######OpenITI# #META# URI: 1314JamalDinAfghani.TatimmatBayanFiTarikhAfghan.Hindawi96948464 #META# Tags: history #META# ID: 96948464 #META# Title: تتمة البيان في تاريخ الأفغان #META# AuthorID: 71572096 #META# Author: جمال الدين الأفغاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة المؤلف‏ # 1 - في اسم هذه الأمة‏ # 2 - في نسب هذه الأمة‏ # 3 - في ابتداء سلطنتهم وقيام زعيم منهم بأمر الملك‏ # 4 - في بيان الشعوب المختلفة الساكنة في الأقطار المعبر عنها باسم أفغانستان‏ # خاتمة الكتاب‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - في اسم هذه الأمة‏ # 2 - في نسب هذه الأمة‏ # 3 - في ابتداء سلطنتهم وقيام زعيم منهم بأمر الملك‏ # 4 - في بيان الشعوب المختلفة الساكنة في الأقطار المعبر عنها باسم أفغانستان‏ # خاتمة الكتاب‏ # | تتمة البيان في تاريخ الأفغان # | تتمة البيان في تاريخ الأفغان # تأليف # جمال الدين الأفغاني # | مقدمة المؤلف # لهجت الجرائد في هذه الأيام بذكر أحوال الأمة الأفغانية المعروفة بعزة النفس ~~وشدة البأس وعلو الهمة، التي لم تسمح نفوسها بأن تستظل بظل العجز، ظل المكر والحيل ~~والخداع القاضي على المستظلين به بالذل والهوان، ولم ترض الدخول تحت حماية الحضجر ~~المبتلى بجوع البقر والاستسقاء الذي لم يشبعه ابتلاع مائتي مليون من الناس، ولم تروه مياه ~~التمس والقنج؛ بل فغر فاه ليبتلع بقية العالم ويجرع مياه النيل ونهر جيحون. وقادها شرف ~~النفس لاختيار الموت الفاضل على الحياة الدنيئة، تحت سطوة أجنبيين، وإن اقترنت برغد العيش ~~وطيب المطعم والمشرب، فقام أميرها مستشيرا وزراءه الذين هم على أخلاقه، فاجتمعت آراؤهم ~~على إرغامها برد سفارتها؛ لما عهد فيها من نقض العهود والمواثيق والتهاون برعاية الذمم، كما ~~أرغمها آباؤهم في الأزمنة الخالية، حيث فتكوا برجالها وصرعوهم بحد سيوفهم. # وها هي مصارعهم تشهد بذلك إلى الآن، فحدا بنا ذلك إلى ذكر مجمل أحوالها السابقة واللاحقة، ~~وعاداتها، وأخلاقها، ونمط حكومتها وطرز بلادها، وذلك في فصول. # الفصل الأول # | في اسم هذه الأمة # إن الفارسيين يسمونهم بأفغان، ويعللون ذلك بأنهم حينما أسرهم «بخت نصر» كان لهم أنين ~~وحنين، والأنين يسمى بالفارسية «أفغان»، فأطلق عليهم هذا الاسم من ذلك الوقت، وقيل: إن ~~أفغان اسم الحفيد «شاءول» وهو جد الأفغانيين، فسموا باسم جدهم. وعوام الفرس يطلقون ~~عليهم اسم «أوغان»، وهو قريب من الأول، والهنود يسمونهم «بتان»، وبعض قبائل الأفغانيين ~~كالمقيمين «بقندهار» و«قزن» يسمون أنفسهم «پشتو» ms01 و«پشتان» بالباء الفارسية فيهما، وبعضهم ~~كساكني «خورست» و«كورم» و«باجور» يسمون أنفسهم «پغتو»، و«پغتان» بالباء الفارسية ~~فيهما. # ومن دقق النظر في تقارب هذه الألفاظ يعلم أنها من أصل واحد، وأن لفظ «بغتان» و«أوغان» ~~و«بتان» محرف عن «بغتان»، و«بغتان» و«بشتان» يصح أن يكونا مأخوذين من «باشتان» وهي قرية ~~من قرى «نيسابور»، أو يكونا مأخوذين من «بشت» اسم مدينة من مدن خراسان، ثم ركب مع الألف ~~والنون الدالتين على الجمع في لغة فارس، على احتمال أنه كان لهم بهما إقامة ثم استمر ~~الإطلاق بعد مبارحتهما، والواو في «بشتو» و«بغتو» المحرف عنه للدلالة على النسبة كالياء ~~في لغة العرب، وحذفت مع الجمع تخفيفا، ويحتمل أن يكونا مأخوذين من «بشيت» اسم قرية من قرى ~~فلسطين، على احتمال كونهم من بني إسرائيل كما سنشير إليه. # الفصل الثاني # | في نسب هذه الأمة # تتألف هذه الأمة من قبائل متعددة «كغلجائي» و«عبدل» و«كاكر» و«دربري» و«يوسف زائي» ~~و«مهند» و«أفريدي» و«بنكش» وغيرها من القبائل التي تسمت بأسماء أماكنها «كخوستي» و«كرمي» ~~و«باجوري»، وكل قبيلة تحتوي على عمائر # 1 # مختلفة، فمثلا «الغلجائي» تشتمل على «هتك» و«توخي» و«سليمان خيل» و«أورباخيل» ~~وغيرها، و«عبدل» تتركب من «باركزائي» و«علي كوزائي» و«علي زائي» و«باميزائي»، وكل عمارة من ~~هذه العمائر تتضمن بطونا، وبطونها تتضمن أفخاذا، ولسنا الآن بصدد بيان أسماء البطون ~~والأفخاذ وما يختص بكل منها؛ لضيق المقام، وتجتمع هذه الفروع في أصل واحد يسمى «بشتو» أو ~~«بشتان». # وقد اختلف أرباب التواريخ في منبت هذا الأصل، فقال بعضهم: إنهم من طائفة الخزر كانوا ~~يسكنون بسواحل بحر «كاسبتان» وفي «باب الأبواب» و«الشروانات» وكانوا يغيرون على بلاد إيران ~~وينهبون ممالكهم، ثم نقلهم بعض الملوك إلى شرقي بلاد خراسان في زمن غير معلوم، ونسبه بعض من ~~لا خبرة له بالتواريخ إلى الأمير «تيمور الكوركان»، وضعفه ظاهر؛ إذ الأفغانيون في أماكنهم ~~هذه من قبل زمان تيمور بقرون، وقال بعضهم: إنهم من أولاد الضحاك الذي اشتهر عنه في ~~«ميثولوجيا» فارس بأنه كان له سلعتان بكتفيه يوهم أنهما ثعبانان، وقال بعضهم: إنهم من ~~الآشوريين الكلدانيين ms02 حتى إن بعض سياح الإفرنج ادعى أنه يوجد في اللغة الأفغانية بعض من ~~الألفاظ الكلدانية، وقال بعضهم: إن هذه الطائفة التي ملأت الجبال الواقعة بين نهر «أتك» ~~و«خراسان» - أعني طائفة الأفغان - من نسل الأقباط ~~المصريين الذين كانوا مع «سوزستريس» حين افتتاحه البلاد الهندية، وقال بعضهم: إنهم من أسباط ~~بني إسرائيل وإن «بخت نصر» أسكنهم بعد قتل كثير منهم في الجبال المسماة «قوهستان غور» أو ~~«غور» فقط، وقال: إنهم سموا مسكنهم الجديد بهذا الاسم؛ تذكارا للوادي الكائن بأرض الشام ~~المسمى بغور، وسموا ببغتو الذي هو محرف عن «بختو» نسبة إلى «بخت نصر»، فإن الواو في ~~الفارسية كياء النسبة في العربية، كما أشرنا إليه سالفا، ثم تكاثر عددهم فتسلطوا على تلك ~~الجهات، وكان بينهم وبين يهود البلاد العربية مراسلات، ولما دخلت يهود العرب في دين الإسلام ~~بعثوا برجل منهم يسمى خالدا إلى بلاد الأفغان يدعونهم إلى الدخول في دين الإسلام، فأرسل ~~الأفغانيون جماعة من أمرائهم، وكان فيما بينهم رجل يسمى قيسا، يتصل نسبه إلى أسباط بني ~~إسرائيل بسبع وأربعين واسطة، وإلى إبراهيم بخمس وخمسين واسطة، فقدمهم خالد إلى الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وصاروا مشمولين بعنايته، وخص قيسا بعواطفه الخاصة وسماه عبد الرشيد، ولقبه ~~بالأمير، وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: إنه حقيق بهذا اللقب؛ لأنه من نسل سلاطين بني إسرائيل، وهؤلاء ~~المرسلون قد وافقوا النبي # صلى الله عليه وسلم # في فتح مكة وظهرت عليهم آثار الجلادة في تلك الواقعة، ثم ~~رجع قيس إلى بلاده مصحوبا برفقائه بعد أن دعا النبي - عليه الصلاة والسلام - له بالخير ~~والبركة، وأصحبه أيضا بجماعة من أهل المدينة؛ لتأييده في ترويج أمر الإسلام وإقامة مراسم ~~الدين الحقيقي في جبال «غور» الواقعة في خراسان، وبعد وصول قيس إلى تلك الجهات أفرغ جهده في ~~جلب قلوب أتباعه إلى دين الإسلام، وقد نال مقصده بدخولهم جميعا في هذا الدين، وتوفي قيس في ~~سنة 40 من الهجرة عن سبع وثمانين سنة، وخلف ثلاثة أولاد ذكور، وذهب بعضهم إلى أن نسبه ~~يتصل إلى ms03 شاءول، وله جميل ذكر إلى هذا الوقت في بلاد الأفغان، حتى إن أمراءهم يجتهدون في ~~إيصال نسبهم إليه، وللأفغانيين شجرة أنساب يعتمدونها إلى هذا العهد تؤيد هذا الأصل - أعني ~~أنهم من نسل أسباط بني إسرائيل - إلا أنه لا يوجد أدنى مشابهة بين لسان «بشتو» وهو لسان ~~الأفغانيين وبين اللسان العبري أصلا. # نعم، إن اعتقادهم بكونهم من هذا الأصل مع بعد المسافة بين أراضيهم ومقر الإسرئيليين ووجود ~~محل يسمى ب «خيبر» في بلادهم ربما يوجب ظن البعض بصحة هذه الرواية. وقال بعضهم: إنهم طائفة ~~من الأرامنة كانوا ساكنين في «شروان» التي كانت تسمى سابقا «ألپان» بالباء الفارسية، ويؤيد ~~ذلك أن الكنائس الواقعة في «قراباغ» المتاخمة لشروان تسمى إلى هذا العهد «بقندسار»، ويقال ~~لكبير تلك الجهات «أغوانج» ومعنى أغوانج في لغتهم كبير الأغوان، وإن الأرامنة الساكنين في ~~«كنجة» و«روان» و«نخجوان» و«كيلان» يفتخرون بهذا الاسم - أعني «أغوان» ويدعون الأغوانية - ~~فيحتمل أن يكون لفظ أفغان محرفا عن أغوان أو ألبان، وأن يكون رئيس القندسار بعد انتقاله ~~إلى مقامهم الآني وإقامتهم بخطة قندهار سماها بهذا الاسم - أعني قندسار ثم حرف إلى ~~قندهار - ويظهر من أطوارهم أنهم حين مهاجرتهم من أوطانهم الأصلية إلى مستوطناتهم الحالية ~~كانوا متدينين بالديانة النصرانية، ثم أسلموا فيما بعد، وقد يوجد فيهم إلى الآن آثار بعض ~~عادات جدودهم كوضعهم ما يشبه شكل الصليب على أقراص خبزهم. # قول هذا البعض وإن لم يكن خاليا عن الصحة بالمرة، إلا أن تجويزه كون قندهار محرفا عن ~~قندسار يدل على قلة بضاعته في فن التأريخ؛ لأن قندهار من المدن القديمة الشهيرة المذكورة في ~~«مهابران» كتاب ميثولوجيا الهنود، وقال بعضهم: إن هذه الطائفة كانت موجودة بتلك الجبال من ~~عهد قديم على امتيازها على غيرها من الطوائف حتى قال: إنها هي التي حاربت مع إسكندر ~~الرومي، بل كانت في زمن «كشتاسب» وكانت تابعة لولاية «سجستان» تحت حكم رستم المشهور، وكانت ~~تدفع له في كل عام عشرة جلود من جلد البقر باسم الخراج، ثم جاهرته بالعصيان، وامتنعت عن دفع ms04 ~~هذا الخراج الجسيم، إلا أنه استظهر عليها، وأرجعها إلى طاعته، والحق أن هذه الأمة من أصل ~~إيراني وأن لسانها مأخوذ من لسان «زندواستا» وهو اللسان الفارسي القديم، وله مشابهة تامة ~~بالفارسية المستعملة الآن، وإن متأخري المؤرخين كفرنسيس لنورمان وغيره يؤيدون هذا ~~الرأي. # الفصل الثالث # | في ابتداء سلطنتهم وقيام زعيم منهم بأمر الملك # نشأت هذه الأمة على الجلادة والإقدام فكانت أمة حربية لا تدين لسلطة الأجنبي عليها، حتى ~~أنه في زمن محمود الغزنوي وجنكيز خان التتري وتيمور الكوركان، الذين تمت لهم السلطة ~~عليها، لم تكن تبعيتها لهم خالية من الخطر، وكذلك في عهد انقسام ممالكها بين سلاطين الهند ~~وفارس؛ إذ كانت تتربص بملوكها الشر دائما وتترقب الفرص لإيقاد نار الفتنة، وقد تطاولت أيدي ~~طائفة «الغلجائي» على معسكر محمود الغزنوي ونهبوه، وقد تسلطوا على مدينة «قزنة» زمنا وشكلت ~~طائفة منهم سلطنة في «دهلي» أيضا. # ولما استولى شاه عباس الكبير على بلدة «قندهار» دخلت طائفة الغلجائي و«العبدل» تحت طاعته، ~~ثم جار عليهم الحاكم المتولي من طرفه وعاملهم بالظلم، أرسلوا من طائفة العبدل رجلا يسمى ~~«سدو»؛ ليرفع الشكاية من الحاكم لحضرة الشاه، فلما وصل وعرض الشكاية عليه تعجب الشاه من ~~فصاحته، ولاسترضائه عزل ذلك الحاكم وولاه بدله، فأقام في منصبه بالعدالة وحسن السلوك، حتى ~~جلب قلوب الأفغانيين إليه بحيث رأوا أنه من الواجب أن تكون حكومة الأفغان دائما من ذرية ~~هذا الشخص، وبلغ منهم حسن الاعتقاد فيه إلى حد لو قتل أحد من ذريته أحدا منهم لا يقاصونه، ~~ولو سل أحد سيفا على أحد من نسله كان عقابه القتل، وقد تكون من نسله فصيلة تسمى ~~«سدوزائي» ومنها أحمد شاه على ما سنبينه، وفي زمن شاه سلطان حسين الذي هو آخر سلاطين ~~الصفوية الإيرانية، وقد جلس على كرسي الملك في سنة 1106، حصل العصيان من قبيلة «الغلجائي» ~~القاطنة في مدينة «قندهار» وما يليها، وكلما اجتهدت رجال دولة الشاه في قمعهم لم تزدد نيران ~~الفتنة إلا اشتعالا، فلما أعيتهم الحيل في أمر العصاة أرسلوا إليهم «جرجين خان ms05 الكرجي» ~~الذي كان حاكما من طرف الشاه على «كرجستان» وكان قد أظهر العصيان على الشاه إلا أن دولة ~~الشاه استظهرت عليه وقهرته، وبعد وقوعه في قبضتها لم يجد كفارة لذنوبه سوى خلعه للدين ~~المسيحي، ودخوله في الدين المحمدي، وكان معروفا بحسن التدبير وقوة الحزم وثبات الجأش، ~~وجعلوه حاكما على قندهار. # ولما ظن الشاه أن لسلاطين الهند التيموريين يدا في إيقاد الفتنة، أرسل مع جرجين المذكور ~~نحو عشرين ألفا من العساكر الإيرانية وجماعة من الأبطال وذوي الدراية والدربة من أهالي ~~كرجستان احتياطا لكف شر المداخلات الخارجية، فلما وصل هذا الخان بعساكره إلى ضواحي قندهار ~~خرج العصاة وأظهروا الطاعة والانقياد إلا أنه رأى من الواجب عليه إظهار القساوة ومعاملتهم ~~بالخشونة؛ ليذلل بذلك نفوسهم، فلم ير من عزيز إلا وأذله، ولا من قوي إلا وأضعفه، ولا من ~~أمير إلا وأسره، حتى ضاقت صدور القوم عن كتم ما أودعها هذا الوالي من الضجر والغضاضة؛ ~~فبعثوا رسلا وسفراء إلى أصفهان كرسي دولة الشاه ليعرضوا أحوال الأهالي على مسامعه، وحين ~~وصولهم إلى أصفهان بذلوا مجهودهم لنيل ملاقاة الشاه لعرض شكواهم، وبعد أن أعيتهم الحيل ~~لكثرة الحجاب والمناع «الذي هو أساس الظلم في البلاد الشرقية حيث يوجب تطاول أيدي الولاة ~~والمأمورين على حقوق الرعايا كما هو مشاهد الآن في جميع أقطار الشرق» حظوا بملاقاته مرة ~~واحدة، وعرضوا عليه مظالمهم، وكان بمعيته بعض أحباء جرجين خان فألقى إليه: أن شكوى هؤلاء ~~العصاة شكوى الزور والبهتان يرومون التخلص من واليهم صاحب الضبط والربط؛ ليعودوا إلى مثل ما ~~كانوا عليه، فلم يسمعوا من السلطان سوى العتاب فرجعوا إلى بلادهم مصحوبين بالخيبة وبثوا خبر ~~الواقعة في أقوامهم، وكان للولي اطلاع على هذا الأمر بواسطة رقبائه، فأضمر السوء، وأخذ ~~ينتهز الفرص للإيقاع بمن كان له مدخلية في هذا التظلم، خصوصا «ميرويس» المشهور بجلالة ~~النسب، ومكانة الحسب، الذي كان أميرا لقبيلة كبيرة، محافظا على بلدة قندهار، ومعروفا بين ~~الناس بسعة الأخلاق، وفصاحة اللسان، ولين الجانب، وجودة القريحة، وكان ذا وقع في النفوس ~~وتمكن ms06 في القلوب، فمد الوالي عليه يد التعدي بعد زمن وأرسله مسلسلا إلى مدينة أصفهان، وكتب ~~إلى أولياء الدولة أن الراحة والطمأنينة لا تستقران في البلاد إلا بحبس هذا الرجل، ومنعه من ~~الرجوع إلى قندهار؛ لأنه مصدر الفساد ومنشأ الفتن. # وقد أخطأ جرجين خان في إرسال ميرويس إلى أصفهان مع علمه بأن الأمراء الشرقيين توطنت ~~نفوسهم على الارتشاء، وأن بلوغ المقاصد ونيل المرام موقوفان على وجود الرشوة وعدمهما على ~~عدمها، فإنه بإرساله هذا قد مكنه من إعطاء الرشوة لأولياء الدولة؛ لينال منهم مرامه، فلم ~~تمض مدة من وصول ميرويس إلى أصفهان حتى اطلع على هيئة الحكومة وضعف عقل الشاه ونفاق أركان ~~الدولة، وأولياء الأمور، وتودد إلى كثير من أعداء جرجين خان، واستمال قلوبهم إليه، حتى ~~ساعدته الفرصة على مقابلة الشاه فبث إليه تفاصيل ما عنده من المطالب، وتمكن بحذقه وعذوبة ~~منطقه من استمالة قلب الشاه إليه وتوسل بالرشوة إلى جذب قلوب الأمراء والكبراء، ولم يلبث أن ~~انتظم في سلك أولياء الأمور في دولة الشاه. # وكان يمكنه إذ ذاك الرجوع إلى قندهار إلا أنه بعد اطلاعه على ضعف دولة إيران واختلال ~~أمورها تمكن من نفسه فكر أعلى من هذا، وهو أنه يمكن أن يخلص بلاد الأفغان بتمامها ويفصل ~~حكومتها عن حكومة الشاه، وعلم أن مثل هذا الأمر العظيم لا يصح الاستعجال فيه، فطلب من الشاه ~~أن يرخص له في السفر للحج، فلما وصل إلى مكة المكرمة رأى من المناسب أن يأخذ بعض الفتاوى من ~~علماء أهل السنة بوجوب محاربة الشيعة؛ ليدعو بذلك قومه إلى حرب دولة الشاه التي هي دولة ~~شيعية، ويجمع كلمتهم على ذلك، فتحصل على بعض فتاوى بذلك، وبعد قضاء فريضة الحج رجع إلى ~~أصفهان مخفيا أمره مظهرا للشاه غاية الإخلاص. # ومن غرائب الاتفاق أن وقعت في ذلك الوقت واقعة كانت من أحسن الوسائل لتنفيذ مقاصده، وهي ~~أن رجلا مجهول النسب من الأرامنة عالما ببعض الألسن الشرقية تقدمت له خدمات للدولة ~~الروسية في الممالك العثمانية فتوسل إلى إمبراطور الروس «بطرس ms07 الأكبر» في أن يجعله سفيرا ~~لدى الشاه، فلحسن خدمته اقترن طلبه بالقبول فبعثه الإمبراطور إلى إيران سفيرا، وزاد في ~~مكافأته أن أعفى جميع الأموال التجارية المتعلقة بهذا الرجل من رسوم الجمرك، فجمع هذا ~~السفير كثيرا من تجار الأرمن، وتوجه بهم إلى إيران، ولما قرب من حدودها شهر نفسه بأنه من ~~أولاد سلاطين الأرمن، فاتخذ ميرويس دخول هذا السفير بهذه الكيفية أحسن وسيلة لنيل مقاصده، ~~وذلك أنه أخذ يتكلم في المجامع والمحافل سرا وعلانية، بأن النصارى يريدون أن ينزعوا ~~كرجستان وأرمنستنان من أيدي دولة الشاه، ولا بد أن يكون جرجين خان حاكم قندهار هو الواسطة ~~الفعالة في ذلك، ولقرب عهد جرجين خان بالإسلام؛ أخذ هذا الكلام من النفوس موقعا، وغلب على ~~ظن أولياء الدولة صدقه، فراموا قهر جرجين خان، إلا أنه لقوة عضده وتمكنه في قندهار، تخوفوا ~~من عصيانه عليهم، فأرجعوا ميرويس إلى بلاده حتى إذا تحرك وجرجين خان للعصيان قاومه للعداوة ~~السابقة بينهما «انظر إلى ضعف الرأي واضطراب فكر الشرقيين إلى يومنا هذا.» # ولما رجع ميرويس إلى قندهار اشتد غضب جرجين خان وأراد أن يتخذ وسيلة لهلاكه، فأرسل إليه ~~يتحكم عليه في أن يبعث بابنته إلى ابنه، وإذ رأى ميرويس أن هذا الطلب على وجه قهري وأن ~~إذعانه له يحط من قدره، جمع الأفغانيين وحدثهم القصة، فاغتاظوا لذلك وحثوه على المقاومة ~~والمدافعة عن شرفه؛ فامتلأ لذلك سرورا، لكنه أمرهم بالصبر والتأني، وقال: «الأولى أن نقتل ~~الأسد في النوم إلا أنه يلزمكم الثبات على ما أنتم عليه واعتمدوا علي فإني سأنتقم من ~~العدو.» فاطمأنوا وحلفوا له بالخبز والملح والسيف والقرآن على معاضدته والقيام بطاعته ~~وقالوا: «ومن رجع عن ذلك فزوجته طالق بالثلاث.» # وكان من خادمات ميرويس المتربيات في بيته بنت جميلة أرسلها إلى جرجين خان ليتزوجها ابنه ~~باسم أنها بنته، وأظهر غاية السرور والبشاشة وأنه غير حاقد على جرجين خان؛ فمحا بذلك ما في ~~قلب جرجين، وأزال أحقاده حتى حصل عنده كمال الاعتماد عليه، وبعد زمن هيأ ميرويس مأدبة فاخرة ~~بحديقة ms08 خارج البلد دعا إليها جرجين خان وأتباعه، وكان شراب الجميع بتلك المأدبة كأس الموت ~~وساقيه ميرويس «هكذا لا يليق بالأمراء والسلاطين إذا غدروا بشخص أو ظلموه أو أضاعوا حقه أن ~~يصافوه ويعتمدوا عليه خصوصا في مهمات أمورهم، فإن الحقد والعداوة إذا قرعت قلبا قلما ~~زايلته.» ولبس ميرويس لباس جرجين خان وتبعته من الأفغان ألبسة تبعته، ودخلوا البلد بعد ~~المغرب، وهجموا على مستحفظي القلعة على حين غفلة، ولحق بهم جماعة من الأفغانيين كان قد ~~أعدهم كمينا قرب المدينة وانضم إليه أيضا سائر الأفغانيين الساكنين فيها فاستأصلوا جميع ~~المحافظين إلا من فر، واستولوا على القلعة ونادوا: «من لم يأو جنديا من جند جرجين فهو ~~في أمان.» وكان هناك ستمائة جندي أرسلهم جرجين لتأديب بعض القبائل في بعض نواحي الولاية، ~~فقدموا إلى قندهار بالغنائم الوافرة بعد تلك الواقعة، فقوبلوا بالمدافع والبنادق وشجعان ~~الأفغانيين فاطلعوا على حقيقة الأمر، وقاوموا مهاجميهم، فخرج إليهم ميرويس بخمسة آلاف، ~~وثبتت أقدامهم أمام عساكره ثلاثة أيام أظهروا فيها من الجلادة والبسالة ما استوجب الثناء ~~عليهم، ثم انهزموا، إلا أنهم خلصوا أنفسهم، ونجوا إلى أرض خراسان، فأخبروا بالواقعة، ~~فازدادت بذلك دهشة الإيرانيين من الأفغانيين. # ولما خلا جو قندهار من المعارضين بعث ميرويس إلى رؤساء القبائل الأفغانية، فحضروا، ثم ~~قام فيهم خطيبا يبين فضائل الحرية ومزاياها، وشدائد العبودية وبلاياها، ثم قال: «إن ~~وازرتموني واتفقتم معي، فسنخلص أعناقنا من غل الذل، وننشر أعلام العز والحرية، ونتملص ~~من سلطة الإيرانيين الشيعيين.» ثم أبرز ما عنده من الفتاوى الحاكمة بقتال الشيعة التي سبق ~~أخذها من علماء مكة، وأذن فيهم قائلا: «ألا من رجع جانب الإيرانيين، واختار أن يكون في ~~ربقة عبوديتهم، فليقطع الأمل عن أن يساكننا في ديارنا؛ إذ لا يمكن له معاشرتنا ويستحيل أن ~~ينال مودتنا ومصافاتنا.» فوافقه جميع الأمراء، وأكدوا الموافقة بالأيمان «هكذا، هكذا، ~~أولو الفضيلة والحزم، يفدون بأرواحهم ويخاطرون بأنفسهم؛ لتحرير أمتهم، وتخليصها من ربقة ~~الأسر والذل، ولا يطلبون لذلك جزاء سوى تخليد الذكر الجميل، بخلاف أرباب النفوس الدنيئة ~~والهمم المنحطة ms09 المنهمكين في الشهوات، فإنهم يبيعون أممهم وأوطانهم للأجانب بأبخس ~~الأثمان.» # ولما بلغ خبر اتفاق الأفغانيين كرسي دولة الشاه، فعوضا عن أن يرسل عسكرا جرارا ~~لتأديب العصاة وتقرير السلم، أرسل «محمد جامي خان»؛ لتهديد ميرويس ومن اتفق معه، فلما وصل ~~هذا السفير إلى قندهار أخذ يبين عظمة دولة إيران وقوتها وقدرتها التامة على تذليل من ناوأها ~~وينذر ميرويس بسوء عاقبة عمله هذا، فأجابه ميرويس قائلا: «هل تظن أنه لا يوجد العقل إلا في ~~رءوس المترفين وأرباب النعم ولا يوجد في أهالي جبال الأفغانستان؟ ولو أن في إمكان سلطانك ~~قهري وغلبتي ما كان له من حاجة لإرسالك لتتكلم بهذه الكلمات التي لا طائل تحتها.» ثم أمر ~~بحبسه، ومع ذلك لم تنته دولة الشاه من نوم الغفلة، حيث بعثت بسفير آخر يسمى «محمد خان» ~~حاكم هرات بعدما بلغها حبس السفير الأول، وقد كان السفير الثاني من أحباء ميرويس ومصاحبه في ~~سفر الحج، ولما وصل إلى قندهار قال له ميرويس: «لولا سابق المحبة والصحبة لعاقبتك عقاب ~~المذنبين، ولكن لا بد أن تعلم أن الرجال الأفغانيين لا يعودون إلى تحمل نير العبودية ~~بعدما تخلصوا منه، وأن الأسود التي قطعت السلاسل لا تقيد بها، وأن السيوف المسلولة لا تغمد، ~~وأن ملككم سينكب ويغلب ودولتكم ستنهب وتسلب.» ثم أمر بقيده. # ولما رأى أولياء الدولة أن لا فائدة في إرسال الرسل، ولا مفر من المحاربة، وجهوا ~~الأوامر لحكام خراسان أن يجيشوا جيوشهم، ويهجموا على الأفغانيين، وبعد انهزامات متتالية ~~للعساكر الإيرانيين تحقق لديهم أن عساكر خراسان وحدها لا تكفي لقمع الأفغانيين، فأعدوا ~~جيشا كبيرا وجعلوا قيادته بيد «خسرو خان» ابن أخ جرجين خان الذي لم يكن في الجلادة والرشد ~~أقل من عمه، وإنما فوضوا قيادته إليه؛ ليكون حب الانتقام لعمه موجبا لزيادة إقدامه ~~وتحمسه «هكذا لا تفيد المماطلة والإهمال سوى الوقوع في الشقاء وعسر التخلص منه.» # فتقابل خسرو خان مع ميرويس واشتعلت نيران الحرب بينهما، فانهزم ميرويس، وحاصر خسرو خان ~~مدينة قندهار فطلب محافظوها الأفغانيون من خسرو خان أن ms10 يسلموا له المدينة على شرط أن يؤمنهم ~~على حياتهم فلم يرض بهذا الشرط، فلما علموا أن لا مفر من الموت أخذوا أهبة الدفاع، وكانوا ~~كل يوم يهاجمون محاصريهم، وميرويس بعد جمع عساكره المتفرقة شرع في الهجوم عليهم من الخارج، ~~حتى نفدت ذخائر خسرو خان فاضطر لترك المحاصرة والاشتغال بمدافعة ميرويس، إلى أن قتل، ولم ~~ينج من عساكره الإيرانية التي كان مقدارها خمسة وعشرين ألفا سوى خمسمائة شخص «تلك عاقبة ~~العجب والغرور.» # ثم أرسل الشاه جيشا آخر يقوده «محمد رستم خان» فانهزم أيضا وتمت السلطة لميرويس على ~~ولاية قندهار بلا مزاحم ولا مخاصم، ثم توفى ميرويس عن ولدين لا يزيد سن أكبرهما على ثماني ~~عشرة سنة؛ ولهذا اختار الأفغانيون أن يخلفه في الحكومة أخوه «مير عبد الله»، وكان لهذا ~~الخليفة ميل للصلح مع سلطنة إيران، إلا أن آراء الأفغانيين كانت لا تساعده على هذا الميل، ~~بل عارضوه، وقالوا: «إن لم تستطع أن تحذو حذو أخيك في المهاجمة فلا أقل من أن تهمل في أمر ~~المصالحة.» ومع ذلك لم يسمع مقالتهم، بل تشاور مع بعض أصحابه، واستقر الرأي بينهم على أن ~~يرسلوا معتمدين إلى دولة الشاه لعقد المصالحة بشروط ثلاثة؛ الأول: أن تعفى ولاية قندهار من ~~الخراج السلطاني. الثاني: أن لا يكون للدولة عساكر في تلك الولاية. والثالث: أن تكون ~~الإمارة وراثة في ذرية مير عبد الله المذكور. # فلما اطلع على ذلك الأمراء من الأفغانيين اشتد غيظهم منه وانحرفت قلوبهم عنه وحقد أكبر ~~ولدي ميرويس المسمى «محمود» الذي كان يظهر من ناصيته علائم النجابة والشهامة على عمه حيث ~~تعدى على حقه، فاتفق مع أربعين شخصا من الأفغانيين، ودخل بيته على حين غفلة، وذبحه، ~~وباطلاع الأفغانيين على ذلك، أقاموه حاكما على أنفسهم ولقبوه بشاه قندهار. # وفي تلك الأوقات بعينها قام «إزاد خان العبدالي» من الأفغانيين واستولى على مدينة هرات ~~ورفع لواء الاستقلال، واتفق مع بعض طوائف الأزبك على نهب بلاد خراسان الداخلة تحت حكومة ~~إيران، فبعثت حكومة الشاه بثلاثين ألفا من العساكر تحت ms11 إمرة «صفي قلي خان» لتأديب إزاد خان ~~فاستقبلهم بجيوشه، واقتتلوا من أول النهار إلى زوال الشمس، ولهول الواقعة اختلط الأمر على طبجية # 1 # الإيرانيين فلم يميزوا بين جيوش الأفغان وجيوشهم، فأخذوا يطلقون المدافع على ~~عساكرهم الخيالة، فظنت جيوش إيران أن هذه خدعة حربية؛ إذ كانوا يعلمون أن الأفغانيين لا ~~توجد عندهم المدافع فانفصلت العساكر بعضهم عن بعض، فاتخذ الأفغانيون ذلك فرصة للهجوم ~~فهجموا، وشتتوا شمل العساكر الإيرانية، وبددوها وقتل صفي قلي خان مع ابنه وثمانية آلاف من ~~العساكر الإيرانية، وتركوا جميع الأثاثات والأدوات العسكرية، وعشرين مدفعا وتمت بذلك ~~السلطة لأزاد خان في ولاية هرات، واستقرت بها الحكومة البدالية، كما استقرت الحكومة ~~الغلجائية في مدينة قندهار. # وفي أثناء هذه الفتن هجم الأكراد السنيون للنهب والإغارة على بلاد إيران، وتوغلوا ~~فيها حتى وصلوا إلى جدران أصفهان كرسي المملكة، وثارت أعراب مسقط، واستولت على جزائر خليج ~~فارس، وعلى الفرض # 2 # الواقعة بساحل ذاك الخليج، فلما رأى محمود شاه قندهار اختلال أحوال السلطنة ~~الإيرانية وضعف عقول أمرائها وتفرق كلمتهم وتمكن النفاق من قلوبهم «كما هو الواقع الآن في ~~أمراء الشرق» طمع في سلطنة الشاه، وساق عساكره لحربه من طريق «كرمان» مع عدم وجود المياه ~~والكلأ بذلك الطريق، فلما وصل إلى كرمان، ولم يكن أهلها على استعداد حيث هاجمهم على غفلة ~~منهم، سلموا له المدينة بدون حرب ولا منازعة، وحصل من عساكره أن أطالوا يد الظلم على ~~الأهالي «كما هو عادة المتغلبين من الأمم الشرقية بل الغربية.» ثم صدر الأمر من شاه إيران ~~إلى «لطف على خان» الذي كان واليا في بندر عباس بمحاربة الأفغانيين وطردهم، فتوجه إليهم، ~~ونازلهم، فلم تكن إلا واقعة واحدة طرد فيها الأفغانيين من كرمان، بحيث لم يستطيعوا الوقوف ~~في نقطة من النقط حتى رجعوا إلى قندهار، إلا أن أهالي كرمان صاروا كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار، حيث نالهم من يد عساكر الشاه ما أوقع الاشتباه عندهم: «هل مصائب تغلب الأفغانيين ~~أشد وأفظع أو مصائب مساعدة دولتهم؟» # ولما علم لطف علي خان ms12 أن مير محمود سيعود كرة ثانية، شرع في حشد العساكر وجمع الذخائر، ~~وأخذ أهبة الاحتياط في «شيراز». ولدواع اقتضاها الحال إما لعدم الانتظام أو حكم الزمان، قد ~~نشأ عن هذا وقوع الظلم بالرعية؛ إذ كانوا يصادرونهم في أموالهم، ويسخرون دوابهم في الأعمال ~~اللازمة وغير ذلك، فاتخذ أعداء لطف علي خان هذا الاختلال وسيلة للسعي في عزله، فسعوا لدى ~~الشاه فعزله عن رئاسة العساكر، فتفرقوا، وذهبوا من حيث جاءوا. «انظر إلى الأدنياء الأخساء ~~خائني الوطن والأمة، كيف أنهم لبعض أغراض شخصية وعداوات جزئية، وللتشفي من شخص واحد، قد ~~تسببوا في تفريق العساكر التي كانت وقاية للأمة وحفاظا للوطن، وترتب على تفريقهم ما ترتب ~~كما سنبينه.» # وفي تلك الأوقات قد أغار العبدالية من الأفغانيين على غالب بلاد خراسان حتى كادوا يفتحون ~~مدينة «مشهد» وهي طوس القديمة، وفي أثناء هذه الفتن والقلاقل وقعت زلزلة شديدة في مدينة ~~«تبريز» وأصبح ثمانون ألفا من الناس تحت التراب، وحصل في الجو تكاثف حتى حجب ضياء الشمس، ~~فكانت لا ترى إلا كنقطة من نحاس أحمر، فوقع في أوهام العامة أن هذه آثار الغضب الإلهي، ~~ومقدمات نزول البلاء السماوي، وأخذوا يتحيلون لدفع القضاء بطرد الفاجرات وإزالة كثير من ~~المنكرات، والمشايخ كانوا يطوفون في الأزقة ويدعون الناس للاستغفار، والمنجمون قد حكموا ~~حكما باتا أن هذه علامة لخراب أصفهان؛ فوقعت العقول في وحشة، والنفوس في حيرة، وضعفت ~~القلوب، وتدانت لهم حتى كانت هذه الأمة الكبيرة واقفة على قدم الاستعداد للموت، وانقطعت ~~آمالها من الحياة والنجاة. «تفطن وانظر إلى مضار الاعتقادات الخرافية، وما ينشأ عنها من ضعف ~~النفس وسقوط الهمة وارتباط الأيدي عن العمل.» # وفي سنة 1135 من الهجرة عاد مير محمود كرة ثانية من طريق كجستان إلى كرمان مع خمسة وعشرين ~~ألفا من عساكر الأفغان والبلوج، # 3 # واستولى على كرمان بدون تعب إلا القلعة التي هي مقر الحكومة فإنه لم يتمكن من ~~أخذها وتركها لمحافظيها على أن يأخذ منهم ألفين وخمسمائة تومان «كل تومان يساوي نصف جنيه ~~إنجليزي.» وقد أيقن ms13 الأهالي، وتجسم في مخيلتهم، أن محمودا هذا هو غضب الله النازل على دولة ~~إيران الموجب لخراب أصفهان، كما أخبر به العلماء والمنجمون، ثم عطف محمود عنانه إلى مدينة ~~«يزد» يريد افتتاحها، فلم يقدر، فتركها، وتوجه على خط مستقيم إلى مدينة أصفهان كرسي مملكة ~~الشاه، فلما صار على مقربة من أصفهان أرسل إليه الشاه رسولين يرجوانه في كف يد الإغارة ~~والعودة إلى بلاده في نظير أن يعطيه خمسة عشر ألف تومان، فكانت هذه الرسالة دليلا عند ~~محمود على استيلاء الضعف على الإيرانيين وتمكن الرعب من قلوبهم فلم يعبأ بهما وذهب إلى ~~«كلتاد» «قرية على فرسخين من أصفهان» وعسكر عندها، وحفر حول عساكره خندقا؛ لعلمه بأن ستقع ~~هناك محاربة بينه وبين عساكر الشاه، والتحق بعساكر محمود كثير من المجوس الذين على دين «زرتشت»؛ # 4 # رجاء أن تسلط محمود يكون سببا لتخليصهم من جور الشيعة، ولتسلط الوهم على الشاه ~~جمع الأمراء والوزراء يشاورهم في الأمر، فقال محمد قلي خان الذي كان وزيرا: «إن الأفغانيين ~~وإن كان لهم جلادة وثبات في الميدان إلا أن ليس لهم قدرة على فتح القلاع، فالرأي أن نجعل ~~عساكرنا في قلاع أصفهان وندافع عنها فإذا عجزوا عن فتحها تركوها ورجعوا إلى بلادهم كما ~~فعلوا في كرمان ويزد.» واستحسن الشاه هذا الرأي، فقام والي عربستان «خان أهواز» وتكلم ~~بالحمية والحماسة قائلا: «هذه غاية الجبن والضعف، كيف نرضى أن محمودا يحاصر مدينة أصفهان ~~بشرذمة قليلة من الأفغانيين وهي كرسي دولة شاه إيران؟! الرأي أن نبرز إليهم ونحاربهم حيث هم ~~معسكرون.» فتحرك عرق حمية الشاه، وبعث بخمسين ألفا مع عشرين مدفعا لملاقاة محمود، ولما ~~تلاقى الجمعان عند قرية كلتاد رتب كل ميمنته، وميسرته، وقلبه، وركب محمود على فيل، وأخذ ~~يدور حول عساكره ويجول فيما بينهم ويذكرهم بالفخر والمجد اللذين اكتسبوهما في الحروب ~~السابقة، ويقول: «إن غلبتم عدوكم فمدينة أصفهان جزاء أتعابكم، وإن انهزمتم فلا مفر من ~~الموت؛ لبعد الشقة بينكم وبين بلادكم، فتتجرعون سم الأجل بالذل والفضيحة.» وكان بين ~~معسكرهم ومدينة قندهار ms14 خمسون مرحلة مع انقطاع المواصلات بينهم وبين هذه المدينة ~~وقتئذ. # ولم يكن عند الأفغانيين مدافع، ولكن كان معهم مائة زنبورك «وهو شيء يشبه المدفع يحمل على ~~الجمل ويطلق وهو فوقه» فأناخ الأفغانيون جمال الزنبورك وراء معسكرهم، ثم ابتدأ الإيرانيون ~~بالقتال فهجمت ميسرتهم على ميسرة الأفغانيين، فتقهقر الأفغانيون منكسرين فغنمت منهم بعض ~~الغنائم، ثم هجمت ميمنة الإيرانيين فتقهقرت ميمنة الأفغانيين، بخدعة حربية، فأغارت خيالة ~~الإيران على عسكرهم، فلما دخلت الخيالة في المعسكر انشق عسكر الأفغان إلى فرقتين، وأطلق ~~الزنبورك على الخيالة، فتساقطوا تساقط ورق الشجر في فصل الخريف، وهجم وقتئذ «أمان الله خان» ~~الأفغاني على مؤخرة العساكر الإيرانيين فقتل الطبجية، وأخذ المدافع، وأمر بإطلاقها على ~~عساكر الشاه، فلم يمض إلا قليل زمن، حتى انهزموا وتفرقوا، وتركوا جميع لوازمهم غنيمة ~~للأفغانيين، فلما وصل خبر الهزيمة إلى أصفهان اهتزت له القلوب، واضطرب الشاه، وجمع وزراءه ~~للاستشارة، وقال: «إن من الرأي أن نترك أصفهان، ونأخذ الخزينة معنا ونشتغل بجمع العساكر ~~الشاهانية، ثم نهاجم الأفغانيين من خلفهم ونستأصلهم.» # فقبل هذا الرأي عند محمود قلي خان الوزير، ولم يقبله والي عربستان المذكور لأمر سنشير ~~إليه، وقال: «لا يليق بالسلطان أن يترك كرسي مملكته لهزيمة واحدة فإن هذا آية الضعف، وموجب ~~لنفرة قلوب الأهالي منه.» فأخذوا في تهيئة لوازم الدفاع والاستعداد للمحاصرة. وكان محمود ~~وقتئذ مترددا في أمره حتى جاءه بواسطة جواسيسه «أتباع والي عربستان» خبر استيلاء الرعب على ~~قلوب الإيرانيين، فاطمأن وساق عسكره إلى «فرح آباد» واستولى عليها بلا محاربة؛ لعدم وجود ~~العسكر فيها، وبعد استيلائه عليها توجه للهجوم على محلة «جلغا» مسكن الأرامنة في أصفهان ~~فاستولى عليها أيضا، ونشأ عن استيلائه خسارة جسيمة لساكنيها. # ثم هجم على برج من أبراج مدينة أصفهان فدفع عنه بقوة البنادق والمدافع فتقهقر ووقع في ~~نفسه أن هذا التقهقر ربما يوجب زوال الرعب من قلوب أهالي المدينة فيصعب الأمر في فتحها، ~~فهجم في اليوم الثاني مع الأبطال الأفغانيين على بعض الاستحكامات، وأظهروا جلادة وشدة، حتى ~~كادت المدينة تفتح لولا مقاومة ms15 أحمد أغا أحد أغاوات الحريم، فإنه قاوم ببسالة، وجبر ~~الأفغانيين على التقهقر، فوقع الرعب في قلب محمود، وأرسل يطلب المصالحة، على شرط أن تكون ~~حكومة قندهار وكرمان وخراسان وراثة في ذريته، وأن يزوجه السلطان بابنته، ويعطيه خمسين ألف ~~تومان، ولكن لم تقبل هذه المطالب عند الشاه. # ولما سمع والي عربستان بذلك أرسل سرا إلى محمود رسولا يلومه على طلب المصالحة، ويوصيه ~~بالثبات، ويعده بالظفر، وقال في رسالته: «إنني منكم مذهبا، فاثبتوا ولا تخافوا.» ولما أحاط ~~محمود علما بفحوى الرسالة انتعش مرة ثانية، ودبر تدابير أخرى، وهي أن يخرب القرى والقصبات ~~التي هي حول أصفهان ويجمع الذخائر منها لعساكره ويحرق ما بقي، وقد فعل، ففر أهالي القرى ~~إلى المدينة؛ لعدم وجود الأقوات عندهم، وكان الأمراء - لجهلهم بحقيقة الحال - يقبلونهم بكل ~~مسرة؛ لظنهم أنهم يزيدون في عدد المدافعين، ولم يخافوا من حصول القحط في المدينة؛ لأنها لم ~~تكن محصورة إلا من جهة واحدة، ثم هجم الأفغانيون من الجهة الأخرى، واستولوا على أحد ~~الاستحكامات فيها، وكان محافظوا هذا الاستحكام من الكرج المنهمكين في شرب الخمر، ثم تجاوز ~~الأفغانيون من قنطرة كانت هناك، واستولوا على بعض نواحي المدينة، وفي ذلك الوقت سمع ~~الأفغانيون بقدوم قوم إيرانيين ببعض ذخائر إلى المدينة فعارضوهم وانتهبوها منهم، وقبل أن ~~يصلوا إلى معسكرهم خرج إليهم قوم من قرية صغيرة يقال لها «أصفهانك» واسترجعوها منهم، وأسروا ~~عم محمود وأخاه وابن عمه، وقتلوهم، وكان الشاه أمر بعدم قتلهم؛ لطلب محمود ذلك منه إلا أن ~~أمره لم يصل إلا بعد القتل، فقتل محمود جميع من عنده من الأسراء الإيرانيين عندما سمع بذلك، ~~وأخذ يتشبث بإتمام لوازم الحصار، وقطع طرق المواصلات، وفي تلك الحالة ألح بعض أولياء ~~الدولة على الشاه أن يسلم إليه قيادة المدافعين، وتكفل بدفع الأفغانيين وطردهم من ضواحي ~~أصفهان إلا أن والي عربستان «خان أهواز» منع الشاه من هذا بتمويهات وتدليسات ألقاها ~~إليه . # ولما طالت مدة المحاصرة أخذت الأسعار ترتفع شيئا فشيئا، وظهرت علائم القحط في المدينة، ~~ولم يجد الشاه ms16 وسيلة سوى أن أرسل ولده «شاه طهماسب» ولي العهد سرا إلى سائر البلاد ~~الإيرانية؛ ليدعو الناس إلى حرب الأفغانيين وتخليص كرسي المملكة من أيديهم، فلم يتمكن من ~~جمع كلمة الأهالي على القيام بتخليص أبيه، وكان كل يوم يشتد الكرب على أهل المدينة ~~ويذهبون إلى الشاه ويلحون عليه في أن يخرج معهم للمحاربة؛ كي يخلصوا أنفسهم من غائلة الجوع ~~والقحط، وخصوصا حينما سمعوا أنه سيرد إليهم ذخيرة، فإنهم اجتمعوا حول السراي السلطاني، ~~ونادوا على الشاه بالخروج إلى الحرب؛ خوفا من أن تقع هذه الذخيرة في أيدي الأفغانيين ويموت ~~أهل البلد جوعا، فأرسل إليهم الشاه يعدهم بالجواب في غد، فلم ينصرفوا، وأدمنوا على الطلب، ~~حتى أطلق عليهم بعض مستخدمي الحرم البنادق ليرهبهم، فانزجرت نفوس الأهالي من هذا العمل، ~~وتكدرت خواطرهم، وكادوا أن يهجموا على السراي لولا خروج أحمد أغا السابق الذكر إليهم ~~وإرضائه لهم، وبعد انصرافهم جمع جماعة من أبطال العساكر وهجم بهم على الأفغانيين، واشتدت ~~حملته عليهم حتى استخلص بعض الاستحكامات من أيديهم، إلا أن عساكر العرب الذين كانوا تحت ~~إمرة والي عربستان «خان أهواز» تقهقروا تعمدا، فغضب أحمد أغا لذلك، وأمر بإطلاق البنادق ~~على الفرقة العربية من عساكره. # فلما وقع النزاع بين العساكر، واشتغل بعضهم ببعض هجم الأفغانيون، وهزموهم، فذهب أحمد أغا ~~إلى الشاه، وقال له: «إن خان أهواز هو الذي أوجب انهزامنا في جميع المواقع؛ لاتحاده مع ~~محمود في المذهب، ولولا وجوده في معسكرنا لدفعنا الأفغانيين وهزمناهم من أول وقعة.» ولكن ~~خان أهواز ألقى إلى الشاه ما زين له عزل أحمد أغا عن رئاسة المحافظين للقلعة، فعزله فتناول ~~السم ومات، وبموت أحمد أغا فرح الأفغانيون جدا ووقع الاضطراب والوجل في أهالي أصفهان، ~~فاضطر الشاه لأن يرسل رسولا إلى محمود يطلب منه المصالحة على الشروط السابقة، فأجاب محمود ~~«بأن الشاه لا يملك الآن شيئا حتى يعطيني إياه، بل جميع ما في قبضته قد أصبح تحت ~~يدي.» # وفي أثناء هذه الواقعة تحرك الملك محمود حاكم سجستان بعشرة آلاف جندي؛ لتخليص أصفهان، ms17 ~~ولما بلغ هذا الخبر أهالي أصفهان قويت قلوبهم، وتعلقوا بحبل الرجاء، وعند شعور مير محمود ~~الأفغاني بذلك أرسل إليه «أن ارجع عن عزيمتك هذه، ولك بلاد خراسان وسجستان تحكمها أنت ~~وذريتك على سبيل الاستقلال.» فصارت هذه الرشوة عمى في بصر مروءته، فعاد للاستيلاء على ~~الممالك التي وعده بها محمود، وانقطع الرجاء بعد ذلك من مدينة أصفهان وسدت طرق النجاة على ~~أهلها وازداد الغلاء شيئا فشيئا، حتى وقع القحط، وأخذ الناس في أكل الحيوانات غير مأكولة ~~اللحم، كالبغال والحمير ثم القطط والكلاب ثم الموتى من الآدميين، ثم كان الناس يموتون في ~~الطرق والأزقة من الجوع وامتلأ نهر «زاينده رود» من جثث الموتى حتى تغيرت مياهه، ولم يكن ~~يستطيع أحد أن يشرب منه، فلما بلغ الحال إلى هذا الحد وذلك في حادي وعشرين أكتوبر سنة ~~1722 عيسوية # 5 # المقارنة لسنة 1153 هجرية، خرج شاه سلطان حسين من الحرم لابسا لباس الحداد مع ~~جميع أمرائه، وأخذ يدور في أزقة أصفهان، وهو يبكي من المصائب التي نزلت في أيام دولته على ~~العباد والبلاد ويقول: «إن كل ذلك من خيانة الناصحين وعدم ديانة المشيرين.» ويبين للناس أنه ~~يريد أن يتنازل عن الملك والتاج للأفغانيين، ولما شاهد الناس منه ذلك نسوا مصائبهم ومصائبه، ~~وأجروا سيل الدموع من أعينهم. «هذا جزاء الغفلة وعدم التيقظ والانهماك في الشهوات واستخدام ~~المخالفين في الجنس والمقاصد في المصالح المهمة خصوصا في زمن الحرب.» وفي اليوم الثاني ~~رقموا قرار التسليم وختم عليه جميع الأمراء والكبراء. # وفي الثالث والعشرين من الشهر المذكور خرج شاه سلطان حسين مع جميع العظماء وثلاثمائة من ~~خيالة إيران وذهبوا إلى محمود في فرح آباد، فلما دخلوا عليه في قصره لم يتحرك من مجلسه إلى ~~أن وصلوا وسط الديوان، ثم إن الشاه خلع ريشة الملك عن رأسه وقال لمحمود: «يا بني، إن الله ~~تعالى لم يرد أن أكون على كرسي إيران أزيد مما كنته، وأنت الآن أحق به.» فأجابه محمود: «إن ~~الله يعطي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.» ms18 فغرز الريشة في عمامته، ثم تصافيا وزوجه الشاه ~~ببنته في ذلك المجلس، وفي اليوم الثاني دخل محمود مدينة أصفهان، وأجرى السلام العام، فقابله ~~الشاه وجميع الأمراء وسلموا عليه بالسلطنة، ولما استولى محمود على كرسي أصفهان اجتهد في ~~تخليص الناس من جهد البلاد والقحط الذي حاق بهم، وفي جبر الخواطر المنكسرة، فمال الناس إليه ~~وأبقى كل ذي منصب على منصبه، إلا أنه جعل على كل واحد رجلا أفغانيا ليتمرن الأفغانيون ~~على الأعمال الدولية # 6 # ويحصل له الاطمئنان والثقة بالأعمال، وعاقب بالقتل كل من خان الشاه ودلس عليه ~~في الحرب إلا والي عربستان «خان أهواز» فإنه سلب جميع أمواله، وفضحه أشنع فضيحة ولم يقتله، ~~كأنه عاهده على إبقاء روحه. # ثم أرسل أمان الله خان بستة آلاف جندي؛ لفتح مدينة قزوين فسار إليها، وفي أثناء الطريق ~~فتح مدينة «قاشان» و«قم» ودخل بعد ذلك مدينة قزوين بلا معارض ولا ممانع، إلا أن أهل قزوين ~~كانوا أولي بأس وقوة ونفوس تأبى الضيم خصوصا من مخالفهم في المذهب، فلما رأوا بعض تعد من ~~الأفغانيين، تجمعوا، وهجموا على الأفغانيين من الأطراف، وعند وصولهم إلى أمام القلعة التي ~~بها الحاكم خرج أمان الله خان لتسكين الثورة فجرح، وانتهى الأمر بغلبة الأهالي، وطرد ~~الأفغانيين بعد قتل ألف شخص منهم وذلك في سنة 1136، وفي أثناء سير الأفغانيين المنهزمين ~~انفصل أشرف ابن عم محمود عن أمان الله خان بثلاثمائة أفغاني، وأخذ طريق قندهار، وبعد واقعة ~~قزوين قام أهالي خنسار وسائر البلدان وعملوا بالأفغانيين مثل ما عمل أهل قزوين، واجتمع جميع ~~الأفغانيين في أصفهان، ولما رأى مير محمود ذلك غلب عليه الجبن والخوف، وتوهم أن أهالي ~~أصفهان ربما يفعلون معه مثل ما فعل غيرهم بقومه فتحيل لقتل جميع المستخدمين في الحكومة ~~من الأمراء وبقايا العساكر المحافظين للقلاع والعساكر الذين بمعية شاه سلطان حسين، وطرد ~~جميع الرجال من المدينة، حتى صارت مدينة أصفهان خرابا يبابا، ولما رأى أن سلطنته لا يصح ~~قصرها على البنيان جلب إليها بعضا من الأكراد السنيين كانوا مقيمين في ms19 «درجزين». ولما ~~اجتمع الأكراد وجاءه إمداد من جهة قندهار وجه بعض العساكر لفتح «جلبايكان» و«خنسار» ~~و«قاشان» ففتحوا، وأرسل