######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036085 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن أحمد بن مسعود الكواكبي يلقب بالسيد الفراتي (المتوفى: 1320هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1320 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036085 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36085 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36085 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: طبعة جديدة منقحة ومضافة بقلم المؤلف #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة العصرية - حلب #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | فاتحة الكتاب # الحمد لله، خالق الكون على نظام محكم متين، والصلاة والسلام على أنبيائه ~~العظام، هداة الأمم إلى الحق المبين، لاسيما منهم على النبي العربي الذي ~~أرسله رحمة للعالمين ليرقى بهم معاشا ومعادا على سلم الحكمة إلى عليين. # أقول وأنا مسلم عربي مضطر للاكتتام شأن الضعيف الصادع بالأمر، المعلن ~~رأيه تحت سماء الشرق، الراجي اكتفاء المطالعين بالقول عمن قال: وتعرف الحق ~~في ذاته لا بالرجال، إنني في سنة ثماني عشر وثلاثمائة وألف هجرية هجرت ~~دياري سرحا في الشرق، فزرت مصر، واتخذتها لي مركزا أرجع إليه مغتنما عهد ~~الحرية فيها على عهد عزيزها حضرة سمي عم النبي (العباس الثاني) الناشر لواء ~~الأمن على أكناف ملكه، فوجدت أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر الشرق ~~خائضة عباب البحث في المسألة الكبرى، أعني المسألة الاجتماعية في الشرق ~~عموما وفي المسلمين خصوصا، إنما هم كسائر الباحثين، كل يذهب مذهبا في سبب ~~الانحطاط وفي ما هو الدواء. وحيث إني قد تمحص عندي أن أصل الداء هو ~~الاستبداد السياسي ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية. وقد استقر فكري على ذلك ~~-كما أن لكل نبأ مستقرا- بعد بحث ثلاثين # PageV01P008 # عاما ... بحثا أظنه يكاد يشمل كل ما يخطر على البال من سبب يتوهم فيه ~~الباحث عند النظرة الأولى، أنه ظفر بأصل الداء أو بأهم أصوله، ولكن؛ لا ~~يلبث أن يكشف له التدقيق أنه لم يظفر بشيء، أو أن ذلك فرع لا أصل، أو هو ~~نتيجة لا وسيلة. # فالقائل مثلا: إن أصل الداء التهاون في الدين، لا يلبث أن يقف حائرا ~~عندما يسأل نفسه لماذا تهاون الناس في الدين؟ والقائل: إن الداء اختلاف ~~الآراء، يقف مبهوتا عند تعليل سبب الاختلاف. فإن قال: سببه الجهل، يشكل ~~عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد ... وهكذا؛ يجد نفسه في ~~حلقة مفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير ~~مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأن الله حكيم عادل رحيم ... # وإني، إراحة لفكر المطالعين، أعدد ms001 لهم المباحث التي طالما أتعبت نفسي في ~~تحليلها، وخاطرت حتى بحياتي في درسها وتدقيقها، وبذلك يعلمون أني ما وافقت ~~على الرأي القائل بأن أصل الداء هو الاستبداد السياسي إلا بعد عناء طويل ~~يرجح قد أصبت الغرض. وأرجو الله أن يجعل حسن نيتي شفيع سيئاتي، وهاهي ~~المباحث: # في زيارتي هذه لمصر، نشرت في أشهر جرائدها بعض مقالات سياسية تحت عنوانات ~~الاستبداد: ما هو الاستبداد وما تأثيره على الدين، على العلم، على التربية ~~على الأخلاق، على المجد، على المال ... إلى غير ذلك. # PageV01P009 # ثم في زيارتي إلى مصر ثانية أجبت تكليف بعض الشبيبة، فوسعت تلك المباحث ~~خصوصا في الاجتماعيات كالتربية والأخلاق، وأضفت إليها طرائق التخلص من ~~الاستبداد، ونشرت ذلك في كتاب سميته (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) ~~وجعلته هدية مني للناشئة العربية المباركة الأبية المعقودة آمال الأمة بيمن ~~نواصيهم. ولا غرو، فلا شباب إلا بالشباب. # ثم في زيارتي هذه، وهي الثالثة، وجدت الكتاب قد نفد في برهة قليلة، ~~فأحببت أن أعيد النظر فيه، وأزيده زيدا مما درسته فضبطته، أو ما اقتبسته ~~وطبقته، وقد صرفت في هذا السبيل عمرا عزيزا وعناء غير قليل ... وأنا لا ~~أقصد في مباحثي ظالما بعينه ولا حكومة وأمة مخصصة، وإنما أردت بيان طبائع ~~الاستبداد وما يفعل، وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه ويمضيه على ذويه ... ~~ولي هناك قصد آخر؛ وهو التنبيه لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الذين قضوا ~~نحبهم، أنهم هم المتسببون لما حل بهم، فلا يعتبون على الأغيار ولا على ~~الأقدار، إنما يعتبون على الجهل وفقد الهمم والتواكل .. وعسى الذين فيهم ~~بقية رمق من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات ... # وقد تخيرت في الإنشاء أسلوب الاقتضاب، وهو الأسلوب السهل المفيد الذي ~~يختاره كتاب سائر اللغات، ابتعادا عن قيود التعقيد وسلاسل التأصيل ~~والتفريغ. هذا وإني أخالف أولئك المؤلفين، فلا أتمنى العفو عن الزلل؛ إنما ~~أقول: # PageV01P010 # هذا جهدي، وللناقد الفاضل أن يأتي قومه بخير منه. فما أنا إلا فاتح باب ~~صغير من أسوار الاستبداد. عسى الزمان يوسعه، والله ولي المهتدين. # 1320ه- 1902م # PageV01P011 ### | مقدمة ms002 # لا خفاء أن السياسة علم واسع جدا، يتفرع إلى فنون كثيرة ومباحث دقيقة ~~شتى. وقلما يوجد إنسان يحيط بهذا العلم، كما أنه قلما يوجد إنسان لا يحتك ~~فيه. # وقد وجد في كل الأمم المترقية علماء سياسيون، تكلموا في فنون السياسة ~~ومباحثها استطرادا في مدونات الأديان أو الحقوق أو التاريخ أو الأخلاق أو ~~الأدب. ولا تعرف للأقدمين كتب مخصوصة في السياسة لغير مؤسسي الجمهوريات في ~~الرومان واليونان، وإنما لبعضهم مؤلفات سياسية أخلاقية ككليلة ودمنة ورسائل ~~غوريغوريوس، ومحررات سياسية دينية كنهج البلاغة وكتاب الخراج. # وأما في القرون المتوسطة فلا تؤثر أبحاث مفصلة في هذا الفن لغير علماء ~~الإسلام؛ فهم ألفوا فيه ممزوجا بالأخلاق كالرازي، والطوسي، والغزالي، ~~والعلائي، وهي طريقة الفرس، وممزوجا بالأدب كالمعري، والمتنبي، وهي طريقة ~~العرب، وممزوجا بالتاريخ كابن خلدون، وابن بطوطة، وهي طريقة المغاربة. # أما المتأخرون من أهل أوروبا، ثم أمريكا، فقد توسعوا في هذا العلم وألفوا # PageV01P012 # فيه كثيرا وأشبعوه تفصيلا، حتى إنهم أفردوا بعض مباحثه في التأليف ~~بمجلدات ضخمة، وقد ميزوا مباحثه إلى سياسة عمومية، وسياسة خارجية، وسياسة ~~إدارية، وسياسة اقتصادية، وسياسة حقوقية، إلخ. وقسموا كلا منها إلى أبواب ~~شتى وأصول وفروع. # وأما المتأخرون من الشرقيين، فقد وجد من الترك كثيرون ألفوا في أكثر ~~مباحثه تآليف مستقلة وممزوجة مثل: أحمد جودة باشا، وكمال بك، وسليمان باشا، ~~وحسن فهمي باشا، والمؤلفون من العرب قليلون ومقلون، والذين يستحقون الذكر ~~منهم فيما نعلم: رفاعة بك، وخير الدين باشا التونسي، وأحمد فارس، وسليم ~~البستاني، والمبعوث المدني. # ولكن؛ يظهر لنا أن المحررين السياسيين من العرب قد كثروا، بدليل ما يظهر ~~من منشوراتهم في الجرائد والمجلات في مواضع كثيرة. ولهذا، لاح لهذا العاجز ~~أن أذكر حضراتهم على لسان بعض الجرائد العربية بموضوع هو أهم المباحث ~~السياسية، وقل من طرق بابه منهم إلى الآن، فأدعوهم إلى ميدان المسابقة في ~~خير خدمة ينيرون بها أفكار إخوانهم الشرقيين وينبهونهم - لاسيما العرب منهم ~~- لما هم عنه غافلون، فيفيدونهم بالبحث والتعليل وضرب الأمثال والتحليل (ما ~~هو داء الشرق وما هو ms003 دواؤه؟). # ولما كان تعريف علم السياسة بأنه هو «إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى ~~الحكمة» يكون بالطبع أول مباحث السياسة وأهمها بحث (الاستبداد)؛ أي التصرف ~~في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى. # PageV01P013 # وإني أرى أن المتكلم في الاستبداد عليه أن يلاحظ تعريف وتشخيص ((ما هو ~~الاستبداد؟ ما سببه؟ ما أعراضه؟ ما سيره؟ ما إنذاره؟ ما دواؤه؟)) وكل موضوع ~~من ذلك يتحمل تفصيلات كثيرة، وينطوي على مباحث شتى من أمهاتها: ما هي طبائع ~~الاستبداد؟ لماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ لماذا يستولي الجبن على رعية ~~المستبد؟ ما تأثير الاستبداد على الدين؟ على العلم؟ على المجد؟ على المال؟ ~~على الأخلاق؟ على الترقي؟ على التربية؟ على العمران؟ # من هم أعوان المستبد؟ هل يتحمل الاستبداد؟ كيف يكون التخلص من الاستبداد؟ ~~بماذا ينبغي استبدال الاستبداد؟ # قبل الخوض في هذه المسائل يمكننا أن نشير إلى النتائج التي تستقر عندها ~~أفكار الباحثين في هذا الموضوع، وهي نتائج متحدة المدلول مختلفة التعبير ~~على حسب اختلاف المشارب والأنظار في الباحثين، وهي: # يقول المادي: الداء: القوة، والدواء: المقاومة. # ويقول السياسي: الداء: استعباد البرية، والدواء: استرداد الحرية. # ويقول الحكيم: الداء: القدرة على الاعتساف، والدواء: الاقتدار على ~~الاستنصاف. # ويقول الحقوقي: الداء: تغلب السلطة على الشريعة، والدواء: تغليب الشريعة ~~على السلطة. # ويقول الرباني: الداء: مشاركة الله في الجبروت، والدواء: توحيد الله حقا. # PageV01P014 # وهذه أقوال أهل النظر، وأما أهل العزائم: # فيقول الأبي: الداء: مد الرقاب للسلاسل، والدواء: الشموخ عن الذل. # ويقول المتين: الداء: وجود الرؤساء بلا زمام، والدواء: ربطهم بالقيود ~~الثقال. # ويقول الحر: الداء: التعالي على الناس باطلا، والدواء: تذليل المتكبرين. # ويقول المفادي: الداء: حب الحياة، والدواء: حب الموت. # PageV01P015 ### | ما هو الاستبداد # الاستبداد لغة هو: غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو ~~الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة. # ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة؛ لأنها أعظم مظاهر ~~أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، ~~وتحكم الأب والأستاذ والزوج، ورؤساء بعض الأديان، وبعض الشركات، وبعض ~~الطبقات؛ فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة. # الاستبداد ms004 في اصطلاح السياسيين هو: تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة ~~وبلا خوف تبعة، وقد تطرق مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في ~~مقام كلمة (استبداد) كلمات: استعباد، واعتساف، وتسلط، وتحكم. وفي مقابلتها ~~كلمات: مساواة، وحس مشترك، وتكافؤ، وسلطة عامة. ويستعملون في مقام صفة ~~(مستبد) كلمات: جبار، وطاغية، وحاكم بأمره، وحاكم مطلق. وفي مقابلة (حكومة ~~مستبدة) كلمات: عادلة، ومسؤولة، ومقيدة، ودستورية. ويستعملون في مقام وصف ~~الرعية (المستبد عليهم) كلمات: أسرى، ومستصغرين، وبؤساء، ومستنبتين، وفي ~~مقابلتها: أحرار، # PageV01P017 # وأباة، وأحياء، وأعزاء. # هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات، وأما تعريفه ~~بالوصف فهو: أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما، التي ~~تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين. وتفسير ذلك ~~هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أو على أمثلة ~~تقليدية، أو على إرادة الأمة، وهذه حالة الحكومات المطلقة. أو هي مقيدة ~~بنوع من ذلك، ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى، وهذه حالة ~~أكثر الحكومات التي تسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية. # وأشكال الحكومة المستبدة كثيرة ليس هذا البحث محل تفصيلها. ويكفي هنا ~~الإشارة إلى أن صفة الاستبداد، كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي ~~تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضا الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى ~~كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخبا؛ لأن الاشتراك في الرأي لا ~~يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدله الاختلاف نوعا، وقد يكون عند الاتفاق أضر ~~من استبداد الفرد. ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة ~~التشريع عن قوة التنفيذ وعن قوة المراقبة؛ لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم ~~يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المنفذون مسؤولين لدى المشرعين، ~~وهؤلاء مسؤولين لدى الأمة، تلك الأمة التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله، ~~وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب. # وأشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد # PageV01P018 # المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية. ولنا أن ~~نقول كلما قل وصف ms005 من هذه الأوصاف؛ خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم ~~المنتخب الموقت المسؤول فعلا. وكذلك يخف الاستبداد - طبعا- كلما قل عدد ~~نفوس الرعية، وقل الارتباط بالأملاك الثابتة، وقل التفاوت في الثروة وكلما ~~ترقى الشعب في المعارف. # إن الحكومة من أي نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد؛ ما لم تكن تحت ~~المراقبة الشديدة والاحتساب الذي لا تسامح فيه، كما جرى في صدر الإسلام في ~~ما نقم على عثمان، ثم على علي رضي الله عنهما، وكما جرى في عهد هذه ~~الجمهورية الحاضرة في فرنسا في مسائل النياشين وبناما ودريفوس. # ومن الأمور المقررة طبيعة وتاريخا أنه؛ ما من حكومة عادلة تأمن المسؤولية ~~والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبس ~~بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين ~~العظيمتين: جهالة الأمة، والجنود المنظمة. وهما أكبر مصائب الأمم وأهم ~~معائب الإنسانية، وقد تخلصت الأمم المتمدنة - نوعا ما- من الجهالة، ولكن؛ ~~بليت بشدة الجندية الجبرية العمومية؛ تلك الشدة التي جعلتها أشقى حياة من ~~الأمم الجاهلة، وألصق عارا بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد، حتى ربما ~~يصح أن يقال: إن مخترع هذه الجندية إذا كان هو الشيطان؛ فقد انتقم من آدم ~~في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم! نعم؛ إذا ما دامت هذه الجندية التي مضى ~~عليها نحو قرنين إلى قرن آخر أيضا تنهك تجلد الأمم، وتجعلها تسقط دفعة ~~واحدة. # PageV01P019 # ومن يدري كم يتعجب رجال الاستقبال من ترقي العلوم في هذا العصر ترقيا ~~مقرونا باشتداد هذه المصيبة التي لا تترك محلا لاستغراب إطاعة المصريين ~~للفراعنة في بناء الأهرامات سخرة؛ لأن تلك لا تتجاوز التعب وضياع الأوقات، ~~وأما الجندية فتفسد أخلاق الأمة؛ حيث تعلمها الشراسة والطاعة العمياء ~~والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا ~~يطاق؛ وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم: استبداد الحكومات القائدة ~~لتلك القوة من جهة، واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى. # ولنرجع لأصل البحث فأقول: لا يعهد في تاريخ الحكومات المدنية استمرار ~~حكومة مسؤولة ms006 مدة أكثر من نصف قرن إلى غاية قرن ونصف، وما شذ من ذلك سوى ~~الحكومة الحاضرة في إنكلترا، والسبب يقظة الإنكليز الذين لا يسكرهم انتصار، ~~ولا يخملهم انكسار، فلا يغفلون لحظة عن مراقبة ملوكهم، حتى أن الوزارة هي ~~تنتخب للملك خدمه وحشمه فضلا عن الزوجة والصهر، وملوك الإنكليز الذين فقدوا ~~منذ قرون كل شيء ما عدا التاج، لو تسنى الآن لأحدهم الاستبداد لغنمه حالا، ~~ولكن؛ هيهات أن يظفر بغرة من قومه يستلم فيها زمام الجيش. # أما الحكومات البدوية التي تتألف رعيتها كلها أو أكثرها من عشائر يقطنون ~~البادية، يسهل عليهم الرحيل والتفرق متى مست حكومتهم حريتهم الشخصية، ~~وسامتهم ضيما، ولم يقووا على الاستنصاف؛ فهذه الحكومات قلما اندفعت إلى ~~الاستبداد. وأقرب مثال لذلك أهل جزيرة العرب، فإنهم لا يكادون يعرفون # PageV01P020 # الاستبداد من قبل عهد ملوك تبع وحمير وغسان إلى الآن إلا فترات قليلة. ~~وأصل الحكمة في أن الحالة البدوية بعيدة بالجملة عن الوقوع تحت نير ~~الاستبداد، وهو أن نشأة البدوي نشأة استقلالية؛ بحيث كل فرد يمكنه أن يعتمد ~~في معيشته على نفسه فقط، خلافا لقاعدة الإنسان المدني الطبع، تلك القاعدة ~~التي أصبحت سخرية عند علماء الاجتماع المتأخرين، القائلين بأن الإنسان من ~~الحيوانات التي تعيش أسرابا في كهوف ومسارح مخصوصة، وأما الآن فقد صار من ~~الحيوان الذي متى انتهت حضانته؛ عليه أن يعيش مستقلا بذاته، غير متعلق ~~بأقاربه وقومه كل الارتباط، ولا مرتبط ببيته وبلده كل التعلق، كما هي معيشة ~~أكثر الإنكليز والأمريكان الذين يفتكر الفرد منهم أن تعلقه بقومه وحكومته ~~ليس بأكثر من رابطة شريك في شركة اختيارية، خلافا للأمم التي تتبع حكوماتها ~~حتى فيما تدين. # الناظر في أحوال الأمم يرى أن الأسراء يعيشون متلاصقين متراكمين، يتحفظ ~~بعضهم ببعض من سطوة الاستبداد، كالغنم تلتف حول بعضها إذا ذعرها الذئب، أما ~~العشائر والأمم الحرة المالك أفرادها الاستقلال الناجز فيعيشون متفرقين. # وقد تكلم بعض الحكماء - لا سيما المتأخرون منهم - في وصف الاستبداد ~~ودوائه بجمل بليغة بديعة تصور في الأذهان شقاء الإنسان، كأنها تقول ms007 له هذا ~~عدوك فانظر ماذا تصنع، ومن هذه الجمل قولهم: # «المستبد: يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا ~~بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه # PageV01P021 # الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته». # «المستبد: عدو الحق، عدو الحية وقاتلهما، والحق أبو البشر، والحرية أمهم، ~~والعوام صبية أيتام لا يعلمون شيئا، والعلماء هم إخوتهم الراشدون، إن ~~أيقظوهم هبوا، وإن دعوهم لبوا، وإلا فيتصل نومهم بالموت». # «المستبد: يتجاوز الحد ما لم ير حاجزا من حديد، فلو رأى الظالم على جنب ~~المظلوم سيفا لما أقدم على الظلم، كما يقال: الاستعداد للحرب يمنع الحرب». # «المستبد: إنسان مستعد بالطبع للشر وبالإلجاء للخير، فعلى الرعية أن تعرف ~~ما هو الخير وما هو الشر فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه، وقد يكفي للإلجاء ~~مجرد الطلب إذا علم الحاكم أن وراء القول فعلا. ومن المعلوم أن مجرد ~~الاستعداد للفعل فعل يكفي شر الاستبداد». # «المستبد: يود أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذللا وتملقا، ~~وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خدمت خدمت، وإن ضربت شرست، وعليها أن تكون ~~كالصقور لا تلاعب ولا يستأثر عليها بالصيد كله، خلافا للكلاب التي لا فرق ~~عندها أطعمت أو حرمت حتى من العظام. نعم؛ على الرعية أن تعرف مقامها: هل ~~خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو ~~اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟ .. والرعية العاقلة تقيد وحش ~~الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزت به ~~الزمام وإن صال ربطته». # PageV01P022 # من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على ~~العقل، ويسمى استبداد المرء على نفسه، وذلك أن الله جلت نعمه خلق الإنسان ~~حرا، قائده العقل، فكفر وأبى إلا أن يكون عبدا قائده الجهل. خلقه وسخر له ~~أما وأبا يقومان بأوده إلى أن يبلغ أشده، ثم جعل له الأرض أما والعمل أبا، ~~فكفر وما رضي إلا أن تكون أمته ms008 أمه وحاكمه أباه. خلق له إدراكا ليهتدي إلى ~~معاشه ويتقي مهلكه، وعينين ليبصر، ورجلين ليسعى، ويدين ليعمل، ولسانا ليكون ~~ترجمانا عن ضميره، فكفر وما أحب إلا أن يكون كالأبله الأعمى، المقعد، ~~الأشل، الكذوب، ينتظر كل شي من غيره، وقلما يطبق لسانه جنانه. خلقه منفردا ~~غير متصل بغيره ليملك اختياره في حركته وسكونه، فكفر وما استطاب إلا ~~الارتباط في أرض محدودة سماها الوطن، وتشابك بالناس ما استطاع اشتباك تظالم ~~لا اشتباك تعاون ... خلقه ليشكره على جعله عنصرا حيا بعد أن كان ترابا، ~~وليلجأ إليه عند الفزع تثبيتا للجنان، وليستند عليه عند العزم دفعا للتردد، ~~وليثق بمكافأته أو مجازاته على الأعمال، فكفر وأبى شكره وخلط في دين الفطرة ~~الصحيح بالباطل ليغالط نفسه وغيره. خلقه يطلب منفعته جاعلا رائده الوجدان، ~~فكفر، واستحل المنفعة بأي وجه كان، فلا يتعفف عن محظور صغير إلا توصلا ~~لمحرم كبير. خلقه وبذل له مواد الحياة، من نور ونسيم ونبات وحيوان ومعادن ~~وعناصر مكنوزة في خزائن الطبيعة، بمقادير ناطقة بلسان الحال، بأن واهب ~~الحياة حكيم خبير جعل مواد الحياة أكثر لزوما في ذاته، أكثر وجودا ~~وابتذالا، فكفر الإنسان نعمة # PageV01P023 # الله وأبى أن يعتمد كفالة رزقه، فوكله ربه إلى نفسه، وابتلاه بظلم نفسه ~~وظلم جنسه، وهكذا كان الإنسان ظلوما كفورا. # الاستبداد: يد الله القوية الخفية يصفع بها رقاب الآبقين من جنة عبوديته ~~إلى جهنم عبودية المستبدين الذين يشاركون الله في عظمته ويعاندونه جهارا، ~~وقد ورد في الخبر: «الظالم سيف الله ينتقم به، ثم ينتقم منه»، كما جاء في ~~أثر آخر: «من أعان ظالما على ظلمه سلطه الله عليه»، ولا شك في أن إعانة ~~الظالم تبتدئ من مجرد الإقامة على أرضه. # الاستبداد: هو نار غضب الله في الدنيا، والجحيم هو نار غضبه في الآخرة، ~~وقد خلق الله النار أقوى المطهرات، فيطهر بها في الدنيا دنس من خلقهم ~~أحرارا، وبسط لهم الأرض واسعة، وبذل فيها رزقهم، فكفروا بنعمته، ورضخوا ~~للاستعباد والتظالم. # الاستبداد: أعظم بلاء، يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين، ولا ms009 ~~يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة. نعم؛ الاستبداد أعظم بلاء؛ لأنه وباء ~~دائم بالفتن وجدب مستمر بتعطيل الأعمال، وحريق متواصل بالسلب والغصب، وسيل ~~جارف للعمران، وخوف يقطع القلوب، وظلام يعمي الأبصار، وألم لا يفتر، وصائل ~~لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي. وإذا سأل سائل: لماذا يبتلي الله عباده ~~بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحدا، فلا يولى ~~المستبد إلا على المستبدين. ولو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد ~~من أسراء الاستبداد مستبدا في نفسه، لو قدر لجعل زوجته وعائلته # PageV01P024 # وعشيرته وقومه والبشر كلهم، حتى وربه الذي خلقه تابعين لرأيه وأمره. # فالمستبدون يتولاهم مستبد، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى: ~~«كما تكونوا يولى عليكم». # ما أليق بالأسير في أرض أن يتحول عنها إلى حيث يملك حريته، فإن الكلب ~~الطليق خير حياة من الأسد المربوط. # PageV01P025 ### | الاستبداد والدين # تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان، على أن ~~الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول: إن لم يكن هناك ~~توليد فهما أخوان؛ أبوهما التغلب وأمهما الرياسة، أو هما صنوان قويان؛ ~~بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنهما ~~حاكمان؛ أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب. والفريقان مصيبان ~~بحكمهما بالنظر إلى مغزى أساطير الأولين، والقسم التاريخي من التوراة، ~~والرسائل المضافة إلى الإنجيل. ومخطئون في حق الأقسام التعليمية الأخلاقية ~~فيهما، كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أن القرآن جاء مؤيدا للاستبداد ~~السياسي. وليس من العذر شيء أن يقولوا: نحن لا ندرك دقائق القرآن نظرا ~~لخفائها علينا في طي بلاغته، ووراء العلم بأسباب نزول آياته؛ وإنما نبني ~~نتيجتنا على مقدمات ما نشاهد عليه المسلمين منذ قرون إلى الآن من استعانة ~~مستبديهم بالدين. # يقول هؤلاء المحررون: إن التعاليم الدينية، ومنها الكتب السماوية تدعو ~~البشر إلى خشية قوة عظيمة لا تدرك العقول كنهها، قوة تتهدد الإنسان بكل ~~مصيبة في الحياة فقط، كما عند البوذية واليهودية، أو في الحياة وبعد ~~الممات، كما عند النصارى والإسلام، تهديدا ms010 ترتعد منه الفرائص فتخور القوى، # PageV01P027 # وتنذهل منه العقول فتستسلم للخبل والخمول، ثم تفتح هذه التعاليم أبوابا ~~للنجاة من تلك المخاوف نجاة وراءها نعيم مقيم، ولكن؛ على تلك الأبواب حجاب ~~من البراهمة والكهنة والقسوس وأمثالهم الذين لا يأذنون للناس بالدخول ما لم ~~يعظموهم مع التذلل والصغار، ويرزقوهم باسم نذر أو ثمن غفران، حتى إن أولئك ~~الحجاب في بعض الأديان يحجزون فيما يزعمون لقاء الأرواح بربها ما لم يأخذوا ~~عنها مكوس المرور إلى القبور وفدية الخلاص من مطهر الأعراف. وهؤلاء ~~المهيمنون على الأديان كم يرهبون الناس من غضب الله وينذرونهم بحلول مصائبه ~~وعذابه عليهم، ثم يرشدونهم إلى أن لا خلاص ولا مناص لهم إلا بالالتجاء إلى ~~سكان القبور الذين لهم دالة، بل سطوة على الله فيحمونهم من غضبه. # ويقولون: إن السياسيين يبنون كذلك استبدادهم على أساس من هذا القبيل، فهم ~~يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، ويذللونهم بالقهر والقوة ~~وسلب الأموال حتى يجعلونهم خاضعين لهم، عاملين لأجلهم، يتمتعون بهم كأنهم ~~نوع من الأنعام التي يشربون ألبانها، ويأكلون لحومها، ويركبون ظهورها، وبها ~~يتفاخرون. # ويرون أن هذا التشاكل في بناء ونتائج الاستبدادين؛ الديني والسياسي، ~~جعلهما في مثل فرنسا خارج باريس مشتركين في العمل، كأنهما يدان متعاونتان، ~~وجعلهما في مثل روسيا مشتبكين في الوظيفة، كأنهما اللوح والقلم يسجلان ~~الشقاء على الأمم. # PageV01P028 # ويقررون أن هذا التشاكل بين القوتين ينجر بعوام البشر- وهم السواد الأعظم ~~- إلى نقطة أن يلتبس عليهم الفرق بين الإله المعبود بحق وبين المستبد ~~المطاع بالقهر، فيختلطان في مضايق أذهانهم من حيث التشابه في استحقاق مزيد ~~التعظيم، والرفعة عن السؤال وعدم المؤاخذة على الأفعال؛ بناء عليه؛ لا يرون ~~لأنفسهم حقا في مراقبة المستبد لانتفاء النسبة بين عظمته ودناءتهم؛ وبعبارة ~~أخرى: يجد العوام معبودهم وجبارهم مشتركين في كثير من الحالات والأسماء ~~والصفات، وهم ليس من شأنهم أن يفرقوا مثلا بين (الفعال المطلق)، والحاكم ~~بأمره، وبين (لا يسأل عما يفعل) وغير مسؤول، وبين ... (المنعم) وولي النعم، ~~وبين (جل شأنه) وجليل الشأن. بناء عليه؛ يعظمون الجبابرة تعظيمهم لله، ms011 ~~ويزيدون تعظيمهم على التعظيم لله؛ لأنه حليم كريم، ولأن عذابه آجل غائب، ~~وأما انتقام الجبار فعاجل حاضر. والعوام - كما يقال - عقولهم في عيونهم، ~~يكاد لا يتجاوز فعلهم المحسوس المشاهد، حتى يصح أن يقال فيهم: لولا رجاؤهم ~~بالله، وخوفهم منه فيما يتعلق بحياتهم الدنيا، لما صلوا ولا صاموا، ولولا ~~أملهم العاجل، لما رجحوا قراءة الدلائل والأوراد على قراءة القرآن، ولا ~~رجحوا اليمين بالأولياء - المقربين كما يعتقدون - على اليمين بالله. # وهذه الحال؛ هي التي سهلت في الأمم الغابرة المنحطة دعوى بعض المستبدين ~~الألوهية على مراتب مختلفة، حسب استعداد أذهان الرعية، حتى يقال: إنه ما من ~~مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه ~~مقام ذي علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين # PageV01P029 # يعينونه على ظلم الناس باسم الله، وأقل ما يعينون به الاستبداد، تفريق ~~الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضا، فتتهاتر قوة الأمة ويذهب ~~ريحها، فيخلو الجو للاستبداد ليبيض ويفرخ، وهذه سياسة الإنكليز في ~~المستعمرات، لا يؤيدها شيء مثل انقسام الأهالي على أنفسهم، وإفنائهم بأسهم ~~بينهم بسبب اختلافهم في الأديان والمذاهب. # ويعللون أن قيام المستبدين من أمثال (أبناء داود) و (قسطنطين) في نشر ~~الدين بين رعاياهم، وانتصار مثل (فيليب الثاني) الأسباني و (هنري الثامن) ~~الإنكليزي للدين، حتى بتشكيل مجالس (انكيزيسيون) وقيام الحاكم الفاطمي ~~والسلاطين الأعاجم في الإسلام بالانتصار لغلاة الصوفية، وبنائهم لهم ~~التكايا، لم يكن إلا بقصد الاستعانة بممسوخ الدين وببعض أهله المغفلين على ~~ظلم المساكين، وأعظم ما يلائم مصلحة المستبد ويؤيدها أن الناس يتلقون ~~قواعده وأحكامه بإذعان بدون بحث وجدال، فيودون تأليف الأمة على تلقي ~~أوامرهم بمثل ذلك، ولهذا القصد عينه، كثيرا ما يحاولون بناء أوامرهم أو ~~تفريعها على شيء من قواعد الدين. # ويحكمون بأن بين الاستبدادين: السياسي والديني مقارنة لا تنفك متى وجد ~~أحدهما في أمة جر الآخر إليه، أو متى زال، زال رفيقه، وإن صلح، أي ضعف ~~الأول، # PageV01P030 # صلح، أي ضعف الثاني. ويقولون: إن شواهد ذلك ms012 كثيرة جدا لا يخلو منها زمان ~~ولا مكان. ويبرهنون على أن الدين أقوى تأثيرا من السياسة إصلاحا وإفسادا، ~~ويمثلون بالسكسون؛ أي الإنكليز والهولنديين والأميركان والألمان الذين ~~قبلوا البروتستنتية، فأثر التحرر الديني في الإصلاح السياسي والأخلاق أكثر ~~من تأثير الحرية المطلقة السياسية في جمهور اللاتين؛ أي الفرنسيين والطليان ~~والاسبانيول والبرتغال. وقد أجمع الكتاب السياسيون المدققون، بالاستناد على ~~التاريخ والاستقراء، من أن ما من أمة أو عائلة أو شخص تنطع في الدين أي ~~تشدد فيه إلا واختل نظام دنياه وخسر أولاده وعقباه. # والحاصل أن كل المدققين السياسيين يرون أن السياسة والدين يمشيان ~~متكاتفين، ويعتبرون أن إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح ~~السياسي. # وربما كان أول من سلك هذا المسلك؛ أي استخدم الدين في الإصلاح السياسي؛ ~~هم حكماء اليونان، حيث تحيلوا على ملوكهم المستبدين في حملهم على قبول ~~الاشتراك في السياسة بإحيائهم عقيدة الاشتراك في الألوهية، أخذوها عن ~~الآشوريين، ومزجوها بأساطير المصريين بصورة تخصيص العدالة بإله، والحرب ~~بإله، والأمطار بإله، إلى غير ذلك من التوزيع، وجعلوا لإله الآلهة حق ~~النظارة عليهم، وحق الترجيح عند وقوع الاختلاف بينهم. ثم بعد تمكن هذه ~~العقيدة في الأذهان بما ألبست من جلالة المظاهر وسحر البيان سهل على أولئك ~~الحكماء دفعهم الناس إلى مطالبة جبابرتهم بالنزول من مقام الانفراد، # PageV01P031 # وبأن تكون إدارة الأرض كإدارة السماء، فانصاع ملوكهم إلى ذلك مكرهين. ~~وهذه هي الوسيلة العظمى التي مكنت اليونان أخيرا من إقامة جمهوريات أثينا ~~وإسبارطة، وكذلك فعل الرومان. وهذا الأصل لم يزل المثال القديم لأصول توزيع ~~الإدارة في الحكومات الملكية والجمهوريات على أنواعها إلى هذا العهد. # إنما هذه الوسيلة؛ أي التشريك، فضلا عن كونها باطلة في ذاتها، نتج عنها ~~رد فعل أضر كثيرا، وذلك أنها فتحت للمشعوذين من سائر طبقات الناس بابا ~~واسعا لدعوى شيء من خصائص الألوهية، كالصفات القدسية والتصرفات الروحية، ~~وكان قبل ذلك لا يتهجم على مثلها غير أفراد من الجبابرة، كنمرود وإبراهيم ~~وفرعون وموسى، ثم صار يدعيها البرهمي والبادري والصوفي. ولملائمة هذه ~~المفسدة لطباع البشر ms013 من وجوه كثيرة -ليس بحثنا هذا محلها- انتشرت وعمت ~~وجندت جيشا عرمرما يخدم المستبدين. # وقد جاءت التوراة بالنشاط، فخلصتهم من خمول الاتكال بعد أن بلغ فيهم أن ~~يكلفوا الله ونبيه يقاتلان عنهم، وجاءتهم بالنظام بعد فوضى الأحلام، ورفعت ~~عقيدة التشريك، مستبدلة -مثلا- أسماء الآلهة المتعددة بالملائكة، ولكن؛ لم ~~يرض ملوك آل كوهين بالتوحيد فأفسدوه. ثم جاء الإنجيل بسلسبيل الدعة والحلم، ~~فصادف أفئدة محروقة بنار القساوة والاستبداد، وكان أيضا مؤيدا لناموس ~~التوحيد، ولكن؛ لم يقو دعاته الأولون على تفهيم تلك الأقوام المنحطة، الذين ~~بادروا لقبول النصرانية قبل الأمم المترقية، # PageV01P032 # أن الأبوة والبنوة صفتان مجازيتان يعبر بهما عن معنى لا يقبله العقل إلا ~~تسليما؛ كمسألة القدر التي ورثت الإسلامية التفلسف فيها عن أديان اليهود ~~وأوهام اليونان. ولهذا؛ تلقت تلك الأمم الأبوة والبنوة بمعنى توالد حقيقي؛ ~~لأنه أقرب إلى مداركهم البسيطة التي يصعب عليها تناول ما فوق المحسوسات، ~~ولأنهم كانوا قد ألفوا الاعتقاد في بعض جبابرتهم الأولين أنهم أبناء الله، ~~فكبر عليهم أن يعتقدوا في موسى عليه السلام صفة هي دون مقام أولئك الملوك. ~~ثم لما انتشرت النصرانية ودخلها أقوام مختلفون، تلبست ثوبا غير ثوبها، كما ~~سائر الأديان التي سلفتها، فتوسعت برسائل بولس ونحوها، فامتزجت بأزياء ~~وشعائر وثنية للرومان والمصريين مضافة على شعائر الإسرائيليين وأشياء من ~~الأساطير وغيرها، وأشياء من مظاهر الملوك ونحوها. وهكذا صارت النصرانية ~~تعظم رجال الكهنوت إلى درجة اعتقاد النيابة عن الله والعصمة عن الخطأ وقوة ~~التشريع، ونحو ذلك مما رفضه أخيرا البروتستان؛ أي الراجعون في الأحكام لأصل ~~الإنجيل. # ثم جاء الإسلام مهذبا لليهودية والنصرانية، مؤسسا على الحكمة والعزم، ~~هادما للتشريك بالكلية، ومحكما لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين ~~الديموقراطية والأرستقراطية، فأسس التوحيد، ونزع كل سلطة دينية أو تغلبية ~~تتحكم في النفوس أو في الأجسام، ووضع شريعة حكمة إجمالية صالحة لكل زمان ~~وقوم ومكان، وأوجد مدنية فطرية سامية، وأظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء ~~الراشدين التي لم يسمح الزمان بمثال لها بين البشر حتى ولم # PageV01P033 # يخلفهم فيها بين المسلمين أنفسهم خلف؛ إلا بعض شواذ؛ ms014 كعمر بن عبد العزيز ~~والمهتدي العباسي ونور الدين الشهيد. فإن هؤلاء الخلفاء الراشدين فهموا ~~معنى ومغزى القرآن النازل بلغتهم، وعملوا به واتخذوه إماما، فأنشؤوا حكومة ~~قضت بالتساوي حتى بينهم أنفسهم وبين فقراء الأمة في نعيم الحياة وشظفها، ~~وأحدثوا في المسلمين عواطف أخوة وروابط هيئة اجتماعية اشتراكية لا تكاد ~~توجد بين أشقاء يعيشون بإعالة أب واحد وفي حضانة أم واحدة، لكل منهم وظيفة ~~شخصية، ووظيفة عائلية، ووظيفة قومية. على أن هذا الطراز السامي من الرياسة ~~هو الطراز النبوي المحمدي الذي لم يخلفه فيه حقا غير أبي بكر وعمر، ثم أخذ ~~بالتناقص، وصارت الأمة تطلبه وتبكيه من عهد عثمان إلى الآن، وسيدوم بكاؤها ~~إلى يوم الدين إذا لم تنتبه لاستعواضه بطراز سياسي شوري؛ ذلك الطراز الذي ~~اهتدت إليه بعض أمم الغرب؛ تلك الأمم التي، لربما يصح أن نقول، قد استفادت ~~من الإسلام أكثر مما استفاده المسلمون. # وهذا القرآن الكريم مشحون بتعاليم إماتة الاستبداد وإحياء العدل والتساوي ~~حتى في القصص منه؛ ومن جملتها قول بلقيس ملكة سبأ من عرب تبع تخاطب أشراف ~~قومها: {يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * ~~قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين * ~~قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون}. # فهذه القصة تعلم كيف ينبغي أن يستشير الملوك الملأ؛ أي أشراف الرعية، # PageV01P034 # وأن لا يقطعوا أمرا إلا برأيهم، وتشير إلى لزوم أن تحفظ القوة والبأس في ~~يد الرعية، وأن يخصص الملوك بالتنفيذ فقط، وأن يكرموا بنسبة الأمر إليهم ~~توقيرا، وتقبح شأن الملوك المستبدين. # ومن هذا الباب أيضا ما ورد في قصة موسى عليه السلام مع فرعون في قوله ~~تعالى: {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم فماذا تأمرون}؛ أي قال الأشراف بعضهم لبعض: ماذا رأيكم؟ (قالوا) ~~خطابا لفرعون وهو قرارهم: {أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين * يأتوك بكل ~~ساحر عليم}؛ ثم وصف مذاكراتهم بقوله تعالى: {فتنازعوا ms015 أمرهم}؛ أي رأيهم ~~{بينهم وأسروا النجوى}؛ أي أفضت مذاكراتهم العلنية إلى النزاع فأجروا ~~مذاكرة سرية طبق ما يجري إلى الآن في مجالس الشورى العمومية. # بناء على ما تقدم؛ لا مجال لرمي الإسلامية بتأييد الاستبداد مع تأسيسها ~~على مئات الآيات البينات التي منها قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر}؛ أي في ~~الشأن، ومن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم}؛ أي أصحاب الرأي والشأن منكم، وهم العلماء والرؤساء على ~~ما اتفق عليه أكثر المفسرين، وهم الأشراف في اصطلاح السياسيين. ومما يؤيد ~~هذا المعنى أيضا قوله تعالى: {وما أمر فرعون}؛ أي ما # PageV01P035 # شأنه، وحديث «أميري من الملائكة جبريل»؛ أي مشاوري. # وليس بالأمر الغريب ضياع معنى {وأولي الأمر} على كثير من الأفهام بتضليل ~~علماء الاستبداد الذي يحرفون الكلم عن مواضعه، وقد أغفلوا معنى قيد {منكم}؛ ~~أي المؤمنين منعا لتطرق أفكار المسلمين إلى التفكير بأن الظالمين لا ~~يحكمونهم بما أنزل الله، ثم التدرج إلى معنى آية {إن الله يأمر بالعدل}، أي ~~بالتساوي؛ {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، أي التساوي؛ ثم ينتقل ~~إلى معنى آية: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. ثم يستنتج ~~عدم وجوب طاعة الظالمين وإن قال بوجوبها بعض الفقهاء الممالئين دفعا للفتنة ~~التي تحصد أمثالهم حصدا. والأغرب من هذا جسارتهم على تضليل الأفهام في معنى ~~(أمر) في آية: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا}؛ فإنهم لم يبالوا أن ينسبوا إلى الله الأمر ~~بالفسق ... تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والحقيقة في معنى (أمرنا) هنا ~~أنه بمعنى أمرنا - بكسر الميم أو تشديدها-؛ أي جعلنا أمراءها مترفيها ~~ففسقوا فيها (أي ظلموا أهلها) فحق عليهم العذاب؛ أي (نزل بهم العذاب). # والأغرب من هذا وذاك؛ أنهم جعلوا للفظة العدل معنى عرفيا؛ وهو الحكم ~~بمقتضى ما قاله الفقهاء؛ حتى أصبحت لفظة العدل لا تدل على غير هذا المعنى، ~~مع أن العدل لغة للتسوية؛ فالعدل بين الناس هو التسوية بينهم، ms016 وهذا هو ~~المراد في آية: {إن الله يأمر بالعدل}، وكذلك القصاص في آية: {ولكم في ~~القصاص حياة} المتواردة مطلقا، لا المعاقبة بالمثل فقط على ما يتبادر إلى ~~أذهان الأسراء، # PageV01P036 # الذين لا يعرفون للتساوي موقعا في الدين غير الوقوف بين يدي القضاة. # وقد عدد الفقهاء من لا تقبل شهادتهم لسقوط عدالتهم، فذكروا حتى من يأكل ~~ماشيا في الأسواق؛ ولكن شيطان الاستبداد أنساهم أن يفسقوا الأمراء الظالمين ~~فيردوا شهادتهم. ولعل الفقهاء يعذرون بسكوتهم هنا مع تشنيعهم على الظالمين ~~في مواقع أخرى؛ ولكن، ما عذرهم في تحويل معنى الآية: {ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} إلى أن هذا الفرض هو فرض ~~كفاية لا فرض عين؟ والمراد منه سيطرة أفراد المسلمين بعضهم على بعض؛ لا ~~إقامة فئة تسيطر على حكامهم كما اهتدت إلى ذلك الأمم الموفقة للخير؛ فخصصت ~~منها جماعات باسم مجالس نواب، وظيفتها السيطرة والاحتساب على الإدارة ~~العمومية: السياسية والمالية والتشريعية، فتخلصوا بذلك من شآمة الاستبداد. ~~أليست هذه السيطرة وهذا الاحتساب بأهم من السيطرة على الأفراد؟ ومن يدري من ~~أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد ~~إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا، وعدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح ~~دماء المعارضين؟! # اللهم؛ إن المستبدين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير الدين الذي أنزلت، فلا ~~حول ولا قوة إلا بك! # كذلك ما عذر الصوفية الذين جعلتهم الإنعامات على زاوياتهم أن يقولوا: لا ~~يكون الأمير الأعظم إلا وليا من أولياء الله، ولا يأتي أمرا إلا بإلهام من ~~الله، وإنه يتصرف في الأمور ظاهرا، ويتصرف قطب الغوث # PageV01P037 # باطنا! ألا سبحان الله ما أحلمه! # نعم؛ لولا حلم الله لخسف الأرض بالعرب؛ حيث أرسل لهم رسولا من أنفسهم أسس ~~لهم أفضل حكومة أسست في الناس، جعل قاعدتها قوله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن ~~رعيته»؛ أي كل منكم سلطان عام ومسؤول عن الأمة. وهذه الجملة التي هي أسمى ~~وأبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين والآخرين، فجاء من المنافقين من ms017 حرف ~~المعنى عن ظاهره وعموميته؛ إلى أن المسلم راع على عائلته ومسؤول عنها فقط. ~~كما حرفوا معنى الآية: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} على ولاية ~~الشهادة دون الولاية العامة. وهكذا غيروا مفهوم اللغة، وبدلوا الدين، ~~وطمسوا على العقول حتى جعلوا الناس ينسون لغة الاستقلال، وعزة الحرية؛ بل ~~جعلوهم لا يعقلون كيف تحكم أمة نفسها بنفسها دون سلطان قاهر. # وكأن المسلمين لم يسمعوا بقول النبي عليه السلام: «الناس سواسية كأسنان ~~المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». وهذا الحديث أصح الأحاديث ~~لمطابقته للحكمة ومجيئه مفسرا الآية {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فإن الله ~~جل شأنه ساوى بين عباده مؤمنين وكافرين في المكرمة بقوله: {ولقد كرمنا بني ~~آدم} ثم جعل الأفضلية في الكرامة للمتقين فقط. ومعنى التقوى لغة ليس كثرة ~~العبادة، كما صار إلى ذلك حقيقة عرفية غرسها علماء الاستبداد القائلين في ~~تفسير (عند الله)؛ أي في الآخرة دون الدنيا؛ بل التقوى لغة هي الاتقاء؛ أي ~~الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازا من عقوبة # PageV01P038 # الله. فقوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} كقوله: إن أفضل الناس أكثرهم ~~ابتعادا عن الآثام وسوء عواقبها. # وقد ظهر مما تقدم أن الإسلامية مؤسسة على أصول الحرية برفعها كل سيطرة ~~وتحكم، بأمرها بالعدل والمساواة والقسط والإخاء، وبحضها على الإحسان ~~والتحابب. وقد جعلت أصول حكومتها: الشورى الأريستوقراطية؛ أي شورى أهل الحل ~~والعقد في الأمة بعقولهم لا بسيوفهم. وجعل أصول إدارة الأمة: التشريع ~~الديمقراطي؛ أي الاشتراكي حسبما يأتي فيما بعد. وقد مضى عهد النبي (عليه ~~السلام) وعهد الخلفاء الراشدين على هذه الأصول بأتم وأكمل صورها. ومن ~~المعلوم أنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلقا في غير مسائل إقامة ~~شعائر الدين، ومنها القواعد العامة التشريعية التي لا تبلغ مائة قاعدة ~~وحكم، كلها من أجل وأحسن ما اهتدى إليه المشرعون من قبل ومن بعد. ولكن؛ ~~واأسفاه على هذا الدين الحر، الحكيم، السهل، السمح، الظاهر فيه آثار الرقي ~~على غيره من سوابقه، الدين الذي رفع الإصر والأغلال، وأباد الميزة ~~والاستبداد. الدين الذي ms018 ظلمه الجاهلون، فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبور ~~الهوان. الدين الذي فقد الأنصار الأبرار والحكماء الأخيار، فسطا عليه ~~المستبدون والمترشحون للاستبداد، واتخذوا وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة ~~شيعا، وجعلوه آلهة لأهوائهم السياسية، فضيعوا مزاياه، وحيروا أهله بالتقريع ~~والتوسيع، والتشديد والتشويش، وإدخال ما ليس منه فيه كما فعل قبلهم أصحاب ~~الأديان السائرة، حتى جعلوه دينا حرجا يتوهم الناس فيه أن # PageV01P039 # كل ما دونه المتفنون بين دفتي كتاب ينسب لاسم إسلامي هو من الدين، ~~وبمقتضاها أن لا يقوى على القيام بواجباته وآدابه ومزيداته، إلا من لا ~~علاقة له بالحياة الدنيا؛ بل أصبحت بمقتضاها حياة الإنسان الطويل العمر، ~~العاطل عن كل عمل، لا تفي بتعلم ما هي الإسلامية عجزا عن تمييز الصحيح من ~~الباطل من تلك الآراء المتشعبة التي أطال أهلها فيها الجدال والمناظرة؛ وما ~~افترقوا إلا وكل منهم في موقفه الأول يظهر أنه ألزم خصمه الحجة وأسكته ~~بالبرهان؛ والحقيقة إن كلا منهم قد سكت تعبا وكلالا من المشاغبة. # وبهذا التشديد الذي أدخله على الدين منافسو المجوس؛ انفتح على الأمة باب ~~التلوم على النفس فضلا عن محاسبة الحكام المنوط بهم قيام العدل والنظام. ~~وهذا الإهمال للمراقبة، هو إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ~~أوسع لأمراء الإسلام مجال الاستبداد وتجاوز الحدود. وبهذا وذاك ظهر حكم ~~حديث: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم ~~فليسومونكم سوء العذاب»، وإذا تتبعنا سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع ~~الأمة، نجد أنهما مع كونهما مفطورين خير فطرة، ونائلين التربية النبوية، لم ~~تترك الأمة معهما المراقبة والمحاسبة، ولم تطعهما طاعة عمياء. # وقد جمع بعضهم جملة مما اقتبسه وأخذه المسلمون عن غيرهم، وليس هو من ~~دينهم بالنظر إلى القرآن والمتواترات من الحديث وإجماع السلف الأول فقال: # PageV01P040 # (اقتبسوا) من النصرانية مقام البابوية باسم الغوثية، و (ضاهوا) في ~~الأوصاف والأعداد أوصاف وأعداد البطارقة، والكردينالية والشهداء والأساقفة، ~~و (حاكوا) مظاهر القديسين وعجائبهم، والدعاة المبشرين وصبرهم، والرهبنات ~~ورؤسائها، وحالة الأديرة وبادريتها. والرهبنات ورسومها والحمية وتوقيتها، و ~~(قلدوا) الوثنيين الرومانيين ms019 في الرقص على أنغام الناي والتغالي في تطييب ~~الموتى والاحتفال الزائد في الجنائز وتسريح الذبائح معها، وتكليلها وتكليل ~~القبور بالزهور. و (شاكلوا) مراسم الكنائس وزينتها، والبيع واحتفالاتها، ~~والترنحات ووزنها، والترنمات وأصولها، وإقامة الكنائس على القبور، وشد ~~الرحال لزيارتها، والإسراج عليها، والخضوع لديها، وتعليق الآمال بسكانها. و ~~(أخذوا) التبرك بالآثار: كالقدح والحربة والدستار، من احترام الذخيرة ~~وقدسية العكاز، وكذلك إمرار اليد على الصدر عند ذكر الصالحين، من إمرارها ~~على الصدر لإشارة الصليب. و (انتزعوا) الحقيقة من السر، ووحدة الوجود من ~~الحلول، والخلافة من الرسم، والسقيا من تناول القربان، والمولد من الميلاد، ~~وحفلته من الأعياد، ورفع الأعلام من حمل الصلبان، وتعليق ألواح الأسماء ~~المصدرة بالنداء على الجدران من تعليق الصور والتماثيل، والاستفاضة ~~والمراقبة من التوجه بالقلوب انحناء أمام الأصنام. و (منعوا) الاستهداء من ~~نصوص الكتاب والسنة كحظر الكاثوليك التفهم من الإنجيل، وامتناع أحبار ~~اليهود عن # PageV01P041 # إقامة الدليل من التوراة في الأحكام. و (جاءوا) من المجوسية باستطلاع ~~الغيب من الفلك، وبخشية أوضاع الكواكب وباتخاذ أشكالها شعارا للملك، ~~وباحترام النار ومواقدها. و (قلدوا) البوذيين حرفا بحرف في الطريق والرياضة ~~وتعذيب الجسم بالنار والسلاح، واللعب بالحيات والعقارب وشرب السموم، ودق ~~الطبول والصنوج وجعل رواتب من الأدعية والأناشيد والأحزاب، واعتقاد تأثير ~~العزائم ونداء الأسماء وحمل التمائم، إلى غير ذلك مما هو مشاهد في بوذيي ~~الهند ومجوس فارس والسند إلى يومنا هذا. وقد قيل إنه نقله إلى الإسلامية: ~~جون وست، وسلطان علي منلا، والبغدادي، وحاشية فلان الشيخ وفلان الفارسي، ~~على أن إسناد ذلك إلى أشخاص معينين يحتاج إلى تثبيت. و (لفقوا) من الأساطير ~~والإسرائيليات أنواعا من القربات، وعلوما سموها لدنيات. # كذلك يقال عن مبتدعي النصارى، من أن أكثر ما اعتبره المتأخرون منهم من ~~الشعائر الدينية- حتى مشكلة التثليث- لا أصل له فيما ورد عن نفس المسيح ~~عليه السلام؛ إنما هو مزيدات وترتيبات قليلها مبتدع وكثيرها متبع. وقد ~~اكتشف العلماء الآثاريون من الصفائح الحفرية الهندية والآشورية ومن الصحف ~~التي وجدت في نواويس المصريين الأقدمين، على مآخذ أكثرها. وكذلك وجدوا ~~لمزيدات ms020 التلمود وبدع الأحبار أصولا في الأساطير والآثار والألواح ~~الآشورية، وترقوا في التطبيق والتدقيق إلى أن وجدوا معظم الخرافات المضافة ~~إلى أصول عامة الأديان في الشرق الأدنى مقتبسة من # PageV01P042 # الوضعيات المنسوبة لنحل الشرق الأقصى، وقد كشفت الآثار أن الاستبداد أخفى ~~تاريخ الأديان وجعل أخبار منشئها في ظلام مطبق، حتى إن أعداء الأديان ~~المتأخرين أمكنهم أن ينكروا أساسا وجود موسى وعيسى عليهما السلام، كما شوش ~~الاستبداد في المسلمين تاريخ آل البيت عليهم الرضوان؛ الأمر الذي تولد عنه ~~ظهور الفرق التي تشيعت لهم كالإمامية والإسماعيلية والزيدية والحاكمية ~~وغيرهم. # والخلاصة أن البدع التي شوشت الإيمان وشوهت الأديان تكاد كلها تتسلسل ~~بعضها من بعض، وتتولد جميعها من غرض واحد هو المراد، ألا وهو الاستعباد. # والناظر المدقق في تاريخ الإسلام يجد للمستبدين من الخلفاء والملوك ~~الأولين، وبعض العلماء الأعاجم، وبعض مقلديهم من العرب المتأخرين أقوالا ~~افتروها على الله ورسوله تضليلا للأمة عن سبيل الحكمة، يريدون بها إطفاء ~~نور العلم وإطفاء نور الله، ولكن؛ أبى الله إلا أن يتم نوره، فحفظ للمسلمين ~~كتابه الكريم الذي هو شمس العلوم وكنز الحكم من أن تمسه يد التحريف؛ وهي ~~إحدى معجزاته لأنه قال فيها: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} فما ~~مسه المنافقون إلا بالتأويل، وهذا أيضا من معجزاته، لأنه أخبر عن ذلك في ~~قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله}. # وإني أمثل للمطالعين ما فعله الاستبداد في الإسلام، بما حجر على العلماء ~~الحكماء من أن يفسروا قسمي الآلاء والأخلاق تفسيرا مدققا، # PageV01P043 # لأنهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض الغفل السالفين أو بعض المنافقين ~~المقربين المعاصرين، فيكفرون فيقتلون. وهذه مسألة إعجاز القرآن، وهي أهم ~~مسألة في الدين لم يقدروا أن يوفوها حقها من البحث، واقتصروا على ما قاله ~~فيها بعض السلف قولا مجملا من أنها قصور الطاقة عن الإتيان بمثله في فصاحته ~~وبلاغته، وأنه أخبر عن أن الروم بعد غلبهم سيغلبون. مع أنه لو فتح للعلماء ~~ميدان التدقيق وحرية الرأي والتأليف، كما أطلق ms021 عنان التخريف لأهل التأويل ~~والحكم، لأظهروا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات الإعجاز، ولرأوا فيه كل ~~يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن إعجازه بصدق قوله: {ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين} ولجعلوا الأمة تؤمن بإعجازه عن برهان وعيان لا مجرد ~~تسليم وإذعان. # ومثال ذلك: أن العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة تعزى ~~لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوربا وأمريكا؛ والمدقق في القرآن يجد أكثرها ~~ورد به التصريح أو التلميح في القرآن منذ ثلاثة عشر قرنا؛ وما بقيت مستورة ~~تحت غشاء من الخفاء إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن شاهدة بأنه كلام رب ~~لا يعلم الغيب سواه؛ ومن ذلك أنهم قد كشفوا أن مادة الكون هي الأثير، وقد ~~وصف القرآن بدء التكوين فقال: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} وكشفوا أن ~~الكائنات في حركة دائمة دائبة والقرآن يقول: {وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها} إلى أن يقول: {وكل في فلك يسبحون}. # PageV01P044 # وحققوا أن الأرض منفتقة في النظام الشمسي، والقرآن يقول: {أن السموات ~~والأرض كانتا رتقا ففتقناهما}. # وحققوا أن القمر منشق من الأرض، والقرآن يقول: {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها}. ويقول: {اقتربت الساعة وانشق القمر}. # وحققوا أن طبقات الأرض سبع، والقرآن يقول: {الله الذي خلق سبع سموات ومن ~~الأرض مثلهن} # وحققوا أنه لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعي أن تميد الأرض؛ أي ترتج في ~~دورتها، والقرآن يقول: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم}. # وكشفوا أن سر التركيب الكيماوي- بل والمعنوي- هو تخالف نسبة المقادير ~~وضبطها، والقرآن يقول: {وكل شيء عنده بمقدار}. # وكشفوا أن للجمادات حياة قائمة بماء التبلور والقرآن يقول: {وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي}. # وحققوا أن العالم العضوي، ومنه الإنسان، ترقى من الجماد، والقرآن يقول: ~~{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}. # وكشفوا ناموس اللقاح العام في النبات، والقرآن يقول: {خلق الأزواج كلها ~~مما تنبت الأرض} ويقول: {فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى}، ويقول: {اهتزت ~~وربت من كل زوج بهيج}. ويقول: {ومن كل الثمرات ms022 جعل فيها زوجين اثنين}. # PageV01P045 # وكشفوا طريقة إمساك الظل؛ أي التصوير الشمسي، والقرآن يقول: {ألم تر إلى ~~ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا}. # وكشفوا تسيير السفن والمركبات بالبخار والكهرباء والقرآن يقول، بعد ذكره ~~الدواب والجواري بالريح: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}. # وكشفوا وجود الميكروب، وتأثيره وغيره من الأمراض، والقرآن يقول: {وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل}؛ أي متتابعة متجمعة {ترميهم بحجارة من سجيل}؛ أي من طين ~~المستنقعات اليابس. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المحققة لبعض مكتشفات ~~علم الهيئة والنواميس الطبيعية. وبالقياس على ما تقدم ذكره؛ يقتضي أن كثيرا ~~من آياته سينكشف سرها في المستقبل في وقتها المرهون، تجديدا لإعجازه عما في ~~الغيب مادام الزمان وما كر الجديدان؛ فلا بد أن يأتي يوم يكشف العلم فيه أن ~~الجمادات أيضا تنمو باللقاح كما تشير إلى ذلك آية {ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين}. # PageV01P046 ### | الاستبداد والعلم # ما أشبه المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي، يتصرف في أموال ~~الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافا قاصرين؛ فكما أنه ليس من صالح ~~الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية ~~بالعلم. # لا يخفى على المستبد، مهما كان غبيا، أن لا استعباد ولا اعتساف إلا ~~مادامت الرعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبد طيرا ~~لكان خفاشا يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشا لكان ابن آوى ~~يتلقف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنه هو الإنسان يصيد عالمه جاهله. # العلم قبسة من نور الله، وقد خلق الله النور كشافا مبصرا، يولد في النفوس ~~حرارة وفي الرؤوس شهامة، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النور تبديد ~~الظلام، والمتأمل في حالة كل رئيس ومرؤوس يرى كل سلطة الرئاسة تقوى وتضعف ~~بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته. # المستبد لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوم اللسان وأكثرها # PageV01P047 # هزل وهذيان يضيع به الزمان، نعم؛ لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء ms023 ~~اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، أو سحر بيان يحل عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أن ~~الزمان ضنين بأن تلد الأمهات كثيرا من أمثال: الكميت وحسان أو مونتيسكيو ~~وشيللر. # وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، المختصة ما ~~بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهى ~~بها المتهوسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ ~~منهم الغرور، فصاروا لا يرون علما غير علمهم، فحينئذ يأمن المستبد منهم كما ~~يؤمن شر السكران إذا خمر. على أنه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين ~~العوام لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامها في تأييد أمره ومجاراة هواه في ~~مقابلة أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسد أفواههم بلقيمات من مائدة ~~الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضا؛ لأن أهلها يكونون ~~مسالمين صغار النفوس، صغار الهمم، يشتريها المستبد بقليل من المال ~~والإعزاز، ولا يخاف من الماديين، لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس، ولا من ~~الرياضيين؛ لأن غالبهم قصار النظر. # ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة ~~العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، ~~والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس، وتوسع العقول، ~~وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف # PageV01P048 # الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه ~~العلوم، المندفعين منهم لتعليم الناس الخطابة أو الكتابة وهم المعبر عنهم ~~في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: {أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون} وفي قوله: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}، وإن ~~كان علماء الاستبداد يفسرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد كما حولوا ~~معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين. # والخلاصة: أن المستبد يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من ~~العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة! # كما يبغض المستبد العلم ونتائجه؛ يبغضه أيضا لذاته، لأن للعلم سلطانا ~~أقوى من كل سلطان، فلا بد ms024 للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من ~~هو أرقى منه علما. ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه ~~فكرا، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق. وعلى ~~هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كل ~~المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كل من يكون مسكينا ~~خاملا لا يرجى لخير ولا لشر. # وينتج مما تقدم أن بين الاستبداد والعلم حربا دائمة وطرادا مستمرا: يسعى ~~العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها، والطرفان ~~يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا ~~خافوا استسلموا، # PageV01P049 # كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا. # العوام هم قوة المستبد وقوته. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون ~~لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على ~~رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون ~~كريما؛ وإذا قتل منهم لم يمثل يعتبرونه رحيما؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، ~~فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة. # والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل ~~والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنور العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون ~~طبعا لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بد ~~للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقيها المستبد اللئيم ~~على الترقي معها والانقلاب -رغم طبعه- إلى وكيل أمين يهاب الحساب، ورئيس ~~عادل يخشى الانتقام، وأب حليم يتلذذ بالتحابب. وحينئذ تنال الأمة حياة رضية ~~هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عز وسعادة، ويكون حظ الرئيس من ذلك رأس ~~الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظا ~~بالبغضاء، محاطا بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ~~ولأنه لا يرى قط أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأن الواقف بين يديه مهما كان ~~عاقلا متينا، لا بد أن يهابه، فيضطرب ms025 باله، فيتشوش فكره، ويختل رأيه، فلا ~~يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح # PageV01P050 # به قبل استطلاع رأي المستبد، فإن رآه متصلبا فيما يراه فلا يسعه إلا ~~تأييده راشدا كان أو غيا، وكل مستشار غيره يدعي أنه غير هياب فهو كذاب؛ ~~والقول الحق: إن الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناء عليه؛ لا يستفيد المستبد ~~قط من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وتردد وعذاب وخوف، وكفى بذلك انتقاما منه ~~على استعباده الناس وقد خلقهم ربهم أحرارا. # إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأن خوفه ينشأ عن ~~علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم ~~عن توهم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من ~~النبات وعلى وطن يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كل شيء تحت سماء ملكه، ~~وخوفهم على حياة تعيسة فقط. # كلما زاد المستبد ظلما واعتسافا زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته، وحتى ~~ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تختم حياة المستبد بالجنون التام. قلت: ~~(التام) لأن المستبد لا يخلو من الحمق قط، لنفوره من البحث عن الحقائق، ~~وإذا صادف وجود مستبد غير أحمق فيسارعه الموت قهرا إذا لم يسارعه الجنون أو ~~العته؛ وقلت: إنه يخاف من حاشيته؛ لأن أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ ~~لأن هؤلاء أشقى خلق الله حياة، يرتكبون كل جريمة وفظيعة لحساب المستبد الذي ~~يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يجهدون الفكر في استطلاع ما يريد ~~منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرد أنهم لا ~~يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما # PageV01P051 # هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبك نبي ولا ولي، ولا يدعي ~~ذلك إلا دجال، ولا يظن صدقه إلا مغفل، فإنك اللهم قلت وقولك الحق: {فلا ~~يظهر على غيبه أحدا} وأفضل أنبيائك يقول: «لو علمت الخير لاستكثرت منه». # من قواعد المؤرخين المدققين: إن أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدين ~~كنيرون ms026 وتيمور مثلا، يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذر والتحفظ. ~~وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنو شروان وعمر الفاروق، يوازن بين مرتبتي ~~أمنهما في قوميهما. # لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، ~~والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أن أضر شيء على ~~الإنسان هو الجهل، وأضر آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلا مخصصا للخوف يعبد ~~اتقاء لشره. # قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل ~~الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي ~~المذبح المقدس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس ~~هم الأسرى الذين يقدمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في ~~الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة ~~لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم ~~أفراد الرعية بأن المستبد امرؤ عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم. # PageV01P052 # ويقول أهل النظر: إن خير ما يستبدل به على درجة استبداد الحكومات؛ هو ~~تغاليها في شنآن الملوك، وفخامة القصور، وعظمة الحفلات، ومراسيم التشريفات، ~~وعلائم الأبهة، ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضا ~~عن العقل والمفاداة، وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبد كما يلجأ قليل العز ~~للتكبر، وقليل العلم للتصوف، وقليل الصدق لليمين، وقليل المال لزينة ~~اللباس. # ويقولون: إنه كذلك يستدل على عراقة الأمة في الاستعباد أو الحرية ~~باستنطاق لغتها؛ هل هي قليلة ألفاظ التعظيم كالعربية مثلا؟ أم هي غنية في ~~عبارات الخضوع كالفارسية، وكتلك اللغة التي ليس فيها بين المتخاطبين أنا ~~وأنت، بل سيدي وعبدكم؟! # والخلاصة أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فكل إدارة مستبدة تسعى ~~جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء ~~الذين ينبتون أحيانا في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار ~~الناس، والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالسعيد ~~منهم من يتمكن من مهاجرة دياره، وهذا سبب أن كل الأنبياء ms027 العظام - عليهم ~~الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء والنبلاء- تقلبوا في البلاد ~~وماتوا غرباء. # إن الإسلامية أول دين حض على العلم، وكفى شاهدا أن أول كلمة أنزلت من ~~القرآن هي الأمر بالقراءة أمرا مكررا، وأول منة أجلها الله وامتن بها على ~~الإنسان هي أنه علمه بالقلم. علمه به ما لم يعلم. وقد فهم السلف الأول من # PageV01P053 # مغزى هذا الأمر وهذا الامتنان وجوب تعلم القراءة والكتابة على كل مسلم، ~~وبذلك عمت القراءة والكتابة في المسلمين أو كادت تعم، وبذلك صار العلم في ~~الأمة حرا مباحا للكل لا يختص به رجال الدين أو الأشراف كما كان في الأمم ~~السابقة، وبذلك انتشر العلم في سائر الأمم أخذا على المسلمين! ولكن؛ قاتل ~~الله الاستبداد الذي استهان بالعلم حتى جعله كالسلعة يعطى ويمنح للأميين، ~~ولا يجرؤ أحد على الاعتراض، أجل؛ قاتل الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إلى ~~الأمية، فالتقى آخرها بأولها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # قال المدققون: إن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف ~~الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزها، والشرف ~~وعظمته، والحقوق وكيف تحفظ، والظلم وكيف يرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، ~~والرحمة وما هي لذاتها. # أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم، كأن العلم ~~نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى ~~كلمة (لا إله إلا الله)، ولماذا كانت أفضل الذكر، ولماذا بني عليها ~~الإسلام. بني الإسلام، بل وكافة الأديان على (لا إله إلا الله)، ومعنى ذلك ~~أنه لا يعبد حقا سوى الصانع الأعظم، ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة ~~العبد، فيكون معنى لا إله إلا الله: "لا يستحق الخضوع شيء غير الله". وما ~~أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذرا من ~~الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. فهل -والحالة هذه- يناسب غرض ~~المستبدين أن يعلم # PageV01P054 # عبيدهم أن لا سيادة ولا عبودية في الإسلام ولا ولاية فيه ولا خضوع، إنما ~~المؤمنون بعضهم أولياء ms028 بعض؟ كلا؛ لا يلائم ذلك غرضهم، وربما عدوا كلمة (لا ~~إله إلا الله) شتما لهم! ولهذا؛ كان المستبدون -ولا زالوا- من أنصار الشرك ~~وأعداء العلم. # إن العلم لا يناسب صغار المستبدين أيضا كخدمة الأديان المتكبرين وكالآباء ~~الجهلاء، والأزواج الحمقى، وكرؤساء كل الجمعيات الضعيفة. والحاصل: أنه ما ~~انتشر نور العلم في أمة قط إلا وتكسرت فيها قيود الأسر، وساء مصير ~~المستبدين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين. # PageV01P055 ### | الاستبداد والمجد # من الحكم البالغة للمتأخرين قولهم: "الاستبداد أصل لكل داء"، ومبنى ذلك ~~أن الباحث المدقق في أحوال البشر وطبائع الاجتماع كشف أن للاستبداد أثرا ~~سيئا في كل واد، وقد سبق أن الاستبداد يضغط على العقل فيفسده، وإني الآن ~~أبحث في أنه كيف يغالب الاستبداد المجد فيفسده، ويقيم مقامه التمجد. # المجد: هو إحراز المرء مقام حب واحترام في القلوب، وهو مطلب طبيعي شريف ~~لكل إنسان، لا يترفع عنه نبي أو زاهد، ولا ينحط عنه دني أو خامل. للمجد لذة ~~روحية تقارب لذة العبادة عند الفانين في الله تعالى، وتعادل لذة العلم عند ~~الحكماء، وتربو على لذة امتلاك الأرض مع قمرها عند الأمراء، وتزيد على لذة ~~مفاجأة الإثراء عند الفقراء. ولذا؛ يزاحم المجد في النفوس منزلة الحياة. # وقد أشكل على بعض الباحثين أي الحرصين أقوى؟ حرص الحياة أم حرص المجد؟ ~~والحقيقة التي عول عليها المتأخرون وميزوا بها تخليط ابن خلدون هي التفضيل؛ ~~وذلك أن المجد مفضل على الحياة عند الملوك والقواد وظيفة، # PageV01P057 # وعند النجباء والأحرار حمية، وحب الحياة ممتاز على المجد عند الأسراء ~~والأذلاء طبيعة، وعند الجبناء والنساء ضرورة. وعلى هذه القاعدة يكون أئمة ~~آل البيت -عليهم السلام- معذورين في إلقاء أنفسهم في تلك المهالك؛ لأنهم ~~لما كانوا نجباء أحرارا، فحميتهم جعلتهم يفضلون الموت كراما على حياة ذل ~~مثل حياة ابن خلدون الذي خطأ أمجاد البشر في إقدامهم على الخطر إذا هدد ~~مجدهم، ذاهلا على أن بعض أنواع الحيوان، ومنها البلبل، وجدت فيها طبيعة ~~اختيار الانتحار أحيانا تخلصا من قيود الذل، وأن أكثر سباع الطير والوحوش ~~إذا ms029 أسرت كبيرة تأبى الغذاء حتى تموت، وأن الحرة تموت ولا تأكل بعرضها، ~~والماجدة تموت ولا تأكل بثدييها! # المجد لا ينال إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة، وبتعبير الشرقيين في ~~سبيل الله أو سبيل الدين، وبتعبير الغربيين في سبيل المدنية أو سبيل ~~الإنسانية. والمولى تعالى -المستحق التعظيم لذاته- ما طالب عبيده بتمجيده ~~إلا وقرن الطلب بذكر نعمائه عليهم. # وهذا البذل إما بذل مال للنفع العام ويسمى مجد الكرم؛ وهو أضعف المجد، أو ~~بذل العلم النافع المفيد للجماعة؛ ويسمى مجد الفضيلة، أو بذل النفس بالتعرض ~~للمشاق والأخطار في سبيل نصرة الحق وحفظ النظام؛ ويسمى مجد النبالة، وهذا ~~أعلى المجد؛ وهو المراد عند الإطلاق، وهو المجد الذي تتوق إليه النفوس ~~الكبيرة، وتحن إليه أعناق النبلاء. وكم له من عشاق تلذ لهم في حبه المصاعب ~~والمخاطرات، وأكثرهم يكون من مواليد بيوت نادرة حمتها الصدف # PageV01P058 # من عيون الظالمين المذلين، أو يكون من نجباء بيوت ما انقطعت فيها سلسلة ~~المجاهدين وما انقطعت عجائزها عن بكائهم. ومن أمثلة المجد قولهم: خلق الله ~~للمجد رجالا يستعذبون الموت في سبيله، ولا سبيل إليه إلا بعظيم الهمة ~~والإقدام والثبات، تلك الخصال الثلاث التي بها تقدر قيم الرجال. # وهذا نيرون الظالم سأل أغربين الشاعر وهو تحت النطع: من أشقى الناس؟ ~~فأجابه معرضا به: من إذا ذكر الناس الاستبداد كان مثالا له في الخيال. وكان ~~ترايان العادل إذا قلد سيفا لقائد يقول له: "هذا سيف الأمة أرجو أن لا ~~أتعدى القانون فيكون له نصيب في عنقي". وخرج قيس من مجلس الوليد مغضبا ~~يقول: "أتريد أن تكون جبارا؟ والله؛ إن نعال الصعاليك لأطول من سيفك!. وقيل ~~لأحد الأباة: "ما فائدة سعيك غير جلب الشقاء على نفسك؟ ". فقال: "ما أحلى ~~الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين! ". وقال آخر: "علي أن أفي بوظيفتي وما علي ~~ضمان القضاء". وقيل لأحد النبلاء: "لماذا لا تبني لك دارا؟ " فقال: "ما ~~أصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في القبر"، وهذه ذات ~~النطاقين (أسماء بنت أبي ms030 بكر رضي الله عنها) وهي امرأة عجوز تودع ابنها ~~بقولها: "إن كنت على الحق فاذهب وقاتل الحجاج حتى تموت". وهذا مكماهون رئيس ~~جمهورية فرنسا استبد في أمر فدخل عليه صديقه غامبتا وهو يقول: "الأمر للأمة ~~لا إليك، فاعتدل، أو اعتزل، وإلا فأنت المخذول المهان الميت!! # والحاصل أن المجد هو المجد محبب للنفوس، لا تفتأ تسعى وراءه وترقى ~~مراقيه، وهو ميسر في عهد العدل لكل إنسان على حسب استعداده وهمته، وينحصر ~~تحصيله في زمن الاستبداد بمقاومة الظلم على حسب الإمكان. # PageV01P059 # يقابل المجد، من حيث مبتناه، التمجد. وما هو التمجد؟ وماذا يكون التمجد؟ ~~التمجد لفظ هائل المعنى، ولهذا أراني أتعثر بالكلام وأتلعثم في الخطاب، ولا ~~سيما من حيث أخشى مساس إحساس بعض المطالعين. إن لم يكن من جهة أنفسهم فمن ~~جهة أجدادهم الأولين، فأناشدهم الوجدان والحق المهان، أن يتجردوا دقيقتين ~~من النفس وهواها، ثم هم مثلي ومثل سائر الجانين على الإنسانية لا يعدمون ~~تأويلا. وإنني أعلل النفس بقبولهم تهويني هذا، فأنطلق وأقول: # التمجد خاص بالإدارات المستبدة، وهو القربى من المستبد بالفعل كالأعوان ~~والعمال، أو بالقوة كالملقبين بنحو دوق وبارون، والمخاطبين بنحو رب العزة ~~ورب الصولة، أو الموسومين بالنياشين، أو المطوقين بالحمائل، وبتعريف آخر، ~~التمجد هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف ~~المساواة في الإنسانية. # وبوصف أجلى: هو أن يتقلد الرجل سيفا من قبل الجبارين يبرهن به على أنه ~~جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلق على صدره وساما مشعرا بما وراءه من ~~الوجدان المستبيح للعدوان، أو يتزين بسيور مزركشة تنبئ بأنه صار مخنثا أقرب ~~إلى النساء منه إلى الرجال، وبعبارة أوضح وأخصر، هو أن يصير الإنسان مستبدا ~~صغيرا في كنف المستبد الأعظم. # قلت: إن التمجد خاص بالإدارات الاستبدادية، وذلك لأن الحكومة الحرة التي ~~تمثل عواطف الأمة تأبى كل الإباء إخلال التساوي بين الأفراد إلا لفضل ~~حقيقي، فلا ترفع قدر أحد منها إلا رفعا صوريا أثناء قيامه في # PageV01P060 # خدمتها؛ أي الخدمة العمومية، وذلك تشويقا له على التفاني في ms031 الخدمة، كما ~~أنها لا تميز أحدا منها بوسام أو تشرفه بلقب إلا ما كان علميا أو ذكرى ~~لخدمة مهمة وفقه الله إليها. وبمثل هذا يرفع الله الناس بعضهم فوق بعض ~~درجات في القلوب لا في الحقوق. # وهذا لقب اللوردية مثلا عند الإنكليز هو من بقايا عهد الاستبداد، ومع ذلك ~~لا يناله عندهم غالبا إلا من يخدم أمته خدمة عظيمة، ويكون من حيث أخلاقه ~~وثروته أهلا لأن يخدمها خدمات مهمة غيرها، ومن المقرر أن لا اعتبار للورد ~~في نظر الأمة إلا إذا كان مؤسسا أو وارثا، أو كانت الأمة تقرأ في جبهته ~~سطرا محررا بقلم الوطنية وبمداد الشهامة ممضي بدمه يقسم فيه بشرفه أنه ضمين ~~بثروته وحياته ناموس الأمة؛ أي قانونها الأساسي، حفيظ على روحها؛ أي ~~حريتها. # التمجد لا يكاد يوجد له أثر في الأمم القديمة إلا في دعوى الألوهية وما ~~معناها من نفع الناس بالأنفاس، أو في دعوى النجابة بالنسب التي يهول بها ~~الأصلاء نسل الملوك والأمراء، وإنما نشأ التمجد بالألقاب والشارات في ~~القرون الوسطى، وراج سوقه في القرون الأخيرة، ثم قامت فتاة الحرية تتغنى ~~بالمساواة وتغسل أدرانه على حسب قوتها وطاقتها، ولم تبلغ غايتها إلى الآن ~~في غير أمريكا. # المتمجدون يريدون أن يخدعوا العامة، وما يخدعون غير نسائهم اللاتي ~~يتفحفحن بين عجائز الحي بأنهم كبار العقول؛ كبار النفوس؛ أحرار في شؤونهم # PageV01P061 # لا يزاح لهم نقاب، ولا تصفع منهم رقاب، فيحوجهم هذا المظهر الكاذب لتحمل ~~الإساءات والإهانات التي تقع عليهم من قبل المستبد، بل تحوجهم للحرص على ~~كتمها، بل على إظهار عكسها، بل على مقاومة من يدعي خلافها، بل على تغليط ~~أفكار الناس في حق المستبد وإبعادهم عن اعتقاد أن من شأنه الظلم. # وهكذا يكون المتمجدين أعداء للعدل أنصارا للجور، لا دين ولا وجدان ولا ~~شرف ولا رحمة، وهذا ما يقصده المستبد من إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن ~~بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها، فيسوقها مثلا ~~لحرب اقتضاها محض التجبر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنه يريد ms032 نصرة ~~الدين، أو يسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم ~~حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم ~~أنهم أعداء لها، أو يتصرف في حقوق المملكة والأمة كما يشاؤه هواه باسم أن ~~ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة. # والخلاصة: أن المستبد يتخذ المتمجدين سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة ~~الدين، أو حب الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة، أو مسؤولية ~~الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال، والحقيقة أن كل هذه الدواعي الفخيمة ~~العنوان في الأسماع والأذهان ما هي إلا تخييل وإيهام يقصد بها رجال الحكومة ~~تهييج الأمة وتضليلها، حتى إنه لا يستثنى منها الدفاع عن الاستقلال؛ لأنه ~~ما الفرق على أمة مأسورة لزيد أن يأسرها عمرو؟ وما مثلها إلا الدابة التي # PageV01P062 # لا يرحمها راكب مطمئن، مالكا كان أو غاصبا. # المستبد لا يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف القلوب الذين هم كبقر ~~الجنة لا ينطحون ولا يرمحون، يتخذهم كأنموذج البائع الغشاش، على أنه لا ~~يستعملهم في شيء من مهامه، فيكونون لديه كمصحف في خمارة أو سبحة في يد ~~زنديق، وربما لا يستخدم أحيانا بعضهم في بعض الشؤون تغليطا لأذهان العامة ~~في أنه لا يعتمد استخدام الأراذل والأسافل فقط، ولهذا يقال: دولة الاستبداد ~~دولة بله وأوغاد. # المستبد يجرب أحيانا في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضا ~~اغترارا منه بأنه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشكل الذي يريد، ~~فيكونوا له أعوانا خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثم هو بعد التجربة إذا خاب ويئس ~~من إفسادهم يتبادر إبعادهم أو ينكل بهم. ولهذا لا يستقر عنه المستبد إلا ~~الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب ~~الله. # وهنا أنبه فكر المطالعين إلى أن هذه الفئة من العقلاء الأمناء بالجملة، ~~الذين يذوقون عسيلة مجد الحكومة وينشطون لخدمة ونيل مجد النبالة، ثم يضرب ~~على يدهم لمجرد أن بين أضلعهم قبسة من الإيمان وفي أعينهم بارقة من ~~الإنسانية، هي الفئة التي تتكهرب بعداوة الاستبداد وينادي أفرادها ms033 ~~بالإصلاح. وهذا الانقلاب قد أعيا المستبدين؛ لأنهم لا يستغنون عن التجربة ~~ولا يأمنون هذه المغبة. ومن هنا نشأ اعتمادهم غالبا على العريقين في خدمة ~~الاستبداد، الوارثين من آبائهم وأجدادهم الأخلاق # PageV01P063 # المرضية للمستبدين، ومن هنا ابتدأت في الأمم نغمة التمجد بالأصالة ~~والأنساب، والمستبدون المحنكون يطيلون أمد التجربة بالمناصب الصغيرة ~~فيستعملون قاعدة الترقي مع التراخي، ويسمون ذلك برعاية قاعدة القدم، ثم ~~يختمون التجريب بإعطاء المتمرن خدمة يكون فيها رئيسا مطلقا ولو في قرية، ~~فإن أظهر مهارة في الاستبداد، وذلك ما يسمونه حكمة الحكومة فبها نعمت، وإلا ~~قالوا عنه: هذا حيوان، يا ضيعة الأمل فيه. # إن للأصالة مشاكلة قوية للمجد والتمجد فلا بد أن نبحث فيها قليلا، ثم ~~نعود لموضوع المستبد وأعوانه المتمجدين فأقول: # الأصالة صفة قد يكون لها بعض المزايا من حيث الأميال التي يرثها الأبناء ~~من الآباء، ومن حيث التربية التي تكون مستحكمة في البيت ولو رياء، ومن حيث ~~إن الأصالة تكون مقرونة غالبا بشيء من الثروة المعينة على مظاهر الشهامة ~~والرحمة، ومن حيث تقويتها العلاقة بالأمة والوطن خوف مذلة الاغتراب، ومن ~~حيث إن أهلها يكونون منظورين دائما فيتحاشون المعائب والنقائص بعض التحاشي. # وبيوت الأصالة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: بيوت علم وفضيلة، وبيوت مال وكرم، ~~وبيوت ظلم وإمارة. وهذا الأخير هو القسم الأكثر عددا والأهم موقعا، وهم ~~-كما سبقت الإشارة إليه- مطمح نظر المستبد في الاستعانة وموضع # PageV01P064 # ثقته، وهم الجند الذي تجتمع تحت لوائه بسهولة، وربما يكفيه أن يضحك في ~~وجههم ضحكة. فلننظر ما هو نصيب أهل هذا القسم من تلك المزايا الموروثة: # هل يرث الابن عن جده المؤسس لمجده أمياله في العدالة ولم توجد؟ أم يدب ~~ويشب على غير الترف المصغر للعقول، المميت للهمم؟ أم يتربى على غير الوقار ~~المضحك للباطل، السائد فيما بين العائلة في بيتهم؟ أم يستخدم الثروة في غير ~~الملاذ الجسمية الدنيئة البهيمية وتلك الأبهة الطاووسية الباطلة؟ أم يتمثل ~~بغير أقران السوء المتملقين المنافقين؟ أم لا يستحقر قومه لجهلهم قدر ~~النطفة الملعونة التي خلق منها جنابه؟ أم لا ms034 يبغض العلماء الذين لا يقدرونه ~~قدره حسبما هو قائم في مخيلة خيلائه؟ أم يرى لجنابه مقرا يليق به غير مقعد ~~التحكم ومستراح التآمر؟ أم يستحي من الناس؟ ومن هم الناس؟ وما الناس عند ~~حضرته غير أشباح عندها أرواح خلقت لخدمته! # وهذه حالة الأكثرين من الأصلاء، على أننا لا نبخس حق من نال منهم حظا من ~~العلم وأوتي الحكمة وأراد الله به خيرا فأصابه بنصيب من القهر انخفض به ~~شاموخ أنفه، فإن هؤلاء - وقليل ما هم- ينجبون نجابة عظيمة، فيصدق عليهم ~~أنهم قد ورثوه قوة القلب يستعملونها في الخير لا في الشر، واستفادوا من ~~أنفة الكبرياء كالجسارة على العظماء، وهكذا تتحول فيهم ميزة الشر على فائض ~~خير وحسب شامخ من نحو الحنين إلى الوطن وأهله، والأنين لمصابه، والإقدام ~~على العظائم في سبيل القوم، وأمثال هؤلاء النوابغ النجباء إذا كثروا في أمة ~~يوشك أن يترقى منهم آحاد إلى درجة الخوارق فيقودوا أممهم # PageV01P065 # إلى درجة النجاح والفلاح، ولا غرو فإن اجتماع نفوذ النسب وقوة الحسب ~~يفعلان ولا عجب شبه فعل المستبد العادل الذي ينشده الشرقيون، وخصوصا ~~المسلمون؛ وإن كان العقل لا يجوز أن يتصف بالاستبداد مع العدل غير الله ~~وحده، ألا قاتل الله الهمة الساقطة التي قد تتسفل بالإنسان إلى عدم إتعاب ~~الفكر فيما يطلب هل هو ممكن أم هو محال؟! # الأصلاء، باعتبار أكثريتهم، هم جرثومة البلاء في كل قبيلة ومن كل قبيل. ~~لأن بني آدم داموا إخوانا متساوين إلى أن ميزت الصدفة بعض أفرادهم بكثرة ~~النسل، فنشأت منها القوات العصبية، ونشأ من تنازعها تميز أفراد على أفراد، ~~وحفظ هذه الميزة أوجد الأصلاء. فالأصلاء في عشيرة أو أمة إذا كانوا متقاربي ~~القوات استبدوا على باقي الناس وأسسوا حكومة أشراف، ومتى وجد بيت من ~~الأصلاء يتميز كثيرا في القوة على باقي البيوت يستبد وحده ويؤسس الحكومة ~~الفردية المقيدة إذا لباقي البيوت بقية بأس، أو المطلقة إذا لم يبق أمامه ~~من يتقيه. # بناء عليه، إذا لم يوجد في أمة أصلاء بالكلية، أو وجد، ولكن؛ كان لسواد ms035 ~~الناس صوت غالب، أقامت تلك لنفسها حكومة انتخابية لا وراثة فيها ابتداء؛ ~~ولكن، لا يتوالى بعض متولين إلا ويصير أنسالهم أصلاء يتناظرون، كل فريق ~~منهم يسعى لاجتذاب طرف من الأمة استعدادا للمغالبة وإعادة التاريخ الأول. # PageV01P066 # ومن أكبر مضار الأصلاء أنهم ينهمكون أثناء المغالبة على إظهار الأبهة ~~والعظمة، سترهبون أعين الناس ويسحرون عقولهم ويتكبرون عليهم. ثم إذا غلب ~~غالبهم واستبد بالأمر لا يتركها الباقون لألفتهم لذتها ولمضاهاة المستبد في ~~نظر الناس. والمستبد نفسه لا يحملهم على تركها، بل يدر عليهم المال ويعينهم ~~عليها، ويعطيهم الألقاب والرتب وشيئا من النفوذ والتسلط على الناس ليتلهوا ~~بذلك عن مقاومة استبداده، ولأجل أن يألفوها مديدا، فتفسد أخلاقهم، فينفر ~~منهم الناس، ولا يبقى لهم ملجأ غير بابه، فيصيرون أعوانا له بعد أن كانوا ~~أضدادا. # ويستعمل المستبد أيضا مع الأصلاء سياسة الشد والرخاء، والمنع والإعطاء، ~~والالتفات والإغضاء كي لا يبطروا، وسياسة إلقاء الفساد وإثارة الشحناء فيما ~~بينهم كي لا يتفقوا عليه، وتارة يعاقب عقابا شديدا باسم العدالة إرضاء ~~للعوام، وأخرى يقرنهم بأفراد كانوا يقبلون أذيالهم استكبارا فيجعلهم سادة ~~عليهم يفركون آذانهم استحقارا، يقصد بذلك كسر شوكتهم أمام إمام الناس وعصر ~~أنوفهم أمام عظمتهم. والحاصل أن المستبد يذلل الأصلاء بكل وسيلة حتى يجعلهم ~~مترامين بين رجليه كي يتخذهم لجاما لتذليل الرعية، ويستعمل عين هذه السياسة ~~مع العلماء ورؤساء الأديان الذين متى شم من أحدهم رائحة الغرور بعقله أو ~~علمه ينكل به أو يستبدله بالأحمق الجاهل إيقاظا له ولأمثاله من كل ظان من ~~أن إدارة الظلم محتاجة إلى شيء من العقل أو الاقتدار فوق مشيئة المستبد. ~~وبهذه السياسة ونحوها يخلو الجو فيعصف # PageV01P067 # وينسف ويتصرف في الرعية كريش يقلبه الصرصر في جو محرق. # المستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان ~~إنسانا فصار إلها. ثم يرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كل عاجز ~~وأنه ما نال ما نال إلا بواسطة من حوله من العوان، فيرفع نظره إليهم فيسمع ~~لسان حالهم يقول ms036 له: ما العرش؟ وما التاج؟ وما الصولجان؟ ما هذه إلا أوهام ~~في أوهام. هل يجعلك هذا الريش في رأسك طاووسا وأنت غراب؟ أم تظن الأحجار ~~البراقة في تاجك نجوما ورأسك سماء؟ أم تتوهم أن زينة صدرك ومنكبيك أخرجتك ~~عن كونك قطعة طين من هذه الأرض؟ والله ما مكنك في هذا المقام وسلطك على ~~رقاب الأنام إلا شعوذتنا وسحرنا وامتهاننا لديننا ووجداننا وخيانتنا لوطننا ~~وإخواننا، فانظر أيها الصغير المكبر الحقير الموقر كيف تعيش معنا! # ثم يلتفت إلى جماهير الرعية المتفرجين، منهم الطائشين المهللين المسبحين ~~بحمده، ومنهم المسحورين المبهوتين كأنهم أموات من حين، ولكن؛ يتجلى في فكره ~~أن خلال الساكتين بعض أفراد عقلاء أمجاد يخاطبونه بالعيون؛ بأن لنا معاشر ~~الأمة شؤونا عمومية وكلناك في قضائها على ما نريد ونبغي، لا على ما تريد ~~فتبغي. فإن وفيت حق الوكالة حق لك الاحترام، وإن مرت مكرنا وحاقت بك ~~العاقبة، ألا إن مكر الله عظيم. # وعندئذ يرجع المستبد إلى نفسه قائلا: الأعوان الأعوان، الحملة السدنة ~~أسلمهم القياد وأردفهم بجيش من الأوغاد أحارب بهم هؤلاء العبيد العقلاء، # PageV01P068 # وبغير هذا الحزم لا يدوم لي ملك كيفما أكون، بل أبقى أسيرا للعدل معرضا ~~للمناقشة منغصا في نعيم الملك، ومن العار أن يرضى بذلك من يمكنه أن يكون ~~سلطانا جبارا متفردا قهارا. # الحكومة المستبدة تكون طبعا مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى ~~الشرطي، إلى الفراش، إلى كنائس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل ~~طبقته أخلاقا، لأن الأسافل لا يهمهم طبعا الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية ~~مسعاهم أن يبرهنوا لمخدوهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل ~~السقطات من أي كان ولو بشرا أم خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم ~~المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه. وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ~~ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج ~~إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد ~~الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة، ms037 واحتاج ~~لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعا ~~وخصالا أعلاهم وظيفة وقربا، ولهذا، لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو ~~اللئيم الأعظم في الأمة، ثم من دونه لؤما، وهكذا تكون مراتب الوزراء ~~والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه. وربما يغتر ~~المطالع كما اغتر كثير من المؤرخين البسطاء بأن بعض وزراء المستبد يتأوهون ~~من المستبد ويتشكون من أعماله ويجهرون بملامه، ويظهرون لو أنه ساعدهم # PageV01P069 # الإمكان لعملوا وفعلوا وافتدوا الأمة بأموالهم، بل وحياتهم، فكيف - ~~والحالة هذه- يكون هؤلاء لؤماء؟ بل كيف ذلك وقد وجد منهم الذين خاطروا ~~بأنفسهم والذين أقدموا فعلا على مقاومة الاستبداد فنالوا المراد أو بعضه أو ~~هلكوا دونه؟ # فجواب ذلك أن المستبد لا يخرج قط عن أنه خائن خائف محتاج لعصابة تعينه ~~وتحميه، فهو ووزراؤه كزمرة لصوص: رئيس وأعوان. فهل يجوز العقل أن ينتخب ~~رفاق من غير أهل الوفاق، وهو هو الذي لا يستوزر إلا بعد تجربة واختبار عمرا ~~طويلا؟! # هل يمكن أن يكون الوزير متخلقا بالخير حقيقة، وبالشر ظاهرا فيخدع المستبد ~~بأعماله، ولا يخاف من أنه كما نصبه وأعزه بكلمة يعزله ويذله؟! # بناء عليه، فالمستبد وهو من لا يجهل أن الناس أعداؤه لظلمه، لا يأمن على ~~بابه إلا من يثق به أنه أظلم منه للناس، وأبعد منه على أعدائه، وأما تلوم ~~بعض الوزراء على لوم المستبد فهو إن لم يكن خداعا للأمة فهو حنق على ~~المستبد؛ لأنه بخس ذلك المتلوم حقه، فقدم عليه من هو دونه في خدمته بتضحية ~~دينه ووجدانه. وكذلك لا يكون الوزير أمينا من صولة المستبد في صحبته ما لم ~~يسبق بينهما وفاق واتفاق على خيرة الشيطان؛ لأن الوزير محسود بالطبع، يتوقع ~~له المزاحمون كل شر، ويبغضه الناس ولو تبعا لظالمهم، وهو هدف في كل ساعة ~~للشكايات والوشايات. كيف يكون عند الوزير شيء من التقوى أو الحياء أو العدل ~~أو الحكمة أو المروءة أو الشفقة على الأمة، وهو العالم بأن # PageV01P070 # الأمة تبغضه وتمقته وتتوقع له كل سوء، ms038 وتشمت بمصائبه، فلا ترضى عنه ما لم ~~يتفق معها على المستبد، وما هو بفاعل ذلك أبدا إلا إذا يئس من إقباله عنده، ~~وإن يئس وفعل فلا يقصد نفع الأمة قط، إنما يريد فتح باب لمستجد جديد عساه ~~يستوزره فيؤازره على وزره. # والنتيجة أن وزير المستبد هو وزير المستبد، لا وزير الأمة كما في ~~الحكومات الدستورية. كذلك القائد يحمل سيف المستبد ليغمده في الرقاب بأمر ~~المستبد لا بأمر الأمة، بل هو يستعيذ أن تكون الأمة صاحبة أمر، لما يعلم من ~~نفسه أن الأمة لا تقلد القيادة لمثله. # بناء عليه؛ لا يغتر العقلاء بما يتشدق به الوزراء والقواد من الإنكار على ~~الاستبداد والتفلسف بالإصلاح وإن تلهفوا وإن تأففوا، ولا ينخدعون لمظاهر ~~غيرتهم وإن ناحوا وإن بكوا، ولا يثقون بهم ولا بوجدانهم مهما صلوا وسبحوا، ~~لأن ذلك كله ينافي سيرهم وسيرتهم، ولا دليل على أنهم أصبحوا يخالفون ما ~~شبوا وشابوا عليه، هم أقرب أن لا يقصدوا بتلك المظاهر غير إقلاق المستبد ~~وتهديد سلطته ليشاركهم في استدرار دماء الرعية؛ أي أموالها. نعم، كيف يجوز ~~تصديق الوزير والعامل الكبير الذي قد ألف عمرا كبيرا لذة البذخ وعزة ~~الجبروت في أنه يرضى بالدخول تحت حكم الأمة، ويخاطر بعرض سيفه عليها فتحله ~~أو تكسره تحت أرجلها. أليس هو عضوا ظاهر الفساد في جسم تلك الأمة التي قتل ~~الاستبداد فيها كل الأميال الشريفة العالية فأبعدها عن الأنس والإنسانية، ~~حتى صار الفلاح التعيس منها يؤخذ للجندية وهو يبكي، فلا يكاد # PageV01P071 # يلبس كم السترة العسكرية إلا ويتلبس بشر الأخلاق، فيتنمر على أمه وأبيه، ~~ويتمرد على أهل قريته وذويه، ويكظ أسنانه عطشا للدماء لا يميز بين أخ ~~وعدو؟! إن أكابر رجال عهد الاستبداد لا أخلاق لهم ولا ذمة، فكل ما يتظاهرون ~~به أحيانا من التذمر والتألم يقصدون به غش الأمة المسكينة التي يطمعهم في ~~انخداعها وانقيادها لهم علمهم بأن الاستبداد القائم بهم والمستعمر بهمتهم ~~قد أعمى أبصارها وبصائرها، وخدر أعصابها، فجعلها كالمصاب ببحران العمى، فهي ~~لا ترى غير هول وظلام وشدة ms039 وآلام، فتئن من البلاء ولا تدري ما هو تداويه، ~~ولا من أين جاءها لتصده، فتواسيها فئة من أولئك المتعاظمين باسم الدين ~~يقولون: يا بؤساء؛ هذا قضاء من السماء لا مرد له، فالواجب تلقيه بالصبر ~~والرضاء والالتجاء إلى الدعاء، فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا ~~قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير فإن الله غيور، وليكن وردكم: ~~اللهم انصر سلطاننا، وآمنا في أوطاننا، واكشف عنا البلاء، أنت حسبنا ونعم ~~الوكيل. ويغرر الأمة آخرون من المتكبرين بأنهم الأطباء الرحماء المهتمون ~~بمداواة المرض، إنما هم يترقبون سنوح الفرص، وكلا الفريقين -والله- إما ~~أدنياء جبناء، أو هم خائنون مخادعون، يريدون التثبيط والتلبيد والامتنان ~~على الظالمين. # من دلائل أن أولئك الأكابر مغررون مخادعون يظهرون ما لا يبطنون، أنهم لا ~~يستصنعون إلا الأسافل الأراذل من الناس، ولا يميلون لغير المتملقين ~~المنافقين من أهل الدين، كما هو شأن صاحبهم المستبد الأكبر، ومنها أنه قد ~~يوجد فيهم من لا يتنزل لقليل الرشوة أو السرقة، ولكن؛ ليس فيهم العفيف عن # PageV01P072 # الكثير، وكفى بما يتمتعون من الثروات الطائلة التي لا منبت لها غير ~~المستبيح الفاخر بمشاركة المستبد في امتصاصه دم الأمة، وذلك بأخذهم العطايا ~~الكبيرة، والرواتب الباهظة، التي تعادل أضعاف ما تسمح به الإدارة العادلة ~~لأمثالهم؛ لأنها إدارة راشدة لا تدفع أجورا زائدة. ومنها أنهم لا يصرفون ~~شيئا ولو سرا من هذا السحت الكثير في سبيل مقاومة الاستبداد الذي يزعمون ~~أنهم أعداؤه، إنما يصرف بعضهم منه شيئا في الصدقات الطفيفة وبناء المعابد ~~سمعة ورياء، وكأنهم يريدون أن يسرقوا أيضا قلوب الناس بعد سلب أموالهم أو ~~أنهم يرشون الله، ألا ساء ما يتوهمون. ومنها أن أكثرهم مسرفون مبذرون، فلا ~~تكفي أحدهم الرواتب المعتدلة التي يمكن أن ينالها أجرة خدمة لا ثمن ذمة. ~~ومنها أنه قد يكون أحدهم شحيحا مقترا في نفقاته؛ بحيث يخل في شرف مقامه، ~~فلا يصرف نصف أو ربع راتبه مع أنه يقبضه زائدا على أجر مثله لأجل حفظ شرف ~~المقام، العائد لشرف الأمة، وبهذا الشح يكون خائنا ومهينا. والحاصل أن ms040 ~~الأكابر حريصون على أن يبقى الاستبداد مطلقا لتبقى أيديهم مطلقة في ~~الأموال. # هذا ولا ينكر التاريخ أن الزمان أوجد نادرا بعض وزراء وازروا الاستبداد ~~عمرا طويلا، ثم ندموا على ما فرطوا فتابوا وأنابوا، ورجعوا نصف الأمة ~~واستعدوا بأموالهم وأنفسهم لإنقاذها من داء الاستبداد. ولهذا؛ لا يجوز # PageV01P073 # اليأس من وجود بعض أفراد من الوزراء والقواد عريقين في الشهامة، فيظهر ~~فيهم سر الوراثة ولو بعد بطون أو بعد الأربعين وربما السبعين من أعمارهم ~~ظهورا بينا تلألأ في محيا صاحبه ثريا صدق النجابة. ولا ينبغي لأمة أن تتكل ~~على أن يظهر فيها أمثال هؤلاء، لأن وجودهم من الصدف التي لا تبنى عليها ~~آمال ولا أحلام. # والنتيجة أن المستبد فرد عاجز لا حول له ولا وقوة إلا بالمتمجدين، ~~والأمة؛ أي أمة كانت، ليس لها من يحك جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلا ~~العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات، حتى إذا ما اكفهرت سماء عقول بينها قيض ~~الله لها من جمعهم الكبير أفرادا كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها ~~السعادة بشقائهم والحياة بموتهم؛ حيث يكون الله جعل في ذلك لذتهم، ولمثل ~~تلك الشهادة الشريفة خلقهم، كما خلق رجال عهد الاستبداد فساقا فجارا ~~مهالكهم الشهوات والمثالب. فسبحان الذي يختار من يشاء لما يشاء، وهو الخلاق ~~العظيم. # PageV01P074 ### | الاستبداد والمال # الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشر، وأبي ~~الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، ~~وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني ~~وشرفي فالمال المال المال". # المال يصح في وصفه أن يقال: القوة مال، والوقت مال، والعقل مال، والعلم ~~مال، والدين مال، والثبات مال، والجاه مال، والجمال مال، والترتيب مال، ~~والاقتصاد مال، والشهرة مال، والحاصل كل ما ينتفع به في الحياة هو مال. # وكل ذلك يباع ويشترى؛ أي يستبدل بعضه ببعض، وموازين المعادلة هي: الحاجة ~~والعزة والوقت والتعب، ومحافظة اليد والفضة والذهب والذمة، وسوقه ~~المجتمعات، وشيخ السوق السلطان ... فانظر في سوق يتحكم فيه مستبد؛ يأمر ~~زيدا بالبيع، وينهى عمروا ms041 عن الشراء، ويغصب بكرا ماله، ويحابي خالدا من مال ~~الناس. # المال تعتوره الأحكام، فمنه الحلال ومنه الحرام وهما بينان، ولنعم الحاكم # PageV01P075 # فيها الوجدان، فالحلال الطيب ما كان عوض أعيان، أو أجرة أعمال، أو بدل ~~وقت، أو مقابل ضمان. والمال الخبيث الحرام هو ثمن الشرف، ثم المغصوب، ثم ~~المسروق، ثم المأخوذ إلجاء ثم المحتال فيه. # إن النظام الطبيعي في كل الحيوانات حتى في السمك والهوام، إلا أنثى ~~العنكبوت، إن النوع الواحد منها لا يأكل بعضه بعضا، والإنسان يأكل الإنسان. ~~ومن غريزة سائر الحيوان أن يلتمس الرزق من الله؛ أي من مورده الطبيعي، وهذا ~~الإنسان الظالم نفسه حريص على اختطافه من يد أخيه، بل من فيه، بل كم أكل ~~الإنسان الإنسان! # الاستبداد والإنسان: # عاش الإنسان دهرا طويلا يتلذذ بلحم الإنسان ويتلمظ بدمائه، إلى أن تمكن ~~الحكماء في الصين، ثم الهند من إبطال أكل اللحم كليا، سدا للباب، كما هو ~~دأبهم إلى الآن. ثم جاءت الشرائع الدينية الأولى في غربي آسيا بتخصيص ما ~~يؤكل من الإنسان بأسير الحرب، ثم بالقربان ينذر للمعبود، ويذبح على يد ~~الكهان. ثم أبطل أكل لحم القربان، وجعل طعمة للنيران، وهكذا تدرج الإنسان ~~إلى نسيان لذة لحم إخوانه، وما كان لينسى عبادة إهراق الدماء لولا إبراهيم ~~شيخ الأنبياء استبدل قربان البشر بالحيوان، واتبعه موسى عليهما # PageV01P076 # السلام، وبه جاء الإسلام. وهكذا بطل هذا العدوان بهذا الشكل إلا في أواسط ~~أفريقيا عند (النامنام). # الاستبداد المشؤوم لم يرض أن يقتل الإنسان الإنسان ذبحا ليأكل لحمه أكلا ~~كما كان يفعل الهمج الأولون، بل تفنن في الظلم، فالمستبدون يأسرون جماعتهم، ~~ويذبحونهم فصدا بمبضع الظلم، ويمتصون دماء حياتهم بغصب أموالهم، ويقصرون ~~أعمارهم باستخدامهم سخرة في أعمالهم، أو بغصب ثمرات أتعابهم. وهكذا لا فرق ~~بين الأولين والآخرين في نهب الأعمار وإزهاق الأرواح إلا في الشكل. # إن بحث الاستبداد والمال بحث قوي العلاقة بالظلم القائم في فطرة الإنسان، ~~ولهذا؛ رأيت أن لا بأس في الاستطراد لمقدمات تتعلق نتائجها بالاستبداد ~~السياسي، فمن ذلك: # إن البشر المقدر مجموعهم بألف ms042 وخمسمائة مليون نصفهم كل على النصف الآخر، ~~ويشكل أكثرية هذا النصف الكل نساء المدن. ومن النساء؟ النساء هن النوع الذي ~~عرف مقامه في الطبيعة بأنه هو الحافظ لبقاء الجنس، وأنه يكفي للألف منه ~~ملقح واحد، وإن باقي الذكور حظهم أن يساقوا للمخاطر والمشاق، أو هم يستحقون ~~ما يستحقه ذكر النحل، وبهذا النظر اقتسمت النساء مع الذكور أعمال الحياة ~~قسمة ضيزى، وتحكمن بسن قانون عام؛ به جعلن # PageV01P077 # نصيبهن هين الأشغال بدعوى الضعف، وجعلن نوعهن مطلوبا عزيزا بإيهام العفة، ~~وجعلن الشجاعة والكرم سيئتين فيهن محمدتين في الرجال، وجعلن نوعهن يهين ولا ~~يهان، ويظلم أو يظلم فيعان؛ وعلى هذا القانون يربين البنات والبنين، ~~ويتلاعبن بعقول الرجال كما يشأن حتى أنهن جعلن الذكور يتوهمون أنهن أجمل ~~منهم صورة. والحاصل أنه قد أصاب من سماهن بالنصف المضر! ومن المشاهد أن ضرر ~~النساء بالرجال يترقى مع الحضارة والمدنية على نسبة الترقي المضاعف. ~~فالبدوية تشارك الرجل مناصفة في الأعمال والثمرات، فتعيش كما يعيش، ~~والحضرية تسلب الرجل لأجل معيشتها وزينتها اثنين من ثلاث. وتعينه في أعمال ~~البيت. والمدنية تسلب ثلاثة من أربعة، وتود أن لا تخرج من الفراش، وهكذا ~~تترقى بنات العواصم في أسر الرجال. وما أصدق بالمدنية الحاضرة في أوروبا؛ ~~أن تسمى المدنية النسائية، لأن الرجال فيها صاروا أنعاما للنساء. # ثم إن الرجال تقاسموا مشاق الحياة قسمة ظالمة أيضا، فإن أهل السياسة ~~والأديان ومن يلتحق بهم - وعددهم لا يبلغ الخمسة في المائة - يتمتعون بنصف ~~ما يتجمد في دم البشر أو زيادة، ينفقون ذلك في الرفه والإسراف، مثال ذلك: ~~أنهم يزينون الشوارع بملايين من المصابيح لمرورهم فيها أحيانا متراوحين بين ~~الملاهي والمواخير ولا يفكرون في ملايين من الفقراء يعيشون في بيوتهم في ~~ظلام. # ثم أهل الصنائع النفيسة والكمالية، والتجار الشرهون المحتكرون # PageV01P078 # وأمثال هذه الطبقة -ويقدرون كذلك بخمسة في المائة- يعيش أحدهم بمثل ما ~~يعيش به العشرات أو المئات أو الألوف من الصناع والزراع. وجرثومة هذه ~~القسمة المتفاوتة المتباعدة الظالمة هي الاستبداد لا غيره. وهناك أصناف من ~~الناس لا يعملون ms043 إلا قليلا، إنما يعيشون بالحيلة كالسماسرة والمشعوذين باسم ~~الأدب أو الدين، وهؤلاء يقدرون بخمسة عشر في المائة، أو يزيدون على أولئك. # نعم؛ لا يقتضي أن يتساوى العالم الذي صرف زهوة حياته في تحصيل العلم ~~النافع أو الصنعة المفيدة بذاك الجاهل النائم في ظل الحائط، ولا ذاك التاجر ~~المجتهد المخاطر بالكسول الخامل، ولكن العدالة تقتضي غير ذلك التفاوت، بل ~~تقتضي الإنسانية أن يأخذ الراقي بيد السافل، فيقربه من منزلته، ويقاربه من ~~منزلته، ويقاربه في معيشته، ويعينه على الاستقلال في حياته. # لا! لا! لا يطلب الفقير معاونة الغني، إنما يرجوه أن لا يظلمه، ولا يلتمس ~~منه الرحمة، إنما يلتمس العدالة، لا يؤمل منه الإنصاف، إنما يسأله أن لا ~~يميته في ميدان مزاحمة الحياة. # بسط المولى -جلت حكمته- سلطان الإنسان على الأكوان، فطغى، وبغى، ونسي ربه ~~وعبد المال والجمال، وجعلهما منيته ومبتغاه، كأنه خلق خادما لبطنه وعضوه ~~فقط، لا شأن له غير الغذاء والتحاك. وبالنظر إلى أن المال هو الوسيلة ~~الموصلة للجمال كاد ينحصر أكبر هم للإنسان في جمع المال، ولهذا يكنى عنه ~~بمعبود الأمم وبسر الوجود، وروى كريسكوا المؤرخ الروسي: إن كاترينا شكت كسل ~~رعيتها، فأرشدها شيطانها إلى حمل النساء على الخلاعة، # PageV01P079 # ففعلت وأحدثت كسوة المراقص، فهب الشبان للعمل وكسب المال لصرفه على ربات ~~الجمال، وفي ظرف خمس سنين؛ تضاعف دخل خزينتها، فاتسع لها مجال الإسراف. ~~وهكذا المستبدون لا تهمهم الأخلاق، إنما يهمهم المال. # المال عند الاقتصاديين: ما ينتفع به الإنسان، وعند الحقوقيين: ما يجري ~~فيه المنع والبذل؛ وعند السياسيين: ما تستعاض به القوة؛ وعند الأخلاقيين: ~~ما تحفظ به الحياة الشريفة. المال يستمد من الفيض الذي أودعه الله تعالى في ~~الطبيعة ونواميسها، ولا يملك؛ أي لا يتخصص بإنسان، إلا بعمل فيه أو في ~~مقابله. # والمقصود من المال هو أحد اثنين لا ثالث لهما وهما: تحصيل لذة أو دفع ~~ألم، وفيهما تنحصر كل مقاصد الإنسان، وعليهما مبنى أحكام الشرائع كلها، ~~والحاكم المعتدل في طيب المال وخبيثه؛ هو الوجدان الذي خلقه الله صبغة ~~للنفس، وعبر ms044 عنه القرآن بإلهامها فجورها وتقواها، فالوجدان خير بين المال ~~الحلال والمال الحرام. # ثم إن أعمال البشر في تحصيل المال ترجع إلى ثلاثة أصول: 1 - استحضاره ~~المواد الأصلية. 2 - تهيئته المواد للانتفاع. 3 - توزيعها على الناس. وهي ~~الأصول التي تسمى بالزراعة والصناعة والتجارة، وكل وسيلة خارجة عن هذه ~~الأصول وفروعها الأولية، فهي وسائل ظالمة لا خير فيها. # التمول؛ أي ادخار المال، طبيعة في بعض أنواع الحيوانات الدنيئة # PageV01P080 # كالنمل والنحل، ولا أثر له في الحيوانات المرتقية غير الإنسان. الإنسان ~~تطبع على التمول لدواعي الحاجة المحققة أو الموهومة، ولا تحقق للحاجة إلا ~~عند سكان الأراضي الضيقة الثمرات على أهلها، أو الأراضي المعرضة للقحط في ~~بعض السنين، ويلتحق بالحاجة المحققة حاجة العاجزين جسما عن الارتزاق في ~~البلاد المبتلاة بجور الطبيعة أو جور الاستبداد، وربما يلتحق بها أيضا ~~الصرف على المضطرين وعلى المصارف العمومية في البلاد التي ينقصها الانتظام ~~العام. # والمراد بالانتظام العام، معيشة الاشتراك العمومي التي أسسها الإنجيل ~~بتخصيصه عشر الأموال للمساكين، ولكن؛ لم يكد يخرج ذلك من القوة إلى الفعل، ~~ثم أحدث الإسلام سنة الاشتراك على أتم نظام، ولكن؛ لم تدم أيضا أكثر من قرن ~~واحد كان فيه المسلمون لا يجدون من يدفعون لهم الصدقات والكفارات، وذلك أن ~~الإسلامية - كما سبق بيانه- أسست حكومة أرستقراطية المبنى، ديمقراطية ~~الإدارة، فوضعت للبشر قانونا مؤسسا على قاعدة: إن المال هو قيمة الأعمال، ~~ولا يجتمع في يد الأغنياء إلا بأنواع من الغلبة والخداع. # فالعدالة المطلقة تقتضي أن يؤخذ قسم من مال ويرد على الفقراء؛ بحيث يحصل ~~التعديل ولا يموت النشاط للعمل. وهذه القاعدة يتمنى ما هو من نوعها أغلب ~~العالم المتمدن الإفرنجي، وتسعى وراءها الآن جمعيات منهم منتظمة مكونة من ~~ملايين كثيرة. وهذه الجمعيات تقصد حصول التساوي أو # PageV01P081 # التقارب في الحقوق المعاشية بين البشر، وتسعى ضد الاستبداد المالي، فتطلب ~~أن تكون الأراضي والأملاك الثابتة وآلات المعامل الصناعية الكبيرة مشتركة ~~الشيوع بين عامة الأمة، وأن الأعمال والثمرات تكون موزعة بوجوه متقاربة بين ~~الجميع، وأن الحكومة تضع قوانين لكافة الشؤون ms045 حتى الجزئيات، وتقوم ~~بتنفيذها. # وهذه الأصول مع بعض التعديل قررتها الإسلامية دينا، وذلك أنها قررت: # أولا- أنواع العشور والزكاة وتقسيمها على أنواع المصارف العامة وأنواع ~~المحتاجين حتى المدينين. ولا يخفى على المدققين أن جزءا من أربعين من رؤوس ~~الأموال يقارب نصف الأرباح المعتدلة باعتبار أنها خمسة بالمائة سنويا، ~~وبهذا النظر يكون الأغنياء مضاربين للجماعة مناصفة. وهكذا يلحق فقراء الأمة ~~بأغنيائها، ويمنع تراكم الثروات المفرطة المولدة للاستبداد، والمضرة بأخلاق ~~الأفراد. # ثانيا- قررت أحكام محكمة تمنع محذور التواكل في الارتزاق، وتلزم كل فرد ~~من الأمة متى اشتد ساعده، أو ملك قوت يومه، أو النصاب على الأكثر؛ أن يسعى ~~لرزقه بنفسه، أو يموت الفرد جوعا؛ إذا لم تكن حكومته مستبدة تضرب على يده ~~وسعيه ونشاطه بمدافع استبدادها، وقد قيل: يبدأ الانقياد للعمل عند نهاية ~~الخوف من الحكومة ونهاية الاتكال على الغير. # PageV01P082 # ثالثا- قررت الإسلامية ترك الأراضي الزراعية ملكا لعامة الأمة، يستنبتها ~~ويستمتع بخيراتها العاملون فيها بأنفسهم فقط، وليس عليهم غير العشر أو ~~الخراج الذي لا يجوز أن يتجاوز الخمس لبيت المال. # رابعا- جاءت الإسلامية بقواعد شرعية كلية تصلح للإحاطة بأحكام كافة ~~الشؤون حتى الجزئية الشخصية، وأناطت تنفيذها بالحكومة، كما تطلبه أغلب ~~جمعيات الاشتراكيين. على أن هذا النظام الذي جاء به الإسلام، صعب الإجراء ~~جدا، لأنه منوط بسيطرة الكل ورضاء النفوس، ولأن القانون الكثير الفروع ~~يتعذر حفظه بسيطا، ويكون معرضا للتأويل حسب الأغراض، وللاختلاف في تطبيقه ~~حسب الأهواء، كما وقع فعلا في المسلمين، فلم يمكنهم إجراء شريعتهم ببساطة ~~وأمان إلا عهدا قليلا، ثم تشعبت معهم الأمور بطبيعة اتساع الملك واختلاف ~~طبائع الأمم، وفقد الرجال الذين يمكنهم أن يسوقوا مئات ملايين من أجناس ~~الناس: الأبيض والأصفر، والحضري والبدوي، بعصا واحدة قرونا عديدة. # ولا غرو إذا كانت المعيشة الاشتراكية من أبدع ما يتصوره العقل، ولكن؛ مع ~~الأسف لم يبلغ البشر بعد الترقي ما يكفي لتوسيعهم نظام التعاون والتضامن في ~~المعيشة العائلية إلى إدارة الأمم الكبيرة. وكم جربت الأمم ذلك فلم تنجح ~~فيها إلا الأمم الصغيرة مدة قليلة. والسبب كما تقدم ms046 هو مجرد صعوبة التحليل ~~والتركيب بين الصوالح والمصالح الكثيرة المختلفة. والمتأمل # PageV01P083 # في عدم انتظام حالة العائلات الكبيرة، يقنع حالا بأن التكافل والتضامن ~~غير ميسورين في الأمم الكبيرة؛ ولهذا يكون خير حل مقدور للمسألة الاجتماعية ~~هو ما يأتي: ### | 1 - # يكون الإنسان حرا مستقلا في شؤونه، كأنه خلق وحده. ### | 2 - # تكون العائلة مستقلة، كأنها أمة وحدها. ### | 3 - # تكون القرية أو المدينة مستقلة كأنها قارة واحدة لا علاقة لها بغيرها. ### | 4 - # تكون القبائل في الشعب أو الأقاليم في المملكة كأنها أفلاك؛ كل منها ~~مستقل في ذاته، لا يربطها بمركز نظامها الاجتماعي؛ وهو الجنس أو الدين أو ~~الملك غير محض التجاذب المانع من الوقوع في نظام آخر لا يلائم طبائع ~~حياتها. # ثم إن التمول لأجل الحاجات السالفة الذكر وبقدرها فقط محمودة بثلاثة ~~شروط، وإلا كان التمول من أقبح الخصال: # الشرط الأول: أن يكون المال بوجه مشروع حلال؛ أي بإحرازه من بذل الطبيعة، ~~أو بالمعاوضة، أي في مقابل عمل، أو في مقابل ضمان على ما تقوم بتفصيله ~~الشرائع المدنية. # PageV01P084 # والشرط الثاني: أن لا يكون في التمول تضييق على حاجيات الغير كاحتكار ~~الضروريات، أو مزاحمة الصناع والعمال الضعفاء، أو التغلب على المباحات؛ مثل ~~امتلاك الأراضي التي جعلها خالقها ممرحا لكافة مخلوقاته، وهي أمهم ترضعهم ~~لبن جهازاتها، وتغذيهم بثمراتها، وتأويهم في حضن أجزائها، فجاء المستبدون ~~الظالمون الأولون ووضعوا أصولا لحمايتها من أبنائها وحالوا بينهما. فهذه ~~إيرلندة -مثلا- قد حماها ألف مستبد مالي من الإنكليز، ليتمتعوا بثلثي أو ~~ثلاثة أرباع ثمرات أتعاب عشرة ملايين من البشر الذين خلقوا من تربة ~~إيرلندة. وهذه مصر وغيرها تقرب من ذلك حالا وستفوقها مالا، وكم من البشر في ~~أوربا المتمدنة، وخصوصا في لندرة وباريس، لا يجد أحدهم أرضا ينام عليها ~~متمددا، بل ينامون في الطبقة السفلى من البيوت؛ حيث لا ينام البقر، وهم ~~قاعدون صفوفا يعتمدون بصدورهم على حبال من مسد منصوبة أفقية يتلوون عليها ~~يمنة ويسرة. # وحكومة الصين المختلة النظام في نظر المتمدنين، لا تجيز قوانينها أن ~~يمتلك الشخص الواحد أكثر من ms047 مقدار معين من الأرض لا يتجاوز العشرين ~~كيلومترا مربعا؛ أي نحو خمسة أفدن مصرية أو ثلاثة عشر دونما عثمانيا. ~~وروسيا المستبدة القاسية في عرف أكثر الأوربيين وضعت -أخيرا- لولايتها ~~البولونية الغربية قانونا أشبه بقانون الصين، وزادت عليه أنها منعت سماع ~~دعوى دين مسجل على فلاح، ولا تأذن لفلاح أن يستدين أكثر من نحو خمسمائة ~~فرنك. وحكومات الشرق إذا لم تستدرك الأمر فتضع قانونا من # PageV01P085 # قبيل قانون روسيا، تصبح الأراضي الزراعية بعد خمسين عاما أو قرن على ~~الأكثر كإيرلندة الإنكليزية المسكينة، التي وجدت لها في مدى ثلاثة قرون ~~شخصا واحدا حاول أن يرحمها فلم يفلح؛ وأعني به غلادستون، على أن الشرق ربما ~~لا يجد في ثلاثين قرنا من يلتمس له الرحمة. # والشرط الثالث لجواز التمول، هو: ألا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير، لأن ~~إفراط الثروة مهلكة للأخلاق الحميدة في الإنسان، وهذا معنى الآية: {كلا إن ~~الإنسان ليطغى*أن رآه استغنى}، والشرائع السماوية كلها، وكذلك الحكمة ~~الأخلاقية والعمرانية حرمت الربا؛ صيانة لأخلاق المرابين من الفساد، لأن ~~الربا: هو كسب بدون مقابل مادي؛ ففيه معنى الغصب، وبدون عمل؛ لأن المرابي ~~يكسب وهو نائم؛ ففيه الألفة على البطالة، ومن دون تعرض لخسائر طبيعية ~~كالتجارة والزراعة والأملاك؛ ففيه النماء المطلق المؤدي لانحصار الثروات. ~~ومن القواعد الاقتصادية المتفق عليها أن ليس من كسب لا عار ولا احتكار فيه ~~أربح من الربا مهما كان معتدلا، وأن بالربا تربو الثروات فيختل التساوي أو ~~التقارب بين الناس. # وقد نظر الماليون وبعض الاقتصاديين من أنصار الاستبداد في أمر الربا، ~~فقالوا: إن المعتدل منه نافع، بل لا بد منه. أولا: لأجل قيام المعاملات ~~الكبيرة، وثانيا: لأجل أن النقود الموجودة لا تكفي للتداول، فكيف إذا أمسك ~~المكتنزون قسما منها أيضا؟! وثالثا: لأجل أن كثيرين من المتمولين لا يعرفون ~~طرائق الاسترباح أو لا يقدرون عليها، كما أن كثيرا من العارفين بها لا ~~يجدون رؤوس أموال ولا شركاء عنان. فهذا النظر # PageV01P086 # صحيح من وجه إنماء ثروات بعض الأفراد. أما السياسيون الاشتراكيو المبادئ ~~والأخلاقيون، فينظرون إلى أن ms048 ضرر الثروات الأفرادية في جمهور الأمم أكبر من ~~نفعها. لأنها تمكن الاستبداد الداخلي، فتجعل الناس صنفين: عبيدا وأسيادا، ~~وتقوي الاستبداد الخارجي، فتسهل للأمم التي تغنى بغناء أفرادها التعدي على ~~حرية استقلال الأمم الضعيفة. وهذه مقاصد فاسدة في نظر الحكمة والعدالة؛ ~~ولذلك يقتضي تحريم الربا تحريما مغلظا. # حرص التمول، وهو الطمع القبيح، يخف كثيرا عند أهالي الحكومات العادلة ~~المنتظمة ما لم يكن فساد الأخلاق منغلبا على الأهالي، كأكثر الأمم المتمدنة ~~في عهدنا؛ لأن فساد الأخلاق يزيد في الميل إلى التمول في نسبة الحاجة ~~الإسرافية، ولكن تحصيل الثروة الطائلة في عهد الحكومة العادلة عسير جدا، ~~وقد لا يتأتى إلا من طريق المراباة مع الأمم المنحطة، أو التجارة الكبيرة ~~التي فيها نوع احتكار، أو الاستعمار في البلاد البعيدة مع المخاطرات، على ~~أن هذه الصعوبة تكون مقرونة بلذة عظيمة من نوع لذة من يأكل ما طبخ، أو يسكن ~~ما بنى. # وحرص التمول القبيح يشتد في رؤوس الناس في عهد الحكومات المستبدة؛ حيث ~~يسهل فيها تحصيل الثروة بالسرقة من بيت المال، وبالتعدي على الحقوق العامة، ~~وبغصب ما في أيدي الضعفاء، ورأس مال ذلك هو أن يترك # PageV01P087 # الإنسان الدين والوجدان والحياء جانبا وينحط في أخلاقه إلى ملائمة ~~المستبد الأعظم، أو أحد أعوانه وعماله، ويكفيه وسيلة أن يتصل بباب أحدهم ~~ويتقرب من أعتابه، ويظهر له أنه في الأخلاق من أمثاله وعلى شاكلته، ويبرهن ~~له ذلك بأشياء من التملق وشهادة الزور، وخدمة الشهوات، والتجسس، والدلالة ~~على السلب ونحو ذلك. ثم قد يطلع هذا المنتسب على بعض الخفايا والأسرار التي ~~يخاف رجال الاستبداد من ظهورها خوفا حقيقيا أو وهميا، فيكسب المنتسب رسوخ ~~القدم ويصير هو بابا لغيره، وهكذا يحصل على الثروة الطائلة إذا ساعدته ~~الظروف على الثبات طويلا. وهذا أعظم أبواب الثروة في الشرق والغرب، ويليه ~~الاتجار بالدين، ثم الملاهي، ثم الربا الفاحش، وهي بئس المكاسب وبئس ما ~~تؤثر في إفساد أخلاق الأمم. # وقد ذكر المدققون أن ثروة بعض الأفراد في الحكومات العادلة أضر كثيرا ~~منها في الحكومات المستبدة؛ ms049 لأن الأغنياء في الأولى يصرفون قوتهم المالية ~~في إفساد أخلاق الناس وإخلال المساواة وإيجاد الاستبداد، أما الأغنياء في ~~الحكومات المستبدة فيصرفون ثروتهم في الأبهة والتعاظم إرهابا للناس، ~~وتعويضا للسفالة المنصبة عليهم بالتغالي الباطل، ويسرفون الأموال في الفسق ~~والفجور. # بناء عليه؛ ثروة هؤلاء يتعجلها الزوال؛ حيث يغصبها الأقوى منهم من ~~الأضعف، وقد يسلبها المستبد الأعظم في لحظة وبكلمة. وتزول أيضا - والحمد ~~لله- قبل أن يتعلم أصحابها أو ورثتهم كيف تحفظ الثروات، وكيف تنمو، # PageV01P088 # وكيف يستعبدون بها الناس استعبادا أصوليا مستحكما، كما هو الحال في أوربا ~~المتمدنة المهددة بشروط الفوضويين بسبب اليأس من مقاومة الاستبداد المالي ~~فيها. # ومن طبائع الاستبداد أنه لا يظهر فيه أثر فقر الأمة ظهورا بيانا إلا فجأة ~~قريب قضاء الاستبداد نحبه. وأسباب ذلك أن الناس يقتصدون في النسل، وتكثر ~~وفياتهم، ويكثر تغربهم، ويبيعون أملاكهم من الأجانب، فتتقلص الثروة، وتكثر ~~النقود بين الأيدي. وبئست من ثروة ونقود تشبه نشوة المذبوح. # ولنرجع إلى بحث طبيعة الاستبداد في مطلق المال فأقول: إن الاستبداد يجعل ~~المال في أيدي الناس عرضة لسلب المستبد وأعوانه وعماله غصبا، أو بحجة ~~باطلة، وعرضة أيضا لسلب المعتدين من اللصوص والمحتالين الراتعين في ظل أمان ~~الإدارة الاستبدادية. وحيث المال لا يحصل إلا بالمشقة، فلا تختار النفوس ~~الإقدام على المتاعب مع عدم المن على الانتفاع بالثمرة. # حفظ المال في عهد الإدارة المستبدة أصعب من كسبه؛ لأن ظهور أثره على ~~صاحبه مجلبة لأنواع البلاء عليه، ولذلك يضطر الناس زمن الاستبداد لإخفاء ~~نعمة الله والتظاهر بالفقر والفاقة، ولهذا ورد في أمثال الأسراء أن حفظ ~~درهم من الذهب يحتاج إلى قنطار من العقل، وأن العاقل من يخفي ذهبه وذهابه ~~ومذهبه، وأن أسعد الناس الصعلوك الذي لا يعرف الحكام # PageV01P089 # ولا يعرفونه. # ومن طبائع الاستبداد، أن الأغنياء أعداؤه فكرا وأوتاده عملا، فهم ربائط ~~المستبد، يذلهم فيئنون، ويستدرهم فيحنون، ولهذا يرسخ الذل في الأمم التي ~~يكثر أغنياؤها. أما الفقراء فيخافهم المستبد خوف النعجة من الذئاب، ويتحبب ~~إليهم ببعض الأعمال التي ظاهرها الرأفة، يقصد بذلك أن يغصب ms050 أيضا قلوبهم ~~التي لا يملكون غيرها. والفقراء كذلك يخافونه خوف دناءة ونذالة، خوف البغاث ~~من العقاب، فهم لا يجسرون على الافتكار فضلا عن الإنكار، كأنهم يتوهمون أن ~~داخل رؤوسهم جواسيس عليهم. وقد يبلغ فساد الأخلاق في الفقراء أن يسرهم فعلا ~~رضاء المستبد عنهم بأي وجه كان رضاؤه. # وقد خالف الأخلاقيون المتأخرون أسلافهم في قولهم، ليس الفقراء بعيب، ~~فقالوا: الفقر أبو المعائب؛ لأنه مفتقر للغير، والغناء استغناء عن الناس، ~~ثم قالوا: الفقر يذهب بعزة النفس، ويفضي إلى خلع الحياء، وقالوا: إن لحسن ~~اللباس والأمتعة والتنعم في المعيشة تأثيرا مهما على نفوس البشر، خلافا لمن ~~يقول: ليس المرء بطيلسانه، وحديث (اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم) هو لأنه ~~يحمل على التعود جسما على المشاق في الحروب والأسفار وعند الحاجة. فقالوا: ~~إن رغد العيش ونعيمه لمن أعظم الحاجات، به تعلو الهمم، ولأجله تقتحم ~~العظائم. # يقال في مدح المال: إن ما يحل المشكلات الزمان والمال. القوة # PageV01P090 # كانت للعصبية، ثم صارت للعلم، ثم صارت للمال. العلم والمال يطيلان عمر ~~الإنسان؛ حيث يجعلان شيخوخته كشبابه. لا يصان الشرف إلا بالدم، ولا يتأتى ~~العز إلا بالمال. وقد مضى مجد الرجال وجاء مجد المال. وورد في الأثر: إن ~~اليد العليا خير من اليد السفلى. وأن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر. ~~ولم يكن قديما أهمية للثروة العمومية، أما الآن وقد صارت المحاربات محض ~~مغالبة وعلم ومال، فأصبح للثروة العمومية أهمية عظمى لأجل حفظ الاستقلال، ~~على أن الأمم المأسورة لا نصيب لها من الثروة العمومية، بل منزلتها في ~~المجتمع الإنساني كأنعام تتناقلها الأيدي، ولا تعارض هذه القاعدة ثروة ~~اليهود؛ لأنها ثروة غير مزاحمين عليها، لأنها فيما يقوله أعداؤه فيها: ثروة ~~رأسمالها الناموس، ومصرفها الملاهي والمقامرة والربا والغش والمضاربات، ولا ~~يخلو هذا القول من التحامل عليهم حسدا ممن يقدمون إقدامهم ولا ينالون ~~منالهم. # هذا وللمال الكثير آفات على الحياة الشريفة ترتعد منها فرائص أهل الفضيلة ~~والكمال، الذين يفضلون الكفاف من الرزق مع حفظ الحرية والشرف على امتلاك ~~دواعي الترف والسرف، وينظرون ms051 إلى المال الزائد عن الحاجة الكمالية أنه بلاء ~~في بلاء في بلاء؛ أي أنه بلاء من حيث الافتكار بإنمائه، وأما المكتفي فيعيش ~~مطمئنا مستريحا أمينا بعض الأمن على دينه وشرفه وأخلاقه. # PageV01P091 # قرر الأخلاقيون أن الإنسان لا يكون حرا تماما ما لم تكن له صنعة مستقل ~~فيها؛ أي غير مرؤوس لأحد، لأن حريته الشخصية تكون تابعة لارتباطه بالرؤساء. ~~وعليه تكون أقبح الوظائف هي وظائف الحكومة. وقالوا: إن للصنعة تأثيرا في ~~الأخلاق والأميال، وهي من أصدق ما يستدل به على أحوال الأفراد والأقوام. ~~فالموظفون في الحكومة مثلا يفقدون الشفقة والعواطف العالية تبعا لصنعتهم ~~التي من مقتضاها عدم الشعور بتبعة أعمالهم، وقال الحكماء: إن العاجز يجمع ~~المال بالتقتير، والكريم يجمعه بالكسب، وقالوا: إن أقل كسب يرضى به العاقل ~~ما يكفي معاشه باقتصاد، وقالوا: خير المال ما يكفي صاحبه ذل القلة وطغيان ~~الكثرة. وهذا معنى الحديث (فاز المخففون) وحديث (اسألوا الله الكفاف من ~~الرزق). ويقال: الغنى غنى القلب، والغني من قلت حاجته، والغني من استغنى عن ~~الناس. وقال بعض الحكماء: كل إنسان فقير بالطبع ينقصه مثل ما يملك، فمن ~~يملك عشرة يرى نفسه محتاجا لعشرة أخرى، ومن يملك ألفا يرى نفسه محتاجا لألف ~~أخرى. وهذا معنى الحديث: (لو كان لابن آدم واد من ذهب أحب أن يكون له ~~واديان). # ولا يقصد الأخلاقيون من التزهيد في المال التثبيط عن كسبه، إنما يقصدون ~~أن لا يتجاوز كسبه بالطرائق الطبيعية الشريفة. أما السياسيون فلا يهمهم إلا ~~أن تستغني الرعية بأي وسيلة كانت، والغربيون منهم يعينون الأمة على الكسب ~~ليشاركوها، والشرقيون لا يفتكرون في غير سلب الموجود، وهذه من جملة الفروق ~~بين الاستبدادين الغربي والشرقي، التي منها أن الاستبداد # PageV01P092 # الغربي يكون أحكم وأرسخ وأشد وطأة، ولكن؛ مع اللين، والشرقي يكون مقلقلا ~~سريع الزوال، ولكنه يكون مزعجا. ومنها أن الاستبداد الغربي إذا زال تبدل ~~بحكومة عادلة تقيم ما ساعدت الظروف أن تقيم، أما الشرقي فيزول ويخلفه ~~استبداد شر منه؛ لأن من دأب الشرقيين أن لا يفتكروا في مستقبل قريب، ms052 كأن ~~أكبر همهم منصرف إلى ما بعد الموت فقط، أو أنهم مبتلون بقصر النظر. # وخلاصة القول: إن الاستبداد داء أشد وطأة من الوباء، أكثر هولا من ~~الحريق، أعظم تخريبا من السيل، أذل للنفوس من السؤال. داء إذا نزل بقوم ~~سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء، والأرض تناجي ربها بكشف ~~البلاء. الاستبداد عهد؛ أشقى الناس فيه العقلاء والأغنياء، وأسعدهم بمحياه ~~الجهلاء والفقراء، بل أسعدهم أولئك الذين يتعجلون الموت فيحسدهم الأحياء. # PageV01P093 ### | الاستبداد والأخلاق # الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها، أو ~~يفسدها، أو يمحوها، فيجعل الإنسان يكفر بنعم مولاه؛ لأنه لم يملكها حق ~~الملك ليحمده عليها حق الحمد، ويجعله حاقدا على قومه؛ لأنهم عون لبلاء ~~الاستبداد عليه، وفاقدا حب وطنه؛ لأنه غير آمن على الاستقرار فيه، ويود لو ~~انتقل منه، وضعيف الحب لعائلته؛ لأنه يعلم منهم أنهم مثله لا يملكون ~~التكافؤ، وقد يضطرون لإضرار صديقهم، بل وقتله وهم باكون. أسير الاستبداد لا ~~يملك شيئا ليحرص على حفظه؛ لأنه لا يملك مالا غير معرض للسلب ولا شرفا غير ~~معرض للإهانة. ولا يملك الجاهل منه آمالا مستقبلة ليتبعها ويشقى كما يشقى ~~العاقل في سبيلها. # وهذه الحال تجعل الأسير لا يذوق في الكون لذة نعيم، غير بعض الملذات ~~البهيمية. بناء عليه؛ يكون شديد الحرص على حياته الحيوانية وإن كانت # PageV01P095 # تعيسة، وكيف لا يحرص عليها وهو لا يعرف غيرها؟! أين هو من الحياة ~~الأدبية؟! أين هو من الحياة الاجتماعية؟! أما الأحرار فتكون منزلة حياتهم ~~الحيوانية عندهم بعد مراتب عديدة، ولا يعرف ذلك إلا من كان منهم، أو كشف عن ~~بصيرته. # ومثال الأسراء في حرصهم على حياتهم الشيوخ، فإنهم عندما تمسي حياتهم كلها ~~أسقاما وآلاما ويقربون من أبواب القبور، يحرصون على حياتهم أكثر من الشباب ~~في مقتبل العمر، في مقتبل الملاذ، في مقتبل الآمال. # الاستبداد يسلب الراحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض ~~العقول، ويختل الشعور على درجات متفاوتة في الناس. والعوام الذين هم قليلو ~~المادة في الأصل قد يصل مرضهم العقلي إلى ms053 درجة قريبة من عدم التمييز بين ~~الخير والشر، في كل ما ليس من ضروريات حياتهم الحيوانية. ويصل تسفل إدراكهم ~~إلى أن مجرد آثار الأبهة والعظمة التي يرونها على المستبد وأعوانه تبهر ~~أبصارهم، ومجرد سماع ألفاظ التفخيم في وصفه وحكايات قوته وصولته يزيغ ~~أفكارهم، فيرون ويفكرون أن الدواء في الداء، فينصاعون بين يدي الاستبداد ~~انصياع الغنم بين أيدي الذئاب؛ حيث هي تجري على قدميها جاهدة إلى مقر ~~حتفها. # ولهذا كان الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة فضلا عن الأجسام ~~فيفسدها كما يريد، ويتغلب على تلك الأذهان الضئيلة، فيشوش فيها الحقائق، بل ~~البديهيات كما يهوى، فيكون مثلهم في انقيادهم الأعمى للاستبداد # PageV01P096 # ومقاومتهم للرشد والإرشاد، مثل تلك الهوام التي تترامى على النار، وكم هي ~~تغالب من يريد حجزها على الهلاك. ولا غرابة في تأثير ضعف الأجسام على الضعف ~~في العقول، فإن في المرضى وخفة عقولهم، وذوي العاهات ونقص إدراكهم، شاهدا ~~بينا كافيا يقاس عليه نقص عقول الأسراء البؤساء بالنسبة إلى الأحرار ~~السعداء، كما يظهر الحال أيضا بأقل فرق بين الفئتين، من الفرق البين في قوة ~~الأجسام وغزارة الدم واستحكام الصحة وجمال الهيئات. # ربما يستريب المطالع اللبيب الذي لم يتعب فكره في درس طبيعة الاستبداد، ~~من أن الاستبداد المشؤوم كيف يقوم على قلب الحقائق، مع أنه إذا دقق النظر ~~يتجلى له أن الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان. يرى أنه كم مكن بعض ~~القياصرة والملوك الأولين من التلاعب بالأديان تأييدا لاستبدادهم فاتبعهم ~~الناس. ويرى أن الناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلب الموضوع، ~~فجعل الرعية خادمة للرعاة، فقبلوا وقنعوا. ويرى أن الاستبداد ما ساقهم إليه ~~من اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مطيع، والمشتكي المتظلم مفسد، ~~والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. وقد اتبع الناس الاستبداد ~~في تسميته النصح فضولا، والغيرة عداوة، والشهامة عتوا، والحمية حماقة، ~~والرحمة مرضا، كما جاروه على اعتبار أن النفاق سياسة، والتحيل كياسة، ~~والدناءة لطف، والنذالة دماثة. # PageV01P097 # ولا غرابة في تحكم الاستبداد على الحقائق في أفكار البسطاء، إنما الغريب ms054 ~~إغفاله كثيرا من العقلاء، ومنهم جمهور المؤرخين الذين يسمون الفاتحين ~~الغالبين بالرجال العظام، وينظرون إليهم نظر الإجلال والاحترام لمجرد أنهم ~~كانوا أكثر في قتل الإنسان، وأسرفوا في تخريب العمران. ومن هذا القبيل في ~~الغرابة إعلاء المؤرخين قدر من جاروا المستبدين، وحازوا القبول والوجاهة ~~عند الظالمين. وكذلك افتخار الأخلاق بأسلافهم المجرمين الذين كانوا من ~~هؤلاء الأعوان الأشرار. # وقد يظن بعض الناس أن للاستبداد حسنات مفقودة في الإدارة الحرة، فيقولون ~~مثلا: الاستبداد يلين الطباع ويلطفها، والحق أن ذلك يحصل فيه عن فقد ~~الشهامة لا عن فقد الشراسة. ويقولون: الاستبداد يعلم الصغير الجاهل حسن ~~الطاعة والانقياد للكبير الخبر، والحق أن هذا فيه عن خوف وجبانة لا عن ~~اختيار وإذعان. ويقولون: هو يربي النفوس على الاعتدال والوقوف عند الحدود، ~~والحق أن ليس هناك غير انكماش وتقهقر. ويقولون: الاستبداد يقلل الفسق ~~والفجور، والحق أنه عن فقر وعجر، لا عن عفة أو دين. ويقولون: هو يقلل ~~التعديات والجرائم، والحق أنه يمنع ظهورها ويخفيها، فيقل تعديدها لا ~~عدادها. # الأخلاق أثمار بذرها الوراثة، وتربتها التربية، وسقياها العلم، والقائمون # PageV01P098 # عليها هم رجال الحكومة، بناء عليه؛ تفعل السياسة في أخلاق البشر ما تفعله ~~العناية في إنماء الشجر. # نعم: الأقوام كالآجام، إن تركت مهملة تزاحمت أشجارها وأفلاذها، وسقم ~~أكثرها، وتغلب قويها على ضعيفها فأهلكه، وهذا مثل القبائل المتوحشة. وإن ~~صادفت بستانيا يهمه بقاؤها وزهوها فدبرها حسبما تطلبه طباعها، قويت وأينعت ~~وحسنت ثمارها، وهذا مثل الحكومة العادلة. وإذا بليت ببستاني جدير بأن يسمى ~~حطابا لا يعنيه إلا عاجل الاكتساب، أفسدها وخربها، وهذا مثل الحكومة ~~المستبدة. ومتى كان الحطاب غريبا لم يخلق من تراب تلك الديار وليس له فيها ~~فخار ولا يلحقه منها عار، إنما همه الحصول على الفائدة العاجلة ولو باقتلاع ~~الأصول، فهناك الطامة وهناك البوار. فبناء على هذا المثال، يكون فعل ~~الاستبداد في أخلاق الأمم فعل ذلك الحطاب الذي لا يرجى منه غير الإفساد. # لا تكون الأخلاق أخلاقا ما لم تكن ملكة مطردة على قانون فطري تقتضيه أولا ~~وظيفة الإنسان نحو ms055 نفسه؛ وثانيا وظيفته نحو عائلته؛ وثالثا وظيفته نحو ~~قومه؛ ورابعا وظيفته نحو الإنسانية؛ وهذا القانون هو ما يسمى عند الناس ~~بالناموس. # ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس، وهو كالحيوان المملوك ~~العنان، يقاد حيث يراد، ويعيش كالريش، يهب، حيث يهب الريح، لا نظام ولا ~~إرادة؟ وما هي الإرادة؟ هي أم الأخلاق، هي ما قيل فيها تعظيما لشأنها: # PageV01P099 # لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة! هي تلك الصفة التي ~~تفصل الحيوان عن النبات في تعريفه بأنه متحرك بالإرادة. فالأسير، إذن، دون ~~الحيوان لأنه يتحرك بإرادة غيره لا بإرادة نفسه. ولهذا قال الفقهاء: لا نية ~~للرقيق في كثير من أحواله، إنما هو تابع لنية مولاه. وقد يعذر الأسير على ~~فساد أخلاقه؛ لأن فاقد الخيار غير مؤاخذ عقلا وشرعا. # أسير الاستبداد لا نظام في حياته، فلا نظام في أخلاقه، قد يصبح غنيا ~~فيضحي شجاعا كريما، وقد يمسي فقيرا فيبيت جبانا خسيسا، وهكذا كل شؤونه تشبه ~~الفوضى لا ترتيب فيها، فهو يتبعها بلا وجهة. أليس الأسير قد يرهق، ويسيء ~~كثيرا فيعفى، وقليلا فيشنق، ويجوع يوما فيضوى، ويخصب يوما فيتخم، يريد ~~أشياء فيمنع، ويأبى شيئا فيرغم؟! وهكذا يعيش كما تقتضيه الصدف أن يعيش، ومن ~~كانت هذه حاله كيف يكون له أخلاق، وإن وجد ابتداء يتعذر استمراره عليه؟! ~~ولهذا لا تجوز الحكمة الحكم على الأسراء بخير أو شر. # أقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس، أنه يرغم حتى الأخيار منهم على ~~إلفة الرياء والنفاق ولبئس السيئتان، وإنه يعين الأشرار على إجراء غي ~~نفوسهم آمنين من كل تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأن ~~أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من ~~تبعة الشهادة على ذي شر وعقبى ذكر الفاجر بما فيه. ولهذا، # PageV01P100 # شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة كقولهم: إذا كان الكلام من فضة ~~فالسكوت من ذهب، وقولهم: البلاء موكول بالمنطق. وقد تغالى وعاظهم في سد ~~أفواههم حتى جعلوا لهم أمثال هذه الأقوال من الحكم النبوية، ms056 وكم هجوا لهم ~~الهجو والغيبة بلا قيد، فهم يقرؤون: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} ~~ويغفلون بقية الآية، وهي: {إلا من ظلم}. # أقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ؛ أي بحرص الأفراد ~~على حراسة نظام الاجتماع، وهذه الوظيفة غير مقدور عليها في عهد الاستبداد ~~لغير ذوي المنعة وقليل ما هم، وقليلا ما يفعلون، وقليلا ما يفيد نهيهم؛ ~~لأنه لا يمكنهم توجيهه لغير المستضعفين الذين لا يملكون ضررا ولا نفعا، بل ~~ولا يملكون من أنفسهم شيئا، ولأنه ينحصر موضوع نهيهم فيما لا تخفى قباحته ~~على أحد من الرذائل النفسية الشخصية فقط، ومع ذلك فالجسور لا يرى بدا من ~~الاستثناء المخل للقواعد العامة كقوله: السرقة قبيحة إلا إذا كانت استردادا ~~منها، والكذب حرام إلا للمظلوم. والموظفون في عهد الاستبداد للوعظ والإرشاد ~~يكونون -مطلقا- ولا أقول غالبا، من المنافقين الذين نالوا الوظيفة بالتملق، ~~وما أبعد هؤلاء عن التأثير، لأن النصح الذي لا إخلاص فيه هو بذر عقيم لا ~~ينبت، وإن نبت كان رياء كأصله، ثم إن النصح لا يفيد شيئا إذا لم يصادف أذنا ~~تتطلب سماعه؛ لأن النصيحة وإن كانت عن إخلاص فهي لا تتجاوز حكم البذر الحي: ~~إن ألقي في أرض صالحة نبت، وإن ألقي في أرض قاحلة مات. # PageV01P101 # أما النهي عن المنكرات في الإدارة الحرة، فيمكن لكل غيور على نظام قومه ~~أن يقوم به بأمان وإخلاص، وأن يوجه سهام قوارصه على الضعفاء والأقوياء ~~سواء، فلا يخص بها الفقير المجروح الفؤاد، بل تستهدف أيضا ذوي الشوكة ~~والعناد. وأن يخوض في كل واد حتى في مواضيع تخفيف الظلم ومؤاخذة الحكام، ~~وهذا هو النصح الإنكاري الذي يعدي ويجدي، والذي أطلق عليه النبي عليه ~~السلام اسم (الدين) تعظيما لشأنه، فقال: "الدين النصيحة". # لما كان ضبط أخلاق الطبقات العليا من الناس أهم الأمور، أطلقت الأمم ~~الحرة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنية القذف فقط، ورأت أن تحمل ~~مضرة الفوضى في ذلك خير التحديد؛ لأنه لا مانع للحكام أن يجعلوا الشعرة من ~~التقييد سلسلة من حديد، ويخنقون ms057 بها عدوتهم الطبيعة، أي الحرية. وقد حمى ~~القرآن قاعدة الإطلاق بقوله الكريم: {ولا يضار كاتب ولا شهيد}. # الخصال تنقسم إلى ثلاثة أنواع: # الأول: الخصال الحسنة الطبيعية، كالصدق والأمانة والهمة والمدافعة ~~والرحمة، والقبيحة الطبيعية كالرياء والاعتداء والجبانة والقسوة، وهذا ~~القسم تضافرت عليه كل الطبائع والشرائع. # PageV01P102 # والنوع الثاني: الخصال الكمالية التي جاءت بها الشرائع الإلهامية، كتحسين ~~الإيثار والعفو وتقبيح الزنى والطمع؛ وهذا القسم يوجد فيه ما لا تدرك كل ~~العقول حكمته أو حكمة تعميمه، فيمثله المنتسبون للدين احتراما أو خوفا. # والنوع الثالث: الخصال الاعتيادية، وهي ما يكتسبه الإنسان بالوراثة أو ~~بالتربية أو بالإلفة، فيستحسن أو يستقبح على حسب أمياله ما لم يضطر إلى ~~التحول عنها. # ثم إن التدقيق يفيد أن الأقسام تشتبك وتشترك ويؤثر بعضها في بعض، فيصير ~~مجموعها تحت تأثير الإلفة المديدة، بحيث كل خصلة منها ترسخ أو تتزلزل، ~~حسبما يصادفها من استمرار الإلفة أو انقطاعها، فالقاتل -مثلا- لا يستنكر ~~شنيعته في المرة الثانية كما استقبحها في نفسه في الأولى، وهكذا يخف الجرم ~~في وهمه، حتى يصل إلى درجة التلذذ بالقتل، كأنه حق طبيعي له، كما هي حالة ~~الجبارين وغالب السياسيين، الذين لا ترتج في أفئدتهم عاطفة رحمة عند قتلهم ~~أفرادا أو أمما لغاياتهم السياسية، إهراقا بالسيف أو إزهاقا بالقلم، ولا ~~فرق بين القتل بقطع الأوداج وبين الإماتة بإيراث الشقاء غير التسريع ~~والإبطاء. # أسير الاستبداد العريق فيه يرث شر الخصال، ويتربى على أشرها، ولا بد أن ~~يصحبه بعضها مدى العمر. بناء عليه؛ ما أبعده عن خصال الكمال! ويكفيه مفسدة ~~لكل الخصال الطبيعية والشرعية والاعتيادية تلبسه بالرياء اضطرارا حتى لا ~~يألفه ويصير ملكة فيه، فيفقد بسبب ثقته نفسه بنفسه، # PageV01P103 # لأنه لا يجد خلقا مستقرا فيه، فلا يمكنه، مثلا، أن يجزم بأمانته، أو يضمن ~~ثباته على أمر من الأمور، فيعيش سيئ الظن في حق ذاته مترددا في أعماله، ~~لواما نفسه على إهماله شؤونه، شاعرا بفتور همته ونقص مروءته، ويبقى طول ~~عمره جاهلا مورد هذا الخلل، فيتهم الخالق، والخالق -جل شأنه- لم ينقصه ~~شيئا. ويتهم تارة ms058 دينه، وتارة تربيته، وتارة زمانه، وتارة قومه، والحقيقة ~~بعيدة عن كل ذلك، وما الحقيقة غير أنه خلق حرا فأسر. # أجمع الأخلاقيون على أن المتلبس بشائبة من أصول القبائح الخلقية لا يمكنه ~~أن يقطع بسلامة غيره منها، وهذا معنى: "إذا ساءت فعال المرء ساءت ظنونه". ~~فالمرائي -مثلا- ليس من شأنه أن يظن البراءة في غيره من شائبة الرياء، إلا ~~إذا بعد تشابه النشأة بينهما بعدا كبيرا، كأن يكون بينهما مغايرة في الجنس ~~أو الدين أو تفاوت مهم في المنزلة كصعلوك وأمير كبير. ومثال ذلك الشرقي ~~الخائن، يأمن الإفرنجي في معاملته، ويثق بوزنه وحسبانه، ولا يأمن ويثق بابن ~~جلدته. وكذلك الإفرنجي الخائن قد يأمن الشرقي، ولا يأمن مطلقا ابن جنسه. ~~وهذا الحكم صادق على عكس القضية أيضا؛ أي أن الأمين يظن الناس أمناء خصوصا ~~أشباهه في النشأة، وهذا معنى "الكريم يخدع"، وكم يذهل الأمين في نفسه عن ~~اتباع حكمة الحزم في إساءة الظن في مواقعه اللازمة. # إذا علمنا أن من طبيعة الاستبداد ألفة الناس بعض الأخلاق الرديئة، وأن ~~منها ما يضعف الثقة بالنفس، علمنا سبب قلة أهل العمل وأهل العزائم في # PageV01P104 # السراء، وعلمنا أيضا حكمة فقد الأسراء ثقتهم بعضهم ببعض. فينتج من ذلك أن ~~الأسراء محرومون -طبعا- من ثمرة الاشتراك في أعمال الحياة، يعيشون مساكين ~~بائسين متواكلين متخاذلين متقاعسين متفاشلين، والعاقل الحكيم لا يلومهم، بل ~~يشفق عليهم، ويلتمس لهم مخرجا. ويتبع أثر أحكم الحكماء القائل: رب ارحم ~~قومي، فإنهم لا يعلمون"، "اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون". # وهنا أستوقف المطالع وأستلفته إلى التأمل في ما هي ثمرة الاشتراك التي ~~يحرمها الأسراء، فأذكره بأن الاشتراك هو أعظم سر في الكائنات، به قيام كل ~~شيء ما عدا الله وحده. به قيام الأجرام السماوية؛ به قيام كل حياة؛ به قيام ~~المواليد؛ به قيام الأجناس والأنواع؛ به قيام الأمم والقبائل؛ به قيام ~~العائلات؛ به تعاون الأعضاء. نعم، الاشتراك فيه سر تضاعف القوة بنسبة ناموس ~~التربيع؛ فيه سر الاستمرار على الأعمال التي لا تفي بها أعمار الأفراد. ~~نعم؛ الاشتراك ms059 هو السر كل السر في نجاح الأمم المتمدنة. به أكملوا ناموس ~~حياتهم القومية، به ضبطوا نظام حكوماتهم، به قاموا بعظائم الأمور، به نالوا ~~كل ما يغبطهم عليه أسراء الاستبداد الذين منهم العارفون بقدر الاشتراك ~~ويتشوقون إليه، ولكن؛ كل منهم يبطن لغبن شركائه باتكاله عليهم عملا، ~~واستبداده عليهم رأيا، حتى صار من أمثالهم قولهم: "ما من متفقين إلا ~~واحدهما مغلوب للآخر". # ورب قائل يقول إن سر الاشتراك ليس بالأمر الخفي، وقد طالما كتب # PageV01P105 # اليابانيين والبوير، فما السبب؟ فأجيبه بأن الكتاب كتبوا وأكثروا وأحسنوا ~~فيما فصلوا وصوروا، ولكن؛ قاتل الله الاستبداد وشؤمه، جعل الكتاب يحصرون ~~أقوالهم في الدعوة إلى الاشتراك، وما بمعناه من التعاون والاتحاد والتحابب ~~والاتفاق، ومنعهم من التعرض لذكر أسباب التفرق والانحلال كليا، أو اضطرهم ~~إلى الاقتصار على بيان الأسباب الأخيرة فقط. فمن قائل مثلا: الشرق مريض ~~وسببه الجهل، ومن قائل: الجهل بلاء وسببه قلة المدارس، ومن قائل: قلة ~~المدارس عار وسببه عدم التعاون على إنشائها من قبل الأفراد أو من قبل ذوي ~~الشأن. # وهذا أعمق ما يخطه قلم الكاتب الشرقي كأنه وصل إلى السبب المانع الطبيعي ~~أو الاختياري. والحقيقة، أن هناك سلسلة أسباب أخرى حلقتها الأولى ~~الاستبداد. # وكاتب آخر يقول: الشرق مريض وسببه فقد التمسك بالدين، ثم يقف، مع أنه لو ~~تتبع الأسباب لبلغ إلى الحكم بأن التهاون في الدين أولا وآخرا ناشئ من ~~الاستبداد. وآخر يقول: إن السبب فساد الأخلاق، وغيره يرى أنه فقد التربية، ~~وسواء ظن أنه الكسل، والحقيقة أن المرجع الأول في الكل هو الاستبداد، الذي ~~يمنع حتى أولئك الباحثين عن التصريح باسمه المهيب. # وقد اتفق الحكماء الذين أكرمهم الله تعالى بوظيفة الأخذ بيد الأمم في # PageV01P106 # بحثهم عن المهلكات والمنجيات، على أن فساد الأخلاق يخرج الأمم عن أن تكون ~~قابلة للخطاب، وأن معاناة إصلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة ~~البالغة والعزم القوي، وذكروا أن فساد الأخلاق يعم المستبد وأعوانه وعماله، ~~ثم يدخل بالعدوى إلى كل البيوت، ولا سيما بيوت الطبقات العليا التي تتمثل ~~بها ms060 السفلى. وهكذا يغشو الفساد، وتمسي الأمة يبكيها المحب ويشمت بها العدو، ~~وتبيت وداؤها عياء يتعاصى على الدواء. # وقد سلك الأنبياء عليهم السلام، في إنقاذ الأمم من فساد الأخلاق، مسلك ~~الابتداء أولا بفك العقول من تعظيم غير الله والإذعان لسواه. وذلك بتقوية ~~حسن الإيمان المفطور عليه وجدان كل إنسان، ثم جهدوا في تنوير العقول بمبادئ ~~الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته؛ أي حريته في أفكاره، واختياره في ~~أعماله، وبذلك هدموا حصون الاستبداد وسدوا منابع الفساد. # ثم بعد إطلاق زمام العقول، صاروا ينظرون إلى الإنسان بأنه مكلف بقانون ~~الإنسانية، ومطالب بحسن الأخلاق، فيعلمونه ذلك بأساليب التعليم المقنع وبث ~~التربية التهذيبية. # والحكماء السياسيون الأقدمون اتبعوا الأنبياء -عليهم السلام- في سلوك هذا ~~الطريق وهذا الترتيب؛ أي بالابتداء من نقطة دينية فطرية تؤدي إلى تحرير ~~الضمائر، ثم باتباع طريق التربية والتهذيب بدون فتور ولا انقطاع. # أما المتأخرون من قادة العقول في الغرب، فمنهم فئة سلكوا طريقة # PageV01P107 # الخروج بأممهم من حظيرة الدين وآدابه النفسية، إلى فضاء الإطلاق وتربية ~~الطبيعة، زاعمين أن الفطرة في الإنسان أهدى سبيلا، وحاجته إلى النظام تغنيه ~~عن إعانة الدين، التي هي كالمخدرات سموم تعطل الحس بالهموم، ثم تذهب ~~بالحياة، فيكون ضررها أكبر من نفعها. # وقد ساعدهم على سلوك هذا المسلك، أنهم وجدوا أممهم قد فشا فيها نور ~~العلم، ذلك العلم الذي كان منحصرا في خدمة الدين عند المصريين والآشوريين، ~~ومحتكرا في أبناء الأشراف عند الغرناطيين والرومان، ومخصصا في أعداد من ~~الشبان المنتخبين عند الهنديين واليونان، حتى جاء العرب بعد الإسلام، ~~وأطلقوا حرية العلم، وأباحوا تناوله لكل متعلم، فانتقل إلى أوربا حرا على ~~رغم رجال الدين، فتنورت به عقول الأمم على درجات، وفي نسبتها ترقت الأمم في ~~النعيم، وانتشرت وتخالطت، وصار المتأخر منها يغبط المتقدم ويتنغص من حالته، ~~ويتطلب اللحاق، ويبحث عن وسائله. فنشأ من ذلك حركة قوية في الأفكار، وحركة ~~معرفة الخير والغيرة على نواله، حركة معرفة الشر والأنفة من الصبر عليه، ~~حركة السير إلى الأمام رغم كل معارض. اغتنم زعماء الحرية في ms061 الغرب قوة هذه ~~الحركة وأضافوا إليها قوات أدبية شتى، كاستبدالهم ثقالة وقار الدين بزهوة ~~عروس الحرية، حتى إنهم لم يبالوا بتمثيل الحرية بحسناء خليعة تختلب النفوس. ~~وكاستبدالهم رابطة الاشتراك في الطاعة للمستبدين برابطة الاشتراك في الشؤون ~~العمومية، ذلك الاشتراك الذي يتولد منه حب الوطن. وهكذا جعلوا قوة حركة ~~الأفكار تيارا # PageV01P108 # سلطوه على رؤوس الرؤوس من أهل السياسة والدين. ثم إن هؤلاء الزعماء ~~استباحوا القساوة أيضا، فأخذوا من مهجورات دينهم قاعدة (الغاية تبرر ~~الواسطة)، كجواز السرقة إذا كانت الغاية من صرف المال في سبيل الخير، ~~وقاعدة (تثقيل الذمة يبيح الفعل القبيح) كشهادة الزور على ذمة الكاهن التي ~~يتحمل عنها خطيئتها، ودفعوا الناس بهما إلى ارتكاب الجرائم الفظيعة التي ~~تقشعر منها الإنسانية، التي لا يستبيحها الحكيم الشرقي لما بين أبناء الغرب ~~وأبناء الشرق من التباين في الغرائز والأخلاق. # الغربي: مادي الحياة، قوي النفس، شديد المعاملة، حريص على الانتقام، كأنه ~~لم يبق عنده شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له ~~مسيحية الشرق. فالجرماني مثلا: جاف الطبع، يرى أن العضو الضعيف من البشر ~~يستحق الموت، ويرى كل فضيلة في القوة، وكل القوة في المال، فهو يحب العلم، ~~ولكن، لأجل المال؛ ويحب المجد، ولكن لأجل المال. وهذا اللاتيني مطبوع على ~~العجب والطيش، يرى العقل في الإطلاق، والحياة في خلع الحياء، والشرف في ~~الترف، والكياسة في الكسب، والعز في الغلبة، واللذة في المائدة والفراش. # أما أهل الشرق فهم أدبيون، ويغلب عليهم ضعف القلب وسلطان الحب، والإصغاء ~~للوجدان، والميل للرحمة ولو في غير موقعها، واللطف ولو مع الخصم. ويرون ~~العز في الفتوة والمروءة، والغنى في القناعة والفضيلة، والراحة في الأنس ~~والسكينة، واللذة في الكرم والتحبب، وهم يغضبون، ولكن؛ للدين فقط، ويغارون، ~~ولكن؛ # PageV01P109 # على العرض فقط. # ليس من شأن الشرقي أن يسير مع الغربي في طريق واحدة، فلا تطاوعه طباعه ~~على استباحة ما يستحسنه الغربي، وإن تكلف تقليده في أمر فلا يحسن التقليد، ~~وإن أحسنه فلا يثبت، وإن ثبت فلا يعرف استثماره، حتى لو سقطت الثمرة ms062 في كفه ~~تمنى لو قفزت على فمه! .. فالشرقي مثلا يهتم في شأن ظالمه إلى أن يزول عنه ~~ظلمه، ثم لا يفكر فيمن يخلفه ولا يراقبه، فيقع في الظلم ثانية، فيعيد الكرة ~~ويعود الظلم إلى ما لا نهاية. وكأولئك الباطنة في الإسلام: فتكوا بمئات ~~أمراء على غير طائل، كأنهم لم يسمعوا بالحكمة النبوية: "لا يلدغ المرء من ~~جحر مرتين"، ولا بالحكمة القرآنية" {إن الله يحب المتقين}. أما الغربي إذا ~~أخذ على يد ظالمه فلا يفلته حتى يشلها، بل حتى يقطعها ويكوي مقطعها. # وهكذا بين الشرقيين والغربيين فروق كثيرة، قد يفضل في الإفراديات الشرقي ~~على الغربي، وفي الاجتماعيات يفضل الغربي على الشرقي مطلقا. مثال ذلك: ~~الغربيون يستحلفون أميرهم على الصداقة في خدمته لهم والتزام القانون. ~~والسلطان الشرقي يستحلف الرعية على الانقياد والطاعة! الغربيون يمنون على ~~ملوكهم بما يرتزقون من فضلاتهم، والأمراء الشرقيون يتكرمون على من شاؤوا ~~بإجراء أموالهم عليهم صدقات! الغربي يعتبر نفسه مالكا لجزء مشاع من وطنه، ~~والشرقي يعتبر نفسه وأولاده وما في يديه ملكا لأميره! الغربي له على أميره ~~حقوق، وليس عليه حقوق؛ والشرقي عليه لأميره حقوق # PageV01P110 # وليس له حقوق! الغربيون يضعون قانونا لأميرهم يسري عليه، والشرقيون ~~يسيرون على قانون مشيئة أمرائهم! الغربيون قضاؤهم وقدرهم من الله؛ ~~والشرقيون قضاؤهم وقدرهم ما يصدر من بين شفتي المستعبدين! الشرقي سريع ~~التصديق، والغربي ينفي ولا يثبت حتى يرى ويلمس. الشرقي أكثر ما يغار على ~~الفروج كأن شرفه كله مستودع فيها، والغربي أكثر ما يغار على حريته ~~واستقلاله! الشرقي حريص على الدين والرياء فيه، والغربي حريص على القوة ~~والعز والمزيد فيهما! والخلاصة: أن الشرقي ابن الماضي والخيال، والغربي ابن ~~المستقبل والجد! ... # الحكماء المتأخرون الغربيون ساعدتهم ظروف الزمان والمكان، وخصوصية ~~الأحوال، لاختصار الطريق فسلكوه، واستباحوا ما استباحوا، حتى إنهم استباحوا ~~في التمهيد السياسي تشجيع أعوان المستبد على تشديد وطأة الظلم والاعتساف ~~بقصد تعميم الحقد عليه، وبمثل هذه التدابير القاسية نالوا المراد أو بعضه، ~~من تحرير الأفكار وتهذيب الأخلاق وجعل الإنسان إنسانا. # وقد سبق هؤلاء الغلاة ms063 فئة اتبعت أثر النبيين، ولم تحفل بطول الطريق ~~وتعبه، فنجحت ورسخت، وأعني بتلك الفئة أولئك الحكماء الذين لم يأتوا بدين ~~جديد، ولا تمسكوا بمعاداة كل دين، كمؤسسي جمهورية الفرنسيس، بل رتقوا فتوق ~~الدهر في دينهم بما نقحوا، وهذبوا، وسهلوا، وقربوا، حتى # PageV01P111 # جددوه، وجعلوه صالحا لتجديد خليق أخلاق الأمة. # وما أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين ~~وغيرهم، إلى حكماء لا يبالون بغوغاء العلماء المرائين الأغبياء، والرؤساء ~~القساة الجهلاء. فيجددون النظر في الدين، نظر من لا يحفل بغير الحق الصريح، ~~نظر من لا يضيع النتائج بتشويش المقدمات، نظر من يقصد إظهار الحقيقة لا ~~إظهار الفصاحة، نظر من يريد وجه ربه لا استمالة الناس إليه، وبذلك يعيدون ~~النواقص المعطلة في الدين، ويهذبونه من الزوائد الباطلة مما يطرأ عادة على ~~كل دين يتقادم عهده، فيحتاج إلى مجددين يرجعون به إلى أصله المبين البريء ~~من حيث تمليك الإرادة ورفع البلادة من كل ما يشين، المخفف شقاء الاستبداد ~~والاستعباد، المبصر بطرائق التعليم والتعلم الصحيحين، المهيئ قيام التربية ~~الحسنة واستقرار الأخلاق المنتظمة مما به يصير الإنسان إنسانا، وبه لا ~~بالكفر يعيش الناس إخوانا. # والشرقيون ما داموا على حاضر حالهم بعيدين عن المجد والعزم، مرتاحين للهو ~~والهزل تسكينا لآلام إسارة النفس، وإخلادا إلى الخمول والتسفل، طلبا لراحة ~~الفكر المضغوط عليه من كل جانب، يتألمون من تذكيرهم بالحقائق، ومطالبتهم ~~بالوظائف، ينتظرون زوال العناد بالتواكل، أو مجرد التمني والدعاء. أو ~~يتربصون صدفة مثل التي نالتها بعض الأمم، فليتوقعوا إذن أن يفقدوا الدين ~~كليا، فيمسوا -وما مساؤهم ببعيد- دهريين، لا يدرون أي الحياتين أشقى، ~~فلينظروا ما حاق بالآشوريين والفينيقيين وغيرهم من الأمم المنقرضة المندمجة # PageV01P112 # في غيرها خدما وخولا. # والأمر الغريب، أن كل الأمم المنحطة من جميع الأديان تحصر بلية انحطاطها ~~السياسي في تهاونها بأمور دينها، ولا ترجو تحسين حالتها الاجتماعية إلا ~~بالتمسك بعروة الدين تمسكا مكينا، ويريدون بالدين العبادة، ولنعم الاعتقاد ~~لو كان يفيد شيئا، لكنه لا يفيد أبدا؛ لأنه قول لا يمكن أن يكون وراءه فعل، ~~وذلك أن الدين ms064 بذر جيد لا شبهة فيه، فإذا صدقت مغرسا طيبا نبت ونما، وإن ~~صادف أرضا قاحلة مات وفات، أو أرضا مغراقا هاف الاستبداد بصرها وبصيرتها، ~~وأفسد أخلاقها ودينها، حتى صارت لا تعرف للدين معنى غير العبادة والنسك ~~اللذين زيادتهما عن حدهما المشروع أضر على الأمة من نقصهما كما هو مشاهد في ~~المتنسكين. # نعم! الدين يفيد الترقي الاجتماعي إذا صادف أخلاقا فطرية لم تفسد، فينهض ~~بها كما نهضت الإسلامية بالعرب، تلك النهضة التي نتطلبها منذ ألف عام عبثا. # وقد علمنا هذا الدهر الطويل -مع الأسف- أن أكثر الناس لا يحفلون بالدين ~~إلا إذا وافق أغراضهم، أو لهوا ورياء، وعلمنا أن الناس عبيد منافعهم وعبيد ~~الزمان، وأن العقل لا يفيد العزم عندهم، إنما العزم عندهم يتولد من الضرورة ~~أو يحصل بالسائق المجبر. ولا يستحي الناس من أن يلزموا أنفسهم باليمين أو ~~النذر. بناء عليه؛ ما أجدر بالأمم المنحطة أن تلتمس دواءها من طريق # PageV01P113 # إحياء العلم وإحياء الهمة مع الاستعانة بالدين والاستفادة منه بمثل: {إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، لا أن يتكلوا على أن الصلاة تمنع الناس ~~عنهما بطبعها. # PageV01P114 ### | الاستبداد والتربية # خلق الله في الإنسان استعدادا للصلاح واستعدادا للفساد، فأبواه يصلحانه، ~~وأبواه يفسدانه؛ أي إن التربية تربو باستعداده جسما ونفسا وعقلا، إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر. وقد سبق أن الاستبداد المشؤوم يؤثر على الأجسام فيورثها ~~الأسقام، ويسطو على النفوس، فيفسد الأخلاق، ويضغط على العقول فيمنع نماءها ~~بالعلم. بناء عليه؛ تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، ~~فكل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته، وهل يتم بناء وراءه ~~هاد؟ # الإنسان لا حد لغايتيه رقيا وانحطاطا. وهذا الإنسان الذي حارت العقول ~~فيه، الذي تحمل أمانة تربية النفس، وقد أبتها العوالم، فأتم خالقه ~~استعداده، ثم أوكله لخيرته، فهو إن يشأ الكمال يبلغ فيه إلى ما فوق مرتبة ~~الملائكة، وإن شاء تلبس بالرذائل حتى أحط من الشياطين، على أن الإنسان أقرب ~~للشر منه للخير. وكفى أن الله ما ذكر الإنسان في القرآن، إلا وقرن اسمه ms065 ~~بوصف قبيح كظلوم وغرور وكفار # PageV01P115 # وجبار وجهول وأثيم. ما ذكر الله تعالى الإنسان في القرآن إلا وهجاه، ~~فقال: {قتل الإنسان ما أكفره}؛ {إن الإنسان لكفور}؛ {إن الإنسان لفي خس}؛ ~~{إن الإنسان ليطغى}؛ {وكان الإنسان عجولا}؛ {خلق الإنسان من عجل}. ما وجد ~~من مخلوقات الله من نازع الله في عظمته، والمستبدون من الإنسان ينازعونه ~~فيها، والمتناهون في الرذالة قد يقبحون عبثا لغير حاجة في النفس حتى وقد ~~يتعمدون الإساءة لأنفسهم. # الإنسان في نشأته كالغصن الرطب، فهو مستقيم لدن بطبعه، ولكنها أهواء ~~التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال الشر، فإذا شب يبس وبقي على أمياله ~~ما دام حيا، بل تبقى روحه إلى أبد الآبدين في نعيم السرور بإيفائه حق وظيفة ~~الحياة أو في جحيم الندم على تفريطه. وربما كان لا غرابة في تشبيه الإنسان ~~بعد الموت بالمرء الفرح الفخور إذا نام ولذت له الأحلام، أو بالمجرم الجاني ~~إذا نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس كلها ملام وآلام. # التربية ملكة تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس، فأهم أصولها ~~وجود المرابين، وأهم فروعها وجود الدين. وجعلت الدين فرعا لا أصلا؛ لأن ~~الدين علم لا يفيد العمل إذا لم يكن مقرونا بالتمرين. وهذا هو سبب اختلاف ~~الأخلاف من علماء الدين عند الإسلام عن أمثالهم من البراهمة والنصارى، وهو ~~سبب إقبال المسلمين في القرن الخامس، وفيما بعده، على قبول أصول الطرائق ~~التي كانت لبا محضا لما كانت تعليما وتمرينا؛ أي تربية للمريدين، ثم خالطها ~~القشر، ثم صارت قشرا محضا، ثم صار أكثرها # PageV01P116 # لهوا أو كفرا. # ملكة التربية بعد حصولها إن كانت شرا تضافرت مع النفس ووليها الشيطان ~~الخناس فرسخت، وإن كانت خيرا تبقى مقلقلة كالسفينة في بحر الأهواء، لا يرسو ~~بها إلا فرعها الديني في السر والعلانية، أو الوازع السياسي عند يقين ~~العقاب. # والاستبداد ريح صرصر فيه إعصار يجهل الإنسان كل ساعة شأنه، وهو مفسد ~~للدين في أهم قسميه؛ أي الأخلاق، أما العبادات منه فلا يمسها لأنها تلائمه ~~أكثر. ولهذا تبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة ms066 عن عبادات مجردة صارت ~~عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئا، ولا تنهى عن فحشاء ولا منكر لفقد ~~الإخلاص فيها تبعا لفقده في النفوس، التي ألفت أن تتلجأ وتتلوى بين يدي ~~سطوة الاستبداد في زوايا الكذب والرياء والخداع والنفاق، ولهذا لا يستغرب ~~في الأسير الأليف تلك الحال؛ أي الرياء، أن يستعمله أيضا مع ربه، ومع أبيه ~~وأمه ومع قومه وجنسه، حتى ومع نفسه. # التربية تربية الجسم وحده إلى سنتين، هي وظيفة الأم أو الحاضنة، ثم تضاف ~~إليها تربية النفس إلى السابعة، وهي وظيفة الأبوين والعائلة معا، ثم تضاف ~~إليها تربية العقل إلى البلوغ، وهي وظيفة المعلمين والمدارس، ثم تأتي تربية ~~القدوة بالأقربين والخلطاء إلى الزواج، وهي وظيفة الصدفة، ثم تأتي تربية ~~المقارنة، وهي وظيفة الزوجين إلى الموت أو الفراق. # ولا بد أن تصحب التربية من بعد البلوغ، تربية الظروف المحيطة، # PageV01P117 # وتربية الهيئة الاجتماعية، وتربية القانون أو سير السياسي، وتربية ~~الإنسان نفسه. # الحكومات المنتظمة هي التي تتولى ملاحظة تسهيل تربية الأمة من حين تكون ~~في ظهور الآباء، وذلك بأن تسن قوانين النكاح، ثم تعتني بوجود القابلات ~~والملقحين والأطباء، ثم تفتح بيوت الأيتام اللقطاء، ثم تعد المكاتب ~~والمدارس للتعليم من الابتدائي الجبري إلى أعلى المراتب، ثم تسهل ~~الاجتماعات، وتمهد المسارح، وتحمي المنتديات، وتجمع المكتبات والآثار، ~~وتقيم النصب المذكرات، وتضع القوانين المحافظة على الآداب والحقوق، وتسهر ~~على حفظ العادات القومية، وإنماء الإحساسات المللية، وتقوي الآمال، وتيسر ~~الأعمال، وتؤمن العاجزين فعلا عن الكسب من الموت جوعا، وتدفع سليمي الأجسام ~~إلى الكسب ولو في أقصى الأرض، وتحمي الفضل وتقدر الفضيلة. وهكذا تلاحظ كل ~~شؤون المرء؛ ولكن، من بعيد، كي لا تخل بحريته واستقلاله الشخصي، فلا تقرب ~~منه إلا إذا جنى جرما لتعاقبه، أو مات لتواريه. # وهكذا، الأمة تحرص على أن يعيش ابنها راضيا بنصيبه من حياته لا يفتكر قط ~~كيف تكون بعده حالة صبية ضعاف يتركهم وراءه، بل يموت مطمئنا راضيا مرضيا ~~آخر دعائه: فلتحي الأمة، فلتحي الهمة. # أما المعيشة الفوضى في الإدارات المستبدة فهي ms067 غنية عن التربية؛ لأنها # PageV01P118 # محض نماء يشبه الأشجار الطبيعية في الغابات والحراش، يسطو عليها الحرق ~~والغرق. وتحطمها العواصف والأيدي القواصف، ويتصرف في فسائلها وفروعها الفأس ~~الأعمى، فتعيش ما شاءت رحمة الحطابين أن تعيش، والخيار للصدفة تعوج أو ~~تستقيم، تثمر أو تعقم. # يعيش الإنسان في ظل العدالة والحرية نشيطا على العمل بياض نهاره، وعلى ~~الفكر سواد ليله، إن طعم تلذذ، وإن تلهى تروح وتريض؛ لأنه هكذا رأى أبويه ~~وأقرباءه، وهكذا يرى قومه الذين يعيش بينهم. يراهم رجالا ونساء، أغنياء ~~وفقراء، ملوكا وصعاليك، كلهم دائبين على الأعمال، يفتخر منهم كاسب الدينار ~~بكده وجده، على مالك المليار إرثا عن أبيه وجده. نعم؛ يعيش العامل ناعم ~~البال يسره النجاح ولا تقبضه الخيبة، إنما ينتقل من عمل إلى غيره، ومن فكر ~~إلى آخر، فيكون متلذذا بآماله إن لم يسارعه السعد في أعماله، وكيفما كان ~~يبلغ العذر عن نفسه والناس بمجرد إيفائه وظيفة الحياة؛ أي العمل. ويكون ~~فرحا فخورا نجح أو لم ينجح، لأنه بريء من عار العجز والبطالة. # أما أسير الاستبداد، فيعيش خاملا خامدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف ~~يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه، كأنه حريص على بلوغ أجله ليستتر ~~تحت التراب. ويخطئ، والله من يظن أن أكثر الأسراء لا سيما منهم الفقراء لا ~~يشعرون بآلام الأسر. مستدلا بأنهم لو كانوا يشعرون لبادروا إلى إزالته، ~~والحقيقة في ذلك أنهم يشعرون بأكثر الآلام ولكنهم # PageV01P119 # لا يدركون ما هو سببها، ومن أين جاءتهم؟ فيرى أحدهم نفسه منقبضا عن ~~العمل، لأنه غير أمين على اختصاصه بالثمرة. وربما ظن السلب حقا طبيعيا ~~للأقوياء فيتمنى أن لو كان منهم. ثم يعمل تارة، ولكن؛ بدون نشاط ولا إتقان، ~~فيفشل ضرورة، ولا يدري أيضا ما السبب، فيغضب على ما يسميه سعدا أو حظا أو ~~طالعا أو قدرا. والمسكين من أين له أن يعرف أن النشاط والإتقان لا يتأتيان ~~إلا مع لذة انتظار نجاح العمل، تلك اللذة التي قدر الحكماء أنها اللذة ~~الكبرى، لاستمرار زمانها من حين العزم إلى تمام العمل، ms068 والأسير لا اطمئنان ~~فيه على الاستمرار، ولا تشجيع له على الصبر والجلد. # الأسير المعذب المنتسب إلى دين يسلي نفسه بالسعادة الأخروية، فيعدها ~~بجنان ذات أفنان ونعيم مقيم أعده له الرحمن، ويبعد عن فكره أن الدنيا عنوان ~~الآخرة، وأن ربما كان خاسرا الصفقتين، بل ذلك هو الكائن غالبا. ولبسطاء ~~الإسلام مسليات أظنها خاصة بهم يعطفون مصائبهم عليها، وهي نحو قولهم: ~~الدنيا سجن المؤمن، المؤمن مصاب، إذا أحب الله عبدا ابتلاه، هذا شأن آخر ~~الزمان، حسب المرء لقيمات يقمن صلبه. ويتناسون حديث: "إن الله يكره العبد ~~البطال"، والحديث المفيد معنى "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسة ~~فليغرسها"، ويتغافلون عن النص القاطع المؤجل قيام الساعة إلى ما بعد ~~استكمال الأرض زخرفتها وزينتها. وأين ذلك بعد؟ # وكل هذه المسميات المثبطات تهون عند ذلك السم القاتل، الذي يحول الأذهان ~~عن التماس معرفة سبب الشقاء، فيرفع المسؤولية عن المستبدين، # PageV01P120 # ويلقيها على عاتق القضاء والقدر، بل على عاتق الأسراء المساكين أنفسهم. ~~وأعني بهذا السم، فهم العوام، وبله الخواص، لما ورد في التوراة من نحو: ~~"اخضعوا للسلطان ولا سلطة إلا من الله"، و"الحاكم لا يتقلد السيف جزافا، ~~إنه مقام للانتقام من أهل الشر"، وقد صاغ وعاظ المسلمين ومحدثوهم من ذلك ~~قولهم: "السلطان ظل الله في الأرض"، و"الظالم سيف الله ينتقم به، ثم ينتقم ~~منه"، و"الملوك ملهمون". هذا وكل ما ورد في هذا المعنى إن صح فهو مقيد ~~بالعدالة أو محتمل للتأويل بما يعقل، وبما ينطبق على حكم الآية الكريمة ~~التي فيها فصل الخطاب، وهي: {ألا لعنة الله على الظالمين}، وآية {فلا عدوان ~~إلا على الظالمين}. # التربية علم وعمل. وليس من شأن الأمم المملوكة شؤونها، أن يوجد فيها من ~~يعلم التربية ولا من يعلمها. حتى إن الباحث لا يرى عند الأسراء علما في ~~التربية مدفونا في الكتب فضلا عن الأذهان. أما العمل، فكيف يتصور وجوده بلا ~~سبق عزم، وهو بلا سبق يقين، وهو بلا سبق علم. وقد ورد في الأثر "النية ~~سابقة العمل". وورد في الحديث: "إنما الأعمال ms069 بالنيات". بناء عليه؛ ما أبعد ~~الناس المغصوبة إرادتهم، المغلولة أيديهم، عن توجيه الفكر إلى مقصد مفيد ~~كالتربية، أو توجيه الجسم إلى عمل نافع كتمرين الوجه على # PageV01P121 # الحياء والقلب على الشفقة. # نعم؛ ما أبعد الأسراء عن الاستعداد لقبول التربية، وهي قصر النظر على ~~المحاسن والعبر، وقصر السمع على الفوائد والحكم، وتعويد اللسان على قول ~~الخير، وتعويد اليد على الإتقان، وتكبير النفس عن السفاسف، وتكبير الوجدان ~~عن نصرة الباطل، ورعاية الترتيب في الشؤون، ورعاية التوفير في الوقت ~~والمال. والاندفاع بالكلية لحفظ الشرف، لحفظ الحقوق، ولحماية الدين، لحماية ~~الناموس، ولحب الوطن، لحب العائلة، ولإعانة العلم، لإعانة الضعيف، ولاحتقار ~~الظالمين، لاحتقار الحياة. على غير ذلك مما لا ينبت إلا في أرض العدل، تحت ~~سماء الحرية، في رياض التربيتين العائلية والقومية. # الاستبداد يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتحيل والخداع والنفاق ~~والتذلل. وإلى مراغمة الحس وإماتة النفس ونبذ الجد وترك العمل، إلى آخره. ~~وينتج من ذلك أن الاستبداد المشؤوم هو يتولى بطبعه تربية الناس على هذه ~~الخصال الملعونة. بناء عليه، يرى الآباء أن تعبهم في تربية الأبناء التربية ~~الأولى على غير ذلك لا بد أن يذهب عبثا تحت أرجل تربية الاستبداد، كما ذهبت ~~قبلها تربية آبائهم لهم، أو تربية غيرهم لأبنائهم سدى. # ثم إن عبيد السلطان التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون ~~على أنهم يربون أولادهم لهم. بل هم يربون أنعاما للمستبدين، وأعوانا لهم ~~عليهم. وفي الحقيقة، إن الأولاد في عهد الاستبداد، هم سلاسل من حديد # PageV01P122 # يرتبط بها الآباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف التضييق. فالتوالد من ~~حيث هو زمن الاستبداد حمق، والاعتناء بالتربية حمق مضاعف! وقد قال الشاعر: # إن دام هذا ولم تحدث له غير لم يبك ميت ولم يفرح بمولود # وغالب الأسراء لا يدفعهم للزواج قصد التوالد، إنما يدفعهم إليه الجهل ~~المظلم، وأنهم حتى الأغنياء منهم محرومون من كل الملذات الحقيقية: كلذة ~~العلم وتعليمه، ولذة المجد والحماية، ولذة الإيثار والبذل، ولذة إحراز مقام ~~في القلوب، ولذة نفوذ الرأي الصائب، ms070 ولذة كبر النفس عند السفاسف، إلى غير ~~ذلك من الملذات الروحية. # أما ملذات هؤلاء التعساء فهي مقصورة على لذتين اثنتين؛ الأولى منها لذة ~~الأكل، وهي جعلهم بطونهم مقابر للحيوانات إن تيسرت، وإلا فمزابل للنباتات، ~~أو بجعلهم أجسامهم في الوجود كما قيل: أنابيب بين المطبخ و (الكنيف)، أو ~~جعلها معامل لتجهيز الأخبثين. واللذة الثانية هي الرعشة باستفراغ الشهوة، ~~كأن أجسامهم خلقت دمامل جرب على أديم الأرض، يطيب لها الحك ووظيفتها توليد ~~الصديد ودفعه. وهذا الشره البهيمي في البعال هو ما يعمي الأسراء ويرميهم ~~بالزواج والتوالد. # العرض -زمن الاستبداد- كسائر الحقوق غير مصون، بل هو معرض لهتك الفساق من ~~المستبدين والأشرار من أعوانهم، فإنهم، كما أخبر القرآن عن الفراعنة، ~~يأسرون الأولاد ويستحيون النساء، خصوصا في الحواضر الصغيرة # PageV01P123 # والقرى المستضعف أهلها. ومن الأمور المشاهدة أن الأمم التي تقع تحت أسر ~~أمة تغايرها في السيماء، لا يمضي عليها أجيال إلا وتغشو فيها سيماء ~~الآسرين: كسواد العيون في الإسبانيول، وبياض البشرة في الأفريقيين. وعدم ~~الاطمئنان على العرض يضعف الحب الذي لا يتم إلا بالاختصاص، ويضعف لصقة ~~الأولاد بأزواج أمهاتهم، فتضعف الغيرة على تحمل مشاق التربية، تلك الغيرة ~~التي لأجلها شرع الله النكاح، وحرم السفاح. # للسعة والفقر أيضا دخل كبير في تسهيل التربية، وأين الأسراء من السعة؟! ~~كما أن لانتظام المعيشة ولو مع الفقر علاقة قوية في التربية، ومعيشة ~~الأسراء أغنياء كانوا أو معدمين، كلها خلل في خلل، وضيق في ضيق، وذلك يجعل ~~الأسير هين النفس، وهذا أول دركات الانحطاط، يرى ذاته لا يستحق المزيد في ~~النعيم مطعما ومشربا وملبسا ومسكنا، وهذا ثاني الدركات ويرى استعداده قاصرا ~~عن الترقي في العلم، وهذا ثالثها، ويرى حياته على بساطتها لا تقوى إلا ~~بمعاونة غيره له، وهذا رابعها، وهلم جرا!. # بناء عليه؛ ما أبعد الأسراء عن النشاط للتربية، ثم لماذا يتحملون مشاق ~~التربية، وهم إن نوروا أولادهم بالعلم جنوا عليهم بتقوية إحساسهم، ~~فيزيدونهم شقاء، ويزيدونهم بلاء، ولهذا لا غرو أن يختار الأسراء الذين فيهم ~~بقية من الإدراك، ترك أولادهم هملا ms071 تجرفهم البلاهة إلى حيث تشاء. # وإذا افتكرنا كيف ينشأ الأسير في البيت الفقير، وكيف يتربى، نجد أنه يلقح ~~به، وفي الغالب أبواه متناكدان متشاكسان، ثم إذا تحرك جنينا # PageV01P124 # حرك شراسة أمه فتشتمه، أو زاد آلام حياتها فتضربه، فإذا ما ضيقت عليه ~~بطنها لإلفتها الانحناء خمولا والتصرر صغارا، والتقلص لضيق فراش الفقر، ~~ومتى ولدته ضغطت عليه بالقماط اقتصادا وجهلا، فإذا تألم وبكى سدت فمه ~~بثديها، أو قطعت نفسه خضا أو بدوار السرير، أو سقته مخدرا عجزا عن نفقة ~~الطبيب، فإذا ما فطم، يأتيه الغذاء الفاسد يضيق معدته، ويفسد مزاجه، فإذا ~~كان قوي البنية طويل العمر وترعرع، يمنع من رياضة اللعب لضيق البيت، فإذا ~~سأل واستفهم ماذا وما هذا ليتعلم، يزجر ويلكم لضيق خلق أبويه، وإن جالسهما ~~ليألف المعاشرة، وينتفي عنه التوجس يبعدانه كي لا يقف على أسرارهما، ~~فيسترقها منه الجيران الخلطاء، فتنمى أعوان الظالمين وما أكثرهم، فإذا قويت ~~رجلاه يدفع به إلى خارج الباب، إلى مدرسة الإلفة على القذارة، وتعلم صيغ ~~الشتائم والسباب، فإن عاش ونشأ وضع في مكتب أو عند ذي صنعة، فيكون أكبر ~~القصد ربطه عن السراح والمراح. فإذا بلغ الشباب، ربطه أولياؤه على وتد ~~الزواج كي لا يفر من مشاكلتهم في شقاء الحياة، ليجني هو على نسله كما جنى ~~عليه أبواه، ثم هو يتولى التضييق على نفسه بأطواق الجهل وقيود الخوف، ~~ويتولى المستبدون التضييق على عقله ولسانه وعمله وأمله. # وهكذا يعيش الأسير في حين يكون نسمة في ضيق وضغط، يهرول ما بين عتبة هم ~~ووادي غم، يودع سقما ويستقبل سقما إلى أن يفوز بنعمة الموت مضيعا دنياه مع ~~آخرته، فيموت غير آسف ولا مأسوف عليه. # PageV01P125 # وما أظلم من يؤاخذ الأسراء على عدم اعتنائهم بلوازم الحياة. فالنظافة ~~مثلا: لماذا يهتم بها الأسير؟ هل لأجل صحته وهو في مرض مستمر؟ أم لأجل لذته ~~وهو المتألم كيفما تقلب جسمه أو نظره؟ أم لأجل ذوق من يجالس أو يؤاكل، وهو ~~من عفت نفسه صحبة الحياة؟ # ولا يظنن المطالع أن حالة أغنياء الأسراء ms072 هي أقل شرا من هذا؛ كلا، بل هم ~~أشقى وأقل عافية، وأقصر عمرا من هذا، إذا نقصتهم بعض المنغصات، تزيد فيهم ~~مشاق التظاهر بالراحة والرفاه والعزة والمنعة، تظاهرا إن صح قليله فكثيره ~~الكاذب حمل ثقيل على عواتقهم كالسكران يتصاحى فيبتلى بالصداع، أو كالعاهرة ~~البائسة تتضاحك لترضي الزاني. # حياة الأسير تشبه حياة النائم المزعوج بالأحلام، فهي حياة لا روح فيها، ~~حياة وظيفتها تمثيل مندرسات الجسم فقط، ولا علاقة لها بحفظ المزايا ~~البشرية، وبناء على هذا؛ كان فاقد الحرية لا أنانية له لأنه ميت بالنسبة ~~لنفسه، حي بالنسبة لغيره؛ كأنه لا شيء في ذاته، إنما هو شيء بالإضافة. ومن ~~كان وجوده في الوجود بهذه الصورة وهي الفناء في المستبدين، حق له أن لا ~~يشعر بوظيفة شخصية فضلا عن وظيفة اجتماعية. ولولا أن ليس في الكون شيء غير ~~تابع لنظام حتى الجماد، حتى فلتات الطبيعة والصدف التي هي مسببات لأسباب ~~نادرة، لحكمنا بأن معيشة الأسراء هي محض فوضى، لا شبه فوضى. # على أن التدقيق العميق، يفيدنا بأن للأسراء، قوانين غريبة في مقاومة # PageV01P126 # الفناء يصعب ضبطها وتعريفها، إنما الأسير يرضعها مع لبن أمه، ويتربى ~~عليها، وقد يبدع فيها بسائق الحاجة، ويكون منهم الحاذق فيها علما، الماهر ~~في تطبيقها عملا، هو الموفق في ميدان حرب الحياة مع الذل، كالهنود واليهود. ~~والعاجز عنها، إما جاهل هذا القانون أو العاجز فطرة عن اتباعه كالعرب مثلا، ~~فلا يخرج عن كونه كرة يلعب بها صبيان الاستبداد، تارة يضربون بها الأرض أو ~~الحيطان، وأما إذا كان عجزه كما يقال عن عرق هاشمي، أي عن شيء من كرامة نفس ~~أو قوة إحساس أو جسارة جنان، فيكون كالحجارة تتكسر ولا تلين. # قوانين حياة الأسير هي مقتضيات الشؤون المحيطة به، التي تضطره لأن يطبق ~~إحساساته عليها، ويدبر نفسه على موجبها، وذلك نحو مقابلة التجبر عليه ~~بالتذلل والتصاغر، وتعديل الشدة عليه بالتلاين والمطاوعة، وإعطاء المطلوب ~~منه بعد قليل من التمنع، ولو أن المطلوب هو ابنه لمجزرة الجندية أو ابنته ~~لفراش شيخ شرير، والمطالبة في ms073 الحقوق بصفة استعطاف كأنه طالب صدقة، وكسب ~~المعاش مع شكاية الحاجة، وحفظ المال بإخفائه عن الأعين، والتعامي عن زلات ~~المستبدين، والتصامم عن سماع ما يهان به، والتظاهر بفقد الحس أو تعطيله ~~بالمخدرات القوية كالأفيون والحشيش، وتعطيل العقل بالتباله وستر العلم ~~بالتجاهل، والارتداء بالتدين والرياء، وتعويد اللسان على الزلاقة في عبائر ~~التصاغر والتملق، وعزو كل خير إلى فضل المستبدين حتى إذا كان # PageV01P127 # الخير طبيعيا نحو مطر السماء، فعزوه إلى يمن الحكام أو دعاء الكهنة. ~~ويسند كل شر ولو من نوع التسلط على الأعراض، على الاستحقاق من جانب الله. ~~إلى غير ذلك من أحكام ذلك القانون، الذي رؤوس مسائله فقط تمل القارئ فضلا ~~عن تفصيلاتها. # إن أخوف ما يخافه الأسير هو أن يظهر عليه أثر نعمة الله في الجسم أو ~~المال، فتصيبه عين الجواسيس (وهذا أصل عقيدة إصابة العين)! أو أن يظهر له ~~شأن في علم أو جاه أو نعمة مهمة، فيسعى به حاسدوه إلى المستبد (وهذا أصل شر ~~الحسد الذي يتعوذ منه)! وقد يتحيل الأسير على حفظ ماله الذي لا يمكنه ~~إخفاؤه كالزوجة الجميلة، أو الدابة الثمينة، أو الدار الكبيرة، فيحميها ~~بإسناد الشؤم، (وهذا أصل التشاؤم بالأقدام والنواصي والأعتاب). # ومن غريب الأحوال أن الأسراء يبغضون المستبد، ولا يقوون على استعمالهم ~~معه البأس الطبيعي الموجود في الإنسان إذا غضب، فيصرفون بأسهم في وجهة أخرى ~~ظلما: فيعادون من بينهم فئة مستضعفة، أو الغرباء، أو يظلمون نساءهم ونحو ~~ذلك. ومثلهم في ذلك مثل الكلاب الأهلية، إذا أريد منها الحراسة والشراسة، ~~فأصحابها يربطونها نهارا ويطلقونها ليلا فتصير شرسة عقورة، وبهذا التعليل ~~تعلل جسارة الأسراء أحيانا في محارباتهم، لا أنها جسارة عن شجاعة. وأحيانا ~~تكون جسارة الأسراء عن التناهي في الجبانة أمام المستبد الذي يسوقهم إلى ~~الموت، فيطيعونه انذعارا كما تطيع الغنمة الذئب # PageV01P128 # فتهرول بين يديه إلى حيث يأكلها. # وقد اتضح مما تقدم أن التربية غير مقصودة، ولا مقدورة في ظلال الاستبداد ~~إلا ما قد يكون بالتخويف من القوة القاهرة، وهذا النوع يستلزم انخلاع ~~القلوب لا ms074 تزكية النفوس. وقد أجمع علماء الاجتماع والأخلاق والتربية على أن ~~الإقناع خير من الترغيب فضلا عن الترهيب، وإن التعليم مع الحرية بين المعلم ~~والمتعلم أفضل من التعليم مع الوقار، وأن التعليم عن رغبة في التكمل أرسخ ~~من العلم الحاصل طمعا في المكافأة، أو غيرة من الأقران. وعلى هذه القاعدة ~~بنوا قولهم: إن المدارس تقلل الجنايات لا السجون، وقولهم: إن القصاص ~~والمعاقبة قلما يفيدان في زجر النفس كما قال الحكيم العربي: # لا ترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر # ومن يتأمل جيدا في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} ~~ملاحظا أن معنى القصاص لغة: هو التساوي مطلقا، لا مقصورا على المعاقبة ~~بالمثل في الجنايات فقط، ويدقق النظر في القرآن الكريم وسائر الكتب ~~السماوية، ويتبع مسالك الرسل العظام -عليهم الصلاة والسلام- يرى أن ~~الاعتناء في طريق الهداية فيها منصرف إلى الإقناع، ثم إلى الأطماع عاجلا أو ~~آجلا، ثم إلى الترهيب الآجل غالبا ومع ترك أبواب تدلي إلى النجاة. # PageV01P129 # ثم إن التربية التي هي ضالة الأمم، وفقدها هي المصيبة العظيمة، التي هي ~~المسألة الاجتماعية؛ حيث الإنسان يكون إنسانا بتربيته، وكما يكون الآباء ~~يكون الأبناء، وكما تكون الأفراد تكون الأمة، والتربية المطلوبة هي التربية ~~المرتبة على إعداد العقل للتمييز، ثم على حسن التفهيم والإقناع، ثم على ~~تقوية الهمة والعزيمة، ثم على التمرين والتعويد، ثم على حسن القدوة ~~والمثال، ثم على المواظبة والإتقان، ثم على التوسط والاعتدال، وأن تكون ~~تربية العقل مصحوبة بتربية الجسم، لأنهما متصاحبان صحة واعتلالا، فإنه ~~يقتضي تعويد الجسم على النظافة وعلى تحمل المشاق، والمهارة في الحركات، ~~والتوقيت في النوم والغذاء والعبادة، والترتيب في العمل وفي الرياضة ~~والراحة. وأن تكون تلكما التربيتين مصحوبتين أيضا بتربية النفس على معرفة ~~خالقها ومراقبته والخوف منه. فإذا كان لا مطمع في التربية العامة على هذه ~~الأصول بمانع طبيعة الاستبداد، فلا يكون لعقلاء المبتلين به إلا أن يسعوا ~~أولا وراء إزالة المانع الضاغط على هذه العقول، ثم بعد ذلك يعتنوا ~~بالتربية؛ حيث ms075 يمكنهم حينئذ أن ينالوها على توالي البطون، والله الموفق. # PageV01P130 ### | الاستبداد والترقي # الحركة سنة دائبة في الخليقة بين شخوص وهبوط. فالترقي هو الحركة الحيوية؛ ~~أي حركة الشخوص، ويقابله الهبوط وهو الحركة إلى الموت أو الانحلال أو ~~الاستحالة أو الانقلاب. # وهذه السنة كما هي عاملة في المادة وأعراضها، عاملة أيضا في الكيفيات ~~ومركباتها، والقول الشارح لذلك آية: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي}، وحديث: "ما تم أمر إلا وبدا نقصه"، وقولهم: "التاريخ يعيد نفسه". ~~وحكمهم بأن الحياة والموت حقان طبيعيان. # وهذه الحركة الجسمية والنفسية والعقلية لا تقتضي السير إلى النهاية شخوصا ~~أو هبوطا؛ بل هي أشبه بميزان الحرارة، كل ساعة في شأن، والعبرة في الحكم ~~للوجهة الغالبة، فإذا رأينا آثار حركة الترقي هي الغالبة على أفرادها، ~~حكمنا لها بالحياة، ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت. # الأمة هي مجموعة أفراد يجمعها نسب أو وطن أو لغة أو دين، كما أن البناء ~~مجموع أنقاض، فحسبما تكون الأنقاض جنسا وجمالا وقوة يكون # PageV01P131 # البناء، فإذا ترقت أو انحطت الأمة ترقت هيئتها الاجتماعية، حتى إن حالة ~~الفرد الواحد من الأمة تؤثر في مجموع تلك الأمة. كما إذا لو اختلت حجرة من ~~حصن يختل مجموعه وإن كان لا يشعر بذلك، كما لو وقفت بعوضة على طرف سفينة ~~عظيمة أثقلتها وأمالتها وإن لم يدرك ذلك بالمشاعر. وبعض السياسيين بنى على ~~هذه القاعدة: أنه يكفي الأمة رقيا أن يجتهد كل فرد منها في ترقية نفسه بدون ~~أن يفتكر في ترقي مجموع الأمة. # الترقي الحيوي الذي يجتهد فيه الإنسان بفطرته وهمته هو أولا: الترقي في ~~الجسم صحة وتلذذا، ثانيا: الترقي في القوة بالعلم والمال، ثالثا: الترقي في ~~النفس بالخصال والمفاخر، رابعا: الترقي بالعائلة استئناسا وتعاونا، خامسا: ~~الترقي بالعشيرة تناصرا عند الطوارئ، سادسا: الترقي بالإنسانية، وهذا منتهى ~~الترقي. # وهناك نوع آخر من الترقي ويتعلق بالروح وبالكمال، وهو أن الإنسان يحمل ~~نفسا ملهمة بأن لها وراء حياتها هذه حياة أخرى يترقى بها على سلم العدل ~~والرحمة والحسنات. فأهل الأديان -ما ms076 عدا أهل التوراة- يؤمنون بالبعث أو ~~التناسخ، فيأتون بالعدل والرحمة رجاء المكافأة أو خوف المجازاة، وهم من ~~قبيل الطبيعيين يعتبرون أنفسهم مدينين للإنسانية بحفظها تاريخ الحياة ~~الطبيعية، فيلتزمون بخدمتها اهتماما بحياتهم التاريخية بحسن الذكر أو قبحه. # وهذه الترقيات، على أنواعها الستة، لا يزال الإنسان يسعى وراءها ما لم ~~يعترضه مانع غالب يسلب إرادته، وهذا المانع إما هو القدر المحتوم، المسمى # PageV01P132 # عند البعض بالعجز الطبيعي، أو هو الاستبداد المشؤوم. على أن القدر يصدم ~~سير الترقي لمحة، ثم يطلقه فيكر راقيا. وأما الاستبداد فإنه يقلب السير من ~~الترقي إلى الانحطاط، ومن التقدم إلى التأخر، من النماء إلى الفناء، ويلازم ~~الأمة ملازمة الغريم الشحيح، ويفعل فيها دهرا طويلا أفعاله التي تقدم وصف ~~بعضها في الأبحاث السابقة، أفعاله التي تبلغ بالأمة حطة العجماوات فلا ~~يهمها غير حفظ حياتها الحيوانية فقط، بل قد تبيح حياتها هذه الدنيئة أيضا ~~الاستبداد إباحة ظاهرة أو خفية. ولا عار على الإنسان أن يختار الموت على ~~الذل، وهذه سباع الطير والوحوش إذا أسرت كبيرة قد تأبى الغذاء حتى الموت. # وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى ~~التسفل، بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور، ~~وإذا ألزمت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أطلق سراحها. ~~عندئذ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة، فلا ينفك ~~عنها حتى تموت ويموت هو بموتها. # وتوصف حركة الترقي والانحطاط في الشؤون الحيوية للإنسان؛ أنها من نوع ~~الحركة الدودية، التي تحصل بالاندفاع والانقباض، وذلك أن الإنسان يولد وهو ~~أعجز حراكا وإدراكا من كل حيوان، ثم يأخذ في السير، تدفعه الرغائب النفسية ~~والعقلية وتقبضه الموانع الطبيعية والمزاحمة. وهذا سر أن الإنسان ينتابه ~~الخير والشر. وهو سر ما ورد في القرآن الكريم من # PageV01P133 # ابتلاء الله الناس بالخير والشر، وهو معنى ما ورد في الأثر بأن الخير ~~مربوط بذيل الشر، والشر مربوط بذيل الخير، وهو المراد من أقوال الحكماء ~~نحو: على قدر النعمة تكون النقمة، ms077 على قدر الهمم تأتي العزائم، بين السعادة ~~والشقاء حرب سجال، العاقل من يستفيد من مصيبته، والكيس من يستفيد من مصيبته ~~ومصيبة غيره، والحكيم من يبتهج بالمصائب ليقطف منها الفوائد، ما كان في ~~الحياة لذة لو لم يتخللها آلام. # فإذا تقرر هذا فليعلم أيضا أن سبيل الإنسان هو الرقي، ما دام جناحا ~~الاندفاع والانقباض فيه متوازيين كتوازن الإيجابية والسلبية في الكهربائية، ~~وسبيله القهقرى إن غلبته الطبيعة أو المزاحمة. ثم إن الاندفاع إذا غلب فيه ~~العقل النفس، كانت الوجهة إلى الحكمة، وإن غلبت النفس العقل، كانت الوجهة ~~إلى الزيغ. أما الانقباض؛ فالمعتدل منه هو السائق للعمل، والقوي منه مهلك ~~للحركة، والاستبداد المشؤوم الذي نبحث فيه هو قابض ضاغط مسكن، والمبتلون به ~~هم المساكين. نعم: أسراء الاستبداد أحق بوصف المساكين من عجزة الفقراء. # ولو ملك الفقهاء حرية النظر لخرجوا من الاختلاف في تعريف المساكين الذين ~~جعل لهم الله نصيبا من الزكاة فقالوا: هم عبيد الاستبداد، ولجعلوا كفارات ~~فك الرقاب تشمل هذا الرق الأكبر. # أسراء الاستبداد حتى الأغنياء منهم كلهم مساكين لا حراك فيهم، يعيشون ~~منحطين في الإدراك، منحطين في الإحساس، منحطين في الأخلاق. # PageV01P134 # وما أظلم توجيه اللوم عليهم بغير لسان الرأفة والإرشاد، وقد أبدع من شبه ~~حالتهم بدود تحت صخرة، فما أليق باللائمين أن يكونوا مشفقين يسعون في رفع ~~الصخرة ولو حتا بالأظافر ذرة بعد ذرة. # وقد أجمع الحكماء على أن أهم ما يجب عمله على الآخذين بيد الأمة، الذين ~~فيهم نسمة مروءة وشرار حمية، الذين يعرفون ما هي وظيفتهم بإزاء الإنسانية، ~~الملتمسين لإخوانهم العافية، أن يسعوا في رفع الضغط عن العقول لينطلق ~~سبيلها في النمو فتمزق غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف، شأن الطبيب في ~~اعتنائه أولا بقوة جسم المريض، وأن يكون الإرشاد متناسبا مع الغفلة خفة ~~وقوة: كالساهي ينبهه الصوت الخفيف، والنائم يحتاج إلى صوت لأقوى، والغافل ~~يلزمه صياح وزجر. فالأشخاص من هذا النوع الأخير، يقتضي لإيقاظهم الآن بعد ~~أن ناموا أجيالا طويلة أن يسقيهم النطاسي البارع مرا من الزواجر والقوارس ~~علهم ms078 يفيقون، وإلا فهم لا يفيقون، حتى يأتي القضاء من السماء: فتبرق ~~السيوف، وترعد المدافع وتمطر البنادق، فحينئذ يصحون، ولكن؛ صحوة الموت!. # بعض الاجتماعيين في الغرب يرون أن الدين يؤثر على الترقي الإفرادي، ثم ~~الاجتماعي تأثيرا معطلا كفعل الأفيون في الحس، أو حاجبا كالغيم يغشى نور ~~الشمس. وهناك بعض الغلاة يقولون: الدين والعقل ضدان متزاحمان في الرؤوس، ~~وإن أول نقطة من الترقي تبتدئ عند آخر نقطة من الدين. وإن أصدق ما يستدل به ~~على مرتبة الرقي والانحطاط في الأفراد أو في الأمم # PageV01P135 # الغابرة والحاضرة، هو مقياس الارتباط بالدين قوة وضعفا. # هذه الآراء كلها صحيحة لا مجال للرد عليها، ولكن؛ بالنظر إلى الأديان ~~الخرافية أساسا أو التي لم تقف عند حد الحكمة، كالدين المبني على تكليف ~~العقل بتصور أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد. لأن مجرد الإذعان لما يعقل ~~برهان على فساد بعض مراكز العقل، ولهذا أصبح العالم المتمدن يعد الانتساب ~~إلى هذه العقيدة من العار؛ لأنه شعار الحمق. # أما الأديان المبنية على العقل المحض كالإسلام الموصوف بدين الفطرة، ولا ~~أعني بالإسلام ما يدين به أكثر المسلمين الآن، إنما أريد بالإسلام: دين ~~القرآن؛ أي الدين الذي يقوى على فهمه من القرآن كل إنسان غير مقيد الفكر ~~بتفصح زيد أو تحكم عمرو. # فلا شك أن الدين إذا كان مبنيا على العقل، يكون أفضل صارف للفكر عن ~~الوقوع في مصائد المخرفين، وأنفع وازع بضبط النفس من الشطط، وأقوى مؤثر ~~لتهذيب الأخلاق، وأكبر معين على تحمل مشاق الحياة، وأعظم منشط على الأعمال ~~المهمة الخطرة. وأجل مثبت على المبادئ الشريفة، وفي النتيجة يكون أصح مقياس ~~يستدل به على الأحوال النفسية في الأمم والأفراد رقيا وانحطاطا. # هذا القرآن الكريم إذا أخذناه وقرأناه بالتروي في معاني ألفاظه العربية ~~وأسلوب تركيبه القرشي، مع تفهم أسباب نزول آياته وما أشارت إليه، ومع ~~التبصر في مقاصده الدقيقة وتشريعه السامي، ومع أخذ بعض # PageV01P136 # التوضيحات من السنة العملية النبوية أو الإجماع إن وجدا، وقلما يوجدان، ~~فحينئذ لا نرى فيه من أوله إلى آخره غير ms079 حكم يتلقاها العقل بالإجلال ~~والإعظام، إلى درجة انقياد العقل طوعا أو كرها للإيمان إجمالا بأن تلك ~~الحكم حكم عزيزة إلهية، وأن الذي أنزلها الله على قلبه هو افضل من أرسله ~~الله مرشدا لعباده. # وتوضيح ذلك: أن الناظر في القرآن حق النظر يرى أنه لا يكلف الإنسان قط ~~بالإذعان لشيء فوق العقل، بل يحذره وينهاه من الإيمان اتباعا لرأي الغير أو ~~تقليدا للآباء. ويراه طافحا بالتنبيه إلى أعمال الإنسان فكره ونظره في هذه ~~الكائنات وعظيم انتظامها، ثم الاستدلال بذلك إلى أن لهذه الكائنات صانعا ~~أبدعها من العدم، ثم الانتقال إلى معرفة الصفات التي يستلزم العقل أن يكون ~~هذا الصانع متصفا بها، أو منزها عنها، ثم يرى القرآن يعلم الإنسان بعض ~~أعمال وأحكام وأوامر ونواهي كلها لا تبلع المائة عددا، وكلها بسيطة معقولة، ~~إلا قليلا من الأمور التعبدية التي شرعت لتكون شعارا يعرف به المسلم أخاه، ~~أو يستطلع من خلال قيامه بها أو تهاونه فيها أخلاقه، فيستدل مثلا بالتكاسل ~~عن الصلاة على فقد النشاط، وبترك الصوم على عدم الصبر، وبالسكر على غلبة ~~النفس والعقل ونحو ذلك. # وكفى بالإسلامية رقيا في التشريع، رقيها بالبشر إلى منزلة حصرها أسارة ~~الإنسان في جهة شريفة واحدة وهي (الله)، وعتقها عقل البشر عن توهم وجود قوة ~~ما، في غير الله، من شأنها أن تأتي للإنسان بخير ما، أو تدفع عنه # PageV01P137 # شرا ما. فالإسلامية تجعل الإنسان لا يرجو ولا يهاب من رسول أو نبي، أو ~~ملك أو فلك، أو ولي أو جني، أو ساحر أو كاهن، أو شيطان أو سلطان. # وأعظم بهذا التعليم الذي يرمي الإنسان عن عاتقه جبالا من الخوف والأوهام ~~والخيالات، جبالا اعتقلها منذ كان يسرح مع الغيلان، أو ورثها من أبيه آدم ~~الذي طغاه شيطان النفس. أو ليس العتيق من الأوهام يصبح صحيح العقل، قوي ~~الإرادة، ثابت العزيمة، قائده الحكمة، سائقه الوجدان، فيعيش حرا، فرحا ~~صبورا فخورا. لا يبالي حتى بالموت لعلمه بالسعادة التي يستقبلها، التي ~~يمثلها له القرآن بالجنان، فيها الروح والريحان، والحور والغلمان، ms080 فيها كل ~~مل تشتهي الأنفس وتقر به العينان؟! # وأظن أن هؤلاء المنكرين فائدة الدين، ما أنكروا ذلك إلا من عدم اطلاعهم ~~على دين صحيح مع يأسهم من إصلاح ما لديهم، عجزا عن مقاومة أنصار الفساد. ~~وإذا نظرنا في أن هؤلاء أنفسهم هم في آن واحد يشددون النكير على الدين من ~~جهة، قائلين: إن ضرره أكبر من نفعه، ويهيجون من جهة أخرى مؤثرات أدبية ~~وهمية محضا يرون أنه لا بد منه في بناء الأمم، وذلك مثل حب الوطن وخيانته، ~~وحب الإنسانية والإساءة إليها والسمعة الحسنة وعكسها، والذكر التاريخي ~~بالخير أو الشر ونحو ذلك مما هو لا شيء في ذاته، ولا شيء أيضا بالنسبة إلى ~~تأثير طاعة الله والخوف منه، لأن (الله) حقيقة لا ريب فيها، بل ولا خلاف ~~إلا في الأسماء بين (الله) وبين (مادة) أو (طبيعة). ولولا أن الماديين ~~والطبيعيين يأبون الاسترسال في البحث في # PageV01P138 # صفات ما يسمونه مادة أو طبيعة، لالتقوا -ولا شك- مع الإسلام في نقطة ~~واحدة، فارتفع الخلاف العلمي وأسلم الكل لله. # وعلى ذكر اللوم الإرشادي لاح لي أن أصور الرقي والانحطاط في النفس، وكيف ~~ينبغي للإنسان العاقل أن يعاني إيقاظ قومه، وكيف يرشدهم إلى أنهم خلقوا ~~لغير ما هم عليه من الصبر على الذل والسفالة، فيذكرهم، ويحرك قلوبهم، ~~ويناجيهم، وينذرهم بنحو الخطابات الآتية: # "يا قوم: ينازعني والله الشعور، هل موقفي هذا في جمع حي فأحييه بالسلام؟ ~~أم أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة؟ يا هؤلاء، لستم بأحياء عاملين، ~~ولا أموات مستريحين، بل أنتم بين بين: في برزخ يسمى التنبت، ويصرح تشبيهه ~~بالنوم! يا رباه: إني أرى أشباح أناس يشبهون ذوي الحياة، وهم في الحقيقة ~~موتى لا يشعرون، بل هم موتى؛ لأنهم لا يشعرون". # "يا قوم: هداكم الله، إلى متى هذا الشقاء المديد والناس في نعيم مقيم، ~~وعز كريم، أفلا تنظرون؟ وما هذا التأخر، وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل، ~~حتى صار ما بعد ورائكم أماما! أفلا تتبعون؟ وما هذا الانخفاض والناس في أوج ~~الرفعة، أفلا تغارون؟ أناشدكم الله؛ ms081 هل طابت لكم طول غيبة الصواب عنكم؟ أم ~~أنتم كأهل ذلك الكهف ناموا ألف عام ثم قاموا، وإذا بالدنيا غير الدنيا، ~~والناس غير الناس، فأخذتهم الدهشة والتزموا السكون؟ ". # PageV01P139 # "يا قوم: وقاكم الله من الشر، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة، ~~مبتلون بداء التقليد والتبعية في كل فكر وعمل، وبداء الحرص على كل عتيق ~~كأنكم خلقتم للماضي لا للحاضر: تشكون حاضركم وتسخطون عليه، ومن لي أن ~~تدركوا أن حاضركم نتيجة ماضيكم، ومع ذلك أراكم تقلدون أجدادكم في الوساوس ~~والخرافات والأمور السافلات فقط، ولا تقلدونهم في محامدهم! أين الدين؟ أين ~~التربية؟ أين الإحساس؟ أين الغيرة؟ أين الجسارة؟ أين الثبات؟ أين الرابطة؟ ~~أين المنعة؟ أين الشهامة؟ أين النخوة؟ أين الفضيلة؟ أين المواساة؟ هل ~~تسمعون؟ أم أنتم صم لاهون؟ " # يا قوم: عافاكم الله، إلى متى هذا النوم؟ وإلى متى هذا التقلب على فراش ~~البأس ووسادة اليأس؟ أنتم مفتحة عيونكم ولكنكم نيام، لكم أبصار ولكنكم لا ~~تنظرون، وهكذا لا تعمى الأبصار، ولكن؛ تعمى القلوب التي في الصدور! لكم سمع ~~ولسان ولكنكم صم بكم، ولكم شبيه الحس ولكنكم لا تشعرون به ما هي اللذائذ ~~حقا وما هي الآلام، ولكم رؤوس كبيرة ولكنها مشغولة بمزعجات الأوهام ~~والأحلام، ولكم نفوس حقها أن تكون عزيزة، ولكن؛ أنتم لا تعرفون لها قدرا ~~ومقاما". # "يا قوم: قاتل الله الغباوة، فإنها تملأ القلوب رعبا من لا شيء، وخوفا من ~~كل شيء، وتفعم الرؤوس تشويشا وسخافة. أليست هي الغباوة جعلتكم كأنكم قد ~~مسكم الشيطان، فتخافون من ظلكم وترهبون من قوتكم، وتجيشون منكم عليكم جيوشا ~~ليقتل بعضكم بعضا؟ تترامون على الموت خوف الموت، # PageV01P140 # وتحسبون -طول العمر- فكركم في الدماغ ونطقكم في اللسان وإحساسكم في ~~الوجدان خوفا من أن يسجنكم الظالمون، وما يسجنون غير أرجلكم أياما، فما ~~بالكم يا أحلاس النساء مع الذل تخافون أن تصيروا جلاس الرجال في السجون؟ " # "يا قوم: أعيذكم بالله من فساد الرأي، وضياع الحزم، وفقد الثقة بالنفس، ~~وترك الإرادة للغير، فهل ترون أثرا للرشد في أن يوكل الإنسان عنه وكيلا ms082 ~~ويطلق له التصرف في ماله وأهله، والتحكم في حياته وشرفه والتأثير على دينه ~~وفكره، مع تسليف هذا الوكيل العفو عن كل عبث وخيانة وإسراف وإتلاف؟ أم ترون ~~أن هذا النوع من الجنة به أن يظلم الإنسان نفسه؟ هل خلق الله لكم عقولا ~~لتفهموا به كل شيء؟ أم لتهملوه كأنه لا شيء؟ {إن الله لا يظلم الناس شيئا ~~ولكن الناس أنفسهم يظلمون}. # "يا قوم: شفاكم الله، قد ينفع اليوم الإنذار واللوم، وأما غدا إذا حل ~~القضاء، فلا يبقى لكم غير الندب والبكاء. فإلى متى هذا التخادع والتخاذل؟ ~~وإلى متى هذا الإهمال؟ هل طاب لكم النوم على الوسادة اللينة، وسادة الخمول؟ ~~أم طاب لكم السكون وتودون لو تسكنون القبور؟ أم عاهدتم أنفسكم أن تصلوا ~~غفلة الحياة بالممات، فلا تفيقوا من السبات قبل صباح يوم النشور، يوم تعلو ~~السيوف رقابكم وتصمي المدافع آذانكم فتمسون الأذلاء حقا، وحق لكم أن تذلوا؟ ~~". # "يا قوم: رحمكم الله، ما هذا الحرص على حياة تعيسة دنيئة لا تملكونها # PageV01P141 # ساعة! ما هذا الحرص على الراحة الموهومة وحياتكم كلها تعب ونصب! هل لكم ~~في هذا الصبر فخر أو لكم عليه أجر؟ كلا؛ والله ساء ما تتوهمون، ليس لكم إلا ~~القهر في الحياة، وقبيح الذكر بعد الممات؛ لأنكم ما أفدتم الوجود شيئا. بل ~~أتلفتم ما ورثتم عن السلف وصرتم بئس الواسطة للخلف. ألستم يا ناس مديونين ~~للأسلاف بكل ما أنتم فيه من الترقي عن إنسان الغابات؟ فإذا لم تكونوا أهلا ~~للمزيد فكونوا أخلا للحفظ، وهذه العجماوات تنقل رقيها لنسلها بأمانة". # "يا قوم: حماكم الله، قد جاءكم المستمتعون من كل حدب ينسلون، فإن وجدوكم ~~أيقاظا عاملوكم كما يتعامل الجيران ويتجامل الأقران، وإن وجدوكم رقودا لا ~~تشعرون سلبوا أموالكم، وزاحموكم على أرضكم، وتحيلوا تذليلكم، وأوثقوا ~~ربطكم، واتخذوكم أنعاما، وعندئذ لو أردتم حراكا لا تقوون، بل تجدون القيود ~~مشدودة والأبواب مسدودة لا نجاة ولا مخرج". # "يا قوم: هون الله مصابكم، تشكون من الجهل ولا تنفقون على التعليم نصف ما ~~تصرفون على التدخين، تشكون من ms083 الحكام، وهم اليوم منكم، فلا تسعون في ~~إصلاحهم، تشكون فقد الرابطة، ولكم روابط من وجوه لا تفكرون في إحكامها. ~~تشكون الفقر ولا سبب له غير الكسل. هل ترجون الصلاح وأنتم يخادع بعضكم بعضا ~~ولا تخدعون إلا أنفسكم؟. ترضون بأدنى المعيشة عجزا تسمونه قناعة، وتهملون ~~شؤونكم تهاونا تسمونه توكلا! # PageV01P142 # تموهون على جهلكم الأسباب بقضاء الله وتدفعون عار المسببات بعطفها على ~~القدر، ألا والله ما هذا شأن البشر! ". # "يا قوم: سامحكم الله، لا تظلموا الأقدار، وخافوا غيرة المنعم الجبار. ~~ألم يخلقكم أكفاء أحرارا طلقاء لا يثقلكم غير النور والنسيم، فأبيتم إلا أن ~~تحملوا على عواتقكم ظلم الضعفاء وقهر الأقوياء؟! لو شاء كبيركم أن يحمل ~~صغيركم كرة الأرض لحنى له ظهره، ولو شاء أن يركبه لطأطأ له رأسه. ماذا ~~استفدتم من هذا الخضوع والخشوع لغير الله؟ وماذا ترجون من تقبيل الأذيال ~~والأعتاب وخفض الصوت ونكس الرأس؟ أليس منشأ هذا الصغار كله هو ضعف ثقتكم ~~بأنفسكم، كأنكم عاجزون عن تحصيل ما تقوم به الحياة، وحسب الحياة لقيمات من ~~نبات يقمن ضلع ابن آدم، وقد بذلها الخلاق لأضعف الحيوان، وهذه الوحوش تجد ~~فرائسها أينما حلت، وهذه الهوام لا تفقد قوتها؟ فما بال الرجل منكم يضع ~~نفسه مقام الطفل الذي لا ينال حاجته إلا بالتذلل والبكاء، أو موضع الشيخ ~~الفاني الذي لا ينال حاجته إلا بالتملق والدعاء؟ ". # "يا قوم: رفع الله عنكم المكروه، ما هذا التفاوت بين أفرادكم وقد خلقكم ~~ربكم أكفاء في البنية، أكفاء في القوة، أكفاء في الطبيعة، أكفاء في ~~الحاجات، لا يفضل بعضكم بعضا إلا بالفضيلة، لا ربوبية بينكم ولا عبودية؟ ~~والله؛ ليس بين صغيركم وكبيركم غير برزخ من الوهم. ولو درى الصغير بوهمه، ~~العاجز بوهمه، ما في النفس الكبير المتآله من الخوف منه لزال الإشكال وقضي # PageV01P143 # الأمر الذي فيه تشقون! يا أعزاء الخلقة، جهلاء المقام، كان الناس في دور ~~الهمجية، فكان دهاتهم بينهم آلهة وأنبياء، ثم ترقى الناس، فهبط هؤلاء لمقام ~~الجبابرة والأولياء، ثم زاد الرقي فانحط أولئك إلى مرتبة الحكام والحكماء، ms084 ~~حتى صار الناس ناسا فزال العماء، وانكشف الغطاء، وبان أن الكل أكفاء. ~~فأناشدكم الله في أي الأدوار أنتم؟ ألا تفكرون؟ ". # "يا قوم: جعلكم الله من المهتدين، كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعا لله، ~~وأنتم تسجدون لتقبيل أرجل المنعمين ولو بلقمة مغموسة بدم الإخوان، وأجدادكم ~~ينامون في قبورهم مستوين أعزاء، وأنتم أحياء معوجة رقابكم أذلاء! البهائم ~~تود لو تنتصب قاماتها وأنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم. النبات ~~يطلب العلو وأنتم تطلبون الانخفاض. لفظتكم الأرض لتكونوا على ظهرها وأنتم ~~حريصون على أن تنغرسوا في جوفها، فإن كانت بطن الأرض بغيتكم، فاصبروا قليلا ~~لتناموا فيها طويلا". # "يا قوم: ألهمكم الله الرشد، متى تستقيم قاماتكم وترتفع من الأرض إلى ~~السماء أنظاركم، وتميل إلى التعالي نفوسكم، فيشعر أحدكم بوجوده في الوجود، ~~فيعرف معنى الأنانية ليستقل بذاته لذاته، ويملك إرادته واختياره ويثق بنفسه ~~وربه، لا يتكل على أحد من خلق الله اتكال الناقص في الخلق على الكامل فيه، ~~أو اتكال الغاصب على مال الغافل أو الكل على سعي العامل، بل يرى أحدكم نفسه ~~إنسانا كريما يعتمد على المبادلة والتعاوض فيسلف، ثم يستوفي، ويستوفي على ~~أن يفي، بل ينظر في نفسه أنه هو الأمة وحده، # PageV01P144 # وما أجدر بأحدكم أن يعمل لدنياه بنفسه لنفسه، فلا يتكل على غيره، كما ~~يعمل الإنسان ليعبد الله بشخصه لا ينيب عنه غيره؟ فإذا فعلتم ذلك أظهر الله ~~بينكم ثمرة التضامن بلا اشتراط، والتقاضي بلا محاشرة، فتصيرون بنعمة الله ~~إخوانا". # "يا قوم: أبعد الله عنكم المصائب وبصركم بالعواقب. إن كانت المظالم غلت ~~أيديكم، وضيقت أنفسكم، حتى صغرت نفوسكم، وهانت عليكم هذه الحياة وأصبحت لا ~~تساوي عندكم الجهد والجد وأمسيتم لا تبالون أتعيشون أم تموتون، فهلا ~~أخبرتموني لماذا تحكمون فيكم الظالمين حتى في الموت؟ أليس لكم من الخيار أن ~~تموتوا كما تشاؤون، لا كما يشاء الظالمون؟ هل سلب الاستبداد إرادتكم حتى في ~~الموت؟ كلا والله: إن أنا أحببت الموت أموت كما أحب، لئيما أو كريما، حتفا ~~أو شهيدا، فإن كان الموت ولا ms085 بد، فلماذا الجبانة؟ وإن أردت الموت، فليكن ~~اليوم قبل الغد، ولكن بيدي لا بيد عمرو. أليس: # وطعم الموت في أمر صغير كطعم الموت في أمر عظيم # "يا قوم: أناشدكم الله، ألا أقول حقا إذا قلت إنكم لا تحبون الموت، بل ~~تنفرون منه، ولكنكم تجهلون الطريق فتهربون من الموت إلى الموت، ولو اهتديتم ~~إلى السبيل لعلمتم أن الهرب من الموت موت، وطلب الموت حياة، ولعرفتم أن ~~الخوف من التعب تعب، والإقدام على التعب راحة، ولفطنتم إلى أن الحرية هي ~~شجرة الخلد، وسقياها قطرات من الدم الأحمر المسفوح، # PageV01P145 # والأسارة هي شجرة الزقوم، وسقياها أنهر من الدم الأبيض؛ أي الدموع، ولو ~~كبرت نفوسكم لتفاخرتم بتزيين صدوركم بورد الجروح لا بوسامات الظالمين؟! ". # "يا قوم: وأعني منكم المساكين، .. أيها المسلمون: إني نشأت وشبت وأنا ~~أفكر في شأننا الاجتماعي، عسى أهتدي لتشخيص دائنا، فكنت أتقصى السبب بعد ~~السبب، حتى إذا وقعت على ما أظنه عاما، أقول: لعل هذا هو جرثومة الداء، ~~فأتعمق فيه تمحيصا وأحلله تحليلا، فينكشف التحقيق عن أن ما قام في الفكر هو ~~سبب من جملة الأسباب، أو هو سبب فرعي لا أصلي، فأخيب وأعود إلى البحث ~~والتنقيب. وطالما أمسيت وأصبحت أجهد الفكر في الاستقصاء، وكثيرا ما سعيت ~~وسافرت لأستطلع آراء ذوي الآراء، عسى أهتدي إلى ما يشفي صدري من آلام بحث ~~أتعبني به ربي. وآخر ما استقرت عليه سفينة فكري هو: # إن جرثومة دائنا هي خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة، دين النظام ~~والنشاط، دين القرآن الصريح البيان، إلى صيغة أنا جعلناه دين الخيال ~~والخبال، دين الخلل والتشويش، دين البدع والتشديد، دين الإجهاد. وقد دب ~~فينا هذا المرض منذ ألف عام، فتمكن فينا وأثر في كل شؤوننا، حتى بلغ فينا ~~استحكام الخلل في الفكر والعمل أننا لا نرى في الخالق -جل # PageV01P146 # شأنه- نظاما فيما اتصف، نظاما فيما قضى، نظاما فيما أمر، ولا نطالب ~~أنفسنا فضلا عن آمرنا أو مأمورنا بنظام وترتيب واطراد ومثابرة. # وهكذا أصبحنا واعتقادنا مشوش، وفكرنا مشوش، وسياستنا مشوشة، ومعيشتنا ~~مشوشة. ms086 فأين منا والحالة هذه؛ الحياة الفكرية، الحياة العملية، الحياة ~~العائلية، الحياة الاجتماعية، الحياة السياسية؟! ". # "يا قوم: قد ضيع دينكم ودنياكم ساستكم الأولون وعلماؤكم المنافقون، وإني ~~أرشدكم إلى عمل إفرادي لا حرج فيه علما ولا عملا: أليس بين جنبي كل فرد ~~منكم وجدان يميز الخير من الشر، والمعروف من المنكر ولو تمييزا إجماليا؟ ~~أما بلغكم قول معلم الخير نبيكم الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: "لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا ~~يستجاب لهم"، وقوله: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، وإن لم يستطع ~~فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"؟! # "وأنتم تعلمون إجماع أئمة مذاهبكم كلها على أن أنكر المنكرات بعد الكفر ~~هو الظلم الذي فشا فيكم، ثم قتل النفس، ثم، وثم، ... وقد أوضح العلماء أن ~~تغيير المنكر بالقلب هو بغض المتلبس فيه بغضا في الله. بناء عليه؛ فمن ~~يعامل الظالم أو الفاسق غير مضطر، أو يجامله ولو بالسلام، يكون قد خسر أضعف ~~الإيمان والعياذ بالله". # "ولا أظنكم تجهلون أن كلمة الشهادة، والصوم والصلاة، والحج والزكاة، # PageV01P147 # كلها لا تغني شيئا مع فقد الإيمان، إنما يكون القيام حينئذ بهذه الشعائر، ~~قياما بعادات وتقليدات وهوسات تضيع بها الأموال والأوقات". # "بناء عليه؛ فالدين يكلفكم إن كنتم مسلمين، والحكمة تلزمكم إن كنتم ~~عاقلين: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر جهدكم، ولا أقل في هذا الباب ~~من إبطانكم البغضاء للظالمين والفاسقين، وأظنكم إذا تأملتم قليلا ترون هذا ~~الدواء السهل المقدور لكل إنسان منكم، يكفي لإنقاذكم مما تشكون. والقيام ~~بهذا الواجب متعين على كل فرد منكم بنفسه، ولو أهمله كافة المسلمين. ولو أن ~~أجدادكم الأولين قاموا به لما وصلتم إلى ما أنتم عليه من الهوان. فهذا ~~دينكم، والدين ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع، والدين يقين وعمل، لا ~~علم وحفظ في الأذهان. أليس من قواعد دينكم فرض الكفاية وهو أن يعمل المسلم ~~ما عليه غير منتظر غيره؟! ". # "فأناشدكم الله يا مسلمين: أن لا يغركم دين لا تعملون ms087 به وإن كان خير ~~دين، ولا تغرنكم أنفسكم بأنكم أمة خير أو خير أمة، وأنتم المتواكلون ~~المقتصرون على شعار: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ونعم الشعار ~~شعار المؤمنين، ولكن؛ أين هم؟ إني لا أرى أمامي أمة تعرف حقا معنى لا إله ~~إلا الله، بل أرى أمة خبلتها عبادة الظالمين! ". # "يا قوم: وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي # PageV01P148 # الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على ~~أيدي المثيرين، وأجلكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المهتدون ~~السابقون. فهذه أمم أوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة ~~للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي ~~دون الإداري. فما بالنا نحن لا نفتكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو ~~شبهها. فيقول عقلاؤنا لمثيري الشحناء من الأعاجم والأجانب: دعونا يا هؤلاء ~~نحن ندبر شأننا، نتفاهم بالفصحاء، ونتراحم بالإخاء، ونتواسى في الضراء، ~~ونتساوى في السراء. # دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط. دعونا ~~نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحي الأمة، فليحي الوطن، فلنحي طلقاء ~~أعزاء". # "أدعوكم وأخص منكم النجباء للتبصر والتبصير فيما آل إليه المصير، أليس ~~مطلق العربي أخف استحقارا لأخيه الغربي؟ هذا الغربي قد أصبح ماديا لا دين ~~له غير الكسب، فما تظاهره مع بعضنا بالإخاء الديني إلا مخادعة وكذبا. هؤلاء ~~الفرنسيس يطاردون أهل الدين، ويعملون على أنهم يتناسونه، بناء عليه؛ لا ~~تكون دعواهم الدين في الشرق، إلا كما يغرد الصياد وراء الأشباك! # لو كان للدين تأثير عند الغربي لما كانت البغضاء بين اللاتين والسكسون، ~~بل بين الطليان والفرنسيس، ولما كانت بين الألمان والفرنسيين الغربيين. # الغربي أرقى من الشرقي علما وثروة ومنعة، فله على الشرقيين إذا واطنهم # PageV01P149 # السيادة الطبيعية. أما الشرقيون فيما بينهم، فمتقاربون لا يتغابنون. # الغربي يعرف كيف يسوس، وكيف يتمتع، وكيف يأسر، وكيف يستأثر. فمتى رأى ~~فيكم استعدادا واندفاعا لمجاراته أو سبقه، ضغط على عقولكم لتبقوا وراءه ~~شوطا كبيرا كما يفعل ms088 الروس مع البولونيين، واليهود والتتار، وكذلك شأن كل ~~المستعمرين. الغربي مهما مكث في الشرق لا يخرج عن أنه تاجر مستمتع، فيأخذ ~~فسائل الشرق ليغرسها في بلده التي لا يفتأ يفتخر برياضها ويحن إلى أرباضها. # قد مضى على الهولانديين في الهند وجزائرها، وعلى الروس في قاوزان، مثل ما ~~أقمنا في الأندلس، ولكن؛ ما خدموا العلم والعمران بعشر ما خدمناها، ودخل ~~الفرنساويون الجزائر منذ سبعين عاما، ولم يسمحوا بعد لأهلها بجريدة واحدة ~~تقرأ. نرى الإنكليزي في بلادنا يفضل قديد بلاده، وسمك بحاره، على طري لحمنا ~~وسمكنا. فهلا والحالة هذه تبصرون يا أولي الألباب؟ ". # "وأنت أيها الشرق الفخيم رعاك الله. ماذا دهاك؟ ماذا أقعدك عن مسراك؟ ~~أليست أرضك تلك الأرض ذات الجنان والأقنان، ومنبت العلم والعرفان، وسماؤك ~~تلك السماء مصدر الأنوار، ومهبط الحكمة والأديان، وهواؤك ذاك النسيم العدل، ~~لا العواصف والضباب. وماؤك ذاك العذب الغدق، لا الكدر ولا الأجاج؟ ". # PageV01P150 # "رعاك الله يا شرق، ماذا أصابك فأخل نظامك، والدهر ذاك الدهر ما غير ~~وضعك، وبدل شرعه فيك؟ ألم تزل مناطقك هي المعتدلة، وبنوك هم الفائقون فطرة ~~وعددا؟ أليس نظام الله فيك على عهده الأول، ورابطة الأديان في بنيك محكمة ~~قويمة، مؤسسة على عبادة الصانع الوازع؟ أليست معرفة المنعم حقيقة راهنة ~~أشرقت فيك شمسها، أيدت بها عز النفس، وأحكمت بها حب الوطن وحب الجنس؟ ". # "رعاك الله يا شرق، ماذا عراك وسكن منك الحراك؟ ألم تزل أرضك واسعة خصبة، ~~ومعادنك وافية غنية، وحيوانك رابيا متناسلا، وعمرانك قائما متواصلا، وبنوك ~~على ما ربيتهم أقرب للخير من الشر؟ أليس عندهم الحلم المسمى عند غيرهم ضعفا ~~في القلب، وعندهم الحياء المسمى بالجبانة، وعندهم الكرم المسمى بالإتلاف، ~~وعندهم القناعة المسماة بالعجز، وعندهم العفة المسماة بالبلاهة، وعندهم ~~المجاملة المسماة بالذل؟ نعم؛ ما هم بالسالمين من الظلم، ولكن؛ فيما بينهم، ~~ولا من الخدع، ولكن؛ لا يفتخرون به، ولا من الإضرار، ولكن؛ مع الخوف من ~~الله". # "رعاك الله يا شرق، لا نرى من غير الدهر فيك ما يستوجب هذا الشقاء لبنيك، ~~ويستلزم ذلهم ms089 لبني أخيك. فلماذا قد أصبحت إذا انقطع عنك مدد أخيك ~~بمصنوعاته، يبقى أبناؤك عراة حفاة في ظلام، بل يمنيهم فقد الحديد بالرجوع ~~إلى العصر النحاسي، بل الحجري الموصوف بعصر التعفين؟ ". # PageV01P151 # "رعاك الله يا شرق، بل راعى الله أخاك الغرب، العائل بنفسه والعائل فيك، ~~وقاتل الله الاستبداد، بل لعن الله الاستبداد، المانع من الترقي في الحياة، ~~المنحط بالأمم إلى أسفل الدركات. ألا بعدا للظالمين". # "رعاك الله يا غرب، وحياك وبياك، قد عرفت لأخيك سابق فضله عليك، فوفيت، ~~وكفيت، وأحسنت الوصاية وهديت، وقد اشتد ساعد بعض أولاد أخيك، فهلا ينتدب ~~بعض شيوخ أحرارك لإعانة أنجاب أخيك على هدم ذاك السور، سور الشؤم والشرور، ~~ليخرجوا إلى أرض الحياة، أرض الأنبياء الهداة، فيشكرون فضلك والدهر مكافأة؟ ~~". # "يا غرب، لا يحفظ لك الدين غير الشرق إن دامت حياته بحريته، وفقد الدين ~~يهددك بالخراب القريب. فماذا أعددت للفوضيين إذا صاروا جيشا جرارا؟ وماذا ~~أعددت لديارك الحبلى بالثورة الاجتماعية؟ هل تعد المواد المتفرقعة، وقد ~~جاوزت أنواعها الألف؟ أن تعد الغازات الخانقة وقد سهل استحضارها على ~~الصبيان؟ ". # "يا قوم: وأريد بكم شباب اليوم؛ رجال الغد، شباب الفكر؛ رجال الجد، ~~أعيذكم من الخزي والخذلان بتفرقة الأديان، وأعيذكم من الجهل، جهل أن ~~الدينونة لله، وهو سبحانه ولي السرائر والضمائر {ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة}. # "أناشدكم يا ناشئة الأوطان، أن تعذروا هؤلاء الواهنة الخائرة قواهم إلا ~~في ألسنتهم، المعطل عملهم إلا في التثبيط، الذين اجتمع فيهم داء الاستبداد # PageV01P152 # والتواكل فجعلاهما آلة تدار ولا تدير. وأسألكم عفوهم من العتاب والملام، ~~لأنهم مرضى مبتلون، مثقلون بالقيود، ملجمون بالحديد، يقضون حياة خير ما ~~فيها أنهم آباؤكم! ". # "قد علمتم يا نجباء من طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد جملا كافية ~~للتدبر، فاعتبروا بنا واسألوا الله العافية: # نحن ألفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا. ألفنا الثبات ثبات الأوتاد ~~تحت المطارق، ألفنا الانقياد ولو إلى المهالك. ألفنا أن نعتبر التصاغر أدبا ~~والتذلل لطفا، والتملق فصاحة، واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحة، وقبول ~~الإهانة تواضعا، والرضا بالظلم طاعة، ms090 ودعوى الاستحقاق غرورا، والبحث عن ~~العموميات فضولا، ومد النظر إلى الغد أملا طويلا، والإقدام تهورا، والحمية ~~حماقة، والشهامة شراسة، وحرية القول وقاحة، وحرية الفكر كفرا، وحب الوطن ~~جنونا. # أما أنتم، حماكم الله من السوء، فنرجو لكم أن تنشؤوا على غير ذلك، أن ~~تنشؤوا على التمسك بأصول الدين، دون أوهام المتفننين، فتعرفوا قدر نفوسكم ~~في هذه الحياة فتكرموها، وتعرفوا قدر أرواحكم وأنها خالدة تثاب وتجزى، ~~وتتبعوا سنن النبيين فلا تخافون غير الصانع الوازع العظيم. ونرجو لكم أن ~~تبنوا قصور فخاركم على معالي الهمم ومكارم الشيم، ولا على عظام نخرة. وأن ~~تعلموا أنكم خلقتم أحرارا لتموتوا كراما، فاجهدوا على أن تحيوا ذلكما ~~اليومين حياة رضية، يتسنى فيها لكل منكم أن يكون سلطانا # PageV01P153 # مستقلا في شؤونه لا يحكمه غير الحق، ومدينا وفيا لقومه لا يضن عليهم بعين ~~أو عون، وولدا بارا لوطنه، لا يبخل عليه بجزء من فكره ووقته وماله، ومحبا ~~للإنسانية ويعمل على أن خير الناس أنفعهم للناس، يعلم أن الحياة هي العمل ~~ووباء العمل القنوط، والسعادة هي الأمل، ووباء الأمل التردد، ويفقه أن ~~القضاء والقدر هما عند الله ما يعلمه ويمضيه، وهما عند الناس السعي والعمل، ~~ويوقن أن كل أثر على ظهر الأرض هو من عمل إخوانه البشر، وكل عمل عظيم قد ~~ابتدأ به فرد، ثم تعاوره غيره إلى أن كمل، فلا يتخيل الإنسان في نفسه عجزا، ~~ولا يتوقع إلا خيرا، وخير الخير للإنسان أن يعيش حرا مقداما، أو يموت". # "وكأني بسائلكم يسألني تاريخ التغالب بين الشرق والغرب، فأجيب: بأنا كنا ~~أرقى من الغرب علما، فنظاما، فقوة، فكنا له أسيادا! ثم جاء حين من الدهر ~~لحق بنا الغرب، فصارت مزاحمة الحياة بيننا سجالا: إن فقناه شجاعة فاقنا ~~عددا، وإن فقناه ثروة فاقنا باجتماع كلمته. ثم جاء الزمن الأخير ترقى فيه ~~الغرب علما، فنظاما، فقوة. وانضم إلى ذلك أولا: قوة اجتماعه شعوبا كبيرة. ~~ثانيا: قوة البارود؛ حيث أبطل الشجاعة وجعل العبرة للعدد. ثالثا: قوة كشفه ~~أسرار الكيمياء والميكانيك. رابعا: قوة الفحم الذي ms091 أهدته له الطبيعة. ~~خامسا: قوة النشاط بكسره قيود الاستبداد. سادسا: قوة الأمن على عقد الشركات ~~المالية الكبيرة. فاجتمعت هذه القوات فيه وليس عند الشرق ما يقابلها غير ~~الافتخار بالأسلاف، وذلك حجة # PageV01P154 # عليه، والغرور بالدين خلافا للدين، فالمسلمون يقابلون تلك القوات بما ~~يقال عند اليأس وهو: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، ويخالفون أمر القرآن لهم ~~بأن يعدوا ما استطاعوا من قوة، لا ما استطاعوا من صلاة وصوم. # وكأني بسائلكم يقول: هل بعد اجتماع هذه القوات في الغرب واستيلائه على ~~أكثر الشرق من سبيل لنجاة البقية؟ فأجيب قاطعا غير متردد: إن الأمر مقدور ~~ولعله ميسور. ورأس الحكمة فيه كسر قيود الاستبداد. وأن يكتب الناشئون على ~~جباههم عشر كلمات، وهي: ### | 1 - # ديني ما أظهر وما أخفي. ### | 2 - # أكون؛ حيث يكون الحق ولا أبالي. ### | 3 - # أنا حر وسأموت حرا. ### | 4 - # أنا مستقل لا أتكل على غير نفسي وعقلي. ### | 5 - # أنا إنسان الجد والاستقبال، لا إنسان الماضي والحكايات. ### | 6 - # نفسي ومنفعتي قبل كل شيء. ### | 7 - # الحياة كلها تعب لذيذ. ### | 8 - # الوقت غال عزيز. ### | 9 - # الشرف في العلم فقط. ### | 10 - # أخاف الله لا سواه. # "وأنت أيها الوطن المحبوب: أنت العزيز على النفوس، المقدس في # PageV01P155 # القلوب، إليك تحن الأشباح وعليك تئن الأرواح ... أيها الوطن الباكي ~~ضعافه: عليك تبكي العيون، وفيك يحلو المنون. إلى متى يعبث خلالك اللئام ~~الطغام؟ يظلمون بنيك ويذلون ذويك. يطاردون أنجالك الأحباب ويمسكون على ~~المساكين الطرق والأبواب، يخرجون العمران ويقفرون الديار؟. # أيها الوطن العزيز: هل ضاعت رحابك عن أولادك؟ أم ضاقت أحضانك عن أفلاذك؟ ~~... كلا؛ إنما فقدت الأباة، فقدت الحماة، فقدت الأحرار. أيها الوطن الملتهب ~~فؤاده: أما رويت من سقيا الدموع والدماء؟ ولكن؛ دموع بناتك الثاكلات ودماء ~~أبنائك الأبرياء، لا دموع النادمين ولا دماء الظالمين. ألا فاشرب هنيئا ولا ~~تأسف على البله الخاملين، ولا تحزن، فما هم كرائما وكراما، لسن هن كرائما ~~باكيات محمسات، وليسوا هم كراما أعزة شهداء، إنما هم -غفر الله لهم- من ~~علمت، قل فيهم الحر الغيور، قل فيهم من يقول أنا لا ms092 أخاف الظالمين. # أيها الوطن الحنون: كون الله عناصر أجسامنا منك، وجعل الأمهات حواضن، ~~ورزقنا الغذاء منك، وجعل المرضعات مجهزات، نعم؛ خلقنا الله منك فحق لك أن ~~تحب أجزاءك وأن تحن على أفلاذك. كما يحق لكفي شرع الطبيعة أن لا تحب ~~الأجنبي الذي يأبى طبعه حبك، الذي يؤذيك ولا يواليك، ويزاحم بنيك عليك ~~ويشاركهم فيك، وينقل إلى أرضه ما في جوفك من نفيس العناصر وكنوز المعادن، ~~فيفقرك ليغني وطنه، ولا لوم عليه، بل بارك الله فيه! ". # PageV01P156 # "يا قوم: جعلكم الله خيرة اليوم وعدة الغد، هذا خطابي إليكم فيما هو ~~الترقي وما هو الانحطاط، فإن وعيتم ولو شذرات، فيا بشراي والسلام عليكم، ~~وإلا فيما ضياع الأنفس، وعلى الرفاه السلام". # الاستبداد الذي يبلغ في الانحطاط بالأمة إلى غاية أن تموت، ويموت هو ~~معها، كثير الشواهد في قديم الزمان وحديثه، أما بلوغ الترقي بالأمم إلى ~~المرتبة القصوى السامية التي تليق بالإنسانية، فهذا لم يسمح الزمان حتى ~~الآن بأمة تصلح مثالا له، لأنه إلى الآن لم توجد أمة حكمت نفسها برأيها ~~العام حكما لا يشوبه نوع من الاستبداد ولو باسم الوقار والاحترام، أو بنوع ~~من الإغفال ولو ببذر الشقاق الديني أو الجنسي بين الناس. # فكأن الحكمة الإلهية لم تزل ترى البشر غير متأهلين لنوال سعادة الأخوة ~~العمومية بالتحابب بين الأفراد، والقناعة بالمساواة الحقوقية بين الطبقات. ~~نعم؛ وجد للترقي القريب من الكمال بعض أمثال قليلة في القرون الغابرة، ~~كالجمهورية الثانية للرومان، وكعهد الخلفاء الراشدين، وكالأزمنة المتقطعة ~~في عهد الملوك المنظمين لا الفاتحين مثل أنوشروان وعبد الملك الأموي ونور ~~الدين الشهيد وبطرس الكبير. وكبعض الجمهوريات الصغيرة والممالك الموفقة ~~لأحكام التقييد الموجودة في هذا الزمان. وإني أقتصر على وصف منتهى الترقي ~~الذي وصلت إليه تلك الأمم وصفا إجماليا، واترك للمطالع # PageV01P157 # أن يوازنها ويقيس عليها درجات سائر الأمم. # وربما يستريب في ذلك المطالع المولود في أرض الاستبداد، الذي لم يدرس ~~أحوال الأمم في الوجود، ولا عتب عليه فإنه كالمولود أعمى لا يدرك للمناظر ~~البهية معنى. # قد بلغ الترقي في ms093 الاستقلال الشخصي في ظلال الحكومات العادلة، لأن يعيش ~~الإنسان المعيشة التي تشبه في بعض الوجوه ما وعدته الأديان لأهل السعادة في ~~الجنان. حتى إن كل فرد يعيش كأنه خالد بقومه ووطنه، وكأنه أمين على كل ~~مطلب، فلا هو يكلف الحكومة شططا ولا هي تهمله استحقارا: ### | 1 - # أمين على السلامة في جسمه وحياته بحراسة الحكومة التي لا تغفل عن محافظته ~~بكل قوتها في حضره وسفره بدون أن يشعر بثقل قيامها عليه، فهي تحيط به إحاطة ~~الهواء، لا إحاطة السور يلطمه كيفما التفت أو سار. ### | 2 - # أمين على الملذات الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة في الشؤون العامة، ~~المتعلقة بالترويضات الجسمية والنظرية والعقلية حتى يرى أن الطرقات ~~المسهلة، والتزيينات البلدية، والمتنزهات، والمنتديات، والمدارس، والمجامع، ~~ونحو ذلك، قد وجدت كلها لأجل ملذاته، ويعتبر مشاركة الناس له فيها لأجل ~~إحسانه، فهو بهذا النظر والاعتبار لا ينقص عن أغنى الناس سعادة. # PageV01P158 ### | 3 - # أمين على الحرية، كأنه خلق وحده على سطح هذه الأرض، فلا يعارضه معارض ~~فيما يخص شخصه من دين وفكر وعمل وأمل. ### | 4 - # أمين على النفوذ، كأنه سلطان عزيز، فلا ممانع له ولا معاكس في تنفيذ ~~مقاصده النافعة في الأمة التي هو منها. ### | 5 - # أمين على المزية، كأنه في أمة يساوي جميع أفرادها منزلة وشرفا وقوة، فلا ~~يفضل هو على أحد ولا يفضل أحد عليه، إلا بمزية سلطان الفضيلة فقط. ### | 6 - # أمين على العدل، كأنه القابض على ميزان الحقوق، فلا يخاف تطفيفا، وهو ~~المثمن فلا يحذر بخسا، وهو المطمئن على أنه إذا استحق أن يكون ملكا صار ~~ملكا، وإذا جنة جناية نال جزاءه لا محالة. ### | 7 - # أمين على المال والملك، كأن ما أحرزه بوجهه المشروع قليلا كان أو كثيرا، ~~قد خلقه الله لأجله فلا يخاف عليه، كما أنه تقلع عينه إن نظر إلى مال غيره. ### | 8 - # أمين على الشف بضمان القانون، بنصرة الأمة، ببذل الدم، فلا يرى تحقيرا ~~إلا لدى وجدانه، ولا يعرف طمعا لمرارة الذل والهوان. # أما الأسير -ولا أحزن المطالع بوصف حالته- فأكتفي بالقول: إنه ms094 لا يملك ~~ولا نفسه، وغير أمين حتى على عظامه في رمسه، إذا وقع نظره على المستبد أو ~~أحد من جماعته على كثرتهم يتعوذ بالله، وإذا مر من قرب إحدى دوائر # PageV01P159 # حكومته أسرع وهو يكرر قوله: «حمايتك يا رب، إن هذا الدار، بئس الدار، هي ~~كالمجزرة كل من فيها إما ذابح أو مذبوح. إن هذه الدار كالكنيف لا يدخله إلا ~~المضطر». # وقد يبلغ الترقي في الاستقلال الشخصي مع التركيب بالعائلة والعشيرة، أن ~~يعيش الإنسان معتبرا نفسه من وجه غنيا عن العالمين، ومن وجه عضوا حقيقيا من ~~جسم حي هو العائلة، ثم الأمة، ثم البشر. # وينظر إلى انقسام البشر إلى أمم، ثم إلى عائلات، ثم إلى أفراد، وهو من ~~قبيل انقسام الممالك إلى مدن، وهي إلى بيوت، وهي إلى مرافق، وكما أنه لا بد ~~لكل مرفق من وظيفة معينة يصلح لها وإلا كان بناؤه عبثا يستحق الهدم، كذلك ~~أفراد الإنسان لا بد أن يعد كل منهم نفسه لوظيفة في قيام حياة عائلته أولا، ~~ثم حياة قومه ثانيا. # ولهذا يكون العضو الذي لا يصلح لوظيفة، أو لا يقوم بما يصلح له، حقيرا ~~مهانا. وكل من يريد أن يعيش كلا على غيره، لا عن عجز طبيعي، يستحق الموت لا ~~الشفقة، لأنه كالدرن في الجسم أو كالزائد من الظفر يستحقان الإخراج والقطع، ~~ولهذا المعنى حرمت الشرائع السماوية الملاهي # PageV01P160 # التي ليس فيها ترويض، والسكر المعطل عن العمل عقلا وجسما، والمقامرة ~~والربا لأنهما ليسا من نوع العمل والتبادل فيه. وقد فضل الله الكناس على ~~الحجام وصانع الخبز على ناظم الشعر؛ لأن صنعتهما أنفع للجمهور. # وقد يبلغ ترقي التركيب في الأمم درجة أن يصير كل فرد من الأمة مالكا ~~لنفسه تماما، ومملوكا لقومه تماما. فالأمة التي يكون كل فرد منها مستعدا ~~لافتدائها بروحه وبماله، تصير تلك الأمة بحجة هذا الاستعداد في الأفراد، ~~غنية عن أرواحهم وأموالهم. # الترقي في القوة بالعلم والمال يتميز على باقي أنواع الترقيات السالفة ~~البيان تميز الرأس على باقي أعضاء الجسم، فكما أن الرأس بإحرازه ms095 مركزية ~~العقل، ومركزية أكثر الحواس، تميز على باقي الأعضاء واستخدمها في حاجاته، ~~فكذلك الحكومات المنتظم يترقى أفرادها ومجموعها في العلم والثروة، فيكون ~~لهم سلطان طبيعي على الأفراد أو الأمم التي انحط بها الاستبداد المشؤوم إلى ~~حضيض الجهل والفقر. # بقي علينا بحث الترقي في الكمالات بالخصال والأثرة، وبحث الترقي الذي ~~يتعلق بالروح؛ أي بما وراء هذه الحياة، ويرقى إليه الإنسان على سلم الرحمة ~~والحسنات، فهذه أبحاث طويلة الذيل، ومنابعها حكميات الكتب السماوية ومدونات ~~الأخلاق، وتراجم مشاهير الأمم. # وأكتفي بالقول في هذا النوع: إنه يبلغ بالإنسان مرتبة أن لا يرى # PageV01P161 # لحياته أهمية إلا بعد درجات، فيهمه أملا: حياة أمه، ثم امتلاك حريته، ثم ~~أمنه على شرفه، ثم محافظته على عائلته، ثم وقايته حياته، ثم ماله، ثم، وثم ~~... وقد تشمل إحساساته عالم الإنسانية كله، كأن قومه البشر لا قبيلته، ~~ووطنه الأرض لا بلده، ومسكنه؛ حيث يجد راحته، لا