######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009680 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن أحمد بن مسعود الكواكبي يلقب بالسيد الفراتي (المتوفى: 1320هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1320 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أم القرى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009680 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9680 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9680 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1402هـ - 1982م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الرائد العربي - لبنان/ بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على ~~سيدنا محمد أفضل المخلوقين، وعلى آله وأصحابه أنصار دينه الأولين، وعلى ~~أتباعهم في مسالكهم إلى يوم الدين. # أما بعد فأقول، وأنا هو الرحالة المتكنى بالسيد الفراتي: # إنه لما كان عهدنا هذا، وهو أوائل القرن الرابع عشر، عهدا عم فيه الخلل ~~والضعف كافة المسلمين، وكان من سنة الله في خلقه أن جعل لكل شيء سببا، فلا ~~بد لهذا الخلل الطارئ، والضعف النازل، من أسباب ظاهرية غير سر القدر الخفي ~~عن البشر؛ فدعت الحمية بعض أفاضل العلماء والسراة والكتاب السياسيين للبحث ~~عن أسباب ذلك، والتنقيب عن أفضل الوسائل للنهضة الإسلامية، فأخذوا ينشرون ~~آراءهم في ذلك في بعض الجرائد الإسلامية الهندية # PageV01P003 # والمصرية والسورية والتاتارية، وقد اطلعت على كثير من مقالاتهم الغراء في ~~هذا الموضوع الجليل، واتبعت أثرهم بنشر ما لاح لي في حل هذا المشكل العظيم. # ثم بدا لي أن أسعى في توسيع هذا المسعى بعقد جمعية من سراة الإسلام في ~~مهد الهداية أعني " مكة المكرمة ". فقعدت العزيمة متوكلا على الله تعالى ~~على إجراء سياحة مباركة بزيارة أمهات البلاد العربية، لاستطلاع الأفكار ~~وتهيئة الاجتماع في موسم أداء فريضة الحج، فخرجت من وطني، أحد مدن الفرات، ~~في أوائل محرم سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف وكلي السن تنشد: # (دراك فمن يدنف لعمرك يدفن ... وما نافع نوح متى قيل قد فني) # (دراك فإن الدين قد زال عزه ... وكان عزيزا قبل ذا غير هين) # (فكان له أهل يوفون حقه ... بهدى وتلقين وحسن تلقن) # (إلام وأهل العلم أحلاس بيتهم ... أما صار فرضا رأب هذا التوهن) # (هلموا إلى بذل التعاون إنه ... بإهماله إثم على كل مؤمن) # (هلموا إلى (أم القرى) وتآمروا ... ولا تقنطوا من روع رب مهيمن) # (فإن الذي شادته أسياف قبلكم ... هو اليوم لا يحتاج إلا لألسن) # PageV01P004 # فأتيت بلدة لا اسميها، وما أطلت المقام فيها حيث وجدتها كما وصف أختها ~~أبو الطيب بقوله: # (ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهمو مقام) # (بأرض ما اشتهيت رأيت ms001 فيها ... فليس بفوتها الإكرام) # فخرجت منها سالكا الطريق البحري من إسكندرون معرجا على بيروت فدمشق ثم ~~يافا فالقدس، ثم جئت إسكندرية فمصر، ثم من السويس يممت الحديدة فصنعاء ~~فعدن، ومنها قصدت عمان فالكويت، ومنها رجعت إلى البصرة ومنها إلى حائل إلى ~~المدينة على منورها أفضل الصلاة والسلام، على مكة المكرمة فوصلتها في أوائل ~~ذي القعدة؛ فوجدت أكثر الذين أجابوا الدعوة ممن كنت اجتمعت بهم من أفاضل ~~البلاد الكبيرة المذكورة وسراتها قد سبقوني بموافاتها، وما انتصف الشهر وهو ~~موعد التلاقي إلا وقدم الباقون ما عدا الأديب البيروتي الذي حرمنا القدر ~~ملاقاته لسبب أنبأنا عنه فعذرناه. # وفي أثناء انتظارنا منتصف الشهر، سعيت مع بعض الإخوان الوافدين في تحري ~~وتخير اثنى عشر عضوا أيضا لأجل إضافتهم # PageV01P005 # للجمعية، وهم من مراكش وتونس والقسطنطينية وبغجة سراي وتفليس وتبريز ~~وكابل وكشغر وقازان وبكين ودلهي وكلكته وليفربول. # وإذ كنت المباشر لهذه الدعوة بادرت واتخذت لي دارا في حي متطرف في مكة، ~~مناسبة لعقد الاجتماعات بصورة خفية، ومع ذلك استأجرتها باسم بواب داغستاني ~~روسي لتكون مصونة من التعرض رعاية للاحتياط. # وقد انعقد من منتصف الشهر إلى سلخه اثنا عشر اجتماعا غير اجتماع الوداع، ~~جرت فيها مذاكرات مهمة، صار ضبطها وتسجيلها بكمال الدقة كما سيعلم من ~~مطالعة هذا السجل المتضمن كيفية الاجتماعات مع جميع المفاوضات والمقررات، ~~غير ما آثرت الجمعية كتمه كما سيشار إليه. # PageV01P006 ### | الاجتماع الأول ### | يوم الاثنين خامس عشر ذي العقدة سنة # 1316 # في اليوم المذكور انتظمت الجمعية للمرة الأولى وأعضاؤها اثنان وعشرون ~~فاضلا، كلهم يحسنون العربية، فبعد أن عرفت كلا منهم لباقي إخوانه، وتعارفوا ~~بالوجوه، بادرتهم بتوزيع اثنين وعشرين قائمة مهيئات قبلا، مطبوعات بمطبعة ~~الجلاتين التي استعرتها من تاجر هندي في مكة لأجل طبع هذه القائمة وأمثالها ~~من أوراق الجمعية، محررا في نسخ القائمة مختصرا تراجم إخوان الجمعية ~~جميعهم، ببيان الاسم والنسبة والمذهب والمزية الخصوصية، وموضحا فيها أيضا ~~مفتاح الرموز التي يحتاج الإخوان لاستعمالها. # وأعضاء الجمعية هم: " 443138151279812176635584522 ~~8413259365727835264332327404919867562321 " # واعني بذلك: " السيد الفراتي: والفاضل الشامي، البليغ القدسي، ms002 الكامل # PageV01P007 # الإسكندري، العلامة المصري، المحدث اليمني، الحافظ البصري العالم النجدي، ~~المحقق المدني، الأستاذ المكي، الحكيم التونسي، المرشد الفاسي، السعيد ~~الإنكليزي، المولى الرومي، الرياضي الكردي، المجتهد التبريزي، العارف ~~التاتاري، الخطيب القازاني، المدقق التركي، الفقيه الأفغاني، الصاحب ~~الهندي، الشيخ السندي، الإمام الصيني. # ثم بادرت الإخوان جاهرا بكلمة شعار الأخوة التي يعرفونها مني من قبل وهي ~~(لا نعبد إلا الله) مسترعيا سمعهم، وخاطبتهم بقولي: # " من كان منكم يعاهد الله تعالى على الجهاد في إعلاء كلمة الله والأمانة ~~لإخوان التوحيد أعضاء هذه الجمعية المباركة فليجهر بقوله: على عهد الله ~~بالجهاد والأمانة، ومن كان لا يطيق العهد فليعنزلنا "؛ وما جال نظري فيهم ~~إلا وسارع الذي عن يميني إلى عقد العهد ثم الذي يليه ثم وثم إلى آخرهم. # ثم التمست منهم أن ينتخبوا أحدهم رئيسا يدير الجمعية ومذاكراتها، وآخر ~~كاتبا يضبط المفاوضات ويسجل المقررات؛ فأجابني العلامة المصري: " إن معرفة ~~الإخوان بعضهم بعضا جديدة العهد، وإنك # PageV01P008 # أشملهم معرفة بهم، فأنا أترك الانتخاب لك "؛ وما أتم رأيه هذا إلا وأجمع ~~الكل على ذلك، فحينئذ أعلنت لهم أني أتخير للرئاسة الأستاذ المكي، وأتخير ~~نفسي لخدمة الكتابة، تفاديا عن أتعاب غيري في الخدمة التي يمكنني القيام ~~بها، واستأذنت الأفاضل الأعجام منهم بنوع من التصرف في تحرير بعض ألفاظهم، ~~فأظهر الجميع الرضاء والتصويب، وصرح الأستاذ بالقبول مع الامتنان من حسن ~~ظنهم به، واستولى على الجمعية السكوت ترقبا لما يقول الرئيس. # أما الأستاذ الرئيس فقطب جبينه مستجمعا فكره، ثم استهل فقال: # الحمد لله عالم السر والنجوى، الذي جمعنا على توحيده ودينه وأمرنا ~~بالتعاون على البر والتقوى، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل (المسلم ~~للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا) ، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله ~~انتصارا لدينه، لم يشغلهم عن إعزاز الدين شاغل، وكان أمرهم شورى بينهم يسعى ~~بذمتهم أدناهم اللهم إياك نعبد لا نخضع لغيرك، وإياك نستعين لا ننتظر نفعا ~~من سواك ولا نخشى ضرا، اهدنا الصراط المستقيم الذي لا خفيات ولا ثنيات # PageV01P009 # فيه صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الهداية إلى ms003 التوحيد، غير المغضوب ~~عليهم بما أشركوا ولا الضالين بعد ما اهتدوا، سبحانك ربنا آتنا من لدنك ~~رحمة وهيء لنا من امرنا رشدا. # وبعد فيا أيها السادات الكرام، كل منا يعلم سبب اجتماعنا هذا من سابق ~~مفاوضات أخينا السيد الفراتي، الذي أجبنا دعوته لهذه الجمعية شاكرين سعيه. # ولذلك لا أرى لزوما للبحث عن السبب، كما لا أجد حاجة لتنشيط همتكم وتأجيج ~~حميتكم لأننا كلنا في هذا العناء سواء، ولكن أذكركم بخلاصة تاريخ هذه ~~المسألة فأقول: # إن مسألة تقهقر الإسلام بنت ألف عام أو أكثر، وما حفظ عز هذا الدين ~~المبين كل هذه القرون المتوالية إلا متانة الأساس، مع انحطاط الأمم السائرة ~~عن المسلمين في كل الشؤون، إلى أن فاقتنا بعض الأمم في العلوم والفنون ~~المنورة للمدارك، فربت قوتها، فنشرت نفوذها على أكثر البلاد والعباد من ~~مسلمين وغيرهم؛ ولم يزل المسلمون في سباتهم إلى أن استولى الشلل على كل ~~أطراف جسم المملكة الإسلامية؛ وقرب الخطر من القلب، اعني (جزيرة # PageV01P010 # العرب) ، فتنبهت أفكار من رزقهم الله بصيرة بالعواقب ووفقهم لنيل أجر ~~المجاهدين، فهبوا ينشرون المواعظ والتذكرة والمباحث المنذرة، فكثر ~~المتنبهون، وتحركت الخواطر، لكنها حركة متحيرة الوجه، ضائعة القوة، فعسى ~~الله أن يرشد جمعيتنا للتوصل لتوحيد هذه الوجهة وجمع هذه القوة. # وبتدقيق النشريات والمقالات التي جادت بها أقلام الفضلاء في هذا الموضوع ~~ترى كلها دائرة على أربعة مقاصد ابتدائية فقط: # الأول منها: بيان الحالة الحاضرة، ووصف إعراضها بوجه عام وصفا بديعا يفيد ~~التأثر ويدعو إلى التدبر، على أن ذلك لا يلبث إلا عشية أو ضحاها. # والثاني: بيان أن سبب الخلل النازل هو الجهل الشامل بيان إجمال وتلميح، ~~مع أن المقام يقتضي عدم الاحتشام من التفصيل والتشريح. # والثالث: إنذار الأمة بسوء العاقبة المحدقة بها إنذارا هائلا تطير منه ~~النفوس، مع أن الحال الواقع لا تغني فيه النذر. # والرابع: توجيه اللوم والتبعة على الأمراء والعلماء والكافة لتقاعدهم عن ~~استعمال قوة الاتفاق على النهضة، مع أن الاتفاق وهم # PageV01P011 # متشاكسون متعذر لا متعسر # فهذه المقاصد القولية قد استوفت ms004 حقها من أنواع بدائع الأساليب، وآن أوان ~~استثمارها، وذلك لا يتم إذا لم يشخص المرض أو الأمراض المشتركة، تشخيصا ~~مدققا سياسيا، بالبحث أولا عن مراكز المرض، ثم عن جراثيمه، ليتعين بعد ذلك ~~الدواء الشافي الأسهل وجودا والأضمن نتيجة، وبالتنقيب ثانيا عن تدبير ~~إدخاله في جسم الأمة بحكمة تصرع العناد والوهم، وتتغلب على مقاومة أعضاء ~~الذوق والشم. # ثم أظنكم أيها السادة تستحسنون الاكتتام الذي اختاره أكثر هؤلاء الكتاب ~~الأفاضل، لأن لذلك محسنات بل موجبات شتى ينبغي أن تستعملها جمعيتنا أيضا؛ ~~فلنحرص كلنا على الاكتتام لأن من موجباته التزام كل منا المشرب العمري، ~~أعني القول الصريح في النصيحة للدين بدون رياء ولا استحياء ولا مراعاة ذوق ~~عامة أو عتاة، لأن حياء المريض مهلكة، وكتم الأمر المستفيض سخافة، والدين ~~النصيحة، ولا حياء في الدين. # ومن موجبات الاكتتام أيضا أن كل ما يخالج الفكر في موضوع مسألتنا معروف ~~عند الأكثرين، ولكن بصورة مشتتة، # PageV01P012 # والناس فيه على أقسام، فصنف العلماء أما جبناء يهابون الخوض فيه، وإما ~~مراؤن مداجون يأبون أن تخالف أقوالهم أحوالهم. وباقي الناس يأنفون أن ~~يذعنوا لنصح ناصح صادع غير معصوم، ولذلك كان القول من غير معرفة القائل ~~أرعى للسمع وأقرب للقبول والقناعة وأدعى للإجماع. # ثم يا أيها الإخوان: أظنكم كذلك تستصوبون أن نترك جانبا اختلاف المذاهب ~~التي نحن متبعوها تقليدا، فلا نعرف مآخذ كثير من أحكامها، وأن نعتمد ما ~~نعلم من صريح الكتاب وصحيح السنة وثابت الإجماع، وذلك لكيلا نتفرق في ~~الآراء وليكون ما نقرره مقبولا عند جميع أهل القبلة، إذ أن مذهب السلف هو ~~الأصل الذي لا يرد ولا تستنكف الأمة أن ترجع إليه وتجتمع عليه في بعض أمهات ~~المسائل، لأن في ذلك التساوي بين المذاهب، فلا يثقل على أحد نبذ تقليد أحد ~~الأئمة في مسألة تخالف المتبادر من نص الكتاب العزيز أو تباين صريح السنة ~~الثابتة في مدونات الصدر الأول. # ولا يكبر هذا الرأي على البعض منكم؛ فما هو برأي حادث بين المسلمين، بل ~~جميع أهل جزيرة العرب ما عدا ms005 أخلاط الحرمين # PageV01P013 # على هذا الرأي، ولا يخفى عليكم أن أهل الجزيرة وهم من سبعة ملايين إلى ~~ثمانية كلهم من المسلمين السلفيين عقيدة، وغالبهم الحنابلة أو الزيدية ~~مذهبا، وقد نشأ الدين فيهم وبلغتهم فهم أهله وحملته وحافظوه وحماته، وقلما ~~خالطوا الأغيار، أو وجدت فيهم دواعي الأغراب والتفنن في الدين لأجل الفخار، ~~ولا يعظمن على البعض منكم أيضا انه كيف يسوغ لأحدنا أن يثق بفهمه وتحقيقه ~~مع بعد العهد، ويترك تقليد من يعرف انه أفضل منه وأجمع علما وأكثر إحاطة ~~واحتياطا. # ولا أظن أن فينا من ليس في نفسه أشكال عظيم في تحري من هو الأعلم من بين ~~الأئمة والعلماء والأحرى بالاعتماد على تحقيقه، لوجود اختلافات واضطرابات ~~مهمة بينهم ما بين نفي وإثبات، حتى في كثير من الأمور التعبدية الفعلية ~~التي مأخذها المشاهدة المتكررة ألوف مرات، مثل: هل كان النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] ثم جمهور أصحابه عليهم الرضوان يصلون وتر العشاء بتسليمه أم ~~بتسليمتين؟ وهل كانوا يقنتون في الوتر أم في الصبح؟ وهل كان المؤتمون ~~يقرؤون أم ينصتون. وهل كانوا يرفعون الأيدي # PageV01P014 # عند تكبيرات الانتقال أم لا يرفعون؟ وهل يعقدون الأيدي أم يرسلونها. # فإذا كان الأئمة والعلماء الأقدمون هذا شأنهم من التباين والتخالف في ~~تحقيق كيفية عبادة فعلية هي عماد الدين، أعني الصلاة التي هي من المشهودات ~~المتكررات وتؤدي بالجموع والجماهير، فكيف يكون شأنهم في الأحكام التي تستند ~~إلى قول أو فعل أو سكوت صدر عن النبي [صلى الله عليه وسلم] مرة أو مرات ~~فقط، ورواها فرد أو أفراد. # فعلى هذا، لا أرى من مانع أن نترك النقول المتخالفة خصوصا منها المتعلق ~~بالبعض القليل من الأصول، ونجتمع على الرجوع إلى ما نفهمه من النصوص، أو ما ~~يتحقق عندنا حسب طاقتنا أنه جرى عليه السلف، وبذلك تتحد وجهتنا ويتسنى لنا ~~الاتفاق على تقرير ما نقرره، ويقوي الأمل في قبول الأمة منا ما ندعوها ~~إليه. # وإني أسلفكم أيها السادات انه ينبغي أن لا يهولنا ما ينبسط في جمعيتنا من ~~تفاقم أسباب الضعف والفتور ms006 كيلا نيأس # PageV01P015 # من روح الله، وان لا نتوهم الإصابة في قول من قال: أننا أمة ميتة فلا ~~ترجى حياتنا، كما لا إصابة في قول من قال: " إذا نزل الضعف في دولة أو أمة ~~لا يرتفع؛ فهذه الرومان واليونان والأمريكان والطليان واليابان وغيرها كلها ~~أمم أمثالنا استرجعت نشأتها بعد تمام الضعف وفقد كل اللوازم الأدبية للحياة ~~السياسية، بل ليس بيننا ولا سيما عرب الجزيرة منا وبين أعظم الأمم الحية ~~المعاصرة فرق سوى في العلم والأخلاق العالية، على أن مدة حضانة العلم عشرون ~~عاما فقط ومدة حضانة الأخلاق أربعون سنة. # فعلينا أن نثق بعناية الله الذي لا يعبد سواه؛ وبهذا الدين المبين الذي ~~نشر لواء عزه على العالمين، ولم يزل بالنظر لوضعه الإلهي دينا حنيفا متينا ~~محكما مكينا لا يفضله ولا يقاربه دين من الأديان في الحكمة والنظام ورسوخ ~~البنيان. # ثم أيقنوا أيها الإخوان أن الأمر ميسور، وان ظواهر الأسباب ودلائل ~~الأقدار مبشرة أن الزمان قد استدار، ونشأ في الإسلام إنجاب أحرار وحكماء ~~أبرار يعد وأحدهم بألف وجمعهم بألف ألف. فقوة جمعية منظمة من هؤلاء النبلاء ~~كافية لأن تخرق # PageV01P016 # طبل حزب الشيطان، وتسترعي سمع الأمة مهما كانت في رقاد عميق، وتقودها إلى ~~النشاط وإن كانت في فتور مستحكم عتيق، على أن محض انعقاد جمعيتنا هذه لمن ~~أعظم تلك المبشرات، خصوصا إذا وفقها الله تعالى بعنايته لتأسيس جمعية ~~قانونية منتظمة، لأن الجمعيات المنتظمة يتسنى لها الثبات على مشروعها عمرا ~~طويلا يفي بما لا يفي به عمر الواحد الفرد، وتأتي بأعمالها كلها بعزائم ~~صادقة لا يفسدها التردد؛ وهذا هو سر ما ورد في الأثر من أن يد الله مع ~~الجماعة، وهذا هو سر كون الجمعيات تقوم بالعظائم وتأتي بالعجائب، وهذا هو ~~سر نشأة الأمم الغربية، وهذا هو سر النجاح في كل الأعمال المهمة، لأن سنة ~~الله في خلقه أن كل أمر كليا كان أو جزئيا لا يحصل إلا بقوة وزمان متناسبين ~~مع أهميته، وان كل أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون احكم ms007 وارسخ وأطول ~~عمرا مما إذا حصل بمزيد قوة في زمان قصير. # وكلنا يعلم أن مسألتنا اعظم من أن يفي بها عمر إنسان ينقطع، أو مسلك ~~سلطان لا يطرد، أو قوة عصبية حضرية حمقاء تفور سريعا وتغور سريعا. # وإذا تفكرنا أن مبدأ أعظم الأعداد اثنان فذلك مبدأ الجمعيات شخصان ثم ~~تتزايد حتى تكمل، وتتقلب أشكالا حتى ترسخ؛ فعلى # PageV01P017 # هذا لا يبعد أن يتم لنا انعقاد جمعية منتظمة تنعقد الآمال بناصيتها. ولا ~~ينبغي الاسترسال مع الوهم إلى أن الجمعيات معرضة في شرقنا لتيار السياسة ~~فلا تعيش طويلا، ولا سيما إذا كانت فقيرة ولم تكن كغالب الأكاديميات أي ~~لمجامع العلمية، تحت حماية رسمية؛ بل الأليق بالحكمة والحزم الإقدام ~~والثبات وتوقع الخير إلى أن يتم المطلوب. # هذا وإن شرقنا مشرق العظائم والزمان أبو العجائب، وما على لله بعزيز أن ~~يتم لنا انتظام جمعية يكون لها صوت جهوري، إذا نادى مؤذنها حي على الفلاح ~~في رأس لرجاء يبلغ أقصى الصين صداه. # ومن المأمول أن تكون الحكومات الإسلامية راضية بهذه الجمعية حامية لها ~~ولو بعد حين، لأن وظيفتها الأساسية أن تنهض بالأمة من وهدة الجهالة وترقي ~~بها في معارج المعارف، متباعدة عن كل صبغة سياسية، وسنعود لبحث الجمعية ~~فيما بعد. # ولنبدأ الآن بتشخيص داء الفتور المستولي على الأمة تشخيصا سياسيا مدققا، ~~فأرجوكم أيها السادة أن يعمل كل منكم فكره الثاقب فيما هو سبب الفتور، ~~ليبين رأيه وما يفتح الله به عليه في اجتماعاتنا التي نواليها كل يوم، ما ~~عدا يومي الثلاثاء والجمعة، من بعد طلوع # PageV01P018 # الشمس بساعة إلى قبيل الظهر أعني إلى ما بعد مثل هذا الوقت بساعة، فنفتتح ~~كل اجتماع بقراءة ضبط المذاكرات التي جرت في الاجتماع السابق ثم نشرع ~~بالمفاوضات. " وإني أختم اجتماعنا اليوم ببرنامج المسائل الأساسية التي ~~تدور عليها مذاكرات جمعيتنا، وينبغي لكل منا أن يفتكر فيها ويدرسها وهي عشر ~~مسائل: ### | 1 - # موضع الداء. ### | 2 - # إعراض الداء. ### | 3 - # جراثيم الداء. ### | 4 - # ما هو الداء. ### | 5 - # ما هي وسائل استعمال الدواء. ### | 6 - # ما هي ms008 الإسلامية. ### | 7 - # كيف يكون التدين بالإسلامية. ### | 8 - # ما هو الشرك الخفي. ### | 9 - # كيف تقاوم البدع. ### | 10 - # تحرير قانون لتأسيس جمعية تعليمية. # ولما انتهى خطاب الأستاذ الرئيس، وانتهت الجلسة، قال السيد # PageV00P000 # الفراتي: إني أرى أن يقيد كل منا هذه المسائل العشر في جانب من ورقة ~~التراجم ليكون القيد تذكرة له، فخف أربعة منهم نحو المكتبة وأخذ كل قلما ~~وقيد فهرست المسائل، ثم توالي الباقون على ذلك؛ وعندما فرغوا من التحرير ~~خاطبهم السيد الفراتي بقوله: إني أغتنم تشريفكم الأول لمحلي وسيلة ~~لضيافتكم، وقد أعددت ما يتسهل إعداده لغريب مثلي في مثل هذه البلدة ~~المباركة، ثم خرج بهم إلى محل المائدة، وكان حديثهم على الطعام استقصاء ~~أخبار مهتدي ليفربول من السعيد الإنكليزي، وبعد أن طعموا عرض عليهم الشاي ~~والقهوة والشراب المثلوج، فكل اختار ما ألف واحب، ثم انصرفوا أزواجا وفرادى ~~مجيبين دعوة خير الدعاة، إذ كان قد دنا وقت الصلاة. # PageV01P020 ### | الاجتماع الثاني ### | يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة سنة # 1316 # في صباح اليوم المذكور انعقد الاجتماع، وبعد قراءة ضبط الجلسة الأولى ~~افتتح الكلام الأستاذ الرئيس فقال: # أنا نجد الباحثين في الحالة النازلة بالمسلمين يشبهونها بالمرض فيطلقون ~~عليها اسم الداء مجردا، أو مع وصفه بالدفين أو المزمن أو العضال، ولعل مأخذ ~~ذلك ما ورد في الأثر وألفته الإسماع من تشبيه المسلمين بالجسد إذا اشتكى ~~منه عضو تداعى له سائره بالسهر والحمى. ويلوح لي أن إطلاق الفتور العام ~~أليق بأن يكون عنوانا لهذا البحث لتعلق الحالة النازلة بالأدبيات أكثر منها ~~بالماديات، ولأن آخر ما فيها ضعف الحس فيناسبه التعبير عنه بالفتور. # كما أن هذا الفتور في الحقيقة شامل لكافة أعضاء الجسم الإسلامي، فيناسب ~~أن يوصف بالعام، وربما يتوقف الفكر في الوهلة الأولى عند الحكم بان الفتور ~~عام يشمل كافة المسلمين، ولكن # PageV01P021 # بعد التدقيق والاستقراء نجده شاملا للجميع في مشارق الأرض ومغاربها لا ~~يسلم منه إلا أفراد شاذة. # فيا أيها السادة: ما هو سبب ملازمة هذا الفتور منذ قرون للمسلمين، من أي ~~قوم كانوا وأينما وجدوا، ms009 وكيفما كانت شؤونهم الدينية أو السياسية أو ~~الإفرادية أو المعاشية؛ حتى أننا لا نكاد نجد إقليمين متجاورين أو ناحيتين ~~في إقليم أو قريتين في ناحية أو بيتين في قرية، أهل أحدهما مسلمون والآخر ~~غير مسلمين، إلا ونجد المسلمين أقل من جيرانهم نشاطا وانتظاما في جميع ~~شؤونهم الحيوية الذاتية والعمومية؛ وكذلك نجدهم أقل اتقانا من نظرائهم في ~~كل فن وصنعة، مع أننا نرى أكثر المسلمين في الحواضر، وجميعهم في البوادي، ~~محافظين على تميزهم عن غيرهم من جيرانهم ومخالطيهم في أمهات المزايا ~~الأخلاقية مثل الأمانة والشجاعة والسخاء. # فما هو والحالة هذه سبب تعمم هذا الفتور، وملازمته لجامعة هذا الدين ~~كملازمة العلة للمعلول، بحيث أينما وجدت الإسلامية وجد هذا الداء، حتى توهم ~~كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان؛ هذا هو المشكل العظيم الذي ~~يجب على جمعيتنا البحث فيه أولا بحث # PageV01P022 # تدقيق واستقراء، عسى أن نهتدي إلى جرثومة الداء عن يقين، فنسعى في ~~مقاومتها، حتى إذا ارتفعت العلة بريء العليل أن شاء الله تعالى. # قال الفاضل الشامي: أني أوافق الأستاذ الرئيس على تعريفه وتوصيفه الحالة ~~النازلة بالفتور، كما أني لا أعلم ما يعارض كون هذا الفتور عاما محيطا ~~بجميع المسلمين. # قال الصاحب الهندي: أني وأن كنت أقل الإخوان فضيلة ولكنني جوال، وقد خبرت ~~البلاد وأحوال العباد، ولا شك عندي في أن هذا الفتور عام وإن كان لا يظهر ~~في بعض المواضع التي ليس فيها غير المسلمين، كأواسط جزيرة العرب وبعض جهات ~~إفريقيا، ولا يظهر أيضا في بعض مواقع أخرى مجاورو المسلمين فيها ومخالطوهم ~~من أهل النحل الوثنية الغريبة الوضع، المتناهية في الشدة، كبقايا الصابئة ~~حول دجلة الذين يضيعون كثيرا من أوقاتهم منغمسين في الماء تعبدا، وكالكونغو ~~من الزنوج، وكالبوذية من الهنود المعتقدين أن كل مصائبهم حتى الموت الطبيعي ~~من تأثيرات أعمال