######OpenITI# #META# comp: 1 #META# الكتاب: الرد على الدهريين #META# digitization_comments: [ملاحظات] #META# authinf: جمال الدين الأفغاني ¶ محمد جمال الدين بن السيد صفتر الحسيني أو الأفغاني أو الأسد آبادي (1838 - 1897) ¶ أحد الأعلام البارزين في النهضة المصرية ومن أعلام الفكر الإسلامي بالنسبة للتجديد. ¶ مرضه ووفاته ¶ تواترت الروايات بأن جمال الدين مات شبه مقتول، وتدل الملابسات والقرائن على ترجيح هذه الرواية، فإن اتهامه بالتحريض على قتل الشاه، وتغيير السلطان عليه، وحبسه في قصره، ووشايات أبي الهدى الصيادي، مما يقرب إلى الذهن فكرة التخلص منه بأية وسيلة، هذا إلى أن الغدر والأغتيال كانا من الأمور المألوفة في الأستانة. ¶ وما ذكره الأمير شكيب أرسلان في كتاب (حاضر العالم الإسلامي)، قال ما خلاصته: (أنه لما اشتد التضييق على السيد جمال الدين أرسل إلى مستشار السفارة الإنجليزية يطلب منه إيصاله إلى باخرة يخرج بها من الأستانة، فجاءه المستشار وتعهد له بذلك، فلما بلغ السلطان الخبر أرسل إليه أحد حجابه يستعطفه أن لا يمس كرامته إلى هذا الحد ولا يتلمس حماية أجنبية فثارت في نفسه الحمية والأنفة، وأخبر مستشار السفارة بأنه عدل عن السفر، ومهما كان فليكن، ولكن الرقابة عليه بقيت كما كانت، وبعد أشهر من هذه الحادثة ظهر في فمه مرض السرطان، فصدرت الإرادة السلطانية باجراء عملية جراحية يتولاها الدكتور قمبور زادة إسكندر باشا كبير جراحي القصر السلطاني، فأجرى له العملية الجراحية فلم تنجح، وما لبث إلا أياما قلائل حتى فاضت روحه، ومن هنا تقول الناس في قصة هذا السرطان، وهذه العملية الجراحية، لقرب عهد المرض بتغير السلطان عليه، وما كان معروفا من وساوس عبد الحميد، فقيل أن العملية الجراحية لم تعمل على الوجه اللازم لها عمدا، وقيل لم تلحق بالتطهيرات الواجبة فنيا، بحيث انتهت بموت المريض.) ¶ وذكر الأمير شكيب أن المستشرق المعروف الكونت لاون استروروج حدثه أن السيد الأفغاني كان صديقه، فدعاه إليه بعد إجراء العملية الجراحية وقال له إن السلطان أبى أن يتولى العملية إلا جراحه الخاص، وإنه هو رأي حال المريض ازدادت شدة بعد العملية، ورجا منه أن يرسل إليه جراحا فرنساويا مستقل الفكر طاهر الذمة، لينظر في عقبى العملية، فأرسل إليه الدكتور (لاردي) فوجد أن العملية لم تجر على وجهها الصحيح، ولم تعقبها التطهيرات اللزمة، وأن المريض قد أشفى بسبب ذلك، وعاد إلي استروروج، وأنبأه بهذا الأمر المحزن، ولم تمض أيام حتى فارق جمال الدين الحياة. ¶ وذكر واحد ممن كانوا في خدمة عبد الحميد، بعد أن روى له الأمير هذه القصة أن قمبور زاده إسكندر باشا كان أطهر وأشرف من أن يرتكب مثل تلك الجريمة، وحقيقة الواقعة أنه كان بالأستانة طبيب اسنان عراقي اسمه (جارح) يتردد كثيرا على جمال الدين، ويعالج اسنانه، وكانت نظارة الضابطة (إدارة الأمن العام) قد استمالت (جارح) هذا بالمال، وجعلته جاسوس على السيد، وصار له عدوا في ثياب صديق، وقال صاحب هذه الرواية أنه أراد مرة أن يمنع الطبيب المذكور من الاختلاط بجمال الدين، فأشار إليه ناظر الضابطة إشارة خفية بأن يتركه، وفهم من الإشارة أن يذهب إلي السيد ويعالج اسنانه، بعلم من النظارة، والسيد لا يعلم بشيء من ذلك، ويطمئن إلي (جارح) ويثق به، ولم تمض عدة أشهر على حادثة الشاه حتى ظهر السرطان في فك السيد من الداخل، وأجريت له عملية جراحية فلم تنجح، وجارح هذا ملازم للمريض، وبعد موته كانوا يرونه دائما حزينا، يبدو على وجهه الوجوم والخزى، مما جعلهم يشتبهون أن يكون له يد في إفساد الجرح بعد العملية، أو في توليد المرض نفسه من قبل بوسيلة من الوسائل، ولما مات السيد بدا الندم على الطبيب الأثيم، وشعر بوغز الضمير يؤنبه على خيانته هذا الرجل العظيم. ¶ وكانت وفاته صبيحة الثلاثاء 9 مارس سنة 1897م، وما أن بلغ الحكومة العثمانية نعيه حتى أمرت بضبط أوراقه وكل ما كان باقيا عنده، وأمرت بدفنه من غير رعاية أو احتفال في مقبرة المشايخ بالقرب من نشان طاش فدفن كما يدفن أقل الناس شأنا في تركيا وتحت مراقبة الدولة #META# ad: 1314 #META# bkord: 9915 #META# المؤلف: جمال الدين الأفغاني #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الرد على الدهريين ¶ المؤلف: جمال الدين الأفغاني ¶ المحقق: محمد حامد محمد ¶ الناشر: ¶ الطبعة: ¶ عدد الأجزاء: جميع الحقوق محفوظة للمحقق , ولا يجوز استغلاله تجاريا. ¶ [ملاحظات] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# bkid: 35778 #META# عدد الأجزاء: جميع الحقوق محفوظة للمحقق , ولا يجوز استغلاله تجاريا. #META# المحقق: محمد حامد محمد #META# higrid: 1314 #META# iso: الرد علي الدهريين #META# archive: 18 #META# max: 52 #META# auth: محمد حامد محمد :: جمال الدين الأفغاني #META# cat: العقيدة - مرقم آليا #META# authno: 3057 #META# ndata: الرد على92C6B1BAلإنساني. #META# idx: 1 #META# bk: الرد على الدهريين #META# Lng: جمال الدين الأفغاني #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO مقدمة # الأستاذ الإمام محمد عبده # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمد الله على الهداية، ونعوذ به من الغواية، ونصلي ونسلم على خاتم رسله، ~~وآله وصحبه هداة سبله. # وبعد فقد أتيح لي الاطلاع على رسالة فارسية في نقض مذهب الطبيعيين، من ~~تصنيف العالم الكامل، محيط المعرفة الشامل، الشيخ جمال الدين الحسيني ~~الأفغاني. # أما الشيخ فله من لسان الصدق، ورفيع الذكر، ما لا يحتاج معه إلى الوصف, ~~وأما الرسالة، فعلى إيجازها قد جمعت لإرغام الضالين، وتأييد عقائد ~~المؤمنين، مالم يجمعه مطول في طوله، وحوت من البراهين الدامغة، والحجج ~~البالغة، ما لم يحوه مفصل على تفصيله. # دعاه إلى تصنيفها حمية جاشت بنفسه أيام كان في البلاد الهندية، عندما رأى ~~حكومة الهند الانجليزية تمد في الغي جماعة من سكان تلك البلاد، إغراء لهم ~~بنبذ الأديان، وحل عقود الإيمان، وأن كثيرا من العامة فتنوا بآرائهم، ~~وخدعوا عن عقائدهم، وكثر الاستفهام منه عن حقيقة ما تدعيه تلك الجماعة ~~الضالة، وممن سأله عن ذلك حضرة الفاضل مولوي (¬1) محمد واصل، مدرس الفنون ~~الرياضية بمدرسة الأعزة بمدينة حيدرآباد الدكن من بلاد الهند، فأجابه الشيخ ~~برقيم صغير يعده فيه بإنشاء رسالة في بيان ما كثر السؤال عنه. # وقد حداني (¬2) علو الموضوع، وسمو منزلة الرسالة منه، إلى الاجتهاد في ~~نقلها من لغتها إلى اللغة العربية، فتم لي ذلك بمساعدة عارف أفندي الأفغاني ~~(¬3) ، تابع الشيخ المؤلف، ورجونا بذلك تعميم الفائدة، وتكميل العائدة إن ~~شاء الله. # وإنا نذكر ترجمة الرقيمين، مبتدئين برقيم مولوي محمد واصل، وهو: PageV01P002 # رقيم مولوي محمد واصل # 19 محرم سنة 1298 ه، 22 ديسمبر سنة 1880 م بعد رسوم المخاطبة. # يقرع آذاننا في هذه الأيام صوت «نيتشر» ... «نيتشر» (¬1) ! وإنه ليصل ~~إلينا من جميع الأقطار الهندية، فمن الممالك الغربية والشمالية، و«أوده» ~~و«بنجاب» و«بنجاله» و«السند» و«حيدرآباد الدكن» (¬2) ، ولا تخلو بلدة أو ~~قصبة من جماعة يلقبون بهذا اللقب، ينمو عددهم على امتداد الزمان، خصوصا بين ~~المسلمين، ولقد سألت أكثر من لاقيت من هذه الطائفة: ما حقيقة النيتشرية؟ ~~وفي أي وقت كان ظهور النيتشريين؟ ms01 وهل من قصد هذه الطائفة بمسلكها الجديد ~~عندنا أن تقوم عماد المدنية، ولا تعدو هذا المقصد، أو لها مقاصد أخرى؟ وهل ~~طريقتهم تنافي أصول الدين المطلق، أو هي لا تعارضه بوجه ما؟ وأي نسبة بين ~~آثار هذا المشرب وآثار مطلق الدين في عالم المدنية، والهيئة الاجتماعية ~~الإنسانية؟ # فإن كانت هذه الطريقة من النحل القديمة، فلم لم تنشر بيننا؟ ولم لم نعهد ~~لها دعاة إلا في هذه الأوقات؟ وإن كانت جديدة، فما الغاية من إحداثها؟ وأي ~~أثر يكون عن الأخذ بها؟ # ولكن لم يفدني أحد منهم عما سألت بجواب شاف كاف، ولهذا ألتمس من جنابكم ~~العالي، أن تشرحوا حقيقة النيتشرية والنيتشريين، بتفصيل ينقع الغلة (¬3) ~~ويشفي العلة، والسلام. PageV01P003 # جواب جمال الدين # وهذا رقيم السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، جوابا عن الرقيم السابق: # محبي العزيز: # «النيتشر» : اسم للطبيعة، وطريقة «النيتشر» : هي تلك الطريقة الدهرية ~~التي ظهرت ببلاد اليونان في القرن الرابع والثالث قبل ميلاد المسيح، ومقصد ~~أرباب هذه الطريقة محو الأديان، ووضع أساس الإباحة، والاشتراك (¬1) في ~~الأموال والأبضاع (¬2) بين الناس عامة. # وقد كدحوا لإجراء مقصدهم هذا، وبالغوا في السعي إليه، وتلونوا لذلك في ~~ألوان مختلفة، وتقلبوا في مظاهر متعددة، وكيفما وجدوا في أمة أفسدوا ~~أخلاقها، وعاد عليهم سعيهم بالزوال. # وأيما ذاهب ذهب في غور مقاصد الآخرين بهذه الطريقة، تجلى له ألا نتيجة ~~لمقدماتهم سوى فساد المدنية، وانتقاض بناء الهيئة الاجتماعية الإنسانية؛ إذ ~~لا ريب في أن الدين - مطلقا - هو سلك النظام الاجتماعي، ولن يستحكم أساس ~~للتمدن بدون الدين البتة، وأول تعليم لهذه الطائفة إعدام الأديان وطرح كل ~~عقد ديني. # وأما عدم شيوع هذه الطريقة، وقلة سلوكها مع طول الزمن على نشأتها، فسببه ~~أن نظام الألفة الإنسانية - وهو من آثار الحكمة الإلهية السامية - كانت له ~~الغلبة على أصولها الواهية، وشريعتها الفاسدة، وبهذا السر الإلهي انبعثت ~~نفوس البشر لمحو ما ظهر منها، ومن هذا لم يبق لهم ثبات قدم، ولم تقم لهم ~~قائمة أمر، ولا شأن لهم في وقت من الأوقات. # ولتفصيل ما ذكرنا، نتقدم ms02 لإنشاء رسالة صغيرة، أرجو أن تكون مقبولة عند ~~العقل الغريزي لذلك الصديق الفاضل، وأن تنال من ذوي العقول الصافية نظرة ~~الاعتبار. # وهذه هي الرسالة: PageV01P004 ### | AUTO الفصل الأول # حقيقة مذهب النيتشرية والنيتشريين وبيان حالهم # بسم الله الرحمن الرحيم # (فبشر عبادي الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولو الألباب) (¬1) . # الدين قوام الأمم وبه فلاحها، وفيه سعادتها وعليه مدارها. # «النيتشرية» جرثومة الفساد، وأرومة الإداد (¬2) وخراب البلاد، وبها هلاك ~~العباد. شاع لفظ «النيتشرية» حتى طبق البلاد الهندية في هذه الأيام، وأصبحت ~~هذه الكلمة دائرة في المحافل، سيارة في المجامع، وللعامة والخاصة فيها ~~مذاهب وهم، وطرائق وهم (¬3) ، فالغالب منهم يخبط على بعد من حقيقتها، في ~~غفلة عن أصل وضعها. # لهذا رأيت من الحق أن أشرح مفهومها، وأكشف المراد منها، وأرفع الستار عن ~~حال النيتشريين من بداية أمرهم، وأعرض للناظرين شيئا من مفاسدهم، وما ~~الحقوا بالنوع الإنساني من المضار التي خبث أثرها، وساء ذكرها، مستندا في ~~ذلك على التاريخ الصحيح، آخذا من البرهان العقلي بدليل يثبت أن هذه الطائفة ~~على اختلاف مظاهرها، لم يفش رأيها في أمة من الأمم إلا كان سببا في ~~اضمحلالها وانقراضها. # أثبت ثقات المؤرخين: أن حكماء اليونان انقسموا في القرن الرابع والثالث ~~قبل المسيح إلى فئتين: # ذهبت إحداهما إلى وجود ذات مجردة عن المادة والمدة (¬4) ، مخالفة ~~للمحسوسات في لوازمها، منزهة من لواحق الجسمانية وعوارضها، وأثبتت أن سلسلة ~~الموجودات مادية ومجردة، تنتهي إلى موجود مجرد واحد من جميع الوجوه، مبرأ ~~الذات عن التأليف والتركيب، ومحال عند العقل تصور التركيب فيه، وجوده عين ~~حقيقته، وحقيقته عين وجوده، وهو المصدر الأول، والموجد الحقيقي، والمبدع ~~لجميع الكائنات، مجردة كانت أو مادية. PageV01P005 # واشتهرت هذه الطائفة بالمتألهين «الخاضعين لله» ، ومنهم: فيثاغورث، وسقراط، ~~وأفلاطون، وأرسطو ومن أهل مذهبهم كثير. # وذهبت أخرى الطائفتين إلى نفي كل موجود سوى المادة والماديات، وأن وصف ~~الوجود مختص بما يدرك بالحواس الخمس لا يتناول شيئا وراءه، وعرفت هذه ~~الطائفة بالماديين. ولما سئلوا عن منشأ الاختلاف في صور المواد وخواصها، ms03 ~~والتنوع الواقع في آثارها، نسبه الأقدمون منهم إلى طبيعتها، واسم الطبيعة ~~في اللغة الفرنسية «ناتور» ، وفي الانجليزية «نيتشر» ، ولهذا اشتهرت هذه ~~الطائفة عند العرب بالطبيعيين، وعند الفرنسيين باسم «نتوراليسم» ، أو ~~«ماتييراليسم» ، الأول من حيث هي طبيعية، والثاني من حيث هي مادية. # ثم اختلف هؤلاء بعد اعتماد أصلهم هذا في تكوين الكواكب، وتصوير ~~الحيوانات، وإنشاء النباتات: # فذهب فريق منهم إلى أن وجود الكائنات العلوية والسفلية، ونشأة