون مقاصد لأممهم يمهدون لها طرق الولاية والسيادة على الأقطار التي يتولون الوظائف ~~فيها - كما هو حال الأجانب في الممالك الإسلامية، لا يجدون في أنفسهم حاملا على الصدق ~~والأمانة، ولكن يجدون منها الباعث على الغش والخيانة. # 1 # ومن تتبع التواريخ التي تمثل أحوال الأمم الماضية وتحكي لنا عن سنة الله في ~~خليقته وتصريفه لشئون عباده؛ رأى أن الدول في نموها وبسطتها ما كانت مصونة إلا برجال ~~منها يعرفون لها حقها كما تعرف لهم حقهم، وما كان شيء من أعمالها بيد أجنبي عنها، وأن ~~تلك الدول ما انخفض مكانها ولا سقطت في هوة الانحطاط إلا عند دخول العنصر الأجنبي ~~فيها، وارتقاء الغرباء إلى الوظائف السامية في أعمالها؛ فإن ذلك كان في كل دولة آية ~~الخراب والدمار، خصوصا إذا كان بين الغرباء وبين الدولة التي يتناولون أعمالها ~~منافسات وأحقاد مزجت بها دماؤهم، وعجنت بها طينتهم من أزمان طويلة. # نعم، كما يحصل الفساد في بعض الأخلاق والسجايا الطبيعية لسبب العوارض الخارجية؛ كذلك ~~يحصل الضعف والفتور في حمية أبناء الدين والأمة، ويطرأ النقص على شفقتهم ومرحمتهم، ~~فينقص بذلك اهتمام العظماء منهم بمصالح الملك إذا كان ولي الأمر لا يقدر أعمالهم حق ~~قدرها، وفي هذه ms097 الحالة يقدمون منافعهم الخاصة على فرائضهم العامة، فيقع الخلل في نظام ~~الأمة ويضرب الفساد، ولكن ما يكون من ضره أخف وأقرب إلى التلافي من الضرر الذي يكون ~~سببه استلام الأجانب لهامات الأمور في البلاد؛ لأن صاحب اللحمة في الأمة وإن مرضت ~~أخلاقه واعتلت صفاته إلا أن ما أودعته الفطرة وثبت في الجبلة، لا يمكن محوه ~~بالكلية، فإذا أساء في عمله مرة أزعجه من نفسه صائح الوشيجة الدينية أو الجنسية، فيرجع ~~إلى الإحسان مرة أخرى، وإن ما شد بالقلب من علائق الدين أو الجنس لا يزال يجذبه آونة ~~بعد آونة لمراعاتها والالتفات إليها، ويميله إلى المتصلين معه بتلك العلائق وإن ~~بعدوا. # لهذا يحق لنا أن نأسف غاية الأسف على أمراء الشرق، وأخص من بينهم أمراء المسلمين، ~~حيث سلموا أمورهم ووكلوا أعمالهم؛ من كتابة وإدارة وحماية؛ للأجانب عنهم، بل زادوا في ~~موالاة الغرباء والثقة بهم حتى ولوهم خدمتهم الخاصة بهم في بطون بيوتهم، بل كادوا ~~يتنازلون لهم عن ملكيتهم في ممالكهم، بعدما رأوا كثرة المطامع فيهم لهذا الزمان، ~~وأحسوا بالضغائن والأحقاد الموروثة من أجيال بعيدة، وبعدما علمتهم التجارب ~~أنهم إذا ائتمنوا خانوا، وإذا عززوا أهانوا، يقابلون الإحسان بالإساءة والتوقير ~~بالتحقير، والنعمة بالكفران، ويجازون على اللقمة باللطمة، والركون إليهم بالجفوة، ~~والصلة بالقطيعة، والثقة فيهم بالخدعة. # أما آن لأمراء الشرق أن يدينوا لأحكام الله التي لا تنقض؟ ألم يأن لهم أن يرجعوا إلى ~~حسهم ووجدانهم؟ ألم يأت وقت يعملون فيها بما أرشدتهم الحوادث ودلتهم عليه ~~الرزايا والمصائب؟ ألم يحن لهم أن يكفوا عن تخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم؟ # ألا أيها الأمراء العظام، ما لكم وللأجانب عنكم، ها أنتم تحبونهم ولا يحبونكم، قد ~~علمتم شأنهم ولم تبق ريبة في أمرهم # إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ~~، سارعوا إلى ~~أبناء أوطانكم وإخوان دينكم وملتكم، وأقبلوا عليهم ببعض ما تقبلون به على غيرهم؛ تجدوا ~~فيهم خير عون وأفضل نصير، اتبعوا سنة الله فيما ألهمكم وفطركم عليه كما فطر ~~الناس أجمعين، وراعوا حكمته البالغة فيما ms098 أمركم وما نهاكم؛ كي لا تضلوا ويهوي بكم ~~الخطل إلى أسفل سافلين، ألم تروا، ألم تعلموا، ألم تحسوا، ألم تجربوا، إلى متى؟ إلى ~~متى؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. # | الفصل الثالث عشر # كم حكمة لله في حب المحمدة الحقة # العالم الإنساني كتاب المعتبر، وسفر المستبصر، وكل قرن من قرونه صفحة، وكل جيل من ~~الناس سطر فيه أو جملة، ولنا في كل ما خطه القلم الإلهي عبرة. # أول ما يفيدنا النظر فيه وقوفنا على أحوال الشعوب في أطوارها المختلفة، وأدوارها ~~المتبدلة، فترى أمما علت وسمت وحلقت في جو المعالي وجازت في الرفعة مسارح النظر، ~~ثم انحدرت بعد هذا وتدهورت وعفت رسومها، ولم يبق لها أثر إلا في الروايات والأحاديث، ~~ومنها أجيال كانت في ثني العدم ثم اكتست حلية الوجود، واتخذت من الاجتماع الإنساني ~~مكان الهامة من الجسد، ثم انطوت وأخنت عليها أمهات قشعم، ومنها ما نراه اليوم يسحب ~~مطارف العزة، ويشرف على العالم بالأمر والنهي من شواهق القوة. # فمن الناس من تتجلى له هذه الشئون وتلك الأطوار كما تعرض عليه التماثيل ينبسط ~~لبعضها إذا أعجبه، وينقبض للآخر إذا أنكره، وهو في غفلة عن منشأ ظهورها وعلل انقلابها، ~~فإن سئل عن السبب قال: سبحان الله! هكذا كان وهكذا يكون، وما هو إلا بخت يسعد فيسعد ~~به السعداء، وينحس فيتعس به الأشقياء. # ومنهم من تنفذ بصيرته إلى الحقيقة، فيقف على ما هيأه الله من الأسباب التي تتبعها ~~أحوال الأمم في صعودها وهبوطها، ويعلم أن ما سيق من الخير لأمة إنما كان بأيدي آحاد من ~~أمثالها جدوا وجاهدوا، وبما بذلوا من نفائسهم وأنفسهم فازوا بتأصيل المجد لشعوبهم ~~وبني جنسهم، ويرى لأولئك الأعلام ذكرا يرفع ومكانة من القلوب تحمد، وتمييزا عند الخلف ~~بالكرامة، وهم لم يخالفوا الناس في جسومهم ودمائهم، وإنما تقدموهم بهممهم، وقد ~~يسوقه الاعتبار إلى الاقتداء بهم رغبة في اقتطاف ثمار الثناء وتخليد الذكر، فإذا أخذ ~~مأخذهم، واستقام على طريقهم فلا يكاد يخطو بعض خطوات ومبدأ المسير تحت نظره، حتى تتعثر ~~أقدامه في ms099 أياد مقطعة، ورءوس مجذوذة، وأشلاء مبددة، وشعور منثورة، وصدور مدقوقة، ويشهد ~~الطريق مضرسة بقبور الشهداء، من طلاب الحق والناهجين في منهاجه، ولا محيص عن سلوكها، ~~وتبدو له غابات وأدغال يرجع إليه منها صدى زئير الآساد وزمجرة الضراغم، ولا بد له من ~~اختراقها. # هكذا تنكشف لطالب المعالي موحشات مدهشات مصاولة المخاطر أدناها، والموت الشريف ~~أقصاها وأعلاها، فتارة يخور عزمه ويضعف همه فينكص على عقبيه، ويرتد إلى أسوأ حاليه، ~~ويرتع في مراتع أمثاله، حتى يروح إلى عطنه الأولى به وهو العدم، وتارة يوحي إليه ~~الإلهام الإلهي أن الشخص في خاصته والأمم في هيئاتها ونوع الإنسان في مجموعه، تطالبها ~~صورة الإبداع بأعمال شريفة دونها إجهاد الأنفس في السعي، وحملها على ما لا تهوى، ~~ومغالبة الأهوال والغوائل، وفيما أودع الله الإنسان من القوى العالية، والخواص السامية، ~~أكبر مساعد على ما تندفع إليه الهمة، وتنبعث له العزيمة. # إن من أحياه الله بالحياة الإنسانية كلما هاجمته المصاعب لا يزداد إلا حرصا على ~~قهرها، كما أن صاحب الشمم لا يزيده الخصام إلا حدة في الجدال، وإصرارا على إقناع ~~المخاصم، وكثير ممن على شكل الإنسان يحيا حياته هذه بروح حيوان آخر، وهو يعاني فيها ~~من الشقاء أشد مما يعانيه الإنسان في إبراز مزايا الإنسان. # إن صاعد الجبل ربما يجد شيئا من التعب ويخشى مفترسة الكواسر، ولكن قد ينجو منها ~~ويستريح على القنة، ويعتصم بمكانه من الرفعة، وتقصر عنه يد المتناول، أما من أخلد إلى ~~أسفل فحظه من الحياة خوف لا ينقطع، وإشفاق لا يزول، كل لحظة توعده بالسقوط في صيد ~~الصائد، والوقوع بين أنياب الغائل، مات من الناس كثير في طلب العلاء ولم ينالوا، ~~وبلغ كثير من المطالبين غاية ما أملوا، ولكن هلك بالفتك أضعاف هؤلاء وهؤلاء ممن ~~رئموا الخمول، ورضوا بالحياة الحيوانية - هذه أحاديث الحق ونفثات الروح الزكية تبعث من ~~أيده الله ووهبه نعمة العقل إلى مداومة السير واقتفاء أثر الماضين إلى أشرف المقاصد، ~~فإما وصل وإما مات كما يموت الكرام. # لم تنل أمة من الأمم مزية ms100 من المزايا المحمودة عند بني البشر، سواء في العلوم ~~والمعارف، والآداب والفضائل، أو القوانين والنواميس العادلة، أو العسكرية وقوة الحماية؛ ~~حتى خرج آحاد منها إلى ما تخشاه النفوس وتهابه القلوب، وسلكوا تلك المسالك الوعرة، ~~فبلغوا بأممهم أقصى ما بلغت بهم هممهم، مع الاعتماد على العناية الأزلية في جميع ~~سيرهم. # ماذا يريد القانون في خدمة الأمم أو النوع الإنساني، والمنفقون لحياتهم في أعمال ~~فادحة يعود نفعها على من تجمعه معهم جامعة الأمة أو الملة أو يشاركهم في النوع؟ أليس ~~قد جعل الله لكل شيء سببا؟ أليس من سنة الله في عباده أن لا تتجه الإرادة البشرية ~~إلى حركة تصدر عن المريد إلا بعد تصور غاية تعود إلى ذاته، وبعد اليقين أو راجح الظن ~~بأنه يستفيد الغاية من العمل؟ فإن كل الأجل يذهب في مساورة الآلام الروحية، والعمر ينفد ~~في مناهدة الأوصاب البدنية، فماذا يقصدون من أعمالهم؟ إن كان يوجد في أبناء جلدتهم، ~~وذوي ملتهم، من يساعد حوادث الكون إلى إيلامهم، وممانعتهم في مقاصدهم، وصدهم عن ~~السعي فيما يرجع خيره إلى أنفس المعارضين، ويثخن فيهم جراح اللوم والتقريع والشماتة ~~والتشنيع، أو يدافعهم بالمكافحة والمنازلة، فما الذي يبتغون من جدهم وكدهم؟ لا ~~لذة تجتنى، ولا ألم يتقى، فما هذا الباعث القوي الذي غلب الأهواء، ولم يضعفه جهد ~~البلاء؟ # نعم، أودع الله في الإنسان ميلا أقوى من كل ميل، وهو أخص خاصة فيه يمتاز بها عن ~~غيره من الأنواع، وهو (حب المحمدة الحقة وحسن الذكر من وجوه الحق)، أقول هذا ~~تفاديا من حب المحمدة من أي وجه، حقا كان أو باطلا، وطلب الثناء بالزور والغش ~~والرياء، والظهور بمظاهر الأخيار، مع تبطن سرائر الأشرار، فإن هذا من أسوأ الخلال، ~~وإنما يعرض بعد اعتلال الفطرة وفساد الطبيعة. # المحمدة هي الغذاء الروحاني، والمقوم النفساني، وكلما قرب الشخص من الكمال الإنساني ~~تهاون بالشهوات أو ازدرى باللذائذ الحسية، وقوي فيه الميل إلى المحمدة الباقية، ~~وبذل الوسع فيما يفيدها من جلائل الأعمال، تأمل، إن الفاضل يرى له في هذا العالم ms101 ~~أجلين، أقصرهما الأجل المحدود من يوم ولادته إلى نهاية العمر المقدر، والآخر ~~أبعد من هذا نهاية، وبدايته عندما ينجم من عمله الصالح أثر لمنفعة تشمل أمته أو تعم ~~النوع الإنساني، وغاية هذا الأجل عندما يمحى أثره من ألواح النفوس وصفحات التاريخ، ~~فللروح الفاضلة وجودان: وجود في بدنها الخاص، ووجود في جميع الأبدان، وهو ما يكون ~~بحلولها من كل روح محل الكرامة والتبجيل، ولا ريب أن هذا الأجل الطويل، وهذا الوجود ~~العريض؛ خير من ذاك الأجل القصير، وذاك الوجود الكز، # 1 # وحقيق بالإنسان أن يبيع ما هو أدنى بالذي هو خير. # يطول بي الكلام فأقصر، إن الله الذي وهب كل نوع ما به كماله، وضع في جبلة البشر ~~ميلا إلى الحمد، وألهمهم تأدية حقه لمستحقه، ألم تر انطلاق الألسن في كل أمة بالثناء ~~على كل من كان سببا لها في مجد ورفعة، أو نهوض من سقطة، أو توحيد كلمة، أو تجديد قوة، ~~أو كمال في فضيلة، أو تقدم في علم أو صنعة، ويرسمونه في الألواح، ويسجلون مدحته في بطون ~~التواريخ، ويرفعون له الهياكل والتماثيل، ويحفظون له ذكرا حميدا يتناقله الأبناء عن ~~الآباء، حتى ينقرضوا وينقرض العالم. # إذا جحدت الأمة حق العالم لها، أو قصرت في استحسان عمله، ضعفت الهمم، وقل السعي في ~~المصالح العامة، وانقبضت الأيدي عن تعاطيها، فهبطت شئون الأمة، فافترقت وماتت. # إن الله - جل شأنه - قرن كل حادث بسبب، فإذا استوى لدى الأمة الحسن والقبيح، والطيب ~~والخبيث، والفضيلة والرذيلة، والمصلحة والمفسدة، وفقد منها التمييز، ولم تقدر ~~أعمال العاملين حق قدرها، ولم تعرف معروفا، ولم تنكر منكرا، سلبت آحادها الميل ~~إلى المعالي والكمالات، وكان هذا أشد نكاية بها من جور الظالمين، وتغلب ~~الغالبين. # وظلم الظالم لا يدوم، وسطوة الغالب لا تثبت، إذا كان جمهور الأمة يقابل الإحسان ~~بالاعتراف، والفضل بالحمد، فإنه يوجد منها من يشتري هذه المكافأة بتخليصها وإنقاذها، ~~وأما فقد هذا الإحساس الشريف، فهو أشبه علة بالهرم، لا عقبى له إلا الموت ~~والهلاك. # كيف لا تكون المحمدة الحقة نعمة ms102 على النفوس الإنسانية، يسعى لها الأعلون من ~~بني الإنسان، وقد امتن الله بها على نبيه فيما يقول له: # ورفعنا لك ذكرك ~~، وكيف لا تكون حقا تطالب به الطبيعة، وقد سمح ~~الله لمستحقيها بالتحدث بنعم الأعمال الصالحات، كما سوغ ذلك لنبيه في قوله: # وأما بنعمة ربك فحدث ~~. # قلب طرفك في تواريخ الأمم، أقصاها وأدناها، تجد برهانا قاطعا على أن الأمة ~~متى بخست قيم الأعمال العالية، وازدري فيها بشأن الفضيلة؛ فقدت ما به قوامها، وانهدم ~~بناؤها، وذهبت كما ذهب أمس، ولا جرم أن الكفران مقرون بزوال النعم. # يمكنني أن أختم كلامي هذا بكلمة شكر لهذه العصابة الطاهرة التي أقدمت في هذه الآونة ~~النحسة، ووقفت على شفير الخطر، وكتبت على نفسها السعي في توحيد المسلمين، ويسرنا أنا ~~نرى عددها كل يوم في ازدياد، نسأل الله نجاح أعمالها وتأييد مقاصدها، إنه نعم المولى ~~ونعم النصير. # | الفصل الرابع عشر # الشرف # كلمة يهتف بها أقوام مختلفة من الناس، إلا أن أكثرهم عن حقيقة معناها غافلون، ~~فئة ترى الشرف في تشييد القصور، والتعالي في البنيان، وزخرفة الحوائط والجدارن، ووفرة ~~الخدم والحشم، واقتناء الجياد، وركوب العربات، وفئة أخرى تتوهم أن الشرف في لبس الفاخر ~~من الثياب، والتزين بألوان الألبسة وأنواعها، والتحلي بحلي الجواهر الثمينة، مرصعة ~~بالأحجار الكريمة، كالألماس والياقوت والزمرد ونحوها. # وفئة تتخيل الشرف في الألقاب والرتب كالبيك والباشا، أو في الوسامات المعروفة ~~بالنياشين وعلو أسمائها كالأول من الصنف الفلاني، والثاني من الدرجة الفلانية، حتى ~~إنك ترى الرجل يسلب مال أخيه، وينهب ثروة أقاربه وذويه، أو بني ملته ومواطنيه، ليشيد ~~بما يصيب من السحت قصرا، ويرفع بناء، ويزخرف بيتا، ويقيم له حراسا من المماليك، ~~وخفراء من الغلمان، ويظن بذلك أنه نال مجدا وفخارا سرمديا، وصح لحاله أن يعنون ~~بعنوان الشرف. # وتجد الآخر يذهب في الكسب أشنع مما يذهب الأول ليكتسي برفيع الثياب، ويتزين بأجمل ~~الحلي، أو ليكون له من ذلك ما يفاخر به أمثاله، ويتخيل أنه بلغ به درجة من الرفعة لا ~~يدانى فيها، ويعبر عن حاله هذا ms103 بلفظ الشرف، ويتوهم أنه وصل الحقيقة من معناه. # ومنهم ثالث يسهر ليله ويقطع نهاره، بالفكر في وسيلة ينال بها لقبا من تلك الألقاب، ~~أو يحصل بها وساما أو يستفيد وشاحا، وسواء عنده الوسائل يطلبها أيا كان نوعها، وإن ~~أفضت إلى خراب بلاده، أو تذليل أمته، أو تمزيق ملته، وعنده أنه رقى الذروة من معنى ~~الشرف. # نحن نرى هذه الأوهام قائمة مقام الحقائق في أذهان كثير من الناس، ولكن لا نظنها ~~طمست عين الحق فيهم، حتى عموا عن إدراك أخطائهم وانحرافهم عن الصواب في وهمهم. ماذا ~~يجد من نفسه المباهي بقصوره، وولدانه وحوره؟ ألا يحس من نفسه أنه وإن حاز منها على أعلى ~~ما يتصوره العقل، فذاته التي هي أعز لديه من جميع ما كسب لم تستفد شيئا من الكمال، ~~وأن جميع ما حصله فهو أجنبي عنه، وليس له نسبة إلا نسبة العناء في تحصيله؟ ألا يرى أن ~~كثيرا ممن بلغ مبلغه أو فاقه، سلبتهم صروف الدهر ما بأيديهم، فأصبحوا بصفاتهم ~~وجواهر ذاتهم، فإن لم تكن على جانب من الكمال الإنساني انخرطت في سلك الطبقات السافلة، ~~ولم يبق لهم في القلوب منزلة ولا في النفوس مكانة. # ماذا يشعر به المفاخر بحليه ولباسه إذا تجرد منه وخلى بنفسه إن لم يكن لذاته حلية من ~~الفضيلة وزينة من الكمال، ألا يكون هو وعراة الفقراء سواء؟ أولا يجد من سره عند ~~المفاخرة أنه يجول مع الغانيات وربات الخدور، في ميدان واحد؟ ماذا يتصور الزاهي برتبته، ~~المعجب بوسامه، إن لم يكن قبل وسمته أو الصعود لرتبته، على حال تجل، أو كمال يبجل، أليس ~~يشعر أنه لو سلب الوسام، أو نزع عنه الوشاح، يعود إلى منزلته من الاحتقار؟ فإن نال ~~الكرامة عند بعض السذج واللقب معلق عليه، أليس ذلك تعظيما للقب لا للملقب به، ألا ~~تكون هذه الكرامة عارضا سريع الزوال، بل رسما ظاهرا لا يمس بواطن القلوب؟ # نعم، لهذه الألقاب الشريفة شأن يرتفع به النظر إذا سبق بعمل يعترف عموم العالم ~~بشرفه، وكان اللقب دليلا ms104 عليه أو مشيرا إليه، كما يكون لمثلها حال يسقط به الاعتبار ~~إذا تقدمها فعلة يمقتها العقلاء من النوع البشري، وكان الوسام أو اللقب عنوانا على ما ~~اقترف كاسبه، وعلامة على ما اجترم. # انظر وتدبر ولا تخطئ، فما أنت من الصواب ببعيد، إن عثمان الغازي الذي لقبه ~~أعداؤه بأسد «بلاونه» نال رتبة ومنح لقبا، وحظي بمكانة رفيعة بين الطبقة العليا من ~~العظماء في دولته، بعدما دفع بروحه للموت في المدافعة عن ملته، وجاهد في إعلاء ~~كلمة دينه، بما شهد له الأعداء والأصدقاء. # وإن بعض الأمراء في دار إسلامية علقت عليهم ألقاب شريفة من دولة كدولة الإنجليز ~~جزاء لهم على ما تقدموا أمام جيوش أعدائهم، لافتتاح بلادهم، حتى مكنوا الإنجليز من ~~ديارهم، وجميع المسلمين الآن يكابدون الجهد في إيجاد الوسائل لخروجهم منها ... أين موقع ~~النيشان من صدر عثمان الغازي من موقعه على صدور أولئك المخدوعين، أظن رجع النظر بين ~~الموقعين يثبت لك أن النيشان يشرف بشرف العمل الذي جعل دليلا عليه ويسقط ~~بسقوطه. # ماذا غر أولئك الواهمين على اختلافهم، ألا يعلمون أن الثياب المعلمة بالدم، الموشاة ~~بالنجيع، الملونة بالمهج، هي التي حفظت للابسيها ذكرا حسنا لا ينقطع، وأثرا مجيدا ~~لا يمحى، إن الذين ضرجوا بدمائهم في طلب المجد لمللهم هم الذين خشعت لذكرهم الأصوات، ~~وأجمعت على فضلهم خواطر القلوب. # ألم يصل إليهم أن الذين قضوا نحبهم في غيابات الجب، وانتهت حياتهم في ظلمات السجن، ~~لطلب حق مسلوب أو حفظ مجد موجود؛ هم الذين سما ذكرهم إلى شرف الشمس الأعلى، وعلت ~~أسماؤهم على جميع الأسماء، أظن أن الذين كانوا في الغرفات العالية ينظرون إلى جناتهم ~~وحدائقهم، ويشرفون على الناس من شرفات قصورهم، وقصروا حياتهم على التمتع بما نالوا؛ ~~لم يبق لهم ذكر ولم يكن لهم في حياتهم شأن، إلا ما هو محصور في دوائر بيوتهم. # ولا يختلف عنهم أولئك الذين كانوا يسحبون مطارف الرفه، ويكتسبون حلل الخز والديباج، ~~ذهبوا وذهبت معهم أكسيتهم، فارتدوا من حيث أتوا لا يعلم متى جاءوا إلى الدنيا، ومتى ms105 ~~انكشفوا عنها. # هل سمعنا أن أحدا يذكر بين بني البشر بأنه نال نيشان كذا وحصل رتبة كذا؟ نعم، ~~يقولون: علم وعمل، وأعطى وبذل، ورفع ووضع، وجاهد وكافح، وأباد وأبقى، وما يشاكل ذلك من ~~الأعمال التي لها أثر ثابت، إذا ذكر الإسكندر الأكبر هل يخطر بالبال إن كان له قصر أو ~~لا؟ أي أبله يطلب سيرة نابليون الأول في آثار قصر كان يسكنه، أو في خرق ثياب كان ~~يلبسها؟ وهل بلغ عظماء العالم ما بلغوا من مقامات الشرف بعدما شيدوا وزينوا وترفهوا ~~وتنعموا، أم كان جميع ما ينالون من ذلك بعد أن يسودوا ويفتحوا ويغلبوا ويأخذوا ~~بالنواصي؟ # خدع قوم بالأحلام وغرتهم الأوهام، ففرطوا في شئون بلادهم، وباعوا مجدها الشامخ بتلك ~~الأسماء التي لا مسمى لها، وزعموا، وإن لم تطاوعهم ضمائرهم، أنهم رقوا من مكانة الشرف ~~وإن كان خاصا بهم بعدما علموا أن الرتب والنياشين جاوزت حدها، ونالها غير أهلها، فلو ~~أنهم أصغوا لما تحدثهم به سرائرهم، وتعنفهم به خواطر أفئدتهم، ورمقوا بأبصارهم ما ~~يحيط بهم؛ لعلموا أنهم في أخس المنازل وأبعد المزاجر، وأدركوا خطأهم في معنى الشرف ~~وجورهم عن جادة الصواب في طلبه، لو أحسوا بما رزئت به أوطانهم، وما لصق من الذل والعار ~~بذراريهم، لطرحوا الوشاحات، ونبذوا الوسامات، ولبسوا أثواب الحداد، ونفروا خفافا ~~وثقالا لطلب الشرف الحقيقي. # الشرف حقيقة محدودة كشفتها الشرائع، وحددتها عقول الكاملين من البشر، وليس لذي ~~شاكلة إنسانية أن يرتاب في فهمها، إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره ~~غشاوة. # الشرف بهاء للشخص، يحوم عليه بالأنظار، ويوجه إليه الخواطر والأفكار، وجمال يروق حسنه ~~في البصائر والأبصار، ومشرق ذلك البهاء عمل يأتيه طالبه يكون له أثر حسن في أمته أو بني ~~ملته، أو في النوع الإنساني عامة، كإنقاذ من تهلكة، أو كشف لجهالة، أو تنبيه لطلب حق ~~سلب، أو تذكير بمجد سبق، وسؤدد سلب، أو إنهاض من عثرة، أو إيقاظ من غفلة، أو إرشاد ~~لخير يعم، أو تحذير من شر يغم، أو تهذيب أخلاق، أو تثقيف ms106 عقول، أو جمع كلمة وتجديد ~~رابطة، أو إعادة قوة وانتشال من ضعف، أو إيقاد حمية، أو حضو لغيرة. # من أتى عملا من الأعمال له أثر من هذه الآثار فهو الشريف وإن كان يسكن الخصاص ~~والأكواخ، ويلبس الدلوق والأسمال، ويقتات بنبات البر، ويبيت على تراب الفقر، ويتوسد ~~نشز الأرض، ويضرب في كل واد، ويتردد بين الربى والوهاد، هذا له حلية من عمله، وزينة ~~من فضله، وبهاء من كماله، وضياء من جده، يهدي إليه ضالة الألباب، وتائهة الأفئدة، ~~تعرفه المشاعر الحساسة ولا تنكره، وتكتنفه ذرات القلوب المتطايرة إليه ولا تنفصل عنه، ~~له من روحه قصور شاهقة، وغرفات شائقة، ومناظر رائقة، وجمال باهر، ونور زاهر، لا يكاد ~~يخفى حتى يظهر، ولا يكاد يستر حتى يبصر، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه ~~إلى أعلى عليين، حياة طيبة في القلوب وعزة مشرقة في جبهة الزمان # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ~~. # نعم، وقد ينبعث عليه من أرباب الطباع الفاسدة بعض الكرائه، فيسلقونه بالألسنة، ~~ويرشقونه بسهام اللوم، ولا تروق في أنظارهم أزهار أعماله، ولا أنوار مزاهره؛ لبعدها ~~عن فهمهم، وغرابتها على حواسهم؛ لما ألفوه من الانكباب على تلك السفاسف الساقطة التي ~~عدوها شرفا، وحسبوها مجدا، وقد بيناها كما كشفتها الشرائع وآراء العقلاء، وإنما ~~مثلهم مثل الجعل ينفر من رائحة الورد، ويألف روائح القذر، لا يبعد أن يسخر بالعامل ~~الفاضل أناس لا أخلاق لهم، أو يقصده بالأضرار من لا ذمة له، ولكنهم بأنفسهم يهزءون، ~~وبمصالحهم يضرون، ولا يطول عليهم الزمان في هذا العمى، بل لا يلبثون إذا بدت الثمرة ~~الشهية أن يهرعوا لاقتطافها، ويطعموا من جناها، ولا يسعهم بعد ذلك إلا الحمد لغارس ~~الشجرة، وحافظ الثمرة، وإن كان دونهم في تلك الزخارف التي لا قيمة لها في نظر العاقل؛ ~~ثم يكون عقابهم على ما فرط منهم ندما على الخطيئة، وأسفا على السيئة، وألما في ~~قلوبهم تهيجه ذكرى ما قاموا من سوء عملهم، وانكشاف نقصهم لدى وجدانهم. هكذا تمنح ~~العناية الإلهية هذه الكرامة لصاحب العمل الشريف ما دام حيا، ms107 فإذا غابت شمسه عن أفق ~~هذا العالم لم تحجب أشعة ضيائه التي فاضت منه على نجوم هاديات، وبدور منيرات، نعم إنه ~~يموت ويتوارى خلف حجاب العدم بجسمه، ولكنه قائم في الأفئدة، شاهد على الألسنة، حي ~~يرزق عند ربه - ونعمت الحياة حياته، ولمثل هذا فليعمل العاملون. # | الفصل الخامس عشر # الأمة وسلطة الحكم المستبد # وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون ~~. ~~••• # إن الأمة التي ليس لها في شئونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر ~~لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، ~~يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فتلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير، ~~فتعتورها السعادة والشقاء، ويتداولها العلم والجهل، ويتبادل عليها الغنى والفقر، ~~ويتناوبها العز والذل، وكل ما يعرض عليها من هذه الأحوال - خيرها وشرها - فهو تابع ~~لحال الحاكم، فإن كان حاكمها عالما حازما أصيل الرأي، علي الهمة، رفيع المقصد، ~~قويم الطبع؛ ساس الأمة بسياسة العدل، ورفع فيها منار العلم، ومهد لها طرق اليسار ~~والثروة، وفتح لها أبوابا للتفنن في الصنائع، والحذق في جميع لوازم الحياة، وبعث في ~~أفراد المحكومين روح الشرف والنخوة، وحملهم على التحلي بالمزايا الشريفة من الشجاعة ~~والشهامة وإباء الضيم، والأنفة من الذل، ورفعهم إلى مكانة عليا من العزة، ووطأ لهم ~~سبل الراحة والرفاهة، وتقدم بهم إلى كل وجه من وجوه الخير. # وإن كان حاكمها جاهلا سيئ الطبع، سافل الهمة، شرها مغتلما جبانا، ضعيف الرأي، ~~أحمق الجنان، خسيس النفس، معوج الطبيعة؛ أسقط الأمة بتصرفه إلى مهاوي الخسران، وضرب ~~على نواظرها غشاوات الجهل، وجلب عليها غائلة الفاقة، وجار في سلطته عن جادة العدل، وفتح ~~أبوابا للعدوان، فيتغلب القوي على حقوق الضعيف، ويختل النظام، وتفسد الأخلاق، ~~وتخفض الكلمة، ويغلب اليأس فتمتد إليها أنظار الطامعين، وتضرب الدول الفاتحة بمخالبها ~~في أحشاء الأمة. # عند ذلك إن كان في الأمة رمق من الحياة وبقيت فيها بقية منها، وأراد الله بها ~~خيرا؛ اجتمع أهل الرأي وأرباب الهمة من أفرادها وتعاونوا على ms108 اجتثاث هذه الشجرة ~~الخبيثة، واستئصال جذورها قبل أن تنشر الرياح بذورها وأجزاءها السامة القاتلة بين ~~جميع الأمة، فتميتها وينقطع الأمل من العلاج، وبادروا إلى قطع هذا العضو المجذم قبل أن ~~يسري فساده إلى جميع البدن فيمزقه، وغرسوا لهم شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء، وجددوا لهم بنية صحيحة سالمة من الآفات - استبدلوا الخبيث بالطيب. # وإن انحطت الأمة عن هذه الدرجة وتركت شئونها بيد الحاكم الأبله الغاشم يصرفها كيف ~~يشاء، فأنذرها بمضض العبودية، وعناء الذلة، ووصمة العار بين الأمم؛ جزاء على ما ~~فرطوا في أمورهم، وما ربك بظلام للعبيد. # | الفصل السادس عشر # دعوة الفرس إلى الاتحاد مع الأفغان ~~«إذا أراد الله بقوم خيرا جمع كلمتهم.» ~~••• # سرنا من الجرائد الفارسية صدقها في خدمة أوطانها واعتدالها في مشاربها، وزادنا مسرة ~~اهتمامها بترجمة بعض الفصول المهمة من جريدتنا ونقلها إلى اللسان العذب الفارسي مما تظن ~~فيه تنبيها لأفكار المسلمين، واستلفاتا لعقولهم إلى ما فيه خيرهم، فلها منا ومن كل ~~مخلص في محبة ملته أوفر الشكر، خصوصا جريدة «اطلاع» التي تطبع في مدينة «طهران»، وهذا ~~المنهج القويم مما تعم به الفائدة في جميع الأقطار الإسلامية؛ فإن جميعها بعد بلاد ~~العرب، وإن اختلفت ألسنة سكانها باختلاف شعوبهم، إلا أنهم ينطقون باللغة الفارسية، فهي ~~في الشرق كاللسان الفرنساوي في الغرب، وكان بودنا أن يعززوا أفكارنا بما تجود به ~~قرائحهم السليمة، وأذهانهم الصافية، وترشدهم إليه عقولهم العالية، خصوصا فيما يتعلق ~~بالدعوة للوحدة الإسلامية، وإحياء الرابطة الملية بين المسلمين، لا سيما في الاتفاق ~~بين الإيرانيين والأفغانيين. # هاتان طائفتان هما فرعان لشجرة واحدة، وشعبتان ترجعان لأصل واحد، هو الأصل الفارسي ~~القديم، وقد زادهما ارتباطا اجتماعهما في الديانة الحقة الإسلامية، ولا يوجد بينهما ~~إلا نوع من الاختلاف الجزئي لا يدعو إلى شق العصا، وتمزيق نسيج الاتحاد، وليس بسائغ ~~عند العقول السليمة أن يكون مثل هذا التغاير الخفيف سببا في تخالف عنيف. # ليس ببعيد على همم الإيرانيين وعلو أفكارهم أن يكونوا أول القائمين بتجديد الوحدة ~~الإسلامية، وتقوية الصلات الدينية، كما قاموا ms109 في بداية الإسلام بنشر علومه، وحفظ ~~أحكامه وكشف أسراره، وما قصروا في خدمة الشرع الشريف بأية وسيلة. # نعم، البخاري ومسلم، والنيسابوري والنسائي والترمذي، وابن ماجه وأبو داود، والبغوي ~~وأبو جعفر البلخي والكليني، وغيرهم ممن أنبتتهم أراضي إيران؛ أبو بكر الرازي الطبيب ~~الشهير والإمام فخر الدين الرازي ممن نشئوا في طهران؛ أبو حامد الغزالي حجة الإسلام، ~~وأبو إسحق الإسفراييني والبيضاوي وخواجه نصير الدين الطوسي والأبهري وعضد الملة ~~والدين، وغيرهم من علماء الكلام والأصول ممن تفتخر بهم بلاد فارس وهم فخار للمسلمين؛ ~~الفيلسوف الشهير أبو علي بن سينا، وشهاب الدين المقتول، ومن على شاكلتهم ممن جبلوا من ~~تراب فارس. # إن أهل فارس كانوا من أول القائمين بخدمة اللسان العربي وضبط أصوله، وتأسيس ~~فنونه؛ منهم: سيبويه، وأبو علي الفارسي، والرضي، ومنهم: عبد القاهر الجرجاني، مؤسس ~~علوم البلاغة لبيان إعجاز القرآن، وفهم دقائقه على قدر الطاقة البشرية، وصاحب صحاح ~~الجوهري من إحدى قراهم، ومجد الدين الفيروز آبادي من إحدى بلدانهم، والزمخشري، ~~والسكاكي، وأبو الفرج الأصفهاني، وبديع الدين الهمذاني، وغيرهم ممن بينوا دقائق القرآن، ~~وشيدوا معالم الدين، كلهم من أرض فارس. # الطبري أول المؤرخين، والإصطخري، والقزويني أول الجغرافيين، كانوا في بلاد فارس، ~~الشبلي كان من نهاوند، وأبو يزيد البسطامي كان من بسطام، والأستاذ الهروي، وهو الأستاذ ~~الحقيقي للشيخ محيي الدين بن العربي؛ كان من هراة وكلها بلاد إيران. # هل ينسى صدر الشريعة وفخر الإسلام البزدوي والآمدي، والمرغيناني والسرخسي، ~~والسعد التفتازاني، والسيد الشريف والأبيوردي، وكلهم من أبناء فارس، من أين كان ~~القطب الشيرازي، والصدر الشيرازي، ورأس الحكمة في المتأخرين ميرباقر الداماد، وميرفند ~~ركسي وغيرهم؛ كانوا من أهل فارس. # أي فضل كان ولم يكن لهم فيه اليد الطولى؟ أي مزية من الله بها على الإسلام ~~ولم يكونوا من السابقين لاقتنائها؟ نعم، وفيهم جاء من قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو كان ~~العلم في الثريا لناله رجال من فارس.» # فيا أيها الفارسيون تذكروا أياديكم في العلم، وانظروا إلى آثاركم في الإسلام، وكونوا ~~للوحدة الدينية دعامة، كما كنتم ms110 للنشأة الإسلامية وقاية، أنتم بما سبق لكم أحق الناس ~~بالسعي في استرجاع ما كان لكم في فتوة الإسلام، أنتم أجدر المسلمين بوضع أساس الوحدة ~~الإسلامية، وما ذلك ببعيد على طيب عناصركم وقوة عزائمكم ، أظن لا يخفى عليكم أن هذا ~~الوقت هو أحسن الأوقات لندائكم بالوحدة مع الأفغانيين والتحالف معهم على مقاومة ~~العادين؛ لتكونوا بالاتحاد معهم حصنا حصينا، وحرزا منيعا، تقف دونه أقدام ~~الطامعين، أظنكم لم تنسوا أن استيلاء الإنجليز على الممالك الهندية، إنما تم بوقوع ~~الخلاف بينكم وبين الأفغانيين. # هل يخفى عليكم أن كل مسلم في الهند شاخص بصره إلى طرف بنجاب ينتظر قدومكم إذا اتحدتم ~~مع إخوانكم الأفغانيين، حصلت لكم تجارب كثيرة وشهدتم من مظاهر الحوادث ما فيه أكمل ~~عبرة، فهل يصح بعد هذا أن تستمروا على التجافي والتباعد، مع علمكم أن الوحدة منبت ~~الشوكة؟ # هذا آن التآخي والتوافق، هذه أوقات التحالف والتواثق، أحاط الأعداء ببلادكم، شرقا ~~وغربا، وكل يشحذ سيفه ويسدد سهمه، حتى تمكنه الفرصة من شن الغارة على أطراف بلادكم، ~~فلو ضاعت الفرصة في هذا الوقت فربما لا تصادفونها في غيره، الإنجليز في ارتباك شديد في ~~المسألة المصرية مع ضعفهم في القوة العسكرية، ومتورطون باختلاف الدول عليهم ومعاكستهم ~~لمقاصدهم. # الأمير عبد الرحمن خان أمير أفغانستان على ما نعهده من أول شيبوبته أشد الناس عداوة ~~للإنجليز، وبينه وبينهم حزازات لا تزول، بل نقول: إن عداوة الإنجليز سارية في عروق ~~الأفغانيين عموما ممتزجة بدمائهم، فلو حصل الاتفاق الآن بين سلطنة الشاه وبين إمارة ~~الأفغان، لوجدت قوة إسلامية جديدة في المشرق بين سائر الطوائف الإسلامية، وينبعث ~~فيهم وفي سائر المسلمين حياة جديدة، وتتجدد لهم آمال جليلة، وتنتعش بذلك أرواح ~~المؤمنين، هذا وقت تنبهت فيه أفكار الأفغانيين إلى أعمال جيرانهم في المسألة المصرية، ~~وتحركت فيهم السواكن، وهي أعظم فرصة لأهل فارس في دعوتهم للاتحاد معهم. # هذا عمل من أجل الأعمال وأجزلها فائدة، وإن من أكبر الفضل أن يقوم أهل الفضل من ~~أهالي إيران بتحرير الفصول ونشر الرسائل في بيان فوائد الاتفاق ms111 بين الطائفتين، وإن لذلك ~~لأثرا عظيما في النفوس خصوصا إن كانت من أقلام العلماء الأعلام، والمجتهدين ~~الكرام. # العالم الإنساني عالم الفكر والكلام، فإحكام الفكر الصالح ونشره في الكتب والرسائل ~~والجرائد مما يؤثر أجمل الأثر في تهذيب الناس وتثقيف عقولهم، وإزالة الضغائن المفسدة ~~لمعاشهم ومعادهم، فإذا قام المستبصرون وخطبوا ووعدوا، وكتبوا ونشروا، مع الوقوف عند ~~الحدود الدينية، والأصول الشرعية، كان فضل الله كافلا لهم النجاح. # أي فرق بين الأفغانيين وإخوانهم الإيرانيين، كل يؤمن بالله وبما جاء به محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، عبد الرحمن خان بما أكسبته التجارب أول من يتقدم لهذا الاتفاق، ولا نشك أن ~~شاه إيران لما اطلع عليه في سياحاته وشاهده في أسفاره لا يأبى المبادرة إليه والسعي ~~فيه، إن البادئ بالعمل في هذا المقصد الأسمى هو صاحب الفضل الأعظم بين المسلمين خصوصا ~~وبين العالم عموما ويجني ثمرته في وقت قريب. # كان الألمانيون يختلفون في الدين المسيحي على نحو ما يختلف الإيرانيون مع الأفغانيين ~~في مذاهب الديانة الإسلامية، فلما كان لهذا الاختلاف الفرعي أثر في الوحدة السياسية، ~~ظهر الضعف في الأمة الألمانية، وكثرت عليها عاديات جيرانها، ولم يكن لها كلمة في سياسة ~~أوروبا، وعندما رجعوا إلى أنفسهم وأخذوا بالأصول الجوهرية، وراعوا الوحدة الوطنية في ~~المصالح العامة، أرجع الله إليهم من القوة والشوكة ما صاروا به حكام أوروبا وبيدهم ~~ميزان سياستها. # رجاؤنا في الأفاضل الكرام صاحب جريدة «فرهنك» الأصفهانية، وصاحب جريدة «أطلاع» ~~الطهرانية، وسائر أرباب الجرائد الإيرانية أن يوجهوا أفكارهم إلى هذا المطلب الرفيع، ~~ويجعلوا له محلا فسيحا في جرائدهم، وينشروها في بلادهم، وبلاد الأفغان، باللسان ~~الفارسي، وهو لسان الطائفتين، وما هي إلا أيام ثم نرى علائم النجاح - إن شاء الله رب ~~العالمين. # | الفصل السابع عشر # امتحان الله للمؤمنين # الم * أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا ~~الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين ~~. ~~(العنكبوت: 1-3) # من الناس، بل أغلب الناس، من يقول: آمنا، وللإيمان آثار، ثم يحسبون أن الله ~~يتركهم وما ms112 يقولون، ويدعهم وما يتوهمون، ويعاملهم - سبحانه - وهو الحكم العدل بما يظنون ~~في أنفسهم قبل أن يبتليهم أيهم أحسن عملا، حتى تظهر أنفسهم لأنفسهم، ويعلموا هل هم ~~حقيقة مؤمنون أو هذه دعوى سولتها النفس، وغرت بها الأماني، وأنهم تائهون في ~~أوهامهم يحسبون أنهم على شيء، وهم خلو من كل شيء، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، إلا في ~~غيه حتى يبتليه في دعوى الإيمان ليعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين ولئلا تكون ~~للناس على الله حجة. # حاشا حكيما، أنزل الكتب وأرسل الرسل، ووعد وأوعد وبشر وأنذر، وقوله الصدق ووعده ~~الحق؛ أن يجازي من بني عقيدته على خيال ليس له أثر، وظن ليس له أساس، وبالسعادة ~~السرمدية، والنعيم الأبدي، إن المغتر بزعمه، الحائر في ظلمات أوهامه، الذي لا يسهل ~~عليه الإيمان احتمال المشاق وتجشم المصاعب في سبيله؛ ليس بمعزل عن المنافقين الذين ~~حكم الله عليهم بالشقاء الأبدي والعذاب المخلد. # الإيمان يغلب كل هوى، ويقهر كل أمنية، ويدفع بالنفس إلى طلب مرضاة الله بلا سائق ~~ولا قائد سواه، يقول الله - وهو أصدق الصادقين: # لا يستأذنك ~~الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * ~~إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ~~(التوبة: ~~44-45)، هذا قضاء الله وهذا حكمه على الذين يستأذنون في بذل أرواحهم وأموالهم في أداء ~~فريضة الإيمان، حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون. # صدق الله وصدقت كتبه ورسله، إن للعقائد الراسخة آثارا تظهر في العزائم والأعمال ~~وتأثيرا في الأفكار والإرادات، لا يمكن للمعتقدين أن يزيحوها عن أنفسهم ما داموا ~~معتقدين، هكذا الإيمان في جميع شئونه وأطواره، له خواص لا تفارقه، ونزعات لا تزايله، ~~وصفات جليلة لا تنفك عنه، وخلائق عالية سامية لا تباينه، بها كان يمتاز المؤمنون ~~في الصدر الأول، وكان يعترف بمزيتهم وعلو منزلتهم من كانوا يجحدون عقيدتهم، نعم، هم ~~الذين صبروا في نيران امتحان الله وابتلائه حتى ظهر إيمانهم ذهبا إبريزا صافيا من ~~كل غش، وأعد الله لهم جزاء على صبرهم ms113 نعيما مقيما، ما أصعب ابتلاء الله وما ~~أشد فتنته، وما أدق حكمته في ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب! # نعم، إن دون ابتلاء الله خلع العادات، وتحمل الصعوبات، وبذل الأموال، وبيع ~~الأرواح، كل خطر فهو تهلكة ينبغي البعد عنها إلا في الإيمان، فكل تهلكة فيه فهي ~~نجاة، وكل موت في المحاماة عن الإيمان فهو بقاء أبدي، وكل شقاء في أداء حقوق الإيمان ~~فهو سعادة سرمدية، المؤمن يبذل ماله فيما يقتضيه إيمانه ولا يخشى الفقر، وإن كان ~~الشيطان يعده الفقر، ليس في النفقة لأداء حق الإيمان تبذير ولو أتت على كل ما في ~~أيدي المؤمنين، إن للمؤمن حياة وراء هذه الحياة، وإن له لذة وراء لذاتها، وإن له سعادة ~~غير ما يزينه الشيطان من سعادتها، هكذا يرى المؤمن إن كان الإيمان مس قلبه ولو لم ~~يبلغ العناية من كماله. # إن الفرار من محنة الله في الإيمان مجلبة للخزي الأبدي، إن الفرار من صدمة جيش ~~الضلال وإن بلغت أقصى ما يتصور موجب للشقاء السرمدي، لا سعادة إلا بالدين، ودون حفظ ~~الدين تتطاير الأعناق، إن للإيمان تكاليف شاقة وفرائض صعبة الأداء إلا على الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى، إن القيام بفرائض الإيمان محفوف بالمخاطر، مكتنف ~~بالمكاره، كيف لا وأول ما يوجبه الإيمان خروج الإنسان عن نفسه وماله وشهواته ووضع جميع ~~ذلك تحت أوامر ربه؟ # لن يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه، أول إحساس يلم ~~بنفس المؤمن أنه في هذه الدنيا عابر سبيل إلى دار أخرى خير من هذه الحياة وأبقى، ~~وأول خطوة يخطوها المؤمن بذل روحه إذا دعاه داعي الإيمان، ولا داعي أرفع صوتا ~~وأبين حجة من نداء الحق على لسان أنبيائه، لا يقبل الله في صيانة الإيمان عذرا ~~ولا تعلة ما دامت الرجل تمشي والعين تنظر واليد تعمل، إن امتحان الله للمؤمنين ~~سنة من سننه. # | الفصل الثامن عشر # ومن يضلل الله فما له من هاد ~~. ~~(الرعد: 33) # يوجد بين بني البشر نفوس لم يرضها الإسلام، ولم تقنع بالكفر، ms114 تتلون تلون الحرباء، ~~وتتشكل تشكل الأغوال، وتتقلب تقلب الدهر الخئون، لا ترضى بحال، ولا تنسج على ~~منوال، يضحكون وقت البكاء، ويمرحون عند اشتداد اللأواء، ويبكون لأوقات المسرة، ~~ويضجرون لسعة الرحمة، مثلهم كمثل الحسك المثلث الأضلع ، كله شوك حيثما قلبته، تراهم في ~~النهار مسلمين متقلبين بين مذاهب الإسلام، يصبحون سنيين ويقيلون شيعيين ويقضون طرف ~~اليوم وهابيين، فإذا جن الليل رأيتهم دهريين إباحيين! أولئك الذين غضب الله عليهم ~~ويلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. # منهم أناس من أرباب الجرائد الساقطة في الهند، يريدون أن يتزلفوا للحكومة الهندية ~~الإنجليزية بما فيه مضرة أوطانهم وأبناء الملة التي ولدا فيها؛ لينالوا من ~~ظالميهم جائزة ما، أو ليكون لهم في دوائرهم اسم ما، فأخذوا يثولون بعض فصول ~~العروة الوثقى ويحولونها عن وجهتها جهلا، أو عنادا ولوما، ويحرفون الكلم عن مواضعه ~~على حسب أهوائهم الخسيسة، وطباعهم الخبيثة - قاتلهم الله أنى يؤفكون - أولئك قوم ~~عرفناهم وليس لهم بين قومهم شأن يعرفون به فليس يهمنا أمرهم، وإنا نقدم الشكر للجرائد ~~المهمة الهندية الناهجة في خدمة أوطانهم منهج الحق، السالكة جادة الاعتدال على ما تعنى ~~به من ترجمة فصول العروة الوثقى إلى اللسان الهندي تعميما للفائدة في أبناء أوطانها، ~~جزاها الله عن المسلمين خيرا. # | الفصل التاسع عشر # أسباب حفظ الملك # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور ~~. ~~(الحج: 46) # أهلك الله شعوبا، وأباد قبائل، ودمر بلادا، ولا يزال عدل الله يبدل قوما ~~بقوم ويأتي لكل حين بأناس آخرين، حكيم سبقت رحمته غضبه، جعل لكل عمل جزاء، وعين ~~بحكمته لكل حادث سببا # ولا يظلم ربك أحدا ~~(الكهف: 49)، وليست أفعاله جزافا، ولا يصدر عنه شيء عبثا، أمر الله عباده بالسير ~~في الأرض # قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين ~~(الأنعام: 11) ليريهم قضاءه الحق وحكمه العدل، ~~فيمن سلف ومن خلف، فيطيعوا أوامره، ويقفوا عند حدود شرائعه، ويفوزوا بخير الدنيا ~~وسعادة الآخرة، من كان له قلب يعقل وعين ms115 تبصر، وعقل يفقه، وتتبع حوادث العالم، ~~وتدبر كيفية انقلاب الأمم، وخاض في تواريخ الأجيال الماضية، واعتبر بما قص الله علينا ~~في كتابه المنزل؛ يحكم حكما لا يخالطه ريب، بأنه ما حاق السوء بأمة وما نزلت بها ~~نازلة البلاء، وما مسها الضر في شيء إلا وكانت هي الظالمة لنفسها، بما تجاوزت ~~حدود الله وانتهكت حرماته، ونبذت أوامره العادلة، وانحرفت عن شرائعه الحقة، وحرفت ~~الكلم عن مواضعه، وأولت من كلامه تعالى على حسب الأهواء والشهوات. # كما أن للأغذية والأدوية، واختلاف الفصول والأهوية، أثرا ظاهرا في الأمزجة بتقدير ~~العزيز العليم، كذلك اقتضت حكمة الله أن يكون لكل عمل من الأعمال الإنسانية، ولكل طور ~~من أطوار البشر، أثر في الهيئة الاجتماعية؛ ولهذا كان من رحمته بعباده تحديد الحدود، ~~وتقرير الأحكام ليتبين الخير من الشر، ويتميز النفع من الضر، فأرسل الرسل، وأنزل ~~الكتب، فمن خالف الأوامر الإلهية فقد ظلم نفسه، فليستعد لخزي الدنيا وعذاب ~~الآخرة. # إن تأثير الفواعل الكونية في أطوار الحياة قد يخفى سببه حتى على الطبيب الماهر، أما ~~تأثير أحوال بني الإنسان في هيئة إجماعهم، فيسهل على سره لكل ذي إدراك، إن لم تكن عين ~~بصيرته عمياء. # ألم تر أن الله جعل اتفاق الرأي في المصلحة العامة والاتصال بصلة الألفة في المنافع ~~الكلية سببا للقوة واستكمال لوازم الراحة في هذه الحياة الدنيا، والتمكن من الوصول ~~لخير الأبد في الآخرة. وجعل التنازع والتغابن علة للضعف، وداعيا للسقوط في هوة ~~العجز عن كل فائدة دنيوية أو أخروية، ومهيئا لوقوع المتنازعين في مخالب العاديات من ~~الأمم، فمن نظر نظرة في أحوال الشعوب ماضيها وحاضرها، ولم يكن مصابا بمرض القلب، ~~وعمى البصيرة؛ أدرك سر أمر الله في قوله: # واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~(آل عمران: 103)، وسر نهيه في ~~قوله: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم ~~(الأنفال: 46)، أي جاهكم وعظمتكم وعلو كلمتكم. # إن الله تعالى يجعل الركون إلى من لا يصح الركون إليه، والثقة بمن لا تنبغي الثقة ~~به، سببا في اختلال الأمر وفساد الحال، فمن وثق في ms116 عمله بمن ليس منه في شيء، ولا ~~تجمعه معه جامعة حقيقية، ولا تصله به رابطة صحيحة، وليس في طبعه ما يبعثه على رعاية ~~مصلحته، أو كتم سره، ولا ما يحمله على بذل الجهد في جلب منفعته، ودفع المضار عنه؛ ~~فلا ريب يفسد حاله، ويسوء مآله، وإن كان ملكا ضاع ملكه، أو أميرا بطل أمره، والحوادث ~~عاهدة، وأحوال المغرورين ناطقة، فمن لم يرزأ بعمى البصيرة يدرك بأول التفات سر ~~نهي الله تعالى في قوله: # لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا ~~بما جاءكم من الحق ~~(الممتحنة: 1)، وقوله: # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من ~~أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ~~(آل عمران: 118)، وسائر ~~نواهيه المبنية على الحكمة البالغة المرشدة إلى مصالح الدارين. # لكل شخص في طبقته من أمته عمل مفروض عليه، وواجب يلزمه القيام به، ليحفظ بذلك ~~لنفسه حياة طيبة في هذه الدنيا، ويعد لها مآلا صالحا في الآخرة، وهو إنسان له قلب ~~واحد، لو جعل معظم همه في شيء فإنه سائر الأشياء، فلو توغل في الشهوات، وبالغ في الترف، ~~وبطر فيما أنعم الله عليه، فقد أغفل فرائضه، وأضر بنفسه، وحرم من منافعه، وحل به من ~~عقاب الله أشد الوبال، وخسر الدنيا والآخرة معا، وربما مست آثار أعماله بالسوء من ~~يجاوره، واحترق بناره الموقدة بفساد أخلاقه وانحرافه عن سنن الحق من يساكنه في بلدته، ~~أو يواطنه في مدينته، وهذه آثار المترفين في كل أمة تنطق بما لا يعجم إلا على أذن ~~صماء، وتشهد بما لا يخفى إلا على بصيرة كمهاء، وإن فيما قص الله علينا من أحوال ~~المترفين لأكبر عبرة: # وكم أهلكنا من قرية بطرت ~~معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا وكنا نحن الوارثين ~~(القصص: 58)، # حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم ~~يجأرون * لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون ~~(المؤمنون: 64-65)، # ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ~~(غافر: ms117 75)، هذه عواقب اللاهين بحظوظهم عما أوجب الله عليهم، # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى ~~(طه: 124). # ما أوتي الإنسان من العلم إلا قليلا، لا يمكن لإنسان وحده أن يحيط بوجوه المنافع ~~الخاصة بنفسه، ولا أن يطلع على منابع فوائده ليكسبها، أو يكشف مكامن مضاره فيتقيها، ~~خلق الإنسان ضعيفا فأرشده الله للاستعانة بغيره من بني جنسه # وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~(الحجرات: 13)، ~~خلقنا محتاجين للعون مضطرين للصبر، وهدانا ربنا للتعاون والتناصر. # هذا مما يحكم به العقل في المصالح الخاصة، فكيف لو كان شخص ولاه الله رعاية ~~أمة، وألقى إليه بزمام شعب مصالحه التامة تحت إرادته، وهو الوازع فيه والواضع ~~والرافع؟ لا ريب أن مثل هذا الشخص أحوج إلى المشورة والاستفادة من آراء العقلاء، وهو ~~أشد افتقارا إلى ذلك ممن يكون سعيه لمتعلقات ذاته، وتكون سعة دائرة افتقاره إلى ~~التشاور على مقدار سعة سلطانه، وقد أمر الله نبيه وهو المعصوم من الخطأ تعليما ~~وإرشادا فقال: # وشاورهم في الأمر ~~(آل عمران: ~~159)، وقال فيما امتدح به المؤمنين: # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~(الشورى: 38)، أي بصر يزوغ عن هذا الصراط المستقيم؟! أي ~~بصيرة لا تهتدي إلى هذا المنهج القويم: # أفلم يدبروا ~~القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ~~(المؤمنين: 68). # إن وازع البلاد والقائم على الملك لو ألمح لمحة إلى نفسه لرأى أن بلاده في كل ~~وقت معرضة لأطماع الطامعين، وأن الحرص المودع في طباع البشر، يحرك جيرانه كل آن ~~للسطوة على ممالكه ليذلوا قومه، ويستعبدوا أهله، ويستأثروا بمنافع أرضهم وثمار كدهم، ~~ويمنحوها أبناء جلدتهم، فعليه وعلى من يشركه في أمره من عماله، والحكام النائبين عنه في ~~إيالاته، وقواد جيشه، وعلى كل أرباب الرأي، ومن بهم قوام الملك، أن يستعدوا لدفع ~~طوارئ العدوان، ورفع نوازل الغارات الأجنبية، فلو فرطوا في إعداد لوازم الدفاع، ~~أو تساهلوا فيما يكف عنهم سيل الأطماع، أو تهاونوا فيما يشد قوتهم، ويقوي شوكتهم ~~بأي وجه كان ومن أي نوع كان؛ فقد عرضوا ملكهم للهلاك وألقوا بأنفسهم في مهاوي ~~الأخطار. ms118 # هذا مما يفهمه الأبله والحكيم، ويصل إليه إدراك الجاهل والعليم، وهو سر الإفصاح ~~والإبهام في قوله تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ~~(الأنفال: 60)، أمر بإعداد القوة ووكلها إلى الطاقة وحكم ~~الاستطاعة، على حسب ما يقتضيه الزمان، وما تكون عليه حالة من تخشى غوائلهم، هذا أمر ~~الله ينبه الغافل، ويذكر الذاهل: # فمال هؤلاء القوم ~~لا يكادون يفقهون حديثا ~~(النساء: 78). # إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الأشياء في مواضعها، وتفويض أعمال الملك للقادرين على ~~أدائها؛ مما يوجب صيانة الملك، وقوة السلطان، ويشيد بناء السلطة، ويحكم دعائم السطوة، ~~ويحفظ نظام الداخل من الخلل، ويشفي نفوس الأمة من العلل، هذا مما تحكم به بداهة ~~العقل، وهو عنوان الحكمة التي قامت بها السماوات والأرض، وثبت بها نظام كل موجود، وهو ~~العدل المأمور به على لسان الشرع في قوله تعالى: # إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان ~~(النحل: 90)، كما أن الجور عن ~~الاعتدال والميل عن سبيل الاستقامة في كل جزء من أجزاء العالم يوجب فناءه واضمحلاله، ~~كذلك الجور في الجمعيات البشرية يسبب دمارها، لهذا حثت الأوامر الإلهية على العدل، ~~وكثر النهي في الكتاب المجيد عن الظلم والجور، والحكام أولى من توجه إليه الأوامر ~~والنواهي في هذا الباب، العدل هو الحكمة التي امتن الله بها على عباده، وقرنها بالخير ~~الكثير فقال: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ~~(البقرة: 269)، هي مظهر من أجل مظاهر صفاته العلية، فهو الحكم ~~العدل وهو اللطيف الخبير. # من سار في الأرض، وتتبع تواريخ الأمم، وكان بصير القلب؛ علم أنه ما انهدم بناء ~~ملك، ولا انقلب عرش مجد، إلا لشقاق واختلاف، أو ثقة بمن لا يوثق به، وتخلل العنصر ~~الأجنبي، أو استبداد في الرأي، واستنكاف عن المشورة، وإهمال في إعداد القوة، والدفاع ~~عن الحوزة، أو تفويض الأعمال لمن لا يحسن أداءها ووضع الأشياء في غير مواضعها، فيكون ~~جور في الحكم، واختلال في النظم، وفي كل ذلك حيد عن سنن الله، فيحصل غضبه بالخاطئين، ~~وهو أحكم الحاكمين. # لو تدبرنا آيات القرآن، واعتبرنا بالحوادث التي ألمت ms119 بالممالك الإسلامية ~~لعلمنا أن فينا من حاد عن أوامر الله وضل عن هديه، ومنا من مال عن الصراط ~~المستقيم الذي ضربه الله لنا وأرشدنا إليه، وبيننا من اتبع أهواء النفس وخطوات ~~الشيطان، # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله ~~سميع عليم ~~(الأنفال: 53)، فعلى العلماء الراسخين - وهم روح الأمة ~~وقواد الملة المحمدية - أن يهتموا بتنبيه الغافلين عن ما أوجب الله، وإيقاظ النائمة ~~قلوبهم عما فرض الدين، ويعلموا الجاهل، ويزعجوا نفس الذاهل، ويذكروا الجميع بما ~~أنعم الله به على آبائهم، ويستلفتوهم إلى ما أعد الله لهم لو استقاموا، ويحذروهم ~~سوء العاقبة لو لم يتداركوا أمرهم بالرجوع إلى ما كان عليه النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه ~~ورفض كل بدعة، والخروج عن كل عادة سيئة لا تنطبق على نصوص الكتاب العزيز، ويقصوا عليهم ~~أحوال الأمم الماضية، وما نزل بها من قضاء الله عندما حادت عن شرائعه، ونبذت أوامره # فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~(الزمر: ~~26). # على العلماء أن يزيلوا اليأس بتذكير وعد الله ووعده الحق في قوله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم ~~من بعد خوفهم أمنا ~~(النور:55)، هذه وظيفة العلماء الراسخين ~~وما هم بقليل بين المسلمين، ولا نظنهم يتهاونون فيما فوض الله إليهم، ووكل إلى ذمتهم، ~~وهم أمناء الدين وحملة الشرع، ورافعو لواء الإسلام، وأوصياء الله على المؤمنين، ~~أعانهم الله علي خير أعمالهم، ونفع بهم المؤمنين بإرشادهم. # | الفصل العشرون # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين ~~. ~~(القصص: 5) # للإنسان عقل سمي، وفكر علي، وحدس قوي، وبراعة في الاستدلال، ومهارة في ~~الاستنباط، ومع هذا كله تراه في رأيه عليلا، ولا يصيب في مقاصده إلا قليلا، تشابه ~~علل الحوادث في تنوعها يحول بين المرء وعلم الحوادث الآتية، ويحجب عن نظره جادة ~~الصواب، فيخبط في خطأ ويخوض في عمه، ms120 وتلتبس عليه المقدمات، فتشبه النتائج، فيختل ~~قياس الاستنباط؛ هذا ما يحمل كثيرا من الناس على الحكم باستحالة ممكن، أو إمكان ~~مستحيل. # لو أن حاذقا بصيرا بفنون السياسة، وخبيرا بأحوال الأمم، ذهب إلى البلاد الهندية ~~قبل اليوم بأربعين سنة، وساح في أرجائها ووقف على أحوال أولاد السلاطين المغوليين وما ~~هم فيه من الذلة، وأحفاد «تبيوسلدان» وما أصابهم من الفقر والمسكنة، وسلالة سلاطين ~~«أوده» وما نزل بهم من الهوان، ونوابي «كارناتك» وأمراء السند وما حل بهم من الصغار، ~~وتدبر شئون «مرتة» تلك القبيلة العظيمة القاطنة في «فونا» و«ستارة» وما حولها، وأحاط ~~بالبلاء المنصب على غيرهم من سائر الأمراء والرجوات العظام؛ ثم لاحظ سلطة الإنجليز ~~وتغلبهم على تلك البلاد وما أعدوه لقهرها من الآلات الحربية، والحصون القوية، وما ~~هم عليه من الحذق في الحيل والخدع السياسية، وما عليه رعاياهم من الضعف والعجز ~~وسلامة القلب وغرة الجنان؛ ولو أتى من الفكر في لواحق هذه الأحوال على غاية جهده؛ ~~لحكم، بناء على ما لديه من المقدمات وما يحضره من الأقيسة، بأن أولئك الأقوام وسلائل ~~الأمراء وأحفاد السلاطين، قد ضرب عليهم الذل الأبدي، وسجلت عليهم العبودية السرمدية، ~~بل ربما ذهب به الوهم إلى الحكم عليهم بتحتم الفناء ولزوم الاضمحلال؛ فإن الناظر في ~~شئونهم ما كان يحضره إلا صولة الإنجليز وسعة اقتدارهم، وخضوع الهنديين وشدة عجزهم، ~~ما كان يخطر في ذلك الوقت بخاطر أحد أن الأيام تأتى بهذا الحادث الجديد. # إن الروسية تقطع الفيافي من وراء بحر الخزر حاملة عواملها رافعة أعلامها ضاربة في تلك ~~البوادي، زاحفة إلى حدود الهند، ما كان يختلج في صدر أحد في تلك الأوقات أن حرص ~~الإنجليز وطمعهم في الاستيلاء على مصر يوجب انحراف الدول عنهم ويقتضي قيام رجل السياسة ~~«البرنس بسمارك» لجمع كلمة الدول على مصادمتهم، ما كان يحوم في خيال أن قائما يسمى ~~محمد أحمد يقوم بدعوة دينية في أعالي السودان وبعد إرغامه للإنجليز مرات يحرك قلوب ~~الهنديين ويوقظ نائميهم، ويثير الساكن من خواطرهم وينهض الهمم، ويحيي الآمال فيهم ~~بعد ms121 القنوط وتنتشر دعوته في أرجاء الهند. نعم، ومن أين يكون للإنسان علم هذه الحوادث ~~وهي محجوبة بستار الغيب، فهو معذور في أحكامه مقسور على أوهامه. # نرى دوائر السوء تدور بالحكومة الإنجليزية، وقد تهيأت ضاربات الشر للوثبة عليها، ~~وليس لها حليف في أوروبا، وإن استئثارها بمنافع الأمم، وطمعها في الاختصاص بمصالح ~~العالم أبعد عنها الأصدقاء، ونفر منها الأولياء، فكانت هذه السقطة بهزة لنهوض ~~الروسية وتقدمها إلى الحدود الهندية، ومن مصلحة الدول في أوروبا خصوصا دولة الألمان ~~- على ما يظهر من جرائدها الرسمية - أن تؤيد الروسية فيما تقصد من فتح الهند؛ فإن ~~اندفاع السيل الروسي على تخوم الهند خير لأوروبا عموما وألمانيا خصوصا من انحداره ~~إلى بعض المواقع الأوروبية، وأنجع في صيانة السلم الأوروبي إذا جاء يوم التصادم بين ~~روسيا والإنجليز على حدود الهند - وما هو ببعيد - كان قضاء السوء على الجيش الإنجليزي ~~في الصدمة الأولى فيما نظن لقلة عدده، ولأن العدد الغالب فيه من الهنديين الحرجة ~~صدورهم المجروحة قلوبهم المترقبين لفرصة تمكنهم من الخروج على حكامهم الظالمين، فإذا ~~وقعت الهزيمة اشتعلت نار الثورة في عموم الهند، ومحيت سلطة الإنجليز بأيدي ~~الهنديين. # ليس من الممكن للروسية أن تستولي على الأقطار الهندية استيلاء مطلقا لأول وهلة؛ فإن ~~البلاد واسعة أطرافها شاسعة تحتاج في إداراتها والمحافظة عليها إلى ملايين من الناس ~~يعسر عليها جذبهم من بلادها البعيدة، نعم إن الإنجليز تسلطوا على الهند ولكن في أحقاب، ~~فدولة روسيا ملجأ بحكم الضرورة إلى تشكيل ممالك في الهند يديرها رجال من العائلات ~~الملكية والقديمة من أولاد سلاطين المغول وذرية سيبو سلطان وأمراء السند و«أوده» ~~و«كارناتك» والمرتيين وغيرهم، وتكتفي دولة الروس بعقد محالفات تجارية بينها وبين تلك ~~الممالك، وربما كانت هذه السيرة توافق بعض الإمارات الإسلامية المستقلة وبعض ممالك ~~المسلمين، وقد يكون من مصلحة دولة إيران وإمارة أفغانستان أن تتفقا مع الروسية اتفاقا ~~يفيد كلا من المتحالفين. # إن الروسية ما جاءت إلى «مرو» لتهلك عساكرها في قفارها، ولا يصدها عن سيرها إخلاصها ~~في محبة الإنجليز ولا ارتباطها ms122 معهم بعهد، مع علمها أن لا عهد لهم، إنما جاءت لتفتح ~~باب التجارة مع أثرى قطر في الشرق وتهدم سلطان الإنجليز فيه؛ فإن الأثرة الإنجليزية ما ~~تركت مصلحة تجارية تتمتع بها أمة من الأمم. # هذا عارض سوء على حكومة بريطانيا، ولكنه سحاب رحمة على الهنديين بما انتقم الله لهم ~~من عدوهم، فبذلك فليفرحوا، وليعد الأمراء أنفسهم لما أعد الله لهم من العزة بعد ~~الذلة، والحرية بعد العبودية، والخلاص من قهر حكومة لا ترحم صغيرا ولا توقر ~~كبيرا. # لا نظن ولن نظن أن يجد الإنجليز لهم يوم التصادم نصيرا من دول أوروبا ولا من دول ~~المشرق ولا من الهنديين ولا من صنف البشر؛ لأنه لا توجد نفس تشعر بوجود حكومة الإنجليز ~~على سطح الأرض إلا وقد مسها منهم شيء من الضر. # إن حكومة الإنجليز تشعر بقربها من هذا الخطر العظيم، وتعلم أن ما ينزل بها من المصائب ~~في الهند لا يقصر ضرره على حالها فيه، ولكنه يزلزل جزائر بريطانيا، فإن حياتها ومجدها ~~ليس إلا بالهند، كيف لا يشعر الإنجليز بسوء عاقبتهم وهم يحسون بضعفهم في القوى ~~العسكرية، وانحراف قلوب رعاياهم الهنديين عنهم، واحتدامها غيظا عليهم، عجل الله لهم ~~ما فيه خير الضعفاء. # | الفصل الحادي والعشرون # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب ~~عظيم ~~. ~~(آل عمران: 105) # أزفت هجمة الروسية على الهند، وسير الدول في سياستها وحرصها على تقرير السلم في ~~أوروبا يمد الروس في مقاصدهم ويهيئ لهم الأسباب ويقرب مدة الوصول، هذا طور من السياسة ~~جديد لو اتفقت فيه دولة إيران مع إمارة أفغانستان لكان لكل منهما حظ وافر ونفع ~~جزيل، إن الروسية وإن كانت تنصرها نفرة قلوب الهنديين من الإنجليز إلا أن في طريقها ~~عقبات لا يذللها إلا موالاة الفرس والأفغان. # إن الهند بعيد من معسكرات الروس ودونه مسالك مجهولة وطرق ملتوية وليس الروس من ~~الخبرة بها في شيء، الروس في حاجة للمواصلة مع أمراء الهند وفي ضرورة للوقوف على ~~أخلاقهم ومجاري ميلهم ومواقع أهوائهم، ms123 ولا سبيل يوصلهم إلى ذلك إلا إشراك الفارسيين ~~والأفغانيين في أعمالهم الحربية والسلمية، ليس من السهل على الروسية أن تستعين بدولة ~~فارس وإمارة الأفغان على فتح أبواب الهند إلا أن تساهمهما في الغنيمة وتشركهما في ~~المنفعة، وإلا كانا سدا محكما دون أهم غاياتها. # كيف يمكن للروسية أن تخرق تلك الأجسام الآخذة بطريق الهند وهي مرابض الأسود؟! كيف ~~تتوهم السلامة في معابرها الضيقة إذا قصدت الاختصاص بالفريسة؟! إن الروسية لا تخفى ~~عليها صعوبة الأمر، ولا يغيب عنها أن كشف أمة عظيمة عن بلاد سكنتها أحقابا ونالت فيها ~~أعلى مجد وأعظم فخار؛ يعد من أعظم الأعمال ويحتاج لكثرة الأعوان والأنصار، وليس بين ~~يديها من يصح به الاستنصار إلا دولة الفرس وحكومة الأفغان؛ فليس من الحكمة في العمل أن ~~تختص دونها بثمراته، خصوصا وأنها لا تبتغي سوى فتح أبواب الهند للتجارة. # فعلى الأفغانيين أن يرفعوا أبصارهم ويستقبلوا حظهم بفكر سديد وعقل رشيد، ويتقدموا ~~للاتفاق مع إخوانهم الإيرانيين، فليس بينهم وبينهم ما يصح عليه الاختلاف في المصالح ~~العمومية، فالجميع من أصل واحد، وتجمعهم رابطة واحدة، وهي أشرف الروابط «رابطة الدين ~~الإسلامي»، وليعلموا أن استمرارهم على التخالف في مثل هذا الوقت ربما يجلب الضرر عليهم ~~وعلى إخوانهم المسلمين من الهنديين، وعلى الفارسيين والأفغانيين أن يراعوا الكلمة ~~الجامعة والصلة الجنسية ولا يجعلوا الاختلاف الفرعي في المذهب سببا في خفض الكلمة ~~الإسلامية، وقطع الصلة الحقيقية، فليس من العقل أن يقام من خلاف جزئي علة لاضمحلال ~~الكل. # أظن أن قد علم كل من القبيلين أن الاختلاف بينهما هو الذي جلب على كل منهما ما ~~جلب، هذا الخلاف الفرعي بينهم استعمله بعض السياسيين في الأزمان السابقة آلة للشقاق ~~والمناوءات، وربما جنوا من غرسهم ثمارا آتية، ولكنه الآن لا يثمر إلا الدمار والبوار، ~~وهذا مما لا أخاله يخفى على عاقل. # لا يجوز للأفغانيين في هذا الوقت أن يقفوا عند هذا الخلاف الفرعي فليجوزوه إلى الوحدة ~~الأصلية؛ فإن الأخطار حاطتهم من كل جانب، ولا منجاة لهم إلا بالاتفاق مع إخوانهم ~~الفارسيين، ms124 هذا وقت التآخي، وهذه فرصة الالتئام، ليس للأفغانيين عذر، ولا للتعلة عندهم ~~محل، لا سيما وقد تولى الصدارة في الدولة الفارسية رجل عظيم القدر رفيع الشأن، واسع ~~العرفان، لا تحجبه شئون الكثرة عن ذات الوحدة، ولا تقف به أطوار التلوين دون منازل ~~التمكين، ولا تشغله مظاهر الفرق عن مقامات الجمع، يتجلى له الواحد في مراتب الكثير، ~~وتنجلي له حقيقة الأحدية في المنازل العددية، فالاتحاد مشربه، والائتلاف مذهبه، وعندي ~~أنه الأب الرحيم لكل إيراني بدون استثناء، يسعى لجمع كلمتهم بلا ملاحظة اختلاف المذهب، ~~ولا تفارق في الفروع، وإنما يراعي الجامعة الحقة، فعلى الأفغانيين أن يمدوا ~~سواعدهم في هذه الأوقات لمحالفة إخوانهم ولا يضيعوا هذه الفرصة، وعلى القبيلين أن ~~يجعلوا وفاقهم سياجا لأوطانهم، وعدة لمكافحة أعدائهم، ومنبعا فياضا لخير بلادهم، ~~فينالوا شرفا رفيعا، ويورثوا أعقابهم مجدا مخلدا. # | الفصل الثاني والعشرون # سنن الله في الأمم وتطبيقها على المسلمين # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم ~~. ~~(الرعد: 11) # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~. ~~(الأنفال: 53) # تلك آيات الكتاب الحكيم، تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، ولا يرتاب فيها إلا القوم ~~الضالون، هل يخلف الله وعده ووعيده وهو أصدق من وعد وأقدر من أوعد؟ هل كذب الله رسله؟ ~~هل ودع أنبياءه وقلاهم؟ هل غش خلقه وسلك به طريق الضلال؟ نعوذ بالله! هل أنزل ~~الآيات البينات لغوا وعبثا؟ هل افترت عليه رسله كذبا؟ هل اختلقوا عليه إفكا؟ هل ~~خاطب الله عبيده برموز لا يفهمونها، وإشارات لا يدركونها؟ هل دعاهم إليه بما لا يعقلون؟ ~~نستغفر الله! أليس قد أنزل القرآن عربيا غير ذي عوج، وفصل فيه كل أمر وأودعه ~~تبيانا لكل شيء؟ تقدست صفاته وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، هو ~~الصادق في وعده ووعيده، ما اتخذ رسولا كذابا، ولا أتى شيئا عبثا، وما هدانا إلا ~~سبيل الرشاد، ولا تبديل لآياته، تزول السماوات والأرض ولا يزول حكم من أحكام كتابه ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ms125 ولا من خلفه. # يقول الله: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~(الأنبياء: ~~105)، ويقول: # ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ~~(المنافقون: 8)، وقال: # وكان ~~حقا علينا نصر المؤمنين ~~(الروم: 47)، وقال: # ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا ~~(الفتح: 28). هذا ما وعد الله في محكم الآيات مما لا يقبل ~~تأويلا، ولا ينال هذه الآيات بالتأويل إلا من ضل عن السبيل، ورام تحريف الكلم عن ~~مواضعه، هذا عهده إلى تلك الأمة المرحومة، ولن يخلف الله عهده، وعدها بالنصر والعزة ~~وعلو الكلمة، ومهد لها سبيل ما وعدها إلى يوم القيامة، وما جعل لمجدها أمدا، ~~ولا لعزتها حدا. # هذه أمة أنشأها الله عن قلة، ورفع شأنها إلى ذروة العلى، حتى ثبتت أقدامها على ~~قنن الشامخات، ودكت لعظمتها عوالي الراسيات، وانشقت لهيبتها مرائر الضاريات، وذابت ~~للرعب منها أعشار القلوب، هال ظهورها الهائل كل نفس وتحير في سببه كل عقل، ~~واهتدى إلى السبب أهل الحق فقالوا: قوم كانوا مع الله فكان الله معهم، جماعة قاموا ~~بنصر الله واسترشدوا بسنته فأمدهم بنصر من عنده. # هذه أمة كانت في نشأتها فاقدة الذخائر، معوزة من الأسلحة وعدد القتال، فاخترقت ~~صفوف الأمم واختطت ديارها، ولا دفعتها أبراج المجوس وخنادقهم، ولا صدتها قلاع ~~الرومان ومعاقلهم، ولا عاقها صعوبة المسالك، ولا أثر في همتها اختلاف ~~الأهوية، ولا فعل في نفوسها غزارة الثروة عند من سواها، ولا راعها جلالة ملوكهم، وقدم ~~بيوتهم، ولا تنوع صنائعهم، ولا سعة دائرة فنونهم، ولا عاق سيرها أحكام القوانين، ولا ~~تنظيم الشرائع، ولا تقلب غيرها من الأمم في فنون السياسة. # كانت تطرق ديار القوم فيحتقرون أمرها، ويستهينون بها، وما كان يخطر ببال أحد أن هذه ~~الشرذمة القليلة تزعزع أركان تلك الدول العظيمة، وتمحو أسماءها من لوح المجد، وما كان ~~يختلج بصدر أن هذه العصابة الصغيرة تقهر تلك الأمم الكبيرة، وتمكن في نفوسها عقائد ~~دينها، وتخضعها لأوامرها وعاداتها وشرائعها؛ لكن كان كل ذلك، ونالت تلك الأمة ~~المرحومة - على ضعفها - ما لم تنله أمة سواها، نعم قوم صدقوا ms126 ما عاهدوا الله عليه ~~فوفاهم أجورهم مجدا في الدنيا، وسعادة في الآخرة. # هذه الأمة يبلغ عددها اليوم زهاء أربعمائة مليون من النفوس، وأراضيها آخذة من ~~المحيط الأطلسي إلى أحشاء بلاد الصين، تربة طيبة ، ومنابت خصبة، وديار رحبة، ومع ذلك ~~نرى بلادها منهوبة، وأموالها مسلوبة، تتغلب الأجانب على شعوب هذه الأمة شعبا شعبا، ~~ويتقاسمون أراضيها قطعة بعد قطعة، ولم يبق لها كلمة تسمع، ولا أمر يطاع، حتى إن ~~الباقين من ملوكها يصبحون كل يوم في ملمة، ويمسون في كربة مدلهمة، ضاقت أوقاتهم عن ~~سعة الكوارث التي تلم بهم، وصار الخوف عليهم أشد من الرجاء لهم. # هذه هي الأمة التي كانت الدول العظام يؤدون لها الجزية عن يد وهن صاغرات، استبقاء ~~لحياتهن، وملوكها في هذه الأيام يرون بقاءهم في التزلف إلى تلك الدول الأجنبية، ويا ~~للمصيبة ويا للرزية! # أليس هذا بخطب جلل، أليس هذا ببلاء نزل؟ ما سبب هذا الهبوط، وما علة هذا الانحطاط؟ ~~هل نسيء الظن بالوعود الإلهية؟ معاذ الله! هل نستيئس من رحمة الله ونظن أن قد كذب ~~علينا؟ نعوذ بالله! هل نرتاب في وعده بنصرنا بعد أن أكده لنا؟ حاشاه سبحانه، لا كان شيء ~~من ذلك ولن يكون، فعلينا أن ننظر لأنفسنا ولا لوم لنا إلا عليها، إن الله تعالى برحمته ~~قد وضع لسير الأمم سننا متبعة، ثم قال: # ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا ~~(الأحزاب: 62). # أرشدنا سبحانه في محكم آياته إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها، ولا بادت ~~ومحي اسمها من لوح الوجود؛ إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها الله على أساس ~~الحكمة البالغة، إن الله لا يغير ما بقوم من عزة وسلطان، ورفاهة وخفض عيش وأمن وراحة؛ ~~حتى يغير أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر، وإشراق البصيرة والاعتبار ~~بأفعال الله في الأمم السابقة والتدبر في أحوال الذين جاروا عن صراط الله فهلكوا وحل ~~بهم الدمار، ثم لعدولهم عن سنة العدل، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة، حادوا عن ~~الاستقامة في الرأي، والصدق ms127 في القول، والسلامة في الصدر، والعفة عن الشهوات، والحمية ~~على الحق، والقيام بنصره، والتعاون على حمايته، خذلوا العدل ولم يجمعوا همهم على إعلاء ~~كلمته، واتبعوا الأهواء الباطلة، وانكبوا على الشهوات الفانية، وأتوا عظائم ~~المنكرات، خارت عزائمهم، فشحوا ببذل مهجهم في حفظ السنن العادلة، واختاروا الحياة ~~في الباطل على الموت في نصرة الحق، فأخذهم الله بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين. # هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل التي أشرنا إليها، وجعل ~~هلاكها ودمارها في التخلي عنها، سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم، ولا تتبدل ~~بتبدل الأجيال، كسنته تعالى في الخلق والإيجاد، وتقدير الأرزاق وتحديد ~~الآجال، علينا أن نرجع إلى قلوبنا، ونمتحن مداركنا، ونسبر أخلاقنا، ونلاحظ مسالك ~~سيرنا؛ لنعلم هل نحن على سيرة الذين سبقونا بالإيمان، هل نحن نقتفي أثر السلف الصالح، ~~هل غير الله ما بنا قبل أن نغير ما بأنفسنا، وخالف فينا حكمه وبدل في أمرنا ~~سنته - حاشاه وتعالى عما يصفون. # بل صدقنا الله وعده، حتى إذا فشلنا وتنازعنا في الأمر وعصيناه من بعد ما أرى أسلافنا ~~ما يحبون، وأعجبتنا كثرتنا فلم تغن عنا شيئا، فبدل عزنا بالذل، وسمونا ~~بالانحطاط، وغنانا بالفقر، وسيادتنا بالعبودية، نبذنا أوامر الله ظهريا، وتخاذلنا عن ~~نصره، فجازانا بسوء أعمالنا، ولم يبق لنا سبيل إلى النجاة سوى التوبة والإنابة إليه، ~~كيف لا نلوم أنفسنا ونحن نرى الأجانب عنا يغتصبون ديارنا، ويستذلون أهلها، ويسفكون ~~دماء الأبرياء من إخواننا، ولا نرى في أحد منا حراكا. # هذا العدد الوافر والسواد الأعظم من هذه الملة لا يبذلون في الدفاع عن ~~أوطانهم وأنفسهم شيئا من فضول أموالهم، يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، كل واحد ~~منهم يود لو يعيش ألف سنة، وإن كان غذاؤه الذلة وكساؤه المسكنة، ومسكنه الهوان، ~~تفرقت كلمتنا شرقا وغربا، وكاد يتقطع ما بيننا، لا يحن أخ لأخيه، ولا يهتم جار بشأن ~~جاره، ولا يرقب أحدنا في الآخر إلا ولا ذمة، ولا نحترم شعائر ديننا، ولا ندافع عن ~~حوزته، ولا نعززه بما نبذل من أموالنا وأرواحنا حسبما أمرنا. ms128 # أيحسب اللابسون لباس المؤمنين أن الله يرضى منهم بما يظهر على الألسنة ولا يمس سواد ~~القلوب؟! هل يرضى الله عنهم بأن يعبدوه على حرف، فإن أصابهم خير اطمأنوا به، وإن ~~أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة؟! هل ظنوا أن لا يبتلي الله ما ~~في صدورهم، ولا يمحص ما في قلوبهم؟! ألا يعلمون أن الله لا يذر المؤمنين على ما هم عليه ~~حتى يميز الخبيث من الطيب، هل نسوا أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم للقيام ~~بنصره وإعلاء كلمته، لا يبخلون في سبيله بمال، ولا يشحون بنفس؟! فهل لمؤمن بعد هذا أن ~~يزعم نفسه مؤمنا وهو لم يخط خطوة في سبيل الإيمان، لا بماله ولا بروحه؟! # إنما المؤمنون هم الذين إذا قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم لا ~~يزيدهم ذلك إلا إيمانا وثباتا، ويقولون في إقدامهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، كيف يخشى ~~الموت مؤمن وهو يعلم أن المقتول في سبيل الله حي يرزق عند ربه، متمتع بالسعادة ~~الأبدية، في نعمة من الله ورضوان؟! كيف يخاف مؤمن من غير الله، والله يقول: # فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ~~(آل ~~عمران: 175)؟! # فلينظر كل إلى نفسه، ولا يتبع وساوس الشيطان، وليمتحن كل واحد قلبه قبل ~~أن يأتي يوم لا تنفع فيه خلة ولا شفاعة، وليطبق بين صفاته وبين ما وصف الله به ~~المؤمنين، وما جعله الله من خصائص الإيمان. فلو فعل كل منا ذلك لرأينا عدل الله فينا ~~واهتدينا. # يا سبحان الله، إن هذه أمتنا أمة واحدة، والعمل في صيانتها من الأعداء أهم فرض من ~~فروض الدين عند حصول الاعتداء، يثبت ذلك نص الكتاب العزيز، وإجماع الأمة سلفا ~~وخلفا، فما لنا نرى الأجانب يصولون على البلاد الإسلامية، صولة بعد صولة، ~~ويستولون عليها دولة بعد دولة، والمتسمون بسمة الإيمان آهلون لكل أرض، متمكنون بكل ~~قطر، ولا تأخذهم على الدين نغرة، ولا تستفزهم للدفاع عنه حمية. # ألا يا أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن، وتعملوا بما فيه من ms129 الأوامر ~~والنواهي، وتتخذوه إماما لكم في جميع أعمالكم، مع مراعاة الحكمة في العمل، كما كان ~~سلفكم الصالح، ألا يا أهل القرآن هذا كتابكم فاقرءوا منه: # فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين ~~في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ~~الموت ~~(محمد: 20)، ألا تعلمون فيمن نزلت هذه الآية؟! نزلت في وصف من ~~لا إيمان لهم، هل يسر مؤمنا أن يتناوله هذا الوصف المشار إليه بالآية الكريمة، أوغر ~~كثيرين من المدعين للإيمان ما زين لهم من سوء أعمالهم، وما حسنته لديهم أهواؤهم # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها ~~(محمد: 24). # أقول، ولا أخشى نكيرا: لا يمس الإيمان قلب شخص إلا ويكون أول أعماله تقديم ماله ~~وروحه في سبيل الإيمان، لا يراعي في ذلك عذرا ولا تعلة، وكل اعتذار في القعود عن نصرة ~~الله فهو آية النفاق وعلامة البعد عن الله. # مع هذا كله نقول إن الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة كما جاءنا به نبأ النبوة، ~~وهذا الانحراف الذي نراه اليوم نرجو أن يكون عارضا يزول، ولو قام العلماء الأتقياء ~~وأدوا ما عليهم من النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأحيوا روح القرآن، وذكروا المؤمنين ~~بمعانيه الشريفة، واستلفتوهم إلى عهد الله الذي لا يخلف؛ لرأيت الحق يسمو، والباطل ~~يسفل، ولرأيت نورا يبهر الأبصار، وأعمالا تحار فيها الأفكار. # وإن الحركة التي نحسها من نفوس المسلمين في أغلب الأقطار هذه الأيام تبشرنا بأن الله ~~قد أعد النفوس لصيحة حق يجمع بها كلمة المسلمين، ويوحد بها بين جميع الموحدين، ونرجو أن ~~يكون العمل قريبا؛ فإن فعل المسلمون وأجمعوا أمرهم للقيام بما أوجب الله عليهم؛ ~~صحت لهم الأوبة، وصحت منهم التوبة، وعفا الله عنهم، والله ذو فضل على ~~المؤمنين. # فعلى العلماء أن يسارعوا إلى هذا الخير، وهو الخير كله: جمع كلمة المسلمين، والفضل كل ~~الفضل لمن يبدأ منهم بالعمل # من يهد الله فهو المهتد ~~ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ~~. # | الفصل الثالث والعشرون # الوهم ~~(اللهم اكشف عن بصائرنا ستار الأوهام حتى نرى ms130 الحقائق كما هي كي لا نضل ~~ونشقى.) # ألا قاتل الله الوهم؛ الوهم طورا يكون مرآة المزعجات، مجلي المفزعات، وطورا يكون ~~ممثلا للمسرات، حاكيا للمنعشات، وهو في جميع أطواره حجاب الحقيقة، غشاء على عين ~~البصيرة، لكن له سلطان على الإرادة وحكم على العزيمة، فهو مجلبة الشر، ومنفاة ~~الخير. # الوهم يمثل الضعيف قويا، والقريب بعيدا، والمأمن مخافة، والموئل مهلكا، الوهم ~~يذهل الواهم عن نفسه، ويصرفه عن حسه، يخيل الموجود معدوما، والمعدوم موجودا، الواهم ~~في كون غير موجود، وعالم غير مشهود، يخبط فيه خبط المصروع، لا يدري ماذا أدركه وماذا ~~تركه، الوهم روح خبيث يلابس الروح الإنسانية، وهي في ظلام الجهل، إذا خفيت ~~الحقائق تحكمت الأوهام، وتسلطت على الإرادات، فتقود الواهمين إلى بيداء الضلالة، ~~فيخبطون في مجاهيل، لا يهتدون إلى سبيل، ولا يستقيمون على طريق. # كان الإنجليز أمة مجتمعة القوى، مستكملة العدد مستعدة للفتوحات، وذلك في زمان بليت ~~فيه الأمم الشرقية بتفريق الكلمة، واختلاف الأهواء، وحجبت بالجهل عن معرفة أحوال ~~الغربيين وصنائعهم وعوائدهم، فكان الشرقيون يعدون كل غريبة معجزة، وكل بديع من ~~الاختراع سحرا أو كرامة، فانتهز الإنجليز تلك الفرصة واندفعوا إلى الشرق وبسطوا ~~سلطتهم على غالب أرجائه، وما دهموا سكانه إلا ببعض غرائب الصنعة الأوروبية التي أثارت ~~فيهم خواطر الأوهام. # ثم زاد الوهم قوة ما نصبه الإنجليز من حبائل الحيلة والمكر، حتى خلبوا قلوب ~~المساكين وأذهلوهم عما في أيديهم، بل أخذوهم عن عقولهم وخطرات قلوبهم، فسلبوا ~~أموالهم، وانتزعوا منهم أراضيهم، وأجلوهم عن أملاكهم، فاستغنت الأمة الإنجليزية بما ~~سلبت، وأثرت بما نهبت، وترفهت بما ملكت، واليوم تراها حاكمة على أقطار واسعة، وأنحاء ~~شاسعة، وقواها منقسمة على تلك الأقطار، متوزعة فيها، فلا ترى في كل إيالة من إيالاتها ~~الشرقية إلا نزرا من العدة والعدد، وهي في جميعها ضعيفة واهنة، لا تستطيع ذودا ولا ~~دفاعا. # وإن أخف حركة في تلك الأنحاء توجب زعزعة في تلك القوة أو هدمها بالمرة، وقد ظهر هذا ~~الأمر على الأمة الإنجليزية، فهي دائما في رجفة على أملاكها، في خيفة من ms131 تمزقها ~~وضياعها، تتوجس من كل حادثة في العالم، وتقلق لأية حركة تحدث في الوجود، وكل ملمة ~~تلم بالشرق أو الغرب توجب بحدوثها زلزلة في قوى الإنجليز المتوزعة في الأنحاء الضعيفة ~~في جميع الأرجاء . # ومع هذا كله نرى الأمر لم يزل خفيا على الشرقيين، محجوبا عنهم بحجاب الوهم، يمثل ~~الوهم لكل شرقي أن الإنجليز على ما كانوا عليه في ماضي زمانهم، فمثل الشرقيين مع ~~الإنجليز كمثل مار في مفازة يرى بها جثة أسد مطروحة على طريقه فاقدة الحياة عديمة ~~الحراك، فيتوهمها سبعا ضاريا ومفترسا قويا فينكب عن الطريق وهما وريبة بدون ~~تحقيق لما تخوف منه، يرتعد ويسقط ويموت خوفا أو يضل بعد ذلك عن الجادة، وتختلط عليه ~~مسالك الوصول إلى غايته، وربما صادف مهلكة في ضلاله ومتلفة في غيه. # بل لا نخطئ إن قلنا: إن هذا الوهم كان متسلطا على الغربيين كما هو متسلط على ~~الشرقيين، فالأوروبيون كانوا ينظرون إلى إنجلترا في أملاكها البعيدة كما ينظرون إليها ~~في جزائر بريطانيا، وكانت حكومة إنجلترا متحصنة ممتنعة في هذه القبة الوهمية، متربعة ~~على عرش هذه العظمة الخيالية، يحس الإنجليز بضعف قوتهم فيجتهدون دائما في ستره ولا ~~ستار أكثف من الوهم. # ولهذا نراهم في كل حادثة يجلبون ويصيحون ويزأرون ليثيروا بالضوضاء هواجس الأوهام، ~~فتحول أنظار الناظرين، وتغشى بصائر المستبصرين، فتحول دون استطلاع الحقيقة، وإلا فقليل ~~من الالتفات يكشفها فتقوم قيامة الخراب على الإنجليز. # ذهب الإنجليز إلى الهند في قوى مجتمعة وتسابقوا مع فرنسا وهولندا والبرتغال في ميدان ~~الأراضي الهندية الواسعة، فحازوا في هذه المباراة قصب السبق بما امتازوا به من الدهاء ~~والمكر، وبما ساعدهم على ذلك من غفلة الهنديين لذاك العهد أو طيب قلوبهم، فمالت ~~النفوس إلى الإنجليز اغترارا، وتغلبوا على تلك البلاد واستقلوا بأمرها شيئا ~~فشيئا، وما أبقوا لغيرهم من الدول إلا مضائق من الأرض لا تذكر، وأول ما استمالوا به ~~القلوب السالمة قولهم: إننا نريد تخليصكم من هذه الدول الظالمة (فرنسا، وهولندا ~~والبرتغال) فإنها تريد التسلط على ممالككم، أما نحن - الإنجليز - فلا ms132 نريد إلا ~~تحريركم واستقلالكم. # ثم إنا نرى للإنجليز الآن في الهند والهند الصينية وبورما سلطة على نحو مائتين ~~وخمسين مليونا من النفوس جميعها كاره لتلك السلطة الإنجليزية، طالب للتخلص ~~منها، يفضل أية سلطة سواها، ظالمة كانت أو عادلة، كأنما يتصور كل واحد من أفراد ~~تلك الأمم أنه لا توجد حكومة في العالم تبلغ في ظلمها مبلغ الإنجليز، ولا تصل إلى ما ~~وصل إليه الإنجليز في الكبرياء والجبروت، ولكن مع هذه البغضاء الآخذة بقلوب أولئك ~~الرعايا، ومع سعة ديارهم وتباعد أرجائها، وشدة ميلهم للتملص من تلك السلطة ~~الظالمة؛ لا يوجد فيهم قوة تقهرهم على الخضوع لتلك الحكومة المبغوضة إلا خمسون ألف ~~جندي إنجليزي، مع أنه يوجد من الممالك الصغيرة التي لها نوع من الاستقلال وتخشى زوال ~~ما بقي لها، ما لو جمعت قواها لبلغت أكثر من ثلاثمائة ألف جندي، هذا فضلا عمن يمكنه ~~حمل السلاح من أهالي البلاد التي دخلت في الحكومة الإنجليزية وزال استقلالها ~~بالمرة. # فلولا الوهم الذي استولى على المشاعر والحواس حتى أذهلها عما بين يديها، بل عما هو ~~موجود فيها؛ ما بقيت هذه النفوس الكثيرة العدد الفائقة القوة في قبضة قوم ضعاف ~~يسومونهم عذاب الذل والهوان، ولو لمح أولئك المساكين أنفسهم لمحة اعتبار، وأدركوا ما ~~آتاهم الله من القوة الطبيعية، ونظروا إلى ضعف الإنجليز في الحالة الحاضرة؛ لرأوا موئل ~~الخلاص بين أيديهم، وملجأ النجاة تحت أرجلهم، وعلموا أن استقلالهم لأنفسهم وبلادهم لا ~~يحتاج إلى تجشم تعب ولا تكلف مشقة، ولا يدعو إلى بذل أموال وافرة، ولا سفك دماء ~~غزيرة. # يوجد في الدول الأوروبية من يهاب دولة الإنجليز اعتبارا لما في سلطتها من الممالك ~~الواسعة والأمم العظيمة مما لم يبلغ عدده رعية دولة من الدول، ويقيس شأنها وقوتها في ~~تلك الأطراف القاصية بما يراه في جزائر بريطانيا، ويظن أن لها قدرة على الدفاع عن ~~تلك الممالك تساوي قدرتها عليه في بريطانيا أو تقرب منها، ولم يلتفت إلى أن جسم ~~الإنجليز قد مد في الطول والعرض إلى حد لو حصلت ms133 فيه أدنى هزة لتقطعت أوصاله (رق حتى ~~انقطع). # تفرقت قواهم في بسيط الأرض حتى لم تبق لهم في موضع قوة، ورعاياهم في كل صقع في ضجر لا ~~مزيد عليه يترقبون في كل آن زحفا من خارج يعينهم على ما يقصدون من النكاية بحكامهم ~~الظالمين. # لو التفتت تلك الدولة التي تهاب إنجلترا إلى حقيقة الأمر لما احتاجت في معارضتها ~~ومنازلتها إلى تدبر ولا مشورة، فقد وصل الأمر من الظهور إلى حد لا يحتاج إلى دقة ~~الفكر لولا حجاب الوهم، قاتل الله الوهم! # إن العثمانيين ينظرون إلى دولة الإنجليز كما ينظرون إلى دولة الروس، مع ملاحظة أن ~~دولة إنجلترا تحكم على مائتين وخمسين مليونا من النفوس، فيظنون، لهذا النظر، أن ~~معارضة هذه الدولة ربما تجلب الضرر، وليتهم مدوا أنظارهم إلى ما وراء ذلك؛ ليتبين ~~لهم قوتها العسكرية، وماذا يمكنها أن تسوق من الجنود إلى ميادين القتال، ويتضح لهم أن ~~هذه الملايين الكثيرة لا اعتداد بها في قوة دولة إنجلترا، فإنما هي في الحقيقة قوة ~~لأعدائها عليها، وهي في ارتقاب الفرص لخلع طاعتها، فمتى ارتكبت دولة إنجلترا بالحرب مع ~~دولة أخرى رأيت مائتين وخمسين مليونا تقاتل عساكر الإنجليز، خصوصا خمسين مليونا من ~~المسلمين في حكومة إنجلترا يعدون الدولة العثمانية قبلة لهم وملاذا يلجئون إليه، وهم ~~أول قوم حربيين في البلاد الهندية. # ليت العثمانيين يعلمون أن دولة إنجلترا إنما تستميل المسلمين في الهند بكونها حليفة ~~الدولة العثمانية ونصيرة لها ومدافعة عن حقوقها، أما والله لو علم العثمانيون ما لهم ~~من السلطة المعنوية على رعايا الإنجليز، واستعملوا تلك السلطة استعمال العقلاء؛ لما ~~تجرعوا مرارة الصبر على تحكمات الإنجليز وحيفهم في أعمالهم، وتعديهم على حقوق ~~السلطان في مثل المسألة المصرية، التي هي في الحقيقة أهم مسألة عثمانية أو ~~إسلامية. # إن سكنة مصر كانوا أيام عرابي على قسمين، قسم يروم حفظ الحالة القديمة والوقوف عند ما ~~يرسم به توفيق باشا، وقسم كان يميل بأحد جانبيه إلى عرابي، ويهاب بالجانب الآخر سلطة ~~الرسم القديم، فكان هذا القسم الثاني ms134 في ريبة من أمره، ولا عزيمة من الريب، والقسم ~~الأول مخلد إلى الفشل، فدخل الإنجليز بلا حرب حقيقية وإنما بنوع من الترهيب وقليل من ~~الترغيب وخفيف من الدسائس، صادف قلوبا مستعدة فأخذ منها مقاما، فانحلت الرابطة ~~وتفرق الناس عن عرابي بزوال جانب الميل إليه من قلوبهم، ومع ذلك ما كان يعتقد واحد ~~منهم أن الإنجليز يبتغون من البلاد شيئا سوى أنهم يؤيدون توفيق باشا وينقذونه من ~~الثائرين عليه. # فتساهل المصريون في الأمر بحسن ظنهم في حكومة الإنجليز مع ما جاءهم من الحجة القوية ~~القائمة على أن صاحب السيادة الشرعية في رضاء عن تصرفها، بهذا فاز الإنجليز واستقرت ~~أقدامهم. أما وقد مضى الزمان الكافي لظهور غدرهم، وسوء نيتهم، فلا يوجد من الأهالي ~~المصريين من يميل إليهم، بل لا يوجد إلا من يبغضهم ويتمنى فناءهم، ويود لو يعمل عملا ~~لهلاكهم، ولكن الوهم يجسم المخافة ويكبح العزيمة. # إن أهالي مصر كأنهم ذهلوا عن الأسباب التي مكنت الإنجليز من بلادهم، كأنهم يظنون أن ~~المصريين كانوا على كلمة واحدة في مدافعة الإنجليز، ثم تغلبت عليهم القوة الإنجليزية ~~وقهرتهم جميعا. كأن المصريين نسوا ما كان بينهم وأن الإنجليز ما دخلوا بلادهم إلا ~~بمعونتهم، هذا هو الوهم العجيب. # إن الذين كانوا من مدة سنتين سببا في تغلب العساكر الإنجليزية وحلولها في وادي ~~النيل وأنه لولاهم ما استقر لها قدم فيه؛ يظنون الآن أن تلك العساكر قادرة على قهر ~~الأهالي عموما وإخضاعهم لحكومة بريطانيا، وبهذا الظن الباطل يستسلمون لأعدائهم كرها ~~ويجارونهم في أهوائهم نفاقا. # هلا ينظر المصريون نظرة متأمل إلى القوة الإنجليزية؛ ليعلموا أن ليس في طاقة ~~بريطانيا، لو أفرغت جهدها، أن تبعث إلى مصر والسودان أزيد من عشرين ألف جندي! ألا ~~يعلمون أنه إذا اشتغل الجند الإنجليز بالسودان وحصلت حركة خفيفة في الشرقية والبحيرة ~~والفيوم لارتبك الإنجليز وخارت عزائمهم والتجئوا لترك البلاد لأهلها؟! ألا قاتل الله ~~الوهم! # إن للإنجليز قوة حربية بحرية لا تنكر، ولكن مبلغ تلك القوة البحرية هو الذي ظهر أثره ~~في سواكن لا يمكن ms135 أن تعمل عملا فيما يبعد عن البحر أكثر من فرسخين، فلو فرضنا أن ~~الإنجليز أطلقوا قنابلهم على السواحل، فهل في استطاعتهم أن يقيموا تحت ظلال القنابل إلى ~~أبد الآبدين؟! إذا كان الأهالي في داخل البلاد يناوئونهم وليس لهم من القوة العسكرية ~~البرية ما يقهرهم على الطاعة، ليس في الأمر شيء سوى الوهم، هذا الوهم تمزقت حجبه عن ~~بصائر الغربيين فعلموا من هم الإنجليز ... ضعيف يسطو على حقوق الأقوياء، صوت عال وشبح ~~بال، قامت الدول على معارضتهم؛ لعلمها أن الإنجليز صاروا للأمم كالدودة الوحيدة على ~~ضعفها تفسد الصحة وتدمر البنية، لكن بقي أن يزول هذا الوهم عن الشرقيين؛ حتى ~~يستفيدوا من هذه الحركات ويستقلوا بأمورهم ولا ينتقلوا من عبودية إلى أخرى، ولا ~~يستبدلوا سيدا أجنبيا بسيد آخر، اللهم ارفع عنا حجب الأوهام، وهيئ لنا الرشد في ~~أمورنا، واحفظنا من الغواية، واهدنا إلى خير نهاية. # | الفصل الرابع والعشرون # الجبن # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم ~~في بروج مشيدة ~~. ~~(النساء: 78) # قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم ~~. ~~(الجمعة: 8) # شهد العيان ودلت الآثار على ما صدر من بعض أفراد الإنسان من أعمال تحير الألباب، ~~وتدهش الأفكار، ينظر إليها ضعفاء العقول فيعدونها معجزات وإن لم تكن في أزمنة ~~النبوات، ويحسبونها خوارق عادات وإن لم تكن من تحدي الرسالات، وقد ينسبها الغفل إلى ~~حركات الأفلاك وأرواح الكواكب وموافقة الطوالع، ومن القاصرين من يظنها من أحكام الصدف ~~وقذفات الاتفاق؛ عجزا عن إدراك الأسباب، وفهم الصواب. # وأما من آتاه الله الحكمة ومنحه الهداية، فيعلم أن الحكيم الخبير - جل شأنه وعظمت ~~قدرته - أناط كل حادث بسبب وكل مكسوب بعمل، وأنه قد اختص الإنسان من بين الكائنات ~~بموهبة عقلية ومقدرة روحانية، يكون بهما مظهرا لعجائب الأمور، وبهذه المقدرة وتلك ~~الموهبة مناط التكاليف الشرعية، وبهما استحقاق المدح أو الذم عند العقلاء، ~~والثواب أو العقاب عند واسع الكرم سريع الحساب. # إذا رجع البصير إلى القياس الصحيح رأى في تشابه القوى الإنسانية وتماثل الفطرة ~~البشرية ما يدل على تقارب العقول، بل على ms136 استواء المدارك، وأرشده الفكر السليم إلى ~~أن فضل الله قد أعد كل إنسان للكمال، ومنحه ما يكون به مصدرا لفضائل الأعمال، على ~~تفاوت لا يظهر به الاختلاف بينها إلا للنظر الدقيق. هنا وقفة الحيرة ... استعداد فطري ~~للكمال في خلقة الإنسان، ميل كلي في كل فرد لأن ينفرد بالفخار، ويمتاز بجلائل الآثار، ~~وفضل عام من الجواد المطلق - سبحانه وتعالى - لا يخيب طالبا، ولا يرد سائلا، إذا صدق ~~القاصد في قصده، وأخلص السالك في جده، فما العلة في إخلاد الجمهور الأعظم من بني ~~الإنسان إلى دنيات المنازل وقصورهم عن الوصول إلى ما أعدته لهم العناية ~~ويستفزهم إليه الميل الغريزي، خصوصا إن كانت النفوس مؤمنة بعدل الله، مصدقة بوعده ~~ووعيده، ترجو ثوابا على الباقيات الصالحات، وتخشى عقابا على ارتكاب الخطيئات، وتعترف ~~بيوم العرض الأكبر، يوم تجزى كل نفس بما كسبت # فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره ~~(الزلزلة: 7-8)، ماذا يقعد بالنفوس عن العمل؟! ~~ماذا ينحدر بها في مزالق الزلل؟! إذا ردت المسببات إلى أسبابها، وطلبت الحقائق من ~~حدودها ورسومها وجدنا لهذا علة هي أم العلل ومنشأ يقرن به كل خلل: «الجبن». # الجبن هو الذي أوهى دعائم الممالك فهدم بناءها، هو الذي قطع روابط الأمم فحل ~~نظامها، هو الذي أوهن عزائم الملوك فانقلبت عروشهم، وأضعف قلوب العالمين فسقطت صروحهم، ~~هو الذي يغلق أبواب الخير في وجوه الطالبين، ويطمس معالم الهداية عن أنظار السائرين، ~~يسهل على النفوس احتمال الذلة، ويخفف عليها مضض المسكنة، ويهون عليها حمل نير ~~العبودية الثقيل، يوطن النفس على تلقي الإهانة بالصبر والتذليل بالجلد، ويوطئ ~~الظهور الجاسية لأحمال من المصاعب أثقل مما كان، يتوهم عروضه عند التحلي بالشجاعة ~~والإقدام، الجبن يلبس النفس عارا دون القرب منه موت أحمر عند كل روح زكية وهمة ~~علية، يرى الجبان وعر المذلات سهلا، وشظف العيش في المسكنات رفها ونعيما. # من يهن يسهل الهوان عليه # ما لجرح بميت إيلام # لا، بل يتجرع مرارات الموت في كل لحظة، ولكنه راض بكل حال ms137 وإن لم يبق له إلا عين ~~تبصر الأعداء، ولا ترى الأحياء، ونفس لا يصعد لا بالصعداء، وإحساس لا يلم به إلا ألم ~~اللأواء. هذه حياته: أضاع كل شيء في القناعة بلا شيء، وهو يظن أنه أدرك البغية، ~~وحصل المنية. # ما هو الجبن؟ انخذال في النفس عن مقاومة كل عارض لا يلائم حالها، وهو مرض من ~~الأمراض الروحية، يذهب بالقوة الحافظة للوجود التي جعلها الله ركنا من أركان الحياة ~~الطبيعية، وله أسباب كثيرة لو لوحظ جوهر كل منها لرأينا جميعها يرجع إلى الخوف من ~~الموت، الموت مآل كل حي ومصير كل ذي روح، ليس للموت وقت يعرف، ولا ساعة تعلم، ولكنه ~~فيما بين النشأة وأرذل العمر ينتظر في كل لحظة، ولا يعلمه إلا مقدر الآجال - جل ~~شأنه: # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت ~~(لقمان: 34). # يشتد الخوف من الموت إلى حد يورث النفس هذا المرض القاتل بسبب الغفلة عن المصير ~~المحتوم، والذهول عما أعده الله للإنسان من خير الدنيا وسعادة الآخرة إذا صرف قواه ~~الموهوبة فيما خلقت لأجله، نعم يغفل الإنسان عن نفسه فيظن ما جعله الله واقيا للحياة ~~- وهو الشجاعة والإقدام - سببا في الفناء، يحسب الجاهل أن في كل خطوة حتفا، ويتوهم أن ~~في كل خطوة خطرا، مع أن نظرة واحدة لما بين يديه من الآثار الإنسانية، وما ناله ~~طلاب المعالي من الفوز بآمالهم، وما ذللوا من المصاعب في سيرهم؛ تكشف له أن تلك ~~المخاوف إنما هي أوهام وأصوات غيلان، ووساوس شياطين، غشيته فأدهشته، وعن سبيل الله ~~صدته، ومن كل خير حرمته. # الجبن فخ تنصبه صروف الدهر وغوائل الأيام؛ لتغتال به نفوس الإنسان، وتلتهم به ~~الأمم والشعوب. هو حبالة الشيطان يصيد بها عباد الله ويصدهم عن سبيله، هو علة لكل ~~رذيلة، ومنشأ لكل خصلة ذميمة، لا شقاء إلا وهو مبدؤه، ولا فساد إلا وهو جرثومته، ولا ~~كفر إلا وهو باعثه وموجبه، ممزق الجماعات، ومقطع روابط الصلات، هازم الجيوش، ~~ومنكس الأعلام، ومهبط السلاطين من سماء الجلالة ms138 إلى أرض المهانة، ماذا يحمل الخائنين ~~على الخيانة في الحروب الوطيسة، أليس هو الجبن؟ ماذا يبسط أيدي الأدنياء لدنيئة ~~الارتشاء، أليس هو الجبن؟ ربما تتوهم بعد المثال، فتأمل، فإن الخوف من الفقر يرجع ~~بالحقيقة إلى الخوف من الموت، وهو علة الجبن، سهل عليك أن تعتبر هذا في الكذب والنفاق ~~وسائر أنواع الأمراض المفسدة لمعيشة الإنسان، الجبن عار وشنار على كل ذي فطرة إنسانية ~~خصوصا الذين يؤمنون بالله ورسله واليوم الآخر، ويؤملون أن ينالوا جزاء لأعمالهم ~~أجرا حسنا ومقاما كريما. # ينبغي أن يكون أبناء الملة الإسلامية - بمقتضى أصول دينهم - أبعد الناس عن هذه ~~الصفة الردئية (الجبن)؛ فإنها أشد الموانع عن أداء ما يرضي الله وإنهم لا يبتغون إلا ~~رضاه، يعلم قراء القرآن أن الله قد جعل حب الموت علامة الإيمان، وامتحن الله به قلوب ~~المعاندين، ويقول في ذم من ليسوا بمؤمنين: # ألم تر إلى ~~الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا ~~لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب ~~(النساء: 77). الإقدام في سبيل الحق، وبذل الأموال والأرواح في ~~إعلاء كلمته أوسمة يتسم بها المؤمنون، لم يكتف الكتاب الإلهي بأن تقام الصلاة، وتؤتى ~~الزكاة، وتكف الأيدي، وعد ذلك مما يشترك فيه المؤمنون والكافرون والمنافقون، بل جعل ~~الدليل الفرد هو بذل الروح في إعلاء كلمة الحق والعدل الإلهي، بل عده الركن الوحيد ~~الذي لا يعتد بغيره عند فقده. # لا يظن ظان أنه يمكن الجمع بين الدين الإسلامي وبين الجبن في قلب واحد، كيف يمكن ~~هذا وكل جزء من هذا الدين يمثل الشجاعة ويصور الإقدام، وإن عماده الإخلاص لله ~~والتخلي عن جميع ما سواه لاستحصال رضاه؟! # المؤمن من يوقن أن الآجال بيد الله يصرفها كيف يشاء ولا يفيده التباطؤ عن أداء الفروض ~~زيادة في الأجل، ولا ينقصه الإقدام دقيقة منه، المؤمن من لا ينتظر بنفسه إلا إحدى ~~الحسنيين: إما أن يعيش سيدا عزيزا، وإما أن ms139 يموت مقربا سعيدا، وتصعد روحه إلى ~~أعلى عليين، ويلتحق بالكروبيين والملائكة المقربين. # من يتوهم أنه يجمع بين الجبن وبين الإيمان بما جاء به محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد غش نفسه ~~وغرر بعقله ولعب به هوسه وهو ليس من الإيمان في شيء، كل آية من القرآن تشهد على الجبان ~~بكسبه في دعوى الإيمان؛ لهذا نؤمل من ورثة الأنبياء أن يصدعوا بالحق، ويذكروا بآيات ~~الله، وما أودع الله فيها من الأمر بالإقدام لإعلاء كلمته، والنهي عن التباطؤ والتقاعد ~~في أداء ما أوجب الله من ذلك، وفي الظن أن العلماء لو قاموا بهذه الفريضة (الأمر بذاك ~~المعروف والنهي عن هذا المنكر) زمنا قليلا، ووعظوا الكافة بتبيين معاني القرآن الشريف ~~وإحيائها في أنفس المؤمنين؛ رأينا لذلك أثرا في هذه الملة يبقى ذكره أبد الدهر، ~~وشهدنا لها يوما تسترجع فيه مجدها في هذه الدنيا وهو مجد الله الأكبر، فالمؤمنون بما ~~ورثوا عن أسلافهم وبما تمكن في أفئدتهم من آثار العقائد؛ لا يحتاجون إلا لقليل من ~~التنبيه، ويسير من التذكير، فينهضون نهضة الأسود فيستردوا مفقودا ويحفظوا موجودا، ~~وينالوا عند الله مقاما محمودا. # | الفصل الخامس والعشرون # زلزال الإنجليز في السودان # نقلت الجرائد الإنجليزية برقية وردت إلى جريدة ألستنداراد من دونقلا، ثم كررت ~~ذكره وثبتت مفاده أياما متواليات، ومحصله: أن الألسن تلهج في مدينة دونقلا وفيما بين ~~الجيوش الإنجليزية بقدوم جيش محمد أحمد، والحديث مستفيض في جميع المعسكرات بأنه زاحف ~~إليهم بجيشين أحدهما يأتي من الصحراء والآخر على شطوط النيل، وأنهم لا بد أن يلاقوا ~~منه صدمة شديدة لا قبل لهم باحتمالها. # وقد استولى بذلك الإضراب والتشويش على أفكار العساكر خصوصا عساكر مدير دونقلا؛ خوفا ~~وفزعا، ولكن لما أيقنوا به واطمأنوا إليه من أن السلطان راض عن أعمال محمد أحمد، ~~بل صدرت منه التنبيهات إلى جميع المؤمنين في تلك الأطراف بأن يتجنبوا محاربة هذا ~~القائم، وأن يعتبروا الإنجليز في منزلة العدو الألد ويقاوموهم مقاومة الآيسين. ~~ا.ه. # كنا نعلم أن جميع المسلمين وعموم الوطنيين يرون من فروض ذمتهم ms140 السعي في معاكسة سير ~~الإنجليز وإقامة الموانع في طريقهم بقدر الطاقة والإمكان؛ قياما بما يوجبه الدين ~~والوطن، ولا يحتاجون في الانبعاث لهذا العمل الشريف إلى أمر سلطاني؛ فإن الشريعة ~~الإلهية والنواميس الطبيعية في كل ملة وكل قطر من أقطار الأرض تطالب كل شخص ~~بصيانة وطنه والذود عن حوزته وتبيح الموت دونه، بل توجبه في مدافعة الباغين ~~عليه، وتدعو كل ذي عقل لأخذ الحذر من حيل المحتالين، والتوقي من الأرواح الشريرة ~~الخبيثة التي تتجلى في أشكال من الصور، منها ما يخطف برونقه الظاهر لب ~~الألباب ويهذب بهوه الصوري بنور الأبصار، وهي منابع الشر ومصادر الفساد ومهب رياح ~~الفتن والاختلال، تلك أرواح الأجانب ونفوس الأباعد الذين يهتكون حرم البلاد ويخفضون ~~شئون العباد ويغمطون الحقوق ويفسدون الأخلاق ويذلون النفوس. # المدافعة عن الوطن أمر طبيعي، وفرض معاشي يكاتف في دعوة الطبيعة إليه الميل إلى ~~الطعام والشراب، فليس يمدح القائمون به ولا يثنى عليهم في أدائه. نعم، تتجلى صورهم ~~الجميلة محلاة بأوصافها الفاضلة في مزايا التواريخ عندما يمر النظر إليها على تماثيل ~~الخائنين الذين جاوزوا تخوم الطبيعة وصيغت لهم هياكل من اللعن الأبدي مسربلة بالخزي ~~والعار السرمدي، هكذا يعرف الشيء بضده. # لسنا نعني بالخائن من يبيع بلاده بالنقد ويسلمها للعدو بثمن بخس أو بغير بخس - وكل ~~ثمن تباع به البلاد فهو بخس - بل خائن الوطن من يكون سببا في خطوة يخطوها العدو في ~~أرض الوطن، بل من يدع قدما لعدو تستقر على تراب الوطن وهو قادر على زلزلتها، ذاك ~~هو الخائن، في أي لباس ظهر وعلى أي وجه انقلب. # القادر على فكر يبديه، أوتدبير يأتيه، لتعطيل حركات الأعداء ثم يقصر فيه؛ فهو الخائن، ~~من لم يستطع عملا وأمكنه أن يرشد العامل وتهاون في النصيحة؛ فقد خان، من سوف عمل ~~اليوم إلى الغد وتوانى في تضليل كيد الأعداء بقول أو فعل؛ فقد ارتكب خطيئة الخيانة. وكل ~~خائن لوطنه أو ملته فهو ملعون على ألسنة الأنبياء والمرسلين وممقوت في نظر العالم ~~أجمعين. # ما أعظم جريمة الخيانة (المساهلة ms141 في شئون الأوطان) يأتي الزمان بطوله على كل شيء ~~فيمحو أثره ويطمس رسمه إلا وصمة الخيانة، فلا تطويها الأدهار، ولا يخفيها تطاول ~~الأعصار، محيت أسماء العظماء والملوك والسلاطين، ولكن لم تمح أسماء الخائنين ، لوث على ~~وجه الزمان ودرن في صفحة الإمكان مكتنفة باللعنة محفوفة بالمقت إلى أبد الآبدين، لا ~~يحيط القلم بوصف الخائن وما يتبعه من الشنائع، ولكن النفوس مهما تدانت في الإدراك ~~تشعر بعظم جرمه، فلنرجع إلى موضوع كلامنا. # كنا على يقين ولا نزال عليه، أن الذات الشاهانية وهي الأب الأكبر لعموم ~~المسلمين، وهي الكافلة للشريعة الحافظة للدين؛ هي أجدر الناس بالالتفات إلى حركة ~~الأعداء في البلاد الإسلامية، وهي لا تألو جهدا في تعويق سيرهم وإحباط أعمالهم، ولا ~~يمكن أن يطمئن للسلطان قلب وهو يرى أن أمة عظيمة من أخلص الأمم في الولاء له ~~والخضوع لشوكته سقطت تحت السلطة الأجنبية، وإنه لحرج الصدر من أعمال الحكومة ~~الإنجليزية وعدوانها على الحقوق العثمانية والإسلامية والمصرية بلغت غشمرة الإنجليز ~~إلى حد لا يحتمل، فليس من الغريب أن تضيق بها الصدور وتفيض بالغيظ منها القلوب ~~وتبلى منها دروع الصبر وتذوب سابغات الجلد. # فيا أيها المصريون، هذه دياركم وأموالكم وأعراضكم وعقائد دينكم وأخلاقكم وشريعتكم، ~~قبض العدو على زمام التصرف فيها غيلة واختلاسا، زحف العدو إليكم تحت راية المحبة، ~~ثم قلب لكم ظهر المجن، وتناول بيده الظالمة شئونكم العامة، من عسكرية ومالية وإدارة ~~وقضاء، ولم يبق لكم شيئا إلا الحرمان من خدمة أوطانكم، وأنتم أحق بها وطالما ~~دافعتم عنها في الأيام السابقة. # هذا، وهو لم يأمن طوارق السياسة الخارجية ولم يمح القوى الداخلية، يطلب استمالة ~~القلوب إليه، وجمع النفوس عليه، فكيف به إذا رسخت أقدامه، وارتكزت أعلامه، وخلا له ~~الجو من المعارضين؟! ماذا ترجون من مطاولته، وماذا تؤملون في إرخاء العنان له، وماذا ~~تهابون في معارضته والأخذ على يده؟! # أما رجاء الخير منه فوهم فاسد وخيال باطل؛ فقد رأيتم أنه أفسد شئونكم، وأقلق ~~راحتكم، وحرم رجالكم من الخدم، وأفقر آلافا مؤلفة من العائلات، ووهب من ms142 بلادكم ~~لأعدائكم، وأضر بمنافعكم العامة من زراعة وتجارة وصناعة، فأغلق أبواب الكسب في ~~وجوهكم، وقصد إلى التدخل فيما يختص بأمور دينكم (كالأوقاف)، وعمد إلى خرق سياجكم ~~وإزالة قوتكم بطرد جنودكم، وهذه أوائل أعماله ، فكيف تكون نهايتها؟! فماذا تخشون ~~منه؟ # هل تخشون أن تنقص أموالكم، وثمرات كسبكم إذا أديتم حقوق وطنكم وحاربتم عدوكم؟! ربما ~~يختلج هذا بخاطر بعضكم، وهو من عجيب الخواطر، أنتم واقعون بسكونكم فيما تخافون منه، ~~انتقصت الأموال والثمرات، وفاضت العبرات وزادت الحسرات، وإن زدتم في الخضوع زادكم عدوكم ~~خسارا وأوسعكم خرابا ودمارا، إن رسخت قدم العدو بينكم لا يبقى منكم غني إلا ~~افتقر، ولا عظيم إلا احتقر، وإن شئتم فانظروا مستقبلكم في مرآة حاضركم، واقرءوا ~~حالكم في تواريخ من سبقكم. # هل تخشون إذا قمتم بفروضكم أن يأتي الخطر على حياتكم؟! يمكن أن يعرض هذا الوهم بخيال ~~طائفة منكم، ولكن فلتعلموا أن عدوكم في هذا الوقت ضعيف العزيمة خائر القوة، الدول ~~متألبة عليه يترقب منها في كل آن مطالبته بنتائج أعماله ومحاسبته على عواقب ~~تصرفه، ثم هو يخشاكم كما يخشى الدول أو أشد خشية، إنه مسرع في سيره منطلق إلى مقصده ~~بغاية ما يمكنه؛ ليتخذ لنفسه قرارا مكينا، ومقرا أمينا، ولا يخفى عليكم أن المسرع ~~في جريه يكبه على وجهه عثرة في مدرة، فلو ظهرت منكم في هذا الوقت مقاومة خفيفة، أو ~~مؤاخذة طفيفة، أو تظاهرتم بالنفرة وعدم الرضاء عن سيره فيكم، وجهرتم بذلك، لرأيتهم أن ~~ماءه سراب، وسحابه جهام، وسيفه كهام، وأوقفتم سيره واستعليتم بقوتكم على ضعفه، وأقمتم ~~للدول حجة قوية في كبحه ورد جماحه، وإلزامه باحترام الحقوق العامة والخاصة، ونزع قوة ~~العمل من يد استبداده، وتخويلها لسلطة تحفظ بها الموازنة بين حقوقكم وحقوق أوروبا ~~كافة. # أما لو تركتم عدوكم حتى ينتهي لمقره، ويقوى على أمره، ويدوخ السودان، ويحيط بجيوشه ~~أعالي البلاد المصرية - لا أناله الله ذلك - صعب بعد هذا تعريفه بقدره، وإيقافه عند ~~حده، وضعفت حجة الدول في معارضته، إن أقوم حجة للدول عليه هي عجزه عن ms143 القيام بما كتب ~~على نفسه من تقرير الراحة وإصلاح ما كان يظن من الخلل في مصر، فلو تمكن عدوكم بسكونكم ~~من إظهار قدرته وإقامة الدليل على كفاءته للولاية عليكم، فقد فاز بالسيادة فيكم وأصبحت ~~دماؤكم وأموالكم وجميع شئون حياتكم في قبضة جوره. # في إمكانكم الآن أن تضروا بعدوكم وليس في إمكانه أن يضر بكم، فإذا مضى زمن انعكست ~~القضية وأصبحتم في عجز عن مقاومته وأصبح وفي يده عصا الجبروت لإذلالكم. # إن كنتم تخافون من الموت أو التذليل فهل هو الآن على بعد منكم؟! أليس يؤخذ منكم ~~الأبرياء بالشبه الباطلة، ويهانون ويذلون وكثير منهم يقتلون؟! إن عدوكم هذا سيحاسبكم ~~على خطرات قلوبكم وحركات دمائكم في أبدانكم، ويفعل بإخوانكم في ديار غير دياركم، ثم لا ~~يبقي على أحد منكم، فأنتم اليوم أصحاب أمركم وهذا قصده إليكم، وفي إمكانكم أن تستعينوا ~~الله في التحصن من خطر آجل، بدون ضرر عاجل، فإن شئتم فارحموا أنفسكم، وإلا فأنتم ~~ساقطون، فيما منه تخافون. # يا قوم يؤثر في كتبكم من كلام سلفكم: الشجاع محب حتى لعدوه، والجبان مبغض حتى لأبيه ~~وأمه، تعلمون أنه ما عز قوم بالخضوع، ولا استهين شعب بالإباء، لماذا تعدون أنفسكم ~~في الدرجة الدنيا عمن سواكم؟! ألستم تتشابهون في الخلقة مع أعدائكم؟! ألستم ~~تمتازون عنهم بالإيمان الصادق، والعقائد الصحيحة؟! ألستم تنتسبون إلى أولئك الأبطال ~~الذي دوخوا البلاد وسادوا العباد؟! ألستم تدعون أنكم أشرف عنصرا وأكرم جوهرا، فإن ~~قمتم بطلب حقوقكم فهل يصيبكم أكثر مما يصيب أعداءكم؟ إن كان الموت فهم يخشونه، إن كان ~~الخسار فهم يرهبونه، إنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون. # لأي شيء يخاطر عدوكم بماله ودمه للتغلب على ما ليس له؟ ولأي سبب لا تقدمون بشيء من ~~شهامتكم في حفظ ما هو لكم؟! إن هذا لشيء عجاب! هل نذكركم بقول شاعركم: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # ليس هذا مقام التذكير، وليس المكان مكان المباراة في المجد والمسابقة إلى معالي ~~الأمور، إنما الكلام ms144 الآن في الدفاع عن الحياة وصيانة ضروريات المعيشة، فإن لم ~~يستفزكم طلب العلا وسمو الهمم فليستفزكم تصور الشقاء المنتظر، الذي رأيتم بوادره ~~ونعوذ بالله أن تدرككم أواخره، أستغفر الله، لا تزال ترجى فيكم النجدة والشمم والرفعة، ~~لا يزال دينكم يترقب منكم حمية عليه وغيرة لدفع الغائلة عنه. # إن صاحب الدين # صلى الله عليه وسلم # ينتظر فيما يعرض عليه من أعمالكم نهضة لإعلاء كلمة الحق ~~وإنقاذه من مخالب أعدائه، وإن الله في عزة جبروته لن يدعكم على ما أنتم عليه حتى يعلم ~~الصادقين منكم ويعلم الصابرين: # يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا أنصار الله ~~(الصف: 14)، # ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ~~(آل ~~عمران: 139). # | باب النتف والأخبار # | الفصل الأول # سياسة إنجلترا في الشرق # هلع على ما في البيت فهلوع لإغلاق الباب، فانخلع المصراع وانقض الجدار من ~~ورائه. # هذا شأن دولة بريطانيا في الهند، وقناة السويس، قصارى بغيتها أن تكون في أمن على هذا ~~الباب، وكان سهلا عليها أن تخلص النية في مسالمة أرباب الولاية عليه، فيقونه ~~بأرواحهم وأموالهم، ثم هي تفوز بفوائده إلى الأبد. # إلا أن جيشان الأوهام، وموحشات الأحلام، دفعتها لمباشرة حمايته بنفسها، فإذا الأمر ~~أصعب من أن ينال، وأساس البيت أوهى من أن يدوم. # أرادت دولة إنجلترا بعد تبوئها أرض مصر، أن تدخلها تحت حمايتها، وأن تبدل ~~العساكر الوطنية بإنجليزية، وأن تقيم في السودان سلطنة مستقلة، وحاولت في ذلك إرضاء ~~المصريين بأنه من الضرورات لتنظيم أحوالهم وإقرار الراحة بينهم، وتسكين روع العثمانيين ~~بحفظ الحق وتخفيف الوزر، وكان لكل أن يستبشر بهذه الخدمة الجليلة إن تمت، ولولا ما ~~لدولة إنجلترا من تقسيم الممالك التيمورية في الهند، وإقامتها لكل قسم حامية من قبلها، ~~وكان هذا أكبر الأسباب وأصغرها لاستيلائها على الأقطار الهندية، وإنا لنأسف على ~~التفاوت بين الزمانين، والتباين بين المكانين، فلا الإحسان الإنجليزي يمكن تتميمه، ~~ولا العثمانيون والمصريون يستبشرون بنوله، وخطر الأمرين غير يسير. # ظهرت دعوى المهدوية في السودان، واشتد أزر القائم بها بمسارعة الإنجليز إلى ~~التداخل في مصر ms145 بحجة حفظ باب الهند، وعظم خطب الداعي بعدما أراق دماء غزيرة، ~~ودبت روح دعوته إلى سواحل البحر الأحمر وحدود مصر الطبيعية، وأمالت القلوب إليه ~~نفرتها من السلطة الإنجليزية. # يقرب من الظن أن نفثاته مازجت أفئدة العرب في فيافي طرابلس، أو قاربت، وأن هذه ~~النيران التي يشعلها بالبكاء على الدين والنواح على امتهانه، لا تلبث أن تنقض شرارة ~~منها على جزيرة العرب، وفيها يصعد عويل الدين ونحيبه إلى عنان السماء، وعند ذلك يمسي ~~باب الهند بين ألسنة النيران من جهتين بل من ثلاث جهات، أيبعد عند العقل وبريطانيا ~~لاهية بإنقاذ الباب أن تتقد النيران في البيت؟! إن الخطر اليوم أشد مما اهتمت بدفعه ~~سابقا، ماذا أخذت من الوسائل لدفع هذه الغائلة؟ # أرسلت جوردون باشا إلى السودان لتفريق كلمة المحاربين ورقية محمد أحمد الحمداني، ~~السودانيون لم تلتئم جراحهم من ظلم جوردون أيام كان حاكما مستبدا عليهم، وفي علمهم ~~أنه أعدى أعداء الديانة الإسلامية؛ فقد طلب وهو فيهم قسسا من السويس لنشر المذهب ~~البروتستانتي بين مسلميهم، فهل تمكنه الفصاحة الإنجليزية أن يمحص صدور العرب من ~~الضغينة الدينية والدنيوية، بعدما رسخت أعواما، ويمحوها في بضعة أيام، وهل يسهل عليه ~~إرضاء محمد أحمد، بعدما قام بدعوة عظيمة كهذه بمنحه لقب أمير كوردفان، أو هل يقنع صاحب ~~هذه الدعوى بمثل هذا اللقب بعدما تسنى له من الفتوحات واستولى على تلك البلاد بدون ~~إذن جوردون، قد يظن هذه الظنون من لا وقوف له على حقيقة دعوى المهدوية وموقعها من ~~قلوب المسلمين، ويكفي لكشف بعض ما في الغيب ما اتفقت عليه الجرائد الإنجليزية ~~والفرنسية وأثبتته المخابرات الرسمية من إخفاق جوردون في سعيه كما تراه في غير هذا ~~المقام. # ساقت خمسة آلاف، وعلى بعض الروايات: أربعة آلاف جندي تحت قيادة الجنرال جراهام إلى ~~سواحل البحر الأحمر لاسترجاع شرف بيكر باشا، وثار ضباطه من الإنجليز (أما هكس باشا ~~وضباط جيشه فلبعدهم عن البحر لا شرف لهم ولا ثأر)، وغلب هذا الجيش، المدرب الكامل ~~العدة الشاكي السلاح من أجود طرز، ثلاثة ms146 آلاف من عراة العرب السودانيين (بمعنى أنه قتل ~~منهم ثمانمائة بدوي) والقبائل على عصبيتها لم تحن بعد، هل بهذا تدفع الغوائل؟! أيظن ذو ~~عقل أن فاتحا فتك بعشرة آلاف جندي مرة وألفين وخمسمائة مرة أخرى جميعها تحت إمرة ~~مشاهير من جيش إنجلترا يخور عزمه لانهزام شرذمة من المنتسبين إليه، وهل يؤثر هذا ~~وهنا في اعتقاد المذعنين لدعوته؟! سبحان الله! كان لغلبة هذا الجيش رجة في إنجلترا، ~~وخيل لحكومتها أنه نجاح في العمل، وربما نشأ هذا الخيال من التهنئات التي وردت إليها ~~من الدول وسفرائها مما لم ينله نابليون الأول وغليوم الألماني. # أقول، وحق ما أقول، إن الضريم شديد، فإن ترك امتد وأخاف الدانية والقاصية، وليس في ~~إمكان جوردون ولا أحذق سياسي في إنجلترا أن يخمد لبه والمناوشات البريطانية تحضره ~~فتزيده اشتعالا، وإنما يتيسر إطفاؤه لأولي العزم من العثمانيين والمصريين؛ لكونهم على ~~شاكلة صاحب الدعاوى وبيدهم عنانها. # كان من حذق الإنجليز لو اكتفوا في حفظ باب الهند بعضد العثمانيين وخضوع المصريين مع ~~القوة البريطانية، والتفتوا إلى ترميم سياج الهند من الجهة الشمالية، ماذا يفيدهم سد ~~الباب إذا وهى الأساس فتداعت الجدران وخر السقف، إن قبائل التركمان في «مرو» مع ~~شرس طباعهم لحقوا بدولة الروس اختيارا بعدما كانوا مستقلين في أمورهم لا يدينون لسلطة ~~أجنبية عنهم، فأي مانع يمنع تركمان سرخس، وهم سنيون، من الاقتداء بهم؛ تخلصا ~~من حكومة فارس المخالفة لهم في المذهب، فإن تم هذا فتح للروس طريق فراه إلى قاين إلى ~~سجستان، وأي قوة تصدها عن طمعها، وإن حلت في سجستان أو فراه فأية عقبة بينها وبين ~~الهند؟ # إن قبائل أزبك من سكان «ميمنة» و«أندخو» و«شيورغان» و«سربول» وسائر بلاد بلخ إلى ~~«وبلميان» في ضجر من الحكومة الأفغانية، أفلا يتبع هؤلاء أثر أبناء أعمامهم التركمان، ~~فإن غفلوا فتحت لهم روسيا بابا من الملاطفة، وذهبت بهم في طرق من سياسة اللين لتشويقهم ~~إلى الدخول في حمايتها والتملص من نير الأفغانيين، وليس في قوة حكومة الأفغان كبحهم ~~إن أرادوا لضعفها فيهم. # إن ms147 قبائل هزازة من الشيعة الساكنين في الجبال الممتدة من هراة إلى كابول ينتحلون ~~الأسباب للخروج على حكومة الأفغان نفرة من سلطة السنيين، وقد كانوا في الحرب الأخيرة ~~بين الإنجليز والأفغان متفقين مع الإنجليز، فهم بعدما يرون جيرانهم انحازوا إلى الروس، ~~أفلا ينزعون إلى مجاراتهم خصوصا إذ لمعت لهم بوارق الوعود الروسية، هذا كله يكون، ~~فتشرف روسيا بعد على الميدان المتسع الممتد من هراة إلى قندهار إلى غزنة بل إلى كابول ~~من جهات كثيرة، فهل بعد هذا يبقى للهند سياج؟ وهل يمكن أن يقام في وجه روسيا مانع من ~~المسير إليه؟ وهل ينفع عند ذلك الوقوف على نافذتي «قناة السويس»؟ # أليس يسهل على الروس عند إشرافهم على تلك المواقع الإيقاع بين قبائل الأفغان وبين ~~المرشحين للإمارة، ويتخذون منهم أحزابا كما فعلوا بخوانين القرم؟ # تقربت دولة روسيا إلى ألمانيا والنمسا في هذه الأيام، وانعقدت بينهم معاهدة على ~~حفظ السلم في أوروبا إلى زمن غير قصير، ولم يكن هذا التقرب مبنيا على ما يخيله ~~السياسيون في كل دولة على حسب مصالحهم، وإنما رأت روسيا أن الوقت وقت العمل في آسيا، ~~فطلبت الراحة من جهة حدودها الأوروبية لتتفرغ لإجراء مقاصدها في أطراف الهند، وإن الفزع ~~من هذا الانتقال الفجائي قد ظهر أثره في جميع الجرائد الإنجليزية. # ليت الإنجليز صرفوا قوتهم ووجهوا عزيمتهم لدفع ما يلم بهم من الخطر القريب ولم يقعوا ~~في شرك المسألة المصرية، فإن ما كانوا يخافونه من مصر كان وهما صرفا، فلما طرقوها ~~أوقدوا فتنة ما كانت تخطر ببال أحد، ثم هم في عجز عن علاجها، وإننا نظن كما يزعم ~~الوزارء العثمانيون أن الإنجليز ليس في إمكانهم أن يكسروا سورتها بأنفسهم، ولا بد لهم ~~من يوم يلجئون فيه إلى ذوي العزيمة من العثمانيين والمصريين - وإلى الله عاقبة ~~الأمور. # | الفصل الثاني # مصر # كانت حكومة هذه البلاد في الربع الأول من القرن الماضي (الهجري) تعد من نوع حكومة ~~الأشراف، ويحسبها المؤرخون في تلك الأوقات بدرجة لا تعرف هيئتها، ولا يصل بحث الباحث ~~إلى ms148 كنهها، وإذا عبروا عنها بالتقريب قالوا: طرز قديم كان معروفا في أغلب أنحاء ~~المسكونة. # ثم أعجب الدهر فيها بغرائبه بعدما فوضت أمورها لمحمد علي باشا، فلم يمض قليل من ~~الزمن حتى دخلت في طور جديد من أطوار المدنية، وظهر فيها شكل بسيط من الحكومة ~~النظامية وتقدمت فيه على جميع الممالك الشرقية بلا استثناء، وعد هذا التقدم ~~السريع من عجائب الأمور. # 1 # هل كان في حسبان أحد أن يستلم زمام الحكومة في مصر رجل من بعض قرى الرومللي لم ~~يتربع في دروس العلم ولم يجبل في مصانع السياسة، إلا أن طبيعته الفطرية كانت فائضة بحب ~~الحضارة، وبث العلوم، وتأسيس قواعد العمران، مع تدفق همته لبلوغ الغاية مما يميل ~~إليه؟! # تقدمت بعد ذلك فيها الزراعة تقدما غريبا، واتسعت دائرة التجارة، وعمرت معاهد ~~العلم، وانتشرت في أرجائها مبادئ المعارف الصحيحة، وتقاربت أنحاؤها، واتصلت أطرافها ~~بما أنشئ فيها من سكك الحديد وخطوط التلغراف، وتعارفت أهاليها، وائتلف الجنوبي ~~بالشمالي، والشرقي بالغربي، وقوي فيهم معنى الأخوة الوطنية، بعد أن كانوا لبعد ~~الشقة بين بلدانهم كأنهم أبناء أقطار مختلفة، وتواصلوا في المعاملات، وتشاركوا في ~~المنافع، واعتدلت المشارب المذهبية، حتى كان لهم زمن أحسن فيه كل واحد بنسبته من ~~الآخر، وارتفعت بذلك أصواتهم، بعدما جالت فيه أفكارهم. # تفجرت من أرض مصر ينابيع الثروة، وعمدت بقاعها وطفحت ففاض خيرها على ما يجاورها من ~~الأقطار الشرقية، بل وصل مد نيلها إلى أراضي البلاد الغربية، وتوارد إليها ~~الغرباء، وقصاد الكسب من كل مكان، وما خاب لها قاصد، ولا أخفق فيها سعي ساع، ~~فأثرى في مغانيها الفقراء، وعز بها الأذلاء، وصارت قبلة لآمال كثير من الغربيين، ومحط ~~رحال الراجين من الشرقيين، وكل وافد إليها يجد أهلا خيرا من أهله، وسكنا خيرا من ~~سكنه، وتكاثرت فيها العناصر الغريبة، حتى كان الداخل إليها يخيل له أنه تحت برج بابل ~~يوم تبلبلت الألسن. # وساد بها الأمن وعمت الراحة، وضارعت في كل أحوالها نوع ما عليه الممالك الأوروبية ~~العظيمة، وكان المتأمل في سيرها هذا يحكم حكما ms149 ربما لم يكن بعيدا من الواقع، أن ~~عاصمتها لا بد أن تصير في وقت قريب أو بعيد كرسي مدنية لأعظم الممالك الشرقية، بل كان ~~ذلك أمرا مقررا في أنفس جيرانها من سكان البلدان المتاخمة لها، وهو أملهم ~~الكبير، كلما ألم خطب أو عرض خطر، غير أن الأيام كأنها حسدتها على ما منحته، ~~فعثر العاقل، وفرط المالك، وأعثر المعجب، وتهور الغبي، وخار الأفين، فتقرب البعيد، ~~وبعد القريب، ونزل بمصر ما لم يكن له أثر إلا حواشي طوامير الأوهام - ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله. # ألحمت إدارة الحكومة بما ليس من نسيج سداها، وانتفضت منها أصول على وجه غير مألوف، ~~ففتحت للدسائس أبواب وأنساب، بين طبقات الناس، دهاة سياسة، وطلاب غايات، فتفرق ~~اتصال، وتقطعت أوصال، فضعفت السلطة الوازعة، ونبذت الطاعة، والتهبت نيران ~~الفتن. # قضاء حل بتلك البلاد، فاحتاجت في إعادة شأنها الأول إلى رأي قويم، وعزم ثابت، ~~ووازع قوي، تدين لسطوته النفوس، وإن من ذوي الحقوق فيها من يجمع هذه الأوصاف، ~~وله من القلوب المكانة العليا، وكان يسهل عليها القيام بما يعهد إليه، لكن تحكم طمع ~~وأخطأ ظن، فتخلفت النتيجة، واشتدت الحاجة. # أشفقت دولة الإنجليز على طريق الهند، كما يقال، أو ظنت أن آن التقدم بعض خطوات قد ~~آن، فرأت أن إعادة الأمن وتثبيت الراحة في مصر من فرائض ذمتها، فكان من التحريق ~~والتدمير والقتل والشنق والحبس والإبعاد والتغريم، وما شاكل ذلك مما لا حاجة لبيانه، ~~وعم بعض أنواع الهون، حتى لم يبق ممن يعرف اسمه أحد إلا مسه ضرمه، ما خلا أشخاصا ~~قلائل، وهذه المرهبات على ما بها من القوة لم تبلغ الغرض من تأمين طريق الهند لإشرافه ~~على الخطر من وجه آخر، ولم تأت بما كان يؤمل منها لنظام البلاد. # أليست المالية هي مرمى أنظار دول أوروبا، وما وضع نظام في البلاد ولا أحدث تغيير ~~بمشورتهم إلا لوقاية الخزينة من العجز عن أداء ما يتعلق بها من الحقوق الأوروبية؟ اليوم ~~رزئت بالنقص في الإيراد، وحملت من تعويضات متالف الحرب أربعة ms150 ملايين من الجنيهات، ~~ورميت بنفقات جيش الحلول، وحرب السودان، ومصاريف إخلائه، وما يضاف إلى كل هذا مما ~~يظهره المستقبل، فاختلت الموازين، وبطل قانون الجبايات، وأي مصيبة على المالية ~~أعظم من نوازلها الحاضرة؟! # عقد العزم على إلغاء الجيش الوطني، وهو قوة البلاد وبه فخارها، وكأنه لم توجد وسيلة ~~لتنظيم جنود مصر، وقصر الجهد عن مجاراة محمد علي باشا، وإبراهيم باشا، اللذين دوخا ~~كثيرا من الأقطار بجنود مصرية. # إن كان كل ما تقدم من الشدائد والخطوب وزيادة النفقات وإلغاء العساكر الوطنية إنما ~~يتخذ سبيلا لراحة الأهالي، وتحسين أحوالها، فنعمت الوسائل إذا أدت إلى غاياتها، لكن ~~أين السبيل من المقصد، وأين هذه المعدات من تلك الغايات؟ # واأسفا على حالة الأهالي بعد هذا! حكم من لا دافع لحكمه بطرد آلاف من الوطنيين ~~الموظفين في دوائر الحكومة، وما منهم أحد إلا ويتبعه عائلة وأولاد، ولا قوت لهم إلا ~~من مرتب عائلهم، وما مرن على عمل للكسب سوى ما نشأ فيه من خدمة الحكومة، ألم يمس ~~هؤلاء ضر الفقر؟! ألم يعضهم ناب الجوع؟! ألم يهتك مستورهم؟! ألم يضق ذرعهم؟! ألم يصبحوا ~~كساة بسرابيل الكآبة، عراة من أكسية المسرة؟! إن لم يكن كل هذا فقد كان جله، وإن صدى ~~أنينهم يتلى في صفحات الجرائد الوطنية العربية والإفرنجية وسيتبع السابقين منهم ~~اللاحقون، حتى لا يجد وطني في البلاد من المهن إلا ما لا يليق بالإنجليزي تعاطيه من ~~سفاسف الأمور - كما هو في البلاد الهندية. # اضطرب ميزان السلطة العامة لتعاكس قواها المختلفة فاشتبه الأمر على العمال، وظنوا ~~أن لا تبعة عليهم فيما يعملون، فانطلق ما غل من أيديهم، وحكموا أهواءهم في أداء ~~وظائفهم، فخبطوا وخلطوا، أفعمت السجون بأعيان الرعية، ورفعت أذناب الكرابيج لتشريح ~~أبدانهم، واستعملت آلات التعذيب، وامتدت مخالب الجور لتجريدهم من بقايا أموالهم، ~~وثمرات كسبهم، وحدث نوع من الحكم المطلق عزيز المثال، بعث عليهم عذاب من فوقهم أو من ~~تحت أرجلهم، ولبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض. وما الله بغافل عما يعمل ~~الظالمون. # غلقت أبواب العمل من وجوهه ms151 الرسمية في الإدارات، وتعطلت أشغال المحاكم، وشخصت ~~الأبصار لعاقبة هذا التنازع بين القوى الحاكمة، فاتسع نطاق الفوضى وارتفع حجاب ~~المنعة، فإذا الفلاح لا يبالي بعمدته، والعمدة لا يبالي بمأمور مركزه، والمأمور لا ~~يحترم مديره، وسرى التهاون إلى الدوائر العليا، وعاد الأمر لقوة الساعد وكثرة ~~الأعوان فعاثت اللصوص، وكثر قطع الطرق في كل ناحية. # وارتفعت الأصوات بالشكوى منهم في عموم الجرائد الوطنية، فوقفت حركة الأعمال العمومية، ~~وبدت للناس شئون عدلت بهم عن ضرورات معاشهم، وامتنع المدينون من أداء ما عليهم ~~لدائنيهم من التجار والربويين؛ فقبض المقرضون أيديهم واحتكروا نقودهم لفقد ثقتهم ~~وإشفاقهم من الضياع على رءوس أموالهم، وإن أصيبوا بالحرمان من الربح وابتلوا بالخسارة ~~في رأس المال من قبيل آخر. # واشتدت الحاجة بالفلاحين إلى ما يعوض عليهم من ماشية في الحراثة بعدما اغتالها ~~التيفوس، وما يجددون أو يصلحون به آلاتهم الزراعية، ويستعينون به على نجاحها حسب ~~العادة التي ألفوها، فعميت عليهم من السبل، وضاقت بهم المسالك، ولم يجدوا لسد ~~حاجتهم سبيلا؛ ففسدت الزراعة وانتقصت ثمراتها، وانحطت أسعار الحاصلات لارتباك الأحوال ~~إلى حد ما كان يسمع إلا في القصص وروايات القدماء قبل محمد علي باشا، ومطالب الحكومة في ~~ضرائبها ورسومها على حالها الأول مع الإغلاظ في اقتضائها، فعم العسر وأحاط الضنك، ~~وتقوضت آلاف من البيوت التجارية، وأتربت أيدي ملايين من عمال الصناعة، وأعدم المزارعون ~~قاطبة إلا نزر يسير من حفظة الكنوز أو المستأثرين بأموال الكافة نهبا وسلبا. # باع الفلاح أثاث بيته، بل وما أبقاه التيفوس من عاملة أرضه، بعدما ذهبت الحاجة ~~بحلي حرمه وبناته ليؤدي ما عليه لحكومته، ولم ينل من نضارة العيش ما يقوم بحفظ حياته، ~~وعاد إلى الفطرة الأولى يقتات بأقوات البهائم ويسرح مسارح الحيوانات إلا قليلا منهم ~~الله يعلمهم. # وزاد الويل بمحق الحرية الشخصية، والأخذ بالشبه وإن ضعفت، واتباع بواطل التهم وإن ~~بعدت، أو استحالت، حتى أخذ الفزع من القلوب مأخذه، وبلغ منها مبلغه، فلا ترى مارا ~~بطريق إلا وهو يستلفت خلفه لينظر؛ هل تعلق بأثوابه شرطي يقوده إلى ms152 السجن، أو يقتضي ~~منه فدا. وكل معروف الاسم من المصريين ينتظر في كل خطوة عثرة، وفي كل نهضة سقطة، وله ~~من كل شاخص دهشة ومن كل طارق لبابه غشية، أي شقاء ينتظره الحي في حياته أشنع من ~~هذا؟! # هذا ما تنشق له المرائر من أحوال سكان القطر المصري، هذا بعض ما يضيق به الصدر، ~~وتنقبض له الأنفس، مما رزئوا به بعدما تكفل أحباؤهم الأولون بالدفاع عنهم ~~وتخليصهم من الفوضوية السابقة، هذه طلائع الإصلاح المبشر به من زمان بعيد على ألسنة ~~رسله، أصبح الأهالي حيارى في أموالهم، تائهين عن رشادهم، لا يعلمون ماذا يحل بهم، ~~يذكرون من أحوالهم السابقة ما كانت الدول الأوروبية تسميه ضيقا وعناء وتمنيهم ~~بالإنقاذ منه فيحنون إليه ويودون لو رجعوا إليه، ويحسبونه غاية سعادتهم، بعد ~~هذه الحالة التي هم فيها. # أبعد هذا يصح لمصري أن يظن أن تلك الرزايا التي حلت ببلاده من نحو عشرين شهرا ~~كانت مقدمة لإصلاحها وتنظيم شئونها؟! نعم يمكن أن يخطر بالبال أنها تمهيد لعمل صناعي ~~في الأراضي المصرية كتقويم طرقها، وإقامة جسورها، وتكثير جداولها، وتقوية مواد الخصب ~~فيها، حتى تعود بعد مدة جنة من جنات الدنيا، أو روضة من رياض الآخرة، أما الأهالي ~~فليسوا بموضع النظر فإنهم إن هلكوا ورث الأرض بعدهم قوم آخرون. # فإن لم يكن هذا فليكن تمام الإصلاح الذي لا يمثله الخاطر، في وقتنا الحاضر، ولا يكفي ~~للبداة فيه سنون معدودة على قياس الإصلاح المنتظر في بلاد بنجاب (من الممالك الهندية)، ~~فإن الدولة التي تولت إصلاح الشئون المصرية في هذه الأيام، دخلت بلاد بنجاب بهذه ~~الحجة، واستولت عليها من مدة أربعين سنة، ولم تزل إلى الآن حكومتها عسكرية، ولم يشرع ~~فيها بتنظيم مدني، فلينتظر إخواننا المصريون فإنا معهم من المنتظرين. # | الفصل الثالث # أعجوبة # ظهر لمراسل التايمس بالإسكندرية في هذه الأيام ما كان ظاهرا عند الكافة عامتهم ~~وخاصتهم، ولم يخف على غبي ولا ذكي ولا أعمى ولا بصير، بل لم يحصل فيه أدنى شبهة في ~~زمن من الأزمان الماضية، فأبرق ms153 إلى جريدة التايمس يثبت فيه ما يأتي: إنه يوجد بين ~~طبقات الأهالي جمهور كثير ينفر من سلطة الإنجليز (وخجل أن يقول جميع الأهالي)، كذلك ~~وأنهم لا يسرون بإرسال العساكر إلى توكار ، بل بلغ الأسف منهم غايته عندما سمعوا بانتصار ~~جراهام على العربان. # ويقرب من هذه الأعجوبة ما أجاب به جرانفيل موزورس باشا عندما بين له لزوم التداخل ~~العثماني في حوادث السودان، حيث قال: إن العساكر التركية تلاقي من معارضة المصريين مثل ~~ما تلاقي العساكر الإنجليزية، فاعتبروا يا أولي الأبصار. # | الفصل الرابع # غريبة # روت جريدة التان، عن الجرائد الإنجليزية: أن الخديو الحالي عقد عزمه على الاستعفاء ~~من منصبه، إلا أن حرمه (زوجته) عارضته فيما عزم عليه كل المعارضة، وعندما أشار ~~إليها بما في نيته تناولت مقراضا وجزت شعرها؛ علامة على الحداد وأقسمت أن لا ~~تلبس الجوارب والأحذية حتى توقن بعدوله عن مقصده هذا، وهي من ذاك الوقت تمشي حافية ~~وتنتظر آخر عزيمة من زوجها الخديو. # ولعل هذا من مبالغات الجرائد الإنجليزية، أو يكون منشؤه إلحاح السير بارين عليه ~~بطلب حماية إنجلترا - كما رواه كثير من الجرائد، أو إجباره على التنازل، كما روته ~~جرائد أخرى. # | الفصل الخامس # جوردون باشا # إن جوردون باشا بعدما نصب نفسه للمدافعة عن حرية السودانيين زمانا طويلا، وكثر ما ~~توسل بذلك لعودته حاكما للسودان؛ نال في هذه الحوادث بغيته، وأرسل من قبل دولته لعمل ~~سوداني فوصل الخرطوم وافتتح أعماله بمخالفة مشربه، فأعلن إباحة بيع الرقيق وإلغاء ~~معاهدة سنتي 1877-1879، ثم تعدى على حقوق السلطان بدعاوى مختلفة، منها أنه جاء ~~نائبا عنه، وتضاربت أقواله في مأموريته، فادعى أنه حاكم عام على الأقطار ~~السودانية بأمر دولته والحكومة المصرية، مع تصريحه بأن الحكومة المصرية لا دخل لها من ~~الآن في إدارة السودان رأسا واعترافه بإمارة الشيخ محمد أحمد على كوردفان. # هذه كل وسائله لامتلاك قلوب السودانيين، ولم يلبث أن ظهر ضعف سياسته عند جميعهم؛ ~~لعلمهم السابق بأطواره، فكان ما أجمعت عليه الجرائد الإنجليزية والفرنسية من عدم ~~نجاحه في مأموريته، فإن الأخبار ms154 الخصوصية الواردة من الخرطوم متفقة في أن ما أشيع من ~~البهجة بقدوم جوردون محي أثره وتحول إلى اضطراب وقلق وتشويش في الأفكار، وأن القبائل ~~فيما وراء الخرطوم تسخر بمنشوره وتهزأ بوعده ووعيده . # وهذا الضرب من السياسة ربما يستغربه من لا يعرف حال جوردون، أما المصريون جميعا ~~والسودانيون خصوصا فلا يعجبون منه لوقوفهم على أحواله من قبل، وإنما العجيب من كون ~~الحكومة الإنجليزية ذهلت عن أن ثورة دينية لا يمكن إطفاؤها بيد من يخالف الثائرين ~~دينا وشكلا ولغة وإن كان عاقلا سياسيا. # يثبت هذا الذي قلناه ما ورد إلى «الديلي نيوز» من أن الجنرال جوردون بعث برقية أثبت ~~فيها أنه عاجز عن مساعدة الحامية المصرية في السودان ما لم يكن تحت إمرته جيوش على ~~النيل الأبيض والنيل الأزرق، وما جاء من مكالمته لمراسل التايمس حيث صرح له أنه لم يعد ~~في إمكانه أن يفعل أزيد مما فعل (وما فعل شيئا) لتقرير الراحة بين السكان، وأن ~~العزم على إخلاء السودان فتح للشيخ محمد أحمد سبيلا لإثارة القبائل بين بربر ~~والخرطوم، وفي أثناء المحادثة أظهر احتياجه لفرقتين من العساكر ترسل إليه من جيش ~~الجنرال جراهام، ومما قاله: إنه من الضروري تعيين زبير باشا خلفا له في الخرطوم ويفوض ~~إليه إعادة الراحة ومقاومة الثائرين، وهذا من عجيب تدبيره؛ فإن هذا الباشا إن لم يكن ~~معتقدا بصاحب دعوة المهدوية، فعنده أعظم باعث للاتفاق معه، فإنه لم ينس ما حل بأولاده ~~وأقاربه من القتل صبرا، وما سلب من أمواله نهبا وغصبا، فكيف يميل لمساعدة الحكومة ~~المصرية على إخضاع الثائرين عليها؟! # | الفصل السادس # جراهام وعثمان دجمة # بعث الجنرال جراهام قائد جيش الإنجليز في جهة سواكن، بمنشورات إلى رؤساء القبائل ~~يعدهم ويمنيهم ويهددهم ويتوعدهم لينفصلوا عن عثمان دجمة، وإلى عثمان يرعد له ~~ويبرق، ويرغي ويزبد، ويطلب منه التسليم، فورد الجواب من عثمان برفض الطلب والاستعداد ~~للحرب، وردت الرسائل من واحد وعشرين شيخا من مشايخ القبائل ناطقة بأنه لا واسطة بين ~~الإنجليز ومساعديهم، وبين القبائل السودانية إلا السيف، ثم ms155 قالوا: إن كل من لا يصدق ~~بدعوى المهدي فإنه سيكون لا محالة فريسة للموت وطعمة للهلاك. # فاضطر الجنرال جراهام لإعادة التهديد مرة أخرى على النحو الأول، ويغلب على الظن أن ~~الجواب يكون الجواب. # وجاء في جرائد الإنجليز أن الشيخ المرغني (وهو شيخ طريقة من المسلمين) بعث إلى عثمان ~~دجمة رقيما يستدعيه للطاعة، ويحذره من مقاومة العساكر الإنجليزية، فأجابه عثمان ~~دجمة بأن في عزمه شرب دماء الإنجليز وكل من يساعدهم فإنه يحارب بسيف الإسلام، وفي ختام ~~جوابه نصح للمرغني، وطلب منه أن يقوم بإرشاد الإنجليز إلى ترك الحرب ووضع السلاح، وهو ~~أولى له من نصح مشايخ القبائل العربية والإسلامية. # | الفصل السابع # المسألة المصرية # إن المسألة المصرية صبغت في إنجلترا عدة صبغات من يوم نشأتها، وكلما عرضت على العقول ~~في لون خيل لها أنه أجود ما في الدن، حتى إذا مضى عليه زمان خفي وأعقبه لون جديد، ~~وهي في انتقالاتها هذه لا تزداد إلا أشكالا، ولا تزيد إنجلترا في إنهائها إلا ~~ارتباكا. # كان بود مستر جلادستون أن ينهج في سياسته منهج سلفائه من الإنجليز، يحبو إلى مقصده ~~بالأناة والتؤدة، ويلتوي في مسيره إلى معاطف متخالفة، ويرى أن سلوك الجادة مما لا ~~تقتضيه الحكمة، ولا يسوغه الحذق، حتى يبلغ الغاية ويقطع الخلال (الطريق بين الرمال) ~~ولا يظهر له أثر يقتفى، أو كان كما يزعمون أو كما يدعى، ونادى به على عهد بيكونسفيلد ~~من أنه لا يميل إلى الفتوحات، وهمه البعد بإنجلترا عن المدخلات في الأمور الأجنبية ~~بالقوة الحربية، إلا أن الحوادث المصرية ألجأته إلى العدول عن مشربه، والتطور بغير ~~طوره، فتضاربت آراؤه وتردد في أعماله، وسار سيرة المتخبط، ونشأ من طلعه في السياسة توعر ~~السبل على حكومته في بلوغ ما تريد، وحدث عنه النزاع بينه وبين بقية الوزراء فيما