السحرة عندهم، فإن أمثال هؤلاء اكثر فتورا من المسلمين، ~~على أن ذلك لا يرفع صفة الفتور وعموميته عن المسلمين. # PageV01P023 # فقال الأستاذ الرئيس: أن الصاحب الهندي مصيب في تفصيله وتحريره، ولذلك ~~رجعت ms010 عن قولي بأن المسلمين أحط من غيرهم مطلقا إلى الحكم بأنهم أحط من ~~غيرهم، ما عدا أهل النحل المتشددة في التدين. # قال الحافظ البصري: يلوح لي أنه - يلزم استثناء الدهريين والطبيعيين ~~وأمثالهم ممن لا دين لهم، لأنهم لا بد أن يكونوا على غير نظام ولا ناموس في ~~أخلاقهم، معذبين منغصين في حياتهم منحطين عن أهل الأديان، كما يعترف بذلك ~~الطبيعيون فيقولون عن أنفسهم أنهم أشقى الناس في الحياة الدنيا. # فأجابه الصاحب الهندي: أني كنت أيضا أظن أنه يوجد في البشر أفراد ممن لا ~~دين لهم، وان من كانوا كذلك لا خلاق لهم؛ ثم أن خبرتي الطويلة قد برهنت لي ~~أن الدين بمعناه العام وهو إدراك النفس وجود قوة غالبة تتصرف في الكائنات، ~~والخضوع لهذه القوة على وجه يقوم في الفكر، هو أمر فطري في البشر؛ وإن ~~قولهم فلان دهري أو طبيعي هو صفة لمن يتوهم أن تلك القوة هي الدهر أو ~~الطبيعة فيدين لما يتوهم. # بناء على ذلك ثبت عندي ما يقرره الأخلاقيون: من أنه # PageV01P024 # لا يصح وصف صنف من الناس بلا دين لهم مطلقا بل كل إنسان يدين بدين، أما ~~صحيح. أو فاسد عن أصل صحيح، وإما باطل أو فاسد عن اصل باطل، والفاسدان يكون ~~فسادهما أما بنقصان أو بزيادة أو بتخليط وهذه أقسام ثمانية. # فالدين الصحيح كافل للنظام والنجاح في الحال، والسعادة والفلاح في المآل. ~~والباطل والفاسدان بنقصان قد يكون أصحابها على نظام ونجاح في الحياة على ~~مراتب مختلفة؛ وأما الفاسدان بزيادة أو بتخليط فمهلكة محضة. ثم أقول ربما ~~كان تقريري هذا غريبا في بابه فالتمس أن لا يقبل ولا يرد إلا بعد التدقيق ~~والتطبيق، لأنه أصل مهم لمسألة الفتور العام المستولي على المسلمين. # قال الأستاذ الرئيس: إني أجلكم أيها السادة الأفاضل عن لزوم تعريفكم آداب ~~البحث والمناظرة، غير أني أنبه فكركم لأمر لا بد هو قائم في نفوسكم جميعا، ~~أو تحبون أن يصرح به، ألا وهو عدم الإصرار على الرأي الذاتي وعدم الانتصار ~~له، واعتبار أن ما ms011 يقوله ويبديه كل منا إن هو إلا خاطر سنح له، فربما كان ~~صوابا أو خطأ، وربما كان مغايرا لما هو نفسه عليه اعتقادا أو عملا، وهو ~~إنما يورده في الظاهر معتمدا عليه، وفي الحقيقة مستشكلا أو مستثبتا # PageV01P025 # أو مستطلعا رأي الغير. بناء على ذلك فما أحد منا ملزم برأي يبديه ولا هو ~~بملوم عليه، وله أن يعدل أو يرجع عنه إلى ضده؛ لأننا إنما نحن باحثون لا ~~متناظرون، فإذا أعجبنا رأي المتكلم منا أثناء خطابه إعجابا قويا فلا بأس أن ~~نجهر بلفظ (مرحى) ، تأييدا لإصابة حكمة وأشعارا باستحسانه، وعلى هذا النسق ~~فلنمض في بحثنا فيما هي أسباب الفتور العام. # قال الفاضل الشامي: إني أرى أن منشأ هذا الفتور هو بعض القواعد ~~الإعتقادية والأخلاقية: مثل العقيدة الجبرية، التي من بعد كل تعديل فيها ~~جعلت الأمة جبرية باطنا قدرية ظاهرا (مرحى) . ومثل الحث على الزهد في ~~الدنيا والقناعة باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية: كحب ~~المجد والرياسة، والتباعد عن الزينة والمفاخر، والأقدام على عظائم الأمور، ~~وكالترغيب في أن يعيش المسلم كميت قبل أن يموت. وكفى بهذه الأصول مفترات، ~~مخدرات، مثبطات، معطلات، لا يرتضيها عقل ولم يأت بها شرع، ولمثلها نفى عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أبا ذر الغفاري الربذة. # PageV01P026 # فأجابه البليغ القدسي: أن هذه الأصول الجبرية والتزهيدية الممتزجة بعقائد ~~الأمة، وما هو اشد منها تعطيلا للأخذ بالأسباب ولنشأة الحياة، موجودة في ~~كافة الديانات لتعدل من جهة شره الطبيعة البشرية في طلب الغايات وتدفعها ~~إلى التوسط في الأمور، ولتكون من جهة أخرى تسلية للعاجزين وتنفيسا عن ~~المقهورين البائسين، وتوسلا لحصول التساوي بين الأغنياء والفقراء في مظاهر ~~النعيم. # ألا يرى إجماع كل الأديان على اعتقاد القدر خيره وشره من الله تعالى، أو ~~خيره منه وشره من النفس أو من الشيطان؛ ومع ذلك ليس في البشر من ينسب أمرا ~~إلى القدر إلا عند الجهل بسببه سترا لجهله، أو عند العجز عن نيل الخير أو ~~دفع الشر سترا لعجزه، وحيث غلب أخيرا على المسلمين ms012 جهل أسباب المسببات ~~الكونية والعجز عن كل عمل، إلتجأوا إلى القدر والزهد تمويها لا تدينا. # وهذا التبتل والخروج عن المال من اعظم القربات في النصرانية، فهل كان قصد ~~شارع الرهبانية أن ينقرض الناس كافة بعد جيل واحد؟ أم كان قصده أن يشرعها ~~على أن لا يتلبس بها إلا البعض النزر؟ كلا، لا يعقل في هذا المقام إلا ~~التعميم، وينتج من ذلك أنه # PageV01P027 # لا يصح اعتبار هذه الأصول الجبرية والتزهيدية سببا للفتور؛ بل هي سبب ~~لاعتدال النشاط وسيرة سير انتظام ورسوخ. # وفي النظر إلى المشاق والعظائم التي اقتحمها الصحابة والخلفاء الراشدون ~~رضي الله عنهم لنيل الغنى والرياسة والفخار فضلا عن الثواب كفاية برهان، مع ~~أن الأمة إذ ذاك كانت زاهدة فعلا، لا كالزهد الذي ندعيه الآن كذبا ورياء. ~~(مرحى) . # إذا تتبعنا كل ما ورد في الإسلامية حاثا على الزهد، نجده موجها إلى ~~الترغيب بالأثرة العامة، أي بتحويل المسلم ثمرة سعيه للمنفعة العمومية دون ~~خصوص نفسه، حتى أن كل ما ورد في الحث على الجهاد في سبيل الله مراد وبه سعي ~~المؤمن بكل الوسائل، حتى ببذل حياته، لإعزاز كلمة الله وإقامة دينه، لا في ~~خصوصية محاربة الكفار كما تتوهم العامة؛ كما أن المراد من محاربة الكفار هي ~~من جهة إعزاز الجامعة الإسلامية، ومن أخرى خدمة الجامعة الإنسانية من حيث ~~إلجاء الكفار إلى مشاركة المسلمين في سعادة الدارين؛ لأن للأمم المترقية ~~علما ولاية طبيعية على الأمم المنحطة، فيجب عليها إنسانية أن تهديها إلى ~~الخير ولو كرها باسم الدين أو السياسة. # PageV01P028 # ثم قال: أما عندي فيخيل إلي أن سبب الفتور هو تحول نوع السياسة ~~الإسلامية، حيث كانت نيابية اشتراكية أي (ديمقراطية) تماما، فصارت بعد ~~الراشدين بسبب تمادي المحاربات الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع ~~الأساسية، ثم صارت أشبه بالمطلقة. وقد نشأ هذا التحول من أن قواعد الشرع ~~كانت في الأول غير مدونة ولا محررة، بسبب اشتغال الصحابة المؤسسين رضي الله ~~عنهم بالفتوحات، وتفرقهم في البلاد، فظهر في أمر ضبطها خلافات ومباينات بين ~~العلماء، وتحكمت فيها ms013 آراء الدخلاء، فرجحوا الأخذ بما يلائم بقايا نزعاتهم ~~الوثنية فاتخذ العمال السياسيون ولا سيما المتطرفون منهم هذا التخالف في ~~الأحكام وسائل للانقسام والاستقلال السياسي، فنشأ عن ذلك أن تفرقت المملكة ~~الإسلامية إلى طوائف متباينة مذهبا متعادية سياسة، متكافحة على الدوام. ~~وهكذا خرج الدين من حضانة أهله وتفرقت كلمة الأمة، فطمع بها أعداؤها وصارت ~~معرضة للمحاربات الداخلية والخارجية معا، لا تصادف سوى فترات قليلة تترقى ~~فيها في العلوم والحضارة على # PageV01P029 # حسبها، وقد أثر استمرار الأمة في هذه الحروب أن صارت باعتبار الأكثرية ~~أمة جندية صنعة وأخلاقا، بعيدة عن الفنون والصنائع والكسب بالوجوه ~~الطبيعية. ثم بسبب فقدان القواد والمعدات لم يبق مجال للحروب الرابحة، ~~فاقتصرت الأمة على المدافعات، خصوصا منذ قرنين إلى الآن، أي منذ صارت ~~الجندية عند غيرهم صنعة علمية مفقودة عندنا، فصرنا نستعمل بأسنا بيننا ~~فنعيش بالتغالب والتحايل لا بالتعاون والتبادل؛ وهذا شأن يميت الانتباه ~~والنشاط ويولد الخمول والفتور (مرحى) . # ابتدر الحكم التونسي وإجابة: أن غيرنا من الأقوام، جرمانيا مثلا، وجدوا ~~في حكومات مطلقة كليا وفي اختلافات مذهبية وفي انقسامات إلى طوائف سياسية ~~وفي حروب مستمرة، ولم يشملهم الفتور بوجه عام؛ فلا بد للفتور في المسلمين ~~من سبب آخر. # ثم قال: وفيما أتصور أن بلاءنا من تأصل الجهل في غالب أمرائنا المترفين، ~~الأخسرين أعمالا، الذين ضلوا وأضلونا سواء السبيل وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا، حتى بلغ جهل هؤلاء منزلة أحط من جهل العجماوات التي لها طبائع ~~ونواميس؛ فمنها التي تحمي وزمارها، وتمنع عن حدودها، وتدفع عما إستحفظت ~~عليه؛ وهؤلاء ليس لهم # PageV01P030 # طبائع ونواميس، يخربون بيوتهم بأيديهم وهم لا يشعرون. ومنهم البعض ضالون ~~على علم، وهم الذين يشكون ويبكون حتى يظن انهم مغلوبون على أمرهم، ويتشدقون ~~بالإصلاح السياسي مع انهم وأيم الحق يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ ~~يظهرون الرغبة في الإصلاح، ويبطنون الإصرار والعناد على ما هم عليه من ~~إفساد دينهم ودنياهم، وهدم مباني مجدهم وإذلال أنفسهم والمسلمين، وهذا داء ~~عياء لا يرجى منه الشفاء لأنه داء الغرور، ولا يقر ms014 صاحبه لفاضل بفضيلة ولا ~~يجاري حازما في مضمار، وقد سرى من الأمراء، إلى العلماء، إلى الكافة. # أجاب المولى الرومي: أن تحميل التبعة على الأمراء فقط غير سديد، خصوصا ~~لأن أمراءنا إن هم إلا لفيف منا، فهم أمثالنا من كل وجه؛ وقد قيل " كما ~~تكونوا يولى عليكم " فلو لم نكن نحن مرضى لم يكن أمراؤنا مدنفين. # وعندي أن البلية فقدنا الحرية، وما أدرانا ما الحرية؛ هي ما حرمنا معناه ~~حتى نسيناه، وحرم علينا لفظه حتى # PageV01P031 # استوحشناه، وقد عرف الحرية من عرفها: " بان يكون الإنسان مختارا في قوله ~~وفعله لا يعترضه مانع ظالم ". ومن فروع الحرية تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام ~~باعتبار انهم وكلاء، وعدم الرهبة في المطالبة وبذل النصيحة. ومنها: حرية ~~التعليم، وحرية الخطابة والمطبوعات، وحرية المباحثات العلمية؛ ومنها ~~العدالة بأسرها حتى لا يخشى إنسان من ظالم أو غاصب أو غدار مغتال؛ ومنها ~~الأمن على الدين والأرواح، والأمن على الشرف والأعراض، والأمن على العلم ~~واستثماره. فالحرية هي روح الدين وينسب إلى حسان بن ثابت الشاعر الصحابي ~~رضي الله عنه قوله: # (وما الدين إلا أن تقام شرائع ... وتؤمن سبل بيننا وهضاب) # فلننظر كيف حصر هذا الصحابي الدين في إقامة الشرع والأمن. # هذا ولا شك أن الحرية اعز شيء على الإنسان بعد حياته، # PageV01P032 # وأن بفقدانها تفقد الآمال، وتبطل الأعمال، وتموت النفوس، وتتعطل الشرائع، ~~وتختل القوانين. وقد كان فينا راعي الخرفان حرا لا يعرف للملك شنئانا، ~~يخاطب أمير المؤمنين بيا عمر ويا عثمان، فصرنا ربما نقتل الطفل في حجر أمه ~~ونلزمها السكوت فتسكت، ولا تجسر أن تزعج سمعنا ببكائها عليه. # وكان الجندي الفرد يؤمن جيش العدو فلا يخفر له عهد، فصرنا نمنع الجيش ~~العظيم صلاة الجمعة والعيدين، ونستهين دينه لا لحاجة غير الفخفخة الباطلة ~~(مرحى) . فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي عليها ~~الفتور، وقد كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون، فتأصل فينا فقد ~~الآمال وترك الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس ~~في اللهو تسكينا لآلام أسر ms015 النفس، والإخلاد إلى الخمول والتسفل طلبا لراحة ~~الفكر المضغوط عليه من كل جانب. إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات ~~حتى لا نطيق مطالعة الكتب النافعة ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة، لأن ~~ذلك يذكرنا بمفقودنا العزيز، فتتألم أرواحنا وتكاد تزهق إذا لم نلجأ إلى ~~التناسي بالملهيات والخرافات المروحات # PageV01P033 # وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنا ~~بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة، لعجزنا عن القيام بها عجزا واقعيا ~~لا طبيعيا. # هذا ونعترف أن فينا بعض أقوام قد ألفوا ألوف سنين الاستعباد والاستبداد، ~~والذل والهوان، فصار الانحطاط طبعا لهم تؤلمهم مفارقته؛ وهذا هو سبب أن ~~السواد الأعظم من الهنود والمصريين والتونسيين لا سيما بعد أن نالوا رغم ~~أنوفهم الأمن على الأنفس والأموال، والحرية في الآراء والأعمال، ولا يرثون ~~ولا يتوجعون لحالة المسلمين في غير بلادهم، بل ينظرون للناقمين على أمرائهم ~~المسلمين شذرا، وربما يعتبرون طالبي الإصلاح من المارقين من الدين، كأن ~~مجرد كون الأمير مسلما يغني عن كل شيء حتى عن العدل، وكأن طاعته واجبة على ~~المسلمين، وإن كان يخرب بلادهم ويقتل أولادهم ويقودهم ليسلمهم لحكومات ~~أجنبية، كما جرى ذلك قبلا معهم، والحاصل أن فقدنا الحرية هو سبب الفتور ~~والتقاعس عن كل صعب وميسور. # أجاب المجتهد التبريزي: أن هذا الحال ليس بعام، مع أن الفتور لم يزد ~~إزديادا عاما، بل هو في ازدياد واستحكام فلا بد لذلك من # PageV01P034 # سبب آخر. # ثم قال: ويلوح لي أن انحطاطنا من أنفسنا، إذ أننا كنا خير أمة أخرجت ~~للناس نعبد الله وحده، أي نخضع ونتذلل له فقط، ونطيع من أطاعه ما دام مطيعا ~~له، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، امرنا شورى بيننا، نتعاون على البر ~~والتقوى ولا نتعاون على الإثم والعدوان، فتركنا ذلك كله ما صعب منه وما ~~هان. # وقد يظن أن أصعب هذه الأمور النهي عن المنكر، مع أن إزالة المنكر في ~~شرعنا تكون بالفعل، فإن لم يكن فبالقول، فإن لم يكن فبالقلب، وهذه الدرجة ~~الثالثة هي الأعراض عن الخائن والفاسق ms016 والنفور منه وإيطال بغضه في الله؛ ~~ومن علائم ذلك تجنب مجاملته ومعاملته، ولا شك أن ايفاء هذا الواجب الديني ~~كاف للردع، ولا يتصور العجز عنه قط، قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ؛ فهذا هو سبب استرسال الأمة لعبادة الأمراء ~~والأهواء والأوهام، ولا طاعة العصاة اختيارا، ولترك التناصح، وللركون إلى ~~الفساق والأذعان للاستبداد وللتخاذل في الخير والشر، قال: {ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ~~وعنه [صلى الله عليه وسلم] # PageV01P035 # : (لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم ~~فيسومونكم سوء العذاب) . إلى غير ذلك من الآيات البينات والأحاديث المنذرات ~~القاضيات بالخذلان على تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا هو ~~السبب الناشيء عنه الفتور. # أجابه المرشد الفاسي: أننا كنا على عهد السلف الصالح شريعتنا سمحاء واضحة ~~المسالك، معروفة الواجبات والمناهي، فكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وظيفة لكل مسلم ومسلمة، وكنا في بساطة من العيش، متفرغين لذلك، ثم شغلنا ~~شأن التوسع فخصصنا لذلك محتسبين، ثم دخل في ديننا أقوام ذوو بأس ونفاق ~~أقاموا الاكتساب مكان الاحتساب، وحصروا اهتمامهم في الجباية وآلتها التي هي ~~الجندية فقط، فبطل الاحتساب وبطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طبعا، ~~فهذا يصلح أن يكون سببا من جملة الأسباب، ولكنه لا يكفي وحده لا يراث ما ~~نحن فيه من الفتور. # على أن انحصار همة الأمراء الدخلاء في الجباية والجندية أدى بهم لإهمال ~~الدين كليا، ولولا أن في القرآن آيتين اثنتين لهجروه ظهريا، إحداهما قوله ~~تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي # PageV01P036 # الأمر منكم} مع الغفلة عن المراد بأولي الأمر، وما تقتضيه صيغة الجمع، ~~وما يقتضيه قيد (منكم) ، والثانية قوله تعالى: {وجاهدوا في سبيل الله} مع ~~إغفال: هل الجهاد المأمور به ما يستحصل به إعزاز كلمة الله، أم ما نؤيد به ~~سلطة الأمراء العاملين على الإطلاق؛ فإهمال الاهتمام بالدين قد جر المسلمين ~~إلى ما هم عليه حتى خلت قلوبهم من الدين بالكلية، ولم يبق له عندهم أثر ms017 إلا ~~على رؤوس الألسن، لا سيما عند بعض الأمراء الأعاجم، الذين ظواهر أحوالهم ~~وبواطنها تحكم عليهم بأنهم لا يتراؤون بالدين إلا بقصد تمكين سلطتهم على ~~البسطاء من الأمة، كما أن ظواهر عقائدهم وبواطنها تحكم عليهم بأنهم مشركون ~~ولو شركا خفيا من حيث لا يشعرون. # فإذا أضيف إلى شركهم هذا ما هم عليه من الظلم والجور، يحكم عليهم الشرع ~~والعقل بان ملوك الأجانب أفضل منهم وأولى بحكم المسلمين، لأنهم أقرب للعدل ~~ولإقامة المصالح العامة، وأقدر على إعمار البلاد وترقية العباد، وهذه هي ~~حكمة الله في نزع الملك من أكثرهم، كما يقتضيه مفهوم: لا يهلك الله القرى ~~وأهلها مصلحون. # وقد افتخر النبي عليه السلام بأنه ولد في زمن كسرى # PageV01P037 # أنوشروان عابد الكواكب فقال: (ولدت في زمن الملك العادل) . # وحكى ابن طباطبا في الآداب السلطانية والدول الإسلامية أنه لما فتح ~~السلطان هلاكو (وهو مجوسي) بغداد سنة 656، أمر أن يستفتي علماؤها أيهما ~~أفضل السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر، فاجتمع العلماء في ~~المستنصرية لذلك، فلما وقفوا على الفتيا احجموا عن الجواب، حيث كان رضي ~~الدين علي بن طاووس حاضرا، وكان مقدما محترما، فتناول الفتيا ووضع خطه فيها ~~بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر، فوضع العلماء خطوطهم بعده. # ثم قال: إني أظن أن السبب الأعظم لمحنتنا هو انحلال الرابطة الدينية، لأن ~~مبنى ديننا على أن الولاء فيه لعامة المسلمين؛ فلا يختص بحفظ الرابطة ~~والسيطرة على الشئون العمومية رؤساء دين سوى الإمام أن وجد؛ وإلا فالأمر ~~يبقى فوضى بين الجميع، وإذا صار الأمر فوضى بين الكل فبالطبع تختل الجامعة ~~الدينية وتنحل الرابطة السياسية كما هو الواقع. # ومن أين لنا حكيم (كبسمرك) أو ملزم (كغاريبالدى) # PageV01P038 # يوفق بين أمرائنا أو يلزمهم ويجمع كلمتنا. وقد زاد على ذلك فقدنا الرابطة ~~الجنسية أيضا فإن المسلمين في غير جزيرة العرب لفيف إخلاط دخلاء، وبقايا ~~أقوام شتى لا تجمعهم جامعة غير التوجه إلى هذه الكعبة المعظمة. # ومن المقرر المعروف انه لولا رؤساء الدين في سائر الملل وروابطهم ~~المنتظمة المطردة، أو من ms018 يقوم مقام الرؤساء من الدعاة أو مديري أو معلمي ~~المدارس الجامعة المتحدة المبادئ، لضاعت الأديان وتشعبت أخلاق الأمم، ~~ونالهم ما نالنا من أن كل فرد منا أصبح أمة في ذاته. # أجابه المحقق المدني: أن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية لا يكفيان ~~أن يكونا سببا للفتور العام، بل لا بد لذلك من سبب أعم وأهم. # ثم قال: أما أنا، فالذي يجول في فكري، أن الطامة من تشويش الدين والدنيا ~~على العامة بسبب العلماء المدلسين وغلاة المتصوفين الذين استولوا على الدين ~~فضيعوه، وضيعوا أهله، وذلك أن الدين إنما يعرف بالعلم، والعلم يعرف ~~بالعلماء العاملين، وأعمال العلماء قيامهم في الأمة مقام الأنبياء في ~~الهداية إلى خير الدنيا والآخرة. ولا شك # PageV01P039 # أن لمثل هذا المقام في الأمة شرفا باذخا يتعاظم عل نسبة الهمم في تحمل ~~عنائه والقيام بأعبائه. فبعض ضعيفي العلم وفاقدي العزم تطلعوا إلى هذه ~~المنزلة التي هي فوق طاقتهم، وحسدوا أهلها المتعالين عنهم، فتحيلوا ~~للمزاحمة والظهور مظهر العلماء العظماء بالأغراب في الدين وسلوك مسلك ~~الزاهدين؛ ومن العادة أن يلجأ ضعيف العلم إلى التصوف، كما يلجأ فاقد المجد ~~إلى الكبر، وكما يلجأ قليل المال إلى زينة اللباس والأثاث (مرحى) . # فصار هؤلاء المتعالين يدلسون على المسلمين بتأويل القرآن بما لا يحتمله ~~محكم النظم الكريم، فيفسرون مثلا البسملة أو الباء منها بسفر كبير، تفسيرا ~~مملوءا بلفظ لا معنى له، أو بحكم لا برهان عليه. ثم جاءوا الأمة بوراثة ~~أسرار أدعوها، وعلوم لدنيات ابتدعوها، وتسنم مقامات اخترعوها، ووضع أحكام ~~لفقوها وترتيب قربات زخرفوها، وبالإمعان نجدهم قد جاءوا مصداقا لما ورد في ~~الحديث الصحيح: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع) ، وفي ~~رواية (حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) ، (قلنا يا رسول ~~الله اليهود والنصارى، قال هو: فمن) ؛ وذلك أن هؤلاء المدلسين اقتبسوا ما ~~هنالك كله أو جله عن أصحاب التلمود # PageV01P040 # وتفاسيرهم، ومن المجامع المسكونية ومقرراتها، ومن البابوية ووراثة السر ~~ومن مضاهاة مقامات البطاركة والكردينالية والشهداء واسقفية كل بلد، ومظاهر ~~القديسين وعجائبهم، ms019 والدعاة المبشرين وصبرهم، والرهبنات ورؤسائها، وحالة ~~الأديرة وبادريتها، والرهبنة أي التظاهر بالفقر ورسومها، والحمية وتوقيتها، ~~ورجال الكهنوت ومراتبهم وتميزهم في ألبستهم وشعورهم، ومن مراسم الكنائس ~~وزينتها، والبيع واحتفالاتها، والترنحات ووزنها، والترنمات وأصولها، وإقامة ~~الكنائس على القبور وشد الرحال لزيارتها والإسراج عليها، والخضوع لديها ~~وتعليق الآمال بسكانها. وأخذوا التبرك بالآثار كالقدح والحرية والدستار من ~~احترام الذخيرة وقدسية العكاز. وكذلك إمرار اليد على الصدر عند ذكر بعض ~~الصالحين من امرارها على الصدر لإشارة التصلب؛ وانتزعوا الحقيقة من السر، ~~ووحدة الوجود من الحلول، والخلافة من الرسم، والسقيا من تناول القربان، ~~والمولد من الميلاد وحفلته من الأعياد؛ ورفع الأعلام من حمل الصلبان، ~~وتعليق ألواح الأسماء المصدرة بالنداء على الجدران من تعليق الصور ~~والتماثيل؛ والاستفاضة والمراقبة من التوجه بالقلوب انحناء أمام الأصنام، ~~ومنع الاستهداء من نصوص الكتاب والسنة # PageV01P041 # من حظر الكهنة الكاثوليك قراءة الإنجيل على غيرهم، وسد اليهود باب الأخذ ~~من التوراة وتمسكهم بالتلمود إلى غير ذلك مما جاء به المدلسون تقليدا ~~لهؤلاء شبرا شبرا، واقتفاء لأثرهم حجرا حجرا، وهكذا إذا تتبعنا البدع ~~الطارئة نجد أكثرها مقتبسا وقليلها مخترعا. # وقد فعل المدلسون ذلك سحرا لعقول الجهلاء، واختلابا لقلوب الضعفاء: ~~كالنساء وذوي الأهواء والأمراض القلبية أو العصبية من العامة، والأمراء ~~الليني القياد طبعا إلى الشرك، لأن التعبد رغبة أو رهبة لما بين أيديهم ~~وتحت أنظارهم أقرب إلى مداركهم من عبادة آله ليس بجوهر ولا عرض وليس كمثله ~~شيء، ولأن التعبد باللهو واللعب أهون على النفس والطبع من القيام بتكليفات ~~الشرع، كما وصف الله تعالى عبادة مشركي العرب فقال: (وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية) أي صفيرا وتصفيقا، وهؤلاء جعلوا عبادة الله تصفيقا ~~وشهيقا وخلاعة ونعيقا (مرحى) . # والحاصل، أن بذلك وأمثاله نجح المدلسون فيما يقصدون، ولا سيما بدعوى فئة ~~منهم الكرامة على الله والتصرف بالمقادير، وباستمالتهم العامة بالزهد ~~الكاذب والورع الباطل والتقشف الشيطاني؛ وبتزينهم # PageV01P042 # لهم رسوما تميل إليها النفوس الضعيفة الخاملة، سموها آداب السلوك، ما ~~انزل الله بها من سلطان ولا عمل بها صحابي أو ms020 تابعي، ظاهرها أدب وباطنها ~~تشريع وشرك؛ وبجذبهم البلة الجاهلين بتصعيب الدين من طريق العلم والعمل ~~بظاهر الشرع، وتهوينه كل التهوين من طريق الاعتقاد بهم وبأصحاب الفتور. وقد ~~تجاسروا على وضع أحاديث مكذوبة أشاعوها في مؤلفاتهم، حتى التبس أمرها على ~~كثير من العلماء المخلصين من المتقدمين والمتأخرين، مع أنها لا أصل لها في ~~كتب الحديث المعتبرة. وجلبوا الناس بالترهيب والترغيب، ترغيبا بالاستفادة ~~من الدخول في الرابطات والعصبيات المنعقدة بين أشياعهم، وترهيبا بتهديدهم ~~معاكسيهم أو مسيئي الظن بهم أو بإضرارهم في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، ضررا ~~يتعجلهم في دنياهم قبل آخرتهم (مرحى) . # وقد قام لهؤلاء المدلسين أسواق في بغداد ومصر والشام وتلمسان قديما، ولكن ~~لاكسوقها في القسطنطينية منذ أربعة قرون إلى الآن، حتى صارت فيها هذه ~~الأوهام السحرية والخزعبلات كأنها هي دين معظم أهلها، لا الإسلام؛ وكأنهم ~~لما ورثوا عن الروم الملك، حرصوا على أن يرثوا طبائعهم أيضا حتى التوسع في ~~هذه # PageV01P043 # المصارع السيئة؛ فاقتبس لهم المدلسون كثيرا مما بيناه، وطبقوه على الدين ~~وإن كان الدين يأباه، وزينه لهم الشيطان بأنه من دقائق الدين وآدابه، ومن ~~هذه العواصم سرى ذلك إلى الآفاق بالعدوى من الأمراء إلى العلماء الأغبياء ~~إلى العوام. # فهؤلاء المدلسون قد نالوا بسحرهم نفوذا عظيما، به أفسدوا كثيرا في الدين، ~~وبه جعلوا كثيرا من المدارس تكايا للبطالين الذين يشهدون لهم زورا ~~بالكرامات المرهبة، وبه حولوا كثيرا من الجوامع مجامع للطبالين، الذين ترتج ~~من دوي طبولهم قلوب المتوهمين وتكفهر أعصابهم، فيتلبسهم نوع من الخبل ~~يظنونه حالة من الخشوع؛ وبه جعلوا زكاة الأمة ووصاياها رزقا لهم، وبه جعلوا ~~مداخيل أوقاف الملوك والأمراء عطايا لاتباعهم، مما يسمى في البلاد ~~العثمانية (دعاكو وطعامية) (مرحى) . # PageV01P044 # وبذلك ضاق على العلماء الخناق، لا رزق ولا حرمة، وكفى بذلك مضيعا للعلم ~~وللدين؛ لأنه قد التبس على العامة علماء الدين الفقراء الأذلاء من هؤلاء ~~المدلسين الأغنياء الأعزاء، فتشوشت عقائدهم وضعف يقينهم. فضيع الاكثرون ~~حدود الله وتجاوزوها، وفقدوا قوة قوانين الله ففسدت أيضا دنياهم واعتراهم ~~هذا الفتور. # أجاب المولى الرومي: أن ms021 كل الديانات معرضة بالتمادي لأنواع من التشويش ~~والفساد، ولكن لا تفقد من أهلها حكماء ذوي نشاط وعزم، ينبهون الناس ويرفعون ~~الالتباس، أو يعوضون قواعد الدين إذا كان أصلها واهيا فوهنت بقوانين موضوعة ~~تقوم بنظام دنياهم؛ ويتحملون في سبيل ذلك ما يتحملون من المشاق خدمة ~~لأفكارهم السامية، ويفدون ما عز وهان حفظا لشرفهم، القائم بشرف قومهم، بل ~~حفظا لحياتهم وحياة قومهم من أن يصبحوا أمواتا متحركين في أيدي أقوام ~~آخرين. # ولقد أثبت الحكماء المدققون بعد البحث الطويل العميق، أن المنشأ الأصلي ~~لكل شقاء في بني حواء هو أمر واحد لا ثاني له: إلا # PageV01P045 # وهو وجود السلطة القانونية منحلة ولو قليلا لفسادها، أو لغلبة سلطة شخصية ~~أو اشخاصية عليها. # فما بال الزمان يضن علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون الالتباس؟ يفتكرون ~~بحزم ويعملون بعزم، ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون، فينالون حمدا كثيرا ~~وفخرا كبيرا وأجرا عظيما. # وعندي أن داءنا الدفين: دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين، وبعبارة ~~أخرى تحت ولاية الجهال المتعممين. # نبه السيد الفراتي الأستاذ الرئيس إلى قرب وقت الانصراف، وعندئذ جهر ~~الأستاذ الرئيس بشعار (لا نعبد إلا الله) استلفاتا للإخوان، وقال لهم: أن ~~أخانا المولى الرومي لفارس مغوار نحب منه ما عودنا من التفصيل والإشباع، ~~والآن قد آن وقت الظهر وحان أن نتفرق لندرك الصلاة، وموعدنا غدا إن شاء ~~الله تعالى. # PageV01P046 ### | الاجتماع الثالث ### | يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة سنة # 1316 # في الوقت المعين، وهو بعد طلوع الشمس بساعة، تم توارد الإخوان لمحفل ~~الجمعية؛ غير أن الأستاذ الرئيس تأخر نحو نصف ساعة ثم حضر واعتذر بأنه ~~إعاقه عن الحضور أن حضرة الشريف الأمير قد طلبه لزيارته، فما وسعه إلا ~~الإجابة باكرا، وما يظن أن يسترسل بينهما الحديث فيتأخر عن الميعاد، ولكن ~~صادف أن الحديث كان طويلا. # ثم قال الأستاذ الرئيس: أننا متشوقون لتمام بحث المولى الرومي، وأمر ~~السيد الفراتي، كاتب الجمعية، فقرأ ضبط مذاكرات الاجتماع السابق، حتى بلغ ~~آخره من عبارة المولى الرومي، وهو قوله: وعندي أن داءنا الدفين دخول ms022 ديننا ~~تحت ولاية العلماء الرسميين، وبعبارة أخرى تحت ولاية الجهلة. # PageV01P047 # المتعممين. # فحينئذ أفاض المولى الرومي في الكلام فقال: وهم المقربون من الأمراء على ~~انهم علماء وارتباط القضاء والإمضاء بهم، فإن هؤلاء المتعممين في البلاد ~~العثمانية كانوا اتخذوا لأنفسهم قانونا سموه (طريق العلماء) ، وجعلوا فيه ~~من الأصول ما انتج، منذ قرنين إلى الآن، أن يصير العلم منحة رسمية تعطى ~~للجهال، حتى للأميين، بل وللأطفال. # ويترقى صاحبها في مراتب العلم والفضل والكمال، بمجرد تقادم السنين أو ~~ترادف العنايات، لا سيما إذا كان من زمرة (زاد كان) ، أي الاصلاء، فإنه ~~يكون طفلا في المهد، وينعت في منشوره الرسمي من قبل حضرة السلطان بأنه: ~~(أعلم العلماء المحققين) ؛ ثم يكون فطيما فيخاطب بأنه: (أفضل الفضلاء ~~المدققين) ؛ ثم يصير مراهقا فيعطى المولوية، ويشهد له بأنه: (أقضى قضاة ~~المسلمين، معدن الفضل واليقين، رافع إعلام الشريعة والدين، وارث علوم ~~الأنبياء والمرسلين) ثم وثم حتى يصدر فيوصف: (بأعلم العلماء المتبحرين، ~~وأفضل الفضلاء المتورعين، ينبوع الفضل واليقين) إلى آخر ما في المناشير من ~~الكذب المشين! # PageV01P048 # ولا يظن ظان أن هذا الإطراء من حضرة السلطان للمتعممين هو بقصد أن ~~يقابلوه بالمثل، وصفهم إياه ومخاطبتهم له بنحو: (المولى المقدس، ذي القدرة، ~~صاحب العظمة والجلال، المنزه عن النظير والمثال، واهب الحياة، ظل الله، ~~خليفة رسول الله، مهبط الإلهامات، مصدر الكرامات، سلطان السلاطين، مالك ~~رقاب العالمين، ولي نعمة الثقلين، ملجأ أهل الخافقين) . إلى غير ذلك من ~~مصارع الشرك والكبرياء والمهالك. # هذا، ولا ريب، أن التسعين في المائة من العلماء المتبحرين لا يحسنون ~~قراءة نعوتهم المزورة، كما أن الخمسة والتسعين من أولئك المتورعين، رافعي ~~إعلام الشريعة والدين، يحاربون الله جهارا، ويستحقون ما يستحقون من الله ~~وملائكته والمؤمنين. # ويكفي حجة عليهم بذلك، تمييزهم جميعا بلباس عروسي، محلى بكثير الفضة ~~والذهب، مما هو حرام بالإجماع ولا يحتمل التأويل؛ وقد اقتبسوا هذا اللباس ~~من كهنة الروم الذين يلبسون القباء والقلنسوات المذهبة عند إقامة شعائرهم، ~~وفي احتفالاتهم الرسمية. وهذا الخطيب في بعض جوامع السلاطين يستوي على ~~المنبر ويقول: اتقوا ms023 الله، وعلى رأسه وصدره ومنكبيه هذا اللباس # PageV01P049 # المنكر، (مرحى) . وهؤلاء قضاة القسطنطينية على عهدنا، أكثرهم لا يعرضون ~~لحضرة السلطان المعظم نصب خطيب لإقامة الجمعة، ولا ينصبون وصيا على إبله، ~~أو مختل العقل، أو مسرف فاسد التدبير؛ ولا يعزلون متوليا أو وصيا لخيانة في ~~مال الوقف أو اليتيم؛ ولا يقضون في مسألة خلع زوجة، ولا يسمعون بينة تواتر؛ ~~إلى غير ذلك من قضايا وأحكام شرعية كثيرة لا يجوز شرعا ولا إدارة إهمالها، ~~ولا حجة لهم في ارتكاب إثم تعطيلها غير مجاراة الأوهام. # ثم أن هؤلاء المتعممين ما كفاهم هذا القانون، فألحقوه بقانون آخر سموه ~~قانون (توجيه الجهات) ؛ جعلوا فيه التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة ~~والإمامة وسائر الخدم الدينية، كالعروض، تباع وتشرى، وتوهب وتورث، وما ينحل ~~منها نادرا عن غير وارث، يبيعها القضاة لمن يريدون؛ ويتكرمون بها على ~~المتملقين؛ وبهذا القانون انحصرت الخدم الدينية في الجهلاء والمنافقين. # ثم لما وضع قانون (تشكيل الولايات) ، لم يرض المتعممون حتى جعلوا فيه ~~قاضي المسلمين، وكذلك مفتي المؤمنين في كل بلد، عضوين في مجلس الإدارة، ~~يحكمان بأشياء كثيرة مما يصادم الشرع # PageV01P050 # كالربا والضريبة على الخمور، والرسوم العرفية، وغيرها مما كان الأليق ~~والأنسب بالإسلامية أن يبقى العلماء بعيدين عنه. كما أن القسيس بل الشماس ~~لا يحضر مجلسا يعقد فيه زواج أو تفريق مدنيان، ولا يشهد في صك دين داخله ~~ربا، فضلا عن أن يقضي أو يمضي بصفة رسمية كهنوتية، أمثال ذلك من الأعمال ~~التي تصادم دين النصرانية. # ثم لما وضع (قانون العدلية) ، تهافت المتعممون على جعل قاضي المسلمين ~~رئيسا للمحكمة النظامية، التي تحكم بما لم ينزل الله وبما يتبرأ الدين ~~الحنيف منه، من نحو: ربا صريح، ومن إبطال حدود الله التي صرح بها القرآن ~~كليا أو باستبدالها بعقوبات سياسية، أو بتغريمات مالية؛ ومن نحو: معاقبة ~~العباد بمجرد الظن، والرأي، وشهادة الواحد، وشهادة الفاسق، وشهادة العاهرة ~~المجاهرة، مما لا يلائم الشرع قطعيا. ومن نحو: تنفيذ كل حكم عرفي، حق أو ~~باطل، بدون نظر فيه. ومن تحصيل ضرائب وغرامات. ومن ms024 توقيف الأحكام الشرعية ~~على استيفاء الرسوم من الأخصام وأموال الأيتام. # ومن أهم دسائس المتعممين، أنهم ينفثون في صدور الأمراء # PageV01P051 # لزوم الاستمرار على الاستقلال في الرأي، وإن كان مضرا، ومعاداة الشورى ~~وإن كانت سنة، والمحافظة على الحالة الجارية، وإن كانت سيئة، ويلقون عليهم ~~بأن مشاركة الأمة في تدبير شؤونها، وإطلاق حرية الانتقاد لها، يخل بنفوذ ~~الأمراء، ويخالف السياسة الشرعية؛ ويلقنونهم حججا واهنة، لولا أن أمامها ~~جهل الأمة، ووراءها سطوة الإمارة، لما تحركت بها شفتان، ولا تردد في ردها ~~إنسان. # والأمر الأمر أن أولئك الأمراء يقتبسون من هذه الحجج، ما يتسلحون به في ~~مقابلة من يعترض على سياستهم من الدول الأجنبية، بقولهم: إن قواعد الدين ~~الإسلامي لا تلائم أصول الشورى، ولا تقبل النظام والترقيات المدنية، وانهم ~~مغلوبون على أمرهم، ومضطرون لرعاية دين رعاياهم، ومجاراة ميل الفكر العام. # ولنرجع لبحث العلماء الرسميين، فنقول: بهذه القوانين عند العثمانيين، ~~وباشباهها عند اكثر حكومات المسلمين، ضل المتعممون وصاروا أضر على الدين من ~~الشياطين. # وبهذه القوانين استأثر الجهلاء الفاسقون بمزايا العلماء العاملين، ~~واغتصبوا أرزاقهم من بيت المال ومن أوقاف الأسلاف؛ فبالضرورة # PageV01P052 # قلت الرغبات في تحصيل العلوم، وثبطت الهمم، وصار طالب العلم يضطر ~~للاكتفاء ببلغة منه، ويشتغل بالاحتراف للارتزاق؛ وهكذا فسد العلم، وقل ~~أهله، فاختلت التربية الدينية في الأمة، فوقعت في الفتور وعمت فيها الشرور. # أجاب الرياضي الكردي: أن هذا الداء خاص ببعض الأمم الإسلامية، فلا يصلح ~~سببا للفتور العام الذي نبحث فيه، ونتساءل عنه؛ وعندي أن السبب العام، هو ~~أن علماءنا كانوا اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات، وأهملوا باقي ~~العلوم الرياضية والطبيعية، التي كانت إذ ذاك ليست بذات بال ولا تفيد سوى ~~الجمال والكمال، ففقد أهلها من بين المسلمين، واندرست كتبها، وانقطعت ~~علاقتها، فصارت منفورا منها، على حكم: (المرء عدو ما جهل) ؛ بل صار المتطلع ~~إليها منهم يفسق ويرمى بالزيغ والزندقة، على حين أخذت هذه العلوم تنمو في ~~الغرب؛ وعلى كر القرون، ترقت وظهر لها ثمرات عظيمة في كافة الشئون المادية ~~والأدبية، حتى صارت كالشمس، لا ms025 حياة لذي حياة إلا بنورها؛ فأصبح المسلمون ~~مع شاسع بعدهم عنها محتاجين إليها لمجاراة جيرانهم، احتياجا يعم الجزئيات ~~والكليات: من تربية الطفل إلى سياسة الممالك، ومن استنبات الأرض إلى ~~استمطار # PageV01P053 # السماء، ومن عمل الإبرة والقوارير إلى عمل المدافع والبوارج، ومن استخدام ~~اليد والحمار إلى استخدام البرق والبخار. # ولا شك أن المسلمين أصبحوا بعد الاكتشافات الجديدة، يستفيدون من العلوم ~~الطبيعية والحكمية فوائد عظيمة جدا، بالنظر إلى كشفها بعض أسرار كتاب الله ~~وبالغ الحكمة المنطوية فيه، مما كان مستورا إلى الآن، وقد خبط فيه المفسرون ~~خبط عشواء، كظهور حياة الجمادات بماء التبلور؛ وكازدواج النباتات عامة؛ ~~وكقبول الأرض الانتقاص وانشقاق القمر منها؛ وكانفتاق الأرض من السماء؛ ~~وكحدوث الجدري الذي نشأ في أصحاب الفيل بالمكروب، وكظهور سلسلة خلق الحيوان ~~من تراب # PageV01P054 # وطين وصلصال، بقاعدة الترقي التي أثبتها العلامة دارون؛ وكظهور صفة ~~الحركة الدائمة من الشخوص والهبوط المستمرين في الكائنات كلها؛ وكظهور سر ~~ضبط المقادير في التركيبات الكيماوية؛ وكظهور انقسام طبقات الأرض إلى سبعة ~~على الرأي الأصح؛ وكظهور أن السماء فضاء بالإجماع؛ وبذلك تندفع مشكلة ~~قبولها الفتق والرتق؛ وكظهور امتلاء الكون بالأثير وأنه أصل مادة الكائنات؛ ~~وكالأخبار عن المركوبات البرية البخارية والكهربائية وغير ذلك من الحقائق ~~التي كشفها العلم أخيرا، واعظم بها من براهين قطعية على إعجاز القرآن، ~~وتجدد إعجازه ما كر الجديدان. بل أضحى المسلمون محتاجين للحكمة العقلية، ~~التي كادت تجعل الغربيين أدرى منا حتى في مباني ديننا؛ كاستدلالهم # PageV01P055 # بالمقايسة على أن نبينا، عليه أفضل الصلاة والسلام، أفضل العالمين عقلا ~~وأخلاقا؛ وكإثباتهم بالمقابلة أن ديننا أسمى الديانات حكمة ومزية. # وعندي انه لولا هذا القصور ما وقع المسلمون في هذا الفتور؛ والأمل بعناية ~~الله انهم بعد زمان قصير أو طويل، لا بد أن يلتفتوا لهذه العلوم النافعة، ~~فيستعيدوا نشأتهم، بل يجلبوا إلى دينهم العالم المتمدن، لأن نور المعارف، ~~على قدر أبعاده العقلاء عن النصرانية وأمثالها، يقربهم من الإسلامية لأن ~~الدين المملوء بالخرافات والعقل المتنور لا يجتمعان في دماغ واحد (مرحى) . # ثم أن تبعه هذا التقصير، ms026 وإن كانت تلحق علماء الأمة المتقدمين، إلا أن ~~علماءنا المتأخرين اكثر قصورا؛ لأنهم في زمان ظهرت فيه فوائد هذه العلوم، ~~ولم يحصل فيهم ميل لاقتباسها؛ بل نراهم مقتصرين على تدريس اللغة والفقه ~~فقط، أو بعلاوة شيء من المنطق إتماما للعقائد، وشيء من الحساب إكمالا ~~للفرائض والمواريث قلما يفيد. # وكذلك نرى وعاظنا مقتصرين على البحث في النوافل والقربات المزيدة في ~~الدين، ورواية الحكايات الإسرائيليات؛ ومثلهم المرشدون أهل الطرائق، ~~مقتصرون على حكايات نوادر الزهاد، من صحيح وموضوع، ورواية كرامات الإنجاب ~~والنقباء والإبدال، # PageV01P056 # وعلى ضبط وزن التمايل وأصول الإنشاد؛ ولا ننسى خطباءنا واقتصارهم على ~~تكرار عبارات في النعت، والدعاء للغزاة والمجاهدين، وتعداد فضائل العبادات. # والحاصل أن تقصيرات العلماء الأقدمين، واقتصارات المتأخرين، وتباعد ~~المسلمين إلى الآن عن العلوم النافعة الحيوية، جعلتهم أحط بكثير عن الأمم. ~~ولا شك أنه إذا تمادى تباعدهم هذا خمسين عاما أخرى، تبعد النسبة بينهم وبين ~~جيرانهم كبعدها ما بين الإنسان وباقي أنواع الحيوان. فبناء عليه، يكون ~~ناموس الارتقاء هو المسبب لهذا الفتور، كما قال تعالى: (قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون) . # فأجابه الكامل الإسكندري: أن هذا سبب من الأسباب، ولا يكفي وحده لحل ~~الأشكال، لأن فقد العلوم الحكمية والطبيعية لا يصلح سببا لفقد الإحساس ~~الملي والأخلاق العالية، لأنها توجد في أعرق الأمم جهالة , وإنما سبب فتور ~~حياتنا الأدبية هو يأسنا من المباراة، وذلك أننا كنا علماء راشدين، وكان ~~جيراننا متأخرين عنا، فعرفنا البقاء فنمنا، واجتهدوا فلحقونا، ولبثنا نياما ~~فاجتازوا وسبقونا، وتركونا وراء؛ وطال نومنا، فبعد الشوط حتى صار # PageV01P057 # ما بعد ورائنا وراء، فصغرت نفوسنا، وفترت همتنا، وضعف إحساسنا، فيئسنا من ~~اللحاق والمجاراة؛ وخرجنا من ميدان المنافسة والمباراة وألسنتنا تفيض ~~بقولنا: " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. "؛ فعدنا إلى كهف ~~النوم مستسلمين للقضاء، نطلب الفرج بمجرد التمني والدعاء، ذاهلين عن أن ~~الله تعالى جلت حكمته، رتب هذه الحياة الدنيا على أسباب ظاهرية، ولم يشأ أن ~~يجعلها كالآخرة عالم أقدار؛ فهذا اليأس هو سبب الفتور، فنسأل الله ms027 تعالى ~~اللطف من المقدور. # أجابه العارف التاتاري: أن هذه شكاية حال، ولا تفي بالجواب؛ لأنه ما ~~السبب في هذا النوم الذي غشي المسلمين، ولم يزل يغشاهم دون كثير غيرهم من ~~الأمم التي إنتبهت، وسارت، ولحقها ظعن الأحياء، وما المسلمون إلا بعدين ~~المنقطعين كأهل الصين، ولا هم بالمتوحشين العريقين كأهل أمريكا الأصليين. # ثم قال: أنا أرى أن عارضنا فقدنا السراة والهداة: فلا أمير عام حازم ~~مطالع ليسوق الأمة طوعا أو كرها إلى الرشاد؛ ولا حكيم معترف له بالمزية ~~والإخلاص، لتنقاد إليه الأمراء والناس؛ ولا تربية قويمة المبادئ، ينتج منها ~~رأي عام لا يطرقه تخاذل وانقسام؛ # PageV01P058 # ولا جمعيات منتظمة تسعى بالخير وتتابع السير. ولذلك حل فينا الفتور، وإلى ~~الله ترجع الأمور. # أجابه الفقيه الأفغاني: أن ما وصفته من أمير وحكيم لا يوجدان في الأمم ~~المنحطة إلا اتفاقا، أما الرأي العام والجمعيات فلا يفقدان إلا بسبب فقد ~~الإحساس، وهذا ما نتساءل عنه. # وذكر أن الداء العام فيما يراه هو الفقر الآخذ بالزمام، لأن الفقر قائد ~~كل شر، ورائد كل نحس؛ فمنه جهلنا، ومنه فساد أخلاقنا، بل منه تشتت آرائنا ~~حتى في ديننا، ومنه فقد إحساسنا، ومنه إلى كل ما نحن فيه، أو نتوقع أننا ~~سنوافيه. # فهذه فطرتنا، لا نقص فيها عن غيرنا، وعددنا كثير، وبلادنا متواصلة، ~~وأرضنا مخصبة، ومعادننا غنية، وشرعنا قويم، وفخارنا قديم، فلا ينقصنا عن ~~الأمم الحية غير القوة المالية، التي أصبحت لا تحصل إلا بالعلوم والفنون ~~العالية، وهذه لا تحصل إلا بالمال الطائل؛ فوقعنا في مشكل الدور، وعسى أن ~~نهتدي لفكه سبيلا، وإلا فيحيق بنا ناموس فناء الضعيف في القوي وبيننا ~~الجاهل والعالم. # ومن اعظم أسباب فقر الأمة: أن شريعتنا مبنية على أن في # PageV01P059 # أموال الأغنياء حقا معلوما للبائس والمحروم، فيؤخذ من الأغنياء ويوزع على ~~الفقراء؛ وهذه الحكومات الإسلامية، قد قلبت الموضوع، فصارت تجبي الأموال من ~~الفقراء والمساكين وتبذلها للأغنياء، وتحابي بها المسرفين والسفهاء. # أجاب السعيد الإنكليزي: أن المسلمين من حيث مجموعهم أغنياء لا يعوزهم ~~المال اللازم للتدرج في العلوم، ms028 حتى للسياحات البحرية والقطبية، لأن فريضة ~~الزكاة على مالكي النصاب والكفارات المالية، جاعلة لفقراء الأمة وبعض ~~المصاريف العمومية نصيبا غير قليل في مال الأغنياء؛ بحيث إذا عاش المسلمون ~~مسلمين حقيقة أمنوا الفقر، وعاشوا عيشة الاشتراك العمومي المنتظم التي ~~يتمنى ما هو من نوعها أغلب العالم المتمدن الإفرنجي، وهم لم يهتدوا بعد ~~لطريقة نيلها، مع أنه تسعى وراء ذلك منهم جمعيات وعصبيات مكونة من ملايين ~~باسم (كومون، وفنيان، ونيهلست، وسوسيالست) ، كلها تطلب التساوي أو التقارب ~~في الحقوق والحالة المعاشية؛ ذلك التساوي والتقارب المقررين في الإسلامية ~~دينا بوسيلة أنواع الزكاة والكفارات، ولكن تعطيل إيتاء الزكاة وإيفاء ~~الكفارات سبب بعض الفتور المبحوث فيه، كما سبب إهمال الزكاة فقد الثمرات ~~العظيمة # PageV01P060 # من معرفة المسلم ميزانية ثروته سنويا، فيوفق نفقاته على نسبة ثروته ~~ودخله، ولا شك أن الواحد من الأربعين يكفي أن يبذل لأجل هذه الثمرة وحدها. # والشريعة الإسلامية هي أول شريعة ساقت الناس والحكومات لأصول البودجة ~~المؤسس عليه فن الاقتصاد المالي، الإفرادي والسياسي. # ويخيل لي أن سبب هذا الفتور، الذي أخل حتى في الدين، هو فقد الاجتماعات ~~والمفاوضات؛ وذلك أن المسلمين في القرون الأخيرة قد نسوا بالكلية حكمة ~~تشريع الجماعة والجمعة وجمعية الحج؛ وترك خطبائهم ووعاظهم، خوفا من أهل ~~السياسة، التعرض للشؤون العامة. كما أن علماءهم صاروا يسترون جبنهم بجعلهم ~~التحدث في الأمور العمومية والخوض فيها من الفضول والاشتغال بما لا يغني، ~~وإن إتيان ذلك في الجوامع من اللغو الذي لا يجوز، وربما اعتبروه من الغيبة ~~أو التجسس أو السعي بالفساد؛ فسرى ذلك إلى إفراد الأمة، وصار كل شخص لا ~~يهتم إلا بخويصة نفسه وحفظ حياته # PageV01P061 # في يومه، كأنه خلق أمة واحدة، وسيموت غدا، جاهلا أن له حقوقا على الجامعة ~~الإسلامية والجامعة البشرية، وإن لهما عليه مثلها، ذاهلا عن أنه مدني ~~الطبع، لا يعيش إلا بالاشتراك، ناسيا أو جاهلا أوامر الكتاب والسنة له بذلك ~~(مرحى) . # ثم بتوالي القرون والبطون على هذه الحال، تأصل في الأمة فقد الإحساس، إلى ~~درجة انه لو خربت هذه الكعبة ms029 والعياذ بالله تعالى لما تقطبت الحياة أكثر من ~~لحظة، ولا أقول لما زاد تلاطم الناس على سبعة أيام، كما ورد في الإثر، لأن ~~المراد بأولئك الناس أهل خزينة العرب إذ ذاك. # وإذا دققنا النظر في حالة الأمم الحية المعاصرة، وهي ليس عندها ما عندنا ~~من الوسائل الشريفة للاجتماعات والمفاوضات، نجدهم قد احتالوا للاجتماعات ~~ولاسترعاء السمع والاستلفات بوسائل شتى: ### | 1 - # منها تخصيصهم يوما في الأسبوع للبطالة والتفرغ من الأشغال الخاصة، لتحصل ~~بين الناس الاجتماعات، وتنعقد الندوات، فيتباحثون ويتناجون. ### | 2 - # ومنها تخصيصهم أياما، يتفرغون فيها لتذاكر مهمات الأعمال لأعاظم رجالهم ~~الماضين، تشويقا للتمثل بهم. # PageV00P000 ### | 3 - # ومنها إعدادهم في مدنهم ساحات ومنتديات، تسهيلا للاجتماع والمذاكرات ~~وإلقاء الخطب وإبداء التظاهرات. ### | 4 - # ومنها إيجادهم المنتزهات الزاهية العمومية، وإجراء الاحتفالات الرسمية ~~والمهرجانات بقصد السوق للاجتماعات. ### | 5 - # ومنها إيجادهم محلات التشخيص المعروف (بالكوميديا) و (التياترو) ، بقصد ~~أراءة العبر واسترعاء السمع للحكم والوقائع، ولو ضمن أنواع من الخلاعة التي ~~اتخذت شباكا لمقاصد الجمع والإسماع، ويعتبرون أن نفعها أكبر من ضرر ~~الخلاعة. ### | 6 - # ومنها اعتناؤهم غاية الاعتناء بتعميم معرفة تواريخهم الملية، المفصلة ~~المدمجة بالعلل والأسباب، تمكينا لحب الجنسية. ### | 7 - # ومنها حرصهم على حفظ العاديات المنبهة، وادخار الآثار القديمة المنوهة، ~~واقتناء النفائس المشعرة بالمفاخر. ### | 8 - # ومنها إقامتهم النصب، المفكرة بما نصبت له من مهمات # PageV00P000 # الوقائع القديمة. ### | 9 - # ومنها نشرهم في الجرائد اليومية كل الوقائع والمطالعات الفكرية. ### | 10 - # ومنها بثهم في الأغاني والنشائد الحكم والحماسات؛ إلى غير ذلك من الوسائل ~~التي تنشئ في القوم نشأة حياة اجتماعية، وتولد في الرؤوس حمية وحماسة، وفي ~~النفوس سموا