نصر الله المجوسي الذي لحق به في كرمان لفتح مدينة شيراز وسائر ~~المدن الواقعة على سواحل خليج فارس، ففتح جميع تلك البلاد إلا شيراز فإنه جرح في محاصرتها ~~ومات بذلك الجرح فأحيلت قيادة العساكر على «زبردست خان» الأفغاني، وبعد محاصرة مات الناس ~~فيها من الجوع فتح البلد عنوة ودخلها، وأمر بقتل جميع من كان محتكرا للأقوات في المدينة ~~حتى إنه أتى ببعض المحتكرين وعلقه في مخزن بره # 7 # إلى أن مات جوعا، ولما فتحت شيراز تجدد لمحمود عزم ونشأت فيه قوة فجمع ~~ثلاثين ألفا وتوجه بها إلى جانب «كوه كيلويه» الواقعة على نحو ثلاث درجات في جنوب أصفهان ~~فتعرضت له القبائل الحالة بطريقه إلى تلك البلاد، وأخذوا ينهبون عساكره ويفتكون، واتفق أن ~~وقع الموت في جيوشه لاختلاف الهواء ورداءة المناخ؛ فانفعلت لذلك نفسه، ورجع إلى أصفهان ~~خائبا، ودخلها ليلا. وكذلك وقعت له هزيمة عظمى في مدينة «كز» قتل فيها من عساكره جمع ~~كثير فتسبب عن هذه الحوادث نفور قلوب الأفغانيين منه، فأجبروه على إرجاع أشرف من قندهار ~~وجعله ولي العهد، ثم غلب الوسواس على مير محمود فطلب العزلة والاشتغال بالرياضة، وتصفية ~~الباطن، والاستمداد من عالم الغيب. «وهذه عادة الشرقيين عند وقوعهم في الارتباكات لخطيئاتهم ~~يعدلون عن الأسباب الظاهرة التي أعدها الله لنيل الغايات إلى الاستمداد من الأسرار ~~الباطنية، بترك اللحوم والانزواء والانعزال، وهي عادة هندية وثنية فشت بين المسلمين في ~~القرن الثاني عشر من الهجرة.» # ولما رجع من عالم الغيب الظاهر، وخرج من الخلوة إلى الجلوس ازداد فيه الوسواس وسوء الظن، ~~حتى إنه لخبر لا أصل له أمر بقتل تسعة وثلاثين من أولاد السلاطين الصفوية، وما زال به ~~الوسواس حتى أورثه خبلا وجنونا، وقال «ملا على حزين»: «إنه بلغ به الجنون إلى درجة أن ~~كان ينهش لحم نفسه بأسنانه.» وفي أثناء جنونه سمع الأفغانيون بحركة شاه طهماسب وتهيئه ~~للإغارة فاضطروا أن يجلسوا ms20 أشرف على كرسي السلطنة في حياة محمود، فأبى قبول السلطنة ما لم ~~يقتلوا محمودا قصاصا؛ لأنه هو الذي قتل أباه مير عبد الله، فقطعوا رأس محمود في سنة 1138 ~~من الهجرة، وقدموها إليه، فقبل السلطنة وأخذ بزمامها، وكان موت محمود عن سبع وعشرين سنة، ~~وكانت مدة سلطنته ثلاث سنين. # ثم إن أشرف أخذ يستقبح أعمال محمود التي صدرت منه في آخر عمره، ويبث التشنيع عليها في ~~الملأ العام، ولتطييب نفوس الأهالي، واستمالة قلوبهم، أخذ تاج الملك ووضعه على رجل شاه ~~سلطان حسين وألح عليه في لبسه، فلم يرض الشاه بذلك، ورفع التاج بيده، ووضعه على رأس أشرف ~~وقال: «إني اخترت العزلة على العزة.» وزوجه ببنته الثانية، ثم أراد أشرف أن يخدع شاه طهماسب ~~فكاتبه يدعوه للملاقاة مبينا له «أنه قد وقع الهرج في بلاد إيران، وتطاولت إليها يد ~~الأعداء والأجنبيين فلنجتمع لنصلح ذات بيننا ونتعاضد على دفع العدو من البلاد.» وإذ علم ~~بذلك بعض الأمراء الإيرانيين الذين كانوا في خدمة أشرف كتبوا إلى طهماسب محذرين إياه من ~~الاجتماع والاعتماد على قول أشرف، ولما استشعر أشرف بهذا أمر بقتل بقية الأمراء ~~الإيرانيين الذين تخلصوا من سيف مير محمود متعللا بأنهم يراسلون عدوه، وقبل موت مير ~~محمود بقليل كان سلطان العثمانيين قد عقد معاهدة مع إمبراطور روسيا «بطرس الأكبر» على تقسيم ~~الممالك الإيرانية التي لم تدخل في حوزة الأفغانيين، وطرد الأفغانيين من البلاد التي ~~حازوها، وتسليمها ليد طهماسب إن وافق على هذه المعاهدة، ولما أخذ أشرف بزمام السلطنة أرسل ~~سفيرا إلى قسطنطينية فتفاوض مع علمائها في هذا الشأن وقال: «لا يليق بالسلطان أن يعاهد ~~ملكا نصرانيا على اقتلاع ملك مسلم سني.» # فوافقه العلماء على ذلك إلا أن الوزراء حاجوا العلماء وحجوهم حيث قالوا: «إن السلطان ~~العثماني هو أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين، وظل الله في الأرضين، ومن لم يكن له ~~مطيعا لأمره، ولم يخطب باسمه، ولم يعط الخراج، فهو عدو للدين، والجهاد فيه أفضل من ~~الجهاد في النصارى.» فسكت العلماء لهذا ms21 البرهان الناشئ عن هوى الأنفس، ورجع السفير خائبا، ~~وصدر الأمر لأحمد باشا الذي كان متسلطا على «مراغة» و«قزوين» بسوق العساكر إلى أصفهان، ~~ولما سمع أشرف بذلك أمر بحرق القرى، وجمع عساكره واستقبل العساكر العثمانية فتلاقى أولا مع ~~ألفين من مقدمة جيوشهم على بعد خمسة عشر فرسخا من أصفهان، فقتلهم عن آخرهم، فوقع الرعب ~~في قلوب الأتراك لهذا الخبر، وأمر أحمد باشا بتوقيف العسكر وحفر الخنادق حولهم، أما أشرف ~~فقد بعث بأناس سرا ليسعوا في قلوب الأكراد على ولائه وليذيعوا في المعسكر العثماني أن هذه ~~الحرب مضادة للدين الحنيفي، وبعث بآخرين من العلماء جهرا إلى أحمد باشا ليستميلوا فؤاده ~~إلى السلم ويبينوا له أن الصلح خير، فلم يسمع مقالتهم، بل أمر بسوق العساكر، وكانت ستين ~~ألفا يصحبها سبعون مدفعا، ولم يكن مع أشرف سوى عشرين ألفا يصحبها أربعون «زنبوركا»، ~~فلما تلاقى العسكران انهزم العثمانيون شر هزيمة بعد أن قتل منهم عشرة آلاف، وتركوا جميع ~~أسلابهم وأدواتهم، وفر أحمد باشا إلى «كرمان شاهان»، وخوفا من أن يتعقبه أشرف لم يقم ~~فيه، بل ذهب إلى بغداد، فاتخذ أشرف من ذلك فرصة لاستمالة أفئدة العثمانيين، فكتب إلى أحمد ~~باشا: «إنني لا أحب التصرف في أموال المسلمين فأرسل أمينا من طرفك يستلم جميع ما تركتم سوى ~~الآلات الحربية.» وأطلق أسراء العثمانيين فأوجب ذلك اشتهاره عند العثمانيين بحسن السيرة، ~~فالتزموا أن يصالحوه على أن يعترفوا له بكونه شاه إيران، وأن يعترف هو من سلطان قلبه بكون ~~السلطان العثماني هو ظل الله في الأرضين. # وإثر ذلك وقعت عدة مشكلات، أحدها كون أخي # 8 # محمود نزع إلى الاستقلال في قندهار فتسبب عنه الشقاق في طائفة الغلجائي، ~~وانقطاع المدد عن الشاه أشرف، وثانيها كون الملك محمود السجستاني سمى نفسه شاها، وتغلب على ~~غالب ممالك خراسان، وثالثها كون نادر المعروف بالشجاعة والعزم والشهامة قد انضم إلى الشاه ~~طهماسب وصار أميرا على عساكره في مدينة «أسترآباد»، وفي خلال هذه المشكلات سار شاه أشرف ~~لفتح مدينة «يزد» فوفق لفتحها، وأرسل سفيرا بعد ms22 ذلك إلى الدولة العثمانية فقابله رجالها ~~بكل تبجيل وتعظيم، فعد ذلك شاه أشرف فاتحة الإقبال، ولكن لم يطل زمن سروره، حتى بلغه أن ~~نادرا جيش جيشا من طرف طهماسب لاستخلاص مشهد وهرات من أيدي الأفغانيين العبدالية، فكان ~~من الأمر أن تم له ذلك، استخلصهما واستفحل أمره في تلك البلاد، فاضطرب لذلك شاه أشرف، وأخذ ~~يحشد العساكر، فجمع ثلاثين ألفا، وسار بهم إلى بلاد خراسان، وتلاقى مع عساكر نادر بقرب ~~دامغان، فهاجمها مرات متعددة، إلا أن عساكره لم تقدر على مقاومة عساكر نادر فانهزم ورجع إلى ~~أصفهان، وأمر بجمع الأفغانيين، وعسكر في شمال المدينة بقرب «مودجه خوار» وحفر خنادق وأقام ~~استحكامات، فتوجه إليه نادر وكان في كل نقطة من سيره يزيد عساكره من الإيرانيين إلى أن وصل ~~إلى معسكر أشرف فوجده في غاية المناعة، ومع ذلك أمر بالهجوم عليه وأظهر الأفغانيون غاية ~~الجلادة والثبات، ولكن لما كانت عساكر العدو أكثر عددا، وأوفر عددا، ظفرت بهم، وقتل من ~~أبطال الأفغان أربعة آلاف، وتقهقروا إلى أصفهان، وعلموا علم اليقين أن لا مقام بها فباتوا ~~ليلتهم يتأهبون للرحيل، وقبل طلوع الشمس خرجوا من المدينة سالكين طريق شيران، ويقال: إن ~~أشرف قبل خروجه من المدينة أرسل شاه سلطان حسين السيئ البخت إلى وادي العدم، وبعد أشهر ساق ~~نادر الجيش بأمر طهماسب إلى شيراز، تلاقى هناك مع الأفغانيين المنكسري الخاطر، المجتمعين ~~حول إصطخر، وبعد محاربة هينة تفرقوا وتقهقر أشرف إلى مدينة شيراز، ولما علم أن لا خلاص له ~~خرج مع مائتي خيال قاصدا مدينة قندهار، وتفرقت جموع الأفغانيين مع أمرائهم وكان عددهم ~~يبلغ عشرين ألفا، وفي مسيرهم إلى بلادهم كانوا يكابدون المشاق من قلة الزاد ومعارضة ~~الإيرانيين وسائر القبائل لهم بالقتل والنهب، حتى تلف غالبهم، ولم ينج إلى بلادهم إلا ~~القليل. # وأما شاه أشرف فكان يقاتل مع القبائل إلى أن وصل إلى بلوجستان، فقابله أهلها بالقتل ~~والسلب حتى لم يبق معه إلا شخصان، ثم تلاقى معه ابن عبد الله خان بلوج، وعرفه، فقلته وبعث ~~برأسه مع ms23 قطعة من الماس كانت معه إلى شاه طهماسب، وكان ذلك في سنة 1142، وكان أشرف طيب ~~السريرة، حسن السيرة، واسع الأخلاق، حميد الأوصاف عند الأفغانيين، وكان الإيرانيون أيضا ~~يفضلونه على محمود، وقد طالت سلطنة الأفغانيين في إيران سبع سنين، وقتل فيها من الإيرانيين ~~بمحارباتهم مليونان من النفوس، وبعدما نال نادر السلطنة الإيرانية، ونزعها من أيدي الصوفية، ~~جهز ثمانين ألفا لفتح قندهار، ولما وصل إليها وجدها منيعة، لوقوعها إذ ذاك في إبط جبل يقال ~~له «كوه قيطول» وكان محيطا بها على هيئة نصف دائرة، وكان في الجهة التي لم يحطها الجبل ~~أبراج منيعة، فارتأى نادر أن يبني مدينة بجانبها ليتمكن من الحصار، وبعد أن حاصرها سنة ~~كاملة ولم يفز بالافتتاح؛ لوفور الذخيرة عند الأفغانيين، أخذ سبيل المهاجمة، واستولى على ~~بعض الأبراج، بعد كرات عديدة، ووضع عليها الأهوان # 9 # والمدافع، وسلطها على المدينة فتماطرت الكلل عليها، فلم يجد أهل المدينة ~~سبيلا للسلامة سوى التسليم، ففتحوا الأبواب، ودخلت عساكر نادر في المدينة، ولم يحدث من ~~دخولهم أدنى ضرر بالأهالي؛ لأن نادرا كان قد أعلن العفو عن الأفغانيين، تقريرا لما التزمه ~~عند نيل السلطنة من دفع الرفض، وتقرير الترضي عن الصحابة، فإنه عندما طلب منه الإيرانيون ~~أن يكون هو السلطان والشاه أبى ذلك، وقال: «لا أقبل السلطنة حتى ترفضوا الرفض وتتراضوا عن ~~الصحابة.» فأظهروا له الرضا وواثقوه على ذلك فقبل تاج الملك، ثم كاتب الدولة العثمانية «بأن ~~الإيرانيين قد عدلوا عن سب الصحابة واطمأنوا للترضي عنهم، ولكن المذهب الجعفري من المذاهب ~~المعتبرة عند أهل السنة فنؤمل أن تأذن الدولة بإقامة إمام للجعفريين في مكة المكرمة كما ~~لسائر المذهب» فامتنع شيخ الإسلام عن ذلك، وأغرى الدولة بعدم القبول. # وقد بقي الأفغانيون تحت سلطة الإيرانيين من زمن موت شاه أشرف إلى موت نادر شاه. ولما مات ~~نادر شاه في سنة 1161 قام أحمد خان العبدالي السدوزاي الذي كان في معسكر نادر شاه مع جموع ~~من الأفغانيين والأزبك، وهاجم الإيرانيين ونازلهم منازلة عنيفة ثم انعطف بغاية السرعة إلى ms24 ~~قندهار واستولى عليها ووضع يده على الأموال الخراجية التي كانت تحمل من كابل وبلاد السند ~~إلى نادر شاه عند مرورها بقندهار، وبذلك قوي اقتداره فادعى الاستقلال، ولقب نفسه شاه أفغان، ~~وسمى القبيلة العبدالية «دراني». ثم وجه عساكره إلى هرات ومشهد وسجستان، وغيرها من بلاد ~~خراسان، وافتتح الجميع، وكان في مكنته أن يفتح جميع بلاد إيران في ذلك الوقت، غير أنه رأى ~~اشمئزاز نفوس الأهالي من الأفغانيين لما سبق لهم من الإساءات إليهم، وأن تغيير المذهب الذي ~~حدث فيهم بواسطة نادر شاه لم يكن متمكنا منهم، فعلم أن افتتاح تلك البلاد لا يعود بعظيم ~~فائدة، واشتغل أولا بتدبير داخليته، واكتفى بتخليص أمته وترك بعضا من بلاد خراسان لابن ~~نادر شاه، قياما بواجب حق أبيه عليه وتكفل له بحفظه، ثم لما رسخت قدمه في الملك ودان له ~~جميع الأفغانيين ساق عساكره ست مرات إلى الأقطار الهندية، ونال الظفر في كل مرة خصوصا في ~~الواقعة التي وقعت بصحراء پني پتان «بالباء الفارسية فيهما» الواقعة بقرب مدينة دهلي، وكانت ~~تلك الواقعة مع المراتيين من عبدة الأوثان الذين أعجزوا أعاظم السلاطين التيمورية في الهند؛ ~~إذ كانوا يرومون نزع السلطة من أيدي المسلمين، وعساكرهم في تلك الواقعة كانت ثمانين ألفا ~~وعساكر أحمد شاه كانت ستين ألفا نصفها من الأفغان، ولم يكن اعتماد أحمد شاه إلا عليهم، ~~فهزم بهم عساكر المراتيين شر هزيمة، ونكل بهم تنكيلا، حتى صارت هذه الواقعة سدا لسبيل ~~فتوحاتهم، وانتشر له بهذه الواقعة أحسن ذكر بالبلاد الهندية، وكان ذلك مؤيدا له في فتوحاته ~~الهندية فافتتح بلادا كثيرة كبنجاب وكشمير وسند وما يتاخمها من البلدان، ثم فتح بلوجستان ~~ومكران وبلخ وغيرها، وخضع له بعد ذلك سائر الأمراء الكبراء الذين كانوا على مقربة من بلاده، ~~وصار بتدبيره وحكمته متسلطا على مملكة عظيمة، وكان رجال مملكته من الغنى والثروة بمكان، ~~إلا أن مالية الحكومة كانت فقيرة، فإن خراج أقطار كابل وقندهار قد وهبه لأمراء القبائل ~~الأفغانية، ولم يكن يطلب منهم على ذلك عوضا سوى الطاعة والانتظام ms25 في سلك العسكرية. # وكان هذا السلطان العظيم الشأن من قبيلة «السدوزاي» على ما تقدم، وهي القبيلة التي كان ~~الأفغانيون يجلونها، وينظرون إليها بعين الاعتقاد، وكان مع ذلك شجاعا ذا عزم وحزم، وتدبير ~~محكم، وسداد رأي، وعلم وحكمة، وسعة أخلاق، وطيب نفس، وعدل وإنصاف، ورحمة بالضعفاء، ~~وعناية بشأن الرعية وإصلاحها؛ ومن أجل ذلك تمكنت محبته من قلوب رعاياه عموما مع اختلاف في ~~الأجناس والمشارب، ومن قلوب الأفغانيين خصوصا، حتى إنهم كانوا يعتقدونه من المقربين إلى ~~الله، ويعدونه أبا لعموم الأفغانيين، ومن ثم لقبوه ببابا وهو إلى الآن يعرف عندهم بهذا ~~اللقب، إذ يدعونه أحمد شاه بابا. استقر عرش ملكه وسلطنته على دعائم الثبات والتمكن، ولكن ~~لما كانت العلة الحقيقية لثبات الملك والسلطنة هي حكمته وتدبيره، ولم يكن في عقبه من يكون ~~على مثل حاله وقعت المملكة بعد موته في ارتباك واضطراب، وكانت وفاته سنة 1185 وقيل: سنة ~~1187 بعدما قضى من العمر خمسين سنة. # وكان وقتئذ ولده تيمور في مدينة «هرات» فلما سمع خبر الوفاة جمع العلماء والرؤساء وقواد ~~العساكر وخاطبهم قائلا: «إن أبي وهو في حال حياته قد جعلني ولي عهده، غير أن وزيره أغراه ~~وهو في الاحتضار بخلعي من ولاية العهد، وتولية أخي سليمان، بدلا عني. وهو الآن تضرب له ~~طبول السلطنة في قندهار، وقد وضع يده على خزانة والدي، وعظمت بذلك قوته، واشتد بأسه، ~~فهل فيكم من يؤازرني على استرداد حقي المغتصب؟» فصرخوا خافضين له جناح الخضوع، وقالوا ~~بأجمعهم: «إن السواد الأعظم معك وكلنا بين يديك وعلى أهبة لتنفيذ أغراضك.» ثم اجتمعوا في ~~مزار «خواجة عبد الله الأنصاري» وقام الشيخ يحيى العالم المشهور إذ ذاك، وقلده سيف السلطنة، ~~وخضع له جميع الأفغانيين، واستعان بهم على أخيه حتى ظفر به وسجنه في قفص، ولبث في السجن زمن ~~سلطنة تيمور إلى أن مات فيه، وكانت وفاته سنة 1233، ثم قتل وزير أبيه الذي كان قد سعى في ~~خلعه، ثم ساق الجيش إلى هندستان وكشمير ولاهور وألجأ من نبذ طاعة الأفغانيين إلى ms26 الدخول في ~~طاعتهم، وبعد ذلك ببضع سنين قلد ولده الثاني «محمود» ولاية هرات، ونقل كرسي السلطنة من ~~قندهار إلى كابل، وجعل المتصرف فيها ولده الثالث «زمان» وقد كان هذا الولد على جانب عظيم من ~~مكارم الأخلاق، واتفق في تلك الأيام أن شاه مراد بك أمير بخارى أغار على مدينة مرو فدمرها، ~~وأسر جميع أهلها، وكانوا على مذهب الشيعة، فاستغاثوا بتيمور شاه فهم لاستنقاذهم، ولكن حال ~~بينه وبين ذلك «فيض الله» أحد القضاة حيث أفتى بأنه لا يجوز لسني أن يسعى في خلاص شيعي. ~~«فاعتبروا يا أولي الألباب.» وتوفى تيمور بكابل ليلة الثامن من شوال سنة 1207 وماتت راحة ~~الأفغانيين بموته، وكان حسن السيرة، لين العريكة، محبا للسلم، ومن أجل ذلك قد نبذ طاعته ~~بعض أمراء البلدان، وكان له من النساء ثلاثمائة من الحلائل، ليس فيهن أفغانية، وخلف اثنين ~~وثلاثين ولدا. # ولما سمع همايون، وهو في قندهار، خبر وفاة والده، قام في قومه برسم السلطنة، وحشد الجنود، ~~وتوجه بها إلى كابل؛ ليستولي عليها، فبلغ ذلك أخاه زمان فخرج لمقابلته بجيش جرار فتلاقيا، ~~واحتدم القتال بينهما في «كلات الغلجاي»، غير أن همايون لم يثبت أمام أخيه، بل فر إلى ~~هرات، والتجأ بأخيه الآخر محمود، والتمس منه أن يعينه على زمان فلم يجبه، ولما آيس منه ترك ~~هرات، وسلك طريق قندهار، واتخذ له مقاما بين المدينتين، فاتفق أن قافلة كانت تأتي من ~~قندهار إلى هرات فاعترضها همايون وقتل رجالها، وسلب أموالها، واستعان بها على حشد جيش؛ ~~ليعاود قتال أخيه زمان، فبلغ ذلك حيدر ابن زمان، فخرج لصده، فلم يقو عليه، بل انهزم، ~~ودخل همايون مدينة قندهار، وعامل أهلها بالخشونة، وعذب تجارها، ونهب أموالهم، وجيش بها ~~الجيوش، ولما سمع بذلك زمان شاه ساق جيشه نحو قندهار، وأخذ في الحملة على همايون، وكانت ~~الدائرة عليه، ففر إلى «ملتان» وقاومه واليها حتى هزمه، وقتل ولده، وأخذه أسيرا، وبعث به ~~إلى زمان شاه فأمر بسمل عينيه. # وبالجملة فإن زمان شاه بمعونة القاضي فيض الله وباينده خان، وبمساعدة ms27 البخت، قد خلص له ~~الملك بعد أبيه، واتخذ رحمة الله خان وزيرا له، مع أن الأمراء نصحوه بعدم توليته هذا ~~المنصب، فلم يسمع نصائحهم، ولزم من إقامته فيه فساد على ما نبينه، وقد نفذت سلطة زمان شاهن ~~في البلاد التي كانت تحت سلطة آبائه، كسند، وكشمير، وملتان، وديرة، وشكاربود، وبلخ ثم سار ~~بنفسه إلى قندهار، وفي أثناء ذلك قام أخوه محمود في هرات، وادعى الاستقلال، وحشد العساكر، ~~وسيرها نحو قندهار، فلما أحس بذلك زمان شاه خرج منها، وتوجه لمقابلته، فتلاقيا بين كرشك ~~وزمين داود، فطلب زمان شاه أولا المصالحة من أخيه محمود، فأبى اتكالا على قوته، فاشتعلت ~~نيران الوغى بين العسكرين، وانجلت بهزيمة محمود، ففر إلى هرات، ووقع كثير من أمرائه في ~~الأسر، وخزينته في قبضة عساكر أخيه، وبعد هذه الواقعة وقعت المصالحة بينهما على شرط أن تكون ~~هرات وفره تحت إمرة محمود، وأن تقرأ الخطبة، وتضرب السكة فيهما باسم شاه زمان، ثم توجه ~~الشاه إلى كابل، ومن كابل إلى لاهور، وتسلط عليها وعلى الممالك القريبة منها، وعادت تلك ~~النصرات على عساكره بالثروة والغنى. # وبينما هو في نواحي لاهور إذ بلغه أن محمودا نقض المعاهدة، ويريد فتح قندهار، فأسرع ~~بالرجوع إليها، ومنها توجه إلى هرات، فلما سمع بذلك محمود جمع عساكره، وخرج من هرات ~~لمقابلته إلا أنه بلغه أن الأمراء الذين تركهم في مدينة هرات قد أثاروا الفتنة فيها، ونزعوا ~~لتسليمها بغضا في وزيره لكونه شيعيا فاضطر للرجوع، ولما دخل المدينة قام عليه «قلج خان» ~~الذي كان رئيس أويمق «طائفة من الترك» مع فرقة من عساكره، وأظهروا العصيان، فأرسل وزيره ~~الشيعي ليستميلهم، فحبسوه وأبوا إلا العدوان، وفي هذه الحالة سمع أن قيصر ابن شاه زمان ~~قرب من المدينة، فلم يجد محيصا من الهرب فخرج مع ابنه كامران وفر إلى بلاد العجم، والتجأ ~~إلى فتح علي شاه جد هذا الشاه الموجود الآن، فدخل قيصر مدينة هرات بلا ممانع، ثم حل بها ~~شاه زمان أبوه، وجعله واليا فيها، وبعد مدة رجع محمود ms28 إلى نواحي هرات، وجمع بعضا من ~~العساكر لفتحها، إلا أنه لم ينجح، بل انهزم، وحيث لم تطب نفسه بالرجوع إلى فتح علي شاه ذهب ~~إلى أمير بخارى «شاه مراد» وبعد أن لبث عنده ثمانية أشهر استأذن منه في الذهاب إلى خوارزم ~~ثم توجه من خوارزم قاصدا فتح علي شاه سلطان إيران مرة ثانية، وبعدما قضى مدة من الزمن عنده ~~استعان به على تجهيز جيش جرار وساقه إلى قندهار فدخلها بدون ممانعة، ثم اتصل به فيها فتح ~~محمد خان بن باينده خان، وساق معه الجيوش إلى كابل، فلما سمع بذلك شاه زمان خرج لملاقاتهما، ~~ولما التقى الجمعان وقعت بينهما حرب هائلة، أريقت فيها دماء غزيرة من الطرفين، وانتهت ~~بهزيمة شاه زمان، ووقوعه أسيرا بيد أخيه شاه محمود، فأمر بسمل عينيه، وقبض على وزيره رحمة ~~الله خان الخائن، الذي قد كان لطمعه في السلطنة أغرى شاه زمان بقتل جميع الأمراء، وفيهم ~~باينده خان أبو فتح محمد خان الذي اتصل بمحمود، فأمر محمود بتجريد هذا الوزير الشرير من ~~ثيابه وإلباسه ثوبا من حصير، وإشهاره في المدينة على حمار، ثم بقتله بعد ذلك. # ولما لم يقو قيصر بن شاه زمان على مقاومة عمه، ترك مدينة هرات لفيروز الدين شقيق محمود، ~~والتجأ إلى شاه إيران فتمت السلطة لمحمود وتسلط على كرسي كابل، ولما كان محمود يميل إلى ~~مذهب الشيعة نفرت منه قلوب السنيين فتحرك عرق حميتهم وثاروا عليه ثم خذله الشيعيون أيضا، ~~وأجمع أمر الجميع على إعناته فألقوا القبض عليه، وحبسوه في «بالاحصار» وأخرجوا شاه زمان ~~الأعمى من الحبس ليحكم فيهم إلى أن يصل إليهم شاه شجاع، وبعد خمسة أيام قدم شاه شجاع من ~~البنجاب، فأخرجوا محمودا من السجن، وقدموه إلى شاه زمان ليقتص منه، فعفا عنه رحمة به، ~~وأمر برده ليحبس في بالاحصار. وبعد زمن قليل توجه شاه شجاع بجيش جرار إلى كشمير لتأديب ~~واليها عطا محمد خان ابن شير محمد خان، حيث بلغه عصيانه ، فلما وصل إلى مدينة مظفر آباد بقرب ~~كشمير، وافاه