######OpenITI# #META# URI: 1316NajibHaddad.GhusnBan.Hindawi59270690 #META# Tags: novels #META# ID: 59270690 #META# Title: غصن البان في رياض الجنان #META# AuthorID: 82085960 #META# Author: ألفونس دو لامارتين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 25707097 #META# Translator: نجيب الحداد #META# Related_books: 1285AlphonseDeLamartine (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # ترجمة لامارتين‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # ترجمة لامارتين‏ # | غصن البان في رياض الجنان # | غصن البان في رياض الجنان # تأليف # ألفونس دو لامارتين # ترجمة # نجيب الحداد # | الفصل الأول # حكى صاحب الرواية عن نفسه، قال: يوجد عند مدخل سافوا بين جبالها وآكامها واد متسع يتصل ~~بقرية شامبيري على سفح جبال الألب، قد كسته الخضرة بنضارتها، وآنسته الجداول بخريرها، ~~وحلته البحيرات بمائها الشفاف كأنه سبائك الفضة في إطار من الزمرد، وإلى شمال هذا الوادي ~~جبل ينطح النجوم بروقيه، ويناجي السماء بأسراره، وقد ألبسته الطبيعة هيئة قاتمة ينعكس ~~النور عما برز منها، فتظهر كثنايا الجبين في الوجه العابس على شكل لم تعمل فيه غير يد ~~الله، ثم يأخذ بالانبساط على مقربة من شامبيري حتى لا يعود فيه سوى بعض هضبات تجللها ~~أشجار السنديان والجوز مكللة أعاليها بأغصان الدوالي والأعراش، فإذا بلغ السائر إليها ~~رفعت له منازل القرى البيضاء كأنها الحمائم في المروج، وفي أسفلها بحيرة واسعة تبلغ ~~مساحتها ستة أميال تتدلى فيها أغصان ما حولها من الأشجار والأغراس. # كأراقم عطشى تدلت واردا # أو فاتحا للورد منها ~~فاه # ثم تنفرج من أحد جوانبها فرجة واسعة بين صخور سوداء تنسرب منها مياهها وتصب في نهر ~~الرون، وعلى صفحتها بعض زوارق للصيادين تدفعها الرياح فتجري أمامها كأنها السوابح في ~~الميدان. # وعلى جانب هذا الوادي تقوم مدينة إكس ذات المياه الحارة المعدنية، ومن حولها أغراس ~~الكروم وأشجار الصفصاف قائمة على صفين متقابلين بينهما طريق تؤدي إلى تلك البحيرة، وتنبسط ~~عن جانبيها مروج خضراء تزينها الكروم بعناقيدها، وتظهر منها البحيرة على أشكال مياهها ~~تبعا لألوان السماء بين صفو وكدر. # ولما وصلت إلى إكس وجدتها خالية من زوارها، ووجدت فنادقها وقاعاتها مقفولة الأبواب مقفرة ~~من كل من كانت آهلة بهم ممن يقصدونها في أيام الصيف؛ طلبا للاستشفاء بمائها وهوائها، ولم ~~يبق فيها إلا بعض سكانها الفقراء ms01 أو بعض مرضاها المعضلين. وكان يومئذ فصل الخريف، وقد ~~أخذت أوراق الأشجار تتناثر عن غصونها تحت صقيع الصباح، والضباب يغشى الآفاق إلى حد الظهيرة ~~حتى يسد ذلك الوادي فلا تعود تظهر منه إلا أعالي الأشجار الباسقة، وقمم الجبال الشاهقة، حتى ~~إذا بلغت الشمس كبد السماء وهبت نسائم الهاجرة جلت ذلك الضباب عن تلك البحيرة كما تجلو ~~كف العذراء صدى أنفاسها عن مرآتها، ثم تمر بين معاقل تلك الجبال فتسمع لها همهمة كأنين ~~العاشق وزفير المشتاق، ثم يسود السكوت على أثرها لا تخالطه رنة ولا يكدره صوت حتى يكاد ~~شاهدها يمسك أنفاسه خوفا من تكديره، ثم يعاود السماء بهاؤها، وتظهر جبال الألب شامخة ~~الذرى في جلد أزرق صاف لا تغشاه كدورة ولا يمر فيه سحاب. # إلا أن ذلك لا يطول إلا ريثما تميل الشمس إلى مغربها فيقابلها ضباب الأفق كأنه يتلقاها ~~بالراحتين ثم تتوارى بالحجاب، وتصبح الطبيعة بعدها كأنها ماتت كما يموت الشباب في نضارته ~~ونمائه أو الجمال في ريعانه وبهائه. فكانت تلك البلاد في مثل ذلك الفصل وتلك المناظر على ~~مثل شبابي وقلق أفكاري داعية إلى شرود نفسي وهواجس قلبي، فأغوص في بحر من الحزن عميق، كله ~~تأمل وجمود، يضيع به فكري في ذلك الفضاء فأستريح منه حتى لا أحب أن يرجع إلي، وحتى ~~عزمت على أن أستأنس إليه، وأنفر من كل مخلوق يكدر مسمعي إلى سكوت ووحدة وسكون لا أرى ~~فيه غير مناظر الطبيعة وأعمال الله. # وكنت عند مروري على شامبيري قد وجدت صديقا لي يدعى لويس في مثل حالتي من الأكدار ~~والأحزان، يتأفف من مرارة الحياة، ودهر يضع الرجال في غير مواضعها، ونفس تطمح بأبصارها ~~إلى العلاء وهي مقيدة بقوم هم لأصحاب العقول والأقلام بمنزلة حديد القيود من الأقدام، فهي ~~منخفضة عنها في المقام ولكنها مانعة لها عن التخلص والإقدام. فحادثته في شأني وما عزمت ~~عليه، فدلني على بيت في أعلى مدينة إكس معد لنزول المرضى والقيام بما يقتضونه، قد افتتحه ~~طبيب شيخ، وأقام فيه مع أسرته، وهو ms02 منزل واقع على طرف المدينة، ومن ورائه حديقة زاهرة ~~تفرشها الخضرة والأعشاب، وتكللها الدوالي والأعناب، ثم وعدني بأنه يتبعني متى فرغ من شأن ~~كان له في شامبيري على أثر وفاة أمه، فوعدت نفسي منه بصديق حلو العشرة طيب الصحبة؛ لمشابهة ~~في أخلاقنا، ومشاكلة في أحوالنا. وعندي أن التشابه في المصائب والاشتراك في الأحزان أدعى ~~إلى الصحبة وأقرب إلى السكون من الاشتراك بالسعادة والمسرات، وإنما كان ذلك لأن رابطة الحزن ~~أقوى أثرا في القلوب وأشد اتصالا بالنفوس من رابطة الغبطة والهناء، فودعته على هذا ~~الأمل، وانصرفت وأنا أعلل نفسي بلقائه على عجل. # فقابلني الطبيب وأهله بكل ترحيب وإكرام، وأخلوا لي قاعة تنفتح نافذتها على تلك الحديقة ~~وما وراءها من الحقول، وكان المنزل فارغ القاعات إلا القليل منها، ومائدة الطعام لا يشغلها ~~إلا أهل المنزل وثلاثة أو أربعة من المرضى أنحلهم الفقر أكثر مما أنحلهم الدهر، فجاءوا بعد ~~عودة المرضى إلى أوطانها رغبة في فراغ المكان وبخس أجرة السكنى، فأخبرني الطبيب وامرأته أن ~~عندهما فتاة غريبة الأهل بقيت بعد انصراف الناس طمعا بالشفاء من نحول تولاها فأزمن ~~فيها، وأنها مقيمة وحدها من أشهر في أقصى مكان من المنزل يؤتى إليها فيه بالطعام، فلا تنزل ~~إلى المائدة ولا ترى إلا في نافذة غرفتها من خلال ستائر الأغصان أو على السلم وهي عائدة ~~من التنزه في تلك الجبال، فوجدت بيني وبينها مشابهة في الانقباض، ومشاكلة في الغربة، ~~ومماثلة في المرض؛ لأنها قادمة للاستشفاء، ومضارعة في الحزن؛ لأنها تتجافى عن الضجيج ~~وتتوارى عن أبصار الناس. ولكني على كثرة ما كنت أسمع من ذكرها وإظهار العجب من أحوالها لم ~~أكن أحب أن أراها؛ لأن ما قاسيته من أهوال العشق وصنوف عذابه صير قلبي رمادا ونفسي خامدة ~~وأبصاري ناكسة كأنها لا تريد أن ترى إنسانا أو أن يراها إنسان، ولأني وجدت الحب مع ما فيه ~~من فكاهة اللهو ولذة اللقيا لا يخلو صاحبه من لواعج الوجد وحرقة الصبابة، ووجدت أنني عاجز ~~عن أن أحمل هموم نفسي وأستهدف ms03 لمصائب دهري، فكيف أجمع إليها نفسا أخرى لأحمل همومهما ~~جميعا، وأعظم ذلك الهدف حتى تتضاعف فيه نبال الزمان؟ وأقول الهموم والمصائب لأن السعادة ~~لم تخطر لي في بال. # فكنت أصرف صباح يومي في مطالعة الكتب ودرس الأسفار والرسائل، ومساءه في قطع تلك الجبال ~~والوديان والغابات وحيدا فريدا لا مؤنس لي غير أفكاري ولا سمير إلا همومي حتى أعود وقد ~~أخذ مني التعب كل مأخذ، فأدخل إلى غرفتي وأتكئ على نافذتها تمر علي الساعات وأنا ناظر ~~إلى السماء نظرات أحسب أن نفسي تنطاد فيها على آثارها كما يغوص الحجر الصلب في لجة البحر ~~العميق، حتى لقد ذهبت إلى أن في السماء قوة تجذب النفوس كما أن في الأرض قوة تجذب الأجسام ~~وشبه الشكل منجذب إليه، ثم أعود فأنام بين مساورة الأفكار ولجج الهواجس حتى توقظني قارصة ~~الشمس، فأستفيق على نغمات الأطيار وخرير المياه لأعود إلى مثل شأني بالأمس. # | الفصل الثاني # شرك الغرام # فبينما أنا في بعض الليالي وقد تطلعت من نافذتي بصرت على مقربة مني بنافذة منارة قد ~~اتكأت عليها فتاة لم أر منها في بادئ الأمر إلا يدا كأنها المرمر الشفاف، ترفع ضفائر ~~شعرها فتنجلي عن وجه ينعكس منه نور القمر عن محيا صافي الأديم أصفر شفاف يزينه شعر حالك ~~كالغراب، قد لصقت منه خصلة مدورة على صدغها فزادته جمالا. ثم سمعت صوتها وقد كلمت من ~~معها في داخل الغرفة، فإذا به غريب اللهجة صافي الرنة لطيف الوقع في الآذان أثر في ~~نفسي وإن لم يدر في مسمعي معناه، حتى خلت أن صداه ما برح يتردد في أذني بعد وقعه ~~بساعات كما يتردد صدى الأعواد في آذان الطروب النشوان، وحتى حسبت أنه رنة أوتار لا ~~صوت إنسان، وأنا لا أعلم أنه سيكون له نصيب في نفسي وشركة في حياتي لا تقطعها عوامل ~~الأيام، ثم انتبهت في اليوم الثاني وقد ذهب عني كل ذلك كأن لم يكن شيء مما كان. # وبينما أنا عائد يوما وقد بلغت المنزل قبل المساء بصرت بتلك ms04 الفتاة الغريبة جالسة على ~~مقعد مستندة إلى الجدار في طرف الحديقة، فلم تنتبه إلى وقع أقدامي حتى تقدمت فتواريت وراء ~~كرمة تبعد عنها بضع خطوات ووقفت مدة أراها ولا تراني، فرأيت وجها تتردد عليه خيالات ~~الأوراق بين شعاع الشمس الغاربة فتزيده حسنا، وقامة فوق الربعة كأنها تمثال رخام ~~ملتف برداء يظهر منه شكله ولا تظهر تقاطيعه، وقد عقدت يديها على ركبتيها وغطت رأسها بفضل ~~ردائها وقاية من ندى الليل، وهى مائلة العنق، مطبقة الأجفان، ناحلة الأعضاء، صفراء اللون، ~~جامدة الحركة، كأنها تمثال الموت ولكنه الموت الذي يميل بالنفوس ويجتذب القلوب والأبصار إلى ~~الحياة الخالدة ودار النعيم. # ثم سمعت وقع أقدامي ففتحت أجفانها عن عينين ملؤهما السحر والحور، يتقوس فوقهما ~~حاجبان كأنهما خطا بحمم، ولهما نظرات لم تحوها مقلة ناظر، وأنف كأنه حد السيف في ~~دقته وحسنه، فوقه جبين واسع الجبهة ناتئها كأنه جبين عالم ضغطته كثرة الأفكار، وفم ~~أحمر الشفتين رقيقهما ينفرج عن ثغر كأنه اللؤلؤ المنظوم، وهي قد بدا عليها الذبول ~~والانتحال حتى يخيل لناظرها أنها خطرة فكر لا هيئة إنسان فلا يتحول عنها إلا وقد ارتسمت في ~~فؤاده كما يرتسم المعنى الدقيق في النفس الوقادة، بحيث كانت على ما بها من ظواهر السقم ~~وهزال الداء كأنها أجمل تمثال من كف أحذق صانع. # فلما رأيت أنها رأتني حييتها بإكرام، ومررت مسرعا من أمامها وأنا منكس الرأس خافض ~~الطرف كأني أسألها العذر عن إزعاجها بعد أن نظرت إلى خديها وقد صبغت صفرتهما حمرة الخجل، ~~ثم دخلت إلى حجرتي وأنا مضطرب الأعضاء خافق القلب، وأحسب أن ذلك من تأثير التعب وبرد ~~المساء. ولم يمض قليل حتى رأيتها مرت من أمام بابي ذاهبة إلى حجرتها، فكنت بعد ذلك أراها ~~كل يوم في مثل تلك الساعة في تلك الحديقة أو في صحن الدار وأنا لا يخطر لي ولا أتجاسر على ~~أن أكلمها، ثم كنت أراها في بعض الأيام سائرة في الحقول أو راكبة زورقا في البحيرة فلا ~~أقابلها إلا بسلام معتاد، ثم يأخذ ms05 كل منا في طريقه إما في الجبال أو على الماء. إلا أنني ~~كنت أشعر بانقباض واشتغال كل مساء لا يتفق لي أن أراها فيه، فأنزل إلى الحديقة وأنا لا ~~أعلم لماذا، أو أجلس في النافذة ساعات لا أشعر ببرد الليل وعيناي محدقتان في نافذتها، فلا ~~أنصرف عنها حتى أرى خيالا منها من خلل الستائر، أو أسمع رنة عودها أو صوتها، أو أنصرف ~~حزينا كئيبا. # وكانت الحجرة التي تسكنها محاذية لحجرتي لا يفصل بينهما إلا باب ضخم ذو مصراعين، بحيث ~~كنت أسمع منها وقع أقدامها وحفيف ثوبها وتقليب صفحات كتابها، حتى كان يخيل لي أحيانا أنني ~~أسمع أنفاسها تتردد في صدرها، فوضعت منضدة (طاولة) كتابتي تلقاء ذلك الباب، وأسندت مصباحي ~~إليه؛ لأنني كنت أشعر بخفة الوحدة علي عندما أسمع همس تلك المخلوقة على مقربة مني، وأنني ~~على انفرادي كأنني مع رفيق. # وبالجملة فقد كنت أجد في نفسي كل عوامل الحب وهواجسه وخطراته قبل أن يداخلني الظن في أنني ~~بلغت إليه، وإنما كان ذلك لأني لم أكن أعتبر الصبابة تنشأ في قلبي في ساعة أو مكان أو نظرة ~~أو اتفاق أقدر أن أتجنبها وأتجافى عنها، بل كنت أجدها أشبه بذرات الأثير التي تحدق بالمرء ~~بين الهواء والنور واختلاف الفصول ومدى الحياة. ولقد زاد بي الأمر حتى صرت أرى الحب ينبعث ~~إلى قلبي من قرب تلك الفتاة مني ومن تباعدي عنها أحيانا تباعدا أراه يزيدني تقربا منها ~~واتصالا بها، ومن ردائها الأبيض الذي كان يلوح لي من خلال أشجار الغابات كأنه راية الحب ~~تدعوني إليها، ومن شعرها الأسود حين تنشره رياح البحيرة على جانب زورقها، ومن وقع أقدامها ~~على السلم، وبريق نورها من النافذة، وصرير قلمها على أوراقها، حتى من سكوتها نفسه في ~~تلك الليالي الطويلة التي كانت تقضيها في جواري بين قراءة أو كتابة أو تأمل، بل من ذلك ~~الجمال الباهر الذي ارتسم على صفحات قلبي فصرت أراه ولا أراه، كأن الجدار بيني وبينها قد ~~استحال أمامي إلى زجاج شفاف، وما هو ms06 إلا فؤادي ارتسمت عليه فشف عنها للعيان كل ذلك، وأنا ~~لم تداخلني رغبة أو يخطر لي فكر في أن أطلع منها على سر وحدتها أو أزيل ذلك الحجاب بل ذلك ~~الباب الفاصل بيني وبينها، وما عسى أن تهمني فتاة مريضة القلب والجسم، ألقتها يد الاتفاق في ~~طريق حياتي بين تلك الجبال في غربة نازحة وأنا قد نفضت غبار الحب عني، وعزمت على ألا أصل ~~رغبتي في أسباب الحياة بحب أو ميل قلب على الإطلاق، واحتقرت الحب احتقار من مارسه فلم يجد ~~فيه إلا هموما وخفة ولم يلق منه إلا أهوالا وصنوف عذاب. # ثم أغرقت في الفكر فقلت: ما عسى أن تكون تلك الفتاة، أإنسية مثلي أم خيال وهم يمر على ~~مقلة الفكر فلا يترك بعده إلا دهشة العينين؟! ثم هل هي من وطني أم من وطن بعيد نازح لا تلبث ~~أن تعود إليه وتتركني بعدها دامع العين على فراقها وأنا لا أجد السبيل إلى اتباعها ولا ~~أقدر على لحاقها؟ وفوق ذلك فهل هي خلية القلب مثلي فتجيبني إلى هواي، وإلا فكيف يجوز في ~~العقل أن مثل هذا الجمال الباهر يقطع مراحل العمر بين ركب الناس ولا تعلق به آثار حب أو ~~لاعجة صبابة وهو في إبانها؟! ثم هل هي ذات أب وأهل أم ذات حليل أو خليل قضت الأيام ~~ببعدها عنه إلى حين ولا تزال تلهج بذكره حتى تراه؟ # ولقد كنت أخاطب نفسي بكل ذلك كأنني أريد أن أخدعها؛ لأثنيها عن عزمها في حب لا أريده لها ~~وهي تريده مدفوعة إليه بالرغم عنها، والقلب بيننا عصي طيع، ثم زاد بي الأمر حتى صرت ~~أرى سعيي في استطلاع أمر تلك الغريبة حطة ونقصا في شأني، ووجدت أنه خير لي أن أظل ~~تائها عن حقيقتها لا أهتدي إلى عرفانها إلا أن أسرة الطبيب ونزلاءه لم يكونوا من رأيي هذا، ~~فكانت تدفعهم رغبة المحادثة في كل اجتماع إلى مفاتحتي بشأنها ومحادثتي عنها، بحيث كنت ~~أطلع على بعض أمورها وأنا لا أريد، بل كثيرا ms07 ما كنت أحول مجرى حديثهم عنها حتى لا أقف ~~على شيء منه فأجده ملء أفواه الجميع بين رجال ونساء وفتيان وفتيات وأدلة طريق ونوتية ~~سفائن؛ لأنها كانت قد أثرت في جميع القلوب، ومازجت كل النفوس من غير أن تكلم أحدا، فكان ~~مثلهم في ذلك مثل الأعمى الذي يشعر بحرارة الشمس ولا يراها. # وكان جل ما علمته عن تلك الفتاة أنها تقطن باريز، وأن زوجها رجل عجوز قد اشتهر ~~بالعلوم والفلسفة، أثر فيه جمالها وعقلها فتبناها ليورثها لقبه وماله، وكانت تحبه محبة ~~الأبناء للآباء، وتكاتبه في كل يوم بجميع ما يمر عليها، وكان قد أصابها من عامين نحول طال ~~أمره، فأشار عليها الأطباء بالاستشفاء في إيطاليا فقدمتها وحدها، ثم أشار عليها أحد ~~أطبائها بالاستحمام في مياه إكس، وواعدها بأن يجيء فيأخذها إلى باريز في أوائل ~~الشتاء. # ذلك كل ما علمته عن سيرة تلك الإنسانة التي كنت أدافع نفسي عن حبها، وأصور لها أنني غير ~~مهتم في الذي أسمعه عنها. إلا أنني مع ذلك قد وجدت زيادة حزن عليها من هذا المرض الذي أصاب ~~صباها كما تصاب الزهرة في نضارتها، وصرت على اهتمامي بما أدهشني من جمالها، وأنا أشد ~~اهتماما بما لاح لي من ظواهر سقمها وانتحالها. ثم استمرت سيرتنا بعد ذلك أياما ونحن ~~متقاربان في الجوار ومتباعدان في الألفة والتعارف. # | الفصل الثالث # فاتحة الكلام # وكان الثلج قد أخذ يكسو أعالي الأشجار ببياضه الناصع بعد أن أخذت يد الشتاء في تجريدها، ~~وأصبح الهواء في الأماكن السافلة والمواقع المنخفضة أقل رطوبة وأخف بردا منه في الأماكن ~~المرتفعة والجبال العالية؛ فانصرفت عن النزهة في الجبال هربا من بردها إلى ركوب متن ~~البحيرة طمعا في دفئها وحرارة هوائها، فكنت أصرف بياض أيامي في الزوارق بين نوتيتها ~~حتى صارت بيني وبينهم ألفة شديدة. وكانت الفتاة الغريبة قد شعرت بالذي شعرت من برد الهواء، ~~فمالت إلى الذي ملت إليه من ركوب الزوارق ونزهة الماء. # فبينما هي ذات يوم في زورق لزيارة قرية على أحد شواطئ البحيرة وقد ms08 توسطت اللجة، عصفت ~~الرياح وثارت الأنواء وأرغى الماء وأزبد فصار يتلاعب بالزورق كما تتلاعب العواصف ~~بالريشة الطائرة، وقد تعذر الرجوع وعظم الخطر وساقني الاتفاق إلى ركوب زورق حتى صرت على ~~مقربة منها، فبصرت بقاربها تعبث به الأمواج وقد أحدق به الهلاك من كل جانب، فأمرت ~~نوتيتي باقتحام الخطر ومصادمة الأمواج، فنشروا الشراع وأعملوا في التجذيف جهد ~~المستبسل المستميت، فسار بنا الزورق كأنه السهم مرق عن قوسه يشق عباب الماء حتى يكاد ~~لا يمسه، والأنواء تدفع زورقها أمامنا فلا يكاد يظهر شراعه حتى تحجبه جبال الأمواج، إلى أن ~~أدركناه وقد بلغ الشاطئ المقصود من البحيرة وركبه في سلامة وأمان. # فلما دنونا منه ألقينا بأنفسنا في الماء، وصرنا نخوضه بالقدم حتى وصلنا إلى نوتيته وهم ~~يشيرون إلينا بالأيدي ويصيحون كالمستغيث، ثم نظرنا إلى الزورق وإذا بالفتاة مغشيا عليها ~~فيه وهي فاقدة الحس والحركة وقد بيضت أثوابها رغوة البحيرة وزبد الأمواج، وكان شعرها ~~يتموج على عنقها وكتفيها كأنه جناح الغراب ووجهها ساكن الحركة منبسط الأعضاء كأنها في سبات ~~النوم، حتى ظننت أن آخر نسمة من نسمات حياتها قد نقشت على وجهها آخر آيات الجمال أثرا ~~للفراق وذكرى للوداع، وخلت أنني لم أرها في جمال كالذي رأيته عليها في تلك الحال، وقلت ~~في نفسي: أترى كان تمام هذا الجمال موقوفا على تمام تلك الحياة، أم أراد الله ألا يترك لي ~~منها إلا أبهى صورها أثرا يتردد في قلبي مدى العمر وتعاقب الأيام؟! # ثم أسرعنا جميعا إلى الزورق لنرفعها من ذلك المهد المزبد إلى إحدى الصخور، وتلمست ~~قلبها بيدي لأحس خفقانه فشعرت كأنني لمست بها صدر تمثال رخام عليه كرتان من العاج، ثم ~~وضعت أذني على شفتيها فكأنني وضعتها على شفتي طفل نائم فوجدت خفقان قلبها شديدا ولكن بغير ~~انتظام وأنفاسها متقطعة فاترة، فعلمت أنها في إغماء طويل على أثر الخوف وبرد الماء ~~فاستعنت بأحد النوتية على رفعها وهي أشبه بالأموات، وسرنا بها إلى بيت حقير لأحد الصيادين ~~على ذلك الشاطئ ليس فيه إلا قاعة ms09 ضيقة مظلمة قد سودها الدخان ولا أثاث فيها إلا مائدة عليها ~~آثار الطعام، يصعد منها بسلم من خشب إلى غرفة دانية السقف ينيرها مصباح بغير زجاجة ~~ولها نافذة تطل على البحيرة وقد نصبت فيها ثلاثة أسرة لأهل المنزل فوضعنا الفتاة على ~~أحدها، وقامت نساء المنزل بتغيير ثيابها وقد حاولن مرارا أن يسقينها شيئا من الخمر فما ~~أمكن، حتى إذا تحققن خيبة المسعى أخذن في البكاء والعويل وهن يقلن: لم يعد لها إلا الرثاء ~~والدفن. # فصعدت السلم مسرعا وأنا طائر اللب من الجزع، ودخلت الغرفة فوضعت يدي على جبهة ~~الفتاة فوجدتها كأنها تلتهب نارا، ثم أصغيت إلى أنفاسها فوجدتها تختلج في صدرها متقطعة ~~فترفعه ثم تهبط به على حسب ترددها فيه، فأسكت النساء المعولات ثم سألت عن طبيب فقيل ~~لي إنه غير بعيد، فدفعت دينارا إلى أحد النوتية وأرسلته في طلبه. # فجلس رجال الزورق إلى ناحية مطمئنين على بقائها، وتشاغلت نساء المنزل بإحضار الطعام، ~~وجلست أنا إلى جانب السرير عند قدميها وأنا شاخص في وجهها الساكن وأجفانها المطبقة، وكان ~~الليل قد أقبل وأنيرت الغرفة بمصباح خامد يلقي شعاعه الضعيف على محياها الأصفر كأنه ~~شعاع الشمعة على وجوه الأموات، فلبثت على حالتي تلك جامد النظر في وجهها عدة ساعات وأنا ~~كأنني معلق بين الحمام والغرام؛ لأنني لم أكن أعلم هل هذا الجمال الساطع أمامي يكون لي ~~سبب كدر وحزن دائم تعده لي تلك الليلة أم أثرا لغرام ينشأ في قلبي منه عند إفاقتها من ~~الإغماء. # وكانت حركة النوم قد أزاحت فضل غطائها عن إحدى كتفيها، فظهر من تحته معصم كالعاج الصافي ~~وكف موردة البنان قد التف عليها شعرها، فلاح من خلاله بريق حجر من الياقوت في ~~إحدى أصابعها يحاكي وميض البرق في الليلة الدلماء، وما زلت كذلك حتى صاح الديك مبشرا ~~بالصباح فقامت النساء وخرجن من الغرفة ساكنات إلى أعمالهن وبقيت وحدي. # وكان نور الصباح قد أخذ ينبعث من زجاج النافذة، فقمت وفتحته على أمل أن نسيمات الصباح أو ~~طلائع شعاع الشمس ms10 التي تنبه كل حي في الطبيعة تنبه لي تلك الحياة المغمى عليها بعد أن ~~كنت أشتهي أن أنبهها ولو بنسمة حياتي، فهب الهواء باردا وانتشر في المكان حتى أطفأ ~~مصباحه إلا أن الفتاة بقيت على حالها لا تتحرك، ثم سمعت النساء يصلين تحت النافذة قبل أن ~~يبدأن في أعمالهن، فخطر لي أن أصلي لأني وجدت الصلاة آخر ملجأ ينزع إليه ضعيف يئس من ~~معونة الناس فصار في حاجة إلى قوة فوق قدرة الإنسان فأقبل يلتمسها فلم يجد غير معونة الله، ~~فركعت إلى جانب السرير وضممت يدي عليه وشخصت بأبصاري إلى وجه الفتاة، وأخذت في صلاة طويلة ~~حتى بكيت فسالت دموعي حتى ملأت عيني وحالت بين نظري وبين من كنت أدعو لها الله. # ثم طال علي الأمد وأنا على حالتي تلك لا أشعر بطول الساعات، ولا أجد ألم ركبتي على ~~البلاط لاستغراق نفسي في الذي كنت آخذا فيه. ثم ضايقت الدموع أجفاني فرددت يدي لأمسحها، ~~فشعرت بيد لمستني ثم ألقيت على رأسي كأنها تفرق شعري عن جبيني، فشهقت شهقة المستفيق ونظرت ~~فرأيت الفتاة قد انفتحت مقلتاها وانفرجت شفتاها للتنفس والابتسام ومدت يدها إلي ~~لتصافحني، ثم قالت: أحمدك اللهم، فقد وجدت لي أخا! # وكانت كأن برد الصباح قد أيقظها وأنا في تلك الصلاة غارق الوجه في شعري ودموعي إلى جانب ~~سريرها، وكأن الوقت انفسح لها ريثما تبينت شدة صلاتي وتأملت في تقاطيع وجهي، ثم وجدت نفسها ~~منقطعة عن كل معين وناصر وليس أمامها إلا فتى يدعو لها دعاء الأخ ويبكي لمصابها بكاء ~~الشقيق، فأثر فيها ذلك المنظر حتى توهمت أنها في موقف إخاء فقالت ما قالت وهي لا تفقه ما ~~تقول. فأخذت يدها بيدي وأزلتها برفق عن جبيني كأنني غير أهل لأن تمد إلي، ثم قلت لها ~~مستنكرا: أخ يا سيدتي! لا والله بل عبد لجمالك، بل خيال لقدميك، لا يلتمس منك إلا السماح ~~له بذكرى هذه الليلة، وحفظ هذه الصورة على صفحات قلب يحب أن يتبعها إلى الموت أو يحتمل ~~ببقائها ms11 وقر الحياة. # وكانت هذه الكلمات تخرج متقطعة من فمي كتقطع أنفاسي، وتورد ماء الحياة يجول في ~~وجنتيها كما يجول احمرار الشفق في أديم الغيوم البيضاء، ثم لاحت على شفتيها ابتسامة حسبت ~~أنها تباشير السعادة تلوح أمامي كأن كلامي لها قد أصاب ما في نفسها مني، وما أحسب أن ~~الانتقال من الموت إلى الحياة ومن الحلم إلى الحقيقة يكون أسرع ظهورا وأقرب حصولا منه على ~~تلك الفتاة، حتى لقد خلت أن الاندهاش والنحول والنشوة والراحة والحياء والدلال والجمال قد ~~ارتسمت كلها دفعة واحدة على ذلك الوجه الجميل الذي زانته اليقظة وورده الشباب، وأن أنوار ~~محياها كانت تضيء ذلك المكان بأكثر مما تضيئه أنوار الصباح، وأن في جمالها وسكوتها معاني ~~غرام توحيها إلي بما لا تحويه عبارة ولا تحكيه سطور، فعلمت عند ذلك أن في الجبين لغة ~~تقرؤها العيون، وأن في وجه الشباب أوتار أعواد يحركها الغرام بلحظة من لحظاته فترن في ~~القلوب رنات لا تؤولها كلمات في لغة من لغات الدنيا على الإطلاق. # ورأيت أن في ثيابي التي كانت لا تزال مبللة وفي تفرق شعري من كثرة ما مررت عليه بيدي ~~سواد ذلك الليل، وفي تقرح عيني وشحوب وجهي وشدة لهفتي وحنوي وسروري واندهاشي ووقفتي ~~في وسط تلك الغرفة لا أخطو من مكاني كأنني أخشى أن أكدر ذلك الموقف وانعكاس نور الشمس عما ~~كان لا يزال عالقا بأهدابي من دمع أجفاني؛ ما كان يلقي على وجهي آثار انعطاف تشف عن ~~غرام هيهات أن تجده تلك الفتاة في وجه إنسان سواي. # ولما لم أعد أقدر على احتمال ذلك السكوت، ناديت نساء المنزل فصحن مندهشات من إفاقتها ~~حتى كدن يحسبنها من العجائب، ثم لم يلبثن حتى دخل الطبيب على آثارهن فأمر المريضة بالراحة ~~وأن تشرب عصارة بعض أعشاب تنبت في تلك الجبال بعد أن قال أن لا خوف عليها ولا خطر، فانبعث ~~صبيان المنزل في طلب تلك الأعشاب من منابتها. وتركت القوم في أعمالهم وخرجت أطلب الوحدة في ~~تلك الجبال، فكنت أشبه برجل ms12 تخلص من حمل ثقيل فصار يتنهد ملء أنفاسه ويسير متجانفا ذات ~~اليمين وذات الشمال وهو فاتح فمه كأنه يريد أن يعي هواء الفضاء في رئتيه، ولم يكن ذلك الحمل ~~الذي أنقضني سوى وقر قلبي وقد وهبته لسواي فخفت مئونته عني واستعضت الحياة ~~مكانه. # ولا بدع في ذلك فإن الرجل إنما ولد للحب، حتى لا يجد نفسه رجلا إلا متى امتلأ قلبه منه، ~~فهو لا يزال دائب السعي حزينا قلقا تائه الأفكار حتى يعشق فيستريح من سعيه ويقف في مكانه ~~وقد سالمته الأيام وعرف ما هو نصيبه من المقدور. # فجلست إلى شاطئ البحيرة على صخور هناك، وسرحت طرفي في زرقة ذلك الماء وقد تشابه لونه ولون ~~السماء حتى لم أعد أقدر أن أميز أين يلتقيان، وحتى حسبت نفسي قد طارت منى فأخذت تسبح بين ~~الأزرقين وأنا غارق القلب في السرور أبعد غورا من لجة ذلك الماء وأقصى مدى من تناهي ~~ذلك الفضاء لا أقدر أن أصوره لنفسي على صفحات الوهم، فكيف أصوره لغيري على صفحات القرطاس؟! ~~ولم أجد له مثلا إلا مثل الروح الخفي تشعر به النفس ولا يقدر أن يفصح عنه اللسان، وأقسم ~~أني لو مر علي في حالتي تلك ألوف من السنين ثم انتبهت لرأيت أنه لم يمر علي أكثر من ~~ثانية أو لحظة عين، وقد علمت من ذلك كيف يكون الخلود قصير المدى على أنفس الخالدين، وكيف ~~قال داود في زبوره: # ألف سنة في عينيك يا رب مثل يوم أمس الذي عبر. # ثم انتبهت إلى ذلك السرور فوجدته أعظم من أن يوصف، وأوحد من أن يجزئه فكر أو تقسمه ~~كلمات، ثم هو مع ذلك لم يكن ناشئا عن جمال تلك المحبوبة لأني لم أتصور جمالها إلا يغشاه ~~اصفرار الموت فيحول بيني وبينه، ولا عن ازدهاء بأني محبوبها لأني لم أكن أعلم هل أثرت ~~فيها أم كنت لديها كالخيال في الحلم يذهب بانقضائه، ولا عن أمل أن أتمتع بمحاسنها لأني كنت ~~أجلها عن أن أنزل بها إلى مثل ذلك ms13 ولو بخطرات الأفكار، ولا عن طمع بأن أصل أيامها ~~بأيامي وأجعلها من نصيبي؛ لأني كنت أعلم أنها نصيب سواي، ولا عن رجاء بأن أراها أو أتبع ~~آثارها؛ لأني لم أكن مطلق التصرف بنفسي بأكثر مما كانت مطلقة بنفسها إلى أمد لا تلبث أن ~~تعود بعده إلى موطنها فتفرق بيننا الأيام، ولا عن يقين بأنها تهواني؛ لأني لم أكن أعرف من ~~قلبها شيئا سوى ما سمعته من كلمة ذلك الإخاء وعرفان الجميل ... ولكنه كان ناشئا عن انعطاف ~~طاهر أدبي هو الراحة من بحث طويل عن ضالة غرام كان ينشدها قلبي فلا يلقاها حتى وجدها، ~~فأصبح لاحقا بها معلقا على آثارها مستريحا من سعيه لديها كالحديدة التي يجذبها المغناطيس ~~فلا تزال تتحرك وتضطرب حتى تنجذب إليه، فإذا لصقت به سكنت واطمأنت، أو كالنفس الذي لا يزال ~~يتغلغل في الصدر ويلتمس الخروج حتى يفارق الشفتين فيتخلل الهواء ويتلاشى فيه. # ومن الغريب أنني لم أكن أشتاق إلى أن أراها أو أسمع صوتها أو أدنو منها أو أحادثها، وما ~~ذلك إلا لأنني رأيتها فوعيتها في قلبي فلم يعد أحد يقدر أن ينزع صورتها منى، وسواء علي ~~قربت أو بعدت وحضرت أو غابت ما دامت ساكنة في قلبي وداخلة في نفسي، وقد قيل: # ما للنوى ذنب ومن أهوى معي # إن غاب عن إنسان عيني فهو ~~في # وإنما كان ذلك لأن الحب متى بلغ تمامه واستتم كماله كان صبرا في قلب صاحبه؛ لأنه يكون ~~فيه بمنزلة الأبد السرمد، ومن شأن الأبد الانتظار والصبر لأنه لا نهاية له، وهيهات أن ينزعه ~~شيء من قلبي إلا إذا نزع قلبي معه؛ إذ قد وجدت صاحبته لي ألزم من النور للعين عند انفتاحها، ~~ومن الهواء للصدر عند تنفسه، ومن الفكر للنفس عند اشتغالها، وحتى صرت أراهن العالم على أن ~~ينتزعها مني إذا كان ذلك في إمكانه، وكل ذلك لأنني كنت قد رأيتها فأحببتها وكفى. وما عسى أن ~~يهمني بعد ذلك إذا كانت تحبني أو تمر أمامي ولا تراني وأنا قد أحدق ms14 بي جمالها حتى تسربلت ~~بشعاعه فلم تعد هي نفسها تقدر أن تسترد بهاءها مني إلا إذا كانت الشمس تقدر أن تسترد ضياءها ~~بعد انبعاثه، وحتى استوت حالات قلبي فلم يعد فيه برد ولا ظلام ولو عشت ألف سنة؛ لأنها تظل ~~مشرقة فيه كما كانت مشرقة في تلك الليلة؟ # وكانت تلك الأفكار تزيد حبي ثباتا وسكونا واتساعا ونشوة سرور لا توصف، فجعلت أنفق ~~الساعات لا أحسبها على ثقة بأن أمامي ساعات لا نهاية لها، وأن كل ساعة منها تزيدني وجدا ~~وغراما حتى لو غبت عمن أحبها قرنا كاملا ما أنقص ذلك القرن ذرة من ودادي، فكنت أذهب ~~وأرجع وأقعد وأقوم وأجري وأمشي وأنا لا أكاد أمس الأرض كأنني الخيال الساري من شدة ما ~~استطارني من السرور، ثم كنت أفتح ذراعي للهواء والبحيرة والنور كأنني أريد أن أعانق ~~الطبيعة لأشكرها على إنعامها علي بمخلوقة جمعت فيها كل أسرارها ومحاسنها وحياتها وسرورها، ~~وأركع على الحجارة والصخور الجاسية وأنا لا أشعر بها، أو على شفا الوديان العميقة وأنا لا ~~أراها، وأصيح بكلام متقطع لا معنى له تضيع نبراته في هدير أمواج البحيرة، وأمد بصري إلى ~~السماء بنظرات بعيدة المرمى كأنني أريد أن أخترق بها حجب الجلد لأرى من ورائها صورة الله ~~فأشكره على إنعامه. # وبالجملة فإنني لم أعد إنسانا بل صرت نسمة حية صارخة منشدة داعية مناجية شاكرة عابدة، ~~وقلبا طروبا ونفسا طائرة تقود على شفا تلك اللجج جسما لا تشعر بهيولاه ولا تحسب له ~~وقتا ولا مدى، ولا مماتا ولا دينا ولا آخرة. # ولم أكد أشعر بانقضاء ساعات النهار حتى أدركتني حرارة الشمس ساعة زوالها وبلوغها كبد ~~السماء، فنزلت بين أشجار الغابات أتخطى من صخر إلى صخر ومن جذع إلى جذع وقلبي يخفق ~~خفقانا خفت أن يشق صدري من شدته حتى دنوت من المنزل، فبصرت بها جالسة إلى جدار في ~~الحديقة وفي يدها كتاب تقرأ فيه حينا ثم تلاعب من حولها من صغار الأولاد عند مللها منه، ~~فلما رأتني مقبلا استوفزت للقيام كأنها ms15 تريد أن تلاقيني فجرأني ذلك على الدنو منها، ~~فدنوت وأنا أرى حمرة الخجل تصبغ خديها وشفتيها تتحركان كأن لسانها يتلجلج بما يريد بيانه، ~~فزادني ذلك منها هيبة وحياء، فوقفت أمامها ونحن مرتبكان حائران لا ندري ما نقول حتى أشارت ~~إلي بأن أجلس إلى جانبها في مكان خلت أنها أعدته لي فجلست على بعد إجلالا لها. # وعاد السكوت بيننا إلى مجراه وأنا أرى أن كلا منا يحاول أن يجد كلاما هو حيلة المتكلم ~~في مثل تلك الحال فلا يجد - أو لا يجسر - فيقف الكلام على شفتيه، حتى طال بنا الأمر وامتد ~~علينا السكوت، فرفع كل منا عينيه من الإطراق فصادف عيني صاحبه تحدقان إليه، ثم تعاقد النظر ~~فجعلت أنظر إليها وتنظر إلي وقد بهت كل منا في وجه ناظره حتى جالت الدموع في أعيننا معا، ~~فرددنا أيدينا إليها سترا لها بل سترا لما انبعث عنه، وظللنا كذلك برهة لم أعلم مقدارها ~~حتى انتبهت لصوتها وهي تقول لي بلهجة تمازجها بعض الحدة كمن فرغ صبره: أتبكي علي وأدعوك ~~بأخي وتدعوني بأختك ثم لا نجسر على الكلام؟! ألا تدري أن دمعة حنو من قلب غريب لأعظم ~~ثمنا من حياتي وأبعد أمدا من آمالي؟! ثم أردفت بصوت كصوت اللائم: أتراني صرت غريبة عنك ~~من حين لم أعد في حاجة إلى اعتنائك؟! ثم قالت: أما أنا فلم أعرف منك سوى اسمك ووجهك، ولكنني ~~عرفت بذلك كل دخائل نفسك حتى لا تزيدني السنون بها علما. # فأجبتها: أما أنا فلا أريد أن أعرف من أمرك شيئا سوى ما علمته من أنك حاضرة لدي، وأنك ~~قد سمحت بأن أنظر إليك في حضورك وأذكر جمالك في غيابك. # فقالت: قف ولا تبالغ في تعظيم حياة تشتهي ساعة انقضائها، بل تعرفني كما أنا، امرأة ~~بائسة تموت في يأسها ووحدتها، وليس لها من هذه الحياة الدنيا إلا بعض شفقة وحنو كما ستعرف ~~ذلك حين تعرف من أنا، ولكني أسألك عن شيء أثر بي منك من يوم رأيتك في الحديقة، وهو ما ~~بالي ms16 أراك وأنت في زهرة الشباب وعنفوان العمر وحيدا حزينا كما أنت الآن؟ ولماذا تبتعد عن ~~الناس جهدك إما شاردا في الجبال أو راكبا متن البحيرة أو محتبسا في حجرتك لا يكاد ~~مصباحك ينطفئ منها كما قيل لي؟ أتراك ذا سر خفي لا تبثه لسوى الوحدة والانفراد؟ # فأجبتها: ليس لي سر سوى أن لا سر لي، وإنما ذلك وقر قلب لا يكاد يخففه سرور من صدري، ~~وإنني بعد أن سلمت هذا القلب مرارا إلى من لم يكن أهلا له اضطررت إلى استرجاعه بحزن ~~وأسف جعلاني أخاف من الحب وتضعف عزيمتي فيه وأنا في مقتبل هذا الشباب. ثم جعلت أقص عليها ما ~~لم أكن أذكره لغير الله من كل ما يهم إيراده من تاريخ حياتي، كولادتي من أواسط الناس وأن ~~أبي كان رجلا جنديا، وأمي امرأة هذبتها المعارف والعلوم، وأخواتي فتيات ساذجات عابدات، ~~وأنني نشأت في يد الطبيعة بين غلمان الجبال والرغبة في الدرس والمطالعة، وأسفاري، وحوادث ~~حبي الماضية، وخيانة الأيام لي بالسلام عند دخولي في الجندية وخروجي منها، ومسيري على غير ~~هدى وعودتي إلى بيت أبي قانطا من الدنيا راغبا في الموت كارها كل شيء كأنني شيخ أنقضت ~~ظهره السنون وأنا لم أتجاوز الرابعة والعشرين من عمري. # وكنت أقص عليها حوادث دهري المحزنة ونكبات أيامي السوداء وأنا في غبطة وسرور من ذكراها؛ ~~لأنني لم أعد أنظر إليها ولا أشعر بها، وقد كفتني نظرة ممن أخاطبها لأن تنزع مني كل ما مر ~~علي، بحيث كنت أتكلم عن نفسي كمن يتكلم عن فقيد؛ لأني شعرت أن حياتي قد تجددت وأنني قد ~~تجليت في رجل جديد. # ولما فرغت من كلامي رفعت بصري إليها كمن ينظر إلى قاضيه لسماع حكمه عليه، فوجدتها صفراء ~~الوجه راجفة الأعضاء، ثم قالت: يا رب، كم أثرت بي! فقلت لها في ذلك، فقالت: لو لم تقل لي ~~إنك تعيس عاثر البخت لكان سرور كل منا بأخيه أقل مما هو الآن؛ إذ لا ينتظر منه أن يرثي ~~لمصابه، ولكنت فارقت هذه ms17 الحياة الدنيا وأنا لا أرى خيال نفسي إلا في مرآتي، فإن ما قصصته ~~علي إنما هو تاريخ حياتي أسمعه من فيك، ولا فرق بيننا سوى أنك لا تزال في فاتحة عمرك وأنا ~~... # فصحت بها مقاطعا: لا، لا. ثم وضعت شفتي على قدميها وضغطت بيدي عليهما كأنني أريد أن ~~أثبتها على الأرض، وقلت: لا تنتهي حياتك أو تنتهي بحياتين. وكأنني قد خجلت من تسرعي فيما قد ~~أتيته من تقبيل قدميها وقولي لها، فلبثت في مكاني كالمصعوق لا أجسر أن أرفع بصري إليها، ~~فقالت لي: قم، ولا تعبد غبارا أدنى من غبار تدوسه بقدميك ثم تذروه الرياح، ولا تغرنك ~~هذه الفتاة البائسة الواقفة أمامك، فإنما هي خيال الشباب وخيال الجمال وخيال الغرام الذي لا ~~يبقى له أثر سوى ذكراه، واحفظ فؤادك لمن كتبت لهن الحياة، ولا تهبني سوى ما توهب ~~الأموات من يد تسندهم في مسيرهم إلى ظلمة القبر ودمعة تبكي بعدهم عليه. # وكانت لهجتها حزينة كئيبة رنت في أعماق قلبي فشخصت ببصري إليها فرأيت شعاع الشمس عند ~~مغيبها ينعكس عن وجهها فيضاعف أنواره كأنه ينعكس عن مرآة، فقلت في نفسي: كيف يستتر الموت ~~تحت هذه الحياة الناضرة؟! ولكن ماذا يهمني منها إذا كانت هي الموت فإنما أنا أعشق الموت ~~وإياه أحب، ولعل الحب الشديد الذي وجدته بها لم يكن يوجد إلا في تلك الحال، بل لعل الله لم ~~يبعث إلي نور هذا الجمال وهو على وشك الانطفاء إلا ليتبعني به فأسير على آثار شعاعه إلى ~~القبر أو إلى السماء. # وبينما أنا في تلك الأفكار أساورها وتساورني نظرت إلي وقالت: لا تفكر، واسمع ما أقول ~~لك، إنني لا أريد أن تعلق نفسك على صورة باطلة، وحلم زائل، وإنما أريد أن تعلم أنك تسلمني ~~قلبا لا أقدر على حفظه حتى أخونه، فإنني تعودت أن أكره الكذب وأتحاماه حتى لو كانت السماء ~~موقوفة لي على كذبة لما أقدمت عليها وعفت السماء، وإنني لو حصلت على السعادة استراقا لم ~~أعد أحسبها سعادة بل عذابا وتبكيت ms18 ضمير. # وكنت أجد في صوتها وهي تتكلم لهجة إخلاص ورنة صدق حسبت معها أن الحقيقة بعينها قد تمثلت ~~لي على ذلك الوجه الصافي، توحي كلامها إلى أذني ونظراتها إلى عيني ونفسها إلى قلبي، فاتكأت ~~إلى جنبي على قدميها وأسندت رأسي بيدي وأحدقت ببصري إلى شفتيها كأنني أريد أن أحرص على كل ~~كلمة أو حركة أو نفس يصدر عنها. # ثم أخذت تقص علي سيرتها، فقالت: إنني ولدت في بلاد غريبة من ديار الشرق كما يظهر لك ~~ذلك من لون شعري واصفرار وجهي بما يخالف صفرة النساء في أوروبا، أو كما تسمع من غرابة لهجتي ~~التي لم أقدر أن أغيرها ولا أريد؛ لأنها آخر ذكرى بقيت لي من آثار أوطاني. أما اسمي فغصن ~~البان دعتني به أمي، ثم ماتت غريقة وقذفتني الأمواج إلى شاطئ وجدتني عليه إحدى النساء ~~فردتني إلى أبي، فأتى بي إلى فرنسا وأنا بنت ست سنوات ثم لم يلبث أن توفي، فأخذني حاكم ~~البلد إلى مدرسة لليتامى نشأت فيها بين الصلاح والعلم وأنا أتقدم في الذكاء والمعرفة ~~والجمال على ما كان يقال لي، ولكنه جمال ذابل كجمال الزهرة تنقل إلى غير منبتها، ثم بقيت ~~على حالتي تلك أعواما تذهب في أواخرها صواحبي إلى أهلهن وأبقى وحيدة لا يسأل عني أحد ولا ~~أعرف أحدا، حتى صرت ألوم المرأة التي التقطتني وردتني إلى أبي ولم تدعني أموت على ذلك ~~الشاطئ حيث ألقتني يد الأمواج. # وكان يزور مدرستنا أحيانا شيخ جليل يأتي من قبل الملك لفحص الطالبات، فأعرض عليه في ~~مقدمتهن كمثال للحذاقة والذكاء فيتلقاني بالبشاشة والدعة وهو يقول: ما رأيت هذه الفتاة إلا ~~أسفت على أن ليس لي ولد. # وبينما أنا ذات يوم جاءتني الرئيسة فأخذتني إليه وهو في ردهة (قاعة استقبال) المدرسة، ~~فتلقاني وقال لي: لقد بلغت السابعة عشرة من عمرك، ولا تمضي عليك بضعة أشهر حتى لا يعود لك ~~مقام في هذا المكان لانقضاء مدتك منه، ولقد أرى أنك فتاة لا وطن لك ولا منزل ولا مال ولا ~~أهل ms19 ، وأنك إذا اعتمدت على المعيشة من شغل يدك كانت معيشة شاقة على فتاة مثلك، وإذا نزلت ~~على إحدى صواحبك كانت نزلتك ثقلة عليها وضيقا عليك، ثم أنت ذات جمال باهر والجمال إذا ~~أغفل كان مجلبة للنقيصة وإغراء على ارتكاب الدنايا، كالذهب المتروك الذي يكون عرضة للسارق ~~ومطمعا للمختلس، فماذا عساك تصنعين؟ وكيف ترين؟ # قلت: لا أدري لي سبيلا للخروج من هذه الحال إلا بالموت أو معونة الله. قال: بل أرى لك ~~سبيلا آخر، ولكني لا أجسر على بيانه. قلت: بل تأمر يا سيدي، فإنما أنت لي أب تجب علي ~~طاعته وإكرامه. فقال: لا، لست بأبيك، ويا ليتني كنت إياه! ولكني أعرض عليك أمرا أحب أن ~~تجيبيني عليه أو تجيبيني إليه، أنت ترين أنني رجل قد بلغت إلى آخر أيامي ولا ولد لي ولا ~~أهل أترك لهم ما حصلته بكدي من حطام هذه الدنيا، ولقد صرفت ما تقدم من عمري وحيدا لا ~~مؤنس لي غير كتبي وأقلامي حتى بلغت إلى هذا السن، فوجدت وأنا في نهاية مدتي أنني لم أبدأ ~~بالحياة بعد؛ لأنني لم أشعر بالحب، وأنني لم يعد يليق بي أن أرجع إلى طريق السعادة - وهي ~~الغرام - بعد أن صرت في آخر الطريق التي تخيرتها لنفسي وهي المجد والإعظام، ولكني مع ذلك لم ~~أرد أن أموت قبل أن أترك لي ذكرى هذا الوجود في وجود سواي، وهو الخلود الذي لا أعتقد سواه، ~~وأنا لا أرجو أن أحصل عليه إلا بك من طريق الوداد وعرفان الجميل، فأتخذك في الظاهر امرأة لي ~~على أعين الناس قطعا لألسنتهم عني وعنك وابنة في حقيقة الأمر تجدين مني حنو الوالد على ~~أولاده. # فوقع كلامه مني موقعه من وحيد يحتاج إلى أهل ويتيم يرغب في منزل يأوي إليه، فأجبته إلى ما ~~طلب ودخلت منزله ابنة لأب لا زوجة لزوج، وهو لا يريد إلا أن أدعوه باسم الوالد وإن دعاه ~~الناس عني باسم القرين، ثم أخذ يعتني بي أحسن اعتناء ويعاملني خير معاملة، فكنت عنده في ~~ناد ms20 من شيوخ ذلك العصر وعلمائه؛ بين كتبة وفلاسفة وساسة ممن نجوا من سيف الثورة ~~وخلصوا من رق الاستبداد، ثم اختار لي فضليات النساء لمعاشرتي وتهذيبي، ولم يكن يمنع عن ~~عشرتي أديبا من أدباء ذلك العصر رجاء أن أميل إلى أحدهم فيميل إليه معي ولكني لم أمل ~~إلى أحد. # واقتنعت من الدنيا بما أنا حاصلة عليه، فكنت أقضي نهاري بين درس ونزهة، وليلي بين جمعية ~~من أكابر العلماء وشيوخهم، بحيث كان شبابي زهرة غارقة في ثلج ذلك المشيب، وأنا أشتهي أن ~~أجد فتى أو فتاة في مثل صباي فلا أجد حتى تولاني الذبول والانتحال، ولم يخف ذلك على من ~~كنت أدعوه أبي، فكان ينظر إلي نظر الحزين الكئيب، ويعالجني بكل دواء من حسن عشرة وحضور ~~محافل وزيارة أندية ومشاهدة ألعاب وأنا لا ينفعني شيء من ذلك، حتى قال لي يوما: أتراك ذات ~~قلب شيخ في ابنة عشرين؟! ألا تدرين أنني أحب أن أراك مائلة إلى واحد ممن يعشقون جمالك؛ ~~ليكفل حنوي إليك من بعدي؟ فأجبته: إن ودادك يكفيني، وأنا بخير ما دمت أراك. قال: إذن ما ~~بالك تهرمين وأنت في مقتبل شبابك؟! ألا تدرين أنه لا ينبغي لسواك أن يغمض عيني عند ~~مماتي؟ فازدهي وسري وأحبي على شرط ألا تموتي أو ألا أحيا بعدك. # ثم أخذ يستدعي لي طبيبا بعد طبيب، وكلهم يجمعون على أنني مصابة بتشنج في القلب، وأنه ~~ينبغي لي تغيير معيشتي، وإقامتي في مكان بعيد عن برد باريز، ففضل زوجي أن يحرم قربي وأكون ~~سليمة على أن يراني بين يديه عليلة سقيمة، فعهد بي إلى أسرة غريبة أخذتني إلى إيطاليا ~~وسويسرا فصرفت فيهما سنتين، ثم أشار علي بعض أطبائهما بالقدوم إلى هذا المكان والإقامة ~~فيه ما دام في هوائه بعض الحرارة، حتى إذا توسط الشتاء عدت إلى زوجي. وإني - علم الله - ~~كنت أود أن أعود إليه وقد شفيت وانتعشت، ولكني أرى أنني لا أعود إلا لأزيد في أحزانه أو ~~أموت بين يديه. # ثم عادت فقالت: سيان عندي الموت ms21 والحياة بعد أن وجدت الأخ الذي طالما كنت أنشده حتى ~~ظفرت به اليوم. ثم غطت وجهها بيديها وأردفت وقد برقت دموعها بين أناملها: أجل، لقد وجدت ~~بك في صباح هذا اليوم من طالما كنت أحلم به في ما تقدم من ليالي حياتي، فيا حبذا لو تكتب ~~لي الحياة بعد ذلك، فقد صرت أشتهي الآن أن يطول مدى عمري ليطول سروري بهذه العين التي بكت ~~علي واليد التي ضرعت لأجلي والنفس التي حنت إلي والصوت الذي دعاني بأخته، وأؤمل أنه ~~لا يحرمني هذا الاسم في حياتي ولا بعد موتي. # وما أتمت كلامها حتى سقطت واهي القوى على قدميها وشفتاي لاصقتان بهما وأنا صامت لا أعيد ~~ولا أبدي. ثم لم ألبث أن سمعت وقع أقدام البحارة قادمين إلينا ليخبرونا بسكون البحر ووجوب ~~العودة فقمنا وتبعناهم، وكنت أسير وإياها بقدم قلقة كأننا في سكر، وهيهات أن أصف سروري ~~عندما كنت أشعر بجسمها اللطيف مستندا علي كأنها تقول لي به أن لا نصير لها سواي، فلقد ~~مضى علي من ذلك العهد عشرون عاما وأنا لا أزال كأنني أسمع وقع قدميها على الهشيم اليابس، ~~وأرى خيالينا قد اتحدا يتبعاننا كأنهما تابوت أو نعش يتبع الشباب والغرام ليدفنهما قبل ~~الأوان، وأشعر بلمس كتفها لقلبي الخافق وتموج خصلة من شعرها كان يلقيها نسيم البحيرة على ~~وجهي، فأمسكها بشفتي لأتمكن من تقبيلها. ويل منك أيها الزمان! كم تخفي من سرور النفس في ~~تلك الساعة! ولكن كم أنت عاجز عن محو تذكاره وإخفاء آثاره! # | الفصل الرابع # آية العفاف # وكان اليوم ساكن الريح فاتر الهواء على البحيرة بقدر ما كان عاصفا باردا بالأمس، وكانت ~~الجبال غارقة في بحر من الشفق البنفسجي لا يكاد يتميز عنها بلونه، والجلد صافيا توشيه ~~نكت من الغيم الأحمر كأنها ريش ببغاء تناثر في السماء تحت مخالب نسر جارحة، وكانت البحيرة ~~صافية الماء شفافة الأديم كأنها مرآة ترى بها خيال المجاذيف والوجوه، وفاترة الحرارة حتى ~~كنا نضع أيدينا فيها فلا نشعر من الماء بسوى جرمه. وكان ms22 يفصل بيننا وبين النوتية شراع ~~صغير فاتكأت غصن البان إلى جانب من الزورق بعد أن لففت جسمها بردائها وغطيت رجليها بردائي ~~وقاية لها من ندى الليل، ثم اتكأت على شبكة هناك وأنا طافح القلب ممتنع الكلام شاخص البصر ~~إليها، وما عسانا نحتاج إلى خطاب ونحن نرى الشمس والمساء والجبال والهواء والماء والمجاذيف ~~واهتزاز الزورق وزبد آثاره، ونظراتنا وسكوتنا وأنفاسنا ونفوسنا قد اجتمعت كلها تتكلم عنا؟ ~~بل كنا كأننا نخشى أن تبدر منا كلمة تكدر ذلك السكون السار، حتى لقد حسبنا أننا سابحون من ~~زرقة البحيرة إلى زرقة السماء، لاشتغال أبصارنا عن الشاطئ المقبلين عليه. # وفيما نحن كذلك سمعت منها تنهدا امتد به نفسها أكثر من غيره كمن يتنهد من تعب، فاستويت ~~مجفلا وقلت لها: أتتألمين؟ قالت: لا، ليس ذلك بألم بل هو فكر. قلت: وما عساه يكون؟ قالت: ~~إني أفكر أنه لو أمر الله الطبيعة الآن بالسكون فوقفت الشمس في مكانها لا تغيب، وهذا الظل ~~في موقعه لا يزول، وهذه البحيرة بمائها، وهذا الهواء في فتوره، وهذا الشاطئ على بعده منا، ~~وهذا النور ينعكس عن جبينك، وهذه النظرة الحلوة في عينيك، وهذا السرور الطافح في قلبي، ~~واستمر ذلك إلى ما لا نهاية له؛ ما قدرت على إدراك ما أنا فيه الآن. قلت: وما هو؟ قالت: ~~اجتماع الأبدية في دقيقة والخلود في وقفة ساعة. # فسبقني لساني إلى أن أجبتها بعبارة من عبارات الحب الفاسد بدرت مني خلافا لما في قلبي من ~~الطهر والعفاف، ومعناها أن مثل هذا السرور لا يكفيني إن لم يكن مقدمة لسواه، وكأنها أدركت ~~ما أريد فاحمر لونها خجلا مني، وأشاحت بوجهها وقد أنار عليه العفاف، ثم التفتت إلي ~~وقالت بصوت منخفض: لقد أسأت إلي كثيرا، فادن مني واستمع: إنني لا أدري إذا كان ما في ~~نفسي منك وفي نفسك مني هو ما يدعونه بالحب في هذه الدنيا، التي يكون للكلمة فيها معنيان لا ~~أريد أن أعلم أحدهما ولا أريد لك العلم به، ولكن الذي أدريه أن أعظم ms23 سرور النفس وسعادتها من ~~نفس مثلها هي أن تجد تلك النفس مشابهة لها في حالاتها وصفاتها حتى لا يتباين جرماهما إذا ~~اتحدا، ولعمري إن مثل هذا السرور بين النفسين والحاستين والفكرين ينحصر فيهما فلا يتعدى إلى ~~ما سوى ذلك لهو السرور الذي يتحد به القلبان حتى يتمازجا كما يمتزج نور الشمس عند مغيبها ~~بنور القمر عند طلوعه حينما يتقابلان في الأفقين، وما خرج عن ذلك من السرور الساقط - الذي ~~لا أدري كيف يسمى سرورا - لأشد بعدا عن صلة الامتزاج واتحاد الأرواح من الغبار السافل عن ~~علاء النجم، ومن الدقيقة عن الأبدية. ثم ماذا عساني أقول لك سوى إني أحبك، عبارة إذا لم ~~أقلها قالتها الطبيعة عني فلأقلها إذن عن نفسي، بل لأقلها عن نفسينا أننا متحابان. # فقلت لها: نعم، قوليها، وقوليها ألوفا، بل لنقلها معا أمام الله والناس والسماء والأرض ~~والعناصر والزمان؛ حتى تساعدنا الطبيعة فتردد صداها معنا. ثم قمت فركعت أمامها وقد انعقدت ~~يداي وتغطى وجهي بشعري، فوضعت أنملها علي فمي وقالت: سكن روعك ودعني أتكلم ولا ~~تقاطعني حتى تستوفي كل ما أريد. فجلست إلى جانبها وسكنت فقالت: لقد قلت لك أو لم أقل بل قال ~~لك قلبي بلسان زفراته إنني أحبك، فأنا إذن أحبك بكل ما بي من القوة في حياة بنت ثمان ~~وعشرين، تقضت أيامها تنظر ولا ترى، وتبحث ولا تجد حاجة قلب أنت سرها ومثالها، وأنا أرى ~~الآن أنني رأيتك وأحببتك في حين لا ينفع الحب إذا كنت تعتقده كما يعتقده سائر الرجال، أو ~~كما ظهر لي منك فيما قلته الآن من تلك العبارة الفاسدة. والآن فاسمع ما أقول واعرفني حق ~~عرفاني، فإنني أسلم نفسي إليك كما أسلمها لنفسي وأنا على يقين من أنني لا أسيء إلى ذلك الأب ~~الذي لا يريد أن يدعوني بسوى فتاته، ولست أمنع عنك مني إلا ما تريد أن أختص به نفسي. ولعلك ~~تعجب من لهجتي هذه؛ إذ تراها ليست بلهجة النساء في أوروبا اللواتي لا يحببن إلا قليلا ولا ~~يحببن ms24 إلا كذلك، فهن يخشين أن يبحن بأسرارهن خشية أن يذهب ذلك بحبهن من القلوب، أما أنا ~~فلست منهن في شيء لا في وطن ولا قلب ولا تربية؛ لأنك تعلم أنني نشأت في منزل فيلسوف بين ~~جماعة من العلماء لا يكتمون فكرا ولا يعرفون إيمانا من مثل إيمان الناس، فشببت لا أعتقد ~~بعقاب تنخفض لديه جبهة النساء خجلا واستحياء إلا عقاب الضمير وقاضي النفس، ولا أومن إلا ~~بإله غير منظور نقش وصاياه على صفحات الطبيعة وشريعته في القلوب وآدابه في العقول، وبذلك لم ~~يكن لي دين سوى العقل والوجدان والضمير، ولا شيء من هذه الأصول الثلاثة يمنعني عن أن أكون ~~لك، بل أنا ألقي نفسي على قدميك إذا كنت لا تجد السعادة في سوى ذلك. # وبعد، أفليس أبقى للحب وأصون للوداد وأحفظ للقلوب أن نبقى أرفع منزلة في الغرام وأعلى ~~مقاما في العفاف من أن ننزل بهذا الحب الطاهر إلى حمأة الفساد وأدران الخسائس؟ # ثم صمتت برهة وقد احمر وجهها كما يحمر الخد إذا أدني من النار، ثم قالت: إذا عرضت لك ~~يوما فرصة خلوة ولوثة عشق فطلبت مني آخر برهان على الحب، فاعلم أن ذلك البرهان لا تكون به ~~نهاية عفافي بل نهاية حياتي؛ لأنك حين تنزع طهارة قلبي تنزع معها أسباب حياتي، فتحسب أن بين ~~يديك السعادة ثم لا تجد إلا خيالا ولا ترفع إلا جثة باردة. # ثم ساد السكوت بيننا ساعة، ثم تنهدت من أعماق قلبي، وقلت: لقد فهمت ما تريدين، وقد أقسم ~~قلبي يمين العفاف قبل أن تأتي على آخر طلبه مني. وكأن هذا الجواب قد زاد سرورها فزاد جمالها ~~وحنوها، وكأن الليل قد أطبق بظلامه والنجوم قد زهرت بأنوارها، وشمل السكوت حولنا فلم نعد ~~نسمع هدير ريح ولا حفيف شجر كأن الطبيعة قد أصغت لتسمع ما يتناجى به قلبانا. ثم أخذ النوتية ~~في بعض أناشيدهم المطربة فذكرني ذلك بصوت غصن البان حين كنت أسمعه على مقربة مني، فقلت لها: ~~ألا تنعمين علي هذه الليلة الناعمة بصوت ms25 تلقينه على هذا الهواء والماء يترك لك فيهما أطيب ~~ذكرى؟ ثم أشرت إلى النوتية فرفعوا مجاذيفهم من الماء، فتساقطت قطراته متتابعة على صفحات ~~البحيرة بإيقاع أطيب من إيقاع النغم على دف الفتاة، ثم أخذت في إنشاد صوت شجي لم يمر ~~على سمعي أطيب منه حتى خلت أنه صوت الملائكة في سمائها، وحتى صرت لا أسمعه من أحد بعدها ~~إلا خرجت هاربا كمن ينفر من خيال، ولا أردت البكاء فغنيته إلا بكيت وأنا لا شيء ~~يبكيني. # ولم نزل كذلك حتى رسونا على شاطئ إكس على بعد مرحلة منها، وقد تناصف الليل حتى لم نعد ~~نجد ركوبة تنقل الفتاة في وعر تلك الطريق إلى منزلها، فعزم النوتية على أن يحملوها، وصنعوا ~~من مجاذيفهم وحبالهم هودجا أجلسوها عليه، وسرنا معا على أحسن حال، ولقد حاولت في الطريق ~~أن أنازع كلا منهم في حملها فلا يريدون، فسرت إلى جانبها ومددت يدي إليها لأثبتها على ~~ذلك الهودج فلا يزعجها اهتزازه. وكنا نسير ونحن سكوت تحت القمر الساطع في تمامه بين أشجار ~~الصفصاف، وقد وجدت المسافة على طولها قصيرة المدى كأن الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها، فاشتهيت ~~لو أظل سائرا على مثل تلك الحال إلى آخر خطوة من حياتي. # ثم لقد كنت لا أكلمها ولا تكلمني، بل أشعر بوقر جسمها متكئا على ذراعي، وأحس بيديها ~~الباردتين حول يدي وهي تنفخ فيها أحيانا كأنها تريد أن تدفئها، وما أحسب أن سكوتا يكون ~~فيه مثل هذا الغرام ولا أن سعادة قرن تحويها ساعة! ولما وصلنا إلى المنزل حالت الناس بيني ~~وبينها فنزعت يدي من يديها كأنني تركت بينهما قلبي، فوجدت عليها قطرات دموع فمسحتها بشفتي ~~وشعري كأنه طيب أحرص عليه أن يضيع، ثم ذهبت فانطرحت على سريري بثيابي. # ولقد حاولت كثيرا أن أنام وأنا أتقلب على فراشي فأجد النوم ينفر مني؛ لأن الأمور التي ~~صادفتها في ذينك اليومين كانت تتعاقب على مخيلتي متواترة شديدة التأثير كأني لا أزال أرى ~~ما رأيته وأسمع ما سمعته، أو كأن اليومين لم ms26 ينقضيا، وكنت كأن حرارة قلبي صعدت إلي رأسي، ~~فجعلت أقوم وأقعد مرارا وأنا لا أجد راحة في الحالتين، فقطعت آمالي من النوم. وحاولت أن ~~أغالب أفكاري بخفق أقدامي، ففتحت النافذة ثم قفلتها، ثم كنت أقلب صفحات كتبي فلا أفهمها ~~وأتراوح في حجرتي لا أستقر في مكان، وأنقل مقعدي في الزوايا عساني أجد له وضعا أرتاح عليه ~~فأقضي ليلتي ساهرا. # وكان هذا الصوت قد بلغ إلى حجرة المريضة فصيرها في مثل حالي من السهد والقلق، فسمعت خفق ~~أقدامها يدنو من الباب الذي بيني وبينها، فوضعت أذني على قفله فسمعت تنهدا متقطعا وحفيف ~~ثوب على الحائط، فعلمت أنها واقفة مثل وقفتي تكاد تسمع خفقان قلبي، ثم سمعت صوتا يقول لي ~~همسا: هل أنت مريض؟ فأجبتها: لا، ولكني سعيد، وإن للسعادة حرارة تفوق حرارة الحمى، ولكنها ~~حمى الحياة التي لا أخافها ولا أريد الشفاء منها، بل أنا أسهر لأتمتع بها. فقالت لي: أيها ~~الصبي، اذهب ونم وأنا أسهر، فقد آن أواني لأن أسهر عليك. قلت: بل لماذا لا تنامين؟ قالت: ~~لأني لا أريد أن أضيع في سبات النوم دقيقة من دقائق هذا السرور الجديد، فإن زماني أقصر من ~~أن أتمتع به، فأنا لذلك أحرص على كل قطرة منه أن تذهب سدى في بحر الرقاد، ولقد أتيت فجلست ~~هنا لعلي أسمعك أو أجد نفسي على مقربة منك. قلت: إذن فلماذا البعد؟ ولم هذا الباب بيننا؟ ~~قالت: ألا يحول بيننا سوى هذا الباب من سابق أقسامك؟ وإلا فإذا كان لا يمنعك سواه فها أنا ~~أفتحه لك فتعال. ثم انتزعت مزلاجه وهى تقول: لا شيء يمنعك عن الدخول إذا كان حبك يدفعك ~~إليه ... ولكن لا، لا تدخل لأنك قد تجد فيه ما تدعوه سعادة وهو ذلة عليك وعلي، أنزل بها من ~~رفيع مقام نزلته في فؤادك. # فأثر بي هذا الكلام تأثيرا نازع ميل قلبي إلى الدخول، فسقطت سقطة رجل جريح على عتبة ذلك ~~الباب المقفول، ثم عادت فجلست وراءه، وصرفنا قطعة من ذلك الليل بكلام خفي ms27 يقطعه السكوت ~~فترات تتكلم بها القلوب لغة لا يعرفها اللسان والشفتان، ثم أخذت فترات السكوت تطول والصوت ~~ينخفض حتى غلبني النعاس، فنمت وأنا ملصق خدي بالجدار وعاقد يدي على ركبتي. # وما انتبهت إلا وقد تعالى النهار وحميت حرارة الشمس، فبدلت ثيابي وغسلت عيني من تأثير ~~السهر، ولبست عدة صيدي وأخذت بندقيتي، ونزلت إلى قاعة المائدة حيث وجدت أسرة الطبيب وضيوفه، ~~فسمعتهم يتحدثون عن عاصفة أول أمس والخطر الذي خلصت منه الفتاة وإغمائها على أثره واتفاق ~~مقابلتي لها وإتياني بها، فتقدمت إلى الطبيب أن يذهب إليها عني فيستخبرها عن صحتها ~~ويستأذنها في أن أرافقها إلى نزهتها، فلم يغب إلا قليلا حتى عاد بها ولها رونق جمال لم ~~يكن عليها من قبل بهرت به أعين الجميع، ولم تكن تنظر إلا إلي نظرات لم يفهم معناها ~~سواي، ثم ركبت بغلة أدنيت لها وسرت في أثرها ماشيا حتى بلغنا أعلى ذروات تلك الجبال، ~~فقضينا نهارنا لا نكاد نتكلم بسوى القلوب والأبصار، فكنا ننظر تارة إلى ذلك الوادي فنراه ~~ينفرج أمامنا كلما ارتفعنا، ونقف تارة على شفا الشلالات تنثر دقائق مائها فتنسج عليها الشمس ~~قوس السحاب، ونتهادى طورا بما نقطفه من أزاهر الحقول كأنها رسائل غرام خطتها يد الطبيعة ~~عنا، ونجلس طورا على جذوع الأشجار ومقاعد الصخور، ونقول: ما أسعد مخلوقين مثلنا ينفردان عن ~~الناس ويلهوان بمناظر الطبيعة وحفيف الريح والشجر ولا يكدرهما إنسان! # ثم دنت الشمس من مغربها، فعدنا ننحدر بقدم بطيئة وسكون شامل ونحن نلتفت إلى حيث كنا لفتة ~~من ترك ملكه وسعادته وراءه حتى بلغنا المنزل، فصعدت إلى حجرتها، وتعشيت مع أهل الطبيب ~~ثم صعدت فطرقت الباب بيني وبينها، فتلقتني لقاء من مضى عليه دهر في غيابه عنها، وأخذت ~~من عهدئذ أقضي ليالي عندها، فكنت أجدها في غالب الأحيان متكئة على مقعدها وأمامها منضدة ~~عليها مصباح وكتب ورسائل وعلبة للشاي - أهدتها إلي، وهي لا تزال عندي إلى الآن - وكان ~~الطبيب يصعد أحيانا فيجلس إلينا يحادثنا ساعة، ثم يرى أن انفرادي بها أنفع ms28 لها من طبه ~~وعلاجه فينصرف ويتركنا بين الدفاتر والحديث، حتى إذا انتصف الليل أقوم فأقبل يدها وأنصرف ~~إلى حجرتي فلا أنام إلا بعد أن لا أعود أسمع حركة من حجرتها. # واستمر أمرنا كذلك بضعة أسابيع طويلة إذا عددت بها خفقات قلبي، وقصيرة بما كان فيها من ~~السعادة والغبطة. وكانت الطبيعة كأنها قد ساعدتنا فمدت فصل خريفها فلاح كأنه الربيع ~~المعتدل لولا تجرد أغصانه وقصر أيامه التي كنا نستعيضها بطول لياليه، وكأن ريحها صوت ~~يقول لنا: اغنما فرصة الحديث وكشف السرائر قبل الفراق فإنما أنا طائره ونذيره. # وقد زرنا في خلال تلك المدة كل الشواطئ والقمم والمضايق والوديان والكهوف والشلالات ~~والصخور، وتمتعنا بمناظر الأشجار والقرى والغيوم والأمواج والجبال والماء والغابات، وكنا لا ~~نمر في مكان حتى نترك فيه أثرا من أنفاسنا أو كلامنا أو نظراتنا أو تعاهدنا أو خفقان ~~قلوبنا ونحن نسأله أن يحفظ ذكرى الساعات التي صرفناها والأفكار التي خطرت لنا والهواء الذي ~~تنشقناه والماء الذي كنا نتساقاه في تجاويف أكفنا والزهور التي كنا نقطفها ونتهاداها ~~وآثار أقدامنا على العشب الندي، وأن يرد لنا كل ذلك عند عودتنا حتى لا تضيع ذرة من سعادتنا ~~في خزانة تلك الطبيعة التي لا يضيع فيها شيء حتى النسمة ولا زمان حتى الدقيقة. وما أظن أنه ~~ورد على تلك البحيرة والجبال من يوم نشأتها قلبان عاشقان كقلبينا، ونفسان فيهما من الحياة ~~والحب ما يكفي لإحياء كل تلك الطبيعة من مائها وسمائها وأرضها وصخورها وأشجارها، ومنحها ~~أنفاس الحب وصبابته وحراراته وصوته وطيبه بما يكفي لأن يملأ طبيعة أعظم من طبيعة العالم ~~بأسره، حتى لأقسم إنه لو خلق الله لنا كرة أرضية خالية لقمنا بإنمائها وإحيائها إلى ~~الأبد. # فمن ينكر بعد ذلك أن نفس الإنسان خالدة لا نهاية لها، إلا إذا كان يقدر أن يدرك حد ~~السعادة في عاشق مثلي أو يدرك حد النجم في تناهي بعاده؟ وعندي أن الحب إنما هو إمام الدنيا ~~وهاديها، ولولاه لما خطر للمرء أن يعتقد في أبدية أو خلود. # وكانت ms29 تلك الأيام المعدودة قد أخلصت سبك قلبي ومحصت معدن نفسي حتى أخلصتها من كل ما ~~علق بها من الدنايا إلى ذلك الحين، ووجدت أن الحب شعلة نار أنارت لي الطبيعة والعالم ونفسي ~~والسماء، فلاح لي عند ذلك عبث الدنيا وباطلها حين رأيتها تصغر في عيني لدى شعلة من تلك ~~الحياة الحقة، فكنت أحمر خجلا من نفسي؛ إذ ألتفت إلى ما مر من حياتي وأقابله بما أراه ~~من الطهارة والعفاف في تلك الفتاة حتى كأنني دخلت منها في بحر من الجمال والرقة والصيانة ~~والآداب والغرام كان يتسع أمامي وينفسح في عيني كلما نظرت إليها وسمعت صوتها ~~وحادثتها. # وطالما كنت أركع لديها وأنا أعفر خدي بالثرى كأنني في أشد العبادة والنسك، بل ~~طالما كنت ألتمس منها كمن يلتمس من إله أن تغسل نفسي بدمعة من دموعها وتطهرني بشعلة من ~~نارها وتنفخ في نسمة من أنفاسها حتى لا يعود بي شيء مني سوى تلك القطرة التي اغتسلت بها ~~والشعلة التي طهرتني والنسمة التي أحيتني، وحتى أستحيل إليها وتستحيل إلي بحيث لو دعانا ~~الله في يوم موقفه لا يقدر أن يميز بين نفسين قد مزجتهما آية الحب فصارا نفسا واحدة، ~~وأستغفر الله! # فيا أيها القارئ، إذا كان لك أخ أو ابن أو صديق لم يعرف الفضيلة بعد، فاسأل له الله ~~حبا مثل هذا الحب؛ لأنه متى عشق بلغ إلى درجة من الكمال تعادل ما في قلبه من ذلك ~~الغرام. # وهيهات أن أصف ما كان يتولاني من الخجل من نفسي في حضرة من كنت أهواها، ولكن نصائحها ~~كانت ذات حنو ونظراتها ذات حلاوة وكلماتها ذات رقة، كنت أشعر معها في خضوعي لديها أنني ~~أرتفع وأعظم، ولله ابن الفارض حيث قال: # فحالي وإن ساءت فقد حسنت بها # وما حط قدري في هواها به ~~أعلو # ثم كنت أقابل بينها وبين من رأيت من النساء فأجدها تمحو كل أثر لهن من قلبي، ~~وأنشد: # محا حبها حب الألى كن قبلها # وحلت مكانا لم يكن ~~حل من قبل # وكانت محادثاتها ms30 تنقل أفكاري إلى عالم من التصورات لم أكن أقوى على إدراكه حتى حسبت أنني ~~قد صرت في غير هذه الدنيا، ووجدت كل ما كان بي من الخفة والطيش والشراسة والانقباض قد تلاشى ~~لديها دفعة واحدة حتى لم أعد أعرف نفسي، ورأيت أن حبي لها قد رفع حاضر حياتي عن ماضيها ~~حتى صرت أستكبر من الالتفات إليه، فعلمت عند ذلك أن أعلى درجات السعادة لا توجد إلا في أرفع ~~درجات الغرام. # ثم لقد كنت أجد كل ما تقوله أبديا وكل ما تنظر إليه مقدسا، حتى لقد كنت أحسد الأرض ~~التي تمشي عليها وأحسب ما يمسها من شعاع الشمس مغبوطا سعيدا، وأود أن أجني ما تتنفسه من ~~الهواء حتى لا يخالط غيره وأسد كل مكان تمر فيه من الفضاء حتى لا يشغله بعدها مخلوق ~~سواها. # وبالجملة فقد كنت أرى كل شيء وأشعر بكل شيء وأعبد كل شيء من خلال ذلك الجمال الباهر حتى ~~الله جل جلاله! وأقسم لو استمرت حياتنا على مثل تلك الحال ووقفت لها الطبيعة وسكن الدم عن ~~مجراه وانقطع القلب عن خفقانه ولم تعد حركة ولا صوت ولا موت ولا حياة فينا، لما اشتغلت ~~نفسانا برهة عن شرود كل منهما في صاحبتها، وما عساني أقول عنها أو أصف حبي لها بسوى أنها ~~جعلتني أعبد الله فيها عبادة من يشكره على أنه أبدعها له ... ~~••• # وكانت كأن سعادة الحب ووحدة المكان واكتشافها كل يوم على فكر من أفكاري وهواء الخريف ~~ونزهتنا في الجبال أو على الماء بين الركائب والزوارق وأول نفحات الغرام التي تحمل قلب ~~العاشق إلى سماء السرور على جناح السعادة؛ قد حسنت في صحتها بعض التحسين فكانت تتقدم في ~~مدارج العافية، وتزول شحوب المرض عن وجهها كأنها آثار الموت تمسحها يد الحياة، ويتورد خداها ~~وتعاودها نضارتها ويصفو أديمها وتلمع مقلتاها وتراجعها قواها ونشاطها وخفة جسمها وحدة ~~صباها، حتى كان طبيبها يعجب من آثار التعافي عليها بين ذهابها إلى النزهة وعودتها ~~منها. # وعلى الجملة فقد كانت السعادة تفيض منها كأنها ms31 شعاع يكتنفها حتى يكتنف من يراها، وعندي أن ~~بهاء الجمال وورود الصبابة والغرام ليست بتصورات شاعر كما يقال، وإنما هي حقيقة خفية يراها ~~الشاعر البصير وإن خفيت عن أعين الجهلاء، وإذا تغزل شاعر بفتاة فقال إنها تنير الظلام ~~فأنا أقول إن غصن البان كانت تنير ما حولها، بحيث كنت أسير وأحيا في نور ذلك الجمال وإن لم ~~يدركه سواي إلا كمر الخيال. # وكنت عندما أخلو في حجرتي مدة فراقها أشعر بنفسي وأنا بالظهيرة كأنني في سجن مظلم لا هواء ~~فيه ولا نور، وأجد أن الشمس لا تكاد تنيرني إلا إذا قارنتها بوجهها عند النظر إليها، بل كنت ~~كلما زدتها نظرا تزيدني حسنا وعجبا حتى أرى اعتقادي يضعف في أنها مخلوقة من الناس ~~مثلي، وحتى انتهى بي إجلال حبها عن طبقة الحب إلى إجلال شخصها عن رتبة الناس، فكنت أجهد في ~~أن أجد لها اسما يوافقها أو يطابق معناها فلا أجد. # ثم تمادى بي الأمر فدعوتها سرا من أسرار الطبيعة أجد به حنو الإنسانية وزهوة السرور ~~وحقيقة الوجود وسماء العبادة، ثم طال غرامها بي حتى دعاني إلى نظم الشعر أحيانا، فكنت ~~أنظم القطعة والقطعتين ثم لا أعرضهما عليها لأنني وجدتها قليلة الرغبة فيما تخالطه الكلفة ~~والتعمل من صناعة اللسان، وأنها أميل إلى البساطة في التعبير والتنزه عن التعمق في بيان ~~الشعائر والوجدانات مما هو من أساليب الشعر ومقتضيات أوضاعه، وما عساني أنظم فيها وهي الشعر ~~المطلق مجردا كالقلب وبسيطا كأول لفظة وهادئا كالليل ومنيرا كالنهار وسريعا كالبرق ~~ومتناهيا كالفضاء؟ بحيث إنني لو طال مقامي معها لما احتجت إلى قراءة الشعر أو نظمه؛ لأنني ~~كنت أجد فيها قصيدة الطبيعة ونفسي، أرى شعائري في قلبها وصورتي في نظراتها وأنفاسي في ~~صوتها. # ولقد كانت تحاول مرارا أن تقرأ لي مما لديها من دواوين الشعراء فتجد أن ليس في أحدها ما ~~يبلغ إلى وصف حالنا، فتطرحها كمن فرغ صبره حتى أشبهها بأوتار أعواد مقطعة لا ترن لنقر ~~الضارب، وفوق ذلك فإني لم أكن لديها إلا ms32 بمنزلة الشقيق، بحيث لم يكن يهمها كوني شاعرا بل ~~لا يهمها مني سواي. # وكان صديقي لويس قد زارنا ليصرف معنا بعض أيام، فكنا نقضي ليالينا إلى أنصافها بين ~~محادثات وقراءة ومذاكرة علم أو سكوت طويل حول مكتبتها ونحن كأننا أصنام لا حراك بنا، إلى أن ~~أثر أمرنا ذات ليلة في صديقي الذي كان شاعرا، فطلب قلما وكتب بعض مقطعات خلتها ~~صادرة من صميم فؤاده فهاجت الشعر في نفسي، فأخذت منه القلم وخلوت إلى جانب من الحجرة فخططت ~~أول أبيات خرجت من قلبي لا من أفكاري، ثم أنشدتها إياها وأنا لا أجسر أن أرفع طرفي إليها ~~وهي هذه ... # ولكن لا فقد محوتها الآن؛ لأن كل قريحتي كانت في غرامي، وقد خمد الغرام اليوم فجمدت ~~القريحة. ولما فرغت من قراءة تلك الأبيات نظرت إليها وإذا بي أجد على وجهها آثار اندهاش ~~وسمات جمال لا يقوى على وصفها يراع ولا لسان، وكان منظرها هذا قد أثر بي وبصديقي على ~~السواء فركعنا لدى مقعدها وقبلنا أطراف الرداء المتهدلة على قدميها، أما هي فوجدت أن ما ~~قلته في وصفها لم يكن إلا صورة ما أكنه من هواها فأثنت عليه، ثم لم تعد تفاتحني في شأنه ~~كأنها كانت تفضل مغازلتنا الطبيعية وسكوت كل منا إلى جانب صاحبه على تلك الأبيات التي تزخرف ~~شعائر النفس ولا تظهرها، وخير المحاسن ما كان مجردا. أما صديقي لويس فقد برحنا إلى موطنه ~~بعد أيام. # وكان الفصل قد تجاوز الخريف إلى شتاء لطيف البرد تمازجه بعض الحرارة من شمس تلوح أحيانا ~~من خلل السحاب، ونحن لا نزال نخدع أنفسنا بأنه فصل الخريف؛ إذ كنا نخاف من ذكر فصل الشتاء ~~لأنه كان فصل الفراق، وكان الصقيع يحلي الأرض بنكت بيضاء في صباح أكثر الأيام ثم لا يلبث ~~أن تذيبه حرارة الشمس عند زوالها، فيدفأ الهواء على البحيرة في بعض الأحيان ثم يبرد سريعا ~~لقصر الأيام. وكنا نقضي أغلب تلك الأوقات في البحيرة وحولنا من شعاع الشمس واخضرار الصخور ~~وتغريد الأطيار وخرير الماء ms33 وزبد الأمواج ووقع المجاذيف وتجعيد المياه ومناظر الطبيعة ~~وخلوتنا في عزلة عن الناس، ما يستفزنا سرورا ويزيدنا صبابة ولذة غرام لا يمكن أن يكون لها ~~مزيد لولا ما كان يكدرها من خوف انقضائها، حتى كنا نخال أن وقع كل مجذاف خفق قدم تخطوها ~~بنا الأيام إلى ساعة الفراق، فنتنهد لهذا الأمر خوفا من وصوله ونحن لا نجسر أن نذكره ~~تجافيا عن شدة ذكراه. # وبينما نحن يوما جالسان في زورق تحت شعاع الشمس بين لسانين من الأرض على خرير شلال بعيد، ~~نزل نوتيتنا إلى الشاطئ لإصلاح شباك لهم، فبقينا وحدنا والزورق مربوط إلى جذع تينة، ثم ~~حركته الأمواج فانقطع الحبل وسار بنا الزورق تدفعه حركة الماء حتى توسطنا ذلك الخليج، وكان ~~ماء البحيرة صافيا شفافا كأنه مرآة صقيلة، وكنت أقدر أن أحرك المجذاف فأرجع بالزورق إلى ~~حيث كان، ولكني وجدت في تلك العزلة والوحدة لذة وهناء، حتى صرت أود لو يستمر الزورق سائرا ~~بنا على ذلك المجرى لا على بحر له ساحل بل في فضاء لا نهاية له، ثم تقدمنا حتى لم نعد نسمع ~~صوت النوتية وقد حجبتهم عنا الصخور، بل لم نعد نسمع إلا وقع الشلال وأنين بعض الأمواج تلطم ~~جانب الزورق وقد خف بنا حتى صار يحركه رجع أنفاسنا، وكانت الشمس وظل الجبل يتنازعانه وهو ~~بينهما وأنا جالس عند قدمي غصن البان كجلستي يوم قابلتها بعد إغمائها، وهي متكئة على مقعد ~~الزورق ويدها مدلاة في الماء تعبث به بأناملها واليد الأخرى على رأسي تلعب بحلقات شعري، ~~وكنت رافعا بصري إليها حتى لا ترى عيني من الأفق إلا السماء ووجهها، وقد عطفت بمحياها ~~إلي وهي تتأملني كأنها ترى شمسها في جبهتي وحياتها في عيني، والحب يورد خديها والسرور ~~يطفح على محياها فيزيده جمالا حتى خلته صورة جديرة بأن يحيطها ذلك الإطار من زرقة السماء، ~~وإذا بها قد اصفرت فجاءة وجذبت يديها واستوت جالسة ثم غطت وجهها بكفيها واستمرت برهة لا ~~حراك بها، ثم جلت يديها عن مقلتيها وقد بلت أناملها ms34 بعض المدامع وقالت بصوت المسرور ~~الباسم: آه، فلنمت! ثم سكتت ساعة وعادت فقالت: نعم، فلنمت، فلم يعد في الأرض مزيد على ما ~~نحن فيه ولا في السماء وعد لأكثر منه. # ثم أدارت نظرها فيما حولها بين السماء والجبال والبحيرة والأمواج الشفافة في ظل الزورق، ~~وقالت: انظر كيف أن كل شيء حولنا معد لدفن حياتينا، فهذه أجمل شموس أيامنا تغيب عنا ~~ولعلها لا تعود لتشرق علينا، وهذه جبال الساحل حولنا تمد إلينا ظلالها كأنها تقول لنا ~~ادفنا نفسيكما في هذا الكفن الذي أمده لكما، وهذه الأمواج الصافية العميقة تعد لنا ~~مضجعا من الرمل لا يوقظنا منه أحد ليقول لنا: يا أيها القوم، هبوا قد دنا السفر، ولا ترانا ~~عين إنسان ولا يعلم أحد لأي سبب عاد هذا الزورق خاليا من ركبه، ولا يبقى بعدنا أثر يدل على ~~أن جسمي عاشقين غاصا في تلك اللجة وهما متعانقان، أو أن نفسي متحابين صعدتا في أثير ~~ذلك الهواء وهما مسرورتان، بل لا يبقى بعدنا رنة صوت على الأرض إلا صوت التقاء الماء بعد ~~نزولنا فيه ... آه! فلنمت في سكرة هذا السرور، فإن الموت فيها حلو لذيذ، وقد يمر بنا يوم ~~نريد فيه الموت فلا نجده في مثل هذه المسرة والهناء. # إنني أكبرك ببضع سنين، ولكن هذا الفرق الذي لا نشعر به اليوم تزيد فسحته مع الأيام حتى لا ~~تعود ترى في وجهي من آيات الجمال إلا أثر امحائها، ولا يعود لك منه إلا رسم سرور وذكرى ~~غرام زائل، وفوق ذلك فإنك لا تقدر أن تجد بي إلا روحا تناجيها بمساجلات ودادك وأنت في حاجة ~~إلى ما يعقبها من سعادة العشق التي تقدم لك ذكرها. وشهد الله أنني لا أجدك بين يدي فتاة ~~سواي إلا مت من الغيرة، ولا أجدك محروما بسببي إلا مت من الحزن والوجد، فلنمت إذن ولنطفئ ~~شعلة هذا المستقبل الهائل بآخر نسمة تخرج منا. # وفيما هي تكلمني كنت أناجي نفسي بمثل كلامها، وأثرت بي تلك المناجاة المزدوجة بين نفسي ~~وأذني كأن ms35 كلا منهما صدى الأخرى، حتى نسيت الدنيا وأجبتها: فلنمت. ثم عمدت إلى حبل ~~السفينة فقرنت به بين خصرينا بربط محكم، ورفعتها بين يدي لأزج بها وبنفسي في قاع ذلك ~~اليم العميق، وإذا بي أجد رأسها قد مال إلى كتفي كما يميل رأس المائت وتراخى جسمها حتى كاد ~~يفلت من وثاقه على قدمي، كأن شدة تأثرها وسرورها من موتنا معا قد سابق فعل الموت فيها، ~~فتهدلت مغشيا عليها بين يدي، فلاح لي عند ذلك أنني إذا اغتنمت فرصة إغمائها فألقيتها ~~في ذلك اللج وقد يكون بالرغم عنها كنت قاتلا على عمد، فجثوت بها وحللت الحبل عني وعنها ~~وألقيتها على مقعد الزورق، وجعلت أنضح ماء البحيرة على وجهها ساعة طويلة حتى استفاقت وقد ~~هبط الليل، فقلت لها: أبى الله أن نموت وإلا أن نحيا، فإن الموت الذي ساغ لنا في شريعة ~~الهوى إنما هو ذنب في ذنبين علينا لذوي قربانا ولله. ورفعت عند ذلك بصري إلى السماء كأنني ~~أنظر إلى جلال الله على عرشه، فقالت لي بصوت منخفض: دع من هذا الشأن ولا تعد إلى ذكره، فقد ~~أردت لي الحياة وأنا أقبلها منك تفاديا من جرم يلحقني إذا قدتك إلى الموت معي لا إذا مت ~~وحدي. فأجبتها وقد لعبت بي أيدي الصبابة: ما أحسب أن في جنة الخلد ساعات كالتي قضيناها، أما ~~الحياة ففيها وفي ذلك كفاية وغنى. ولم آت على آخر كلامي حتى عاودها زهو الصبا وابتسام ~~الشباب، فأخذت بمجذافي الزورق حتى بلغت به إلى حيث كان فسلمته إلى أصحابه وعدت بها إلى ~~المنزل ونحن سكوت والهوى يتكلم. # | الفصل الخامس # لوعة الفراق # ثم دخلت حجرتها بعد العشاء فوجدتها جالسة وراء مكتبتها دامعة الطرف وأمامها كتب مفضوضة، ~~فاستقبلتني وهي تقول: يا ليتنا متنا معا! فهذا موت الفراق قد بلغ إلي. # وكان زوجها قد استطال غيابها وخشي عليها برد الشتاء، فأخذ يكاتبها بالحضور وأنه يحس ~~دنو أجله ويريد أن يراها قبله، وكان لديها بين تلك الرسائل كتاب من الطبيب القادم لأخذها ~~يقول لها ms36 فيه إنه عرض له عائق في الطريق فأرسل لها رجلا ينوب عنه في صحبتها وهو حامل كتابه ~~إليها، وقد عين لها موعد السفر في الغد. فكان وقع ذلك الخبر علينا على شدة توقعنا له كأنه ~~فاجأنا ولم يكن لنا في حساب، فقضينا سواد ليلتنا لا نتكلم ولا ينظر أحد منا إلى وجه صاحبه ~~خوفا من أن يصادف نظره فتسيل دموعه، ثم قمت وقد عزمت على أن أسافر أيضا. # وكان اليوم التالي آخر يوم للوداع، فتركنا القوم يشتغلون بزم الركائب وقصدنا الجبل ~~لنقضي واجب الوداع، فأخذنا نمر على كل أثر لنا من الآكام والأشجار والصخور والشواطئ حتى ~~انتهينا إلى مكان محجر فجلسنا على أحد صخوره، فأشارت بيدها إلى نكتة سوداء في أقصى الأفق ~~لا تكاد تميزها العين لبعدها، ثم قالت: قد يأتي عليك يوم لا تذكر فيه مواقف حبنا إلا كما ~~تبصر هذا السواد. # وكان صوتها تمازجه رقة حزن ورنة صبابة استنزلت دموعي، فسترت وجهي بيدي لكي لا ترى بكائي، ~~ولكنها رأت مدامعي تنساب بين بناني فعادت وقالت: يا روفائيل، إنك لا تنساني ولكن الغرام ~~قصير والحياة بطيئة، وإنك لا بد عائش بعدي سنين طويلة تستنزف بها ما في الطبيعة من سرور ~~وكدر، ثم تكون رجلا عظيما بما يظهر لي من مخائل آدابك ودلائل نجابتك وذكائك، ولتمتع ~~بما يستلذه الناس من هذه الحياة الدنيا، أما أنا ... ثم وقفت برهة ورفعت عينيها إلى السماء ~~وقالت: أما أنا فقد عشت وقد كفاني حياة بعد الذي وجدته فيك من ضالة حياة كنت أنشدها ألا ~~وهي الغرام الذي أموت به صبية ولكنني أموت غير آسفة، علما بأني أكون حية في ذاكرتك ما ~~بقيت، ثم أنظر إلى هذه السماء والشاطئ والبحيرة والجبال، وأعلم أنها كانت خير أمكنة حياتي ~~في هذه الدنيا، فأقسم لي أنك لا تزال تذكرها وتذكرني معا حتى لا أكون في قلبك وتكون ~~مناظرها في عينيك، إلا شيئا واحدا وأخيرا أنك إذا رجعت يوما فرأيت هذه الطبيعة تذكرني ~~بها كأنني لا أزال حية أمامك ms37 وعاشقة لك ... ثم أمسكت عن الكلام وقد خنقتها العبرة، فبكت وبكيت ~~ساعة لا أذكر منها سوى امتزاج زفراتنا بهدير الأمواج ووقع مدامعنا على صفحة الماء، وعلم ~~الله أني أخط هذه الذكرى وقد مر عليها عشرون سنة وأنا لا أتمالك عن البكا. # أيها الناس، لا يشغلنكم أمر وجداناتكم، ولا تخشون أن يذهب بها الزمان، فإن ذاكرة الإنسان ~~ليس لها اليوم ولا الغد بل الأبد، وعندي أن الذاكرة نوعان: الذاكرة الحسية، وهي التي تذهب ~~بذهاب المحسوس، وذاكرة النفس التي تخلد كخلودها ولا تزول. # ويا أيها العشاق، اطمئنوا فإن الزمان لا قدرة له إلا على ساعاتكم لا على شعائركم. # ولقد حاولت أن أكلمها فلم أستطع، ولكن كانت زفراتي تنطق ودموعي تتكلم عني بأفصح من لساني. ~~ثم نهضنا وعدنا وقد مالت الشمس إلى المغيب فدخلنا المنزل عشاء، ورافقتها إلى غرفتها فجلست ~~معها إلى نصف الليل، ثم قمت لأفسح لها وقتا تنام فيه فشيعتني إلى الباب، فقلت لها: إلى ~~الغد. وانصرفت حزينا كئيبا وأنا أسمعها تقول: هيهات ليس لي غد! ولما كان الفجر نهضت ~~فأيقظتها ورحلنا من غير أن نوقظ أحدا هربا من وداع صديق أو دموع مودع، وما زلنا نتشاكى ~~النوى ونتذاكر سابق أيامنا وغرامنا حتى بلغنا شامبيري وواديها البهيج، فلم نحب أن نبرحها ~~قبل أن نزور منزل جان جاك روسو، ونذكر أحاديث غرامه وحوادث صباه مع دي وارين وما كان له في ~~ذلك المكان من خطرات الحب ولواعج الصبابة والشباب؛ لأننا لم نكن نعتبر المكان إلا الرجل ~~الذي كان فيه أو المرأة التي نزلته، وإلا فما عسى أن تكون فوكلوز لولا بترارك، ولورات لولا ~~الشاعر ليتاس، وسيسيليا لولا تيوكريت، وشامبيري لولا جان جاك روسو إلا أن تكون كلها: # سماء بلا شمس وصوت بلا صدى # وجسم بلا نفس وعود بلا ~~طرب؟ # وعندي أن الرجل لا يحرك الرجل فقط بل يحرك الطبيعة بأسرها إذا وجه أفكاره إليها، وأنه ~~إذا وجد الخلود بعد الموت فإنما يترك الخلود أيضا للمكان الذي كان فيه حتى لا تمحى آثاره ms38 ~~منه ولا يزول ذكره من كل من وقف عليه. # وقد وجدنا في منزل روسو امرأة عجوزا تسكنه، فسمحت لنا بأن نقيم فيه ساعة نذكر فيها ذلك ~~الرجل وبدء حياته ومكان اشتهاره، فنزلنا إلى الحديقة التي كان يطارح فيها معشوقته الغرام، ~~ورأيت أن هذه الذكرى قد أثرت في فؤاد غصن البان كما أثرت في، فجعلت أتبعها حيث تسير حتى ~~وجدتها قد انزوت عني في مكان وغاصت في لج من الأفكار عميق، فتبعتها وقلت لها بلهجة ~~اللائم: بماذا تفكرين وحدك دوني، أترينني أفكر بشيء دونك؟! قالت: إنني كنت أشتهي أن أكون لك ~~دي وارين أخرى شهرا واحدا ولو تكون نهاية حياتي كنهاية حياتها في الهجر والعار وتكون أنت ~~مثل روسو في العقوق والنميمة. # ثم رفعت عينيها إلى السماء كأنها تناجي صورة تلك المخلوقة التي تغبطها، وقالت: رحمها ~~الله، ما كان أسعدها! فقد قدرت أن تبذل نفسها في سبيل من تهواه. فطوقتها بذراعي وعدت بها ~~إلى المنزل وأنا أقول لها: بالله ما هذا الكفران بالنعمة التي نحن فيها؟! فهل ظهر لك بكلمة ~~من كلماتي أو لحظة من لحظاتي أنني أشكو من نقص سعادتي معك؟! أولا ترين في نفسك أنك دي ~~وارين ثانية لي؟ أنا روسو الثاني ولكنك دي وارين صبية عذراء طاهرة نقية عاشقة وأختا معا، ~~باذلة نفسك الشريفة الزاهرة بدلا من النفس الفانية والجمال الزائل الذي بذلته تلك، معطية ~~كل ذلك لأخ ضال مهتد، شاب شارد، فاتحة له عوضا عن أبواب منزلك وحديقتك أبواب حنوك ~~وغرامك، مطهرة له بشعاع جمالك، غاسلة أدران حياته بماء دموعك، ممهدة له سبل الطهارة ~~والمحبة والعفاف بمحاسن كلامك وعظاتك، مظهرة له الدنيا وزخرفها وفضائلها وفخرها وبهاءها في ~~قلب امرأة شريفة جميلة، وهي سعادة لو قفلت دونه أبوابها في هذه الحياة الدنيا لم يكن يجد ~~مثلها إلا في جنان السماء. # ولم أكد أتم كلامي هذا حتى سقطت على كرسي هناك وقد سترت وجهي بيدي، وبقيت على حالتي ~~تلك ساعة لا أعرف مدتها، إلى أن قالت لي: هلم بنا ms39 نعود، فإني أشعر ببرد هنا. فقمت وأعطيت ~~صاحبة البيت ما تيسر وعدنا أدراجنا إلى شامبيري، فقضينا فيها سحابة النهار، ثم سافرت حبيبتي ~~في الغد إلى ليون. # وكان صديقي لويس قد زارني في ذلك اليوم، فعرضت عليه أن يذهب معي فنقضي أياما في بيت أبي ~~على طريق ليون فرضي، ونزلنا فاستأجرنا مركبة صغيرة وسرنا في أثر من أهواها، وكنا عند كل ~~مرحلة ننزل من مركبتنا فنسأل عن صحتها، فنجدها حزينة ذابلة كأن بعدها عن مكان غرامنا قد ~~نزع ما كان فيها من رونق الحياة والشباب، أو كأنها الزهرة تنقل من منبتها لتغرس في مكان ~~آخر فتذبل في الطريق. وكانت كلما قربنا من الموضع الذي سنفترق فيه تزيد حزنا وذبولا، ~~وتظهر آثار ذلك على وجهها بأفصح مما يوحيه كلام أو سطور. # حتى إذا كنا ذات يوم وقد دنونا من ليون دخلت وصاحبي إلى مركبتها، وسألتها أن تغني لنا ~~الصوت الذي غنته ونحن في الزورق، فأخذت في الغناء ولكنها لم تبلغ منه إلى ذكر الفراق حتى ~~انقطع صوتها وخنقتها العبرة فسترت وجهها بيديها وشهقت بالبكاء، ولم تأت على تمام ~~الصوت حتى أغمي عليها، وكنا قد وصلنا إلى ليون فنقلناها إلى فندق هناك وأقمنا نعالجها حتى ~~تعافت، فرحلنا في اليوم التالي إلى ماكون حيث كان لا بد من الفراق فودعناها أمر وداع. ~~وسألت صاحبي أن يذهب فينتظرني في بيت أبي، ووعدته بأني أذهب إليه في الغد، ولكنه لم يكد ~~يغيب عني حتى نسيت الوعد الذي وعدته، ورأيت أنني لا أقدر أن أفارقها وهي في مثل حالها من ~~لوعة الحزن والجوى، فعزمت على أن أتبعها إلى باريز من وراء وراء بحيث لا تشعر بلحاقي ~~وأكون رفيقا لها في سفرها تلافيا لأمر يحدث لها في الطريق؛ لأنني كنت أتصور أنها رحلت ~~وحدها وأصابها مرض أو إغماء وجعلت تناديني وتستغيث بي، فتضيق بها الدنيا ولا أجد صبرا على ~~المقام. # فذهبت إلى سائق مركبتها وأعلمته بما عزمت عليه من لحاقها، وسألته أن يخبرني عن المنازل ~~التي يقف فيها ms40 والفنادق التي ينزلها؛ لكي أقتفي أثرها ولا تراني، فأجابني إلى كل ما سألت. ~~ثم أركبتها في المركبة وسارت بها وأنا في مركبة على آثارها أنظر إليها سائرة أمامي كما ينظر ~~البخيل إلى ماله يؤخذ منه والسعيد إلى سعادته ترحل عنه، ثم أطبق عيني فأتصور جمالها ~~كأنها واقفة لدي حتى أكاد من الوهم أسمع أنفاسها تتردد في صدرها، وأحسب أنها جالسة إلى ~~جانبي في حقيقة لا في خيال، وما أدري الآن كيف كنت صابرا عن مرآها كل هذه الرحلة الشاسعة، ~~وكيف لم أتقدم إليها وأركع على قدميها عاشقا عابدا، وأظهر لها أنني أتبعها وأنني لا أقدر ~~على فراقها، ثم ليكن ما يكون. # وما زلنا سائرين نطوي البلاد، أرى مركبتها أمامي وهي لا تراني حتى جاوزنا مدينة أفالون ~~وقد غامت السماء وسقط الثلج واشتد البرد، فنظرت أمامي فرأيت مركبتها قد وقفت في وسط ذلك ~~الطريق المقفر ونزل سائقها عن مكانه وجعل يصيح وينادي، فأقبلت مسرعا وقد استطار فؤادي ~~رعبا فرأيتها بين يدي خادمتها مغشيا عليها من تأثير البرد والتعب، فصعدت إلى المركبة ~~وأسندت رأسها إلى صدري وجعلت أتأمل فيها تأمل العاشق الخائف وأنا إخال أنني أحس الموت ~~والحياة يتنازعان ذلك الجسم الجميل على صدري. وما زلت أنفخ على جبينها ويديها والخادمة تفرك ~~رجليها وأناملها حتى انتشرت الحرارة في أطرافها فتحركت وتنفست نفسا دلني على قرب إفاقتها ~~فألقيت رأسها على وسادة هناك وخرجت مسرعا كيلا تراني، حتى وقفت وراء مركبتها فسمعتها تقول ~~بصوت ضعيف: حبذا لو كان روفائيل هنا فقد ظننت أنه هو. # فتركتها ورجعت إلى مركبتي، وسارت بنا الخيل عدوا، وأنا أسال في كل موقف عن حالها فيقال ~~لي إنها قد تعافت، حتى صرنا على مقربة من باريز، وقد بلغنا مكانا تنفرج فيه الطريق إلى ~~طريقين، وكلتاهما توصلان إليها، فأخذت في الطريق القريبة لأسبقها وأرى وصولها وأتمتع ~~بجمالها وهي داخلة إلى منزلها، فوصلت إلى المدينة قبل الليل، وانطلقت إلى الفندق الذي كنت ~~أنزل فيه فوضعت أمتعتي في إحدى غرفه، وعدت إلى منزل ms41 حبيبتي - وقد كنت أعرفه من وصفها لي ~~إياه كأنني قضيت فيه حياتي - فوقفت على جسر تلقاءه، وأقمت أنتظر وصولها وأنظر إلى نوافذ ~~المنزل وأنا أرى الأنوار تتردد من وراء زجاجها كأن من فيه يستعد للقاء ضيف عزيز. ثم أبصرت ~~شبحا قد أقبل إلى إحدى النوافذ وأطل ينظر إلى الطريق، فعرفت أنه زوجها أو أبوها ينتظر ~~وصولها كما أنتظره أنا، وشتان ما القلبان في هذا الانتظار! # وبعد أن مضى على وقوفي ساعة وقد خيم الظلام رأيت مركبة قد أقبلت حتى وقفت أمام المنزل، ~~فأسرعت وكمنت بحيث أرى من فيها فرأيتها قد نزلت على أيدي الخدم، وأقبل الشيخ يعانقها كما ~~يعانق الوالد ولده بعد غياب طول، ثم صعدت السلم وتبعها أهل منزلها ومضت المركبة في طريقها ~~وبقيت وحدي، فعدت إلى مكاني من الجسر ووقفت أنظر إلى النوافذ وأنا أرى الخدم يجولون من ~~ورائها مدة طويلة، ثم انطفأت أنوارهم وسكن المنزل بمن فيه، ولم أعد أرى منه إلا نافذة منارة ~~بنور ضعيف، وبعد قليل رأيت خيالها يرسم على زجاج النافذة كأنه غصن البان في طوله واعتداله، ~~ثم أقبلت ففتحته ونظرت إلى النهر مدة، واستقر نظرها في حيث كنت كأنه انجذب بمغناطيس ~~الغرام من غير أن تدري، ثم التفتت فنظرت إلى نجم في الشمال كنا نراه معا ونتواعد على أن ~~تلتقي أبصارنا وأفكارنا فيه إذا افترقنا، وما أشبه هذا المعنى بما قاله الشاعر ~~العربي: # إلى الطائر النسر انظري كل ليلة # فإني إليه بالعشية ~~ناظر # فشعرت أن نظرتها تلك جذوة نار نزلت في صدري، وحرك ما بي من لواعج الغرام اتفاق أفكارنا ~~وأميالنا ونظراتنا، ووجدت أنني قد زدت بها هياما حين رأيتها تنظر إلى ذلك النجم كأنها تقول ~~لي إنها تفكر بي وتوافيني إلى ذلك الموعد الوهمي، فهممت بأن أثب إليها وأركع تحت نافذتها ~~وأناديها باسمها وأعلمها بوقوفي أمامها ولكنها قفلت النافذة وعادت وانطفأ النور على ~~أثرها. وكان نصف الليل قد قرب فدنوت من الباب فقبلته قبلة خاشع عابد كمن يقبل باب هيكل ~~مقدس، ثم ms42 ركعت على عتبته وجعلت أسأل تلك الحجارة والأخشاب والرخام القائم منها المنزل أن ~~تحفظ لي تلك الوديعة الثمينة التي أودعت معها فؤادي وحياتي. # ثم برحت باريز في اليوم التالي من غير أن أرى أحدا من أصحابي الذين أعرفهم فيها وكنت أجد ~~من ذلك سرورا عظيما، وأحمد الله على أنني لم أقابل أحدا سواها في رحلتي حتى تكون زيارتي ~~كلها موقوفة عليها، ومصروفة لها وحدها لا يشاركها فيها أحد. ولكنني قبل رحيلي وضعت لها رقعة ~~في البريد هذا نصها: # لقد تبعتك وكنت حارسا عليك كل الطريق من غير أن تعرفي، ولم أقدر أن أتركك إلا ~~بعد أن رأيتك بين أيدي من يحبونك ويحرصون عليك، ثم لما فتحت النافذة أمس عند منتصف ~~الليل ونظرت إلى النجم كنت واقفا تجاهك أتأملك وأنظر إليك، ولقد كدت أتقدم ~~وأسمعك صوتي لو لم تسرعي بقفل النافذة، أما الآن فأنت تقرئين هذا الأسطر وأنا قد ~~برحت باريز وأصبحت بعيدا عنها وعنك. # وكنت أسير الليل والنهار وأنا في حالة من الارتباك والاضطراب لا أقوى على وصفها جعلتني لا ~~أشعر ببرد ولا جوع ولا تعب حتى وصلت إلى قرية «م»، لا أذكر شيئا مما مر علي، ولا أكاد ~~أتذكر أنني رحلت إلى باريز إلا كمن يتذكر حلما أو كمن هب منتاشا من لج عميق، ~~فوجدت صديقي لويس ينتظرني في البيت الصغير الذي كان مصيف أبي كما تقدم لي منه الوعد، وشعرت ~~من وجوده معي بتعزية وسلوى عن بعض مصابي؛ لأنني كنت أقدر أن أحدثه عمن أحب، وكان يقدر أن ~~يساعدني على ترديد اسمها وذكراها، فأخذنا ننام في غرفة واحدة، ونقطع أكثر ليالينا بحديثها ~~والكلام عنها حتى خلت أنه لا يقل عني حبا لها وإعجابا بمحاسنها وآدابها، ووجدت أنه كان ~~يعتبرها أشبه بمثال الوهم وطيف الخيال، ويرى أنها امرأة فوق طبائع النساء وأعظم مدارك ~~ومقاما من سائر طبقات الناس؛ أي شاعرة عاشقة فاضلة أبدعها الله صورة كاملة تجوز الأرض ~~طائرة لا تمسها بقدميها، ولا تقف على مكان منها إلا ريثما ms43 تدهش الأبصار وتجتذب القلوب وتميل ~~بالنفوس إلى التأمل الدائم والتفكير المستمر والنظر المستطيل، وتكون آخر ما يبلغ إليه مدى ~~التصور ونهاية ما يقف عنده مدى الأفهام والأوهام. # كل ذلك وهو لم يكن يجسر أن يرفع درجة غرامه بمحبوبتي إلى أكثر من درجة إعجابه بها؛ لأن ~~فؤاده كان قد تعلق صغيرا بهوى فتاة يتيمة من عشيرته، وكان جل ما يصبو إليه من دنياه أن ~~يقترن بها ويعيش وإياها في عزلة وانفراد، وكان يمنعه من ذلك ما هما عليه من فقر كانا يخشيان ~~أن يحط من شأن بيتيهما ويكون عارا وذلا على بنيهما حتى عاجلت الفتاة المنية فقصفتها ~~غصنا رطيبا في شرخ صباها على أثر همومها وافتقارها وهي أجمل زهرة رأيتها تذبل وتجف؛ ~~لامتناع بعض أنوار السعادة عنها، وكانت قبل وفاتها قد أثر بها البكاء والسهر من سوء حالها، ~~فذهب بصرها وأصبحت تدور كفيفة تقودها إحدى أخواتها. وأذكر أني قابلتها مرة على تلك الحال، ~~فلما سمعت صوتي اصفر لونها اصفرارا شديدا، وقالت وهي تبكي: لا تؤاخذني إذا بكيت لديك، ~~فقد اعتادت أذني أن تسمع صوتا آخر معك. تريد به صوت حبيبها. وقد شقي كل منهما بصاحبه بين ~~الموت والحياة. # ولقد قضيت شهرين بعيدا عمن كنت أحب خلتهما عامين؛ من ضجري ومرارة صبري. ثم نفد ما معي من ~~المال الذي كان يجريه أبي راتبا علي، قبل أوانه، وأصبحت مضطرا لانتظار الراتب الجديد؛ ~~لأعود به إلى باريز وأقيم فيها بقرب من أهواه ولو قضيت أيامي هناك بالإمساك والصوم، وكنت ~~أرجو أن أحصل بعد أيام على مقدار من المال من راتب أبي وهدايا أمي وإمداد بعض ذوي قرباي، ~~أستعين به على رحلتي والإقامة في الجوار الذي كنت لا أتمنى سواه ولو أعطيت ملك الدنيا ~~جميعا، فجعلت أقطع أيامي بتذكارها والاشتغال بهواها اشتغالا كان بيني وبينها على السواء؛ ~~إذ كنا نصرف أصباح أيامنا في أن يكتب كل منا لصاحبه، فلا يردني كتاب منها حتى يردها ~~مثل ذلك مني مع كل بريد، وفي كل يوم، بحيث كانت ms44 كتبنا وأفكارنا تختلف بيننا مستمرة. # يقابل منها الكتاب الكتاب # ويحمل كل نسيم ~~سلاما # ولم تكن بيننا على ذلك فرقة وابتعاد إلا بعض ساعات من النهار حين لا أكتب لها ولا تكتب ~~لي، إلا أنني لا أسمي ذلك ابتعادا ولا فراقا؛ لأنني كنت لا أستريح من الكتابة إليها إلا ~~للتفكير بها ولا من التفكير بها إلا لقراءة رسائلها ولا من قراءة رسائلها إلا للتأمل في ~~معانيها، فكنت أنشرها على مكتبتي في النهار وأنثرها على سريري في الليل، وأحفظها عن ظهر ~~قلبي في ساعات الفراغ وأنا أكرر منها كل معنى لطيف وأترنم بكل عبارة غرامية صادقة، وأنا ~~أمثل في ذلك صوت صاحبتها ولهجة إلقائها وحركة أعضائها، ثم أجيب نفسي بما كنت أحب أن أجيبها ~~به لو كانت لدي. # وتمادى بي الأمر وأفرط بي هذا الجنون الذي يسمونه الغرام إلى أن صرت أحتسب الخيال حقيقة، ~~ومناجاة الضمير سماعا وعيانا، وأسخط على كل من يقطعني عن تلك الحال من زائر يزورني أو ~~غلام فندق يدعوني للطعام، كأن كل داخل علي يبعدني عنها أو يطردها من أمامي. # وكنت أخرج غالبا إلى النزهة في المروج الخضراء والغابات الكثيفة وشطوط الأنهار المزبدة ~~ومعي من رسائلها قراءة أيام، فأجلس على بعض الصخور وأعيد تلاوتها كأنني لم أقرأها من قبل أو ~~كأنها بناء مزخرف كلما دخلت إليه مرة وجدت فيه شيئا جديدا. وكانت الوجهة التي أقصدها في ~~نزهتي وجهة باريز اعتقادا مني أن كل خطوة فيها كانت تقربني إليها، فأبعد في سيري ولا أدري ~~حتى أمسي وقد قطعت أرضا بعيدة، فأعود على أعقابي كارها وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، وأحسد ~~كل ما يمر بي من الطير لو يكون لي جناحاه أطير بهما إليها، ولسان حالي ينشد: # مرت بنا سحرا طير فقلت لها # طوباك يا ليتني إياك ~~طوباك # وكان أطرب صوت في مسمعي وقع أقدام الموزع أمام حجرتي حين يأتيني برسائلها، حتى إذا ~~أطل علي ورأيت كتابها في يده أشعر أن الأرض قد دارت بي، وأن سحابة قد غشيت عيني ms45 ~~فأتناوله منه بيد راجفة وقلب خافق، ثم أختلي في حجرتي وأوصد بابها كأنني أخشى أن يفاجئني ~~أحد ينزع ذلك الكتاب مني أو يكدر تلك الخلوة علي، فلا أفرغ من قراءة الرسالة إلا وقد محوت ~~أسطرها بدموعي، وأثرت كتابتها في شفتي، ثم أجلس بعد أن يسكن روعي وآخذ في الإجابة عليها ~~ساعات تنخطف بها نفسي إلى عالم الخيال، وأحسب فيها أنني أخاطبها بلسان لا بقلم، فأنسى ~~الدنيا جميعا وأذهل عن لوعة الفراق، ثم أنظر في رسائلي فأجدها مضطربة مرتبكة لا مطلع لها ~~ولا ختام ولا مخلص، ولا نحو فيها ولا صرف ولا بيان، ولا ما يسمى بالترسل وحسن الإنشاء؛ وذلك ~~لأنني كنت أضع فيها شعائر قلبي مجردة عن كل صنعة، وأعرض فيها خواطر لبي عارية عن كل كلفة ~~إلى خواطر لب مثلها لا تكلف بينها ولا تجمل، ولأنني كنت أجد لغة الناس لم يخلق بيانها ~~وفصاحة إنشائها إلا لمخاطبات اللسان، وأنها بكل بلاغتها وإبداعها عاجزة عن بيان خفقة قلب من ~~مغرم وعلامات غير كاملة الدلالة على ما يخامر فؤاد المحب الولهان، بل كنت أشعر أن كل ~~عبارة من فصاحتها تذوب على قلبي كما يذوب الثلج على حرارة النار، فأعدل عنها إلى لغة غرامي ~~وألفاظ صبابتي التي لا يدركها إنسان سواها ولا يكتبها كاتب سواي. ثم كنت أتصور أنه لو انبسط ~~هذا الفلك قرطاسا لدي، وجرى ذلك البحر مدادا على قلمي، وصار إلي أمر الله أن أملأه ~~غراما وشرح وداد ووصف هيام؛ لما وسع بعضا مما كنت أشعر به وأتصور مقداره في نفسي، فكنت ~~أملأ صفحاتي سطورا لا يقف القلم إلا في آخرها وأنا أحسب أنني لم أقل شيئا مما أحب أن ~~أقول، وما عساني أبلغ المستحيل وأحصر ما لا نهاية له بين صفحتي كتاب. # وعلى ذلك لم تكن رسائلي بنات أفكار يفتخر بها، بل بنات قلوب يحن إليها الفؤاد، ويحسن ~~وقعها في القلوب لا في الآذان، وكنت أحاول فيها أن أصور شعائر قلبي كما هي فيخونني ضيق ~~اللغة، وقلة ألفاظها، وقصر ms46 تراكيبها عن الغاية التي يبلغ إليها الفكر، فأصبح وإياها في نزاع ~~شديد كأنني أحاول غصب المعاني منها فلا تعطي مقادا، ولا يتسع بها لفظ يمثل أنات قلبي وما ~~أنا فيه من حالة الوجد والهيام، فأتضايق منها وأشد على القلم في يدي حتى ينكسر رأسه على ~~القرطاس، فيخرج من كسره الصوت الذي يشبه أنة القلب، وكنت أرجوه في مداده لا في انكساره ~~كضارب الآلة لا يزال يشد وترها يبتغي منه النغم العالي حتى ينقطع في يده، فلا يخرج منه ذلك ~~النغم إلا بانقطاعه، ثم أنهض بعد فراغي من الكتابة وأنا أتصبب عرقا كمن يخرج من قتال عنيف، ~~وقد تركت على صفحات تلك الرسائل آثار دموع ذرفتها هي أفصح لغة وأبلغ بيانا من كل ما ~~كتبت. # أما رسائلها إلي فكانت أطلى من رسائلي كلاما وأسمى عبارة، أو كنت أحسبها كذلك؛ إذ ~~كنت إخال منها أنها أقدر مني على بيان الشعائر وجلاء الوجدانات، حتى كنت إخال عند قراءة ~~كتبها أنها ماثلة لدي وأنني أرى خيال جمالها وأسمع رنة صوتها من خلال السطور؛ لأنها لم ~~تكن تستعمل التراكيب الفصحى، ولا تنتقي الألفاظ انتقاء كما تفعل الكتاب، بل كان كلامها ~~سهلا مرسلا لا يمكن أن يأتي به إلا أمثالها من النساء. # وماذا عساني أصف ما كان فيها من حدة المطالع، ورشاقة الألفاظ، ورقة المعاني، وانسجام ~~العبارات، وامتزاج الشوق بالحنو، واتحاد الحب بالنصح كما يمتزج الماء والنار في الحجر ~~الكريم ويتحد السرور والحياء على جبين العاشقة العذراء؟ # | الفصل السادس # حلاوة اللقاء # ومرت بي الأيام على تلك الحال حتى دنا ميعاد رحيلي، واقتربت ساعة سعادتي، فأخذت ما كان لي ~~من المال، ووهبتني أمي آخر خاتم بقي لها، وكنت قد نظمت بعض القصائد والمقطعات في خلواتي، ~~ورجوت أن أجد في باريز من يطبعها لي، وأن تروق في أعين بعض الناس، فكتبت إلى صديق لي هناك ~~كنت أراسله بحديث من أهوى ليعد لي مكانا عنده أنزل فيه، ثم رحلت إلى باريز وأنا أقتصد في ~~نفقات الطريق ما يكون لي ms47 ذخر أيام كنت أحسبها سعادة أعمار هناك حتى وصلتها مساء، فقابلني ~~صديقي فأرسلته إليها يعلمها بقدومي، ويستأذن لي بزيارتها بعد خروج الناس، وأقمت أنتظره في ~~أحد الأندية وقلبي يخفق خفوقا شديدا لقرب اللقاء. # حتى إذا كانت الساعة الحادية عشرة من الليل أقبل إلي، وأخبرني أنها في انتظاري، فسرت ~~وإياه وأنا أكاد أطير سرورا وابتهاجا حتى بلغنا الباب فتركني وانصرف، وكانت ساعة لا أقدر ~~أن أتصورها فكيف أقدر أن أصف حالتي فيها؟ إذ صعدت فوجدت غصن البان واقفة في انتظاري وهي ~~لابسة ثوبا أسود يزيد في بياضها وجمالها، فدهشت لمرآها كما تندهش العين من نور الشمس، ~~وأقبلت مسرعا وأنا محتبس اللسان حتى سقطت على قدميها، وكانت في حالة لا تفرق عن حالتي من ~~الدهشة والسرور، فجعلت أقبل الأرض بين يديها، ثم أشخص إليها ببصري كأنني أريد أن أتثبت ~~موقفي وأنني لست في حلم، فوضعت إحدى يديها على شعري واستندت بالثانية على كتفي، وسقطت راكعة ~~أمامي وجها لوجه، وأقمنا على ذلك مدة نحاول أن نتكلم فلا نقدر أو لا نجد كلاما يفي ببيان ~~ما نحن فيه، وطال بيننا السكوت ولا لغة إلا لغة العيون توحي نظراتها بعضها إلى بعض ما يخالج ~~قلبينا من بهجة المسرة والاغتباط، ولا أدري كم لبثنا على تلك الحال: # أعانقها والدمع بالدمع واشج # نمازجه والخد بالخد ~~ملصق # سوى أن أقول: إنها أبد الدهر في موقف ساعة، حتى استفقنا لخفق أقدام تصعد السلم فنهضنا، ~~واتخذ كل منا مكانا. # ثم دخل علينا رجل من أصدقاء قرينها ساءني قدومه إذ كدر علي سكرة ذلك الغرام، وسرني إذ ~~حماني وإياها من عواقب تلك السكرة التي لا تكاد تقف نفس دونها لولا مثل هذه الموانع، فنهضت ~~وسلمت عليه، وعرفتني به، وكانت قد قرأت له شيئا من شعري فسر منه وأثنى علي، وجلسنا ~~برهة نتحدث، ثم قمت وانصرفت لكيلا ينصرف قبلي ويداخله ريب من انفرادي بها، وخرجت وأنا لا ~~تسعني الدنيا سرورا بحاضري وتصور سرور في مستقبل أيامي بأني سأراها كل يوم بعد ذلك ms48 ~~اللقاء. # وصرت أهيم على وجهي في شوارع باريز، وأفتح صدري للهواء طمعا بأن يطفئ بعض ما بي من حرارة ~~الجوى، حتى انتهيت إلى منزل صديقي وقد بقي هزيع من الليل، فلم أقدر أن أنام إلا وقد بزغت ~~الشمس وتعالى النهار، وجعلت كل يوم أقوم فأكتب لها لأقطع بذلك نهاري إلى المساء، ثم أذهب ~~فأقابلها قرب منتصف الليل وأعود في الغد إلى مثل شأني بالأمس، وأنا في خلال ذلك لا أنفك عن ~~المطالعة والدرس حتى تعلقت بالسياسة وكتبت فيها شيئا قيل لي أن قد كان له حسن الوقع لدى ~~القراء، حتى إذا دنت ساعة اللقاء أذهب فأتراوح أمام منزلها وأنا أعد بلاط الطريق، وألقي بعض ~~الدراهم في صحون الفقراء، وأرجو أن يكون لرنينها صوت يبلغ إلى عرش الله، فيتخذه دعاء مني له ~~ليحفظ لي من أحب ولا يحرمني قربه واجتماعه. # وكان بيني وبينها علامة في أنوار المنزل تنبئني بانصراف الضيوف لأصعد إليها، فلا أبرح ~~أراقب تلك الأنوار حتى تبدو لي منها العلامة التي أنا بانتظارها. # وكانت غصن البان قد عرفتني بأبيها فقابلني أحسن مقابلة، لما قصته عليه من أخبار أيامنا في ~~سافوا، ولما عرفه في قلبينا من طاهر الود والولاء، وما زال يحادثني وأتحبب إليه حتى مال ~~إلي وأحبني وسمح لي أن أصرف ليالي في مجلسه بين ضيوفه وزائريه، فكنت بين أعظم شيئين ~~يحبهما من كان مثلي، وهما: رؤية من أحب جالسة أمامي، وشيخ خليل تحيط به العلماء الأفاضل ~~وخزائن الأسفار، حتى إذا تناصف الليل وانصرف الجميع خلوت بها في تلك القاعة على حديث أرق من ~~الزلال، وشكوى غرام أعذب من السلسبيل، ثم ينقطع الكلام وتنطلق بيننا رسل العيون وتفيض ~~القلوب غراما وصبابة، وتلتقي الشفاه حتى لا يخرج الكلام من بينها إلا صفيرا، وكله كلام ~~متقطع لا سؤال يسبقه ولا جواب عليه، وهو كل يوم يتجدد على مثل الحلاوة التي مر بها كما ~~تقطف الزهرة بعد أختها وكلتاهما من لون وعطر واحد؛ لأننا لم نكن نجني الثمرة بينهما ولا ~~جنيناها قط ms49 إلى أن قضى الله بيننا بقضائه. # وكانت لغة الحب بيننا كثيرة الألفاظ متعددة العلائم والطرائق: من النظرة التي توحي كل شيء ~~إلى إغماض العين الذي يمثل للنفس كل صورة، ومن نشوة الحب إلى ذهوله، ومن التنهد المستطيل ~~إلى الأنة الخفيفة، ومن السكوت المتواصل إلى الكلمات المتقطعة التي يلفظها اللسان مكرها ~~ولا تفهم منها الألباب شيئا، فكنا نقضي ساعات جالسين وجها لوجه نتحدث بحديث لا أذكر منه ~~عبارة سوى أننا كانت تمر بنا الأوقات ونحن لا نحسبها إلا طرفة عين أو رجع نفس حتى تأمرنا ~~دقات الساعة بالافتراق، وقد قضينا وقتا طويلا في تذكار أيامنا السابقة وتعداد الأماكن ~~التي زرناها والأحاديث التي تطارحناها والصخور التي كنا نجلس عليها في وديان سافوا وآكامها، ~~كأننا فتاة انتثر منها عقدها وهي سائرة فعادت مطرقة تلتقط كل حبة من حباته وتحرص على ألا ~~تضيع واحدة منها. # وكانت تشرد بها الأفكار أحيانا في أثناء حديثنا، فتجري دموعها على خديها كالدر انقطع ~~سلكه، وما هو إلا من ظنها أنها تحرمني السعادة التي يصبو إليها كل عاشق ووجدانها نفسها ~~خيالا بين يدي وغصنا له أزهار الحب وليس فيه ثماره، فتقول لي بصوت حزين: كم أتمنى أن أموت ~~الآن وأنا فتاة محبوبة عاشقة؛ لأنني أجد نفسي هبة وحرمانا لك، ولذة وشقاء بين يديك، وهما ~~أشد مرارة الحب وحلاوته يمتزجان في وقت واحد، فاسأل الله أن يجعل حياة هذا الغرام سببا ~~لموتي حتى تخلص من قيود ذله وتكون مطلقا في أن تهوى سواي؛ لأنه أحب إلي أن أموت لهنائك ~~من أن أحيا عثرة في سبيل لذاتك. # فأجيبها وأنا واضع كفي تحت عينيها لأتلقف ما يسقط من دموعها: ألا تجدين في وقفتنا هذه ~~ما يعادل سرور العالم بأسره؟ وألا يكفيني أن تسقط هذه الدمعة من دموعك على يدي كما يسقط ندى ~~السماء على الزهرة الذابلة ثم أرشفها كما يرشف الظمآن ماء حياته؟ وبعد، أفليس أرفع لنا في ~~درجات الغرام أن يذهب كل منا شهيد عفافه حتى تحسدنا أولياء الأرض بل تحسدنا ms50 الملائك في ~~السماء؟ أوليست الشعلة التي نزلت علي من نار غرامك كافية لأن تحرق كل ما بي من العشق ~~الدني وتذروه رمادا؟ فأحسني ظنك بنفسك، واحفظي دموعك لحزن أشرف من الحزن الذي تتوهمينه ~~بي؛ لأنني لا أجد من حبك عذابا على الإطلاق، ولا أجد حياتي معك إلا سعادة مستمرة وسلاما ~~دائما ونوما هادئا لا أحلام فيه سواك، أفتحسبينني بعد ذلك في حرقة وعذاب وأنت قد محوت ~~كل ما كان بي من قبل حتى لم يعد في حاضري أثر من ماضي، وحتى صرت أتمنى أن أجد بعض الحزن ~~والعذاب أقدمه ضحية لله وشكرا على إنعامه بك علي؟ وهبي أن حبي لك مماتا فما أحلاه فناء ~~يعقب حياة خالدة وملكا لا يبلى! # وجرت بنا الأيام على ذلك مدة حتى رحل صديقي وترك لي منزله أقيم فيه كما كنت، ثم أخذت أمي ~~تكاتبني بوجوب أن أجد لي مقاما يليق بشأني أو أن أعود إليها وأقيم في بيت أبي أقاسم من فيه ~~معيشتهم في السراء والضراء، فأثرت بي هذه الأقوال من أمي وعزمت على أن أجد لي مركزا في ~~باريز، فجمعت ما كنت قد نظمته من الشعر وقصدت به أحد أصحاب المطابع، وسألته أن يطبعه لي ثم ~~يأخذ أجرته من ثمن ما سأبيع منه، فأخذ القصائد مني وسألني أن أعود بعد أيام يقرؤها فيها، ~~فذهبت وأنا أعلق آمالي بذلك اليوم الذي أعود فيه إليه حتى انقضت المدة، وذهبت أتقاضاه الوعد ~~فقابلني باسما وقال لي: لقد قرأت شعرك فوجدت فيه بعض الطلاوة، ولكنني لم أجد له نسقا يشبه ~~الشعر القديم، وما أدري أين تعلمت النظم ولا من أوحى إليك هذه الطريقة البكر التي لم يجر ~~عليها شاعر قبلك، وعندي أن من الأولى لك أن تتبع آثار من تقدمك من الشعراء الذين يحبهم ~~الناس ويميل إلى شعرهم المطالعون. ثم رد إلي الكتاب فوضعته تحت ثوبي، وخرجت حزينا ~~كئيبا حتى دخلت منزلي، فأوقدت النار وألقيت تلك الأوراق فيها وأنا أقول: لا خير فيك ما ~~دمت لا تشترين ms51 لي يوما من أيام غرامي، أما المجد وبقاء الذكر فأمر لا يهمني لأن مجدي ~~وبقائي في غرامي. ثم خرجت في المساء فبعت الخاتم الذي كنت قد أخذته من أمي بثلاثين دينارا ~~وأنا آسف على هذه الذخيرة أن تذهب مني، ولا أزال أود إلى الآن أن أسترجعها لو كنت أعرف ~~مقرها بألوف من الدنانير. # وكان الربيع قد أقبل وبرزت حدائق باريز بأثوابها الخضراء حول قصورها، واكتمل البدر يزينها ~~بأنواره كأنها ماء الفضة على تلك الزمردة الخضراء، فعادت غصن البان إلى تعافيها، وأخذ ~~يعاودها رونق الشباب وزهوه كما كان يعاود الأرض في ذلك الفصل، فسألتها أن نخرج للنزهة في ~~ضواحي باريس ورياضها فرضيت واستأذنت أباها فأذن لها، وأخذنا نخرج كل يوم إلى الصحراء في ~~مركبة مقفولة تحجبنا عن أنظار الناس، حتى إذا بلغنا تلك المروج نزلنا وتوغلنا في غاباتها ~~ولسان حالنا ينشد: # ونجوس هاتيك الغياض كأننا # لصان نبغي في الخبا ~~أقصاه # أو صائدان من السماة تبطنا # خمرا أثيثا يقنصان ~~ظباه # هذا وقد فرش الربيع بساطه # في ظل قبته التي ~~تغشاه # هي قبة الأغصان والأوراق قد # حجبت عن النظر الحديد ~~سماه # متسايرين وتارة متخاصرين # أضمه ويضمني ~~زنداه # ثم كنا نسير ونحن نتكلم عن مستقبل أيامنا ويتمنى كل منا أمنية ينالها في تلك الأيام، حتى ~~نعود مساء فأوصلها إلى دارها وأنطلق إلى منزلي فأقيم فيه أنتظر الصباح؛ لأعود معها إلى مثل ~~شأني بالأمس، فنمر على الأشجار والأنهار، ونجلس في ظلال الدوح حيث أحفر أول اسمي على كل ~~شجرة جلست تحتها لكيلا تضيع عني ولا يضيع وسمي من قشورها. # حتى إذا كنا مرة جالسين في حديقة بين الخضرة والزهر وقد سكت كل منا وذهبت به أفكاره كل ~~مذهب نظرت إليها، فرأيت الدمع يجول في عينيها، فقلت لها: من أي شيء تبكين؟ قالت: من ~~السعادة، فإن هذا اليوم وهذه السماء وهذا المنظر وهذا السكون والسكوت والوحدة واختلاط ~~نفسينا حتى لا تحتاج إحداهما إلى الكلام؛ كل هذه أكثر من أن تحملها فتاة مثلي يقتلها السرور ~~كما يقتلها ms52 الحزن. ثم تورد خداها وبرقت عيناها حتى خفت أن يستحسنها الموت على تلك الحال ~~فيأخذها مني، ورأت ما كان بي من الاندهاش، فقالت كمن ينبهني من حلم: يا روفائيل، إن في ~~الدنيا إلها، وإن الله موجود. قلت: وما الذي دعاك إلى هذا الكلام الآن؟ قالت: الحب، فإن ~~الذي أشعر به منه أشبه بنهر يجري في فؤادي وله صوت لطيف تطرب له آذاني بما لم أتعود سماعه ~~قبل اليوم، ولا شك أن المنبع الذي يجري منه مثل هذا النهر فيسر قلوب العاشقين لهو الله ~~يرسله من أعلى سمائه، إذن فالله موجود ومحبته عظيمة فائقة ليست محبتنا إلا نقطة منها، فلا ~~تحسبن أنني أحبك أو تحبني، فإنما نحن نحب الله ولا ندري، ونحسب أن كلا منا يحب ~~أخاه. # فأعجبني كلامها حتى نهضت فقبلت الشجرة التي كنا نستظل بها على اعتبار أن ما قلناه كان ~~وحيا هابطا علينا من خلال أغصانها، ثم اتفقنا فسميناها شجرة العبادة. # | الفصل السابع # دنو الفراق # ومرت بنا الأيام على تلك الحال حتى أثر بي ما كنت فيه من حرارة الوجد وضيق الحال وظهرت ~~آثار السقم على وجهي، فخافت علي وسألتني أن أذهب فأستشفي بهواء وطني ولو كان فراقي حزنا ~~وغما عليها، ثم أرسلت لي طبيبها فرآني وأشار علي بمثل مشورتها، فعزمت على السفر وخرجت ~~وإياها آخر يوم للوداع، فقضيناه في الحدائق والغابات بين حديث متقطع وزفرات متواصلة ودموع ~~منسجمة حتى رجعنا مرجعا لا أقدر أن أصفه، ثم رحلت وأنا ألتفت إلى ورائي كما خرج آدم من ~~جنان النعيم. وسارت بي المركبة أياما حتى وصلت إلى منزل أبي، فقابلتني أمي مسرورة، وأخذت ~~تعالجني وتلطف في خدمتي حتى عاد إلي رونق الصحة وزالت عن وجهي آثار السقام، فرحلت إلى ~~سافوا طمعا بزيادة الاستشفاء فيها، فكنت أزور أمي كل أسبوع فأجد بيتنا في حالة من الحاجة ~~والعوز على أثر إنفاقي تزيد بها همومي وأكداري. # حتى إذا كان أول الشتاء وردني كتاب من غصن البان تشكو فيه من خوفها على صحة أبيها ms53 ، وأنه ~~آخذ في الانحطاط كل يوم عن أمسه وهو ما أوجب طول بقائها في باريز، ثم سألتني أن أذهب إلى ~~حيث كنا في شامبيري وأنتظرها شهرا توافيني في آخره من غير بد، فاستأذنت أمي بالسفر فأعطتني ~~ما كان معها من مال التقتير والاقتصاد، فرحلت ماشيا بهيئة صياد آكل وأنام في أحقر البيوت ~~وأصغر المزارع حتى وصلت بعد أيام إلى شامبيري، وأقمت أنتظر قدوم حبيبتي وأنا أذكر كل يوم ما ~~كان لي معها، وأزور كل مكان زرته وإياها، حتى إذا كنت يوما على شاطئ البحر حيث ركبنا ~~الزورق وجدت نوتيا مقبلا يستوقفني وفي يده كتاب من صديقي فألقاه إلي وانصرف، فوجدته ~~كبير الحجم ثقيل الحمل فعلمت أن فيه كتبا كثيرة، وأن أحدها - ولا شك - يبشرني بقدوم من ~~أهوى فانطلقت مسرعا إلى المنزل الذي استأجرته، فأشعلت المصباح وفضضت غلاف الرسالة فكان أول ~~ما وقع نظري عليه غلافا محاطا بالسواد وعليه خط الطبيب الذي أشار علي بالسفر ومعه عدة ~~أوراق تساقطت من يدي لارتجافها وأنا لا أجسر أن ألتقطها أو أقرأ حرفا منها خوفا أن يكون ~~فيها الخبر الهائل الذي لا يقوى على حمله فؤادي، ولكني تجلدت أخيرا وفضضت كتاب الطبيب وإذا ~~فيه: # كن رجلا، واصبر لحكم الله، ولا تنتظر أحدا؛ لأن التي تنتظرها على الأرض قد ~~سبقتك إلى السماء في صباح الخميس بعد أن كلفتني بأن أرسل إليك آخر كلماتها التي ~~كتبتها بيدها قبل وفاتها إلى أن أوقف الموت يدها بعد تمام اسمك. # ولم أكد أتم الرسالة حتى سقطت مغشيا علي في مكاني، فلم أستفق إلا عند منتصف الليل ~~ورسالة النعي بين يدي، فتركتها وتناولت رسائل غصن البان فإذا هي مخطوطة على هذا النسق، قالت ~~في الرسالة الأولى: # عفوا يا روفائيل، يا حبيب فؤادي، ويا أخي، واغفر لأختك طول غشها لك، أقول ذلك ~~لأنني لم يكن لي أمل بأن أعود فأرى سافوا، ولأنني كنت عالمة بأن أيامي معدودة لا ~~تنفسح لي إلى نيل هذه السعادة. ثم إني يوم قلت لك عند فراقنا ms54 الأخير: إلى الملتقى ~~يا روفائيل. لم تفهم ما أقصد بهذه العبارة، ولم يفهمها إلا الله؛ لأنني كنت أقصد ~~فيها ميعاد اللقاء في السماء حيث أنتظرك وأدعو لك. واعلم أيها الصبي أنني أوصيت ~~طبيبي بأن يخدعك أيضا، وأن يساعدني على رحيلك من باريز؛ لأنني أردت بل رأيت من ~~الواجب علي أن أكفيك شدة هذا الحزن عن قرب؛ إذ خشيت أن يقتطع قطعة من فؤادك أو من ~~حياتك فتقصر أيامك بسببه، وزد على ذلك أنني لم أكن أريد أن تراني أموت بل أن يكون ~~بيني وبينك حجاب من الأيام قبل الموت. آه يا روفائيل! إن الموت بارد جدا، وأنا ~~أشعر به وأراه وأخاف لأجله من نفسي، والأمر لله. لقد كنت أحب أيها الصديق أن أترك ~~في عينيك صورة آثار من جمالي الزائل تذكرني بها بعد موتي، أما الآن فقد قضي الأمر ~~فأقم في مكانك ولا ترحل إلى سافوا ولا تنتظرني في مكان، فإنه لا يمضي علي يومان ~~أو ثلاثة حتى لا يعود لي أثر في هذه الحياة الدنيا سوى روحي خافقة ترفرف على رأسك ~~حيثما كنت. انتهى. # وكان على الرسالة آثار دموع جفت، فجعدت الورقة من تحتها. ومن بعدها رسالة أخرى مؤرخة في ~~اليوم نفسه، وهي كما يأتي: # نصف الليل # إن صلواتك يا روفائيل قد أنزلت على قلبي بردا وسلاما، فقد ذكرت أمس الشجرة التي ~~جلسنا عندها حيث رأيت جلال الله من خلال نفسك، فوجدت بهذه الذكرى تعزية وسلوة، ثم ~~استدعيت كاهنا شيخا فكشفت له دخائل نفسي فعزاني كثيرا، وأظهر لي نعمة الله وفضله ~~وشدة كفران الإنسان لإحسانه عليه، وكيف لا يكون محسنا وقد سمح لي بأن أحبك في هذه ~~الحياة الدنيا ثم أكون ملاكك بعد الموت؟ # ثم يتلوها رسالة أخرى مضطربة الحروف مشوشة الكتابة كأنها مخطوطة في الظلام، تقول فيها ما يأتي: # بعد منتصف الليل # أريد أن أقول لك كلمة بعد يا روفائيل؛ لأنني قد لا أقدر أن أقولها غدا، فإذا ~~مت لا تمت علي حزنا، فإني سأدعو لك الله في ms55 السماء ويكون دعائي مقبولا متى ~~تقربت من عرشه المجيد، وأحب بعدي من تشاء فإن الله سيرسل لك أختا ثانية تكون رفيقة ~~حياتك من بعدي وأكون أنا الشفيعة فيها، فلا تحسب بذلك أنك تسوءني فإن الغيرة ممنوعة ~~في جنان الخلود، وقبيح بي أن أغار من سعادة تنالها، وقد كلفت طبيبي بأن يشرح لك ما ~~لا يقوى قلمي الآن على بيانه، ويؤدي إليك قطعة من شعري فاقبلها منه تذكارا، واسمح ~~لي أن أنام قليلا. # ثم رسالة أخرى لا تكاد تقرأ لاختلال سطورها حاوية هذه العبارات: # أين أنت يا روفائيل، فإني قد شعرت بقوة قدرت بها أن أخرج من سريري، فقلت للمرأة ~~الساهرة علي بأنني أريد الخلوة، ثم تحاملت على نور المصباح أنتقل من كرسي إلى ~~كرسي حتى بلغت إلى المكتبة حيث أكتب لك، ولكنني لا أرى شيئا وكأن عيني لا ~~يحيطهما إلا ظلام فلا تبصران إلا نقطا سوداء على القرطاس، ويلاه! لم أعد أقدر أن ~~أكتب إلا هذه الكلمة. ثم خطت بعدها بحرف كبير في ذيل الرقعة هاتين الكلمتين: الوداع ~~يا روفائيل. # ولما فرغت من هذه القراءة الهائلة سقطت الرسائل من يدي وجلست أشهق بالبكاء، وإذا بي أرى ~~رسالة أخرى مخطوطة بخط أبيها الشيخ فتناولتها وإذا بها ما يأتي: # لقد ماتت من تحب بين يدي بعد أن كتبت لك وداعها الأخير ببضع ساعات، وبوفاتها ~~فقدت ابنتي فكن أنت ابني ما بقي لي من أيام هذه الحياة. أكتب لك الآن وأنا أراها ~~ممددة على سريرها كأنها نائمة والتبسم مطبوع على شفتيها كأنها ماتت وهي تفكر فيك، ~~ولا أذكر أنني رأيت عليها مثل هذا الجمال قبل اليوم، فاعلم أنني أحببتك لأجلها ~~فأحبني أنت كذلك. ا.