المواليد ~~على ما نرى، إنما هو من الاتفاق وأحكام المصادفة،. وعلى ذلك فإن إتقان ~~بنائها، وإحكام نظامها، لا منشأ له إلا المصادفة، كأنما أدت بهم سخافة ~~الفهم إلى تجويز الترجيح بلا مرجح، وقد أحالته بداهة العقل. # ورأس القائلين بهذا القول «ديمقراطيس» ، ومن رأيه أن العالم أجمع أرضيات ~~وسماويات، مؤلف من أجزاء صغار صلبة متحركة بالطبع، ومن حركتها هذه ظهرت ~~أشكال الأجسام وهيئاتها بقضاء العماية المطلقة. # وذهب فريق آخر إلى أن الأجرام السماوية، والكرة الأرضية، كانت على هيئتها ~~هذه من أزل الآزال، ولا تزال، ولا ابتداء لسلسلة النباتات والحيوانات. ~~وزعموا أن في كل بذرة نباتا مندمجا فيها، وفي كل نبات بذرة كامنة، ثم في ~~هذه البذرة الكامنة نبات، وفيه بذرة، إلى غير نهاية. وعلى هذا زعموا أن في ~~كل جرثومة من جراثيم الحيوانات حيوانا تام التركيب، وفي كل حيوان كامن في ~~الجرثومة، جرثومة أخرى، يذهب كذلك إلى غير نهاية...! # وغفل أصحاب هذا الزعم عما يلزمه من وجود مقادير غير متناهية، في مقدار ~~متناه، وهو من المحالات الأولية. PageV01P006 # وزعم فريق ثالث: أن سلسلة النباتات والحيوانات قديمة بالنوع، كما أن ~~الأجرام العلوية وهيئاتها قديمة بالشخص، ولكن لا شيء من جزئيات الجراثيم ~~الحيوانية والبذور النباتية بقديم، وإنما كل جرثومة وبذرة هي بمنزلة قالب ~~يتكون فيه ما يشاكله من جرثومة وبذرة أخرى. # وفاتتهم ملاحظة أن كثيرا من الحيوانات الناقصة الخلقة، قد يتولد عنها ~~حيوان تام الخلقة، كذلك الحيوان التام الخلقة، قد يتولد عنه ناقصها أو ~~زائدها. # ومال جماعة منهم إلى الإبهام في البيان، فقالوا: إن أنواع النباتات ~~والحيوانات تقلبت في ms04 أطوار، وتبدلت عليها صور مختلفة بمرور الزمن وكر ~~الدهور، حتى وصلت إلى هيئاتها وصورها المشهودة لنا، وأول النازعين إلى هذا ~~الرأي «أبيقور» (¬1) أحد أتباع «ديوجينس الكلبي» (¬2) ومن مزاعمه: أن ~~الإنسان في بعض أطواره كان مثل الخنزير، مستور البشرة بالشعر الكثيف، ثم لم ~~يزل ينتقل من طور إلى طور، حتى وصل بالتدريج إلى ما نراه من الصورة الحسنة ~~والخلق القويم، ولم يقم دليلا، ولم يستند على برهان فيما زعمه من أن مرور ~~الزمان علة لتبدل الصور، وترقي الأنواع. # * * * # ولما كشف علوم الجيولوجيا «طبقات الأرض» عن بطلان القول بقدم الأنواع، ~~رجع المتأخرون من الماديين عنه إلى القول بالحدوث، ثم اختلفوا في بحثين: # الأول: بحث تكون الجراثيم النباتية والحيوانية، فذهبت جماعة الى أن جميع ~~الجراثيم على اختلاف أنواعها، تكونت عندما أخذ التهاب الأرض في التناقص، ثم ~~انقطع التكون بانقضاء ذلك الطور الأرضي، وذهبت أخرى إلى أن الجراثيم لم تزل ~~تتكون حتى اليوم، خصوصا في خط الاستواء حيث تشتد الحرارة. # وعجزت كلتا الطائفتين عن بيان السبب لحياة تلك الجراثيم حياة نباتية أو ~~حيوانية، خصوصا بعد ما تبين لهم أن الحياة فاعل في بسائط الجراثيم، موجب ~~لالتئامها، حافظ لكونها، وأن قوتها الجاذبة هي التي تجعل غير الحي من ~~الأجزاء حيا بالتغذية، فإذا ضعفت الحياة، ضعف تماسك البسائط وتجاذبها، ثم ~~صارت إلى الانحلال. PageV01P007 # وظن قوم منهم: أن تلك الجراثيم كانت مع الأرض عند انفصالها عن كرة الشمس، ~~وهو ظن عجيب، لا ينطبق على جهلهم من أن الأرض عند الانفصال، كانت جذوة نار ~~ملتهبة، وكيف لم تحترق تلك الجراثيم، ولم تمح صورها في تلك النيران ~~المستعرة؟! # والبحث الثاني من موضع اختلافهم: صعود تلك الجراثيم من حضيض نقصها إلى ~~ذروة كمالها، وتحولها من حالة الخداج «النقص» إلى ما نراه من الصور ~~المتقنة، والهيئات المحكمة، والبنى الكاملة. # فمنهم: قائل بأن لكل نوع جرثومة خاصة به، ولكل جرثومة طبيعية تميل بها ~~إلى حركة تناسبها في الأطوار الحيوية، وتجتذب إليها ما يلائمها من الأجزاء ~~الغير الحية ليصير جزءا لها بالتغذية، ثم ms05 تجلوه بلباس نوعه. # وقد غفلوا عما أثبته التحليل الكيماوي، من عدم التفاوت بين نطفة الإنسان، ~~ونطفة الثور والحمار مثلا، وظهور تماثل النطف في العناصر البسيطة، فما منشأ ~~التخالف في طبائع الجراثيم مع تماثل عناصرها؟ # ومنهم: ذاهب إلى أن جراثيم الأنواع كافة - خصوصا الحيوانية - متماثلة في ~~الجوهر، متساوية في الحقيقة، وليس بين الأنواع تخالف جوهري، ولا انفصال ~~ذاتي، ومن هذا ذهب صاحب هذا القول: إلى جواز انتقال الجرثومة الواحدة من ~~صورة نوعية إلى صورة نوعية أخرى بمقتضى الزمان والمكان، وحكم الحاجات ~~والضرورات، وقضاء سلطان القواسر الخارجية. PageV01P008 # قول داروين: «إن الإنسان كان قردا» # ورأس القائلين بهذا القول «داروين» (¬1) وقد ألف كتابا في بيان: «أن ~~الإنسان كان قردا» ... ثم عرض له التنقيح والتهذيب في صورته بالتدريج على ~~تتالي القرون المتطاولة، وبتأثير الفواعل الطبيعية الخارجية، حتى ارتقى إلى ~~برزخ «أوران أوتان» ، ثم ارتقى من تلك الصورة إلى أول مراتب الإنسان، فكان ~~صنف اليميم (¬2) وسائر الزنوج، ومن هناك عرج بعض أفراده إلى أفق أعلى وأرفع ~~من أفق الزنجيين، فكان الإنسان القوقاسي. # وعلى زعم «داروين» هذا يمكن أن يصير البرغوث فيلا بمرور القرون وكر ~~الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثا كذلك. # فإن سئل «داروين» عن الأشجار القائمة على غابات الهند، والنباتات ~~المتولدة فيها من أزمان بعيدة لايحددها التاريخ إلا ظنا، وأصولها تضرب في ~~بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد، فما السبب ~~في اختلاف كل منها عن الآخر في بنيته وشكل أوراقه، وطوله وقصره، وضخامته ~~ورقته، وزهره وثمره، وطعمه ورائحته، وعمره؟ فأي فاعل خارجي أثر فيها، حتى ~~خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظن [أن] لا سبيل إلى الجواب ~~سوى العجز عنه.. # وإن قيل له: هذه أسماك بحيرة «أورال» وبحر «كسين» مع تشاركها في المأكل ~~والمشرب، وتسابقها في ميدان واحد، نرى فيها اختلافا نوعيا، وتباينا بعيدا ~~في الألوان، والأشكال والأعمال، فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ لا ~~أراه يلجأ في الجواب إلا إلى الحصر (¬3) .. # وهكذا لو عرضت عليه الحيوانات المختلفة البنى - جمع ms06 بنية - والصور والقوى ~~والخواص، وهي تعيش في منطقة واحدة، ولا تسلم حياتها في سائر المناطق، أو ~~الحشرات المتباينة في الخلقة، المتباعدة التركيب، المتولدة في بقعة واحدة، ~~ولا طاقة لها على قطع PageV01P009 ~~المسافات البعيدة لتجلو إلى «تربة» تخالف تربتها، فماذا تكون حجته في علة ~~اختلافها، كأنها تكون كسفا لا كشفا؟ # بل إذا قيل له: أي هاد هدى تلك الجراثيم في نقصها وخداجها (¬1) ؟ وأي ~~مرشد أرشدها إلى استتمام هذه الجوارح والأعضاء الظاهرة والباطنة ووضعها على ~~مقتضى الحكمة، وأبدع لكل منها قوة على حسبه، وأناط بكل قوة في عضو أداء ~~وظيفة، وإيفاء عمل حيوي؛ مما عجز الحكماء عن إدراك سره، ووقف علماء ~~الفسيولوجيا دون الوصول إلى تحديد منافعه؟ وكيف صارت الضرورة العمياء، ~~معلما لتلك الجراثيم، وهاديا خبيرا لطرق جميع الكمالات الصورية والمعنوية؟ ~~لا ريب أنه يقبع قبوع القنفذ، وينتكس بين أمواج الحيرة يدفعه ريب، ويتلقاه ~~شك، وإلى أبد الآبدين. # * * * # وكأني بهذا المسكين ما رماه في مجاهل الأوهام ومهامه (¬2) الخرافات إلا ~~قرب المشابهة بين القرد والإنسان، وكأن ما أخذ به من الشبه الواهية ألهية ~~يشغل بها نفسه عن آلام الحيرة، وحسرات العماية، وإنا نورد شيئا مما تمسك به: # فمن ذلك أن الخيل في سيبيريا وبلاد الروسية أطول وأغزر شعرا من الخيل ~~المتولدة في البلاد العربية، وإنما علة ذلك الضرورة وعدمها. # ونقول: إن السبب فيما ذكره هو عين السبب لكثرة النبات وقلته في بقعة ~~واحدة، لوقتين مختلفين، حسب كثرة الأمطار وقلتها، ووفور المياه ونزورها، أو ~~هو علة النحافة ودقة العود، في سكان البلاد الحارة، والضخامة والسمن في أهل ~~البلاد الباردة بما يعتري البدن من كثرة التحلل في الحرارة، وقلته في ~~البرودة. # ومن واهياته ماكان يرويه «داروين» : من أن جماعة كانوا يقطعون أذناب ~~كلابهم، فلما واظبوا على عملهم هذا قرونا، صارت الكلاب تولد بلا أذناب، ~~كأنه يقول: حيث لم تعد للذنب حاجة كفت الطبيعة عن هبته... # وهل صمت أذن هذا المسكين عن سماع خبر العبرانيين والعرب، ومما يجرونه من ~~الختان ألوفا من السنين، ولا يولد مولود ms07 حتى يختن، وإلى الآن لم يولد واحد ~~منهم مختونا إلا لإعجاز؟! PageV01P010 # ولما ظهر لجماعة من متأخري الماديين فساد ما تمسك به أسلافهم، نبذوا آراءهم ~~وأخذوا طريقا جديدة، فقالوا: ليس من الممكن أن تكون المادة العارية من ~~الشعور، مصدرا لهذا النظام المتقن، والهيئة البديعة والأشكال المعجبة، ~~والصور الأنيقة، وغير ذلك مما خفي سره وظهر أثره، ولكن العلة في نظام الكون ~~علوية وسفلية، والموجب لاختلاف الصور والمقدر لأشكالها وأطوارها، وما يلزم ~~لبقائها، تتركب من ثلاثة أشياء: «متيير» ، و«فورس» ، و«انتليجانس» ؛ أي ~~مادة، وقوة، وإدراك. # وظنوا أن المادة بما لها من القوة، وما يلابسها من الإدراك، تجلت وتتجلى ~~بهذه الأشكال والهيئات، وعندما تظهر بصورة الأجساد الحية - نباتية كانت أو ~~حيوانية - تراعي بما لابسها من الشعور، ما يلزم لبقاء الشخص وحفظ النوع، ~~فتنشئ لها من الأعضاء والآلات ما يفي بأداء الوظائف الشخصية والنوعية، مع ~~الالتفات إلى الأزمنة والأمكنة، والفصول السنوية. # هذا أنفس ما وجدوا من حيلة لمذهبهم العاطل، بعد ما دخلوا ألف جحر، وخرجوا ~~من ألف نفق، وما هو بأقرب إلى العقل من سائر أوهامهم، ولا هو بالمنطبق على ~~سائر أحوالهم، فإنهم يرون - كسائر المتأخرين - أن الأجسام مركبه من الأجزاء ~~الديمقراطيسية، ولا ينطبق رأيهم الجديد في علة النظام الكوني على رأيهم في ~~تركيب الأجسام. # وذلك لأنه يلزم على القول بشعور المادة، أن يكون لكل جزء ديمقراطيسي (¬1) ~~شعور خاص، كما يلزم أن تكون له قوة خاصة ينفصل بها عن سائر الأجزاء؛ إذ لا ~~يمكن قيام العرض الواحد - وحدة شخصية - بمحلين، فلا يقوم علم واحد بجزءين ~~ولا بأجزاء، وبعد هذا فإني أسائلهم: كيف اطلع كل جزء من أجزاء المادة - مع ~~انفصالها - على مقاصد سائر الأجزاء؟ وبأية آلة أفهم كل منها باقيها ما ~~ينويه من مطلبه؟ وأي برلمان «مجلس الشورى» ، أو أي سنات «مجلس الشيوخ» عقدت ~~للتشاور في إبداع هذه المكونات العالية التركيب، البديعة التأليف؟! وأنى ~~لهذه الأجزاء أن تعلم - وهي في بيضة العصفور - ضرورة ظهورها في هيئة طير ~~يأكل الحبوب، فمن الواجب أن يكون له منقار وحوصلة ms08 لحاجته في حياته إليها؟! ~~وإذا كانت في بيض الشاهين والعقاب، فمن أين لها PageV01P011 ~~العلم بأنها تقوم طيرا يأكل اللحوم، فلا بد له من منسر ومخلب يصول بهما في ~~الصيد؛ لاقتناص ما يحتاج إليه من حيوان، ثم ينسر لحمه ليأكله؟! # ومن أين لها أن تعلم، وهي في مشيمة الكلبة، أنها ستكون على صورة أنثى ~~الجرو، ثم تكبر حتى تبلغ حد الإدراك، ثم تكون حبلى لوقت من الاوقات، وقد ~~تلد جراء متعددة في زمن واحد، فهى تهيئ لطبيها (¬1) حلمات كثيرة على حسب ~~حاجة جرائها؟! # ومن لهذه الأجزاء المتبددة أن تدرك حاجة الحيوانات إلى القلب والرئة، ~~والمخ والمخيخ، وسائر الأعضاء والجوارح؟! # لو عقلت هذه الطائفة ما رمى إليه سؤالي هذا لارتكست (¬2) في أفكارها، ~~وانقلبت إلى تيهور (¬3) من الحيرة، لا ترفع منه رأسا، ولا تحير جوابا، إلى ~~أن يتخبطهم شيطان الجهل، فيقولون ولا يعون: إن لكل جزء من هذه الأجزاء ~~الديمقراطيسية، علما بجميع ما كان وما يكون، وبجميع ما في العالم من ~~الأجزاء، علويا كان أو سفليا، ولكل منها حرص على مراعاة نظام الكون ~~وأركانه، فيتحرك كل منها للانضمام إلى الآخر، عل وفق ما يريده من المصلحة؛ ~~حتى لا يقع الخلل في شيء من نظم العالم، عاما كان أو خاصا، وبهذا قام ~~العالم على ناموس واحد. # فإن أفضت بهم العماية إلى هذا القول قلنا: # أولا: يلزمهم أن كل جزء ديمقراطيسي يحتوي على أبعاد غير متناهية، وهو في ~~صغره لا يدرك ولا بالميكروسكوب «النظارة المعظمة» . # وبيان اللزوم: أن العلم عندهم، إنما هو بارتسام الصور المعلومة في ذات ~~العالم، وهو مادي في موضوعنا، فكل صورة معلومة تأخذ منه بعدا بمقدارها، ~~والصور العلمية على هذا الزعم غير متناهية، وكلها يرتسم في مادة الجزء ~~العالم، فيكون في كل جزء - وهو متناه إلى غاية الصغر - أبعاد غير متناهية ~~للصور غير المتناهية، وهذا مما تبطله بداهة العقل. # ثانيا: إن كانت الأجزاء الديمقراطيسية بالغة من العلم هذا المبلغ، وهي من ~~القوة على نحوه؛ إذ لا قوة إلا بها على رأيهم، فلماذا ms09 لم تبلغ الكائنات وهي ~~هي غاية ما يمكن لها من الكمال؟ ولم تنزل بذواتها الآلام والأوصاب، ثم ~~تعاني العناء في احتمالها أو التخلص PageV02P001 ~~منها؟ ولماذا قصر إدراك الإنسان، وإدراك سائر الحيوانات - وهو عين إدراك ~~هذه الأجزاء على هذا المذهب - عن اكتناه حالها أنفسها، وعجز عن حفظ حياتها؟ # وأعجب من هذا أن المتأخرين من الماديين بعد ما صافحوا كل خرافة لتأييد ~~مذهبهم، حاصوا (¬1) إلى الحيرة في بعض الأمور فلم يستطيعوا تطبيقها على أصل ~~من أصولهم الفاسدة؛ لا أصل الطبع، ولا أصل الشعور، وذلك عندما رأوا شيئين ~~يختلفان في الخواص، وعناصر هما تظهر عند التحليل متماثلة، ولم يجدوا المحيص ~~عن الوقفة - بعد ما قدموا من الترهات - إلا بالحكم على الأجزاء ~~الديمقراطيسية رجما بالغيب، بأنها ذوات أشكال مختلفة، وعلى حسب الاختلاف في ~~الأشكال والأوضاع كان الاختلاف في الآثار والخواص. # وبالجملة: فهذه عشرة مذاهب اختلف إليها منكرو الألوهية، الزاعمون ألا ~~وجود للصانع الأقدس، وهم المعروفون بين شيعهم أو عند الإلهيين بالطبيعيين، ~~والماديين، والدهريين، وإن شئت قلت: نيتشريين، وناتوراليسميين، ~~وماتيرياليسميين. # وسنأتي على تفصيل مذاهبهم، ودحض حججها بالبينات العقلية، في رسالة أوسع، ~~ولا يظن ظان أنا نقصد من مقالنا هذا تشنيعا بهؤلاء «البياجوات (¬2) ~~الهنديين» . .. كلا إن هؤلاء لا نصيب لهم من العلم، بل ولا من الإنسانية، ~~فهم بعيدون من مواقع الخطاب، ساقطون عن منزلة اللوم والاعتراض. # نعم لو أريد إنشاء تياترو «ملهى» أو «كطبتلى» (¬3) ؛ لتمثل فيه أحوال ~~الأمم المتمدنة، مست الحاجة إلى هؤلاء لإقامة هذه الألاعيب، وإنما غرضنا ~~الأصلي إعلان الحق وإظهار الواقع. # والآن نعتمد الشروع في بيان المفاسد التي جلبها الماديون «النيتشريون» ~~على نظام المدنية، والمضار التي تضعضع لها بناء الهيئة الاجتماعية، وكان ~~منشؤها فشو «ذيوع» أفكارهم. PageV02P002 ### | AUTO الفصل الثاني # بيان المفاسد التي جلبها الماديون على نظام المدنية، ومظاهر الماديين ~~ومقاصدهم، وما أفاده الدين من العقائد والخصال # تخالفت مظاهر الماديين في الأمم والأجيال المختلفة، فتخالفت أسماؤهم، ~~فكانوا تارة يسمون أنفسهم بسمات الحكماء، وينتحلون «الحكيم» لقبا لأفرادهم، ~~وأحيانا كانوا يتسمون بسيما: «دافع الظلم ورافع الجور» ، وكثيرا ms10 ما تقدموا ~~لمسارح الأنظار تحت لباس «عراف الأسرار وكشفة الحقائق والرموز، والواصلين ~~من كل ظاهر إلى باطنه، ومن كل بارز إلى كامنه» . # وقد كانوا يظهرون في أوقات بدعوى السعي في تطهير الأذهان من الخرافات، ~~وتنوير العقول بحقائق المعلومات، وتارات يتمثلون في صور «محبي الفقراء، ~~وحماة الضعفاء، وطلاب خير المساكين» ، وكثيرا ما تجرؤوا على ادعاء النبوة، ~~ولكن لا على سنن سائر المتنبئين الكذبة. # كل ذلك توسلا لإجراء مقاصدهم، وترويج مفاسدهم... كيفما ظهر الماديون، وفي ~~أي صورة تمثلوا، وبين أي قوم نجموا، كانوا صدمة شديدة على بناء قومهم، ~~وصاعقة مجتاحة لثمار أممهم، وصدعا متفاقما في بنية جيلهم، يميتون القلوب ~~الحية بأقوالهم، وينفثون السم في الأرواح بآرائهم، ويزعزعون راسخ النظام ~~بمساعيهم، فما رزئت بهم أمة، ولا مني بشرهم جيل، إلا انتكث فتله، وسقط ~~عرشه، وتبددت آحاد الأمة، وفقدت قوام وجودها.. # كان الإنسان ظلوما جهولا، وخلق الإنسان هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا ~~مسه الخير منوعا... جبل الإنسان على الحرص، وكأنه منهوم لشرب الدماء، لم ~~يحرم الإنسان من لطف مبدعه، فكما أبدعه ألزم الدين وجوده، فتمسك الناس منه ~~بأصول، وانطبعوا به على خصال، توارثها الأبناء عن الآباء في قرون بعد قرون. ~~ومهما غيروا وبدلوا كانت بقايا ما ورثوه لا تزال تشرق على عقولهم بأنوار من ~~المعرفة، يهتدون بها إلى سعادتهم ويقيمون في ضوئها أساس مدنيتهم، ولم يبطل ~~أثرها في تعديل أخلاقهم، وكف أيديهم PageV02P003 ~~عن التطاول إلى الشرور والمفاسد، وبهذا كان للأقدمين من أهل القرون الأولى، ~~ما كان لهم من نوع الثبات والبقاء. # وطائفة النيتشرية كلما ظهرت في أمة سعت في قلع تلك الأصول، وإفساد تلك ~~الخصال، حتى إذا لمع لها بارق من النجاح، وهت أركان الامة، وانهارت إلى ~~هوان الاضمحلال والعدم. وهذه الطائفة هي الآن - كما كانت - تسلك منهج ~~أسلافها الأولين، وإنا نوضح ذلك بمجمل من البيان. ### || AUTO ما أفاد الدين من العقائد والخصال # أكسب الدين عقول البشر ثلاث عقائد، وأودع نفوسهم ثلاث خصال، كل منها ركن ~~لوجود الأمم، وعماد لبناء هيئتها الاجتماعية، وأساس ms11 محكم لمدنيتها، وفي كل ~~منها سائق يحث الشعوب والقبائل على التقدم لغايات الكمال، والرقي إلى ذرى ~~السعادة، وفي كل واحدة وازع قوي يباعد النفوس عن الشر، ويردعها عن مقارفة ~~الفساد، ويصدها عن مقاربة ما يبيدها ويبددها. # العقيدة الأولى: التصديق بأن الإنسان ملك أرضي، وهو أشرف المخلوقات. # العقيدة الثانية: يقين كل ذي دين بأن أمته أشرف الأمم، وكل مخالف له فعلى ~~ضلال وباطل. # العقيدة الثالثة: جزمه بأن الإنسان إنما ورد هذه الحياة الدنيا؛ لاستحصال ~~كمال يهيئه للعروج إلى عالم أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي، والانتقال ~~به من دار ضيقة الساحات كثيرة المكروهات، جديرة بأن تسمى «بيت الأحزان ~~وقرار الآلام» إلى دار فسيحة الساحات، خالية من المؤلمات، لا تنقضي ~~سعادتها، ولا تنتهي مدتها. # ولا يغفل العاقل عما يتبع هذه العقائد الثلاث من الآثار الجليلة في ~~الاجتماع البشري، والمنافع الجمة في المدنية الصحيحة، وما يعود منها ~~بالاصلاح على روابط الأمم، وما لكل واحدة من الدخل في بقاء النوع، والميل ~~بأفراده لأن يعيش كل منهم مع الآخر بالمسالمة والموادعة، والأخذ بهمم الأمم ~~للصعود في مراقي الكمال النفسي والعقلي. PageV02P004 ### || AUTO لكل عقيدة لوازم وخواص # العقيدة الأولى: # من البين أن لكل عقيدة لوازم وخواص لا تزايلها، فما يلزم الاعتقاد بأن ~~الإنسان أشرف المخلوقات يرفع المعتقد - بحكم الضرورة - عن الخصال البهيمية، ~~واستنكافه عن ملابسة الصفات الحيوانية، ولا ريب أنه كلما قوي هذا الاعتقاد، ~~اشتد به النفور من مخالطة الحيوانات في صفاتها، وكلما اشتد هذا النفور سما ~~بروحه إلى العالم العقلي، وكلما سما عقله أوفى على المدنية، وأخذ منها ~~بأوفر الحظوظ، حتى قد تنتهي به الحال إلى أن يكون واحدا من أهل المدنية، ~~يحيا مع إخوانه الواصلين معه إلى درجته على قواعد المحبة، وأصول العدالة، ~~وتلك نهاية السعادة الإنسانية في الدنيا، وغاية ما يسعى إليه العقلاء ~~والحكماء فيها. # فهذه العقيدة أعظم صارف للإنسان عن مضارعة الحمر الوحشية في معيشتها، ~~والثيران البرية في حالتها، ومضاربة البهائم السائمة، والدواب الهاملة، ~~والهوام الراشحة لا تستطيع دفع مضرة، ولا التقية من ms12 عادية، ولا تهتدي طريقا ~~لحفظ حياتها، وتقضي آجالها في دهشة الفزع ووحشة الانفراد. # هذه العقيدة أشد زجرا لأبناء الإنسان من التقاطع المؤدي لافتراس بعضهم ~~بعضا، كما يقع بين الأسود الكاسرة، والوحوش الضارية، والكلاب العاقرة، وأشد ~~مانع يدفع صاحبها عن مشاكلة الحيوانات في خسائس الصفات، وهذه العقيدة أحجى ~~حاد للفكر (¬1) في حركاته، وانجح داع للعقل في استعمال قوته، وأقوى فاعل في ~~تهذيب النفوس وتطهيرها من دنس الرذائل. # إن شئت فارم بنظر العقل إلى قوم لا يعتقدون هذا الاعتقاد، بل يظنون أن ~~الإنسان حيوان، كسائر الحيوانات، ثم تبصر ماذا يصدر عنهم من ضروب الدنايا ~~والرذائل، وإلى أي حد تصل بهم الشرور، وبأي منزلة من الدناءة تكون نفوسهم، ~~وكيف أن السقوط إلى الحيوانية يقف بعقولهم عن الحركات الفكرية. PageV02P005 # العقيدة الثانية: # ومن خواص يقين الأمة بأنها اشرف الأمم، وجميع من يخالفها على الباطل، أن ~~ينهض آحادها لمكاثرة الأمم في مفاخرها، ومساماتها في مجدها، ومسابقتها في ~~شرائف الأمور، وفضائل الصفات، وأن يتفق جميعها على الرغبة في فوت جميع ~~الأمم، والتقدم عليها في المزايا الإنسانية، عقلية كانت أو نفسية، ومعاشية ~~كانت أو معادية. # وتأبى نفس كل واحد عن إعطاء الدنية، والرضا بالضيم لنفسه، أو لأحد من بني ~~أمته، ولا يسره أن يرى شيئا من العزة أو مقاما من الشرف لقوم من الأقوام، ~~حتى يطلب لأمته أفضله وأعلاه. # ذلك أنه بهذا الاعتقاد يرى أبناء قومه أليق وأجدر بكل ما يعد شرفا ~~إنسانيا، فإن جادت صروف الدهر على قومه فأضرعتهم (¬1) أو ثلمت مجدهم، أو ~~سلبتهم مزية من مزايا الفضل، لم تستقر له راحة، ولم تفتأ له حمية، ولم يسكن ~~له جيشان، فهو يمضي حياته في علاج ما ألم بقومه حتى يأسوه، أو يموت في أساه. # فهذه العقيدة أقوى دافع للأمم إلى التسابق لغايات المدنية، وأمضى الأسباب ~~بها إلى طلب العلوم، والتوسع في الفنون، والإبداع في الصنائع، وإنها لأبلغ ~~في سوق الأمم إلى منازل العلاء، ومقاوم الشرف، من غالب قاسر، ومستبد قاهر عادل. # وإن أردت فالمح بعقلك حال قوم ms13 فقدوا هذا اليقين.. ماذا تجد من فتور في ~~حركات آحادهم نحو المعالي؟ وماذا ترى من قصور في هممهم عن درك الفضائل؟ ~~وماذا ينزل بقواهم من الضعف؟ وماذا يحل بديارهم من الفقر والمسكنة؟ وإلى أى ~~هوة يسقطون من الذلة والهوان، خصوصا إذا بغى عليهم الجهل، فظنوا انهم أدنى ~~من سائر الملل، كطائفة «الدهير» و«مانك» ؟ # العقيدة الثالثة: # ومن مقتضيات الجزم بأن الإنسان ما ورد هذا العالم إلا ليتزود منه كمالا ~~يعرج به إلى عالم أرفع، ويحل به إلى دار أوسع، وجناب أمرع (¬2) ؛ ليمرع ~~واديه وتجنى حلبه. # إن من أشربت هذه العقيدة قلبه، ينبعث بحكمها وينساق بحاديها لإضاءة عقله ~~بالعلوم الحقة، والمعارف الصافية؛ خشية أن يهبط به الجهل إلى نقص يحول دون مطلبه، PageV02P006 ~~ثم ينصرف همه لإبراز ما أودع فيه من القوة السامية، والمدارك العقلية، ~~والخواص الجليلة، واستعمالها فيما خلقت له، فيتجلى كماله من عالم السكون ~~إلى عالم الظهور، ويرتقي من درجة القوة إلى مكانة الفعل، فهو ينفق ساعاته ~~في تهذيب نفسه وتطهيرها من دنس الرذائل، ولا يناله التقصير في تقويم ملكاته ~~النفسية، وينزع لكسب المال من الوجوه المشروعة، متنكبا طريق الخيانة، ~~ووسائل الكذب والحيلة، معرضا عن أبواب الرشوة، مترفعا عن الملق الكلبي، ~~والخداع الثعلبي، ثم ينفق ما كسب في الوجه الذي يليق، وعلى الوجه الذي ~~ينبغي، وبالقدر الذي ينبغي، لا يأتي فيه باطلا، ولا يغفل حقا عاما أو خاصا. # فهذه العقيدة أحكم مرشد وأهدى قائد للإنسان إلى المدنية الثابتة، المؤسسة ~~على المعارف الحقة، والأخلاق الفاضلة، وهذا الاعتقاد أشد ركن لقوام الهيئة ~~الاجتماعية، التي لا عماد لها إلا معرفة كل واحد حقوقه وحقوق غيره عليه، ~~والقيام على صراط العدل المستقيم. # هذا الاعتقاد أنجح الذرائع لتوثيق الروابط بين الأمم؛ إذ لا عقد لها إلا ~~مراعاة الصدق، والخضوع لسلطان العدل؛ في الوقوف عند حدود المعاملات. # هذا الاعتقاد نفحة من روح الرحمة الأزلية، تهب على القلوب ببرد السكون ~~والمسالمة، فإن المسالمة ثمرة العدل والمحبة، والعدل والمحبة زهر الأخلاق ~~والسجايا الحسنة، وهي غراس تلك العقيدة التي تحيد ms14 بصاحبها عن مضارب الشرور، ~~وتنجيه من متائه الشقاء، وتعاسة الجد، وترفعه إلى غرف المدينة الفاضلة، ~~وتجلسه على كرسي السعادة. # وقد يسهل عليك أن تتخيل جيلا من الناس حرم هذه العقيدة، فكم يبدو لك فيه ~~من شقاق، وكذب ونفاق، وحيل وخداع، ورشوة واختلاس. # وكم يغشى نظرك من مشاهد الحرص والشره، والغدر والاغتيال وهضم الحقوق ~~والجدال والجلاد. وكم تحس من جفاء للعلم، وعشوة عن نور المعرفة. PageV02P007 ### || AUTO الخصال الثلاث # وأما الخصال الثلاث التي توارثتها الأمم من تاريخ قد لا يحد قدما، وإنما ~~طبعها في نفوسهم طابع الدين. # فإحداها: خصلة الحياء: # وهو انفعال النفس من إتيان ما يجلب اللائمة، وينحى عليها بالتوبيخ، ~~وتأثرها من التلبس بما يعد عند الناس نقصا، وفي الحق أن يقال: إن تأثير هذه ~~الخلة في حفظ نظام الجمعية البشرية، وكف