ms29 سفير من قبل عطا محمد ليعتذر للملك عن عصيانه، ويعرض عليه طاعة سيده وعبوديته ~~له فرجع شاه شجاع بعدما وثق من معاهده، وبينما هو في الطريق إذ بلغه أن محمودا ومن كان معه ~~من الأمراء في الحبس ذبحوا حرس القلعة، وفروا، والتحقوا بفتح خان، الذي كان مسجونا في ~~قندهار وتخلص من سجنها، واتصل بكامران بن محمود وهو وقتئذ في نواحي الأراضي الأفغانية، ~~وأنه قد وقع لذلك اضطراب شديد في مدينة كابل. # فلما ورد شاه شجاع المدينة وشاهد القلق المستولي على أهاليها تأسف بذلك أسفا عظيما، ~~وبعد اجتماع محمود وابنه وفتح خان ذهبوا إلى هرات؛ ليستعينوا بالأمير فيروز الدين السابق ~~ذكره، والي تلك المدينة، فقابلهم بكل احترام، وقدم إليهم هدايا وألبسة فاخرة، إلا أنه لم ~~يأذن لهم بدخول المدينة، وأبى مساعدتهم، وأبدى لهم عن ذلك أعذارا فانقلبوا راجعين، وفي ~~أثناء رجوعهم صادفوا قافلة آتية من هرات إلى قندهار وأخرى من قندهار إلى هرات فأجمعوا أمرهم ~~على أن يقطعوا سبيل هاتين القافلتين، ويسلبوهما، وقد فعلوا، وبعد أن تمت لهم الغنيمة جهزوا ~~أربعة آلاف خيال؛ لفتح قندهار، فلما اقتربوا منها برز إليهم واليها عالم خان بعساكره، ~~وكانت مقتلة عنيفة انتهت بأسر عالم خان. وبعد مدة يسيرة افتتحوا المدينة، واستولوا عليها، ~~ثم بعد مضي زمن جهزوا مائة ألف، وساروا بها لمحاربة شاه شجاع فالتقى الجمعان في قزنة، وبعد ~~ملحمة مهولة تقهقر شاه شجاع، وفر إلى كابل، وحيث لم يكن على ثقة من الأهالي، ولم يركن ~~إليهم فبارح المدينة متوجها إلى بيشاور، بعد أن ترك فيها الأمير حيدر بن شاه زمان، ~~وبذلك تم الظفر لمحمود فدخل، واستولى على عرش الملك، وأبدى لرعيته علائم الشفقة والرحمة، ~~وقلد فتح خان منصب الوزارة، وفوض إليه مهام أعمال السلطنة، وأطلق له التصرف ونصب ابنه ~~كامران واليا على قندهار، ثم إن فتح خان أقام جميع إخوته ولاة في الممالك الأفغانية، وفي ~~خلال تلك الوقائع قتل كامران قيصر الذي أسلفنا خبر هربه إلى إيران. وكان عوده لما سمع أن ~~عمه شاه ms30 شجاع صار سلطانا، وبعد مدة طرد شاه شجاع من بيشاور فراسل عطا محمد والي كشمير يطلب ~~منه أن يمده بالدنانير والدراهم، فأجابه عطا محمد «بأنك إن بعثت ما لديك من الجواهر رهنا ~~أرسلت إليك ثلاثين لك روبية» «كل لك منها يساوي عشرة آلاف جنيه» ولم يكن عند الشاه من ~~الجواهر سوى جوهرة كبيرة تسمى «درباي نور» أي بحر النور، فقدمها لعطا محمد فأرسل إليه ~~خمسة عشر لكا، ووعده بإرسال الباقي، فجهز شاه شجاع جيشا، ورجع به إلى بيشاور ليسير منها ~~إلى مدينة كابل، فلما بلغ محمودا خبره أخرج شاه زمان من السجن وخاطبه قائلا له: «إن ~~المملكة قد حاق بها الضرر، وآلت إلى الخراب، وأريقت دماء المسلمين هدرا، فهلموا بنا نستبدل ~~الشقاق بالاتفاق، ونشتغل فيما يعود على المملكة بحسن العاقبة وعلي أن أقوم بجميع واجباتكم ~~وإنزال كل واحد منكم منزلة لائقة به، وأطلق جميع الأمراء المحبوسين من قيودهم وعليكم أن ~~تراعوا مكانتي نظرا لكوني ابنا بكرا لأبينا.» # ولما سمع شاه زمان هذا الخطاب بعث يخبر به أخاه شاه شجاع، فلما وصل إليه الكتاب اتخذه ~~وسيلة لتهديد عطا محمد إذ كتب إليه: «إن لم تعني بالمال والرجال، لأتفق مع أخي على قلع ~~أساسك.» فاهتم لذلك عطا محمد، وجهز خمسة آلاف وسار بها إلى بيشاور. ففرح لذلك شاه شجاع ~~ظنا منه أن عطا محمد قادم لإمداده، ولكنه أضمر غدرا، وفاجأ الشاه بتلك المدينة، وقبض ~~عليه، وأخذه أسيرا في قفص إلى كشمير، واجتهد في تحصينها، وكاتب حكومة الإنجليز في الهند ~~للاتفاق معه على أن يجهز جيشا لحرب رنجيت سنك الوثني # 10 # الذي اغتصب في أثناء تلك المناوشات الأهلية بعض البانجاب من بلاد الأفغانيين، ~~وتخليص البلاد التي استولى عليها، وتركها بقبضة الإنجليز بشرط أن تعضده إن قصده محمود بسوء، ~~فوقعت المكاتبة بيد جواسيس رنجيت سنك وقدموها له فبعث بها إلى محمود طالبا منه أن يتحد ~~معه في الهجوم على عطا محمد فجهز كل منهما جيشا وفاجآه فأخذاه أسيرا، إلا أن محمودا قد ~~عفا عنه، ms31 وخلص شاه شجاع من الأسر، أقام فتح خان الوزير أخاه عظيم خان واليا على كشمير، ~~واستصحب رنجيت سنك شاه شجاعا، وذهبا إلى مدينة لاهور. # ثم بعد مضي سنتين شرهت نفس رنجيت سنك للاستيلاء على كشمير، فجهز ثمانين ألفا من عبدة ~~الأوثان الباباناكيين، وسار بها إلى تلك المدينة، ولم يكن عند عظيم خان سوى عشرة آلاف من ~~المسلمين، فكمن بهم حتى دخل الجيش الوثني الوادي، فأحدقت بهم العساكر الكامنة من الجهات ~~الأربع، وأوقعوا بهم قتلا وأسرا، فكان عدد من قتل وأسر أربعين ألفا وفر باقي العساكر ~~إلى بلادهم، ناجين بأنفسهم من العناء والمشقة، فانفعل لذلك رنجيت سنك، وكتب يستعطف محمودا ~~ويعتذر إليه مما فعل قائلا: «إن الذي أغراه على ما فعل إنما هو شاه شجاع» ولما استشعر بذلك ~~الشاه هم بمفارقة لاهور فطمع رنجيت سنك في مجوهراته، فأبى أن يسلمها إليه على وجه الملكية ~~بل أعطاه إياها على سبيل الأمانة، وكان من جملتها درباي نور «وأظن أنها هي التي أصبحت الآن ~~درة تاج بريطانيا» ثم فر ليلا والتجأ إلى الحكومة الإنجليزية، فتأسف رنجيت سنك لذلك، ~~وكتب إليه يستميله إلى الرجوع، فلم يطب به نفسا، فرد عليه مجوهراته، وأما الإنجليز فإنهم ~~عدوا التجاء الشاه إليهم من أسباب حظهم فأكرموا وفده. # وفي تلك الأوقات تحركت عزيمة شاه زمان الأعمى، الذي كان موقرا عند العلماء والأمراء ~~للسفر إلى بلخ قاصدا زيارة قبر هناك مشهور بأنه قبر سيدنا علي - رضي الله عنه - فبلغها، ~~وسافر منها إلى بخارى، فقابله أميرها «مير حيدر» بالتعظيم والإجلال، وتزوج بابنة الشاه، ثم ~~سافر من بخارى إلى طهران، فأكرمه فتح علي شاه مزيد الإكرام، وزوده ثم شخص إلى بغداد، وكان ~~واليها إذ ذاك داود باشا المشهور، ومنها قصد الحج، فمات في الأقطار الحجازية. # وفي خلال تلك الحوادث سنة 1222 من الهجرة أزمع حاجي فيروز الدين الذي كان واليا في هرات ~~من طرف أخيه محمود أن يفتح خراسان معتمدا على همة «صوفي الإسلام» البخاري الذي هو من ~~الصوفية الجهرية، وقد كان ترك ms32 بلاده خوفا من «بيك بان الأزبك» وكان أيضا يزعم أن الوحي ~~ينزل عليه وأنه يقدر على خرق العادات طامعا أن يرتقي بأنفاسه الباطنية إلى عرش السلطنة، ~~فجهز خمسين ألفا من قبائل هرات وقندهار واندخود وكندز وميمنة وفارياب، وسار بها إلى قلعة ~~شكيبان، فلما أحس بذلك نائب خراسان محمد خان فاجار جهز جيشا لمقابلته، فلما تقابل ~~الجيشان على بعد سبعة فراسخ من هرات اشتعلت نيران الحرب بينهما، حتى فني كثير من الحزبين، ~~وقتل صوفي الإسلام المذكور، وكان في قلب المعسكر داخل هودج مزركش ومحاطا بثلاثمائة وستة ~~وستين من خلص أتباعه بعدما قتلوا جميعا، فعند ذلك تقهقرت عساكر فيروز الدين إلى هرات، ~~وأما عساكر محمد خان، فقد أحرقوا جثة صوفي الإسلام، وأرسلوا جلدة رأسه بعد سلخها، وحشوها ~~تبنا إلى فتح علي شاه. «هذا جزاء من أوقع الفتنة بين طائفتين من المسلمين حتى سفك بعضهم دم ~~بعض، حيث غرهم وأوهمهم بمشيخته وتمويهاته وادعائه الكاذب أنه ممن ينتهي إليهم زمام ~~التصرف في عالم الكائنات، بما ينطوي عليه من القوة الإلهية والأسرار الربانية.» # وبعد انهزام فيروز الدين اضطر إلى أن يرسل إلى الشاه هدايا فاخرة، استمالة لقلبه واتقاء ~~لضرره، بكف عساكره عنه، وقد تعهد أيضا أن يقدم إلى سدة الشاه كل سنة جزءا وافرا من ~~الخراج، وكان فيروز بعد هذه المصالحة مع الإيرانيين بين إقدام وإحجام، ومحاربة ومصالحة، ~~وتسنن وتشيع، إلى أن اشتدت المنافسة بينه وبين حسن علي ميرزا بن فتح علي شاه والي ~~خراسان، وخاف من إغارته على بلاده فأرسل سفيرا إلى أخيه شاه محمود يستمد منه، فعد محمود ~~ذلك وسيلة للاستيلاء على مدينة هرات فأرسل وزيره فتح محمد خان بجيش جرار، ولما وصل إلى ~~المدينة استوحش منه فيروز ولم يسمح بدخوله فيها، بل أمره أن يتوجه لأخذ غوريان من يد ~~الإيرانيين، إلا أن فتح محمد خان كان مأمورا من طرف سيده بدخول مدينة هرات فلم ير بدا ~~من إعمال الحيلة لأخذها، فأرسل إلى فيروز يطلب منه القدوم إلى المعسكر ليستشيره، فلما خرج ~~إليه ms33 قبض عليه وأرسله مع أهله أسيرا إلى قندهار ودخل المدينة وأقام بها، وجهز أخاه كهندل ~~خان لتسخير غوريان، ونشر مكاتيب في بلاد خراسان يدعو بها رؤساء القبائل للاتحاد معه على ~~محاربة الإيرانيين. # ولما سمع بذلك حسن علي ميرزا أرسل جيشا لمحافظة تلك البلدة، ولما حصل التقاوم بين ~~المدافعين والمهاجمين جهز فتح خان جيشا كبيرا من أهالي قندهار وهرات وبلوجستان وسجستان ~~وقبائل جمشيدي وهزاره وفيروز كوهي، وسار به مصحوبا بالمدافع والزنبورك لتسخيرها وسائر بلاد ~~خراسان الباقية تحت سلطة الإيرانيين، وعند وصوله إلى كوسيه بلغه أن حسن علي ميرزا وصل ~~بعساكره إلى «كافر قلعة» لمقاومته، وكان بينهما إذ ذاك فرسخان، فأرسل إليه سفيرا يطلب منه ~~تسليم غوريان، ويهدده بالحرب قائلا: «من ذا الذي يدري عاقبة الحرب أهي لك أو عليك؟ وربما ~~أوقعك كبرك واشمئزازك الناشئان عن رؤيتك نفسك ابن سلطان في أمر يوجب تزلزل سلطنة أبيك.» ~~فأجاب حسن علي ميرزا على لسان سفيره: «بأن سيدك محمودا المتربي بنعمة الشاه لا يليق به أن ~~يتكلم بمثل هذا الكلام، فضلا عن خائن مثلك قد حارب ساداته السدوزائية.» # فلما رجع السفير خائبا ساق فتح خان عساكره إلى كافر قلعة، ووقعت بين العسكرين محاربة ~~مهولة، قتل فيها جم غفير من الفريقين، حتى إذا كاد أن ينهزم العساكر الإيرانيون أصيب ~~فتح خان برصاصة في فمه، فتقهقر إلى هرات، فاضطرب شاه محمود وولده كامران اللذان كانا وقتئذ ~~في المدينة، فأرسل ملا شمس مفتي هرات وخان ملا خان «أي شيخ الإسلام» إلى فتح علي شاه ~~ليخبراه أن هذه الجراءة من فتح خان، ولم تكن بعلم من محمود، وليستعطفا قلبه إليه، ولما اطلع ~~الشاه على فحوى السفارة خاطب السفراء قائلا: «إني لا أرضى من شاه محمود إلا أن يبعث إلي ~~فتح خان أو يسمل عينيه.» ولما أحاط كمران بذلك علما حمله الجبن وضعف النفس وقلة العقل على ~~سمل عيني هذا البطل الشجاع الذي أقعد أباه على كرسي السلطنة وحبسه مع أخيه «شيردل خان » ~~وفر «دل خان» أخوه الثاني من هرات ms34 إلى قرية «نادر علي» وتحزب مع جماعة من الغلجائي على ~~كامران ليخلص أخويه، وعند سماع كامران هذا التحزب أمر بإطلاقهما، جبنا منه ~~وضعفا. # ولما شاع خبر سمل عيني فتح خان ووصل إلى مسامع أخيه الثالث الشديد البأس «عظيم خان» والي ~~كشمير، أرسل اثنين من إخوته، وهما «دوست محمد خان» و«يار محمد خان» إلى بيشاور لطلب شاه ~~زاده أيوب أخي محمود ليقلداه السلطنة، وقعد فعلا، وناديا باسمه، ودخلا في حدود «جلال آباد» ~~وهجم دوست محمد خان على كابل، وافتتحها، وأرسل أيضا أخاه محمد زمام خان لطلب شاه شجاع الذي ~~كان مقيما في البلاد الهندية التي كانت تحت سلطة الإنجليز، فجاء شاه شجاع المذكور وحارب ~~«سمندر خان» والي دره وغلبه. # وبالجملة فقد قام إخوة فتح خان الذين يبلغ عددهم عشرين رجلا، واتحد كل واحد منهم بواحد ~~من أبناء تيمور شاه الذين يبلغ عددهم اثنين وثلاثين رجلا، وداروا بهم في البلاد الأفغانية ~~شرقا وغربا، وقلعوا أساس ملك محمود ولم يبق في يده سوى قندهار وهرات، ثم انتزعوا الملك من ~~أبناء تيمور، واستقل كل واحد في ولاية من ولايات أفغانستان، كل ذلك أخذا بثأر عيني ~~أخيهم. # ثم بعد زمن قليل استولوا على قندهار ونزعوها من يد محمود أيضا فانحصرت سلطة محمود على ~~هرات ونواحيها، وفي سنة 1241 ساء ظن محمود بابنه وتفرس منه العصيان وخاف منه أن يقبض عليه ~~فخرج من هرات، وجمع بعضا من قبائل «فره» وتوجه لمحاربته، فاضطر ابنه للالتجاء بحسن علي ~~ميرزا، والاستغاثة به، فأغاثه فغلب أباه وهزمه، وأعد كامران - أي الابن المذكور - بعد هذه ~~الواقعة مأدبة فاخرة في هرات دعا إليها حسن علي ميرزا وسلمه مفاتيح خزائنه. # وفي أثناء هذه الفتن استفحل أمر رنجيت سنك الوثني الذي سبق ذكره حتى استولى على ولاية ~~كشمير على غيبة من محمد عظيم خان واليها، حيث ذهب إلى كابل لزيارة أخيه دوست محمد خان، وفي ~~سنة 1245 أرسل كامران سفيرا إلى الشاه ليستعين به على أبيه محمود ثانيا ، فصادف وصول ~~السفير إلى إيران وفاة ms35 أبيه بمرض الوباء، وتلاقى هذا السفير مع فيروز الدين الذي ذكرنا أنه ~~حبس في قندهار، وكان قد هرب منها إلى إيران في فتنة فتح خان، فاتفق معه على خلع كامران ~~وإجلاسه على كرسي هرات، وأغراه بأن يستعين بالشاه على ذلك، وبعدما أبرما أمرهما، وجهزا ~~بعضا من الجيوش، وقفلا إلى هرات، وقعت في أثناء الطريق منازعة بين خدم فيروز وبعض ~~الإيرانيين فخرج لمساعدة خدمه فقتله الإيرانيون على غير علم منهم. # وفي سنة 1248 عزم عباس ميرزا على أن يفتح هرات فأرسل ابنه محمد ميرزا مع عسكر جرار ~~إليها، ووقعت محاربات شديدة آلت إلى محاصرتها، وكان سفير الإنجليز «مستر كميل» وقتئذ قد سعى ~~سعيا بليغا لمنع هذه المحاربة، ولكن خاب مسعاه، وبينما كان محمد ميرزا محاصرا لتلك ~~المدينة إذ بلغه موت أبيه، فرأى من المصلحة أن يطلب المصالحة مع كامران، فوقع هذا الطلب عند ~~كامران موقع القبول، وحول أمر المصالحة على وزيره «يار محمد» الذي كان إذ ذاك محبوسا عند ~~الإيرانيين في مشهد، فعقدت المصالحة على أن تضرب السكة في هرات باسم فتح علي شاه، وأن يدفع ~~له كامران في كل سنة خمسة عشر ألف تومان. # ولما علم الإنجليز أن دخول الممالك الأفغانية في حوزة الإيرانين يستعقب زوال سلطتهم في ~~الهند جهزوا شاه شجاع، وأيدوه بعساكر من لدنهم، وأوعزوا إلى رنجيت سنك الوثني وأمير السند ~~«مير غلام علي خان» بتأييد شاه شجاع فلبيا دعوتهم، وإن لم يكونا تحت سلطتهم، فأيداه ~~وعززاه بالعساكر، حتى تم له من العساكر نحو ثلاثين ألفا وتقدم بهم إلى قندهار من طريق ~~بنجاب، فقابله كهندل خان وإخوته وقاتلوه، فهزموه شر هزيمة، وفر إلى هرات، واستنجد ابن ~~أخيه كامران، فأبى، وبعد معاناة مشاق كثيرة وصل إلى بلوج ومنها إلى الهند. «والحاصل أن شره ~~تيمور شاه وانهماكه في الشهوات، وحرصه على اللذات، وكثرة أولاده من أمهات مختلفة، أوجب سلب ~~الراحة، وزوال الأمنية عن الأهالي، وسفك دماء ألوف من الناس، وحرص كل من أبنائه على الملك ~~تسبب عنه حرمان الجميع.» # وفي ms36 سنة 1250 عزم كامران على فتح سجستان، فالتجأ أميرها إلى محمد شاه بن عباس ميرزا فاتخذ ~~الشاه ذلك وسيلة إلى فتح هرات فجهز جيشا وسار إليها، وحاصرها زمنا طويلا، وكان ~~الأفغانيون يخرجون من الحصار، ويهاجمون عساكر الشاه ببسالة غريبة. ولما اشتد الأمر على ~~كامران أرسل ابنه نادر ميرزا إلى «ميمنة» و«شبر فان» ليدعو الأزبك وهزازه، فأجابوه دعوته، ~~وجهزوا جيشا عظيما ساقوه إلى هرات لرفع الحصار عنها، ووقعت بينهم وبين عساكر الشاه ~~محاربات كثيرة قتل فيها جمع كثير من الطرفين، ثم استظهرت عساكر الشاه عليهم فاضطرب لذلك ~~كامران، واستشار وزيره في أمره، فانحط رأيهما على المناداة بالحرب الدينية، فتوسلا ~~بملا عبد الحق أحد علماء هرات العظام، فقام يوم الجمعة، وأذن في الناس بالجهاد الديني، ~~فلباه أهل المدينة وسكان القرى القريبة منها. فاغتسلوا غسل الجمعة وقصوا أظافرهم، ولبسوا ~~أكفانهم، وخرجوا يهجمون على أعدائهم، وأوقعوا بهم، وقتلوا كثيرا من أعيان الإيرانيين إلا ~~أنهم لم يقدروا على إجلائهم فرجعوا إلى البلد. # وبعد أن طال زمن الحصار توجه سفير الإنجليز «مكنيل» من طهران إلى المعسكر، وبعد أن تقابل ~~مع الشاه، ورأى أن افتتاح المدينة قد قرب، وفي علمه أن ذلك يوجب انقياد الأفغانيين واتحادهم ~~معه، وفيه من المضرة بسلطتهم في الهند ما لا ينكر، قال للشاه: «دعني أدخل المدينة، وأرضي ~~كامران بالتسليم.» فأذن له الشاه ظنا منه أنه صادق فيما يدعي. فلما دخل المدينة، ولاقى ~~كامران أخذ في تشجيعه وتثبيته، وقال: «لا يصح لك أن تسلم أصلا وإنك إن تثبتت قدماك ~~زمنا ما نرسل لك المدافع والبنادق والذخائر.» وأوثقه على ذلك، ثم خرج وقال للشاه: «إنني ~~كلما هددته هو وعساكره أو رغبتهم، لم ينجع مقالي فيهم، ولم يرهبوا لتهديدي، ولم يطمعوا ~~لترغيبي ...» وبعد ذلك أمر الشاه بجمع النحاس الموجود بالمعسكر، فعملوا منه مدفعا هائلا، ~~ورفعوه على تل عال، وسلطوه على المدينة، وأخذوا في إطلاقه فاشتد البلاء على من فيها مع ~~شدة القحط والغلاء، حتى إنهم أخرجوا من الضعفاء والفقراء نحو أربعة عشر ألفا، فأرسل ~~كامران ms37 سفيرا لعرض التسليم، ولما استشعر بذلك سفير الإنجليز اضطرب، وأرسل إلى كامران سرا ~~يطلب منه التثبت، ويعده بأنه سيرفع هذا البلاء عنه، ثم ذهب إلى الشاه وقال له: «إن بين ~~إنجلترا ودولتكم مودة، وإن فتح هرات يستوجب ثوران الفتنة في الهند، فأرجو منكم أن تكفوا ~~عنه.» فلم يقبل رجاءه. # ولما سئم الشاه من طول المحاصرة، ركب جواده، وتقدم أمام العساكر، ونادى فيهم الهجوم على ~~المدينة، فهجمت العساكر دفعة واحدة، وأطلقت المدافع عليها، فتهدم كثير من أسوارها، وكادت ~~تفتح، لولا أن السفير الإنجليزي تقدم إلى الشاه وقال: «إنني أتوسل إليكم أن تأذنوا لي في ~~الذهاب إلى المدينة ثلاثة أيام حتى آتي بكامران ووزيره وأسلمهما لكم بدون سفك دماء وسلب ~~أموال، ولمجد إنجلترا لا تردوا رجائي هذا.» فأذن له الشاه بذلك لمجد إنجلترا، ولما اتصل ~~بكامران وشيعته أعطى لهم خمسة آلاف جنيه، وقال: «إن الحرب قد وضعت أوزارها ثلاثة أيام ~~فأقيموا ما انهدم من الأسوار وتثبتوا إلى أن تأتي مراكبنا من خليج فارس.» ولما اطلع الشاه ~~على ذلك طرده من المعسكر، وبعد ذلك احتد الشاه واضطرمت نيران غضبه وأعاد الهجوم على ~~المدينة، وحمي وطيس الحرب، وثبت الأفغانيون في المدافعة، وبلغ من أمر الإيرانيين أن كانوا ~~يصعدون إلى رأس القلعة والأفغانيون كانوا يدافعونهم عنها وكثرت القتلى بين الطرفين. # وفي أثناء تلك الملحمة جاءت مراكب الإنجليز في خليج فارس، واستولت على جزيرة خارق، فلما ~~بلغ الخبر مسامع الشاه، رأى من الأولى به أن يترك المحاصرة، ويشتغل بمدافعة الإنجليز عن ~~بلاده، وكان سائر مأموري الإنجليز مدة المحاصرة يحثون أمراء كابل وقندهار على حرب ~~الإيرانيين ويحملون العلماء بالدراهم والدنانير على المناداة بالحرب الدينية، ولكنهم لم ~~ينجحوا في مساعيهم، ولقد طالت مدة هذه المحاصرة عشرين شهرا، وكان ذلك سنة 1255. # ولما علم الإنجليز من أمراء الأفغانيين الميل إلى الإيرانيين، إذ كان «دوست محمد خان» ~~أمير كابل و«كهندل خان» والي قندهار وسائر إخوانهما الذي نالوا الملك بعد تفرق كلمة أبناء ~~تيمور يراسلون الشاه في خلال محاصرته لمدينة هرات، ويوادونه، ms38 ويراسلون السفراء إليه، ~~توجسوا من ذلك شرا خيفة اتفاقهم الذي يوجب تقلص ظلهم من بلاد الهند، فأخذوا إذ ذاك ~~يترقبون فرصة لاستيلائهم على بلاد الأفغان، فلما أحسوا من الأفغانيين النفور والاشمئزاز من ~~أمرائهم الجدد، رأوا إذ عنت لهم الفرصة أن يتخذوا شاه شجاعا واسطة يتوسلون بها إلى ~~غرضهم من الاستيلاء على تلك البلاد، فجهزوه في جيش جرار مؤلف من جنود منتظمة وغير منتظمة ~~تقودهم المهرة والأمراء ذوو المراتب السامية والمناصب الرفيعة من الإنجليز، فسار شاه شجاع ~~بذلك الجيش من طريق البلوج وسجستان إلى قندهار، وكان قد تقدم هذا الجيش رجال يدعون ~~الأفغانيين إلى شاه شجاع، ويذكرونهم بأنه الوارث الحقيقي للملك، وهو أحق بالسلطنة، ويحثونهم ~~على التخلص من سلطة هؤلاء المتغلبين عليهم، ولما وصل الشاه إلى قندهار رأى واليها كهندل خان ~~أن لا طاقة له على مقاومته لقلة جيوشه وشدة ميل أهل المدينة إلى الشاه فخرج هو وعائلته في ~~خمسمائة من خيالته، وقصد طهران فأكرم محمد شاه مثواه وقلده ولاية «شهر بابك» من بلاد ~~فارس. # ثم إن شاه شجاع جعل «تاو» الإنجليزي واليا على ولاية قندهار، وبعد ذلك سار بجيشه إلى ~~كابل، وفتح في مسيره مدينة قزنة، وبعد وصوله إلى كابل لم يجد دوست محمد خان أميرها من نفسه ~~قوة على المقاومة، ولا اقتدارا على المصادمة فاضطر إلى الخروج منها، وقصد بخارى ليستعين ~~بأميرها، فلم ينجح قصده، ورأى منه عدم الاحتفال به، بل الإهانة والتحقير، فانقلب راجعا ~~وسلم نفسه إلى الإنجليز، فأخذوه أسيرا، وبعثوا به إلى كلكوتا. أما شاه شجاع فقد جعل «ميجر ~~باتنجر» من أعيان الإنجليز واليا على كابل، ثم استولى على جلال آباد بدون منازع ولا ممانع، ~~وبعد هذا أرسل الإنجليز «بنت جركه» في عشرين خيالا من الإنجليز مع ثلاثمائة ألف جنيه إلى ~~كامران ليعطيه إياها، ويدعوه إلى إجابة دعوة شاه شجاع، فقبلها وأبقى الرسول الإنجليزي، ومن ~~معه عنده، حتى أنفق ذلك المبلغ في تحصين القلاع والاستحكامات وجمع الذخائر، ثم طردهم ~~جميعا، وبعث إثر ذلك إلى محمد شاه يعتذر ms39 له