######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_007003 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: عبد الرحمن الكواكبي #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن الكواكبي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1320 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أم القرى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراث السياسي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: أم القرى #META# 030.LibURI :: JK_007003 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الرائد العربي #META# 044.EdPLACE :: لبنان/ بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1402هـ - 1982م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # | # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم | الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على ~~سيدنا محمد أفضل | المخلوقين ، وعلى آله وأصحابه أنصار دينه الأولين ، وعلى ~~أتباعهم في | مسالكهم إلى يوم الدين . # أما بعد فأقول ، وأنا هو الرحالة المتكنى بالسيد الفراتي : # إنه لما كان عهدنا هذا ، وهو أوائل القرن الرابع عشر ، عهدا | عم فيه ~~الخلل والضعف كافة المسلمين ، وكان من سنة الله في خلقه | أن جعل لكل شيء ~~سببا ، فلا بد لهذا الخلل الطارئ ، والضعف | النازل ، من أسباب ظاهرية غير ~~سر القدر الخفي عن البشر ؛ فدعت | الحمية بعض أفاضل العلماء والسراة ~~والكتاب السياسيين للبحث | عن أسباب ذلك ، والتنقيب عن أفضل الوسائل للنهضة ~~الإسلامية ، | فأخذوا ينشرون آراءهم في ذلك في بعض الجرائد الإسلامية ~~الهندية | PageV01P003 | والمصرية والسورية والتاتارية ، وقد اطلعت على ~~كثير من مقالاتهم | الغراء في هذا الموضوع الجليل ، واتبعت أثرهم بنشر ما ~~لاح لي في | حل هذا المشكل العظيم . # ثم بدا لي أن أسعى في توسيع هذا المسعى بعقد جمعية من سراة | الإسلام في ~~مهد الهداية أعني ' مكة المكرمة ' . فقعدت العزيمة | متوكلا على الله تعالى ~~على إجراء سياحة مباركة بزيارة أمهات البلاد | العربية ، لاستطلاع الأفكار ~~وتهيئة الاجتماع في موسم أداء | فريضة الحج ، فخرجت من وطني ، أحد مدن ~~الفرات ، في أوائل | محرم سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف وكلي السن تنشد : | # % دراك فمن يدنف لعمرك يدفن % % وما نافع نوح متى قيل قد فني % # % دراك فإن الدين قد زال عزه % % وكان عزيزا قبل ذا غير هين % # % فكان له أهل يوفون حقه % % بهدى وتلقين وحسن تلقن % # % إلام وأهل العلم أحلاس بيتهم % % أما صار فرضا رأب هذا التوهن % # % هلموا إلى بذل التعاون إنه % % بإهماله إثم على كل مؤمن % # % هلموا إلى ( أم القرى ) وتآمروا % % ولا تقنطوا من روع رب مهيمن % # % فإن الذي شادته أسياف قبلكم % % هو اليوم لا يحتاج إلا لألسن % % ~~PageV01P004 | فأتيت بلدة لا اسميها ، وما أطلت المقام فيها حيث وجدتها كما ~~وصف | أختها أبو الطيب بقوله : | # % ولم أر مثل جيراني ومثلي % % لمثلي عند مثلهمو مقام % # % بأرض ما اشتهيت رأيت ms001 فيها % % فليس بفوتها الإكرام % # فخرجت منها سالكا الطريق البحري من إسكندرون معرجا | على بيروت فدمشق ثم ~~يافا فالقدس ، ثم جئت إسكندرية فمصر ، | ثم من السويس يممت الحديدة فصنعاء ~~فعدن ، ومنها قصدت عمان | فالكويت ، ومنها رجعت إلى البصرة ومنها إلى حائل ~~إلى المدينة | على منورها أفضل الصلاة والسلام ، على مكة المكرمة فوصلتها | ~~في أوائل ذي القعدة ؛ فوجدت أكثر الذين أجابوا الدعوة ممن | كنت اجتمعت بهم ~~من أفاضل البلاد الكبيرة المذكورة وسراتها | قد سبقوني بموافاتها ، وما ~~انتصف الشهر وهو موعد التلاقي إلا | وقدم الباقون ما عدا الأديب البيروتي ~~الذي حرمنا القدر ملاقاته | لسبب أنبأنا عنه فعذرناه . # وفي أثناء انتظارنا منتصف الشهر ، سعيت مع بعض الإخوان | الوافدين في ~~تحري وتخير اثنى عشر عضوا أيضا لأجل إضافتهم | PageV01P005 | للجمعية ، وهم ~~من مراكش وتونس والقسطنطينية وبغجة سراي | وتفليس وتبريز وكابل وكشغر ~~وقازان وبكين ودلهي وكلكته | وليفربول . # وإذ كنت المباشر لهذه الدعوة بادرت واتخذت لي دارا في | حي متطرف في مكة ~~، مناسبة لعقد الاجتماعات بصورة خفية ، | ومع ذلك استأجرتها باسم بواب ~~داغستاني روسي لتكون مصونة | من التعرض رعاية للاحتياط . # وقد انعقد من منتصف الشهر إلى سلخه اثنا عشر اجتماعا | غير اجتماع الوداع ~~، جرت فيها مذاكرات مهمة ، صار ضبطها | وتسجيلها بكمال الدقة كما سيعلم من ~~مطالعة هذا السجل المتضمن | كيفية الاجتماعات مع جميع المفاوضات والمقررات ~~، غير ما آثرت | الجمعية كتمه كما سيشار إليه . | PageV01P006 | # | الاجتماع الأول # | يوم الاثنين خامس عشر ذي العقدة سنة 1316 # في اليوم المذكور انتظمت الجمعية للمرة الأولى وأعضاؤها | اثنان وعشرون ~~فاضلا ، كلهم يحسنون العربية ، فبعد أن عرفت | كلا منهم لباقي إخوانه ، ~~وتعارفوا بالوجوه ، بادرتهم بتوزيع اثنين | وعشرين قائمة مهيئات قبلا ، ~~مطبوعات بمطبعة الجلاتين التي استعرتها | من تاجر هندي في مكة لأجل طبع هذه ~~القائمة وأمثالها من أوراق | الجمعية ، محررا في نسخ القائمة مختصرا تراجم ~~إخوان الجمعية جميعهم ، | ببيان الاسم والنسبة والمذهب والمزية الخصوصية ، ~~وموضحا | فيها أيضا مفتاح الرموز التي يحتاج الإخوان لاستعمالها . # وأعضاء الجمعية هم : ' 443138151279812176635584522 | ~~8413259365727835264332327404919867562321 ' # واعني بذلك : | ' السيد الفراتي : والفاضل الشامي ، البليغ القدسي ms002 ، ~~الكامل | PageV01P007 | الإسكندري ، العلامة المصري ، المحدث اليمني ، ~~الحافظ البصري | العالم النجدي ، المحقق المدني ، الأستاذ المكي ، الحكيم ~~التونسي ، | المرشد الفاسي ، السعيد الإنكليزي ، المولى الرومي ، الرياضي | ~~الكردي ، المجتهد التبريزي ، العارف التاتاري ، الخطيب القازاني ، | المدقق ~~التركي ، الفقيه الأفغاني ، الصاحب الهندي ، الشيخ السندي ، | الإمام ~~الصيني . # ثم بادرت الإخوان جاهرا بكلمة شعار الأخوة التي يعرفونها | مني من قبل ~~وهي ( لا نعبد إلا الله ) مسترعيا سمعهم ، وخاطبتهم | بقولي : # ' من كان منكم يعاهد الله تعالى على الجهاد في إعلاء كلمة | الله ~~والأمانة لإخوان التوحيد أعضاء هذه الجمعية المباركة فليجهر | بقوله : على ~~عهد الله بالجهاد والأمانة ، ومن كان لا يطيق العهد | فليعنزلنا ' ؛ وما ~~جال نظري فيهم إلا وسارع الذي عن يميني إلى عقد | العهد ثم الذي يليه ثم ~~وثم إلى آخرهم . # ثم التمست منهم أن ينتخبوا أحدهم رئيسا يدير الجمعية ومذاكراتها ، | وآخر ~~كاتبا يضبط المفاوضات ويسجل المقررات ؛ فأجابني العلامة | المصري : ' إن ~~معرفة الإخوان بعضهم بعضا جديدة العهد ، وإنك | PageV01P008 | أشملهم معرفة ~~بهم ، فأنا أترك الانتخاب لك ' ؛ وما أتم رأيه هذا | إلا وأجمع الكل على ~~ذلك ، فحينئذ أعلنت لهم أني أتخير للرئاسة | الأستاذ المكي ، وأتخير نفسي ~~لخدمة الكتابة ، تفاديا عن أتعاب | غيري في الخدمة التي يمكنني القيام بها ~~، واستأذنت الأفاضل الأعجام | منهم بنوع من التصرف في تحرير بعض ألفاظهم ، ~~فأظهر الجميع | الرضاء والتصويب ، وصرح الأستاذ بالقبول مع الامتنان | من ~~حسن ظنهم به ، واستولى على الجمعية السكوت ترقبا | لما يقول الرئيس . # أما الأستاذ الرئيس فقطب جبينه مستجمعا فكره ، ثم | استهل فقال : # الحمد لله عالم السر والنجوى ، الذي جمعنا على توحيده ودينه | وأمرنا ~~بالتعاون على البر والتقوى ، والصلاة والسلام على نبينا محمد | القائل ( ~~المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا ) ، وعلى آله وأصحابه | الذين جاهدوا ~~في الله انتصارا لدينه ، لم يشغلهم عن إعزاز الدين | شاغل ، وكان أمرهم ~~شورى بينهم يسعى بذمتهم أدناهم اللهم إياك | نعبد لا نخضع لغيرك ، وإياك ~~نستعين لا ننتظر نفعا من سواك | ولا نخشى ضرا ، اهدنا الصراط المستقيم الذي ~~لا خفيات ولا ثنيات | PageV01P009 | فيه صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة ~~الهداية إلى ms003 التوحيد ، غير | المغضوب عليهم بما أشركوا ولا الضالين بعد ما ~~اهتدوا ، | سبحانك ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من | امرنا رشدا . # وبعد فيا أيها السادات الكرام ، كل منا يعلم سبب اجتماعنا | هذا من سابق ~~مفاوضات أخينا السيد الفراتي ، الذي أجبنا دعوته | لهذه الجمعية شاكرين ~~سعيه . # ولذلك لا أرى لزوما للبحث عن السبب ، كما لا أجد حاجة | لتنشيط همتكم ~~وتأجيج حميتكم لأننا كلنا في هذا العناء سواء ، ولكن | أذكركم بخلاصة تاريخ ~~هذه المسألة فأقول : # إن مسألة تقهقر الإسلام بنت ألف عام أو أكثر ، وما حفظ | عز هذا الدين ~~المبين كل هذه القرون المتوالية إلا متانة الأساس ، | مع انحطاط الأمم ~~السائرة عن المسلمين في كل الشؤون ، إلى أن | فاقتنا بعض الأمم في العلوم ~~والفنون المنورة للمدارك ، فربت قوتها ، | فنشرت نفوذها على أكثر البلاد ~~والعباد من مسلمين وغيرهم ؛ ولم | يزل المسلمون في سباتهم إلى أن استولى ~~الشلل على كل أطراف | جسم المملكة الإسلامية ؛ وقرب الخطر من القلب ، اعني ~~( جزيرة | PageV01P010 | العرب ) ، فتنبهت أفكار من رزقهم الله بصيرة ~~بالعواقب ووفقهم | لنيل أجر المجاهدين ، فهبوا ينشرون المواعظ والتذكرة ~~والمباحث | المنذرة ، فكثر المتنبهون ، وتحركت الخواطر ، لكنها حركة متحيرة ~~| الوجه ، ضائعة القوة ، فعسى الله أن يرشد جمعيتنا للتوصل لتوحيد | هذه ~~الوجهة وجمع هذه القوة . # وبتدقيق النشريات والمقالات التي جادت بها أقلام الفضلاء | في هذا ~~الموضوع ترى كلها دائرة على أربعة مقاصد ابتدائية فقط : # الأول منها : بيان الحالة الحاضرة ، ووصف إعراضها | بوجه عام وصفا بديعا ~~يفيد التأثر ويدعو إلى التدبر ، على أن ذلك لا | يلبث إلا عشية أو ضحاها . # والثاني : بيان أن سبب الخلل النازل هو الجهل الشامل بيان | إجمال وتلميح ~~، مع أن المقام يقتضي عدم الاحتشام من | التفصيل والتشريح . # والثالث : إنذار الأمة بسوء العاقبة المحدقة بها إنذارا هائلا | تطير منه ~~النفوس ، مع أن الحال الواقع لا تغني فيه النذر . # والرابع : توجيه اللوم والتبعة على الأمراء والعلماء والكافة | لتقاعدهم ~~عن استعمال قوة الاتفاق على النهضة ، مع أن الاتفاق وهم | PageV01P011 | ~~متشاكسون متعذر لا متعسر # فهذه المقاصد القولية قد استوفت ms004 حقها من أنواع بدائع | الأساليب ، وآن ~~أوان استثمارها ، وذلك لا يتم إذا لم يشخص | المرض أو الأمراض المشتركة ، ~~تشخيصا مدققا سياسيا ، بالبحث | أولا عن مراكز المرض ، ثم عن جراثيمه ، ~~ليتعين بعد ذلك | الدواء الشافي الأسهل وجودا والأضمن نتيجة ، وبالتنقيب ~~ثانيا | عن تدبير إدخاله في جسم الأمة بحكمة تصرع العناد والوهم ، وتتغلب | ~~على مقاومة أعضاء الذوق والشم . # ثم أظنكم أيها السادة تستحسنون الاكتتام الذي اختاره | أكثر هؤلاء الكتاب ~~الأفاضل ، لأن لذلك محسنات بل موجبات | شتى ينبغي أن تستعملها جمعيتنا أيضا ~~؛ فلنحرص كلنا على الاكتتام | لأن من موجباته التزام كل منا المشرب العمري ~~، أعني القول | الصريح في النصيحة للدين بدون رياء ولا استحياء ولا مراعاة ~~ذوق | عامة أو عتاة ، لأن حياء المريض مهلكة ، وكتم الأمر المستفيض | سخافة ~~، والدين النصيحة ، ولا حياء في الدين . # ومن موجبات الاكتتام أيضا أن كل ما يخالج الفكر في | موضوع مسألتنا معروف ~~عند الأكثرين ، ولكن بصورة مشتتة ، | PageV01P012 | والناس فيه على أقسام ، ~~فصنف العلماء أما جبناء يهابون الخوض | فيه ، وإما مراؤن مداجون يأبون أن ~~تخالف أقوالهم أحوالهم . وباقي | الناس يأنفون أن يذعنوا لنصح ناصح صادع ~~غير معصوم ، | ولذلك كان القول من غير معرفة القائل أرعى للسمع وأقرب ~~للقبول | والقناعة وأدعى للإجماع . # ثم يا أيها الإخوان : أظنكم كذلك تستصوبون أن نترك | جانبا اختلاف ~~المذاهب التي نحن متبعوها تقليدا ، فلا نعرف مآخذ | كثير من أحكامها ، وأن ~~نعتمد ما نعلم من صريح الكتاب وصحيح | السنة وثابت الإجماع ، وذلك لكيلا ~~نتفرق في الآراء وليكون | ما نقرره مقبولا عند جميع أهل القبلة ، إذ أن ~~مذهب السلف هو | الأصل الذي لا يرد ولا تستنكف الأمة أن ترجع إليه وتجتمع | ~~عليه في بعض أمهات المسائل ، لأن في ذلك التساوي بين المذاهب ، | فلا يثقل ~~على أحد نبذ تقليد أحد الأئمة في مسألة تخالف المتبادر | من نص الكتاب ~~العزيز أو تباين صريح السنة الثابتة في مدونات | الصدر الأول . # ولا يكبر هذا الرأي على البعض منكم ؛ فما هو برأي حادث | بين المسلمين ، ~~بل جميع أهل جزيرة العرب ما عدا ms005 أخلاط الحرمين | PageV01P013 | على هذا ~~الرأي ، ولا يخفى عليكم أن أهل الجزيرة وهم من سبعة | ملايين إلى ثمانية ~~كلهم من المسلمين السلفيين عقيدة ، وغالبهم الحنابلة | أو الزيدية مذهبا ، ~~وقد نشأ الدين فيهم وبلغتهم فهم أهله وحملته | وحافظوه وحماته ، وقلما ~~خالطوا الأغيار ، أو وجدت فيهم دواعي | الأغراب والتفنن في الدين لأجل ~~الفخار ، ولا يعظمن على البعض | منكم أيضا انه كيف يسوغ لأحدنا أن يثق ~~بفهمه وتحقيقه مع بعد | العهد ، ويترك تقليد من يعرف انه أفضل منه وأجمع ~~علما وأكثر | إحاطة واحتياطا . # ولا أظن أن فينا من ليس في نفسه أشكال عظيم في تحري | من هو الأعلم من ~~بين الأئمة والعلماء والأحرى بالاعتماد على تحقيقه ، | لوجود اختلافات ~~واضطرابات مهمة بينهم ما بين نفي وإثبات ، | حتى في كثير من الأمور ~~التعبدية الفعلية التي مأخذها المشاهدة | المتكررة ألوف مرات ، مثل : هل ~~كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | ثم جمهور أصحابه عليهم الرضوان يصلون ~~وتر العشاء بتسليمه | أم بتسليمتين ؟ وهل كانوا يقنتون في الوتر أم في ~~الصبح ؟ وهل | كان المؤتمون يقرؤون أم ينصتون . وهل كانوا يرفعون الأيدي | ~~PageV01P014 | عند تكبيرات الانتقال أم لا يرفعون ؟ وهل يعقدون الأيدي | أم ~~يرسلونها . # فإذا كان الأئمة والعلماء الأقدمون هذا شأنهم من التباين | و التخالف في ~~تحقيق كيفية عبادة فعلية هي عماد الدين ، أعني الصلاة | التي هي من ~~المشهودات المتكررات وتؤدي بالجموع والجماهير ، | فكيف يكون شأنهم في ~~الأحكام التي تستند إلى قول أو فعل | أو سكوت صدر عن النبي [ صلى الله عليه ~~وسلم ] مرة أو مرات فقط ، | ورواها فرد أو أفراد . # فعلى هذا ، لا أرى من مانع أن نترك النقول المتخالفة | خصوصا منها ~~المتعلق بالبعض القليل من الأصول ، ونجتمع على | الرجوع إلى ما نفهمه من ~~النصوص ، أو ما يتحقق عندنا حسب | طاقتنا أنه جرى عليه السلف ، وبذلك تتحد ~~وجهتنا ويتسنى لنا | الاتفاق على تقرير ما نقرره ، ويقوي الأمل في قبول ~~الأمة منا | ما ندعوها إليه . # وإني أسلفكم أيها السادات انه ينبغي أن لا يهولنا ما | ينبسط في جمعيتنا ~~من تفاقم أسباب الضعف ms006 والفتور كيلا نيأس | PageV01P015 | من روح الله ، وان ~~لا نتوهم الإصابة في قول من قال : أننا أمة | ميتة فلا ترجى حياتنا ، كما ~~لا إصابة في قول من قال : ' إذا نزل الضعف | في دولة أو أمة لا يرتفع ؛ ~~فهذه الرومان واليونان والأمريكان | والطليان واليابان وغيرها كلها أمم ~~أمثالنا استرجعت نشأتها | بعد تمام الضعف وفقد كل اللوازم الأدبية للحياة ~~السياسية ، | بل ليس بيننا ولا سيما عرب الجزيرة منا وبين أعظم الأمم الحية ~~| المعاصرة فرق سوى في العلم والأخلاق العالية ، على أن | مدة حضانة العلم ~~عشرون عاما فقط ومدة حضانة الأخلاق | أربعون سنة . # فعلينا أن نثق بعناية الله الذي لا يعبد سواه ؛ وبهذا الدين | المبين ~~الذي نشر لواء عزه على العالمين ، ولم يزل بالنظر لوضعه الإلهي | دينا ~~حنيفا متينا محكما مكينا لا يفضله ولا يقاربه دين من | الأديان في الحكمة ~~والنظام ورسوخ البنيان . # ثم أيقنوا أيها الإخوان أن الأمر ميسور ، وان ظواهر | الأسباب ودلائل ~~الأقدار مبشرة أن الزمان قد استدار ، ونشأ | في الإسلام إنجاب أحرار وحكماء ~~أبرار يعد وأحدهم بألف وجمعهم | بألف ألف . فقوة جمعية منظمة من هؤلاء ~~النبلاء كافية لأن تخرق | PageV01P016 | طبل حزب الشيطان ، وتسترعي سمع ~~الأمة مهما كانت في رقاد | عميق ، وتقودها إلى النشاط وإن كانت في فتور ~~مستحكم عتيق ، | على أن محض انعقاد جمعيتنا هذه لمن أعظم تلك المبشرات ، ~~خصوصا | إذا وفقها الله تعالى بعنايته لتأسيس جمعية قانونية منتظمة ، لأن | ~~الجمعيات المنتظمة يتسنى لها الثبات على مشروعها عمرا طويلا يفي بما لا | ~~يفي به عمر الواحد الفرد ، وتأتي بأعمالها كلها بعزائم صادقة لا يفسدها | ~~التردد ؛ وهذا هو سر ما ورد في الأثر من أن يد الله مع الجماعة ، وهذا هو ~~سر | كون الجمعيات تقوم بالعظائم وتأتي بالعجائب ، وهذا هو سر نشأة الأمم | ~~الغربية ، وهذا هو سر النجاح في كل الأعمال المهمة ، لأن سنة الله في خلقه ~~أن | كل أمر كليا كان أو جزئيا لا يحصل إلا بقوة وزمان متناسبين مع أهميته ~~، | وان كل أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون ms007 احكم وارسخ | وأطول عمرا ~~مما إذا حصل بمزيد قوة في زمان قصير . # وكلنا يعلم أن مسألتنا اعظم من أن يفي بها عمر إنسان ينقطع ، | أو مسلك ~~سلطان لا يطرد ، أو قوة عصبية حضرية حمقاء تفور سريعا | وتغور سريعا . # وإذا تفكرنا أن مبدأ أعظم الأعداد اثنان فذلك مبدأ الجمعيات | شخصان ثم ~~تتزايد حتى تكمل ، وتتقلب أشكالا حتى ترسخ ؛ فعلى | PageV01P017 | هذا لا ~~يبعد أن يتم لنا انعقاد جمعية منتظمة تنعقد الآمال بناصيتها . | ولا ينبغي ~~الاسترسال مع الوهم إلى أن الجمعيات معرضة في شرقنا | لتيار السياسة فلا ~~تعيش طويلا ، ولا سيما إذا كانت فقيرة ولم تكن | كغالب الأكاديميات أي ~~لمجامع العلمية ، تحت حماية رسمية ؛ بل | الأليق بالحكمة والحزم الإقدام ~~والثبات وتوقع الخير إلى أن يتم | المطلوب . # هذا وإن شرقنا مشرق العظائم والزمان أبو العجائب ، وما على | لله بعزيز ~~أن يتم لنا انتظام جمعية يكون لها صوت جهوري ، إذا | نادى مؤذنها حي على ~~الفلاح في رأس لرجاء يبلغ أقصى الصين صداه . # ومن المأمول أن تكون الحكومات الإسلامية راضية | بهذه الجمعية حامية لها ~~ولو بعد حين ، لأن وظيفتها الأساسية أن | تنهض بالأمة من وهدة الجهالة ~~وترقي بها في معارج المعارف ، متباعدة | عن كل صبغة سياسية ، وسنعود لبحث ~~الجمعية فيما بعد . # ولنبدأ الآن بتشخيص داء الفتور المستولي على الأمة تشخيصا | سياسيا مدققا ~~، فأرجوكم أيها السادة أن يعمل كل منكم فكره الثاقب | فيما هو سبب الفتور ، ~~ليبين رأيه وما يفتح الله به عليه في اجتماعاتنا | التي نواليها كل يوم ، ~~ما عدا يومي الثلاثاء والجمعة ، من بعد طلوع | PageV01P018 | الشمس بساعة ~~إلى قبيل الظهر أعني إلى ما بعد مثل هذا الوقت بساعة ، | فنفتتح كل اجتماع ~~بقراءة ضبط المذاكرات التي جرت في الاجتماع | السابق ثم نشرع بالمفاوضات . ~~| ' وإني أختم اجتماعنا اليوم ببرنامج المسائل الأساسية التي تدور | عليها ~~مذاكرات جمعيتنا ، وينبغي لكل منا أن يفتكر فيها ويدرسها | وهي عشر مسائل : # 1 - موضع الداء . # 2 - إعراض الداء . # 3 - جراثيم الداء . # 4 - ما هو الداء . # 5 - ما هي وسائل استعمال الدواء . # 6 - ما ms008 هي الإسلامية . # 7 - كيف يكون التدين بالإسلامية . # 8 - ما هو الشرك الخفي . # 9 - كيف تقاوم البدع . # 10 - تحرير قانون لتأسيس جمعية تعليمية . # ولما انتهى خطاب الأستاذ الرئيس ، وانتهت الجلسة ، قال السيد | ~~PageV01P019 | الفراتي : إني أرى أن يقيد كل منا هذه المسائل العشر في جانب ~~من | ورقة التراجم ليكون القيد تذكرة له ، فخف أربعة منهم نحو المكتبة | ~~وأخذ كل قلما وقيد فهرست المسائل ، ثم توالي الباقون على ذلك ؛ وعندما | ~~فرغوا من التحرير خاطبهم السيد الفراتي بقوله : إني أغتنم تشريفكم | الأول ~~لمحلي وسيلة لضيافتكم ، وقد أعددت ما يتسهل إعداده لغريب | مثلي في مثل هذه ~~البلدة المباركة ، ثم خرج بهم إلى محل المائدة ، وكان | حديثهم على الطعام ~~استقصاء أخبار مهتدي ليفربول من السعيد | الإنكليزي ، وبعد أن طعموا عرض ~~عليهم الشاي والقهوة والشراب | المثلوج ، فكل اختار ما ألف واحب ، ثم ~~انصرفوا أزواجا وفرادى | مجيبين دعوة خير الدعاة ، إذ كان قد دنا وقت ~~الصلاة . | PageV01P020 | # | الاجتماع الثاني # | يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة سنة 1316 # في صباح اليوم المذكور انعقد الاجتماع ، وبعد قراءة ضبط | الجلسة الأولى ~~افتتح الكلام الأستاذ الرئيس فقال : # أنا نجد الباحثين في الحالة النازلة بالمسلمين يشبهونها بالمرض | فيطلقون ~~عليها اسم الداء مجردا ، أو مع وصفه بالدفين أو المزمن أو | العضال ، ولعل ~~مأخذ ذلك ما ورد في الأثر وألفته الإسماع من تشبيه | المسلمين بالجسد إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى له سائره بالسهر والحمى . | ويلوح لي أن إطلاق الفتور ~~العام أليق بأن يكون عنوانا لهذا البحث | لتعلق الحالة النازلة بالأدبيات ~~أكثر منها بالماديات ، ولأن آخر ما فيها | ضعف الحس فيناسبه التعبير عنه ~~بالفتور . # كما أن هذا الفتور في الحقيقة شامل لكافة أعضاء الجسم | الإسلامي ، ~~فيناسب أن يوصف بالعام ، وربما يتوقف الفكر في | الوهلة الأولى عند الحكم ~~بان الفتور عام يشمل كافة المسلمين ، ولكن | PageV01P021 | بعد التدقيق ~~والاستقراء نجده شاملا للجميع في مشارق الأرض | ومغاربها لا يسلم منه إلا ~~أفراد شاذة . # فيا أيها السادة : ما هو سبب ملازمة هذا الفتور منذ قرون | للمسلمين ، من ~~أي قوم كانوا وأينما ms009 وجدوا ، وكيفما كانت | شؤونهم الدينية أو السياسية أو ~~الإفرادية أو المعاشية ؛ حتى أننا | لا نكاد نجد إقليمين متجاورين أو ~~ناحيتين في إقليم أو قريتين | في ناحية أو بيتين في قرية ، أهل أحدهما ~~مسلمون والآخر غير | مسلمين ، إلا ونجد المسلمين أقل من جيرانهم نشاطا ~~وانتظاما في | جميع شؤونهم الحيوية الذاتية والعمومية ؛ وكذلك نجدهم أقل ~~اتقانا | من نظرائهم في كل فن وصنعة ، مع أننا نرى أكثر المسلمين في | ~~الحواضر ، وجميعهم في البوادي ، محافظين على تميزهم عن غيرهم من | جيرانهم ~~ومخالطيهم في أمهات المزايا الأخلاقية مثل الأمانة والشجاعة | والسخاء . # فما هو والحالة هذه سبب تعمم هذا الفتور ، وملازمته لجامعة | هذا الدين ~~كملازمة العلة للمعلول ، بحيث أينما وجدت الإسلامية وجد | هذا الداء ، حتى ~~توهم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان ؛ | هذا هو المشكل ~~العظيم الذي يجب على جمعيتنا البحث فيه أولا بحث | PageV01P022 | تدقيق ~~واستقراء ، عسى أن نهتدي إلى جرثومة الداء عن يقين ، | فنسعى في مقاومتها ، ~~حتى إذا ارتفعت العلة بريء العليل أن شاء | الله تعالى . # قال الفاضل الشامي : أني أوافق الأستاذ الرئيس على تعريفه | وتوصيفه ~~الحالة النازلة بالفتور ، كما أني لا أعلم ما يعارض كون هذا | الفتور عاما ~~محيطا بجميع المسلمين . # قال الصاحب الهندي : أني وأن كنت أقل الإخوان فضيلة | ولكنني جوال ، وقد ~~خبرت البلاد وأحوال العباد ، ولا شك عندي | في أن هذا الفتور عام وإن كان ~~لا يظهر في بعض المواضع التي ليس | فيها غير المسلمين ، كأواسط جزيرة العرب ~~وبعض جهات إفريقيا ، | ولا يظهر أيضا في بعض مواقع أخرى مجاورو المسلمين ~~فيها ومخالطوهم | من أهل النحل الوثنية الغريبة الوضع ، المتناهية في الشدة ~~، كبقايا | الصابئة حول دجلة الذين يضيعون كثيرا من أوقاتهم منغمسين في | ~~الماء تعبدا ، وكالكونغو من الزنوج ، وكالبوذية من الهنود المعتقدين | أن ~~كل مصائبهم حتى الموت الطبيعي من تأثيرات أعمال السحرة | عندهم ، فإن أمثال ~~هؤلاء اكثر فتورا من المسلمين ، على أن ذلك | لا يرفع صفة الفتور وعموميته ~~عن المسلمين . | PageV01P023 # فقال الأستاذ الرئيس : أن الصاحب الهندي مصيب في تفصيله | وتحريره ، ~~ولذلك ms010 رجعت عن قولي بأن المسلمين أحط من غيرهم | مطلقا إلى الحكم بأنهم أحط ~~من غيرهم ، ما عدا أهل النحل المتشددة | في التدين . # قال الحافظ البصري : يلوح لي أنه - يلزم استثناء الدهريين | والطبيعيين و ~~أمثالهم ممن لا دين لهم ، لأنهم لا بد أن يكونوا على غير | نظام ولا ناموس ~~في أخلاقهم ، معذبين منغصين في حياتهم منحطين | عن أهل الأديان ، كما يعترف ~~بذلك الطبيعيون فيقولون عن أنفسهم | أنهم أشقى الناس في الحياة الدنيا . # فأجابه الصاحب الهندي : أني كنت أيضا أظن أنه يوجد في | البشر أفراد ممن ~~لا دين لهم ، وان من كانوا كذلك لا خلاق لهم ؛ | ثم أن خبرتي الطويلة قد ~~برهنت لي أن الدين بمعناه العام وهو إدراك | النفس وجود قوة غالبة تتصرف في ~~الكائنات ، والخضوع لهذه | القوة على وجه يقوم في الفكر ، هو أمر فطري في ~~البشر ؛ وإن | قولهم فلان دهري أو طبيعي هو صفة لمن يتوهم أن تلك القوة هي ~~| الدهر أو الطبيعة فيدين لما يتوهم . # بناء على ذلك ثبت عندي ما يقرره الأخلاقيون : من أنه | PageV01P024 | لا ~~يصح وصف صنف من الناس بلا دين لهم مطلقا بل كل إنسان | يدين بدين ، أما ~~صحيح . أو فاسد عن أصل صحيح ، وإما باطل أو فاسد | عن اصل باطل ، والفاسدان ~~يكون فسادهما أما بنقصان أو بزيادة أو | بتخليط وهذه أقسام ثمانية . # فالدين الصحيح كافل للنظام والنجاح في الحال ، والسعادة | والفلاح في ~~المآل . والباطل والفاسدان بنقصان قد يكون أصحابها | على نظام ونجاح في ~~الحياة على مراتب مختلفة ؛ وأما الفاسدان بزيادة | أو بتخليط فمهلكة محضة . ~~ثم أقول ربما كان تقريري هذا غريبا في | بابه فالتمس أن لا يقبل ولا يرد ~~إلا بعد التدقيق والتطبيق ، لأنه أصل | مهم لمسألة الفتور العام المستولي ~~على المسلمين . # قال الأستاذ الرئيس : إني أجلكم أيها السادة الأفاضل عن | لزوم تعريفكم ~~آداب البحث والمناظرة ، غير أني أنبه فكركم لأمر | لا بد هو قائم في نفوسكم ~~جميعا ، أو تحبون أن يصرح به ، ألا وهو | عدم الإصرار على الرأي الذاتي ~~وعدم الانتصار له ، واعتبار ms011 أن | ما يقوله ويبديه كل منا إن هو إلا خاطر ~~سنح له ، فربما كان صوابا | أو خطأ ، وربما كان مغايرا لما هو نفسه عليه ~~اعتقادا أو عملا ، وهو | إنما يورده في الظاهر معتمدا عليه ، وفي الحقيقة ~~مستشكلا أو مستثبتا | PageV01P025 | أو مستطلعا رأي الغير . بناء على ذلك ~~فما أحد منا ملزم برأي يبديه | ولا هو بملوم عليه ، وله أن يعدل أو يرجع ~~عنه إلى ضده ؛ لأننا إنما | نحن باحثون لا متناظرون ، فإذا أعجبنا رأي ~~المتكلم منا أثناء خطابه | إعجابا قويا فلا بأس أن نجهر بلفظ ( مرحى ) ، ~~تأييدا لإصابة | حكمة وأشعارا باستحسانه ، وعلى هذا النسق فلنمض في بحثنا ~~فيما هي | أسباب الفتور العام . # قال الفاضل الشامي : إني أرى أن منشأ هذا الفتور هو بعض | القواعد ~~الإعتقادية والأخلاقية : مثل العقيدة الجبرية ، التي من بعد | كل تعديل ~~فيها جعلت الأمة جبرية باطنا قدرية ظاهرا ( مرحى ) . | ومثل الحث على الزهد ~~في الدنيا والقناعة باليسير والكفاف من الرزق ، | وإماتة المطالب النفسية : ~~كحب المجد والرياسة ، والتباعد عن الزينة | والمفاخر ، والأقدام على عظائم ~~الأمور ، وكالترغيب في أن يعيش | المسلم كميت قبل أن يموت . وكفى بهذه ~~الأصول مفترات ، مخدرات ، | مثبطات ، معطلات ، لا يرتضيها عقل ولم يأت بها ~~شرع ، ولمثلها | نفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا ذر الغفاري الربذة . | ~~PageV01P026 # فأجابه البليغ القدسي : أن هذه الأصول الجبرية والتزهيدية | الممتزجة ~~بعقائد الأمة ، وما هو اشد منها تعطيلا للأخذ بالأسباب | ولنشأة الحياة ، ~~موجودة في كافة الديانات لتعدل من جهة شره | الطبيعة البشرية في طلب ~~الغايات وتدفعها إلى التوسط في الأمور ، | ولتكون من جهة أخرى تسلية ~~للعاجزين وتنفيسا عن المقهورين | البائسين ، وتوسلا لحصول التساوي بين ~~الأغنياء والفقراء في | مظاهر النعيم . # ألا يرى إجماع كل الأديان على اعتقاد القدر خيره وشره من | الله تعالى ، ~~أو خيره منه وشره من النفس أو من الشيطان ؛ ومع | ذلك ليس في البشر من ينسب ~~أمرا إلى القدر إلا عند الجهل بسببه | سترا لجهله ، أو عند العجز عن نيل ~~الخير أو دفع الشر سترا لعجزه ، | وحيث غلب أخيرا ms012 على المسلمين جهل أسباب ~~المسببات الكونية | والعجز عن كل عمل ، إلتجأوا إلى القدر والزهد تمويها لا ~~تدينا . # وهذا التبتل والخروج عن المال من اعظم القربات في النصرانية ، | فهل كان ~~قصد شارع الرهبانية أن ينقرض الناس كافة بعد جيل | واحد ؟ أم كان قصده أن ~~يشرعها على أن لا يتلبس بها إلا البعض | النزر ؟ كلا ، لا يعقل في هذا ~~المقام إلا التعميم ، وينتج من ذلك أنه | PageV01P027 | لا يصح اعتبار هذه ~~الأصول الجبرية والتزهيدية سببا للفتور ؛ بل هي | سبب لاعتدال النشاط وسيرة ~~سير انتظام ورسوخ . # وفي النظر إلى المشاق والعظائم التي اقتحمها الصحابة والخلفاء | الراشدون ~~رضي الله عنهم لنيل الغنى والرياسة والفخار فضلا عن | الثواب كفاية برهان ، ~~مع أن الأمة إذ ذاك كانت زاهدة فعلا ، لا | كالزهد الذي ندعيه الآن كذبا ~~ورياء . ( مرحى ) . # إذا تتبعنا كل ما ورد في الإسلامية حاثا على الزهد ، نجده | موجها إلى ~~الترغيب بالأثرة العامة ، أي بتحويل المسلم ثمرة | سعيه للمنفعة العمومية ~~دون خصوص نفسه ، حتى أن كل ما ورد في | الحث على الجهاد في سبيل الله مراد ~~وبه سعي المؤمن بكل الوسائل ، | حتى ببذل حياته ، لإعزاز كلمة الله وإقامة ~~دينه ، لا في خصوصية | محاربة الكفار كما تتوهم العامة ؛ كما أن المراد من ~~محاربة الكفار هي | من جهة إعزاز الجامعة الإسلامية ، ومن أخرى خدمة ~~الجامعة | الإنسانية من حيث إلجاء الكفار إلى مشاركة المسلمين في سعادة | ~~الدارين ؛ لأن للأمم المترقية علما ولاية طبيعية على الأمم المنحطة ، | ~~فيجب عليها إنسانية أن تهديها إلى الخير ولو كرها باسم الدين | أو السياسة ~~. | PageV01P028 # ثم قال : أما عندي فيخيل إلي أن سبب الفتور هو تحول نوع | السياسة ~~الإسلامية ، حيث كانت نيابية اشتراكية أي ( ديمقراطية ) | تماما ، فصارت ~~بعد الراشدين بسبب تمادي المحاربات الداخلية ملكية | مقيدة بقواعد الشرع ~~الأساسية ، ثم صارت أشبه بالمطلقة . وقد | نشأ هذا التحول من أن قواعد ~~الشرع كانت في الأول غير مدونة | ولا محررة ، بسبب اشتغال الصحابة المؤسسين ~~رضي الله عنهم | بالفتوحات ، وتفرقهم في البلاد ، فظهر في أمر ضبطها | ~~خلافات ومباينات بين العلماء ms013 ، وتحكمت فيها آراء الدخلاء ، فرجحوا | الأخذ ~~بما يلائم بقايا نزعاتهم الوثنية فاتخذ العمال السياسيون | ولا سيما ~~المتطرفون منهم هذا التخالف في الأحكام وسائل للانقسام | والاستقلال ~~السياسي ، فنشأ عن ذلك أن تفرقت المملكة الإسلامية | إلى طوائف متباينة ~~مذهبا متعادية سياسة ، متكافحة على الدوام . | وهكذا خرج الدين من حضانة ~~أهله وتفرقت كلمة الأمة ، فطمع | بها أعداؤها وصارت معرضة للمحاربات ~~الداخلية والخارجية معا ، | لا تصادف سوى فترات قليلة تترقى فيها في العلوم ~~والحضارة على | PageV01P029 | حسبها ، وقد أثر استمرار الأمة في هذه الحروب ~~أن صارت باعتبار | الأكثرية أمة جندية صنعة وأخلاقا ، بعيدة عن الفنون ~~والصنائع | والكسب بالوجوه الطبيعية . ثم بسبب فقدان القواد والمعدات لم | ~~يبق مجال للحروب الرابحة ، فاقتصرت الأمة على المدافعات ، خصوصا | منذ ~~قرنين إلى الآن ، أي منذ صارت الجندية عند غيرهم صنعة علمية | مفقودة عندنا ~~، فصرنا نستعمل بأسنا بيننا فنعيش بالتغالب والتحايل | لا بالتعاون ~~والتبادل ؛ وهذا شأن يميت الانتباه والنشاط ويولد | الخمول والفتور ( مرحى ~~) . # ابتدر الحكم التونسي وإجابة : أن غيرنا من الأقوام ، جرمانيا | مثلا ، ~~وجدوا في حكومات مطلقة كليا وفي اختلافات مذهبية وفي | انقسامات إلى طوائف ~~سياسية وفي حروب مستمرة ، ولم يشملهم | الفتور بوجه عام ؛ فلا بد للفتور في ~~المسلمين من سبب آخر . # ثم قال : وفيما أتصور أن بلاءنا من تأصل الجهل في غالب أمرائنا | ~~المترفين ، الأخسرين أعمالا ، الذين ضلوا وأضلونا سواء السبيل وهم | يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا ، حتى بلغ جهل هؤلاء منزلة أحط من | جهل العجماوات التي ~~لها طبائع ونواميس ؛ فمنها التي تحمي وزمارها ، | وتمنع عن حدودها ، وتدفع ~~عما إستحفظت عليه ؛ وهؤلاء ليس لهم | PageV01P030 | طبائع ونواميس ، يخربون ~~بيوتهم بأيديهم وهم لا يشعرون . ومنهم | البعض ضالون على علم ، وهم الذين ~~يشكون ويبكون حتى يظن انهم | مغلوبون على أمرهم ، ويتشدقون بالإصلاح ~~السياسي مع انهم وأيم | الحق يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ؛ يظهرون ~~الرغبة في | الإصلاح ، ويبطنون الإصرار والعناد على ما هم عليه من إفساد ~~دينهم | ودنياهم ، وهدم مباني مجدهم وإذلال أنفسهم والمسلمين ، وهذا داء | ~~عياء لا يرجى منه الشفاء لأنه داء الغرور ms014 ، ولا يقر صاحبه لفاضل | بفضيلة ~~ولا يجاري حازما في مضمار ، وقد سرى من الأمراء ، إلى | العلماء ، إلى ~~الكافة . # أجاب المولى الرومي : أن تحميل التبعة على الأمراء فقط غير | سديد ، ~~خصوصا لأن أمراءنا إن هم إلا لفيف منا ، فهم أمثالنا من | كل وجه ؛ وقد قيل ~~' كما تكونوا يولى عليكم ' فلو لم نكن نحن | مرضى لم يكن أمراؤنا مدنفين . # وعندي أن البلية فقدنا الحرية ، وما أدرانا ما الحرية ؛ هي | ما حرمنا ~~معناه حتى نسيناه ، وحرم علينا لفظه حتى | PageV01P031 | استوحشناه ، وقد ~~عرف الحرية من عرفها : ' بان يكون | الإنسان مختارا في قوله وفعله لا ~~يعترضه مانع ظالم ' . ومن فروع | الحرية تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام ~~باعتبار انهم وكلاء ، وعدم | الرهبة في المطالبة وبذل النصيحة . ومنها : ~~حرية التعليم ، وحرية | الخطابة والمطبوعات ، وحرية المباحثات العلمية ؛ ~~ومنها العدالة | بأسرها حتى لا يخشى إنسان من ظالم أو غاصب أو غدار مغتال ؛ ~~ومنها | الأمن على الدين والأرواح ، والأمن على الشرف والأعراض ، | والأمن ~~على العلم واستثماره . فالحرية هي روح الدين