النفوس عن ارتكاب الشنائع، أشد من ~~تأثير مئين من القوانين، وآلاف من الشرط والمحتسبين؛ فإن النفوس إذا مزقت ~~حجاب الحياء، وسقطت إلى حضيض الخسة والدناءة، ولم تبال بمايصدر عنها من ~~الأعمال، فأي عقاب يردها عن المفاسد التي تخل بنظام الاجتماع، سوى القتل؟! ~~وقد لاحظ ذلك «سولون» (¬1) حكيم اليونان حيث جعل القتل جزاء كل عمل قبيح، ~~حتى الكذبة الواحدة. # وخلة الحياء يلازمها شرف النفس، وهو مما تدور عليه دائرة المعاملات، ~~وتتصل به سلسلة النظام، وهو مناط صحة العقول، والتزام أحكامها، ومعصم ~~الوفاء بالعهود، وهو رأس مال الثقة بالإنسان في قوله وعمله. # وشيمة الحياء هي بعينها شيمة الإباء، وسجية الغيرة، وإنما تختلف أسماؤها ~~باختلاف جهاتها وآثارها في ردع النفس عن شيء، أو حملها على عمل. # والإباء والغيرة: هما مبعث حركات الأمم والشعوب لاستفادة العلوم ~~والمعارف، وتسنم قمم الشرف والرفعة، وتقوية الشوكة وبسط جناح العظمة، ~~وتوفير مواد الغنى والثروة. # وكل أمة فقدت الغيرة والإباء حرمت الترقي؛ وإن تسنى لها من أسبابه ما ~~تسنى، فهي تعطي الدنية، ولا تأنف من الخسه، وتضرب عليها الذلة والمسكنة حتى ~~ينقضى أجلها من الوجود. # وخلة الحياء تنتهي إليها روابط الألفة بين آحاد الأمة في معاشراتهم ~~ومخالطاتهم، فإن ms15 حبال الألفة إنما يحكمها حفظ الحقوق، والوقوف عند الحدود، ~~ولا يكون ذلك إلا بهذه الملكة الكريمة. PageV02P008 # هذه سجية تزين صاحبها بالآداب، وتنفر به عن الشهوات البهيمية، وتفيض روح ~~الاعتدال على حركاته وسكناته وجميع أعماله. # وهذا هو الخلق الفرد الذي ينهض بصاحبه لمجاراة أرباب الفضائل، ويتجافى به ~~عن مضاجع النقائص، ويأنف به عن الرضا بالجهل والغباوة، أو الضعة والضراعة. # هذا الوصف الكريم، هو منبت الصدق، ومغرس الأمانة، وهما معه في قرن (¬1) . ~~هذا الوصف هو آلة المعلمين والقائمين على التربية، والدعاة لمكارم الأخلاق، ~~والمولعين بترقية الفضائل - صورية ومعنوية - يستعملونها في نصائحهم، يذكرون ~~بها الغافل، ويحرضون الناكل، ويوقظون النائم، ويقعدون القائم؛ ألا ترى ~~المعلم الحكيم كيف يعظ تلميذه بقوله: «ألا تستحي من تقدم قرينك عليك، ~~وتخلفك عنه» ؟! فإن لم تكن هذه الخصلة فلا أثر للتوبيخ، ولا نفع للتقريع، ~~ولا نجاح للدعوة، فانكشف مما بينا: أن هذه الخلة مصدر لجميع الطيبات، ومرجع ~~لكل فضيلة، وسلم لكل ترق. # ويمكن لنا أن نفرض قوما هجر الحياء نفوسهم، فماذا نرى فيهم، سوى المجاهرة ~~بالفحشاء، والمنافسة في المنكر، وشوس الطباع (¬2) وسوء الأخلاق، والإخلاد ~~إلى دنيات الأمور وسفاسف الشؤون، وكفى بمشهدهم شناعة أن نرى تغلب الشهوات ~~البهيمية عليهم، وتملك الصفات الحيوانية لإرادتهم وتسلطها على أفعالهم. # والخصلة الثانية: الأمانة: # ومن المعلوم الجلي أن بقاء النوع الإنساني قائم بالمعاملات والمعاوضات في ~~منافع الأعمال، وروح المعاملة والمعاوضة إنما هي الأمانة، فإن فسدت الأمانة ~~بين المتعاملين بطلت صلات المعاملة، وانبترت حبال المعاوضة، فاختل نظام ~~المعيشة، وأفضى ذلك بنوع الإنسان إلى الفناء العاجل. # ثم من البين أن الأمم في رفاهتها، والشعوب في راحتها وانتظام أمر ~~معيشتها، محتاجة إلى «الحكومة» بأي أنواعها؛ إما جمهورية، أو ملكية مشروطة، ~~أو ملكية مقيدة. # والحكومة - في أي صورها - لا تقوم إلا برجال يلون ضروبا من الأعمال، ~~فمنهم حراس على حدود المملكة، يحمونها من عدوان الأجانب عليها، ويدافعون ~~الوالج في PageV02P009 ~~ثغورها، وحفظة في داخل البلاد، يأخذون على أيدي السفهاء، ممن يهتك ستر ~~الحياء، ويميل إلى الاعتداء من فتك أو سلب ms16 أو نحوهما. # ومنهم حملة الشرع وعرفاء القانون، يجلسون على منصات الأحكام لفصل ~~الخصومات والحكم في المنازعات. # ومنهم أهل جباية الأموال، يحصلون من الرعايا ما فرضت عليهم الحكومة من ~~خراج، مع مراعاة قانونها في ذلك، ثم يستحفظون ما يحصلون في خزائن المملكة، ~~وهي خزائن الرعايا في الحقيقة، وإن كانت مفاتيحها بأيدي خزنتها. # ومنهم من يتولى صرف هذه الأموال في المنافع العامة للرعية مع مراعاة ~~الاقتصاد والحكمة، كإنشاء المدارس والمكاتب، وتمهيد الطرق وبناء القناطر، ~~وإقامة الجسور، وإعداد المستشفيات، ويؤدي أرزاق سائر العاملين في شؤون ~~الحكومة؛ من الحراس والحفظة وقضاة العدل وغيرهم حسبما عين لهم. # وهذه الطبقات من رجال الحكومة الوالين على أعمالها، إنما تؤدي كل طبقة ~~منها عملها المنوط بها بحكم «الأمانة» ، فإن خربت أمانة أولئك الرجال - وهم ~~أركان الدولة - سقط بناء السلطة، وسلب الأمن، وزاحت الراحة من بين الرعايا ~~كافة، وضاعت حقوق المحكومين، وفشا فيهم القتل والتناهب، ووعرت طرق التجارة، ~~وتفتحت عليهم أبواب الفقر والفاقة، وخوت خزائن الحكومة، وعميت على الدولة ~~سبل النجاح، فإن حزبها (¬1) أمر سدت عليها نوافذ النجاة. # ولاريب أن قوما يساسون بحكومة خائنة، إما أن ينقرضوا بالفساد، وإما أن ~~يأخذهم جبروت أمة أجنبية عنهم، يسومونهم خسفا (¬2) ، ويستبدون فيهم عسفا ~~(¬3) ، فيذوقون من مرارة العبودية ما هو أشد من مرارة الانقراض والزوال. # ومن الظاهر أن استعلاء قوم على آخرين، إنما يكون باتحاد آحاد العالين، ~~والتئام بعضهم ببعض، حتى يكون كل منهم لبنية قومة كالعضو للبدن، ولن يكون ~~هذا الاتحاد، حتى تكون الأمانة قد ملكت قيادهم، وعمت بالحكم أفرادهم. PageV02P010 # فقد كشف الحق أن الامانة دعامة بقاء الانسان، ومستقر أساس الحكومات، وباسط ~~ظلال الامن والراحة، ورافع أبنية العز والسلطان وروح العدالة وجسدها، ولا ~~يكون شيء من ذلك بدونها. # وإليك الاختبار في فرض أمة عطلت نفوسهم من حلية هذه الخلة الجليلة، فلا ~~تجد فيها إلا آفات جائحة، ورزايا قاتلة، وبلايا مهلكة وفقرا معوزا، وذلا ~~معجزا، ثم لا تلبث بعد هذا كله، أن تبتلعها بلاليع العدم، وتلتهمها أمهات ~~اللهم (¬1) . # الخصلة الثالثة: الصدق: # الإنسان كثير ms17 الحاجات، غير معدود الضرورات، وكل ما يسد حاجاته ويدفع ~~ضروراته، وراء ستار الخفاء محجوب، وتحت حجاب الغيب مكنون. # قذف بالانسان من غيب يجهله، إلى ظهور لا يعرفه، فقام في بدء نشأته في ~~زاوية عمياء لا يذكر اسما، ولا يعهد رسما. # هذا الإنسان على ضعفه، كأنما أحفظ الأكوان قبل وجوده، فأرصدت له القتال، ~~وهيأت له النضال، فله في كل مثناة (¬2) منها كامنة بلية، وفي كل حنو (¬3) ~~رابضة رزية، وكل فوق سهمه في قسي الأدوار الزمنية ليصيب مقاتل الإنسان. # منح الإنسان خمسة مشاعر: السمع، والبصر، والذوق، واللمس، والشم، ولكن لا ~~غناء بها في هدايته لأقرب حاجاته، وإرشاده لدفع ما خف من ضروراته، فأحجى ~~ألا كفاء لها في استطلاع مكامن البلايا واكتشاق مخابئ الرزايا، ليأخذ حذره، ~~ويحرز أمره، فهو في حاجة - كل الحاجة - للاستعانة بمشاعر أمثاله، من بني ~~جنسه، والاستهداء بمعارفهم؛ ليتفادى بهدايتهم من بعض لاسعات المصائب، ويصيب ~~من الرزق ما فيه قوام معيشته، وسداد عوزه، والاستهداء إنما يكون ~~بالاستخبار، ولا تتم فائدة الخبر في الهداية، إلا أن يكون من مصدر صدق، ~~يحدث عن موجود، ويحكي عن مشهود، وإلا فما الهداية في خبر لا واقع له؟! PageV02P011 # نعم: الكاذب يري البعيد قريبا، والقريب بعيدا، ويظهر النافع في صورة الضار، ~~والضار في صورة النافع، فهو رسول الجهالة، وبعيث الغواية، وظهير الشقاء، ~~ونصير البلاء، فعلى ما تقدم تكون صفة الصدق ركنا ركينا للوجود الإنساني، ~~وعمادا للبقاء الشخصي والنوعي، وموصل العلائق الاجتماعية بين آحاد الشعوب، ~~ولا تتحقق ألفة مدنية أو منزلية بدونه. # وانظر فيما إذا فقدت أمة خلة الصدق، كيف ينيخ الشقاء بها رواحله، وينفذ ~~سوء البخت فيها عوامله، وكيف ينتثر نظامها، ويفسد التئامها. PageV03P001 ### | AUTO الفصل الثالث # أباطيل الدهريين جحدة الأديان # هؤلاء جحدة الألوهية في أي أمة، وبأي لون ظهروا، كانوا يسعون - ولا ~~يزالون يسعون - لقلع أساس هذا القصر المسدس الشكل؛ قصر السعادة الإنسانية، ~~القائم بستة جدران: ثلاث عقائد، وثلاث خصال (¬1) ، أعاصير أفكارهم تدكدك ~~هذا البناء الرفيع، وتلقي بهذا النوع الضعيف إلى عراء الشقاء، وتهبط به من ms18 ~~عرش المدنية الإنسانية إلى أرض الوحشية الحيوانية. # لقد وضعوا مذاهبهم على بطلان الأديان كافة، وعدها أوهاما باطلة، ومجعولات ~~وضعية، وبنوا على هذا: ألا حق لملة من الملل أن تدعي لنفسها شرفا على سائر ~~الملل؛ اعتمادا على أصول دينها، بل الأليق بها - على رأيهم - أن تعتقد أنها ~~ليست أولى من غيرها بفضيلة، ولا أجدر بمزية. ولا يخفى ما يتبع هذا الرأي ~~الفاسد؛ من فتور الهمم، وركود الحركات الإرادية عن قصد المعالي، كما تقدم بيانه. # قالوا: إن الإنسان في المنزلة كسائر الحيوانات، وليس له من المزايا ما ~~يرتفع به على البهائم، بل هو أخس منها خلقة، وأدنى فطرة، فسهلوا بذلك على ~~الناس إتيان القبائح، وهونوا عليهم اقتراف المنكرات، ومهدوا لهم طرق ~~البهيمية، ورفعوا عنهم معايب العدوان. # ذهبوا إلى أنه لا حياة للإنسان بعد هذه الحياة، وأنه لا يختلف عن ~~النباتات الأرضية؛ تنبت في الربيع - مثلا - وتيبس في الصيف، ثم تعود ترابا، ~~والسعيد من يستوفي في هذه الحياة حظوظه من الشهوات البهيمية. # وبهذا الرأى الفاسد أطلقوا النفوس من قيد التأثم، ودفعوها إلى أنواع ~~العدوان؛ من قتل وسلب وهتك عرض، ويسروا لها الغدر والخيانة، وحملوها على ~~فعل كل خبيثة، والوقوع في كل رذيلة، وأعرضوا بالعقول عن كسب الكمال البشري، ~~وأعدموها الرغبة في كشف الحقائق، وتعرف أسرار الطبيعة. # هذا الوباء المهلك، والطاعون المجتاح - أعني النيتشريين - لا يصيب أهل ~~الحياء؛ لامتناع نفوسهم عن مشاكلة البهائم، وإبائها عن وضع أقدامها في ~~منازل الحيوانية PageV03P002 ~~المحضة، وأنفتها من الاشتراك في الأموال والأبضاع، وإباحة التناول مما يختص ~~بالغير منها. # ولهذا عمد هؤلاء المفسدون إلى خلة الحياء ليزيلوها أو يضعفوها، فقالوا: ~~إن الحياء من ضعف النفس ونقصها، فإذا قويت النفوس، وتم لها كمالها، لم ~~يغلبها الحياء في عمل ما كائنا ما كان، فمن الواجب الطبيعي - في زعمهمم - ~~أن يسعى الإنسان في معالجة هذا الضعف - الحياء - ليفوز بكمال القوة - قلة ~~الحياء - وبهذه الدسيسة يخلطون بين الإنسان والهمل (¬1) ، ويمزجونه ~~بالهامجات (¬2) من النعم، ويوحدون بين حاله وتصرفه، وبين حال الدواب ~~والأنعام، من إباحة كل ms19 عمل، والاشتراك في كل شهوة، ويهونون عليه إتيان ما ~~تأتيه في نزواتها. # ولا يخفى أن الأمانة والصدق منشؤهما في النفس الإنسانية أمران: الإيمان ~~بيوم الجزاء، وملكة الحياء. # وقد ظهر: أن من أصول مذاهب هذه الطائفة إبطال تلك العقيدة، ومحو هذه ~~الملكة الكريمة، فيكون تأثير آرائهم في إذاعة الخيانة وترويج الكذب، أشد من ~~تأثير دعوة داع إلى نفس الخيانة والكذب، فإن منشأ الفضيلتين مادام في النفس ~~أثر منه، يبعثها على مقاومة الداعي إلى الرذيلتين، فيضعف أثر دعوته، ~~والمؤمن بالجزاء، المبرقع بالحياء، إن سقط في الخيانة أو الكذب مرة، وجد من ~~نفسه زاجرا عنهما مرة أخرى، أما لو محي الإيمان والحياء - وهما منشأ الصدق ~~والأمانة - من لوح النفس، فلا يبقى منها وازع عن ارتكاب ضديهما. # ويزيد في شناعة ما ذهبوا إليه، أن في أصولهم الإباحة والاشتراك المطلقين، ~~فيزعمون أن جميع المشتهيات حق شائع، والاختصاص بشيء منها يعد اغتصابا، كما ~~سيذكر، فلم يبق للخيانة محل، فإن الاحتيال لنيل الحق لا يعد خيانة، ومثلها ~~الكذب، فإنه يكون وسيلة للوصول إلى حق مغتصب - في زعمهم - فلا يعد ارتكابا ~~للقبيح. # لا جرم (¬3) أن آراء هذه الطائفة مروجة للخيانات، باعثة على افتراء ~~الأكاذيب، حاملة للأنفس على ارتكاب الشرور والرذائل، وإتيان الدنايا ~~والخبائث. PageV03P003 # وإن أمة تفشو فيها هذه الحوالق (¬1) لجديرة بالفناء، جالية عن باحة البقاء ~~(¬2) ، فقد انكشف الخفاء - بما بينا - عن فساد مشارب هذه الطائفة، وعن وجه ~~سوقها الأمم والشعوب إلى مهاوي الهلكة والدمار. # وأقول: إنها من أشد الأعداء للنوع الإنساني كافة، فإن ما هاج في رؤوس ~~أبنائها من «الماليخوليا» يخيل إليهم أن الإصلاح فيما يزعمون، ويصور لهم ~~حقيقة النجاح في صور ما يتوهمون، فيبعثهم هذا الفساد لإيقاد النار في بيت ~~هذا النوع الضعيف؛ ليمحو بذلك رسمه من لوح الوجود، فإن من الظاهر - عند كل ~~ذي إدراك - أن أفراد هذا النوع يحتاجون في بقائهم إلى عدة صنائع لو لم تكن ~~لأهلكتهم حوادث الجو، وأعوزهم القوت الضروري، والصنائع المحتاج إليها تختلف ~~أصنافها، وتتفاوت درجاتها، فمنها الخسيس، والشريف، ومنها السهل، ms20 ومنها الصعب. # وهذه الطائفة النيتشرية تسعى لتقرير الاشتراك في المشتهيات، ومحو حدود ~~الامتياز، ودرس (¬3) رسوم الاختصاص؛ حتى لا يعلو أحد عن أحد، ولا يرتفع شخص ~~عن غيره في شيء ما، ويعيش الناس كافة على حد التساوي؛ لا يتفاوتون في ~~حظوظهم، فإن ظفرت هذه الطائفة بنجاح في سعيها هذا، ولاق (¬4) هذا الفكر ~~الخبيث بعقول البشر، مالت النفوس إلى الأخذ بالأسهل، فلا تجد من يتجشم مشاق ~~الأعمال الصعبة، ولا من يتعاطى الحرف الخسيسة؛ طلبا للمساواة في الرفعة، ~~فإن حصل ذلك، اختل نظام المعيشة، وتعطلت المعاملات، وبطلت المبادلات، وأفضى ~~إلى تدهور هذا النوع في هوة الهلاك. # نعم، إن أفكار المصابين «بالماليخوليا» لا تنتج أحسن من هذه النتيجة. ولو ~~فرضنا محالا، وعاش بنو الإنسان على هذه الطريقة العوجاء، فلا ريب أن تمحى ~~جميع المحاسن، وضروب الزينة، وفنون الجمال العملي، ولا يكون لبهاء الفكر ~~الإنساني أثر، ويفقد الإنسان كل كمال ظاهر أو باطن، صوري أو معنوي، ويعطل ~~من حلي الصنائع، وتغرب عنه أنوار العلم والمعرفة، ويصبح في ظلام جهل، وبلاء ~~أزل (¬5) ، وينقلب كرسي مجده، وينثل (¬6) عرش شرفه، ويصحر (¬7) في بادية ~~الوحشية كسائر أنواع الحيوان، ليقضي فيها أجلا قصيرا مفعما بضروب الشقاء، ~~محاطا بأنواع من المخاوف، محشوا بأخلاط من PageV03P004 ~~الأوجال والأهوال، فإن المبدأ الحقيقي لمزايا الإنسان إنما هو حب الاختصاص، ~~والرغبة في الامتياز، فهما الحاملان على المنافسة، السائقان إلى المباراة ~~والمسابقة، فلو سلبتهما أفراد الإنسان وقفت النفوس عن الحركة إلى معالي ~~الأمور، وأغمضت العقول عن كشف أسرار الكائنات، واكتناه حقائق الموجودات، ~~وكان الإنسان في معيشته على مثال البهائم البرية إن أمكن له ذلك، وهيهات هيهات. ### || AUTO مسالكهم في طلب غاياتهم # سلكوا مخالج من الطرق لبث أوهامهم الفاسدة، فكانوا إذا سكنوا إلى جانب ~~أمن، جهروا بمقاصدهم بصريح المقال، وإذا أزعجتهم سطوة العدل أخذوا طريق ~~الرمز والإشارة، وكنوا عما يقصدون، ولوحوا إلى ما يطلبون، ومشوا بين الناس ~~مشية التدليس. # وتارة كانوا يحملون على أركان القصر المسدس ليصدعوها بجملتها في آن واحد، ~~وأخرى كانوا يعمدون إلى بعضها إذا رأوا ms21 قوة المانع دون سائرها، فيجعلون ما ~~قصدوا منها مرمى أنظارهم، ويكدحون لهدمه بما استطاعوا من حول وقوة، وقد ~~تلجئهم الضرورة إلى البعد عن الأركان الستة بأسرها، فلا يأتون بما يمسها ~~مباشرة، ولكنهم يدأبون لإبطال لوازمها، أو ملزوماتها؛ ليعود ذلك بإبطالها. # وقد يكتفون بإنكار الصانع - جل شأنه - وجحد عقائد الثواب والعقاب، ~~ويجهدون لإفساد عقائد المؤمنين، علما منهم بأن فساد هاتين العقيدتين - ~~الاعتقاد بالله، والاعتقاد بالثواب والعقاب - لا محالة يفضي إلى مقاصدهم ~~ويؤدي إلى نتيجة أفكارهم. # وكثيرا ما سكتوا عن ذكر المبادئ، وسقطوا على ذات المقصد، وهو «الإباحة ~~والاشتراك» ، وأخذوا في تحسينه وتزيينه، واستمالة النفوس إليه، وقد يزيدون ~~على الدعوة الإقناعية بأي وجوهها عملا جاهليا تأنف منه الطباع، وتأباه ~~شرائع الإنسانية وذلك أن يأخذوا معارضيهم بالغدر والاغتيال، فكثيرا ما ~~فتكوا بآلاف من الأرواح البريئة، وأراقوا سيولا من الدماء الشريفة، بطرق من ~~الحيل، وضروب من الختل (¬1) . PageV03P005 ### || AUTO ضرر مذاهب الماديين # متى ظهر الماديون في أمة، نفذت وساوسهم في صدور الأشرار من تلك الأمة، ~~واستهوت عقول الخبثاء الذين لا يهمهم إلا تحصيل شهواتهم ونيل لذاتهم من أي ~~وجه كان؛ لموافقة هذه الآراء الفاسدة لأهوائهم الخبيثة، فيميلون معهم إلى ~~ترويج المشرب المادي، وإذاعته بين العامة غير ناظرين إلى مايكون من أثره. # ومن الناس من لا يساهم في آرائهم، ولا يضرب في طرقهم، إلا أنه لا يسلم من ~~مضارها ومفاسدها، فإن الوهن يلم بأركان عقائده، والفساد يسري لأخلاقه من ~~حيث لا يشعر؛ حيث إن أغلب الناس مقلدون في عقائدهم، منقادون للعادة في ~~أخلاقهم، وأقل التشكيك، وأدنى الشبهة، يكفي علة لزعزعة قواعد التقليد ~~وضعضعة قوائم العادة. # وإن هؤلاء الماديين - بما يقذفون بين الناس من أباطيلهم - يبذرون في ~~النفوس بذور المفاسد، فلا تلبث أن تنمو في تراب الغفلة، فتكون ضريعا وزقوما (¬1) . # ولهذا قد يعم الفساد أفراد الأمة التي تظهر فيها هذه الطائفة، وكل لا ~~يدري من أي باب دمر الفساد على قلبه، فتشيع بينهم الخيانة، والغدر، والكذب ~~والنفاق، ويهتكون حجاب الحياء، وتصدر عنهم شنائع تنكرها الفطرة البشرية، ~~يأتون ms22 ما يأتون من تلك القبائح مجاهرة بلا تحرج، وكل منهم وإن كان يدعي ~~بلسانه أنه مؤمن بيوم الجزاء، وفي نفسه أن ذلك اعتقاده واعتقاد آبائه، إلا ~~أن عمله عمل من يعتقد ألا حياة بعد هذه الحياة؛ لسريان عقائد الماديين إلى ~~قلبه، وهو في غفلة عن نفسه، فلهذا تغلب عليهم الأثرة، وهي إفراط الشخص في ~~حبه لنفسه، إلى حد أنه لو عرضت في طريق منفعته مضرة كل العالم، لطلب تلك ~~المنفعة وإن حاق الضرر بمن سواه، ومن لوازم هذه الصفة أن صاحبها يؤثر ~~منفعته الخاصة على المنافع العامة، ويبيع جنسه وأمته بأبخس الأثمان، بل لا ~~يزال به الحرص على هذه الحياة الدنيئة يبعث فيه الخوف، ويمكن منه الجبن، ~~حتى يسقط به في هاوية الذل، ويكتفي من الحياة بمدها وإن كانت مكتنفة بالذل، ~~محاطة بالمسكنة، مبطنة بالعبودية، فإذا وصلت الحال في أمة إلى أن تكون ~~آحادها على هذه الصفات، تقطعت فيها روابط الالتئام، وانعدمت وحدتها ~~الجنسية، وفقدت قوتها الحافظة، وهوت عروش مجدها، وهجرت الوجود كما هجرها. PageV03P006 ### | AUTO الفصل الرابع # الأمم التي ظهر فيها الدهريون ### || AUTO اليونان: # شعب «الكريك» - وهم اليونانيون - كانوا قوما قليلي العدد، وبما ألهموا ~~أورثوا من العقائد الثلاث، خصوصا عقيدة أن أمتهم أشرف الأمم، وبما أودعوا ~~من الصفات الثلاث - خصوصا صفة الأنفة والإباء وهي عين الحياء - ثبتوا ~~أحقابا (¬1) في مقاومة الأمة الفارسية، وهي تلك الأمة العظيمة، التي كانت ~~تمتد من نواحي «كشغر» إلى ضواحي «استانبول» ، ذلك فوق ما بلغوه من الدرجات ~~العالية في العلوم الرفيعة. وقد حملهم الخوف من الذل، والأنفة من العبودية، ~~على الثبات في مواقف الأبطال، بل رسخ بهم ذلك ولا رسوخ الجبال؛ حذرا من ~~الوقوع فيما لا يليق بأرباب الشرف، وأبناء المجد، حتى آل بهم الأمر أن ~~تغلبوا على تلك الدولة العظيمة «دولة فارس» ، وهدموا أركانها، ومدوا أيديهم ~~إلى الهند. # وكانت صفة الأمانة قد بلغت من نفوسهم إلى حيث كانوا يرجحون الموت على ~~الخيانة، كما تراه في قصة «تيمستوكليس» (¬2) ، وهو قائد يوناني نبذه أبناء ~~جلدته وطردوه، وأرصدوا ms23 له القتل، فاضطر إلى الفرار من أيديهم، والتجأ إلى ~~«ارتكزيكسيس» (¬3) ملك فارس، فلما كانت الحرب بين فارس واليونان، أمره ~~«ارتكزيكسيس» أن يتولى قيادة جيش لحرب اليونان، فأبى أن يحارب أمته، وإن ~~كانت طردته، فلما ألح عليه الملك الفارسي ولم يجد محيصا، تناول السم، ومات ~~أنفة من خيانة بلاده. PageV03P007 ### || AUTO ظهور أبيقور في اليونان # ظهر أبيقور (¬1) الدهري وأتباعه الدهريون في بلاد اليونان، متسمين بسيماء ~~الحكماء، وأنكروا الألوهية، وإنكارها أشد المنكر، ومنبع كل وبال وشر، كما ~~يأتي بيانه. # ثم قالوا: ما بال الإنسان معجب بنفسه، مغرور بشأنه، يظن أن الكون العظيم ~~إنما خلق خدمة لوجوده الناقص، ويزعم أنه أشرف المخلوقات، وأنه العلة ~~الغائية لجميع المكونات؟! ما بال هذا الإنسان قاده الحرص - بل الجنون ~~والخرق - إلى اعتقاد أن له عوالم نورانية، ومعاهد قدسية، وحياة أبدية، ينقل ~~إليها بعد الرحلة من هذه الدنيا، ويتمتع فيها بسعادة لا يشوبها شقاء، ولذة ~~لا يخالطها كدر، ولهذا قيد نفسه بسلاسل كثيرة من التكاليف، مخالفا نظام ~~الطبيعة العادل، وسد في وجه رغبته أبواب اللذائذ الطبيعية، وحرم حسه كثيرا ~~من الحظوظ الفطرية، مع أنه لا يمتاز عن سائر الحيوانات بمزية من المزايا في ~~شأن من الشؤون، بل هو أدنى وأسفل من جميعها في جبلته، وأنقص من كلها في ~~فطرته، وما يفتخر به من الصنائع فإنما أخذه بالتقليد عن سائر الحيوانات، ~~فالنسج مثلا نقله عن العنكبوت، والبناء استن فيه بسنة النحل، ورفع القصور ~~وإنشاء الصوامع، أخذ فيه مأخذ النمل الأبيض، وادخار الأقوات، حذا فيه حذو ~~جنس النمل، وتعلم الموسيقى من البلبل... وعلى ذلك بقية الصنائع. # فإن كان هذا شأنه من النقص، فليس من اللائق به أن يقذف بنفسه في ورطات ~~المتاعب والمشاق عبثا، ومن الجهل أن يغتر بهذه الحياة التي لا تمتاز عن ~~حياة سائر الحيوانات، بل ولا جميع النباتات، وليس وراءها حياة أخرى في عالم ~~آخر، بل أجدر به أن يلقي ثقل التكاليف عن عاتقه، ويقضي حق الطبيعة البدنية ~~من حظ اللذة، ومتى سنح له عارض رغبة حيوانية، وجب ms24 عليه تناوله من أي وجوهه، ~~وعليه الا ينقاد إلى ما تخيله له أوهام الحلال والحرام، واللائق وغير ~~اللائق... # لبئس ما سولت لهم أنفسهم - نعوذ بالله - فتلك أمور وضعية - في زعمهم - ~~تقيد بها الناس جهلا، فلا ينبغي لابن الطبيعة أن يجعل لها من نفسه محلا. PageV03P008 # ولما امتنعت عليهم نفوس أهل الحياء من الأمة، فلم تأخذ منها وساوسهم، وجدوا ~~تلك الصفة الكريمة سدا دون طلبتهم، فانصبوا عليها يقصدون محوها من الأنفس، ~~وأعلنوا أن الحياء ضعف في النفس - على ما تقدم - وزعموا أن من الواجب على ~~طالب الكمال أن يكسر مقاطر (¬1) العادات، ويحمل نفسه على ارتكاب ما يستنكره ~~الناس حتى يعود من يسهل عليه أن يأتي كل قبيح بدون انفعال نفسي، ولا يجد ~~أدنى خجل في المجاهرة بأية هجينة كانت. # ثم تقدم الأبيقوريون إلى العمل بما يرشدون إليه فهتكوا حجاب الحياء، ~~ومزقوا ستاره، وأراقوا ماء الوجه الإنساني المكرم، فاستحلوا التناول من مال ~~الناس بغير إذن، وكانوا متى رأوا مائدة اقتحموا عليها، سواء طلبوا أو لم ~~يطلبوا، حتى سماهم القوم بالكلاب... فإذا رأوهم رموهم بالعظام المعروفة، ~~ومع ذلك لم تتنازل هذه الكلاب الإنسية عن دعوى الحكمة، ولم يردعها رادع ~~الزجر عن شيء من شرورها، وكانت تنبح في الأسواق منادية: المال مشاع بين ~~الكل، وتهجم على الناس من كل ناحية، وهذا سبب شهرتهم بالكلبيين. # فلما ضربت أفكار الدهريين في نفوس اليونان، بسعي الأبيقوريين، ونشبت ~~بعقولهم، سقطت مداركهم إلى حضيض البلاد، وكسد سوق العلم والحكمة، وتبدل شرف ~~أنفسهم بالذل واللؤم، وتحولت أمانتهم إلى الخيانة، وانقلب الوقار والحياء ~~قحة وتسفلا، واستحالت شجاعتهم إلى الجبن، ومحبة جنسهم ووطنهم إلى المحبة ~~الشخصية. # وبالجملة: فقد تهدمت عليهم الأركان الستة التي كان يقوم عليها بيت ~~سعادتهم، وانتقض أساس إنسانيتهم، ثم انتهى أمرهم بوقوعهم أسرى في أيدي ~~الرومانيين، وكبلوا في قيود العبودية زمنا طويلا، بعد ما كانوا يعدون حكاما ~~في الأرض بلا معارض. PageV03P009 ### || AUTO الأمة الفارسية # الأمة الفارسية بلغت فيها الأصول الستة، أعلى مكانة من الكمال أحقابا ~~طويلة، فكانت لها أصول السعادة، ms25 وموارد النعيم، حتى بلغ اعتقاد الفارسيين ~~من الشرف لأنفسهم، إلى حد أنهم كانوا يزعمون أن السعداء من غيرهم إنما هم ~~الداخلون في عهدهم، المستظلون بحمايتهم، أو المجاورون لممالكهم. # كان الصدق والأمانة أول التعليم الديني عندهم، ووصلوا في التحرج من الكذب ~~إلى حيث كانوا إذا بلغت الحاجة مبلغها من أحدهم، لا يتقدم للاقتراض؛ خوف أن ~~يضطره الدين إلى الكذب في مواعيد وفائه، فارتفعوا بهذه الخصال إلى درجة من ~~العزة، وبسطة الملك، يلزم لبيانها كتاب مثل الشاهنامة (¬1) . # قال المؤرخ الفرنسي «فرنسيس لونورمان» : إن مملكة فارس على عهد دارا ~~الأكبر كانت إحدى وعشرين إيالة: واحدة منها تحتوي مصر وسواحل القلزم «البحر ~~الأحمر» ، وبلوخستان، والسند، وكانوا إذا ألم الضعف بسلطانهم في زمن من ~~الأزمان، بعثتهم تلك العقائد القويمة والصفات الكريمة على تلافي أمرهم، ~~فخلصوا مما ألم بهم في قليل زمن، ورجعوا إلى مكانتهم الأولى ومجدهم الأعلى. ### || AUTO مزدك الدهري (¬2) # ظهر فيهم «مزدك» الدهري