ه. # أما أنا فلم أكد أصدق أنها ماتت؛ لأنني وجدت من الصعب على طبع الإنسان أن يصدق بهذا ~~الفراق بينه وبين من يحب ولو كان حولي من شواهد موتها كل تلك الرسائل، بل كنت أرى صورتها ~~وتقاطيعها ورنة صوتها وحلاوة ألفاظها وجمال وجهها حاضرة كلها لدي حتى كأنها لم تفارقني، ms56 ~~وحتى كان مماتها حياة وغيابها حضور لدي، ولعل ذلك التصور نعمة من الله يضعها بين الشك ~~واليقين فلا يخلص اليقين إلى القلب إلا بعد برهة كما لا يصل صوت الفأس البعيدة إلى الأذن ~~إلا بعد وقوعها على جذع الشجرة بثوان، وهي مدة كافية لأن تصون القلب من هول تلك الصدمة، ~~فلا يزال صاحبه يتصور وجود من فقد كما تتصور العين قرص الشمس بعد مغيبها إذا طال تحديقها ~~فيها، وكأن الله أشفق علي من وقع هذا الخطب على فؤادي فزاد ذاكرتي تصورا لها حتى صرت ~~أحسبها حاضرة ولا أصدق أنها ماتت وأنني لم أعد أراها. # ولم أزل كذلك حتى انطفأ المصباح بين يدي، فاحتملت تلك الرسائل وأنا أقبلها، ثم أخذت ~~بندقيتي ووثبت من الغرفة وهمت على وجهي بين تلك الجبال تحت ظلام الليل الدامس وعصف الرياح ~~الشديدة والهدير المتواصل من أمواج البحيرة التي كانت مهد غرامنا ومنشأ صبوتنا وحافظ ~~تذكارنا، وأنا في كل ساعة يخال لي أنني أسمعها تناديني باسمي فأقف وألتفت، ثم أضحك على ~~نفسي وأنصرف وشر البلية ما يضحك، ولو لم يدركني أحد أصدقائي ويرجعني من بين تلك الصخور ~~لبقيت هائما على وجهي إلى ما شاء الله. # وقد مر علي من تاريخ هذه الحادثة إلى الآن عشر سنين وأنا لا أزال أذكرها كأنها بنت ~~أمسها، ولا تكاد تمر بي سنة حتى أزور تلك الأماكن وأقف على شاطئ تلك البحيرة، وأذكر ما كان ~~لي فيها من مواقف صبابة وغرام تعيد لي ماضي حياتي ممزوجا بماضي حياتها فأحسب أنها لا تزال ~~حية لأن حياتنا كانت واحدة، فلا تنصرف أفكاري إليها حتى أصادفها كما كانت، وكذلك التذكار ~~عمر ثان. # أتت من بني الدنيا التي خير ما بها # يكون له الحظ التعيس ~~المعجل # بدت وردة فيها فكانت كوردة # تفتح في رأد الضحى ثم ~~تذبل # | ترجمة لامارتين # هو الشاعر الفرنسوي الخطيب والسياسي الكاتب البليغ، مؤلف هذه الرواية من بين ما ألف من ~~بدائع الأسفار ونفائس الآثار، ولسنا الآن نتعمد ترجمة حياته بأسرها فإنها طويلة ms57 المجال ~~واسعة الأطراف، تقتضي تاريخا لكل صفة من أوصاف هذا الرجل الشهير الذي يقسم إلى عدة رجال ~~في عدة فنون، يستلزم كل رجل منها ترجمة مستقلة بين السياسة والشعر والخطابة والتأليف، ~~ولكننا نذكر عنه لمعة من تاريخه نحيط فيها بجميع هذه الأوصاف أو نصف بها كل أولئك الرجال في ~~ذلك الرجل على طريق الإيجاز والاختصار بقدر ما يحتمله هذا الكتاب وما تكون فيه الكفاية ~~لفائدة القراء. # ولد لامارتين عام 1790 في مدينة ماكون من أبوين شريفين، وربي على يد أمه بعيدا عن ~~باريز وما كان ينتابها من نيران الثورات والفتن، ثم دخل مدرسة الرهبان فتعلم فيها، وطاف ~~إيطاليا بعد ذلك حيث جرت له عدة حوادث غرامية نشر بعضها في قصائده وبعضها في قصصه مثل هذه ~~القصة وسواها من سائر رواياته وأشعاره، واشتهر في النظم شهرة عظيمة، وانفرد منه بأسلوب ~~جديد لم يسبقه إليه أحد، ولم ينسج قبله شاعر على منواله، ولا سيما في تعظيم الصغير، ووصف ~~الحقير، وتجسيم الخيال، واستخراج الموجود من العدم حتى سمي شاعر اللاشيء أو شاعر الوهم ~~والخيال. # وساعده الغرام الذي علق به والأماكن التي زارها والمعشوقات التي هويها على الإجادة في ~~هذا الفن الغرامي من المنظوم، فكانت تخرج قصائده أشبه برنة العود المحزنة أو همهمة النسيم ~~اللطيف أو أنة العاشق الولهان، كما وصفه كثير من مدوني ترجمته ومعاصريه العارفين برقة ~~أخلاقه وإبداعه في المنظوم والمنثور. وتتابعت قصائده على فرنسا بأرق من نسيم الصبا وأطيب من ~~عرف الكبا حتى جعلت له شهرة واسعة في الأدب ومهدت له سبل الوظائف والسياسة، فأرسل ~~مستخدما إلى سفارة فرنسا في نابولي، ثم أرسل في سفارة إلى فلورانسا، وكان جميل الصورة حلو ~~الحديث، فأحبته إنكليزية غنية فتزوجها ومات عمه في أثناء ذلك فأصبح غنيا من إرثه وزواجه. ~~وكان قد نظم عن إيطاليا عدة قصائد هجائية أوجبت له مبارزة مع أحد قوادها، فجرح في ذلك ~~البراز. # والذي يؤخذ عليه في سكناه إيطاليا أنه صرف أيامه فيها على الصبابة ونظم الغزل، وكان ~~الأولى به ms58 أن يفحص أحوال البلاد وسكانها وشئونها، ولو فعل ذلك لكان للثورة التي نشأت عام ~~1848 فائدة على فرنسا لا تنكر، ولكان لإيطاليا أسرة مالكة إلى الآن. # ثم عاد إلى باريز وأدخل في جمعية علمائها، وعلى أثر ذلك أرسله الملك شارل العاشر سفيرا ~~مفوضا إلى أثينا قبل حدوث الثورة في فرنسا، فأقام فيها مدة ثم عاد إلى باريز، واشتغل ~~بالسياسة، وترشح للنيابة عن الشعب فلم ينجح، فاستأجر سفينة في 20 آذار سنة 1832 وسافر مع ~~امرأته وابنة له يطوفون البحار حتى بلغوا إلى سورية فطافوها، وذهب فزار مدرسة عين طورة وحفر ~~اسمه على سنديانة فيها ولا يزال محفورا إلى اليوم، ثم توفيت ابنته بعد ذلك في بيروت فحزن ~~عليها حزنا شديدا، وأمر فحنطت ووضعت في تابوت وأخذها معه في المركب وسار بها مع ~~امرأته إلى إتمام سياحتهما، فطافا جانبا من بلاد اليونان والمملكة العثمانية. وفيما هو في ~~سياحته ورده الخبر بانتخابه في باريس، فعاد إليها ودخل إلى المجلس، وتكلم لأول مرة بين نواب ~~فرنسا بكلامه البديع الرنان الذي خلب به عقول السامعين، وكان ذلك عام 1834. # ثم ظهرت المسألة الشرقية، فأظهر الرجل فيها أنه لم يستفد من سكنى الشرق شيئا ولا اختبر ~~من أحواله حالا؛ لأنه قال أثناء الجدال في المجلس على هذا الشأن إن من رأيه تقسيم المملكة ~~العثمانية وإقامة عشرين مدينة فيها، وجعل النصرانية تسود على أهل جميع الشعوب في آسيا، وإنه ~~يضمن ألا يمر على هذه الأمم الجديدة عشرون سنة حتى ترقى في معراج التقدم والنجاح. # ثم انتخب بعد ذلك في الانتخابات العامة نائبا عن مدينة ماكون، فأعجب كثيرون بشعره ~~وفصاحته حتى تألف حوله حزب من المعجبين به سموا أنفسهم الحزب الاشتراكي، ثم ألف كتاب ~~«الثورة الأولى» وامتدح رجالها امتداحا غريبا جعل في البلاد ثورة جديدة، وحرك في القلوب ~~أميالا إلى الحرية ومعاودة الحكومة الجمهورية وتمام الاستقلال، بما كان قد أوتيه من أنواع ~~البلاغة وأساليب الإجادة في الإنشاء، حتى ثار الشعب بعد ذلك بسنة يطلب الجمهورية ويريد خلع ~~الملك ms59 القاصر وإبطال الوصاية على الملك، وذهب ألوفا إلى المجلس وأمامه الوصية والملك ~~الصغير. # فوقف لامارتين على المنبر وأخذ في يده أمر هذين الحزبين، يرى من جهة امرأة وولدا قاصرا ~~يريدان الملك، ومن جهة ثانية شعبا بأسره يريد الجمهورية والاستقلال، فتكلم في بدء حديثه ~~كلاما لا فائدة منه ولا ميل فيه إلى جانب دون جانب، حتى رأى أن الشعب أولى بالاتباع وأحق ~~بالرعاية، فنطق مع الشعب ومال إليه وصرح عن حقه في مطالبه، ونشأت هنالك الثورة، وخرج الخطيب ~~وحزبه يدوسون أجساد القتلى في شوارع باريس حتى رأى الشعب مقبلا من كل مكان كالبحر الهائج ~~وهو يطلب بصياح أن يقيم الجمهورية ويبدل الراية المثلثة الألوان بالراية الحمراء، فوقف ~~لامارتين فيهم خطيبا وقال في جملة كلامه: «إن الراية الحمراء التي تطلبونها لم يكن لها من ~~الفخر إلا أنها طافت شوارع باريس مغموسة في دماء الفرنسويين السائلة على السيوف الفرنسوية، ~~وأما الراية المثلثة فهي التي طافت أرجاء العالم كله يصحبها مجد النصر والحرية والوطن»، ~~فكسروا الراية الحمراء عند ذلك، وعادوا على أعقابهم طائعين بعبارة من كلام هذا الخطيب ~~العظيم الذي أصبح محبوبا من الشعب، مطاعا في القول نافذ الكلمة في كل مكان بين خاصة الناس ~~وعامتهم. # وفي اليوم الثاني من إلقاء هذا الخطاب الذي رد به شعب باريس، وكسر تحت عوامل حدته ~~الراية الحمراء؛ قام في مجلس النواب يطلب إلغاء الحكم بالموت في المسائل السياسية، فكان ~~لطلبه وقع عظيم حتى لو تمثلت الأمة رجلا فردا لعانقت هذا الرجل العظيم عناق المسرور من ~~أعماله؛ لأنها كلها كانت تميل إلى منع هذا الإعدام الذي خضبت به الثورة ساحات باريس بدماء ~~الفرنسويين تحت الصوارم الفرنسوية. # ثم تولى لامارتين عدا عن وظيفته في الحكومة المؤقتة وزارة الخارجية، وأرسل لرجال السياسة ~~منشورا رن صداه في كل قلب وطربت لفصاحته كل أذن، حتى كان كأنه يلعب بالقلوب الفرنسوية في ~~كلامه، وحتى لو طلب صاحبه تاج فرنسا في ذلك الحين لما تأخر الشعب عن إعطائه إياه لشدة ولوعه ~~وإعجابه به. ثم ms60 رسم للحكومة الفرنسوية الخطة التي يجب أن تسير عليها مع أوروبا إثر ثورتها ~~عام 1848، كان من محصلها انتظار إنكلترا، والسعي مع بروسيا، وملاحظة الروسية، وتسكين ~~بولونيا، وتمليق ألمانيا، واجتناب أوستريا، والتبسم لإيطاليا، وتطمين تركيا، وترك إسبانيا ~~لنفسها. # وما أشبه لامارتين في كلامه هنا عن الدول بكلامه عن معشوقاته، حتى كأنه يغازل السياسة كما ~~يغازل الفتاة الحسناء ويعتبر الدول اعتبار النساء الحسان، ومع ذلك فقد أثر كلامه في الشعب ~~وإن كان بعيدا عن السياسة؛ لأنه قد أخذ بمجامع القلوب بمحاسن كلامه، فانقاد له الشعب ~~انقياد الأعمى كما هو شأنهم في اتباع كل لسان فصيح. # وعاد في أواخر حياته إلى ممارسة الإنشاء وهو الميل الغريزي فيه، فكتب تاريخ الثورة ~~الأخيرة، فلم يحسن فيه كل الإحسان، ثم أصدر جريدته التي سماها «ناصح الشعب»، ثم عاد بعد ذلك ~~يكر الطرف على ماضي حياته ويدون ما مر له من حوادث الغرام ومواقع الصبابة والغزل، فكتب ~~أشعاره الغرامية ثم دون بعض القصص وأردفها بتاريخ روسيا والقيصر وغيرها، وكلها كانت ~~تتابع بسرعة زائدة كأنها تمطر من شق قلمه سيولا منهمرة، وكان أشد تأثيره على الشعب في ~~رواياته وقصصه ولا سيما على النساء مثل قصة كراتسيلا، وهي رواية لطيفة رواها عن نفسه حين ~~عشق فتاة بهذا الاسم في إيطاليا كان أبوها صيادا، وجرى له معها حديث طويل استفرغ فيه كل ما ~~يكنه فؤاد فتى من شعائر المحبة والغرام. # ثم أردفها برواية «روفائيل» وهي التي سميناها «غصن البان»، وقد أجاد في أثنائها إجادة ~~تشهد له برقة الشعائر وطول الباع في أساليب الإنشاء وصبابة الفؤاد بما يكاد يسيل معه المعنى ~~زلالا، وتبصر عيون الألباب منه سحرا في البيان حلالا، مثل قوله في أثناء الرواية يصف ~~مجلسا له وإياها: «فاتكأت غصن البان إلى جانب من الزورق ... ثم اتكأت على شبكة هناك وأنا ~~طافح القلب ممتنع الكلام شاخص البصر إليها، وما عسانا نحتاج إلى خطاب ونحن نرى الشمس ~~والمساء والجبال والهواء والماء والمجاذيف واهتزاز الزورق وزبد آثاره، ونظراتنا وسكوتنا ~~وأنفسنا ونفوسنا قد ms61 اجتمعت كلها تتكلم عنا بل كنا كأننا نخشى أن تبدو منا كلمة تكدر صفاء ~~ذلك السكون السار؟ حتى لقد حسبنا أننا سابحون من زرقة البحيرة إلى زرقة السماء؛ لاشتغال ~~أبصارنا عن الشاطئ المقبلين عليه»، ثم قوله يصف الحب بعد ذلك: «ووجدت أن الحب شعلة نار ~~أنارت لي الطبيعة والعالم ونفسي والسماء، فلاح لي عند ذلك عبث الدنيا وباطلها حين رأيتها ~~تصغر في عيني لدى شعلة من تلك الحياة الحقة، فكنت أحمر خجلا من نفسي إذ ألتفت إلى ما ~~مر من حياتي وأقابله بما أراه من الطهارة والعفاف في تلك الفتاة، حتى كأنني دخلت منها في ~~بحر من الجمال والرقة والصيانة والآداب والغرام كان يتسع أمامي وينفسح في عيني كلما نظرت ~~إليها وسمعت صوتها وحادثتها، وطالما كنت أركع لديها وأنا أعفر خدي بالثرى كأنني في أشد ~~العبادة والنسك، بل طالما كنت ألتمس منها كمن يلتمس من إله أن تغسل نفسي بدمعة من دموعها، ~~وتطهرني بشعلة من نارها، وتنفخ في نسمة من أنفاسها حتى لا يعود بي شيء مني سوى تلك القطرة ~~التي اغتسلت بها والشعلة التي طهرتني والنسمة التي أحيتني، وحتى أستحيل إليها وتستحيل إليه، ~~بحيث لو دعانا الله في يوم موقفه لا يقدر أن يميز بين نفسين قد مزجتهما آية الحب فصارتا ~~نفسا واحدة، وأستغفر الله! فيا أيها القارئ، إذا كان لك أخ أو ابن أو صديق لم يعرف ~~الفضيلة بعد، فاسأل له الله حبا مثل هذا الحب؛ لأنه متى عشق بلغ إلى درجة من الكمال ~~تعادل ما في قلبه من ذلك الغرام.» # وهو وصف للحب لا يمكن أن يشعر به واصف ولا أن يصفه شاعر بأبلغ من هذا البيان الذي كأنه ~~يصور الغرام بمداد من دماء القلب، ولا يكاد يشعر العاشق بأعظم منه. # ومن عقيدته في الحب قوله يصف مجلسا له أيضا ثم يمازج فيه بين الديانة والعشق وهو: «حتى ~~إذا كنا مرة جالسين في حديقة ... نظرت إليها فرأيت الدمع يجول في عينيها فقلت لها: من أي شيء ~~تبكين؟ ms62 قالت: من السعادة ، فإن هذا اليوم وهذه السماء وهذا المنظر وهذا السكون والسكوت ~~والوحدة واختلاط نفسينا حتى لا تحتاج إحداهما إلى الكلام، كل هذه أكثر من أن تحملها فتاة ~~مثلي يقتلها السرور كما يقتلها الحزن. ثم تورد خداها وبرقت عيناها حتى خفت أن يستحسنها ~~الموت على تلك الحال فيأخذها مني، ورأت ما كان بي من الاندهاش فقالت كمن ينبهني من حلم: يا ~~روفائيل، إن في الدنيا إلها، وإن الله موجود. قلت: وما الذي دعاك إلى هذا الكلام الآن؟ ~~قالت: الحب، فإن الذي أشعر به منه أشبه بنهر يجري في فؤادي وله صوت لطيف تطرب له آذاني بما ~~لم أتعود سماعه قبل اليوم، ولا شك أن المنبع الذي يجري منه مثل هذا النهر ... هو الله يرسله ~~من أعلى سمائه، إذن فالله موجود ومحبته عظيمة فائقة ليست محبتنا إلا نقطة منها، فلا تحسبن ~~أنني أحبك أو تحبني فإنما نحن نحب الله ولا ندري ونحسب أن كلا منا يحب أخاه.» # ومن تفقد سائر روايات لامارتين وتتبع مواقع كلامه فيها وطالع ما له من النظم البديع في ~~هذه المعاني، وفي جملتها كتاب له شعري نزع فيه إلى فلسفة الغزل وحقيقة الغرام سماه «سقطة ~~ملاك»؛ يجد أن الرجل خيالي محض، ولكنه زاد في الخيال حتى جعله حقيقة وأبدع في وصف الوهم حتى ~~صوره مثالا تكاد تبصره العين، وتلاعب بالقلوب والأفكار تلاعبا خيل معه لأبناء عصره أن ~~القلوب واقفة على قلمه وأن النفوس سائلة على أثر ما يسيل من مداده، ولا يزال رجال العلم في ~~فرنسا يعجبون كيف تولى على أعمال السياسة الصارمة رجل مثل هذا صناعته الرقة ودأبه الصبابة ~~والأغزال؟! # ذلك هو الرجل من حيث قلمه وسياسته، أما من حيث إنه رجل فقد كان طويل القامة، حلو العينين، ~~جميل الصورة، طلق اللسان، حاضر البديهة، رقيق الفؤاد جدا، يتأثر لأقل مصاب ويبكي لتعاسة ~~كل إنسان، وقد نظم في غصن البان حين ذهب ليراها على البحيرة فعاقتها المنية دون لقائه كما ~~هو مبين في آخر القصة مرثية ms63 مفجعة استبكى بها كل ذي فؤاد رقيق في فرنسا وغيرها من عارفي ذلك ~~اللسان، وقد صنعوا لها لحنا حين ظهورها في مكان يوجد فيها آلة موسيقية إلا ضربت هذا اللحن ~~ولا أجادته موسيقى حق إجادته إلا أبكت به من حضر، قال في مطلعها: # أكذا تمر بنا أويقات الصفا # وتقودنا كرها إلى ظلم ~~الردى # ونخوض في بحر الحياة بسرعة # من غير أن نرسو به فيمن ~~رسا؟! # ومنها يشير إلى الليلة التي عاد بها مع حبيبته إثر غرقها، وغنت له في الزورق ذلك الغناء ~~الذي مر ذكره: # هل تذكرين بحيرة الوادي لنا # ليلا تقضى بالسرور ~~وبالهنا # ثم وصف الحالة وصفا بلغ به منتهى الإبداع بما يضاف إليه من متانة القوافي وحسن ~~النظام. # وكانت وفاته إلى رحمة الله عام 1869 بعد أن ترك من حسن المآثر ونفيس الرسائل والكتب ما ~~يوجب له الأسف، ويستدر عليه الرحمة من كل لسان. ms64