عما فرط منه في حقه، وقبل أن يخطب، ويضرب السكة ~~باسمه، وكان ذلك سنة 1257، وعلى كل حال قد استتب الأمر وتوطدت السلطنة في غالب أنحاء ~~البلاد الأفغانية لشاه شجاع، لكن صورة، وللإنجليز معنى، حتى أيقن الإنجليز كافة أن البلاد ~~الأفغانية آلت إليهم، وصارت جزءا من ممالكهم، يستحيل تملصها من أيديهم، وقد لبثوا فيها ~~ثلاث سنين وبضع شهور. # ثم شهر جمادى الثانية سنة 1258 أرسل شاه شجاع أشخاصا يحصلون أموال الجباية من بعض ~~القبائل، فأبوا دفعها، واستعصوا، وتمردوا ووقعت بينهما مناوشة جزئية، فلما بلغ شاه شجاعا ~~خبر تمردهم أرسل جماعة من العساكر لكبحهم وتأديبهم، فلما رأى المتمردون من أنفسهم عدم ~~الاقتدار تبددوا في قلل الجبال. # 11 # وفي غرة رجب خرج من مدينة كابل ثلاثة من خوانين «جمع خان» الغلجائي، وانضم ~~إليهم جماعة من القبائل، وأخذوا في شن الغارة وقطع الطريق، ينهبون، ويسلبون، واتخذوا لهم ~~استحكاما في موضع على مسافة ثلاثة فراسخ من كابل، وصار الطريق منها إلى الهند ~~مقطوعا. # وفي أثناء ذلك اتفق أن محمد أكبر خان الذي كان بعد أسر أبيه دوست محمد خان يجوب المدن ~~ويجول في البلاد، ورد مع جماعة من رجاله على مدينة باميان، فاجتمع به هؤلاء وانضم إلى ~~الجميع أيضا جماعة من طائفة الغلجائي الذين كانوا قد فرض لهم الإنجليز راتبا ثم قطعه عنهم ~~حكمدار الإنجليز في الهند ضنا وشحا، فاشتدت الفتنة وعظم الخطب فبادر الإنجليز بإرسال ~~«مكننكتن» و«منتس» مع جماعة من العساكر لتدارك الأمر وكف شر هذه الفتنة، ولما زايلوا كابل، ~~وصاروا على مسيرة ثلاثة فراسخ منها خرجت عليهم شرذمة من طائفة الغلجائي، وصادروهم، وقتلوا ~~منهم نفرا، فوقف الجيش عن المسير، ثم لحق بهم الجنرال سيل، مع أفواج من العساكر، بقصد ~~مبارزة محمد أكبر خان، ولكن كانوا في غاية الرهبة والخوف من إغارة الأفغانيين، وفي ليلة ~~عشرين من رجب بعثوا يطلبون مددا من العساكر أيضا فوصلهم المدد وقصدوا مكمن محمد أكبر خان ~~ووقعت بينهم وبين الأفغانيين - وفي أثناء الطريق - محاربة استمرت يومين، ولم يظفروا ms40 به. وفي ~~خلال ذلك كان شاه شجاع قد سجن شخصا اسمه حمزة خان الغلجائي فهاجمت خواطر الغلجائيين، وثار ~~منهم ثلاثة آلاف، وسدوا طريق كابل من سائر أطرافها، فخرج ميجر كريفس خارج المدينة، ووقع ~~القتال بينه وبينهم، وقتل جماعة من أكابر الإنجليز. # وفي غرة شعبان هاج أهل المدينة وغلقوا حوانيتهم، وهجموا على منزل إسكندر برنس، ~~وفتكوا به، وصلبوه على قارعة الطريق، ثم انصبوا على خزينة الحكومة فنهبوها، وكانت الخزينة ~~إذ ذاك تحت نظارة جانسن، ولما سمع شاه شجاع وهو في «بالاحصار» بما كان من الأمر أرسل ابنه ~~في رجال من الجند، ومعهم مدفعان، ولكن لم يجد ذلك في إطفاء نار الفتنة نفعا. # ثم هجم الأفغانيون في الرابع من شعبان فاستولوا على «باغشاه» وقلعة «محمد شريف»، ووضعوا ~~حامية لقطع المواصلة بين القلعة التي احتكر فيه الإنجليز ذخائرهم وبين استحكاماتهم، وكانت ~~عبارة عن رصيف يبلغ ألف ذراع طولا وستمائة ذراع عرضا، وعمدوا بعد ذلك إلى قلعتهم المذكورة ~~فحاصروها، وكان بها «أنسن وارن» مع فوج من الهنود وطائفة من الحرس، لكنهم لم يستطيعوا فك ~~حصار الأفغانيين عنها، حتى رضي الإنجليز بترك القلعة لهم، وإنما أرسلوا «كابتان سوين» مع ~~طائفة من العساكر لاستخلاص أنسن وارن وإنقاذه من أيديهم، ولكن الأفغانيين أوقعوا بهم ~~إيقاعا، فقتل كابتان سوين وكثير ممن كانوا معه ورجع الباقي منهزمين إلى المعسكر، ثم أرسلوا ~~«أنسن كارون» مع جماعة أيضا من العساكر لإنقاذه، فلاقوا ما لاقاه الجيش الأول. # ثم ذهب «كابتان بويد» عند سردار عموم العساكر وقال: «لو سلمت القلعة إلى العدو فإنه فضلا ~~عن أننا نخسر نحوا من خمسين ألف جنيه قيمة ما فيها من الذخائر لم يبق لدينا من القوت ما ~~يكفينا سوى يومين، فماذا نصنع وليس بالسهل جلب الأقوات والذخائر لبعد الشقة؟» ولما وعي ~~السردار ما قاله له كابتان بويد أرسل إلى أنسن وارن ليثبته، ويأمره بأن يقاوم ما استطاع، ~~وأن يحذر من تسليم القلعة، ويعده بأنه سيدركه عما قليل بالمدد، فأجابه أنسن وارن بأنه : «إذا ~~لم يدركنا المدد هذه ms41 الليلة فلا نجاة، ولا مخلص لنا من العدو، إذ أخذ ينقب علينا أحد أبراج ~~القلعة حتى اشتد الخوف، وتمكنت الرهبة من قلوب رجالنا، وحتى إن بعض الحامية ألقى بنفسه ~~من القلعة رهبة ووجلا، فإن لم تدركونا الليلة بتنا في قبضة عدونا.» # ولما وصل هذا الجواب جمع السردار رؤساء الجيش وأمراءه، وتفاوض معهم، مستمدا من رئيسهم ~~حيلة يتوصل بها إلى تخليص القلعة ونجاه حاميتها من بلاء العدو، فجمعوا أمرهم على إرسال ~~المدد في ليلتهم، اعتمادا منهم على أن الأفغانيين يجهلون وجوب الحراسة، ولزوم التيقظ ~~والانتباه، لكن رأوا من الاحتياط أن يبثوا الجواسيس أولا ليأتوهم بحقيقة أمرهم، فأرسلوا ~~كابتان جان، فلم يلبث أن غدا عليهم بما آيسهم من إمكان إيصال المدد، إذ رأى الأفغانيين على ~~يقظة يتشاورون في أمر الاستيلاء على القلعة في تلك الليلة، فأضربوا عن إرسال المدد، وعند ~~الفجر زحف الأفغانيون على القلعة ببأس وإقدام شديدين، وأحرقوا بابها، فخرجت حاميتها من ~~الباب الآخر، وهربوا إلى معسكرهم، فاستشاط الإنجليز من ذلك غيظا ودعتهم خشية العار ومخافة ~~الجوع إلى أن يبعثوا بجيش إلى قلعة محمد شريف ليستولي عليها تحت قيادة ميجر، فأخذ ذلك ~~القائد حينما شرع الجيش في المسير يروغ حينا ويتوارى حينا آخر، فلما رأى الإنجليز منه ذلك ~~أجلوا مسيره، وفي الغد جهزوا جيشا تحت قيادة «كريفتس» وسار، فاستولى على قلعة محمد شريف، ~~وعلى نصف باغشاه، بعد حرب قتل فيها عبد الله خان، وقاتله كان كابتان أندرس، ثم داخل ~~الأفغانيين الحماسة، وأظهروا البسالة، حتى استردوا ما أخذ من باغشاه وفتكوا بالإنجليز، ~~وقتلوا منهم عددا كثيرا، وفي اليوم الثامن من شعبان انضم «قزل باشا» كابل إلى ~~الأفغانيين، وأخذوا في ثغر قلعة محمد شريف، فغلب الخوف على الإنجليز، واستولى عليهم من ~~الطيش والدهشة ما لا مزيد عليه، وفي خلال ذلك مرض سردار عموم العساكر الإنجليزية، فرأى ~~الوزير المختار الإنجليزي «أي الحاكم العمومي أو القنصل» وكان اسمه «سير وليم» أن يقيم مقام ~~هذا السردار أحدا سواه، فاستدعى لذلك «بريك دير مشيل تان» فأجابه، وجمع ms42 من كان في بالاحصار ~~من عساكر الإنجليز وعساكر شاه شجاع، وقادهم إلى الاستحكامات، وعند وصوله فبدلا من أن ~~يشجعهم ويثبت أقدامهم، قام في المعسكر وقال: «اعلموا أن لا طاقة لنا على مقاومة الأفغانيين، ~~ولو ثبتنا لاستأصلوا آخرنا فالأجدر بنا أن ننجلي عن هذا المكان، ونلحق بجلال آباد، ونتحصن ~~فيها.» فأجابه السردار قائلا: «إنا لن نبرح من ها هنا، بل لا نزال ندافع عن أنفسنا ما ~~استطعنا، فإن خروجنا ومقابلتنا الأفغانيين بالبادية ما هو إلا أن نلقي بأنفسنا في أفواه ~~الأسود.» # فزاد اختلاف الكلمة بينهم خوفهم وضاعف وجلهم، وكان من أمر الأفغانيين في هذه الأثناء أن ~~استولوا على المرتفعات المشرفة على المعسكر شرقا وغربا، وعلى برج «ريكاباش»، وأخذوا ~~يمطرون على الإنجليز كرات المدافع، ويصبون على رجالهم رصاص البنادق، فبادر الوزير المختار ~~إلى استنهاض «شلتان»، وأمره في الحال بالحملة على قلعة «ريكاباش» فتأهبت العساكر، وهمت ~~بالخروج من الجانب الشرقي، فضل «كابتان بلو» الطريق بمن قادهم، وخرج من جانب آخر، ففاجأه ~~الأفغانيون، فارتعدت فرائصه، ونزل به ما تمنى الموت دون لقياه، فأوقعوا به، وقتلوا من رجاله ~~مقتلة عظيمة، فهم «كولونيل مكرلان» و«ليفتنانت برت» بأفواجهما لاستنجاد «كابتان بلو» ~~فحال الأفغانيون بينهما وبينه، ووضعوا السيف في العسكرين جميعا، وإذ رأى شلتان هذا الهول ~~دبت فيه الحمية، فأمر الجيش عموما بالحملة على الأفغانيين، فهاجموهم دفعة، فصدوا ثم ~~عاودوا الهجوم، فردوا، ثم استأنفوا الهجوم، وفي هذه الكرة لم يبق منهم في قيد الحياة ~~إلا «ليفتنانت برت» ورجل آخر، ولم تخسر الأفغانيون في تلك الواقعة الهائلة إلا ثلاثين ~~فارسا، ووفق الإنجليز في خلال كرهم وفرهم في هذه الواقعة أن استولوا على قلعتي ~~«ريكاباش» و«ذي الفقار»، وأصابوا فيها مقدارا من الحنطة فأخذوا أن يجمعوه ويذهبوا به إلى ~~معسكرهم، ولكن لم يلبثوا أن أقبل الليل، وهاجمهم فيه الأفغانيون وثغروا هاتين القلعتين ~~عليهم، وتم استردادهما ليلا وأجلوهم عنهما منهزمين. # وفي الثالث عشر من شعبان قامت طائفة من الأفاغنة، ووضعت ثلاثة مدافع على رابية مشرفة على ~~المعسكر الإنجليزي من الجانب الغربي وأطلقوها ms43 عليهم، فالوزير المختار أمر «شلتان» أن يخرج ~~إليهم «ميجار شتوين» فخرج في فريق من العساكر، حتى صار على مسافة اثنتي عشرة ذراعا من مشاة ~~الأفغان، فوقع القتال بينهما، وثبت الأفغان يومها، وأبلوا بلاء حسنا، لكن لما حمي الوطيس، ~~عاد فرسانهم، فاضطرت مشاتهم إلى الرجوع، فاستولى الإنجليز على الرابية، وكسروا عجلة أحد ~~المدافع الثلاثة، وأخذوا الاثنين الباقيين إلى المعسكر، فارتاحت لذلك خواطر الإنجليز بعض ~~الارتياح، وكاد أن يعاودهم بعض ما فقدوا من النشاط، لولا أن جاءهم من قبل الجنرال «سيل» ~~الذي كان مقيما في جلال آباد خبر بأن ليس في طاقته أن يمدهم قبل مضي فصل الشتاء ~~فقنطوا، لكن رأوا حرصا على الحياة أن يتحيلوا لأخذ استحكام محمد خان إذ كان هو المانع من ~~وصول الذخائر إليهم من بالاحصار، فأقعدهم عنه «استورث» المهندس بقوله: «لا طاقة لعساكر ~~الإنجليز على المقاومة بعد.» فعدلوا إلى رأي آخر، وهو أن يستولوا على قرية «بيجارو» التي ~~كانوا يتداركون منها أقواتهم، فأرسلوا «ميجار شتوين» مع عدد وافر من العساكر، فوجد ~~الأفغانيين قد سبقوهم إلى الاستيلاء عليها، فاقتتلوا هناك حثيثا، وكانت الدائرة على ~~الإنجليز، فنكصوا على أعقابهم خائبين وقد جرح كثير من ضباطهم. # وفي الثامن والعشرين من شعبان قدم محمد أكبر خان من باميان إلى كابل، وتواطأ مع الأفاغنة ~~على كلمة واحدة، وفي ذلك اليوم بعينه أجمع الإنجليز رأيا على الاستيلاء على قلعة بيجاور ~~فأمر الوزير المختار شلتان بالمسير إليها فسار هو وميجار شتوين وميجار قارش في أفواج من ~~العساكر حتى بلغوا محلا مشرفا على تلك القلعة، وكان معهم مدفع واحد ليس غير، ولم يكن في ~~القلعة سوى أربعين رجلا، ثم إن شلتان ندب ميجار شتوين لطريق غير مسلوك، فأوقع بهم هناك حتى ~~قتل منهم جماعة وجرح ميجار شتوين، وإذ رأى شلتان تلك النازلة أمر ميجار قارش ومائة من ~~المهندسين أن يسارعوا إلى وضع استحكام يقيهم من بلاء العدو، فقبل أن يتمموا وضعه، أبصروا ~~عشرة آلاف رجل من أهل كابل على جبل مشرف عليهم بحيث يصلهم رصاصهم، ms44 ففي الحال أمر «كولونيل ~~أوليور» أن تتأهب تلك العساكر، وتنتظم على شكل قلعة وتصطف الخيالة من خلفهم، ويهجم الجميع ~~بهذا الانتظام على الأفغانيين المذكورين، فعاجلتهم خيالة الأفاغنة بالهجوم على ميمنتهم ~~وحاصروا «ليفتنت واكر» وجرح من الأفغانيين أحد عظمائهم، ثم عمموا الهجوم عليهم من ثلاثة ~~جوانب فضايقوهم، وفتكوا بهم فتكا ذريعا، فطلبوا إلى الفرار سبيلا، إذ إن خيالتهم قد ~~جبنوا عن الهجوم حينما أمرهم به القائد، ورجعوا القهقري، فاستولى الأفغانيون على مدفعهم ~~وذخائرهم، واختاروا العود إلى البلد نظرا لكون أحد عظمائهم المذكور أصبح جريحا، فاختلس ~~الإنجليز هذه الفرصة، وأسرعوا إلى الجبل، فاسترجعوا مدفعهم، وأطلقوه على ظهور الأفغانيين ~~فانقلبوا عليهم وهاجموا مهاجمة الغيظ والحنق، فتبدد شمل الإنجليز، وتفرقوا، وولى من بقي ~~منهم الأدبار فردا فردا، وما برح الأفغانيون يطاردونهم حتى أوصلوهم معسكرهم العمومي، ولم ~~يصدهم عنهم إلا جدران الاستحكام، ولما اشتد على الإنجليز الكرب، وعظم بهم الخطب جنحوا ~~للسلم، فأرسل الوزير المختار إلى الأفغانيين رسولا يدعوهم مستعطفا إلى المسالمة فقالوا: ~~«نجيبكم على شرط أن لا يلبث في بلادنا من جنس الإنجليز ولا واحد.» ثم اقترحوا عليهم أيضا ~~أمورا لم يجد الوزير المختار سبيلا إلى قبولها وكبر عليه الرضاء بها، فقام من مجلس رسل ~~الأفغانيين وهو يقول: «إن يوم القيامة لقريب، وسيجمعنا الميعاد، ويتبين الظالم من المظلوم ~~ويتميز الحق من الباطل.» ثم بعد ذلك وقعت بينهم مناوشات استرد الأفغانيون فيها قلعة محمد ~~شريف في السادس من رمضان؛ فضاقت الإنجليز ذرعا، ورأت أن لا محيص من المسالمة طوعا أو ~~كرها، فكتب الوزير المختار سجلا ينطوي على معاهدة بينه وبين الأفغان ووقع عليه هو ~~و«شيلتان» و«دنيكتل» و«جميرنر». # وفي الحادي عشر من رمضان خرج هذا الوزير مع «كابتان لارنس» و«تردز» و«مكنيزي» وعدد من ~~رجاله إلى قرب جبل «سياه سنك» وعقد هناك مجلسا مع جماعة من أكابر الأفغانيين، ثم قام فيهم ~~خطيبا، وقال مستميلا عواطفهم إليه: «إنا - معشر الإنجليز - طالما عززنا الأمير دوست ~~محمد خان ، ورفعنا شأنه وأكرمنا مثواه في كل مكان.» ثم أبرز السجل وعرضه على ms45 المجلس وكان ~~مضمونه: «على الإنجليز أن تخلي قندهار وقزنة وكابل وجلال آباد وسائر البلاد الأفغانية على ~~شرط أن يعطيها الأفغانيون رجلا من أكابرهم رهنا حتى تخرج من تلك البلاد بسلام، وإذا وصلت ~~العساكر الإنجليزية إلى الهند بادروا بإرسال الأمير دوست محمد خان، وعلى الأفغانيين أن ~~يرتبوا لشاه شجاع «لك روبية» يأخذها سنويا أينما كان سواء أقام في أفغانستان أو خرج ~~منها، وعلى الإنجليز أن لا تدخل عساكرهم في بلاد الأفغان إلا برضى أهلها.» # ولما رفع هذا السجل إلى محمد أكبر خان، فبعد الجرح والتعديل فيه، قرر أنه يجب على ~~الإنجليز أن تخلي سائر البلاد والقلاع في مدة ثلاثة أيام، وهو يجري عليهم في الميرة ~~والمئونة، فشرعت الإنجليز على عجل بنقل العساكر من بالاحصار وإخلاء القلاع، مع ذل ومسكنة ~~لا مزيد عليها، على أن محمد أكبر خان لم يوف بوعده متعللا بأنه لا تطيب نفسه بإجراء ~~المئونة عليهم ما لم يخلوا القلاع بالمرة. # وفي الثامن عشر من رمضان نزل الثلج عليهم فتضاعفت مصيبتهم فاضطروا لإخلاء قزنة، واستحضار ~~عساكرهم. # وفي العشرين منه عقد الوزير المختار مجلسا مع الأفغانيين لحسم الأمر، فطلبوا منه أن ~~يعطيهم نصف ما مع العساكر الإنجليزية من المدافع والجبخانة، فدان لطلبهم رغما، ورضي به ~~عجزا، بل زاده أنه سلمهم «كابتان كيلي» و«كابتان ابري» رهنا على وفائه بما طلب ~~منه. # وفي الثاني والعشرين منه جاء «مستر اسكنير» الذي كان أسيرا عند محمد أكبر خان إلى الوزير ~~المختار، وأخبره أن محمد أكبر خان يبتغي منه أمرا عسيرا فارتبك وانعقد لسانه ثم قال: «وهو ~~أنه يريد أن تيسر إليه ووجوه ضباط العساكر ليفصم معكم الأمر مرة واحدة.» فلما وعي ما سمع ~~لم يجد بدا من الطاعة لكنه خشي عاقبة الغدر، فنادى في العساكر بالتأهب والاستعداد خارج ~~الاستحكام ثم سار هو ورؤساء العساكر إلى تل، حيث ينتظرون قدوم محمد أكبر خان، فلم يلبث أن ~~حضر مع بعض من خوانين الأفغان وأخذ يفاوض الوزير المختار، وكل من الخوانين كان يفاوض رئيسا ~~ممن معه من ms46 ضباط العساكر، ثم أخذت خيالة الأفغان تتوارد عليهم فرادى فرادى، ومثنى مثنى، ~~وعما قليل صرح محمد أكبر خان على قومه بأن يبطش كل منهم بمن يفاوضه ففعلوا، أما الوزير ~~المختار فقد قطعت يده وجر وهو يستجير ويستغيث ويصيح: «وا ويلاه وا غوثاه.» ثم جزوا رأسه ~~وطافوا به في أزقة كابل وصلبوا «تروار» على قارعة طريقها، وأما «لفتننت أبري» وهو الذي روى ~~خبر هذه الواقعة وأبان فيما كتب سخافة عقول الإنجليز وجبن قلوب أمرائها وضعف آرائهم فقد وقع ~~أسيرا في يد محيي الدين الأفغاني ثم هو مثله بين يدي محمد أكبر، فنظر إليه بعين يتقاطر ~~منها الغضب وخاطبه بقوله: «أكنتم طامعين - أيها الإنجليز - في بلادنا؟ أرأيتم ما حل بكم ~~جزاء عقابا؟ لكني عفوت عنك فليس لي بقتلك حاجة.» ثم وكل أمر حفظه إلى ملا مؤمن. # ثم إن «ميجر بتنجر» الذي خلف الوزير المختار المسمى «سير وليم» هم بافتتاح أمر الصلح ~~ثانيا مع الأفغانيين، فقالوا: «نجيبك على شروط؛ الأول: أن تترك العساكر لنا مدافعهم ولا ~~يبقى لهم سوى ستة، الثاني: أن تسلم لنا الأموال والأدوات والأثقال المتعلقة بالخزينة، ~~الثالث: أن تعطينا جماعة من كبراء الإنجليز بأولادهم وزوجاتهم رهنا، الرابع: أن توفي بما ~~كان الوزير المختار وعدنا به من إعطائنا أربعة عشر لكا من الروبية.» فلما سمع هذه الشروط ~~ورأى أن المقام مقام لا تروج فيه الحيل الثعلبية التي تعودها الإنجليز، بل هو مقام الطعن ~~والضرب، ومجال السيف والرمح، لم يجد له محيصا من قبولها، وإن كانت شاقة ولا ترضى بها نفس ~~حرة، نعم، إن الجنرال «ألفستون» أراد أن يظهر الشمم والحماسة، فانتفخ انتفاخ الهرة، لكن ~~انتفاخه لم يؤثر في دم الإنجليز من الحرارة أثرا، بل تواطأ أمراء العساكر في التاسع ~~والعشرين من رمضان على إعطاء «كابتان درمند» و«كابتان وانسن» و«كابتان واربرتن» و«كابتان ~~دب» مع نسائهم وأولادهم رهنا، ثم جعلوا المجروحين في منزل أحد الأفغانيين، وتركوا معهم بعض ~~الأطباء، وسلموا الأفغانيين خمسة من المدافع السلطانية. # وفي اليوم السادس من شوال تجهزوا للرحيل، وساروا ms47 بتسعة مدافع واثني عشر ألف جمل تحملهم ~~رجالا ونساء وأطفالا، وفي خلفهم العساكر المشاة يسيرون على أرجلهم، فوصلوا إلى نهر ~~يلزمهم اجتيازه، وليس عليه سوى قنطرة، فبعد أهوال وأوحال وموت كثير منهم اجتازوه، وقطعوا ~~مسافة ما إلى أن وصلوا إلى «بكران». على أن الأفغانيين لم يتركوهم وبلاءهم، بل اقتفوا أثرهم ~~كالذئاب الجائعة ينهبونهم ويسلبونهم حتى أخذوا منهم مدفعا آخر، وقدموه إلى محمد أكبر ~~خان، ثم إن محمد أكبر خان عاد، وشرط عليهم أن يسلموه ستة أشخاص أيضا من كبرائهم، فأجابوه ~~وعاهدوه على أن لا يطلقوا بندقية واحدة، ولا يشهروا سلاحا على أفغاني بشرط أن لا يتعرضوا ~~إليهم بالإيذاء ولا إلى أقواتهم بالنهب والسلب، ووصلوا بعد زمن قصير مصحوبين بهذه الذلة ~~والمسكنة إلى «بث خاك». # وفي اليوم الثامن من شوال أعاد الأفغانيون إطلاق الرصاص عليهم فهم «ميجر شتوين» بأن ~~يدافع فلم يقو، ثم طلب محمد أكبر خان منهم جماعة أخرى رهنا فوق من أخذهم فسلموا، حتى ~~سلموا، ووصلوا إلى الطريق الموصل إلى «خورد كابل»، وهو عبارة عن شعب يمتد بضعة أميال ~~طولا، والمسلك الذي يجب اجتيازه هناك واقع في سفح جبل يكتنفه من أحد جانبيه نهر ينحط عنه ~~بستين ذراعا وقمة الجبل من الجانب الآخر. فأدركهم هناك الأفغانيون وحاصروهم وأخذوا منهم ~~مدفعا ولم يصلوا إلى قرية خورد كابل، حتى قتلوا منهم ثلاثة آلاف شخص وسلبوا جل ~~ذخائرهم. # وفي اليوم التاسع من شوال الذي كانت الأحياء فيه تحسد الأموات، جاءهم وهم يريدون الرحيل ~~خبر من عند محمد أكبر خان وهو أنه التزم صيانة النساء والأطفال والجرحى فداخلهم بعض ~~الاطمئنان من هذا الخبر. # وفي اليوم العاشر منه فاجأهم الأفغانيون وهم على أهبة المسير، وأحاطوا بهم فسدوا عليهم ~~المسالك، ووضعوا فيهم السيف، ولم تستطع الإنجليز حراكا، بل كانت عساكرهم الهندية تلقي ~~بأسلحتها وتطلب الفرار، ولكن لا تجد سبيلا ولا منقذا من دائرة المنايا، ولم ينته بهم ~~السير إلى «قبر جبار» إلا وقد استأصلهم السيف وسلبت أمتعتهم وأموالهم وذخائرهم، ولم يبق مع ~~من بقي منهم ms48 سوى مدفع واحد، وقد غص معبر «هفت كتل» بجثث القتلى. # وبالجملة فقد قتل من عساكرهم المنتظمة خاصة من يوم خروجهم إلى يوم وصولهم إلى «كتر سنك» ~~اثنا عشر ألفا، أما عدد من قتل من العساكر غير المنتظمة فعلمه عند الله. وفي ليلة بلوغهم ~~إلى «كتر سنك» أسرت جماعة منهم، وسلب المدفع الذي كان باقيا معهم. # وفي اليوم الحادي عشر منه خرجوا من «كتر سنك» إلى «جكدلي» فوصلوها وقت العصر، وإذ ذاك ~~قاموا على تل، واصطفوا عليه وأظهروا الجلادة إرهابا للأفغانيين؛ فغضب من ذلك الأفغانيون، ~~وأشرفوا على مرتفعات هناك، وأطلقوا عليهم المدافع والبنادق، ثم إن محمد أكبر خان طلب ~~«اسكينز» وقال له: «لا بد لكم أن تعطوني أيضا شيلتان وجان سن رهنا.» وفي أثناء المكالمة ~~أطلقت على اسكينز رصاصة من حيث لا يعلم فمات، فلما رأى الإنجليز ذلك بادروا بالمسير قاصدين ~~«جلال آباد» فابتدرهم الأفغانيون بالسيوف من سائر الأطراف، وكان عدد القتلى في هذا الموقع ~~أكثر مما هو في «خورد كابل». # وفي صبيحة الثالث عشر من شوال رأى الأفغانيون أن قد قل عدد رجال الإنجليز، فطافوا بهم ~~فقتلوا بعضا، وأسروا بعضا آخر، ولم ينج من يد الأفغان إلا «دكتر بريدون» ففر، ولحق ~~بجلال آباد، وأخبر رأسا الإنجليز بالواقعة، «كأن الأفغانيين علموا أن لوث حيل المحتال، ~~ودرن مكره، وأوساخ خداعه لا يطهرها إلا دمه المهراق، وأن عين الطامعين لا يملؤها إلا تراب ~~القبور، فأراقوا دماء الإنجليز، وجعلوا