على عهد «قباد» وانتحل لنفسه لقب «رافع الجور ~~ودافع الظلم» ، وبنزعة من نزعاته، قلع أصول السعادة من أرض الفارسيين، ~~ونسفها في الهواء وبددها في الأجواء، فإنه بدأ تعاليمه بقوله: «جميع ~~القوانين والحدود والآداب - التي وضعت بين الناس - قاضية بالجور، مقررة ~~للظلم، وكلها مبني على الباطل، وإن الشريعة الدهرية المقدسة لم تنسخ حتى ~~الآن، وقد بقيت مصونة في حرزها عند الحيوانات والبهائم...» . PageV03P010 # أي عقل وأي فهم يصل إلى سر ما شرعته «الطبيعة» ؟! وأي إدراك يحيط بمثل ما ~~أحاط به، وقد جعلت الطبيعة حق المأكل والمشرب والبضاع، مشاعا بين الآكلين ~~والشاربين والمباضعين بدون أدنى تخصيص، فما الحامل للإنسان على حرمان نفسه ~~من بضاع بنته وأمه وأخته، ثم تركهن لغيره يتمتع بهن انقيادا لما يخيله له ~~الوهم، مما نسميه شريعة وأدبا؟! # وأي حق يستند إليه من يدعي ملكية خاصة في مال يتصرف فيه دون سواه، مع أنه ~~شائع بينه وبين غيره؟! # وأي وجه لمن يحجر على امرأة دخلت في عقده، ويحظر على الناس نيلها، وقد ~~خلق الذكر للأنثى والأنثى للذكر؟! # وماذا يوجد من العدل ms26 في قانون يحكم: بأن المال الشائع إذا تناولته يد ~~مغتصب - بما يسمونه بيعا وشراء أو إرثا - يكون مختصا بذلك المغتصب، ثم يحكم ~~على الفقير المحروم - إذا احتال لأخذ شيء من حقه والتمتع به - بأنه خائن أو غاصب؟! # فإن كان هذا شأن تلك القوانين الجائرة، فعلى الإنسان أن يفك أغلالها من ~~عنقه، ويطرح كل قيد عقدته القوانين والشرائع والآداب، التي لا واضع لها سوى ~~العقل الإنساني الناقص، وليرجع إلى سنة الطبيعة المقدسة، ويقضي حق شهوته من ~~اللذائذ التي أباحتها له بأي الوجوه، ومن أية الطرق، ويأخذ في ذلك مأخذ ~~البهائم، وعليه أن يقاوم الغاصبين المتحكمين في الحقوق قسرا - أي المالكين ~~للأموال والأبضاع - فيخرجهم عن سوء فعالهم من الغصب والجور؛ أي حق التملك! # فلما ذاعت هذه النزعات الخبيثة بين الأمة الفارسية، تهتك الحياء وفشا ~~الغدر والخيانة، وغلبت الدناءة والنذالة، واستولى حكم الصفات البهيمية على ~~نفوسهم، وفسدت أخلاقهم، ورذلت طباعهم. # نعم، إن «أنو شروان» قتل «مزدك» وجماعة من شيعته، ولكنه لم يستطع محو هذه ~~الأوهام الفاسدة بعد ما علقت بالعقول، والتبست نفايتها بالأفكار، فكان علة ~~في ضعفهم، حتى إذا هاجمهم العرب لم تكن إلا حملة واحدة فانهزموا، مع أن ~~الروم - وهم أقران الفارسيين - ثبتوا في مجالدة العرب ومقاتلتهم أزمانا طويلة. PageV03P011 ### || AUTO الأمة الإسلامية # الأمة الإسلامية جاءتها الشريعة المحمدية السماوية، فأشربت قلوبها تلك ~~العقائد الجليلة، ومكنت في نفوسها تلك الصفات الفاضلة، وشمل ذلك آحادهم، ~~ورسخت بينهم تلك الأصول الستة؛ بدرجة يقصر القلم دون التعبير عنها. # فكان من شأنهم، أن بسطوا سلطانهم على رؤوس الأمم؛ من جبال الألب إلى جدار ~~الصين في قرن واحد، وحثوا تراب المذلة على رؤوس الأكاسرة والقياصرة، مع ~~أنهم لم يكونوا إلا شرذمة قليلة العدة، نزرة العدد، ولم ينالوا هذه البسطة ~~في الملك والسطوة في السلطان، إلا بما حازوا من العقائد الصحيحة والصفات ~~الكريمة، هذا إلى ما جذبه مغناطيس فضائلهم من مائة مليون، دخلوا في دينهم ~~في مدة قرن واحد من أمم مختلفة، مع أنهم كانوا يخيرونهم بين الإسلام، وشيء ~~زهيد ms27 من الجزية لا يثقل على النفوس أداؤه. # هكذا كان حال هذه الأمة الشريفة من العزة ومنعة السلطان. ### || AUTO ظهور الباطنية في القرن الرابع # فلما كان القرن الرابع بعد الهجرة ظهر «الطبيعيون» بمصر تحت اسم الباطنية ~~وخزنة الأسرار الإلهية، وانبث دعاتهم في سائر البلاد الاسلامية، خصوصا بلاد إيران. # علم هؤلاء الدهريون، أن نور الشريعة المحمدية - على صاحبها أفضل الصلاة، ~~وأتم التسليم قد - أنار قلوب المسلمين كافة، وأن علماء الدين الحنيف قائمون ~~على حراسة عقائد المسلمين وأخلاقهم، بكمال علم، وسعة فضل، ودقة نظر، فلهذا ~~ذهب أولئك المفسدون مذاهب التدليس في نشر آرائهم، وبنوا تعليمهم على أمور: # أولا: إثارة الشك في القلوب، حتى يتفكك عقد الإيمان. # ثانيا: الإقبال على الشاك وهو في حيرته، ليمنوه بالنجاة منها، وهدايته ~~إلى اليقين الثابت، فإذا انقاد لهم أخذوا منه مواثيقهم، ثم أوصلوه إلى ~~مرشدهم الكامل. # ثالثا: أوعزوا إلى دعاتهم أن يلبسوا لرؤساء الدين الإسلامي لباس الخدعة، ~~وجعلوا من شروط الداعي أن يكون بارعا في التشكيك، ماهرا في التلبيس، مقتدرا ~~على إشراب القلوب مطالبه. PageV04P001 # فإذا سقط الساقط من المغرورين في حبالة مرشدهم الكامل، فأول ما يلقنه ~~المرشد قوله: إن الأعمال الشرعية الظاهرة، كالصلاة والصيام ونحوهما، إنما ~~فرضت على المحجوبين دون الوصول إلى الحق، والحق هو المرشد الكامل، فحيث إنك ~~وصلت إلى الحق، فإياك أن تلقي عن عاتقك ثقل الأعمال البدنية، فإذا مضى عليه ~~زمن في عهدهم، صرحوا له، بأن جميع الأعمال الباطنة والظاهرة، وكذلك سائر ~~الحدود والاعتقادات، إنما ألزمت فرائضها بالناقصين، المصابين بأمراض من ضعف ~~النفوس ونقص العقول، أما وقد صرت كاملا، فلك الاختيار في مجاوزة كل حد ~~مضروب، والخروج من أكنان التكاليف إلى باحات الإباحة الواسعة. # ما الحلال؟! وما الحرام؟! ما الامانة؟! وما الخيانة؟! ما الصدق؟! وما ~~الكذب؟! ما هي الفضائل؟! وما هي الرذائل؟! # ألفاظ وضعت لمعان مخيلة، وما لها من حقيقة واقعية في زعم المرشد، فاذا ~~قرر المرشد أصول الإباحة في نفوس أتباعه، التمس لهم سبيلا لإنكار الألوهية، ~~وتقرير مذهب النيتشرية «الدهريين» ، فأتى إليهم من باب ms28 التنزيه، فقال: الله ~~منزه عن مشابهة المخلوقات، ولو كان موجودا لأشبه الموجودات ولو كان معدوما ~~لأشبه المعدومات، فهو لا موجود ولا معدوم. # يعني أنه يقر بالاسم، وينكر المسمى، مع أن شبهته هذه سفسطة بديهية ~~البطلان، فإن الله منزه عن مشاركة الممكنات في خصائص الإمكان، أما في مطلق ~~الوجود فلا مانع من أن يتفق إطلاق الوصف عليها وعليه، وإن كان وجوده واجبا، ~~ووجودها ممكنا. # وقد جدت طائفة الباطنية في إفساد عقائد المسلمين، زمانا غير قصير أخذا ~~بالحيلة، ونفاذا بالخدعة، حتى انكشف أمرهم لعلماء الدين، ورؤساء المسلمين، ~~فانتصبوا لدرء مفاسدهم، وتحويل الناس عن ضلالاتهم، فلما رأوا كثرة ~~معارضيهم، شحذوا شفار الغيلة، ففتكوا بكثير من الصالحين، وأراقوا دماء جم ~~غفير من علماء الأمة الإسلامية، وأمراء الملة الحنيفية. # وبعض أولئك المفسدين عندما أمكنته الفرصة، ووجد من نفسه ريح القوة، أظهر ~~مقاصده على منبر «الموت» - قلعة في خراسان - وجهر بآرائه الخبيثة، فقال: PageV04P002 # إذا قامت القيامة حطت التكاليف عن الأعناق، ورفعت الأحكام الشرعية؛ سواء ~~كانت متعلقة بالأعمال البدنية الظاهرة، أو الملكات النفسية الباطنة، ~~والقيامة عبارة عن قيام القائم الحق، وأنا القائم الحق، فليعمل عامل ما ~~أراد، فلا حرج بعد اليوم، إذ رفعت التكاليف، وخلصت منها الذمم؛ أي أغلقت ~~أبواب الإنسانية، وفتحت أبواب البهيمية. # وبالجملة: فهؤلاء الدهريون من أهل التأويل؛ أي «الناتوراليسم» من الأجيال ~~السابقة الإسلامية، عملوا على تغيير الأوضاع الإلهية بفنون من الحيل، ودعوا ~~كل كمال إنساني نقصا وكل فضيلة رذيلة، وخيلوا للناس صدق ما يزعمون، ثم ~~تطاولوا على جانب الألوهية، فحلوا عقود الإيمان بها، وبالسفسطة التي سموها ~~تنزيها، ومحوا هذا الاعتقاد الشريف من لوح القلوب، وفي محوه محو سعادة ~~الإنسان في حياته، وسقوطه في هاوية اليأس والشقاء. # فأفسدوا أخلاق الملة الإسلامية شرقا وغربا، وزعزعوا أركان عقائدها، ~~وساعدهم مد الزمان على تلويث النفوس بالأخلاق الرديئة وتجريدها من السجايا ~~الكاملة، التي كان عليها أبناء هذه الملة الشريفة، حتى تبدلت شجاعتهم ~~بالجبن وصلابتهم بالخور، وجرأتهم بالخوف، وصدقهم بالكذب، وأمانتهم ~~بالخيانة، ووقع المسخ في هممهم، فبعد أن كان مرماها ms29 مصالح الملة عامة، صارت ~~قاصرة على المنافع الشخصية الخاصة، وعادت رغباتهم لا تخرج عن الشهوات ~~البهيمية، وكان من عاقبة ذلك: أن جماعة من قزم الافرنج، صدعوا أطراف البلاد ~~السورية، وسفكوا فيها دماء آلاف من أهاليها الأبرياء، وخربوا ما أمكنهم أن ~~يخربوا، وثبتوا بها نحو مائتي سنة، والمسلمون في عجز عن مدافعتهم، مع أن ~~الإفرنج كانوا - قبل عروض الوهن لعقائد المسلمين، وطروء الفساد على أخلاقهم ~~- في قلق لا يستقر لهم أمن على حياتهم وهم في بلادهم؛ خوفا من عادية ~~المسلمين. وكذلك قام جماعة من أوباش التتر والمغول مع جنكيزخان، واخترقوا ~~بلاد المسلمين، وهدموا كثيرا من المدن المحمدية، وأهدروا دماء ملايين من ~~الناس، ولم تكن للمسلمين قدرة على دفع هذا البلاء عن بلادهم، مع أن مجال ~~خيولهم في بدء الإسلام - على قلة عددهم - كان ينتهي الى أسوار الصين. PageV04P003 # وما نزل بالمسلمين شيء من هذه المذلات والإهانات، ولا رزئوا بالتخريب في ~~بلادهم، والفناء في أرواحهم، إلا بعد ما كلت بصائرهم ونغلت نياتهم، ومازج ~~الدغل قلوبهم، وخربت أماناتهم، وفشا الغش والإدهان (¬1) بينهم، ودار كل ~~منهم حول نفسه لا يعرف أمة، ولا ينظر إلى ملة، وأصبحوا بقناة خوارة، بعد أن ~~كانت قناتهم لا تلين لغامز، إلا أن بقية من تلك الأخلاق المحمدية، كانت لم ~~تزل راسخة في نفوس كثير منهم، كامنة في طي ضمائرهم، فهي التي أنهضتهم من ~~كبوتهم، وحملتهم على الجد في كشف السطوة الغريبة عن بلادهم، فأجلوا الأمم ~~الأفرنجية بعد مئين من السنين، وخلصوا البلاد السورية من أيديهم، وطوقوا ~~الجنكيزيين بطوق الإسلام، وألبسوهم تيجان شرفه، ولكنهم لم يستطيعوا حسم داء ~~الضعف، وإعادة ما كان لهم من الشوكة إلى المقام الأول، فإن ما كان من شوكة ~~وقوة إنما هو أثر العقائد الحقة، والصفات المحمودة، فلما خالط الفساد هذه ~~وتلك تعسر عود السهم إلى النزعة. # ولهذا ذهب المؤرخون إلى أن بداية الانحطاط في سلطة المسلمين كانت من حرب ~~الصليب، والأليق أن يقال: إن ابتداء ضعف المسلمين كان من يوم ظهور الآراء ~~الباطلة والعقائد النيتشرية «الدهرية» ms30 في صورة الدين، وسريان هذه السموم ~~القاتلة في نفوس أهل الدين الإسلامي. # وليس بخاف أن فئة ظهرت في الأيام الأخيرة ببعض البلاد الشرقية، وأراقت ~~دماء غزيرة، وفتكت بأرواح عزيزة، تحت اسم لايبعد عن أسماء من تقدمها لمثل ~~مشربها، وانما التقطت شيئا من نفايات ما ترك دهريو «الموت» وطبيعيو ~~«كردكوه» وتعليمها نموذج تعليم أولئك الباطنيين، فعلينا أن ننظر ما يكون من ~~آثار بدعها في الأمة التي ظهرت بها. PageV04P004 ### || AUTO الشعب الفرنسي # الشعب الفرنسي شعب كان قد تفرد بين الشعوب الأوربية بإحراز النصيب الأوفر ~~من الأصول الستة، فرفع منار العلم، وجبر كسر الصناعة في قطعة أوربا بعد ~~الرومانيين، وصار بذلك مشرقا للتمدن في سائر الممالك الغربية. # وبما أحرز الفرنسيون من تلك الأصول، كانت لهم الكلمة النافذة في دول ~~الغرب إلى القرن الثامن عشر من الميلاد المسيحي، حتى ظهر فيهم «فولتير (¬1) ~~» و«روسو (¬2) » يزعمان حماية العدل، ومغالبة الظلم، والقيام بإنارة ~~الأفكار، وهداية العقول، فنبشا قبر أبيقور الكلبي، وأحييا ما بلي من عظام ~~«الناتوراليسم» الدهريين، ونبذا كل تكليف ديني، وغرسا بذور الإباحة ~~والاشتراك، وزعما أن الآداب الإلهية جعليات خرافية، كما زعما أن الأديان ~~مخترعات أحدثها نقص العقل الإنساني، وجهر كلاهما بإنكار الالوهية، ورفع كل ~~عقيرته بالتشنيع على الأنبياء - برأهم الله مما قالا - وكثيرا ما ألف ~~«فولتير» من الكتب في تخطئة الأنبياء والسخرية بهم، والقدح في أنسابهم، ~~وعيب ما جاؤوا به، فأخذت هذه الأباطيل من نفوس الفرنسيين، ونالت من عقولهم، ~~فنبذوا الديانة العيسوية (¬3) ، ونفضوا منها أيديهم. # وبعد أن أغلقوا أبوابها، فتحوا على أنفسهم أبواب الشريعة المقدسة «في ~~زعمهم» شريعة «الطبيعة» ، وزاد بهم الهوس في بعض أيامهم حتى حمل لفيفا من ~~عامتهم، أن يتناولوا بنتا من ذوات الجمال فيهم، ويحملوها إلى محراب ~~الكنيسة، ففعلوا، ونادى زعيم القوم: أيها الناس لا يأخذكم الفزع بعد اليوم ~~من هدهدة الرعد، ولا التماع البرق، ولا تظنوا شيئا من ذلك تهديدا لكم من ~~إله السماء، يرسله عليكم ليعظكم به، ويزعجكم عن مخالفته... PageV04P005 # كلا فهذه كلها آثار الطبيعة «الناتور» ، ولا مؤثر في الوجود