######OpenITI# #META# URI: 1316NajibHaddad.MalikatQulub.Hindawi30709294 #META# Tags: novels #META# ID: 30709294 #META# Title: ملكة القلوب #META# AuthorID: 25707097 #META# Author: نجيب الحداد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # | ملكة القلوب # | ملكة القلوب # تأليف # نجيب الحداد # | الفصل الأول # يعلم أهل مدينة القاهرة، والذين قدموا إليها متفرجين من الأجانب وغيرهم من عهد قريب أن ~~في قسم الأزبكية فندقا شهيرا بالفندق الشرقي مكتوب عنوانه بالفرنسية (أوتيل أورينتال)، ~~فوق واجهته هدى للقاصدين. # كان في إحدى غرف الفندق قريبا من بابه الجنوبي رجل يناهز عمره الستين، جميل الهيئة، ~~عريض المنكبين، مرتفع القامة، ممتلئ البدن، قوي الجسم، طلق الوجه، لين العريكة، مولع ~~بالمزاح والمجون، واسمه «همام». كان جالسا على مقعد من القطيفة الحمراء، لابسا أوسمة ~~الجهادية، فإنه سبق فقضى السنين الطويلة في هذه الخدمة الافتخارية، ونال المراتب السامية ~~والدرجات الرفيعة فيها. # وكان في وسط الحجرة مائدة معدة لجلوس أربعة أشخاص، وعلى بابها غلام قائم في ~~الخدمة، وللحجرة شباك جنوبي فوق باب الفندق مطل على حديقة الأزبكية وموقف العربات، ~~وعليه واقف فتى لم يتجاوز السابعة والعشرين، جميل الصورة، صبوح الطلعة، نظيف الثياب، لبق، ~~جلس متكئا على مسند الشباك، ينظر إلى الخارج بتمعن واهتمام ... واسم الفتى ~~«فؤاد». # فبعد أن فرغ همام من كلامه مع الخادم نادى فؤادا، فلم يسمع نداءه؛ لاشتغاله بأمر ذي ~~بال، فكرر همام النداء، ثم تقدم إليه ينبهه، وأمسك بطرف ثوبه قائلا: ما بالك لا ~~تجاوبني؟ أناديك فلا تسمعني حتى كأني أصرخ في جماد، فقد بح صوتي من النداء ... أخبرني ~~ماذا تنظر؟ وأي شيء يشغل ms001 فكرك؟ # قال: أنظر إلى امرأة أرى منها أمورا غريبة لو يهمك ذلك. # قال همام: وأي شيء لا يهمني من حديث النساء؟ ألعلك رأيتني في زمرة المتقاعدين، فظننت أني ~~أعرضت عن زهرات الدنيا، أو زعمت أني عاجز عن القيام بخدمة أهل الجمال. أين غادتك الهيفاء؟ ~~أرنيها. # قال ذلك وتقدم إلى النافذة، فأشار فؤاد بيده إلى امرأة جالسة على رصيف عند موقف العربات ~~بثياب رثة، تلوح على هيئتها أمارات الحزن والضعف والكبر، فلما رآها همام رجع إلى الوراء ~~مستعينا بالله من سحنتها، وقال لصاحبه: أنت تسخر بي، أهذه المرأة الدميمة شغفتك؟! فكأنها ~~من بقايا ثمود وعاد، أو أنت تخفي الحقيقة عني؟! # قال فؤاد: وحق معزتك عندي إني ما نظرت إلا إلى المرأة التي رأيتها، ولم يشغفني هواها، ~~إنما نبهني إليها اضطرابها وعلامات الغم الظاهر على وجهها، فتيقنت أن لها شأنا من ~~الشئون غريبا. # قال همام: ظننتك تتصابى شغفا في غادة هيفاء، مشرقة الوجه، لينة المعاطف، فأوليتك عذرا، ~~ولم ألمك مع علمي بأنك راغب في الزواج، فلا يغفر لك عملك ... فشفيعك عند لائمك وعذولك تجرد ~~خطيبتك من الجمال، فإنها ليست فريدة في عصرها حسنا وظرفا، ولا وحيدة في دهرها أدبا ~~ولطفا، فلا عجب إن صبوت إلى حسناء، والله ما أراك باشتغالك في المرأة التي أمامك إلا ~~باردا صقيعا. # ولما قال همام هذا، أعرض عن فؤاد، وإذا بعربة وقفت أمام باب الفندق تحت شباك الحجرة، ~~فقال فؤاد: إن لم يخطئ ظني فهذا غانم مع ابنه سعيد. # فضحك همام وقال لصاحبه: إنك تجهل ولا شك أمر غانم وبخله الموصوف. فوالله إنه ليطوفن مصر ~~جريا على قدميه، فلا يركب عربة أو حمارا، أما لو رأيته راكبا يوما فاعلم أنه مدعو وأن ~~الذين معه هم الذين يدفعون الأجرة عنه. # ثم إنه تقدم وفؤاد لينظرا جلية الأمر، فأبصرا المرأة المحكي عنها قادمة حتى وقفت أمام ~~باب الفندق متفرسة جيدا وجوه الذين في العربة، فخرج منها أربعة أشخاص كانوا من نزلاء ~~الفندق، فلما لم تجد بينهم مطلوبها ارتدت على ms002 عقبها، واشتدت علامات الغم والحزن على ~~وجهها كمن هو في درجة اليأس الرائع. # فقال فؤاد: إن أمر هذه المرأة لغريب، فهذه هي المرة الخامسة أراقبها، فأراها كلما ~~أقبلت عربة دنت من باب الفندق ثم ترجع، فما أعلم أي شيء يحركني لمعرفة سرها ~~والاهتمام بأمرها. # قال همام: لأعظم من استغرابك أمرها، استغرابي تعبك واشتغالك بالسفاسف، فكأن شباب هذا ~~العصر اتفقوا على حب العجائز، أو زعموا أن ذلك من علامات التمدن، فوالله إني غير ~~هذا المشرب لا أميل إلا إلى الغيد الحسان وكل كاعب زهراء. # قال فؤاد: لم يشغفني منظر المرأة، وإنما أدركت أن لها نبأ غريبا فأحببت أن أستقصيه، ~~وقد يتفق أن تكون المرأة تعيسة ومسكينة شابة وعجوزة؛ إذ ليس لنزول البؤس وقت محدود، ولم ~~أنظر إلى هذه المرأة نظرة شهوة وهي نصف شوهاء. وجدت في حالها ما يوجب الأسف عليها ~~والرأفة بها؛ فراقبتها لأعلم النهاية. # قال همام: إنما يشغف الناس ويهتمون للجمال أن تصيب أهله مصيبة، ولا يهتمون بمن مضى زمنه، ~~وذوى غصنه، وأفل نجم سعوده. # قال فؤاد: إن كان لا يعجبك إلا الظواهر، وليس في قلبك محل للرقة والحنان، فلا عجب أن ~~تنفر من رؤية هذه المسكينة، وتعد كبر سنها ذنبا كبيرا لا يغتفر. # قال همام: أما ترى أن من طعن في السن هو أولى بعناية الله لا البشر؟ # ثم إن همام انصرف بوجهه عن صاحبه لحظة، وأخرج من جيبه ساعة، ونظر فيها ثم قال: مضى ~~الوقت المعين لأكل الطعام، وصاحبنا غانم غاب مع ابنه لم يحضرا، فوالله إني ما أكره شيئا ~~كرهي الانتظار، وما أرى الرجل أقل أدبا مثل أن يخلف ميعاد أكله مع صحبه وخلانه. # قال فؤاد: إن حضرا فأهلا وسهلا، وإن غابا فتوفير ولا أسف. # قال همام: ما أراك إلا مبغضا لغانم وأهله، رغما عن إرشادات والدتك ومواعظها ونصيحتها لك ~~بمجاملة أهل هذا الرجل وتبجيله واحترامه كما يجب، فمن اللازم أن أكلمك قليلا في هذا ~~الصدد، فاقفل هذه النافذة، واجلس على كرسي في جانبي، فقد صعقتني ms003 ضجة الطريق، ومشاهدة سحنة ~~صاحبتك العجوز قتلتني، وإن رؤيتها لتقطع الرزق وما في ذلك شك. # ولما جلس فؤاد قال له خاله: قد بلغت يا فؤاد السابعة والعشرين من العمر، لك إيراد بالغ ~~خمسة آلاف فرنك في السنة تقريبا، وهو مبلغ طفيف قليل، لا يمكنك من المعيشة بين أقرانك ~~بالراحة والانبساط، وكثيرا ما خاطبتك والدتك بشأن زواجك بالسيدة سعدى بنت صاحبنا غانم ~~التاجر الغني المشهور فامتنعت وعاندت. ففي أي زمن تتزوج إن تخلفت عن التأهل في زمن الشباب؟ ~~وماذا يجول في رأسك من الخواطر حتى امتنعت؟ أخبرني عن السبب ولا تغالط. # قال فؤاد: تسألني عن سبب امتناعي فأجاوبك أولا أن السيدة سعدى في غاية الدمامة ~~والقبح، وليست على شيء من الحسن. # قال همام: قد ضللت، ولك علي البرهان بأن الدمامة في المرأة من السجايا الحميدة. # قال فؤاد مستتبعا، كأنه لم يسمع خطاب خاله: ثانيا أنها غير نبيهة. # قال همام: وهذه صفة ثانية مطلوبة في النساء. # قال فؤاد: وبالتفرس فيها نراها متصنعة، قليلة الذوق، عديمة الإحساس. # قال همام: كل هذه أوصاف سنية في النساء، تفوق الذهب والفضة قدرا وقيمة. # قال فؤاد: وكأنما هي صنم من أصنام الجاهلية، لا يؤثر عليها كلام، ولا يظهر في وجهها ~~كدر ولا شيء من الترح والفرح، خلقها الله لحما على عظم، مجردة من مميزات نوعنا الإنساني عن ~~غيره. # فأجاب همام مسترسلا في رده قائلا: ~~والله يا فؤاد إنك لجاهل بالنساء، فلا تعي من أحوالهن شيئا، ولا لوم عليك إذ لم يتثقف ~~بعد ذهنك ولبك لتميز بين السخيف والحسن، ولم يفدك شيئا ذكاء والدتك وما قام فيها من ~~صفات الحزم وسمو المدارك وإصابة الحدس، فخذ الخبر الصحيح مني عن أمور النساء، فإني عارف ~~بأطوارهن، عالم بأسرارهن وسرائرهن، وسأبسط لك القول بالكفاية لتنجلي لك الحقائق، ~~فتميز بين الغث والسمين، وتعلم ما يحمد وما يذم من خصالهن، وما هو جوهري لازم ~~نافع، وما كان بعكس ذلك عرضا لا عبرة به تغني الحال عنه، وهذه نصيحتي إليك: إن رغبت في ~~خليلة ms004 تلهو بها لأجل مسمى من الزمان فاطلب الجميلة ذات الظرف والدلال والذوق اللطيف ~~والمحاسن والعقل، وإن رغبت فيها خليلة شرعية تتزوجها على سنة الله ورسوله، فأنت في غنى ~~عن كل ذلك بامرأة غنية، وإلا فرأيك ضليل وعن الصواب بعيد بعد السموات العلى عن أرضنا ~~السفلى وما دونها في الهابطين. # قال فؤاد معترضا: كيف يمكن لزوج الدميمة محبتها إن أمكن اجتماع أليفين على غير ~~المحبة؟ # فأجاب همام بقوله: حسبك يا فؤاد دليلا على غرورك وجهلك العناء الذي تجلبه لك الزوجة ~~الجميلة الوجه، الرقيقة الشعور، الدقيقة الفكر، فلن تجد معها راحة البتة ... فإن جمالها ~~الفتان يستأسر القلوب، ويسلب عقول العشاق؛ فيرنون بألحاظ الغرام إليها فتصيبهم ~~وتبادلهم الهيام والشوق، فصور لعقلك ذلك، وتأمل جيدا حالة الزوج المغبون تجدها بئس ~~الحالة، فما أظن أن رجلا عاقلا شريفا على صون عرضه وحفظ كرامته يقبل بها. أما لو كانت ~~الزوجة بعكس ذلك قليلة الحسن إلا أنها صحيحة الجسم حسنة التهذيب كالسيدة سعدى، وجدت الهناء ~~في معاشرتها، وطابت أوقاتك بقربها، ولم يزاحمك عليها مزاحم، فحفظت عرضك. والعرض ليس ~~بالشيء اليسير عند اللبيب الحازم العزيز النفس. ثم قال: ولو تدبرت قولي وتأملت أن ابنة ~~غانم موسرة، يبلغ إيرادها السنوي أضعاف إيرادك ودخلك، لرأيت أنها غنيمة باردة تصيبها بغير ~~عناء، فكيف تعرض عنها؟ وبعد فإني أخاف عليك من الغيرة تأخذك إن تزوجت بامرأة مليحة ~~حسناء، فينغص عيشك؛ لعلمي بغيرتك الشديدة، وما هو قائم من أخلاقك من الأنفة وعزة النفس، فلا ~~أضمن لك السعادة وراحة البال وصفو الخاطر ورغد العيش إلا أن تتزوج بامرأة قليلة الحسن ~~والأوصاف الجميلة. # قال فؤاد: أجل، قد قلت حقا، ولكنني أعترف بضعف طبيعتي البشرية، فإني أفضل الزواج ~~بحسناء مليحة الأوصاف، غير مكترث بالعناء الذي يصيبني بسببها، فذلك أهون علي من زواجي ~~بامرأة دميمة الشكل، لا يميل إليها قلبي. # قال همام: ليس حديثنا في المحبة. # قال فؤاد: إن صدقتك، فإنني لم أشعر بعد بنار الحب في فؤادي، وإنما أخاف أن يثور ~~سعيرها دفعة واحدة، وأكون قد ms005 تزوجت، فأحار كيف أصنع؟ فإما أن أقتل نفسي، وإما أن أخرق ~~عهد زوجتي فتخونني، وتقوم القيامة بيني وبينها. ولا يخفى عليك أن قوام العائلة محمول على ~~تبادل المحبة بين الرجل وقرينته؛ فأي قوام وأي نظام ترجوه إن تزوجت بامرأة لا أحبها إلا أن ~~تكون يا خالي قد رضيت لي التعب والنصب والبلاء المقيم؟! # فلما سمع همام حجة الفتى، حاول المغالطة بالضحك وقال: أخطأت يا عزيزي الصواب، وأنزلت ~~الزواج غير منزلته، فقد يصح قولك على القوم الذين يأخذون على الظواهر، ولو بحثت ودققت ~~لرأيت أنك لم تقل شيئا معقولا، ولئن سألتني عن رأيي أجبتك أني ما أرى بأسا أن يتزوج ~~الرجل كل يوم بامرأة، فما يكلف بمحبتها والإخلاص إليها، وإلا فالزواج هلاك يحشر فيه ~~الزوج حيا. # ومضى همام مطنبا في شرح حالة الرجل المتزوج بامرأة قبيحة الشكل دميمة المنظر، وأنه ~~يكون خلوا من الشواغل والمتاعب. وبينما هو يتكلم دخل خادم الفندق يخبر بقدوم امرأة تطلب ~~الدخول، فسأله عن صفتها وسنها، وهل هي قبيحة أو جميلة؟ فأجابه الخادم أنها قبيحة ~~متقدمة بالسن، فأنف همام عند سماع ذلك من دخولها، وقال للخادم: أغنانا الله عن ~~رؤيتها، ثم سأله: هل أخبرته بشيء؟ # فقال: إنها طلبت مقابلة الخواجه غانم، وزعمت أنه في هذه الحجرة. # قال همام: أدققت النظر فيها؟ # قال الخادم: نعم، دققت فيها النظر وسوف تبصرها. # قال همام: صدقتك، وعرفت أنها ثقيلة بمجيئها في هذا الوقت، وهو أوان الطعام. # ثم إنه التفت إلى ابن أخته يقول: من الواجب علينا احتراما لصاحبنا غانم أن نقابل من ~~يأتي لزيارته أو يكون له معه اتصال ومعرفة. # فقال فؤاد: لا بأس بذلك. وأمر الخادم بأن يدخل المرأة، فلما دخلت إذا هي تلك التي ~~رآها تقف مضطربة أمام باب الفندق عند موقف العربات، فقطب همام جبينه لرؤيتها، وانصرف بوجهه ~~عنها إلى أقصى الحجرة ساخطا لاعنا يقول: ألا قبحها الله من عجوز تكاد تنال الأرض ~~بوجهها ... إن منظرها ليقطع شهية الأكل للجائع، ويتخم طعام المتغذي، قاتل الله غانما ~~وعشيرته. # وكانت ms006 المرأة على الحقيقة شمطاء، مجعدة الجبين، صفراء اللون، واهية القوى، رثة الثياب، ~~وعلى وجهها علامات الغضب، وعيناها جاحظتان، وأخذت تلتفت يمينا وشمالا باحثة عن غانم، فلما ~~لم تره أرادت الخروج، فمنعها فؤاد لشفقة أخذته عليها، وقال لها: لم يحضر بعد صاحبنا غانم، ~~فإن رأيت أن تنتظريه، فهو لن يتأخر في ظني عن الحضور، وهذا أوانه. # قالت: أخشى إزعاجك يا سيدي. # قال: لا بأس، فادخلي واقفلي الباب، واجلسي على هذا المقعد، فتولى المرأة الذهول، فلم ~~تدخل، واستمرت واقفة على الباب متكئة، وزاد اصفرار وجهها، ورجفت قدماها حتى كادت تسقط على ~~الأرض لولا هم همام وصاحبه فؤاد فسنداها بكلتا يديهما وأجلساها على المقعد، ثم إنه أصابها ~~الإغماء فأنعشاها بالروائح، وجعلا يعالجانها حتى أفاقت وعادت إلى رشدها. # وكان همام في أثناء ذلك يلوم نفسه، ويلعن الساعة التي رأى فيها وجه تلك المرأة. ونهض فؤاد ~~يناولها كأس ماء لتشرب، ونادى الخادم فأحضر لها طعاما فامتنعت، وقالت: مرضي في كبدي لا في ~~معدتي، فما يفيدني الطعام شيئا، وكثيرا ما يصيبني الإغماء، والله وحده يعلم السبب ~~فيه. # قال همام: أنت على خطر دائم من مرضك، فلا يصح خروجك من منزلك؛ لئلا يصيبك الإغماء ~~في الطريق؛ فلا تجدين من يهتم بشأنك، وينظر في أمرك معتنيا، وقد تصدمك الخيل الجامحة فتكون ~~العاقبة سوءا عليك. # قالت: كل شيء مصيره للفناء، والموت واحد وإن تنوعت الأسباب. # قال: تستهينين بالموت، فوالله إني رأيته عيانا، فلم أسمع به، وخضت المنايا في ميادين ~~القتال، فما أتهاون به مثلك. # ثم إن همام خشي أن يطول الجدال، ولرغبته في انصراف المرأة قال لها: مضى الوقت على غانم، ~~فما أظنه يحضر الآن، فمن العبث مكوثك في انتظاره، وأرى الأنسب أن تختاري وقتا غير هذا ~~لمقابلته، ولك فسحة لتزوريه، فإنه سيقيم في القاهرة مدة من الزمان. # قالت: إن لي شانا مهما يحملني على مقابلته في نفس هذا اليوم، فلا أستطيع ~~التأخير. # وما أتمت كلامها حتى ابتلت بالدموع عيناها، وزاد الوجد في وجهها، فعطف قلب همام ~~عليها، فطيب ms007 خاطرها بقوله: ما يمنعك أحد من انتظاره، وإن شئت فأقيمي هنا إلى أن ~~يحضر. # ثم جعل ينظر في ساعته متأففا، ويقول لغلبة الدعابة في طباعه: ليس من حسن المعاشرة ~~أن يبطئ الصاحب على الصاحب وقت الطعام، فها نحن في انتظار غانم نحمل في أيدينا البطون ~~والمعدة خاوية، وما كان لي قبل عادة بتأخير ميعاد أكلي. # وما إن أتم كلامه حتى سمع حركة قادم، وانفتح الباب لغانم مسلما على همام وفؤاد، ~~معتذرا عن إبطائه. # وقد كان هذا الرجل غنيا واسع الثروة، حصلها بالتجارة في السودان، وأحرز فيها صيتا ~~عظيما وشهرة فائقة، واستمر هناك حتى انقطعت الأسباب فآب إلى مصر، وأقام في إحدى مدنها ~~التجارية. # وكان بخيلا شديد الحرص على متاع الدنيا مقترا على نفسه، وفي قلبه قسوة، وفي طباعه ~~جفوة، فلا تأخذه رحمة على فقير، ولا يجير المستجير، وسنه تبلغ الستين، وكان في قامته ~~طول، وفي جسمه هزال، غير أن بنيته كانت شديدة. # تقدم هذا الرجل في دخوله نحو همام وجعل - كما تقدم القول - يعتذر عن تأخره لبعض الأمور ~~العارضة، وأنه تكدر من ذلك، وحمل على التأخير قسرا عنه لا برضاه واختياره. # ثم إنه التفت يسأل عن ابنه، فلما لم يجده جعل يستقبح سيره، ويعنف على غيبته، قائلا: ~~لي عذر يشفع بي إن أبطأت، فما العذر الذي يقدمه سعيد عن تأخره عن الوقت الموقوت؟! # وبينما هو يمشي وقع نظره على المرأة التي سبقت الإشارة إليها؛ فانقبض وجهه، وانقلبت ~~سحنته، وبدت علامات الكدر في عينه، فلم تمهله المرأة أن تقدمت إليه ودموعها تنسكب، وقالت: ~~حبيبي أنعم الله أوقاتي برؤياك ... لو تعلم مقدار شوقي إليك بعد غيبة سبع سنوات خلتها دهورا، ~~أطال الزمان علي فنسيتني، وغيرت صروف الدهر أحوالي وصورتي فما عرفتني؟ # ثم إنها قبضت على كفه، وجعلت تضغطها، وهو في أثناء ذلك يتأخر عنها كمن يبغي الفرار، وحار ~~في أمره كيف يصنع، وانحبس لسانه فلم ينطق بكلمة، وكان فؤاد ينظر مندهشا تارة إليه وأخرى ~~إلى شقيقته، وخاله يراقب حركات الجميع مبهوتا معربدا ms008 يخشى أن يطول الوقوف فيتأخرون عن ~~تناول طعامهم على تضوره جوعا، ولبث هكذا واجما حتى انطلق لسان غانم، فقال مجاوبا شقيقته: ~~لا جرم أني نسيتك بعد طول الفراق وخصوصا أني لم أكن منتظرا مشاهدتك، ولا خطر في بالي ~~قدومك هنا. # ثم إنه التفت إلى صاحبه يعتذر عن هذا التثقيل الذي جاء في غير أوانه، والتمس إمهاله ربع ~~ساعة من الزمن ليصرف المرأة عنه وأن يحادثها على انفراد. # فقال همام واجما: اقتضى رأيك ذلك، فلا بأس أن نأكل طعام المساء سحورا، فانظر في أمر ~~قريبتك، بينما أنا مع فؤاد نروح حتى تكون قد فرغت من شغلك. # فلما خلا المكان لغانم نظر إلى شقيقته شزرا، واسمها كريمة، وكانت علامة الغيظ بادية على ~~جبينه المقطب، كمن قد جرد من الإنسانية، فلم تعطفه على أخته أواصر القربى، وكأن لم يكن ~~بينهما تعارف البتة، ودار بينهما ما سيأتي من الحديث بعد هذا. # | الفصل الثاني # بخروج همام وابن أخته أوصيا خادم الفندق بأن يستدعيهما عند ذهاب المرأة الزائرة، وانطلقا ~~يمشيان قريبا من قهوة البورس، وكان على وجه همام الوجوم، وفي قلبه الكدر، ورأسه يهتز من ~~الغيظ، وأسنانه تصطك حنقا، وفؤاد إلى جانبه يجيل أفكاره في أمر الأخت وأخيها ملتزما الصمت ~~حتى بدا له أن يسأل خاله مستفهما بقوله: أكان في علمك أن لغانم أختا؟ # فأجابه خاله مستغربا من سؤاله بقوله: أي عجب أن يكون له أخت كما لغيره من الناس؟! # قال فؤاد: ما هذا مقصدي، بل سؤالي: هل كنت تعرف أن لصاحبنا شقيقة على هذه الحالة، قد ~~رأيتك متكدرا من أجلها؟! # قال همام: لا تلمني، فإني سريع الغضب، أتكدر من أقل شيء، وفي دمي حرارة لم تبردها ~~الستون من عمري، فكأنني لا أزال في ريعان الشباب، ولتعلم أنني لم أتكدر من شناعة منظر هذه ~~المرأة، بل إن تأخري عن أكل الطعام في المواعيد هو الذي كدرني وأزعج معدتي. ولا يخفى عليك ~~أن المعدة أساس قوام الجسم وعليها مداره، بل هي مصدر الحياة، إن اعتلت؛ اعتلت سائر ms009 ~~الأعضاء، فلا تعجب إن رأيت مني اهتماما بشأنها، وقد قرأت في الكتب الطبية أن الخروج عن ~~العادة يهلك الأجسام، وأن التأخر عن مواعيد الطعام يورث الخلل في المعدة؛ فتبطئ حركتها، ~~ويكسل الجسم عن القيام بوظائفه، وأكثر عجبي من الناس الذين يدعون التمدن ولا يراعون ~~الواجبات الصحية فيخلفون موعد الأكل. # قال فؤاد: صدقت في قولك. وإنما أرجوك أن تجاوبني عن سؤالي الأول: هل كنت تعرف قبل الآن أن ~~لصاحبنا غانم شقيقة؟ # قال همام: سمعت أن له أختا تزوجت برجل رزقت منه بفتاة جميلة، وأن أخته لم تقم مع ~~زوجها أمدا مديدا حتى توفي، فتزوجت برجل آخر اسمه قاسم، كان في خدمة أخيها غانم، وكانت ~~تزيده بعشر سنوات، وقد علمت أنه سيئ الطباع، ذميم السيرة، قبيح السريرة، فهي في عناء مستمر ~~من معاشرته، فلو قسم الرحمن لك الزواج بسعدى ابنة صاحبنا غانم، كانت المرأة عمة ~~لعروستك. # قال فؤاد: أسأل الله ألا يتصل نسبي بهذه العائلة إن ملت إلى الزواج يوما. # قال همام: أراك رجعت إلى المحاولة والقول السخيف، وأرى حجتك ضعيفة في عدم الزواج بسعدى ~~لكونها غير جميلة، والحال - كما قدمت - أن الجمال لا عبرة به عند المتزوج، فدولة الحسن - ~~كما قيل - زائلة يتبعها زوال الحب والسآمة والضجر، والحكيم الحازم من ينظر إلى ثروة المرأة ~~وعلمها، فإن كانت غنية كسعدى فمن الغلط تأخره عنها، والغنى أساس كل سعادة وهناء، فاجعل في ~~خاطرك أن من كان حسيبا كريم الأصل نظيرك لا يجدر به الزواج إلا بامرأة غنية، تمكنه ~~بغناها من المحافظة على مقامه وشرف اسمه. # قال فؤاد: إذن أتزوج غناها، وهي تتزوج حسبي ونسبي؟ # قال همام: وأي حرج في ذلك؟! أليس الزواج واحدا على اختلاف علله وظواهره؟! ابحث قليلا ~~عن الغنى تجد أكثره من مال الزوجة، فقد أصبح الزواج في عهدنا مربوطا بالثروة، وما ترى ~~للابنة الجميلة الحسناء خاطبا إلا إذا كان المال موفورا عندها، فما الذي تنكر - والحالة ~~هذه - وتكره بسببه زواجك بسعدى؟! هل كبر عليك أن تكون نسيبا لهذه المرأة المسكينة ms010 ، أو تجد ~~في ذلك عارا؟! فأنت في سائر الأحوال حر بأن تقطع العلاقة مع أهلها، وتسد عليها بابك، فلا ~~تنزعج بقربها. # قال فؤاد: وحقك يا خالي إني لا أنزعج من رؤية هذه الحزينة المنكودة الحظ، بل بعكس ذلك ~~تجدني عطوفا عليها شفوقا، أتوجع لها من تقلب الأحوال وتغير الزمان، الرافع لكل وضيع، ~~الواضع لكل رفيع، ولن أشمئز لمخالطة الحزانى البائسين، ولا أجد التقرب منهم عارا، وعندي أن ~~التخفيف عنهم من الأمور الواجبة على كل ذي لب، والأجر في ذلك جميل، وإني عطفت قلبا على ~~هذه المرأة عند رؤية ذلها وانكسار خاطرها، ولم يكدرني سوى سوء مقابلة أخيها لها وانقباض ~~وجهه وتغير سحنته سخطا وغضبا حين رآها، بينما هي تبش في وجهه وتهش إليه وهو معرض ~~ببصره عنها نافر من قربها، ألا قاتل الله قوم الشح، كيف يتجردون من الرقة، وتقسو قلوبهم، ~~ويعدمون المروءة والشرف؟! # قال همام: إن ما تعده من الأمور نقائص إن هو في الغالب إلا أساس الغنى والثروة ... فهذا ~~صاحبنا غانم، ولولا شدة بخله لما خلف لابنته ثروة وافرة تزيد في كل يوم جديد ... فلو ~~تزوجت بها وقاسمتها ذلك الغنى الواسع؛ لانقلب هجاؤك إياها مدحا، وجعلت تتيه بتدبير الرجل ~~وحزمه، فإنه جمع ما جمع من الأموال لتتمتع بها غنيمة باردة، ولولا بخله لم تصبها. وهكذا قد ~~يكون الحرص نافعا وهو رذيلة، وقد يضر الكرم وهو فضيلة، إن تدبرت قليلا وجدت الصواب في ~~قولي. # قال فؤاد: إني لا أنكر الثروة المجموعة إلا أن تكون مكتسبة بوجوه الحلال. # قال همام: غلطت وضل زعمك، فالغني معتبر على الدوام ومحترم، وترى الجميع يرحبون به، فلا ~~يسألون عن أمره، وكيف جمع ثروته، وإذا حضر في مجلس قام في الصدر وبالغ الناس في إكرامه ~~واحترامه، ولم نسمع واحدا منهم يسأل أو يعيب عليه جمعه الأموال بالوجوه المحترمة أو ~~الخسيسة. # قال فؤاد: لن أوافقك على زعمك، فعندي أن الثروة المجموعة بالظلم والتقتير تضع من قدر ~~صاحبها، فلو تزوجت بسعدى كنت لها كارها كرهين؛ فالأول لذاتها ms011 ، والثاني لأبيها، وبئست ~~المعيشة. # فنظر همام عند سماع ذلك شزرا إلى فؤاد، وقال له: أزهقت روحي، أنا أكلمك في حديث ~~الابنة وأنت تكلمني عن أبيها، ومرادك مخالفتي فافعل ما ~~تشاء، وسواء عندي تزوجت أم لم تتزوج، فما أنت ~~إلا عنيد تجهل مصلحتك. # وجعل همام يعربد واشتد به الغضب، فأسرع في مسيره حتى صادم رجلا كان أمامه واقفا أمام ~~أحد المحلات، وكانت الصدمة شديدة كادت ترميه على الأرض لولا استناده إلى الحائط، وبدلا من ~~أن يعتذر إلى الرجل بادره بالزجر قبل أن يتفرس وجهه، وقال له: أعمى الله بصرك ... تنتصب في ~~وسط الطريق كالصنم وتضايق المارين يا بلية. # فأجابه الرجل قبل أن يرى وجهه قائلا: تصدمني ثم تزجرني. # فلما تفرس به همام إذا به سعيد بن غانم، فقال له: عفوا فإني لم أنتبه، وسأله: أين كان؟ ~~وإلى أين ذاهب؟ # فأجابه سعيد بقوله: أنسيت أنك دعوتني إلى الفندق، وعزمت علي بأكل الطعام معك؟! # قال همام: كان الموعد أن تحضر بعد الغروب لا في الساعة التاسعة، فما شاء الله إنك تعتبر ~~الأصحاب، وتقيم عند قولك، وتحفظ مواعيدك، ولكن لا عتب عليك بمشابهتك أبيك، فمن يشابه أباه ~~فما ظلم. # وبعد أن نطق همام بهذا تركه وأسرع في مسيره، فتقدم سعيد نحو فؤاد يحييه ويسأله عن كدر ~~خاله وهياجه، فقال فؤاد مجاوبا: إن خاله متكدر بسبب إخلاف الموعد في الحضور وكرهه الإخلال ~~في نظام معيشته. # قال سعيد: إنك لا تجد الترتيب إلا عند ~~الكبار الطاعنين في السن، وهو عندنا نحن الشباب سبب للمضايقة، ومن عادتي أني لا أجعل لطعامي ~~ميعادا، وإنما متى جعت أكلت، ولي - بحمد الله - اشتهاء وقابلية، وقد أكلت ثلاث مرات في ~~هذا اليوم، ولو حضر الطعام أمامي الآن لما تأخرت عنه. # كان سعيد أشقر الشعر، عريض الكتفين، كبير القدمين، حسن الثياب، وله من العمر خمس وعشرون ~~سنة، وكانت تلوح على وجهه لوائح الطيش والجهالة، كما يظهر من الحديث الذي دار بينه وبين ~~فؤاد وهذا ملخصه: # قال سعيد: لا أقدر أن أشرح لك ms012 عن مقدار انشراحي في مصر، فقد حضرت إليها منذ خمسة عشر ~~يوما قضيتها بالأنس والطرب، واللهو في مجالس الغيد، والحمد لله أبي لا يعلم شيئا من ذلك، ~~وهو لو علم لسخط علي وعذبني عذاب الجحيم، وقد كلفت ثلاثة خياطين بأن يصنعوا لي ملابس من ~~الزي الجديد، عشرة من كل زي، واشتريت دبابيس للصدر وخواتم وساعات وكثيرا من الحلي، وفي كل ~~يوم أنزل إلى السوق وجيبي مملوء نقودا فلا أعود ومعي قرش واحد. # قال فؤاد: إن مضيت على هذا السبيل لا يطول الزمان حتى تكون قد بددت ما جمع ~~الوالد. # قال سعيد: جمع الوالد أموالا لا تأكلها نيران، وله أملاك واسعة لا يفنيها التبذير، ~~فحقا لو علم بمقدار ما أصرفه لأقام القيامة علي، وتراني من مكري إن اشتريت شيئا ~~بالدين أشترط على المداينين أن يكتموا الأمر عنه وإلا امتنعت عن شراء شيء منهم، ولا يخفى ~~عليك أني بالغ رشدي، وأن أمي توفيت من سنة، وخلفت لي عقارا وأموالا، فإن عنفني والدي ~~وغضب علي طلبت حصتي من ميراثها فلا أكون مضطربا، ولا يعوزني شيء، فلذلك تجدني قرير ~~العين، مرتاح البال، أنفق بغير حساب، وأدخل القهاوي والخمارات ومحلات القمار ومنازل ~~العاهرات فيستقبلني الجميع بغاية الترحاب وغاية الإكرام، فلا يخالفوني في كلمة أو ~~إشارة. # قال فؤاد: أنت تفتخر بهذا، وتزعم أن لك الوجاهة بترددك على هذه الأماكن ~~والمحلات. # قال سعيد: أنت لا تعلم أسباب الحظ والسرور، ودواعي الحظ والانشراح فيها، ولو وافقتني على ~~رأيي ولو شاركتني في حظي وأنا متأكد من محبتك، وستزيد المحبة بيننا تمكينا عندما تقترن ~~بأختي قريبا، وتصبح نسيبي، وأظن أنك تعلم تضييق والدي علي في المصروف، وأنه لم يكن ~~ينقدني القرش الواحد إلا بعد زهوق الروح، فإذا خرجت سألني: كيف صرفت ذلك القرش؟ فكانت حياتي ~~عذابا، لم يخرجني منها إلا بلوغ رشدي، فأصبحت حرا، وأشبعت نفسي من ملذات الدنيا ~~وملهياتها ومطرباتها؛ لأعتاض عن حرماني في الزمن الماضي، وأنسى أكداري في زمن الصبا، وهذه ~~أموال والدي كثيرة، وأنا وريثه مع أختي ms013 ، فإن فرغ جيبي من النقود أقترض من الصيارف، فهم لا ~~يبخلون علي بشيء؛ لعلمهم أني موفيهم حقهم عاجلا أم أجلا مع الفوائد رغما عن أنف ~~والدي، فإن شئت أن ترافقني هذه الليلة دللتك على محلات الأنس والطرب، وشرحت صدرك بسماع ~~الغناء الحسن؛ فتعود شاكرا لي مثنيا علي مجبورا مسرورا. # قال فؤاد: جزاك الله خيرا، ولا تؤاخذني إن لم أقبل دعوتك، فمشربي غير مشربك، ولو ~~سمعت نصيحتي فارتدع عن مثل هذه العادات التي تظنها من أسباب التسلية والانشراح، وهي طريق ~~ضلال تقود صاحبها إلى الشقاء والتعاسة، فلا يمضي عليه زمن مديد حتى يسوء حاله، وينفد ماله ~~من يده فيندم حين لا ينفع الندم، ولكم رأيت شبابا خلف لهم آباؤهم أموالا كثيرة فما مضى ~~عليهم أمد قريب حتى بددوها بالطريق التي ذكرتها، فأصبحوا في فقر مدقع وحالة من النكد ~~والبؤس يرثى لها، والسبب في هذا الضياع سوء التربية في الصغر وشدة تقتير الوالدين ~~البخلاء على أولادهم، وإن قصتك لتحاكي قصتهم، وإني لأعلم أن الذي دفعك إلى الجهل ~~والغواية والاسترسال في التبذير هو شح أبيك عليك، فلو أنصفك وتوسع في الإنفاق عليك لصرف عنك ~~سبب الغواية، ولكنه ظلمك فأضاعك، وسوف تلقيك جهالتك في هاوية الدمار والخراب، ويكون والدك ~~هو المأزور بما بخل وأنت بما تفعل. # وبينما كانا يتكلمان أقبل همام لخاطر ورد له، وتذكر أن شقيقة سعيد ستصبح زوجة ~~لفؤاد، فرأى من الضروري تمكين علاقات الوداد بين العائلتين؛ لرغبته في هذا الزواج لتتسع ~~ثروة فؤاد وتقبل أحواله، فقال لسعيد يمازحه: إن رغبت أن أصفح عنك فأخبرني ماذا كنت تنظر في ~~هذا المخزن حين صدمتك وأنت غير ناظر؟ قل الصحيح، ألم تكن تغازل واحدة من الخياطات الجالسات ~~داخلا؟ أرنيها فلعل ذوقك لطيف يقارب ذوقي أو يناسبه. # قال سعيد: أشهد لك أيها البطل بسداد الرأي وشدة العزم، وأنك من أظرف الناس خلقا، حلو ~~الطباع، جميل المعاشرة، حتى كأنك من أترابنا، وقد سألتني أن أريك الفتاة التي شغلت أفكاري، ~~فانظر إلى واجهة المخزن، وتمعن في الفتاة ms014 الهيفاء الشقراء الجميلة الثياب اللطيفة القوام، ~~هل رأيت أحسن منها خلقا وتكوينا؟ # وكان المخزن المذكور معدا للخياطة وعمل برانيط النساء، فتقدم همام ينظر، فرأى خمس ~~بنات جالسات حول مائدة مستديرة يشتغلن، فأبصر فيهن اثنتين بغير حسن، فصرف نظره عنهما إلى ~~الثالثة، وكانت سمراء اللون، قصيرة القامة، ممتلئة الجسم، لا تتجاوز السادسة عشرة من السن، ~~سريعة الحركة، لينة الجانب، تسطع على وجهها أنوار الصحة والعافية، فراقت في عينه. # وكانت البنت الرابعة أكبر من الثالثة سنا، ويظهر أنها المتقدمة عليهن جميعا في ~~العمل، كانت شقراء اللون، طويلة القامة، ليس فيها شيء من البهاء والصباحة، وعمرها يبلغ ~~الثلاثين، وشعرها كثيف أشقر مسترسل، وثيابها من الحرير الأزرق معقود ببنود ملونة، وفي ~~أذنيها الحلق، وفي عنقها سلسلة مدلاة على صدرها، وتحت نهدها ساعة صغيرة معلقة بالسلسلة، ~~وفي أصابعها الخواتم المتنوعة بالأحجار الكريمة، فلو رآها أحد لأكبر أنها تكون قد أصابت هذه ~~الجواهر بشغل الخياطة، وهو لا يكاد يفي بمصروف زينتها، وعلم أن لا بد أن يكون لها دخل ~~آخر. فهذه كانت الفتاة التي راقت في عين سعيد فوقف ينظر إليها. # وكانت في آخر المائدة البنت الخامسة بمعزل عن أخواتها، وهي فتاة لطيفة الذات، دقيقة ~~القوام، لابسة ثيابا سوداء، كانت جالسة تشتغل ووجهها محول عن الباب، فلم يتيسر لهمام ~~رؤيتها، وكان قد دقق النظر، فلما انتهى من المعاينة تباعد قليلا عن مكانه، والتفت إلى ~~سعيد يقول له: قد انتقدت الوجوه، فلم أجد صاحبتك الشقراء على شيء من الحسن والجمال، وهي ~~قد بلغت الثلاثين ولونها زاه. وأما شعرها الكثيف فما أظنه إلا مستعارا، وأنا أشبهها ~~بالطاووس؛ لتعدد ألوان ثيابها، أو كالحرباء يتلون جلدها. فتكدر سعيد لسماعه هذا الحكم، ~~وتأخر إلى الوراء بعض خطوات، فقال له همام: لئن كدرك كلامي فقد وجب علي قول الحق، فأنتم ~~معشر الفتيان تنخدعون بسهولة، وتغركم كثرة الشعر، وزينة الثياب، والتبييض والتحمير، ~~فتنشغلون بالعرض عن الجوهر، وأما العاقلون العارفون نظيري فلا يلتفتون إلى تبرج المرأة ~~وزينتها بل إلى نفسها، فلو أنك ذكرت لي ms015 تلك الفتاة السمراء الجالسة بقرب حبيبتك الشقراء ~~لحكمت لك بإصابة الرأي وصحة الذوق وحسن النظر، فإنها بالحق تساوي ألف واحدة من صاحبتك ~~التي افتتنت بها. # فنظر سعيد إلى الفتاة السمراء التي أشار إليها همام، فلم ترق في عينه وقال ساخرا: ~~أتستلطفها ولا تنظر إلى رثة ثيابها وقصر قامتها؟! فهي والله لا تجدر بأن تكون خادمة ~~لصاحبتي البهية المشرقة النظيفة الثياب المزينة بالحلي الذهبية. # قال همام: لا يعيبها حقارة ثوبها، فنحن في حديث الجمال لا في حديث الغنى، وكفى السمراء ~~فوزا على صاحبتك الشقراء بصغر السن وملاحة الفم، فهي لا تزيد على الثامنة عشرة، وعلى وجهها ~~علامة الصحة والقوة، وتلك من الصفات المحمودة المرغوبة في المرأة. # قال سعيد: أي حسن لها وهي بغير حلي وحلل؟! أكان التجرد من الزينة محبوبا في النساء؟ ~~أوتجهل أن الملابس الباهرة تكسب المرأة حسنا فائقا وجمالا رائعا، وتزيدها جلالا ~~وإشراقا؟! # قال همام: قد اختلفنا، وللناس فيما يعشقون مذاهب، فلا سبيل لأن أقنعك بالقول حتى نحكم ~~بيننا رجلا آخر. # قال سعيد: ربما كان انشغافي بالشقراء للمشاكلة في اللون بيني وبينها. # فتبسم عند سماع ذلك همام، فإن سعيد كان أحمر الشعر ومعشوقته شقراء شديدا، وجاهد نفسه ~~ليمتنع عن الضحك مخافة أن يغضبه في ساعة يرى استرضاءه واجبا؛ لإتمام زواج فؤاد بشقيقته ~~سعدى، فرأى أن يغير موضوع الكلام، وقال ملتفتا إلى فؤاد: لو لم تكن ابن أختي وعلى أهبة ~~الزواج، والمطلوب منك أن تكون قدوة في السلوك الحسن لأقمتك بيننا حكما تفصل في ~~الخلاف. # قال سعيد: وهل الزواج يمنع فؤادا عن إبداء رأيه؟ إنه صاحب نظر دقيق، وذوق صحيح، ولي ركون ~~إلى قوله واقتناع بحجته. # قال همام: ماذا تقول شقيقتك حين يبلغها أنا انتدبنا خطيبها حكما بيننا يقضي في خلاف ~~مثل هذا يتعلق بالنساء؟ # قال سعيد: كيف يبلغها الحديث؟! فإن من عاداتي ألا أفوه ببنت شفة. # قال همام: ونحن أيضا نكتم الخبر، فلا يظهر له من أثر، وشرطنا على فؤاد أن يتقدم، ~~ويدقق النظر في البنات، ويفصل المشكلة بيننا ms016 ، فقد قبلت برأيه وحكمه. # فتقدم فؤاد ودقق النظر في البنات تدقيق المنتقد الخبير، فأبصر أولا الفتاتين الشقراء ~~والسمراء، فوجدهما لا تستحقان النظر أو تليقان ~~أو تروقان في أعين أهل الذوق السليم، ووجه بصره إلى الابنتين الأخريين فلم يجد فيهما ~~شيئا من الحسن، فلوى عنقه لينصرف إذ وقع بصره على الابنة الخامسة المقيمة بمعزل عن ~~رفيقاتها ... وكان قد سقط الشريط من يديها على ركبتيها، فتنهدت الصعداء من التعب، ووقفت تنظر ~~إلى ما فوقها، ومالت بوجهها نحو باب المخزن بحركة من يستيقظ من نومه مضطربا بسبب الأحلام ~~المزعجة، وانكشف وجهها بنور الغاز فزاده اصفرارا، فتأمل فؤاد فيها مندهشا من بديع ~~جمالها، ولطف قوامها، وبهائها، وملاحة فمها، وسحر عينيها، ورأى آثار النباهة على جبينها، ~~فكأنما في وجهها مادة شفافة عما يخالجها من الشعور إن محزنة وإن مفرحة، فيرتسم فيه ذكاء ~~الفضل والنباهة والفضول والمكر والخجل والسذاجة، وغير ذلك من العلامات التي تقرأ في العيون ~~إن سكنت أو تحركت، فترسل الشرر عند الغضب، وترشق القلوب بلواحظ الرقة في ساعات ~~الرضا. # وبينما كان فؤاد ينظر مبهوتا تفرس فيها أمارات الحزن الشديد، وكأنها سابحة في أبحر ~~التصور والافتكار، فلا تعي شيئا مما حولها، ولا تدري ماذا تفعل، حتى هبت كبيرة الخياطات ~~تناديها زاجرة بقولها: أعدت إلى الكسل يا عفيفة - وهو اسم الفتاة - أضجرت من الشغل ففتحت ~~للهواء فاك؟ فإن استمرت الحال هكذا مضى الشهر كله فلم تفرغي من عمل البرنيطة التي تصنعين ~~شريطها مع علمك بأن صاحبتها مستعجلة في طلبها. # فتنبهت الفتاة واستأنفت العمل ورئيستها توبخها وتعنفها بكلام أحد من ضرب ~~الحسام، والرفيقات الأخريات يهزأن بها. فرق لها قلب فؤاد، واشمأز من سخرية البنات ~~الأخريات منها، واستمر ناظرا إليها لعلها ترفع رأسها ثانية فيتمتع بمرأى جمالها ~~البديع. # وكان همام في أثناء ذلك قد ضاق ذرعا من انتظار حكم ابن أخته في الأمر الذي اختلف مع ~~سعيد عليه، فتقدم وأمسكه بيده وخاطبه بقوله: إن سليمان الحكيم لم يصرف من الزمان في إبرام ~~حكمه المأثور ما صرفت لإصدار ms017 رأيك في المسألة التي جعلناك حكما فيها ... فأفتنا، أليست ~~السمراء الحديثة السن الجيدة الصحة أجمل من رفيقتها الشقراء المقيمة إلى جانبها؟ # قال سعيد: لا ريب أنه استحسن الشقراء لجمال قوامها ولياقتها، فهو على الذوق الحسن ورأيه ~~لا يختلف عن رأيي. # قال همام: تكلم يا فؤاد ... أينا المصيب وأينا المخطئ، وأينا سليم الذوق؟ # قال فؤاد: ترغبان مني الوقوف على رأيي فأقول: إني لا أرى الشقراء والسمراء تستحقان ~~الالتفات، فهما مجردتان من الحسن، فالشقراء كالحة اللون بغير لطف ولا ظرف، ~~والسمراء قصيرة القامة ليس فيها ما يدل على الرقة والنباهة. # فلما سمع همام هذا الحكم جعل يضحك ويقول: اتبع صاحبنا فؤاد العادة في مسائل التحكيم، ~~إنه يرضي الطرفين، فلو قال الواحد: هذا اللون أبيض، وقال الآخر مغالطا: بل أسود، جاء ~~الحكم يقضي بينهما فيقول: اللون أحمر، فيفصل الخلاف بينهما بقضائه. ثم إنه تضاجر وقال ~~لصاحبيه: دعانا من الجدال فهذه الساعة التاسعة، وقد فات ميعاد طعامنا، وأشهد الله على نفسي ~~أنني لن أعود بعد هذا أدعو أحدا من بيت غانم إلى طعام. # قال فؤاد: سألتماني عن رأيي فأبديته، فأخبراني الآن هل أبصرتما الفتاة الجالسة بمعزل عن ~~أخواتها منعكفة على شغلها ومحولة وجهها إلى الداخل؟ # قال همام: إنها فتاة رقيقة الجسم، دقيقة القوام، لا ترفع رأسها عن عملها، لم أتبينها ~~جيدا لأحكم في أمرها. # قال سعيد: والغالب في الظن عندي أنها حديثة عهد في هذه الصناعة، وأنها فقيرة بدليل رثة ~~ثيابها وتجردها من الحلي، فليس في أذنها قرط ولا في أصابعها خواتم. # قال فؤاد: هذه الفتاة الضعيفة النحيلة القوام هي الجميلة وحدها بين أخواتها، كالنجم ~~اللامع والبدر الساطع. # قال سعيد: رأيتها حين التفتت فإذا هي صفراء اللون حزينة كالثاكلة، ليس على وجهها شيء من ~~الحسن، فأنا أستغرب كيف تجدها جميلة؟ # قال فؤاد: إن كان الجمال بعرفك هو جمال الصور والتماثيل المصنوعة للتزويق؛ ليطرف إليها ~~الولدان، فهذه الفتاة أجل من أن توصف بذلك، فجمالها بديع حقيقي لتجرده عن التصنع ~~والتطرئة، وقد تفرستها فرأيتها قد جمعت ms018 مع اللطف والظرف همة الرجال وشهامتهم وكملت ~~بالأوصاف البهية. # قال همام: أكثرت من الإطناب، فوالله لو سمعك سامع تمدحها وتصفها بهذا الوصف لظن أنك ~~مشغوف بها مفتون. # قال فؤاد: إني أعرف طبعك يا خالي، فالمزاح غالب عندك، وتحب التهكم في كل شيء، ولكني أشهد ~~لك بلطف الذوق وسلامته، وأنك تقدر الأمور قدرها، وتعطي الجمال حقه، فأرجوك أن تعيد ~~النظر إلى الفتاة مدققا فيها، ثم بعد ذلك تعلمني هل تستحق وصفي وأكثر منه أم لا؟ # قال همام: مضى علينا الوقت وفرغ صبري، فوالله لو عرضت علي نساء العالم لما ساوين عندي ~~طحنة ضرس، فقد اشتد بي الجوع وزاد ضجري من غلاظة غانم التي بلغت النهاية، فإن طال الزمن ~~وقعت في داء يكون سببه غانما وابنه، قبح الله كل (ثقيل). # وبينما همام يتكلم والغضب يعمي بصره أقبل خادم الفندق، فتباشر همام برؤيته، وابتسم ~~منشرحا مسرورا سرور قوم نوح حين عادت الطير إليهم تحمل عرق الزيتون. # قال الخادم: إن المائدة قد أعدت للطعام فتفضلوا. # فاتجه الثلاثة الرفاق نحو الفندق، وكان همام في مقدمتهم يسرع في جريه فقابلوا في أثناء ~~الطريق شقيقة غانم وعلى وجهها الحزن الشديد والغم الكثير، فكأنما قد زادت أوجاعها، وكثرت ~~آلامها بمكوثها في الفندق، غير أن همام لم ينتبه إليها لاشتغال فكره بالطعام. أما فؤاد ~~فأمال رأسه مسلما، وأما سعيد فلم يعرفها؛ لأن الفقر والغم غير حالتها بعد فراقها ~~وغيبتها سبع سنوات. # مرت المرأة المذكورة أمامهم، واستمرت سائرة إلي مخزن الخياطة، فوقفت برهة تنظر إلى ~~داخله متنهدة ثم سارت في سبيلها. # | الفصل الثالث # ندع هماما ورفيقيه عائدين إلى الفندق، ونحدث القارئ بما جرى من الحديث بين غانم ~~وشقيقته. # بخروج همام وفؤاد جلست كريمة شقيقة غانم على كرسي، وجعلت تنظر إلى أخيها منتظرة منه ~~المجابرة، وأن يترحب بها ويبش في وجهها ويفرح بمقابلتها بعد طول فراقها وغيبتها؛ فخاب ظنها ~~وضاع الأمل، فإن أخاها كان يرمقها شزرا، ويلحظها بعين الغضب والانزعاج وفكره مضطرب اضطراب ~~البخيل من سؤال المسكين، فكأنه قد خشي أن ms019 تكون زيارتها لطلب صدقة، فانتظر أن تبادره ~~بالكلام، فإذا بها لبثت صامتة، فلما طال على ذلك الأمد قال لها مغاضبا: تكلمي فإنه لا ~~يليق قضاء الوقت سكوتا والأصحاب في انتظاري خارجا ... أخبريني باختصار عما ترغبين ~~مني. # فانقبض قلب الشقيقة عند سماعها هذا الكلام الخشن، وعظم الأمر عليها، فأطرقت في الأرض، ~~وأذرفت الدموع الساخنة. # فقال غانم: أجئت تبكين وتندبين؟ تكلمي ما الذي حضرت بشأنه؟ أجئت تصنعين مأتما؟ فإني ~~أعلم براعتك في التصنع، ما الداعي لحضورك في هذا المكان؟ # قالت وقد رفعت رأسها، وتأثرت من جفوة أخيها: كنت أظن نفسي قبل أن أقابلك أشقى خلق الله، ~~وأن تعاستي بلغت النهاية، فإذا التعاسة لا نهاية لها، وما كنت - والله - لأتوقع منك أن ~~تقابلني بالإعراض أو أسمع من فيك هذه الألفاظ الموجعة بعد فراق السنين الطويلة، وأنا شقيقتك ~~من أبيك وأمك، وأنت سند العائلة وكبيرها ورأسها، وإليك وجهت آمالي، وجعلت اتكالي عليك، ~~أفتحرمني من مجابرتك ولا تواسيني بلطفك ورحمتك، وقد جئت أشكو إليك أحزاني وما أنهكني من ~~الشقاء والعناء؟! فارحم ضعفي، واجبر كسري، ولا تعرض بوجهك عني في أوان الشدة، وتفضل ~~بالإصغاء إلى أمري، فإنه وحقك لذو شأن عظيم يستوجب أن لا تعاملني من أجله بالقساوة. نعم، ~~إنا افترقنا على كدر وحقدت علي بسبب زواجي بخليل، وكان الحق، وقد اعترفت بخطئي، وعرفت ~~مقدار جرمي بمخالفة أوامرك، فأي إنسان لا يخطئ؟ هذه كثير من السنوات صرفتها في التعب ~~والأوصاب، فكانت كفارة عما جنيت، فأرجوك يا حبيبي أن تصفح عني وترثي لحالي، فالرأفة واجبة ~~لمثلي، وقد رثى لحالي الأجانب، وشفقوا علي، وحزنوا لحزني، وأنت أخي وشقيق روحي تعرض عني ~~وتصم أذنيك عن سماع شكواي ونداي حين آتيك طالبة إحسانك وإسعافك. # فاسود وجه غانم، وتقطب جبينه لسماعه كلمة الإحسان والإسعاف، فقال في نفسه: هذا والله ~~ما كنت أخشاه. # فتفرست أخته فيه الكدر، فقالت له: الله يا أخي، هون عليك، فلا تقطب وجهك، وتحول نظرك ~~عني، أي ذنب جنيت حتى ...؟! # قال غانم وقد اشتد به الغضب: أي ذنب ms020 جنيت؟! أبلغت بك الوقاحة حتى أتيت التمويه ~~وتجاهلت حتى كأنك لا تعرفين شيئا؟ أم كان مرادك تكديري بحضورك إلى هذا المكان، وأنا في ~~صحبة الإخوان، قد اجتمعنا لمسألة مهمة، فجئتنا على غفلة لتقلقي الأفكار، وزدت على ذلك أنك ~~لبست هذه الثياب الرثة التي لا يلبسها الخدم، أما كان من الواجب عليك على الأقل أن تلبسي ~~ثيابا لائقة، وتحفظي مقامي، ولا تضعي من قدري أمام صحبي وخلاني؟ # قالت كريمة وقد تبسمت: وحقك يا أخي هذه أفخر الثياب عندي قد لبستها، ويشهد الله أن ~~ليس عندي أحسن منها. # فرأى غانم أن الإسهاب في هذا الموضوع يجر إلى أمور يرغب أن يتجنبها، فصرف الحديث إلى ~~موضوع آخر، وقال لأخته: كان من الواجب عليك أن تقابليني في الفندق الذي نزلت فيه لا أن ~~تحضري إلى هذا المحل. # قالت: ذهبت خمس مرات إلى فندقك فلم أجدك، فسألت الخدم فقالوا لي: إنك لا تحضر إلا ~~قليلا. # قال: كيف علمت الفندق الذي نزلت فيه؟ ألعل عندك جواسيس يسعون في أثري؟ # قالت: أعلمني بحضورك رجل من معارف زوجي، وكان ذلك بطريق الصدفة. # قال: رأينا حضرة زوجك خليل، فإنه لم يحضر لزيارتنا والسلام علينا، فكأنه بسلامته يضن ~~علينا بهذا الشرف، وبالحق فإنني ممنون من غيبته ومسرور أن لا أراه. # قالت: ولعل سرورك أن لا تراني أيضا، فإني أرى حضوري قد كدرك، فوالله ما جئتك إلا للضرورة ~~القصوى، فإن عطفت علي أعرتني سمعك قليلا؛ لأعرض عليك الغاية من حضوري. # فتضاجر غانم من هذه المحاورة، وحار في أمره، وأشفق أن تكون نتيجة هذه المقابلة اغترام ~~صدقة يدفعها إلى أخته؛ فقاطعها بالكلام قائلا: علمت السبب في حضورك بدون أن تتكلمي، إنك ~~جئت تخبريني بسوء أحوالك، وأن زوجك بدد أموالك، فأصبحت وإياه صفر اليدين، لا تملكين ~~شيئا، ومرادك أن أنعم عليك بشيء تعيشين به، وأسلفك نقودا لتفتحي لزوجك دكانا يبيع فيه ~~ويشتري، ويتخذها له معاشا، فارفعي هذا الأمل من قلبك، واعلمي أن مسعاك خائب، فلا تكلفي ~~نفسك العناء والشرح الطويل، ولتعلمي أني لا ms021 أريد أن أعرف زوجك، ولا أعطيه أو أن يعطيه أحد ~~خلافي مليما واحدا، فقد علم الجميع بسوء أخلاقه وفساد سيرته وإسرافه وقلة أمانته. وهذا ~~كلامي إليك بصريح العبارة، فلا تطمعي مني شيئا، وقد أفهمتك أني لا أتدخل في أمره، وتذكري ~~أني لم أرضه لك بعلا، ومنعتك عنه فلم تمتنعي، ونصحتك فلم تقبلي النصيحة، فالذنب ذنبك، ~~تحملين عواقبه؛ لتعلمي نتيجة العناد، وتكوني عبرة للآخرين. # قالت: قد اعترفت لك يا أخي بخطيئتي، والله يرحم الخاطئين، وأي ذنب في الكون لا يغفره ~~الله للتائبين! فارحمني يرحمك الله، وأشفق علي إني حزينة مسكينة. # قال: إني لا أشفق على من يجلب على نفسه الشقاء ولا ألتفت إليه، فلو أنك سمعت نصيحتي ~~لدفعت عن نفسك النكد، وكنت في ألف خير، فلم تقاسي ما أنت فيه الآن من العناء والبلاء. ~~وبعد، أفإنك وإن كنت في ضيق يوجب الأسف عليك، فإني أيضا في مركز صعب لإعسار الأحوال، فإن ~~أملاكي قليلة الإيراد، والمحصولات متأخرة، وجميع أشغالي في تقلب، وعلي ديون كثيرة ~~ونفقات جسيمة، وما أرى أمامي غير الخراب والدمار، فلا أستطيع أن أحسن إليك بشيء. # قالت: ما يليق هذا القول بك يا أخي، لا تجحد نعمة الله عليك، فأنت في نعمة سابغة، وفضل ~~الله عميم وكرمه عظيم. # قال: وبفرض أني بعد كل التعب الذي تجشمته ~~والمشقات التي كابدتها قدرت أن أجمع شيئا من المال أنفقه على نفسي في الكبر، وأبقيه ~~لأولادي من بعدي، أفيكون من العدل أني أبدده، أو أتبرع به على زوجك الفاسد الطوية القبيح ~~السيرة؟ وهل يفعل هذا الفعل إلا كل أبله معتوه ليس في رأسه ذرة من العقل؟ نعم، أكلف ~~بأمرك وأمر ابنتك لو كنت أرملة، ولكنك في عهد زوجك وهو الملزوم بك، فما يعنيني من أمره ~~وأمرك شيء. وليكن في علمك أني جمعت المال اليسير الذي عندي بغاية التعب والصعوبة، فما ~~يلومني أحد إن حافظت عليه، فلم أضيعه هبة أو أبذله إلى من لا يعرف قيمته. والحمد لله أني من ~~العقلاء، أصون نفسي عن فعل ms022 أفعال المجانين الجاهلين، فاقطعي الأمل، ولا تكلفي نفسك التعب ~~ومضض السؤال. # فوقع هذا الكلام في نفس كريمة وقع الحسام، ولا سيما عند إشارته إلى أنه لا يسأل بأمرها ~~إلا بعد وفاة زوجها، فسالت العبرة من عينيها، وقالت: زدتني يا أخي حزنا على حزني ولم ~~تشفق علي، وأنا في حالة الفقر المدقع من زمان طويل محرومة من كل هناء وراحة، صابرة على ~~البلوى حمولة موجعة القلب، أتمنى الموت وفراق هذه الدنيا التماسا لراحتي في الأخرى ... فاعلم ~~يا أخي أني لم أحضر لأطلب منك مالا، فالمولى يزيدك عزا وغنى، وإنما مطلوبي شيء أعز من ~~المال. # قال: أي شيء أعز منه غير الروح، وما أظن أنك حضرت لتطلبيها؟! # قالت: محبتك يا عزيزي أغلى من كل شيء، وأثمن من كل نفيس في العالم، وأعز من روحي ~~إلي. # قال: إن كان ما تطلبين محبتي، فهي مبذولة لك غير ممنوعة. # وكان غانم حين سمع كلام أخته تهلل وجهه، وقر عينا بما سمع، وانشرح لانحصار الطلب في ~~أمر ليس له قيمة واعتبار عنده، ولا يكلف شيئا. # قالت كريمة: إن صدق قولك، فدعني أختبرك، واسمع قصتي: إنني متألمة وبي مرض يلازمني من عدة ~~أشهر، وهو يزداد يوما عن يوم، وقد شعرت بدنو أجلي وانصرام أيامي. # فأظهر غانم لأخته الحنو، وقال لها: بالله أن تصرفي عنك هذه الأوهام، فإنه لا يليق مثل هذا ~~التصور بامرأة عاقلة مثلك، وأنت صحيحة الجسم، وليست نحالتك دليلا على المرض، فإني مثلك ~~ناحل، وعافيتي جيدة، وليست بسطة الجسم دليلا على الصحة وقوة البنية. تذكري أن امرأتي ~~المرحومة كانت سمينة، فلم يحفظها سمنها من القضاء المنزل، فتوفيت في الرابعة والأربعين من ~~عمرها، وبقيت حيا بعدها، فمن ذلك تعلمين أن تصوراتك محض أوهام وأضغاث أحلام. # قالت: ليست رغبتي من الموت ولا أسفي على حياة هذه الدنيا، وأنا لا أرجو منها شيئا، وإنما ~~أعلمني الطبيب أني مصابة بداء في القلب يجعل صاحبه في خطر دائم من النكسة، وهكذا فإني أشعر ~~بانحطاط كلي في قوتي، وضعف جسمي لم ms023 أكن أعلمه قبل اليوم. # قال: كل هذه أوهام باطلة، فاصرفيها عن خاطرك. # قالت: بل هي حقيقة أعلمها حق العلم، والإنسان أدرى بنفسه وحاله من غيره، حتى إني الآن من ~~برهة وجيزة أصابني الصرع، فظننت أن ساعتي الأخيرة قد دنت الأجل، ويا ليت ذلك قد تم لأرتاح ~~من العذاب وأخلص من مصائب هذه الدنيا وأكدارها، وإني لأتمنى الموت، وأرحب به لولا شفقتي ~~على ابنتي وحشاشتي وقرة عيني. # وهنا تنهدت كريمة، وزفرت زفرة المتأوه، وأذرفت الدموع، وقالت: إنما قلبي على بنتي ~~وشفقتي عليها لا على نفسي، فقد لزمت التعاسة هذه المسكينة منذ يوم ولدت؛ فعاشت ذليلة يتيمة ~~من أبيها الكريم الفاضل ووا لهفي عليها، كيف تكون حالها حين تفقد أيضا والدتها؟! # فعاود غانم انشغال البال والقلق عند سماعه هذا الكلام، فقال لأخته: أي شيء تخافين على ~~ابنتك، فهي تقيم من بعدك في حجر زوجك خليل؟ # فارتعشت عند ذلك فرائص كريمة، وقالت: هيهات هيهات أن تجد لها سندا عنده، وهي بعد مماتي ~~تكون غريبة، فلا تبقى علاقة أو قرابة بينه وبينها. # قال: إن لم يكن هو القيم عليها، فإن أهالي زوجك الأول يهتمون بأمرها. # قالت: يا ليت لزوجي أهل في قيد الحياة، ولكن قد توفاهم الله جميعا لتمام نحسها وتعاستها، ~~فليس لها راحم ولا ناصر. # فاضطرب خاطر غانم وعلم أن الكلام موجه إليه في الوصاية على الابنة اليتيمة. # فقال: ما أعلم كيف يؤول أمر الأيتام، فالله يبعث رزقهم ويتولى أمرهم. # قالت: إني لا أجد لي في الكون ناصرا إلا رجلا أثق به، وأجعله وصيا على ابنتي بعد ~~مماتي. إنه عضدي المتين وسندي المكين، ومحط رجائي، واعتمادي واتكالي عليه ثابت، ألا وهو أنت ~~يا أخي وعزيزي المحبوب الشفوق، فإليك أعهد أمر ابنتي اليتيمة. # فانخطف لون غانم واضطرب جنانه، وأراد أن يتكلم فانعقد لسانه، ورجفت أركانه، فلم يكن ~~برهة من الزمن حتى عادت أخته إلى الكلام، فقالت: أوصيك خيرا بتلك اليتيمة، وأستحلفك أن ~~تنظر إليها بعين الشفقة والرأفة، فمن أجلها حضرت إليك غير طالبة منك ms024 إحسانا، وإنما سألتك ~~أن تكون كفيلا لها بعد وفاتي تجعلها في حضانتك، وتوسع لها محلا في منزلك، وتسندها ~~وتعضدها، فهي على الأخلاق اللطيفة والصفات المحمودة، ولا شك أنها تجد السعادة عندك بعد ~~مقاساتها مر الشدائد عندي، وأخاف عليها أن يصيبها مكروه، وأما منزلك فواسع رحيب، فإن ~~شئت جعلتها كأبنائك، وإن شئت فهي من إحدى جواريك. # فغلبت طبيعة البخل على عقل غانم، وتأمل في النفقة التي يغترمها في الوصاية على ابنة أخته، ~~فقال: تتكلمين كأنك على فراش النزاع ومفارقة الحياة الدنيا، وأنت - بحمد الله - صحيحة ~~الجسم، لو سألنا الأطباء عني وعنك، واتبعنا القواعد العمومية في مسائل الطب والأجسام ~~لرأيتني أقرب منك إلى الوفاة؛ لكوني أكبر منك بست سنوات، وفضلا عن ذلك فالنساء على ~~الغالب يعشن فوق ما يعيش الرجال، فلا محل لرهبتك ولا صحة لتصورك وتوهمك وتنغيص عيشك بدون ~~موجب، والاهتمام بشأن ابنتك قبل الأوان، والواجب عليك أن تكوني حزومة، وتجانبي هذه الأفكار ~~وتطرحيها، ولو كان في قولك مسوغ لأجبتك بالإيجاب، ولكنني لا أرى داعيا إلى ذلك. # قالت: لك يا أخي أولاد، وأنت تعلم مقدار حنو الوالدين وعطفهم على أولادهم، وشدة ~~اهتمامهم بأمرهم، وكل رجائي عندك أن تسكن حرقتي، وتريح بالي، وتخبرني هل تجد ابنتي من ~~يتولى أمرها بعد وفاتي؟ # فحار غانم في أمره، وجعل يضرب أخماسا في أسداس، ويتدبر كيف يتخلص من هذه الورطة التي ~~وقع فيها، فرأى أن يوافق أخته، فلا يخالفها في النظر، وأن يعدها بما شاءت لتسكين ~~بالها، وناهيك من وعد البخيل، فقال لها: إن حصل الأمر الذي تخشينه، وقدر الله أن يحين ~~أجلك قبل أجلي فلك العهد علي أن لا أهمل شأن ابنتك، وأن أعتني بها، وأبذل لها الجهد في ~~الخدمة، فتكون مرتاحة مطمئنة مقيمة عندي كالابنة في بيت أبيها، فسكني الخاطر ولا تجزعي، ~~والله سبحانه يرحم كل ضعيف. # فأشرق جبين كريمة عند سماع هذا القول، وانتعش فؤادها فقالت: تعدني يا أخي بأنك تجعل عفيفة ~~ابنتي في منزلك، وتتولى أمرها والحفاظ عليها؟ # قال: نعم، أعدك بذلك ms025 ، وأشهد الله على نفسي، وأجتهد في صلاح أمرها، وتزويجها برجل كفؤ ~~لها تقيم بالراحة والسعادة عنده، وأتعهد نفقتها، وإن احتاج الأمر إلى جهاز لم أتأخر عن ~~ذلك. # فتهلل وجه كريمة، وقالت من فرط حبورها: حفظك الله يا أخي وأنعم عليك، فسامحني واصفح عني، ~~وتجاوز عن خطيئتي حين رجمت فيك الظنون، وأنت واسع النظر، وألتمس منك الإقالة فليست تخفى ~~عليك أعذاري. # قال: غفر الله لك ولا بأس عليك، إنما الناس صناديق مقفلة مفاتيحها التجارب، فقد يتظاهر ~~كثيرون بالاستقامة والكرم والعفاف وهم خبثاء ماكرون، ويظن المرء في قومه سوءا وهم صلاح ~~مستقيمون، وينسب إليهم من المفاسد والرذائل ما هم عنه بمعزل، وربما ظهر لك مني الجفاء ~~والغلظة والخشونة فكانت الحال بالعكس، فقري عينا وطيبي نفسا وسكني البال، واعلمي أني ما ~~دمت حيا باذل جهدي والعناية في شأن ابنتك إن كنت ترغبين مني فوق هذا، وقد أجبت سؤالك ~~فاصرفي عنك الأكدار، والآن فقد مضى الوقت علينا والأصحاب في انتظاري، ولا ريب أني ضايقتهم ~~بطول الحديث معك. # فتقدمت كريمة إلى أخيها، وأقبلت على يده تقبلها ودموعها منسكبة على الخدين وقالت: ~~إني مقصرة عن شكر جميلك، أوليتني نعمة لا أستحقها، وفرحت قلبي فرح الله قلبك، وجعل ~~أوقاتك سعودا وسرورا، وجزاك الله خيرا، فقد أنقذت ابنتي من مخالب الجوع والعار، وفتحت ~~لها باب السعادة والراحة، فآخر رجائي عندك يا عزيزي أنك تعجل معروفك، ولا تؤخره إلى ~~وفاتي، وكن بي وبابنتي رءوفا، واجعلها منذ الآن في منزلك، ليهدأ بالي وتصفو أفكاري، وأقابل ~~الموت مطمئنة محبورة. # فما فرغت كريمة من قولها حتى انقلب وجه أخيها، وتبدلت بشاشته غضبا، وتولاه الذهول ~~والدهشة، فجعل يروغ كالثعلب في فخه، وحار في أمره كيف يفعل، فلما رأت تغيره وتبينت ~~السخط فيه اضطربت وعلا وجهها الشحوب، قالت: إني أشعر برجوع المرض، وأخشى أن يغتالني الألم ~~ويعجل علي الوفاة على غفلة، فتشاهد ابنتي نزاعي، فتموت جزعا على أنها لطيفة المزاج ~~والشعور، ضعيفة الجسم، حديثة السن، لا تقوى على احتمال المشهد المحزن، فأكرر الرجاء ~~وألتمس ms026 منك يا أخي العزيز الحنون أن تبادر إلى البر، فلا تنتظر آخر ساعة من حياتي لإنجاز ~~وعدك وإتمام مقاصدك النبيلة، ونواياك الجميلة، فاجعل ابنتي في حرزك، واكفها الكرب والعذاب، ~~ولا تدعها تتجرع مرارة الكأس ومكابدة ما لا تطيقه من الروعة والأسى، ودعني أموت ذاكرة فضلك ~~داعية لك بطول البقاء والإقبال، إن أعظمي في قبرها تثني عليك، وقد شهدت أنك تحبني، فانقل ~~محبة الوالدة إلى الابنة، واجعل عفيفة بمعزة أولادك، فتلك أعظم مجابرة وتعزية لي قبل حلول ~~رمسي. # فاشتدت حيرة غانم وتنبه إلى غلطه، كيف قادته سماحته الموهومة إلى حيث لا يحب الوصول، ~~فقد كان كل قصده الوعد لا الوفاء، ولكن ساقه الحديث إلى ما لا يشتهي، وغلبت عليه طبيعة ~~البخل، فانقلبت سحنته، وأجهد قريحته ليرى كيف يتخلص من أخته وابنتها، فقال: غمض علي ما ~~تقولين فلم أفهم مرادك، أترين أن تجبريني على فعل ما لا يليق، ولا يحتمل وقوعه من ذي ~~لب؟ ترغبين أني أفرق الأم عن ابنتها عند قرب الوفاة؟ أفي الكون أفظع من هذا العمل الذي ~~تشمئز منه النفوس الأبية، وتكرهه الطباع الإنسانية، وتحرمه النواميس الإلهية والطبيعية؟ ~~وبفرض التسليم بأنك على آخر رمق من الحياة كما تدعين، أيستلزم ذلك مفارقتك ابنتك ولو ~~دقيقة واحدة؟ إذ الواجب أن تلازمك ليلا ونهارا، وتجلس على فراشك، وتغمض بيديها عينيك، ~~وتتلقى آخر نسمة من فيك، فهذه فروض مقدسة يقوم بها البنون، وعلى ظني فإني لو رضيت بأن أجعل ~~ابنتك عفيفة عندي، فهي تأبى أن تفارقك لحظة ما دمت في قيد الحياة. # فسكبت كريمة الدموع الساخنة، وقالت لأخيها: أظننت يا شقيقي أني راضية بمفارقة ابنتي ~~بخاطري؟ كلا ثم كلا ... وحبك الصادق إنها سلوتي الوحيدة في الدنيا وتعزيتي، بل حياتي وروحي، ~~ولكن الأمر خطير والأسباب عظيمة والله يعلم مقدارها. # قال: ما تلك الأسباب؟ # قالت: لا أستطيع بيانها، فأعفني من ذلك. # قال: من لي بعلم الغيب؟ # قالت: سيان بوحي وكتماني، فلست طالبة منك غير النعمة التي وعدت بها. # قال: تطلبين مفارقة ابنتك والانفصال عنها قبل ms027 وفاتك ولا تبينين الأسباب؟ # قالت: بحقك يا أخي لا تزد أحزاني وأشجاني، وأن تعفيني من ذكر أمور تقطع كبدي، وهي ~~أمر من الموت عندي، فمصائب هذا العالم كثيرة وبلاياه وفيرة، وقد لا يجوز للإنسان أن ~~يصرح ببعضها فتوارى بموته، والأسباب التي تريد الاطلاع عليها من ضمن المصائب التي لا ~~يجوز البوح بها، ويلزم أن تموت بموت صاحبها. # قال: تتكلمين بالأحاجي والمعميات والألغاز كأن لي وقتا أضيعه في التفكير في حل الرموز، ~~أخبريني باختصار عن الأسباب الداعية لافتراقك عن ابنتك. ثم قال لها وقد ضاق صدره: إن لم ~~يخطئ حذري فإن خليلا زوجك يسيء معاملتك ومعاملتها، ويتصرف تصرف الأنذال الأخساء، فترغبين ~~خلاص ابنتك من جوره، تلك أمور معتادة تحدث غالبا عندما تتزوج أرملة ولها أولاد من زوجها ~~الأول. # قالت: لم يكن هذا هو السبب. # قال: لا سبب غيره، وإن أخفيته عني، فإني لا أستغرب صدور الأمور الشائنة من زوجك الذي أعلم ~~له من الأخلاق وسوء الطباع ما أعلم. # فكانت كريمة كلما لفظ أخوها اسم خليل - زوجها - تضطرب وتنقبض، فقالت: بحقك يا أخي أن تدع ~~ذكره. # قال غانم: أعلم أنك واسعة الخلق صبورة، فيجب عليك أن تحملي المصيبة بشكر وتصبري على ~~بلواك، وتكتمي الأمر عن كل واحد، ولتعلمي أني لا أنظر فيما لا يعنيني، ولا أدخل في عداوة ~~زوجك وأكدار أغناني الله عنها. # قالت: أنسيت وعدك الآن لي؟ # قال: كان وعدي مشروطا. # قالت: والشرط وفاتي. # قال: أسأل الله أن يتوفاني قبلك. # قالت: إذن ترفض التماسي، ولا تقبل ابنتي عندك. # قال: محلها عندك لا عندي. # قالت: عندي تعيش في التعاسة وبالشقاء تموت. # قال: ما قدر الله كان، وما لم يقدر لم يكن، ولم يسمع البتة في الغابرين أن الحزن ~~أمات صاحبه. # قالت: قد تكون ابنتي على خطر رائع وريب هائل إن أقامت في بيت زوجي وعذاب يهون دونه الموت ~~الزؤام. # وهنا خرت كريمة على الأرض راكعة، وانسكب الدمع من عينيها، وقالت مستعطفة: أحلفك يا أخي ~~بالمرحوم والدي والمرحومة والدتي، وأقسم عليك بالديانة والشرف ms028 وبأولادك الأعزاء وبابنتك أن ~~تسمع مقالي، فالمقام جليل، أسأل الله أن لا تقف فيه وقفتي هذه، فتلتمس ما أنا ملتمسة منك ~~الآن. # فانحنى غانم قليلا لينهض شقيقته من ركعتها وقال: اعلمي أننا في فندق عمومي لا في ملعب ~~تياترو وتشخيص روايات. # فنهضت كريمة بانكسار وتألم عناء شديد، وفي عينيها الجمود، تنظر إلى أخيها نظرة الغائب عن ~~رشده أو كالأبله المعتوه. # فقال لها غانم: تستحلفيني بالأيمان وشرف ابنتي فأجاوبك أن مصلحتها تحملني على رفض ~~التماسك، ولتعلمي أن في قلبي الشفقة عليك، ولكن مبادئي المقدسة تحكم علي بأن أجفوك، ولعلك ~~تتذكرين أني بعد وفاة زوجتي لم أفكر في زواج، وأني آليت على نفسي ألا تدخل بيتي امرأة ~~بعدها، وحاش أن أكون قد حقدت على النساء من أجل ريب رأيته في زوجتي، فلن أذكرها إلا بخير، ~~واحترام الأموات عندي سنة مقدسة، ولكني تذكرت كثرة النفقات التي كنت أغترمها لمرضاتها، ~~والنفقة الكثيرة مكروهة عند الرجل العاقل، ولا غلط أعظم من غلط من يزعم أن المرأة لازمة ~~بمنزل الرجل لترتيبه وتدبير أحواله، فالأمر بالعكس إذ رأيت النساء من بلايا الكون ومصائبه، ~~وعلة الشرور ومصدر كل ضرر، ولذلك فإني أطلب من الله لأحبابي ألا يذوقوا يوما ولا ساعة ما ~~ذقته من الكدر في حياة زوجتي المرحومة بسبب إسرافها وإنفاقها بغير حساب، وخصوصا عندما كنت ~~أرى الخياطة تقدم حسابا بمطلوبها أو التاجر كشفا ببضاعته التي باعها، فأدفع الثمن ~~وروحي من الكدر تكاد أن تزهق، ثم إنه بأسباب النساء تكثر الزيارات والمقابلات وتستمر ~~الولائم، وتتواصل السهرات، وجميع هذا يحتاج إلى النفقات الباهظة والمصاريف الفادحة. فيكف ~~تكون حالة الرجل وهو يرى جنى غرسه مبددا وثمرة أعماله ضائعة؟! فوالله ليس من مصيبة ~~لرجل عاقل حازم تعدل هذه المصيبة، ولو لم تدارك المنية المرحومة عاجلا لهلكت غما وحزنا ~~وكنت في الغابرين. وأكرر القول: إني لا أريد قذفا بها ولا حقدا عليها، فالله يشهد أني ~~حزنت كثيرا على فقدها، وغفرت لها ما أسرفت، وسألت الله أن يسامحها، وإنما أردت تذكيرك ~~بخبرها، وأني ms029 أقسمت على نفسي ألا أدخل النساء في بيتي قطعا لأسباب السرف والتبذير، وهو ~~يمين مقدس عندي أحافظ عليه إلى مماتي، وفي هذا كفاية إن كنت تفهمين الإشارة. # قالت: أعجم علي يا أخي كلامك فما فهمته. # قال: كلمتك بالعربية وهي لغة تعلمينها، ونتيجة قولي وخلاصته: أني لا أقبل في منزلي ~~امرأة ولا بنتا، وهذا الشرط فرضته على نفسي من نحو عشر سنوات فحفظته، فلا يسعني الإخلال ~~به البتة، ولشدة حفظي عليه أجريته على ابنتي فأبعدتها من منزلي، وجعلتها في المدرسة تقيم مع ~~ترائبها نائمة قائمة فلا تخرج حتى لم يبق في منزلي أثر جنس النساء ... ومتى خرجت ابنتي فإلى ~~بيت زوجها تدخل لا إلى بيتي، وكذلك فقد أعلمت ابني سعيدا أنه يخرج من منزلي حين يتزوج، ~~فأبقى وحدي بعيدا عن النساء خاليا من الهموم، فكيف يمكنني أن أقبل ابنتك في منزلي وقد ~~أبعدت عنه أبنائي؟! # قالت كريمة: تجفوني هكذا يا أخي، فلا يبقى في قلبك محل لرحمة ولا تشفق على شقيقتك ~~المسكينة؟! # قال: ليس الأمر بوسعي، ولن أحنث في اليمين، فدعي اللجاجة، إنها لا تفيد شيئا. # وكان كلام غانم بصوت جاف يقطع الأكباد تقطيع الحسام الهام، فانفطر قلب أخته، ~~وتمزقت أحشاؤها، وعلمت أن تذللها بين يديه لا يفيد شيئا، فتجلدت لبلواها، وقالت وهي ~~تنظر إليه واجمة حاقدة: تمتع بظلمك قليلا، ها أنا خارجة عنك، أذهب فلا تراني بعد هذا يا ~~قاسي القلب يا عديم الشفقة والرحمة، تهيأ فسيبلغك عما قليل نبأ - والله - فظيع لم تدفعه ~~وأنت مقتدر، فلعلك تندم وتبكت الضمير، ولن ينفع التبكيت شيئا، وقد قضي الأمر ونفذ ~~السهم ... أفارق هذه الدنيا ساخطة عليك لاعنة اسمك داعية بتقطيع قلبك الصخري إن كان لك ~~قلب، وهذا وداعي الأخير إليك لا وداع بعده، ولا لقاء إلا في الآخرة يوم ينصب الميزان، ~~فتحاسب على ما جفوت وعتوت وتجردت من الإنسانية، وتخلقت بالأخلاق الذميمة، وتكالبت في ~~محبة المال تجمعه، وضننت به أن تنفقه في سبيله؛ لتدفع عني وعن ابنتي وعنك العار والشنار. إن ~~ذلك ms030 اليوم لرهيب، أجيء مطالبة وابنتي بالعرض المهتوك، وأرفع وإياها الأيدي للانتقام منك يا ~~ظالم. # وهناك انقطع صوت كريمة، فخرجت مسرعة، وهي لا تبصر ما حولها كفاقدة الشعور. # أما غانم فلم يجاوبها بكلمة، ولم ينتقل من مكانه، ولم يتأثر مما سمع كالوحش الذي ليس ~~له قلب، وقال في نفسه وهي خارجة: إنها مجنونة، وليس على المجانين حرج. # ثم نادى الخادم ليدعو هماما، وقد طال عليه الانتظار. # | الفصل الرابع # دخل همام وفؤاد وسعيد، فاعتذر إليهم غانم عن التأخير بسبب حديثه مع شقيقته، ثم جلسوا ~~للطعام، وقد جاعوا فأكلوا باشتهاء. # وكان غانم على بخله أكولا يلتهم الطعام، كلما قدمت إليه صحيفة ابتلع ما فيها شاكرا ~~فضل همام على دعوته، ولو أن الحديث الذي حصل بين غانم وبين شقيقته حصل لغيره لانقطعت ~~قابليته، ولكن غانم كان على طبع لا تؤثر فيه الفواعل، ولا تعمل العوامل ولو بلغت ما بلغت ~~من الشدة، غير عامل البخل وخوف النفقة، وهي الآن على همام صاحب الدعوة، فمن أجل ذلك كان ~~ناعم البال منشرحا يتناول طعامه بكل اشتهاء، فيا ليت كان قلبه سويا كمعدته! # وكان سعيد يحذو حذو أبيه، فلا يتخلف عن الأكل على كثرة الألوان، حتى كأن معدته بئر لا ~~تمتلئ. # وقام همام بواجبات الدعوة وإكرام المدعوين، يسكب لهم الخمر في الكاسات البلورية، ويلاطفهم ~~بالحديث والمنادمة. # وكانت شهوة الشرب عند سعيد بقدر شهوة الأكل، فجعل يتناول الكاسات من يد همام يحسوها على ~~عجل، ويرجع إلى أكله كأنه لم يذق طعاما منذ يومين أو ثلاثة! # وكان فؤاد صامتا غارقا في بحر الهواجس والأفكار، ولا يأكل إلا قليلا، ولا يتعاطى ~~الخمر، فإنما قد حضر حضور افتخار لإكرام المدعوين، فلم يرق ذلك في عين همام، وقد أشار إليه ~~خاله ونبهه ليأكل ويتكلم فلم يفعل. # ولما انتهوا من طعامهم أحضر الخادم القهوة، ~~وأخرج همام من جيبه علبة سجائر من أفخر ما يدخن، وقدمها بين أيدي غانم وابنه سعيد، فتناول ~~غانم أكثر من النصف وقال لهمام: تعذرني أني أخذت أكثر من واحدة، فإني ms031 مواعد على زيارة في ~~هذه الليلة، ولا يتبشر لي الذهاب إلى دكان تاجر الدخان عميلي لأشتري منه ما يلزمني، وفضلا ~~عن ذلك فإن سجائرك تعجبني؛ لأنك لا تشتري إلا من الصنف الأعلى، وأنا أقنع بأقل شيء؛ وذلك ~~لأننا معشر الرجال المتزوجين نتعب ونشقى ونسعى في أثر الرزق آناء الليل وأطراف النهار، فلا ~~نبلغه إلا بشق الأنفس، فتأكله النفقة على البيوت المعلقة بأعناقنا، ولا يعلم مقدار ما نعاني ~~من المشاق إلا المتزوجون، وأما العازبون مثلك فيجهلون ذلك، فلا تلمني أن رأيتني مقترا على ~~نفسي في النفقة. # ثم إن غانم التفت إلى فؤاد وقال: إني أعجب منه كيف لم يفه بكلمة طول مدة العشاء؟ ولعله ~~تكدر من معاشرتنا، فلم يرق حضورنا في عينيه أو ضايقه حجز حريته عليه. # فجعل همام ينبه ابن أخته، ويحثه بالإشارة على ملاطفة المدعوين ومسامرتهم، فلم ينتبه ~~فؤاد لهذه الإشارة كأنه في سبات النوم لا يسمع ولا يرى. # فتكدر من ذلك همام، وساءه عدم اكتراث ابن أخته بأهل خطيبته، فكان يصر على أسنانه، ويعض ~~على شفتيه من الغضب فلا يتكلم. # ثم إن غانما نهض لينصرف، فخرج همام معه، وانطلق فؤاد مع سعيد يتنزهان في حديقة ~~الأزبكية. # وكانت الليلة مقمرة، ينجلي في سمائها البدر في تمامه مرسلا أشعته الفضية على سندس خضرة ~~الحديقة؛ فيتلألأ بهاء وإشراقا، وكأن البحيرة لجين نقي تتموج فيها أشعة القمر الساطعة، ~~وتتحرك الأغصان بمرور النسيم اللطيف المحيي القلوب المنعش الأجسام. # وكان حول البحيرة جماعة المتنزهين والنساء يتمايسن بالقدود اللطيفة، فيخجلن البدور ~~السوافر والأنجم الزهرية، وكانت الموسيقى العسكرية تصدح بألحانها الشجية فتأخذ أصواتها ~~بمجامع القلوب، والمغنون في القهاوي يوقعون على الآلات الأدوار الجديدة، والناس حولهم جلوس ~~يرددون أصوات الاستحسان، وغير ذلك من المطارف التي جمعتها حديقة الأزبكية، وكان سعيد في تلك ~~الليلة قد أكثر من الشراب فجعل يعربد ويمزح ويقهقه كالسكارى. # وبعد أن قضى فؤاد برهة من الزمان يتنزه في الحديقة دائرا حول البركة، استأذن لينصرف ~~فمنعه سعيد بقوله: أنت الليلة معي، لن أفارقك، ولن أدعك ms032 تذهب في هذا الوقت، والمكان زاهي ~~الحظ جميل، فلنغتنم الصفو ولنمتع القلوب بسماع الآلات، وإن شئت نمتع النواظر بمشاهدة ~~النساء الحسان المتنزهات، فلعلنا نجد بينهن صيدا شهيا نتفكه به بعد الطعام الفاخر الذي ~~أكلناه في دعوة خالك، فأنت الآن في رفقتي، فلا تخف إنما قد استغربت أمرك إذ رأيتك تأكل أكل ~~الأطفال وتشرب شربهم، وأنت حيي خجول كالبنات العذارى، وهذا ليس من شأن الشبان، وجئت الآن ~~تطلب الانصراف كأنك تخشى طارقا إن غبت عن منزلك فلم ترجع إليه في ميقاتك، فما الذي يعكر ~~عليك؟ أيكون السبب في انشغال بالك وحبك العزلة عن الناس عشقك لأختي سعدى التي ستكون قريبا ~~زوجتك؟ وإن شاء الله كان اسمها مقارنا مسماها، فتجد في قربها السعود، فإنها سترث من أبيها ~~أملاكا واسعة تتمتع بها، وقد بلغني أنك محب للمال راغب في تعجيل اقترانك بها، ولأجل مرضاة ~~خاطرها تحرم نفسك من الطيبات، وتمتنع عن الحضور في مجامع الناس ومجالس أنسهم وطربهم لتحسن ~~خطيبتك فيك الظن، فلا تنسب إليك شيئا من الباطل والعيب. # قال فؤاد: أخطأ ظنك يا صاحبي، فلا عتب عليك فيما تقول، إنما العتب على الخمرة التي أنطقتك ~~بالقول السخيف، فأنت معذور. # قال سعيد: تستعمل المصانعة في حضوري، فبالله دع ذلك إلى مجلس شقيقتي وخاطبني بحرية، فإن ~~التكلف يقبض الصدور، ويدفع أسباب المباسطة والانشراح، ولك العهد علي أني لا أخبر أختي ~~بشيء. # قال فؤاد: الرأي عندي أنك تنصرف إلى منزلك، فالنوم أنفع لك، وهو الدواء الشافي لسكرك، ~~ومتى صحوت غدا تكلمني على هدى، وتذاكرني الحديث الذي تبتغيه. # قال سعيد: رأيتني أكثرت شرب الخمر، فزعمت أني سكرت وما أنا بسكران، فإني وحقك معتاد ~~على شرب أضعاف ما شربته في هذه الليلة، فلا يحصل لي أقل انزعاج، ولا خرجت البتة عن صوابي ~~ورشدي، وأنا الآن أكلمك على انتباه، فلا تسلك معي سبيل المكاتمة، ودع التقوى والتصاون ~~إلى وقت آخر، وتظاهر بما شئت أن تتظاهر من الورع والفضيلة في مجلس أختي؛ لاستجلاب خاطرها ~~ورضاها. # قال فؤاد: وهمت يا ms033 صاحبي، فأفعالي منطبقة على أقوالي، فلا أقول شيئا إلا ومصداقه في ~~قلبي ويقيني، ولك أن تحكم في طباع أختك، فأنت أعلم بها مني، وليس لك أن تعلم طباعي وتحكم لي ~~أو علي في أمر تجهله. # قال سعيد: أؤكد لك يا فؤاد أني أعزك فوق ما أعز أختي وأفضلك بالتهذيب والأدب والرقة حالة ~~كونها على الأخلاق المنافية لذلك. # قال فؤاد: تحكم على أختك بالكبرياء وقلة الأدب والتهذيب إن كان يصدق قولك؟ # قال سعيد: ما كلمتك والله إلا عارفا، غير راجم طعنا فيها، وفي استطاعتي أن أبرهن لك ~~على قولي لولا خشيتي نقل حديثي إليها، فيقوم بينها وبيني النزاع، فتضربني وأضربها وتنتف ~~شعري، وتخمش وجهي، أو تسمل إحدى عيني بأظافرها. # قال فؤاد: من يصدق قولك وأنت أقدر منها، والنساء أضعف من الرجال عموما؟ # قال سعيد: إن قدرت الخبيثة فعلت، وإن لم تفعل فليس من عدم الإرادة. # قال فؤاد: شيء عجيب، كنت أظنها وديعة هينة الطباع، وأنت تخبرني بالعكس. # قال سعيد: خدعتك كما خدعتها أنت بتقواك وأدبك وحيائك، وما أخبرتك بهذا إلا لتحاذر حين ~~زواجك بها أن تسمل عينيك بأظافرها الطويلة. # فقلق فؤاد لسماع هذا القول، ومع علمه بأن سعدى دميمة الوجه مجردة من الذكاء والمعارف، كان ~~يظنها هينة الطباع رقيقة الجانب لطيفة المعاشرة وديعة النفس - كما هي الحال عند النساء ~~المجردات من المحاسن الظاهرية - وجعل يتفكر في أمره، كيف يمتنع ويخالف رأي والدته إن صدق ~~كون سعدى على هذه الصفات القبيحة. # فلحظ سعيد اضطراب خاطر فؤاد وانفعاله من كلامه، فأراد أن يتدارك ما فرط منه فيصلح الخطأ ~~فقال: إن ما أبديته من القول على أختي سعدى مزاح، فلا تحله محل الجد، واعلم أنها حسنة ~~السيرة طيبة السريرة، إن تزوجت بها كنت في سرور وحبور. # قال فؤاد: وحياتك إني لم أخف على عيني سملا، ولا أرهبني طول أظافرها. # قال سعيد: لا تعر قولي جانب الصحة، فهي مباسطة ومجون، وإن شئت فهيا بنا للخروج فقد غلب ~~النوم علي، وإني أحب مجاراتك ومرافقتك. # فجالت الخواطر ms034 في رأس فؤاد، وكان في الابتداء راغبا عن الخروج، فأصبح الآن بعد سماع كلام ~~سعيد راغبا فيه، مريدا ملازمة سعيد ومصاحبته ابتغاء استطلاع أحوال سعدى وخوافي أمرها، ~~فالتمس منه أن يقيم معه إلى آخر الليل. # قال سعيد: قد سألتني من دقيقتين أن أنصرف وأنت الآن تطلب إقامتي، فلي الحق في ~~ملامتك. # قال فؤاد: لم يحن وقت الرقاد، ونحن في أول الليل، وقد قلت: إنك لا تسكر من شرب كأسين، ~~فأخذت قولك على وجهه. # قال سعيد: هوم النعاس في رأسي، فلا أستطيع السهر، ولو عيرتني فاسمح لي بالانصراف، وإن ~~شاء الله قابلتك غدا وكلمتك مديدا عن سعدى وخلافها. # وكان فؤاد شديد الرغبة في استطلاع حقيقة قول سعيد على شقيقته سعدى، واستغرب أن يسمع ~~حديثا كهذا منه مع أن العادة أن أهل العروسة لا يبلغون عنها إلا كل حسن، ويخفون شوائبها ~~ومعائبها، فوقع في نفس فؤاد من كلام سعيد أن سعدى على سوء الأخلاق وذميم الطباع، وأنه إنما ~~أنطقه السكر فألح خطابه وقال له: إن كان لا بد من توجهك للرقاد فلنشرب كأسا أخيرة من ~~الكونياك ثم ننصرف، وشراب الكونياك موصوف بخاصيته في هضم الطعام وللنوم والاستراحة. # قال سعيد: أصبت، فالكونياك من خاصيته أيضا التنبيه وإصلاح ما أفسد النبيذ، فاخرج بنا إلى ~~قهوة البورس فإن مشروبها جيد موصوف. # فانطلق الصاحبان معا، وقد انطلت الدسيسة على سعيد فلم يدرك الغاية، وانتهيا إلى القهوة، ~~وجلسا يتحادثان، وأحضر الخادم لهما زجاجة كونياك فشربا، وأكثر فؤاد من العزومة على سعيد في ~~الشرب، فأجاب هذا دعوته، وجعل يتناول الكأس بعد الكأس حتى فرغت الزجاجة، فنادى فؤاد الخادم ~~ليحضر أخرى، وكان قد أخذ السكر في رأس سعيد كل مأخذ، فاستخفه الطرب، وجعل يعبث ويضحك، ~~وعند ذلك سأله فؤاد قائلا: أمن أمد بعيد فارقت سعدى شقيقتك؟ # قال سعيد: أراك جاعلا سعدى شقيقتي محور الحديث فلا بأس في ذلك، املأ الكأس لي أولا، ~~فإني أرى الكونياك باردا خفيفا لا يروي الظمأ. # فملأ له فؤاد وهو يقول: تتعجب مني كيف أسألك ms035 عن شقيقتك، وهي ستكون عما قليل زوجة لي، ~~والحديث عنها يسرني. # قال سعيد: والله يا صاحبي إني أرى حالتك كحالها، أنت ترغب في سماع أخبارها بقدر رغبتها في ~~سماع أخبارك. # قال فؤاد: أي شيء تحبه من أخباري وتنشرح لسماعه؟ # قال سعيد: لك علي قول الصدق لغير رياء، إن شقيقتي لا تسأل عن مزاياك الحميدة وأدبك ~~وحشمتك وذكائك ولطفك ودعتك ورقة جانبك، فإنها متكبرة لا تحتفل بهذه الصفات، وإنما تتحدث في ~~شرف أصلك ونسبك بما جبلت عليه من حب الفخفخة والعظمة، وقد بلغتها المفاوضات الحاصلة في شأن ~~زواجك بها، فجعلت تنظر إلينا بعين الاحتقار كأننا أوضع منها أصلا، وقال محتدا: ولا شك أن ~~ذلك من قصر العقل وقلة التمييز. # وكان سعيد قد شرب كأسه، فسكب له فؤاد، وهو يقول في نفسه: رحم الله عاصر الشراب، فأقف في ~~هذه الليلة على طباع وأخلاق مخطوبتي، وأعلم الحقيقة المكتومة، ثم إنه ناول سعيد الكأس ~~ليشربها، فقال والكأس في يده: ليتك يا فؤاد كنت حاضرا فترى حركاتها، وتسمع حديثها عند ~~تعريفها بذكرك وافتخارها بنسبك، وأنها ستكون لك زوجة، فتبدو منها إشارات الطرب، وتهتز كما ~~يهتز الأحداث عندما يعطون ألعوبة أو شيئا من الحلويات، فيكون نصيبها مني أني أعبث بها ~~بما أوتيت من الإدراك فأوبخها على حديثها لو أنها تسمع تأنيبا، وأكرر عليها القول فتجاوبني ~~بالشتم وتهينني فأشاتمها وتشاتمني، ويقع بيننا النزاع، فلا تلمني إن قلت لك الحق، ولا تعتب ~~علي إن رأيتني لا أحبها؛ إذ لا شيء فيها يحب. # ثم إنه شرب الكأس وقدمها لفؤاد فملأها، وجعلها على المائدة أمامه وقال: وأخبرك على سبيل ~~المباسطة بما حصل بيني وبينها وأنا في حداثة السن، فقد كنا كلانا كالعدو مع عدوه لا نتفق، ~~والخصام مستمر بيني وبينها، فكنت أقوى جسما منها، وهي أشد مكرا مني وخبثا، ومن مكيدتها ~~أنها لا تقلم أظافرها حتى إذا وقع بيني وبينها خلاف هجمت علي وهشمتني، فما تنفصل عني ~~إلا وقد خمشت وجهي وشوهتني، وقد نبهتها كثيرا لتقطع أظافرها التي هي أشبه ms036 شيء بالمخالب ~~أو بأسنان مسنونة فلم تفعل، فبينما كانت تنازعني يوما من الأيام، وثبت علي وثبة الأسد ~~الضاري، وخمشت وجهي بأظافرها حتى سال الدم منه، وشعرت بألم لا مزيد عليه، فكنت من شدة ~~الغيظ لا أهتدي، فبادرتها بضربة عنيفة على رأسها، ولكنها أفلتت مني، وأسرعت وراءها فلم ~~أدركها؛ لشدة عدوها، فتناولت حجرا صغيرا رجمتها به بمنتهى عزمي وقوتي فأصاب وجنتها، وقلع ~~لها ضرسا من الأضراس، وبقي أثر الجرح في وجهي ظاهرا مدة شهرين، وكادت تشوه ~~خلقتي. # قال فؤاد: لله درك ما أشد بأسك وانتقامك! أنت على الوصية بأن تعتدي على من اعتدى عليك، ~~وعلى مذهب النبي موسى بمعاملة الناس بالمثل. # قال سعيد: عاملتها كما عاملتني، هشمت وجهي، وكسرت ضرسها، فعدوان بعدوان. وقد كان لهذه ~~الحادثة شأن كبير بيني وبينها، وترتب على ذلك العداوة الخالدة، فتراني حاقدا عليها، وتراها ~~ساعية في الانتقام مني، وكلانا محاذر من الآخر. # قال فؤاد: لم أشاهد لها سنا مفقودة، فالظاهر أن قد نبت لها ضرس جديدة، إذ كنتما في ~~حداثة السن أثناء تلك المشاجرة. # قال سعيد: كان عمرها في ذلك الحين ست عشرة سنة، ولا تنبت الأسنان في هذا الدور من أدوار ~~الحياة على أن والدي صنع لها سنا صناعية عوضا عن المفقودة، فلا تستطيع أن تميزها عن ~~الطبيعية إلا بشدة بياضها إن دققت النظر. # فعندما سمع فؤاد ذلك تعجب واهتز مقشعرا، فاستتبع سعيد الكلام قائلا: وقد جاء تركيب ~~السن في غاية الإحكام بحيث يستحيل الفرق بينها وبين بقية الأسنان، وهي في الفك الأعلى وبعد ~~زواجك تتذكر قولي، وتخبر شقيقتي بحديثي، فترى كيف تغضب وتصخب، وربما أخذتني على كلامي، ~~وأكون قد أخطأت بما أخبرتك، إذ كان الواجب علي السكوت، ولكن الحق عليها لا علي إذ نصبت ~~لي العداوة، فلا بد أن أنتقم منها، ولست أنتقم إلا بالحق. # فاستغرب فؤاد من هذا الأمر، وكان يقول في نفسه: أود أن يعلم خالي همام بهذه الحادثة، ~~فلعله يقنعني بأن قلع الأضراس من المحاسن في المرأة. # ثم إن سعيدا تناول ms037 الكأس وشربها وقدمها إلى فؤاد فملأها وجعلها أمامه وأردف بقوله: وقد ~~كان قلعي ضرسها سببا للنزاع والخصام المستمر بيني وبينها حتى إن والدي حقد علي أيضا، ~~وكان لكرهه الإنفاق واغترام المصاريف قد أبى أن يصنع لها سنا عوضا عن المفقودة؛ لاعتقاده ~~أنه لا يغير في محاسن الوجه نقصان سن من الأسنان، ولا يعوق عن الأكل، ولكن أختي جعلت ~~تعكر عليه وتلازم النوح والبكاء حتى رق لها، فاشترى السن المصنوعة، وتراه إلى الآن ~~كلما رآها يتذكر الخسارة التي اغترمها وفي قلبه الأسف والحسرة. # قال فؤاد: فقد الأسنان مصيبة عظيمة عند النساء، فأختك سعدى معذورة بما تكدرت، فبالله ~~أن تخبرني هلا فيها شيء صناعي غير سنها؟ # قال سعيد: شعرها صناعي أيضا، وهي تعيرني بلون شعري أنه مائل إلى الحمرة، وذلك أفضل من ~~الشعر الصناعي على كل حال. # قال فؤاد: لله درك، ما أبرعك ناقدا تعرف الخفايا! # فتناول سعيد الكأس وشربها وهو يضحك، فجعل فؤاد يضحك مثله ويقول: شرط الأصحاب على بعضهم ~~المشاركة ورفع الكلفة والتصنع، وأن لا يكتموا شيئا من هواجس أفكارهم، فأخبرني عما يجول في ~~خلدك. # قال سعيد: ضحكت من أمر خطر في بالي، وأخشى أن أخبرك به فتتكدر. # قال فؤاد: معاذ الله أن يكدرني سماع حديثك، وأنا أسر سرورا فائقا به، وأجده في ~~غاية الظرف واللطافة. # قال سعيد: أرجوك أن تعفيني هذه المرة من الكلام. # قال فؤاد: والله ما أحب أن أثقل عليك في السؤال، ولكنني أتلذذ بسماع أقوالك، فإنك تروي ~~بأجمل تعبير وألطف إشارة، وفيك تمام الظرف والمؤانسة. # قال سعيد: تتملقني لأطلعك على كل شيء فمحبة وكرامة، ولكنني لا أجد بدا من كتمان ما ~~ورد في خاطري مخافة أن يبلغ أختي سعدى حديثي وتنزعج له، ويدفعها الغضب، فتنشب في أظافرها، ~~وتسمل عيني الواحدة أو تفقأهما معا، ولا تلام على ذلك، ومن العادة أن لا يستهزئ أحد ~~بالعيوب الطبيعية في الجسم، وفوق ذلك فإنه لا يصح وقوع هذا الأمر بين الأخ وأخته. # فرأى فؤاد أن استجلاء الأمر يحتاج إلى حسن ms038 السياسة والبداهة، فقال لسعيد يخاتله: لا ~~أخالفك في الرأي، وأراك على مذهب شقيقتك في المكاتمة وستر العيوب، فأنت تعاملها بمثل ما ~~تعاملك، وتخفي عيوبها كما تخفي عيوبك. # قال سعيد: وأي عيب تجده في؟ # قال فؤاد: لا يليق بنا الخوض في هذا الموضوع، ونحن عما قليل سنصبح أهلا، ومرادي أن تكون ~~دائما أبدا مسرورا منى، ولعلمي أنك بصير رزين، ما أراك تهتم بتشويه قليل في الجسم لا ~~يستحق الذكر. # فتكدر سعيد من سماع هذا الكلام، واشتغل باله، فقال: بل أريد أن أعلم ما أشرت إليه. # قال فؤاد: تذكر يوم توجهنا معا لزيارة سعدى شقيقتك في المدرسة، إذ قادتني من يدي ~~بعيدا عنك، وجعلت تهمس في أذني كلاما خفيا، بينما أنت واقف وأبوك تخاطبان ~~المعلمة؟ # قال سعيد: أذكر ذلك. # قال فؤاد: وتذكر أنك كنت لابسا ثوبا جديدا تخطر فيه كالبدر الساطع، فقد أخذت أختك تضحك ~~عليك لعيب يسير وجدته فيك، وزعمت أنه يذهب بلياقة ملبوسك وإتقانه. # قال سعيد: أفرغت صبري، أخبرني عما رأت في من العيب أختي. # قال فؤاد: لست أخفي عنك شيئا، فإن شرط الصاحب على الصاحب الإخلاص، فاعلم أن أختك قبضت ~~على يدي وهي تبتسم مشيرة إلى حذائك، وقالت ساخرة منك: انظر إلى قدمي أخي ما أغلظهما كخفي ~~بعير، ما كان يليق لبس الأحذية المتقنة بالأقدام الغليظة هكذا. # قال سعيد وقد احمر وجهه كدرا وخجلا: تقول أختي علي هذا الكلام، وتعيرني بكبر ~~قدمي، وفي قدمها الواحدة ستة أصابع بدلا من خمسة! # فقال فؤاد متعجبا: ألها ستة أصابع في القدم؟ # قال سعيد: نعم، في القدم الشمال، وكنت عزمت على أن أكتمك الأمر شفقة عليها، فزالت من قلبي ~~الشفقة إذ أراها تعيبني، فسترى أينا يغلب صاحبه، واعلم أن أختي لرغبتها في إخفاء هذا ~~التشويه تحب أن تترك نصف ثروتها لمن يذهبه عنها. # قال فؤاد: والله ما أراك إلا مازحا. # قال سعيد: لا أمزح، والله هو أمر عاينته بنفسي، وستعاينه حين تتزوج بأختي، وقد رأيتها ~~تنوح وتبكي كثيرا، وأبي يسليها بقوله: لا تزعلي ms039 فزيادة إصبع في الرجال أو النقصان لا يضر ~~إذ لا يزيد في ثمن الأحذية. # وسكب سعيد ما بقي من الكونياك في كأسه، وقد أفرغ القنينة واتكأ على كرسيه كمن يبغي ~~الرقاد. # وكان فؤاد يقول في نفسه: شكرا لك أيها الكونياك، لولاك لم أعلم شيئا مما علمت، ولولاك ~~لسقطت في هوة لا خلاص منها إلا بانقضاء العمر، مصائب قد اجتمعت، فشعر اصطناعي، وسن مفقودة، ~~وإصبع زائد في القدم، ووجه دميم، وأخلاق قبيحة ذميمة، معائب ندر اجتماعها في الشخص الواحد، ~~شكرا لك ولله درك أيها الكونياك، ما أعظم سلطانك على العقل، وأقدرك على كشف الحقائق، ~~فعلي أن أخبر خالي ووالدتي بجميع ما سمعت؛ لأعلم كيف يكون الرأي عندهما، وكيف تكون حجتهما ~~في قلب هذه المعائب محاسن في المرأة. # ثم إن سعيدا قال وعيناه مغمضتان من شدة السكر: سقيتني يا فؤاد كثيرا، فأنا الآن لا ~~أملك قوة للقيام، ودارت الخمرة في رأسي، فلا أعلم أين نحن، أحجرتي بعيدة عني؟ # قال فؤاد: كلا، إنها على بعد خطوات قليلة. # قال سعيد: ادفع ثمن المشروب واخرج بنا، فلعل دكان الخياطة مفتوح بعد لأشاهد البنت الشقراء ~~التي سلبت عقلي، وأضاعت رشدي. # قال فؤاد: أراك بها هائما ولها. # قال سعيد: ادفع الثمن ولا تتأخر قبل أن تقفل الدكان، فهذه ليلة الأحد والخياطات يتأخرن عن ~~الميعاد نظرا لكثرة الشغل، فخطر في بال فؤاد جمال غادته الهيفاء التي رآها في جملة البنات ~~الخياطات، فدفع ثمن المشروب، وانطلق وصاحبه سعيد إلى جهة الدكان. # | الفصل الخامس # كانت دكان الخياطة على بضع خطوات من قهوة البورس، وصاحبتها امرأة أوروبية قد انتقلت إلى ~~محل آخر، وهي حية إلى اليوم الحاضر. وقد وجد فؤاد وسعيد الدكان مفتوحة، والبنات يتأهبن ~~للرحيل، فالواحدة منهن تضع عملها على كرسي أو تحته لتكمله في الغد، وتلبس الأخرى ثوبها، ~~وتكبس الثالثة على برنيطتها، وهكذا حتى يصدر لهن الإذن بالانصراف، فجعل فؤاد وسعيد يترقبان ~~خروجهن، ودارت بينهما المحاورة الآتية: # قال فؤاد: أتفكر أن تكلم صاحبتك الشقراء حين تخرج؟ # قال سعيد: ألغير ms040 هذا الشأن حضرنا؟ # قال فؤاد: تكلمها وليس لك بها معرفة واتصال؟ # قال سعيد: أتعرف بها والأمر هين. # قال فؤاد: تتعرف بها في الطريق. # قال سعيد: وأي حرج من ذلك، أمرك والله عجيب، فكأنك قد ربيت في عزلة الجبال، لا تعلم من ~~أمور المدن شيئا. # قال فؤاد: لا يليق أن تكلمها البتة في الطريق، والرأي عندي إن كان لا بد من تعرفك ~~بها أن تدخل إلى الدكان بحجة أن تشتري برنيطة أو شيئا آخر فذلك أليق وأجمل. # قال سعيد: تريد أن تضحك البنات علي، كأنك تزعم أنه يفوتهن العلم بغايات الرجال، ويعدو ~~خاطرهن أسلوبك الذي أشرت إليه. كلا، فالأفضل أن أكلمها على حدة فلا يدري بنا أحد، دعني ~~وشأني، وانظر كيف أتدخل وأبلغ الغاية، وتكون البنت بين يدي وطوع إرادتي قبل أن ترد طرفك ~~إليك. # ثم إن سعيدا لم يتم كلامه حتى خرجت تلك الفتاة الشقراء تخطر وتتهادى، متصنعة في ~~حركاتها، متلبقة في إشارتها، ومرت من أمام سعيد، فلحظته بطرف الإغواء كأنها تستدعيه، وسارت ~~الهوينا تهتز معاطفها يمينا وشمالا. # فقال سعيد وقد أشرق وجهه حبورا: أرأيت كيف أشارت إلي باتباعها وغازلتني بسحر عينيها؟ ~~فأنا الآن أفصل عنك وغدا تأتيك أخباري، ثم إنه انطلق وراء محبوبته، يقتفي أثر خطواتها ~~مبتهجا مسرورا. ولم تكن برهة من الزمان حتى خرجت عفيفة، وهي الفتاة التي شغف بها فؤاد، ~~وكانت لابسة ثيابا سوداء، وعلى وجهها علامة البؤس والحزن، فجعل فؤاد يتأمل معاني حسنها ~~البديع وجميل قوامها حتى مرت من أمامه، فلم تلتفت إليه، وأسرعت في سيرها فتبعها على بعد ~~قريب منها حتى انتهت إلى عطفة الطريق شمالا في الشارع المعروف بشارع الباب الشرقي، فجعلت ~~تعجل في سيرها أحيانا وتبطئ أحيانا لأفكار كانت تخالجها، فتبدو منها الحركات بحسب تأثير ~~فواعلها، ثم سارت يمينا في شارع البواكي حتى انتهت إلى الصيدلية النمسوية، وقفت قليلا ~~تتفرس، وبعد التردد دخلت إليها، فتقدم فؤاد قريبا من واجهة الدكان ليبصر ما يكون من ~~أمرها، رآها قد دنت من شاب مرتفع القامة، واقف ms041 وراء مائدة مستطيلة، وجعلت تكلمه همسا ~~خفيا، وأبصر وجه ذاك الشاب تغير وجبينه قد تقطب، وأجابها برفض طلبها، فألحت عليه ~~وتضرعت فأبى وكلفها بالخروج، فانصرفت ورأسها منكس إلى الأرض، واشتدت على وجهها أمارات الحزن ~~فاستطردت المسير، فتفرس فؤاد أن الفتاة قد التمست شيئا من السموم المحظور بيعها، وإلا فكيف ~~امتنع الصيدلي عن تلبيتها. وبينما كان يجيل هذه الخواطر في رأسه تلفت فلم يبصر الفتاة، ~~فجعل يهرول يمنة ويسارا مفتشا عليها حتى رآها قد دخلت صيدلية أخرى عنوانها الصيدلية ~~السويسرية، كانت على بعد خطوات قليلة من الصيدلية الأولى على رأس الطريق المؤدية إلى شارع ~~العتبة الخضرا، وكان في الصيدلية شاب لطيف حسن الوجه جالسا على كرسي يطالع كتابا، فلما ~~أبصر الفتاة داخلة عليه وقف لها، وسألها بكل تأدب عما تريد، فلما أجابته انقبض وجهه كما ~~انقبض وجه زميله في الصيدلية الأولى، وقال للفتاة بكل حشمة وبشاشة: إنه لا يستطيع إجابة ~~سؤالها، فألحت في طلبها فامتنع وخرجت من الصيدلية فتبعها وهو يعتذر بقوله: أتأسف لكوني لا ~~أستطيع قضاء حاجتك، فإن ما تطلبين ممنوع بيعه بأوامر مشددة من الحكومة، فلا يمكننا ~~مخالفتها إلا بتعريض أنفسنا لمسئولية كبرى وعقوبة جسيمة. # وقد سمع فؤاد كلام الصيدلي فتحير وقال في نفسه: أستغرب والله أمر هذه الفتاة، أي علاقة ~~بين ما تطلبه وبين الحكومة؟ فلا بد أن أستجلي الأمر وأكتشف السر. # وجعلت عفيفة تسرع في سيرها أكثر من الأول، فمشت محاذية محل الضابطة القديم، ثم وقفت كأنها ~~تبغي العود على عقبها، فوقف فؤاد ناظرا إليها، وأحس بعاطفة سرية تقوده، فإذا الفتاة قد ~~أخذت تسعى بعد وقوفها برهة، فتبعها فعطفت سيرا على يمينها في الطريق المؤدية إلى جهة ~~الموسكي المعروفة بشارع الجوهري، وظلت سائرة حتى انتهت إلى صيدلية ثالثة قريبة من شارع ~~الموسكي إلى جهة الشمال عنوانها الصيدلية الفرنسية، فوقفت على بابها تشاور نفسها في الدخول، ~~فبادر فؤاد بحجة أنه يشتري حبوبا للسعال، فدخل الصيدلية وفي نفسه أن يسمع كلام الفتاة وما ~~تطلبه. وكان في الصيدلية ثلاثة أشخاص ms042 يظهر أن أحدهم صاحبها وأن الاثنين الآخرين من عماله، ~~فأحدهما واقف وراء التختة ويسد بالفلين والشمع الأحمر القناني، والثاني جالس بقرب مكتب بين ~~يديه الدفاتر، يكتب ويحسب، وكان صاحب الصيدلية مضطجعا على كرسي، وقد غلب عليه النعاس، ~~فبينما نهض الغلام لقضاء حاجة فؤاد دخلت عفيفة متقدمة نحو الشاب الجالس على مكتبه، وكلمته ~~بصوت منخفض، فنظر إليها الشاب مندهشا، وقد سقط القلم من يديه وقال لها: تطلبين الزرنيخ ~~وليس في يدك رخصة من طبيب؟ فسمع فؤاد الخطاب، والتفت إلى عفيفة وتفرس بها، وصادف أن سقطت ~~قنينة من يد الغلام فاستيقظ صاحب الصيدلية من هجعته، ونهض من كرسيه يكلف الغلام بالإسراع ~~في الخدمة وأن ينتبه. # وتقدم نحو عفيفة يسألها عن مطلوبها، فأجاب الشاب الجالس على المكتب أنها تطلب زرنيخا، ~~فقال صاحب الصيدلية: أي زرنيخ ... البوتاس أو الصودا أو النشادر؟ فهذا الدواء موصوف لمعالجة ~~الأمراض الجلدية ولتحسين البشرة، وتستعمله النساء دهانا لتحسين الوجه وتنعيمه. # قالت وقد احمر وجهها خجلا: ليس بي مرض، ولا حاجة لي في دهان وجهي. # قال الصيدلي: لم يكن معناي أنك تطلبين الزرنيخ لنفسك، فقد أغناك الله عنه بجمالك الرايق. ~~أين روشتة الطبيب لأنظر؟ # قال الشاب: ليس معها كتابة من طبيب. # قال الصيدلي: لا نستطيع أن نبيع مطلوبك بدون أمر الطبيب، وخصوصا لمن كان في سنك. فما ~~تبغين من هذا الدواء؟ قالت: في بيتنا فيران كثيرة تأكل المتاع، وقد وصفوا لنا الزرنيخ ~~لقتلها. قال: عندنا حبوب جاهزة لإتلافها أعطيك منها ما يلزم. قالت: أفضل أن أركبها ~~بنفسي. # قال وقد أوجس من كلامها شرا: أخشى أن تكون في رأسك مكيدة، وليست مسألة فئران في البيت ~~تهلكينها، وإن كان لا بد لك من هذا الدواء، فليحضر والدك أو خلافه يستلمه. # قالت: أبي توفي وليس لي أهل. # قال: توفي أبوك وليس لك أهل، وترغبين أن أبيع لك زرنيخا، وهو من شر السموم القاتلة؟! ~~كلا، هذا مستحيل، ولا بد أن يكون في الأمر سر خفي، فأخبريني أين أنت مقيمة؟ # فرفعت الفتاة رأسها، وقد انقشعت ms043 قليلا غياهب الهواجس من عقلها فأجابت قائلة: ما يعنيك من ~~معرفة محل إقامتي وأن تسألني هذا السؤال؟ # قال: بل يعنيني ذلك ويهمني جدا، وفي قلبي محل للريب من فتاة مثلك وفي سنك تسير وحدها في ~~الشوارع ليلا تبتاع سموما لسوء نية وخبث قصد، فاعلمي أننا مسئولون عن بيع العقاقير ~~السامة، فمن الواجب علي معرفة اسمك وعائلتك ومحل إقامتك، فإن لبيت الطلب فبه وإلا ~~استعملت الطرق الأخرى. فنظرت إليه عفيفة بعين الازدراء والاحتقار والنقمة، ثم ولت بوجهها ~~معرضة عنه، وسارت نحو الباب تبغي الخروج، فأشار الصيدلي لأحد غلمانه بأن يمنعها عن الخروج، ~~وأمر غلاما آخر بأن يستدعي أحد رجال البوليس، فتقدم الغلام الأول ليقبض على ساعدها، ويحجز ~~عليها ... # فتعرض له فؤاد ودفعه بعنف إلى داخل الصيدلية، والتفت إلى الفتاة يكلمها قائلا: لك ~~الأمان، اذهبي بسلام. # ثم التفت إلى الصيدلي وقال: لا أنكر عليك امتناعك عن بيع الزرنيخ للفتاة، إنما أراك قد ~~جاوزت حقوق الوظيفة وواجبات المهنة، فصنعتك بيع العقاقير لا إجراء التحقيقات. # وكانت عفيفة لا تزال واقفة عند الباب، فرجع إليها فؤاد يخاطبها بقوله: أنت حرة في قيامك ~~وذهابك، فلحظته الفتاة شاكرة وانطلقت مسرعة كالطير يفلت من القفص. # فغضب الصيدلي وغلمانه، وتعجبوا من تصرف فؤاد وانتصاره لفتاة حلت نفسها محل الشبهة، وقصدت ~~قتل النفس تعمدا، فقال له فؤاد: وهل ظهر على وجهها أنها تقصد تسميم أحد، فسعيت في أذيتها، ~~وهي لا تريد إلا تسميم نفسها؟ ألم تر أمارة اليأس والقنوط عليها؟ ثم إنه جعل على التختة ~~ريالا ثمن الدواء الذي اشتراه، وخرج مسرعا يعدو على أثر الفتاة. # فقال صاحب الصيدلية: إن الفتاة مختلة ~~الشعور، والشاب معتوه دفع الريال ثمن الدواء ولم يأخذه، وجعل فؤاد يلتفت يمينا وشمالا ~~ليرى الفتاة، فإذا هي آخر الطريق المؤدية إلى تياترو الأوبرا الخديوية، فتبعها وقد توجهت من ~~شارع التياترو إلى شارع المغربي المجاور للفندق المعروف ب (نيو أوتيل) بالإنجليزية أو ~~الفندق الجديد، وكان يسرع في السير مثلها، ويقول في نفسه: إن لهذه الفتاة شأنا عجيبا ~~ونبأ ms044 غريبا، وهي حديثة السن تشكو تصاريف الزمن، وقد طلبت السم لتميت نفسها في تجرعه، ~~فالظاهر أنها عاشقة، كلفت بهوى رجل فتركها، فابتغت من اليأس قتل نفسها لأجله، وإلا فما ~~الباعث يا ترى لها على هذه الجرأة والإقدام على مثل هذا الأمر المنكر؟! ولتفطر قلب فؤاد ~~عليها من الحزن عزم على أن يتبعها أيان ذهبت ليعلم حقيقة الخبر ويمنعها عن قتل نفسها. وكانت ~~الفتاة سائرة لا تدري بأمر فؤاد أنه يقتفي أثرها، وكانت كلما تقدمت في السير تزداد اضطرابا ~~وحزنا حتى وصلت إلى منتهى الشارع، فعرجت شمالا إلى شارع مصر العتيقة قريبا من نمرة 24 ~~وهي لا تلتفت إلى جهة ما، فلو رآها راء على هذه الحال لجزم بأنها مجنونة هائمة على وجهها ~~في شارع الإسماعيلية، ضالة عن الطريق، فظل فؤاد يتبعها إلى رأس الشارع المؤدي إلى كوبري قصر ~~النيل، وهنالك حديقتان صغيرتان مستديرتان في وسط كل منهما بحيرة جميلة مزدانة بالأزهار ~~والنبات، يحيط بهما سياج من الحديد، فجلست من التعب على رصيف إحدى الحديقتين تطلب لنفسها ~~راحة، وتقول: قرب الله يوما أبلغ فيه الراحة الدائمة وألحق بوالدي. وبعد أن جلست قليلا ~~من الزمن استأنفت المسير، وقالت تناجي نفسها: لا يسوغ لي صرف الوقت سدى وأبي ينتظرني، وأنا ~~مشتاقة إلى رؤياه ... فتبعها فؤاد حتى أدركت كوبري قصر النيل، فرآها وهي تنظر إلى المياه ~~الجارية من تحته خائفة من سكون الليل وهيبته، وقد سارت فوق الكوبري ملتفتة يمينا وشمالا ~~تقيس العلو، ثم توجهت مستقيما، ثم عرجت يمينا، ثم قعدت، قاومت، ثم وقفت في محل مرتفع على ~~شاطئ تجري من تحته المياه في عمق عظيم، وكان في قرب المحل شجرة من النخيل اختبأ فؤاد في ~~ظلها كي لا تراه الفتاة. # وكانت عفيفة مستغرقة في بحار الأفكار غير متنبهة لأحد، وكانت الليلة مقمرة والبدر في ~~تمامه يسطع بأنواره البهية على المياه الجارية، ويتألق بضيائه كالفضة النقية تتماوج موجا ~~خفيفا، فتقدمت عفيفة حتى أصبحت على قيد خطوة من النهر، ونزعت عن رأسها النقاب، فأخجلت ~~بطلعتها ms045 البدر الساطع فوقها، ثم أرخت شعرها فانسدل على الكتفين، وجثت على الركبتين رافعة ~~إلى العلا رأسها تضرع وتصلي، وكان الوقت ساكنا والنسيم عليلا، يحرك بلطافة شعرها ~~المسترسل، فلو أن ناظرا نظر إليها خاشعة راكعة شاخصة إلى السماء، رافعة يديها في الضراعة، ~~تناجي ربها صاحب العزة والملكوت، وتأمل بهجة المكان وهيبة الليل لاندهش من ذلك المنظر، ~~وخر خاشعا مثلها لعزة ذي الجلال، وظن الفتاة ملكا هبط من السموات العلا يسبح على ~~الأرض، ويتلو آيات العبادة لربه، وقد أثر هذا المنظر على فؤاد أشد التأثير، فرجفت أركانه، ~~وتوجس أن الفتاة تريد بنفسها شرا، ورآها بعد عشر دقائق قد نهضت، وأضاء وجهها، كأنما ~~الصلاة أزالت عنه ما غشيه من أكدار الهواجس والأفكار، فأنارته وزينته بأبهى زينة التقى ~~والوقار. ثم رآها وقد مدت يدها على جيبها، فأخرجت علبة صغيرة ذهبية قبلتها مرارا كثيرة ~~والدموع تتساقط من عينيها، ثم أعادتها إلى جيبها، وضفرت بيدها شعرها ضفيرتين ربطتهما على ~~عنقها، وحلت شريطة سوداء فربطت ثوبها من أسفل ركبتيها صيانة للأدب والحشمة، وتقدمت قليلا ~~تنظر في الماء فراعها المنظر وتولاها الجزع، وكان البدر قد احتجب وراء سحابة فأظلم المكان، ~~فتربصت الفتاة انجلاء السحابة وتجلي البدر اللامع، وأرسلت بصرها إلى العلا، وهي لا تبدي ~~حراكا. وكان فؤاد يراقبها فلا يتحرك من مكانه، وفي قلبه الاضطراب الشديد والجزع الذي لا ~~مزيد عليه، فلما انقشعت السحابة، وأضاء البدر بنوره، سمع عفيفة تستغيث بأسماء الله العظيمة، ~~ثم صرخت قائلة: «ربي ارحمني ... بين يديك أستودع روحي يا أرحم ~~الراحمين» ... وهمت أن تزج نفسها في اليم، ~~فهب فؤاد من مكانه كالبرق، وقبض على طرف ثوبها قبل أن تندفع، فصاحت مرعوبة، ووقعت على ~~الأرض مغشيا عليها، فنزع الفتى سترته، فجعلها بساطا أضجعها عليه، وحل شعرها المربوط ~~على عنقها والرباط المعقود على ركبتها، وانتظر أن تفيق من إغمائها ليرجع بها من ذلك المكان، ~~وطال عليها الأمد فلم تفق، فانحدر إلى النهر، وبل منديله بمائه، وجعل يرش على وجهها، ~~ويمسح جبينها، فانتعشت قليلا، وفتحت عينيها، ونطقت ms046 بغير رشد، ثم تلفتت إلى ما حولها، ~~فكأنها لم تبصر شيئا، فعلم فؤاد أنها في بحرين من شدة الأوهام والخيالات، وأنها لم تملك ~~حواسها، واستمرت كذلك حتى سمعها تهتف قائلة: أبي أبي ... ألست بين يديك؟ وبسطت ذراعيها كأنها ~~تريد معانقة فؤاد ظنا منها أنه والدها المحبوب. # فقال لها فؤاد وقد اضطرب جنانه: التزمي السكون إن شئت رؤيا والدك، واجمعي أفكارك وحواسك ~~وقوتك. # فأطاعت الفتاة كلامه كأنها في حلم، وجعلت يدها على جبينها لتجمع أفكارها بعد الشتات. وجعل ~~الفتى يلاطفها، ويتجمل في خطابها، ويمسح وجهها بالماء، وهي أثناء ذلك لا تهتدي رشدا ~~تصدر منها الحركات على غير انتظام، وتنطق بلا وعي، ثم قالت: أسمع صوتا لطيفا يشبه صوت ~~والدي، ولعله غير بعيد عني، ليحضر قريبا إلي، فأستغني به عن سائر الكون. # فقال فؤاد في نفسه متوجعا للفتاة: يا لها من تعيسة فاقدة السعادة! أنقذتها من الموت، فهل ~~أنقذها من الجنون؟ فإني أراها تختلج اختلاجا، وتبدو حركاتها بلا ترتيب كحركات معتل ~~الشعور. # ثم إنها نطقت كأنها تناجي أباها بقولها: أبي أنت في السماء، وأنا مقبلة إليك مبرأة من ~~العيب والريب، والناس يقولون: إن من يقتل نفسه يصبح في الهالكين، لقد ضلوا سبيلا، إنما ~~ملكوت السموات للمساكين الحزانى، وأنا منهم أقضي أيامي حزينة مسكينة ومعذبة ومحرومة. ثم ~~جعلت رأسها بين يديها، وأذرفت الدموع الساخنة، وقد أفاقت من صرعتها قليلا، وخشي فؤاد أن ~~يعاودها الإغماء من شدة البكاء، فاجتهد في ملاطفتها وتعزيتها وتسكين خاطرها، فانتبهت شيئا ~~فشيئا، ثم انتصبت واقفة تنظر إلى ما حولها قائلة: أين أنا؟ من أحضرني هنا؟ من هذا الشاب؟ ~~أين أبي؟ # فقال لها فؤاد: سكني البال، أنت في أمان، وأنا صديقك وبين يديك. # قالت: ليس لي صديق ولا رفيق، أخبرني أين نحن، الوقت ليل وقلبي مضطرب خوفا؟ # قال: لا تخافي شيئا، إنك في رفقة صديق أمين مخلص، لا يبغي بك شرا، ثم إنه قادها من ~~يدها نحو الكوبري رجوعا إلى المدينة، فارتعدت فرائصها من رؤية الماء، فسكن فؤاد خاطرها، ~~ومشى ms047 بها حتى انتهت إلى الكوبري، فأجلسها قليلا على حافة رصيف الشارع لتملك بعض الراحة، ~~فإن قدميها لم تستطيعا ثباتا من شدة الرجفة، ولبث فؤاد محتارا كيف يوصل الفتاة إلى بيتها ~~وهو لا يعرفه والمسافة بعيدة، والعربات معدومة في مثل هذه الساعة من الليل، فبعد أن استراحت ~~قليلا استأنفت السير، وهي متكئة عليه حتى وصلا الحديقة الصغيرة التي جلست عليها الفتاة قبل ~~حين قريب، فخطر في باله أن يدعها هنالك قليلا وأن يذهب في طلب عربة، ولكنه أشفق أن تعاودها ~~الأفكار في أثناء غيبته فتقتل نفسها، فرأى الصواب أن يقيم معها حتى تكون قد استراحت، وتمر ~~عربة فيجعلها فيها. ولتوسط المكان جملة شوارع كان المحتمل أن يرى عربة خلوا من الركاب، ~~فأقام في مكانه ينتظرها. وكانت عفيفة تقول من حين إلى حين: يا عجبا! ماذا جرى؟ ماذا عملت؟ ~~وكم الساعة الآن؟ ومن جاء بي إلى هذا المكان البعيد؟ كيف أني مقيمة خارجا عن بيتي في هذا ~~الوقت؟ وما حال والدتي وهي لا تراني؟ قالت: أرجوك يا سيدي أن ترافقني في الطريق إلى بيت ~~أمي، فإني لا أبالي بالتعب، واسمح لي أن أتوكأ عليك، وأنت صاحب الفضل والمعروف، وبينما هي ~~تتكلم مرت عربة من أعلى شارع مصر العتيقة المعروف بشارع 24، فاستبشر فؤاد برؤياها، فما لبثت ~~أن دنت منها، فأومأ إلى السائق يستوقفه، وأجلس عفيفة في العربة بعد أن امتنعت وأبت إلا ~~التوجه ماشية على القدمين، وجلس فؤاد إلى جانبها، وأمر السائق أن يسير إلى جهة الأزبكية ~~قريبا من قهوة البورس لظنه أن محل إقامة الفتاة قريب من هنالك، فسارت العربة. # وجعلت عفيفة تنظر حينا بعد حين إلى الفتى متعجبة مستغربة حتى قالت له أخيرا: أخال يا ~~سيدي أني رأيتك، ولكنني لا أتذكر المكان ولا الزمان. # فقال لها فؤاد: لا تجهدي النفس في التفكير، فإنه يلزمك الاستراحة واطمئنان البال، وجعل ~~يواسيها بالقول الجميل ويلاطفها، ويعزي قلبها المحزون متوجعا لها ولوالدتها ولانشغال ~~بالها. ثم جعل يخبرها عن قصته وكيف تتبع أثرها من وقت خروجها ms048 من مخزن الخياطة ودخولها إلى ~~الصيدليات الواحدة بعد الأخرى، وكيف أنقذها من كيد الصيدلي، وتبعها إلى كوبري قصر النيل، ~~وأنقذها من الغرق، وكان في أثناء ذلك يتلطف في عتابها ويلومها على فعلها قائلا: إن الكون ~~مخلوق للشقاء والتعب، ولا بد لكل خليقة في حمل ما قسم لها مولاها من الأتعاب والأوصاب ~~بصبر وطيبة خاطر، ولا يليق بأحد معارضة الله في أحكامه، وكل مصيبة - وإن عظمت - فوقها مصائب ~~أعظم. وقد تهون على المرء أتعابه حين يقابلها بأتعاب غيره، وليس على البسيطة مستريح خال ~~من الهم والتعب، وإن الأحزان في الكون أكثر من الأفراح، سنة الله في خلقه، فعلى العاقل ~~البصير أن يكون حمولا غير جزوع، متجلدا لملاقاة الأهوال بالعزم والحزم لتهون عليه ~~مصائبه. وقال: أنت أيتها السيدة نبيهة، وعليك دلائل الذكاء، فيلزمك التصبر على الشدائد، ~~فلكل أمر نهاية، ولا يدوم في الكون فرح ولا ترح، فأشفقي على والدتك، وتأملي مقدار ما تأسى ~~عليك وتجزع حين يبلغها وصول أقل ضرر إليك، فتعروها الأكدار والأشجان، وتكثر أحزانها ~~وأوجاعها، وربما قضت وجدا عليك، وسكنت الرمس قبل الأوان، وتكونين أنت السبب في ذلك ~~والخطيئة مضاعفة، وكانت العربة تسير مسرعة سير السحاب، وعفيفة تصغي إلى كلام الفتى، وقلبها ~~يخفق إلى أن وصلا أمام دكان الخياطة، فقال لها فؤاد: وصلنا إلى محل عملك فأين منزلك لأوصلك ~~إليه؟ # قالت: تفضلت يا سيدي بالمعروف، فلا تتعب سرك، وأنا لك ممنونة، دعني أذهب إلى منزلي وحدي ~~فإني أعرف الطريق. # قال: بل أمضى معك، فلا أدعك تذهبين وحدك في مثل هذه الساعة. # قالت: بل نفترق هنا، فلا يراك أحد برفقتي، بالله أن تجيب طلبي فالطريق مأمونة، ولا خوف ~~علي من شيء ما. # قال: لا يمكن ذلك، ولا بد أن أسلمك إلى والدتك وإلا لم يسكن لي بال، ولا يقر لي فكر. ~~فلما رأت عفيفة أن لا سبيل إلى مخالفته انقادت له، فنزلا من العربة وسارا من وراء دار ~~البوسطة في الشارع المعروف بشارع البواكي، وانتقلا إلى الشارع المعروف بشارع المجلس القديم، ms049 ~~واستمرا سائرين إلى شارع درب الجنينة، ومرا تحت القنطرة المقابلة للطريق، ثم عرجا ~~شمالا بعض خطوات، ووقفت الفتاة فسلمت على فؤاد مصافحة بيدها، وقرعت الباب، ففتح لها ثم ~~أغلق في دخولها. وكان قد رفع فؤاد بصره إلى فوق فرأى امرأة تنظر من إحدى نوافذ الدور ~~الثاني، فلم تبرح حتى دخلت عليها الفتاة، فعرف المنزل جيدا، وانطلق في حال سبيله، وكان ~~منزله قريبا يشرف على ميدان التياترو، فمشى تنازعه الأفكار متعجبا من هول ما سمع ورأى ~~في تلك الليلة. # | الفصل السادس # نهض في الغد همام إلى منزل شقيقته أم فؤاد واسمها سيدة، وكان حضوره قبل الظهر بنصف ساعة، ~~فدخل قاعة الاستقبال، وجلس على كرسي مكسو بقطيفة حمراء من عادته الجلوس عليه في كل مرة ~~يجيء، ثم أوقد كبريتا فأشعل سيجارة، وتناول جرنالا ليقرأه وجده على طاولة وسط المكان ~~منتظرا قدوم شقيقته، وكانت الحجرة مزينة مزخرفة بالصور والتماثيل الدينية الدالة على ~~تقوى ربة المنزل وعبادتها، وكان همام لا يعتقد بالديانات، ويعبث بأخته ضاحكا عليها بجعلها ~~الصور في حجرة الاستقبال، وهي أولى بالمعابد والمساجد. وبينما هو جالس يتأمل سمع صوت قادم ~~فأبصر فإذا هي شقيقته سيدة قد أقبلت، وكانت تناهز الخمسين سنا، وعليها الملابس الفاخرة ~~المتقنة، دخلت وفي يدها كتاب مذهب له قفل فضي، ولم تكن متبرجة بحلاها وأزهارها شأن ~~النساء الجاهلات المجاوزات الأربعين سنا المكثرات من التبرج وأسباب الزينة وصباغ الوجه ~~زعما بأنهن يرددن بالصباغ والزينة ما محت الأيام من محاسنهن أيام الشباب، فيعرضن بذلك ~~أنفسهن للسخرية والاحتقار بدلا من الإكرام والاحترام الواجبين للطاعنات سنا. وكانت ~~ممتلئة الجسم طلقة الوجه، عليها لوائح الهيبة والكرامة، تقدمت فحياها همام بالسلام، ~~وبادرها بقوله: نفعنا الله ببركة صلواتك، إنك إن لم يخطئ حذري آتية من الصلاة، والدليل ~~الكتاب الذي في يدك. # فلم تجاوبه شقيقته بشيء ما على قوله، وهبت مسرعة تفتح نوافذ الحجرة معربدة من رائحة ~~الدخان تقول: قطعها الله من عادة رديئة تمسك بها أهل هذا الزمان في التدخين، فلا نراهم ~~يستطيعون الإقلاع عنها، وقد ms050 جعلها الشبان - لجهلهم - من علامات التظرف والتمدن، والبالغون ~~قد زعموا أنها من الضروريات لحفظ الصحة، وساء ما يزعمون. ثم إنها التفتت إلى همام تقول له: ~~ما من شيء أشد كرها من شم رائحة دخانك! # فقال همام مبتسما: تجدين دخاني كريها، وقل أن تجدين مثل السجائر التي أدخنها، فإن لم ~~تصدقي ذلك، فاسألي فؤادا ابنك. # قالت: الظاهر أنك علمته التدخين، فأصبح مثلك أو يزيد عليك، وبئس العادة عودته. # قال: بيني وبينه مراحل حتى يعرف التدخين مثلي، وأي سوء ترين في هذه العادة؟ فوالله إني لا ~~أخشى أن يكتسب فؤاد بإرشاداتك صفات التخنث التي لا تليق إلا بالنساء. # قالت: من المعلوم عندي أنك لا تستحسن تربيتي لاختلاف المبادئ عندي وعندك وعدم موافقتها ~~لعاداتك، فسواء كنت مصيبة في رأيي أو مخطئة فإني والدة فؤاد، ولا يلومني أحد إن حملته على ~~اتباع الطريق الأفضل، وأظنه الصراط المستقيم. # قال: لن أعارضك في تربيته، وأعلم حق العلم أن من المفروض على الوالدة تربية الأولاد ~~والعناية بهم وتعليمهم وتهذيبهم، فقد قيل: الابن سر أبيه وصورة والدته، فإن كانت مهذبة ~~عاقلة اكتسب تهذيبا وعقلا، ونشأ على الفضائل وعاش سعيدا، وإن كانت ذميمة الأخلاق سيئة ~~السيرة انتقلت رذائلها وعيوبها فيه، وعاش تعيسا مخفقا. فالأم عندي أساس السعادة والشقاوة، ~~ولكني أرى الواجب الاعتدال في التربية، فإن التطرف في كل شيء مضر. # قالت: أتحسب المبالغة في حسن التربية تطرفا؟ # قال: الإفراط والتفريط رذيلتان؛ لأنهما خروج عن الاعتدال، ولكن لكل شيء حدود معلومة لا ~~يجوز تجاوزها، فؤاد ابنك قد بلغ السابعة والعشرين من عمره، وأنت لا تزالين تعاملينه كابن ~~اثنتي عشرة، فتنهينه عن معاشرات الناس، وتعلمينه كثرة الصلاة والصوم والعبادة والحياء، وهي ~~صفات جديرة بالنساء لا بالرجال، ولتفهمي قولي، أضرب لك مثلا البارود، فهو في حد ذاته نافع ~~مفيد، وكذلك الأسلحة النارية فلو جعلناه في البندقية بمقدار يزيد على اللازم تفجرت وتفرقعت ~~ولم تتحمله، وهكذا نتيجة المبالغة والتطرف في سائر الأمور. # قالت: أي نسبة بين السلاح الناري وتربية فؤاد؟ # قال: النسبة واضحة، ms051 ووجه الشبه ظاهر، فكما أن العيار الناري لا يتحمل البارود إلا بقدر ~~معلوم وبقانون، فكذلك الإنسان لا يمكنه أن يحمل من الفضائل فوق طاقته وزيادة عن استعداده، ~~وأنت قد أفعمت قلب فؤاد بالمواعظ الدينية والإرشادات التي ربما كانت تناسبه في حداثة السن ~~فأما الآن فتضر به، والواجب أن توسعي عليه في الحرية مخافة أن يشتد الضغط عليه، وتقوده ~~طبيعة سنه إلى خلع العذار والاسترسال في الغوايات، فينبذ إرشاداتك ونصائحك ظهريا، وتخيب ~~آمالك، وتضيع أتعابك. # قالت: الظاهر أنك لرغبتك في منفعته ومنع حدوث الثورة فيه أبقيته في الأمس معك إلى الساعة ~~الواحدة بعد نصف الليل وقاسمته اللهو والانشراح وأضفته إلى مائدتك الشهية، وقدمت بين يديه ~~أصناف المأكول والمشروب حتى أضعت رشده وحجاه. # قال: أغاب فؤاد حتى الساعة الواحدة بعد نصف الليل، إذن أخطأ والله فيه ظني، فهي علامة ~~حسنة فيه. # قالت: دع مزاحك، فأنت تعلم تربيتي لفؤاد، وأني عودته على الترتيب والنظام في الأكل والشرب ~~والذهاب والإياب وسائر الأعمال، فكان من الواجب عليك أن تراعي ضميري، ولا تخرج فتاي عن هذه ~~العادات الجميلة. # قال: ولعلك زعمتني مسئولا عن تأخره في الحضور إلى البيت كعادته؟ # قالت: بالضرورة، فإنه كان في رفقتك. # قال: كان برفقتي إلى الساعة التاسعة من الليل، وأكل الطعام، ثم خرج مع سعيد بن غانم، فلم ~~أعلم إلى أين، وخرجت أنا مع غانم. # قالت: أين صرف وقته؟ فقد - والله - أشغلت بالي، فإنه أتى إلى البيت بعد نصف الليل ~~بساعة، وخرج في هذا اليوم باكرا على خلاف عادته، بعد أن كان يقضي صباحه بالمطالعة ~~والتصوير، فلم يطالع اليوم ولم يصور. # قال: دخل ابنك في طور جديد، وتحققت أفكاري، فاعلمي أن الذي دفعه إلى ذلك هو شدة تضييقك ~~عليه، فقد صح قول القائل: # كثر التناهي غلط # خير الأمور الوسط # ثم إنه جعل يكلمها على الفضيلة بقوله: إنها ما كانت وسطا بين طرفي التفريط والإفراط، ~~فهي إن زادت عن قدرها أو نقصت عنه أصبحت رذيلة، فأنت قد ربيت غلامك تربية تليق بأهل النسك ms052 ~~والزهد والعبادة، وهو بالفطرة بعيد عن ذلك، فلا تعجبي إن نبذ أقوالك ظهريا، فلقد نبهتك ~~فلم تذعني لقولي، ولم تنتبهي. # قالت: ما العمل إذن؟ # قال: كان من الواجب عليك أن تبعديه عن التشبع وشدة التمسك في الدين، وترشديه إلى ما فيه ~~خيره وصلاحه ودفع الضرر عنه، وأن تطلقي له شيئا من الحرية ليتصرف حسب طبيعته، فتلك هي ~~الدرجة الوسطى، وهي الفضيلة اللازمة. أما كثرة التشديد على الأولاد وحجز حريتهم تماما ~~فأدعى إلى الضرر ولا يجدي الوالدين نفعا، ومن المعلوم أن الأبناء يتلقون الآداب والأخلاق ~~عن آبائهم وأمهاتهم، فإن رأوا في سيرتهم الصلاح كانوا صلاحا، ولم يخش عليهم بأس من إطلاق ~~الحرية لهم، فإن المثال الحسن يؤثر على ضميرهم، فيصبحون قادرين على كف شهواتهم، ويجدون ~~في أنفسهم زاجرا عن الشرور، أما التضييق عليهم فقد يكون سببا لخروجهم عن الصراط المستقيم، ~~وداعيا لهلاكهم كمثل الآلة البخارية يشتد عليها ضغط البخار فتنسحق. # قالت: لله درك، ما أبرعك في التمثيل والتشبيه! شبهت في الحين فؤادا بعيار ناري ثم بآلة ~~بخارية، فبماذا تمثله أيضا؟ # قال: دعاني إلى ذلك سياق الكلام، فما أقول شيئا عنه بعد هذا، إنما أذكرك بأمر زواجه ~~بسعدى ابنة غانم. # قالت: تكلم ... هل أنت مبارك هذا الزواج؟ # قال: أباركه، وإنما الرأي إلى فؤاد، وهو يكره عائلة غانم من كبيرها إلى صغيرها، ويمقت على ~~الأخص ابنته سعدى. # قالت: إذن قد ضاع تعبنا سدى، وخابت مساعينا، فقد كان فؤاد في الواقع كارها مصاهرة هذه ~~العائلة، فانقاد من حين قريب إلى الرأي الذي عرضته عليه، فلم أعلم كيف اختلف الآن وعاد إلى ~~نفوره الأول. # قال: كنت عزمت أن لا أنقل إليك حديثه لئلا تتكدري، ولكني رأيت من اللازم أن أخبرك به ~~لتكوني على بصيرة من أمره، فقد جرى الكلام بيني وبينه أمس، فسمعته يقول على سعدى: إنها ~~قبيحة الشكل، قليلة العقل، ثقيلة الروح، لا يجد في نفسه ميلا إليها، وأسهب في ذمها ~~وعيبها، وبلغ النهاية في التشنيع. # قالت: أخاف إذن أن يكون قد قابل غانما ms053 وسعيدا ابنه بكل برود. # قال: وأي برود! فقد التزم السكون فلم يكلم أحدا، وكثيرا ما أومأت إليه بيدي وبعيني ~~ليتكلم، فلم يفعل حتى خجلت والله، وتكدرت كدرا فائقا، وحدثت نفسي أن أعنفه، ولكنني ~~ملكت ثورة الغضب، وجئت لزيارتك ومقابلته لأوبخه على تصرفه وقلة إيناسه وتجمله بحضرة ~~الضيوف. # قالت: بل الأوفق أن تعاتبه بلطف وتجاريه على أفكاره وإلا أفلت من يدنا. # قال: إذن خاطبيه بنفسك في هذا الأمر، فإنني لا أضمن أن أملك نفسي من الحدة. # قالت: لا بأس فأنا أكلمه، ولا أخفي عليك أني صرت أخشى عدم نجاح مساعينا في زواجه بسعدى، ~~وليته كان عاقلا ليعلم أن الفائدة العظمى عائدة عليه، فإن سعدى غنية جدا، ورثت من أمها ~~شيئا كثيرا، دخلها سنويا فوق ألف جنيه فضلا عن ميراثها من أبيها. # قال: أظننت أن غانما يحاسبها على الذمة، ويؤدي إليها حقوقها تماما مع «الفوائد»؟ فهو ~~إن أوصل إليها رأس المال فتلك منة عظيمة منه. # قالت: لئن لم يفعل ذلك باختياره ورضاه، فهو ليفعله برغم إرادته ويكلف بمحاسبة بنته على ~~آخر مليم. # قال: إنه يحاولها، وأبواب الشرع واسعة، والدعاوى تستغرق الزمن المديد، وتستهلك شيئا ~~كثيرا للمصروف والتكاليف، ولقد عرفت أشخاصا كثيرين ظهرت عليه الاستقامة والعفة فأقيموا ~~أوصياء على تركات القاصرين، فغرهم الطمع فاتجروا بأموال التركة، فأصابوا المكاسب ~~العميمة والأرباح الجسيمة، فلم يحاسبوا الوارثين إلا على رأس المال بعد خصم رسوم أتعابهم، ~~ولم يتحرجوا من شيء، ولم يستطع أحد خطابهم أو الانتقاد عليهم، وعلى سائر الأحوال فأولئك قوم ~~أقرب من غيرهم، وأقرب ذمة ممن يهضمون أموال التركة من أصلها، ويدعون الإفلاس أو يتخذون ~~الحيل والأساليب لأكل الأموال حراما. # قالت: تظن غانما يقدم على أفعال كهذه؟ # قال: لا يبعد ذلك عليه، إنما المناسب أن لا نخوض في هذا الموضوع لئلا يعدل الرجل عن ~~مصاهرتنا، فإن من كان على شاكلته بخيلا لجدير بأن يأبى زواج ابنته فرارا من محاسبتها، ~~فمال سعدى كله في حوزته يتصرف فيه كيف يشاء، فلو تنبه لزواجها، وأنه يلتزم بدفع ميراثها ms054 ~~إليها ومحاسبتها على الأرباح لتعلل وامتنع بالضرورة عن تزويجها، ولو كان خطيبها من أعظم ~~الناس فضلا وعلما وجاها. # قالت: وحقك إني أكره هذا الرجل، وأرى أخلاقه ذميمة، ولكن مصلحة فؤاد تجبرني على رعاية ~~خاطره. # قال: وأنا كذلك، لو أن فؤادا يحفظ لنا هذا الجميل، ويقدر أتعابنا قدرها. # قالت: يأتي يوم يذكر فيه جميل صنعي واهتمامي بشأنه، ولكن ما العمل في طمع غانم الأشعبي ~~ودناءة أخلاقه؟ # قال: ليس في ذلك ما يوجب الاهتمام الزائد، فقد يشره في مال ابنته لطبيعة البخل التي فيه ~~والطمع الزائد، ولكن ميراثه سيفضي بالضرورة إليها عاجلا كان أو آجلا مضافا إليه الأرباح ~~والفوائد، فلا خوف على الدرهم يضيع في كفه، فهو لا يخرج منها ولو ثقبناها بمسمار. # قالت: إن البخلاء يعمرون مديدا، فأخشى أن يعيش غانم ثلاثين سنة أيضا، فلا يموت إلا بعد ~~موت البنين والأحفاد، وعلى كل حال فالصواب برأيك عدم التكلم في هذا الموضوع حتى يكون قد ~~تم الأمر، فإن فؤادا هو الغانم في هذا الزواج، ولا بأس من تساهله في الطلب. ثم إن سيدة ~~قربت كرسيها من أخيها وقالت له بطلاقة وجه وتجمل: خضنا في سيرة فؤاد، وقدحنا فيه وما ~~قصرنا، وربما كان بريئا، وهو الآن سيحضر لقرب أوان الغداء، فنسأله عما جرى في الأمس ~~ونأكل الطعام سوية. # قال: أكلت طعامي على عادتي قبل الظهر بساعة، فإني لا أحب تقديم ميعاد أكلي ولا ~~تأخيره. # قالت: نسقيك من نبيذنا المعتق، فإنك تحب الخمرة. # قال: أشرب وأتناول شيئا من التفاح في أثره مزة، فاستدعت أخته الخادم ليحضر زجاجة ~~مختومة، وصحنا من التفاح، وكبريتا للسيجارة، فاستغرب همام من هذه العناية الفائقة. # فقال لها: يظهر من تجملك غير المعتاد أن في نفسك حاجات، فأخبريني بغير تكلف عما ترغبين، ~~كنت تحافظين على نبيذك القديم محافظة غانم على الدرهم أن يضيع من يده، وكنت تكرهين رائحة ~~الدخان كرهك العمى وإبليس اللعين، وأنت الآن تجودين بالنبيذ المعتق المختوم، ولا تشمئزين من ~~التدخين، فما سر المسألة؟ وما هذا التجمل؟ فوالله إني ms055 لأرى في نفسك حاجة تسألينها! # قالت: تأتي المزاح في كل حين فلا تعدل عنه، سبحان الله! # قال: أتذكرين أنك لم تسمحي لي بالتدخين إلا مرتين في حياتي، فأول مرة بعد وفاة زوجك حين ~~طلبت مني خمسمائة جنيه على سبيل السلفة، فلم ترجعيها إلى الآن، وثاني مرة حين سألتني أن ~~أهدي فؤادا حصانا عربيا من جياد الخيل، فهل خطر الآن في بالك أن تسأليني هدية أخرى ~~أغترمها؟ # قالت: ما أشد حذقك وأبلغ إدراكك، وكأنك تقرأ في الضمير، وتعلم غيب القلوب، فلا سبيل ~~لكتمان شيء عنك، فالذي أخبرك الآن عنه لم يكن من مجرد فكري، وإنما قد سمعته من غانم في ~~أثناء محادثتي معه في الأمس، فقد قال لي: إنه لعلمه بمحبتك لفؤاد وحنوك عليه حنو الوالد ~~الشفوق على ولده، وبالنظر لخلوك من الأهل والأقارب، ولمناسبة العقد لابنته عليه أن تجعله ~~وريثك الوحيد؛ ليصبح غنيا مثريا، فلا يتكل على ثروة امرأته. # قال: ومن أدراه أني أقيد نفسي في حياتي، فلا أتصرف بمالي كيف أشاء؟! أما والله فهذه نهاية ~~السماجة وغاية الطمع الأشعبي، ولقد كنت عازما على تقديم هدية فاخرة برسم هذا الزواج، فعدلت ~~الآن عن ذلك مكتفيا بالرضا والدعاء والبركة. # قالت: أي شيء يكدرك أو يوجب الزعل؟ أليست العادة عند المتقدمين في السن أنهم يوصون ~~لأقاربهم بميراثهم؟ # فاستشاط همام غضبا عند سماع ذلك، وقال لأخته: تزعمين أني طعنت في السن، وأصبحت هرما ولا ~~تقبلني النساء ومحروما من زهرات الدنيا، لقد ضللت، فهذا عزيز أحد أصحابي كان أكبر مني ~~سنا وأقل مقاما ووجاهة، قد تزوج بامرأة غنية لا تزيد على الثلاثين سنة، أفيصعب علي أن ~~أتزوج بامرأة مثلها أو أحسن منها؟ # قالت: لا ريب عندي فيما تقول، ولكنني سمعتك تقول كثيرا: إنك لا ترغب في الزواج مخافة حجز ~~حريتك والارتباط بالعيال، فتجاسرت أن أخاطبك بهذا الشأن. # قال: نعم، إني لا أميل إلى الزواج، ولكن الإنسان متقلب في رأيه، فقد أجد في نفسي ميلا ~~واحتياجا إليه. # قالت: وقد قال لي غانم كلاما آخر أحب ms056 أن أقصه عليك لغرابته، وهو أنه بلغه عزمك على ~~وضع مالك في أحد البنوك، فتستولي على مبلغ مقرر في السنة، وتستمر كذلك إلى آخر حياتك، وإذا ~~توفيت بعد زمان مديد يبقى المال للبنك. # قال: ما أزال على هذا العزم، وهي طريقة مناسبة للخلو من الشواغل والهموم، وبه التأمين من ~~كل خطر وعطب على المال. # قالت: فكلامه إذن صحيح، ومرادك قطع الميراث عن ابن أختك. # قال: أكنت مكلفا بابن أختي؟! وهل يحملني أحد على التوصية له بمالي، وأنا حر إن شئت ~~ورثته وإن شئت منعته، وما لأحد علي من سؤال؟ # قالت: كنت أظنك على غير هذه الشعائر، وأحسب أنك تحب فؤادا، فظهر أنك لا تحب غير ~~نفسك. # قال: إن أحببت نفسي فقد صنعت مثلك، فلا عتب علي ولا عيب، أنت تسعين في زواج فتاك ~~لمصلحتك لا حبا به، حتى إذا تم الأمر تصرفت في ثروة امرأته كيف شئت، وأقمت في بحبوحة ~~العيش والرغد، ووجدت ما يكفيك لحفظ مركزك بين ترائبك، وإتيان أسباب الترف والمباهاة، إذ إن ~~إيرادك السنوي حاليا لا يزيد على مائتين وخمسين جنيها، وهو قليل في جنب ما ~~تنفقين. # قالت: لم يكن حسباني أنك ترميني بسوء الظن، وتتهمني بما اتهمت قذفا وافتراء. # وبينما هي تتكلم دخل فؤاد فقطعت الحديث، وأشارت إلى همام بالكف عن الخطاب في هذا ~~الموضوع. # | الفصل السابع # تقدم فؤاد في دخوله وحيا، ثم جلس بين خاله وأمه، فقالت له أمه: لماذا أبطأت يا فؤاد؟ ~~مضى وقت الطعام، وأنت تعلم أني لا أجلس على المائدة وحدي. # قال فؤاد: كان السبب في تأخري خالي، فإنه أطعمني وسقاني فوق القانون، فألم بي من جراء ~~ذلك صداع شديد، لم يصرفه تروحي في الجنينة أربع ساعات متوالية من الزمان. # قال همام: شيء عجيب، تنزهت أربع ساعات من ~~الزمان أمس وأربعا مثلها في هذا الصباح، ولم ينصرف صداعك، فلم لا تقول إن ألمك في ~~المعدة وليس في رأسك، فإنك لم تأكل إلا القليل كما يأكل الطفل، ولم تشرب إلا الماء صرفا، ~~ولو ms057 كان سعيد يدعي الصداع لصدقته، أما أنت فأرتاب في قولك. # وهنا دخل الخادم يدعوهم إلى السفرة فنهضوا جميعا، ومال همام جهة أخته يخاطبها بقوله: ~~هذه أول مرة سمعت ابنك فؤادا يكذب. # وجلسوا على المائدة يأكلون، ودار الكلام في ~~أثناء ذلك على مواضيع شتى، ولما فرغوا جاءوا إلى القاعة الكبيرة، فقالت سيدة لابنها فؤاد: ~~صدق خالك، فليس بك صداع إن أوهمتني كون الصداع يستمر يوما كاملا، وإلا فكيف لا تستدعي ~~الطبيب، ولم لا تخبرني عن سبب غيابك عن ميعادك مع علمك بمقدار ما يشملني من الكدر بسبب ~~تأخرك عن الحضور في أوانك؟ # قال فؤاد: إن قبلت اعتذاري، فإني متأسف غاية الأسف بتكديرك لو أن هنالك داعيا حقيقيا ~~للقلق والجزع من غيابي، وقد بلغت سن الرجال. # قالت: أهذا اعتذار تقدمه؟! # قال: لم أعتذر لذنب جنيته، وما خطابي إلا في غاية الأدب، ولم أتجاوز حدود الاحترام الواجب ~~على البنين نحو والديهم، فقط أذكرك بأني بلغت السابعة والعشرين من عمري وملكت رشدي ~~تماما، فلا وجه لأن تؤاخذيني على غياب لم تعلمي له سببا، فعجبت سيدة من سماع فؤاد يكلمها ~~هكذا بعد أن كان سميعا مطيعا لها متبعا أوامرها ونواهيها، فأيقنت بزوال سلطتها ~~عنه. # وجعل همام يهمس في أذنها قائلا: هذه نتيجة التضييق على الأولاد، وصدق المثل القائل: ~~«كثرة الشد ترخي». # فرأت سيدة أن المناسب تغيير موضوع الحديث؛ لئلا ينزعج فؤاد بالجدال على غير فائدة، فقالت ~~له: البس ثيابك لمقابلة السيدة سعدى، فقد وعدتها بالزيارة في هذا اليوم. # قال: أرجوك أن تعافيني من زيارتها، وتتركي ذكر زواجي بها. # قالت: وعدتها ولا يمكنني الخلف في وعدي. # قال: ما أمنعك عن زيارتها، لكن بالنسبة لي فإني لم أعد بشيء فأرتبط به. # قالت: أهذا كلام يسمع يا قليل الوفا والعقل؟! # قال: تسمعين الملامة بغير الحق، سامحك الله، ثم إن هماما هم في الخروج فأمسكه فؤاد، ~~وقال له: أرجوك يا خالي أن تنصت إلى حديثي، فما أطيل عليك الشرح، قل ما السبب في اهتمامك ~~الكثير بزواجي بسعدى؟ فقد حدثتني ms058 أمس مديدا في هذا الشأن، ومرادي أن أخبرك الآن عن أسباب ~~عدم قبولي. # قال همام: أعرف أسبابك كلها. # قال فؤاد: لم تعرف إلا البعض منها. # قال: أخبرتني عنها في الأمس تفصيلا وإجمالا، وخلاصة حجتك أن الفتاة دميمة الوجه ناقصة ~~العقل، فهل وجدت غير ذلك من العيوب فيها؟ # قال: أخبرتك عن العيوب الظاهرة، وفيها عيوب خفية لا تعرفها. # قالت سيدة: سبحان الله! عمن جئت تقول: إن ~~في سعدى عيوبا كثيرة، وأنا لا أجد فيها شيئا من ذلك، فقد رأيتها مرارا كثيرة، ودققت فيها ~~النظر، وتأملتها جيدا فعرفتها حق المعرفة؟ نعم، إنها ليست على جمال يعشق، ولكنها ليست ~~دميمة قبيحة - كما تزعم - ولا فيها شيء ما يشوه الخلقة أو يعيبها فتنفر منها، كثير من ~~الرجال يتزوجون بأشنع منها. # قال: تقولين إنك أمعنت فيها النظر، فهل لاحظت أن شعرها مستعار؟ # قالت وهي تخلط الجد بالمزح لعلمها بالأمر: أنت بالحق طفل، تظن في الشعر المستعار عيبا ~~في المرأة، وأغلب النساء يستعملنه للزينة والتطرئة، كما تقتضيه الأزياء الحديثة على اختلاف ~~ضروبها وفنونها، وما وجدنا في الكون هاجيا أو من يعيب ذلك. # قال همام: ما أراك مصيبة يا أختي، أردت أن تستري فكشفت الستر. # قالت: ليس في الأمر سر يحفظ. # قال همام: ليس الأمر جوهريا، فكثرة الشعر على الحقيقة أو قلته لا تزيد أو تنقص من مقام ~~المرأة، ولتعلم يا فؤاد أن النساء كالخيل تباع وتشرى بأثمانها، فلا تزيد ولا تنقص بقلة ~~شعرها أو كثرته، والشرط أنها تكون خالية من العيوب الشرعية، فإنها وحدها تفسد البيع، أقول ~~ذلك بحجة واختبار، فإني خدمت في الجهادية وتعاطيت بيع الخيول وشراها. # قال فؤاد: وما رأيك بنقصان سن من الأسنان لسعدى علاوة على استعارة شعرها، أفليس ذلك عيبا ~~شرعيا يفسد البيع؟ # فتلفتت أمه إليه وقالت: ماذا تقصد في قولك؟ # قال: أقصد أن أخبرك بأنك تدققي النظر في السيدة سعدى ولم تشاهدي سنها المصنوعة. # قال همام: من أدراك ذلك؟ # قال فؤاد: ستعلمه بعد، ولي عندك سؤال آخر أرجوك أن تجاوبني عليه: ms059 أليس وجود ستة أصابع في ~~القدم بدلا من خمسة عيبا شرعيا في المرأة أم لا؟ # قال همام مندهشا: لم أسمع بمثل ذلك في الغابرين، وتلك فلتة من فلتات الطبيعة، وعلى كل ~~حال فخير من نقصان الأصابع زيادتها، وقد قيل: زيادة الخير خير. # قالت سيدة: إن صدق ما تقوله يا فؤاد، فلا بد أن تكون قد علمته من إحدى البنات رفيقات ~~سعدى في المدرسة. # فقال همام: العياذ بالله من النساء، كيف يبغضن البغض الشديد، فلا يخفين من الأسرار سرا ~~ولا يسترن عيبا، فدأبهن القدح والقذف والوقيعة لطبيعة الغيرة والحسد فيهن، على أن ~~أسألك يا أختي: كيف أدركت أن الفتنة صادرة من رفيقة لسعدى في ~~المدرسة؟ # قالت: عرفت ذلك بطبيعة جنسنا، وعلمت أن الضرر لا يأتي إلا من الأصحاب والمعارف كما قال ~~الشاعر: # وما زلت مذ خط السواد بعارضي # أفتش في هذا الزمان وأكشف # فما ضرني إلا الذين عرفتهم # جزى الله خيرا كل من لست أعرف # قال همام: أخبرنا يا فؤاد عن ناقل هذه الأخبار إليك، فهو لا بد أن يكون عدوا لسعدى ~~مبينا. # قال فؤاد: الفضل كل الفضل لك يا خالي ولمأدبتك في الأمس، إن كنت تذكر شهادتك لي الآن بأني ~~لم أشرب الماء إلا صرفا بعكس غانم وابنه سعيد، فإنهما كانا يشربان الخمرة بالأكواب. # قال همام: قلت الحق فإنهما أكثرا من الشرب ولا سيما سعيد، فإنه كان كالجرة المثقوبة يسكب ~~فيها الماء فلا تمتلئ، فحقا ما رأيت في هذا الفتى مزية تذكر مثل اقتداره على ~~المسكرات. # قال فؤاد: وفيه مزية أخرى مذكورة هي قدرته على الكلام والانتقاد، فقد أطنب في عيب أخته ~~ووصفها حتى لم يخف عني شيئا من خفاياها. # قال: إذن هو الذي نقل الأخبار عن أخته؟ # قال: نعم، هو الذي نقلها والفضل الأول لمأدبتك ونبيذك، ولولا ذلك لما نطق صاحبنا بشيء من ~~الحديث، ثم الفضل للكونياك الذي سكبته له في سهرتي أمس معه. # قالت سيدة: هذا ما كنت أخشاه، أرأيت يا أخي كيف كانت مأدبتك سببا للبلبال؟ قطعها ms060 الله من ~~مأدبة، كانت ساعة شؤم علينا، فليتني لم أسمح لفؤاد بالحضور. # قال فؤاد: تلعنين الساعة يا أمي، وإننا أحرى بمدحها وشكرها، ألا تسرين بنجاتي من الداهية ~~الدهماء والبلية العظمى؟ # قال همام: أصاب فؤاد بعض الإصابة في قوله، فإن تكامل الأسنان في المرأة ضروري للنساء ~~وزائد في جمالهن، وبعكس ذلك نقصانها، وقد يأبى الطبع أن يرى زيادة في أخمص المرأة، فإن لم ~~يعده عيبا فيها فحسبه أنه فلتة من فلتات الطبيعة. # قالت: هذه أحوالكم أنتم معشر الرجال، لا تنظرون ولا تهتمون إلا للصفات الظاهرة العرضية ~~وتغفلون الجوهر، وعندكم الفضل والأدب والحشمة شيء قليل لا عبرة به وصفات ثانوية لا تعبأون ~~بها. # قال: وحقك يا أماه أني أجعل المقام الأولى في المرأة لصفاتها الجميلة أقدمها على ~~محاسن خلقتها، وما كرهت الزواج بسعدى إلا لتجردها من المحامد، وما كان ليكرهني بها شعرها ~~المستعار وسنها المصنوعة وزيادة أخمصها لولا أني رأيتها قليلة الآداب وعلى غير الأخلاق ~~الفاضلة. # قالت: نصدقك حين تقول على سعدى إنها مجردة من الحسن والجمال، ولا نوافقك حين ترميها ~~بسوء الأدب، فأنا أعرف منك بها، وقد اختبرتها فوجدتها معدن اللطف والظرف، على غاية ~~التأدب، عاقلة، مهذبة، لينة الجانب، زكية، لا تجد فيها عيبا يقدح بأدبها، فهي ملك كريم، ~~حوت صفات الكمال، ولا مبالغة في القول. # قال: صدقت، فهي بالحقيقة ملك أظافره أطول من أجنحته. # قالت: أراك قد صدقت قذف أخيها. # قال: إن لم أصدقه، فمن أصدق؟ وأي فائدة له حتى جاء يثلبها ويكذب علي قاذفا بها ~~على علمه بأني أرغب في زواجها، ولقد تدبرت قوله فوجدت أخباره صحيحة لا ريب فيها، فالفتاة ~~مجردة من محاسن الأخلاق والخلق، ليس فيها شيء من المحامد التي تعشق في النساء، فلو تزوجت ~~بها أقمت تعيسا طول حياتي، وأقامت هي تعيسة مثلي، فيكون اقتراننا مجلبة الشقاوة والنكد لي ~~ولها، فهل ترضين لي ذلك؟ وقد وضحت لك أن بين طباعي وطباعها تباعدا كثيرا واختلافا ~~وافرا، والبون عظيم في الأخلاق والأفكار والمشارب، فلو تزوجت بها ظلمت نفسي ms061 وظلمتها ، ~~والظلم ممنوع في سائر الأديان، والعاقل من يسعى لسعادته وراحته في هذه الدنيا، فهل من ملام ~~علي إن عملت لخيري ودفعت عن نفسي الكدر والغصة وأنا لم أرتبط بوعد؟! تذكري يا أماه أن ~~المحبة أساس راحة العائلة، بوجودها توجد السعادة، وبفقدها تفقد، ويتغلب سلطان الشر، وتتوفر ~~أسباب الخصومة والعدوان، وتنفى السكينة، ويستمر الويل والثبور، إن كان يقبل بذلك عاقل فهذا ~~الذي يحملني على الامتناع، وإني لا أتزوج إلا امرأة أحبها، فلو بذل لي مال قارون - المشهور ~~بالغنى - على أن أتزوج بامرأة لا تناسبني لما قبلت، وفضلت المقام عازبا أبد أيامي، ولو ~~ذقت أشد العذاب والفقر والفاقة. # فلما رأت سيدة تهيج أفكار فؤاد علمت أنها تضرب في حديد بارد، فرأت أن تؤجل الكلام في ~~هذا الموضوع إلى وقت آخر على عادة دهاة الناس وحذاق السياسة، فإنهم عند سقوط برهانهم ~~وضعف حجتهم يطلبون تأجيل المناقشة في أمر إلى وقت آخر لعل الله يفتح لهم يسرا. # ثم إن سيدة قالت لفؤاد: مسألتنا دقيقة تحتاج إلى التروي والتدقيق، وأنت الآن في حدة تمنعك ~~من النظر والتمحيص، وأراك حاقدا علي تنظر إلي شزرا، أخاطبك فتأخذ خطابي على غير وجهه، ~~وتحمله على البغض لك، وأنت غير مصيب في زعمك، فإني ما أكلمك إلا بحقوق الأم على ابنها؛ ~~لأردعك عن غيك وغوايتك، فلو كان ما تقول صحيحا على سعدى ونسبتك الجهل وقلة الأدب إليها، ~~فإني أول ناصح لك بالابتعاد عنها، فدعنا الآن من هذا الحديث ولا لزوم لتحضر معي في الزيارة، ~~فإني سأعتذر عن غيابك بما يحضرني من الأعذار. # قال: ما الفائدة من مقابلتها بعد هذا الذي سمعته عليها؟ # قالت: وعدتها منذ يومين بالزيارة، فوجب علي القيام بما وعدت سواء رغبت في زواجها أو لم ~~ترغب، وإن شاء أخي همام مرافقتي فمن فضله. # قال همام: بالله أن تعافيني من هذه الزيارة، فلا تنقبض روحي لسماع القيل والقال. وبينما ~~هم كذلك دخل الخادم مخبرا بقدوم سعيد ورغبته في مقابلة فؤاد فانكمش وجه سيدة، وأمرت فؤادا ~~أن يستقبله ms062 في حجرته الخصوصية لعدم قدرتها على رؤيته، فخرج فؤاد يستقبله، ونزل الخادم يحضر ~~لسيدته العربة، وخرج همام إلى النزهة. # | الفصل الثامن # لم استقر الحال وخلا المكان قال سعيد لفؤاد: كانت ليلتي بالأمس عديمة النظير أنسا ~~وحظا، فلم أذق نوما حتى الصباح من فرط انشراحي. # قال فؤاد: قص علي أخبارك، وما جرى لك مع صاحبتك. # قال: كانت ليلة سرور، يبخل الدهر بمثلها، وهيهات أن أتمتع كما تمتعت فيها، أو أرى فتاة ~~تفضل صاحبتي التي رأيتها لطفا وبداهة وفكاهة وعقلا، وتراني الآن سكرانا من نشوة أمس، ~~مدهوشا من حركاتها وإشاراتها وجميل حديثها، وتفصيل القول: أني بعد أن فارقتك انطلقت ~~وراءها، فأدركتها قريبا من باب حديقة الأزبكية الشرقي، فلما دخلت تبعتها وبادرتها بالتحية ~~حين دنوت منها مسلما بقولي: يا مساء النور، يا خفة يا دلال يا صاحبة القد والاعتدال ~~والخد الأسيل والطرف الكحيل، مني علي بنظرة، وارفقي بالمحب الولهان، فقد أحرقت الفؤاد ~~بنار حبك، سلم الله وجهك النضير الزاهر، فالتفتت إلي مبتسمة، فقلت لها وقد تهلل وجهي ~~حبورا: يا شقيقة الروح تكرمي علي بلحظة، وجوابي قتيل غرامك. فعند ذلك تقدمت نحوي، ~~وتقدمت نحوها قليلا، فجعلت ذراعي في ذراعها، وكان قد انتصف الليل، وقل عدد المتنزهين، ~~فقمت بها إلى انفراد في جهة قليلة الأنوار من الحديقة، وطفقت أقبلها بشوق وأضمها إلى ~~صدري، وهي في أثناء ذلك تمتنع نافرة مني، ثم انطلقنا إلى جهة البحيرة وجلسنا على مقعد، ~~فشرعت تحدثني عن نفسها، وتخبرني عن أحوالها وما حصل لها في سالف الزمان، وأنها من عائلة ~~شريفة غنية، وأن والدها توفي في الحرب وخلف لها أموالا طائلة أكلها الوكلاء، وبددتها ~~المصائب، فوقعت في هوة الفقر، وأنها لأنفتها ورغبتها في الحرية أبت الزواج على كثرة خاطبيها ~~من الشبان، ولم يكن قولها فريا فإنها على غاية من الحسن والجمال. # قال فؤاد: أخبرني بالاختصار، هل توجهت إلى بيتها، فهو المهم من الحديث؟ # قال سعيد: تواعدنا على المقابلة في الساعة الرابعة بعد الظهر قريبا من باب الجنينة أمام ~~دار البوسطة، وأن ms063 نأخذ عربة ونتوجه للنزهة سويا. # قال فؤاد: ولعلك تكون قد أخبرتها عن نفسك، وأحطتها علما بغناك وثروتك. # قال سعيد: أتشك في ذلك، وأنت تعلم أن الدينار مبلغ الأوطار؟ # قال فؤاد: نصيحتي إليك يا سعيد أن لا تغتر بقولة، فأنت غريب الديار، لا تعلم أحوال وشأن ~~بنات الهوى مكرا وخداعا، وأخشى عليك الوقوع في شرك حبهن، فيسلبن مالك وعقلك حتى تفرغ ~~النقود من يدك، فيعرضن عنك بالوجوه العوابس، فإنهن إنما يطمعن في ثروتك لا في حسنك ~~وجمالك، فهي عادة بل مهنة للمعاش يأتينها، فلا يعلمن ما الهوى والمحبة الصادقة، ولا تتأثر ~~طبيعتهن من شيء، وما أجسامهن إلا كآلة لبلوغ الغرض وسلب أموال الناس حراما، وقد عرفت ~~شبانا كثيرين وقعوا في شراكهن ففقدوا طريفهم وتليدهم وهدمت صحتهم، وأصبحوا في الخاسرين، ~~فاجتنب فعلهم، واعتبر بمثالهم، ولا تعاشر نساء يتخذن الفساد تجارة، ولا تنخدع لكلامهن ~~اللين ومظاهر المحبة التي يوهمنها سفها، وهن أروغ من ثعالب. # قال سعيد: لا تقس هذه الفتاة بغيرها، فهي على كمال فائق وأدب باهر، وعلى سائر الأحوال ~~فإني بصير عاقل، لا تخفى علي أمور النساء ومكرهن وخداعهن. # قال فؤاد: سمعنا الشبان قبلك يقولون: إنهم يترددون على بنات الهوى طلبا للمسامرة ومساجلة ~~الحديث، فما يلبثون أن يقعوا في حبالهن، ولا بد أن يصيبك ما أصاب غيرك، فتذهب لأول مرة ~~على سبيل الفرجة، ثم تعقبها الثانية فالثالثة، وينتهي بك الأمر إلى التعلق بمجلسهن، فلا ~~تستطيع عنهن انقطاعا، وتبتدي في تبديد مالك ~~بغلبة الحب على قلبك، فما تشعر إلا وقد فقدت ما ورثه لك أهلك، فتندم حين لا ينفع ~~الندم. # فتضجر سعيد من تحذير فؤاد وقال: قد أزف الوقت ولا بد أن أذهب، فإن شئت أن ترافقني فهذه ~~عربتي تنتظرني على الباب. # قال فؤاد: أرافقك إلى قهوة البورس. # قال سعيد: استحسانك. # ونهضا معا فركبا العربة، ثم قال سعيد لفؤاد يسأله عما جرى له مع صاحبته الصفراء الناحلة ~~المكتئبة. # قال فؤاد: وحياتك يا سعيد إني لم أهتم لاقتفاء أثر النساء، فقد تركت الفتاة وشأنها ms064 وحضرت ~~إلى البيت بعد انفصالك عني. # قال سعيد: حسنا عملت، فأنت على وشك الزواج بأختي، ولا يليق بك التشاغل بمرافقة النساء ~~ومعاشرتهن، ولكن بالله عليك أن تخبرني عن حديثنا في الأمس عن أختي، فإني لكثرة ما شربت من ~~الخمرة لم أدر ما قلت، وربما تكون قد سمعت مني قذفا بحقها، فلا تأخذن قذفي على ~~وجهه. # قال فؤاد: لست متذكرا أنك أخبرتني عن شقيقتك بشيء، فإني لم أسألك إلا عن صحتها فأخبرتني ~~أنها بخير. # ولما كان من عادة شاربي الخمرة أن لا ~~يعوا ما يقولون في حالة السكر صدق سعيد كلام فؤاد، وانشرح صدره، واطمأن خاطره. ثم وصلا ~~قهوة البورس، فنزل فؤاد من العربة، واستمر سعيد سائرا إلى جهة باب الجنينة يبحث عن ~~محبوبته، وانطلق صاحبه إلى منزل عفيفة في درب الجنينة. # | الفصل التاسع # ندع فؤادا سائرا في سبيله إلى منزل عفيفة، ونخبر بما جرى له من الأمور بعد إنقاذه ~~الفتاة من الغرق وعودته إلى بيته، فقد كان لشدة اضطرابه لم يذق نوما، وظل ليله هاجعا كأنه ~~على شوك القتاد، تخطر على باله حوادث تلك الليلة، من حين شاهد عفيفة في دكان الخياطة ~~واقتفائه أثرها، وإنقاذها من يد الصيدلي، إلى حين إنقاذها من الغرق وإيصالها إلى بيتها. ~~فكانت كل هذه الحوادث تجول في خاطره، فتهزه وتحرم جفنيه لذيذ الكرى، ولو أن رجلا غيره شهد ~~هذه الأحوال، فربما لم يندهش لها كثيرا غير أن ما نشأ عليه فؤاد من التربية، واعتزاله ~~الناس جعله يضطرب لأقل أمر يراه، فكيف لأمور خطيرة كهذه؟ وكان فؤاد من بلوغه سن الرشد ~~مطيعا لوالدته سميعا لقولها، فلم يكن بعيدا أنه يتزوج ابتغاء مرضاة أمه بسعدى وهو لا ~~يحبها، على أن عيشه كان منغصا، ونفسه منقبضة من أخبار هذا الزواج، وقد لحظ ذلك خاله همام ~~حين أدب مأدبته في الفندق الشرقي إكراما لغانم وابنه سعيد، إذ لبث فؤاد - كما تقدم القول - ~~واجما لا يفوه بكلمة. وقد زاد كراهة الفتى في الزواج ما سمعه من سعيد من القول الشنيع ms065 على ~~شقيقته سعدى، وذكره عيوبها الخلقية والخلقية، وقد غالبته طبيعته، فلم ير وجها للاستراحة ~~إلا بالمجاهرة في مخالفة أمه كما ظهر للمطالع الناظر في الفصول السابقة، وعلى أن هذا الفتى ~~لم يكن يتخلص من بلية إلا ليقع في شر منها، ولم يكن اقتفاؤه أثر بنت جميلة أنقذها من ~~الموت غرقا ليذهب بلا أثر، فالنساء الحسان نكد في الدنيا على من يقاربهن، فلا يسلم من ~~غوائلهن أحد سواء صنع معهن خيرا أو شرا - كما سيظهر فيما يلي من الحديث - ولما لاح الفجر ~~لبس فؤاد ثيابه وخرج من البيت وهو لا يعلم كيف يتجه، ولم يكن من عادته الخروج باكرا، وكان ~~ذلك داعيا لاستغراب والدته - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في سياق الحديث الذي دار بين غانم ~~وشقيقته - وجعل فؤاد يسير على غير هدى هائما على وجهه في الشوارع، تقيمه الأفكار وتقعده ~~حتى وصل إلى مخزن الخياطة فأبصره مغلقا، فتعجب ثم سقط عجبه إذ تذكر أن ذلك اليوم الأحد ~~ينقطع الناس عن العمل فيه طلبا للاستراحة، فمضى قاصدا درب الجنينة إلى منزل الفتاة، فلما ~~اقترب منه جعل يتروح آتيا رائحا من أول الطريق إلى آخره ناظرا إلى الدور الأعلى من ~~البيت، حيث شاهد في الأمس المرأة ناظرة من الشباك، وحدث نفسه برؤية وجه عفيفة، فخاب ظنه ~~وطال عليه الزمان، فهم أن يقرع الباب، ولكنه تذكر أن الوقت بكور، لا يليق الدخول فيه ~~على الناس ولا سيما الفقراء منهم، وكان من مبادئه التأدب واحترام العادات وإكرام المساكين ~~ومواساة أهل الحاجة ولا سيما الذين يخني عليهم الزمان فيسقطهم من ذروة العز إلى حضيض البؤس ~~والهوان، فقفل راجعا على عقبه محدثا نفسه بالرجوع للزيارة بعد الظهر معتقدا أن الواجب ~~عليه مقابلة والدة عفيفة ليخبرها بما كان من أمر ابنتها في الأمس، فقد كان يخشى أن لا تعدل ~~الفتاة عن غيها، وأنها تصر على قتل نفسها، فرأى أن يحيط أهلها علما بذلك ليتداركوا الأمر ~~وفي الوقت سعة، وكان في نفسه شوق شديد لمعرفة أسباب يأس هذه ms066 الفتاة المنكودة. # وقد تصور أنها تكون قد أحبت رجلا فهجرها، فسعت في قتل نفسها اختناقا بأسفكسيا الغرق ~~تخلصا من عذاب الحب وبلوى الفراق. وعند انتصاف النهار نهض فؤاد إلى منزل الفتاة فرأى الباب ~~مفتوحا، فدخل وصعد على سلم عال، وانتهى إلى الدور الأعلى فقرع الباب بلطافة، فانفتح له، ~~فوجد فسحة وبابا آخر مفتوحا فدخله، ورأى امرأة جالسة على كرسي قريبا من الشباك وعلى ~~وجهها الكدر وفي لونها الشحوب، وكانت الحجرة قليلة الأثاث حقيرة، فتمعن في المرأة فإذا هي ~~شقيقة غانم التي رآها في الأمس في الفندق الشرقي فلما أبصرته عرفته، وتذكرت أنه الفتى الذي ~~اعتنى بأمرها عندما أصابها الإغماء، فهمت أن تقف إجلالا له وإكراما، فمنعها عن ذلك فؤاد ~~وقال لها: أرجوك أن تستريحي فلا تزعجي نفسك. # فشكرته على تفضله، وقالت له ببداهة: حضرت لفضلك لمقابلة زوجي؟ # فتذكر فؤاد أن الرجل الذي سمع القول عليه في الأمس هو زوجها، وأن عفيفة ابنتها من زوجها ~~الأول، فقال لها: مرادي أن أكلمك بنفسك، وليس لي حديث عن زوجك، وربما تستغربين أني حضرت ~~إليك على غير معرفة بيننا سابقة، فقد جرأني على ذلك معرفتي بغانم أخيك. # قالت كريمة: من قبله حضرت إلي؟ # قال: كلا، إنما قادني إليك أمر مهم لا يعلمه جنابه، ثم إنه صمت قليلا ورجع يحدثها ~~قائلا: لك ابنة اسمها عفيفة شابة، لا تزيد في العمر على الثامنة عشرة؟ # قالت: نعم، وما مفاد سؤالك؟ # قال: والفتاة جميلة مؤدبة لطيفة؟ # قالت: هي كذلك لنكد الطالع، فالجمال يزيد المساكين بؤسا على بؤس إن كانوا من أهل التقى ~~والصيانة. # قال: اعلمي يا سيدتي ولا تستغربي قولي أن ابنتك في حال تستدعي الانتباه ومزيد الالتفات، ~~وأرى من الواجب علي إخبارك بأسباب ذلك، ولو أحزنك قولي وزادك هما على هم، وضاعف منك ~~الآلام والأكدار. # قالت: قد بلغت بأكداري النهاية، فقل ما شئت أن تقول ولا تخش بأسا. # قال: إن ابنتك في شدة تجهلين مقدارها، وفي حال من البأس لا تتصورينها. # قالت: بالله أن تخفض الصوت قليلا ms067 فهي نائمة في الحجرة الثانية، وأخشى أن تفيق فتسمع ~~حديثنا، وفي النوم راحة من تعب وتسرية من كرب وأحزان ولو بعض حين. # قال: راحة النوم ساعة تفضلها الراحة الدائمة. # قالت: أفي غير الموت الراحة الدائمة؟ # قال: قد يعتاد العقل على التصور المزعج واليأس والقنوط، فينشأ فيه بغض الحياة فيطلب ~~الموت، فإن لم يجده سعى إليه بالأقدام ركضا. # قالت: تخبرني بما أنا بصيرة فيه، فلئن لم أسع إلى الموت فهو إلي ساع. # قال: لعلك قد توهمت أن الإشارة إليك، كلا، فتوجيه الكلام إلى ابنتك، فاعلمي أنها لكراهتها ~~الحياة حاولت قتل نفسها في الأمس. # فلما سمعت كريمة هذا الخطاب ضجت صراخا، ولطمت يديها على صدرها، ثم أكبت على الأرض ~~مغشيا عليها، فأيقظت الصيحة الفتاة، فهبت من سريرها مجفلة، فأبصرت والدتها كريمة على ~~الأرض لا حراك لها، فانطرحت عليها ولم تنتبه لفؤاد. وجعل فؤاد ينظر إليهما وقد عراهما ~~الجمود حتى أصبحتا كالأموات، فتقطع صدره لهذا المنظر الرائع، وأثر عليه ما رأى من الحنو ~~وسلامة الضمير ولطف الحس وروعة مشهد التعاسة والشقاء، فدمعت عيناه وتولاه ضيق الصدر، فنهض ~~من مكانه متنحيا إذ لم يستطع رؤيتهما مديدا على هذه الحالة، ثم بعد قليل من الدقائق فاقت ~~عفيفة من روعتها، ثم أفاقت والدتها فتعانقتا، وقالت عفيفة لأمها: يا أماه سمعت صراخك، فقمت ~~من نومي مذعورة، أظن عمي زوجك خليلا عاد إليك؟ # قالت: وما علي من عودته، وأنا لا أخشاه. # قالت عفيفة: لا تخشينه وهو إن عاد أعدمك الحياة. # قالت: لئن خشيت الموت فليس ذلك حرصا على حياتي، فوالله لم أصرخ إلا جزعا عليك، إذ بلغني ~~أنك أقدمت على قتل نفسك عمدا في الأمس لولا عناية الله قد وقتك، ولطفه قد حماك. # فخفق جنان عفيفة رقة وحنوا، وتلفتت فرأت فؤادا، فعبست في وجهه واجمة وقالت: عداك ~~الصواب يا رجل، جئت تخبر امرأة حزينة بما يزيد حزنها وتفجعها، ولا تخشى الله أن تزيد علتها ~~فتهلك أسى وتفطرا. # قال: أجبت داعي الذمة فأخبرت بما رأيت، ولأنت أحرى بدفع الهموم ms068 وصرف الأكدار عن والدتك، ~~فأقسمي بين يديها ألا تعودي إلى مثل فعلك المنكر في الأمس الغابر، تعد إليها الحياة، وتزل ~~عن قلبها الغمة، فهي إنما جزعت عليك وروعت بسببك. # فوقعت هذه الملامة في نفس الفتاة، وعلمت أنها الخاطئة، فجثت على الركبتين تقبل يدي ~~والدتها، وقالت بصوت مرتجف حزنا واضطرابا: عفوا يا أماه عما جنيت، فوالله لم يدعني ~~إلى محاولة قتل نفسي سوى جزعي عليك مما تقاسين بسببي من الأتعاب، وتكابدين من الآلام ~~المبرحة، وإني أشهد على نفسي بالوهن وقلة العزم وفتور الهمة عن مقاومة الهموم ومغالبة ~~الأكدار، فقد عميت بصيرتي، وفقدت صوابي ورشدي، وساورتني الأفكار المزعجة، فأجدني في كل ~~حين أتصور والدي يناديني للقياه بين الأموات، فأضطرب وأبغي الموت شوقا إلى رؤياه، ~~فسامحيني يا أماه، سامحيني بحق والدي المرحوم، وتجاوزي عن خطيئتي، واصفحي عما جلبت لك من ~~الأكدار، وارحميني يرحمك الله. فهيجت الفتاة وجد أمها فانهمر الدمع من عينيها، ودار ~~بينهما حديث يصدع الأكباد، نغفله ابتغاء الاختصار، وشفقة على القلوب الرقيقة. ثم إن كريمة ~~التفتت إلى فؤاد تعتذر إليه بقولها: عفوا كريما سيدي، فقد استقبلناك كما لا يليق بمقامك، ~~وقد أوليتنا جميلا لا نستطيع القيام بحق شكره، وفضلك مقيم لا يبرح تذكاره من فكري ما دمت ~~حية، والله عالم بذات الصدور، سبحانه يولي الإحسان من يستحقه، ولا يضيع أجر ~~المحسنين. # قال فؤاد: لا فضل لي في شيء، فقد قمت بفرض أوجبته الإنسانية علي، وغاية ما أرجوه أن ~~أخدمك خدمة تصرف عنك الأحزان. # قالت: عرفت مكارم أخلاقك أيها السيد الأمثل، قدرنا الله على مكافأتك. # ثم إنها التفتت إلى ابنتها عفيفة وقالت لها: لا تنسي أن عليك عملا تتمينه في هذا اليوم. ~~فأجابتها عفيفة وهي تمسح الدموع: نعم علي شغل وعدت بإنجازه إلى غد صباحا، وليس عندي وقت ~~كاف لإتمامه. # قال فؤاد: وهذا يوم الأحد حرام الشغل فيه، وهو يوم مقرر للراحة. # قالت كريمة: ليس للمساكين أيام راحة، إنما ~~الراحة للسعداء والأعياد لهم وحدهم، وراحة المساكين بالأشغال، وبالاجتهاد سعادتهم ونفي ~~همومهم وإبعاد ms069 أحزانهم وتشريد أفكارهم المزعجة وما يخالج قلوبهم من النكد، ثم التفتت إلى ~~ابنتها تأمرها بالانصراف وإنجاز عملها وتسليمه حسب الوعد. # فتقدمت عفيفة تقبل يديها، وسلمت على فؤاد باحترام وقالت له: لو زرتنا أيها السيد فلك ~~الفضل العظيم إن كان يطمع أمثالنا بمثل هذا الشرف، ولنا الفخر بأنك ستصبح نسيبا قريبا ~~لنا. # قال فؤاد: كيف علمتم بأني سأتزوج قريبا بالسيدة سعدى ابنة غانم؟ # قالت كريمة: علمنا ذلك في وقت قريب، على أنني أرغب أيها الشاب الأريب أن أتحدث معك في أمر ~~ذي شأن لا يوافق أن يطلع عليه الغير، ولأجل هذا السبب صرفت ابنتي كما رأيت، فأرجوك أن تقترب ~~مني فلا تسمع عفيفة حديثنا. # قال فؤاد: لبيك، وأدنى كرسيه منها. # فشرعت كريمة في خطابه وقالت: ربما استغربت مني السؤال ورأيته خارقا، فأرى من الضروري قبل ~~الشروع في الحديث أن أبسط لك الأسباب التي حملتني على ذلك، فقد جمعتني وإياك الأقدار للمرة ~~الثانية، وتوسمت في طلعتك من المروءة وكرم الأخلاق ما ملأني ثقة بك وأطمعني بجودك، كأن لي ~~سابق معرفة بشخصك الكريم وقديم عهد بالصداقة، وكفى لتحقيق ظني ما فعلت بالأمس إذ أنقذت ~~ابنتي من الهلاك غرقا، ولي عندك منة أخرى ألتمسها من جودك وإحسانك، فلا تلمنا أيها السيد ~~إن قصرنا بشكر جميلك، فالمساكين يعجزون عن مكافأة أهل الفضل، وليس لهم إلا الدعاء لهم ~~بطول البقاء ودوام السعادة والخير، ولي إدلال على حضرتك يجرئني على تقديم توسلي إليك ~~أنك ستتزوج قريبا بابنة أخي غانم، فيتصل نسبنا بنسبك الرفيع، وإن كنت من الشهرة والشرف ~~فوقنا كثيرا، فمكارم أخلاقك وجميل صفاتك أعظم وأرفع، فما تجد في ملابسة الفقراء ~~عارا. # قال فؤاد: إن تم زواجي بابنة أخيك أو لم يتم، فإني لك محب مخلص قائم بفائق اعتبارك ~~ومزيد إكرامك، وأنا لا يمنعني القيام بقضاء حاجاتك عدم زواجي بابنة أخيك، فأنا على الحالين ~~مجيب طلبك. وكان قد رأى فؤاد أن يجاري كريمة على خطابها فأوهمها الرغبة في زواجه بسعدى ~~ابنة أخيها لتفيض في الحديث الذي توسم ms070 أنه يتعلق بعفيفة. # قالت كريمة: أنقذت يا سيدي ابنتي من الموت، وعما قليل ستصبح لنا قريبا، أمران يجعلاني ~~أتجاسر بالتثقيل عليك، وأنت أفضل من يعذر، لمن يبح الناس بأسرارهم إن لم يبوحوا للأهل ~~والمحبين والأنسباء؟! # قال فؤاد: لك أخ تلقين إليه أسرارك. # قالت: ليس لي سند من أخ ولا زوج، وأنا في هذا الكون وحيدة ليس لي سند، وعلى عاتقي ابنة ~~هي سلوتي من الدنيا وعذابي فيها، وقد التزمت الصبر مديدا حتى آن الأوان لأتكلم وأكشف ~~النقاب عن وجه ضمير، وأفتح كنوز أسراري والحال داعية، وفي الكتمان ذنب أحمله وإثم لا ~~يغتفر. ثم إنها سكتت لتستريح قليلا، ثم قالت: لا ريب أن تكون قد قلت في نفسك إذ رأيتني ~~لأول مرة هذه المرأة مسكينة موجعة، لو أن في إمكانك العلم بمقدار أوجاعي وأحزاني، وإذ دخلت ~~إلى هذه الحجرة فلا بد أن تكون قد قلت أيضا هذا مكان الشقاوة والتعاسة، لو يخطر على بالك ~~أن عندي من النوائب ما لا يستطاع وصفا، فاعلم أن في البيت ثلاثة أشخاص قد اجتمعوا الواحد ~~إلى جنب الآخر: ملك كريم هي ابنتي عفيفة، وامرأة متعوسة على مشارف الموت هي أنا، وذئب ~~كاسر شرير هو زوجي خليل. وهنا انقطعت كريمة عن الكلام، وجعلت يدها على قلبها كمن يشعر ~~بألم، ثم قالت: إن في حياتي التي قضيتها لعبرة للنساء القليلات البصر، العديمات الفهم، ~~اللواتي يتزوجن برجال أصغر منهن سنا، فلقد تزوجت بزوجي الأول، وليس بيني وبينه في السن ~~تفاوت، فعشنا بأرغد عيش وأهنأ بال وأتم وفاق، وكانت فيه - رحمه الله - صفات جميلة ومحاسن، ~~لو ذكرتها ولو تدبرتها بعد وفاته؛ للزمني أن أقاطع الرجال فلا أتزوج بعده، ولكن غلب نحس ~~سعدي فخطفت المنية روح ذلك الزوج المحبوب، وهذه ابنتي تلبس السواد حدادا عليه من تسع ~~سنوات، وكان يلزمني أن أفعل فعلها، فقد أخطأت وكابدت جزاء خطيئتي، ولا أطيل عليك الشرح في ~~إخبارك عن تبديد ثروتي التي ورثتها وسقوطي السريع من بحبوحة اليسر ومراحه إلى مضايق العسر ~~وعذابه، والتزام ms071 ابنتي العمل الجهيد للقيام بأودنا ومعيشتنا، فهي تشتغل فلا تقطع عن عملها ~~آناء الليل وأطراف النهار، وقد أنهكها التعب حتى أصبحت كالخيال كما رأيتها، فلو طال ~~المدى عليها وهي على هذه الحالة هلكت لا محالة، ~~وفضلا عن ذلك فإنها لا تأمن كيد خبيث يريد بها شرا، وهي في مخزن خياطة تتعامل مع الشبان ~~الفنانين والسفهاء من كل قوم. # قال فؤاد: في الحقيقة إنها عرضة للأنظار، فحرام أن تكون في هذه الخدمة. # قالت كريمة: لست أحدثك عن أوجاعنا الناشئة عن الفقر، ولا أذكر لك ما أقاسي من الآلام ~~والأحزان بسبب هذه الحالة، فقد كنت حمولة صبورة لا أعتبر الآلام بشيء، وإنما كان أعظم النكد ~~علي نكران الجميل وخيانة زوجي لي بعد أن قربت على مائدة حبه حياتي وجميع ما أملك، فهذا ~~الزوج أصغر مني بعشر سنوات، وربما يرى البعض أنه معذور بسوء تصرفه معي لتفاوت السن بيني ~~وبينه، ولو شكوت أمري إلى الناس لأوسعوني لوما وتعنيفا بما جلبت من التعاسة لنفسي بيدي، ~~وقد جال في خاطري أن أنتحر - كما همت أن تفعل ابنتي بالأمس في نفسها - فما صرفني عن ذلك ~~إلا حبي لها، وخوفي عليها أن تقيم في خطر بعدي، وكنت أتمنى الموت، وأجد قربه لذيذا بقدر ما ~~كنت أكره الحياة وأجدها مرة، فلولا شفقتي على ابنتي لرحلت عن هذه الدار، ولكنني كتمت ~~أمري وصبرت على أوجاعي وأوصابي، وفي كل يوم لي بلاء جديد، وقلبي يتقطع حزنا إذ أرى عفيفة ~~منهوكة القوى لا يطمئن لجنبها مضجع، فأجد بالموت لي ولها راحة، وكثيرا ما حدثت نفسي بأن ~~أوقد فحما فنختنق كلانا بالأسفكسيا، فمنعني عن ذلك خوفي أن أراها تتعذب قبل موتها. # قال فؤاد: والله إنها لحالة تستوجب مزيدا من الأسف. # قالت: ليست حالتي هي التي تستوجب الأسف، وإنما حالة ابنتي هي المريعة، وقد وصلنا الآن إلى ~~النبأ الهائل، فأرجوك تنصت إليه وتتدبره. # وهنا دخلت عفيفة مذعورة تقول: ها هو صاعد على السلم، قد عرفته من مشيته. # فاضطربت الأم كاضطراب ابنتها، وقالت لفؤاد: ms072 هذا زوجي قد حضر الآن، فلا أعلم ماذا يصنع إذ ~~يراك هنا. # قال فؤاد: طمني البال، فلا خوف عليك ولا علي، فإن عربد أخبرته بأني خطيب ابنة أخيك ~~فيسكن. # ثم إن عفيفة دنت من فؤاد وكلمته بصوت منخفض قائلة: لي حديث أسره إليك، فمتى نزلت اقرع باب ~~الدور الأسفل فإني في انتظارك. وخرجت، فدخل على أثر خروجها زوج أمها، وكان طويل القامة، ~~شديد البنية، جميل الصورة، يناهز الأربعين سنا، وكان لجمال صورته في صباه ينادوه بيوسف ~~لحسنه، على أنه كان قبيح السيرة، شرس الأخلاق، شديد الطمع، فاسقا شريرا، لو تفرس ~~الإنسان فيه لرأى دلائل المكر والخبث على وجهه. دخل هذا الرجل إلى البيت فرمى بنظرة على ما ~~حوله، وجعل يحملق بفؤاد بعد أن سلم سلام المغاضب ينظر شزرا. فقال له فؤاد وهو يرد عليه ~~السلام: لعلك سيدي استغربت زيارتي على غير معرفة حتى تعلم السبب فيسقط استغرابك، فأنا خطيب ~~السيدة سعدى كريمة غانم شقيق زوجتك المحترمة. # قال خليل: بلغني هذا الأمر، ونعم الزواج يجلب لك الغنى والمال الكثير تتمتع به في ~~حياتك، فاشمأز فؤاد من سماع هذا القول، ولكنه التزم السكوت قطعا لأسباب النزاع، فاستتبع ~~خليل بقوله: أي علاقة بين زواجك وبين زيارتك؟ # قال: أليس من العادة تعرف الرجل بأهل امرأته؟ # قال خليل: نعم، ولكن العادة أيضا ألا يحضر الرجل وحده، فكان من الواجب عليك الحضور برفقة ~~والد خطيبتك فيقدمنا إليك ويعرفنا بك على قبح سحنته، وبعد فقد أحسن أنه لم يحضر وإلا ~~كان يومه أسود، أستقبله برميه من هذه النافذة. # فغضب فؤاد وكظم الغيظ وقال: علمت بأن بينك وبين غانم نفورا، فجئت لعلي أتمكن من إصلاح ~~ذات البين. # قال خليل ساخرا متهكما: شكرا لفضلك، فالله إني أراك كالثعبان تدخل للإفساد والإغواء لا ~~للإصلاح وتأليف الشمل، فلو كنت صادقا في قولك، وكان عزمك على الزواج بابنة غانم أكيدا ~~فأخبره بالعداوة والحقد عليه حتى الممات إن زعم أن عداوتي يسيرة يتهاون بها، ولي الآن كلام ~~يخصك فلا يناسب أن ألقيه على ms073 مسمع من امرأتي فتنزعج، فتعال اتبعني. ثم إنه سار نحو الباب ~~وقال: لتعلم أني زوج كريمة وابنتها عفيفة في عصمتي، وقد راقبت حركاتك وعلمت أنك رافقت ~~بالأمس الفتاة إلى البيت فنبهتك لترتدع، فإن أصررت على عنادك لقيت ما لا يرضيك، وفي هذا ~~القول كفاية. وعندما قال ذلك تركه على السلم، وأغلق الباب عليه ودخل مغاضبا على امرأته ~~يسألها عن عفيفة، فقالت: هي في حجرتها، فتقدم إلى باب الحجرة فوجده مغلقا، فجعل ينادي ~~الفتاة باسمها، فلما لم تجبه قالت له كريمة: دعها، فلعلها نائمة، واتركها تسترح قليلا ~~وتستقل من التعب. فلم يصغ خليل إلى هذا الكلام، واستمر ينادي ويضرب على الباب، ثم ذهب ~~إلى الحجرة الأخرى وقبض على قضيب من حديد فلما رأته كريمة قادما وفي يده القضيب، وثبت على ~~القدمين مرتاعة مرتعدة، وقالت: ويك، ماذا تصنع، لعلك تبغي قتلها؟ وأرادت أن تمنعه فدفعها ~~على الأرض وجعل يطرق الباب بالقضيب فكسر قفل الباب، ودخل فلم يجد أحدا، فخرج يصخب ويلعن ~~ويقول: أين الخائنة؟ أين توجهت؟ # قالت كريمة: لا أعلم. # قال: هل رأت فؤادا؟ # قالت: كلا. # قال: أنت تعلمين مقرها فأخبريني أين ذهبت؟ # قالت: لعلها ذهبت إلى الكنيسة تصلي، فهذا يوم الأحد تخرج للصلاة على عادتها فيه. # قال: أحوال المجانين عند النساء شائعة، فابنتك هذه لا بد أن يختل شعورها بكثرة العبادة ~~والركوع والبكاء والنحيب. # قالت كريمة: هكذا عبادة المساكين البائسين. # قال: بئست عبادة تورث الخبل وتحط من قدر القائم بها، فالعبادة الحقيقية لا تقوم بالأعمال ~~الخارجية، وبعد فإني سأمنع عفيفة عن التوجه إلى الصلاة بعد، ولا بد أن تكوني قد علمت أن ~~ابنتك تأخرت في حضورها الليلة البارحة من محل شغلها، والله يعلم أين كانت، فيجب أن أقف على ~~جلية الأمر، إذ لا يدخل في تصوري أنها قامت في شغلها إلى ما بعد نصف الليل بساعتين. وإذ قال ~~هذا الكلام خرج من الحجرة تاركا زوجته كريمة في حال من القلق تتصور ما بدا منه، وكيف قابل ~~فؤادا وأخشن له القول، ثم ms074 رجع ساخطا يسب ويلعن، وتذكرت مزيد كلفه بابنتها، فضاق صدرها ~~انقباضا، فجمعت قواها تريد وقوفا لتمشي في الحجرة فلم تستطع رجلاها حملها، فسقطت على ~~الأرض مغمى عليها. # وكان في أثناء ذلك قد جرى في الدور الأسفل حديث بين فؤاد وعفيفة، فإن فؤادا بعد أن فصل ~~عن خليل في أعلى السلم نزل محتدا وجال في خاطره أن يصعد لينتقم من خليل بما رأى من ~~الخشونة وقلة التأدب والغلظة الوافرة، فصرفه عن ذلك افتكاره بأن عفيفة تنتظره تحت، فأجل ~~انتقامه إلى فرصة أخرى، ونزل السلم وانتهى إلى باب الدور الأول فقرعه خفيفا فأسرعت عفيفة ~~في فتحه له وقالت له: ادخل حالا، فهذا محل جارتنا أنيسة وهي الآن غائبة، فدخل وقلبه يخفق، ~~فأغلقت الباب، ودخلت معه إلى حجرة صغيرة فيها شيء يسير من المفروش يدل على فقر صاحبته، وبعد ~~سكوت برهة قالت له: دعوتك سيدي هنا، وقد تأسفت على دعوتي فقلبي يخفق وجناني يضطرب من الخوف ~~أن يعلم عمي بمكاننا، وهو شديد الغضب، جبار عنيد، فلو رأيت أن نخرج عاجلا قبل أن يدركنا، ~~فلا يحصل على ما يكدرك، وفي الوقت سعة لتخرج فلا يعلم بنا أحد. # قال فؤاد: لا أذهب من هنا قبل أن أسمع قصتك وما تريدين مني، ولا بأس عليك ولا علي من ~~حضور عمك، وأنا قادر على دفعه إن استطال، أو قصدنا بشر فسكني البال وأمني ~~الخاطر. # قالت: أنت شجاع حازم وعزوم، وأنا ضعيفة القلب، انظر كيف أرتعش. # قال: بي مثل ما بك من الخفقان في القلب، ثم أخذ يدها فجعلها على قلبه. # فاحمر وجهها وحاولت الهرب منه، ثم أطرقت في الأرض حياء، وقالت: لا تؤاخذني، فقد أجريت ~~ذكر القلب والارتعاش عرضا فلم أنتبه. # قال: لو رأيت الخوض فيما ترغبينه فإني منصت إليك. # قالت: ستصبح أيها السيد الكريم عما قليل من الزمان قريبا لنا بزواجك بابنة خالي، فبحق ~~حرمتها أسألك الرأفة بوالدتي، فإنها منهوكة، وأنت قادر على إنقاذها من الويل والنكد. # قال: تحلفيني بابنة خالك، وأنا لم أتزوج بعد بها؟! ms075 # قالت : أحلفك بها، فإن لها أيها السيد السند بقرب منزل والدها بيتا صغيرا كنا نسكنه في ~~حياة المرحوم والدي. وهنا انحدرت دموع الفتاة حزنا على والدها، وأخرجت من جيبها علبة ~~فقبلتها. # فقال لها فؤاد: رأيت هذه العلبة معك أمس. # قالت: نعم هذه العلبة التي رأيتها أحفظها على قلبي فلا تفارقني، وفيها رسم والدي ~~المحبوب، ولم ينظر هذا الرسم أحد، وقد أخفيته عن والدتي شفقة على قلبها، ولا بأس عليك أن ~~تراه. # فتناوله فؤاد بيده متأملا وقال: أرجو سماحا وعفوا يا سيدتي، فقد أسأت بك الظن، ولم ~~يخطر في بالي أن تكون العلبة متضمنة رسم والدك، وما شككت في طيبة قلبك وكرم أخلاقك. # ثم إنها ارتعدت وانخطف لونها واشتد عليها الاضطراب فأومأت إلى فؤاد بيدها ليسكت، وقالت: ~~هذا عمي خارج، فاسترنا يسترك الله. # قال لها فؤاد: كيف علمت أنه عمك؟ # فلم تجبه عفيفة بكلمة، بل أطبقت فمه بكفها كالجليد من شدة الخوف، وبعد برهة سكن خفق ~~الأقدام، فقالت: قد خرج عمي، فهيا بنا إلى فوق نشاهد والدتي، ثم عرض لها فكر فرجعت إلى ~~الخلف، وقالت لفؤاد: تمهل قليلا فربما يرجع. # قال فؤاد: لا تخافي واصرفي عنك الأفكار، ثم إنه أجلسها على كرسي وقال لها: أخبرتيني في ~~الحين عن بيت كنتم تسكنونه فتممي حديثك عنه. # قالت: كان هذا المنزل لخالتي في الأصل فورثته لابنتها خطيبتك، والمنزل يشتمل على أربع ~~حجرات وحديقة صغيرة كنت أسميها جنة الفردوس، وفي ذلك البيت ولدت وربيت، وكل شهوتي في ~~الدنيا ومرام والدتي أن نصرف بقية العمر فيه لو تتكرم علينا بذلك حضرة خطيبتك، فهي - بحمد ~~الله - واسعة الغنى وفي سعادة تامة، فإن فعلت فلها الفضل علينا والجميل الذي لا ينسى مدى ~~الدهر. # قال: أهذا كل مطلوبك؟ # قالت: هذا كله، وهو تفضل نلتمسه من حضرة ~~خطيبتك لا واجب عليها تقضيه، وإن أحبت جعلته إحسانا لتذكار عهد الصبا والصداقة ~~القديمة. # قال: كم بينك وبينها فرقا من السنين؟ # قالت: الفرق قليل، هي تكبرني بأربع سنوات، على أننا لم نأتلف في ms076 الطباع لتكبرها ومحبتها ~~الرئاسة، فكانت تجور علي أحيانا ونحن في المدرسة، وأنا بالطبيعة أنوفة كنت أحقد ~~عليها. # فتذكر فؤاد كلام سعيد على أخته، ولم يقل شيئا. # وأردفت عفيفة قائلة: أبى الله أن أبرئ نفسي من العيب، فالعصمة لله وحده، والكمال لذاته، ~~والطبيعة الإنسانية مجردة عن الكمال، فقد كنت في جدال مستمر مع ابنة خالي، وما أعلم إن كانت ~~تذكر ذلك، ولعلها لا تفتكر إلا بأوقات الصفو واللهو، ولا يضيع جميل أينما كان، فهي لو أجابت ~~التماسنا دعونا لها بالسعادة والتوفيق ومديد البقاء، فلم نثقل عليها فوق هذا التثقيل، ولو ~~أننا فقراء ووالدتي عاجزة فلنا ما يقوم بأودنا، وأنا شابة صحتي جيدة أكسب بشغلي ما يكفيني ~~ويكفيها، والله كريم يرزق عباده. ثم إن عفيفة انقطعت عن الكلام، واقتربت من فؤاد تقول بصوت ~~منخفض: ها هو راجع، والظاهر أنه غضبان، عرفت ذلك من حركة مشيه. # وكان الاصفرار على وجهها والارتعاد في ~~قدمها حتى صعد عمها على السلم فقالت: ها هو صاعد إلى البيت، فلا يمكننا الخروج بعد، فدخل ~~خليل حجرة امرأته ساخطا واجما غضبان، فلم يبصرها، وكانت ملقاة على الأرض وراء كرسي ~~جلوسها، فهم أن يذهب إلى الحجرة الثانية ليفتش عنها، فوجدها مطروحة على الأرض عديمة ~~الحراك، فشفى غيظه بالسباب وقال: إن شاء الله هي القاضية، ثم رفعها بيديه وجعلها على ~~فراشها، فوجدها على رمق قليل من الحياة، وقد تحركت قليلا من إغمائها، فقال: خطف الشيطان ~~روحها الخبيثة، إنها لتموتن في اليوم ثم تحيا ألوفا. ثم إنه بدلا من أن يرق لحالها ~~ويعتني بها تركها وطفق يتمشى في الحجرة طولا وعرضا مزمجرا، كأنه الوحش الضاري يبحث عن ~~ضحية يفترسها، ففي خروجه أفاقت كريمة من إغمائها، فتنهدت من صميم الفؤاد، وجمعت قواها، ~~وجلست على فراشها وغبار الموت على وجهها، فلم تمكث أن رأت خليلا زوجها قد رجع فجعل أمامها ~~كرسيا وجلس يقول لها: مرادي أن أكلمك في مسألة مهمة، فأعيريني السمع وتفهمي قولي، قد ~~أنفقت عمرك على ابنتك عفيفة، فتزوجتني فكنت بالطبيعة قيما ms077 عليك وعليها، نعم كان أخوك ~~أحق مني بالوصاية على الفتاة، ولكنه أهمل جميع الواجبات، ولم يلتفت إلى شأنك وشأنها فآلت ~~الوصاية إلي، فليس لك أن تعترضي أو تخالفيني في شيء ما، وقد حملتني جميلا كثيرا أو ~~ذكرتني بثروتك التي قضى الزمان عليها بالضياع، ووبختني كأني كنت المضيع لها، وهذا القول ~~أسمعه منك في كل يوم، فمن اللازم أن تمتنعي عن ذكره بعد هذا، واعلمي أن ضياع ثروتك حصل ~~بتقادير التجارة لا بتقصيري، فلا سبيل علي ولا حق لك بتسكيتي ولومي، والتجارة قد يصادفها ~~الربح والكسب، كما يعتريها الخسارة، فأي لوم علي والزمان لم يساعد والبخت عاثر؟! # قالت: ما أذم التجارة، وأعلم حق العلم أن ممارستها بالتدبير والحكمة تفيد غنى وافرا، أما ~~الذين يتعدون قواعدها ويجرون على غير الصواب فيها - كما فعلت أنت - فمصيرهم إلى الخسارة ~~والبوار، وقد نصحتك كثيرا وتذللت لديك وقبلت قدميك أحيانا لتتدبر في المعاملة، فلا ~~تتهور في الأعمال فلم تقبل نصيحة ولا شورى. # قال: دفعني إلى التجارة رغبتي في إحراز ~~المكاسب سريعا، فجاء الأمر بخلاف ما كنت أنتظر من النتيجة، فأي جناح علي وأي ذنب أتيته ~~والحظ لم يساعدني؟! ولو حاسبت نفسك قليلا لعلمت أني قهرت على التهور في الأشغال توخيا ~~لمرضاتك والقيام بمصاريف الزينة والتطرئة والبهرجة، وما كنت مولعة بحبه من الملاهي وأسباب ~~المباهة والنفقة الباهظة حتى قصر دخلنا عن نفقاتنا، وكانت حاجاتك متجددة في كل حين تبغين ~~قضاءها بلا تأخير، فالتزمنا أكل جانب من رأس مالنا في كل سنة، وهكذا حتى قل شيئا فشيئا، ~~ثم نفد بالتمام والكمال. مع ذلك فأنت على عادة السرف لم تجدي عنها تبديلا، اذكري أني كنت ~~أقضي الليالي الطوال ساهرا منكبا على العمل ابتغاء حفظ مركزي والثبات أمام جيوش نفقاتك ~~الجرارة، فلا أستطيع شيئا، فوالله لو أن ما في الأرض من مال يبذل إليك لنفد وما وفى ~~بمطلوبك. # قالت: تريد أن تجعلني مسئولة عن إخفاق أعمالك وسوء تدبيرك، مع أني نبهتك كثيرا فلم ~~تتنبه، ونهيتك عن التهور في الأعمال كأعمال ms078 البورصة وخلافها محذرة إياك بأنها تعقب الخراب ~~والدمار ما أذعنت لقولي، وقد جئت الآن تزعم أنني كنت السبب في الخسارة. # قال: لم لا تتذكرين ملابسك الحريرية والحلي والجواهر الكريمة التي كنت تكلفينني بجلبها ~~إليك لتتبرجي وتخطري مباهية النساء المثريات الموسرات؟ ثم لم تكتفي بها حتى طلبت خلافها، ~~وكلفتني الإنفاق على ملبوس المودات والأزياء الجميلة، وحتى كان عندك خياطات كثيرات يشتغلن ~~في المنزل لتفصيل الأثواب ملبوسا لك مؤنقا بهيا، وكنت لا أستطيع مخالفتك مخافة الفضيحة ~~والخصام بما قام فيك من طباع العتو والعظمة، وتذكري يوم بقيت غضبى واجمة بسبب امتناعي عن ~~شراء عربة تركبينها للمباهاة وإبراز زينتك وجمالك، وكيف أنك أصررت فلم يكن لي مناص للنجاة ~~من غضبك إلا بإجابة مطلوبك، ولولا ذلك لفقدت راحتي، والله أعلم بمقدار ما تستلزمه العربة من ~~كلفة وأجرة سياس وخدمة ومئونة خيل وغير ذلك من المصاريف، وأنت بين ذلك جالسة كسلطان على عرش ~~عزة متزينة بنفيس حلاك وملابسك ركوبا على عربتك أمامك السياس والخدم، وأنا متعوس مكب على ~~عملي كتابة ومراجعة وبحثا في الدفاتر والأوراق، أجهد النفس في الاشتغال ليلا ونهارا ~~ابتغاء الكسب حتى يفي إيرادنا بنفقتك الجسيمة، وكان الخراب ماثلا أمام عيني يضطرب خوفا من ~~سوء العاقبة، وأنت لا تتحولين عن عهد نفقتك الباهظة وقلة تدبيرك، فأخبريني الآن أين ~~الرفيقات اللواتي قد صحبتك في أيام اليسر والسعادة؟! فإني لا أجد منهن ولا واحدة والكل ~~يتجاهلنك، أين النساء اللواتي كن يلازمن مجلسك تمليقا ومداهنة؟! هل منهن واحدة تفتكر فيك ~~أو تذكر سابق فضلك؟! فوالله إني أراهن يهربن منك هربهن من الجيفة أن تمس لهن ~~ثوبا. # ولقد كان كلام خليل على شيء من الصحة، ولكنه قد بالغ بقصد تكدير امرأته ... وهذا القول ~~ينطبق على كثير من النساء اللواتي يخربن بيوتهن بكثرة الصرف طلبا للمباهاة وابتغاء التشبه ~~بمن فوقهن درجة وغنى واقتدارا، ومن المعلوم بالتجربة أن كل امرأة قامت هذه الصفات فيها، ~~وكان رجلها ضعيف القلب عاجزا عن كبح جماحها أعدت بيتها للخراب وبئس المصير. # وكانت كريمة ms079 تسمع كلام زوجها فلا تجاوبه بشيء لعلمها أن قوله محض افتراء وبهتان، وأنها ~~ليست من النساء الموصوفات بوصفه. # ثم إن خليلا استطرد بقوله: قد علمت إذن أني لم أبدد ثروتك، وإنما أنت التي بددتها ~~بيديك، وبفرض أني كنت السبب في ضياعها، أفتنسين أنك تكبرينني بعشر سنوات، وأني ما تزوجت بك ~~إلا رغبة في مالك الكثير؟ فلئن كنت أضعته بكثرة الإنفاق، فقد أضعت لذة شبابي زواجا بمن هي ~~فوقي سنا، لعن الله الساعة التي رأيتك فيها وعرفتك، كانت ساعة شؤم فقدت فيها عقلي وبصري، ~~وما أرى أجهل من الشبان، يبتغون الزواج للمال يبادرون إليه بغير ترو ولا يبصرون، فإن ~~لمعان الذهب يغشي عيونهم فيدهشهم عن رؤية المرأة وانتقاد أخلاقها، واختبار صفاتها ~~الملازمة لها مدى العمر، فهم يتزوجون المال لا صاحبة المال، وعلى الغالب فإنا نرى النساء ~~الموسرات مجردات من الجمال ومحاسن الطبيعة، وقد يتجردن أيضا من الأخلاق الجميلة فيعاني ~~الأزواج الجاهلون نصبا كثيرا بسببهن يدوم مدى الحياة، ويكونون قد أفاقوا من غفلتهم وشعروا ~~بخطئهم، فلا يفيدهم الندم، وقد نفذ السهم وانقطع الوتر، فيقوم النفور بين الأزواج، وتعظم ~~الوحشة والكدر، فتفقد العائلة راحتها ونظامها، ويقوم النكد بديلا عن الصفاء، والذنب ذنب ~~الرجل، والخطيئة خطيئته، فهو الذي ظلم نفسه، وألقى بيده إلى التهلكة. # وكان قد زاد اصفرار كريمة، واشتد عليها المرض من سماع الثلب، فقالت لزوجها: رحماك، فبالله ~~ترثي لحالي، إني شاعرة بانحطاط كلي في جسمي وزيادة بالغة في أوجاعي، وقد بردت أطرافي، ولم ~~يعد لي قوة على الحركة. # فقال لها خليل: نؤجل هذا الحديث إلى وقت آخر، وإن شئت دعوت إليك الطبيب. # قالت: لا يفيدني حضور الطبيب شيئا، وقد حم الأجل، وأحسست بقرب الموت، فوفر الأجرة ~~إلى ما يفيد. # قال: لا بد من إحضاره، على أني أطلعك قبل توجهي على أمر ذي بال، وهو أني توجهت اليوم ~~إلى دكان الخياطة لأسأل مستفهما على تأخر عفيفة أمس عن الحضور إلى البيت في وقتها كالعادة، ~~فعلمت أنها خرجت من العمل قبل نصف الليل، فلم ms080 تعد إلا بعد ساعتين من مضيه. # قالت: كانت تحاول قتل نفسها. # قال خليل: حاولت الخائنة قتل نفسها، وجعل يسرع في مشيه من أول الحجرة إلى آخرها، ومن ~~عينيه يتطاير الشرر. # وكان قد اشتد الألم على كريمة، وكاد ينقطع صوتها وخف سمعها، فقالت لخليل: عندي رجاء ~~قبل أن أفارق هذه الحياة، وهو أنك تعدل عن هوى عفيفة، فأنت السبب في تعاستها وشقائها، حسبها ~~ما حملت من الكدر فلا تلبسها فوقه ثوب العار والفضيحة، وكفاها ما قاست من الأشجان ~~والأحزان. # أما خليل فإنه لم ينصت إلى حديث امرأته، وكان يكرر قوله هاتفا: حاولت الخائنة قتل ~~نفسها، أين هي الآن؟ أين ذهبت؟ ثم إنه خرج مسرعا من البيت تاركا امرأته في حالة النزاع، ~~فاستلقت كريمة على فراشها، وهالها غضب زوجها، فبقيت برهة فاقدة الإحساس كأن قد قبضت روحها، ~~ولما انتبهت قليلا جمعت ما تبقى من القوة لها، واستوت قعودا على فراشها، فشعرت أن ساعتها ~~الأخيرة من الحياة الدنيا قد دنت، وقالت في نفسها: ذهب زوجي، وتركني أتقلب على وسادة الموت ~~شاكية أوجاعي وآلامي، وأشد تلك الآلام خوفي على ابنتي من غرامه وسفاهته، فقد سلب الهوى رشده ~~وكاد يخرجه عن الصواب، اللهم اهده الصراط المستقيم، ولم تكن الغيرة هي التي تمزق أحشائي، ~~بل مخافتي على عرض ابنتي أن يتخدش، فيا أيها المولى العلي العظيم، إني أقيمك على ابنتي ~~وليا وحفيظا، فصنها بكنف وقايتك من مكائده وخبائثه وفجوره، اللهم احفظها بقدرتك ورحمتك ~~يا مغيث الأيتام والمساكين. # وكانت عفيفة في الدور الأول - كما سبقت الإشارة - فلما سمعت صراخ خليل وخروجه مغاضبا ~~بادرت بالصعود إلى والدتها، وانطرحت أمام فراشها تسألها قائلة: ما بالك يا أماه؟ وماذا جرى ~~لك؟ ألعل بك آلاما أو تكون أوجاعك قد زادت عن الأول؟ فإني أرى وجهك متغيرا كئيبا، ~~أخبريني ولا تكتمي عني الحقيقة، وأريحي بالي وقلبي. # فقالت لها أمها: لا يزال مرضي على حاله فلا تنزعجي، وإن شاء الله يزول عني قريبا، وكان ~~فؤاد واقفا على الباب فأبصرته كريمة، وأشارت إليه ليدخل ms081 فدخل ، فلما دنا منها ورأى اصفرار ~~وجهها أيقن أن قد دنا أجلها وأزف ترحالها من هذه الدنيا. # وقالت عفيفة لفؤاد متوجعة: انظر كيف تغيرت هيئة والدتي؟ فوالله إني لم أجدها على شحوب ~~مثل هذا اليوم، فبالله عليك أن ترثي لي ولها وتستدعي الطبيب. # فتقدم فؤاد مقتربا من كريمة وقال لها: أراك في غاية التعب والانزعاج، فها أنا ذاهب أدعو ~~الطبيب لعيادتك في الحال. # قالت كريمة: لا فائدة من حضوره، فهو لا يرجع الحياة إلى الأموات، ثم إنها التفتت إلى ~~ابنتها تسألها أن تناولها زجاجة فيها ملح النشادر، مودعة في درج من الحجرة الثانية، فذهبت ~~عفيفة مسرعة لتحضرها، والتفتت كريمة إلى فؤاد قابضة على يده، وقالت له بصوت منخفض: ~~لا تتعب سرك يا سيدي، فلا لزوم لإحضار الطبيب، ~~وليس لي إلا ربع ساعة من العمر أعيشها، ولا حاجة لي أيضا بقسيس أقدم التوبة بين يديه، فقد ~~غفر الله خطيئتي بما حملني من الأوجاع والآلام، وذمتي نقية لا يثقلها شيء فأحاسب النفس ~~على عصيان، ولي عندك رجاء أيضا أن تسرع لتحضر عربة تجعلها أمام البيت، فإذا فارقت الحياة ~~عهدت إليك بابنتي عفيفة عهد الله أن تحميها وتجعلها في محل أمين، وقد مضى الزمان فبادر ولا ~~تتأخر وأحضر العربة في الحين. # فخرج فؤاد على عجل وحضرت عفيفة وفي يدها زجاجة النشادر، فجعلت تنشق والدتها والدموع ~~منهملة على الخدين، وفي قلبها الأسف على أمها استشعارا بدنو أجلها. # قالت لها أمها: كفكفي الدمع يا عفيفة، ولا تزيدي أوجاعي وآلامي، فقد تمضي هذه الساعة ~~وأبلغ الراحة الدائمة، ثم قالت: أخبريني ... هل أبصرك خليل وهو خارج؟ # قالت عفيفة: كلا، كنت في بيت جارتنا فلم يعلم بي. # قالت كريمة: أخاف أن يرجع عاجلا. # قالت: لا تخافي شيئا، من عادته التوجه في مثل هذا الوقت إلى الصلاة لمراقبتي، فلا يعود ~~قبل ساعة من الزمن. # وكانت كريمة تسمع الكلام بقلب منفطر؛ لانخفاض صوتها وظهور علامات الانحلال عليها حتى وقعت ~~على ظهرها، فظنت عفيفة أنها قد فارقت الحياة، فضجت بالبكاء والعويل، ms082 وشهقت شهقة الحزن، ~~وأذرفت الدموع مدرارا، وبعد برهة قليلة تحركت كريمة وقالت لابنتها: اصرفي عنك يا ابنتي ~~الحزن، فقد استودعتك الرحمن خالقك، وأموت راضية عنك، وأسأل الله أن لا تفارق روحي البدن حتى ~~يكون قد رجع فؤاد. # فأكبت عفيفة على يدي أمها تقبلهما فوجدتهما كالثلج صقيعا، فخرجت من الحجرة صارخة ~~مولولة، وكان قد رجع فؤاد فسألته عن الطبيب، فأخبرها أنه يحضر قريبا، ودخل إلى حجرة ~~المريضة، فتنهدت كريمة حين رأته وقالت: أشكر الله على أنك حضرت قبل خروج روحي، ثم نادت ~~عفيفة وقالت لها: لا فائدة من حضور الطبيب، وأنا شاعرة بزهوق روحي وتفريق شملنا تفريقا لا ~~اجتماع بعده إلا في الدار الأخرى، وما كانت خشيتي من الموت إلا جزعا عليك أن تصبحي في ~~الكون وحيدة بلا سند ولا مأوى. # فعندما سمعت عفيفة هذا الكلام انفطر قلبها فسقطت في حضن والدتها تنوح وتبكي، فضمتها كريمة ~~إلى صدرها قائلة: وقاك الله يا بنتي، وهو ~~سبحانه المعين المغيث يتقبل الرجاء والدعاء الصالح. وكانت قوة كريمة تنحط شيئا فشيئا، ~~وترتخي منها الأعصاب حتى لم يعد في استطاعتها ضم الأصابع إلى بعضها، فأغمي على عفيفة وهي ~~فوق أمها على فراش النزاع، فأراد فؤاد أن ينهضها ويخفف عن قلبها العذاب، ولكنه ألفى ~~فؤاده ينفطر من رؤية هذا المنظر المحزن. # ثم إن كريمة نظرت إليه وكلمته بصوت يكاد لا يسمع، وسألته أن يدنو منها، وقالت: لي عندك ~~وصية وحيدة هي أعز شيء أرجو محافظتك عليه، وأنا الآن على فراش الموت ليس بيننا غير الله ~~الشاهد، وهو الحي الباقي القيوم الذي لا يموت، إني أوصيك بابنتي عفيفة خيرا، وأسلمها ~~إليك تسليما، وهي عما قليل تصبح ولا قريب لها ولا صديق ولا معين ولا ثروة تتكل عليها، ولا ~~ملاذ تحتمي في ظله، فكن ذلك الملاذ والصديق المغيث ولك الأجر عند رب العالمين. # قال فؤاد وقد أخذ الحزن منه كل مأخذ: هوني عليك أيتها السيدة وسكني البال، فوصيتك ~~محفوظة عندي ومقدسة، انعمي بالا وطيبي نفسا، فأنا كفيل ابنتك أدفع ms083 عنها كل مكروه، ~~وسأجعلها شقيقة لروحي، ويقضي الله ما يريد ويشاء، ولك القسم على تربة أبي وحرمة هذا المشهد ~~أني أحفظ العهد. # فعندما سمعت كريمة هذا القول تلألأت أسرة جبينها، وقالت لفؤاد: بارك الله عليك، ~~ووفقك للخير والسعادة، فقد صدقت أيمانك، وكانت على يديك نجاة ابنتي من الموت لأول مرة ~~غرقا، والآن أنقذتها من الموت عارا، وحفظت لها الشرف والكرامة والاسم الحسن، أسأل الله أن ~~يجزيك خيرا، ويسبغ عليك من فيض آلائه الحسنى، ثم قالت: أرجوك أن تفتح هذا الدرج فتجد ~~مقصا تأتيني به. فنهض وتناول المقص فسلمه إليها فأخذته بكل عناء، فقصت خصلة من شعرها ~~فسلمتها إليه وقالت له: هذه أمانة تسلمها إلى ابنتي عفيفة لتجعلها مع صورة أبيها، فهي ~~الميراث الوحيد الذي أورثه لها، ثم سكتت قليلا وسألت: هل أتت العربة؟ # فقال لها فؤاد: نعم، وهي تنتظر بقرب الباب. # قالت: وما تصنع بعفيفة؟ # قال: أجعلها في بيتي عند والدتي. # فقالت: جزاك الله خيرا، فقد سكنت آلامي، صرف الله عنك كل مكروه، وحفظك من كيد الأعداء، ~~ثم قالت: أرجوك أن تبادر بابنتي إلى والدتك عند فراق روحي، فليس بعد الموت حيلة ولا ضرورة ~~لأن تبقى هنا. # قال: وهل عندك وصية أخرى؟ # قالت: تقابل أخي وتعلمه أني سامحته ما أساء إلي وأنا على فراش الموت، وإن قابلت ~~خليلا زوجي فبلغه أيضا أني عفوت عما عذبني وكابدت بسببه من النكد والمصائب. # وكان قد اشتد النزاع على كريمة، وتصبب العرق باردا من جسمها، وعرت وجهها غبرة الموت ~~وغشي ناظريها الظلام، فنطقت بآخر جملة قائلة: ~~أدن مني ابنتي عفيفة لأقبلها القبلة الأخيرة، فامتثل فؤاد إشارتها، وقرب بين يديها ~~الفتاة جاعلا رأسها على صدرها، فحركت الأم شفتيها وأسلمت الروح، فارتعد فؤاد من هذا ~~المنظر، ورجف جسمه وسال الدمع من عينيه غزيرا، ولبث مبهوتا قليلا من الزمن ينظر إلى ~~كريمة مرة وإلى ابنتها مرة أخرى حائرا فيما يفعل، فجس يدي كريمة فإذا هما قد جمدتا فأيقن ~~أنها ماتت حقيقة، فأغمض عينيها، وتلا سورا من الكتاب ms084 الكريم المقدس، وحمل عفيفة بين يديه ~~نزولا على السلالم فلم يشاهده أحد، فأشار إلى سائق العربية فتقدم وجعل عفيفة في صدر ~~العربة، وجلس أمامها وهي في حالة الإغماء وقال للسائس: بنا إلى مصر العتيقة، فانطلق يعدو ~~بخيله سريعا. # | الفصل العاشر # بعد مضي خمسة شهور من وفاة كريمة، كان في صباح يوم من شهر نوفمبر همام جالسا في فسحة ~~الفندق الكبير المعروف بنيو أوتيل يدخن سيجارته إذ أبصر سعيدا مارا في عربة من أمام ~~الفندق، فأشار إليه فنزل من العربة وحياه مسلما، فلما جلس قال له همام: كيف حالك؟ إني ~~مسرور بمشاهدتك، أمن زمان أنت في القاهرة؟ # قال سعيد: من يومين، وكنت عزمت على مقابلتك في هذا اليوم، فجمعني بك الاتفاق، والحمد لله ~~على رؤيتك بخير. # قال همام: هذه المقابلة لا تعفيك من الزيارة المرسومة. # قال سعيد: واجب علي أن أزورك في محلك. # قال همام بعد أن بادله كلام الوداد والصفاء على عادة الناس: هل حضرت بإذن والدك؟ فقد ~~بلغني أنه متغير عليك، وأنه هددك بقطع ميراثك إن جئت إلى القاهرة. # قال سعيد: أخبرتك عن الكتاب الذي أرسله إلي منذ شهرين يدعوني به إليه إن كنت تذكر ~~ذلك. # قال: أتذكره جيدا، وكان الكتاب ردا على خطاب منك، وجهته إليه في طلب نقود فعوضا عن ~~إرسالها أرسل إليك بعض نفثات غضبه. # قال سعيد: نعم، وفوق ذلك يهددني بقطع ميراثي إن لم أعد إليه في الحال. # قال همام: عهدي بالآباء يغضبون ويتهددون فما يفعلون، ويبرقون فلا يمطرون. # قال سعيد: ليس الآباء سواء، فوالدي قاسي القلب جافي الأخلاق، إن قال شيئا فعل، ولعلمي ~~بطباعه انقدت لأمره مطيعا، وتركت القاهرة قهرا عني، وكنت إذا طلبت منه النقود التمستها من ~~إيراد مالي الخاص الموروث عن أمي، وهي في إدارته وتصرفه فأبى أن يرسل إلي القرش الواحد، ~~وكان متكدرا كثيرا لما بلغه أني صرفت خمسة عشر ألف فرنك في مدة ثلاثة شهور، فخفضت لإرادته ~~الجناح، ولم أستعمل معه العناد لئلا يجفوني ويحرمني من الميراث، وهو - كما لا ms085 يخفى عليك - ~~كثير الأموال تبلغ ثروته زيادة على مائتي ألف جنيه، فضلا عن تجارته الواسعة، ومن كان مثله ~~في هذا الغنى فهو جدير بالرعاية والإكرام، ولذلك قد لبيت أمره بالإطاعة مرغما، وفي ودي أني ~~أقيم في مصر مديدا لدواع كثيرة. # قال همام: أظن أن من تلك الدواعي كلفك بالفتاة الشقراء التي رأيتها في مخزن ~~الخياطة. # فابتسم سعيد وقال: سبحان الله! تحب الهزار في كل آن، فدعني الآن أخبرك عما جرى بيني وبين ~~والدي، وكيف سمح لي بالعودة إلى القاهرة ثانية. # قال همام: أخبرني الآن عن أمرك مع أبيك، ثم تخبرني عن صاحبتك. # قال سعيد: بعد وصولي إلى بيت أبي بثلاثة أيام كابدت العناء من خشونة المعيشة عنده، والفرق ~~بينها وبين المعيشة في القاهرة بعيد المدى، ففي مصر تكثر أسباب الحظ والانشراح والملاهي ~~المتنوعة، وفيها الشوارع الجميلة والأنوار اللامعة البهية والجنائن الباسقة الزهية، وهي ~~تزيد في الحسن يوما عن يوم، فلو استمرت على هذا الترقي أصبحت ولا شك أجمل مدينة في ~~الشرق، ومن اعتاد على المعيشة فيها لم ترق في عينيه المعيشة في الأرياف بين الفلاحين، ومن ~~أجل ذلك عقد عزيمتي على العودة إليها، وجعلت أختلق الأسباب للتعكير على والدي، فاشتريت ~~خيلا كنت أركبها، وأعبث في المزارع أتلفها، واقتنيت كثيرا من كلاب الصيد كنت أذهب بها ~~فأتلف النبات، وأنا دائما ثائر غضبان أخاصم من أراه حتى زهقت روح والدي، فصرح لي بالعودة ~~إلى القاهرة وفي قلبه النقمة، وقد ودعني وهو يقول لي: الخير أن تبدد مالك من أن تبدد مالي، ~~فاذهب إلى حيث شئت، فإني لا أستطيع رؤيتك ومشاهدة ما تصنع من الأمور السمجة وما تبذر من ~~الأموال سفها، حتى أصبحت أخشى على أيامي أن تنفد هما وغما عليك وكدرا منك، فعندما ~~سمعت هذا الكلام منه أظهرت الأسف وأبطنت السرور، فلما أصبح الصباح جهزت أدوات السفر، وجمعت ~~شيئا من النقود أنفقته على نفسي في سفرتي، وكان حضوري إلى مصر أمس، وها أنا الآن بين ~~يديك. # قال همام: تسمح لي أقول الحق، ms086 فقد كثرت في القاهرة أسباب الفساد وأنواع الرذائل، واشتد ~~بطر الشبان الأغنياء وغوايتهم، فأنفقوا ما ورث لهم الآباء من مال وعقار، فهم الآن من سوء ~~تدبيرهم ومعصيتهم في فقر مدقع، والخمارات أصبحت في طول الشوارع، وكذلك القهاوي ومحلات ~~القمار وبيوت العاهرات المنتشرة في جميع الأقسام، وكل ذلك أسباب لتخريب البيوت العامرة، فما ~~يكاد يسلم فتى من شرها، واتصلت الرعونة بالبعض من الشبان حتى جعلوا يتباهون في الفساد وفي ~~العناد، وهم عن عاقبة أمرهم لاهون، يجدون ملازمة هذه الأماكن المعدة للفسق واللهو نعيما ~~لهم، وهي على الحقيقة جهنم، تأكل بنيرانها أبدانهم وأموالهم، وقد تفرس والدك بحزمه جميع ~~الشرور فمنعك عن المقام في هذه المدينة مخافة عليك أن تغوى مع الغاوين، وقد أصاب لعمري بما ~~فعل، وفي ظني أنه سيجيء بنفسه هنا إذ لا بد أنه يكون مشتغل البال من جهتك. # قال: حزرت، فهو سيحضر عما قليل من الأيام لا لأجلي بل لأجل دعوى كبيرة له في المحاكم تهمه ~~كثيرا، وله خصوم شديدون قادرون بعلاقاتهم مع بعض القضاة، فيخشى على دعوته من الضياع ~~والخسران. # قال همام: لا أظن ذلك ممكنا، فالأحكام قد انتظمت عن الأول والعدل موجود، فإن كان والدك ~~محقا في دعواه كسبها لا محالة، على أني أسألك عن أختك سعدى هل تحضر معه أو لا؟ # أجاب سعيد: تحضر، فهو لا يمكن تركها وحدها في الريف. # قال همام: أتعجب كيف أنها لم تتزوج إلى الآن؟ # قال سعيد: خطبها كثيرون من الشبان، فحصلت أحداث أجلت قبول طلبهم في الوقت الحاضر، ~~وأخصها مسألة الحزن الذي نحن فيه الآن. # قال همام: إن كان الحزن على كريمة عمتك فقد انقضى بمرور خمسة شهور. # قال سعيد: ليس الحداد عليها، بل على خالة لنا في بر الشام، توفيت من عهد قريب، وكانت ~~تكره الرجال كره العمى، حتى لقد حرمتني من إرثها، وأوصت بجميع أموالها لشقيقتي سعدى، فأصبح ~~الآن إيرادها السنوي زائدا عن الأول نحو خمسة عشر ألف فرنك، فإجمالي دخلها السنوي يبلغ ~~خمسة وأربعين ألف فرنك، ولكن ms087 لسوء الحظ من الزمان لم تتم لشقيقتي السعادة، فإنها بعد ~~استيلائها على هذا الميراث ابتلاها الله بداء الجدري، وكان متفشيا في الجهات، فاستمرت ~~تقاسي عذابه مدة طويلة، والآن شفيت والحمد لله وزال عنها الخطر، غير أنه قد تخلف في وجهها ~~أثر الداء فشنع منها الوجه، ولا عبرة بذلك فإن الغنى الواسع يستر العيوب، ولا شك أن ~~فؤادا ابن شقيقتك سيدة نادم كل الندم على رفضه الزواج بأختي واغتنام غنيمتها. # قال همام: كنت أنت السبب في رفضه بما قصصت عليه من الحديث بعد شرب الكونياك. # قال سعيد: أتأسف جدا على ما فرط مني وبدر من الكلام، فقد احتال علي ابن أختك فاقتنص ~~أسراري. # قال همام: كنت أظنك صديقا له راغبا في مصاهرته ومناسبته. # قال: كنت ولم أزل صديقه، ويعلم الله أني أتمنى له الزواج بأختي. # قال همام: ليت الأمر ممكن، وبعد فليس في الكون شيء مستحيل، فكلامك على أختك لا يعلمه أحد ~~غيري وغيرك وغيره، وأما شقيقتك فلا تدري منه شيئا، ولم تقطع المخابرة بعد، وغاية ما هنالك ~~فتور حصل في العلاقات، وهو أمر يمكن تلافيه وإصلاحه في كل حال، وقد كانت وفاة عمتك كريمة ~~وخالتك الشامية ومرض شقيقتك من الأسباب الموجبة لتأخير الزفاف، أما الآن وقد صفا الوقت، ~~وهدأ البال، فلا مانع يمنع من استئناف الأمر، وأنت فهيم حاذق، وأنا خبير مجرب، فنتفق معا ~~على تدبير الأسباب لإتمام هذا الزواج وإقناع الطرفين. # قال سعيد: وقد سره وصف همام له بالنباهة ~~والحذق: نعم الرأي رأيك، ونحن قادرون على التدبير، فمرني بما تشاء، فإني مستعد للقيام ~~به. # قال همام: يلزمك أن لا تغير شيئا من معاملتك لفؤاد، وأن تبقى معه على التجمل والوداد، ~~واحذر أن تجالسه في خمارة أو تتناول من يده كأس مدام، أو تخوض في محادثته، فتعطل علينا ~~التدبير، وكذلك يجب أن لا تخبره بشيء مما عزمنا عليه، وأنا سأقابله في هذا اليوم إن شاء ~~الله، وفي غد أخبرك عما يكون قد تم. # قال سعيد: إني وإن كنت راغبا شديدا ms088 في هذا الزواج إلا أني أخشى امتناع فؤاد عن قبوله، ~~فإن شقيقتي فضلا عما قام فيها من العيوب قد زادت تشويها بتخلف آثار داء الجدري في ~~وجهها. # قال همام: لم تكن شقيقتك جميلة في البدء حتى يقال إنها أصبحت الآن دميمة، فالقبح ~~مستوف عندها على كل حال، أما الآن فأستأذن منك بالانصراف لأهتم في الأمر حالا، فقد حضرت ~~عربتي، فالمولى يوفق أعمالنا. # قال سعيد: اتكل علي، فإني أعاونك في تدبيرك. # وهنا ودع همام سعيدا، ونهض إلى عربته، فنزل السائق يكلمه قائلا: يا سيدي إني بينما ~~كنت ماشيا في الأمس قريبا من القصر العالي في الطريق المؤدية إلى مصر العتيقة أبصرت ~~فؤادا راكبا جواده الأشقر، فسرت في أثره لأدركه وأسلم عليه، فحانت منه التفاتة فرآني، ~~وجعل يسرع في عدوه فاقتفيته، وظللت سائرا في أثره، فلوى نحوي مغاضبا يزجرني بقوله: ~~أكنت جاسوسا علي تقتفي أثري؟! فوالله لئن رأيتك بعد هذا لأوسعتك ضربا أليما مبرحا، ثم ~~قال: سر في سبيلك، وأخرج من جيبه ريالا رماه إلي، ثم قال: لا ترني وجهك المنحوس بعد ~~هذا، فاضطربت من كلامه، وحرت كيف أصنع، هل أحفظ الريال الذي ألقاه إلي أو أرده إليه، فما ~~أمهلني أن وخز جواده فانطلق به كوميض البرق إلى مصر العتيقة، فغاب عن بصري سريعا. # قال همام: كان الواجب عليك أن لا تقتفي أثره، ففعلك بالحقيقة تجسس أوجب كدره، فاجتنب ~~أمثال هذه الأفعال بعد الآن، وسر بنا إلى منزل شقيقتي فهو غير بعيد، واذهب بعد ذلك إلى ~~البيت، وأعلم السائس بأن يحضر لي حصان الركوب، وأن ينتظرني أمام بيت شقيقتي، فسارت العربة، ~~وصعد همام إلى منزل شقيقته فوجدها وقوفا أمام مائدة كبيرة في حجرة السفرة ترتب المأكولات ~~والحلويات المجلوبة في علب خشبية من دمشق الشام، وكان قصدها أن تقدم من تلك الحلويات ~~هدية إلى رئيسة مدرسة البنات، فتناول همام شيئا من ذلك، فوجده لذيذا جدا، فقال لشقيقته: ~~إن أهل الشام قد تناهوا في إتقان أصناف الحلوى مربيات، وهذا دليل على حسن ذوقهم في ms089 المطعوم ~~والمشروب، فإن بلادهم كثيرة الأثمار شهية ومصنوعاتهم لطيفة ودقيقة للغاية، على أني لا أعلم ~~الباعث على تقديم هدية لرئيسة المدرسة على انعدام العلاقات معها. # قالت: معنى ذلك أني أكلف الرئيسة باختيار عروسة لفؤاد من البنات الشابات، وهي مهتمة في ~~ذلك كثيرا، وقد قطعت الأمل من زواج فؤاد بسعدى. # قال: لم أكن أعلم قبل اليوم أن رئيسات المدارس ينظرن في أمثال هذه الأمور، فقد جمعن إذن ~~بين تربية الشابات وتعليمهن وبين النظر في زواجهن، على أني لا أظن أننا نكون في حاجة ~~إلى تدخل هذه الرئيسة في عقد النكاح، فهيا بنا إلى القاعة الكبيرة لأخبرك عن بعض أمور ~~جديدة تجهلينها، فنهضت سيدة معه إلى القاعة، فلما جلست قال لها همام: قابلت اليوم سعيد بن ~~غانم أخا سعدى، وجري بيني وبينه الحديث على أمور لا تخلو من الفائدة. # قالت: وأي فائدة ترجوها من إنسان كسعيد كان السبب في تعطيل ما دبرناه من زواج شقيقته ~~بفؤاد؟ # قال: أظن لم يتعطل شيء بعد، وفي الوقت فسحة، وفي استئناف المخابرة محل للأمل بالفوز ~~والنجاح، فإن سعيدا أخبرني بأن والده وشقيقته سيقدمان إلى مصر القاهرة بعد يومين أو ثلاثة، ~~وأن سعدى لم تتزوج بعد، وأن خاطبيها من الشبان كثيرون، ولكنه وقعت بعض أمور أوجبت التأخير ~~لحسن الحظ وموافقة الطالع لنا. # قالت: وما تكون تلك الأمور؟ # قال: أولا: موت كريمة، ثانيا: فقد عفيفة ابنتها، فإنه لم يقف لها أحد على أثر، واختلف ~~الناس في شأنها، فقال البعض: إنها ألقت نفسها في النيل فاختنقت بأسفكسيا الغرق. # قالت: هذا رجم ظنون بعيد عن الثبوت، ولا يدخل في وهمي أن تكون الفتاة قد هلكت غرقا، ~~وإنما هي مختفية والله أعلم. # قال: ظهر بعد البحث والتحري أنها قتلت نفسها يقينا؛ بدليل أنها كانت كثيرة التفكير ~~والوجوم، وكانت تحب والدتها شديد المحبة، وآلت على نفسها ألا تبقى حية بعدها، فمن المحتمل ~~أنها تكون قد ضاع رشدها بعد وفاتها، والذي يثبت ذلك أن سعيدا وغانما بحثا مديدا عنها، ~~فعلما أن في الليلة ms090 السابقة لوفاة والدتها حضرت فتاة في زيها وقدها ووصفها تطلب زرنيخا من ~~الصيدليات ابتغاء قتل نفسها تسميما، فلما لم يمكنها الحصول على مطلوبها فألقت نفسها في ~~النيل تغريقا. # قالت: كلامك معقول، وقد يكون صحيحا، فأعلمني الآن عن الأسباب الأخرى التي أوجبت تأخير ~~زواج سعدى. # قال: من تلك الأسباب وفاة خالة لها في دمشق الشام، توفيت عن أموال كثيرة أوصت بها جميعا ~~لها، فزاد دخلها السنوي خمسة عشر ألف فرنك. # فابتسمت سيدة عند سماع هذا القول، وعطف همام بقوله: والسبب الأخير في التأخير هو أن سعدى ~~ابتليت بداء الجدري، فلازمت الفراش أياما كثيرة، والحمد لله أنها شفيت، ولكن تخلفت في ~~وجهها بسبب الداء آثار سوداء زادتها قبحا على قبح. # قالت وقد انقبض وجهها لسماع هذا الخبر: إن الفتاة شنيعة دميمة بدون الجدري، فكيف بها ~~الآن؟! ولا شك أن يكون السبب في هذه البلية بخل والدها عليها بالتطعيم في زمن الصغر، قاتل ~~الله أهل البخل إنهم يكفرون بنعم ربهم، فوالله إني يا أخي لأخشى حبوط التدبير فلا يتم ~~زواج ابني بسعدى. # قال: الزواج في الدنيا نصيب، وكل شيء مقدر. # قالت: هل تظن أن غانما يقبل في استئناف المخابرة. # قال: لا ريب في ذلك، فقد علمت أن له في المجالس دعوى منظور فيها، وسيصحب معه ابنته، ومن ~~الضرورة أنه يفتش على خاطب لها، وإلا فلو كانت الدعوة هي السبب الوحيد في حضوره لم يكن ~~موجب لحضور ابنته معه، ولا أراه إلا راغبا في أن يزوجها برجل شريف الأصل كريم الحسب كفؤاد، ~~وأنت راغبة في زواج فؤاد بفتاة كثيرة الغنى كسعدى، وهذه الفتاة تحبه محبة شديدة، وكذلك ~~أخوها سعيد جعل نفسه وفقا لخدمتنا ابتغاء تيسير المشروع. # قالت: كيف نستأنف المخابرة معه، وفي الأمر حطة وتنازل ووضع من قدرنا. # قال: كلى إلي التدبير، فأجتمع به بطريقة يظنها من قبل الصدقة، فإنه لمحبته الفخار ~~يرغب في مرافقتي، فأعزم عليه بالركوب معي في العربة، وأجيء به إليك، ونسوق الحديث في الأمر ~~الذي نبتغيه. # قالت: فهمت إشارتك، والأمر ms091 في رأيك هين، فهل يكون مثل ذلك هينا من جهة فؤاد؟ # قال: صدقيني، هنا الصعوبة الكلية ولعلنا نبلغ المراد، وفي قصدي أن أقابله اليوم وأعود ~~غدا فأخبرك بما يكون قد تم. # ثم إن هماما نهض ليذهب فشيعته سيدة إلى قرب الباب، وعادت وهي تقول: ليت فؤادا يقتنع، ~~كانت سعدى شنيعة في الأصل، فكيف بها الآن وقد عرتها آفة الجدري؟ فلا شك أنها أصبحت في صورة ~~إبليس اللعين تعاف العين رؤياها. # وكان خادم همام ينتظر قابضا بيده على رسن ~~حصان الركوب، فامتطاه همام قاصدا مصر العتيقة، وفي عزيمته أن ينتظر فؤادا إن لم يقابله، ~~وبينما هو سائر في طريقه رأى راكبا مارا بقربه، فتأمله فإذا هو فؤاد بعينه، فهمز الجواد ~~جريا في أثره حتى أدركه، فجعل يده على كتفه وكلمه مباسطا بقوله: ما تصلح أن تكون من ~~فرسان العرب، فقد جريت على عادة معيبة في الركوب، بأنك تنحرف إلى الأمام، فقد يحصل بذلك خطر ~~عليك، كأن يخطئ الحصان الحركة وقربوس السرج حاد فيولج في صدرك. # فانذعر فؤاد من سماع صوت خاله، فأجاب مبتسما وقد عراه الاحمرار في وجهه: ما كنت متوقعا ~~مقابلتك في هذا المكان، فلعلك تقصد النزهة. # قال همام: ليس إلا النزهة، فتعال نتروح معا. # قال فؤاد: لا يمكنني لسوء الحظ أن أرافقك مديدا، مضطر لزيارة بعض أصحابي قريبا من ~~المكان الذي نحن فيه. # قال همام: نتوجه معا إليه إن لم تجد عارا في مرافقتي. # قال فؤاد: أستغفر الله يا خالي، يحصل لي الفخر، وأزيد شرفا بمرافقتك، على أن صديقي مريض، ~~وقد لا تسرك عيادته، وأخشى أنك تتضايق من ذلك. # قال همام: كفاك شطارة يا فؤاد، فمن أين تعلمت الكذب، وكيف اهتديت إلى الحيل؟ أراك تحاول ~~الهرب مني وتنتحل الأسباب، فما تبرع في حيلتك، فلا شك أنك حديث عهد بهذه الطريقة، فوالله ~~إني أراهن على أنك ناهض في زيارة صديقة لا صديق لك، وبرهاني على ذلك سكناك في مصر العتيقة ~~وترديدك الوفادة إليها يوميا، فلو كان من تزوره أو تعوده ms092 صديقا لما كلفت نفسك عناء ~~الركوب في كل يوم إليه، ولو بلغت درجة صداقته ما تبلغ من التمكن، فالمزور امرأة رفيقة لك، ~~وهي في حالة الصحة واعتدال المزاج بدليل أنها مقيمة في مصر العتيقة بعيدا عن وسائل ~~المعالجة، فلا يغمنك اكتشافي أسرارك وخفاياك ومعرفة حقيقة أمرك، ولا تلمني، فأنت تعهدني حر ~~الضمير في نقيض أمك، ولا تزعمن أني ألومك باتخاذ صاحبة لك، فذلك عندي خير من ملابسة ~~العواهر. # قال فؤاد وقد احمر وجهه: لم تصب يا خالي الصواب في قولك، فإني لم أرافق امرأة، وبون بين ~~ما تدعي وبين الحقيقة، وما يحمل بك سوء الظن بي. # قال همام: جرت العادة عند الشبان الإنكار، فينفون عن أنفسهم تهمة مرافقة النساء، ~~فاجتهادهم في تأكيد النفي برهان على ثبوت ما ينسب إليهم، ولا يدخل في ظني أن معشوقتك بكر ~~عذراء. # فلما سمع فؤاد كلام خاله أيقن أنه يجهل حقيقته، فانشرح صدره، وأراد أن يزيده ضلالا على ~~ضلاله، ويخفي عنه أمر عفيفة فقال له: لله درك، ما أشد حذقك وأثقب فراستك! فلا يفوتك شيء، ~~إلا أن لهذه المرأة المعشوقة زوجا سيئ الطباع كثير الغضب شريرا. # قال همام: لئن كان شريرا غضوبا فلن يمنعك شره وغضبه من نوال الإرب وقضاء الوطر، بل قد ~~يكون خبثه داعيا لتمكين المودة بينك وبينها، فبالله عليك أن تخبرني بعض الخبر عن وصيفتك ~~المعشوقة. # قال فؤاد: يكون من سوء الأدب أني أبوح بشيء من ذلك. # قال همام: ما طلبت التعريف عن اسمها وعن أهلها، إنما أسألك مثلا عن عمرها. # قال فؤاد: وما الفائدة من معرفة عمرها؟ # قال همام: ستعلمه بعد. # قال فؤاد: نفرض أنه 35 عاما. # قال همام: نفرض ذلك ولا بأس، فهذا هو السن الذي جال في خاطري. # قال فؤاد: أدهشتني يا خالي، إن أمرك لغريب، فأخبرني أي قاعدة حسابية أو هندسية أدت إليك ~~معرفة السن. # قال همام: هدتني إليه الفراسة والخبرة لا الحساب والهندسة، وتذكرت سابق أوقاتي وميول ~~صباي، فقستها على أطوار سنك، فاعلم أني كلفت في زمن ms093 الصبا بامرأة تزيد في العمر ستا من ~~السنوات كما تزيدك وصيفتك المعشوقة، ولما تقدمت في السن تغير ذوقي، أصبحت كلفا بحب ~~النواهد الكواعب، أفضلهن على الكبيرات المجاوزات العشرين، ومتى صرت في سني اختلف ذوقك وسرت ~~في مذهبي، فلا ألومك الآن على هواك، فهذا ما كنت أبغيه لك من قديم الزمان. # قال فؤاد: ما أدركت والله معنى حديثك، ولا أعلم كيف أفضل النصف الكبيرة السن على ~~الفتيات الكواعب! # قال همام: سأشرح لك عن ذلك بتفصيل، وإنما أكرر لك القول بأني حر الأفكار أختلف عن والدتك ~~نزعة، فلا أتفق معها إلا على رأي واحد، وهو أن أراك متأهلا في أقرب وقت، ولا بد لك أن ~~تنقاد إلى رأينا. # قال فؤاد: أضعت والله رشدي، فإنك بينما تقول برغبتك في زواجي أسمعك تقول: إنك مسرور من ~~اتخاذي رفيقة ألهو بها، فلا أعلم بأي القولين آخذ! فلعل قولك من قبيل الألغاز يغمض علي ~~فهمه. # قال همام: الأفضل لك أن تتعلق بهوى امرأة متزوجة، على شرط أن تختارها عاقلة نبيهة ~~لتعاوننا على زواجك بمن نبغي. # قال فؤاد: زدتني جهلا على جهل، فأنا على غير هدى مما تقول. # قال همام: في عبارتي إيهام، فاعلم أنك لو أحببت فتاة صغيرة السن فأبلغتها أنك عازم على ~~الزواج لشق عليها الأمر كثيرا، وجعلت في سبيلك الموانع فتهددك بالقطيعة، وتعكر عليك ~~مواردك، وتحقد أيما حقد عليك، وربما ينالك من كيدها ما لا تستطيع معه صبرا، وقد اختبرت ~~الأمر بنفسي، فكلامي عن ثقة ويقين، وقد علمت أن حلاوة البداية في هوى الغيد الكواعب شيء ~~يسير في جانب المرارة التي تعقبها النهاية. أما لو كانت المرأة الرفيقة على درجة مستوفاة في ~~السن، فإنها تكون بالضرورة خبيرة تميز الأشياء فلا تسومك المستحيل، وتعلم حق العلم أن ~~هواك ينقضي سريعا ووشيكا، وأنك لا بد أن تتزوج يوما، فمن أجل ذلك تكف عن ملامتك ~~وتعذيبك. # قال فؤاد: أتظن أن المرأة التي أحبها تقابل زواجي بالارتياح، فلا تنصب إلي ~~الموانع؟ # قال همام: ليس هو الظن، بل اليقين، ms094 ولا ريب أيضا أنها تسهل الأمر لمرغوبك، لعلمها أن ~~الحب أشبه شيء بالجبل يصعده الساري، فمتى انتهى إلى قمته نزل إلى الوهاد، وإن كانت المرأة ~~المعشوقة عاقلة، وكنت أنت قليل الثروة، أشارت عليك بامرأة غنية تتزوجها، ثم اعلم أن خير ~~الأمور ما جاء معجلا، وتدبر أن فيك الآن الصفات اللازمة للزواج، فأنت شريف النسب، وهذا ~~الأمر لا يعتد به كثيرا في يومنا الحاضر، وأنت جميل الصورة في ريعان الشباب، ولا بد ~~للجمال أن يزول بزواله، فيتجعد منك الجبين وينحني الظهر، وتزول نضارة وجهك، فتفقد الصفات ~~التي تؤهلك للزواج بامرأة تناسبك، فيلزمك إذن التعجيل، وكما قدمت لك القول فإن كانت رفيقتك ~~مخلصة إليك الوداد، فلا بد أنها تدرك قولي، وتشور عليك بمثل شوري، وتؤكد بتعجيل زواجك ~~ابتغاء تحصيل الثروة الواسعة التي لا سعادة بدونها في الكون، ولا تنظر بعد ذلك إلى الجمال، ~~فقد أغناك المال عنه. # قال فؤاد: سبحان الله! ما أراك يا خالي تختار لي إلا النساء القباح. # قال همام: قد اخترت لك ابنة غانم خطيبتك القديمة، فلم أختر لك غيرها، إنها أصبحت الآن في ~~غنى أوسع من الأول، إذ ورثت من عهد قريب عن خالة لها توفيت في دمشق الشام مبلغا يزيد ~~إيراده السنوي على خمسة عشر ألف فرنك. # فعند سماع فؤاد هذا الكلام همز حصانه وهو يقول لخاله: لا تؤاخذني، فقد مضى الوقت، ولا ~~بد لي من القيام بزيارتي التي أخبرتك عنها. # فتبعه همام فلم يدركه، وغاب فؤاد عن بصره، فرجع همام ساخطا، يلعن الساعة التي وهب فيها ~~ابن أخته ذلك الجواد السريع الذي يمتطيه، ثم قال: والله لأنتقمن منه، أو يكون زواجي بأشنع ~~امرأة في الأرض جزاء. # | الفصل الحادي عشر # لم يلبث فؤاد أن وصل إلى مصر العتيقة إلى المنزل الذي سبق فاستأجره وأعده لسكنى عفيفة، ~~وكان المنزل صغيرا أمامه حديقة تكاثفت فيها الأشجار، وحوله سور مرتفع من الأحجار، وكان قد ~~مضى على عفيفة في سكنى ذلك البيت خمسة شهور؛ أي من تاريخ وفاة والدتها. وكان باب ms095 الحديقة ~~مفتوحا ، فدخله فؤاد قائدا حصانه بيده، وتقدم بعض خطوات، فدنا منه البستاني، وكان رجلا ~~قوي البنية، مرتفع القامة، يناهز الأربعين سنا، وعليه لوائح الهمة والبساطة، فبعد أن ~~حيا بالسلام، استلم من فؤاد رسن الحصان، فسأله فؤاد عن عفيفة، فقال: هي في غاية الصحة يا ~~سيدي، وقد تكدرت من الزوبعة الشديدة التي عصفت في الأمس، فأتلفت أزهار البستان ونثرت ~~أوراقه، وكان الغم أزيد عندي وأعظم. # قال فؤاد: لا بأس، فلا تحزن، فهل لديك شيء آخر تخبرني عنه؟ # قال البستاني: أخبرك أن الوقت مختلف يناسب اللصوص الذين دأبهم السطو على البيوت ~~والمزارع، ولكن كن مطمئنا أني ما دمت في عافية وقوة ومعي كلبي وبارودي لم أخف من أحد ~~عدوانا. # قال فؤاد: وهل أنت مواظب على المراقبة في البستان كما أخبرتك؟ # قال البستاني: أطوف في البستان مرتين قبل النوم، ثم أعهد المراقبة إلى كلبي، فيقوم بها ~~إلى الصباح، فأنهض من نومي، وأشرع في العمل والزراعة، فتأكد يا سيدي أن سيدتي في مأمن من كل ~~طارق هنا. # قال فؤاد: يكفيك ما تجري من المراقبة ليلا، وأما في النهار فلا تسمح لأحد بالدخول أيا ~~كان، فقد يأتي بعض اللصوص بزي الأفندية وملبوس حسن، فاحترس منهم، ولا تدعهم يدخلون إلى ~~البستان البتة، والآن فعليك أن تأخذ الحصان وتريضه قليلا ثم تربطه في مكان، وتضع له علفا ~~وافيا، وكن منتبها دائما، واجعل وصيتي في قلبك. # ثم إن فؤادا دخل إلى المنزل فاقتربت الخادمة منه فسألها عن سيدتها فقالت: هي في الكشك، ~~أتريد أن أدعوها؟ # قال: هل روعت من الزوبعة التي عصفت بالأمس؟ # قالت: بلغت بها الروعة الغاية حتى ارتعبت لارتعابها، وذلك فإنها عند اشتداد الريح نهضت ~~من سريرها وفتحت النافذة المشرفة على الخلاء، ووقفت تنظر، فحاولت كثيرا أن أبعدها عن ~~مهاب الرياح، وأن أرجعها إلى سريرها فأبت، وهي تقول: إن استنشاق الهواء ينعشها، فقدمت ~~لها كرسيا جلست عليه ووقفت إلى جانبها، فابتهلت إلى الله بالصلاة الخاشعة، وجعلت تحدثني ~~بقولها: إن هبوب الرياح واشتداد العواصف يذكرها بقدرة ms096 الرحمن، فهي جنده القوية تذكر ~~بالفائتين، ثم قالت: فكأنني عند عصوفها أرى المقابر مفتوحة، وأسمع الأموات يستغيثون، ~~فلنصل عليهم خاشعين. # فأجبتها بالإيجاب، وظللت وإياها أصلي حتى استولى علي النعاس فاعتمدت بيدي رأسي، وكان ~~القمر يضيء بأشعته الساطعة، تستره الغيوم ثم تنقشع عنه فيسطع نوره الباهر في الحجرة، فتجهش ~~سيدتي بالبكاء، وتزيد في التضرع والابتهال، وكنت أراها تتقدم أحيانا وقوفا على النافذة، ~~فأخشى عليها السقوط، وأنهض مرعوبة فأقبض على أطراف ثوبها. # قال فؤاد: يالله، كيف أن فكر الموت لا يزال يتردد في بالها، وتساورها الأحزان، ~~وتغالبها الأوهام والتصورات الرائعة، فهي في حالة توجب الغم والكدر؟! # قالت الخادمة متتبعة: وكنت أحاول إجلاسها على الكرسي، فما أبلغ ذلك إلا بغاية المشقة، ~~وكنت أرها تغمض عينيها كأنها تبغي فرارا من رؤية منظر يزعجها ثم تفتحها على الخلاء، وكنت ~~كلما تأملتها في هذه الحالة دخل الرعب قلبي، ولولا فرط حبي لها وشدة إخلاصي لما أمكنني ~~الجلوس معها في حجرة واحدة، وكانت حين أطلب إليها أن تنهض إلى سريرها وتشرد عنها الأفكار ~~فلا تسمع أصوات الرياح العاصفة تقول لي: إنها تتلذذ جدا من سماعها وتطرب للغاية، كأنما قد ~~تهيأ لها أنها أصوات الراقدين وتهاليل نزلاء القبور، فكان يرتعش جسمي من سماع قولها، ~~ويضطرب قلبي أيما اضطراب. # فتنهد فؤاد، وجعل يتوجع لعفيفة ويحزن لحزنها وروعتها، ثم قال للخادمة: تممي حديثك. # قالت: كانت سيدتي تقول لي: إنها تسمع في هزيز الريح رقة صوت أمها وأبيها، وأكثر ما ترجعه ~~الريح صوت أمها لقرب عهدها بالوفاة فتهيج بها الأشجان وتبتل الدموع منحدرة على الخدين، حتى ~~بكيت لبكاها، وما زالت - وزلت كذلك - حتى مضى هزيع من الليل، وكان قد أعياها التعب وأضناها ~~الكلال والبكاء، فأخذت بيدها وأضجعتها على سريرها فغالبها النوم، فما أفاقت من سباته إلا ~~عند الظهيرة. # قال فؤاد: لعلها تتذكر ما حصل منها في الأمس. # قالت: ما أظن أنها تتذكر شيئا، فهي لم تفه بشيء ما في هذا اليوم. # قال: إذن لا تذكريها بشيء، وأنا مسرور منك للغاية، فامكثي ms097 في مكانك فإني ذاهب إليها ~~بنفسي، وكان الكشك في وسط الجنينة شبيها بحجرة صغيرة يصعد إليه بثلاث درجات من الخشب، وله ~~نافذة من الجهة الشرقية تطل على سياج البستان، وكان مستدير الشكل يحيط به النبات الأخضر، ~~فيظهر من الخارج كالقبة الخضراء حوله الأشجار قائمة، وبالقرب منه تحت النافذة قناة تجري ~~فيها الماء، وفي داخل الكشك عند النافذة مقعد من الخشب كانت عفيفة جالسة عليه وفي يدها كتاب ~~تقرؤه، إذ دخل فؤاد فتهلل وجهها، وأشرق جبينها فهبت إليه مسرعة، فبادرها بالتحية القلبية، ~~وأجلسها على المقعد جاعلا يده في يدها. # وقال لها: إنه محبور لانشراح صدرها. # قالت: تأخرت في هذا اليوم عني، فانشغل بالي كثيرا، وظللت أفكر وأخمن وأظن الظنون في ~~غيابك، وأسأل نفسي عن السبب في تأخيرك. # قال: هل استعملت الاستخارة للعلم بوقت حضوري؟ # قالت: بل كنت أستشير هذا الكتاب فأفتحه على الصدفة فأعد سبعة أسطر من صفحاته على اليمين ~~ثم أقرأ، فإن وجدت الكلام خيرا تباشرت بمجيئك، وإلا تولاني الغم والكدر. # قال فؤاد ضاحكا: أعندك علم الغيب؟ # قالت: أنت تهزأ بي، وتزعم أني مصدقة بالاستخارات وضرب الرمل وفتح الورق والمندل والخرافات ~~الأخرى التي من هذا القبيل، المتسلطة على عقول العامة من الناس بمعزل عن العقلاء العارفين ~~بأنها من الأباطيل والمضحكات، فلا يعتبرونها بشيء ولا يعتقدونها إلا شعوذة أو مهمة اتخذها ~~بعض الناس وسيلا للمعاش، أما لو رأيتني أفتح الورق أحيانا فليس إلا على سبيل التسلية في ~~وحدتي. # قال: ما دمت لا تصدقينها فإني لا أصدق الأحلام. # قالت: ولعلك أبصرت في منامك شيئا، فأخبرني عنه لأفسره لك. # قال: أبصرت في المنام كأنك موجعة متكدرة، فرأيتك في اليقظة مسرورة محبورة، فأشكر الله على ~~كذب أحلامي. # قالت: أكان هذا السبب في غمك؟ فإني رأيت على وجهك علامات الكدر في دخولك إلي. # قال: كنت مضطربا خوفا عليك أن أراك متكدرة ومنحرفة المزاج. # قالت: كدرك مجرد الظن أن تراني - كما قلت - موجعة، فوالله إنك لصديق صادق، لا ريب في ~~شهامتك، ولكني أراك بعض الأحيان عابثا ms098 واجما فيضعف اعتقادي بمحبتك، ويعروني الكدر الشديد، ~~وكل مناي في الدنيا أن أكون محبوبة لك عزيزة مجبورة الخاطر على فقد الملجأ والسند، ولولا ~~رجائي منك واتكالي عليك واعتقادي بأنك تحبني وتهتم في شأني؛ لفارقت هذه الدنيا، وكفى بالأمل ~~تسلية للحزون، أذهب الله عن قلبك الأكدار، وبلغك الفوز والسعادة. # قال فؤاد: ما هذا الكلام يا عفيفة؟ يعلم الله أني محبك من صميم الفؤاد، ولا شيء في الكون ~~عندي بمعزتك، فقد كدرتني بحديثك. # قالت: في إمكانك أن تجعلني مسرورة دائما أبدا لو تبش في وجهي فلا تعبس، فإني عندما ~~أراك مبتسما يفرح قلبي، وبعكس ذلك إذ أراك عابسا واجما فإني أنقبض، وتعروني الغمة والله ~~يعلم. ثم إنها حولت وجهها عنه، وأذرفت الدموع من شدة التأثر ورقة الإحساس، فزادها الوجد ~~ظرفا وجمالا. # فاندهش فؤاد من رؤية محاسنها البديعة، وتحركت عواطفه نحوها، فجعل يحدث نفسه بقوله: لقد ~~صدقت - والله - أمها حين قالت لي وهي على فراش الوفاة: إن عفيفة ستكون حملا ثقيلا ~~عليك، فها أنا أشاهدها كل يوم وألازمها الساعات الطوال شاعرا بلوعات الهوى، أحبها وتحبني، ~~فأكتم وجدي حتى برح بي الجوى وأضناني الغرام، واشتدت وطأته علي، فأخشى الاحتراق في ناره، ~~فأنا بين أن أهلك أسى وكتمانا وبين أن أبوح لها بحبي، أكاد لا أهتدي سبيلا، وأشفق أني ~~أصرح لها بوجدي فأكون قد خدعتها ونكثت بالأيمان التي حلفتها لوالدتها في ساعة النزاع، وهي ~~يمين معظمة أقوم بها حتى يواريني التراب، وخير لي أن أهلك وأفارق هذه الدنيا من خيانة ~~الأمانة والعهد ونقض الشرف، فهذه الفتاة محرمة علي إلا أن تكون لي زوجة على الحلال، فتتم ~~سعادتي، وأنال من الدنيا جميع ما أشتهي، وأما أن أفسق بها فمعاذ الله من ذلك. # ثم إنه تأمل قليلا في أمر والدته، ماذا تقول إذ يبلغها عزيمته على الزواج بعفيفة؟ هل ~~تقبلها زوجة له على فقرها؟ إذ هي لا تفكر إلا بامرأة غنية، ولا ترى السعادة إلا بالغنى، ~~فتنهد لخطور هذه الخواطر فيه. # فأبصرت ذلك عفيفة وبلغ التنهد أذنيها ms099 فقالت: ما بالك تتنهد وأرى علامات الحزن بادية على ~~وجهك؟ فإن كنت أنا السبب في ذلك رجوت منك السماح. # قال: بل أنا أرجو سماحا، فإني بدلا من تسليتك وتعزيتك وتسرية الكرب عنك في وحدتك قد ~~زدتك غما وحزنا. # قالت: لا، بل إنك واجد في أمور تكدرك، ولكنك سيد كريم كتوم ~~لا تريد إخباري لئلا تغمني، وتراني في حضورك ~~هنا حزينة باكية، فتسعى في تعزيتي وتسليتي، وتوبخني أحيانا على فرط حزني، وإن كنت في باطن ~~الأمر تعذرني، فلما حضرت اليوم ووجدتني أبتسم على خلاف عادتي ظننت أن أوجاعي قد زالت ~~وأحزاني قد فترت، وربما توسمت من ذلك نسياني لوالدتي، وهي نصب عيني وأحزاني مستمرة ما بقيت ~~في هذه الحياة الدنيا. # قال: هذا ضرب من اليأس لا يجمل بالعقلاء، فالعاقل من يسلم إلى أحكام الله، ويصبر على ~~المصائب مهما بلغت منه الشدة، فإنه لا راحة في الكون حقيقة ولا سعادة تدوم، وكل شيء زائل ~~باطل، وكل بداية ولها نهاية، ولا يدوم غير وجه الله الكريم. # قالت: الصبر كلمة لا تجول في خاطري البتة والسلوان لا أعرفه، وليس لي غير البكاء سمير، ~~فلأبكين والدتي - كما بكيتها يوم وفاتها - حتى تزهق روحي، وإن كان خمودا في أحزاني، فإن ~~ذلك الخمود يعقب شدة تذر ما قبلها. # وهنا انهملت الدموع من عين عفيفة، وكثر اضطرابها واصفرار وجهها، فانفطر قلب فؤاد لرؤيتها، ~~فقال لها: هوني عليك يا عزيزتي، وسكني البال، فليس يخفى علي كثير محبتك لوالدتك، وفرط ~~حزنك عليها، وأنك تذكرينها على الدوام. # قالت: أتعلم السبب في رؤيتي متهللة في هذا اليوم، فذلك أني رأيت في المنام والدتي وسمعتها ~~تناديني. ثم إن عفيفة جعلت تمرر يدها على جبينها لتجمع شتات أفكارها، وتتذكر ما رأت في ~~الحلم، وقالت: حقا إني رأيت في الأمس أمرا شديد الغرابة، أثر على قلبي تأثيرا كثيرا، ~~رأيت كأني في برية، فهبت زوبعة أتلفت الأزهار وطبقت الأكوان. # قال: ما أظنه حلما، كان عيانا. # قالت: قد بلغ بي الاضطراب مما رأيت حتى غبت عن رشدي، ms100 ~~ولا يزال بي بعض الشدة من تأثيره. # وبينما كانت عفيفة تتكلم، قرع جرس المنزل، فأقبل البستاني يخبر بأن هماما واقف، فلم ~~يكمل حديثه حتى قرع الجرس ثانية، فقال البستاني: إن قرعه لثالث مرة كسره لا محالة. # قال فؤاد: اذهب إلى عملك، ولا تفتح لأحد أيا كان، ثم قال له: مؤكد أن القارع هو خالي ~~همام. # قال: نعم يا سيدي، فإني عرفته حق المعرفة، وقد صعدت من برهة وجيزة على شجرة لأقطع بعض ~~أغصانها فرأيته مقبلا يدخل من بيت إلى بيت، فلا يمكث أن يخرج وعليه علامات الكدر، فكأنه ~~يبحث عن شيء فلا يجده، ولعله يسأل عن منزل للأجرة. # ولما نطق البستاني بما نطق عاد إلى عمله، أما عفيفة فكانت جالسة في مكانها لا تتحرك، ~~وعلى وجهها الشحوب، وكانت تشعر بانقباض وانكماش زائدين، فقال لها فؤاد: ما بالك يا عفيفي ~~متغيرة، أراك مرعوبة ولونك شاحبا؟ # قالت: ظننت القادم علينا خليلا زوج والدتي المرحومة. # قال: جاء ظنك في غير محله، كيف تتصورين أنه يدري بمكانك هنا؟ # قالت: قد تقوده الصدفة كما قادت خالك إلينا. # على أن فؤادا علم أن حضور همام خاله لم يكن بطريق الصدفة كما ظنت عفيفة، بل إنه حضر ~~للتفتيش عليه عمدا، فكتم ذلك عن محبوبته؛ لئلا يشتد اضطرابها، ويزيد انشغال بالها، وجعل ~~يسكن قلبها، ويبرهن لها أن من المستحيل على خليل الاهتداء إلى عزلتها، ويؤكد لها أنه ~~قد نسيها، فلا تخطر في باله، وما زال حتى سكن روعها، ثم استأذنها بالانصراف قائلا: إني ~~وعدت والدتي بأن أقابلها في الساعة السادسة لحاجة ضرورية جدا، فلا يمكني أن أتخلف عن ~~موعدي. # قالت: آن الأوان، فاذهب إليها. ثم نظرت إلى السماء وقالت: ربي متى أذهب للقيا ~~والدتي؟ # قال فؤاد: هلا تزيلين من عقلك هذه الأفكار المضنية، وتنفين عنك الأكدار؟ # قالت: أجد بعض التعزية بأكداري، فلا أستطيع العدول عنها. # قال: إنك لا تعدلين عنها ابتغاء تكديري وغمي، فبالله عليك يا عفيفة أن ترحمي نفسك، فلا ~~تظلميها، وسكني البال شفقة علي، ولا تقنطي ms101 من رحمة الله، إن بعد العسر يسرا، والله ~~مولى الفرج القريب، وهو مجيب الدعاء، وكان فؤاد قد نطق بهذه الكلمات الأخيرة بصوت فيه رنة ~~الحنان والمحبة. # فقالت عفيفة وقد تبسمت: أجاب الله دعاءك، وبلغت مأمولك، فأنت جدير بكل نعمة، والله يجزي ~~المتفضلين خيرا، فاذهب يا حبيبي إلى والدتك، فهي في انتظارك، وما يحسن بك الإبطاء عن ~~مقابلتها، وأرجوك أن لا تتأخر عن زيارتي في ~~الغد، فأنت تعزيتي الوحيدة وسلوتي الأكيدة، لا أسكن إلا برؤياك ولا أطمئن إلا بوجودك، ولا ~~يطيب عيشي إلا بقربك، اذهب ودعني أتقلب على جمر الأفكار مضطربة حتى تعود. # فقام فؤاد ورافقته عفيفة إلى باب البستان تودعه، وقلب كل منهما ينفطر من الفراق، وكان ~~فؤاد قد غالب الوجد، وأصغى إلى حديث الشرف، فكبح سلطان الشهوة وفصل عن حبيبته، وهو لا ~~يعلمها بحقيقة هيامه، وما يقاسيه من خمسة أشهر من عذاب حبها. # | الفصل الثاني عشر # نهض همام في اليوم التالي وعلى وجهه علامات الغم والكدر، يتذكر ما جرى بينه وبين فؤاد ~~في الأمس، فيحتدم غيظا، ويناجي نفسه بالانتقام. ففي الساعة العاشرة صباحا لبس ثيابه ~~قاصدا حديقة الأزبكية يتنزه ويأكل طعامه في فندقها، لعله يزيل الأكدار عن باله، فجعل يدور ~~حول البحيرة مديدا، ثم جلس على مقعد وأشعل سيجارة يدخنها متنشقا النسيم الرطب مارا على ~~وجه الماء، ثم نهض عند الظهر ليأكل، فتناول من الطعام ما اشتهت نفسه بقابلية. ولم يتم غداه ~~حتى حضر سعيد بن غانم، فجلس على مائدة إلى جانبه غير متنبه إليه، ففي جلوسه قال للغلام ~~القائم في الخدمة: هذا الكرسي لصاحب لي يأكل معي، ثم إنه التفت فرأى هماما فحياه وسأله ~~عن فؤاد، فقال له: هو بخير، وقد قابلته أمس فلم أخض في محادثته، ولم يتيسر لي إجراء الحديث ~~بحضرة الناس فيما اتفقنا عليه، على أني أقابله في هذا اليوم، وغدا أخبرك عما يكون قد تم. ~~وقد كان كلام همام تزويقا، فأظهر على نفسه الرضا وهو غضبان ساخط؛ لئلا ينعكس عليه ~~المراد. # قال سعيد: لا ms102 بأس تكلمه اليوم أو غدا على أنني أسالك عنه: هل يقيم في بيته بعد ~~الظهر؟ # قال همام: المظنون عندي أنه يخرج للنزهة بعد الظهر، ثم إني أسألك في نوبتي عن الصاحب الذي ~~تنتظره من هو؟ # قال سعيد: لعلك تعرفه، فهو خليل زوج المرحومة عمتي، فقد التزم الحزن ولبس السواد، في قلبه ~~الكدر الشديد والمرارة الزائدة. # قال همام: أمر عجيب، كان عهدي بهذا الرجل مبغضا زوجته يعذبها أشد العذاب ويمقتها ~~كثيرا، فكيف انقلب بغضه محبة، وكان والدك يقول عليه الأقوال المبينة؟! # قال سعيد: لا تصدق كل ما يقال، فأكثر القول باطل، ولا تعول على ذم والدي له فهو ~~يكرهه، وإلا فهل تعقل أن إنسانا يكره امرأته في حال حياتها، ثم يحزن عليها كل هذا الحزن ~~بعد وفاتها ويبكيها الأشهر الطويلة؟! هكذا فوالله إني حينما أراه يذكرها أظنه قد فقد ~~الشعور، وأخاله قد جن من شدة الحزن والغم. # وبينما كان همام وسعيد يتخاطبان دخل خليل، فجلس على المائدة تجاه سعيد وعليه ملابس الحزن ~~السوداء، وعلى وجهه علامات الأسف فتأمله همام، وتوجع له ورثى لحاله، وحضر الطعام فأكل خليل ~~شيئا كثيرا مما قدم له، والتزم السكوت فلم يفه بكلمة، فجعل سعيد يومي إلى همام ~~ليذكره بحديثه عن حزن خليل على امرأته المتوفاة، ثم كلمه بقوله: انظر إنه من شدة حزنه ~~عليها بنى لها ضريحا جميلا من الرخام منقوشا عليه الرسوم الحسنة الدقيقة. # قال همام: رأيته منذ ثمانية أيام فوجدته متقنا للغاية، يدل على حذق وبراعة صانعه. # قال سعيد: لعلك تتردد على المقابر كما يفعل بعض الناس الذين يقصدونها للفرجة أو النزهة أو ~~التسلية بقراءة التواريخ المنقوشة. # قال همام: ما أكره - والله - شيئا كرهي مشاهدة القرافات، وإني لأستخف عقول الذين ~~يقصدونها للنزهة، فيصرفون اليوم أو اليومين أو الثلاثة قياما بين القبور، تزكم أنوفهم ~~الروائح الخبيثة المنبعثة من الرمم البالية، والعقلاء يجتنبون ما أمكن زيارة هذه الأماكن، ~~فلا يأتونها إلا بحكم الضرورة كما حصل لي من ثمانية أيام، إذ توفي أحد الأصحاب الأعزاء ~~فالتزمت مرافقة ms103 جنازته إلى القرافة، وهناك وقع نظري على قبر المرحومة عمتك، فاندهشت من ~~إتقان بنائه ورقة حفره ونقشه، وتعجبت من أكاليل الزهور والنضرة التي فوقه، فكأنما هناك قوم ~~مخصصون لخدمته. # وكان خليل في أثناء هذه المحادثة يتناول طعامه باشتهاء غير مكترث بما يسمع من القول حتى ~~كأنه لا يعرف الفقيدة، فلو تأمله المتأمل في تلك الحالة لعلم يقينا أن حزنه ولبسه السواد ~~إنما هو على شخص آخر غير شخص امرأته، ولكنه إذ سمع هماما يتكلم على ما فوق الضريح من ~~الزهور هاج واضطرب، وصاح بصوت عال أوجب انصراف الأنظار إليه قائلا: أعلى الضريح زهور؟ إذن ~~هي لم تمت، هي حية تعتني بالقبر، وتأتيه بالزهور. # قال سعيد وقد ظنه مختل الشعور: من تعني بقولك لم تمت ... أكريمة امرأتك أم غيرها؟ # فصرخ خليل قائلا: ليس المراد امرأتي فقد توفيت يقينا، إنما عنيت ابنتها عفيفة، فعليها ~~لبست السواد ولازمت الأحزان ومزيد الأسف، وقد أدركت أنها الآن حية، فزال اليأس من قلبي، ~~وحل الأمل محله، وإلا فلا يحتمل أن أحدا خلافها يأتي بالزهور إلى قبر والدتها. وعندما قال ~~هذا ذهب مسرعا قبل أن يفرغ من طعامه، وكان اليوم يوم السبت، وخرج على عجلة فركب أول عربة ~~وجدها، وقال للسائق: اذهب بي إلى مقبرة الإفرنج في مصر العتيقة. # وكان من عادة عفيفة أنها تحضر مع فؤاد كل يوم سبت لزيارة قبر والدتها، فتحضر معها أكاليل ~~من الزهور تصنعها بيديها فتجعلها على الضريح، وكانت كلما حضرت تتأسف لبناء الضريح على نفقة ~~خليل، وتتعجب من إقدامه على ذلك مع أنه كان يكره زوجته شديدا، وكان من عادتها أيضا أن ~~تلبس السواد كلما حضرت، وحين وصولها تركع على الركبتين مصلية مبتهلة إلى الله في الدعاء، ~~ويقف فؤاد إلى جانبها، ويداه مضمومتان بغاية الخشوع والورع. # سارت عربة خليل فوصل إلى القرافة قبل قدوم ~~عفيفة، وبعد برهة من الزمن أبصرها مقبلة مع فؤاد، فخفق فؤاده، فتوارى وراء بعض الأضرحة، ~~فجعل يحدق بهما حينا ويختفي حينا لتسكين روعه، واستمرت عفيفة في صلاتها ms104 مديدا فوق عادتها ~~لزيادة التأثير عليها في ذلك اليوم وشدة الحزن عندها، وكانت تذرف الدموع الغزيرة، وما زالت ~~كذلك حتى مال رأسها من الألم، فاستندت على حائط القبر، فخشى فؤاد أن يغمى عليها، فتقدم ~~ليمسكها فيمنعها عن السقوط، وإذا بكف قوية قبضت على يده ودفعته إلى الخلف، وقائل يقول: ويك ~~إن لمستها فأنت مقتول. فرفع فؤاد بصره فرأى خليلا يزأر كالوحش الضاري الكاسر، فانذعر ولبث ~~مبهوتا لا يعلم كيف يصنع. وكانت عفيفة قد وقعت مغمى عليها فاقدة الحس والحركة، فثار خاطر ~~فؤاد عند رؤيتها، ولم يستطع ضبط نفسه، فتقدم لينهضها، فبادره خليل بالشتم، وأخرج من زناره ~~خنجرا ماضيا يلمع كالبرق، وهجم عليه، فتأخر فؤاد، ولحقه خليل شاهرا الخنجر، وإذا بضربة ~~شديدة وقعت على قبضة يده فرمت الخنجر، وسمع صوت قائل يقول: إن تحركت من مكانك هلكت لا ~~محالة، وكان الفاعل همام، فإنه بعد أن فعل ما تقدم ذكره، وقف منتصبا بين الخصمين وقال ~~يوبخهما: تتضاربان في هذا المكان ولا تخجلان، فأي فرق بينكما وبين الوحوش الكواسر، ثم إنه ~~التفت يمينا فأبصر عفيفة ملقاة على الأرض مغمى عليها فأدرك سر المسألة، وقال: علمت الآن ~~السبب، فعلينا أولا أن نتدارك أمر هذه الفتاة قبل أن تهلك إغماء، وإذ قال ذلك تلفت إلى ~~سعيد، وكان قد جاء برفقته، فوقف بعيدا وراء شجرة. إذ رأى فؤادا وخليلا يتقاتلان، فقال له ~~همام: ويك من جبان تجشمني الحضور ثم تتخلف عني، حقا إنك لا تصلح إلا لمعاقرة الخمور ~~وملازمة مجلس الغيد الأوانس، فأسرع فلعلك تجد قليلا من الماء ترشه على وجه هذه الفتاة قبل ~~أن يطول عليها الإغماء فتهلك، فذهب سعيد لجلب الماء، وتناول همام الخنجر من الأرض فجعله في ~~حرزه، وكان سعيد أتي بالماء فجعل همام يرش على وجه عفيفة حتى أفاقت، فلما فتحت عينها ورأت ~~خليلا كاد يغمى عليها ثانية، لولا أن هماما بادر إلى ملاطفتها وتسكين روعها فاستأنست به، ~~وناولها الماء فشربت، وعاد إليها حسها وشعورها، فوقفت ونظرت شزرا إلى خليل تخاطبه بقولها: ms105 ~~ما عساك أتيت تفعل في هذا المكان المقدس أيها القاتل الظلوم؟ # قال: جئت للصلاة على زوجتي المرحومة. # قالت: أتجسر أيها العاتي الشرير أن تلفظ اسم والدتي بفمك المرجوس، ولا تخشى الأرض تنفتح ~~فتبلعك، وتنقض الصواعق من فوقك فتطحن منك العظام؟! # فنظر إليها خليل نظر اليائس المستغيث، ووقع على قدميها ضارعا مستغفرا وقال لها: عفوا ~~ومرحمة فإن كنت قد حملت إثما أو جنيت ذنبا فإني طالب الغفران، وكان الاصفرار قد صبغ وجهه ~~والاضطراب قد أوهن قوته شأن المحبين المتيمين حين يقابلون محبوبا. # فقالت له عفيفة: تطلب مني غفرانا، وأنت جدير لطلبه من والدتي بما جنيت عليها، فمنها ~~وحدها يجب الاستسماح، أيها الشقي الفاجر إن والدتي راقدة في القبر قد أنقذها الله من جورك ~~وعدوانك، وجعل مقرها النعيم حيث لا كدر ولا انتقام على أني أجاوبك بما تستحق، فلتكن ملعونا ~~إلى آخر فسحة من حياتك جزاء عما اعتديت وافتريت. ثم إن عفيفة أقبلت نحو فؤاد، وأخذته من يده ~~وقالت: هلم بنا من هذا المكان فإني لا أستطيع المكوث فيه ولا رؤية هذا الغدار القاتل، فإنها ~~تجدد أوجاعي وأحزاني وتثير همومي وأكداري، فما انتصب خليل وتقدم نحوها ابتغاء منعها عن ~~الذهاب وقال لها: كلا لا أدعك تخرجين مع هذا الرجل. # فاعترضه همام وقال: حسبك أيها الرجل كفرا وعنادا، إن السيدة في زمام ابن أختي برضاها ~~وخاطرها، فليس لك أو لغيرك منعها عن فعل ما تشاء، فلها الرأي وحدها. # فقالت عفيفة: الرأي لوالدتي، فإنها في ساعة النزاع سلمتني إلى هذا الشاب الكريم العزيز ~~النفس، وهو عضدي الوحيد، وهو صديقي وأخي، لا يفرقني عنه أحد. # فقال همام لخليل: قد سمعت قولها، فليس من سبيل لك عليها. ثم إنه التفت إلى فؤاد يأمره ~~بالانصراف، وعاد خليل يحذره التعرض له بقوله: إن تحركت من مكانك أخمدت أنفاسك بهذه ~~الحربة. وكانت الحربة مهيأة بعصا تفتح ثم تقفل، فانطلق مع عفيفة، وخليل ينظر إليهما بوجل ~~وعقله يكاد أن يطير من رأسه من شدة الغيظ والغضب، وحاول أن يلحق بهما ms106 فلم يستطع ذلك، فإن ~~هماما كان يمنعه عن الانصراف حتى غاب ابن أخته والفتاة عن الأبصار، فناوله حينئذ خنجره ~~وقال له: لا مانع من ذهابك الآن، وسأنظر في أمر هذه الفتاة فإن كانت لك حقوق عليها أوجبتها ~~لك، وإلا فقد أخذت نصيبك، فصرخ خليل صرخة الحاقد المريد ورفع الخنجر شاهرا بيده وهو يقول: ~~لا بد لي من أخذ الثأر. # | الفصل الثالث عشر # بعد أن سار سعيد وخليل، ركب همام عربة وأشار إلى السائق بأن يتوجه إلى منزل شقيقته، وكان ~~منزعجا مما شاهد، فلما وصل دخل البيت فوجده مرتبا نظيفا والسلالم مفروشة بالأبسطة، فظل ~~داخلا إلى الحجرة التي اعتاد أن يجلس فيها، فرأى شقيقته جالسة على كرسي مزينة بأبهى ~~الملبوس وأفخره، فلما رأته هرعت لاستقباله مبتسمة، وبادرته بالتحية والإكرام، وقالت: إني في ~~انتظارك كما ترى، قد استعددت لكل شيء، وقضيت هذا اليوم في التجهيز منذ الصباح، ولم أفرغ من ~~العمل إلا من نصف ساعة، فلبست ثيابي على عجل تشوقا لحضورك، جعل الله يومنا مباركا ~~والخاتمة خيرا. # قال همام: ولمن هذا الاهتمام واحتمال العناء؟ # قالت: لاستقبال صاحبك غانم، فإنك أخبرتني بعزيمته على زيارتنا في هذا اليوم. # قال: عوضك الله عن أتعابك خيرا، فقد بطل التدبير. # قالت وقد اضطربت: كيف هذا؟ وماذا وقع من الأمور؟ # قال: ألا تذكرين قولي الذي فهت به من نحو خمسة أشهر؟ # قالت: لا، وماذا قلت؟ # قال: ألم ألمك على التربية التي نشأ فؤاد عليها وذممتها لخروجها عند حد الصواب والاعتدال؟ ~~فقد بالغت في التضييق عليه، وبدلا من منحه قليلا من الحرية كما يجب لكل فتى في سنه، ~~زجرته وتحكمت فيه، ومنعته الاستقلال في ميله وعواطفه، وضغطت عليه شديدا فصيرته في حالة ~~سيئة العاقبة، ألا تتذكرين إذ شبهته بآلة بخارية يشتد عليها الضغط فتنفجر فيها؟ قد رأيت ~~الآن مصداق قولي، ووقع ما كنت أخشى وقوعه وانفجرت الآلة. # قالت: تكلمني بالأمثال والأحاجي، فبالله عليك صرح عن مرادك، فقد أقلقت بالي. # قال: جلية الأمر أن فؤادا اتخذ له رفيقة. # فانذعرت سيدة ms107 عند سماع هذا الكلام، واصفر لونها واضطرب منها الجسم، فأمالت رأسها على ~~مسند الكرسي وقالت: ويلاه، ماذا أسمع؟ اتخذ فؤاد له رفيقة؟ # قال همام: نعم، وأتى عليه في مرافقتها خمسة شهور. # قالت: أشعر كأن النار اضطرمت في قلبي، فانظر يا أخي كم يحول من المصاعب بين فؤاد وبين ~~الزواج بسعدى. # قال: لا شك أنه يكدرك - وأنت امرأة متعبدة - سماع مثل هذه الأخبار عن ابنك، وبالنسبة لي ~~فإني لا أراه مخطئا بما يفعل. # قالت: لم أسألك عن رأيك، وإنما أرغب أن تعلمني كيف دريت أنه مرافق؟ ومن أدراك ~~ذلك؟ # قال: علمت ذلك من بعض الإخوان تلميحا، فلم أصدقهم حتى شاهدت الأمر عيانا، فقد رأيت ~~فؤادا يذهب في كل يوم إلى رفيقته، فيقضي عندها الساعات الطويلة متمتعا في قربها وأنسها في ~~منزل اتخذه لها في مصر العتيقة، ولا بد أن أعرفه. # قالت: هو مرافق من خمسة شهور، وأنا لا أعلم، فيا رب ما هذا؟ وكيف يستطيع قلب والدة حمل ~~هم كهذا؟! # قال: هذا الأمر عظيم عند من كان ورعا تقيا نظيرك، على أن ما يزيد الأمر ارتباكا ~~وبلبالا هو أن الصاحبة صغيرة السن، بهية المحيا، مشرقة الوجه سيجد المرء من فراقها، أما لو ~~كانت كبيرة السن فإنها تدرك أن رفيقها سيتركها يوما من الأيام، ويتزوج بفتاة تناسبه سنا ~~وتهذيبا ومقاما وثروة، فلا تمنعه إن رام الانفصال عنها، بل تحرص على صحبته، وتحفظ له ~~الوداد، ولا سيما حين يبلغها أنه اتخذ سعدى زوجة له، ~~وهي ذات غنى كثير، ولكن جرت الريح بما لا ~~يلائم، فانظري وتفكري فلعلك تعرفين الرفيقة. # قالت: من لي بعلم الغيب؟ وأنى لي أن أتفكر أو أملك رشدي؟ # قال: الفتاة عفيفة بنت كريمة شقيقة غانم التي شاع خبر موتها من نحو خمسة شهور. # قالت وقد ازداد اضطرابها واصفرار وجهها: هل عفيفة حية حقا؟ # قال: نعم، وإليك تمام القصة التي وقفت عليها ... وجعل يخبرها بجميع ما جرى في ذلك اليوم من ~~حين دخوله إلى حديقة الأزبكية إلى ساعة رجوعه من مصر ms108 العتيقة، ولما فرغ من روايته قال: وأرى ~~النتيجة من هذه القصة أن فؤادا مرافق عفيفة من خمسة أشهر، وأنه كلف بحبها وهي تحبه، وقد ~~أبصرتها على جمال مفرط وبهاء، فلا يدخل في تصوري أنه يهجرها ابتغاء الزواج بغيرها لو عرضت ~~له الدنيا بحذافيرها. # فنهضت سيدة على القدمين وقد انزعجت، وأخذت تتمشى في الحجرة شمالا ويمينا وتناجي نفسها ~~بقولها: لا بد لي من تذليل المصاعب وبالرغم أن زواجه بسعدى فهو نصيب لن يفوته البتة، ولا ~~بد لي من إبعاد صاحبته عفيفة، ولي القدرة على ذلك. ثم التفتت إلى أخيها همام، وقالت له: ~~أشكرك كثيرا على ما أخبرتني وكشفت من الأمور، وفي الوقت سعة لإنقاذ فؤاد من هوى عفيفة، فإن ~~واجباتي الوالدية تجبرني على القيام بهذا الأمر، والفائدة عائدة إلي فؤاد لا إلي، فأرجوك ~~أن تحفظ كلامي في سرك، فلا تتدخل بعد الآن في هذه المسألة، ودعني أنا أدبر وحدي. # قال: بالحق نطقت، فقد - والله - أتعبتني هذه المسألة جدا وأقلقت راحتي، فلن أهتم بها ~~الآن، على أني لا أرى فائدة من حضور غانم إليك بعد هذا الذي جرى. # قالت: لا مانع من حضوره، ثق بي، فإني أحسن التدبير، أقطع بيد وأصل بأخرى. # قال: لا شك عندي في قدرتك وإقدامك على عظيم الأمور، أنجح الله مسعاك وجعل الختام ~~خيرا. # ثم إن هماما لبث عند أخته برهة من الزمان ثم خرج إلى حال سبيله. # | الفصل الرابع عشر # لبثت سيدة في مكانها بعد خروج أخيها وبالها ~~مضطرب وفي النفس انقباض، وقد حارت من معاكسة الزمان لها، فاستدعت الخادم وقالت: إن جاء أحد ~~يسأل عني فأخبره أني غائبة، ولا تدخل علي غير ابني فؤاد، وقد صادف أن ابنها فؤادا غاب ~~تلك الليلة، فلم يحضر في ميعاده فزاد قلقها، وجعلت ترجم الظنون، واستولت عليها الأفكار ~~واضطراب البال حتى قرعت الساعة إحدى عشرة، فجاء الخادم بخبر قدوم فؤاد، فسكن اضطرابها ~~قليلا، فلما دخل عليها بادرته بالعتاب قائلة: لماذا تأخرت يا ولدي عن ميعادك؟ فقد أقلقت ~~بالي وكدرت راحتي، ms109 أخبرني أين كنت؟ وماذا عملت؟ # قال: ذهبت مع بعض الخلان إلى النزهة، فلم يمكني مفارقتهم. # قالت: من علمك الكذب يا فؤاد، وأنت تخفي عني الحقيقة، وتقص علي القصص الملفقة، وهذه ~~أول مرة سمعتك تنطق بالكذب، فوالله إني لأفضل لنفسي الموت من أن أراك متخلقا بهذه ~~الأطوار، ولا شيء عندي مثل الكذب يشين صاحبه، ويضع من مقداره، ويجعله سخرية بين الناس، ~~فوصيتي إليك يا ولدي العزيز أن تجتنبه، وبعد فإني قابلت خالك هماما، فقص علي قصتك ~~تماما، ولم يكتم عني شيئا. # قال فؤاد: إن خالي لا يعلم قصتي، فإن شئت رويت لك الحقيقة. # قالت: ما أجدني في حاجة إلى قصتك، وقد عرفت كل شيء والفضل لخالك بأنه أخبرني عما وقع ~~لك، فقد خدمك خدمة تذكر، يجب عليك شكرها مدى الدوام. # قال: أشكره معروفه حين أعرفه. # قالت: أخبرني عنك بأنك قد اتخذت صاحبة. # قال: لا أعلم المعنى الذي يقصده بالمصاحبة، فإن كانت المرافقة البسيطة والمحبة الخالصة ~~المنزهة عن الشوائب والعيب فقد أصاب وله المنة والفضل، وإن كان العكس فالرواية مختلفة ~~والملام باطل وبعيد عن الحق. نعم، إن الفتاة مالكة قلبي ومستولية على عقلي وروحي، وكان في ~~عزيمتي أن أخبرك عنها، وحاولت مرارا كثيرة أن أتكلم، فكنت أفتح فمي فيقف الكلام عند ~~شفتي، فأطبقه مخافة أن أكدرك، وأما الآن وقد علمت ببعض الشيء، فلا مانع من أن أعترف لك ~~بالحقيقة تماما. ثم إن فؤادا جعل يقص على والدته قصته من البداية إلى النهاية؛ أي من وقت ~~معرفة عفيفة إلى انتهاء المشاجرة التي وقعت بينه وبين خليل في القرافة. # وكانت أمه تسمع حديثه منزعجة، وأفكارها تشتغل في استنباط الحيل للتفريق بينه وبين ~~محبوبته، وفي نفسها الأمل بنجاح تدبيرها، فقالت له: أثر علي يا فؤاد حديثك جدا، وأرى ~~قصتك غريبة للغاية، ولا شك أن خالك لم يصب في قوله، وقد توهم على غير صحة أنك ترافق امرأة ~~فاسدة الأخلاق من بنات الهوى، فساءني الأمر كثيرا، أما الآن وقد علمت الحقيقة، وأيقنت أن ~~رفيقتك مهذبة حسنة ms110 الأخلاق جيدة التربية، فقد انشرح صدري وزال كدري. # فابتهج قلب فؤاد من كلام والدته، فجعل يشكرها ويثني عليها، ويتأسف كيف لم يخبرها بقصته ~~قبل الآن، وكان كلما ذكر اسم عفيفة يطنب في الوصف والمديح. # فقالت له سيدة: صفها بما شئت، فقل: إنها جديرة بالكمالات الإنسانية، وإنها ملك كريم، ~~ولكنها أحلت نفسها محل الظنون، فكيف تنفي الريبة عنها إن رجمها الناس بالظنون؟! فقد يصعب ~~عليهم التصديق مثلا بأن شابا في سنك يرافق فتاة بلغت الثامنة عشرة من العمر، يصرف معها ~~الأوقات الطويلة، وهو ملتزم جانب الأدب والطهارة، فإن كنت مخلصا لها يقينا، ويهمك حفظ ~~شرفها وصون عرضها من اللوم، فعليك أن تخرجها من محل الريبة. # قال: يعلم الله أنها عندي بمعزة الروح أحافظ على شرفها محافظتي على شرفي، فأرجوك يا أماه ~~أن تعاونيني في الأمر الذي تستحسنينه. # قالت: اجعلني ولية عليها، آخذها في ضمانتي وحمايتي؛ فتنقطع الألسن عن اللوم، وتسقط ~~الحبيبة في أعينهم. # فلما سمع فؤاد هذا القول أشرق وجهه فقال لأمه: جزاك الله خيرا، فهذا ما كنت أريد أن ~~أطلبه منك، قد قلدتيني نعمة أحفظها ما بقيت حيا. # قالت: إن ما ذكرت لهذه الفتاة من المناقب الجليلة والمزايا الجميلة أمال قلبي إليها قبل ~~رؤيتها، فعليك أن تحضرها إلي غدا أجعلها كابنتي في بيتي، أكرم مثواها وأرفع منزلتها، ~~وهكذا يسلم عرضها من اللوم، ويحفظ شرفك بين الناس من الأذى، ثم نهضت إلى حجرتها، وهي تؤكد ~~عليه بإحضار الفتاة في الغد. # فانفصل عنها فؤاد مقبلا يديها شاكرا لطفها بقوله: جعلتني أماه غريق بحر أفضالك، ~~فأنت قدوة الأمهات الصالحات، ومنك يتعلمن الرقة والحنان، فلك العهد علي باتباع شورك ~~وامتثال نصيحتك والسعي في مرضاتك، وأرى تمام سعادتي بسماعك تقولين لي: هناك الله بعفيفة، ~~وتكونين قد أحببتها ورضيتها لي زوجة. # فدخلت سيدة إلى حجرتها، واتكأت على مقعد شاخصة إلى العلا، وتنفست الصعداء وقالت مستغفرة: ~~اللهم عفوا عما أتيت في هذا اليوم من المنكر، فقد كذبت على فؤاد وخدعته بقولي: إني راضية ~~عن عفيفة، وإني أحبها ms111 وأشتاق رؤياها ، والأمر بالعكس، والغاية أني أريد أن أفرق بينهما، ~~ولكنه لسلامة قلبه وصفاء نيته انخدع لقولي، واعتقد بخلوص طويتي، فأنت أيها العالم بخفايا ~~القلوب اغفر لي خطيئتي، وتجاوز عما اقترفت، فقد قيل: إن نبل الغاية يبرر الوسيلة، ~~وغايتي حميدة ألا وهي سعادة ولدي بزواجه بسعدى الفتاة الغنية وبعده عن عفيفة، لأبعد عنه ~~الشقاوة والتعاسة، ثم أنشدت هذين البيتين قائلة: # يا واسع اللطف قد قدمت معذرتي # إن كان يغني عن التفصيل إجمال # أصبحت بين يديك اليوم مغفلة # ولي بنفسي عن الأغيار إشغال # فجد علي ولاطفني بعفوك عن # ذنبي فشأنك إنعام وإفضال # | الفصل الخامس عشر # انطلق في ثاني يوم همام إلى الفندق الشرقي في أول النهار، فسأل مستفهما عن غانم، فأجيب ~~أنه قدم من السفر، وأنه على أهبة الخروج، فجعل همام يتمشى على الرصيف حتى خرج، فصافحه ~~وسلم عليه سلام الأحباء المشتاقين، ثم سأل غانم هماما عن ابنه سعيد، فأجابه همام: إنه في ~~صحة جيدة، ويزورني من حين إلى حين. # قال غانم: ما أكتمك الحقيقة، فهذا الولد قد أتعب سري وحملني النكد، فلا شك أنه إذا ~~استمر على سلوكه المذموم قصر أجلي وأماتني كمدا وغما، فقد بدد ثروته، وفي نفسه أن ~~يبدد ثروتي، فوالله لن أترك له قرشا واحدا من أموالي يتمتع به بعد مماتي. # قال همام: للشباب حقوق يستوفيها، ويجب على الوالد أن يكون واسع الأناة بصيرا حكيما في ~~تربية الأبناء، فلا يصح حرمانه إياهم من ميراثهم لمخالفتهم رأيه وطريقته. # قال غانم: إن سعيدا أسرف إلى درجة لم يسبقه إليها سابق، فلست أرجو الخير منه، ولذلك صممت ~~على حرمانه من الميراث، وأن أجعل جميع الأملاك والأرزاق لسعدى ابنتي، بحيث تبلغ ثروتها ~~مبلغا جسيما فتتزوج برجل حسيب شريف عظيم المقام، والخاطبون كثيرون يهتمون رضاها والزواج ~~بها. # قال همام: كيف صحتها؟ # قال غانم: اعتراها من بضعة شهور داء الجدري، فشفيت منه بعناية الله، غير أنه تخلف في ~~وجهها تجاويف سوداء بقدر حبة العدس، فترى وجهها أحمر اللون. # قال همام: إن احمرار اللون ms112 لا شيء يذكر، والحمد لله على سلامتها، إن السلامة ~~غنيمة. # قال غانم: على أن سعدى ابنتي الوحيدة، فتراها دائما مكدرة، وقلت لها: إن آثار ~~الجدري لا تمنع الراغبين على التماس الزواج بها، ولا سيما حين يعلمون أن لها خالة في بلاد ~~الشام توفيت فخلفت لها ثروة وافرة، فضلا عن ثروتها الموروثة عن أمها. # قال همام: وهل أحضرتها معك؟ # قال غانم: أحضرتها وجعلتها في الدير عند الراهبات لتستأنس بهن، وقد أشفقت أن أجعلها معي ~~في الفندق فتضجر وتسأم الوحدة، ولا سيما أني مضطرب الفكر في دعوى لي في المحاكم، أتت عليها ~~سنوات كثيرة فما انتهت، وقد كابدت التعب الكثير فيها حتى أصبحت ألوم نفسي على أني أقمتها، ~~وتناجيت بأن أتنازل عن حقي، وأبرئ ذمة خصمي من الدين المعقود لي، ورأيت ذلك خيرا من ~~شكايته إلى المحاكم واحتمال هذا العذاب، ولانشغال بالي في هذه الدعوى لا يمكنني الانتباه ~~إلى ابنتي، فجعلتها عند الراهبات ابتغاء أنسها وتسليتها. # قال همام: أخطأت أيما خطأ بجعلك سعدى في الدير، فإن ذلك يزيد كدرها ووحشتها، فالرأي ~~عندي أن تجعلها عند شقيقتي أم فؤاد تقضي مدة إقامتها في القاهرة بأنس وحبور، فتخرج معها إلى ~~المتنزهات في كل يوم، فلا تضجر ولا تسأم. # قال غانم: حبذا الرأي لو أن الأمر ممكن، وعلى كل حال فإني ممنون لك حافظ معروفك، ثم نظر ~~في ساعته وقال: أزف الوقت، فلا بد لي من مفارقتك الآن والنظر في دعواي. # قال همام: يمكن تأجيل دعواك إلى غد، فاجعل هذا اليوم للراحة، فإني أدعوك لمناولة الطعام ~~معي في الجنينة، وعند العصر نذهب إلى النزهة في شبرا. # فلم يجب غانم دعوة همام خلافا لعادته، وربما كانت هذه الدعوة هي الأولى التي رفضها غانم ~~في حياته كلها، فأجاب في اعتذاره بقوله: نبقي دعوتك إلى وقت آخر، فإني الآن مضطر لمقابلة ~~رئيس محكمة الاستئناف؛ لأشرح له عن تفاصيل دعواي لعله ينظر في صرفها وقضائها على حسب ~~المراد. # قال همام: يا عجبا من هذا الاتفاق الغريب، فإن الرئيس من ms113 أعز أصحابي فإن شئت توجهت معك ~~إليه للتوصية بك. # قال غانم: إن كان لك به معرفة فقم بنا إليه من الحال، ثم نعود إلى دعوتك. # قال همام: إن ذهبنا إليه في هذا الوقت لن نجده، وأرى المناسب لنجاح عملك أن تحضر إلى منزل ~~شقيقتي سيدة، فإن لها معرفة جيدة معه، وهو يقضي السهرات على الغالب عندها، فيتيسر لك ~~مقابلته كأنها بالصدفة، فتكلمه مليا عن دعواك، وأنا وشقيقتي نساعدك على بلوغ ~~الأرب. # قال غانم: وهلا ترى شقيقتك مانعا من التوسط في هذه المسألة؟ # قال همام: لا مانع يمنع، وسوف تختبر الأمر بنفسك. # قال غانم: الأمر إليك، واستدعى همام عربة فركباها ذهابا إلى منزل سيدة أم فؤاد. # وما سارت بهما العربة بعض خطوات، وإذا بعربة مقفلة كانت واقفة على بعد قليل من باب ~~الفندق سارت في أثر عربتهما وصائحا يقول للسائق: اتبع العربة التي أمامك، وقف حيث تقف، ~~وكان المتكلم خليلا. # فلما وصل همام وغانم إلى منزل سيدة استقبلتهما بغاية الإكرام والترحيب، وكان همام قد تخلف ~~إلى الوراء يغامز أخته على غانم، كأنه يقول لها: قد أحضرته فتممي الأمر، ثم تقدم فقال لها ~~بصوت عال: أسعدني الحظ في هذا اليوم بمقابلة صديقي وعزيزي غانم، فقد جمعتني وإياه الصدفة، ~~وهو خارج من فندقه فأحضرته إليك، ولولا هذه المقابلة التي أتاحها الله لسافر من العاصمة قبل ~~أن نراه؛ لاضطراب باله وانشغال فكره بدعوى له في المحاكم سوف يخبرك عنها بنفسه. # قالت: إن كان الأمر إلي، فإني أبذل كل خدمة مستطاعة، ثم التفتت إلى غانم تسأله عن صحة ~~ابنته سعدى وهل حضرت معه؟ # قال غانم: أحضرتها معي، وهي بحمد الله بخير تدعو لك. # قالت: ولماذا لم تحضرها إلي فإني متشوقة لرؤياها، ويعلم الله أني أحبها حبا شديدا، ~~وهي عندي بمنزلة ولدي فؤاد، أين هي الآن؟ # قال: في الدير عند معلماتها. # فانقبض وجه سيدة عند سماع هذا القول لعلمها أن المعلمات يسعين في أمور الزواج، فخشيت أن ~~يسعين في تزويجها بغير فؤاد إن طال مكوثها في ms114 الدير، فقالت لغانم: قد أخطأت في جعلك سعدى في ~~الدير كأنك تبغي سجنها والتضييق عليها، وكان الحري بك أن تفرجها على القاهرة، فتقضي مدة ~~إقامتها حبورا وانشراحا ولك الأصحاب الكثيرون، فلو خرجت في كل يوم إلى منزل واحد منهم ~~وجدت في معرفة الناس أنسا، وتجعلني ممنونة لو تحضرها إلي فإني مشتاقة إليها أرغب في ~~مقابلتها والأنس بمجلسها. # قال: أود أن أجعلها نزيلة عندك ما أقمت في القاهرة، ولكن الظروف لا تسمح بذلك، فحضرتك ~~تذكرين أنه حصل حديث بشأن زواج سعدى بفؤاد ولم يتم الأمر، فلو أحضرتها إليك خرجت عن حدود ~~اللياقة، وخالفت الأصول المتبعة. # فنظرت سيدة إلى همام كأنما تقول له: هذا صاحبك افتتح الحديث، فعليك بالجواب. # قال همام: لا يستدل من عدم إتمام الأمر العدول عنه. # قال غانم: لا يكون استئناف الكلام من أهل الخطيب. # قال همام: ما دام الحديث جرى بيننا إلى هذا الموضوع، فلا مانع من تقرير الأمر نهائيا ~~الآن. # قالت سيدة: إني على رأي شقيقي. # قال غانم: لا أرى مانعا من اتصال نسبنا بنسبكم. # قال همام: نحن على اتفاق، فأختي راغبة في هذا الزواج وأنت ترضاه وأنا أتمناه، فالأمر مقرر ~~ومن الآن نعتبر فؤادا خطيبا لسعدى. # قال غانم: كنت أود والله لو أني أسمع كلام فؤاد في الحضرة، فإني كنت توسمت فيه عدم الميل ~~إلى مصاهرتنا. # قال همام: جرت العادة أن يعقد للخطيبين في غيبتهما، وأنا الضامن لقبول ابن أختي، فكن ~~ضامنا من جهتك لقبول سعدى. # قال غانم: قبلت الضمان لسعدى، فهي لا تخالفني بشيء. # قال همام: وكذلك فؤاد فإنه ممتثل رأيي وشوري. # وهنا تصافح الجميع بالأيدي دلالة على تمام العقد وتبادلوا أجمل التهاني والدعاء بالسعادة ~~والإقبال، واتفقوا على الاجتماع في اليوم الثاني لتقرير يوم الاحتفال بالفرح. # وبعد أن فرغوا من الكلام في أمر الزواج قال غانم: نرجع لأمر الدعوة التي لي أمام المحاكم، ~~فكيف الرأي فيها أيها العزيز همام؟ # فالتفت همام إلى شقيقته وأخبرها بالحديث الذي دار بينه وبين غانم في هذا الشأن، فقالت: إن ms115 ~~رئيس المحكمة صاحبنا، وفي هذه الليلة يسهر عندنا، فإن رأيت يا أخي ورأى صاحبنا غانم أن ~~تحضرا فتقابلانه وتكلمانه بكل ما يلزم، فلكما علي المساعدة في القول والتوصية. # قال: قضيتي مهمة جدا إن خسرتها خسرت جانبا عظيما من ثروتي، أعقبه نقصان في ثروة ~~ابنتي، فإني عزمت على أن أوصي لها بكل أموالي. # قالت سيدة: كن مطمئن البال، فلن يضيع عليك قرش واحد، فرئيس المحكمة صديق لنا حميم، ولنا ~~به معرفة واتصال من قديم الزمان، فلا يتأخر عن مساعدتنا ونوال المرام. # وبعد أن طال أمر الحديث في الدعوى، وقر الرأي على الحضور إلى السهرة لمقابلة رئيس ~~المحكمة، نهض همام وغانم للانصراف، فشيعتهما سيدة إلى الباب مثنية على غانم مؤكدة عليه ~~بإحضار ابنته سعدى إليها. # فلما انصرف رجعت إلى حجرتها مسرورة بنجاح مسعاها، وقد أيقنت بقرب العقد لابنها على سعدى، ~~فيصبح غنيا سعيدا بهذا الزواج، فلم يكن عندها هم غير الاستعجال في إقامة الأفراح، ~~وكذلك قد كان غانم مسرورا باتصال نسبه بنسب شريف؛ ليحصل بذلك على الوجاهة والنفوذ، وينفتح ~~له باب الدخول على كبراء القوم وأمرائهم؛ فيتخذ ذلك سبيلا لقضاء دعاويه الكثيرة، فجعل يقول ~~لهمام وهو خارج برفقته: إن من المناسب التعجيل في إقامة الأفراح، فذلك خير من ~~الإمهال. # وقد ظهر للناظر في هذه القصة كيف أن سيدة وغانما أبرما الزواج لابنيهما بدون أن يعلم ~~الابنان، ولا ريب أن أهل الذوق في هذا العصر لا ~~يحبذون هذا العمل ويعيبونه ويعتبرونه ظلما واستبدادا منافيين لمبادئ الحرية والتمدن، على ~~أن الوالدين قد راعيا المصلحة الشخصية، فلم يكترثا برضاء العروسين، وهل ينطبق هذا الزواج ~~على مشربهما، ويجلب لهما الراحة والسعادة، فسيدة لم تنظر في إبرامه إلا لتحصيل الثروة ~~والغناء لابنها، وغانم إلى ما يناله من الوجاهة والنفوذ. وهكذا فقد قربا مستقبل ابنيهما ~~قربانا على مائدة المصالح الشخصية، ولم يفكرا أنهما بذلك يجلبان التعاسة والشقاء لفؤاد ~~وسعدى، فمن المقرر أن لا راحة ولا سعادة في الكون لرجل يتزوج بامرأة على غير ميل أو تبادل ~~حب، فمن ms116 الجور أن يتدخل أحد في زواج بإكراه، فإنه بما يفعل يكون قد سعى إلى الشر وإيجاد ~~العداوة بين شخصين بريئين، لولا الزواج لم يتعاديا، فالعاقلون من الأهل والأصحاب يحجمون عن ~~مثل هذا التدخل، ويدعون الشبان والشابات يختارون من يناسبهم للزواج على مودة وائتلاف، ~~والحمد لله أن هذه العادة - أي إكراه الأولاد على الزواج بمن يختاره الآباء - قد أخذت ~~بالاضمحلال شيئا فشيئا بفضل الترقي والحضارة العصرية. # وقبل أن يفترق همام وغانم اتفقا على أكل الطعام مساء في لوكاندة الجنينة، ثم يذهبان ~~إلى السهرة عند سيدة، وانطلق كل إلى حال سبيله: غانم إلى الفندق الشرقي، وهمام إلى ~~منزله. # | الفصل السادس عشر # بوصول غانم إلى حجرته في الفندق جلس أمام تختة يكتب، فانفتح الباب عليه بغير استئذان، ~~ودخل خليل وجلس غير مسلم، فتكدر غانم من مشاهدته حالة كونه قد خاصمه مديدا، واستغرب من ~~مجيئه، فظل محدقا إليه النظر صامتا مبهوتا. # فقال خليل: تعجبت من زيارتي، فأصغ إلي سمعا لأحدثك بما يزيل عنك العجب، قد كان بيني ~~وبينك خصام لديد، وأتى علينا سبع سنوات فلا تكلمني ولا أكلمك، واشتد الخلاف بيننا حتى ~~أصبحنا كأننا أعداء ألداء، ولكن الدهر أبو العجب يحدث أسبابا تقرب البعيد وتبعد ~~القريب، وتجمع بين الأخصام لملاقاة حادثة ودفع نازلة، فيتركون خصومتهم جانبا للمعاونة على ~~الشدة الطارئة، وقد جئتك مخبرا عن أمر جليل، فأنصت إلي وأعرني السمع. # فظن غانم أن خليلا في مضايقة مالية، جاء يطلب مساعدة، فبادر بقوله: إن كنت تقصد أن تقترض ~~مني نقودا، فأرح نفسك من الأمل الكاذب ولا تتعب، فليس عندي قرش أسلفه لك أو لغيرك. # فتبسم خليل ثم قال: سكن الروح ولا تجزع، فإني لم أحضر لطلب نقود منك على سبيل السلفة ~~والإحسان. # قال غانم: لعل مرامك تكليفي بقضاء حاجة لك، فالجواب لا أستطيع شيئا، وليس عندي وقت أقطعه ~~في مصالح الغير. # قال خليل: لم أحضر لهذه الغاية. # قال غانم: إن لم يكن حضورك لطلب سلفة أو لتكليفي بقضاء حاجة، فلأي شيء حضرت؟ # قال خليل: حضرت ms117 لأخبرك عن أمر مهم جدا هو في غاية الغرابة والفظاعة أجارنا الله منه. ~~فارتاع غانم من سماع هذا القول، فقال له خليل: إنك عند حضورك إلى القاهرة لم يخطر في بالك ~~تزويج ابنتك بفؤاد، ثم عند خروجك من الفندق في هذا اليوم قابلت هماما، وكان ينتظرك على ~~رصيف الفندق انتظار مقصودا، لا على سبيل الصدفة كما أخبرك، ثم توجهتما إلى منزل سيدة، ~~فقضيتما عندها نصف ساعة من الزمان وخرجتما معا، وقبل الانفصال تواعدتما على أمل الطعام في ~~لوكاندة حديقة الأزبكية، كل هذا علمته، فإن كان في قولي اختلاف أفدني. # فاستغرب غانم كيف علم خليل هذه الأمور، فقال ناهضا: من أطلعك على ذلك؟ ألعلك تعلم الغيب ~~أو لك جاسوس يسرق الأخبار؟ # فاستتبع خليل الكلام قائلا: وقد دار الحديث عند سيدة على أمر زواج فؤاد بسعدى، واجتمع ~~الرأي عليه، وأنت لم تكن - كما سبق القول - عازما على ذلك، فتغيرت أفكارك بين لحظة عين ~~وأختها. # قال غانم: أنا حر أفعل ما أشاء. # قال خليل: لا أعلم إذا كنت حرا تأتي ما تشاء أو مقيدا بضرورة الأحوال. # قال غانم: من يا ترى يعارضني أو يخالفني عن أي فعل شئت؟ # قال خليل: أنا أعارضك وأنا أمنع هذا الزواج. # قال غانم: أظنك يا رجل معتوها لا تعي شيئا من القول. # قال خليل: بل إني رجل عاقل أتحرى ما أقول جيدا. # قال غانم: كيف تستطيع منعي عن فعل ما أريد؟ # قال خليل: بل يمنعك علمك بأن هذا الخطيب الذي اخترته لابنتك لا يليق لها، فهو شرير قبيح ~~السيرة ذميم الأخلاق. # قال غانم: قولك هذا افتراء، ولا يصدقه أحد. # قال خليل: بل هي الحقيقة أرويها بلا كذب، وإن شئت أقمت الدليل عليها. # فجعل غانم يهز رأسه استهزاء. فاستأنف خليل الحديث فقال له: إن المحبة القديمة التي كانت ~~بيننا قبل اختصامنا لم يزعزعها كرور الزمان، فقد قاطعتك مديدا حتى رأيتك الآن على شفا ~~الهبوط في هذه المصائب، فهزتني الحمية إلى إغاثتك، ومد يد المساعدة إليك، فاعلم أن فؤادا ~~على ms118 الأخلاق الذميمة التي وصفتها، وليس قولي افتراء، بل هو الصدق بعينه، وأنا أبسط لك ~~تمهيدا من القول قبل الخوض في ذكر ما جئتك بصدده، فأقول: إني من يوم زواجي بشقيقتك ~~المرحومة رغما عن إرادتك، وقعت في مصائب جسيمة، وحملت أغلاطا كثيرة يعلم الله أني ندمت ~~عليها، ولا ينفع الندم شيئا، وتأسفت كل الأسف، ~~فأي إنسان يحيا ولا يخطئ، أو أي رجل غير الله معصوم في هذا الكون الفاني! وقد اعترفت ~~بخطيئتي، واستغفرت الله عن سوء معاملتي شقيقتك، فتراني أتأوه مترحما عليها كلما خطرت على ~~بالي، أو تذكرت ما كابدته من العناء والشقاء بسببي، فإقراري بذنبي يمحوه، وكفاني عذابا وخز ~~الضمير وأني شقي متعوس. # فقاطعه غانم بقوله: لعلك جئت تتلو علي صلاة الندامة، فاتلها على غيري، وحدث عن مرادك ~~بلا تمويه، فإني لست ممن ينخدع بزخرف القول كالأغرار، وأنا أعلم أحوالك، ولي خبرة بطويتك ~~وأطوارك، فلا تزعمن أني أصدقك حين تتكلم لتوهمني أن نعمة الله هبطت على قلبك القاسي ~~فألانته، وفاضت روحه القديسة على نفسك الشريرة الخبيثة فأصلحتها، فدع المراء عنك ولا تنطق ~~بالمحال، وتكلم بالصدق، وأخبرني عن سبب حقدك على فؤاد وعن جلية الأمر. # قال خليل: رويدك قليلا، واسمع الخبر مني، فلن أخفي عنك شيئا، ودعني الآن أعترف ~~بجنايتي، فقد أخطأت بحق شقيقتك المرحومة، فتراني لشدة الحزن أكاد أفارق الدنيا، وأنا في كل ~~يوم بكدر مزيد. # قال غانم: رجعت إلى كلامك الأول لتوهمني أنك شديد الأسف والحزن على امرأتك، وتزعم أني ~~أصدق ذلك على علمي بمكرك وطمعك وسوء أخلاقك وخبث سريرتك، وبعد؛ فلو فرضت أن قولك حقيقي لا ~~ريب فيه، وأن النعمة الإلهية شملتك وقدستك، فتبت إلى الله بقلب خاشع، وندمت على ما فرط منك ~~وبدر من البوادر والذنوب، فهل كنت مكلفا باستماع توبتك كأن لي وقتا أضيعه لسماع المراء، ~~وفي الجملة فامرأتك قد توفيت وبليت عظامها، فلو صدقنا بتوبتك وندامتك على ما اقترفت من ~~الذنوب لم يكن ذلك ليعيد لها الحياة من بعد هجعة القبر. # قال خليل وفي صوته ms119 أنة الحزن والأسف: أواه أواه ... رحم الله الفائتين، فقد ماتت المسكينة ~~أسى وكمدا كما قضى الرحمن سبحانه ولا مرد لقضائه، ذهبت - رحمها الله - من دار الفناء إلى ~~دار البقاء، وخلفتني أقاسي الهموم، وأتجرع البلوى آسفا على فقدها متفطر الكبد، وهيهات أن ~~يرجع ما فات، فليس لي غير الصلاة والخشوع كفارة عن ذنبي أن يقبل الله صلاتي عليها، وإجلالي ~~ذكرها في كل آن ومكان. # قال غانم: ما أرى والله إلا أن تعانق الرهبانية أو تلزم العزلة في جبل كالناسكين الزاهدين ~~في الدنيا؛ فذلك خير تكفير عما اقترفت من الكبائر وما اجتنيت من الآثام العظيمة؛ ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا. # قال خليل: كلا، فالتكفير عن الذنوب والسيئات والقيام بالأعمال الصالحات خير من النسك ~~والعزلة، فأنا أستغفر الله سبحانه مولي النعم، ومزيل النقم، فامرأتي قد توفاها الرحمن فلا ~~يفيدها أسفي عليها، بل رأيت الأنفع والأجدر بي أن أبذل مزيد استطاعتي والعناية الفائقة ~~لتعهد شأن الشخص الوحيد الذي حصرت فيها محبتها مدة حياتها وهي ابنتها عفيفة، فإليها وجهت ~~أنظاري وجعلت أيامي إلى آخر نسمة من حياتي وقفا على خدمتها، لعل الله يغفر لي ذنبي الذي ~~جنيته على أمها. # فانذهل غانم لدى سماع هذا القول وجحظت عيناه، وحدق إلى خليل متفرسا به، ثم قال متعجبا: ~~أعفيفة حية؟! # قال خليل: نعم هي حية صحيحة الجسم سليمة، وكنت ظننتها قد ماتت كما ظن غيري، فرأيتها في ~~الأمس، فعلمت فساد ظني. # فانقبض وجه غانم، وتصور أن الفتاة لا تلبث أن تحضر إليه فتجشمه نفقة هو في غنى عنها، فجعل ~~يكثر من السؤال مستفهما عنها، وكان خليل يجاوبه مؤكدا صحة الخبر، ثم سأله غانم: أين كانت ~~من وقت وفاة والدتها؟ # فقال له خليل بصوت مرتعش: كانت في حوزة رجل فاسق فاسد النية ذميم الطباع. # فاقشعر غانم وسأل عن الرجل: من عسى أن يكون؟ # فأجابه خليل بقوله: ألم تعرفه؟ هو الخطيب الذي أعددته لابنتك سعدى ورضيته لك صهرا ~~عنيدا، وبالغت في إكرامه وتبجيله، ووصفته بالصفات الكمالية، هو فؤاد بعينه خاطف ms120 ابنة ~~شقيقتك وفاتنها، وملبسكم عارا لا يمحى مدى الزمان. # قال غانم وقد ارتاع: كبرت - والله إنها لتهمة - مثل هذه. # قال خليل: نعم إنها لتهمة عظيمة وفظيعة، فوالله لم يدفعني على ثقلها سوى أسفي على امرأتي ~~المرحومة ورغبتي في حفظ شرف أهلها، فاعلم أني من نحو خمسة أشهر قبل وفاتها بليلة واحدة رأيت ~~فؤادا مصاحبا عفيفة بعد نصف الليل آتيا معها إلى المنزل الذي كنا فيه، وحضر في اليوم ~~التالي لزيارتنا، فأقام برهة من الوقت، وتوفيت امرأتي فاختفت على أثر وفاتها ابنتها عفيفة، ~~وقد اجتهدت كثيرا وبحثت عنها مديدا فلم أقف لها على أثر، وحسبت أنها قد انتحرت حتى كان ~~يوم أمس الغابر، فرأيتها في القرافة قياما فوق ضريح والدتها، ورأيت فؤادا واقفا إلى ~~جانبها. # قال غانم: أذهلتني والله، هل أنت تقول الصدق؟ # قال: إن لم تصدقني فسل ابنك سعيدا، وسل صاحبك هماما، وسل فؤادا نفسه ينبئوك جميعا بما ~~أنا قائل، ولا أظنهم يكتمون عنك الحقيقة. # قال غانم: أتزعم أن فؤادا هو الذي اختطف البنت وأقام معها كل هذه المدة؟ # قال خليل: نعم، ولا وجه للريبة في ذلك. # قال غانم: وهل كان ذلك برضاء البنت واختيارها أو كانت مرغومة؟ # قال خليل: حاشا لله أن أرمي عفيفة بريبة، فهي نقية القلب مصونة، قد نشأت على أحسن تربية ~~وأجمل الأخلاق الموروثة عن أمها والأدب وسلامة الضمير، فكيف أظن بها سوءا وأتوهم أنها تكون ~~قد اتبعت فاتنها فغويت بغيه وضلت بضلاله إلا أن تكون مكرهة مرغومة، وهي ولا حول لها ولا ~~قوة؟! # فأخذ غانم يهز رأسه مستعظما هول الأمر وفظاعته ويقول: أي فعل أقبح من فعل هذا الرجل، فقد ~~خطف الفتاة بعد وفاة أمها في غفلة الرقباء، فهي لعمري جريمة تستوجب شديد العقوبة، ثم جعل ~~يتمشى رائحا وآتيا يمينا وشمالا ويقول: يا للفظاعة ويا للبلاء العظيم! # قال خليل: هلا زلت مصرا على تزويجه بابنتك بعد هذا الذي سمعته عليه؟ # قال غانم: إن ثبت قولك فسخ العقد، ولا أكتفي بذلك حتى أجر الجاني أمام المحاكم ms121 الجنائية ~~لتقتص منه. # وكان خليل في أثناء ذلك يزداد انبساطا وانشراحا، كلما اشتد غانم غيظا واستشاطة، ثم قال ~~له: جزاك الله خيرا عن حميتك، إنك لجدير بالثناء والشكر المزيد على ما بدا من اهتمامك، ~~فتلك شيمة الكرام، والكريم من يأبى الضيم وتعاف نفسه الذل، فإن لم يكن في إمكانك رد فائت، ~~فلا أقل من أن تنتقم من العتل الزنيم والفاجر اللئيم جزاء وفاقا على ما جنت يداه. # قال غانم: ما الرأي عندك، وما يجب أن نصنع؟ # فابتدأ خليل في جوابه، وإذا بسعيد قد دخل من فوره: أتيتك يا أبي ببشرى، عفيفة ابنة عمتي ~~كريمة حية، وقد رأيتها بعيني أمس. # فلما سمع غانم كلام ابنه أيقن بصدق الخبر، وذهب الشك من قلبه فقال: لا حاجة لي إلى برهان، ~~فسواء اختطف فؤاد عفيفة قهرا وفتنها أو استرضاها فلا بد من مقاطعته، فلا يبقى بيني وبينه ~~علاقات، وقد شان عرضه، فلست أرضى به لنا نسيبا فنلبس عائلتنا العار والذل حين ينكشف الأمر ~~ويظهر المكتوم، فعلينا قبل الانتقال من هذا المكان أن ننظر في التدبير الواجب إتيانه في هذا ~~الشأن. # فللعاقل أن يتدبر أحوال هذا الكون، فقد رأى الناظر في هذه القصة كيف أن سعدى لخلوها من ~~الجمال أورثت والدها التعب والنصب، وكان زواجها عسيرا إلا أن ينفق والدها النفقات الجسيمة ~~لهذا الغرض ... وكيف أن عفيفة على جمالها أورثت قلب ذويها التعب والخوف في كل حين عليها من ~~الأعين الفاتنة، فالبنات على سائر الأحوال مصائب ونكبات على أهلهن سواء كن موسرات أو ~~فقيرات، جميلات أو دميمات، ولعل هذا هو السبب في كره أبناء الشرق الإناث وتفضيلهم الذكور ~~عليهن. # ثم التفت إلى خليل وقال له: سألتك فلم تجبني عما يجب أن ندبره، لعل عندك رأيا ~~سديدا في الأمر؟ # قال خليل: مصلحتنا واحدة تهمنا جميعا، فعفيفة ابنة أختك وابنة عمة سعيد وابنة امرأتي، ~~فالنسبة توجب على كل واحد منا إبداء الرأي، فليبتدئ في الكلام أصغرنا سنا. # قال سعيد: إني عندما اطلعت على الحادثة ارتعدت فرائصي، وتصورت ms122 فؤادا كأقبح إنسان في ~~الكون، ولكن زال هذا التصور مني شيئا فشيئا حتى لم يبق منه أثر، فالرأي عندي صرف النظر عن ~~كل ما مضى واتباع وجه واحد يجمع بين المصالح والشرط في تمامه قبول فؤاد. # قال خليل: ما هو الوجه الذي تعنيه؟ # قال سعيد: هو زواجه بعفيفة. # فانقبض وجه خليل، وانقلبت سحنته عند سماع الجواب، وجعل يهز رأسه مستهزئا. # فاستأنف سعيد الكلام بقوله: نعم إنها الطريقة الوحيدة للتوفيق بين الأغراض، ولو أني أود ~~وأفضل زواجه بأختي، ولكن الظروف تمنع، فلو تزوج بعفيفة لم يخرج عن مناسبتنا والاتصال ~~بعائلتنا. # قال غانم: أنت على غير هدي؛ كأنك تعتقد أن فؤادا يقبل الزواج بعفيفة، وهو اتخذها له ~~صاحبة لا امرأة، وفضلا عن ذلك فإنه لا يعقل أنه يتزوج بفتاة فقيرة الحال. # قال سعيد: يمكننا مداركة الأمر، فنحن - بحمد الله - موسرون، ولو تبرعنا على عفيفة بجهاز ~~نفيس فيحفظ شرفنا من ذل العار، ولا أظن أن فؤادا يمتنع عن الزواج بها عند ذلك. # قال غانم: نح رأيك الفاسد، أتريد أن نتبرع على هذه الابنة الشقية بمالنا؟! كأنك قد أضعت ~~عقلك وضللت وفقدت رشدك، أفلا يكفيك ما أسرفت من المال المجموع حتى جئت تزيد الطين بلة، ~~وتشير بتوزيع المال على من لا يستحقونه؟! # وكان كلام غانم بحدة شديدة أداه إلى الطعن بعفيفة وعيب سيرتها ووصفها بالأوصاف الشائنة، ~~فقد قال لابنه في جملة ما قال: تشور علينا ببذل مالنا إلى ابنة شقية فاجرة قليلة الشرف ~~فاقدة العفاف، إلى ابنة قبلت بالرضاء والاختيار مرافقة فتى شرير فاجر مثلها تقيم معه الأشهر ~~الطوال المتوالية على فسق ودعارة، فما - والله - كنت أظن الجهل يقودك إلى هذا الجنون ~~المركب. # فساء هذا الكلام خليلا، فإنه كان يحب عفيفة، ويكبر عليه سماع القذف بها، ولكنه كظم ~~الغيظ وقال لسعيد مختالا: الحق مع والدك، فالشبان الذين على وتيرة فؤاد يتخذون البنات ~~للمرافقة لا للزواج على الحلال، وفي ظني أن فؤادا يأبى التزوج بعفيفة، ولو دفعتم إليه ما ~~استطعتم من الجهاز والمال، فشأنه افتضاح ms123 البنات وتركهن وقد قضى وطرا. # قال غانم: بالحق نطقت، فدعنا من قول سعيد وأفدنا عن رأيك. # قال: ينحصر رأيي في كلمة واحدة هي كلمة الانتقام. # قال غانم: الصواب عند قولك، لا ريب أن هماما وأخته سيدة عبثا بي، إذ خاطباني بزواج فؤاد ~~بسعدى وهما يعلمان من أموره ما يعلمان. # قال خليل: قد عرفا ولا شك كل هذه الأمور، وقد رأيت هماما في القرافة عندما أبصرت عفيفة ~~مع فؤاد فوق ضريح الأم. # قال غانم: أصبت ولا ريب فيما تقول، فأبن عن أفكارك، وكيف تنتقم من ذلك الوغد ~~الزنيم؟ # قال خليل: لو أن الإهانة لحقتني رأسا لتدبرت الأمر بنفسي، ولم أستعن بأحد، ولكنها لحقتنا ~~جميعا، وكانت الجناية علينا عظيمة، ألبستنا أيما عار، فأرى أن نكيل لفؤاد بكيله، ونسعى ~~في هدم شرفه وفضيحة اسمه برفع أمره إلى محكمة جنائية؛ فتناله العقوبة التي يستحقها، ثم أريق ~~دمه هدرا، فنغسل به ما لحقنا من العار والشنار. # قال خليل: نقيم عليه إذن دعوى في شأنه. # قال غانم: ومن الضروري أيضا مطالبته بحقوق مدنية على أني أخشى إبطال دعوانا، فيحكم ~~علينا بالمصاريف والرسوم والتضمينات، فيكون الحمل باهظا على عنقنا. # قال خليل: من المستحيل أن تخسر الدعوى، فنجاحها مؤكد عندي. # قال غانم: وباسم من نرفعها؟ فوالله إني خائف وجل من العاقبة. # قال خليل: لو كانت امرأتي في قيد الحياة لرفعت الدعوى باسمها، وقمت نائبا عنها، ولكن ~~توفيت، فلم يبق لي علاقة قانونية أو صفة أهلية بالنظر إلى ابنتها، والله يعلم مقدار معزتي ~~لهذه الفتاة، فهي لي بمنزلة الولد. على أنني غريب عنها في سائر الأحوال، وليس لي صلة ~~قانونية لأرفع الدعوى باسمى، فالصفة لك وحدك في رفعها؛ لكونك أقرب الأنسباء إليها، وأنت ~~كبير العائلة. # قال غانم: أنت تهزأ بي كأنما تظن أن ليس لي شغل غير شغل الدعاوى، فوالله إني لأعجز عن ~~القيام بدعوى واحدة فتراني بسببها مضطربا دائما قلقا ومنزعجا، فكيف تكون حالتي إن تعددت ~~الدعاوى؟ ألم تكفني أشغالي الخصوصية حتى أهتم بأشغال بنت منحوسة خيبها الله ms124 وسائر النساء ~~معها؟ # فانشرح خاطر خليل بامتناع غانم عن إقامة الدعوى باسمه وقال: لا تؤاخذني، فقد برح من بالي ~~أنك مهتم بقضيتك الخصوصية، وفي الواقع أن أشغالك جسيمة تمنعك النظر في قضية ذات شأن عظيم ~~كقضية اغتصاب فؤاد عفيفة. # قال غانم: أنت تعلم أن قضيتي جسيمة يزيد مقدارها على مائتي ألف فرنك، فلو أهملتها أقل ~~إهمال عرضتها للضياع، فلذلك لا يمكنني الاهتمام بغيرها، فوالله لن يوازي شرف نساء الكون ~~عندي نصف هذا المبلغ. # فتبسم خليل احتقارا وقال في نفسه: تبا لهذا الرجل، ما أشد بخله ودناءة نفسه. ثم ~~كلمه قائلا: نعم، فالصواب أن تهتم في قضيتك فلها المقام الأول، وإن رأيت أن نقيم الدعوى ~~باسم ابنك سعيد فهو لا شاغل يشغله، وله الصفة التي لك والفتاة ابنة عمته. # فعارض سعيد قائلا: لا والله إني لن أقيم دعوى على فؤاد، فهو صديقي وصاحبي والرأي عندي ما ~~ابتديته أولا، وهو ترويج زواجه بعفيفة وقد خالفتماني، فرفعت يدي من المسألة، فاصنعا ما ~~تبغيان. # فأشرق وجه خليل عند سماع قول سعيد، إذ جاء الأمر على ما يروم ويبغي، وهو أن يرفع الدعوى ~~باسمه، فقال: وهل من الصواب تحمل الأذى وانتهاك العرض وترك الجاني يمرح في غيه وفجوره، ~~لا خوف عليه ولا هو يحزن؟ # قال غانم: وما المانع من إقامة الدعوى باسمك، وأنت تهتم فيها بنفسك؟ # قال خليل: والله إني أود ذلك ابتغاء التخفيف عنك، وأن أقوم بخدمة تذكر، ولكني - كما قدمت ~~القول - قد عدمت الصفة بوفاة امرأتي، وانقطعت كل علاقة بيني وبين ابنتها، فليس لي وجه ~~قانوني للتدخل في هذا الأمر. # قال غانم: أما من طريقة لإزالة هذا المانع؟ # قال خليل: من جد وجد، والطريقة التي أراها أن ينصب وصي شرعي للفتاة. # قال غانم: ما الفائدة من نصب الوصي وهي لا تملك شيئا؟ # قال خليل: إن الوصاية لا تنحصر في تدبير أموال القاصرين، بل تتناول الملاحظة الأدبية، فلو ~~انتدبت الوصاية قامت لي صفة، فاستغنيت عن تكليفكم بأقل شيء كان. # قال غانم: وما يمنعك أن ms125 تكون وصيا عليها بذلك؟ # قال خليل: يمنعني كونك أحق مني فيها، وبعد: فإني أخاف التبعة والأكدار التي ~~تلازمها. # قال غانم: وأي تبعة في ذلك وعفيفة لا تملك شيئا؟ فالمقصود من وصايتك عليها تحصيل الصفة ~~القانونية لك لتقيم الدعوى على فؤاد. # وقد كان هذا كله بغية خليل، فإنه كان - كما تقدم القول - كلفا بعفيفة مضنى بهواها، ~~وكانت امرأته قد لحظت ذلك فلامته وعنفته، فلم يرتدع ولم يسمع التعنيف، ولخوفها من شره ~~وأذاه وأنه يصول يوما بعد وفاتها على ابنتها جعلتها في حرز فؤاد لتنقذها من الفضيحة ~~والعار، فلو أقيم خليل وصيا شرعيا عليها أصبحت في يمينه يتصرف فيها كيف شاء، ويبلغ ~~فيها مراده الخبيث، فكان لتمام خبثه يكتم حبوره، فلا يرتاب السامع في إخلاصه. # ثم إنه قال لغانم: ما يحملني على قبول الوصاية إلا كرهي فؤادا إن رفعت يدك عن الوصاية ~~على البنت. # قال غانم: حبذا الاهتمام بذلك لولا كثرة أشغالي، فعذري واضح للجميع، وعلى كل حال فلو ~~قبلت أنت الوصاية، فكأنما قبلتها بذاتي إذ كلانا واحد. # قال خليل: لا بأس فإني أتولى النظر في هذه المسألة وأحمل مشاقها، ولكنما يجب تقرير ~~الوصاية على يد مجلس العائلة. # قال غانم: نحن في مقام ثلاثة لتحرير محضر يؤذن بنصبك وصيا على عفيفة وذلك كاف. # قال خليل: لا يكون هذا القرار نافذ المفعول إلا بترئيس أحد قضاة المحكمة، واستدعاء شاهدين ~~من العدول يشتركون جميعا في العمل. وكان خليل قد اعتمد على أحد القضاة وشاهدين من معارفه ~~لإتمام غرضه ونوال إربه، فقال لغانم: قد أزف الوقت، فمن المناسب الاجتماع غدا فأكون قد ~~أحضرت القاضي والشهود. # قال غانم: حسن، وبعد تقرير الوصاية لك على عفيفة تباشر الدعوى على فؤاد جنائيا. # قال خليل: وهو كذلك، ومتى صدر الحكم عليه بما يقضيه القانون على مرتكبي مثل هذه الجنايات، ~~أنقذ الكون من شره، وأزيل ما لحقنا من العار والفضيحة. # وبعد أن قال هذا، نهض للخروج فرافقه سعيد إلى خارج الفندق، وقال له: إنني أعرف منزل ~~عفيفة. # فقال له سعيد: ms126 نذهب معا إليها، فاستدعيا عربة، ونهضا قاصدين مصر العتيقة، وبقي غانم في ~~حجرته يكتب المكاتيب المتعلقة بأشغاله. # | الفصل السابع عشر # قد علم الناظر في هذه القصة كيف استعمل خليل ~~الدهاء والخداع ليوهم غانما أنه مخلص النية سليم القصد، فيقوم وصيا على فتاة سليمة ~~القلب نقية، قد فتنه حسنها الفائق، فشرهت نفسه الخبيثة إلى اجتناء لذة منها محرمة، ~~وتكون البنت بين يديه أسيرة لا يسأل عنها أحد، وليس لها معين ولا ناصر. ولكن التقادير تجري ~~بمشيئة الرحمن، فإنه بينما كانت عوامل الشر والمكر جارية في الفندق الشرقي للكيد على فؤاد، ~~وتحويل حبه الطاهر السليم وغرامه العذري إلى دعارة وفسق وأشنع جناية، جرى في المنزل الخلوي ~~في مصر العتيقة مظهر آخر مخالف شكلا ووصفا بعوامل الصداقة وخالص الوداد بين فؤاد ~~ومحبوبته، فعلى القارئ أن يتبعنا في النظر إلى نهاية القصة؛ ليعلم لأي فريق يكون الغلب وكيف ~~يكون المنقلب. # كان من عادة فؤاد الحضور إلى منزل عفيفة كل يوم ليزورها، فتجلس بقرب نافذة المنزل كل يوم ~~نحو الساعة الثالثة بعد الظهر منتظرة قدومه، غير أنها لشدة اضطراب الأفكار عندها في ذلك ~~اليوم جاءت قبل أوانها، فوجهت أنظارها إلى الطريق التي يمر فيها حبيبها، وكانت تكشف الساعة ~~من حين إلى حين وتعد الدقائق، وكلما رأت إنسانا على بعد حسبته فؤادا حتى يقترب منها ~~فيخيب أملها ويتكدر بالها. # ثم إن الساعة قرعت ثلاثا فرأت خيالا مطلقا عنان جواده فتبينته فإذا فؤاد قد جاء ~~مسرعا، فتهللت لرؤيته، وهرعت إلى الباب لاستقباله، فنزل عن جواده، وبعد أن سلمه إلى ~~الخادم تقدم نحوها، وجعل يده على يدها مصافحا وقال لها: أسعدت يا حبيبتي مساء وصباحا، ~~الله يعلم مبلغ اشتياقي إليك، أنت بهجة نفسي ومسرة قلبي، وكل يوم لا أراك فيه يضيق صدري، ~~وكل ساعة في البعد عنك مقدارها ألف عام، وألف عام بقربك كلحظ البصر قصير، لا أحرمني الله ~~من هذا الوجه النضير. # فاحمر وجه عفيفة من هذا الكلام بعد أن كان اصفر، فقالت له تجاربه: ما بالك ms127 تخاطبني ~~بهذه العبارات التي لم أسمعها قبل منك؟ وما قصتك؟ فأنت تنظر إلي نظر الملهوف، ولم يكن ~~ذلك عندك مألوفا؟ # قال فؤاد: إن قلبي مسرور، ويكاد أن يطير حبورا. # قالت: يا عجبا من اختلاف الرأي وتقلب الأحوال! رأيتك أمس مهموما مضطرب البال، ورأيتني ~~مسرورة محبورة، وفي هذا اليوم أراك مبتهجا متهللا، وأراني حزينة شديدة الجزع والاضطراب، ~~فهيا بنا إلى الكشك لتقص علي الخبر على هينة؛ إذ لا يوافق الوقوف مديدا هنا، وأخاف عليك ~~من العيون الناظرة. # قال: ما يهمني أن أختفي أو يظهر الناس على شأني، وسواء عندي أن يراني جميع الخلائق، فقد ~~انقضت أيام الكتمان والخفاء، وأقبلت أيام البشر والظهور. # فزادت حيرة عفيفة، وأخذت بيد فؤاد، فمشت به إلى داخل الجنينة، وكان الفرح قد حبس لسانهما، ~~فلم يتكلما حتى وصلا إلى الكشك، فقال فؤاد لها: تتعجبين يا عفيفة من رؤيتي فرحا مسرورا في ~~هذا اليوم، وتنظريني كذلك فلا تشاركيني في فرحي، بل تقيمين بعكس ذلك مكتئبة مكدرة جزعا ~~وبأسا. # قالت: الحق لك أن تلومني عن تقصيري في الشكر وتأدية الواجب لمحبتك وإحسانك، فتصرفي حقيقة ~~كتصرف الأحداث لا يتروون ولا يعقلون، فقد عادت مساورة الأفكار وخيالات الخوف والحزن وتصورات ~~اليأس والقنوط. # قال: أحمد الله، لم يبق إلا قليل لتزول ويصفو البال بانقشاع هموم الغموم، وتنقلين من ~~حال إلى حال. # قالت: أخذني الله إن فهمت شيئا مما تقول. # فجعل فؤاد يخبرها تفصيلا عما جرى بينه وبين والدته من الحديث في شأنها وقبول حضورها ~~عندها وانشراحها عنها صدرا وما تكن لها من النوايا الحسنة. # فقالت له عفيفة: أتظن أن والدتك محسنة بي الظن فلا تحتقرني وتعيب علي انقطاعي ~~إليك؟ # قال: أتحتقرك وأنت مثال الطهارة وعنوان الفضيلة والعفاف؟ # قالت: أنت تعلم يا فؤاد ما عندي من الشهامة وعزة النفس ونفوري عن موقف الذل والإهانة ~~المعدة للسفلة الأدنياء، المعتادة خدودهم على اللطم، الذين يحملون الذلة صابرين ... فوالله ~~إني لأرجف كالطير المذبوح وأخاف أن أرشق بسهام اللوم، فيتقطع فؤادي تقطيعا، وأسكن رمسي ~~قبل الأوان، وخير ms128 عندي أن أعيش معذبة فقيرة طليقة الجناحين من أن أقيم في جنة الفردوس في ~~ذل وإهانة. # قال: أؤكد لك يا عفيفة أن لك مقاما ~~محفوظا عند أمي، وأنها تعزك وتعتبرك حق الاعتبار، وقد أخبرتها عنك فاشتاقت إلى رؤيتك، ~~وشعرت بميل وانعطاف نحوك، وسوف تحققين الأمر بنفسك فتعلمين أني أقول الصدق. # قالت: لا بد أن تكون قد وصفتني بالأوصاف الجميلة فأجبتني والدتك، فإذا رأتني مجردة مما ~~وصفت كرهتني لا محالة، وانقلب رضاها سخطا وغضبا. # قال: وصفتك بلا مبالغة، فلم أطنب، ولم أقل إلا الحقيقة، ولم أذكر إلا ما رأيته ~~فيك. # قالت: ماذا رأيت في يستحق المديح والوصف؟ # فقال لها فؤاد وقد خفق جنانه ورجف صوته بفعل الغرام: كل أوصافك جميلة، وأنت مظهر اللطف ~~والظرف، ومعدن الطهارة والعفاف، وعلى وجهك علامة البهاء والجلال، جعلك الرحمن فتنة للعالمين ~~وبهجة للناظرين، فيك يحسن غزل الشعراء، وبفضلك يتباهي الفضلاء، يا ذات الجمال الفريدة في ~~المحاسن، يا ملكة القلوب. # فتبسمت عفيفة من سماع هذا الإطراء وقالت: لا فض فوك، ما أبدعك في الغلو، وأقدرك على ~~الوصف! فكان الواجب عليك أن تلتزم الصمت، فلا تخبر والدتك بما ليس موجودا، ولا هو من ~~الحقيقة في شيء. # قال: أنصتي إلي يا حبيبتي، فنار حبك تستعر في قلبي من خمسة أشهر، فلا يدري بها أحد، وهي ~~في كل يوم تزيد سعيرا كلما زدتك نظرا وأقمت معك، حتى كاد جسمي يذوب ومهجتي تتقطع ابتغاء ~~حفظ العهد الذي أخذته على نفسي أمام والدتك، وقد زجرت النفس وغالبتها فلم تبد مني حركة ~~تترجم عن شديد غرامي بك، ولكنني خفت أن يقضي علي الأسى بالكتمان شهيدا في حبك، وفي قلبي ~~الحسرات والآلام، فأخبرت والدتي بوجدي وغرامي فرقت لحالي وطيبت نفسي بالوعد الجميل، فلم ~~يعد بعد مانع لإظهار المكتوم، فاعلمي أن قلبي نقي لم يدخله حب غير حبك، فأنت مليكته ~~وحبيبته وغاية مناه وقصده. # فاحمر وجه عفيفة خجلا، وكانت وجنتاها تلتهب كجذوة نار تضيء ما حولها وتحرق قلوب ~~الناظرين، وكانت متشحة بثياب سوداء تزيدها بهاء ms129 وإشراقا، فعقد الحياء لسانها فأمالت رأسها ~~على صدر فؤاد وانهملت من عينيها الدموع كالدر المتساقط على الوجنتين، فحن إليها فؤاد، ~~وانحنى يقبلها في جبهتها، فأعرضت عنه نافرة، فأنشد بلسان حال قول القائل: # قبلتها فبكت وصدت نفرة # تذرف المدامع من كحيل أدعج # فكأن سقط الدمع من أجفانها # لما بدا من خدها المتضرج # برد تساقط فوق ورد أحمر # من نرجس فسقى رياض بنفسج # وكانت هذه أول قبلة قطفها فؤاد من رياض جبين محبوبته بعد طول الزمان والاجتماع المديد، ~~وحينئذ طرق أذنيهما صوت هائل كزئير الأسد فارتعدا ونهضا مذعورين، وتقدما نحو باب الكشك ~~لينظرا، فأبصرا رجلا متسلقا على حائط الحديقة، فتفرسا فيه، فإذا هو خليل أقام رأسه فوق ~~السور، وفي وجهه الصفرة، وعيناه جاحظتان، وحركاته تنذر بالتهديد والتهويل، فلما رأته عفيفة ~~عرا وجهها الشحوب من الخوف، ورجفت أركانها، فوقعت بين يدي فؤاد، فسندها ثم جعلها على مقعد، ~~وخرج لينظر خليلا فلم يجده، فعاد إليها وأخذها من يدها قياما إلى المنزل، وكان يخاطبها ~~فلم تجبه بكلمة؛ لأن الخوف ربط لسانها، ثم إنه أدخلها إلى حجرتها في المنزل، ووقف على بابه ~~ليكشف خليلا فلم يره، فزاد باله اضطرابا، وقال في نفسه: لم يختف الرجل إلا ليعود، فسور ~~الحديقة يستطيع أن يصعد عليه بسهولة، فربما جاء وتكون عفيفة وحدها، فيحصل من الأمور ما يعلم ~~الله، ولا شك أنها تموت خوفا، ولا يستطيع البستاني المدافعة عنها إذا دخل الرجل مدججا ~~بالسلاح الكامل، فمن اللازم أن أبقى هنا، وعندما يصبح الصباح أذهب بها إلى والدتي. وبينما ~~كان يناجي نفسه بهذه الخواطر إذا بعفيفة قد حضرت حاملة بيدها علبة سوداء صغيرة وقالت له: ~~أرأيت، فإني لم أحتج إلى وقت طويل لأتهيأ أو أتأهب للخروج، فقد لبست برنيطتي، وحملت ثروتي ~~بيدي وهي هذه العلبة، وفيها رسم والدتي ووالدي وبعض كتابات بخط يديهما، فذلك جملة ما أملك ~~من متاع الدنيا، وقد اتخذتك لي حاميا، فكفيتك عناء التجهيز. # قال فؤاد: تأهبت للذهاب، وأنا لا أرى لزوما لذلك الآن. # قالت: أتمكث هنا بعد ms130 أن رأيته بعينك؟ # قال: رأيته ورأيت على وجهك الاضطراب، ولكنه لا يستطيع شيئا، ولا يمكنه الدخول ~~إلينا. # قالت: أنت في خطأ، فدخوله علينا من أسهل الأمور. # قال: إن حدثته نفسه بذلك فيعلم كيف أستقبله، ولعله لا يخفى عليه ما أصنع. # قالت: نحن في غنى عن العناء بالذهاب من هذا المكان، فإن مجرد التفكير باحتمال حضوره ~~يفقدني رشدي. # قال: ما ظننت أنه يبلغ بك الخوف هذا المبلغ، ولا أعلم كيف وقعت رهبة هذا الرجل في قلبك ~~حتى تجزعي منه كل هذا الجزع، أمن سلطة له عليك؟ بل كان هو الأجدر أن يرتعش أمامك، فإن نظرة ~~واحدة منك كافية لإلقائه صريعا بين الأقدام، إن كنت تتذكرين يوم القرافة إذ زجرته ولحظته ~~شزرا فكاد يهوي إلى الأرض وهنا، فأين منك القوة التي يتغلب بها الصالحون على جماعة ~~الأشرار؟! # قالت: كنت في القرافة بقرب لحد والدتي، فشعرت أنها تمدني بالمساعدة والقوة، فاشتد بها ~~أزري وقويت عزيمتي، أما الآن فإني لبعدها عني لا أجد قوة، وأراني كالطفلة الصغيرة لا حول ~~لي، وفي قلبي الخوف والجزع. # قال: تخافينه وأنا معك؟ # قالت: إن وجودك معي يزيدني خوفا، فلو كنت وحدي لكان جزعي مقصورا على نفسي، ولكني الآن ~~أخشى علي وعليك. # ثم إن فؤادا اجتهد في تسكين خاطرها وتهدئة روعها بلا فائدة، فكانت تقول له: إن الأطفال ~~أكثر مني شجاعة وقوة، وأراني ضعيفة العقل فاقدة العزم أحتاج إلى مساعدة من ينصرني، فلا ~~أستطيع صرف الليل في هذا المكان، ولم يبق لي أمن للإقامة فيه بعد اهتداء هذا الشرير إلينا، ~~فلو سمعت صرير باب ينفتح أو هزيز شجرة أو أقل حركة من داخل أو من خارج لظننت أن الوافد ~~علينا خليل، فانظر مقدار روعتي والوقت نهار والشمس لم تغب، فكيف تكون حالتي عند هجوم الليل ~~علينا بجيشه المدلهم؟ فوالله إني لأحس من نفسي بفقد الشعور وفقد الحياة، وتراني من مجرد ~~الوهم والتصور أرتعش، فلو رأيت خليلا صاعدا متسلقا سور البستان مرة أخرى؛ لألقيت نفسي من ~~هذه النافذة على علوها ms131 الشاهق فمت لحيني، فعلى سائر الأحوال ما أرى أمامي هنا غير الخيال ~~وفقد الشعور والهلاك أشنع موتة، فإن أهمك أمري ورغبت في حياتي فأنقذني من هذا المكان، ولك ~~المنة الجزيلة. # قال: ما يحسن منك هذا التصور، فقد أزعجتني، وبعد: ولو أن ما تقولين غير معقول فإني أجيب ~~طلبك وأصحبك معي إلى منزل والدتي، فاصرفي عنك الكدر وسكني البال. # فأشرق وجه عفيفة عند سماع هذا الكلام وقالت: ذهب الهم عن قلبي لا عدمتك، وزال الجزع ~~وشعرت بالراحة، أذهب الله عن قلبك كل الخوف، فهيا بنا للخروج حالا. # فنادى فؤاد الخادم لينطلق ويحضر عربة، ثم قال لعفيفة: نمكث هنا إلى الساعة الحادية عشرة ~~حتى يكون قد انصرف الناس من السهرة عند والدتي. # قالت: لا بأس. # وجلسا يتحدثان حديث الشوق والمحبة مع رعاية الأدب والصيانة، ولما اقتربت الساعة من ~~الحادية عشرة نادى فؤاد البستاني وقال: ربما يحضر هذه الليلة رجل. # فقاطع البستاني عليه الحديث وقال: إن دخل لم يخرج إلا محملا على الأوتاد، فهذه بندقيتي ~~معي، فكن في اطمئنان. # قال فؤاد: إياك أن تفعل شيئا من ذلك، فليس الرجل من اللصوص، ويغمني أن يقال عني: إني ~~خفت فأغريت غلامي بقتله، بل دعه يفعل ما يشاء، واحضر في الصباح إلي مخبرا عما يكون قد ~~حصل. # قال الخادم: سمعا وطاعة. # وأخذ فؤاد بيد عفيفة منطلقا نحو باب الجنينة، فوجد العربة تنتظرهما، فركباها قياما إلى ~~القاهرة إلى منزل والدته سيدة. # | الفصل الثامن عشر # كان من عادة سيدة والدة فؤاد أن تعقد مجلسا للسهرة ليلة واحدة في الأسبوع، فيجتمع عندها ~~الأدباء والكبراء وأهل الذوق والمحاضرة، وصادف أن اليوم الذي عزم فيه فؤاد على إحضار عفيفة ~~إلى منزل والدته كان يوم الاجتماع يتوارد القوم فيه من الساعة الثامنة، فلا ينصرفون إلا في ~~الساعة الحادية عشرة. فيتردون بالثياب الفاخرة المعدة للمقابلات والزيارات، فتقابلهم ~~سيدة بغاية اللطف والإيناس وتبالغ في إكرامهم، فيخرجون منشرحين واعدين الأنفس بالعود في ~~السهرة التالية، غير أن سيدة كانت في هذه الليلة على خلاف عادتها مضطربة ms132 البال نظرها مرسل ~~دائما إلى جهة الباب، وكان الباعث على اضطرابها تخلف أخيها همام وصاحبه غانم عن الحضور حسب ~~الوعد، فاشتدت في رأسها الهواجس والأفكار، ووقع في نفسها أن قد حدث حادث فوق العادة أوجب ~~تأخير حضورهما، واستمرت هكذا حتى الساعة العاشرة، إذ رأت هماما مقبلا، فنهضت لاستقباله ~~ظانة أنه يصحب معه غانما، فخاب الأمل إذ رأت أخاها وحده فسألته عن رفيقه فقال: إن له نبأ ~~غريبا، أقصه عليك بعد انصراف الناس، فانظري في مؤانستهم حتى يكونوا قد ذهبوا. # وعند الساعة الحادية عشرة انفرط عقد السهرة، فانصرف الحاضرون أولا فأولا، وبعد مضي نصف ~~ساعة من الزمان خلا المحل لهمام وشقيقته فسألته عن الخبر، وروحها من الانتظار تكاد أن تزهق، ~~وقد خالت السهرة خالدة بطولها والليل سرمديا. # فقال همام: تعلمين يا أختي أني وعدت غانما على أكل الطعام معه في هذه الليلة، فذهبت إلى ~~الفندق الشرقي لأصحبه، فأبلغني الخدم أنه قد خرج، فقصدت لوكاندة حديقة الأزبكية، وهو المكان ~~الذي اتفقنا على أكل طعامنا فيه، فانتظرته زيادة على نصف ساعة فلما لم يحضر، توجهت ثانية ~~إلى الفندق الشرقي سائلا عنه فلم أجده، فرجعت إلى لوكاندة الحديقة، وتعشيت وحدي وقد كدرني ~~غيابه، وأنت تعلمين أنفتي ممن يخلف في وعده، فلو لم تكن مقابلة غانم في هذه الليلة تهمك لما ~~سألت عنه، وقد جعلت أتناول الطعام على هينة معللا نفسي بحضوره حتى يئست من مقابلته، فقمت ~~إلى منزلي للبس ثيابي والحضور إليك، فسلمني الخادم كتابا بإمضاء غانم، قرأته فعلمت السبب ~~في غيابه، وهذا هو الكتاب فاطلعي عليه. # قال هذا وأخرج الكتاب من جيبه وناوله لأخته فقرأت فيه ما يأتي: # حضرة المكرم السيد همام، إن من الأفعال الفظيعة التي تنفر الطباع منها، ويستقبحها ~~عامة الناس وخاصتهم اختطاف البنات الأبكار القاصرات الكريمات الأصل المتهذبات ~~الناشئات على التقوى، ولا سيما إذ كان الخاطف من سراة القوم المدعين الشرف، وما ~~من وقاحة هي أبلغ من التماس معسر زواجا بابنة غنية طمعا في اغتنام المال الكثير، ~~فلو اجتمع الأمران ms133 فذلك أعجب العجب، وقد عنيت فؤادا ابن شقيقتك سيدة، فإنه أراد أن ~~يوقع في شركه ابنتين إحداهما فقيرة نجت من مكايده والأخرى غنية فتحت الحوادث ~~عين أهلها، فأمنت الوقوع في فخه، وبما أن فؤادا يرغب بطبيعته الاشتهار، فإني ومن ~~يلوذ بي رهن لمساعدته، فنذيع اسمه، ونشهر فعله في الجرائد، ينقلها البعيد عن ~~القريب، وننشر الأحكام التي تصدر من محاكم الجنايات، ولا أرى بعد هذا وجوبا لأعلمك ~~بانقطاع العلاقات بيننا، وإني في حل من وعدي بمقابلتك في هذه الليلة، فلا ~~تنتظرني، والسلام. # الإمضاء غانم # فلما قرأت سيدة هذا الكلام صاحت صيحة الحزن مولولة قائلة: ويلي يا مصيبتي، لم يعد في ~~الأمر شك، وهذا الخط خط غانم أعرفه، والتوقيع باسمه، يا ربي ما هذه النكبة؟ ما هذه النائبة؟ ~~تبا لدهر خئون يجرع أهله الغصص، ويجلب عليهم نوازل لم تكن في حسبان! كيف العمل يا أخي؟ ~~أتظن أن الرجل يجعل الوعيد يقينا مفعولا، ويرفع القضية إلى المحاكم؟ # قال همام: إنه جدير بأعظم من ذلك لشدة لؤمه وحسده وفظاظة طباعه، وليس من البعيد إقامة ~~الدعوى على فؤاد بأنه اختطف عفيفة ابنة شقيقته، وأنها فتاة قاصرة، فيلتمس معاقبة الجاني ~~بحسب القانون. # قالت سيدة وهي ترتعش، وما تفعل المحكمة؟ # قال: تنظر في الشكوى، فإن وجدت وجه ثبوت أمرت بالقبض على فؤاد، وباشرت التحقيق. # فصرخت سيدة قائلة: ويلاه، ما هذه المصيبة التي لم تكن على بال! يقبضون على فؤاد ~~ويجعلونه في السجن يحاكمونه محاكمة الأشرار العاتين السارقين بسبب ابنة من العواهر؟! لا ~~كانت ولا رحم الله عائلة غانم، ولعن كل منسوب إليها. # قال همام: إنك لفي غلط جسيم، فلو كانت الفتاة من المومسات العواهر لجاء الأمر هينا ~~سهلا، ووجدنا له تدبيرا، ولكنها من عائلة معتبرة، كان والدها من أماثل الرجال، قضى حياته ~~في خدمة الحكومة بالاستقامة والشرف، وخالها غانم من الأغنياء الموسرين، معدود الخاطر، مسموع ~~الكلمة، فلو ثبت أقل وجه من وجوه الجناية على ابنك حقت عليه العقوبة كأحقر سفلة ~~القوم. # قالت: لا صحة للجناية المنسوبة إليه، ms134 وليست هي على شيء من الحقيقة، ولم يحصل الخطف ~~البتة. # قال همام: هذا اعتقادي، فقد كنت في الأمس بالقرافة، فرأيت عفيفة تسلم نفسها إليه ~~برضائها وقبولها وبغير إكراه، على أن الصعوبة أن تقنع قضاة المحكمة بذلك، فإنه قد اتخذوا ~~عادة لهم معاملة كبار القوم بالقسوة والصرامة رياء؛ للإيهام بأنهم مستقيمو الرأي، أفكارهم ~~حرة، لا يحابون ولا يخافون بالقضاء في الحق ~~لومة لائم، فسيان عندهم الحكم حقا أو ضلالا، فكل قصدهم تحصيل الشهرة ولو موهومة، وأضاف: ~~إن المسألة أضاعت رشدي، وأقلقت بالي، فلا أعلم ماذا أصنع. # ثم إنها قرعت الجرس الصغير، وكان على مائدة أمامها، فجاء الخادم فقالت له: يجب عليك أن ~~تخبرني بحضور فؤاد بدون تأخير. # فقال الخادم: سمعا وطاعة. # ثم قالت لأخيها: إن أمر فؤاد غريب، فقد خرج بعد الظهر قبل حضورك عندي مع غانم، وها قد ~~انتصف الليل ولم يحضر، فأفكاري من جهته، اللهم نجنا من كل مصيبة، اللهم افرج همي ولا ~~تعاملني بخطيئتي، وأرح سري بفضلك وإحسانك، وأزح ظلمات هذه الكروب. # قال همام: إن في تصاريف الزمان لعبرة للوالدين الذين يشددون المضايقة على أولادهم ويقترون ~~عليهم، حتى إذا بلغوا أشدهم خلعوا الطاعة، واندفعوا وراء أهوائهم، واسترسلوا في ~~الغوايات، وأتوا كل منكر، فيجلبون لأنفسهم ويلا وثبورا ولوالديهم مزيد الشقاء والعناء، ~~فلو أن الآباء عاملوهم بتؤدة وحلم، ومنحوهم شيئا من الحرية بقدر ما يلزم لسنهم؛ لوقوهم ~~العثار وحفظوهم من الوقوع في مهاوي الفساد والضلالات، وكفوا أنفسهم العناء في الكبر، ثم من ~~خصوص فؤاد أني لا أرتاب بإمكان إصلاح أمره وهدايته إلى الصراط المستقيم. # قالت: لست يا أخي خبيرة بطباعه وتقلب أهوائه، فهو يصبو إلى المحاسن الفكرية، ويولع ~~بالتصورات والغزل الشعري حبا بالأدب لا بطبيعة الفساد وشهوة المعاصي، فقد نشأ على مبادئ ~~شريفة جميلة، وعنده حياء تام وذمة نقية، ولم يكن كالشبان الأغرار المجردين من حسن السجايا ~~والكمالات، ولقد أخبرني بقصته مع الفتاة من الأول إلى الآخر، فما وجدته مخطئا في تصوره أو ~~ملوما في سيرته، والدليل على مقدار شهامته ms135 أنه أقام معها كل هذه المدة، فلم يحد عن سنة ~~الشرف والعفاف محافظا غيورا عليها كالشقيق على شقيقته، شفوقا كالوالدة على ولدها، فهل ~~تجد مثل هذه الأخلاق في شبان هذا الأوان؟ # فقال همام ضاحكا: أصدقت قصته؟ # قالت: صدقتها، إذ لا شك عندي في قوله، فهو ما ينطق إلا بالصدق، ولي الثقة في ~~روايته. # قال: أما عني فإني يصعب علي جدا أن أصدق قولا على شاب في سنه يرافق فتاة ~~جميلة، ويخلو بها الشهور الطويلة خلوا من رقيب وعاذل، فلا يخرج عن العفاف والصيانة، فهذا ~~واحد المستحيلات، ثم لو فرضنا الأمر صحيحا لاعتبره الناس عنوان التغفل والبله. # قالت: إن فاسد الأخلاق يعتبر من ليس على شاكلته أبله أحمق، وبخلاف ذلك العقلاء المثقفون ~~أصحاب المبادئ الصحيحة، فإنهم يحبون مقام كل همام أبي النفس، فيحمدون صنيع فؤاد، وأنت تذكر ~~يا أخي أني صرفت العمر في تربيته وتثقيفه وتأصيل النبالة والشهامة فيه، فهو بعيد عن أخلاق ~~أهل هذا الزمان الفاسدين الغاوين الطامحين إلى الشهوة، يرون المرأة فيفتنونها ويبذلونها ~~مزيد الجهد تقربا من أهل البيوت المصونة للإغواء والإفساد، وأبى الله أن يكون فؤاد على هذا ~~المذام، فوالله إني لأعلم من نفسي أنه أقام خمسة أشهر مع عفيفة فاتخذها شقيقة لا رفيقة، ~~والتزم الأدب والصيانة. # قال: إذن مثله مثل إسحاق عليه السلام في حب رفقته. # قالت: شبهه بمن شئت، فالمؤكد عندي أن من شب على حب الفضيلة كان بعيدا عن الزلل، فلا ~~يأتي الأمور المنكرة، وحسبي ما أنا عالمة من أخلاق ابني، فقد تكلمت عن هدى وخبرة، والله ~~شهيد على قولي. # وبينما سيدة تخاطب هماما بهذا الخطاب دخل الخادم مخبرا بقدوم فؤاد مع سيدة متردية ~~بملابس سوداء، فابتهجت سيدة بحضوره، ثم هتفت فورا بغير تدبر: أجاءت تلك اللعينة معه؟ قطع ~~الله خبرها بين البنات، إنها كانت سبب التعب والعذاب ووقوع المشاكل والأخطار، فوالله ~~لأنتقمن منها وأذيقنها أليم العذاب. # وما زالت سيدة تحتدم حتى وصل فؤاد، فالتزمت السكوت وكظمت الغيظ، وتقدم نحوها فؤاد ويده ~~بيد عفيفة فقدمها ms136 مبتسما، والفتاة خافضة رأسها حياء، وقدها يخطر كالغصن، فقبلتهما ~~وقبلاها، ثم إنها قالت لعفيفة: مرحبا بك يا عفيفة، كانت أمك من أعز صواحبي، وكنت كل مرة ~~أنزل فيها إلى الإسكندرية أزورها فتحسن وفادتي، وأقضي الوقت رغدا برفقتها، وقد تجدد الشوق ~~بي إليها برؤياك، فأهلا وسهلا بك، ولك عندي من الرعاية والإكرام ما يجب. # فانشرح صدر فؤاد من سماع جميل كلام أمه، وأجابت عفيفة بقولها: لك الفضل يا سيدتي والجميل ~~الفائق بما أوليتني من النعمة، وأنا العاجزة عن القيام بواجب الشكر. # قالت سيدة: دعي الشكر والتجمل، فإني لم أفعل بعض الواجب علي، وتمام السرور عندي أني ~~أكون لك بمنزلة الوالدة، وأنت لي بمنزلة الولد تحبيني وأحبك، وعندما نطقت سيدة بهذا الكلام ~~أقبلت على عفيفة تقبلها في جبينها رياء كما حدثتها نفاقا، وكان همام ناظرا إلى الفتاة ~~مبهوتا من حسنها الرائق وجمالها البديع. # فلما رأى أخته تقبلها قال في نفسه: قبلة يوداس اللعين من ألف - من قبل - من السنين، ثم ~~إنه تقدم نحو عفيفة وقال لها: أيتها الفتاة المليحة إني مسرور بمشاهدتك، وأتمنى لك من ~~صميم قلبي الهناء والسعادة، وأن تقيمي عندنا في الرحب والسعة، وإن سمحت لي بتقبيل يدك كما ~~قبلت يد شقيقتي فلا يهولنك تقدم سني وبياض شعري. قال هذا ودنا منها ليفعل، فأبعدت يدها ~~وأمالت رأسها فقبلها في جبينها قائلا: قبلت هذه المعاوضة، وإن كنت أود ألا تمني علي ~~إلا بقبلة يدك. # قال فؤاد: أليست قبلة الجبهة أفضل من قبلة اليد؟ # قال همام: لو أنها لم تسمح إلا بقبلة يدها كما طلبت منها لكانت تركتني حائرا واهما، ~~فالشابات قلما يأذن لشاب بتقبيل يديهن، ولكنهن لا ينفرون من الكهول والطاعنين في ~~السن، وهكذا سمحت لي بقبلة جبهتها بطيبة نفس، فكأنما شهدت لي بزوال زمن الصبا وقدوم نذر ~~الكبر. # وطال بينهم الحديث في مواضع شتى دائرة على قطب المحبة والوداد، فابتهج قلب فؤاد، وطاب ~~المقام لعفيفة، وانجبر خاطرها بمواساة آل ذلك البيت، فصارت تعتبر نفسها واحدة منهم. # | الفصل التاسع عشر # في ms137 الساعة الواحدة بعد نصف الليل نهض همام لينصرف، فاصطحب معه فؤادا إجابة لطلب أخته ~~سيدة، فإنها لم تسمح لفؤاد بالمبيت في المنزل في تلك الليلة فخرجا، على أن فؤادا يعود في ~~الصباح، وبينما كانا سائرين قال همام لابن أخته: أتأسف على هذه الفتاة، فإنها لا تملك شيئا ~~غير الجمال وهو لا يكفي في الوقت الحاضر، فالمال في عصرنا مقدم على الجمال فليتها كانت ~~ولو على ثروة قليلة فتناسبك للزواج. # قال فؤاد: فتحت الحديث يا خالي فأجاوبك أن المال وجد لخدمة الإنسان لا ليكنز ويحرز، ~~ويكفي المرء من دنياه تحصيل الضروري للقيام بمعيشته، وما زاد على القدر الكافي فالناس في ~~غنى عنه، وليس أضل رأيا ممن زعم أن المال أصل السعادة والراحة، فإننا نرى الأمر بالعكس في ~~بلادنا، فالمال موجب للهموم جالب للتعب، والسعيد من يقنع في دنياه، فهو الغني حقيقة، وتمام ~~سعادته أن يتزوج بابنة مهذبة، فيصفو له الزمن ويعيش الرغد، وأنت تعلم أن عفيفة متحلية بهذه ~~الصفات، فالزواج بها يجلب الراحة والاطمئنان، وقد أجرى الله في قلبي حبها، وهواها كل يوم في ~~ازدياد عندي. # قال: لم أنكر جمال غادتك وكمالها، فهي بدر ساطع وغصن يانع بهية الأوصاف كثيرة الأدب، على ~~أنني أسألك مستخبرا عن الغاية في حبها وعن مرادك. # قال فؤاد: سؤالك في غاية الغرابة، تسمعني ~~أقول إني أحبها وإني كلف بها، ثم تسألني عن غاية مرادي، فغايتي ومرادي - صح - أتزوج ~~بها. # قال همام: أتتزوج بها على غير رضاء والدتك؟ # قال فؤاد: لا أظن أن والدتي تمتنع، وهي قد أحسنت وفادتها، وقد شهدت الأمر بعينيك ~~الآن. # قال همام: لي العلم بأخلاق والدتك فوق ما تعلم، فهي من النساء الحاذقات، يكتمن الأسرار، ~~ويمكرن في الناس دهاء، فلا يظهرن النوايا فينخذع لهن الغر القليل الخبرة، والظاهر أنك تجهل ~~طباع والدتك ومرادها، فهي لا تسمح لك بالزواج إلا بامرأة غنية. # قال فؤاد: لن أتزوج إلا بعفيفة، ولن أقبل سواها، وأنا الذي أتزوج لا والدتي، فأرجوك يا ~~خالي إن جرى الحديث بينك وبينها ms138 في هذا الموضوع أن تساعدني لإقناعها واسترضائها. # قال همام: أعلم يقينا أن والدتك قد اختارت لك زوجة سعدى بنت غانم صاحبة الغني المشهور، ~~فلا تزوجك بغيرها، فلو ساعدتك في الأمر الذي تبغيه اعتبرتني عدوا لها، فعافني بالله عليك ~~من التدخل في هذه المسألة، وإني أقول لك الحق، فما أكتمك شيئا، فقد كنت مائلا إلى زواجك ~~بسعدى؛ رغبة في تحصيل الغنى والثروة، ولكنني ترددت بعد أن أبصرت محبوبتك عفيفة قريبة من ~~القلب بهية الطلعة، ما ينقصها سوى أن تكون موسرة ولو يسارا قليلا، فإنك لست بذي غنى ~~وافر ومال واسع لتنظر إلى الجمال من دون المال فيمن تختارها لك زوجة. # قال فؤاد: بحق إنك استلطفتها يا خالي؟ # قال همام: نعم، ولولا قلة ثروتك لمنعتك عن الزواج بغيرها، ولو حملت لك من تتزوجها مال ~~قارون، إنما قبل البحث في اختيار الزوجات يجب النظر في أمر يهمك جدا، خذ هذا الكتاب ~~فاقرأه. # فتناول فؤاد الكتاب الذي أرسله غانم لهمام، وجعل يقرؤه، وكان في أثناء قراءته يضطرب، ~~وتلوح على وجهه علامات الكدر والغضب، فلما فرغ من تصفحه صرخ قائلا: لعن الله كل لئيم ~~فاسد الطوية خبيث، وكل ماكر زنيم، قاتل الله غانما، كيف رماني بسوء الظن والريبة ~~القادحة؟! # في صباح اليوم التالي أرسلت سيدة كتابا لأخيها همام جاء فيه: # أرجو منك أن تجعل فؤادا في البيت عندك، فلا يفارقه حتى يؤذن المؤذن وقت الظهر ~~وإلا بطل التدبير بحضوره قبل هذا الأوان، ولخصوصك يا أخي فإن أمكنك أن تقابلني في ~~الفندق الشرقي عند الساعة الحادية عشرة؛ أي قبل الظهر بساعة بشرط أن تكون وحدك، فلا ~~تصحب معك فؤادا تكن أتممت جودك وفضلك، ولا شك ~~عندي بخالص محبتك وصادق رغبتك في مساعدة أختك الملهوفة. # سيدة # قرأ همام الكتاب ثم وضعه على مائدة في ~~الحجرة التي هو فيها، وجعل يقول محادثا نفسه: إنها لمأمورية - والله - صعبة، تجعلني أختي ~~حافظا على فؤاد، بئس هذا التكليف، فليتها جعلتني حارسا لغادة هيفاء، فإني ولو طال الأمد ~~لست منها أنوفا، وأما ms139 أن أحرس فؤادا فذلك - والله - شديد علي وثقيل على طبعي وبعيد ~~عن ذوقي ومباين لمشربي، فليتها على الأقل أبانت عن مرغوبها وأعلمتني بالغاية التي تقصدها من ~~الحجر على ابنها عندي، فأكون على هدى من أمري، ولكنها كتمت، وما أدراني أن يكون وراء ~~تدبيرها ضرر لفؤاد وخليلته لا خير كما زعمت، وإن صدق ظني فمرادها أن تبعده عنها فلا ~~يجتمعان، فلله من دهائها ومكرها. # ثم إن هماما قرع جرسا صغيرا كان أمامه، فجاء الخادم فقال له: تخبر فؤادا عندما يقوم ~~من النوم أني أريده، ولا تدعه يخرج قبل أن يقابلني، واحذر أن يأتي أحد بحركة أمام حجرته؛ ~~لئلا يهب من منامه وهو منهوك تعبان يحتاج إلى الراحة، ثم بعد انصراف الخادم عاد همام يناجي ~~نفسه بقوله: لو ظل فؤاد نائما لكانت المأمورية هينة سهلة، ولكنني أخشى أن يفيق فيلبس ~~ثيابه، وينهض سريعا إلى محبوبته، فلا يقبل منى رأيا، ولا شك أنه لم ينم الليل، ولم يبرح ~~ذكر محبوبته من باله، فكيف أطمع بمنعه عن الزواج، والنهار قد طلع، والشوق قد أكل عظمه ~~وبراه، فلو أن أختي أطلعتني على سرها لكفتني الحيرة، فربما كنت أتدبر طريقة أخرى أنسب من ~~طريقتها، وتكون حيلتي ألطف من حيلتها وأخف وطأة وأسهل مراسا. # وبينما كان همام يجيل هذه الخواطر في نفسه دخل الخادم مخبرا بحضور سعيد بن غانم، فنهض ~~همام لاستقباله، ولما تقابلا اعتذر سعيد بقوله: أرجوك عدم المؤاخذة يا سيدي على الحضور في ~~هذه الساعة، فهي غير مناسبة للزيارة، ولكنما حملني عليها سبب جوهري، فالعذر مقبول، وكان على ~~وجه سعيد علامات الاضطراب والكدر بالرغم من طبيعته، فإنه كان على الدوام فرحا ~~مسرورا. # قال همام: ليس بين الأصدقاء تكليف، إنهم يحصل الرحب لهم أية ساعة حضروا. # قال سعيد: لعله لا يخفى عليك أننا في أحوال صعبة جدا، ولا بد أنك تكون قد اطلعت على ~~كتاب والدي. # قال همام: نعم، اطلعت عليه، وها هو على المائدة أمامك. # قال سعيد: أزيدك علما أن الكتاب لا يشتمل إلا على ms140 الجزء القليل من الغضب الكامن في صدره، ~~فهو لم يذق طعاما ولا نوما من أمسه، وكان من شدة استشاطته يقول: لأنفقن - والله - آلاف ~~الجنيهات في حكم جنائي على فؤاد. # قال همام: هذا قول البخلاء حين يغضبون، فلا ~~عبرة به، وهو أشبه شيء بعربدة السكارى ويمينهم ألا يتعاطوا بعد يومهم كأسا، والعاشق إذ ~~يحلف بسلوان معشوقته، وعهدي بوالدك حكيما عاقلا، فهو لا يصرف آلاف الجنيهات فيما لا يزيد ~~ماله سعة، وإلا فقد أضاع عقله فاحجروا عليه. # قال سعيد: وأنا نظيرك لا أصدق كل قول أسمعه منه حال الغضب، ولكنني أراه الآن متكدرا ~~جدا فوق العادة، وقد عزم على استقراء الأمر إلى آخر درجة. # قال همام: ليفعل ما يشاء، إنه لن يستفيد إلا العناء والخسارة، ففؤاد بريء من التهمة ومنزه ~~عن الريب الذي ينسبه إليه والدك. # قال: إن شاء الله، وحبذا أن يكون الأمر كما قلت، فوالله لن تجد رفيقا يسر مثلي بتبرئة ~~ساحته، ولي فيه حسن الظن ومن قديم الزمان، فلا يقع في اعتقادي أنه يرتكب الفظيعة المنسوبة ~~إليه. # قال همام: يظهر أن والدك اتفق مع خليل في الشكوى عليه. # قال سعيد: نعم، فقد كانت هذه المسألة سببا للتوفيق بينهما، فإنه مقرر معلوم أن العداوة ~~بين الأنسباء تزول عند وقوع أمور تشين العائلة، فيقوم الائتلاف بديلا من الاختلاف وينسون ~~ما كان بينهم من الشحناء، وهكذا فخليل بعد عداوته أصبح الآن أقرب صديق لوالدي ابتغاء ~~الانتقام من ابن أختك. # قال همام: الفتنة فتنة خليل، وهو أصل الفساد، والمغري والدك بفؤاد، فقطع الله هذا الرجل ~~الشرير الخبيث النية، ولعن الله كل لئيم خبيث وكل ساع بالإثم زنيم. # قال سعيد وقد أنكر هذا الطعن: جاوزت الحد في ثلبك، فلعلك نسيت أن خليلا كان لنا ~~نسيبا. # قال همام: لئن كان لك نسيبا، فإنك لم تعرفه حق المعرفة، وإلا لكفيت نفسك عناء المدافعة ~~عنه، فهو غير أهل لذلك، ولو عرفت حقيقته وما انطوى عليه من الخبث والخبائث لما استطعت أن ~~تنطق بأحرف اسمه قبل الاستعاذة بالله ms141 منه، كما يستعاذ بالرحمن من الشيطان الرجيم، وظننت ~~أني جاوزت الحد في ثلبه، فوالله إنك لو علمت غدره ومكره وخبثه وأوصافه الذميمة لثلبته مثلي، ~~وانظر كيف كان يتلبس بالتقوى، ويلتزم السكوت، ويلبس السواد موهما أن حزنه على امرأته وهو ~~في الحقيقة واجد ولهان حزين على فقد عفيفة، ألا تذكر يوم كنا في حديقة الأزبكية نتناول ~~طعامنا فحضر الرجل، وجرى الحديث في زينة ضريح كريمة عمتك، كيف أنه اضطرب وصاح من فرحته ~~متهللا: عفيفة لم تمت، ثم نهض من حينه عاجلا إلى القرافة طامعا برؤيتها بعد طول الغيبة؟ ~~فليت والدك يعلم الخبر فيعدل عن عداوتنا، ويقوم بيننا وبينكم الصلح والوفاق، ثم لا يخفى ~~عليك ما تلبسون من العار في شيوع هذه المسألة بين الناس، فعفيفة قريبة لك فاحرص عليها أن ~~تهلك أسى وغدرا بكف خليل كما هلكت أمها من قبلها، ثم تذكر يوم القرافة إذ هجم على فؤاد ~~وكاد يجرعه كأس الحمام بخنجره المسلول لولا حضوري وعناية الرحمن، أيفعل هذا الفعل به حزن ~~على امرأته، ألا ترى من ذلك هياج الحب والغيرة؟ # فضرب سعيد على رأسه بيده وقال: لا بد أن يكون الأمر كما ذكرت، فإني فضلا عن هذا كنت ~~أسمع خليلا ينطق كثيرا باسم عفيفة فيضطرب ويكتئب، وتحمر عيناه، فيبتدئ بالتخريف قولا ~~بغير هدى، وقد كنت في الأمس معه أتنزه من جهة قصر العالي، وإذ بفؤاد قد مر راكبا مع ~~عفيفة عربة مقفلة فتغير وجهه، وحاول تركي ليهجم عليه فيقتله، ولكنني منعته بمنتهى قوتي ~~وعزمي، وهذه الأفعال لا تصدر إلا عن شهوة الحب لا عن الحزن على فقد زوجة يكرهها. # قال همام: الأمر جلي، لا يحتاج إلى برهان، فالرجل مولع بعفيفة كلف بهواها، ولا شك أنه من ~~أكبر المجرمين إذ افتكر بانتهاك حرمة شابة محرمة عليه، ربيت في حضنه طفلة فاعتبرته لها ~~والدا، فلما ترعرعت شرهت نفسه الخبيثة بافتضاحها على فقد الولي والنصير، فلما توسمت منه ~~الخيانة والغدر ولت مدبرة تفضل احتمال العذاب الأليم على الوقوع في شركه، فكان الأولى ms142 ~~بك وبوالدك أن تأنفا من قبول هذا الرجل في المنزل عندكم، وأن تستمعا أقواله الكاذبة ~~وإشاراته الخبيثة، وحسبه أنه قتل امرأته قهرا، ويحاول انتهاك حرمة ابنتها غدرا، وهو عار ~~عظيم عليكم. # قال سعيد: أتأسف على معاشرتي هذا الرجل وإصغائي إلى كلامه، فوالله إني لم أحسب أنه ~~يبلغ هذه الدرجة من اللؤم والخيانة، فمعاذ الله أن أصحبه بعد هذا اليوم، فقد سقطت بيننا ~~المناسبة والقرابة بوفاة عمتي من غير أن تترك ولدا منه، فهو دائما لدينا كسائر الغرباء ~~البعداء، أما عفيفة فهي قريبتي نسبها نسبي، يمسنا كل ضرر يمسها، ويلحقنا كل عار يصيبها، ~~وكانت تحضر إلى المنزل عندنا كثيرا في حياة والدتها، وهي على جانب عظيم من الأنس والبداهة ~~والأدب ولطف الكلام ودعة القلب، فمن الواجب علينا إغاثتها وإنقاذها من أيدي الماكرين ~~الخبثاء، فوالله إني لأرتعد بجملتي حين أفتكر كيف عزمنا على تسليمها إلى ذلك الشرير الغادر ~~يفعل بها ما يعلم الله. # قال همام: لو فعلتم لكان نصيب البنت منه نصيب النعجة من الذئب، وتكونون أنتم الجالبون على ~~أنفسكم الفضيحة بأيديكم، على أني أعلمك بأن فؤادا قد استلم البنت من يدي أمها فأحسن ~~معاملتها، وأتى عليه خمسة أشهر فلم يخرج عن الأدب والعفاف، فكأنه والد شفيق أو أخ رفيق، ولو ~~أنصفتم لرأيتم أنه أدى إليكم معروفا كبيرا وجميلا يستوجب الشكر، إذ حفظ شرف عائلتكم من ~~الضياع، فمن الواجب عليكم مقابلة الإحسان بالإحسان، بدلا من اتهامه بالسوء والسعي في ~~إضراره وتنكيله، ولا ريب أن خليلا هو الذي حمل والدك على سوء الظن بفؤاد ابتغاء الزلفى ~~وتوسلا لنوال الإرب، فيقضي من عفيفة وطرا، ولكن على الباغي تدور الدوائر، ومن نصب لغيره ~~شركا وقع في الشرك الذي نصب، والله يرد كيد الباغي في نحره. إن عفيفة موجودة الآن عند ~~شقيقتي سيدة، فلو رأت عليها أقل شبهة أو ريبة لما قبلتها في منزلها، وبالغت في إكرامها ~~وتسلية خاطرها، وشقيقتي مشهورة بالحذق ودقة النظر، وتقدير الأمور قدرها، فلو لم تجد فيها ~~الكمال والأدب والطهارة لقابلتها بالصدود ms143 والطرد، فحسبك ذلك برهانا قاطعا لعرق الشك ~~ومزيلا لكل ريبة، ودافعا لكل ظن خبيث. # قال سعيد: شرحت - والله - صدري، فقد عرفت فؤادا كامل الأوصاف جميل السجايا، فلم يخلف ~~ظني، ومن النادر وجود مثله بين الشبان ناشئا على المبادئ الصحيحة والمقاصد الجميلة ~~المنيفة، وما أتاه من الصنيع الجميل لا يكاد يصدق، فليت شبان زمانه يقتدون به ويقتفون ~~أثره، فحقا لقد زاد اعتباري له وإخلاصي لعفيفة، وأصبحت في مزيد شوق لرؤياها ~~ومصافحتها. # قال همام: تحقق لدينا أن فؤادا وعفيفة بريئان مما نسب إليهما، فوجب علينا أن نبذل ~~المجهود في إصلاح ذات البين والتوفيق بين أهلنا وأهلك، وتحقق أن خليلا هو المضلل المفسد ~~ومصدر الفتنة والنميمة، فيجب إبعاده وإقصاؤه، وعلى والدك أن يجبر ما كسر، ويصلح ما فرط ~~منه في حق فؤاد وعفيفة، وعندي لا وجه لذلك إلا بأحد أمرين: إما بزواج بسعدى أختك، وإما ~~بعفيفة بنت عمتك، ولكل من الأمرين ملاحظات خصوصية، أما زواجه بعفيفة فيعرضه لرشق الظنون ~~الخبيثة، ويتخذ الناس ذلك دليلا على أن في سابقة الأمر غشا وخديعة، وبعكس ذلك لو تزوج ~~أختك سعدى فإن ألسنة الناس تلجم عن القدح به، وتثبت لدى العامة والخاصة براءة عفيفة، وعلى ~~سائر الأحوال فتزوجه بسعدى أفيد له - بسبب غناها الكثير - من زواجه بعفيفة على قلة مالها ~~وفقر حالها. # قال سعيد: بل الأجدر به أن يتزوج بعفيفة على فقرها، فإنه يحبها وعينه تقر بها، وسأبذل ~~جهدي في سبيل إقناع أبي لعله يقبل مني الرأي، فيخصص قسما من ماله لجهازها جزاء حسنا عن ~~صونها العرض وحفظها على الطهارة والأدب، وفي بعض الحال غنى عن الكل، والله هو الغني ~~الكريم. # وما أتم سعيد كلامه حتى أقبل فؤاد، فسلم على خاله وحيا سعيدا بأجمل تحية، ثم جلس ~~يحادثهما بأشياء كثيرة، ويبالغ في تجمله وإكرام سعيد، وهذا يقابله بالبشاشة ~~والانشراح. # ونظر همام إلى ساعته فرأى الوقت قريبا من الحادية عشرة، فقال في نفسه: هذه الساعة التي ~~عينتها شقيقتي للمقابلة في الفندق الشرقي، فالتفت إلى فؤاد وقال له: إني ms144 متوجه إلى الفندق ~~الشرقي لمقابلة السيد غانم كما أخبرتك في الأمس، وسأصحب معي سعيدا فأستعين به على إصلاح ~~ذات البين وجمع القلوب وتأليفها بعد النفور، وأرى من المناسب أنك تنتظرنا في قهوة البورس، ~~ثم نرجع إليك فنتناول طعامنا معا في فندق حديقة الأزبكية، وننهض بعض ذلك إلى منزل ~~والدتك. # فأذعن فؤاد لهذا القول، وانطلقوا جميعا إلى الجهة المقصودة. # | الفصل العشرون # سبق القول عن الكتاب الذي بعثته سيدة إلى أخيها، وفيه توصيه بالحجر على فؤاد حتى يكون قد ~~انقضى وقت الظهر، وقد فاتنا أن نقول: إنها كتبت في الوقت نفسه كتابا آخر لغانم، تخبره فيه ~~بعزيمتها على زيارته في الفندق الشرقي قبل الظهر بساعة واحدة لتذاكره الحديث في أمر ذي ~~بال، وتلتمس منه أن ينتظرها في ذلك الموعد. فلما دخل غلام الفندق بالكتاب على غانم في ~~حجرته تناول غانم الكتاب، وقرأ ما فيه ثم اهتز هزة الظافر المنصور، وجعل يقول في سره ~~متعاظما: أما والله، فليس إلا المال يكسب الرفعة والوجاهة والنفوذ، فهو مالك رقاب العباد، ~~وخافض جناح كل عظيم، ورافع شأن كل سافل، ومبلغ الأوطار، وميسر المعاسير، وعليه قوام الكون ~~وعمرانه، أصحابه معززون مكرمون سعداء مغبوطون، يقصدهم القاصي والداني وأصحاب الحاجات، ~~ويعنو لهم كل كبير وصغير وكل رفيع وحقير، هذه سيدة الحسيبة الرفيعة قد هبطت من أعلى مقام ~~تلتمس مني أن أتفضل عليها بمقابلة لبعض دقائق معدودة، وكانت قبل ذلك تأنف مني، وتحسبني ~~جاهلا غبيا فاقد الاعتبار والأدب، وأما الآن فتتذلل وتستعطف لأقضي لها حاجة جليلة مهمة ~~بالضرورة، وإلا لما كلفت نفسها الحضور إلى الفندق مع علمها بأن ذلك يقدح في مقامها، وأنه لا ~~يجوز، ولا جرت العادة للنساء اللواتي من طبقتها ~~شرفا وحسبا أن يزرن الرجال في الفنادق، وإن صدق حزري فهي تأتي لتسترضيني استمناحا للعفو ~~عن ابنها والصفح عما أتي من المنكر، فإن كان هذا هو الباعث على حضورها فقد حدثت نفسها ~~بالمحال، وتجشمت العناء سدى، وسيذهب سعيها وما أملت أدراج الرياح، فوالله - حلف لا ~~أحنث به - إني ms145 لأنكلن غلامها ، وأبذلن منتهى القوة والجهد، وأنفقن القناطير المقنطرة ~~من الذهب في كسر أنف هذا البيت، وأكيدنهم كيدا مبينا، وأجعلن فؤادا بين يدي صغيرا ~~مهانا، ولقد ورثت عن والدي أني لا أقبل شفاعة متشفع، ولا رجاء ضارع، وأني أرد كل سؤال ~~سائل، وأن أشمخ حين يتصاغر لي قاصدي، كما أتصاغر لمن شمخ علي، فهي عادات اكتسبتها فلن ~~أحيد عنها، إذ أصبحت لي طبيعة ثانية. ثم إنه جعل ينظر من حين إلى حين من نافذة الحجرة التي ~~هو فيها ليرى سيدة قادمة، وكان يكشف ساعته من دقيقة إلى دقيقة ويقول: إن أبطأت سيدة عن ~~الحضور في موعدها لو لدقيقة واحدة خرجت، فلا تراني، لتعلم مقداري وشأني. # وبينما هو مطل من النافذة إذ بعربة وقفت أمام باب الفندق، فنزل غلام كان جالسا إلى شمال ~~سائقها وفتح بابها، فانحدر منها سيدتان عليهما علامات الوقار والجلال لابستان ثيابا سوداء ~~إحداهما كهلة والأخرى صبية في غاية اللطف والجمال، تقدمتا للدخول إلى الفندق فعرف غانم سيدة ~~أم فؤاد، ولم يعلم من الفتاة، وقد أحس بشر من هذه الزيارة، فنهض من مكانه، وتقدم نحو ~~مرآة في حجرته ينظر وجهه ويرتب شعره، فلم يكن كلمح البصر حتى قرع الباب فأسرع فتحه لسيدة، ~~فدخلت بغاية الجلال والعزة، وسلمت بقلب جريء، فعند رؤيتها شعر غانم بانحلال عزيمته ~~وتداعي همته وعظمته إلى السقوط شأن كل دنيء سافل عند مقابلته الكبراء والعظماء، فرد ~~عليها السلام بغاية التكريم خافضا رأسه، وقال لها مترحبا: أوليتني شرفا عظيما بهذه ~~الزيارة يا سيدتي، ثم أجلسها على مقعد من القطيفة كان في الحجرة، وأجلس عفيفة إلى شمالها، ~~وكانت عفيفة قد أبصرت أن المزور خالها فعرفته، وانقبض وجهها، وأوجست من هذه الزيارة شرا، ~~وهي لا تعلم المقصود منها، وكان غانم ينظر إلى الفتاة اختلاسا بطرف عينه، وقد أدهشه حسنها ~~الرائق، وأعجبه لياقة ملبوسها، ثم جعل يتأمل هيئة سيدة، فلم يجدها مخطوفة اللون مضطربة كما ~~سبق فتوهم، بل رآها بعكس ذلك مطمئنة طلقة الوجه، فحار في أمره واندهش سره. ms146 # وكانت سيدة تعلم جيدا طباع غانم وأخلاقه ودناءة نفسه، فأدركت أن لؤمه يستطيل عليها، ~~ويشمخ بأنفه إلى العلا إن رأى منها تصاغرا وضعفا، فتلبست بالعزة والقوة، ورأت من اللازم ~~أن تحادثه بقوة الحجة والبرهان فتغلب عليه إذ لم يكن من سبيل لإقناعه بلين الكلام وتحريك ~~العواطف الإنسانية فيه. وقد قدمنا أن هذه السيدة كانت على ذكاء مفرط وبراعة في الحديث كلية، ~~فقالت لغانم وهي تنظر إليه مبتسمة: أطلعني أخي همام على كتاب سطرته جنابك، فبعثته إليه في ~~الأمس، ولدى تصفحه قد غضب وهاج هياجا بينا، وكان قد عزم على أن يجاوبك بعبارة عنيفة من ~~مثل كتابك وقول شديد، فمنعته عن ذلك بمجاهدة النفس، وأنت تعلم طباعه ومقدار حدثه، وأنه خدم ~~في الجهادية أربعين سنة، ولم يرهب كبيرا ولا عدوا شديدا، وأنه على همته الأولى ونشاط ~~الشباب لم تسقط له عزيمة، فلو جرت المكاتبة بينك وبينه على نسق كتابك في الأمس وقعت أمور ~~مكدرة ومحزنة لا ترد ولا تعوض، فمن أجل ذلك كلفت نفسي الحضور إليك؛ لأدفع البلاء، وأنت ذكي ~~فطن، لا تخفى عليك الإشارة. # فاضطرب غانم عند سماع هذا الكلام، ولم يرد ~~في خاطره أن ذلك الكتاب الذي كتبه يورث خصاما شخصيا بينه وبين همام، وكان يعلم حق العلم ~~أن هماما بطل صنديد قوي الجنان وشجاع عنيد، فخاف على نفسه - والبخيل جبان - أن يهلك بسبب ~~هذه العداوة، ولكنه أخفى الكمد وأظهر الجلد، وقال لسيدة: معاذ الله أني أكون قد قصدت عداوة ~~لأخيك همام، ولكن لا أرى من الممكن أن أسحب من كتابي كلمة كتبتها فيه. # قالت: إذن تقف موقف عناد، ومرادك حمل أخي على مبارزتك، والله يعلم أني لولا التوسط بينكما ~~وحضوري لمداركة الأمر ودفع النازلة؛ لتحدث الناس بخبركما مجروحين أو مقتولين. # قال: كل شيء بقضاء الله، ولا ينفع الحذر إن وقع القدر. # قالت: أنت أدرى بمصلحتك، على أني أود لو تستعمل اللين في خطابك، فلا ترهب قلب هذه ~~الصبية (وأشارت إلى عفيفة)، فهي شديدة التأثر رقيقة الشعور، لطيفة الطباع، ms147 وتنزعج لسماع أقل ~~كلمة غضب أو نفور، ولا أظنك جافي الطباع حتى لا تبالي بحياة فتاة جميلة كهذه، وأنت لم ~~تسألني بعد عنها. # فتفرس غانم عفيفة، وقد أدهشه جمالها البديع ثم قال لسيدة: قبل أن أسألك عن اسمها أسألك ~~إن أذنت لي عن السبب الذي بعثك على تشريفي بهذه الزيارة. # قالت: السبب هو أنك في كتابك لم تقتصر على إهانة أخي همام حتى أسأت الظن بابني فؤاد ~~وثلبته ورشقته بالتهم الفظيعة، قلت عليه الأكاذيب الفاضحة، وزعمت أنه يعجز في الدفاع عن ~~نفسه تبرئة له وصونا لاسمه عن العار والابتذال، ثم لو أن طعنك جاء مقصورا على همام وفؤاد ~~لما اهتممت، ولا كلفت نفسي مشقة الحضور إلى مكان لا يليق حضور السيدات المخدرات مثلي فيه، ~~ولكنك تعرضت في كتابك لثلب سيدة شريفة كريمة عذراء فاضلة، فمسست من كرامتها، ووضعت من قدرها ~~تهاونا في عرضها، ورجمتها بالظنون الخبيثة، وهي مما رميتها به بريئة، والبريء قوي على رد ~~افتراء المفترين، وقد كبر علي سماع الثلب، فدعتني المروءة والشهامة لأنتصر لها وأدفع عنها ~~القول الباطل، وأنشر فضيلتها وآدابها ومحاسنها وكمالاتها، فهذه الفتاة التي تراها أمامك هي ~~عفيفة بنت أختك المرحومة، هي هي بعينها، وقد كانت شقيقتك - رحمها الله - من أعز رفيقاتي، ~~صحبتها زمنا طويلا، واتخذتها لي صديقة حميمة، فذكرت عهد الصداقة القديمة والمحبة الوثيقة، ~~ورأيت من الواجب علي أن أتولى أمر بنتها، ولو كنت أنا منها وتوفيت عن فتاة لفعلت أختك بها ~~مثل فعلي بابنتها، فها أنا أسلمها إليك كما استلمتها عذراء طاهرة نقية بريئة من العيب، ~~وما أطلب أجرة ولا ثوابا، ففعلي لوجه الله الكريم، وكفى بذلك حجة تدفع قول المبطلين ~~المفترين، وتزيل كل ظن فاسد خبيث، وتمنع أسباب الخصام واللجاج بيننا. # فانذهل غانم عند ذلك وحار في أمره شديدا، وعلم أن خليلا قد خدعه وأضله ليورثه الهموم ~~والتعب، فجعل ينظر تارة إلى سيدة وتارة إلى عفيفة، ويقول في نفسه: ليس لي - والله - خلاص ~~من هذه الفتاة، وقد كنت ظننت أني نجوت منها، ms148 فإذا هي قد بعثت حية، وهبطت علي كالصاعقة ~~تصعقني، فما الرأي والعمل، ما الوسيلة لدفع هذه النازلة؟ قاتل الله خليلا وقومه المفترين، ~~وتعسا لمن يسمع له قولا أو يصدقه في أيمانه، كيف قبلت الرأي منه بغير تدبر؟ وكنت عجولا، ~~والعجلة تورث الندامة، وكان الجدير بي أن أتبصر وأتأمل. # قالت سيدة: ما لي أراك مبهوتا مضطربا بدلا من مشاهدتك فرحا مسرورا بلقاء ابنة أختك ~~بعد طول البعاد؟! فلعل السرور ملأ قلبك، فعقد لسانك عن الكلام، أو ترى يكون قد كدرتك رؤيتها ~~... بالله انظر إليها فهي غاية اللطف والرقة والكمال، فلو جعلتها في وصايتك، ووسعت لها في ~~منزلك طابت نفسك حبورا، وأقامت عندك كإحدى بناتك. # قال: علمت أنها أقامت مع فؤاد بعد وفاة والدتها، ولم يبلغني أنها كانت في منزلك. # قالت: لم يكن فؤاد إلا واسطة بيني وبين والدتها، وأنت ترميه بالتهمة وترجم فيه الظنون، ~~فاعلم أن كريمة شقيقتك عند احتضارها وانقطاع أملها من قبولك عفيفة في منزلك تذكرت صداقتي ~~القديمة، فجعلت ابنتها وديعة عندي، ووكلت إلي أمرها حتى يهون الله عليها بنصيب حسن، وقد ~~أحسنت - رحمها الله - بي الظن فوفيت الأمانة حقها، وأنقذت الصبية من خطر مبين، فأبعدتها ~~عن خليل اللئيم الفاسق الشرير، وجعلتها في حفظ قوم كرام يهتمون في أمرها ويعتنون بها، ~~فلما رأيت جميلي منكرا عندك والمعروف ضائعا رددتها إليك لتحسن مثواها، وتجبر خاطرها ~~الكسير، وتكفيها العوز والشدة، وتعزيها على فقد والدتها. # وكانت عفيفة تسمع هذا القول فلا تعي منه شيئا، وتتعجب ودمعت عيناها عند ذكر والدتها، ~~فناولتها سيدة منديلا لتمسح به الدمع، وقالت: والله إن قلبي لينفطر من ذكر كريمة، كيف قاست ~~من العذاب في آخر عمرها، رحم الله ثراها، وأسبغ عليها بركاته ورحماته، وعزى أهلها وذويها، ~~وألهمهم صبرا جميلا على فقدها. # ثم قالت لعفيفة: كفكفي كفكفي يا ابنتي الدمع، وسكني الروع أيتها الفتاة المحبوبة، ~~وقري عينا، واشكري الله على عنايته الفائقة، إذ رزقك خالا رحيما شفوقا يتولى أمرك، ~~رزق غنى واسعا عميما، فلا يبخل عليك بجوده، ولا ms149 يضن بمعروفه ، يواسيك ويسلي قلبك ~~المحزون، أبشري فقد أقبل عليك الزمان، ووافتك السعادة وزال الشقاء والتعس. # وكان غانم يسمع هذا القول وقلبه مفعم غما وكدرا، وكان يقول في نفسه: لئن أقبل الزمان ~~على هذه المنحوسة فلقد أدبر عني، ولئن وافتها السعادة فقد وافتني النحوس، واستقبلني الخراب ~~والدمار، فما يكفيني همي بأولادي حتى أهتم بأولاد الغير، وجعل يسخط على خليل، ويلعنه إذ كان ~~هو السبب في هذه البلية. # ونهضت سيدة تريد الخروج، فتصورت عفيفة أنها ستبقى عند خالها غانم، وتذكرت لؤم طباعه ~~ودناءة نفسه الكلبية وقبح أفعاله، وكيف أنه أبى قبولها عنده، وكيف قسا قلبه الصخري فأمات ~~شقيقته كمدا وقهرا، فسقطت على قدمي سيدة راجية باكية تحلفها بالله تعالى وبابنها المحبوب ~~أن لا تتركها في هذا المكان تموت قهرا، ثم قالت لها: ارحميني ارحميني واجبري كسري، انظري ~~فقد أوشكت قوتي تنحل، وضاع رشدي، أنقذيني الله يسترك. # وبينما هي تتكلم هكذا إذا بباب الحجرة قد انفتح لهمام وسعيد، وكانا قد حضرا - كما تقدم ~~القول - لاستعطاف خاطر غانم، والإصلاح بينه وبين فؤاد، وكان من عادة سعيد أن يدخل على أبيه ~~بغير استئذان ولا تنبيه، فلم يخلف عادته وصادف دخوله وسيدة واقفة وعفيفة منطرحة على قدميها ~~تستغيث وتسترحم، فأثر هذا المشهد عليه وعلى همام، فأقبلا إلى عفيفة وأنهضاها من ركعتها، ~~وأجلساها على المقعد، وجعلا يسليان خاطرها ويطيبان قلبها. # وكانت سيدة قد جلست حين أبصرت هماما أخاها، وقالت: أحضرت معي الصبية كي أسلمها إلى ~~خالها فهو أحق مني بالوصاية عليها والاهتمام بأمرها، وبذلك تنقطع أسباب الخصام والنزاع، ~~ولكن تأنفت من الإقامة عنده، وليس لي أن أجبرها وأمنعها وهي تستغيث بي، ولكنني أخاف أن ~~أرجعها عندي فتستمر أسباب القيل والقال، ويشتد علينا التعب والقلق، فوالله لقد ضاع رشدي، ~~فلست أعلم ماذا أصنع. ثم إنها جعلت تقص على همام وسعيد طرفا من الحديث الذي دار بينها وبين ~~غانم، وتطنب القول في أمانة فؤاد واستقامته، وعفة عفيفة وبراءتها، ونزاهتها من كل عيب ~~وريب. # فقال سعيد: بدا لي من ms150 أول وهلة رأي في حل هذه المشكلة، ولعله مصيب وبه التوفيق بين ~~الجميع. # قال همام: أفدنا عن رأيك فلعل به خيرا لنا أو يكون منه سبيل للخروج من هذا المأزق، فقد - ~~والله - عدمت الرأي على شدة فراستي وذكاء قريحتي في حل المشاكل وتذليل المصاعب، فما أعلم ~~هل عراني الخمول وفترت همتي منذ يوم دخلت في زمرة المتقاعدين حملا على المعاش. # قال سعيد: الرأي عندي أن نزوج فؤادا بعفيفة، فبهذه الوسيلة تنصرف الأضغان وتتمكن ~~علاقات المحبة بين الفريقين، ويفوز فؤاد بمرغوبه، وتنال عفيفة جزاء الأمانة والعفاف. # قال همام: والله هذا عين الصواب، وهو الرأي الجدير بالاتباع في هذه الأحوال، لولا ما يحول ~~من الموانع في هذا السبيل. # قالت سيدة: كان فؤاد هدفا للظنون الفاسدة والتهم الباطلة بسبب عفيفة، فلو تزوجها لثبتت ~~تلك الظنون، فالرأي عندي لإزالة الشبهات أن نزوجه بسعدى - كما جرى القول أولا - ليعلم ~~الناس أنه بريء مما نسب إليه، فلا يفترون عليه الكذب، والحجة في ذلك أنه لو لم يكن فؤاد ~~بريئا لما زوجه غانم بابنته. # قال سعيد: قد فهمت المانع الحقيقي لتفضيل زواج فؤاد بسعدى، وهذا مانع هين لا عبرة به، ومن ~~الممكن إزالته والفضل لا يخفى، وفضيلة عفيفة تكفيها لكبت أعدائها المفترين وإبطال أقوال ~~الشانئين، والله حكيم، يقدر الأمور قدرها، فيجازي أحسن جزاء كل فعل جميل. # قال همام: لله درك يا سعيد، ما كنت أظن أنك على هذه الدرجة من الذكاء والفهم، فأنت ترى ~~المانع من زواج فؤاد بعفيفة خلو يدي الاثنين من الثروة، وفي اعتقادك أن الزواج لا يجمل إلا ~~بالموسرين، وأما قليلو المال فمتعوسون والزواج مجلبة التعب والشقاء لهم، والرجل العاقل لا ~~يقدم عليه إلا بعد أن يكون قد أحرز شيئا من حطام هذه الدنيا لكفالة راحته وضمان استقباله، ~~وإلا كان من الخاسرين مثله مثل رجل يقع في بحر عجاج متلاطم الأمواج، يطمع في النجاة على ~~خشبة، والبر عنه بعيد والأمان فقيد، ولقد أصبت - والله - أنه لا يجمل بنا أن نجعل فؤادا ~~وعفيفة في مثل ms151 هذا المركز الصعب، بل يجب علينا مساعدتهما بما يمكن، وأن نضمن لهما الاستقبال ~~ليكونا في أمن من غوائل الأيام. # وكان غانم في أثناء ذلك يسمع الحديث، فلا يفوه بكلمة، ويقول في نفسه: الرأي أني أوافق، ~~فإني لو رفضت هذا الزواج فأبقيت عفيفة عندي صرت مسئولا بالنفقة عليها، وبت أبدا دائما ~~قلق الخاطر متعب السر، فزواجها ولو بقليل من الخسارة أفيد وأليق، فتقرر هذا الرأي عنده، ~~وقال: استحسنت رأي سعيد، ولو أن به كلفة علي، فالإنسان بين شرين يختار الأيسر، والألم ~~المؤقت شديدا أخير من المرض الدائم خفيفا؛ ولذا قبلت بهذا الزواج. # قال همام: من الضروري إذن أن نستدعي فؤادا، فهو في قهوة البورس قريبا من هنا لعله يقبل ~~هذا الرأي، فالاعتماد عليه، والرغبة رغبته، فخرج الخادم يدعو فؤادا. # وقالت سيدة: أنتم تعلمون أن الناس رجموا الظنون في ابني، وقالوا عليه الأقوال الفرية، ~~ووضعوا من قدره ومكانته فلحق به أذى أليم وإهانة جسيمة، والتعويض بمقدار الخسارة، ومن ~~الأوفق أن نزوجه بسعدى لتثبت براءته وتظهر صداقته، وليعلم القوم أنه مظلوم وبريء مما ~~نسب إليه. # قال سعيد: إن فؤادا يحب عفيفة جدا والمحبة ضرورية في الزواج وبها البهجة والسعادة، ~~وهي جالبة الراحة وكافلة السعادة، والذين يتزوجون على هذه السنة أسعد الناس حاضرا ~~واستقبالا، وجميع أوقاتهم سعود وأفراح، وبانعدام المحبة ينعدم كل سرور، وقد رأينا فؤادا ~~محبا عفيفة محبة فائقة يحتمل من أجلها كل مشقة وكريهة، ويستسهل كل صعب، فليس من العدل ~~حرمانه من مطلوبه وإكراهه على الزواج بسعدى، وهو لا يحبها، وعلى سائر الأحوال فعفيفة وسعدى ~~عند والدي في المعزة سواء، فكلتاهما ابنتاه ومنزلتهما واحدة، وهو أدرى بالتوفيق بينهما وجبر ~~خاطر كل من الاثنتين. # وما أتم سعيد كلامه حتى دخل فؤاد، فحيا وسلم ثم جلس، فأخبره بما اجتمع عليه رأيهم ~~فتهلل وجهه، وجعل يشكر، ويردد عبارات الثناء على الجميع، وعند ذلك زال الكدر من قلب عفيفة، ~~وأشرق وجهها، وتلألأت أسرة جبينها بنور الحبور. # وقال همام لابن أخته يخاطبه: لك الهنا يا فؤاد، فعروستك ms152 ثمينة في آدابها وفضائلها، ومحاسن ~~خلقها وهي كنوز تفوق كنوز الذهب قدرا وقيمة، وأنت أهل لكل مديح إذ برهنت بفعلك عن كرم ~~أصلك وكرم سجيتك، وكنت أمينا صادقا حافظا عهد الصداقة، فلذلك عقدنا الرأي على تبليغك ~~مأمولك، فيكون زواجك بمن تهوى جامعا لأسباب السعادة كافلا للتوفيق، فأنا أدعو لك بالهناء، ~~ولمكافأة فعلك المبرور أوهبتكما هبة شرعية منزلي الذي أملكه في شارع الإسماعيلية فتقيمان ~~فيه الزفاف وتسكنانه، وتجعلانه تذكار عهد مقدس جزاء الأمانة والصلاح والصداقة. # فهم فؤاد ليشكر فضل خاله فقاطع عليه غانم بقوله: مهلا أيها الشاب، فلك من وقتك السعة ~~لتبدي عبارات الشكر على مهل، وكان تبرع همام على فؤاد بمنزله هيج في غانم السخاء، فأراد ~~الفخار لنفسه، وأن يتبرع على ابنة أخته بشيء من ماله فقال: إن شريعة الحق تقضي على من تسبب ~~بضرر أن يرده، وقد أسأت يا فؤاد فيك الظن بسماع الفتنة، فتجنيت عليك واعتديت، أما الآن ~~فقد ظهر لي الحق، وتبينت ضلال القول وأقوال الوشاة، وخبث طوية الأعداء، فمن الواجب علي ~~إصلاح ما أفسدت، فقد قبلت قبولا تاما واختياريا أنك تتزوج بابنة أختي، التي أخصص لها ~~أبعدية في الريف تبلغ مائدة فدان من أحسن الأرض تربة وموقعا، فتستفيدان ريعها وتمرحان في ~~رزقها الواسع وخيراتها الكثيرة. # فسمعت سيدة هذا القول بغاية التعجب، وكانت تظن غانما أبعد من أن يتخلق بأخلاق الكرام، ~~وكانت تود وتفضل أنه لا يجود على عفيفة بشيء، فكل قصدها أن تزوج فؤادا بسعدى، ~~ولكنها لم تجد مساغا للقول والتردد بعد أن رأت قبول الجميع، فاستخارت الله في الغنيمة ~~الباردة من كف همام وغانم ترويجا لهذا الزواج، فإن فيما تبرعا به كفاية للإقامة في عيش ~~رغيد، فمن أجل ذلك التزمت السكوت، فلم تفه بكلمة. # وقال سعيد بعد أن فرغ والده من الكلام: لا بد لي أن أهنئ نفسي بزوال الخصام وظهور ~~براءة فؤاد وصداقة بنت عمتي له وعفتها، ولذلك فإني أهديها عربة فاخرة بخيلها وأدواتها ~~فتجعلها للنزهة، وتستعيض عما فاتها من اللهو والحظ في سابقة ms153 الأيام، فنهض حينئذ فؤاد، ~~وجعل يده بيد عفيفة، وابتدأ بتقبيل يدي والدته، ثم حيا الحضور بأبهى تحية، وشكر فضل ~~المتفضلين وأثنى عليهم ثناء جميلا. # ثم ما انتهى من شكره حتى وقف خاله همام خطيبا فقال: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، قد قام ~~فؤاد وعفيفة بعمل جليل، وبلغا النهاية في الأمانة والصداقة، فبلغهما الله المأمول وفوق ما ~~كانا يرغبان، وللعمل الصالح أجر لا يضيع على صاحبه، فهو يعود عليه بالسعادة والإقبال آجلا ~~كان أو عاجلا، فليت الشبان يقتدون بالقدوة الحسنة في زمان كثر فيه الفساد وقل الرشاد، ~~فيعلمون فضل المحبة الصادقة الصحيحة على المحبة الكاذبة الفاسدة، أما كلامي فإليك الخطاب ~~يا فؤاد وإلى عفيفة، فاعلما أن الزواج الذي قلتما عليه لهو أعظم أمر يقوم به الإنسان في ~~حياته، فعليه النجاح والسعادة إن كان موفقا رشيدا، وعليه التعاسة والشقاء إن كان الغرض ~~فاسدا، وقد عبر المتكلمون عنه بأنه اشتراك أدبي جسمي بين الرجل والزوجة؛ ليتقاسما مدى ~~العمر أفراح وأتراح هذه الدنيا، وهو القول الصادق والحجة البالغة، وليس أضل سبيلا ممن يزعم ~~أن الزواج عقد تجاري يرغب فيه للكسب والغنى، تالله إن من يتوهم ذلك لعلى ضلال مبين، وسوف ~~يعلم من اختبر الأمر بنفسه حقيقة قولي؛ فيندم حين لا ينفعه الندم شيئا، فينبغي على الإنسان ~~الراغب في الزواج أن يوسع في قلبه محلا للمحبة والميل، وأن يبعد عنه شهوة الطمع والشبق، ~~فيتخذ له زوجة مهذبة مجملة بالفضائل والأدب، توافقه في الطباع والمشرب ليعيش سعيدا في ~~قربها، ويرزق بالأولاد السعداء، فإن الأبناء أسرار الآباء بهم يقتدون ويتشبهون، ولا بد ~~من العلم بأن الزواج يحمل صاحبه واجبات مهمة يقوم بها وأخصها أمانة الزوجين، فلو خرج ~~أحدهما عن الأمانة فسد نظام العائلة وزالت النعمة عنها والسعادة، وقام الخصام بديلا عن ~~السلام، ولعبت بالبيت أيدي الخراب والدمار. فأحمد الله أنك يا فؤاد وأنت يا عفيفة قد ~~برهنتما على أمانة صادقة ومحبة خالصة، فتلك ضمانة تكفل سعادة الاستقبال ونجاح الأعمال، ~~فأسأل المولى - جل وعلا - أن يحقق هذه الآمال، ms154 ويشمل ببركته ونعمته هذا الزواج، ويفيض ~~عليه الخيرات، وأن يجعلكما قدوة لشبان هذا الزمان تفتخر بهم الأوطان. # سبحانه مجيب السؤال، وهو على كل شيء قدير. ms155