و ينسب إلى | حسان بن ثابت ~~الشاعر الصحابي رضي الله عنه قوله : | # % وما الدين إلا أن تقام شرائع % % وتؤمن سبل بيننا وهضاب % # فلننظر كيف حصر هذا الصحابي الدين في إقامة الشرع | والأمن . # هذا ولا شك أن الحرية اعز شيء على الإنسان بعد حياته ، | PageV01P032 | و ~~أن بفقدانها تفقد الآمال ، وتبطل الأعمال ، وتموت النفوس ، | وتتعطل ~~الشرائع ، وتختل القوانين . وقد كان فينا راعي الخرفان حرا | لا يعرف للملك ~~شنئانا ، يخاطب أمير المؤمنين بيا عمر ويا عثمان ، | فصرنا ربما نقتل الطفل ~~في حجر أمه ونلزمها السكوت فتسكت ، | ولا تجسر أن تزعج سمعنا ببكائها عليه ~~. # وكان الجندي الفرد يؤمن جيش العدو فلا يخفر له عهد ، | فصرنا نمنع الجيش ~~العظيم صلاة الجمعة والعيدين ، ونستهين دينه | لا لحاجة غير الفخفخة ~~الباطلة ( مرحى ) . | فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي ~~عليها | الفتور ، وقد كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك | عاكفون ، ~~فتأصل فينا فقد الآمال وترك الأعمال والبعد عن الجد | والارتياح إلى الكسل ~~والهزل ، والانغماس في ms015 اللهو تسكينا لآلام | أسر النفس ، والإخلاد إلى ~~الخمول والتسفل طلبا لراحة الفكر | المضغوط عليه من كل جانب . إلى أن صرنا ~~ننفر من كل الماديات | والجديات حتى لا نطيق مطالعة الكتب النافعة ولا ~~الإصغاء إلى | النصيحة الواضحة ، لأن ذلك يذكرنا بمفقودنا العزيز ، فتتألم ~~أرواحنا | وتكاد تزهق إذا لم نلجأ إلى التناسي بالملهيات والخرافات ~~المروحات | PageV01P033 | وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا ، وصرنا نغضب ~~ونحقد على | من يذكرنا بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة ، لعجزنا عن ~~القيام | بها عجزا واقعيا لا طبيعيا . # هذا ونعترف أن فينا بعض أقوام قد ألفوا ألوف سنين | الاستعباد والاستبداد ~~، والذل والهوان ، فصار الانحطاط طبعا لهم | تؤلمهم مفارقته ؛ وهذا هو سبب ~~أن السواد الأعظم من الهنود | والمصريين والتونسيين لا سيما بعد أن نالوا ~~رغم أنوفهم الأمن على | الأنفس والأموال ، والحرية في الآراء والأعمال ، ~~ولا يرثون ولا | يتوجعون لحالة المسلمين في غير بلادهم ، بل ينظرون ~~للناقمين على | أمرائهم المسلمين شذرا ، وربما يعتبرون طالبي الإصلاح من ~~المارقين | من الدين ، كأن مجرد كون الأمير مسلما يغني عن كل شيء حتى | عن ~~العدل ، وكأن طاعته واجبة على المسلمين ، وإن كان يخرب | بلادهم ويقتل ~~أولادهم ويقودهم ليسلمهم لحكومات أجنبية ، كما جرى | ذلك قبلا معهم ، ~~والحاصل أن فقدنا الحرية هو سبب الفتور والتقاعس | عن كل صعب وميسور . # أجاب المجتهد التبريزي : أن هذا الحال ليس بعام ، مع أن الفتور | لم يزد ~~إزديادا عاما ، بل هو في ازدياد واستحكام فلا بد لذلك من | PageV01P034 | ~~سبب آخر . # ثم قال : ويلوح لي أن انحطاطنا من أنفسنا ، إذ أننا كنا خير | أمة أخرجت ~~للناس نعبد الله وحده ، أي نخضع ونتذلل له فقط ، | ونطيع من أطاعه ما دام ~~مطيعا له ، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، | امرنا شورى بيننا ، نتعاون ~~على البر والتقوى ولا نتعاون على الإثم | والعدوان ، فتركنا ذلك كله ما صعب ~~منه وما هان . # وقد يظن أن أصعب هذه الأمور النهي عن المنكر ، مع أن | إزالة المنكر في ~~شرعنا تكون بالفعل ، فإن لم يكن فبالقول ، فإن لم | يكن فبالقلب ، وهذه ~~الدرجة الثالثة هي ms016 الأعراض عن الخائن | والفاسق والنفور منه وإيطال بغضه في ~~الله ؛ ومن علائم ذلك تجنب | مجاملته ومعاملته ، ولا شك أن ايفاء هذا ~~الواجب الديني كاف للردع ، | ولا يتصور العجز عنه قط ، قال تعالى : @QB@ ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض @QE@ ؛ فهذا هو سبب استرسال ~~الأمة لعبادة | الأمراء والأهواء والأوهام ، ولا طاعة العصاة اختيارا ، ~~ولترك | التناصح ، وللركون إلى الفساق والأذعان للاستبداد وللتخاذل في | ~~الخير والشر ، قال : @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون @QE@ وعنه [ صلى الله عليه وسلم ] | ~~PageV01P035 | : ( لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن | الله ~~عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ) . إلى غير ذلك من | الآيات البينات ~~والأحاديث المنذرات القاضيات بالخذلان على تاركي | الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر ، فهذا هو السبب الناشيء | عنه الفتور . # أجابه المرشد الفاسي : أننا كنا على عهد السلف الصالح شريعتنا | سمحاء ~~واضحة المسالك ، معروفة الواجبات والمناهي ، فكان الأمر | بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وظيفة لكل مسلم ومسلمة ، وكنا في | بساطة من العيش ، متفرغين ~~لذلك ، ثم شغلنا شأن التوسع فخصصنا | لذلك محتسبين ، ثم دخل في ديننا أقوام ~~ذوو بأس ونفاق أقاموا | الاكتساب مكان الاحتساب ، وحصروا اهتمامهم في ~~الجباية وآلتها | التي هي الجندية فقط ، فبطل الاحتساب وبطل الأمر بالمعروف ~~| والنهي عن المنكر طبعا ، فهذا يصلح أن يكون سببا من جملة | الأسباب ، ~~ولكنه لا يكفي وحده لا يراث ما نحن فيه من الفتور . # على أن انحصار همة الأمراء الدخلاء في الجباية والجندية أدى | بهم لإهمال ~~الدين كليا ، ولولا أن في القرآن آيتين اثنتين لهجروه | ظهريا ، إحداهما ~~قوله تعالى : ^ ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي | PageV01P036 | الأمر ~~منكم ) ^ مع الغفلة عن المراد بأولي الأمر ، وما تقتضيه صيغة | الجمع ، وما ~~يقتضيه قيد ( منكم ) ، والثانية قوله تعالى : ^ ( وجاهدوا في | سبيل الله ) ~~^ مع إغفال : هل الجهاد المأمور به ما يستحصل به إعزاز | كلمة الله ، أم ما ~~نؤيد به سلطة الأمراء العاملين على الإطلاق ؛ فإهمال | الاهتمام بالدين قد ~~جر المسلمين إلى ما هم عليه حتى خلت قلوبهم من الدين | بالكلية ، ولم ms017 يبق ~~له عندهم أثر إلا على رؤوس الألسن ، لا سيما | عند بعض الأمراء الأعاجم ، ~~الذين ظواهر أحوالهم وبواطنها | تحكم عليهم بأنهم لا يتراؤون بالدين إلا ~~بقصد تمكين سلطتهم على | البسطاء من الأمة ، كما أن ظواهر عقائدهم وبواطنها ~~تحكم عليهم | بأنهم مشركون ولو شركا خفيا من حيث لا يشعرون . # فإذا أضيف إلى شركهم هذا ما هم عليه من الظلم والجور ، | يحكم عليهم ~~الشرع والعقل بان ملوك الأجانب أفضل منهم وأولى | بحكم المسلمين ، لأنهم ~~أقرب للعدل ولإقامة المصالح العامة ، وأقدر | على إعمار البلاد وترقية ~~العباد ، وهذه هي حكمة الله في نزع الملك | من أكثرهم ، كما يقتضيه مفهوم : ~~لا يهلك الله القرى وأهلها | مصلحون . # وقد افتخر النبي عليه السلام بأنه ولد في زمن كسرى | PageV01P037 | ~~أنوشروان عابد الكواكب فقال : ( ولدت في زمن الملك العادل ) . # وحكى ابن طباطبا في الآداب السلطانية والدول الإسلامية | أنه لما فتح ~~السلطان هلاكو ( وهو مجوسي ) بغداد سنة 656 ، أمر | أن يستفتي علماؤها ~~أيهما أفضل السلطان الكافر العادل أم السلطان | المسلم الجائر ، فاجتمع ~~العلماء في المستنصرية لذلك ، فلما وقفوا على | الفتيا احجموا عن الجواب ، ~~حيث كان رضي الدين علي بن طاووس | حاضرا ، وكان مقدما محترما ، فتناول ~~الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل | العادل الكافر على المسلم الجائر ، فوضع ~~العلماء خطوطهم بعده . # ثم قال : إني أظن أن السبب الأعظم لمحنتنا هو انحلال الرابطة | الدينية ، ~~لأن مبنى ديننا على أن الولاء فيه لعامة المسلمين ؛ فلا يختص | بحفظ ~~الرابطة والسيطرة على الشئون العمومية رؤساء دين سوى | الإمام أن وجد ؛ ~~وإلا فالأمر يبقى فوضى بين الجميع ، وإذا صار | الأمر فوضى بين الكل ~~فبالطبع تختل الجامعة الدينية وتنحل الرابطة | السياسية كما هو الواقع . # ومن أين لنا حكيم ( كبسمرك ) أو ملزم ( كغاريبالدى ) | PageV01P038 | ~~يوفق بين أمرائنا أو يلزمهم ويجمع كلمتنا . وقد زاد على ذلك فقدنا | ~~الرابطة الجنسية أيضا فإن المسلمين في غير جزيرة العرب لفيف | إخلاط دخلاء ~~، وبقايا أقوام شتى لا تجمعهم جامعة غير التوجه إلى | هذه الكعبة المعظمة . # ومن المقرر المعروف انه لولا رؤساء الدين في سائر الملل ms018 | وروابطهم ~~المنتظمة المطردة ، أو من يقوم مقام الرؤساء من الدعاة أو | مديري أو معلمي ~~المدارس الجامعة المتحدة المبادئ ، لضاعت الأديان | وتشعبت أخلاق الأمم ، ~~ونالهم ما نالنا من أن كل فرد منا أصبح | أمة في ذاته . # أجابه المحقق المدني : أن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية | لا ~~يكفيان أن يكونا سببا للفتور العام ، بل لا بد لذلك من سبب | أعم وأهم . # ثم قال : أما أنا ، فالذي يجول في فكري ، أن الطامة من تشويش | الدين ~~والدنيا على العامة بسبب العلماء المدلسين وغلاة المتصوفين | الذين استولوا ~~على الدين فضيعوه ، وضيعوا أهله ، وذلك أن الدين إنما | يعرف بالعلم ، ~~والعلم يعرف بالعلماء العاملين ، وأعمال العلماء قيامهم | في الأمة مقام ~~الأنبياء في الهداية إلى خير الدنيا والآخرة . ولا شك | PageV01P039 | أن ~~لمثل هذا المقام في الأمة شرفا باذخا يتعاظم عل نسبة الهمم في تحمل | عنائه ~~والقيام بأعبائه . فبعض ضعيفي العلم وفاقدي العزم تطلعوا إلى | هذه المنزلة ~~التي هي فوق طاقتهم ، وحسدوا أهلها المتعالين عنهم ، | فتحيلوا للمزاحمة ~~والظهور مظهر العلماء العظماء بالأغراب في الدين | وسلوك مسلك الزاهدين ؛ ~~ومن العادة أن يلجأ ضعيف العلم إلى | التصوف ، كما يلجأ فاقد المجد إلى ~~الكبر ، وكما يلجأ قليل المال إلى | زينة اللباس والأثاث ( مرحى ) . # فصار هؤلاء المتعالين يدلسون على المسلمين بتأويل القرآن بما لا | يحتمله ~~محكم النظم الكريم ، فيفسرون مثلا البسملة أو الباء منها بسفر | كبير ، ~~تفسيرا مملوءا بلفظ لا معنى له ، أو بحكم لا برهان عليه . ثم | جاءوا الأمة ~~بوراثة أسرار أدعوها ، وعلوم لدنيات ابتدعوها ، وتسنم | مقامات اخترعوها ، ~~ووضع أحكام لفقوها وترتيب قربات زخرفوها ، | وبالإمعان نجدهم قد جاءوا ~~مصداقا لما ورد في الحديث الصحيح : | ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع ) ، وفي رواية | ( حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب ~~تبعتموهم ) ، | ( قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال هو : فمن ) ؛ ~~وذلك أن | هؤلاء المدلسين اقتبسوا ما هنالك كله أو جله عن أصحاب التلمود | ~~PageV01P040 | وتفاسيرهم ، ومن المجامع المسكونية ومقرراتها ، ومن البابوية ~~ووراثة | السر ومن مضاهاة مقامات البطاركة والكردينالية والشهداء واسقفية ms019 | ~~كل بلد ، ومظاهر القديسين وعجائبهم ، والدعاة المبشرين وصبرهم ، | ~~والرهبنات ورؤسائها ، وحالة الأديرة وبادريتها ، والرهبنة أي | التظاهر ~~بالفقر ورسومها ، والحمية وتوقيتها ، ورجال الكهنوت | ومراتبهم وتميزهم في ~~ألبستهم وشعورهم ، ومن مراسم الكنائس | وزينتها ، والبيع واحتفالاتها ، ~~والترنحات ووزنها ، والترنمات وأصولها ، | وإقامة الكنائس على القبور وشد ~~الرحال لزيارتها والإسراج عليها ، | والخضوع لديها وتعليق الآمال بسكانها . ~~وأخذوا التبرك بالآثار | كالقدح والحرية والدستار من احترام الذخيرة وقدسية ~~العكاز . | وكذلك إمرار اليد على الصدر عند ذكر بعض الصالحين من امرارها | ~~على الصدر لإشارة التصلب ؛ وانتزعوا الحقيقة من السر ، ووحدة | الوجود من ~~الحلول ، والخلافة من الرسم ، والسقيا من تناول القربان ، | والمولد من ~~الميلاد وحفلته من الأعياد ؛ ورفع الأعلام من حمل | الصلبان ، وتعليق ألواح ~~الأسماء المصدرة بالنداء على الجدران من | تعليق الصور والتماثيل ؛ ~~والاستفاضة والمراقبة من التوجه بالقلوب | انحناء أمام الأصنام ، ومنع ~~الاستهداء من نصوص الكتاب والسنة | PageV01P041 | من حظر الكهنة الكاثوليك ~~قراءة الإنجيل على غيرهم ، وسد اليهود | باب الأخذ من التوراة وتمسكهم ~~بالتلمود إلى غير ذلك مما جاء به | المدلسون تقليدا لهؤلاء شبرا شبرا ، ~~واقتفاء لأثرهم حجرا حجرا ، | وهكذا إذا تتبعنا البدع الطارئة نجد أكثرها ~~مقتبسا وقليلها مخترعا . # وقد فعل المدلسون ذلك سحرا لعقول الجهلاء ، واختلابا | لقلوب الضعفاء : ~~كالنساء وذوي الأهواء والأمراض القلبية أو | العصبية من العامة ، والأمراء ~~الليني القياد طبعا إلى الشرك ، لأن | التعبد رغبة أو رهبة لما بين أيديهم ~~وتحت أنظارهم أقرب إلى | مداركهم من عبادة آله ليس بجوهر ولا عرض وليس ~~كمثله شيء ، | ولأن التعبد باللهو واللعب أهون على النفس والطبع من القيام ~~| بتكليفات الشرع ، كما وصف الله تعالى عبادة مشركي العرب فقال : | ( وما ~~كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) أي صفيرا | وتصفيقا ، وهؤلاء جعلوا ~~عبادة الله تصفيقا وشهيقا وخلاعة ونعيقا | ( مرحى ) . # والحاصل ، أن بذلك و أمثاله نجح المدلسون فيما يقصدون ، | ولا سيما بدعوى ~~فئة منهم الكرامة على الله والتصرف بالمقادير ، وباستمالتهم | العامة ~~بالزهد الكاذب والورع الباطل والتقشف الشيطاني ؛ وبتزينهم | PageV01P042 | ~~لهم رسوما تميل إليها النفوس الضعيفة الخاملة ، سموها آداب السلوك ، | ما ~~انزل الله بها من ms020 سلطان ولا عمل بها صحابي أو تابعي ، ظاهرها أدب | وباطنها ~~تشريع وشرك ؛ وبجذبهم البلة الجاهلين بتصعيب الدين من | طريق العلم والعمل ~~بظاهر الشرع ، وتهوينه كل التهوين من طريق | الإعتقاد بهم وبأصحاب الفتور . ~~وقد تجاسروا على وضع أحاديث | مكذوبة أشاعوها في مؤلفاتهم ، حتى التبس ~~أمرها على كثير من | العلماء المخلصين من المتقدمين والمتأخرين ، مع أنها ~~لا أصل لها في | كتب الحديث المعتبرة . وجلبوا الناس بالترهيب والترغيب ، | ~~ترغيبا بالاستفادة من الدخول في الرابطات والعصبيات المنعقدة بين | أشياعهم ~~، وترهيبا بتهديدهم معاكسيهم أو مسيئي الظن بهم أو | بإضرارهم في أنفسهم ~~وأولادهم وأموالهم ، ضررا يتعجلهم في دنياهم قبل | آخرتهم ( مرحى ) . # وقد قام لهؤلاء المدلسين أسواق في بغداد ومصر والشام | وتلمسان قديما ، ~~ولكن لاكسوقها في القسطنطينية منذ أربعة قرون | إلى الآن ، حتى صارت فيها ~~هذه الأوهام السحرية والخزعبلات | كأنها هي دين معظم أهلها ، لا الإسلام ؛ ~~وكأنهم لما ورثوا عن الروم | الملك ، حرصوا على أن يرثوا طبائعهم أيضا حتى ~~التوسع في هذه | PageV01P043 | المصارع السيئة ؛ فاقتبس لهم المدلسون كثيرا ~~مما بيناه ، وطبقوه | على الدين وإن كان الدين يأباه ، وزينه لهم الشيطان ~~بأنه من دقائق | الدين وآدابه ، ومن هذه العواصم سرى ذلك إلى الآفاق ~~بالعدوى | من الأمراء إلى العلماء الأغبياء إلى العوام . # فهؤلاء المدلسون قد نالوا بسحرهم نفوذا عظيما ، به أفسدوا | كثيرا في ~~الدين ، وبه جعلوا كثيرا من المدارس تكايا للبطالين الذين | يشهدون لهم ~~زورا بالكرامات المرهبة ، وبه حولوا كثيرا من | الجوامع مجامع للطبالين ، ~~الذين ترتج من دوي طبولهم قلوب المتوهمين | وتكفهر أعصابهم ، فيتلبسهم نوع ~~من الخبل يظنونه حالة من | الخشوع ؛ وبه جعلوا زكاة الأمة ووصاياها رزقا ~~لهم ، وبه جعلوا | مداخيل أوقاف الملوك والأمراء عطايا لاتباعهم ، مما يسمى ~~في البلاد | العثمانية ( دعاكو وطعامية ) ( مرحى ) . | PageV01P044 # وبذلك ضاق على العلماء الخناق ، لا رزق ولا حرمة ، وكفى | بذلك مضيعا ~~للعلم وللدين ؛ لأنه قد التبس على العامة علماء الدين | الفقراء الأذلاء من ~~هؤلاء المدلسين الأغنياء الأعزاء ، فتشوشت | عقائدهم وضعف يقينهم . فضيع ~~الاكثرون حدود الله وتجاوزوها ، | وفقدوا قوة قوانين الله ففسدت أيضا ~~دنياهم واعتراهم ms021 هذا | الفتور . # أجاب المولى الرومي : أن كل الديانات معرضة بالتمادي لأنواع | من التشويش ~~والفساد ، ولكن لا تفقد من أهلها حكماء ذوي نشاط | وعزم ، ينبهون الناس ~~ويرفعون الالتباس ، أو يعوضون قواعد | الدين إذا كان أصلها واهيا فوهنت ~~بقوانين موضوعة تقوم | بنظام دنياهم ؛ ويتحملون في سبيل ذلك ما يتحملون من ~~| المشاق خدمة لأفكارهم السامية ، ويفدون ما عز وهان حفظا لشرفهم ، | ~~القائم بشرف قومهم ، بل حفظا لحياتهم وحياة قومهم من أن يصبحوا | أمواتا ~~متحركين في أيدي أقوام آخرين . # ولقد أثبت الحكماء المدققون بعد البحث الطويل العميق ، أن | المنشأ ~~الأصلي لكل شقاء في بني حواء هو أمر واحد لا ثاني له : إلا | PageV01P045 | ~~وهو وجود السلطة القانونية منحلة ولو قليلا لفسادها ، أو لغلبة سلطة | ~~شخصية أو اشخاصية عليها . # فما بال الزمان يضن علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون | الالتباس ؟ ~~يفتكرون بحزم ويعملون بعزم ، ولا ينفكون حتى ينالوا | ما يقصدون ، فينالون ~~حمدا كثيرا وفخرا كبيرا وأجرا عظيما . # وعندي أن داءنا الدفين : دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين ، | ~~وبعبارة أخرى تحت ولاية الجهال المتعممين . # نبه السيد الفراتي الأستاذ الرئيس إلى قرب وقت الانصراف ، | وعندئذ جهر ~~الأستاذ الرئيس بشعار ( لا نعبد إلا الله ) استلفاتا | للإخوان ، وقال لهم ~~: أن أخانا المولى الرومي لفارس مغوار نحب | منه ما عودنا من التفصيل ~~والإشباع ، والآن قد آن وقت الظهر | وحان أن نتفرق لندرك الصلاة ، وموعدنا ~~غدا إن شاء الله تعالى . | PageV01P046 | # | الاجتماع الثالث # | يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة سنة 1316 # في الوقت المعين ، وهو بعد طلوع الشمس بساعة ، تم توارد | الإخوان لمحفل ~~الجمعية ؛ غير أن الأستاذ الرئيس تأخر نحو نصف ساعة | ثم حضر واعتذر بأنه ~~إعاقه عن الحضور أن حضرة الشريف الأمير | قد طلبه لزيارته ، فما وسعه إلا ~~الإجابة باكرا ، وما يظن أن | يسترسل بينهما الحديث فيتأخر عن الميعاد ، ~~ولكن صادف أن | الحديث كان طويلا . # ثم قال الأستاذ الرئيس : أننا متشوقون لتمام بحث | المولى الرومي ، وأمر ~~السيد الفراتي ، كاتب الجمعية ، فقرأ | ضبط مذاكرات الاجتماع السابق ، حتى ~~بلغ آخره من عبارة | المولى الرومي ، وهو ms022 قوله : وعندي أن داءنا الدفين ~~دخول ديننا | تحت ولاية العلماء الرسميين ، وبعبارة أخرى تحت ولاية الجهلة ~~. | PageV01P047 | المتعممين . # فحينئذ أفاض المولى الرومي في الكلام فقال : وهم المقربون | من الأمراء ~~على انهم علماء وارتباط القضاء والإمضاء بهم ، فإن | هؤلاء المتعممين في ~~البلاد العثمانية كانوا اتخذوا لأنفسهم قانونا سموه | ( طريق العلماء ) ، ~~وجعلوا فيه من الأصول ما انتج ، منذ قرنين | إلى الآن ، أن يصير العلم منحة ~~رسمية تعطى للجهال ، حتى للأميين ، | بل وللأطفال . # ويترقى صاحبها في مراتب العلم والفضل والكمال ، بمجرد | تقادم السنين أو ~~ترادف العنايات ، لا سيما إذا كان من زمرة ( زاد | كان ) ، أي الاصلاء ، ~~فإنه يكون طفلا في المهد ، وينعت في منشوره | الرسمي من قبل حضرة السلطان ~~بأنه : ( أعلم العلماء المحققين ) ؛ | ثم يكون فطيما فيخاطب بأنه : ( أفضل ~~الفضلاء المدققين ) ؛ ثم يصير | مراهقا فيعطى المولوية ، ويشهد له بأنه : ( ~~أقضى قضاة المسلمين ، | معدن الفضل واليقين ، رافع إعلام الشريعة والدين ، ~~وارث علوم | الأنبياء والمرسلين ) ثم وثم حتى يصدر فيوصف : ( بأعلم العلماء ~~| المتبحرين ، وأفضل الفضلاء المتورعين ، ينبوع الفضل واليقين ) | إلى آخر ~~ما في المناشير من الكذب المشين ! | PageV01P048 # ولا يظن ظان أن هذا الإطراء من حضرة السلطان للمتعممين | هو بقصد أن ~~يقابلوه بالمثل ، وصفهم إياه ومخاطبتهم له بنحو : ( المولى | المقدس ، ذي ~~القدرة ، صاحب العظمة والجلال ، المنزه عن النظير | والمثال ، واهب الحياة ~~، ظل الله ، خليفة رسول الله ، مهبط الإلهامات ، | مصدر الكرامات ، سلطان ~~السلاطين ، مالك رقاب العالمين ، ولي | نعمة الثقلين ، ملجأ أهل الخافقين ) ~~. إلى غير ذلك من مصارع الشرك | والكبرياء والمهالك . # هذا ، ولا ريب ، أن التسعين في المائة من العلماء المتبحرين | لا يحسنون ~~قراءة نعوتهم المزورة ، كما أن الخمسة والتسعين من أولئك | المتورعين ، ~~رافعي إعلام الشريعة والدين ، يحاربون الله جهارا ، | ويستحقون ما يستحقون ~~من الله وملائكته والمؤمنين . # ويكفي حجة عليهم بذلك ، تمييزهم جميعا بلباس عروسي ، محلى | بكثير الفضة ~~والذهب ، مما هو حرام بالإجماع ولا يحتمل التأويل ؛ | وقد اقتبسوا هذا ~~اللباس من كهنة الروم الذين يلبسون القباء | والقلنسوات المذهبة عند إقامة ~~شعائرهم ، وفي احتفالاتهم الرسمية . | وهذا الخطيب في بعض جوامع ms023 السلاطين ~~يستوي على المنبر | ويقول : اتقوا الله ، وعلى رأسه وصدره ومنكبيه هذا ~~اللباس | PageV01P049 | المنكر ، ( مرحى ) . | وهؤلاء قضاة القسطنطينية على ~~عهدنا ، أكثرهم لا يعرضون | لحضرة السلطان المعظم نصب خطيب لإقامة الجمعة ، ~~ولا ينصبون | وصيا على إبله ، أو مختل العقل ، أو مسرف فاسد التدبير ؛ ولا ~~يعزلون | متوليا أو وصيا لخيانة في مال الوقف أو اليتيم ؛ ولا يقضون في ~~مسألة | خلع زوجة ، ولا يسمعون بينة تواتر ؛ إلى غير ذلك من قضايا وأحكام | ~~شرعية كثيرة لا يجوز شرعا ولا إدارة إهمالها ، ولا حجة لهم في | ارتكاب إثم ~~تعطيلها غير مجاراة الأوهام . # ثم أن هؤلاء المتعممين ما كفاهم هذا القانون ، فألحقوه بقانون | آخر سموه ~~قانون ( توجيه الجهات ) ؛ جعلوا فيه التدريس والإرشاد | والوعظ والخطابة ~~والإمامة وسائر الخدم الدينية ، كالعروض ، تباع | وتشرى ، وتوهب وتورث ، ~~وما ينحل منها نادرا عن غير وارث ، | يبيعها القضاة لمن يريدون ؛ ويتكرمون ~~بها على المتملقين ؛ وبهذا | القانون انحصرت الخدم الدينية في الجهلاء ~~والمنافقين . # ثم لما وضع قانون ( تشكيل الولايات ) ، لم يرض المتعممون حتى | جعلوا فيه ~~قاضي المسلمين ، وكذلك مفتي المؤمنين في كل بلد ، | عضوين في مجلس الإدارة ~~، يحكمان بأشياء كثيرة مما يصادم الشرع | PageV01P050 | كالربا والضريبة ~~على الخمور ، والرسوم العرفية ، وغيرها مما كان | الأليق والأنسب ~~بالإسلامية أن يبقى العلماء بعيدين عنه . كما أن | القسيس بل الشماس لا ~~يحضر مجلسا يعقد فيه زواج أو تفريق مدنيان ، | ولا يشهد في صك دين داخله ~~ربا ، فضلا عن أن يقضي أو يمضي | بصفة رسمية كهنوتية ، أمثال ذلك من ~~الأعمال التي تصادم دين | النصرانية . # ثم لما وضع ( قانون العدلية ) ، تهافت المتعممون على جعل قاضي | المسلمين ~~رئيسا للمحكمة النظامية ، التي تحكم بما لم ينزل الله وبما | يتبرأ الدين ~~الحنيف منه ، من نحو : ربا صريح ، ومن إبطال حدود الله | التي صرح بها ~~القرآن كليا أو باستبدالها بعقوبات سياسية ، أو | بتغريمات مالية ؛ ومن نحو ~~: معاقبة العباد بمجرد الظن ، والرأي ، | وشهادة الواحد ، وشهادة الفاسق ، ~~وشهادة العاهرة المجاهرة ، مما | لا يلائم الشرع قطعيا . ومن نحو : تنفيذ ~~كل حكم عرفي ، حق أو | باطل ، بدون نظر ms024 فيه . ومن تحصيل ضرائب وغرامات . ~~ومن | توقيف الأحكام الشرعية على استيفاء الرسوم من الأخصام و أموال | ~~الأيتام . # ومن أهم دسائس المتعممين ، أنهم ينفثون في صدور الأمراء | PageV01P051 | ~~لزوم الاستمرار على الاستقلال في الرأي ، وإن كان مضرا ، ومعاداة | الشورى ~~وإن كانت سنة ، والمحافظة على الحالة الجارية ، وإن كانت | سيئة ، ويلقون ~~عليهم بأن مشاركة الأمة في تدبير شؤونها ، وإطلاق | حرية الانتقاد لها ، ~~يخل بنفوذ الأمراء ، ويخالف السياسة الشرعية ؛ | ويلقنونهم حججا واهنة ، ~~لولا أن أمامها جهل الأمة ، ووراءها | سطوة الإمارة ، لما تحركت بها شفتان ~~، ولا تردد في | ردها إنسان . # والأمر الأمر أن أولئك الأمراء يقتبسون من هذه الحجج ، | ما يتسلحون به ~~في مقابلة من يعترض على سياستهم من الدول الأجنبية ، | بقولهم : إن قواعد ~~الدين الإسلامي لا تلائم أصول الشورى ، ولا | تقبل النظام والترقيات ~~المدنية ، وانهم مغلوبون على أمرهم ، ومضطرون | لرعاية دين رعاياهم ، ~~ومجاراة ميل الفكر العام . # ولنرجع لبحث العلماء الرسميين ، فنقول : بهذه القوانين عند | العثمانيين ~~، وباشباهها عند اكثر حكومات المسلمين ، ضل المتعممون | وصاروا أضر على ~~الدين من الشياطين . # وبهذه القوانين استأثر الجهلاء الفاسقون بمزايا العلماء العاملين ، | ~~واغتصبوا أرزاقهم من بيت المال ومن أوقاف الأسلاف ؛ فبالضرورة | ~~PageV01P052 | قلت الرغبات في تحصيل العلوم ، وثبطت الهمم ، وصار طالب ~~العلم | يضطر للاكتفاء ببلغة منه ، ويشتغل بالاحتراف للارتزاق ؛ وهكذا | ~~فسد العلم ، وقل أهله ، فاختلت التربية الدينية في الأمة ، فوقعت في | ~~الفتور وعمت فيها الشرور . # أجاب الرياضي الكردي : أن هذا الداء خاص ببعض الأمم | الإسلامية ، فلا ~~يصلح سببا للفتور العام الذي نبحث فيه ، ونتساءل | عنه ؛ وعندي أن السبب ~~العام ، هو أن علماءنا كانوا اقتصروا على | العلوم الدينية وبعض الرياضيات ~~، وأهملوا باقي العلوم الرياضية والطبيعية ، | التي كانت إذ ذاك ليست بذات ~~بال ولا تفيد سوى الجمال والكمال ، | ففقد أهلها من بين المسلمين ، واندرست ~~كتبها ، وانقطعت علاقتها ، | فصارت منفورا منها ، على حكم : ( المرء عدو ما ~~جهل ) ؛ بل صار | المتطلع إليها منهم يفسق ويرمى بالزيغ والزندقة ، على حين ~~أخذت | هذه العلوم تنمو في الغرب ؛ وعلى كر القرون ، ترقت وظهر لها | ثمرات ~~عظيمة في كافة ms025 الشئون المادية والأدبية ، حتى صارت كالشمس ، | لا حياة لذي ~~حياة إلا بنورها ؛ فأصبح المسلمون مع شاسع بعدهم عنها | محتاجين إليها ~~لمجاراة جيرانهم ، احتياجا يعم الجزئيات والكليات : من | تربية الطفل إلى ~~سياسة الممالك ، ومن استنبات الأرض إلى استمطار | PageV01P053 | السماء ، ~~ومن عمل الإبرة والقوارير إلى عمل المدافع والبوارج ، ومن | استخدام اليد ~~والحمار إلى استخدام البرق والبخار . # ولا شك أن المسلمين أصبحوا بعد الاكتشافات الجديدة ، | يستفيدون من ~~العلوم الطبيعية والحكمية فوائد عظيمة جدا ، بالنظر | إلى كشفها بعض أسرار ~~كتاب الله وبالغ الحكمة المنطوية فيه ، | مما كان مستورا إلى الآن ، وقد ~~خبط فيه المفسرون خبط عشواء ، | كظهور حياة الجمادات بماء التبلور ؛ ~~وكازدواج النباتات عامة ؛ | وكقبول الأرض الانتقاص وانشقاق القمر منها ؛ ~~وكانفتاق | الأرض من السماء ؛ وكحدوث الجدري الذي نشأ في أصحاب | الفيل ~~بالمكروب ، وكظهور سلسلة خلق الحيوان من تراب | PageV01P054 | وطين وصلصال ~~، بقاعدة الترقي التي أثبتها العلامة دارون ؛ | وكظهور صفة الحركة الدائمة ~~من الشخوص والهبوط المستمرين في | الكائنات كلها ؛ وكظهور سر ضبط المقادير ~~في التركيبات | الكيماوية ؛ وكظهور انقسام طبقات الأرض إلى سبعة على الرأي ~~| الأصح ؛ وكظهور أن السماء فضاء بالإجماع ؛ وبذلك تندفع مشكلة | قبولها ~~الفتق والرتق ؛ وكظهور امتلاء الكون بالأثير وأنه أصل | مادة الكائنات ؛ ~~وكالأخبار عن المركوبات البرية البخارية | والكهربائية وغير ذلك من الحقائق ~~التي كشفها العلم أخيرا ، | واعظم بها من براهين قطعية على إعجاز القرآن ، ~~وتجدد إعجازه | ما كر الجديدان . بل أضحى المسلمون محتاجين للحكمة العقلية ~~، التي | كادت تجعل الغربيين أدرى منا حتى في مباني ديننا ؛ كاستدلالهم | ~~PageV01P055 | بالمقايسة على أن نبينا ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، أفضل ~~العالمين | عقلا وأخلاقا ؛ وكإثباتهم بالمقابلة أن ديننا أسمى الديانات ~~حكمة ومزية . # وعندي انه لولا هذا القصور ما وقع المسلمون في هذا الفتور ؛ | والأمل ~~بعناية الله انهم بعد زمان قصير أو طويل ، لا بد أن يلتفتوا | لهذه العلوم ~~النافعة ، فيستعيدوا نشأتهم ، بل يجلبوا إلى دينهم العالم | المتمدن ، لأن ~~نور المعارف ، على قدر أبعاده العقلاء عن النصرانية | وأمثالها ، يقربهم من ~~الإسلامية لأن الدين المملوء بالخرافات والعقل | المتنور لا يجتمعان في ~~دماغ ms026 واحد ( مرحى ) . # ثم أن تبعه هذا التقصير ، وإن كانت تلحق علماء الأمة المتقدمين ، | إلا ~~أن علماءنا المتأخرين اكثر قصورا ؛ لأنهم في زمان ظهرت فيه | فوائد هذه ~~العلوم ، ولم يحصل فيهم ميل لاقتباسها ؛ بل نراهم مقتصرين | على تدريس ~~اللغة والفقه فقط ، أو بعلاوة شيء من المنطق إتماما | للعقائد ، وشيء من ~~الحساب إكمالا للفرائض والمواريث قلما يفيد . # وكذلك نرى وعاظنا مقتصرين على البحث في النوافل | والقربات المزيدة في ~~الدين ، ورواية الحكايات الإسرائيليات ؛ ومثلهم | المرشدون أهل الطرائق ، ~~مقتصرون على حكايات نوادر الزهاد ، | من صحيح وموضوع ، ورواية كرامات ~~الإنجاب والنقباء والإبدال ، | PageV01P056 | وعلى ضبط وزن التمايل وأصول ~~الإنشاد ؛ ولا ننسى خطباءنا واقتصارهم | على تكرار عبارات في النعت ، ~~والدعاء للغزاة والمجاهدين ، وتعداد | فضائل العبادات . # والحاصل أن تقصيرات العلماء الأقدمين ، واقتصارات المتأخرين ، | وتباعد ~~المسلمين إلى الآن عن العلوم النافعة الحيوية ، جعلتهم أحط | بكثير عن ~~الأمم . ولا شك أنه إذا تمادى تباعدهم هذا خمسين عاما | أخرى ، تبعد النسبة ~~بينهم وبين جيرانهم كبعدها ما بين الإنسان | وباقي أنواع الحيوان . فبناء ~~عليه ، يكون ناموس الارتقاء هو المسبب | لهذا الفتور ، كما قال تعالى : ( ~~قل هل يستوي الذين يعلمون والذين | لا يعلمون ) . # فأجابه الكامل الإسكندري : أن هذا سبب من الأسباب ، ولا | يكفي وحده لحل ~~الأشكال ، لأن فقد العلوم الحكمية والطبيعية | لا يصلح سببا لفقد الإحساس ~~الملي والأخلاق العالية ، لأنها توجد | في أعرق الأمم جهالة , وإنما سبب ~~فتور حياتنا الأدبية هو يأسنا | من المباراة ، وذلك أننا كنا علماء راشدين ~~، وكان جيراننا متأخرين | عنا ، فعرفنا البقاء فنمنا ، واجتهدوا فلحقونا ، ~~ولبثنا نياما فاجتازوا | وسبقونا ، وتركونا وراء ؛ وطال نومنا ، فبعد الشوط ~~حتى صار | PageV01P057 | ما بعد ورائنا وراء ، فصغرت نفوسنا ، وفترت همتنا ~~، وضعف | إحساسنا ، فيئسنا من اللحاق والمجاراة ؛ وخرجنا من ميدان المنافسة ~~| والمباراة وألسنتنا تفيض بقولنا : ' سواء علينا أجزعنا أم صبرنا | ما لنا ~~من محيص . ' ؛ فعدنا إلى كهف النوم مستسلمين للقضاء ، | نطلب الفرج بمجرد ~~التمني والدعاء ، ذاهلين عن أن الله تعالى جلت | حكمته ، رتب هذه الحياة ~~الدنيا على أسباب ظاهرية ، ولم يشأ أن | يجعلها كالآخرة عالم أقدار ms027 ؛ فهذا ~~اليأس هو سبب الفتور ، فنسأل | الله تعالى اللطف من المقدور . # أجابه العارف التاتاري : أن هذه شكاية حال ، ولا تفي بالجواب ؛ | لأنه ما ~~السبب في هذا النوم الذي غشي المسلمين ، ولم يزل يغشاهم دون | كثير غيرهم ~~من الأمم التي إنتبهت ، وسارت ، ولحقها ظعن الأحياء ، | وما المسلمون إلا ~~بعدين المنقطعين كأهل الصين ، ولا هم بالمتوحشين | العريقين كأهل أمريكا ~~الأصليين . # ثم قال : أنا أرى أن عارضنا فقدنا السراة والهداة : فلا أمير | عام حازم ~~مطالع ليسوق الأمة طوعا أو كرها إلى الرشاد ؛ ولا | حكيم معترف له بالمزية ~~والإخلاص ، لتنقاد إليه الأمراء والناس ؛ | ولا تربية قويمة المبادئ ، ينتج ~~منها رأي عام لا يطرقه تخاذل وانقسام ؛ | PageV01P058 | ولا جمعيات منتظمة ~~تسعى بالخير وتتابع السير . ولذلك حل فينا | الفتور ، وإلى الله ترجع ~~الأمور . # أجابه الفقيه الأفغاني : أن ما وصفته من أمير وحكيم لا يوجدان | في الأمم ~~المنحطة إلا اتفاقا ، أما الرأي العام والجمعيات فلا يفقدان إلا | بسبب فقد ~~الإحساس ، وهذا ما نتساءل عنه . # وذكر أن الداء العام فيما يراه هو الفقر الآخذ بالزمام ، لأن | الفقر ~~قائد كل شر ، ورائد كل نحس ؛ فمنه جهلنا ، ومنه فساد | أخلاقنا ، بل منه ~~تشتت آرائنا حتى في ديننا ، ومنه فقد إحساسنا ، | ومنه إلى كل ما نحن فيه ، ~~أو نتوقع أننا سنوافيه . # فهذه فطرتنا ، لا نقص فيها عن غيرنا ، وعددنا كثير ، وبلادنا | متواصلة ، ~~وأرضنا مخصبة ، ومعادننا غنية ، وشرعنا قويم ، وفخارنا | قديم ، فلا ينقصنا ~~عن الأمم الحية غير القوة المالية ، التي أصبحت | لا تحصل إلا بالعلوم ~~والفنون العالية ، وهذه لا تحصل إلا بالمال | الطائل ؛ فوقعنا في مشكل ~~الدور ، وعسى أن نهتدي لفكه | سبيلا ، وإلا فيحيق بنا ناموس فناء الضعيف في ~~القوي وبيننا | الجاهل والعالم . # ومن اعظم أسباب فقر الأمة : أن شريعتنا مبنية على أن في | PageV01P059 | ~~أموال الأغنياء حقا معلوما للبائس والمحروم ، فيؤخذ من الأغنياء | ويوزع ~~على الفقراء ؛ وهذه الحكومات الإسلامية ، قد قلبت | الموضوع ، فصارت تجبي ~~الأموال من الفقراء والمساكين وتبذلها | للأغنياء ، وتحابي بها المسرفين ~~والسفهاء . # أجاب السعيد الإنكليزي : أن المسلمين من حيث مجموعهم | أغنياء ms028 لا يعوزهم ~~المال اللازم للتدرج في العلوم ، حتى للسياحات البحرية | والقطبية ، لأن ~~فريضة الزكاة على مالكي النصاب والكفارات | المالية ، جاعلة لفقراء الأمة ~~وبعض المصاريف العمومية نصيبا غير | قليل في مال الأغنياء ؛ بحيث إذا عاش ~~المسلمون مسلمين حقيقة أمنوا | الفقر ، وعاشوا عيشة الاشتراك العمومي ~~المنتظم التي يتمنى ما هو | من نوعها أغلب العالم المتمدن الإفرنجي ، وهم ~~لم يهتدوا بعد لطريقة | نيلها ، مع أنه تسعى وراء ذلك منهم جمعيات وعصبيات ~~مكونة من | ملايين باسم ( كومون ، وفنيان ، ونيهلست ، وسوسيالست ) ، | كلها ~~تطلب التساوي أو التقارب في الحقوق و الحالة المعاشية ؛ ذلك | التساوي ~~والتقارب المقررين في الإسلامية دينا بوسيلة أنواع الزكاة | والكفارات ، ~~ولكن تعطيل إيتاء الزكاة وإيفاء الكفارات سبب بعض | الفتور المبحوث فيه ، ~~كما سبب إهمال الزكاة فقد الثمرات العظيمة | PageV01P060 | من معرفة المسلم ~~ميزانية ثروته سنويا ، فيوفق نفقاته على نسبة ثروته | ودخله ، ولا شك أن ~~الواحد من الأربعين يكفي أن يبذل لأجل | هذه الثمرة وحدها . # والشريعة الإسلامية هي أول شريعة ساقت الناس والحكومات | لأصول البودجة ~~المؤسس عليه فن الاقتصاد المالي ، الإفرادي | والسياسي . # ويخيل لي أن سبب هذا الفتور ، الذي أخل حتى في الدين ، | هو فقد ~~الاجتماعات والمفاوضات ؛ وذلك أن المسلمين في القرون | الأخيرة قد نسوا ~~بالكلية حكمة تشريع الجماعة والجمعة وجمعية الحج ؛ | وترك خطبائهم ووعاظهم ~~، خوفا من أهل السياسة ، التعرض | للشؤون العامة . كما أن علماءهم صاروا ~~يسترون جبنهم بجعلهم التحدث | في الأمور العمومية والخوض فيها من الفضول ~~والاشتغال بما لا يغني ، | وإن إتيان ذلك في الجوامع من اللغو الذي لا يجوز ~~، وربما اعتبروه | من الغيبة أو التجسس أو السعي بالفساد ؛ فسرى ذلك إلى ~~إفراد | الأمة ، وصار كل شخص لا يهتم إلا بخويصة نفسه وحفظ حياته | ~~PageV01P061 | في يومه ، كأنه خلق أمة واحدة ، وسيموت غدا ، جاهلا أن له | ~~حقوقا على الجامعة الإسلامية والجامعة البشرية ، وإن لهما عليه مثلها ، | ~~ذاهلا عن أنه مدني الطبع ، لا يعيش إلا بالاشتراك ، ناسيا أو جاهلا | أوامر ~~الكتاب والسنة له بذلك ( مرحى ) . # ثم بتوالي القرون والبطون على هذه الحال ، تأصل في الأمة | فقد ms029 الإحساس ، ~~إلى درجة انه لو خربت هذه الكعبة والعياذ بالله | تعالى لما تقطبت الحياة ~~أكثر من لحظة ، ولا أقول لما زاد تلاطم الناس | على سبعة أيام ، كما ورد في ~~الإثر ، لأن المراد بأولئك الناس أهل | خزينة العرب إذ ذاك . # وإذا دققنا النظر في حالة الأمم الحية المعاصرة ، وهي ليس عندها | ما ~~عندنا من الوسائل الشريفة للاجتماعات والمفاوضات ، نجدهم قد | احتالوا ~~للاجتماعات ولاسترعاء السمع والاستلفات بوسائل شتى : # 1 - منها تخصيصهم يوما في الأسبوع للبطالة والتفرغ من | الأشغال الخاصة ، ~~لتحصل بين الناس الاجتماعات ، وتنعقد | الندوات ، فيتباحثون ويتناجون . # 2 - ومنها تخصيصهم أياما ، يتفرغون فيها لتذاكر مهمات | الأعمال لأعاظم ~~رجالهم الماضين ، تشويقا للتمثل بهم . | PageV01P062 # 3 - ومنها إعدادهم في مدنهم ساحات ومنتديات ، تسهيلا | للاجتماع ~~والمذاكرات وإلقاء الخطب وإبداء التظاهرات . # 4 - ومنها إيجادهم المنتزهات الزاهية العمومية ، وإجراء | الاحتفالات ~~الرسمية والمهرجانات بقصد السوق | للاجتماعات . # 5 - ومنها إيجادهم محلات التشخيص المعروف ( بالكوميديا ) | و ( التياترو ~~) ، بقصد أراءة العبر واسترعاء السمع للحكم | والوقائع ، ولو ضمن أنواع من ~~الخلاعة التي اتخذت | شباكا لمقاصد الجمع والإسماع ، ويعتبرون أن نفعها ~~أكبر | من ضرر الخلاعة . # 6 - ومنها اعتناؤهم غاية الاعتناء بتعميم معرفة تواريخهم | الملية ، ~~المفصلة المدمجة بالعلل والأسباب ، تمكينا لحب | الجنسية . # 7 - ومنها حرصهم على حفظ العاديات المنبهة ، وادخار | الآثار القديمة ~~المنوهة ، واقتناء النفائس المشعرة | بالمفاخر . # 8 - ومنها إقامتهم النصب ، المفكرة بما نصبت له من مهمات | PageV01P063 | ~~الوقائع القديمة . # 9 - ومنها نشرهم في الجرائد اليومية كل الوقائع والمطالعات | الفكرية . # 10 - ومنها بثهم في الأغاني والنشائد الحكم والحماسات ؛ إلى | غير ذلك من ~~الوسائل التي تنشئ في القوم نشأة حياة | اجتماعية ، وتولد في الرؤوس حمية ~~وحماسة ، وفي النفوس | سموا ونشاطا . # أما المسلمون فإنهم كما سبق بيانه ، أهملوا استعمال تلك الوسائل | ~~الشريفة ، المؤسسة عندهم للشورى والمفاوضات والتناصح والتداعي ، | أعني ~~بذلك الجماعة والجمعة وجمعية الحج ؛ حتى كأن الشارع لم يقصد | منها أداء ~~الفريضة فقط بصورة تعبدية بسيطة ، والحال حكمة | الشارع أبلغ من ذلك ، ~~وعندي أن هذا أعظم أسباب الفتور | ( مرحى ) . # فأجابه الإمام الصيني : أن هذا أشبه بالعوارض منه بالأسباب ms030 ، | فهو أليق ~~بأن يكون دواء للداء ، ونحن مهتمون ابتداء بمعرفة | سبب الفتور . # ثم قال : أني أرى أن السبب الأكبر للفتور هو تكبر الأمراء ، | ~~PageV01P064 | وميلهم للعلماء المتملقين المنافقين ، الذين يتصاغرون لديهم ~~، ويتذللون | لهم ، ويحرفون أحكام الدين ليوفقوها على أهوائهم ؛ فماذا يرجى ~~من | علماء يشترون بدينهم دنياهم ، ويقبلون يد الأمير لتقبل العامة أيديهم ~~، | ويحقرون أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف من الضعفاء ، اكبر | همهم ~~التحاسد والتباغض والتخاذل والتفاشل ، لا يحسنون أمرا من | الأمور حتى ولا ~~الخصومة ، فتراهم لا يتراغمون إلا بتكفير بعضهم | بعضا عند الأمراء والعامة ~~. # وهذا داء عياء صعب المداواة جدا ، لأن كبر الأمراء | يمنعهم من الميل إلى ~~العلماء العاملين ، الذين فيهم نوع غلظة لا بد منها ، | ولنعما هي مزية ~~لولاها لفقد الدين بالكلية ( مرحى ) . # فلا شك أن في هذا الزمان ، أفضل الجهاد في الله الحط من | قدر العلماء ~~المنافقين عند العامة ، وتحويل وجهتهم لاحترام العلماء | العاملين ؛ حتى ~~إذا رأى الأمراء انقياد الناس لهؤلاء أقبلوا هم أيضا | عليهم رغم أنوفهم . ~~وأذعنوا لهم طوعا أو كرها ؛ على أنه يجب على | حكماء الأمة المجاهدين في ~~الله أن يعتنوا بالوسائل اللينة لتثقيف عقول العلماء | العاملين ، لأن ~~العلم رافع للجهل فقط ، ولا يفيد عقلا ولا كياسة ؛ | فيلزم تعليمهم ~~وتعريفهم كيف تكون سياسة الدين ، وهكذا | PageV01P065 | يفعل الحكماء عندنا ~~معاشر إسلام الصين ، ولا تفقد أية بلدة كانت | رجالا حكماء نبلاء يمتازون ~~طبعا على العامة ، لهم نوع من الولاء حتى | على العلماء . # وهؤلاء الذين نسميهم عندنا بالحكماء هم الذين يطلق عليهم في | الإسلامية ~~اسم أهل الحل والعقد ، الذين لا تنعقد شرعا ( الإمامة ) | إلا ببيعتهم ؛ ~~وهم خواص الطبقة العليا في الأمة ، الذين أمر الله عز | شأنه نبيه ~~بمشاورتهم في الأمر ، الذين لهم شرعا حق الاحتساب | والسيطرة على الأمام ~~والعمال ، لأنهم رؤساء الأمة ووكلاء العامة ، | والقائمون في الحكومة ~~الإسلامية مقام مجالس النواب والإشراف | في الحكومات المقيدة ، ومقام ~~الأسرة الملوكية التي لها حق السيطرة | على الملوك في الحكومات المطلقة ~~كالصين وروسيا ؛ ومقام شيوخ | الأفخاد في إزاء أمراء العشائر العربية ، ~~أولئك الأمراء الذين ms031 ليس | لهم من الأمر غير تنفيذ ما يبرمه الشيوخ . # وإذا دققنا النظر في أدوار الحكومات الإسلامية من عهد الرسالة | إلى الآن ~~، نجد ترقيها وانحطاطها تابعين لقوة أو ضعف احتساب | أهل الحل والعقد ~~واشتراكهم في تدبير شؤون الأمة . # وإذا أرجعنا البصر إلى التاريخ الإسلامي ، نجد أن النبي عليه | ~~PageV01P066 | السلام كان أطوع المخلوقات للشورى امتثالا لأمر ربه في قوله ~~تعالى : | ( وشاورهم في الأمر ) ، حتى أنه ترك الخلافة لمجرد رأي الأمة . # ثم كان أول الخلفاء رضي الله عنه أشبه الناس به حتى أنه أخذ | رأي سراة ~~الصحابة فيمن خلف ؛ ثم الخليفة الثاني اتبع أثر الأول ، | وإن استأثر في ~~ترتيب الشورى فيمن يخلفه ؛ ثم الخليفة الثالث اجتهد | في مخالفة رؤساء ~~الصحابة في بعض المهمات ، فلم يستقم له الأمر ، | وظهرت الفتن كما هو معلوم ~~؛ ثم معاوية رحمه الله كان قليل الاستقلال | بالرأي فحسنت أيامه عن قبل . ~~وهكذا كانت دولة الأمويين تحت | سيطرة أهل احل والعقد لا سيما من سراة بني ~~أمية ، فانتظمت على | عهدهم الأحوال ، كما كان ذلك كذلك على عهد صدر ~~العباسيين ، | حيث كانوا مذعنين لسيطرة رؤساء بني هاشم ، ثم لما استبدوا في ~~| الرأي والتدبير ، فخالفوا أمر الله واتباع طريقة رسول الله ، ساءت | ~~الحال حتى فقد الملك . # هكذا عند التدقيق في كل فرع من الدول الإسلامية الماضية | والحاضرة ، بل ~~في ترجمة كل فرد من الملوك والأمراء ، بل في حال | كل ذي عائلة أو كل إنسان ~~فرد ، نجد الصلاح والفساد دائرين مع | سنة الاستشارة أو الاستقلال في الرأي ~~. | PageV01P067 # فإذا تقرر هذا ، علمنا أن سبب الفتور العام المبحوث فيه هو | استحكام ~~الاستبداد في الأمراء شيمة وتكبرا ، وترك أهل الحل | والعقد والاحتساب جهلا ~~وجبانة ؛ وهذا عند بعض الأقوام المسلمين | كإيران ، وأما الأكثر فقد أمسوا ~~لا علماء هداة ولا سراة أباة ، بل | هم فوضى في الدين والدنيا . ولا بدع ~~فيمن يكونون على مثل هذا | الحال ، أن لا يرجى لهم دواء إلا بعناية بعض ~~الحكماء ، الذين | ينجبون من أي طبقة كانت من الأمة ، وقد قضت سنة الله في ~~| خلقه ms032 أن لا تخلو أمة من الحكماء . # فأجاب العالم النجدي : أن شؤون السياسة في الصين تختلف | كثيرا عنها في ~~غيرها ، وليس في الصين ملوك كثيرة وأمراء | جبابرة كما عند غيرهم ، ~~فالحكماء في الصين آمنون ؛ ومن جهة | أخرى لم يزل الإسلام في الصين حنيفا ~~خفيفا ، لم يفسده التفنن | والتشديد ، ومع ذلك نرى الفتور شاملهم أيضا . ~~ونحن الآن | نبحث عن السبب العام لهذا الداء ، وليس كل السبب أحوال | ~~الأمراء والعلماء . # ثم قال أني أجزم ، ولا أقول أظن أو أخال ، أن سبب الفتور | الطارئ ~~الملازم لجامعة هذا الدين هو هذا الدين الحاضر ذاته ، ولا | PageV01P068 | ~~برهان أعظم من الملازمة ، وما جاء الخفاء إلا من شدة الوضوح ؛ | فهل بقي من ~~شك بعد هذه الأبحاث التي سبقت في جمعيتنا ، ولا سيما | ما بينه المحقق ~~المدني ، في أن الدين الموجود الآن بالنظر إلى ما ندين | به لا بالنظر إلى ~~ما نقرره ، وباعتبار ما نفعله لا باعتبار ما نقوله ، ليس | هو الدين الذي ~~تميز به أسلافنا مئين من السنين على العالمين ، كلا | بل طرأت على الدين ~~طوارئ تغيير غيرت نظامه . | ' وذلك أن الإخلاف تركوا أشياء من أحكامه : ~~كإعداد القوة | بالعلم والمال ، والجهاد في الدين ، والأمر بالمعروف ، ~~وإزالة المنكر ، | وإقامة الحدود ، وإيتاء الزكاة ؛ وغير ذلك مما أوضحه ~~الإخوان | الكرام ، وزاد فيه المتأخرون بدعا وتقليدات وخرافات ليست منه ، | ~~كشيوع عبادة القبور ، والتسليم لمدعي علم الغيب والتصرف | في المقدور . # وهذه الطوارئ من تغييرات أو متروكات أو مزيدات | أكثرها يتعلق بأصول ~~الدين ، وبعضها بأصل الأصول أعني التوحيد ، | وكفى بأن يكون سببا للفتور ، ~~وقد قال الله تعالى : @QB@ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~@QE@ . ( مرحى ) . # ولقائل أن يقول : إذا سلمنا أن الدين تغير عما كان عليه ، فما | ~~PageV01P069 | تأثير ذلك في الفتور العام الذي هو من شئون الحياة الدنيا ، ~~وها | نحن نجد أكثر الأمم الحية التي نغبطها قد طرأ على دينها التغيير | ~~والتبديل في الأصول والفروع ، ولم يؤثر ذلك في الفتور ؛ بل زعم | كثير من ~~حكماء تلك الأمم انهم ما أخذوا في ms033 الترقي إلا بعد عزلهم | شئون الدين عن ~~شئون الحياة ، وجعلهم الدين أمرا وجدانيا محضا | لا علاقة له بشؤون الحياة ~~الجارية على نواميس الطبيعة . # فالجواب على ذلك بأنه كما يطالب كل إنسان بان يكون | صاحب ناموس ، أي ~~متبعا على وجه الاطراد في أخلاقه وأعماله | قانونا ما ، موافقا ولو في ~~الأصول فقط لقانون الهيئة الاجتماعية التي | هو منها ، وإلا فيكون لا ناموس ~~له ، منفورا منه مضطهدا ؛ فكذلك | كل قوم مكلفون بأن يكون لهم ناموس عام ~~بينهم ، ملائم نوعا | لقوانين الأمم التي لها معهم علاقات جوارية أو تجارية ~~أو مناسبات | سياسية ، وإلا فيكونون قوما متوحشين لا خلاق لهم ولا نظام ، | ~~منفورا منهم مضطهدين . # وذلك أن الناموس الطبيعي في البشر هو ناموس وحشي | لا خير فيه ، لأن ~~مبانيه هي تنازع البقاء ، وحفظ النوع ، والتزاحم | على الأسهل ، والاعتماد ~~على القوة ، وطلب الغايات ، وحب الرئاسة ، | PageV01P070 | وحرص الإدخار ، ~~ومجاراة الظروف ، وعدم الثبات على حال ، إلى | غير ذلك . وكلها قواعد شر ~~ومجالب ضر ، لا يلطفها غير ناموس | شريف واحد ، مودوع في فطرة الإنسان ، ~~وهو : إذعانه الفكري | للقوة الغالبة ، أي معرفة الله بالإلهام الفطري ، ~~الذي هو الهام النفس | رشدها ، وإلهامها فجورها وتقواها ( مرحى ) . # ولا ريب في أن لهذه الفطرة الدينية في الإنسان علاقة عظمى | في شؤون ~~حياته ، لأنها أقوى وأفضل وازع يعدل سائر نواميسه | المضرة ، ويخفف مرارة ~~الحياة التي لا يسلم منها ابن أنثى ، وذلك | بما يؤمله المؤمن من المجازاة ~~والمكافأة ، والانتقام منه | وله ( مرحى ) . # وعند تدقيق حالة جميع الأديان والنحل تدقيقا تاريخيا ، توجد | كلها ناشئة ~~عن اصل صحيح بسيط سماوي ، لا ترى فيه عوجا ولا | أمتا ، يوجد أن كل دين كان ~~في أوليته باثا في أهله النظام والنشاط ، | وراقيا بهم إلى أوج السعادة في ~~الحياة ، إلى أن يطرأ عليه التأويل | والتحريف والتفنن والزيادات رجوعا إلى ~~اصلين اثنين : ( الإشراك | بالله ، والتشديد في الدين ) . فيأخذ في ~~الانحطاط بالأمة ، ولم يزل نازلا | بها إلى أن تبلغ حالة أقبح من الحالة ~~الأصلية الهمجية ، فتنتهي | PageV01P071 | بالانقراض أو الاندماج في أمة ~~أخرى . | أو يتدارك ms034 الله تلك الأمة بعناية بالغة ، فيبعث لهم رسولا | يجدد ~~دينهم ، أو يخلق فيهم أنبياء أو حكماء يصلحون لهم ما فسد من | دينهم ، كما ~~حصل ذلك في الأمم الماضية : كعاد وثمود ، وكالسريان | وإسرائيل وكنعان ~~وإسماعيل ، وكما قال الله تعالى : ( وما كان الله | ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون ) ^ . # وعند التأمل يوجد الشرك والتشديد كأنهما أمران طبيعيان | في الإنسان ، ~~يسعى وراءهما جهده بسائق النفس وقائد الشيطان ؛ | لأن النفس تميل إلى عبادة ~~المشهود الحاضر أكثر من ميلها إلى | عبادة المعقول الغائب ، ومفطوره على ~~التشديد رغبة في التميز ؛ | والشيطان يسعف النفس بالتسويل والتأويل ، ~~والتحويل والتضليل ، | إلى أن يفسد الدين ( مرحى ) . # ثم إذا دققنا حالة الإسلامية في القرون الخالية ، نجدها عند | أكثر أهل ~~القبلة قد أصابها بعض ما أصاب قبلها غيرها من الأديان ؛ | كما أخبرنا الله ~~تعالى بقصصها في كتابه المبين ، ووعدنا | بوقوعنا فيه سيد المرسلين ، ~~وأرشدنا إلى طرائق التخلص منه | إن كنا راشدين . | PageV01P072 # أعني بذلك ماطرا على الإسلامية من التأويل والتحريف في | بعض أصولها ~~وكثير من فروعها ، حتى استولى عليها التشديد | والتشويش ، وتطرق لها الشرك ~~الخفي والجلي من يمينها وشمالها ، | فأمست محتاجة إلى التجديد بتفريق الغي ~~من الرشد ، وعندي أن | هذه الحال أعم وأعظم سبب للفتور المبحوث فيه ، قال ~~الله تعالى : | ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) . ( مرحى ) . وأنتم ~~أيها | السادة الأفاضل ، في غناء عن إيضاح ذلك لكم بوجه التفصيل . # قال الأستاذ الرئيس : إني أرى أن البحث في أعراض الداء | وأسبابه وجرائمه ~~وما هو الدواء وكيف يستعمل قد نضج أو كاد ؛ | وقد قررنا في اجتماعنا الأول ~~أننا سنبحث في : ما هي الإسلامية ؟ وما | يتبع ذلك مما أدرجناه في برنامج ~~المباحث ، وإني أرى أن تقرير أخينا | العالم النجدي نعم المدخل لنقل البحث ~~، ولا سيما إذا تكرم بتفصيل | ما أجمله ؛ لأن مسائل منشأ الديانات ، وسنن ~~الله في مسراها ، | وأسباب طوارئ التغيير والتحريف عليها ، كلها مسائل مهمة ~~تقتضي | تدقيق النظر واستقصاء التحقيق ، ويحسن فيها الإطالة والاستيعاب . | ~~بناء عليه ، نرجو من العالم ms035 النجدي أن يتكرم بإعادة ما قرره بصورة | مفصلة ~~في اجتماعنا الآتي ، إذ اليوم قد أذن لنا الوقت بالانصراف . | PageV01P073 ~~| فارغ | PageV01P074 | # | الاجتماع الرابع # | يوم السبت العشرين من ذي القعدة سنة 1316 # انتظمت الجمعية في اليوم المذكور صباحا ، وقرىء الضبط | السابق حسب ~~العادة ، وأذن الأستاذ الرئيس بالشروع في البحث . # فقال العالم النجدي : إني استسمح السادة الإخوان عن إملالهم | بمقدمات ~~وتعريفات هم أعلم مني بها ، بل هي عندهم في رتبة البديهيات ، | ولكن لا بد ~~منها للباحث رعاية لقاعدة التسلسل الفكري والترتيب | القياسي ، فأقول . # أن النوع الإنساني مفطور على الشعور بوجود قوة غالبة | عاقلة ، لا تتكيف ~~، تتصرف في الكائنات على نواميس منتظمة ، | فالعامة يعبرون عن هذه القوة ~~بلفظ ( الطبيعة ) ؛ والراشدون من | الناس مهتدون إلى أن لهذه القوة من هو ~~قائم بها ، يعبرون عنه بلفظ | ( الله ) ثم أن هذا الشعور يختلف قوة وضعفا ، ~~حسب ضعف النفس | PageV01P075 | وقوتها ؛ ويختلف الناس في تصور وتوصيف ماهية ~~هذه القوة | حسب مراتب الإدراك فيهم ، أو حسبما يصادفهم من التلقي عن | ~~غيرهم ، وذلك هو ( الضلال والهداية ) . على أن الضلال غالب | لأن موازين ~~العقول البشرية مهما كانت واسعة قوية ، لا تسع وتتحمل | وزن جبال الأزلية ~~والأبدية ، والامتثال ، والأزمان ، والإمكان ، | ونحو ذلك ، مما لصعوبته ~~سمي العلم به علم ما وراء العقل ؛ ولهذا | لا يقال في حق الضالين أنهم ~~منحطون عقلا عن المهتدين ، بل كثير | منهم ، في الماضين والحاضرين ، أسمى ~~عقلا بمراتب كبيرة من | المهتدين ، ولكن صعوبة التصور والحكم أوقعتهم في ~~بحار من الأوهام | وظلمات من الضلال ، على أن البارئ تعالى قدر اللطف ببعض ~~| عباده ، وأراد إقامة الحجة على الآخرين ، فأوجد بعض أفراد من | البشر ~~يميزون في تصور توصيف ماهية هذه القوة تمييزا كبيرا ، | فصاروا هداة للناس ~~وهم ( الأنبياء ) عليهم الصلاة والسلام . # ثم بعض الأنبياء الكرام قاموا فيمن حولهم من الناس مقام | المشرعين ؛ ~~واثبتوا ، ببراهين خرق العادات على يدهم عند التحدي | أي عند طلب ذلك منهم ~~، أن مخاطبيهم مكلفون من قبل الله تعالى | باتباعهم وهم ( المرسلون ) ، ~~فآمن بهم من آمن ، أي شهدوا لهم | PageV01P076 | بالرسالة واتبعوهم ms036 في ~~هديهم مستسلمين ، فأخرجوهم من بحار الأوهام | إلى ساحل الحكمة ، ومن ظلمات ~~الضلال إلى نور الهداية ، وهؤلاء | ( المؤمنون ) ، فهذه مقدمة أولى . | ( ~~مرحى ) . # ومن المؤمنين : نحن معاشر ( المسلمين ) ؛ علمنا ، بما علمنا ، أن | محمدا ~~بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي أجل البشر حكمة وفضيلة ، | وصدقناه بأنه ~~رسول الله للعالمين كافة ، مصححا ملة إبراهيم ، داعيا | لعبادة الله وحده ، ~~هاديا إلى ما يكلف الله له عبادة من أمر | ونهي كافلين لكل خير في الحياة ~~وبعد الممات . # ومن أمهات قواعد ديننا ، أن نعتقد : أن محمدا عليه السلام | بلغ رسالته ، ~~لم يترك ولم يكتم منها شيئا ، وأنه أتم وظيفته بما جاء | به من كتاب الله ، ~~وبما قاله أو فعله أو أقره على سبيل التشريع | إكمالا لدين الله . # ومن أهم قواعد ديننا أيضا : أنه محظور علينا أن نزيد على ما | بلغنا إياه ~~رسول الله أو ننقص منه أو نتصرف فيه بعقولنا ، بل | متحتم علينا أن نتبع ما ~~جاء به الصريح المحكم من القرآن ، والواضح | الثابت مما قاله الرسول أو ~~فعله أو أقره ، وما أجمع عليه الصحابة ، | أن أدركنا حكمة ذلك التشريع أو ~~لم نقدر على إدراكها ، وأن تترك | PageV01P077 | ما يتشابه علينا من القرآن ~~فنقول فيه : ( آمنا به ، كل من عند | ربنا ، وما يعلم تأويله إلا الله ) . # ومن قواعد ديننا كذلك : أن نكون مختارين في باقي شؤوننا | الحيوية ، ~~نتصرف فيها كما نشاء ، مع رعاية القواعد العمومية التي | شرعها أو ندب ~~إليها الرسول ، وتقتضيها الحكمة أو الفضيلة ، | كعدم الإضرار بالنفس أو ~~الغير ، والرأفة على الضعيف ، والسعي | وراء العلم النافع ، والكسب تتبادل ~~الأعمال ، والاعتدال في الأمور ، | والإنصاف في المعاملات ، والعدل في ~~الحكم ، والوفاء | بالعهد ، إلى غير ذلك من القواعد الشريفة العامة . وهذه ~~| مقدمة ثانية . # ويتفرع عن هاتين المقدمتين بعض مسائل مهمة ، ينبغي أيضا | إفرادها في ~~البحث تباعا وإشباعا . # منها أن أصل الإيمان بوجود الصانع أمر فطري في البشر | كما تقدم ، فلا ~~يحتاجون فيه إلى الرسل ، وإنما حاجتهم | إليهم في الاهتداء إلى كيفية ~~الإيمان بالله كما يجب من | التوحيد والتنزيه . # وهؤلاء ms037 قوم نوح ، وقوم إبراهيم ، وجاهلية العرب ، واليهود | PageV01P078 ~~| والنصارى ، ومجوس فارس ، ووثنيو الهند والصين ، ومتوحشو | إفريقيا ~~وأمريكا وسائر البشر ، كلهم كانوا ولا زالوا أهل فطرة دينية | يعرفون الله ~~، وليس فيهم من ينكره كليا كما قال عز من قائل : | ( وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ) . ويل البشر ، يغلب عليهم الإشراك | بالله ، فيخصصونه تعالى شأنه ~~بتدبير الأمور الكلية والشؤون | العظام كالخالقية وتقسيم الأرزاق والآجال ، ~~كأنهم يجلونه عن | تدبير الأمور الجزئية ، ويتوهمون أن تحت أمره مقربين ~~وأعوانا | ووسائط من ملائكة وجن وأرواح ، وبشر وحيوانات ، وشجر | وحجر ؛ ~~وأنه جعل لهم وللنواميس الكونية من أفلاك وطبائع ، | وللحالات النفسية من ~~سحر وتوجه فكر ، دخلا وتأثيرا في تدبير | الأمور الجزئية إيقاعا أو منعا ، ~~وأعطاهم شيئا من القوة القدسية وعلم الغيب . # وتوهمهم هذا ناشئ عن قياسهم ملكوت ذي الجبروت | على إدارة الملوك في ~~اختصاصهم بتدبير مهمات الأمور ، وتفويضهم | ما دون ذلك للعمال والأعوان ، ~~واستعانتهم بالإخصاء والخدام ، | وربطهم مجرى الأعمال بالقوانين والنظامات ~~( مرحى ) . # ومن تتبع تواريخ الأمم الغابرة وأفكار الأمم الحاضرة ، | لا يستريب فيما ~~قررناه من أن آفة البشر الشرك الذي أوضحناه | PageV01P079 | فقط ، وكفى ~~بالقرآن برهانا ، فقد قال الله تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله @QE@ . وقال تعالى @QB@ بل إياه تدعون @QE@ وقال تعالى ~~: @QB@ فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ . وقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه @QE@ . إلى غير ذلك من الآيات البينات | المثبتة أن زيغ ~~البشر هو الإشراك من بعض الوجوه فقط ، لا | الإنكار ولا الإشراك المطلق ، ~~لأن العقل البشري مهما تسفل لا | ينزل درجة الشرك المطلق . # بناء عليه جرت عادة الله تعالى جلت حكمته أن يبعث الرسل ، | ينقذون الناس ~~من ضلالة الشرك ، وينتشلونهم من وهدة شره | في الحياة الدنيا والآخرة ، ~~ويهدونهم إلى رأس الحكمة أي ( معرفة | الله ) حق معرفته لكي يعبدوه وحده ، ~~وبذلك تتم حجته عليهم ، | ويملكون حريتهم التي تحميهم من أن يكونوا أرقاء ~~أذلاء لألف | شيء من أرواح و أجسام و أوهام ، فثمرة الإيمان بأن ( لا إله ~~إلا الله ) | عتق العقول من الإسارة ، وثمرة الإذعان ms038 بأن ( محمدا رسول الله ~~) | اتباعه حقا في شريعته التي تحول بين المسلم وبين نزوعه إلى الشرك ، | ~~وتنيله سعادة الدارين . # ثم أن الإنسان ، قتل ما أكفره وقبح ما أجهله ، لا يهتدي | PageV01P080 | ~~إلى التوحيد إلا بجهد عظيم ، ويندفع أو ينقاد بشعره إلى الشرك ، | فيتلبس ~~به على مراتب ودرجات في اعتقاد وجود قوة قدسية ترجى | وتتقي في غير الله ، ~~أو تبعا لله ، ذاهلا عن انه لو كان في الأرض أو في | السماء آلهة غير الله ~~، أي أصحاب قوة تصرف في شيء ولو في تحريك | ذرة رمل ، لفسدتا . # فالناس سريعو الأعراض عن ذكر الله ، إلى ذكر من | يتوهمون فيهم أنهم ~~شركاء وأنداد الله ، فيعبدونهم ، أي يعظمونهم ، | ويخضعون لهم ، ويدعونهم ، ~~ويستمدون منهم ، ويرفعون حاجاتهم | إليهم ، ويرجون عند ذكر أسمائهم الخير ، ~~ويتوقعون من سخطهم | الشر ، وقد قال الله تعالى : ^ ( ومن أعرض عن ذكري فإن ~~له معيشة | ضنكا ) ، والله صادق الوعد نافذ الحكم . وفي الواقع ، وبالضرورة ~~| والطبع ، لا معيشة أشد ضنكا من معيشة المشركين الذين وصفهم | الله عز وجل ~~بأنهم لأنفسهم ظالمون ، فقال : ^ ( إن الشرك لظلم عظيم ) ، | وقال : @QB@ ~~ولا يظلم ربك أحدا @QE@ . وهذا زيد بن عمرو بن نفيل ، الحكيم | الجاهلي ، ~~ضجر من الشرك فقال من أبيات له : | # % أربا واحدا أم ألف رب % % أدين إذا تقسمت الأمور % # % تركت اللات والعزى جميعا % كذلك يفعل الرجل الخبير % # ومثل الحياة الأدبية في الموحدين والمشركين : كبلد سلطانه | PageV01P081 ~~| حكيم قاهر ، بابه مفتوح لكل مراجع ، وينفذ قانونا واحدا ، | ولا يصغي ~~لساع ولا لشفيع ، ولا يشاركه في حكمه أحد . وبلد آخر | سلطانه جبان مغلوب ~~على أمره ، نال منه متقربوه المتعاكسون | وأعوانه المتشاكسون مراتب من ~~الكرامة ونفوذ الكلمة عنده ، | واحرزوا سلطة استقضائه ما يشاءون من حوائج ~~خير لذويهم ، أو دفع | شر عن اتباعهم ، فهل يستوي أهل البلدين ؟ كلا ، لا ~~تستوي السعادة | والشقاء ، ولله المثل الأعلى فإنه جلت عظمته لا يرضى أن ~~يشاركه | في ملكه أحد ، كما قال تعالى : @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ms039 ضلالا بعيدا @QE@ . | ولا ~~شك أن الشرك من اكبر الفجور وعمل السوء ، وقد قال | تعالى : @QB@ إن الفجار ~~لفي جحيم @QE@ . وقال تعالى : ^ ( ومن يعمل سوءا يجز به ) ^ . | وما الجحيم ~~والمجازاة خاصان بالآخرة بل يشملان الحياة الدنيا | والآخرة . # ثم أقول : فإذا أراد المسلم أن يعلم ما هو الشرك المشؤوم عند | الله ، ~~بمقتضى ما عرفه إياه في كتابه المبين ، يلزم أن يعرف ما هو | مدلول ألفاظ : ~~( إيمان ، و إسلام ، وعبادة ، وتوحيد ، وشرك ) | في اللغة العربية التي هي ~~لغة القرآن ، حيث قال تعالى : ^ ( أنا جعلناه | PageV01P082 | قرآنا عربيا ~~، وقال تعالى : @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل ~~الله من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ . فإذا علم المسلم | معنى هذه الألفاظ ، ~~وأراد أن يمتثل أمر ربه بأن لا يتعدى حدود | الله ، يتعين حينئذ عنده ما هو ~~مراد الله بالشرك الذي لا يرضاه ، | الذي أشفق وأخاف علينا نبينا عليه ~~الصلاة والسلام من الوقوع فيه | فقال : ^ ( أن أخوف ما أخاف عليكم الشرك ) ~~. # ومن يبحث عما ذكر من الألفاظ ، يجد أن أهل اللغة مجمعون | على أن المدلول ~~للفظ ( الإيمان ) الطاعة والتسليم بدون اعتراض ، | وللفظة ( العبادة ) ~~التذلل والخضوع ؛ وللفظه ( التوحيد ) العلم بأن | الشيء واحد ، ومضافة إلى ~~الله نفي الأنداد والأشباه عنه . ومن هذه | المادة الواحد والأحد ، صفتان ~~لله ، معناهما المنفرد الذي لا نظير | له أو ليس معه غيره . # وأصل معنى مادة الشرك لغة الخلط ، واستعمالا اسم للإشراك بالله . | في ~~اصطلاح المؤمنين الإشراك بالله في ( ذاته ) أو ( ملكه ) أو ( صفاته ) . # ثم إذا وزعنا اعتقادات من وصفهم الله تعالى بالشرك في كتابه | العزيز على ~~هذه الأنواع الثلاثة ، نجد مظنة ( الإشراك في الذات ) | قائمة في اعتقاد ~~الحلول ، وهو أنه ، تعالى شأنه عما يصفون ، أفنى | PageV01P083 | أو يفني ~~بعض الأشخاص في ذاته ، كقول النصارى في عيسى | ومريم عليهما السلام ، وقول ~~علمائنا في وحدة الوجود ، وهذا النوع | من الشرك عسر التصور والتفريق حتى ~~عند أساطين أهله ، ولذلك | يسميه النصارى حقيقة سرية ، ويسميه علماؤنا ~~حقيقة | ذوقية ( مرحى ) . # أما مظنات ( الإشراك في الملك ) : فيدخل تحتها اعتقاد اختصاص ms040 | بعض ~~المخلوقين بتدبير بعض الشؤون الكونية ، كاعتقاد اليهود في | ملك الموت ، ~~وكاعتقاد بعض الناس تصرف غير لله في شيء من | شؤون الكون ، كقول من يقول : ~~فلان عليه درك البر أو البحر ، | أو الشام أو مصر . # وأما مظنات ( الإشراك في الصفات ) : فهي الإعتقاد في | مخلوق انه متصف ~~بشيء من صفات الكمال من المرتبة العليا ، التي | لا تنبغي إلا لواجب الوجود ~~جلت شؤونه . # وهذا النوع الثالث اكثر شيوعا من النوعين الأولين | لثلاثة أسباب : # الأول : كون غير الأحدية والخالقية ، ونحوها من الصفات | الخاصة بالله ~~تعالى ، صفات مشتركة يعسر على غير العلماء الراشدين | PageV01P084 | تمييز ~~الحد الفارق بين مراتبها في المخلوقين ، وبين مراتبها المختصة | به تعالى . # الثاني : ما نطقت به الشرائع من تفويض الله تعالى بعض الأمور | إلى ~~الملائكة ، واستجابة دعاء المقربين ، وإكرامه تعالى بعض | عباده الصالحين ، ~~ووعده بقبول شفاعة من يأذن لهم بها | يوم القيامة ، فالتبس على الجهلاء ~~التفريق بين هذه وبين التصرف . # الثالث : هو كون التعظيم مدرجة طبيعية للإغراق والتغالي ، | ومطية سريعة ~~السير لا يلتوي عنانها عن تجاوز الحدود إلا برغم الطبع | وتوفيق الله ، ~~ولذلك قاسى الرسل ألو العزم الشدائد في كبح جماح | الناس عن إشراكهم ~~معظميهم مع الله في مرتبة بعض صفاته العليا ، | وركبوا متون المصاعب ~~والعزائم في إرجاع الناس إلى حد الاعتدال ؛ | وشددوا النكير على إطراء ~~الناس إياهم ؛ وحذروا وانذروا من مقاربة | مظان الشرك ، حتى الخفي الذي يدب ~~دبيب النمل . # ومن المعلوم عندنا أن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لبث | عشرة أعوام ~~يقاسي الأهوال في دعوته الناس إلى التوحيد فقط ، | وسمى أمته الموحدين ، ~~وأنزل الله القرآن ربعه في التوحيد ؛ | وتأسس دين الله على كلمة ( لا إله ~~إلا الله ) و ، وجعلت أفضل الذكر | PageV01P085 | لحكمة أن المسلم مهما رسخ ~~في الإيمان ، يبقى محتاجا إلى نفي الشرك | عن فكره احتياجا مستمرا ، وذلك ~~لما قلنا من شدة ميل الإنسان | إلى الشرك ، ولشدة التباسه عليه ولشدة قربه ~~منه طبعا ، فنسأل | الله تعالى الحماية ( مرحى ) . # وما هذا خاص بالمسلمين ، بل مضت الأمم كلها ، لم يكد يفارقها | رسلها ms041 ~~الكرام إلا ووقعت في الشرك ، كقوم موسى عليه السلام | فارقهم أربعين ليلة ~~فاتخذوا العجل ( مرحى ) . # ثم إذا انقلبنا في البحث إلى ما هو الشرك في نظر القرآن وأهله | لنتقيه ، ~~نجد أن الله تعالى قال في حق اليهود والنصارى : @QB@ اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ . مع أنه لم يوجد من قبل ولا | من بعد من ~~الأحبار والرهبان من أدعى المماثلة ، ونازع الله الخالقية | أو الإحياء أو ~~الإماتة كما يقتضيه انحصار معنى الربوبية عند العامة | من الإسلام ، حسبما ~~تلقوه من مروجي الشرك بالتأويل والإيهام ، | بل الأحبار والرهبان إنما ~~شاركوا الله تعالى في التشريع المقدس فقط ، | فقالوا هذا حلال وهذا حرام ، ~~فقبل منهم اتباعهم ذلك ، فوصفهم | الله أنهم اتخذوا أربابا من دون الله . # ونجد أيضا أن الله تعالى سمى قريشا مشركين ، مع أنه وصفهم | PageV01P086 ~~| بقوله : @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ | أي ~~يخصصون الخالقية بالله ، ووصف توسلهم بالأصنام إلى الله بالعبادة | فحكى ~~عنهم قولهم : ^ ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ؛ والمعظمة | من ~~المسلمين يظنون أن هذه الدرجة التي هي التوسل ليست من | العبادة ولا من ~~الشرك ؛ ويسمون المتوسل بهم وسائط ، ويقولون | أنه لا بد من الواسطة بين ~~العبد والرب ، وإن الواسطة | لا تنكر . # ويعلم من ذلك أن مشركي قريش ما عبدوا أصنامهم لذاتها ، | ولا لاعتقادهم ~~فيها الخالقية والتدبير ، بل اتخذوها قبلة يعظمونها | بندائها والسجود ~~أمامها ، أو ذبح القرابين عندها ، أو النذر لها | على أنها تماثيل رجال ~~صالحين كان لهم قرب من الله تعالى وشفاعة | عنده ، فيحبون هذه الأعمال ~~الاحترامية منهم فينفعونهم بشفاء | مريض أو إغناء فقير وغير ذلك ، وإذا ~~حلفوا بأسمائهم كذبا أو | أخلوا في احترام تماثيلهم يغضبون ، فيضرونهم في ~~أنفسهم | وأولادهم و أموالهم . # ونجد أن الله تعالى قال ^ ( فلا تدعوا مع الله أحدا ) ^ ، واصل | معنى ~~الدعاء النداء ، ودعا الله : ابتهل إليه بالسؤال واستعان به ، | ~~PageV01P087 | والدليل الكاشف لهذا المعنى هو قوله تعالى : @QB@ بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون @QE@ ؛ وكذلك أنزل الاستعانة به مقرونة بعبادته | في ~~قوله جلت كلمته : @QB@ إياك ms042 نعبد وإياك نستعين @QE@ . # وبما ذكر وغيره من الآيات البينات جعل الله هذه الأعمال | لقريش شركا به ~~حتى صرح النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في الحلف بغير | الله أنه شرك فقال : ~~^ ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ^ . وجعل الله | القربان لغيره والإهلال ~~والذبح على الأنصاب شركا ، وحرم تسييب | السوائب والبحائر لما فيها من ذلك ~~المعنى . وكان المشركون | يحجون لغير بيت الله بقصد زيارة محلات لأصنامهم ، ~~يتوهمون أن | الحلول فيها يكون تقريبا من الأصنام ، فنهى النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] أمته على مثل ذلك فقال : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ~~: | المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ) . بناء عليه | لا ريب ~~أن هذه الأعمال و أمثالها شرك ، أو مدرجة | للشرك ( مرحى ) . # فلينظر الآن ، هل فشا في الإسلام شيء من هذه الأعمال | وأشباهها في ~~الصورة أو الحكم ؟ ومن لا تأخذه في الله لومه لائم ، | لا يرى بدا من ~~التصريح بان حالة السواد الأعظم من أهل القبلة ، | PageV01P088 | في غير ~~جزيرة العرب ، تشبه حالة المشركين من كل الوجوه ، | وإن الدين عندهم عاد ~~غريبا كما بدأ كشأن غيرهم من الأمم . # فمنهم الذين استبدلوا الأصنام بالقبور ، فبنوا عليها المساجد | والمشاهد ~~، وأسرجوا لها ، وأرخوا عليها الستور ، يطوفون حولها | مقبلين مستلمين ~~أركانها ، ويهتفون بأسماء سكانها في الشدائد ، ويذبحون | عندها القرابين ~~يهل بها عمدا لغير الله ، وينذرون لها النذور ، | ويشدون للحج إليها الرحال ~~، ويعلقون بسكانها الآمال ، يستنزلون | الرحمة بذكرهم وعند قبورهم ، ~~ويرجونهم بإلحاح وخضوع ومراقبة | وخشوع أن يتوسطوا لهم في قضاء الحاجات ~~وقبول الدعوات ، | وكل ذلك من الحب والتعظيم لغير الله ، والخوف والرجاء | ~~من سواه . # ومنهم من استعوضوا ألواح التماثيل عند النصارى والمشركين | بألواح فيها ~~أسماء معظميهم ، مصدرة بالنداء تبركا وذكرا ودعاء ، | يعلقونها على الجدران ~~في بيوتهم ، بل في مساجدهم أيضا ويتوجون | بها الإعلام من نحو : يا علي ، ~~يا شاذلي ، يا دسوقي ، يا رفاعي | يا بهاء الدين النقشي ، يا جلال الدين ~~الرومي ، يا بكتاش ولي . | PageV01P089 # ومنهم ناس يجتمعون لأجل العبادة بذكر الله ، ذكرا مشوبا | بإنشاد المدائح ~~والمغالاة لشعراء المتأخرين ms043 ، التي أهون ما فيها الإطراء | الذي نهانا عنه ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حتى لنفسه الشريفة فقال : | ( لا تطروني كما ~~أطرت اليهود والنصارى أنبياءهم ) . وبإنشاد مقامات | شيوخية ، تغالوا فيها ~~بالاستغاثة بشيوخهم والاستمداد منهم بصيغ | لو سمعها مشركو قريش لكفروهم ، ~~لأن أبلغ صيغة تلبية كانت | لمشركي قريش قولهم : ( لبيك اللهم لبيك ، لا ~~شريك لك غير شريك | واحد ، تملكه وما ملك ) ، وهذه أخف شركا من المقامات ~~الشيوخية | التي يهدرون بها إنشادا بأصوات عالية مجتمعة ، وقلوب محترقة ~~خاشعة | كقولهم : | # % عبد القادر يا كيلاني % % يا ذا الفضل والإحسان % # % صرت في خطب شديد % % من إحسانك لا تنساني % # وقولهم : | # % اللهم يا رفاعي إني % % أنا المحسوب أنا المنسوب % # % رفاعي لا تضيعني % % أنا المحسوب أنا المنسوب % # إلى نحو ذلك مما لا يشك فيه شاك أنه من صريح الإشراك | الذي يأباه الدين ~~الحنيف . | PageV01P090 # ومنهم جماعة لم يرضوا بالشرع المبين ، فابتدعوا أحكاما في | الدين سموها ~~علم الباطن ، أو علم الحقيقة ، أو علم التصوف ، علما لم | يعرف شيئا منه ~~الصحابة والتابعون وأهل القرون لأولى المشهود | لهم بالفضل في الدين . علما ~~نزعوا مسائلة من تأويلات المتشابه من | القرآن ، مع أن الله تعالى امرنا أن ~~نقول في المتشابه منه ( آمنا | به ، كل من عند ربنا ) ، وقال تعالى : @QB@ ~~وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ ، وقال | عز شأنه في حقهم : @QB@ وإذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره @QE@ وقال ~~تعالى : @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وقال تعالى ^ ( فاستقم كما ~~أمرت ) ^ وقال تعالى : ^ ( فليحذر | الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ~~) . # وانتزع هؤلاء المداجون أيضا بعض تلك المزيدات من | مشكلات الأحاديث ~~والآثار ، ومما جاء عن النبي عليه السلام من | قول على سبيل الحكاية ، أو ~~عمل على سبيل العادة ، أي لم يكن | ذلك منه عليه السلام على سبيل التشريع ، ~~أو من الأحاديث التي | وضعها أساطينهم أغرابا في الدين لأجل جذب القلوب ، ~~كما ورد في | الحديث ومعناه : ( يفتح بالقرآن على الناس حتى يقرأه المرأة ~~والصبي | والرجل ، فيقول الرجل قد قرأت القرآن فلم ms044 أتبع ، لأقومن به | ~~PageV01P091 | فيهم لعلي اتبع ، فيقوم به فيهم فلا يتبع ؛ فيقول قد قرأت ~~القرآن | وقمت به فلم اتبع ، لأحتظرن في بيتي مسجدا لعلي اتبع ، فيحتظر | ~~في بيته مسجدا فلا يتبع ، فيقول قد قرأت القرآن وقمت به | واحتظرت في بيتي ~~مسجدا فلم اتبع ، والله لآتينهم بحديث لا يجدونه | في كتاب الله ولم يسمعوه ~~عن رسول الله لعلي اتبع ) . # ومنهم فئة اخترعوا عبادات وقربات لم يأت بها الإسلام ، | ولا عهد له بها ~~إلى أواخر القرن الرابع ؛ فكأن الله تعالى ترك لنا | ديننا ناقصا فهم ~~أكملوه ، أو كأن الله جل شأنه لم ينزل يوم حجة | الوداع : ( اليوم أكملت ~~لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت | لكم الإسلام دينا ) . # أو كأن النبي عليه السلام لم يتمم كما يزعمون تبليغ رسالته ، | فهم ~~أتموها لنا ، أو كتم شيئا من الدين وأسر به إلى بعض أصحابه | وهم أبو بكر ~~وعلي وبلال رضي الله عنهم ، وهؤلاء اسروا به إلى | غيرهم ؛ وهكذا تسلسل حتى ~~وصل إليهم ، فأفشوه لمن أرادوا من | المؤمنين ، تعالى الله ورسوله عما ~~يأفكون . وهل ليس من الكفر | بإجماع الأمة اعتقاد أن النبي عليه السلام نقص ~~التبليغ ، أو كتم أو | أسر شيئا من الدين ( مرحى ) . | PageV01P092 # ومنهم جماعة اتخذوا دين الله لهوا ولعبا ، فجعلوا منه التغنى | والرقص ، ~~ونقر الدفوف ودق الطبول ، ولبس الأخضر والأحمر ، | واللعب بالنار والسلاح ~~والعقارب ، والحيات ، يخدعون بذلك | البسطاء ويسترهبون الحمقاء . # ومنهم قوم يعتبرون البلادة سلاحا ، والخمول خيرا ، والخبل | خشوعا ، ~~والصرع وصولا ، والهذيان عرفانا ، والجنون منتهى | المراتب السبع للكمال . # ومنهم خلفاء كهنة العرب ، يدعون علم الغيب بالاستخراج من | الجفر والرمل ~~وأحكام النجوم ، أو الروحاني الزايرجة ، أو الأبجدات ، | أو بالنظر في ~~الماء أو السماء والودع ، أو باستخدام الجن والمردة ؛ إلى | غير ذلك من ~~صنائع التدليس والإيهام والخزعبلات ، وليس العجب | انتشار ذلك بين العامة ~~الذين هم كالأنعام في كل الأمم والأقوام ، | بل العجب دخول بعضه على كثير ~~من الخواص وقليل من العلماء ، | كأنه من غريز الكمالات في دين الإسلام ( ~~مرحى ) . # أفهذه حالات السواد الأعظم من الأمة ، وكلها ms045 أما شرك | صراح ، أو مظنات ~~إشراك ، حكمها في الحكمة الدينية حكم الشرك | بلا إشكال . وما جر الأمة إلى ~~هذه الحالات الجاهلية ، وبالتعبير | PageV01P093 | الأصح رجع بها إلى الشرك ~~الأول ، إلا الميل الطبيعي للشرك كما | سبق بيانه ، مع قلة علماء الدين ، ~~وتهاون الموجودين في الهدى | والإرشاد . # نعم رد العامة عن ميلها أمر غير هين ، وقد شبه النبي عليه | السلام ~~معاناته الناس فيه بقوله : ( مثلي كمثل رجل استوقد نارا ، | فلما أضاءت ما ~~حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار | يقعن فيها ، وجعل يحجزهن ~~ويغلبنه ، فيقتحمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم | عن النار وأنتم تقحمون فيها ) ~~. # وقد قال الله تعالى في العلماء المتهاونين عن الإرشاد كيلا يقابلوا | ~~الناس بما لا يهوون : @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون ~~به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار @QE@ وقال | الرسول [ ~~صلى الله عليه وسلم ] : ( لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي : | نهتهم ~~علماؤهم فلم ينتهوا ، فجالسوهم في مجالسهم ، وآكلوهم وشاربوهم | فضرب الله ~~قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن | مريم ، ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون ) . # بناء عليه فالتبعة كل التبعة على العلماء الراشدين ، ولم يزل والحمد | ~~لله في القوس منزع ، ولم يستغرقنا بعد انتزاع العلماء بالكلية كما أنذرنا ~~PageV01P094 | به النبي عليه السلام في قوله : ( إن الله لا يقبض العلم ~~انتزاعا من | الناس ، ولكن يقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس ~~رؤساء | جهلاء ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) ، ولا حول ولا قوة ~~| إلا بالله . # ثم قال : ولننتقل من بحث الشرك والإعراض عن ذكر الله إلى | بيان أسباب ~~التشديد في الدين ، وحالة التشويش الواقع فيه المسلمون | فأقول : # قد وجد فينا علماء كان أحدهم يطلع في الكتاب أو السنة على | أمر أو نهي ~~فيتلقاه على حسب فهمه ، ثم يعدي الحكم إلى أجزاء | المأمور به أو المنهي ~~عنه ، أو إلى دواعيه ، أو إلى ما يشاكله ولو من | بعض الوجوه ، وذلك رغبة ~~منه في أن يلتمس لكل أمر حكما شرعيا ، | فتختلط الأمور ms046 في فكره ، وتشبه ~~عليه الأحكام ، ولا سيما من | تعارض الروايات ، فيلتزم الأشد ويأخذ بالأحوط ~~ويجعله شرعا ، | ومنهم من توسع فصار يحمل كل ما فعله أو قاله الرسول عليه ~~السلام | على التشريع والحق ؛ كما سبق لنا ذكره أن النبي [ صلى الله عليه ~~وسلم ] | قال وفعل أشياء كثيرة على سبيل الاختصاص أو الحكاية | أو العادة ، ~~. ومنهم من تورع فصار لا يرى لزوما لتحقيق معنى | PageV01P095 | الآية أو ~~للتثبت في الحديث إذا كان الأمر من فضائل الأعمال ، | فيأخذ بالأحوط ، ~~فيعمل به ، فيقع في التشديد ، ويظن الناس منه | ذلك ورعا وتقوى ومزيد علم ~~واعتناء بالدين ، فيميلون إلى تقليده ، | ويرجحون فتواه على غيره . # وهكذا بالتمادي عظم التشديد في الدين حتى صار أصرا | وإغلالا ، فكأننا لم ~~تقبل ما من الله به علينا من التخفيف فوضع | عنا ما كان على غيرنا من ثقيل ~~التكليف ، قال تعالى شأنه و جلت | حكمته : @QB@ وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج @QE@ . وقال مبشرا جلت | منته : @QB@ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم @QE@ ، أي يخفف | عنهم التكاليف الثقيلة ، وعلمنا كيف ندعوه بعد ~~أن بين لنا | أنه : @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ فنقول : @QB@ ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا @QE@ ؛ وامرنا بقوله تعالى : @QB@ لا تغلوا في دينكم ~~@QE@ . # وقد ورد في الحديث : ( لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) ^ | وفي حديث آخر : ~~( هلك المتنطعون ) أي المتشددون في الدين . | وظن بعض الصحابة أن ترك ~~السحور أفضل بالنظر إلى حكمة تشريع | الصيام ، فنهاهم النبي عليه السلام عن ~~ظن الفضيلة في تركه . وقال | PageV01P096 # عمر ، رضي الله عنه ، في حضور رسول [ صلى الله عليه وسلم ] | لمن أراد أن ~~يصل النافلة بالفرض ^ ( بهذا هلك من قبلكم ) ^ ، فقال النبي | عليه السلام ~~: ( أصاب الله بك يا ابن الخطاب ) . # وأنكر النبي عليه السلام على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه | قيام ~~الليل وصيام النهار واجتناب النساء وقال له : ( أرغبت عن | سنتي ) . فقال : ~~بل سنتك أبغي ، قال : ( فإني أصوم وأفطر وأصلي | وأنام ms047 وأنكح النساء ، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني ) . وقد كان | عثمان بن مظعون وأصحابه عزموا على سرد ~~الصوم وقيام الليل | والاختصاء ، وكانوا حرموا الفطر على أنفسهم ظنا أنه ~~قربه إلى | ربهم ، فنهاهم الله عن ذلك لأنه غلو في الدين واعتداء عما شرع ~~فأنزل : | @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ ، أي أنه لا يحب من اعتدى حدوده وما | ~~رسمه من اقتصاد في أمور الدين . # وقد ورد في الحديث الصحيح قوله عليه السلام : ( والذي | نفسي بيده ، ما ~~تركت شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار | إلا أمرتكم به . وما تركت ~~شيئا يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة | إلا نهيتكم عنه ) . فإذا كان ~~الشارع يأمرنا بالتزام ما وضع لنا من | PageV01P097 | الحدود فما معنى ~~نظرنا الفضيلة في المزيد ؟ # وورد في حديث البخاري : ( أن اعظم المسلمين جرما من | سأل عن شيء لم يحرم ~~فحرم من اجل مسألته ) ، وبمقتضى | هذا الحديث ما أحق بعض المحققين ~~المتشددين بوصف | المجرمين ؟ # وهذه مسألة السواك مثلا ، فإنه ورد عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | ~~فيها أنه قال : ( لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ) . | فهذا الحديث ~~مع صراحته في ذاته أن السواك لا يتجاوز حد الندب ، | جعله الأكثرون سنة ، ~~وخصصه بعضهم بعود الأراك ، وعمم بعضهم | الإصبع وغيرها بشرط عدم الإدماء ؛ ~~وفصل بعضهم أنه إذا قصر | عن شبر ، وقيل فتر ، كان مخالفا للسنة . وتفنن ~~آخرون بأن من | السنة أن تكون فتحته مقدار نصف الإبهام ولا يزيد عن غلظ ~~أصبع ؛ | وبين بعضهم كيفية استعماله فقال : يسند بباطن رأس الخنصر ؛ | ~~ويمسك بأصابع الوسطى ، ويدعم بالإبهام قائما . وفصل بعضهم | أن يبدأ ~~بإدخاله مبلولا في الشدق الأيمن ، ثم يراوحه ثلاثا ، ثم | يتفل ، وقيل ~~يتمضمض ؛ ثم يراوحه ويتمضمض ثانية ، وهكذا | يفعل مرة ثالثة . | ~~PageV01P098 | وبحث بعضهم في أن هذه المضمضة هل تكفي عن سنة المضمضة | في ~~الوضوء أم لا ؟ ومن قال لا تكفي احتج بنقصان الغرغرة ؛ واختلفوا | في أوقات ~~استعماله في اليوم مرة أو عند ms048 كل وضوء ، أو عند تلاوة | القرآن أيضا ، حتى ~~البعض صاروا يتبركون بعود الأراك يخللون | به الفم يابسا . والبعض يعدون له ~~كثيرا من الخواص ، منها إنه إذا | وضع قائما يركبه الشيطان ؛ والبعض خالف ~~فقال : بل إذا ألقي | يورث لمستعمله الجذام ؛ وكثير من العامة يتوهم السواك ~~بالأراك | من شعائر دين الإسلام . إلى غير هذا من مباحث التشديد | والتشويش ~~المؤديين إلى الترك ، على عكس مراد الشارع | عليه السلام من الندب إلى تعهد ~~الفم بالتنظيف كيفما كان . # ثم قال العالم النجدي : هذا ما ألهمني ربي بيانه في هذا الموضوع | وربما ~~كان لي فيه سقطات ، ولا سيما في نظر السادات الشافعية من | الإخوان ~~كالعلامة المصري والرياضي الكردي ؛ لأن غالب العلماء | الشافعية محسنون ~~الظن بغلاة الصوفية ، ويلتمسون لهم الأعذار ، | وهم لا شك أبصر بهم منا ~~معاشر أهل الجزيرة ، لفقدانهم بين أظهرنا | كليا ولندرتهم في سواحلنا ؛ ~~ولولا سياحتي في بلاد مصر والغرب | والروم والشام لما عرفت أكثر ما ذكرت ~~وأنكرت إلا عن سماع ، | PageV01P099 | ولكنت أقرب لتحسين الظن . ولكن ما ~~بعد العيان لتحسين الظن | مجال ، وما بعد الهدى إلا الضلال ، فنسأل الله ~~تعالى أن يلهمنا | سواء السبيل . # فأجابه العلامة المصري : أن أكثر الصوفية من رجال مذهبنا ، | ونحن معاشر ~~الشافعية نتأول لهم كثيرا مما ينكره ظاهر الشرع | ونلتمس له وجوها ولو ~~ضعيفة ، لأننا نرى مؤسسي التصوف الأولين | كالجنيد وابن سبعين من احسن ~~المسلمين حالا وقولا . # وفيما يلوح لي أن منشأ ذلك فينا جملة أمور منها : كون علماء | الشافعية ~~بعيدين عن الأمامة والسياسة العامة إلا عهدا قصيرا ؛ ومنها | كون المذهب ~~الشافعي مؤسسا على الأحوط والأكمل في العبادات | والمعاملات ، أي على ~~العزائم دون الرخص ؛ ومنها كون المذهب | مبنيا على مزيد العناية في النيات ~~. | بناء عليه ، فالشافعي في شغل شاغل بخويصة نفسه ، وهم | مستمر من جهة ~~دينه ، ومحمول على تصحيح النيات وتحسين الظنون ، | ومن كان كذلك مال بالطبع ~~إلى الزهد والإعجاب بالزاهدين ، | وحمل أعمال المتظاهرين بالصلاح على الصحة ~~والإخلاص . بخلاف | العلماء الحنفية ، فإنهم من عهد أبي يوسف لم ينقطع ~~تقلبهم في النظر ms049 في | PageV01P100 | الشؤون العامة في عموم آسيا ، وكذا ~~المالكية في الغرب وإمارات | أفريقيا ، والحنابلة والزيدية في الجزيرة . ~~ومن لوازم السياسة الحزم ، # وتغليب سوء الظن ، وإتقان النقد ، والأخذ بالجروح ، ومحاكمات | الشؤون ~~لأجل العمل بالأسهل الأنسب . # وقد امتاز أهل الجزيرة في هذا الخصوص بأنهم كانوا ولا زالوا | بعيدين عن ~~التوسع في العلوم والفنون ، وهم لم يزالوا أهل عصبية | وصلابة رأي وعزيمة ، ~~وقد ورد قول النبي عليه السلام فيهم : ( إن | الشيطان قد آيس إن يعبده ~~المسلمون في جزيرة العرب ولكن في | التحريش ) أي إغراء بعضهم على بعض . ~~وكذلك أهل الجزيرة ، | لم يزل عندهم بقية صالحة كافية من السليقة العربية ، ~~فإذا قرؤوا القرآن | أو الحديث أو الأثر أو السيرة يفهمون المعنى المتبادر ~~باطمئنان ، | فينفرون من التوسع في البحث ولا يعيرون سمعا للإشكالات ، فلا ~~| يحتاجون للتدقيقات والأبحاث التي تسبب التشديد والتشويش . | وأما غيرهم ~~من الأمم الإسلامية فيتلقون العربية صنعة ويقاسون | العناء في استخراج ~~المعاني والمفاهيم ، ومن طبيعة كل كلام | في كل لغة إذا مخضته الأذهان تعبت ~~وتشتتت فيه الأفهام . # وربما جاز أن يقال في السادة الشافعية ، ولا سيما في علماء مصر | ~~PageV01P101 | منهم ، إن انطباعهم على سهولة الانقياد سهلت أيضا دخول ~~الفنون | الدينية المستحدثة عليهم ؛ ووداعة أخلاقهم تأبى عليهم إساءة الظن ~~| ما أمكن تحسينه ، فبناء عليه حازت هذه الفنون التصوفية | المستحدثة قبولا ~~عند علماء الشافعية الأولين فتبعهم الآخرون . # هذا وحيث قلنا أن من خلق المصريين سهولة الانقياد ولا سيما | للحق ، ~~وكذلك علماء الشافعية الأكراد كلهم أهل نظر وتحقيق ، | فلا يصعب حمل ~~الشافعية على النظر في البدع الدينية خصوصا ما | يتعلق منها بمظنات الشرك ~~الجالب للمقت والضنك ، ولا شك | أنهم يمثلون أوامر الله في قوله تعالى : ~~إنما كان قول المؤمنين | إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا | وأولئك هم المفلحون ) ^ . وقوله تعالى : ^ ( فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه | إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) . وقوله ~~| تعالى : ^ ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما | ~~يحييكم ) . وقوله تعالى : ^ ( اتبعوا ما أنزل ms050 إليكم من ربكم ولا تتبعوا | ~~من دونه أولياء ) ^ . هذا و كثير من علماء الشافعية ، الأقدمين والمتأخرين ~~، | المنتصرون للمذهب السلفي السديد المقاومون للبدع والتشديد ؛ | والحق أن ~~التصوف المتغالى فيه لا تصح نسبته لمذهب مخصوص | PageV01P102 | فهذا الشيخ ~~الجيلي رضي عنه حنبلي وصوفي . # قال الأستاذ الرئيس : أن أخانا العالم النجدي يعلم أن ما أفاض | به علينا ~~لا غبار عليه بالنظر إلى قواعد الدين وواقع الحال ، وكفى | بما استشهد به ~~من الآيات البينات براهين دامغة ، ولله على عباده | الحجة البالغة . وعبارة ~~التردد التي ختم بها خطابة ، يترك بها الحكم | لرأي الجمعية ، ما هي إلا ~~نزعة من فقد حرية الرأي والخطابة فأرجوه | وأرجو سائر الإخوان الكرام أن لا ~~يتهيبوا في الله لومة لائم ، ورأي | كل منا هو اجتهاده وما على المجتهد ~~سبيل . وليعلموا أن رائد جمعيتنا | هذه الإخلاص ، فالله كافل بنجاحها ، ~~وغاية كل منا | إعزاز كلمة الله والله ضامن إعزازه ، قال تعالى : @QB@ إن ~~تنصروا الله ينصركم @QE@ . # نعم هذا النوع من الإرشاد ، أعني الانتقاد على الإعتقاد ، | هو شديد ~~الوقع والصدع على التائهين في الوهلة الأولى ، لأن الآراء | الاعتقادية ~~مؤسسة غالبا على الوارثة والتقليد دون الاستدلال والتحقيق ، | وجارية على ~~التعاند دون التقانع . على أن أعضاء جمعيتنا هذه وكافة | علماء الهداية في ~~الأمة ، يشربون والحمد لله من عين واحدة هي عين | الحق الظاهر الباهر الذي ~~لا يخفى على أحد . فكل منهم يختلج في | PageV01P103 | فكره ما يخالج فكر ~~الآخرين عينة أو شبهه ، لكنه يتهيب التصريح | به لغلبة الجهل على الناس ~~واستفحال أمر المدلسين . ويخاف من | الانفراد في الانتقاد في زمان فشا فيه ~~الفساد وعم البلاد والعباد ، | وقل أنصار الحق وكثر التخاذل بين الخلق . # ويسرني والله ظهور الثمرة الأولى من جمعيتنا هذه ، أعني اطمئنان | كل منا ~~على إصابة رأيه ، وإطلاعه على أن له في الآفاق رفاقا يرون | ما يراه ويسرون ~~مسراه ، فيقوى بذلك جنانه وينطلق لسانة ، | فيحصل على نشاط وعزم في إعلاء ~~كلمة الله ، ويصبح غير هياب لوم | اللائمين ولا تحامل الجاهلين . ومن ~~الحكمة استعمال اللين والتدريج | والحزم والثبات في ms051 سياسة الإرشاد ، كما ~~جرى عليه الأنبياء العظام عليهم | الصلاة والسلام . وقد بسطت ذلك في ~~اجتماعنا الأول ، وسنلاحظه | في قانون الجمعية الدائمة الذي نقرره إن شاء ~~الله بعد استيفاء البحث | في طريقه الاستهداء من الكتاب والسنة في ~~اجتماعاتنا الآتية ، أما | اليوم فقد انتهى الوقت وانتصف النهار . | ~~PageV01P104 | # | الاجتماع الخامس # | يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 1316 # في الوقت المعين في اليوم المذكور تكامل الاجتماع واستعدت | الهيئة ~~للمداولة والسماع ، وقرأ كاتب الجمعية ضبط الجلسة السابقة | حسب القاعدة ~~المرعية . # قال الأستاذ الرئيس : سنبحث بعد يومين في وضع قانون | للجمعية الدائمة ، ~~وإني أرى أن نفوض للجنة منا من الذين سبق لهم | دخول في جمعيات علمية ، أو ~~الذين لهم وقوف على مباني الجمعيات | القانونية ولا سيما الغربية المعروفة ~~باسم ( أكاديميات ) لتنظم لنا هذه | اللجنة سانحة قانون نضعها تحت البحث في ~~الجمعية . # وإني أكلف لهذه اللجنة أخانا السيد الفراتي ليقوم بكتابتها ، | وأخانا ~~السعيد الإنكليزي ليفيد اللجنة عما يعلمه عن الأكاديميات وعن | مجربات ~~جمعيات ليفر بول ورأس الرجاء ، وإخواننا العلامة المصري | PageV01P105 | ~~والصاحب الهندي والمدقق التركي وهذا يرأسهم لأنه أسنهم ، | وهؤلاء خمسة ~~أعضاء ، فهل تستصوب الجمعية ذلك وترى الكفاية | والكفاءة أم تستدرك شيئا . # ثم ابتدر السعيد الإنكليزي : للمقال مخاطبا الأستاذ الرئيس | فقال : أننا ~~مسلمي ( ليفربول ) حديثو عهد بالإسلام ، ولنا إشكالات | مهمة تتعلق ببحث ~~اليوم أعني بطريقة الاستهداء من الكتاب والسنة ، | لأن أكثرنا قد اهتدينا ~~والحمد لله إلى الإسلامية منتقلين إليها من | ( البروتستانتية ) أي الطائفة ~~الإنجيلية لأمن الكاثوليك أي الطائفة | التقليدية ، فنميل طبعا لإتباع ~~الكتاب والسنة فقط ولا نثق بقول غير | معصوم فيما ندين ، وقد تركنا دين ~~آبائنا وقومنا لنتبع دين محمد نبي | الإسلام [ صلى الله عليه وسلم ] ، لا ~~لنتبع الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي | أو المالكي وإن كانوا ثقاة ناقلين . # ولنا جمعية منتظمة لها شعبتان في أمريكا وجنوب إفريقيا ، ونحن | راغبون ~~أن نسعى سعيا حثيثا في الدعوة للدين السامي الإسلامي المبين . | والأقوام ~~الذين ندعوهم غالبهم متمدنون أي أفكارهم متنورة بالعلوم | PageV01P106 | ~~والمعارف ، وأكبر أملنا معقود بهداية فئتين اثنتين ms052 الأولى البروتستان | ~~والثانية الزنادقة . # أما أملنا في البروتستان فلأنهم منقلبون حديثا من الكاثوليكية ، | ~~انقلابا ناشئا عن ترجيحهم الاقتصار على الإنجيل ومجموعة الكتب | المقدسة ~~متونا فقط ، أي بإهمال الشروح والتفسيرات والمزيدات التي | لا يوجد لها أصل ~~صريح في الإنجيل . والبروتستان في أوروبا وأمريكا | يزيدون على مائة مليون ~~من النفوس كلهم مفطورون على التدين ، | قليلو العناد في الإعتقاد ، مستعدون ~~لقبول البحث والانقياد للحق | بشرط ظهوره ظهورا عقليا ؛ ولا سيما إذا كان ~~الحق ملائما لأسباب | هجرهم الكاثوليكية من نحو : إنكارهم الرياسة لدينية ~~والرهبانية ، | والتوسل بالقديسين وطلب الشفاعة منهم ، واحترام الصور ~~والتماثيل ، | والدعاء لأجل الأموات ، وبيع الغفران ، والقول بأن للبطارقة ~~قوة | قدسية وقوة تشريعية ، وإن للبابا صفة العصمة عن الخطأ في الدين ، | ~~وإن للأساقفة ومن دونهم من القسيسين مراتب مقدسة ، إلى غير | ذلك مما ينتج ~~في النصرانية سلطة دينية وتشديدات تعبدية لا يوجد | لها أصل في الإنجيل . # وقد يشبه هؤلاء البروتستان في رأيهم فئة قليلة من اليهود تعرف | ~~PageV01P107 | باسم القرائين ، وهم الآخذون بأصل التوراة والمزامير ~~النابذون | للتلمود أي لتفسيرات ومزيدات الأحبار والحاخامين الأقدمين . # أما الفئة الثانية فهم الزنادقة المارقون من النصرانية كليا لعدم | ~~ملاءمتها للعقل ، وهؤلاء في أوروبا وأمريكا كذلك يزيدون على مائة | مليون ~~من النفوس ، غالبهم مستعدون لقبول ديانة تكون معقولة حرة | سمحاء تريحهم من ~~نصب الكفر في الحياة الحاضرة فضلا عن العذاب | في الآخرة . # ومن غريب نتائج التدقيق : إن أفراد هذه الفئة كلما بعدوا عن | النصرانية ~~نفورا من شركها وخرافاتها وتشديداتها ، يقربون طبعا من | التوحيد ~~والإسلامية وحكمتها وسماحتها . # فبناء على هذه الآمال ترى جمعية ) ليفربول ) أهمية عظيمة | لتحرير مسألة ~~الاستهداء من الكتاب والسنة ، وتصوير حكمة | وسماحة الدين الإسلامي للعالم ~~المتمدن . فأرجو حضرة الأستاذ الرئيس | أن يسمح لي بتفهم مسألة الاستهداء ~~على أسلوب المحاورة والمساجلة | مع بعض الإخوان الأفاضل في هذا المحفل ~~العلمي العظيم . | فأجابه الأستاذ الرئيس بقوله له : ساجل من شئت وخاطب | ~~من أردت فالأخوان كلهم علماء أفاضل حكماء . PageV01P108 # فقال السعيد الإنكليزي مخاطبا العالم النجدي . أنك يا مولاي قد | صورت في ~~مقدمة ms053 خطابك في التوحيد من هو المسلم وألزمته العمل | بالكتاب والسنة ، ~~فأرجوك أن تعرفني أولا ما هو الكتاب وما هي | السنة . # فقال العالم النجدي : أما ( الكتاب ) فهو هذا القرآن الذي وصل | إلينا ~~بطريق لا تحتمل الشبهة فيه لاجتماع الكلمة واتفاق الأمة عليه ، | وتناقلها ~~إياه جيلا عن جيل ، وحفظا في الصدور ، وضبطا في السطور | مع الحرص العظيم ~~على كيفية أدائه لفظا وعلى هيئة إملائه كتابة ، | ومع الاعتناء الكامل في ~~تحقيق أسباب النزول ومكانه ووقته ، ومع | حفظ اللغة العربية المضرية ~~القرشية التي نزل بها باتفاق لا مزيد عليه . | وبقاء القرآن محفوظا من ~~التحريف والتغيير وموجبات الريب إلى | الآن هو أحد وجوه إعجازه ، حيث جاء ~~مصدقا لقوله تعالى فيه : | @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ ~~. # أما ( السنة ) فهي ما قاله الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] أو فعله | أو ~~أقره ، ولم يكن صدر منه ذلك على سبيل الاختصاص أو الحكاية | أو العادة ؛ ~~وقد اعتنى الصحابة ولا سيما التابعون وتابعوهم رضي الله | عنهم بحفظ السنة ~~حديثها وآثارها وسيرها غاية الاعتناء ؛ وتناقلوها | PageV01P109 | بالرواية ~~والسند المتسلسل متحرين الوثوق منتهى مراتب التحري | والتثبت ؛ وقد حازت ~~بعض مدونات السنة وثوقا تاما وقبولا عاما في | الأمة فوصلتنا بكمال الضبط ~~خصوصا منها الكتب الستة . # قال السعيد الإنكليزي لا يشك أحد حتى العدو والمغاند في أنه | لم تبلغ ~~ولن تبلغ أمة من الأمم شأو المسلمين في اعتنائهم بحفظ | القرآن الكريم ~~وضبطهم التاريخ النبوي أو السنة ، وكذلك يقال في | اعتنائهم باللغة العربية ~~التي هي آلة فهم الخطاب . # وبالنظر إلى ذلك كان يجب أن نحرر الشريعة الإسلامية أحسن | تحرير ، فلا ~~يوجد فيها ما وجد في غيرها بسبب عدم ضبط أصولها | من اختلافات ومباينات ~~مهمة بين العلماء الأئمة ، فأرجوك أن تبين | لي ما هو منشأ هذا التشتت الذي ~~نراه في الأحكام . # إجابة العالم النجدي : أن الاختلافات الموجودة في الشريعة | ليست كما يظن ~~شاملة للأصول ، بل أصول الدين كلها والبعض | من الفروع متفق عليها لأن لها ~~في القرآن أو السنة أحكاما صريحة | قطعية الثبوت ، قطعية الدلالة ms054 ، أو ~~ثابتة بإجماع الأمة الذي لا يجوز | العقل فيه أن يكون عن غير أصل في الشرع ~~. # أما الخلافات فإنما هي في فروع تلك الأصول وفي بعض الأحكام | PageV01P110 ~~| التي ليس لها في القرآن أو السنة نصوص صريحة ، بل بعض علماء | الصحابة ~~رضي الله عنهم وفقهاء التابعين ومن جاء بعدهم من الأئمة | المجتهدين اخذوا ~~تلك الأحكام التي تخالفوا فيها إما تلقيا من بعض | الصحابة ، فكل قلد من ~~صادف ؛ وأما استنبطوها اجتهادا من | نصوص الكتاب أو السنة بالمدلول المحتمل ~~، أو بالمفهوم أو | بالاقتضاء ، أو من قرائن الحال أو قرائن المقال ، أو ~~بالتوفيق أو | بالتخريج أو التفريع أو القياس ، أو باتحاد العلة أو باتحاد ~~النتيجة | أو بالتأويل أو الاستحسان . وهذه الأحكام الخلافية كلها ترجع إلى ~~| دلائل أما قطعية الثبوت ظنية الدلالة ، أو ظنية الثبوت ظنية الدلالة . | ~~ولكل واحد من المجتهدين أصول في التطبيق وقوانين في الاستنباط | يخالف فيها ~~الآخر ، ومنشأ معظمها الخلافات النحوية والبيانية . # ثم أن أكثر الخلافات هي في مسائل المعاملات ، وعلى كل | حال جاحدها لا ~~يكفر باتفاق الأئمة ، بل المتخالفون لا يفسق بعضهم | بعضا إذا كان التخالف ~~عن اجتهاد لا عن هوى نفس أو تقصير في | التتبع الممكن للمقيم في دار ~~الإسلام ( مرحى ) . # قال السعيد الإنكليزي : إني أشكرك على ما أجملت وأوضحت ، | غير أنك لم ~~تذكر في جملة أسباب الاختلاف في اعتبار الناسخ | PageV01P111 | والمنسوخ ~~بين آيتين أو حديثين ، أو آية وحديث ، وإني أظن أن ذلك | من اعظم أسباب ~~الاختلاف في الأحكام . # الإجابة العالم النجدي : أن نواسخ الأحكام قليلة ومعلومة ، والخلاف | ~~فيها أقل ، لأن النسخ في زمن التشريع لم يحصل إلا عن حكمة ظاهرة | كالتدريج ~~في منع السكر حالة الصلاة ثم تعميم منعه . وكتغيير | المقتضى للتوارث ~~بالإخاء وهو القطيعة التي حصلت بين المهاجرين | وذوي أرحامهم في بدء الأمر ~~، ثم لما تلاحقوا بعد فتح مكة نسخ | ذلك وجعل التوارث بالنسب . وكالدعوة في ~~الأول للتوحيد والدين | بمجرد الموعظة بدون جدال ، ثم به بدون صدع ، ثم به ~~بدون قتال ، | ثم به في أهل جزيرة العرب فقط ms055 ثم بتعميمه مع قبول الجزية ~~والخراج | من غيرهم ( مرحى ) . # قال السعيد الإنكليزي : أن ما وصفت من أصول الاجتهاد | وقوانين استنباط ~~الأحكام قد أنتج خلاف ما يأمر الله به في قوله | تعالى : ^ ( أقيموا الدين ~~ولا تفرقوا فيه ) ^ ، وخلاف ما تقتضيه الحكمة | فهل من وسيلة سهلة لرفع هذا ~~التفرق . | PageV01P112 | إجابة العالم النجدي : إني لا أهتدي لذلك سبيلا ، ~~ولعل في | الإخوان من يتصور وسيلة لهذا الأمر المهم . # فابتدر العلامة المصري مخاطبا السعيد الإنكليزي وقال : أن | رفع الخلاف ~~غير ممكن مطلقا ولكن يمكن تخفيف تأثيراته . وذلك | انه لما كان معظم ~~الاختلاف كما قرره أخونا العالم النجدي في الفروع | دون الأصول ، وفي السنن ~~والمندوبات والصغائر والمكروهات دون | الشعائر والواجبات والكبائر ~~والمنكرات ؛ وكان أكثر الأمة هم | العامة الذين لا يقدرون أن يميزوا بين ~~الواجب والسنة والمندوب ، | وبين النفل والمباح ؛ أو يفرقوا بين الكفر ~~والحرام ، وبين الكبيرة | والصغيرة والمكروه تنزيها والتقوى ؛ بل تنقسم ~~الأحكام كلها في | نظرهم إلى نوعين أصليين فقط : مطلوب ومحظور ، وبتعبير ~~آخر إلى | حلال وحرام ، وكانت أحكام الشريعة كثيرة جدا ، فالعامة يجدون | ~~أنفسهم مكلفين بما لا يطيقون الإحاطة بمعرفته فضلا عن القيام به ، | ~~PageV01P113 | ويرون أن لا مناص لهم من التهاون في أكثره أو بعضه ، فيقوم | ~~أحدهم بالبعض دون البعض ، فيأتي بالنفل ويتهاون بالواجب ويتقي | المكروه ~~ويقدم على الحرام ، وذلك كما قلنا لاستكثاره الأحكام | وجهله بمراتبها في ~~التقديم والتأخير . # بناء على ذلك أرى لو أن فقهاء الأمة كما فرقوا مراتب الأحكام | على ~~المسائل ، يفرقون المسائل أيضا على مراتب في متون مخصوصة ؛ # فيعقدون لكل مذهب من المذاهب كتابا في العبادات ينقسم | إلى أبواب وفصول ~~تذكر في كل منها الفرائض والواجبات فقط ، | وتنطوي ضمنها الشرائط والأركان ~~بحيث يقال أن هذه الأحكام في | هذه المذاهب هي أقل ما تجوز به العبادات . # ويعقدون كتابا آخر ينقسم إلى عين تلك الأبواب والفصول ، | تذكر فيها ~~السنن بحيث يقال أن هذه الأحكام ينبغي رعايتها في | أكثر الأوقات . # ثم كتابا ثالثا مثل الأولين تذكر فيه سنن الزوائد ، بحيث يقال | إن هذه ~~الأحكام رعايتها ms056 أولى من تركها . | PageV01P114 # وعلى هذا النسق يوضع كتاب للمنهيات ، يقسم إلى أبواب | وفصول تعد فيها ~~المكفرات والكبائر ، وكذا الصغائر والمكروهات ، | ومثل ذلك تقسم كتب ~~المعاملات على طبقات من الأحكام الإجماعية | أو الاجتهادية أو الاستحسانية ~~. # فبمثل هذا الترتيب يسهل على كل من العامة أن يعرف ما هو | مكلف به في ~~دينه ، فيعمل به على حسب مراتبة وإمكانه ، وبهذه | الصورة تظهر سماحة الدين ~~الحنيف ، ويصير المسلم مطمئن القلب ، | مثله كمثل تاجر له دفاتر وقيود ~~وحسابات وموازنات منتظمة فيعيش | مطمئن الفكر . وكم بين هذا التاجر وبين ~~تاجر آخر حساباته في أوراق | منتثرة ومعاملاته مشتتة متزاحمة في فكره ، لا ~~يعرف ما له وما عليه ، | فيعيش عمره مرتبك البال مضطرب الحال ( مرحى ) . # قال المحدث اليمني : أننا معاشر أهل اليمن ومن يلينا من أهل | الجزيرة ، ~~كما أننا لم نزل بعيدين عن الصنائع والفنون فكذلك لم نزل | على مذهب السلف ~~في الدين ، بعيدين عن التفنن فيه . ومسلكنا مسلك | أهل الحديث وأكثرنا يخرج ~~الأحكام على أصول اجتهاد الإمام زيد | ابن علي بن زين العابدين ، أو أصول ~~الإمام أحمد بن حنبل . وأني | أذكر للإخوان حالتنا الاستهدائية عسى أن ~~الذكرى تنفع المؤمنين ؛ | PageV01P115 | وعسى أن يعلم المسلمون ولا سيما ~~الأتراك ومن يحكمون أننا من أهل | السنة ، لا كما يوهمون أو يتوهمون ، ~~فأقول أن المسلمين عندنا على | ثلاث مراتب : العلماء والقراء والعامة . # فالطبقة الأولى : العلماء ، وهم كل من كان متصفا بخمس صفات : # 1 - أن يكون عارفا باللغة العربية المضرية القرشية بالتعلم والمزاولة | ~~معرفة كافية لفهم الخطاب ، لا معرفة إحاطة بالمفردات ومجازاتها ، | وبقواعد ~~الصرف وشواذه ، والنحو وتفصيلاته والبيان وخلافاته ، | والبديع وتكلفاته ، ~~مما لا يتيسر إتقانه إلا لمن يفني ثلثي عمره | فيه ، مع أنه لا طائل تحته ~~ولا لزوم لأكثره إلا لمن أراد | الأدب . # 2 - أن يكون قارئا كتاب الله تعالى قراءة فهم للمتبادر من معاني | ~~مفرداته وتراكيبه ، مع الاطلاع على أسباب النزول ومواقع | الكلام من كتبها ~~المدونة المأخوذة من السنة والآثار وتفاسير | الرسول عليه السلام ، أو ~~تفاسير أصحابه عليهم الرضوان ، | ومن المعلوم أن ms057 آيات الأحكام لا تجاوز ~~المائة والخمسين | آية عدا . | PageV01P116 # 3 - أن يكون متضلعا في السنة النبوية المدونة على عهد التابعين | ~~وتابعيهم ، أو تابعي تابعيهم فقط ، بدون قيد بمائة ألف أو مائتي ألف | حديث ~~، بل يكفيه ما كفى ما لكافي موطئه واحمدا في مسنده . | ومن المعلوم أن ~~أحاديث الأحكام لا تجاوز الألف وخمسمائة | حديث أبدا . # 4 - أن يكون واسع الاطلاع على سيرة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | ~~وأصحابه وأحوالهم من كتب السير القديمة والتواريخ المعتبرة | لأهل الحديث ~~كالحافظ الذهبي وابن كثير ومن قبلهم ، | وكابن جرير وابن قتيبة ومن قبلهم ~~كمالك والزهري وإضرابهم . # 5 - أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه بالمنطق | والجدل ~~التعليميين والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورسية ، | وبأبحاث الكلام ~~وعقائد الحكماء ونزعات المعتزلة ، وإغرابات | PageV01P117 | الصوفية ، ~~وتشديدات الخوارج ، وتخريجات الفقهاء المتأخرين ، | وحشويات الموسوسين ، ~~وتزويقات المرائين وتحريفات المدلسين | ( مرحى ) . # فأهل هذه الطبقة يستهدون بأنفسهم ولا يقلدون إلا بعد الوقوف | على دليل ~~من يقلدون ، فإذا وجدوا في المسألة قرآنا ناطقا لا يتحولون | عنه لغيره ~~مطلقا ، وإذا كان القرآن محتملا لوجوه ، فالسنة قاضية عليه | مفسرة له ثم ~~ما لم يجدوه في كتاب الله أخذوه من صحيح سنة | رسول [ صلى الله عليه وسلم ] ~~سواء كان الحديث مستفيضا أم غير | مستفيض ، عمل به اكثر من واحد من الصحابة ~~المجتهدين أم لم | يعمل به إلا واحد فقط ، ومتى كان في المسألة حديث صحيح ~~لا يعدلون | عنه إلى اجتهاد . ثم إذا لم يجدوا في المسألة حديثا يأخذون ~~بإجماع | علماء الصحابة ، ثم بقول جماعة من الصحابة والتابعين ولا يتقيدون ~~بقوم | دون قوم . فإن وجدوا مسألة يستوي فيها قولان رجحوا أحدهما | بمرجح ~~يقوم في الفكر ، لا يتبعون فيه أصولا موضوعة غير مشروعة ، | أو طرقا مقررة ~~غير مرفوعة . وأهل هذه الطبقة عندنا ، ينورون | أذهانهم بأصول استدلالات ~~الإمام زيد رضي الله عنه أو غيره من | الأئمة تخريجهم الأحكام واستنباطها ~~من النصوص بدون تقيد | PageV01P118 | بتقليد أحدهم خاصة دون غيره ، لأنهم ~~لا يجوزون اتباع إمام إذا رأوا | ما ذهب إليه في المسألة بعيدا عن ms058 الصواب ، ~~فلا يقلدون أحدا تقليدا | مطلقا كأنه نبي مرسل . # والطبقة الثانية هم : القراء ، وهم الذين يقرأون كتاب الله تعالى | قراءة ~~فهم بالإجمال مع إطلاع على جملة صالحة من سنة رسول [ صلى الله عليه وسلم ] ~~| ، فهؤلاء يستهدون في أصول الدين بأنفسهم لأنها مبنية | غالبا على قرآن ~~ناطق أو سنة صريحة ، أو إجماع عام مفسر لغير | الناطق والصريح . # وأما في الفروع فيتبعون أحد العلماء الموثوق بهم عند المستهدي | من ~~الأقدمين أو المعاصرين ، بدون ارتباط بمجتهد مخصوص أو عالم | دون آخر ، مع ~~سماع الدليل والميل إلى قبوله كما كان عليه جمهور | المسلمين قبل وجود ~~التعصب للمذاهب . # والطبقة الثالثة هم : العامة ، وهؤلاء يهديهم العلماء مع بيان الدليل | ~~بقصد الإقناع ، فالعلماء عندنا لا يجسرون على أن يفتوا في مسألة | مطلقا ما ~~لم يذكروا معها دليلها من الكتاب والسنة أو الإجماع ، | حتى ولو كان ~~المستفتي أعجميا أميا لا يفهم ما الدليل ، وطريقتهم هذه | هي طريقة الصحابة ~~كافة والتابعين عامة والأئمة المجتهدين والفقهاء | PageV01P119 | الأولين ~~من أهل القرون الأربعة أجمعين ( مرحى ) . # والتزام علمائنا هذه الطريقة مبني على مقاصد مهمة أعظمها | تضييق دائرة ~~الجراءة على الإفتاء بدون علم ، وفي هذا التضييق على | العلماء توسعة على ~~المسلمين وسدا لباب التشديد في الدين والتشويش | على القاصرين ، ولهذه ~~الحكمة البالغة بالغ الله ورسوله في النكير على | المتجاسرين على التحليل ~~والتحريم والمستسلمين لمحض التقليد . # فالعالم عندنا لا يستطيع أن يجيب إلا عن بعض ما يسأل ولا | يأنف أن يقف ~~عند ' لا أدري ' ، بل يحذر ويخاف من غش السائل | وتغريره إذا إجابة بأن ~~فلانا المجتهد يقول أن الله أحل كذا وحرم | كذا ، لأن السائل لا يعلم ما ~~يعلم هو من أن هذا المجتهد الذي ليس | بمعصوم كثيرا ما يخالف في قوله من هو ~~أفضل منه من الصحابة | والتابعين ، ومن أنه يتردد في رأيه وحكمه كم إجتهد ~~وكم رجع ، ومن | أن أكثر دلائله أما ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة أو ~~ظنيتهما ، ومن أنه | لم يدون ما قاله ولكن نقله عنه الناقلون ، وكم اختلفوا ~~في الرواية ms059 عنه | بين سلب وإيجاب ونفي وإثبات . وكم زيف أصحابه اجتهاده ~~ورأوا | غير ما رآه ، ومن أنه أي المجتهد إنما اجتهد لنفسه وبلغ عذره عند ~~ربه ، | وصرح بعدم جواز أن يتبعه أحد فيما أجتهد وتبرأ من تبعه الخطأ . | ~~PageV01P120 # فهذا ( الإمام مالك ) رضي الله عنه يقول : ما من أحد إلا وهو | مأخوذ من ~~كلامه مردود عليه إلا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] | ونقل المؤرخون أن ~~المنصور لما حج واجتمع بمالك إرادة على الذهاب | معه ليحمل الناس على ~~الموطأ كما حمل عثمان الناس على المصحف ، | فقال مالك لا سبيل إلى ذلك لأن ~~الصحابة افترقوا بعد وفاة النبي | [ صلى الله عليه وسلم ] في الأمصار ، ~~يريد أن السنة ليست بمجموعة في | موطئه الذي جمع فيه مرويات أهل المدينة . # وحكي في اليواقيت والجواهر أن ( أبا حنيفة ) رضي الله عنه | كان يقول : ' ~~لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يأخذ بكلامي ' . وكان | إذا أفتى يقول : هذا ~~رأي النعمان بن ثابت ، يعني نفسه ، وهو أحسن | ما قدرنا عليه ، فمن جاء ~~بأحسن منه فهو أولى بالصواب . # وروى الحاكم البيهقي أن الشافعي ) رضي الله عنه كان يقول : | إذا صح ~~الحديث فهو مذهبي ، وفي رواية إذا رأيتم كلامي يخالف | الحديث فاعملوا ~~بالحديث واضربوا بكلامي الحائط . وأنه قال يوما | للمزني : يا إبراهيم لا ~~تقلدني فيما أقول وانظر في ذلك لنفسك فإنه | دين . وكان يقول : لا حجة في ~~قول أحد دون رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . | PageV01P121 # ويروى عن ( أحمد بن حنبل ) رضي الله عنه أنه رأى بعضهم | يكتب كلامه ~~فأنكر عليه وقال : تكتب رأيا لعلي ارجع عنه . وكان | يقول ليس لأحد مع الله ~~ورسوله كلام . وقال لرجل : لا تقلدني | ولا تقلدن مالكا ولا الأوزاعي ولا ~~الحنفي ، ولا غيرهم ، وخذوا الأحكام | من حيث أخذوا من الكتاب والسنة وأسس ~~مذهبه على ترك | التأويل والترقيع بالرأي واتباع الغير فيما فيه طريق العقل ~~واحد . # ونقل الثقاة أن سفيان الثوري رضي الله عنه لما مرض مرض | الموت دعا بكتبه ~~فغرقها جميعها . # وروي عن أبي يوسف وزفر ms060 رحمهما الله تعالى انهما كانا يقولان | لا يحل ~~لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا . وقيل لبعض أصحاب | أبي حنيفة ~~: انك تكثر الاختلاف إلى أبي حنيفة ، فقال : لأنه أوتي من | الفهم ما لم ~~نؤت ، فأدرك ما لم ندرك ، ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم | دليله ~~ونقنع ( مرحى ) . # ثم قال : أيها الإخوان الكرام قد أطلت المقال فاعذروني ، فإني | من قوم ~~ألفوا ذكر الدليل وإن كان معروفا مشهورا ، وقد ذكرت | طريقة علماء العرب في ~~الجزيرة منوها بفضلها لا بفضلهم على غيرهم ، | كلا بل غالب علماء سائر ~~الجهات أحد ذهنا وأدق نظرا وأعزر مادة | PageV01P122 | وأوسع علما ، ولذلك ~~لم نزل نحن في تعجب وحيرة من نظر أولئك | العلماء المتبحرين في أنفسهم ~~العجز عن الاستهداء وقولهم بسد باب | الاجتهاد . # نعم لم يبق في الإمكان أن يأتي الزمان بأمثال ابن عمرو ابن العباس ، | أو ~~النخعي وداود ، أو سفيان ومالك ، أو زيد وجعفر ، أو النعمان | والشافعي ، ~~أو أحمد والبخاري رضي الله عنهم أجمعين ، ولكن متى | كلف الله تعالى عبادة ~~بدين لا يفقهه إلا أمثال هؤلاء النوابغ العظام ؟ | أليس أساس ديننا القرآن ~~وقد قال تعالى عنه فيه : @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ . ~~وقال تعالى @QB@ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا @QE@ | وقال تعالى : ^ ( ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مد كر ) ^ وقال | تعالى : @QB@ ولقد أنزلنا إليك ~~آيات بينات @QE@ وقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ فما معنى دعوى ~~العجز والتمثل بمن قالوا : @QB@ قلوبنا غلف @QE@ ، حمانا الله تعالى ( مرحى ~~) . # أما السنة النبوية أفلم تصل إلينا مجموعة مدونة بهمة أئمة الحديث | جزاهم ~~الله خيرا ، الذين جابوا الأقطار والبلاد التي تفرق إليها الصحابة | رضي ~~الله عنهم بسبب الفتوحات والفتن فجمعوا متفرقاتها ودونوها ، | وسهلوا ~~الإحاطة بها بما لم يتسهل الوقوف عليه لغير إفراد من علماء | PageV01P123 | ~~الصحابة الذين كانوا ملازمين النبي عليه السلام . # وكذا يقال في حق أسباب النزول ومواقع الخطاب ومعاني | الغريب في القرآن ~~والسنة ، فإن علماء التابعين وتابعيهم والناسجين | على منوالهم رحمهم الله ~~لم يألوا جهدا في ضبطها وبيانها ms061 . # وكذلك الأئمة المجتهدون والفقهاء الأولون علمونا طرائق | الاستهداء ~~والاجتهاد ، والاستنباط والتخريج والتفريع ، وقياس | النظير على النظير ، ~~فهم أرشدونا إلى الاستهداء وما أحد منهم دعانا | إلى الاقتداء به مطلقا ( ~~مرحى ) . # ثم أننا إذا أردنا أن ندقق النظر في مرتبة علم أولئك المجتهدين | العظام ~~لا نجد فيهم علما وهبيا أو كسبيا خارقا للعادة ، فهذا الإمام | الشافعي ~~رحمه الله ، وهو اغزرهم مادة وأول وأعظم من وضع صولا | لفقهه ، نجده قد أسس ~~مذهبه على اللغة فقط من حيث : المشترك | والمتباين والمترادف ، والحقيقة ~~والمجاز و الاستعارة والكناية والشرط | والجزاء ، والاستثناء المتصل ~~والمنفصل والمنقطع ، والعطف المرتب | وغير المرتب ، والفور والتراخي ، ~~والحروف ومعانيها ، إلى قواعد | أخرى لا تخرج عن علم اللغة . واتبع أبا ~~حنيفة في إدخاله في أصول | مذهبه بعض قواعد منطقية مثل : دلالة المطابقة ، ~~والتضمن والالتزام ، | PageV01P124 | ومعرفة الجنس والنوع والفصل والخاصة ~~والعرض ، والمقدمتين | والنتيجة والقياس المنتج . واتبعه أيضا في قياس ما ~~لم يرد فيه قرآن أو | حديث على ما ورد فيه ؛ وهكذا فتح كل من أولئك الأئمة ~~العظام | لمن بعده ميدانا واسعا ، فجاء أتباعهم ومدوا الأطناب وأكثروا من | ~~الأبواب ، وتفننوا في الأشكال وتنويع الأحكام ، وأحدثوا علمي | الأصول ~~والكلام . وهذا التوسيع كله ليس من ضروريات الدين | بل ضرره اكثر من نفعه ، ~~وما أشبه الأمور الدينية بالأمور المعاشية : | كلما زاد التأنق فيها بقصد ~~استكمال أسباب الراحة سلبت الراحة . # والقول الذي فيه فصل الخطاب : أن الله سبحانه وله الحكم لم | يرض منا أن ~~نتبع الأعلم الأفضل ، بل كلفنا بأن نستهدي من كتابه | وسنة رسوله على حسب ~~إمكاننا وطاقتنا وهو يرضى منا بجهدنا حيث | قال تعالى : @QB@ لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها @QE@ ، فنسأل الله التوفيق | لسواء السبيل . # قال الأستاذ الرئيس : إني أحمد الله على توفيقه إيانا إلى هذا | الاجتماع ~~المبارك ، الذي استفدنا منه ما لم نكن نعلمه من قبل عن | حالة إخواننا وأهل ~~ديننا في البلاد المتباعدة . ولم يكن يسمع بعضنا | عن بعض شيئا إلا من ~~السواح الغرباء الجهلاء الذين لا يعرفون | PageV01P125 | ما يصفون ؛ أو من ~~أهل السياسة والعلماء المتشيعين ms062 لهم ، الذين | ربما | يموهون الحق بالباطل ~~بقصد تفريق الكلمة ومنع الائتلاف | ( مرحى ) . # ثم قال : هذا واليوم قد انسحب ذيل الظل وقرب الزوال وأذن | لنا الوقت ~~بالانصراف . | PageV01P126 | # | الاجتماع السادس # | يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة 1316 # في الضحى الأول من اليوم المذكور تألفت الجمعية حسب | معتادها ، وقرئ ~~الضبط السابق ، واستعدت الأذهان لتلقي ما يفيضه | الله على ألسنة أهل ~~الإيمان من الإخوان . # قال الأستاذ الرئيس مخاطبا ' الشيخ السندي ' : إنك يا مولانا | لم ~~تشاركنا في البحث إلى الآن ، فنرجوك أن تتكرم على إخوانك بنبذة | من عرفانك ~~تنور بها أفكارنا . ونرجوك أن لا تحتشم من التلعثم | في بعض التعبيرات ~~اللغوية لغلبة العجمة عليك ، فإن لك أسوة | بالفيروز أبادي والسعد والفخر ~~وغيرهم . # فقال الشيخ السندي : أنكم أيها السادة الإخوان ، سراة أفاضل | الزمان ، ~~وسباق فرسان كل ميدان ، قد أفدتم وأجدتم ، ولم تتركوا | لقائل من مجال ، ~~ولا لمثلي غير الإصغاء والامتثال . وإني احب أن | PageV01P127 | أذكر لكم ~~حالتي وفكرتي قبل هذه الاجتماعات ، وما أثرته في هذه | المفاوضات ، فأقول : # أنني من خلفاء الطريقة النقشبندية . إذ كان والدي المرحوم هو | ناقل هذه ~~الطريقة للأقاليم الشرقية والجنوبية في الهند ، وقد صرت | بعد والدي مرجعا ~~لعامة خلفائها ، ثم جرت لي سياحات مكررة في تلك | الأرجاء وفي أيالات كاشغر ~~وقازان حتى سيبيريا وتلك الإنحاء ، | وبسبب حرصنا على تعميم طريقتنا ، صار ~~لها شيوع مهم وانتشار عظيم | بين مسلمي هاتيك الديار . # ومن المعلوم أن طريقتنا من أقرب الطرائق للإخلاص وأقلها | انحرافا عن ~~ظاهر الشرع ؛ وهي مؤسسة على الذكر القلبي وقراءة ورد | خواجكان ، ومراقبة ~~المرشد والاستمداد من الروحانيات ، وإني لم | اكن أفكر قط في أن الذكر ~~وقراءة الورد على وجه راتب فيه | مظنة البدعة أو الزيادة في الدين ، ولا أن ~~المراقبة والاستفاضة | والاستمداد من أرواح الأنبياء والصالحين فيها مظنة ~~الشرك ، إلى أن | حضرت هذه الاجتماعات المباركة فسمعت وقنعت وأقلعت والحمد ~~لله . # على أني عزمت أيضا على أن أتلطف في الأمر بالنصيحة | والموعظة الحسنة ، ~~عسى أن أوفق لهداية جماهير النقشبندية في تلك | PageV01P128 | البلاد ، ~~وإلى تصحيح ms063 وجهتهم بأن يذكروا الله قلبا ولسانا بدون | عدد مخصوص معين ، ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم بدون هيئة أو | كيفية معينة ، متى شاؤا وأرادوا ~~بدون وقت مرتب ، فرادى | ومجتمعين بدون تداع . وأن يتركوا المراقبة ~~ويستعيضوا عنها | بالدعاء بالغفران والرحمة لكل من الشيخ بهاء لدين النقشي ~~مرشدهم | الأعلى ولخليفته مرشدهم الأدنى الذي هم مبايعوه . # وقد فتح الله علي ببركة جمعيتنا هذه فهم أسباب ميل المسلمين | في هاتيك ~~البلاد ، صالحهم وفاسقهم ، للانتساب إلى إحدى الطرائق | الصوفية ، وكنت ~~قبلا أحمل ذلك على مجرد إخلاص المرشدين ، | والآن اتضح لي أن السبب هو : أن ~~السادة الفقهاء عندنا من الحنفية | والشافعية قد ضيقوا على المسلمين ~~العبادات تضييقا لا يعلم أن الله تعالى | يطلبه من عباده ، وكثروا الأحكام ~~في المعاملات تكثيرا ضيع الناس | وشوش الإفتاء والقضاء ، حتى صار المسلم لا ~~يكاد يمكنه أن يصحح | عبادته أو معاملته ما لم يكن فقيها . # فتوسيع الفقهاء دائرة الأحكام انتج تضييق الدين على المسلمين | تضييقا ~~أوقع الأمة في ارتباك عظيم ، ارتباكا جعل المسلم لا يكاد يمكنه | أن يعتبر ~~نفسه مسلما ناجيا لتعذر تطبيق جميع عباداته ومعاملاته | PageV01P129 | على ~~ما يتطلبه منه الفقهاء المتشددون الأخذون بالعزائم ، فبذلك أصبح | الجمهور ~~الأكبر من المسلمين يعتقدون في أنفسهم التهاون | أضرارا ، فيهون عليهم ~~التهاون اختيارا كالغريق لا يحذر | البلل . # لأنه كيف يطمئن الحنفي العامي حق الاطمئنان في الإستبراء | لنصح طهارته ، ~~وكيف يحسن مخارج الحروف كلها وقد أفسدت | العجمة لسانه لتصح صلاته ؟ وكذلك ~~كيف يصحح الشافعي العامي | نيته على مذهب أمامه في الصلاة ، أو يعرف شدات ~~الفاتحة | الثلاث عشرة وينتبه لإظهارها كلها ليكون أدى فريضته . # بل أي عامي يعرف وصف الكلام ، ومعنى الاستواء ، وتأويل | الوجه واليد ~~واليدين ، وتعيين الجزء الاختياري ، وإضافة الأعمال له | أو لله ، إلى غير ~~ذلك ، ليكون عند الحنفية الماتريدية والشافعية إلا شاعرة | مسلما مقلدا ~~يرجى له قبول الإيمان . ومن من العامة يحيط علما | بكل ما ثبت بالنص القاطع ~~حتى صفرة بقرة بني إسرائيل مثلا ، | لكيلا يعتقد خلافه فيكفر فيحبط عمله ~~ومن جملته انفساخ | نكاحه . # وكم من مسلم ms064 يحكم عليه الفقيه الشافعي بأنه نسل سفاح ومقيم | PageV01P130 ~~| على السفاح وراض لمحارمه بالسفاح ، إلى غير ذلك مما ينافي سماحة | الدين ~~ومزية التدين به في الدنيا قبل الآخرة . # فبهذا التضييق صار المسلم لا يرى لنفسه فرجا إلا | بالالتجاء إلى صوفية ~~الزمان ، الذين يهونون عليه الدين كل | التهوين . ( مرحى ) . # وهم القائلون : أن العلم حجاب ، وبلمحة تقع الصلحة ، وبنظرة | من المرشد ~~الكامل يصير الشقي وليا ، وبنفخة في وجه المريد أو | تفلة في فمه تطيعه ~~الأفعى وتحترمه العقرب التي لدغت صاحب الغار | عليه الرضوان ، وتدخل تحت ~~أمره قوانين الطبيعة ، وهم المقررون : | بان الولاية لا ينافيها ارتكاب ~~الكبائر كلها إلا الكذب ، وإن | الإعتقاد أولى من الانتقاد ، وإن الاعتراض ~~يوجب الحرمان ، أي | أن تحسين الظن بالفساق والفجار أولى من الأمر بالمعروف ~~والنهي | عن المنكر . إلى غير ذلك من الأقوال المهونة للدين والأعمال التي ~~| تجعله نوعا من اللهو الذي تستأنس به نفوس الجاهلين . # على أن الناس لو وجدوا الصوفية الحقيقيين ؛ وأين هم ؟ لفروا | منهم ~~فرارهم من الأسد ، لأن ليس عند هؤلاء إلا التوسل بالأسباب | العادية الشاقة ~~لتطهير النفوس من أمراض إفراط الشهوات ، | PageV01P131 | وتصفية القلوب من ~~شوائب الشره في حب الدنيا ، وحمل الطبائع | بوسائل القهر والتمرين على ~~الاستئناس بالله وبعبادته عوضا عن الملاهي | المضرة ، وذلك طبا للراحة ~~الفكرية والعيشة الهنية في الحياة الدنيا | والسعادة الأبدية في الآخرة ، ~~وأين التهوين السالف البيان لصوفية | الزمان من هذه المطالب التهذيبية ~~الشاقة ؟ ومن حقائق العرفان | المعنوية التي لا يعرفها ويتلبس بها إلا من ~~وفقه الله وكشف عن | بصيرته . وذلك نحو العرفان عن يقين وإيمان : أن من اعز ~~كلمة الله | أعزه الله ، ومن نصر الله نصره الله ، ومن توقع الخير أو الشر ~~جازما | نال ما توقع . ومن تصفو نفسه يلهم رشده ، ومن اتكل على الله | حقا ~~كفاه الله ما أهمه ، ومن دعا الله مضطرا أجاب دعاءه . إلى غير | ذلك من ~~الحقائق المقتبسة من القرآن وأسرار حكمة سيد ولد عدنان | [ صلى الله عليه ~~وسلم ] . ( مرحى ) . # قال الأستاذ الرئيس : قد أحسن أخونا الشيخ السندي توصيفه ms065 | المتفقهة ~~المتشددة والمتصوفة المخففة ، وإني ملحق تقريره بما يناسب | أن يكون مقدمة ~~تاريخية لبحث التصوف فأقول : # قد كان التنسك في المسلمين شيمة لأكثر الصحابة والتابعين ، | ثم أن ~~التوسع في الدنيا قلل عدد المتنسكين ، فصار لأهله حرمه | PageV01P132 | ~~مخصوصة بين الناس . وصار بعض المتفرغين يقصدون نيل هذه | الحرمة بالتلبس ~~بالتنسك وإلزام النفس بالتمرن عليه ؛ وحيث كان | من لوازم استحصال تلك ~~الحرمة إظهار التقشف اتخذوا الصوف | دثارا وإسم الفقر شعارا ، فغلب عليهم ~~اسم الصوفية واسم الفقراء . | ثم أن بعض العلماء من هؤلاء المعتزين بالتنسك ~~، أحبو التميز بالرياسة | أيضا ، فصاروا يدعون الناس إلى التنسك ويرشدونهم ~~إلى طرائق | النمرن عليه ، ومن هنا جاء اسم الإرشاد واسم الطريق . # وحيث كانت إرادة الاعتزاز بالدين إرادة حسنة لأن فيها إعزازا | لكلمة ~~الله ، فلا يؤخذ شيء على المرشدين الأولين ، ولا على البعض | النادر من ~~المتأخرين ولو من أهل عهدنا هذا كالسادات السنوسية | في صحراء إفريقيا . | ~~أما دخول الفساد على التصوف وإضراره بالدين وبالمسلمين مما | ذكره أخونا ~~الشيخ السندي وغيره من الإخوان الكرام ، فقد | نشأ من أن بعض المرشدين من ~~أهل القرن الرابع ، لما رأوا توسع | الفقهاء في الشرع وتفنن المتكلمين في ~~العقائد ، فهم كذلك | اقتبسوا من فلسفة فيثاغورس وتلامذته في الألهيات ~~قواعد ، | وانتزعوا من لاهوتيات الكتابيين والوثنيين جملا ، وألبسوها لباسا ~~| PageV01P133 | إسلاميا فجعلوه علما مخصوصا ميزوه باسم علم التصوف ، أو ~~الحقيقة ، | أو الباطن . # وهكذا بعد أن كان التصوف عملا تعبديا محضا جعلوه فنا نظريا | اعتقاديا ~~بحتا . # ثم جاء منهم في القرن الخامس وما بعده بعض غلاة دهاة ، رأوا | مجالا في ~~جهل أكثر الأمة لأن يحوزوا بينهم مقاما ، كمقام النبوة بل | الألوهية ، ~~باسم لولاية والقطبانية أو الغوثية ؛ وذلك بما يدعون من | القوة القدسية ~~والتصرف في الملكوت ، فوسعوا فلسفة التصوف | بأحكام تشبه الحكم ، بنوها على ~~زخرف التأويلات والكشف | والتحكمات والمثال والخيال والأحلام والأوهام ، ~~وألفوا في ذلك | الكتب الكثيرة والمجلدات الكبيرة ، محشوة بحكايات مكذوبة ، ~~| وتقريرات مخترعة ، وقضايا وتركيبات لا مفهوم لها البتة حتى ولا | في ~~مخيلة قائليها ، كما أن قارئيها أو سامعيها لا ms066 يتصورون لها معنى مطلقا | ~~وإن كان بعضهم يتظاهر بحالة الفهم ، ويتلمظ بأن للقوم اصطلاحات | لا تدرك ~~إلا بالذوق الذي لا يعرفه إلا من شرب مشربهم . # وبعض هؤلاء الغلاة قتلوا كفرا ومع ذلك شاعت كتبهم | ومقالاتهم ، وحازوا ~~المقام الذي ادعوه بعد مماتهم ، لأن في تعظيم | PageV01P134 | شأنهم ترويج ~~مقاصد المقتفين لآثارهم كالإباحيين . وبعضهم لم يكن | من الغلاة ، ولكن ~~إخلافه إعظاما لأنفسهم في نظر حمقاء الأمة | نسبوا إليه الغلو ، وعزوا إليه ~~كتبا ومقالات لا يعرفها ، ومنهم | الأفاعيون يفعلون ذلك حتى في عهدنا هذا ~~ولا حول ولا قوة | إلا بالله . # ثم قال الأستاذ الرئيس للخطيب القازاني : إن الأخوان | يترقبون منه أيضا ~~أن يفيدهم بما يلهمه الله مما يناسب موضوع | مباحث الجمعية . # فقال الخطيب القازاني : إن الإخوان الأفاضل لم يتركوا قولا | لقائل ، ~~ولذلك لا أجد ما أتكلم فيه ، وإنما أقص عليهم مساجلة جرت | في الاستهداء ~~بين مفتي قازان وإفرنجي روسي من العلماء المستشرقين | العارفين باللغة ~~العربية ، المولعين باكتشاف وتتبع العلوم الشرقية | ولا سيما الإسلامية ، ~~وقد هداه الله إلى الدين المبين ، فاجتمع بمفتي | قازان وقال له : أنه قد ~~أسلم جديدا ، وهو بالغ من معرفة لغة القرآن | والسنة مبلغا كافيا ، وعالم ~~بموارد ومواقع الخطأ علما وافيا ، فيريد أن | PageV01P135 | يتتبع القرآن ~~وما يمكنه أن يتحقق وروده عن رسول الله ، فيعمل | بما يفهمه ويمكنه تحقيقه ~~على حسب طاقته ، لأنه لا يرى وجها معقولا | للوثوق بزيد أو عمرو أو بكر ~~أصحاب الأقوال المتضاربة المتناقضة ، | لأن حكم العقل في الدليلين ~~المتعارضين التساقط ، وفي | البرهانين المتباينين التهاتر ، فهل من مانع في ~~الإسلامية يمنعه | من ذلك . # فأجابه ' المفتي ' : إن أكثرية الأمة مطبقة منذ قرون كثيرة | على لزوم ~~اعتماد ما حرره أحد المجتهدين الأربعة المنقولة مذاهبهم ، | فاطباق ~~الأكثرية دليل على الصحة فلا يجوز الشذوذ . # فقال ' المستشرق ' : لو كان الصواب قائما بالكثرة والقدم ، وإن | خالف ~~المعقول ، لاقتضى ذلك صوابية الوثنية ورجحان النصرانية ، | ولاقتضى كذلك ~~عكس حكم ما صح وروده عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | : من أن أمته تفترق ~~إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في ms067 النار | إلا واحدة ، هي التي كان هو وأصحابه ~~عليها . وقد وقع ما اخبر به ، وكل | فرقة تدعي أنها هي تلك الواحدة الناجية ~~، ولا شك أن الاثنتين | وسبعين فرقة أكثر من أي واحدة كانت منها ، فأين ~~يبقى حكم الأكثرية ؟ # فأجابه ' المفتي ' أنه قد سبقنا من أهل التحقيق والتدقيق الذين | ~~PageV01P136 | تشهد آثارهم بمزيد علمهم ألوف من الفضلاء ، وكلهم اعتمدوا ~~لزوم | اتباع أحد تلك المذاهب القديمة ، حتى بدون مطالبة أهلها بدلائلهم ، ~~| لأن مداركنا قاصرة عن أن توازن الدلائل وتميز الصحيح والراجح ، | ومثلنا ~~في ذلك كالطبيب لا يلزمه أن يجرب طبائع المفردات كلها | ليعتمد عليها ، بل ~~يأخذ علمه بطبائعها عما دونه أئمة الطب . # فقال ' المستشرق ' : نعم أن الطبيب يعتمد على ما حققه الأولون | ولكن ~~فيما اتفقوا عليه ، وأما ما اختلفوا فيه على طرفي نقيض بين | نافع أو سام ~~فلا يعتمد فيه أحد القولين ، بل يهملهما ويجدد التجربة | بمزيد الدقة ~~والتحقيق ، لأن اعتماده على أحدهما يكون ترجيحا بلا | مرجح . هذا وأننا ~~لنرى ببادئ النظر أن هؤلاء الأئمة الأقدمين | لا يقدرون أن يطلعوا على ما ~~لا يقدر المتأخرون أن يطلعوا عليه ، | ويكفينا برهانا على ذلك : # ( أولا ) تخالفهم في كل الأحكام ، إلا فيما قل وندر ، تخالفا مهما ما | ~~بين موجب وسالب ومحلل ومحرم ، حتى لم يمكنهم الاتفاق في نحو | مسائل ~~الطهارة وستر العورة وما يحل أكله وما لا يحل . # ( ثانيا ) : ترددهم في الأحكام وتقلبهم في الآراء ، وذلك كحكم | أحدهم في ~~المسألة ثم عدوله عنه إلى غيره ؛ كما يقول أصحاب الشافعي | PageV01P137 | ~~أنه كان له مذهبان ، رجع بالثاني منهما عن الأول . # ( ثالثا ) : اختلاف أتباعهم في الرواية عنهم كأصحاب أبي حنيفة | الذين ~~قلما يتفقون على رواية عنه ، ويؤول ذلك لهم بعض المتأخرين | بتعدد مذاهبه ~~في المسألة الواحدة . # والحاصل أن الإنسان الذي يتقيد بتقليد أحد أولئك الأئمة ، | ولا سيما ~~الإمام الأعظم منهم ، لا يتخلص من قلق الضمير ، أو يكون | كحاطب ليل : بناء ~~على ذلك لا بد للمتحري في دينه من أن يهتدي | بنفسه لنفسه ، أو يأخذ عمن ~~يثق بعلمه ودينه وصواب ms068 رأيه ولو من | معاصريه ، لأن الدين أمر عظيم لا يجوز ~~العقل والنقل فيه المماشاة | واتباع التقليد . # أجابه ' المفتي ' : نحن لا نحتم بان الصواب مقطوع فيه في جانب | أحد تلك ~~المذاهب ، بل المقلد منا أما أن يقول بإصابة الكل أو يرجح | الخطأ في جانب ~~من ترك مع احتمال الصواب . # فقال ' المستشرق ' : هذا القول يستلزم تعدد الحق عند الله . أو | القول ~~بالترجيح بلا مرجح ، لأنكم تتحامون المفاضلة بين الأئمة . | واعترافكم ~~باحتمال الجميع للخطأ يقتضي جواز تركها كلها مع أنكم | توجبون اتباع أحدها ~~. أفليست هذه قضايا لا تتطابق ولا تعقل ، | PageV01P138 | فلماذا لا تجوزون ~~وأنتم على هذا الارتباك أن يستهدي المبتلي لنفسه ، | فإن تحقق عنده شيء عن ~~يقين أو غلبة ظن اتبعه ولا كان مختارا | وهل يكلف الله نفسها إلا وسعها ؟ # أجابه ' المفتي ' أننا لبعد العهد لم يبق في إمكاننا التحقيق ، | فما لنا ~~من سبيل غير اتباع أحد المتقدمين ولو كان تحقيقه | يحتمل الخطأ . # قال ' المستشرق ' : ما الموجب لتكليف النفس ما لم يكلفها به الله ؟ | ~~أليس من الحكمة أن يحفظ الإنسان حريته واختياره ، فيستهدي | بنفسه لنفسه ~~حسب وسعه ، فإن أصاب كان مأجورا وان أخطأ | كان معذورا ، ويكون ذلك أولى من ~~أن يأسر نفسه للخطأ المحتمل | من غيره . # أجابه ' المفتي ' : أن هذا الغير أعرف منا بالصواب وأقل منا | خطأ ، ~~فتقليده أقرب للحق . # قال ' المستشرق ' هذا مسلم فيما اتفق عليه الأقدمون ، أما في | الخلافات ~~فالعقل يقف عند الترجيح بلا مرجح ، ولا سيما إذا | كنتم لا تجوزون أيضا ~~البحث عن الدليل ليحكم المبتلي | عقله في الترجيح ، بل تقولون نحن إسراء ~~النقل وأن خالف | PageV01P139 | ظاهر النص . # أجابه ' المفتي ' أننا إذا أردنا أن لا نعد من شرعنا إلا ما نتحقق | ~~بأنفسنا دليله من الكتاب أو السنة أو الإجماع تضيق حينئذ علينا | أحكام ~~الشرع ، فلا تفي بحل إشكالاتنا في العبادات ولا لتعيين | أحكام حاجاتنا في ~~المعاملات ، فيحتاج كل منا أن يعمل برأيه في | غالب دقائق العبادات ~~والمعاملات ، ويصير القضاء غير مقيد بإيجابات | شرعية . وهل من شك في أن ~~اطراد الآراء ms069 وانتظام المعاملات | أليق بالحكمة من لا اطراد ولا نظام . # قال ' المستشرق ' : لا شك في ذلك ، ولكن أين الاطراد والانتظام | منكم ، ~~ولا يكاد يوجد عندكم مسألة في العبادات أو المعاملات | غير خلافية ، أن لم ~~تكن في المذهب الواحد فبين مذهبين أو ثلاث . | هذا وربما يقال أن توفيق ~~العمل على قول من اثنين أو أكثر ، أقرب | للاطراد من الفوضى المحضة في ~~تفويض الأمر لرأي المبتلي ، أو | تفويض الحكم لحرية القاضي . فيجاب على ذلك ~~أن الأمر أمر ديني | ليس لنا أن نتصرف فيه برأينا ونعزوه إلى الله ورسوله ~~كذبا وافتراء | وإفسادا لدين الله على عباده ، ولو أن الأمر نظام وضعي لما ~~كان أيضا | من الحكمة أن يلتزم أهل زماننا آراء من سلفوا من عشرة | ~~PageV01P140 | قرون ، ولا أن يلتزم أهل الغرب بقانون أهل الشرق . وعندي أن ~~| هذا التضييق قد استلزم ما هو مشاهد عندكم من ضعف حرمة | الشرع المقدس . # ثم قال ' المستشرق ' وأعيد قولي أنكم تحبون أن تكلفوا أنفسكم | بما لم ~~يكلفكم به الله ، ولو أن في الزيادات خيرا لاختارها الله لكم ولم | يمنعكم ~~منها بقوله تعالى : ^ ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ^ أي مما | يتعلق ~~بالدين ، وقوله تعالى : @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ . وقوله تعالى : @QB@ تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون @QE@ . ولكن ، | علم الله ، ~~الخير في القدر الذي هداكم إليه ، وترك لكم الخيار على | وجه الإباحة في ~~باقي شئونكم لتوفقوها على مقتضيات الزمان أبي | الغير وموجبات الأحوال التي ~~لا تستقر ، فبناء عليه ، إذا أتيتم أكثر | أعمالكم الحيوية باطمئنان قلب ~~بإباحتها ، يكون خيرا من أن تأتوها | وأنتم حيارى لا تدرون هل أصبتم فيها ~~أم خالفتم أمر الله ، فتعيشون | وأفئدتكم هواء ، تحاذرون في الدين شؤم ~~المخالفة وفي الآخرة عذابا | PageV01P141 | عظيما . وليس هذا من مخالفة ~~الله التي هي رأس الحكمة ، ولا من | مراقبة الوازع التي هي مزية الدين ، بل ~~هذا من الارتباك في الرأي | والاضطراب في الحكم ونتيجة ذلك فقد الحزم ~~والعزم | في الأمور ms070 . # ثم قال : أعلم أيها المفتي المحترم ، أن هذه الحالة التي أنتم عليها | من ~~التشديد والتشويش في أمر الدين ، هي اكبر أسباب انحطاط | المسلمين بعد ~~القرون الأولى في شؤون الحياة ، كما انحط قبلهم | الإسرائيليون بما شدده ~~وشوشه عليهم أهل التلمود ، وكما انحطت | الأمم النصرانية لما كانت ( ~~أرثوذكسية ) مغلظة أو ( كاثوليكية ) | متشددة ، يتحكم فيها البطارقة ~~والقسيسون بما يشاؤن تحت اسم | الدين ، فكانوا يكلفون الناس أن يتبعوا ما ~~يلقنونهم من الأحكام | بدون نظر ولا تدقيق ؛ حتى كانوا يحظرون عليهم أن ~~يقرأوا الإنجيل | أو يستفهموا معنى التثليث الذي هو أساس النصرانية كما أن ~~التوحيد | أساس الإسلامية . وبقي ذلك كذلك إلى أن ظهرت ( البروتستان ) ، | ~~أي الطائفة الإنجيلية التي رجعت بالنصرانية إلى بساطتها الأصلية ، | وأبطلت ~~المزيدات والتشديدات التي لا صراحة فيها في الأناجيل ، | وإلى أن اتسع من ~~جهة أخرى عند الأمم النصرانية نطاق العلوم | PageV01P142 | والفنون رغما عن ~~معارضة رجال الكهنوت لها ، فتلطفت أيضا | الكاثوليكية والأرثوذكسية عند ~~العوام واضمحلتا بالكلية عند | الخواص . لأن العلم والنصرانية لا يجتمعان ~~أبدا ، كما أن الإسلامية | المشوبة بحشو المتفننين تضلل العقول وتشوش ~~الأفكار . # أما الإسلامية السمحاء ، الخالصة من شوائب الزوائد والتشديد ، | فإن ~~صاحبها يزداد إيمانا كلما ازداد علما ودق نظرا ، لأنه باعتبار | كون ~~الإسلامية هي أحكام القرآن وما ثبت من السنة وما | اجتمعت عليه الأمة في ~~الصدر الأول ، لا يوجد فيها ما يأباه عقل أو | يناقضه تحقيق علمي . # وكفى شرفا للقرآن العزيز أنه على اختلاف مواضيعه من | توحيد وتعليم ~~وإنذار وتبشير وأوامر ونواه وقصص وآيات آلاء ، | قد مضى عليه ثلاثة عشر ~~قرنا تمخضه أفكار الناقدين المعادين ولم | يظفروا فيه ولو بتناقض واحد ، ~~كما قال الله تعالى فيه : @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا @QE@ . بل الأمر كما تنبه إليه | المدققون المتأخرون انه كلما اكتشف ~~العلم حقيقة وجدها الباحثون | مسبوقة التلميح أو التصريح في القرآن . أودع ~~الله ذلك فيه ليتجدد | إعجازه ويتقوى الإيمان به أنه من عند الله ، لأنه ~~ليس من شأن مخلوق | PageV01P143 | أن يقطع برأي لا يبطله الزمان . # فهذه ms071 القضايا التي قررها حكماء اليونان وغيرهم على أنها حقائق ، | ولم ~~تتردد فيها عقول عامة البشر ألوفا من السنين ، أصبحت محكوما على | أكثرها ~~بأنها خرافات . | وكذا يقال : كفى السنة النبوية شرفا ، انه لم يوجد في ~~أعاظم | الحكماء المتقدمين والمتأخرين ، من يربو عدد ما يعزى إليه من الحكم ~~| التي قررها غير مسبوق بها على عدد الأصابع ، مع أن في السنة | المحمدية ~~على صاحبها أفضل التحية من الحكم والحقائق الأخلاقية | والتشريعية ~~والسياسية والعلمية ألوفا من المقررات المبتكرة ، ويتجلى عظم | قدرها مع ~~تجدد الزمان وترقي العلم والعرفان . # وكفى بذلك ملزما لأهل الإنصاف بالإقرار والاعتراف لصاحبها | عليه السلام ~~بالنبوة والأفضلية على العالمين عقلا ، وعلما ، وحكمة | وحزما ، وأخلاقا ، ~~وزهدا ، واقتدارا ، وعزما ، وكفى أيضا بهذه | المزايا العظمى ملزما بتصديقه ~~في كل ما جاء به واتباعه في كل ما | أمر أو نهي ، لأن الدهر لم يأت بمرشد ~~للبشر أكمل وأفضل | منه ( مرحى ) . # ثم قال ' المستشرق ' للمفتي : وهذا ما دعاني للإسلام فلبيت والحمد لله ، ~~| PageV01P144 | وعندي أن لو قام في الإسلام سراة حكماء دعاة مقدمون لما ~~بقي على | وجه الأرض عاقل يكفر بالله . # ثم قال : وإني أرى انه لا يمضي قرن إلا ويكثر المهتدون من | المستشرقين ~~ويرسخون في الدين ، فيتولون تحرير شريعة الإسلام ، | ويفيضون بها على ~~الأنام ، حتى على أهل الركن والمقام . ولا يبعد أن | تأتي الأيام بالبرنس ~~محمد المهتدي الروسي أو الإنكليزي مثلا ، قائما | مقام الإمام ، معيدا عز ~~الإسلام بأكمل نظام . # أجاب ' المفتي ' : لا مانع مما ذكرت ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، | ~~ودين الله دين عام لا يختص بقوم من الأقوام . # ثم قال ' المستشرق ' : أيها المفتي المحترم ، لا يطاوعني لساني أن | أدعي ~~الغيرة على الملة البيضاء الأحمدية أكثر منك ، إنما أناشدك بالله | وبحبك ~~لدينك أن تترك هذه الأوهام التقليدية القائمة في فكرك ، | وتعينني على ~~تأليف كتاب يصور حكمة دين الإسلام وسماحته ، ليكون | سعينا هذا ذخرا عظيما ~~ننال به فخر وثواب هداية عشرات الملايين بل | مئات الملايين من الناس لهذا ~~الدين المبين . ولا يكبرن ما أقول على | فكرك ، فإن ms072 أهل هذا الزمان ~~المتنورين الأحرار لا يقاسون بأهل الأزمنة | المظلمة الغابرة . نعم ، وننال ~~أيضا ثواب حفظ الملايين الكثيرة من أبناء | PageV01P145 | المسلمين ~~العريقين ، تلامذة المدارس المصرية ، من هجر الإسلامية | على صورتها ~~الحاضرة المشوهة باختلاط الحكم بالخرافات ، المعطلة | بثقل التشديدات ~~المبتدعة ، فالبدار البدار لأن نفوز بهذه الخدمة التي | يكاد يعادل أجرها ~~أجر نبي مرسل والله المعين الموفق . # أجابه ' المفتي ' : أصيبت فيما افتكرت ولنعم ما أشرت به ، ولكن | هذا عمل ~~مهم ، يحتاج القيام به لعناية جمعية يتكون من تضلع أعضائها | في فروع ~~العلوم الدينية علم كاف للإحاطة وحصول الثقة ولسوء الحظ | لا يوجد من فيهم ~~الكفاءة في هذه البلاد ، ولذلك يتحتم علينا أن نترك | هذه الفكرة آسفين ، ~~وندعو الله تعالى أن يلهم علماء مكة أو صنعاء أو | مصر أو الشام القيام ~~بإيفاء هذا الواجب . # ولما انتهى الخطيب القازابي إلى هنا قال : هذه هي المساجلة ، وقد | سمعت ~~المفتي يقول أنه اجتمع بكثير من المستشرقين ، فوجدهم كلهم | يحسنون العربية ~~أكثر من علماء الإسلام غير العرب ، مع أنهم | يشتغلون في علوم اللغة عمرهم ~~كله ، وما ذلك إلا من ظفر مدارس | اللغات الشرقية الإفرنجية بأصول لتعليم ~~العربية اسهل من الأصول | المعروفة عندنا . # قال المجتهد التبريزي : إني أرى أن الإسلام أصابه فتنتان عظيمتان ، | ~~PageV01P146 | ولولا قوة أساسه البالغة فوق ما يتصوره العقل لما ثبت الدين ~~| إلى الآن . # أما الفتنة الأولى : فقد قدرها الله مضت على وجهها ، وهي | حين تشاجروا ~~في الخلافة والملك ، وانقسموا على أنفسهم بأسهم | بينهم ، يقتل بعضهم بعضا ~~، وتفرقوا في الدين لتفرقهم في السياسة . # و أما الفتنة الثانية فلم تزل مستمرة ، وهي أن الخلفاء العباسيين | مالوا ~~إلى تعميق النظر في العقائد فخدمهم من خدمهم من علماء الإعجام | تقربا ~~إليهم في علم الكلام ، وأكثروا من القيل والقال . ثم سرت | العدوى إلى ~~المناظرة في الفقه وبيان الأولى من المذاهب ، فاقبلوا | على التدقيق والجدل ~~في الخلافات بين أبي حنيفة والشافعي . وأثاروا | بينهما فتنة عمياء وحربا ~~صماء ، وتركوا بقية المذاهب فاندرست ، ولم | يبق منها سوى مذهب زيد واحمد ~~في جزيرة العرب ms073 ، ومذهب مالك | في الغرب ومذهب جعفر في بلاد الخزر وفارس . ~~فاكثروا التأليف | والتصنيف في هذه المذاهب ، كل مؤلف يحب أن يبدي ما عنده ~~| ليشتهر فضله وينال حظه من دنياه ، زاعما أن غرضه استنباط دقائق | الشرع ~~وتقرير علل المذاهب . فتزاحموا وتجادلوا وناقض بعضهم بعضا ، | وكان من ~~العلماء بعض الصلحاء المغفلين شاركوهم في الفتنة وهم | PageV01P147 | لا ~~يشعرون كما قال الله تعالى : @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا ~~إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون @QE@ . | وقوله تعالى ~~: @QB@ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ . # وهكذا اتسعت دائرة الأحكام في الشرع ، فصار الخلف | عاجزين عن التقاط ~~الفروع فضلا عن الرجوع إلى الأصول ، فاطمأنت | الأمة للتقليد ، واقبل ~~العلماء على التعمقات في الدين : يغرب المفسر ، | ويتفنن ولو بحكايات قاضي ~~الجن لأنه غير مطالب بدليل . ويتفحص | المحدث عن نوادر الأخبار والآثار ولو ~~موضوعة لأنه غير مسئول | عن سنده . ويستنبط الفقيه الحكم ولو بالشبه من وجه ~~للازم اللازم | للعلة لأن مجال التحكم واسع . وهذه الفتنة لم تزل مستمرة ~~إلى أن | أوقفها قصور الهمم عند الأكثرين . # على أن هؤلاء المتأخرين اخلدوا إلى التقليد الصرف حتى في | مسألة التوحيد ~~التي هي أساس الدين ، ومبدأ الإيمان واليقين ، والفارق | بين الكفر ~~والإسلام . وجعلوا أنفسهم كالعميان لا يميزون الظلمة من | النور ولا الحق ~~من الزور ، وصاروا يحسنون الظن في كل ما يجدونه | مدونا بين دفتي كتاب ، ~~لأنهم رأوا التسليم أهون من التبصر ، | PageV01P148 | والتقليد استر للجهل ~~. وصار أهل كل إقليم أو بلد يتعصبون لمؤلفات | شيوخهم الأقدمين ، ويتخذون ~~الخلافيات مدارا لتطبيق الأحكام | على الهوى ، لا يبالون بحمل أثقال الناس ~~في الدين على عواتقهم ، | يزعمون أن التسليم أسلم ، وأنهم إسراء النقل وان ~~خالف ظاهر | النص ، ويتوهمون أن اختلاف الأئمة رحمة للأمة . # نعم أن اختلاف الأئمة يكون رحمة إذا حسن استعماله ، ويكون | نقمة إذا صار ~~سببا للتفرقة الدينية والتباغض : كما هو الواقع بين أهل | الجزيرة السلفيين ~~، وبين أهل مصر والغرب والشام والترك وغيرهم ms074 | من المستسلمين ، وبين أهل ~~عراق العجم وفارس ، والصنف الممتاز من | أهل الهند الشيعيين ، وبين أهل ~~زنجبار ومن حولهم من الأباضيين . | فهذه الفرق الكبرى يعتقد كل منهم أنهم ~~وحدهم أهل السنة والجماعة ، | وان سواهم مبتدعون أو زائغون . فهل والحالة ~~هذه يتوهم عاقل أن | هذا التفرق والانشقاق رحمة لا نقمة ، وسببه ، وهو ~~التوسع في | الأحكام ، سبب خير لا سبب شر ؟ # وكذلك اختلاف المجتهدين في كل فرقة من تلك الفرق ، | لا يتصور العقل أن ~~يكون رحمة إلا بقيد حسن استعماله ، | وإلا فيكون نقمة حيث يوجب تفرقة ثانية ~~بين مالكي وحنفي | PageV01P149 | وشافعي مثلا . # والمراد من حسن استعمال الخلاف ، هو أن كل قوم من | المسلمين قد اتبعوا ~~مذهبا من المذاهب ترجيحا أو وراثة أو تعصبا ، | ولا بد أن يكون في المذهب ~~الآخذ به كل قوم بعض الأحكام | الاجتهادية ، التي لا تناسب أخلاق أولئك ~~القوم أو لا تلائم أحوالهم | المعاشية وطبائع بلادهم ، فيضطرون إلى الإقدام ~~على أحد أمرين : | أما التمسك بتلك الأحكام وإن أضرت بهم ، أو الجنوح إلى ~~تقليد | مذهب اجتهادي آخر في تلك الأحكام فقط . وقد كان أكثر علماء | ~~وفقهاء المسلمين إلى القرن الثامن بل التاسع يختارون الشق الثاني ، | ~~فيقلدون في هذه الحالة المذاهب الأخرى ، ولكن بعد النظر | والتدقيق في ~~الأدلة كما كان شانهم في نفس مذاهبهم الأصلية ، لئلا | يكونوا مقلدين ~~تقليدا أعمى لا يجوزه الدين أساسا إلا للجاهل | بالكلية . # وهذه الطريقة هي الطريقة المتبعة إلى اليوم في بلاد فارس ، | والعلماء ~~المتصدرون لذلك هم أفراد من نوابغ العلماء المتضلعين في علوم | مآخذ الدين ~~، أكثرهم ولا سيما الإيرانيون منهم متفقهون ومتخرجون على | مذهب الإمام ' ~~جعفر الصادق ' رضي لله عنه المدون عندهم . ويطلق | PageV01P150 | أهل فارس ~~على هؤلاء العلماء اسم ' مجتهدين ' تجوزا واتباعا لعادة | الأعجام في ~~التغالي في التبجيل ونعوت الاحترام ، ومن ذلك يعلم أن | ما يظنه فيهم ~~إخوانهم المسلمون البعيدون عنهم غير الواقفين على | أحوالهم إلا من تفوهات ~~السياسيين غير صحيح ، فما هم كما يقولون | عنهم مجتهدون في أصول الدين ، ~~مجوزون الرأي في الاجماعيات ، | مخرجون الأحكام أخذا ms075 من الدلائل الظنية ولو ~~لم يقل بها أحد من | علماء الصحابة أو التابعين وأعاظم أئمة الهداية ~~الأولين . فما أحرى | أن يسمى مجتهدو فارس بمرجحين أو مخرجين أو فقهاء ~~مدققين . # ثم أن بعضهم وصفوا المقلد لأحد المذاهب ، إذا أخذ في بعض | الأحكام بمذهب ~~آخر ، ملفقا وأخذه تلفيقا ، واستعملوا لفظه تلفيق في | مقام التلاعب في ~~الدين أو الترقيع القبيح . والحال ، ليس ما سموه | بالتلفيق إلا عين ~~التقليد من كل الوجوه ، ولا بد لكل من أجاز التقليد | أن يجيزه ، لأنه إذا ~~تأمل في القضية يجد القياس هكذا : يجب على | كل مسلم عاجز عن الاستهداء في ~~مسألة دينية بنفسه أن يسأل عنها | من أهل الذكر ، أي يقلد فيها مجتهد ، وكل ~~مقلد عاجز طبعا عن | الترجيح بين مراتب المجتهدين ، فبناء عليه يجوز له أن ~~يقلد في كل | مسألة دينية مجتهدا ما . | PageV01P151 | وما المانع على هذا ~~الاعتبار للمسلم المقلد أن يتعلم كل مسألة | من الطهارة والغسل والوضوء ~~والصلاة من مجتهد أو فقيه تابع لمجتهد ، | فإذا اغتسل بماء دون قلتين لحقته ~~قطرة خمر واعتبره طاهرا كما علمه | عالم مالكي ، غسلا بدون دلك كما علمه ~~عالم حنفي ؛ وبعد حدث | موجب توضأ ومسح شعرات من الرأس كما علمه عالم شافعي ~~، | وصلى بعد خروج دم قليل منه كما علمه عالم حنبلي ، صلاة الصبح بعد | ~~طلوع الشمس كما علمه عالم زيدي ، ووصل الفرض بصلاة أخرى | بدون خروج من ~~الأولى كما علمه عالم جعفري . # أفلا يكون هذا المقلد صلى صلاة تجزئه عند الله ؟ بلى ثم بلى ، | تجزئة ~~بالضرورة حتى لا يقوم دليل على أن ذلك خلاف الأولى ، | كما يقال في حق ~~الخروج من الخلافات لأنه لا يعقل أن يكلف هذا | المقلد بأخذ دينه كله من ~~عالم واحد ، لأن الصحابة رضي الله عنهم | مع اجتهادهم وتخالفهم في الأحكام ~~كان يصلي بعضهم خلف بعض ، | مع حكم المؤتم منهم على حسب اجتهاده بعدم صحة ~~صلاة إمامه ، | وإشتراطه صحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام ، وهل يتوهم ~~مسلم | أن أبا حنيفة كان يمتنع أن يأتم بمالك أو ms076 يأبى أن يأكل ذبيحة جعفر ؟ ~~| كلا ، بل كانوا أجل قدرا من أن يخطر لهم هذا التعصب على بال ، | ~~PageV01P152 | وما كان تخالفهم إلا من احتياط كل منهم لنفسه . # ويوجد في كل مذهب من المذاهب جماعة من تلاميذ الإمام | أو الفقهاء ~~المعروفين بالمرجحين ، كل منهم كان مجتهدا لم يتقيد بمذهب | إمامه تماما ، ~~وخالفه في كثير أو قليل من الأحكام مخالفة اجتهاد ، | بسبب إطلاعه على أدلة ~~مجتهد آخر ، أو الفتح عليه بما لم يفتح به | على إمامه . # ولأن الدين يلزم المسلم بان يتبع في كل مسألة منه الشارع لا | الإمام ، ~~وإن يعمل في مواقع الاجتهاد باجتهاده ، لا باجتهاد غيره وإن | كان أفضل منه ~~. # وهذا أبو حنيفة و أمثاله رحمهم الله تعالى ، كانوا أفضل من أن | يعتقدوا ~~في أنفسهم الأفضلية على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، | ومع ذلك خالفوهما ~~في كثير من الأحكام الاجتهادية . وفقهاء كل | مذهب من المذاهب ، لم يزالوا ~~إلى الآن يجوزون الأخذ تارة بقول | الإمام وتارة بقول أحد أصحابه مع أن ذلك ~~هو عين التلفيق . فلماذا | لا يجوز الحنفية مثلا التلفيق بين أقوال أبي ~~حنيفة والشافعي أو غيره ، | وليس فيهم من يقول أن أصحاب إمامهم أفضل من ~~الشافعي ومالك | وابن عباس ، فما هذا إلا تفريق بلا فارق وحكم بعكس | ~~PageV01P153 | الدليل . # وقد نتج من التفريق بين المسلمين والتشديد عليهم في دينهم | ومصالحهم ~~بدون موجب غير التعصب المخالفة لأمره تعالى : | @QB@ أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه @QE@ مرحى . # ثم ختم المجتهد التبريزي مقاله بقوله : وليس مقامنا الآن مقام | استيفاء ~~لهذا البحث ، وإنما أوردت هذا المقدار منه بقصد بيان | جواز التلفيق إذا ~~كان عن غرض صحيح كما جوزه كثير من فقهاء | كل المذاهب . # ولا شك أن ضرورة التلفيق أهم من الضرورة التي لأجلها جوز | الفقهاء الحيل ~~الشرعية مع أنها وصمة عار على الشرع . حيث لا يعقل | أن يقال مثلا أن ~~الشفعة مشروعة دفعا للضرر عن الشريك أو الجار ، | ولكن يجوز هذا الإضرار ~~للمحتال . أو أن الربا حرام ولكن إذا | أضيف للقرض ثمن مبيع خسيس بنفيس ms077 جاز ~~استباحة مقصد الربا . | أو أن إيتاء الزكاة فرض ، ولكن إذا اخرج رب المال ~~ماله قبل | الحول ثم استعاده سقطت عنه الزكاة . إلى غير ذلك من إبطال الشرع ~~| وجعل التكليف تخييرا والتقيد إطلاقا ؛ ولا حجة لهم في هذا غير | ما رخص ~~الله به لأيوب عليه السلام من التوصل للبر باليمين في قوله | PageV01P154 | ~~تعالى : @QB@ وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث @QE@ ، وما أبعد القياس | ~~بين الحنث وبين إبطال الشرع ، ولا شك أن بذلك صار المسلمون | كأنهم لا شرع ~~لهم . وقد غضب الله على اليهود لتحيلهم على | صيد السبت فقط . ونحن نجوز ~~ألف حيلة مثلها بضرورة | وبلا ضرورة . # بناء عليه ، من الحكمة أن نلتمس للضرورات أحكاما اجتهادية ، | فيأمر بها ~~الإمام إن وجد وإلا فالسلطان ليرتفع الخلاف ، فتعمل | بها الأمة ما دام ~~المقتضى باقيا . فإذا ألجأ الزمان إلى تبديلها بقول | اجتهادي آخر فكذلك ~~يأمر به الإمام أو السلطان رفعا للخلاف . | وبمثل هذا التدبير الذي لا ~~يأباه شرعنا ولا تنافيه الحكمة نستعوض | تلك الحيل المعطلة للشرع ، المسلمة ~~لترقيعات كل فقيه ومتفقه ، بأحكام | شرعية إيجابية لازيغ فيها . # وبنحو ذلك يسلم شرعنا من التلاعب والتضارب ، ويتخلص | القضاء والإفتاء من ~~التوفيق على الأهواء ، وحينئذ يتحقق أن الخلاف | في الفروع رحمه . والحاصل ~~انه يقتضي على علماء الهداية أن يقاوموا | فكر التعصب لمذهب دون آخر ، ~~فيكون سعيهم هذا منتجا للتأليف | وجمع الكلمة في الأمة . | PageV01P155 # قال الأستاذ الرئيس : أنا نشكر أخانا المجتهد التبريزي على | بيانه لنا ~~حالة إخواننا أهل فارس ، وعلى غيرته للدين وقصده التأليف | بين المسلمين . ~~أما تقريره بخصوص أن حكم الإمام إن وجد وإلا | فالسلطان يرفع الخلاف ، ~~وبخصوص أن التلفيق هو عين التقليد ، | فتقرير يحتاج إلى نظر وتدقيق ، ~~وستقوم بمثل هذه التدقيقات في | المسائل الدينية التي بحث فيها الإخوان ~~الكرام الجمعية الدائمة التي | ستتشكل إن شاء الله . واليوم قد قرب وقت ~~الظهر وآن أوان | الانصراف . | PageV01P156 | # | الاجتماع السابع # | يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 1316 # في صباح اليوم المذكور انتظمت الجمعية وقرئ الضبط السابق | حسب القاعدة ~~المرعية ms078 . # قال الأستاذ الرئيس مخاطبا السيد الفراتي : إن الجمعية لتنتظر | منك فوق ~~همتك في عقدها وقيامك بمهمتها التحريرية ، إن تفيدها | أيضا رأيك الذاتي في ~~سبب الفتور المبحوث فيه ، وذلك بعد أن | تقرر لها مجمل الآراء التي أوردها ~~الإخوان الكرام ، حيث أحطت ، | بها علما مكررا بالسمع والكتابة والقراءة ~~والمراجعة فأنت | أجمعنا لها فكرا . # هذا والجمعية ترجو الفاضل الشامي والبليغ الإسكندري أن ، | يشتركا في ضبط ~~خطابك بان يتعاقبا في تلقي الجمل الكلامية | وكتابتها ، لأنهما كباقي ~~الأخوان لا يعرفان طريقة الاختصار | PageV01P157 | الخطي المستعمل في مثل ~~هذا المقام . # نظر الفاضل الشامي إلى رفيقه واستلمح منه القول ثم قال : | أننا مستعدان ~~للتشرف بهذه الخدمة . # قال السيد الفراتي : حبا وطاعة وإن كنت قصير الطول ، كليل | القول ، قليل ~~البضاعة ، ثم انحرف عن المكتبة فقام مقامه عليها | الفاضل الشامي والبليغ ~~الإسكندري ، وما لبث أن شرع في | كلامه ، فقال : # يستفاد من مذاكرات جمعيتنا المباركة أن هذا الفتور | المبحوث فيه ناشيء ~~عن مجموع أسباب كثيرة مشتركة فيه ، لا عن | سبب واحد أو أسباب قلائل تمكن ~~مقاومتها بسهولة . وهذه | الأسباب منها أصول ، ومنها فروع لها حكم الأصول . ~~وكلها ترجع | إلى ثلاثة أنواع : وهي أسباب دينية ، و أسباب سياسية ، وأسباب ~~| أخلاقية . وإني أقرأ عليكم خلاصاتها من جدول الفهرست الذي | استخرجته من ~~مباحث الجمعية رامزا للأصول منها بحرف ( الألف ) | وللفروع منها بحرف ( ~~الفاء ) وهي : # النوع الأول : الأسباب الدينية # 1 - تأثير عقيدة الجبر في أفكار الأمة ( 1 ) . # PageV01P158 2 - تأثير المزهدات في السعي والعمل وزينة الحياة ( ف ) . # 3 - تأثير فتن الجدل في العقائد الدينية ( 1 ) . # 4 - الاسترسال للتخالق والتفرق في الدين ( 1 ) . # 5 - الذهول عن سماحة الدين وسهولة التدين به ( 1 ) . # 6 - تشديد الفقهاء المتأخرين في الدين خلافا للسلف ( 1 ) . # 7 - تشويش أفكار الأمة بكثرة تخالف الآراء في فروع أحكام الدين ( ف ) . # 8 - فقد إمكان مطابقة القول للعمل في الدين بسبب التخليط والتشديد ( ف ) ~~. # 9 - إدخال العلماء المدلسين على الدين مقتبسات كتابية وخرافات وبدعا | ~~مضرة ( 1 ) . # 10 - تهوين غلاة الصوفية الدين وجعلهم إياه لهوا ولعبا ( ف ms079 ) . # 11 - إفساد الدين بتفنن المداجين بمزيدات ومتروكات وتأويلات ( ف ) . # 12 - إدخال المدلسين والمقابرية على العامة كثيرا من الأوهام ( 1 ) . # 13 - خلع المنجمين والرمالين والسحرة والمشعوذين قلوب المسلمين | ~~بالمرهبات ( ف ) . # 14 - إيهام الدجالين والمداجين أن في الدين أمورا سرية وإن العلم | حجاب ~~( ف ) . # 15 - اعتقاد منافاة العلوم الحكمية والعقلية للدين ( 1 ) . # 16 - تطرق الشرك الصريح أو الخفي إلى عقائد العامة ( ف ) . # 17 - تهاون العلماء العاملين في تأييد التوحيد ( ف ) . # 18 - الاستسلام للتقليد وترك التبصر والاستهداء ( ف ) . # 19 - التعصب للمذاهب ولآراء المتأخرين وهجر النصوص ومسلك | السلف ( ف ) . # 20 - الغفلة عن حكمة الجماعة والجمعة وجمعية الحج ( 1 ) . | PageV01P159 # 21 - العناد على نبذ الحرية الدينية جهلا بمزيتها ( ف ) . # 22 - التزام ما لا يلزم لأجل الاستهداء من الكتاب والسنة ( ف ) . # 23 - تكليف المسلم نفسه ما لا يكلفه به الله وتهاونه فيما هو مأمور به ( ~~ف ) . # النوع الثاني : الأسباب السياسية # 24 - السياسة المطلقة من السيطرة والمسئولية ( 1 ) . # 25 - تفرق الأمة إلى عصبيات وأحزاب سياسية ( ف ) . # 26 - حرمان الأمة من حرية القول والعمل ، وفقدانها الأمن | والأمل ( ف ) ~~. # 27 - فقد العدل والتساوي في الحقوق بين طبقات الأمة ( ف ) . # 28 - ميل الأمراء طبعا للعلماء المدلسين وجهلة المتصوفين ( ف ) . # 29 - حرمان العلماء العاملين وطلاب العلم من الرزق والتكريم ( 1 ) . # 30 - اعتبار العلم عطية يحسن بها الأمراء على الإخصاء ، وتفويض خدمة | ~~الدين للجهلاء ( 1 ) . # 31 - قلب موضوع أخذ الأموال من الأغنياء وإعطائها للفقراء ( 1 ) . # 32 - تكليف الأمراء القضاة والمفتين أمورا تهدم دينهم ( ف ) . # 33 - إبعاد الأمراء النبلاء والأحرار وتقريبهم المتملقين والأشرار ( 1 ) ~~. # 34 - مراغمة الأمراء السراة والهداة والتنكيل بهم ( ف ) . # 35 - فقد قوة الرأي العام بالحجر والتفريق ( ف ) . # 36 - حماقة أكثر الأمراء وتمسكهم بالسياسات الخرقاء ( ف ) . # 37 - إصرار أكثر الأمراء على الاستبداد عنادا واستكبارا ( ف ) . # 38 - انغماس الأمراء في الترف ودواعي الشهوات ، وبعدهم عن المفاخرة | ~~PageV01P160 | بغير الفخفخة والمال ( ف ) . # 39 - حصر الاهتمام السياسي بالجباية والجندية فقط ( 1 ) . # النوع الثالث : الأسباب الأخلاقية # 40 - الاستغراق في الجهل والارتياح إليه ( 1 ) . # 41 - استيلاء اليأس من ms080 اللحاق بالفائزين في الدين والدنيا ( ف ) . # 42 - الإخلاد إلى الخمول ترويحا للنفس ( ف ) . # 43 - فقد التناصح وترك البغض في الله ( 1 ) . # 44 - انحلال الرابطة الدينية الاحتسابية ( 1 ) . # 45 - فساد التعليم والوعظ والخطابة والإرشاد ( ف ) . # 46 - فقد التربية الدينية والأخلاقية ( 1 ) . # 47 - فقد قوة الجمعيات وثمرة دوام قيامها ( 1 ) . # 48 - فقد القوة المالية الاشتراكية بسبب التهاون في الزكاة ( 1 ) . # 49 - ترك الأعمال بسبب ضعف الآمال ( ف ) . # 50 - إهمال طلب الحقوق العامة جبنا وخوفا من التخاذل ( ف ) . # 51 - غلبة التخلق بالتملق تزلفا وصغارا . # 52 - تفضيل الإرتزاق بالجندية والخدم الأميرية على الصنائع ( ف ) . # 53 - توهم أن علم الدين قائم في العمائم وفي كل ما سطر في كتاب ( ف ) . # 54 - معاداة العلوم العالية ارتياحا للجهالة والسفالة ( 1 ) . # 55 - التباعد عن المكاشفات والمفاوضات في الشئون العامة ( 1 ) . # 56 - الذهول عن تطرق الشرك وشآمته ( 1 ) . | PageV01P161 # ثم قال السيد الفراتي : هذه هي خلاصات أسباب الفتور التي | أوردها إخوان ~~الجمعية وليس فيها مكررات كما يظن . وحيث كان | للخلل الموجود في أصول ~~إدارة الحكومات الإسلامية دخل مهم | في توليد الفتور العام ، فإني أضيف إلى ~~الأسباب التي سبق البحث | فيها من قبل الإخوان الكرام الأسباب الآتية ، ~~أعددها من قبيل | رؤوس مسائل فقط ، حيث لو أردت تفصيلها وتشريحها لطال ~~الأمر | ولخرجنا عن صدد محفلنا هذا . # والأسباب التي سأذكرها هي أصول موارد الخلل في السياسة | والإدارة ~~الجاريتين في المملكة العثمانية ، التي هي أعظم دولة يهم شأنها | عامة ~~المسلمين . وقد جاءها اكثر هذا الخلل في الستين سنة الأخيرة ، | أي بعد أن ~~اندفعت لتنظيم أمورها ، فعطلت أصولها القديمة ولم | تحسن التقليد ولا ~~الإبداع ، فتشتت حالها ولا سيما في العشرين سنة | الأخيرة التي ضاع فيها ~~ثلثا المملكة ؛ وخرب الثلث الباقي وأشرف | على الضياع لفقد الرجال وصرف ~~السلطان قوة سلطنته | كلها في سبيل حفظ ذاته الشريفة وسبيل الإصرار على ~~سياسة | الانفراد . # وأما سائر الممالك والإمارات الإسلامية فلا تخلو أيضا | PageV01P162 | من ~~بعض هذه الأصول ، كما أن فيها أحوالا أخرى أضر | وأمر يطول بيانها ~~واستقصاؤها ، والأسباب المراد إلحاقها ms081 | ملخصة هي : # الأسباب السياسية والإدارية العثمانيتين : # 57 - توحيد قوانين الإدارة والعقوبات ، مع اختلاف طبائع أطراف المملكة | ~~واختلاف الأهالي في الأجناس والعادات ( 1 ) . # 58 - تنويع القوانين الحقوقية ، وتشويش القضاء في الأحوال المتماثلة ( 1 ~~) . # 59 - التمسك بأصول الإدارة المركزية مع بعد الأطراف عن العاصمة | وعدم ~~وقوف رؤساء الإدارة في المركز على أحوال تلك الأطراف | المتباعدة وخصائص ~~سكانها ( ف ) . # 60 - التزام أصول عدم توجيه المسئولية على رؤساء الإدارة والولاة عن | ~~أعمالهم مطلقا ( ف ) . | PageV01P163 # 61 - تشويش الإدارة بعدم الالتفات لتوحيد الأخلاق والمسالك في | الوزراء ~~والولاة والقواد ، مع اضطرار الدولة لاتخاذهم من جميع | الأجناس والأقوام ~~الموجودين في المملكة بقصد استرضاء | الكل ( ف ) . # 62 - التزام المخالفة الجنسية في استخدام العمال بقصد تعسر التفاهم بين | ~~العمال والأهالي ، وتعذر الامتزاج بينهم لتأمن الإدارة غائلة الاتفاق | ~~عليها ( ف ) . # 63 - التزام تفويض الإمارات المختصة عادة ببعض البيوت ، كإمارة مكة | ~~وإمارات العشائر الضخمة في الحجاز والعراق والفرات لمن لا | يحسن إدارتها ، ~~لأجل أن يكون الأمير منفورا ممن | ولي عليهم مكروها عندهم فلا يتفقون معه ~~ضد الدولة ( 1 ) . # 64 - التزام تولية بعض المناصب المختصة ببعض الأصناف كالمشيخة | ~~الإسلامية والسر عسكرية لمن يكون منفورا في صنفه من العلماء أو الجند ، | ~~لأجل أن لا يتفق الرئيس والمرؤس على أمر مهم ( ف ) . # 65 - التمييز الفاحش بين أجناس الرعية في الغنم والغرم . | PageV01P164 # 66 - التساهل في انتخاب العمال والمأمورين والإكثار منهم بغير لزوم ، ~~وإنما | بقصد إعاشة العشيرة والمحاسيب والمتملقين الملحين . # 67 - التسامح في المكافأة والمجازاة تهاونا بشؤون الإدارة حسنت أم ساءت ، ~~| كأن ليس للملك صاحب . # 68 - عدم الالتفات لرعاية المقتضيات الدينية كوضع أنظمة مصادمة للشرع | ~~بدون لزوم سياسي مهم ، أو مع اللزوم ولكن بدون اعتناء بتفهيمه للأمة | ~~والاعتذار لها جلبا للقناعة والرضا . # 69 - تضييع حرمة الشرع وقوة القوانين بالتزام عدم اتباعها وتنفيذها ، | ~~والإصرار على أن تكون الإدارة نظامية اسما إرادية | فعلا . # 70 - التهاون في مجاراة عادات الأهالي وأخلاقهم ومصالحهم استجلابا | ~~لمحبتهم القلبية فوق طاعتهم الظاهرية . # 71 - الغفلة أو التغافل عن مقتضيات الزمان ومباراة الجيران وترقية السكان ~~| بسبب ms082 عدم الاهتمام بالمستقبل . # 72 - الضغط على الأفكار المتنبهة بقصد منع نموها وسموها وإطلاعها على ~~مجاري | الإدارة ، محاسنها ومعايبها ، وإن كان الضغط على النمو الطبيعي ~~عبثا | محضا ، ويتأتى منه الإغراء والتحفز وينتج عنه الحقد على الإدارة . | ~~PageV01P165 # 73 - تمييز الأسافل أصلا وأخلاقا علما وتحكيمهم في الرقاب الحرة وتسليطهم ~~| على أصحاب المزايا ، وهذا التهاون بشأن ذوي الشؤون يستلزم | تسفل الإدارة ~~. # 74 - إدارة بيت المال إدارة إطلاق بدون مراقبة ، وجزاف بدون موازنة ، | ~~وإسراف بدون كتاب ، وإتلاف بدون حساب ، حتى صارت | المملكة مديونة للأجانب ~~بديون ثقيلة توفى بلادا ورقابا | ودماء وحقوقا . # 75 - إدارة المصالح المهمة السياسية والملكية بدون استشارة الرعية | ولا ~~قبول مناقشة فيها ، وإن كانت إدارة مشهودة المضرة في كل | حركة وسكون . # 76 - إدارة الملك إدارة مداراة وإسكات للمطلعين على معايبها حذرا | من أن ~~ينفثوا ما في الصدور فتعلم العامة حقائق الأمور ، | والعامة من إذا علموا ~~قالوا وإذا قالوا فعلوا وهناك الطامة الكبرى . # 77 - إدارة السياسة الخارجية بالتزلف والإرضاء والمحاباة بالحقوق والرشوة ~~| بالامتيازات والنقود ، تبذل الإدارة ذلك للجيران بمقابلة تعاميهم عن | ~~المشاهد المؤلمة التخريبية ، وصبرهم على الروائح المنتنة الإدارية ، ولولا ~~| تلك المشاهد والروائح لما وجد الجيران وسيلة للضغط مع ما ألقاه | الله ~~بينهم من العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . # ثم قال السيد الفراتي : أن بعض هذه الأسباب التي ذكرتها ، | هي أمراض ~~قديمة ملازمة لإدارة الحكومة العثمانية منذ نشأتها | أو منذ قرون ، وبعضها ~~أعراض وقتية تزول بزوال محدثها ، وربما | PageV01P166 | كان يمكن الصبر ~~عليها لولا أن الخطر قرب والعياذ بالله من القلب | كما أشار إليه الأستاذ ~~الرئيس في خطابه الأول . # ثم قال : ويلتحق بهذه الأسباب بعض أسباب شتى أفصلها | بعد تعدادها إلحاقا ~~بالخلاصات . وهي : # أسباب شتى : # 78 - عدم تطابق الأخلاق بين الرعية والرعاة . # 79 - الغرارة أي الغفلة عن ترتيب شؤون الحياة . # 80 - الغرارة عن لزوم توزيع الأعمال والأوقات . # 81 - الغرارة عن الإذعان للإتقان . # 82 - الغرارة عن موازنة القوة والاستعداد . # 83 - ترك الاعتناء بتعليم النساء . # 84 - عدم الالتفات للكفاءة في الزوجات . # 85 - الخور في الطبيعة ، أي سقوط ms083 الهمة . # 86 - الاعتزال في الحياة والتواكل . | PageV01P167 # أما عدم التطابق في الأخلاق بين الرعاة والرعية ، فله شان عظيم | كما ~~يظهر للمتأمل المدقق في تواريخ الأمم من أن أعاظم الملوك الموفقين | ~~والقواد الفاتحين كالإسكندرين ، وعمر وصلاح الدين رضي الله عنهما ، | ~~وجنكيز والفاتح وشرلكان الألماني وبطرس الكبير وبونابرت ، | لم يفوزوا في ~~تلك العظائم إلا بالعزائم الصادقة مع مصادقة تطابقهم | مع رعاياهم وجيوشهم ~~في الأخلاق والمشارب تطابقا تاما ، بحيث | كانوا رؤوسا حقا لتلك الأجسام لا ~~كرأس جمل على جسم ثور | أو بالعكس . وهذا التطابق وحده يجعل الأمة تعتبر ~~رئيسها رأسها ، | فتتفانى دون حفظه ودون حكم نفسها بنفسها ، حيث | لا يكون ~~لها في غير ذلك فلاح أبدا كما قال الحكيم المتنبي : | # % إنما الناس بالملوك وهل % % يفلح عرب ملوكها عجم % # ومما لا خلاف فيه أن من أهم حكمة الحكومات أن تتخلق | بأخلاق الرعية ، ~~وتتحد معها في عوائدها ومشاربها ولو في العوائد | غير المستحسنة في ذاتها . ~~و لا أقل من أن تجاري الحكومة الأجنبية | أخلاق الرعية ولو تكلفا وقتيا ، ~~إلى أن توفق إجتذابهم إلى لغتها | فأخلاقها فجنسيتها ، كما فعل الأمويون ~~والعباسيون والموحدون ، | وكما تهتم به الدول المستعمرة الإفرنجية في هذا ~~العهد ، وكما فعل جميع | PageV01P168 | الأعاجم الذين قامت لهم دول في ~~الإسلامية كآل بويه والسلجوقيين | والأيوبيين والغوريين والأمراء الجراكسة ~~وآل محمد علي ، فإنهم | ما لبثوا أن استعربوا وتخلقوا بأخلاق العرب ، ~~وامتزجوا بهم | وصاروا جزءا منهم . وكذلك المغول التاتار صاروا فرسا وهنودا ~~، | فلم يشذ في هذا الباب غير المغول الأتراك أي العثمانيين ، فإنهم | ~~بالعكس يفتخرون بمحافظتهم على غيرية رعاياهم لهم ، فلم يسعوا | باستتراكهم ~~كما أنهم لم يقبلوا أن يستعربوا ، والمتأخرون منهم قبلوا | أن يتفرنسوا أو ~~يتألمنوا . ولا يعقل لذلك سبب غير شديد بغضهم | للعرب كما يستدل عليه من ~~أقوالهم التي تجري على ألسنتهم مجرى | الأمثال في حق العرب : # كإطلاقهم على عرب الحجاز ( ديلنجي عرب ) أي العرب | الشحاذين . # وإطلاقهم على المصريين ( كور فلاح ) بمعنى الفلاحين | الأجلاف . # و ( عرب جنكنه سي ) أي نور العرب . و ( قبطي عرب ) | أي النور المصريين . # وقولهم ms084 عن عرب سوريا : ( نه شامك شكري ونه | PageV01P169 | عربك يوزي ) ~~أي دع الشام وسكرياتها ولا تر وجوه العرب . # وتعبيرهم بلفظه ( عرب ) عن الرقيق وعن كل حيوان اسود . # وقولهم بلفظه ( عرب ) عن الرقيق وعن كل حيوان أسود . # وقولهم ( بس عرب ) أي عربي قذر . و ( عرب عقلي ) أي عقل عربي أي صغير . و ~~( عرب طبيعتي ) | أي ذوق عربي أي فاسد . و ( عرب جكه سي ) أي حنك عربي أي | ~~كثير الهزر . # وقولهم ( بوني يبارسه م عرب أوله يم ) أي أن فعلت هذا | أكون من العرب . # وقولهم ( نرده عرب نرده طنبوره ) أي أين العرب من الطنبور . # هذا والعرب لا يقابلونهم على كل ذلك سوى بكلمتين الأولى | هي قول العرب ~~فيهم : ( ثلاث خلقن للجور والفساد : القمل والترك | والجراد ) . # والكلمة الثانية تسميتهم بالأراوم كناية عن الريبة في | إسلاميتهم ، وسبب ~~الريبة أن الأتراك لم يخدموا الإسلامية بغير | إقامة بعض جوامع لولا حظ ~~نفوس ملوكهم بذكر أسمائهم على | منابرها لم تقم | PageV01P170 # وأنهم أتوا الإسلام بالطاعة العمياء للكبراء ، وبخشية الفلك | أبي ~~المصائب ، وباحترام مواقد النيران ( أوجاقات ) فزادوا بذلك بلات | في طين ~~الخرافات . # ثم قال السيد الفراتي : أرجو المعذرة من المولى الرومي لأنه يعلم | أني ~~ما أفرطت ، ولولا الضرورة الدينية التي يعلمها لما صرحت ، والناصح | الغيور ~~من يبكيك لا من يضحكك . # قال الأستاذ الرئيس : أن أخانا السيد الفراتي خطيب قوال | وفارس جوال ، ~~والأبحاث التي أشار إليها ذات ذيول طوال مع | أن اليوم قد قرب وقت الزوال ، ~~فموعدنا غد إن شاء المولى المتعال . | PageV01P171 | فارغ | PageV01P172 | # | الاجتماع الثامن # | يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1316 # في صباح ذلك اليوم انتظمت الجمعية ، وقرأ البليغ الإسكندري | ضبط اليوم ~~السابق على العادة المألوفة ، وأذن الأستاذ الرئيس للسيد | الفراتي بإتمام ~~بحثه . # فقال السيد الفراتي : أن من اعظم أسباب الفتور في المسلمين | غرارتهم ، ~~أي عدم معرفتهم كيف يحصل انتظام المعيشة لأنه ليس | فيهم من يرشدهم إلى شيء ~~من ذلك ، بخلاف الأمم السائرة فإن من | وظائف خدمة الأديان عندهم رفع ~~الغرارة ، أي الإرشاد إلى الحكمة | في شؤون الحياة ms085 . وأما الأقوام الذين ~~ليس عندهم خدمة دين ، أو الشر أذم | الذين لا ينتمون لخدمة دينهم ، ~~فمستغنون عن ذلك بوسائل أخرى | من نحو : التربية المدرسية ، والأخذ من كتب ~~الأخلاق ، وكتب | تدبير المنزل ، ومفصلات فن الاقتصاد ، والتواريخ المتقنة ~~، والرومانات | PageV01P173 | الأخلاقية والتمثيلية ، أي كتب الحكايات ~~الوضعية ، ونحو | ذلك مما هو مفقود بالكلية عند غير بعض خاصة المسلمين . # على أن الخاصة السالمين من الغرارة علما ، لا يقوون غالبا على | العمل ~~بما يعلمون لأسباب شتى ، منها بل أعظمها جهالة النساء المفسدة | للنشأة ~~الأولى وقت الطفولة والصبوة ومنها عدم التمرن والألفة ، | ومنها عدم مساعدة ~~الظروف المحيطة بهم للاستمرار على نظام | مخصوص في معيشتهم . # ثم قال : لا أرى لزوما للاستدلال على استيلاء الغرارة علينا لأنها | ~~مدركة مسلمة عند الكافة ، وهي ما ينطوي تحت أجوبتنا عند | التساؤل عن هذه ~~الحال بقولنا : أن المسلم مصاب ، وأن الله إذا أحب | عبدا ابتلاه ، وإن ~~أكثر أهل الجنة البله ، وإن حسب آدم ابن آدم | لقيمات يقمن صلبه ، وإن ~~غيرنا مستدرجون ، وأنهم كلاب الدنيا ، | وأنهم أعطوا ظاهرا من الحياة ~~الدنيا ، وأنهم في غفلة من الموت ، | وغفلة عن أن الدنيا شاخت . # ثم قال : فمن الغرارة في طبقاتنا كافة من الملوك إلى الصعاليك | أننا لا ~~نرى ضرورة للإتقان في الأمور ، وقاعدتنا أن بعض الشيء | PageV01P174 | يغني ~~عن كله . والحق أن الإتقان ضروري للنجاح في أي أمر | كان ، بحيث إذا لم يكن ~~مستطاعا في أمر ، يلزم ويتحتم ترك | ذلك الأمر كليا والتحول عنه إلى غيره ~~من المستطاع فيه إيفاء | حق الإتقان . # ومن ( الغرارة ) وهمنا أن شؤون الحياة سهلة بسيطة ، فنظن | إن العلم ~~بالشيء إجمالا ونظريا بدون تمرن عليه يكفي للعمل به ، فيقدم | أحدنا مثلا ~~على الإمارة بمجرد نظره في نفسه أنه عاقل مدبر قبل أن | يعرف ما هي الإدارة ~~علما ، ويتمرن عليها عملا ، ويكتسب فيها شهرة | تعينه على القيام بها . # ويقدم الآخر منا على الاحتراف مثلا ببيع الماء للشرب ، بمجرد | ظنه أن ~~هذه الحرفة عبارة عن حملة قربة وقدحا وتعرضه للناس في | مجتمعاتهم ، ولا ~~يرى لزوما لتقلي ms086 وسائل إتقان ذلك عمن يرشده مثلا | إلى ضرورة النظافة له في ~~قربته وقدحه وظواهر هيئته ولباسه ، | وكيف يحفظ برودة مائة وكيف يستبرقه ~~ويوهم بصفائه ليشهى | به ، ومتى يغلب العطش ليقصد المجتمعات ، ويتحرى منها ~~الخالية | له عن المزاحمين ، وكيف يتزلف للناس ويوهم بلسان حالة انه | ~~محترف بالاسقاء كفا لنفسه عن السؤال . إلى نحو هذا من دقائق إتقان | ~~PageV01P175 | الصنعة المتوقف عليها نجاحه فيها ، وإن كانت صنعته | بسيطة ~~حقيرة . # ومن ( الغرارة ) ظننا أن الكياسة في ' أدري وأقدر ' جوابا | للنفس في ~~مقاصد كثيرة شتى . والحقيقة أن الكياسة لا تتحقق في | الإنسان إلا في فن ~~واحد فقط يتولع فيه فيتقنه حق الإتقان في | كما قال تعالى : ^ ( وما جعل ~~الله لرجل من قلبين في جوفه ) ^ . فالعاقل | من يتخصص بعمل واحد ثم يجاوب ~~نفسه عن كل شيء غيره ' لا | أدري ولا أقدر ' ، لأن الأول يتكلف أعمالا لا ~~يحسنها فتفسد عليه | كلها ، والثاني يتحرى لكل عمل لازم له من يحسنه فتنتظم ~~أموره | ويهنأ عيشة . # فالملك مثلا وظيفته النظارة العامة وانتخاب وزير يثق بأخلاقه ، | ويعتمد ~~على خبرته في انتخاب بقية الوزراء والسيطرة عليهم في الكليات . # فالملك مهما كان عاقلا حكيما لا يقدر على إتقان أكثر من | وظيفته ~~المذكورة . # فالملك إذا تغرر وتنزل للتداخل في أمور السياسة أو الإدارة | الملكية أو ~~الأمور الحربية أو القضاء ، فلا شك انه يكون كرب | بيت يداخل طباخه في ~~مهنته ويشارك بستانية في صنعته ، فيفسد | PageV01P176 | طعامه ويبور بستانه ~~، فيشتكي ولا يدري أن آفته من نفسه . # ومن ' الغرارة ' اللوث في الأمور ، أي تركها بلا ترتيب ؛ | والحكمة قاضية ~~على كل إنسان ولو كان زاهدا منفردا في كهف جبل ، | فضلا عن سائس رعية أو ~~صاحب عائلة ، أن يتخذ له ترتيبا في شؤونه | وذلك بأن يرتب : # أولا : أوقاته حسب أشغاله ، ويرتب أشغاله حسب أوقاته . | والشغل الذي لا ~~يجد له وقتا كافيا يهمله بالكلية أو يفوضه لمن يفي حق | القيام به عنه . # ثانيا - يرتب نفقاته على نسبة المضمون من كسبه ، فإن ضاق | دخله عن ~~المبرم من خرجه يغير طراز معيشته ms087 ، ولو بالتحول مثلا من | بلده الغالية ~~الأسعار أو التي مظهره فيها يمنعه من الاقتصاد إلى حيث | يمكنه ترتيبها على ~~نسبة كسبه . # ثالثا - يرتب تقليل غائلة عائلته عند أول فرصة ؛ ملاحظا إراحة | نفسه من ~~الكد في دور العجز من حياته ، فيربي أولاده ذكورا | وإناثا على صورة أن كلا ~~منهم متى بلغ أشده يمكنه أن يستغني عنه | بنفسه ، معتمدا على كسبه الذاتي ~~ولو في غير وطنه . # رابعا - يرتب أموره الأدبية على نسبة حالته المادية ، أعني | PageV01P177 ~~| يرتب أموره الدينية ولذاته الفكرية وشهواته الجسمية ترتيبا حسنا ، | لا ~~يحمل نفسه منها ما لا تطيق الاستمرار عليه . # خامسا - يرتب ميله الطبيعي للمجد والتعالي على حسب استعداده | الحقيقي . ~~فلا يترك نفسه تتطاول إلى مقامات ليس من شأن قوته | المادية أن يبلغها إلا ~~بمحض الحظ أي الصدف . # وخلاصة البحث أن الغرارة من أقوى أسباب الفتور ، | وقد أطلت في وصفها ~~وإيضاحها ليتأكد عند السادة | الإخوان أن إزالة أسباب الفتور الشخصي ليس من ~~عقيمات | الأمور . # ثم قال : أن لانحلال أخلاقنا سببا مهما آخر أيضا يتعلق بالنساء ، | وهو ~~تركهن جاهلات على خلاف ما كان عليه أسلافنا ، حيث كان | يوجد في نسائنا كأم ~~المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي أخذنا عنها | نصف علوم ديننا ؛ وكمئات ~~من الصحابيات