ms31 سوى «الناتور» ~~، فحلوا عن أعناقكم قيود الأوهام، ولا تقيموا لأنفسكم إلها من خواطر ~~ظنونكم، فإن كانت العبادة من رغائب شهواتكم، فها هي ذي «مدموازيل» - أي ~~العذراء - قائمة في المحراب على مثال الدمية، فاسجدوا لها إن شئتم... # والأضاليل التي بثها هذان الدهريان «فولتير» و«روسو» هي التي أضرمت نار ~~الثورة الفرنسية المشهورة، ثم فرقت بعد ذلك أهواء الأمة، وأفسدت أخلاق ~~الكثير من أبنائها، فاختلفت فيها المشارب، وتباينت المذاهب، وأوغلوا في سبل ~~الخلاف زمنا يتبعه زمن، حتى تباين صدعهم، وذهب كل فريق يطلب غاية لا يرى ~~وراءها غاية، وليس بينها وبين غايات سائر الفرق مناسبة، وانحصر سعي كل قبيل ~~في التماس ما يواتي لذته، ويوافق شهوته، وأعرضوا عن منافعهم العامة، وأعقب ~~ذلك عروض الخلل لسياستهم الخارجية شرقا وغربا. # نعم إن نابليون الأول بذل جهده في إعادة الديانة المسيحية إلى ذلك الشعب ~~استدراكا لشأنه، لكنه لم يستطع محو آثار تلك الأضاليل، فاستمر الاختلاف ~~بالفرنسيين إلى الحد الذي هم عليه اليوم. # هذا الذي جر الفرنسيين للسقوط في عار الهزيمة، بين يدي الألمان، وجلب ~~إليهم من الخسار ما تعسر عليهم تعويضه في سنين طويلة. # هذه الأباطيل الدهرية قام عليها مذهب «الكمون» - أي الشيوعيين - ونما هذا ~~المذهب بين الفرنسيين، ولم تكن مضار الآخذين به ومفاسدهم في البلاد ~~الفرنسية أقل من مضار الألمان. # ولو لم يتدارك الامر أرباب العقائد النافعة والسجايا الحسنة، لنسف ~~الشيوعيون كل عمران على أديم فرنسا، ومحوا مجد الأمة تنفيذا لأهوائهم، ~~وجلبا لرغباتهم. PageV04P006 ### || AUTO الأمة العثمانية # الأمة العثمانية إنما رقت (¬1) حالتها في الأزمنة المتأخرة بما دب في ~~نفوس بعض عظمائها وأمرائها من وساوس الدهريين، فإن القواد الذين اجترحوا ~~إثم الخيانة في الحرب الأخيرة بينها وبين الروسية، كانوا يذهبون مذهب ~~النيتشرين «الدهريين» ، وبذلك كانوا يعدون أنفسهم من أرباب الأفكار الجديدة ~~«أبناء العصر الجديد» (¬2) . # زعموا - بما كسبوا من أوهام الدهريين -: أن الإنسان حيوان كالحيوانات، لا ~~يختلف عنها في أحكامها، وهذه الأخلاق والسجايا - التي عدوها فضائل - تخالف ~~بجميعها سنن الطبيعة المطلقة الناتور، وإنما وضعها تحكم العقل، وزادها تطرف ms32 الفكر. # فعلى من بصر بالحقيقة - على زعم أولئك المارقين - أن يستنهج كل طريق إلى ~~تحصيل شهواته، واستيفاء لذاته، ولا يأخذ نفسه بالحرمان من ملاذه، وقوفا عند ~~خرافات القيود الواهنة، والموضوعات الإنسانية الواهية. # وحيث إن الفناء حتم على الأحياء، فما هو الشرف والحياء؟! وما هي الامانة، ~~والصدق؟! وأي شيء هو العفة والاستقامة..؟! # ولهذا خان أولئك الأمراء ملتهم مع ما كان لهم من الرتب الجليلة، ورضوا ~~بالدنية، واستناموا إلى الخسة، ونسفوا بيت الشرف العثماني في تلك الحرب ~~وجلبوا المذلة على شعوبهم بعرض من الحطام قليل. ### || AUTO السوسياليست «الاجتماعيون» والنهيليست «العدميون» # والكمونيست «الشيوعيون» # هذه الطوائف تتفق في سلوك هذه الطريقة «الدهرية» ، زينوا ظواهرهم بدعوى ~~أنهم سند الضعفاء، والمطالبون بحقوق المساكين والفقراء، وكل طائفة منها، ~~وإن لونت وجه مقصدها بما يوهم مخالفته لمقصد الأخرى، إلا أن غاية ما يطلبون ~~إنما هو رفع الامتيازات الإنسانية كافة، وإباحة الكل للكل، واشتراك الكل في الكل. PageV04P007 # وكم سفكوا من دماء، وكم هدموا من بناء، وكم خربوا من عمران، وكم أثاروا من ~~فتن، وكم أنهروا من فساد، كل ذلك سعيا في الوصول إلى هذه المطالب الخبيثة، ~~وجميعهم على اتفاق في أن جميع المشتهيات الموجودة على سطح الأرض منحة من ~~الطبيعة وفيض من فيوضها، والأحياء في التمتع بها سواء، واختصاص فرد من ~~الإنسان بشيء منها دون سائر الأفراد، بدعة في شرع الطبيعة سيئة، يجب محوها ~~والإراحة منها. # ومن مزاعمهم: أن الدين والملك عقبتان عظيمتان، وسدان منيعان، يعترضان بين ~~أبناء الطبيعة، ونشر شريعتها المقدسة: الإباحة والاشتراك، وليس من مانع أشد ~~منهما، فإذن من الواجب على طلاب الحق الطبيعي، أن ينقضوا هذين الأساسين، ~~ويبيدوا الملوك ورؤساء الأديان. # ثم يعمدون إلى الملاك وأهل السعة في الرزق، فان دانوا لشرع الطبيعة، ~~فخرجوا عن الاختصاص، فتلك، وإلا أخذوا بأعناقهم قتلا، وبأكظامهم (¬1) خنقا؛ ~~حتى يعتبر بهم من يكون من أمثالهم، فلا يلوون رؤوسهم كبرا على الشريعة ~~المقدسة - شريعة الطبيعة - ولا تزور أعناقهم عصيانا لأحكامها. # نظر أبناء هذه الطوائف في وجوه الوسائل لبث أفكارهم، والإفضاء بما في ms33 ~~أوهامهم إلى قلوب العامة، فلم يجدوا وسيلة أنجح في زرع بذور الفساد في ~~النفوس، من وسيلة التعليم؛ إما بإنشاء المدارس تحت ستار نشر المعارف، أو ~~بالدخول في سلك المعلمين في مدارس غيرهم؛ ليقرروا أصولهم في أذهان الاطفال، ~~وهم في طور السذاجة، فتنتقش بها مداركهم بالتدريج. # فمن أولئك الدهريين من همه بناء المدارس، ودعوة الناس إليها، ومنهم ~~متفرقون في بلاد أوربا، يطلبون وظائف التعليم، وينالون من ذلك طلبتهم، ~~وجميعهم يتعاونون على إذاعة خيالاتهم الباطلة، وبهذا كثرت أحزابهم، ونمت ~~شيعتهم في أقطار الممالك الأوروبية، خصوصا مملكة الروسية. PageV04P008 # لا جرم أن هذه الطوائف إذا استفحل أمرها، وقوي ساعدها على المجاهرة ~~بأعمالها، فقد تكون سببا في انقراض النوع البشري، كما تقدم ذكره. أعاذنا ~~الله من شرور أقوالهم وأعمالهم. ### || AUTO مورمون # هذا النبي الأخير، والرسول الممتاز بالبعثة من قبل الناتور «الطبيعة» نشأ ~~في انجلترا، ثم هاجر منها إلى أمريكا، وأعلن ما ألقي إليه بإلهام الطبيعة: ~~من أن النعمة العظمى - يريد الإباحة والاشتراك - إنما يؤتاها من كان مؤمنا ~~بالطبيعة، وليس لغيره من الكفرة بها حق التمتع بتلك النعمة، واجتمع إليه ~~عدد من ضعفة العقول، فألف منهم جمعيتين: أحداهما من المؤمنين، والأخرى من ~~المؤمنات، وقال: لكل مؤمن حق التمتع بكل مؤمنة، حتى كانت إذا سئلت إحدى ~~المؤمنات: زوجة من أنت؟ تجيب: أنها زوجة جماعة المؤمنين، وإذا سئل أحد ~~أبنائهن: من أنت؟ أجاب: أنه ابن الجمعية، إلا أنه إلى الآن لم يصعد لهيب ~~فسادهم من هوة الويل «هوة جمعيتهم» . ### || AUTO دهريون الشرقيين # أما منكرو الألوهية؛ أعني الدهريين الذين ظهروا في لباس المهذبين، ولونوا ~~ظواهرهم بصبغ المحبة الوطنية، وزعموا أنفسهم طلاب خير الأمة، فصاروا بذلك ~~شركاء اللص، ورفقاء القافلة، ثم تجلوا في أعين الأغبياء حملة لاعلام العلم ~~والمعرفة، وبسطوا للخيانة بساطا جديدا، وتولاهم الغرور بما حفظوا من كلمات ~~قليلة ناقصة غير تامة الإفادة، مسروقة من الأوهام المبطلين، وفتلوا سبالهم ~~- شواربهم - كبرا وعلوا، ولقبوا أنفسهم بالهادين والأدلاء، وهم في أطباق ~~جهل وأرتاق غباوة، وفي أهب - جلود - من دنس الرذائل، ومسوك ms34 - جلود - من قذر ~~الذمائم، فأولئك قوم قوى فيهم الظن، بأن العقل وثمرته من المعرفة، ينحصران ~~في تبين وجوه الغدر، وتعرف طرق الاختلاس. PageV04P009 # وإنني لفي خجل من ذكرهم، يدافعني الحياء عن رواية سيرهم، وحكاية أعمالهم، ~~فإن مقاصدهم من الدناءة بحيث لا تخرج عن جيوبهم، يسعون في اقتلاع أساس ~~أمتهم لشهوة بطونهم، يحددون شفارهم (¬1) لتقطيع روابط الالتئام بين بني ~~جنسهم، لا يبتغون بذلك عوضا، سوى حشو معدهم، وما أضيق مجال افكارهم، إلى ~~الآن لم يخط أحدهم خطوة خارج كرشه، ولم يمد واحد منهم رجله لأبعد من فرشه، ~~وليس في وسع القلم أن يتحرك في هذا المجال الضيق، غير أنه يمكن أن يقال: ~~إنهم «بياجو» لغيرهم من أهل الضلالة - أي سيئو التقليد لهم - وما بقي من ~~أوصافهم لا يخفى على فهم القارئين. PageV04P010 ### | AUTO الفصل الخامس # العقيدة الإلهية وموقف الدهريين منها ### || AUTO إنكار الألوهية: # تبين مما أسلفنا: أن طائفة النيتشريين «الدهريين» كلما نجمت في امة أفسدت ~~أخلاقها، وأوقعت الخلل في عقولها، وتخطفت قلوب آحادها، بأنواع من الحيل، ~~وألوان من التلبيس، حتى تصبح تلك الأمة وقد وهى أساسها، وتفطر بناؤها، ~~واغتالتها رذائل الأخلاق: من الأثرة، وعبادة الشهوات، والجرأة على ارتكاب ~~الخيانات، ولا يزال الفساد يتغلغل في أحشائها حتى تضمحل ويمحى رسمها من ~~صفحة الوجود، أو تضرب عليها الذلة، ويخلد أبناؤها في الفقر والعبودية. # إلا أن قبيلا من هذه الطائفة، عملوا على إخفاء مقصدهم الأصلي، وهو ~~الإباحة والاشتراك، واكتفوا في ظاهر الأمر بإنكار الألوهية وجحود يوم ~~الدين؛ يوم العرض والجزاء، وقد يظن بعض ضعفة العقول، أن في ذلك بسطة الفكر، ~~وسعة الحرية؛ لهذا أحببت أن أبين أن هذه النزعة وحدها كافية في إفساد ~~الهيئة الاجتماعية، وتزعزع أركان المدنية، وليس من ضروب الباطل ما هو أشد ~~منها تأثيرا في محو الفضائل، وإثارة الخبائث والرذائل، وليس من الممكن أن ~~يجتمع لشخص واحد، وهم الدهري، وفضيلة الأمانة والصدق، وشرف الهمة وكمال ~~الرجولة. # ذلك أن كل فرد من نوع الإنسان قد أودع - بحسب فطرته، وبناء بنيته - شهوات ~~تميل به إلى ms35 مشتهيات، فشهواته تدفعه إلى تحصيل مشتهياته، ولا يستطيع تسكين ~~هواه، ولا كسر سورة نفسه، إلا بنيل ما يمكنه من تلك المشتهيات، كأنه يعالج ~~ألم الطلب بما يصل إليه من المطلوب، ولم تحدد الطبيعة طريقا معينة يسلكها ~~الراغبون للوصول إلى رغائبهم: فسبيل حق، وسبيل باطل، وسبيل الفتنة والفساد، ~~وسبيل الهدى والرشاد، وسبيل سفك الدماء، واغتصاب الحقوق، وسبيل الإجمال ~~والتعفف، وكلها ميسر للطالب غير ممتنع على السالك. PageV04P011 # فقصر النفوس على طريقة محدودة وتوقيف أهوائها عند حدود معينة، ومنعها من ~~تجاوز حد الاعتدال في آثارها وأعمالها، وإرضاء كل ذي شهوة بحقه، وكفه عن ~~الاعتداء والإجحاف بحقوق غيره، هذا كله إنما يكون بأحد أمور أربعة: # 1 - إما أن يحمل كل ذي حق آلة حربه، فيخترط سيفه، ويعتقل رمحه، ويرفع ~~ترسه، ويقوم ليله ونهاره، يقدم إحدى رجليه، ويؤخر الأخرى، دفاعا عن حقه. # 2 - وإما شرف النفس، كما يزعمه أرباب الأهواء. # 3 - وإما الحكومة. # 4 - وإما الاعتقاد بأن لهذا العالم صانعا قادرا، محيط العلم، نافذ الحكم، ~~وأنه يوفي كل عامل جزاء عمله، (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره) (¬1) ؛ ثوابا جزيلا، أو عقابا وبيلا، في حياة بعد هذه الحياة. # 1 - المدافعة الشخصية: # أما الأول: فبراز وضراب، ونضال وقتال، وجلاد تسيل به الأودية مهجا، وتخضل ~~به الربى دما، وتتفانى به النفوس طلبا للحقوق أو دفاعا عنها، وتكون الدائرة ~~للأقوياء على الضعفاء، حتى إذا قوي الضعفاء يوما ما ثاروا على الأقوياء، ~~فلا يزال صاحب القوة يطحن الضعيف، والأقران يسحق بعضهم بعضا، إلى أن يعم ~~جميعهم الفناء، وينقرض النوع الإنساني من وجه البسيطة. # 2 - شرف النفس: # أما الثاني: فتقدم الكلام فيه ببيان شرف النفس، فهي صفة تنكب بصاحبها عن ~~إتيان ما يذم عند قبيلته، وغشيان ما يقبح في نظر عشيرته، وتقابلها خسة ~~النفس، وهي صفة لا يتأثر معها صاحبها من التشنيع، ولا تنفعل نفسه من ~~التقبيح. # فتلك الصفة - أعني شرف النفس - ليست لها حقيقة معينة، ولاهي في حدود ~~معروفة عند جميع الأمم حتى يمكنهم ms36 - بالمحافظة عليها - أن يقفوا بالشهوات ~~عند حد الاعتدال. PageV05P001 # ألا ترى أن كثيرا من الأمور، يعد ارتكابه عند بعض الأمم خسة ودناءة، وهو ~~بعينه عند بعض آخر شرف ورفعة يستتبع المدح والثناء، على أنه في الحقيقة شر ~~الشرور وأعظم الفجور. # تبين ذلك من حال سكان البادية وأهل الجبال من القبائل المتبدية، فإنهم ~~يعدون الغارة والفتك بالأرواح، وانتهاب الأموال، واسترقاق الأحرار من فعال ~~المجد، وبلوغ الغاية منها بلوغ إلى نهاية الشرف، وهذه الفعال بعينها، يعدها ~~سكان المدن وأهل الحضارة، من لواحق الدناءة، وعلائم خسة النفس، وكذلك ~~الحيلة والمكر يحسبهما قوم خسة وخبثا، ويحسبهما آخرون حكمة وعقلا. # * * * # وإذا أمعنت النظر في المسألة، وجدت أن لكل كائن في عالم الإمكان علة ~~غائية، والعلة الغائية لأعمال الإنسان إنما هي نفسه، فهو لا يطلب شرف ~~النفس، ولا يسعى للتجمل به، إلا لطمعه في توفير رزقه، وتوسيع سبل معيشته، ~~وخوفه من ضيق مسالك العيش عليه، فإنه يعلم أن شرف النفس يرد إلى صاحبه ~~شوارد القلوب، ويجعله مكان ثقتها، ويظهره في بهاء الصدق والأمانة، فيعظم ~~الركون