######OpenITI# #META# URI: 1316NajibHaddad.FursanThalatha.Hindawi53179097 #META# Tags: novels #META# ID: 53179097 #META# Title: الفرسان الثلاثة #META# AuthorID: 26064860 #META# Author: ألكسندر ديماس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 25707097 #META# Translator: نجيب الحداد #META# Related_books: 1287AlexandreDumas.TroisMousquetaires (TRANSL) #META#Header#End# # المقدمة‏ # 1 - دي تريفيل‏ # 2 - أسباب الخصام‏ # 3 - حراس الملك وشرطة الكردينال‏ # 4 - لويس الثالث عشر ملك فرنسا‏ # 5 - الحراس في أنفسهم‏ # 6 - دسيسة في قصر الملك‏ # 7 - امرأة صاحب الفندق السبية‏ # 8 - تدبير الحيلة‏ # 9 - جورج فيليه دوق دي بيكنهام‏ # 10 - بوناسيه صاحب الفندق‏ # 11 - الكونت روشفور خصم دارتانيان‏ # 12 - رجال القلانس ورجال السيوف‏ # 13 - الملك والملكة والكردينال‏ # 14 - في تداخل كونستانس بوناسيه‏ # 15 - العشيق والقرين‏ # 16 - تدبير السفر‏ # 17 - الرحيل‏ # 18 - الكونتس دي ونتر‏ # 19 - ليلة الرقص‏ # 20 - الموعد‏ # 21 - الشرفة‏ # 22 - بورتوس‏ # 23 - قصة أراميس وامرأة أتوس‏ # 24 - العودة إلى باريز‏ # 25 - البراز‏ # 26 - الطعام عند عشيقة بورتوس‏ # 27 - الوصيفة والسيدة‏ # 28 - تجهيز أراميس وبورتوس‏ # 29 - ليلة الميعاد‏ # 30 - الزيارة‏ # 31 - سر ميلادي‏ # 32 - لا ييأسن نائم أن يغنما‏ # 33 - مرور الخيال‏ # 34 - الخيال الهائل‏ # 35 - حصار روشل‏ # 36 - خمر أنجو‏ # 37 - فندق برج الحمام‏ # 38 - فائدة الأسطوانة‏ # 39 - لقاء الزوجين‏ # 40 - حصان سان جرفي‏ # 41 - محادثة الحراس‏ # 42 - الرسالتان‏ # 43 - الكرب الشديد‏ # 44 - محادثة الأخ والأخت‏ # 45 - عود إلى فرنسا‏ # 46 - اليوم الأول من أسر ميلادي‏ # 47 - اليوم الثاني من الأسر‏ # 48 - اليوم الثالث من الأسر‏ # 49 - اليوم الرابع من الأسر‏ # 50 - اليوم الخامس من الأسر‏ # 51 - تمام الحكاية‏ # 52 - الفرار‏ # 53 - فيما جرى في بورت سموث في 22 آب سنة 1628‏ # 54 - في فرنسا‏ # 55 - دير الكرمليين في بيتين‏ # 56 - اثنان من الأبالسة‏ # 57 - نقطة الماء‏ # 58 - الرجل ذو العباءة الحمراء‏ # 59 - المحاكمة‏ # 60 - الإعدام‏ # الخاتمة‏ # المقدمة‏ # 1 - دي تريفيل‏ # 2 - أسباب الخصام‏ # 3 - حراس الملك وشرطة الكردينال‏ # 4 - لويس الثالث عشر ملك فرنسا‏ # 5 - الحراس في أنفسهم‏ # 6 - دسيسة في قصر الملك‏ # 7 - امرأة صاحب الفندق السبية‏ # 8 - تدبير الحيلة‏ # 9 - جورج فيليه دوق دي بيكنهام‏ # 10 - بوناسيه صاحب الفندق‏ # 11 - الكونت روشفور خصم دارتانيان‏ # 12 - رجال القلانس ورجال السيوف‏ # 13 - الملك والملكة والكردينال‏ # 14 - في تداخل كونستانس بوناسيه‏ # 15 - العشيق والقرين‏ # 16 - تدبير السفر‏ ms001 # 17 - الرحيل‏ # 18 - الكونتس دي ونتر‏ # 19 - ليلة الرقص‏ # 20 - الموعد‏ # 21 - الشرفة‏ # 22 - بورتوس‏ # 23 - قصة أراميس وامرأة أتوس‏ # 24 - العودة إلى باريز‏ # 25 - البراز‏ # 26 - الطعام عند عشيقة بورتوس‏ # 27 - الوصيفة والسيدة‏ # 28 - تجهيز أراميس وبورتوس‏ # 29 - ليلة الميعاد‏ # 30 - الزيارة‏ # 31 - سر ميلادي‏ # 32 - لا ييأسن نائم أن يغنما‏ # 33 - مرور الخيال‏ # 34 - الخيال الهائل‏ # 35 - حصار روشل‏ # 36 - خمر أنجو‏ # 37 - فندق برج الحمام‏ # 38 - فائدة الأسطوانة‏ # 39 - لقاء الزوجين‏ # 40 - حصان سان جرفي‏ # 41 - محادثة الحراس‏ # 42 - الرسالتان‏ # 43 - الكرب الشديد‏ # 44 - محادثة الأخ والأخت‏ # 45 - عود إلى فرنسا‏ # 46 - اليوم الأول من أسر ميلادي‏ # 47 - اليوم الثاني من الأسر‏ # 48 - اليوم الثالث من الأسر‏ # 49 - اليوم الرابع من الأسر‏ # 50 - اليوم الخامس من الأسر‏ # 51 - تمام الحكاية‏ # 52 - الفرار‏ # 53 - فيما جرى في بورت سموث في 22 آب سنة 1628‏ # 54 - في فرنسا‏ # 55 - دير الكرمليين في بيتين‏ # 56 - اثنان من الأبالسة‏ # 57 - نقطة الماء‏ # 58 - الرجل ذو العباءة الحمراء‏ # 59 - المحاكمة‏ # 60 - الإعدام‏ # الخاتمة‏ # | الفرسان الثلاثة # | الفرسان الثلاثة # تأليف # ألكسندر ديماس # ترجمة # نجيب الحداد # بسم الله الفتاح # أما بعد، فإن فن الروايات من أفضل ما شغل به فتيان هذا العصر، وأحسن ما سعوا ~~له وحثوا إليه الهمم وصرفوا عليه الأوقات؛ لاكتفاء اللغة بغيره من كتب الصرف والنحو ~~وعلوم الأدب مما أبرزه علماؤها وأئمتها، فأبدعوا فيه غاية الإبداع وبلغوا حد الإعجاز، ~~حتى لم يتركوا بعده مقالا لغيرهم ولم يقصروا به عن شأو يطمع فيه من بعدهم، إلا إذا ~~كان من قبيل المقامات والشعر والرسائل، وهو ما لا يكاد يبلغه كل من له قدرة على ترجمة ~~رواية أو تعريب قصة. ولقلة مصنفات هذا الفن في لغتنا العربية واقتصار الكثير منها على ~~أحاديث منقطعة ونوادر مقتضبة تورد لشاهد أو مثل أو نكتة أو ما جرى مجراها، بحيث ~~لا يكون منها قصة وافية بالمطلوب جامعة ما يقصد في فن الروايات من تهذيب النفوس وترويض ~~الأخلاق، وهي كتب كثيرة ms002 كالعقد الفريد وزهر الآداب والأغاني وغيرهما مما يراد به ~~جمع النكات ويقصد فيه إلى تدوين الغرائب والأمثال وضروب البلاغة ومخارجها، فيرد ~~المثل في عرض الحكاية وتدخل النكتة في خلال القصة، ومنها ما يراد به الإعجاز ~~والإبداع في مدح الشيء وذمه توسعا في الكلام واقتدارا على المعاني، وهو ما لا يؤثر ~~شيئا في الأخلاق كما توهم بعض مترجمي هذا العصر، وإنما يورد تفكهة للخواطر ~~وبيانا لسعة إدراك ناظمه وطول باعه في الاختراع؛ حتى يهجن الحسن ويحسن القبيح ولا دخل له ~~في مقام الروايات والسير التي يقصد بها النفع وتتوخى منها الفائدة للخاصة والعامة؛ ولذلك ~~فقد عنيت بتعريب هذه الرواية عن اللغة الفرنسوية متحريا ما وسعته الطاقة وبلغ ~~إليه الخاطر الكليل من مجاراة اللغة العربية ومراعاة ضروب التعبير فيها ومقام الأحاديث ~~في قصصها، من إسقاط ما يختلف به الإفرنج عنا في استحسانه أو استهجانه، ~~ويباينوننا فيه من حيث الفصاحة والركاكة والحسن والقبح والملائمة والتنافر ونحوها. ~~وأنا أعلم أن ذلك تهجم مني على المؤلف - رحمه الله - في إسقاط بعض كلامه وإيجاز بعضه، ~~ولكني لم أجر هذا المجرى ولم أعتمد هذه الخطة إلا مجاراة للغة واسترسالا مع ~~نسقها بحيث يغتفر لي في جانب مراعاته ما يؤخذ علي في الإخلال بالأصل. ولعل أمري في ~~ذلك يحمل بعضه بعضا وأخلص منه لا علي ولا ليا. # وأنا أرجو من أرباب اللغتين أن يغضوا الطرف عما يرونه من الزلل، ~~ويغتفروا ما يعثرون عليه من الخلل، والله المستعان على ما به الهداية وقصد السبيل، ~~وإياه نستوهب العصمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # | المقدمة # في اليوم الأول من شهر نيسان سنة 1635 كانت قصبة مقاطعة مينك في هياج واضطراب كأنها ~~في فتنة، ورجالها تتسابق إلى فندق فيها كأنها تسعى إلى أمر ذي بال، والنساء بين ذلك ~~يركضن والولدان يبكون والهياج عام في البلد. وكانت فرنسا في ذلك العهد ~~مقر الفتن وميدان الحروب، يهاجم أمراؤها بعضهم بعضا، ويحارب ملكها الأندلسيين، ~~وتعدو اللصوص على السابلة فتسلبهم بحيث كان الرجل لا يفارق سيفه ولا ms003 ~~ينزع لأمته. # وكان من أمر ذلك أن فتى يدعى الكونت دارتانيان دعا به أبوه في ذلك اليوم فسلمه فرسا ~~له وقال له: يا بني، هذا فرسي وضعته أمه في فنائي، فاحتفظ به ولا تهمل أمره، فإنها ~~الجياد، في ظهورها العز وعلى صهواتها المجد، وفيها لحاق للطالب ومنجاة للهارب، ~~والخيل معقود بنواصيها الخير. ثم إذا أتيت دار الملك - وأنت ذو حق في ~~إتيانه؛ لسمو منزلتك من الشرف ومكانك من الفخر وعراقة أجدادك في النبل من ~~نيف وخمسمائة سنة - فلا تخفض جناحك إلا للكردينال والملك، ولا ترهب غيرهما، ~~فإن الرجل اليوم لا يأمن طريقه إلا بالشجاعة والإقدام والصبر على المكاره، وأنت حري ~~بذلك؛ لتقدم أصلك في بلاد الغسقون، وهم شجعان الناس وأحلاس الخيل، ولتسلسلك من آباء ~~كرام آخرهم أنا. وإني قد ألقيت حبلك على غاربك ووكلتك إلى نفسك، فاذهب لا ~~ترهبك النوائب ولا يقعد بك العجز عن استفراص الفرص؛ فلقد أصبحت بريء ~~الذمة منك، واضح وجه العذر فيك؛ إذ قد علمتك أنواع الحروب وركوب الخيل، ~~وتركت لك لأمة جلاد لا ينقصها شيء من العدة. وهذا القدر اليسير من المال وهذه ~~الرسالة تعطيها إلى صديق لي في قصر اللوفر يدعى دي تريفيل، وهو سيد رفيع المنزلة وافر ~~الثروة مسموع الكلمة، يتحامى جانبه الكردينال نفسه الذي لا يرهب أحدا، فسر على بركات ~~الله واحتفظ بوصاتي لك، والله يكلأك ويرعاك. # ثم قبله وصرفه، فخرج فأصاب أمه في فناء الدار، فانعطفت عليه تقبله وتبكي ~~لفراقه، ثم أعطته مرهما يسرع في برء الجراح. فخرج من عندها فركب فرسه ~~وسار، تستحثة العزة وتحدوه النخوة والشباب حتى انتهى إلى المدينة التي ~~ذكرناها، فترجل عن جواده لدى أحد الفنادق، وتقدم فرأى نافذة فيها رجل طويل القامة حسن ~~الملبس يخاطب رجلين كانا معه وينظر إليه، فظن أنهم يعنونه في كلامهم، فدنا منهم ~~وأنصت إليهم فسمعهم يذكرون فرسه ويضحكون منه، فهاجه ذلك، وجعل ينظر في الرجل ~~نظرة المغيظ المحنق، والرجل يستغرق في الضحك حتى لم يعد في الشاب مجال للسكوت ~~والصبر، فاقترب ms004 من النافذة وقد رانت عليه الحدة وقبض على سيفه وقال للرجل: ما بالك ~~تضحك؟ وما الذي دعاك إلى الضحك؟ فعجب الرجل من بديهة خطابه، فأغلظ له وزاد بينهما ~~اللجاج حتى خرج الرجل إليه من الباب وتبعه صاحباه، فسل دارتانيان سيفه وهم ~~بالهجوم على خصمه، فبادره الرجلان بالعصي حتى برحا به، فقال لهما صاحبهما: ~~احملاه على فرسه وليرجع من حيث أتى. قال: والله لا أرجع أو أقتلك، ثم التقيا ~~واشتد بينهما القتال حتى تعب دارتانيان، فضربه خصمه على سيفه فكسره وأصاب جبهته، ~~فانجرح وسقط لا يعي على شيء وهو ما دعا إلى تجمع الناس لأنهم خافوا من حدوث فتنة في ~~المدينة. # أما الجريح فنقلوه إلى مكان في الفندق، ودخل الرجل إلى غرفته وصار إلى النافذة، فدخل عليه ~~صاحب الفندق، فلما رآه الرجل سأله عن حالة الجريح، قال: هو مغمى عليه، فكيف أنت يا ~~مولاي؟ قال: سليم بحمد الله، فماذا صنعتم بالفتى؟ قال: بحثنا في ثيابه فلم نجد معه إلا ~~بعض الدراهم، ولقد قال لنا قبل أن يغشى عليه إنه لو جرت معه هذه الحادثة في باريز ~~لكان يريك فعل الرجال، ولكنك هنا في مكان أنت فيه الأمير المطلق. قال: يلوح لي أنه من ~~أصل شريف، فهل لم يذكر اسم أحد؟ قال: نعم، كان يضرب بيده على جيبه ويقول: سنرى ما سيكون من ~~دي تريفيل إذا علم بما جرى لصديقه. قال: ألم تر ما في جيبه؟ قال: رأيت كتابا باسم دي ~~تريفيل قائد الحرس. فارتاع الرجل لذلك وقال له: أين وضعتموه؟ قال: في غرفة امرأتي. قال: ~~وأين ثيابه؟ قال: في المطبخ حيث رششنا عليه الماء. قال: إذن فنبه خادمي للسفر فإني ~~راحل. قال: نعم. وخرج والرجل يقول: لا ينبغي أن تعرف ميلادي ما جرى ولا أن ترى الرجل؛ ولذلك ~~فأنا ألاقيها، ثم نزل إلى المطبخ حيث ثياب الجريح. # وكان صاحب الفندق قد صعد إلى غرفة دارتانيان فوجده قد أفاق، فقال له إنه يخشى من الشرطة ~~أن تأخذه لاعتدائه على سيد شريف، ثم ms005 نصح له بالذهاب من الفندق، فقام الفتى واقفا وخرج ~~إلى المطبخ، وحانت منه التفاتة فرأى خصمه واقفا لدى عربة كبيرة يخاطب امرأة فيها، ~~صبوحة الوجه بارعة في الجمال وهي تخاطبه بحدة كأن بينهما أمرا خطيرا، حتى قالت: أكذا ~~يأمرني الكردينال؟ قال: نعم، بأن ترجعي إلى إنكلترا وتعلميه إذا رحل الدوق عن لندرة. ~~قالت: نعم، ثم ماذا؟ قال: أما ما بقي من الأوامر فتجدينه في هذه العلبة، ولا تفتحيها ~~إلا متى صرت في لندرة. قالت: وأنت ما تفعل؟ قال: أرجع إلى باريز. قالت: أفلا تعاقب هذا ~~الغلام الذي اجترأ عليك؟ وكان دارتانيان قد سمع ما دار بينهما وهو واقف على عتبة الباب، ~~فقال: أنا أعاقب الناس، فمن يعاقبني؟ فوالله لا تفلت مني في هذه المرة أبدا. فعبس ~~الرجل وجهه، وأهوى بيده على قبضة سيفه ، فصاحت به الامرأة: على رسلك يا مولاي، فإن ~~أقل تأخر يهدم ما بنيناه. قال: صدقت، فاذهبي في طريقك وأنا ماض في طريقي، ~~ثم ركب جواده وسار، فتبعه دارتانيان وهو يصيح به ويستوقفه حتى أعيا وثار عليه جرحه ~~فسقط مغشيا عليه، فاحتمله صاحب الفندق إلى غرفته وعالجه حتى أفاق. # ولما كان اليوم الثاني وقد شفي جرحه من المرهم الذي معه نزل إلى ثيابه، فنظر فيها فلم ~~يجد الكتاب، فاغتم لذلك غما شديدا، فقال له صاحب الخان: ما أظن الكتاب إلا ~~مسروقا. قال: ومن سارقه؟ قال: خصمك؛ فقد نزل وبحث في ثيابك. قال: إذا رأيته أره ~~عاقبة أمره، ثم ركب جواده وسار حتى بلغ باريز، وكان ماله قد نفد في الخان ~~فاضطر إلى بيع الفرس، ودخل باريز راجلا. وانطلق يلتمس مسكنا في أحد الفنادق، فوجد ~~غرفة في شارع فوسوايير على مقربة من ليكسمبرج، فأقام فيها يصلح من شأن ثيابه، ثم نزل ~~إلى السوق فجدد نصل سيفه، ثم عمد إلى اللوفر فسأل عن منزل دي تريفيل، فقيل له في ~~شارع برج الحمام، وهو شارع على مقربة من غرفته، فعاد إلى منزله وبات، ثم قام في وجه ~~الصبح قاصدا دي تريفيل ms006 ثالث رجل في فرنسا بعد الملك والكردينال. # الفصل الأول # | دي تريفيل # هو رجل غسقوني المحتد، كانت بداءة أمره في الدولة كبداءة دارتانيان، فرقي ~~بشجاعته وحذقه وتبصره بالعواقب، درجة رفيعة في الدولة بين مشاغب ذلك القرن وفتنه ~~حتى صار صديق الملك، ونال أعظم وسامات الشرف لصدق خدمته وعظم أمانته؛ فكان يلقي إليه ~~الملك مقاليد أموره ويكل إليه عظائم مهماته، فكان مقربا لديه محببا إليه؛ لعظم ~~ثقته به واسترساله له؛ حتى جعله قائد حرسه. # وكان الكردينال ريشيليه في ذلك العهد مالك زمام الدولة، يصرف أمورها كيف شاء، بحيث ~~كان هو الملك المطلق صاحب الكلمة النافذة، فاستخدم لنفسه حرسا مثل حرس الملك يرسلهم في ~~مهماته ويتكل عليهم في أموره، وينافس بهم الملك في رجاله حتى كثرت بين الفريقين ~~الضغائن واستمكن الحقد وتواترت وقائعهم في البراز، وطالت المنافسة بين الملك ~~والكردينال في انتصارهم وشجاعتهم. # وكان حراس الملك وقائدهم دي تريفيل يطوفون المدينة شامخة أنوفهم مفتولة سبالهم، ~~يجرون سيوفهم عزة وازدهاء، حتى إذا قابلوا حراس الكردينال سخروا بهم وضحكوا ~~منهم حتى يبلغ بهم الأمر أحيانا إلى القتل وسفك الدماء، إلا أنهم مع ذلك كانوا شديدي ~~الغيرة على قائدهم سريعي الامتثال له يفادونه بأرواحهم ويبذلون في خدمته دماءهم، حتى ~~أصبح منهم في حصن حصين ومقام رفيع، ترهبه رجال فرنسا قاطبة. وكانت داره في شارع ~~برج الحمام دارا واسعة الجوانب رحبة العراص، يجتمع فيها كل يوم أكثر من ستين ~~حرسيا يتبارزون بالسيوف ويتدربون على القتال بينا يكون قائدهم في مجلسه يسمع للناس ~~ويحل المشاكل، بحيث كان مضطلعا بأمور المملكة بما كفى معه الملك مئونة الأحكام. # فلما وصل دارتانيان إلى تلك الدار رأى الناس مزدحمة والحراس في ساحة مجتمعين يبارز بعضهم ~~بعضا، فاستأذن وأقام ينتظر الإذن ويتفرج على المتبارزين ويسمع أحاديثهم ويحادث من كان ~~إلى جانبه منهم حتى جاءه الحاجب بالإذن، فدخل، فتلقاه دي تريفيل بوجه باش وأنس زائد، ~~ثم أشار إليه بالجلوس فجلس، ثم دعا بصوت عال أتوس وبرثوس وأراميس، فدخل عليه رجلان ~~طويلا القامة حسنا اللباس، ms007 عليهما علائم الشجاعة، فوقفا بين يديه فجعل يصوب ~~نظره فيهما ويصعده، وقد عبس وجهه وقطب حاجبيه، ثم قال: أتعلمان ما قال ~~لي الملك أمس؟ قالا: لا. قال: إن الملك قد قال لي إنه يريد أن يستبدلكم معاشر الحراس ~~برجال الكردينال، أفتعلمان لماذا؟ قالا: لا. قال: إن الكردينال قد قال إنكم فرقة الحراس ~~تثيرون الشغب في المدينة وتنافرون الناس على عجزكم وقصر باعكم، ثم مالي لا أرى ~~أتوس بينكما؟ قالا: هو مريض يا مولاي. قال: وما به؟ قالا: مصاب بالجدري حتى خشينا أن ~~تشوه وجهه بندوبها. قال: تكذبان والله، فما تصيب الجدري من كان في سنه، أم ~~ترهبان أن تقولا إنه جريح أو قتيل، بل هي حال لا أريدها لكم ولا أريدكم لها من ~~منازعة الناس ولعب السيف في الساحات. فلم لا تكونوا كرجال الكردينال في شدة تعقلهم ~~وتأنيهم على غلظ أكبادهم وجفاء مرتهم، حتى إن الرجل منهم ليقتل في مكانه ~~ولا يرجع، ولسان حاله ينشد: # إذا ما فررنا كان أسوأ فرارنا # صدود الخدود وازورار المناكب # أفما تخجل حراس الملك من أن تقبض شرطة الكردينال على ستة منهم؟ فبأي وجه أقابل ~~الملك بعد ذلك إلا إذا استقلت واعتزلت منصبي؟ فأجاب برتوس وقد أخذ منه الغضب: ~~خفض عليك يا مولاي، فقد كنا ستة ننازل ستة، إلا أن حراس الكردينال داهمونا قبل أن ~~تخرج سيوفنا من أغمادها فقتلوا منا اثنين وجرحوا أتوس حتى سقط. أما قولك بأنهم ~~أسرونا فإن ذلك لم يكن إلا على رغمنا؛ إذ قيدونا قسرا، ولكن تخلصنا منهم في ~~الطريق. أما أتوس فقد حسبوه ميتا فتركوه، ولكن لا بأس، فكم لنا عندهم من مثل ذلك ~~والنصر دولة تدول. فقال دي تريفيل وقد برقت أساريره: ما أنا وأنتم، فقد قيل ما ~~قيل إن صدقا وإن كذبا. فقال أراميس: عفوا يا مولاي، فلا تشع أن أتوس جريحا، فإن ~~ذلك مما يقطع آمالنا لدى الملك. وفيما هو يتكلم دخل رجل أصفر الوجه عليه آثار ~~السقم، فالتفت إليه الرجلان فإذا به أتوس، فتقدم إلى ms008 دي تريفيل وقال: لقد دعوتني ~~يا مولاي فلم أجد بدا من الطاعة، فتحاملت إليك وأنا لما بي، فعسى في الأمر خير. ~~قال: كنت أحذر رفيقيك من التغرير بنفسيهما فيما لا طائل تحته ولا جدوى منه على شدة حاجة ~~الملك إلى الشجعان ولا سيما من الحراس؛ لاعتقاده أنهم من أشد رجال الأرض بطشا ~~وإقداما، ثم مد يده إلى أتوس ليصافحه وإذا به يرتجف حتى سقط صريعا، فصاح دي ~~تريفيل بالناس: علي بجراح ماهر. فتبادر القوم إلى جراح، فجاءوا به، فأمر بنقل الجريح إلى ~~غرفة أخرى فنقلوه، فقال له القائد: هل في الجرح خطر؟ قال: لا، فإن ضعفه هذا من نزيف ~~دمه. فخرج القائد إلى دارتانيان فسأله عن اسمه، فانتسب. فسر به القائد واعتذر إليه ~~من نسيانه إياه، ثم قال له: سل حاجتك، فإن لأبيك علي حقا يلزمني قضاؤه لك. ~~قال: قدمت من بلادي متذرعا إليك بما بينك وبين أبي من قديم الوداد وعريق الولاء ~~ألتمس منك وظيفة بين حراسك، حتى رأيت شجاعتهم فصغرت عندي نفسي. قال: لا، وأصلحك ~~الله بل أنت أهل لها، ولكن الملك لا يقبل في حراسه إلا من كان له شهرة في الحرب ~~وبلاء حسن في القتال أو خدمة صادقة في فرقة دون فرقة الحراس، فأنا أسعى لك بما يكون لك ~~فيه صلاح وخير من المال، فإني أراك في حاجة إلى النفقة، ولكن لا تقنط من نفسك، فقد ~~أتيت باريز مثلك بقليل من المال، وأنا كاتب لك الآن وصاة إلى صديق لي يسعى لك في منصب ~~عنده فلا تنقطع عن زيارتنا. قال: لقد ذكرتني يا مولاي بوصاة أبي لك. قال: وأين ~~هي؟ قال: لقيني رجل في الطريق فسرقها مني، ثم قص عليه قصته، فقال له: أليس لذلك ~~الرجل ندبة في وجهه؟ قال: نعم، كندبة الجرح، وهو جميل الوجه طويل القامة أسود ~~الشعر. قال: عرفته. قال: والله لئن لقيته لأقيمن أخدعيه. قال: أولم يكن في ~~انتظاره امرأة؟ قال: نعم، وقد فارقها بعد أن حادثها شيئا. قال: أما سمعت ما ms009 دار ~~بينهما؟ قال: بلى، أعطاها علبة زعم أن فيها أوامر لها وأوصاها بأن لا تفتحها إلا في ~~لندرة. قال: وهل هي إنكليزية؟ قال: نعم، وتدعى ميلادي، فإن كنت تعرفه يا مولاي فدلني ~~عليه. قال: إياك وإياه، فلا تتعرض له لئلا تكون: # كناطح صخرة يوما ليفلقها # فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # ثم أوصاه بحفظ ما جرى وأن لا يتعرض للقدح بالكردينال؛ إذ كان بينه وبين عشيرته ~~شيء من الضغينة والحقد. قال: أصبت يا مولاي، فقد أوصاني أبي بأن لا أتحامى جانب أحد إلا ~~الملك والكردينال وأنت، وأنا لا أنوي الشر للكردينال ولا حقد بيني وبينه بحمد الله. ~~قال: أحسنت، واعلم أن بيتي لا يقفل عنك متى شئت، وأنا لك عون إذا مسك أمر لا ~~سمح الله. قال: أبلغت يا مولاي وتفضلت، وعسى أن لا تطول مدة افتراقي عن ~~حراسك إن شاء الله، ثم احتفز للذهاب فأوقفه القائد وقال: رويدك حتى تأخذ ~~الوصاة، ثم ذهب يكتبها ووقف دارتانيان في النافذة ينظر إلى المارة حتى انتهى ~~القائد من الكتابة وأعطاه الورقة، فأخذها وتملص منه بسرعة وهجم إلى الباب وهو يقول: ~~وجدته، فلا خلاص له في هذه المرة، فقال له القائد: وما ذاك؟ قال: خصمي في مينك، ثم ~~نزل في السلم مسرعا. # الفصل الثاني # | أسباب الخصام # وبينا دارتانيان ينزل السلم على عجل لا يلوي على شيء صدم كتف أحد ~~الحراس فصاح صيحة الألم، فالتفت إليه دارتانيان واعتذر واستمر في النزول، فلم ~~يشعر إلا والرجل قد قبض على طوقه من خلف فأوقفه وقال: لا تظن أن اعتذارك يغني عنك ~~شيئا، فأنا ممن لا يؤخذون بالاعتذار، بل أظنك سمعت دي تريفيل يزجرنا فظننت أننا ~~سواء لدى الجميع، لا والله فقد كذبك فألك، فما أنت بالقائد. فنظر إليه الشاب ~~وإذا به أتوس الجريح وكان قد خرج من لدن الطبيب، فقال له: اغتفرها أيها الرفيق، فإنها ~~زلة عن غير عمد دعتني إلى الاعتذار، ولعله يقوم بخطائي لديك، فدعني يرحمك ~~الله فأنا أسعى إلى أمر. فتركه وقال: يظهر لي ms010 أنك فتى غر لا تعرف من الأدب شيئا وهو ~~ما يقوم لك مقام العذر. فقال دارتانيان - وقد بلغ غاية السلم: لم آت والله من بلادي ~~تخفضني أرض وترفعني أخرى لأتعلم الأدب من أمثالك، ولو لم أكن مستعجلا ما ~~رأيتني مدبرا عنك. قال: وأين ألقاك غير مدبر؟ قال: على مقربة من كارم ريشو عند ~~الظهر. قال: أنصفت، فلا تخلف الموعد. قال: نعم. ومضى يعدو حتى بلغ الباب، وكان ~~بورتوس واقفا في الباب يخاطب رجلا، فمرق دارتانيان من بينهما مروق السهم، وكان الهواء ~~قد نشر عباءة بورتوس فجاءت في وجه دارتانيان فحالت دونه ومنعته من الذهاب، فجذبها بورتوس، ~~فالتفت على الفتى فعلق فيها وجعل يناوصها وقد غطت على بصره، فصاح به بورتوس: ~~ويحك ما هذا؟ أتلقي بنفسك على الناس؟ قال: العفو يا سيدي، فإني أطلب أمرا ~~خطيرا يقضي علي بالعجلة. قال: ليس ذلك بعذر، أفتعمى عن الناس إذا عدوت؟ قال: لا، ~~بل أرى ما لا يراه غيري. قال: إنك لوقح أيها الشاب. قال: أقصر، فمتى ألقاك بغير ~~عباءة. قال عند الساعة الواحدة بعد الظهر وراء ليكسمبرج. ~~قال: نعم. ومضى يفتش في الشارع فلم يجد أحدا، فطاف كل ما حوله من الطرق ~~والأزقة فلم يقف لخصمه على أثر، فعاد وهو يفكر في أمره كيف أنه وقع برجلين من ~~الحرس يهزم الواحد منهما جيشا، ثم أخذ يلوم نفسه على خفته وطيشه، ثم وطن نفسه ~~على البراز، وأقبل وهو يقول: صدق من قال: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # ولم يزل سائرا حتى وصل إلى فندق أكويلين، فرأى عنده أراميس يحادث ثلاثة من النبلاء من ~~حراس الملك، فعرفه وتقدم مسلما عليه، فأجابه وأمسك عن المحادثة، فوقف الفتى حائرا لا ~~يدري فيما يأخذ من الكلام مع قوم لا يعرف إلا واحدا منهم بالنظر، وفيما هو كذلك سقط من ~~أراميس منديل ثم داس عليه على غير عمد، فتناوله دارتانيان من الأرض وأعطاه للحارس، ~~وكان المنديل موشى بالذهب، فقال له أحد أصحابه: أتقول ms011 إن عشيقتك بواتراسي غاضبة عليك ~~وأنا أرى مناديلها بين يديك؟ فنظر أراميس إلى دارتانيان نظرة الغضب وقال للرجل: غلطت يا ~~سيدي، فإنه ليس لي ولا أدري كيف اختصني به هذا الشاب من بينكم، فإن منديلي معي. ثم ~~أخرج منديلا آخر من جيبه، فقال له أحدهم: إذا صح زعمك فإن لي حقا في أخذه منك لأن ~~صاحبته من ذوي قرباي. قال: إنك غير مصيب في طلبك ولا يحكم لك به شرع. فقال له دارتانيان: ~~إني - والحق يقال - لم أر المنديل قد سقط من جيبه، سوى أني رأيته تحت رجله ~~فحسبته له. فقال أراميس للرجل: إذا كانت الامرأة من ذوي قرباك فأولى للمنديل أن يكون ~~قد سقط منك. قال: لا وأقسم بالله. قال: إن حلفك لا يغني، فلنجر في الأمر على حكم ~~سليمان - عليه السلام - ونقسم المنديل إلى شطرين. فضحك القوم منه ثم ~~ودعوه وانصرفوا، وانصرف هو من جهة أخرى، فتبعه دارتانيان وقال: اغتفرها يا مولاي، ~~فالمرء موطن الزلل. قال: صدقت، ولكنك لم تجر في فعلك على سنة الأشراف ~~والنبلاء لأنك لا تجهل أن الرجل لا يدوس منديلا بغير قصد، فليست باريز مفروشة الأرض ~~بالنسيج. قال: أما والله لقد عدوت الصواب على إغلاظك في الجواب، وأنا لا أطيق ذلك ~~ولا صبر لي عليه. قال: إني لست ممن يحبون المشاكل إلا إذا مست الحاجة، وأرى الحاجة ~~تدعوني إليها الآن، فما الذي دعاك إلى أن تعطيني المنديل؟ قال: وأنت فماذا دعاك إلى ~~أن تسقطه؟ قال: قلت لك إنه ليس لي. قال: تكذب، فإني رأيته ساقطا منك. قال: لقد تجاوزت ~~حد الوقاحة، فلم يعد يردك غير السيف وهو أعدل حاكم. قال: فهيا بنا. قال: ليس هنا ~~مكان البراز، أفما ترى الناس تختلف إلى الفندق وهو مكتظ برجال الكردينال، ولكنا نذهب ~~إلى مكان لا ينفع فيه الاستصراخ، وسأراك لذلك في منزل دي تريفيل، وأنا ذاهب الآن إلى موعد ~~ضربته. ثم انصرف وسار دارتانيان إلى كارم ريشو حيث واعد الحارسين. # الفصل الثالث # | حراس الملك وشرطة الكردينال # ولم ms012 يكن دارتانيان يعرف أحدا في باريز لقرب عهده فيها، فلم يصحب معه شاهدا للبراز، ~~فلما بلغ ساحة الدير وجد أتوس قائما بانتظاره، فقال له: لقد قلت لاثنين من رفاقي ~~أني سأبارزك ودعوتهما للشهادة ولم يأتيا بعد، وليست تلك عادتهما. قال دارتانيان: أما ~~أنا فلا شاهد لي ولا أعرف سوى دي تريفيل، فقال له أتوس: إني أخشى إذا قتلتك أن يقال ~~عني أني أبارز الصبيان. قال: لا والله، فما تبارز إلا كفؤا كريما يبوء بالملوك. ~~قال: ذلك لأن كتفي الأيمن مصاب يضطرني إلى حمل السيف باليسرى بحيث أصير نصف ~~رجل، ولكن لا بأس، فقد تعودت على مثل ذلك، فهلم نتحدث إلى أن يأتي الشاهدان، ~~ولكن جازاك الله فقد آلمتني بصدمتك. قال: ألا تأذن لي بشفائك؟ قال: بلى، فما ذاك؟ ~~قال: إن عندي مرهما عجيبا يسرع في برء الجرح، فلا يمضي عليك ثلاثة أيام حتى ~~تتعافى بإذن الله. قال: جزاك الله خيرا، والله إنها لأخلاق الأشراف تظهر من فعالك، ولكن ~~قد طالت غيبة الشاهدين، فما ترى؟ قال: لا أرى لك إلا أن تذهب لشأنك إذا كان لك ما ~~يدعوك؟ قال: لا، فهذا أحد الشاهدين. فالتفت دارتانيان فرأى بورتوس مقبلا، فقال: إني أرى ~~بورتوس. قال: وما عليك منه؟ ثم التفت فرأى أراميس فقال: وهذا أراميس، فقال: وهو شاهدك ~~أيضا؟ قال: نعم، فنحن ثلاثة في واحد حتى نكاد نكون كندماني جذيمة لو لم نكن ~~ثلاثة. وكان بورتوس قد وصل فسلم على أتوس ثم نظر إلى دارتانيان ووقف منذهلا، ثم قال: ~~ما هذا؟ قال: إني أبارزه. قال: عجبا، وأنا دعوته للبراز، ثم وصل أراميس وقال: وأنا ~~أبارزه أيضا، فما سبب برازك له يا أتوس؟ قال: لأنه صدمني في كتفي فأوجعني، وأنت يا ~~بورتوس، فلم برازك؟ فخجل وتلجلج لسانه، فسأل ~~أراميس، فأشار إلى دارتانيان أن اكتم أمر المنديل وقال: إني أبارزه لأمر ~~جرى لي معه يتعلق بالدين. فتقدم دارتانيان وقال: أسألكم عفوا يا قوم، فإني واعدت أتوس ~~أولا وقد يقتلني فأكون قد أخلفت وعدي لكما في ms013 عدم البراز، ثم شهر سيفه ووقف، فاستل ~~أتوس سيفه وتقدم إليه، وإذا بفريق من شرطة الكردينال قد طلع عليهم يتقدمهم رئيس لهم يقال ~~له دي جيساك، فصاح بورتوس وأراميس بالمتبارزين: أغمدا سيفيكما؛ فقد طلعت علينا ~~شرطة الكردينال. وكانت رجال الكردينال قد دهمتهم فلم يعد لهم سبيل للتستر، فصاح دي ~~جيساك برجاله وتقدم وقال: أفي مثل هذا المكان يكون البراز أيها الحراس؟ فقال له أتوس: ~~دعنا في شأننا وامض لشأنك، فإنا لو رأيناك في مثل حالنا هذه ما منعناك. قال: إن ~~ذلك لا يكون، وأنا مسئول في أمركم، فاتبعوني إذا شئتم، فقال أراميس: لقد كنا نود أن ~~نتبعك لولا يد فوق يدنا تمنعنا، فاذهب فهو خير لك. قال: إني لا أبخل عليكم ~~بالقوة إذا جدتم بالمعصية. فهمس أتوس في أذن أصحابه: إننا ثلاثة وهم خمسة، وقد آليت ~~أن لا أرجع أو أقتل فهو خير لي من أن ألقى القائد مخذولا، فاحملوا، فكم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة، والنصر بيد الله يؤتيه من يشاء. فلبث دارتانيان حائرا لا يدري ~~على أي جانبيه ينقلب، بين حرس الملك وشرطة الكردينال، ثم تقدم إلى الحراس فقال لهم: ~~سمعتكم تقولون إنكم ثلاثة وأنتم أربعة، فقال بورتوس: أنت لست منا. قال: لئن لم يكن لي ~~لباسكم فإن بين جنبي قلبا حرسي الأصل. فزجره دي جيساك وقال له: اعدل عن رأيك، ~~فما لك وللتغرير بنفسك فيما لست من سيله ولا مطره. فلم يلتفت دارتانيان إليه، بل ~~تقدم إلى أصحابه وقال: تقدموا يا قوم، فما في التأخر من فائدة، فقال له أتوس: إني أخشى ~~عليك يا فتى أن تذهب نفسك ونحمل العار بسببك؛ إذ يقال عنا أنا كنا أربعة على حين نحن ~~ثلاثة، وما نرى لنا فيك غناء. قال: إنك لم تعرفني بعد ولم تبلني، وسترى مني ما يسرك ~~إن شاء الله، وأنا فلان. ثم أطبقت الفرقتان ولمعت السيوف وهجم أتوس على رجل منهم ~~يقال له كاهيساك، وبورتوس على رجل يقال له بيكارات، والتقى أراميس باثنين، وهاجم ~~دارتانيان ms014 دي جيساك، واشتد بينهما الصدام وكثر الضرب حتى كل دي جيساك وقد بهره ~~دارتانيان بخفته، ثم ضربه فسقط جريحا يتشحط في دمه، ثم التفت فرأى أراميس ~~قد قتل أحد خصميه وهو يعالج الآخر وفيه بقية جلد، وبورتوس وخصمه قد ~~جرحا ولا يزالان يتجاولان، وأتوس قد جرح جرحا آخر ونقل سيفه إلى الشمال، ~~فخشي عليه الغلبة فحال بينه وبين خصمه وقال: أنا لك. وضربه فقتله، فقال له أتوس: لو ~~أبقيته، فإن لي معه شأنا. قال: سبق السيف العذل. وكان دي جيساك قد أفاق ~~من جرحه فقال لبيكارات: سلم سيفك. فسلمه، فساقوه أسيرا إلى منزل دي تريفيل وهم ~~لا تكاد تسعهم الدنيا لشدة سرورهم ودارتانيان بينهم والناس تجتمع عليهم في الطريق حتى صار ~~حولهم جم غفير وكان لهم احتفال مشهود إلى أن بلغوا منزل دي تريفيل. # الفصل الرابع # | لويس الثالث عشر ملك فرنسا # وشاع ذكر هذه الحادثة في باريز واشتهر أمرها وكثر تحدث الناس بها، فلما دخل ~~الحراس منزل دي تريفيل أخذ يزجرهم على فعلهم جهرا ويهنئهم بالنصر سرا. ولما ~~كانت أشغاله تقضي عليه بالذهاب إلى الملك ليخبره بالأمر تركهم وسار إلى اللوفر، فقيل له إن ~~الملك في خلوة مع الكردينال فلا يدخل عليه أحد، فانثنى راجعا. ثم عاد عند المساء إلى ~~ألعاب الملك، وكانت الملوك تقامر في ذلك العهد، فوجد الملك رابحا مسرورا، فلما رآه دعاه ~~إليه وقال له: لقد كثرت الشكاية عليك من الكردينال، وقد شكا كثيرا من حراسك وكان غيظه ~~شديدا حتى أثر في جسمه فمرض، وحتى قيل لي إن رجالك من شياطين الإنس. قال: لا يا مولاي، ~~فما هم إلا نعاج في السلم أرق أخلاقا من النسيم وألين قلوبا من الماء، فلا تفارق ~~سيوفهم أغمادهم إلا في سبيل خدمة الملك أيده الله، ولكن كيف يصنعون ورجال الكردينال ~~يسعون في خصامهم وقتالهم، حتى أن نزالهم لم يكن إلا دفاعا، فقال الملك: إني لست ~~ممن يأخذون الكلام على علاته، ولا أنا بقاضي جبل، ولم ألقب بالعادل عبثا، ~~فرويدا ينكشف لنا ms015 الأمر. ثم وضع مكانه أحد النبلاء وأخذ دي تريفيل إلى نافذة هناك، ~~فقال له: قلت إن رجال الكردينال هم البادئون بالعدوان، فكيف كان ذلك؟ # قال دي تريفيل: هو أن ثلاثة من أشجع رجالي لا يجهل الملك أسماءهم وشدة غيرتهم ~~على خدمته، وهم أتوس وبورتوس وأراميس جرى لهم حادث مزاح مع فتى غسقوني الأصل أوصيتهم به ~~في الصباح، فانطلقوا به يعلمونه القتال في سان جرمن، ثم ذهبوا إلى ساحة كارم ريشو ~~فكدر عليهم أمرهم دي جيساك وكاهيساك وبيكارات واثنان من شرطة الكردينال، وما أراهم على ~~كثرة عددهم إلا قصدوا الشر والعداء، ولست أنسب لهم في ذلك ذنبا سوى أني أعرض على الملك ~~أمرهم فيحكم بثاقب عقله ووافر عدله. قال: نعم، ثم ماذا؟ قال: فلما رأوا رجالي أخذتهم ~~حدة الغضب ورانت عليهم سورة الحقد؛ إذ لا يجهل الملك أعزه الله أن رجاله ورجال ~~الكردينال أعداء بالطبع. قال: نعم، وهو ما يسوءني جدا إذ أرى في البلاد حزبين متنافرين، ~~ولكن لا بد من أن نضع لذلك حدا، ثم قلت إن رجال الكردينال هم الذين تصدوا ~~لرجالك، أفحق ذلك؟ قال: هو ما أراه يا مولاي، ولست بجازم في الأمر. قال: علمت أنه قد كان ~~مع رجالك فتى ليس منهم. قال: نعم، أيد الله الملك، فقد كانوا أربعة وفيهم جريح وفتى ~~نازلوا خمسة فصرعوا أربعة منهم. قال: بخ بخ، فقد انتصروا إذن، ومن هذا الغلام الذي ~~كان معهم؟ قال: هو فتى لا يبلغ العشرين من العمر يدعى الكونت دارتانيان، وأبوه من أقرب ~~أصدقائي وأحسنهم بلاء مع الملك والدك رحمه الله ومتعنا بك بعده، فلما رآه رئيس حرس ~~الكردينال أشفق عليه وأمره بالاعتزال. قال: صدقت، وهو ما يؤيد أنهم البادئون. قال: نعم ~~أعز الله الملك، أما الفتى فلم يعتزل وقال إنه حرسي القلب مخلص للملك ورجاله، ثم حمل ~~على دي جيساك فجرحه ذلك الجرح الذي أثار غيظ الكردينال، فقال الملك - وقد أخذه العجب: ~~أهو الذي جرح دي جيساك، وهو أول بطل في الدولة وسنه على ما ms016 ذكرت؟! إن ذلك لا ~~يخال. قال: نعم، ولا رد عليك يا مولاي، فقد صادف در السيل درا يصدعه، وقد ~~قيل: # هيهات ما قلب الفتى في سنه # أبدا ولكن قلبه في صدره # قال: إني أحب أن أراه، فأتني به غدا عند الظهر ومعه أصحابه الثلاثة، فقد وجب ~~لهم علي في ذلك شكر أفيه لهم، ثم إذا أتيت بهم فاصعد من السلم الصغير فإني لا ~~أحب أن يعلم الكردينال بهم. قال: نعم وطاعة يا مولاي، ثم خرج فأعلم رجاله وأمرهم ~~بالاستعداد لمقابلة الملك. # ولما كان الصباح لبسوا أحسن ما عندهم وانطلقوا بدارتانيان إلى مكان تجري فيه ~~ألعاب السيف وفنون البراز، فأقاموا يتبارزون ووقف دارتانيان مع المتفرجين وكان في ~~جملتهم رجل من حراس الكردينال، فلما رأى الحراس جعل الغيظ يقيمه ويقعده حنقا على ~~حراس الملك وغيرة على أصحابه وفشلهم بالأمس، حتى رأى دارتانيان فهاج به حب الانتقام، ~~فرفع صوته بحيث يسمعه الفتى وقال: ما أرى هذا الغلام إلا خائفا من البراز، وأظنه حرس ~~الملك، فالتفت إليه دارتانيان وجعل يصوب نظره فيه ويصعده، فقال له: انظر إلي ما ~~شئت، فقد قلت ما قلت. فهمس دارتانيان في أذنه أن اتبعني ~~إذا كان في نفسك شيء، فقال له: والله لو عرفتني ما ~~أقدمت علي. قال: ومن عساك تكون؟ قال: أنا برناجو. قال: نعم الاسم يهابه الجبان ~~الوكل، فاتبعني فأنا في انتظارك لدى الباب ولا تعجل في لحاقي لئلا يفطن لنا ~~الناس فيحظرونا. قال: أنصفت والله، وأنا على أثرك. فانصرف دارتانيان والرجل ~~يعجب من شدة بأسه وسكون جأشه كيف أنه لم يهبه وقد عرف اسمه، وكان أتوس في ~~خلال ذلك ينظر إليهما فعرف ما نويا عليه، وكان دارتانيان قد بلغ الباب فلم يلبث إلا ~~قليلا حتى وافاه خصمه، فنظر فرأى الطريق خالية فقال له - وهو يحب التعجيل لئلا ~~يفوته موعد الملك: لقد خلا لنا الجو فانزل. قال: أخشى أن يرانا أحد يمنعنا، فلو ذهبنا ~~إلى ما وراء دير سان جرمن أو غيره. قال: لقد كنت أرغب في ms017 ذلك لولا أن لي موعدا يجب علي ~~قضاؤه، ثم استل سيفه والتقاه خصمه وجرى بينهما قتال شديد جرح فيه برناجو ~~جرحين بليغين. وكانا قد بلغا منزل دي ترمويل، فهجم عليه دارتانيان وضربه فسقط على ~~الأرض يختبط بدماه، وإذا به يسمع صراخا في الشارع وجلبة تتزايد، وكان اثنان من ~~أصحاب برناجو سمعا ما دار بينهما فتبعاهما، فلم يدركا صاحبهما إلا وهو صريع، فأطبقا على ~~دارتانيان يضاربانه وإذا برفاق دارتانيان الثلاثة قد طلعوا عليهم وصاحوا بالرجلين، فخشي ~~الرجلان الغلبة فاستنجدا بأهل المنزل فخرجوا إليهما، وكثر الجمع على حراس الملك، ~~فاستنجدوا بأصحابهم، وتناقل الصوت حتى بلغ منزل دي تريفيل، فخرجت رجاله تصل سيوفها. وكان ~~حرس الكردينال قد تجمعوا على الصراخ فدارت رحى الضرب، وكانت الدائرة على رجال الكردينال ~~فانقلبوا إلى المنزل وأوصدوا أبوابه بعد أن أدخلوا الجريح في حالة الخطر، فأحاط حراس الملك ~~بالمنزل وجعلوا يتوعدونه بالحريق إذا لم يعاقب صاحب المنزل خدمه على خروجهم عليهم، ~~فأجاب دي ترمويل طلبهم. وكانت الساعة الحادية عشرة قد حانت، فذهب الأربعة إلى الموعد ودخلوا ~~منزل دي تريفيل، فتلقاهم وهو يقول: هلموا إلى اللوفر على عجل لنرى الملك ونخبره بالأمر ~~قبل وصول الكردينال. فلما وصلوا إلى القصر استأذن القائد على الملك فقيل له إنه في الصيد في ~~غابة سان جرمن، قال: هل كان ذلك في عزمه من أمس؟ فقيل: لا، بل أتاه رجل اليوم يخبره بأنهم ~~قد حبسوا له غزالا في الغابة ليصيده، وقد ذهب قبل الظهر بقيل، فقال لرجاله: إني أراه في ~~المساء، فارجعوا بنا. فرجعوا. # ودخل دي تريفيل غرفته وهو يفكر في كيف يبدأ بالشكوى على حرس الكردينال، ثم أرسل إلى دي ~~ترمويل يلتمس منه إخراج رجال الكردينال من منزله ومعاقبة خدمه بخروجهم على رجاله، ثم ذهب ~~بنفسه بعد ذلك إلى منزل دي ترمويل فقال له: أرى أن كلا منا يود أن يشكو صاحبه، وقد ~~أتيتك الآن لننظر على من تجب الشكوى. قال: نعم، ولكني على يقين من أن الذنب على أتباعك. ~~قال: كيف حال ms018 الجريح؟ قال: في خطر شديد، فإنه مصاب بذات جنبه، وقد يئس منه الطبيب. ~~قال: وهل هو مفيق؟ قال: نعم، ولكنه يستصعب الكلام. قال: فلو نزلنا إليه نقصه الأمر ~~ونعزم عليه بالتزام الصدق في الحكاية؟ قال: نعم. ونزلا إلى غرفة الجريح، فاحتفز للقيام ~~فلم يقدر، فدنا منه دي ترمويل وسأله عن القصة فسردها لا يخل بحرف منها حتى أتى ~~على آخرها، فاستأذن دي تريفيل ودعا للجريح بالشفاء وذهب إلى منزله، فدعا رجاله الأربعة ~~وجلس معهم على الطعام يؤاكلهم ويثني على شجاعتهم ولا سيما دارتانيان حتى كانت الساعة ~~السادسة، فذهب بهم إلى اللوفر، ودخل معهم من الباب الكبير لأن ميعاد الملك كان قد فات، ووقف ~~وإياهم في ساحة القصر وإذا بالناس يقولون: جاء الملك، ثم دخل الملك لابسا ثياب الصيد ~~وفي يده مخصرة، فمر بالحراس ودخل إلى مجلسه، فقال لهم دي تريفيل: أنظروني عشر ~~دقائق، فإن خرجت إليكم وإلا فارجعوا إذ لا تعود فائدة من الانتظار. ودخل فأقام الحراس ~~ينتظرونه حتى فات الميعاد ولم يخرج فانصرفوا راجعين. # وكان دي تريفيل قد دخل على الملك فوجده يشكو من الصيد ومتابعة الكردينال له في الكلام عن ~~إسبانيا والنمسا وإنكلترا حتى قال له: إني غير راض عنك يا دي تريفيل. قال: لماذا، وأطال ~~الله بقاء الملك؟ قال: لشدة وقاحة رجالك واستبدادهم حتى كادوا يحرقون باريز اليوم ~~وأنت ساكت لا تردهم، وحتى هجم الأربعة الذين ذكرت لي على برناجو فجرحوه إلى الموت، ~~ثم حاصروا منزل دي ترمويل وكادوا يحرقونه حتى خلت والله أن الحرب قد نشبت في ~~فرنسا، ولعلك تنكر ذلك. قال: وممن سمعت هذا يا مولاي؟ قال: ومن عساه يكون سوى ~~الكردينال القائم بأمر الملك حتى كفاني مئونة سياسته. قال: لعله غير مصيب في الرواية يا ~~مولاي، وجل من لا يخطئ. قال: صدقت، أما الذي أخبرني بهذا الأمر فهو دي ترمويل. قال: لو ~~أمر مولاي بإحضاره الآن وسؤاله. فدعا الملك بالحاجب فقال: علي بدي ترمويل في الحال، ~~فقال دي تريفيل: ولكن تعدني يا مولاي بأنك ms019 لا تقابل أحدا بين مقابلتي ومقابلته. قال: ~~لا، وموعدنا غدا إن شاء الله في أي ساعة جئت، ولكن حذار من أن يكون رجالك هم ~~المخطئون. قال: إذا كانوا مخطئين فهم بين يدي الملك يجري عليهم عدله. قال: نعم، إلى ~~غد. فدعا له دي تريفيل وخرج. فأوعز إلى رجاله بالمجيء إليه عند الساعة السادسة صباحا ~~ففعلوا، وذهب بهم إلى السلم الصغير وقال لهم: إذا وجدت الملك راضيا عنكم دعوتكم ~~وإلا أشرت لكم بالانصراف، ثم دخل، فلما بلغ ساحة القصر أخبره الحاجب أنه ذهب أمس إلى ~~دي ترمويل فلم يجده وأنه الآن عند الملك، ولم يمض غير قليل حتى خرج دي ترمويل من ~~قاعة الملك، وقال لدي تريفيل: لقد دعاني الملك ليعلم مني تفاصيل حادثة أمس، وقد أخبرته أن ~~الذنب على خدمي وأنه يجب علي أن أعتذر إليك. قال: حياك الله، فهكذا كنت أرجو منكم، ~~ومثلك من قضى الحق وحكى بالحق. وكان الملك واقفا على عتبة الباب يسمع ما دار بينهما ~~فقال: أحسنتما وأبي، وأنا أرجو من الدوق دي ترمويل أن لا ينقطع عني لأنه صادق أمين، ~~فلينصرف الآن، وأنت أين رجالك؟ قال: في انتظار أمرك يا مولاي. قال: علي بهم. فذهب ~~الحاجب وعاد بهم حتى أوقفهم بالباب، فأشار إليهم الملك بالدخول وقال: لقد زاد أمركم وعظمت ~~شجاعتكم يا قوم، أتقتلون سبعة من رجال الكردينال في يومين؟ إنه لأمر لو تعلمون عظيم، ثم ~~نظر إلى دارتانيان وقال له: تقدم يا بني، فقد بلغني عنك أنك فتى وأنا أراك غلاما ~~مراهقا، ثم التفت إلى دي تريفيل فقال: هذا الذي جرح دي جيساك؟ قال: نعم بسيفك يا ~~مولاي، وجرح برناجو أيضا. فقال أتوس: ولو لم يخلصني من يد بيكارت لما أسعدني الحظ ~~بالمثول في جنابك يا مولاي. قال: ولكني أرى أهل غسقونية على جانب من غثاثة العيش وقلة ذات ~~اليد، وما ذاك إلا لقلة معادن بلادهم. ثم دعا بالحاجب فقال له: انظر في جيبي لعلك تجد شيئا ~~من الدنانير فأتني به. ثم قال لدراتانيان: ms020 قص علي الحادثة ولا تفت منها حرفا. ~~فمضى الفتى يقصها مضي الجواد في سنن ميدانه حتى أتى على آخرها، فقال له الملك: ~~صدقت، فهكذا سمعتها، عزى الله الكردينال، فقد فقد سبعة من أعز رجاله عليه، وفي ظني ~~أن ذلك يكفيكم في نظير أخذ الثأر، ثم أخذ من يد الحاجب قبضة من الدنانير فوضعها في يد ~~دارتانيان، فأخذها وشكر، فقال لهم الملك: انصرفوا الآن، فإن علي موعدا. فخرجوا وهم ~~يضجون له بالدعاء، ثم قال لدي تريفيل: كنت أود أن يكون هذا الفتى في جملة الحراس ~~لولا ضيق المقام عنه، ولكن ضعه في جملة حرس ابن أختك دي زيسار، ودع الكردينال يرغي ~~ويزبد، فما علي إذا كان العمل عدلا. ثم خرج. أما الكردينال فأقام ثمانية أيام لا ~~يحضر ألعاب الملك. # الفصل الخامس # | الحراس في أنفسهم # ولما فصل دارتانيان وأصحابه عن قصر اللوفر اقترحوا عليه طعاما فأجابهم وأكلوا جميعا، ~~وكان يخدمهم على الطعام خادم بورتوس ويدعى موسكتون، وكان شديد الإخلاص لسيده، وهو بيكاردي ~~الأصل. أما أتوس فكان له خادم يدعى كريمود، وكان أتوس كثير السكوت قليل الهذر قلما ~~يتكلم أو يضحك ملء فيه، وإذا تكلم كان كلامه على غاية الاختصار والإيجاز، ولم يكن يعشق ~~امرأة قط وإن يكن بلغ الثلاثين من العمر على جماله وحسن قوامه وتوقد ذهنه حتى لم ~~يسمعه أحد يذكر النساء. وكان قد أدب خادمه على أن يفهم منه لأول إشارة وأقل رمز، فلم ~~يكن يكلمه إلا عند الضرورة. أما بورتوس فكان مغايرا بالجملة لأتوس بكثرة كلامه وعلو ~~صوته وحبه للملاهي والضحك، وكان يتعشق أميرة غريبة البلاد. أما خادمه موسكتون فكان مثله وهو ~~نورماندي الأصل. وأما أراميس فكان له خادم يدعى بازين قليل الكلام والتعرض، مطيع لكل ~~ما يؤمر به. وأما خادم دارتانيان فكان يدعى بلانشت. # وإذ قد عرفنا خدم الثلاثة نلمع قليلا إلى مسكن كل واحد منهم، فقد كان أتوس ساكنا في ~~شارع فيرو على مقربة من ليكسمبرج في بيت صغير تخدمه فيه فتاة. وكان بورتوس نازلا في شارع ms021 ~~برج الحمام القديم في منزل واسع إلا أنه كان قلما يأتيه بحيث لا يكاد يوجد فيه إلا خادمه ~~موسكتون. وكان منزل أراميس في مكان حسن تحيطه حديقة مزهرة يرتاح النظر إليها. وأما ~~دارتانيان فقد عرفنا منزله وخادمه، وكان لا يعرف من أصحابه الثلاثة إلا أسماءهم الغريبة ~~يخفون تحتها أسماءهم العريقة في المجد والشرف، فكان يستخبر من كل منهم عن صاحبه فلا ~~يخبره إلا عن ظاهره، فاجتمع ذات يوم بأراميس وأراد أن يعلم منه صحة ما هو شائع عن عشق ~~بورتوس لامرأة شريفة غنية فقال له: إني أراك تردد كثيرا أسماء الأميرات وعقائل النساء، ~~فما سبب ذلك؟ قال: إني لا أتكلم إلا نقلا عن صديقي بورتوس، وأنا قليل الرغبة في مثل ذلك. ~~قال: إذا كنت كما تزعم فأنى لك ذلك المنديل الذي كان وصلة للتعارف بيننا؟ قال: هو ~~منديل نسيه عندي أحد أصحابي، ولعله من صديقة له. قال: إني أعجب منك كيف أنك في مقام ~~الحراس ولا رغبة لك في النساء. قال: ذلك لأني ناسك في ثياب حارس. قال: ألا تحدثني ببعض ~~الشيء عن أصحابك؟ قال: أما الآن فلا سبيل إلى ذلك، فإن لي شأنا يدعوني، فأستودعك الله. ~~ثم حياه وذهب. فلبث دارتانيان حائرا في أمر هؤلاء الثلاثة لا يهتدي منهم إلى وجه، ~~ثم ترك الأمر للتقادير وتمثل: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وكان اثنان من الحراس يحبان المقامرة إلا أراميس فلم يكن يتعاطاها قط. وكان ~~الأربعة عائشين عيشة راضية، يتلقون أوامرهم كل صباح فيعاونهم فيها دارتانيان ~~وإن لم يكن منهم، فكانوا يحبونه حبا شديدا. ولم يمض عليه قليل حتى أمر الملك ~~دي زيسار أن يستنيبه في أمره ويجعله ثانيه في المرتبة، فسر دراتانيان من ذلك لأمله ~~بنوال رتبة بين الحراس، وقد زاد أمله وعد دي تريفيل له أنه إذا مضى عليه سنتان في ~~الخدمة، وهو قائم بما يرضي الملك، يرقيه إلى رتبة الحراس، وكان يعاونه في أعماله ~~ومهماته رفاقه الثلاثة. # الفصل السادس # | دسيسة في ms022 قصر الملك # ولما نفدت دراهم الملك مست الحراس العازة وأحوجهم الأمر إلى القوت، ~~فجعلوا يتداعون وغلمانهم إلى أصحابهم ويتطفلون على معارفهم، ولم يكن لدارتانيان ~~صاحب سوى قسيس من بلاده كان يدعو إليه رفاقه فيتركون بيته كبيت العنكبوت. وحدث أنه ~~بينما دارتانيان في منزله دخل عليه خادمه يستأذنه لرجل يريد مقابلته، فأذن له، فدخل الرجل ~~وقال لدارتانيان: قد سمعت بشهرتك وبعد صيتك في الشجاعة وكرم الأخلاق، فأتيتك أستودعك ~~سرا. قال: إني إذن أرعاه. قال: إن لي امرأة صبوحة الوجه صناع اليدين ~~تغسل ثياب الملكة في القصر، وقريبها دي لابورت وصيف الملكة، وهو الذي سعى لها بهذه ~~الخدمة، فبينما هي خارجة أمس من القصر خطفها رجل ومضى بها ولا سبيل لي إليه، فأغثني ~~أغاثك الله. قال: ومن هو الرجل؟ قال: لا أعرفه، سوى أني ألقيت الشبهة على رجل كان لا ~~يفتر عن تتبعها، وأنا أرى أن لاختطافها سببا سياسيا لا دخل للعشق فيه، ولا أظن ذلك ~~السبب إلا امرأة أعظم منها كثيرا. قال: ومن تراها تكون؟ هل هي بواتراسي؟ قال: هي أعظم من ~~ذلك. قال: فأكويليون؟ قال: أعظم. قال: فشفريز؟ قال: بل هي أعظم جدا يا مولاي. قال: لم ~~يبق إلا ... (يريد الملكة). قال: هي بعينها. قال: ومن أيضا؟ قال: لا أظنه إلا الدوق دي ~~... (يريد بيكنهام). قال: ومن أدراك بكل هذا؟ قال: أخبرتني به امرأتي. قال: وأنى لامرأتك ~~ذلك؟ قال: من دي لابورت وصيف الملكة، وهو الذي جعلها عندها تكل إليها أمورها في انقطاع ~~الملك عنها من بغضه وخداع الكردينال إياها واطراحها من الجميع، وما أرى هذا الأمر إلا ~~انتقاما من الملكة، فإنهم زوروا عنها كتابا إلى الدوق دي بيكنهام يغرونه بالمجيء ~~إلى باريز ليوقعوا به وهو عشيقها. قال: وما دخل امرأتك في مثل هذه الأمور؟ قال: إنهم ~~يعرفون إخلاصها للملكة ومفاداتها لها؛ ولذلك فقد رأوا إبعادها عنها لتكون في يدهم آلة ~~يستعينون بها على الملكة. قال: أما تعرف الذي خطفها؟ قال: لا، وما أظنه إلا من أتباع ~~الكردينال، ولا أعرفه ms023 إلا إذا رأيت وجهه؛ لأن امرأتي أشارت لي إليه، وهو رجل طويل القامة ~~أسود الشعر في خده ندبة، فقال دارتانيان: خصمي والله الذي سرقني في مينك، فإذا ~~انتقمت منه يكون انتقامي مزدوجا، فأين أقدر أن أراه؟ قال: لا أعلم يا مولاي سوى أني رأيته ~~مرة واحدة كما قلت لك. قال: فما اسمك؟ قال: بوناسيه صاحب هذا البيت الذي أنت تسكنه. قال: ~~أما عندك غير شيء على امرأتك؟ قال: نعم، رسالة وصلتني وهي هذه. فأخذها دارتانيان وقرأ: «لا ~~تتعب في السعي وراء امرأتك، فإنها ترد إليك عند عدم الحاجة إليها، وإذا سعيت ~~فأنت هالك.» # فقال الرجل: كيف أصنع يا مولاي ولست من رجال الحرب ولا طاقة لي على سجن الباستيل؟ ~~فأسعفني في أمري يكن لك فضل علي وعلى الملكة، وتكون قد رغمت أنف الكردينال عدوكم ~~وعدوها، وأنا أقدم لك هذه الخمسين دينارا تستعين بها على أمرك. ثم حانت منه التفاتة إلى ~~النافذة فقال: هذا هو يا مولاي. فنظر الفتى فعرف خصمه، فقال: إذن والله لا يفلت مني في ~~هذه المرة أبدا. ثم شهر سيفه وانحدر من السلم فصادف أتوس وبرتوس آتيين إليه، ~~فمالا من طريقه وصعدا، وذهب وهو يقول: وجدته وجدته. ثم طاف كل تلك السكك والأزقة فلم ~~يقف له على أثر. # وكان أراميس في خلال ذلك قد صعد وراء صاحبيه، فعاد دارتانيان فوجد الثلاثة مجتمعين، ~~فقالوا له: مهيم؟ قال: طلبته فما وجدته، فوالله لكأنه ذهب بين سمع الأرض ~~وبصرها، ومهما يكن فإنه قد أضاع علينا عملا لنا فيه أكثر من مئة دينار. قالوا: وكيف ذلك؟ ~~فقص عليهم القصة، فقالوا: ما لنا ولها؟ قال: إن الأمر لا يتعلق بها وحدها، فإن للملكة ~~فيها أجل نصيب. قالوا: وما لنا وللملكة وهي تحب الإنكليز والإسبان أعداءنا ~~الألداء؟ قال: أما الإسبان فلأنهم قومها، وأما الإنكليز فلا تحب منهم إلا رجلا. ~~فقال أتوس: لعمري أنه جدير بأن يحب، فإني لم أر مثله في الجمال والكرم، أتذكرون يا قوم ~~يوم نثر اللؤلؤ في قصر اللوفر، فكنا ms024 نلتقط منه كما نلتقط البرد؟ قالوا: نعم نذكره ~~ولا ننساه، فقال دارتانيان: إني لا أحب بيكنهام وإيصاله إلى الملكة، إلا كيدا ~~للكردينال، وما أظن اختطاف هذه الامرأة إلا لهذا الشأن وأن بيكنهام في باريز. قال أراميس: ~~اسمعوا أقص عليكم أمرا، إني كنت أمس عند أحد أصحابي وله ابنة أخ جاءت إليه ثم همت ~~بالانصراف فرافقتها إلى العربة وأنا مشتمل بعباءتي، وإذا أنا برجل دنا مني ووراءه ستة ~~رجال، فقال لي: اصعدا إلى هذه العربة يا دوق ولا تحاول خلاصا، فكشفت عباءتي فلما رآني ورأى ~~ثيابي تركني وانصرف، وما أراه إلا حسبني بيكنهام وحسب الفتاة الملكة، وهو دليل على أن ~~بيكنهام في باريز وأنهم يسعون في القبض عليه. فقال دارتانيان: ألا نبحث عن هذه المرأة؟ ~~قالوا: إن ذلك لا يكون أبدا، فإنها وضيعة النسب لا تستحق العناء في البحث عنها، ومهما تكن ~~فساوم زوجها بثمن غال في تفتيشك. قال: لا بد لي من البحث عليها، ولو لم آخذ من زوجها ~~شيئا، فإن لي جزاء من غيره، ولعلكم لا تجهلون. وما أتم كلامه حتى دخل عليهم صاحب ~~الفندق وهو يستغيث ويقول: أغيثوني، فإن أربعة من الجند يطلبوني. فقام برتوس وأراميس ووضع ~~كل يده على قائم سيفه، فمنعهما دارتانيان وقال: إنه موقف لا تغني فيه السيوف، ~~فالرأي قبل شجاعة الشجعان. فقال أتوس: صدق دارتانيان، فلنكل إليه أمرنا. ~~وإذا بأربعة من الجند قد هجموا على القاعة حتى رأوا الحراس، فوقفوا هيبة منهم، فقال لهم ~~دارتانيان: ادخلوا يا قوم فإنكم في منزل رجل مثلكم يخدم الملك والكردينال، فقال له زعيمهم: ~~إذا كنت كذلك فما نراك مانعا عن إتمام ما أمرنا به. قال: لا، بل نساعدكم إذا قضت ~~الحاجة. فقال بوناسيه صاحب الفندق: لقد أجرتموني، فكيف تخفرون الذمة؟ فقال ~~له دارتانيان بصوت خفي: إنا نسعى في خلاصك بالحيلة، فلو منعناك لاتهمونا بك ~~وأخذونا معك. ثم قال للجند: إنه رجل لا أعرفه إلا في هذه الساعة، فشأنكم به؟ ثم همس في ~~أذنه أن اسكت ولا تنطق علينا ms025 بشيء فإنك تضرنا وتضر بالملكة. ثم دفعوه إليهم ~~فأخذوا وانصرفوا، وعرف دارتانيان أن اسم زعيمهم بوازرنار، فلما خلا البيت قال لهم بورتوس: ~~أف لكم، أتخفرون الذمة وتسلمون رجلا لجأ إليكم واستغاث بكم؟ قالوا: بل ~~هو الصواب، فلنتعاقد الآن على أن نكون جميعا فدى عن واحد منا ويكون كل منا فدى ~~عن الجميع. فتعاقدوا وانصرفوا كل منهم إلى مكانه. # الفصل السابع # | امرأة صاحب الفندق السبية # وبعد أن ذهب الجند بالرجل أقام الرفاق الأربعة يبحثون عليه فلا يقفون له على خبر، ~~وكان بيته تحت بيت دارتانيان، فاقتلع الفتى عدة أخشاب من أرض البيت بحيث صار يسمع ~~ويرى ما يجري في بيت الرجل، فبينا هو جالس ذات يوم إذ سمع صراخ امرأة ~~تستغيث في بيت صاحب الفندق وسمع قوما يسألونها الإقرار وهي تأبى وتصر على ~~الكتمان ، حتى قالت لهم: أنا بوناسيه صاحبة البيت، إحدى تابعات الملكة، فقالوا لها: أنت ~~بغيتنا. وأخذوا يجرونها وهي تدافع وتستغيث، فثارت الحمية في رأس دارتانيان فتقلد ~~سيفه، ودعا بغلامه فقال له: اذهب وادع لي أتوس وبرتوس وأراميس من منازلهم، وقل لهم أن ~~يسرعوا. قال: وإلى أين تمضي يا مولاي؟ قال: أتدلى من النافذة، فاصدع بما أمرتك ~~به. قال: نعم. وذهب ونزل دارتانيان فقرع الباب، فسكنت الجلبة وهدأ الصراخ، ثم ~~فتح له الباب، فدخل بسيفه شاهره وأغلق الباب وراءه، فرأى أربعة رجال سود الملابس ~~بغير سلاح، فهاجمهم بسيفه، فتلقوه يدافعون عن أنفسهم بأمتعة البيت فلم يقدروا عليه، ~~فتركوا الامرأة وفروا هاربين، فلما خلا البيت نظر الفتى إلى الامرأة فوجدها على غاية من ~~الجمال والصباحة، تكاد تأخذها العين لحسنها، ثم حانت منه التفاتة فرأى في الأرض ~~منديلا كالذي رآه مع أراميس، فأخذه ووضعه في جيبها وكانت على وشك الإغماء مما حل بها، ~~فلما أحست بيد الفتى انتبهت وقامت إليه تشكره وتدعو له، فألطف لها في الجواب وقال لها: إن ~~القوم الذين هجموا عليها ليسوا لصوصا، ولكنهم من رجال الكردينال الذين أخذوا زوجها أمس إلى ~~سجن الباستيل. فقالت: ويلاه، وما ذنبه ms026 حتى يقاد إلى السجن؟ قال: لأنه زوجك فيما أظن، ~~وأنت سبية الكردينال. قالت: أوتدري من سباني؟ قال: نعم، رجل صفاته كيت وكيت. ~~وشرح لها صفات خصمه. قالت: نعم هو، أوتعرف اسمه؟ قال: لا. قالت: ومن أين درى زوجي ~~أني اختطفت؟ قال: من رسالة وصلته، وهو يرى لاختطافك أمرا سياسيا يتعلق بالدولة، ~~فكيف خلصت من حبسك؟ قالت: غفلوا عني فتدليت من النافذة وخلصت إلى بيتي لعلي أرى زوجي. قال: ~~وما عساه أن يمنعك وهو لا يمنع نفسه؟ قال: ليس ذلك من قصدي، ولكن لي معه شأنا. قال: ~~وما ذاك؟ قالت: سر لا يد لي في إفشائه. قال: أفلا نخرج من هنا، فإن أصحابك لا ~~يبرحون أن يرجعوا بالسلاح فيفوت الخلاص. قالت: وإلى أين نمضي؟ قال: متى خرجنا نرى ~~رأينا. ثم أخذ بيدها وخرج بها حتى أبعد عن البيت، فقالت له: وإلى أين نذهب الآن؟ قال: ~~لا أعلم والله، إلى أين تريدين؟ قالت: أريد أن أخبر دي لابورت بما جرى، ثم أعلم منه ماذا ~~كان في اللوفر من ثلاثة أيام، وهل أنا آمنة إن عدت إليه. قال: أنا أمضي في ذلك. قالت: لا ~~تقدر، فإنهم لا يعرفونك بل يعرفون زوجي. قال: أما لك من يعرفك هناك فأمضي إليه ~~بعلامة منك؟ قالت: نعم، على أن تعاهدني أنك لا تستعمل علامتي التي أعطيك في غير هذا ~~الشأن، ولا تستخدما لمأرب في نفسك إن كان لك مأرب. قال: لا والله، فهل من يعرفك ~~فآخذك إليه؟ قالت: لا أسترسل إلى أحد. قال: لا تخافي، فنحن على مقربة من بيت صديق لي يدعى ~~أتوس فأضعك فيه فلا يراك أحدا. قالت: أحسنت، فهيا بنا إليه. فسار بها حتى بلغ منزل أتوس ~~فأودعها فيه، وقال لها: أقفلي عليك الباب ولا تفتحي إلا إذا سمعت ثلاث طرقات متتابعة. ~~قالت: نعم، فاسمع العلامة التي طلبت، تذهب إلى قصر اللوفر من جهة شارع أشيل وتسأل ~~عن رجل يدعى جرمان، فتقول له «توروبروكسل» فيمضي في كل ما ترسمه له، فتطلب منه أن يدعو ms027 لك ~~دي لابورت وصيف الملكة فتبعث به إلي، وكن على يقين من أني أراك لأفيك بعض حقك. قال: ~~نعم. ومضى ففعل كما قالت له غير مخل بحرف. ثم ذهب إلى دي تريفيل فاستأذن عليه فأذن ~~له، فدخل إلى البهو وأقام ينتظر، واغتنم فرصة غيابه فأخر عقرب الساعة خمسا وأربعين ~~دقيقة، ثم جاء دي تريفيل فقال: ما بدا لك لزيارتنا، فإني أظن الوقت قد فات، ثم نظر ~~إلى الساعة فقال: لا والله، بل هي الساعة التاسعة ونصف وقد كنت أظنها أكثر. فأخذ ~~دارتانيان يقص عليه قصة طويلة بشأن الملكة وبيكنهام وغيرهما حتى صارت الساعة العاشرة ~~وخرج، فلما قفل دي تريفيل إلى غرفته عاد دارتانيان فرد عقرب الساعة إلى ما كان عليه ~~وذهب. # الفصل الثامن # | تدبير الحيلة # ولما نزل دارتانيان من منزل دي تريفيل أخذ يفكر في محبوبته بوناسيه التي سلبت لبه ~~ووقعت في قلبه موقعا لا يقوى على إيضاحه لسانه، وحاله تنشد: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكنا # فكان ينظر إلى نجوم السماء تارة ثم يعود إلى أفكاره تارة أخرى وهو سائر يستحثه ~~الشوق وتحدوه الصبابة، غير ناظر إلى ما تستلزمه النساء من النفقات على قلة ماله ~~وضيق ذات يده، بل عزم على أن يكون عشيقا رفيقا وصديقا صدوقا، غير ملتفت إلى ~~زوجها وخلاصه. ولم يزل سائرا على حاله تلك حتى بلغ الشارع الذي يسكن فيه أراميس، فخطر ~~له أن يصعد إليه ويخبره عن سبب إرسال خادمه له في طلبه، وكانت الساعة الحادية عشرة مساء ~~وقد أقفرت الطرق وهدأ الليل، فلما صار تجاه بيت صاحبه إذا به يرى شبحا يمشي في الطريق ~~ملتفا بعباءة فظنه رجلا لأول وهلة إلا أنه لما تأمله ورأى صغر قامته علم أنه ~~امرأة، وكانت تسير وهي شاخصة إلى النوافذ في ذلك الشارع كأنها في ريب من وجهتها، ~~فتلتفت وراءها ثم تعود فتمشي، فخطر للفتى أن يلحقها فيرافقها إلى حيث تقصد، ثم رجع ~~عن قصده لعلمه أنها ذاهبة لموعد عشق، فجعل ينظر إليها ms028 وهي تسير حتى بلغت منزل أراميس فظن ~~أنها عشيقته وتوارى في زاوية الشارع، فوقفت الامرأة لدى الباب فسعلت ثم طرقت ~~الباب ثلاث طرقات، ففتح لها ودخلت، ثم أقفل وراءها، فأقام دارتانيان يحدق ببصره في ~~نوافذ البيت حتى لاح له نور في إحدى غرفه ورأى المرأة قد أخرجت من جيبها منديلا فأعطته ~~لشخص معها وهو كالمنديل الذي رآه تحت رجل أراميس، فأخذ يفكر فيما عساه أن يكون هذا ~~المنديل، ثم تحول إلى الجهة الأخرى بحيث قابل النافذة، فرأى أن الذي مع المرأة امرأة ~~مثلها تعطيها منديلا آخر كالذي كان معها، ثم خرجت ونزلت في الشارع وسارت من حيث أتت ~~فمرت بقرب دارتانيان ولم تره، فنظر إليها وإذا بها بوناسيه، فأخذ يفكر في أمرها وسبب ~~مجيئها وهو يظن أن لها صديقا حتى خطر له أن يتبعها، فسايرها حتى أدركها وهي مبهورة تلهث ~~من التعب والخوف، فألقى بيده على كتفها فوقعت إلى الأرض وقالت له وهي لا تعرفه: اقتلني فلا ~~أخبرك بشيء. فأنهضها ونظرت إليه فعرفته فصاحت: هذا أنت؟ قال: نعم، فقد بعثني الله لحراستك. ~~قالت: أفي مثل هذه الحال تتبعني؟ قال: لا والله لم يكن ذلك من عزمي سوى أن الاتفاق قيض ~~لي أن أراك تطرقين باب أحد أصحابي. قالت: وأي أصحابك تعني؟ قال: أراميس. قالت: إني ~~لم أسمع قط بهذا الاسم. قال: لا تحاولي الإنكار. قالت: والله لا أعرفه ولم آت هذا ~~البيت إلا الآن وأنا لا أدري أنه لأحد أصحابك الحراس، وفوق ذلك فإني لم أكن لآتية إلا في ~~طلب امرأة. قال: أليست من ذوي قربى أراميس، فإني أراه يسكن عندها. قالت: لا أعلم، فإن ذلك ~~سر لا قدرة لي على إفشائه، فإن شئت فرافقني إلى حيث أمضي. قال: وإلى أين تمضين؟ قالت: ~~ستعلم متى وصلنا. قال: وهل أنتظرك إلى أن تخرجي؟ قالت: لا. قال: أتخرجين وحدك؟ قالت: لا ~~أدري. قال: أنا إذن أنتظر خروجك. قالت: إذا كان ذلك من عزمك فأنا أذهب لشأني وحدي. قال: ~~وعلام دعوتني إذن؟ قالت: ms029 دعوتك رفيقا لي لا محافظا علي. قال: انطلقي بنا، فأنا على ~~ما ترومين. قالت: أتتركني عند الباب كما قلت لي؟ قال: نعم. فاستحلفته، فأقسم لها وسار ~~بها حتى بلغ شارع لاهارب، فتقدمت إلى باب هناك وشكرت دارتانيان وقالت له: اذهب، فقد ~~وصلت. قال: وكيف ترجعين؟ أما تخشين أحدا؟ قالت: لا أخشى سوى اللصوص، وأنا لا مال معي، ~~فلا خوف علي منهم. قالت: أراك قد نسيت المنديل المذهب الذي رأيته تحت رجلك فرددته ~~إليك وأنت مغشي عليك. قالت: صه وإلا هلكت. قال: أرأيت كيف أنك في خطر؟ أفلا تسمحين لي ~~بالبقاء في انتظارك وأنا أعدك بكتمان سرك. # قالت: لو كان سري لاستودعتك إياه، ولكنه سر غيري، فلا قبل لي بالإباحة به، فإياك ~~والتداخل فيه، وهذه نصيحتي لك. قال: أفأراميس أحق به مني؟ قالت: ألم أقل لك أني لا أعرفه ~~وأنت تردده، وما أظن هذا الاسم إلا حيلة استنبطتها لتقف على ما أكتم من أمري. قال: لله أنت، ~~أما والله لو فتشت قلبي لسرك ما يجول فيه من غرامك، فبثيني دخيلة سرك. قالت: ~~سرعان ما بدأت بالعشق. قال: لسرعة ما داخلني وأنا حدث لم أبلغ العشرين، ثم اعلمي أن هذا ~~المنديل قد كان سبب براز جرى لي مع أراميس، أفلا تخشين العقاب إذا أخذت وظهر ~~معك؟ قال: ماذا علي وعليه من اسمي ولقبي أولهما وهما الكاف والباء إشارة إلى كونستانس ~~بوناسيه. قال: لا، بل إشارة إلى كاميل دي بواتراسي. قالت: بالله ألا ما سكت، فإن كنت لا ~~تخشى على نفسي فخف على نفسك. قال: وما يخيفني؟ قالت: أخشى عليك عذاب السجن ووقفة الموت ~~إذا عرفوا أنك تعرفني. قال: إذن لا أدعك. قالت: نشدتك الله أن تتركني، فهذا نصف الليل ~~وأصحابي في انتظاري، ثم مدت له يدها قبلها وقال: يا ليتني لم أرك. قالت: لا تيأس ~~من رحمة الله، فعسى أن يهدأ بالي فينالك مني نصيب وأنا لك على العهد، فدعني الآن وامض ~~لشأنك. فودعها وانصرف وفتح لها الباب فدخلت. # فلما بلغ دارتانيان ms030 بيته قال له الخادم إن أتوس قد أتى إليك وأقام ينتظرك، وإذا برجال ~~الكردينال الذين هربوا منك قد هجموا عليه وأخذوه وهم يحسبونه أنت، فلم يدفعهم بل همس في ~~أذني أن سيدك أحوج إلى الإطلاق مني، أما أنا فلا يلبثون أن يخلوا سبيلي، ثم أخذه ~~اثنان منهم ولا أدري إلى أي سجن، الباستيل أم غيره، وأقام الاثنان الآخران يبحثان في متاع ~~البيت وصناديقه حتى لم يدعا شيئا مكنونا. قال: وأين برتوس وأراميس؟ قال: لم أجدهما. قال: ~~إذا حضرا فقل لهما ينتظراني في فندق كذا، فإن بيتي هذا قد أصبح مظنة بحث، وإياك أن ~~تنتقل من مكانك ولو مت. ثم انطلق دارتانيان يعدو إلى منزل دي تريفيل فقيل له إنه في ~~اللوفر، فقال في نفسه: لا بد من إخباره. ثم انطلق إلى اللوفر مسرعا ، وإذا هو برجل ~~وامرأة يمشيان أمامه، وكانت المرأة كونستانس بوناسيه والرجل يشبه أراميس وهو في لباس ~~الحراس مقنعا وجهه كأنه يريد أن لا يعرفه أحد، فثارت الغيرة في قلب دارتانيان ~~وأسرع حتى سبقهما، ثم كر راجعا عليهما ووقف في وجه الرجل يحدق به، فتأخر الرجل منه ~~عن إجفال ورهبة، فقال له دارتانيان: ظننتك أراميس. فقال: أخطأ ظنك، وأنا أعذرك. فقال: ~~وعلام تعذرني؟ قال: لأنك عارضتني ولست بصاحبك ولا شأن لك معي. قال: ولكن لي شأن مع ~~رفيقتك هذه. قال: ومن أين تعرفها؟ فقالت كونستانس: أما استحلفتك يا دارتانيان؟ فاذكر ~~اليمين لا تغدو غموسا. فقال لها رفيقها: انطلقي بنا فقد ضاع علينا الزمان. فاعترضه ~~دارتانيان ومنعه من المسير، فدفعه الرجل بيده ومر، فشهر الشاب سيفه وقابله الرجل بسيفه ~~وهما بالقتال، فحالت المرأة بينهما وقالت: لا تفعل بالله يا ميلورد. فأجفل الفتى لهذا ~~الاسم وقال: وأي ميلورد؟ فهمست في أذنه: اللورد بيكنهام. فقال دارتانيان - وقد نكس سيفه: ~~عفوا يا ميلورد، فقد ظننتك عشيقها، وأنا أحبها وأغار عليها، فهل من خدمة أبذلها لك؟ فشكره ~~اللورد وصافحه وقال له: اتبعني عن بعد، فإذا عارضني أحد فلا تبخل عليه بالسيف. قال: نعم ms031 ~~وكرامة يا مولاي. وتبعه حتى دخل اللوفر هو والامرأة من باب آخر، فتركهما وعاد إلى ~~صاحبيه، فقال لهما إنه قضى الأمر وحده، ووجد الامرأة ثم انصرف كل منهم إلى ~~منزله. # الفصل التاسع # | جورج فيليه دوق دي بيكنهام # فدخلت كونستانس باللورد إلى قصر اللوفر بدون معارض، وسارت به في دهليز طويل حتى انتهت ~~إلى باب فدفعته فانفتح فدخلت به تقوده في ظلام حالك وهي كأنها على نور؛ لمعرفتها بمخارج ~~القصر وطرقه؛ حتى انتهت إلى سلم فصعدتها، ثم مالت إلى يمينها وسارت في نفق، ثم نزلت ~~إلى دار ففتحت فيها بابا وأدخلت اللورد إلى غرفة منارة، وقالت له: أنظرني حتى أرجع ~~إليك، ثم خرجت وأوصدت الباب عليه، فأقام في تلك الغرفة بقلب يخفق لقرب اللقاء، ولا ~~أثر فيه للخوف لما تعوده من اقتحام الأخطار وخوض المهالك، ثم دنا من مرآة في ~~الحائط وأخذ يصلح من شأن ثيابه، وكان أجمل رجال عصره وأشجعهم في فرنسا وإنكلترا، وأوفرهم ~~ثروة وأوسعهم كرما وأكثرهم تقدما في الدولة؛ حتى عشقته حنة دوتريش ملكة فرنسا. وفيما ~~هو كذلك وإذا بباب ضيق قد فتح في الجدار ودخلت منه الملكة بوجه كالبدر جمالا وقد ~~كالغصن اعتدالا، يقطر من وجهها ماء الملاحة والظرف، بعينين قال الله كونا فكانتا، ~~فعولين بالألباب ما تفعل الخمر. فدهش اللورد لجمالها ولاحت له بثوب التفضل ~~أجمل وأبهى مما كان يراها عليه في مراسح اللهو والطرب، ترفل بالدمقس وبالحرير، ~~وتخطر في الحلي والجواهر. وكان عمرها يومئذ خمسا وعشرين سنة، وهي في ريع الشباب ومقتبل ~~العمر ودولة الجمال، فجثا اللورد أمامها وقبل طرف ثوبها، فأنهضته وقالت له: إنك تعلم ~~يا لورد بأني لم أكتب لك بالمجيء. قال: لا وحياتك ما دعاني إلا شدة العشق وحر الصبابة ~~ونار الشوق، وأهون بما أقاسيه في طريقي إليك عند مرآك. قالت: نعم، إني لم أفسح ~~لك في زيارتي إلا لأقول لك أن مقامك في هذه البلاد على خطر الموت لك والفضيحة لي، ولست ~~تجهل كم يحول دوننا من موانع اللقاء بين لجة ms032 البحر وتنافر الملوك وبعد النزعة وكثرة ~~الرقباء، وهو ما دعوتك لأظهره لك وأعلمك أن لا لقاء ولا اجتماع، فقال: تكلمي ~~أيتها الملكة ما شئت، فإن لين لفظك يمحو قساوة معناه، فهو كالسيف في لين ~~صفحته ومضاء حده. قالت: كأني بك قد نسيت أني لم أقل لك قط أني أحبك. قال: ~~نعم، وهو كلام يحط من وفائك في جانب عشق أنا منه بين الجنون والمنون، لم ~~تصدني عنه رهبة ولم يرهبني صد، حتى كان واحدا من يوم رأيتك أول مرة من ~~نيف وثلاث سنين، حتى إني لأقدر الآن أن أصف لك هيئة ثيابك؛ لشدة رسوخ صورتك ~~في ذهني وانطباعها على قلبي، فكأني بك وأنت لابسة ثوبا من الحرير الأخضر مطرزا ~~بالذهب، وعلى كتفيك جوهرتان وعلى رأسك قبعة موشاة، وأنا أراك الآن في ثوبك هذا أحسن ~~وأجمل من قبل. فقالت الملكة: لله ما هذا الجنون في عشق لا فائدة منه إلا ذكراه؟! قال: ~~نعم، وإنما هي ذكرى تغلو بها الأرواح إذا رخصت ويخضر منها عود الشباب إذا ذوى، بل ~~إنما هي ذكرى ألذ من ألف بشرى، وما هي إلا أثر نظرات ثلاث، أولاها ما ذكرت ~~لك والثانية عند الكونتس دي شفريز والثالثة في حديقة أميان. فقالت الملكة وقد صبغ ~~الحياء خديها: بالله يا لورد لا تذكر تلك الليلة. قال: كيف لا أذكرها وهي زهرة حياتي ~~ونضارة عمري. # رغمت بها أنف الزمان بوقفة # وإياك لا واش ولا مترقب # حيث بثثتني سرك وشكوت إلي همك ويدك في يدي وغدائرك ينشرها النسيم على وجهي، فهي ~~والله وقفة ما أظن جنة الخلد بأحسن منها، وقد تركتني وأنا أنشد: # يا ليلة سمح الزمان ببعضها # بعض السماح وليته لم يندم # وأنى لي بها ورد الفائت أيسر منها! بل نوال النجم أقرب من نوال أمثالها! فما ~~أشك والله أنك فيها كنت تحبينني. قالت: نعم، لقد كان ذلك إذ كان النسيم باردا والجو ~~صافيا والأرض بارزة في أثوابها القشب، وأنت توحي إلي من الحب آيات بينات ومن العشق ~~سورا مفصلات، ms033 ولحظك يغازلني وكفك تغمزني، وما أظن أنثى يصيبها ما أصابني ~~ولا تصبو. إلا إني لما عرفت من كلامك أنك خضعت لبعض الشيء وسولت لك نفسا أمرا ~~غلبت عزة الملك على سكرة الهوى، فاستصرخت جواري وكان ما كان. ~~قال: نعم، وهو ما زاد لي غراما فأنقصني صبرا ورفعني هياما فخفضني قدرا. ~~وأنت تحسبين أنك تفلتين مني أو تقعد بي عنك وزارة ~~الملك وعبء الأعمال ومعاناة الحكم، وأهون بها وبملوك الأرض جميعا في سبيل نظرة من ~~جمالك، فإني لم أغب عنك ثمانية أيام حتى رأيتني عائدا إليك لا أقدر على ~~الدنو منك، ولسان حالي ينشد: # لئن منعوا عني الزيارة طارقا # إليك فإني من بعيد أسلم # ولعل ذلك يحملك على بعض الرضى عني. قالت: أولا تعلم أن السعاية خالطت أمرنا ~~وأبعدت ذات بيننا فجف ثرانا ووهت عرانا وثار الكردينال بالملك فصنع بي ما صنع ~~من طرد الخاتون فرني ونفي يوتانج وفضيحة دي شفريز؟ ثم لما عزمت على الرجوع إلينا في ~~سفارة، قام الملك بنفسه يعارض في الأمر، وإنه لشأن لو تعلم عظيم. قال: نعم، وهو ما ستثور ~~به الحرب في فرنسا على قدم وساق، تطحن الهام برحاها، وتعجن بالدماء ثراها. وقد ~~رأيت أن أسمعك بذكري إذا لم أقدر على مرآك، وما ظنك بدواعي بعثة جزيرة ري وحصار روشل ~~وثورة البروتستان إن لم تكن. # لأجلك يا التي تيمت قلبي # وأنت بخيلة بالوصل عني # ولا أكذب الله أني لا أمل لي بالدخول إلى باريز دخلة فاتح شاهر سيفه، سوى ~~أني أعلم أن لا بد من أن تكون هدنة على أثر تلك الحرب، فأرسل أنا في سفارة الصلح فأنظر ~~إليك نظرة يرخص لدي في جنبها دماء رجال وأرواح أبطال تسيل على ظبى المرهفات ~~وشبا الأسنة، ولا إخال الملك عند ذلك يرفض سفارتي لأني: # أرى أن صرح المجد ليس بسالم # إذا لم يسوره بأسواره الدم # قالت: أفما تعلم أنها أفعال تعود علي بالوبال إذا عادت عليك بالهناء والسعادة؟ قال: ~~ذلك لأنك لا تحبينني، ولو فعلت لكان لي ms034 منصرف عن هذا الأمر إلى ما يكون أسلم ~~عاقبة وأهون مراسا، فوالله إن دي شفريز لأرق منك وأرحم، وقد عشقها هولاند فأجابته ~~إلى هواه، وكان بها منه مثل ما كان به منها. قالت: أتذكر أن دي شفريز لم تكن ملكة ~~يا ميلورد؟ قال: إذن ما يمنعك عني إلا رفعة مقامك حتى لو كنت دي شفريز لأجبتني، فلله ~~درك ما أحلى كلامك وأعذب معانيك، وهل في العشق ملوك أيتها الملكة؟ قالت: وا سوءتاه، ~~لقد أسأت الفهم وما هذا قصدت. قال: # قد قلت ما قلت إن صدقا وإن كذبا # فما اعتذارك من قول إذا قيلا # ولقد عذرتك غير معتذرة، وما أصنع بالدنيا بعد نفسي؟ فإني أرى حياتي ستصير في سبيل غرامك ~~إلى مصير لا ترجع أولاه على أخراه، ولا يلحق أقصاه أدناه، وإني لتنذرني نفسي بأني ~~ملاق منيتي، وعلى الدنيا بعد ذلك السلام. فقالت الملكة وقد داخلها الروع: ~~ويلاه يا لورد، ما هذا الكلام؟ قال: ليفرخ روعك، فما قصدت إرهابك، وما أنا ممن يعتقدون ~~بالأوهام والأحلام، وما ألذ الموت بعد إذ أسمعتني ما أسمعتني، فقالت: ويلاه يا ~~دوق، فقد رأيتك في منامي طريحا مخضبا بدمائك. قال: أوليس في خاصرتي اليسرى؟ قالت: نعم ~~مجروح بمدية، فمن أنبأك بحلمي، فإني لم أناج به إلا الله في صلاتي؟ قال: إنك ~~تحبينني إذن؟ قالت: أنا أحبك؟ قال: نعم أنت، ولولا ذلك ما توافق حلمانا؛ وهو دليل على ~~اتصال القلوب وامتزاج الأرواح، وما أراك إلا نادبة علي إذا صحت أحلامنا، إن كان جفنك ~~بالدموع يجود. فقالت الملكة: وا كرباه، لم أعد أطيق، فبالله ألا ما ذهبت فإني ~~ما أعلم هل أحبك أم لا، فأنشدك الله أن تذهب، فوالله لئن نفذ فيك مكروه في فرنسا بسببي ~~ما وجدت عزاء عنك ولو سلوت إلا بالجنون أو بالمنون، فارحل بحياتك عني. قال: لله أنت ~~ما أحلاك، وما ألذ عذابي فيك. فقالت: ارحل يا لورد بالله، ثم عد سفيرا أو وزيرا ~~تحفك جنودك تمنعك من أعدائك حتى لا أخشى عليك، فأراك ms035 فرحة مسرورة. قال: أحق ما ~~تقولين؟ قالت: نعم وأبيك. قال: فهل من شاهد على ذلك يحقق وقفتي معك حتى لا أعود أظن أني ~~كنت في حلم، فهل من خاتم أو سلسلة أو عقد أحمله؟ قالت: أتسافر في الحال إذا أعطيتك ما ~~تطلب؟ قال: أفعل والله. قالت: إذن فانتظرني إلى أن أعود. وذهبت ثم عادت وفي يدها ~~علبة، فأعطته إياها وقالت: خذ هذا واذكرني به. فأخذها من يدها ووقع على قدميها، فقالت: ~~لقد وعدتني بالرحيل يا لورد. قال: نعم، وأنا على وعدي، فهاتي يدك. فأعطته يدها، ~~فقبلها وهو يلتهب شوقا، فاتكأت الملكة على جاريتها أصطفانة خوفا من أن تسقط لانحلال ~~قواها، فقال لها اللورد: أراك بعد ستة أشهر إذا فسح الله في أجلي، ولو آل ذلك إلى خراب ~~الأرض. ثم خرج من حيث دخل فصادف كونستانس في الدار، فأخذته إلى خارج اللوفر. # الفصل العاشر # | بوناسيه صاحب الفندق # أما صاحب الفندق فأخذته الشرطة إلى سجن الباستيل وأدخلوه إلى مكان تحت الأرض وهم يعاملونه ~~بالقسوة والغلظة لأنه لم يكن من النبلاء، وما لبث قليلا في محبسه حتى جاءه ضابط وأمر ~~بنقله إلى غرفة الاستنطاق، فأخذه جنديان وسارا به في نفق طويل حتى أدخلاه إلى غرفة واطئة ~~فيها رجل هو المستنطق وكرسي ومائدة، فوضعاه بين يديه وخرجا، فقال له المستنطق: ما ~~اسمك؟ قال: ميشل جاك بوناسيه. قال: كم عمرك؟ قال: واحد وخمسون سنة. قال: وأين بيتك؟ قال: ~~في سكة فولوايه في العدد 1. فأخذ المستنطق يكبر عليه الأمر ويخوفه باسم الكردينال ورهبة ~~القصاص ويتوعده بالعذاب، إلى غير ذلك من أنواع التهويل والتهديد حتى داخله لذلك أشد ~~الرعب والخوف، فصار يذم في نفسه دي لابورت والساعة التي رأى فيها امرأته، ثم قال: ~~وحقك يا مولاي لست بمذنب ولا مقترف أدنى جريمة على الكردينال أو غيره. فقال له ~~المستنطق: والله لئن لم تصدقني لأفعلن بك ولأصنعن. قال: وبم أكذب يا مولاي؟ وكيف أنكر ~~ما لم أجنه ولا علم لي بأوله ولا آخره؟! قال: لم يكن من العبث ms036 سجنك، فإنك مجرم متهم ~~بخيانة عظيمة. قال: أنى أكون ذا جريمة عظيمة أو يكون لي دخل في خيانة وأنا رجل بائع لا ~~ناقة لي في الدولة ولا جمل؟ فانظر يا مولاي على من تلقي التهمة وتدبر في ~~بغيتك. فنظر إليه المستنطق طويلا ثم قال: هل لك امرأة؟ قال: نعم، وقد خطفت مني. ~~قال: ومن خطفها؟ قال: لا أدري سوى أني أظن. قال: وبم تظن؟ فارتبك الرجل بين الإقرار ~~والإنكار، ثم صمم على الإقرار، فقال: رجل طويل القامة صفاته كيت وكيت، فقال ~~المستنطق: وهل تعرف اسمه؟ قال: لا أعرفه إلا إذا رأيت وجهه ولو كان بين ألف رجل. قال: ~~أتعرفه ولو كان بين ألف رجل؟ فتلجلج لسان الرجل وعلم أنه قد سقط، فقال له ~~المستنطق: نقف الآن عند هذا الحد حتى تعرف خاطف امرأتك . قال: أنا لم أقل إني أعرفه بل ~~بالعكس ... فلم يدعه الرجل يتم كلامه حتى دعا بالجنديين وقال لهما: خذاه إلى السجن حيث كان ~~واحرصا عليه لا يفر. فخرجا به وهو يناجي ربه ويذم زمانه ويطلب الغفران عن زلته. # فأخذه الجنديان إلى السجن، وأقام المستنطق يكتب رسالة على عجل يريد أن يرسلها مع رسول ~~ينتظره. أما بوناسيه فأقام ليله ذلك لا يغمض له جفن ولا يأخذه هجوع لشدة قلقه ~~واضطرابه حتى طلع الصباح، وإذا بالمفتاح يقلقل في باب سجنه، فخفق قلبه وظن أنهم يأخذونه ~~لضرب عنقه، ثم فتح الباب وظهر المستنطق، فقال له: أنصح لك أن تقر بالحقيقة وإلا فأنت ~~هالك. قال: أقول لك كل ما أعرف بشرط أن لا تعدو إلى ما لا علم لي به. قال: أين امرأتك؟ ~~قال: قلت لك إنها خطفت. قال: نعم، ولكنها فرت من خاطفها. قال: هربت الشقية المجرمة، ~~ولم تركتموها تهرب؟ قال: وما كنت تصنع عند دارتانيان يوم خطفت؟ قال: كنت ألتمس منه أن ~~يساعدني بالبحث عليها لاعتقادي بها الخير، فأما وقد تبينت جرمها فلا ردها الله. قال: ~~وما قال لك دارتانيان؟ قال: وعدني بالمساعدة، ثم لم يلبث أن أخلف وعده ms037 وخفر ذمته. ~~قال: إنكما مذنبان أنت وإياه لأنه نفر رجال الكردينال عن امرأتك وذهب بها، وهو الآن في ~~يدنا وسأريك إياه. ثم أشار إلى الحارس بإدخال دارتانيان، فخرج ثم دخل بأتوس يقوده حتى ~~أوقفه بحضرة المستنطق، فقال له: قل يا كونت ما جرى بينك وبين هذا الرجل؟ فصاح صاحب ~~الفندق: ليس هذا دارتانيان يا مولاي. قال: ومن هو إذن؟ قال: لا أدري سوى أني رأيته مرة. ~~فسأله المستنطق عن اسمه، فقال: اسمي أتوس. قال: عجبا كيف يكون ذلك؟ فإن هذا اسم جبل. قال: ~~هو اسمي الذي أعرف به بين الناس. قال: وكيف تقول إنك تدعى دارتانيان؟ قال: إني لم أقل ~~شيئا، فإنهم قالوا لي: أنت دارتانيان؟ فقلت لهم: أتظنون ذلك؟ فلم يلتفتوا إلى قولي، بل ~~قادوني فسرت معهم. قال: ما أراك إلا تحاول الإنكار، وما اسمك إلا دارتانيان. قال: إذن لا ~~لوم على الشرطة ما دمت أنت تقول ذلك. فقال بوناسيه: إنه ليس دارتانيان يا مولاي، فإن ~~دارتانيان نازل في داري، وهو فتى لا يبلغ العشرين من العمر، وفوق ذلك فإن دارتانيان في حرس ~~دي زيسار وهذا من حراس الملك، أفما ترى ثيابه؟ قال: صدقت، وما أنا إلا مغرور. ثم فتح ~~الباب ودخل رسول فأعطى المستنطق رسالة فقرأها، ثم قال: تعسا لها. فقال صاحب الفندق: ~~لعلها غير امرأتي؟ قال: بل هي بعينها فأبشر بالعذاب. قال: كيف ذلك يا مولاي؟ وكيف أكون ~~معلقا بامرأتي تلحقني جرائمها وأنا بعيد عنها في السجن؟ قال: ذلك لأنك أنت مرشدها وآمرها ~~بكل ما تفعل. قال: لا والذي أسأله صلاحك يا مولاي لا علم لي بشيء مما تقول ولا بما تفعل ~~امرأتي، وتبا لها إن كانت مذنبة. فقال له أتوس - وقد أخذه الملل: لقد طال بنا الأمر وسئمت ~~من هذا الجدال، فابعثني من هنا فما لك قبلي حاجة. فنادى المستنطق بالحراس وأمرهم أن ~~يأخذوا الأسيرين ويضيقوا عليهما ما أمكن. فأخذوا كلا إلى سجنه، وأقام صاحب الفندق ~~سحابة يومه يندب نفسه ندب الثكلى حتى هبط الليل وأخذه ms038 النعاس، وإذا بخفق ~~نعال يدنو منه، ثم فتح الباب ودخل عليه عدة حراس، وقال له أحدهم: اتبعني. فقال: ~~إلى أين أتبعك في مثل هذه الساعة؟ قال: إلى حيث أمرنا بأخذك. فقال: هلكت والله لا خلاص ~~لي بعدها. ثم تبع الحراس في النفق الذي دخلوا منه حتى انتهى إلى الباب، فوجد عربة حولها ~~أربعة من الفرسان، فأصعده الحراس إليها وجلس معه الذي كلمه، وأقفل بابها بالمفتاح، وسارت ~~العربة بهما على مهل، وبوناسيه ينظر من نافذة فيها إلى الشوارع، وكلما قرب من سجن أو مكان ~~عقاب ارتعدت فرائصه وخفق قلبه واستعد للقاء ربه، حتى بلغت به بون أنفان، فوضع الموت بين ~~عينيه ووقفت العربة، فأخرجوه منها مغشيا عليه. # الفصل الحادي عشر # | الكونت روشفور خصم دارتانيان # فلما أدخلوه في الباب أفاق لنفسه قليلا، فصعدوا به سلما ووضعوه في غرفة وهو لا يكاد ~~يعي من شدة الجزع، ثم نظر حوله فلم ير شيئا من دواعي الموت، فارتاح باله وهدأ قلبه؛ ~~إذ رأى الغرفة مفروشة بأحسن الفرش ومزينة بأبهى الأثاث، وفيما هو كذلك إذ دخل عليه ضابط ~~فقال له: أنت المسمى بوناسيه؟ قال: نعم. فأخذه بيده وأدخله إلى غرفة لا تكاد جدرانها ~~تظهر من كثرة ما علق عليها من السلاح، وفي وسطها مائدة عليها كثير من الأوراق والكتب ~~وفي جملتها رسم مدينة روشل، وكان يصطلي على نار فيها رجل طويل القامة مهيب المنظر لا يكاد ~~يتجاوز السادسة والثلاثين، ويظهر من هيئته وهو أعزل أنه من رجال الحرب، وفي رجله حذاء ~~يعلوه الغبار كأن صاحبه آت من سفر بعيد. وكان ذلك الرجل أرماند جاك دي بليسيس كردينال دي ~~ريشيليه بطل فرنسا وسياسيها الفرد، وكان عند ذلك قد ثبت الدوق دي نيفر في ولاية مانتو وأخذ ~~نيم وكاستر وإيزي ويعمل على طرد الإنكليز من جزيرة ري ويحاصر روشل. # وكان الكردينال في لباسه ذلك بعيدا عن أن يعرفه من لم يكن قد رآه، فجعل ينظر إلى بوناسيه ~~نظرة المتأمل، ثم قال للضابط: أهذا بوناسيه؟ قال: نعم يا مولاي. ms039 قال: فأعطني هذه الأوراق ~~واخرج. ففعل الضابط وخرج، ونظر بوناسيه إلى الأوراق فعرف أنها تحتوي على استنطاقه في سجن ~~الباستيل، وكان الكردينال بين ذلك يصعد نظره فيه ويصوبه حتى قال له: أنت متهم ~~بجناية عظيمة. قال: ذلك ما قيل لي يا مولاي، وأنا والله لا علم لي بشيء. قال: إنك مواطئ ~~لامرأتك وللخاتون دي شفريز وللورد بيكنهام. قال: لا والله يا مولاي لا أعرف من هؤلاء ~~الأشخاص إلا أسماءهم؛ إذ قد سمعت بهم كثيرا. قال: ممن سمعت؟ قال: من امرأتي، فإنها كانت ~~تقول أن الكردينال قد احتال في مجيء بيكنهام إلى باريز ليقتله ويلحق الملكة به، أما أنا ~~فكنت أزجرها وأقول لها أن الكردينال أبعد من أن يتهم بمثل ذلك. قال: أوتعلم من خطف ~~امرأتك؟ قال: كنت اتهمت رجلا، ثم لم رأيت المستنطق يستاء لتهمتي عدلت عنها. فتبسم ~~الكردينال وقال: أما علمت أن امرأتك قد فرت؟ قال: نعم علمت ذلك وأنا في السجن. قال: وهل ~~تعلم ما جرى لامرأتك بعد فرارها؟ قال: لا، ولكني أظن أنها عادت إلى اللوفر جريا على ~~عادتها. قال: لا، فقد ساء ظنك. قال: ويلاه، وما صنعت؟ قال: ستعلم ذلك من الكردينال، فإنه لا ~~تكاد تخفى عليه خافية. قال: وهل ترى الكردينال يتفضل علي بذلك؟ قال: قد يكون على شرط ~~أن تقر بكل ما تعلمه من العلائق بين دي شفريز وامرأتك. قال: إني لا أعرفها ولا علم لي ~~بشيء من ذلك. قال: لما كنت تذهب فتأتي بامرأتك من اللوفر، هل كانت تأتي معك إلى البيت ~~توا أم تتخلف في الطريق؟ قال: لا، بل كانت تطلب مني أن أذهب بها إلى بعض البزازين ~~لتشتري ثيابا، وكان ذلك دأبها. قال: إلى كم بزاز كانت تذهب؟ قال: إلى اثنين. قال: ~~وأين يسكنان: قال: أحدهما في شارع فوجيرار عدد 25، والآخر في شارع لاهارب عدد 75. # قال: وهل كنت تدخل معها؟ قال: لا، بل كنت أنتظرها لدى الباب على حسب ما تقول لي، فقال: ~~لله درك من رجل أطوع من ثواب. ثم ms040 أخذ ناقوسا من الفضة فقرعه فدخل ~~الضابط، فقال له: علي بروشفور في الحال. قال: هو في الباب يا مولاي يستأذنك بالدخول. ثم ~~خرج ودخل روشفور، فلما رآه بوناسيه صاح: هو هذا يا مولاي. قال: ومن تعني؟ قال: الذي خطف ~~مني امرأتي. قال: صه يا رجل. ثم قال: خذوه واحفظوه حتى أدعوه. فأخذوه وهو يصيح: ~~لا يا مولاي فقد غلطت، فليس هذا، فإنه رجل شريف. قال: خذوه. فأخذوه وأقفلوا الباب، فدنا ~~روشفور من الكردينال وقال: لقد تقابلا. قال: من؟ قال: هو وهي. قال: الملكة واللورد تعني؟ ~~قال: نعم. قال: وأين؟ قال: في اللوفر. قال: هل أنت واثق مما تقول؟ قال: نعم، وقد أخبرتني ~~الخاتون دي لانوي المخلصة لك يا مولاي. قال: ولم لم تسبق في الإخبار؟ قال: لأن الملكة قد ~~أمسكتها عندها كل ذلك النهار. قال: كيف كانت القصة؟ ومتى؟ قال: بعد منتصف الليل بينا ~~كانت الملكة جالسة بين نسائها ورد عليها منديل من خادمتها فأخذته وهي تحمر ~~وتصفر، ثم نهضت وقالت: أنظرنني قليلا. وخرجت من باب غرفتها. قال: ولم لم ~~تخبرك دي لانوي على أثر ذلك؟ قال: لأنها لم تكن عالمة بالأمر، واضطرت إلى أن تطيع أمر ~~الملكة بالانتظار. قال: وكم غابت الملكة؟ قال: ثلاثة أرباع ساعة، ولم يكن معها إلا الدونة ~~أصطفانة، ثم عادت فأخذت علبة حمراء وخرجت ثم رجعت بدونها. قال: أولم تعلم ما كان في ~~العلبة؟ قال: العقد الماس الذي هاداها به الملك، وقد تأكدت ذلك دي لانوي إذ سألتها عنه ~~بعد برهة فاحمر وجهها وزعمت أنه انكسر منه فص فأرسلته إلى صائغها ليصلحه، ثم ~~سألت الصائغ عنه فأنكره. قال: أفلا تعلم مقر دي شفريز واللورد بيكنهام؟ قال: لا يا مولاي، ~~فقد بحثت عنهما كثيرا فلم أجد لهما أثرا. قال: أنا أعلم أين هما، أحدهما في شارع فوجيرار ~~عدد 25، والآخر في شارع لاهارب عدد 75. قال: ألا يأمر مولاي بالقبض عليهما؟ قال: ما إخالهما ~~باقيين هنا، وما أظنهما إلا رحلا، ومع ذلك فخذ عشرة من رجالك وابحث في ms041 المنزلين. قال: ~~سمعا وطاعة. ثم سلم وخرج. # فلما خلا الكردينال قرع الجرس فدخل عليه الضابط، فأمره بإدخال بوناسيه فأدخله، فقال له ~~الكردينال: لقد خدعتني يا رجل. قال: حاشا أن أخدع مولاي. قال: كنت تقول لي أن امرأتك تذهب ~~إلى البزازين وهي تذهب إلى بيكنهام ودي شفريز. قال: صدقت يا مولاي، فقد تذكرت، ولقد كنت ~~أعجب منها كيف تدخل إلى بيوت لا علامة فيها للثياب وهي تضحك مني، فلله درك يا مولاي من ~~حاذق خبير. # فطن يكاد يقول عما في غد # ببديهة أغنته أن يتفكرا # ثم أكب على رجلي الكردينال يقبلهما، فأنهضه الكردينال وقال: قم يا بني ~~ولا تخف. فأكبر بوناسيه ذلك كيف أن الكردينال يقول له يا بني وينهضه بيده، فأخذ ~~يردد عبارات الشكر والمسرة، فقال له الكردينال: أظنك مملق لا مال لك ، فخذ هذه ~~الصرة واستعن بها على أمر نفسك، ولا تؤاخذنا بما عاملناك. قال: كيف أؤاخذك يا مولاي ~~وأنت الحاكم المطلق بين الروح والجسد. # فقال: خفض عليك، فإن لك حقا علينا، فخذ هذه الصرة وامض لشأنك، وأنا سأدعوك ~~بعد ذلك إن شاء الله. فانحنى بوناسيه لدى الكردينال وخرج يهلل ويكبر ويدعو ~~للكردينال بالعز وطول البقاء، وجعل الكردينال يقول: قد ملكناه والله ببعض الدراهم، ~~ثم أخذ ينظر في رسم مدينة روشل ويخطط حصارها حتى فتح الباب ودخل روشفور، فقال له ~~الكردينال: مهيم يا بني. قال: بحثت عنهما فعلمت أنهما قد سافرا، المرأة مساء ~~أمس، والرجل صباح اليوم، بعد إذ مكث كل منهما أربعة أيام في باريز. قال: هما هما والله، ~~وقد فات الأمر وتعذر لحاقهما، فإن الدوقة دي شفريز قد أصبحت في تور واللورد في بولونيا، ~~فصار من الواجب أن نلاقيه في لندرة، ولكن إياك وإفشاء الأمر أو أن تعلم الملكة بما جرى، ~~وإنا عارفون بدخيلة أمرها حتى تظن أننا نبحث عن أمر لا علاقة له بها، وإلا فابعث لي بحراس ~~سيكوسيه. قال: وما صنعت بالرجل يا مولاي؟ قال: صرفته بعد إذ رميت العداوة بينه وبين ~~امرأته. فخرج الكونت ms042 روشفور وجلس الكردينال فكتب رسالة، ثم دعا بالحاجب فدخل، فقال له: ~~قل لخادمي فيتراي أن يتأهب للسفر. فخرج ثم دخل الخادم وهو في ثياب الرحيل، فقال له ~~الكردينال: اذهب على جناح السرعة لا تلوي على شيء حتى تصل إلى لندرة، فتضع هذه الرسالة ~~في يد ميلادي، وخذ هذه البدرة نفقة الرحيل. فأخذها وخرج. أما الرسالة فهذا نصها: # إلى ميلادي # اذهبي إلى أول رقص يحضره بيكنهام، وتلطفي في الدنو منه، وخذي من العقد الماس ~~الذي في صدره فصين بدون أن يشعر، ثم أخبريني في الحال. # الفصل الثاني عشر # | رجال القلانس ورجال السيوف # وفي اليوم الثاني من هذه الحادثة افتقد دي تريفيل أتوس فلم يجده، فسأل عنه فأخبره ~~أصحابه بما جرى له في السجن. وكان أراميس قد طلب إذنا وسافر إلى روين لأعمال تختص ~~بعائلته ، وذهب دي تريفيل يبحث عن أتوس فعلم أنه مسجون في سجن فورسيفيك وأنه لم يقر ~~بشيء يمس دارتانيان سوى أنه قال إنه لا يعرف بوناسيه ولا امرأته، بل إنه أتى صاحبه يزوره ~~عند الساعة العاشرة فلم يجده، فأقام ينتظره فأتاه الجند وأخذوه وأقر بما ذكرنا حتى ~~يئسوا منه في السجن فأرسلوه إلى الكردينال فلم يصبه في منزله لأنه كان قد ذهب إلى ~~اللوفر. أما دي تريفيل، فبعد أن علم عن أتوس ما علم ذهب إلى مقابلة الملك. # وكان الملك شديد الغيرة والحقد على الملكة في عشقها لبيكنهام، وكان الكردينال يحثه ~~على ذلك ويشير عليه بما يفعل، وكان أكبر همه مؤاخاة الملكة لدي شفريز حتى كان ذلك يشغله ~~عن أعدائه الإسبان والإنكليز ويلهيه عن ضيق الحال وقلة المال في الخزينة. وكان أول ما قاله ~~له الكردينال أن دي شفريز قد قدمت من منفاها وأقامت في باريز عدة أيام حتى توصلت إلى الملكة ~~ببعض خادماتها، وغير ذلك من هذا النحو متحاشيا له في كل حديثه ذكر بيكنهام، فثار غيظ الملك ~~لذلك وتقدم إلى باب الملكة وأهوى بيده عليه يريد فتحه، فدخل عليه دي تريفيل فارتد الملك ~~عن عزمه وعاد ms043 إليه، فقال له: لقد كثرت الشكوى على رجالك يا دي تريفيل. قال: وأنا لي شكوى ~~على رجال القلانس يا مولاي. فقطب الملك حاجبيه وقال: كيف قلت؟ قال: قلت يا مولاي إن بعض ~~رجال الشرطة الذين هم نظام الملك وعليهم مدار الأمن قد تهجموا على أحد رجالي أو رجالك ~~يا مولاي وأخذوه إلى سجن فورسيفيك، وهو رجل لا يجهله الملك أطال الله بقاءه ويدعى أتوس. ~~قال: نعم أعرفه. قال: وهو الذي بلغك عنه أنه جرح دي كاهيساك في البراز، ثم التفت إلى ~~الكردينال فقال: وعساه شفي من جرحه؟ فأجاب الكردينال وهو يعض شفته من الغيظ: ~~نعم والحمد لله. فعاد دي تريفيل إلى مخاطبة الملك فقال: وقد ذهب أتوس لزيارة صديق له من حرس ~~دي زيسار فلم يجده، وفيما هو قائم في انتظاره هجمت عليه الشرطة وقادته إلى السجن. فأشار ~~الكردينال إلى الملك إشارة معناها: كان ذلك لما أخبرته به، فقال الملك: قد عرفنا كل ذلك، ~~وإنما كان في سبيل خدمتنا. قال: ما أظن خدمتك يا مولاي تقضي بالقبض على رجل طاهر الذيل ~~وقوده مكبلا بين جم غفير من الناس إلى السجن، وهو الذي طالما بذل دمه في سبيل ~~رضاك. فقال الملك: أوكذلك جرى؟ فقال الكردينال: أرى دي تريفيل يكتم ما صنعه هذا الرجل من ~~هجومه على أربعة من رجالي وهم في مهمة بعثتهم لها. فقال دي تريفيل: أحاشيك يا مولاي ~~من الخطأ في القول والزلة في الحكاية، فإن أتوس من أحسن رجالي أدبا وكرم أخلاق، وقد ~~تغدى عندي وأقام زمانا يحادث الكونت شاليس والدوق دي ترمويل وهما في منزلي. فنظر الملك ~~إلى الكردينال نظرة المستفهم، فأجاب الكردينال: لقد أصبحنا في مشكل يا مولاي لا يفض ~~إلا بالأيمان، فقال دي تريفيل: وهل يستحق رجال القلانس حلف رجال السيوف؟ فقال ~~الملك: صه يا دي تريفيل، فقال: إذا كان سيدي الكردينال يتهم أحدا من رجالي فأنا راض ~~بمحاكمته لديه، فقال له الكردينال: إن البيت الذي جرت فيه الحادثة يسكنه أحد أصحاب رجالك. ~~قال الملك: ms044 تعني دارتانيان؟ قال: هو الذي أردت. ثم قال لدي تريفيل: أفلا تظن أنه أغرى ~~أتوس؟ قال: لا، فذلك بعيد عن الإمكان؛ إذ كيف يغري رجلا أكبر منه سنا وأوفر عقلا ~~وحزما، وفوق ذلك فإن دارتانيان قد سمر عندي. قال: عجبا، أتسمر عندك جميع الناس؟ ~~قال: أوترتاب في كلامي؟ قال: معاذ الله، ولكن في أية ساعة كان عندك؟ قال: ذلك أقدر ~~أن أقوله لأني عندما قابلته نظرت في الساعة فكانت تسعا ونصفا على حين كنت أظنها أكثر ~~من ذلك. قال: وفي أية ساعة خرج؟ قال: في الساعة العاشرة والنصف. قال: ذلك بعد الحادثة ~~بساعة، ولكن أعلم أن أتوس قد أخذ في ذلك البيت في شارع فوسوايه. قال: وهل يحظر على صديق أن ~~يزور صديقه؟ قال: نعم إذا كان بيته مشبوها، فقال الملك: أوما تعلم أنه مشبوه يا دي ~~تريفيل؟ قال: لا وحياة رأسك يا مولاي، ومع ذلك فقد يمكن أن يكون كما قال، ولكن بيت ~~دارتانيان لا أراه مشبوها وهو أخلص الخدم للملك والكردينال وأسرع الناس في خدمة المملكة. ~~فالتفت الملك إلى الكردينال فقال: أوليس هو الذي جرح جيساك؟ فاحمر الكردينال غيظا ~~وحنقا وقال: نعم يا مولاي، ثم جرح برناجو، فقال الملك: فما تصنع الآن؟ قال: ذلك يتعلق بك ~~يا مولاي إلا أني أرى الحراس مخطئين، فقال دي تريفيل: وأنا لا أراهم إلا أبرياء، وفوق ذلك ~~فإن عندنا قضاة يحكمون في الأمر. قال الملك: صدقت، فلنعرض القضية على القضاة، فقال دي ~~تريفيل: إنه يسوءني يا مولاي أن يقف الرجال الخلصاء الأمناء لدى المحاكم، فإن ذلك مما ~~يجرئ رجال الشرطة عليهم. فقال الملك وقد أخذته سورة الغضب: وما أنت والشرطة يا دي ~~تريفيل؟ انظر إلى رجالك ودع غيرك في قومه، أم تظن أن إمساك أحد الحراس يثير الحرب في ~~فرنسا؟ لا والله، بل لو أمسك منها عشرة أو مائة أو أمسكوا جميعا ما تجرأ أحد على أن ~~ينبس بكلمة. قال: إذا كان ذلك حكمك يا مولاي وإلى هذا الحد غيظك على الحراس ms045 فأنا ~~أسلمك سيفي وأعتفي من منصبي، فهو خير من أن يشكو علي الكردينال غدا فأسجن كما ~~سجن أتوس، فقال الملك: أقصر الآن. قال: لا والله، أو أن ترد لي الرجل أو ~~تأمر بمحاكمته. فقال الكردينال: صدقت فليحاكم. فقال دي تريفيل: أحسنت، وعند ذلك أستميح ~~الملك أعزه الله في الاحتجاج عنه. قال الملك: أنا أطلقه لك بشرط أن لا يكون للكردينال ~~شكاية أخرى عليه، وأن تقسم لي بأبي أن أتوس كان عندك في حين الحادثة. قال: ورحمة أبيك يا ~~مولاي وحياتك بعده، فقال الكردينال للملك: اذكر يا مولاي أنا إذا أطلقناه تخفى علينا ~~القصة. فقال دي تريفيل: إنه لا يبرح من عندي فيجيبك عن كل ما تسأله عنه، فكن في راحة من ~~هذا القبيل. قال الكردينال: أنعم عليه بالإطلاق يا مولاي فأنت رب الإنعام . # فقال دي تريفيل: لا والله، ما هذا بإنعام، وإنما هو الحق إذا سطع نوره لا يحجب ~~بالأكف ولا يطفأ بالأفواه، وإنما الإنعام والصفح لمن كان مجرما وليس أتوس في شيء من ~~الجرم. فقال الملك: وهل هو في فورسيفيك؟ فقال دي تريفيل: نعم يا مولاي، وفي مكان لا يوضع ~~فيه إلا المجرمون. فقال: وما يجب أن نصنع؟ قال الكردينال: أن تأمر بإطلاقه، وإذا احتجنا ~~إليه فإن دي تريفيل كفيله ونعم الكفيل هو. فأخذ الملك الأمر ووقع عليه، فأخذه دي ~~تريفيل وهم بالخروج، فقال الكردينال للملك: إنه ليسرني ما أرى من الغيرة في ~~رؤساء رجالك على رجالهم ونعم ذلك فعلا. قال دي تريفيل: نعم يا مولاي بحسن طالع ~~الملك ورفعة جده ودوام ملكه. ثم خرج فذهب إلى فورسيفيك فأخرج أتوس وقال له: هذا ~~ثأر جيساك فاحذر من ثأر برناجو. # ولما خلا الكردينال بالملك قال له: وجب علي الآن أن أكلمك في أمر مهم يا مولاي، فإن ~~بيكنهام قد أقام هنا خمسة أيام ولم يرحل إلا في هذا الصباح. # الفصل الثالث عشر # | الملك والملكة والكردينال # فوقع هذا الكلام في أذن الملك وقوع الصاعقة، فأخذته حدة الغيظ وسورة ~~الغيرة فقال: وما ms046 يقصد بيكنهام في مجيئه إلى هنا؟ فقال الكردينال: لا أشك في أنه آت ~~ليواطئ أعداءك الإسبان عليك يا مولاي. قال: لا، بل ليواطئ دي شفريز ودي لونكفيل ودي ~~كونده على خرق حرمتي. قال: لا يا مولاي، فإن الملكة أعف من أن ينسب إليها ~~مثل ذلك على شدة حبها لك. قال: لا وأبي، فالنساء ضعيفات يملن مع الهواء، أما حبها لي ~~فسأنظر فيه. قال: أما أنا فلا أظن مجيء بيكنهام إلا لأسباب سياسية. فقال الملك: وأنا لا ~~أراه إلا لما ذكرت لك، وإذا كانت الملكة مخطئة فويل لها. قال: ليعدل الملك ~~حفظه الله عن هذا الرأي، فإني قد سألت دي لانوي عن الملكة فقالت إنها لم تفارقها دقيقة ~~قط، وقد رأتها تبكي ليلها أجمع وصرفت نهارها في الكتابة. قال: نعم، وإنها ~~تكتب له، فلا بد لي من أن أرى أوراقها. قال: ذلك صعب المنال يا مولاي، وما أرانا نصل ~~إليه أنا أو أنت. قال: كيف لا وقد فعلنا مثل ذلك بالماريشالة دانكر، ففتشنا خزائنها ثم ~~فتشناها نفسها؟ قال: شتان دانكر والملكة، فإن تلك امرأة من بعض الخاصة وهذه حرمك يا ~~مولاي ملكة فرنسا وسيدة الدنيا. قال: لقد أنزلتها هذه المنزلة فعافتها وعقتها، ~~فسأنزل بها عن مكانها درجات يفتضح عندها عوارها، فقد ضاق صدري من أفعالها بين ~~السياسة والعشق. قال: ذلك لا أسلم لك به، وإنما أقر لها أنها تنوي حطة ملكك، ~~ومعاذ الله أن يكون في نيتها خرق حرمتك. قال: وأنا أقول لك إنها عازمة على ~~الأمرين جميعا، فإنها لا تحبني بل تحب غيري وهو اللئيم بيكنهام، فلماذا لم تقبض عليه ~~وهو في باريز؟ قال: إن ذلك يا مولاي مما لا يقال ولا يخال، فكيف تقبض على وزير ~~إنكلترا الأولى وتكون في مأمن من حرب تتدمر بها البلاد، ولا سيما إذا حملك ~~الغيظ على إنفاذ المكروه فيه، فيصبح لسان الإنكليز حينئذ وهو ينشدنا: # قتلوا كليبا ثم قالوا ارتعوا # كذبوا لقد منعوا الجياد رتوعا # قال: ليس علينا في ذلك عاقبة ولا تبعة ms047 لأنه قدم بلادنا في زي جاسوس؛ فقد كان يجب ~~... ثم أمسك عن الكلام إذ علم فظاعة الجملة، فقال له الكردينال: قد يجب ماذا؟ قال: لا ~~شيء، فهل راقبت اللورد أيام كان في باريز؟ قال: نعم، وقد كان ساكنا في شارع لاهارب عدد ~~75، وما أظن أنه جرت بينه وبين الملكة محادثة. قال: إن لم تكن فمكاتبة، وهي التي ~~شغلت الملكة سحابة يومها، فلا بد لي من أن أرى رسائلها طوعا أو كرها، وإلا فأنت ~~ذو يد في الأمر علي. قال: لقد كنت أظن نفسي يا مولاي في معزل عن مثل هذه التهمة ~~لما أني موضع ثقتك ومؤتمن سرك، أما مرامك فلا ينال إلا بطريقة. قال: وما هي؟ ~~قال: أن تنيط هذا الأمر بحارس سيكوسيه، فإن ذلك من أعماله. قال: نعم، علي به. قال: لكن ~~أخشى أن لا تطيعه الملكة لجهلها أنه آت بأمرك. قال: اذهب أنت إليه وأنا أدخل على الملكة. ~~ثم دخل، فوجدها قاعدة حزينة بين نسائها، فوقفن له جميعا، فتقدم إليها وقال: يأتيك بعد ~~قليل وزيري ريشيليه فيجري ما أمرته به. فارتاعت الملكة لذلك لأنها كانت تتوقع ~~النفي والقتل، فقالت: وما هذه الزيارة يا مولاي؟ وهل من شيء يقوله الكردينال وأنت معقول ~~عنه؟ فخرج الملك لا يرد عليها، ثم دخل الحارس فاستأذن للكردينال، ثم دخل الكردينال ~~وهو يتلون كتلون الحرباء، وكانت الملكة لم تزل واقفة، فلما رأته داخلا جلست ~~وأشارت إلى نسائها بالجلوس، ثم قالت له: ماذا تريد؟ وما أتى بك إلى هنا؟ قال: أتيت بأمر ~~الملك لأبحث في أوراقك، ولا يسوءك ذلك مني فإني مأمور. قالت: إن ذلك لا يكون أبدا، فهي ~~إهانة لي. قال: ألم يخبرك الملك قبل أن يخرج؟ قالت: فأعطه يا أصطفانة مفاتيح ~~خزائني، فأخذها وجعل يبحث في الأوراق ساعة فلم يجد شيئا، فتقدم إليها وقال: بقي ~~علي أمر وهو الأهم. قالت: وما ذاك؟ قال: تأذنين بتفتيش ثيابك، فقد بلغ الملك أنك ~~كتبت رسالة ولم ترسليها بعد، ولعلها معك. قالت: أجرأة على الدنو مني ~~يا ms048 كردينال؟ قال: العفو يا سيدتي، فما أنا إلا خادم مطيع ورسول أمين أصدع بما أؤمر، ~~وقد أمرني الملك بتفتيش ثيابك ولا يكبر عليك ذلك فإنه أمر لا بد منه. فأجفلت ~~الملكة مرتاعة ثم مدت يدها إلى صدرها فأخرجت رسالة وسلمته إياها وقالت: خذها ~~واخرج وأرحني من مرآك. فأخذها الكردينال وخرج، وسقطت الملكة بين نسائها وشيكة ~~الإغماء، وذهب الكردينال بالرسالة فبعثها إلى الملك فقرأها فوجدها موجهة إلى أخي الملكة ~~في إسبانيا تستحثه على حرب فرنسا، وأن يجعل من شروط الصلح بعثة الكردينال منها، ولم يجد ~~فيها أثرا للعشق. فدعا الملك بالكردينال فدخل، فقال له: صدقت أنت وأخطأت أنا، فليس ~~للعشق فيها أثر. فأخذ الكردينال الرسالة فقرأها ثم عاد عليها وقال: أجد أنها تغري أخاها ~~بطلبي إليه، وأنا أشير عليك بذلك أيها الملك فإني قد سئمت من حصار روشل وبرح بي همه، فلو ~~رأى الملك أن يولي مكاني أحد رجال الحرب ممن يصلحون للحصار، فما أنا إلا رجل راهب. قال: ~~عرفت من تريد، فلا بد لي من معاقبة كل من هو مذكور في هذه الرسالة حتى الملكة ~~نفسها. قال: حاشا يا مولاي أن أكون سبيلا لإيصال الأذى إلى الملكة في أمر لا يشينك، ولو ~~كان فيه شيء من الشين لكنت أول مساعد في عقابها، ولكنها أمور لا دخل للعشق فيها، فلا ~~سبيل للقصاص عليها. قال: صدقت، فقد أغلظت لها في هذا الشأن وهو دأبي مع أعدائك وأعدائي ~~يا كردينال. قال: إنها عدوتي ولكنها حليلتك يا مولاي وأحب الناس إليك كما أنك أحب ~~الناس إليها، فأذن لي أن أتوسط في الصلح بينكما. قال: ذلك لا يكون إلا إذا بدأت هي به ~~وأتت إلي. قال: لا يا مولاي، فأنت البادئ بالتهمة فعليك أن تترضاها. قال: ويحك، وأين ~~تذهب عزة الملك؟ قال: أنا ألتمس ذلك منك يا مولاي فلا تخيب طلبي. قال: وكيف السبيل ~~إلى ذلك؟ قال: إن الملكة تميل إلى الرقص، فلو أعددت لها ليلة راقصة، ولو كنت قليل ~~الرغبة في مثل ذلك، فإنه ms049 مما يزيد في إعزازك عندها ويكون لها فرصة لأن تتحلى بالعقد ~~الماس الذي هاديتها به. قال: سنرى في ذلك. وكانت الساعة الحادية عشرة قد حانت فودع ~~الكردينال وخرج. # وكانت الملكة فيما بين ذلك مفكرة مهمومة، وإذا بالملك قد دخل عليها وأعلمها بأن سيحيي ~~لها ليلة راقصة، فعجبت لذلك أشد العجب وعلمت أن في الأمر حيلة من الكردينال، فسألت ~~الملك: متى تكون الليلة؟ فأجابها أنه سيكلم الكردينال ~~في تحديدها. ولم يمض على ذلك ثمانية أيام حتى ورد على الكردينال رسالة من لندرة فيها: # لقد حصلت عليهما، ولكني لا أقدر أن أسافر لقلة المال في يدي، فأرسل لي خمسمائة ~~دينار، وبعد وصولها لي بخمسة أيام أكون في باريز. # وفي ذلك اليوم سأله الملك: متى تكون ليلة الرقص؟ فحسب الكردينال أيام ذهاب المال إليها ~~وأيام مجيئها إلى باريز فوجد أنه لا بد لذلك من عشرة أيام، فقال: نجعلها بعد اثني عشر ~~يوما، ولكن على شرط أن تتحلى الملكة بالعقد الماس. # الفصل الرابع عشر # | في تداخل كونستانس بوناسيه # فأوجس الملك في نفسه أمرا من نحو الملكة إذ سمع الكردينال يشدد عليه بأن تلبس الملكة ~~العقد، وقال: إن في الأمر شيئا ستكشفه لنا الأيام. ثم ذهب إلى الملكة فعرض عليها ~~الأمر فلم تجب وأخذت في البكاء، فشدد عليها، فقالت: لماذا تكتمني أمرك يا مولاي؟ ~~فماذا صنعت؟ وأي جرم اجترحت؟ وما أرى غضبك هذا ناتجا عن رسالة كتبتها إلى أخي، ~~فقال لها: إنها ستكون ليلة راقصة بعد قليل، وأنا أحب أن تحتفلي لها وتلبسي العقد الماس ~~الذي أهديتك إياه يوم العيد، أتسمعين ما أقول؟ فارتعدت فرائص الملكة وظنت أن للملك ~~إلماما بأمرها، فاصفر وجهها اصفرارا شديدا وقالت: نعم. قال: أتحضرين الرقص؟ قالت: ~~نعم. قال: وأنت لابسة العقد؟ فزاد اصفرارها واشتد رعبها وقالت: نعم. ومتى يكون ذلك؟ ~~قال: لا أعلم، وسأسأل الكردينال. قالت: أظن أن الكردينال هو الآمر بذلك؟ قال: نعم، وما ~~عليك كان هو أو أنا؟ أتستائين لذلك؟ قالت: لا. قال: فافعلي ما قلت. وخرج، فوقعت ms050 الملكة ~~على ركبتيها تبكي وتقول: واكرباه، هلكت والله. وإذا بصوت من ورائها يقول: ألا أقدر ~~أن أفيدك في بعض الشيء يا سيدتي؟ فالتفتت الملكة مذعورة فوجدت في ملتقى البابين ~~امرأة صاحب الفندق بوناسيه، وكانت قد سمعت ما دار بينها وبين الملك، فعقبت المرأة ~~قائلة: لا تخافي أيتها الملكة، فأنا أسعى في سبيل خلاصك، فقالت الملكة: وهل أقدر أن أسترسل ~~إليك؟ قالت: نعم، والله على ما أقول شهيد، ولا بد من أن أرد إليك ذلك العقد. ~~قالت: ومن لي به ودونه خرط القتاد. قالت: نبعث رسولا إلى اللورد. قالت: وإلى من ~~أسلم سري؟ قالت: أنا أسعى لك في رجل يذهب في هذه البعثة. قالت: أرى أن ذلك لا يكون إلا ~~برسالة مني. قالت: ذلك لا بد منه، ولا يزيد عن سطرين توقعين عليهما بخاتمك . قالت: هو ~~ذلك، ولكن ألا تدرين أن هذين السطرين تتوقف عليهما حياتي وشرفي؟ قالت: ذلك إذا رآهما أعداؤك ~~اللئام، وأنا زعيمة لك بإيصال كتابك إلى صاحبه، وثقي بقولي فإن حياتي مبذولة دون وصول ~~أدنى أذى إليك. قالت: ومن عساه يكون الرسول؟ قالت: زوجي، وقد خرج من السجن قريبا ولم أره ~~بعد، وهو رجل بسيط القلب يمضي فيما أرسمه له ولا يعلم ما يحمله. قالت: بارك الله فيك ~~يا بنية، فإنك بذلك تخلصين عرضي من العار وحياتي من الموت. قالت: ليس لي في ذلك ~~فضل خلاص، وإنما هو فضل جزاء للظالمين، فأسرعي في الرسالة. فقامت الملكة مسرعة فكتبت الكتاب ~~وختمته وأعطته للامرأة وقالت: ينقصنا الآن شيء واحد وهو المال؟ قالت: صدقت، فإن زوجي رجل ~~فقير، ولكن ننظر في ذلك. قالت: مكانك فقد فتح علي أمر، ثم قامت إلى خزائنها ~~فأخرجت خاتما ثمينا وقالت: خذي هذا الخاتم فهو ملكي لا يعارضني فيه أحد، بعثه لي أخي ~~ملك إسبانيا، فبيعيه ويسافر زوجك بثمنه، ولا تنسي أن العنوان: «الدوق بيكنهام في لوندرة.» ~~فقبلت الامرأة يد الملكة وخرجت إلى البيت فوجدت زوجها وحده قائما في انتظارها، ~~فجالت وساوسها في تسليمه السر وترددت، ms051 ثم خطر لها أنه بخيل يحب المال فطمعته فيه وقالت ~~له: إن لدي أمرا مهما أريد أن أبثك إياه. قال: وما ذاك، وعساه أن لا يفضي إلى ~~عودتي إلى السجن حيث كنت؟ قال: لا، بل هو أمر نثري منه ثروة عظيمة ويكون لك من ورائه ما ~~يبلغ الألف دينار. قال: نعم، فما ذاك؟ قالت: تذهب إلى لندرة في رسالة تؤديها إلى أحد ~~رجالها. قال: إنني لا شأن لي في لندرة، فما يذهب بي إليها. قالت: إن لغيرك فيها شأنا. قال: ~~إذن لا أذهب أو تخبريني باسم المرسل والمرسل إليه، فإني لم أعد ممن يخبطون في أمورهم ~~خبط عشواء بعد إذ أوصاني الكردينال. قالت: وهل رآك الكردينال، ويحك؟ قال: نعم، ~~دعا بي إليه من السجن ودعاني بصاحبه، فأنا الآن صاحب الكردينال. قالت: قد أخطأت في مصاحبتك ~~رجلا توجد يد فوق يده. قال: لا أصاحب سواه، فأنا خادمه الأمين ولا أفسح لك بالقيام في ~~أمر يخالف صالح المملكة. قالت: أنت كردينالي إذن وضد الملكة؟ قال: لا، بل أنا مع من لا ~~غاية له إلا صالح الدولة. قالت: ويلك، وهل تعرف ما هي الدولة وما هو صلاحها؟ فاطرح عنك هذه ~~الأوهام واسع فيما فيه صلاحك. فضرب بيده على صرة المال وقال: ويحك، ما هذا؟ أليس ~~هذا الصلاح؟ قالت: وأنى لك ذلك؟ قال: من الكردينال والكونت دي روشفور. قالت: تصاحب ~~روشفور وهو الذي خطفني؟ قالت: أولم تقولي لي إن لاختطافك أمرا سياسيا؟ قالت: نعم، ولقد ~~كان القصد منه أن أخون الملكة وأعبث بشرفها، فاذهب لعنة الله عليك من خائن يتبع الشيطان ~~حبا للمال. قال: ليس ذلك الشيطان، وإنما هو الكردينال. قالت: هما واحد عليهما لعنة الله. ~~قال: وماذا تريدين مني الآن؟ قال: تذهب فيما رسمت لك. قال: أرى أن لندرة تبعد كثيرا عن ~~باريز، وما أنا كفوء لهذا الأمر على شدة الخطر فيه، ولقد أدبني السجن عن كل دخيلة، وقد ~~ذقت فيه الموت ألوانا، وهل يشتهي الموت من ذاقه؟ فإليك عني يرحمك الله، فما ms052 أنا ~~بصاحبها. قالت: أولا تعلم أنكم إذا عصيت أعيدك إلى ما تخشى منه بأمر الملكة؟ قال: ~~إذا فعلت ذلك فأنا أشكو أمري إلى الكردينال. # ثم خطر بباله قول روشفور له أن استطلع سر امرأتك، فقال لها: ألا تقولين لي ماذا ~~أصنع في لندرة وما الغرض من ذهابي إليها؟ قالت: إن لذلك سرا لا ينبغي أن تعرفه سوى أني ~~قلت لك أن لك منه فائدة. فجال عند ذلك في خاطره أن يذهب إلى الكونت روشفور فيقص عليه أمر ~~الرسالة إلى لندرة وأنها من الملكة، فيكون له من ذلك جزاء، فقال لها: أنا خارج الآن لموعد ~~ضربته وسأعود بعد قليل. ثم خرج، وأقامت تندب نفسها وإخفاق مسعاها وخجلها من الملكة، وإذا ~~بصوت يقول لها: من السقف: افتحي لي لأنزل إليك، فالتفتت الامرأة فرأت دارتانيان. # الفصل الخامس عشر # | العشيق والقرين # ففتحت له كونستانس الباب، فدخل وهو يقول: لله ما أبلد زوجك. قالت: وهل سمعت ما دار ~~بيننا؟ قال: لم تفتني منه كلمة. قالت: وكيف تسنى لك ذلك؟ قال: من شق في السقف ~~أسمع منه وأرى، وبه سمعت ما جرى لك مع شرطة الكردينال. قالت: وعلام وقفت من أمرنا؟ ~~قال: على شيء كثير، منه أن زوجك رجل بليد بارد وهو ما أسر له، وأنك حائرة في أمر وهو ~~ما كنت أتمناه ذريعة لبعض الخدمة لك ولو كان دونها ذهاب نفسي، وأن الملكة في حاجة إلى رجل ~~شجاع يذهب في رسالة لها إلى لندرة، وإني ذلك الرجل. قالت: وهل تصدقني الخدمة إذا ~~سلمتك سري؟ قال: إي وحياتك، وحياة أشواقي إليك وتربة صبري الجميل فيك. فقالت وقد ~~تنهدت: ويلاه، وكيف أبوح لك بالسر وأنت غلام حدث؟ قال: أفتريدين من يشهد لك بي؟ ~~قالت: نعم وهو أقرب للثقة فيك. قال: أتعرفين أتوس وبرتوس وأراميس؟ قالت: لا، فممن هم؟ قال: ~~من حراس الملك، وقائدهم دي تريفيل، أفما تعرفينه؟ قالت: بلى سمعت به. قال: فاستوصي إليه ~~بسرك فإنه رجل قوي أمين. قالت: إن سري ليس لي فأبوح به. قال: ms053 وكيف بحت به لزوجك؟ قالت: ~~إنه مغفل لا يدري ما يسمع. قال: أفما ترين بي الثقة لسرك في الذي تطلبينه مني؟ قالت: ~~نعم، فإني أراك شجاعا أمينا كريم النبعتين نبيل الحسب. قال: وأزيدك على ذلك أني عاشق لك، ~~وأنت أدرى بفعل من طب لمن حب. قالت: أقسم لك بالله أنك إذا خنتني وأفشيت ~~سري أقتل نفسي وأتهمك بقتلي. قال: وأنا أقسم لك أن موتي أدنى إلي من أن أبوح بكلمة من ~~سرك، وإني ممن يقول وأكتم السر فيه ضربة العنق. قالت: أبلغت، فاسمع. وقصت عليه ~~القصة من أولها إلى آخرها، فازدهى الفتى كبرا ~~وتيها وقال: أنا لها والله، وأسافر الآن. قالت: ألا تذكر أن لك قائدا تطيعه؟ قال: نعم، ~~فقد أنسيتني ذلك، فأنا أستأذنه ويكون وسيطي في ذلك دي تريفيل فهو صهر قائدي دي زيسار. قالت: ~~وهل في يدك مال؟ قال: لا. فقامت إلى الخزانة وأخذت الصرة التي جاء بها زوجها وقالت له: ~~خذ هذه واستعن بها على نفقة الرحيل. قال: تبارك الله، قد استعنا على الكردينال ~~بماله. قالت: نعم، وذلك دأب العادل في الظالم. ثم أنصتت وقالت - وقد أخذتها الرعدة: ~~إني أسمع كلاما في الطريق وهو صوت زوجي. فوثب الفتى إلى بابه السري وقال: لا تفتحي حتى ~~أصعد. قالت: وأنا فما أصنع إذا وجدني هنا ولم يجد الصرة؟ قال: فاخرجي من البيت. ~~قالت: إذا خرجت يراني. قال: فتعالي إلى بيتي ولا تتماهلي. ثم أخذ بيدها وصعد بها إلى ~~منزله وأوصد الباب ووقف وإياها في النافذة ينظر من خصاصها، فرأى زوجها مقبلا ومعه رجل ~~متدثر برداء، فما هو إلا أن رآه حتى شهر سيفه ووثب إلى الباب، فقالت: ما بالك؟ قال: هذا ~~خصمي وقد حلفت أن أقتله. قالت: بحياتي عليك لا تفعل، فليس الآن وقت القتال. قال: صدقت. ~~وعاد إلى النافذة فوجد الرجل قد دخل البيت والتفت إلى صاحبه وقال: لقد ذهبت امرأتي إلى ~~اللوفر. قال: وهل أنت في ثقة من أنها جاهلة سبب خروجك؟ قال: لا أعلم. قال: وهل ms054 ضيفك في ~~بيته؟ قال: لا، فإن الباب مقفل وخادمه غائب. قال: لا بأس من أن تطرق الباب لنكون في مأمن من ~~وجوده. قال: نعم. وصعد السلم فطرق الباب، فلبث الفتى والامرأة لا يتحركان، فقال زوجها ~~للرجل: إنه غائب عن بيته. قال: حسن، فلندخل إلى دارك. فقالت كونستانس لدارتانيان: إذن ~~يخفى علينا كلامهما فلا نسمع. قال: لا بل نسمع كما لو كنا بينهما. ثم قادها بيدها ~~إلى ثقب وأكبا عليه يسمعان، فقال صاحب الرداء لزوجها: هل أنت في مأمن من أن يسمعنا أحد؟ ~~قال: نعم. قال: وهل أنت في ثقة من أنها ذهبت إلى اللوفر؟ قال: نعم. قال: إن لذلك عندي أهمية ~~كبرى. قال: كما أن للخبر الذي أخبرتك به جائزة عظمى. قال: اتكل علي في ذلك، ولكن ألا ~~تذكر أنك سمعت من امرأتك بعض الأسماء مثل دي شفريز وبيكنهام وغيرهما؟ قال: لا، لم تقل لي ~~إلا أن أذهب إلى لندرة برسالة مهمة. فاغتاظت لذلك امرأته وجعلت تحرق الأرم، ثم ~~همت بالكلام فمنعها دارتانيان وقال: اسمعي. فقال له الرجل: لو استرسلت معها إلى النهاية ~~فأخذت الرسالة لكانت لك صلة حسنة. قال: ذلك لم يفت، وسأحصل عليه. قال: كيف تصنع؟ قال: ~~أذهب إلى اللوفر فأخدعها وآخذها منها وأعود بها إلى الكردينال. قال: أنت وذاك، ونعم ما ~~تفعل. ثم خرج وعمد الرجل إلى الخزانة يطلب الصرة فلم يجدها، فطار عقله وأخذ يندب ~~ويصيح، ثم خرج إلى الطريق وهو يستغيث ويسأل المارة عن السارق، فقالت كونستانس ~~لدارتانيان: الآن فاصنع ما قلت لك وابذل فيه غاية الجهد؛ فإن ذلك خدمة للملكة. قال: وخدمة ~~لحبك أيضا. ثم التف بعباءة له وتقلد سيفه وخرج، وأتبعته كونستانس نظرها إلى أن ~~غاب، فجثت على ركبتيها وهي تقول: اللهم احفظ الملكة واحفظني بقدرتك يا أرحم ~~الراحمين. # الفصل السادس عشر # | تدبير السفر # فذهب دارتانيان توا إلى دي تريفيل ودخل عليه وهو يساور نفسه بين أن يبوح بالسر أو ~~يكتمه، حتى عزم على الإقرار لعلمه أنه من حزب الملكة وأعداء الكردينال، فلما ms055 رآه دي تريفيل ~~قال: ما وراءك يا بني؟ قال: أمر مهم يتعلق بمقام الملكة وعليه تتوقف حياتها وشرفها، ~~وهو سر أسعدني الحظ بالوقوف عليه. قال: ألك هو أم لغيرك؟ قال: لا، بل للملكة، وقد شدد ~~علي بكتمانه، إلا أني لما رأيت أن لا فائدة لي منه بدونك رأيت أن أطلعك عليه وأنا في ~~ثقة من كتمانك له. قال: إياك والإفشاء لي أو لغيري، بل قل ما تريد. قال: رخصة من دي زيسار ~~إلي خمسة عشر يوما تكون بداءتها من هذه الليلة في سفر إلى لندره، يعارضني فيه الكردينال ~~أشد المعارضة. قال: أوحدك ترحل؟ قال: نعم، وما علي إذا ذهبت وحدي؟ قال: أخشى ~~عليك القتل وافتضاح الأمر، فينبغي أن تكونوا أربعة ليسلم منكم واحد على الأقل. قال: ~~نعم، ولكن أنت تعلم أن أتوس وبرتوس وأراميس لا بد من أن يعلموا بالسر، فقد تعاقدنا على ~~أن لا يكتم أحدنا الآخر شيئا. قال: لا تخف، فأنا أقول لهم إنك ذاهب في أمر خطير وفي ~~ذلك مقنع لهم، وأرخص لأتوس بالذهاب للاستحمام في مياه فورج للشفاء من جرحه ~~ولرفيقيه بالذهاب معه؛ وبتلك الحجة يتسهل رحيلكم معا، فاذهب الليلة إلى أصحابك ~~وأخبرهم، ثم هل معك مال يكفيك؟ فأراه دارتانيان الصرة، فقال: وكم فيها؟ قال: ثلاثمائة ~~دينار. قال: تكفي، فاذهب على الطائر الميمون. فودعه دارتانيان وذهب إلى بيت أراميس فوجده ~~في منزله، فجلس إليه يحادثه، وإذا بخادم دي تريفيل قد دخل عليهما وأعطى أراميس صرة ~~مختومة، فقال له: ما هذا؟ قال: رخصة السفر يا مولاي، فقال: وأي رخصة سفر؟ فقال له ~~دارتانيان: خذ من جذع ما أعطاك ولا تقل كيف ذاك. ثم أخرج دينارا فألقاه إلى ~~الخادم وقال له: أقرئ سيدك السلام. # فلما خرج الخادم قال أراميس: ما معنى ذلك يا دارتانيان؟ قال: تهيأ لسفر خمسة عشر يوما ~~واتبعني. قال: لا أقدر أن أترك باريز قبل أن أعلم ما جرى ... فقال دارتانيان: بالامرأة ذات ~~المنديل. فاصفر أراميس لذلك وقال: من أخبرك أن عندي امرأة؟ قال: رأيتها. ms056 قال: ~~أتعرفها؟ قال: أظن أني أعرفها. قال: وهل تعرف ما جرى لها؟ قال: سافرت إلى تور. قال: وكيف ~~لم تخبرني؟ قال: خشيت من أن يصيبها محذور فذهبت خفية. قال: وهل تعرف سبب مجيئها ~~إلى باريز؟ قال: نعم، وهو سبب سفرنا الآن إلى لندرة. قال: وما ذاك؟ قال: ستعلمه، والآن فقم ~~بنا إلى أتوس وقل لخادمك بازين أن يتبعنا فقد يكون لنا به حاجة. فدعا أراميس بخادمه وأمره ~~بأن يلاقيه عند أتوس، ثم لبس عباءته وتقلد سيفه وغداراته الثلاث وخرج. فلما صارا ~~في السكة قال لدارتانيان: هل ذكرت هذه الامرأة لأحد؟ قال: لا، والله لم تسمع بذكرها ~~غير أذني ولم يجر اسمها على لساني قط. قال: نعم ما فعلت. ثم دخلا على أتوس ~~فوجداه جالسا وفي يده جواز السفر وهو يقلبه في كفه حائرا ، فقال لدارتانيان: لقد حرت ~~في هذه الرقعة ولم أدر لها معنى، فأخذها دارتانيان وقرأ: # أيها الصديق أتوس. قد رأيت أن أراعي صحتك بأن أسمح لك بالاستقالة خمسة عشر يوما ~~تذهب فيها إلى مياه فورج أو غيرها من المياه النافعة. والسلام عليك. # من صديقك # دي تريفيل # ثم قال: معناها أن تتبعني إلى حيث أذهب. قال: إلى مياه فورج؟ قال: نعم، وإلى غيرها في ~~خدمة الملكة. وفيما هو يتكلم دخل بورتوس وهو يقول: لم أسمع قط من يوم دخلت في جملة ~~الحراس أنه تعطى رخصة لأحد من غير أن يطلبها. فقال له دارتانيان: ولكن لا ينبغي أن ~~تعجب إذا طلبها له أصحابه. قال: إني أرى في ذلك سرا. قال: نعم، وهو أن تذهب إلى ~~لندره. قال: وما معنى ذلك؟ قال: إنه سر لا يد لي في إفشائه، فاتبعوني يحببكم ~~الله. فقالوا: ومن أين لنا المال ونحن صفر من الدراهم؟ قال: ذلك علي، ثم طرح ~~الصرة بين أيديهم وقال: نقتسمها، فهي تكفينا لأنا لا نصل كلنا إلى لندرة على ما ~~أظن. قالوا: ولم ذلك؟ قال: قد يمكن أن يتخلف بعضنا في الطريق. قالوا: تلك إذن غزوة؟ ~~قال: نعم، غزوة شديدة ms057 الخطر ولا تؤاخذوني إذا كتمتكم أسبابها إلى أجل مسمى. قالوا: ~~رضينا، وتلك عاداتنا في بيع أرواحنا، فقالوا: أسرعوا يا قوم، فالزمان قصير. فنادى الأربعة ~~غلمانهم وقالوا لهم: أسرجوا الخيول وانتظرونا على باب دي تريفيل. فمضى الغلمان فيما ~~أمروا به، وأقام الموالي يتشاورون كيف يذهبون، فقال بعضهم: ننصرف تباعا. وقال بعضهم: ~~يذهب كل منا في طريق ونتخازم في كاله، فقال دارتانيان: أخطأتم يا قوم، فإن بعثتنا في كتاب ~~نوصله إلى لندرة ولا نقدر أن نجعل له نسخا أربعا لأنه مختوم بختم خاص لا وصول لنا إليه، ~~ولكننا نذهب معا. قالوا: صدقت، وسنعتاض عن مياه فورج بمياه المانش ولا نقر ~~بوجهتنا، ولو ذهبت دون ذلك أرواحنا، ونسلح الأتباع ونتسلح فنكون سرية من ~~ثمانية فرسان. قال: أحسنتم، فاقتسموا المال. فاقتسموا ما في الصرة وأخذوا يتجهزون ~~للرحيل . # الفصل السابع عشر # | الرحيل # وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل سار الحرسيون الأربعة بغلمانهم قاصدين كاله. حتى ~~كانت الساعة الثامنة من النهار فوصلوا إلى شانتينلي، فنزلوا للغداء في فندق فيها وجلسوا على ~~مائدة هناك عليها رجل من النبلاء، فآكلوه وتعرفوا به وشرب نخبهم (على صحتهم)، ~~ثم قاموا للانصراف، فتعرض لهم الرجل وعرض على بورتوس أن يشرب معه على صحة الكردينال ~~بزعمه أن لا حاكم سواه، فامتنع بورتوس عن ذلك وألح عليه الرجل، فقال له بورتوس: إنك سكران ~~فلا لوم عليك ولا حرج. فأحفظه ذلك وسل سيفه وطلب بورتوس للبراز، فقال له أصحابه ~~الثلاثة: اقتله واتبعنا على جناح السرعة، ثم ركبوا خيولهم وخلفوا بورتوس يجاول ~~خصمه وخادمه إلى جانبه. وفيما هم يسيرون وقد بلغوا مكانا ضيقا التقوا بجماعة مقبلين ~~عليهم، فزاحموهم في الطريق، فأحفظ ذلك أراميس وتعرض لأحدهم فرموه بالرصاص فأصابوا ~~كتفه وخادمه، وجد دارتانيان ورفيقاه في المسير دفعا للعوائق، فتحامل الجريحان وتبعاهم ~~يماشيانهم حتى بلغوا مكانا يدعى كرافكور، فقال أراميس إنه لم يعد يقدر على التحامل ~~وقد عزم على اللبث في القرية، فتركوه مع خادمه بازين وساروا حتى انتهوا إلى أميان عند ~~منتصف الليل، فنزلوا في فندق ms058 هناك وطلبوا من صاحبه مكانا للمبيت فزعم أنه ليس عنده إلا ~~غرفتان في آخر الفندق، فأبوا عليه ذلك وناموا في عرصة الفندق، وتركوا كريمود خادم ~~أتوس يحرس الخيل. فلما كان الصباح قام الخادم إلى الخيل ليسرجها ونبه خادم الإسطبل ~~ليساعده في العمل، فقام إليه وضربه بعصا فشق رأسه، وسمع أتوس ودارتانيان صياحه فأقبلا ~~عليه فوجداه مطروحا مشجوج الرأس، ثم نظرا إلى الخيل فإذا بأحدها قد جرحه ~~البيطار في عملية جراحية دعي لها لحصان آخر فظنه ذلك الحصان، فذهب بلانشت خادم ~~دارتانيان يسأل عن حصان يشتريه بدل الحصان الذي جرح، ودخل أتوس ليدفع لصاحب الفندق أجرة ~~المبيت فأعطاه دينارا، فأخذه وأرقصه على ظفره، ثم تعلق بأتوس وقال: لقد وجب ~~عليك الحد لأنك مزيف للعملة، ثم صاح بالشرطة فدخل أربعة منهم وقبضوا عليه وهو يحاول ~~الخلاص ويصيح بدارتانيان أن اركب وخادمك الحصانين الباقيين وأسرعا ما أمكن، ثم أطلق ~~أتوس رصاصتين ونظر بلانشت وقال لسيده: أرى رجلين يسقطان. فقال: بارك الله في أتوس فسيتبعنا ~~عن قريب، فهيا بنا على عجل. وسارا ينهبان الطريق سحابة يومهما حتى صارا على مقربة ~~من كاله، فوقف حصان دارتانيان وجعل الدم يسيل من منخريه وعينيه، وعجز حصان بلانشت عن ~~المسير لشدة التعب، فتركاهما وسارا ماشيين. وفيما هما يسيران أشار بلانشت لدارتانيان ~~إلى رجل من النبلاء يمشي أمامهما ووراءه خادمه، فتبعاه حتى بلغ شاطئ البحر وأقبل على ~~ملاح قد نشر شراع فلكه، فطلب منه أن يأخذه إلى إنكلترا فأجابه أن قد ورد إليهم ~~أمر من الكردينال أن لا يقبلوا أحدا إلا بإذن منه، فقال: إن الإذن معي، فأين أجد والي ~~المدينة؟ قال: هو في بيته في ظاهر البلد. وأشار له بيده إلى المكان، فعاد الرجل قاصدا بيت ~~الحاكم وتبعه دارتانيان وقد سمع ما دار بينه وبين الملاح حتى دخل في غابة في الطريق، فداناه ~~دارتانيان وقال: أرى أنك مستعجل. قال: لا عجلة إن شاء الله. قال: إن لم تكن عجلا فأنا ~~ملتمس منك أمرا لأني مستعجل. قال: وما ذاك؟ ms059 قال: أن تدعني أتقدمك في السفر. قال: ذلك لا ~~يكون أبدا، فقد قطعت مسافة طويلة في وقت قصير لأصل إلى لندرة غدا عند الظهر. قال: وأنا ~~قطعت مسافة أطول في وقت أقصر لأصل إلى لندرة قبل الظهر. قال: لا تؤخرني بالله، فإن بعثتي ~~من الملك. قال: وأنا بعثتي من نفسي. قال: والآن فماذا تريد؟ قال: أن تعطيني الإذن الذي ~~تحمله. قال: أظنك تطلب البراز، فانزل، فقال دارتانيان لخادمه: أنت للخادم وأنا للمولى، ~~ثم سل سيفه وتكافحا، فرمى بلانشت خصمه وبرك على صدره، وصاح بدارتانيان: قد فرغت من ~~خصمي فأنجز أمر خصمك. فهجم دارتانيان على خصمه فضربه بسيفه فرماه إلى الأرض جريحا، ~~ثم دنا منه ليأخذ الورقة من جيبه فضربه الجريح بالسيف فأصابه كتفه وجرحه جرحا ~~خفيفا. فأعاد دارتانيان عليه حتى غاب عن رشده ، وأخذ الورقة منه وإذا بها باسم الكونت دي ~~ويرد. # ثم عمد إلى الخادم فسد فمه بمنديل وربطه إلى جذع شجرة بإسعاف خادمه بلانشت، ~~فقال له خادمه: أرى أنك جريح يا مولاي. قال: لا بأس، فالجرح خفيف لا خوف منه، فعلينا ~~بالأهم، ثم سارا حتى بلغا منزل الوالي، فاستأذن عليه دارتانيان منتحلا اسم الكونت دي ~~ويرد، فأذن له ودخل، فقال له الوالي: أمعك أمر من الكردينال؟ قال: نعم، وهو هذا. فأخذ ~~الوالي وتصفحه ثم قال: يظهر لي أنه شديد الوصاة بك. قال: نعم، فأنا من أتباعه ~~الأمناء. قال: أرى أن الكردينال يريد أن يمنع رجلا من الذهاب إلى لندرة حتى أصدر أمره هذا. ~~قال: نعم، يريد أن يمنع فتى من النبلاء يدعى دارتانيان، وقد خرج من باريز بأصحاب له ~~ثلاثة قاصدا لندرة. قال: هل تعرفه؟ قال: نعم. قال: فصف لي هيئته. فأخذ دارتانيان يصف له ~~صفات الكونت دي ويرد حتى أتمها، ثم قال: إن معه خادما. ثم وصف له خادمه، فقال ~~الوالي: سنرى في شأننا معه إذا انتهى إلينا، وأنا ألتمس منك إذا عدت إلى الكردينال أن تشهد ~~بي خيرا لديه. قال: نعم. فوقع الوالي على الإذن وودعه ms060 دارتانيان وخرج مسرعا بخادمه ~~حتى بلغ المينا، فنزل في فلك سار به إلى إنكلترا، وكان جرحه خفيفا جدا فضمده ~~ونام، فلما أصبح إذا هو على شاطئ إنكلترا، فنزل إلى البر وسار إلى لندرة، وجعل يسأل عن ~~اللورد دوق دي بيكنهام فأرشد إلى قصره، فسأل عنه فقال له خادمه - ويدعى باتريك - ~~إنه ذهب مع الملك إلى الصيد في مكان لا يبعد كثيرا عن لندرة. قال: فهيا بنا إليه، وقل له ~~إن رجلا يريد أن يراه في الحال. قال: وكيف يعرفك؟ قال: تقول له هو الرجل الذي كاد يبارزك ~~قبالة اللوفر في باريز، وتلك علامة لا تخفى عليه. فسار الخادم مسرعا ودارتانيان معه حتى ~~بلغا مكان الصيد، وتخلف دارتانيان وسار الخادم إلى اللورد فوصف له الفتى فعرفه، وثنى ~~عنان فرسه وأقبل يخب حتى وصل إلى دارتانيان فعرفه، وترجل عن فرسه وقال: عسى الملكة ~~في خير؟ قال: نعم، ولكن أظن أنها في خطر، فخذ هذه الرسالة تعلم. فأخذ اللورد الرسالة فإذا ~~بها مثقوبة، فسأله عن الثقب فحكى له قصة اللورد دي وير وكيف أنه ضربه بالسيف فأصاب كتفه ~~وثقب الرسالة، ففضها اللورد وقرأها والعرق يسيل من جبينه، ثم التفت إلى خادمه وقال ~~له: اذهب إلى الملك وقل له إن أمرا خطيرا يمنعني عن إتمام الصيد، ثم وخز جواده وسار ~~ودارتانيان إلى لندرة. # الفصل الثامن عشر # | الكونتس دي ونتر # ودخل اللورد بيكنهام إلى لندرة يشق جماهير الناس بجواده لا يلوي على أحد حتى انتهى ~~إلى قصره، فترجل ودخل في القصر وتبعه دارتانيان في عدة غرف حتى بلغ حجرته، فدهش ~~دارتانيان من حسن فرشها وجودة إتقانها، فأخذه بيكنهام إلى باب صغير في جدارها ففتحه ~~بمفتاح من الذهب معلق بسلسلة ذهبية في عنقه، وقال له: ادخل وانظر وعساك تخبر من ~~أحب بما ترى. فدخل دارتانيان معه فرأى غرفة يغشى الذهب جدرانها ويكسو أرضها ~~الدمقس الفاخر وفي صدرها شبيه الهيكل قائمة عليه صورة حنة دوتريش ملكة فرنسا تحيطه ~~الشموع والمصابيح والزهور، والصورة في غاية الإتقان حتى دهش ms061 دارتانيان لها وكاد يحسبها شخص ~~الملكة، وعلى الهيكل العلبة التي فيها العقد. فأخذها اللورد وأخرج منها العقد وجعل ~~يقبل فصوصه واحدا بعد واحد وهو يقول: لله در أيوب حيث قال: الرب أعطى والرب ~~أخذ. إلا أنه لم يأت على آخرها حتى أجفل وصفق صفقة الأواه، فقال له ~~دارتانيان: ما بالك يا مولاي؟ قال: إن العقد ناقص منه فصان، فلا يوجد إلا عشرة، وما ~~أظن ذلك إلا إحدى حظيات الكردينال، فانظر إلى السلك فإني أراه مقطوعا بمقص. ~~قال: ألا تعرف السارق يا مولاي؟ قال: نعم عرفته، فما هو إلا الكونتس دي ونتر، فإنها دنت ~~مني في رقص أقامه الملك ثم لم أرها بعد ذلك ولم أفطن للعقد لو لم أنظره الآن، ~~وهي لا شك رسول الكردينال، ولكن متى تكون ليلة الرقص في باريز؟ قال : يوم الاثنين القادم، أي ~~بعد خمسة أيام. قال: تكفي، ثم دعا بخادمه فقال له: علي بصائغي وكاتم سري في الحال. فخرج ~~الغلام ولم يغب حتى دخل كاتم السر فوجد بيكنهام جالسا يكتب، فقال له اللورد: تأخذ هذه ~~الورقة إلى وزير المملكة ويجري بموجبها في الحال. فأخذ الرجل الورقة ونظر فيها وقال: إذا ~~سألني الوزير عن أسباب ذلك وهو من خوارق العادة، فبم أجيبه؟ قال: قل له هكذا أريد. قال: ~~قد يمكن أن يبلغ الأمر للملك يا مولاي ولا بد من أن يعرف سبب منع الفلك عن السفر من ~~إنكلترا. قال: إذن فقل له إني عزمت على إشهار الحرب على فرنسا وإن ذلك أول علاماتها. فسلم ~~الرجل وخرج. فالتفت اللورد إلى دارتانيان وقال: قد خلا لنا الجو، فلا يصل الفصان ~~المسروقان إلا بعد وصولك إذا لم يكن سارقهما قد ذهب بهما. قال: وكيف ذلك؟ قال: قد أمرت ~~بمنع كل فلك عن المسير إلى فرنسا. فانذهل دارتانيان من ذلك وأخذ يعجب كيف أن رجلا يثير ~~الحرب في سبيل غرامه، فقال له اللورد: لا تعجب، فما لي آمر إلا حنة دوتريش، فإني صائر إلى ~~طاعتها ومجتهد في رضاها ولو نقمت ms062 علي ملوك الأرض وقبائلها، فقد قالت لي أن لا أرسل ~~مددا إلى البروتستان في روشل فعدت عن قولي وأطعتها وعدلت عن إرسال المدد ... وما أتم ~~كلامه حتى دخل الصائغ، فأخذه اللورد إلى غرفته وأراه الفصوص وقال له: كم يسوى الفص من مثل ~~هذه؟ قال: ألفا وخمسمائة دينار. قال: وكم تستغرق في عمل اثنين منها؟ قال: ثمانية أيام. ~~قال: أعطيك على كل فص ثلاثة ألف دينار بشرط أن تأتيني بهما بعد غد. قال: سأجهد نفسي في ذلك. ~~قال: أحسنت، ولكن ألا تعلم أنك لا تخرج من هنا حتى تتم العمل وأنا أحضر لك كل ما يلزمك ~~من أدوات وصناع. فرضي الرجل وأحضر ما احتاج إليه وأقام في غرفة في القصر يشتغل في ~~العقد، والتفت اللورد إلى دارتانيان وقال: لقد أصبحت إنكلترا الآن لي ولك ، فاطلب ما ~~تشاء. قال: أريد مكانا أنام فيه، فإني تعب من السفر، فأخذه اللورد إلى غرفة بجانب غرفته ~~فنام. # ولم يمض على أمر بيكنهام ساعة حتى أقفلت المواني ومنعت السفن من الذهاب إلى فرنسا، ~~وشاع في المدينة قرب نشوب الحرب بين الدولتين. وفي اليوم الثاني دعا اللورد بدارتانيان ~~وقال له: قد انتهى العقد بحيث لا يميز جديده من قديمه، فاشهد لي عند الملكة بأني لم ~~أدع شيئا تصل إليه قدرة الإنسان ولم آته في سبيل خدمتها، ولكن لا تأخذ العلبة ~~فإنها أثر منها، ثم ألا أهبك شيئا؟ قال: إني لم أصنع ما يوجب الهبة، وليس عملي هذا ~~إلا خدمة للملكة ولحبيبة لي أحبها وأظنك تعرفها، وهي التي كانت معك يوم قابلتك أول مرة. ~~قال: عافاك الله، والآن تذهب بهذه الورقة إلى المينا وتسأل عن سفينة لي فيه، فتعطيها ~~لربانها فيأخذك إلا ميناء لا يأوي إليه إلا الصيادون ويدعى سان فري، فتنزل فيها وتذهب إلى ~~رجل هناك فتقول له: «فور وارد»، فيعطيك حصانا مسرجا فتركبه وتسير مسرعا حتى تصل إلى رجل ~~آخر في يده لجام جواد آخر، فتنزل عن جوادك وتركبه وهلم جرا إلى الأربعة، حتى تصل إلى ms063 ~~باريز في قليل من الزمن، وهي أفراس من جياد الخيل تأخذها أنت وأصحابك الثلاثة، وأنا أستودعك ~~الله، فاذهب والله يكلأك ويرعاك. فودعه دارتانيان وسار على ما رسم له حتى انتهى إلى ~~باريز ودخل إلى منزل دي تريفيل عند الساعة التاسعة من النهار، فقابله بالترحاب وهنأه ~~بالسلامة وقال له: إن فرقتك الحراس في اللوفر، فاذهب إليهم. فذهب. # الفصل التاسع عشر # | ليلة الرقص # وفي اليوم الثاني شاع في المدينة خبر الليلة التي عزم الملك على إحيائها للرقص، وما صارت ~~الساعة السادسة حتى توافد المدعوون إلى قاعة الرقص أفواجا يخطرون في مطارف السندس والديباج ~~والنساء يمسن بالحلي والحلل كأغصان بان على كثبان. # من كل باهرة الجمال كدمية # من لؤلؤ قد صورت في عاج # تمشي وترفل في الثياب كأنها # غصن ترنح في نقا رجراج # فلما كان نصف الليل علا الضجيج والتهليل لقدوم الملك، ثم دخل الملك إلى القاعة تحفه ~~السراة والأشراف وهو عابس الوجه مقطب الحاجبين، ولم يدر أحد لذلك سببا. وبعد دخول ~~الملك بقليل عادت أصوات التهليل ترتفع، ثم دخلت الملكة إلى القاعة وعلى وجهها سمات ~~الكدر والتعب، وكان الكردينال ينظر إليها نظرة الأسد إلى فريسته إذ لم ير عليها ~~العقد، فأقامت الملكة برهة تسلم على الحضور، ثم دخل الملك من أحد أبواب القاعة وإلى ~~جنبه الكردينال يكلمه سرا وهو يتلون، وأقبل حتى انتهى إلى الملكة، فقال لها: ~~أين العقد يا حنة؟ ولماذا لا أراه عليك؟ فنظرت الملكة حولها فرأت الكردينال واقفا ~~وراءها وهو يتبسم تبسم الأبالسة، فقالت خشيت يا مولاي أن يسقط مني فيضيع بين هذه الجموع. ~~قال: لقد أخطأ زعمك، فما أهديتك إلا لتلبسيه. وكان الملك يتكلم وصوته يرجف من الغضب، وكثر ~~تحدث الناس بما يكون، فقالت الملكة: إذا شاء مولاي فإني أحضره من اللوفر في الحال. قال: ~~نعم، وأسرعي، فإن ابتداء الرقص قد قرب. ثم تركها وانحاز إلى الرجال وانحازت هي إلى ~~النساء، وكان الناس منتشرين في تلك القاعة مثنى وثلاث ورباع يتحدثون بما كان وما ~~سيكون وكلهم في ريب ms064 مما جرى. فدنا الكردينال من الملك ~~وأعطاه علبة ففتحها وإذا فيها فصان من الماس، فقال الملك: ما هذا؟ قال: إن عقد الملكة ~~فيه اثنا عشر فصا وهذان منها، فإذا لبسته الملكة فعد فصوصه. وفيما الملك يفكر في ~~الأمر ولا يهتدي برزت الملكة بثياب الرقص تشرق كالشمس بهجة وجمالا بما عليها من ~~اللباس والجواهر وعليها العقد يلمع كنجوم الثريا. فسر الملك لمرآه سرورا شديدا ~~وعلا الاصفرار وجه الكردينال، ثم بدأ الرقص ومالت القدود ميل الأغصان، فكان الملك كلما ~~دنا من الملكة ينظر إلى العقد فلا يتمكن من عد فصوصه، وبعد ساعة من الرقص تقدم الملك ~~إليها وقال لها: لقد وجب لك علينا الشكر في امتثال أمرنا في العقد، ولكن ساءنا أنه ناقص ~~فصين وها هما: فقالت الملكة: إذن يكون لنا أربعة عشر فصا، فإن العقد كامل يا مولاي. ~~فنظر الملك إليه وعده فوجده تاما، فدعا بالكردينال وقال له: ما معنى ما قلت؟ قال: ~~أحببت أن أهدي الملكة هذين الفصين فلم أر لذلك سبيلا غير هذا. فشكرته الملكة على ~~ذلك وفي قلبها منه حزازات، وقالت: أراهما قد كلفاك أكثر من كل العقد يا سيدي ~~الكردينال. وهي بين ذلك تتبسم تبسم العارف بالأمر، حتى كاد الكردينال يموت حياء منها، ~~ثم سلمت وخرجت تريد القصر، وكان الرقص قد انتهى وهم دارتانيان بالخروج، وإذا بيد لمست ~~كتفه، فالتفت فرأى امرأة مقنعة، فعرف من عينيها أنها حبيبته، فتبعها وسارت أمامه حتى بلغت ~~القصر ودخلت؛ فدخل وراءها حتى انتهت به إلى غرفة مظلمة، فأودعته فيها وخرجت من باب آخر في ~~جدارها. فأقام دارتانيان في تلك الغرفة برهة، ثم سمع صوتا يدنو منه ورأى يدا قد مدت ~~من فرجة الباب، فعرف أنها يد الملكة، فركع وقبله، فتركت في يده خاتما وارتفعت، ثم ~~أقفل الباب فأظلمت الغرفة ظلاما شديدا، فوضع دارتانيان الخاتم في إصبعه وأقام ينتظر حتى ~~فتح الباب ودخلت عليه بوناسيه، فصاح لرؤيتها من الفرح، فأسكتته وقالت: اخرج من حيث ~~دخلت. قال: ومتى أراك؟ قالت: تعرف ذلك من ms065 رقعة تجدها في منزلك، فاذهب الآن. فخرج. # الفصل العشرون # | الموعد # وسار دارتانيان مسرعا حتى بلغ بيته، ففتح له الخادم، فقال له: هل من رسالة لي هنا؟ ~~قال: نعم يا مولاي، فإني دخلت إلى البيت وأنا واثق من إقفاله فوجدت رسالة على فراشك ولا ~~أدري من أين جاءت، ولا أشك في أن أحدا يدخل عليك وأنت لا تدري. فأسرع دارتانيان إلى ~~فراشه وإذا برسالة ففضها وقرأ: # إن لك علي حقا من الشكر يجب وفاؤه، فكن في الساعة العاشرة من هذه الليلة تجاه ~~الشرفة القائمة على زاوية بيت أستري في سان كلو. والسلام عليك من ك. ب. # وكان دارتانيان يقرأها وقلبه يخفق ووجهه يتلون، ورآه بلانشت فقال: قاتل الله هذا ~~الكتاب، فقد أثر فيك يا مولاي. قال: لا والله فما هو إلا بشرى تستحق عليها الإنعام، ~~فخذ هذه القطعة واشرب بها. فشكره الغلام وقال: ولكن كيف دخل هذا الكتاب والأبواب والنوافذ ~~مقفلة. قال: لقد سقط علي من السماء، فاذهب ونم. فذهب الغلام وأقام دارتانيان يعيد ~~قراءة الكتاب. # ويلثمه حتى أصار مداده # محاجر عينيه وأنيابه سحما # ولم يزل كذلك حتى نام. ولما أفاق في الصباح دعا بخادمه فقال له: أنت مطلق كل ~~النهار، فإني لا أرجع إلا عند الساعة السابعة من المساء فكن في انتظاري على الباب بجوادين. ~~قال: أظن ذلك لبراز، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقاتل الله هذا الكتاب. قال: صه، وكن ~~على ما قلت لك. وخرج، وإذا بصاحب الفندق على الباب، فحياه وأخذ يقص عليه ما صادفه في ~~السجن من العذاب والاستنطاق إلى غير ذلك، فقال له دارتانيان: هل عرفت خاطف امرأتك؟ قال: ~~لا، ولكن أين كنت؟ فلي أيام لم أرك. قال: كنت في رحلة قريبة مع أصحابي الثلاثة على ماء ~~ذهب إليه أتوس. قال: وإني أراك الآن ذاهبا، فمتى ترجع؟ قال: ولم سؤالك ذلك؟ هل لك ~~في حاجة؟ قال: لا، ولكني بعد إذ خطفت امرأتي وسرق مالي صرت أخشى من قلقلة ~~المفتاح في القفل؛ ولذلك فأنا أريد أن ms066 أعرف متى ترجع لأكون في مأمن. قال: لا تخش ~~بأسا، فقد أرجع بعد منتصف الليل بساعتين أو ثلاث أو في الصباح. قال: مصحوبا بالسلامة يا ~~مولاي. فحياه دارتانيان ومضى إلى دي تريفيل، فوجده مسرورا من سرور الملك والملكة منه في ~~ليلة الرقص، فجلس إليه وقال له بعد أن نظر حوله ليرى إذا كان في مأمن من أذن تسمعه: ~~ألا تخبرني أيها الصديق بشيء عن سفرتك التي سر لها الملك والملكة واستاء الكردينال ~~حتى صرت أحذرك منه؟ قال: وما علي إذا كان الملك والملكة راضيين عني؟ قال: ألا تعلم ~~أن الكردينال أحقد من بعير، فهو لا ينسى الإساءة؟ قال: وهل يعرف أني أنا الذاهب ~~إلى لندرة؟ قال: نعم، وإلا فأنى لك هذه الجوهرة في إصبعك؟ قال: إنها ليست من لندرة ولكنها ~~من الملكة. قال : لله درك، فكيف ذلك؟ قال: ذهبت إلى الملكة فقبلت يدها وأعطتني هذا ~~الخاتم. قال: لله من النساء، ما أشد كيدهن، ولكن ألا أنصحك؟ قال: بلى. قال: امض إلى أي ~~جوهري تلقاه فبعه الخاتم، فإن الدراهم آمن من الجواهر، وإن عز عليك بيعه فأدر فصه ~~إلى باطن كفك، فإني أخشى عليك من الكردينال أن يصل إليك بمكروه، وهو قادر على ذلك، ولو كنت ~~بين جلد الملك ولحمه، وقد ذقت ذلك بنفسي فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل، فإن لي ~~ثلاثين سنة في بلاط الملك، فلا يغرنك شيء، وبالغ في الحرص على نفسك حتى لو مررت على ~~بيت يبنى تجنبه لا يسقط منه حجر على رأسك بأمر الكردينال، وإذا دخلت في ~~الليل فلا تدخل إلا وخادمك وراءك، وإياك والاسترسال إلى أحد حتى العشيقة إذا كان لك عشيقة ~~فإن النساء كيدهن عظيم، وأنت تعلم حكاية شمشون ودليلة، ثم أخبرني ماذا جرى لأصحابك؟ قال: ~~أتيت أستخبرك عنهم. قال: لم يصلني عنهم خبر، فأعلمني بما جرى. قال: تركت ~~بورتوس في شانتينلي يبارز رجلا وأراميس في كرافكور مجروحا في كتفه وأتوس في أميان ~~متهما بتزييف النقود. قال: وكيف خلصت أنت إلى لندرة؟ ms067 قال: بأعجوبة من الله إذ قتلت ~~الكونت دي ويرد. قال: قاتلك الله، كيف قتلته وهو أمس الناس بالكردينال وأكثرهم ~~تزلفا منه؟ ولكن أرى لك أمرا لو كنت مكانك ما قعدت عنه. قال: وما ذاك؟ قال: تذهب ~~إلى بيكارديا فتبحث عن أصحابك؛ وبذلك تتنكب شر الكردينال ويكون لك عون من أصحابك. قال: ~~أصبت، وسأذهب غدا. قال: ولماذا لا تذهب الليلة؟ قال: لأن علي عملا خطيرا لا بد ~~من قضائه. قال: هو موعد عشق فيما أظن، فإياك والنساء يا بني، فهن أصل الشر ومنبع ~~الفساد، فانتصح لي وسافر في هذا المساء. قال: ذلك لا يكون يا مولاي، فقد رهنت لساني. ~~قال: إذا كان ذلك فعدني أنك إذا سلمت الليلة تذهب غدا. قال: أنا أعدك. قال: أمحتاج ~~أنت إلى مال؟ قال: إن معي خمسين دينارا وأظنها تكفي، وقد تركت أصحابي ومع كل منهم خمسة ~~وسبعون دينارا، وفي ذلك غناء لهم. فأستودعك الله من الآن فإني لا أقدر أن أراك غدا. ~~قال: على الطائر الميمون وبصحبة الله. وخرج فمر على منازل أصحابه فلم يجد منهم ~~أحدا ولا وقف لهم على خبر، فسار إلى الإصطبل فوجد بلانشت يسرج الخيل، فقال له ~~بلانشت: هل أنت واثق من صاحب الفندق يا مولاي؟ قال: لا، فما ذاك؟ قال: رأيته وهو يكلمك ~~ولونه يتقلب كالحرباء؛ فتبينت في وجهه الغدر، ولم تفطن أنت لذلك لسرورك ~~بالكتاب، ثم لما ذهبت أخذ ينظر إليك بعين ملؤها الغدر والحقد وانثنى ~~يركض في الشارع المخالف لطريقك، فهل لك في أن تتحاماه؟ قال: ذلك لا بد منه، وسآتيك عند ~~الساعة التاسعة فكن مستعدا، ثم ذهب. # الفصل الحادي والعشرون # | الشرفة # ولما كانت الساعة التاسعة قدم دارتانيان إلى الإصطبل فوجد بلانشت قائما في انتظاره وفي ~~يده زماما فرسين، فركبا وسارا تحت الليل حتى أبعدا عن باريز ودخلا في غابة بولونيا، ~~وحثا جواديهما حتى قربا من سان كلو، فقال دارتانيان لخادمه: أنظرني هنا حتى أرجع ~~إليك. قال: يا مولاي، أجد الليلة باردة وأخشى أن يصيبني منها بعض أذى ms068 يقعد بي عن ~~خدمتك، فلو أذنت لي بالمبيت في أحد هذه الأكواخ؟ قال: أنت وذاك. وسار بجواده ينهب ~~الطريق ويتنكب الواسعة منها حتى انتهى إلى الشرفة، فوقف تجاهها وأقام ينتظر ساعة وهو ~~لا يسمع حسا ولا يرى إلا قفارا يجللها ضباب كثيف تلمع من خلاله بعض ~~الكواكب، حتى قرعت الساعة العاشرة ولم ير شيئا ولم يسمع ركزا، وبصره موجه إلى ~~نوافذ البيت القائمة الشرفة على زاويته، وهي كلها مقفلة ليس فيها إلا واحدة مفتوحة في آخرها ~~يلوح من خلالها نور ضعيف ولا حركة فيها. فأقام ينظر إليها حتى الساعة العاشرة والنصف، ~~فجالت وساوسه وجعل يقوم ويقعد، ثم توهم أنه مخطئ في قراءة الرسالة، فدنا من النافذة ~~وقرأها فإذا هو مصيب غير مخطئ، ثم كانت الساعة الحادية عشرة فضاق صدره وأوجس في نفسه ~~خوفا من شيء يصيب حبيبته، فجعل يروح تلقاء النوافذ ويجيء، ثم حاول الصعود على الحائط ~~فلم يقدر، وخطر له فصعد إلى شجرة تقابل النافذة ونظر فرأى نورا ضعيفا يضيء من خلال ~~نافذة مكسورة الزجاج، وتظهر به الغرفة مصروعة الباب مقلوبة المتاع والأثاث، وعليها بعض ~~قطرات دم، فنزل من الشجرة وقلبه خافق وفكره مضطرب، ونظر إلى الأرض فرأى فيها آثار أقدام ~~وحوافر وعجلات مركبة تمتد إلى طريق باريز، ووجد على قارعة الطريق قفاز امرأة لم ~~يكد الوحل يعلق به لنعومته ولينه، فضاقت عليه الدنيا وانقبض صدره وعدل إلى ~~الشارع، فسأل بعض المارة فقال له إنه رأى امرأة تقطع النهر متشحة ببرنسها، ~~فظن دارتانيان أنها هي، فعاد إلى النافذة ليتحقق قراءة الرسالة لعله ضل عن المكان، فوجد ~~نفسه مصيبا وأن قد حال دون لقاء حبيبته حائل، فمال إلى بيت قريب وقرع باب ففتح له رجل ~~شيخ، فسأله عما حدث؟ فقال: هو أمر إذا أخبرتك به ساءت مغبته علي. قال: لا بأس ~~عليك، فقل. ثم رشاه بشيء من المال فقال له بصوت منخفض: إنه عند الساعة التاسعة بينما ~~أنا في بيتي هذا سمعت خفق نعال وقعقعة لجم، ففتحت الباب لأرى، وإذا ms069 أنا بثلاثة ~~رجال بلباس الخيالة، وعلى مقربة منهم عربة تقودها الخيل، فاستخبرتهم الخبر فقالوا: هل عندك ~~سلم؟ قلت: نعم. قالوا: علينا بها وخذ هذه القطعة على أن تكتم ما رأيت. فأخذت القطعة ~~وأعطيتهم السلم ثم تظاهرت أني داخل في الباب وتواريت وراء شجرة فإذا بهم نصبوا ~~السلم وصعدوا إلى الغرفة ثم سمعت صوتا يقول: هي هذه. ورأيت الامرأة قد دنت من ~~النافذة فصدها الرجلان الصاعدان على السلم فأخذت تصيح وتستغيث حتى خفي صوتها ونزلوا ~~بها إلى العربة، فسارت بهم ولم أدر ماذا جرى بعد ذلك. قال: ألا تصف لي زعيمهم؟ قال: ~~بلى. ثم أخذ يصف له الرجل، فقال: قاتله الله، لم يزل يتبعني، هو خصمي، والله ~~لأذيقنه الموت ألوانا. ثم قال الرجل: فاكتم يا مولاي ما سمعت مني تحفظ حياتي. ~~قال: لا عليك . ثم سار فوجد خادمه في أحد الأكواخ، فركب وإياه وسارا إلى البيت. # الفصل الثاني والعشرون # | بورتوس # ولما بلغا المنزل نزل خادمه فيه وسار هو توا إلى دي تريفيل، وقد صمم على أن لا ~~يكتمه شيئا عسى أن يكون له بعض المساعدة، فلما قابله قص عليه القصة فقال له: إن ذلك بلا ~~شك بأمر الكردينال. قال: وكيف العمل؟ قال: أن تفارق باريز الساعة كما قلت لك أمس، وأنا ~~هنا أنظر الملكة وأقص عليها خبر الامرأة، وعسى أن يكون لك في ذلك بعض الخير. فودعه ~~دارتانيان وانصرف إلى منزله، فوجد بوناسيه رجل الامرأة واقفا على الباب، فتأمله ليعرف ~~صدق كلام خادمه فرآه قد تغير لونه عند مرآه، فمر به الفتى ولم يكلمه، فقال له الرجل: ~~رويدك يا مولاي، فقد أطلت الغياب أمس فلم ترجع إلا عند هبوب الناس من رقادهم. قال: ~~إنك ترى ذلك فتلوم غيرك لأنك ذو امرأة جميلة تغنيك عن السعي وراء غيرها. قال: نعم، ولكني ~~أرى نعليك يعلوهما الوحل كثيرا حتى كأنك سلكت أرضا موحلة. فنظر دارتانيان إلى ~~نعليه، ثم نظر إلى نعلي صاحبه فرأى لون الوحل واحدا على النعلين؛ ففطن للأمر، ~~وعلم أن الرجل كان ms070 من جملة الذين خطفوا امرأته، فخطر له أن يثب عليه فيقتله لولا أن خاف من ~~سوء العاقبة، فقال: عير بجير بجره نسي بجير خبره، أراك تعيرني ~~بالوحل على نعلي، وعلى نعليك أكثر منه، في حين أنت غني عن دلج الليل ومكابدة ~~السرى. فتلجلج لسان الرجل وصمت. فتركه وصعد إلى منزله بعد أن تحقق لديه أن صاحب ~~الفندق كان غائبا عن بيته في تلك الليلة، فقابله الخادم وقال له: لو تعرف يا مولاي من زارك ~~اليوم من مدة ربع ساعة وأنت عند جارك؟ قال: من عساه يكون؟ قال: دي كافوا قائد حرس ~~الكردينال. قال: وما شأنه؟ قال: لا أدري سوى أنه قال لي أن أبلغك من قبل الكردينال ~~أن تذهب إلى البلاط الملوكي في هذا اليوم، فأجبته أنك غائب، فهمس في أذني أن قل لسيدك ~~من قبلي أن الكردينال متغير عليه وأن حياته تتوقف على ذهابه إليه، ثم ذهب. قال: ~~فاستعد الآن للسفر لنرى ما حل بأصحابنا الذين خلفناهم في الطريق، وأسرج لهم خيلا ~~نأخذها معنا. فلبى وفعل، ثم سارا حتى بلغ شانتينلي وانتهيا إلى الفندق الذي نزلوا به ~~جميعا في ذهابهم، فقال دارتانيان لصاحبه: إن لي صديقا تركته هنا في براز، فأين هو ~~الآن؟ قال: هنا يا مولاي وهو جريح، وقد تجشمنا له نفقات طائلة وكثر تقاضينا له، وهو ~~مملق فتوعدنا بالقتل إذا دخلنا عليه، فإذا دخلت عليه فتكنى قبل أن تدخل ~~لئلا يصيبك بمكروه. قال: وما فعل بفرسه؟ قال: قامر عليه فخسره. قال: لا تخش على ~~مالك، فإن له صديقة شريفة تمده بالمال. قال: أعرفها يا مولاي، وقد كتب لها كتابا ~~وأمرنا بوضعه في البريد فأرسلته مع خادم لي كان ذاهبا إلى باريز لأبقي لنفسي أجرة ~~البريد، فعاد وأخبرني أنها غضبى على صديقها غيرة عليه من أن يكون قد عشق ~~سواها، وهي عجوز تبلغ الخمسين من العمر، وإني لأعجب كيف تغار عليه. قال: ألا تعلم ~~كيف كان القتال بين بورتوس وخصمه؟ قال: لقد تبعتهما فرأيتهما يتجاولان، ثم جرح ~~بورتوس ms071 وهم خصمه بقتله وسأله عن اسمه فقال: إنه يدعى بورتوس، فقال: نعفو عنك فلا ~~فائدة لنا بقتلك وما نريد إلا دارتانيان، ثم حمله جريحا إلى الفندق وركب جواده ~~وسار، ولم أقف له على أثر بعد ذلك. قال: وأين بورتوس الآن؟ قال: في الغرفة الموسومة ~~بالعدد الأول. فصعد دارتانيان وطرق الباب ففتح له ودخل، فوجد بورتوس في الفراش، فسلم عليه ~~وقصه القصة، فقال: هجمت على خصمي لأضربه فعثرت بحجر فسقطت، ولولا ذلك ما كنت على ما ~~تراني عليه. فجعل دارتانيان يعرض له بذكر عشيقته، فأجابه بأنه قد طلب منها مالا فلم ~~تجبه، وأنه قد أملق حتى اضطر إلى أن يحاصر في غرفته لكثرة ما عليه من ~~الدين. فأقام دارتانيان عنده برهة ثم ودعه وسار يطلب أراميس بعد؛ إذ ترك لبورتوس ~~الجواد الذي جاءه به من عند بيكنهام. # الفصل الثالث والعشرون # | قصة أراميس وامرأة أتوس # فسار دارتانيان إلى كرافكور بدون أن يعلم بورتوس بشيء من أمره، فوصلها وسأل صاحبة ~~الدار عن صاحبه فقالت: هو في الغرفة الخامسة وعنده قسيسان. قال: هل ذلك لخطر؟ قالت: ~~لا. فصعد حتى دخل الغرفة فوجد أراميس جالسا بين اثنين من الحواريين، فسلم عليه ~~وقال: كدت أرجع عن غرفتك يا أراميس. قال: ولم ذلك؟ قال: لأني حسبتها ديرا ~~للرهبان، ومع ذلك فأنا ذاهب عنكم لأني أظنك تعترف لهما. فجعل القسيسان يصوبان ~~نظرها فيه ويصعدانه وقد أحفظهما قوله، فأخذا يجادلانه في الدين ويجادلهما، ~~وطال بهما الحديث من هذا النوع حتى فرغت كنانة الكلام، فقاما وانصرفا، فلما خلا الجو قال ~~دارتانيان: أراك شديد الاستمساك بعرى الدين، وما أعهد ذلك برجال الحرب. قال: هو طريق ~~الأخرى يا بني، فلا ينبغي أن تتنكبها. ودار بينهما الكلام من هذا النحو، فأخذ ~~أراميس يقص عليه قصته، فقال: كنت في صباي أميل إلى الرهبانية حتى دخلت أحد ~~الأديرة فأقمت فيها زمانا، ثم عرض لي يوما أن علقت امرأة فعرض لي رجل آخر من ~~الجند وتهددني بالقتل إذا عدت إليها، فأخذ مني ذلك وكبر علي أمره ms072 فتركت ~~الدير وذهبت إلى باريز فتعلمت ضرب السيف حتى حذقته ثم عدت إلى الرجل ~~فبارزته فقتلته، وكنت قد تعرفت بأتوس وبرتوس فسعيا لي في الدخول في حرس الملك، وكان ~~الملك محبا لي لأن أبي قتل في إحدى الحروب تحت إمرته؛ وعلى ذلك فلا يزال في قلبي ~~بعض الأثر للرهبانية. ثم بدأ دارتانيان يقص عليه قصة حبيبته وكيف خطفت، فوعده ~~بالمساعدة. فبات عنده ليلته تلك وقام في الصباح فركب وإياه متحاملا من أثر جرحه وسارا، ~~ولم يبعدا عن القرية حتى اصفر لون أراميس وكاد يسقط عن جواده، فعاد به دارتانيان إلى ~~غرفته وسار بخادمه وهو يفكر في أتوس وفي نفسه منه هاجس؛ لأنه كان شديد الميل إليه لعراقته ~~في النسب ودعة أخلاقه وشدة بأسه وحذقه في ركوب الخيل واستعمال السلاح، فبلغ أميان وسأل صاحب ~~الفندق عن أتوس وما جرى له فقال: أعلمتني الحكومة يا مولاي أنه سيأتيني رجل بلباس الحراس ~~ومعه رفاق له وأنه مزيف للعملة، وقالت لي متى جاءك هذا الرجل أخبرنا، فلما قدمتم لم ~~يعد عندي شك في أنكم بغية الحكومة، فأخبرتها، فبعثت بجنودها فقتل منهم صاحبك جملة، ~~ثم ضايقوه بكثرتهم فوجد وراءه باب بيت الذخيرة فدخله وأقفل عليه الباب ومعه خادمه، ~~ولم يزل إلى الآن فيه يأكل من مئونة الفندق ويشرب من خمره ولا يأذن لأحد بالدخول عليه، ~~وقد صرت لذلك في أشد الضيق لأن مئونة الفندق كلها في ذلك البيت حتى أملقت يا مولاي ~~وتعطل فندقي لعدم وجود الغذاء فيه للمسافرين، وقد جاءنا اليوم رجلان من نبلاء الإنكليز ~~وطلبا مني خمرا فأعلمتهما بالأمر فتوجها إليه ليغتصبا البيت منه، وها هما الآن على الباب ~~يساورانه ليدخلا إليه. فسار دارتانيان فوجدهما يتذمران ويزبدان وهما يريدان أن يكسرا ~~الباب، فأخرج دارتانيان غدارته من حزامه وقال: والله لئن لاح منكما سلاح لأذهبن ~~بنفسيكما. فتقدم أحدهما إلى الباب وركضه برجله، فقال دارتانيان لخادمه: عليك بالرجل الذي ~~أمامك وأنا لهذا. فصاح أتوس من داخل: إني أسمع صوت دارتانيان والله. قال: نعم، هو أنا ms073 ~~أيها الصديق. قال: ألا تأذن لي فأقتلهما. فتقدم دارتانيان إلى الرجلين وقال لهم: أغمدا ~~سيفيكما، وأنت يا أتوس فرد غدارتك إلى مكانها، فما من العدل أن نقتلكما ونحن ثلاثة ~~وأنتما اثنان، وأنا أضمن لكما أنكما تشربان، ثم تقدم دارتانيان إلى أتوس ففتح له الباب ~~وعانقه، فرآه يخمع في مشيته فقال: هل أنت جريح؟ قال: لا، ولكني في سكر لا سكر بعده ~~لكثرة ما شربت. فأخذه دارتانيان وصعد به إلى غرفته، ودخل صاحب الفندق وامرأته يتفقدان ~~المئونة، ثم علا صياحهما وصعد الرجل إلى الغرفة فقال له أتوس: هات باطية من النبيذ. ~~قال: وهل أبقيت يا مولاي نبيذا إلا شربته أو باطية إلا كسرتها أو سائلا إلا ~~أرقته؟ فما كان ضرك لو أبقيت على ذلك ووفرت لي أسباب المعيشة؟ فقال له دارتانيان: لا ~~عليك، فقال أتوس: وأين الكيس الذي تركته هنا؟ قال: أخذناه يا مولاي إذ ظننا أنه من النقود ~~المزيفة التي وشي عليك بها، فقال دارتانيان: وأين حصانك يا أتوس؟ قال: في المربط، فقال ~~لصاحب الفندق: خذ الكيس والحصان وحقك قد وصلك، فقال أتوس: وكيف أسمح بفرسي؟ وعلام أذهب؟ ~~قال: قد أتيتك بغيره، فقال أتوس للرجل: إذن فخذ الجواد لنفسك وخذ للرجلين الإنكليزيين ما ~~يشربان، فإن في البيت بواطي بعد. فذهب صاحب الفندق وأخذ دارتانيان يقص على صاحبه ~~كيف وجد بورتوس وأراميس إلى أن قال أتوس: وأنت ماذا جرى لك؟ فقص عليه قصة بوناسيه ~~واختطافها، قال: لقد أخطأت في العشق فأنا لا أحب أبدا. قال: ولم ذلك؟ قال: لأن الحب ~~راحته عناء وأوله سقم وآخره قتل، وأنا أقص عليك الآن قصة جرت لأحد أصحابي لا لي، ~~وهو رجل بارع في الشرف أحب فتاة وهام بها، وهي فقيرة تسكن بيتا حقيرا مع أخ لها ~~حواري، فلما طال عليه الأمر وبرح به الحب خطبها إلى أخيها فتزوجها منه حتى إذا ~~كان يوما يصيد وإياها جفل بها فرسها فوقعت وأغمي عليها، فنزل زوجها وفك أزرارها ~~عن صدرها لتفيق فوجد على كتفها رسم زهرة زنبق ms074 كميسم البعير وهي علامة الفجور ~~والخنا، فقاتل الله النساء ما أشد فجور الفاجرات منهن، فأخذها الكونت زوجها وقد بلغ به ~~الغيظ منها مبلغا عظيما وشنقها في شجرة ... وما أتم كلامه هذا حتى اصفر لونه اصفرارا ~~شديدا وأكب على المائدة كالمصعوق وقال: ذلك ما بغض النساء إلي. قال: وما صنع أخوها؟ ~~قال: لم يكن أخاها بل كان عشيقها قاتله الله وإياها، فلما ماتت انصرف هاربا ولم أدر ~~ماذا حل به بعد ذلك. فارتاع دارتانيان لهذه الحادثة وجعل يقلب أفكاره فيها لعلها جرت مع ~~أتوس نفسه وهو لا يهتدي إلى وجهها حتى نام. # الفصل الرابع والعشرون # | العودة إلى باريز # فلما أفاق دارتانيان ذهب إلى صديقه أتوس وجعل ينظر إليه نظرة المندهش من حديثه بالأمس، ~~ففطن أتوس لذلك وقال: لقد كنت أمس ثملا جدا ولا أدري بما تفوهت. قال: قصصت علي ~~قصة عجيبة. قال: نعم. وقد صبغ الحياء وجهه وغير الحديث فقال: أتدري ما جرى بالجواد ~~الذي أتيتني به؟ قال: لا. قال: سهدت ليلة أمس فنزلت إلى قاعة الفندق فوجدت صاحبينا ~~الإنكليزيين يتقامران، فقامرتهما فخسرت الجواد، فهل لك أن نلعب الآن فعسانا نسترده، وإن شئت ~~فبع هذه الجوهرة التي تحملها وقامر بها. قال: ذلك لا يكون أبدا ولا أفرط بهدايا ~~الملوك. فما زال به أتوس يحاوله ويجادله حتى لعب بما معه من النقود فأعاد كل ما خسره ~~صاحبه، ثم ركبا وخادماهما معهما وساروا حتى بلغوا كرافكور، فرأوا أراميس قائما في نافذة ~~غرفته، فلما رآهم نزل وسار معهم حتى بلغوا مقر بورتوس فوجدوه قد شفي من جرحه، فأقاموا ~~عنده ريثما استراحوا ثم ركبوا وإياه وساروا إلى باريز. ودخل دارتانيان منزله فوجد فيه ~~رسالة من دي تريفيل يشير فيها إلى أن الملك قد عينه في حرسه إلا أنه أبقى ذلك إلى ما بعد ~~انتهاء الحرب في روشل، ثم جاءهم دي تريفيل فهنأهم بوصولهم وأمرهم بالتجهز للحرب، ~~فوجدوا أنه يلزم لكل واحد منهم ألف وخمسمائة دينار، فأخذوا يسعون في جمعها بعد إذ ~~تعاهدوا على حفظ الوداد ms075 وأن كلا منهم يبذل نفسه في سبيل صلاح صاحبه. # فلما كان ذات يوم ودارتانيان يسير في بعض الأسواق لمح بورتوس فتبعه وهو لا يراه ~~ليطلع على بعض شأنه، فدخل بيعة ودخل دارتانيان وراءه، فتقدم بورتوس وجلس على مقربة ~~من امرأة وجعل يخالسها النظر، وكانت لابسة ثوبا أسود وعلى مسافة منها امرأة أخرى لابسة ~~ثوبا أبيض وهي أجمل من الأولى، فانجذب بورتوس بجمالها وترك ذات الثوب الأسود وزاحم الناس ~~حتى جلس بالقرب منها، فجعلت صاحبته تنظر إليه وإليها نظرة الغيور. وكان دارتانيان قد عرف أن ~~الامرأة ذات الثوب الأبيض ميلادي التي رآها في مينك، وأن الأخرى هي عشيقة بورتوس وساكنة في ~~شارع أرومس. فلما فرغت الصلاة قام بورتوس وخرج وهو ينظر حوله، فظنت صديقته أنه يفتش ~~عليها، ثم استاءت لما رأته قد وجه نظره وجعل يحدق بميلادي، فدنت منه وقالت: ما ~~أدري والله ما الذي صرف وجهك عنا؟ فالتفت إليها مسلما يسائلها عن حالها وعن زوجها، ~~وهو يعتذر بأنه لم يرها، فأخذت بيده وسارت إلى بيتها تعاتبه وتشكو له مرارة الغيرة وألم ~~النوى وهو يشكو له مثل ذلك حتى أوصلها إلى بيتها، فوعدها أنه يأتيها في الغد وودعها ~~وذهب. # أما دارتانيان فتبع ميلادي إلى خارج البيعة فصعدت إلى عربة حسنة الإتقان تجرها ~~أفراس من جياد الخيل، وقالت للسائق: انطلق بي إلى سان جرمن. فلبى وانطلق، ويئس ~~دارتانيان من لحاقها لأنه راجل، فأمر خادمه بإسراج جوادين، ثم سار إلى بيت أتوس فقص ~~عليه كل ما جرى فقال: أنا قليل الرغبة في مثل ذلك، فقال: إن النساء لا تصبو إلا لأمثالك لما ~~فيك من الصفات المحبوبة، وأنا أعجب منك ومن فركك لهن. قال: ذلك لما أخبرتك به. ~~وفيما هما كذلك دخل بلانشت يقول لدارتانيان إنه قد جاء بالجوادين، فقال له أتوس: ما هذان ~~الجوادان؟ قال: أريد أن أذهب إلى سان جرمن في نزهة، ثم قص عليه قصة ميلادي وقال: إني ~~أريد أن أتبعها، فإن قلبي يحدثني بأن سيكون لي معها شأن. قال: يظهر ms076 لي أنك سلوت عن ~~بوناسيه. قال: معاذ النهى، إنها والله أقرب إلي من نفسي، ولكني أجهل مكانها ولو ~~عرفته لخلصتها ولو كانت بين أنياب الأسود. ثم خرج وركب هو وخادمه وسارا في طريق سان ~~جرمن وهما ينظران إلى النوافذ ويتصفحان وجوه المارة، حتى قال الخادم: أترى يا مولاي هذا ~~الغلام الواقف لدى الباب؟ قال: نعم، وأذكر أني رأيته. قال: هو خادم الكونت دي ويرد الذي ~~ربطناه إلى الشجرة في كاله. قال: عرفته، وما أظنه تثبت في معرفتك لشدة اضطرابه وخوفه ~~يومئذ، فهل لك في أن تقصه عن سيده؟ قال: نعم. وذهب وأخذ يحادث الغلام ويخوض معه في ~~أفانين الكلام وإذا بعربة ميلادي مقبلة حتى وقفت قبالة الخادمين، فأعطت ميلادي وصيفتها ~~ورقة، فأقبلت الفتاة تريد الغلامين، وفيما هي مقبلة إذا بصوت يدعو خادم الكونت فدخل، ووصلت ~~الفتاة فلم تر أمامها إلا خادم دارتانيان فأعطته الورقة وعادت وهي تظنه خادم الكونت ~~ويرد، وقالت له: أعطها إلى سيدك في الحال، ثم ركبت العربة وانطلقت. # فعاد بلانشت بالرقعة إلى دارتانيان فأخذها وقرأها فإذا بها: # إن أحد من يهمهم أمرك يريد أن يعرف متى تقدر أن تخرج إلى الغابة، ويأخذ الجواب ~~منك غدا في فندق راية الذهب غلام أحمر الثياب. والسلام. # فأسر دارتانيان ذلك في نفسه وقال للخادم: ما الذي علمته من الكونت ويرد؟ قال: علمت ~~أنه مريض ولكنه قد قارب الشفاء. قال: فهلم نتتبع العربة. فركبا وسارا حتى أدركاها ~~وقد وقفت ولدى بابها فارس إنكليزي يحادث ميلادي باللغة الإنكليزية، فلم يفهم دارتانيان ~~شيئا، ولكنه رأى في لهجة ميلادي ما يدل على الغيظ، فدنا من نافذة العربة وقال لها: أراك يا ~~سيدتي حنقة من هذا الرجل كأنه يهينك، فإن كان ظني مصيبا أفتأذنين لي بتأديبه؟ فنظرت ~~إليه مندهشة من تهجمه وقالت له باللغة الفرنسية: لا يا مولاي فإنه أخي. قال: إذن فاعذريني ~~فقد أخطأت. وكان الفارس الإنكليزي قد غضب من مداخلة دارتانيان وغلظته له، فأخذ يشتمه ~~وينازعه والعربة حائلة بينهما. وكانت المحادثة بين ميلادي وبينه ms077 قد انتهت، فسارت العربة ~~والتقيا فتواعدا للبراز وراء ليكسمبرج عن الساعة السادسة، وأخبره دارتانيان عن اسمه، ~~فقال له: وأنا اللورد ونتربارون دي سيفيلد، ثم افترقا على أن يأتي كل منهما بشهود ~~ثلاثة. # الفصل الخامس والعشرون # | البراز # ولما دنت ساعة البراز ذهب دارتانيان بأصحابه الثلاثة وغلمانهم وأقاموا ينتظرون ~~أخصامهم حتى وفدوا، وطلب اللورد ونتر أن يتكنوا له، فتكنوا بأسمائهم المعروفة، ~~فقال: هي أسماء لا نرضى بها وما نراها إلا أسماء رعاة غنم، فقال أتوس: تلك أسماء ~~تلبسنا بها، لكن تحتها ألقابا عريقة في المجد. ثم ذكرها لهم بصوت منخفض. وأشهرت السيوف ~~ودارت رحى القتال، فكان أول قتيل خصم أتوس، وهجم بورتوس على خصمه فجرحه فسلم سيفه، ~~وضايق أراميس خصمه حتى رمى بسيفه وفر هاربا بين الأشجار. وأقام دارتانيان يناضل ~~خصمه وهو لا يريد أن يقتله حتى أتعبه، ثم ضربه على سيفه فقصمه وألقاه إلى الأرض ~~وبرك على صدره وقال: الآن قد باتت حياتك في يدي إلا أني أبقي عليك حبا لأختك. ~~ثم عاد عنه واشتغل ورفاقه بمعالجة القتيل لعل فيه دماء، وفيما هم يعالجونه سقط منه ~~كيس فأخذه دارتانيان وأعطاه للورد ونتر، فقال: وما أصنع به؟ قال: تعطيه لأسرة القتيل ~~تنفقه في جنازته. قال: هي في غناء عن ذلك، فأعطه للغلمان. فوضعه في جيبه، ثم قال له ~~اللورد: والآن إذ قد عفوت عني حبا لأختي فأنا أذهب بك إليها في هذه الليلة لتؤدي لك ~~واجب الشكر على جميلك معي. ثم دنا منه أتوس فقال: وما الذي عزمت أن تفعله بالكيس؟ قال: ~~هو لك، فأنت قاتل صاحبه والسلب لك. تلك سنة الحرب. قال: لا، ولكني كما قيل: # لي النفوس وللطير اللحوم ولل # وحش العظام وللخيالة السلب # ثم أخذ الكيس فرمى به إلى الخدم. وجاء اللورد ونتر فودعه، وقال له: إن بيت أخته في ~~الشارع الملوكي في العدد 6، وإنه سيأتي إليه إلى بيت أتوس فيأخذه إليها عند الساعة الثامنة. ~~وسار دارتانيان إلى منزله يزين نفسه ويسوي ثيابه، وفي قلبه شغل شاغل من ميلادي، ms078 حتى ~~دنت الساعة، فذهب إلى بيت أتوس فقص عليه القصة، فقال له: إن في أمرك لعجبا، فإني بينا ~~أراك عاشقا تبحث عن حبيبتك أراك قد علقت أخرى. قال: لا، فإن حبي لميلادي حبا ~~مجردا، ولكن حبي لكونستانس حب خالط اللحم والدم وجرى في العروق جري الماء في ~~العود، وليس شغلي بميلادي إلا لأطلع منها على بعض شأن حبيبتي لأن لها دخلا في القصر. ~~قال: إياك وإياها، فإنها من أعوان الكردينال، ولعلها تنصب لك شركا. قال: لا تخش ~~علي شيئا ولا تتشاءم بها. وفيما هما يتحدثان دخل اللورد ونتر وأخذ دارتانيان إلى عربة في ~~الشارع، فسارت بهما حتى بلغا الشارع الملوكي وصعدا إلى ميلادي، فبدرها اللورد وقال: ~~أتيتك بمن ملك حياتي ثم أعتقها على حين كنت البادئ بالعدوان وكنت إنكليزيا ~~عدوا للفرنساويين. فترحبت ميلادي به أحسن ترحاب وجلست إليه تحادثه، ثم أخذ اللورد يقص ~~عليها تفاصيل البراز حتى انتهى. فقام إلى مائدة هناك عليها باطية نبيذ، فسقى دارتانيان ~~رطلا وجعل دارتانيان يلاحظ ميلادي بطرف خفي فيراها تتلون له وتعض على ~~منديل في يدها، فلما انتهى من الشراب دخلت خادمتها التي أعطت الكتاب لخادم دارتانيان، ~~فكلمت اللورد باللغة الإنكليزية، فاستأذن اللورد بالخروج لأمر يدعوه وخرج. وأقام ~~دارتانيان يحادث ميلادي فأعلمته أن اللورد ليس أخاها ولكنه سلفها، وقد مات أخوه زوجها ~~وأنها فرنسوية الأصل، وكان هو قد استدل على ذلك بطلاقة لسانها في اللغة وحسن ضبطها للألفاظ. ~~وبعد قليل قام دارتانيان وخرج، فقابل الخادمة وهي تنظر إليه نظرة العاشق وقد صبغ الحياء ~~خديها. ولما كان اليوم الثاني عاد دارتانيان إلى ميلادي فوجدها وحدها، فجلست تحادثه ~~وتستخبره عن أصله وسيرته وميله إلى الكردينال، فيطنب لها فيه وأنه كان يحب أن يكون في ~~جملة حرسه، ولكنه إذ قد تعرف بدي تريفيل كان من حظه أن يكون في حرس الملك، ثم ~~سألته: هل ذهبت إلى إنكلترا؟ فقال: نعم، ذهبت إليها برسالة من دي تريفيل لأجلب له ~~أفراسا. ثم قام وذهب فقابل الفتاة في الدار، وكانت تدعى ms079 كاتي، فجعلت تنظر إليه كما ~~فعلت بالأمس، وهو لفرط اشتغاله بالسيدة لم يلتفت إلى الخادمة. واستمر على ذلك يزورها ~~كل مساء فتقابله أحسن مقابلة، ثم يخرج فتلاقيه كاتي بوجهها الصبوح ونظرها ~~الفتان، وهو لا يفطن لها لشدة حبه لمن هي أعلى منها مقاما. # الفصل السادس والعشرون # | الطعام عند عشيقة بورتوس # ولم ينس البراز بورتوس موعد عشيقته للغداء، فسار إلى بيتها وصعد في سلم مظلم ~~متهدم حتى بلغ الباب، ففتح له وقابلته العشيقة وهي تقول لزوجها: هذا ابن عمي، فأهلا بك ~~وسهلا. فدخل بورتوس وسلم على زوجها، فرحب به وقال: أهلا بابن العم، فنحن إذن أقرباء؟ ~~قال: نعم، وأنا مسرور لذلك. فقالت الامرأة: لقد تلطف بنا ابن عمنا إذ خصنا بمؤاكلته ~~قبل أن يخرج إلى الحرب. ثم نهضوا إلى قاعة الطعام وجلسوا حول الخوان ، وجعلت الامرأة ~~تختلف إليهم بأنواع الطعام والشراب وتتلطف في خدمة ضيفها وتبش في وجهه، حتى قال لها ~~زوجها: أراك شديدة الاحتفاء بذوي قرباك. قالت: نعم، تلك سنة القرابة. ثم انتهى ~~الغداء فقامت الامرأة ببورتوس إلى غرفة وجلست إليه تعاتبه على تركها وهجرانها، ثم قالت ~~له: أبيح لك زيارتنا ثلاثا في كل أسبوع. قال: عذرا يا سيدتي، فإني مهتم بالتجهيز ~~للحرب. قالت: وكم تبلغ نفقته؟ قال: نحن معاشر الحرس لا يكفي الواحد منا أقل من ألف ~~وخمسمائة دينار. قالت: وكيف تنفقها؟ قال: أشتري ببعضها جوادا ... قالت: ذلك عندي، فلا تهتم ~~به، ثم ماذا؟ قال: ما يتبع الجواد من سرج ولجام وعدة جلاد مما لا ينقص ثمنه ~~عن ثلاثمائة دينار، ثم يلزمني جواد آخر لخادمي إذ لا يستطيع أن يتبعني ماشيا. قالت: ~~أنا أعطيه بغلا يركبه. قال: حسن، ثم يلزمني خرج. قالت: عند زوجي عدة منه، فاختر لنفسك ~~واحدا. قال: ما أظن أخراج زوجك إلا فارغة، وأنا لا أحتاج الخرج إلا إذا كان ملآن. ~~قالت: ولكني أعطيك فوق ذلك ثمانمائة دينار. فرضي بها وطاب قلبه وودعها ذاهبا إلى ~~بيته. # الفصل السابع والعشرون # | الوصيفة والسيدة # ولم يزل دارتانيان يزداد غراما ms080 بميلادي وحبا لها وميلا إليها بالرغم عن نصح ~~أتوس وإنذاره، حتى إذا كان ليلة ذاهبا إليها اعترضته الوصيفة كاتي في الدار وقد صبغ ~~الحياء خديها وقالت له: ألا تأذن لي بأن أكلمك قليلا؟ فظن دارتانيان أن معها ~~كلاما من سيدتها، فقال: نعم فقولي. قالت: هو كلام يطول مأخذه وسر يجب كتمانه ~~فاتبعني. وقادته بيده في سلم صغيرة، ثم دخلت به إلى غرفة، فقال لها: ما هذا؟ قالت: هي ~~غرفتي ولها باب إلى غرفة سيدتي، ولكن كن على ثقة من أنها لا تسمعنا فهي لا تنام إلا عند ~~منتصف الليل. فجعل دارتانيان ينظر إلى باب الغرفة نظرات علمت كاتي معناها، فقالت: أراك شديد ~~الشغف بسيدتي. قال: نعم، وهو شغف ما وراءه شغف. فتنفست الفتاة وقالت: يا لضيعة الحب. قال: ~~كيف قلت؟ قالت: إن سيدتي لا تحبك مثقال ذرة. قال: وهل قالت لك ذلك لتبلغينيه؟ ~~قالت: لا، ولكني علمته، فدعاني حبي لك وغيرتي عليك إلا أن أقوله لك. قال: إني لا أكاد ~~أصدقه، فهل لقولك من دليل؟ قالت: نعم. وأخرجت من جيبها رسالة وقالت: خذ فاقرأ لعلك ~~تتذكر أو تخشى. فنظر الفتى في الرسالة فرآها بعنوان الكونت ويرد، ففض ختامها ~~فصاحت به الفتاة فلم يلتفت إلى قولها وقرأ: # لقد أرسلت لك رسالة قبل هذه فلم تجبني عليها، ولعل ذلك لأحد أمرين: أن يكون ~~قد زاد بك الألم أو أنك نسيت اجتماعنا وحبنا في بيت دي كيز، فإن لم يكن شيئا ~~من ذلك فهذه أحسن فرصة فاستفرصها. والسلام. # وما أتم قراءة الرسالة حتى اصفر لونه وقرصته الغيرة، فقالت له الفتاة: لا ~~ألومك يا سيدي، فقد ذقت مثلك طعم الحب. قال: إذن فأعينيني على الانتقام من سيدتك وقتل ~~عشيقها. قالت: أما الأول فنعم، وأما الثاني فلا أساعدك عليه أبدا لأمرين، أولهما أن ~~سيدتي لا تحبك فتكون قد ظلمت الرجل بقتلك إياه على غير طائل منها، والثاني لا أقوله لك ~~إلا إذا عرفته أنت من نفسك. فمال إليها وقبلها، فاحمرت وقالت: هذا هو السبب الثاني؛ ms081 ~~أنك لا تحبني. فذكر الفتى عند ذلك كل ما كان يراه منها، فقال: لا والله بل أحبك وإذا شئت ~~دليلا على ذلك فأنا أصرف عندك الوقت الذي أصرفه عند مولاتك، فقالت: مرحبا بك يا سيدي، ~~ثم أجلسته على كرسي وجلست إليه، فجعل يحادثها ويغازلها حتى انتصف الليل، وإذا بحركة في ~~غرفة ميلادي، فقالت الفتاة: اخرج يا سيدي غير مطرود، فإن سيدتي تدعوني. فأخذ قبعته ~~وبدلا من أن يخرج من الباب دخل في خزانة كانت هناك معلقة فيها ثياب ميلادي وأقفل بابها ~~عليه. ودخلت كاتي على ميلادي فأخذت تلومها على إبطائها، ثم قالت لها: أرأيت أن صاحبنا لم ~~يأت الليلة، فما ترينه فعل؟ قالت: لا أدري، لعله أخلف الميعاد. قالت: لا، وما أظنه إلا ~~عاقه أحد، ولكن رويدا فإن لي عليه ثأرا ولا بد من الانتقام منه. قالت: عجبا يا ~~سيدتي، كنت أظنك تحبينه. قالت: بل أمقته إذ قد وقع اللورد ونتر في يده ولم ~~يقتله لكي يبقى الميراث لي وحدي. قالت: صدقت، فأنت الوريثة الوحيدة بعد ابنك. ~~قالت: نعم، وفوق ذلك فقد أوصاني الكردينال بقتله، فإن اختطاف خليلته لم يشف لي غليلا، ~~فاخرجي الآن وإياك أن تنسي الرسالة. فخرجت وأقفلت الباب بالمفتاح بحيث لم تشعر ~~ميلادي. وكان دارتانيان قد أثر فيه كلامها تأثيرا شديدا، فامتقع لونه واكفهر، ~~وريثما دخلت كاتي خرج من الخزانة، فنظرت إليه وقالت: ما لك مصفر الوجه؟ فقال: لعنة ~~الله عليها ما أشد دهاءها. قالت: نشدتك بالله بالخروج فإنها تسمعنا. قال: وأنا لذلك ~~لا أخرج أو أخرج بعد قليل. ثم أخذ يداعب الفتاة ويلاعبها ويسألها عن خبر بوناسيه وهي ~~تقسم أنها لا تعرفها ولم تسمع غير اسمها حتى مضى هزيع من الليل، فقام وخرج. ولما كان ~~اليوم الثاني عاد إلى ميلادي وأقام عندها مدة ثم خرج، فأصاب كاتي على الباب، فأخذته إلى ~~غرفتها فلبث عندها إلى الفجر، ثم ذهب إلى بيته، وما كاد يستقر فيه حتى رأى كاتي مقبلة في ~~يده رسالة باسم الكونت ويرد، فقرأها وإذا ms082 بها: # هذه هي المرة الثالثة التي أكتب لك فيها بأني أحبك، فاحذر أن أكتب لك في الرابعة ~~أني أمقتك. والسلام. # ثم التفت إلى الفتاة فرآها تنظر إليه نظرة الغيور، فقال لها: لا أحب سواك ولا بد لي ~~من الانتقام من هذه الفاجرة، ثم أخذ القلم وكتب: # وردت علي رسائلك، وأنا في ريب من أنها منك لي لشدة شغفي بك على عدم وصولي ~~إليك فضلا عما أقاسيه من ألم الجراح. فأما وقد تحسنت صحتي بحمد الله وتيقنت ~~أنك تحبينني فسأكون عندك الليلة في الساعة الحادية عشرة إن شاء الله ~~تعالى. # الكونت ويرد # وقد كتب دارتانيان ذلك معتمدا على الباب المنفتح بين الغرفتين ليفر منه إذا انكشف ~~أمره، وقد صمم على إتيانها بدلا من الكونت، ثم أعطى الرسالة لكاتي وحذرها من أن يظهر ~~عليها ارتباك تفطن له مولاتها، ثم صرفها بعد إذ وعدها بأنه يزورها في ليلته. # الفصل الثامن والعشرون # | تجهيز أراميس وبورتوس # وكان الأصحاب الأربعة قلما يجتمعون لانهماكهم في التجهيز، فلما خرجت كاتي من عند ~~دارتانيان ذهب إلى منزل أتوس فوجد عنده صاحبيه بورتوس وأراميس، فجلسوا يتحدثون وإذا بخادم ~~بورتوس قد دخل عليهم وقال له: إن في بيته أمرا ضروريا يدعوه للذهاب. فقام وخرج، ولم ~~يتجاوز الباب حتى دخل بازين خادم أراميس فقال له إن رجلا يطلب مقابلته. فقال: وما عساه ~~يكون؟ قال: هو رجل فقير. قال: فأعطه صدقة واصرفه. قال: زعم أن له معك كلاما وأنك ~~تسر لمرآه لأنه آت من مدينة تور. قال: أما إذا كان ذلك فنعم. ثم خرج، فبقي ~~دارتانيان وأتوس يتحدثان، فقال له دارتانيان: لقد وجد صاحباك نفقتهما، فما تصنع أنت؟ قال: ~~ذلك لله. ثم أخذ الفتى يقص عليه قصة ميلادي وما كان منها مما لا فائدة في ~~استيفائه. # أما أراميس فإنه أسرع إلى بيته ليرى ذلك الرجل القادم من تور فوجده قائما في انتظاره، ~~وهو بلباس الفقراء قصير القامة أسود العينين، فقال له: أنت المسمى أراميس؟ قال: نعم. ~~قال: فأين المنديل الموشى. فأخرج أراميس مفتاحا ms083 وفتح خزانة عنده وأخرج منها ~~المنديل، فلما رآه الرجل قال: قل لخادمك يخرج. فخرج. ولما خلا بهما البيت أخرج الرجل من ~~حزامه رسالة ودفعها لأراميس، فلما رأى أراميس ختمها قبلها وقرأ: # لقد قضت الأيام بالبعد بيننا # إلى أجل في الدهر غير بعيد # وبعد، فاذكر أيها الصديق أيام الصبا إلى أن نلتقي، وخذ من حامل رسالتي ~~إليك ما ندفعه لك، وافعل ما يجب عليك في الحرب، وأنا أفعل ما يجب علي هنا، ~~وموعدنا باللقاء قريب إن شاء الله تعالى. # ثم أخرج الرجل من جراب معه صرة فيها ستمائة دينار وألقاها على المائدة وخرج، وأقام ~~أراميس يعيد قراءة الكتاب ويقول: أنا لك يا حبيبة القلب وشقيقة الروح. ثم نظر وإذا بحاشية ~~في الرسالة معناها: «احتفل بحامل هذه الرسالة فإنه من أشرف رجال إسبانيا.» فالتفت أراميس ~~فلم يجد الرجل وإذا ببازين قد دخل يستأذن لدارتانيان، ثم دخل دارتانيان وقال: من ~~هذا الرجل الذي دعاك؟ قال: هو رجل أتاني بقصيدة لي طبعتها أرسلها معه صاحب المطبعة. ~~ثم أخذ بعض المال في جيبه وخرج مع دارتانيان إلى أتوس، وفيما هما يسيران وجدا خادم بورتوس ~~يقود فرسا وبغلا، فسألاه عنهما فقال: هما من عند عشيقة بورتوس. وبعد قليل ذهب بورتوس إلى ~~عشيقته يعاتبها على عدم إرسال المال، فقالت له: تعال غدا مساء فيكون زوجي غائبا فنتحدث ~~مليا. ثم أعطته صرة وخرج. # الفصل التاسع والعشرون # | ليلة الميعاد # ولما كان المساء ذهب دارتانيان إلى ميلادي فتلقته باسمة الثغر بشوشة الوجه، فعرف أن ~~الرسالة قد وصلتها، فلبث عندها مدة وخرج فصعد إلى غرفة كاتي وأقام عندها حتى قربت ساعة ~~الميعاد وسمع دارتانيان حركة ميلادي في غرفتها، فدخل الخزانة ودعت ميلادي بالخادمة ~~وكلمتها وصرفتها، ثم أطفأت المصباح، فوثب دارتانيان من مكمنه إلى عتبة باب ميلادي ~~فقالت: من هذا؟ فقال: أنا الكونت دي ويرد. فقالت: ادخل فأنا في انتظارك. وجعلت تتلطف به ~~وتسأله عن جروحه وهو يجيبها بصوت منخفض، ثم دست في إصبعه خاتما وقالت: خذ هذا واذكرني ~~به. فأخذه وأقام ms084 عندها في ذلك الظلام إلى أن دنا الفجر، فودعها وخرج، فشيعته إلى باب ~~الدار وهي مظلمة لا نور فيها وذهب إلى بيته فنام، ثم نهض في الصباح إلى أتوس فقص عليه ~~القصة، وفيما هو يكلمه كانت عين أتوس لا تبرح من الخاتم الذي في يده، فقال له دارتانيان: ~~أراك تكثر التأمل في هذا الخاتم. قال: نعم، إنه خاتم عائلة شريفة خاص بها، فهل استعضت به ~~عن خاتم الملكة؟ قال: لا، بل أعطتنيه ميلادي. فامتقع لون أتوس من ذلك وأخذ الخاتم وجعل ~~ينظر إليه كالمتأمل والغيظ باد على وجهه، ثم وضعه في إصبعه فجاء طبقا كأنه صنع له، ~~فقال له دارتانيان: هل عرفته؟ قال: أظن أني أعرفه وقد أكون مخطئا. ثم نزعه من إصبعه ~~وأعطاه لدارتانيان وقال له: أدر فصه إلى باطن كفك فإنه يذكرني حكاية لا أقدر أن ~~أقصها عليك، فلا تستشرني بعدها أبدا، ولكن أرنيه ثانية لعل في فصه كسرا. وأخذه ~~ونظره فإذا به كذلك، فقال له دارتانيان: ماذا تعني بهذا؟ قال: هذا الخاتم لي من أمي، وقد ~~وهبته في ليلة مثل ليلتك البارحة؛ ولهذا قلت لك إنه خاتم عائلة فإياك وهذه الامرأة، فما ~~إخال إلا أن لها شأنا مشئوما وإنها من الفواجر. فقال دارتانيان في نفسه: إن في مسألة هذه ~~الامرأة سرا لا بد لي من اكتشافه. ثم سلم وخرج إلى بيته فوجد فيه كاتي ومعها رسالة ~~للكونت ويرد تسأله فيها أن يزورها، فقرأها دارتانيان وكتب: # لقد حال بيني وبين زيارتك أمر لا بد لي من الذهاب فيه، ولعلي أراك بعد ~~ذلك. # الكونت ويرد # وأعطى الجواب للفتاة وحرضها على الصبر وأنه يحبها وأن تحذر سيدتها، فأطاعت وذهبت إلى ~~سيدتها. فلما قرأت جواب الرسالة التفتت إلى الفتاة وقالت: ما هذا؟ فقالت: جواب رسالتك يا ~~سيدتي. فاصفر لون ميلادي وقالت: ليست هذه رسالته ولا يكتب رجل لامرأة مثل هذا، فويل ~~له. ثم سقطت مغشيا عليها، فجاءت الخادمة وأنهضتها، فنهضت وصاحت بها: اخرجي لا بارك الله ~~فيك وانتقم الله ممن لا ms085 ينتقم. # الفصل الثلاثون # | الزيارة # وانقطع دارتانيان عن ميلادي أياما لا يزورها حتى قلقت وفرغ صبرها، فأرسلت إليه مع كاتي ~~هذه الرسالة: # راجع أحبتك الذين هجرتهم # إن المتيم قلما يتجنب # أيها الصديق ليس من العدل أن تقاطع أصحابك في حين أنت وشيك المفارقة لهم. ولقد ~~انتظرتك أمس أنا وسلفي فلم تأت، وعسى أن لا يضيع انتظارنا في هذا ~~المساء. والسلام. # ميلادي # فلما أتم قراءة الرسالة قالت له كاتي: هل أنت ذاهب؟ قال: نعم، وهو ما تدعوني إليه ~~الضرورة لئلا توجس مني شيئا في انقطاعي بعد كثرة ترددي، وأخاف أن يلحق بك من ذلك ~~مكروه، وكيف كان الحال فلا سبيل لك إلى الغيرة علي، فليست زيارتي لها بزيارة عشق بل ~~زيارة استطلاع لما في القلوب، فاطمئني وانصرفي. فانصرفت. # ولما كانت الساعة التاسعة ذهب دارتانيان إلى ميلادي ودخل عليها فوجدها جالسة على مرتبة ~~وهي مصفرة الوجه وفي عينيها أثر الحزن والوجد، فاستخبرها عن حالها فقالت: في كرب ~~شديد. قال: إذن أخرج عنك فأنت في حاجة إلى الراحة؟ ~~قال: لا، بل تظل لدي فإن مقامك عندي يخفف عني بعض ما بي، فقال دارتانيان في نفسه: أراها ~~تزيد لينا ولطافة، فيجب أن أحذرها وقد قيل: # إن الأفاعي وإن لانت ملامسها # عند التقلب في أنيابها العطب # ثم قالت له: هل لك خليلة؟ فتنهد وقال: # تسائلني من أنت وهي عليمة # وهل بفتى مثلي على حاله نكر # تسألينني عن ذلك وأنا لك عاشق وبك مفتون من يوم رأيتك حتى صح في ما قيل: # جلبت إلى نفسي المنية عندما # نظرت فلم تخطئ فؤادي أسهمي # قالت: وهل تحبني؟ فقال: # إذا أنا لم أخبرك ما بي من الجوى # أما لحظت عيناك ذلك من عيني # قالت: نعم، ولكن لم لا تبوح؟ أما سمعت ما قيل: # إذا ملكت أيدي الهوى قلب عاشق # فأهون شيء ما تقول العواذل # قال: صدقت، ولكني أخشى أن يحول منك دون ذلك بعض الموانع بحيث أصبحت أرجوك وأخشاك. ~~قالت: إذا كنت أحبك فلا مانع إن شاء الله، فقال دارتانيان ms086 في نفسه: الله أكبر، لعلها ~~عشقتني، ثم دنا منها، فقالت له: وما برهانك على حبي؟ قال: مري تري. قالت: إن لي ~~عدوا. قال: يا سبحان الله، وهل للوجه المليح أعداء؟ قالت: نعم عدو ألد خرق ~~حرمتي وحط من قدري، وأنا مستعينة بك عليه. قال: ومن عساه يكون؟ قال: هو الكونت ~~دي ويرد الخادع الماكر. قال: نعم وكرامة. قالت: وما ثوابك عندي؟ قال: وما ثواب المحب عند ~~محبوبه إلا مثل هذا، ثم جذبها إليه وقبلها وقال: عرفت عدوك. قالت: كيف عرفته؟ قال: ~~لقيته أمس في سمر فأراني خاتما زعم أنه منك، ~~وأنا لذلك أنتقم لك منه غدا، فإما نصر وإما موت، ولكني أستصعب الموت في سبيل حبك ~~وما بيدي منك غير الأمل. قالت: صدقت، فاذهب الآن فإن سلفي آت ولا يجمل بي أن يراك هنا، ~~ثم ترجع عند الساعة الحادية عشرة، ثم دعت كاتي فقالت لها: متى جاء فخذيه إلى غرفتي. ~~قالت: نعم، ثم قبل يدها وخرج. # الفصل الحادي والثلاثون # | سر ميلادي # وعزمت كاتي على أن تدخل به إلى حجرتها، فأبى وسار يفكر كيف يفعل، وجال في فكره أن يكتب ~~لها بالقصة وأنه هو الذي تلبس بالكونت دي ويرد وخدعها، ثم عرض له فرغب في مقابلتها مرة ~~أخرى، فسار إلى منزلها وجعل يدور حوله حتى حان الوقت ونظر من الباب فإذا بالنور قد انطفأ، ~~فتذكر ليلته البارحة، فصعد إلى غرفة كاتي فحاولت أن تمنعه من الدخول إلى غرفة مولاتها ~~فأبى وجعل يناوصها، فأحست به ميلادي ففتحت الباب وقالت له: ادخل. فدخل وأقفلت الباب، ~~فثارت الغيرة في قلب كاتي وحاولت الدخول وراءه، ولكنها خافت سوء العقبى، فتربصت وفي ~~قلبها حزازات. # ودخل دارتانيان وفي نفسه قائل يقول له إنها لا تحبه وإنه آلة نقمة في يدها، ولكن الحب ~~أعمى بصيرته، فأقام وإياها ساعتين والسكوت شامل والغرفة هادئة، ثم سألته: هل هيأت ~~أسباب القتال مع الكونت؟ وهل أنت عازم على قتله؟ فأجابها - وهو مشرد الفكر تائه العقل: لا ~~وقت لي للقتال. فقالت - وقد ملكها ms087 الجزع والندم: أتخاف منه؟ قال: لا، ولكن لعل له عذرا ~~لو أن ذنبه لا يستحق الموت. قالت: إنه خدعني فوجب عليه الهلاك. قال: إذن أفعل. وكان الفجر ~~قد لاح ودخل الغرفة بعض النور، فهم دارتانيان بالذهاب وقال لها: إني صائر فيما ~~رسمته لي، ولكن ينقصني شيء. قالت: وما ذاك؟ قال: برهان على أنك تحبينني. قالت: وهل بعد ~~ليلتنا هذه برهان؟ قال: صدقت، ولكن إذا كنت تحبينني كما تزعمين، أفما تخشين علي مما أنا ~~ماض فيه؟ قالت: وما عسيت أخاف؟ قال: أن أجرح أو أقتل. قالت: لا سمح الله، فإني أعهدك ~~بطلا حاذقا في الحرب تصيب ولا تصاب. قال: ولكن ما تقولين في طريقة ننتقم بها ونكتفي ~~مئونة القتال. قالت: وما هي؟ قال: أرى أن هجرك إياه قد كفاه وحسبه بهجرك عقابا. قالت: ~~ومن قال لك أني أحبه؟ قال: إذا لم تكوني تحبينه فأنت تحبين غيره، وإني لتهمني حياة الكونت ~~وأراه غير مذنب، وأنا على يقين في ظني. قالت: بالله وكيف ذلك؟ قال: سأضرب لك مثلا، أفما ~~تحبينني؟ قالت: بلى. قال: فلو أخطأت لك خطأ الكونت أتسعين في قتلي؟ قالت: لا أدري، ~~فما تقصد في ذلك؟ قال: ألم يأتك الكونت ليلة الخميس الماضي في هذه الغرفة. قالت: لا ~~والله، وكذب من قال. قال: لا تخاتلي، فأنا صاحب الخاتم وأنا الكونت دي ويرد يوم ~~الخميس، وأنا دارتانيان اليوم. وكأن الصاعقة وقعت على ميلادي لدى سماعها هذا الكلام، ~~فاصفر وجهها وامتقع لونها واضطربت أعضاؤها وارتعدت فرائصها ووثبت إلى خارج ~~السرير، فأمسكها الفتى بطوقها فاتقد ثوبها وظهر كتفها، وكان النهار قد تعالى فرأى ~~دارتانيان على كتفها زهرة الزنبق، فتذكر قول أتوس ولبث جامدا لا يتحرك من سر ~~وقف عليه لا يعلمه إلا الله، وصاح: الله أكبر، ماذا أرى؟ فصاحت في وجهه صيحة اللبؤة وقالت: ~~تبا لك يا غادر، لقد خدعتني فحق عليك الموت. ثم وثبت إلى خزانة فأخرجت منها مدية ~~صغيرة وهجمت عليه، وكانت هيئتها هائلة حتى ارتاع لها الفتى على شجاعته، فسل سيفه ms088 وجعل ~~يدفعها به عن نفسه غير متعمد قتلها وهي تهجم فيصدها ويقول لها: مكانك يا غادرة أو ~~أسمك بزهرة أخرى على خدك. وما زال يجاولها بالسيف ويطلب الباب حتى بلغه، وكانت كاتي قد ~~سمعت الصراخ، ففتحته فولجه وأقفله وراءه بالمفتاح، وجعلت ميلادي تضرب الباب ~~بالمدية ضربات تحاكي ضربات الرجال وهي تهدر كالسعلاة، فقال دارتانيان لكاتي: ~~أخرجيني من القصر حالا وإلا جمعت علي الخدم فقتلتني. فقالت له: وكيف تخرج وأنت ~~عار لا يسترك إلا القميص. قال: إذن فألبسيني ما عندك، فإن من وراء ذلك الموت. ~~فألبسته الفتاة جلبابها وقبعتها وحذاءها، فخرج وميلادي تصيح في القصر بالخدم: لا تفتحوا ~~الباب، ولكن دارتانيان كان قد خرج وغاب عن نظرها، فسقطت مغشيا عليها. # الفصل الثاني والثلاثون # | لا ييأسن نائم أن يغنما # وظل دارتانيان يركض في سكك باريز على هيئته تلك حتى بلغ باب أتوس، فقرعه ففتح له الخادم، ~~فدخل من غير أن يتكلم، فصاح به الخادم وهو يظنه امرأة: ماذا تريدين أيتها المرأة؟ أفي مثل ~~هذه الساعة يغشون البيوت؟ فقال له دارتانيان: صه يا غلام أنا دارتانيان، فأين ~~مولاك؟ قال: كذبت يا لكاع، فإن دارتانيان رجل ولست بدارتانيان. وكان أتوس قد سمع ~~صياح الخادم فخرج من غرفته، ولما نظر إلى دارتانيان ضحك حتى استلقى على قفاه، فقال ~~له دارتانيان: أقصر المزاح فالأمر أعظم من ذلك. فقال له: أجريح أنت؟ وإلا فمالي أراك ~~أصفر الوجه؟ قال: لا، ولكني قطعت هولا عظيما، فهل أنت وحدك؟ قال: نعم. فوثب ~~دارتانيان إلى الغرفة وأقفل الباب، فقال له أتوس: أخبرني هل مات الملك أم قتل ~~الكردينال؟ أم ماذا فعلت؟ فقال: رويدك أقص عليك الأمر، ولكن حتى أخلع ثيابي هذه. ~~ثم خلع ثيابه ولبس غيرها من ثياب أتوس ودنا منه، وقال له: إن ميلادي موسومة بزهرة زنبق ~~على كتفها. فأجفل أتوس إجفال الحمل كأن صاعقة هبطت عليه، فقال له الفتى: عساها التي ~~أخبرتني عنها؟ قال: أليست بيضاء اللون زرقاء العينين سوداء الحاجبين لا تبلغ الثلاثين ~~من العمر؟ قال: هي تلك، ms089 والزهرة على كتفها تكاد تزول، وما أظنها إلا فرنسوية. قال: لا بد ~~من أن أردها. قال: إياك وإياها لئلا تكيد لك كيدا ونحن مسافرون عن قريب إلى روشل، ~~فدع غضبها علي وحدي، ثم قص عليه القصة من أولها إلى آخرها، فقال له: احذر على ~~نفسك منها، فإني أظن أن لها يدا مع الكردينال، ولكن ما فعلت بنفقة سفرك؟ وما أراك إلا ~~قليل الاعتداد بها لأن معك هذا الخاتم؟ قال: ذكرت لي أنه خاتم عائلة، فما شأنه؟ قال: نعم، ~~اشتراه أبي بألفي قطعة من الفضة وأهداه إلى أمي، فأخذته منها وأهديته لهذه الغادرة. ~~قال: إذن فخذه. قال: كيف آخذه وقد دنسته الفاجرة بكفها؟ قال: ألا تبيعه؟ قال: ~~معاذ الله أن أبيع هدية من أمي. قال: إذن فارهنه وتجهز بثمنه ثم ~~استرده. قال: أفعل، ولكن على شرط أن نقتسم المال. قال: ذلك فوق الحاجة وأنا في غنى ~~عنه، ومعي خاتم آخر. قال: ما لنا ولذلك، فإما أن تقاسمني ثمنه أو أرميه في النهر. قال: ~~إني إذن أقبل. ثم خرجا إلى بيت دارتانيان فلاقاهما صاحب الفندق. وقال للفتى: إن عندك ~~في الدار فتاة حسناء وهي في انتظارك، فقال: هي كاتي والله، ثم وثب إلى البيت فوجدها ~~جالسة كاسفة اللون ترتعد فرقا، فقالت: لقد أمنتني على حياتي فلا تحنث. قال: لا تخافي، ~~فما جرى بعد ذهابي. قالت: لا أعلم سوى أنها دعت بخدمها وهي ترغي وتزبد، فخشيت أن ~~يصيبني منها مكروه أو تظن بي شيئا فهربت إلى هنا. قال: وما أصنع بك وأنا مسافر بعد ~~غد؟ قالت: تخرجني من باريز أو من فرنسا أو تضعني عند أحد أصحابك بحيث لا يدري بي أحد. ~~ففكر دارتانيان قليلا ثم دعا بخادمه فقال له: اذهب إلى أراميس وادعه لي في الحال. فخرج ~~ولم يمض قليل حتى دخل أراميس فقص عليه القصة. قال: نعم أرسلها إلى إحدى النساء ~~الأشراف في فرنسا، فإنها طلبت مني فتاة مثلها. ثم جلس فكتب لها كتابا بذلك، وودعت ~~الفتى وخرجت، وعاد أراميس إلى ms090 منزله، ونزل دارتانيان وأتوس إلى السوق فرهنا الخاتم على ~~ألفي دينار اقتسماها، وذهب أتوس وهو يقول: لا ييأسن نائم أن يغنما. # الفصل الثالث والثلاثون # | مرور الخيال # ولما كانت الساعة الرابعة اجتمع الأصحاب الأربعة وفي قلب كل منهم حادث سر، وجعلوا يقتطفون ~~أفنان الحديث. وإذا ببلانشت خادم دارتانيان قد دخل وفي يده كتابان باسم مولاه، فأخذهما ~~الفتى. وكان أحدهما صغيرا لطيفا مختوما بالشمع الأحمر وعليه صورة حمامة في منقارها غصن ~~زيتون، والآخر ضخما كبيرا مرسوما عليه سلاح الحرب. وهذا نص الكتاب الأول: # تنزه عن طريق كالوت بين الساعة السادسة والسابعة، وتنظر جيدا في كل ما يمر ~~بك من العجلات، وإياك والكلام إذا كنت تحرص على حياتك وحياة من تحبهم، أو ~~أن تشير إشارة تدل على أنك عارف بمن عرضت نفسها للخطر لكي تراك. # فقال له أتوس: إنها حيلة نصبت لك فلا تذهب. قال: يلوح لي أني أعرف الخط. قال: قد يمكن ~~أن يكون مزورا، وفوق ذلك فأي عربة تمر في شارع كالوت في تلك الساعة إذ يكون ~~مقفرا لا رجل تدب فيه؟ قال: إذا كان ذلك فنذهب جميعا فنأمن الخطر، فقال أراميس: ~~ولكن ألم تع ما قالت في كتابها من أنها لا تريد أن يراها أحد؟ فقال بورتوس: إذن نختفي ~~في مكان لا ترانا به، فقال دارتانيان: ولعلنا نتبع العربة فنفرق من يخفرها ونخلص من فيها. ~~قالوا: سنرى، ولكن ما هذه الرسالة الأخرى؟ ففضها دارتانيان وقرأ: # دارتانيان أحد حراس الملك في فرقة دي زيسار مأمور بالحضور إلى قصر الكردينال عند ~~الساعة الثامنة. # هوريز # قائد الحرس # فقال أتوس: هذه والله شر من الأولى، فقال دارتانيان: ولكني أذهب بعد أن أكون قضيت ~~الرسالة الأولى فإنها في الساعة السابعة وهذه في الساعة الثامنة. قال أراميس: أما أنا فلا ~~أذهب، ومن يخاطر بحياته في قصر الكردينال وهو لا يأمنه؟ فقال بورتوس: وأنا من رأيك. ~~فقال دارتانيان: يا قوم لا تعجلوا، فلا بد لي من الذهاب، فقد أتاني كتاب مثل هذا من ~~مدة فتخلفت فأصابتني نكبة ms091 على أثره وهو خطف حبيبتي، وأنا أخشى أن يصيبني مكروه إذا ~~خالفت الآن. قالوا: أفلا تذكر سجن الباستيل وعذابه؟ قال: وما أخشى منه وأنتم ورائي. ~~قالوا: صدقت، فنحن ذاهبون معك إلى موعديك الأول والثاني، فنقيم على أبواب القصر حتى ~~تخرج، وإن لم تخرج وخرجت عربة مقفلة فهناك أجلها المتاح وبلاؤها العظيم. # ثم ذهب أراميس فنبه الغلمان فأسرجوا الخيول، ولما حانت الساعة ركبوا وساروا ~~جميعا إلى الموعد الأول وغلمانهم تتبعهم. وفيما هم سائرون صادفوا دي تريفيل عائدا من ~~اللوفر، فأخبروه بكتاب الكردينال فهدأ روعهم وقال لدارتانيان: إن لم أرك غدا فأنا هادم ~~باريز لا محالة. ثم ساروا حتى بلغوا الشارع المعهود، فجعل دارتانيان يحدق بالعربات ~~وهي تمر به مر النسيم حتى أقبلت عربة يجرها فرسان من جياد الخيل، فتوسم ~~فيها الفتى خيرا ودنا منها وإذا ببوناسيه قد مرت به مرور الخيال، فصاح من الطرب ~~وهم باتباعها لو لم يوقفه قولها في الرسالة. فعاد وقال لأصحابه: هي والله، وما ~~أظنهم إلا ناقليها من سجن إلى آخر، وما أدري ما ذنبها؟ فقال له أتوس: لا تيأس من رحمة ~~الله يا دارتانيان. # فقد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # ثم انثنوا راجعين إلى قصر الكردينال وتفرقوا على أبوابه. ودخل دارتانيان من الباب ~~الكبير بقلب لا يهاب الموت، ومشى الحاجب أمامه في دار فيها كثير من حرس الكردينال، ~~فجعلوا يتغامزون عليه وهو لا يلوي على أحد حتى بلغ غرفة فيها رجل يكتب، فرفع الرجل رأسه ~~لدخول الفتى وإذا به الكردينال. # الفصل الرابع والثلاثون # | الخيال الهائل # فقال له الكردينال: هل أنت من رجال عائلة دارتانيان؟ قال: نعم يا مولاي. قال: فمن ~~أيها أنت؟ قال: ابن الذي كان له بلاء حسن في الحرب التي عاناها الملك السابق رحمه ~~الله. قال: فهل أنت الذي أتى من مدة ثمانية أشهر إلى هنا؟ قال: نعم يا مولاي. قال: وقد ~~مررت على مينك حيث جرى لك حادث. قال: نعم، فاسمع يا مولاي ما جرى لي. قال: لا ms092 فائدة من ~~ذلك، فإني عارف بالأمر، فهل كان معك وصاة إلى دي تريفيل؟ قال: قد كان ذلك. قال: وقد ~~سرقت منك الوصاة ثم أتيت فصاحبت الحرس وأدخلك دي تريفيل في حرس دي زيسار، ~~ثم عرض لك سفر إلى إنكلترا فذهبت إليها وتخلف أصحابك في الطريق، فقضيت الرسالة ~~فيها وعدت إلى باريز حيث قابلت شخصا رفيع المكان ولم يزل في يدك أثر منه. ففطن ~~دارتانيان للخاتم، فأدار فصه إلى باطن كفه ولم يخف ذلك على الكردينال، فأردف: ثم ~~أتاك دي كانوا يدعوك إلى القصر فأبيت. قال: نعم، خشيت أن يكون في ذلك ما يحفظ ~~سيدي الكردينال. قال: لا فقد أخطأت، فإن البريء لا يخاف شيئا، ثم اذكر يوم دعوت ~~بك فتخلفت ماذا جرى في ذلك المساء؟ فتذكر دارتانيان أن قد خطفت حبيبته في تلك الليلة. ~~وعاد الكردينال فقال: ثم خفي عني ذكرك زمانا فأحببت أن أعرف ما تفعل لأن لك ~~علي شكرا، فاجلس فأنت أعظم من أن تخاطب واقفا. فجلس، فقال الكردينال: أرى أنك ~~فتى أديب شجاع، وأنا شديد الرغبة في أمثالك، وأنصح لك بأن تكون على حذر، فإن لك أعداء لا ~~آمن عليك منهم لحداثة سنك. قال: نعم يا مولاي إنهم كثيرون، وأنا واحد. قال: لا بأس، ~~فإن لك من أفعالك أعوانا وسيكون لك شأن؛ ولذلك فأنت في حاجة إلى من يشد أزرك ~~ويأخذ بيدك لأنك لم تقدم باريز إلا طلبا للغنى، فما تقول في وظيفة عندي بين حرسي؟ ~~فتلجلج الفتى وظهرت عليه علائم الكره، فقال ~~له الكردينال: ألا تريد؟ قال: إني يا مولاي في حرس الملك ولا عذر لي في الخروج منه. قال: ~~إن حرسي وحرس الملك سيان، فإنما هما لمجد فرنسا ومنعتها. قال: لقد أسأت ~~التعبير يا مولاي فلم تفهم قصدي. قال: لا بل فهمت، فإنك تلتمس عذرا تخرج به من حرس ~~الملك، وما عساه أن يكون أحسن من هذه الفرصة والحرب قريبة الوقوع، وأنا أعرض عليك ذلك ~~على كثرة الشكايات منك، وفي هذه الورقة قصة طويلة عنك ms093 أحب أن أقرأها لك، ولكن بعد أن ~~أتم كلامي معك في هذا الشأن، فأطعني واقبل. فقال: لقد غمرتني يا مولاي ~~بإنعامك وحملتني منة من فضلك يقصر لساني عن إيفاء الشكر عليها، وإذ كنت قد ~~فسحت لي في الكلام فإني أقول إن أصدقائي في حرس الملك وليس لي في حرسك يا مولاي إلا ~~الأعداء؛ وهو ما يمنعني الدخول فيما أشتهيه من خدمتك، ومع ذلك فنحن مباشرون بعون الله حصار ~~روشل حيث أكون تحت أمرك يا مولاي فترى في رأيك، وأنا لك في كل حال شاكر ما قلدتنيه ~~من الجميل. فقال الكردينال وقد ظهرت في وجهه علائم الغضب: أما وقد رفضت طلبي منك ~~وأبيت تقدمتي لك فاحرص على نفسك من أعدائك، فإني إذا رجعت عن رأيي فيك لا يضمن ~~حياتك غير الله، وإذا أصابك شيء فاعلم أنه أصابك لانقطاعي عن مراعاتك. قال: سأجتهد في ذلك ~~يا مولاي. قال: كفى الآن فاخرج، ولي معك كلام إذا عدت سالما من الحرب. فارتاع الفتى ~~لقوله «إذا عدت سالما» وشعر بمكيدة، ولكنه سلم وخرج فوجد أصحابه ينتظرونه، فسار معهم ~~وقضوا ليلهم بالوداع. ولما كان الصباح قرعت الطبول ونفخ في الصور فافترق ~~دارتانيان عن أصحابه ولحق بفرقته، وعادت الحراس إلى اللوفر ليعرضوا على الملك، ~~فمر بهم حزينا كئيبا، ثم أمر فسارت فرقة الحرس بدارتانيان وبقي حراس دي تريفيل للذهاب ~~في ركاب الملك، وسار بورتوس إلى خليلته فقضاها واجب الوداع، وأخذ أراميس يكتب كتابا. أما ~~دارتانيان فسار بفرقته حتى بلغ الباستيل، فدار حوله ينظر إليه فأدهشته فخامته وضخامته، ~~وكانت ميلادي بالقرب منه وهو لا يراها راكبة جوادا وحولها رجلان تدلهما على ~~دارتانيان حتى عرفاه، فوخزت جوادها وسارت، ومشي الرجلان مع الحرس وهما يراقبان ~~دارتانيان وهو لا يعلم من أمرهما شيئا، ولله علم الغيب. # الفصل الخامس والثلاثون # | حصار روشل # وكان حصار روشل من أعظم الحوادث التي جرت في ملك لويس الثالث عشر وأعظم معارك ~~الكردينال، ولا بأس أن نلم هنا ببعض تفاصيل هذا الحصار ليكون المطالع على بينة ~~من ms094 أمر هذا التاريخ. # إن المدن التي وهبها هنريكوس الرابع للبروتستان ليعتصموا بها من سطوة الكاثوليك ذهبت ~~منهم، فلم يبق إلا روشل، فعزم الكردينال على أن يهدم هذه المدينة وينزع من ~~البروتستان كل ثقة وأمن، فجاهر البروتستان فيها بالحرب، واجتمع تحت لوائهم كثير من الإسبان ~~والإنكليز والإيطاليين على اختلاف طبقاتهم، وكان ميناها آخر مينا بقي للإنكليز في ~~فرنسا. فعزم الكردينال على أن لا يبقي للإنكليز موطئ قدم في فرنسا، جاريا في ذلك ~~على سنن جان دارك والدوق دي كيز، ولقد كان أحد قواد فرنسا يقول: إن أخذ روشل مستحيل رابع ~~لأنها كانت ممنعة بجزيرة ري تمدها بالذخيرة والجنود من إنكلترا. ولم يكن سبب تلك ~~الحرب إلا عشق بيكنهام للملكة وغيرة الكردينال عليها لأنه كان يتعشقها، فدافعه عنها ~~بيكنهام؛ ولذلك فقد كان ريشيليه الكردينال يمزج الدفاع عن فرنسا بالانتقام من خصمه ~~بيكنهام لأنه كان على يقين من أنه إذا حارب إنكلترا فإنما يحارب بيكنهام، وإذا انتصر عليها ~~فكأنه انتصر عليه، وإذا أذلها فقد أذله في عيني الملكة. وكانت مقاصد بيكنهام في تلك الحرب ~~كمقاصد الكردينال لا تعدوها في شيء، وكانت قصارى رغبته فيها أن يدخل فرنسا فاتحا لأنه لم ~~يقدر على دخولها سفيرا، فكانت الحرب قائمة على قدم وساق، تذهب الأرواح فيها ~~مع دخان المدافع والبنادق وتسيل على شفرات السيوف وشبا الأسنة في سبيل عشق يتنازعه ~~عاشقان، ولله في خلقه شأن. # وكان النصر في بداءة الأمر للورد بيكنهام، فأخذ جزيرة ري بتسعين أصطولا وعشرين ألف رجل، ~~وقهر الكونت تواراك واليها من قبل ملك فرنسا بعد حرب شديدة، وهرب الكونت واليها فاعتصم في ~~قلعة سان مارتين مع حامية المدينة، ووضع مئة من رجاله في حصن يدعى حصن لابري، وهو ما دعا ~~الكردينال إلى استلام إدارة الحصار في روشل. وكان أخو الملك قد سبق إليها بكتيبة من الجيش، ~~وكان في عزم الملك أن يرافق الكردينال في مسيره لولا أن ألم به من توعك ~~المزاج ما أخره فتأخر معه الحراس، وانفصل دارتانيان عن أصحابه وسار ms095 مع حرس دي زيسار، ~~فبلغوا روشل في اليوم العاشر من شهر أيلول سنة 1637، وكان الدوق بيكنهام عند وصولهم يحاصر ~~قلعة سان مارتين وحصن لابري ويدافع الفرنسويين عن مدينة روشل. # فأقام دارتانيان في ذلك الحصار وحيدا لا مؤنس له، يحيق به أعداؤه ويترصدون قتله وهو ~~بعيد عن أصحابه. وفيما هو ذات يوم ماش يفكر في أمره ووحدته ومحبوبته وما صنعت بها ~~أيدي الزمان وما عسى أن تفعل به ميلادي، وقد أبعد عن الطريق ورفرف جنح الظلام، ~~وإذا به يرى رجلا كامنا وراء سياج وهو يترصده، فأوجس منه وتقدم في طريقه فرأى رجلا ~~آخر كامنا له وراء صخر، فعاد إلى الرجل الأول فأطلق الرجل عليه رصاصة فأخطأته، ثم أطلق ~~الرجل الآخر فلم يصبه. وكان دارتانيان أعزل، فعلم أنه يغرر بنفسه إذا هاجم ~~عدويه، فأخذ يعدو إلى المعسكر. وكان الرجلان قد أطلقا عليه ثانية فأصابت الرصاصة ~~قلنسوته فخرقتها، وخلص دارتانيان بجريعة الذقن إلى المعسكر وهو يقول في نفسه: لا ~~بد لهذا الأمر من أحد أسباب ثلاثة، إما انتقاما من أهل روشل أو من الكردينال أو من ~~ميلادي، ثم نام وهو خائف من أن يداهمه أحد، فكان يهب من نومه مذعورا كأن عدوا ~~يهاجمه حتى تبلج الصباح وبدأ القتال. وكان الدوق دورليان يزور مراكز الجيش وهم صفوف، ~~فنظر دارتانيان وهو بين صفه فوجد دي زيسار يشير إليه بالدنو، فترك الصف ودنا فقال ~~له: إن أخا الملك يريد بعض المتطوعين لأمر خطير، فلا تفتك هذه المأثرة. قال: نعم، ~~فأنا لها. وكان البروتستان قد فتحوا في الليل حصنا ويريد الفرنسويين أن يقفوا على بعض ~~شأنهم، فوقف أخو الملك وقال: أحتاج في هذه الليلة إلى أربعة رجال يقودهم فتى شجاع، فقال دي ~~زيسار: أما الفتى الشجاع فعلي وجدانه، وهو هذا (وأشار إلى دارتانيان) فليختر من ~~يشاء. فرفع دارتانيان سيفه وقال: من يتبعني للموت يا قوم؟ فوثب من فرقته رجلان ثم ~~تبعهما آخران من الجند، فرد دارتانيان من تقدم بعد ذلك. وكانت بعثته في أن ~~ينظر هل في ms096 الحصن حامية أم هو مهدم مهجور. فسار برجاله الأربعة، وكان الحرسيان اللذان ~~من فرقته يمشيان إلى جنبيه والجنديان وراءه، فلما دنا من الحصن التفت إلى ~~الجنديين فلم يرهما فظن أنهما خافا من القتال فرجعا، فتقدم بالحرسيين حتى صار على مقربة ~~من الحصن وإذا بالرصاص يدوي والدخان ينتشر من الحصن، فعلم أن فيه حامية وهو ما ~~يريد عرفانه، فعاد برفيقيه وإذا برصاصة أصابت أحدهما فخر صريعا، وسار رفيقه يعدو ~~إلى المعسكر. ولم يشأ دارتانيان أن يترك القتيل، فدنا منه لينهضه وظن أنه جريح وإذا ~~برصاصة أصابت رأس القتيل وأخرى أصابت الصخر ومرت بقرب دارتانيان، فعلم دارتانيان أن ~~الرصاصتين ليستا من الحامية بل هما من الجنديين، والتفت فرآهما كامنين له، فسقط إلى ~~الأرض متماوتا، فظناه قد أصيب فدنوا منه ولم يحشوا بندقيتيهما، فلما صارا ~~على مقربة منه وثب إليهما، ففر أحدهما إلى نحو الحصن فأصابته رصاصة من حاميته فخر ~~صريعا، وحمل دارتانيان على رفيقه فرماه إلى الأرض وبرك على صدره، فقال له: لا ~~تقتلني يا سيدي أخبرك بالأمر. قال: وهل سرك يوجب العفو عنك؟ قال: نعم، قد ~~أرسلتنا امرأة تدعى ميلادي ولا أعرفها. قال: وكيف إذن تعرف اسمها؟ قال: علمته من ~~صاحبي هذا وهو صاحب الأمر، وأنا تابع له بالأجرة، ومعه رسالة منها. قال: أعفو عنك ولكن ~~على شرط أن تذهب إليه وهو طريح فتأتيني بالرسالة. قال: أخشى أن يصيبني ما أصابه من حامية ~~الحصن. قال: إن لم تذهب فإني قاتلك لا محالة، وقد تسلم من الحصن، وبعض الشر أهون من ~~بعض. قال: أعفني يا مولاي بحق حبيبتك التي تظنها قد ماتت وهي باقية. قال: ما أدراك أن لي ~~حبيبة؟ قال: من رسالة صاحبي. قال: ذلك ما يزيدني رغبة في أن أرى الرسالة، فعجل بها ~~وإلا قتلتك. فأطاع الرجل وسار يتعثر بأذياله وهو يرعد فرقا، فناداه دارتانيان: ~~ارجع ثكلتك أمك فما أنت بصاحبها، ثم أخذ يزحف على بطنه حتى انتهى إلى الجريح ~~وجعل يبحث في جيوبه وهو لا يهتدي إليها حتى اعتاص ms097 عليه وجدانها وخشي أن يصيبه مكروه، ~~فاحتمل الرجل على ظهره وسار به، وإذا برصاصة قد أصابت القتيل وهو على ظهر دارتانيان، فقال: ~~تبارك الله فقد خلصني من كاد يقتلني. واستمر به سائرا حتى أمن بلوغ الرصاص إليه، فوضعه ~~وأخذ يبحث في ثيابه حتى وجد الرسالة، ففضها وقرأ: # إذ كنت قد عجزت عن الامرأة وأفلتت منك إلى دير يمنعها وجب عليك أن ~~تتأثر الرجل أو يحل عقابي عليك وتحرم المال. # فعرف دارتانيان من الخط أنها من ميلادي، فوضعها في جيبه، وسأل الجريح عن الأمر فقال إنه ~~قد وكل إليه القبض على امرأة فتشاغل في الطريق ففاتته، وأنه كان مأمورا أن يضعها في ~~مكان في الشارع الملوكي، فعرف الفتى أن المكان بيت ميلادي، وأن الملكة عرفت محبسها ~~فخلصتها إلى دير، فدعته ليراها قبل أن تذهب ، ثم التفت إلى الجريح وقال له: ~~استند علي وهلم إلى المعسكر. قال: أظنك قاتلي لا محالة يا مولاي. قال: لا تخف. ~~وسارا حتى بلغا المعسكر وشاع خبر دارتانيان، وأخذ الناس يهنئونه بسلامته، وأقام آمنا ~~من عدويه؛ إذ قتل أحدهما واسترق الآخر، ولكن ميلادي لم تنم عنه، وعين ~~الموتور لا تنام. # الفصل السادس والثلاثون # | خمر أنجو # وكان الجيش ينتظر قدوم الملك بفروغ صبر، وكان أخوه عالما أنه سيستبدل في القيادة ~~إما بالدوق دانكوليم أو باسومبيير أو سكومبرج لأنهم كانوا يتنازعون القيادة؛ وبذلك أقام ~~لا يجري أمرا في طرد الإنكليز عن حصار قلعة سان مارتين وحصن لابري ولا في حصار ~~الفرنسويين روشل. # أما دارتانيان فأقام لا يحرك ساكنا وهو في هاجس من نحو أصحابه، حتى إذا كان ذات يوم ~~ورد عليه كتاب، وهذا نصه: # سيدي الكريم. إن أتوس وبورتوس وأراميس بعد إذ صرفوا عندي مدة طلبوا مني أن ~~أرسل إليك اثنتي عشرة باطية من نبيذ أنجو لتشربها على نخبهم. # الإمضاء # كودو خولي الحراس # فسر دارتانيان بالهدية وذهب فدعا برفيقيه الحرسيين وأعد لهما متكأ وأمر ~~خادمه بإحضار النبيذ، وكان عنده خادم آخر في المعسكر، فجاء بكأس من الخمر وجعل ينظر ms098 إليها ~~نظرة المشوق الولهان، فقال له دارتانيان: اشرب لا عليك. فشرب ووضع الباطية بين ~~أيديهم وهموا بالشرب وإذا بمدفع قد دوى ثم تلته مدافع، فظنوا أن العدو قد ~~هاجمهم، فتركوا الكئوس قبل أن يمسوها ووثبوا إلى خارج المضرب، فوجدوا أن السبب قدوم الملك ~~بحرسه، فعدا دارتانيان إلى أصحابه يهنئهم بالسلامة، فقال له أحدهم: هل عندك ما نشرب؟ ~~قال: نعم من خمركم تشربون، فقال أتوس: وأي خمرنا؟ فقص عليه أمر الرسالة، فجعل كل منهم ~~ينظر إلى رفيقه ويتساءلون، فقال لهم دارتانيان: ما بالكم كيف تعجبون؟ وهذا كتاب وكيلكم لي. ~~فأخذه أتوس وقال: كذب من أتى به، فما هذا خطه فهو كتاب زور، فقال دارتانيان: هلم بنا ~~إلى المضرب، فما أظن ذلك إلا من أفعال الخائنة. ولما دخل دارتانيان إلى الخيمة رأى الخادم ~~الذي شرب الكأس يجود بنفسه وعلى وجهه علائم السم، فقال وهو يتقطع ألما: غششتني يا ~~مولاي وسقيتني السم. قال: لا والله، فقد عزمت على أن أشرب. ولم يلبث الخادم أن ~~مات، فدفنوه وكسروا البواطي، وتقدموا إلى الحارسين في كتم الأمر فوعداهم، ~~وانصرفا. وقال الحراس لدارتانيان: اخرج بنا من هنا، فخرجوا إلى مضرب آخر، واشتغل أراميس ~~وبورتوس ببعض شأنهما، فقال دارتانيان لأتوس: أظن أنها الفاعلة. قال: أنا في شك من ذلك. قال: ~~إني رأيت زهرة الزنبق على كتفها رأي العين. قال: لعلها إنكليزية قدمت فرنسا ~~ففجرت فيها فعوقبت. قال: بل هي امرأتك يا أتوس التي حكيت لي عنها وأنت في حال ~~السكر. قال: إن امرأتي قد ماتت وأنا على يقين من أني شنقتها. قال: لعل الله قيض ~~لها من خلصها، والآن فما نصنع؟ قال: نذهب إليها فتقول لها أن تكف عنك وتحذرها من ~~أنك تشكوها إلى الملك وتحاكمها وتهول عليها من أمثال ذلك، وإلا فلا إقامة لك إلا ~~بسياف يخفر رأسك كما يخفر رأس الملك. قال: إني أرغب في ذلك، ولكن من لي بها الآن؟ ~~قال: يكون ذلك في آتي الأيام. قال: وكيف أطيق اللبث وأنا تحت الخطر منها؟ قال: ms099 قد ~~حفظنا الله إلى الآن وهو زعيم بنا إلى المستقبل. قال: صدقت، ولكن ما رأيك بكونستانس؟ ~~قال: ألم تعرف من الرسالة أنها في أحد الأديرة، فأنا لك بعد انتهاء الحرب في البحث عنها فلا ~~ندع ديرا في فرنسا بأسرها. قال: ذلك بعيد المنال طويل الشقة، ولكن نكتب إلى أحد أتباع ~~الملكة فيسألها عنها، فإنها هي التي أدخلتها الدير. قال: سنفعل. ثم افترقا. # الفصل السابع والثلاثون # | فندق برج الحمام # ولقد كان عزم الملك عند وصوله إلى روشل أن يجلي الإنكليز عن جزيرة ري ويشدد الحصار على ~~روشل لولا أن حال بينه وبين ذلك ما وقع من النفرة بين باسومبيير وسكومبرج وبين الدوق ~~دانكوليم. وكان باسومبيير وسكومبرج قائدين في جيش فرنسا يطلبان ما لهما من حق القيادة في ~~الجيش، وكان باسومبيير من البروتستان في السر ، فخشي الكردينال منه أن يتساهل مع البروتستان ~~في الحصار، فطلب من الملك أن يولي الدوق دانكوليم، فولاه قيادة عامة الجيش، فأحفظ ذلك ~~القائدين وكادا يخرجان عن الجيش لولا أن ولوا كلا منهما قسما، وبعد ذلك أخذوا يشددون ~~في طرد الإنكليز من الجزيرة، وكانوا قد أصيبوا ببلاء شديد من الأمراض ورداءة هواء البحر ~~حتى قل عددهم. # واستمر الفرنسويون يضايقونهم حتى جلوهم عن الجزيرة، فانثنوا بفلكهم راجعين ~~وقد تركوا في ساحة الحرب ألفي رجل بين قتيل وجريح فيهم كثير من الأشراف والقواد ومعهم عدة ~~من المدافع والرايات. وكان الكردينال قد قبض على رسول بيكنهام، وعرف منه أن بيكنهام يعقد ~~دسيسة مع إسبانيا واللورين على فرنسا، ثم وجد في غرفة بيكنهام في الجزيرة أوراقا تثبت ~~تلك الدسيسة، وأن لدي شفريز والملكة يدا فيها؛ ولذلك فقد كان الكردينال شديد الاهتمام بأمر ~~الحصار لأنه كان وزيرا مطلقا تلحقه التبعة في كل عمل، وكان يخشى أن تتم تلك الدسيسة ~~فتذهب بنفسه ونفس الملك وتحط شأن فرنسا وتبيد سطوتها، فكانت رسله تنبث في الجهات ~~وأرصاده تتقاطر عليه بالأخبار، وكان مع ذلك حريصا على نفسه شديد الحذر عليها؛ خشية من أن ~~يقتل أو يفاجأ بمكروه. ms100 # وكان الحراس الثلاثة مرابطين لباب الملك لا يعانون من أمر الحصار شيئا ولا يقتحمون من ~~أهوال الحرب هولا، وبينما كان دارتانيان ذات ليلة منفصلا عنهم في فرقته ركبوا خيولهم ~~وقصدوا إلى فندق يدعى فندق برج الحمام ليشربوا فيه، وفيما هم يسيرون والليل مرخ سدوله ~~والأرض مقفرة إذ سمعوا وقع حوافر خيل تدنو منهم، فوقفوا وإذا بفارسين على بعد ~~منهما قد وقفا وهما بالرجوع، فتقدم أتوس وصاح بهما: من يحيي؟ فقال أحدهما: بل أنتم من ~~يحيي؟ فقال أتوس: أجب أو تقتل، فقال الفارس الآخر: مكانكم يا قوم لا تفعلوا شيئا، فمن ~~أنتم؟ قال: نحن فوارس نتجسس العدو في الليل. قال: وما مهنتكم في الجيش. قال: حراس عند ~~الملك. قال: من أي فرقة أنتم؟ قال: من فرقة دي تريفيل. قال: تعالوا فأخبروني ماذا ~~تفعلون هنا ؟ فتقدم الحراس وسبقهم أتوس وقال: نحن عسس في الليل. قال: فما أسماؤكم؟ قال: ~~لقد أكثرت في الأسئلة، فأي سلطان لك في ذلك؟ وكان الفارس ملثما بردائه، فحله وبان ~~وجهه، فقال أتوس: العفو يا سيدي الكردينال. قال: ما اسمك؟ قال: أتوس. فأشار الكردينال ~~إلى خادمه فدنا منه، فقال له: قل لهم أن يتبعوني وحذرهم من الإفشاء، فإني لا أريد أن يعرف ~~أحد أني خرجت من المعسكر، فقال أتوس: لقد وضعت سرك في موضعه يا مولاي فلا تخش ~~إفشاءه، فقال الكردينال: لله أنت يا أتوس، فإنك أسمع من الخلد، فخذ صاحبيك ~~واتبعوني، أوليسا بورتوس وأراميس؟ قال: بلى يا مولاي. وتقدم الحرسيان فسلما على ~~الكردينال، فقال لهم: أنا أعرفكم يا قوم وإن لم تكونوا من صحابتي، ولكني أقدر أن أكل ~~إليكم أمري، فاتبعوني نذهب إلى فندق برج الحمام، فقال أتوس: لقد حملتنا منة في ذلك يا ~~مولاي، فإنه بينما نحن آتون مع الملك عجنا بهذا الفندق فجرت لنا فيه مشاجرة، ونحن نحب ~~الآن أن نذهب إليه بحيث كانت رفقتك لنا عونا. قال: وما كان من عاقبة مشاجرتكم؟ قال: جرح ~~صديقي أراميس في كتفه جرحا خفيفا. قال: وأنت؟ قال: أما أنا ms101 فلم أستل سيفي، بل ~~حملت خصمي وحذفت به من النافذة فانكسرت رجله. قال: وأنت يا بورتوس؟ قال: إني ~~لما كنت أعلم أن البراز محظور علينا لم أمد يدي إلى سيفي بل ضربت خصمي بخشبة ~~وجدتها فكسرت كتفه. قال: وأنت يا أراميس؟ قال: أنا لما رأيت صاحبي في المشاجرة دخلت ~~لأفصل بين المتشاجرين ففاجئني رجل بضربة سيف على عاتقي، فاغتظت منه وحملت عليه بسيفي ~~فاخترقت صدره، وحمله أصحابه ولا أدري ماذا جرى به بعد ذلك. فقال أتوس: ولم يكن علينا في ذلك ~~لوم يا مولاي، فإن أخصامنا كانوا سكارى وأحسوا بامرأة في إحدى غرف الفندق فحاولوا كسر ~~الباب والدخول عليها، فقال: وهل هي جميلة؟ قال: إني لم أرها. قال: بارك الله فيكم، فإن ~~حماية الحرم من الكرم، ونحن ذاهبون الآن إلى الفندق وسأقف على جلية الخبر. قال: إننا ~~من النبلاء يا مولاي والقتل أهون علينا من الكذب. قال: معاذ الله أن أرتاب من ~~كلامكم، ولكن هل كانت الامرأة وحدها؟ قال: لا، بل كان معها فارس، ولكنه لم يمنعها وما ~~أظنه إلا جبانا. قال: يكفي، فإن بعض الظن إثم. ثم ساروا والكردينال ملثم حتى بلغوا ~~الفندق، فأشار إلى أتباعه بالتنحي فتنحوا، ونزل إليه رجل فكلمه سرا، ثم ركب ~~جوادا مسرجا كان هناك وسار في طريق باريز. وقال الكردينال لأتباعه: تقدموا. ثم ~~التفت إلى الحراس فقال: لقد صدقتم في حكايتكم بارك الله فيكم، فاقتفوا أثري. ثم ~~ترجل وترجلوا، وربطوا خيولهم، ولم تكن هيئة الكردينال في تلك الليلة إلا هيئة ضابط ~~طارق ليل، ثم خرج صاحب الفندق فقال له الكردينال: هل عندك من مقام يقيم فيه أصحابي ~~ساعة؟ قال: نعم، ثم فتح لهم غرفة في الطبقة العليا فدخلوها، وتوجه الكردينال بنفسه إلى ~~غرفة أخرى. # الفصل الثامن والثلاثون # | فائدة الأسطوانة # ودخل الحراس غرفتهم يتساءلون عمن عساه يكون الذي يقابله الكردينال، ثم جلس أراميس ~~وبورتوس في ناحية يتقامران وجعل أتوس يتمشى في الغرفة مفكرا متأملا، وإذا به يسمع ~~صوتا خارجا من أسطوانة الموقد المتصلة بالغرفة السفلى، ms102 فأشار إلى صاحبيه بالسكوت ودنا من ~~الثقب وألصق به أذنه، فسمع الكردينال يقول: اسمعي يا ميلادي، فإن الأمر خطير واجلسي ~~أحدثك. قالت: يقول مولاي؛ فإني سامعة مطيعة. فلما سمع أتوس صوتها ارتعدت فرائصه ~~واقشعر جلده، فقال الكردينال: تذهبين غدا صباحا إلى مصب نهر شارانت فتجدين ~~سفينة إنكليزية الهيئة وربانها من قبلي فتركبينها. قالت: إذن أذهب الليلة. قال: نعم، ~~ولكن بعد أن أرسم لك ما أريد، فتجدين لدى الباب رجلين يذهبان معك، ويكون خروجك من هنا بعد ~~خروجي بنصف ساعة. قالت: فلنعد إلى البعثة التي أنا صائرة إليها، وألتمس أن تكون تفاصيلك ~~واضحة حتى لا يفوتني شيء منها. فسكت الكردينال برهة ليجمع بها فكره ويرتب سرد أوامره. ~~فاغتنم أتوس ذلك وأشار إلى صاحبيه بإقفال الباب والدنو للسماع معه، ففعلا وجلسوا جميعا، ~~فقال الكردينال: تذهبين إلى لندرة فتلتقين باللورد بيكنهام. قالت: لا أقدر يا مولاي، فإنه ~~لم يعد يأمنني بعد أخذي منه الجوهرتين. قال: لست الآن في شيء من ذلك، ولكنك تذهبين ~~إليه في سفارة، فتقولين له من قبلي إني عارف بكل ما يصنع وأنا في مأمن منه، وعند أقل ~~حركة بيديه أذهب بنفس الملكة. قالت: وهل يصدق أنك قادر على ذلك؟ قال: نعم، بعلامات ~~تأخذينها مني، فتقولين له إني أبوح بمقابلته للملكة وقد جاءها بثياب المغول التي اشتراها ~~بثلاثة آلاف دينار، ثم تقولين له بأني عارف بدخوله القصر بهيئة قصاص إيطالي وفي ثوبه رقعة ~~بيضاء فيها رسم جمجمة وعظام، ثم تقولين له بأني أنشر حادثة أميان بتفاصيلها، وأن رسوله ~~مونتسكي في سجن الباستيل تحت أمري وسأجعله يقر بكل ما يعرف، ثم تذكرين له بأني وجدت في ~~غرفته في جزيرة ري بعد ما انهزم منها أوراقا من دي شفريز بشأن الملكة تتضمن خيانتها للملك ~~وعشقها لأعدائه وهو ما يوجب عليها القتل. قالت: نعم. وأعادت عليه الكلام بعينه لتستوثق من ~~حفظه، ثم قالت: ولعل اللورد لا يقنع بذلك بل يستمر على حصار فرنسا. قال: لا، فإنه شديد ~~الكلف بالملكة مشغوف بها إلى حد ms103 يكون جنونا، فهو يخشى عليها كثيرا حتى يضطر إلى ~~الإمساك عن القتال. قالت: وإذا ثبت في عزمه؟ قال: إذن تقتلينه. قالت: وكيف يكون ذلك؟ قال: ~~تلتمسين امرأة بارعة في الجمال جدا وترشينها بالمال وتغرينها به فتقتله وتخلص فرنسا. ~~قالت: يكون ذلك لولا أن فيه عار الغدر. قال: ولكنه لا يدري به أحد. قالت: إذا شئت فأنا ~~مطيعة، على أن تكتب لي صكا أكون فيه بريئة من كل ما أصنع. قال: نعم، على أن تجدي ~~الامرأة. قالت: ذلك علي يا مولاي، فاكتب لي ما قلت لك وافسح لي في أن أعرض عليك أمر ~~أعدائي. قال: وهل لك أعداء؟ قال: نعم، وقد عاديتهم في سبيل خدمتك. قال: ومن هم؟ قالت: ~~أولهم بوناسيه. قال: هي في السجن. قالت: لا، فقد أخرجتها الملكة بأمر من الملك إلى أحد ~~الأديرة. قال: أيها هو؟ قالت: لا أدري، فإن ذلك سر لم أصل إليه. قال: أنا أبحث عنه ~~وأخبرك بعد ذلك. قالت: ثم إن لي عدوا آخر وهو صديقها. قال: ومن عساه يكون؟ قالت: ~~تعرفه يا مولاي، وهو الذي انتصر على حراسك، وهو الذي جرح الكونت ويرد في طريق إنكلترا، ~~وهو الذي عزم على قتلي لأني خطفت صديقته. قال: عرفته، أليس دارتانيان الذي تعنين؟ قالت: هو ~~بعينه، فمن لنا به؟ قال: لو كان في يدك حجة عليه أنه ذهب إلى بيكنهام لأودعته سجن ~~الباستيل. قالت: عندي، فأمهلني واكتب لي الآن ما قلت لك. قال: هاتي الدواة ~~والقرطاس. ففعلت، وجلس يكتب. فأخذ أتوس صاحبيه وقادهما إلى طرف الغرفة فقالا: لماذا ~~لا تدعنا نستوفي الحكاية؟ قال: سمعنا كل المهم، وأنا أريد أن أخرج. قالا: وإذا طلبك ~~الكردينال. قال: تقولان علم من صاحب الفندق أن الطريق خطرة فخرج يتجسسها. قالا: نعم، ~~ثم خرج وركب فرسه وسار في طريق المعسكر. # الفصل التاسع والثلاثون # | لقاء الزوجين # ولم يخطئ أتوس في زعمه، فإن الكردينال لم يلبث أن نزل ودخل غرفة الحراس فوجد بورتوس ~~وأراميس يتقامران، فقال لهما: أين أتوس؟ قالا: سمع أن الطريق ms104 خطرة فمضى يتجسسها. قال: إذن ~~فاتبعاني، فإن الزمان قصير. ثم ركب وركبا معه وساروا من حيث أتوا. # أما أتوس فإنه ذهب بجواده غير بعيد ثم عاد فوقف إلى جانب الطريق بحيث يرى ولا يرى، ~~ولم يمض عليه قليل حتى رأى الكردينال وأتباعه عائدين، فأتبعهم بصره حتى غابوا ~~وعاد يركض جواده إلى الفندق، وقال لصاحبه: إن معي رسالة للامرأة التي عندك وقد نسي الذي ~~كان معها أن يدفعها إليها فأرسلني بها الآن، فقال له: اصعد فهي في غرفتها. فصعد ودخل ~~عليها وأقفل الباب وراءه، فالتفتت الامرأة إليه وإذا بها ترى رجلا ملتفا بردائه وقد أحنى ~~قلنسوته على عينيه، فارتاعت منه وقالت له: من أنت؟ وماذا تريد؟ فقال في نفسه: هي والله. ~~ثم أرسل رداءه ورفع قلنسوته ودنا منها وقال: أما تعرفيني؟ فأجفلت ميلادي لمرآه ~~ولم تحر جوابا، فقال: أرى أنك عرفتني؟ فقالت - وقد رجعت حتى لصقت بالحائط: ويلاه ~~إني أرى الكونت دي لافير؟ قال: نعم يا ميلادي هو الكونت دي لافير بعينه، أتى من عالم ~~الأموات ليراك، «فاجلسي أحدثك» كما قال الكردينال. فجمدت ميلادي في مكانها كأنها صعقت، ~~فقال لها: ما أظنك والله إلا شيطانا ماردا أفلت من النار، ولكن رويدك، فإن ~~للرجال همما تفوق عزائم المردة، ووالله ما أدري كيف خلصت من جهنم إلى هنا ~~باسم غير اسمك وهيئة تكاد تكون غير هيئتك، ولكنها لم تمح ما تحملين من العار والزهرة ~~التي في جسمك. فأجفلت ميلادي من كلامه إجفال الحمل ونهضت من مكانها، فقال لها وهو ~~قاعد: ما أراك إلا تحسبينني ميتا كما أحسبك، فإن اسم أتوس أخفى عنك الكونت دي لافير، ~~كما أن اسم ميلادي كلاريك أخفى عني حنة دي بويل، أولم يكن ذلك اسمك عندما عقد لي عليك ~~أخوك الكاهن؟ وما أظن أن كلا منا ترك صاحبه إلا لتوهمه إياه ميتا. فقالت: ما ~~الذي أتى بك إلي؟ وماذا تريد مني؟ قال: أريد أن أقول لك أني متبع آثارك من غير أن تشعري ~~بي. قالت: أوعالم أنت بما صنعت؟ ms105 قال: نعم، فاسمعي أقص عليك أفعالك من يوم دخلت في خدمة ~~الكردينال إلى هذا المساء، فأنت سارقة الجوهرتين من الدوق بيكنهام، وأنت الخاطفة الامرأة ~~بوناسيه، وأنت طروقة الكونت دارتانيان تحسبينه صديقك الكونت دي ويرد، ثم طروقته ~~أيضا باسمه تحرضينه على قتل دي ويرد بزعمك أنه خادعك، ثم أنت التي حاولت قتل دارتانيان ~~فأفلت منك بين الرصاص والسم، وأنت المعاقدة ريشيليه الليلة على قتل بيكنهام بشرط أن يسمح لك ~~بقتل دارتانيان، فوالله ما أظنك بعد ذلك إلا من المردة الأشرار، ومهما يكن من أمرك ~~فإن قتل بيكنهام وحياته سيان عندي فهو إنكليزي لا أعرفه، أما دارتانيان فوالله لئن ~~مسسته يوما لأجعلن ذلك اليوم آخر أيامك من الدنيا وأولها من الآخرة، ولأطلبنك ولو ~~كنت بين لحم الكردينال وجلده. قالت: لقد خدعني دارتانيان فيجب أن يموت . فذكر أتوس عند ذلك ~~ماضي أيامه معها وما كان من أمرها، فهاج به حب الانتقام، فأخرج غدارة من حزامه ورفعها ~~إلى جبهة ميلادي، وقال لها بصوت يرجف منه الأسد: والله لئن لم تعطني ورقة ~~الكردينال لأذهبن بحياتك. وكانت ميلادي تعرف أتوس وبأسه، فأخرجت له الورقة وقالت له: ~~خذها عليك لعنة الله. فأخذها ورد سلاحه إلى مكانه ودنا من النور وقرأ: # إن حامل هذه الورقة قد صنع ما صنع بأمري ولخير المملكة، فلا يعارضه أحد. # في 3 كانون الأول سنة ~~1627 # ريشيليه # ثم طوى الورقة ووضعها في جيبه وقال لها: قلمت أظفارك فاخدشي. ثم فتح الباب ~~وخرج فلقي الضابطين اللذين من قبل الكردينال، فقال لهما: امضيا فيما رسمه لكما مولاكما ~~من أخذ الامرأة إلى قلعة بوات ولا تتركاها إلا هناك. ثم ركب جواده وركضه في عرض تلك ~~البيداء حتى سمع وقع حوافر الخيل فعرف أنه الكردينال، فقال: من يحيي؟ فقال له الكردينال: ~~تقدم يا أتوس فإن لك علي شكرا في حراستك لنا، وها قد وصلنا الآن فامضوا إلى مضاربكم، ~~وكلمة المرور «الملك وري». ثم حياهم وذهب، فلما أبعد قال الصاحبان لأتوس: ما ترى كتب ~~لها؟ قال: صه فإن ms106 الورقة معي. ثم أرسل خادمه يدعو دارتانيان وسار وصاحبيه، لا ينطقون ~~إلا بكلمة المرور حتى بلغوا مضاربهم. # أما ميلادي فركبت الفلك فأقلع بها إلى إنكلترا. # الفصل الأربعون # | حصان سان جرفي # وجاء دارتانيان إلى أصحابه وقال: علام دعوتموني؟ فقال أتوس: لأمر سوف تعلمه، فهلموا ~~بنا الآن إلى أحد الفنادق هنا لعلنا نخلو لسرنا. ثم انطلقوا فصادفوا كريمود خادم ~~أتوس، فأشار إليه أتوس أن يتبعهم، وساروا حتى بلغوا حانة قريبة فدخلوا وإذا بها مكتظة ~~بالجند على اختلاف أجناسهم بين سكارى ومعربدين، فجلسوا يشربون. ودنا أحد الجند من دارتانيان ~~وقال له: لقد كانت فرقتك غائبة ليلة أمس، فماذا فعلتم؟ قال: فتحنا حصنا. قال: وأي حصن ~~هو؟ قال: سان جرفي، فهدمناه وتركناه مهجورا، ولا يبعد أن يرسل إليه الملك جنودا تحتله، ~~فقال أتوس: أتراهنون يا قوم؟ قالوا: علام؟ قال : على أن أذهب أنا وأصحابي الثلاثة فنأكل في ~~ذلك الحصن ونلبث فيه ساعة ثم نعود، ولا تجهلون ما في ذلك من الأخطار لأن رجال روشل على ~~مقربة منه، والرهن طعام تصنعونه لنا، فقال كبيرهم: رضينا، فاذهبوا. فدنا دارتانيان من ~~أتوس وقال له: إن علينا في ذلك لخطرا. قال: لا بأس، فإنا نخلو هناك، ثم عينوا الساعة ~~وانطلقوا وكريمود وراءهم يحمل الزاد حتى بعدوا عن الناس، فقال أتوس: إن لدينا أمورا خطيرة ~~نريد أن نتكلم فيها، ولا نأمن أن يسمعنا أحد إذا تكلمنا في الحانة. قال: وما علينا إذا ~~ذهبنا إلى شاطئ البحر؟ قال: أخشى أن يرونا فيرتابوا بنا فنتهم بدسيسة أو مؤامرة ولا ~~نأمن على أنفسنا من أن يبلغ الكردينال أمرنا من طير السماء أو سمك البحر أو ~~وحش القفر، ولا خوف علينا من الموت هنا، فإن قتلى الحصن تخدمنا. قالوا: وكيف تخدم ~~الموتى الأحياء؟ قال: نتقي بهم من يهاجمنا فيكونوا لنا جنة ولنا فيه مآرب أخرى ~~من بنادقهم وسيوفهم وذخيرتهم، فقال كريمود وقد جلس على ~~الأرض: أنا لا أذهب يا سيدي، فإني أخشى الهلاك. فأخرج أتوس غدارته وقال: أطع أو ~~تهلك. فقام المسكين يمشي ms107 وهو يتعثر في أذياله خوفا وفرقا حتى بلغوا الحصن، فصعدوا ~~إليه وأشرفوا على أصحابهم في الحانة، وأشاروا إليهم بالتحية، ثم نزع أتوس قلنسوته ~~ووضعها على سيفه ونصبها كالراية. # الفصل الحادي والأربعون # | محادثة الحراس # ولما دخلوا الحصن لم يجدوا فيه سوى بضعة عشر قتيلا من الفرنسويين والروشليين، فأخذ ~~الغلام يهيئ المائدة، وقال أتوس لأصحابه: اجمعوا بنادق القتلى وذخائرهم وأنا أحدثكم، ~~فليس للموتى آذان تسمعنا. فجمعوا ما تيسر لهم جمعه ثم جلسوا على الخوان، فقال ~~دارتانيان لأتوس: ألا تخبرنا الآن بسرك؟ قال: بلى، فقد رأيت ميلادي أمس. وكان دارتانيان ~~قد أدنى الكأس إلى فيه، فأمسكه وقال: رأيت امرأة ... فقال له: صه، فلا يعرف ذلك أحد غيرك. ~~قال: وأين رأيتها؟ قال: على مقربة من هنا في فندق برج الحمام. فقال دارتانيان: إني إذن ~~هالك. قال: لا يكبرن عليك الوهم، فإني أظنها رحلت عن فرنسا الآن. فقال بورتوس: وما ~~عساها تكون هذه؟ قال: امرأة جميلة غاظها دارتانيان فعزمت على قتله وطلبت رأسه من الكردينال. ~~فقال دارتانيان: وكيف ذلك؟ قال: نعم، سمعتها أنا وأراميس. فقال دارتانيان: لم يعد في ~~القتال والجهاد فائدة، ولم يبق لي إلا أن أقتل نفسي بيدي، فما أرى لي مطمعا في ~~الإفلات من أعداء مثل الكونت دي ويرد وميلادي والكردينال، وهو ضغث على إبالة، ~~والرجل الذي خاصمته في مينك. قال: خفض عليك أيها الصديق فإنهم أربعة ونحن أربعة، كل واحد ~~لواحد. ثم التفت إلى كريمود فرآه يرتعد خوفا، فقال له: ما بالك لا أم لك؟ قال: ~~داهمتنا سرية يا مولاي. قال: وكم عددها؟ قال: ستة عشر فاعلا وأربعة عساكر على بعد ~~غلوة منا. قال: فاستعدوا يا قوم. فهب الحراس إلى السور فرأوا الجيش ~~مقبلا، فاصطفوا ووضعوا كريمود وراءهم ليحشو لهم البنادق، وصعد أتوس على ثلمة ~~السور وبندقيته في يده الواحدة وقلنسوته في الأخرى وقال للسرية: يا قوم، نحن ~~جماعة جئنا إلى هنا لنأكل، فإذا كان لكم عمل فأنظرونا حتى نفرغ فنذهب وتدخلون، فقال له ~~دارتانيان: حذار يا أتوس، فإني أراهم يسددون ms108 بنادقهم إليك. قال: لا بأس، فإنهم نبط ~~لا يحكمون الرمي ... وما أتم كلامه حتى دوى الرصاص عن جانبيه، فأطلق وأصحابه ~~بنادقهم فأصابوا أربعة، فسقطوا ثم ثنوا عليهم فأصابوا منهم مثل ذلك وفر الباقون عائدين ~~على أعقابهم. فعمد الحراس إلى أسلابهم فأخذوها وعادوا إلى طعامهم، وأخذ الخادم يحشو ~~البنادق. واستأنف أتوس كلامه فقال: وكان ذهاب ميلادي إلى إنكلترا بنية قتل بيكنهام ~~إما بيدها أو بأن تغري به أحدا، فقال دارتانيان: تلك إذن خيانة وغدر. قال: أنا قليل ~~الاكتراث في مثل ذلك، وسيان عندي قتلته أم لم تقتله. ثم التفت إلى الخادم وقال له: ~~خذ عصا واربط بها منديلا وانصبها لنا علما ليعلم رجال روشل بأنهم يحاربون أبطال ~~فرنسا. ففعل، وأخذ العلم يخفق فوق رءوسهم، فقال دارتانيان: كيف يقل اكتراثك بقتل ~~الدوق بيكنهام وهو لنا صديق؟ قال : لا، بل هو عدو، أما تراه يحاربنا؟ قال: أولا تذكر ~~الأفراس التي هادانا بها، فإني والله لست بجاحد حبه؟ قال: سنرى في ذلك، ثم إن ميلادي ~~أخذت من الكردينال صكا تأمن به عاقبة ما تفعل. قال دارتانيان: وهل لم يزل في يدها؟ ~~قال: لا، فهو عندي فدونكه. وأخرجه من جيبه، فأخذه دارتانيان وقرأه حتى انتهى ثم قال: ~~أرى أن نشقها؟ قال: لا والله ولو ملئت لي ذهبا ما شققتها. قال: وما ترى تصنع ميلادي؟ ~~قال: تكتب إلى الكردينال أن أتوس أحد الحراس قد سلبها الصك، فيقبض الكردينال على دارتانيان ~~أولا ثم يقبض علي ويودعني سجن الباستيل. قال دارتانيان: أراك تمزح؟ قال: والله بل هي ~~الحقيقة، فما نصنع؟ قال: قد عن لي رأي ... وما أتم كلامه حتى صاح بهم كريمود: سلاحكم ~~فاستعدوا. فهبوا إلى بنادقهم ونظروا فإذا فرقة من الجند مقبلة عليهم، فقال أراميس: أرى ~~أن نرجع، فقال أتوس: إن ذلك لا يكون أبدا لأسباب ثلاثة، أولها أنا لم نفرغ بعد من ~~الطعام، والثاني لا يزال في صدرنا كلام نحب أن ننفثه، والثالث أن الساعة لم تنقض ~~بعد. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: نطلق عليهم الرصاص حتى ms109 ينفد، وإذا بقيت منهم بقية ~~واستمرت نحونا نمهلها حتى تصير تحت الحائط ندفع الجدار عليها وهو مهدم لا يلبث أن ~~يهوي فنقتلهم عن آخرهم. قالوا: أصبت، ثم صوبوا بنادقهم وأطلقوها فقتلوا أربعة، ~~ثم أتبعوها بمثلها فقتلوا أربعة آخرين، ولم يزل من بقي منهم يتقدم حتى بلغوا خندق ~~الحصن وهم اثنا عشر رجلا، فقال أتوس: ادفعوا عليهم الجدار. فدفعوه، فسقط عليهم يهوي عليهم، ~~ثم علا صراخهم وارتفع غبار الحائط، فقال أتوس: أظنهم ماتوا جميعا. ثم تطلع وقال: أرى ~~ثلاثة منهم يركضون مخضبين بالدماء. قالوا: دعهم، فقد انقضت الساعة. ثم التفتوا إلى ~~دارتانيان وقالوا: ما الرأي الذي عن لك؟ قال: أن أذهب إلى إنكلترا وأقابل بيكنهام. فقال ~~أتوس: ليس ذلك بصواب. قال: لماذا؟ قال: لأنك عندما ذهبت أول مرة لم يكن بيننا وبين إنكلترا ~~حرب، أما الآن فيحسب ذهابك خيانة. فقال بورتوس: وأنا قد لاح لي خاطرة. قالوا: ما ذاك؟ قال: ~~أستأذن دي تريفيل وأتبع ميلادي حتى أدركها وهي لا تعرفني فأقتلها وأعود إليكم. فقال ~~أراميس: عيب على الرجال أن تقتل النساء، وإنما نحن أبطال. # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # ولكن بدا لي رأي وعساني مصيب فيه، وهو أن نخبر الملكة بالأمر. قال أتوس: ذلك مستحيل ~~الآن؛ إذ لا يمكن أن تصل رسالة إلى باريز على بعدها منا من غير أن يدري بها المعسكر. ~~قال: إذا كان المحظور من هذا القبيل فلا بأس، وعلي قضاء الأمر، فإني أعرف شخصا في تور ... ~~ثم احتبس لسانه حياء، فقال دارتانيان لأتوس: ما رأيك في ذلك؟ قال: لا أنكره، ولكني لا ~~أراه يتم حتى يعرف به الكردينال. قال: سنرى في ذلك، ولكني أسمع صوت البوق، فما ذاك؟ قال: قد ~~وجه إلينا القائد فرقة تحاربنا، وأنا أسمع صوت البوق يدنو فما رأيكم؟ قال: دعوهم. ثم ~~أشار إلى كريمود أن يصف القتلى على الحائط بقبعهم وعليهم سلاحهم، ففعل واستحسنوا رأيه، ~~فقال: فلنرجع الآن إلى رأيي. قالوا: ما ذاك؟ قال: أظن أن لهذه الامرأة الفاجرة سلفا؟ ms110 قال: ~~نعم، وهو يدعى اللورد ونتر، مقيم في لندرة الآن، وهو لي صديق. قال: فإن كنا لا بد ~~مرسلين فإلى هذا نخبره بالعزم الذي عزمت عليه ميلادي ليترقبها ويودعها السجن. فقال ~~دارتانيان: بالصواب أشرت، ولكني أرى أن نخبر الملكة أيضا. قال: وأنى لنا من ~~يذهب إلى تور ولندرة. قال أراميس: خادمي بازين. فقال دارتانيان: وخادمي بلانشت. فقال ~~أراميس: ذلك الرأي السديد لأنا لا نقدر أن نفارق الجيش، وأما الغلمان فليس ذلك ~~بمحظور عليهم، فنكتب رسالتين اليوم ونرسلهما. ثم التفت دارتانيان وقال: أرى البيارق تخفق ~~على مقربة منا، فقد داهمتنا السرية من غير شك، فقال بورتوس: وما الفائدة من وضع ~~القتلى بسلاحهم؟ قال أتوس: نوهم الأعداء أنهم أحياء، فيلهون برميهم حتى ننجو. ~~ثم أخذ الراية التي نشرها وانطلقوا وهم يسمعون طلقات البنادق على القتلى ويضحكون، حتى ~~دنوا من أصحابهم الفرنسويين، فقابلوهم بالتهليل والتكبير، وكانوا يتشاورون في بيع خاتم ~~دارتانيان وإرسال الرسالتين بثمنه، فوعدهم دارتانيان ببيعه، ثم قابلوا الجند فهنأوهم ~~بالسلامة وأثنوا على شجاعتهم، وبلغ الخبر الكردينال فسر منه وقال: لا بد من أن ~~أضمهم إلى حرسي، ثم لقي دي تريفيل فأخبره بالأمر وهنأه بشجاعة رجاله، فقال: ليس ~~كلهم رجالي يا مولاي، فإن دارتانيان من حرس دي زيسار. قال: يجب أن يكون منهم مذ الآن، فلا ~~يجمل بنا أن نفرق بينهم وهم أصدقاء. فشكره دي تريفيل على ذلك وأخبر دارتانيان، ~~فسر سرورا عظيما وذهب إلى دي زيسار يشكره ويستأذنه بالانضمام إلى أصحابه، فهنأه ~~القائد بالرتبة الجديدة، وابتاع منه الخاتم الذي أخذه من الملكة بسبعة آلاف دينار. # الفصل الثاني والأربعون # | الرسالتان # ولما كان المساء اجتمع الحراس الأربعة في مضرب أتوس ليتداولوا في إنشاء الرسالتين لسلف ~~ميلادي، وللشخص الذي في تور، وفي إرسال الغلمان في إيصالهما، فأقاموا يتجادلون في من يرسلون ~~وكل منهم يمدح من خادمه ويطلب إرساله ويطنب فيه بالشجاعة والأمانة، فقال أراميس: لقد ~~وهمتم يا قوم، فليس القصد في الخادم أن يكون أمينا شجاعا، بل أن يكون محبا للمال ~~حريصا عليه، بحيث ms111 يمكن أن يغرى به فيجتهد في أداء الرسالة. قالوا: صدقت، فمن لنا برجل يقطع ~~فرنسا وهي مكتظة بالجواسيس ثم يذهب إلى إنكلترا فيكلم أهلها بلسانهم؟ فقال دارتانيان: ~~نكتب له كتابا لا يرتاب فيه أحد أنه من صديق إلى صديقه ولا دخل للسياسة فيه، فقال أراميس: ~~أنا أكتبه، ثم استمد القلم وكتب: # أيها اللورد # إن كاتب هذه الرسالة قد أسعده الدهر بأن بارزك في شارع لانفير، ولما كنت لي ~~صديقا رأيت أن أحذرك من إحدى ذوي قرباك تحاول قتلك باعتقاد أنها وريثتك، وهي ~~امرأة قد تزوجت في فرنسا ثم تزوجت في إنكلترا، وهي سائرة إليك الآن فترصدها ~~فإن مقاصدهما عظيمة سيئة، وإذا شئت دليلا على صدق كلامي فاقرأ ما هو منقوش على ~~كتفها الأيسر. # فقال أتوس: لقد أحسنت في البيان، ولكن من أين لنا المال لإرسال الخدم؟ وأين خاتمك يا ~~دارتانيان؟ قال: عندي خير منه. ثم أخرج الكيس ودفعه ~~إليهم، فقالوا: كم فيه؟ قال: سبعة آلاف دينار. قالوا: تكفي. فاكتب الآن يا أراميس إلى ~~الملكة وحذرها على بيكنهام، فإن لك صديقة في تور على ما تقول، فكتب: # ابنة العم العزيزة # إن الكردينال - حفظه الله تعالى وأمتعنا به - قد أوشك أن ينتهي من حرب الإنكليز ~~لعجزهم عن إرسال عمارتهم بما يعترضهم من حرج الموقف، وفي ظني أن بيكنهام لا يقدر ~~على المجيء إلى الحصار لحائل يحول دونه، فإن الكردينال أشهر سياسي لم يقم له ~~مثيل ولن يقوم، فأخبري بذلك أختك، ثم إني قد حلمت أن بيكنهام اللئيم قد قتل ~~ولا أذكر كيف كان ذلك بسم أم بجارحة، إلا إني أذكر أني رأيته قتيلا، وأنت ~~تعلمين أن أحلامي لا تكذب، فأيقني بعودتي إليك. والسلام. # فقال أتوس: لله درك ما أرق تلطفك وتلميحك، وأبصرك بضروب البيان، فعنون ~~الكتاب. قال: ذلك سهل، وكتب: «إلى ماري ميشون قصارة ثياب في تور». فجعل أصحابه يتغامزون ~~ويتضاحكون من قوله، فقال: تعلمون يا قوم أنه لا يقوم بهذه الرسالة إلا بازين خادمي؛ لأنه ~~يعرف صاحبتها وتعرفه، فلا تسلم رسائلها ms112 لغيره. فقال دارتانيان: كذلك لا يقوم برسالة ~~لندرة إلا بلانشت لأنه ذهب إلى تلك البلاد فهو يعرف أن يقول لهم بلغتهم أين الطريق وإني ~~آت من قبل دارتانيان. فقال أتوس: إذن يذهب بلانشت إلى لندرة ويأخذ لنفقته سبعمائة دينار ~~للذهاب ومثلها للإياب، ويأخذ بازين ثلاثمائة لذهابه ورجوعه. فدعا دارتانيان ببلانشت وأغراه ~~بالمال وأوصاه بالتحفظ على الرسالة، وأن لا تصل إلى غير صاحبها، فقال: أضعها يا مولاي في ~~بطانة ثوبي وإذا اضطررت أبتلعها فلا تظهر بعد ذلك أبدا، وإني سأحفظها غدا عن ظهر ~~قلبي. فقال له أتوس: إياك والإفشاء؛ فإنك بذلك تعرض مولاك للقتل، ووالله لئن فعلت ~~لأطلبنك بين سمع الأرض وبصرها، فلا أدع فيك عضوا يتصل بآخر، ولك ثمانية أيام ~~تذهب فيها ثم تعود في مثلها. فلما كان اليوم الثاني ركب وودع القوم، فدنا منه دارتانيان ~~وقال له: تقول لدى ونتر أن يحرص على حياة بيكنهام، فإن قوما يطلبونها، وإياك أن تظهر ~~ذلك لغير اللورد. قال: نعم. وركض جواده وسار. وفي اليوم الثاني ذهب بازين رسالة تور، وكان ~~موعد عودته إلى ثمانية أيام. # فلما كان اليوم الثامن عاد بازين من توار بجواب الرسالة، فقرأه أراميس وإذا به: # ابن العم العزيز # قد عرفنا أحلامك وجزعنا لها لو كانت تصدق، ولكنها أضغاث أحلام وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين. والسلام عليك. # ماري ميشون # وبعد أيام قلائل - رأوها كالأعوام - وفد بلانشت برسالة فيها: «أشكرك فكن مطمئنا»، ~~فأخذها وأحرقها، ثم نام وأصحابه براحة لم يذوقوها من قبل. # الفصل الثالث والأربعون # | الكرب الشديد # أما ميلادي فسار بها الفلك إلى إنكلترا وهي تهدر كالبعير غيظا وحنقا، وطلبت ~~من الربان أن يعود بها إلى فرنسا، فأبى خشية من أن يقع في أيدي الإنكليز، حتى همت ~~بإلقاء نفسها في البحر والعود سابحة. ولم يزل الفلك ماخرا بها حتى بلغت إنكلترا. ~~وكان وصولها في اليوم الذي بارحها فيه بلانشت، وكانت بورت سموت غاصة بجماهير المتفرجين ~~على فلك جديدة ينزلونها في البحر، وكان على المينا ضابط يستقري وجوه النازلين من ~~الفلك ms113 حتى بلغت إليه ميلادي، وكان الليل قد أقبل، فدنا منها وتأملها مليا حتى ارتاعت ~~منه وأجفلت إلى الوراء، فأشار الضابط إلى أحد الخدم أن يحمل متاعها، ثم مد إليها يده ~~وقال لها: اتبعيني، فقالت له: من أنت؟ ومن وكلك بي؟ قال: إنك ترين من ثيابي أني ~~ضابط بحري. قالت: وهل للضابط البحري إذن بأن يعقل الناس؟ قال: نعم، ولا سيما الغرباء في ~~أيام الحرب؛ إذ يؤخذون إلى مكان تخفرهم فيه الحكومة. فقالت: ولكني لست بغريبة، بل أنا ~~إنكليزية واسمي ميلادي كلاريك. قال: ذلك لا يفيد، فاتبعيني. ثم قادها إلى عربة وركب ~~وإياها وسارت بهما العربة سيرا حثيثا حتى أبعدت عن البلد، فأطلت ميلادي من نافذتها ~~وقالت: إلى أين تذهب بي؟ فإني لا أرى البلد. فلم يجبها الضابط بشيء، فقالت: إني لا ~~أعدو هذا المكان ولا أذهب إلى ما بعد هنا، فإن لم ترجعني لم تأمن عقابي. فلم يجبها ~~واستمر في السكوت، فأخذت تصيح: إلي إلي، فقد هلكت. ولا يجيبها إلا الصدى. فهمت بفتح ~~باب العربة والوثوب منها، فأمسكها الضابط وقال: إياك والتغرير بنفسك، فإنك تقتلين. ~~فقالت: ألا تخبرني بالله أبأمرك أم بأمر الحكومة أم بأمر أعدائي تفعل بي ذلك؟ قال: لا ~~أعاملك إلا كما نعامل كل غريب يطأ إنكلترا في هذه الأيام. قالت: إذن أنت لا تعرفني؟ قال: ~~لا، فهي أول مرة رأيتك فيها. قال: نشدتك الله، أما في قلبك شيء مني أو حقد علي؟ قال: ~~لا والله لا أرب لي فيك ولا ثأر لي عليك. # وبعد ساعة وصلت العربة إلى قصر هائل المنظر عالي البناء مقفر الجوانب يضرب البحر جدرانه ~~فيسمع له صوت كالرعد، فدخلت العربة تحت قنطرتين ثم وقفت في ساحة واسعة مظلمة، فنزل ~~الضابط وأنزل ميلادي، فقالت: إذن أنا في سجن، ولكن مقامي لا يطول فيه بهمتك أيها الفتى إن ~~شاء الله. فلم يجبها بكلمة، بل أخرج من جيبه بوقا صغيرا ونفخ فيه ثلاث نفخات، وإذا ~~برجال تقاطروا إليه، فقادوا العربة إلى داخل القصر وأخذ الضابط ميلادي ms114 فمشى بها نفقا ~~طويلا وصعد في سلم انتهى منه إلى غرفة، ففتحها وأدخلها فيها، ثم دخل الخادم بمتاعها ~~وهم في صمت دائم، فعلمت أنها أسيرة. وطال سكوت القوم حولها، فقالت: بالله يا سيدي ما هذا ~~الذي أرى؟ أخبرني بحقيقة الأمر فإني جليدة على المصائب، فأين أنا؟ وما عساني أكون هنا؟ ~~أطليقة؟ فلماذا أرى الحراس حولي؟ أم أسيرة؟ فأي جريمة اجترحت؟ فقال الضابط: إنك يا ~~سيدتي في المكان الذي أعد لك، وقد كان إلي الأمر أن أذهب إلى البحر فآتي بك إلى ~~هنا. وقد فعلت كما رسم لي وقمت بما ندبت إليه وما يقتضيه شرفي وحرمتي من التجمل ~~معك وعدم الغلظة لك، أما بقية أمرك فلا يد لي فيها ولا علم لي بها، فهي منوطة بغيري. ~~قالت: ومن عساه يكون؟ وما أتمت كلامها حتى سمعت خفق أقدام تقترب، قال لها الضابط: ~~ذلك الذي سألتني عنه. ثم انفتح الباب فظهر منه رجل بغير قبعة وإلى جنبه سيف وفي يده ~~منديل، فدنا منها فقالت: هذا أنت يا أخي؟ قال: نعم. قالت: فما هذا القصر؟ قال: لي. قالت: ~~وما هذه الغرفة؟ قال: لك. قالت: إني إذن أسيرتك؟ قال: تقريبا، فاجلسي أحدثك كما يحدث ~~الأخ أخته، ثم التفت إلى الضابط فقال له: عافاك الله يا فلتون، فدعنا الآن واذهب. # الفصل الرابع والأربعون # | محادثة الأخ والأخت # فقال اللورد: أراك قد عدت إلى إنكلترا خلافا لما قلته لي من أنك لا تدخلينها أبدا، ~~فما بدا لك؟ قالت: أخبرني قبلا كيف عرفت بقدومي وساعة وصولي في الفلك الذي حملني ~~وباسمي الذي تسترت به؟ قال: بل قولي لي أنت ما قصدك في المجيء إلى إنكلترا؟ قالت: ~~أتيت لأراك. فقال اللورد منذهلا: لتريني؟ قالت: نعم لأراك، وأي عجب في ذلك؟ قال: ليس لك ~~في دخول إنكلترا قصد سوى ذلك؟ قالت: لا. قال: إذن لأجلي وحدي قطعت المانش؟ قالت: نعم. ~~قال: لله ما أشد حنوك وحبك يا أختاه! قالت: أولست أقرب الناس إليك وأمسهم ~~رحما بك؟ قال: نعم، حتى إنك الوريثة ms115 الوحيدة لي. فارتاعت ميلادي لتلك العبارة وقالت: لا ~~أفهم يا ميلورد ما تقول ولا ما تقصد في كلامك. قال: لا شبهة في قولي، فإنك اشتقت ~~إلي فأتيت لتريني، فأنفذت إليك أحد خدمي يقودك إلى قصري هذا حيث تريني كل يوم فينطفئ ~~ما بك من غلة الشوق إلي، فأي إبهام في ذلك وأي عجب؟ قالت: إني لأعجب كيف علمت ~~بقدومي. قال: ذلك هين، فإن رئيس الفلك بعث إلي من أعلمني فأرسلت إليك من أتى ~~بك. فعلمت ميلادي أنه يكذب عليها، فقالت: أوليس اللورد بيكنهام الذي أبصرته واقفا على ~~الشاطئ؟ قال: نعم، وهو يهمك جدا، بل يهم فرنسا، بل يهم صديقك الكردينال، ولكن ما لنا ~~ولهذا الآن؟ قلت إنك آتية لمرآي؟ قالت: نعم. قال: وقد أعددت لك مكانا أراك فيه كل ~~يوم كما تحبين. قالت: إذن أقيم هنا أبدا. قال: وهل في ذلك ما يسوءك. قالت: إني هنا ~~منفردة ليس معي خادماتي، وهو ما يوجب علي الملل. قال: يكون لك ذلك، ولكن ألا تخبرينني أين ~~زوجك الأول الفرنساوي؟ قالت: أظنك تمزح يا ميلورد. قال: ليست تلك عادتي. قالت وقد نهضت من ~~مكانها واقفة: إذن أن تسخر بي وتهينني؟ قال: ولا ذلك. قالت: فإذن أنت سكران أو قليل الحياء، ~~فاخرج وابعث لي بامرأة. قال: إن النساء غير كتومات للسر، فلو بقي السر بينهن فهو أولى ~~وأستر. فقالت وقد هاجها الغضب: اخرج يا شقي. ثم هجمت عليه كاللبؤة فردها بشماله وأهوى ~~بيمينه على سيفه، وقال: أعرف أنك معتادة قتل الرجال، فأنا أحذر منك. قالت: أف لك، أتمد ~~يدك إلى النساء؟ قال: ليست يدي بأول يد مدت إليك. وأشار بإصبعه إلى كتفها حتى مسه، ~~فأجفلت إجفال الحمل وعادت حتى لصقت بالحائط وهي ترغي وتزبد، فقال: احنقي ما شئت ~~بشرط أن لا تؤذي، فإن حاولت ذلك أشكوك بخيانة أخي وأدمغ كتفك الآخر. فهاجت ميلادي لذلك ~~هياجا شديدا حتى صارت عيناها كالدم، فقال: أنا أعلم أنك ورثت أخي وتودين أن ترثيني، ~~كأنك لست قانعة بما عندك من ms116 وافر الثروة، فاعلمي أنك تقيمين هنا عشرين يوما حتى أذهب ~~بالجيش إلى روشل، ولكن قبل أن أذهب بيوم أرسلك إلى مستعمراتنا في الشمال حيث تقضين غابر ~~أيامك منفية فلا تعودين، أما الآن فأنت في قصر متين الجدران شاهق البناء موصد الأبواب ولا ~~نافذة لك إلا على البحر، فلا تقدرين على الفرار، وعلى بابك حراس أشداء أمناء، ولا ~~ترين إلا ضابطي هذا الذي جاء بك من البحر، وهو أصم أبكم لا يكاد يتكلم كما رأيت ~~منه ولا ينخدع لك فيما أظن. ثم أقبل إلى الباب ففتحه وقال للحارس: علي بفلتون. ثم ~~دخل الفتى وأقفل الباب وراءه، فقال له ونتر: انظر إلى هذه المرأة وجمالها الفتان ووجهها ~~الصبوح واعلم أنها شيطان في صورة إنسان وفي عنقها جرائم لا تحصى، تستخدم جمالها هذا في ~~سبيلها، فإياك وإياها واحذر أن تغرك أو تفتنك أو تسعى في قتلك؛ فقد انتشلتك يا ~~فلتون من حضيض الفقر ومهاوي الذل ورفعت مكانك وخلصتك من الموت، فأنا لك أب ~~وصديق، فاحرص على هذه الامرأة فهي آتية إلى هنا لتقتلني، واحلف لي أنك لا تخون. فحلف، فقال ~~له اللورد: لا تدعها تخرج من هذه الغرفة قط، ولا تكلم أحدا سواك إذا تدانيت وكلمتها. ~~فقال الفتى: كفى يا مولاي تشديدا، فقد أقسمت. فالتفت اللورد إلى ميلادي وقال: إذن فاهدئي ~~ولا تحاولي شرا فيعود عليك أعظم منه. ثم خرج وتبعه فلتون، وجاء حارس شاهر سيفه يحرس ~~ميلادي، وأقامت في هم شديد يشيب ناصية الصبي ويهرم. # الفصل الخامس والأربعون # | عود إلى فرنسا # وكان الكردينال في أثناء ذلك يتقلب على أحر من الجمر في انتظار أخبار من إنكلترا فلا ~~يرده شيء منها، وكانت مدينة روشل في ضيق عظيم وحصار شديد حتى قلت مئونتها ونزفت ذخيرتها، ~~فجعلت تبعث الرسل إلى بيكنهام في طلب المدد، فيأخذهم الفرنسويون ويصلبونهم، وكان مع آخر ~~رسول منهم كتاب يقولون لبيكنهام في عرضه: «إذا لم يصلنا مدد بعد خمسة عشر يوما متنا ~~جميعا من الجوع.» # وكان جل اعتمادهم في الحصار على ms117 بيكنهام، فدافعوا أشد الدفاع وقاتلوا عن الأسوار قتالا ~~أحبوا معه الموت؛ لأنهم كانوا فرنسويين يحاربون أمثالهم، ولسان حالهم ينشدهم: # إذا ما أخ جر الرماح انتهى له # أخ لا بليد في الطعان ولا وغل # بطعن يكب الدارعين دراكه # وضرب كما ترغو المخزمة البزل # وكان الكردينال لقلة توارد الأخبار إليه من إنكلترا في هاجس عظيم وبلبال زائد، ~~ولا سيما من نحو ميلادي؛ إذ كان اعتماده عليها، وهو لا يدري أعن خيانة منها كان ~~انقطاعها أم عن مكروه أصابها، فأقام المتارس وشدد التضييق على المدينة. وكان يرمي مع ~~السهام أوراقا يثير الروشليين فيها على زعمائهم؛ حتى أثر ذلك فيهم تأثيرا شديدا وكادوا ~~يخابرون عساكر الملك، لولا أن ورد إليهم رسول من إنكلترا، وقال لهم إن الإنكليز يعدون ~~لهم أساطيل عظيمة، وقد واطئوا الإسبان على دخول فرنسا وافتتاحها، فنشرت بذلك الأوراق ~~في الشوارع، فتشددت بها العزائم وقويت القلوب وعاد الدفاع إلى أشد ما كان عليه من ~~قبل؛ فأثر ذلك في ريشيليه أشد التأثير، فكان جيشه في سرور ونعيم بين السكر والنزهة، ~~وهو في قلق دائم لا يقر له قرار، فكان يخرج في بعض أصحابه يتفقد أحوال الجيش ويذهب عنه ~~بعض ما به من الهم بالنزهة والتجول، حتى إذا كان ذات مرة ومعه رجلان من أتباعه مر ~~بكثيب من الرمل عليه سبعة رجال، أربعة منهم يقرأن كتابا والثلاثة يراقبون المارة وهم ~~الحراس وغلمانهم، فلما رأى أحد الغلمان الكردينال صاح بالأربعة فأخفوا الكتاب ووقفوا، ~~فحيوه، فقال لهم: أراكم تحترسون بغلمانكم يا قوم؟ فقال أتوس: نعم يا مولاي، فنحن أعظم ~~من أن لا نحترس إذا فرغنا من أعمالنا، ولولا ذلك لم ننتبه لسيدي الكردينال ونقض الواجب ~~من تحيته. قال: أتدرون من تشبهون باجتماعكم هذا وسيوفكم على عواتقكم؟ قالوا: لا. ~~قال: تشبهون قوما في خلوة سرية لا يريدون أن يعرف أحد ما هم فيه. فهاج أتوس لذلك وتقدم ~~إلى الكردينال، وقال: سل يا مولاي ما بدا لك وأنا أجيب. قال: أنت مخبري ما هذه الرسالة معكم ~~ولم أخفيتموها ms118 عند وصولي. قال: رسالة عشق يا مولاي. قال: ألا أطلع عليها فإني كاهن لا ~~تمنع عني الأسرار. فقال أتوس - وقد غاظه ذلك: هي رسالة يا مولاي لا شيء فيها من ماريون دي ~~لورم ولاراكوبيلون (وهما عشيقتا الكردينال). فاصفر وجه الكردينال من الغيظ والتفت إلى ~~صاحبيه يريد أن يأمرهما بالإيقاع بالحرس، ولكنه تبين جسامة العمل، وردته هيبة الأمر ~~وخوف الفشل؛ لأنهم ثلاثة والحراس أربعة، فعاد عن عزمه وقال: لا بأس عليكم ولا خوف منكم. ~~وحياهم وانصرف وفي قلبه حزازات، فأتبعوه النظر حتى غاب، فقال أتوس لأراميس: هل عزمت على ~~أن تعطيه الرسالة؟ قال: كنت عازما لو شدد في طلبها على أن أعطيه إياها بيد والسيف ~~بالأخرى فأطير رأسه. قال: قد توقعت منك ذلك فحلت بينك وبينه، فاقرأها الآن. فقرأ: # ابن العم العزيز # أما بعد. فقد عزمت على الذهاب إلى ستينالي؛ لأن أختي قد بعثت بخادمتها إلى دير ~~هناك للكرمليين؛ إذ خشيت عليها من القتل، وفي عزمها أن تخرجها منه متى انتهت ~~المشاكل الحاضرة، وهي شاكرة لك على ذكرك إياها وتسلم عليك. والسلام. # ماري ميشون # فصاح دارتانيان: يا بشراي، كونستانس حبيبتي في الحياة، فبالله قل لي أين تكون ستينالي ~~لأذهب فآخذها من الدير. قال: على مقربة من حدود الألزاس واللورين، فمتى انتهى الحصار ~~نذهب جميعا.، فقال أراميس: ولا يبعد أن ينتهي؛ فقد علمنا أن الروشليين قد فتك بهم ~~الجوع ولا يبعد أن يسلموا. فقال دارتانيان: والآن، فما تصنع بالرسالة؟ فإني أخشى إذا ~~أحرقتها أن يرى الكردينال رمادها. فقال أتوس: علي إخفاؤها، ثم دعا بخادمه فقال له: ~~كل هذه الورقة واشرب عليها رطلا من النبيذ. فأخذها الغلام ولاكها حتى ابتلعها وشرب بعدها ~~نبيذا، وكان الكردينال أثناء ذلك يسير وهو يقول: لا بد لي من إدخال هؤلاء الرجال في ~~خدمتي. # الفصل السادس والأربعون # | اليوم الأول من أسر ميلادي # أما ميلادي فلم تزل على ما تركناها عليه من اليأس من الفرج والقنوط من الإطلاق وفي ~~قلبها غصص من دارتانيان، كيف لم تشف غليلها منه مما ms119 فعل بها من خرق الحرمة والامتهان ~~والتلبس بالكونت دي ويرد واكتشاف سرها واستخلاص صديقه منها ورقة الكردينال، وتوصلها بسببه ~~إلى ما لا تحب من النفي إلى أميركا. فكانت على حالها تلك من القلق والهم تنظر في عظم ~~مصابها، وتفكر في سجنها ومصيرها، فتضيق بها الدنيا ويستحيل لديها الخلاص، ثم تعود إلى ~~التأسي والسلو وتنظر صورتها في المرآة فترى نفسها على جمال باهر وحسن فائق ~~يسبي العقول ويدهش الأبصار. وفيما هي كذلك بصرت بسرير في غرفتها فتوسدته، وكان الظلام ~~قد أقبل فرأت نورا يضيء من خصاص الباب، ثم سمعت خفق أقدام ورجلا يقول: ضع هذه ~~المائدة هنا وأنر المصباح، ثم نبه الخفراء. فلاح لميلادي أن تستعمل بعض الخداع لعلها ~~تطغي خفراءها؛ فتناومت كأنها لا تعلم بما يجري، فدنا منها فلتون، وقال: أراها نائمة فلا ~~حاجة لها بالطعام. ثم هم بالخروج فقال له الجندي الذي معه: يا مولاي، إنها مغمى ~~عليها، فإني لا أسمع لها نفسا وأرى وجهها شديد الاصفرار. قال: إذن فادع اللورد ونتر فلا ~~أدري ما أصنع بها. فخرج الجندي وجلس فلتون على كرسي لدى الباب، وخشيت ميلادي أن يجيء اللورد ~~فيبطل حيلتها، فرفعت رأسها وفتحت عينيها وتنهدت، فالتفت فلتون إليها وقال: ها قد أفقت ~~فلا حاجة بمقامي هنا، وإذا أردت شيئا فاقرعي الجرس. فتنهدت ثانية وقالت: وا كرباه كم ~~أتألم. فقال لها وقد نهض: إنهم يخدمونك ثلاث مرات في النهار عند الصباح والظهر والعشاء، ~~وإذا شئت أن تبدلي الوقت فلك الأمر. قالت: هل ألبث وحدي أبدا؟ قال: لا، فقد أعددت لك ~~امرأة تخدمك متى شئت، ثم خرج، فألفى اللورد لدى الباب ووراءه جندي وفي يده قليل من ~~الملح، فقال له: ما جرى؟ وماذا تريد؟ فإني لا أراها إلا وقد بدأت تتلاعب بك وأنت غر ~~لا تعرف مكر النساء. قال: لقد فطنت لذلك، ولكني رأيت من الواجب إسعاف امرأة في حال ~~الإغماء. قال: ألم تصبك عيناها وبضاضة جسمها وصباحة منظرها وسواد شعرها؟ فوالله ما أنت إلا ~~حطبة. قال: إن قلبي ms120 يا مولاي أبعد من أن يناله هوى أو يعلق به غرام. قال: أحسنت، ~~فانطلق بنا الآن ودعها تدبر حيلة أخرى. ثم أخذ بيده وخرج وجعلت تتبعه نظرها وهي ~~تقول: ويل لك من غلام غر، وسأريك فعل النساء. # فوقف اللورد على عتبة الباب وقال لها: إذا كنت جائعة فكلي واشربي مما لديك وقري عينا ولا ~~تخشي أن يكون به سم، فأنا أقوى من أن أقتلك بالسم إذا أردت إهلاكك، وموعدنا ~~إغماؤك الثاني إن شاء الله. # ثم خرج وأقفل الباب. فصاحت ميلادي كاللبؤة وأجالت نظرها في المائدة، فبصرت بسكين عليها، ~~فعمدت إليها وإذا بها مدورة الطرف ونصابها من حديد كليل، ثم سمعت قهقهة خارج الباب ~~وفتح الباب ودخل اللورد وهو يقول لفلتون: أرأيت يا فلتون كيف تتهيأ لقتلك؟ فلو أطعتك ~~ووضعت لها مدية حديدة النصل لأرتك الموت ألوانا، أوما تراها تقبض على النصاب قبضة ماهر ~~في السلاح؟ وكانت ميلادي واقفة والسكين في يدها، فقال فلتون: صدقت يا مولاي، فقد أخطأت في ~~قولي، ثم خرجا وأقفلا الباب، فأنصتت لهما ميلادي فوجدتهما قد أبعدا، فقالت: هلكت والله ~~بين قوم لا أثر لي فيهم، فهم أشد من الصخور قلوبا ومن الجماد قساوة. ثم ألقت نفسها ~~على السرير، فخطر لها قول اللورد لفلتون: «فلو أطعتك»، فاستأنست به ولاح لها من ~~خلاله أن فلتون قد كلم اللورد بشأنها. # الفصل السابع والأربعون # | اليوم الثاني من الأسر # فلما كان الصباح جاءها فلتون بالامرأة التي وعدها بها، فوجدها في الفراش وهي صفراء ~~كالبهار، فقالت للامرأة: لقد أصابتني الحمى فلم أنم سواد ليلي، وعساني أجد فيك ~~قلبا أرق من قلب غيرك. فقالت الخادمة: أتريدين أن أدعو لك طبيبا؟ وكان فلتون يسمع ~~كلامهما وهو صامت، ففكرت ميلادي في استدعاء الطبيب وخشيت أن يكشف سرها ويظهر تمارضها فتبطل ~~حيلتها الثانية كما بطلت الأولى، فقالت: لا داعي لذلك فسيان عندهم صدقت أم ~~كذبت، حتى لقد اتهموني أمس بأني أحتال عليهم. فقال فلتون: كيف ترين نفسك؟ قالت: ~~أجدني موجعة متألمة، فافعلوا ما بدا لكم. فقال ms121 فلتون للحارس: اذهب وادع اللورد. فصاحت ~~ميلادي: لا يا مولاي لا تدعه فإني بخير ما دمت لا أراه. وكان كلامها حسنا في الأذن ~~خفيفا على القلب حتى استهوى فلتون، فخطا نحوها، فقالت في نفسها: أراه يدنو من الشرك، ~~فصبرا صبرا. فقال لها: إذا كنت متألمة حقيقة فلندع لك الطبيب، وإلا فلا علينا إذا أصابك ~~مكروه. فلم تجب ميلادي بشيء، بل ألقت يدها على رأسها وأخذت بالبكاء، فأقام فلتون يتأملها ~~ساعة ثم خرج وتبعته المرأة، وبعد قليل نفضت عن نفسها المرض وقالت: يجب أن أسعى للخلاص، ~~فلم يبق لي إلا عشرة أيام. # ولما كان اليوم الثاني أتاها فلتون وبيده كتاب، فقال لها: لما كان اللورد كاثوليكيا ~~مثلك قد بعث إليك بهذا الكتاب تقرئين فيه صلاتك. فقالت: إن اللورد يعلم أني لست من مذهبه، ~~ولكنها حيلة ينصبها لي. قال: وما مذهبك؟ قالت: لا أقوله إلا متى آن لي أن أموت به شهيدة. ~~فوقف فلتون يتأملها ويعجب من محاسنها، حتى قالت: قل للورد ونتر بأني قد صرت في يد أعدائي، ~~وأنا أسأل الله أن يقرب خلاصي أو موتي؛ فإن الموت إحدى الراحتين، أما هذا الكتاب فأنت ~~أحوج إليه مني لأنك من حزب سيدك. فأخذ الكتاب وخرج بدون أن يحير جوابا. # ولما كانت الساعة الخامسة قدم إليها اللورد وجلس إليها وقال: أراك قد غيرت دينك. قالت: ~~كيف تقول؟ قال: أعني أنك لما تزوجت بأخي انصرفت عن دينك الأول، ولعلك عدت فتزوجت رجلا ~~آخر فعدت إلى دين البروتستان. قالت: أفصح يا لورد فإني أسمع كلامك ولا أكاد أفهمه. قال: ~~يلوح لي أنك كافرة لا دين لك. قالت: ذلك من طبعك يؤيده ما أراه منك، ولعلك تتكلم بهذا ~~لتثير حراسك علي. قال: كل امرئ في بيته أمير، وإذا بقيت هنا بعد ثمانية أيام فقولي ~~ما شئت. قالت: اغرب لعنة الله عليك من خادع ماكر. قال: خفضي عليك ما تقولين وإلا ~~وضعتك في سجن المجرمين. ثم خرج وهو يبربر غيظا، فصادف فلتون لدى الباب لم تفته ~~كلمة، ms122 وكانت ميلادي قد فطنت له، فقالت: اذهب وسترى على من تدور الدوائر. # ولما كان المساء جيء لها بالطعام، وكانت تصلي، فأقامت على ذلك برهة ثم جلست فأكلت ~~ثم جاءوا فأخذوا الطعام فلم تجد معهم فلتون، فظنت أنه خاف من تأثير جمالها، فضحكت ~~ضحكة الغيظ. ثم أخذت ترتل آيات الزبور وكان صوتها رخيما جدا حتى أحست بالحراس قد ~~وقفوا يسمعون لها، فأملت بعض الخير وزادت في الغناء حتى زجرها الحارس، وإذا بصوت فلتون ~~يقول له: ويحك، أمأمور أنت بمنعها عن الغناء أم أنت سيدها؟ فلست بمأذون أن تمنعها شيئا ~~سوى الفرار، فإذا حاولته فاقتلها، وذلك ما رسم لك. فسرت ميلادي لذلك واستبشرت بالنجاح ~~واستمرت في الترتيل الشجي حتى قال لها فلتون: خفضي صوتك يا سيدتي فإنك تمنعين أهل ~~القصر من النوم. قالت: إذن أمسك عن الغناء ؟ قال: لا، بل تغنين ولكن بصوت منخفض. ثم ~~لم يعد يطيق سهام لحاظها الجارحة، فتركها وخرج، فقال له الحارس: لقد أحسنت يا مولاي ~~فإن صوتها حسن ولكنه شجي. # الفصل الثامن والأربعون # | اليوم الثالث من الأسر # وكانت ميلادي ترى أن ليس عليها إلا أن تدع فلتون يبادئها بالكلام، فكانت شديدة الانتباه ~~إلى كل حركة يأتيها أو نظرة ينظرها لتستطلع من ورائها كنه أمره ودخيلة حاله. فلما كان ~~الصباح جاءها فلتون فعزمت على أن لا تفاتحه بشيء حتى يكلمها، فلم يفعل. وكانت شفتاه ~~تتحركان ولا ينطق، كأن في صدره شيئا يريد أن ينفثه فلا يقدر، حتى طال به الأمر وخرج، ~~فيئست ميلادي منه وقطعت آمالها من إسعافه. ولما قرب الظهر أتاها اللورد فأشعرت بقدومه ~~فتعامت عنه وتشاغلت بالنظر إلى ما حولها، فقال لها: أراك تتلاعبين بنا بين الجد والهزل ~~والشدة والرخاء، وما أظنك حاصلة على شيء. ثم قال: وإنك لتحبين أن يكون أمرك في يدك في ~~إنكلترا فتذهبين حيث تشائين في ذلك البحر الواسع، فرويدا رويدا تري نفسك في ذلك البحر ~~بعد مضي أربعة أيام. فجمعت ميلادي يديها ورفعت بصرها إلى السماء وقالت: اللهم اغفر له كما ms123 ~~غفرت له أنا. قال: تصلين يا فاجرة، فهي والله صلاة أطهر من أن تخرج من فمك. ثم تركها ~~وخرج، ولم يمض قليل حتى دخل فلتون وهو يسترق الخطى كأنه لا يحب أن تراه، فتغافلت عنه ~~وقالت: يا رب أتترك عدوك هذا يفعل بي ما يشاء؟ ثم التفتت إلى فلتون وقد صبغ الخجل خديها ~~فقال لها: لا تحتفلي بقدومي وامضي في صلاتك. قالت: ومن أنبأك بأني أصلي؟ قال: أراك ~~تحاولين الإنكار كأني مأمور بمنعك عن الصلاة، فإن كان لك ذنوب فادعي ربك عله أن يتوب ~~عنك إنه تواب غفور. قالت: معاذ الله أن أكون مذنبة، فلا يغرنك بي ما ترى من هذا ~~العقاب الذي ينالني، فكم من بريء مات ظلما وعند الله تجتمع الخصوم. قال: كيف كنت، ~~بريئة أم مذنبة، فأنت في حاجة إلى الصلاة، وأنا أساعدك وأدعو لك. فأكبت على رجليه ~~تقبلهما وهي تقول: لله أنت يا سيدي ما أعدلك، فاسمع مني حفظك الله ما لا أعود أقدر بعد ~~ذلك على النطق به؛ إذ يحول الجريض دون القريض، واقبل طلبات امرأة شملها ~~اليأس وأحاق بها البلاء فيما تطلبه منك، ثم تباركك في الدنيا والآخرة. قال: إذا كان لك ~~التماس فاطلبي ذلك من سيدي اللورد فلست مطلقا في أن أسامحك أو أعاقبك. قالت: لا، ~~والله لا أكلم سواك فاسمع مني ولا تزد في أحزاني. قال: إذا كنت اجترحت ما أوجب لك هذا ~~السجن فكفري عن ذنبك لله. قالت: أراك لا تفهم ما أقول كأنك تتوهم بي خشية الموت أو السجن ~~وأهون بطول الثواء والتلف عندي، أو أنك تتغابى عن كلامي أن تفهمه. قال: لا وعلم الله يا ~~مولاتي. قالت: إذن أنت لا تدري ما عزم اللورد على أن يفعله بي. قال: لا وأبي. قالت: إنه ~~أعظم من أن يخفى، فكيف تجهله؟ قال: لأني لا أعني بمثل هذه الأمور، ولم يبلغني شيء. قالت: ~~إذن لا تعرف أنه يعد لي عقابا يلبسني العار إلى الأبد، وأرى من دونه الموت. قال: ~~أخطأت يا سيدتي ms124 فإن اللورد ونتر أشرف من أن يفعل ذلك وأعلى مقاما. قالت: النفس أمارة ~~بالسوء يا فلتون، وسيان فيه الشريف والوضيع عند الخادع الماكر. قال: ومن تعنين بذلك؟ ~~قالت: رجلا في إنكلترا. قال: لعلك تريدين جورج فيليه دوق دي بيكنهام؟ قالت: نعم، ومن يجهل ~~جرائمه؟ قال: إن يد الله على الظالمين، وهو أعدل من أن يتركهم بغير عقاب. وكان فلتون في ~~كلامه عن بيكنهام يرغي ويزبد شأن كل إنكليزي تكلم عنه لأنهم كانوا يكرهونه، فقالت: ~~إذا بعثتك إلى عقاب هذا الرجل فلا يكون عقابا عني بل عن جميع الأمة. قال: وهل تعرفينه؟ ~~قالت: كيف لا وهو منشأ مصابي ومصدر كربي. ثم فتحت ذراعيها كمن مسه ألم، وضاق صدر ~~فلتون لمرآها وهم بالخروج، فأمسكته بردائه وقالت: قف بالله واسمع نشدتك الله، ألا ما ~~أتيت لي بالمدية التي أخذها مني اللورد، ولا تخيب في ذلك سؤلي فتنقذ عرضي من العار ~~ونفسي من الدنايا. قال: أتنتحرين؟ وكأنها ندمت على تسرعها في كشف أمرها، فقالت: ويلاه، قد ~~بحت بالسر فهلكت. ثم سمعت صوت أقدام فعلمت أنه اللورد، فقالت لفلتون: إياك والإفشاء ~~فإنك تهلكني فيلحقك ذنب قتلي. ثم وضعت يدها على فيه ومر اللورد بالباب ولم يقف. ~~ففتحه فلتون وخرج مسرعا، فقالت: لقد صار لي أطوع من ثواب. ثم عادت فقالت: ولعله يخبر ~~اللورد فيقتلني لأنه يعلم أني لا أقتل نفسي بيدي. وعند المساء جاءها الطعام وجاء اللورد ~~ونتر فقالت له: ألا تعفيني من قدومك علي وتكفيني شؤم منظرك؟ فقال: سرعان ما تغيرت، فقد ~~قلت إنك آتية من فرنسا لتريني، فما بالك تعتفين من زيارتي الآن مع أنها السبب. ~~فارتاعت ميلادي من كلامه وظنت أن فلتون باح بأمرها، فأخرج اللورد من جيبه ورقة وقال: هذه ~~ورقة نفيك فانظريها. فأخذتها وقرأت: «هذا أمر بأن تنفى إلى ...» فقاطعها اللورد وقال: لم ~~أكتب اسم المكان لكي أخبرك في أي مكان تريدين أن تقيمي؟ ثم عادت فقرأت: «المسماة كارلوت ~~باكسون التي وسمتها الحكومة الفرنسوية ثم أطلقتها بعد أن عاقبتها، فتقيم ms125 في ذلك المكان لا ~~تبعد عنه أكثر من ثلاث غلوات حتى تموت، وتكون نفقتها في النهار خمسة شلنات تعطى لها»، ~~ثم قالت: إن ذلك لا يوافقني، فليست تلك بكنيتي. قال: وهل لك كنية؟ قالت: نعم، لقب ~~أخيك. قال: إن أخي لم يكن إلا زوجك الثاني، فأعلميني عن لقب زوجك الأول أستبدل اسمك هذا به ~~وإلا فلا تغيير له ولا تبديل. فذعرت ميلادي لذلك وخشيت أن يكون اللورد قد عجل في ~~سفرها وأنه سينزلها في البحر في ذلك المساء، فأعادت نظرها في الرقعة فلم تر عليها توقيعا ~~فاطمأنت. ولحظ ذلك منها اللورد، فقال لها: أراك تنظرين إلى مكان التوقيع، وكأني بك تقولين ~~لم يفت الزمن، وما ذلك إلا تهويل علي ولكن سيخيب فألك ويرسل هذا الأمر غدا ~~إلى بيكنهام فيوقع عليه فتذهبين من هنا مذمومة مدحورة ، ثم خرج. فقالت له: إن ذلك شؤم ~~وعار عليك. قال: أتحبين أن أقتلك وأشهر أمرك في إنكلترا تحت اسمك الأصلي، ولو كان ~~في ذلك هتك حرمة أخي رحمه الله؟ فاصفرت ميلادي من الجزع ولم تحر جوابا، فقال: أرأيت ~~كيف تؤثرين النفي على الموت؟ فالحياة عزيزة عليك يا لكاع. ثم خرج، فقالت في نفسها: لم ~~يقل فلتون شيئا فيا بشراي. وكان لم يزل أمامها أربعة أيام وهي تكفي لأن تخدع بها ~~فلتون، إلا أنها كانت تخشى أن يكون الرسول إلى بيكنهام فيفوت قصدها، فقعدت تصلي وإذا بها ~~تسمع صوت فلتون قادما ولكنه لم يدخل، بل وقف لدى الباب برهة ثم رجع أدراجه. # الفصل التاسع والأربعون # | اليوم الرابع من الأسر # وفي غد اليوم التالي دخل فلتون على ميلادي فوجدها جالسة على كرسي تجاه الحائط وهي ~~تفتل حبلا من خرق موصلة، فلما أحست به انفتلت وأخفت الحبل وراءها، فقال لها: ~~ما هذا الذي بيدك؟ قالت: لا شيء، فإني ضجرت من الوحدة فرأيت أن أتشاغل ببعض الشيء أقطع به ~~مسافة الفراغ وسآمة العزلة. فنظر فلتون إلى الجدار فرأى فيه غدانا (كلابا) تعلق ~~عليه الثياب، فقال: أنت مخبرتي ما تصنعين ms126 قبالة هذا الجدار؟ قالت: وما يعنيك من ذلك؟ ~~قال: لا بد من عرفانه. قالت: لا تسلني بالله فإني أضطر إلى أن أكذب وهو ما يحظره ~~علي الدين. قال: إذا أنت لم تجيبي فأنا أجيب عنك، إنك تهيئين لنفسك أسباب الانتحار وهو ~~أكبر إثما عند الله من الكذب. قالت: إن الله غفور تواب لمن يختار بين العار والانتحار ~~فيؤثر الثاني. قال: بالله ماذا تعنين بذلك؟ قالت: لا يد لي في الإقرار لك بأمري وإطلاعك على ~~باطن سري، فدعني أمت فهو خير لي ولا تلحقك منه تبعة أو عقاب. قال: لا والله لا أدعك ~~تفعلين ذلك. قالت: وما عليك إذا مت فتخلص من حراستي؟ فإن دائي عضال، وكفى بي داء أن أرى ~~الموت شافيا. قال: وما فائدتي من أن تموتي فأكون شريكك في قتل نفسك لأني لم أردك؟ ثم ~~أنا متخلص من حراستك بأهون من الموت لأنك ستخرجين بعد أيام فتكون حياتك في يد غيري، وشأنك ~~بها عند ذلك. قالت: لا يحزنك موتي بالله ودعني على رأيي. قال: ذلك لا يكون أبدا لأني مأمور ~~بحفظ حياتك وأنا مسئول عنها. قالت: هو خير من أسر تكثر عاقبته بالمجرمين، فكيف ~~بالأبرياء. قال: إني جندي يا سيدتي وليس لي إلا المضي فيما سن لي. قالت: اذكر عقابك ~~يوم الدين في منعي عن قتل جسمي وإسعافي على قتل نفسي. قال: لا بأس عليك يا سيدتي، وأنا ~~أنوب عن اللورد في كلامي هذا. قالت: حماقة والله، أتنوب في الكلام عمن لا يقدر أن يتكلم ~~عن نفسه؟ إنك في ضلال بعيد. قال: لا والله لا أكون سببا لمماتك. قالت: إذن تكون سببا ~~لأعظم من مماتي وأنت مسئول عن ذلك بين يدي الله. وكان العشق قد بلغ منه أعظم مبلغ وأضر ~~به الكتمان وفتنته ميلادي بجمالها، فهام بها أشد الهيام ولاح ذلك على وجهه، وكان لسان حاله ~~ينشد: # كذا العشق لا يحلو إذا لم يكن له # شهود على وجه المحب عدول # وعلمت ذلك منه وفطنت لدخيلته، فجعلت تتغنج لديه ms127 لتزيده بها هياما ولها عشقا، ثم ~~أخذت ترتل آيات الزبور حتى دهش بحسن غنائها وصباحة وجهها وتاه عقله في حبها، فدنا منها ~~دنو العاشق وقال: من أنت؟ أملك من النعيم أم إبليس من الجحيم؟ قالت: ألم تعرفني يا ~~فلتون؟ لست بهذا ولا ذاك، ولكني امرأة من الناس دينها مثل دينك. قال: لقد كنت في ريب ~~من ذلك، وقد تأكدت الآن. فقالت: أخدعك اللورد ونتر وأوهمك أني من الأبالسة فانخدعت ~~له؟ أتتركني بين أيدي أعدائي وأعداء الله، بين يدي ذلك الظالم الغادر بيكنهام؟ فقال: أبى ~~الله أن تنالك يد بيكنهام يا ميلادي؛ فقد انتبهت للصوت القائل لي في الحلم: «اضرب ~~وخلص إنكلترا ونفسك، فيكون لك الأجر عند الله والناس»، فتكلمي فأنا سامع لك مقبل عليك ~~حتى أستفرغ كل ما عندك. فأبرقت أساريرها سرورا وقالت: ليس لي أن أكون سيف نقمة الله على ~~الأرض، فدعني أوثر الموت على العار فأموت شهيدة الشرف، ولست أطلب منك خلاصا ولا انتقاما ~~ممن ظلمني، فدعني أقضي الواجب من الموت فيكون لك علي بذلك فضل ومنة. # وكان صوتها على غاية من الرقة واللطف حتى انجذب إليها فلتون، فقاربها وقال: ويلاه لا أقدر ~~إلا على أن أندبك وأرثيك يا ميلادي، فإن اللورد ونتر شديد الحنق عليك، ولقد ~~أحببتك لأنك أختي في الدين ولم أكن أحب قبلك إلا اللورد ونتر المحسن إلي، ولكنك غلبت ~~على قلبي بجمالك، فقصي علي خبرك. قالت: كيف أسلمك سري وأكشف لك أمري وأنت رجل وأنا ~~امرأة؟ إن ذلك لا يكون ولا أقدر عليه. قال: أنا أخوك يا ميلادي، فإن تكلمت تشكين إلى أخ لك ~~ما بقلبك. فصمتت ميلادي طويلا حتى ظن فلتون أنها خضعت له وعزمت على إخباره، فجعل يلاطفها ~~ويؤانسها ويتملقها حتى قالت: أما وقد آخيتني فلا أحب أن أكتمك شيئا فوق ما كتمتك ... وما ~~أتمت كلامها حتى سمعت وقع أقدام، ثم دخل اللورد وجعل يقلب طرفه بينها وبين فلتون، ~~ثم قال: لقد طال مكثك هنا يا فلتون، فهل شغلتك بقص جرائمها؟ فاضطرب ms128 الفتى وتقهقر، ~~وخشيت ميلادي أن ينفضح أمرها، فبدرت قائلة: أتخشى أن أفر من بين يديك؟ فاسأل صاحبك ماذا ~~كنت أطلب منه. فقال فلتون: إنها كانت تطلب مني مدية. قال: كأن عندها أحدا تريد قتله؟ ~~قالت: نعم، وهو أنا. قال: لقد خيرتك بين القتل والنفي، فاختاري لنفسك ما يحلو. قالت: ~~سأنظر في ذلك وأتدبر أمري. فقال لفلتون: احذر منها يا فلتون، فقد وكلت إليك أمرها إلى مدة ~~لا تتجاوز الثلاثة أيام. فرفعت ميلادي نظرها إلى السماء وقالت: اللهم أسامع أنت؟ فعلم فلتون ~~أنها تعنيه، فأطرق برأسه إلى الأرض فأخذ اللورد بيده وأخرجه. وأقامت ميلادي تنظر عودته ~~ولم يمض عليه قليل حتى عاد، فقالت له: ماذا تريد؟ قال: لقد أبعدت الحارس لكي ألبث عندك ~~ولا يدري بي أحد وأكلمك فلا تسمع أذن ما يدور بيننا، فإن اللورد قد قص علي قصة هائلة ~~لم أشك بعدها في أن أحدكما شيطان مارد، وأنا حائر في أيكما أصدق وإلى أيكما ~~أميل، على قرب عهدي بحبك وطوله بوداد اللورد، ولا أدري ما سيئول إليه أمري، فانتظريني ~~عند منتصف الليل آتي إليك. قالت: لا تخاطر بنفسك يا فلتون، فإن مجيئك تغرير، وأنا لا تسمح ~~نفسي بك، فدعني أهلك وحدي. قال: لا تقولي ذلك؛ فقد أتيت أعاهدك على أن لا تمسي ~~نفسك بشيء. قالت: ذلك بعيد يا فلتون، فأنا إذا عاهدت وفيت، وأخشى أن أقيد نفسي معك ~~فتمنعني عما أروم. قال: إذن فاحلفي أنك تحفظين نفسك حتى أعود إليك بالجارحة، وبعد ذلك ~~فأنت وما تريدين. قالت: أما ذلك فنعم. ثم أقسمت له وواعدها إلى الليل، وخرج وعاد ~~الحارس إلى مكانه وأقامت تنتظر إطباق الظلام. # الفصل الخمسون # | اليوم الخامس من الأسر # وكان الساعة تمر بها دهورا والدقائق شهورا، وهي تتجرع أمر من الصبر وتتقلب على ~~أحر من الجمر، حتى كانت الساعة العاشرة، فجاء فلتون فوضع على الباب حارسا جديدا ~~ورجع من غير أن يدخل لأن الوقت لم يئن بعد. ثم قرعت الساعة الثانية عشرة، ~~فاستبدل الحارس، وسمعت ميلادي فلتون ms129 يقول له: إياك ومفارقة الباب فيصيبك من العقاب ما ~~أصاب رفيقك بالأمس، وأنا داخل على هذه المرأة لأستوثق منها فلا تفلت، فإذا ناديتك ~~فادخل وإذا نوديت فأبلغني، ثم دخل على ميلادي فقالت: أتيت؟ فقال: نعم على ما وعدت. ~~قالت: وقد وعدتني بشيء آخر. قال: وما ذاك؟ قالت: مدية تأتيني بها. قال: أعرضي عن ذلك ~~يا ميلادي، فما أظن في حالات الإنسان ما يلجئه إلى الانتحار، وأنا لا أجاريك على ذلك. ~~قالت: إذن لا أخبرك بأمري، فاخرج عني ودعني. قال: هذا ما تطلبين. وأخرج من حزامه مدية، ~~وهو يتردد في تسليمها إياها، فقالت: ما بالك تتردد؟ فوالله لا أفعل شيئا حتى أتم لك ~~قصتي، فضعها على المائدة وقف بيني وبينها، ثم أخذتها وتأملتها طويلا وردتها ~~إليه، فوضعها وراءه، فقالت: اسمع يا فلتون ما جرى لي. # لما كنت في إبان الشباب ومقتبل العمر وزهرة الجمال أخذت بحيلة وحاول آخذي أن ~~يراودني عن نفسي فأبيت واعتصمت، فبالغ في الطلب بين اللطف والشدة والوعد والوعيد حتى ~~أعيته الحيلة واعتاص عليه الأمر، فعمد إلى منوم فمزجه لي بالماء وسقاني منه ~~وأنا لا أدري، فما كاد يستقر بي حتى شعرت بالدوار وغلب علي النعاس وارتخت قواي حتى ~~عجزت عن القيام، فوقعت على كرسي منعقدة اللسان واهية العزم، ثم نمت نوما ~~ثقيلا، فلما انتبهت إذا أنا في غرفة مدورة لا ينفذ إليها النور إلا من نافذة في السقف، ولا ~~باب في جدارها يظهر للعين، فجعلت أفكر في أين أكون وما جرى بي، فلا أهتدي إلى شيء ولا أرى ~~حولي سوى الجدران، حتى توهمت أني في حلم، ثم قمت إلى ثيابي فلبستها وتحققت أني لست في ~~البيت الذي كنت فيه، وأني نمت يوما كاملا، ولم أدر ما جرى لي في خلاله. وكانت غرفتي ~~مفروشة فرشا يليق بالنساء كأنها غرفة امرأة، فجعلت أطوف فيها كالهائم، وألمس الجدران فلا ~~أهتدي فيها إلى باب، حتى أطبق الظلام، وكان حالكا جدا في غرفتي لانقطاع النور عنها. ~~وبينا أنا أقلب أجفاني في ذلك ms130 الظلام إذ سمعت صريف باب، ثم رأيت نورا قد سطع ~~من نافذة السقف ورجلا على مقربة مني وإلى جنبه مائدة عليها طعام، فعرفت أنه الرجل الذي كان ~~يتبعني أينما ذهبت ويحاول خداعي وخرق حرمتي، فكان أول ما ذكرني أنه تمتع بي البارحة وأنا ~~نائمة. # فثارت الحمية برأس فلتون وأخذته الغيرة، فقال: تبا له وشلت يداه. قالت: ~~نعم، لعنة الله عليه، فكأنه كان يتوهم أنه غلبني وخضعت له إذا اغتالني في نومي، فجاء يطلب ~~رضاي ويعدني بالغنى إذا جاريته في مراده واسترسلت معه في بغيته، فأخذت أشتمه ~~أقبح الشتائم وأهينه أشد الإهانة بكلام يؤثر في الصخر ويحرك الجماد، وهو واقف أمامي ~~كالصنم لا يفعل فيه الكلام ولا تأخذه الحمية، ثم دنا مني فنفرت إلى المائدة فرأيت ~~عليها سكينا فأخذتها وسددتها إلى صدري وقلت له: ارجع فالموت ولا العار. قال: يعز علي ~~والله أن تموتي قبل أن أنال منك نصيبا على رضى منك، وموعدنا الليلة القادمة إن شاء ~~الله. ثم نفخ في بوق كان معه فارتفع السراج من السقف وأطبق الظلام، ثم سمعت صريف ~~الباب وإذا أنا وحدي، فجلست أندب طالعي وأبكي على نفسي لوقوعي بين يدي رجل لا أحبه ولا أطيق ~~أن أراه، وهو مع ذلك ظلوم غشوم. فقال لها فلتون: من هو هذا الرجل يا ميلادي؟ فلم تجبه ~~ومضت في حديثها فقالت: # وقضيت الليلة جالسة على كرسي ترتعد فرائصي لأقل حركة، ولم يحدث لي شيء حتى طلع ~~الصباح، فنظرت وإذا ليس في يدي من الخوان غير السكين، وكان جل اعتمادي عليها. وكان ~~النعاس قد هوم في رأسي، فقمت ووضعت المدية تحت الوساد ونمت، فلما أفقت رأيت ~~خوانا آخر قد أحضر، فقمت وأكلت ما يمسك الرمق وخشيت أن أشرب من ماء المائدة فذهبت إلى ماء ~~يخرج من الجدار بأنبوبة فشربت. وقضيت سحابة يومي على حالي تلك من الضجر واليأس حتى خيم ~~الظلام، وكانت عيناني قد تعودتا النظر في الليل، فرأيت الخوان يمد وعليه الطعام ~~ثم سطع القنديل في غرفتي من نافذة ms131 السقف، فعزمت على أن لا آكل إلا ما آمن من ~~دخول مادة سامة فيه، فجعلت طعامي الأثمار والبيض وشربت من الماء الذي في الجدار، فإذا ~~أنا أجد له طعما غير طعمه الأول فأمسكت عنه ورميت بالقدح قبل أن أفرغه، وأخذ ~~العرق يسيل على وجهي فظننت أن أحدا رآني أشرب من ماء الأنبوبة فمزجه بشيء سام، ثم ~~أخذتني عوارض الأمس من الدوار والنعاس، ولكن أخف لقلة الماء الذي شربته، فأخذت ~~أحاول نفسي وأمنعها من النوم حتى أعييت فجلست وأنا بين نائمة ومستيقظة، ثم خطرت لي ~~السكين فقمت لآخذها من تحت الوسادة فلم تحملني رجلاي فسقطت وأنا في حالة أشبه بحال ~~النزاع لا قوة لي على النهوض لآخذ السكين، وفيما أنا كذلك رفع القنديل فأظلمت الغرفة ~~ظلاما حالكا، ثم سمعت صريف الباب وشعرت برجل يدنو مني، فذعرت وحاولت الفرار فلم أستطع ~~فسقطت في يديه. فصاح بها فلتون: ألا تخبريني من هذا الرجل؟ فلم تجبه واستمرت في ~~حديثها فقالت: فأخذت أدفعه عني وأتقيه بيدي وهو لا يرجع ولا يلين حتى تمتع بي وأنا في ~~اليقظة منهوكة القوى لا قدرة لي على الحراك. # فثارت في فلتون حمية زائدة وغيرة شديدة، فجعل العرق يسيل من جبينه وأخذ يمزق ~~ثيابه غيظا وحنقا، ومضت ميلادي في حديثها فقالت: فلما أفقت من سكرتي بحثت على ~~السكين فوجدتها وعزمت على عمل هائل الخطر عظيم الإجراء في جانب ضعفي وهو أن أقتله وإن يكن ~~عملي هذا إثما لا يمحى وذنبا لا يغفر، فتهيأت لذلك ووطنت نفسي على ارتكاب القتل، ~~وقضيت نهاري على ذلك حتى جاء المساء، فأكلت من بعض الأثمار وصببت ما في الإبريق لأوهم أني ~~شربت منه، وشربت من ماء صاف حفظته في زجاجة عندي، ثم أخذت أتظاهر بالأعراض التي كانت ~~تصيبني ونهضت إلى السرير، فتوسدته ومددت يدي تحت الوسادة وأنا قابضة على نصاب السكين، ~~وأقمت على ذلك مدة طويلة حتى خشيت أن لا يجيء، ثم رأيت النور يرتفع وأظلمت الغرفة، ~~فرأيت شبحا يدنو من سريري، فجمعت ما بقي ms132 لي من القوى وتهيأت للعمل، فمد يده إلي ~~وحاذاني، فرفعت يدي بالجارحة وطعنته في صدره فراحت ضربتي خائبة كأني أضرب صخرا لأنه كان ~~دارعا، فقبض على يدي وأخذ مني المدية وقال لي بتهكم وازدراء: كنت أظن أنك لنت بعض ~~اللين، فإذا بي أجدك أشد مراسا من بادئ أمرك، وما أنا ممن يحتبسون النساء ~~جبرا، وسأطلق سبيلك في غد. فقلت له: إياك وإطلاقي، فإنك لا تأمن لساني أن يشهرك ~~في الآفاق. قال: كيف تقولين؟ قلت: أقول إذا خرجت من هنا أقص على الناس خبرك واغتصابك ~~إياي، ثم أدل الحكومة على قصرك هذا مقر الشر والفساد، فإنك وإن تكن وزيرا عظيم الشأن ~~فإن فوقك ملكا وفوقكما ربا يأخذ للضعيف من القوي. وما أتممت كلامي حتى شعرت بهزة في ~~يده القابضة على يدي ثم قال: إذن لا تخرجين ؟ قالت: بل أموت هنا وأقبر حيث ضاعت حرمتي ~~وهتك عرضي، ولعلك لا تعدم من صدى قبري ما يذيع أفعالك بين الناس. قال: إذن أنزع منك كل ~~سلاح. قلت: لا يعدم المرء حيلة في قتل نفسه، فإذا قصدت أموت جوعا. قال: ألا ترين أن ~~الصلح أفضل من هذا الخصام إذا مننت عليك بالإطلاق؟ قلت: إذا فعلت لا تأمن إفشاء معايبك ~~وإشهار نقائصك. قال: على ذلك لا تخرجين أبدا، وأنا لا أبخل عليك بلوازم الحياة، فإذا ~~امتنعت عن الطعام حتى تموتي كان ذلك من يدك. ثم خرج عني وسمعت صريف الباب على أثره، ~~ولبثت جالسة أندب نفسي لا آكل ولا أشرب بقصد أن أموت جوعا، وقطعت على ذلك سواد ليلي وبياض ~~يومي وأنا أدعو الله وأتوب إليه عن ذنب بلا عمد وخطيئة عن غير قصد حتى أقبل المساء، فأقبل ~~علي وهو يقول: أما عزمت على الطاعة بالكتمان فأخلي عنك؟ فاحلفي لي يمينا على ~~الكتاب إذا شئت. فقلت: وكتاب الله العظيم لا أحفظ لك أيمانا ولا أحبس عن إشهارك لسانا ~~في زلة ارتكبتها معي ما بعدها زلة ولا وراءها ذنب، وأنا موالية على أن لا أتركك حتى آخذ ms133 ~~بثأري منك. قال: احذري من أن أجري معك علاجا يمنع لسانك من الكلام أو يمنع كلامك من ~~التصديق، فانتصحي لقولي وأنا تارك لك بقية هذا الليل وطول النهار لتفتكري في أمرك وتعزمي ~~عزما، فإما أن تتعهدي بالصمت والكتمان أو أجري معك أفعالا تلبسك ما لبسك جلدك فتسقط دعواك ~~بين الناس، وموعدنا المساء المقبل. وما أتمت ميلادي هذه الجملة حتى رأت فلتون يتلون ويرجف ~~حتى كاد يسقط إلى الأرض لو لم يتكئ على الكرسي. # الفصل الحادي والخمسون # | تمام الحكاية # فأمسكت ميلادي قليلا حتى هدأ روعه وسكن جأشه، ثم عادت فقالت: وكان قد مضى ~~علي ثلاثة أيام لم أذق فيها طعاما ولا شرابا حتى أضر بي الجوع والعطش وضعف جسمي ~~ووهى عزمي، فقضيت نهاري أجمع في ضنك شديد وضيق زائد حتى كان المساء، وإذا به قد أقبل ~~يتبعه رجل وكل منهما شاكي السلاح، فقال لي: على ماذا عزمت؟ أتحلفين؟ فقلت: أنا على ~~ما قلت لك من أني لا أترك لك ثأري في هذه الدنيا ولا في الآخرة. قال: أما تحولين عن قصدك؟ ~~قلت: لا والله أو تحول الروح عن الجسد. قال: إذن أضع لك في جسمك علامة تحبس ~~لسانك وتمنع كلامك من التصديق. ثم التفت إلى الرجل وقال له: امض فيما رسمته لك. فصاح ~~بها فلتون: أما تخبريني عن اسمه؟ فقالت: فأخذت أصيح وأستغيث لعلمي أنه يقصد بي فعلا ~~أمر من الموت، فلم يسمع الجلاد لي، بل طرحني إلى الأرض فوقعت على وجهي وأخذت أدعو ~~عليه الله وأستغيث به وهو لا يسمع، وإذا به قد أتى بحديدة محماة إلى الحمرة فوسمني بها ~~على كتفي. فصحت صيحة شديدة من الألم واليأس ولكن كان قد قضي الأمر. # ولما انتهت من حديثها كشفت عن كتفها وقالت له: انظر فعل الخائن الماكر بفتاة أطهر من ~~الملائكة، واعلم قلوب الرجال ولا تغرنك الظواهر. فقال: إني أرى زهرة زنبق. قالت: نعم ~~وهي علامة العار والعهر والتهتك والفجور، فلو كانت علامة إنكلترا لدعوت عليه الناس ودفعته ~~إلى القضاة، ولكنها ms134 علامة فرنسا فلمن أشكوه. فندم فلتون على تسرعه إلى تهمتها وأثرت فيه ~~حكايتها تأثيرا شديدا حتى صار لونه كالبهار وجعل يقول لها: السماح السماح، وعيناه ~~تقولان: الغرام الغرام، فقالت: مم أسامحك؟ قال: من مساعدتي لأعدائك. ثم مدت يدها ~~إليه فجعل يقبلها وهي تنظر إليه بلحظ لو لحظت به الصخر لغادرته هشيما، فأكب على ~~رجليها يقبلهما، ثم وقف أمامها وقال: لقد بقي علي شيء واحد أسألك عنه، وهو اسم ~~الفاعل. قالت: عجبا! ألم تفطن له؟ قال: من عساه يكون؟ هل هو بنفسه الظالم المجرم؟ ~~قالت: نعم هو بعينه هادم إنكلترا وعدو الله والدين، المتهتك الفاجر والخليع الماجن سفاك ~~الدماء، لعنة الله عليه. قال: هو إذن بيكنهام؟ قالت: إن لم يكن فمن؟ قال: وهل مثله يعيش ~~بعد ذلك وهو مكرم عزيز الجانب نافذ الكلمة مطاع القول؟! قالت : إن الله يترك من يتركه، ~~ونسوا الله فنسيهم. قال: إذن يجب الانتقام منه ورد كيده في نحره ليعلم أن في ~~الدنيا من ينتقم لله. قالت: ومن لك به وهو أمنع من عقاب الجو؟ قال: إلا علي، فإني لا ~~أهابه ولا أخشاه، وإني لأعجب من اللورد ونتر كيف يخالطه وهو كذلك. قالت: إن من الناس من ~~يكون في الخفاء نذلا لئيما وفي الظاهر عزيزا كريما، ولقد كان لي فيما مضى من الزمان ~~خطيب شهم مثلك يا فلتون، وكان قديم المعرفة بي، فأطلعته على أمري وقصصت عليه القصة فما ~~شك في صدقها، ثم أخذ سيفه وخرج إلى بيكنهام يريد أن يفتك به فلم يجده. قال: لقد ~~أحسن فيما صنع، ولكن مع مثل بيكنهام لا يغني إلا الخنجر. فقالت: وكان بيكنهام قد رحل ~~إلى إسبانيا في بعض شأنه، فعاد زوجي وقال لي: إنه قد رحل ولكن رويدا حتى يرجع، ولا بد ~~للورد ونتر أن يصون شرفه وامرأته. قال: إذن أنت امرأة اللورد ونتر؟ قالت: نعم، وقد كان غياب ~~بيكنهام في إسبانيا سنة، وقبل مجيئه بثمانية أيام مات اللورد ونتر ولا أدري كيف مات، فلا ~~أقدر أن أتهم بدمه ms135 أحدا، فبقيت أنا بعده وريثة المال، فاغتاظ لذلك أخوه اللورد ~~ونتر مودبك وحاول أخذ الميراث مني، فخفت على نفسي منه ورحلت إلى فرنسا وتركت له كل ثروتي في ~~إنكلترا حتى انقطعت الصلات ونشبت الحرب واحتجت إلى المال، فأتيت لأخذ بعض مالي فوصلت من ~~ستة أيام إذ قبضت علي، وما أظن إلا أن بيكنهام عرف بقدومي فوشى بي للورد بأني مدموغة ~~وأغراه بي فانخدع له وأخذني، وفي عزمه أن يرسلني بعد غد إلى المنفى بين المومسات حيث أفقد ~~شرفي وحرمتي، وأي سبب أعظم من هذا أحب عليه الموت؟ فأعطني الجارحة أقتل بها نفسي، فلا خير ~~في الحياة بعد ذلك ... وما أتمت كلامها حتى سقطت كالواهية القوى بين يدي فلتون، فضمها إلى ~~صدره وقد أسكرته خمرة الهوى وثارت به سورة الغيرة والغيظ، فقال: لا تموتين، بل تحيين ~~مصونة كريمة لتنتقمي من أعدائك، فدفعته عنها بلطف وقالت: الموت ولا العار يا فلتون، فلا ~~تبخل علي به. قال: لا، بل تعيشين قاهرة ظافرة. قالت: أخشى عليك يا فلتون أن يلحقك بي بعض ~~المكروه، فدعني أموت. قال: إذن نموت معا، ثم أهوى عليها يقبلها وهو ثمل بخمرة الحب. ~~وإذا بالباب يقرع، فأفلتت ميلادي من يديه وقالت: لقد سمعونا فقد هلكنا. قال: لا تخافي، ~~فإنما هو الحارس ينبهني، فلا بأس علينا. قالت: إذن فاذهب وافتح الباب. فذهب وإذا بالحارس ~~يقول له: سمعتك تصيح يا مولاي فهممت بفتح الباب فوجدته مقفلا، فقرعت ودعوت رفيقي لأرى ما ~~أصابك فأوجب صياحك. وعلمت ميلادي أن لا خلاص لها إلا بفلتون ولا خلاص لفلتون إلا بها، فوثبت ~~إلى الجارحة وقالت: دعني أموت، فلماذا تمنعني؟ فصاح الفتى بها مرعوبا، وكان اللورد قد سمع ~~الضوضاء فخرج متفضلا وهو متأبط سيفه حتى وقف بالباب وقال لفلتون: دعها ولا تخش عليها، ~~فهي غادرة ماكرة ولا جسارة لها على قتل نفسها. فعلمت ميلادي أن لا خلاص لها إذا لم تر ~~فلتون طرفا من شجاعتها، فقالت: كذبت يا لورد، فإن الشجاعة عندي، ثم ضربت نفسها وهي ~~لا ms136 تقصد القتل، فجاءت الضربة على جنبها فخرقت الثوب وشقت الجلد قليلا، فسال دمها حتى صبغ ~~رداءها وسقطت صرعى. فأسرع إليها فلتون وأخذ الجارحة من يدها وقال: أرأيت يا لورد كيف أن ~~امرأة قتلت نفسها وهي تحت حراستي؟ قال: لا تخش عليها، فإن الشيطان لا يموت، فاذهب ~~وانتظرني في غرفتي. قال: نعم ولكن ... قال: اذهب ولا تقف. فدس الجارحة في حزامه وخرج. ودعا ~~اللورد بالخادمة وقال لها: استوصي بها خيرا. ثم خرج فأرسل رسولا يدعو الطبيب. # الفصل الثاني والخمسون # | الفرار # أما جرح ميلادي فكان كما قال اللورد خفيفا جدا، فلم يمض عليها قليل حتى فتحت عينيها ~~وأخذت تتحايل في إظهار الألم والضعف، ولم يكن ذلك صعبا على أمثالها من الماكرات، وكانت ~~آمالها معلقة على فلتون من يوم استهوته وعشقها. فلما كانت الساعة الرابعة من الصباح قدم ~~الطبيب فوجد أن الجرح قد التأم ولم ير حاجة لسبره، وقال: أن لا خطر عليها، وانصرف ~~وصرفت هي الخادمة بحجة أنها في حاجة إلى النوم. وكان ظنها أن ترى فلتون فخاب أملها، ~~وجالت وساوسها وجعلت تقوم وتقعد كأنها على نار وهي في خشية من أن يكون اللورد قد اطلع على ~~بعض أمره معها فمنعه عنها، فسألت الحارس عنه فقال لها إنه ركب جواده من ساعة وذهب، وأن ~~اللورد لم يزل في القصر. ثم لم يمض قليل حتى تبدلت الحراس على الباب بجماعة لا ~~يعرفون فلتون ولا يأذنون له بالدخول عليها، فهاجت بلابلها واضطربت أفكارها، حتى إذا كانت ~~الساعة السادسة أقبل عليها اللورد ونتر مدججا بسلاحه، فعرفت من نظرته أنه عارف بدخيلة ~~أمرها، فقال لها: إنك اليوم لا تقدرين على قتلي، فأنت عزلاء وأنا كمي، ولقد رأيتك ~~تتلاعبين بفلتون فخشيت عليه عاقبة دهائك فأبعدته عنك، فلست ترينه بعد اليوم أبدا، ~~فتهيأي للسفر فإني مرحلك غدا في الرابع والعشرين من هذا الشهر ويكون أمر نفيك في يدي ~~غدا عند الظهر موقعا عليه من اللورد بيكنهام، وإذا نبست بكلمة وأنت نازلة إلى ~~الفلك فأنت مقتولة لا محالة، ثم ms137 إذا كلمت أحدا في السفينة بغير إذن رئيسها فهو ~~مأمور بأن يطرحك في البحر، وهذا ما أقوله لك اليوم. ثم خرج وترك في صدرها منه حزازات. ~~ولما كان المساء جيء لها بالطعام فأكلت، حتى إذا أظلم الليل سمعت نقرا على زجاج النافذة، ~~فالتفتت فبصرت برجل واقف وراءها، فأسرعت وفتحت النافذة وصاحت: أفلتون أنت؟ فوا بشراي فقد ~~خلصت. قال: نعم، ولكن اصمتي، فإنه يجب أن أقتلع مصراعي النافذة وأنا أخشى أن يرانا أحد ~~من خادعة الباب. قال: لا تخش، فإنها قد أقفلوا الرتاج، فما علي أن أفعل؟ قال: لا ~~شيء سوى أن ترتدي بثيابك وتلبثي في فراشك حتى أفرغ من العمل فأدعوك، فهل تقدرين على ~~اتباعي؟ قالت: نعم، ولو إلى برك الغماد. قال: وجرحك؟ قالت: يؤلمني، ولكن لا يمنعني ~~من المسير. قال: إذن فتهيأي لإشارتي. فأطفأت القنديل وذهبت إلى فراشها وجلست لا تسمع ~~إلا احتكاك المبرد على حديد النافذة يكاد يضيعه هزيم الريح، واستمر فلتون على ~~عمله ساعة خالتها ميلادي دهرا حتى فرغ، فقال لها: أمستعدة أنت؟ قالت: نعم، فهل أحمل معي ~~شيء؟ قال: أما عندك مال؟ قالت: نعم. وأعطته كيسا مملوءا ذهبا، فقال لها: هلمي، فصعدت ~~على كرسي وأطلت من النافذة فرأت فلتون معلقا تحتها بسلم من حبال، فارتاعت لمنظرها ~~وهابها علو القصر، فقال لها: هل تخشين النزول؟ قالت: لا، فإني أغمض عيني فلا أرى. قال: ~~أفتثقين بي؟ قالت: وبمن أثق سواك؟ قال: فأدني يديك. فأدنتهما، وربطهما بحبل في السلم، ~~فقالت: ما تصنع؟ قال: ضعي ذراعك على عنقي ولا تخشي بأسا. قالت: أخشى أن أرجح عنك فنهوى ~~كلانا إلى الأرض. قالت: لا تخافي، فأنا أعلم منك بذلك. ففعلت ما قال لها، وتمسكت بعنقه ~~وأرسلت نفسها إلى خارج النافذة، فأخذ ينزل بها رويدا درجة فدرجة والرياح تهب عليهما ~~فيتنوحان في الهواء، وفيما هو ينزل إذا به قد وقف، فقالت له: ما بالك؟ قال: صه، فإني أسمع ~~وقع أقدام. فقالت: ويلاه، قد رأونا. فأصغى برهة ثم قال: لا، فلم يجر شيء، ~~فقالت: ms138 وما هذا الصوت الذي أسمع؟ قال: صوت العسس الذين يمرون حول القصر. قالت: قل قد ~~رأونا. قال: لا، فإن السماء لا تبرق، فقالت: ها هم. فأسكتها ولبث وإياها ~~معلقين على ذلك الحبل لا يتحركان ولا يتنفسان إلا اختلاسا، وهم على ستة أقدام ~~من الأرض حتى مر بهما رجال العسس يتحادثون ويتضاحكون، فكان لهما ساعة تشيب لها ~~الأطفال من الرعب والجزع. فلما أبعد الرجال قال فلتون: قد نجونا والحمد لله. فشهقت ~~ميلادي شهقة وأغمي عليها، فنزل بها فلتون حتى بلغ الأرض، وكان الكيس في فمه، فحمل ميلادي ~~على ذراعيه وسار بها نحو البحر بين الصخور حتى بلغ الشاطئ، فنفخ في بوق كان معه فأجيب ~~بمثله، ثم ظهر له زورق فيه أربعة رجال، فدنا منهم حتى قاربهم، ثم غاص في البحر وهو ~~حامل ميلادي حتى دانى الزورق ، فألقاها فيه وصعد وراءها، وكان البحر مزبدا والزورق يعلو ~~ويسفل مع الأمواج، ثم قال للنوتية: أسرعوا إلى الفلك. فأعملوا المجاذيف، فطار ~~بهم الزورق على وجه الماء. وكان الظلام حالكا جدا فلم يرهم أحد، ولم يكن على البحر ~~إلا نقطة سوداء تتحرك وهي الفلك. وبينما الزورق يسير بهم حل فلتون يدي ميلادي ورش ~~على وجهها من ماء البحر، فشهقت شهقة عظيمة وقالت: أين أنا؟ قال: ناجية أنت بإذن الله. فقالت ~~- وقد نظرت حولها: بلى والله، فهذه السماء وهذا البحر مصداق على ما تقول، جزاك الله ~~خيرا. وكان الزورق قد اقترب من الفلك، فنادى النوتية بأصحابه فأجابوهم، فقالت ميلادي: ~~لمن هذا الفلك؟ قال: لك. قالت: وإلى أين يمضي بي؟ قال: إلى حيث تشائين، بشرط أن تنزليني ~~على ميناء بورت سموث. قالت: وما تصنع هناك؟ قال: أمضي في أمر رسمه لي اللورد ونتر؟ قال: وأي ~~أمر هو. قال: أن يوقع لي على الأمر بنفيك، وقد تحذر مني اللورد فعزم على أن يحرسك ~~عني وأرسلني في هذا الأمر. قالت: إذا كان كذلك زعمه فكيف سلمك الأمر. قال: يزعم أني لا ~~أدري ما أحمل. قال: إذن أنت ذاهب؟ قال: من ms139 غير بد لأن بيكنهام مسافر غدا مع الأسطول إلى ~~روشل. قالت: ويلاه، لا يجب أن يذهب. قال: إنه لا يذهب فاطمئني. فنظرت في وجهه فإذا ~~كأنها تقرأ موت بيكنهام على جبينه، فاستبشرت وقالت: لله درك من شجاع يا فلتون، فأنا أموت ~~لموتك وأحيا لحياتك. قال: صه، فقد وصلنا، فنظرت وإذا بالزورق قد صار إلى جانب الفلك. ~~فصعد فلتون إليه وأصعد ميلادي معه، وقال للرئيس: هذا الذي أخبرتك عنه تأخذه إلى فرنسا ~~سليما لا ضر فيه. قال: نعم، على أن يعطيني ألف دينار. قال: هي لك وتأخذ منها الآن ~~خمسمائة. ودفع إليه المال، فقالت له ميلادي: وهذه مثلها خمسمائة أخرى. قال: والله لا آخذ ~~منها فلسا حتى أصل بك سالمة إلى بولونيا. قالت: بارك الله فيك وسأعطيك ألف دينار أخرى، ~~فقال فلتون: فخذنا الآن إلى مينا كذا، فأنت تعرفها. فسار الرئيس بالفلك حتى بلغ المينا ~~المقصود عند الصباح، وكان فلتون أثناء ذلك يقص على ميلادي كيف أنه خالف الأمر بالذهاب إلى ~~لندرة وسعى في جلب الفلك وكيف صعد على جدار القصر وخلصها، فنظرت إليه ميلادي فرأت ~~هائجا يزيد حنقا على بيكنهام، فلم تجد حاجة لإغرائه به، ثم ودعته وواعدته إلى ~~الساعة العاشرة إذا عاد إليها ذهب معها وإلا سارت وحدها إلى فرنسا، وإذا ذهب هو بعد ذلك ~~فيجدها في دير الكرمليين في بيتين. # الفصل الثالث والخمسون # | فيما جرى في بورت سموث في 22 آب سنة 1628 # ثم ودع فلتون ميلادي وداع أخ لأخته وقبل يدها، وكان يمازج كلامه لهجة غضب واستبسال، ~~وركب الزورق وسار به قاصدا ميناء بورت سموث وهو لا يحول نظره عن ميلادي حتى بلغ الشاطئ، ~~فأشار إليها إشارة السلام وذهب إلى المدينة. وكان الميناء مكتظا بالسفن تظهر أدقالها ~~كالغابة تحرك أشجارها الريح. وكان في قلب فلتون من بيكنهام وزير جاك الثالث وشارل الأول ~~ملكي إنكلترا حزازات تحرق صدره وتثير عواطف الانتقام فيه، وقد زاده حنقا وهياجا ~~قصة ميلادي حتى صار يرى قتل بيكنهام فرضا واجبا وأمرا لا بد ms140 منه. وكان وصوله إلى ~~الميناء في نحو الساعة الثامنة من الصباح، وكان البوق ينفخ في أحياء المدينة لجمع الجيش ~~وركوب البحر، فوصل فلتون إلى قصر بيكنهام وهو معفر الثياب أصفر الوجه، وعزم على الدخول ~~فمنعه الحاجب، فدعا برئيس الحجاب وأراه الرسالة وقال: إني رسول مستعجل من قبل ~~اللورد ونتر. وكان اللورد ونتر من أقرب الناس إلى بيكنهام وأودهم إليه، فأذن لفلتون فدخل. ~~وكان قد وصل عند دخوله فارس يلهث جواده تعبا، فدخل القصر أيضا وطلب الدخول إلى بيكنهام. ~~وإذ كان الحاجب يعرف مكانة اللورد ونتر عند بيكنهام أذن لفلتون بالدخول أولا، ثم قاده ~~إلى باب غرفة فيها اللورد ودخل وقال له: بالباب رسول من قبل اللورد ونتر. قال: فليدخل. ~~فدخل فلتون فوجد اللورد جالسا على مرتبة وفي يده ثوب فاخر موشى بالذهب يريد أن يلبسه، فقال ~~لفلتون : لماذا لم يحضر اللورد ونتر بنفسه؟ فإني أنتظره من الصباح. قال: لقد قال لي اللورد ~~يا مولاي أن أبلغك أن الذي منعه من الحضور حراسة القصر. قال: نعم، أنا أعرف ذلك فإنه فيه ~~أسيرة. قال: وفي شأن هذه الأسيرة أتيتك. قال: هات ما عندك. قال: يجب أن أكون وإياك لا ثالث ~~بيننا. فأشار اللورد إلى الحاجب فخرج، وقال: قد خلونا فتكلم. فقال: قد كتب إليك اللورد ~~يلتمس منك التوقيع على صك النفي لامرأة تدعى كارلوت باكسون. قال: نعم، وقد أمرته بالحضور ~~أو بإرسال الصك. قال: هو هذا. وناوله الأمر، فأخذه اللورد وقرأه، ثم استمد بالقلم ليوقع ~~عليه، فقال له فلتون: رويدك يا مولاي، فإن هذا الاسم ليس بالاسم الحقيقي. قال: أنا أعرف ~~ذلك. قال: أنت تعرف اسمها الأصلي؟ قال: نعم، ثم أدنى القلم من الورقة فاصفر وجه فلتون ~~وقال: إذن فاكتبه باسمها الحقيقي ميلادي ونتر. قال: إني عارف بما أكتب، فما هذا السؤال؟ ~~قال: أتغير اسمها ولا يبكتك ضميرك. قال: ما هذه الأسئلة التي لا ضرورة تدعوني ~~للجواب عليها؟ قال: بل تجيب يا مولاي، فإن الأمر أعظم مما تفكر به؟ فظن لورد أن ms141 فلتون ~~يتكلم بلسان مرسله، فجاراه في كلامه وقال: لا شيء يمس الضمير، فإن اللورد يعلم أن ميلادي ~~امرأة مجرمة فاجرة. ثم وضع القلم على القرطاس، فصاح به فلتون وقد تقدم إليه: إنك لا ~~توقع على هذا الصك يا ميلورد. قال: لماذا؟ قال: لأنه يجب عليك أن تنزل بنفسك فتحاكم ~~ميلادي. قال: إنها تحاكم في توبرن حيث تنفى؛ فإنها فاجرة عاهرة. قال: بل هي يا مولاي ~~ملك كريم، وأنا ألتمس منك إطلاقها. قال: أمجنون أنت يا فتى حتى تكلمني بهذا الكلام؟ قال: ~~إني أتكلم بما أصل إليه، فاحذر من عواقب ما تفعل. قال: كيف قلت؟ أتتوعدني؟ قال: معاذ ~~الله، ولكني أقول لك إن الكأس قد طفحت، فلم تعد تحمل نقطة، وأنا أخشى أن يكون فعلك هذا ~~آخر جرائمك فيجري عليك القصاص. قال: يجب أن تخرج من هنا. قال : لا، بل يجب أن تسمع لي إلى ~~النهاية، فإنك قد فحشت بهذه الامرأة ودنستها وشفيت غليلك منها، فدعها تذهب حرة لوجه الله ~~تعالى، وهذا ما أطلبه منك، فاحذر عاقبة أمرك فإن إنكلترا قد ضاقت منك وكلت من أفعالك، ~~فأنت مقر غضب الله والناس، أما الله فيعاقبك في الآخرة وأما أنا فأعاقبك اليوم. ~~فخطا بيكنهام إلى الباب وقال: إن هذا لا يطاق. فحال فلتون بينه وبين الباب وقال له: أقول ~~لك وقع على الصك بإطلاق ميلادي، فإنك قد فضحتها. قال: اخرج أو أنادي الخدم عليك. قال: لا ~~أخرج ولا أدعك تنادي، ثم اعترض بينه وبين الجرس وقال: اذكر الآن أنك بين يدي الله. قال: ~~بل بين يدي الشيطان. ومد بها صوته ليجلب الخدم، فقال له فلتون وهو يدني منه الورقة: وقع ~~بالإطلاق يا لورد، فقال: أتجبرني اضطرارا؟ إلي يا قوم. ثم وثب إلى سيفه فلم يمكنه ~~فلتون من استلاله حتى شهر خنجره، وإذا بالخادم قد دخل وهو يقول: رسالة من فرنسا يا لورد. ~~فدهش اللورد لهذا الخبر حتى نسي فلتون، فاغتنم فلتون فرصة اندهاشه ووجاه بالمدية في ~~خاصرته فغاصت إلى النصاب، فصاح اللورد: قتلتني ms142 يا قاتل. وصاح الحاجب إلينا يا قوم. ونظر ~~فلتون حوله فرأى الباب مفتوحا، فوثب منه وفر هاربا حتى إذا بلغ السلم صادف اللورد ونتر ~~داخلا ورآه اللورد أصفر الوجه ملطخا بالدماء، فقبض عليه وقال: كان هذا في حسابي. ثم ~~سلمه إلى الجند فأخذوه إلى مكان حتى يصدر الأمر بشأنه، وذهب اللورد ونتر إلى غرفة بيكنهام ~~ودخل وراءه الفارس الذي قدم بعد فلتون، فلما رآه بيكنهام صاح وهو قابض على جرحه بيده: يا ~~لابورت، أمن قبلها آت أنت؟ قال: نعم يا مولاي. وكان ذلك الرجل حاجب الملكة حنة، فقال له ~~اللورد: صه لا يسمعوك. وأشار إلى الناس فخرجوا، وذاع الخبر واضطرب القصر والمدينة، وأغمي ~~على اللورد. وبلغ اللورد ونتر أن ميلادي قد فرت على سلم من الحبال معلق على ~~نافذتها، فدخل على الدوق بيكنهام، وكان قد أفاق من إغمائه، فقال: دعوني يا قوم أنا والحاجب ~~ولابورت قليلا. ثم التفت إلى ونتر فقال له: أبعثت لي من يقتلني يا لورد؟ فقال: وا ~~كرباه لكربك والله، لا عزاء بعدك. ثم خرج وهو يبكي أشد البكاء، فلما خلا ~~بهم المكان جثا لابورت على قدمي اللورد بيكنهام وقال: سليم أنت إن شاء الله يا مولاي. فقال ~~بيكنهام - وصوته يتقطع بحشرجة الموت: ماذا كتبت لي؟ اقرأ على عجل فإن ساعاتي قصيرة. ~~فأعطاه الرسالة، فأجال فيها نظره فلم يقدر على قراءتها، فقال: اقرأ أنت. فقرأ: # أيها اللورد، أستحلفك بالحب الذي بيننا وأنشدك ما ألقى من ألم البعاد أن تكف ~~الحرب عن فرنسا، فإنهم يعزونها لحبك لي، وقد تتدمر بها فرنسا وإنكلترا ويلحقك ~~منها لا سمح الله ما لا عزاء لي بعده، فاحرص على حياتك الغالية لدي. والسلام ~~عليك من حنة دوتريش. # فقال اللورد: أما عندك شيء غير ذلك؟ قال: نعم. قالت لي الملكة أن أوصيك بالحذر على نفسك ~~لأنهم يحاولون قتلك. قال: ثم ماذا؟ قال: وأن أقول لك إنها تحبك وهي لك عاشقة أبدا. فقال ~~اللورد: إذن أموت سعيدا. ثم دعا بالعلبة التي أخذها من الملكة فأعطاها ms143 للابورت، ثم ~~أخذ يفتش حوله وهو يقول: وتأخذ أيضا هذا. وهو لا يهتدي إلى ما يفتش عليه حتى وقعت يده ~~على الخنجر، فقال: وتأخذ هذا أيضا للملكة. ثم تمدد على فراشه وجاد بنفسه وهو يحاول ~~التبسم، فصاح حاجبه بالحرب وأخذ يعول. وكان الطبيب قد حضر فنظر إليه وقال: قد قضي ~~الأمر، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ثم دخلت على أثره الناس ورأى اللورد ونتر بيكنهام ~~قتيلا، فدخل على فلتون حيث كان مسجونا وقال له: ثكلتك أمك، ماذا فعلت؟ قال: ~~قتلته لأنه رفض طلبك لي رتبة قائد. ثم حول نظره إلى البحر فرأى شراع الفلك، فوضع ~~يده على صدره وقال: أسألك مكرمة يا لورد. قال: ما ذاك؟ قال: ما الساعة الآن؟ قال: التاسعة. ~~وكانت ميلادي قد عجلت قبل الميعاد بساعة لما سمعت صوت المدفع منذرا بحلول القضاء . ~~فجعل فلتون ينظر إلى البحر وهو يقول: لا مرد لأمر الله، فقال له اللورد ونتر: إنك تموت ~~وحدك الآن، أما التي خلصتها فوالله لألحقنها بك عن قريب، ثم تركه وسار إلى ~~الميناء. # الفصل الرابع والخمسون # | في فرنسا # وكان أشد خوف شارل الأول ملك إنكلترا من موت بيكنهام أنه يوهن عزائم المحاصرين في روشل، ~~فسعى في أن يكتم عنهم خبر موته ما أمكن، فمنع المراكب من الخروج من شطوط إنكلترا إلى أن يصل ~~الجيش الذي كان بيكنهام عازما على أن يقوده إلى روشل، ثم زاد في التحوط حتى منع سفراء ~~الدانمرك من السفر بعد أن أذن لهم، ومنع سفير هولاندا أيضا عن مأمورية مهمة كانت له. ولكنه ~~قبل أن يصدر هذا الأمر الشديد بمنع خروج السفن كان فلكان قد خرجا من المينا أحدهما يحمل ~~ميلادي وأما الثاني فسيأتي ذكر من كان فيه. # وكان في أثناء ذلك لا يجري شيء في روشل سوى ازدياد ضجر الملك لويس حتى عزم على أن يقضي ~~عيد القديس لويس في سان جرمن، فطلب من الكردينال أن يعد له حرسا يخفره في الطريق لا ~~يزيد عن عشرين حارسا وعين سفره ms144 في 15 أيلول، وعلم دي تريفيل بذلك وهو عارف برغبة حراسه ~~في الذهاب إلى باريز، فاختارهم أن يكونوا من جملة حرس الملكة، وكان فرح دارتانيان شديدا ~~لرغبته في استطلاع خبر بوناسيه وما جرى عليها. وكان أراميس قد كتب إلى ابنة عمه القصارة ~~في تور يسألها أن تلتمس من الملكة صكا يؤذن بخروج بوناسيه من الدير حيث وضعتها، فورد له ~~منها هذا الجواب: # ابن العم العزيز # هذا أطال الله بقاءك صك أختي في إخراج خادمتنا من الدير المسمى بدير بيتين ~~لرداءة الهواء فيه، وهي ترسل لك هذا الصك على سرور منها بخروج هذه الفتاة لأنها ~~تحبها وتأمل منها الخير في المستقبل. والسلام. # ماري ميشون # وكان في ضمن تلك الرسالة صك الملكة، وهذا نصه: # المأمول من رئيسة دير بيتين أن تسلم حامل كتابي هذا الفتاة التي أدخلت الدير ~~بأمري. # كتب في اللوفر # في 10 آب سنة 1628 # حنة # وكفى بذلك شاهدا على شرف أراميس أن تكون ابنة عمه تسمي الملكة أختها، وكان ~~أصحابه يتهكمون عليه في أنها قصارة ويسألونه حقيقة أمرها حتى منعهم عن أن يفاتحوه بشأنها، ~~فأرسلوا غلمانهم أمامهم بالزاد والمتاع، ثم سافروا مع الملك في السادس عشر من الشهر، ~~وركب الكردينال في ركاب الملك يشيعه إلى مسافة بعيدة، ثم استأذن من الملك وودعه وعاد. ~~وما زال الملك سائرا بحراسه حتى بلغ باريز في الثالث والعشرين من الشهر ودخلها في الليل. ~~وذهب الحراس لشأنهم، وفي عزم دارتانيان أن يلحق بحبيبته ليأخذها من الدير. وفيما هو ~~وأصحابه في إحدى الحانات وخادمه إلى جانبه إذا بفارس خرج من الحانة وركب جوادا وسار، ~~وهب الهواء فرفع قلنسوته عن رأسه فتبينه دارتانيان ثم امتقع لونه وسقط ~~الكأس من يده، فقال له بلانشت: ما بالك يا مولاي؟ فدنا منه أصحابه، فقالوا: ما بالك؟ قال: ~~هو بعينه، فدعوني أتبعه. قالوا: ومن هو؟ قال: عدوي الذي نغص عيشي وخطف حبيبتي، وكانت ~~بداءة أمري معه في مينك، فهلموا إلى خيلكم نتبعه. قالوا: أخطأت، فإن جواده مستريح وخيلنا ~~تعبة فلا ms145 ندركه. وفيما هم كذلك وإذا بخادم يصيح بالفارس - وكان قد أبعد: هذه يا ~~مولاي ورقة وقعت منك. فقال له دارتانيان: أعطيك هذا الدينار فهاتها. فأخذها وفتحها وتجمع ~~حوله أصحابه فقالوا: ما فيها؟ قال: كلمة واحدة وهي «أرمانتيير». قالوا: لا ندري ما هذا؟ ~~قال: أظنها اسم بلد أو قرية، فاركبوا يا قوم. فركبوا وساروا في طريق بيتين ~~خببا. # الفصل الخامس والخمسون # | دير الكرمليين في بيتين # أما ميلادي فإنها وصلت إلى بولونيا من غير أن تصادف مكروها، وتظاهرت أنها فرنسوية، فلم ~~يشك بها أحد. ولم تلبث في بولونيا إلا ريثما كتبت هذه الرسالة ووضعتها مع البريد، وهي هذه: # إلى سيادة الكردينال دي ريشيليه في معسكره أمام روشل؛ سلام # أما بعد، فليفرح روع مولاي، فإن بيكنهام لا يسافر إلى فرنسا أبدا. # كتب في بولونيا في 25 مساء # ميلادي دي ~~... # حاشية: «وأنا أنتظر أمر مولاي في دير بيتين على نحو ما رسمه لي.» # ولما فرغت من الرسالة، وكان الليل قد أقبل، ركبت قاصدة دير بيتين، فوصلته في اليوم ~~الثاني، ودخلت إليه فلاقتها الرئيسة، فأظهرت لها ميلادي أمر الكردينال، فوضعتها الرئيسة في ~~غرفة بها، ثم جاءت تزورها بعد الغداء، فجعلت ميلادي تتجمل لها وتتلطف بها وهي في موقف حرج ~~بين أن تكون الرئيسة من حزب الكردينال أو من حزب الملك، فقصدت في خطابها. وكانت الرئيسة ~~تخشاها أيضا فجرت معها مثلما جرت، إلا أن ميلادي رأت أن تخدعها لتقف على حقيقة أمرها، ~~فأخذت تلمح لها بالطعن على الكردينال وأنه عشق الخاتون أكويليون وماريون دي لورم وغيرهما ~~من النساء، فوجدتها تتبسم لأحاديثها، فعرفت أنها من حزب الملك، فقالت لها الراهبة: إنا ~~قلما نسمع بمثل هذا الكلام لانفرادنا عن الناس وبعدنا عن البلاط، ولكنا عرفنا ظلم ~~الكردينال بإحدانا لأني لا أراها تستحق ما عاملها به؛ فإن هيئتها تدل على الوقار ~~والسكينة. قالت: لا تحكمي بالظواهر، فما كل مصقول الحديد يماني. قالت ~~الراهبة: إني لأعجب من لهجتك هذه على الكردينال على حين أنت صديقة له لأنك هنا بأمر منه. ms146 ~~قالت: لا، فإني هنا بأمره في مثل سجن لا حبا وكرامة. قالت: ولم لا تهربين؟ قالت: وإلى ~~أين أمضي؟ وأي مكان أذهب إليه ولا تنالني فيه يد الكردينال؟ ولو كنت رجلا لكان لي في الأمر ~~مخرج، ولكني امرأة، فهل التي حدثتني أن الكردينال ظلمها بحبسها عندكم حاولت الفرار؟ قالت: ~~لا، ولكني أراها مرتبطة في فرنسا بغرام رجل. فقالت ميلادي: إذا كانت عاشقة فهي غير تعيسة. ~~فنظرت إليها الراهبة نظرة المرتاب ثم قالت: أما أنت عدوة ديننا؟ قالت: معاذ الله أن ~~أكون من البروتستان أعداء الله والدين. قالت: إذن فاطمأني فإنك لا تكونين في سجن يضيق فيه ~~عليك بل نبذل الجهد في إراحتك ثم يكون لك أنيس من هذه الامرأة التي ذكرتها لك، فإني ~~أظن أن لها عملا في البلاط. قالت: وما اسمها؟ لقد سلمت لي من إنسان عظيم القدر جدا ~~تحت اسم كاتي. فصاحت ميلادي: وهل أنت واثقة من ذلك؟ ثم جال في فكرها أن تنتقم منها إذ ~~ظنتها أنها خادمتها القديمة، فقالت الراهبة: ذلك اسمها، وهل تعرفينها؟ قالت: لا، فمتى أقدر ~~أن أراها؟ فإني أشعر لها بحب في فؤادي. قالت: ترينها اليوم، ولكني أراك في حاجة إلى النوم، ~~فنامي. ثم خرجت. فأقامت ميلادي في فراشها تجيل في فكرها أنواع الانتقام من كاتي، ولكنها ~~كانت تخشى من زوجها الكونت دي لافير الذي كانت تحسبه ميتا فوجدته تحت اسم أتوس، ثم ~~نامت وهي في تلك الأفكار. وفيما هي نائمة إذا بها تستمع صوتا ضعيفا ففتحت عينيها فوجدت ~~الراهبة ومعها امرأة جميلة الوجه جدا، فجعلت ميلادي تنظر إليها ولا تعرفها، وهي تنظر إلى ~~ميلادي فلا تعرفها، فتركتهم الرئيسة كذلك وخرجت، فأرادت الامرأة أن تتبعها، فأمسكتها ميلادي ~~وقالت لها: كيف تخرجين من عندي وأنا شائقة إلى أن أراك حتى تنقضي أيامي هنا؟ قالت: ليس ذاك ~~من قصدي، ولكني خشيت أن أكدر عليك منامك، فأنت تعبة. فأخذت ميلادي بيدها وأجلستها على ~~كرسي إلى جانبها، فقالت: وا أسفاه، ها أنا هنا من ستة أشهر في ms147 هذا الدير لا يصلني خبر ~~حتى سئمت الحياة لو لم يبعثك الله لي إلى أن أخرج من هنا. قالت: إنك إذن ستخرجين؟ قالت: ~~نعم، وذلك في مأمولي. قالت: علمت أنك هنا بأمر من الكردينال وهو ظالم لك؟ قالت: وهل صحيح ما ~~قالته لي الرئيسة من أنك أسيرة أيضا بأمر هذا الظالم؟ فقالت لها ميلادي: صه، فإن مصيبتي من ~~كلام كهذا لدى صديقة كنت أثق بها فخدعتني ووشت بي، فهل أنت مثلي؟ قالت: لا، فإني سجنت ~~لأني مخلصة لامرأة شريفة أبذل في سبيل خدمتها حياتي. قالت: وكيف تركتك؟ قالت: كنت أظن أنها ~~تركتني، ولكنها لم تتركني؛ فقد جاءني خبر من مدة أنها لا تزال تفكر بي، ولكن أنت يظهر لي ~~أنك مطلقة تذهبين متى شئت. قالت: وإلى أين أذهب ولا مال ولا رفيق معي على جهلي بهذه الجهة؟ ~~قالت: إن مثلك لا يهتم بالرفيق، فإنك بارعة في الجمال لا تعدمين رفيقا. قالت: ذلك لا يمنع ~~عن أكون وحيدة. قالت: لا تقنطي من رحمة الله، فلعلي أن أخرج من هنا فأجد لك من يأخذ بناصرك ~~ويخلصك من هذا الدير. قالت: لا تظني أن قولي أني وحيدة دليل على أن لا أقارب لي ولا ~~أصدقاء، بل أن ليس فيهم من يقدر على أن يقابل الكردينال ويفلت منه إذا خلصني، ولو كان ~~الملكة نفسها؛ ولذلك قلت إني وحيدة، فإن الملكة إذا عجزت عن خلاص أحد تركته. قالت: لا، بل ~~تزيد تفكرا به وبخلاصه. فقالت ميلادي: نعم، فإن الملكة كثيرة الشفقة طيبة القلب. قالت: ~~أوتعرفينها أنت؟ قال: لا أعرفها بوجهها، ولكني سمعت عنها من كثيرين ممن لها عليهم فضل مثل ~~دي بيتاج وريجار ودي تريفيل قالت: أوتعرفين دي تريفيل؟ قالت: نعم، وهو قائد حرس الملك. ~~قالت: إذا كنت تعرفينه فأنت تعرفين أصحابه؛ إذ لا شك أنك كنت تذهبين إليه. قالت: نعم، كنت ~~أزوره في غالب أوقاتي. قالت: إذن تعرفين بعض الحراس عنده. فلاح لميلادي من ذلك وجه طمع ~~فيها وفي استطلاع أسرارها؛ فقالت أجاريها إلى ms148 الغاية، ثم قالت: نعم، أعرف كل من كان ~~يزوره. قالت: تتفضلين علي بذكر بعضهم. قالت: نعم، أعرف دي سوفيني دي وكرتيفرون ودي ~~فيريساك. ثم أمسكت، فقالت لها الامرأة: أما تعرفين عنده رجلا يدعى أتوس. فوقع هذا الاسم ~~في أذن ميلادي وقوع السهم في قلبها، فاصفر وجهها اصفرارا شديدا واضطربت أعضاؤها، فقالت ~~لها: ما بالك تصفرين يا سيدتي؟ هل كان في كلامي ما يسوءك؟ قالت: نعم قد أثر في ~~هذا الاسم، فإنه قل من يعرفه، وله صديقان وهما بورتوس وأراميس. قالت: إذن تعرفين لهم صديقا ~~آخر؟ قالت: إني لا أعرفهم إلا من كلام الناس، وقد سمعت بصديقهم هذا وهو دارتانيان. فقبضت ~~الامرأة على يد ميلادي وجعلت تحدق بها، ثم قالت: أوتعرفين دارتانيان؟ ثم رأت منها ~~تغيرا، فقالت: وكيف تعرفينه؟ قالت: أعرفه صديقا لهم. قالت: لا تخدعيني، فأنت عشيقته. ~~قالت: لا، بل أنت ، فقد عرفتك، أنت كونستانس بوناسيه. فأجفلت منها كونستانس وقالت: أتغارين ~~مني؟ ألم تكوني صديقته؟ قالت: لا والله. قالت: ولماذا أجفلت من اسمه؟ قالت: ألم تفهمي؟ ~~قالت: لا وأفصحي. قالت: ألا تعلمين أني عارفة باختطافك من بيت صغير في سان جرمن ويأسه منك ~~وتفتيشه عليك هو وأصحابه، فكيف تريدين أن لا أعرفك وقد طالما كلمني عنك وهو يزفر من حبك ~~زفرات أحر من النار، فقد عرفت الآن أيتنا الحبيبة. قالت: العفو يا سيدتي، فإني أحبه. ~~قالت: ما أسعدني بمرآك، فدعيني أنظر إليك، فأنت أنت والله لم يخطئ ظني فيك. فاغترت ~~الامرأة بكلامها ووثقت منها بالتمليق وهي لا تعلم ما وراءه من الغيظ والحقد الكامن، فقالت ~~لها بوناسيه: إذن تعلمين كم أقاسي لأجله من العذاب، ولكني أجد العذاب عذبا في سبيل حبه، ~~وقد قيض الله لي أن أراه فسأراه الليلة أو غدا. فانذهلت ميلادي لكلامها وقالت: كيف ذلك؟ ~~أتنتظرين منه خبرا؟ قالت: بل أنتظره بعينه. قالت: هو نفسه يأتي إلى هنا؟ قالت: نعم. قالت: ~~إن ذلك لا يكون، فإني أعرفه في حصار روشل مع الكردينال، فلا يرجع قبل أخذ المدينة. قال: ms149 ليس ~~شيء صعبا على رجل شريف مثل دارتانيان. قالت: إني لا أكاد أصدق. قالت: إذن فاقرئي هذا ~~الكتاب. ثم ناولتها كتابا، فنظرت فيه فعرفت أنه خط الخاتون دي شفريز، فقرأت: # أي بنية، كوني متأهبة للسفر، فإن صديقك آت إليك ليأخذك من الدير، فبالغي ~~في الاختفاء والتنكر إذا خرجت واستعدي للرحيل. والسلام عليك. # ثم قالت: أتعرفين ما معنى هذه الرسالة؟ قالت: لا، ولكني أظن أن الملكة قد علمت بمكيدة ~~ينصبها لي الكردينال. قالت: هو ذاك. ثم سمعت وقع حوافر فرس، فهبت بوناسيه إلى النافذة ~~وهي تقول عساه هو؟ فقالت ميلادي - وهي لم تنتقل من سريرها: انظري جيدا لعله هو. قالت: ~~لا، فإنه رجل لا أعرفه وقد وقف على باب الدير وهو يقرع. قالت: أمتأكدة أنت أنه ليس ~~دارتانيان؟ قالت: نعم، فإني أراه بزي آخر. فقامت ميلادي وأخذت تلبس ثيابها، فقالت لها ~~بوناسيه : لقد دخل. قالت: إما لأجلي أو لأجلك، فقالت لها بوناسيه: ما بالك تضطربين؟ قالت: ~~نعم، فإني أخشى من الكردينال. فقالت لها: صه، فإنهم آتون إلينا. ثم فتح الباب ودخلت ~~الرئيسة، فقالت لميلادي: هل أنت آتية من بولونيا؟ قالت: نعم، فمن يطلبني؟ قالت: رجل لا يريد ~~أن يتسمى ويقول إنه آت من قبل الكردينال يريد أن يكلم الامرأة القادمة من بولونيا. ~~قالت: إذن فأدخليه يا سيدتي. فقالت لها بوناسيه: إني أخشى عليك منه، فأنا أتركك وأذهب. ~~ثم خرجت مع الراهبة، ولبثت ميلادي شاخصة إلى الباب حتى فتح ودخل منه رجل، فعرفته وصاحت ~~عند مرآه صيحة الفرح، وكان هذا الرجل الكونت دي روشفور صفي الكردينال وساعده. # الفصل السادس والخمسون # | اثنان من الأبالسة # فتلقته ميلادي بالترحاب وقالت له: من أين آت؟ قال: من روشل، وأنت؟ قالت: من إنكلترا. ~~قال: ما جرى ببيكنهام؟ قالت: جريح أو قتيل، فإني أغريت به بعض الجند ولا أدري ماذا جرى. ~~قال: بارك الله فيك، فهل أعلمت الكردينال؟ قالت: كتبت له من بولونيا، فما جاء بك إلى هنا؟ ~~قال: أرسلني الكردينال لأبحث عنك، فمتى وصلت؟ قالت: أمس، ولم ms150 أضع الوقت سدى، أفلا ~~تعرف من وجدت؟ قال: لا. قالت: وجدت الامرأة التي خلصتها الملكة من السجن. قالت: أليست ~~بوناسيه حبيبة دارتانيان؟ قالت: هي بعينها، والكردينال يجهل مقرها. قال: إن السعادة تخدم ~~الكردينال هنأه الله. قالت: ولو رأيت انذهالي عندما وجدت هذه الامرأة. قال: هل عرفتك؟ ~~قالت: لا، بل هي تعتقد أني صديقتها الودودة. قال: لله درك، فلا أحد أقدر منك على فعل هذه ~~العجائب يا كونتس. قالت: وقد عرفت منها أيضا أنهم آتون لأخذها غدا أو بعد غد بأمر من ~~الملكة. قال: ومن يأخذها؟ قالت: دارتانيان وأصحابه. قال: حسنا يفعلون فإنهم يهيئون لنا ~~فرصة نرسلهم فيها إلى سجن الباستيل. قالت: ولم لم يسجنوا بعد؟ قال: أرى الكردينال ضعيفا ~~عنهم، ولا أدري لذلك سببا. قالت: قل له إذن إن محادثتي إياه في فندق برج الحمام قد سمعها ~~هؤلاء الرجال الأربعة، وصعد إلي أحدهم بعد ذهابه فأخذ مني صك البراءة، وأنهم أخبروا ~~اللورد ونتر بذهابي إلى إنكلترا ليحبطوا مسعاه كما فعلوا بالعقد، وقل له أيضا إنه يجب أن ~~يخشى اثنين منهم هما أتوس ودارتانيان وإن الثالث عشيق دي شفريز فلا يقتله فإن حياته تفيدنا ~~لاستطلاع أسراره، أما بورتوس فلا تمسوه فإنه يحسب عليكم رجلا ولا خير فيه. قال: أظن ~~أنهم الآن في حصار روشل؟ قالت: لقد كنت أظن ذلك لولا أن رأيت الرسالة في يد بوناسيه ~~تبشرها بقدومهم عن قريب. قال: كيف العمل؟ قالت: ما عندك لي؟ قال: أن آخذ ما لديك من ~~الأخبار إما خطا أو شفاها، ثم أعود إلى الكردينال فيرسم لك ما تصنعين. قالت: وهل ~~ألبث هنا؟ قال: كما شئت هنا أو في الضواحي. قالت: ألا أذهب معك؟ قال: ذلك لا يكون، فإنهم ~~يعرفون أنك في المعسكر وهو ما يضر بالكردينال. قالت: إذن أنتظر إما هنا أو في ضواحي ~~الدير. قال: عيني لي مكانا أجدك فيه إذا طلبتك. قالت: إني لا أقدر أن ألبث هنا خشية من ~~أن يصل أعدائي أصحاب دارتانيان فيصيبني منهم مكروه. قال: إذن تفلت ms151 هذه المرأة من ~~الكردينال. قالت: معاذ الله أن تفلت أم نسيت أني صاحبتها المخلصة؟ فقل للكردينال إني ~~أنا لها. قال: والآن: ما أصنع؟ قالت: تذهب مسرعا إلى الكردينال فإن الأمر خطير. قال: لقد ~~كسرت عربتي عند دخولي إلى ليليه. قالت: ذلك خير لأني في حاجة إليها، فاذهب راكبا ولو ~~كانت الشقة بعيدة، ثم إذا وصلت إلى ليليه ترسل لي العربة وتوصي خادمها بالامتثال لي، ~~ثم تأمر راهبة الدير بالتسريح لي بالذهاب متى شئت مع كل من يأتيني باسمك، ولا تنس أن ~~تكلم الرئيسة بغيظ إذا ذكرتني لأني أوهمتها أني عدوة الكردينال وأني بغيته. قال: وأين ~~أجدك بعد ذلك؟ قالت وقد فكرت طويلا: إني أعرف هذه البلاد حق المعرفة لأني ربيت بها، ~~فإنك تجدني في أرمانتيير. قال: وما أرمانتيير؟ قالت: قرية صغيرة على ضفة نهر ليس، فإذا ~~قطعته صرت في بلاد غير فرنسا. قال: نعم، ولكن لا تقطعيه إلا عند الخطر الشديد. قالت: نعم. ~~قال: وأين أعرف مقرك؟ قالت: أفي حاجة أنت إلى خادمك؟ قال: لا. قالت: وهل أنت واثق منه؟ ~~قال: نعم. قالت: آخذه معي إلى حيث أسكن، ثم يذهب إليك ليدلك على مقري. قال: نعم، فاكتبي ~~لي اسم القرية لئلا أنساه. فكتبته. فودعها وخرج وقد وضع الورقة تحت قبعته. # الفصل السابع والخمسون # | نقطة الماء # وما كاد روشفور يبعد عن غرفة ميلادي حتى دخلتها بوناسيه فوجدت ميلادي ضاحكة السن، ~~فقالت لها: هل دنا ما كنت تخشين منه من قبض الكردينال عليك؟ قالت: من قال لك ذلك؟ ~~قالت: سمعته من فم الرسول. قالت: تعالي فاجلسي حذائي وأنصتي لئلا يسمعنا الرجل. فجلست ~~وقالت: لم هذا التحذر؟ قالت: سترين. ثم نهضت إلى الباب ففتحته ونظرت في الرواق ~~فلم تجد أحدا، فأقفلته وعادت وهي تقول: لقد أتم الحيلة. قالت: من؟ قالت: من ادعى أنه ~~رسول من قبل الكردينال؟ قالت: ومن هو هذا الرجل إذن؟ قالت: أخي، وهو سري سلمته لك ~~فلا تعبثي به، وإليك القصة، فإن أخي هذا سمع بي أني هنا فأقبل قاصدا ms152 خلاصي، فصادف رسول ~~الكردينال آتيا فتبعه حتى خلت الطريق فتعرض له وطلب أوراق الكردينال منه، فأباها عليه ~~فقتله وأخذها؛ إذ لم يجد لأخذها واسطة أخرى، فأخذ الأوراق وجاء باسم الكردينال، وستأتي ~~بعد ساعة أو ساعتين عربة تأخذني باسم الكردينال وهي عربة أخي، ثم اعلمي أن الكتاب الذي ~~بيدك المنبئ لك بوصول من يخلصك ليس هو من دي شفريز بل هو مزور حيلة عليك، فإن دارتانيان ~~ينازل روشل الآن ولا سبيل إليه نحوك. قالت: وأنى لك هذا؟ قالت: علمته من أخي حيث قال ~~إنهم سيأتونك من قبل الكردينال بأثواب حرس الملك لتنخدعي لهم فيذهبوا بك إلى باريز، ~~فقالت: وا كرباه، أكاد أجن من هذه الأمور. قالت: أنصتي. قالت: ما ذاك؟ قالت: إني ~~أسمع وقع حوافر فرس وهو أخي ذاهبا، فتعالي أودعه الوداع الأخير، ثم صعدت إلى النافذة ~~ومعها بوناسيه حتى مر بهم الفارس، فقالت له ميلادي: على الطائر الميمون يا أخي. فالتفت ~~إليها وأشار بيده يودعها وغاب. فعادت من الشباك فأقبلت إليها بوناسيه وهي تقول: أشيري ~~علي بالله ماذا أصنع. قالت: ليس لك إلا واسطة واحدة، وهي أن تخرجي فتقيمي في بعض نواحي ~~هذا الدير. قالت: وإلى أين أذهب؟ قالت: تذهبين معي، فإني سأذهب أنتظر وصول أخي في بعض هذه ~~القرى. قالت: إنهم لا يسمحون لي بالخروج، فأنا هنا كالأسيرة. قالت: نعم، ولكنك تظهرين أنك ~~تريدين أن تودعيني فتقعدين معي في العربة، فيسوق السائق الخيل فتجري بنا ونخلص. قالت: ~~وإذا جاء دارتانيان. قالت: نعرف من غير بد. قالت: وكيف ذلك؟ قالت: نرسل إلى الدير ~~خادم أخي الذي نتكل عليه في أمرنا هذا فيتجسس الأمر، فإن وجد القادمين من حرس الكردينال ~~لبث متخفيا لا يظهر، وإذا كانوا دارتانيان وأصحابه أتى بهم إلينا. قالت: وهل يعرفهم؟ ~~قالت: نعم، فإنه طالما رأى دارتانيان عندي. قالت: أحسنت، ولكن لا يجب أن نبعد من هنا. قالت: ~~نلبث على الحدود، حتى إذا داهمنا خطر نفر من فرنسا. قالت: وما أصنع الآن وأنت تنتظرين؟ ~~قالت: لعلك تذهبين ولا ms153 أشعر بك. قالت: اطلبي من الرئيسة أن تسمح لك بالإقامة معي، وما أراها ~~تمنعك. قالت: أصبت. قالت: فانزلي حالا إليها واستأذنيها، وأنا أنزل إلى الجنينة أتنزه ~~فيها فإني أرى نفسي في دوار. قالت: وأين أجدك؟ قالت: هنا بعد مضي ساعة. قالت: نعم. وذهبت ~~تلك إلى الجنينة وبوناسيه إلى الرئيسة. وكانت ميلادي قد أصابها الدوار كما قالت من عظم ~~الحيلة التي دبرتها وفظاعة العمل التي نوت عليه، وكان جل قصدها في ذلك أن تذهب ~~ببوناسيه إلى مكان لا يدري به أحد، وأخذت تفكر في ذلك لعلمها أن بوناسيه حياة دارتانيان، ~~فإذا أخذتها من بين يديه هان عليها الانتقام منه. وفيما هي تمشي في الجنينة وهذه الأفكار ~~تساورها سمعت صوتا خفيفا يناديها، فالتفتت وإذا بها ترى دي بوناسيه مستبشرة بما أذنت لها ~~به الرئيسة، ثم عادت وإياها، فلما بلغت فناء الدار سمعت صوت عربة، فقالت: هذه عربة أخي، ~~فاذهبي وأحضري ما يهمك إحضاره من حلي ودراهم. قالت: ليس عندي سوى تلك الرسائل. قالت: ~~فاذهبي وأحضريها، ثم لاقيني إلى هنا فنأكل معا. فقالت: وا كرباه، أرى نفسي ضعيفة لا ~~أقدر على المشي. قالت: تشددي ولا تخشي فإنك تطلقين بعد قليل. فذهبت وصعدت ميلادي ~~إلى غرفتها فوجدت فيها خادم روشفور، فأعطته التعليمات اللازمة، ومن جملتها أن ينتظرها لدى ~~الباب، فإذا رأى حراس الملك قادمين ينطلق بالعربة إلى جهة الدير الأخرى فينتظرها عند ~~قرية صغيرة فتخرج إليه من باب الحديقة. وفيما هي توصيه دخلت بوناسيه فقالت له ميلادي: ثم ~~تصعد إلى عربتي هذه الامرأة، وحالما تصير معي تسوق الخيل بسرعة البرق. قال: نعم. وخرج. ~~فأقامت ميلادي هي وبوناسيه وأكلتا. وفيما هما تأكلان إذا بميلادي تسمع وقع حوافر خيل وصهيل، ~~فوثبت إلى النافذة فلم تر أحدا لأن الصوت كان بعيدا، فقالت لها بوناسيه: ما هذا الذي ~~أسمع؟ قالت: إما أعداؤنا أو أصدقاؤنا، فالبثي مكانك حتى أقول لك. ولم يمض قليل حتى ظهرت ~~الفرسان، فرأتهم ميلادي ثمانية وفي مقدمتهم فارس عرفت أنه دارتانيان، فصاحت صيحة اليأس، ~~فقالت ms154 لها بوناسيه: ما هذا؟ قالت: قدم حرس الكردينال، فلا خلاص لنا إلا بالفرار. قالت: نعم، ~~فهيا بنا. فهبت من مكانها وهي واهية القوى من الخوف والرهبة، ثم سمعت صوت الفوارس تمر ~~تحت النافذة، فزاد رعبها، فأخذتها ميلادي بيدها وقالت: هلمي فإن لنا طريقا من الحديقة ~~ومعي مفتاحها، فسارت معها خطوتين ثم سقطت لا تستطيع النهوض، وإذا بميلادي تسمع صوت ~~العربة هاربة من وجه الحراس، ثم تلاها صوت البنادق، فقالت ميلادي: أتذهبين أم لا؟ قالت: ~~لا أقدر أن أذهب، فاهربي وحدك. قالت: أهرب وحدي وأتركك، إن ذلك لا يكون. ثم وقفت برهة ~~تفكر وذهبت إلى المائدة فأخذت كأس بوناسيه ففتت فيه فص خاتم كان معها ثم ملأته نبيذا ~~وقالت لها: اشربي، فإن هذا يشدد العزم ثم أدنت الكأس من فم بوناسيه فشربتها، فقالت ~~ميلادي: والله لم أكن أريد أن أنتقم هذا الانتقام لولا مداركة الفرص. ثم وضعت الكأس على ~~المائدة وخرجت راكضة وبوناسيه تنظر إليها نظرة غرقى إلى ساحل، وأخذ العرق يسيل منها ~~وقواها تضعف، ثم سمعت صوت الأبواب تفتح وسمعت اسمها يلفظ، ثم فتح الباب وظهر ~~دارتانيان، فصاحت به صيحة الفرح وأكبت عليه تقبله ويقبلها، ثم تبعه أصحابه وسيوفهم ~~في أيديهم، فقالت لدارتانيان: لقد أتيت يا حبيبي ولم تخدعني، فقد غلطت إذ قالت لي إنك ~~خدعتني وإنك لا تأتي. فقال دارتانيان: ومن هي؟ قالت: رفيقتي التي أرادت أن تأخذني معها، وقد ~~هربت الآن منكم ظانة أنكم حرس الكردينال. فاصفر وجه دارتانيان وقال: أي رفيقة تعنين؟ ~~قالت: التي كانت عربتها على الباب والتي زعمت أنك تحبها، فقال: وما اسمها؟ أخبريني، أما ~~أتعرفين؟ قالت - وصوتها يتقطع من النزاع: لقد قالوه أمامي ونسيته، وا كرباه، ما هذا الدوار. ~~فصاح دارتانيان: إلي يا رفاقي، فإني أشعر بيديها قد بردتا وقد أغمي عليها. فتقدم ~~بورتوس يساعده ووثب أراميس إلى المائدة ليأتي بكأس من الماء، فدهش عندما رأى أتوس واقعا ~~لدى المائدة كالصنم لا حراك به، وعيناه تقدحان شرارا. فصاح دارتانيان: علي بالماء. فقال ~~أتوس: مسكينة ms155 أنت يا بوناسيه. ففتحت المرأة عينيها، فقال دارتانيان: وا بشراي قد فتحت ~~عينيها وأفاقت والحمد لله. فقال لها أتوس: لمن هذا الكأس؟ قالت: لي. قال: ومن سكب لك هذا ~~النبيذ؟ قالت: هي. قال: ومن هي؟ قالت: ذكرت اسمها الآن هي الكونتس دي ونتر. فأجفل الأربعة ~~وصاحوا صيحة الجزع، وكانت صيحة أتوس تفوق الجميع، وسقطت بوناسيه بين يدي أراميس وبورتوس لا ~~تسمع ولا تعي، فقام دارتانيان إلى أتوس وقال: أتظن أنها ...؟ قال: نعم. وهو يعض على ~~شفتيه حتى كاد يدميهما. فتحول دارتانيان إلى بوناسيه فوجدها قد اصفر وجهها وغارت عيناها ~~وكان جسمها يرتجف وهي تتصبب عرقا، فقال: ادعوا لنا طبيبا، فقال أتوس: لا فائدة من الطبيب ~~فإن السم زعاف لا دواء له. فقالت وهي تجود بنفسها: نعم، لا دواء له. ثم جمعت قواها ~~وضمت رأس دارتانيان بين يديها وقبلته وطارت نفسها، فوجد دارتانيان بين يديه جثة باردة، ~~فسقط مغشيا عليه، وأقام أصحابه يندبون، وإذا بالباب قد انفتح وظهر على عتبته رجل، وجعل ~~ينظر إلى بوناسيه ودارتانيان، ثم قال: لم أخطئ، فهذا دارتانيان وأنتم أصحابه الثلاثة أتوس ~~وبورتوس وأراميس. فنظر إليه الثلاثة وهم مرتابون في معرفته، فقال لهم: أظنكم مثلي تفتشون ~~على امرأة مرت من هنا لأني أرى لها أثرا في هذه الجثة. فلبثوا صامتين ينظرون إليهم وهم ~~يذكرون أنهم رأوه، فعقب قائلا: إذا كنتم مترددين في معرفتي بعد إذ خلصتموني مرتين من ~~الموت فأنا أعرفكم بنفسي، أنا اللورد ونتر سلف هذه الامرأة. فقام إليه أتوس وصافحه وقال: ~~أهلا وسهلا بك، فأنت منا. قال: قد تتبعتها من بورتسموث بعد سفرها بخمس ساعات فوصلت ~~بعدها إلى بولونيا بثلاث ساعات، وتبعتها من قرية إلى قرية أستخبر الناس عنها حتى رأيتكم ~~تسيرون أمامي، فعرفت دارتانيان فناديتكم فلم تجيبوا إذ لم تسمعوني لبعدي عنكم لوقع حوافر ~~خيلكم، فشددت في لحاقكم فلم يغن جوادي لكلاله حتى اجتمعت بكم الآن، فهل الاثنان قتيلان؟ ~~قال أتوس: لا والحمد لله، فإن دارتانيان مغمى عليه. ففتح دارتانيان عينيه ورمى بنفسه على ms156 ~~جثة حبيبته يقبلها ويتشممها، ثم انثنى عنها إلى أتوس فقبله وقال: كتب القتل والقتال ~~علينا، وعلى الغانيات ندب القتيل، دع النساء يبكين النساء فللرجال الأخذ بالثأر. ~~قال: صدقت والله لأنتقمن من قاتلها ولو تعلق بأهداب السحاب. فأشار أتوس إلى أراميس ~~وبورتوس أن يدعوا الرئيسة، فذهبا فوجداها في فناء الدير، فأتيا بها، فقال لها أتوس: ها ~~نحن نترك بين يديك جسم هذه الامرأة الطاهرة فادفنيها فإنها ملك كريم في صورة إنسان، وسنرجع ~~بعد فنصلي على قبرها. ثم أخذ دارتانيان بيده وهو يبكي أشد بكاء، وخرج الخمسة من الدير ~~إلى مدينة بيتين فوقفوا على أول فندق فيها، فقال دارتانيان: ألا نتبعها فنأخذ ثأرنا منها؟ ~~قال أتوس: ذلك علي. قال: أخشى أن تفوتنا فيكون اللوم عليك. قال: أنا لها فلا تخش فرارها. ~~فجعل أراميس وبورتوس يتناظران ويعجبان من ثقة أتوس بإمساكها، وظن اللورد ونتر أنه يتكلم ~~كذلك ليهدئ روع دارتانيان، فقال أتوس: تفرقوا يا قوم كل إلى غرفته في هذا الفندق، فنحن في ~~حاجة إلى الاختلاء، وعلي تدبير الأمر. فقال اللورد ونتر: لا، بل ذلك علي، فأنا أقرب ~~إليها لأني سلفها. قال: لا، بل أنا، فإنها امرأتي. فتبسم دارتانيان لذلك وعلم أن أتوس لا ~~يتركها لأنه باح بسره فيها، فقال أتوس: اذهبوا إلى غرفكم وأعطني يا دارتانيان الورقة ~~التي سقطت من الفارس، فهذا وقتها. قال: نعم، فإنها بخطها. فأخذها وتفرقوا. # الفصل الثامن والخمسون # | الرجل ذو العباءة الحمراء # وكان أتوس أشد أصحابه حنقا على ميلادي والتزاما بالقبض عليها لتعهده بذلك، فدخل غرفته ~~ودعا إليه بصاحب الفندق، فطلب منه رسم ذلك الإقليم وطرقه، فأعطاه، فرأى أنه يوجد من بيتين ~~لأرمانتيير أربع طرق، فدعا بالخدم وهم بلانشت وكريمود وموسكتون وبازين فأمرهم بالذهاب في ~~وجه الصبح إلى أرمانتيير كل منهم يأخذ في طريق، ووجه بلانشت في الطريق التي سارت منها ~~العربة وفيها خادم روشفور. وكان أتوس شديد الثقة بهم لعلمه أنهم يعرفون ميلادي وهي لا ~~تعرفهم، فتعاقد الأربعة على أن يصلوا إلى أرمانتيير عند الصباح، حتى إذا ms157 وجدوا ميلادي بعثوا ~~بأحدهم ليأتي بهم إليها، ثم ذهبوا فتقلد أتوس سيفه واشتمل بعباءته وخرج. وكانت الساعة ~~العاشرة ليلا، فسار في طريق أرمانتيير يلتمس من يسأله عنها حتى صادف رجلا فسأله، فأشار ~~إليه بيده عن الطريق، فأغراه بدينار ليذهب معه فأبى، فسار أتوس في الطريق التي أشار إليها ~~الرجل، ولم يزل سائرا حتى انتهى إلى طريق متشعبة إلى أربعة، فوقف حائرا لا يدري في ~~أيها يأخذ حتى رفع له رجل فلم يدله إلا بالإشارة وأبى أن يذهب معه. ثم سار حتى تشعبت ~~الطريق فوقف ينتظر، حتى مر به سائل ووقف به يسأله الصدقة، فعرض عليه قطعة من الفضة على أن ~~يدله فتوقف السائل قليلا، ثم غرته لمعة الفضة فرضي ومشى أمامه حتى بلغ به غاية ~~الطريق، فأشار له إلى بيت في وسط بستان لا شيء حوله من العمران، فدنا أتوس من بابه وقرعه ~~ففتح له رجل طويل القامة أصفر الوجه مسود اللحية والشعر، فكلمه أتوس سرا فأشار إليه ~~بالدخول، فدخل إلى بيت حقير يتدلى العشب من سقفه وهو رث الأثاث لا شيء فيه من الترتيب ~~والنظافة، وكان يسكنه ذلك الرجل وحده ولا رفيق معه. فجلس ~~إليه أتوس يحادثه فيما ندبه له من العمل الخطير وعرضه عليه من الفعل الهائل، فأجفل الرجل ~~منه وتمنع، فأخرج له أتوس من جيبه ورقة عليها سطران تحتهما إمضاء، فلما قرأها الرجل أحنى ~~برأسه علامة الطاعة، فقام أتوس وحياه وخرج عائدا في طريقه التي جاء منها حتى بلغ الفندق، ~~فدخل غرفته وأقفل عليه الباب. # فلما كان الصباح دخل عليه دارتانيان وقال له: ماذا يجب أن نفعل؟ فقال: الانتظار. وبعد ~~قليل جاءهم خبر من رئيسة الدير بأن الدفن يكون عند الظهر وأنها لم تعلم من أمر السم شيئا ~~سوى أنها رأت آثار أقدام في الحديقة تنتهي إلى بابها وهو مغلق والمفتاح ضائع. وعند الظهر ~~ذهب اللورد ونتر وأصحابه الأربعة إلى ملحد الدير فصلوا على الامرأة، فهاج ذلك في ~~دارتانيان الجزع والحزن، فانثنى يطلب أتوس فلم يجده. وكان ms158 أتوس قد ذهب في الحديقة على آثار ~~الأقدام حتى انتهى إلى بابها ففتحه وخرج إلى الغابة، فوجد آثار عجلات العربة ذاهبة في ~~الغابة، فتبعها وهو ينظر إلى الأرض فرأى عليها قطرات دم، إما من أحد الخيول أو من الخدم ~~عندما أطلق الحراس عليها بنادقهم، فسار أتوس على الآثار حتى انتهى إلى غاية الغابة فوجد ~~عندها بركة دم واسعة وبعدها أقدام صغيرة مثل آثار الحديقة حتى انتهت عند الطريق حيث وقفت ~~العربة، فعلم أتوس أن ميلادي مشت إلى هناك ثم ركبت العربة وسارت. فعاد إلى الفندق فوجد ~~بلانشت ينتظره، فأخبره أنه رأى كل ما رآه من آثار الدم وعجلات العربة، إلا أنه أمعن في تتبع ~~الأثر أكثر من أتوس حتى بلغ بيتا فعرف منه أن قد وقفت عليه أمس عربة فيها رجل جريح وامرأة، ~~فأودعت الرجل في البيت وسارت في طريقها، ثم سار على آثار العربة حتى انتهى إلى أرمانتيير ~~فبلغها عند الساعة السابعة صباحا وأسرع إلى فندقها يسأل عن غرفة يأخذها، فعلم من النازلين ~~في الفندق أن امرأة قدمت أمس فأقامت في إحدى غرف الفندق ثم طلبت من صاحبه بيتا في ضواحي ~~القرية فاكتفى بلانشت بذلك وعاد إلى رفاقه الثلاثة، فرتبهم كالعسس وعاد إلى أتوس وأخبره. ~~وما أتم كلامه حتى دخل الأصحاب الثلاثة، فقال دارتانيان: ماذا يجب أن نفعل؟ قال: الانتظار. ~~فعاد كل إلى غرفته. # ولما كانت الساعة الثامنة مساء أمر أتوس أن تسرج الخيل فأسرجت، ونبه أصحابه ~~الأربعة فاستعدوا وركبوا. فجعل دارتانيان يتأفف ويتضجر، فقال له أتوس: رويدا فإنه ينقصنا ~~رجل. ثم ساروا، فهمز أتوس جواده وقال لهم: أنظروني فأنا راجع. ولم يغب إلا قليلا ~~حتى عاد ومعه رجل مرتد بعباءة حمراء، فجعل الحراس واللورد ونتر ينظرون إليه وهم لا ~~يقفون على عرفانه، فظنوا أن ذلك من تدبير أتوس فتركوه. وعند الساعة التاسعة سارت الفرقة في ~~ذلك الظلام الحالك يقدمها بلانشت في طريق العربة، ولسان حالهم ينشد: # وكم لظلام الليل عندك من يد # تخبر أن المانوية تكذب # الفصل التاسع ms159 والخمسون # | المحاكمة # وكان الليل عاصفا والسحاب متكاثفا والظلام شديدا، إذا مد الإنسان يده لم يكد ~~يراها، وكان القمر لا يشرق إلا عند منتصف الليل. فجعل القوم يسيرون في ذلك الظلام ولا ~~ينظرون الطريق إلا إذا لمع البرق. وما زالوا كذلك حتى مروا بحيث وضع الجريح، فعطف ~~بلانشت على شماله، وكان الحراس واللورد يكلمون الرجل ذا العباءة الحمراء فلا يجيب إلا ~~برأسه، فأمسكوا عنه. وكان الرعد قد زاد والبرق أخذ يتتابع والهواء يعصف بشدة، ثم تبع ~~ذلك مطر غزير كأنه من أفواه القرب. وفيما هما يسيرون إذا برجل خرج من وراء شجرة ~~واعترض في الطريق وأشار إلى القوم بالسكوت، فعرف أتوس أنه كريمود، فقال له دارتانيان: ماذا ~~جرى؟ هل فارقت أرمانتيير؟ قال: نعم. فعض دارتانيان على شفته وزفر زفرة الضرام، فقال ~~له أتوس: رويدك فأنا صاحب الأمر وعلي وجدانها. ثم قال لكريمود : أين هي؟ فأشار له بيده ~~إلى مقاطعة ليس، فقال: هل هي بعيدة عنا؟ فهمس في أذنه، فقال أتوس لهم: إنها على مقربة ~~منا وهي وحدها في بيت على شاطئ النهر، فهيا بنا يا كريمود. فسار أمامهم وتبعوه، ~~فقطعوا نهرا وساروا، وفيما هم يسيرون لمع البرق فظهر منه بيت منفرد له نافذة يلوح من ~~خلالها نور، فأشار إليهم كريمود، فقال أتوس: قد وصلنا يا قوم. وفيما هم كذلك إذا برجل قد ~~طلع عليهم من حفرة هناك وهو موسكتون، فأشار إلى النافذة، فقال له أتوس: وأين بازين؟ قال: ~~يخفر الباب وأنا أخفر النافذة. فترجل عن جواده وترجلوا معه وسلموا أعنة الخيل ~~لموسكتون، وأشار لهم أتوس أن يذهبوا من جهة الباب، وتقدم هو إلى النافذة. وكان البيت ~~محاطا بسياج، فتسلقه أتوس ودنا من النافذة وصعد على حجر هناك فرأى امرأة برداء أسود وبين ~~يديها سراج ونار تصطلي عليها معتمدة رأسها بيديها، فعرف ~~أنها بغيته. وعند ذلك صهل جواد من خيله فرفعت رأسها فرأت وجه أتوس في النافذة فصرخت، فوثب ~~أتوس إلى داخل الغرفة، فهربت ميلادي إلى الباب فصادفت دارتانيان، فكانت كالمستجير ~~من ms160 الرمضاء بالنار، فأجفلت منه ورجعت. وخاف دارتانيان من فرارها فأخرج غدارته من ~~حزامه، فقال له أتوس: رد سلاحك إلى مكانه، فإني أحب أن أحاكم هذه الامرأة فلا نقتلها ~~إلا عن حكم، فادخلوا يا قوم. فرد دارتانيان غدارته إلى حزامه، ودخل بورتوس وأراميس ~~واللورد ونتر وذو العباءة الحمراء، ووقف الغلمان يخفرون الباب والنافذة. فسقطت ميلادي على ~~كرسيها ثم نظرت سلفها فصاحت صيحة الجزع وقالت: من تطلبون؟ قال أتوس: نطلب كارلوتا ~~باكسون التي دعيت أولا الكونتس دي لافير ثم صارت لادي ونتر بارونة دي شيفيلد. قالت: ~~أنا بغيتكم، فماذا تريدون؟ قال: نريد أن نحاكمك على ما فعلت من الجرائم، وأنت مطلقة في ~~الاحتجاج ودفع الظنة عن نفسك إذا كان لك من ذلك مخرج، فتقدم يا دارتانيان وأعرض شكواك. ~~فتقدم دارتانيان فقال: أشكو هذه الامرأة أمام الله وأمام الناس بأنها سممت كونستانس ~~بوناسيه أمس . فقال بورتوس وأراميس: ونحن على ذلك من الشاهدين. ثم عاد فقال: وأشكوها أيضا ~~بأنها أرادت أن تسممني أنا بالخمر الذي أرسلته لي بكتاب مزور فخلصني الله منها ~~وفداني برجل آخر. فقال الشاهدان: ونحن نشهد. ثم عاد فقال: وأنا أشهد لنفسي بأنها أغرتني ~~بقتل الكونت ويرد ولم يكن عند ذلك من يسمعها، وهذه شكايتي عليها. ثم تنحى فتقدم ~~اللورد ونتر، فقال: أشكو هذه الامرأة أمام الله وأمام الناس بأنها قتلت اللورد بيكنهام. ~~فصاح الجميع: أوقتل بيكنهام؟ قال: نعم، فإني عندما حذرتموني منها قبضت عليها ~~وسجنتها، فأغرت أحد خدمي فخلصها وقتل اللورد بيكنهام، وهو يضرب الآن عنقه جزاء ~~ذنبه، وليست تلك شكايتي كلها، فإنها تزوجت بأخي فمرض بمرض لم يلبث فيه سوى ثلاث ساعات ثم ~~مات وعلى جسمه آثار، فأخبريني كيف مات يا فاجرة، فأنا أطلب الانتقام منك لأنك قتلت ~~بيكنهام وقتلت فلتون وقتلت أخي، وإلا أنتقم منك بيدي. ثم تنحى إلى طرف الغرفة، ~~فتقدم أتوس وقال: تزوجت هذه الامرأة وهي فتاة بالرغم عن أهلي وغمرتها بالنعم والإحسان، ~~ثم رأيتها موسومة بزهرة على كتفها الأيسر، فحاولت ميلادي التبرؤ فصاح بها ذو ms161 الرداء ~~الأحمر وقال: صه، فإني أجيبك. ثم دنا منها وخلع رداءه فنظرت إليه محدقة فيه بصرها، ثم ~~صاحت: لا لا، ما أنت إلا خيال جهنمي، فلست هو، إلي إلي، ثم سقطت على الحائط، ~~فقال له الجمع: من أنت يا رجل؟ فقال: سلوها عني، فقد عرفتني. فقالت ميلادي: هو سياف ~~ليل، هو سياف ليل. ثم سقطت على رجليه وهي تقول: السماح السماح، والعفو ~~العفو. فقال لها: نعم أنا سياف مدينة ليل، وهذه حكايتي: ~~«كانت هذه الامرأة في صباها بارعة في الجمال أكثر مما ترونها عليه الآن، وكانت ~~متنسكة في دير، وكان لي أخ راهب فاستهوته فعلقها وعزم على الفرار بها، ولما لم ~~يكن معه مال سرق آنية البيعة المقدسة فباعها، ولكنه أمسك قبل أن يسافر، وأمسكت ~~معه ووضعت في السجن، فأغرت ابن السجان فأطلقها، وحكم المجلس على أخي بالسجن عشر سنوات ~~وأن يوسم على كتفه وكنت أنا جلاده، فوسمته وثأرت نفسي لإمساك هذه الفتاة، فتتبعتها ~~وأمسكتها ووسمتها كما وسمت أخي، ثم عدت إلى ليل فوجدت أخي قد هرب من سجنه، فعقلت ~~مكانه إلى أن يأتي، ومضى هو يلتمسها حتى أصابها وهرب بها إلى بري، فسكن هناك وجعلها أخته. ~~فاتفق أن سيد تلك الأرض نظرها فعلقها ووقعت في نفسه فتزوجها من أخي، فصارت الكونتس دي لا ~~فير. فنظرت الجماعة إلى أتوس، فأشار لهم برأسه أن الحكاية صحيحة. فعقب السياف فقال: ولما ~~أخذها هذا الكونت ويئس منها أخي عاد إلى ليل فأقام في سجنه وأطلقت أنا، ثم ضرب عنقه في ~~ليلة وصوله، وتلك جنايتها علي أبينها لدى الله والناس. فقال أتوس لدارتانيان: أي ثأر ~~تطلب من هذه الامرأة؟ قال: القتل. ثم التفت إلى ونتر فقال: القتل أيضا. ثم التفت إلى ~~بورتوس وأراميس: فقال أنتما الآن في مقام القضاة، فبم تحكمان عليها؟ قالا: بالموت. فسقطت ~~ميلادي على ركبتيها وهي في حالة اليأس، فقال لها أتوس: أنت كارلوتا باكسون والكونتس دي لا ~~فير وميلادي دي ونتر قد اجترحت ذنوبا ضجت لها الناس في الأرض والأملاك ms162 في الأفلاك؛ فقد ~~وجب عليك القتل، فكفري عن ذنبك لله فإن الله غفور رحيم. فنهضت وأراد أن تتكلم فلم تقدر ~~واحتبس لسانها، وإذا بيد السياف قبضت على شعرها وأخرجتها من بيتها، فتبعها الأربعة وتبعهم ~~خدمهم وتركوا الغرفة على حالها.» # الفصل الستون # | الإعدام # وكان نصف الليل قد دنا وظهر القمر من خلال السحاب، فسارت الجماعة وميلادي تتقدمهم يقودها ~~اثنان من الخدم وخلفها السياف، وخلف السياف أتوس ودارتانيان واللورد ونتر وبورتوس وأراميس ~~وبلانشت وبازين وراءهم. وكان الخادمان يقودانها إلى جهة نهر ليس وهي صامتة لا تنبس ~~بكلمة، حتى إذا رأت نفسها قد صارت على بعد من الجماعة قالت للخادمين: أعطي كلا منكما ألف ~~دينار إذا ساعدتماني على الفرار، وأما إذا قتلت فإن لي من ينتقم مني. فسمع أتوس كلامها ~~فتقدم إليها وتقدم معه اللورد ونتر، فقال له: دع الخادمين الآخرين يمسكانها. فدعا ~~بهما أتوس وأرجع كريمود وموسكتون، فسارا بها حتى بلغا حافة النهر فعمد إليها السياف وربط ~~رجليها ويديها، فصاحت بهم: إنكم جبناء أخساء لا تقتلون إلا نساء، فحذار حذار ~~من ثأري وحمل دمي. فقال أتوس: ما أنت امرأة، إن أنت إلا مارد فر من الجحيم ~~وسيرجع إليه. فقالت: إياكم أن تمسوني، فأنتم سفاكو دماء. فقال السياف: إن الجلاد يضرب ~~الأعناق ولا جريمة قتل تلحق به، فاستعدي للموت. قالت: إذا كنت مجرمة فخذوني لدى القضاء ~~فاشتكوا علي، فإنكم لستم بقضاة تحكمون بالموت. فقال اللورد ونتر: لقد عرضت عليك النفي ~~فلماذا لم تقبليه؟ قالت: لأني لا أريد أن أموت، فإني لم أزل حدثة جميلة. قال: إن التي ~~قتلتها بالسم في الدير كانت أصغر منك سنا وأبهى جمالا. قالت: إذن أدخل في ~~الدير فأتنسك. قال السياف: لقد كنت في الدير فلم تخرجي منه حتى قتل أخي بسببك. ~~ثم حملها ودنا بها من قارب كان في النهر لهذه الغاية، فقالت: يا رباه، قد عزموا على ~~إغراقي. وكان في صوتها ضعف وخوف تأثر له دارتانيان وذكره بعض ما كان نسي من حبها، ~~فأقبل على السياف وقال: ms163 لا أطيق أن أرى هذه الامرأة تموت. فلما سمعت ميلادي كلامه تجدد فيها ~~بعض الأمل، فقالت: اذكر يا دارتانيان أني كنت أحبك. فتقدم دارتانيان إليها، فشهر أتوس ~~سيفه واعترضه وقال: إذا أقدمت تلجئني إلى أن أنازلك. فوقع دارتانيان على ركبتيه، فقال أتوس: ~~يا سياف امض في عملك. قال: نعم. ثم دنا أتوس من ميلادي فقال: أنا أغفر لك ما صنعته ~~معي من تدنيس شرفي وافتضاح عرضي وإضاعة حبي والحالة التي صيرتني إليها من اليأس، فموتي ~~بسلام. فتقدم اللورد ونتر وقال: وأنا أغفر لك تسميم أخي وقتل بيكنهام وموت فلتون واجترائك ~~علي، فموتي بسلام. ثم تقدم دارتانيان وقال: وأنا أغفر لك ما أجريت معي من وسائط ~~القتل، وأغفر لك قتل حبيبتي وأسأل لك الرحمة، فموتي بسلام. فقامت ميلادي وقالت: قد انقطع ~~الرجاء، فلا بد من الموت. ثم نظرت حولها وقالت: أين مكان الإعدام؟ فأجابها السياف: على ~~الشاطئ الآخر. ثم حملها فوضعها في الزورق، فدنا منه أتوس وأعطاه بعض المال وقال: هذه أجرة ~~الضرب فلا إثم عليك. قال: نعم، فأنا أصنع الواجب علي. ثم قذف بالزورق في النهر فسار نحو ~~الشاطئ الآخر، وركع القوم يصلون لها. وكانت ميلادي وهي في الزورق قد حلت رجليها من ~~الرباط، فلما أخرجها السياف فرت هاربة، وكانت الأرض حول النهر رخوة من المياه فزلقت ~~رجلها وسقطت فأدركها السياف، ونظرت الجماعة من الضفة الأخرى سيف السياف يهوي على عنقها، ~~ثم سمعوا صوت موتها، فوضع السياف رداءه الأحمر ولف به الجثة والرأس وركب الزورق حتى ~~صار في وسط النهر، فرمى بها فيه فغرقت. # ولما كان اليوم الثالث من هذه الحادثة وصل الحراس إلى باريز وذهبوا إلى زيارة دي تريفيل، ~~فتلقاهم بالترحاب. # | الخاتمة # وفي اليوم السادس من الشهر التالي ذهب الملك من باريز إلى روشل حسبما وعد الكردينال، وبلغ ~~الملكة خبر بيكنهام فلم تكد تصدقه حتى جاءها لابورت بالخبر اليقين فقامت تندبه سرا ~~ولسان حالها ينشد: # أما والله لولا خوف واش # وعين للخليفة لا تنام # لثمنا ركن قبرك واستلمنا # كما ms164 للناس بالحجر استلام # وكان الملك في غاية المسرة ونهاية الحبور، وكان يصحبه في سفره إلى روشل الأصحاب ~~الأربعة. وفيما هو في بعض الطريق خطر له أن يصيد، فتخلف عنه دارتانيان وأصحابه إلى ~~حانة في طريقهم، فجعلوا يشربون وإذا برجل قد وقف على الحانة ونظر إليهم، ثم التفت إلى ~~دارتانيان، فقال: أدارتانيان الذي أرى؟ فقام إليه دارتانيان وسل سيفه ولاقاه وقال: ~~لقد طالما فررت مني، أما الآن فلا تفلت. قال: الأمر أعظم من ذلك، وأنا آت من قبل ~~الملك لآخذ منك سيفك وأقودك إليه فلا تمانع. قال: من أنت؟ قال: أنا دي روشفور خادم ~~الكردينال ريشيليه، وأنا مأمور أن آخذك إليه. فقال أتوس: نذهب إلى الكردينال إذن؟ قال: ~~إني سأرسله مع الحرس إلى روشل حيث يقابل الكردينال في المعسكر. قال أتوس: إذن نذهب معه ~~فلا نفارقه. قال: إذا سلمني دارتانيان سيفه تذهبون معه. قال: هذا سيفي فخذه. قالوا: لا ~~حاجة إلى الحرس، فنحن نأخذ دارتانيان إلى الكردينال قسما بالله وبالشرف. قال: إذن أنا ~~واثق بكم لأنكم نبلاء، فاذهبوا وأنا ذاهب في أمر آخر. فقال له أتوس: إذا كنت ذاهبا في طلب ~~ميلادي فلا تتعب فإنك لا تجدها أبدا. قال: وأين هي؟ قال: ستعرف ذلك إذا بلغنا المعسكر. ~~فعاد روشفور معهم حتى بلغوا المعسكر، فقابل الكردينال الملك بالإجلال والتعظيم ثم ~~استأذن وسار إلى مقره فوجد دارتانيان على الباب أعزل وأصحابه الثلاثة بسلاحهم، فأشار إليه ~~أن يتبعه ودخل، فتبع دارتانيان الكردينال إلى أن بلغ غرفته فجلس ووقف دارتانيان أمامه، ~~فقال له: لقد أمرت بإمساكك. قال: نعم كذلك بلغني. قال: أوتعلم لماذا؟ قال: إن الأمر الذي ~~يوجب إمساكي لم يبلغك بعد يا مولاي. قال: ماذا تعني بذلك؟ قال: ليتفضل مولاي الكردينال ~~بإعلامي لما أوجب إمساكي ثم أعلمه بخبري. قال: إنك متهم بأمور تطير لها رءوس أشد ~~ارتفاعا من رأسك. قال: ما هي يا مولاي؟ قال: أنت متهم بأنك خابرت أعداء المملكة وأنك سرقت ~~أسرارها وغير ذلك من التهم. قال: أنا أدري من اتهمني بذلك، ms165 فإنها امرأة موسومة بزهرة على ~~كتفها تزوجت رجلا في فرنسا ثم تزوجت آخر في إنكلترا فقتلته بالسم وحاولت أن ~~تسمني أنا. قال: ماذا تقول؟ وأي امرأة تعني؟ قال: لادي ونتر نفسها، فإنك يا مولاي جاهل ~~جرائمها حتى شرفتها بتسليمها أمورك. قال: إذا كانت ميلادي كذلك فيجب أن تعاقب. قال: ~~لقد جرى عليها العقاب يا مولاي. قال: ومن عاقبها؟ قال: نحن. قال: هل هي في السجن؟ قال: ~~لا، بل في الجحيم. قال: أوتجسر أن تقتلها؟ قال: لقد حاولت قتلي ثلاث مرات ثم قتلت ~~حبيبتي، فأخذناها أنا وأصحابي وحاكمناها وقتلناها، ثم أخض يقص على الكردينال كيفية موت ~~بوناسيه ولحاق ميلادي وقتلها على نهر ليس. فارتعد جسم الكردينال من ذلك وقال: أنى لكم ~~الحكم في ذلك ولستم بقضاة، فأنتم إذن قتلة. قال: أقسم لك يا مولاي بأني لم أمنع حياتي ~~عنك، فإذا شئتها فخذها ، فلا خير فيها. قال: نعم، أعرف أنك شجاع يا دارتانيان؛ ولذلك فأنت ~~تحاكم ثم يحكم عليك. قال: لكن يوجد من يردك عن ذلك إذا ظهر لك صك البراءة. قال: بخط ~~من موقع عليه؟ قال: بخطك يا سيدي، ثم أخرج له الورقة، فقرأ: # إن حامل هذه الرقعة قد صنع ما صنع بأمري ولخير المملكة فلا يعارض. # كتب في معسكر روشل # في 5 آب سنة 1628 # ريشيليه # ثم أخذ الكردينال يفكر، فقال دارتانيان: إنه يهيئ لي نوعا من الموت، فسأريه كيف تموت ~~النبلاء. ولبث الكردينال غائصا في أفكاره وهو يقلب الورقة بين يديه، ثم مزقها، فقال ~~دارتانيان في نفسه: هلكت والله، ثم دنا الكردينال من المائدة وأخذ القلم وجعل يكتب على ~~ورقة ودارتانيان يظن أنه يكتب الحكم عليه بالسجن، ثم ناوله إياها فقرأه وإذا بها أمر ~~بتعيينه ضابطا في حرس الملك، فوقع دارتانيان على رجلي الكردينال وقال: لقد غمرتني بفضلك يا ~~مولاي وأنا غير مستحق لذلك؛ فإن أصحابي أكثر استحقاقا مني. فقال: لا، بل أنت شجاع تستحق ~~كل رتبة وإن أكن لم أكتب اسمك فإنما إياك أعني. ثم نادى الكردينال بروشفور ms166 فدخل، فقال له: ~~هذا الكونت دارتانيان قد دخل في جملة أصحابي فاحتفظ عليه وعانقه. فدنا منه روشفور فتعانقا ~~بطرف الشفاه ثم خرجا، فقال روشفور: قد التقينا والحمد لله. قال: نعم، فمتى نلتقي؟ قال: ~~سنلتقي. وإذا بالكردينال قد فتح الباب وسعل، فالتفتا إليه وسلما عليه وخرجا، فقابله ~~أتوس فقال: لقد جزعنا لغيابك. قال: لم أخرج فقط، بل خرجت ومعي رتبة، فهل لك أن تقبلها، فإن ~~الاسم غير مكتوب فيها؟ فقال: لا، بل هي لك. ثم عرضها على أراميس وبورتوس فلم يقبلاها ~~وقالا له: إنك لم تزل شابا وأنت في حاجة إلى المراتب والرفعة. # وكانت روشل قد يئست من النجدة؛ لموت بيكنهام، فسلمت بلا حصار في الثامن والعشرين من شهر ~~تشرين الأول سنة 1628، وعاد الملك إلى باريز فدخلها في الثامن والعشرين من شهر كانون من ~~السنة نفسها، فكان له احتفال شائق لم يجر مثله قط . # أما دارتانيان فأقام على قيادة فرقته الجديدة وترك بورتوس خدمة الحرس وتزوج بعشيقته، وذهب ~~أراميس فساح في البلاد ثم انقطع عن مكاتبة أصحابه فسألوا عنه دي شفريز فقالت إنه دخل في ~~أحد الأديرة وترهب. ولبث أتوس حارسا تحت قيادة دارتانيان إلى عام 1631، ثم ترك الخدمة ~~وذهب إلى إرث ورثه فأقام في روسيليون وتبعه خادمه كريمود. أما دارتانيان فنازل روشفور ~~ثلاث مرات وفي كلها يجرحه، ثم صالحه وآخاه، وأدخل بلانشت خادم دارتانيان في حراس ~~الكردينال، وعاش بوناسيه صاحب الفندق لا يعلم ماذا حل بامرأته ولا أين هي. والله تعالى أعلم ~~بالصواب. انتهت. # قد انتهينا بحمد الله وحسن مدده إلى خاتمة الجزء الأول من هذه الرواية تحت عنوان «الفرسان ~~الثلاثة»، وسنتبعه بالجزء الثاني منها بعنوان «رجع ما انقطع» بحيث يكون الكتابان ~~رواية واحدة يعاد في ثانيهما على تمام ما انقطع منها في ختام الأول. ويتخلل ذلك نبذة مهمة ~~من تاريخ فرنسا وإنكلترا في ذلك العهد الذي عني المؤلف رحمه الله في أن يجمع حوادثه ~~الخطيرة المشهورة على نسق يلذ للذوق بما يدخل في تضاعيفه من الأخبار والحوادث الخارجة عن ms167 ~~متن التاريخ تفكهة للقراء وتسلية لخواطرهم، بحيث يقف المطالع على جل تاريخ فرنسا في ~~عرض حكاية فكاهية أدبية لا تستوجب مللا ولا تستدعي كللا بخلاف التاريخ المحض عند ~~العامة إذ تورد حوادثه متتابعة على وتيرة الجد والاهتمام فتستجلب الضجر وتورث السأم ~~على خلوها مما يثقف الأخلاق ويقوم الآداب، كما هو شأن الروايات الفكاهية؛ ولذلك فقد ~~اخترت أن ألحق هذا الجزء بما قبله في التعريب توفية للفائدة وإتماما للخدمة. ~~والله أسأل أن يهدينا إلى طريق الحق والصواب ويسدد أقلامنا إلى حكاية الصدق في كل عمل ~~وكتاب، إنه ولي الأمور وإليه المرجع والمآب. ms168