يجب ~~اتباعه من بعد، وهو الآن في حيرة بين التمسك بمذهبه السياسي، والاستقالة من المنصب، ~~وبين الانفلات منه والتعرض للوم العقلاء والسقوط من منزلته في قلوب أحزابه، وهذه الحيرة ~~مهدت لمعارضيه من الحزب المحافظ ms156 طريقا للسعي في إسقاطه من مكانته السياسية ~~وإهباطه من كرسي الوزارة. # الذي أباح لمستر جلادستون أن يركب غير طريقه، ويتداخل في مصر بقوة السلاح؛ ما زعمه من ~~احتياج تلك البلاد إلى إقرار الراحة، وتخليصها من خلل الفوضى، ومن مصلحة إنجلترا أن ~~تتولى إغاثتها مما وقعت فيه، فمد يده لوضع قواعد العدالة، وتخليص الحكومة من الضعف ~~وإعادة الأمن إلى البلاد، وكان يظن أن هذا المطلوب يتم بهدم طوابي الإسكندرية، والحلول ~~في ثكن القاهرة، فيكون قد كسب أجرا أو نال ملكا جديدا أو حفظ مصلحة مهمة، بأعمال ~~خفية، ونفقات قليلة، وكلمات غير طويلة، ولكن مع الأسف لم يساعده التوفيق على نوال ~~البغية. # تتابعت الفتن وعلا لياقها حتى لذعه فنبهه لما لم يخطر له على بال، فاضطر لسوق ~~العساكر، ومداومة الحروب، ومع هذا لم تؤيد الحكومة التي انتصر لها، ولم يكف محمد أحمد ~~عن دعوته، ولم يهن عزم عثمان دجمة بهذه الصدمات المتتالية، وأجمعت الجرائد على أنه نادى ~~بالحرب الدينية وهو يجمع متفرقة العرب ليزيدها إلى قبيله، ويهاجم الإنجليز مرة ثالثة، ~~وأكد رواة الأخبار أن محمد أحمد أنبأ من قبل أنه سيهزم مرتين قبل تمام ظفره بالإنجليز، ~~فكانت هذه الهزمات مما يقوي الاعتقاد به ويجمع الكلمة عليه - ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # فهذه المصاعب شوشت أفكار البرلمان، وحركت الخواطر على الوزارة الجلادستونية، ~~وتخوف رئيس الوزارة من عواقب المداولات في المسائل المصرية، فتأخر عن حضور الجلسات ~~من مدة أيام، وقام وزير الحربية مقامه في التعبير عن أفكار الوزارة، وفهم من بعض ~~خطاباته أن من نية الحكومة أن تحفظ الثغور المصرية بعساكرها، وأن تحل في شرق السودان، ~~وأن تتولى إدارة الحكومة المصرية كما تراه في غير هذا المحل، فقامت الحجة بكلامه هذا ~~في حزب المحافظين، ووبخوا الحكومة على ضعفها السابق والتجائها للعدول عن سياستها في هذه ~~الأوقات. # ولم يكن من رأي جلادستون أن تصرح الحكومة بمقاصدها، وتظهر مشرعها بوجه جلي، ووقع ~~الخلاف بينه وبين وزير الحربية، وكثير من أعضاء الوزارة، على جملة مواضيع في ms157 المسألة ~~المصرية، وزاد الخلاف شدة ميل جلادستون لمرضاة الأيرلنديين وتجافي بقية الوزراء عن ~~رغبته، وثبت الرئيس في آرائه وهو يفضل الاستعفاء على التساهل في شيء منها، ومن هذا ~~غلب على الظن أنه سيحصل انقلاب في الوزارة أو فض البرلمان، وأكدت قرب ذلك جريدة ~~التايمس وجريدة الديلي نيوز، وهي نصف رسمية، وجاءت الأخبار الأخيرة متفقة على أن وزارة ~~جلادستون في خطر. # فإذا انقلبت الوزارة الإنجليزية، وخلفتها أخرى، من أي حزب كان، فما عساها تفعل ~~لحل المسألة المصرية والتخلص من الورطة، أقبل الصيف وصعب على عساكر الإنجليز أن ~~تأتي بحركات عسكرية في أطراف السودان الشرقية مدة أشهر، ويتعذر حفظ المواصلة بين سواكن ~~وبربر والخرطوم، فإن طلبوا عساكر هندية كما أنبأت به البرقية انكشف للهنديين بتكرر ~~طلب العساكر من الهند ضعف القوة البريطانية، واجترءوا على حامية الهند وهناك الهول ~~الأكبر. # في هذه المدة وهي غير قصيرة يتيسر لمحمد أحمد ودعاته أن يجمعوا قواهم وينالوا من ~~المنعة ما يتعسر على عساكر الهند مقاومته، بل هم الآن على القرب مما نقول، ففي ~~الأخبار الصحيحة أن حالة النيل الأعلى لا ترضي الحكومة الإنجليزية، والبلاد المجاورة ~~للخرطوم في ثوران شديد، وقد انقطع الأمل من فتح الطريق بين بربر وعاصمة نوبيا، ومحمد ~~أحمد مهتم من نحو شهر بجمع قوة عظيمة يساعده على تنظيمها ضباط من أركان الحرب فيهم اثنا ~~عشر أوروبيا وستون ضابطا مصريا نجوا من عساكر هكس. # ذكرت جميع ذلك جريدة الديلي نيوز واعترف مستشار خارجية إنجلترا أن المواصلة بين ~~شندي والخرطوم منقطعة، ولم يصله خبر عن جوردون من حادي عشر هذا الشهر، فإذا ترك ~~هذا الخطب الجلل للقوة الإنجليزية فلا نظنه إلا يصدع جدار الهند كما بينا في العدد ~~الماضي، ويذهب بكل ما يعبر عنه بالمصالح الأوروبية في مصر (وليكن ذلك). # ولا نظن أن دول أوروبا تسمح بضياع مصالحها في الأقطار المصرية، خصوصا بعض الدول التي ~~كانت تسابق إنجلترا في وادي النيل وانحط مقامها فيه بالتداخل الإنجليزي الذي ليست له ~~حدود معروفة، ولا غايات معلومة، وإلى ms158 هذا تشير جريدة التان الفرنسية الوزارية حيث ~~تقول: إن إنجلترا لا يمكنها أن تضع مصر تحت حمايتها حتى تناقش الحساب بين أيدي أوروبا، ~~وتنوه به جريدة سان بترسبورج حيث تقول: إن روسيا ليس في عزمها أن تفتتح بعمل في مصر، ~~فإن إنجلترا اعترفت في جميع الأوقات بأن المسائل المصرية لها هيئة دولية، وبناء على ~~هذا لا يمكن القطع في شيء منها إلا باتفاق أوروبا، هذا إذا تمكنت إنجلترا أن تأخذ ~~على نفسها إطفاء الفتن وإجهاض الثورات، واستطاعت القيام بما تكتب على ذاتها، ففي ~~نهايته تطلب عند أوروبا بما تقتضيه مصلحة كل دولة منها. # فإن عجزت - كما هو الغالب على الظن - أو طال عليها الزمان، وهي بين ظفر وانهزام ولا ~~تتجاوز في حركاتها العسكرية شواطئ البحر؛ فلا ريب أن القلق يستفز الدول لطلب وسائل ~~أخرى سوى ما تهيئه دولة إنجلترا، وإنا نرى، وسيحكم الزمان لنا إن شاء الله، أن حفظ حقوق ~~الأوروبيين، وضبط البلاد المصرية وإخماد نيران الفتنة فيها لا يتم إلا على أيدي أهلها - ~~ويفعل الله ما يشاء. # | الفصل الثامن # الإنجليز في السودان # إن البرقيات التي وردت من سواكن جميعها متفقة على أن العساكر الإنجليزية هاجمت ~~معسكر عثمان دجمة في ثمانية منقسمة إلى مربعين، وبعد أن فارقت زفربا غارت عليها العرب ~~بعدد وافر مع بسالة الأيس ودخلت في المربع الأول وهو المقدمة وكانت فيه مذبحة هائلة، ~~وتقهقرت العساكر الإنجليزية وتركت مدافعها بعدما قتل منها جم غفير بأسنة العرب ~~وحرابهم. # إلا أن فرقة من مشاة البحرية جاءت من القلب وسدت الخلل الذي وقع في صفوف العساكر ~~من هجمات العرب ودفعت قوة المهاجم، ولم تكد المربعات الإنجليزية تلتئم وتعود إلى ~~الانتقام حتى هاجمتها جيوش عثمان مرة أخرى ببأس شديد وانقضت عليها من الجناحين، ~~والتحمت مقتلة عنيفة وترامى العرب على الموت واستهانوا بالحياة مفضلين الشهادة على ~~التقهقر والتسليم. # وتضافرت الأخبار على أن العرب أظهروا من البسالة والشجاعة ما لا يوصف، حتى قال ~~الرواة: إن ما شاهدوه منهم يعد من غرائب الأعمال البشرية، إلا ms159 أن الروايات ~~اختلفت في عدد من قتل منهم ومن عساكر الإنجليز، فبعضها أوصل قتلى العرب إلى ثلاثة آلاف ~~وبعضها إلى أقل، ثم جاءت الأخبار الرسمية (وما أدراك ما الأخبار الرسمية وما تبالغ ~~في قتل أعدائها) مصرحة بأنها ألفان، أما قتلى الإنجليز فقد بالغوا في قلتها حتى ~~أوصلوها إلى مائتين أو ثلاثمائة، بعدما اعترفوا بأن العرب فتكوا فيهم فتكا ~~ذريعا. # وعلى أي حال قد انتهت الواقعة بانسحاب العرب إلى جبالهم ورجعت العسكر الإنجليزية ~~بغاية السرعة إلى سواكن، وتركت المواقع التي استولت عليها، وتوافد إليها العرب مع ~~قائدهم عثمان واجتمعت له في الموقع الذي هوجم فيه قوة حملته على الشموخ بأنفه والنداء ~~باستعداده لمهاجمة العساكر الإنجليزية وأنه لا يقبل التسليم. # إنا لنعجب كما يعجب سائر الجرائد الأوروبية من هذه الرجعة العربية بعد الطنطنة ~~بالنصر والظفر والإعلان بأن العساكر الإنجليزية نالت من الشرف أعلى ما يناله جيش في ~~قتال، فإن سرعة الرجوع شاهد بين على أن هذا الجيش المنظم يقتدر على حفظ مركزه في ~~ساحة الحرب وأنه خشي التلف لو بقي فيه فعاد راجعا إلى شواطئ البحر. # فكأن المقتلة لم تكن إلا كرة أعقبتها قوة حتى عدتها بعض الجرائد هزيمة وحسبتها ~~من الخطأ العظيم؛ لأنها تجرئ العرب على البقاء في الطريق الذي يصل سواكن ببربر ~~وقطع الطريق على سالكيه، وإنا لا نوافقهم على ذلك لكنا نعدها عجزا ظاهرا عن ~~مقاومة العربان في جبالهم. # وما أشبه فعلة الإنجليز هذه بفعلتهم من نحو عشرين سنة عندما كان يحارب في حدود الهند ~~سرايا الأمير عبد الله الوهابي وخوندسوات، فإنه بعدما انهزم في جبال «سوات وبنير» شر ~~هزيمة وترك مدافعه وذخائره رجع ثانية ودخل قرية صغيرة من قرى تلك الجبال، وفاجأها ~~ليلا على غفلة وأحرقها فقتل أهلها جميعا وانقلب راجعا إلى بلاده في الهند من ليلته، ~~وأعلن بأنه قتل وسلب ونهب وظفر وانتصر! فليعتبر المعتبرون. # وكأن الجنرال جراهام بعمله هذا لم يرد إطفاء الفتنة في الأراضي المصرية، وإنما قصد ~~رد شرف العساكر الإنجليزية والأخذ بثأر بعض من ms160 قتل منها سابقا، وإقامة البرهان ~~لأوروبا على أن العساكر الإنجليز يقدرون على محاربة العربان ويستطيعون الهجوم عليهم، ~~نعم، إنه لم يغفل التدبير بالكلية، فإن الجرائد أخبرت أنه وضع رأس عثمان دجمة في ~~المساومة وجعل لمن يأتي به ألف ليرا إنجليزية، ونعم ما دبر ولكن يخاف أن عثمان ~~عندما يبلغه الخبر يضع رأس الجنرال في المزايدة، ويجعل لمن يأتي به مائة قنطار من سن ~~الفيل، ويكون الخطر على الجنرال أعظم! # ثم إن الجرائد الإنجليزية - على عادتها من ترويج سياسة حكومتها في الحروب - أشاعت ~~أن الجنرال جراهام بعد رجوعه إلى سواكن دعا بعض رؤساء القبائل وذكرهم في إقرار الراحة ~~بين سكان البلاد السودانية ورغب إليهم أن يتعهدوا به، فأجاب بأنه غير ممكن لهم إلا ~~بمساعدة العساكر الإنجليزية، وأنهم استصوبوا ما نشره الجنرال من تعيين الجعالة على جز ~~رأس عثمان بمبلغ ألف ليرا إنجليزية، وهذا مما لا نظنه بالعرب؛ لمخالفته طباعهم وبنوا ~~أخلاقهم على الخضوع للأجنبي عنهم وما عهد ذلك فيهم من يوم نشأتهم العربية إلى اليوم، ~~وبعد إنهاء الكلام معهم أخذ في ذم عثمان على ما روته تلك الجرائد؛ حيث لم يظفر به ~~بأنه كذاب وخائن لبلاده وأبناء جلدته، فإنه الذي عرضهم لسفك الدم وإتلاف ~~الأرواح. # وقد ذكرنا هذا بقصة أحد القواد الأفغانيين؛ حيث عرض نفسه لخدمة الإنجليز في الحرب ~~الأفغانية الأخيرة، فأمدوه بمبالغ وافرة لإعانته على العمل، فأخذ ما أخذ ونثره في قومه ~~وهيأهم به للكر على الإنجليز والنكاية بهم ونال منهم ما نال، وبعدما ذاقوا منه ~~الوبال أخذوا في نشر المنشورات وتحرير الإعلانات بأن هذا الرجل قليل الوفاء خائن ~~العهود لا يثبت على قوله ولا يفي بوعده، مع أن الوفاء هو أداء حق الوطن والمدافعة عنه ~~والقيام بذمامه، وكل عهد يخالفه فالذمة تنكره والصدق يأباه كائنا ما كان. # هذه أسطورة أمر الجنرال جراهام، وأما الجنرال جوردون فقد أخبرت بعض الجرائد ~~الإنجليزية أنه في خطر وأنه يوجد قلق عظيم في مصر من جهته، ويثبت هذا الخبر امتناع ~~وزير الحربية في إنجلترا ms161 من عرض المخابرات التي جرت بينه وبين الجنرال خوفا من ~~تأثيرها في الأذهان. # وروت جريدة الديلي نيوز، بناء على تلغراف ورد إليها: أن زبير باشا صرح باستعداده ~~لأن يخلف جوردون باشا في السودان، وهو يظن أنه لا يمكن إعادة الأمن إلى تلك البلاد إلا ~~بطرق سلمية، ولا يستطيع أن يبدي فكره في شأن المهدي قبل أن يخابره وهو في ريب من اعتقاد ~~السودانيين بنبوته (كذا)، ومما قال: إن تجارة الرقيق يمكن إلغاؤها بالتدريج عندما يشرع ~~سكان السودان في معرفة فوائد التمدن ومنافعه، ثم كذب ما أشيع عنه من البغض للجنرال ~~جوردون. # نعم إن زبير باشا لا يبغض الجنرال في هذه الأوقات ما دام في القاهرة، أما إذا وصل إلى ~~السودان فيمكن أن تعود إليه الضغينة التي مازجت قلبه سنين عديدة. # | الفصل التاسع # صدى دعوة السودان # وردت برقية من تاشكند إلى جريدة الساندر الإنجليزية مفادها أنه حصل اضطراب عظيم في ~~أفكار المسلمين سكنة بخارى عندما سمعوا بانتصار أعراب السودان وظفرهم الأول، وظهر فيهم ~~داع جديد يحث على الحرب ومقاتلة الذين ينتهبون الأراضي الإسلامية لتوسيع ممالكهم، ~~ويهدد صاحب السلطة العامة بين المسلمين بخلعه من مغرسه إذا لم ينشر اللواء الأخضر ~~(المغالبة ومصادمة المعتدى عليهم). # هذا برهان جلي على ما أنذر به سابقا من أن دعوى المهدوية في السودان لهذه الأوقات ~~التي صدم المسلمين فيها أشباه الحوادث الماضية في القرن الخامس والسادس من الهجرة، ~~ستدعو إلى حركة عامة يصيح فيها الشرقي بالغربي، ويصعب على الإنجليز وهو في مجراها أن ~~يتنكب عنها دون أن تعروه هزة من مفزعاتها، خصوصا والمظاهرة الدينية في البلاد ~~المحكومة بسلطة أقوى وأظهر. # إن بلاد بخارى بينها وبين السودان مسافات متطاولة وأبعاد متنائية، ويظن الناظر ~~في لوح الجغرافيا أن المواصلات بينها منقطعة، ومع ذلك سرى التنافس بين القطرين في ~~الغيرة بغاية السرعة، فما ظنك ببلاد هي أقرب إلى مبعث الدعوى وأدنى منها منالا؟! يغلب ~~على الظن أن الروح هبطت إليها ولكن تتحرك بحركة العقل وتنمو على القوانين الطبيعية ~~والشرائع السياسية ms162 والاعتقادية، فلا يشعر الأقوياء إلا وقد بات بحلاقمهم المستضعفون، ~~والأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده الصالحين. # إذا سهلت الحوادث ظهور الكوامن ومهدت بروز المغيبات ماذا يمكن أن يؤخذ به من ~~الوسائل لوقاية العد القليل من غيلة الجمهور الأغلب الذي لا يقاوم، وما أمكنت مقاومته ~~في الأزمان الخالية؟! # نظن أن لا وسيلة لهذا إلا بتسليم الأمر لأربابه والدخول إليه من بابه، وتركه ~~للمسلمين يرضي بعضهم بعضا ويدافع بأسهم بأس بعض، فإن كان هذا هو نهاية السير، فمن ~~الخطأ السياسي أن لا يبدأ به قبل اشتداد الكرب، وعظيم الخطب - والله الهادي إلى طريق ~~الرشاد. # | الفصل العاشر # اضطراب سياسة الإنجليز في مصر # تشاكلت أفكار السياسيين من الإنجليز في لوم الحكومة على سياستها المصرية، قال اللورد ~~سالسبري في بعض الاجتماعات العظيمة: إن الحكومة الإنجليزية بالتواء سياستها وتذبذبها ~~وضعت من شرف إنجلترا وخفضت اسمها، وعرضت أجل المصالح الإمبراطورية «الهند» للخطر، ثم ~~تكلم في منشور جوردون باشا المبيح لبيع الرقيق فقال: ليس من الممكن لمسيو جلادستون أن ~~يبيح تجارة الرقيق على حفافي النيل وهو يحظرها على سواحل البحر الأحمر (والأولى أن ~~يبيحها في جمعية البقاع لاستحالة منعها مطلقا)، وذكرت جريدة «البال مال جازيت» أن ~~مستشار جمعية منع الرق في لندن أرسل إلى اللورد جرانفيل خطابا بالنيابة عن أعضاء ~~الجمعية يلقي عليه التبعة في تسمية زبير باشا واليا على السودان الشرقية، وأن الجمعية ~~اتفقت آراؤها على أن مساعدة الحكومة الإنجليزية لرجل كزبير باشا تكسبها عارا وحطة في ~~نظر أوروبا. ~~••• # وقالت جريدة الديلي نيوز: «الصحيح أن الارتباك الواقع في مالية مصر أقلق وزارة ~~إنجلترا وبعثها على البحث في إيجاد وسيلة لإدخال النقود إلى مصر؛ فإنها في غاية الحاجة ~~إليها، ويؤكد أن الحكومة الإنجليزية ستعرض أفكارها على البرلمان في هذا الشأن، وفي ~~الظن أن ما تعرضه عليه يكون متعلقا بضمانة القرض المصري (دخول مصر في حماية إنجلترا ~~رسميا).» إلا أن عددا عديدا من الأحرار في البرلمان صرحوا بعدم قبولهم أي فكر يعرض ~~عليهم في هذه المسألة، ومع ms163 هذا فقد كذبت هذه الجريدة ما أشيع في الدوائر المالية من ~~أن في عزم الحكومة الإنجليزية أن تعد قرضا للبلاد المصرية مبلغه ثمانية ملايين بفائدة ~~ثلاثة ونصف في المائة. # | الفصل الحادي عشر # برلمان إنجلترا # انعقدت له جلسة من أيام لم يحضرها المستر جلادستون؛ لأنه كان مريضا (أو متمارضا ~~لخوفه من عاقبة المداولة فيها) فناب عنه في الكلام هرتنكتون وزير الحربية، وابتدأ يطلب ~~نقودا لنفقات حلول الجيش الإنجليزي في الأقطار المصرية وبين الدواعي إلى ما طلب، ~~فعارضه المسيو لابوشير (وهو من الحزب الحر الذي يأبى أن تدخل إنجلترا في أي حرب كانت) ~~وطلب تنقيص المبلغ الذي طلبه وزير الحربية، ثم دارت المباحثة في المسألة المصرية وحمي ~~وطيس الجدال فيها، وتكلم الخطباء عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وبينوا الأغلاط التي ~~ارتكبتها الحكومة في سياستها وماذا يجب الآن إعداده من وسائل الخلاص، وقال اللورد ~~نورثكوت (وهو رئيس حزب المعارضين لسياسة الحكومة): إن خطاب وزير الحربية دل على تغيير ~~عظيم في أفكار الوزارة، فقد علمنا من كلامه أنها جارت الرأي العمومي في البلاد وأذعنت ~~لمقتضيات الحوادث، وعدلت عن السياسة المرتجة المتزعزعة، واعترفت بما تعهدت به، وقبلت ~~أن تقوم بوفائه بعد أن كانت تحاول التملص منه، وفهم منه أيضا أن بلاد السودان إذا ~~تركت لصغار السلاطين القدماء الذين يحاولون استعادة ممالكهم ليقيموا فيها إمارات ~~صغيرة، فإن الخرطوم تكون مستثناة لأهميتها في راحة البلاد المصرية. # إن البحر الأحمر لما كان تابعا لقنال السويس ومرتبطا بطريق الهند، فمصالح إنجلترا ~~تقضي بأن تكون الثغور المصرية (من الإسكندرية إلى ما وراء عدن فتدخل رشيد ودمياط ~~وبورسعيد وسواكن ومصوع) بيد الإنجليز ما دام المصريون عاجزين عن الدفاع عنها، ووضح ~~في خطابه (وزير الحربية) أن أفكار الوزارة في هذه الأوقات متجهة لأن تحمل عساكرها في ~~مسافات طويلة من السودان الشرقي لعلمها بلزوم اتصال شواطئ البحر الأحمر بالمراكز ~~التي تبقى في السودان، وأن توصل سواكن ببربر بخرطوم، وهذا الرأي الذي أبداه وزير ~~الحربية يستدعي الحلول في مصر إلى مدة أطول من المدة التي ms164 صرح بها سابقا. # كانوا بدأوا في استدعاء قسم من العساكر وصمموا على استدعاء قسم آخر منها، لكنهم ~~الآن لا يريدون إلا تقرير حكومة أهلية (كذا) قادرة أن تقوم بنفسها وتأتي أعمالا مفيدة ~~لبلادها، وبعدما كانوا يستعملون الألفاظ المبهمة في شأنهم مع مصر، صرحوا بالحالة التي ~~يجب أن تكون عليها مصر حتى تتركها إنجلترا وشأنها، ويريد وزير الحربية بحكومة ثابتة ~~قادرة ما تكون موضع الثقة لرعاياها والأوروبيين المستوطنين في البلاد ومحل من النقود ~~التي تحمل إليها (دينا وقرضا). ~~••• # قالت جريدة التان بعد ذكرها هذه المباحثة: إن الوزارة الإنجليزية حادت عن منهجها ~~الأول، وصرحت بقبول التبعة في مداخلاتها التي كانت تؤمل التخلص منها متى أرادت، إلا ~~أنها الآن حملت حملا ثقيلا على ماليتها وسياستها الخارجية، إنها لم تصرح بكلمة حماية ~~حتى اليوم ولكنها المراد من عبارتها، وتزعم أنها منساقة إليها قهرا لغرض أن تمنح مصر ~~إدارة قويمة وجهادية منظمة وقضاء عادلا، وهذه الحماية تمتد من شمال الدلتا إلى ~~الخرطوم ومن الخرطوم إلى البحر الأحمر، ولكن يصعب على إنجلترا أن تنال هذه الحماية ~~ما لم تناقش في الحساب بين يدي أوروبا، وإنا لنأسف على فقد اللورد بيكونسفيلد، ~~ونتمنى لو كان حيا حتى يذكر المسيو جلادستون بخطبه المشتعلة غيظا، المفعمة ~~لوما وتقريعا على من يميل لسياسة الحروب والفتوحات. # قالت صحيفة الديلي نيوز - وهي شبه رسمية: إن الوزارة الحالية (الإنجليزية) في خطر، ~~وإنه في يوم الخميس الماضي كان الكلام دائرا في مجلس البرلمان على تغيير وزاري وعلى حل ~~المجلس، وإنه لا يمنع من ذلك رفض اللائحة التي قدمها لابوشير في لوم الحكومة، ثم قالت: ~~إن البلاد (الإنجليزية) لا بد لها أن تتهيأ لإبداء أفكارها في شأن الوزارة وتصرفها ~~داخل البلاد وخارجها. # ويقال في الدوائر السياسية: إن تأخر مستر جلادستون عن الحضور في جلسات المجلس يومي ~~السبت والأحد لم يكن ناشئا عن انحراف الصحة وإنما كان تعللا ومراوغة ليس إلا. # 1 # | الفصل الثاني عشر # الباب العالي # إن كان البرهان يدفع غارة أو يهزم عسكرا أو يفتح ms165 بلادا؛ فهذا أقوى ما يكون من ~~البرهان على أوضح حق يوجد. # كتب مراسل التان في الأستانة كتابا مفصلا عن أفكار أعاظم العثمانيين في المسألة ~~المصرية وما للباب العالي من الحقوق، فما أثبته أن العثمانيين في ضجر من إجحاف إنجلترا ~~وجورها عن العدل في معاملة السلطان وعدم الاكتراث بما له من الحق الثابت، وتصرفها في ~~مصر بدون مراعاة رضاه، وأن بعض الرجال العظام بين له حيف إنجلترا وتعديها على ~~المعاهدات الدولية والفرمانات الشاهانية، وأثبته بأدلة منها ما أجابت به إنجلترا عن ~~بلاغ الباب العالي إلى الدول من نحو سنتين في بداية الارتباكات المصرية، حيث قالت: إنها ~~ترغب حفظ الحالة المقررة في مصر (الاستاتو كو) # 1 # على مقتضى الفرمانات السلطانية والعهود الدولية، وإنه لا يسوغ التغيير فيها ~~بوجه ما إلا باتفاق الدول. # ومنها نص الفرمان الصادر بتولية توفيق باشا؛ فإنه صريح في أن مصر بحدودها الطبيعية ~~وملحقاتها تعد من الأملاك العثمانية وإنه لا يسمح للخديو أن يتنازل عن قطعة أرض منها - ~~صغرت أو كبرت - لأجنبي، كائنا من كان لأي سبب ولا بأي وجه، ولا يسوغ له أن يتخلى عن ~~شيء من الامتيازات الممنوحة لمصر مهما كنت الأسباب والحوادث، ولا يجوز له عقد شرط أو ~~عهد إلا بعد عرضه على الدولة ورضاها، ويحظر عليه تجديد قرض مالي إلا فيما يتعلق بتسوية ~~المسائل المالية التي كانت لذاك العهد. # ومنها أن قنال السويس لم يفتح إلا بعد استئذان الباب العالي، فكيف ساغ لإنجلترا الآن ~~أن تتولى فصل السودان عن مصر، وأن تتداول في فتح قنال آخر، وأن تتدبر في قرض جديد تحمله ~~على عواتق الحكومة المصرية، وأن تتناول حماية الثغور بعساكرها بدون الاتفاق مع الباب ~~العالي ولا مشاورة الدول العظيمة؟! # وأنا في حيرة مما أراد هذا العظيم في إقامة الحجج! هل أراد إظهار ما كان خافيا على ~~دول أوروبا وهم يعلمونه حق العلم، أو بيان أن إنجلترا أخطأت في فهم هذه الفرمانات وتلك ~~المعاهدات، أو حاول إقناعها بالدليل والبرهان؟! ولكنا نعلم أن حكومة بريطانيا لا ms166 ~~تفزع من الاحتجاج ولا ترهب الجدال؛ فإنها تمرنت على ذلك من أزمان طويلة مع الملوك ~~والأمراء الشرقيين، وأمكنها - في أحوال كثيرة - أن تجيب عما يرد عليها من الاعتراضات، ~~وإن بلغت مقدماتها من الظهور حد البداهة. # ولولا هذا لما احتدت جريدة التايمس عندما بلغها نبأ مؤداه أن جرانفيل طلب من ~~السلطان أن يرسل حامية تركية إلى سواكن، وبالغت في إنكار ذلك بقولها: إنه مما لا يخطر ~~بالبال، ثم تعللت بما لا يذهب على فطنة أحد حيث قالت: إن إنجلترا لا تريد أن تحامي عن ~~حقوق السلطان بعدما صارت بضعفه نسيا منسيا. # | الفصل الثالث عشر # أيرلندا # في كل يوم يقيم الإنجليزي برهانا منطقيا ودليلا جدليا على أنه ما ذهب إلى مصر ~~إلا بقصد إقرار الراحة ووضع قواعد العدالة، ولكنه كلما رتب مقدماته لإقناع السذج ~~بقضاياه المشهورة عارضه الأيرلنديون ببراهين عملية تنقض ترتيبه وتبطل نتيجته، فإنه ~~لا يمضي وقت من الأوقات إلا ولهم فيه عمل لكسر شوكة الحكومة الإنجليزية في أيرلندا، ~~يضعون الديناميت لتدمير الأبنية وهدم الجسور وتعطيل السكك الحديدية، ويفتكون برجال ~~الحكومة ويتضجرون من ظلمها ويطلبون كل وسيلة للتملص من سلطتها، وهم في سيرهم لا ~~يهنون ولا يفترون. # هيئت وليمة للمستر بارنل رئيس حزب الأيرلنديين، حضرها جم غفير منهم؛ احتفالا بعيد ~~سان بتريس، وفيهم كثير من أعضاء البرلمان، فألقى عليهم خطابا أظهر فيه مسرته من ~~تقدم الحركة الجنسية في أيرلندا وأوصى الأيرلنديين أن لا يعتمدوا على حزب من ~~الأحزاب الإنجليزية وإنما يكون اعتمادهم على نشاطهم واجتهادهم، ثم قال: إن له في ~~المستقبل أملا حسنا، وختم كلامه بقوله: إن اليوم الذي يجتمع فيه الأيرلنديون على ~~اختلاف أحزابهم في بسيطة أرضهم هو قريب وسيكونون عما قليل تحت حكم برلمان أيرلندي، ~~وفي ذلك الوقت لا قبله ترسل أيرلندا إلى إنجلترا رسالة سلمية، وعند رفع كئوس الشراب ~~أبى الحاضرون ذكر الملكة وإنما رفع بارنل أول كأس ونادى باسم الأمة الأيرلندية، وطلب ~~من الحاضرين ذلك. # هكذا يطلب الإنجليز ضم أراض إلى أملاكهم فتنفصل عنهم أراض أخرى، وإلى ms167 الله علم ~~العاقبة. # | الفصل الرابع عشر # الفرنسيون في التونكين # مضت عدة أشهر والفرنسيون ينتظرون ما تؤدي إليه حركات عساكرهم في بلاد تونكين، ~~وكادوا يرتابون من حسن العاقبة حتى وردت البرقية إلى وزير الحربية في باريس من القائد ~~العام: بأن العساكر الفرنسية دخلت باكنين من طريق يوصل إلى لانسون، وأن الصينيين ~~انهزموا إلى نواحي نكبين حيث اشتدت عليهم المهاجمات الفرنسية من جهتي الشمال والشرق ~~وخسروا خسائر جسيمة، ولم يجرح من الفرنسيين سوى سبعين رجلا، وحاز العساكر الفرنسية ~~كميات وافرة من الذخائر وبطارية من مدافع الكروب وجدوها في قلعة باكنين، يظن كثير من ~~رجال السياسة الفرنسية أن فرنسا قد أتمت عملها بالاستيلاء على هذا الموقع المهم. # وأكد هذا الظن ما ورد بالبرقية من بكنين إلى جريدة ألستاندرد أن ملكة الصين عندما ~~بلغها استيلاء الفرنسيين على باكنين عقدت مجلسا حربيا لدراسة الموقف في الأمور ~~الصينية الحاضرة، فقرر الأعضاء وبينهم الأمير كونج على أنه يلزم الاتفاق مع الحكومة ~~الفرنسية بطرق ودية. # وفي حسباننا أن مثل هذه الفتوحات لا تسلي أحزان الفرنسيين، ولا تعزيهم على ما ~~خسروه في مصر، وأن ذاك الضماد لا يقطب هذه الجراح. # | الفصل الخامس عشر # منشورات # روت جريدة التان عن جريدة سان بترسبورج أن إمبراطور روسيا أظهر رغبته في السفر إلى ~~برلين في الصيف القادم مع الإمبراطورة، ولم يعلم تاريخ توجهه بالتحديد إلى الآن، ويظن ~~أن سفره هذا يكون قبل سفر إمبراطور ألمانيا (أمس) حسب عادته. # وتعد هذه الزيارات من مؤكدات المواصلات بين دولتي الروس وألمانيا، وهو مما يوسع ~~لروسيا ميدان الجولان في آسيا - كما بينا سابقا. ~~••• # وردت إلى الديلي نيوز برقية من القاهرة مفادها أن قبيلة تراشي في بربر انضمت إلى ~~قبائل كوردفان المعتقدين بمحمد أحمد ... وهذا مما يقنع الناظرين في الحركات السودانية ~~بأن هذه المبالغات التي يذيعها الإنجليز في انتصارهم لم تؤثر شيئا في نفوس ~~القبائل، ولم توهن اعتقادهم بذلك المدعي السوداني، ويقيم دليلا على ما قلناه من أن ~~هذه النيران الملتهبة لا يطفئها إلا رجل من عظماء المسلمين. ms168 ~~••• # نشرت في عدة مدن من أيرلندا إعلانات ثورية وجدها أعوان الشرطة ملصقة على ~~جدران الشوارع والأماكن العمومية، مكتوب فيها هذه الكلمات: «حرب أهلية في شهر مارس ~~1884»، وهو الشهر الحالي فتناول الشرطيون تمزيقها بغاية السرعة ، وكان الأيرلنديون من ~~قبل وضعوا الديناميت في محطات السكك الحديدية من جملة جهات، وهذا الاضطراب الداخلي ~~الشديد ثالثة الأثافي للمسألة المصرية ودخول مرو في حوزة الروس، وهذه الثلاثة، إن لم ~~يكن لها رابعة، فهي كافية للمتبصر في تقدير الارتباك الذي ألم بالحكومة ~~الإنجليزية في هذه الأيام. ~~••• # إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ورد تلغراف من ~~القاهرة أن جريدة ألستاندرد نشرت ما يفيد أن السجون ضاقت بالمسجونين حتى اضطرت الحكومة ~~(المصرية أو الإنجليزية) إلى إطلاق ألف ومائتين منهم من أرباب الجنايات الخفيفة، وسبب ~~هذه البلبلة عدم قدرة المجالس على محاكمة جميع المتهمين! لهذا تذوب المقل بكاء ~~وتتفتت الأكباد حزنا. # ورد من سواكن إلى ألستاندرد # أن المنشور الذي نشره هفت الأميرال الثاني بتعيين جعالة لمن يأتي برأس عثمان ~~دجمة وصل إلى مشايخ عرب ثمانية، فأحرقوه؛ علامة على رفضه وعدم قبوله. # برلين في 18 مارس # أن جريدة البوست، وهي جريدة لها علاقات مع السفارات في برلين، من فكرها أن ~~استعفاء توفيق باشا وهو قريب الوقوع يفتح للدول الأوروبية بابا لإعادة ~~المراقبة المشتركة في مصر؛ لأن إنجلترا لم تنجح كل النجاح في مأموريتها لإقرار ~~الراحة في تلك البلاد. # باريس في 27 مارس # اشتدت خطوب المسائل المصرية، واشتبهت مناهجها، وعظمت أخطارها، والتبست ~~وجوهها على ذوي الشئون وأرباب المصالح فيها، حتى على السياسيين من رجال حكومة ~~إنجلترا. كل يتصور غاية ويطلب حظا يناله منها وقد شد رحاله للوصول إليه، ~~ولكن ضل أعلام الجادة وتاه في مجاهيل، وليل المشكلات مظلم وديجورها ~~مدلهم، وتعاكست مذاهب السالكين، هذا يشرق والآخر يغرب، وكل في وحشة ~~يطلب المعين ويخاف العادي، وكلما فرح لنبأ رمى بسهمه من الجزع لا يدري أصاب ~~خصما أو قتل منجدا. # إن دولة عظيمة كان لها من ms169 القوة ما اعترف به دول العالم أجمع، ولها من الحقوق في ~~مصر ما لا ينازعها فيه أحد، ترى رجالها اليوم يهتزون لدهدهة الرعود الإنجليزية، وإن ~~كان سحابها جهاما، ويفزعون من هزيم تلك الأصوات فيحارون ماذا يفعلون ، وريما يأتون ما ~~لا يريدون. # ادعت دولة واسعة المطامع أنها نائبة عنهم في إصلاح الأقطار المصرية وإنقاذها من ~~الاختلال، فتبوأتها بقواها العسكرية وأخذت بزمام الأحكام فيها، تعزل وتولي، وتعطي ~~وتمنع، وتعاهد وتنقض، وتنقص من أطرافها ما أرادت، وتحل بعساكرها من بقاعها ما شاءت، ~~وأصحاب الملك الشرعي شاخصة أبصارهم، مشرئبة رقابهم، يبصرون ما لا يسر لهم خاطرا، ولا ~~يشرح لها صدرا، مع خفقان في القلب واضطراب في الفؤاد، والتهاب في الأحشاء؛ فزعا من ~~سوء العاقبة. # يحسون بما تقتضيه مواقع الأقطار، والنسب بين بلد وما يجاوره من البلدان، وما يلزم ~~لحمايتها من وسائل الدفاع، فيحكمون بأنه إن دامت الحال على ما يرون، أصبحت الأقطار ~~السورية والحجازية واليمنية، على خطر عظيم في زمن قريب أو بعيد، وأن تاريخ مصر من عهد ~~الفراعنة إلى الآن ينادي عليهم نداء الناصح، بل ينفث فيهم نفثات الحق، بل يزعجهم إزعاج ~~الحاكم القاهر بأن المحافظة على مصر، من أهم واجباتهم، إن لم يكن لذاتها فلما يتسلط ~~عليه موقعها من الأقطار. # أما ولاة الأمر من المصريين وأولو الرأي فيهم فقد غشيهم من هذه الدهاة ما أذهلهم عن ~~علم حاضرهم، والفكر في مستقبلهم، طلبوا لهم عونا قويا، وركنوا إليه في دفع ما ظنوه ~~غائلة، وتوهموه نازلة، فاستبد بالأمر عليهم، وسلبهم ما طلبوا المحافظة عليه، وهم بين ~~نوم تطيب لهم أوائله، بما يلين لجنوبهم من الوعود الإنجليزية، وبين أحلام مدهشة ~~وخيالات مزعجة، تمثل لهم ما سيصب عليهم من حميم العذاب، وما يؤخذون به من عذاب الهوان، ~~وإن قليلا مما يشهدونه حاضر العنوان، على كثير مما يراه بعضهم بعيدا ونراه، والعاقلون ~~منهم، قريبا. # أما الإنجليز، فليسوا في حل مما كسبوا ولم يهنأ لهم ما طمعوا، بل دافعتهم ~~الحوادث وطاردتهم إلى مشكلات لم تكن في حسبانهم، وهم ms170 الآن بين أمور ثلاثة لا يتيسر ~~واحدها إلا بما ينفي الآخر وهم يريدونها مجتمعة، ولن يقدروا عليه إلا بقدر يأتيهم بما ~~يخرق العادة ويفوق الإمكان: إنهاء مسألة محمد أحمد، والوفاء بعهودهم لأوروبا، وما ~~يضمرونه لأنفسهم في مصر. # ثم هم يتشبثون لكل منها بوسيلة تضارب ما يتمسكون به في الأخرى، تارة يظهرون عزمهم ~~على مبارحة مصر جنوحا إلى الوفاء بالعهد، لكن يتبعون ما يقولون في ذلك بأن أجل الجلاء ~~غير محدود، وتارة تنادي بأن ذمة إنجلترا توجب عليها أن تدخل مصر تحت حمايتها وتتولى ~~إدارتها بصفة سيد حاكم لا مستشار ناصح، ويشير بل يصرح وزير حربيتهم بأن الضرورة تلجئهم ~~إلى مثل هذا العمل ويعبر عنه أحيانا باسم الحماية وأخرى بما لا اسم له سواها. # وطورا يلقبون محمد أحمد أمير كوردفان ويطلبون من الخديو، كما روته جريدة «ميموريال ~~ديبلوماتيك»، أن يكتب لهم صكا بأنه يفوض الأمر لهم في شأن المدعي، يتفقون معه كما ~~يريدون، وأنه يسمح لهم بإحلال عساكرهم في سواحل البحر الأحمر، وأنه لا يتولى ولاية ~~الخرطوم بعد جوردون إلا شيخ يضمن لهم حسن الاتفاق مع محمد أحمد، فلا الوفاء يروق لهم ~~لمناقضته للغرض، ولا الحماية تسهل عليهم؛ لأن دول أوروبا بالمرصاد، وبين هذا يأخذ محمد ~~أحمد ما يهيئه له الإمكان من القوة ويثبت دعوته إلى سائر الأقطار ويجيش الجيوش ويزحف ~~إلى الخرطوم، وهو اليوم يحاصرها وعلى شرف افتتاحها. # ومع حرص الحكومة الإنجليزية على كتم الأخبار وتلطيف الإشاعات من جهة الخرطوم؛ اضطر ~~وزير حربيتها أن يعترف في مجلس النواب أن المخابرات منقطعة بين الخرطوم ومصر السفلى ~~(إلى الإسكندرية)، وأن الحكومة الإنجليزية في مخابراتها مع الجنرال جوردون إنما تعتمد ~~على الصدفة في وجود من يقطع البراري إلى عاصمة نوبيا وكورسكو حتى يوصل الخبر إليه، وأنه ~~لا علم للحكومة بشيء من أحوال النيل إلا على من خامس عشر الشهر، ولا تدري ماذا حل ~~بجوردون. # وأثبتت جريدة التايمس أن الجنرال في خطر عظيم، وزاد الهول عليهم أن عثمان دجمة لم ~~يتزعزع عزمه بما أصابه ms171 في الهزيمتين، بل لم يزل خصما قويا للحكومة الإنجليزية، ~~ويدل على ذلك أن الجنرال جراهام يتأهب لمنازلته، كما ذكرته جريدة التان، وفي أهم ~~الجرائد الفرنسية أن وقوع الخرطوم في قبضة محمد أحمد يكون له رجة هائلة وأثر عظيم في ~~تغيير الأحوال الحاضرة في البلاد الشرقية. # نعم، إذا حل محمد أحمد في الخرطوم سهل عليه جمع كلمة القبائل النازلة ما بين الخرطوم ~~وأسوان، وتتصل أطراف جيشه ببلاد مصر العليا ولا يعدمون من العرب في جهات الصعيد، بل وفي ~~الدلتا من يلتحق بهم وتكون الطامة الكبرى، يغلب على ظننا أن هذه النار ليست مما يطفئه ~~رذاذ السياسة الإنجليزية، ولا مما تخمده حركات عساكرها البطيئة، خصوصا وقد وقع الخلاف ~~بين حكومة بريطانيا وبين قواد جيشها في سواحل البحر الأحمر، فمن رأي الحكومة أن تداوم ~~الحرب وتسرع في إنهائها، ومن رأي الأميرال هفت توقيف الحرب إلى شهر أكتوبر (بعد ستة ~~أشهر) لئلا تهلك العساكر من الحر، وأن في ستة أشهر لسعة لما لا يهجس الآن في خاطر أحد، ~~فلو وكل الأمر في تسكين الثورة وحسم الفتن إلى القوة الإنجليزية وبروقها الخلب لم نكد ~~نفكر فيما يكون منها حتى تلتهب النيران في أنحاء أخرى ويصعب على أرباب الشأن فيما بعد ~~ذلك تداركها، وليس لكشف هذه الخطوب إلا عزائم المسلمين، يلقى إليهم زمام العمل فيها ~~خالصا من المداخلات الأجنبية التي توغر الصدور وتثير الأحقاد. # وأحست الجرائد الفرنسية بما في نية إنجلترا أن تفعله من التصرف في الأراضي المصرية ~~ومنها جريدة «الريببليك فرانسيز» وجريدة «الديبا» وغيرهما، فطلبت من الحكومة الفرنسية ~~أن تحل بعساكرها في جزيرة ديسي المتسلطة على سواحل البحر الأحمر مما يلي مصوع، محتجة ~~على ذلك بقولها: إن صح ما ادعاه وزير حربية إنجلترا من كون شطوط البحر الأحمر تعد من ~~طريق الهند، فلنا أن نقول: إنها أيضا طريق تونكين وكوشنشين ومدغشقر، بل إن الحلول في ~~تلك الجزيرة من أهم الضروريات لمراقبة منع التجارة في العبيد كما تقضي به المعاهدة ~~بيننا وبين إنجلترا. # هذا بعض ما ms172 أنتجته سياسة جلادستون في مصر، وربما يسكن روع أمته ويخفف انزعاجها من ~~هذه المباراة الجديدة بينها وبين فرنسا على سواحل البحر الأحمر بتذكار ما أعقبته ~~المباراة بين الأمتين في الهند من أزمان ماضية، ولكن شتان بين الزمانين، فتلك أوقات ~~كانت سياسة إنجلترا خافية على أهالي الهند وكانوا ينخدعون لها، أما اليوم فلم يبق ~~فيها خفاء على أحد من سكان الممالك الشرقية، ولعل الغيب يوافينا عن قريب بما يكون ~~لفرنسا مع إنجلترا في هذه المسائل - وإلى الله المصير. # | الفصل السادس عشر # الشيخ الميرغني # وردت برقية من سواكن في 21 مارس مفادها أن الشيخ الميرغني ومعه شيخ آخر يقال: إنه من ~~مكة المكرمة ذهبا في ذلك اليوم إلى المعسكر الإنجليزي ليحضر خضوع كثير من مشايخ القبائل ~~الذين جنحوا إلى السلم مع الإنجليز، وفي حين آخر أن هذا الميرغني صاحب فرقة إنجليزية ~~تسير إلى بيرهندوك ليكون على يديه طاعة بعض القبائل في تلك النواحي، ويقال: إن إحداها ~~لم تزل مترددة في قبول الطاعة وعدمه. # هذا مما يعجب منه؛ أن شيخا يظهر بين المسلمين بمظهر العلم والإرشاد، ثم يقود جيشا ~~إنجليزيا لإذلال أبناء ملته وإخوان دينه وجنسه، وهو يعلم أن شرفه شرفهم، وسيادته ~~بسيادتهم، ولولاهم ما نال الإكرام والإجلال، وما أغدقت عليه النعمة، وتوفرت لديه دواعي ~~الترف والنعيم، وتمتع بكامل لذاته وشهواته! كيف يسوغ له أن يقدم جيوش الإنجليز، قبل ~~الوقوف على مقاصدهم، وماذا يريدون من تذليل جيش العرب وإخضاعهم، هل يصح له أن يأتي مثل ~~هذا وهو يعلم ما يحذره الشرع وما يبيحه اغترارا ببعض الأوهام التي لا أساس ~~لها؟! # وكتب إلينا من مصر والحجاز أن جماعة من العلماء في القطرين حكموا بمروقه وقالوا: إن ~~هذا من أعظم الزلات التي لم يرتكب نظيرها في الإسلام، على أنه ليس من العلماء ولا من ~~العارفين بطرق الإرشاد، وإنما نال الاعتقاد عند بعض السودانيين وراثة عن أبيه، ~~وأنه لم يتميز عن العامة الأميين في شيء، وإن كان هذا لا يدفع العجب من فعله. # 1 # | الفصل السابع ms173 عشر # الخرطوم # في الجرائد الفرنسية نقلا عن الإنجليزية أن أشياع محمد أحمد كانوا في مساء الثالث ~~عشر من شهر مارس ثلاثة آلاف على القرب من الخرطوم، وفي صباح الرابع عشر وصلوا إلى ستة ~~آلاف، وهو يدل عن أن الجنرال جوردون عنده شيء من قوة الدفاع حيث لم تقدم تلك القوة ~~على مهاجمة المدينة، لكن ماذا يجبي من طوعه أن يفعل مع هذه الآلاف المؤلفة التي تتضاعف ~~يوما بعد يوم وهم يحدقون بمحل إقامته من جميع الجوانب؟ # ومما يدل على أنه في أصعب المضايق، بل على شفير الخطر، اتفاق الجرائد الإنجليزية ~~على دعوة حكومتها لإنقاذه بغاية السرعة، وفي أخبار الخامس عشر من الشهر أن فرقا من ~~الثائرين متحصنون على شواطئ النيل بمقربة من حلفا، على مسافة بضعة أميال من شمال ~~الخرطوم، وأنهم أطلقوا النيران على مركب كانت تسير في النيل حاملة ثلاثمائة رجل ~~استقدمهم الجنرال جوردون وقتلوا منهم نحو مائة، إلا أنه تيسر للجنرال استخلاص باقيهم، ~~واستبشرت التايمس بهذا الظفر الذي تسنى للجنرال بتخليص بقية القادمين إليه وإن ~~أظهرت غاية الكدر من كونه في خطر عظيم وثائرة السودان تحيط بجميع أطرافه، وتستحث ~~حكومتها على إنقاذه ما استطاعت (والله يعلم كم بين ذاك الاستبشار وهذا الإنذار وهما في ~~فصل واحد). ~~••• # وفي برقية إلى الديلي نيوز أن طرق الخرطوم منقطعة، وأن القبائل المذعنة لمحمد أحمد ~~محدقة بجميع جهاتها، وأن ثلاثا من تلك القبائل وافرة العدد، وعلى مقدمتها جم ~~غفير من المشايخ والدراويش؛ يزحفون قصد الاستيلاء عليها، ويظن عموم الناس أن لا ~~سبيل لمدافعتهم عنها أو تخليصها منهم إلا بإنجاد عساكر إنجليزية، وقال مراسل التايمس ~~في 21 من الشهر: إن من الواجب على الحكومة الإنجليزية إغاثة الجنرال جوردون، فإنها قد ~~ألقته في فم الأسد، وسيكون فريسة المنية إن لم ترسل العساكر إليه بغاية السرعة. # وجاءت الأخبار مؤكدة أن حصن كسلا تحت محاصرة الثائرين، وأن القبائل في جنوب بربر ~~جميعها في هيجان وثورة شديدة. # وهذا كله يؤيد ما قلناه مرارا، من أن المدعي يخشى من ms174 قوة بأسه وسريان دعوته إلى ~~جهات بعيدة، فإنه إذا استقر قدمه في الخرطوم لم نلبث أن نسمع بظهور دعواه في ~~أسوان. # | الفصل الثامن عشر # تحكم اللورد دوفرين # نهجت دولة الإنجليز في معاملتها للدولة العثمانية منهجا جديدا بعد حرب الروس ، ~~تأخذها بالتهديد والتهويل في كل ما تروم قضاءه من أغراضها في الممالك العثمانية، ولا ~~تراعي فيما تفعل قانونا دوليا، ولا عهدا سياسيا، وتتحكم بجبروتها في تحديد ~~المواعيد وتعيين الأوقات، وأعظم ما يكون من مرهباتها الوعيد بتغير قلبها عن وداد تلك ~~الدولة أو اشمئزاز نفسها منها، ولا تفرق في نهجها هذا بين صغار المسائل وكبارها. # ومن ذلك ما روته جميع الجرائد من اشتداد اللورد دوفرين سفير إنجلترا في الأستانة ~~على سعيد باشا الصدر الأعظم، وإغلاظه له في القول عند التكلم في شأن شركة عثمانية ~~تحت رعاية دولة لوبهرام أغا، منحها الباب العالي امتيازا بتسيير سفن النقل على شطوط ~~البحر الأبيض، وكان هذا العمل في يد شركة إنجليزية (لم تأخذ به امتيازا)، فامتعض ~~اللورد دوفرين وطلب من الباب العالي استرداد منحته فلم يجب طلبه، فذهب يوم الخميس ~~الماضي إلى الصدر الأعظم وخشن له المقال، ونسب إلى الباب العالي تعمد ~~المراوغة. # ولما تنصل له الصدر بأن هذا ليس من خصائصه بل يتعلق بوزير الخارجية، قال: إنه لا ~~يخابر فيه وزارة الخارجية (وإن كان من خصائصها) وإنه يلقي التبعة على الصدر الأعظم إذا ~~تأخر الجواب بقبول حجته، وأن لا بد من تعويض لمن أصابته خسارة بسبب هذا الامتياز ~~من الإنجليز، مع تحرير اعتذار رسمي وعزل والي أزمير، فإذا بلغ أمرنا إلى الخضوع بكل ~~تهديد والانقياد بأي إرهاب، وصارت مسائلنا الداخلية تحت اختيار من يستطيع أن يلقي ~~التبعة، ويبالغ في الخشونة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # | الفصل التاسع عشر # مقاصد إنجليزية في مصر # في كل يوم تلح جريدة التايمس على حكومة إنجلترا بوجوب طرد العساكر المصرية ~~الوطنية، زاعمة أنه يحل من الأهالي محل القبول، ويسرون عنه غاية السرور، ms175 وتشير على ~~الحكومة أيضا أن تجهر بحمايتها لمصر وتظهر للدول أنها تتحمل كل تبعة تحصل من مداخلتها ~~في تلك البلاد، وأن ذلك من مقتضى الحزم، فإن الإدارة المصرية وفروعها في حاجة إلى إصلاح ~~حقيقي ولن يقوم به إلا رجال الإنجليز. # وهذا من تلك الجريدة وغيرها سوق للحكومة إلى إظهار ما تكنه من السلطة على ~~البلاد المصرية، وضمها إلى ممالكها الشرقية، وما كان ذلك خافيا على أحد، وإن كان بعض ~~المصريين غالطوا فيه أنفسهم عن علم أو جهل - والله أعلم. # ما تطلبه الجرائد من طرد العساكر الوطنية إنما هو مقدمة التملك ورسوخ القدم، ثم هي ~~تموه في تحسين ذلك بدعواها أن أهالي مصر يفرحون منه، مع أن أول ثورة عسكرية سر بها ~~المصريون على عهد وزارة ولسون إنما كان منشؤها العزم على تقليل عدد العساكر وإقفال ~~المدارس العسكرية، فالمصريون وهم المسلمون لا تعقل مسرتهم من طرد حاميتهم ~~الوطنية، بل ينزعجون منه غاية الانزعاج. # | الفصل العشرون # حجة نوبار باشا # في برقية من القاهرة بتاريخ 22 مارس أن نوبار باشا أقام الحجة على المستر كليفورد ~~لويد (وكيل الداخلية المصرية) ورفع حجته إلى الماجور بارنج. ~~••• # هذا الذي بقي لأولي الأمر من الشرقيين، يقيمون الحجج والبراهين ويقنعون بأن برهانهم ~~سالم المقدمات صحيح النتيجة عند التعقل، إلا أن بعضهم يقيم حجته على بعض الدول عند ~~بعض آخر منها، وبعضهم يقيمها عند أوليائه من الأجانب وهو منهم وفيهم، إن هذا لشيء ~~عجاب! # | الفصل الحادي والعشرون # عثمان دجمة # 1 # في البرقيات الأخيرة أن فرقة إنجليزية ستفارق هندوك وتتوجه إلى نواحي ثمانية (محل ~~المعركة الماضية) لتعسكر في تلك الجهات، أيظنون أن إقامتهم بها تكفي لخضوع القبائل، ~~غير أن عثمان وعد قومه بأنه سيأتيه أمر إلهي بعد ستة أيام ليبيد بقوته عساكر ~~الإنجليز، وأشيع أن محمد أحمد سيبعث إليه بمدد. # | الفصل الثاني والعشرون # معاملة محمد أحمد للرسل المسيحيين # جاء إلى الخرطوم ضابط مصري كان في عبيد، وأخبر أن رسل الكاثوليك في تلك المدينة تحت ~~كنف محمد أحمد على حرية تامة ms176 تجري عليهم الأرزاق من طرفه للواحد منهم في كل شهر خمس ~~تليرات (ريالات) ونصف، وأن كنيستهم مفتحة الأبواب وإن كانت المدارس معطلة ~~للضرورة. # هذا العمل منه يرشد إلى أن له دهاء وذكاء وخبرة بما يجب الأخذ به في معاملة أرباب ~~المذاهب والأديان المخالفة لدينه ومذهبه، وهذا يزيدنا خوفا من استفحال أمره وانتشار ~~دعوته. # | الفصل الثالث والعشرون # أخبار أخيرة # كتب مراسل الديلي نيوز المرافق للجيش الإنجليزي في سواحل البحر الأحمر أن ~~الجيوش الإنجليزية تقاسي مصاعب ومشاق شديدة في قطع الطريق إلى حيث ~~تلتقي مع جيوش عثمان دجمة لتلتحم معها في القتال مرة ثالثة، فإن الحر شديد ~~والمسالك وعرة والمياه مضرة بالصحة، مع قلتها، ولم يجوزا إلى أول مرحلة إلا وقد ~~أجهدهم التعب، واستولى عليهم الوهن، فأعجزوا أربعمائة منهم عن المسير. # قالت جريدة التان: إن هذا الهجوم لم تتبين غايته، ولما سئل عنه مستشار ~~خارجية إنجلترا في البرلمان لبس في الجواب وراوغ في بيان الحقيقة، كأنه ~~يريد التملص مما عساه أن يرد عليه من بعد وإخفاء المقصد، حتى إذا لم ينجوا ~~فيه ستروا ما يلحقهم من خجل الإخفاق في السعي، وموهوا على ما يمسهم من ~~الشين، ويغلب على الظن أن القصد منه فتح الطريق بين بربر وسواكن لتتمكن ~~حكومة الإنجليز من مخابرة الجنرال جوردون من جهة سواكن (حيث تعثرت عليها من ~~طريق الخرطوم بعد محاصرتها بجيوش محمد أحمد من أطرافها المتصلة بالنيل). # ويقول مراسل الديلي نيوز: إن الشدة لو دامت بالعساكر الإنجليزية على حالتها ~~الحاضرة؛ فلا بد أن تصير غنيمة باردة لعثمان دجمة وفريسة ناجزة لأشياعه. # وفي جريدة التايمس أن القلق في لندن شديد، والاضطراب بالغ فيها حده، ~~وعموم الناس يتطلعون إلى الأخبار المصرية دقيقة بعد دقيقة، وأتبعت ذلك تلك ~~الجريدة بقولها: لم يتيسر لحكومة إنجلترا فتح طريق بربر بهذا الزحف الجديد، ضعف ~~الأمل من فتح هذا الطريق في وقت آخر، وعز على إنجلترا إجراء فرضته على ~~نفسها في الأقطار المصرية، وقل الرجاء في تسوية المسألة السودانية بطريقة ~~محمودة. # عزمت حكومة روسيا ms177 بعد حلولها في مرو على أن تجعل وراء بحر الخزر من البلاد ~~الداخلة تحت سلطتها حكومة خاصة بها، لها مركز معين وقاعدة ترد إليها أحكام تلك ~~النواحي، حتى تسهل المواصلة بينها وبين مرو، وهذه حركة جديدة لدولة روسيا في ~~أطراف آسيا ، وهي وإن كانت لا تسر المحبين لإنجلترا ولكنها لا تحزن ~~أعداءها. # | الفصل الرابع والعشرون # نصيحة # أشد ما كانت هيبة الإنجليز وملكتها على الشرقيين قبل تكتيب الكتائب وعقد الألوية وسوق ~~العساكر لمقاتلة عثمان دجمة على أميال من سواحل البحر الأحمر، وكان يخيل للسودانيين - ~~بل يلابس اعتقادهم - أن القوة الإنجليزية مما فوق الطبيعة وعن مثلها تصدر خوارق ~~العادات، وكان من ظنون الشرقيين في أقطار أخر أن غرائب القدرة البريطانية بلغت ~~مقالع السحر، تدهش الألباب وتحير العقول، وإذا خلج في صدور أمة من الأمم صغيرة أو كبيرة ~~لبعدها عن مركزها أن تغالبها على حق أو تناوئها في مرغوب؛ انشقت الأرض وانفطرت السماء، ~~عن كماة من الإنجليز يصبون عليها أصوات العذاب، ويذيقونها أليم الوبال، ويخلبون ~~الأرواح من الأجساد، فيغلبون ولا يغلبون، خصوصا إن كان مغالبوهم لا يحملون من السلاح ~~إلا نوعا من الصنع القديم، مما كان يستعمله أبناء نوح بعضهم في مدافعة بعض. # إلا أن هذه الدولة العظيمة ألجأتها حوادث السودان أن تسوق جيشا للإيقاع ببعض العرب ~~في نواحي سواكن، فتحركت الجيوش المنظمة لملاقاة عثمان ورجاله، وبنى القواد في الزحف ~~قلاعا (مربعات) من العساكر الباسلة، مدرعة بلوامع من حراب البنادق (السنج) مسيجة ~~بالآلات الجديدة، ومن صنع «رمنتون وهنري مارتين»، على أجود طراز يكون منه، وحصنوها ~~بأبراج من المدافع لا تدانيها من سكان تلك القفار قوة، ولا تسمو إليها منهم قدرة، ~~ولكن قوة اليقين أو تحكم الجهل دفع على الصفوف الإنجليزية جماعة من عراة العرب ~~وحفاتهم، فهدموا قلاعها ونقضوا بنيانها، وقوضوا أبراجها، وبعد تدافع وتضام ~~وتقدم وتأخر، في موقعتين عظيمتين، كر الإنجليز إلى سواكن (ساحل البحر) وأخلوا ساحات ~~القتال، وتقهقر العرب إلى الجبال، وعج الإنجليز: غلبنا وانتقمنا. # ماذا أثرت هذه الغلبة العجيبة في نفوس ms178 السودانيين؟ ثبتت أقدامهم وقوت جأشهم، وجمعت ~~كلمتهم، وذهبت بما كان يخامر قلوبهم من الهيبة والرعب، فجمعوا قواهم واستعدوا للقتال ~~مرة ثالثة، فحرموا لسوء البخت أو حسن الحظ من ملاقاة خصومهم؛ لأن شدة الحر كانت من ~~أعدائهم أو نصرائهم، حيث ألجأت العساكر الإنجليزية للجلاء عن تلك الديار، فأسرعت إلى ~~البحر لا يستقر لها قدم إلا في مصر أو إنجلترا. # وما أثارته هذه الغلبة في قلوب السودانيين من ثائرة التهور دعاهم لتضييق الحصر على ~~الخرطوم، لما علموا أن ليس في قدرتهم أن يقتفوا أثر الإنجليز في البحر، ولا يستطيعون ~~الإيغال في طلبهم وهم على غوارب الموج، ولما اشتد الضيق بمن في الخرطوم نهض الجنرال ~~جوردون بشجاعة الأبطال لرفع الحصار، فلم تكن إلا كرة تبددت فيها جيوشه وأعقبتها ~~فرة إلى داخل المدينة لينتظر ما يأتي به القضاء. # ولكن ليستر وجه الهزيمة رمى ضابطين عظيمين من ضباط المصريين بالخيانة، وأمر أن يضربا ~~بالرصاص فضربا وماتا، وهما: حسن باشا وسعيد باشا (في أخبار البرقيات)، أما هذا الغلب ~~في السواحل على هذه الصورة البديعة، وما حل بجوردون فقد أسقط من شأن إنجلترا وقوتها في ~~أقطار السودان عموما، وجعل كلمتها هي السفلى وبعث السودانيين على الاعتقاد بأنه إحدى ~~كرامات محمد أحمد - لا حول ولا قوة إلا بالله. # خطب يعقب خطبا، وكرب يحدث كربا، هذه الصدمات المتتالية كشفت بعض الستار، وشف بها ~~الحجاب، وأحدثت هزة في قلوب الهنديين، فكشر النوابون والرجاوات عن أنيابهم، ومدوا ~~سواعدهم ينظرون إلى ما تطول، ويراجع كل واحد نفسه ويمنيها بقرب الخلاص من ضيق ~~الاستعباد، ويلمح الفرص من خلال هذه الحوادث، انتشرت أخبار المصائب التي حلت بالجيوش ~~الإنجليزية من مصيبة هكس إلى ما بعدها في جميع أرجاء الهند، وترى الناس زرافات ~~وفرادى يتناجون في هذه المسألة ويرجعون على أنفسهم باللائمة فيما فرطوا من قبل وهم على ~~ربوة الأمل، يستطلعون سوانح الفرص خصوصا المسلمين فيهم، كما أنبأتنا به الرسائل ~~الواردة إلينا من أقطار مختلفة من البلاد الهندية، ونظن أن الدولة الإنجليزية وعماد ~~قوتها الإيهام والتغرير ms179 يصعب عليها بعد الآن أن تعيد منزلتها الأولى في نفوس الشرقيين، ~~خصوصا إذا أفضت حوادث الخرطوم إلى قتل جوردون أو أسره وافتتاح تلك المدينة وهي عاصمة ~~السودان. # يزيد الطين بلة أن يشتد العثمانيون ويأخذوا بالحزم وقوة العزم في صيانة حقوقهم بأي ~~وسيلة كانت، وربما نراه واقعا؛ فإن العقلاء منهم لا يغفلون عن حاجة الإنجليز ~~لمسالمتهم؛ لأن الإنجليز يحكمون على خمسين مليونا من المسلمين جميعهم يعترفون بحقوق ~~السلطان ويجيبون داعيه إذا دعا، وهم له أطوع من الترك أنفسهم، والحذاق من ~~العثمانيين وإن كانوا يرون أن إنجلترا لا تعامل الدولة إلا بالتهديد والإرهاب، وجعلت ~~هذا طريقا لنيل أغراضها منها، إلا أنهم يعلمون أن من المحال على إنجلترا أن تشهر على ~~الدولة حربا، فإن سياسيي بريطانيا وهم أشد الناس خبرة بدقائق الأمور فضلا عن ~~جلائلها؛ لا يخفى عليهم ما تكنه قلوب الهنديين من محبة صاحب السلطة الإسلامية، بل هم ~~على يقين بأنهم لو جهروا بالحرب للعثمانيين لتقوضت سلطتهم في الهند لأول وهلة، لا ~~على المسلمين خاصة ولكن يتبعهم الوثنيون، وهذا ظاهر عند كل إنجليزي وإن خفي على بعض ~~العثمانيين ورام ستره عن باقيهم. # الاعتقاد بمحمد أحمد أخذ سبيلا في قلوب الهنديين حتى كتب إلينا أحد أصدقائنا في ~~لاهور أن محمد أحمد لو كان دجالا لأوجبت علينا الضرورة أن نعتقده مهديا وأن لا ~~نفرط في شيء مما يؤيده. # بعد هذا كيف يمكن للإنجليز دفع غائلة محمد أحمد، حر السودان منع وسيمنع من جولان ~~العساكر فيه، وطلب العساكر من كوركووسيك بعد شيوع هذه الدعوة في الهند مما لا تجوزه ~~الحكمة، ولا نظن أن إنجلترا تثير حربا صليبية بحكومة الحبش على مسلمي السودان؛ لأنه ~~يفسد عليها أمر الهند ويخالف أحكام المدنية الحاضرة. # فما هي آخر الحيل؟ أيكتفي بحفظ القنال مع ترك الفتنة يسري لهيبها إلى مصر العليا ~~بل السفلى؟ إني أخشى كما يخشى العقلاء من شيوع هذه الدعوى، وكثرة المعتقدين بها أن يلم ~~منها ضرر بدولة إنجلترا وبكل من له حق في مصر، فعلى الإنجليز - كما ms180 نصحنا مرارا - أن ~~يصونوا بلادهم، ويحفظوا طريق الهند بتفويض الأمر للعثمانيين، وأولي العزم من المصريين ~~قبل فوات الوقت، وإلى الله ترجع الأمور. # | الفصل الخامس والعشرون # الدولة العثمانية # قالت جريدة «الميموريال دبلوماتيك» إنه لم يؤخذ عن الباب العالي خبر إلى الآن عن ~~المنشور الذي عزم على إرساله للمصريين، إلا أنه محرر تام وفيه أن الدول ستدعى إلى ~~المداولة التي قطعها إطلاق المدافع على الإسكندرية (المؤتمر)، ولن يعدل الباب العالي عن ~~نشره إلا إذا قبلت إنجلترا أن تكون مخابرتها معه في تسوية المسائل السودانية المصرية ~~بطريقة جدية (لا هزلية)، ولم نزدد يقينا بما ذكرته هذه الجريدة في أن الدولة ~~العثمانية لا تتساهل في حقوقها على مصر وأنها تبذل ما في وسعها للمدافعة عنها، وكانت ~~لنا ثقة تامة بعزائم العثمانيين وأنهم لا بد أن يقدموا لصون بلادهم المصرية من استبداد ~~غيرهم فيها. # ولهذا نجزم بأنه لا يروق للدولة العثمانية ما ذكرته جريدة «الديلي تلغراف» من أن ~~المستر جلادستون سيهجر عن قريب بحماية حكومته للأقطار المصرية، وأنه سيخابر الدول في ~~تحديد أمد الحماية ولا يكون أقل من خمس سنوات، وفي أمله أن الدول لا تمانعه فيما يريد ~~الاتفاق معها عليه في هذا الشأن، بل تعتبره حقا قانونيا أوجبه بذل الأموال ~~الإنجليزية وإراقة الدماء البريطانية. # وفصلت هذا الخبر بعض الجرائد الفرنسية وبوبته وأشارت إلى ما أجابت به بعض ~~الدول. # فليس مما يخطر ببالنا أن الدولة العثمانية توافق على ما تطلب إنجلترا لو فرضنا أن ~~الدول سمحت للإنجليز بحمايتهم لمصر مدة محدودة أو غير محدودة، فإن الحوادث لا تؤمن ~~وتقلبات الأيام لا ثقة بها، فيمكن في خمس سنوات بل في أقل منها أن تتبدل القواعد ~~السياسية، بل ينقلب وجه السياسة انقلابا لا يعرف، والسياسيون لهم في كل حادث علة ~~لمحو المعاهدات وتأويل الوثاق. # | الفصل السادس والعشرون # إنجلترا في سواحل البحر الأحمر # وقع ما أنبأت به الجرائد الإنجليزية من بضعة أيام، فإن الجيوش البريطانية زحفت ~~لملاقاة عثمان دجمة بعد أن قاست أليم العذاب من وهج الحر ولهيب ms181 الشمس، وأصيب منها ~~عدد وافر بالوهن والضعف، حتى عجزوا عن مداومة السير، وصابر بقية العسكر في زحفه ~~وانتظموا على أشكال مربعات تشاكل ما انتظموا عليه في الموقعة الماضية، إلا أنهم لم ~~يتلاقوا مع خصمهم، وأفاد التقرير الإنجليزي أن السبب في عدم الالتحام أنه وصلت العساكر ~~إلى قرية ثمانية ولم تجد عنها مدافعا فأحرقتها ورجعت إلى سواكن. # ولا يخفى أن جميع أخبارهم قبل هذا الزحف كانت متفقة على أن عثمان يبعد عن ثمانية ~~بتسعة أميال، وأن مسيرهم هذا كان لملاقاته حيث يعتصم فلم يكن هناك داع لحرق قرية ثمانية ~~ولا الإخبار بأنه لم يوجد مدافع عنها، إلا ما تعود عليه الإنجليز في حروبهم إذا لم ~~يصادفوا ظفرا يحرقون ويخربون وإن لم يكن من يصيبونه بأعمالهم محاربا لهم، حتى ~~يقولوا: ظفرنا وأحرقنا وأتلفنا. # وورد إلى الجرائد الفرنسية أن تقهقر عثمان إنما كان ليحشرهم بين شعاب الجبال ثم يغير ~~عليهم ويفتك بهم كما فعل رئيسه «محمد أحمد» بعساكر الجنرال هكس، ويظهر أنهم لما ~~أحسوا بهذه المكيدة ووجدوا من أنفسهم ضعفا عن مقاومة العرب في جبالهم كروا راجعين ~~إلى سواكن ومحتجين بشدة الحر سترا للعجز وتقديما لبارد العذر، والجرائد ~~الإنجليزية في قلق واضطراب شديد ولهج أغلبها يحث حكومتها على استدعاء العساكر من سواحل ~~البحر الأحمر، متعللة بأنها وإن كانت من حامية الهند ولها جلد على احتمال الحرارة، إلا ~~أن أثر الحر السوداني ظهر فيها بسرعة شديدة ويخشى عليها من التلف الكلي، وأحرى أن ~~يخاف على سواها ممن لم يفارقوا إنجلترا إلا لحرب السودان. # ويغلب على الظن أنهم شعروا بقوة محمد أحمد وثبات عثمان والتهاب الحمية في قلوب ~~المسلمين بتلك الأطراف، فاستفزهم ذلك إلى إخلاء وجوههم، وخوفا من أن يحل بجيوش السودان ~~الشرقي ما حل بعساكر الجنرال هكس وتستروا بالشكوى من شدة الحر واحتدام نار القيظ، مع ~~أن وهج الحرارة في جنوب الهند، حيث كانت تحل هذه العساكر كما ذكرته جرائدهم أشد منه ~~في سواحل البحر الأحمر. # وما قاله الجنرال جراهام والأميرال هفت أن الحركات ms182 العسكرية قد انتهت على شطوط البحر ~~الأحمر؛ يثبت اعتراف هذين القائدين بعجزهما عن فتح الطريق ما بين البحر الأحمر ~~وبربر، ومساعدة جوردون من هذا الطريق، وبناء على ما أبدياه من البأس صدرت الأوامر ~~إلى الجنرال جراهام بإخلاء المواقع الحربية وإجلاء العساكر عنها والخروج من سواكن بما ~~يمكنه من السرعة، وأعقب الأمر اجتماع العساكر بأسرها في تلك المدينة، ويقال: إن ~~فرقة منها تسافر في التاسع والعشرين من مارس إلى مصر وإنجلترا، وهذا الأمر لا ريب ~~يعده أشياع محمد أحمد والمذعنون لدعوته فتحا إلهيا وتأييدا ربانيا، فيقوي اعتقاد ~~المخلصين له ويقطع شكوك المترددين في قبول دعواه، ولربما يذهب الوهم بالسذج منهم إلى ~~أن الله أيدهم بالملائكة المسومين فكشفوا عنهم عدوهم، وبعد هذا تجتمع كلمة ~~القبائل وتثبت أقدامهم في مواقف القتال ويزداد حرصهم على تعميم دعوى محمد أحمد، ~~ومغالبة من لم يذعن لها، ويكون هذا الظفر الغريب أقوى برهان لهم على صدق ~~دعواهم. # هذا ما أدت إليه سياسة الدولة الإنجليزية التي وطئت بأقدامها أرض مصر لإخماد ~~الفتن، لم تجلب مداخلها إلا تعالي اللهب وقوة الضرام، وبعدما أسقط في يديها وخابت في ~~سياستها تجافت عن تسليم الأمر لأربابه القادرين على تلافيه من المسلمين، حتى يحصل ~~الأمن للأجانب والوطنيين، وتحقن الدماء وتحفظ الأموال، وعمدت إلى الاستنجاد بحكومة ~~الحبش لحرب السودان، ولم يأخذها خجل في ذلك وهي تدعي أنها حاملة لواء التمدن والقائمة ~~بنصرة الإنسانية وتتلو آيات الإنجيل آناء الليل وأطراف النهار، ثم تستدعي حكومة خشنة ~~غير مهذبة كحكومة الحبش لمقاتلة قوم آخرين - وإن كانوا ليس بأقل منهم خشونة - لتشتبك ~~حرب بربرية تحرق فيها المدن والقرى، وتسفك الدماء الغزيرة ويفتك فيها بالأولاد والنساء ~~والشيوخ ومن لا جريمة لهم حتى يفني بعضهم بعضا، ولم تبال في التماس هذه المساعدة أن ~~تصرح للحكومة الحبشية أن الغرض منها كبح المسلمين في السودان وإضعاف قوتهم لتثير ~~بذلك حربا دينية تذكر العالم بالحروب الصليبية. # فقد جاءت الأخبار إلى الجرائد الفرنسية: إن دولة إنجلترا تلتمس من يوحنا ملك الحبشة ~~أن يمدها بجيوش ms183 للدفاع عن سواحل البحر الأحمر لعجزها عن حمايتها بنفسها وإطفاء ثورة ~~المسلمين وإخضاعهم، وبعثت إليه قائد أسطولها ليتفق معه على شروط هذه المساعدة وما ~~يغنمه بعد القيام بها، وفي جريدة «الميموريال دبلوماتيك» أن من جملة ما تطلبه إنجلترا ~~من الحبش فضلا عن الإنجاد الحربي أن يتخلى لها عن جزيرتين في البحر الأحمر لتحل فيها ~~بعضا من عساكرها، وله من العوض ما يكافئ الأمرين جميعا. # يريد محبنا الصادق أن يقدم للحبش جزءا من أراضينا مكافأة له على ما يريد منه، ~~ولم يغفل عن مراعاة المرابحة التجارية حسب عادته ترغب إلى الحبش أن يتنازل له عن أملاك ~~في البحر الأحمر، فليعتبر المعتبرون. # | الفصل السابع والعشرون # عودة إلى الخرطوم # نوهنا مرارا للمسلمين عموما، والمصريين خصوصا، من الانقباض عن حرب إخوانهم وإراقة ~~دماء أبناء ملتهم بمجرد أوامر تصدر إليهم من مخالفهم في الجنس والاعتقاد، لا ~~يعلمون لها عاقبة، ولا يدرون من يجتني ثمرتها، بل يوقنون أنهم إنما يقتلون إخوانهم ~~ليورثوا أرضهم لقوم آخرين، ربما كانوا أعداءهم أو يكونون أعداءهم، ولهذا لم يأخذنا ~~عجب من خذلانهم لهكس في السودان الغربي ولا لباكر في السودان الشرقي، ولا مما بلغنا في ~~هذه الأيام من خذلان جوردون في الخرطوم، ولم يختلج في صدرنا ولا في خطرات أنفسنا أن ~~انهزامهم في هذه المواقع منشؤه الجبن والخور، أو الاختلال والنقص في الآداب العسكرية، ~~ولكن نعلم أنهم يفضلون الموت بيد إخوانهم على الظفر بهم لتكون أموالهم وديارهم غنيمة ~~لصاحب أمرهم من الأجانب، أما الجرائد الإنجليزية وقواد الإنجليز فهم يبالغون في ~~جبن العساكر المصرية واختلالها؛ ليتطرقوا بذلك إلى ما في عزم حكومتهم من طرد الجيش ~~المصري الوطني وإقامة جيش إنجليزي مقامه، حتى يتمكنوا بجيشهم أن ينالوا ما تطمح إليه ~~أنظارهم في المستقبل. # ومن هنا لا يستغرب عارف بحقيقة الأمر ما ذكره مراسل التايمس في الخرطوم، من أن ~~جوردون باشا عندما اشتد عليه الحصر من أشياع محمد أحمد، خرج بألفي جندي من الجنود ~~المصرية وبعض العساكر غير المنظمة «الباشبوزق» ليفرق المحاصرين ويبعدهم عن ms184 أبواب ~~المدينة، فلم تثبت الجنود لأول الملاقاة وانحاز منهم خمسة ضباط إلى قبائل العرب ~~وعمد اثنان من أمرائهم «بشاوات» إلى قتل من كان على المدافع منهم ليطلقها على إخوانهم ~~التابعين لمحمد أحمد. # ويقال: إن جوردون قبض على الأميرين ووضعهما تحت المحاكمة العسكرية، وآخر الأمر اضطر ~~جوردون إلى الدخول وراء الحصون بعد أن تبدد جيشه وقتل منه مائتان على ما رووا، ولم ~~يقتل من الثائرين إلا أربعة وغنم العرب من ذخائر جيش جوردون مقدارا وافرا، مع أن ~~المهاجمين منهم كانوا فئة قليلة لا سلاح لهم إلا الرماح والحراب، وجيش جوردون كان ألفي ~~رجل شاكي السلاح من الطرز الأوروبي الجديد. # هذا يكون من المصريين؛ لأنهم تحت قيادة أجنبي يأمرهم بأوامر دولة أجنبية، ولو كانوا ~~في إمرة أمير مسلم مصري ولهم ثقة بعاقبة ظفرهم أن تكون لبلادهم وملتهم، لرأينا منهم ما ~~رأى العالم وشهد به الكون لهم من الشجاعة والإقدام أيام محمد علي وإبراهيم ~~باشا. # وبالجملة: فقد أرجع جوردون بعد تغلب الثائرين حاميته إلى مأمنه في الخرطوم يوم ~~السادس عشر من شهر مارس (الماضي)، ويقول مراسل التايمس: إنه يمكنه التمنع في الحصون ~~بعض أيام إلا أنه لم يجرؤ على الخروج مرة ثانية. ~~••• # الجرائد الإنجليزية تحكي ما هال أهل بريطانيا من مصيبة جوردون، وتنذر بخطر عظيم يحل ~~به، وفي جريدة «الديلي تلغراف»: أن هلاك جوردون أو وقوعه في أسر محمد أحمد يذهب ~~بالأعمال الحربية التي قامت بها تلك العساكر الإنجليزية في السودان، ويجعلها هباء ~~كأن لم تكن، ويزيل أثر تلك المواقع الدموية فتكون نسيا منسيا، وقالت جريدة ~~«ألستاندرد»: ليس من الممكن لنا أن نتأخر دقيقة واحدة إلا إذا أردنا أن نلقي بجوردون ~~إلى هاوية الهلاك، وبالسودان إلى الفوضى (نعم، لا بد أن يخافوا على السودان من الفوضى ~~كما خافوا على مصر منها)، وفي التايمس: لا بد لإنجلترا أن تظهر عزيمتها في الأحوال ~~الحاضرة، وتأخذ في عملها بالشدة حتى يعلم ذلك منها عند الكافة من الإنجليز، ومن آمالها ~~أن الأمة الإنجليزية تؤيد الحكومة فيما تعزم ms185 عليه وأنه لاسبيل لإنقاذ جوردون إلا ~~تصميم الحكومة الإنجليزية على ما تريد، (ولم تفصح التايمس عن تلك العزيمة ما هي ولا ما ~~تصمم عليه الحكومة ما هو لعل كل ذلك هو هذا، لا بد أن نفعل ولا بد أن نترك ولا بد أن ~~نكون ولا بد أن لا نكون). # قالت جريدة التان الفرنسية: إن هذا الخطب الجديد أحدث من القلق في إنجلترا ما لا ~~مزيد عليه، وعموم الناس فيها يعتقدون أنه إن لم ترسل الحكومة جنودا لإنجاد ~~جوردون فهو هالك لا محالة، وجميعهم يعلمون مقدار التبعة التي تحملها الوزارة ~~(الإنجليزية) إذا مات أو أسر جوردون، فإنها هي التي ألقت به في هذه التهلكة، ~~والجرائد عموما - على اختلاف مشاربها - متفقة على القول بأن موت جوردون باشا يكون ~~وصمة في شرف إنجلترا لا تمحوها الأيام. # إن وزير الحربية الإنجليزية يحاور سائليه من الحزب المضاد في مجلس النواب ويراوغهم ~~في الجواب، ويتعلل بأن الحكومة لم تعد المجلس وعدا صريحا بأن تبين مقاصدها في ~~السياسة المصرية، ويزعم أنه لا يمكن أن يفيده بتفاصيل عن أحوال الخرطوم لانقطاع ~~الأخبار، لكنه يعترف بهزيمة الجنرال جوردون وبما هو فيه من الشدة والضيق، إلا أن اللورد ~~نورثبورك لم يزل مصرا على طلبه من الحكومة بيان سياستها في المسائل المصرية ~~والسودانية بالتفصيل، وقال للورد جرانفيل في مجلس اللوردات: إنه لا يرى من السهل في ~~هذه الأوقات أن تفتح الطريق بين سواكن وبربر، وخطأ القائلين بسهولته، وأفاد ~~المجلس بالفشل الذي حل بالجنرال جوردون. # | الفصل الثامن والعشرون # أماني إنجلترا في حركات محمد أحمد # صرح اللورد جرانفيل في مجلس اللوردات بأن المقاومة الشديدة التي لاقوها من قبائل ~~العرب ورئيسهم عثمان في سواحل البحر الأحمر لم يكن القصد منها إلا الرغبة في تمكين سلطة ~~محمد أحمد في البلاد السودانية، يريد من هذا أنه لم يحملهم على الثبات والترامي على ~~الموت عدوانهم للإنجليز ولا طمعهم في توسيع الفتح، وإنما كان الحامل هو الدفاع ~~عن شوكة محمد أحمد في السودان خاصة، وهذا من اللورد إما ms186 غفلة أو تغفل عن لواحق ~~دعوى المهدوية، بل لوازمها التي لا تنفك عنها؛ فإن القائم بهذه الدعوى لا يقف في سيره ~~عند غاية، ولا يقنع بملك، وإنما يريد بسط دعوته في أقطار العالم وإحياء الأوامر الإلهية ~~التي جاء بها صاحب شريعته الذي يدعي النيابة عنه في تبليغها وصيانتها في نفوس ~~الناس كافة. # وسواء كان صادقا في دعواه أو كاذبا، فلن يتم له أمر ولن تتمكن له سلطة في بقعة من ~~بقاع الأرض - السودان كانت أو مصر أو غيرها من البلدان - إلا بتقدمه إلى ما وراءها حتى ~~يعلي كلمة دينه، ويرد إلى الحق من انحرف عنه، ويكون له التصرف التام في قلوب ~~المسلمين، ويأخذ منها مكانا عليا يشرف منه على مطامح دعواه في غيرهم من الأمم، ~~وسواء يسر الله له النجاح في ذلك أو باء بضده، هذا لا كلام لنا فيه الآن، ~~ولكنا نتكلم في الخصائص الطبيعية لهذه الدعوى العظيمة. # وبعد الوقوف على ما بينا يسقط من النظر قول اللورد جرانفيل في مجلس اللوردات إن ~~حكومته لم يرد لها خبر يحملها على الظن باستعداد محمد أحمد لقبول إمارة كوردفان ~~والاكتفاء بها، ولا يعلم هل قبول محمد أحمد لتلك الولاية يكون حجابا بينه وبين ~~التقدم إلى سواه؟ فقد علمت أن محمد أحمد لم يقم بدعوى الملك، ولا طلب حقا له في ~~الإمارة كان يرثه عن آبائه، وإنما قام بدعوى لا نهاية لأطرافها إلا عند حدود السطوة ~~الإسلامية، فليس يكافئ قوة دعوة إسلامية إلا عزم إسلامي، ولن يكافح هذا المدعي ~~ويرده إلى قدره إلا رجال مسلمون، يدافعون عن الدعوى بما يقوى على إضعافها أو محوها، ~~فإن لم يرد لحكومة اللورد خبر إلى الآن عما ذكره فليطمئن قلبه لعدم وروده في ~~المستقبل، ولا نظن خبرا يأتيه إلا بنقيض ما توهمه - نسأل الله حسن العاقبة. # بعد تحرير هذه الأحرف جاءت الأخبار مصدقة لما قلنا؛ ففي برقية من مكاتب التايمس في ~~الخرطوم أن ثلاثة دراويش جاءوا مرسلين من قبل محمد أحمد إلى الجنرال جوردون، وأرجعوا ~~إليه ms187 علامات الشرف التي كان بعث بها إلى مرسلهم، وبلغوه أن محمد أحمد يرفض لقب ~~أمير كوردفان، وينصح الجنرال أن يدخل في دين الإسلام؛ فهو خير له. # | الفصل التاسع والعشرون # الحزم والعزم # إن أبناء الأمم الغربية إذا عمدوا إلى قصد لا يفترون في طلبه، وعلو الهمم فيهم تجعل ~~لديهم كل صعب سهلا، وكل بعيد قريبا، يقتحمون المخاطر لاكتساب الشرف، ويتجشمون ~~المصاعب للوصول إليه، وبلغوا من محبة المجد حدا لا يرونه غذاء لأرواحهم فقط، بل ~~عدوه مادة النماء لأبدانهم؛ فهم يفرقون خوفا إذا عرض وهم لفواته، خشية من ~~هلاكهم وذهاب حياتهم؛ لهذا ترى الرجل منهم يجوب فيافي إفريقيا، ويتسنم جبال سيبريا، ~~ويخالط قبائل وشعوبا لا يعرف لهم لغة، ولا يألف لهم عادة ولا أخلاقا، ويتكبد مشاق ~~الحر والبرد والجوع والعطش، وينازل الموت مع من يخالطه من تلك القبائل البعيدة عنه في ~~جميع أوصافهم، وهو في كل وقت يقع بين أنياب المنية منهم، ثم يخلص بما يقتدر عليه من ~~الوسائل، كل هذا ما يحتمله طلبا لشرف يكسبه لذاته، أو ابتغاء مجد يحصله ~~لأمته. # ومن هؤلاء الرجال، بل من أحزمهم وأجلهم، صديقنا الهمام البطل الشهير المستر أوكلي ~~أحد نواب البرلمان الأيرلنديين، جاء إلينا من أشهر على عزيمة السفر إلى عبيد، وسألنا ~~أن نقدم له ما يسهل له الوصول من الأمن على حياته، فأجبناه بتحرير رقائم إلى من ~~لهم اليد الطولى في مساعدته، ووردت منه المكاتيب تبشرنا بنوال مبتغاه. وفي هذه ~~الأيام جاءتنا برقيات بوصوله، ومنهم رجال من عظماء الفرنسيين الأحرار ذهبوا إلى مثل ~~مقصده وتوسلوا بمثل وسائله، وهم اليوم يتوسطون الطريق - ونرجو لهم سلامة ~~الوصول. # ورجاؤنا أن يكون في هؤلاء أسوة للشرقيين، لا تقعدهم الأوهام الباطلة، ولا تنيمهم ~~الأحلام الكاذبة، ولقد كان لهم في أسلافهم أسوة حسنة، ولكن من الأسف نحتاج في تذكيرهم ~~بما لهم من سابق المجد إلى ذكر أحوال الحاضرين من غيرهم - ولله الأمر من قبل ومن ~~بعد. # | الفصل الثلاثون # أسطورة # ذكروا في أساطير الأولين أن هيكلا عظيما كان خارج مدينة إصطخر، ms188 وربما أوى إليه بعض ~~سراة الليل إذا اشتدت بهم وحشة الظلام، وما أوى إليه أحد إلا غالته المنية، فيأتي ~~طلاب أثره لفحص خبره فيدخلون الهيكل في ضوء النهار فيجدونه به ميتا، ثم لا يهتدون لسبب ~~موته لسلامة بدنه من كل ما يعهد سببا للموت، واشتهر أمر الهيكل بين السابلة والقطان ~~وأخذ كل قاصد حذره من المبيت به، حتى ضاقت الدنيا برجل، فاختار الموت على الحياة، وصعب ~~عليه انتحار نفسه بيده فذهب إلى الهيكل لعله يصادف منيته، فإذا بالقرب منه رجال نصحوه ~~وحذروه عاقبة الهلاك فلم يصغ إليهم، وقال: إنما أتيت لتلك العاقبة، وانفلت من ~~نصحائه إلى حيث يظن مهلكه. # فلما توسط الهيكل فاجأته أصوات مزعجة هائلة كأن جمعا عظيما يخاطبه: ها نحن قد ~~أتينا لإتلافك، ها نحن قد أتينا لإزهاق روحك، ها نحن وصلنا لتمزيق بدنك وسحق عظامك، ~~فصاح البائس ألا فأقدموا فقد سئمت الحياة، ولم يتم كلامه إلا وقد حدثت فرقعة شديدة ~~وانحل الطلسم وانشق الجدار وتناثرت منه الدراهم والدنانير وتفتحت أبواب الكنوز، ~~فاطمأن الخائف ونام حتى أصبح، ولما أضحى النهار، وجاء الواقفون على خبره ليحلموا ~~جنازته، وجدوه فرحا مستبشرا يسألهم بعض الأوعية لحمل ما وجده من الذهب والفضة، ~~فاستخبروه قصته ... فبعد البيان علموا أن هلاك من هلك إنما كان بالفزع من تلك المزعجات ~~التي لا حقيقة لها. # بريطانيا العظمى هيكل عظيم يأوي إليه المغرورون إذا أوحشت مظلمات السياسة، فتدركهم ~~المنية بمزعجات الأوهام، وكم هلك بين جدرانه من لا مريرة لهم، ولا ثبات لجأشهم، وأخشى ~~أن يسوق اليأس إليه قوي المريرة، ضاقت الحياة، فما يكون إلا هنيهة يصعد فيها صوت ~~اليأس، فينقض الجدار، وينحل الطلسم الأعظم. # | الفصل الحادي والثلاثون # القوة للحق # أخذت دولة بريطانيا في معاملة الشرقيين لهذه الأيام طريقا غير طريقها المعروف، وهي ~~تعلم أن نجاحها في أعمالها لديهم، وبسطة ملكها فيهم، واقتطاف ثمرات جنانهم؛ إنما كان ~~بذاك الطريق المعهود، كأني أراها اليوم اكتنهت حقائقهم، وسبرت خلائقهم، ووصلت ~~إلى مكنونات صدورهم، تجاوزت من ظواهرهم إلى ضمائرهم، وأدلت بخراطيمها ms189 إلى قلوبهم، ~~فأحست سكوتا، فحسبته يبسا من شدة الجبن، وسرت بدقتها في أوعية دمائهم، فشعرت منها ~~بفتور ظنته وقوفا من شدة الضعف، فكان من حسبانها أنهم في نهاية العجز عن أعمالهم، ~~والقيام بشئونهم. # أو أنست منهم الركون إلى المراتب التي نقلت عن معانيها الأصلية، وجردت عن ~~مدلولاتها: كناظر، ووزير، ووال، وأمير، وهي أشبه بقباب عالية، إلا أنها خاوية خالية، ~~فكان من زعمها أن أمراء الشرق شغلتهم بهرجة هذه الصور الظاهرية حتى أنستهم ~~منافعهم الحقيقية، وضرورات حياتهم الجنسية أو الملية، وقنعوا بما يشيده الوهم ويزينه ~~الخيال، هكذا ظنت كما تدل عليه أعمالها، ولم يكن ذلك معهودا منها. # دخلت دولة الإنجليز بلاد الهنديين، ومدت عينها إلى ما متعهم الله به من ~~أراضيهم، وطمحت إلى اختطافها من أيدي المسلمين، إلا أنها ذهبت مذهب اللين واللطف، ~~وخفض جناح الذل، والظهور في ألبسة الخضوع والخشية، وصابرت على هذا السير أزمانا تقطع ~~مسافات كثيرة في مدة طويلة. # نعم، كانت تتدرج في نقض أساس السلطنة التيمورية حجرا حجرا، وتتملك أراضيها ~~قطعة بعد قطعة، لكن بدون تعرض للسلطنة الظاهرية ولا مس لنفوذها، كانت تغري الولاة ~~من النوابيين والرجوات بالخروج على السلطان التيموري، ثم تنوب عنه بالعساكر الإنجليزية ~~والصينية للتغلب على الخارجين تحت اسم الملك، ولا تمس رسومه الملوكية بل تقلب نفسها ~~خادمة مأمورة، هكذا كان سيرها، وهو المألوف من عوائدها. # أما في مصر فقد أظهرت مقاصدها لأول خطوة، باكورة أعمالها بعد دخول تلك البلاد غل ~~أيدي الحكومة، ومعارضتها في جميع أعمالها، وصدها عن تعاطي شئونها، وربما كان يخيل ~~للناظر في حركات تلك الدولة أيام كانت تهيئ أسباب الفتنة السابقة ومساعيها لتقوية ثورة ~~السودان، أنها تسلك سبيلها في الهند، ولكن يرى منعها السلطان العثماني عن المداخلة في ~~إصلاح بلاده المصرية والسودانية، مع ما له فيها من الحقوق الشرعية والقانونية منعا ~~صريحا، وفي معارضة ولاة مصر وحكامها في كليات الأمور وجزئياتها أنها انحرفت عن مشربها ~~وأخذت مذهبا غير مذهبها. # كليفور لويد مستشار الداخلية في مصر، وهو بحكم وظيفته من الطبقة ms190 الوسطى في ~~مأموري الحكومة، يتحكم على جميع الوزراء المصريين، ويعارضهم في تصرفهم، ويضع ~~للبلاد شرائع وقوانين من تلقاء نفسه، ويخالف توفيق باشا في أوامره (إلا أنه لا ~~يحسب عاصيا حتى ألجئوا نوبار باشا رئيس النظار # 1 # إلى تقديم استعفائه بعد العجز عن مقاومته)، وضاق صدر توفيق باشا من ~~صلابته في آرائه، ولم تر الحكومة الإنجليزية عزله وإبداله بغيره، وزعمت أنها لو ~~عزلته لأهانت تاج بريطانيا العظمى، ثم عالجت هذا الارتباك بتوجيه أوامرها إلى كليفور ~~لويد بأن يقف عند حدود وظيفته ولا يتجاوز دائرة أعماله، التي تسمح له بها طبيعة ~~الوظيفة وخصائصها المحدودة. # وكان للظنون مجال لحسن الظن بدولة بريطانيا، غير أن جريدة التايمس كشفت القناع، ولم ~~تبال بما يخدش خواطر الأمراء الشرقيين ازدراء وامتهانا، ومزقت الستار الذي أقامته ~~حكومتها حجابا لمقصدها في إلزام كليفور لويد بما ألزمته، فقالت: إن وزارة نوبار باشا ~~مؤلفة من دمى (صور وتماثيل) نظمت في أسلاك، أطرافها بيد الحكومة الإنجليزية تحركها ~~كيفما شاءت، فعلى كليفور لويد أن يدير الشئون المصرية بواسطة هذه الألاعيب، تريد أن ~~الحل والعقد في جميع الأحوال إنما هو للوزارة الإنجليزية لكن من وراء الحجاب ... ثم ~~اعترضت هذه الجريدة على إقامة هذا الحجاب فقالت: إنه وإن كان مفيدا إلا أنه يضر ~~بمصالح إنجلترا ومصر معا (وكان على الحكومة الإنجليزية أن تجهر بولاية الأحكام في مصر ~~كما صرحت بذلك مرارا). # أسرعت دولة إنجلترا في سيرها إلى ما تروم في الأقطار المصرية، بل تهورت على خلاف ~~عادتها، وقد يكون مع المستعجل الزلل، لا نظن من الحكمة ما أتته من الأعمال في مصر ~~وربما وجب عليها تدارك ما فرط منها، إن محمد أحمد شمخ أمره وعظم خطره وهو من ~~ورائها لا عائق له في سيره، والقوى تجتمع إليه يوما بعد يوم، وبعدما تراه في غير هذا ~~المحل من أخباره جاءت أواخر الأخبار بأن المواصلات انقطعت بين القاهرة وبين بربر ~~بالمرة، وأن جماهير الثائرين يزيد عددهم حول مدينة بربر وقتا بعد وقت لقصد محاصرتها، ~~ويغلب على ظن ms191 الكافة أنهم لا بد أن يغيروا على المدينة بعد قليل ويلتحموا مع حاميتها ~~بموقعة يكون فيها الفصل، وأن مدير بربر أعياه الإلحاح على الحكومة لتنجده بعساكر ~~إنجليزية ليفرجوا عن المدينة وينقذوا حاميتها، وإلا هلكوا. # فما ركبته إنجلترا من طريق التصرف في الإدارات المصرية يخلف ظن المصريين فيها ويقطع ~~أملهم من وفاء وعودها، ويوجد عليها نفوس الأمراء منهم ويوغر صدورهم، ويحقق ~~لدى العلماء أن من قصدها التصرف في ولاية بلادهم كما يتصرف الملاك، فيلتجئون بحكم ~~الضرورة إلى تلبية محمد أحمد في دعوته أو مساعدته على بعض أعماله، أو تخاذلهم بين يديه ~~وفتح الأبواب له. # ولا نظن أن إنجلترا يخفى عليها أن علماء مصر هم أساتذة لعلماء المسلمين شرقا وغربا، ~~وأن الجامع الأزهر معهد العلوم الشرعية تسير إليه الركاب من جميع الأقطار، ويقصده ~~المسلمون من كل ناحية لدراسة الدين وروايته، فلو حزبهم الأمر وأعوزهم الصبر ورأوا ~~ولاية الدين في قبضة من ليس منهم، فبمجرد إشارة خفيفة وإيماء إلى موافقة محمد أحمد، ~~سرا كان أو جهرا؛ كاف لإيقاد نار الفتنة في جميع أرجاء البلاد الإسلامية، وتسابق ~~القلوب إلى الاعتقاد بالمدعي والتفاني تحت رايته، وليس في استطاعة دولة إنجلترا أن ~~تتصرف في أهواء القلوب ولا حركات الأفكار، وإن أسلحتها الجديدة لا تبدد جحافل الخواطر، ~~وشتان بين هذه الفتنة وبين التي يسمونها فتنة عرابية - نسأل الله العافية وحسن ~~العاقبة. # | الفصل الثاني والثلاثون # الجرائد الإنجليزية والعروة الوثقى # لو نادينا الغافلين: أن انتبهوا، والنائمين: أن استيقظوا، واللاهين بحظوظهم أو ~~أمانيهم أو أوهامهم: أن التفتوا، ولو أنذرنا أهل مصر بأن الإنجليز لو ثبتت أقدامهم في ~~ديارهم لحاسبوا الناس على هواجس أنفسهم، وخطرات قلوبهم، بل على استعداد عقولهم، ~~ولما عساه يخطر ببالهم؛ لقال الناس إننا نبالغ في الإنذار، ونغرق في التحذير. # ولو بينا لهم أن الإنجليز يؤاخذون الأبناء بذنوب الآباء، والأحفاد بجرائم الأجداد، ~~ويطالبون الذراري بدفائن أسلافهم، وإن لم يكن للخلف علم بما ترك السلف؛ لعدوا هذا ~~البيان منا شطا في المقال، وميلا عن الاعتدال. # ولو روينا لهم أن ms192 في قلوب الإنجليز حقدا وضغينة على كل إيراني سواء كان من الأفراد ~~أو الوجوه، ويسيئون معاملتهم حيثما وجدوا من بلاد الهند، ويمقتونهم مقتا شديدا؛ لأن ~~نادر شاه - من ملوك العجم - جاء إلى الهند فاتحا على عهد السلطنة التيمورية، واستولى ~~على خزائن الأموال في دلهي، وأخذها إلى بلاده قبل استيلاء الإنجليز على تلك المملكة بما ~~ينيف عن قرن، ويعضون الأنامل من الغيظ، ويحرقون الأرم من الأسف على ما أخذه نادر من ~~أموال دلهي، وحرمانهم من تلك الأموال، ويحملون هذا الوزر على عاتق كل إيراني؛ لحسبوا ~~ذلك منا تعاليا. # ولو قصصنا عليهم ما يعامل به الإنجليز رعاياهم في الهند عموما والمسلمين خصوصا، ~~وأنه يكفي لنفي عالم من علماء المسلمين إلى جزائر أندومان أن يعترف بأنه معتقد ببعض ~~آيات من القرآن؛ لأنكروا علينا ما نقول، لبعدهم عن تلك الأقطار وعدم وقوفهم على ~~أحوالها. # ولسنا الآن بصدد إقناع المصريين بما نعلم من أحوال الإنجليز ولا نريد إقامة الدليل ~~على ما نعرفه من أحكام سلطتهم، فلا نذكر ولا نبين ولا نحكي ولا نقص، ولكن نعرض عليهم ~~نموذجا من المعاملة لعله يكون للمتبصرين مرآة تحكي ما غيب عنهم من لوازم السلطة ~~الإنجليزية. # عزمنا على إنشاء جريدتنا هذه فعلم بعض محرري الجرائد الفرنسية، فكتبوا عنها ~~قبل صدورها غير مبينين لمشربها، ولا كاشفين عن حقيقة سيرها، فلما وقف على الخبر محررو ~~الجرائد الإنجليزية المهمة أخذتهم الحدة، واحتدمت فيهم نار الحمية، وأنذروا حكومتهم ~~بما تؤثر هذه الجريدة في سياسة الإنجليز ونفوذها في البلاد الشرقية، ولجوا في ~~إغرائها بها، وألحوا عليها أن تعد كل وسيلة لمنع الجريدة عن الدخول في البلاد الهندية ~~والبلاد المصرية، بل تطرفوا فنصحوها أن تلزم الدولة العثمانية بالحجر ~~عليها. # كل هذا كان منهم قبل صدور أول عدد من جريدتنا، وقبل أن يقف ولا واحد منهم على مذهبها ~~السياسي، مع أن هذه الجريدة لم تنشأ لإثارة الخواطر ولا لإيقاد الفتن، وإنما أنشئت ~~للمدافعة عن حقوق الشرقيين عموما، والمسلمين خصوصا، وتنبيه أفكار بعض الغافلين منهم ~~لما فيه خير ms193 لهم، ولقد صدرت سالكة جادة الاعتدال، ذاهبة مذهب الاستقامة والعدل، ~~كما يظهر لكل من اطلع عليها، فليعتبر المعتبرون بهذا الإجحاف والاعتداء والقصاص قبل ~~الجناية، ومن كان سمندري الطبع فليهنأ له العيش في ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني ~~عن اللهب . ولكن فلتعلم الحكومة الإنجليزية أننا لا يعجزنا بث أفكارنا في البلاد ~~الشرقية، سواء كان بهذه الجريدة أو بوسيلة أخرى، إذا دعا الحال؛ فإن أنصار الحق ~~كثيرون. # | الفصل الثالث والثلاثون # عجز ومراوغة # طنطنت الجرائد الإنجليزية ورجال السياسة في بريطانيا بنجاح الجنرال جوردون في ~~مأموريته بعدما وصل الخرطوم بأيام، ثم انعكس الأمر عليها وأظهرت الجزع مما حل به من ~~الخيبة في أعماله، والإشفاق والارتجاف مما يتوقع نزوله من الخطر، وأجمعت على أن ما ~~يصيب جوردون من قتل أو أسر يكون وصمة في شرف إنجلترا إلى الأبد وعارا عليها لا ~~يمحى، ولا مداركة لهذا الخطب العظيم إلا بإرسال العساكر الإنجليزية إلى ~~الخرطوم. # إلا أنه في هذه الأيام بعد العجز عن إرسال العساكر لم يعد لوزراء إنجلترا أو رجال ~~حكومتها عذر للتملص من هذا العار الذي يلحق بهم، فقال المسيو جلادستون وزير الحربية ~~الإنجليزية إن الجنرال جوردون لم يؤمر بالإقامة في الخرطوم إلى أجل غير محدود حتى ~~يحتاج نجدة عسكرية تخلصه مما عساه يقع فيه، بل كان فيما أمر به أن يخرج من المدينة ~~عندما يرى لزوما لذلك، على أن الجنرال لم يطلب إعانة عسكرية، فالوزارة الإنجليزية ~~لا تتحمل تبعة ما نزل بجوردون إلا بعد أن تقف على أفكاره ومطامح أنظاره، ولا وقوف لها ~~إلى الآن على شيء منها، والأوامر التي أصدرتها إليه في الأيام الأخيرة لم يرد لها ~~خبر عن وصولها. # ومن كلام وزير الحربية أن الحكومة الإنجليزية تدبرت من أيام في إرسال فرقة عسكرية ~~إلى بربر، وبعد إمعان النظر في لزوم ذلك رأت عدم الإرسال أولى، وأنهى كلامه بقوله: ~~إن حكومته لم تأخذ على نفسها إعادة السلطة المصرية في السودان، ولا تقرير أي حكومة ~~فيها، وإنها تلقي اليوم على نفسها ms194 كل تبعة توجه إليها في شئون السودان، وأما سواكن ~~فسيقام بها حامية قليلة العدد إلى أن يبرم اتفاق (بينهم وبين مصر). # وكلام هؤلاء الوزراء قد لا يخلو من غرابة؛ فإن منشورات جوردون التي نشرها بعد دخوله ~~الخرطوم على قبائل العربان ورسالته إلى المهدي لم تنكرها الحكومة الإنجليزية، بل ~~دافعت عنها ودفعت الاعتراضات التي وجهت إليها، وكان فيها أنه وال على السودان (بل ~~سلطان) من قبل دولته والحكومة المصرية، وأنه بما له من حق الولاية يمنح محمد أحمد ~~لقب أمير كوردفان، ويبيح بيع الرقيق، ويدعو العرب إلى الطاعة، فتلك المنشورات صريحة في ~~أن بعثته كانت لإقرار حكومة في السودان، والمدافعة عن بعض الولايات فيه، وأنه فيما ~~يعمل مؤتمر لحكومته، وإلا كان كاذبا والحكومة دافعت عن كذبه رجاء أن ينجح فيه، فلما ~~أخفق لم تجد بدا من البراءة منه. # وقالت جريدة التان الفرنسية: إن وزير الحربية الإنجليزية يدعي في مجلس العموم أن ~~الجنرال جوردون لم يطلب نجدة عسكرية إلى الخرطوم، مع أن الأخبار التي وردت إلى جريدة ~~التايمس من مصدر يكاد يكون رسميا ونشرناها من قبل؛ تكذب ما قاله الوزير، وتؤكد أن ~~والي الخرطوم (الجنرال) كانت منتظرا ورود العساكر الإنجليزية إليه وقتا بعد وقت، ~~وتحققت حاجته لذلك عند الكافة من أهالي لندن، حتى كان تدبر الحكومة في إرسال فرقة إلى ~~بربر مبنيا على هذا؛ لتفتح طريق مصر العليا، لكن أقعدها تصور ما تكابده الجنود من ~~المشاق والمتاعب، بل ما يحل بها من التلف. # وقد عرضت جريدة «البال مال جازيت» بالطعن على حكومة إنجلترا، ولوحت بلومها على ما ~~أظهرته من العجز والمراوغة، حيث قالت: فليعلم الجنرال جوردون أن الحكومة الإنجليزية ~~بعد إضرابها عن إرسال العساكر إلى بربر يستحيل عليها أن ترسل عساكر إلى الخرطوم، ~~وقالت: إن المسيو بوير قنصل الإنجليز في الخرطوم كان ينتظر المدد العسكري يوما بعد ~~يوم وفي ظنه أن حكومته تسعفه بذلك، لكنه يجب عليه الآن أن يعلم أنها تركته وأصحابه ~~ووكلتهم إلى أنفسهم. # فعليه أن يتدبر في أمره بنفسه، ms195 موقنا أن الحكومة الإنجليزية تفضل إخلاء السودان ~~وتعريض حامية المدن ومن فيها من رجالها لمدى أشايع محمد أحمد تفتك بهم على إعداد أي ~~وسيلة لإنقاذهم، وأتبعت قولها هذا بتهكم على الوزراء فقالت: من زعم أن إرسال جوردون ~~إلى السودان لم يأت بفائدة فقد أخطأ خطأ عظيما؛ فإن أعظم فائدة ترتبت عليه بقاء ~~الوزارة الإنجليزية وصيانتها من السقوط، فإن حياتها كانت موقوفة على سفره من لندن، ~~ولولاه ما خلصت من الخطر الذي كان محدقا بها، ولما بقيت في قيد الحياة إلى ~~الآن، وأنعم بها من فائدة جليلة لمصر وإنجلترا، فكفى الأمتين سعادة أن تهدر شقاشق ~~الوزارة فوق المنابر. # هكذا تعتع المستر جلادستون وزملاؤه في الكلام على المسألة السودانية، وسلكوا طريق ~~المواربة وتبرءوا من تبعتها بعدما ساقوا إليها الجيوش والقواد؛ بقصد إخماد الثورة ~~وتقرير الراحة، وهو قرار سياسي تبع الانهزام العسكري، يكشف لنا عن قوة محمد أحمد ~~ومنعته ويأس الدولة البريطانية عن ملافاة أمره، وأن نيتها الاقتصار على ~~التحصن فيما دون حدود مصر الطبيعية، بل على الحلول في مصر السفلى حتى تحفظ القنال، ~~وتتصرف في أراضيها الخصبة، وتقف على أبواب التجارة، ترقب حركات المارة، وتشيع ~~الذاهبين والآيبين ما بين الشرق والغرب، وتقنع بالتحكم في بعض الضعفاء من ~~المصريين. # وإنا لا نعلم ماذا تكون العاقبة إذا أصبح السودان بأسره في حوزة محمد أحمد، واعتصم في ~~قاعدة تلك الأقطار الشاسعة، ولا عاصم له إلا بالإيغال في سيره وبث دعوته بين جميع ~~القبائل العربية، بما يستطيع من الحيل أو القوة، أفلا ينتهي بعد هذا إلى سوق جيوشه ~~الكثيفة إلى حدود مصر العليا؟! ربما، بل يغلب على الظن أنه يفعل ذلك، فإن لم يفعل فهي ~~شعلة الثورة تسري بطبعها وتضطره إلى اقتفاء أثرها. # جاءت الأخبار من أيام قطع الثائرين لخطوط التلغراف بين أسوان وكورسكو، وأين ~~كورسكو من أسوان؟! هي على مقربة منها والمسافة بينهما كما بين قنا وأسوان، وفي أخبار ~~أخرى أن للهيجان والتحرش للخروج أثرا ظاهرا في أطراف مصر العليا، فإذا قدر الله ~~وصارت حدود ms196 مصر العليا معارا للحركات الحربية، وهو مما لا تعده الحوادث، فهل يبقى ~~المصريون وقبائل العربان في الفيوم والبحيرة والشرقية وجميع أنحاء القطر المصري على ~~سكونهم بعدما رأوا من ضعف الإنجليز وعجزهم ما رأوا، وبعدما يشهدون سيلا قويا ماؤه ~~من مائهم ينصب إليهم ، وبعدما حرجت صدروهم وضاقوا ذرعا من تصرف الإنجليز في ~~حكومتهم؟ # يغلب على الظن أن ما لهم من سرعة الاعتقاد بالظافر خصوصا إن كان قائما بدعوة ~~دينية، وما ضاقت به صدورهم من الاستبداد الإنجليزي، وما ذاقوه من آلام الفقر والفاقة ~~والذل والهوان من نحو سنتين، وما يتوقعونه من رزايا دينهم ودنياهم في المستقبل إذا ~~رسخت قدم الإنجليز في مصر؛ كل هذا يبعثهم على تقبل دعوة الداعي بقبول حسن ~~وانحيازهم إليه. # إذا جاء هذا الوقت - وهو ليس ببعيد - فربما تجد إنجلترا في مصر أفغانا أخرى، وتخشى ~~من ظهور عجزها فتوارى خلف بعض من الحيل والتعللات، وتستدعي من المسلمين من يكون قوي ~~الشكيمة شديد البأس؛ لتقرير السلم وتمكين الراحة، وتعود إلى جزائرها راضية من السلامة ~~بالإياب، ولعل ذلك غير بعيد عن العقل، وإلى الله المآب. # | الفصل الرابع والثلاثون # إنجلترا والجيش # وردت الأخبار أن الأميرال هفت وصل إلى مصوع حاملا هدايا ثمينة إلى ملك الحبشة، ~~وكنا في العدد السابق بينا ماذا يريد الأميرال من مواصلة الملك يوحنا، وأن الدولة ~~الإنجليزية بعدما فشلت عساكرها في سواحل البحر الأحمر، وعجزت عن تجهيز جنود جديدة ~~تسوقها إلى أواسط السودان؛ التجأت للاستنجاد بملك الحبشة واستمداد مساعدته على مسلمي ~~السودان، وكان حسن ظننا بدولة متمدنة كدولة بريطانيا يمنعنا من التصديق بعزمها على ~~إثارة حرب خشنة، لكن من الأسف أن الإفادات التي وردت هذا الأسبوع تؤكد أن إنجلترا ~~عازمة على النكاية بالمسلمين في السودان، من حيث هم مسلمون لا لإطفاء ثورة، ولا لترويج ~~مدنية. # وفي الظن أن هذا هو الذي بسط يدها بالهدايا الثمينة تتحف بها ملك الحبش، وإلا ~~فخلائقها من حيث هي دولة تجارية لا تسمح لها بهذا السخاء، وتنهاها عن البذل إلا أن ~~ينقد لها الربح ms197 أضعافا مضاعفة، أي ربح لها أعظم من توددها إلى دولة خشنة ترمي بها ~~طائفة من المسلمين بغية الفتك والنكاية حتى تخيف بذلك بعض من تخشى بأسهم من ~~أبناء ملتهم. # على أنا لا نزال في ريب من نجاح مسعاها، ولو أنها نجحت في إقناع ملك الحبشة بالتهور ~~في حرب مع السودانيين فما عساها تسمي هذه الحرب؟ لا نرتاب في أنها ليست لكسر شوكة ~~التوحش ووضع قواعد المدنية؛ فإن أحد المتحاربين لا يمتاز عن الآخر في أخلاقه وعوائده ~~وأفكاره، بل ربما كان السودانيون بما استفادوه من الحكومة المصرية مدة سنين؛ أقرب إلى ~~المدنية من الحبشيين، ولا يمكن أن تكون حربا للفتح وتوسيع الملك؛ فإن الحبشة لا مطمع ~~لها في توسيع ممالكها إلى الجهات الغربية من السودان ولم يعهد لها ذلك في التاريخ، ~~وغاية ما كانت تبتغيه أن تكون حدودها الطبيعية محفوظة من تعدي جيرانها عليها. # فلا اسم لهذه إلا الحرب الدينية، تذكر الملل بما كاد يمحى أثره من المحاربات ~~الصليبية، وتوقد في الأفئدة نار التعصب الديني، فلو فتحت دولة إنجلترا باب هذه ~~الفتنة أفلا تحترق قلوب المصريين بهذه النار؟ وهل ترجو هذه الدولة من بعد ذلك أن يستقر ~~لها قدم بينهم، وهل تأمن أن يثور سكان جزيرة العرب تحت هذا العلم الذي يظل ملايين ~~كثيرة تعلم عددها وتحس بحاجتها إلى مسالمتها، نظن أن حكومة بريطانيا تسعى بتخبطها هذا ~~إلى ما لا محيد لها عنه، وتجتهد في تقريب البعيد وما كان أغناها عن هذا كله. # | الفصل الخامس والثلاثون # رأي المستر بلونت في المسألة المصرية (إنجليزي حر ينصف المصريين) # إن مستر بلونت الذي اشتهر بمحبة المسلمين والمدافعة عن المصريين، لما رأى ما وصلت ~~إليه المسألة المصرية من الارتباك واشتداد الخطب فيها على حكومة إنجلترا وصعوبة تدارك ~~الخلل الذي عرض لها؛ تدبر في حل للمسألة ونشره في التايمس فأحببنا نشره في جريدتنا ~~مجملا وهو: # على الحكومة الإنجليزية أن تتفق مع سائر الدول على جعل البلاد المصرية مستقلة في ~~إدارتها (يريد بذلك أن يكون حكامها منها ms198 لا من دولة أجنبية) ويكون الكافل لهذا ~~الاستقلال جميع الدول بدون امتياز قوانين التصفية، واختصاصات الأجانب يجب تعديلها، كل ~~مسألة يقع فيها اختلاف فلا يكون إنهاؤها إلا باتفاق الدول الأوروبية، تحكم فيها بما ~~تشاء، لا ينبغي أن يكون في الجندية ضباط من الأجانب، وقنال السويس يلزم أن يعتبر طريقا ~~عاما يشترك فيه جميع الأمم ويكون تحت رعاية الدول جميعا، يجب أن تكون إدارة البلاد ~~بيد حكومة يقيمها الأهالي بانتخابهم. # | الفصل السادس والثلاثون # بريطانيا تمسح ظهر توفيق باشا # قالوا: إن زنجيا أسود، هائل المنظر، غليظ الشفتين مقلوب المشفرين، جاحظ العينين ~~أحمر الحدقتين، بشع الوجه، أفطس الأنف، منكر الصورة، وكان يحمل ولدا في ليلة مظلمة ~~يسير به في زقاق من أزقة بغداد، والولد كلما نظر إليه يفزع ويبكي وينتحب ويصيح ~~ويعول، وكلما اشتد به الفزع مسح الزنجي ظهره وقال له: لا تخف يا ولدي فإني معك وأنيسك ~~وحافظك من كل شر، وبعد تكرير هذه الملاطفات من الزنجي للصبي قال الصبي: يا سيدي إنما ~~خوفي وفزعي منك لا من وحشة الظلام! # هذا شأن حكومة إنجلترا مع المصريين، كلما اشتدت الخطوب وعظمت المصائب وزاد الخلل في ~~البلاد المصرية، مسحت حكومة بريطانيا على ظهر توفيق باشا ووزرائه بيدها الناعمة (وإنما ~~هي نعومة الثعبان)، وأقبلت على الأهالي تمنيهم بوعودها المرونقة، وتقول لهم: لا تحزنوا؛ ~~فإني معكم، وجميع المصريين من توفيق باشا إلى وزرائه إلى عامة الأهالي يجئرون وينادون: ~~إنما خوفنا وجزعنا منك، وراحتنا واطمئناننا بتنحيك عنا وتركنا وشأننا. # | الفصل السابع والثلاثون # أضحوكة # قال مستشار خارجية إنجلترا لبعض سائليه في مجلس البرلمان: إن الجنرال جوردون عندما ~~أجاب محمد أحمد على بلاغه الأخير لم يخاطبه بلقب سلطان كوردفان، بل عنون الجواب ~~بلفظ شيخ، وبناء على هذا فقد صار لقب سلطان كوردفان الذي منحه له الجنرال جوردون ~~لاغيا، يعني أن محمد أحمد خلع من سلطنة كوردفان عندما طمح نظره إلى الخرطوم وطلب من ~~الجنرال أن يدخل في دين الإسلام، لكن محمد أحمد لم يتمتع بتلك السلطنة اللفظية؛ لأنه ~~لم ms199 يقبلها عند عرضها عليه، فلا يحزن من هذا الخلع الجديد، أليس بعجيب أن يسمع من أفواه ~~رجال سياسة بريطانيا مثل هذه المهملات، بعدما قيل فيهم إنهم من أدهى رجال العالم؟! ولعل ~~الأضاحيك من أساليب السياسة عندهم. # | الفصل الثامن والثلاثون # المسألة المصرية والإنجليزية # إن للحكومة الإنجليزية شأنا في المسألة المصرية، يخال للناظر فيه أنها في تردد بين ~~إحجام وإقدام، وأن مقارعة الآراء واختلاف الأهواء يزداد بين سكان بريطانيا كلما ازدادت ~~الخطوب شدة في مصر، نعم، إن أرباب الرأي في الأمة الإنجليزية فريقان: فريق منهم يدفع ~~حكومته إلى الإعلان بسيادتها على الديار المصرية واستلام إدارتها، وبعبارة أخرى إلى ~~ضمها لأملاكها، ويحملها بذلك على غمط حقوق الدولة العثمانية وأهالي القطر المصري ~~والاستهانة بحقوق الدول جميعا، وهذا فريق الجمعيات والشركات المالية، ويذهب مذهبهم بعض ~~الوزراء، وينصر آراءهم عدة من الجرائد أشهرها جريدة التايمس. # واشتدادهم في صخبهم ونعيرهم نبه الأفكار وأقلق الخواطر في الأمة الفرنسية، ~~فانطلق لسان جرائدها بالوعيد والتهديد، وصرحت الجرائد الوزارية منها وجرائد الأحزاب ~~الجمهورية، وهي ذات السلطة في البلاد الفرنسية، بأن حكومة فرنسا وإن كانت غضت طرفها ~~عن أعمال إنجلترا في القطر المصري من يوم حملتها عليه إلى الآن، ولكنها لا تهمل شيئا ~~من مصالحها وحقوقها وجميع الدول الأوروبية تعززها. # وليس لإنجلترا في مصر ما تمتاز به عن بقية الدول، ومن الجهل أن يظن سياسي في المسألة ~~المصرية أنها مصرية أو إنجليزية أو فرنسية، فإنما هي مسألة أوروبية، وقد اقتربت الساعة ~~التي تجهر فيها الدول في المدافعة عن حقوقها في الأقطار المصرية، إن للدول حقا في ~~التداخل لحل هذه المشكلات بعدما عجزت إنجلترا عن القيام بما تعهدت به من إقرار الراحة ~~في مصر، فإن الفوضى في هذه الأيام أشد منها في زمن الحركة المعروفة بالعسكرية، وفتنة ~~السودان تلاطمت أمواجها على حدود مصر، والهواء الأصفر (الكوليرا) أن تكون له رجعة إلى ~~تلك البلاد السيئة الحظ. # وما هذا كله إلا من آثار الحلول الإنجليزية في وادي النيل، أما إن أرادت دولة ~~إنجلترا أن ترسم ms200 بسيادتها أو ترفع أعلام حمايتها على القطر المصري، فما للدول من حق ~~التداخل يصير فرضا لازما وضربة لازب لا محيص عنها، إلا أن كل هذه التهويلات لم تعدل ~~بذلك الفريق الإنجليزي عن مقصده ولم تتحول به عن مشربه، فلا تزال جرائدهم تنعق بطلب ~~الحماية على مصر، وهم في عمى عن العوائق والموانع التي تصد حكومتهم عن الانصياع ~~إليهم. # أما الفريق الآخر من الأمة الإنجليزية، ومنهم وزير داخلية إنجلترا ومستر جلادستون - ~~فيما يقال، فيظهرون التعفف والنزاهة، بل يصرحون في خطبهم بأن حكومة بريطانيا لا ~~تستطيع احتمال إدارة البلاد المصرية، وليس في إمكانها ضمها إلى أملاكها، ولو ~~همت بذلك لرأت من الدول أشد الممانعة، وربما رجعت بالخيبة، على أنها تكون قد سنت ~~سنة سيئة في نقض العهود، وإخلاف الوعود، وفتحت للدول هذا الباب، باب الشر والعدوان، ~~هذا ما ينطقون به على منابرهم ويزعمونه نبأ عما في خواطرهم. # ولكن هؤلاء المتعففين لهم في كل وقت عمل لتمكين أقدامهم في مصر، ولا يخالفون ~~الفريق الأول إلا في شقاشق الألسن. هؤلاء هم الذين حولوا الإدارات المصرية ودوائر ~~حكومتها العليا إلى السيرية، واستلموا زمام العسكرية والمالية وإدارة الداخلية والمحاكم ~~القضائية وتصرفوا في أعمالهم تصرف الملاك، فاستبدوا على المتوظفين من المصريين، ~~وغلوا أيديهم عن تعاطي أشغال وظائفهم، حتى آل بهم الأمر إلى ما صرحت به الجرائد ~~الإنجليزية من أنهم أشباح ورسوم تلوح بين جدران الدواوين غدوة وعشيا. # هؤلاء هم الذين يحاول نوابهم ومأموروهم في القطر المصري أن يلزموا أهاليه بتحرير ~~محضر يلتمسون فيه حماية إنجلترا وسيادتها عليهم وإن لم تنجح الحيلة، هؤلاء هم الذين ~~هموا الآن بتغيير نظام المالية المصرية ورغبوا إلى الدول في عقد مؤتمر بلندن لتغيير ~~قانون التصفية، ويريدون أن يجعلوا ذلك ذريعة للاتفاق مع الدول، على أن تكون الديون ~~المصرية بأسرها تحت ضمانتهم، لتقوم لهم الحجة في الاستيلاء على مصر بعد زمن قصير أو ~~طويل، أو ليمهدوا به طريقا لمن يخلفهم في الوزارات الإنجليزية ينتهي بالسير فيه إلى ~~تلك الغاية بعينها، وما طلبوا الماجور ms201 بارين وكيلهم السياسي في القطر المصري إلا ~~ليحضر هذا المؤتمر. # هذا ما يهيئه الإنجليز لأنفسهم ولكن ماذا تعد الحوادث لهم، وكتبوا على أنفسهم تخفيف ~~مصائب الحكومة المصرية في السودان، وعقدوا لقوادهم الألوية، وأعدوا لهم العدد، ~~وكتبوا الكتائب؛ فسفكت دماؤهم بعدما ضل سعيهم ، ظنوا أن بعض رزاياهم في سواحل البحر ~~الأحمر فرصة للاستيلاء على السودان الشرقية، فبعد الجهد ومعاناة الكفاح من عراة العرب ~~تمكنوا من الرجوع بالخيبة، قنعوا بالاعتصام في حصون القاهرة وما يليها فأزعجهم دوي ~~السيل المندفع عليهم من الجهة الجنوبية، وإغارة ثائرة السودان على شندي وافتتاحها، ~~واشتداد الحملة منهم على بربر والخرطوم. # وزادهم خوفا ورهبة انتقاص كثير من القبائل على مقربة من وادي حلفا وأبي حمد، ~~وأوشكت طائشة الفتنة أن تأخذ بقلوب الأهالي فيما تحت أسوان، وأفزعهم ما أحسوه ~~من أهالي القاهرة ومصر السفلى من تحول القلوب وضيق الأنفس، حتى اضطروا لزيادة الحرس ~~فيها، مع أن زيادة المعهود في المصريين أنهم أهل السلم والراحة. # قصدوا بكل هذه حماية طريق الهند خوفا على الهند، فبعدما ورد إلينا من أصدقائنا في ~~لاهور أن لدعوة محمد أحمد في قلوب الهنديين منزلة، وأنه لو لم يكن مهديا فالضرورة ~~قاضية عليهم باعتقاده كذلك عسى أن يكون في هذا الاعتقاد جمع لكلمتهم على التخلص من ~~رق الإنجليز، جاءت البرقيات شاهدة على صدق ما كتب إلينا. # ففي الأخبار البرقية أن رجال الشرطة في سملا وجدوا إعلانات ملصقة على جدران المدينة ~~مما كتب فيها إغراء المسلمين بإجابة دعوة محمد أحمد والقيام بنصرته، وسملا هي في آخر ~~الممالك الهندية الإنجليزية من جهة الشمال الشرقي على القرب من لاهور، وهذا ما كنا ~~نخشاه ونبهنا عنه مرارا، وربما تكون هذه الصدمات الشديدة التي صدعت إنجلترا بعد ~~استفحال أمر محمد أحمد كافية في إذعانها بأن عاقبة الثورة السودانية أشد خطرا عليها ~~من عاقبة الحركة التي سموها عرابية. # رام الإنجليز بكل هذه الاحتياطات المقيدة أن يقرروا الراحة في مصر فإذا الأموال ~~تنهب، والحقوق تضيع، والإدارات في فساد والتجارة في كساد، والزراعة في ms202 بوار، والظلم ~~في اشتداد، والأمن مسلوب حتى الأرواح والأعراض، كل هذا باعتراف جرائدهم ووزرائهم ~~وشهادة الجرائد المصرية الوطنية وإجماع السياسيين في أوروبا على أن الشقاء الذي ألم ~~بأهل مصر بعد تداخل الإنجليز - ناشئا عن هذا التداخل - لم يرزءوا به في زمن من ~~الأزمان من عهد محمد على إلى الآن، فأنعم بهذه الوسائل التي أعدها الإنجليز لتقرير ~~الراحة في مصر! وأجمل بالوسائط التي استعملوها لحماية الهند! # هذه بدايات القلاقل وبوادر المخاطر التي نشأت من شدة احتراس الإنجليز وحرصهم ~~على وقاية أملاكهم أو توسيعها، يظهر من جعجعتهم إذا صاح بهم داعي الحرب وحيرتهم من أين ~~يجندون الجنود هل من الهند أم من إنجلترا؟! ومن موازينهم العسكرية أن ليس لهم قوة برية ~~لحفظ الممالك الواسعة، فكيف يستطيعون التصرف في مصر لو سادوا عليها، وهي كما قال وزير ~~داخليتهم: تحسب مملكة أوروبية لا تسود فيها الأوهام ولا تدوم فيها سلطة الحيل، إن لم ~~يكن من المصريين فمن الأوروبيين، وأي قوة تصون لهم الهند من فتنة إذا امتد زمن الاضطراب ~~في مصر؟! وقد جاءنا من أخبار الهند أن عموم المسلمين في هياج شديد ويخشى أن تثور فيهم ~~ثائرة عندما يتقدم محمد أحمد خطوة أخرى. # هذه العواقب السيئة وما يتوقع من مثلها أو أسوأ منها لدولة إنجلترا إنما هي حلقات في ~~سلسلة أغلاطها من استيلائها على قبرص، فإنها اختلست تلك الجزيرة لمراقبة طريق الهند، ~~فنافستها فرنسا، واستولت على تونس، فتخوفت على قنال السويس أن يساق إليه جيش بري ~~من إفريقيا الغربية، فسعت في الإيقاع بين الجند والحاكم في مصر وتذرعت بذلك للغارة ~~عليها، فنزل بها في تلك ما نزل. # وبعث ذلك دولة فرنسا على ما بلغنا من مصدر يوثق به إلى السعي في طريق يوصلها إلى ~~مناكبة الإنجليز في مصر على الحدود الغربية، وربما جرت هذه المنافسات إلى فتح ~~المسألة الشرقية، وليس بقليل ما يصيب إنجلترا من مضار هذه المسألة، فأي ثمرة جنتها ~~إنجلترا مما غرسته في هذه السنين الأخيرة، لا هي صانت باب الهند من ms203 الخطر كما تروم، ~~ولا هي سكنت قولب الهنديين، وإنما طرقت أبوابا كانت مغلقة ويوشك أن تفتح، ولئن فتحت ~~فإنها تحدث زلزالا في أركان العالم بأسره، هذا شأن الإنجليز وما يفعلون. # ويوجد أناس لهم مداخل في تقلب الأحوال المصرية، ولهم مذاهب مختلفة في ترويج ~~مقاصدهم لدى المصريين، يمنونهم بالخلاص من أيدي الإنجليز إذا آل إليهم السلطان في ~~مصر، بل يؤكدون لهم أنه لو ثبتت أقدامهم في الديار المصرية لأحبطوا مساعي إنجلترا في ~~عموم البلاد الشرقية، وسعوا في تقليص ظلها من المشرق بأسره، أخذا بثأرهم منها، فهؤلاء ~~سنأتي على أحوالهم، ونبين طرق سيرهم في أعمالهم، حتى يكون ذوو الآمال فيهم على بصيرة ~~من أمرهم. # | الفصل التاسع والثلاثون # هول الأمر على جوردون # أخبر مراسل التايمس في الخرطوم أن تلك المدينة أصبحت معسكرا لأعوان الثورة، ~~ومضاربهم محيطة بها من جميع الجوانب، والمقذوفات من نيران أسلحتهم تنقض على دار ~~الحكومة بلا انقطاع، والمئونة في نقصان، والخطر يشتد يوما بعد يوم، وبعد إفراغ الوسع ~~في اختراق صفوف الثائرين بالمراكب تسير إلى بربر لفتح طريق المخابرة مع حاميتها، حبط ~~العمل وخاب السعي؛ فإن قوة العربان على شواطئ النيل تصول على المراكب بأسلحتها القاتلة ~~وتفتك بمن فيها. # وأتبع هذا الكلام بقوله: إن الجنرال جوردون عقد العزيمة على أن ينجو بنفسه من طريق ~~إفريقيا الوسطى حيث تحقق أن حكومته غير مهتمة بإنقاذه، ويرى أنه لا سبيل إلى الاتفاق مع ~~القبائل التي أخذت عليه طريق بربر إلا بمساعدة زبير باشا (اليوم يضطر لمساعدة زبير ~~باشا) وهو من أعدائه، ولا نرى الزبير إلا مسلما لو سمحت ذمته بإنقاذ حياة جوردون فلا ~~تسمح أن يكون السودان ولاية إنجليزية، وفي جريدة «الأكسترابلات» أن الحكومة الإنجليزية ~~ورد إليها كتاب من جوردون مفاده: ~~«ليس في طاقة أحد من البشر أن ينجينا من الخطر؛ لأننا محاطون من جميع الأطراف ~~بالقبائل الثائرة، فلم يبق لنا سوى التضرع إلى الله بتبديد شملهم، فإن لم تسعفنا ~~العناية الإلهية بإجابة دعوتنا فلا ريب أن تلك القبائل تنهب وتفتك بجميع سكان ms204 ~~الخرطوم قبل وصول نجدة إنجليزية إلينا.» (وليته سأل الله تعالى حل المسألة السودانية ~~وفوض إليه الأمر فيها وأراح نفسه من السفر إلى الخرطوم). # وجاءت الأخبار الأخيرة بأن مدينة شندي، وهي على النيل في منتصف الطريق بين بربر ~~والخرطوم، وقعت في أيدي رجال محمد أحمد، هذا بعد أن طلب الجنرال جوردون من حكومته أن ~~ترسل فريقا من الجيوش لتخليص حامية تلك المدينة وموظفي إدارتها، ورأت الحكومة من ~~الصواب أن لا ترسل، فلما ضاق الأمر على الحامية ويئسوا من القدرة على الدفاع؛ ركن ~~فريق منهم يبلغ ثلاثمائة شخص إلى الفرار واندفعوا على صفوف محاصريهم لعلهم يجدون من ~~بينها سبيلا، فلم يستطيعوا ونزل بهم من أمر الله ما لا محيد عنه، بعث الجنرال جوردون ~~ببرقية إلى القاهرة يشكو فيها عدم وصول الأخبار إليه من السير بارين (وكيل إنجلترا ~~السياسي في مصر). # قالت التايمس: «ولعل البرقيات التي بعث بها بارين إليه تناولها الثائرون»، ومن كلام ~~هذه الجريدة أن الحكومة الإنجليزية أرسلت الجنرال إلى السودان وفوضت إليه الأمر فيما ~~يفعله ليصيب بتدبيره غاية حسنة، ونرى أن هذه الحكومة غلت يديها بترك الجنرال وشأنه مما ~~يلحق بها عارا عظيما. # اشتدت حملة القبائل على بربر وخارت عزائم حاميتها وسكانها وأخذ اليأس بقلوبهم، ~~ووردت برقية من مدير بربر إلى الوزارة المصرية يشكو بها تلك الحالة، ويقول: إنه لا يمضي ~~بضعة أيام حتى يفتحها الثائرون ويحل بها من أيديهم ما حل بمدينة شندي، وبعد هذا جاءت ~~برقية من القاهرة مفادها أن نوبار باشا يخشى أن يمتد لسان الفتنة إلى أسوان في وقت ~~قريب، وإنا نشاركه في هذا الخوف ونزيد عليه الإشفاق من التهاب النيران في القاهرة ~~وأطراف القطر المصري - ولا حول ولا قوة إلا بالله. # | الفصل الأربعون # محاولة في مصر # كل يوم يظهر من إنجلترا شأن جديد في معاملة الشرقيين والطرق التي تأخذهم بها لقضاء ~~أوطارها من بلادهم، وتلاعبهم وتداعبهم وتجاملهم وتلاطفهم، وتعدهم وتمنيهم وتخيفهم ~~وتؤمنهم، حتى تشتبه عليهم مسالك الفكر، وتلتبس مسارح النظر، ثم تحملهم بعد الدهشة على ms205 ~~قبول سلطتها والرضا بولايتها، بل على طلب ذلك منها، والتماسه من كرمها، وهي في كل ~~أعمالها تهزأ بهم وتحسبهم في عداد الصبيان القاصرين، أو من قبيل البهائم التي لا تعقل، ~~سلكت مسلكها هذا على بعض من أوروبا وانفردت في الأقطار الهندية النائية ، وليس لدولة ~~من الدول إحاطة بما تجريه في حكومتها لتلك البلاد. # ثم تطرفت في هذا المشرب فعمدت إلى استعماله في مصر تحت أنظار أوروبا، وقصدت أن تدعو ~~المصريين للإقرار بحمايتها، ورفع التماسهم إليها لعل كرمها يسمح بمنحهم شرف سيادتها ~~عليهم، لكن الحيلة لم تذهب على المصريين ولم تختلس عقولهم تلك الشعوذات؛ فقد جاء في خبر ~~مؤكد أن مأموري الحكومة الإنجليزية في مصر حاولوا تكليف الأهالي بتحرير محضر يلتمسون ~~فيه حماية دولة إنجلترا ليكون التماس الأهالي حجة لديها عند الدول تقيم بها عذرا في ~~إخلاف وعودها، حتى إذا حاسبوها على تصرفها في أرض مصر وضمها إلى أملاكها تدعي أنها ~~مضطرة فيما تصنع والأهالي هم الذين رغبوا إليها ذلك، وهي لا تأبى قبول رغبتهم رحمة ~~بهم ورأفة، هكذا تحاول أن تفعل في مصر وهي متاخمة لأوروبا وفيها من الأوروبيين ~~المختلفي الأجناس ما يزيد على مائة ألف، ولا تخشى لائمة ولا تخاف عاقبة، وإن ظننا ~~بالمصريين على اختلاف طبقاتهم أنهم لن يفعلوا ذلك ما دامت أرواحهم في أبدانهم. # | الفصل الحادي والأربعون # رأي الجرائد الفرنسية في الإنجليز # ارتفع الستار وانتهك الحجاب عن ضعف الحكومة الإنجليزية ووهن عزيمتها في المسألة ~~المصرية، ولم تبق فيه ريبة لمرتاب بين الدول الأوروبية، وانطلقت عليها الألسن وسلت ~~سيوف الملام، من ذلك ما هزأت به جريدة «الريبوبليك فرانسيز» وسخرت فيه بدولة إنجلترا ~~عند كلامها على فصل نشر في جريدة «البال مال جازيت». # قالت: إن ما تهددنا به الجرائد الإنجليزية لا تأخذنا منه رهبة ولا ترعدنا منه ~~خيفة، بعد أن رأى الفرنسيون عجز حكومة بريطانيا عن حماية جوردون، وعلموا أن عددا من ~~عرب السودان اخترق صفوف الجيوش الإنجليزية المنظمة، وما كان لهم سلاح إلا العصي ~~والخناجر، وأن فرنسا لا ms206 تزال تطلب من إنجلترا أن تعيد إليها ما فقدته من حظ السلطة في ~~شواطئ النيل، وما ظهر من عجز إنجلترا وضعفها القاضي بالحيرة والعجب لا يخفف سوء تأثيره ~~إلا بمساعدة فرنسا. # قعد كليفورلويد من المصريين مصاعد الأنفاس، وخنقهم بخناق من الجور، وصار فيهم خلفا ~~لعرابي (كذا) ونعم الخلف، إلى القوة الفرنسية فك هذا الخناق الضيق الذي كاد يقطع ~~أنفاس المصريين، أما أوروبا فتستريح خواطرها ويسكن اضطرابها بعدما أقلقها ضعف ~~الإنجليز الذي لا دواء له ومطامعهم التي لا حد لها ... ا.ه. # فهل انكشف للشرقيين ما وضح لدى الأوروبيين أو لا يزالون عنه غافلين؟ # | الفصل الثاني والأربعون # خديعة جديدة # أقبل الإنجليز أيام الحركة السابقة على بعض المصريين، وزخرفوا لهم الأماني وزينوا لهم ~~المواعيد، حتى استعملوها لتذليل المصاعب بين أيديهم، لدخول مصر والاستقرار فيها ~~بعساكرهم، وتم لهم ما أرادوا، ثم قلبوا لهم ظهر المجن تحت أستار الحجج والتعللات، ~~وقبضوا على زمام الحكومة المصرية يصرفونها كيف يشاءون، ولما أرادت الدولة العثمانية ~~بما لها من الحق القانوني على تلك البلاد أن تتولى حل المسألة التي كان يعبر عنها ~~بالعسكرية، وأن ترسل بعض جيوشها لإقرار الراحة في بلادها طبقا لرغبة رعاياها؛ ~~مانعها الإنجليز وكفوا يدها عن العمل وسبقوها إليه بدون حق شرعي ولا أصل ~~سياسي ولا رغبة عامة من أهالي القطر المصري، واليوم عند اشتداد الخطب على الجنرال ~~جوردون الإنجليزي وعجر حكومته عن إنقاذه وتوقيف حركة محمد أحمد، ألجأتهم الضرورة إلى ~~الرجوع لما نبهنا عليه مرارا من أن هذه الفتن لا يطفئ شعلتها رذاذ السياسة ~~الإنجليزية. # تمنوا لو تتداخل الدولة العثمانية ببعض عساكرها في السودان لتنقذ الجنرال جوردون ~~وتأخذ بناصية محمد أحمد وتبدد شمل أحزابه، هكذا رأى الجنرال في هذه الأيام أن أنجع ~~الوسائل لحل المشكلات تحسين جيش عثماني وسوقه إلى تلك الأقطار، فكتب إلى صديقه صامويل ~~بيكر يرغب إليه أن يتقدم لأرباب الثروة في إنجلترا وأمريكا ويحملهم على بذل مائتي ألف ~~جنيه ليعرضوها على السطان العثماني حتى ينفقها على ألفين أو ثلاثة آلاف من العساكر ms207 ~~التركية، ويسيرها إلى نواحي بربر وشندي، ويكون بهذا إنهاء المسألة السودانية وهدم سلطة ~~محمد أحمد، وقال: إنه مما يعود نفعه على السلطان أيضا. # يريد الجنرال أن يخدع العثمانيين بتمثيل منافعهم، كما خدع أمثاله بعض المصريين ~~وحاشاهم أن ينخدعوا لمثل هذه التخيلات الوهمية، ومن العار عليهم أن يقبلوا ما يتكففه ~~الجنرال جوردون من صدقات أهل الثروة في بلاده للنفقة على عساكرهم، وأشد العار أن يذهبوا ~~بجيوشهم لتدويخ بلادهم وإخضاعها لسلطة الإنجليز والعساكر الإنجليزية حالة # 1 # بحصون مصر، نعم لو أذعن الإنجليز بما للدولة العثمانية من الحق، وتركوا ~~لها بلادها وفوضوا إليها إعادة الراحة فيها وإهماد فتنة السودان؛ فلا تخال الدولة ~~تتأخر عن القيام بما يفوض إليها بل هو ما تتمناه وتسعى إليه، ولعل الحوادث تلجئ دولة ~~بريطانيا إلى مثل ما لجأ إليه جوردون فتسلم الأمر لمالكه، # 2 # ما ذلك على الله بعزيز. # | الفصل الثالث والأربعون # دسيسة أخرى # هيأ الإنجليز فتنة فكانت، وأغاروا على مصر بحجة إهمادها، وأوثقوا الدول على أن ~~تكون إقامتهم في الديار المصرية إلى أن تستقر الراحة فيها ثم يخرجون، لكنهم بعدما حلوها ~~لا يزالون يسعون من يوم وطئوها إلى اليوم في إيقاظ الفتن ويجهدون لإطلاق الخواطر، ~~ليقدموا ما يكون من هذا عذرا لدى الدول في تطويل مدة إقامتهم بالقطر المصري، لعلهم ~~يجدون من تقلبات السياسة الأوروبية فرصة للحلول الأبدي، ومن ذلك ما سولوا ~~للأروام أن يحتفلوا بعيد استقلالهم على نمط لم يسبق له نظير في الأقطار المصرية من ~~قبل، وزينوا لهم ما فعلوا بما يقدرون عليه من الطرق الخفية، حتى انخدع الأروام لوساوسهم ~~مع أنهم أحق الناس برعاية الأدب، وما كان مثل ذلك من مأموري الإنجليز في مصر إلا ~~ليقلبوا أفكار المصريين ويحركوا الضغائن في نفوسهم ويذكروهم بما كان بينهم وبين ~~اليونانيين أيام إبراهيم باشا، فيوقظوا بذلك الفتنة بين سكان القاهرة وبعض المدن ~~المصرية وبين من يساكنهم من الملل الأجنبية، ويعيدوا تاريخ بعض الحوادث المشئومة التي ~~كادت تمحى دواعيها بعد ما حدث من نحو سنتين، ثم يجعلوا ما ms208 يحدث من اختلال علة لدوام ~~الاحتلال أو التسويف في الجلاء. # | الفصل الرابع والأربعون # الورطة الجديدة # التوى سير السياسة الإنجليزية في المسألة المصرية، وقزلت # 1 # الوزارة الجلادستونية في المضي إلى نهايتها فسقطت مرارا ونهضت ~~مرارا، وآل بها الأمر بعد هذا إلى عجز عن أداء ما تعهدت به للدول وللدولة العثمانية ~~من إصلاح الأحوال المصرية، وفزع شديد من عقبى هذه الفتن التي تداعت لها أركان النظام ~~المصري، فلجأت إلى الدول الأوروبية تستعين بها على تخفيف الوزر، والتمست منها عقد ~~مؤتمر في لندن وتعللت في دعوتها إلى الاشتراك معها في الأمر بفراغ الخزينة المصرية ~~لكثرة النفقات والنقص في الإيراد، فلا يمكن بقانون التصفية الذي وضع باتفاق من الدول ~~العظام، إلا أنها شرطت على الدول أن تكون المداولة في المؤتمر منحصرة في المسائل ~~المالية ولا يجوز لهم أن يتعدوها إلى ذكر شيء آخر في الأحوال المصرية الحاضرة أو ~~الماضية. # أما الدول فقد قبلت الدخول في المؤتمر على شرط مبهم وهو أن نوابهم يبحثون فيما يبحث ~~فيه المؤتمر، إلا دولة ألمانيا فإنها لم تجب إلى الآن جوابا رسميا، ويغلب على الظن ~~في الدوائر السياسية أنها تتبع في جوابها دولة فرنسا واتفقت على ذلك أغلب الجرائد ~~الألمانية، وزادت دولة فرنسا في جوابها أن طبيعة المسائل التي يجري فيها البحث ربما ~~لا تقف بالباحثين عند حد النظر في المالية، بل تنجر بهم إلى ذكر كثير من المشكلات ~~المصرية الحاضرة. # أما هذا فلم يكن خافيا على إنجلترا، فإن النظر في المالية مع الاضطراب الواقع في ~~الديار المصرية وتزعزع أركان السلم فيها لا تخلو نتيجته من أحد أمرين: # إما تقدير الإيراد والمنصرف بمبالغ محدودة وتخصيص شيء معين من الإيراد لوفاء فائدة ~~الدين، مع تخفيض الفائدة مثلا، ثم يوضع قانون تمضي عليه الدول كما فعل قانون ~~التصفية، وهذا مما لا يتصوره العقل؛ فإن عساكر الحلول الإنجليزية لم تزل في أرض مصر ~~ومصاريفها على الخزينة المصرية، ولم يعلم أجل إقامتها ولا مبلغ عددها، والفتن قائمة في ~~الجهات السودانية والحكومة المصرية مكلفة ms209 بتوقيفها عند حد لا يخل براحة البلاد، ولهذا ~~العمل مصاريف ونفقات لا يمكن تحديدها ولا تقديرها، فكيف يمكن للوصول إلى تعيين النفقات ~~وإحصائها على وجه منضبط والاضطراب الداخلي والاختلال المتفشي في الإدارات ودوائر ~~الحكومة العليا والدنيا الذي حدث بتخلل الإنجليز فيها وقف حركة الأعمال النافعة من ~~زراعة وتجارة وصناعة، فكيف يمكن ضبط الإيراد على نمط يعرف ويؤلف، فلم يكن غرض إنجلترا ~~من الدعوة إلى المؤتمر أن يصل إلى مثل هذه الغاية التي لا أهمية لها مع بعدها. # الأمر الثاني أن ينساق البحث في المسائل المالية والنظر في الإيراد والمنصرف إلى ما ~~يلزم لاستقرار الراحة في مصر من العساكر وتطلبه من النفقات، وما يستدعيه إطفاء فتنة ~~السودان، وما تحتاج إليه المحاكم الجديدة، وغير ذلك مما تعرضه إنجلترا وتبين للدول أن ~~مالية مصر ليس في طاقتها أن تفي بجميع هذه النفقات الواسعة، ولو كلفت بأداء بعضها فضلا ~~عن كلها، لحق الضرر بأرباب الديون، فأحسن وسيلة للتحفيف عن المالية المصرية مع حفظ ~~الحقوق لأربابها أن تكون الديون المصرية تحت ضمانة إنجلترا وهي تؤدي فوائدها في ~~أزمانها، تطلب من الدول بعد هذا أن تفوض إليها التصرف في الأقطار المصرية، وتأخذ ~~التبعة على نفسها في بذل الأموال وقتل الأرواح، وهذا الذي يمكن أن تفعله إنجلترا بعد ~~عجزها وربما مست حقوق الدولة العثمانية في مطالبها هذه. # إلا أن التلغرافات نقلت إلينا ما يتحدث به في الدوائر السياسية بالأستانة، وهو أن ~~الدولة العثمانية ستشترط لقبول انتظامها في المؤتمر شروطا صعبة يعز على إنجلترا قبولها ~~لينكشف الستار عن مقاصدها في مصر، ومن جملة تلك الشروط أن تستبدل العساكر الإنجليزية ~~المحتلة في مصر بعساكر عثمانية؛ لأن نفقات الجيوش العثمانية أقل من نفقات الجيوش ~~الإنجليزية، وهذا هو ما يؤمل في الدولة العثمانية في هذه الأوقات وإنها فرصة لو فاتت ~~فقل أن يأتي مثلها، وللدولة العثمانية بسلطتها على قلوب المسلمين شرقا وغربا قوة ~~ترتعد منها فرائص الإنجليز، فأمل أوليائها اليوم أن تستعمل تلك القوة الفائقة وتجعل ~~لها أثرا في استرداد حقوقها، ms210 وعندنا أن رجال الدولة العثمانية لا يغفلون عن ~~هذا. # أما الحكومة الفرنسية فقد عقدت عزيمتها على مطالبة إنجلترا بإعادة نفوذ الفرنسيين في ~~مصر كما كان قبل المراقبة، والجرائد الفرنسية على اتفاق في تبيين خلل السياسة ~~الإنجليزية وبيان سوء مقاصد الإنجليز، والإلحاح على حكومتهم ألا تعترف بأدنى امتياز ~~بسبب ما فعلته في واقعة التل الكبير، وهذا ما ترتجف منه الجرائد الإنجليزية عموما ~~وتخشى عاقبته، ونظنها أسوأ عاقبة عليهم. # هذا ما يتعلق بورطتهم الجديدة التي يظنون فيها خلاصهم، وبقي عليهم ما لا نظن ولا ~~يظنون لهم منه نجاة، دخل الثائرون مدينة بربر كما أنبأت به أواخر الأخبار، ولعبت ~~عواصف الفتنة بأطراف مصر العليا، وأكدت أخبار البرقيات أنها لم تقف عند حدها، بل حركت ~~السواكن في مصر السفلى، ووراء ذلك من الويل ما وراءه، فأين الخلاص لدولة إنجلترا؟ نعم ~~لمعت بارقة حق في عقول بعض ذوي الرأي من رجالها فطلبوا أن تكون العساكر التي تبعث ~~إلى مصر مؤلفة من عثمانية وإنجليزية، وهو نوع تقرب لما قلناه مرارا من أن هذه الفتن لا ~~يدفع غائلتها إلا المسلمون، ولكن عليهم أن يخلصوا آراءهم من الشائبة الإنجليزية ~~وإلا فلا نجاح، والله يفعل ما يشاء. # | الفصل الخامس والأربعون # العروة الوثقى توزع مجانا! # تأتي في فصولها على أهم ما له أثر في أحوال الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا، فلا ~~تلام إذا أطنبت في مسألة شرقية عامة ولا إذا أغفلت ذكر بعض أخبار من أمريكا ~~وجابونيا. # نبهنا في أول عدد صدر منها على أن القائم بها رجال من أهل الغيرة في الشرق ~~هموا بأعمال تفيد أوطانهم وملتهم، مع رعاية جانب العدل والسير على وفق الحكمة، ~~ومن ظن أن توزيعها مجانا يقتضي أن تكون منسوبة لدولة من الدول أو شخص من ذوي المطامع ~~في إمارة أو ملك فإنما نشأ ظنه هذا من اليأس المستحكم في نفسه والقنوط من نهوض ~~همم بعض المسلمين بعمل صغير كهذا، ولا يقنط من روح الله إلا القوم الكافرون. # هذه جريدة لا سعة فيها للتنابذ والتقاذف، ولا ms211 يذكر فيها اسم شخص أو لقبه إلا إذا ~~كان له قول أو عمل يفيد البحث فيه فائدة عامة. # | الفصل السادس والأربعون # رياض باشا والسياسة الإنجليزية # نقل إلينا وذكرت الجرائد خبر مجلس انعقد في سراي توفيق باشا بالقاهرة، حضره وزراء ~~الحكومة المصرية، ودعي إليه شريف باشا ورياض وسلطان باشا وعمر باشا ولطفي باشا وخيري ~~باشا وثابت باشا. وأغلب الجرائد الفرنسية المهمة أتبعت رواية الخبر بالثناء على ~~رياض باشا وأتت من وصفه على أفضل ما يوصف به رجل في أمته، ومما ذكرت من صفاته أنه ~~أقوم أمير في الديار المصرية وأشدهم حرصا على الاستقامة، وأنه أبصر أهل بلاده ~~بعواقب الحوادث التي ألمت بمصر وما تئول إليه، وكان يرى من بداية تلك الحوادث أنه ~~سيكون مصيرها إلى ما لا خير فيه للبلاد، وسكتت تلك الجرائد عما يتعلق ببقية أعضاء ~~المجلس، وإننا نذكر الخبر أولا ثم نعقبه بما تدعو خدمة الحق لذكره. # بعد انعقاد المجلس قام نوبار باشا وافتتح الكلام بخطاب وجهه إلى الحاضرين فقال: ~~ماذا ترون من التدبير إذا فرضنا أن مدينة الخرطوم وبربر ودنقلا دخلت في حوزة محمد أحمد ~~وأشياعه؟ وأي طريقة يمكن الأخذ بها لحفظ الأمنية وتقرير الراحة في مصر العليا ~~(الصعيد)؟ فأعجب الحاضرون بالسؤال وظهرت على وجههم علائم الاستغراب لمفاجأته لهم بما ~~لم يكونوا يتوقعونه، ثم أجابوه بصوت واحد: أن لا سبيل إلى تأمين البلاد من خطر الفتنة ~~إلا باستعمال القوة، فقال نوبار باشا: إنا نروم منكم التصريح بنوع القوة التي يجب ~~استخدامها (أي قوة إنجليزية أو مصرية)؟ # فأجابه رياض باشا: إن تعيين القوة من خصائصكم وليس من شأننا أن نتكلم فيه، فأبدع في ~~الجواب بعض الحاضرين (لا نعرفه وربما يكون من محبي أوطانهم) وأحسن في التشبيه ~~حيث قال: الذي نعرفه أن العجة لا تكون بدون بيض (العجة طعام يصنع من البيض مع بعض ~~النبات يعرف اسمه عند المصريين وأغلب العرب، فمادة هذا الطعام إنما هي البيض)، فأراد ~~العضو المحترم أنه لو أريد استخدام قوة فلا بد أن يكون جوهرها ms212 عساكر إنجليزية ولا ~~بأس بإضافة بعض من الجنود المصرية لتكون ترسا يدفع به في وجوه المحاربين وتنصب إليه ~~قوته، فإن حصل العجز ودعت الضرورة للفرار أمكن للجيوش الإنجليزية أن تعود ~~سالمة، أو إذا أضيف مصريون فلا بد أن يكونوا حمالين وخدما أو حرسا وحفظة لمن يكون ~~معهم من ساداتهم (هذا ما أراد جناب العضو من تشبيهه البليغ). # بعد هذا قال رياض باشا: إنكم تسألوننا تعيين القوة ولكني أسألكم: ما هي القوة ~~الموجودة عندكم وبأي حق يؤدى لكم 48 ألف جنيه في كل شهر، أأنتم حكومة أم لا؟! أما شريف ~~باشا فقال: إنه بذل جهده مدة طويلة في إرضاء الحكومة الإنجليزية بأن ترسل جيشا ~~إنجليزيا إلى السودان (وهذا مما يقضي بالعجب) ولكنه علم أن نوبار باشا أراد أن ~~ينهي المسألة بإخلاء الأقطار السودانية، فقال نوبار باشا: إن المباحثة خرجت عن موضوعها ~~وتحولت عن وجهها، ولكني أذكر بالأعضاء المجتمعين بأنهم ما طالبوا إلا لإبداء آرائهم ~~فيما يجب العمل به. # فأجابه رياض باشا: إن لكم مجلس شورى فكان أحق أن تذاكروه، وإن للآن لا نعرف سببا ~~لاستدعائنا مع وجود ذلك المجلس، فحاول نوبار باشا دفع ذلك بقوله: إن مجلس الشورى ليس من ~~خصائصه النظر في مثل هذه المسائل، فقال رياض باشا: إنه لا يرجى إصلاح ما دام العمل ~~جاريا على ما وضعه اللورد دوفرين مما سماه نظاما، وإنه لا ثقة له بأصل من أصول ذلك ~~النظام وليس في الإمكان إجراء ولا واحد منها، وإن الأغلاط التي كانت منشأ للضعف ~~والاختلال لم يرتكبها إلا دولة الإنجليز، وإن ما نراه من الفوضوية وارتكاب المنكرات ~~وكثرة التعدي والسرقات لم تكن له علة إلا السياسة الإنجليزية، فعلى إنجلترا أن ~~تعالج هذا الداء وليس ذلك علينا، ولقد قلت هذا مرارا وبلغته للورد دوفرين وشريف ~~باشا، وكنت أود أن أرى اللورد دوفرين مرة أخرى لأذكره بما جرى من الحديث بيننا ~~وأعرض عليه مصره المنتظمة، إلا أن شريف باشا أتى بما لم يكن يرجى منه، حيث دافع عن نظام ~~دوفرين ms213 بقوله: إن الإصلاح يحصل تدريجيا، كأنه يريد بما يقول أن ما حوته شريعة اللورد ~~دوفرين يصلح أن يكون شريعة يعود من العمل بها على أهالي القطر المصري شيء من الفائدة، ~~وما كنا نظن أن مثل شريف باشا يرى مثل هذا الرأي بعد وصول الأمر إلى ما وصل ~~إليه. # بعد هذا قال رياض باشا: إني لا أفهم لفظ بروتكتور # 1 ~~(حماية) ولا أعلم ماذا يراد منه، ولكني لا أرى وسطا بين أمرين، إما ضم ~~البلاد إلى الحكومة الإنجليزية فتستلم إدارة أمورها وتتولى شئونها كلية كانت أو ~~جزئية، وهذا هو الذي أفهمه من تلك العبارات، وإما ترك البلاد لأهلها ليأخذ بزمام السلطة ~~فيها رجال من أهليها وإليهم الحل والعقد في إدارتها، فانتحلوا مذهبا من المذهبين ~~فإن القول بحل وسط بينهما ضرب من الجنون. ا.ه. # وليس بعجيب أن يصدر مثل هذا الكلام من رياض باشا، فعهدنا به رجل ذو حياة وطنية ~~وإحساس بما يلزم لحفظ حياته هذه، وهي أشرف أنواع الحياة، فإن تكلم فإنما ينثر الكلام ~~منه إرادة ناشئة عن فكر تثيره قوة حيوية، وكان أملنا أن يوجد من طرازه كثير في ~~الأقطار المصرية يصدعون بما يصدع به خصوصا بعدما نزلتهم هذه الحوادث المريعة ~~ومثلت لهم مستقبل بلادهم في حاضرها، ولقد أدى الرجل حقا واجبا عليه والقائم بأداء ~~الفريضة قد يشكر إذا أهملها المكلفون بها حتى صارت عندهم من نوافل الأعمال أو في ~~منابذ المكاره، ولكن يأخذنا العجب من بقية أعضاء هذا المجلس الموقر كيف مجمجوا أو ~~تلكئوا أو سكنوا، وكيف وسعتهم القدرة على إمساك ألسنتهم عن التعبير بما في ~~ضمائرهم. # إنا لا نعلم أحدا منهم تجنس بالجنسية الإنجليزية وحاشا جميعهم من ذلك، ولا ~~يختلج في صدورنا أن مصريا أو تركيا أو شرقيا - أيا كان - يميل ميلا صادقا ~~إلى تسلط الأمم الأجنبية على بلاده، أو يخلص في خدمة الإنجليز ومجاراة رغائبهم ~~إخلاصا صحيحا، خصوصا أولئك الأمراء المصرح بأسمائهم، بل لو كشف الحجاب عن قلب كل ~~واحد منهم لرأيناه ذائبا من الأسف في ما ms214 حل ببلاده وفانيا من الحزن على ما نزل بوطنه ~~من تردد جيوش الأجانب بين أطرافه، ومضمحلا من الكدر على ما عقبه حلول القوة ~~الأجنبية من انقباض الأنفس وانقطاع الآمال وعموم الاختلال وشمول الفقر والفاقة وبطلان ~~حركة الأعمال. # بل لو شاء القلم أن يعبر عن حالة الأمير منهم عندما يطرق آذانه أخبار التصرف ~~الإنجليزي في إدارات حكومته وكف أيدي الموظفين من أبناء ملته من أداء ما يجب عليهم ~~لبلادهم، وبسطة أيدي أولئك الأجانب في الإنفاق من ماله ومال عياله وأقاربه وأحبائه ~~وجميع مواطنيه بدون حق شرعي ولا مصلحة وطنية، أو عندما يرى غنيا أعدم وعزيزا ذل ~~وكاسيا عري وحبا أشرف على الهلاك من ضغط المظالم، ولو نهضت قوة البيان لشرح ما ~~يظهر على وجهه من ألوان الكمودة، وفي أعضائه من أنواع الرعدة، وما ينبض به قلبه وما ~~يحدثه فكره من هواجس الهموم وخواطر الغموم؛ لما استطاع القلم تعبيرا، ولوقفت قوة ~~البيان دون الإتيان على قليل من كثير. # هذا هو الذي لا يبرأ منه أحد منهم ولو أقام على البراءة ألف برهان، كيف لا وهم ~~يعلمون أن عزتهم وسيادتهم وما بلغوا من مراتب الشرف والرفعة؛ إنما كان بوصف قيامهم على ~~أعمال البلاد، وأهليتهم لاستلام مهامها واستعدادهم لإدارة شئون الرعية؟ وهم على يقين ~~بأنه لو ساد في ديارهم أجنبي فلا داعي يبعثه إلى حفظ ما لهم من الشرف والسيادة، بل له ~~من البواعث القوية ما يحمله على تذليلهم وإهباطهم إلى أحط المنازل ليخلفهم على مثل ~~ما كانوا عليه. # فما الذي أمسك بألسنتهم عن الكلام؟! هل الخوف؟ فمن أي شيء يخافون؟ وما الذي يخشونه ~~على أرواحهم أو على بلادهم إذا قالوا حقا وثبتوا عليه؟ ماذا يصنع بهم الإنجليز إذا ~~علموا صدقهم في محبة أوطانهم واتفاق كلمتهم على الرغبة في إنقاذها؟ هل علموا من عدل ~~الإنجليز أنهم يؤاخذون الناس على إبداء آرائهم إذا دعوا إلى المشورة؟ إن كان هذا ~~فما يبتغون من الحياة؟ هل ظنوا أن الإنجليز إذا أحسوا باتفاق في الآراء على مصلحة من ms215 ~~مصالح البلاد وإن كانت في خروجهم من مصر يستطيعون تحت أعين أوروبا أن يوصلوا ضررا إلى ~~المتفقين وهم أمراء البلاد وأعيانها؟ # إن رياض باشا وحده لم يخش من إظهار فكره، فماذا كان يضر الأمراء الوطنيين لو ~~عززوه أو كاتفوه على مثل رأيه؟ قد علم العقلاء من كل أمة أن أشباه هذه ~~الحوادث تكون سببا في اجتماع الكلمة واتحاد الرأي على مصادمتها وما نراه اليوم من ~~سعادة الأمم العظيمة، إنما كان منشؤه ملمات الشقاء التي أنستهم الضغائن ~~والأحقاد وحملتهم على ترك المنافرات الخصوصية، وأخذ كل بيد أخيه لدفع ما يخشى منه على ~~بناء الأمة أن ينصدع وأساس الملة أن ينقلع، وما سمعنا من أمة اتفقت فخابت ولا ملة ~~افترقت فنجحت. # ألا يعلم أمراؤنا أن أوروبا واقفة بالمرصاد لإنجلترا، تترقب لها الزلل وتتمنى لها ~~الغلط، وأن جميع الأسماع في الممالك الأوروبية مصغية لكلمة يتفق عليها وجهاء ~~المصريين وهي: إنا قادرون على إصلاح شئوننا ولا نريد قوة أجنبية تحل في ديارنا. # امتدت أعناق السياسيين في أوروبا وانحنت إلى المصريين ليسمعوا منهم كلمة حتى ~~كلت رقابهم والتوت أعصابهم والمصريون يشحون بها عليهم، ماذا ينتظر الأمراء ~~المصريين في قول الحق؟ إن الأمم لا تطلب منهم إشهار السلاح ولا بذل الأرواح، ولكن تطلب ~~منهم قولا صريحا لا يجلب إليهم ضررا ولا يقرب منهم خطرا، لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # | الفصل السابع والأربعون # السودان # قدمنا في العدد الماضي أن مدينة بربر في حالة يخشى عليها من السقوط في أيدي ~~الثائرين، وجاءت أخبار هذا الأسبوع أن حاكم المدينة، بعد إلحاح طويل على الحكومة ~~المصرية في إرسال نجدة عسكرية إليه، لم يحز طلبه قبولا، فإن الوزارة الإنجليزية لم تر ~~ذلك صوابا، وبناء على ما رأته الحكومة الإنجليزية صدرت الأوامر إلى الحاكم «حسن ~~باشا خليفة» أن يخلي المدينة بما يمكنه من السرعة، فشرع في إخلائها متقهقرا بالحامية ~~جهة الشمال إلى كوروسكو وبعث بفرقة من عساكره عددها مائة وخمسون جنديا لتسبقه إلى حيث ~~ينتهي في رجعته، وبعد أيام يرسل ما ms216 بقي منها طبق الأوامر التي وردت إليه، وفي الظن أن ~~إخلاء المدينة لا يتم بدون كفاح وقتال وسفك دماء، ومع هذا كله فمن أمل الحاكم أن يتم له ~~إنقاذ الحامية جميعها وإرسالها إلى كوروسكو قبل وصول رسل محمد أحمد، تحقق أن أربع فرق ~~من العساكر الاحتياطية «باشبزوق» مع خمسمائة عسكري مصري (كلهم من حامية بربر) انحازوا ~~إلى أشياع محمد أحمد، ويخشى أن الثائرين بعد استيلائهم على بربر يحاصرون جملة مدن في ~~وقت قريب. # قالت جريدة التايمس الإنجليزية: ثارت جميع القبائل وأهالي البلاد فيما وراء بربر، ~~ولا يمكن أن يوجد رسل يجرءون على المسير إلى الخرطوم لتوصيل المراسلات، وإن عرض عليهم ~~من النقود أعلى ما يمكن من المبالغ، وقالت تلك الجريدة: إن الأخبار الأخيرة الواردة من ~~مصر تؤكد لنا أن قلوب الأهالي (المصريين) طافحة من الغيظ والحنق على الإنجليز، ~~وإنه لا يوجد في مصر من يحب أن يرى إنجليزيا يخطو في بلاده (هذا الذي قلناه مرارا، ~~فالحمد لله أقره الخصم وارتفع النزاع)، ثم أتبعت كلامها هذا بأنه لا يوجد في مصر الآن ~~شيء يصح أن يخبر عنه سوى (اختلال واضطراب)، فما عليه مصر اليوم يمكن أن تعبر عنه ~~بهاتين اللفظتين، وإن المخابرات مع الخرطوم أصبحت من قبيل المستحيلات، ثم قالت: نعم، ~~إن الحكومة الإنجليزية صرحت بأنه لا يمكنها إرسال عساكر إلى السودان قبل مضي ~~أربعة أشهر، ولكن عليها أن تنظر في واسطة أخرى لإزالة ما جلبته على مصر من ~~الفوضى. # أنجح الوسائط ترك البلاد لأهلها وتفويض الأمر فيها لصاحب الحق القانوني على تلك ~~البلاد ومن له المنزلة العليا في قلوب جميع الأهالي، فتسكن له القلوب وتخمد نيران ~~الفتن، ولعل التايمس بعد أيام قلائل ترجع إلى موافقتنا على تأكيد بغض المصريين ~~للإنجليز، وقد تنكره علينا من خمسة وعشرين يوما وتبالغ في ميل الأهالي لسيادة ~~الإنجليز عليهم. # ذكرت الجرائد أن جاسوسا وقف على عزيمة عثمان دجمة في جهة سواكن، فجاء وأخبر بأنه ~~مستعد أن يزحف بألفي مقاتل إلى هندوب لقطع الطريق، وأنه بعد ms217 ذلك لا يقف دون الهجوم ~~على حدود سواكن بشدة عنيفة. # جاء في جريدة التان أن دخول الثائرين في مدينة بربر وإن لم يتحقق الآن بطريقة ~~رسمية، إلا أن ما أخبر به وكيل إنجلترا السياسي في تلك المدينة يقطع كل ريب ويزيل ~~كل شك في أن الخطر نازل بها لا محالة، فإن قسما من حاميتها فر لطلب النجاة، ~~والباقين انضموا إلى صفوف الثائرين جهرة، وإنا نرى حلول أشياع محمد أحمد بمدينة بربر ~~يهيئ لهم أن يطئوا قلب مصر العليا، وليتهم يكتفون بهذا، ولكن ستطمح أنظارهم إلى مصر ~~السفلى، وإن ضباط الحامية المصرية في أسوان وردت إليهم مكاتيب من أحد زعماء الثورة ~~بناء على أمر محمد أحمد، ينذرهم فيها بسوء العاقبة، ويتوعدهم بالقتل والذبح إن لم ~~يتركوا المدينة قبل عشرة أيام، ثم قالت تلك الجريدة: إذا اجتمعت قوة محمد أحمد عند ~~الشلال الأول فلا بد حينئذ أن ينظر في كيفية الدفاع عن القاهرة! # هذا الذي كنا نتوقعه ونخشاه من قبل وأشرنا إليه مرارا، جلته الحوادث ونطقت به ~~الجرائد الفرنسية والإنجليزية، ولم يبق إلا التفات تلك الجرائد إلى دواء هذه العلة ~~وعلاج هذا الداء الذي كاد يكون عضالا، وتنبه حكوماتها للنظر في ذلك بعين الدقة ~~والتبصر، وترشيدها إلى أن العلاج الذي ليس وراءه علاج إنما هو تسليم الأمر لذوي ~~الحق فيه والعارفين بطرق تصريفه من المسلمين، وستراها بعد أيام تتبع هذا السبيل ~~المستقيم. # | الفصل الثامن والأربعون # فرصة سانحة # دخل الإنجليز مصر فزعموا أن ما كان موجودا من الجند الأهلي نفخت فيه روح العصيان ~~فلا يصلح للأعمال العسكرية فطردوه، ثم اختاروا من الأهالي جندا جديدا في عدد قليل ~~واستلم الرئاسة عليه ضباطهم البارعون، وبعد أشهر أثنوا عليه بحسن النظام وسرعة ~~النجاح وطنطنت بالإطراء عليه جرائدهم، ولم نلبث بعد هذا أن رأيناهم يسارعون إلى طرد ~~الجند الجديد، فهموا بذلك مرارا مع العزم على عدم استبداله بآخر من أبناء الوطن، وكلما ~~صدتهم بعض الموانع السياسية عن هممهم، كتموا أمرهم زمنا ثم عادوا للإشارة إليه ~~تعللا بما ms218 ينسبونه إلى بعض العساكر وهو من دسائسهم، وآخر الأمر خفتت أصواتهم ~~وأحسوا بعجزهم عن الاستبداد بطرد الحامية الوطنية وعلموا أن لا بد فيه من مشورة ~~الدول. # في هذه الأيام رغبوا إلى الدول في عقد مؤتمر للنظر في قانون التصفية وتحويره ووضع ~~نظام للمالية المصرية يخفف عنها بعض أثقالها، فصرحوا في لائحتهم المرسلة إلى ~~حكومات أوروبا بضرورة طرد الجند الوطني رعاية للاقتصاد وبلزوم تخفيض فائدة الديون ~~المصرية. # إن الإنجليز من ست سنوات جعلوا بعض الضيق في المالية المصرية ذريعة للانقلاب العظيم ~~الذي حصل في مصر، وألزموا الدولة العثمانية بمجاراتهم في ذاك الانقلاب، ودافعوا عن ~~الدائنين، وزعموا من المحال تنقيص شيء من الفوائد، وطلبوا من الحكومة المصرية إذ ذاك ~~تقليل عدد حاميتها ليتوفر من النقود ما يصرف لحقوق الدائنين، واليوم عطفوا على المصريين ~~(عطفة الأب الرحيم) وبسطوا أيديهم إلى الدول يلتمسون مساعدتها لتخفيف الفائدة مع محو ~~حاميتهم الوطنية، أليست البلاد المصرية كسائر بلاد العالم تحتاج إلى حامية تحفظ حدودها ~~من الخارج وتصون داخلها من الغوائل التي لا يأمن طروقها حكومة من الحكومات، إن في تلك ~~القسوة الأولى والمرحمة الثانية لسرا عظيما. # للإنجليز في مصر مطامع من زمن قديم يعدون سلطتهم عليها من ضروريات شوكتهم في الهند، ~~وفي خلدهم أن المصريين لو كانت لهم ثروة مالية وقوة عسكرية عظيمة فإنهم يمانعون فيما ~~يريدون ببلادهم، فضيقوا على المالية في تلك الأوقات وألجئوا الحكومة لتمزيق قوتها ~~العسكرية ليحصل الضعف في القوتين المالية والجندية، فتمد لهم طريق ما طمحوا ~~إليه. # وكان هذا التدبير سببا في الانقلاب الذي تبعته هذه الحوادث الهائلة، وبعدما فتح لهم ~~بضعف الحكومة سبيل المداخلة في مصر طفقوا يسعون بما جبلوا عليه من الهوينى في ~~المضي إلى مقاصدهم لإيجاد عنوان غير التملك يعنون به إقامة عساكرهم ومأموريهم في ~~تلك البلاد زمنا طويلا، ويكون وضع ذلك العنوان برأي الدول تملصا من الوعد الذي ~~وعدوها به، مع ترقب حوادث السياسة في أوروبا لعل حادثة منها تساعدهم على إبدال ~~العنوان بما هو المطلوب لهم، ورأوا من ms219 أحسن الوسائل لدعوة الدول إليهم عرض المسألة ~~المالية. # ولما كان من المحتوم في آرائهم بقاء عساكرهم في الديار المصرية، فلا بد من طلب ~~وسيلة لطرد الجند المصري حتى تكون الحاجة إلى عساكرهم قائمة، هذه طريقة ربما خفيت ~~على المصرين وغفل عنها كثير من الأوروبيين إلا أنها من الطرق المتعارفة عند ~~الإنجليز، وهي التي سلكوها في البلاد الهندية ونالوا بسلوكها السلطة المطلقة على تلك ~~الأقطار الواسعة بدون سفك دماء غزيرة ولا مقاومة فتن شديدة. # دمر الإنجليز (دخلوا بلا استئذان) على الهنديين في أراضيهم وانبثوا بينهم، فتمكنوا ~~من تفريق كلمة الأمراء وإغراء كل نواب أوراجا بالاستقلال والانفصال عن السلطنة ~~التيمورية، فتمزقت المملكة إلى ممالك صغيرة، ثم أغروا كل أمير بآخر يطلب قهره والتغلب ~~على ملكه فصارت الأراضي الهندية الواسعة ميادين للقتال، واضطر كل نواب أوراجا إلى المال ~~والجنود ليدافع بها عن حقه أو يتغلب بها على عدوه. # فعند ذلك تقدم الإنجليز بسعة الصدر وانبساط النفس ومدوا أيديهم لمساعدة كل من ~~المتنازعين وبسطوا لهم إحدى الراحتين ببدر الذهب وقبضوا بالأخرى على سيف الغلب، بدأوا ~~قبل كل عمل بتنفير أولئك الملوك الصغار من عساكرهم الأهلية ورموها بالضعف والجبن ~~والخيانة والاحتلال، ثم أخذوا في تعظيم شأن جيوشهم الإنجليزية وقوادها وما هم عليه من ~~القوة والبسالة والنظام، حتى اقتنع كل نواب أوراجا بأن لا ناصر له على مغالبه إلا ~~بالجنود الإنجليزية، فأقبل الإنجليز على أولئك السذج يضمنون لكل صيانة ملكه وفوزه ~~بالتغلب على عيره بجنود منتظمة تحت قيادة قواد من الإنجليز، ويكون بعض الجنود من ~~الهنديين وبعضها من البريطانيين، وما على الحاكم إلا أن يؤدي نفقتها، ثم خلبوا عقول ~~أولئك الأمراء بدهائهم وبهرجة وعودهم ولين مقالهم، حتى أرضوهم بأن يكون على القرب ~~من عاصمة كل حاكم فرقة من العساكر؛ لتدفع شر بعضهم عن بعض، وصار الإنجليز بذلك أولياء ~~المتباغضين، وسموا كل فرقة من تلك الجنود باسم يلائم مشرب الحكومة التي أعدوها للحماية ~~عنها: ففرقة سموها «عمرية»، وأخرى سموها «جعفرية»، وغيرها سموها «كشتية»، إرضاء لأهل ~~السنة والشيعة ms220 والوثنيين. # ولما فرغت خزائن الحكام وقصرت بهم الثروة عن أداء النفقات العسكرية؛ فتح الإنجليز ~~خزائنهم وتساهلوا مع أولئك الحكام في القرض وأظهروا غاية السماحة، فبعضهم يقرضون بفائدة ~~قليلة وبعضهم بدون فائدة وينتظرون به الميسرة، حتى ظن كل أمير أن الله قد أمده ~~بأعوان من السماء ، وبعد مضي زمان كانوا يومئون إلى طلب ديونهم بغاية الرفق ~~ويشيرون إلى المطالبة بنفقات العساكر مع نهاية اللطف، فإذا عجز الأمير عن الأداء ~~قالوا: إنا نعلم أن وفاء الديون والقيام بنفقات الجنود يصعب عليكم، ونحن ننصحكم أن ~~تفوضوا إلينا العمل في قطعة كذا من الأرض نستغلها ونستوفي منها ديوننا وننفق من ~~غلاتها على الجيوش التي أقمناها لكم، ثم الأرض أرضكم نردها إليكم عند الاستيفاء ~~والاستغناء، وإنما نحن خادمون لكم، فيضعون أيديهم على غضروات # 1 # الأراضي وفيحائها. # وفي أثناء استغلالها يؤسسون بها قلاعا حصينة وحصونا منيعة كما يفعلون ذلك في ثكن ~~(أماكن إقامة العساكر) عساكرهم على أبواب العواصم الهندية، وفي خلال هذا يفتحون للأمراء ~~أبوابا من الإسراف والتبذير ويقرضونهم ويقتضون قرضهم بالقيام على أراض أخرى يضمونها ~~إلى الأولى، ثم يحضون نار العداوة بين الحكام لتنشب بينهم حروب فيتداخلون في أمر الصلح ~~فيجبرون أحد المتحاربين على التنازل للآخر عن جزء من أملاكه ليتنازل لهم الثاني عن ~~قطعة من أراضيه، وهم في جميع أعمالهم موسومون بالخادم الصادق والناصح الأمين لكل من ~~المتغالبين. # وبعد هذا فلهم شئون لا يهملونها في إيقاع الشقاق بين سائر الأهالي؛ لتضعف قوة ~~الوحدة الداخلية ويخرب بعضهم بيوت بعض، حتى إذا بلغ السير نهايته واضمحلت جميع ~~القوى من الحاكم والمحكوم وغلبت الأيدي فلا يستطيع أحد حراكا؛ ساقوا الحاكم إلى ~~المجزرة بسيوف تلك العساكر التي كانت حامية له واقية لبلاده، وكانت تشحذ لجز عنقه من ~~سنين طويلة وينفق على صقالها من ماله ثم خلفوه على ملكه. # وكانوا يميلون بقوتهم إلى أحد أعضاء العائلة المالكة ليطلب الملك فيخلعون المالك ~~ويولون الطالب على شريطة أن يقطعهم أرضا أو يمنحهم امتيازا، فيحولون الملك من الأب ~~للابن ومن الأخ لأخيه ms221 ومن العم لابن أخيه، وفي الكل هم الرابحون. هذا سيرهم في الهند ~~وهو على بعد من مراقبة أوروبا، ما فاجئوا أحدا بحرب وما اختطفوا ملكا بقوة مغالبة، بل ~~ما أعلنوا سيادتهم على مملكة صغيرة ولا كبيرة إلا بعدما أيقنوا أن لا قوة لحاكمها ولا ~~أهليها ولا بما تطرف به أجفانهم. # أولئك الإنجليز باقعة # 2 # العالم وأحبال الحيل، يريدون اليوم طرد العساكر المصرية وأرض مصر لا ~~تحرسها الملائكة فلا تستغني عن حامية، فإن تم ما أرادوا زينوا لبعض ذوي السلطة في ~~مصر أن يطلب منهم جندا إنجليزيا يكون خادما له وحافظا لملكه، فإن لم يقبل داروا ~~بحيلتهم تحت أستار التمويه على كل من له حق في الولاية على تلك البلاد يعرضونها ~~عليه، حتى يعثروا بمن يقبل نصحهم أو غشهم ذهولا عن حقيقة القصد، فيقيمونه حاكما ~~خلفا لمن لم تسمح ذمته بالقبول، وتكون رغبة المغرور حجة لهم عند أوروبا، هذا سر ~~انقلاب الإنجليز على الجند الوطني وقدحهم في سيرتهم بعد الثناء على حسن استعداده، ~~وسعيهم إلى طرده بالأدلة الواهية والعلل الواهنة. # أما المؤتمر فالداعي إليه أن العدوان في هذه الأزمان لا يأتيه المعتدون كما كان في ~~الأحقاب الخالية مشوه الوجه منكر الصورة يعرفه الذكي والغبي، بل من أراد عدوانا فلا ~~بد أن يحفه بمواكب من الأدلة وحفال (جمع) من البراهين، وهو ما يعبرون عنه بالحقوق ~~والمصالح. وما أصعب الوقوف على كنه العدوان وهو في هذه الحيلة وتلك الهيئة ~~الجميلة. # يريد الإنجليز عقد المؤتمر ويرغبون قصر المداولة فيه على المسألة المالية ليضمنوا ~~ديون القطر المصري ويكفلوا للدائنين أداء حقوقهم ويأخذوا على أنفسهم عهدة الإنفاق على ~~الإدارات المصرية مدة من الزمان، لترخص لهم الدول الإقامة في وادي النيل إلى أمد، فيكون ~~تفويض الدول حجة لهم في التصرف وإدارة شئون الحكومة المصرية ما دام السلم مظلا بلاد ~~أوروبا، فإذا حدث حادث حرب في الدول الأوروبية - وما هو ببعيد الوقوع - تربعوا في تلك ~~البلاد وأناخوا بكلاكلهم وضربوا بجرانهم على أراضيها وألقوا عصاهم، هذا سر شفقة ~~الإنجليز ms222 على المصريين وهو سر رغبتهم في وقوف المؤتمر عند شئون المالية. # هذه المصيبة العظمى والداهية الدهماء التي تتحفز لتنقض على المصريين، هل تمس ~~بحفيفها جانب ألمانيا؟ كلا؛ فإن منافع ألمانيا الحقيقية لا تعلق لها بالمسائل المصرية ~~وهي في الشغل بما هو أهم منها، وليست دولة أستراليا بأقرب المصائب المصرية من ألمانيا، ~~على أن كلا من الدولتين ليس في استطاعتهما تأييد فكرها بالعمل، لو مست الحوادث ~~المصرية شيئا من مصالحها؛ فإن مواقع الدولتين لا تساعدهما على الإضرار بدولة الإنجليز، ~~أما إيطاليا فهي ساكنة الجأش بما تؤمل نواله في إفريقيا بمساعدة إنجلترا، نعم، لهذا ~~السيل الجارف تدفق على بيت محمد علي باشا، فيخشى على أركان ذلك البيت لو لم يتدارك ~~أمره! # أما الدولة العثمانية، فلو حولنا النظر عن حقوقها الثابتة في الأراضي المصرية من وجوه ~~كثيرة، فليس يخفى علينا أن الولاية على تلك الأراضي هي الركن الأعظم للسلطة العثمانية ~~في سوريا، وقسم عظيم مما يتصل بها من آسيا الصغرى وفي الحجاز واليمن، فمن المفروض على ~~العثمانيين أن يبذلوا وسعهم لصيانة مصر؛ دفاعا عن حقوقهم المقررة وحفظا لشوكتهم في ~~معظم ممالكهم، ولا يسوغ لهم شرائع الملك أن يفرطوا في المسألة المصرية لا في جزئي ~~منها ولا كلي، فإن مصر عقدة تتصل بها أطراف السلطنة العثمانية، فإذا انحلت، فقد انحلت ~~- والعياذ بالله - سائر العقد. # ليس لعثماني أن يتوسد وسادة السيادة البسماركية الناعمة؛ فإن الحاجات الطبيعية ~~والدواعي الجوهرية هي الحاكمة على الأمم، ولا اعتبار في السياسة بالأطوار العارضة، ~~ربما يهم بسمارك أن يشتري بمصلحة العثمانيين وداد الإنجليز لتأييد سياسته وترك فرنسا ~~منفردة بلا حليف، وله أن يلقي بمصلحة العثمانيين في أيدي الروس إذا مست الحاجة ليدفع ~~عن نفسه شرا يتوقعه، وليس لبسمارك أدنى غاية في الاتصال بالعثمانيين إلا بهذا المقدار ~~يفدي بهم منفعة من منافعه، ومن نظر إلى أحوال الأمم بما تقتضيه طبائعها؛ حكم بذلك ~~حكما قاطعا. # نعم، من الدول دولة فرنسا كانت لها مزايا في أرض مصر أشرفت على الزوال وليس ~~بالسهل علينا ضياعها، ms223 ولها أملاك واسعة فيما وراء البحر الأحمر ولا تصان سلطتها ~~على تلك الأملاك إذا نشبت أظافر الإنجليز في أحشاء مصر بأي اسم كان وتحت أي عنوان؛ ~~فأصول السياسة الفرنسية لا تسمح للفرنسيين بالتساهل في المسائل المصرية. # ودولة الروس تسابق دولة إنجلترا في النصر والغيب بشرقي آسيا، وتنافس الألمان في ~~القوة بأوروبا، ولها مع ألمانيا مزاحمات خفية ثابتة في عناصر الأمتين لا يزيلها هذا ~~التآلف الظاهري؛ فقد يكون من أحكام سياستها الانضمام إلى دولة فرنسا لمضايقة إنجلترا ~~في البلاد المصرية، بل النظر في طبيعة حال الأمتين يقضي بلزوم اتحادهما في المشكلات ~~الأوروبية أيضا، وربما تكون هذه المسألة بداية الارتباط بين هاتين الدولتين. # ولعل هذه الفرصة لا تفوت العثمانيين ولا تحجبهم الحوادث الماضية عن إدراك هذه النكتة، ~~وهي أن الروسيين هم أشد الناس حاجة إلى الاتحاد مع الدولة العثمانية في هذه ~~الأوقات؛ لما فتح لهم من أبواب للغنم في آسيا، ويرون الإلف مع العثمانيين أعظم عضدا ~~لهم في نيل مطامحهم بتلك الأقطار، بما للسلطان من المنزلة العليا في قلوب مسلميها، ولا ~~تأخذ العثمانيين رجفة من إرعاد الإنجليز وإبراقهم؛ فليس لهم سلاح يشهرونه على الدولة ~~العثمانية سوى الترهيب، ومن المحال أن يفاتحوها بحرب وإلا تقلصت سلطتهم عن البلاد ~~الشرقية بأسرها، فإذا ثبتت الدولة في مطالبها واشتدت في إرجاع حقوقها لجأ الإنجليز ~~للخضوع والاستكانة إليها، وهذا من البديهيات الجلية عند كل من وقف على أحوال الإنجليز ~~في الهند وعلى مكانة السلطان العثماني في قلوب الهنديين عموما، والحكم لله يفعل ما ~~يشاء. # | الفصل التاسع الأربعون # العروة الوثقى # لا يظن أحد من الناس أن جريدتنا هذه بتخصيصها المسلمين بالذكر أحيانا ومدافعتها ~~عن حقوقهم تقصد الشقاق بينهم وبين ما يجاورهم في أوطانهم ويتفق معهم في مصالح بلادهم ~~ويشاركهم في المنافع من أجيال طويلة؛ فليس هذا من شأننا ولا مما نميل إليه ولا يبيحه ~~ديننا ولا تسمح به شريعتنا، ولكن الغرض تحذير الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا من ~~تطاول الأجانب عليهم والإفساد في بلادهم، وقد نخص المسلمين بالذات؛ لأنهم ms224 العنصر ~~الغالب في الأقطار التي غدر بها الأجانب وأذلوا أهلها أجمعين، واستأثروا بجمع خيراتها، ~~وسنكتب مقالة مفردة في هذا الباب إن شاء الله. # | الفصل الخمسون # إسماعيل باشا # لهج كثير من الجرائد الأوروبية في هذه الأيام بذكر إسماعيل باشا خديو مصر السابق، ~~ومنها جريدة «البال مال جازيت» قالت : إما أن تستولي إنجلترا على مصر أو تسلم الإدارة ~~فيها لإسماعيل باشا، ونقل أحد محرري هذه الجريدة عن مدام نوفيكوف، وهي صديقة ~~شهيرة لمستر جلادستون، أنها قالت له: «إن أحسن وسيلة لتقرير الراحلة في مصر وجعل مصر ~~للمصريين هو إعادة إسماعيل باشا إليها»، وذكرت إحدى جرائد ألمانيا أن كلامها يكاد يكون ~~رسميا. # أما نحن فسنبين رأينا في هذه المسألة ونبدي فكرنا فيما يتعلق منها بالسلطان العثماني ~~والطريقة التي ينبغي أن يسلك فيها، وما يرتبط منها بمصلحة المصريين، وما يجب على ~~إنجلترا أن تأخذ به لو كانت - كما تزعم - تريد التخلص من ورطة المسألة المصرية، ولا ~~نظنها صادقة. # | الفصل الحادي والخمسون # نجد # كتب إلينا أحد أهالي نجد رسالة طويلة، يحكي بها ما فعله قنصل الإنجليز مستر «كورنل ~~بيلي» الذي كان قنصلا لدولته في خليج فارس ومقره ببندرا بوشهر، وما توسل به للمداخلة ~~في بلاد نجد في سنة 1280 أيام كان أمير نجد الأمير فيصل، وقصد برواية هذه الحادثة تنبيه ~~إخوانه المصريين لشدة المشابهة بين تلك الوسائل التي تشبث بها القنصل للتداخل في سواحل ~~البلاد النجدية، وبين ما اتخذه الإنجليز وسيلة للهجوم على أرض مصر، إلا أننا لا نذكرها ~~الآن لقدم عهدها، وسنفرد لها وأمثالها كتابا مخصوصا؛ نفصل فيه ما فعل الإنجليز في ~~البلاد التي حاولوا الاستيلاء عليها ولم يستطيعوا مع استمرارهم في طلب ما يمكنهم من ~~مقاصدهم، ونطبع هذا الكتاب ونوزعه مجانا! # | الفصل الثاني والخمسون # الصحف الهندية # جاءت إلينا الجرائد الهندية فسرنا اعتدال سيرها في خدمة أوطانها، وزادنا سرورا ~~عنايتها بترجمة مقالاتنا المتعلقة بأحوال الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا، ونقلها من ~~اللسان العربي إلى اللسان الهندي، فلله شكرها على ما صنعت، ونخص من بينها جريدة ms225 «أخبار ~~دار السلطنة» التي تطبع في كلكته، وجريدة «مشير قيصر» التي تطبع في لكهنو، وهذا كان ~~أملنا في أرباب تلك الجرائد، وليس بغريب على غيرتهم الدينية والوطنية. # هذا ما كان من مسلمي الهند وهم في قبضة الإنجليز من مدة تزيد على قرن، وإننا نأسف ~~غاية الأسف مما بلغنا عن بعض المصريين من أنهم يمتنعون عن استلام ما يرسل بأسمائهم من ~~أعداد هذه الجريدة خوفا ورهبة، مع أنهم أحق الناس بالإقدام على أمور عظام في هذه ~~الأوقات، فإن الآمال في خلاصهم قوية والوسائل إليه قريبة، فكيف يصل ببعضهم الخوف إلى ~~الامتناع عن استلام جريدة هم أولى بها من غيرهم؛ إذ أهم ما فيها الدفاع ~~عنهم. # | الفصل الثالث والخمسون # صفقة خاسرة # كتب إلينا صديق فاضل من أخلص المؤمنين بالقطر المصري، قال: # إن مأموري الإنجليز الآخذين بزمام بعض الوظائف المصرية لا يزالون يسعون في تغرير ~~الأهالي والتحيل عليهم ودس الدسائس بينهم بطرق مختلفة من الترغيب والترهيب، كل ~~ذلك ليرضوهم بطلب الحماية الإنجليزية، إلا أن أولئك الأبالسة لا يلاقون في سعيهم إلا ~~خيبة؛ لأن العلماء وأعيان البلاد قد أحاطوا بغايات الإنجليز ومقاصدهم، وعلموا أنهم لا ~~يقصدون بالبلاد إلا الشر، كما لم ينلها من حلولهم إلا الضر، خصوصا وأن روح الحمية ~~والغيرة الدينية والوطنية صار لها السلطان الأعظم على نفوس أهالي القطر المصري، فاشتدت ~~أنفتهم من تسلط الإنجليز في ديارهم، وقاوموا مطالبهم بعزائم ثابتة وقلوب غير ~~واجفة. # وهذا هو ظننا - بل يقيننا - في أبناء القطر المصري، علمائهم وأمرائهم وحكامهم ~~وأعيانهم وأوساطهم بل وسائر طبقاتهم؛ أن لا تسمح نفس واحد منهم بمجاراة الإنجليز ~~رغبتهم، وأن لا يطمئن قلبه بالدخول تحت سيادتهم، بل ببقاء شخص منهم في بلاده وعلى مرمى ~~نظره، فإن وجد بينهم شخص يتخذ إلهه هواه ويميل مع الباطل فهو ممن يعرف المصريون سيرته ~~في إفناء ليله وأطراف نهاره فلا يثقون به، ومما أخبر به الصادق أن كليفور لويد يجتهد ~~لتسليم رئاسات البلاد إلى أناس من طبقة يتوهم فيها سقوط الهمة وسخافة الرأي؛ ليتمكن ~~بهم ms226 من إجراء بعض مقاصده، لكن لم يتسن له نجاح، ولئن نجح في تحويل الرئاسات من نصابها ~~فلا يلاقي ممن يسلمونها إلا مثل ما لاقى من غيرهم، فإن الجميع مصريون يفضلون ظلم أبناء ~~وطنهم على عدل الأجنبي، فكيف لو كان الأجنبي لا يقاس بظلمه ظلم. # ثم قال صديقنا الفاضل : «زاد الويل أضعافا على الأهالي بالمجالس المحلية؛ فإن ~~الإنجليز لم يراعوا في تشكيلها مصلحة الرعية، وإنما وضعوا في جوهرها ما يضيق عليها سبل ~~المعاملة إخمادا لنفوسها لينالوا حظهم من السيادة عليها ولم يعلموا أن بخس الحقوق من ~~أشد موجبات العقوق، وفي الأمثال العربية: «زر كلبك للطاق يأكلك» أي ضيق عليه، أما ~~الفلاحون فأحوالهم سيئة، ضيق وضنك وفقر وإعدام مما يفتت الأكباد ويذيب القلوب ~~ويفطر الجماد.» # الحكومة مضطرة لطلب الأموال وملجأة إلى تكليف الفلاحين بدفع ما عليهم، والأجانب ~~قائمون على اقتضاء ديونهم منهم، والكساد ورخص أسعار الحبوب وثمرات الزراعة لم يجعل في ~~المحصولات وفاء بضرورات المعيشة فضلا عن أداء المطلوبات، فكيلة القمح بستة قروش والذرة ~~بأربعة، وعلى هذا يقاس، ومن ثم تسمع كل يوم تنعاب أغربة الدلالين في فناء ديوان ~~الحقانية على خراب بيوت الفلاحين، هذا ينادي على بيع أراضيه بأسرها وهذا ينعق عليه ~~بمبيع بعضها، والآخر بالحجر على أملاكه، والحكومة لا تني في طلب ضرائبها قبل أوان ~~المحصولات. # أما أحوال المدن فليس بأسعد من أحوال الأرياف، خصوصا من تعديات الأجانب على سكانها، ~~فالمنازعات والمخاصمات بين الأجانب والوطنيين يقضى فيها على الوطني بالتغريم والجزاء ~~ولا يؤخذ على الأجنبي في شيء، وإن كان هو المعتدي! وإن سأل الوطني: أين خصمي؟ فيقال له: ~~إنه يحاكم في محل آخر مع أنه لم يذهب إلى مقام المحاكمة رأسا واكتفي في فصل الدعوى ~~بأحد الخصمين، وهو طرز من الحكم جديد. هذا بعض آثار العدالة الإنجليزية. # وجاء في خبر صديقنا هذا رواية كثير من المظالم التي أصيب بها أهل القرى من جراء ~~التداخل الإنجليزي في إدارات الحكومة، ضربنا عن ذكرها؛ رعاية لجانب الاختصار بعد ~~وضوحها عند أولي الأمر من ms227 المصريين، أما الأمن فلم يبق له أثر، وأما النظام قد انقض ~~بناؤه واقتلع أساسه واختزن الإنجليز أنقاضه في خزائن الآثار القديمة، فقويت عصابات ~~اللصوص وجاهروا بالنهب والسلب، وهذا خبر تؤكده روايات الجرائد الوطنية المصرية عربية ~~وإفرنجية؛ فإن جميعها يشتكي الملل والسآمة من رواية أخبار السوء كل يوم. # إلا أن من غريب الوقائع هجوم لفيف من السارقين على قرية نشرت ونواحيها من مديرية ~~الغربية وقتلهم واحدا وأربعين رجلا؛ فإن خبر هذه الواقعة - إن صح - كان دليلا على ~~بلوغ الاختلال إلى درجة فوق ما كنا نتصور - نسأل الله السلامة، كما نسأله إبدال عسر ~~المصريين باليسر، وهو على كل شيء قدير. # | الفصل الرابع والخمسون # أخبار سياسية # قبلت الحكومة الفرنسية أن تدخل في المؤتمر لكن على شرط أن لا تذهب إليه ~~مغلولة اليدين غضيضة الطرفين، وأن لا بد قبل ذهابها إليه من مخابرة بينها وبين ~~إنجلترا فيما يلزم أن يكون موضوع البحث في ذلك المؤتمر، وقد أجمع السياسيون في ~~فرنسا على ضرورة امتداد البحث إلى ما وراء المالية من إدارة البلاد المصرية ~~وإقرار الراحة فيها. # الجرائد الإنجليزية تظهر خوفها من تشديد فرنسا وتستنجد أوروبا وترى أن ~~تدخل الدول جميعها في مصر وإقامة مراقبة دولية لحكومتها لا تمتاز فيها دولة من ~~دولة؛ خير من مداخلة فرنسا وحدها مع إنجلترا، وإن عارضت ذلك جريدة التايمس ~~وحدها، وفي بعض الجرائد الروسية أن إنجلترا لا يمكنها أن تضع حمايتها على مصر ~~لظهور عجزها عن إدارة البلاد بعد احتلالها سنتين وهي مطلقة التصرف لا مزاحم ~~لها، وبعد العجز لجأت إلى دول أوروبا، أما دولة فرنسا فلا يهمها إعادة ~~المراقبة المشتركة بين الدولتين، ولكن يهمها أن لا تخص إنجلترا بالامتياز في ~~مصر. # ذكرت كثير من الجرائد الألمانية نقلا عن مصدر يوثق به أن الباب العالي لم ~~يقبل الاشتراك في المؤتمر إلا على شرط أن تكون المداولة فيه غير واقفة عند حد ~~المالية، بل من اللازم أن يكون موضوع نظره لائحة جرانفيل المرسلة إلى الدول في ~~يناير سنة 1883 (عندما كان ms228 دوفرين في القاهرة). # وعلى هذا فالدولة العثمانية تطلب النظر في المسألة المصرية بجميع فروعها ~~لاتصال بعض أجزائها ببعض، وفي جريدة التان أن الباب العالي بعد مخابرة الدول ~~والاتفاق معها، خصوصا دولة فرنسا، أرسل تلغرافا إلى موزوروس باشا السفير ~~العثماني في لندن بأنه مستعد لقبول المؤتمر على شرط أن يكون بحثه في ~~الشئون المالية والسياسية والإدارية. # في جريدة «جازيت ناسيونال» الألمانية أن سير فرنسا في المسألة المصرية موافق لسير ~~جميع الدول لا سيما ألمانيا، وقالت: إن إنجلترا أصبحت منفردة وهذا مما لا يسر ~~ألمانيا. # استفيد من خطاب المستر جلادستون في مجلس البرلمان أن لنواب الدول عند اجتماعهم أن ~~يبحثوا فيما سوى المسألة المالية إن أرادت الدول ذلك، وإن كان هذا يناقض ما صرح به ~~جرانفيل في جلسة أخرى، ولما سئل جرانفيل عن هذا التناقض أعرض عن الجواب وقال: إن ~~الحكومة مستعدة لإنقاذ جوردون (هذا مما يضحك)! # أخبار السودان تشعر بالشدة؛ فقد أخبر الحاكم في دنقلا أن رسلا بعثوا إلى الخرطوم ~~فعادوا ولم يتمكنوا من الوصول، وقالوا: إن الثائرين محدقون بجوردون من جميع الجهات، ~~في برقية من القاهرة إن الثائرين مجتمعون في عيون أبي سعيد على قرب من أسوان وإن ~~زعماء جيش محمد أحمد طلبوا من حامية دنقلا أن تسلم بعد ثلاثة أيام وإلا فتكوا ~~بهم. # جرت مشاجرة بين بعض العساكر الإنجليزية وبين العربان النازلين على شواطئ بحيرة ~~مريوط، وقتل فيها عدة أشخاص. # الأخبار متواترة بأن عثمان دجمة يحاول الهجوم على سواكن، وينازل بعض القبائل التي ~~لم تذعن لدعوة محمد أحمد على القرب من طمانيب. # المستر جلادستون وعد بأن يرسل جيشا إلى السودان، لكن لا بد من مراعاة الفصول ~~والأهوية، ثم أظهر تجافيه عن حرب السودانيين الذين يدافعون عن حريتهم وبلادهم. # | الفصل الخامس والخمسون # المسألة المصرية دولية # إنا أنذرنا الإنجليز خطرا قريبا على الهند، ونبهنا في أول عدد صدر من جريدتنا ~~على أن تفيؤ التركمان في مرو لظل الحكومة الروسية باختيارهم ربما يحمل تركمان سرخس ~~على الاقتداء بهم، وأشرنا إلى ما يتبع ms229 ذلك مما عاقبته نكال على الإنجليز، واليوم ~~وقع ما توقعناه، فاستولت روسيا على سرخس وتاخمت بحدودها حكومة الأفغان، وارتعدت ~~فرائص الإنجليز وغشيهم الفزع والقلق، وأعولت جرائدهم نحيبا ورددت نشيجا وأحست بقرب ~~الأجل، ولم يسكن روعهم ما ذكرته جريدة بترسبرج الشبيهة بالرسمية من أن سرخس اسم ~~يشترك بين مدينتين، قديمة وحديثة، وإنما دخل في حوزة الروس أولاهما؛ فإن الإنجليز ~~يعلمون أن المدينتين متصلتان لا يفصلهما إلا ترعة صغيرة «نهر تجند» عرضها عشرة أذرع ~~بالتقريب. # على أن سرخس التي حكم مهندسو حرب الإنجليز أنها باب الهند من طرف الشمال، وأنها ~~ممر فاتحيه من زمان قديم ومن طريقها طرق الهند إسكندر الأكبر ونادر شاه الإيراني، ~~وأن وصول الروس إليها مما يخرق سياج الهند؛ إنما هي سرخس القديمة. # ومما زاد الإنجليز فزعا واضطرابا أن التركمان النازلين بتلك المدينة وما يليها هم ~~الذين عرضوا أنفسهم على حكومة الروس طوعا واختيارا، وبعثوا وفدا منهم؛ لينوب عنهم ~~في عرض خضوعهم على البرنس دوندكوف حاكم ما وراء بحر الخزر من الولايات الروسية، ووصل ~~الوفد إلى عشقاباد وأقام بها ينتظر قدوم البرنس إليها. # وقع الإنجليز الآن بين شرين عظيمين: خطر عاجل وحتف آجل، أما الثاني، فهو أن ~~روسيا إما أن تتحد مع الأفغانيين وتحالفهم على مطاردة الإنجليز، وهو الأقرب المتوقع، ~~فتصير معهم يدا واحدة على هدم أركان الحكومة الهندية الإنجليزية، وليس بخاف ما ~~يضمره كل أفغاني لكل إنجليزي من الحقد والضغينة، والأفغانيون قوم حرب يناطحون الموت ~~بنواصيهم، فكيف إن وجدوا مساعدا قويا؟ # وإما أن تميل حكومة الأفغان إلى الإنجليز، وهو من فرض المحال، فما أسرع أن تنتشب ~~مقاتلات بين القبائل المختلفة ممن تحت حكومة الأفغان، مثل جمشيدي وفيروز كوهي وبين ~~قبائل التركمان المتاخمين لهم، ويعقبها حرب بين الروس والإنجليز؛ لأن كلا من الدولتين ~~مضطر للمدافعة عن حليفه، بل للروس حق المناضلة عن رعاياها التركمان، فإذا زحف ~~الروس إلى الأراضي الأفغانية تقطعت حبال الإنجليز وامتنعت عليهم وسائل الدفاع، ~~وهذا آخر حياتهم في الهند. # وأما الخطر العاجل فهو أن سماع الهنديين ms230 بخبر استيلاء الروس على سرخس يوقد فيهم ~~نار ثورة عامة، يلتمسون في أضوائها طريقا للخلاص من الضيق والضنك الذي شملهم، وسبيلا ~~للنجاة من الويل الذي جلبته عليهم مظالم الإنجليز. # هذا يكون كما اشتعل لهيب الفتنة سنة 1860 عندما وصل إلى الهنديين خبر استيلاء ناصر ~~الدين شاه الإيراني على هراة، بل انتقاض الهند على الإنجليز في هذه الأيام أقرب؛ فإن ~~خواطر المسلمين من سكانه في هياج شديد بما شاع بينهم من دعوة محمد أحمد السوداني، ~~بل بما يمكن في أهوائهم من الميل إلى تصديقه، وإن لهذه الدعوة حملة على الهند لا ~~يقاومها تدابير دولة بريطانيا. # تريد دولة إنجلترا أن تصد المسلمين عن حج بيت الله الحرام في هذا العام وربما فيما ~~بعده؛ حتى لا تصل أخبار محمد أحمد وتورط الإنجليز في مقاومته إلى مسامع الهنديين، ولكن ~~سيحمل هذه الأخبار إلى تلك الأقطار حجاج الأفغانيين والبلوجيين الذين يسلكون إلى الحج ~~طريق البصرة والكويت، بل يبلغونها على وجه أبلغ مما لو سمعوها بآذانهم. # هذا تأييد إلهي للدولة العثمانية، فعليها أن تنهض بعزيمة صادقة وجأش ثابت وهمة ~~تليق بمكانتها في المغلوب، وعلى السلطان العثماني أن يتذكر أنه خلف لأولئك الأسلاف ~~العظام الذين ما أضاعوا حقا ولا أهملوا فرضا، ويقتضي من الإنجليز حقه ويسترد مصر من ~~أيديهم ويطهرها من جراثيم الفساد، ولا يقنع بما دون الحق ولا يدع لهم فيها شأنا إلا ~~بما يساوون فيه غيرهم من الدول، ولا تفوتن العثمانيين فرصة هذا الارتباك الذي سقط ~~فيه الإنجليز كما فات الإيرانيين الانتفاع بثورة الهند في الأيام الماضية لتأخر خبر ~~الثورة عنهم، وإلا لكانوا أوقعوا بالإنجليز ونالوا الغاية من ضرهم. # على العثمانيين أن يتلافوا الأمر قبل أن يشب الإنجليز حربا صليبية بين الحبش ~~والمسلمين على نفقة الحكومة المصرية، ليس للدولة العثمانية أن تتهاون في مطالبها أو ~~تتحاشى الدفاع عن حقوقها الثابتة، ولا أن تخشى في ذلك تهويل الإنجليز وجلبتهم؛ ~~فإن كثيرا من الدول - على اختلاف مقاصدها السياسية - يوافقونها على تخليص مصر من ~~مخالب الإنجليز كما دلت ms231 عليه منشورات الجرائد ورواياتها عن مقاصد السياسيين من كل ~~دولة. # بل الذي يفهم من جملة مقالاتهم أنه لا توجد دولة من الدول ترضى بأن يكون المؤتمر ~~وسيلة لاستيلاء الإنجليز على مصر أو وضعها تحت حمايتهم، خصوصا دولة فرنسا ودولة ~~الروس، وإليك طرفا من آراء الجرائد وما تنقله عن السياسيين، قال مراسل التايمس في ~~باريس: «إن فرنسا لم تقبل ولن تقبل أن يكون بحث المؤتمر منحصرا في المسائل المالية»، ~~ولقد أصابت فرنسا في عدولها عن طلب المراقبة المشتركة بينها وبين إنجلترا ورغبتها في ~~مراقبة يشترك فيها جميع الدول؛ فإن في ذلك فوائد عظيمة لها ولغيرها ولا أظن أن حكومة ~~إنجلترا وافقت على ما ترغب فرنسا، كما لا أظن أن فرنسا تتساهل فيما تريد، وعلى هذا، ~~فإما أن ينعقد المؤتمر ولا تكون مداولاته مقصورة على مشكلات المالية وإما لا يلتئم ~~أصلا. # ولا أمل لإنجلترا إلا في التستر تحت حيلتها، وهي أن ترغب إلى الدول عقد مؤتمرين ~~متعاقبين، أولهما للمالية وبعده ينعقد الثاني؛ للنظر فيما لم ينظر فيه الأول، وقال ~~مراسل الديلي تلغراف في ويانا: «إن خطاب المستر جلادستون الذي ألقاه في مجلس النواب حرك ~~دول ألمانيا والنمسا وإيطاليا للاتفاق في المسألة المصرية، فصرحت جميعها بأن مصالحها في ~~مصر تقضي عليها العمل في حل هذه المسألة، وليس من سياسة واحدة منها أن تنتظر زمنا ~~طويلا بعد ما مضى من الحوادث مع ما يتوقع نزوله بمصر من النكبات، واستقر رأي الدول ~~الثلاث على المداخلة في وقتها المناسب، وقد انحلت ثقتها في مسلك الوزارة ~~الإنجليزية.» # وورد من فيينا إلى جريدة التان الفرنسية الشبيهة بالرسمية من مكاتبها برقية قال ~~فيها: «إنه اجتمع مع رجال عظام في تلك المدينة واستطلع أفكارهم في المسألة المصرية، ~~فإذا هم متباينون في الرأي، فمن ظن بعضهم أن الواجب على دولة النمسا أن تأخذ جانبا ~~عن هذه المسألة وتوسع المجال لدولة إيطاليا؛ فإنها إن فعلت ذلك أرضت إيطاليا بدون أن ~~يلحق ضرر بمصلحتها ووافقت رغائب ألمانيا، ومن رأي بعضهم أن حكومتهم لا ms232 يسوغ لها التخلي ~~عن رعاية مصالحها في مصر مرضاة لإيطاليا، بل لا يمكنها هذا. وقد أخطأ من يظن أن ليس ~~للنمسا منافع في البلاد المصرية.» # ثم قال الكاتب: «تلاقيت مع رجل سياسي له شهرة بحرية الفكر وإصابة الرأي، فمن كلامه: ~~إن دولة ألمانيا ربما تجعل المسألة المصرية وسيلة لمراضاة الإيطاليين ؛ بأن تعد لهم فيها ~~مقاما رفيعا؛ لأن ألمانيا ليس لها قوة بحرية ولا يهمها ما يجري في البحر الأبيض إلا ~~بطريق العرض، أما النمسا فإن لها في ذلك البحر مركزا مهما فحالها من هذه الجهة ~~يخالف حال ألمانيا، على أن حركات السياسة البرية لا بد أن تقذف بها إلى ذاك البحر وهو ~~مما يزيدها حرصا على تعزيز جانبها فيه، وليست المسألة المصرية إلا مسألة البحر ~~الأبيض فمن له فيه شأن يراعيه فله الشأن في المسألة المصرية، وعلى حسب درجة الأول تكون ~~درجة الثاني.» # ثم أطال الكلام في بيان المنافسة السياسية بين دولة النمسا وإيطاليا، وما يطمح إليه ~~نظر كل منهما، غير أن هذا ليس مما يمنع الدولتين عن الاتفاق في معارضة الإنجليز ~~وخفض منزلتهم في مصر والبحر الأبيض. # أما جرائد فرنسا ورجال سياستها فعلى رأي واحد في وجوب تحويل المسألة المصرية عن ~~وجه كونها إنجليزية إلى وجه كونها دولية أوروبية، وارتاحت لهذا نفوس الدول ومالت إليه ~~أفكارهم، نسأل الله حسن العاقبة، وإليه المصير. # | الفصل السادس والخمسون # العروة الوثقى (مصادرتها في مصر والهند وفرض غرامة على قرائها!) # انعقد مجلس الوزراء المصري في القاهرة، واهتم بالبحث في شأن «العروة الوثقى»، ثم ~~أصدر قراره إلى وزارة الداخلية المصرية قاضيا عليها بأن تشتد في منع هذه الجريدة من ~~دخول الأقطار المصرية وتراقب جولاتها في تلك الديار، فصدر أمر الداخلية إلى ~~إدارة عموم البريد يلزمها بالدقة في ذلك، وبلغنا أن الجريدة الرسمية - بعد نشرها ~~صورة الأوامر - أعلنت أن كل من توجد عنده العروة الوثقى يغرم مبلغا من خمسة جنيهات ~~مصرية إلى خمسة وعشرين جنيها (وهي غرامة جسيمة ربما دعا إليها عسر المالية المصرية ~~ببركة تصرف ms233 الإنجليز في مصر)! # أما نحن فلا نظن أحدا من الوزراء المصريين له رأي اختياري في هذا القرار، بل لا ~~نتوهم في المستوي على كرسي الخديوية ميلا إلى مثل هذا الحكم، ولا يختلج في صدورنا ~~أن مصريا من أي مشرب كان سواء المسلم أو غير المسلم منهم، بل ولا شرقيا ممن ~~يسكن تلك البلاد يرى فيه جانبا من العدل. # هذه جريدة قامت بالدفاع عن المصريين والاستنجاد لهم، ولها سعي - بل كل السعي ~~- لخيبة آمال أعدائهم، ولا ترى من مشربها مدح زيد ولا القدح في عمرو؛ فإن المقصد ~~أعلى وأرفع من هذا، وإنما عملها سكب مياه النصح على لهب الضغائن لتتلاقى قلوب ~~الشرقيين عموما على الصفاء والوداد، تلتمس من أبناء الأمم الشرقية أن يلقوا سلاح ~~التنازع بينهم ويأخذوا حذرهم وأسلحتهم لدفع الضواري التي فغرت أفواها لالتهامهم، ومن ~~رأيها أن الأشغال بداخل البيت إنما يكون بعد الأمن من طروق التأهب، هذا منهاج العروة ~~الوثقى علمه كل مطلع على ما نشر فيها من يوم نشأتها إلى الآن، فكيف يخطر ببال ~~عاقل أن شرقيا مسلما أو غير مسلم يميل لحجبها عن دياره؟! ولكنا نعلم أن حركات ~~الآمرين في القطر المصري هذه الأيام قهرية لا يخالطها شيء من الاختيار، والمدير ~~لرحى القهر عليهم هم عمال الإنجليز. # ولا نريد أن نقول للإنجليز: إنهم ظلموا في الحكم؛ فإن الجريدة لم يوجد فيها إلى الآن ~~ما يزيد على ما تنشره الجرائد الوطنية والأجنبية من كشف مساتيرهم وبيان الرزايا التي ~~أصيبت بها الديار المصرية من حلولهم؛ لأنهم - الإنجليز - الذين أحسوا بشهرة ~~عالم من علماء المسلمين في الهند وإقبال الناس عليه بالاعتبار، أسرعوا بجلبه إلى ~~ديوان الشرطة (الضبطية)، فعند وصوله إليها يفتح له الضابط مصحف قرآن أو كتاب حديث من ~~الكتب المشهورة ثم يشير إلى آية من آيات الجهاد أو حديث مما يدعو إليه ويسأله: «هل ~~أنت معتقد بهذه الآية أو الحديث؟» فإذا قال: نعم قال له: «فبناء على ذلك يكون من رأيك ~~وجوب الجهاد فينا»، فإذا أجابه: «إنني درويش ملازم ms234 العزلة عن الناس وليس اعتقادي ~~بهذا إلا لأنه كتاب ديني»، ضرب له الضابط أجل أربعة أيام أو أقل يبين فيها رأيه في ~~الآية أو الحديث، فإن مضى الأجل ولم يحرف العالم دينه ولم يبدل عقيدته ولم يبادر بإرسال ~~تحريفه وتبدليه وخروجه عن دينه إلى مطبعة من المطابع ليطبع وينشر، بعثت به الحكومة إلى ~~جزيرة أندومان نفيا مؤبدا، ولو رأيت تلك الجزيرة لرأيتها غاصة بأمثال هؤلاء ~~المظلومين. # فدولة الإنجليز التي تحاسب رعاياها المسلمين على خطرات قلوبهم وما يمكن أن يهجس في ~~حديث نفوسهم؛ لا ريب أنها تعد وجود لفظ الإسلام في جريدة كافيا لمنعها عن الدخول إلى ~~بلاد لها فيها قدم ثابتة أو تسعى في تثبيتها، بل تحسب أن من ألد أعدائها شخصا ~~علق هذا الاسم من أي جنس كان، فلا غرابة في صدور مثل هذا الجور منها غير أننا نعلن لها ~~أن همم الرجال لا تقعدها أمثال هذه المظالم، وليس يعجزنا إدخال هذه الجريدة في كل ~~بقعة تحوطها السلطة الإنجليزية الظالمة، ذلك بعزائم أولي العزم الذي قاموا بإنشاء ~~العروة الوثقى. # بلغنا أن بعضا من الناس يسل سيفه ويشحذ سنانه لمناضلة الولي الحميم، ويقابل ثناءه ~~بالذم ومدحه بالقدح وإحسانه بالإساءة، ويواجه نصيحته بالظن، ولا نظن أن هذا منه عن عمد ~~ولا إغراء عدوه، وإنما هو لشبهة حجبت نظره عن درك الحقيقة، فإذا كشفت له الأيام عن ~~الواقع رجع إلى الندم على ما صدر منه وكانت له مثابة إلى الحق وركون إلى ~~الصواب. # لا يحزنن أهل الحق القائمون بأمر هذه الجريدة على ما صدر عن الحكومة المصرية من منع ~~العروة الوثقى من دخول القطر المصري، وليعلموا أن الحكومة المصرية لا دخل لها في ~~هذا المنع؛ فإن حكومة شرقية لا تسمح لها غيرتها بمنع جريدة لا شيء فيها سوى الدفاع ~~عن الشرقيين، وإنما منشؤه حكومة إنجلترا وشأنها معلوم عند كل عارف بأحوالها. # | الفصل السابع والخمسون # تصرف الإنجليز في الهند # لا أريد بما أكتب في هذا المقال القصير تنفير قلوب المصريين من سلطة الإنجليز، ms235 ~~فإن لي يقينا بأن المصريين الذين أنبتتهم أرض مصر لا يذعنون لولاية الإنجليز عليهم، ~~بل يعارضونها بأرواحهم وأموالهم، ولهم من الغيرة الدينية والوطنية ما يحملهم على ذلك، ~~وإن رأوا من عدلها ما لا يصل إليه إنصاف أنوشروان، ويفضلون ولاية مواطنيهم وإن ~~مسهم منها أنكى ما يكون من الحيف، اللهم إلا قليل ممن فسدت أخلاقهم وانتكست ~~طباعهم، وقليل ما هم، وإنما القصد كشف ما تدعيه هذه الدولة العظيمة من العدالة وما ~~تختص به نفسها من الوصاية على نوع الإنسان. # إذا أشرف السائر على أي بقعة من البقاع الهندية الواسعة شخص بصره ودهش لبه ~~بما يراه من آثار عناية الله بتلك البقاع وما منحتها من الخصب الطبيعي، حتى إن الأحجار ~~الصلدة لتنشق عن الأشجار الضخمة العالية الأغصان المورقة الأفنان، تظل الواحدة ~~منها امتدادا واسعا من الأرض وكأن أديم الأرض بما استوى عليه من أنواع النباتات قد ~~بسط عليه بساط من السندس الأخضر، فيخيل للناظر أن سكنة هذه الأراضي في خفض من العيش ~~وسعة من الرزق بل يظنهم أسعد من عمر الغبراء. # ولكنه إذا تجاوز السهول والأودية إلى المدن والقرى ضاق صدره وتفطر قلبه من مناظر ~~سكانها، يرى آلافا مؤلفة يعبرون في الشوارع والأزقة جيئة وذهابا حفاة عراة بادية ~~سوآتهم، كاسفة أحوالهم، لا يجدون رمقة من العيش. يلتمس الواحد منهم عملا من الأعمال ~~الشاقة يقضي فيه نهاره وبعض ليله ليصيب من الأجر عليه ثلاثة فرنكات في الشهر بل فرنكين ~~ونصفا ولا يتيسر له. # ويرى هذه الحال عامة حتى في المدن التي بسواحل البحر على كثرة الأشغال التجارية ~~فيها، ويشتد به العجب عند المقابلة بين خصب التربة وجودة المنابت وسوء حالة القائمين ~~عليها، ويحكم حكما لا ريبة فيه بأن إدارة الحكومة الإنجليزية (حامية النوع ~~الإنساني) هي التي حرمت أولئك المساكين من التمتع بما آتاهم الله من فضله، إذا سأل ~~سائل عن حال كثير من أولئك المعدمين الذين لا يملكون نقيرا ولا قطميرا، فربما يقف ~~على أنهم كانوا من أرباب الثروة الواسعة والمقدرة السامية وكانوا ms236 يسكنون القصور العالية ~~ثم أصبحوا يأوون إلى خصاص بل أقفاص. # إذا انتقل الفكر للبحث عن السبب أوصله النظر إلى أسباب كثيرة يرجع جميعها لتصرف ~~الحكومة الإنجليزية، وأشدها ظهورا وفرة الإتاوات (خراج الأراضي) وثقل الضرائب على ~~كواهل الأهالي، فإن الحكومة قد فرضت علي العاملين في زراعاتهم ولم تجعل الأداء على حسب ~~ما تجود به الأرض كل عام بقدره ولكنها خرصت (حزرت) ما تأتي به كل أرض على درجتها من ~~الخصب وقدرت مبلغا معينا تجيبه من العامل في الأرض سواء سلم زرعه من الآفات أو ~~اجتاحته الجوائح، وقد يستغرق مطلوب الحكومة جميع المحصول بل يزيد عنه، وأداؤه حتم ~~لا تردد فيه على أي حال، هذا فضلا عن الرسوم المختلفة التي لا حد لها ولا نهاية وتعرف ~~عندهم (بالتكس) أي الرسوم غير الثابتة أو غير المحدودة، وربما أتينا على بيانها مع بيان ~~سائر الأعمال بالتفصيل فيما بعد. # في هذا المقام تذكرت شيئا قد يخطر بالبال، رب غني في مصر يملك مزارع واسعة ~~وإقطاعات كثيرة (أبعاديات وجفالك) فيركن إلى ما تفيض عليه من الرزق ويطمئن قلبه من جهة ~~معيشته ومعيشة أبنائه من بعده، فيستوي عنده أجناس الحاكمين ولا يبالي بولاية الإنجليز ~~على بلاده حيث سلم له قوته، وهنا أشير إلى طرف مما يعامل به الإنجليز أمثاله في ~~الهند لتكون له عبرة. # أراد الإنجليز أن لا يكون لغيرهم يد على ملك واسع فيما تحت سلطتهم، فضربوا على أرباب ~~الإقطاعات رسوما زائدة يؤدونها عن أراضيهم في أوقات محدودة، ثم وضعوا في قانون الزراعة ~~أنه لا يجوز للمالك أن يقيم الدعوى على مزارعيه إذا تأخروا عن تأدية ما شرط عليهم إلا ~~بعد مضي ثلاث سنوات من وقوع موضوع الدعوى، وإذا خان المزارعون أو أهملوا في ~~أعمالهم أو استأثروا بمحصولات الزراعة؛ فلا يمكن لصاحب الملك أن يخاصمهم في مجالس ~~القضاء إلا بعد مضي تلك المدة، إلا أنه يؤدي ما عليه للحكومة في أوقاته رغم أنفه، وإن ~~لم يؤد إليه العاملون له شيئا. # وفي قانون المرافعات عندهم أنه إذا ms237 مضى على موضوع الدعوى ثلاث سنوات لم تحصل في ~~أثنائها إقامة الدعوى فلا تسمع، فهذا يحمل العاملين في الزراعة على الإضرار بأرباب ~~الأملاك ولا سبيل لهؤلاء إلى استخلاص حقوقهم من أولئك، والحكومة لا تترك من فريضتها ~~شيئا ولا تتساهل في طلب أدائها بوجه فيضطر الملاك للتنازل عن أراضيهم للحكومة ~~الإنجليزية (العادلة)، هذه أعمال من تأخذه ريبة في خبرها، فليسأل الهنديين ~~عنها. # وإن الجرائد الإنجليزية في الهند تنادي على حكومتها الهندية دائما بوجوب التخفيف في ~~الوطأة والرفق في السطوة، وتنذرها بأن الأعمال الإدارية والمالية لو دامت على نمطها هذا ~~لا يمضي قليل من السنين حتى يشتد الضيق والضنك في عموم الأقطار الهندية، ويضطر الأهالي ~~لإصلاء فتنة عمومية لا طاقة لدولة بريطانيا بإطفائها، ولكن لا يسمع الصم الدعاء. # | الفصل الثامن والخمسون # نصيحة في الأدب # إذا صادفت ظالما أو قابلت فاجرا فلا تقل له أنت ظالم أو فاجر! # وردت إلينا من حضرة الفاضل مولوي عبد الغفور شهباز بمدينة كلكتا وهذا نصها: ~~«ليس الأدب كما يظن بعض الناس مجموعة قصص تتلى للفكاهة أو أساطير تنقل في ~~المسامرات، أو منظوم من القريض يمتاز بحسن الاستعارة ورقة التشبيه، مع مراعاة ~~المحسنات اللفظية والمعنوية؛ من التورية والجناسات ونحوها من فنون البديع، أو منشآت ~~ورسائل تتضمن إطراء في المدح أو مغالاة في القدح، فإن جميع هذا بمجرده لا يتصل بمعنى ~~من معاني الأدب، وإنما الأدب في كل أمة هو الفن الذي يقصد به تهذيب عاداتها وتلطيف ~~إحساسها وتنبيهها إلى خيرها لتجتلبه وإلى ما يخشى من الشر فتجتنبه. # فالأدباء في الحقيقة هم ساسة أخلاق الأمم، بل هم أجنحتها، تطير بهم إلى ذروة فلاحها، ~~فإنهم بما يعلمون من طرق التفهيم يمكنهم أن يقربوا إلى العقول ما يبعد عن إدراكها، ~~ويسهلوا على الأذهان ما يعسر عليها النظر فيه، ويعبروا عن المعنى الواحد بالطرق ~~المختلفة فتستفيد منه العامة ولا تنكره الخاصة، فيأخذون على الظالم ظلمه ويعظونه ~~بسوء عواقب الظلم، وينكرون على الفاجر فجوره ويحذرونه مغبة الفجور، حتى يردوا كلا عن ~~غيه بما ms238 يرضون من طبعه بدون أن يقولوا له: إنك ظالم أو فاجر. # وإذا رأوا في أمتهم عوائد يأباها سليم الذوق أو وجدوا منها أخلاقا وأعمالا لا ~~تنطبق على شريعة الفضل وقوانين الشرع؛ عمدوا إلى تغيير العوائد وتطهير الأعراق، وأخذوا ~~في ذلك سبلا متنوعة في إنشائهم: تارة بالقصص والحكايات التي تمثل شناعة الرذيلة ~~وبهاء الفضيلة وما آل إليه أمر المتدنسين بالأولى وما ارتقى إليه حال المتحلين ~~بالثانية، وتارة بقريض الشعر يخيلون فيه ما يحرك الهمم ويبعث الأفكار وينبه خواطر ~~الكمال وإحساسات الشرف الصحيح، لا ما يوقظ الشهوة ويقوي الغرور ويخرج الأنفس عن ~~أطوارها، والأخذ به من وجهه والدخول إليه من بابه هو الذي صعدت به الهند الأولى إلى ~~أوج المجد، وبلغ به العرب أقصى غايات الرفعة، وهو الذي وصل بالأمم الأوروبية إلى ما ~~وصلوا إليه مما لا يخفى على كل ذي بصيرة. # وإنا نتأسف على ما نراه من أدباء المسلمين وشعرائهم، فإنهم يقصرون منشآتهم وأشعارهم ~~على ما يكون عدا للصفات، إما مذمومة وإما محمودة ونسبتها إلى شخص يريد ذمه أو مدحه، ~~ويحصرون رواياتهم في حكايات مضحكة وقصص هزلية وبعض تواريخ ماضية بدون أن يلاحظوا ~~تأثير ما يكتبون وما ينقلون في أفكار الأمة وأطوارها. # ورجاؤنا فيهم أن يسلكوا مسالك أدباء الأمم المتقدمة أو المعاصرة لهم؛ حتى يكون للأمة ~~الإسلامية نصيب من فوائد ذكائهم وفطنتهم وسعة بيانهم وطلاقة ألسنتهم، وأن يأخذوا في ~~منشآتهم وأشعارهم طريقا ينهضون فيه الهمم الخامدة ويحركون القلوب الجامدة، ويحيون ~~مكارم الشيم، ويوردون الأمة مورد سابقيها من الأمم، وإنا نرى بداية هذا المنهج الجديد ~~في بلادنا، ونسأل الله حسن ختامه.» # | الفصل التاسع والخمسون # أخبار سياسية # صرح اللورد جرانفيل في مجلس اللوردات بأنه ورد للحكومة الإنجليزية أخبار عن الجنرال ~~جوردون، إلا أنه كتمها عن المجلس ولم يطلعه عليها، ومع هذا فإنها مهملة من ~~التاريخ، ولم يعهد أن مأمورا سياسيا لدولة عظيمة يخابر وزراء دولته بلا تاريخ، ~~ولعل ما ألفه الوزراء البريطانيون من التمويه على الشرقيين أصبح فيهم عادة تجري بينهم ~~حتى على ms239 أبناء جنسهم وفي مجالسهم العالية. # وردت أخبار إلى «الديلي نيوز» مفادها أن جميع القرى في شمال بربر إلى مراوى جاهرت ~~بالثورة وانقطع الطريق إلى بربر، وفي خبر آخر أن من الظنون ميل مدير دنقلا إلى ~~منابذة الحكومة، فقد كان يطلب من أيام مددا يستعين به على إخلاء المدينة وإنقاذ ~~حاميتها ، واليوم يأبى الخروج منها بل يطلب أن تبعث إليه نجدة يفتح بها البلاد ~~السودانية فتحا جديدا. # ثم استبد بما لم يكن من حدود وظيفته، فأرسل بعض ضباط الباشبزوق # 1 # إلى وادي حلفا؛ ليأتيه ببعض الذخائر والآلات الحربية، ونال رسله ألف بندقية ~~وأربعمائة ألف فشك، ونهبوا مخازن الحكومة، وأحضروا معهم عددا من المدافع إلى ~~دنقلا. # وربما يعاب على المدير إتيان مثل هذا العمل ويعد من باب الخيانة لحكومته المصرية، ~~ولكن ماذا يصنع بعدما علم أن الحكومة المصرية خرجت عن كونها حكومة وطنية بتصرف الإنجليز ~~فيها، وأن حكامها أصبحوا لا يملكون من الأمر شيئا، فإن صدق هذا المأمور في خدمته فلا ~~تكون فائدة الصدق إلا تثبيت قدم الإنجليز في بلاده وتأييد ملكتهم عليها، فيكون في ~~الحقيقة خيانة لوطنه وبخسا لحقوقه، فله العذر إذا انحاز إلى الفئة الثائرة ما دام ~~الإنجليز حكاما في مصر. # يقال: إن محمد أحمد سار من الأبيض لفتح دكاشيا أو الخرطوم، ويغلب على ~~الظن أن مسيره لفتح الخرطوم، فإن حل بها ما حل ببربر وشندي مع هيجان ~~القبائل في الجهات الشمالية ترقبنا عاقبة هائلة أنذرنا بها وحذرنا منها ~~مرارا عديدة. # من رأي أحد المراسلين لجريدة «الديلي تلغراف» أن الجنرال جوردون سيقيم في ~~الخرطوم إلى فيضان النيل، فإن لم تأته نجدة يقوى بها على الفوز بنجاح ~~مأموريته، لزمه أن يصعد على النيل الأبيض إلى خط الاستواء، وأنه يمكنه بعد ~~ذلك أن يعمل أعمالا عظيمة في الأمم الإفريقية القاطنة فيما وراء خط ~~الاستواء، ثم عقب كلامه بأمان وأوهام لا تنقص عن أماني جوردون عندما سار ~~من القاهرة إلى الخرطوم. # في برقية من أسوان إلى «الديلي نيوز» أن ابن أخي حسن باشا ms240 خليفة ومعه شخص ~~آخر فرا من بربر وكانا منطلقين إلى جهة الشمال فاعتقلهما عرب روباتاب ~~بالقرب من أبي حمد. # يقال: إن الحكومة المصرية (أو الإنجليزية) تجتهد بوسعها للمحالفة مع ~~قبائل العرب في جنوب مصر؛ ليكونوا لها عونا على مدافعة سيل الفتنة إذا ~~ارتفعت غواربها على حدود مصر الطبيعية، ولا نظن أن سعيها ينجح لدى العرب؛ ~~فإن ذمتهم ودينهم لا تسمح لهم بمساعدة الإنجليز في تملك بلاد ~~المسلمين. # أبى اللورد جرانفيل أن يرخص لنوبار باشا بالسفر إلى أوروبا مدة غيبة ~~السير بارين، فإن أصر نوبار باشا على طلب الرخصة فإن اللورد جرانفيل سيطلب ~~من الخديو أن يستبدله برياض باشا أو شريف باشا. # هذا كله والإنجليز لا يريدون أن تكون مصر تحت سيادتهم ولا يحبون أن يرفع عليها علم ~~حمايتهم، وليس يدرى ما الغرض من السيادة والحماية سوى التصرف في الإدارات والتحكم في ~~أولياء الأمور، هذا وزير مصر الأكبر لا ينال رخصة سفر إلا بإذن من جرانفيل، ولا يأذن ~~له، ويرى أن له أمرا على الخديو باستيزار فلان! فإن لم تكن هذه سيادة فما هي السيادة؟! # في خبر أن الأميرال هفت وصل إلى أدوفا (من البلاد الحبشية)، وأسلفنا أنه ~~كان في نيته إغراء ملك الحبشة بإيقاد حرب صليبية يهلك بها أمم العالم ~~فداء لشهوات الإنجليز، إلا أنه جاءت الأخبار بعد هذا أن الأميرال لم يصادف ~~سعة من صدور الحبشيين وأن الملك يوحنا وقف على خديعة دولة إنجلترا، ولم ~~يظهر عناية بما أتى إليه الأميرال ولم يبعث لملاقاته أحدا، بل أظهر ~~الحبشيون غاية الخشونة في معاملة الوفد الإنجليزي حتى إنهم امتنعوا عن بيع ~~المأكولات لهم، وقد ذكرت بعض الجرائد صورة المعاهدة التي يراد عقدها مع ~~ملك الحبشة - ولا يهمنا الآن ذكرها. # هجم جماعة من الثائرين على سواكن في التاسع عشر من هذا الشهر، ~~وزحفوا إلى المدينة حتى صاروا على خمسين مترا من أسوارها، ثم أطلقوا عليها ~~النيران مدة ساعتين حتى أثر الرصاص في كثير من البيوت، ولم يتحرك جيش ~~الحامية أدنى حركة لمدافعة ms241 هذا الهجوم العنيف، ويظهر من هذا أن انتصار ~~الجنرال جراهام في سواحل البحر الأحمر لم يكن له أثر وإنما هو قول يذكر ~~ورواية تؤثر وأن غزواته لم تزد الثائرين إلا إقداما. # كتب مراسل التان في القاهرة أن لا صحة لما أشاعته الجرائد من القبض ~~على مسيو أوكلي، النائب الأيرلندي الذي حملته همته على السفر إلى ~~الأبيض. # | الفصل الستون # في التواني الهلكة! # هذا ما ساقت إليه الحوادث المصرية، وهي مفتاح الكوارث الشرقية وفيها مغلاقها، العظام ~~من الدول في يقظة لا سنة معها، وحركة لا فتور فيها، مفاوضات متواصلة بينها قبل ~~انعقاد المؤتمر، ومجادلات متلاحقة يدأب فيها السياسيون من كل أمة، بعضها بالمراسلة، ~~وشيء منها بالمشافهة، كثرت خلوات السفراء من كل دولة مع وزراء الخارجية من سواها، ~~يتهامسون ويتغامزون، ويسرون خلاف ما يعلنون، ويذهبون إلى ما لا يقصدون، وقد حملق ~~كل بصره للآخر؛ لعله يلمح من كان وجهه ما ينبئ عن مضمرات سره. # ويصوب كل فكره إلى ما يريد الآخر من قوله، عسى أن لا يفوته شيء ربما يعتل به، وجل ~~ما انصرفت إليه قواهم تمثيل الرغائب، وتخييل المطامع، في صور أبعدها عن الحقيقة أقربها ~~إلى الخيال، يعظمون الحقير، ويحقرون العظيم، ويجسمون الموهوم، ويضلون عن المعلوم، ~~ويقربون البعيد، ويبعدون القريب، يذهب كل بصاحبه إلى رياض من الأماني باهرة الأنوار ~~بزهور الآمال، وما نبهت بهارها إلا على حبائل من المكر، وفخاخ من الخديعة، حتى إذا ~~راقه المنظر وخطا خطوة سقط من حيث لا يشعر، هذا يسهل صعبا، والآخر يوعر سهلا، وكل ~~يتبع لحاظ رصيفه إذا أحس منه لمحا لمقصده أبرز له ألوانا من الفوائد الموهومة ~~ليستلفته عن مرامه، وإذا شعر منه بفكر يوصله إلى ما يمسه، فتح عليه أبوابا من الفزع ~~ليزعجه عما يطلبه، ويشوش عليه سيره ويقطع سبيل فكره. # منهم من يكسب الأصدقاء بمال غيره، ومنهم من يستفيد الرفقاء بكف شره، ومن الناس ~~أقوام آخرون على غوارب أمواج الحوادث نائمون، تقذفهم كريبة وتتلقفهم أخرى، وهم عنها ~~غافلون، زلزلت بهم الأرض زلزالها، ودهمتهم ms242 الخطوب بأرزائها، وتوالت عليهم المزعجات، ~~وتناولتهم عواصف المفزعات، وهم في سكنة تخيل لناظرها أنهم على بساط الراحة مطمئنون، ~~والمقبل على الفوز من هؤلاء وأولئك إنما هو أحزمهم رأيا وأثبتهم عزيمة وأشدهم ~~بشئونه بصيرة. # يقول الإنجليز: إنا عدونا على الهند من زمان طويل فاغتصبناه وحقت لنا الملكية ~~عليه بما هو مقرر في شرائع القوة وقوانين التغلب، وأين ديارنا من هذا الملك ~~العظيم في شرقي آسيا. # المسافات طويلة والشقة بعيدة فلا بد أن يكون لنا في كل مكان موطئ لأقدامنا ~~لنحتفظ بأملاكنا، فلنا حق في اغتصاب جل العالم لأجل الهند، خصوصا القطر المصري، ~~فإن به السبيل التي لا يماثلها سبيل، وليس لنا عنها غنى، وكنا في تطلع إليها من زمن ~~قديم وكثيرا ما تمسكنا بحبال من الوسائل إليها فرثت في أيادينا بقوة حكام تلك ~~البلاد، حتى هيأت لنا حوادث السنين الأخيرة ما أحلنا دارهم وأقرنا في قرارهم. # إنا ذهبنا لتقرير توفيق باشا وتثبيته على كرسي الخديوية المصرية، إلا أنه بقتال ~~ونزال، فلا تختلف صورته عن صورة الفتح، فلنا حق التملك في تلك الأقطار، وقد فهم ~~الناس أن مسيرنا إلى مصر كان لغاية إقرار الراحة وإزالة الاختلال، وكأننا ~~صرحنا بذلك عند عزمنا عليه، ولكن الغرض الحقيقي إنما هو تأمين طريق الهند. فتسنى ~~لنا ما قصدنا بحلول عساكرنا في وادي النيل، فثبتنا فيما أصبنا وليس لنا أن نتركه بعد ~~الوصول. # وحيث إننا عقدنا العزم على البقاء في مصر وأضربنا عن إخلائها، لزمنا ضمانة الديون ~~المصرية وحملها ثقيل على كواهلنا، فعلى جميع الدول أن تمدنا بالمساعدة وتكون لنا عونا ~~على تنقيص الفوائد، ولا نحب أن تكون مذاكراتها معنا إلا في المالية خاصة؛ فإنا لا نرجو ~~من مفاوضاتها فائدة، أما سائر الشئون فعلينا تدبيرها وإلينا مصيرها. # هذه أقوال تصدر عن آمال يمدون أسبابها إلى برلين، ويرجون أن تكون مواصلها ~~ومعاقدها في تلك المدينة عاصمة الألمان. # أما البرنس بسمارك وهو مدير السياسة في أوروبا وبيده زمامها، فيرى أن هذه فرصة ~~ينتهزها؛ ليستفيد صديقا وينكي عدوا، وليست له ms243 علائق سياسية تحمله على المدافعة عن ~~مصر، ولا منافسة له مع الإنجليز تبعثه على معاكستهم، بل له إليهم حاجة في ضمهم إليه ~~وإبعادهم عن فرنسا لتكون منفردة بين الدول لا حليف لها، وقد تكون له من صلة الإنجليز ~~مآرب أخرى سوى قطع فرنسا من الحلفاء ينالها يوم الحاجة إليها وما هو عنه ببعيد. # فماذا يضره إذا ادخر عونا وأساء عدوا والنفقة على خزينة غيره؟ نعم، ربما يظن أن ~~بسمارك يمنعه عن مثل هذه المعاملة رعاية بجانب حلفائه من النمسا وإيطاليا لما لهم من ~~المصالح في البحر الأبيض، ويصعب عليه أن يصيب بسياسته الجمع بين مراضاة إنجلترا لنيل ~~مصافاتها وبين التمسك بعهوده مع ذوي حلفه، إلا أنه قد يسهل عليه التخلص من هذا ~~المضيق بالإشارة إلى طرابلس الغرب وبلاد الأرناءوط والإيماء إلى الأراضي البلقانية ~~وسالونيك ويجلوها لأنظار معاهديه، فيسكن جأشهم ويطمئن خاطرهم فيستثبت بذلك موالاة ~~الدولتين، ويقلم أظافر روسيا من أوروبا الشرقية، ويضيع مصالح فرنسا في بلاد المشرق ~~عموما ومصر خصوصا، وفي كل ذلك الربح له، والخسارة على غيره، وليست هذه أول فعلة فعلها ~~بسمارك أو يفعلها فهي شرعته التي يرد إليها ويصدر عنها من يوم معاهدة برلين إلى هذا ~~الوقت. # وفرنسا واقعة بين مراوغات الإنجليز ومكائد بسمارك، لها حقوق سابقة في البلاد ~~المصرية كاد يمحى أثرها بمداخلة الإنجليز، وبها حاجة شديدة لعلو الكلمة في طريق ~~منشآتها ببلاد الصين والبحر الهندي ومدغشقر؛ لهذا تبذل الجهد لإجلاء العساكر ~~الإنجليزية عن مصر وتخفيض سلطة الإنجليز فيها، ويوجد لها عون من دولة روسيا، ولها من ~~المنعة ما لو أيدته أفكار المصريين وآراء ذوي العزيمة من رجالهم وميل أفئدتهم؛ ~~لمكنها من تخليص مصر وانتزاعها من أيدي الإنجليز، سعيا في حفظ مصالحها ووقاية ~~حقوقها، وهذا مما يؤيد سياسة الدولة العثمانية ويشد عضدها في مدافعة الإنجليز ومطاردتهم ~~من بلادها. # للدولة العثمانية أن تظهر عزمها في هذه الأوقات لتستنفد ممالكها من طمع الطامعين ~~وتعيد ولايتها على الأقطار المصرية خالصة لها من سلطة المعتدين، وإن جميع المسلمين ~~ينتظرون منها ms244 الحذق في هذه المسألة، ولهم فيها الأمل القوي والثقة الكاملة، ورجاؤهم ~~أن لا تفوتهم هذه الفرصة بدون أن ينالوا بها حظهم من الغنيمة. # وليس على الدولة من بأس إذا طالبت الإنجليز برد حقوقها كافة؛ فإنهم بالنسبة إليها ~~أضعف من أن يجاهروها بالعدوان، وإنا نكرر ما قلناه سابقا من أن الإنجليز يستحيل عليهم ~~أن يعلنوا على الدولة العثمانية حربا، خصوصا في هذه الأوقات التي أصبحت فيها دولة ~~روسيا متاخمة لمملكة الأفغان، فإن أول إشاعة لهذه الحرب توقد لهيب الثورة في عموم ~~الممالك الهندية، وهذا جلي عند كل إنجليزي، أن التغافل والوهن ربما يوسعان مجال ~~الطمع فيفتح باب المسألة الشرقية أو يكون لها استعداد قريب. # وليس للمصريين في طورهم هذا أن يركنوا إلى من ليس من أبناء جلدتهم؛ فإن الثغرة ~~التي تحمل على الحمية تكاد أن تكون منحصرة بحكم الطبيعة في أبناء الوطن فلا ترجى ~~من غيرهم، فعلى العقلاء من أهالي مصر أن يسارعوا إلى معاضدة الدولة العثمانية ~~والاتحاد معها على تخليص بلادهم، مستعينين بأفكار الدولة التي تقضي عليها مصالحها ~~بالسعي في إنقاذها وإعادة شأنها الأول، وتحقيق ما يقال من أن مصر للمصريين. # وبالجملة فالأطماع فغرت أفواهها، والأفكار في اضطراب شديد، وظنون الناس شتى، فمن ~~قائل: إن المؤتمر لا ينعقد لتعسر الاتفاق بين فرنسا وإنجلترا على القواعد الأساسية ~~للمداولة فيه، ومن قائل: إنه ينعقد على أن يضع مصر تحت حماية عموم الدول ويقرر ~~إنشاء مراقبة دولية مع بقاء العساكر الإنجليزية مدة سنتين. # وعلى أي حال فالرزية إنما تصيب الغافل، والسوء إنما يحيق بالمتساهل، والجبان محروم من ~~حقوقه، والعامل بيد غيره خاسر، فعلى المصريين والدولة العثمانية أن يظهروا الشهامة ~~والإقدام، ويرفعوا علم الهمة؛ إبقاء لحياتهم، وصونا لشرفهم، والأمر لله يفعل ما ~~يشاء. # | الفصل الحادي والستون # منشور إنجليزي قديم # نشرت حكومة إنجلترا في الهند منشورا منذ مائة وثمانين سنة وهذه ترجمته: ~~«إذا وجدت في دوائر الحكومة وظيفة لا يقوم بها إنجليزي (أي لا تليق أن تكون بيد أحد من ~~الجنس الشريف)، وجب أن يعين ms245 فيها أحد الفارسيين الباقين على دين زرادشت (المجوس)، فإن ~~لم يكن منهم مقتدر على القيام بها، أقيم فيها وثني (عابد صنم)، فإن لم يكن من هؤلاء ~~ولا هؤلاء من يؤدي عملها كلف بها مسلم؛ فليس للمسلمين في الهند حظ من وظائف ~~الحكومة إلا ما يعافه المجوسي والوثني. # وهذا هو عنوان محبة الإنجليز، وهو برهان دعواهم أنهم أولياء المسلمين وأنصارهم، لا ~~أكثر الله من أمثال هؤلاء الأولياء والأنصار!» # | الفصل الثاني والستون # إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار # كيف يمكن لقوة أجنبية تصول على أمة من الأمم أن تسود عليها وتستعبدها وتذللها للعمل ~~في منافعها مع التخالف في الطباع والعوائد والأفكار، ووجود المقاومة الطبيعية، فضلا ~~عن الإرادية؟ إن الوحشة المتمكنة في نفس كل واحد من الأمة، وظن كل فرد أنه في خطر ~~على روحه وماله إذا غلبه الغالبون؛ تحمله على المدافعة كما يدافع عن بيته وحريمه، فلا ~~يتسنى للقوة المغيرة أن تذل الأمة إلا بإفنائها عن آخرها، أو إفناء الأغلب حتى لا ~~يبقى إلا العجزة والزمنى. # 1 # هذا أمر طبيعي وحكم بديهي متى كانت الغارة على الأمة، نعم يسهل للقوة الأجنبية ~~أن تتغلب على أمة عظيمة بدون تناحر إن كان لهذه الأمة حاكم أو رئيس روحي تجتمع ~~عليه قلوبها، وتدين له رقابها، لمنزلة له في أفئدة أبنائها، ولمكان آبائه من ~~الكرامة في نفوسهم، فلا تحتاج القوة الغالبة إلا لإيقاع الرعب في قلبه، فيجبن ويقبل ~~ما تحكم به، أو نصب حبالة الحيل له فتخدعه بالأماني والآمال، فيذعن لما تقضى به، فإذا ~~خضع للقوة الغريبة خضعت الأمة تبعا له. # ولهذا ترى طلاب الفتح وبغاة الغلب ينصبون قبل سوق الجيوش وقواد الجنود على قلوب ~~الأمراء وأرباب السيادة في الأمة التي يريدون التغلب عليها فيخلعونها بالتهديد ~~والتخويف، أو يملكونها بالخدعة وتزيين الأماني، فينالون بغيتهم ويأخذون أراضي ~~الأمم. # وهذا الطريق هو الذي سلكه الإنجليز مع السلطان التيموري في الهند، ولولا ما كان ~~للهنديين من عقدة الارتباط بسلطانهم التيموري، وقبض الإنجليز أول الأمر على تلك ~~العقدة؛ لما تيسر ms246 للبريطانيين أن يخضعوا الأمم الهندية في أحقاب طويلة. # هذه قبائل الأفغان عندما انحلت ثقتها بأميرها، وصار الأمر إلى الأمة، قامت كل ~~عشيرة، بل كل فرد للدفاع عن نفسه، بعدما تمكنت عساكر الإنجليز في قلاعهم وحصونهم، ~~واستولت على قاعدة ملكهم، وفتكوا بالعساكر الإنجليزية وهزموا قواتها وأجلوها عن ~~بلادهم، وهي ستون ألفا من الجيوش المنتظمة، المسلحة بأحدث الأسلحة، واضطر الإنجليز أن ~~يتركوا تلك البلاد لأهلها. # لا ريب أنه يسهل على الإنسان أن يأخذ شخصا واحدا وأشخاصا محصورين بالترغيب ~~والتهديد، ويتيسر له أن يقف على طباعهم، ويدخل عليهم من مواقع أهوائهم، ويأتيهم من ~~أبواب رغائبهم، لكن يتعسر بل يتعذر عليه أن يأخذ أمة بتمامها، وعقولها مختلفة عليه ~~ونفوسها في وحشة منه، إلا بالإبادة والتدمير. # من هذا نجد الملوك العظام لا يرهبون الاشتباك في حرب مع أمثالهم بل ومن هو أشد ~~منهم قوة، ولكنهم يفرقون، بل تذهب أفئدتهم هواء، إذا أحسوا بميل الأمة عنهم، وما هذا ~~إلا لأن قوة المغالبين داخلة تحت الضبط، وأما آحاد الأمم وقواها فلا تضبط ولا يمكن ~~مقاومتها إذا تغاضت وشحت بنفسها عن الذل لسواها. # إن الأمراء كما يكونون في دور من أدوار الأمة قوى فعالة لنموها وعلوها وعظمتها ~~واشتداد عضدها، كذلك يكونون في بعض أطوارها علة فاعلة في سقوطها وهبوطها وانحلالها، ~~وإنا نخاف - ولا حول ولا قوة إلا بالله - أن يكون أمراؤنا والأعلون منا آلة لاضمحلالنا ~~وفنائنا؛ لما غلب عليهم من الترف والانهماك في اللذائذ، والانكباب على الشهوات، مع ~~سقوط الهمة، وتغلب الجبن، والحرص والطمع على طباعهم - إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # | الفصل الثالث والستون # هجوم على السودان عبر النيل! # جاء من لندن لإحدى وكالات الأنباء ما ملخصه: لا يظن أحد من الناس هنا (في لندن) أن ~~الجيوش التي عزمت حكومة إنجلترا على سوقها إلى السودان يقصد منها إنقاذ جوردون؛ فإن ~~جوردون معزز برجال من الوطنيين (المصريين أو السودانيين) أولي عزم وقوة، ولهم سطوة ~~تدفع بأس الذين يبغون به الشر، وإذا مست الحاجة إلى تخليه عن عمله وتركه لمركزه ms247 فلا ~~يعدمون وسيلة لخلاصه. # أما القصد الحقيقي من بعث الجنود إلى السودان فإنما هو افتتاحه تحت العلم ~~الإنجليزي، وهو وإن كان يحتاج إلى زمن طويل إلا أنه قليل الخطر، ولا توجد في سبيله ~~عقبات سياسية؛ حيث تنازلت الحكومة المصرية عن سياستها في تلك الأقطار. # يسهل على العساكر الإنجليزية أن تسير إلى الخرطوم على طريق النيل وإن سلكت ~~سبيلا من الأرض اليابسة فلا تبعد عن شواطئ النهر؛ لتكون تحت حماية المراكب وترافقها ~~في السير مراكب تعد لقطع النيل والصعود إلى الشلالات، فإذا وصلت العساكر والأساطيل ~~النيلية إلى الخرطوم واستولت عليها اعتصمت فيها حكومة عسكرية تمد نفوذها إلى قلب ~~السودان، ويكون في هذا عوض للإنجليز عما يخسرونه في مصر لو ألزمهم المؤتمر بالتنازل ~~عن شيء مما يطمحون إليه فيها. # وقالت جريدة «الريبوبليك فرانسيز»: إنا نذكر هذه الرسالة على أنها شبه حجة على مقاصد ~~الإنجليز، وإلا فإنا نعد ما تحتويه من قبيل الأوهام والخيالات. ا.ه. # أما نحن فنقول: من أمعن النظر في أعمال الإنجليز وتتبع سيرهم في افتتاح الممالك ~~الشرقية، علم صحة ما روته وكالة الأنباء؛ فإنه منطبق على قواعد السياسة الإنجليزية ~~وآت على أساسها الذي بنوا عليه فتوحهم من أزمان طويلة، وهو أصل تعارفه الإنجليز ~~حتى صار كخاصية لازمة لطباعهم، ترد إليه جميع أعمالهم من حيث يشعرون ولا يشعرون، وعليه ~~كان بناء ملكهم في الهند. # إن الإنجليز أول ما خطوا خطوة في الهند وجدوا مملكة «أود» من الممالك الواسعة وأغلب ~~أهاليها على مذهب الشيعة ولها نواب (حاكم) عظيم من أهل ذلك المذهب، فرأوا أن يحملوه ~~على الاستقلال وزينوا له الطمع في لقب شاه لينفصل عن الملك التيموري. # وفي التنازع لنيل هذا المطمع يصيب كلا من الطامع وصاحب الملك سهم من الضعف والوهن، ~~فيتهيأ كل منهما للوقوع في مخالب الإنجليز، وقد حصل. # وأول ما حلوا مصر ولمحوا شرارة في السودان، أدنوا منها وقودها لتكون نارا مهلكة، ~~فبعدما طردوا الجيوش المصرية إيذانا بالغضب عليهم، جمعوهم ليسوقوهم إلى السودان تحت ~~قيادة أعداء لهم من الإنجليز، ms248 فذهبوا وهو موقنون أنهم يساقون إلى الموت ليذوقوا وبال ~~الانتقام، فقلوبهم منكسرة وعزائمهم واهنة وعقائدهم لا تسمح لهم بالانقياد لرؤسائهم ~~الأجانب. # وأحس السودانيون وهم مسلمون أن قواد الغارة عليهم ليسوا على شاكلتهم، فزادهم حمية ~~وإقداما، فكان هذا وذاك سببا في استفحال أمر السودان بعدما هلكت رجال وأنفقت ~~أموال وساءت أحوال من السودانيين والمصريين، كل هذا ليتوسل به الإنجليز لفصل السودان ~~عن مصر بعد خراب الدارين، وكأنهم عندما أرسلوا جوردون باشا وأدنوه أن يمنح محمد أحمد ~~لقب أمير كوردفان قصدوا أن يتمموا عملهم، ولكن لم ينجحوا. # وعندما كانت الحرب قائمة بين دوست محمد خان أمير أفغانستان وبين «رانجيب سنك» ~~البنجابي تخوف الإنجليز من تسلط الأفغانيين على بنجاب، فتداخلوا في الصلح وسحروا قلوب ~~الأفغانيين بلين القول ولطف الوعد حتى أرضوهم بترك مدينة بيشاور وما يليها لرانجيب سنك، ~~وانعقد الصلح على هذا وأجلي الأفغانيون من مملكة بنجاب ورجعوا إلى بلادهم، وبعد عشر ~~سنين من تاريخ الصلح زحف الإنجليز إلى بنجاب وافتتحوها لأنفسهم واستولوا على مدينة ~~بيشاور، فقال بعض أمراء الأفغان: إن ذاك الصلح كان مقدمة لهذا الفتح، وإن الإنجليز في ~~تعيينهم للحدود إنما كانوا يحددون بلادهم، ولكن كنا عنه غافلين. # ومن نحو سنة ونصف أومأ اللورد دوفرين في تقرير كتبه بالقاهرة، إلى أنه لا حاجة ~~بالحكومة المصرية إلى السودان بل لا فائدة لها فيه، وفهم الغرض في ذلك الوقت من أصابه، ~~وغفل عنه قوم آخرون اغترارا بظواهر العبارات، ثم لم يلبث الإيماء أن صار تصريحا ~~رسميا وإلزاما للحكومة المصرية أن تتخلى عن السودان، فلم يكن التلميح والتصريح، ثم ~~الإلحاح والإلزام إلا ليهيئوا البلاد السودانية للدخول تحت سلطتهم في وقت من الأوقات ~~لسبب من الأسباب التي لا يعجزون في اختراعها متى شاءوا! هذا سير يعرفه من قرأ صفحة من ~~تاريخ الإنجليز في الممالك الشرقية. # تريد حكومة إنجلترا إذا عارضتها الدول في السيادة على مصر أن تنشئ لها سلطة في ~~الخرطوم يمتد حكمها إلى جميع أراضي السودان، وعساكرها الآن حالة في سواكن، وما أسرع أن ms249 ~~تصل بين المدينتين بالسكة الحديد فتكون القوة الإنجليزية بعد هذا محيطة بمصر من جميع ~~الجوانب. # وقفت على بابها من طرف الشمال في قبرص، وطوقت حدودها من الغرب إلى الشرق في السودان، ~~وتحكمت في منابع النيل وتصرفت في أعلاه، وأخذت كل طريق يمكن منه الاستيلاء على ~~الديار المصرية. وهنالك يرصد الإنجليز حركات الدول في أوروبا، فكلما أضاءت لهم بارقة ~~فرصة مشوا فيها، وإذا أظلمت عليهم قاموا فيتقدمون إلى مصر خطوة بعد خطوة ولا يبالون، ~~طال الزمان أو قصر، فإنهم يعرفونها لهم على أي حال، ولكنهم يتقون معارضة الدول في هذه ~~الأوقات. # هذه غايات سير الإنجليز في الحوادث المصرية، وهي كما قالت «الريبوبليك فرانسيز» ~~خيالات وأوهام إذا اشتدت الدولة العثمانية ورجال مصر في المطالبة بحقوقهم الشرعية ~~والمحافظة على شئونهم، وأخذوا بالحزم وعقدوا العزم على مقاومة سعي الإنجليز في أوطانهم ~~وديارهم، بعدما ظهر لهم ماذا يقصدون بهم، فإن تهاونت الدولة العثمانية أو تغافل ~~المصريون حسبها الإنجليز طريقا مطروقة وسبيلا مسلوكة، وعدوا مطامحهم حقائق ثابتة ~~ومطالب مقررة - لا نجح سعيهم، ولا صدق ظنهم. # | الفصل الرابع والستون # السودان ومصر # نشرت جريدة البوسفور إجيبسيان، التي تطبع في القاهرة، خبرا، مصدره توفيق باشا ~~نفسه، وهو أن الجنرال جوردون أنذر حكومته الإنجليزية بأنها إن لم تمده بجيش ينقذه من ~~الضيق الملم به فإنه يرفض الدين المسيحي ويدخل في دين الإسلام! وضمنت جريدة البسفور ~~صحة هذا الخبر العجيب (كذا وصفته الجريدة بالعجب). # وغرابة الخبر إن كانت من جهة أنه تهديد بما لا يهم الحكومة، فنحن نعلم أن الإنجليز ~~يفزعهم خروج أحد منهم عن دينهم، وإن كانوا يرشدون الناس إلى ترك الدين ويعيبون على ~~المستمسكين به، لكنهم أشد الناس تعصبا فيه فلا محل للغرابة. # وإن كانت من جهة أن جوردون، وهو من أشد قومه تمسكا بدينه، كيف يجنح للإسلام، فهو ~~إنجليزي الطبيعة كما هو إنجليزي الجنس يتلون ظاهره بأي لون ويبرز في أي ثوب لإصابة غرضه ~~مع المحافظة على ما طبع الله على قلبه، فلا عجب إن قال وفعل! # في ms250 خبر أن محمد أحمد طلب إلى أعوانه المحاصرين للخرطوم أن يأتوا إليه بجوردون حيا، ~~ولا يمسوه بسوء إذا وقع في أيديهم. # وفي برقية من أسيوط إلى جريدة التايمس أن مركبا من مراكب البريد وصلت إليه تحمل ~~ثلاثة أشخاص مرسلين من طرف زبير باشا لاستكشاف حالة جوردون، وتوجهت في الحال بمن فيها ~~إلى أسوان. # هكذا الدهر أبو العجب؛ من سنين قليلة فتك جوردون بأولاد الزبير وذوي قرابته وأفسد ~~عليه شئونه وأخرجه عن جميع أمواله، واليوم رأينا كدر الضغينة في صفاء المحبة يبعث ~~الزبير على الرأفة بجوردون وتوجيه الرسل للسؤال عن صحته والاستخبار عن سلامة ~~حاله. # جاء الخبر أن أهالي جرجا (مدينة من مدن الصعيد مركز مديرية في جنوب أسيوط) في هياج ~~شديد يشبه أن يكون ثورة، وورد إلى تلك المدينة رجل من أشياع محمد أحمد قادما من ~~القاهرة ودعا الأهالي للأخذ بطريقته، فإذا بينهم جم غفير يجيب داعيه ويذهب مذهبه، ~~وهو مما يدل على أن القائم السوداني مهتم بنشر دعوته محتاط لنفسه حاذق في عمله، وله ~~دعاة في أرجاء الديار المصرية حتى في عاصمتها «القاهرة». # فإن ثبت في هذا السير حل بالحكومة المصرية منه ما كنا نخشى أن يقع بها ويشتد الخطب، ~~ولربما صار له بقوة ميل الأهالي إليه منعة يصعب على حكومة غير إسلامية أن ~~تقارعها. # أما ما ذيل به خبر الهياج في جرجا من وجود عداوة بين المسلمين من أهاليها والمسيحيين ~~فهو ما لا نصدقه ولا ينطبق على الواقع؛ لأن الأيام السابقة شاهدة على حفظ كل من ~~الفريقين زمام الآخر في جميع الأحوال التي عرضت على بلاد مصر، المسلمون والمسيحيون فيها ~~على وفاق تام في جميع نواحيها، والمقاتل التي وقعت أيام الحرب الماضية إنما كان منشؤها ~~إفساد المفسدين، على أنه لم يمس فيها قبطي بسوء، والأخبار الصحيحة تؤيد ما نقول. # 1 # وأرسلت الحكومة المصرية الآلاي السابع من المشاة إلى أسوان مع جملة من المدافع ~~الجبلية وعدد وافر من الجمال. # وفي برقية من سواكن إلى جريدة الديلي تلغراف أن مناوشات ms251 وقعت من أتباع محمد ~~أحمد بالقرب من سواكن، وفي جريدة التايمس أن الثائرين أطلقوا مدافعهم على تلك ~~المدينة في الساعة الثانية صباحا من الثامن والعشرين من شهر مايو، إلا أنه لم يصب ~~أحد من الحرس وتقهقر المهاجمون بسرعة. # عثمان دجمة - مع ألف من رجاله - نازلون على القرب من طمانيب ومعظم قوته حالة بتلك ~~البلدة، ويقال: إن بنفوس عساكره كدرا من قلة الأزواد # 2 # وهو من أخبار العدو يسمع وقد لا يصدق. # وإن الأميرال هفت المبعوث من طرف إنجلترا لخديعة الملك يوحنا ملك الحبشة لم يحظ عند ~~الملك بقبول. # أراد رجال الإنجليز أن يخففوا على القلوب المنخلعة من أبناء أمتهم أهوال السودان وما ~~يتوقعونه من مصائبه، فأشاعوا ظهور شخص يدعي المهدوية في دارفور، ويقول: إن محمد أحمد ~~ليس إلا تلميذا له من قدماء تلامذته، وكان الإنجليز يستبشرون بتفريق كلمة السودانيين ~~كما يسرهم تخالف المسلمين أجمعين. # | الفصل الخامس والستون # فرية دنيئة على الإسلام # في برقية وردت لجريدة الديلي تلغراف من القاهرة في 27 مايو 1884 أن زبير باشا طلب إلى ~~سراي توفيق باشا، بناء على إشارة الحكومة الإنجليزية، والتمس منه المستر أجرتون أن يجد ~~وسلية لإرسال مندوب إلى جوردون باشا يأمره بالعودة حالا، واتباعا لأمر توفيق باشا بعث ~~الزبير بأحد خدمه لأداء هذا العمل وكان فرصة انتهزتها حكومة فرنسا لاستدعاء قنصلها في ~~الخرطوم، وقد ضمن الزبير وصول المندوب وعودته بالجواب في خمسين يوما. ا.ه. # إن صح هذا دلنا على أن جوردون ليس معززا برجال أولي بأس وشدة كما جاء في البرقيات، ~~وأن الإنجليز عجزوا عن إنقاذه بقوة حربية، وإن كانوا ربما يقصدون الحرب لغاية ~~أخرى. # ونقلت الجرائد الأوروبية ما يعجب من نسبته لزبير باشا، ذلك أنه أشخص ثلاثة من أولاده ~~إلى رؤساء الثائرين ومع كل واحد منهم كتاب إليهم وهذا مفاده نذكره ترجمة من تلك ~~الجرائد بلا تصرف في عباراته: # شكرا للخديو ولدولة بريطانيا العظمى وللجنرال جوردون. كل أملاكنا التي انتزعت منا ~~سترد إلينا، يا أحبابي ويا أهل وطني إني أبعث إليكم ms252 أولادي الثلاثة مصحوبين برقيم إلى ~~الجنرال جوردون، فدعوهم يصلون إليه وسهلوا سبلهم، وأقسم عليكم باسم النبي وأسماء أجدادي ~~الذي أكرموا الأسراء أن ترافقوا جوردون إلى كورسكو وأن تعاونوه حتى يعلو متن النيل. كل ~~معاملة تسيء الجنرال فهي تكسر خاطري إلى الأبد، وأنا وعيالي هنا رهن إلى أن يعود ~~الجنرال جوردون، فإن عاد صحيحا سالما فمحمد يحفظكم أبد الآبدين. ا.ه! # وأنا أتبرأ ما في هذا الرقيم # 1 # ونسبته لزبير باشا، فإنا نعرف الرجل مسلما فقيها في دينه عالما بفروضه، ~~وهو من سلالة العباس عم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي نفسه حزازات مما نكاه به الجنرال جوردون ~~عندما كان حكمدار السودان، وليس من أحد يحفظ تاريخ جوردون ويحصي سيئاته كزبير باشا، ~~علمنا ذلك منه وهو يتنفس الصعداء من ذكرى مصائبه أيام كنا في مصر. # فكيف يمتدح الإنجليز ويشكرهم وكيف يقوم بعمل يعود بالمنفعة عليهم اغترارا بما وعده ~~من رد أملاكه إليه وهو يعلم أن كل ما يفيدهم لا يزيد قدمهم إلا رسوخا في أوطانه، ومن ~~لاحظ أسلوب الرقيم تبين له أنه ليس بأسلوب عربي، خصوصا ما جاء في خاتمته من الدعاء، ~~فإنه لم يعرف في عبارات المسلمين ما يشابهه، فمحمد لا يحفظ أحدا بل الله على كل شيء ~~حفيظ، فلا يبعد أن عدو الزبير أراد أن يشوه سيرته فرماه بهذه النسبة أو أن يكون الرقيم ~~من مخترعات بعض الجرائد الأوروبية للتلميح! # | الفصل السادس والستون # صراع بشأن تثبيت الاحتلال! # وجاء في برقية من برلين إلى جريدة «جازيت دوكولوني»: ثبت أن من عزم دولتي فرنسا ~~وإنجلترا أن تتفقا قبل انعقاد المؤتمر على موضوع البحث فيه، كما اتفقت دولتا روسيا ~~وإنجلترا على مدار النظر في مؤتمر برلين قبل انعقاده بواسطة اللورد سالسبوري والكونت ~~شوفالوف، كل من الدولتين المتفاوضتين تمد نظرها إلى ما عسى أن تئول إليه مداولات ~~المؤتمر وتحدده وتقدره (ثم تدخل فيه على أن تكون الغاية ما قدرت). # ربما حلت الدعوة إلى المؤتمر محل القبول عند بعض الدولة إلا أن رضاء الباب العالي ms253 ~~شرط في قبول حكمه والتسليم لقضائه، ولو أن دولتي النمسا وألمانيا أو الدول جميعها ~~قضت بأن يكون من قواعده الأساسية إجابة جميع الدول التي دعيت إليه مؤقتا لم يكن ~~قاضيا بوجوب الإذعان لما يبرمه، وهذا هو شأن المؤتمر بالنسبة إلى الباب العالي على أية ~~حال. # وقالت جريدة التايمس: تيسر لوزارة إنجلترا أن تتغلب على مجلس النواب، لكن ليس لها ~~أن تعتمد على هذا الظفر الهين وعليها أن تستفيد في مدة البطالة لعيد العنصرة فتنجو ~~بما تستفيده من الخطر العظيم الذي ربما يحيق بها من المفاوضات الجارية بينها وبين وزارة ~~فرنسا، وتساهلت الوزارة في عقد عهدة تخالف مصالحنا مع شركة قناة السويس ثم نجحت في ~~التملص من قيودها ومزقت المعاهدة وتركت مسيو ديلسبس على أرض قفراء. # وليس بالسهل عليها أن تسلك اليوم ما سلكت في تلك الأوقات، فلو رفض البرلمان ما ~~انتهت إليه المفاوضات في المسألة المصرية لما أمكن للوزارة أن تبقى في مساندتها، وإذا ~~تعذر الوصول من هذه المفاوضات إلى غاية صالحة أمكن الوزارة أن تتنحى عن العمل. # أما فرنسا وسائر الدول فليس لها أن تطالب مجلس العموم في إنجلترا بمنحة شحت بها ~~نفوس أهالي بريطانيا كافة ورفض السماح بها عموم الآراء في بلاد الإنجليز (يريد بالمنحة ~~ما تفضل به وزراء إنجلترا على الدول من دعوتها للمباحثات في أحوال مصر). # | الفصل السابع والستون # الثبات الثبات # حملت قوة الثائرين على مدينة بربر فافتتحتها بعدما فتكت بجميع حاميتها ولم يبق ~~موضع للريب في استيلاء أعوان محمد أحمد على تلك المدينة، وبعد تمكنهم فيها زحف ~~منهم ثلاثون ألفا لمهاجمة دنقلا، وفي برقية من كورسكو إلى التايمس بتاريخ 13 يونيو أن ~~محمد أحمد يزحف بنفسه مع خمسة وثلاثين ألفا لفتح دنقلا وله أمل في الفوز قبل أن ~~يهل رمضان، وقد بعث برقيم إلى مديرها وسماه أميرا عليها سنة السلطنة فيها مع ما ~~يليها. # وانقطع الطريق بين دنقلا ووادي حلفا وامتنع سلوكها، وأيست الحكومة المصرية من ~~صيانة تلك المدينة فأصدرت أوامرها بتمهيد سبيل لرجوع حاميتها ms254 إلى مصر، وشعرت حكومة ~~إنجلترا بتعاصي الفتنة فعملت على إرسال نجدة لإمداد حامية الخرطوم، كما أكدته جريدة ~~«المورننج بوست» الإنجليزية قنوطا من نجاحها، وعثمان دجمة يشتد عضده يوما بعد يوم ~~وله في كل ليلة هجمات على مدينة سواكن بل وعلى بعض المراكب في البحر. # أخبار ما نزل ببربر وما يتوقع نزوله بدنقلا وغارة الثائرين على معسكرات الحكومة في ~~وادي حلفا؛ كل ذلك أحدث اضطرابا شديدا في أسوان، وهيجانا في خواطر الكافة من أهل ~~الصعيد، وربما يخشى من وقوع ما لا تحمد عاقبته على الناكثين. # هذه مرابك الإنجليز في مصر، وهم في أوحالها لا يفترون عن السعي إلى ما يثبت قدمهم ~~فيها، وجاء في برقية إلى وكالة هافاس أن الجند المصري دخل بأسره تحت إمرة الجنرال ~~إستفانوس (قائد جيش الاحتلال الإنجليزي) فصار الجنرال كأنه وزير الحربية وتحول ~~الجند الوطني إلى إنجليزي وجيش الاحتلال إلى حامية مصرية. # ثم هم يسعون لإلزام توفيق باشا بنصب ثلاثة مفتشين من الإنجليز، أحدهم في القاهرة ~~والثاني في مصر السفلى (مفتش وجه بحري) والثالث في مصر العليا (مفتش وجه قبلي)، على ~~أنهم لا يعزلون إلا بأمر من إنجلترا، فتنقلب الإدارة إنجليزية محضة لا يبقى فيها لحكام ~~مصر إلا نهاية حال الذليل الامتثال والطاعة. # تصرفوا في الأراضي المصرية العثمانية تصرف المالك فمنحوا منها بقاعا وفرضا على ~~البحر لملك الحبشة، وحالفوه على أن يسوق جيشا ينازل المسلمين في أراضيهم، رجاء ~~تذليلهم وإخماد أنفسهم، وفي أثناء هرولتهم إلى مطامعهم يثيرون في أعين الدول غبارا، ~~ويرفعون جلبة، ويصيحون بأن لا غرض لنا إلا إقرار الراحة وإعادة النظام، ويقيمون الحجة ~~على إخلاصهم برغبتهم إلى الدول في مساعدتهم على حل بعض المشكلات المالية، مع أنهم لا ~~يرغبون عقد المؤتمر إلا لينالوا منه ما يزيد قدمهم رسوخا في مصر. # وعلموا أن لفرنسا مصلحة في مناوأتهم فطفقوا يهددونها بالتحالف مع ألمانيا أو التقرب ~~إليها إن لم تتساهل معهم؛ ليحملوها بالتهديد على الرضاء بإبقاء عساكرهم في مصر إلى سنة ~~1888 تحت اسم إقرار الراحة، على شرط ms255 أن لا يكون بعد مدة إلا بإجماع جميع الدول التي ~~يكون لها نواب في المؤتمر، بحيث لو وافقهم إحداهن على إطالة المدة فيما بعد لكفى في ~~تمديد الأجل أو إطلاقه. # وليس بخاف ما يقصدون من هذا الشرط؛ فإنهم يعلمون في اختلاف مصالح الدول وتضارب ~~السياسات ما لا يعدمون معه وسيلة لإرضاء دولة واحدة في زمن من الأزمان بالموافقة على ~~مد الأمد، ولا نخال دولة فرنسا يقف نظرها دون هذا الحجاب الرقيق وهو يشف عن ملم ~~عظيم لا تسلم منه مملكة من ممالكها في المشرق، ولا نظنها تذعن لقبول هذا الشرط، وإن ~~قبلته دولة لا مصلحة لها في مصر ولا يهمها إلا معاكسة فرنسا. # فكأنما سلك تصرف الإنجليز من خمس سنوات في سلسلة من الألاعيب نهايتها للتسلط على ~~مصر في هذا المؤتمر بدعوى ثروة المالية المصرية، وإن عجزها من الخيانة فيها، وتوسلوا ~~بذلك لانقلاب في هيئة الحكومة، ثم ألجئوا عرابي للدخول في العصيان ليعتلوا به في الزحف ~~لتأييد الحاكم، ثم وسعوا دائرة الخلل؛ ليكون وسيلة إلى سلطة لا تحد يؤملون نيلها في ~~هذا المؤتمر. # زينوا للدولة العثمانية أن تصول على السودان مع وجود عساكرهم في مصر، ثم تخرج وقد ~~مهدت لهم مصر والسودان معا، فلما لم تنخدع لهم وحق لها أن لا ترضى، شدوا عليها ~~بالتهديد قائلين: إنهم لا يسمحون لعسكري تركي أن يذهب إلى السودان من بعد، ولو لم تقبل ~~الدولة العثمانية حضور نائب لها في المؤتمر على أنه منحصر في المالية فإنه سينعقد بدون ~~رضاها. # ولئن كان الإنجليز صادقين في طلبهم إقرار الراحة في مصر لوكلوه إلى عساكر العثمانيين ~~وفوضوا الأمر لحازم حاذق من أمراء المصريين؛ فإن في ذلك إطفاء للفتن وتثبيتا للسلم، ~~ولا خوف من الدولة على الاستقلال المصري فليس من شأنها أن تنقض عهد دولة واحدة في هذا ~~الوقت فضلا عن عهود الدول. # ولكن لا يهولن الدولة هذا التهديد، فدعوة محمد أحمد بلغت في الهنديين وتغلغلت، ~~وخبر قرب الروس منهم ملأ آذانهم، والإنجليز يتوقعون الفتنة فيهم ساعة ms256 بعد ساعة، والقوة ~~الإنجليزية قاصرة عن مدافعة محمد أحمد، فلو ثبتت الدولة العثمانية لخضع الإنجليز لقوة ~~الحوادث رغما عنهم، فإنهم يفرقون من أن يشاع عنهم أنهم مضادون للدولة العثمانية، ~~فالثبات الثبات والله المستعان. # | الفصل الثامن والستون # برهمن لاهور # قد انكشفت لفندت اللاهوري (صاحب جريدة أخبار عام) أن ما أنذرنا به عند دخول روسيا في ~~مرو من وشك دخولها في سرخس ليس من قبيل كان ويكون وسيكون، فقد دخلت روسيا مدينة ~~سرخس برضاء من التركمان - كما قدمنا في العدد الماضي - فليس له أن يستبطئ سير الهول ~~الشمالي ليدكدك أسوار الحكومة التي يظهر المدافعة عنها (وهي الحكومة الإنجليزية)، ~~فعما قريب تظله هبوة الزحف في أرض بنجاب تحت جدران، وله بعد أن رأى ما رأى من صدق ما ~~نقول أن يطمئن إلى ما ننبئ به فيما بعد؛ فإننا نحكي عن طبائع الأمم وحقائق السياسة ~~ومقتضياتها وليس يغني ظنه من الحق شيئا. # | الفصل التاسع والستون # هذا # سررنا بملاقاة أفاضل من أرباب الجرائد في مصر أتوا إلى أوروبا ليحضروا مؤتمرا في ~~لندن، ويقفوا على دقائق المفاوضات التي تجري فيه متعلقة بالمسألة المصرية، وينشروها مع ~~ما تجود به قرائحهم من الرأي الصحيح في جرائدهم تنويرا للأفهام، وتنبيها للأفكار، ~~فحمدنا سعيهم، وشكرنا صنيعهم، وأعظمنا همتهم في خدمة البلاد المصرية، قياما بما فرضته ~~عليهم الجامعة المشرقية، وما أوجبته ذمة الجوار، وإن لم يكونوا ممن نبت في تراب مصر، ~~ولا جبل من طينتها. # ولكننا أسفنا غاية الأسف على احتمالهم لهذا العمل العظيم أفذاذا بلا معززين لهم ~~من أبناء الديار المصرية، لا من المسلمين ولا من المسيحيين، أولئك الذين حفت بهم ~~المكاره وداهمتهم مغيرات الرزايا من كل جانب، ولهم في البلاد نسب صريح، وورثوا ما ~~أقاموا فيه عن آبائهم وأجدادهم من أجيال طويلة، وفيهم عارفون باللغات الأجنبية على ~~اختلافها، ومنهم من نال شرف المعرفة على نفقة بلاده، وإنما كانت تعده البلاد لمثل هذه ~~المهمات. # ألا يوجد بينهم شاب يغلي دمه وتجيش أحشاؤه لما نزل بدياره وبني وطنه مما يتألم له ms257 ~~العالم أجمع؟! أو إن لم يكن هذا ففتى يعظم همه، ويسمو عزمه، فيطلب ذكرا رفيعا، ~~وثناء باقيا، فتنهض همته للشكاية من مصابه ومصاب إخوانه، أو لإرشادهم إلى ما به من ~~النجاة، وما يتوسلون به إلى الخلاص؟! # ألا يوجد شيخ قضى وطره من الدنيا وفاضت عليه البلاد بخيرها؛ يتذكر نعم الأوطان ~~عليه، فينبعث لأداء شكرها بما يستطيع من خدمتها؟! ألا يوجد من هؤلاء وهؤلاء أغنياء لا ~~يخافون إعداما فيتسامحون في بذل شيء من فضل ما لهم ينفقونه على أنفسهم في طلب الإنصاف ~~لدى الدول التي يهمها النظر في شئونهم؟! # ألا يوجد فيهم من ورث عن آبائه ثروة واسعة وهو يبددها فيما لا يعود عليه بمجد ثابت ~~ولا شرف دائم، فيجعل الإنفاق على نفسه في السفر لهذه الغاية المحمودة داخلا في دائرة ~~إسرافه. # يا عجبا، ما هذا الخمول؟! ولم هذا الانزواء للذهول عما رزئت به أوطانهم؟! كيف ~~وأسنة الحوادث مصوبة إلى أفئدتهم؟! وألسنتها تلغ في دماء قلوبهم العوز والحاجة؟! ~~كيف وإنا نعرف فيهم الأغنياء الموسرين، ومن لا تنفد ثروتهم إلا بأيدي أعدائهم ~~المتغلبين، إذا استمروا في تماديهم هذا الشح والحرص؟! # كيف وفيهم الأسخياء ومن أشرفوا في البذل على الإسراف والتبذير فيما لا ينالون منه إلا ~~مدحة في الوجه، ورفعة لا وجود لها إلا في الوهم؟! الخوف والجبن. # كيف وقد بدا لهم أن الخطر في سكوتهم أشد من الخطر في عويلهم وصياحهم، الراحة مفقودة، ~~والنظام مختل، والحقوق ضائعة، والفتن محدقة بهم، والأجانب ضربوا خناجرهم على حناجرهم، ~~فلو لم يتداركوا أنفسهم بالسعي في كشف هذه البلايا لأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، بل ~~الخطر كل الخطر إنما هو في إهمال مصلحة الوطن وليس على ساع في خير وطنه وملته في خطر ~~إذا أتي البيوت من أبوابها، وطلب الغاية بأسبابها، فمن أي شيء يخافون، وأي سلطة ~~يرهبون؟! # إن لم يكن لجراح الوطن أثر في أفئدتهم فأين الإحساس الطبيعي المودع في نفوس البشر، ~~الباعث على المباراة والمنافسة؟! إنا لله وإنا إليه راجعون. # | الفصل السبعون # العدالة الإنجليزية! # الركون ms258 إلى العدالة والسكون إلى الأمن والراحة؛ من الأمور الطبيعية في الإنسان، وهذه ~~حقيقة أدركها الجنس الإنجليزي الشريف، لهذا تراه يجوب الأقطار ويتقلب في الأمصار ~~حاملا على أحد عاتقيه علم العدالة وعلى العاتق الآخر لواء الأمن والراحة، رجاء أن ~~يملك أهواء العالم أجمعين، وينال الكرامة في جميع أنحاء المسكونة. # إلا أنا نعجب غاية العجب لجفلة الناس من ألوان هذه الأعلام، وفزعهم من الاستظلال ~~بظلها، ومن تفيأه يوما فزع للانتباذ عنه في آخر ولو لفحه لهيب جهنم، هؤلاء الأيرلنديون ~~من جنس الإنجليز وعلى دينهم، وينطقون بلغتهم ولا يوجد بينهم وبين سكان بريطانيا ~~العظمى فرق إلا فيما لا يعد الاختلاف فيه خلافا حقيقيا من عقائد المذهب ~~الكاثوليكي والبروتستنتي، ويصح أن يقال: إنه خلاف في فروع الدين لا في أصوله. # وجزيرة أيرلندا تعد جزءا أصليا من مملكة بريطانيا، وسكانها يعدون عنصرا داخلا في ~~قوام الأمة، وعليهم بسط جناح المرحمة الإنجليزية من أجيال طويلة حتى حسب الجميع أمة ~~واحدة، ومع ذلك ترى آلافا مؤلفة من الأيرلنديين يهجرون أوطانهم ويهاجرون إلى أمريكا ~~ويتخذونها سكنا لهم؛ فرارا من عدالة الإنجليز. # وكل يوم ترى المحترقين بنيران الحمية منهم يخاطرون بأنفسهم في أعمال يقصدون بها هدم ~~السلطة الإنجليزية وإهلاك القائمين بها، وفي كل يوم يخدون الأخاديد ويدفنون المواد ~~الملتهبة (الديناميت) في أماكن مختلفة من مراكز الحكومة وطرق مسير الكافة من الإنجليز، ~~تارة تحت قصر الملكة، وأخرى في مقاعد الوزراء، وطورا تحت دار الندوة، وآخر في جسور ~~السكة الحديدية؛ ليدمروا كل مكان بمن يقله. # وزاد ذلك حتى أفزع الحكومة في هذه الأيام، وما من مدة تمضي إلا وتسمع بمواقع بين ~~عساكر المحافظة الإنجليزية في أيرلندا وبين الأهالي، ومنها ما حدث في ثامن هذا الشهر ~~(يونيو) من معركة بين العساكر والعامة جرح فيها كثير. # هل جلاء الأيرلنديين وتهافتهم على الموت وسآمتهم من الحياة في معاندة السلطة ~~الإنجليزية ناشئ عن نفرتهم من العدل وكراهتهم للراحة والميل إليهما طبيعي في فطرة ~~البشر؟! أظن لو كان عدلا حقيقيا يعرفه بنو الإنسان لما نبت عنه ms259 الطباع، ولا آثرت ~~الأنفس الموت على التمتع به، ولا طلب الخلاص منه أقوام يتحدون مع أرباب السلطة في ~~الجنس واللغة والدين، ولا فضلوا عليه مهاجرة الأوطان واحتمال آلام الغربة، ومشاق التطوح ~~في أراض لا يجدون فيها من العيش إلا لماجا (أدنى ما يؤكل). # ولكنه عدل تفرد به الإنجليز من بين الحيوانات الناطقة، من أحكامه أن توضع الجزية على ~~كنائس الكاثوليك تؤديها إلى كنائس البروتستانت عن يد وهي صاغرة، واستمر ذلك إلى عهد ~~قريب، ومن مقتضياته أن يكون الأيرلندي خادما بل عبدا رقا لأمراء البريطانيين لا ~~يتركون له من لوازم الحياة إلا ما يشتغل به لتنمية ثروتهم وتوفير لذتهم. # إن كان هذا العدل لا يوافق أذواق المتفقين معهم في الصفات السابق ذكرها، فكيف ترجى ~~ملاءمته لأذواق الذين لا نسبة بينهم وبينهم، ولا صلة تجمعهم، لا في لغة ولا جنس ولا ~~دين؟ هذا النوع البهيج من العدل ظهرت له آثار في البلاد الهندية: دخلها الإنجليز ~~وهي أغنى أرض في العالم، وأخصب تربة في المسكونة، وسكانها أنعم الناس عيشا، وأوسعهم ~~ثروة، فإذا هي اليوم بسر العدالة كأنها صفاصف وأمرات (أرض لا نبات بها). # أهاليها حفاة عراة أذلاء، رضوا من المعيشة بالشظف، ومن القوت بالعلف، وما يجدون ما ~~به يقنعون، تراهم بعد ما سلبوا أملاكهم، وابتزوا ثروتهم، واستأثر الإنجليز بجميع ما كان ~~لهم، يطلبون التعيش في المهن الدنيئة ولا يصلون إلى ما يطلبون، يكون منهم الكاتب المنشئ ~~البليغ الحاسب يقطع الأرض سعيا من بلد إلى بلد ومن ولاية إلى ولاية ليحصل خدمة ينال من ~~أجرها ثلاثين فرنكا في الشهر، ولا يسعده الحظ بنوالها! # ومن سنتين دخلوا مصر وهي أرض الراحة والسلام، وأهلوها في رغد من العيش، وأمن من ~~الغوائل، فإذا هي اليوم - ببركة العدل الإنجليزي، وحسن الإدارة البريطانية - أرض ~~الفتن، ومجالات الحروب، ومضارب الخلل والفساد، قضت العدالة بحرمان آلاف من الوطنيين ~~وطردهم من وظائفهم في الحكومة، وهم ذوو أهل وعيال لا عيش لهم إلا من رواتب الخدم ~~الوطنية، وحل محلهم في الوظائف أخلاط من ms260 الإنجليز. # وكسدت أسواق التجارة، وغلت أيدي الزارعين عن العمل في الفلاحة بفقد الأمن وعموم ~~الاضطراب، وامتنعت الأرض عن الإنبات بإهمال الأعمال العامة، واستولى الفقر على ~~الفلاحين حتى عجزوا عن وفاء ديونهم وقصرت أيديهم عن أداء ما عليهم من الضرائب ~~لحكومتهم. # ومع كل هذا ترى الإنجليز لا تأخذهم ريبة في أنهم عادلون قوامون بالقسط، وأن حلولهم في ~~أي قطر وسلطتهم على أي شعب مقرونة بالسعادة والرفاهة والأمن والراحة، ويعجبون كل ~~العجب من انحراف المصريين عنهم ونفرة قلوبهم منهم، ويقولون: يا سبحان الله! كيف يوجد ~~بين جمعيات سرية أو جهرية تتخالف على بعضهم وتجتمع الألفة من العبودية لهم؟! وكيف يختلج ~~في خاطر مصري أن ينقم على الإنجليز؟! # ولما أحسوا بحركة الخواطر واشتعال الحمية في نفوس بعض المصريين وتوجسوا الخيفة من ~~إقدامهم على كلمة الحق، وهي بلادنا لنا، ونحن أعلم بمصلحتنا من غيرنا، ولا نريد أن نكون ~~طعمة للإنجليز؛ أرادوا أن يقيموا برهانا على عدلهم ويوطنوا النفوس على الرضا بحكمهم ~~ويمحوا كل ضغينة من قلوب المصريين، بالقوة العسكرية، كأنهم بإطلاق النيران وسل السيوف ~~يودعون في القلوب محبة، وفي النفوس رضاية، وهي طريقة جديدة في إزالة التنافر ~~وإيجاد التآلف، وربما كانت سنة قديمة عند الإنجليز. # وجاء في برقية من مراسل التايمس في القاهرة أن العساكر الإنجليزية انتشرت في شوارع ~~القاهرة شاكية السلاح لتعزيز قوة حفظ الأمن، والحامل على ذلك ما تأكد عند حفاظ الأمن من ~~الإنجليز أن في تلك المدينة جمعيات جهرية أو سرية، أو أن فيها أشخاصا مصريين يحبون ~~بلادهم ولا يودون أن يكون السلطان في حكومتها لأجنبي عنهم، خصوصا إن كان ظالما ~~فيهم. # أو أن في تلك المدينة من يخطر بباله أن يقول كما يقول أدنى رجل من الإنجليز: إن مصلحة ~~وطننا مقدمة على كل مصلحة، أو أن فيها من يحدث نفسه بأن الإنجليز لا خير في ولايتهم، ~~ويرى شقاء بلاده في سوء إدارتهم. # فهاج غيظ مأموري الإنجليز وبعثهم على الشدة في طلب الوقوف على مكامن أولئك الذين لا ~~يميلون إليهم ليؤاخذوا ms261 كل ذي سريرة بما اختلج في صدره من الانتقاد على أعمالهم، ومن ~~عزمهم أن يستعملوا من أجهزة الإضاءة ما يشرق به النور ليلا في كل شوارع المدينة ~~وأزقتها، من القلعة إلى أضيق حارة فيها، ليحققوا ما ظنوه ويكشفوا ما توقعوه (وهم ~~في عملهم هذا يراعون مصلحة المصريين ويأسفون على حالهم، حيث كفروا نعمة النظام ولم ~~يعترفوا للإنجليز بهذا الإحسان الذي تفضلوا به عليهم من مدة سنين ويأسفون)، ويرون من ~~العدل أن تشرب قلوب المصريين مودتهم بقوة السلاح حتى تكون سيئاتهم حسنات، وربما لا يتم ~~لهم من ذلك ما يقصدون. # | الفصل الحادي والسبعون # إنجلترا وفرنسا # أصغت آذان الراغبين في الوقوف على نهاية الحوادث المصرية لاستماع ما يتحدث به بين ~~الحكومات الأوروبية من يوم دعت إنجلترا جميع الدول العظام للاجتماع في مؤتمر ينظر في ~~بعض المسائل المصرية، إلا أنها منعت دون حجاب الكتمان، وإنما كانت تصل إليها دندنة أو ~~جلبة أو غمغمة أو جمجمة، وكل حس يصلها يثير رواكد الأوهام فتهيج فيها غرائب الصور ~~والأشكال. # والمذاعون من أرباب الجرائد في أوروبا - وهم أشبه بالداعين إلى الألاعيب والكموديات - ~~كانوا يذهبون من الكلام وجوها مختلفة ويتنافسون في التمثيل والتصوير للتغرير والتهويل، ~~حتى أبرزوا الأرض في صورة السماء والسماء في صورة الأرض، خصوصا فيما يتعلق بالمفاوضات ~~التي كانت جارية بين وزارتي فرنسا وإنجلترا، فكان يخيل لمتصفح جرائدهم أن البحار غاصة ~~بالمراكب، والمدرعات يصادم بعضها بعضا، وأن فضاء البر أعضل بالجيوش المتلاحمة لا يجد ~~السالك من بينها سبيلا. # وتجسم الخيال لأرباب الأذهان الحادة، فكان منهم مهندسو حرب يعينون مواقع العساكر وطرق ~~المصاولة وجموع المتلاحمين تجول في أذهانهم يمينا وشمالا ويموج بعضها في بعض، ~~وكأنما كانت مخيلاتهم معرضا لجيوش العالمين، وكأن في كل فوج داعيا وفي كل قبيل ~~مناديا يقول: حقي هذا، فهيعات تتعالى وزفرات تتصاعد وأرغاء وأزباد، وتقطب في الوجوه ~~وشزر في المناظر، وفي كل ذلك هول يأخذ بالألباب. # والعارفون بقوة فرنسا البرية والبحرية والذين يقدرون حقوقها حق قدرها؛ كانوا ~~يعتقدون أن تمثال العظمة البريطانية أصبح ms262 منكس الرأس منحني الظهر قد هوى بهامته إلى ~~ركبته يتوارى من الناس خجلا بما ظهر من ضعفه وعجزه، وأن حكومة إنجلترا ستعود بالخيبة ~~(وإن أعدت فيالق من التهديد وجحافل من الأوغاد). # وتقوت هذه الأوهام بما يطنطن أرباب الجرائد، وولعت النفوس بالوقوف على ~~الحقيقة، وانبعثت رسل الأفكار تجوس خلال الشئون والأطوار، لتصل إلى شيء من هذه الأسرار ، ~~واجتمعت الأرواح في الآذان؛ لعلها تسترق سمعا عن تلك المداونات، وكمنت كل نفس في مشكاة ~~باصرتها؛ لعلها تستشف من وراء الحجاب ما ينبئ عن الحقيقة أو يقربها من الفهم، والجميع ~~واقفون وراء حجاب هذا الملعب الشائق، وبعد طول الانتظار كشف الستار. # فإذا عائدة الإنجليز جالسة في هيكل آمون، وبيدها تاج يحكي رأس الثور (تاج الفراعنة) ~~متهيئة أن تضعه على رأسها، والملوك العظام وقوف بين يديها مستعدون لتهنئتها، ~~كأنما كانت هذه المفاوضات والمخابرات إعدادا وتجهيزا لإجلاسها على كرسي مينا ~~الأول ورمسيس الأول - لا حول ولا قوة إلا بالله. # قام رئيس الوزراء الفرنسي في مجلس النواب خطيبا؛ لبيان الاتفاق الذي عقده مع حكومة ~~إنجلترا ليرى النواب رأيهم، وقبل ذكره أنفق ما لديه من البلاغة والفصاحة وحسن البيان ~~لإقناعهم بقبول ما أجرا. # تلطف في الكلام وأبدع وصوب وصعد وأتى على ترغيب يشوبه ترهيب، ويأس يحوطه أمل، ~~وأدرج في طي خطابه أن فرنسا قبل هذا العهد الجديد لم تكن على شيء، وبه نالت أشياء، ~~وأومأ إلى أن وزارته لو طلبت أزيد مما حصلت لأدى الأمر إلى ممانعة الحكومة الإنجليزية ~~وأفضى الخلاف إلى انقلابها، وربما يخلفها وزارة تطمح إلى الاستيلاء على مصر. # وجاء في نطقة بما حرك الطباع ومال بالأسماع حيث قال: يلزم لسياسي قبل إبرام حكم أن ~~يلاحظ جميع أطرافه ولواحقه، فهذه الكلمة الرفيعة جددت في السامعين آمالا وظنوا أن ~~المراقبة الثنائية قد أعيدت، أو تقرر اشتراك فرنسا مع إنجلترا في الاحتلال العسكري، أو ~~إبرام الحكم بخروج الإنجليز من مصر، وبالجملة أنهم فازوا فوزا عظيما. # وبعد مقدمات طويلات # 1 # بين الاتفاق فإذا هو - بعد إمعان النظر - على هذا ms263 النحو: إن الإنجليز سادات ~~مصر يفعلون فيها ما يشاءون، وليس لنا أن نعارضهم، فلا المراقبة الثنائية عادت، ولا ~~الاشتراك في التداخل العسكري أو النظر الإداري حصل، ولا قررت حرية القتال على أصل ثابت، ~~ولا تحقق جلاء الإنجليز على صورة قطعية، ولا تأصلت مراقبة دولية كما كان يتوهم بعض ~~السياسيين، بل كما كان يلجأ إليه الإنجليز عند نهاية العجز على ما أشار إليه كثير من ~~سياسييهم، فانقبضت صدور النواب. # فلما رأى # 2 # شدة تأثرهم دفعة واحدة وأحس منهم القنوط، حاول إحياء آمالهم بقوله: إنا ~~سلكنا في اتفاقنا هذا مسلك سائر الدول، ومن السنن المتعبة فيها تنازل كل من طلاب ~~الاتفاق عن شيء مما عليه الاختلاف حتى يتقاربوا ويتعادلوا فيسهل اتفاقهم، يوهم بهذا أنه ~~وإن ترك كل حق لفرنسا في مصر إلا أن الإنجليز أيضا تساهلوا معه في أمور. # هذه المسامحة التي لم تكن منتظرة من حكومة فرنسا ذهبت بالظنون إلى ما وراء الظاهر ~~المعروف، ومنه ما بعث مراسل جريدة «التاج بلات الألماني» في فيينا على قوله: يظن ههنا ~~(في فيينا) أن الدول ستعارض هذه الاتفاق رغما عن كل وهم. ا.ه. # وليس ببعيد أن يكون نعير الإنجليز وهديدهم وإرهابهم للوزارة الفرنسية بالميل للألمان ~~هو الذي دعاها لهذا التساهل الغريب، بل حملها على ترك الحق بالكلية، أو ربما ظن ~~رئيس الوزراء أن اشتداده في اقتضاء حقه أو حق من له بهم علاقة صحيحة يوجب تغييرا في ~~وزارة جلادستون، فيقوم خلفها على الاغتصاب بالقوة وانتهاك كل حق، فتضيع الحقوق الفرنسية ~~بلا منة من فرنسا في ضياعها، فسارع إلى موافقتها على ما تشاء، وطرح مصلحة فرنسا في مصر ~~بين يديها لتكون المنة في استيلاء الإنجليز على مصر للفرنسيين. # ولكنا نظن أن هذا النوع من المعاملة لا يفيد فرنسا أكبر مما يجلب عليها من الضرر؛ فإن ~~التساهل وسوء السياسة الذي كان من الحكومة الفرنسية مع بريطانيا في الهند عندما كان ~~للأمتين منافسة فيه آلت إلى تغلب الإنجليز على جميع الممالك الهندية، ورجع الفرنسيون ~~بخفي حنين، ولم ms264 يمح أثر ذلك الخسران من خواطر الأمة الفرنسية إلى الآن، والمستقبل ~~أشبه بالماضي من الماء بالماء. # وقد يقال: إن الحكومة الفرنسية حولت نظرها عن مصر إلى جهة أخرى، وبقي رجاؤنا في نواب ~~الأمة الفرنسية؛ فإنهم وإن أظهروا ثقتهم بالوزارة بعد مجادلات طويلة إلا أنهم شرطوا ~~عليها أن لا تبرم حكما في المؤتمر إلا بمشورتهم - اللهم حقق الرجاء - وإنا في عجب من ~~حرص مجلس البرلمان الإنجليزي حيث يعارض جلادستون في هذا الاتفاق مع أن أقرب نتائجه ~~الاستيلاء، وقد طلب البرلمان من جلادستون مثل ما طلب نواب فرنسا من وزيرها. # أما حقوق العثمانيين والمصريين فلم نر لها بين المتفقين ذكرا، اللهم إلا أن يقوم ~~أربابها على المطالبة بها، وعند ذلك نرى لها فصلا بين هذه الأبواب. # | الفصل الثاني والسبعون # الاتفاق # عهد بين وزارتي فرنسا وإنجلترا، تواطأنا عليه؛ ليكون موضوع البحث في المؤتمر، ~~وأشرنا إلى أن غايته تنازل فرنسا عن جميع حقوقها في مصر ونفض يديها من كل مصلحة لها ~~فيها، والاعتراف لإنجلترا بالسيادة عليها وإن لم تذكر حروف السيادة، وهذا ما يحتوي عليه ~~من المواد: # الأولى: # أن يستمر حلول الجيش الإنجليزي في الأراضي المصرية إلى أول يناير سنة ~~1888 (ثلاث سنوات ونصف)، ثم لا يخليها إلا بعد انعقاد مؤتمر جديد من ~~نواب الدول العظام يتفقون فيه على أن الإخلاء لا يضر بالنظام الداخلي ~~لمصر ولا بالعلاقات السياسية بين الدول، فإن حصل اختلاف ولو من دولة ~~واحدة ترى ضرورة إطالة المدة كان الخيار لدولة إنجلترا في الجلاء أو ~~البقاء. # دولة إنجلترا هي الدولة التي أطلقت مدافعها على مدينة الإسكندرية ~~والمؤتمر منعقد # 1 # في الأستانة من رجال الممالك العظيمة وفيهم نائب فرنسا، ~~ولم توقر المؤتمر ولم تراع حرمة الدولة ولم تتفق مع واحدة منها على ~~العمل الذي باشرته، فهل يعجزها في خلال هذه المدة الطويلة أن تستميل ~~دولة من الدول إليها، حتى إذا انعقد المؤتمر بعد ثلاث سنوات ونصف ذهبت ~~إلى أن إخلاء القطر المصري من العساكر الإنجليزية يخشى منه على نظام ~~البلاد أو ms265 سلم أوروبا، فيكون حجة لإنجلترا في إطالة المدة وإن خالفها ~~بقية الدول ومنطوق الشرط يؤيد حجتها. # وكيف يمكن لبقية الدول إذا خالفت إحداها أن تلزم دولة بريطانيا ~~بالخروج من ديار مصر بعدما غلت أياديها بتقرير هذا الشرط وكتبت على ~~نفسها أن الجلاء لا يكون حتما إلا إذا اتفقت عليه جميع ~~الدول! # السياسات في أوروبا سريعة الانقلاب، والمنافسات لا تقف عند حد يحيط ~~به النظر، ومطامع كل من الدول لا تنتهي عند غاية، فليس ببعيد - بل هو ~~أقرب من كل قريب - أن توجد دولة في دول أوروبا تشد عضد إنجلترا على ~~دعوى أن إخلاءها لمصر يحدث هزة في سلام أوروبا، وربما تكون تلك الدولة ~~هي الدولة القوية التي يصعب على سائر الدول مخالفتها، ولا تجد فرنسا ~~عند ذلك موئلا تلجأ إليه سوى الرضاء والتسليم. # إذا فرضنا عجز إنجلترا عن استهواء دولة أوروبية توافقها على المكابرة ~~في أحوال مصر، وأن سياسة أوروبا وقفت على حالتها في وقتنا الحاضر، وأن ~~جميع الدول تحالفت على قول الحق، فهل تعجز دولة بريطانيا وهي هي عن ~~أن تثير شغبا في بعض الأرجاء المصرية بأن تغري مالطيا بقبطي أو ~~روميا بفلاح أو حمار، فتسيل قطرات من الدماء تخيل كل قطرة منها بحرا ~~وتنادي أن للفتن مثارات وللعصيان أمارات والنظام في خطر ولها حق ~~المحافظة عليه، إلى أن تنقلب أرض مصر جنة يكون فيها أمم العالم إخوانا ~~على سرر متقابلين؟! # ولو اعتبر المسيو جول فري بالمعاهدات التي عقدتها إنجلترا مع السلطنة ~~التيمورية وغيرها من ممالك الهند، وكيف أقدمت تلك الدولة على نقضها ولم ~~تبال فيه بعهد ولا ذمة؛ لظهر له أن نقض روسيا لعهدها مع بولونيا ليس ~~شيئا يذكر بالنسبة إلى حفظ إنجلترا لذممها مع تلك الممالك ~~العظيمة. # لو تأمل هذا الوزير في الأعمال الإنجليزية؛ للام نفسه في ~~الاحتجاج بشرف إنجلترا على خلو غرضها وإخلاصها فيما واثقته ~~عليه. # إن لم يكن في خاتمة الشرط سر فلم اهتمت بها الوزارة الإنجليزية ~~وألحت على تثبيتها؟! إن لم يكن لها غرض ms266 في استعمالها وقتها فلم أصدرت ~~أوامرها بمد سكة الحديد من سواكن إلى بربر على نفقة الحكومة ~~البريطانية؟! # إن كان لمسيو جول فري ثقة بمسيو جلادستون واعتماد على عفته وطهارة ~~ذيله، فمن يضمن له بقاءه في رئاسة الوزارة إلى نهاية المدة حتى يوفي ~~بعهده؟! فإذا استعفت وزارة جلادستون لعلة داخلية أو أزمة خارجية ~~وخلفتها وزارة تحت رئاسة اللورد تشرشل أو اللورد سالسبوري، وهما من ~~الطالبين الاستيلاء على مصر أو إعلان السيادة الإنجليزية عليها، فأي ~~مانع يمنعهما من الاستفادة من هذه الخاتمة السيئة في مقصدهما ~~المعروف؟! # المادة الثانية: # ألغيت المراقبة الثنائية وسيعوض عنها بتوسيع السلطة لقومسيون الدين ~~العمومي، فيمنح حق الاطلاع على مصاريف الحكومة والاعتراض على ما يزيد ~~منها عن المقرر في الميزانية، ويكون له ذلك ابتداء من سنة 1885، ~~وميزانية تلك السنة تحصرها حكومة إنجلترا وتعرضها على المؤتمر الدولي ~~ليقرر ما تحويه، على أن يكون قانونا للنفقات لا يخالف إلا لضرورة ~~تخرق النظام. # وفيما بعد سنة 1885 يخول لصندوق الدين حق مساعدة الحكومة المصرية على ~~تحضير ميزانيتها السنوية، بمعنى أنه تعرض عليه قبل تقريرها ليبدي فيها ~~رأيه، إلا أن ما يكون له من الرأي في جميع الأحوال ليس إلا استشاريا ~~محضا لا ينقض ولا يبرم، فإذا انجلت العساكر عن مصر يكون له حق ~~المراقبة على تحصيل الإيرادات جميعا وضبطه على قواعد صحيحة وطرق ~~منتظمة، وبهذا يحوز حقوق المراقبة الثنائية ما عدا الحضور في مجلس ~~الوزراء، ورئيس القومسيون في جميع الأحوال يكون إنجليزيا. # إن كانت مراقبة قومسيون الدين على تحصيل الإيرادات لا تكون إلا بعد ~~انجلاء الجيش الإنجليزي، أفلا يكون هذا أملا من الآمال ربما ينال وهو ~~يكون فيه عوض حقيقي عن المراقبة، وهو من رسوم الخيال وبينه وبين الثبوت ~~أمد غير قصير؟ إن رضيت الأمة الفرنسية بتنقيص فائدة الدين لهذا الأمل ~~الموهوم فقد خسرت كما قالت جريدة «لا جوستيس» خسارة محققة لوعد لا ~~كافل لها بوفائه. # المادة الثالثة: # إحماء مصر والمكافلة لها (ما يعبر عنه بالحياد) بأن تجعل حكومة في ~~إفريقيا على ms267 أصول حكومة بلجيكا في أوروبا، وتحرير القناة، أي إباحته ~~ممرا لجميع مراكب الدول من أي نوع كانت، فإن كانت الدولتان متحاربتين ~~ضرب لبقائها فيه مدة لا يسوغ فيها إنزال عساكر أو ذخائر على حافتيه ولا ~~تباح المناوشة فيه ولا على القرب منه ولا فوق شيء من المياه المصرية، ~~وإن كانت الدولة العثمانية إحدى المتحاربتين. # إلا أن شيئا من هذه القيود لا يحذر أخذ الاحتياط للدفاع عن مصر ~~نفسها إذا دعت إليه أحوال وإذا ألحقت مراكب دولة من الدولة ضررا ~~بالقناة ألزمت بتعويضه، وعلى حكومة مصر أن تهيئ ما يمكنها من تنفيذ ~~الشروط على المراكب الحربية مدة الحرب، ولا يجوز أن يبنى على حافات ~~القناة ولا على مقربة منه معاقل وحصون. # وهذه الشروط جميعها تقرر ويجري حكمها بعد جلاء العساكر الإنجليزية ~~عن وادي النيل، وفاتحة هذا الفصل تنطق بأن الإنجليز إن قصر بهم السعي ~~عن التملك في الأراضي المصرية فقد هيئوا كلاليب لاختطافها من أيدي ~~المسلمين والانقلاب بها إلى قوم آخرين، كما أشرنا إليه في موضع ~~آخر. # هذا الذي صرح به من تشكيل الحكومة في مصر على مثال حكومة بلجيكا هو ~~الأمر العظيم الذي نوهه مسيو جول فري، وقال: إنه من أجل أحكام ~~السياسة وأسماها، وصحيح العقل يرتاب في كونه حكما سياسيا فضلا عن ~~كونه ساميا؛ لما يلاحظ فيه من عواقب المكالبة والشحناء بين الأمم ~~الأوروبية إلى أجيال بعد ما تقرر لديهم أن الشرقي لا يليق به أن يستقل ~~بحكم نفسه! # فإن خدعه الظاهر فربما يرى فيه خيرا لفرنسا أو لأوروبا، بمعنى أنه ~~أفضل لها من التملك الإنجليزي، أما المسلم فيراه نكاية لملته والشرقي ~~يجده خرابا لبلاده، هذا الأود الذي ظهر في سياسة مسيو جول فري لا ~~يقومه إلا حمية الدولة العثمانية واشتدادها في حفظ مكانتها السياسية، ~~وحرص مجلس النواب الفرنسي على حماية المصالح الفرنسية التي يسهل صونها ~~بشيء من العزيمة وبصيص من البصيرة - ولله الأمر يفعل ما يشاء. # 2 # | الفصل الثالث والسبعون # الباب العالي # روت جريدة الديلي نيوز خبرا يسر ms268 كل مسلم يهمه نجاح الدولة العثمانية ويرى عزته في ~~عزتها، وذلك أن الباب العالي يأبى أن يرى جيشا إنجليزيا يحتل مصر، ويرغب إذا اشتد ~~العصيان أن يفوض الأمر إلى الخديو الذي يتبع نصائح الدولة العلية صاحبة السلطة الشرعية ~~عليه. # وكل شرط يرمي إلى جعل مصر تحت حماية أجنبية فليس عند الباب العالي في موضع القبول؛ ~~لأنه يكون تمهيدا لإضعاف سلطة السلطان على تلك البلاد، ويمكن أن يقبل الاتفاق الفرنسي ~~الإنجليزي في غير هذين الأمرين (الاحتلال الإنجليزي والحماية الأجنبية). # وورد في رسالة من مراسل جريدة نوفل بريس ليبر الفرنسية مناقشة جرت بينه وبين أحد ~~السياسيين الروس نقلتها جريدة التان، جاء فيها أن دولة الروس ستقاوم دولة بريطانيا ~~في مطامعها وتؤيد الدولة العثمانية في مطالبها؛ رعاية لمصالحها المرتبطة بمصالح ~~العثمانيين في المسألة المصرية وفي الاتفاق المنعقد بين دولتي فرنسا وإنجلترا. # | الفصل الرابع والسبعون # الإنجليز والإسلام # الحكومة الإنجليزية عدوة المسلمين عداء شديدا لالتهامها الممالك الإسلامية، تغذ ~~المسير إلى آرابها منها سالكة جادتها المعهودة من اللين والمواربة والخديعة والمخاتلة، ~~فإن بلغ بها السعي حدا من الغرض فذلك، وإن عجزت أخذت طريقا آخر لانتزاع قطعة من ~~أيدي المسلمين بأية وسيلة وتسليمها لقوم من سواهم أيا كانوا، كأن لها لذة في نكاية ~~أهل الدين وكأنها تبتغي السعادة في تذليلهم ومحو ما يكون من ملكهم، وكمال بهجتها في أن ~~تراهم أذلاء عبيدا لا يملكون من أمرهم شيئا! # وفي تصانيف جلادستون وخطبه الضافية أيام الحرب العثمانية مع الروس ومقالات أشباهه ~~نبأ، بل أصدق الأنباء عما تكنه صدور الإنجليز من العداوة للمسلمين. # لهذه الحكومة طمع التمكن في أرض مصر، ولها من كل جبل قبضة وفي كل سبيل خطوة لتنال ~~مطمعها، وهمتها اليوم في إرضاء بعض الدول على استبدادها بالأمر في مصر بما تسول ~~لسياسييها من أوهام المنافع وخيالات الفوائد، وفي تثبيط بعضها بالمراوغات والتهديدات، ~~فإن بلغت همتها مبلغ القصد فهو خير ما تطلب، وإلا عقدت عزمها على نقل الولاية في مصر ~~من أيدي المصريين والعثمانيين إلى أيدي أقوام آخرين. ms269 # هذا ما تشير إليه جريدة الديلي نيوز الوزارية (الإنجليزية) عند كلامها عن قناة ~~السويس، حيث تقول: يمكن القطع بحياد القناة على الأساس الموضوع في برقية اللورد جرانفيل ~~المرسلة إلى الدول في 3 يناير سنة 1883، وليست تلك الحيدة إلا حكما من أحكام النظام ~~الذي وضعته الوزارة الإنجليزية ليكون قاعدة تقوم عليها هيئة الحكومة المصرية بعد جلاء ~~العساكر عنها. # ولكن لا يرى الإنجليز في حيدة القناة وحدها ضمانا صحيحا لوقاية مصر من غارة دولة ~~أجنبية عليها، ولا كفالة كافية لاستقلالها، بل يمكن أن يذهب الرأي إلى ضرورة حيدة مصر ~~نفسها بأن تحول حكومتها إلى حكومة سويسرية أو بلجيكية في إفريقيا وتوضع تحت حماية الدول ~~عموما، فتؤمن الإغارة عليها من إحداها إذا آل الأمر إلى هذه الحال - والعياذ بالله - ~~فهل يسمح أرباب الحماية أو السيادة بتفويض أعمال الإدارة والقضاء والمالية للمصريين ~~العارفين بشئون بلادهم؟ كيف نظن هذا وقد سجل عليهم الإنجليز أنهم أضعف من أن يقوموا ~~بعمل جزئي أو كلي في خدمة أوطانهم، وأن من الضروري لحياتهم أن يكونوا آلة صماء في أيدي ~~غيرهم من الأوروبيين؟ # قد يعقب ذلك - لو حصل - تشكيل مئات من المجالس في القطر المصري، كلها تشبه المحاكم ~~المختلطة، أما مجالس الفصل والقضاء - ابتدائية واستئنافية - فالأمر فيها بين، وأما ~~إدارة الداخلية والمالية وفروعها فلا تستقل بها دولة من الدول؛ فإن طبيعة الأمر تأباه، ~~فلا يتولى أعمالها إلا مجالس مؤلفة من أقوام مختلفة الأشكال واللغات متبائني ~~الحكومات، ولو تفضل السائدون على المصريين عند بداية العمل لسمحوا بأن يكون في كل ~~مجلس واحد منهم إلى زمان محدود. # أولئك الأعضاء الأجانب وهم نواب دولهم لا يكون سيرهم إلا كما سار إخوانهم من قبل، كل ~~منهم يستدعي من أبناء جلدته من يستخدمه في وجه من وجوه الأعمال التي يولي النظر فيها، ~~وتقع بينهم المنافسات، ثم تكون المحاباة، كل يتغاضى عما يأتيه الآخر ليتغاضى الآخر ~~عنه، فلا تكون مدة حتى تضيق أرض مصر بالأجانب، ولا يعود فيها مقر لوطني، هذا إلى ما ~~يتبعه من إقامة ms270 عسكر مختلط للمحافظة في المدن والأقاليم، فلا يبقى للمصريين إلا خسائس ~~الأعمال يفلحون الأرض ويعانون الأعمال الشاقة ولكنهم أجراء عسفاء لغيرهم يؤدون ثمرات ما ~~يكسبون إلى من لا يعرفون، يخرجون عن جميع ما كانوا نالوه في الأزمان الأخيرة من عهد ~~محمد علي إلى الآن، ولا يمر زمن طويل إلا يصبحون كسكان الأمريكتين ينحسرون إلى بعض ~~الأطراف القاصية عن العمران أو يندمجون مع الأجانب، فلا يوقف لهم على أثر صحيح، وتصير ~~الأراضي المصرية مأهولة بأخلاط مختلفة، كما في أراضي أمريكا الجنوبية والشمالية، ويقوم ~~لفيف أولئك الأغراب مقام أبناء الأرض الصادقين، وهذا مما لا يسر عاقلا وإن راق في نظر ~~بعض المباركين. # وأملنا في الدولة العثمانية أن تقوم على قدم ثبت عليها الأسلاف الأولون، وتقدم ~~بعزيمة ثابتة على المطالبة بحقوقها في مصر وإعادتها إلى حالتها الأولى قبل التدخل ~~الإنجليزي، ثم تلقي بزمام الحكومة فيها إلى ذوي عزم من المصريين؛ صيانة لحوزة ~~الإسلام. # وفي الظن أن دولة روسيا لا تفوتها هذه الفرصة لمساعدة العثمانيين؛ لتستميل إليها ~~قلوبهم، ولا تختلف عنها دولة فرنسا، فإن مصالح الدولتين في فتوحاتها بالبلاد الشرقية ~~تقضي على السياسيين فيهما - إن كانوا كما يقال سياسيين - بالاتحاد مع العثمانيين. # 1 # | الفصل الخامس والسبعون # الباب العالي والإنجليز # يهتم المسلمون في كل أرض بأمر ما يجري في مصر، بل تذهب نفوسهم حسرات كلما رأوا أو ~~سمعوا أن جنديا أجنبيا يجول في نواحيها مقاتلا أو حاميا، وليس شأن مصر عندهم ~~كغيرها من البلاد، فإنها بهرة الإسلام وباب الحرمين الشريفين، فكل نازلة بها ترزأ ~~الدين وتصدع من أركانه. # والمسلمون - في قلقهم هذا - ينظرون إلى الدولة العثمانية ويقلبون وجوههم في سماء ~~سلطتها الحسية والمعنوية؛ يرجون منها عزمة ثابتة تنقذ بها الأراضي المصرية من تبوؤ ~~الأعداء، ويحفظ بها شرف المسلمين ومكانتهم بين الأمم، وتصان بها ولاية الإسلام من ~~السقوط في حبائل هذه الدولة الداهية - دولة الإنجليز - التي أخذت على نفسها أن تبيد ~~ولاية هذا الدين وتحول حابله على نابله، هذا فضلا عما يراه كل مسلم من أن ms271 عزة الدولة ~~العثمانية وشوكتها ليست إلا بسلامة ملكتها على مصر، فإن قضي فيها الأمر لغيرها - ~~والعياذ بالله - أصبحت حقوق العثمانيين في جميع ممالكهم معرضة للخطر. # فهذه دولة الإنجليز كمرض الآكلة يظهر أثره ضعيفا لا يحس به عند بدئه ثم يذهب في ~~البدن فيفسده ويبليه بدون أن يشعر المصاب بالألم، هكذا شأن الإنجليز في لينهم ~~وتلطفهم وحلاوة وعودهم وتملقهم وخضوعهم، يسلبون المالك ملكه بل الحي حياته وهو ~~مأخوذ بما يشعوذون له. ولا ريب في أن الإهانة التي تمس الدولة العثمانية تنال جميع ~~المسلمين في الشرق والغرب، فإن كل مسلم - وله الحق - يعد هذه الدولة دولته ولو تباعدت ~~الأقطار. # إن الهنديين إلى اليوم وما بعد اليوم يباهون بها ويحسبون أنفسهم في عداد الأمم التي ~~لم تذهب سلطنتها ويعتقدون أن لهم سلطانا قويا في الدولة العثمانية، بل يرون أن ~~خلاصهم من قيد الرق الإنجليزي لا بد أن يكون يوما ما بسعيها، وقد أظهرت أيام الحرب ~~الأخير آثار لحمتهم معها باللحمة الملية بما لم يبق ريبة لمرتاب في شدة صلتهم ~~بها. # لهذا كنا نعجب لسكوت الدولة العثمانية في هذه الأزمان الأخيرة عندما اشتدت مقارعات ~~السياسيين من كل دولة وتصارعوا في المفاوضات والمجادلات محاماة عمالهم من المصالح في ~~مصر، مع أن الدولة كانت أحق وأولى من جميع الدول بالاهتمام وبذل الجهد للمناضلة عن ~~حقوقها الثابتة إرضاء لخواطر المسلمين عموما، واستبقاء لحسن عقيدتهم فيها، وحماية ~~عن ممالكها وأهم مملكة منها، إلى أن اطلعنا على إعلان بعث به الباب العالي إلى الدول ~~بطريق التلغراف فيما يتعلق بالاتفاق المنعقد بين فرنسا وإنجلترا في المسألة المصرية، ~~أتى فيها على بيان العواقب السيئة التي تنشأ من طول مدة الاحتلال الإنجليزي في ~~مصر. # وأظهر أن مجرد تحديد المدة لا يكف الإنجليز عن حرصهم وغاية ما فيه أنه يستتبع مداعاة ~~الدول والدولة العثمانية مع الإنجليز، وبرهن على أن بقاء العساكر الإنجليزية في مصر ~~ليس بضروري في حل المسألة، فإن كانت الدول لا ترى في العساكر الأهلية كفاية لصيانة ~~البلاد من الخلل، فالباب ms272 العالي مستعد لإرسال العساكر إليها على ما تقتضيه حقوقه فيها ~~كما عرضه على الدولة البريطانية وجرى البحث فيه، ولكن حال دون الإجراء موانع ~~سياسية. # فإن لم تقبل الدول أن يستقل الجيش العثماني بحل هذا المشكل، فإنه يعرض عليها أن يحتل ~~مصر جيش مختلط يؤلف من عثمانيين وفرنسيين وإنجليز وإيطاليين وإسبانيين وإلى الدول تعيين ~~الأجل في الوجهين. # وزاد الباب العالي في إعلانه هذا خدشا لخواطر الإنجليز حيث قال: إن الإنجليز قد ~~أنهوا أعمالهم في محو العصيان وتثبيت سلطة الخديو، إلا أنهم لم يأتوا في تحسين حال مصر ~~وتقويم نظامها إلا بما فيه إجراء بعض مقاصدهم السابقة. # وإنا نقول - كما يهتف به كل مسلم: إن من فروض الدولة العثمانية أن لا تدع وسيلة للذود ~~عن مصر وكف يد الإنجليز عنها، وأن تكون همتها في ذلك كهمتها في الذود عن نفس ~~الأستانة، وليس لها أن ترهب هذه الرعود وتلك البروق التي لا تعقب مطرا. # ومن الحق أن نقول: إن في مكنة العثمانيين أن يقوضوا هذا البيت البلوري (بيت العظمة ~~الإنجليزية) بحجر واحد فإذا اشتدت الأزمة تيسر لهم السعي في الوئام بين الإيرانيين ~~والأفغانيين والبلوجيين ولا يكلفهم هذا إلا كلمتين يستندان إلى أصل ديني قويم، وعندها ~~يعرف الإنجليز مقام أنفسهم في الأقطار الهندية والممالك الشرقية. # هل تسلط الإنجليز في الأراضي الهندية الواسعة إلا بسبب المخاصمات المذهبية التي كانت ~~بين الأفغانيين والإيرانيين؟! ولو نظرنا إليها نظر التحقيق لما رأيناها مما يوجب شق ~~العصا وتفريق الكلمة، ولا ريبة عندنا أن رفع الشقاق وتجديد الوفاق بين تلك الأمم أيسر ~~شيء على الدولة العثمانية؛ لما لها من المكانة العليا في نفوس المسلمين قاطبة، ولا يظن ~~أن اعتصام الإنجليز في جزائر بريطانيا والهند يقصر بالعثمانيين عن النكاية بهم لانقطاع ~~السبل بين هؤلاء وأولئك وانسداد المسالك بين الممالك العثمانية والإنجليزية؛ فإن الظن ~~يختلف عند وجود الاتفاق بين الأفغان والإيرانيين واتحاد كلمة الفرس مع ~~العثمانيين. # هذه طريق محمرة وبندر عباس إلى بلوجستان مفتوحة للسالك مطروقة للسابل، وهي ~~الطريق التي سلكها أول ms273 جيش إسلامي بعث به الحجاج بن يوسف لفتح السند، إن هذه لجولة ~~لو كانت لأثارت في وجوه الإنجليز غبرة يضلون فيها عن رشادهم. # ومعلوم أن الحي لا يسلم نفسه للموت بلا مدافعة ما دام قادرا عليها، يكفي لقيام ~~مليون من المقاتلين الأفغانيين والبلوجيين، تحرك خمسة آلاف عثماني إلى أحيائهم، لست ~~أبالي أن أقول الحق إذا حصل التساهل في أمر مصر وانفتح باب المطامع لكل دولة صغيرة أو ~~كبيرة وعزت بعد هذا وسائل التلاقي، فلتأت الدولة العثمانية على ما في الوسع. ومن يعتصم ~~بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. # أسف # غالت نائبة الدهر طراز العرب، وزهرة الأدب، صفينا أديب أفندي إسحق، قضى ~~نحبه في شرح الشبوبية، وعنفوان الفتوة، وترك لنا قلوبا آسفة، وشئونا فائضة ~~- إنا لله وإنا إليه راجعون. # | الفصل السادس والسبعون # حرية الصحافة والاستعمار! # أسف يصهر الجسم ويذيب الفؤاد، وحسرة تفلذ الأكباد على قبيل من أمة أو شخص منها ذي ~~همة يستعين الله في عمل ينقذ أمته من ضعة أو يرجع إليها بمنفعة، ثم يوجد له في وجهة ~~عمله من تلك الأمة من ينجم كقرن المعز ليفقأ عين العامل الفاضلة، فيقطع عليه أسباب ~~العمل ويعرقله عن القصد ليكسب مدحة باطلة أو منفعة عاجلة. # وإنما مثل من يكون على هذه الصفة في الأمة كمرض السكتة في البدن، أو الصدع في الرأس، ~~أو الخبل في العقل، أو الشجى في الحلق، أو القذى في العين؛ هؤلاء هم الذين يقعدون بكل ~~صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله والحق، ويبغونها عوجا. # لو كان في هؤلاء العصال الطباع (الأعصل: المعوج في صلابة) بقية من الإنسانية أو ~~أثر من العقل يدركون به ما ينشأ من أعمالهم الجزئية من المضار الكلية، ويشعرون بهذا ~~الجرم العظيم الذي يدك الرواسي ويهد الشامخات؛ لذابوا خجلا واستتروا عن الناس بحجاب ~~العدم، وتمنعوا لو محيت أسماؤهم من لوح الوجود، ولكن يظهر من جرأتهم على خطيئتهم أنهم ~~ذهلوا عن أنفسهم فلا يعلمون ماذا يعملون. # هذا العمل الصغير الذي يجلب على الأمة شرا كبيرا أو ms274 يحرمها من خير عام؛ ليس في ~~وسع حكيم من البشر أن يحدد درجته من الخسة والسفالة، ولا في طوعه أن يحيط بكنه ~~الفساد الذي ضرب في طمع شخص يقدم على مثله، ولا توجد كلمة ولا جملة ولا كتاب يفي ~~ببيان حاله، سوى أن يقال: خائن ملته ووطنه. # أولئك أشخاص كثيرا ما يوجدون في الأمم المعتلة، يشبه أن يكون منهم صاحب جريدة ~~«أوده أخبار » التي تطبع في «لكنهو» من بلاد الهند، أنفض رأسه ورفع عقيرته على جريدة ~~«أمير تابازار برتركا» التي تنشر في بلاد «بنجالة»، كتبت هذه الجريدة «البنجالية» ~~فصلا بينت فيه سوء معاملة الحكومة الإنجليزية الهندية وخشونتها على الهنديين ~~وإهانتها لهم، وإجحافها بحقوقهم، وحرمانها لهم من خدمة أوطانهم، وإثقالها عليهم ~~بالضرائب الباهظة، واستئثارها بجميع ما يكسبون من كدهم وتعبهم، مع احتكارها جميع ينابيع ~~الثروة، مما أوجب شدة الضيق والضنك في عامة الأقطار الهندية وكان سببا في انحراف قلوب ~~الهنديين عن الحكومة ونفرتهم منها. # ثم انبعث هذا بقولها: «فليس لحكومة الهند بعد ذلك كله أن ترجو مساعدة رعاياها لها عند ~~وقع حرب بينها وبين الروس، ولا أن تؤمل في العساكر الهندية بذل أرواحهم في الدفاع ~~عنها؛ فإن الجند يشركون الأهالي فيما ألم بهم ويألمون كما يألمون، وليس من الحق ~~لحكومة بريطانيا - مع سلوكها هذا - أن تلوم الهنديين إذا آثروا عليها دولة الروس ~~واختاروها حاكمة لهم.» هذا مجمل ما قالت. # وأقل ما كان يترتب على هذا الكلام وأمثاله من الفوائد هو تنبه الحكومة الإنجليزية ~~لما خرجت به قلوب الأهالي وأحرجت صدورهم، فتعدل مشربها وتقوم منهجها مع الهنديين ~~وترفع عن كواهلهم بعض الضرائب الثقيلة، وتمنح الوطنيين بعض الوظائف في الدوائر الملكية ~~أو العسكرية، وتكف عن إهانتهم وتذليلهم؛ ليكون لها عدة إذا دهمتها أم صبور (الداهية أو ~~الحرب الشديدة) من جهة الشمال. # وكان على الهنديين - خصوصا أرباب المعارف منهم - أن يؤيدوا القائل في قوله أو يحمدوا ~~له سعيه أو يتركوه وشأنه، لعل خيرا كثيرا أو قليلا يستتبع ذلك لأوطانهم وأبناء ~~أمتهم، ولكن واأسفا! بدل ms275 هذا يلتوي صاحب جريدة «أوده أخبار» ويجور عن جادة الصواب في ~~تقريع الجريدة البنجالية وتعنيفها، ثم يطلب من الحكومة الإنجليزية أن تمحو حرية ~~الجرائد من بلاد بنجالة. # وهذه الجريدة وإن وصفها مقوم الجرائد في الهند (مدير المطبوعات) بأنها متملقة معمعة ~~للحكومة، إلا أنه ما كان يخطر ببالنا أن تنحط وتسفل إلى هذا الدرك، ولا أن ترتكب في ~~تملقها هذه الجريمة العظمى، وهي: طلب محو الحرية في البنجالة، وصد أبناء وطنها عن ~~التنبيه على بعض حقوقهم وشكاية شيء من أرزائهم - لا حول ولا قوة إلا بالله. # | الفصل السابع والسبعون # تركيا # ليس في التعلات أعجب مما يتعلل به الإنجليز، ولا في المحاورات أغرب مما يستدلون به، ~~لا مقدمات بينة ولا حجج قيمة، وأقوى ما يكون من أدلتهم أولى به أن يكون في معرض الهزل ~~من أن يكون في جانب الجد، ولكن أغرب من جرأتهم على الجهر بمداعبة الأمم بما هو أشبه ~~بالترهات: إصغاء الآذان لما يقولون وانصراف الأذهان عن بيان الهجو فيما يوردون، وإظهار ~~الوهن فيما به يتعللون؛ ليتهتك الستار عن أغراضهم، وتظهر خفيات مقاصدهم، وترتفع الريبة ~~عمن يخدعون بملاعباتهم. # إن الإنجليز ساقوا جيشا إلى مصر وبوءوه أرضها مدة لا تزيد على سنتين، فكان حلول ~~جيشهم سببا في انحلال النظام، واختلال الأحكام، وعموم الفساد في أرجاء البلاد، حتى صار ~~الناهبون وقطاع الطرق على نحو الجيوش المنظمة سرايا وكتائب تزحف للغارة على القرى ~~والبلدان ضاحية بلا استتار، وسرى الاختلال في عموم الأعمال الإدارية والقضائية، ففقدت ~~الأمنية على الحقوق كافة، وسقطت البلاد بسبب ذلك إلى درك من الضيق والعسر لم يكن يخطر ~~على بال، وما كان شيء من تلك الفظائع ولا واحد من هذه المفاسد ولا قليل من هاته الشدائد ~~موجودا أيام الحركة التي سموها فتنة عسكرية، واخترعوا منها دليلا على الفوضى، وزعموا ~~فيها وسيلة للتداخل بعساكرهم. # حالة مصر شاهدة على أنه لم يكن للاختلال فيها اسم ولا للفوضوية أثر إلا بعد ما وطئ ~~الإنجليز أرضها، ومع ذلك يزعمون أنهم ما أتوها إلا لتقرير ms276 الراحة وإصلاح النظام وإزالة ~~الفوضى، ويريدون أن تمتد إقامتهم فيها إلى أجل بعيد؛ ليتمموا القصد الذي أتوا إليه، ~~وشرطوا جلاءهم عنها برسوخ الأمن وانقطاع شأفة الاعتداء، واجتماع خواطر الأهالي على ~~الرضا بما يرسم عليهم من السائدين في ديارهم والتسليم لما يقضي به فيهم! # ألا يعجب من هذه التعلة؟! هل يوجد أبله في أي أمة يظن في المصريين الركون إلى ~~السكينة ما دام الجيش الأجنبي متبوئا ديارهم؟! أليس وجود عسكر أجنبي تحت أنظارهم ~~كافيا في نفرة قلوبهم وازدياد شغبهم؟! الطبيعة تحكم باستحالة ما يطلب الإنجليز منهم، ~~والتجربة من مدة سنين طبقت بين الحكم العقلي وبين الواقع الحقيقي، هل يمكن سلامة خواطر ~~المصريين من القلق بعدما علموا أن الإنجليز لم يفتتحوا بلدا من بلاد الشرق إلا تحت ~~راية هذه الحجج وعلى هذه الطريقة التي يسلكونها في مصر؟! وهل كان لهم سلطان في جهة ~~من جهات الشرق إلا بدعوى أنهم يريدون فيها الإصلاح ثم ينجلون عنها أتقياء الراحات ~~أعضاء الذيول؟! # ماذا يريد الإنجليز من تقرير الراحة بعساكرهم في مصر؟ هل يريدون مكافحة اللصوص حتى ~~يقهروهم على طرح السلاح ويقوا الأهالي شرهم؟! إن كان هذا قصدهم فيا خيبة الأمل! فإن ~~شيئا من هذه الفظائع لم يكن إلا وجيوشهم نازلة بالبلاد، فكأنما كانت تلك الجيوش ~~مثارا لهذا الفساد، مضى عليها سنتان وهي في معاقل مصر وهبت أعصار السوء بقدومها، ~~وكلما طال الزمان زاد الخطر وقويت عصابات الشر، فماذا قد يكون منها في ثلاث سنين ونصف ~~إلا مثل ما كان من أثرها في سنتين أو أشد فتنة؟ # فكيف يعقل أن يكون بقاؤها في مصر مفيدا لرد الأمن إليها، وهل تكون علل المفاسد ~~مجلبة للمصالح؟! نعم يكون هذا إذا قيل: إن حصو الرمضاء يطفئها أو إن وقود النار يخمدها! ~~هل يقصدون من تقرير الراحة إخماد فتنة السودان؟! إن صح هذا القصد منهم فمتى سعوا إليه، ~~وأي جيش ساقوه، وأي قوة وجهوا بها لتكسر سورة الثورة وتمحو أثرها؟ # تهافتوا بجيش عظيم على منازلة رجل من رجال محمد أحمد ms277 «عثمان دجمة» في سواحل البحر ~~الأحمر، فما كانت إلا مهارشة هرت فيها العساكر وبلغ صوت وقوف القواد إلى أقاصي ~~المسكونة، وارتد بهم الذعر إلى البحر، وقفلوا إلى ديارهم يتلفتون إلى ما وراءهم خوفا ~~ورهبة. # كان الواجب أن يتبعوا عثمان دجمة إلى بربر والخرطوم حتى يبددوا جنده ويلحقوا ~~به صاحب الدعوة، فإن عجزوا عن الكل فلا أقل من أن يأتوا على بعض، فما الذي صدهم عن سبيل ~~القصد، لو كانوا فيه من الصادقين؟ رجعوا وتركوا جوردون باشا في فم التنين ثم التجئوا ~~إلى ملك الحبشة؛ ليثيروا به حربا صليبية تسود بها وجوه الكاذبين الذي يزعمون أنهم ~~دعاة الإنسانية ورعاة التمدن. # فماذ يكون من عساكرهم لو أقامت في مصر أضعاف ما أقامت؟ أظن لا يختلف المستقبل عن ~~الماضي إلا بعظم خطوبه واشتداد نوبه. # هل يبتغون المحافظة على حدود مصر الأولى وحمايتها من هجمات السودانيين، ويقفون عند حد ~~المدافعة ولا يذهبون إلى ما وراء ذلك؟! إن كانت بغيتهم، فهي بغية البقاء في مصر ما ~~دامت مصر أو السودان سودانا؛ لأن صيال الثائرين يتوقع في جميع الأطراف من حدود ~~مصر. # وأداموا قائمين بنشر هذه الدعوة، بل كلما طال الزمن اشتد خطرهم وقويت أعضادهم، وكل ~~كرة لهم أو فرة تقوم بها للإنجليز حجة في ملازمة الحدود المصرية للدفاع عنها فلا يكون ~~لحلول الجيش الإنجليزي بأرض مصر أمد ينتهي ولا أجل ينقضي، فما لهم ينسبون على الدول ~~والدولة العثمانية والمصريين بتحديد مدة الحلول إلى ثلاث سنوات ونصف مع سرد الألفاظ ~~المبهمة كتقرير الراحة وحفظ النظام وإعادة الطمأنينة ... إلخ، مما يسمع ولا ~~يفهم؟! # وليس من المبالغة أن نقول: إن حلول الجيش الإنجليزي كان - وسيكون - من أعظم ~~الأسباب لقوة محمد أحمد، ولولا وجود العساكر الإنجليزية في مصر ما تمكن الرجل من الجهر ~~بهذه الدعوة العظيمة، ولقد كان يتبرأ من نسبتها إليه أيام كانت الحكومة المصرية خالصة ~~للمصريين، بل ما كان يجد أحدا يلبي دعوته أو يدخل تحت رايته. # هذه تواريخ الأمم وهذا سير طبيعة الكائنات، ترشد المستبصرين إلى ms278 أن مثل هذه الدعوة لا ~~يقوم قائمها في أمة إلا عند اشتداد الخطوب عليها وزحف الأغراب إليها، أي حجة لمحمد ~~أحمد في دعوة الناس إليه وأي نفثة تجمع القلوب عليه أقوى من أن يقول: إن الإنجليز من ~~نيتهم الاستيلاء على أرض مصر، وهي في عداد الأراضي المقدسة وباب الحرمين الشريفين ومهد ~~العلوم الدينية ودعامة القوة الإسلامية، فمن كان يؤمن بالله ورسوله فليجب داعي ~~الله في مدافعتهم، وإنقاذ البلاد من رجسهم، وهذا الكلام مما يزعج قلب كل مسلم ويبعثه ~~على الاتفاق مع صاحب النداء. # هل يتوهم بعد سقوط الخرطوم وجيش الإنجليز حال بأرض مصر أن تقف دعوة محمد أحمد عند ~~تخوم محدودة وهو الزاعم أنه منقذ المسلمين؟ هل يبعد عند العقل أن يمتد لياق شعلته إلى ~~أقطار إسلامية يخشى الإنجليز منها غائلة الفتنة كما يخشونها في الهند؟ قد نرى الحالة ~~أقرب إلى المخافة منها إلى الأمن، وسيعلم الإنجليز أنهم كانوا أحوج الناس إلى ~~السلم وأفقرهم إلى القناعة. # أي قوة تقف هذه الدعوة وتحجبها عن الانتشار، بل تردها على قائلها وتذهب بها كأن لم ~~ينطق بها لسان أو يذعن لها جنان؟ ليس لقوة أن تأتي بهذا الأثر على أحسن وجوهه إلا ~~قوة العثمانيين وأولي العزم من المصريين. # هل تظن دولة بريطانيا أن عقد مؤتمر لتصفية الدين المصري يبطئ سير محمد أحمد، أو يخفف ~~من وطأته، أو يرده على عقبه، فتنال مقصودها وتصبح آمنة مطمئنة في ديار مصر؟ إنها إلى ~~الآن في عجز عن إرضاء الدول بقبول الأصول الابتدائية التي تحب أن تكون موضوعا لبحث ~~المؤتمر. # إن تصفية الدين المصري يهم إنجلترا وحدها ولا نظنه يهم الدول ولا يهم محمد أحمد، وإنا ~~نرى الدول - خصوصا دولة روسيا والنمسا والأمة الفرنسية - مهتمة كل الاهتمام بكشف مقاصد ~~الإنجليز والنبش عن غاياتهم فيما كانوا شرطوه من تخصيص البحث بالمسائل المالية، حتى إن ~~شدة المعارضات، وكثرة المفاوضات، والاشتداد من الدول في طلب تعميم البحث في المؤتمر ~~ليحيط بجميع فروع المسألة المصرية؛ أحدث شكا عند صاحب جريدة التايمس ms279 في انعقاد ~~المؤتمر، ودفع بالمسيو جلادستون إلى ربكة شديدة، فهو من أمره في حيرة لا يهتدي إلى ما ~~يسكن به خواطر الدول، بل ولا ما يقنع به أوداءه المخلصين، بل ولا ما يوفق به بين زملائه ~~في الوزارة؛ لتفرق كلمتهم وتباين آرائهم. # أما قائم السودان فهو في إعراض عن كل هذه المجادلات وإغضاء عما يكون في عرضها من ~~المحاولات، سواء عنده انعقد المؤتمر على رغبة الإنجليز أو على وفق الآراء العمومية، وهو ~~مغذ في سيره، ذاهب وراء فكره، ولا يمر يوم من أيامه إلا ونسمع فيه بخبر فتح أو حديث ~~زحف، حتى جاءت الأخبار الأخيرة بدخوله عاصمة السودان «الخرطوم». # وورد في برقية من القاهرة إلى «الديلي تلغراف» بتاريخ 3 يوليه أنه وصلت ~~رسائل من بعض عساكر السودانيين وهم في مدينة الخرطوم إلى أناس يوثق بهم ~~في القاهرة، ذكر فيها أن حامية المدينة ضعفت عن دوام المدافعة، وأعلن محمد ~~أحمد بتأمين جميع السكان على أرواحهم وأموالهم وأخذ على نفسه وقايتهم من ~~كل ضرر يتوقعونه، فبضعف الحامية وثقة الأهالي بوعد الفاتح فتحت المدينة ~~بغاية السهولة في نهاية شهر مايو بدون سفك دم، وأن كثيرا من الإفرنج ~~أسلموا، وأن جوردون مع كونه مستمسكا بدينه ولم يبدل دخل في أمان الفاتحين ~~وسيق إلى محمد أحمد محفوظا لم يمسه سوء. # وفي خبر آخر بالتاريخ عينه أن القسيس «سوقارو» وكهنة الرسالة ~~الكاثوليكية في السودان وردت منهم أخبار من أهالي الخرطوم تفيد أن ~~المدينة فتحت ووقع جوردون أسيرا، وما زال إلى الآن على قيد الحياة، ونقلت ~~جريدة «الديلي تلغراف» أن تاجرا في القاهرة أتاه كتاب من جنوب بربر يخبره ~~أن الخرطوم مفتوحة الأبواب لمن يقصدها بالتجارة وإن كانت في قبضة جيوش ~~السودان. وفي رسالة من مكاتب التان بسواكن أن جماعة من الوجهاء في مدينة ~~الخرطوم دفعتهم الحمية للانتقام من جوردون أخذا بثأر الضابطين اللذين ~~قتلهما بتهمة الخيانة (حسين باشا وسعيد باشا)، فهجموا عليه وقتلوه، ثم ~~اتفقوا مع المحاصرين على تسليم المدينة فدخلوها آمنين، ويزعم المراسل أن ~~للحكومة ms280 البريطانية علما بهذه الحادثة من زمان طويل إلا أنها كتمته خيفة ~~هيجان الأفكار عليها. ونحن لا يهمنا موت جوردون ولا حياته ولا راحته ولا ~~عناؤه، وإنما يظهر من كل هذه الأخبار أن الخرطوم أصبحت سودانية لا ~~إنجليزية ولا مصرية، فإن تمكنت وزارة مسيو جلادستون من تفنيد المستفيض من ~~هذه الروايات فربما يصعب عليها المكابرة فيما يعقبها. إن شوكة الداعي تقوى ~~بعد فتح الخرطوم، وتمهد له سبلا عديدة للوصول إلى مصر العليا أو السفلى، ~~وإن تأثير دعائه يقطع مسافات بعيدة في هنيهات قصيرة. # ماجت خواطر المصريين واهتزت قلوبهم؛ لسماع هذه الأخبار، وربما نسمع بعد اليوم أن ~~ريح الجنوب حملت قسطلا تثيره سنابك خيل الفتنة وجاوزت به حدود مصر، فإن كان هذا شأن ~~الحركات في بلاد السودان فتعليق الإنجليز جلاءهم على انقطاعها يشهد برغبتهم في الاحتلال ~~الدائم ما بقي محمد أحمد وما بقيت له خلفاء. # على أننا نرتاب في قدرة عساكرهم على صيانة التخوم المصرية، فقد ظهرت نهاية قوتها ~~على سواحل البحر الأحمر. نعم ربما يختلج بخواطر الوزراء البريطانيين أن يخدعوا الدولة ~~العثمانية ويحملوها على الحكم بعصيان محمد أحمد وتضليله ليحولوا القلوب عنه ثم يجنوا ~~الثمرة كما جنوها من الحكم بعصيان أحمد عرابي، ولكن قد تبين الرشد من الغي، وظهر للدولة ~~العثمانية سوء طوية الإنجليز وعدوانهم على حقوقها، فليس من المحتمل أن تنخدع لهم مرة ~~ثانية ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. # كما أنه يشبه المحال أن عثمانيا يجوز سوق الجيوش العثمانية إلى السودان لتذليله ~~وعساكر الإنجليز في القاهرة، ينتظر العثمانيون بعد انقضاء الفتنة نهاية المراوغات ~~الإنجليزية حتى تئول مسألة مصر إلى مثل ما آلت مسألة بوسنة وهرسك مع دولة النمسا، ~~فعلى العثمانيين وأصحاب العزيمة من المصريين أن يجمعوا أمرهم على كشف هذه النازلة؛ ~~صونا لأوطانهم، ولاتقاء شر ربما يحدث في جهات أخرى، فإن قضى حرص دولة الإنجليز بصد ~~أرباب الحقوق الشرعية عن أداء المفروض عليهم جهلا منها بمصلحة نفسها وبمصالح تلك ~~البلاد؛ فعلى العثمانيين أن يقيموا الحجة بسيوفهم وجيوشهم لا بالرقائم ms281 والأوراق؛ ~~فإن هذا فساد لو أهمل لعم وعمت زواياه، ولا نظن أن دولة بريطانيا تثبت على نفختها ~~هذه، فإنها ستشتغل بداخل البيت عن خارجه بعد قليل. # لسنا نقول ما نقول جزافا، ولكن دعوة القائم السوداني أشربت قلوب الأكثرين في ~~الهند وبلوجستان وأفغانستان، وقد علق شرر الثورة بأهداب الخواطر فلا تلبث أن تلتهب، ~~فللدولة العثمانية أن تمد نظرها إلى أعماق المسألة وتقدر قوة الإنجليز وأهبتهم ~~العسكرية، مع ملاحظة ارتباكاتهم في ممالكهم وظهور عجزهم وضعفهم في الحوادث الأخيرة، ~~ومراعاة آراء الغالب من الدول العظيمة. # وبعد الإحاطة بهذا كله - وهي أسهل من كل سهل - تظهر عزما ثابتا وبأسا قويا يليق ~~بدولة عظيمة كدولة آل عثمان طالما ظهرت على يديها خوارق العادات - ولله الأمر من قبل ~~ومن بعد. # | الفصل الثامن والسبعون # الباب العالي # ذكرت جريدة إستندار أن معارضة الباب العالي لمطامح إنجلترا ليست قاصرة على الممانعة ~~في جعل مصر حكومة بلجيكية في أفريقيا تحت حماية الدول، كما في عزم جلادستون أن يعرضه ~~على المؤتمر، بل صرحت الدولة العثمانية لسفيرها في لندن مرزوس باشا بأنه متى وضعت ~~لائحة جلادستون موضع البحث في المؤتمر، بعثت إليه بتعليمات للمعارضة الشديدة في هذه ~~المادة وكل ما يكون من قبيلها (ما يمس حقوق الدولة والمصريين). # ولا نرتاب في أن الدولة العثمانية - بعزمها هذا - قد قامت بفريضة شرعية، ومثلها من ~~يقوم بها في مصر وفي سائر الممالك العثمانية؛ فإن كل ذي بصيرة يدرك أن صيانة جزء من ~~ممالكها موقوف على صيانة الآخر، والتفريط في شيء منها يحدث الخلل في الباقي. وكفانا ~~عبرة أن مجرد طلب جلادستون لحرية قناة السويس حمل دولة الروس على طلب بوغاز ~~البوسفور، كما ذكرته الجرائد الروسية، ودعا بعض سياسيي الروس أن يقول: إن المسألة ~~المصرية قد صارت الآن مسعرا للمسألة الشرقية، ولا نظن شيئا من هذا يخفى على عقلاء ~~العثمانيين. # | الفصل التاسع والسبعون # يقظة من سنة # ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا ~~(الكهف: 10)، ربنا اشرح صدورنا لما فيه خيرنا وخير ~~أهل ملتنا ms282 أجمعين، اللهم إنك تعلم خيرنا وفلاحنا في اجتماعنا وائتلافنا، وارتباطنا ~~بعلائق ديننا، واعتصامنا بحبلك المتين، اللهم كفر عنا سيئات التفريط فيما أوجبت علينا ~~من ذلك بالهداية إلى الإنابة والإعانة على تلافي ما فرط والقيام بالمستطاع مما ~~فرضت. # مضى زمان فرط فيه الهنديون عند تداخل الإنجليز في شئونهم فتدابروا، وحول كل وجهه ~~عن الآخر، ولم يصغوا لدعوة الله في طلب الاعتصام بحبله، فذاقوا وبال أمرهم ، وسقطوا ~~جميعا تحت سلطة الدولة الإنجليزية، وسادت عليهم واتخذت السادات منهم خدما لرجالها ~~وخولا بعد أن كانت تدعي أنها خادمة لهم أمينة في الخدمة، ولم يهن لها أن تكون سيدة ~~عادلة، بل تجاوزت فيهم حد العدل، واستبدت عليهم ظالمة جائرة. # فلما لفحتهم نيران القسوة، أقبل بعضهم على بعض ونهضوا جميعا؛ للتملص من أغلال ~~ظالميهم، من نحو أربع وعشرين سنة. إلا أن إخوانهم الأفغانيين والبلوجيين والإيرانيين ~~كانوا في غفوة عما نهضوا إليه ولم يمدوا لهم يد المساعدة، بل كان الإيرانيون في حرب ~~مع الإنجليز ولكن لم يواصلهم الهنديون ولم يرتبطوا بهم في التعاون على شأنهم، كما أنهم ~~لم يرتبطوا في ذلك مع العثمانيين، فإهمال جيرانهم ورسوخ أقدام العدو بينهم؛ كان سببا ~~في تغلب الظلمة الأغراب عليهم، ولو عقل المهملون لعلموا أن العدو إذا تمكن في الهند ~~قويت شوكته ثم كر عليهم، وأوقع بهم ما أوقع بإخوانهم. # بعد هذا زحف العدو الغريب على بلوجستان واشتغل معها بالمنازلة، وفرط الأفغانيون ~~والإيرانيون في تعضيدهم، فتم له بذلك أن يسود في جزء عظيم من أراضيهم، ثم انقلب على ~~الأفغانيين وكانت بينه وبينهم حرب هائلة، امتد زمنها نحو سنتين وما نبض في الهنديين ~~عرق، ولا امتد من الإيرانيين ساعد، ولا كانت بينهم وبين العثمانيين وصلة، ولو كان ~~لجميعهم بصر بالعاقبة لأدركوا أن حياة كل منهم معقودة بحياة الآخرين. # بالغ الخصم في تطاوله حتى اعتدى على الممالك العثمانية بسوق جيوشه إلى الأقطار ~~المصرية التي هي أعظم إيالة من إيالات العثمانيين، بل أهم أقطار المسلمين، وهو الآن في ~~محاولة الاستيلاء على تلك البلاد، والاستبداد ms283 بالحكم فيها غير مبال بحقوق الدولة ~~العثمانية، ولا محترم ولايتها الشرعية، وكان المسلمون لبداية الأمر على مثل تفريطهم ~~السابق، غير ملتفتين إلى ما حل بهذا القطر الإسلامي العثماني، ظنا منهم أن العدو ~~يصدق مرة في وعده أو يخشى عاقبة السوء من طمعه، فلما رأوه غريقا في غيه، متغلغلا في ~~سيره، مغرورا بقوته، ناصبا لحبالته؛ اهتزت رواسيهم وتحركت ثوابتهم، وتنبهوا من سباتهم ~~وندموا على ما سلف من سابق التفريط، وأحسوا أن ما أصاب اليوم بعضهم فلا بد أن يمس ~~يوما جميعهم، فصارت المسألة المصرية سببا في إحياء الأخوة الدينية، كما بشرتنا به ~~الرسائل الواردة إلينا من فارس والهند وأفغانستان. # فلو تمادى الإنجليز في حرصهم، وحملهم الشره على غمط حقوق العثمانيين، وثبتت الدولة ~~العثمانية في المدافعة والمطالبة، لوجد لها من المسلمين القادرين على نكاية الإنجليز ~~من يقوم بنصرها؛ أداء لما أوجب الله عليه. # وإنا بعد أداء الشكر لأولئك المؤمنين الصادقين، على ما أظهروا من حميتهم الدينية التي ~~أشارت إليها رسائلهم؛ نرغب إليهم أن يحافظوا على وحدة العقيدة العامة وجامعة الشريعة ~~الحقة، وأن يصغوا إلى أصوات الغيلان التي تناديهم في الليالي المظلمة، بما يحاكي ~~أصوات الإنس وإنما هي أصوات مردة الشياطين؛ يبتغون تفريق الكلمة، وتشتيت الشمل وإخماد ~~الغيرة، ونسأل الله تعالى ثباتا للمسلمين على أصول الاتحاد وقواعد الألفة، وأن لا ~~يميل بهم الهوى إلى جعل الاختلاف في المسائل الثانوية سببا في حل الجامعة الإسلامية، ~~التي قوامها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن لا يجعلوا هذا ~~الخلاف ذريعة العدو إلى محق ملتهم وإفساد ولايتهم - والله يهدي من يشاء إلى سواء ~~السبيل. # | الفصل الثمانون # حيلة إنجليزية # ذكر كثير من الجرائد الهندية، وفيها جريدة «أخبار عام» أن عددا وافرا من الإنجليز ~~يدخلون في دين الإسلام، في هذه الأيام، وكثرت الظنون في هذا العارض الجديد، الإجماع ~~على أن ليس الباعث عليه حسن العقيدة في هذا الدين، والإذعان لأحكامه القدسية، وإنما ~~القصد منه أن يخدعوا المسلمين بمشكلاتهم، ليركنوا إليهم، ويحسنوا الظن بهم، فيبيحوا لهم ~~بما تكنه ms284 صدورهم من خواطر الميل إلى دعوة محمد أحمد السوداني. وهذا يدل على أن هذه ~~الدعوة أخذت من قلوب الهنديين، وعظمت منزلتها فيهم، وتوقع الإنجليز شرا من فشوها، ~~وامتداد شهرتها بين مسلمي الهند، وطلبوا للاحتياط هذه الوسائل. # وقالت بعض الجرائد: إن الخشية من الإذعان لدعوة السوداني قد انضم إليها الرهبة من ~~قرب الروس لتخوم الهند، فكان من مجموعهما فزع شديد، حمل الإنجليز على التودد ~~للمسلمين ، والظهور في مظاهر العدول المنصفين، بل الأصفياء المخلصين، حتى إن الإخلاص ~~والعدالة تحمل الكثير منهم على التدين بالدين الإسلامي ليملكوا بذلك قلوب السذج، ~~ويمحصوا بعض الصدور من الحقد عليهم، ويثقوا به شرا عاجلا أو آجلا. ولكن الصيف ~~ضيعت اللبن. # كان يمكن لهم ذلك بالاعتدال في السلطة، والأخذ بشيء من الصفقة قبل اقتراب النكبة، أما ~~الآن وقد أوغرت الصدور غلا، ووقرت القلوب أحقادا، وتحقق عند الكافة من المسلمين، بل ~~وغيرهم من الهنديين، أن الإنجليز لهم في كل مصلحة مفسدة، وفي كل حسنة سيئات، وفي كل ~~صفاء دخل؛ فهم الخادعون الخائنون، بل هم الكاذبون المنافقون. هذه صفاتهم لم يبق فيها ~~ريبة عند مسلم، فلا تفيدهم الحيلة أدنى فائدة، ولا تعود عليهم إلا بأسوأ عائدة، ولا ~~ينالون منها إلا وقوف المسلمين على غاية سيرهم عند عجزهم، وازديادهم بصيرة في أمرهم، ~~ويقينا بضعفهم، حيث لم يبق لديهم من الوسائل إلا خلع دينهم، والدخول في دين المسلمين ~~إرضاء لخواطرهم. # ولسنا في حاجة لتحذير المسلمين منهم؛ فإن لنا يقينا بأنه لا يوجد مسلم في أقطار ~~الهند جميعا إلا وهو على علم تام بما يريد به حاكموه من الإنجليز، فما هو بمؤمن لهم ~~حتى ولو كانوا صادقين. # | الفصل الحادي والثمانون # وداد الإنجليز للمسلمين # يظهر من الرسائل والبرقيات الواردة من القاهرة أن الإنجليز وفقوا لإلهاب حرب صليبية ~~بين الحبشة ومسلمي السودان، والله يعلم ماذا تكون العاقبة إذا طار شررها، ربما لا يوجد ~~مسلم يعتقد بدين محمد # صلى الله عليه وسلم # إلا ويسعى ببذل روحه وماله لإحباط أعمال الإنجليز ورد ~~كيدهم، خصوصا مسلمي الهند المغرورين ms285 بخديعة حكامهم، ودعواهم أن دولتهم نصيرة الإسلام، ~~وحليفة الدولة العثمانية. # فمما نقلته الأخبار بتاريخ 19 يونيو سنة 1884، أن من أحكام الاتفاق الذي عقده ~~الأميرال هفت مع ملك الحبشة: أن تكون مصوع مباحة لإرساء المراكب الحبشية ابتداء من شهر ~~سبتمبر، فإما أن يكون هذا بنزعها من أيدي المصريين، بل العثمانيين، بل المسلمين، وجعلها ~~بلدا إنجليزية يبيحها الإنجليز لمن شاءوا ويمنعونها من أرادوا، وإما أن يكون بتقديمها ~~أقطاعا لملك الحبشة. # ومن أحكامه: أن يأذن الملك للحامية المصرية أن تقيم حصونا على حدود مملكته حتى إذا ~~هجم السودانيون عليها - باعتبار أنها حصون مصرية - تذرع الملك لمواثبتهم بدعوى ~~أنها في حدود بلاده، فتشب الحرب ويحمى وطيسها بين مسيحي الحبشة ومسلمي ~~السودان. # ولما كان غرض الحكومة البريطانية أن تضم مصر وملحقاتها إليها - كما يدل عليه اهتمامها ~~بمد سكة الحديد بين سواكن وبربر - أخذت على الملك عهدا بقبول ما تحكم به ملكة إنجلترا ~~عند عروض مشكلات بينه وبين الحكومة المصرية وإن جرى الحكم على العرف ولم تلاحظ فيه ~~الأصول السياسية. # هذه هي الدولة التي بلغ الخافقين صوت دعواها أنها حامية الإسلام والمسلمين، وظهيرة ~~للعثمانيين! فليعلم كل مسلم أن من نيتها انقراض هذا الدين وأهله من وجه الأرض، وإن لم ~~يكن ذلك عليها بيسير. # | الفصل الثاني والثمانون # التهتك في الحيلة # اشتهرت دولة الإنجليز بخلابة الشرقيين وأخذهم بالرويغة # 1 # حتى وضحت سبلها من كثرة ما طرقت، وانقلب وجه الحيلة فظهر مستورها، وعادت ~~تشبه ألهيات الصبيان، وألاعيب الأطفال، يدرك سرها الذكي والغبي، من يوم كان اللورد ~~دوفرين في القاهرة لكشف حالة مصر وتقرير نظامها لحكومتها (كما يزعمون)، لوح للحكومة ~~بترك السودان، ثم جاء من بعده الماجور بارنج، وألزم الحكومة بالتنازل عن حقها فيه؛ ~~لأنه يكلفها نفقات وافرة ليس لها عوض من الفائدة، فامتثلت الحكومة أمر غالبيها ~~وهمت بإخلائه. # ولم تلابس عملها حتى صدرت أوامر الدولة البريطانية بتعيين الجنرال جوردون للقيام ~~بتخلية السودان؛ فتكون المنة على السودانيين في استقلالهم (الموهوم) لدولة بريطانيا، ~~وتكون الصلة بينهم وبينها خاصة، وما وصل الخرطوم ms286 إلا وأقام محمد أحمد أميرا على ~~كوردفان، وأخذ في إرجاع الولايات السودانية لملوكها الأقدمين أو أبنائهم، ولم يكن ~~القصد من هذه الزغزغة إلا أن يكون السودان بعد تنازل المصريين فراطة لا حق لأحد فيه ~~فيأخذه السابق إليه بدون أن تعترض فيه المشكلات السياسية ليتيسر للإنجليز عاجلا أو ~~آجلا أن يستولوا عليه وينزعوه من أيدي أمرائه الصغار، ويكون فيه بعض العوض عن مصر لو ~~صدتهم مقاومات الدول عنها كما أشرنا إلى ذلك في أحد الأعداد. # وفي هذه الأزمان الأخيرة أخرجت حكومة إنجلترا من جرابها ألعوبة أخرى، ومثلت من ضيق ~~جوردون في الخرطوم سببا عظيما لتمهيد طريق يوصل الجيوش لتخليصه، فأصدرت أوامرها إلى ~~أحد المصانع الكبيرة بإعداد الآلات، وتعيين المهندسين والصناع، ليسيروا إلى سواحل البحر ~~الأحمر ويباشروا مد سكة حديد من سواكن إلى بربر كما ذكرت ذلك جريدة «البال مال جازيت»، ~~وتزعم أن لا باعث لها على ذلك إلا الرغبة في تخليص جوردون! إن كان جوردون في خطر ~~ويحتاج في إنقاذه إلى إرسال الجيوش، فهل يبقى حيا إلى أن تمد سكة الحديد وتخرق الجبال ~~والأودية وتسير عليها العربات حاملة الجيوش، مع أن الأخبار قد أشارت إلى وقوعه أسيرا ~~أو هلاكه قتيلا؟! # إذا فرضنا هلاك جوردون - كما هو الغالب - أو خلاصه، فهل تهدم دولة إنجلترا طريق ~~الحديد، وتنقض بناءها بعد إنفاق النفقات الواسعة عليها، أو تتبرع بهبتها للحكومة ~~المصرية سخاء وجودا؟! # كلا والله، لا هذا ولا ذاك، ولكن أخذت أقرب الطريقين للاستيلاء على السودان، فإن ~~مد الطريق الحديدية في تلك الجهة يسهل لها الولاية على السودان الشرقي، فإذا استقر ~~لها الأمر فيه وصلته بالغربي ولم تلاق في ذلك صعوبة، على أنها في خلال المدة بعد مد ~~السكك الحديدية تستفيد أعظم فائدة جوهرية من مواصلة البلاد السودانية، فإنها تفتح ~~للتجارة الإنجليزية بابا وتغلق، بصفته باب المنفعة عن مصر فتأتي بضائع البن ونحوها ~~مما يحتاج إليه السودانيون من إنجلترا إلى سواكن، ومن سواكن تذهب إلى السودان، بدون أن ~~تصل إلى أيدي المصريين، وتنقل الأصناف التجارية ms287 السودانية من داخل السودان إلى بربر ثم ~~تحمل إلى سواكن وتصدر إلى أوروبا ولا يراها مصري. # فإذا تولى الإنجليز مصر - لا قدر الله - حرموا الوطنيين من الاشتراك معهم في تجارة ~~السودان - وهي من أغزر ينابيع ثروتهم التجارية - وإذا ألجأتهم الحوادث للجلاء عنها ~~فقد اختصوا بمادة المنفعة التي يمكن أن تأتي من أقطار السودان، وبذلك يتقوض كثير ~~من بيوت التجارة في الأقطار المصرية، ويعدم بخرابها آلاف مؤلفة من النفوس، فليس ~~حقيقة الغرض من مد سكة الحديد من سواكن إلى بربر إلا التوصل إلى ينبوع متدفق من ينابيع ~~الثروة المصرية، وتحويل مجراه عن مصر إلى جزائر بريطانيا، وسنأتي على تفصيل الخسائر ~~التي تلم بأهالي مصر من مد هذه السكة في عدد آخر. # هذه إحدى خطيئات الإنجليز الذين بعد استيلائهم على الهند حظروا على الأهالي في جميع ~~ممالكهم أن يعالجوا زراعة الأصناف التجارية كالنيلة ونحوها، واختصت الحكومة ~~الإنجليزية بزراعتها، وزادوا في المظلمة فحكموا على جميع الحكومات المستقلة التي ~~يتولاها النوابون والرجوات أن لا تزرع الأفيون بحجة أن الحكومة الهندية الإنجليزية ~~تزرعه، فلا يجوز لغيرها العمل في زراعته؛ كي لا تقل الفائدة، أو لئلا تستفيد شيئا ~~مما تستفيد. # هذه آثار جورها، يثبتها خراب البيوت القديمة وفاقة العائلات الشريفة، في كل بلد لها ~~فيه أمر ونهي، ولا تزال ترد شرعتها هذه في كل قطر تطأه أرجل رجالها قريبا كان أو ~~بعيدا، فعلى البصير أن ينظر وعلى اللبيب أن يحظر. # | الفصل الثالث والثمانون # فرصة يجب أن لا تضيع # نشرت الدعوات وطلبت الدول العظام لعقد مؤتمر في لندن بعد مفاوضات طويلة بين حكومتي ~~فرنسا وإنجلترا، ماذا كان المؤتمر، وماذا نوت الحكومة الإنجليزية بالدعوة إليه؟ وماذا ~~كانت تقصد الدول من وجود نوابها فيه؟ وأية غاية كان يطلبها خريت السياسة اللورد ~~بسمارك؟ # انعقد المؤتمر ثم صار عقيما، وبقيت تلك المقاصد مكنونة في صدور أربابها، كانت حكومة ~~إنجلترا تطمح للاستيلاء على مصر باسم أمير مصري، وحالت دون مطمحها المصاعب ~~أزمانا، حتى سنحت لها الفرصة المشئومة بتشويه وجه الحركة العرابية، فتيسر ms288 لها بتلك ~~الحركة إرضاء الدول، واستئذان الدولة العثمانية بالتداخل في توقيفها، فسهل لها دخول ~~مصر على نية أن لا تخرج، وهل يمج الظمآن بارد الزلال من فيه؟! # ظنت أنها ملكت أرض مصر، ووجدت عليها دينا ثقيلا فرغبت تخفيفه؛ لأنها ترى ما ينفق ~~من خزانة مصر إنما ينقص من خزانة إنجلترا، ولم تقصد بتخفيفه رحمة الفلاحين، ولم ~~يبعثها عليه الشفقة على المصريين، وعميت بصيرة من ظن بحكومة إنجلترا قصد المرحمة ~~في هذا أو في غيره من الأعمال. # قصدت تعمية الأمر على الدول؛ لتنال منهم تصديقا على أعمالها، فيتسع لها المجال ~~فيما بعد، وبدأت باستمالة فرنسا وعقدت معها اتفاقا يوطن نفوس السياسيين على الرضاء ~~بما تريد، ثم أنشأ السير بارنج لائحة للمالية أثبت فيها عجز مصر عن أداء ديونها، إلا ~~أن رجال الدول كانوا أحذق من أن ينخدعوا؛ لعلمهم أن وادي النيل أحوج إلى العدالة وحسن ~~الإدارة من تخفيف الدين. # لم يخف على السياسيين أن مصر لو سلمت إدارتها لحاكم نافذ الكلمة قوي العزيمة واسع ~~الخبرة بأحوال البلاد، لوسعت قدرتها أداء ما عليها بل وما يزيد عليه - وإن كان يثقل على ~~دولة تجارية. # قررت في الاتفاق الفرنسي إطالة مدة حلولها العسكري إلى ثلاث سنوات ونصف ثم تخرج، على ~~شرط اتفاق جميع الدول على خروجها، فعلقته بما يشبه المحال؛ لتسهل عليها المواربة، ~~ولكن لم يذهب على رجال السياسة في سائر الدول أن بقاء إنجلترا في مصر لا يزيدها إلا ~~خرابا. # ولما انعقد المؤتمر كشف مسيو دبلنيير الفرنسي ما في لائحة بارنج من الأغلاط، فشرعت ~~إنجلترا في تهديد فرنسا بالميل إلى ألمانيا، إلا أن السفير الألماني، وهو تلميذ البرنس ~~بسمارك ولا يعمل إلا بإشارته، كان أميل إلى فرنسا؛ فإن سياسة البرنس مبنية على ~~التفريق بين فرنسا وإنجلترا (وقد حصل) فحصل اليأس لحكومة إنجلترا من تخفيف النفقة على ~~الملك الذي زعمت أنها ملكته، فحلت المؤتمر، أو انحل بطبعه، وصارت الدول الأوروبية في ~~جهة، وإنجلترا وحدها في جهة أخرى، # 1 # ولم يكن من رأي الدول أن ms289 يقعوا آلة في يد إنجلترا تستعملهم في قضاء ~~أوطارها، فطاشت جرائد الإنجليز غضبا على ألمانيا وأخذت تذكرها بأن استيلاءها على ~~الألزاس واللورين إنما كان بمساعدة إنجلترا المعنوية، وهاجت الجرائد النمساوية ~~والألمانية، وصالت بالطعن والتجريح في السياسة الإنجليزية، واتفقت حكومة ألمانيا ~~والنمسا على إلزام إنجلترا بتحديد أجل لدفع الخسائر التي نشأت عن ضرب ~~الإسكندرية. # الحكومة الإنجليزية في رجفة شديدة، وخيفة من سوء العاقبة، إلا أنها على عادتها ~~تظهر الإقدام وتنطق بالحماس وتوهم أنها غنية عن العالمين، عمدت إلى الاستقلال ~~بتدويخ مصر، وتقرير سلطتها فيها وإخماد فتنة السودان، وظنت أنها قادرة على ذلك، فجهزت ~~القواد وعينت اللورد نورثبروك، أعدى أعداء المسلمين ومخرب بيوت الشرقيين، ليتولى العمل ~~لدولته في القطر المصري، ولكن هيهات وهيهات. # نترك الآن بيان ما يترتب على انفراد الإنجليز عن سائر الدول في أمر مصر إلى عدد آخر، ~~ونقدم كشفا لجوهر حالهم العامة. # أولا: # إن الإنجليز - على عادتهم المألوفة - إذا قصدوا الاستيلاء على قطر ~~لا يصرحون بقصدهم حتى يتمكنوا فيه، ولا يبقى لهم منازع في الداخل ولا ~~في الخارج، فلو فرضنا أن المصريين والدول أجمعين اتفقوا الآن وطلبوا من ~~إنجلترا أن تعلن بتملكها لمصر لامتنعت الحكومة الإنجليزية وأظهرت ~~العفة والقناعة، ولظهر المستر جلادستون في دلوق الزهاد ولصالح جميع ~~الإنجليز من جميع الأحزاب، أستغفر الله لا نريد سوى إصلاح البلاد ~~وتوفير خيراتها! وتحت هذا الحجاب يتصرفون تصرف الملاك ويختصون بالوظائف ~~العليا، ويديرون حكومة البلاد على رغبتهم، وينقلون ثروتها إلى ~~جزيرتهم، ويمزقونها قطعا يهبون منها ما لا يهمهم لأعداء البلاد، ~~ليعينوهم على تذليلها واستعبادها. # وثانيا: # إن حكومة الإنجليز من أضعف الحكومات في القوة العسكرية البرية، وأحد ~~سلاحها التهديد، واكبر قوتها التهويل، ووضع الأمور الصغيرة تحت ~~النظارات العميقة؛ لترهب بذلك كل جاهل، وتخيف كل غبي، لهذا لا تتمكن ~~بدسائسها في قطر إلا عند سكون أهاليه، فإذا نبذ الأهالي طاعتها، ~~وعارضوها في أعمالها، سترت ضعفها بترك البلاد لأهلها؛ فإن مقاومة ~~الأهالي أشد بأضعاف مضاعفة من القوة العسكرية المجتمعة في أماكن ~~مخصوصة تحت قيادة رؤساء ms290 معينين، تنهزم بانهزامهم، وما جرى لحكومة ~~إنجلترا مع الأفغانيين أعظم شاهد على ما نقول. # دخلت الحكومة الإنجليزية أرض الأفغان بستين ألف عسكري واستولت على المدن، ~~وكاد قدومها يرسخ في البلاد، فلما قام الأهالي من كل صقع، والتحمت المقاتل في جميع ~~أنحاء أفغانستان، عجز الستون ألفا عن الوقوف موقف الدفاع، واضطرت حكومة إنجلترا بعد ~~تسلطها سنتين، وبعد صرف ثلاثين مليون جنيه إسترليني؛ أن تطلب الأمير عبد الرحمن خان من ~~روسيا بعدما أقام عند الروسيين اثنتي عشرة سنة معززا مكرما، وأن تقدم له أربعة ملايين ~~من الجنيهات لينفقها في إدارة بلاده، وتركت له البلاد وولت. # حكومة الإنجليز إنما تخصع للضرورة وللضرورة أحكام، فعلى قبائل العرب في مصر ~~وشمائخها أن يتذكروا شهامتهم العربية، وحميتهم الدينية، ويقتدوا بالأفغانيين؛ لينقذوا ~~بلادهم من أيدي أعدائهم الأجانب، الذين لو تمكنوا في البلاد لمحقوهم وأذلوهم، وليس من ~~الفتنة أن ندعوهم إلى طلب الحقوق والدفاع عن الدين والوطن كما يظن بعض المتطفلين على ~~موائد السياسة، فإنما ننادي على صاحب البيت أن يدافع عن حريمه وماله وشرفه، وأن يخرج ~~مخالب عدوه من أحشائه، وهي سنة جرى عليها دعاة الحق في كل أمة، وتاريخ أوروبا ~~القديم والحديث، وتواريخ الأمم الشرقية أولها وآخرها تنطق بصدق ما نقول. # وعلى المصريين عموما والفلاحين خصوصا أن يجمعوا أمرهم على أن يمنعوا الحكومة كل ~~ما تطلب منهم، وأن يرفعوا أصواتهم بنداء واحد قائلين: لا نطيع إلا حاكما وطنيا ~~مسلما نافذ الكلمة حازم الرأي، قادرا على إدارة البلاد بقوة وطنية، وليستصرخوا في ~~ذلك جميع الدول ويبرهنوا على قدرتهم، ويقيموا الأدلة على أن مصلحة الدائنين لا يمكن ~~حفظها إلا بإجابة طلبهم، فإن فعلوا هذا وجدوا لهم من الدول أنصارا، بل ومن الجنس ~~الإنجليزي نفسه! # على الدولة العثمانية أن تتذكر أنه لولا فرمانها بعصيان عرابي لما سهل للإنجليز أن ~~يدخلوا أرض مصر، # 2 # ولا أصابوا هذه الغنيمة باردة، فلتنظر إلى قوتها ونفوذها وتلاحظ أن الحل ~~على من عقد، والعقد على من حل، ولا تنس أن مصر حبكة الممالك العثمانية ms291 كما بينا ~~مرارا، ولا تغفل من النمسا وشرهها، وروسيا وطمعها، وفرنسا وآمالها، فمن الأمور ~~الطبيعية أن المنافسة أو الموازنة تدعو الأقران إلى التسابق في الأطماع، وإذا فرط ~~متساهل في أهل ملته فلن يجد منهم فيما بعد عونا، لو تحرك العثمانيون لرأوا عونا ~~من جميع المسلمين؛ خصوصا وقد حصلت كدورة بين إمارة الأفغان وحكومة الإنجليز، بل نكرر ~~ما قلناه مرارا من أن نفوذ العثمانيين في الهند يمنع الإنجليز من الجهر بعداوتهم ~~البتة، فهذه فرصة الإقدام، فإن ولت الفرصة فربما يصعب التلافي، ولا يبقى إلا الندم، حيث ~~لا ينفع الندم - وفق الله الدولة العثمانية إلى ما فيه خيرها وخير المسلمين، وبصرها ~~بالرشد وكفاها شرور المفسدين. # | الفصل الرابع والثمانون # تنبيه # طلب إلينا أحد الأعاظم من ذوي الحل والعقد في المسلمين أن ننشر الجملة الآتية ~~بنصها، فها هي: # وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ~~. ~~(التوبة: 3) # ملعون من يخون بلاده لمرض في قلبه، ملعون من يبيع أهل ملته بحطام يلتذ به، ملعون من ~~يمكن الأجانب من دياره، محروم من شرف الملة الحنيفية من يعظم الصغير، ويصغر ~~العظيم، ويمهد الطرق لخفض كلمته إعلاء كلمة الأغراب، ملعون من يختلج في صدره أن يلحق ~~عارا بأمته ليتمم ناقصا من لذته، عجبا عجبا، لا حول ولا قوة إلا بالله، هل صحيح أن ~~خمسة ملايين سابقة وخمسة ملايين لاحقة تمكن الأجانب من مصر، وهي مفتاح الحجاز وباب ~~الأقطار الشامية، هيهات هيهات، أيظن مريض القلب أن يترك حتى يأتي هذا المنكر؟! أيظن ~~أنه يعيش حتى يتمتع بما تكسب يداه؟! أيتوهم أنه يبقى حيا على وجه الأرض وفيها مسلم؟! ~~لا أظن أن يكون له حظ من البقاء، ولو كان في أبراج من الفولاذ. ا.ه. # | الفصل الخامس والثمانون # مطلوب من توفيق باشا أن يموت شهيدا! # يتوكأ الإنجليز عن توفيق باشا في حركتهم بمصر، ويتخذونه آلة لتخريب بلاده وهدم ملكه، ~~وما يكون من شر ينسبونه إليه، وما عساه يوجد من خير يصلون نسبته بهم، ويردونه إلى ~~أنفسهم، وفيما ms292 بين ذلك يبغضون إليه الولاية الإسلامية، ويجيبون إليه إغفال ~~الأصول الدينية، وهو يميل معهم ويمدهم في مقاصدهم ويطوع البلاد لهم بما بقي له من ~~السلطة الصورية، كما يتظاهر بالتدين والمحافظة على الصلوات. # فإن كان باطنه يطابق ظاهره، وكان معتقدا بدين الإسلام، فعليه أن يتنحى عن الأمر ~~ويترك الملك لمن يستطيع إنقاذه مما هو فيه، فتبرأ ذمته من العار الذي يلحقه ويلحق ~~بيت محمد علي من تصرفه، فإن لم يكن هذا فعليه أن يجهر بعقيدته، ويقاوم الإنجليز بما في ~~جهده، ويموت شهيدا في سبيل دينه ووطنه، وإلا فليس يغني عنه من الله شيئا؛ أن يظهر عند ~~أهل خاصته وحاشيته أنه ناقم على الإنجليز كاره لوجودهم في بلاد مصر ويود لو يخرجون! كما ~~أنبأتنا به الأخبار الخصوصية من القطر المصري. # إذا تمادى توفيق باشا في سيره الملتوي فعلى المصريين أن لا يقعوا صيدا في يد ~~الإنجليز بهذه الحبالة البالية وهذا الفخ الواهن، ولينظروا في شئونهم وما توجه عليهم ~~فروض دينهم، وإلا فما الله بغافل عنهم. # | الفصل السادس والثمانون # هؤلاء رجال الإنجليز، وهذه أفكارهم # تأخر صدور الجريدة أياما؛ لضرورة ما مسنا من ضعف في المزاج مع مصادفة رداءة الهواء ~~في البلاد الفرنسية هذه الأيام، والحمد لله على زوال المانع، إلا أننا مع ذلك لم نقصر ~~في أداء الواجب من العمل الذي قمنا به في المدافعة عن حقوق المسلمين، فقد خلقنا - ~~والشكر لله - لهذا العمل وطبعنا عليه، ونرجو ديان السماوات والأرض أن نموت في هذه ~~السبيل، وأن نبعث في زمرة السالكين فيها. # رأينا أن يذهب الشيخ محمد عبده (المحرر الأول لهذه الجريدة) إلى لندن إجابة لدعوة ~~من يرجى منهم الخير لملتنا، ومن يؤمل فيهم صدق النية في رعاية مصالح المسلمين من ~~رجال السياسة الإنجليزية، وليستكشف مناصب الفخاخ السياسية التي ما مرت قدم شرقي إلا ~~سقطت منها فيما يعسر الخلاص منه، وليسبر أغوار المطامع الإنجليزية التي لا يدرك ~~منتهاها. # تلك المطامع التي بعدما التهمت ثلث المسكونة وطوقت كرة الأرض بالفتح والاستملاك ~~لم تزل في مد ms293 لا جزر معه، ولا يزال رجال حكومة بريطانيا في نهم شديد لابتلاع ممالك ~~العالم، وكلما أساغوا قطرا طلبوا إليه آخر، وليستطلع خفايا المقاصد من أثناء الأفكار ~~وغضون الأقوال، وليقف على الطرق المألوفة بين أولئك السياسيين في التلوين، ويتبين كيف ~~يتمكنون من إبراز محاسن الأعمال في صفات رديئة يستنكرها كل ناظر إليها، وإظهار السيئات ~~في ألوان بهجة تسر الناظرين، حتى يمكن بعد ذلك وضع ميزان قسط يتميز به الزيف من النضار ~~الخالص؛ كي لا يغتر الجاهل، ولا يزل العالم. # لاقى (محرر الجريدة) كثيرا من رجال السياسة الإنجليزية وأنفذ الناس رأيا فيها، ~~وقد جرت بينه وبينهم محادثات طويلة في الأحوال المصرية، ومن محادثاته التمهيدية ما نشر ~~في بعض الجرائد الإنجليزية كجريدة «البال مال جازيت»، وجريدة «التروت» التي يحررها ~~النائب الشهير مستر لابوشير، وجريدة «التايمس»، وسيذكر شيء مما جرى بينه وبين بعض ~~الأكابر من رجال الحكومة مما يستفيد منه الشرقيون عموما، والمصريون خصوصا، وستأتي ~~جريدتنا على بعض ما استنبطه من فحوى أقوالهم وأدركه من مرامي أفكارهم، أما الآن ~~فنأتي على جملة واحدة من محادثة طويلة كانت بينه وبين اللورد «هرتنكتون» وزير ~~الحربية الإنجليزية؛ ليأخذ كل مصري منها حظه، ويصيب كل شرقي سهمه، ويقف جميعهم على ~~مواقع الشرقيين من أنظار الحكومة الإنجليزية. # سأل اللورد هرتنكتون وزير الحربية الإنجليزية: «ألا يرضي المصريين أن يكونوا في ~~أمن وراحة تحت سلطة الحكومة الإنجليزية؟ وألا يرون حكومتنا خيرا لهم من حكومة ~~الأتراك، وفلان باشا وفلان باشا؟» فأجاب الشيخ (محرر جريتنا): «كلا، إن المصريين قوم ~~عرب، وكلهم مسلمون إلا قليلا، وفيهم من محبي أوطانهم مثل ما في الشعب ~~الإنجليزي، فلا يخطر ببال أحد منهم الميل إلى الخضوع لسلطة من يخالفه في الدين ~~والجنس، ولا يصح لحضرة اللورد وهو على علم بطبائع الأمم أن يتصور هذا الميل في ~~المصريين.» # فقال الوزير: «هل تنكر أن الجهالة عامة في أقطار مصر، وأن الكافة لا تفرق بين الحاكم ~~الأجنبي والحاكم الوطني، وأن ما ذكرته من النفرة من سلطة الأجانب إنما يكون في الأمم ms294 ~~المهذبة؟» فاحتد الشيخ حدة تليق بمسلم لا يتهاون في أداء ما فرضه الدين، وأوجبته حقوق ~~الشريعة، وقال: «أولا إن النفرة من ولاية الأجنبي ونبذ الطبع لسلطته مما أودع في فطرة ~~البشر، وليس بمحتاج للدرس والمطالعة، وهو شعور إنساني ظهرت قوته في أشد الأمم ~~توحشا كقبائل الزولو الذين لم تنسوا ما كابدتموه منهم في الدفاع عن ~~أوطانهم. # وثانيا إن المسلمين مهما كانوا وعلى أية درجة وجدوا لا يصلون من الجهل إلى ~~الدرجة التي يتصورها الوزير؛ فإن الأميين منهم ومن لا يقرءون ولا يكتبون، لا ~~يفوتهم العلم بضروريات الدين، ومن أجلاها ومن أظهرها عندهم أن لا يدينوا لمخالفيهم ~~فيه، وإن لهم في الخطب الجمعية ومواعظ الوعاظ في مساجدهم ما يقوم مقام العلوم ~~الابتدائية، وإن جميع ما يتلقونه من النصائح الدينية يحذرهم من الخضوع لمن لا ~~يوافقهم ويحدث فيهم من الإحساسات الشريفة الإنسانية ما لا ينحطون معه عن سائر الأمم، ~~خصوصا المصريين الذين ينطقون باللسان العربي ويفهمون دقائق ما أودع في ذلك اللسان وهو ~~لسان دينهم. # وثالثا إن أرض مصر من زمن محمد علي قد انتشرت فيها العلوم والآداب الجديدة على نحو ~~ما هو موجود في بلاد أوروبا، وأخذ كل مصري نصيبا منها على قدره، ولا تخلو قرية من ~~القرى الصغيرة من أن يكون فيها قارئون وكاتبون، والأخبار العمومية توصلها إليهم ~~الجرائد العربية، ومن لم يقرأ يستنبئ الأخبار من القارئين، فبهذا أضافوا إلى ~~الشعور الطبيعي والتقليد الديني محبة وطنية منشؤها التهذيب العمومي قوي بها الميلان ~~الأولان، ولا أظنهم يخالفون في ذلك سائر الأمم.» ا.ه. # أين العلماء الأذكياء؟ أين الجهلة الأغبياء؟ أين الأباة الأعلياء؟ أين السفلة ~~الأدنياء؟ ليرى كل واحد منهم منزلة الشرقيين عند رجال الحكومة الإنجليزية، كل ذي شكل ~~إنساني وصورة بشرية يدرك ما وراء هذه الأسئلة، وما تشف عنه هذه الظنون العجيبة، هذا ~~اللورد هرتنكتون وزير الحربية الإنجليزية يظن أن الجهل بلغ من المسلمين عموما، ~~والمصريين خصوصا، إلى حد سلب عنهم كل إحساس إنساني، وأنهم في حضيض من الجهل، لا ~~يميزون فيه ms295 بين الغريب والقريب، ولا بين العدو والحبيب. # هذا دليل على أن الإنجليز - إلا من أنار الله بصيرته ووفقه لفهم الصواب - يعتقدون أن ~~الأمم الشرقية، والأمة المصرية، في درجة الحيوانات السائمة، والدواب الراعية، لا تتألم ~~إلا من الجوع وفواعل الطبيعة المادية، وليس لها من الإحساس إلا نوع من الانفعالات ~~البدنية، ولا تعرف من شئونها إلا ما به تقوم حياتها الحيوانية، فتألف راكبها والعامل ~~عليها ومستخدمها في أي عمل من الأعمال الشاقة؛ ما دام يقدم لها طعاما وشرابا، وأنها ~~تهش وتبش لرؤية من يقدم لها غذاءها وعشاءها وإن كان من أشد البلاء عليها، بما يسومها ~~من مشاق الأعمال، فإذا عجزت عن العمل ذبحها وتغذى بلحومها! # ألا فأعجبوا ... إن كانت هذه عقيدة رجال الحكومة الإنجليزية في الأمم التي يتسلطون ~~عليها، فأي معاملة تكون منهم لها؟! ألا يعاملونهم معاملة العجموات والحيوانات ~~الرتع؟! بلى، وهكذا يعاملون، وهذا تصرفهم في البلاد الهندية، يشهد بأفصح لسان على ~~ما يعملون. # فالمصريون الآن بين أمرين أفضلهما أيسرهما: إما أن يتناكفوا ويتضافروا ويبذلوا ~~أموالهم وأرواحهم في حفظ شرفهم الإنساني ومكانتهم العربية، وأداء حق عقيدتهم الدينية، ~~ويخلصوا أنفسهم من عبودية قوم لا ينظرون إليهم إلا كما ينظرون إلى البغال والحمير، وإن ~~هموا بذلك وجدوا لهم من إخوانهم المسلمين أنصارا ينتظرون الآن حركة منهم، وهذا أشرف ~~الأمرين وما هو عليهم بعسير، وإما أن ينسلخوا عن جميع الخصائص الإنسانية، ويخلعوا حلية ~~الإيمان، ويتبرأ منهم شرف العرب، وليحملوا ناف العبودية على أعناقهم، وليقاسموا ~~الحيوانات في حظوظها، وليستعدوا لكل ذلة، وليقبلوا كل ضيم. # وهذا أعسر الأمرين وأدناهما، وما أظن مصريا يختاره لنفسه، ولئن اختاره - معاذ الله ~~- فسيذهب الله بهم ويورث الأرض قوما آخرين؛ فإن الله غيور على دينه، غيور على ~~العدل، منتقم من الضالين - وإنا لله وإنا إليه راجعون. # | الفصل السابع والثمانون # اللورد نورث بروك حاكم مصر الجديد # كثيرا ما أتينا في جريدتنا على بيان مسالك الإنجليز في تملك الهند وتذليلهم ~~لأهاليه، وذكرنا أن سيرة الحكومة الإنجليزية في افتتاح البلاد لا تشابه سير ~~الفاتحين الذين ms296 يزحفون بخيلهم ورجالهم على الأقطار، فيقتلون ويقتلون، حتى يتغلبوا على ~~من يريدون، وقلنا: إن الإنجليز ملكوا نحو ثلث العالم بلا سفك دماء غزيرة، ولا صرف ~~أموال وافرة، وإنما ملكوا ما ملكوا بسلاح الحيلة، يدخلون في كل بلد أسودا ضارية، في ~~جلود ضأن ثاغية! يعرضون أنفسهم في صورة خدمة صادقين، وأمنة ناصحين، طالبين ~~للراحة، مقومين للنظام! # نادينا مرارا بأن الإنجليز إذا أرادوا التدخل في ملك للشرقيين، ورأوا أن القائم به ~~رجل حاذق بصير، وأن وجوده في الملك يبطئ سيرهم إلى ما يقصدون؛ بادروا إلى التشويش عليه، ~~فإما أن يفسدوا عليه قلوب رعيته ويثيروا عليه أحقادها، أو يغروا أحد أعضاء العائلة ~~المالكة بالعصيان وطلب الملك ليجدوا في ذلك وسيلة للدخول في الأمر، أو يتفقوا مع ~~الوزراء على خلع صاحب السلطة، ثم ينصبون بدله إما ضعيفا أحمق، وإما صبيا لم يبلغ ~~الرشد، إما من أبناء الملك أو أقاربه ليتمكنوا من بلوغ مقاصدهم تحت علمه، ويبلغوا ~~غاياتهم باسمه، ويقطعوا المسافة الطويلة في مدة قصيرة، بلا ممانع ولا عائق، مع إصابتهم ~~جزيل الأجر، على ما عملوا في بداية العمل. # هذا كما فعلوا من مدة غير بعيدة مع «راجا برودا»، خلعوه بدعوى باطلة، لما أحسوا ~~فيه البصيرة والحزم، وأقاموا بدله ولدا صغيرا من عائلته، ثم انتصبوا له أوصياء، ~~فوضعوا أيديهم على جميع خزانته، وتولوا إدارة ممالكه، واستلموا قيادة عساكره، ولم يبق ~~له إلا الاسم، يذكر ولا يشكر! # كل هذا تحت راية العدالة والإصلاح، وحفظ الراحة وتقرير النظام، ولم يساقوا إليه إلا ~~بباعث المحبة والإخلاص (ولا يذكر هناك اسم التملك والاستيلاء). نعم، ولهم الحق في ~~استبقاء اسم والسكوت عن آخر؛ فإن الأمراء الشرقيين لا يبالون بما دلت عليه الأسماء، ~~وإنما يهمهم طنطنة الألفاظ وضخامة الألقاب! # إذا سلب الأمير الشرقي ملكه وماله، وجرد من جميع حقوقه، وبقي له لقبه ولواحق لقبه؛ ~~فهو في سكرة من لذة ما بقي له، وفي ذهول عما سلب منه، هذه خلة عرفها الإنجليز في كل ~~أمير شرقي، فلم لا يقرون أعينهم بحفظ هذه ms297 الأسماء، بعدما جردت عن معانيها، وأي داع ~~يدعو رجال الإنجليز لإزعاج قلوب الأمراء بنزع هذه الألقاب؟ # إن اللقب الضخم حصن حصين، يسجن فيه الأمير الشرقي، أو جب عميق يلقى فيه، وهو ~~يظنه جنة عرضها السماوات والأرض، فليعش أمراء المشرق متمتعين بنعيم ألقابهم، وسعادة ~~أسمائهم، ويكفيهم من المجد أن يقال لهم بين خدمهم وخاصتهم، في داخل دوائرهم: «نواب ~~صاحب»، «راجا صاحب»، «خديو صاحب»، «سلطان صاحب»، واخجلتاه! هذه الألقاب كانت تشير إلى ~~ملك فسيح، ومجد شامخ، وشوكة قوية، وسطوة تخضع لها الشمم العوالي، فكيف طابت نفوس أمراء ~~المشرق بقبولها عارية من كل شرف، لم يبق من معناها إلا سلطة على الخدم والحشم، وما هم ~~فيها بأحرار، بل لا بد أن يوافقوا فيها رضاء الأجانب. # من أدق رجال الحكومة الإنجليزية في فن الحيلة، وأمهرهم في صناعة الخدعة، ~~وأطولهم باعا في النفاق، وأحذقهم في اختراع الوسائل لسلب الأملاك من أربابها، وأشهرهم ~~في عداوة المسلمين؛ ذلك اللورد المحترم «نورث بروك». # كان هذا الرجل البارع حاكما في الهند فأذاق أهاليه مر العذاب، في كئوس المحبة ~~والوداد، كم خرب بيوتا، وقلب عروشا، وكم خفض رفيعا، وأذل عزيزا، وهو في جميع سيئاته ~~يبكي بكاء الشفقة، ويسكب دموع المرحمة على الهنديين، ويقول: «إنني أول إنجليزي تهمه ~~رفاهة أهل الهند، وإنني وحيد بين الإنجليز بمحبة الهنود، والسعي فيما يعود عليهم ~~بالصلاح والنجاح، وإنني أستغفر الله إن كنت قصرت في عمل يؤمل بهم إلى الفلاح»، ~~وينادي في الهنديين بقوله: «واأسفاه! إنكم اليوم ما عرفتموني، ولا أحطتم بما حواه ~~ضميري، من إرادة الخير لكم.» هذا هو الكاهن الحاذق في وعظه (ودونه في النفاق عبد الله ~~بن أبي سلول رأس المنافقين في الإسلام). # إن الحكومة الإنجليزية عرفت قدره في براعته ومعرفته بوجوه المكر، وخبرته بأحوال ~~الشرقيين، وسعة علمه بكيفيات التصرف في عقولهم وأهوائهم، وطرق أخذهم من حيث لا ~~يشعرون، واعترفت له حكومته بصدق الطوية في معاداة المسلمين؛ لأجل هذا قررت أن ~~تبعثه إلى مصر، وعزمت على إرساله إليها مفوضا من قبلها يفعل ما ms298 يشاء. # ولكن لا نظن حبالته الخداعية تصرع فطانة المصريين وتأخذ عقولهم، فإن تسنى له النجاح، ~~ورضي المصريون على أنفسهم عار الذل، ووصمة الضيم، فلا يكون إلا باستعمال توفيق باشا آلة ~~في جميع أعماله، يستخدمه لإدخال مصر في ملك الحكومة الإنجليزية، يلقنه الأوامر ~~السامية، ويلهمه الإرادات السنية، لتذليل أهل بلاده وسوق المصريين لقتل إخوانهم وفتح ~~البلاد الثائرة، وإقرار السلطة فيها للحكومة الإنجليزية. # فإن تم له ما يريد من تسكين الفتن وتقريب المصريين للرضاء بحكومة تنفر منها ~~طباعهم عمد إلى خلع توفيق باشا بأية علة وطلب تولية ابنه عباس؛ لكونه ولدا صغيرا لم ~~يبلغ الرشد، واستند في ذلك إلى الفرمانات السلطانية (يحترمونها إذا وافقت أغراضهم)، ~~وجعل نوبار باشا ديوانا له (الديوان وزير يعينه الإنجليز من طرفهم في الممالك التي ~~تبقى في الهند تحت أسماء الأمراء الذين لا يعرف فيهم الرشد ولا يجوز عزله إلا بأمر ~~من الحكومة الإنجليزية). # نوبار باشا لا يقصر في هذا العمل ولا يألو جهدا في إبلاغه إلى نهايته، نوبار باشا ~~رجل لا هو مسلم فيغار على دينه، ولا هو مصري فيحتمي على وطنه، ولا هو عربي فتأخذه ~~النفرة على جنسه، وبهذا الطريق نال سلطة في القطر المصري مدة لا تنقص عن الباقي ~~من عمره، ويكون في أمان من العزل، تحت ظل الحكومة الإنجليزية. # هذه مقاصده التي بلغتنا من مصدر يوثق به، ولا نظنه ينجح فيها؛ فإن صلاح الأمر في ~~مصر لا يقوم به إلا من هو أعرف بحال المصريين وأقرب إليهم من «نورث بروك»، هذا ~~اللورد يسلك في سيره على ما جرى عليه في الهند، إنا نذكر طرفا من أعماله عبرة ~~للمعتبرين. # إن «جيرت ستك» كان راجا على ممالك «جنبة» الواقعة في جنب «عنبر سر» من طرف «همالايا»، ~~فلما مات هذا الملك تولى ابنه «سرسينك» وهو ولده من الملكة، ثم مات وتولى شقيقه «سوجيت ~~سنك» على طبق قانون الوثنيين، فلما ذهب «نورث بروك» حاكما في الهند قصد إلى تنفيذ حكمه ~~في تلك المملكة واستملاك أراضيها حسب المألوف بين ms299 أمثاله من رجال حكومته، فطلب من «سوجت ~~سنك» أن يتنازل عن الملك لأخيه «قوبال سنك» وكان وليدا من جارية، ولا يجوز في قوانين ~~الوثنيين أن يتولى الملك أبناء الإماء ما دام من أبناء الأحرار حي، فلما تمنع ~~«سوجت سنك» من التنازل؛ اعتمادا على قانون باده، أنزل بحكم اللورد جبرا بعدما ضربت ~~زوجته التي كانت ملكة تلك البلاد (لكونها زوجة الملك) ونهب جميع ما كان في بيت الملك من ~~الخزائن والتحف والجواهر الثمينة والمخلفات القديمة (أنتيكات) التي كان يتوارثها الملوك ~~من أجيال طويلة (فإن عائلة الملك كانت من قدماء العائلات الملكية). # ثم نصب بدله «كوبال سنك»، وبعد مدة قصيرة عزل «كوبال سنك» ونصب ولده الصغير «سيام ~~سنك» ليكون الأمر والنهي حسا ومعنى بيد أمراء الإنجليز، وتحت تصرف الديوان الذي ~~أقاموه من طرفهم! هذا مثال لما يطول عده من أعمال اللورد نورث بروك في الهند. # ثم إن «سوجت سنك» المخلوع ظن أن نورث بروك وحده هو الظالم، وأنه لو رفع أمره للحكومة ~~العليا في لندن يجد لديها عدلا ويصادف منها إنصافا، فجاء من مدة ست نسوات وعرض حاله ~~على الحكومة، فإذا القلوب متشابهة، والنفوس متوافقة، والآراء متألبة على سلب الحقوق، ~~والغلو في العدوان، وفي خلال هذه المدة أنفق كل ما كان عنده في المطالبة بحقه، ~~والمرافعة مع ظالمه، حتى أصبح صفر اليدين، لا يملك قوت يومه، ولا يجد منصفا. # هذا الملك السيئ الحظ مع ما كان له من رفعة الشأن، وارتفاع نسبه في الملك إلى أجداده ~~الأقدمين، من نحو ألف سنة؛ تراه الآن يتضور من الجوع في بلاد أوروبا رث الثياب حقيرا ~~ذليلا، هذا الذي احترمه اللورد نورث بروك الذي تريد حكومة إنجلترا أن ترمي به مصر، ~~وهذا هو الإصلاح الذي يقصد إجراءه فيها! # لكن رجاءنا في المسلمين، وأملنا في المصريين، وقوة إيماننا بوعود الله، وصدق النبأ ~~عما تكنه الحوادث المصرية، وتألب الدول على معاكسة الحكومة الإنجليزية، واضطرار الدولة ~~العثمانية للدفاع عن مصر؛ كل هذا يبشرنا بخيبة هذا الغادر في قصده - والله ms300 لا يهدي كيد ~~الخائنين. # | الفصل الثامن والثمانون # نكتة # عندما كان الشيخ محمد عبده يحادث أرباب السياسة في لندن كان أغلبهم يقول له: «كثيرا ~~ما سمعنا من الأجانب الذين ينتمون إلى البلاد المصرية أخبارا متعلقة بها، لكنا لا ~~نحلها محل الاعتبار؛ لما نعلم عن بعدهم عن الشعب المصري الحقيقي، أما أنت فلكونك ~~عريقا في المصرية، وعالما من علماء المسلمين، فنحب أن تبين أفكارك، وما تعلمه من ~~أحوال الأهالي المصريين، وشئون أمرائهم واستعداداتهم، وما يليقون له، وما يليق بهم؛ ~~فإنا نرى ذلك منك حاكيا عن حقيقة الأمر فيهم، وكاشفا عن أفكار أهالي مصر عموما»، وقد ~~أشارت إلى هذا المعنى جريدة «البال مال جازيت». # | الفصل التاسع والثمانون # معارضة الإنجليز # تنبهت أفكار الدول الأوروبية في هذه الأيام إلى ما يمسها من إيغال الإنجليز في ~~طمعهم، وأن ظفرهم في أعمالهم المشرقية لمما يخمد أنفاس أوروبا ويسد عليها أبواب ~~التجارة، ولو نجح الإنجليز في سيرهم إلى ما يطمحون إليه، لم يبق موضع قدم للتجارة ~~الأوروبية، فيضرب الفقر في غالب أقطار أوروبا التي قوام معيشتها التجارة، وأن الدول ~~لتعجز بعد هذا عن حاجاتها. # هذا فزع ألمت بدايته بنفوس الدول من صيحة الطبيعة، وزاد عليه ما خدش خواطرها من ~~الإهانات المتتباعة اللاحقة بها من غرور الإنجليز. دولة إنجلترا هي التي تركت الدول ~~تأتر في الأستانة، واستبدت بإطلاق النيران على مدينة الإسكندرية. # هذه الدولة هي التي دعت الدول العظام إلى مؤتمر للمداولة في مسألة مصر، معترفة ~~بحقوقها فيها، فلما لم تجبها الدول إلى مطلبها الباطل، صرفت نوابهم، وانطلقت في ~~أعمالها غير مبالية بهم، وعزمت على إرسال «اللورد نورث بروك»، و«الجنرال ولسلي»، في آن ~~واحد إلى مصر. # هذا كله حرك خواطر الدول، وصار من أعظم البواعث على اجتماع الأباطرة الثلاثة ~~في شهر سبتمبر - كما أنبأت الجرائد - وأكد أن موضوع المداولة بينهم هذه المسألة المهمة، ~~لهذه المسألة كانت مدينة وارزين دار ندوة سياسية، وبها وجد البرنس بسمارك مجالا واسعا ~~للسياسة. # تلاقى الكونت كالنوكي مع البرنس بسمارك، وطالت مدة الاجتماع ولحق بهما ms301 مسيو دي جيرس ~~وزير دولة روسيا، وكان البحث فيما ألم بالدول بعد مؤتمر لندن، ثم عقب ذلك سفر مسيو ~~كورسيل سفير فرنسا في برلين إلى وارزين لملاقاة بسمارك (وإن أولت بعض الجرائد ~~الإنجليزية حركة هذا السفير بمقصد آخر)، فهذه الزيارات المتتالية بين هؤلاء الوزراء ~~العظام، بعد خيبة المؤتمر، تفتح للمتأمل بابا واسعا من الفكر، وتشف عن أمور عظيمة ~~سيكشفها الزمان عن قريب. # هذا إلى جانب الأمر الجديد الذي صدر من دولة ألمانيا وهو تعيين وزير في سفارة مبجلة ~~لدى شاه إيران وفي أعضاء سفارته بروكش باشا المشهور بعلم الخط المصري القديم، وهي أول ~~مرة كان لهذه الدولة سفير عند الشاه، ثم ذهاب ميرزا خان سفيرا خصوصيا من الدولة ~~الفارسية إلى الدولة الروسية، ونيله غاية التبجيل والتكريم. # كل هذا ينبئنا أن في كمين الغيب مصيبة كبرى ستنقض على دولة الإنجليز ... إن الأحقاد ~~قد أخذت بقلوب الأمم الأوروبية وامتلأت الأفئدة غيظا حتى طفحت، ولهذا لا ترى جريدة ~~ألمانية أو نمساوية أو فرنسية أو روسية إلا وهي مشحونة بالطعن والتنديد، والوعيد ~~والتهديد، والإنذار بسوء عاقبة حكومة الإنجليز. # ليس ببعيد على عدل الله أن ينكس أعلام العاتين، الذين يعبثون في الأرض مفسدين ~~ويسلبون ممالك العالم غيلة، ويهضمون حقوق الأمم بغيا وعدوانا، ويسيمونها عذاب الرق ~~والعبودية عتوا واستكبارا، أظلم جو السياسة على سابلة الإنجليز، وزأرت عليهم ~~ضارية الويل من كل جانب، ولهم في هذه الأهوال حركة الخابط، إما سترا لضعفهم، أو غرورا ~~ببأسهم. # ويتعلقون بحبال الوسائل لامتلاك مصر والسودان، اللورد نورث بروك وسميع الله خان ~~الدهري يذهبان إلى مصر لتأليف القلوب، وجميع الخواطر على ولاء الحكومة الإنجليزية، ~~وإن ولسلي بعدما نال من حسن الصيت بصرف الدنانير في التل الكبير؛ عزم على أن يفتح ~~فتحا آخر بمثل تلك الوسيلة، ولكنا لا نظن في السودان مثل شهيد الخيانة وأبى سلطان باشا ~~إضرابه، وهذا من جهة أخرى يسعون لإجبار الحكومة المصرية على إعلان الإفلاس وإشهار العجز ~~عن القيام بنفقات الحكومة؛ ليجدوا في ذلك وسيلة لتقرير حمايتهم على القطر ms302 المصري، ~~وتخفيض فائدة الدين والاستبداد بشئون المملكة. # إنهم نالوا في الحرب المصرية من الدولة العثمانية فرمانا سلطانيا بعصيان عرابي، ~~فحقنوا به دماء رجالهم، وصانوا كثيرا من أموالهم، واليوم يسعى اللورد دوفرين ~~بمواعيده العرقوبية، وأيماناته الكاذبة عند الباب العالي ليحمله على إرسال عشر مدرعات ~~إلى الإسكندرية، وسوق جيش إلى سواحل البحر الأحمر؛ ليكون هذا بدل الفرمان بعصيان محمد ~~أحمد، ويفوز الإنجليز بالتسلط على مصر والسودان، ويحلفون - وهم الكاذبون - إنهم لا ~~يمسون حقوق السلطان (هل أبقوا حقوقا تمس؟) حتى إذا ثبتت أقدامهم تحت ظل العلم ~~العثماني، قلبوا للعثمانيين ظهر المجن وأجابوهم بهز الرءوس وكشرة الأنياب. # ولا نظن أن الدولة العثمانية تغتر بوعود الإنجليز مرة ثانية، فلا يلدغ المؤمن من ~~جحر مرتين، وقد جربت منهم حلاوة الوعد، وذاقت في إخلافه مضاضات الإهانة، ومرارات ~~التحقير. نعم، هذا وقت يتسنى للدولة العثمانية أن تتفق مع سائر الدول لصون مصالحها، ولا ~~يخطر ببال عثماني أن ينال خيرا بالاتفاق مع الإنجليز. # إن حكومة بريطانيا ما عاهدت عهدا إلا ونقضته، بعدما جنت ثمرته، فربحها في العهود ~~خاص بها، لا يشركها فيه غيرها، لم يخف على الدولة العثمانية أن الإنجليز تصرفوا في ~~الأراضي المصرية تصرف المالكين بلا مشورتها، وهبوا قسما عظيما من السودان الشرقي ~~للحبشة وأثاروا حربا صليبية بين الحبشيين ومسلمي السودان، نزعوا إلى الاستيلاء على ~~زيلع وهرر وبربر، هل كان شيء من هذا بإذن الباب العالي؟ فعلى أي وجه تثق الدولة ~~بإنجلترا، بعدما جربت من غدرها ما جربت ورأت من عدوانها ما رأت؟ # لو تساهلت الدولة مع الإنجليز في مسألة مصر فسنسمع عن قريب بأمور في الحجاز وسوريا ~~واليمن وبغداد وكلها من دسائس الإنجليز، أما لو أقدم العثمانيون بعزيمة ثابتة وأقبلوا ~~على شأنهم في مصر، مع هيجان الأفغانيين وانفراد إنجلترا عن سائر الدول؛ لوجدوا لهم ~~أنصارا من جميع المسلمين في الشرق، ومن المصريين والسودانيين، ولأرغموا الإنجليز، ~~واسترجعوا ما فقدوه من المكانة أيام حرب روسيا، ولأعادوا عزتهم الأولى. # هكذا ينبغي أن يساق الجيش العثماني، لصدمة الإنجليز لا لخدمتهم، فإن ms303 لم تفعل الدولة ~~العثمانية فعلى الدنيا العفا، وعلى الإسلام السلام! # وليعلم المصريون من الفلاحين والعرب أن الإنجليز لا يقصدون إلا استعبادهم ~~واستخدامهم كما يستخدم الأرقاء، وأول نير للذل يوضع على أعناق أمرائهم، فعليهم ألا ~~يكونوا آلة في تمكين العدو من رقابهم، وأن لا يكون بعضهم فخا لصيد باقيهم، لعمر ~~الله إنا لفي عجب من الذين يحفظون القلاع في السودان، ومن المصريين الذين يخفون ~~لمقاتلة السودانيين ، هل يعلمون أي أمة يخدمون؟! # بلى، إن حامية كسلا حافظت عليها حتى تسلمها للحبشة، وإن حماة القلاع في السودان ~~يحفظونها حتى يسلموها لقواد الإنجليز إن استطاعوا، نعم كنا نحب أن نرى هذه الشهامة من ~~العساكر المصرية، لكن إذا لم يكونوا في تصرف دولة أجنبية، أما اليوم فثباتهم هو العار ~~بعينه، والله لا أظن شخصا في قلبه ذرة من الإيمان تسمح له نفسه بهذا العمل، فإن لم ~~يسعوا في إخراج عدوهم من ديارهم، والظن بهم أن يسعوا، فلا أقل أن يكفوا عن مساعدته ~~في تملكها. # ألا يعلم المصريون أن حركة خفيفة منهم في معارضة الإنجليز في هذا الوقت تجلب تدخل ~~الدول، وتكون سببا لإنقاذهم من هذا العدو الذي لا يكتفي بأكل لحومهم حتى يهشم من ~~عظامهم؟ فليعلموا ذلك وليعملوا - والله لا يضيع أجر العاملين. # | الفصل التسعون # الدهريون في الهند # دخل الإنجليز بلاد الهند ولعبوا بعقول أمرائها وملوكها على نحو يضحك العقلاء ~~ويبكيهم، وكانوا يوغلون في أحشاء الهند ويتخطفون أراضيه قطعة بعد قطعة، كلما سادوا في ~~أرض أدلوا على سكانها وأظهروا الضجر والسآمة من الإقامة بينهم قائلين: إن الإنجليز لا ~~يشتغلون إلا بالأعمال التجارية، أما مقارفة الإدارة والسياسة فليست من شئونهم، إنما ~~يدعوهم إلى احتمال أثقالها الشفقة على الملوك والأمراء العاجزين عن سياسة ممالكهم، ~~ومتى قدر الأمير أو الملك على ضبط بلاده فلا يبقى إنجليزي فيها؛ لأن لهم أشغالا مهمة ~~أخرى تركوها لمحض المرحمة. # وبهذا سلب الإنجليز كل مالك ملكه بحجة أن العمل في الملك ثقيل على النفس متعب للفكر ~~والبدن، فالأولى لصاحب الملك أن يستريح وأن ms304 يموت فقيرا ذليلا تخلصا من عناء ~~التدبير! وينادون بأنه متى سنحت الفرصة وجاء الوقت الذي لا يكون للأعمال المعاشية ولا ~~المعادية تأثير على الأبدان ولا على الأفكار؛ فإنهم مستعدون لترك البلاد (يوم الحشر)، ~~واليوم يقولون نفس الكلام بعينه في مصر! # ولما استقرت أقدامهم في الهند وألقوا به عصاهم ومحيت آثار السلطنة التيمورية؛ نظروا ~~إلى البلاد نظرة ثانية فوجدوا فيها خمسين مليونا من المسلمين، كل واحد منهم مجروح ~~الفؤاد بزوال ملكهم العظيم، وهم يتصلون بملايين كثيرة من المسلمين شرقا وغربا وشمالا ~~وجنوبا، وأحسوا أن المسلمين ما داموا على دينهم، وما دام القرآن يتلى بينهم فمحال أن ~~يخلصوا في الخضوع لسلطة أجنبي عنهم، خصوصا إن كان ذلك الأجنبي خطف الملك منهم بالخديعة ~~والمكر تحت ستار المحبة والصداقة. # فطفقوا يتشبثون بكل وسيلة لتوهين الاعتقاد الإسلامي، وحملوا القسس والرؤساء ~~الروحانيين على كتب الكتب ونشر الرسائل محشوة بالطعن في الديانة الإسلامية، مفعمة ~~بالشتم والسباب لصاحب الشريعة (برأه الله مما قالوا)، فأتوا من هذا العمل الشنيع ~~مما تنفر منه الطباع، ولا يمكن معه لذي غيرة أن يقيم على أرض تنشر فيها تلك الكتب، ~~وأن يسكن تحت سماء تشرق شمسها على مرتكبي ذلك الإفك العظيم. # وما قصدهم بذلك إلا توهين عقائد المسلمين، وحملهم على التدين بمذهب الإنجليز، هذا ~~من جهة، ومن جهة أخذوا في تضييق سبل المعيشة على المسلمين، وتشديد الوطأة عليهم ~~والإضرار بهم، من كل وجه، فضربوا على أيديهم في الأعمال العامة، وسلبوا أوقاف المساجد ~~والمدارس، ونفوا علماءهم وعظماءهم إلى جزائر «أندومان» و«فلفلان» رجاء أن تفيدهم هذه ~~الوسيلة إن لم تفدهم الأولى في رد المسلمين عن دينهم، بإسقاطهم في أغوار الجهل بعقائدهم ~~حتى يذهلوا عما فرضه الله عليهم. # فلما خاب أمل أولئك الحكام الجائرين في الوسيلة الأولى، وطال عليهم الأمد في ~~الاستفادة من الثانية؛ نزعوا إلى تدبير آخر في إزالة الدين الإسلامي من أرض الهند أو ~~إضعافه؛ لأنهم لا يخافون إلا من المسلمين أصحاب ذلك الملك المنهوب والحق المسلوب، فاتفق ~~أن رجلا اسمه أحمد خان بهادور ms305 (لقب تعظيم في الهند) كان يحوم حول الإنجليز لينال فائدة ~~منهم، فعرض نفسه عليهم وخطا بضع خطوات لخلع دينه والتدين بالمذهب الإنجليزي، وبدأ سيره ~~بكتابة كتاب يثبت فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين ولا مبدلين لينال بذلك الزلفى ~~عندهم، ثم راجع نفسه فرأى أن الإنجليز لن يرضوا عنه حتى يقول: إني نصراني، وأن هذا ~~العمل الحقير لا يؤتى عليه أجرا جزيلا، خصوصا وقد أتى بمثل كتابه ألوف من القسس ~~والبطارقة وما أمكنهم أن يحولوا من المسلمين عن الدين أشخاصا معدودة، فأخذ طريقا آخر ~~في خدمة حكامه الإنجليز بتفريق كلمة المسلمين وتبديد شملهم. # فظهر بمظهر الطبيعيين (الدهريين) ونادى بأن لا وجود إلا للطبيعة العمياء، ~~وليس لهذا الكون إله حكيم (إن هذا إلا الضلال المبين)، وأن جميع الأنبياء كانوا ~~طبيعيين لا يعتقدون بالإله الذي جاءت به الشرائع (نعوذ بالله)، ولقب نفسه بالنيجري ~~(الطبيعي)، وأخذ يغري أبناء الأغنياء من الشبان الطائشين، فمال إليه أشخاص منهم؛ ~~تملصا من قيود الشرع الشريف وسعيا وراء الشهوات البهيمية، فراق لحكام الإنجليز ~~مشربه ورأوا فيه خير وسلية لإفساد قلوب المسلمين، فأخذوا في تعزيزه وتكريمه، وساعدوه ~~على بناء مدرسة في «علي كده» وسموها مدرسة المحمديين، لتكون فخا يصيدون به أبناء ~~المؤمنين ليربوهم على أفكار هذا الرجل (أحمد خان بهادور). # وكتب أحمد خان تفسيرا على القرآن فحرف الكلم عن مواضعه، وبدل ما أنزل الله، وأنشأ ~~جريدة باسم تهذيب الأخلاق، لا ينشر فيها إلا ما يضل عقول المسلمين، ويوقع الشقاق ~~بينهم، ويلقي العداوة بين مسلمي الهند وغيرهم، خصوصا بينهم وبين العثمانيين، وجهر ~~بالدعوة لخلع الأديان كافة (لكن لا يدعو إلا المسلمين) ونادى: الطبيعة! الطبيعة! ليوسوس ~~للناس بأن أوروبا ما تقدمت في المدنية، وما ارتقت في العلم والصنعة، وما فاقت في القوة ~~والاقتدار إلا برفض الأديان، والرجوع إلى الغرض المقصود من كل دين (على زعمه وهو بيان ~~مسالك الطبيعة، قد افترى على الله كذبا). # ولما كنا في الهند أحسسنا من بعض ضعفاء العقول اغترارا بترهات هذا الرجل وتلامذته، ~~فكتبنا رسالة في بيان ms306 مذهبهم الفاسد وما ينشأ عنه من المفاسد، وأثبتنا أن الدين أساس ~~المدنية وقوام العمران، وطبعت رسالتنا في اللغتين الهندية والفارسية. إن أحمد خان ومن ~~تبعه خلعوا لباس الدين وجهروا بالدعوة إلى خلعه ابتغاء الفتنة بالمسلمين وطلبا لتفريق ~~كلمتهم، وزادوا على زيفهم أنهم يزرعون الشقاق بين أهل الهند وسائر المسلمين، وكتبوا عدة ~~كتب في معارضة الخلافة الإسلامية. # هؤلاء الدهريون ليسوا كالدهريين في أوروبا، فإن من ترك الدين في البلاد ~~الغربية تبقى عنده محبة أوطانه ولا تنقص حميته لحفظ بلاده من عاديات الأجانب، ويبذل في ~~ترقيتها والمدافعة عنها نفائس أمواله، ويفدي مصلحتها بروحه. # أما أحمد خان وأصحابه فإنهم كما يدعون الناس لنبذ الدين؛ يهولون عليهم مصالح ~~أوطانهم ويسهلون على النفوس تحكم الأجنبي فيها، ويجهدون في محو آثار الغيرة ~~الدينية والجنسية، وينقبون على المصالح الوطنية التي ربما غفل الإنجليز عن سلبها ~~لينبهوا الحكومة عليها فلا تدعها! # يفعلون هذا لا لأجر جزيل، ولا شرف رفيع، ولكن لعيش دنيء ونفع زهيد ... (هكذا يمتاز ~~دهريو الشرق عن دهريي الغرب، بالخسة والدناءة بعد الكفر والزندقة). # أحسن الإنجليز إلى أحمد خان بتوظيف ولده مولوي محمود عضوا في مجلس قرية من قرى الهند ~~لا تزيد عن «شبراخيت» في مديرية البحيرة. # ومن حبائله لصيده الضعفاء من المسلمين أنه يعدهم ويمنيهم بأنهم لو تبعوه لأدخلهم في ~~وظائف الحكومة، بما له من الجاه عند جائرة الإنجليز، وحكومة الإنجليز لم توظف من أصحابه ~~إلا أربعة أعضاء في مجالس القرى، ولا يوجد وطني هندي في مثل هذه الوظائف سواهم، هذا هو ~~المجد الذي ناله أحمد خان ثمنا لدينه ووطنه، فهو كما قال صديق نواب حسن خان ملك بهوبال ~~صاحب التصانيف المشهورة: إن «أحمد خان» دجال آخر الزمان، نعم ساعده حكام الإنجليز ~~على استخدام بعض من يقدمهم، لكن لا في الحكومة الإنجليزية الهندية ولا على الخزينة ~~الإنجليزية، وإنما يلزم الحاكم أحد النواب الباقين على صورة استقلالهم أن يوظفوهم في ~~بعض الوظائف الدانية. # راق هذا المشرب في أعين الحكام الإنجليز وابتهجوا به، وظنوه موصلا إلى غايتهم ms307 من ~~محو الدين الإسلامي من البلاد الهندية، هؤلاء الدهريون ساروا جيشا للحكومة ~~الإنجليزية في الهند يسلمون سيوفهم لقطع رقاب المسلمين، لكن مع البكاء عليهم والصياح ~~بهم، إنا لا نقتلكم إلا شفقة عليكم ورحمة بكم وطلبا لإصلاحكم ورفاهة عيشتكم، ورأى ~~الإنجليز أن هذه أقرب الوسائل لنيل المقصود من ضعف الإسلام والمسلمين. # كان التلميذ الأرشد لأحمد خان والوزير الأول والمدير له في جميع شئونه رجلا اسمه ~~سميع الله خان. # سميع الله خان هو أعظم الدهريين دهاء، وأشدهم اجتهادا في تضليل المسلمين، ~~وأدقهم حيلة وأقواهم مكرا في إيجاد الوسائل لتفريق شمل المؤمنين، وتمكين الحكومة ~~الإنجليزية في أرض الهند، يقوم هذا الخادع خطيبا في محافل المسلمين فتسبق دموعه ~~كلامه، ويأتي بغاية ما عنده من الفصاحة؛ لهدم أركان الديانة الإسلامية وإبطال عقائدها ~~الأصلية، ويتجرأ على حضرة الألوهية، ويطعن في الرسالة وصاحبها. كل ذلك وهو ينتحب ~~كأنما يرثي الدين وأهله. # إذا دخل في بلد من بلدان لأداء هذه الخدمة واظب أياما على دخول المساجد، وحضور ~~المحافل الدينية، واستدرج الناس بعذب الكلام، ولطف الوعد، وجذبهم إليه من حيث لا ~~يشعرون، فإذا اجتمع عليه بعض من الناس اغترارا بطلاوة ظاهره بدأ في دعوتهم إلى ~~مشربه الكدر (خلع الدين). # هذا العدو المبين للإسلام والمسلمين قد نال بمساعيه هذه وظيفة قاض (في الشريعة ~~الإنجليزية) في بلدة «أكره» وهي بلدة لا تزيد عن دسوق في مديرية الغربية، قالت جريدة ~~التايمس بعدما مدحت سميع الله خان بكل ما يمدح به: «إن هذه الوظيفة (قاض في بلد صغير) ~~هي أعلى وظيفة ينالها هندي وطني.» (أيحتاج لإثبات العدالة الإنجليزية إلى شاهد أكبر من ~~هذا). # نورث بروك، اللورد الإنجليزي الذي أشرنا إلى طرف من تاريخه في الهند في العدد الماضي، ~~عرف سميع الله خان حق المعرفة عندما كان حكمدارا في الهند، ووقف على أنه أصدق الناس ~~في خدمة الإنجليز وأقدرهم على أدائها،؛ ولهذا طلبه ذلك اللورد ليكون كاتم سره في مصر ~~ليستعمله في تنفير المصريين من الدولة العثمانية، وفي إقناع المصريين بأن حكومة إنجلترا ~~تريد ms308 بهم خيرا، ويستخدمه في استمالة قلوب العلماء؛ لأنه واحد منهم (على ~~دعواه). # وقد يكون من نيته أن يدخل الجوامع، ويعظ، ويخطب، ويروي عن عدل الإنجليز ما لا صحة له ~~وما تكذبه المشاهدة. ولكن رجاءنا في نباهة المصريين وصدق عقائدهم الدينية وشدة ارتباطهم ~~بالدولة العثمانية؛ أن لا ينخدعوا لهذا الراكس الهندي (الراكس بلسان السنسكريت الشيطان ~~المريد)، لا نجح الله له مقصدا ولا أناله مبتغى. # | الفصل الحادي والتسعون # جريدة الأهرام # اشتد غضب نوبار باشا على جريدة الأهرام فأصدر أمره بتعطيلها شهرا وقفل مطبعتها، وقيل ~~في السبب: إنها نشرت رسائل مدير الجريدة وهو في لندن على ما فيها من بيان بعض مساوئ ~~السياسة الإنجليزية على خلاف رغبة سعادة الباشا! وقيل: إن السبب لنشر الشكر الذي قدم ~~إلى المدير والمحرر من أعيان البلاد دلالة على استحسان مشرب الصحيفة (استقباح سياسة ~~الإنجليز). # ولكن كتب إلينا من مصدر خاص أن هذه المسائل العمومية لا تهم نوبار باشا إلا إذا مست ~~مصلحته الخاصة، فالسبب الحقيقي هو المنهج المستقيم الذي سلكته «الأهرام». دعا إلى ذكر ~~بعض الرجال الوطنيين مثل رياض باشا وشريف باشا، مع وصفهما بالوطنية وعلو الهمة وكمال ~~الغيرة. # نوبار باشا ساع إلى أمر مهم وهو ما ذكرناه في العدد السابق ونشرته بعدنا جريدة ~~«الديبا» وسائر الجرائد الإنجليزية، وهو أن يكون ولي القاصر «عباس» بعد خلع أبيه ~~فينال بسطة في السلطة وإطلاقا في الأمر والنهي، وعلم أن هذا وقت الفرصة لحرص الحكومة ~~الإنجليزية على تملك مصر وهي محتاجة في ذلك إلى كل من ليس له وطن ولا دين ولا جنس في ~~مصر، فهي في شدة الاحتياج لنوبار باشا، وتوفيق باشا قبة جوفاء لا يرجع منها إلا صدى ~~الأصوات، إن قلت: لا فلا، أو قلت: نعم فنعم، فهو في غضبه ورضاه تابع لما يلقى ~~إليه. # فعلم نوبار باشا أن خديويا مثل هذا يمكن أن يكون واسطة في تمكين الإنجليز من مصر من ~~حيث لا يشعر، وبتقديم هذه الخدمة لهم يبني لنفسه من العزة قصرا شاهقا، فكيف يطيب ~~لنوبار ms309 باشا مع هذا السعي أن يسمع ذكر رياض باشا وشريف باشا مع وصفي الوطنية وعلو ~~الهمة، ربما الإكثار من ذكر هؤلاء الرجال يحرك الخواطر الوطنية فيندفع منها سيل يهدم ~~كل ما يبنيه. # إن صاحب الأهرام أكثر من ذكر الوطن والوطنيين، ونوبار باشا أبعد الناس عنهما لهذا ~~أغضبه ذكرهما، كلما ذكر لفظ الوطن أو الملة أو الجنس أو الأمة، سواء كان في مقال عام ~~أو في جانب شخص خاص، حسب نوبار باشا أن في الكلام تهكما عليه واستهزاء به، ولا عجب من ~~نوبار باشا إن ظن ما ظن أو فعل ما فعل؛ فالرجل ليس بمصري ولا عربي ولا مسلم، فإذا باع ~~مصر بأبخس الأثمان فهو الرابح، لا خسر ملة ولا وطنا ولا جنسا. # وقيل: إن نوبار يطلب إبعاد الزبير باشا من مصر، فإن نال مطلبه لم يبعد أن يطلب لشريف ~~باشا ورياض باشا وكل ذي شهامة أو فكر في مصر مثل ما طلب للزبير، وتكون الحكومة النوبرية ~~حكومة هندية، وهل يبعد مثل هذا على من يسعى لخلع الخديو؟! إن الذي يؤيد ما روي لنا في ~~سبب تعطيل الأهرام هو أن نوبار باشا ما تحرك لحجز العروة الوثقى عن دخول مصر إلا ~~عندما ذكر فيها رياض باشا مع ذكر بعض أوصافه، وإلا فإن كان السبب ذكر الإسلام ~~والمسلمين فيها فذلك ينذرنا بقفل الأزهر وبأمر نوبار باشا. # إني أتعجب وكل ذي إحساس يتعجب من سكان الديار المصرية من المصريين والأتراك ~~والحجازيين واليمنيين، ألا يوجد من بين هؤلاء فتى يشمر عن ساعده ويتقدم بصدره ويخطو ~~خطوة إلى هذا الوزير الأرمني، فيبطل هذه الصفقة وينقض هذه البيعة ويكشف له وللمغرورين ~~من أمثاله حقيقة الوطنية، ويرفع الحجاب عن واجبات الملية؟! لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # إن المولعين بحب الحياة يقضونها من خوف الذل في الذل، ويعيشون من خوف العبودية في ~~العبودية، ويتجرعون مرارات سكرات الموت في كل لحظة خوفا من الموت، لا الدين يسوقهم إلى ~~مرضاة الله، ولا الحمية الوطنية تدفعهم إلى ما به فخر ms310 بني الإنسان! # | الفصل الثاني والتسعون # لاهور # جاءتنا رسالة من لاهور باللغة الهندية (ورجاؤنا أن تكون المكاتبة فيما بعد باللغة ~~الفارسية) فرأينا أن ننشر ملخصها: قال الكاتب: ~~«إنا نسمع صاحب جريدة «أخبار عامة» اللاهورية ينادي من صميم قلبه بأن الإنجليز ~~سلاطيننا، خصوصا عند كلامه في الانتقاد على العروة الوثقى، ومن غريب كلامه قوله: إن ~~غرض العروة أن تفصم رابطة الاتحاد بين الرعايا الهنديين وسلاطينهم الإنجليز ، ولا يخجل ~~من قوله: إن سلاطيننا الإنجليز هم الذين زينوا الهند بإصلاح طرقه ومد السكك الحديدية في ~~أنحائه ووصل أرجائه بأسلاك التلغراف. كأنما الإنجليز من سلالة بكر «ماجيت» أو من ~~جنس «الجهتري» أو من أحفاد «أكبر شاه الهندي»! # وإذا سمع سامع صوت هذه الجريدة على بعد يظن أن هذه الأعمال التي زينوا بها الهند - ~~على رأي الجريدة - ما قام بها الإنجليز إلا لمنفعة الهنديين، ويتوهم أن الهنديين جنوا ~~من ثمرتها شيئا، وأن ضجرهم من سلطة الإنجليز ونزوعهم إلى التملص منها إنما هو من ~~كفران النعمة. # يا عجبا من هذا البانديت اللاهوري! إنه يرى فقر أبناء وطنه ومسكنتهم ويشهد بعينه ~~أنهم لا يجدون ما يسدون به رمقهم، وأن أسعد الناس منهم من يحصل عشر روبيات في الشهر ~~بعد أن يبلغ درجة عالية من الكمال، ومن جملتهم نفس صاحب الجريدة، فكيف يطيل لسانه بشكر ~~هذه الحكومة ويضع على ظهور الهنديين حملا ثقيلا من المنة لمد سكك الحديد وخطوط ~~التلغراف؟! إن كانت حكومة الإنجليز تسوس الهند بالعدل، فأين ذهبت ثروة أهاليه مع خصب ~~الأرض ووفرة الثمرات؟! ولأي سبب ابتلي الناس بالفقر حتى لا يجدوا قوتا؟! # إن الجرائد الإنجليزية في الهند تنذر حكومتها بأنه لو استمرت الإدارة الهندية على ~~حالها هذا فلا يمضي عشر سنوات إلا وتكون فتنة عمومية تأخذ بجميع أطراف الهند ويكون ~~منشؤها الجوع، فإذا أنشأت الحكومة الإنجليزية سكك الحديد لنقل بضائعها وترويج تجارتها ~~وحمل العساكر لقتل أبناء البلاد، وليس عند الهنود الآن ما يباع ويشترى حتى يستفيدوا من ~~سهولة نقله، فلأي شيء تكون المنة على الهنود؟! وإذا ms311 مدت خطوط التلغراف لاستطلاع ما يجري ~~في ممالكها وتسهيل المخابرة بين رجالها، فأي منفعة في هذا توجب مسرة الهنود؟! # إن رجال الإنجليز بعدما دخلوا البلاد على هيئة تجار وكانوا يخضعون للصغير والكبير ~~أزيد من قرن، بلغ من أمرهم الآن أن لا يعدوا الهنود من فصيلة البشر، إذا أراد الإنجليز ~~أن يجمعوا أعيان البلاد لإلزامهم بأداء ضريبة جديدة هيئوا مكانا عليا يرتفع عن ~~الأرض نحو ثلاث أذرع لتوضع عليه كراسي سادة الإنجليز، ويجلس الهنود في منخفض من الأرض ~~إظهارا للامتياز، مع أنهم ما جمعوهم إلا لسلخ ما بقي من جلودهم وامتصاص ثملة ~~دمائهم. # أي أمة متوحشة أو متمدنة تعامل أمة أخرى بهذه المعاملة؟! أحلف بالله أن جنس الهندو ~~(قوم برهما) حينما قدموا من إيران وفتحوا الهند ما عاملوا السكنة القدماء بهذه المعاملة ~~مع أنهم كانوا يعتقدون أنفسهم سماويين، وما أذلوا جنس «الباريا» بهذه الدرجة مع ~~أنهم كانوا يزعمون أنهم أبناء الآلهة، قبلوا جنس «التلنكان» في مصافهم وأشركوه في ~~حقوقهم مع كونه مغلوبا لهم. # فتح المسلمون أرض الهند فعاملوا الوثنيين كمعاملتهم لبني ملتهم وما حرموهم من الوظائف ~~السامية، وما من سلطان مسلم تسلط في الهند إلا كان له من الوثنين عمال ووزراء، كان ~~المسلمون يسيرون مع الوثنيين سيرة الإخوة حتى أوقع الإنجليز بينهم الشقاق في بنجاب ~~وأطراف مدراس. # يزعم الإنجليز أن المسلمين أولو تعصب ديني يجور بهم عن العدل، مع أننا نرى إلى الآن ~~في الهند حكومات صغيرة يحكمهم راجوات ونوابون من أهل السنة والشيعة ونرى للراجا الوثني ~~وزيرا مسلما وعمالا مسلمين وللنواب المسلم وزيرا وثنيا وعمالا وثنيين، وهكذا ~~السنيون مع الشيعة والشيعيون مع أهل السنة، ولا نرى في الملايين الكثيرة المحكومة ~~بالإنجليز رجلا هنديا في وظيفة شريفة. # إن هذا البانديت (صاحب أخبار عام) لا يخجل من قوله: إن الإنجليز سلاطيننا، أي سلطان ~~يستكشف من شرف رعيته ويعدهم في عداد البهائم؟! # إن اللورد ريبون لما صار حاكما على الهند ورأى أن روسيا وصلت إلى مرو وأحس بنفرة ~~الهنود من الحكومة الإنجليزية واستعدادهم ms312 للثورة؛ أراد أن يطيب قلوبهم بأمر حقير ~~يسخر منه الأبله - فضلا عن الحكيم - وهو توظيف «رام جندر متر» ومولوي محمود بن أحمد ~~خان في وظيفة القضاء ببلدة صغيرة، وهما ممن تعلم الشريعة الإنجليزية في بلاد الإنجليز ~~(انظر كيف يطيب قلب أمة عظيمة مجروحة الأفئدة ساقطة في جحيم الشقاء بمثل هذه النكتة ~~المضحكة)، وهذا الالتفات من اللورد لكمال سياسته وحذقه، فماذا يكون موقع الهنود من نظره ~~إذا كان يظن أن الأمم العظيمة المحترقة بنيران الظلم من أزمان تعترف بعدالة الإنجليز ~~لمجرد توظيف شخصين وظيفة صغيرة؟! # إن هذا مما عده اللورد الإنجليزي أمرا لازما لصون سياسته مما عساه يطرأ عليها، ~~ومع هذا قام الإنجليز في الهند ورفعوا شكواهم إلى لندن من تصرف اللورد، ولا يزالون ~~يرفعون ويقولون: كيف يجلس «كالا» أي الهندي الأسود على منصة القضاء، وربما يأتي وقت ~~تقام فيه الدعوى بين يديه على إنجليزي فيصدر الحكم منه عليه؟ (كيف يصدر الحكم من هندي ~~على إنجليزي؟) فليعتبر من يعتبر. # إن الإنجليز لا تسمح نفوسهم أن يعترفوا بإنسانية الهندي ولو للضرورة، أيحب ~~البانديت اللاهوري أن يلقي غشاوة الغش على عينيه وأعين إخوانه ويفتري الكذب بقوله: إن ~~بين الهنديين وحكومتهم نوعا من الالتئام؟! وهل مثل هذه الحكومة يلتئم معها ذو ~~إحساس؟! # إن البانديت يقول في جريدته وفي أثناء انتقاده على العروة: إن سلالة الأمراء ~~وأبناء العائلة التيمورية (ملوك الهند) عراة في الأسواق، يتضورون جوعا ولا يجدون ~~خصا يأوون إليه، فإذا كان هذا حال الأمراء - باعترافه - فكيف يكون حال سواهم؟ وكيف ~~طوعت له نفسه أن ينطق بكلمة تشعر بالرضاء عن حكومة الإنجليز؟ إنه يتملق للحكام ~~ولكن لا أظنه ينال على التملق أكثر من عشر روبيات في الشهر، فليس له أن يتعب لسانه ~~ويجهد نفسه مجانا. # لا ينكر البانديت أن الإنجليز إذا خاطبوا هنديا لا يكلمونه إلا بالعصا، وإذا اعتدى ~~إنجليزي على هندي فقتله حكم أطباء الإنجليز بأن القتيل مات بالسل المزمن أو داء ~~الكبد أو بمرض عياء ورثه عن آبائه كي لا يقاص إنجليزي ms313 بدم هندي، فيذهب دم الهندي ~~هدرا. # إن ظلم الإنجليز وجورهم يظهر لكل قارئ من تلك الورقة الصغيرة «أخبار عام»، وإني أقول ~~بلسان كل هندي - وثنيا أو مسلما، سنيا أو شيعيا: إن البانديت لا يمكنه بورقته ~~هذه أن يقطب جروح الهنديين ولا أن يطفئ لهيب أحشائهم مما يرونه كل يوم من سلب الأملاك ~~وإهانة الأديان وتضييع الحقوق وحرمان الأهالي من خدمة أوطانهم، وليس في طاقة قلمه أن ~~يرفع شيئا من الواقع ولا أن يحدث خاطر محبة الإنجليز في قلب هندي إلا من خربت ذمته ~~ومرق من عهود دينه ووطنه، وإن البانديت يعرف هذا ولكنه يسعى لعله يحصل شيئا زهيدا ~~ويقنع به بعضا منا، وكثير من الشرقيين صارت حوصلتهم كحوصلة العصفور يملؤها ~~حبتان من الحنطة! وسنكتب إليكم عن تفصيل الأعمال الإنجليزية عندنا - إن شاء الله. ~~ا.ه.» # | الفصل الثالث والتسعون # الإنجليز والدول # ما للحكومة المصرية لاهية عن شأنها؟! ماذا تبتغي من سكونها وميلها مع ريح الحكومة ~~الإنجليزية؟! ماذا تنتظر الدولة العثمانية بعد انحلال المؤتمر على غير طائل؟! ~~أتظن الحكومة المصرية أن خضوعها لأوامر بريطانيا، واهتمامها بخدمة عساكرها الزاحفة ~~إلى السودان؛ مما يوجب الخجل لحكومة الإنجليز، فتستحي بعد ذلك أن تكفر نعمة الصداقة ~~وترعى سابقة الخدمة، فتترك مصر نقية الراحة، بريئة الذمة، وتمكن الأمر للحكومة ~~المصرية، وتشيد الخديوية لتوفيق باشا؟! إن خطر هذا الوهم ببال الحكام في مصر فقد ~~خرفوا، فليس يحوم مثل هذا الهاجس في فكر إلا وقد مسه الخبل، ولا يختلج في صدر ~~حتى يختم عليه بطابع العمى. # حكومة بريطانيا انتحلت لنفسها أسبابا للدخول في وادي النيل، وأنشأت له عللا، ~~فغايتها من كل أعمالها أن تكون لها سلطة ممتازة فيه سواء تأيد توفيق باشا أو تأوده، ~~ولما أحس رجالها أن بحث المؤتمر ربما ينجر إلى ما يمس غايتهم هذه تملصوا منه واستبدوا ~~بأعمالهم وأخذوا على أنفسهم تسكين عاصفة الثورة السودانية، فإن تم لهم ما أرادوا ~~واستقلوا بالعمل في السودان فهل يرجى منهم أن يخلوا مصر بعدما فتحوا من ورائها ما ~~فتحوا؟! إن ms314 هذا إلا خيال باطل. # هل تهورت إنجلترا، وأغاظت جميع الدول العظام، وهيأت لنفسها خطر تألبهم عليها حبا ~~في توفيق باشا ورغبة في حفظ مسنده؟! هذا مما لا يعقل، ربما تكون الدولة العثمانية ~~والحكومة المصرية في رجاء أن الدول الأوروبية يستفزها الغضب فتندفع بقواها على دولة ~~الإنجليز فتكبلها في سياستها وتلجئها للجلاء عن مصر فتتركها لأهلها وكفى الله المؤمنين ~~القتال، إن كان ذلك سبب الفتور فهو ثقة في غير محلها ونوع من الطمع غريب. # قد يكون اتفاق الدول على معاكسة الإنجليز متعلقا بجهات أخرى ولا يكون إخلاء مصر من ~~مواضيع الاتفاق - كما أشار إليه كثير من الجرائد - حيث ذكرت أن من المقاصد التي يجتمع ~~لها القياصرة الثلاث كف روسيا عن مطامعها في أوروبا وإطلاق العنان لها في آسيا والأقطار ~~الهندية، أليس من الممكن أن مناوأة الدول للإنجليز تنتهي بسلب جزء أو أجزاء من أراضي ~~المسلمين في مقابلة تمكن الإنجليز في أراضي مصر؟ # نبهت بعض الجرائد المهمة على شيء من هذا، وصرحت بما لا ينطق اللسان بذكره. إن للدول ~~اهتماما بنكاية الإنجليز، ومن أعظم البواعث على اجتماع القياصرة خروج إنجلترا عن ~~حدها في الاستئثار بالمنفعة على غيرها، لكن أليس من الواجب على صاحب البيت أن يبدأ بعمل ~~في الذود عن بيته قبل أن يساعده الجيران؟ خصوصا إن كان للجيران أطماع متنوعة بعضها ~~يمنع عن المساعدة وبعضها يحمل على التواني وتأجيل العمل لأوقات أخرى. # وما يدرينا لو حولنا الأمر إلى الجار لينقذ المغصوب من يد الغاصب لعله بعد استخلاصه ~~يختص به لنفسه، فما الذي جنيناه من ثمار مساعيه وأية فائدة حصلناها؟ لو شحت الحكومة ~~المصرية بحياتها، وأبصرت أن بقاءها في إبائها، وترفعت عن هذا الخضوع البارد، وتجافت ~~عن تسهيل الطرق وتمهيد السبل لمسير العساكر الإنجليزية، ثم قامت الدولة العثمانية على ~~المطالبة بحقوقها، وذهبت في الطلب مذهب العمل، ولم تكتف بلوائح تسطر، وحجج تنشر، ولم ~~تستند على سفرائها الذين ليس لهم خوض حقيقي إلا في ملاذهم وشهواتهم. # لو كان كل هذا لشاركت الدولة العثمانية ms315 ومعها حكومة مصر سائر الدول في معاكسة ~~إنجلترا، وحيث إن للدولة العثمانية والحكومة المصرية الحق الأول والملكية الشرعية في ~~تلك الأقطار فما يكون منهما من الأعمال يكسبهما تخليص البلاد فإن الدول تكون في عونهما ~~ولا حق لواحدة منها فيما بعد أن تستأثر عليهما. # إن إقدام الدولة على العمل وعدول الحكومة المصرية عن مسلكها المضر بها مما يقرب ~~المسافة ويقصر المدة ويقوي حجة الدول في مطاردة إنجلترا، لو تساهلت الدولة العثمانية ~~واطمأنت الحكومة المصرية لحالتها الحاصرة، فبأي وجه تؤمل الحكومتان نفعا من مطاردة ~~الدول؟! على فرض لو استخلصت مصر من أيدي الإنجليز ماذا يبعث الدول على مقارعة دولة ~~عظيمة كدولة بريطانيا لتسلبها ملكا عظيما ثم تسلمه للدولة العثمانية أو الحكومة ~~المصرية؟ # لا نتحاشى أن نقول: إن الدولة العثمانية والحكومة المصرية واقعتان بين خطرين عظيمين: ~~إن فاز الإنجليز في السودان فقد ضاع القطر المصري، واستقر فيه السلطان لحكومة ~~إنجلترا، سواء عارضت الدول أم لم تعارض، وضياع القطر المصري هو ضياع الكل - كما أشرنا ~~إليه مرارا وكما يشهد به موقع البلاد المصرية من سائر بلاد المسلمين - وإن خاب ~~الإنجليز في منازلة الثائرين فليس يخفى على عقل عاقل ما يترتب على هذه الخيبة، ~~وما ينشأ عن غلبة محمد أحمد وأتباعه وانهزام العساكر الإنجليزية، وربما كان هذا الأمر ~~الثاني، سببا لمداخلات أجنبية في جميع أقطارنا. # ليس من الصعب على الدولة العثمانية ولا على الحكومة المصرية أن تظهرا شيئا من الشدة ~~وتأخذا بجانب من القوة، وتقفا على قدم الثبات؛ ودولة إنجلترا في تخبط مع الدول وارتباط ~~بالسودان، والمسلمون من جميع الأقطار في هياج شديد، لو قامتا بها يسهل عليهما لحفظ ~~لهما الموجود ورد المفقود، وسدت أبواب المطامع، وأخذت الدولة العثمانية مكانا ~~من القوة تخشع له قلوب الجبارين، ولازدادت بذلك ثقة المسلمين وانبعثت آمالهم. # سلكت جريدتنا مذهب الصدق في بيان حال الإنجليز مع الدولة العثمانية، وأثبتت - عن ~~بصيرة وكمال خبرة - أن الإنجليز يهابون منافرة الدولة ويخشون سوء مغبتها. جريدتنا تنادي ~~بذلك، من يوم صدورها بينا أن للدولة ms316 سلطة معنوية في الهند لم تبلغها حكومة ~~الإنجليز بعد إفراغ جهدها. # هذه حقيقة الأمر، ومع ذلك لا ندري سر هذه السياسة اللينة التي لا نرى لها أثرا إلا ~~في الأوراق وتحت أسنة الأقلام، والإنجليز يقاتلون ويتملكون وتزداد أقدامهم رسوخا ~~يوما بعد يوم، وانطلق بهم الغي إلى أن أطالوا أيديهم إلى الأوقاف المصرية يطلبون ~~التصرف في خزينتها والقيام على إدارتها. # نعيد الكلام مرة أخرى ونقول: إن جميع المسلمين في الأقطار الهندية وما يتاخمها؛ ~~قائمون على قدم وساق متهيئون لمواثبة أعدائهم وسالبي حقوقهم، فبثبات ما من الدولة ~~العثمانية يظهر له أثر عظيم يضطر الحكومة الإنجليزية إلى ترك مصر. # وليس للدولة أن تضيع هذه الفرصة؛ فقلما يأتي الزمان بمثلها. الدولة متألبة على ~~الإنجليز، وروسيا مشرفة على الهند، والهنديون في هياج، وخطب السودان غير يسير، فإن لم ~~تأخذ الدولة حقها من الإنجليز في هذا الوقت، فمتى؟! # | الفصل الرابع والتسعون # تعظيم توفيق باشا لنورث بروك! # ورد خبر من القاهرة بوصول اللورد نورث بروك إليها، وتمت المقابلة الرسمية بينه وبين ~~توفيق باشا، وقدم إليه رسالة من اللورد جرانفيل يخوله فيها «نورث بورك» وكيلا للحكومة ~~الإنجليزية في القطر المصري، ويطلب من الحكومة المصرية أن تساعده في حل المشكلات ~~الحالية خصوصا المالية، فأظهر توفيق باشا غاية المسرة من تعيينه بهذه الوظيفة، وأكد له ~~خلوص الوداد وكمال الرضا بجميع مطالبه. ا.ه. # ويظهر أن توفيق سر بقدوم اللورد نورث بروك، وإن لم يكن بينه وبينه معرفة شخصية، ~~ولا له سابقة علم بأحواله ولا بما يريد أن يعمله في بلاده، هذا يمكن، وليت شعري ماذا ~~يجني هذا الخديو الشاب من مرضاة هذا الخادع؟! وماذا يصيبه من سهام حيله؟! ولقد ~~بينا في الأعداد الماضية بعض صفات هذا اللورد وطرفا من أعماله في الهند، ونذكر الآن ~~عملا آخر منها. # طلب وهو حكمدار الهند أن يمكن السلطة الإنجليزية في مملكة «كابورتال» وهي مملكة ~~واسعة تتاخم «لاهور» و«بتيالة»، فادعى على مهراجها (ملكها) أنه مجنون وهو في رشاد عقله ~~واعتدال مزاجه، وخلعه بهذه الدعوى وسجنه في ms317 «بكسو» حتى مات حتف أنفه وقيل: بالسم، وكان ~~هذا الملك المخلوع ابن «راندهير سنك»، ونصب بدله ولدا صغيرا من أولاد كاتب من كتاب ~~ذلك الملك، ليعد المملكة بذلك للدخول في حوزة الحكومة الإنجليزية، وكانت الحكومة ~~الإنجليزية قد تركت لبعض الرجوات المخلوعين غابات صغيرة من بقايا أملاكهم للصيد، فكان ~~لأولئك المساكين يسلون أنفسهم على ضياع ممالكهم بصرف بعض الزمان فيها، فلما جاء اللورد ~~نورث بروك حاكما في الهند رآها كثيرا عليهم فنزعها من أيديهم وحرمهم من هذه المنفعة ~~الزهيدة. # هذا هو اللورد الذي طلب سميع الله خان الدهري ليكون معينا له في مصر على إرضاء ~~المصريين بحكومة الإنجليز، وهو الذي أعطى المبالغ الوافرة للمعلم «بالمر» لينثرها بين ~~العرب حتى يثوروا في أراضي الدولة العثمانية أيام الحرب المصرية - كما أخبرنا الثقة ~~الصادق من لندن - ولكن العرب قتلوا رسوله هذا وشنق به أشخاص من مصر بلا جرم، هذا ~~اللورد هو الذي يبتهج توفيق باشا بقدومه! صان الله الأراضي المصرية المقدسة من شر هذا ~~المحتال، ومن شر صاحبه سميع الله خان الدهري. # | الفصل الخامس والتسعون # فرنسا وألمانيا # جزمت جريدة «نوفيل بريس ليبر» أن الباعث على سفر البارون كورسل (سفير فرنسا في ~~برلين) إلى وارزين هو أهم حدث سياسي، وفي ظنها أن الحديث بينه وبين البرنس بسمارك ~~انتقل إلى موضوع الحرب الصينية ومسألة الكونغو، قالت الجريدة: «إن بسمارك قد غير منهجه ~~السياسي الذي سلكه من سنة 1870، كان مضطرا لإبعاد فرنسا عن سائر الدول، واليوم ~~وجه عزيمته لإبعاد إنجلترا.» # ولما اجتمع الأباطرة الثلاثة في سنة 1872 اضطربت خواطر الفرنسيين وكان كل منهم ~~يحدث نفسه: هل ينتظر اتفاق بين الأباطرة على مناوأة الجمهورية؟ أما إذا اجتمعوا في هذا ~~العام فلا يخالط الريب قلب فرنساوي، بل تكون النفوس ساكنة مطمئنة، ولا يوجد في دولة ~~أوروبية ما يوجب حدوث قلق في باريس بأي وجه كان، بل يوجد ما يثبت الطمأنينة، فإن من ~~نية البرنس «بسمارك» في وارزين أن يقرب فرنسا إلى سائر الدول البرية، وإن زيارة البارون ~~كورسل للبرنس ms318 تعد أكبر شاهد على ما نقول. ا.ه. # | الفصل السادس والتسعون # كيد الإنجليز في مصر # أرسل الإنجليز مراكبهم إلى ثغر الإسكندرية سنة 1882 بلا سبب أو لقصد تهييج الخواطر ~~الساكنة، ثم أطلقوا نيران مدافعهم على ذلك الثغر فكان عملهم الأول والثاني سببا في ~~خسارات جسيمة نكب بها سكان البلاد، ثم كان الضمان عليهم هذا إما سوء حظ المصريين أو ~~لضعف الحكومة أو خرقها . # لا ريب أن خزانة الحكومة المصرية في عجز عن أداء هذه الغرامة الثقيلة التي هي - في ~~الحقيقة - قصاص بلا جناية، ولكن مع ذلك للمصابين حق في المطالبة بخسائرهم، وليس لهم ~~صبر على الإهمال فيها، فحدثت ربكة، وحكومة الإنجليز كالصياد الماهر لا يطلب السمك ~~إلا عند تعكير الماء! رأت أن تصيد صيدا أو تخطو خطوة أخرى إلى مقصدها في مصر بعد ~~خطواتها السابقة أو تمكن مخالبها في أحشاء مصر، بل يصح أن نقول: إن الحكومة الإنجليزية ~~بحيلتها التي أشرفت على تتميمها تريد أن تقبض على زمام البلاد المصرية فتكون بأسرها في ~~تصرفها. # من المعلوم أن عمار المساجد والمدارس الدينية إنما هو بالأوقاف التي أنشأها صلحاء ~~الملة من أزمان مديدة ولا يزال ينشئها المقتفون لآثارهم، وقيام الدين الإسلامي إنما ~~هو بعمار المساجد والمدارس الدينية، فالأوقاف عماد عظيم يقوم عليه عرش الديانة ~~الإسلامية، فقصد رجال الحكومة الإنجليزية بكيدهم أن يجعلوا العلماء الذين يعمرون ~~مساجد الله ومعاهد العلوم الشرعية خاضعين لأحكامهم، مرتبطين بعمالهم حتى يستعملوهم، ~~(وإن طلبوا محالا) في جلب قلوب الأهالي إليهم وتأليفها على ولائهم، وربما نالوا بهم ~~حجة عند دول أوروبا، يثبتون بها رغبة المصريين في بقائهم تحت سلطة الحكومة الإنجليزية ~~واطمئنانهم إلى ما تقضي به فيهم. # هكذا رأى اللورد نورث بروك أن يحل مسألة التعويضات بأن تدفع الحكومة الإنجليزية ~~قرضا للخزينة المصرية تؤدي به تعويضات الخسائر التي حدثت من ضرب الإسكندرية، على شرط ~~أن تكون الأوقاف العمومية كافلة للقرض وفوائده وتكون إدارة الأوقاف في تصرف ~~الإنجليز. # ألا أيها النائمون تيقظوا، ألا أيها الغافلون تنبهوا، يا أهل الشرف والناموس، ويا ms319 ~~أرباب المروءة والنخوة، ويا أولي الغيرة الدينية والحمية الإسلامية، ارفعوا رءوسكم، ~~تروا بلاء منصبا على أوطانكم، وما أنتم ببعيد منه، ولا بمعزل عنه، إن لم يكن ~~أصابكم اليوم، فسيصيبكم غدا، تساهلتم في الذود عن حقوقكم المقدسة، ولهوتم عن ما ~~أضمرت لكم هذه الحكومة من الإهانة والتذليل وسوم الخسف، وتعللتم بالأوهام، فتنتم أنفسكم ~~وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور، أصبحتم على ~~شفا جرف المذلة، ويخشى أن يقذف بكم - بعد قليل - في جحيم العبودية. # إلا أن وقت التدارك ما فات، فالأرواح في الأجساد، والعقول في الرءوس، والهمم في ~~النفوس، وإقدام العدو في زلل، وشئونه في خلل، فاثبتوا ولا تهنوا، ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون، إن كنتم مؤمنين، لا ترضوا بالدنية، خوفا من المنية، واعلموا أن ثباتا ~~قليلا وإقداما خفيفا في هذا الوقت يفعل ما لا يفعله الجيش العرمرم. # نعم؛ فإن الدول متفقة على معاكسة الإنجليز، والإنجليز في شغل شاغل بالمسألة ~~السودانية، وقلوب رعاياهم في الشرق - خصوصا المسلمين - منحرفة عنهم، وكوامن الأحقاد ~~متهيئة للوثبة عليهم، فعمل صغير في مناوأتهم من أهل مصر يوجب - بعون الله - سقوطهم ~~وتنكيس أعلامهم، ورجوعهم بالخيبة خاسرين. # فالثبات الثبات! وحذار حذار من التواني والتقاعد! هذا وقت يقرب فيه المؤمنين إلى ربهم ~~بأفضل عمل شرعي، هذا وقت تنال فيه سعادة الدارين، للعامل فيه خير الدنيا وله في ~~الآخرة الحسنى وزيادة، هذا وقت تظهر فيه ثقة المؤمن بوعد ربه، هذا وقت يشكر فيه العامل ~~على بسيط الأرض، ويحمد له عمله فوق سبع سموات. # ألا إن الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوا أعداءكم ولا تكونوا كالذين استحبوا ~~الدنيا على الآخرة، إن الله تعالى قد جعل من علامات الإيمان حب الموت اختيارا لرضاه ~~وإعلاء لكلمته، كونوا مع الله في نصره ينصركم ويثبت أقدامكم، ثقوا بوعد الله؛ فلن ~~يخلف الله وعده، إن أخلصتم له في العمل سلوا قلوبكم، وامتحنوا إيمانكم، ولا ~~ترتابوا في وعود ربكم، فلن يرتاب فيها إلا القوم الكافرون. # | الفصل السابع والتسعون # الصراع بين إنجلترا وفرنسا # أظهرت جريدة إستندارد ms320 عند كلامها على السياسة الفرنسية حدة زائدة، وقالت: إنا ~~وإن كنا لا ننصح حكومتنا (الإنجليزية) بمعاداة دولة فرنسا؛ ولكن علينا أن ننهج ~~الطريق الذي يوافقنا بدون أن ننتظر فضلا من الأمة الفرنسية ولا أن نخشى ~~غائلتها؛ فإن كل عمل لا يبنى على هذا الأساس لا تكون غايته إلا الخيبة، ولا عاقبة ~~له إلا الخسارة، وإن تباين المصالح بين فرنسا وإنجلترا في درجة لا يمكن معها وفاق بين ~~الدولتين. ا.ه. # ولم تنفرد جريدة إستندارد بهذا القول، ولكن على شاكلتها جميع الجرائد الإنجليزية ~~المهمة، وليست جرائد فرنسا بأقل حدة من جرائد إنجلترا في تسوئة السياسة ~~الإنجليزية، وهذا مما يرشد إلى تمكن النفرة بين الدولتين، وربما ذهب بهما التباغض ~~الذي يزداد يوما بعد يوم إلى مقارعة أشد من مقارعة الكلام. # والسياسيون في إنجلترا يرون أنهم يخسرون في ذلك اليوم أكثر مما تخسر حكومة فرنسا؛ فإن ~~انفرادهم عن الدول وضعفهم في القوى العسكرية، وجفول أمتهم من الحرب خارج بلادهم، إذا ~~امتد زمنها أو كان المنازل فيها أمة قوية حربية؛ كل هذا سيوقعهم في فشل لا يسهل ~~عليهم النجاة من عواقبه - نسأل الله تحقيق ما يخافون. # | الفصل الثامن والتسعون # نكاية الإنجليز # حركات العقلاء على حسب المقاصد ومقدرة نقدرها وأولاها بالاعتبار ما يصدر عن كبار ~~الرجال الذين يدبرون شئون الممالك على قواعد العقل وأصول الفكر، وعلى رعاة الأمم في ~~كل دولة أن يكونوا بمرصد لكل حركة سياسية وبمرقب للنظر في غايتها والبحث عما بعث عليها، ~~رب نهضة من سياسي عظيم تميد لها الراسيات في كل دولة وتضطرب لها الروابط العامة بين ~~أمة وأمة. # فليس لمحنك في السياسة أن يقصر نظره على ما عنده ويرد كل حادث سياسي إلى ما رسم في ~~مخيلته واعتقده موافقا لمصلحته، فيضل عن الرشد بالقصور ويغيب عن الصواب بالغرور، بل ~~عليه أن يطالع مقاصد السياسيين في لوح الإمكان، ويتلوها في صفحات المنافع والمضار التي ~~يحمل على جلبها أو يدعو إلى دفعها طبائع الأمم، ولوازم مليتهم، ومواقع بلدانهم، ~~وعلائقهم مع سواهم، حتى يمكنه ms321 أن يكون بين هذه الجواذب والدوافع حافظا لمداره، واقيا ~~لنظام سيره، يكون على غوارب أمواج الحوادث كالملاح الماهر، يضرب بسفينته عروض ~~البحار، في أمن من الأخطار، يستفيد حتى من العواصف، وينجو حتى من القواصف. # كانت حكومة فرنسا أشد الدول في دفع إنجلترا عن مطالبها المالية، وبهذه الشدة سقط ~~المؤتمر، بعد هذا بذل البرنس بسمارك جهده في اجتماع القياصرة الثلاثة فاجتمعوا في ~~«إسكيارنيافيس»، ثلاثة ملوك عظام تلاقوا بعد طول المخابرة ومعهم وزراؤهم، ورجال تميزوا ~~بين السياسيين بعلو الرأي وبعد الغاية. # هل كان هذا التلاقي لإطفاء لوعة الشوق وإجابة داعي المحبة الشخصية؟! هل كان كما ~~ذكرته الصحف للتداول في الوسائل التي يجب استكمالها لقهر الفوضويين؟! كيف يكون هذا ~~وليس أعوان الفوضى إلا كلصوص تقمعهم السطوة الداخلية ويكفي لسد أبواب الفرار في وجوههم ~~مخابرات خفيفة بين أولئك الملوك، كما هو الشأن في أمثالها من المسائل الجزئية. إن ما ~~تقوله الجرائد من هذا القبيل إنما يقصد به التعمية وصرف الأذهان عن النظر في الحقيقة ~~- أي غرض عظيم دعاهم للاجتماع؟! - لم يجتمعوا لنفع دولة واحدة، فإن حكم المنافسة محا ~~فضيلة الإيثار. # قد انضم لهذا الاجتماع تعدد الملاقاة بين البرنس بسمارك بهذا الاتفاق الإمبراطوري ~~أن يجعل لفرنسا ركنا شديدا في معارضة إنجلترا حتى يستحكم الشقاق ويفضي إلى حرب توهي ~~القوة الفرنسية ويصيب منها ما يحب، هذه فائدة خاصة بدولة الألمان لو قدرت على ~~نيلها، فماذا ينال الدولتين المنافستين لها من الاتفاق معها؟ أويريد البرنس مجرد ~~المجاملة لفرنسا وتقطيب جراحها بتأييدها في رغباتها فتكون المصفاة بينها وبين ألمانيا ~~وتنسي الأحقاد بينهما؟ # غاية لا تطلب والشأن فيها كسابقتها، يقصد البرنس مجرد الانتقام من وزارة بريطانيا ~~تشفيا من غيظ الإهانة التي لحقته في المؤتمر. إن كان هذا، ما بال الدول تتفق معه ~~على انتقام شخصي لا يمس المصلحة المشتركة، هل هذه الحركة الشديدة موجهة إلى ما يقصده ~~بسمارك من التملك والفتوح في الشرق وإلى هذا القصد تنتهي؟! أيصح أن يكون ذلك الأمر ~~الكبير وسيلة لهذا الغرض الحقير، على أن ms322 إنجلترا كانت أقرب إلى ألمانيا في هذه ~~الوجهة، وأجدر بأن يميل إليها البرنس ويتحالف معها لنيل هذه البغية؟! # هل أراد البرنس أن يحتل روسيا ويلهي فرنسا بالمسألة المصرية لتنام الأعين عن دولة ~~النمسا، فتتقدم من طرف هرسك وبوسنة إلى ما شاء الله ووسعت القوة، في غير موضع وصنيعة في ~~محل القطيعة؟ هل أحب البرنس أن يمتع نظره بشهود الفتوحات، فبعدما فتح للنمسا بابا في ~~الشرق من جهة هرسك رسم لروسيا طريق هراة وقندهار، ومد لفرنسا خطا في حدود تونس، وهو ~~قرير العين بما يرى ويسمع من توسع هذه الدول في فتوحاتها، وإن لم تعد من ذلك فائدة ~~على الأمة الألمانية؟ شيء لا يأتي عليه الفكر ولا يصيبه النظر. # هذا ولا يصح لنا أن نقول: إن الحلف العظيم بين القياصرة واهتمامهم بتأكيد الروابط ~~بينهم لمجرد كف يد الإنجليز عن مصر، وإبقاء فائدة الدين ومبلغ الاستهلاك على ما ~~كانا عليه، وحفظ قانون المالية المصرية، كما ظن مراسل «التان البرليني»، قال: إن في عزم ~~البرنس بسمارك تأييد الحجة الفرنسية بثبات شديد وإرادة صحيحة، وسيكون مع فرنسا يدا ~~واحدة في إبقاء الحالة المالية في مصر على ما كانت عليه، وفي زعم المراسل أن هذا ~~كان باعثا لسياسيي إنجلترا على بذل الجهد لحل عقدة الاتفاق بين ألمانيا والنمسا ~~وفرنسا؛ فإن المسألة المصرية بمجردها ليست مما يدعو إلى حملة عمومية. # إني أرى تحت هذا النفع جحافل أهوال، ووراء هذا الغيم وابلات أرزاء، أرى تنقلا ~~قريبا في حدود الجغرافيا في السياسية، وتغييرا عظيما في الخطط الدولية، وانقلابا في ~~هيئة الروابط العمومية، نعم، قد يكون من المبادئ الأولية لهذا العمل أن يتفق البرنس ~~بسمارك مع فرنسا؛ فإنه لم يجد خيرا في مناوأتها زمنا طويلا، وكلما رام الوضع منها ~~زادت علوا وارتفاعا فيريد أن يجرب صداقتها كما جرب عداوتها، وأن يدفع البرنس دولة ~~روسيا إلى آسيا، فهو أسلم للدولتين الألمانيتين. # ثم يبعث النمسا على التقدم خطوات حيث تولي وجهها وفيما تخلفه وراءها فائدة البرنس ~~المالية - أرسل البرنس ولده الكونت ms323 هيربرت بسمارك سفيرا في لندن ليكون حفيظا لسره ~~أمينا على عمله، حتى إذا ما فاته ما يرجو من العزيمة الأولى، لم يخجل من الانقلاب ~~عنها إلى الأخرى، وربما يرى الارتباك الذي يؤدي به إلى ما يريد إنما يكون بعقد ~~مؤتمر جديد باسم المسألة المصرية، ويقال: إنه سيثبت على شدته في هذه المسألة إلى حد، ~~كما روته الجرائد المهمة - وقضت الحوادث أن تكون الدولة العثمانية والحكومة المصرية ~~التي هي جزء من أجزاء الدولة في مهب رياح مختلفة، فعليها التيقظ التام، ~~والاحتراس الشديد؛ كي لا تكون خسارتهما في استفادة غيرهما. # إذا قامت الدولة بعمل كما يليق بها حفظت حقوقها وصانت بقية ممالكها، الحكيم اليقظ ~~يستفيد من كل حادثة وإلا خرق الغافل عرضة لكل خطر، الدولة تطلب نكاية الإنجليز من كل ~~وجه، فما الذي يمنع الدولة العثمانية من مجاراة الدول العظام وهي أقدرهن على الإضرار ~~بهم فإنهم في بلادها، يعبثون فيها مفسدين، وسكان البلاد لا ينتظرون إلا خطوة من ~~دولتهم إليهم فيقيمون القيامة عليهم. # | الفصل التاسع والتسعون # أسف # أنبأت الأخبار الأخيرة بحدوث ثورة في دارسين من بلاد أرمنستان؛ قصد الإخلال بالسلطة ~~العثمانية في تلك الأقطار، ومهب ريح هذه الثورة من جمعية الأرامنة في تفليس، والأسلحة ~~والذخائر تنهال على الثائرين من تلك الجمعية، هذه هي الأمم الخاملة التي لم يكن لها ~~في الكون مكان، ولا على صفحة الوجود أثر، ولا في صفوف الأمم العظام قدم، أصبحت تطلب ~~اسما رسميا وشأنا عليا، تنفق أموالا، وتبذل أرواحا، ولا تبالي بأغوال المنايا، ~~فما بال المسلمين في بعض الأقطار وقد كانوا هامة العالم، نراهم اليوم في قنوط ويأس، ~~تتخطف الدول الأجنبية ممالكهم، وهم في سكون يكتفون بأسف العجائز، وتحسر الزمنى، مع أن ~~لهم دولا عظاما، وعددهم يتجاوز مائتي مليون من النفوس، إن هذا لشيء عجيب ~~حقا! # | الفصل المائة # إسماعيل باشا يحن إلى مصر! # عظم على الخديو السابق أمر ما نزل بمصر، وعز عليه اشتداد الأزمة في داخليتها، ~~وعسر ماليتها، واكتنافها بالفتن الخارجية، وارتباكها في المشكلات السياسية، فحن إليها ms324 ~~(وله أن يحن)، وأراد أن لا يدع للإنجليز موضعا للتعلل (في تأمين الدين وأطفأ الثورة) ~~فأظهر من سريرته ما ذكرته جريدة «الروبيبليك فرانسز» وهو: أن يتبرع بالتزام أداء ما ~~يطلبه حاملو الأوراق المصرية مع استعداده لأن يقود جيشا لمغالبة محمد أحمد! # ورأينا في جريدة الماتان: أن مسيو كورسيل سفير فرنسا في برلين أخبر حكومته بوجه ~~رسمي أن القياصرة الثلاثة استقر عزمهم أن يبعثوا إلى الخديو «توفيق باشا» بلائحة ~~مقتضاها أن منصبه سيكون في خطر إذا استمر زمنا طويلا على الركون لإنجلترا في ~~الدسائس المالية بالقطر المصري، وأن السعي في عودة إسماعيل باشا إلى مصر سيكون ~~مؤيدا من وزارات برلين وستراسبورج وفيينا وباريس، وأن مسيو هربرت بسمارك يأخذ على نفسه ~~أن يشهر الدوائر السياسية بلندن ما يترتب على عودة الخديو السابق من الفوائد؛ حيث يعلن ~~رسميا أن عودة إسماعيل باشا هي أفضل في نظر الدول من الأعمال التي تصدر من إنجلترا ~~متعلقة بمصالح أوروبا ومنافعها في البلاد المصرية. ا.ه. # إنا نعلم أن إسماعيل باشا لو رجع إلى مصر لا يكتفي بتخفيض سلطة الإنجليز في وادي ~~النيل، بل يبذل جهده في محو النفوذ الإنجليزي بالمرة، وربما مد حباله إلى سائر ~~البلاد الشرقية الداخلة في سلطة الإنجليز؛ ليحبط أعمالهم فيها، ويهدم أركان سلطتهم ~~عليها؛ لأنه يعلم أن الدولة الإنجليزية هي السبب في كل مصاب نزل به، وكأن الإنجليز ~~أحسوا بذلك منه على ما روته بعض الجرائد، فدفعوه عن نيل مقصده ولا يزالون ~~يدفعونه، لكن لو اتفقت بقية الدول مع الدولة العثمانية على إرجاعه لم يبعد وقوعه، غير ~~أن إحدى الجرائد ذكرت مانعا قويا وعائقا شديدا يحول دون نجاح هذا المقصد، وهو ~~امتناع الذات الشاهانية عن إصدار الفرمان لإسماعيل باشا بخديوية مصر، أيا كانت ~~الحال. # واستعظام هذا المانع مبني على ما تراءى للسلطان من أن إسماعيل باشا وهو في أوروبا ~~أعزل فاقد السطوة لا حول له ولا قوة؛ كان مهتما للتشويش على الخلافات العثمانية ~~ومعارضة الذات الشاهانية، وأن الرسائل الكثيرة والمقالات المتعددة المطبوعة بالألسن ms325 ~~المختلفة المشحونة بما يمس الخلافة، وقد وصل إلى علم السلطان أن الحامل على تحريرها هو ~~إسماعيل باشا، فهذا الظن هو الذي يمنع السلطان من تسهيل الطريق لعودته لحسبانه أنه ~~لو صار له نفوذ وسلطة في مصر فربما صدرت عنه أعمال لا توافق مصلحة الدولة. # فعلى رأي صاحب الجريدة إن عود إسماعيل باشا إلى مصر بعد اليأس من إنجلترا لا يكون إلا ~~بإصلاح الصلة مع السلطان واستمالة سائر الدول، هل يمكن هذا؟ ربما يمكن إذا وثق السلطان ~~بما يطمئن به ووضح للدول ما يصح الركون إليه، هذا إذا لم تراع الدول ولا الدولة ~~العثمانية حركة الأفكار العمومية في مصر، فإن جعلت هذا أساس العمل زادت المسألة صعوبة؛ ~~فإن الرأي العام في هذه الأيام مختلف بالديار المصرية، فمن الناس من سبقه ميله ~~لتوفيق باشا، ومنهم من قام يدعو إلى حليم باشا ويطلب من الناس أن يوقعوا على محضر ~~بطلبه كما جاءنا به خبر الثقة، ومنهم من هو ممسك عن الرأي صامت عن القول. وسنأتي ~~على بيان هذه المسألة فيما بعد، إذا دعت الحوادث حقيقة للكلام فيها. # | الفصل الحادي والمائة # الفرصة # إذا تليت سطور الحوادث الأخيرة وأعطيت حقها من الاعتبار، ولوحظ ما وصلت إليه هيئة ~~السياسة في أوروبا لهذا العهد القريب، وما يشف عنه اجتماع القياصرة الثلاثة، وما يرشد ~~إليه تداول الزيارات بين البارون دي كورسيل سفير فرنسا في برلين، وبين البرنس بسمارك، ~~ولو تبصر متأمل فيما يتبع ذلك؛ لصح له الحكم بخطر هذه الحالة في مصر على ~~إنجلترا، وأنه لم يبق لتخليصها من يديها إلا شيء واحد هو قيام العثمانيين على حقوقهم ~~واشتدادهم في طلبها وعدم اطمئنانهم لأعمال وكلاء الإنجليز في الأستانة، خصوصا في هذا ~~الوقت الذي همت فيه الدول بتخفيض السلطة الإنجليزية ونزع مصر من يد إنجلترا، ويرى ~~السياسيون أنه لا شيء أشد تأثيرا وأجمل عائدة في تلطيف المسألة المصرية من مداخلة ~~الدولة العثمانية. # وأخبر مراسل صحيفة التان في فيينا بناء على ما وصل إليه من مصدر موثوق به أن دولة ms326 ~~ألمانيا والنمسا وروسيا من رأيهم أن تداخل الدولة العثمانية وتجديد سلطة السلطان في ~~وادي النيل؛ يوجب تعديل الحالة السياسية، وليس الغرض من هذا إلا كف أيدي الإنجليز عن ~~تلك الأقطار، فليس من الرأي أن تصغي الدولة العثمانية لنصائح إنجلترا ووكلائها وهي ترى ~~أن جرائد الإنجليز تنادي بلسان الأمة الإنجليزية على حكومة بريطانيا طالبة منها ~~إعلان الحماية على مصر، بل والتمكين في الخرطوم بعد رفع الحصار عنها، وتنصحها بمد سكة ~~الحديد من سواكن إلى مدينة الخرطوم، فلو تساهلت الدولة في هذا فقد فرطت في جزء ~~عظيم من ممالكها، وأضاعت حقا ثابتا، وأي دولة سواها تهتم بإخراج الإنجليز من ~~مصر، فهي صاحبة الحق فيها، فلا يكون للدولة نصيب من ملكها إذا أضاعته ~~بالتفريط. # اللورد نورث بروك وزبانيته يسعون لجلب قلوب الأهالي بتزيين الأماني وتخييل ~~الآمال. # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا ~~(النساء: 120)، ليتخذوا من ميل المصريين حجة يجادلون بها ~~الدول ويثبتون لأنفسهم حقا قانونيا في الإقامة بمصر، ثم من جهة أخرى يحشدون قوة ~~عظيمة إلى مصر؛ استعدادا لتلقي الحوادث المنتظرة لكن تحت اسم إنقاذ جوردون، فلو ~~وجد الإنجليز برهانا من الحيلة ومنعة بالقوة وحملهم الغرور والكبرياء على مشاورة ~~الدول اعتمادا على عدم الاتصال في البر وتمكنهم من المراكز الحربية في البحر كمالطة ~~وقبرص، وأن تحارب الدولة العثمانية؛ فهم أقدر الناس على محاربتها من جهة العريش وفي ~~عموم السواحل، فماذا تكون العاقبة؟ هل تكظم الدول غيها وتترك الإنجليز وشأنهم؟ لا نظن ~~ذلك، ولكن إذا حالت الموانع دون نكاية الإنجليز في مصر عمدت الدول إلى نكايتهم بالحصول ~~على غنيمة تعادل مصر ولا تكون إلا في بلاد المسلمين، فتساهل أصحاب الحق الشرعي في ~~وادي النيل يضيع لهم حقوقا أخرى في غيره. # إن الدولة العثمانية أولى من سائر الدول بالعمل في المسألة المصرية وأجدرهم ~~بالاهتمام بها، ومن الواجب أن تكون أشد حرصا على الظفر بالإنجليز فيها، إن الدولة ~~في مقام المدافع عن حياته، وهو بحكم الطبع أقوى باعثا وأدنى للعمل من طالب الفائدة، إن ~~شرا ms327 يقع أولى بالتلافي من شر يتوقع، وإن خطرا عاجلا أحرى بالالتفات من وهم ~~باطل. # نفوس المصريين في هياج، فإن ما أفسد قلوبهم على الإنجليز من سوء التصرف في الحكومة ~~واستلام إدارتها وإبطال الحقوق الوطنية وحشد الجيوش إلى البلاد لقصد التمكن فيها؛ كل ~~هذه سهام خرقت شغاف القلوب، وزاد الجراح نغرا ما اعترفت به جريدة التايمس من اشتداد ~~الارتباك وتعطل أسباب المعيشة، ووقوف دولاب التجارة، وإشراف العائلات الكبيرة على ~~الافتضاح، خصوصا الذين كانوا في خدمة أوطانهم وحرموا منها، فلو أحس المصريون وهم ~~في هذه الحالة بحركة خفيفة من دولتهم (العثمانية) لكفوها شر الإنجليز، وقليل من ~~العمل فيه الكفاية. # واليوم يتوجه الإنجليز إلى السودان، فلو لمحوا ثباتا من العثمانيين لوقفوا وقفة ~~الحائر، بل سقطوا فيما لا منجى لهم منه، إن الخطر كل الخطر في سكوت العثمانيين عن طلب ~~حقوقهم، وليس من الرأي أن يخاطروا بأنفسهم ثقة بمواعيد الإنجليز، وفي علمهم أن لا ~~وفاء لها، فهذا هو الوقت الذي يتمكنون فيه من إعادة سلطتهم على القطر المصري إلى ~~أعالي السودان، وفي ذلك صيانة ممالكهم من العدوان ولا يرضي بفوات هذه الفرصة إلا من ~~أسلم نفسه للموت وألقى بها إلى التهلكة، هذا ما يثبته العيان ولا يختلف عليه اثنان، ~~فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل. # | الفصل الثاني والمائة # جلادستون # قامت الدول الأوروبية كافة على المطالبة بحقوقها وإعنات الإنجليز في مصر، خصوصا ~~دولتي فرنسا وألمانيا، وجميعهم يطالبون إنجلترا بإنجاز وعودها، ويقيمون الحجة عليها ~~في أعمالها على كيفيات مختلفة ومن وجوه متعددة. # ومحمد أحمد وأتباعه قد فرغوا من أعمالهم الزراعية وأحرزوا غلتهم وهيئوا مؤنهم ~~وجندوا الجنود الكثيفة وقصدوا أطراف دوصد وبربر، وفي الأخبار الأخيرة أنهم سيروا جيشين ~~على طريقين أحدهما يزحف من الصحراء والآخر على خط النيل، والقلق والاضطراب وضيق الحال ~~واختلال الأمن يزداد في مصر كل يوم حتى صار يخشى من فتنة عامة، خصوصا بعدما أحس ~~الناس بسوء نية الإنجليز. # ويمد هذه الأفكار ما فشى بين العساكر والعامة من ms328 أن السلطان غير راض عن أعمال ~~الإنجليز في مصر ولا هو مرتاح لزحفهم على السودان، وبوده لو يصادفون مقاومة لا يخطون ~~بها خطوة، ونزول ماء النيل وفقدان وسائل النقل ووعر الطريق وبعد المسافة، كل هذا ~~أطفأ تلك الحرارة التي كانت تطير بالعساكر الإنجليزية إلى الخرطوم بأسرع من حركة ~~البخار لإنقاذ جوردون - كما يزعمون - أو تملك الخرطوم - كما هو حقيقة القصد . # وانقلاب قلوب الهنديين على حكامهم الإنجليز وظهور تلك الضغائن مع العجز عن سترها، ~~خصوصا من النوابين والرجوات الذي يتوجسون الشر من وثبات الحكومة الإنجليزية عليهم، ~~وهم الآن في ضجر شديد من تضييقها وتشديدها في مراقبة أعمالهم وهم على صورة الاستقلال، ~~حتى إن بعضا منهم ومن أعيان الأهالي الهنديين بعثوا بأناس إلى سرخس ومرو ~~وآشقاباد - على ما بلغنا - ليعرضوا إخلاصهم ويتبينوا يوم خلاصهم، ذلك كله أحدث قلقا ~~واضطرابا في أفكار سياسيي الإنجليز وتخبطا في سيرهم. # فمن جهة يريدون ستر خجلهم من الأعمال المصرية مع قضاء بعض أوطارهم فيطلبون إلى الدول ~~تشكيل مراقبة عمومية وترك مصر وشأنها، مع بقاء شرذمة من عساكرهم في وادي حلفا لصيانة ~~الحدود المصرية بعد طرد الجند الوطني (كما صانوا سائر الممالك الهندية بأمثال هذه ~~الشرذمات!) ويتوهمون أنهم يلهون الدول بهذه الأضحوكة، ومن جهة أخرى يبتغون إقناع ~~أنفسهم وإقناع الأمة الإنجليزية بأوهام خيالية وترهات صبيانية يجعلونها أساسا ~~لسياستهم في الممالك الهندية، من ذلك ما اعتمده اللورد دوفرين (ذلك السياسي المشهور ~~الذي أفسد شئون مصر) قاعدة متينة لصون الممالك الهندية، بعد أن عين حكمدارا عليها، قال ~~في مقال ألقاه في «بال فاست»: إنه يعد نفسه سعيدا بمعرفته الخصوصية لمسيو جيرس وزير ~~خارجية روسيا، ثم أثنى عليه بحدة تنبئ عن الإخلاص، وقال: إني أرى لمسيو جيرس رغبة صادقة ~~في حصول المصافات بين روسيا والإنجليز ورفع الشقاق بينهما، وبالغ في القول حتى قالت ~~جريدة «الميموريال دبلوماتيك» بعد ذكر تهنئة روسيا للورد دوفرين على الوظيفة الجديدة: ~~«إن اللورد مكلف بعقد وفاق تعين به مهلة لتلاطم الدولتين المتنازعتين في آسيا الوسطى ~~بعد تحديد ms329 تخوم أفغانستان من طرف الشمال، هذا ما اندفع إليه جناب اللورد بقوة الاضطراب ~~وشدة الشغف بتسكين خواطر الشعب الإنجليزي، وتغرير العقول في الهند، وإرضاء القلوب عن ~~سياسة الحكومة وربما إرضاء نفسه أيضا.» # والقارئ يعلم من هذه الحالة مقدار العجز الملم بسياسيي بريطانيا؛ حيث طفقوا يجعلون من ~~مباني سياستهم في الشرق معرفة شخصية بين حاكمهم في الهند وبين وزير روسيا الذي لم يخط ~~خطوة في الشرق إلا وغايتها الهند، ولم تتقدم قدما إليه إلا بعد عهد ينكث وميثاق ينقض، ~~فإن حلف وزير روسيا للورد هذه المرة لا يختلف هذا اليمين عن اليمين السابقة، على أن ~~المحبة الشخصية لا قيمة لها في السياسات الكلية، وما سرور الإنجليز بها إلا من آثار ~~الذهول وسر سأم العقول. # وأعجب من هذا أن جلادستون يرفع صوته بين شعبه بقوله: إن من ضعف العقل أن يظن الوهن ~~في إمبراطورية الإنجليز أو يترقب بها الضعف في المستقبل، وإن بسطة الدول مما يوجب بسطة ~~إنجلترا، عجبا! فإذا انبسطت روسيا إلى الهند فإلى أين تنبسط إنجلترا؟ أظنها تنقبض، لا ~~تنبسط، ويقول: إن يوما تشعرون فيه بالخوف لبعيد وليس بقريب، سبحان الله! روسيا وضعت ~~يدها على باب الهند «سرخس» وشهرتها عمت أنحاءه، وقلوب أهاليه ميالة إليها، وهي لا ~~تهاب الإنجليز ولا تتوانى في سيرها، فأي يوم يشعر فيه بالخوف بعد يومه هذا؟! كأن الوزير ~~لا يحس الخطر حتى تحل روسيا في بنجاب أو تصل إلى نهر السند. # لا جرم أن الارتباك يضل بالإنسان عن رشده، ومن المضحكات ما ذهبت إليه جريدة البال ~~مال جازيت من أن هذا الكلام من جلادستون يدل على ثقة جديدة منه بالدول بعد مفاوضات حل ~~بها المشكلات، وأن من له أدنى إلمام بحال الإنجليز في ممالك الهند وضعف عسكريتهم، وتوزع ~~أساطيلهم لحفظ سائر أملاكهم ونفرة الرعايا الشرقيين منهم، مع تألب الدول عليهم ~~وتقدم روسيا إلى الهند يوما بعد يوم؛ يحكم بأن قد حل أجلهم وقرب يوم يهدم فيه ~~سلطانهم ويتقلص ظل سلطتهم في المشرق، ويهزأ يما يقول ms330 جلادستون: «إن إمبراطورية إنجلترا ~~تزداد قدرتها بتجدد الأيام»، ومن رأي العقلاء أنه لو تقدم محمد أحمد وساعده أهل ~~الشهامة من الصعيد والشرقية والبحيرة في مصر، وخاب أمل الإنجليز في حملتهم، وقامت ~~الفتنة في الهند، وتقدمت روسيا وخلصت النفوس من رق العبودية، وقضي الأمر وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين. # | الفصل الثالث والمائة # عماء بعض الناس في مصر أو تعاميهم عن مقاصد الإنجليز فيها # تسعى حكومة بريطانيا بكل ما في وسعها لوقف دفع الاستهلاك وتنقيص فائدة الدين المصري، ~~ويعترضها في ذلك سائر الدول الأوروبية العظيمة، هل الدولة الإنجليزية أشد الدول رحمة ~~على العالمين عموما وعلى المصريين خصوصا، فدعتها الرحمة للقيام على هذا العمل ~~قصدا لراحة المصريين وتخفيفا لثقل الدين على الخزينة المصرية، وتوصلا لرفاهة ~~الأهالي وتوسيع دائرة ثروتهم؟ # أو أن الدولة لم تبالغ في الشفقة وهي على حد الاعتدال في الحكم، ولكن الدول تجاوزوا ~~القسط في القسوة خشونة وغشمرة أو لعداوة خصوصية بينهم وبين المصريين، لهذا لا يريدون ~~تخفيف شيء من أثقالهم؟! أو أنها اطلعت على أحوال المصريين وكشف حقيقة ما هم عليه ~~وعلمت عجزهم عن الوفاء مما عليهم وخفيت هذه الحقيقة على سائر الدول، فرأت حكومة ~~بريطانيا أن تخبر الدول بما وقفت عليه قياما بخدمة الصدق، وإنما يعارضها من سواها؛ ~~جهلا بواقع الأمر؟! لا ... لا ... ليس شيء من ذلك. # من ساح في المستعمرات الإنجليزية كالبلاد الهندية ونحوها؛ تبين له أن الأهالي في ~~تلك الممالك حملوا من أثقال الضرائب وأوقار الرسوم الدائمة والمؤقتة ما لا يعرف له ~~غاية ولا يؤخذ فيه بقياس، حتى سقطوا في مهواة من الفقر لا يجدون منها خلاصا، ويوجد ~~ملايين من أهل الهند يقتاتون بالأعشاب البرية؛ لفقدان أقوات البشر مع خصوبة أراضيهم ~~وجودة منابتهم، فهل يصح لعاقل أن يظن بعد هذا أن الإنجليز ضنوا برحمتهم على رعاياهم ~~الهنديين وأفاضوا فيضها على المصريين؟ # أي رابطة بين المصريين والجنس البريطاني تدعو إلى هذا الاختصاص؟! هل يصح أن يقال: ~~إن الأمة الفرنسية مع ما لها من سابق الآثار في مصر تعادي المصريين ms331 وتقسو ~~عليهم وتطلب تنكيلهم حقدا وانتقاما؟! وهذا هو ما يحملها على المعارضة في تخفيف ~~الفوائد وتوفيق الاستهلاك؛ قصد الإضرار بالمصريين، ووافقتها على ذلك الدول الباقية! ~~هذا مما لا يعقل، فإن في مصر ما يستميل الدول إليها لا ما يبعثها على الانتقام منها ~~- كما لا يعقل - أو أن وكلاء السياسة في مصر ومديري خزينة الدين من رجال الدول العظام؛ ~~قد خفي عليهم حال المصريين وشئون ماليتهم وتفرد الإنجليز بعلمها من بين سائر ~~الأمم. # على أن من يزعم أن أرض مصر فقيرة في ثروتها قاصرة عن أداء ما أوجبه عليها عهد ~~الدول؛ فقد افترى كذبا، فإن مصر قد قامت بوفاء ما طلب منها أيام وزارة رياض باشا ~~أحسن قيام مع غاية السعة وارتياح الأهالي إلى تأدية الضرائب بأنواعها، ومسرتهم التامة ~~من تقسيم المطلوبات على حسب المواسم الزراعية، وهكذا استمر الحال بعد رياض باشا على ~~الأساس الذي وضع في عهده إلى أن زحفت إنجلترا بجيش من دسائسها على تلك النفوس ~~المطمئنة فأقلقتها، وتلك الأرواح الساكنة فأثارتها، فما تبتغي إنجلترا الآن من ~~الإلحاح على تنقيح قانون التصفية وتنقيص الفوائد؟ وماذا بعث الدول على ~~معارضتها؟! # تريد حكومة بريطانيا أن تسود على مصر وتستعبد أهلها، وترى أن بقاء الحالة المالية ~~على أصولها السابقة يرجع بالمنفعة على الدائنين من الأمم المختلفة، فلا يكون حظ ~~الخزينة الإنجليزية الخاصة من ثروة مصر وافرا، ولهذا بادرت قبل إعلان الحماية أو ~~السيادة أو الاستملاك بالسعي في تخفيض فائدة الدين لتستأثر فيما بعد بما تزعم التفضل به ~~الآن على المصريين، فهي تسعى لفائدتها الخاصة ليس إلا. # هذا قصدها، لم يخف على الدول فقامت بمعارضتها وأصرت حرصا على مصالحها لا تهدر ~~فداء لحظوظ الإنجليز وقضاء لشهواتهم. # يهم الدول جلاء الإنجليز عن مصر عاجلا أو آجلا، لهذا تهتم بسد أبواب الحيل عليهم ~~وإقامة العقبات الصعبة في كل خطوة يخطونها إلى مآربهم. # وظهرت مقاصد الإنجليز وانكشفت مضمراتهم لعموم أوروبا ولم يبق فيها ريبة عند ~~دولة من الدولة الأوروبية، وإن كان بعض الغفل في تلك البلاد ms332 المنكودة الحظ (لا نريد ~~نوبار باشا فإنه ضارب في طريقه ذاهب إلى مقصده يتزلف للإنجليز بكل ما يمكنه؛ لينال ~~بوساطتهم ما أشرنا إليه مرارا)؛ تسول لهم أنفسهم إما جهلا وإما طمعا أن يميلوا مع ~~ريح الحكومة الإنجليزية ويظنوا أنها لا تقصد بالبلاد المصرية إلا خيرا، فإذا فاض ~~الخير في البلاد وشملت الراحة جميع أنحائها؛ انجلت العساكر الإنجليزية عنها كما جاءت ~~إليها ورجعوا إلى بلادهم فرحين بأنهم أدوا فرائض الذمة وحقوق الإنسانية! # والعجب من هؤلاء المغرورين كيف لم يعتبروا بحركات اللورد نورث بروك؟! يتجول في البلاد ~~المصرية ويستدعي إليه العمد والمشايخ ويذاكرهم فيما يريد، طورا سرا وطورا آخر ~~علانية، ويجاذبهم أطراف الأحاديث فيما يمكن أن يتخذ وسيلة لتمكين حكومته من الولاية ~~على تلك البلاد، أما كان يكفي هذا السير لإدراك الحقيقة؟! فبم يعلل الغافلون أنفسهم؟ ~~وأي أوهام تخيل لهم ما يظنون؟! # ألم يكشف الغطاء عن نية السوء بسؤال اللورد نورث بروك للشيخ العباسي المهدي شيخ ~~الجامع الأزهر ومفتي القاهرة حيث افتتح الكلام معه بقوله: «ماذا تعلم من أفكار ~~الأهالي لو أردنا نحن الإنجليز أن نديم الإقامة في البلاد؟!» # فلو لم يكن لدولة الإنجليز عزم على تملك وادي النيل فكيف كان هذا السياسي الداهية ~~يبتدر شيخا من أجل المشايخ وأعلاهم مقاما في القطر المصري بهذا السؤال، مع أن ~~أقل ما فيه إثارة الظنون وإحداث الريب إجابة حضرة الشيخ بما يفيد نفرة القلوب من بقاء ~~الإنجليز في احتلال مصر، فاستدرك اللورد ما فرط منه بقوله إنا لا نريد البقاء، ولكن كان ~~استدراكه مناقضا لما دل عليه أول سؤاله، وما الإنكار إلا خديعة لا تخفى على الصبيان ~~فضلا عن الراشدين، يريد اللورد بهذه المحاولات أن يستكن مضمرات القلوب ليتبين له ضروب ~~السير إلى ما يقصد من التسلط على أرض مصر، حتى إذا سد في وجهه باب حاول قرع باب ~~آخر. # أما آن لهؤلاء المخدوعين أن يرجعوا لأنفسهم ويمدوا نظر الانتقاد لحركات هذا اللورد، ~~أي إصلاح يقصده اللورد من طرد العساكر المصرية، وإلغاء كل ما ms333 يسمى جندا مصريا، ومحو ~~هذا الاسم من دفاتر الحكومة المصرية؟! إن اللورد يلح بكل اهتمام على استبدال الجند ~~المصري بأعوان الشرطة والخفر المسمى بالضابطة، ما هذا الاهتمام، إن لم يكن من قصده ~~تمهيد الطرق للتسلط التام على مصر؟! هذا سبيل سلكته الإنجليز في جميع فتوحاتها كما ~~نبهنا مرارا، وإن هذا الداهية الإنجليزي لا يحيد عنه بعدما سلكه أسلافه من قبله ~~وقفاهم عليه عندما كان حكمدار الهند وجنوا ثماره، يجتهد بما في وسعه لطرد العساكر ~~المصرية وإبدالهم بالضابطة ليقترح بعد أيام تبديل رجال الضابطة المصريين بأقوام من ~~الجيوش الإنجليزية أو الهندية، تعللا بفساد أخلاق المصريين وعدم أهليتهم للخدم ~~النظامية، وعجزهم عن القيام بوظائف الضبط وصيانة الراحة، وبذلك يجرد الحكومة من جميع ~~قواها وتكون السلطة الإنجليزية سائدة في جميع الجهات بلا معارض لها من طرف الحكومة ~~المحلية، كل هذا يجريه قبل إعلان السيادة والاستملاك كما فعل سابقوه في الهند مع كل ~~نواب وراجا ولا يزال يفعل خلفهم من بعدهم. # يزعم الإنجليز أن تدخلهم في مصر إنما كان لتسكين الاضطراب وإزالة العصيان وتقرير ~~الراحة، ارتفع العصيان وسجن عرابي ورؤساء حزبه وتبددت جموعهم ولم يبق أثر لما سموه ~~عصيانا، وألزمت دولة بريطانيا حكومة مصر بالتنازل عن السودان من مدة طويلة، فماذا ~~تريد من إرسال الجيوش إلى مصر الآن، ألمجرد إرسال جوردون كما يدعي رجال الإنجليز؟ إنهم ~~يقولون: إن جوردون يسوق مراكبه في كل وقت لمحاربة الثائرين وتشهد الجرائد ~~الإنجليزية نفسها بأنه يستطيع الخلاص بأي وجه متى شاء، فليس هناك حاجة إلى تجريد ~~الجيوش وسوقها إلى الأراضي المصرية تحت هذه التعلة، هل تريد حكومة بريطانيا بتوقية # 1 # جيوشها أن ترفع الخلل الداخلي وتكف أيدي الناهبين وقطاع الطريق؟! هذا ~~خلل ما حدث إلا بوجود الجيوش الأجنبية والنفرة من السلطة الغربية، فكيف يمكن محو الشيء ~~بتوقية علل وجوده؟! هذا الخلل يرتفع ويمحى أثره إذا انجلى جيش العدو عن الديار ولم ~~يبق لها فيها رءوس ولا أذناب، نعم، هذه كلها تعلات يزعمها الإنجليز حجابا لما يسعون ~~إليه من ms334 الاستعلاء على عرش السيادة في مصر وحط الرجال في سهولها وحزونها. # 2 # فلم يبق بعد هذا سوى أن ينتبه الغافل، ويلتفت صاحب الأمر إلى ما يحف به ليحترس من هذا ~~الكيد العظيم، ولا يعين الإنجليز على مقاصدهم جهلا منه أو اغترارا بما يخيلون له ~~من نفع يعود على شخصه أو بلاده، سبحان الله! هل كان مثل هذا الأمر يحتاج إلى تنبيه؟! ~~هذا محل العجب من غفلة أمراء الشرق، لا تفيدهم التجارب، ولا تريبهم المحن، ولا تعلمهم ~~الحوادث، ولا تدربهم النوازل، وتناوب الرزايا والمصائب. # من له أدنى خبرة بسير الإنجليز في ماضيهم أو حاضرهم، يعلم أنهم يملكون البلاد بأيدي ~~سكانها، ويقتلون أمراءها بسيوف أنفسهم، يرى هذا الأمير الشرقي في أرض جاره فيظن النازلة ~~خاصة بموقعها فيلهو عنها ولا يخشى السقوط فيما سقط فيه غيره، فيقع في نفس الشرك الذي ~~صيد به جاره، مثلهم مثل الأغنام سوق القصاب منها واحدا بعد واحد إلى المذبحة وسائر ~~القطيع في غفلة عما يجري على آحاده يرعى ويرتع آمنا مطمئنا حتى يفنى. # لا عار على أمة قليلة العدد ضعيفة القوة إذا تغلبت عليها أمة أشد منها قوة وأكثر ~~سوادا وقهرتها بقوة السلاح، وإنما العار الذي لا يمحوه كر الدهور ولا ينسيه تطاول ~~الأزمان، هو أن تسعى الأمة أو أحد رجالها أو طائفة منهم لتمكين أيدي العدو من نواصيهم، ~~إما غفلة عن شئونهم، وإما رغبة في نفع وقتي وجزاء نقدي على خيانتهم، فيكونون باحثين ~~عن حتفهم بظلفهم. # علينا أن نرفع أعلام المحبة الوطنية، ونحمل عوامل الشهامة الإسلامية، ونوقد نيران ~~الغيرة الوطنية، لتخيب آمال الإنجليز ونرد كيدهم في نحورهم، ونقذف بأولئك المغفلين الذي ~~يميلون إليهم خارج تخوم هذه الديار ليلحقوا بالخائنين ممن سبقهم ويذوقوا عذاب الهوان ~~بما كانوا يكسبون، هذا إذا حصل اليأس من تيقظهم ورجوعهم إلى الحق والصدق في محبة ~~الأوطان ورعاية مصالحها، فإن تابوا وأصلحوا وأنابوا كان الحق ظهيرهم، وكان الله وليهم ~~ونصيرهم، وهو نعم المولى ونعم النصير. # | الفصل الرابع والمائة # إخفاق سعي الإنجليز # بينا العلة ms335 في اهتمام الإنجليز بتحوير قانون المالية المصرية ومعارضة الدول لهم ~~فيما يرغبون، ولما لم يجدهم إلحاحهم، وثبتت الدول في امتناعها، نكبوا عن طريقهم ~~واستكانوا لرأي الدول، وأعلن ترجمان سرهم ولسان حالهم «نوبار باشا» لجميع قناصل الدول ~~في مصر أن الحكومة المصرية (الإنجليزية) رجعت عما عزمت عليه - وكانت نفذته - من توقيف ~~الاستهلاك، كان قصد الإنجليز بهذا التصرف إثبات سلطتهم وتقوية شوكتهم على المصالح ~~العامة في مصر، وهو نفوذ عاجل، وكانوا يؤملون فيه فائدة آجلة كما أشرنا إليه، ولما ~~رأوا أن طول الزمن على معارضة الدول لهم ربما يحول بينهم وبين غايات أخر يبتغون الوصول ~~إليها؛ انقلبوا عن وجههم ونقضوا عزيمتهم بلا خجل، ولا نظن أن يخفى على المصريين سر ~~العزيمة الأولى وسر النقض الثاني، وأن هذا التنازل إنما دعت إليه الضرورة الحاضرة ووجود ~~العقبة السياسية، أما سائر مطامعهم وبقية مقاصدهم فإنهم يغذون إليها السير ولا يدعون ~~منها نقيرا، إلا أن تصادمهم جيوش الهمم وتقوم في وجوههم عقبات العزائم، هناك يرجعون ~~بالخيبة ويخسرون خسرانا مبينا. # الحق # اعتدى على الحق جاهل فنال نكاله. # ينتصر الحق ويخذل الباطل وإن طاوله الكرم وأمهله العفو ومده الغرور. # جمال الدين الأفغاني - محمد عبده ~~(تمت كلمات «العروة الوثقى» بفضل الله.) ms336