شعاب جبالهم قبورا لقتلاهم، وأذاقوهم مرارة نقض ~~العهود.» # وعاد محمد أكبر خان بالأسراء من الضباط والنساء والأطفال والجرحى إلى كابل، وهذا ما انتهى ~~إليه حال جيش كابل الإنجليزي، وأما الجيش الإنجليزي الذي كان في مدينة قزنة، فقد أصيب به ~~الجيش الأول فهلك بعض من الجوع والبرد، وقتل بعض بحد سيف الأفغانيين، وأسر الباقي، ومكثوا ~~في الأسر شهورا، ثم أرسلوا إلى كابل، فاستقبلهم محمد أكبر خان وأكرم مثواهم واجتمعوا هناك ~~بميجر بتنجر، وبعد هذه الواقعة رد محمد أكبر خان للضباط سيوفهم ومنحهم بعضا من الدنانير، ~~وكان ms49 يتعطف على النساء، ويتلطف بالأولاد، ثم اتفق أنه قتل «شجاع الدولة خان الباركزاي» شاه ~~شجاعا، فحصل الهرج والمرج بين الأفغانيين وتحزبوا أحزابا، وتفرقت كلمتهم، وتنازعوا ~~الملك، وتقاسمه أمراؤهم. فعسكر محمد خان خارج المدينة وانضم إليه «فتى جنك» ابن شاه ~~شجاع. # وفي أثناء هذه الفتن قدم الجيش الإنجليزي الذي كان متحصنا زمن الشتاء في قندهار، إلى ~~كابل، وانضم إليه بعض من المدد، ووقع بينه وبين محمد أكبر خان بعض مناوشات، وآل الأمر ~~بعدها إلى المسالمة، وأطلق سبيل أسرى الإنجليز وتعهد الجنرال «بولوك» بإرسال الأمير دوست ~~محمد خان وعائلته إلى أفغان، ولما رأت العساكر الإنجليزية تفرق كلمة الأفغانيين وتشتتهم ~~وعدم وجود من يضارعهم في المقاومة والمغالبة تطاولوا على البلاد وأحرقوا «جهارته» «السوق ~~الشهيرة الموجودة من عهد أورنك زيب التيموري سلطان الهند وكانت من أبدع الأبنية، وفيها عقود ~~متتالية، يبلغ طولها ستمائة قدم، وعرضها ثلاثين قدما. وكان على جدرانها النقوش المزخرفة ~~والتصاوير الأنيقة، وقد علق الأفغانيون فيها جثة الوزير المختار سير وليم.» وزحفوا على ~~قرية استالف، وقتلوا من بها من الرجال والنساء صغيرا وكبيرا صحيحا وجريحا، واعتصم محمد ~~أكبر خان وأهل مدينة كابل بالجبال وقتئذ، ولما انتقمت العساكر الإنجليزية من الأفغانيين ~~على زعمهم، قفلوا إلى الهند مسرعين فرارا مما عساه أن ينزل بهم. # وبالجملة فإن طمع الشاه شجاع في السلطنة قد ساقه إلى البحث عن حتفه بظلفه، وإن حرص ~~إنجلترا على تملك بلاد الأفغان وشغفها بها أوجب أن تكون مساكنها فيها قبور أجسامها، وإن ~~صيانة الأفغانيين لجرحى الإنجليز ونسائهم وأولادهم، وإن قتل الإنجليز لنساء قرية استالف ~~وأولادها ومرضاها قد أبان للعالم السجايا الشريفة غير المكتسبة التي لم يدنسها طول المكث في ~~الجبال والأودية والطبائع الخسيسة التي لم تهذبها العلوم والمعارف ولم يطهرها زلال ~~التربية. # ثم أطلقت الإنجليز الأمير دوست محمد خان من الأسر، فرجع إلى كابل، واستولى عليها وعلى ~~جلال آباد وما يجاورها من البلاد، وأما كهندل خان أخو دوست محمد خان الذي بينا سابقا أنه ~~قد التجأ مع إخوته إلى شاه إيران ms50 فإنه لما سمع أن العساكر الإنجليزية قد أخلت مدينة قندهار، ~~جهز جيشا صغيرا بإعانة الشاه، وسار به إلى قندهار، وبعد مناوشات يسيرة وقعت بينه وبين ~~بعض من السدوزائية دخلها، وتم نفوذه في أقطارها، وقد وقع بينه وبين الأمير دوست محمد خان ~~محاربات كانت الغلبة فيها للأمير وساق أيضا عساكره إلى هرات ولكن رجع خائبا. # وبعد بضع سنين من إمارة الأمير هجم رنجيت سنك بعساكره على مدينة بيشاور، وكانت الحرب ~~بينهما سجالا، ولما كان زمن المحاربة وقتل من الطرفين عدد كثير، ورأت الإنجليز أن دخول ~~بيشاور التي هي مفتاح بنجاب تحت سلطة الأفغانيين يوجب استفحال أمر الأمير ويورث الخلل في ~~الممالك الهندية الإنجليزية أسرعت إلى المصالحة بينهما على شرط أن تكون تلك المدينة بيد ~~رنجيت سنك الوثني، فكأن أمة الإنجليز بفعلها هذا لم تقصد سد طرق الخلل عن بلادها فقط، بل ~~أرادت أن تهيئ سبل استيلائها عليها علما منها بأن الإمارة السيكية التي شكلها رنجيت سنك ~~واهية الأساس، وقد تم لها ما أرادت حيث استولت عليها بعد المصالحة بزمن يسير، وإثر هذه ~~الوقائع اتفق موت كهندل خان المذكور، ووقعت المنازعة بين إخوته وأبنائه في الملك وآل الأمر ~~إلى المقاتلة وسفك الدماء، ووقع الهرج والمرج في المدينة، فاتفقوا جميعا على جعل دوست محمد ~~خان حكما بينهم، فسار بعسكره إلى قندهار حين بلغه ذلك، واستولى عليها، وعين لكل من ~~المحكمين مرتبا شهريا؛ سدا لشرههم، وكفا لشرهم، وتمت له بذلك السلطة في غالب ~~البلاد الأفغانية، وكان قد أرسل ابنه «محمد أكرم» إلى الأقطار البلخية التي نبذ أهلها طاعة ~~الأفغانيين عند استيلاء الإنجليز على البلاد، واستقلوا بأمرهم فأدخلهم تحت الطاعة. ولم يبق ~~تحت سلطة غيره من المدن الأفغانية الأصيلة إلا مدينة هرات التي بينا سابقا كونها في قبضة ~~كامران ذلك البطل الذي قاوم العساكر الإيرانيين بغاية الثبات والحزم عشرين شهرا مع قلة ~~عدده وعدده، ثم غلبت عليه الشهوة، واستولى عليه الهوى، وانهمك في السكر حتى نفرت منه قلوب ~~الناس، ولعب به وزيره «يار محمد خان ms51 البامي زائي» وخنقه في قرية خارج المدينة، واستولى على ~~الملك، وانقرض بموت هذا سلطة العائلة السدوزائية من البلاد الأفغانية. # وبالجملة، فإن ما اكتسبه أحمد شاه السدوزائي من الممالك الواسعة والسلطة التامة بسبب ~~الشجاعة والتدبير والعدالة والاقتصاد في المعيشة قد أضاعه أبناؤه وأحفاده، بالجبن والسفه ~~والجور والترف والانهماك في الشهوات. وكان هذا الوزير على الدوام يرسل إلى شاه إيران ويحتمي ~~بحمايته صيانة لبلاده من سلطة سائر الأمراء الأفغانيين. وخلفه بعد موته ابنه «صيد محمد خان» ~~بإعانة الشاه، وكان هذا الخلف سفيها سيئ الخلق قسي القلب ظالما جائرا؛ فامتلأت قلوب ~~الأهالي منه غيظا، وأثاروا الفتنة عليه فطلبوا «شاه زاده يوسف السدوزائي» الذي كان وقتئذ ~~في مدينة مشهد، والتمسوا من الشاه أن يجهزه، ويرسله ففعل، ودخل مدينة هرات بجيش من ~~الإيرانيين بلا ممانع وأهلك صيد محمد خان. # ثم وقع في هرات بعض من الفتن فاغتنم ناصر الدين شاه فرصة الاستيلاء عليها، فأرسل جيشا ~~جرارا سنة 1274 تحت رئاسة سلطان مراد ميرزا إليها، وبعد محاصرتها أياما تم له فتحها، ~~ودخل قطر هرات تحت حكم إيران، فاستشاطت الإنجليز من هذا الفتح غيظا علما منها أن مدينة ~~هرات مفتاح الأقطار الهندية، وبابها فأرسلت مراكبها بدون مهلة إلى خليج فارس، واستولت على ~~بندر «أبو شهر» وجزيرة «خارق» وبلدة «محمده»؛ إرهابا للشاه، وسدا للخلل المزمع وقوعه، ~~وتسكينا للثورة التي فشت في الهند عندما شاع فيها توجه العساكر الإيرانية نحو البلاد ~~الأفغانية. # بعد مضي سنة من هذه الواقعة وقعت المصالحة بينهما وتركت الإنجليز الفرض الإيرانية على شرط ~~أن يخصص الشاه رجلا أفغانيا ليكون حاكما على هرات، ويسحب عساكره منها، فعين الشاه سلطان ~~أحمد خان ابن عم الأمير وصهره واليا على هرات باستصواب الإنجليز، وشرط عليه أن يضرب السكة ~~ويقرأ الخطبة باسمه، ومع ذلك ما سكن روع الإنجليز، بل أغرت الأمير دوست محمد خان بعد بضع ~~سنين بأخذ مدينة هرات، وتعهدت بأن تعطي له ولمن يخلفه مرتبا معلوما سنويا كافيا لتجنيد ~~العساكر، وتحصين القلاع لتكون الإمارة الأفغانية سدا منيعا بين ms52 الهند وبين الممالك ~~الروسية في آسيا الوسطى وإيران، فجند الأمير جيشا وسار به إلى هرات، وحاصرها زمنا ~~طويلا، وكانت عساكر الطرفين بين مهاجمة ومدافعة، وقد اتفق موت سلطان أحمد داخل القلعة، ~~وبعد موته بزمن يسير مات الأمير أيضا في معسكره، ثم أمر رؤساء العساكر المحاصرين بالهجوم، ~~وبعد هجمات متعددة سنة 1280 فتحت عنوة وكان الأمير دوست محمد خان هذا عاقلا ذا دهاء لين ~~العريكة غير مائل إلى الظلم والجور، وقد استمال بحسن سلوكه قلوب إخوته حتى خضعوا له مع أن ~~منهم من كان أكبر سنا وأسس بحكمته وتدبيره ملكا، وكان له أبناء متعددة، وقد جعل أرشدهم ~~وأعقلهم محمد أكبر خان الذي خلص البلاد الأفغانية من مخالب طمع الإنجليز ولي العهد، وحيث ~~توفي في زمن حياته ولى شقيقه شير علي خان تلك الرتبة. «ولقد راعى الأمير حقوق محمد أكبر ~~الذي له منة عليه خصوصا، وعلى الأفغانيين عموما، بإيثار شقيقه، غير أنه لم يراع حقوق سائر ~~الناس، ولم يلاحظ ما يترتب على ذلك من المضار، فإن بعض إخوة شير علي خان كانوا أكبر منه ~~سنا فلم يرضوا بالخضوع له فأثاروا الفتن ولزم منه إراقة الدماء وخراب البلاد ونهب ~~الأموال.» وقد جعل على كل ولاية من ولايات الأفغان واحدا من أبنائه. «ولقد أخطأ الأمير خطأ ~~آخر بتولية أولاده على البلاد؛ لأن البلاد الأفغانية ليست بلادا قانونية، فكأنه بفعله هذا ~~قد مكنهم من الفتن والعصيان.» # ولما توفي الأمير حين محاصرته لهرات كما ذكرنا كان في المعسكر من أبنائه شير علي خان ~~ولي العهد ومحمد أمين ومحمد أسلم خان، وكان لشير علي وزير خائن يسمى محمد رفيق من طائفة ~~الغلجائي، قد أشار عليه بالقبض على إخوته قائلا: «لا تتم لك السلطة ما داموا ولاة مطلقي ~~التصرف خصوصا الذين هم أكبر منك سنا.» فشاع هذا الخبر وبلغ مسامع من كان منهم في ~~المعسكر، فهرب كل منهم ليلا وبادر إلى البلاد التي كان واليا عليها في زمن أبيه. # وأما شير علي خان فبعدما علم بهروبهم عجل في ms53 تنظيم مدينة هرات، وجعل ابنه محمد يعقوب خان ~~واليا عليها، وأخذ طريق بلخ من دون أن يتعرض للبلاد التي استولى عليها إخوته الذين هربوا ~~من المعسكر، أو يظهر لهم غضبا، قصد أن يخدع أخاه الأكبر محمد أفضل خان، الذي كان ذا وجاهة ~~عند الناس، وكانت قوته العسكرية أشد من سائر الإخوة ويقبض عليه، فلما وصل إلى حدود بلخ أرسل رقيما # 12 # يذكر فيه مخاطبا إياه: «إنك أنت الأخ الأكبر فيجب عليك أن تجتهد في إصلاح ~~البلاد ورفع الفساد وجمع كلمة الإخوة، وأما أنا فأتعهد أن لا أنبذ أمرك وأن لا أخالف ~~نصائحك، وأن لا أخرج من ربقة طاعتك.» ولما اطلع محمد أفضل على مضمون ذلك الرقيم انخدع وسار ~~بنفسه إليه فلما تمكن من شير علي قبض عليه وهرب ابنه عبد الرحمن خان وقتئذ إلى بخارى، ~~ودخلت ولاية بلخ تحت قبضته فجعل أحد إخوته المسمى بفيض محمد خان واليا عليها ورجع إلى ~~كابل، ثم جند عسكرا وأرسله إلى كرم تحت رئاسة وزيره محمد رفيق؛ لمحاربة محمد أعظم، فانهزم ~~محمد أعظم شقيق محمد أفضل من أول واقعة، وفر إلى الهند. # وبعد أن فرغ من أمرهما جعل ابنه إبراهيم خان الضعيف الرأي حاكما على مدينة كابل وذهب ~~بنفسه إلى قندهار؛ لكي يقبض على شقيقه محمد أمين خان، وعند وصوله إلى كرات الغلجائي استقبله ~~هناك شقيقه بعساكره فوقعت مناضلة بينهما قتل فيها ابنه محمد علي وشقيقه محمد أمين المذكور، ~~وإثر هذه الواقعة استولت الوساوس على شير علي، وغلبت عليه الهموم والغموم، فترك أشغال ~~الحكومة وإدارة العساكر، وانزوى في مدينة قندهار، ولما بلغ مسامع عبد الرحمن خان تغير حاله، ~~وانزواؤه تحرك من بخارى إلى البلاد البلخية واستولى عليها بعد مناوشات جريئة بإعانة فيض ~~محمد خان، وكان محمد أعظم خان المذكور الذي ترك البلاد الهندية لسوء معاملة الإنجليز قد ~~انضم إلى عبد الرحمن في بلخ فاستفحل أمرهما وجمعا جيشا جرارا، وزحفا به إلى مدينة كابل، ~~وقبل الوصول إليها وقعت محاربة بين عساكرهما وعساكر إبراهيم خان بن ms54 شير علي خان في «باج ~~كاه» فانهزمت عساكره، فترك كابل خوفا وجبنا وفر إلى قندهار، وكان وقتئذ وزير شير علي ~~خان «محمد رفيق خان» في كابل، فخرج يستقبلهما بغاية البشاشة، فدخلوا المدينة آمنين ~~مستبشرين، ثم أرسل سرية إلى جلال آباد فافتتحوها، ولما اشتد الخطب، وعظم الأمر تنبه شير ~~علي خان من نوم الغفلة، وأفاق من غشية الحزن، فجند جيوشه، وسار بها إلى كابل، وعندما اجتاز ~~قزنة قابله محمد أعظم وعبد الرحمن بعسكر جرار في شيخ آباد، فاشتعلت نيران الحرب بينهما، ~~وكانت الغلبة لمحمد أعظم، فانهزم شير علي ورجع إلى قندهار، ودخل محمد أعظم مدينة قزنة، وكان ~~شقيقه محمد أفضل - المشار إليه سابقا - محبوسا فيها فأطلقه وسلم عليه هو وجميع العساكر ~~بالإمارة، ولما تمت هذه الغلبة، وقفلوا إلى كابل رأى محمد رفيق خان يسعى في إثارة الفتن ~~وإلقاء الشقاق بين الخوانين والأمراء؛ فأمر بخنقه جزاء لفتنته السابقة وخيانته لسيده، ~~وتركه له، وسعيه في الفساد أخيرا. # ثم جمع محمد أعظم عساكره، وسار بها إلى قندهار، فتلاقى مع الأمير شير علي خان في كلات ~~الغلجائي فتصادم الجيشان، وتقاتلا، وأظهر شير علي خان في تلك الواقعة غاية البسالة ~~والشجاعة، غير أن قوة قلبه ما استوجبت ثبات أقدام عساكره الذين غلب عليهم الجبن والخوف بسبب ~~الانهزامات المتتالية، فاضطر إلى ترك قندهار والذهاب إلى هرات. وبعد بضعة أشهر ذهب بفرقة من ~~الخيالة إلى بلخ، وجمع كثيرا من مقاتلي الأزبك والأفغانيين وزحف إلى كابل من طريق قوهستان ~~الوعرة مصحوبا بفيض محمد خان فقابله عبد الرحمن خان في «بنج شير»، فتقاتل الجيشان فقتل ~~فيض محمد خان. «كأن إقباله وإدباره ووفاقه ونفاقه كانت دواعي الموت وسكراته.» وانهزم شير ~~علي تاركا مدافعه فوق الجبال، وأسرع إلى بلخ، ومنها إلى هرات، علما منه بأن عبد الرحمن ~~سيتبعه بعساكره وقنع بها، وتوفي إثر هذه الواقعة محمد أفضل خان في كابل، وكان رجلا محبا ~~للعلم والعلماء كارها للظلم والجور فخلفه شقيقه محمد أعظم خان. # وبعد أن استقر على منصة الإمارة أرسل ابن أخيه ms55 المتوفي عبد الرحمن خان إلى بلخ وجعله ~~واليا عليها وعززه بإسماعيل خان بن محمد أمين خان المقتول؛ ليقدر على إطفاء الفتن التي ~~حصلت هناك بين الأزبك والأفغانيين، ونصب ابنه محمد سرور خان واليا على قندهار، وجعل ابنه ~~الآخر المسمى بعبد العزيز خان الذي كان عمره إذ ذاك ستة عشر عاما رئيسا على العساكر ~~الموجودة فيها، وهذا الرئيس الشاب قد ساقه الغرور وحب الظهور إلى جمع العساكر وسوقها إلى ~~هرات من دون علم أبيه، وعند وصوله إلى قرية كرشك صادمه محمد يعقوب خان بن شير علي بعساكره، ~~فهجم الشاب الرئيس دفعة واحدة بمائتين من المشاة على قلب عسكر الخصم واستولى على مدفع، وجلس ~~عليه بعد أن قتل طبجيته، فلما نظر جيش محمد يعقوب عدم وصول المدد له أحاطوا به، وأخذوه ~~أسيرا فتشتت عساكره وانهزمت - كما هي عادة الشرقيين - عند فقد رئيسهم، فأسرع محمد يعقوب ~~بعساكره إلى مدينة قندهار واستولى عليها بحيث لم يجد من يدافع عنها، فقوي قلب شير علي خان ~~لهذه الغلبة، وجد فيه العزم والإرادة، وقصد تلك المدينة بخيالة «الجمشيدي» و«فيروز كوهي» ~~وجمع منها العساكر المتفرقة وأسرع مع ابنه إلى كابل، فتقابل مع محمد أعظم خان في وادي مكر ~~على بعد ستة فراسخ من قزنة، وأنشأ كل من العسكرين استحكامات وحفروا خنادق، وكان محمد ~~أعظم عند سماعه بزحف شير علي قد أرسل إلى بلخ يطلب إسماعيل خان الخائن علما منه بأنه الخصم ~~الألد لشير علي؛ لأنه قتل أباه وأهانه غاية الإهانة، فجاء بعسكر بلخ، وتوقف في قوهستان ~~إلى أن تقابل العسكران في مكر، فهجم على مدينة كابل وفتحها ونادى فيها باسم شير علي خان ~~ظنا منه بأنه سيجعله مكان أبيه واليا على قندهار. # وعند وصول هذا الخبر إلى عساكر محمد أعظم غلب اليأس عليهم، وحصل فيهم الفتور، وتفرقت ~~كلمتهم وتشتت آراؤهم؛ لأنهم قد رأوا أنفسهم بين عسكرين، وعلموا أنه لا يمكن وصول الزاد ~~إليهم، فعلم محمد أعظم أنه لا يجوز الاعتماد على هؤلاء العساكر الذين غلب عليهم الجبن، ~~واستولى ms56 عليهم الفتور والخوف، خصوصا لما رأى جراءة خيالة الجميشيدي وهجومهم على أطراف ~~المعسكر على الدوام، ففر إلى بلخ واجتمع بابن أخيه عبد الرحمن، ودخل شير على خان مدينة ~~كابل بعد أن فارقها زمانا طويلا، واستقبله أهلها بكل بشاشة وسرور؛ لأنه كان محبوبا لدى ~~الناس لسماحة أخلاقه وعدم ميله إلى الظلم بالطبع، ثم إن محمد أعظم وعبد الرحمن بذلا غاية ~~الجهد في جمع العساكر من الأزبك والأفغان، وذهبا إلى قزنة عن طريق هزاره فبارزهما شير علي، ~~وبعد مقاتلات شديدة انهزمت عساكر محمد أعظم وعبد الرحمن، وهربا إلى مدينة مشهد من بلاد ~~إيران، وانفصل عبد الرحمن من عمه في تلك المدينة وذهب إلى بخارى وأقام بمدينة سمرقند وهو ~~الآن بها، وتوفي محمد أعظم بمدينة نيسابور حين ذهابه إلى طهران، وكان عاقلا مدبرا محبا ~~للعدل، ولكن أحوجته الضرورات والحوادث الكونية إلى الجور والظلم، وأما إيثاره ولده الشاب ~~الذي كان في الحقيقة سببا لخيبته، وزوال ملكه بجعله إياه رئيسا لجيوش قندهار، فقد كان ~~لعدم اعتماده على سرداري الأفغان وخوانينهم؛ لأنه قد تمكن منهم سوء الأخلاق بحيث إنهم ما ~~كانوا يعدون الخيانة رذيلة، ولا يستنكفون من ارتكاب العار؛ لأن غالبهم - في خلال هذه ~~الفتن - قد انتمى لكل من الحزبين المتحاربين أزيد من عشرين مرة، وكان متمذهبا بمذهب ~~الصوفية القائلين بوحدة الوجود. # وبالجملة لما تمت السلطة في سنة 1285 للأمير شير علي خان بلا منازع، ولا ممانع، ذهب إلى ~~مدينة أنبالة؛ إجابة لدعوة الحكومة الإنجليزية، فأيدت إنجلترا معاهدته العرقوبية السابقة ~~التي وقعت بينها وبين أبيه دوست محمد خان بمواثيق أخرى هي في الحقيقة عبارة عن تمويهات ~~ومخاتلات، ولما رجع نفي إسماعيل خان الخائن وإخوته إلى الهند، ثم خلع ابنه البطل محمد يعقوب ~~خان من ولاية العهد وجعل أخاه عبد الله خان ولي عهده مع صغر سنه محبة لأمه. «ولبئست ~~الشهوة التي تعمي البصائر وتضل العقول عن الرشاد.» وأما محمد يعقوب خان فقد ذهب إلى هرات ~~وأظهر العصيان بها ولكن لم تمتد مدة هذا العصيان فإنه مع ms57 غلبته على عساكر أبيه لبى ~~دعوته حينما دعاه إلى كابل، والأمير بدلا عن أن يجامله أودعه الحبس، ومع هذه كله لم ينل ~~الأمير بغيته؛ لأن الموت قد أسرع بولي عهده الجديد، وفي سنة 1295 غلبت الوساوس والأوهام على ~~رجال الإنجليز حينما رأوا وفود السفارة الروسية على الأمير فجهزوا سفارة مؤلفة من عدة ~~مهندسين وألف خيال وأرسلوها إلى الإمارة الأفغانية فأبى الأمير إلا منعها لقطعهم المرتب ~~الذي تعهدوا بدفعه كل شهر من مدة سنين بلا سبب؛ فاستشاطت الإنجليز غيظا وساقت العساكر إلى ~~البلاد الأفغانية ظلما وجورا. # الفصل الرابع # | في بيان الشعوب المختلفة الساكنة في الأقطار المعبر عنها باسم أفغانستان # وأخلاقهم وعاداتهم ومذاهبهم وفي إيضاح كيفية الحكومة في تلك البلاد # إن أعظم الشعوب المستوطنة لتلك الأقطار وأكثرها عدا هو الجنس الأفغاني، ومقره جنوب ~~البلاد والشرق الجنوبي منها، والخلق الغالب في هذا الجنس هو الحقد والضغينة والتشوق ~~للانتقام، واقتحام المحاربات، والتهور في المخاصمات والمنازعات لأدنى الأسباب، وإن صورهم ~~الظاهرة تحكي عن خليقتهم هذه، وتنبئ عنها، فإن وجوههم على الدوام عابسة وقلما يوجد بينهم ~~البشوش، وإن كان يظهر في بعض معاملاتهم الحلم والتؤدة، وكذلك خشونة لغتهم، وغلظ أصواتهم، ~~يدلان على هذه الخليقة، وعلى الفظاظة وغلظ الطباع، ولهم ميل عظيم للنهب والسلب، وشن ~~الغارات، وإثارة الفتن، وبما ارتكز في طباعهم من الشجاعة والإقدام والميل الطبيعي إلى ~~المحاربة أرشدتهم الطبيعة من قرون إلى ترتيب نظامهم العسكري على هيئة تقرب من النظام ~~الموجود في هذه الأزمان، وذلك أنهم كانوا يصفون الصفوف، ويحكمون ترتيبها، ويقيمون الضباط ~~أرباب الرتب العالية وأرباب الرتب الدنية. # وعند سوق الجيوش للمحاربة كانت الضباط تتقدم العساكر لتقودهم، حتى إذا اشتعلت نيران ~~الحرب تأخرت الضباط وتقدمتهم العساكر للنزال والصدام، واشتغلت الضباط بالأوامر والنواهي، ~~والنظر فيما يجب إجراؤه من الإقدام والإحجام، والتيامن والتياسر، والسير والتوقف، وغير ذلك، ~~وكان من عاداتهم أنه إذا ولى أحد العساكر فرارا حكموا عليه بالقتل، ومن ذلك ما وقع في ~~واقعة أصفهان، وهو أن ضابطا هم بقتل أحد العساكر عندما رآه متقهقرا، ms58 فأراه العسكري يده ~~اليمنى مقطوعة تخلصا من العقاب القانوني؛ فعافاه الضابط من القتل، إلا أنه لم يخلص من ~~عتابه، ولم يرضه هربه وتقهقره، بل أرجعه إلى المعسكر قائلا: «يا مخنث، ألم تكن يدك اليسرى ~~موجودة؟! فإن قطعت أيضا فعندك أسنان تنهش بها أعداءك، فاذهب، وقاتل الأعداء إلى آخر رمق ~~في حياتك.» # ومن وظائف الضباط زيادة عن الأوامر والنواهي المتعلقة بترتيب العساكر وحفظ نظامهم، تفقد ~~من يموت من العساكر في الميدان؛ ليأتوا به من ساحة القتال ويدفنوه؛ كي لا تقع جثته تحت ~~إهانة أيدي الأعداء، إلا من قتل منهزما فإنهم لا يجوزون دفنه أصلا، ولأفراد العساكر ~~الأفغانية من الطاعة والانقياد لرؤسائهم ما لا يوجد في عساكر ملك من ملوك البلاد المتمدنة، ~~حتى إنهم عند تفرقهم في البادية، وتشتتهم بحيث لا يكون فرد منهم مع الآخر لو سمعوا نداء ~~مناد يدعوهم إلى ضابط أو رئيس من رؤسائهم، لهرعوا مهرولين جميعا لإجابته، والاجتماع حيث ~~يأمرهم، ولو نالوا طعاما في المخمصة لتركوه ملبين داعيهم، ولحسن طاعتهم إذا فتحوا