إليه، وتكثر أعوانه، وفي ذلك توفر أسباب المعيشة، واتساع طرقها. # بخلاف من تلتاث نفسه بالخسة، فذلك مقذوف القلوب، منبوذ الطباع، لا ينبسط ~~إليه النظر، ولا يحوم عليه الخاطر، فهو قليل الأعوان، عديم الإخوان، ومن ~~كان هذا حاله، سدت عليه أبواب الرزق واكتنفته غائلات الفاقة، فيكون ميل ~~الإنسان إلى شرف النفس، ودرجته من القوة والضعف، وتمكنه من نفسه، وعدم ~~تمكنه، ومراتب أثره في كبح الشهوات وردها عند تخوم العدالة، إنما هو على ~~حسب أحوال الطبقات في معائشهم؛ بمعنى أن كل طبقة من الناس تطلب من تلك ~~الصفة ما ينفعها في معيشتها، ويحفظها من طارقة السوء، بل لا ترى كل طبقة أن ~~شيئا يعد من الشرف، إلا تلك الصفة التي تحفظ بها المنزلة، وتصان بها مواد ~~المعيشة، وما زاد على ذلك فلا يعد فقدانه نقصا، ولا الخلو عنه انحطاطا، فلا ~~تسعى لاستحصاله، وإن عده قوم آخرون من جوهر الشرف، ومن مقومات الكمال. PageV05P002 # وإن لنا ms37 عبرة في أغلب السلاطين والأمراء، فإنهم مع أخذهم بمذاهب الشرف، لا ~~يبالون بنقض العهود، وخفر الذمم (¬1) ، خصوصا مع من دونهم في السلطان، ومن ~~لا يضارعهم في القوة، ولا يأنفون الظلم، ولا ينكرون الغدر، ولا يتجافون ~~مذمة من تلك المذام، ولا يعدون شيئا منها خسة، ولا يحسبونه من غاشيات ~~الدناءة، مع أن واحدا من هذه الفعال، لو صدر من آحاد الرعية - بعضهم مع بعض ~~- لعد من دنيات الفعال، ورمي فاعله بخسة النفس وسقوطها عن مراتب الشرف. # ومن هذا الوجه كان الخلل يعرض لنظام المعيشة؛ حيث إن سائر الطبقات لا ~~ينظرون إلى ما يصدر عن أمرائهم ورؤسائهم نظرهم إلى ما يصدر عن آحادهم، فهم ~~يذهبون مذهب التأويل في أعمال الرؤساء والكبراء. # وهكذا حال الطبقات العالية بالنسبة لما دونها - طبقة بعد طبقة - أي إن كل ~~طبقة عالية تزعم نفسها مصونة من المثالب، محفوظة من الشنائع، ومنزلتها ممن ~~دونها تحمل الأدنين على الإقرار لها بما تزعم. # فلو كان قوام النظام في العالم الإنساني بشرف النفس، لانطلقت أيدي ~~العدوان من الطبقات الرفيعة فيما دونها، وتفتحت أبواب الشر والفساد في وجه ~~هذا النوع الضعيف # هذا كله إذا فرضنا وقوف كل طالب لشرف النفس عند ما يظنه شرفا، لا يخالفه ~~إلى سواه؛ لا خفية، ولا جهرة، لكن حيث كان الباعث على التجمل بهذا الوصف ~~إنما هو الرغبة في تحسين المعيشة، والفرار من مضانكها (¬2) ، فقلما يستوي ~~ظاهر الإنسان وباطنه في هذه الصفة، فهو في معلنات أموره يسلك سبل الشرف؛ ~~لينال حظه من ميل القلوب إليه، ثم لا يمنعه ذلك من غشيان الخيانة الخفية، ~~وغمس يده في قذر العدوان من وراء حجاب التستر، وبسط كفه لتناول الرشوة في ~~زوايا المحاكم؛ لأن طالب خفض العيش يعرف أن هذه الخبائث الخفية، تصل به إلى ~~مقصده من السعة على أمن من الاشتهار بصفة الدناءة، وذلك معروف من أحوال ~~المذاعين الظاهرين في ثياب الشرف والعفة، والله أعلم ماذا يسترون تحت ~~ذيولهم، وما يضمرون دون جيوبهم، وما يختزنون من الأموال في زوايا بيوتهم. PageV05P003 # فإذن ms38 لا يليق بذي عقل أن يجعل شرف النفس ميزانا للعدل، ولا مكان للظن بأن ~~هذه الصفة تقف بكل عند حده، وترضيه بحقه، وتكف النفوس عن غصب الحقوق، ~~وتدفعها عن الجور، وتمنعها عن الحيف ما ظهر منه وما بطن. # فإن قال قائل: إن حب المحمدة مما أشربته قلوب البشر، وهو باعث على ~~الاستمساك بشرف النفس لما يستعقبه من حسن الحمد، فكل ذي فطرة إنسانية يسعى ~~لكسب المحمدة، لابد له أن يطلب الغاية من خلة الشرف النفسي، وينزه نفسه عن ~~جميع الرذائل، ويرفعها عن معاطاة الدنايا والخسائس، ويبتعد بها عن مخالج ~~الحيف والعدوان، فنقول في جوابه: # أولا: إذا تعارض موجب المدح والثناء، ومقتضى الشهوات البدنية، فقليل من ~~الناس من يختار الأول على الثاني، والجمهور الأغلب مغلوب للشهوة، مأسور ~~للذة، والنظر في طبقات الناس وأحوالهم على اختلافهم يثبت لنا ذلك. # ثانيا: أن صاغة المدائح، ونساج المحامد، صنف من الناس أشباه إنسان، ~~وأسناخ حيوان، أولئك المعروفون بالمؤرخين والشعراء الكاذبين، ولا باعث ~~لهؤلاء على نثر المحامد ونظم القصائد، إلا نضارة الثروة في الممدوحين، ~~ورونق الجاه والجلالة في المحمودين؛ من غير نظر إلى مناشئى الجاه، ولا ~~موارد الثروة. # فمناط الحد إحدى البسطتين، وإن حفت بالمظالم، وأحيطت باللوائم، ولهذا ~~تنبعث نفوس كثير من الناس للوصول إلى هذه المظاهر، فيطلبون الغنى والثروة ~~والجاه والعظمة، ولو كان ذلك من وجوه الغدر، وطرق الحيف والظلم؛ لينالوا ~~بذلك حظهم من اللذائذ البدنية، كما يصيبون سهمهم من المدائح على ألسنة ~~أولئك المدلسين، وليس بكثير في الناس طلاب المحمدة الحقة، اللاقطون لدرر ~~المدائح من باحات الفضائل، وساحات المكارم، المرتادون للحمد بين حدود الحق، ~~وأولئك الحافظون لشرف النفس، وقليل ما هم. # فلم تبق ريبة في قصور هذه الخلة - أعني شرف النفس - عن الكفاية في تعديل ~~الأخلاق، وتحديد الشهوات، وحجب العدوان، وحفظ النظام الإنساني، اللهم إلا ~~أن تكون مستندة إلى عقيدة في دين، وتكون حقيقتها محدودة في ذلك الدين، فعند ~~ذلك تكون دعامة لبناء الشركة الإنسانية، ومعقدا لروابط الألفة، وسببا ~~لانتظام سلسلة المعاملات؛ لاستنادها على ms39 الدين، لا بنفسها مجردة، كما مرت ~~الإشارة إليه في صفة الحياء. PageV05P004 # 3 - الحكومة: # ليس بخاف أن قوة الحكومة إنما تأتي على كف العدوان الظاهر، ورفع الظلم ~~البين، أما الاختلاس، والزور المموه، والباطل المزين، والفساد الملون بصبغ ~~من الصلاح، ونحو ذلك مما يرتكبه أرباب الشهوات، فمن أين للحكومة أن تستطيع ~~دفعه، وأن يكون لها الاطلاع على خفيات الحيل، وكامنات الدسائس، ومطويات ~~الخيانة، ومستورات الغدر؛ حتى تقوم بدفع ضرره؟! # على أن الحاكم وأعوانه قد يكونون - بل كثيرا ماكانوا - ممن تملكهم ~~الشهوات، فأي وازع يأخذ على أيدي أصحاب السلطة، ويمنعهم من مطاوعة شهواتهم ~~المتسلطة على عقولهم؟ وأي غوث ينقذ ضعفاء الرعايا وذوي المسكنة منهم، من شر ~~أولئك المتسلطين وحرصهم؟ # لا جرم قد يكون الحاكم في خفي أمره - رئيس السارقين، وفي جلي حاله قائد ~~الناهبين، وأعوانه آلات يستعملها في الجور، وأدوات يستعين بها على الفساد ~~والشر، فيعطلون من حقوق عباد الله، ويهتكون من أعراضهم، ويغنمون من ~~أموالهم، يروون ظمأ شهواتهم بدماء الضعفاء، وينقشون قصورهم بمهج الفقراء، ~~وبالجملة: يكون مبلغ سعيهم هلاك العباد، ودمار البلاد. # 4 - الاعتقاد بالألوهية: # فإذن لم يبق للشهوة قامع، ولا للأهواء رادع، إلا الأمر الرابع؛ أعني ~~الإيمان بأن للعالم صانعا، عالما بمضمرات القلوب، ومطويات الأنفس، سامي ~~القدرة، واسع الحول والقوة، مع الاعتقاد بأنه قدر للخير والشر جزاء يوفاه ~~مستحقه في حياة بعد هذه الحياة. # وفي الحق أن هاتين العقيدتين وازعان قويان يكبحان النفس عن الشهوات، ~~ويمنعانها عن العدوان ظاهره وخفيه، وحاسمان صارمان يمحوان أثر الغدر، ~~ويستأصلان مادة التدليس، وهما أفضل وسيلة لإحقاق الحق والتوقيف عند الحد، ~~وهما مجلبة الأمن، ومتنسم الراحة، وبدون هذين الاعتقادين، لا تقرر هيئة ~~للاجتماع الإنساني، ولا تلبس المدنية سربال الحياة، ولا يستقيم نظام ~~المعاملات، ولا تصفو صلات البشر، من شائبات الغل، وكدورات الغش. PageV05P005 # فلو خويت القلوب من هاتين العقيدتين، لسكنتها شياطين الرذائل، وسدت عليها ~~طرق الفضائل، ومن أين لمنكر الجزاء أن يكف نفسه عن خيانة، أو يترفع بها عن ~~كذب، وغدر، وتملق، ونفاق؟! # وقد تقرر: أن العلة ms40 الغائية لأعمال الإنسان، إنما هي نفسه - كما سبق - ~~فإن لم يؤمن بثواب وعقاب، وحساب وعتاب، في يوم بعد يومه، فما الذي يمنعه عن ~~ذمائم الفعال، خصوصا إذا تمكن من إخفاء عمله، وأمن من سوء عاقبته في ~~الدنيا، أو رأى منفعته الحاضرة في ركوب طريق الرذيلة، والعدول عن سنن ~~الفضيلة، وأي حامل يحمله على المعاونة والمرادفة، والمرحمة والمروءة، وعلو ~~الهمة، وما يشبه ذلك من الأخلاق التي لا غنى للهيئة الاجتماعية عنها؟! # ولئن وجد في أحد الجاحدين شيء من مكارم الأخلاق بمقتضى الغريزة لكان عرضه ~~للفساد، أو كان أبتر ناقصا، لفقد ما يمده من سائر صفات الكمال. # وقد تبين: أن أول تعاليم النيتشريين «الدهريين» إبطال هذين الاعتقادين: ~~الاعتقاد بالله، والاعتقاد بالحياة الأبدية، وهما أساس كل دين، وآخر ~~تعاليمهم الإباحة والاشتراك، فهؤلاء القوم هم الساعون في نسف بناء ~~الإنسانية، وتذريته في ذيول السافيات (¬1) ، يطلبون ضعضعة أركان المدنية، ~~وفساد الأخلاق البشرية، ويقوضون بذلك ما رفعه العلم، وشادته المعرفة، ~~فيهلكون الأمم بإطفاء حرارة الغيرة، وإخماد ريح الحمية. # هؤلاء جراثيم اللؤم والخيانة، وأرومات الرذالة والدناءة، وأحلاس (¬2) ~~الخسة والنذالة، وأعلام الكذب والافتراء، ودعاة الحيوانية العجماء، محبتهم ~~كيد، وصحبتهم صيد، وتوددهم مكر، ومواصلتهم غدر، وصداقتهم خيانة، ودعواهم ~~للإنسانية حبالة (¬3) ، ودعوتهم للعلوم شرك ومكيدة. # يخونون الأمانة، ولا يحفظون السر، ويبيعون ألصق الناس بهم، بأدنى ~~مشتهياتهم. # عبيد البطون، وأسراء الشهوات، لا يستنكفون من الدنية، إذا أعقبتها عطية، ~~ولا يخجلون من الفضيحة، اذا تبعتها رضيخة (¬4) ، لا علم عندهم بالوقار، ولا ~~إحساس لهم بالعار، ولم يبلغهم عن شرف النفس خبر مخبر، ولا وصل إليهم عن ~~الهمة عبارة معبر، أو تفسير مفسر، الابن فيهم لا يأمن أباه، والبنت لا أمان ~~لها من كليهما. PageV05P006 # نعم، أي حد تقف دونه حركات طبع «الطبيعيين» ؟ # قد يوجد بين الناس من تغره نعومة لمس هذه الأفاعي، وتروقه رقطة جلودها، ~~وانتظام الرقش فيها، فينخدع لهم بما يلتبس عليه من أمرهم فيصغي لزخرف ~~قولهم، ويظن أن هؤلاء القوم من طلاب التمدن والأعوان على الاصلاح، أو من ~~الراغبين في بث المعارف، ms41 أو المنقبين عن الحقائق، أو يتخيل أن منهم من يكون ~~عونا عند الضيق، أو عونا في الشدة، أو مخزنا للأسرار عند الحاجة، فذلك ~~المغرور بمظاهر هذه الطائفة لا محالة يبكى عليه، ويضحك منه، فالضحك عجبا من ~~غروره، والبكاء حزنا على ضلاله. # فتبين مما قررناه: أن الدين وإن انحطت درجته بين الأديان، ووهى أساسه، ~~فهو أفضل من طريقة الدهريين، وأمس بالمدنية، ونظام الجمعيةالإنسانية، وأجمل ~~أثرا في عقد روابط المعاملات، بل في كل شأن يفيد المجتمع الإنساني، وفي كل ~~ترق بشري إلى أية درجة من درجات السعادة في هذه الحياة الأولى. # ولما كان نظام الأكوان، قد بني على أساس الحكمة، ونظام العالم الإنساني ~~جزء من النظام الكوني، ألهم الله نفوس البشر أن تفزع إلى مقاومة أولئك ~~المفسدين «الدهريين» في أي زمان ظهروا، ومدافعة ما يعرض من شرهم، كما ~~ألهمهم الفزع من الحيوانات المفترسة، والنفرة من الأغذية السامة، وأنهض ~~حفاظ النظام المدني الحقيقي - وهو الدين - لبذل الجهد، وإفراغ الوسع في محو ~~آثارهم، واستئصال ما يغرسون من تعاليمهم. # لا جرم أن مزاج الإنسان الكبير - يعني عموم النوع - بما أودع الله فيه من ~~الشعور الفطري - وهو أثر الحكمة الإلهية العامة - يمج هؤلاء الخونة، ولا ~~يحتمل وجودهم في باطنه، فيدفعهم كما تدفع الفضلات من المعدة، أو الذنانة ~~(¬1) من المنخر، أو النخامة من الصدر. # لهذا تراهم، وإن حلوا بعض منازل الأرض من زمان بعيد، وأيدهم بعض النفوس ~~الخبيثة من ذوي الشوكة لأغراض سافلة، إلا أنهم لم يثبتوا، ولم يتم لهم أمر، ~~بل كان عارض السوء منهم كسحاب الصيف، كلما ظهر تقشع، والنظام الحقيقي لنوع ~~الإنسان - وهو الدين - لم يزل مستقرا راسخا، في جميع الأجيال، وعلى أي ~~الأحوال. # فلم تبق ريبة أن الدين هو السبب الفرد لسعادة الإنسان، فلو قام الدين على ~~قواعد الأمر الإلهي الحق، ولم يخالطه شيء من أباطيل من يزعمونه، ولا ~~يعرفونه، فلا ريب أنه PageV05P007 ~~يكون سببا في السعادة التامة والنعيم الكامل، ويذهب بمعتقديه في جواد ~~الكمال الصوري والمعنوي، ويصعد بهم إلى ذروة الفضل الظاهري، ms42 والباطني، ~~ويرفع أعلام المدنية لطلابها، بل يفيض على المتمدنين من ديم الكمال العقلي ~~والنفسي ما يظفرهم بسعادة الدارين.. # والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # وهذا آخر ما دعت إليه الحاجة؛ من المقابلة بين مذهب الدهريين وبين الدين ~~على وجه عام، وأثر كل من الأمرين في بنية الاجتماع الإنساني. PageV05P008 ms43