يتقيد بجدران بيت مخصوص ~~يستتر فيه ويفتخر به كما هو شأن الأسراء. # وقد يترفع الإنسان عن الإمارة لما فيها من معنى الكبر، وعن التجارة لما ~~فيها من التمويه والتبذل، فيرى الشرف في المحراث، ثم المطرقة، ثم القلم، ~~ويرى اللذة في التجديد والاختراع، لا في المحافظة على العتيق، كأن له وظيفة ~~في ترقي مجموع البشر. # وخلاصة القول: إن الأمم التي يسعدها جدها لتبديد استبدادها، تنال من ~~الشرف الحسي والمعنوي ما لا يخطر على فكر أسراء الاستبداد. فهذه بلجيكا ~~أبطلت التكاليف الأميرية برمتها، مكتفية في نفقاتها بنماء فوائد بنك ~~الحكومة. وهذه سويسرا يصادفها كثيرا أن لا يوجد في سجونها محبوس واحد. وهذه ~~أمريكا أثرت حتى كادت تخرج الفضة من مقام النقد إلى مقام المتاع. وهذه ~~اليابان أصبحت تستنزف قناطير الذهب من أوربا وأمريكا ثمن امتيازات ~~اختراعاتها وطبع تراجم مؤلفاتها. # وقد تنال تلك الأمم حظا من الملذات الحقيقية، التي لا تخطر على فكر ~~الأسراء، كلذة العلم وتعليمه، ولذة المجد والحماية، ولذة الإثراء والبذل، ~~ولذة إحراز الاحترام في القلوب، ولذة نفوذ الرأي الصائب، ولذة الحب # PageV01P162 # الطاهر، إلى غير هذه ms096 الملذات الروحية. وأما الأسراء والجهلاء فملذاتهم ~~مقصورة على مشاركة الوحوش الضارية في المطاعم والمشارب واستفراغ الشهور، ~~كأن أجسامهم ظروف تملأ وتفرغ، أو هي دمامل تولد الصديد وتدفعه. # وأنفع ما بلغه الترقي في البشر؛ هو إحكامهم أصول الحكومات المنتظمة ~~ببنائهم سدا متينا في وجه الاستبداد، والاستبداد جرثومة كل فساد، وبجعلهم ~~ألا قوة ولا نفوذ فوق قوة الشرع، والشرع هو حبل الله المتين. وبجعلهم قوة ~~التشريع في يد الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلال. وبجعلهم المحاكم تحاكم ~~السلطان والصعلوك على السواء، فتحاكي في عدالتها الكبرى الإلهية. وبجعلهم ~~العمال لا سبيل لهم على تعدي حدود وظائفهم، كأنهم ملائكة لا يعصون أمرا، ~~وبجعلهم الأمة يقظة ساهرة على مراقبة سير حكومتها، لا تغفل طرفة عين، كما ~~أن الله -عز وجل- لا يغفل عما يفعل الظالمون. # هذا مبلغ الترقي الذي وصلت إليه الأمم منذ عرف التاريخ، على أنه لم يقم ~~دليل إلى الآن على ترقي البشر في السعادة الحيوية عما كانوا عليه في العصور ~~الخالية حتى الحجرية، حتى منذ كانوا عراة يسرحون أسرابا، والآثار المشهودة ~~لا تدل على أكثر من ترقي العلم والعمران؛ وهما آلتان كما يصلحان للإسعاد، ~~يصلحان للإشقاء، وترقيها هو من سنة الكون التي أرادها الله تعالى لهذه ~~الأرض وبنيها، ووصف لنا ما سيبلغ إليه ترقي زينتها واقتدار أهلها بقوله عز ~~شأنه: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن # PageV01P163 # بالأمس}. وهذا يدل على أن الدنيا وبنيها لم يزالا في مقتبل الترقي، ولا ~~يعارض هذا أن ما مضى من عمرها هو أكثر مما بقي حسبما أخبرت به الكتب ~~السماوية، لأن العمر شيء، والترقي شيء آخر. # PageV01P164 ### | الاستبداد والتخلص منه # ليس لنا مدرسة أعظم من التاريخ الطبيعي، ولا برهان أقوى من الاستقراء، من ~~تتبعهما يرى أن الإنسان عاش دهرا طويلا في حالة طبيعية تسمى "دور ~~الافتراس"، فكان يتجول حول المياه أسرابا تجمعه حاجة الحضانة صغيرا، وقصد ~~الاستئناس كبيرا، ويعتمد في رزقه على النبات الطبيعي ms097 وافتراس ضعاف الحيوان ~~في البر والبحر، وتسوسه الإرادة فقط، ويقوده من بنيته أقوى إلى حيث يكثر ~~الرزق. # ثم ترقى الكثير من الإنسان إلى الحالة البدوية التي تسمى "دور الاقتناء": ~~فكان عشائر وقبائل، يعتمد في رزقه على ادخار الفرائس إلى حين الحاجة، فصارت ~~تجمعه حاجة التحفظ على المال العام والأنعام، وحماية المستودعات والمراعي ~~والمياه من المزاحمين، ثم انتقل -ولا يقال ترقى- قسم كبير من الإنسان إلى ~~المعيشة الحضرية: فسكن القرى يستنبت الأرض الخصبة في معاشه، فأخصب، ولكن؛ ~~في الشقاء، ولعله استحق ذلك بفعله؛ لأنه تعدى قانون الخالق، فإنه خلقه حرا ~~جوالا، يسير في الأرض، ينظر آلاء الله، فسكن، وسكن إلى الجهل والذل، وخلق ~~الله الأرض مباحة، فاستأثر بها، # PageV01P165 # فسلط الله عليه من يغصبها منه ويأسره. وهذا القسم يعيش بلا جامعة، تحكمه ~~أهواء أهل المدن وقانونه: أن يكون ظالما أو مظلوما. # ثم ترقى قسم من الإنسان إلى التصرف إما في المادة وهم الصناع، وإما في ~~النظريات وهم أهل المعارف والعلوم. وهؤلاء المتصرفون هم سكان المدن الذين ~~هم إن سجنوا أجسامهم بين الجدران، لكنهم أطلقوا عقولهم في الأكوان، وهم قد ~~توسعوا في الرزق كما توسعوا في الحاجات، ولكن أكثرهم لم يهتدوا حتى الآن ~~للطريق المثلى في سياسة الجمعيات الكبرى. وهذا هو سبب تنوع أشكال الحكومات ~~وعدم استقرار أمة على شكل مرض عام. إنما كل الأمم في تقلبات سياسية على ~~سبيل التجريب، وبحسب تغلب أحزاب الاجتهاد أو رجال الاستبداد. # وتقرير شكل الحكومة هو أعظم وأقدم مشكلة في البشر، وهو المعترك الأكبر ~~لأفكار الباحثين، والميدان الذي قل في البشر من لا يجول فيه على فيل من ~~الفكر، أو على جمل من الجهل، أو على فرس من الفراسة، أو على حمار من الحمق، ~~حتى جاء الزمن الأخير فجال فيه إنسان الغرب جولة المغوار الممتطي في ~~التدقيق مراكب البخار. فقرر بعض قواعد أساسية في هذا الباب تضافر عليها ~~العقل والتجريب، وحصحص فيها الحق اليقين، فصارت تعد من المقررات الاجتماعية ~~عند الأمم المترقية، ولا يعارض ذلك كون الأمم لم ms098 تزل أيضا منقسمة إلى أحزاب ~~سياسية يختلفون شيعا؛ لأن اختلافهم هو في وجوه تطبيق تلك القواعد وفروعها ~~على أحوالهم الخصوصية. # PageV01P166 # وهذه القواعد التي قد صارت قضايا بديهية في الغرب، لم تزل مجهولة أو ~~غريبة، أو منفورا منها في الشرق؛ لأنها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم، ~~وعند البعض لم تنل التفاتهم وتدقيقهم، وعند آخرين لم تحز قبولا؛ لأنهم ذوو ~~غرض، أو مسروقة قلوبهم، أو في قلوبهم مرض. # وإني أطرح لتدقيق المطالعين رؤوس مسائل بعض المباحث التي تتعلق بها ~~الحياة السياسية. وقبل ذلك أذكرهم بأنه قد سبق في تعريف الاستبداد بأنه: ~~"هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة ~~بقانون نافذ الحكم". كما أستلفت نظرهم إلى أنه لا يوثق بوعد من يتولى ~~السلطة أيا كان، ولا بعهده ويمينه على مراعاة الدين، والتقوى، والحق، ~~والشرف، والعدالة، ومقتضيات المصلحة العامة، وأمثال ذلك من القضايا الكلية ~~المبهمة التي تدور على لسان كل بر وفاجر. وما هي في الحقيقة إلا كلام مبهم ~~فارغ؛ لأن المجرم لا يعدم تأويلا؛ ولأن من طبيعة القوة الاعتساف؛ ولأن ~~القوة لا تقابل إلا بالقوة. # ثم فلنرجع للمباحث التي أريد طرحها لتدقيق المطالعين، وهي: ### | 1 - # مبحث ما هي الأمة؛ أي الشعب: # هل هي ركام مخلوقات نامية، أو جمعية، عبيد لمالك متغلب، وظيفتهم الطاعة ~~والانقياد ولو كرها؟ أم هي جمع بينهم روابط دين أو جنس أو لغة، ووطن، وحقوق ~~مشتركة، وجامعة سياسية اختيارية، لكل فرد حق إشهار رأيه فيها توفيقا ~~للقاعدة الإسلامية التي هي أسمى وأبلغ قاعدة سياسية، وهي: "كلكم # PageV01P167 # راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". ### | 2 - # مبحث ما هي الحكومة: # هل هي سلطة امتلاك فرد لجمع، يتصرف في رقابهم، ويتمتع بأعمالهم ويفعل ~~بإرادته ما يشاء؟ أم هي وكالة تقام بإرادة الأمة لأجل إدارة شؤونها ~~المشتركة العمومية؟. ### | 3 - # مبحث ما هي الحقوق العمومية: # هل هي آحاد الملوك، ولكنها تضاف للأمم مجازا؟ أم بالعكس، هي حقوق جموع ~~الأمم، وتضاف للملوك مجازا، ولهم عليها ولاية الأمانة والنظارة على مثل ~~الأراضي والمعادن، ms099 والأنهر والسواحل، والقلاع والمعابد، والأساطيل ~~والمعدات، وولاية الحدود، والحراسة على مثل الأمن العام، والعدل والنظام، ~~وحفظ وصيانة الدين والآداب، والقوانين والمعاهدات والاتجار، إلى غير ذلك ~~مما يحق لكل فرد من الأمة أن يتمتع به وأن يطمئن عليه؟ ### | 4 - # مبحث التساوي في الحقوق: # هل للحكومة التصرف في الحقوق العامة المادية والأدبية كما تشاء بذلا ~~وحرمانا؟ أم تكون الحقوق محفوظة للجميع على التساوي والشيوع، وتكون المغانم ~~والمغارم العمومية موزعة على الفصائل والبلدان والصنوف والأديان بنسبة ~~عادلة، ويكون الأفراد متساوين في حق الاستنصاف؟ # PageV01P168 ### | 5 - # مبحث الحقوق الشخصية: # هل الحكومة تملك السيطرة على الأعمال والأفكار؟ أم أفراد الأمة أحرار في ~~الفكر مطلقا، وفي الفعل ما لم يخالف القانون الاجتماعي؛ لأنهم أدرى ~~بمنافعهم الشخصية، والحكومة لا تتداخل إلا في الشؤون العمومية؟ ### | 6 - # مبحث نوعية الحكومة: # هل الأصلح هي الملكية المطلقة من كل زمام؟ أم الملكية المقيدة؟ وما هي ~~القيود؟ أم الرئاسة الانتخابية الدائمة مع الحياة، أو المؤقتة إلى أجل؟ وهل ~~تنال الحاكمية بالوراثة، أو العهد، أو الغلبة؟ وهل يكون ذلك كما تشاء ~~الصدفة، أم مع وجود شرائط الكفاءة، وما هي تلك الشرائط؟ وكيف يصير تحقيق ~~وجودها؟ وكيف يراقب استمرارها؟ وكيف تستمر المراقبة عليها؟. ### | 7 - # مبحث ما هي وظائف الحكومة: # هل هي إدارة شؤون الأمة حسب الرأي والاجتهاد؟ أم تكون مقيدة بقانون موافق ~~لرغائب الأمة وإن خالف الأصلح؟ وإذا اختلفت الحكومة مع الأمة في اعتبار ~~الصالح والمضر، فهل على الحكومة أن تعتزل الوظيفة؟ ### | 8 - # مبحث حقوق الحاكمية: # هل للحكومة أن تخصص بنفسها لنفسها ما تشاء من مراتب العظمة، ورواتب ~~المال، وتحابي من تريد بما تشاء من حقوق الأمة وأموالها؟ أم # PageV01P169 # يكون التصرف في ذلك كله إعطاء وتحديدا ومنعا منوطا بالأمة؟ ### | 9 - # مبحث طاعة الأمة للحكومة: # هل الإرادة للأمة، وعلى الحكومة العمل؟ أم للإرادة للحكومة وعلى الأمة ~~الطاعة؟ وهل للحكومة تكليف الأمة طاعة عمياء بلا فهم ولا اقتناع؟ أم عليها ~~الاعتناء بوسائل التفهيم والإذعان لتتأتى الطاعة بإخلاص وأمانة؟ ### | 10 - # مبحث توزيع التكليفات: # هل يكون وضع الضرائب مفوضا ms100 لرأي الحكومة؟ أم الأمة تقرر النفقات اللازمة ~~وتعين موارد المال، وترتب طرائق جبايته وحفظه؟. ### | 11 - # مبحث إعداد المنعة: # هل يكون إعداد القوة بالتجنيد والتسليح استعدادا للدفاع مفوضا لإرادة ~~الحكومة إهمالا، أو إقلالا، أو إكثارا، أو استعمالا على قهر الأمة؟ أم يلزم ~~أن يكون ذلك برأي الأمة وتحت أمرها؛ بحيث تكون القوة منفذة رغبة الأمة لا ~~رغبة الحكومة؟ ### | 12 - # مبحث المراقبة على الحكومة: # هل تكون الحكومة لا تسأل عما تفعل؟ أم يكون للأمة حق السيطرة عليها؛ لأن ~~الشأن شأنها، فلها أن تنبت عنها وكلاء لهم حق الاطلاع على كل شيء، وتوجيه ~~المسؤولية على أي كان، ويكون أهم وظائف النواب حفظ الحقوق الأساسية المقررة ~~للأمة على الحكومة؟ # PageV01P170 ### | 13 - # مبحث حفظ الأمن العام: # هل يكون الشخص مكلفا بحراسة نفسه ومتعلقاته؟ أم تكون الحكومة مكلفة ~~بحراسته مقيما ومسافرا حتى من بعض طوارئ الطبيعة بالحيلولة لا بالمجازاة ~~والتعويض؟ ### | 14 - # مبحث حفظ السلطة في القانون: # هل يكون للحكومة إيقاع عمل إكراهي على الأفراد برأيها؛ أي بدون الوسائط ~~القانونية؟ أم تكون السلطة منحصرة في القانون، إلا في ظروف مخصوصة ومؤقتة؟ ### | 15 - # مبحث تأمين العدالة القضائية: # هل يكون العدل ما تراه الحكومة؟ أم ما يراه القضاة المصون وجدانهم من كل ~~مؤثر غير الشرع والحق، ومن كل ضغط حتى ضغط الرأي العام؟ ### | 16 - # مبحث حفظ الدين والآداب: # هل يكون للحكومة -ولو القضائية- سلطة وسيطرة على العقائد والضمائر؟ أم ~~تقتصر وظيفتها في حفظ الجامعات الكبرى كالدين، والجنسية، واللغة، والعادات، ~~والآداب العمومية على استعمال الحكمة ما أغنت الزواجر، ولا تتداخل الحكومة ~~في أمر الدين ما لم تنتهك حرمته؟ وهل السياسة الإسلامية سياسة دينية؟ أم ~~كان ذلك في مبدأ ظهور الإسلام، كالإدارة العرفية # PageV01P171 # عقب الفتح؟ ### | 17 - # مبحث تعيين الأعمال بالقوانين: # هل يكون في الحكومة -من الحاكم إلى البوليس- من يطلق له عنان التصرف ~~برأيه وخبرته؟ أم يلزم تعيين الوظائف، كلياتها وجزئياتها، بقوانين صريحة ~~واضحة، لا تسوغ مخالفتها ولو لمصلحة مهمة، إلا في حالات الخطر الكبير؟ ### | 18 - # مبحث كيف توضع القوانين: # هل يكون وضعها منوطا ms101 برأي الحاكم الأكبر، أو رأي جماعة ينتخبهم لذلك؟ أم ~~يضع القوانين جمع منتخب من قبل الكافة ليكونوا عارفين حتما بحاجات قومهم ~~وما يلائم طبائعهم ومواقعهم وصوالحهم، ويكون حكمه عاما أو مختلفا على حسب ~~تخالف العناصر والطبائع وتغير الموجبات والأزمان؟ ### | 19 - # مبحث ما هو القانون وقوته: # هل القانون هو أحكام يحتج بها القوي على الضعيف؟ أم هو أحكام منتزعة من ~~روابط الناس بعضهم ببعض، وملاحظ فيها طبائع أكثرية الأفراد، ومن نصوص خالية ~~من الإبهام والتعقيد وحكمها شامل كل الطبقات، ولها سلطان نافذ قاهر مصون من ~~مؤثرات الأغراض، والشفاعة، والشفقة، وبذلك يكون القانون هو القانون الطبيعي ~~للأمة فيكون محترما عند الكافة، مضمون الحماية من قبل أفراد الأمة؟ # PageV01P172 ### | 20 - # مبحث توزيع الأعمال والوظائف: # هل يكون الحظ في ذلك مخصوصا بأقارب الحاكم وعشيرته ومقربيه؟ أم توزع ~~كتوزيع الحقوق العامة على كافة القبائل والفصائل، ولو مناوبة مع ملاحظات ~~الأهمية والعدد؛ بحيث يكون رجال الحكومة أنموذجا من الأمة، أو هم الأمة ~~مصغرة، وعلى الحكومة إيجاد الكفاءة والأعداد ولو بالتعليم الإجباري؟ ### | 21 - # مبحث التفريق بين السلطات السياسية والدينية والتعليم: # هل يجمع بين سلطتين أو ثلاث في شخص واحد؟ أم تخصص كل وظيفة من السياسة ~~والدين والتعليم بمن يقوم بإتقان، ولا إتقان إلا بالاختصاص، وفي الاختصاص، ~~كما جاء في الحكمة القرآنية: {ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه}، ولذلك لا ~~يجوز الجمع منعا لاستفحال السلطة. ### | 22 - # مبحث الترقي في العلوم والمعارف: # هل يترك للحكومة صلاحية الضغط على العقول كي يقوى نفوذ الأمة عليها؟ أم ~~تحمل على توسيع المعارف بجعل التعليم الابتدائي عموميا بالتشويق والإجبار، ~~وبجعل الكمالي سهلا للمتناول، وجعل التعليم والتعلم حرا مطلقا؟ ### | 23 - # مبحث التوسع في الزراعة والصنائع والتجارة: # هل يترك ذلك للنشاط المفقود في الأمة؟ أم تلزم الحكومة بالاجتهاد # PageV01P173 # في تسهيل مضاهاة الأمم السائرة، ولا سيما المزاحمة والمجاورة، كيلا تهلك ~~الأمة بالحاجة لغيرها أو تضعف بالفقر؟ ### | 24 - # مبحث السعي في العمران: # هل يترك ذلك لإهمال الحكومة المميت لعزة نفس السكان، أو لانهماكها فيه ~~إسرافا وتبذيرا؟ أم ms102 تحمل على اتباع الاعتدال المتناسب مع الثورة العمومية؟ ### | 25 - # مبحث السعي في رفع الاستبداد: # هل ينتظر ذلك من الحكومة ذاتها؟ أم نوال الحرية ورفع الاستبداد رفعا لا ~~يترك مجالا لعودته، من وظيفة عقلاء الأمة وسراتها؟ # هذه خمسة وعشرون مبحثا، كل منها يحتاج إلى تدقيق عميق، وتفصيل طويل، ~~وتطبيق على كل الأحوال والمقتضيات الخصوصية. وقد ذكرت هذه المباحث تذكرة ~~للكتاب ذوي الألباب وتنشيطا للنجباء على الخوض فيها بترتيب، اتباعا لحكمة ~~إتيان البيوت من أبوابها. وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث ~~الأخير منها فقط؛ أعني مبحث السعي في رفع الاستبداد، فأقول: ### | 1 - # الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية. ### | 2 - # الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدرج. # PageV01P174 ### | 3 - # يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يستبدل به الاستبداد. # هذه قواعد رفع الاستبداد، وهي قواعد تبعد آمال الأسراء، وتسر المستبدين؛ ~~لأن ظاهرها يؤمنهم على استبدادهم. ولهذا أذكر المستبدين بما أنذرهم الفياري ~~المشهور؛ حيث قال: "لا يفرحن المستبد بعظيم قوته ومزيد احتياطه، فكم جبار ~~عنيد جند له مظلوم صغير"، وإني أقول: كم من جبار قهار أخذه الله أخذ عزيز ~~منتقم. # مبنى قاعدة كون الأمة التي لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق ~~الحرية هو: # إن الأمة إذا ضربت عليها الذلة والمسكنة، وتوالت على ذلك القرون والبطون، ~~تصير تلك الأمة سافلة الطباع حسبما سبق تفصيله في الأبحاث السالفة، حتى ~~إنها تصير كالبهائم، أو دون البهائم، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس ~~العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة ~~وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسن أو أساء على حد سواء، وقد تنقم على ~~المستبد نادرا، ولكن، طلبا للانتقام من شخصه لا طلبا للخلاص من الاستبداد، ~~فلا تستفيد شيئا، إنما تستبدل مرضا بمرض؛ كمغص بصداع. # وقد تقاوم المستبد بسوق مستبد آخر تتوسم فيه أنه أقوى شوكة من المستبد ~~الأول، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلا بماء الاستبداد، فلا تستفيد ~~أيضا شيئا، إنما ms103 تستبدل مرضا مزمنا بمرض حديث، وربما تنال الحرية # PageV01P175 # عفوا، فكذلك لا تستفيد منها شيئا؛ لأنها لا تعرف طعمها، فلا تهتم بحفظها، ~~فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبداد مشوش أشد وطأة كالمريض ~~إذا انتكس. ولهذا؛ قرر الحكماء أن الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل ~~عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأما التي تحصل على أثر ثورة حمقاء فقلما ~~تفيد شيئا؛ لأن الثورة -غالبا- تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع ~~جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولا. # فإذا وجد في الأمة الميتة من تدفعه شهامته للأخذ بيدها والنهوض بها فعليه ~~أولا: أن يبث فيها الحياة وهي العلم؛ أي علمها بأن حالتها سيئة، وإنما ~~بالإمكان تبديلها بخير منها، فإذا هي علمت بطبعه من الآحاد إلى العشرات، ~~إلى إلى ... ، حتى يشمل أكثر الأمة، وينتهي بالتحمس ويبلغ بلسان حالها إلى ~~منزلة قول الحكيم المعري: # إذا لم تقم بالعدل فينا حكومة ... فنحن على تغييرها قدراء # وهكذا ينقذف فكر الأمة في واد ظاهر الحكمة يسير كالسيل، لا يرجع حتى يبلغ ~~منتهاه. # ثم إن الأمم الميتة لا يندر فيها ذو الشهامة، إنما الأسف أن يندر فيها من ~~يهتدي في أول نشأته إلى الطريق الذي به يحصل على المكانة التي تمكنه في ~~مستقبله من نفوذ رأيه في قومه. وإني أنبه فكر الناشئة العزيزة أن من يرى # PageV01P176 # منهم في نفسه استعدادا للمجد الحقيقي فليحرص على الوصايا الآتية البيان: ### | 1 - # أن يجهد في ترقية معارفه مطلقا لا سيما في العلوم النافعة الاجتماعية ~~كالحقوق والسياسة والاقتصاد والفلسفة العقلية، وتاريخ قومه الجغرافي ~~والطبيعي والسياسي، والإدارة الحربية، فيكتسب من أصول وفروع هذه الفنون ما ~~يمكنه إحرازه بالتلقي، وإن تعذر فبالمطالعة مع التدقيق. ### | 2 - # أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه في قومه موقعا محترما وعلميا مخصوصا؛ كعلم ~~الدين والحقوق أو الإنشاء أو الطب. ### | 3 - # أن يحافظ على آداب وعادات قومه غاية المحافظة ولو أن فيها بعض أشياء ~~سخيفة. ### | 4 - # أن يقلل اختلاطه مع الناس حتى رفقائه في المدرسة، وذلك ms104 حفظا للوقار ~~وتحفظا من الارتباط القوي مع أحد كيلا يسقط تبعا لسقوط صاحب له. ### | 5 - # أن يتجنب كليا مصاحبة الممقوت عند الناس لا سيما الحكام ولو كان ذلك ~~المقت بغير حق. ### | 6 - # أن يجتهد ما أمكنه في كتم مزيته العلمية على الذين هم دونه في ذلك العلم ~~لأجل أن يأمن غوائل حسدهم، إنما عليه أن يظهر مزيته لبعض من هم فوقه بدرجات ~~كثيرة. # PageV01P177 ### | 7 - # أن يتخير له بعض من ينتمي إليه من الطبقة العليا، بشرط: أن لا يكثر ~~التردد عليه، ولا يشاركه شؤونه، ولا يظهر له الحاجة، ويتكتم في نسبته إليه. ### | 8 - # أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه وإلا يؤخذ عليه تبعة رأي يراه أو خبر ~~يرويه. ### | 9 - # أن يحرص على أن يعرف بحسن الأخلاق، لا سيما الصدق والأمانة والثبات على ~~المبادئ. ### | 10 - # أن يظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة على الدين والعلاقة بالوطن. ### | 11 - # أن يتباعد ما أمكنه من مقاربة المستبد وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن به ~~فظائع شرهم إذا كان معرضا لذلك. # فمن يبلغ سن الثلاثين فما فوق حائزا على الصفات المذكورة، يكون قد أعد ~~نفسه على أكمل وجه لإحراز ثقة قومه عندما يريد في برهة قليلة، وبهذه الثقة ~~يفعل ما لا تقوى عليه الجيوش والكنوز. وما ينقصه من هذه الصفات ينقص من ~~مكانته، ولكن؛ قد يستغني بمزيد كمال بعضها عن فقدان بعضها الآخر أو نقصه. ~~كما أن الصفات الأخلاقية قد تكفي في بعض الظروف عن الصفات العلمية كلها ولا ~~عكس، وإذا كان المتصدي للإرشاد السياسي فاقد الثقة فقدانا أصليا أو طارئا، ~~يمكنه أن يستعمل غيره ممن تنقصه الجسارة والهمة والصفات العلمية. # PageV01P178 # والخلاصة: أن الراغب في نهضة قومه، عليه أن يهيئ نفسه ويزن استعداده، ثم ~~يعزم متوكلا على الله في خلق النجاح. # ومبنى قاعدة أن الاستبداد لا يقاوم بالشدة، إنما يقاوم بالحكمة والتدريج ~~هو: أن الوسيلة الوحيدة الفعالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقي الأمة في ~~الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس. ثم إن اقتناع ~~الفكر العام ms105 وإذعانه إلى غير مألوفه، لا يتأتى إلا في زمن طويل، لأن العوام ~~مهما ترقوا في الإدراك لا يسمحون باستبدال القشعريرة بالعافية إلا بعد ~~التروي المديد، وربما كانوا معذورين في عدم الوثوق والمسارعة؛ لأنهم ألفوا ~~أن لا يتوقعوا من الرؤوساء والدعاة إلا الغش والخداع غالبا. ولهذا كثيرا ما ~~يحب الأسراء المستبد الأعظم إذا كان يقهر معهم بالسوية الرؤساء والأشراف، ~~وكثيرا ما ينتقم الأسراء من الأعوان فقط ولا يمسون المستبد بسوء؛ لأنهم ~~يرون ظالمهم مباشرة هم الأعوان دون المستبد، وكم أحرقوا من عاصمة لأجل محض ~~التشفي بإضرار أولئك الأعوان. # ثم إن الاستبداد محفوف بأنواع القوات التي فيها قوة الإرهاب بالعظمة وقوة ~~الجند، لا سيما إذا كان الجند غريب الجنس، وقوة المال، وقوة الإلفة على ~~القسوة، وقوة رجال الدين، وقوة أهل الثروات، وقوة الأنصار من الأجانب، فهذه ~~القوات تجعل الاستبداد كالسيف لا يقابل بعصا الفكر العام # PageV01P179 # الذي هو في أول نشأته يكون أشبه بغوغاء، ومن طبع الفكر العام أنه إذا فار ~~في سنة يغور في سنة، وإذا فار في يوم يغور في يوم. بناء عليه؛ يلزم لمقاومة ~~تلك القوات الهائلة مقابلتها بما يفعله الثبات والعناد المصحوبان بالحزم ~~والإقدام. # الاستبداد لا ينبغي أن يقاوم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصدا. ~~نعم؛ الاستبداد قد يبلغ من الشدة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجارا طبيعيا، ~~فإذا كان في الأمة عقلاء يتباعدون عنها ابتداء، حتى إذا سكنت ثورتها نوعا ~~وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار ~~نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها ~~بالاستبداد، ولا علاقة لهم بالفتنة. # العوام لا يثور غضبهم على المستبد غالبا إلا عقب أحوال مخصوصة مهيجة ~~فورية، منها: ### | 1 - # عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد على المظلوم يريد الانتقام لناموسه. ### | 2 - # عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوبا، ولا يتمكن من إلصاق عار التغلب بخيانة ~~القواد. ### | 3 - # عقب تظاهر المستبد بإهانة الدين إهانة مصحوبة باستهزاء يستلزم حدة ~~العوام. ### | 4 - # عقب تضييق شديد عام مقاضاة ms106 لمال كثير لا يتيسر إعطاؤه حتى على # PageV01P180 # أواسط الناس. ### | 5 - # في حالة مجاعة أو مصيبة عامة لا يرى الناس فيها مواساة ظاهرة من المستبد. ### | 6 - # عقب عمل للمستبد يستفز الغضب الفوري، كتعرضه لناموس العرض، أو حرمة ~~الجنائز في الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في الغرب. ### | 7 - # عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار. ### | 8 - # عقب ظهور موالاة شديدة من المستبد لمن تعتبره الأمة عدوا لشرفها. # إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال التي عندها يموج الناس في ~~الشوارع والساحات، وتملأ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء، ~~ينادون: الحق الحق، الانتصار للحق، الموت أو بلوغ الحق. # المستبد مهما كان غبيا لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتيا لا يغفل ~~عن اتقائها، كما أن هذه الأمور يعرفها أعوانه ووزراؤه. # فإذا وجد منهم بعض يريدون له التهلكة يهورونه على الوقوع في إحداها، ~~ويلصقونها به خلافا لعادتهم في إبعادها عنه بالتمويه على الناس. إن رئيس ~~وزراء المستبد أو رئيس قواده، أو رئيس الدين عنده، هم أقدر الناس على ~~الإيقاع به، وهو يداريهم تحذرا من ذلك، وإذا أراد إسقاط # PageV01P181 # أحدهم فلا يوقعه إلا بغتة. # لمثيري الخواطر على الاستبداد طرائق شتى يسلكونها بالسر، والبطء، يستقرون ~~تحت ستار الدين، فيستنبتون غابة الثورة من بذرة أو بذورات يسقونها بدموعهم ~~في الخلوات. وكم يلهون المستبد بسوقه إلى الاشتغال بالفسوق والشهوات، وكم ~~يغرونه برضاء الأمة عنه، ويجسرونه على مزيد التشديد، وكم يحملونه على إساءة ~~التدبير، ويكتمونه الرشد، وكم يشوشون فكره بإرباكه مع جيرانه وأقرانه. ~~يفعلون ذلك وأمثاله لأجل غاية واحدة، هي إبعاده عن الانتباه إلى سد الطريق ~~التي فيها يسلكون، أما أعوانه، فلا وسيلة لإغفالهم عن إيقاظه غير تحريك ~~أطماعهم المالية مع تركهم ينهبون ما شاؤوا أن ينهبوا. # ومبنى قاعدة أنه يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ماذا يستبدل به ~~الاستبداد هو: إن معرفة الغاية شرط طبيعي للإقدام على كل عمل، كما أن معرفة ~~الغاية لا تفيد شيئا إذا جهل الطريق الموصل إليها، ms107 والمعرفة الإجمالية في ~~هذا الباب لا تكفي مطلقا، بل لا بد من تعيين المطلب والخطة تعيينا واضحا ~~موافقا لرأي الكل، أو الأكثرية التي هي فوق الثلاثة أرباع عددا أو قوة بأس ~~وإلا فلا يتم الأمر، حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعا، يكون الإقدام ناقصا ~~نوعا، وإذا كانت مجهولة بالكلية عند قسم من الناس أو مخالفة لرأيهم، # PageV01P182 # فهؤلاء ينضمون إلى المستبد، فتكون فتنة شعواء، وإذا كانوا يبلغون مقدار ~~الثلث فقط، تكون حينئذ الغلبة في جانب المستبد. # ثم إذا كانت الغاية مبهمة ولم يكن السير في سبيل معروف، ويوشك أن يقع ~~الخلاف في أثناء الطريق، فيفسد العمل أيضا وينقلب إلى انتقام وفتن. ولذلك ~~يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص وإشهارها بين الكافة، والسعي في إقناعهم ~~واستحصال رضائهم بها ما أمكن ذلك، بل الأولى حمل العوام على النداء بها ~~وطلبها من عند أنفسهم. وهذا سبب عدم نجاح الإمام علي ومن وليه من أئمة آل ~~البيت رضي الله عنهم، ولعل ذلك كان منهم لا عن غفلة، بل مقتضى ذلك الزمان ~~من صعوبة المواصلات وفقدان البوستات المنتظمة والنشريات المطبوعة إذ ذاك. # والمراد أن من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد ويمكن أن يستبدل بها ~~الاستبداد، وليس هذا بالأمر الهين الذي تكفيه فكرة ساعات، أو فطنة آحاد، ~~وليس هو بأسهل من ترتيب المقاومة والمغالبة. وهذا الاستعداد الفكري النظري ~~لا يجوز أن يكون مقصورا على الخواص، بل لا بد من تعميمه وعلى حساب الإمكان ~~ليكون بعيدا عن الغايات ومعضودا بقبول الرأي العام. # وخلاصة البحث أنه يلزم أولا تنبيه حس الأمة بآلام الاستبداد، ثم يلزم ~~حملها على البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة لها؛ بحيث يشغل # PageV01P183 # ذلك أفكار كل طبقاتها، والأولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين، بل ~~عشرات السنين حتى ينضج تماما، وحتى يحصل ظهور التلهف الحقيقي على نوال ~~الحرية في الطبقات العليا، والتمني في الطبقات السفلى، والحذر كل الحذر من ~~أن يشعر المستبد بالخطر، فيأخذ بالتحذر الشديد، والتنكيل بالمجاهدين، فيكثر ~~الضجيج، فيزيغ المستبد ويتكالب، فحينئذ إما ms108 أن تغتنم الفرصة دولة أخرى ~~فتستولي على البلاد، وتجدد الأسر على العباد بقليل من التعب، فتدخل الأمة ~~في دور آخر من الرق المنحوس، وهذا نصيب أكثر الأمم الشرقية في القرون ~~الأخيرة، وإما أن يساعد الحظ على عدم وجود طامع أجنبي، وتكون الأمة قد ~~تأهلت للقيام بأن تحكم نفسها بنفسها، وفي هذه الحال يمكن لعقلاء الأمة أن ~~يكلفوا المستبد ذاته لترك أصول الاستبداد، واتباع القانون الأساسي الذي ~~تطلبه الأمة. والمستبد الخائر القوى لا يسعه عند ذلك إلا الإجابة طوعا، ~~وهذا أفضل ما يصادف. وإن أصر المستبد على القوة، قضوا بالزوال على دولته، ~~وأصبح كل منهم راعيا، وكل منهم مسؤولا عن رعيته، وأضحوا آمنين، لا يطمع ~~فيهم طامع، ولا يغلبون عن قلة، كما هو شأن كل الأمم التي تحيا حياة كاملة ~~حقيقية، بناء عليه؛ فليبصر العقلاء، وليتق الله المغرون، وليعلم أن الأمر ~~صعب، ولكن تصور الصعوبة لا يستلزم القنوط، بل يثير همم الرجل الأشم. # ونتيجة البحث، أن الله -جلت حكمته- قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال # PageV01P184 # من تحكمه عليها. وهذا حق. فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها الله لأمة ~~أخرى تحكمها، كما تفعل الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السفيه، وهذه ~~حكمة. ومتى بلغت أمة رشدها، وعرفت للحرية قدرها، استرجعت عزها، وهذا عدل. # وهكذا لا يظلم ربك أحدا، إنما هو الإنسان يظلم نفسه، كما لا يذل الله قط ~~أمة عن قلة، إنما هو الجهل يسبب كل علة. # وإني أختم كتابي هذا بخاتمة بشرى، وذلك أن بواسق العلم وما بلغ إليه، تدل ~~على أن يوم الله قريب. ذلك اليوم الذي يقل فيه التفاوت في العلم وما يفيده ~~من القوة، وعندئذ تتكافأ القوات بين البشر، فتنحل السلطة، ويرتفع التغالب، ~~فيسود بين الناس العدل والتوادد، فيعيشون بشرا لا شعوبا، وشركات لا دولا، ~~وحينئذ يعلمون ما معنى الحياة الطيبة: هل هي حياة الجسم وحصر الهمة في ~~خدمته؟ أم حياة الروح وغذاؤها الفضيلة؟ ويومئذ يتسنى للإنسان أن يعيش كأنه ~~عالم مستقل خالد، كأنه نجم مختص في شأنه، ms109 مشترك في النظام، كأنه ملك، ~~وظيفته تنفيذ أوامر الرحمن الملهمة للوجدان. # تم الكتاب بعونه تعالى PageV01P185 ms110