بلدا، ~~وأمرهم أمراؤهم بعدم التعرض لأهاليها، لا يقع منهم أدنى شيء يخل بالراحة، حتى لو مرت ~~عليهم النساء مكللات بأكاليل الذهب لا يلتفتون إليهن، واتفق أنه وقع النزاع في أصفهان بين ~~طائفتين من الأفغانيين في أول جلوس أشرف على كرسي السلطنة، وعظم الخلاف بينهما حتى اقتتلتا، ~~فقفل أرباب الحوانيت حوانيتهم؛ خوفا من حصول الهرج والمرج، فجاء الأمر من أشرف بفتح ~~الحوانيت معلنا: «إن من يصيبه خسارة فأنا الكفيل بتعويضها.» وامتد القتال في المدينة ~~أياما ولم يحصل أدنى ضرر للأهالي من المقاتلين. # ولجميع رجالهم تدرب تام في الطعن بالرماح والضرب بالسيوف، ولهم خفة ونشاط في ركوب ~~الخيل، وفي الأزمنة الأخيرة صارت لهم الدربة في إطلاق الرصاص أيضا. ومن زمن الأمير دوست ~~محمد خان شرعوا في ترتيب العسكرية على النظامات الجديدة، وقد برعوا فيها عملا لا علما، ~~وبلغ عدد عساكرهم المنتظمة ستين ألفا. # وإن كثيرا منهم وإن كانوا قد مالوا إلى الإقامة في المدن والقرى كأهالي قندهار وقزنة ms59 ~~وجلال آباد وغيرها، إلا أنهم كبقية إخوانهم الذين لم يزالوا في الخشونة حيث لم يأخذوا جانب ~~الترف والرفاهية، بل يسلكون في تعيشهم طرق التخشن والتقشف، ويقنعون من اللذات باليسير حتى ~~إنهم يأكلون الضأن بجلده، فإنهم بعدما يذبحونه يحرقون صوفه ثم يجففونه ويدخرونه للأكل، ~~ولا يتناولون الأطعمة بالملاعق، ولا يضعون أواني الطعام على الخوان، بل يأكلون على الأرض ~~بأيديهم، وليس لهم عناية بتنظيف ألبستهم وأبدانهم، ولا يهتمون بنظافة مساكنهم وحجراتهم، ~~وتطهير مدنهم من الأوساخ؛ ولذلك ترى المدن المسكونة بالكثير منهم لا تخلو من الأوساخ ~~والقاذورات، وكثيرا ما تكون جيف الحيوانات في معسكرهم، ولا يعتنون بإبعادها من بينهم، ~~وغالب الجبليين، وأهل القرى منهم، إذا أكل لا يغسل يديه، بل يمسحها في لحيته أو ~~مداسه، وبعض منهم إذا لبس لباسا جديدا يلطخ بعضه بالسمن خصوصا عاتقيه؛ إظهارا لتأصله في ~~الغنى وعدم مبالاته بالجديد، وإراءة لسمنه، وجميعهم سواء كانوا من سكان الأخبية أو البوادي ~~يلبسون من الألبسة خشنها، فأرباب البادية يصنعون ثيابهم من نوع اللباد على هيئة غريبة بكمين ~~طويلين يشبهان خرطوم الفيل، يصلان إلى الأرض، ويسمى عندهم «كوسي»، ولهم أيضا ثوب آخر من ~~هذا النوع يصل إلى الفخذين بكمين قصيرين يسمى «صدرية». وهؤلاء قلما يبدلون ثيابهم قبل ~~البلاء، وسكان المدن يصنعون ثيابهم من الجوخ الغليظ المعروف عندهم ببركر، فيتخذون منه ~~جببا ضيقة الأكمام قصيرتها ويتقبون بأقبية من القماش الملون المعروف بالشيت، ~~وثيابهم في زمن الشتاء من جلود الحمل، يبالغون في دبغها، حتى تصير في اللين والنعومة ~~كالحرير، ويصبغونها بلون أصفر بهي، ويرقشونها بطراز الحريم، ثم يفصلون منها جببا ~~يتخذها العمالة، # 1 # قصيرة تنتهي إلى الركبتين بكمين إلى المرفق وتسمى «بوستين جه» وأرباب ~~الصنائع، والأواسط من الناس يتخذونها طويلة تبلغ الكعبين، كسائر ألبستهم بكمين طويلين، ~~وتسمى بوستين، وقد يتخذ الأمراء من شيلان الكشمير جببا ومن السمور والسنجاب فراء ~~«كرك». # وغالب الأفغانيين يعتمون بعمامة زرقاء، وأما السردارون والعظماء فغالبا يعتمون ~~بشيلان الكشمير ألوانا، وسكان البلاد الحارة يحتذون النعال، ويتخذون صدريات ويلبسون ~~أقمصة تنتهي إلى نصف ms60 الساق واسعة الأكمام، وغالبهم يتحزم بأحزمة عريضة تشغل ما تحت الصدر ~~إلى الفخذية، وغالب القبائل لا يحلقون رءوسهم، وبعضهم يتخذون ضفيرة طويلة من شعورهم، وأما ~~نساؤهم فإنهن يلبسن ألبسة طويلة، ويتمنطقن بمناطق تقرب من الثدي حتى يرى بارزا، وغالب ~~نساء القبائل الساكنة في الجبال يقطعن شعور أذناب الخيول ويصلنها بشعورهن، ونساء قبيلة ~~الغلجائي يحبكن شعور نواصيهن، ويشكلنها بشكل قرص، ثم يسدلنه على الجبهة، فيمتد إلى ~~الصدغين في العرض، ويستر الأنف طولا، كأنما هو برقع مستدير، ويعلقن في آذانهن حلقات ~~غليظة ثقيلة من الفضة والحديد والنحاس والبلور. # وأمراء الأفغان لا يجلسون على المنصات والكراسي، بل يفرشون مجالسهم بالأنماط والنمارق ~~الفارسية، وليس لهم من الأبهة والعظمة ما لغيرهم من الأمراء، ولا يستنكفون من تناول الطعام ~~مع خدمهم والأصاغر من الناس. # والجبليون منهم، وأهل البادية، يحترفون رعي المواشي والأنعام، ويتعيشون منها، وقليل ~~من الزراعة، وقلما يوجد منهم التاجر إلا في قبيلة «لوهاتي» من الجبليين، فإن غالب هذه ~~القبيلة من التجار، ونشاطهم في التجارة على نمط غريب إذ يبلغون بأمتعتهم محمولة على الجمال ~~إلى قرب الصين وبلاد سيبريا، ويجيئون بها إلى بلاد الأناضول، ويطوفون الأقطار الهندية، ~~وهذه القبيلة تمتاز عن سائر القبائل بألبستها، فإن عمائمهم ذات زوايا أربع متقابلة، ~~وأقبيتهم تشبه أقبية الأرناؤد وسكان أذربيجان، بأنها ضيقة الأعالي، واسعة الذيول، كثيرة ~~التكاميش من الوسط. # وأما سكان المدن والقرى فيشتغلون بالزراعة وغرس الأشجار وإنشاء البساتين والرياض، وقلما ~~يوجد فيهم أرباب الصناعة كالحدادة والنجارة والحياكة وما يشبهها، ولا يشتغل منهم بالتجارة ~~غالبا إلا أهالي قندهار، فإن لهم حرصا على التجارة، وغالب تجارهم من طلبة العلم. # وليس للأفغانيين دراية كافية بكيفية إدارة الحكومة، وضبط الدفاتر، وما يشبه ذلك؛ ولهذا ~~تجد جميع هذه الأمور بأيدي طائفة «قزل باش» الذين هم بقايا عساكر نادر شاه، ولا يجوزون ~~بيع الأسراء، وإن كانوا غير مسلمين، ويكرمون الغرباء، وأبناء السبيل، ويستقبحون غالبا ~~السرقة، وإن كانوا يتفاخرون بالنهب والغارة، وغير خاف أن الفرق بين السرقة والنهب هو الفرق ~~بين القوة والضعف، والمنكرات التي ms61 هي نتائج الترف والترفه قليلة الوجود فيهم؛ لتمكن أخلاق ~~البداوة منهم، ولا يخلو غالبهم من خلة الطمع؛ لتسلط الفقر عليهم. وإن نساء الأفغانيين ~~الساكنات في المدن يسترن وجوههن بخلاف نساء القرى والبوادي، فإنهن مكشوفات الوجوه، ~~ويختلطن مع الرجال، وتأخذ كل منهن يد رجل، ويرقصن في الأفراح على هيئة دائرة، وتارة يرقص ~~الرجال منفردين على هذه الهيئة في الأعياد والأفراح، ويسمى هذا الرقص لديهم «عتن». # ومن عادة سكان القرى والبوادي من الأفغانيين في أفراحهم أن يدعو والد العروس أقاربه ~~وأحبابه وجيرانه في نهار الزفاف، ويعرض عليهم الثياب التي عليه عادة أن يعدها للعروس ~~وزوجها، ثم يستدعي الزوج في هذا الحفل، ويلبسه على ملأ الحاضرين ما أعد له بعد قراءة ~~الفاتحة، والنسوة يفعلن ذلك بالعروس، ثم يزفونها إلى محل بعلها، مصحوبة بالأغاني والطبول، ~~وعند وصولها واستقرارها في الحجلة التي أعدت لها، تأتي الفتيات بأنواع الفواكه والنقل، ~~وينثرن على رأس العروس، ويأخذ المدعوون والمدعوات في التفكه بالفواكه والتنقل بها، ~~وتلبث العروس عاكفة في محل زوجها لا تظهر في الناس أياما، فإذا مضت تلك الأيام أتت إليها ~~بنات محلتها يعزفن بالدفوف، وعلى رأس كل منهن جرة، ويأخذنها ومعها جرة مثلهن، ويذهبن ~~جميعا على هذه الهيئة مغنيات عازفات إلى أن يصلن نهرا أو عين ماء، فيملأن تلك الجرات، ~~ويرجعن كذلك، وللعروس بعد ذلك ترك العزلة ومعاشرة الناس، وتختص قبيلة «منكل» و«داوور» دون ~~القبائل بكون أبوي العروسين يجب عليهما الرقص في العرس، ولهاتين القبيلتين عادة غريبة، وهي ~~أن شبانهم في أيام المواسم والأعياد يحلقون أحد حاجبيهم وأحد جانبي شاربهم من خلاف، ~~ويكحلون عينا بالسواد وعينا بالحمرة، ومن له لحية منهم يحلق جانبا منها ويترك الآخر، ~~ويقضون أيام عادتهم هذه باللعب بالسيوف، حتى يخيل للناظر أنهم يحاولون الفتك ببعضهم، ~~وأبناء هاتين القبيلتين ممن يستفزهم حسن الصورة ويشغفهم الجمال أينما تجلى، بل هم ~~يتنافسون في إظهار صدق المحبة وخلوصها، بتقديم الذبائح، حتى تغالى بعضهم بتقديم أبيه ~~ذبيحة. # ومن عادة قبيلة «ختك» أن نساءها في المأتم يصبغن وجوههن ويعفرنها ms62 ويثبن لاطمات صائحات ~~ويخمشن وجوههن بأظفارهن، ومن عادة جميع الأفغانيين إطعام المعزين ثلاثة أيام إلا أنهم ~~يختلفون عادة في من يقوم بنفقة الأطعمة، ففي غالب القبائل يقوم بها صاحب المأتم، وفي بعضها ~~يقوم بها جيرانه وأهالي القرى القريبة منه، أما هو فلا يصنع شيئا. # ومن أهالي القرى من يعلم الأولاد الذكور الرقص ويلبسهم ثيابا تشبه فساتين نساء ~~الإفرنج، ويجعل عليها شراريب من جميع أطرافها، لأجل الرقص في الأفراح، وإذا ولد لأهل القرى ~~والبوادي منهم مولود تصعد القابلة ولو في نصف الليل على سطح البيت، أو على محل مرتفع، ~~وتنادي بأعلى الصوت ثلاث مرات إخبارا بالمولود، وتأدية لشكر هذه النعمة لله. # وجميع الأفغانيين سنيون متمذهبون بمذهب أبي حنيفة، لا يتساهلون رجالا ونساء، وحضريين ~~وبدويين، في الصلاة والصوم سوى طائفة «نوري» فإنهم متوغلون في التشيع، ولهم محاربات شديدة ~~مع جيرانهم السنيين، ولا يبالون بالصلاة والصوم، وإنما يهتمون بأمر مأتم الحسين - رضي الله ~~عنه - في العشر الأول من محرم ويضربون ظهورهم وأكتافهم بالسلاسل مكشوفة، ويوجد في بعض ~~قبائل «كاكر» بقايا من الطريقة المزدكية، وإن كانوا على دين الإسلام. # ومزدك هذا كان رجلا في زمن «قباذ» من أكاسرة فارس، وقد ادعى النبوة، وتبعه قباذ وأربعون ~~ألفا من الفارسيين، وكان من أصول دينه الاشتراك في الأموال والنساء، وكان يعلل ذلك بأن ~~المنازعات والمقاتلات لا تحصل إلا لأجلهما فلو حصل الاشتراك فيهما لارتفع الشقاق واستتبت ~~الراحة، ولما مات قباذ وجلس ابنه أنوشروان المعروف بالعادل على منصة الملك، احتال لإبادة ~~هذه الشريعة المبتدعة، فطلب الشارع، وقابله بالبشر والبشاشة، وأظهر له رضاه وقال له: «إني ~~قد اخترت هذه الشريعة البديعة، واستحسنتها، ولكن لا أقدر أن أتظاهر بها؛ خوفا ووجلا ما لم ~~أر الذين اتبعوك، وأعلم أن فيهم كفاءة لدفع شر المنكرين.» فعرض الشارع أتباعه عليه في محل ~~أعده أنوشروان لذلك، فصار الجميع طعمة للسيوف، وما هرب منهم إلا ثلاثة أشخاص منهم زوجة ~~مزدك، ولم يصدر عنه هذا الفعل إلا بمشورة وزيره بزرجمهر، حيث قال له: «إن هذا الشارع ms63 لا ~~يريد بشريعته هذه إلا استئصال السلطنة عن وجه الأرض؛ لأن السلطنة لا تكون إلا بالمال ~~والنسب، فإذا تأسس الاشتراك في الأموال والنساء فلا سلطنة.» وقال خواجة «نظام الملك» في ~~تأريخه: «إن الإباحيين الموجودين في إيران من أتباع مزدك، وقد توارثوا هذه الطريقة عن الذين ~~نجوا من حد سيف أنوشروان.» وكذلك يرى في أهالي خست وكرم بعض عادات الخوارج والنواصب ~~فإنهم يصورون هيكلا في غرة محرم، ويدفنونه، ثم إنهم يخرجونه في يوم عاشورا، ويكسرون عنقه ~~متهللين مستبشرين، وهؤلاء يستقبحون الختان أيضا. # والأفغانيون - مع شدة تعصبهم للدين، والمذهب، والجنس - لا يعارضون غيرهم في حقوقهم، ولا ~~يتحاشون عن أن يروا شيعيا، أو غير مسلم، يقيم مراسم دينه، ولا يمنعون المستحقين منهم من ~~نيل المراتب العالية في حكومتهم، فإنك ترى أرباب المناصب في البلاد الأفغانية من الشيعيين ~~«القزل باش». وكل أفغاني يزعم أنه أشرف الناس؛ لكونه أفغانيا، ولو كان فقيرا، وأنه لا ~~يوجد الإيمان الكامل والإسلام الخالص إلا في جنس الأفغان والعرب. وكل قبيلة إذا أرادت أن ~~تبرم أمرا فلا بد أن يجتمع أمراؤها للمشورة، وتسمى هذه الجمعية عندهم بجركه، وإذا قتل أحد ~~من قبيلة أحدا من قبيلة أخرى فكل فرد من أفراد القبيلة المقتول يرى أنه من الواجب عليه أن ~~يجتهد لأخذ الثأر بقتل رجل من قبيلة القاتل، ولا يقتنعون بقصاص الحاكم، ولا يتجاوزون عن ~~ذلك، ولو مضت عليه أعوام إلا أن يستجير بهم القاتل، وهكذا تكون الحال إذا قتل أحد من عائلة ~~أحدا من أخرى. # والأفغانيون يحمون الدخيل، ويعينون الملتجئ إليهم بدمائهم وأموالهم، وأهل الحضارة ~~والبداوة منهم يتسلحون غالبا بسيوف صغيرة تسمى «سيلاوة» و«نورة» وبخناجر مستقيمة، وبآلات ~~نارية كالبنادق، والطبنجات، وغالب بنادق أهل الجبال بالفتيل، ولا تنقطع المحاربات بين ~~القبائل والعائلات، وقد وقع كثيرا أن الابن قتل أباه، والأخ قتل أخاه، ولا ينعقد الصلح بين ~~القبيلتين المتحاربتين إلا بالمصاهرة، وغالب سكان الجبال والأودية لا ينقادون للأمير إلا ~~بقوة جبرية، وينتهزون الفرصة دائما لرفع الضرائب الأميرية عن عواتقهم. # ومن القبائل من يقتات ms64 بالذرة، ومنهم من يقتات بالدخن، ومنهم من يقتات بالشعير، ومنهم من ~~يقتات بالبر، وغالب أدمهم الأقط واللحم، وفي زمن الشتاء يصنعون منهما طبيخا، ويخبزون ~~خبزهم غالبا بالصباح، وفي الأسفار يخبزونه بمصبأ محماة يضعونها في قطعة من الخمير، ~~ويملئونها نارا حتى تستوي ويسمون هذا الخبز «كاك». وقلما يوجد البصل عند القبائل كقبيلة ~~«يوسف زائي» و«أجيك زائي» فتجدهم إذا رأوا أجنبيا يتملقون ويتذللون له قائلين: «عندنا ~~مريض فنرجوك أن تتفضل عليه ببصلة عسى أن يكون شفاؤه فيها.» وإن قبيلة أجيك زائي كثيرا ما ~~يتعرضون للقوافل إرادة النهب، ويسدون طريقها، ويقابلونها بالأسلحة النارية والآلات ~~الحادة، فإذا لم يمكنهم الغلبة عليها صالحوها بأقة أو أقتين من البصل، واتفق أن محمد أعظم ~~خان بعدما ترك البلاد الهندية وفد على قبيلة يوسف زائي، ونزل في خيمة خانها فقام الخان ~~مسرعا وعلى وجهه لوائح الفرح وإذا به قدم للأمير بصلة. # وكل الأفغانيين يعتقدون بقبور الأولياء، ويذهبون لزيارتها، ويذبحون الذبائح لديها، وبعضهم ~~تغالى في اعتقاده بها، حتى إن رجلا من قبيلة الأفزيدي المشهورة بالسلب والنهب لقي شخصا ~~فأراد أن يسلبه، فاستجار بالله وبالرسول، فلم يتركه ثم استجار بتربة شيخ يسمى «منلايار ~~محمد» فاضطرب ذلك الرجل خوفا وقال: «جل جلاله أوقعتني في الكفر.» وترك سبيله، وغالب ~~القبائل وسكان الأودية والقرى يميلون إلى اللعب والطرب، وفي الأزمنة الخالية عن الشغل ~~يجتمعون على هيئة دائرة ويرقصون الرقص الموصوف سابقا، ويلعبون بالخيل والسيوف، وساكنو ~~الجبال الباردة منهم «كخست» و«كرم» أغلبهم أبيض اللون، والساكنون في البلاد الحارة ~~كقندهار وجلال آباد سمر الألوان. # ومن العوائد الدينية الجارية عندهم أنه إذا مات أحد منهم يخرجون دراهم ودنانير من ماله ~~يعطونها للفقراء والمساكين من العلماء باسم إسقاط الصلاة، ومن أهل القرى والمدن من له شغف ~~عظيم بتعلم العلوم كالصرف والنحو، والمعاني والبيان، والفقه والأصول، والتفسير والحديث، ~~والمنطق والفلسفة، والهيئة والهندسة، والحساب، ويتعلم بعض منهم العلوم الطبية، وبعض من أهل ~~القرى يكتفون بتعلم الفقه بدون استحصال العلوم العربية، والعامة يتكلفون بأرزاق الطلبة مدة ~~الطلب بطيب نفس فيخصص ms65 كل واحد قسما لطلبة العلم مما هيأه لغذائه أو عشائه ثم يطوف بعض صغار ~~الطلبة على الدور لجمع ما أعد لهم، وأهل بعض الجهات لا يجوزون تناول ما خصص للطالبين ~~إذا غفل الموكل بالجمع عن أخذه، وللعلماء في تلك البلاد شأن عظيم وسلطة تامة ونفوذ كلمة ~~بين الأهالي، بحيث يخشاهم الكبراء والعظماء والأمراء حيث إن قلوب العوام في قبضتهم. ولهم أن ~~يثيروا الشعب على أي أمير أو كبير متى شاءوا، والكثير منهم يستنكف من ملاقاة الأمراء ويتنزه ~~عن قبول هداياهم وإن كان يقبل هدايا غيرهم من الناس، ويستكبر عن زيارة رجال الحكومة حتى إن ~~أمير البلد لو زار أحدهم لا يرى من نفسه أن يتنازل لمقابلة زيارته بزيارة مثلها، وبسبب ~~سلطتهم هذه قد يصدر عنهم أعمال مضرة يأباها الشرع والعقل، إذ يحكمون بكفر بعض الأشخاص أو ~~بفسقه إذا رأوا منه ما يخالف أهواءهم، بل قد يكفر بعضهم بعضا حبا للانفراد بالرئاسة، ~~خصوصا في هذه الأزمان الأخيرة بعدما انتشر مذهب الوهابية في الهند، فإن من كان أنقذ سلطة ~~إذا رأى نجاحا لمن هو دونه يحكم بأنه وهابي، حتى يسيء إلى اسمه. # ويلزمون الحاكم بإجراء العقوبات الفظيعة على من حكموا عليه، ومن ذلك ما وقع في قندهار، ~~وهو أن أحد كبار العلماء حكم بكفر الشيعة فثارت عليهم قلوب الأهالي، وقامت الحرب بينهم، ~~وسفك فيها عزيز الدماء، ونهبت البيوت والدكاكين، وكذلك ما وقع في كابل وهو أن بعض علمائها ~~حكم بكفر الشيعة، ووقعت بسببه حرب امتدت أشهرا بين السنيين والشيعة «القزل باش»، والبعض ~~منهم يتسم بسمة الطريقة، ويتوسد وسادة الإرشاد، وهؤلاء يتخذون مساكن، ورباطات للزائرين ~~وغيرهم، ويقدمون لهم الأطعمة في أوقاتها، ووجاهتهم ونفوذ كلمتهم، وسعة نفقاتهم، بحسب ما ~~يأخذونه من الذين يلوذون بهم باسم الهدايا والنذور، ومنهم من يتمكن بحسن سلوكه وظاهر صلاحه ~~من قلوب العامة، ويحصل له الكلمة العليا والنفوذ التام، ويقصده ألوف من الناس من كل فج، ~~فيقدم لهم الموائد مدة إقامتهم لديه، ولا يخلو رباطه في جميع الأوقات من مئات ms66 من ~~الأطعمة والأشربة والألبسة، ومنهم من يتفرد بالحكم في بعض أضلاع البلاد الأفغانية، ويتمتع ~~بضلعه، ويحامي عن حوزته، ويدفع من يهاجمه من جيرانه، ويهجم في بعض الأوقات عليهم محتجا في ~~كل ذلك بالأدلة الدينية، ومن هؤلاء عبد الغفور المشهور «بأخند صوات» الذي كان متسلطا على ~~«صوات» و«بنير»، وكان معقدا في جميع البلاد الأفغانية على العموم، بل وفي بلاد الهند ~~وبخارى، وكان فقيها زهدا متقشفا، مخشوشنا في معيشته، يتعيش من الذرة والدخن ~~الجبليين، وألبان معز لا ترعى إلا أعشابا جبلية، وكان عنده على الدوام عدد وافر من ~~المريدين، وكثيرا ما شن الغارة على الإنجليز، وانتصر عليهم، وكان ينشر في البلاد منشورات ~~يدعو بها أهلها إلى الجهاد فيجتمع إليه ألوف من الناس، وكان يؤيده ويساعده على هذا جماعة من ~~الوهابية من الهنود أصحاب السيد أحمد الوهابي الذين هاجروا من الأقطار الهندية خوفا من ~~المسلمين السنيين وتوطنوا في صوات وبنير. # وهذا الشيخ «أخند صوات» كان إذا وفد إليه الزائرون وأبناء السبيل يقربهم على حسب ~~أحوالهم، وما منحهم الله في بلادهم من جاه وثروة أو ضعة وفقر، وكان يقدم إلى الأمير ما ~~يليق به، وإلى الفقير الرائب والبصل والخبز اليابس، وكان إذا سمع أن شيخا قد ارتفع في ~~البلاد، أو جلس مجلس الإرشاد بادر بالحكم عليه بالتوهب، حتى تنفر منه القلوب، وتنزل درجته ~~من اعتبار العامة، وقد قتل بعض المشايخ بسبب حكمه هذا، وأشهر بعضهم على أشنع هيئة وأقبح ~~صورة. # وجميع علماء الأفغان يحرمون شرب التبغ بجميع أنواعه كعلماء بخارى، ولكنهم لا يتعرضون ~~لمنع العامة عنه إلا «أخند صوات» فإنه يرسل من لدنه الرسل والمبعوثين إلى البلاد الأفغانية؛ ~~ليمنعوا الناس من شرب الدخان، ويكسروا الشبقات والنارجيلات إذا ظفروا بها، ويحرمون أكل ~~ذبيحة الشيعيين، مع أنهم يحللون أكل ذبائح اليهود والنصارى، زاعمين أن الشيعة قد ارتدوا، ~~والمرتد لا تؤكل ذبيحته بخلاف أهل الكتاب، وجميعهم يحمل على عاتقه حراما غليظا أو رقيقا ~~على حسب الفصول لأجل الصلاة، بل ذلك عادة غالب الأفغانيين، وجميعهم يظهرون التعصب للدين، ms67 ~~ويبدون الغيرة على الأحكام الشرعية والاعتقادات، إلا من كان منهم على منصة الإرشاد فإنه قد ~~يوجد فيهم التساهل في الأمور الدينية، ولطلبة العلم لما يرون من احترام العامة لهم بعض تعد ~~على الناس، حتى إن طلاب «نكنهار» يتحزبون، ويتسلحون بالقرابينات، ويهجمون على أهل القرى، ~~إذا رأوا أدنى إهانة منهم لأحدهم، ولا ينتهون عن التطاول، إلا أن يقدم الأهالي كفارة عما ~~فرطوا في جانبهم، وكثير من طلاب تلك النواحي لا يبالون بالصلاة والصوم، ولهم احتفالات في ~~بعض أيام السنة يدعون إليها من الطلبة وغيرهم ما يزيد على ألف شخص، ويلزمون أهل القرى ~~بتهيئة مأدبة فاخرة، ثم يأتون بأمرد جميل، ويلبسونه برقعا وأساور، ويجلسونه على كرسي ~~ويلقبونه السلطان فيكون له الحكم مدة هذا الاحتفال يأمر بضرب من يشاء ويغرم من يشاء، ~~وحينما يريدون الانفضاض يجيء المسمى بالوزير منهم بين يدي المجعول سلطانا، ويقول له: «إن ~~الجند قد تمردوا على السلطان؛ نظرا لانقطاع الراتب عنهم.» فيسفر ذلك الأمرد عن وجهه، ويضع ~~جانبا من النشوق في راحته، ويبسطها، فيتوارد أهل الاحتفال عليه، وكل يتناول شيئا من هذا ~~النشوق، وبهذا ينفض الملعب. واللغة الأفغانية في غاية الخشونة، وحروفها الهجائية أكثر ~~عددا من حروف اللغة الفارسية، وأحسن من يتكلم بها أهل مدينة قندهار، وتوجد مؤلفات قليلة ~~بهذه اللغة نظما ونثرا. # ومن الشعوب الموجودة في البلاد الأفغانية شعب يقال له «تاجيك» ومنه غالب سكان مدينة هرات ~~وضواحيها، ومدينة كابل والقرى الواقعة بينها وبين بلخ، وكذلك أهل مدينة قزنة وبعض القرى ~~المجاورة لها، ولقمان وقصبة لقمان، وبعض قرى قندهار، ومنه أيضا غالب سكان المدن البلخية، ~~وهذا الشعب ذو جد واجتهاد، وله حرص على تعاطي الحرف والصنائع كالحياكة والنجارة والحدادة ~~والبناء، وغيرها، وعلى معرفة فن الزراعة وتربية الأشجار والكروم، وله عناية