والتابعيات راويات | الحديث والمتفقهات ، فضلا عن ألوف من ~~العالمات والشاعرات | اللاتي في وجودهن في العهد الأول بدون إنكار ، حجة | ~~دامغة ترغم أنف غيرة الذين يزعمون أن جهل النساء أحفظ لعفتهن ؛ | فضلا عن ~~أنه لا يقوم لهم برهان على ما يتوهمون ، حتى يصح الحكم | PageV01P178 | بأن ~~العلم يدعو للفجور وان الجهل يدعو للعفة ؛ نعم ربما كانت العالمة | أقدر ~~على الفجور من الجاهلة ، ولكن الجاهلة أجسر عليه من العالمة . # ثم أن ضرر جهل النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين | والبنات أمر واضح ~~غني عن البيان ، إنما سوء تأثيره على أخلاق | الأزواج فيه بعض خفاء يستلزم ~~البحث ، فأقول : # أن الرجال ميالون بالطبع إلى زوجاتهم ، والمرأة أقدر مطلقا من | الرجل في ~~ميدان التجاذب للأخلاق ، ولا يتوهم عكس ذلك إلا من ms088 | استحكم فيه تغرير ~~زوجته له بأنها ضعيفة مسكينة مسخرة لإرادته . # حال كون حقيقة الأمر أنها قابضة على زمامه تسوقه كيف شاءت ، | وبتعبير ~~آخر يغره أنه أمامها وهي تتبعه ، فيظن أنه قائد لها ، | والحقيقة التي ~~يراها كل الناس من حولهما دونه أنها إنما تمشي وراءه | بصفة سائق لا تابع . # وما قدر قدر دهاء النساء مثل الشريعة الإسلامية ، حيث | أمرت بالحجب ~~والحجر الشرعيين حصرا لسلطتهن وتفرغهن لتدبير | المنزل ، فأمرت باحتجابهن ~~احتجابا محدودا بعدم إبداء الزينة للرجال | الأجانب ، وعدم الاجتماع بهم في ~~خلوة أو لغير لزوم . وأمرت | PageV01P179 | باستقرارهن في البيوت إلا لحاجة ~~. ولا شك أنه ما وراء هذه الحدود | إلا فتح باب الفجور ، وما هذا التحديد ~~إلا مرحمة بالرجال وتوزيعا | لوظائف الحياة . # والصينيون ، وهم أقدم البشر مدنية ، التزموا تصغير أرجل | البنات بالضغط ~~عليها لأجل أن يعسر عليهن المشي والسعي في إفساد | الحياة الشريفة . ذاك ~~الشرف الذي هو من أهم مقاصد الشرقيين ، | بخلاف الغربيين الذين لا يهمهم ~~غير التوسع في الماديات والملذات . # وقد أمرت الشريعة برعاية الكفاءة في الزوج ، وذلك أيضا | مرحمة بالرجال ، ~~وأكثر الأئمة المجتهدين أغفلوا لزوم تحري الكفاءة في | جانب المرأة للرجل ، ~~وأوجبوا أن يكون هو فقط كفؤا لها كي | لا تهلكه بفخارها وتحكمها . على أن ~~لرعاية الكفاءة في المرأة للرجل | أيضا موجبات عائلية مهمة منها : التخير ~~للاستسلام والتخير لتربية | النسل ، وللتساهل في ذلك دخل عظيم في انحلال ~~الأخلاق في المدن . | لأن التزوج بمجهولات الأصول أو الأخلاق ، أو بسافلات ~~الطباع | والعادات ، أو بالغريبات جنسا أو الرقيقات ، مفاسد شتى . لأن | ~~الرجل ينجر طوعا أو كرها لأخلاق زوجته ، فإن كانت سافلة | يتسفل لامحالة ، ~~وإن كانت غريبة بغضته في أهله وقومه ، وجرته | PageV01P180 | إلى موالاة ~~قومها والتخلق بأخلاقهم . ولا شك أن هذه المفسدة تستحكم | في الأولاد أكثر ~~من الأزواج . # وربما كان أكبر مسبب لانحلال أخلاق الأمراء من المسلمين | أتاهم من جهة ~~الأمهات والزوجات السافلات ، إذ كيف يرجى | من امرأة نشأت سافلة رقيقة ~~ذليلة أن تترك بعلها ، وهو في | الغالب أطوع لها من خلخالها ، أن يجيب داعي ms089 ~~شهامة أو مروءة . | أو أن تغرس في رؤوس صبيتها أميالا سامية ، أو تحمسهم ~~على أعمال | خطرة ، كلا لا تفعل ذلك أبدا . إنما تفعله الشريفات اللاتي ~~تجدن في | أنفسهن عزة وشهامة وهذا هو سر أن أعاظم الرجال لا | يوجدون غالبا ~~إلا من أبناء وبعول نسوة شريفات أو بيوت | قروية . وهذا هو سبب حرص أمراء ~~العرب والإفرنج على شرف | الزوجات . # ثم قال السيد الفراتي أيضا : وإني أرى أن هذا الفتور بالغ في | غالب أهل ~~الطبقة العليا من الأمة ولا سيما في الشيوخ مرتبة ( الخور | PageV01P181 | ~~في الطبيعة ) لأننا نجدهم : ينتقصون أنفسهم في كل شيء ، ويتقاصرون | عن كل ~~عمل ، ويحجمون عن كل أقدام ، ويتوقعون الخيبة في | كل أمل . # ومن اقبح آثار هذا الخور نظرهم الكمال في الأجانب كما ينظر | الصبيان ~~الكمال في آبائهم ومعلميهم ، فيندفعون لتقليد الأجانب | واتباعهم فيما ~~يظنونه رقة وظرافة وتمدنا . وينخدعون لهم فيما يغشونهم | به : كاستحسان ترك ~~التصلب في الدين والافتخار به ، فمنهن من | يستحي من الصلاة في غير الخلوات ~~. وكإهمال التمسك بالعادات | القومية ، فمنهم من يستحي من عمامته . وكالبعد ~~عن الاعتزاز | بالعشيرة كان قومهم من سقط البشر . وكنبذ التحزب للرأي كأنهم ~~| خلقوا قاصرين . وكالغفلة عن إيثار الأقربين في المنافع . وكالقعود | عن ~~التناصر والتزاحم بينهم كي لا يشم من ذلك رائحة التعصب الديني | وإن كان ~~على الحق . إلى نحو ذلك من الخصال الذميمة في أهل الخور من | المسلمين ، ~~الحميدة في الأجانب ، لأن الأجانب يموهون عليهم بأنهم | يحسنون التحلي بها ~~دونهم . # وهؤلاء الواهنة يحق لهم أن تشق عليهم مفارقة حالات | ألفوها عمرهم ، كما ~~قد يألف الجسم السقم فلا تلذ له العافية ، فإنهم منذ | PageV01P182 | نعومة ~~أظفارهم تعلموا الأدب مع الكبير ، يقبلون يده أو ذيله أو رجله ، | وألفوا ~~الاحترام فلا يدوسون الكبير ولو داس رقابهم . وألفوا | الثبات ثبات الأوتاد ~~تحت المطارق . وألفوا الانقياد ولو إلى المهالك . | وألفوا أن تكون وظيفتهم ~~في الحياة دون النبات ، ذاك يتطاول وهم | يتقاصرون ، ذاك يطلب السماء وهم ~~يطلبون الأرض كأنهم للموت | مشتاقون . # وهكذا طول الألفة على هذه الخصال قلب ms090 في فكرهم الحقائق ، | وجعل عندهم ~~لمخازي مفاخر ؛ فصاروا يسمون التصاغر أدبا ، | والتذلل لطفا ، والتملق ~~فصاحة ، واللكنة رزانة ، وترك الحقوق | سماحة ، وقبول الإهانة تواضعا ، ~~والرضاء بالظلم طاعة . كما يسمون | دعوى الاستحقاق غرورا ، والخروج عن ~~الشأن الذاتي فضولا ، | ومد النظر إلى الغد أملا ، والإقدام تهورا ، ~~والحمية حماقة ، والشهامة | شراسة ، وحرية القول وقاحة ، وحب الوطن جنونا . # ثم قال : وليعلم أن الناشئة الذين تعقد الأمة آمالها بأحلامهم | عسى يصدق ~~منها شيء ، وتتعلق الأوطان بحبال همتهم عساهم يأتون | فعلا مذكورا ، هم ~~أولئك الشباب ومن في حكمهم المحمديون المهذبون ، | الذين يقال فيهم أن شباب ~~رأي القوم عند شبابهم الذين يفتخرون | PageV01P183 | بدينهم فيحرصون على ~~القيام بمبانيه الأساسية نحو الصلاة والصوم ، | ويتجنبون مناهيه الأصلية ~~نحو الميسر والمسكرات . الذين لا | يقصرون بناء قصور الفخر على عظام نخرها ~~الدهر ، ولا يرضون | أن يكونوا حلقة ساقطة بين الأسلاف والإخلاف ، الذين ~~يعلمون | انهم خلقوا أحرارا فيأبون الذل والأسار . الذين يودون أن يموتوا | ~~كراما ولا يحيون لئاما ، الذين يجهدون أن ينالوا حياة رضية ، حياة | قوم كل ~~فرد منهم سلطان مستقل في شؤونه لا يحكمه غير الدين ، | وشريك أمين لقومه ~~يقاسمهم ويقاسمونه الشقاء والهناء ، وولد بار | بوطنه لا يبخل عليه بجزء ~~طفيف من فكره ووقته وماله . الذين | يحبون وطنهم حب من يعلم أنه خلق من ~~ترابه . الذين يعشقون | الإنسانية ويعلمون أن البشرية هي العلم والبهيمية ~~هي الجهالة . الذين | يعتبرون أن خير الناس أنفعهم للناس . الذين يعرفون أن ~~القنوط | وباء الآمال والتردد وباء الأعمال . الذين يفقهون أن القضاء ~~والقدر | هما السعي والعمل . الذين يوقنون أن كل ما على الأرض من أثر هو | ~~من عمل أمثالهم البشر ، فلا يتخيلون إلا المقدرة ولا يتوقعون من | الأقدار ~~إلا خيرا . # وأما الناشئة المتفرنجة فلا خير فيهم لأنفسهم فضلا عن أن | PageV01P184 | ~~ينفعوا أقوامهم وأوطانهم شيئا وذلك لأنهم لا خلاق لهم ، تتجاذبهم | الأهواء ~~كيف شاءت ، لا يتبعون مسلكا ولا يسيرون على ناموس | مطرد ، لأنهم يحكمون ~~الحكمة فيفتخرون بدينهم ولكن لا يعملون | به تهاونا وكسلا . ويرون غيرهم من ~~الأمم يتباهون بأقوامهم | ويستحسنون ms091 عاداتهم ومميزاتهم فيميلون لمناظرتهم ، ~~ولكن لا | يقوون على ترك التفرنج كأنهم خلقوا اتباعا . ويجدون الناس | ~~يعشقون أوطانهم فيندفعون للتشبه بهم في التشبيب والإحساس فقط ، | دون ~~التشبث بالأعمال التي يستوجبها الحب الصادق . # والحاصل أن شؤون الناشئة المتفرنجة أيضا لا تخرج عن | تذبذب وتلون ونفاق ~~، يجمعها وصف : ' لا خلاق لهم ' . والواهنة خير | منهم ، متمسكون بالدين ~~ولو رياء . وبالطاعة ولو عمياء ، على انه يوجد | PageV01P185 | في ~~المتفرنجة أفراد غيورون كالراسخين من أحرار الأتراك ، الملتهبين | غيره ~~تقتضي احترام مزيتهم . # ثم قال السيد الفراتي : أن الخور المبحوث فيه علة معدية تسري من | الشيوخ ~~إلى الشباب ومن الطبقة العليا إلى العامة . وليت الشيوخ | والكبراء يرضون ~~بما كتبه الله عليهم من الذلة والمسكنة ، والخمول | وسقوط الهمة ، والدناءة ~~والاستسلام ، فيتركوا أهل النشأة الجديدة | وشأنهم ، لا يستهزؤن ولا يعطلون ~~، ولا يسفهون ولا شبطون . وما | أظنهم بفاعلين ذلك أبدا إلا أن تتصدى لهم ~~جرائد مخصوصة | تقابلهم باللوم والتبكيت ، وتسلط عليهم أقلام الأدباء ~~والسنة الشعراء ، | بوضع أهاجي وأناشيد بعبائر بسيطة محلاة بنكت مضحكة لكي ~~| تنتشر حتى على السنة العامة . وبمثل هذا التدبير تثور حرب أدبية | بين ~~الناشئة والواهنة ، لا تلبث أن تنتهي بانكسار الفئة الثانية : | أولئك ~~البائسين الفاشلين ، المتواكلين ، المتقاعسين ، المتخاذلين ، | المتشاكسين ~~، العاجزين عن كل شيء إلا التعطيل . # ومن راجع تواريخ الأمم التي استرجعت نشأتها والدول التي | جددت عصبيتها ، ~~يجد من حكمائها ونجبائها مثل حسان قريش وكميت | العباسيين ، ولوثر ~~الألمانيين وفولتر الفرنساويين ، قد تغلبوا على | PageV01P186 | الفكر ~~الواهن وأنصاره من الأشراف والشيوخ وأهل العناد والفساد ، | بحمل لواء ~~الناشئة وإثارة حرب أدبية حماسية بين الفئتين . على أننا | نحن تكفينا ~~الضوضاء ولا يحتاج قط للفوضى ، لأن واهنتنا أضعف | من أن تحوجنا أن ننتظر ~~أم حسان تلد حسانا ، ورب حيلة أنفع من | قبيلة . ( ~~19234174168242131124111849984774240433321 | ~~41776687539342334354293484722642554424248221307 | ~~5587532288935745190505334776624552438924244229 | 259441026111810149775 ) ~~وهذا أنجع دواء والله ولي النيات . # ثم ختم السيد الفراتي كلامه بقوله : هذا ما سنح لي في هذا المرام | وقام ~~وتبادل مع الفاضل الشامي والبليغ الإسكندري المقام . # قال الأستاذ الرئيس : إن مباحث الجمعية قد استوفت حقها ، | وكفانا السيد ~~الفراتي ms092 تلخيص أسباب الفتور منها ، ولا أرى لزوما | لتلخيص بقية المباحث ~~الدينية . # وقد أعطاني أخونا المدقق التركي رئيس لجنة القانون ( السانحة ) | التي ~~وضعتها اللجنة ، مطبوعة في نسخ على عدد الإخوان لتوزع | عليهم ، فيطالعها ~~كل منهم ويدققها قبل وضعها في اجتماعنا غدا في | موقع المذاكرات ، حيث يبحث ~~فيها قضية قضية بدون جزاف ، | PageV01P187 | وأما اليوم فقد حل أوان ~~الانصراف . # بادر السيد الفراتي ، وفرق على كل واحد من أعضاء الجمعية | نسخة من سانحة ~~القانون فأخذوها وتفرقوا . | PageV01P188 | # | الاجتماع التاسع # | ويتبعه الاجتماع العاشر والحادي عشر # | يوم السبت السابع والعشرين من ذي القعدة سنة 1316 # في صباح اليوم المذكور انعقدت الجمعية وقرأ كاتبها | السيد الفراتي ضبط ~~مفاوضات اليوم السابق حسب الأصول المرعية . # قال الأستاذ الرئيس : أننا نقرأ اليوم قانون الجمعية ، وقد علم | الإخوان ~~من مطالعة السانحة التي وضعتها اللجنة ، إن هذا القانون هو | الآن في حكم ~~قانون مؤقت ، إلى أن تتشكل الجمعية الدائمة إن شاء الله | وتزاول وظائفها . ~~فهي تعيد النظر فيه وتعتني بتطبيقه على الموجبات | والتجربات ، ثم تعرضه ~~على الجمعية العامة التي سيأتي ذكرها فيه ، فإذا | أمضته صار حينئذ قانونا ~~راسخا . # فلنقرأ الآن قضايا القانون فقرة فقرة ، حتى إذا كان لأحد | الإخوان ~~ملاحظة على بعض الفقرات منه فليبدها عند قراءتها ، | وبعد المناقشة أما ~~تقبل أو ترد أو تعدل بالأكثرية . وعلى كل حال | PageV01P189 | تضبط ~~المناقشة في سجل مخصوص يكون كشرح للقضايا يرجع | إليه عند اللزوم . # ثم أمر الأستاذ الرئيس بقراءة سانحة القانون فقرئت ، وجرت | على بعض ~~القضايا وبعض الفقرات منها مناقشات ، وتولى المدقق | التركي رئيس اللجنة ~~إعطاء الإيضاحات اللازمة عن المقاصد التي | لاحظتها اللجنة فيه ، فقبل أكثر ~~قضاياه وعدل بعضها ، وضبطت | المناقشات على حدة . # وقد استغرقت مباحث القانون جلسة ذلك اليوم ، وكذلك | جلسة الاجتماع ~~العاشر المنعقد يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر ، | وجلسة الاجتماع ~~الحادي عشر المنعقد مساء الأحد أي ليلة الاثنين . | PageV01P190 | # | الاجتماع الثاني عشر # | يوم الاثنين التاسع والعشرين من ذي القعدة سنة 1316 # في صباح اليوم المذكور انتظمت الجمعية حسب معتادها . # أمر الأستاذ الرئيس بقراءة القانون ms093 الذي تقرر في الاجتماعات | الثلاثة ~~السابقة متنا مجردا فقرئ وهذه صورته : | # | قانون جمعية تعليم الموحدين # | المقدمة # قد تقرر في الجمعية المنعقدة في مكة المكرمة في ذي القعدة سنة | ست عشرة ~~وثلاثمأة وألف ، المسماة ( جمعية أم القرى ) ، النتائج الآتية : # 1 - المسلمون في حالة فتور مستحكم عام . # 2 - يجب تدارك هذا الفتور سريعا ، وإلا فتنحل عصبيتهم كليا . # 3 - سبب الفتور تهاون الحكام ، ثم العلماء ، ثم الأمراء . | PageV01P191 # 4 - جرثومة الداء الجهل المطلق . # 5 - أضر فروع الجهل : الجهل في الدين . # 6 - الدواء هو : أولا تنوير الأفكار بالتعليم ، ثانيا إيجاد شوق | للترقي ~~في رؤوس الناشئة . # 7 - وسيلة المداواة عقد الجمعيات التعليمية القانونية . # 8 - المكلفون بالتدبير هم حكماء ونجباء الأمة من السراة والعلماء . # 9 - الكفاءة لإزالة الفتور بالتدريج موجودة في العرب خاصة # 10 - يلزم تشكيل جمعية ذات مكانه ونفوذ في دائرة القانون | الآتي البيان ~~باسم : ( جمعية تعليم الموحدين ) . | PageV01P192 | # | الفصل الأول # | في تشكيل الجمعية # | قضية ' 1 ' # تتشكل الجمعية من مائة عضو . منهم عشرة عاملون وعشرة مستشارون | وثمانون ~~فخريون ، ويرتبط بالجمعية أعضاء محتسبون لا يتعين عددهم . | # | قضية ' 2 ' # يجب أن يكون الأعضاء كلهم متصفين بست صفات عامة وهي : # 1 - سلامة الحواس ، وكون السن بين الثلاثين والستين ابتداء . # 2 - الإسلامية ، من أي مذهب كان من مذاهب أهل القبلة . # 3 - العدالة ، بحيث يكون غير متجاهر بمعصية شرعية إجماعية ، ولا متلبس أو ~~| معروف بخلة منافية للمروءة . # 4 - المزية بعلم أو جاه أو ثروة . # 5 - الكتابة بإتقان ، في لغة ما ولو عامية . | PageV01P193 # 6 - النشاط ، بأن يكون ذا همة ونجدة وحمية . | # | قضية ' 3 ' # يشترط في الأعضاء العاملين والمستشارين زيادة أربع صفات على | ما سبق وهي ~~: # 1 - القدرة على التكلم والكتابة بالعربية . # 2 - إمكان الإقامة ثمانية أشهر في مركز الجمعية وهي ما عدا ذا الحجة ~~ومحرما | وصفرا أو شهر ربيع الأول . # 3 - تفرغ العاملين للحضور في نادي الجمعية أربع ساعات في كل يوم ما عدا | ~~الجمعة والأعياد . # 4 - تفرغ المستشارين لحضور جلسة يوم واحد في كل أسبوع . | # | قضية ' 4 ' # يشترط في الأعضاء الفخريين زيادة ms094 ثلاث صفات وهي : # 1 - القدرة على الكتابة في إحدى اللغات الأربع وهي العربية والتركية | ~~والفارسية والأوردية . # 2 - الاستعداد لمراسلة الجمعية بإحدى هذه اللغات الأربع في كل شهر مرة | ~~بمقالة أو رسالة أو فصل من تأليف يقترح موضوعه من قبل الجمعية | أو هو ~~يتخيره ، والجمعية تستصوبه وتقرره . | PageV01P194 # 3 - الأذعان لانتقادات وتنقيحات الجمعية وتصحيحها . | # | قضية ' 5 ' # تتشكل جمعية عامة في كل سنة مرة في أوائل ذي القعدة يدعى إليها جميع | ~~الأعضاء حتى المحتسبون ، فيحضرها الأعضاء العاملون مطلقا ومن شاء من | ~~الباقين . | # | قضية ' 6 ' # الجمعية العامة ، بالمذاكرة والانتخاب الخفي والأكثرية المطلقة ، تميز ~~أولا | المترشحين للهيئة العاملة ، ثم المترشحين للهيئة المستشارة . | # | قضية ' 7 ' # الهيئتان العاملة والمستشارة تجتمعان ، وبالمذاكرة وأكثرية الثلثين ~~تميزان | أولا المترشحين منها للرياسة ، ولنيابة الرياسة ، وللكتابة الأولى ~~، وللكتابة | الثانية ، ولأمانة المال ، ثم تنتخبان من المترشحين رئيسا ~~لأجل سنة ، | ونائب رئيس لأجل سنتين ، وكاتبا أولا لأجل ثلاث سنين ، وكاتبا ~~ثانيا ، | وأمين مال لأجل أربع سنين . | PageV01P195 | # | قضية ' 8 ' # الهيئتان العاملة والمستشارة يدققون صفات الذين يراد أن يكونوا من | ~~الأعضاء الفخريين أو المحتسبين ، ثم بالانتخاب الخفي والأكثرية المطلقة | ~~يقبلون أو يردون . | # | قضية ' 9 ' # للهيئتين العاملة والمستشارة أن يرفعوا صفة العضوية عمن يعلم وقوع حالة | ~~منه تستوجب ذلك ، وتتحقق خفيا ، وتصدق بأكثرية الثلثين . | # | قضية 10 ' # الجمعية العامة تقوم بأربع وظائف وهي : # 1 - تدقيق إجمالي في جميع الأعمال التي أجرتها الجمعية في السنة الماضية ~~. # 2 - تدقيق حساباتها الماضية . # 3 - تقرير ما يلزم التشبث به من الأعمال الكبيرة في السنة المستقبلة . # 4 - تقرير نفقات السنة القابلة . | # | قضية ' 11 ' # المركز الرسمي للجمعية مكة المكرمة ، ولها شعبات في القسطنطينية | ومصر ~~وعدن وحائل والشام وتفليس وطهران وخيوه وكابل وكلكته ودهلي | وسنكابور ~~وتونس ومراكش وغيرها من المواقع المناسبة . | PageV01P196 | # | قضية ' 12 ' # يكون تشكيل الشعبات على نمط تشكيل الجمعية المركزية مصغرا . | وتكون ~~مرتبطة تماما بالجمعية فيما عدا ماليتها وجزئيات أمورها ، فإن لها الخيار | ~~أن تكون مستقلة المالية والإدارة . | # | قضية ' 13 ' # تتشكل الشعبات على التراخي ، ويعطى للبعض المناسب الموقع منها هيئة | ~~تصلح معها لأن تتخذ ms095 عند مسيس الحاجة هي المركز الأصلي . | PageV01P197 | ~~فارغ | PageV01P198 | # | الفصل الثاني # | في مباني الجمعية # | قضية ' 14 ' # الجمعية لا تتداخل في الشؤون السياسية مطلقا فيما عدا إرشادات وإخطارات | ~~بمسائل أصول التعليم وتعميمه . | # | قضية ' 15 ' # ليس من شان الجمعية أن تكون تابعة أو مرتبطة بحكومة مخصوصة ، | على أنها ~~تقبل المعاونة أو المعاضدة من قبل السلاطين العظام والأمراء الفخام | ~~المستقلين والتابعين بصفة حماة فخريين | # | قضية 16 ' # لا تنتسب الجمعية إلى مذهب أو شيعة مخصوصة من مذاهب وشيع الإسلام | مطلقا ~~. | # | قضية ' 17 ' # توفق الجمعية مسلكها الديني على المشرب السلفي المعتدل ، وعلى نبذ كل | ~~PageV01P199 | زيادة وبدعة في الدين ، وعلى عدم الجدال فيه إلا بالتي هي ~~أحسن . | # | قضية ' 18 ' # يكون شعار الجمعية القولي : ( لا نعبد إلا الله ) . وشعارها الفعلي ~~التزام | ( المصافحة ) على وجه السنة . ووجهتها : ( الغيرة على الدين قبل ~~الشفقة على | المسلمين ) . وأهم أعمالها ( تعليم الأحداث وتهذيبهم ) تراجع ~~قضية 46 و 47 و 48 | # | قضية ' 19 ' # أعضاء الجمعية لا يتكلفون التناصر والتعاون فيما هو ليس من مقاصد | ~~الجمعية ، أي التعاون بالمال أو الجاه فيما بينهم إلا لمن يصاب ويتضرر بسبب ~~الجمعية . | # | قضية ' 20 ' # تتكفل الجمعية بإعاشة عدد مخصوص من أصحاب المزايا العلمية الخاصة ، | أو ~~العزائم الخارقة العادة ، بشرط أن يكونوا مجردين لا عيال لهم أو شبيهين | ~~بالمجردين . | PageV01P200 | # | الفصل الثالث # | في مالية الجمعية # | قضية ' 21 ' # نفقات الجمعية تبنى على غابة البساطة والاقتصاد وهي تسعة أنواع : # 1 - إكمال كفاية الهيئة العاملة بما لا يزيد على ستين ذهبا انكليزيا لكل ~~واحد | في السنة . # 2 - رواتب الكتاب والمترجمين والخدم . # 3 - أجره محلات المركز والشعب غير المستقلة ماليا . # 4 - مصاريف البعوث المتجولة . # 5 - مصاريف المطبوعات . # 6 - مصاريف التحرير والتأليف . # 7 - مصاريف البريد والمخابرات . # 8 - كفاية المكفول أعاشتهم المذكورين في القضية ( 20 ) . # 9 - المصاريف المتفرقة . | # | قضية ' 22 ' # تعتمد الجمعية في الحصول على نفقاتها على جهتين فقط : النصف من ربح | ~~PageV01P201 | مطبوعات الجمعية ، أي طبع المؤلفات الآتي ذكرها في الفصل ~~التالي من نحو | طبع المصحف الشريف بصورة متقنة للغاية تستوجب الاختصاص ~~بطبعه ، | والنصف الآخر من إعانات ms096 أصحاب الحمية والنجدة من أمراء وأغنياء ~~الأمة | وبعض الأعضاء المحتسبين . | # | قضية ' 23 ' # أمين المال يكون من أغنياء التجار المشاهير المقيمين في مركز الجمعية | ~~ويكون من جملة الأعضاء المستشارين ، ويقوم بهذه الخدمة حسبة لربه ودينه ، | ~~ويكون المال في يده بوجه مضمون . | # | قضية ' 24 ' # أمين المال يعطي وصولات بمقبوضاته تكون مطبوعة مرقوما عليها عدد | متسلسل ~~، ومرقما في جانب منها مجموع الوارد ومجموع المصروف في تلك السنة | باعتبار ~~غاية الشهر العربي المنصرم . | # | قضية ' 25 ' # أمين المال لا يصرف شيئا إلا بورقة صرف مطبوعة مرقما عليها عدد متسلسل | ~~وموقعا عليها من القابض وكاتب الجمعية ورئيسها . | PageV01P202 | # | الفصل الرابع # | في وظائف الجمعية # | قضية ' 26 ' # الهيئتان العاملة والمستشارة بالاتفاق أو أكثرية الثلثين تعيدان النظر في ~~| قانون الجمعية مرة ابتداء ، ثم كل ثلاث سنين مرة ، وتنظمان القوانين التي ~~تلزم ؛ | ويجب مطلقا أن يكون ترتيب القوانين تابعا لقواعد التروي والتدقيق ~~والتأمين . | وترتبط كل قضية بشرح مفصل مسجل يرجع إليه . # ولا يصير القانون دستورا للعمل إلا بعد قراءته في الجمعية العامة السنوية ~~| وقبوله . ويجوز للهيئتين عند الضرورة تقرير إجراء البعض من أحكام تلك | ~~القوانين مؤقتا ، ثم تعرض على الجمعية العامة الأسباب المجبرة على التعجيل ~~. | # | قضية ' 27 ' # إيقاظ فكر علماء الدين إلى الأمور الخمسة الآتية ، وتنشيطهم للسعي في ~~حصولها | ومساعدتهم باراءة أسهل الوسائل وأقربها وهي : # 1 - تعميم القراءة والكتابة مع تسهيل تعليمها . # 2 - الترغيب في العلوم والفنون النافعة التي هي من قبيل الصنائع مع تسهيل ~~| تعليمها وتلقيها . | PageV01P203 # 3 - تخصيص كل من المدارس والمدرسين لنوع واحد أو نوعين من العلوم | ~~والفنون ليوجد في الأمة أفراد نابغون متخصصون . # 4 - إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية وتسهيل تحصيلها ، ~~بحيث | يبقى في عمر الطالب بقية يصرفها في تحصيل الفنون النافعة . # 5 - الجد وراء توحيد أصول التعليم وكتب التدريس . | # | قضية ' 28 ' # السعي في تأليف متون مختصرة بسيطة واضحة على ثلاث مراتب : # 1 - لتعليم المبتدئين أو المكتفين بالمبادئ . # 2 - لتعليم المنتهين الطالبين الإتقان . # 3 - لتعليم النابغين الراغبين في الاختصاص . | # | قضية ' 29 ' # الاهتمام في جعل المتعلمين والمعلمين ms097 على أربع مراتب : # 1 - العامة ومعلموهم أئمة المساجد والجوامع الصغيرة # 2 - المهذبون ومعلموهم مدرسو المدارس العمومية والجوامع الكبيرة . # 3 - العلماء ومعلموهم مدرسو المدارس المختصة بالعلوم العالية . # 4 - النابغون ومعلموهم الأفاضل المتخصصون . | # | قضية ' 30 ' # السعي لدى أمراء الأمة بمعاملة كافة طبقات العلماء معاملة الأطباء ، أي | ~~بالحجر رسما على من يتصدر للتدريس والإفتاء والوعظ والإرشاد ما لم يكن ~~مجازا | PageV01P204 | من قبل هيئة امتحانية رسمية موثوق بها تقام في ~~العواصم . | # | قضية ' 31 ' # التوسل لدى الأمراء أن يعطوا لأحد العلماء الغيورين في كل بلدة صفة | ~~محتسب ديني على جماعة المسلمين في تلك البلدة ، ويجعلوا له مستشارين ~~منتخبين | من عقلاء الأهالي . وتكليف هذه الجمعية الاحتسابية بان تقوم ~~بالنصيحة للمسلمين | بدون عنف ، وبتسهيل تعميم المعارف والمحافظة على ~~الأخلاق الدينية . | # | قضية ' 32 ' # | التوسل لنيل العلماء ما يستحقون من رزق وحرمة ، ومنعهم عن كل ما يخل | ~~بصفتهم وشرفهم . | # | قضية ' 33 ' # التوسل لحمل أهل الطرائق على الرجوع إلى الأصول الملائمة للشرع | والحكمة ~~في الإرشاد وتربية المريدين . وتكليف كل فرقة منهم بوظيفة مخصوصة | يخدمون ~~بها الأمة الإسلامية من نحو اختصاص فرقة كالقادرية مثلا بإعاشة | وتعليم ~~الأيتام ، وأخرى بمواساة المساكين وأبناء السبيل ، وجماعة بتمريض | الفقراء ~~والبائسين ، وفئة بالتشويق إلى الصلاة ، وغيرها بالتنفير عن المسكرات . | ~~ونحو ذلك من المقاصد الخيرية الشرعية فيكون عملهم هذا عوضا عن العطل ~~والتعطيل . | PageV01P205 | # | قضية ' 34 ' # حمل العلماء والمرشدين وجمعيات الاحتساب على السعي لإرشاد أفراد | الأمة ~~، خصوصا إحداثها ، إلى قواعد معاشية وأخلاقية متحدة الأصول تلائم | ~~الإسلامية والحرية الدينية ، وتفيد تريض الأجسام وتقوية المدارك ، وتثمر | ~~النشاط للسعي والعمل ، وتولد الحمية والأخلاق الشريفة . | # | قضية ' 35 ' # تعتني الجمعية بصورة مخصوصة بوضع مؤلفات أخلاقية ملائمة للدين | وللزمان ~~، وتكون على مراتب من بسيطة ومتوسطة وعالية بحيث تقوم هذه | المؤلفات مقام ~~مطولات الصوفية . # ونقوم بوضع مؤلفات اللغة ، وسطى عربية لا مضرية ولا عامية ، | وجعلها لغة ~~لبعض الجرائد ولمؤلفات الخلاق ونحوها مما يهم نشره بين | العوام فقط . | ~~قضية ' 36 ' $ # تعتني الجمعية في حمل العلماء وجمعيات الاحتساب على تعليم الأمة ما يجب | ~~عليها شرعا من المجاملة ms098 في المعاملة من غير المسلمين ، وما تقتضيه ~~الإنسانية والمزايا | PageV01P206 | الإسلامية من حسن معاشرتهم ومقابلة ~~معروفهم بخير منه ، ورعاية الذمة والتأمين | والمساواة في الحقوق ، وتجنب ~~التعصب الديني أو الجنسي بغير حق . | # | قضية ' 37 ' # تنشر الجمعية رسالة دينية عربية في كل شهر يكون حجمها نحو مائة | صفحة ~~بحيث يتألف منها كتاب في كل عام ، وتكون مباحثها ثمانية أنواع | يخصص لكل ~~بحث قسم منها وهي : # 1 - مقرارات الجمعية وأعمالها وخلاصة المهم من مخابراتها مع شعباتها . # 2 - مباحث دينية في موضوع سماحة الدين ومزاياه السامية ، ودفع ما يرمى به ~~| به من منافته للحكمة والمدنية # 3 - قواعد أخلاقية ونصائح معاشية . # 4 - فصول في العلوم والفنون النافعة والترغيب فيها وأراءة طرائق | ~~تقلينها وتلقيها # 5 - المقالات المفيدة التي يحررها الأعضاء الفخريون وغيرهم من | فضلاء ~~الأمة . # 6 - الأخبار والإعلانات المتعلقة بالنهضة العلمية الإسلامية . # 7 - الأسئلة والأجوبة المهمة . # 8 - مباحث وفوائد شتى . | # | قضية ' 38 ' # تكون الأبحاث والمقالات الدينية في الرسالة الشهرية ملاحظا فيها إجماع | ~~السلف أو الموافقة لمذهبين فأكثر من المذاهب المدونة المتبعة . ويتعين في ~~المسائل | المهمة الخلافية أن يقرها بعض مشاهير علماء الهداية من المذاهب ~~المختلفة . | PageV01P207 | # | قضية ' 39 ' # تكون قيمة الرسالة معتدلة قريبة من مصروف تحريرها وطبعها فقط ، | وترسل ~~لكافة المدارس ومشاهير العلماء بدون عوض على حساب | الأمراء والمحتسبين . | # | قضية ' 40 ' # تعتني الجمعية غاية الاعتناء في إيصال الرسالة إلى المرسلة إليهم بصورة ~~منتظمة ، | وفي إدخالها لكافة البلاد المأهولة بالمسلمين رغما عن كل مانع ، ~~فترسل ولو برا | مع رواد على نجائب تخترق آسيا وإفريقيا إلى أقاصيهما ، ولا ~~تعدم الجمعية وسائل | كثيرة للإيصال . | # | قضية ' 41 ' # تخصص الجمعية لمنشوراتها وإعلاناتها أربع جرائد من أشهر الجرائد | ~~الإسلامية السياسية . ( 1 ) عربية في مصر ( 2 ) تركية في القسطنطينية | ( 3 ~~) فارسية في طهران ( 4 ) أوردية في كلكته . | # | قضية ' 42 ' # تسعى الجمعية في تأسيس مدرسة جغرافية تاريخية دينية في مركز | الجمعية ~~لأجل تثقيف تلامذتها وتأهيلهم للسياحة والبعوث . | # | قضية ' 43 ' # ترسل الجمعية بعوثا جغرافية وعلمية تتجول في البلاد الإسلامية القريبة | ~~PageV01P208 | والبعيدة للإطلاع على أحوال البلاد وأهلها من ms099 حيث الدين ~~والمعارف ، ولإرشادهم | إلى لما يلزم إرشادهم إليه في ذلك حسبما تقتضيه ~~الأخوة الدينية بدون تعرض للأحوال | السياسية قطعيا . | # | قضية ' 44 ' # تسعى الجمعية بعد مضي ثلاث سنين من انعقادها في إقناع ملوك المسلمين | ~~وأمرائهم لعقد مؤتمر رسمي في مكة المكرمة ، يحضره وفود من قبلهم ، ويترأسهم ~~| مندوب أصغر أولئك الأمراء ، ويكون موضوع المذاكرات في المؤتمر : | ~~السياسة الدينية . | # | قضية ' 45 ' # إذا صادفت الجمعية معارضة في بعض أعمالها من حكومة بعض البلاد ، | ولا ~~سيما البلاد التي هي تحت استيلاء الأجانب ، فالجمعية تتذرع أولا بالوسائل | ~~اللازمة لمراجعة تلك الحكومة وإقناعها بحسن نية الجمعية ، فإذا وفقت لرفع | ~~التعنت فيها ، وإلا فلتلجأ الجمعية إلى الله القادر الذي لا يعجزه شيء | ~~PageV01P209 | # | خاتمة # | قضية ' 46 ' # سياسة الجمعية : جلب قلوب من تتخير جلبهم ببذل المعروف محاباة | فتتحرى ~~مواساة الإنسان عند مصابه وتنقب عن أهم حاجاته أو غاياته فتعينه عليها . | # | قضية ' 47 ' # مظهر الجمعية : العجز والمسكنة ، فلا تقاوم ولا تقابل إلا بأساليب | ~~النصيحة والموعظة الحسنة ، وتلاطف وتحامل جهدها من يعادي مقاصدها ، | ولا ~~تلجأ إلى الإلجاء إلا في الضروريات . | # | قضية ' 48 ' # قوة الجمعية : الإخلاص في النية ، وعمدتها الثبات على العمل . ومسلكها | ~~تذليل العقبات واحدة فواحدة . وحصنها الدين الحنيف ، وسلاحها العلم ~~والتعليم . | وجيشها الأحداث والضعفاء . وقوادها حكماء العلماء والأمراء . ~~ورايتها القدوة | الحسنة ، وغنيمتها بث الحياة في الموحدين . وغايتها خدمة ~~المدنية والإنسانية . | وثمرة أعضائها وأنصارها لذة الفكر والفخر ونيل ~~الأجر من الله - تم القانون . # قال الأستاذ الرئيس : ها نحن أولاء قد استوفينا قراءة القانون | للمرة ~~الثانية أيضا ولم يستدرك عليه أحد من الإخوان شيئا ، فهل أنتم | ~~PageV01P210 | مقروه ؟ فأجاب جميع الأعضاء : نعم نقره . # قال العلامة المصري : إني بالنيابة عن هيئة الجمعية أشكر لحضرة | الأستاذ ~~المكي براعته في حسن إدارة الجمعية ، كما أنني أقدر للمدقق | التركي ~~ورفقائه وأضعي سانحة القانون قدر فضلهم وحسن أحاطتهم . # وإني لأرى في هذا القانون أشعة نور بين القضايا والسطور ، | نور يشرق على ~~المنارات فيغشى ببدره الأهلة ويبهر النسور . نور | معقود اللواء لنشأة ~~جديدة وحياة حميدة وعاقبة سعيدة . نور يمزق ms100 | ديجور الفتور ويحيى ميت ~~الشعور وما ذلك على الله بعزيز . # قال المحقق المدني : بمناسبة إني جار للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] أرى | ~~كأن رسول الله مسرور بكم أيها الإخوان الكرام ، يتضرع إلى ربه | أن يوفقكم ~~في مشروعكم خدمة لدينه وأمته خدمة تلحقكم بالمجاهدين | الصديقين الأولين . # قال الاستاذ الرئيس : حيث تقرر أن يكون تأسيس الجمعية | الدائمة ابتداء ~~في بور سعيد أو الكويت بصورة غير علنية في الأول ، | فأرى أن نفوض تعاطي ~~أسباب هذه المهمة للعلامة المصري | والسيد الفراتي ، فهما بعد ستة اشهر ~~يجتمعان في مصر ، وبعد تهيئة | PageV01P211 | الأسباب وترتيب ما يلزم ~~ترتيبه يسعيان أولا بطبع هذه المذاكرات | مع القانون ، ثم يهتمان بترجمة ~~ذلك إلى بقية أمهات اللغات الإسلامية | التركية والفارسية والأوردية ~~فيطبعانها وينشرانها ذكرى وبشرى | للمؤمنين . # ثم بعد استطلاعهما ما يلزم استطلاعه من آراء ذوي | الهمم السامية ، ~~يباشران تعاطي أسباب تشكيل الجمعية مع التروي | والتأني اللازمين حكمة . ~~وربما لا يساعدهما الزمان فيحتاجان لترقب | الفرصة ولو تأخر الأمر إلى ~~اجتماعنا الثاني . وأخونا السيد الفراتي | يعدنا بأنه لا يقطع عنا رسائله ~~وإعلامنا بسير المسألة . والأمل بعنايته | تعالى أن نجد في اجتماعنا الثاني ~~بعد ثلاث سنين الجمعية الدائمة متشكلة | على أحسن نظام . # ثم قال الأستاذ الرئيس : وإني على أمل أن الجمعية الدائمة ستلحقنا | ~~بأعضائها الفخريين ، فنخدم مقاصدها الجليلة المتعلقة بإعزاز ديننا وإخواننا ~~| وأنفسنا ، فننال بذلك اجر المحسنين وشرفا عظيما نفتخر به نحن وأحقابنا | ~~من بعدنا إلى يوم الدين . # ثم قال : وإن جمعيتنا هذه إذا اختارت أن تجعل مركزها | الموقت في مصر دار ~~العلم والحرية ، فلها أمل قوي في أن حضرة | PageV01P212 | العزيز ( عباس ~~الثاني ) يكون عضدا للقائمين بإعزاز الدين وحاميا | فخريا للجمعية ، ولا ~~بدع فإنه خير أمير شاب نشأ على الغيرة الدينية | والحمية العربية . خصوصا ~~جنابه السامي من آل بيت حازوا بين سائر | ملوك الإسلام وأمرائها قصب السبق ~~في الإطلاع على أحوال الدنيا ، | فاجتهدوا في الترقيات السياسية والعمرانية ~~والعلمية والتنظيمية | والمدنية . # حتى أن النهضة العثمانية بكل فروعها مسبوقة في مصر ومقتبسة | عنها . بل ~~كما يعلم ms101 العارفون إنما تقدمت الدولة العلية العثمانية بعض | خطوات في ~~ميدان المدنية والعمران مدفوعة بأيدي المرحومين محمد | علي وإبراهيم وفاضل ~~وكامل وغيرهم من الأمراء حتى والأميرات | المصريات ، فما كان رشيد وعالي ~~وفؤاد وكمال ومدحت وعوني وبقية | أحرار الأتراك إلا وأكثرهم آلات أوجدها ~~ومدها بالقوة هؤلاء | العظام . ولا غرو فقد يحمل الابن أباه على الرشد وان ~~أباه . # ولولا تهاون سعيد وتطاول إسماعيل ، وسقوط نفوذ الفرنسيس | بحرب السبعين ، ~~وانفراد الإنكليز ويأسهم من قبول المريض | التمريض ، وتهاتر قوات الدول ~~بتوازنها ، لبقيت تلك الحركة | مستمرة ولما رجع الشيخ إلى دور الانحلال ولا ~~وقع الابن في دور | PageV01P213 | الاحتلال . # ولهذا لا تفرط الجمعية إذا عقدت الأمل في مؤازره هذا الأمر | السهل ~~الخطير بذاك العزيز الشاب الكبير ، إجابة لداعي الحمية وسمو | الفكر ~~واغتناما للثواب وفخر الذكر ، والله الملهم الموفق ونسأله | حسن الختام . # ثم خاطب السيد الفراتي هيئة الجمعية فقال : أيها السادة ، لا غرو | أن ~~أكون أكثر الإخوان سرورا بإنتاج سعيي وسياحتي ، هذه الخطوة | الكبيرة في ~~هذا السبيل . وإني مستبشر من تسهيل المولى تعالى البداية | أن يسهل السير ~~إلى النهاية ، ولا يعز على الله شيء ، والعزائم لا شك | تذلل العظائم . # وإني أيها السادة سأراسلكم إن شاء الله بمهمات ما يحصل ويتم ، | ولا ~~استغنى أن تردفوني بآرائكم ولو عن بعد وتسعفوني بأدعيتكم | بالتوفيق . هذا ~~وليس اليوم آخر عهد جمعيتنا ، بل يلزم أن تجتمع | أيضا في هذا المحفل رابع ~~أيام التشريق فتكون تلك جمعية الوداع ، | وفيها يكاشفكم حضرة الأستاذ ~~الرئيس عن بعض تدابير وبشائر يجب | إسرارها فتوقر في الصدور لا تسجل ولا ~~تذاع . وإلى ذاك اليوم يتم | بتسهيل الله طبع سجل مذاكرات جمعيتنا إلى هذه ~~الساعة ( بمطبعة | PageV01P214 | الجلاتين . فيوزع عليكم نسخ منها كما يعطى ~~لكم نسخ من ضبط | المناقشات على القانون ، ونسخ جديدة من مفتاح الكتابة ~~الرمزية | تبديلا للمفتاح المختصر الأول ، مذيلا بتراجم الإخوان بصورة | ~~أكثر تفصيلا من الأولى وعلى الله التيسير . # ثم قال السيد الفراتي : أخبركم أيها السادة بأني أخذت بالأمس | رسالة من ~~أخينا الأديب البيروتي الذي لم يمكنه القدر ms102 من موافاة | الجمعية كما بينت ~~ذلك قبلا ، فهو يقرئكم السلام ويدعو للجمعية بالتوفيق ، | ويطلب أن أتلو ~~عليكم قصيدة له يخاطب بها المسلمين . # فقال الأستاذ الرئيس : وعليه السلام وأمر بقراءة القصيدة ، | فقرئت وأثبت ~~منها بإشارة الأستاذ الرئيس بعض أبيات وهي : | # % غيرتمو يا حيارى ما بأنفسكم % % فغير الله عنكم سابغ النعم % # % الله لا يهلك القرى إذا كفرت % % وأهلها مصلحون في شؤونهم % # % ترك التآمر بالمعروف أورثكم % % ما حاق من نذر يا زلة القدم % # إلى أن يقول : | # % يا قومنا صححوا توحيد بارئكم % % بدون إشراك أحياء ولا رمم % # % ونقحوا الشرع من حشو ومخترع % % رجعى إلى دين إسلاف ذوي ذمم % % ~~PageV01P215 | # % خذوا بمحكم آيات منزلة % % وسنة جاءنا بأفصح الكلم % # % دعوا البدائع في الدين وإن حسنت % % ولا يغرنكم تأويل محتكم % # % سماحة الدين في فكر وفي عمل % % خير من الأصرو والأغلال والسقم % # % سماحة الدين من الله خالقكم % % بها عليكم ، دعوا الكفران بالنعم % # % وحافظوا ملة بيضاء ساطعة % % سمحاء جاءتكمو بكل مغتنم % # % راقت فضائلها في كل فلسفة % % قوامها حكمة تفضي إلى شمم % # حتى يقول : | # % هذي وسيلتكم لا غيرها أبدا % فاسعوا لنهضتكم يا خيرة الأمم % # % في غير جامعة التوحيد لن تجدوا % % من جامع لكمولستم ذوي رحم % # % سياسة الدين أولى ما تساس به % % شتى الخلائق من عرب ومن عجم % # % فيها الحياة وفيها حفظ رايتكم % % خضراء سوداء حول الركن والحرم % # ذيل # قررت الجمعية في اجتماع الوداع المنعقد في رابع أيام العيد بعض | ~~PageV01P216 | أمور ينبغي أن تسر ولا تذاع . غير أنها رأت أن يلحق منها ~~بهذا | السجل ما يأتي فقط : | # | قرار عدد ( 6 ) # أن الجمعية ، بعد البحث الدقيق والنظر العميق في أحوال | وخصال جميع ~~الأقوام المسلمين الموجودين ، وخصائص مواقعهم ، | والظروف المحيطة بهم ، ~~واستعدادتهم ، وجدت أن لجزيرة العرب | ولأهلها بالنظر إلى السياسة الدينية ~~مجموعة خصائص وخصال لم تتوفر | في غيرهم . بناء عليه رأت الجمعية أن حفظ ~~الحياة الدينية متعينة عليهم | لا يقوم فيها مقامهم غيرهم مطلقا ، وأن ~~انتظار ذلك من غيرهم عبث | محض . # على أن لبقية الأقوام أيضا خصائص ومزايا تجعل لكل منهم | مقاما مهما في ms103 ~~بعض وظائف الجامعة الإسلامية ، مثل : أن معاناة | حفظ الحياة السياسية ولا ~~سيما الخارجية متعينة على الترك العثمانيين . | ومراقبة حفظ الحياة المدنية ~~التنظيمية يليق أن تناط بالمصريين ، والقيام | بمهام الحياة الجندية يناسب ~~أن يتكفل بها الأفغان وتركستان والخزر | PageV01P217 | والقوقاس يمينا ~~ومراكش وإمارات إفريقيا شمالا . وتدبير حفظ | الحياة العلمية والاقتصادية ~~خير من يتولاها أهل إيران وأواسط آسيا | والهند وما يليها . # وحيث كانت الجمعية لا يعنيها غير أمر النهضة الدينية ، بناء | عليه رأت ~~الجمعية من الضروري أن تربط آمالها بالجزيرة وما يليها | وأهلها ومن ~~يجاريهم . وأن تبسط لأنظار الأمة ما هي خصائص | الجزيرة وأهلها والعرب ~~عموما ؛ وذلك لأجل رفع التعصب السياسي | أو الجنسي ، ولأجل إيضاح أسباب ميل ~~الجمعية للعرب فنقول : # 1 - الجزيرة هي مشرق النور الإسلامي . # 2 - الجزيرة فيها الكعبة المعظمة . # 3 - الجزيرة فيها المسجد النبوي وفيه الروضة المطهرة . # 4 - الجزيرة أنسب المواقع لأن تكون مركزا للسياسة الدينية | لتوسطها بين ~~أقصى آسيا شرقا وأقصى إفريقيا غربا . # 5 - الجزيرة أسلم الأقاليم من الأخلاط جنسية واديانا ومذاهب . # 6 - الجزيرة أبعد الأقاليم عن مجاورة الأجانب . # 7 - الجزيرة أفضل الأراضي لأن تكون ديار أحرار لبعدها عن | PageV01P218 | ~~الطامعين والمزاحمين نظرا لفقرها الطبيعي # 8 - عرب الجزيرة هم مؤسسو الجامعة الإسلامية لظهور الدين فيهم . # 9 - عرب الجزيرة مستحكم فيهم التخلق بالدين لأنه مناسب | لطبائعهم ~~الأهلية اكثر من مناسبته لغيرهم . # 10 - عرب الجزيرة أعلم المسلمين بقواعد الدين لأنهم أعرقهم فيه ، | ~~ومشهود لهم بأحاديث كثيرة بالمتانة في الإيمان . # 11 - عرب الجزيرة اكثر المسلمين حرصا على حفظ الدين وتأييده | والفخار به ~~، خصوصا والعصبية النبوية لم تزل قائمة بين أظهرهم | في الحجاز واليمن ~~وعمان وحضرموت والعراق وإفريقيا . # 12 - عرب الجزيرة لم يزل الدين عندهم حنيفا سلفيا بعيدا عن | التشديد ~~والتشويش . # 13 - عرب الجزيرة أقوى المسلمين عصبية وأشدهم أنفة لما فيهم | من خصائص ~~البدوية . # 14 - عرب الجزيرة أمراؤهم جامعون بين شرف الآباء والأمهات | PageV01P219 ~~| والزوجات فلم تختل عزتهم . # 15 - عرب الجزيرة أقدم الأمم مدنية مهذبة بدليلي : سعة لغتهم ، | وسمو ~~حكمتهم وادبياتهم . # 16 - عرب الجزيرة أقدر المسلمين ms104 على تحمل قشف المعيشة في | سبيل مقاصدهم ~~، وأنشطهم على التغرب والسياحات وذلك | لبعدهم عن الترف المذل أهله . # 17 - عرب الجزيرة أحفظ الأقوام على جنسيتهم وعاداتهم فهم | يخالطون ولا ~~يختلطون . # 18 - عرب الجزيرة احرص الأمم الإسلامية على الحرية والاستقلال | وأباء ~~الضيم . # 19 - العرب عموما : لغتهم أغنى لغات المسلمين في المعارف ومصونة | ~~بالقرآن الكريم من أن تموت . # 20 - العرب لغتهم هي اللغة العمومية بين كافة المسلمين البالغ عددهم | ~~300 مليون . # 21 - العرب لغتهم هي اللغة الخصوصية لمائة مليون من المسلمين | ~~PageV01P220 | وغير المسلمين . # 22 - العرب أقدم الأمم اتباعا لأصول تساوي الحقوق وتقارب | المراتب في ~~الهيئة الاجتماعية . # 23 - العرب أعرق الأمم في أصول الشورى في الشؤون العمومية . # 24 - العرب أهدى الأمم لأصول المعيشة الاشتراكية . # 25 - العرب من احرص الأمم على احترام العهود عزة ، واحترام | الذمة ~~إنسانية ، واحترام الجوار شهامة ، وبذل المعروف مروءة . # 26 - العرب أنسب الأقوام لأن يكونوا مرجعا في الدين وقدوة | PageV01P221 ~~| للمسلمين حيث كان بقية الأقوام قد اتبعوا قد اتبعوا هديهم ابتداء | فلا ~~يأنفون عن اتباعهم أخيرا . # فهذه هي الأسباب التي جعلت جمعية أم القرى أن تعتبر العرب | هم الوسيلة ~~الوحيدة لجمع الكلمة الدينية بل الكلمة الشرقية . والجمعية | تسأل الله ~~تعالى أن يوفق ملوك المسلمين وأمراءهم للتصلب في الدين | وللحزم والعزم ~~عساهم يحفظون عزهم وسلطانهم إلى أن يرث الله | الأرض ومن عليها ، وان ~~يحميهم من التعصب السيء للسياسات | والجنسيات ، ومن الكبر والأنفة ، ومن ~~التخاذل والانقسام ، ومن | الانقياد إلى وساوس الأجانب الأضداد ، وإلا ~~فينتابهم الخطر | القريب المحدق بهم ويتخاطفهم النسور المحلقة في سمائهم ~~والله الموفق | وإليه ترجع الأمور . # وهكذا تمت الاجتماعات وختمت المذاكرات وانفض الجمع | على وعد التلاقي . | ~~PageV01P222 | # | لاحقة # يقول السيد الفراتي : انه بعد تفرق الجمعية بنحو شهرين ، ورد | إلي من ~~الصاحب الهندي كتاب يذكر فيه أنه بعد مفارقته مكة | المكرمة اجتمع بأمير ~~جليل فاضل من أعاظم نبلاء الأمة ورجال | السياسة . فاستطلع رأي الأمير في ~~خصوص النهضة الإسلامية , بعد | أن دار بينهما حديث طويل تحقق من خلاله سمو ~~فكر الأمير | والتهاب غيرته ، ذكر له ms105 إطلاعه على سجل جمعية أم القرى وأشياء ~~| من مذاكراتها ومقرراتها ، فاظهر الأمير سروره من الخبر وشديد | شوقه ~~للإطلاع على السجل الذي ذكره له ، فعندئذ وعده بإعارته | نسخة من السجل ثم ~~أرسلها له . وبعد أيام تلاقيا فدارت بينهما المحاورة | الآتية : # قال الأمير : أشكرك أيها المولى الصاحب على هذه الهدية | العزيزة ، ويا ~~لذة ليلة أحييتها في مطالعة تلك المذاكرات النفسية التي لم | أتمالك أن ~~أتركها تلك الليلة حتى أتيت على آخرها ، ثم في الأيام التالية | ~~PageV01P223 | أعدت النظر فيها بالتدقيق . # قال الصاحب : يظهر من عبارة مولاي الأمير استحسانه كيفية | تشكيل الجمعية ~~وامتنانه من مجرى مذاكراتها . # قال الأمير : كيف لا أعجب بذلك ، ولطالما كنت أتمنى انعقاد | جمعية ~~يتضافر أعضاؤها على مثل هذا المقصد ، وتكون فيه المزية | التي ظهرت على ~~رجال هذه الجمعية الذين حلوا المشكلة حلا سياسيا | ودينيا معا ، وكنت ~~استبعد وجودا كفاء كهؤلاء ! وأعظم إعجابي | هو في هذا الرجل الملقب بالسيد ~~الفراتي كيف اهتدى في رحلة | قصيرة ، مع إقامته أياما قلائل في مكة ، ~~لانتخاب هؤلاء الأعضاء | الإجلاء . # قال الصاحب : لا بد أن يكون هذا الرجل مخلصا في قصده | فأعانه الله عليه ~~، كما ورد في الخبر : إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه . فلعل | في الأقدار ~~شيئا آن أوانه . # قال الأمير : نعم للأقدار دلائل ولنعم البشائر . # قال الصاحب : أود أن استفيد من مولاي الأمير وجوه | إعجابه بهذه الجمعية ~~ومذاكراتها لا صحح رأيي في بعض انتقادات تختلج | في فكري القاصر ، فإن إذن ~~لي أعرضها عليه مسألة مسألة . | PageV01P224 # قال الأمير : قل ، ولعلي أقف على ما لم انتبه إليه . # قال الصاحب : يظهر أن أعضاء الجمعية ليس بينهم بعض من | السياسيين ~~المحنكين ، فلو وجد ربما كانت تأتي لمقررات أكثر إحكاما . # قال الأمير : لا أظن أن في الأمراء والوزراء المسلمين المعاصرين | من هم ~~أعلى كعبا في السياسة من بعض هؤلاء الأعضاء ، الذين تشف | آراؤهم عن سعة ~~إطلاع وسمو فكر وبعد نظر ، مع ملاحظات السياسة | الدينية والحالة العلمية ~~والتدقيقات الأخلاقية . # قال الصاحب : أرى أن الجمعية أعطت لمباحث السياسة الدينية | الموقع الأول ms106 ~~، وقد أصابت على أن السياسة الإدارية أيضا جديرة | بالاهتمام فتركت بدون ~~تدبير كاف . # قال الأمير : لا شك أن السياسة الإدارية مهمة أيضا وقد ابتدأت | الجمعية ~~بها ، ولكن رأت أفضل وسيلة لحصول المطلوب هي رفع | علة الفتور حيث أنتجت ~~مباحثاتها : أن علة الفتور هي الخلل الديني . | بناء عليه حولت اهتمامها ~~لجهة العلة حتى إذا زالت العلة زال المعلول . # ومع ذلك لم يترك السيد الفراتي في فصل الأسباب الإدارية شيئا من | أمهات ~~أصول الإدارة إلا وأشار إليه بما يغني عن تفصيله . | PageV01P225 # قال الصاحب : أليس بعض الأعضاء كالعالم النجدي والمجتهد | التبريزي قد ~~أسهب كثيرا بما كان بعضه يكفي عن باقيه ؟ # قال الأمير : أن مسألتي التوحيد والاستهداء ركنان مهمان | في الدين ، وقد ~~تطرق إليهما الخلل منذ قرون ، كثيرة ، فصار إصلاحهما | وردهما إلى أصلهما ~~من أصعب الأمور . وفي مثل ذلك لا بد من | الأسهاب في البحث والتعمق فيه ، ~~أو لا يرى ، ولله المثل الأعلى ، | كيف جاء القرآن الكريم بألف أسلوب في ~~تأييد التنزيه والتوحيد | والحث على اتباع الكتاب والنبي دون التقليد . # قال الصاحب : أني أرى أيضا بعض مكررات في المذاكرات | خلافا لما قله ~~السيد الفراتي ، ولذلك أرى أنه لو اهتم ذو غيره في | اختصارها يكون حسنا . # قال الأمير : أني لا أوافقك على هذا أيضا ، لأنك إذا دققت | النظر لا تجد ~~مكررات ، إنما هي آراء فلا بد أن يعاد فيها بعض ما سبق ، | وعلى كل حال هذا ~~سجل قد ضبط فيه ما وقع فلا يجوز اختصاره | والتصرف فيه . وإني أرى من أكبر ~~محاسن هذه المذاكرات أن | جاءت مباحثها متسلسلة مترقية ، فكل موضوع فيها ~~يتلوه ما هو أهم | PageV01P226 | منه فلا يمل منها سامع ولا مطالع . # قال الصاحب : ما هو رأي مولانا الأمير في القانون الموضوع | لأجل تشكيل ~~جمعية تعليم الموحدين ، هل هو قانون محكم الترتيب ، | وهل هو قابل الإجراء ~~والتطبيق على الأحوال الحاضرة والمنتظرة . # قال الأمير : القانون هو أهم ما أثمرته الجمعية ، وقابل الإجراء مع | ~~الصعوبة . # قال الصاحب : لا أدري هل أصابت الجمعية أم أخطأت في تعليق ms107 | أكبر أملها ~~في إعزاز الدين بالعرب دون دولة آل عثمان وملوكها | العظام . # قال الأمير : لا يفوتك أن مطمح نظر الجمعية منحصر في النهضة | الدينية ~~فقط ، وتؤمل أن يأتي الانتظام السياسي تبعا للدين ، ولا شك | أنه لا يقوم ~~بالهدي الديني ويغار على الدين أمة مثل العرب . # قال الصاحب : أليس ، دولة راسخة الملك إدارة وعسكرية | وسياسة ، وافرة ~~القوى مالا وعدة ورجالا ، تكون أقدر على | تمحيص الدين وإعزازه من العرب ~~الضعفاء من كل وجه ؟ وحيث | قد ألفت الأمة سماع لقب خدمة الحرمين قديما ~~ولقب الخلافة | PageV01P227 | أخيرا في حضرة السلطان العثماني ، فلا تستنكف ~~عن الأذعان الديني | له بسهولة ؟ # قال الأمير : أن حضرة السلطان المعظم يصلح أن يكون | عضدا عظيما في الأمر ~~، أما إذا أراد أن يكون هو القائم به فلا يتم | قطعيا ، لأن الدين شيء ~~والملك شيء آخر ، والسلطان غير الدولة . # قال الصاحب : ما فهمت المراد من أن الدين غير الملك وان | السلطان غير ~~الدولة ، فهل يتفضل مولاي الأمير بإيضاح ذلك ؟ # قال الأمير : أريد أن احترام الشعائر الدينية في اكثر ملوك | آل عثمان هي ~~ظواهر محضة ؛ وليس من غرضهم ، بل ولا من | شأنهم ، أن يقدموا الاهتمام ~~بالدين على مصلحة الملك ، وهذا مرادي | بأن الدين غير الملك , وعلى فرض ~~إرادتهم تقديم الدين على الملك ، | لا يقدرون على ذلك ، ولا تساعدهم الظروف ~~المحيطة بهم ؛ حيث | دولهم مؤلفة من لفيف أهل أديان ونحل مختلفة ؛ كما أن ~~الهيئة التي | تتشكل منها الدولة ، اعني الوزراء ، هم كذلك لفيف مختلف ~~الأديان | والجنسيات ، وهذا مرادي بأن السلطان غير الدولة . بناء عليه ، ~~خدمة | الحرمين ولقب الخلافة ورسوخ الملك ووفرة القوى ، كلها لا تكفي | ~~للمرجع في الدين . نعم إذا بذل آل عثمان العظام قوتهم في تعضيد | ~~PageV01P228 | وتأييد من يقوم بذلك يأتون بفضل عظيم . # قال الصاحب : قد وجد في هذا البيت الكريم بعض أعاظم | خدموا إعزاز الدين ~~خدمات كبيرة ، كالسلطان محمد الفاتح والسلطان | ياوز سليم والسلطان سليمان ~~والسلطان محمود والسلطان الحالي المعظم ، | فهم أولى واجدر بالخلافة من ~~غيرهم . # قال الأمير : أرجوك أن لا تنظر ms108 للمسألة بنظر العوام ، بل بنظر | حكيم ~~سياسي . فابعد النظر ماضيا مستقبلا ، وقلب صفحات التاريخ بدقة | تجد أن ~~إدارة الدين وإدارة الملك لم تتحدا في الإسلام تماما إلا في عهد | الخلفاء ~~الراشدين وعمر بن عبد العزيز فقط رضي الله عنهم ، واتخذتا | نوعا في ~~الأمويين والعباسيين ، ثم افترقت الخلافة عن الملك . # وأما سلاطين آل عثمان الفخام ، فإني أذكر لك أنموذجا من | أعمال لهم ~~أتوها رعاية للملك ، و ن كانت مصادمة للدين ، فأقول : | هذا السلطان محمد ~~الفاتح وهو أفضل آل عثمان قد قدم الملك على الدين ، | فاتفق سرا مع ( ~~فرديناند ) ملك ( الأراغون ) الاسبانيولي ثم مع | زوجته ( إيزابيلا ) على ~~تمكينهما مع إزالة ملك بني الأحمر ، آخر | الدول العربية في الأندلس ، ورضي ~~بالقتل العام والإكراه على | PageV01P229 | التنصر بالإحراق ، وضياع خمسة ~~عشر مليونا من المسلمين ، بإعانتهما | بإشغاله أساطيل إفريقيا عن نجده ~~المسلمين . وقد فعل ذلك بمقابلة | ما قامت له به روما من خذلان ~~الإمبراطورية الشرقية عند مهاجمته | مكدونيا ثم القسطنطينية . # وهذا السلطان سليم غدر بآل العباس واستأصلهم ، حتى انه | قتل الأمهات ~~لأجل الأجنة ، وبينما كان هو يقتل العرب في الشرق | كان الاسبانيون يحرقون ~~بقيتهم في الأندلس . وهذا السلطان سليمان | ضايق إيران حتى ألجأهم إلى ~~إعلان الرفض المكفر . ثم لم يقبل | العثمانيون تكليف نادر شاه لرفع التفرقة ~~بمجرد تصديق مذهب الإمام | جعفر ، كما لم يقبلوا من أشرف خان الأفغاني ~~اقتسام فارس كي لا يجاورهم | ملك سني . # وقد سعوا في انقراض خمسة عشر دولة وحكومة إسلامية . ومنها | انهم أغروا ~~وأعانوا الروس على التاتار المسملين ، وهو لا ندة على الجاوة | والهنديين . ~~وتعاقبوا على تدويخ اليمن ، فأهلكوا إلى الآن عشرات | ملايين من المسلمين ~~يقتلون بعضهم بعضا ، لا يحترمون فيما بينهم | دينا ولا أخوة ولا مروءة ولا ~~إنسانية ، حتى أن العسكر العثماني | باغت المسلمين مرة في صنعاء والزبيد ~~وهم في صلاة العيد | PageV01P230 # وهذا السلطان محمود اقتبس عن الإفرنج كسوتهم ، وألزم | رجال دولته ~~وحاشيته بلبسها حتى عمت أو كادت ، ولم يشأ الأتراك | أن يغيروا منها ~~الأكمام رعاية للدين لأنها مانعة من الوضوء ms109 أو معسرة | له . وهذا السلطان ~~عبد المجيد رأى من مؤيدات إدارة ملكه إباحة | الربا والخمور وإبطال الحدود ~~. ورأى مصلحة في قهر الإشراف وإذلال | السادات بإلغاء نفوذ النقابات ، ففعل ~~. # وفي هذا المقدار كفاية إيضاح لقاعدة : أن مؤيدات الملك عند | السلاطين ~~مقدمة على الدين . أما صفة خدمة الحرمين وألفة مسامع | العثمانيين للقب ~~الخلافة ، فهذا كذلك لا يفيد الدين واهلة شيئا ، | وليس له ما يتوهم البعض ~~من الإجلال عند الأجانب # ولو أن حضرة السلطان المعظم أخذ عليه تأييد الدين بما أمده | الله به من ~~القوة المادية بدون استناد إلى صبغة معنوية ، لتمكن من | أن يخدم دينه ~~وملكه حقا خدمات مقبولة عند الله ورسوله مشكورة | عند المؤمنين كافة . ~~ولرفعت له راية الحمد في شرق الأرض وغربها | PageV01P231 | واحترمه الأبيض ~~والأحمر ، وعظمه المسلم والكافر . وأظنه قد قرب | اليوم الذي يتنبه فيه ، ~~فيتروى في الأمر فيعدل عن الاعتماد على غير | الماديات ، ويضرب على فم بعض ~~الغشاشين المتملقين الخائنين ، الذين | ينسبون حضرته إلى ما لم ينتسب هو ~~إليه : ويشيعون عنه دعوى | ما ادعاها قط أحد من أجداده العظام بوجه رسمي . # وهؤلاء الغشاشون يغرون حضرة السلطان على هذه الدعوى | بما يهرفون به عليه ~~، وبما يؤلفونه هم وأعوانهم من الكتب والرسائل | التي يعزون بعضها لأنفسهم ~~، وبعضها لغيرهم من المنافقين أو لأسماء | يسمونها أو كتب يختلقونها ، ~~فيجعلون تارة آل عثمان العظام | يتصلون نسبا بعثمان بن عفان رضي الله عنه ؛ ~~وأخرى يرفعون نسبهم | إلى أعالي قريش ويعطونهم حق الخلافة ، مرة بالتنازل ~~من العباسيين ، | وأخرى بالاستحقاق والوراثة ، وآونة بالعهد ، وأخرى ~~بالبيعة العامة ، | وحينا بخدمة الحرمين الشريفين . ووقتا بحفظ المخلفات ~~النبوية . # وكأن هؤلاء الغشاشين يريدون بهذه الدسائس أن يجعلوا | حضرة السلطان ~~نظيرهم : دعي نسب كاذب كدعواهم لأنفسهم | السيادة ، ومتسنم مقام موهوم ~~كدعواهم الولاية والقطبانية في | أنفسهم وآبائهم وأجدادهم ؛ فيحشون في تلك ~~المؤلفات انسابا انتحلوها | PageV01P232 | لأنفسهم مقرونة بنسب حضرة ~~السلطان ؛ ويستطردون لحكايات | كرامات لأجدادهم ملفقة مخترعة لا يعترفها ~~لهم أحد من المسلمين ، | يدسونها بين حكايات ووقائع الخلفاء والسلاطين . # ومن المعلوم عند أهل الوقوف ، أن التلقب ms110 بالخلافة والإمامة | الكبرى أو ~~إمارة المؤمنين في آل عثمان العظام حدث في عهد | المرحوم السلطان محمود ، ~~حيث صار بعض وزرائه يخاطبونه بذلك | أحيانا تفننا في الإجلال وغلوا في ~~التعظيم ، ثم توسع استعمال هذه | الألقاب في عهد أبنية وحفيدية إلى أن بلغ ~~ما بلغه اليوم بسعي أولئك | الغشاشين ، الذين يدفعون ويقودون حضرة السلطان ~~الحالي لتنازل | عن حقوق راسخة سلطانية لأجل عنوان خلافة وهمية مقيدة في | ~~وضعها بشرائط ثقيلة ، لا تلائم أحوال الملك ، ومعرضة بطبعها للقلقلة | ~~والانتزاع والخطر العظيم . # ولذلك ، حضرات السلاطين أنفسهم لم يزالوا إلى الآن متحفظين | عن التلقب ~~بالخلافة رسميا في منشوراتهم ومسكوكاتهم ، إنما تمضغها | أفواه البعض ، ~~فيلوكها التركي تعظيما لقومه ، والعربي نفاقا لسلطانه ، | والمصري اتباعا ~~للمرائين ، والهندي اعتزازا بالوهم ، والأجنبي هزؤا | ومكرا ؛ بخلاف حضرات ~~سلطان مراكش وأمير عمان وإمام | PageV01P233 | اليمن ، المتنازعين في هذا ~~المقام رسما ، المتقاطعين لأجله ، على أنهم قد | شعروا أو كادوا يشعرون ~~بضررهم السياسي في ذلك . ولا نعلم متى | يخلق الله من يسعى في إقناعهم ~~جميعا بترك هذه الدعوة الداعية | للانفراد و التخاذل ، ويرتب بينهم قواعد ~~محافظة الاستقلال السياسي ، | ومراسم التشريفات والمخاطبات ، وروابط ~~التعاون والاتحاد بصفة | سلاطين وامراء ، كما آل إليه الأمر على عهد ~~الخلفاء العباسيين مع | السلاطين الخارزمية والديلم والأيوبيين وغيرهم . # ثم قال الأمير : وقد حملتني إشارات السيد الفراتي في كلامه | على الجامعة ~~الدينية تحت لواء وأمراء الخلافة ، أن افتكر في القواعد الأساسية | التي ~~ينبغي أن يبنى عليها ذلك . فلاح لي ما قيدته في هذه المفكرة ، | وأخرج من ~~جيبه ورقة قرأها ، وعند ختام مجلسنا استنسختها منه | وصورتها : # 1 - إقامة خليفة عربي قرشي مستجمع للشرائط في مكة . # 2 - يكون حكم الخليفة سياسة مقصورا على الخطة الحجازية ، | ومربوطا بشورى ~~خاصة حجازية . # 3 - الخليفة ينيب عنه من يترأس هيئة شورى عامة إسلامية . # 4 - تتشكل هيئة الشورى العامة من نحو مائة عضو منتخبين | PageV01P234 | ~~مندوبين من قبل جميع السلطنات والإمارات الإسلامية ، | وتكون وظائفها ~~منحصرة في شؤون السياسة العامة | الدينية فقط . # 5 - تجتمع الشورى العامة مدة شهرين في كل سنة قبيل موسم ms111 | الحج . # 6 - مركز الشورى العامة يكون مكة عندما يصادف الحج موسم | الشتاء ، ~~والطائف في موسم الصيف . # 7 - تقترع الشورى يوم افتتاح كل اجتماع على انتخاب نائب الرئيس | ويعينه ~~الخليفة . # 8 - تتعين وظائف الشورى العامة بقانون مخصوص تضعه هي ، | ويصدق عليه من ~~قبل السلطنات والإمارات . # 9 - ترتبط بيعة الخليفة بشرائط مخصوصة ملائمة للشرع ، بناء على أنه إذا | ~~تعدى شرطا منها ترتفع بيعته ، وفي كل ثلاث سنين يعاد | تجديد البيعة . # 10 - انتخاب الخليفة يكون منوطا بهيئة الشورى العامة . # 11 - الخليفة يبلغ قرارات الشورى ويراقب تنفيذها . | PageV01P235 # 12 - الخليفة لا يتداخل في شيء من الشؤون السياسية والإدارية في | ~~السلطنات والإمارات قطعيا . # 13 - الخليفة يصدق على توليات السلاطين والأمراء التي تجري | احتراما ~~للشرع على حسب أصولهم القديمة في وراثاتهم للولاية . # 14 - الخليفة لا يكون تحت أمره قوة عسكرية مطلقا ، ويذكر اسمه | في ~~الخطبة قبل أسماء السلاطين ولا يذكر في المسكوكات . # 15 - يناط حفظ الأمن في الخطة الحجازية بقوة عسكرية تتألف | من ألفين إلى ~~ثلاثة الآف من جنود مختلطة ترسل من قبل جميع | السلطنات والإمارات . # 16 - تكون القيادة العامة للجنود الحجازية منوطة بقائد من قبل | إحدى ~~الإمارات الصغيرة . # 17 - يكون القائد تحت أمر هيئة الشورى مدة انعقادها . # 18 - هيئة الشورى تكون تحت حماية الجنود المختلطة . # أما وظائف الشورى العامة فيقتضي أن لا تخرج عن تمحيص | أمهات المسائل ~~الدينية التي لها تعلق مهم في سياسة الأمة ، وتأثير | قوي في أخلاقها ~~ونشاطها . وذلك : مثل فتح باب النظر والاجتهاد | PageV01P236 | تمحيصا ~~للشريعة ، وتيسيرا للدين ، وسد أبواب الحروب والغارات | والاسترقاق اتباعا ~~لمقتضيات الحكمة الزمانية . # وكفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة والاستفادة من | إرشاداتها وإن ~~كانت غير مسلمة ، وسد أبواب الانقياد المطلق ولو | لمثل عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه . # وكفتح باب أخذ العلوم والفنون النافعة ولو عن المجوس ، وسد | باب إضاعة ~~الأوقات بالعبث ، ونحو ذلك من أمهات المنجيات والمهالك . # ثم قال الأمير : وبمثل هذا الترتيب تنحل مشكلة الخلافة ، | ويتسهل عقد ~~اتحاد إسلامي تضامني تعاوني يقتبس ترتيبه | من قواعد اتحاد الألمانيين ~~والأمريكانيين ms112 مع الملاحظات الخاصة . | وبذلك تأمن الحكومات الإسلامية ~~الموجودة على حياتها السياسية | من الغوائل الداخلية والخارجية ، فتتفرغ ~~للترقي في المعارف والعمران | والثروة والقوة ، مما لا بد منه للنجاة من ~~الممات . وما اجدر إمارات | الجزيرة بالسبق إلى مثل هذا الاتحاد . # قال الصاحب : يستشف من ظاهر فكر مولاي الأمير ، انه | لا يجوز الاتكال ~~على الملوك العثمانيين العظام في أمر الخلافة ، علاوة | على السلطنة . | ~~PageV01P237 # قال الأمير : أني احب العثمانيين للطف شمائلهم ، وتعظيمهم | الشعائر ~~الدينية ، ولكن النصيحة للدين تستلزم قول الحق . وعندي | أن حضرات آل عثمان ~~العظام أنفسهم ، إذا تدبروا ، لا يجدون وسيلة | لتجديد حياتهم السياسية ~~أفضل من اجتماعهم مع غيرهم على | خليفة قرشي . # قال الصاحب : أخبرني ، أيها الأمير ، أحد أعضاء الجمعية أنه لما | رأى ~~السيد الفراتي يميل للتنقيب عن سياسة العثمانيين ، واستمالة | الجمعية ~~عليهم لا لهم ، ذكر له ذلك مرة متلوما ، وقال له : إلا ينبغي ستر | أحوالهم ~~والمدافعة عنهم ، لأنهم أعظم دولة إسلامية موجودة . | فأجابه : # بان ذلك كذلك لولا أن فيه تغرير المسلمين ، وتركهم متكلين | على دولة ما ~~توفقت لنفع الإسلامية بشيء في عز شبابها ، بل أضرتها | بمحو الخلافة ~~العباسية المجمع عليها ، وتخريب ما بناه العرب ، وإفناء | الأمة بفتوحاتها ~~شرقي أوربا ومدافعاتها ، وإنه لا يقصد بكشف | الحقيقة وإظهارها غير إزالة ~~الغرور والاتكال المستوليين على جماهير | المسلمين بسبب عدم التأمل . ثم ~~قال له : # أليس الترك قد تركوا الأمة أربعة قرون ولا خليفة ، وتركوا | PageV01P238 ~~| الدين تعبث به الأهواء ولا مرجع ، وتركوا المسلمين صما بكما عميا | ولا ~~مرشد ؟ # أليس الترك قد تركوا الأندلس مبادلة . وتركوا الهند | مساهلة ، وتركوا ~~الممالك الجسيمة الآسيوية للروسيين ، وتركوا | قارة إفريقيا الإسلامية ~~للطامعين ، وتركوا المداخلة في الصين كأنهم | الأبعدون ؟ # أليس الترك قد تركوا وفود الملتجئين يعودون خائبين ، | وتركوا المستنصرين ~~بهم عرضة للمنتقمين ، وتركوا ثلثي ملكهم | طعمه للمتغلبين ؟ # أفما آن لهم أن يستيقظوا ويصبحوا من النادمين | على ما فرطوا في القرون ~~الخالية ، فيتركون الخلافة لأهلها | والدين لحماته ؛ وهم يحتفظون على بقية ~~سلطنتهم ، ويكتفون بشرف | خدمة نفس الحرمين ، وبذلك يتقون الله في الإسلام ~~والمسلمين . # وقال ms113 أيضا : انه غير متعصب للعرب ، وإنما يرى مالا بد أن | يراه كل حر ~~مدقق يتفحص الأمر : من أن الغيرة على الدين وأهله | والاستعداد لتجديد عز ~~الإسلام ، منحصران في أهل المعيشة البدوية من | العرب . إذ يرى أن المشيئة ~~الآلهية حفظهم من تلك الأمراض | PageV01P239 | الأخلاقية التي لا دواء لها ~~: كفالج الحرية في الحواضر ، باعتقاد أهلها | أنهم خلقوا أنعاما للأمراء ، ~~وكجذام التربية في المدن بوضعهم النساء | في مقام ربائط للاستمتاع . ~~وكطاعون الحياء في بعض الأقوام | بالفتهم اللواط المميت للأخلاق الشريفة ~~دفعة الذي جزى الله أهله | بخسف الأرض بهم تطهيرا لها منهم , وكوباء النشاط ~~في أهل | الأراضي الخصبة ، حيث يسهل أن يغنوا ، فيبطروا ، فتفسد أخلاقهم | ~~فيخسرون الدنيا والآخرة . # قال الأمير : نعم الرأي ونعم التدقيق # قال الصاحب : أن ما ذكر مولاي من حصر صفة الخلافة في | خليفة قرشي في مكة ~~، ترتبط به جميع السلطنات والإمارات | الإسلامية ارتباطا دينيا ؛ وما وصف ~~من تشكيل الشورى العامة | المؤيدة لهذا الارتباط الديني ، لأمر عظيم جدا . ~~والغالب أن الدول | المسيحية التي لها رعايا من المسلمين ، أو المجاورة ~~للمسلمين ، تتحذر | من أن يجر جمع الكلمة الدينية على رابطة سياسية تولد ~~حروبا | دينية ، فتعمد هذه الدول إلى عمل الدسائس والوسائل لمنع حصول | هذا ~~الارتباط أساسا . فما هو التدبير الذي يقتضي اتخاذه أمام تحذر | الدول من ~~ذلك . | PageV01P240 # قال الأمير : لا يفكر هذا الفكر غير الفاتيكان وأحزابه | الجزويت و ~~أمثالهم ، أما رجال السياسة في إنكلترا وروسيا وفرانسا ، | وهي الدول ~~العظام التي يهمها التفكير في هذا الشأن ، فقد علمتهم | التجارب النتائج ~~الآتية وهي : # 1 - أن المسلمين لا ينتصرون أبدا ، لا سيما في زمان يبتعد فيه | النصارى ~~عن نصرانيتهم . # 2 - أن المسلمين المتنورين أفرادا وجموعا أبعد عن الفتن من | الجاهلين . # 3 - أن العرب من المسلمين أقرب من غيرهم للألفة وحسن المعاملة | والثبات ~~على العهد . # فإذا أرشد أولئك السياسيون لأن يضموا إلى معرفتهم هذه ، | علمهم أيضا ~~بالأحكام الإسلامية في مسألة الجهاد التي يتهيبونها ، علما | يستخرجونه مما ~~عندهم من تراجم القرآن الكريم ، لا من مؤلفات | متعصبي الطرفين ، حيث ms114 يجدون ~~نحوا من خمسين آية بأساليب شتى ، | كلها تنهى عن الإلحاح في الهداية إلى ~~الدين ، فضلا عن التشديد | والإلزام بالقتال ، كقوله تعالى : @QB@ إنك لا ~~تهدي من أحببت @QE@ ، | PageV01P241 | ^ ( وجادلهم بالتي هي احسن ) و ^ ( ~~لست عليهم بمسيطر ) ^ ويجدون | آيتين في التشديد إحداهما ^ ( فاصدع بما ~~تؤمر ) @QB@ والآخري @QE@ ( وجاهدوا | في سبيل الله ) ^ ؛ وبمراجعة أسباب ~~نزول هاتين الآيتين | يعلمون انهما نزلتا في حق المشركين والكتابيين من ~~العرب ، ولا يوجد | في القرآن ملزم لاعتبار عمومية حكمهما . # وإذا دققوا البحث ، يجدون أن ليس في علماء الإسلام مطلقا من | يحصر معنى ~~الجهاد في سبيل الله في مجرد محاربة غير المسلمين ، بل | كل عمل شاق نافع ~~للدين والدنيا ، حتى الكسب لأجل العيال ، | يسمى جهادا . # وبذلك يعلمون أن قصر معنى الجهاد على الحروب كان مبنيا | على إرادة ~~الفتوحات ، والتوسل للتشجيع حين كان مجال للفتوحات ، | كما أعطي اسم الجهاد ~~مقابلة لاسم الحروب الصليبية التي أصلى نارها | المسيحيون . # ثم بعطف نظرهم إلى التاريخ ، يجدون أن العرب منذ سبعة | قرون لم يأتوا ~~حربا باسم الجهاد . وما كانت تعديات أساطيل إمارات | الغرب إلا من قبيل ( ~~القرصان ) الذي كان مألوفا عند جميع إمارات | الأرخبيلين الصقلي واليوناني ~~وكلهم نصارى . أما غارات التاتار | PageV01P242 | على شمالي أوروبا غارات ~~الترك على شرقها ، فكذلك ليست من نوع الجهاد | ولا من الحروب الدينية ، ~~وإنما هي من ملحقات غارات البرابرة | الشماليين على أوروبا . ويجدون انهم ~~كما أغاروا على أوروبا أغاروا على | البلاد الإسلامية ، ثم اسلم التاتار ~~وحسنت أخلاقهم . # أما الترك ، فإذا دقق الأوربيون سياستهم ، يجدونهم لا يقصدون | بالاستناد ~~للدين غير التلاعب السياسي وقيادة الناس إلى سياستهم | بسهولة ، وإرهاب ~~أوروبا باسم الخلافة واسم الرأي العام . وعدم | اشتراك البلاد العربية في ~~المذابح الأرمنية الأخيرة ، برهان كاف | على أن الإسلامية بمعزل عن ~~المجافاة ، لأن العرب يفهمون معنى | القرآن فيدينون به . وقد يندهش ~~الأوربيون إذا علموا أن السياسة | التركية لم يوافقها أن تترجم القرآن إلى ~~اللغة التركية إلى الآن . # ولدى رجال السياسة دليل مهم آخر على أن أصل الإسلامية لا | يستلزم الوحشة ~~بين المسلمين وغيرهم ، بل ms115 يستلزم الألفة ؛ وذلك أن | العرب أينما حلوا من ~~البلاد ، جذبوا أهلها بحسن القدوة والمثال لدينهم | ولغتهم ، كما أنهم لم ~~ينفروا من الأمم التي حلت بلادهم وحكمتهم ، | فلم يهاجروا منها كعدن وتونس ~~ومصر بخلاف الأتراك ، بل يعتبرون | دخولهم تحت سلطة غيرهم من حكم الله ~~لأنهم يذعنون لكلمة ربهم | PageV01P243 | تعالى شأنه : @QB@ وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس @QE@ . # فإذا علم السياسيون هذه الحقائق وتوابعها لا يحذرون من الخلافة | العربية ~~، بل يرون من صوالحهم الخصوصية ، وصوالح النصرانية ، | وصوالح الإنسانية ، ~~أن يؤيدوا قيام الخلافة العربية بصورة محدودة | السطوة ، مربوطة بالشورى ~~على النسق الذي قرأته عليك . # ثم على فرض أن بعض الدول ولو المسلمة أرادت عرقلة هذا | الأمر ، فهي لا ~~تقوى عليه ، لأن أفكار الأمم لا تقاوم ولا تصادم ، | على أني لا أظن بمثل ~~فرانسا أن تنخدع لرأي أنصار الجزويت ، | لا سيما بعد أن تعلمت من الإنكليز ~~كيف تسوس المسلمين ، فأبقت | لتونس أميرها ، فاستراحت مما عانته قبلا من ~~الجزائر بسبب السياسة | التعصبية الخرقاء . # قال الصاحب : استشف من كلام مولاي الأمير أن أمله ضعيف | في تشكيل جمعية ~~تعليم الموحدين ، مع انه معجب بإتقان التدبير . # قال الأمير : أن دون تشكيل الجمعية بعض عوائق مالية شتى ، | وأرجوا اله ~~تعال أن يزيلها . # قال الصاحب : إنني جاهد في الوقوف على خبر السيد الفراتي ، | PageV01P244 ~~| ولعلي اظفر بمعرفته فاجتمع به أو أكاتبه ، فهل لمولاي الأمير رأي | أو ~~أمر أبلغه إياه إذا ظفرت به ؟ # قال الأمير : نعم إذا ظفرت بمعرفته فأقرئه مني السلام ، وبلغه | عني هذه ~~الجمل : وهي أني أثني على صدق عزيمته ، وعلى حسن إنتخابه | رفقاءه ، وأوصيه ~~بالثبات والإقدام ولو طال المطال ، وأن يحرص على | إبقاء علاقته مع أعضاء ~~جمعية أم القرى باستمراره على مكاتبتهم وإن | لا يقنط من مساعدة ~~القسطنيطينية أو مصر أو مراكش أو طهران أو | كابل أو حائل أو عمات ، لا ~~سيما بعد انعقاد جمعية تعليم الموحدين ورسوخها . # قال الصاحب : إذا ظفرت به عن شاء الله أبشره بتحية مولاي | الأمير ، ~~وأبلغه كل ما أمر به . | ( انتهت المحاورة ) | يقول السيد الفراتي : قد ms116 ~~ألحقت هذه المحاورة بسجل المذاكرات ، | وكتبت بها إلى باقي الإخوان ، وذلك ~~تنويها بشأن حضرة الأمير | المشار إليه ، وشكرا على غيرته وتبصيراته ، ~~وافتخارا بحسن ظنه | ونظره في هذا العاجز ، وتبشيرا لجنابه وللمسلمين بأن ~~جمعية أم | القرى قد احكم تصورها وتأسيسها ، فهي بعناية الحي القيوم الأبدي ~~| حية قائمة أبدا . | PageV01P245 ms117