بالتجارة، ~~والساكنون منه في قوهستان كابل قد طبعوا على الشر والفساد وحب القتال وسفك الدماء، فترى ~~الحرب قائمة فيما بينهم أبدا لا تخلو منها قرية مع أخرى، ولا بيت مع آخر، ومن ثم تجد ~~رجالهم غالبا قد اتخذوا ms68 لهم بروجا يقيمون بها بأسلحتهم خوفا من الغارات. # وبالجملة إن هذا الشعب أحسن حالا من الأفغانيين؛ فإنه أدرى منهم بالإدارة المنزلية، ~~وأنظم في زيه وملبسه، ويمتاز عنهم بمراعاة النظافة، بل يفوقهم دراية وإدراكا، وفهما ~~وذكاء، غير أنه قلما يوجد فيه عالم أو من يميل إلى تحصيل العلوم على خلاف الأفغانيين. ~~ومما اشتهر به سكان القرى من هذا الشعب إصابة المرمى، فهيهات أن تخطئ رصاصة أحدهم الغرض، ~~ولهم صنف من طوال الخناجر يتقلدونها، وجل هذا الشعب سني على مذهب أبي حنيفة، ولا يوجد في ~~هذا الشعب عصبية كما لا يوجد فيه أمراء، وغالبهم بيض الوجوه، ويعتمون بعمامة الأفغانيين ~~نوعا. # ومن الشعوب أيضا شعب «هزاره»، ويسكن هذا الشعب في الجبال الواقعة في شمال قزنة الممتدة ~~إلى شمال هرات، وأصله من الجنس المغولي كما يؤخذ من سيماهم، فإن بعيونهم ضيقا مع ميل ~~لحاظها نحو الرأس، ولحاهم غالبا ليست إلا بعض شعرات نابتة في أذقانهم. # وبالجملة فإن تركيب وجوههم تركيب وجوه الصينيين والتتر الأصليين، وقد قال بعض المؤرخين إن ~~هذه القبيلة من بقايا عسكر جنكيز خان، بل ادعى أنها كانت منذ ثلاثمائة سنة تتكلم اللغة ~~المغولية، لكن من وقف على تمكنها من اللغة الفارسية، وعدم مزجها إياها بشيء من اللغة ~~المغولية، مع مجاورتها للتركمان، وجنس الأزبك من الترك، يجزم بأنها استوطنت مواطنها هذه من ~~قبل جنكيز خان بمدد مديدة، وهذه القبيلة لم تزل على الخشونة والتوحش، عريقة في البداوة إلى ~~الغاية، على أنها تحسن صنع صنف من الجوخ يقال له «برك» وهو أجود أصنافه، وقلما يصنع نظيره ~~في أوروبا، وجميعها ما عدا عمارة جمشيدي يلبسون قباء مشقوقا يتمنطقون عليه، لكن إذا كان ~~القباء من برك فيجعلون أكمامه إلى المرفق، ومنها إلى الزند، ويتخذونها من أقمشة أخرى ~~كالحرير وغيره، وفي فصل الشتاء يتخذون قلنسوة من القماش، وأما نساؤهم فيعتممن دائما، ~~ويلبسن كالرجال قباء على الشكل المار ذكره، وأما الجمشيدي فلباسهم يشبه لباس مجاوريهم من ~~التركمان والأويمق، وهو جبة تضرب إلى الكعبين ضيقة الأكمام قصيرتهما، وقلنسوة ms69 من الفراء ~~تسمى «پاپاق» بالباء الفارسية، وهذه العمارة معروفة بالفروسية ومطبوعة على النهب والسلب ~~وشن الغارة كجيرانها ومشهورة بالشجاعة والإقدام، وإصابة الغرض في المرمى كسائر أخواتها من ~~قبيلة هزاره. # وهذه القبيلة على مذهب الشيعة إلا فصيلة «شيخ علي» و«الجمشيدي»، لكنها ليست على شيء من ~~هذا المذهب إلا بغض الخلفاء، ومحبة علي، وإقامة مأتمه في عاشوراء، بضرب السلاسل على الصدور ~~والظهور، ولا يتقي آحاد هذه القبيلة إظهار مذهبهم، مع أن التقية من واجبات مذهب الشيعة، حتى ~~لو سئل أحدهم عن مذهبه لقال بغلو بدون مبالاة: «إني عبد علي.» ولهم زيادة اعتصام بمذهبهم ~~هذا. # ومما يحسن سرده هنا أن سنيا عرض التسنن على جارية منهم كانت عنده فأبت فعزرها وزجرها ~~وألح عليها، فاستشاطت غيظا، وقالت: «أهون علي أن أكون كلبة ولا أكون سنية.» ومن شأنهم ~~أنهم يلقنون أمواتهم إثر دفنهم بكلمات معناها: «إذ جاءك ناكر ومنكر فلا تخف فإن مولاك ~~عليا سيحضر عندك ويطردهما عنك.» ومن عاداتهم أن أهل الميت يشق كل منهم قلنسوته بعد دفنه ~~ويتركها على قبره، وقلما يوجد عند هذه القبيلة نقود، وغالب معاملاتهم بالمقايضة، وتأخذ ~~منهم الحكومة بدل النقود على حسب حال كل شخص عددا مخصوصا من صنف المعز، فإن تأخر أحدهم في ~~أداء الضرائب حتى تراكمت عليه وعجز عن أدائها يقدم بنته بدلا، فيتخذها العامل أو الحاكم ~~كجارية، وأغلبهم يستعمل أطعمتهم بلا ملح؛ لندرة وجوده، ويعظمون الشرفاء «أي أولاد علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه» غاية التعظيم، ويتميز الشريف عندهم عن غيره بالأنفة والعظمة وعدم ~~التحية عند قدومه على مجلس من المجالس واستعمال الشتائم في مخاطبته للعامة، ويعللون هذا بأن ~~الشرفاء سلاطين، فلا ينبغي لهم أن يعاملوا الناس إلا بهذه الطريقة. # ومن العادات الغريبة عندهم أنه إذا حصلت منازعة بين امرأتين تقيم كل منهما نائبة عنها من ~~النسوة أمام الأخرى، فتبتدئ إحداهما بالشتم محركة يديها ورجليها، وحاجبيها بحركات مختلفة ~~فتجيبها الأخرى بشتم أفظع على ذلك النحو من الحركات، وهكذا تتناوبان الشتائم حتى تأتي ~~إحداهما بشتم يبلغ ms70 الغاية في الفظاعة بحيث لا تقدر الأخرى أن تأتي بمثله فتنفصل الدعوى، ~~وتكون الدائرة على التي صارت نائبتها عاجزة عن المقابلة، فإن انقضى النهار، وما حصلت الغلبة ~~لإحداهما تأتي كل واحدة منهما بقفة تكفؤها قائلة: «الميعاد غدا.» ومن الشعوب قبيلتا أزبك ~~وتركمان، وهما من أصل تتري يتكلمون الآن باللغة التركية، والقبيلة الأولى تسكن في أقطار ~~بلخ، والثانية في الأراضي الواقعة بين مدينتي ميمنة وهرات، وكلهم سنيون على مذهب أبي حنيفة، ~~وإن الأزبكيين «الذين ينسبون إلى أحد حفدة جنكيز خان» يشتغلون غالبا بالحرث، وتربية الكروم ~~والأشجار، واقتناء المواشي، ويعتمون بعمائم صغيرة يسدلون عذبتها على آذانهم، ويلبسون جببا ~~من الحرير وغيره، مبطنة بقماش غليظ، وشيء من القطن، وتحاكي الحفة الصغيرة، وبعضهم يلبس ~~ثلاثا أو أربعا من هذه الجبب بعضها فوق بعض، ولهم حذق في الفروسية والطعن بالرماح، وإذا ~~ذهب أحد منهم لزيارة آخر يرفع يديه إلى السماء، ويقرأ سورة الفاتحة، وبعد ذلك يقدم له ~~المزور قطعة خبز فيأخذها ويقبلها بكل احترام، ويضعها في جيبه، ولهم رغبة تامة في شرب الشاي، ~~ولا يستنكفون من أكل لحم الفرس، ويوجد فيهم بعض من العلماء. # وأما التركمان فيلبسون جببا من البرك، ويضعون على رءوسهم قلنسوة من الفراء تسمى «پاپاق» ~~بالباء الفارسية كما ذكرنا، ولهم اهتمام تام بتربية الخيول، وخيولهم متولدة من الخيول ~~العربية التي جلبها نادر شاه من نجد، وغالب هذه القبيلة المتوحشة المتبربرة يتعيشون من ~~السلب والنهب ويغيرون على بلاد إيران وأطراف هرات، ويأسرون الرجال والنساء، ويبيعونهم باسم ~~العبيد والإماء، مستدلين بأن أسراءهم من الشيعيين يجوز بيعهم لخروجهم عن الديانة ~~الإسلامية، وكثيرا ما يأسرون أشخاصا من السنيين، ويجبرونهم بالضرب والكي على أن يعترفوا ~~أمام الناس بالتشيع؛ كي لا يمتنع أتقياء بخارى عن شرائهم، واتفق أن بعضا منهم أسر عالما ~~من علماء أهل السنة من نواحي هرات، فكبله بالسلاسل؛ خوف الهرب، ومع ذلك كان إذا حضر وقت ~~الصلاة أطلقه ليؤم الجماعة، وكان بعد تمام الصلاة يقيده ثانيا، ولما رأى العالم منه ذلك ~~قال له: «أنت تعلم ms71 أني رجل سني، فبأي وجه تجوز أسري وتحلل بيعي؟» فأجابه بقوله: «إنك لست ~~بأشرف من القرآن الكريم، فكما يجوز لي هبة القرآن كذلك يجوز لي أيضا هبتك، وأما البيع ~~فحاشا.» وبالجملة إن هاتين القبيلتين موصوفتان بالظلم والشر، خصوصا الأخيرة، غير أن عددها ~~قليل في البلاد الأفغانية. # ومن الطوائف الموجودة في البلاد الأفغانية طائفة الشرفاء «أولاد علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه» ويلقبون في تلك البلاد بالسيد، وبعض من هذه الطائفة يسكن في «بشنك» من نواحي قندهار، ~~وبعض منها يسكن في ولاية «كنر» الواقعة قرب جلال آباد، ولم يخل شرفاء كنر من الكبراء ~~والعظماء من عهد «بابرشاه» إلى يومنا هذا، وللأفغانيين عموما مزيد اعتقاد بهذه الطائفة، ~~وأما عاداتهم وملابسهم فتماثل عادات الأفغانيين وأخلاقهم وملابسهم. # ومن سكان بلاد الأفغان أيضا طائفة «قزل باش» وهو لفظ تركي، ومعناه أحمر الرأس، وقد لقب ~~بهذا اللقب جميع العساكر الصفوية الشيعيين؛ لأنهم كانوا يعتمون - بأمر السلاطين الصفوية - ~~بعمائم حمراء، وجلها يسكن في كابل، والباقي منها يستوطن في قزنة وقندهار، وأصل هذه ~~الطائفة من البلاد الإيرانية وقد أتى بهم نادر شاه إلى هذه البلاد، ولهم حذق في الآداب ~~والصنائع والأعمال الديوانية؛ ومن أجل هذا ترى أن المتوظفين في الإدارة الملكية الأفغانية ~~منهم، وغالب الأمراء يختارونهم؛ لتربية أولادهم، ولتعليمهم الأدب والشعر، ويمتازون بالذكاء ~~والفطنة والنظافة عن بقية سكان البلاد الأفغانية، ويتصفون بالشجاعة والإقدام، وكلهم على ~~مذهب الشيعة، يقيمون مآتم للحسين بن علي بن أبي طالب في الأيام الأول من شهر محرم. # ويوجد في جنوب قندهار قرب «بشنك» بعض من طائفة البلوج، وهذه الطائفة من أصل فارسي، ومن ~~عاداتهم أنهم يرسلون شعورهم ويدهنونها ويحتذون بالنعال، ويضعون نجاد سيوفهم حمائل على ~~عواتقهم، وهم موصوفون بالقوة، ومشهورون بالسرقة والغارة، ومعروفون بالكرم، ولا يعرفون من ~~الإسلام إلا اسم الله تعالى، واسم محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وبعضهم يعرفون عليا رضي الله عنه، وإذا ~~قيل لأحد منهم: «يا أيها البلوجي، هل تصوم؟» يجيب قائلا: «إني ما سرقت معز النبي # صلى الله عليه ms72 وسلم ~~، ~~بل إن خالنا «أي أميرنا» قد سرقها فمنعه النبي - عليه الصلاة والسلام - من الأكل ثلاثين ~~يوما؛ زجرا.» وهكذا إذا سئل عن الصلاة يقول: «إن الخان هو الذي يصلي.» وإذا لقي أحد منهم ~~أحدا سواء كان منهم أو أجنبيا عنهم يبتدره بالسؤال عن الخان ثم يحييه بتحيات متتالية ~~تستغرق زمانا، ويختمها بقوله. وبالجملة فهذه الطائفة في غاية الجهل والتوحش والتبرر وغلظة ~~القلب حتى إن فصيلة منها تسمى «مرى» تغير على القوافل، وتأبى إلا قتل رجالها زعما منها أن ~~الأموال لا تحل ما دام أربابها في قيد الحياة. # ويوجد في البلاد الأفغانية كثير من عبدة الأوثان الهنديين، ولهم بها معابد تسمى «درمسال» ~~ولهم خارج مدينة كابل محرقة يحرقون فيها جثث أمواتهم على مقتضى ديانتهم، وغالبا يحفظون ~~رمادها ويرسلونه إلى نهر القنج، وجلهم على مذهب بابانانك الذي أشرنا إليه سابقا، ويشتغلون ~~غالبا بالتجارة والصيرفة، ويجتنبون غاية الاجتناب مس غير المتدين بدينهم، ويتحاشون عن ~~تعاطي طعامه وشرابه. # وأما كيفية حكومة الأفغانيين: فالحكومة الأفغانية حكومة استبدادية مطلقة، ولكن لها نوع ~~مشابهة بالحكومة الشوروية؛ # 2 # لأنها لا يمكن إبرام أمر مهم فيها إلا بمشاورة رؤساء القبائل، وهي مؤلفة من ~~أمير، وهو سلطان البلاد، ووزير، وهو بمنزلة الصدر الأعظم، و«مستوفي الممالك»، وهو بمثابة ~~ناظر المالية والداخلية معا في سائر الحكومات، و«خازندار» وهو الذي يناط به حفظ النقود ~~الأميرية، و«إيشيك أغاسي باشي» وهو الذي ترفع إليه عرائض المشتكين ويفصل الدعاوي بين ~~المتخاصمين بأمر الأمير، وولاة، وغالب هؤلاء الولاة من العائلة السلطانية ويلقبون ~~بالسردار، وجنرالات وهم رؤساء العساكر، وبعض هؤلاء السردارين، وكتوالين وهم الشحنة، «أي ~~ضباط البلد» ويوجد في كل بلد مستوف نائب عن «مستوفي الممالك» وهو لضرب الضرائب وجمع الأموال ~~الأميرية، ومأمورون، وجباة. # وأمير الأفغان ليس له أبهة ملوك الشرقيين وجلالتهم، بل يجلس في ديوان الحكومة المسمى ~~عندهم «دربار» على النمارق الفارسية، مع أعيان الحكومة، ولا يتميز عنهم إلا بمتكأ يوضع ~~بجانبه، ولا يمنع الحاجب والبواب أحدا من الدخول عليه حتى أسافل الناس، ولكل واحد من أهالي ms73 ~~البلدان أن يرفع شكواه إليه مكلما إياه مشافهة، رافعا صوته بدون خجل ولا مبالاة، وهكذا ~~سائر الولاة مع الرعية في الولايات، نعم، إنه يقف أمام الأمير كثير من الخدم متسلحين ~~بالسيوف والخناجر مهيئين لإجراء الأوامر والنواهي، ويركب في محفة تحملها أعناق الرجال تارة ~~وفي هودج محمول على الأفيال أخرى، ويجلس مع الأمير في ديوان الحكومة «خان منلا» وهو قاضي ~~القضاة لفصل الدعاوي الشرعية ويجلس أيضا مع كل وال قاض، ولا يجوز للأمير ولا لأحد من ~~الولاة أن يتداخل في الأمور الشرعية، ولا يوجد للحكومة الأفغانية قانون سياسي وإنما الحل ~~والعقد وفصل القضايا وتعيين الجزاء وتحديد العقاب وضرب الجزية «أي الجزاء النقدي» والحبس ~~والضرب والطرد موكول برأي الأمير، وسائر الولاة يفعلون على حسب ما يتراءى لهم «ولا شك أن ~~هذه الطريقة لا تخلو من الغدر والظلم في كثير من الأحيان» غير أن العقاب بالمثل وقطع اليد ~~والرجل قلما يقع في تلك البلاد، وأما القتل سياسة فلا يقدم عليه الأمير جهارا إلا إذا ~~اتفقت معه آراء كبراء قبيلة من أراد الأمير قتله خوف الفساد وخشية التعصب وإثارة الفتنة، ~~نعم، إن الأمير كثيرا ما يفعل بعظماء عائلته أفعالا شنيعة كالقتل والسمل وغيرهما من ~~الفظائع؛ لعدم من يقوم بنصرهم ويأخذ بثأرهم، وكثيرا ما يصادر الأمير أموال الوزراء إذا غضب ~~عليهم أو أحس منهم بسوء، وهكذا يفعل الولاة من العائلة السلطانية مع المستخدمين في ~~الولايات للسبب عينه، ولا ينجو أرباب الغنى من التجار والزراع من هذه البلية، وللأمير أن ~~يتصرف في الخزينة الأميرية كتصرفه في مطلق ماله كيفما يشاء، وليس لأحد حق المنع والردع، ~~بل لا يخطر ببال شخص ما أن الأموال الأميرية ليست من ممتلكات شخص الأمير وأنه لا يجوز ~~لأمير ما أن يتصرف فيها إلا بالمقدار الذي يجوزه القانون وترضى به الأمة. # ولعدم معرفة الحكومة الأفغانية بواجباتها، وعدم وجود قانون يجبرها على موجبات الإصلاح ، ~~تراها غير مهتمة بتأمين السبيل وإصلاح الطرق ومنع قطاع الطرق وحفظ القوافل ووقاية السابلة، ~~حتى إن القافلة إذا أرادت ms74 أن تذهب من بلد إلى بلد فلا يمكنها ما لم تكن مؤلفة من مائتين ~~متسلحين بالسيوف والبنادق كأنهم جيوش حربية مستعدون للطعن والنزال لا للبيع والشراء؛ ولأجل ~~هذا قلت التجارة في تلك البلاد، وصار سوقها كاسدا، ويوجد في بعض البلاد الأفغانية محتسب ~~لدفع الموبقات، وإن الحكومة الأفغانية تشبه أن تكون حكومة عسكرية؛ لأن جميع أرباب المناصب ~~الملكية والعلمية وكل المستخدمين من الوزير إلى الكاتب المسمى عندهم «ميرزا» ومن قاضي ~~القضاة إلى أدنى نائبه تقيد أسماؤهم في الدفاتر العسكرية وتكون مرتباتهم الشهرية على حسب ما ~~يوجبون عليهم إحضاره في المحاربة من الفرسان للمقاتلة والمناضلة، مثلا يقرر لقاضي القضاة ~~مرتب مائة خيال، فيجب عليه أن يحضر في جميع المحاربات مصحوبا بما فرض عليه من الفرسان ~~متسلحين بأسلحتهم، وإن الحكومة تلزم مشايخ القرى والقصبات بجمع عساكر النظام من أرباب ~~العقارات والضياع فيقدم المشايخ رجالا على حسب ما يتراءى لهم من غير قانون ولا ضرب قرعة، ~~وليس لمدة العسكرية حد معين، وإذا كان العسكري تحت السلاح فراتبه الشهري ست روبيات بلا ~~تعيينات يومية، وقد يحصل التأخير في أدائه، ولها أن تجمع في أوقات المحاربة من سكان البوادي ~~وأهل القرى على حسب كثرتهم وقلتهم مشاة تسمى عندهم «خاصة دار» وفرسانا تسمى أوپره سوار ~~«بالباء الفارسية»، وهي التي تقوم بمئونتهم مدة المحاربة وغالب هؤلاء الفرسان من الجمشيدي ~~والأزبك، والإمارة الأفغانية وراثية، ولكن لا يشترط أن يكون الوارث أكبر أولاد الأمير، فله ~~أن يجعل من يشاء من أولاده ولي عهده، ومع ذلك لا تخلو الإمارة الأفغانية من التقلقل؛ لشدة ~~حرص الطامعين وكثرة شره المفسدين الذين لا يألون جهدا في السعي للتغلب عليها، ولا توجد ~~معاهدة دولية بين هذه الإمارة وسائر الحكومات، وإنما تقرر بعض من الشروط بينها وبين الحكومة ~~الهندية الإنجليزية في الزمان السابق. # والأموال الأميرية في تلك البلاد قسمان: قسم يؤخذ من أرباب الزراعة وأصحاب البساتين ~~ومقتني المواشي، وهذا القسم يشبه أن يكون زكاة شرعية، وقسم يؤخذ من أرباب الدكاكين والصنائع ~~ومن كل ذكر من طائفة ms75 الغلجائي يكون عمره خمس عشرة سنة «ضربت على كل ذكر من طائفة الغلجائي ~~روبية جزية عليهم وإذلالا لهم تؤخذ منه كل سنة منذ انتقلت السلطنة منهم إلى العبدل قبيلة ~~الأمير الحالي» ومن أرباب الجنايات جريمة، ومن البضائع الواردة إلى البلاد الأفغانية باسم ~~«الجمرك» والرسم الذي يؤخذ بهذا الاسم لا يتقيد بحدود البلاد، بل يؤخذ في كل مدينة وقصبة، ~~ولما كان سكان الجبال غالب الأوقات في حال التمرد والعصيان، فلا يمكن استحصال الأموال منهم ~~إلا بالقوة الجبرية وإرسال الكتائب من العسكرين، ولتوالي الفتن في البلاد الأفغانية ~~واستمرار عصيان القبائل فلا يمكن بيان المعدل الحقيقي للأموال الأميرية، ويظن أنها لا تزيد ~~عن مليون ونصف من الجنيهات، ولا تنقص عن مليون وربع، وهذا المبلغ يصرف في مرتبات العائلة ~~السلطانية. واللغة الرسمية عند الحكومة هي اللغة الفارسية، ومن عادات الأمراء الأفغانيين أن ~~يخرجوا يوم عيدي الأضحى والفطر في موكب عظيم للصلاة خارج البلد، وبعد أدائها تضرب المدافع ~~والبنادق ويتسابق أمامهم الفرسان على الخيول الجياد، ثم بعد عودهم يجلسون في الديوان وتمد ~~الموائد وترد عليهم الناس أفواجا للمعايدة. # | خاتمة الكتاب # في ذكر أحوال البلاد الأفغانية إجمالا من حيث الأهوية والأبنية والمزارع والصناعة ~~والتجارة والمعادن # إن البلاد الأفغانية، لاختلاف أبعادها عن خط الاستواء، ووجود الجبال العالية والأودية ~~المنخفضة فيها، تختلف أهويتها حرارة وبرودة على حسب المواقع، وتتغير بتغير الفصول والأزمان، ~~ولكنها جيدة للصحة؛ لخلوها من العفونة والفساد، وقلما تقع فيها الأمراض الناشئة عن فساد ~~الهواء كالأمراض الوبائية، وبيوت المدن والقرى طبقة واحدة مبنية غالبا باللبن، خالية عن ~~الزخرف والزينة إلا مدينة كابل، فإن جل أبنيتها بالأخشاب والأحجار وقد يوجد في بعضها حدائق ~~وجداول وحياض، وشوارعها وأزقتها ضيقة معوجة خلا شوارع مدينة قندهار، فإنها واسعة مستقيمة، ~~والجوامع المشيدة المزخرفة التي كانت في تلك البلاد في الأزمنة السالفة صارت بسبب توالي ~~هجمات الأعداء ودوام المحاربات خاوية على عروشها إلا القليل منها، وأما ما يوجد منها الآن ~~فإنها خالية من الإحكام والمتانة، عديمة الزخارف والزينة، وتحيط بالمدن والقصبات أسوار ms76 ~~عليها أبراج على الطراز القديم لا تقاوم المدافع وإنما هي سد لهجمات الفرسان، نعم، إن لكل ~~من مدينة هرات ومدينة كابل مناعة فإن الأولى مسورة بسور محصن بأتربة تمنع تأثير أكر ~~المدافع، والثانية محاطة بجبال عليها أبراج واستحكامات يمكن بها مدافعة العدو زمنا ~~طويلا. # وأراضي الأفغان قابلة لأنواع المزروعات ترويها أنهر ونهيرات، ولكن لكثرة الفتن وعدم مهارة ~~الأهالي في فنون الزراعة وإحكام الجسور، وحفر الترع، وبناء القناطر، تكون غالب الأراضي ~~معطلة وتذهب الأنهر في الأودية والأراضي المرملة بلا انتفاع يعتد به، ومع ذلك فالأهالي ~~يزرعون البر والشعير، والأرز والذرة، والدخن والباقلة، والحمص والبقول، والخضراوات، ~~وغيرها مما يقوم به معيشتهم، ولا يهملون زرع قليل من القطن والتنباك والأفيون والحشيشة ~~للتجارة، ويسعون بقدر طاقتهم في غرس الأشجار وتربيتها، كالكرم والخوخ، والمشمس والكمثرى، ~~والتفاح والسفرجل، والرمان والجوز، واللوز والعناب، والفستق والتوت وغيرها، وأهالي هرات ~~يربون دود القز، ويزرع في جلال آباد قصب السكر، ويوجد في بعض الجبال الأفغانية كثير من ~~الصنوبر والمصطكي والفستق البري والجميز، وكل الفواكه الموجودة في تلك البلاد في غاية ~~الجودة. # والصنائع في تلك البلاد قليلة جدا، وهي ما ورثوه عن آبائهم من غير اهتمام بإجادته ~~وإتقانه، فمنها نسيج الأقمشة الحريرية، وعمل صنف من الكشمير غير الملون المسمى عندهم «پتو» ~~بالباء الفارسية، والفراء «الكرك» من جلود الحمل في مدينة كابل، ومنها عمل الأبسطة الملونة ~~الجيدة في هرات، ومنها الجوخ المسمى ببرك كما أشرنا إليه سابقا في قبيلة هزاره، ويوجد في ~~كابل وقندهار معامل صغيرة لاصطناع المدافع والبنادق والسيوف. # ومعاملات بلاد الأفغان التجارية لم تكن غالبا إلا بينها وبين الهند وبخارى وإيران، ~~فالصادر منها إلى الهند هو الصوف والقطن والفواكه والنقل بأنواعه تحمل على ظهور الإبل، وإلى ~~إيران البرك والفراء وصنف من النعال وشيلان الكشمير المجلوبة إليها من بلاد كشمير و«عنبر ~~سر»، ويجلب إليها من بخارى والهند الجوخ وأقمشة الكتان والقطن والشاي والسكر والزجاج والخزف ~~الصيني والقرطاس والفولاذ والحديد والنحاس والزئبق ودود القز والعقاقير، وغير ذلك، ومن ~~إيران الأقمشة والأسلحة، ويوجد ms77 فيها معادن كثيرة ولكن الأهالي غير قادرين على استخراجها ~~والانتفاع بها، ومنها معادن الذهب في قندهار، ومعدن الحديد في بلاد «خست وكرم»، ومعدن ~~الياقوت في كابل، ومعدن الحديد والكبريت، والياقوت، واللازورد في بدخشان، وغير هذه توجد ~~معادن كثيرة معطلة. وهذا ما أردنا بيانه في كيفية سلطنة الأفغانيين، ووضع بلادهم، وطرق ~~تعيشهم وسرد قبائلهم، والله ولي التوفيق. ms78