ونشاطا. # أما المسلمون فإنهم كما سبق بيانه، أهملوا استعمال تلك الوسائل الشريفة، ~~المؤسسة عندهم للشورى والمفاوضات والتناصح والتداعي، أعني بذلك الجماعة ~~والجمعة وجمعية الحج؛ حتى كأن الشارع لم يقصد منها أداء الفريضة فقط بصورة ~~تعبدية بسيطة، والحال حكمة الشارع أبلغ من ذلك، وعندي أن هذا أعظم أسباب ~~الفتور (مرحى) . # فأجابه الإمام الصيني: أن هذا أشبه بالعوارض منه بالأسباب، فهو أليق بأن ~~يكون دواء للداء، ونحن مهتمون ms030 ابتداء بمعرفة سبب الفتور. # ثم قال: أني أرى أن السبب الأكبر للفتور هو تكبر الأمراء، # PageV00P000 # وميلهم للعلماء المتملقين المنافقين، الذين يتصاغرون لديهم، ويتذللون ~~لهم، ويحرفون أحكام الدين ليوفقوها على أهوائهم؛ فماذا يرجى من علماء ~~يشترون بدينهم دنياهم، ويقبلون يد الأمير لتقبل العامة أيديهم، ويحقرون ~~أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف من الضعفاء، اكبر همهم التحاسد والتباغض ~~والتخاذل والتفاشل، لا يحسنون أمرا من الأمور حتى ولا الخصومة، فتراهم لا ~~يتراغمون إلا بتكفير بعضهم بعضا عند الأمراء والعامة. # وهذا داء عياء صعب المداواة جدا، لأن كبر الأمراء يمنعهم من الميل إلى ~~العلماء العاملين، الذين فيهم نوع غلظة لا بد منها، ولنعما هي مزية لولاها ~~لفقد الدين بالكلية (مرحى) . # فلا شك أن في هذا الزمان، أفضل الجهاد في الله الحط من قدر العلماء ~~المنافقين عند العامة، وتحويل وجهتهم لاحترام العلماء العاملين؛ حتى إذا ~~رأى الأمراء انقياد الناس لهؤلاء أقبلوا هم أيضا عليهم رغم أنوفهم. وأذعنوا ~~لهم طوعا أو كرها؛ على أنه يجب على حكماء الأمة المجاهدين في الله أن ~~يعتنوا بالوسائل اللينة لتثقيف عقول العلماء العاملين، لأن العلم رافع ~~للجهل فقط، ولا يفيد عقلا ولا كياسة؛ فيلزم تعليمهم وتعريفهم كيف تكون ~~سياسة الدين، وهكذا # PageV01P065 # يفعل الحكماء عندنا معاشر إسلام الصين، ولا تفقد أية بلدة كانت رجالا ~~حكماء نبلاء يمتازون طبعا على العامة، لهم نوع من الولاء حتى على العلماء. # وهؤلاء الذين نسميهم عندنا بالحكماء هم الذين يطلق عليهم في الإسلامية ~~اسم أهل الحل والعقد، الذين لا تنعقد شرعا (الإمامة) إلا ببيعتهم؛ وهم خواص ~~الطبقة العليا في الأمة، الذين أمر الله عز شأنه نبيه بمشاورتهم في الأمر، ~~الذين لهم شرعا حق الاحتساب والسيطرة على الأمام والعمال، لأنهم رؤساء ~~الأمة ووكلاء العامة، والقائمون في الحكومة الإسلامية مقام مجالس النواب ~~والإشراف في الحكومات المقيدة، ومقام الأسرة الملوكية التي لها حق السيطرة ~~على الملوك في الحكومات المطلقة كالصين وروسيا؛ ومقام شيوخ الأفخاد في إزاء ~~أمراء العشائر العربية، أولئك الأمراء الذين ليس لهم من الأمر غير تنفيذ ما ~~يبرمه ms031 الشيوخ. # وإذا دققنا النظر في أدوار الحكومات الإسلامية من عهد الرسالة إلى الآن، ~~نجد ترقيها وانحطاطها تابعين لقوة أو ضعف احتساب أهل الحل والعقد واشتراكهم ~~في تدبير شؤون الأمة. # وإذا أرجعنا البصر إلى التاريخ الإسلامي، نجد أن النبي عليه # PageV01P066 # السلام كان أطوع المخلوقات للشورى امتثالا لأمر ربه في قوله تعالى: ~~(وشاورهم في الأمر) ، حتى أنه ترك الخلافة لمجرد رأي الأمة. # ثم كان أول الخلفاء رضي الله عنه أشبه الناس به حتى أنه أخذ رأي سراة ~~الصحابة فيمن خلف؛ ثم الخليفة الثاني اتبع أثر الأول، وإن استأثر في ترتيب ~~الشورى فيمن يخلفه؛ ثم الخليفة الثالث اجتهد في مخالفة رؤساء الصحابة في ~~بعض المهمات، فلم يستقم له الأمر، وظهرت الفتن كما هو معلوم؛ ثم معاوية ~~رحمه الله كان قليل الاستقلال بالرأي فحسنت أيامه عن قبل. وهكذا كانت دولة ~~الأمويين تحت سيطرة أهل احل والعقد لا سيما من سراة بني أمية، فانتظمت على ~~عهدهم الأحوال، كما كان ذلك كذلك على عهد صدر العباسيين، حيث كانوا مذعنين ~~لسيطرة رؤساء بني هاشم، ثم لما استبدوا في الرأي والتدبير، فخالفوا أمر ~~الله واتباع طريقة رسول الله، ساءت الحال حتى فقد الملك. # هكذا عند التدقيق في كل فرع من الدول الإسلامية الماضية والحاضرة، بل في ~~ترجمة كل فرد من الملوك والأمراء، بل في حال كل ذي عائلة أو كل إنسان فرد، ~~نجد الصلاح والفساد دائرين مع سنة الاستشارة أو الاستقلال في الرأي. # PageV01P067 # فإذا تقرر هذا، علمنا أن سبب الفتور العام المبحوث فيه هو استحكام ~~الاستبداد في الأمراء شيمة وتكبرا، وترك أهل الحل والعقد والاحتساب جهلا ~~وجبانة؛ وهذا عند بعض الأقوام المسلمين كإيران، وأما الأكثر فقد أمسوا لا ~~علماء هداة ولا سراة أباة، بل هم فوضى في الدين والدنيا. ولا بدع فيمن ~~يكونون على مثل هذا الحال، أن لا يرجى لهم دواء إلا بعناية بعض الحكماء، ~~الذين ينجبون من أي طبقة كانت من الأمة، وقد قضت سنة الله في خلقه أن لا ~~تخلو أمة من الحكماء. # فأجاب العالم ms032 النجدي: أن شؤون السياسة في الصين تختلف كثيرا عنها في ~~غيرها، وليس في الصين ملوك كثيرة وأمراء جبابرة كما عند غيرهم، فالحكماء في ~~الصين آمنون؛ ومن جهة أخرى لم يزل الإسلام في الصين حنيفا خفيفا، لم يفسده ~~التفنن والتشديد، ومع ذلك نرى الفتور شاملهم أيضا. ونحن الآن نبحث عن السبب ~~العام لهذا الداء، وليس كل السبب أحوال الأمراء والعلماء. # ثم قال أني أجزم، ولا أقول أظن أو أخال، أن سبب الفتور الطارئ الملازم ~~لجامعة هذا الدين هو هذا الدين الحاضر ذاته، ولا # PageV01P068 # برهان أعظم من الملازمة، وما جاء الخفاء إلا من شدة الوضوح؛ فهل بقي من ~~شك بعد هذه الأبحاث التي سبقت في جمعيتنا، ولا سيما ما بينه المحقق المدني، ~~في أن الدين الموجود الآن بالنظر إلى ما ندين به لا بالنظر إلى ما نقرره، ~~وباعتبار ما نفعله لا باعتبار ما نقوله، ليس هو الدين الذي تميز به أسلافنا ~~مئين من السنين على العالمين، كلا بل طرأت على الدين طوارئ تغيير غيرت ~~نظامه. " وذلك أن الإخلاف تركوا أشياء من أحكامه: كإعداد القوة بالعلم ~~والمال، والجهاد في الدين، والأمر بالمعروف، وإزالة المنكر، وإقامة الحدود، ~~وإيتاء الزكاة؛ وغير ذلك مما أوضحه الإخوان الكرام، وزاد فيه المتأخرون ~~بدعا وتقليدات وخرافات ليست منه، كشيوع عبادة القبور، والتسليم لمدعي علم ~~الغيب والتصرف في المقدور. # وهذه الطوارئ من تغييرات أو متروكات أو مزيدات أكثرها يتعلق بأصول الدين، ~~وبعضها بأصل الأصول أعني التوحيد، وكفى بأن يكون سببا للفتور، وقد قال الله ~~تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} . (مرحى) . # ولقائل أن يقول: إذا سلمنا أن الدين تغير عما كان عليه، فما # PageV01P069 # تأثير ذلك في الفتور العام الذي هو من شئون الحياة الدنيا، وها نحن نجد ~~أكثر الأمم الحية التي نغبطها قد طرأ على دينها التغيير والتبديل في الأصول ~~والفروع، ولم يؤثر ذلك في الفتور؛ بل زعم كثير من حكماء تلك الأمم انهم ما ~~أخذوا في الترقي إلا بعد عزلهم شئون الدين عن شئون ms033 الحياة، وجعلهم الدين ~~أمرا وجدانيا محضا لا علاقة له بشؤون الحياة الجارية على نواميس الطبيعة. # فالجواب على ذلك بأنه كما يطالب كل إنسان بان يكون صاحب ناموس، أي متبعا ~~على وجه الاطراد في أخلاقه وأعماله قانونا ما، موافقا ولو في الأصول فقط ~~لقانون الهيئة الاجتماعية التي هو منها، وإلا فيكون لا ناموس له، منفورا ~~منه مضطهدا؛ فكذلك كل قوم مكلفون بأن يكون لهم ناموس عام بينهم، ملائم نوعا ~~لقوانين الأمم التي لها معهم علاقات جوارية أو تجارية أو مناسبات سياسية، ~~وإلا فيكونون قوما متوحشين لا خلاق لهم ولا نظام، منفورا منهم مضطهدين. # وذلك أن الناموس الطبيعي في البشر هو ناموس وحشي لا خير فيه، لأن مبانيه ~~هي تنازع البقاء، وحفظ النوع، والتزاحم على الأسهل، والاعتماد على القوة، ~~وطلب الغايات، وحب الرئاسة، # PageV01P070 # وحرص الإدخار، ومجاراة الظروف، وعدم الثبات على حال، إلى غير ذلك. وكلها ~~قواعد شر ومجالب ضر، لا يلطفها غير ناموس شريف واحد، مودوع في فطرة ~~الإنسان، وهو: إذعانه الفكري للقوة الغالبة، أي معرفة الله بالإلهام ~~الفطري، الذي هو الهام النفس رشدها، وإلهامها فجورها وتقواها (مرحى) . # ولا ريب في أن لهذه الفطرة الدينية في الإنسان علاقة عظمى في شؤون حياته، ~~لأنها أقوى وأفضل وازع يعدل سائر نواميسه المضرة، ويخفف مرارة الحياة التي ~~لا يسلم منها ابن أنثى، وذلك بما يؤمله المؤمن من المجازاة والمكافأة، ~~والانتقام منه وله (مرحى) . # وعند تدقيق حالة جميع الأديان والنحل تدقيقا تاريخيا، توجد كلها ناشئة عن ~~اصل صحيح بسيط سماوي، لا ترى فيه عوجا ولا أمتا، يوجد أن كل دين كان في ~~أوليته باثا في أهله النظام والنشاط، وراقيا بهم إلى أوج السعادة في ~~الحياة، إلى أن يطرأ عليه التأويل والتحريف والتفنن والزيادات رجوعا إلى ~~اصلين اثنين: (الإشراك بالله، والتشديد في الدين) . فيأخذ في الانحطاط ~~بالأمة، ولم يزل نازلا بها إلى أن تبلغ حالة أقبح من الحالة الأصلية ~~الهمجية، فتنتهي # PageV01P071 # بالانقراض أو الاندماج في أمة أخرى. أو يتدارك الله تلك الأمة بعناية ~~بالغة، فيبعث لهم رسولا ms034 يجدد دينهم، أو يخلق فيهم أنبياء أو حكماء يصلحون ~~لهم ما فسد من دينهم، كما حصل ذلك في الأمم الماضية: كعاد وثمود، وكالسريان ~~وإسرائيل وكنعان وإسماعيل، وكما قال الله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} . # وعند التأمل يوجد الشرك والتشديد كأنهما أمران طبيعيان في الإنسان، يسعى ~~وراءهما جهده بسائق النفس وقائد الشيطان؛ لأن النفس تميل إلى عبادة المشهود ~~الحاضر أكثر من ميلها إلى عبادة المعقول الغائب، ومفطوره على التشديد رغبة ~~في التميز؛ والشيطان يسعف النفس بالتسويل والتأويل، والتحويل والتضليل، إلى ~~أن يفسد الدين (مرحى) . # ثم إذا دققنا حالة الإسلامية في القرون الخالية، نجدها عند أكثر أهل ~~القبلة قد أصابها بعض ما أصاب قبلها غيرها من الأديان؛ كما أخبرنا الله ~~تعالى بقصصها في كتابه المبين، ووعدنا بوقوعنا فيه سيد المرسلين، وأرشدنا ~~إلى طرائق التخلص منه إن كنا راشدين. # PageV01P072 # أعني بذلك ماطرا على الإسلامية من التأويل والتحريف في بعض أصولها وكثير ~~من فروعها، حتى استولى عليها التشديد والتشويش، وتطرق لها الشرك الخفي ~~والجلي من يمينها وشمالها، فأمست محتاجة إلى التجديد بتفريق الغي من الرشد، ~~وعندي أن هذه الحال أعم وأعظم سبب للفتور المبحوث فيه، قال الله تعالى: ~~(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) . (مرحى) . وأنتم أيها السادة ~~الأفاضل، في غناء عن إيضاح ذلك لكم بوجه التفصيل. # قال الأستاذ الرئيس: إني أرى أن البحث في أعراض الداء وأسبابه وجرائمه ~~وما هو الدواء وكيف يستعمل قد نضج أو كاد؛ وقد قررنا في اجتماعنا الأول ~~أننا سنبحث في: ما هي الإسلامية؟ وما يتبع ذلك مما أدرجناه في برنامج ~~المباحث، وإني أرى أن تقرير أخينا العالم النجدي نعم المدخل لنقل البحث، ~~ولا سيما إذا تكرم بتفصيل ما أجمله؛ لأن مسائل منشأ الديانات، وسنن الله في ~~مسراها، وأسباب طوارئ التغيير والتحريف عليها، كلها مسائل مهمة تقتضي تدقيق ~~النظر واستقصاء التحقيق، ويحسن فيها الإطالة والاستيعاب. بناء عليه، نرجو ~~من العالم النجدي أن يتكرم بإعادة ما قرره بصورة مفصلة ms035 في اجتماعنا الآتي، ~~إذ اليوم قد أذن لنا الوقت بالانصراف. # PageV01P073 # فارغ # PageV01P074 ### | الاجتماع الرابع ### | يوم السبت العشرين من ذي القعدة سنة # 1316 # انتظمت الجمعية في اليوم المذكور صباحا، وقرىء الضبط السابق حسب العادة، ~~وأذن الأستاذ الرئيس بالشروع في البحث. # فقال العالم النجدي: إني استسمح السادة الإخوان عن إملالهم بمقدمات ~~وتعريفات هم أعلم مني بها، بل هي عندهم في رتبة البديهيات، ولكن لا بد منها ~~للباحث رعاية لقاعدة التسلسل الفكري والترتيب القياسي، فأقول. # أن النوع الإنساني مفطور على الشعور بوجود قوة غالبة عاقلة، لا تتكيف، ~~تتصرف في الكائنات على نواميس منتظمة، فالعامة يعبرون عن هذه القوة بلفظ ~~(الطبيعة) ؛ والراشدون من الناس مهتدون إلى أن لهذه القوة من هو قائم بها، ~~يعبرون عنه بلفظ (الله) ثم أن هذا الشعور يختلف قوة وضعفا، حسب ضعف النفس # PageV01P075 # وقوتها؛ ويختلف الناس في تصور وتوصيف ماهية هذه القوة حسب مراتب الإدراك ~~فيهم، أو حسبما يصادفهم من التلقي عن غيرهم، وذلك هو (الضلال والهداية) . ~~على أن الضلال غالب لأن موازين العقول البشرية مهما كانت واسعة قوية، لا ~~تسع وتتحمل وزن جبال الأزلية والأبدية، والامتثال، والأزمان، والإمكان، ~~ونحو ذلك، مما لصعوبته سمي العلم به علم ما وراء العقل؛ ولهذا لا يقال في ~~حق الضالين أنهم منحطون عقلا عن المهتدين، بل كثير منهم، في الماضين ~~والحاضرين، أسمى عقلا بمراتب كبيرة من المهتدين، ولكن صعوبة التصور والحكم ~~أوقعتهم في بحار من الأوهام وظلمات من الضلال، على أن البارئ تعالى قدر ~~اللطف ببعض عباده، وأراد إقامة الحجة على الآخرين، فأوجد بعض أفراد من ~~البشر يميزون في تصور توصيف ماهية هذه القوة تمييزا كبيرا، فصاروا هداة ~~للناس وهم (الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام. # ثم بعض الأنبياء الكرام قاموا فيمن حولهم من الناس مقام المشرعين؛ ~~واثبتوا، ببراهين خرق العادات على يدهم عند التحدي أي عند طلب ذلك منهم، أن ~~مخاطبيهم مكلفون من قبل الله تعالى باتباعهم وهم (المرسلون) ، فآمن بهم من ~~آمن، أي شهدوا لهم # PageV01P076 # بالرسالة واتبعوهم في هديهم مستسلمين، فأخرجوهم من بحار الأوهام إلى ms036 ساحل ~~الحكمة، ومن ظلمات الضلال إلى نور الهداية، وهؤلاء (المؤمنون) ، فهذه مقدمة ~~أولى. (مرحى) . # ومن المؤمنين: نحن معاشر (المسلمين) ؛ علمنا، بما علمنا، أن محمدا بن عبد ~~الله الهاشمي القرشي العربي أجل البشر حكمة وفضيلة، وصدقناه بأنه رسول الله ~~للعالمين كافة، مصححا ملة إبراهيم، داعيا لعبادة الله وحده، هاديا إلى ما ~~يكلف الله له عبادة من أمر ونهي كافلين لكل خير في الحياة وبعد الممات. # ومن أمهات قواعد ديننا، أن نعتقد: أن محمدا عليه السلام بلغ رسالته، لم ~~يترك ولم يكتم منها شيئا، وأنه أتم وظيفته بما جاء به من كتاب الله، وبما ~~قاله أو فعله أو أقره على سبيل التشريع إكمالا لدين الله. # ومن أهم قواعد ديننا أيضا: أنه محظور علينا أن نزيد على ما بلغنا إياه ~~رسول الله أو ننقص منه أو نتصرف فيه بعقولنا، بل متحتم علينا أن نتبع ما ~~جاء به الصريح المحكم من القرآن، والواضح الثابت مما قاله الرسول أو فعله ~~أو أقره، وما أجمع عليه الصحابة، أن أدركنا حكمة ذلك التشريع أو لم نقدر ~~على إدراكها، وأن تترك # PageV01P077 # ما يتشابه علينا من القرآن فنقول فيه: (آمنا به، كل من عند ربنا، وما ~~يعلم تأويله إلا الله) . # ومن قواعد ديننا كذلك: أن نكون مختارين في باقي شؤوننا الحيوية، نتصرف ~~فيها كما نشاء، مع رعاية القواعد العمومية التي شرعها أو ندب إليها الرسول، ~~وتقتضيها الحكمة أو الفضيلة، كعدم الإضرار بالنفس أو الغير، والرأفة على ~~الضعيف، والسعي وراء العلم النافع، والكسب تتبادل الأعمال، والاعتدال في ~~الأمور، والإنصاف في المعاملات، والعدل في الحكم، والوفاء بالعهد، إلى غير ~~ذلك من القواعد الشريفة العامة. وهذه مقدمة ثانية. # ويتفرع عن هاتين المقدمتين بعض مسائل مهمة، ينبغي أيضا إفرادها في البحث ~~تباعا وإشباعا. # منها أن أصل الإيمان بوجود الصانع أمر فطري في البشر كما تقدم، فلا ~~يحتاجون فيه إلى الرسل، وإنما حاجتهم إليهم في الاهتداء إلى كيفية الإيمان ~~بالله كما يجب من التوحيد والتنزيه. # وهؤلاء قوم نوح، وقوم إبراهيم، وجاهلية العرب، واليهود # PageV01P078 # والنصارى، ms037 ومجوس فارس، ووثنيو الهند والصين، ومتوحشو إفريقيا وأمريكا ~~وسائر البشر، كلهم كانوا ولا زالوا أهل فطرة دينية يعرفون الله، وليس فيهم ~~من ينكره كليا كما قال عز من قائل: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) . ويل ~~البشر، يغلب عليهم الإشراك بالله، فيخصصونه تعالى شأنه بتدبير الأمور ~~الكلية والشؤون العظام كالخالقية وتقسيم الأرزاق والآجال، كأنهم يجلونه عن ~~تدبير الأمور الجزئية، ويتوهمون أن تحت أمره مقربين وأعوانا ووسائط من ~~ملائكة وجن وأرواح، وبشر وحيوانات، وشجر وحجر؛ وأنه جعل لهم وللنواميس ~~الكونية من أفلاك وطبائع، وللحالات النفسية من سحر وتوجه فكر، دخلا وتأثيرا ~~في تدبير الأمور الجزئية إيقاعا أو منعا، وأعطاهم شيئا من القوة القدسية ~~وعلم الغيب. # وتوهمهم هذا ناشئ عن قياسهم ملكوت ذي الجبروت على إدارة الملوك في ~~اختصاصهم بتدبير مهمات الأمور، وتفويضهم ما دون ذلك للعمال والأعوان، ~~واستعانتهم بالإخصاء والخدام، وربطهم مجرى الأعمال بالقوانين والنظامات ~~(مرحى) . # ومن تتبع تواريخ الأمم الغابرة وأفكار الأمم الحاضرة، لا يستريب فيما ~~قررناه من أن آفة البشر الشرك الذي أوضحناه # PageV01P079 # فقط، وكفى بالقرآن برهانا، فقد قال الله تعالى {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله} . وقال تعالى {بل إياه تدعون} وقال تعالى: ~~{فلا تدعوا مع الله أحدا} . وقال تعالى {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} . ~~إلى غير ذلك من الآيات البينات المثبتة أن زيغ البشر هو الإشراك من بعض ~~الوجوه فقط، لا الإنكار ولا الإشراك المطلق، لأن العقل البشري مهما تسفل لا ~~ينزل درجة الشرك المطلق. # بناء عليه جرت عادة الله تعالى جلت حكمته أن يبعث الرسل، ينقذون الناس من ~~ضلالة الشرك، وينتشلونهم من وهدة شره في الحياة الدنيا والآخرة، ويهدونهم ~~إلى رأس الحكمة أي (معرفة الله) حق معرفته لكي يعبدوه وحده، وبذلك تتم حجته ~~عليهم، ويملكون حريتهم التي تحميهم من أن يكونوا أرقاء أذلاء لألف شيء من ~~أرواح وأجسام وأوهام، فثمرة الإيمان بأن (لا إله إلا الله) عتق العقول من ~~الإسارة، وثمرة الإذعان بأن (محمدا رسول الله) اتباعه حقا في شريعته التي ~~تحول ms038 بين المسلم وبين نزوعه إلى الشرك، وتنيله سعادة الدارين. # ثم أن الإنسان، قتل ما أكفره وقبح ما أجهله، لا يهتدي # PageV01P080 # إلى التوحيد إلا بجهد عظيم، ويندفع أو ينقاد بشعره إلى الشرك، فيتلبس به ~~على مراتب ودرجات في اعتقاد وجود قوة قدسية ترجى وتتقي في غير الله، أو ~~تبعا لله، ذاهلا عن انه لو كان في الأرض أو في السماء آلهة غير الله، أي ~~أصحاب قوة تصرف في شيء ولو في تحريك ذرة رمل، لفسدتا. # فالناس سريعو الأعراض عن ذكر الله، إلى ذكر من يتوهمون فيهم أنهم شركاء ~~وأنداد الله، فيعبدونهم، أي يعظمونهم، ويخضعون لهم، ويدعونهم، ويستمدون ~~منهم، ويرفعون حاجاتهم إليهم، ويرجون عند ذكر أسمائهم الخير، ويتوقعون من ~~سخطهم الشر، وقد قال الله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} ، ~~والله صادق الوعد نافذ الحكم. وفي الواقع، وبالضرورة والطبع، لا معيشة أشد ~~ضنكا من معيشة المشركين الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم لأنفسهم ظالمون، ~~فقال: {إن الشرك لظلم عظيم} ، وقال: {ولا يظلم ربك أحدا} . وهذا زيد بن ~~عمرو بن نفيل، الحكيم الجاهلي، ضجر من الشرك فقال من أبيات له: # (أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور) # (تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل الخبير) # ومثل الحياة الأدبية في الموحدين والمشركين: كبلد سلطانه # PageV01P081 # حكيم قاهر، بابه مفتوح لكل مراجع، وينفذ قانونا واحدا، ولا يصغي لساع ولا ~~لشفيع، ولا يشاركه في حكمه أحد. وبلد آخر سلطانه جبان مغلوب على أمره، نال ~~منه متقربوه المتعاكسون وأعوانه المتشاكسون مراتب من الكرامة ونفوذ الكلمة ~~عنده، واحرزوا سلطة استقضائه ما يشاءون من حوائج خير لذويهم، أو دفع شر عن ~~اتباعهم، فهل يستوي أهل البلدين؟ كلا، لا تستوي السعادة والشقاء، ولله ~~المثل الأعلى فإنه جلت عظمته لا يرضى أن يشاركه في ملكه أحد، كما قال ~~تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك ~~بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} . ولا شك أن الشرك من اكبر الفجور وعمل ms039 السوء، ~~وقد قال تعالى: {إن الفجار لفي جحيم} . وقال تعالى: {ومن يعمل سوءا يجز به} ~~. وما الجحيم والمجازاة خاصان بالآخرة بل يشملان الحياة الدنيا والآخرة. # ثم أقول: فإذا أراد المسلم أن يعلم ما هو الشرك المشؤوم عند الله، بمقتضى ~~ما عرفه إياه في كتابه المبين، يلزم أن يعرف ما هو مدلول ألفاظ: (إيمان، ~~وإسلام، وعبادة، وتوحيد، وشرك) في اللغة العربية التي هي لغة القرآن، حيث ~~قال تعالى: (أنا جعلناه # PageV01P082 # قرآنا عربيا، وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} . فإذا علم المسلم معنى هذه الألفاظ، ~~وأراد أن يمتثل أمر ربه بأن لا يتعدى حدود الله، يتعين حينئذ عنده ما هو ~~مراد الله بالشرك الذي لا يرضاه، الذي أشفق وأخاف علينا نبينا عليه الصلاة ~~والسلام من الوقوع فيه فقال: {أن أخوف ما أخاف عليكم الشرك} . # ومن يبحث عما ذكر من الألفاظ، يجد أن أهل اللغة مجمعون على أن المدلول ~~للفظ (الإيمان) الطاعة والتسليم بدون اعتراض، وللفظة (العبادة) التذلل ~~والخضوع؛ وللفظه (التوحيد) العلم بأن الشيء واحد، ومضافة إلى الله نفي ~~الأنداد والأشباه عنه. ومن هذه المادة الواحد والأحد، صفتان لله، معناهما ~~المنفرد الذي لا نظير له أو ليس معه غيره. # وأصل معنى مادة الشرك لغة الخلط، واستعمالا اسم للإشراك بالله. في اصطلاح ~~المؤمنين الإشراك بالله في (ذاته) أو (ملكه) أو (صفاته) . # ثم إذا وزعنا اعتقادات من وصفهم الله تعالى بالشرك في كتابه العزيز على ~~هذه الأنواع الثلاثة، نجد مظنة (الإشراك في الذات) قائمة في اعتقاد الحلول، ~~وهو أنه، تعالى شأنه عما يصفون، أفنى # PageV01P083 # أو يفني بعض الأشخاص في ذاته، كقول النصارى في عيسى ومريم عليهما السلام، ~~وقول علمائنا في وحدة الوجود، وهذا النوع من الشرك عسر التصور والتفريق حتى ~~عند أساطين أهله، ولذلك يسميه النصارى حقيقة سرية، ويسميه علماؤنا حقيقة ~~ذوقية (مرحى) . # أما مظنات (الإشراك في الملك) : فيدخل تحتها اعتقاد اختصاص بعض المخلوقين ~~بتدبير بعض الشؤون الكونية، كاعتقاد اليهود في ملك الموت، ms040 وكاعتقاد بعض ~~الناس تصرف غير لله في شيء من شؤون الكون، كقول من يقول: فلان عليه درك ~~البر أو البحر، أو الشام أو مصر. # وأما مظنات (الإشراك في الصفات) : فهي الاعتقاد في مخلوق انه متصف بشيء ~~من صفات الكمال من المرتبة العليا، التي لا تنبغي إلا لواجب الوجود جلت ~~شؤونه. # وهذا النوع الثالث اكثر شيوعا من النوعين الأولين لثلاثة أسباب: # الأول: كون غير الأحدية والخالقية، ونحوها من الصفات الخاصة بالله تعالى، ~~صفات مشتركة يعسر على غير العلماء الراشدين # PageV01P084 # تمييز الحد الفارق بين مراتبها في المخلوقين، وبين مراتبها المختصة به ~~تعالى. # الثاني: ما نطقت به الشرائع من تفويض الله تعالى بعض الأمور إلى ~~الملائكة، واستجابة دعاء المقربين، وإكرامه تعالى بعض عباده الصالحين، ~~ووعده بقبول شفاعة من يأذن لهم بها يوم القيامة، فالتبس على الجهلاء ~~التفريق بين هذه وبين التصرف. # الثالث: هو كون التعظيم مدرجة طبيعية للإغراق والتغالي، ومطية سريعة ~~السير لا يلتوي عنانها عن تجاوز الحدود إلا برغم الطبع وتوفيق الله، ولذلك ~~قاسى الرسل ألو العزم الشدائد في كبح جماح الناس عن إشراكهم معظميهم مع ~~الله في مرتبة بعض صفاته العليا، وركبوا متون المصاعب والعزائم في إرجاع ~~الناس إلى حد الاعتدال؛ وشددوا النكير على إطراء الناس إياهم؛ وحذروا ~~وانذروا من مقاربة مظان الشرك، حتى الخفي الذي يدب دبيب النمل. # ومن المعلوم عندنا أن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لبث عشرة أعوام ~~يقاسي الأهوال في دعوته الناس إلى التوحيد فقط، وسمى أمته الموحدين، وأنزل ~~الله القرآن ربعه في التوحيد؛ وتأسس دين الله على كلمة (لا إله إلا الله) ~~و، وجعلت أفضل الذكر # PageV01P085 # لحكمة أن المسلم مهما رسخ في الإيمان، يبقى محتاجا إلى نفي الشرك عن فكره ~~احتياجا مستمرا، وذلك لما قلنا من شدة ميل الإنسان إلى الشرك، ولشدة ~~التباسه عليه ولشدة قربه منه طبعا، فنسأل الله تعالى الحماية (مرحى) . # وما هذا خاص بالمسلمين، بل مضت الأمم كلها، لم يكد يفارقها رسلها الكرام ~~إلا ووقعت في الشرك، كقوم موسى عليه السلام فارقهم أربعين ms041 ليلة فاتخذوا ~~العجل (مرحى) . # ثم إذا انقلبنا في البحث إلى ما هو الشرك في نظر القرآن وأهله لنتقيه، ~~نجد أن الله تعالى قال في حق اليهود والنصارى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله} . مع أنه لم يوجد من قبل ولا من بعد من الأحبار ~~والرهبان من أدعى المماثلة، ونازع الله الخالقية أو الإحياء أو الإماتة كما ~~يقتضيه انحصار معنى الربوبية عند العامة من الإسلام، حسبما تلقوه من مروجي ~~الشرك بالتأويل والإيهام، بل الأحبار والرهبان إنما شاركوا الله تعالى في ~~التشريع المقدس فقط، فقالوا هذا حلال وهذا حرام، فقبل منهم اتباعهم ذلك، ~~فوصفهم الله أنهم اتخذوا أربابا من دون الله. # ونجد أيضا أن الله تعالى سمى قريشا مشركين، مع أنه وصفهم # PageV01P086 # بقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} أي يخصصون ~~الخالقية بالله، ووصف توسلهم بالأصنام إلى الله بالعبادة فحكى عنهم قولهم: ~~{ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ والمعظمة من المسلمين يظنون أن هذه ~~الدرجة التي هي التوسل ليست من العبادة ولا من الشرك؛ ويسمون المتوسل بهم ~~وسائط، ويقولون أنه لا بد من الواسطة بين العبد والرب، وإن الواسطة لا ~~تنكر. # ويعلم من ذلك أن مشركي قريش ما عبدوا أصنامهم لذاتها، ولا لاعتقادهم فيها ~~الخالقية والتدبير، بل اتخذوها قبلة يعظمونها بندائها والسجود أمامها، أو ~~ذبح القرابين عندها، أو النذر لها على أنها تماثيل رجال صالحين كان لهم قرب ~~من الله تعالى وشفاعة عنده، فيحبون هذه الأعمال الاحترامية منهم فينفعونهم ~~بشفاء مريض أو إغناء فقير وغير ذلك، وإذا حلفوا بأسمائهم كذبا أو أخلوا في ~~احترام تماثيلهم يغضبون، فيضرونهم في أنفسهم وأولادهم وأموالهم. # ونجد أن الله تعالى قال (فلا تدعوا مع الله أحدا} ، واصل معنى الدعاء ~~النداء، ودعا الله: ابتهل إليه بالسؤال واستعان به، # PageV01P087 # والدليل الكاشف لهذا المعنى هو قوله تعالى: {بل إياه تدعون فيكشف ما ~~تدعون} ؛ وكذلك أنزل الاستعانة به مقرونة بعبادته في قوله جلت كلمته: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} . # وبما ذكر وغيره من الآيات البينات جعل الله هذه ms042 الأعمال لقريش شركا به ~~حتى صرح النبي [صلى الله عليه وسلم] في الحلف بغير الله أنه شرك فقال: {من ~~حلف بغير الله فقد أشرك} . وجعل الله القربان لغيره والإهلال والذبح على ~~الأنصاب شركا، وحرم تسييب السوائب والبحائر لما فيها من ذلك المعنى. وكان ~~المشركون يحجون لغير بيت الله بقصد زيارة محلات لأصنامهم، يتوهمون أن ~~الحلول فيها يكون تقريبا من الأصنام، فنهى النبي [صلى الله عليه وسلم] أمته ~~على مثل ذلك فقال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ~~ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) . بناء عليه لا ريب أن هذه الأعمال وأمثالها ~~شرك، أو مدرجة للشرك (مرحى) . # فلينظر الآن، هل فشا في الإسلام شيء من هذه الأعمال وأشباهها في الصورة ~~أو الحكم؟ ومن لا تأخذه في الله لومه لائم، لا يرى بدا من التصريح بان حالة ~~السواد الأعظم من أهل القبلة، # PageV01P088 # في غير جزيرة العرب، تشبه حالة المشركين من كل الوجوه، وإن الدين عندهم ~~عاد غريبا كما بدأ كشأن غيرهم من الأمم. # فمنهم الذين استبدلوا الأصنام بالقبور، فبنوا عليها المساجد والمشاهد، ~~وأسرجوا لها، وأرخوا عليها الستور، يطوفون حولها مقبلين مستلمين أركانها، ~~ويهتفون بأسماء سكانها في الشدائد، ويذبحون عندها القرابين يهل بها عمدا ~~لغير الله، وينذرون لها النذور، ويشدون للحج إليها الرحال، ويعلقون بسكانها ~~الآمال، يستنزلون الرحمة بذكرهم وعند قبورهم، ويرجونهم بإلحاح وخضوع ~~ومراقبة وخشوع أن يتوسطوا لهم في قضاء الحاجات وقبول الدعوات، وكل ذلك من ~~الحب والتعظيم لغير الله، والخوف والرجاء من سواه. # ومنهم من استعوضوا ألواح التماثيل عند النصارى والمشركين بألواح فيها ~~أسماء معظميهم، مصدرة بالنداء تبركا وذكرا ودعاء، يعلقونها على الجدران في ~~بيوتهم، بل في مساجدهم أيضا ويتوجون بها الإعلام من نحو: يا علي، يا شاذلي، ~~يا دسوقي، يا رفاعي يا بهاء الدين النقشي، يا جلال الدين الرومي، يا بكتاش ~~ولي. # PageV01P089 # ومنهم ناس يجتمعون لأجل العبادة بذكر الله، ذكرا مشوبا بإنشاد المدائح ~~والمغالاة لشعراء المتأخرين، التي أهون ما فيها الإطراء الذي نهانا عنه ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] ms043 حتى لنفسه الشريفة فقال: (لا تطروني كما أطرت ~~اليهود والنصارى أنبياءهم) . وبإنشاد مقامات شيوخية، تغالوا فيها ~~بالاستغاثة بشيوخهم والاستمداد منهم بصيغ لو سمعها مشركو قريش لكفروهم، لأن ~~أبلغ صيغة تلبية كانت لمشركي قريش قولهم: (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك غير ~~شريك واحد، تملكه وما ملك) ، وهذه أخف شركا من المقامات الشيوخية التي ~~يهدرون بها إنشادا بأصوات عالية مجتمعة، وقلوب محترقة خاشعة كقولهم: # (عبد القادر يا كيلاني ... يا ذا الفضل والإحسان) # (صرت في خطب شديد ... من إحسانك لا تنساني) # وقولهم: # (اللهم يا رفاعي إني ... أنا المحسوب أنا المنسوب) # (رفاعي لا تضيعني ... أنا المحسوب أنا المنسوب) # إلى نحو ذلك مما لا يشك فيه شاك أنه من صريح الإشراك الذي يأباه الدين ~~الحنيف. # PageV01P090 # ومنهم جماعة لم يرضوا بالشرع المبين، فابتدعوا أحكاما في الدين سموها علم ~~الباطن، أو علم الحقيقة، أو علم التصوف، علما لم يعرف شيئا منه الصحابة ~~والتابعون وأهل القرون لأولى المشهود لهم بالفضل في الدين. علما نزعوا ~~مسائلة من تأويلات المتشابه من القرآن، مع أن الله تعالى امرنا أن نقول في ~~المتشابه منه (آمنا به، كل من عند ربنا) ، وقال تعالى: {وما يعلم تأويله ~~إلا الله} ، وقال عز شأنه في حقهم: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} وقال تعالى {فاستقم كما أمرت} وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة} . # وانتزع هؤلاء المداجون أيضا بعض تلك المزيدات من مشكلات الأحاديث ~~والآثار، ومما جاء عن النبي عليه السلام من قول على سبيل الحكاية، أو عمل ~~على سبيل العادة، أي لم يكن ذلك منه عليه السلام على سبيل التشريع، أو من ~~الأحاديث التي وضعها أساطينهم أغرابا في الدين لأجل جذب القلوب، كما ورد في ~~الحديث ومعناه: (يفتح بالقرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل، ~~فيقول الرجل قد قرأت القرآن فلم أتبع، لأقومن به # PageV01P091 # فيهم لعلي اتبع، فيقوم به فيهم فلا يتبع؛ فيقول قد ms044 قرأت القرآن وقمت به ~~فلم اتبع، لأحتظرن في بيتي مسجدا لعلي اتبع، فيحتظر في بيته مسجدا فلا ~~يتبع، فيقول قد قرأت القرآن وقمت به واحتظرت في بيتي مسجدا فلم اتبع، والله ~~لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلي اتبع) ~~. # ومنهم فئة اخترعوا عبادات وقربات لم يأت بها الإسلام، ولا عهد له بها إلى ~~أواخر القرن الرابع؛ فكأن الله تعالى ترك لنا ديننا ناقصا فهم أكملوه، أو ~~كأن الله جل شأنه لم ينزل يوم حجة الوداع: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت ~~عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا) . # أو كأن النبي عليه السلام لم يتمم كما يزعمون تبليغ رسالته، فهم أتموها ~~لنا، أو كتم شيئا من الدين وأسر به إلى بعض أصحابه وهم أبو بكر وعلي وبلال ~~رضي الله عنهم، وهؤلاء اسروا به إلى غيرهم؛ وهكذا تسلسل حتى وصل إليهم، ~~فأفشوه لمن أرادوا من المؤمنين، تعالى الله ورسوله عما يأفكون. وهل ليس من ~~الكفر بإجماع الأمة اعتقاد أن النبي عليه السلام نقص التبليغ، أو كتم أو ~~أسر شيئا من الدين (مرحى) . # PageV01P092 # ومنهم جماعة اتخذوا دين الله لهوا ولعبا، فجعلوا منه التغنى والرقص، ونقر ~~الدفوف ودق الطبول، ولبس الأخضر والأحمر، واللعب بالنار والسلاح والعقارب، ~~والحيات، يخدعون بذلك البسطاء ويسترهبون الحمقاء. # ومنهم قوم يعتبرون البلادة سلاحا، والخمول خيرا، والخبل خشوعا، والصرع ~~وصولا، والهذيان عرفانا، والجنون منتهى المراتب السبع للكمال. # ومنهم خلفاء كهنة العرب، يدعون علم الغيب بالاستخراج من الجفر والرمل ~~وأحكام النجوم، أو الروحاني الزايرجة، أو الأبجدات، أو بالنظر في الماء أو ~~السماء والودع، أو باستخدام الجن والمردة؛ إلى غير ذلك من صنائع التدليس ~~والإيهام والخزعبلات، وليس العجب انتشار ذلك بين العامة الذين هم كالأنعام ~~في كل الأمم والأقوام، بل العجب دخول بعضه على كثير من الخواص وقليل من ~~العلماء، كأنه من غريز الكمالات في دين الإسلام (مرحى) . # أفهذه حالات السواد الأعظم من الأمة، وكلها أما شرك صراح، أو مظنات ~~إشراك، حكمها في الحكمة الدينية حكم الشرك بلا ms045 إشكال. وما جر الأمة إلى هذه ~~الحالات الجاهلية، وبالتعبير # PageV01P093 # الأصح رجع بها إلى الشرك الأول، إلا الميل الطبيعي للشرك كما سبق بيانه، ~~مع قلة علماء الدين، وتهاون الموجودين في الهدى والإرشاد. # نعم رد العامة عن ميلها أمر غير هين، وقد شبه النبي عليه السلام معاناته ~~الناس فيه بقوله: (مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل ~~الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه، ~~فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقحمون فيها) . # وقد قال الله تعالى في العلماء المتهاونين عن الإرشاد كيلا يقابلوا الناس ~~بما لا يهوون: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} وقال الرسول [صلى الله عليه ~~وسلم] : (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي: نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، ~~فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . # بناء عليه فالتبعة كل التبعة على العلماء الراشدين، ولم يزل والحمد لله ~~في القوس منزع، ولم يستغرقنا بعد انتزاع العلماء بالكلية كما أنذرنا # PageV01P094 # به النبي عليه السلام في قوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من الناس، ~~ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهلاء، فسئلوا ~~فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # ثم قال: ولننتقل من بحث الشرك والإعراض عن ذكر الله إلى بيان أسباب ~~التشديد في الدين، وحالة التشويش الواقع فيه المسلمون فأقول: # قد وجد فينا علماء كان أحدهم يطلع في الكتاب أو السنة على أمر أو نهي ~~فيتلقاه على حسب فهمه، ثم يعدي الحكم إلى أجزاء المأمور به أو المنهي عنه، ~~أو إلى دواعيه، أو إلى ما يشاكله ولو من بعض الوجوه، وذلك رغبة منه في أن ~~يلتمس لكل أمر حكما شرعيا، فتختلط الأمور في فكره، وتشبه عليه الأحكام، ولا ~~سيما من تعارض الروايات، فيلتزم الأشد ويأخذ ms046 بالأحوط ويجعله شرعا، ومنهم من ~~توسع فصار يحمل كل ما فعله أو قاله الرسول عليه السلام على التشريع والحق؛ ~~كما سبق لنا ذكره أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال وفعل أشياء كثيرة على ~~سبيل الاختصاص أو الحكاية أو العادة،. ومنهم من تورع فصار لا يرى لزوما ~~لتحقيق معنى # PageV01P095 # الآية أو للتثبت في الحديث إذا كان الأمر من فضائل الأعمال، فيأخذ ~~بالأحوط، فيعمل به، فيقع في التشديد، ويظن الناس منه ذلك ورعا وتقوى ومزيد ~~علم واعتناء بالدين، فيميلون إلى تقليده، ويرجحون فتواه على غيره. # وهكذا بالتمادي عظم التشديد في الدين حتى صار أصرا وإغلالا، فكأننا لم ~~تقبل ما من الله به علينا من التخفيف فوضع عنا ما كان على غيرنا من ثقيل ~~التكليف، قال تعالى شأنه وجلت حكمته: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} . ~~وقال مبشرا جلت منته: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ، أي ~~يخفف عنهم التكاليف الثقيلة، وعلمنا كيف ندعوه بعد أن بين لنا أنه: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها} فنقول: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} ؛ وامرنا بقوله ~~تعالى: {لا تغلوا في دينكم} . # وقد ورد في الحديث: (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه} وفي حديث آخر: (هلك ~~المتنطعون) أي المتشددون في الدين. وظن بعض الصحابة أن ترك السحور أفضل ~~بالنظر إلى حكمة تشريع الصيام، فنهاهم النبي عليه السلام عن ظن الفضيلة في ~~تركه. وقال # PageV01P096 # عمر، رضي الله عنه، في حضور رسول [صلى الله عليه وسلم] لمن أراد أن يصل ~~النافلة بالفرض {بهذا هلك من قبلكم} ، فقال النبي عليه السلام: (أصاب الله ~~بك يا ابن الخطاب) . # وأنكر النبي عليه السلام على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام ~~الليل وصيام النهار واجتناب النساء وقال له: (أرغبت عن سنتي) . فقال: بل ~~سنتك أبغي، قال: (فإني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني) . وقد كان عثمان بن مظعون وأصحابه ms047 عزموا على سرد الصوم ~~وقيام الليل والاختصاء، وكانوا حرموا الفطر على أنفسهم ظنا أنه قربه إلى ~~ربهم، فنهاهم الله عن ذلك لأنه غلو في الدين واعتداء عما شرع فأنزل: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين} ، أي أنه لا يحب من اعتدى حدوده وما رسمه من اقتصاد في أمور ~~الدين. # وقد ورد في الحديث الصحيح قوله عليه السلام: (والذي نفسي بيده، ما تركت ~~شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا أمرتكم به. وما تركت شيئا ~~يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا نهيتكم عنه) . فإذا كان الشارع ~~يأمرنا بالتزام ما وضع لنا من # PageV01P097 # الحدود فما معنى نظرنا الفضيلة في المزيد؟ # وورد في حديث البخاري: (أن اعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ~~فحرم من اجل مسألته) ، وبمقتضى هذا الحديث ما أحق بعض المحققين المتشددين ~~بوصف المجرمين؟ # وهذه مسألة السواك مثلا، فإنه ورد عن النبي [صلى الله عليه وسلم] فيها ~~أنه قال: (لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) . فهذا الحديث مع صراحته ~~في ذاته أن السواك لا يتجاوز حد الندب، جعله الأكثرون سنة، وخصصه بعضهم ~~بعود الأراك، وعمم بعضهم الإصبع وغيرها بشرط عدم الإدماء؛ وفصل بعضهم أنه ~~إذا قصر عن شبر، وقيل فتر، كان مخالفا للسنة. وتفنن آخرون بأن من السنة أن ~~تكون فتحته مقدار نصف الإبهام ولا يزيد عن غلظ أصبع؛ وبين بعضهم كيفية ~~استعماله فقال: يسند بباطن رأس الخنصر؛ ويمسك بأصابع الوسطى، ويدعم ~~بالإبهام قائما. وفصل بعضهم أن يبدأ بإدخاله مبلولا في الشدق الأيمن، ثم ~~يراوحه ثلاثا، ثم يتفل، وقيل يتمضمض؛ ثم يراوحه ويتمضمض ثانية، وهكذا يفعل ~~مرة ثالثة. # PageV01P098 # وبحث بعضهم في أن هذه المضمضة هل تكفي عن سنة المضمضة في الوضوء أم لا؟ ~~ومن قال لا تكفي احتج بنقصان الغرغرة؛ واختلفوا في أوقات استعماله في اليوم ~~مرة أو عند كل وضوء، أو عند تلاوة القرآن أيضا، حتى البعض صاروا يتبركون ~~بعود الأراك يخللون ms048 به الفم يابسا. والبعض يعدون له كثيرا من الخواص، منها ~~إنه إذا وضع قائما يركبه الشيطان؛ والبعض خالف فقال: بل إذا ألقي يورث ~~لمستعمله الجذام؛ وكثير من العامة يتوهم السواك بالأراك من شعائر دين ~~الإسلام. إلى غير هذا من مباحث التشديد والتشويش المؤديين إلى الترك، على ~~عكس مراد الشارع عليه السلام من الندب إلى تعهد الفم بالتنظيف كيفما كان. # ثم قال العالم النجدي: هذا ما ألهمني ربي بيانه في هذا الموضوع وربما كان ~~لي فيه سقطات، ولا سيما في نظر السادات الشافعية من الإخوان كالعلامة ~~المصري والرياضي الكردي؛ لأن غالب العلماء الشافعية محسنون الظن بغلاة ~~الصوفية، ويلتمسون لهم الأعذار، وهم لا شك أبصر بهم منا معاشر أهل الجزيرة، ~~لفقدانهم بين أظهرنا كليا ولندرتهم في سواحلنا؛ ولولا سياحتي في بلاد مصر ~~والغرب والروم والشام لما عرفت أكثر ما ذكرت وأنكرت إلا عن سماع، # PageV01P099 # ولكنت أقرب لتحسين الظن. ولكن ما بعد العيان لتحسين الظن مجال، وما بعد ~~الهدى إلا الضلال، فنسأل الله تعالى أن يلهمنا سواء السبيل. # فأجابه العلامة المصري: أن أكثر الصوفية من رجال مذهبنا، ونحن معاشر ~~الشافعية نتأول لهم كثيرا مما ينكره ظاهر الشرع ونلتمس له وجوها ولو ضعيفة، ~~لأننا نرى مؤسسي التصوف الأولين كالجنيد وابن سبعين من احسن المسلمين حالا ~~وقولا. # وفيما يلوح لي أن منشأ ذلك فينا جملة أمور منها: كون علماء الشافعية ~~بعيدين عن الأمامة والسياسة العامة إلا عهدا قصيرا؛ ومنها كون المذهب ~~الشافعي مؤسسا على الأحوط والأكمل في العبادات والمعاملات، أي على العزائم ~~دون الرخص؛ ومنها كون المذهب مبنيا على مزيد العناية في النيات. بناء عليه، ~~فالشافعي في شغل شاغل بخويصة نفسه، وهم مستمر من جهة دينه، ومحمول على ~~تصحيح النيات وتحسين الظنون، ومن كان كذلك مال بالطبع إلى الزهد والإعجاب ~~بالزاهدين، وحمل أعمال المتظاهرين بالصلاح على الصحة والإخلاص. بخلاف ~~العلماء الحنفية، فإنهم من عهد أبي يوسف لم ينقطع تقلبهم في النظر في # PageV01P100 # الشؤون العامة في عموم آسيا، وكذا المالكية في الغرب وإمارات أفريقيا، ~~والحنابلة والزيدية ms049 في الجزيرة. ومن لوازم السياسة الحزم، # وتغليب سوء الظن، وإتقان النقد، والأخذ بالجروح، ومحاكمات الشؤون لأجل ~~العمل بالأسهل الأنسب. # وقد امتاز أهل الجزيرة في هذا الخصوص بأنهم كانوا ولا زالوا بعيدين عن ~~التوسع في العلوم والفنون، وهم لم يزالوا أهل عصبية وصلابة رأي وعزيمة، وقد ~~ورد قول النبي عليه السلام فيهم: (إن الشيطان قد آيس إن يعبده المسلمون في ~~جزيرة العرب ولكن في التحريش) أي إغراء بعضهم على بعض. وكذلك أهل الجزيرة، ~~لم يزل عندهم بقية صالحة كافية من السليقة العربية، فإذا قرؤوا القرآن أو ~~الحديث أو الأثر أو السيرة يفهمون المعنى المتبادر باطمئنان، فينفرون من ~~التوسع في البحث ولا يعيرون سمعا للإشكالات، فلا يحتاجون للتدقيقات ~~والأبحاث التي تسبب التشديد والتشويش. وأما غيرهم من الأمم الإسلامية ~~فيتلقون العربية صنعة ويقاسون العناء في استخراج المعاني والمفاهيم، ومن ~~طبيعة كل كلام في كل لغة إذا مخضته الأذهان تعبت وتشتتت فيه الأفهام. # وربما جاز أن يقال في السادة الشافعية، ولا سيما في علماء مصر # PageV01P101 # منهم، إن انطباعهم على سهولة الانقياد سهلت أيضا دخول الفنون الدينية ~~المستحدثة عليهم؛ ووداعة أخلاقهم تأبى عليهم إساءة الظن ما أمكن تحسينه، ~~فبناء عليه حازت هذه الفنون التصوفية المستحدثة قبولا عند علماء الشافعية ~~الأولين فتبعهم الآخرون. # هذا وحيث قلنا أن من خلق المصريين سهولة الانقياد ولا سيما للحق، وكذلك ~~علماء الشافعية الأكراد كلهم أهل نظر وتحقيق، فلا يصعب حمل الشافعية على ~~النظر في البدع الدينية خصوصا ما يتعلق منها بمظنات الشرك الجالب للمقت ~~والضنك، ولا شك أنهم يمثلون أوامر الله في قوله تعالى: إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون} . وقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} . وقوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} . وقوله تعالى: {اتبعوا ~~ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} . هذا وكثير من علماء ~~الشافعية، الأقدمين ms050 والمتأخرين، المنتصرون للمذهب السلفي السديد المقاومون ~~للبدع والتشديد؛ والحق أن التصوف المتغالى فيه لا تصح نسبته لمذهب مخصوص # PageV01P102 # فهذا الشيخ الجيلي رضي عنه حنبلي وصوفي. # قال الأستاذ الرئيس: أن أخانا العالم النجدي يعلم أن ما أفاض به علينا لا ~~غبار عليه بالنظر إلى قواعد الدين وواقع الحال، وكفى بما استشهد به من ~~الآيات البينات براهين دامغة، ولله على عباده الحجة البالغة. وعبارة التردد ~~التي ختم بها خطابة، يترك بها الحكم لرأي الجمعية، ما هي إلا نزعة من فقد ~~حرية الرأي والخطابة فأرجوه وأرجو سائر الإخوان الكرام أن لا يتهيبوا في ~~الله لومة لائم، ورأي كل منا هو اجتهاده وما على المجتهد سبيل. وليعلموا أن ~~رائد جمعيتنا هذه الإخلاص، فالله كافل بنجاحها، وغاية كل منا إعزاز كلمة ~~الله والله ضامن إعزازه، قال تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم} . # نعم هذا النوع من الإرشاد، أعني الانتقاد على الاعتقاد، هو شديد الوقع ~~والصدع على التائهين في الوهلة الأولى، لأن الآراء الاعتقادية مؤسسة غالبا ~~على الوارثة والتقليد دون الاستدلال والتحقيق، وجارية على التعاند دون ~~التقانع. على أن أعضاء جمعيتنا هذه وكافة علماء الهداية في الأمة، يشربون ~~والحمد لله من عين واحدة هي عين الحق الظاهر الباهر الذي لا يخفى على أحد. ~~فكل منهم يختلج في # PageV01P103 # فكره ما يخالج فكر الآخرين عينة أو شبهه، لكنه يتهيب التصريح به لغلبة ~~الجهل على الناس واستفحال أمر المدلسين. ويخاف من الانفراد في الانتقاد في ~~زمان فشا فيه الفساد وعم البلاد والعباد، وقل أنصار الحق وكثر التخاذل بين ~~الخلق. # ويسرني والله ظهور الثمرة الأولى من جمعيتنا هذه، أعني اطمئنان كل منا ~~على إصابة رأيه، وإطلاعه على أن له في الآفاق رفاقا يرون ما يراه ويسرون ~~مسراه، فيقوى بذلك جنانه وينطلق لسانة، فيحصل على نشاط وعزم في إعلاء كلمة ~~الله، ويصبح غير هياب لوم اللائمين ولا تحامل الجاهلين. ومن الحكمة استعمال ~~اللين والتدريج والحزم والثبات في سياسة الإرشاد، كما جرى عليه الأنبياء ~~العظام عليهم الصلاة والسلام. وقد بسطت ذلك في اجتماعنا ms051 الأول، وسنلاحظه في ~~قانون الجمعية الدائمة الذي نقرره إن شاء الله بعد استيفاء البحث في طريقه ~~الاستهداء من الكتاب والسنة في اجتماعاتنا الآتية، أما اليوم فقد انتهى ~~الوقت وانتصف النهار. # PageV01P104 ### | الاجتماع الخامس ### | يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة # 1316 # في الوقت المعين في اليوم المذكور تكامل الاجتماع واستعدت الهيئة ~~للمداولة والسماع، وقرأ كاتب الجمعية ضبط الجلسة السابقة حسب القاعدة ~~المرعية. # قال الأستاذ الرئيس: سنبحث بعد يومين في وضع قانون للجمعية الدائمة، وإني ~~أرى أن نفوض للجنة منا من الذين سبق لهم دخول في جمعيات علمية، أو الذين ~~لهم وقوف على مباني الجمعيات القانونية ولا سيما الغربية المعروفة باسم ~~(أكاديميات) لتنظم لنا هذه اللجنة سانحة قانون نضعها تحت البحث في الجمعية. # وإني أكلف لهذه اللجنة أخانا السيد الفراتي ليقوم بكتابتها، وأخانا ~~السعيد الإنكليزي ليفيد اللجنة عما يعلمه عن الأكاديميات وعن مجربات جمعيات ~~ليفر بول ورأس الرجاء، وإخواننا العلامة المصري # PageV01P105 # والصاحب الهندي والمدقق التركي وهذا يرأسهم لأنه أسنهم، وهؤلاء خمسة ~~أعضاء، فهل تستصوب الجمعية ذلك وترى الكفاية والكفاءة أم تستدرك شيئا. # ثم ابتدر السعيد الإنكليزي: للمقال مخاطبا الأستاذ الرئيس فقال: أننا ~~مسلمي (ليفربول) حديثو عهد بالإسلام، ولنا إشكالات مهمة تتعلق ببحث اليوم ~~أعني بطريقة الاستهداء من الكتاب والسنة، لأن أكثرنا قد اهتدينا والحمد لله ~~إلى الإسلامية منتقلين إليها من (البروتستانتية) أي الطائفة الإنجيلية لأمن ~~الكاثوليك أي الطائفة التقليدية، فنميل طبعا لإتباع الكتاب والسنة فقط ولا ~~نثق بقول غير معصوم فيما ندين، وقد تركنا دين آبائنا وقومنا لنتبع دين محمد ~~نبي الإسلام [صلى الله عليه وسلم] ، لا لنتبع الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي ~~أو المالكي وإن كانوا ثقاة ناقلين. # ولنا جمعية منتظمة لها شعبتان في أمريكا وجنوب إفريقيا، ونحن راغبون أن ~~نسعى سعيا حثيثا في الدعوة للدين السامي الإسلامي المبين. والأقوام الذين ~~ندعوهم غالبهم متمدنون أي أفكارهم متنورة بالعلوم # PageV01P106 # والمعارف، وأكبر أملنا معقود بهداية فئتين اثنتين الأولى البروتستان ~~والثانية الزنادقة. # أما أملنا في البروتستان فلأنهم منقلبون حديثا من الكاثوليكية، انقلابا ~~ناشئا ms052 عن ترجيحهم الاقتصار على الإنجيل ومجموعة الكتب المقدسة متونا فقط، ~~أي بإهمال الشروح والتفسيرات والمزيدات التي لا يوجد لها أصل صريح في ~~الإنجيل. والبروتستان في أوروبا وأمريكا يزيدون على مائة مليون من النفوس ~~كلهم مفطورون على التدين، قليلو العناد في الاعتقاد، مستعدون لقبول البحث ~~والانقياد للحق بشرط ظهوره ظهورا عقليا؛ ولا سيما إذا كان الحق ملائما ~~لأسباب هجرهم الكاثوليكية من نحو: إنكارهم الرياسة لدينية والرهبانية، ~~والتوسل بالقديسين وطلب الشفاعة منهم، واحترام الصور والتماثيل، والدعاء ~~لأجل الأموات، وبيع الغفران، والقول بأن للبطارقة قوة قدسية وقوة تشريعية، ~~وإن للبابا صفة العصمة عن الخطأ في الدين، وإن للأساقفة ومن دونهم من ~~القسيسين مراتب مقدسة، إلى غير ذلك مما ينتج في النصرانية سلطة دينية ~~وتشديدات تعبدية لا يوجد لها أصل في الإنجيل. # وقد يشبه هؤلاء البروتستان في رأيهم فئة قليلة من اليهود تعرف # PageV01P107 # باسم القرائين، وهم الآخذون بأصل التوراة والمزامير النابذون للتلمود أي ~~لتفسيرات ومزيدات الأحبار والحاخامين الأقدمين. # أما الفئة الثانية فهم الزنادقة المارقون من النصرانية كليا لعدم ~~ملاءمتها للعقل، وهؤلاء في أوروبا وأمريكا كذلك يزيدون على مائة مليون من ~~النفوس، غالبهم مستعدون لقبول ديانة تكون معقولة حرة سمحاء تريحهم من نصب ~~الكفر في الحياة الحاضرة فضلا عن العذاب في الآخرة. # ومن غريب نتائج التدقيق: إن أفراد هذه الفئة كلما بعدوا عن النصرانية ~~نفورا من شركها وخرافاتها وتشديداتها، يقربون طبعا من التوحيد والإسلامية ~~وحكمتها وسماحتها. # فبناء على هذه الآمال ترى جمعية) ليفربول) أهمية عظيمة لتحرير مسألة ~~الاستهداء من الكتاب والسنة، وتصوير حكمة وسماحة الدين الإسلامي للعالم ~~المتمدن. فأرجو حضرة الأستاذ الرئيس أن يسمح لي بتفهم مسألة الاستهداء على ~~أسلوب المحاورة والمساجلة مع بعض الإخوان الأفاضل في هذا المحفل العلمي ~~العظيم. فأجابه الأستاذ الرئيس بقوله له: ساجل من شئت وخاطب من أردت ~~فالأخوان كلهم علماء أفاضل حكماء. # PageV01P108 # فقال السعيد الإنكليزي مخاطبا العالم النجدي. أنك يا مولاي قد صورت في ~~مقدمة خطابك في التوحيد من هو المسلم وألزمته العمل بالكتاب والسنة، فأرجوك ~~أن تعرفني أولا ما ms053 هو الكتاب وما هي السنة. # فقال العالم النجدي: أما (الكتاب) فهو هذا القرآن الذي وصل إلينا بطريق ~~لا تحتمل الشبهة فيه لاجتماع الكلمة واتفاق الأمة عليه، وتناقلها إياه جيلا ~~عن جيل، وحفظا في الصدور، وضبطا في السطور مع الحرص العظيم على كيفية أدائه ~~لفظا وعلى هيئة إملائه كتابة، ومع الاعتناء الكامل في تحقيق أسباب النزول ~~ومكانه ووقته، ومع حفظ اللغة العربية المضرية القرشية التي نزل بها باتفاق ~~لا مزيد عليه. وبقاء القرآن محفوظا من التحريف والتغيير وموجبات الريب إلى ~~الآن هو أحد وجوه إعجازه، حيث جاء مصدقا لقوله تعالى فيه: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون} . # أما (السنة) فهي ما قاله الرسول [صلى الله عليه وسلم] أو فعله أو أقره، ~~ولم يكن صدر منه ذلك على سبيل الاختصاص أو الحكاية أو العادة؛ وقد اعتنى ~~الصحابة ولا سيما التابعون وتابعوهم رضي الله عنهم بحفظ السنة حديثها ~~وآثارها وسيرها غاية الاعتناء؛ وتناقلوها # PageV01P109 # بالرواية والسند المتسلسل متحرين الوثوق منتهى مراتب التحري والتثبت؛ وقد ~~حازت بعض مدونات السنة وثوقا تاما وقبولا عاما في الأمة فوصلتنا بكمال ~~الضبط خصوصا منها الكتب الستة. # قال السعيد الإنكليزي لا يشك أحد حتى العدو والمغاند في أنه لم تبلغ ولن ~~تبلغ أمة من الأمم شأو المسلمين في اعتنائهم بحفظ القرآن الكريم وضبطهم ~~التاريخ النبوي أو السنة، وكذلك يقال في اعتنائهم باللغة العربية التي هي ~~آلة فهم الخطاب. # وبالنظر إلى ذلك كان يجب أن نحرر الشريعة الإسلامية أحسن تحرير، فلا يوجد ~~فيها ما وجد في غيرها بسبب عدم ضبط أصولها من اختلافات ومباينات مهمة بين ~~العلماء الأئمة، فأرجوك أن تبين لي ما هو منشأ هذا التشتت الذي نراه في ~~الأحكام. # إجابة العالم النجدي: أن الاختلافات الموجودة في الشريعة ليست كما يظن ~~شاملة للأصول، بل أصول الدين كلها والبعض من الفروع متفق عليها لأن لها في ~~القرآن أو السنة أحكاما صريحة قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، أو ثابتة ~~بإجماع الأمة الذي لا يجوز العقل فيه أن يكون عن غير أصل في ms054 الشرع. # أما الخلافات فإنما هي في فروع تلك الأصول وفي بعض الأحكام # PageV01P110 # التي ليس لها في القرآن أو السنة نصوص صريحة، بل بعض علماء الصحابة رضي ~~الله عنهم وفقهاء التابعين ومن جاء بعدهم من الأئمة المجتهدين اخذوا تلك ~~الأحكام التي تخالفوا فيها إما تلقيا من بعض الصحابة، فكل قلد من صادف؛ ~~وأما استنبطوها اجتهادا من نصوص الكتاب أو السنة بالمدلول المحتمل، أو ~~بالمفهوم أو بالاقتضاء، أو من قرائن الحال أو قرائن المقال، أو بالتوفيق أو ~~بالتخريج أو التفريع أو القياس، أو باتحاد العلة أو باتحاد النتيجة أو ~~بالتأويل أو الاستحسان. وهذه الأحكام الخلافية كلها ترجع إلى دلائل أما ~~قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت ظنية الدلالة. ولكل واحد من ~~المجتهدين أصول في التطبيق وقوانين في الاستنباط يخالف فيها الآخر، ومنشأ ~~معظمها الخلافات النحوية والبيانية. # ثم أن أكثر الخلافات هي في مسائل المعاملات، وعلى كل حال جاحدها لا يكفر ~~باتفاق الأئمة، بل المتخالفون لا يفسق بعضهم بعضا إذا كان التخالف عن ~~اجتهاد لا عن هوى نفس أو تقصير في التتبع الممكن للمقيم في دار الإسلام ~~(مرحى) . # قال السعيد الإنكليزي: إني أشكرك على ما أجملت وأوضحت، غير أنك لم تذكر ~~في جملة أسباب الاختلاف في اعتبار الناسخ # PageV01P111 # والمنسوخ بين آيتين أو حديثين، أو آية وحديث، وإني أظن أن ذلك من اعظم ~~أسباب الاختلاف في الأحكام. # الإجابة العالم النجدي: أن نواسخ الأحكام قليلة ومعلومة، والخلاف فيها ~~أقل، لأن النسخ في زمن التشريع لم يحصل إلا عن حكمة ظاهرة كالتدريج في منع ~~السكر حالة الصلاة ثم تعميم منعه. وكتغيير المقتضى للتوارث بالإخاء وهو ~~القطيعة التي حصلت بين المهاجرين وذوي أرحامهم في بدء الأمر، ثم لما ~~تلاحقوا بعد فتح مكة نسخ ذلك وجعل التوارث بالنسب. وكالدعوة في الأول ~~للتوحيد والدين بمجرد الموعظة بدون جدال، ثم به بدون صدع، ثم به بدون قتال، ~~ثم به في أهل جزيرة العرب فقط ثم بتعميمه مع قبول الجزية والخراج من غيرهم ~~(مرحى) . # قال السعيد الإنكليزي: أن ما وصفت ms055 من أصول الاجتهاد وقوانين استنباط ~~الأحكام قد أنتج خلاف ما يأمر الله به في قوله تعالى: {أقيموا الدين ولا ~~تفرقوا فيه} ، وخلاف ما تقتضيه الحكمة فهل من وسيلة سهلة لرفع هذا التفرق. # PageV01P112 # إجابة العالم النجدي: إني لا أهتدي لذلك سبيلا، ولعل في الإخوان من يتصور ~~وسيلة لهذا الأمر المهم. # فابتدر العلامة المصري مخاطبا السعيد الإنكليزي وقال: أن رفع الخلاف غير ~~ممكن مطلقا ولكن يمكن تخفيف تأثيراته. وذلك انه لما كان معظم الاختلاف كما ~~قرره أخونا العالم النجدي في الفروع دون الأصول، وفي السنن والمندوبات ~~والصغائر والمكروهات دون الشعائر والواجبات والكبائر والمنكرات؛ وكان أكثر ~~الأمة هم العامة الذين لا يقدرون أن يميزوا بين الواجب والسنة والمندوب، ~~وبين النفل والمباح؛ أو يفرقوا بين الكفر والحرام، وبين الكبيرة والصغيرة ~~والمكروه تنزيها والتقوى؛ بل تنقسم الأحكام كلها في نظرهم إلى نوعين أصليين ~~فقط: مطلوب ومحظور، وبتعبير آخر إلى حلال وحرام، وكانت أحكام الشريعة كثيرة ~~جدا، فالعامة يجدون أنفسهم مكلفين بما لا يطيقون الإحاطة بمعرفته فضلا عن ~~القيام به، # PageV01P113 # ويرون أن لا مناص لهم من التهاون في أكثره أو بعضه، فيقوم أحدهم بالبعض ~~دون البعض، فيأتي بالنفل ويتهاون بالواجب ويتقي المكروه ويقدم على الحرام، ~~وذلك كما قلنا لاستكثاره الأحكام وجهله بمراتبها في التقديم والتأخير. # بناء على ذلك أرى لو أن فقهاء الأمة كما فرقوا مراتب الأحكام على ~~المسائل، يفرقون المسائل أيضا على مراتب في متون مخصوصة؛ # فيعقدون لكل مذهب من المذاهب كتابا في العبادات ينقسم إلى أبواب وفصول ~~تذكر في كل منها الفرائض والواجبات فقط، وتنطوي ضمنها الشرائط والأركان ~~بحيث يقال أن هذه الأحكام في هذه المذاهب هي أقل ما تجوز به العبادات. # ويعقدون كتابا آخر ينقسم إلى عين تلك الأبواب والفصول، تذكر فيها السنن ~~بحيث يقال أن هذه الأحكام ينبغي رعايتها في أكثر الأوقات. # ثم كتابا ثالثا مثل الأولين تذكر فيه سنن الزوائد، بحيث يقال إن هذه ~~الأحكام رعايتها أولى من تركها. # PageV01P114 # وعلى هذا النسق يوضع كتاب للمنهيات، يقسم إلى أبواب وفصول تعد فيها ms056 ~~المكفرات والكبائر، وكذا الصغائر والمكروهات، ومثل ذلك تقسم كتب المعاملات ~~على طبقات من الأحكام الإجماعية أو الاجتهادية أو الاستحسانية. # فبمثل هذا الترتيب يسهل على كل من العامة أن يعرف ما هو مكلف به في دينه، ~~فيعمل به على حسب مراتبة وإمكانه، وبهذه الصورة تظهر سماحة الدين الحنيف، ~~ويصير المسلم مطمئن القلب، مثله كمثل تاجر له دفاتر وقيود وحسابات وموازنات ~~منتظمة فيعيش مطمئن الفكر. وكم بين هذا التاجر وبين تاجر آخر حساباته في ~~أوراق منتثرة ومعاملاته مشتتة متزاحمة في فكره، لا يعرف ما له وما عليه، ~~فيعيش عمره مرتبك البال مضطرب الحال (مرحى) . # قال المحدث اليمني: أننا معاشر أهل اليمن ومن يلينا من أهل الجزيرة، كما ~~أننا لم نزل بعيدين عن الصنائع والفنون فكذلك لم نزل على مذهب السلف في ~~الدين، بعيدين عن التفنن فيه. ومسلكنا مسلك أهل الحديث وأكثرنا يخرج ~~الأحكام على أصول اجتهاد الإمام زيد ابن علي بن زين العابدين، أو أصول ~~الإمام أحمد بن حنبل. وأني أذكر للإخوان حالتنا الاستهدائية عسى أن الذكرى ~~تنفع المؤمنين؛ # PageV01P115 # وعسى أن يعلم المسلمون ولا سيما الأتراك ومن يحكمون أننا من أهل السنة، ~~لا كما يوهمون أو يتوهمون، فأقول أن المسلمين عندنا على ثلاث مراتب: ~~العلماء والقراء والعامة. # فالطبقة الأولى: العلماء، وهم كل من كان متصفا بخمس صفات: ### | 1 - # أن يكون عارفا باللغة العربية المضرية القرشية بالتعلم والمزاولة معرفة ~~كافية لفهم الخطاب، لا معرفة إحاطة بالمفردات ومجازاتها، وبقواعد الصرف ~~وشواذه، والنحو وتفصيلاته والبيان وخلافاته، والبديع وتكلفاته، مما لا ~~يتيسر إتقانه إلا لمن يفني ثلثي عمره فيه، مع أنه لا طائل تحته ولا لزوم ~~لأكثره إلا لمن أراد الأدب. ### | 2 - # أن يكون قارئا كتاب الله تعالى قراءة فهم للمتبادر من معاني مفرداته ~~وتراكيبه، مع الاطلاع على أسباب النزول ومواقع الكلام من كتبها المدونة ~~المأخوذة من السنة والآثار وتفاسير الرسول عليه السلام، أو تفاسير أصحابه ~~عليهم الرضوان، ومن المعلوم أن آيات الأحكام لا تجاوز المائة والخمسين آية ~~عدا. # PageV01P116 ### | 3 - # أن يكون متضلعا في السنة النبوية ms057 المدونة على عهد التابعين وتابعيهم، أو ~~تابعي تابعيهم فقط، بدون قيد بمائة ألف أو مائتي ألف حديث، بل يكفيه ما كفى ~~ما لكافي موطئه واحمدا في مسنده. ومن المعلوم أن أحاديث الأحكام لا تجاوز ~~الألف وخمسمائة حديث أبدا. ### | 4 - # أن يكون واسع الاطلاع على سيرة النبي [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه ~~وأحوالهم من كتب السير القديمة والتواريخ المعتبرة لأهل الحديث كالحافظ ~~الذهبي وابن كثير ومن قبلهم، وكابن جرير وابن قتيبة ومن قبلهم كمالك ~~والزهري وإضرابهم. ### | 5 - # أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه بالمنطق والجدل التعليميين ~~والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورسية، وبأبحاث الكلام وعقائد الحكماء ~~ونزعات المعتزلة، وإغرابات # PageV01P117 # الصوفية، وتشديدات الخوارج، وتخريجات الفقهاء المتأخرين، وحشويات ~~الموسوسين، وتزويقات المرائين وتحريفات المدلسين (مرحى) . # فأهل هذه الطبقة يستهدون بأنفسهم ولا يقلدون إلا بعد الوقوف على دليل من ~~يقلدون، فإذا وجدوا في المسألة قرآنا ناطقا لا يتحولون عنه لغيره مطلقا، ~~وإذا كان القرآن محتملا لوجوه، فالسنة قاضية عليه مفسرة له ثم ما لم يجدوه ~~في كتاب الله أخذوه من صحيح سنة رسول [صلى الله عليه وسلم] سواء كان الحديث ~~مستفيضا أم غير مستفيض، عمل به اكثر من واحد من الصحابة المجتهدين أم لم ~~يعمل به إلا واحد فقط، ومتى كان في المسألة حديث صحيح لا يعدلون عنه إلى ~~اجتهاد. ثم إذا لم يجدوا في المسألة حديثا يأخذون بإجماع علماء الصحابة، ثم ~~بقول جماعة من الصحابة والتابعين ولا يتقيدون بقوم دون قوم. فإن وجدوا ~~مسألة يستوي فيها قولان رجحوا أحدهما بمرجح يقوم في الفكر، لا يتبعون فيه ~~أصولا موضوعة غير مشروعة، أو طرقا مقررة غير مرفوعة. وأهل هذه الطبقة ~~عندنا، ينورون أذهانهم بأصول استدلالات الإمام زيد رضي الله عنه أو غيره من ~~الأئمة تخريجهم الأحكام واستنباطها من النصوص بدون تقيد # PageV01P118 # بتقليد أحدهم خاصة دون غيره، لأنهم لا يجوزون اتباع إمام إذا رأوا ما ذهب ~~إليه في المسألة بعيدا عن الصواب، فلا يقلدون أحدا تقليدا مطلقا كأنه نبي ~~مرسل. # والطبقة الثانية هم: القراء، وهم الذين ms058 يقرأون كتاب الله تعالى قراءة فهم ~~بالإجمال مع إطلاع على جملة صالحة من سنة رسول [صلى الله عليه وسلم] ، ~~فهؤلاء يستهدون في أصول الدين بأنفسهم لأنها مبنية غالبا على قرآن ناطق أو ~~سنة صريحة، أو إجماع عام مفسر لغير الناطق والصريح. # وأما في الفروع فيتبعون أحد العلماء الموثوق بهم عند المستهدي من ~~الأقدمين أو المعاصرين، بدون ارتباط بمجتهد مخصوص أو عالم دون آخر، مع سماع ~~الدليل والميل إلى قبوله كما كان عليه جمهور المسلمين قبل وجود التعصب ~~للمذاهب. # والطبقة الثالثة هم: العامة، وهؤلاء يهديهم العلماء مع بيان الدليل بقصد ~~الإقناع، فالعلماء عندنا لا يجسرون على أن يفتوا في مسألة مطلقا ما لم ~~يذكروا معها دليلها من الكتاب والسنة أو الإجماع، حتى ولو كان المستفتي ~~أعجميا أميا لا يفهم ما الدليل، وطريقتهم هذه هي طريقة الصحابة كافة ~~والتابعين عامة والأئمة المجتهدين والفقهاء # PageV01P119 # الأولين من أهل القرون الأربعة أجمعين (مرحى) . # والتزام علمائنا هذه الطريقة مبني على مقاصد مهمة أعظمها تضييق دائرة ~~الجراءة على الإفتاء بدون علم، وفي هذا التضييق على العلماء توسعة على ~~المسلمين وسدا لباب التشديد في الدين والتشويش على القاصرين، ولهذه الحكمة ~~البالغة بالغ الله ورسوله في النكير على المتجاسرين على التحليل والتحريم ~~والمستسلمين لمحض التقليد. # فالعالم عندنا لا يستطيع أن يجيب إلا عن بعض ما يسأل ولا يأنف أن يقف عند ~~" لا أدري "، بل يحذر ويخاف من غش السائل وتغريره إذا إجابة بأن فلانا ~~المجتهد يقول أن الله أحل كذا وحرم كذا، لأن السائل لا يعلم ما يعلم هو من ~~أن هذا المجتهد الذي ليس بمعصوم كثيرا ما يخالف في قوله من هو أفضل منه من ~~الصحابة والتابعين، ومن أنه يتردد في رأيه وحكمه كم إجتهد وكم رجع، ومن أن ~~أكثر دلائله أما ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة أو ظنيتهما، ومن أنه لم يدون ~~ما قاله ولكن نقله عنه الناقلون، وكم اختلفوا في الرواية عنه بين سلب ~~وإيجاب ونفي وإثبات. وكم زيف أصحابه اجتهاده ورأوا غير ما رآه، ومن ms059 أنه أي ~~المجتهد إنما اجتهد لنفسه وبلغ عذره عند ربه، وصرح بعدم جواز أن يتبعه أحد ~~فيما أجتهد وتبرأ من تبعه الخطأ. # PageV01P120 # فهذا (الإمام مالك) رضي الله عنه يقول: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ~~مردود عليه إلا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ونقل المؤرخون أن المنصور ~~لما حج واجتمع بمالك إرادة على الذهاب معه ليحمل الناس على الموطأ كما حمل ~~عثمان الناس على المصحف، فقال مالك لا سبيل إلى ذلك لأن الصحابة افترقوا ~~بعد وفاة النبي [صلى الله عليه وسلم] في الأمصار، يريد أن السنة ليست ~~بمجموعة في موطئه الذي جمع فيه مرويات أهل المدينة. # وحكي في اليواقيت والجواهر أن (أبا حنيفة) رضي الله عنه كان يقول: " لا ~~ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يأخذ بكلامي ". وكان إذا أفتى يقول: هذا رأي ~~النعمان بن ثابت، يعني نفسه، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه ~~فهو أولى بالصواب. # وروى الحاكم البيهقي أن الشافعي) رضي الله عنه كان يقول: إذا صح الحديث ~~فهو مذهبي، وفي رواية إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث ~~واضربوا بكلامي الحائط. وأنه قال يوما للمزني: يا إبراهيم لا تقلدني فيما ~~أقول وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين. وكان يقول: لا حجة في قول أحد دون رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] . # PageV01P121 # ويروى عن (أحمد بن حنبل) رضي الله عنه أنه رأى بعضهم يكتب كلامه فأنكر ~~عليه وقال: تكتب رأيا لعلي ارجع عنه. وكان يقول ليس لأحد مع الله ورسوله ~~كلام. وقال لرجل: لا تقلدني ولا تقلدن مالكا ولا الأوزاعي ولا الحنفي، ولا ~~غيرهم، وخذوا الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة وأسس مذهبه على ترك ~~التأويل والترقيع بالرأي واتباع الغير فيما فيه طريق العقل واحد. # ونقل الثقاة أن سفيان الثوري رضي الله عنه لما مرض مرض الموت دعا بكتبه ~~فغرقها جميعها. # وروي عن أبي يوسف وزفر رحمهما الله تعالى انهما كانا يقولان لا يحل لأحد ~~أن يفتي بقولنا ما لم يعلم ms060 من أين قلنا. وقيل لبعض أصحاب أبي حنيفة: انك ~~تكثر الاختلاف إلى أبي حنيفة، فقال: لأنه أوتي من الفهم ما لم نؤت، فأدرك ~~ما لم ندرك، ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم دليله ونقنع (مرحى) . # ثم قال: أيها الإخوان الكرام قد أطلت المقال فاعذروني، فإني من قوم ألفوا ~~ذكر الدليل وإن كان معروفا مشهورا، وقد ذكرت طريقة علماء العرب في الجزيرة ~~منوها بفضلها لا بفضلهم على غيرهم، كلا بل غالب علماء سائر الجهات أحد ذهنا ~~وأدق نظرا وأعزر مادة # PageV01P122 # وأوسع علما، ولذلك لم نزل نحن في تعجب وحيرة من نظر أولئك العلماء ~~المتبحرين في أنفسهم العجز عن الاستهداء وقولهم بسد باب الاجتهاد. # نعم لم يبق في الإمكان أن يأتي الزمان بأمثال ابن عمرو ابن العباس، أو ~~النخعي وداود، أو سفيان ومالك، أو زيد وجعفر، أو النعمان والشافعي، أو احمد ~~والبخاري رضي الله عنهم أجمعين، ولكن متى كلف الله تعالى عبادة بدين لا ~~يفقهه إلا أمثال هؤلاء النوابغ العظام؟ أليس أساس ديننا القرآن وقد قال ~~تعالى عنه فيه: {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} . وقال تعالى {كتاب ~~فصلت آياته قرآنا عربيا} وقال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مد ~~كر} وقال تعالى: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} وقال تعالى {أفلا يتدبرون ~~القرآن} فما معنى دعوى العجز والتمثل بمن قالوا: {قلوبنا غلف} ، حمانا الله ~~تعالى (مرحى) . # أما السنة النبوية أفلم تصل إلينا مجموعة مدونة بهمة أئمة الحديث جزاهم ~~الله خيرا، الذين جابوا الأقطار والبلاد التي تفرق إليها الصحابة رضي الله ~~عنهم بسبب الفتوحات والفتن فجمعوا متفرقاتها ودونوها، وسهلوا الإحاطة بها ~~بما لم يتسهل الوقوف عليه لغير إفراد من علماء # PageV01P123 # الصحابة الذين كانوا ملازمين النبي عليه السلام. # وكذا يقال في حق أسباب النزول ومواقع الخطاب ومعاني الغريب في القرآن ~~والسنة، فإن علماء التابعين وتابعيهم والناسجين على منوالهم رحمهم الله لم ~~يألوا جهدا في ضبطها وبيانها. # وكذلك الأئمة المجتهدون والفقهاء الأولون علمونا طرائق الاستهداء ~~والاجتهاد، والاستنباط والتخريج والتفريع، وقياس النظير على ms061 النظير، فهم ~~أرشدونا إلى الاستهداء وما أحد منهم دعانا إلى الاقتداء به مطلقا (مرحى) . # ثم أننا إذا أردنا أن ندقق النظر في مرتبة علم أولئك المجتهدين العظام لا ~~نجد فيهم علما وهبيا أو كسبيا خارقا للعادة، فهذا الإمام الشافعي رحمه ~~الله، وهو اغزرهم مادة وأول وأعظم من وضع صولا لفقهه، نجده قد أسس مذهبه ~~على اللغة فقط من حيث: المشترك والمتباين والمترادف، والحقيقة والمجاز ~~والاستعارة والكناية والشرط والجزاء، والاستثناء المتصل والمنفصل والمنقطع، ~~والعطف المرتب وغير المرتب، والفور والتراخي، والحروف ومعانيها، إلى قواعد ~~أخرى لا تخرج عن علم اللغة. واتبع أبا حنيفة في إدخاله في أصول مذهبه بعض ~~قواعد منطقية مثل: دلالة المطابقة، والتضمن والالتزام، # PageV01P124 # ومعرفة الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض، والمقدمتين والنتيجة والقياس ~~المنتج. واتبعه أيضا في قياس ما لم يرد فيه قرآن أو حديث على ما ورد فيه؛ ~~وهكذا فتح كل من أولئك الأئمة العظام لمن بعده ميدانا واسعا، فجاء أتباعهم ~~ومدوا الأطناب وأكثروا من الأبواب، وتفننوا في الأشكال وتنويع الأحكام، ~~وأحدثوا علمي الأصول والكلام. وهذا التوسيع كله ليس من ضروريات الدين بل ~~ضرره اكثر من نفعه، وما أشبه الأمور الدينية بالأمور المعاشية: كلما زاد ~~التأنق فيها بقصد استكمال أسباب الراحة سلبت الراحة. # والقول الذي فيه فصل الخطاب: أن الله سبحانه وله الحكم لم يرض منا أن ~~نتبع الأعلم الأفضل، بل كلفنا بأن نستهدي من كتابه وسنة رسوله على حسب ~~إمكاننا وطاقتنا وهو يرضى منا بجهدنا حيث قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} ، فنسأل الله التوفيق لسواء السبيل. # قال الأستاذ الرئيس: إني أحمد الله على توفيقه إيانا إلى هذا الاجتماع ~~المبارك، الذي استفدنا منه ما لم نكن نعلمه من قبل عن حالة إخواننا وأهل ~~ديننا في البلاد المتباعدة. ولم يكن يسمع بعضنا عن بعض شيئا إلا من السواح ~~الغرباء الجهلاء الذين لا يعرفون # PageV01P125 # ما يصفون؛ أو من أهل السياسة والعلماء المتشيعين لهم، الذين ربما يموهون ~~الحق بالباطل بقصد تفريق الكلمة ومنع الائتلاف (مرحى) . # ثم قال: هذا واليوم ms062 قد انسحب ذيل الظل وقرب الزوال وأذن لنا الوقت ~~بالانصراف. # PageV01P126 ### | الاجتماع السادس ### | يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة # 1316 # في الضحى الأول من اليوم المذكور تألفت الجمعية حسب معتادها، وقرئ الضبط ~~السابق، واستعدت الأذهان لتلقي ما يفيضه الله على ألسنة أهل الإيمان من ~~الإخوان. # قال الأستاذ الرئيس مخاطبا " الشيخ السندي ": إنك يا مولانا لم تشاركنا ~~في البحث إلى الآن، فنرجوك أن تتكرم على إخوانك بنبذة من عرفانك تنور بها ~~أفكارنا. ونرجوك أن لا تحتشم من التلعثم في بعض التعبيرات اللغوية لغلبة ~~العجمة عليك، فإن لك أسوة بالفيروز أبادي والسعد والفخر وغيرهم. # فقال الشيخ السندي: أنكم أيها السادة الإخوان، سراة أفاضل الزمان، وسباق ~~فرسان كل ميدان، قد أفدتم وأجدتم، ولم تتركوا لقائل من مجال، ولا لمثلي غير ~~الإصغاء والامتثال. وإني احب أن # PageV01P127 # أذكر لكم حالتي وفكرتي قبل هذه الاجتماعات، وما أثرته في هذه المفاوضات، ~~فأقول: # أنني من خلفاء الطريقة النقشبندية. إذ كان والدي المرحوم هو ناقل هذه ~~الطريقة للأقاليم الشرقية والجنوبية في الهند، وقد صرت بعد والدي مرجعا ~~لعامة خلفائها، ثم جرت لي سياحات مكررة في تلك الأرجاء وفي أيالات كاشغر ~~وقازان حتى سيبيريا وتلك الإنحاء، وبسبب حرصنا على تعميم طريقتنا، صار لها ~~شيوع مهم وانتشار عظيم بين مسلمي هاتيك الديار. # ومن المعلوم أن طريقتنا من أقرب الطرائق للإخلاص وأقلها انحرافا عن ظاهر ~~الشرع؛ وهي مؤسسة على الذكر القلبي وقراءة ورد خواجكان، ومراقبة المرشد ~~والاستمداد من الروحانيات، وإني لم اكن أفكر قط في أن الذكر وقراءة الورد ~~على وجه راتب فيه مظنة البدعة أو الزيادة في الدين، ولا أن المراقبة ~~والاستفاضة والاستمداد من أرواح الأنبياء والصالحين فيها مظنة الشرك، إلى ~~أن حضرت هذه الاجتماعات المباركة فسمعت وقنعت وأقلعت والحمد لله. # على أني عزمت أيضا على أن أتلطف في الأمر بالنصيحة والموعظة الحسنة، عسى ~~أن أوفق لهداية جماهير النقشبندية في تلك # PageV01P128 # البلاد، وإلى تصحيح وجهتهم بأن يذكروا الله قلبا ولسانا بدون عدد مخصوص ~~معين، قياما وقعودا وعلى جنوبهم بدون هيئة ms063 أو كيفية معينة، متى شاؤا ~~وأرادوا بدون وقت مرتب، فرادى ومجتمعين بدون تداع. وأن يتركوا المراقبة ~~ويستعيضوا عنها بالدعاء بالغفران والرحمة لكل من الشيخ بهاء لدين النقشي ~~مرشدهم الأعلى ولخليفته مرشدهم الأدنى الذي هم مبايعوه. # وقد فتح الله علي ببركة جمعيتنا هذه فهم أسباب ميل المسلمين في هاتيك ~~البلاد، صالحهم وفاسقهم، للانتساب إلى إحدى الطرائق الصوفية، وكنت قبلا ~~أحمل ذلك على مجرد إخلاص المرشدين، والآن اتضح لي أن السبب هو: أن السادة ~~الفقهاء عندنا من الحنفية والشافعية قد ضيقوا على المسلمين العبادات تضييقا ~~لا يعلم أن الله تعالى يطلبه من عباده، وكثروا الأحكام في المعاملات تكثيرا ~~ضيع الناس وشوش الإفتاء والقضاء، حتى صار المسلم لا يكاد يمكنه أن يصحح ~~عبادته أو معاملته ما لم يكن فقيها. # فتوسيع الفقهاء دائرة الأحكام انتج تضييق الدين على المسلمين تضييقا أوقع ~~الأمة في ارتباك عظيم، ارتباكا جعل المسلم لا يكاد يمكنه أن يعتبر نفسه ~~مسلما ناجيا لتعذر تطبيق جميع عباداته ومعاملاته # PageV01P129 # على ما يتطلبه منه الفقهاء المتشددون الأخذون بالعزائم، فبذلك أصبح ~~الجمهور الأكبر من المسلمين يعتقدون في أنفسهم التهاون أضرارا، فيهون عليهم ~~التهاون اختيارا كالغريق لا يحذر البلل. # لأنه كيف يطمئن الحنفي العامي حق الاطمئنان في الإستبراء لنصح طهارته، ~~وكيف يحسن مخارج الحروف كلها وقد أفسدت العجمة لسانه لتصح صلاته؟ وكذلك كيف ~~يصحح الشافعي العامي نيته على مذهب أمامه في الصلاة، أو يعرف شدات الفاتحة ~~الثلاث عشرة وينتبه لإظهارها كلها ليكون أدى فريضته. # بل أي عامي يعرف وصف الكلام، ومعنى الاستواء، وتأويل الوجه واليد ~~واليدين، وتعيين الجزء الاختياري، وإضافة الأعمال له أو لله، إلى غير ذلك، ~~ليكون عند الحنفية الماتريدية والشافعية إلا شاعرة مسلما مقلدا يرجى له ~~قبول الإيمان. ومن من العامة يحيط علما بكل ما ثبت بالنص القاطع حتى صفرة ~~بقرة بني إسرائيل مثلا، لكيلا يعتقد خلافه فيكفر فيحبط عمله ومن جملته ~~انفساخ نكاحه. # وكم من مسلم يحكم عليه الفقيه الشافعي بأنه نسل سفاح ومقيم # PageV01P130 # على السفاح وراض لمحارمه بالسفاح، إلى غير ذلك ms064 مما ينافي سماحة الدين ~~ومزية التدين به في الدنيا قبل الآخرة. # فبهذا التضييق صار المسلم لا يرى لنفسه فرجا إلا بالالتجاء إلى صوفية ~~الزمان، الذين يهونون عليه الدين كل التهوين. (مرحى) . # وهم القائلون: أن العلم حجاب، وبلمحة تقع الصلحة، وبنظرة من المرشد ~~الكامل يصير الشقي وليا، وبنفخة في وجه المريد أو تفلة في فمه تطيعه الأفعى ~~وتحترمه العقرب التي لدغت صاحب الغار عليه الرضوان، وتدخل تحت أمره قوانين ~~الطبيعة، وهم المقررون: بان الولاية لا ينافيها ارتكاب الكبائر كلها إلا ~~الكذب، وإن الاعتقاد أولى من الانتقاد، وإن الاعتراض يوجب الحرمان، أي أن ~~تحسين الظن بالفساق والفجار أولى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلى ~~غير ذلك من الأقوال المهونة للدين والأعمال التي تجعله نوعا من اللهو الذي ~~تستأنس به نفوس الجاهلين. # على أن الناس لو وجدوا الصوفية الحقيقيين؛ وأين هم؟ لفروا منهم فرارهم من ~~الأسد، لأن ليس عند هؤلاء إلا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير ~~النفوس من أمراض إفراط الشهوات، # PageV01P131 # وتصفية القلوب من شوائب الشره في حب الدنيا، وحمل الطبائع بوسائل القهر ~~والتمرين على الاستئناس بالله وبعبادته عوضا عن الملاهي المضرة، وذلك طبا ~~للراحة الفكرية والعيشة الهنية في الحياة الدنيا والسعادة الأبدية في ~~الآخرة، وأين التهوين السالف البيان لصوفية الزمان من هذه المطالب ~~التهذيبية الشاقة؟ ومن حقائق العرفان المعنوية التي لا يعرفها ويتلبس بها ~~إلا من وفقه الله وكشف عن بصيرته. وذلك نحو العرفان عن يقين وإيمان: أن من ~~اعز كلمة الله أعزه الله، ومن نصر الله نصره الله، ومن توقع الخير أو الشر ~~جازما نال ما توقع. ومن تصفو نفسه يلهم رشده، ومن اتكل على الله حقا كفاه ~~الله ما أهمه، ومن دعا الله مضطرا أجاب دعاءه. إلى غير ذلك من الحقائق ~~المقتبسة من القرآن وأسرار حكمة سيد ولد عدنان [صلى الله عليه وسلم] . ~~(مرحى) . # قال الأستاذ الرئيس: قد أحسن أخونا الشيخ السندي توصيفه المتفقهة ~~المتشددة والمتصوفة المخففة، وإني ملحق تقريره بما يناسب أن يكون مقدمة ~~تاريخية لبحث التصوف فأقول: ms065 # قد كان التنسك في المسلمين شيمة لأكثر الصحابة والتابعين، ثم أن التوسع ~~في الدنيا قلل عدد المتنسكين، فصار لأهله حرمه # PageV01P132 # مخصوصة بين الناس. وصار بعض المتفرغين يقصدون نيل هذه الحرمة بالتلبس ~~بالتنسك وإلزام النفس بالتمرن عليه؛ وحيث كان من لوازم استحصال تلك الحرمة ~~إظهار التقشف اتخذوا الصوف دثارا وإسم الفقر شعارا، فغلب عليهم اسم الصوفية ~~واسم الفقراء. ثم أن بعض العلماء من هؤلاء المعتزين بالتنسك، أحبو التميز ~~بالرياسة أيضا، فصاروا يدعون الناس إلى التنسك ويرشدونهم إلى طرائق النمرن ~~عليه، ومن هنا جاء اسم الإرشاد واسم الطريق. # وحيث كانت إرادة الاعتزاز بالدين إرادة حسنة لأن فيها إعزازا لكلمة الله، ~~فلا يؤخذ شيء على المرشدين الأولين، ولا على البعض النادر من المتأخرين ولو ~~من أهل عهدنا هذا كالسادات السنوسية في صحراء إفريقيا. أما دخول الفساد على ~~التصوف وإضراره بالدين وبالمسلمين مما ذكره أخونا الشيخ السندي وغيره من ~~الإخوان الكرام، فقد نشأ من أن بعض المرشدين من أهل القرن الرابع، لما رأوا ~~توسع الفقهاء في الشرع وتفنن المتكلمين في العقائد، فهم كذلك اقتبسوا من ~~فلسفة فيثاغورس وتلامذته في الألهيات قواعد، وانتزعوا من لاهوتيات ~~الكتابيين والوثنيين جملا، وألبسوها لباسا # PageV01P133 # إسلاميا فجعلوه علما مخصوصا ميزوه باسم علم التصوف، أو الحقيقة، أو ~~الباطن. # وهكذا بعد أن كان التصوف عملا تعبديا محضا جعلوه فنا نظريا اعتقاديا ~~بحتا. # ثم جاء منهم في القرن الخامس وما بعده بعض غلاة دهاة، رأوا مجالا في جهل ~~أكثر الأمة لأن يحوزوا بينهم مقاما، كمقام النبوة بل الألوهية، باسم لولاية ~~والقطبانية أو الغوثية؛ وذلك بما يدعون من القوة القدسية والتصرف في ~~الملكوت، فوسعوا فلسفة التصوف بأحكام تشبه الحكم، بنوها على زخرف التأويلات ~~والكشف والتحكمات والمثال والخيال والأحلام والأوهام، وألفوا في ذلك الكتب ~~الكثيرة والمجلدات الكبيرة، محشوة بحكايات مكذوبة، وتقريرات مخترعة، وقضايا ~~وتركيبات لا مفهوم لها البتة حتى ولا في مخيلة قائليها، كما أن قارئيها أو ~~سامعيها لا يتصورون لها معنى مطلقا وإن كان بعضهم يتظاهر بحالة الفهم، ~~ويتلمظ بأن للقوم اصطلاحات لا تدرك ms066 إلا بالذوق الذي لا يعرفه إلا من شرب ~~مشربهم. # وبعض هؤلاء الغلاة قتلوا كفرا ومع ذلك شاعت كتبهم ومقالاتهم، وحازوا ~~المقام الذي ادعوه بعد مماتهم، لأن في تعظيم # PageV01P134 # شأنهم ترويج مقاصد المقتفين لآثارهم كالإباحيين. وبعضهم لم يكن من ~~الغلاة، ولكن إخلافه إعظاما لأنفسهم في نظر حمقاء الأمة نسبوا إليه الغلو، ~~وعزوا إليه كتبا ومقالات لا يعرفها، ومنهم الأفاعيون يفعلون ذلك حتى في ~~عهدنا هذا ولا حول ولا قوة إلا بالله. # ثم قال الأستاذ الرئيس للخطيب القازاني: إن الأخوان يترقبون منه أيضا أن ~~يفيدهم بما يلهمه الله مما يناسب موضوع مباحث الجمعية. # فقال الخطيب القازاني: إن الإخوان الأفاضل لم يتركوا قولا لقائل، ولذلك ~~لا أجد ما أتكلم فيه، وإنما أقص عليهم مساجلة جرت في الاستهداء بين مفتي ~~قازان وإفرنجي روسي من العلماء المستشرقين العارفين باللغة العربية، ~~المولعين باكتشاف وتتبع العلوم الشرقية ولا سيما الإسلامية، وقد هداه الله ~~إلى الدين المبين، فاجتمع بمفتي قازان وقال له: أنه قد أسلم جديدا، وهو ~~بالغ من معرفة لغة القرآن والسنة مبلغا كافيا، وعالم بموارد ومواقع الخطأ ~~علما وافيا، فيريد أن # PageV01P135 # يتتبع القرآن وما يمكنه أن يتحقق وروده عن رسول الله، فيعمل بما يفهمه ~~ويمكنه تحقيقه على حسب طاقته، لأنه لا يرى وجها معقولا للوثوق بزيد أو عمرو ~~أو بكر أصحاب الأقوال المتضاربة المتناقضة، لأن حكم العقل في الدليلين ~~المتعارضين التساقط، وفي البرهانين المتباينين التهاتر، فهل من مانع في ~~الإسلامية يمنعه من ذلك. # فأجابه " المفتي ": إن أكثرية الأمة مطبقة منذ قرون كثيرة على لزوم ~~اعتماد ما حرره أحد المجتهدين الأربعة المنقولة مذاهبهم، فاطباق الأكثرية ~~دليل على الصحة فلا يجوز الشذوذ. # فقال " المستشرق ": لو كان الصواب قائما بالكثرة والقدم، وإن خالف ~~المعقول، لاقتضى ذلك صوابية الوثنية ورجحان النصرانية، ولاقتضى كذلك عكس ~~حكم ما صح وروده عن النبي [صلى الله عليه وسلم] : من أن أمته تفترق إلى ~~ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، هي التي كان هو وأصحابه عليها. ~~وقد وقع ما اخبر به، وكل فرقة ms067 تدعي أنها هي تلك الواحدة الناجية، ولا شك أن ~~الاثنتين وسبعين فرقة أكثر من أي واحدة كانت منها، فأين يبقى حكم الأكثرية؟ # فأجابه " المفتي " أنه قد سبقنا من أهل التحقيق والتدقيق الذين # PageV01P136 # تشهد آثارهم بمزيد علمهم ألوف من الفضلاء، وكلهم اعتمدوا لزوم اتباع أحد ~~تلك المذاهب القديمة، حتى بدون مطالبة أهلها بدلائلهم، لأن مداركنا قاصرة ~~عن أن توازن الدلائل وتميز الصحيح والراجح، ومثلنا في ذلك كالطبيب لا يلزمه ~~أن يجرب طبائع المفردات كلها ليعتمد عليها، بل يأخذ علمه بطبائعها عما دونه ~~أئمة الطب. # فقال " المستشرق ": نعم أن الطبيب يعتمد على ما حققه الأولون ولكن فيما ~~اتفقوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه على طرفي نقيض بين نافع أو سام فلا يعتمد ~~فيه أحد القولين، بل يهملهما ويجدد التجربة بمزيد الدقة والتحقيق، لأن ~~اعتماده على أحدهما يكون ترجيحا بلا مرجح. هذا وأننا لنرى ببادئ النظر أن ~~هؤلاء الأئمة الأقدمين لا يقدرون أن يطلعوا على ما لا يقدر المتأخرون أن ~~يطلعوا عليه، ويكفينا برهانا على ذلك: # (أولا) تخالفهم في كل الأحكام، إلا فيما قل وندر، تخالفا مهما ما بين ~~موجب وسالب ومحلل ومحرم، حتى لم يمكنهم الاتفاق في نحو مسائل الطهارة وستر ~~العورة وما يحل أكله وما لا يحل. # (ثانيا) : ترددهم في الأحكام وتقلبهم في الآراء، وذلك كحكم أحدهم في ~~المسألة ثم عدوله عنه إلى غيره؛ كما يقول أصحاب الشافعي # PageV01P137 # أنه كان له مذهبان، رجع بالثاني منهما عن الأول. # (ثالثا) : اختلاف أتباعهم في الرواية عنهم كأصحاب أبي حنيفة الذين قلما ~~يتفقون على رواية عنه، ويؤول ذلك لهم بعض المتأخرين بتعدد مذاهبه في ~~المسألة الواحدة. # والحاصل أن الإنسان الذي يتقيد بتقليد أحد أولئك الأئمة، ولا سيما الإمام ~~الأعظم منهم، لا يتخلص من قلق الضمير، أو يكون كحاطب ليل: بناء على ذلك لا ~~بد للمتحري في دينه من أن يهتدي بنفسه لنفسه، أو يأخذ عمن يثق بعلمه ودينه ~~وصواب رأيه ولو من معاصريه، لأن الدين أمر عظيم لا يجوز العقل والنقل فيه ~~المماشاة واتباع التقليد. ms068 # أجابه " المفتي ": نحن لا نحتم بان الصواب مقطوع فيه في جانب أحد تلك ~~المذاهب، بل المقلد منا أما أن يقول بإصابة الكل أو يرجح الخطأ في جانب من ~~ترك مع احتمال الصواب. # فقال " المستشرق ": هذا القول يستلزم تعدد الحق عند الله. أو القول ~~بالترجيح بلا مرجح، لأنكم تتحامون المفاضلة بين الأئمة. واعترافكم باحتمال ~~الجميع للخطأ يقتضي جواز تركها كلها مع أنكم توجبون اتباع أحدها. أفليست ~~هذه قضايا لا تتطابق ولا تعقل، # PageV01P138 # فلماذا لا تجوزون وانتم على هذا الارتباك أن يستهدي المبتلي لنفسه، فإن ~~تحقق عنده شيء عن يقين أو غلبة ظن اتبعه ولا كان مختارا وهل يكلف الله ~~نفسها إلا وسعها؟ # أجابه " المفتي " أننا لبعد العهد لم يبق في إمكاننا التحقيق، فما لنا من ~~سبيل غير اتباع أحد المتقدمين ولو كان تحقيقه يحتمل الخطأ. # قال " المستشرق ": ما الموجب لتكليف النفس ما لم يكلفها به الله؟ أليس من ~~الحكمة أن يحفظ الإنسان حريته واختياره، فيستهدي بنفسه لنفسه حسب وسعه، فإن ~~أصاب كان مأجورا وان أخطأ كان معذورا، ويكون ذلك أولى من أن يأسر نفسه ~~للخطأ المحتمل من غيره. # أجابه " المفتي ": أن هذا الغير أعرف منا بالصواب وأقل منا خطأ، فتقليده ~~أقرب للحق. # قال " المستشرق " هذا مسلم فيما اتفق عليه الأقدمون، أما في الخلافات ~~فالعقل يقف عند الترجيح بلا مرجح، ولا سيما إذا كنتم لا تجوزون أيضا البحث ~~عن الدليل ليحكم المبتلي عقله في الترجيح، بل تقولون نحن إسراء النقل وأن ~~خالف # PageV01P139 # ظاهر النص. # أجابه " المفتي " أننا إذا أردنا أن لا نعد من شرعنا إلا ما نتحقق ~~بأنفسنا دليله من الكتاب أو السنة أو الإجماع تضيق حينئذ علينا أحكام ~~الشرع، فلا تفي بحل إشكالاتنا في العبادات ولا لتعيين أحكام حاجاتنا في ~~المعاملات، فيحتاج كل منا أن يعمل برأيه في غالب دقائق العبادات ~~والمعاملات، ويصير القضاء غير مقيد بإيجابات شرعية. وهل من شك في أن اطراد ~~الآراء وانتظام المعاملات أليق بالحكمة من لا اطراد ولا نظام. # قال " المستشرق ": لا شك في ذلك، ولكن ms069 أين الاطراد والانتظام منكم، ولا ~~يكاد يوجد عندكم مسألة في العبادات أو المعاملات غير خلافية، أن لم تكن في ~~المذهب الواحد فبين مذهبين أو ثلاث. هذا وربما يقال أن توفيق العمل على قول ~~من اثنين أو أكثر، أقرب للاطراد من الفوضى المحضة في تفويض الأمر لرأي ~~المبتلي، أو تفويض الحكم لحرية القاضي. فيجاب على ذلك أن الأمر أمر ديني ~~ليس لنا أن نتصرف فيه برأينا ونعزوه إلى الله ورسوله كذبا وافتراء وإفسادا ~~لدين الله على عباده، ولو أن الأمر نظام وضعي لما كان أيضا من الحكمة أن ~~يلتزم أهل زماننا آراء من سلفوا من عشرة # PageV01P140 # قرون، ولا أن يلتزم أهل الغرب بقانون أهل الشرق. وعندي أن هذا التضييق قد ~~استلزم ما هو مشاهد عندكم من ضعف حرمة الشرع المقدس. # ثم قال " المستشرق " وأعيد قولي أنكم تحبون أن تكلفوا أنفسكم بما لم ~~يكلفكم به الله، ولو أن في الزيادات خيرا لاختارها الله لكم ولم يمنعكم ~~منها بقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي مما يتعلق بالدين، وقوله ~~تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~. وقوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون} . ولكن، علم الله، الخير في القدر الذي هداكم إليه، وترك لكم ~~الخيار على وجه الإباحة في باقي شئونكم لتوفقوها على مقتضيات الزمان أبي ~~الغير وموجبات الأحوال التي لا تستقر، فبناء عليه، إذا أتيتم أكثر أعمالكم ~~الحيوية باطمئنان قلب بإباحتها، يكون خيرا من أن تأتوها وأنتم حيارى لا ~~تدرون هل أصبتم فيها أم خالفتم أمر الله، فتعيشون وأفئدتكم هواء، تحاذرون ~~في الدين شؤم المخالفة وفي الآخرة عذابا # PageV01P141 # عظيما. وليس هذا من مخالفة الله التي هي رأس الحكمة، ولا من مراقبة ~~الوازع التي هي مزية الدين، بل هذا من الارتباك في الرأي والاضطراب في ~~الحكم ونتيجة ذلك فقد الحزم والعزم في الأمور. # ثم قال: أعلم أيها المفتي المحترم، أن هذه الحالة التي أنتم عليها من ~~التشديد والتشويش في ms070 أمر الدين، هي اكبر أسباب انحطاط المسلمين بعد القرون ~~الأولى في شؤون الحياة، كما انحط قبلهم الإسرائيليون بما شدده وشوشه عليهم ~~أهل التلمود، وكما انحطت الأمم النصرانية لما كانت (أرثوذكسية) مغلظة أو ~~(كاثوليكية) متشددة، يتحكم فيها البطارقة والقسيسون بما يشاؤن تحت اسم ~~الدين، فكانوا يكلفون الناس أن يتبعوا ما يلقنونهم من الأحكام بدون نظر ولا ~~تدقيق؛ حتى كانوا يحظرون عليهم أن يقرأوا الإنجيل أو يستفهموا معنى التثليث ~~الذي هو أساس النصرانية كما أن التوحيد أساس الإسلامية. وبقي ذلك كذلك إلى ~~أن ظهرت (البروتستان) ، أي الطائفة الإنجيلية التي رجعت بالنصرانية إلى ~~بساطتها الأصلية، وأبطلت المزيدات والتشديدات التي لا صراحة فيها في ~~الأناجيل، وإلى أن اتسع من جهة أخرى عند الأمم النصرانية نطاق العلوم # PageV01P142 # والفنون رغما عن معارضة رجال الكهنوت لها، فتلطفت أيضا الكاثوليكية ~~والأرثوذكسية عند العوام واضمحلتا بالكلية عند الخواص. لأن العلم ~~والنصرانية لا يجتمعان أبدا، كما أن الإسلامية المشوبة بحشو المتفننين تضلل ~~العقول وتشوش الأفكار. # أما الإسلامية السمحاء، الخالصة من شوائب الزوائد والتشديد، فإن صاحبها ~~يزداد إيمانا كلما ازداد علما ودق نظرا، لأنه باعتبار كون الإسلامية هي ~~أحكام القرآن وما ثبت من السنة وما اجتمعت عليه الأمة في الصدر الأول، لا ~~يوجد فيها ما يأباه عقل أو يناقضه تحقيق علمي. # وكفى شرفا للقرآن العزيز أنه على اختلاف مواضيعه من توحيد وتعليم وإنذار ~~وتبشير وأوامر ونواه وقصص وآيات آلاء، قد مضى عليه ثلاثة عشر قرنا تمخضه ~~أفكار الناقدين المعادين ولم يظفروا فيه ولو بتناقض واحد، كما قال الله ~~تعالى فيه: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} . بل الأمر ~~كما تنبه إليه المدققون المتأخرون انه كلما اكتشف العلم حقيقة وجدها ~~الباحثون مسبوقة التلميح أو التصريح في القرآن. أودع الله ذلك فيه ليتجدد ~~إعجازه ويتقوى الإيمان به أنه من عند الله، لأنه ليس من شأن مخلوق # PageV01P143 # أن يقطع برأي لا يبطله الزمان. # فهذه القضايا التي قررها حكماء اليونان وغيرهم على أنها حقائق، ولم تتردد ~~فيها عقول عامة البشر ألوفا ms071 من السنين، أصبحت محكوما على أكثرها بأنها ~~خرافات. وكذا يقال: كفى السنة النبوية شرفا، انه لم يوجد في أعاظم الحكماء ~~المتقدمين والمتأخرين، من يربو عدد ما يعزى إليه من الحكم التي قررها غير ~~مسبوق بها على عدد الأصابع، مع أن في السنة المحمدية على صاحبها أفضل ~~التحية من الحكم والحقائق الأخلاقية والتشريعية والسياسية والعلمية ألوفا ~~من المقررات المبتكرة، ويتجلى عظم قدرها مع تجدد الزمان وترقي العلم ~~والعرفان. # وكفى بذلك ملزما لأهل الإنصاف بالإقرار والاعتراف لصاحبها عليه السلام ~~بالنبوة والأفضلية على العالمين عقلا، وعلما، وحكمة وحزما، وأخلاقا، وزهدا، ~~واقتدارا، وعزما، وكفى أيضا بهذه المزايا العظمى ملزما بتصديقه في كل ما ~~جاء به واتباعه في كل ما أمر أو نهي، لأن الدهر لم يأت بمرشد للبشر أكمل ~~وأفضل منه (مرحى) . # ثم قال " المستشرق " للمفتي: وهذا ما دعاني للإسلام فلبيت والحمد لله، # PageV01P144 # وعندي أن لو قام في الإسلام سراة حكماء دعاة مقدمون لما بقي على وجه ~~الأرض عاقل يكفر بالله. # ثم قال: وإني أرى انه لا يمضي قرن إلا ويكثر المهتدون من المستشرقين ~~ويرسخون في الدين، فيتولون تحرير شريعة الإسلام، ويفيضون بها على الأنام، ~~حتى على أهل الركن والمقام. ولا يبعد أن تأتي الأيام بالبرنس محمد المهتدي ~~الروسي أو الإنكليزي مثلا، قائما مقام الإمام، معيدا عز الإسلام بأكمل ~~نظام. # أجاب " المفتي ": لا مانع مما ذكرت، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ودين ~~الله دين عام لا يختص بقوم من الأقوام. # ثم قال " المستشرق ": أيها المفتي المحترم، لا يطاوعني لساني أن أدعي ~~الغيرة على الملة البيضاء الأحمدية أكثر منك، إنما أناشدك بالله وبحبك ~~لدينك أن تترك هذه الأوهام التقليدية القائمة في فكرك، وتعينني على تأليف ~~كتاب يصور حكمة دين الإسلام وسماحته، ليكون سعينا هذا ذخرا عظيما ننال به ~~فخر وثواب هداية عشرات الملايين بل مئات الملايين من الناس لهذا الدين ~~المبين. ولا يكبرن ما أقول على فكرك، فإن أهل هذا الزمان المتنورين الأحرار ~~لا يقاسون بأهل الأزمنة المظلمة الغابرة. نعم، وننال أيضا ثواب حفظ ms072 ~~الملايين الكثيرة من أبناء # PageV01P145 # المسلمين العريقين، تلامذة المدارس المصرية، من هجر الإسلامية على صورتها ~~الحاضرة المشوهة باختلاط الحكم بالخرافات، المعطلة بثقل التشديدات ~~المبتدعة، فالبدار البدار لأن نفوز بهذه الخدمة التي يكاد يعادل أجرها أجر ~~نبي مرسل والله المعين الموفق. # أجابه " المفتي ": أصيبت فيما افتكرت ولنعم ما أشرت به، ولكن هذا عمل ~~مهم، يحتاج القيام به لعناية جمعية يتكون من تضلع أعضائها في فروع العلوم ~~الدينية علم كاف للإحاطة وحصول الثقة ولسوء الحظ لا يوجد من فيهم الكفاءة ~~في هذه البلاد، ولذلك يتحتم علينا أن نترك هذه الفكرة آسفين، وندعو الله ~~تعالى أن يلهم علماء مكة أو صنعاء أو مصر أو الشام القيام بإيفاء هذا ~~الواجب. # ولما انتهى الخطيب القازابي إلى هنا قال: هذه هي المساجلة، وقد سمعت ~~المفتي يقول أنه اجتمع بكثير من المستشرقين، فوجدهم كلهم يحسنون العربية ~~أكثر من علماء الإسلام غير العرب، مع أنهم يشتغلون في علوم اللغة عمرهم ~~كله، وما ذلك إلا من ظفر مدارس اللغات الشرقية الإفرنجية بأصول لتعليم ~~العربية اسهل من الأصول المعروفة عندنا. # قال المجتهد التبريزي: إني أرى أن الإسلام أصابه فتنتان عظيمتان، # PageV01P146 # ولولا قوة أساسه البالغة فوق ما يتصوره العقل لما ثبت الدين إلى الآن. # أما الفتنة الأولى: فقد قدرها الله مضت على وجهها، وهي حين تشاجروا في ~~الخلافة والملك، وانقسموا على أنفسهم بأسهم بينهم، يقتل بعضهم بعضا، ~~وتفرقوا في الدين لتفرقهم في السياسة. # وأما الفتنة الثانية فلم تزل مستمرة، وهي أن الخلفاء العباسيين مالوا إلى ~~تعميق النظر في العقائد فخدمهم من خدمهم من علماء الإعجام تقربا إليهم في ~~علم الكلام، وأكثروا من القيل والقال. ثم سرت العدوى إلى المناظرة في الفقه ~~وبيان الأولى من المذاهب، فاقبلوا على التدقيق والجدل في الخلافات بين أبي ~~حنيفة والشافعي. وأثاروا بينهما فتنة عمياء وحربا صماء، وتركوا بقية ~~المذاهب فاندرست، ولم يبق منها سوى مذهب زيد واحمد في جزيرة العرب، ومذهب ~~مالك في الغرب ومذهب جعفر في بلاد الخزر وفارس. فاكثروا التأليف والتصنيف ~~في هذه المذاهب، كل ms073 مؤلف يحب أن يبدي ما عنده ليشتهر فضله وينال حظه من ~~دنياه، زاعما أن غرضه استنباط دقائق الشرع وتقرير علل المذاهب. فتزاحموا ~~وتجادلوا وناقض بعضهم بعضا، وكان من العلماء بعض الصلحاء المغفلين شاركوهم ~~في الفتنة وهم # PageV01P147 # لا يشعرون كما قال الله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا ~~إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} . وقوله تعالى: {قل ~~هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا} . # وهكذا اتسعت دائرة الأحكام في الشرع، فصار الخلف عاجزين عن التقاط الفروع ~~فضلا عن الرجوع إلى الأصول، فاطمأنت الأمة للتقليد، واقبل العلماء على ~~التعمقات في الدين: يغرب المفسر، ويتفنن ولو بحكايات قاضي الجن لأنه غير ~~مطالب بدليل. ويتفحص المحدث عن نوادر الأخبار والآثار ولو موضوعة لأنه غير ~~مسئول عن سنده. ويستنبط الفقيه الحكم ولو بالشبه من وجه للازم اللازم للعلة ~~لأن مجال التحكم واسع. وهذه الفتنة لم تزل مستمرة إلى أن أوقفها قصور الهمم ~~عند الأكثرين. # على أن هؤلاء المتأخرين اخلدوا إلى التقليد الصرف حتى في مسألة التوحيد ~~التي هي أساس الدين، ومبدأ الإيمان واليقين، والفارق بين الكفر والإسلام. ~~وجعلوا أنفسهم كالعميان لا يميزون الظلمة من النور ولا الحق من الزور، ~~وصاروا يحسنون الظن في كل ما يجدونه مدونا بين دفتي كتاب، لأنهم رأوا ~~التسليم أهون من التبصر، # PageV01P148 # والتقليد استر للجهل. وصار أهل كل إقليم أو بلد يتعصبون لمؤلفات شيوخهم ~~الأقدمين، ويتخذون الخلافيات مدارا لتطبيق الأحكام على الهوى، لا يبالون ~~بحمل أثقال الناس في الدين على عواتقهم، يزعمون أن التسليم أسلم، وأنهم ~~إسراء النقل وان خالف ظاهر النص، ويتوهمون أن اختلاف الأئمة رحمة للأمة. # نعم أن اختلاف الأئمة يكون رحمة إذا حسن استعماله، ويكون نقمة إذا صار ~~سببا للتفرقة الدينية والتباغض: كما هو الواقع بين أهل الجزيرة السلفيين، ~~وبين أهل مصر والغرب والشام والترك وغيرهم من المستسلمين، وبين أهل عراق ~~العجم وفارس، والصنف الممتاز من أهل الهند الشيعيين، وبين أهل زنجبار ومن ms074 ~~حولهم من الأباضيين. فهذه الفرق الكبرى يعتقد كل منهم أنهم وحدهم أهل السنة ~~والجماعة، وان سواهم مبتدعون أو زائغون. فهل والحالة هذه يتوهم عاقل أن هذا ~~التفرق والانشقاق رحمة لا نقمة، وسببه، وهو التوسع في الأحكام، سبب خير لا ~~سبب شر؟ # وكذلك اختلاف المجتهدين في كل فرقة من تلك الفرق، لا يتصور العقل أن يكون ~~رحمة إلا بقيد حسن استعماله، وإلا فيكون نقمة حيث يوجب تفرقة ثانية بين ~~مالكي وحنفي # PageV01P149 # وشافعي مثلا. # والمراد من حسن استعمال الخلاف، هو أن كل قوم من المسلمين قد اتبعوا ~~مذهبا من المذاهب ترجيحا أو وراثة أو تعصبا، ولا بد أن يكون في المذهب ~~الآخذ به كل قوم بعض الأحكام الاجتهادية، التي لا تناسب أخلاق أولئك القوم ~~أو لا تلائم أحوالهم المعاشية وطبائع بلادهم، فيضطرون إلى الإقدام على أحد ~~أمرين: أما التمسك بتلك الأحكام وإن أضرت بهم، أو الجنوح إلى تقليد مذهب ~~اجتهادي آخر في تلك الأحكام فقط. وقد كان أكثر علماء وفقهاء المسلمين إلى ~~القرن الثامن بل التاسع يختارون الشق الثاني، فيقلدون في هذه الحالة ~~المذاهب الأخرى، ولكن بعد النظر والتدقيق في الأدلة كما كان شانهم في نفس ~~مذاهبهم الأصلية، لئلا يكونوا مقلدين تقليدا أعمى لا يجوزه الدين أساسا إلا ~~للجاهل بالكلية. # وهذه الطريقة هي الطريقة المتبعة إلى اليوم في بلاد فارس، والعلماء ~~المتصدرون لذلك هم أفراد من نوابغ العلماء المتضلعين في علوم مآخذ الدين، ~~أكثرهم ولا سيما الإيرانيون منهم متفقهون ومتخرجون على مذهب الإمام " جعفر ~~الصادق " رضي لله عنه المدون عندهم. ويطلق # PageV01P150 # أهل فارس على هؤلاء العلماء اسم " مجتهدين " تجوزا واتباعا لعادة الأعجام ~~في التغالي في التبجيل ونعوت الاحترام، ومن ذلك يعلم أن ما يظنه فيهم ~~إخوانهم المسلمون البعيدون عنهم غير الواقفين على أحوالهم إلا من تفوهات ~~السياسيين غير صحيح، فما هم كما يقولون عنهم مجتهدون في أصول الدين، مجوزون ~~الرأي في الاجماعيات، مخرجون الأحكام أخذا من الدلائل الظنية ولو لم يقل ~~بها أحد من علماء الصحابة أو التابعين وأعاظم أئمة الهداية الأولين. ms075 فما ~~أحرى أن يسمى مجتهدو فارس بمرجحين أو مخرجين أو فقهاء مدققين. # ثم أن بعضهم وصفوا المقلد لأحد المذاهب، إذا أخذ في بعض الأحكام بمذهب ~~آخر، ملفقا وأخذه تلفيقا، واستعملوا لفظه تلفيق في مقام التلاعب في الدين ~~أو الترقيع القبيح. والحال، ليس ما سموه بالتلفيق إلا عين التقليد من كل ~~الوجوه، ولا بد لكل من أجاز التقليد أن يجيزه، لأنه إذا تأمل في القضية يجد ~~القياس هكذا: يجب على كل مسلم عاجز عن الاستهداء في مسألة دينية بنفسه أن ~~يسأل عنها من أهل الذكر، أي يقلد فيها مجتهد، وكل مقلد عاجز طبعا عن ~~الترجيح بين مراتب المجتهدين، فبناء عليه يجوز له أن يقلد في كل مسألة ~~دينية مجتهدا ما. # PageV01P151 # وما المانع على هذا الاعتبار للمسلم المقلد أن يتعلم كل مسألة من الطهارة ~~والغسل والوضوء والصلاة من مجتهد أو فقيه تابع لمجتهد، فإذا اغتسل بماء دون ~~قلتين لحقته قطرة خمر واعتبره طاهرا كما علمه عالم مالكي، غسلا بدون دلك ~~كما علمه عالم حنفي؛ وبعد حدث موجب توضأ ومسح شعرات من الرأس كما علمه عالم ~~شافعي، وصلى بعد خروج دم قليل منه كما علمه عالم حنبلي، صلاة الصبح بعد ~~طلوع الشمس كما علمه عالم زيدي، ووصل الفرض بصلاة أخرى بدون خروج من الأولى ~~كما علمه عالم جعفري. # أفلا يكون هذا المقلد صلى صلاة تجزئه عند الله؟ بلى ثم بلى، تجزئة ~~بالضرورة حتى لا يقوم دليل على أن ذلك خلاف الأولى، كما يقال في حق الخروج ~~من الخلافات لأنه لا يعقل أن يكلف هذا المقلد بأخذ دينه كله من عالم واحد، ~~لأن الصحابة رضي الله عنهم مع اجتهادهم وتخالفهم في الأحكام كان يصلي بعضهم ~~خلف بعض، مع حكم المؤتم منهم على حسب اجتهاده بعدم صحة صلاة إمامه، ~~وإشتراطه صحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام، وهل يتوهم مسلم أن أبا حنيفة ~~كان يمتنع أن يأتم بمالك أو يأبى أن يأكل ذبيحة جعفر؟ كلا، بل كانوا أجل ~~قدرا من أن يخطر لهم هذا التعصب على ms076 بال، # PageV01P152 # وما كان تخالفهم إلا من احتياط كل منهم لنفسه. # ويوجد في كل مذهب من المذاهب جماعة من تلاميذ الإمام أو الفقهاء ~~المعروفين بالمرجحين، كل منهم كان مجتهدا لم يتقيد بمذهب إمامه تماما، ~~وخالفه في كثير أو قليل من الأحكام مخالفة اجتهاد، بسبب إطلاعه على أدلة ~~مجتهد آخر، أو الفتح عليه بما لم يفتح به على إمامه. # ولأن الدين يلزم المسلم بان يتبع في كل مسألة منه الشارع لا الإمام، وإن ~~يعمل في مواقع الاجتهاد باجتهاده، لا باجتهاد غيره وإن كان أفضل منه. # وهذا أبو حنيفة وأمثاله رحمهم الله تعالى، كانوا أفضل من أن يعتقدوا في ~~أنفسهم الأفضلية على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومع ذلك خالفوهما في ~~كثير من الأحكام الاجتهادية. وفقهاء كل مذهب من المذاهب، لم يزالوا إلى ~~الآن يجوزون الأخذ تارة بقول الإمام وتارة بقول أحد أصحابه مع أن ذلك هو ~~عين التلفيق. فلماذا لا يجوز الحنفية مثلا التلفيق بين أقوال أبي حنيفة ~~والشافعي أو غيره، وليس فيهم من يقول أن أصحاب إمامهم أفضل من الشافعي ~~ومالك وابن عباس، فما هذا إلا تفريق بلا فارق وحكم بعكس # PageV01P153 # الدليل. # وقد نتج من التفريق بين المسلمين والتشديد عليهم في دينهم ومصالحهم بدون ~~موجب غير التعصب المخالفة لأمره تعالى: {أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ~~مرحى. # ثم ختم المجتهد التبريزي مقاله بقوله: وليس مقامنا الآن مقام استيفاء ~~لهذا البحث، وإنما أوردت هذا المقدار منه بقصد بيان جواز التلفيق إذا كان ~~عن غرض صحيح كما جوزه كثير من فقهاء كل المذاهب. # ولا شك أن ضرورة التلفيق أهم من الضرورة التي لأجلها جوز الفقهاء الحيل ~~الشرعية مع أنها وصمة عار على الشرع. حيث لا يعقل أن يقال مثلا أن الشفعة ~~مشروعة دفعا للضرر عن الشريك أو الجار، ولكن يجوز هذا الإضرار للمحتال. أو ~~أن الربا حرام ولكن إذا أضيف للقرض ثمن مبيع خسيس بنفيس جاز استباحة مقصد ~~الربا. أو أن إيتاء الزكاة فرض، ولكن إذا اخرج رب المال ماله قبل الحول ثم ms077 ~~استعاده سقطت عنه الزكاة. إلى غير ذلك من إبطال الشرع وجعل التكليف تخييرا ~~والتقيد إطلاقا؛ ولا حجة لهم في هذا غير ما رخص الله به لأيوب عليه السلام ~~من التوصل للبر باليمين في قوله # PageV01P154 # تعالى: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} ، وما أبعد القياس بين الحنث ~~وبين إبطال الشرع، ولا شك أن بذلك صار المسلمون كأنهم لا شرع لهم. وقد غضب ~~الله على اليهود لتحيلهم على صيد السبت فقط. ونحن نجوز ألف حيلة مثلها ~~بضرورة وبلا ضرورة. # بناء عليه، من الحكمة أن نلتمس للضرورات أحكاما اجتهادية، فيأمر بها ~~الإمام إن وجد وإلا فالسلطان ليرتفع الخلاف، فتعمل بها الأمة ما دام ~~المقتضى باقيا. فإذا ألجأ الزمان إلى تبديلها بقول اجتهادي آخر فكذلك يأمر ~~به الإمام أو السلطان رفعا للخلاف. وبمثل هذا التدبير الذي لا يأباه شرعنا ~~ولا تنافيه الحكمة نستعوض تلك الحيل المعطلة للشرع، المسلمة لترقيعات كل ~~فقيه ومتفقه، بأحكام شرعية إيجابية لازيغ فيها. # وبنحو ذلك يسلم شرعنا من التلاعب والتضارب، ويتخلص القضاء والإفتاء من ~~التوفيق على الأهواء، وحينئذ يتحقق أن الخلاف في الفروع رحمه. والحاصل انه ~~يقتضي على علماء الهداية أن يقاوموا فكر التعصب لمذهب دون آخر، فيكون سعيهم ~~هذا منتجا للتأليف وجمع الكلمة في الأمة. # PageV01P155 # قال الأستاذ الرئيس: أنا نشكر أخانا المجتهد التبريزي على بيانه لنا حالة ~~إخواننا أهل فارس، وعلى غيرته للدين وقصده التأليف بين المسلمين. أما ~~تقريره بخصوص أن حكم الإمام إن وجد وإلا فالسلطان يرفع الخلاف، وبخصوص أن ~~التلفيق هو عين التقليد، فتقرير يحتاج إلى نظر وتدقيق، وستقوم بمثل هذه ~~التدقيقات في المسائل الدينية التي بحث فيها الإخوان الكرام الجمعية ~~الدائمة التي ستتشكل إن شاء الله. واليوم قد قرب وقت الظهر وآن أوان ~~الانصراف. # PageV01P156 ### | الاجتماع السابع ### | يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة # 1316 # في صباح اليوم المذكور انتظمت الجمعية وقرئ الضبط السابق حسب القاعدة ~~المرعية. # قال الأستاذ الرئيس مخاطبا السيد الفراتي: إن الجمعية لتنتظر منك فوق ~~همتك في عقدها وقيامك بمهمتها التحريرية، إن ms078 تفيدها أيضا رأيك الذاتي في ~~سبب الفتور المبحوث فيه، وذلك بعد أن تقرر لها مجمل الآراء التي أوردها ~~الإخوان الكرام، حيث أحطت، بها علما مكررا بالسمع والكتابة والقراءة ~~والمراجعة فأنت أجمعنا لها فكرا. # هذا والجمعية ترجو الفاضل الشامي والبليغ الإسكندري أن، يشتركا في ضبط ~~خطابك بان يتعاقبا في تلقي الجمل الكلامية وكتابتها، لأنهما كباقي الأخوان ~~لا يعرفان طريقة الاختصار # PageV01P157 # الخطي المستعمل في مثل هذا المقام. # نظر الفاضل الشامي إلى رفيقه واستلمح منه القول ثم قال: أننا مستعدان ~~للتشرف بهذه الخدمة. # قال السيد الفراتي: حبا وطاعة وإن كنت قصير الطول، كليل القول، قليل ~~البضاعة، ثم انحرف عن المكتبة فقام مقامه عليها الفاضل الشامي والبليغ ~~الإسكندري، وما لبث أن شرع في كلامه، فقال: # يستفاد من مذاكرات جمعيتنا المباركة أن هذا الفتور المبحوث فيه ناشيء عن ~~مجموع أسباب كثيرة مشتركة فيه، لا عن سبب واحد أو أسباب قلائل تمكن ~~مقاومتها بسهولة. وهذه الأسباب منها أصول، ومنها فروع لها حكم الأصول. ~~وكلها ترجع إلى ثلاثة أنواع: وهي أسباب دينية، وأسباب سياسية، وأسباب ~~أخلاقية. وإني أقرأ عليكم خلاصاتها من جدول الفهرست الذي استخرجته من مباحث ~~الجمعية رامزا للأصول منها بحرف (الألف) وللفروع منها بحرف (الفاء) وهي: # النوع الأول: الأسباب الدينية ### | 1 - # تأثير عقيدة الجبر في أفكار الأمة (1) . # PageV01P158 ### | 2 - # تأثير المزهدات في السعي والعمل وزينة الحياة (ف) . ### | 3 - # تأثير فتن الجدل في العقائد الدينية (1) . ### | 4 - # الاسترسال للتخالق والتفرق في الدين (1) . ### | 5 - # الذهول عن سماحة الدين وسهولة التدين به (1) . ### | 6 - # تشديد الفقهاء المتأخرين في الدين خلافا للسلف (1) . ### | 7 - # تشويش أفكار الأمة بكثرة تخالف الآراء في فروع أحكام الدين (ف) . ### | 8 - # فقد إمكان مطابقة القول للعمل في الدين بسبب التخليط والتشديد (ف) . ### | 9 - # إدخال العلماء المدلسين على الدين مقتبسات كتابية وخرافات وبدعا مضرة (1) ~~. ### | 10 - # تهوين غلاة الصوفية الدين وجعلهم إياه لهوا ولعبا (ف) . ### | 11 - # إفساد الدين بتفنن المداجين بمزيدات ومتروكات وتأويلات (ف) . ### | 12 - # إدخال المدلسين والمقابرية على العامة كثيرا من الأوهام (1) . ### | 13 - # خلع المنجمين والرمالين والسحرة والمشعوذين قلوب ms079 المسلمين بالمرهبات (ف) ~~. ### | 14 - # إيهام الدجالين والمداجين أن في الدين أمورا سرية وإن العلم حجاب (ف) . ### | 15 - # اعتقاد منافاة العلوم الحكمية والعقلية للدين (1) . ### | 16 - # تطرق الشرك الصريح أو الخفي إلى عقائد العامة (ف) . ### | 17 - # تهاون العلماء العاملين في تأييد التوحيد (ف) . ### | 18 - # الاستسلام للتقليد وترك التبصر والاستهداء (ف) . ### | 19 - # التعصب للمذاهب ولآراء المتأخرين وهجر النصوص ومسلك السلف (ف) . ### | 20 - # الغفلة عن حكمة الجماعة والجمعة وجمعية الحج (1) . # PageV00P000 ### | 21 - # العناد على نبذ الحرية الدينية جهلا بمزيتها (ف) . ### | 22 - # التزام ما لا يلزم لأجل الاستهداء من الكتاب والسنة (ف) . ### | 23 - # تكليف المسلم نفسه ما لا يكلفه به الله وتهاونه فيما هو مأمور به (ف) . # النوع الثاني: الأسباب السياسية ### | 24 - # السياسة المطلقة من السيطرة والمسئولية (1) . ### | 25 - # تفرق الأمة إلى عصبيات وأحزاب سياسية (ف) . ### | 26 - # حرمان الأمة من حرية القول والعمل، وفقدانها الأمن والأمل (ف) . ### | 27 - # فقد العدل والتساوي في الحقوق بين طبقات الأمة (ف) . ### | 28 - # ميل الأمراء طبعا للعلماء المدلسين وجهلة المتصوفين (ف) . ### | 29 - # حرمان العلماء العاملين وطلاب العلم من الرزق والتكريم (1) . ### | 30 - # اعتبار العلم عطية يحسن بها الأمراء على الإخصاء، وتفويض خدمة الدين ~~للجهلاء (1) . ### | 31 - # قلب موضوع أخذ الأموال من الأغنياء وإعطائها للفقراء (1) . ### | 32 - # تكليف الأمراء القضاة والمفتين أمورا تهدم دينهم (ف) . ### | 33 - # إبعاد الأمراء النبلاء والأحرار وتقريبهم المتملقين والأشرار (1) . ### | 34 - # مراغمة الأمراء السراة والهداة والتنكيل بهم (ف) . ### | 35 - # فقد قوة الرأي العام بالحجر والتفريق (ف) . ### | 36 - # حماقة أكثر الأمراء وتمسكهم بالسياسات الخرقاء (ف) . ### | 37 - # إصرار أكثر الأمراء على الاستبداد عنادا واستكبارا (ف) . ### | 38 - # انغماس الأمراء في الترف ودواعي الشهوات، وبعدهم عن المفاخرة # PageV00P000 # بغير الفخفخة والمال (ف) . ### | 39 - # حصر الاهتمام السياسي بالجباية والجندية فقط (1) . # النوع الثالث: الأسباب الأخلاقية ### | 40 - # الاستغراق في الجهل والارتياح إليه (1) . ### | 41 - # استيلاء اليأس من اللحاق بالفائزين في الدين والدنيا (ف) . ### | 42 - # الإخلاد إلى الخمول ترويحا للنفس (ف) . ### | 43 - # فقد التناصح وترك البغض في الله (1) . ### | 44 - # انحلال الرابطة الدينية الاحتسابية (1) . ### | 45 - # فساد التعليم والوعظ والخطابة والإرشاد (ف) . ### | 46 - # فقد التربية ms080 الدينية والأخلاقية (1) . ### | 47 - # فقد قوة الجمعيات وثمرة دوام قيامها (1) . ### | 48 - # فقد القوة المالية الاشتراكية بسبب التهاون في الزكاة (1) . ### | 49 - # ترك الأعمال بسبب ضعف الآمال (ف) . ### | 50 - # إهمال طلب الحقوق العامة جبنا وخوفا من التخاذل (ف) . ### | 51 - # غلبة التخلق بالتملق تزلفا وصغارا. ### | 52 - # تفضيل الإرتزاق بالجندية والخدم الأميرية على الصنائع (ف) . ### | 53 - # توهم أن علم الدين قائم في العمائم وفي كل ما سطر في كتاب (ف) . ### | 54 - # معاداة العلوم العالية ارتياحا للجهالة والسفالة (1) . ### | 55 - # التباعد عن المكاشفات والمفاوضات في الشئون العامة (1) . ### | 56 - # الذهول عن تطرق الشرك وشآمته (1) . # PageV00P000 # ثم قال السيد الفراتي: هذه هي خلاصات أسباب الفتور التي أوردها إخوان ~~الجمعية وليس فيها مكررات كما يظن. وحيث كان للخلل الموجود في أصول إدارة ~~الحكومات الإسلامية دخل مهم في توليد الفتور العام، فإني أضيف إلى الأسباب ~~التي سبق البحث فيها من قبل الإخوان الكرام الأسباب الآتية، أعددها من قبيل ~~رؤوس مسائل فقط، حيث لو أردت تفصيلها وتشريحها لطال الأمر ولخرجنا عن صدد ~~محفلنا هذا. # والأسباب التي سأذكرها هي أصول موارد الخلل في السياسة والإدارة ~~الجاريتين في المملكة العثمانية، التي هي أعظم دولة يهم شأنها عامة ~~المسلمين. وقد جاءها اكثر هذا الخلل في الستين سنة الأخيرة، أي بعد أن ~~اندفعت لتنظيم أمورها، فعطلت أصولها القديمة ولم تحسن التقليد ولا الإبداع، ~~فتشتت حالها ولا سيما في العشرين سنة الأخيرة التي ضاع فيها ثلثا المملكة؛ ~~وخرب الثلث الباقي وأشرف على الضياع لفقد الرجال وصرف السلطان قوة سلطنته ~~كلها في سبيل حفظ ذاته الشريفة وسبيل الإصرار على سياسة الانفراد. # وأما سائر الممالك والإمارات الإسلامية فلا تخلو أيضا # PageV01P162 # من بعض هذه الأصول، كما أن فيها أحوالا أخرى أضر وأمر يطول بيانها ~~واستقصاؤها، والأسباب المراد إلحاقها ملخصة هي: # الأسباب السياسية والإدارية العثمانيتين: ### | 57 - # توحيد قوانين الإدارة والعقوبات، مع اختلاف طبائع أطراف المملكة واختلاف ~~الأهالي في الأجناس والعادات (1) . ### | 58 - # تنويع القوانين الحقوقية، وتشويش القضاء في الأحوال المتماثلة (1) . ### | 59 - # التمسك بأصول الإدارة المركزية مع بعد الأطراف عن العاصمة وعدم وقوف ~~رؤساء ms081 الإدارة في المركز على أحوال تلك الأطراف المتباعدة وخصائص سكانها ~~(ف) . ### | 60 - # التزام أصول عدم توجيه المسئولية على رؤساء الإدارة والولاة عن أعمالهم ~~مطلقا (ف) . # PageV00P000 ### | 61 - # تشويش الإدارة بعدم الالتفات لتوحيد الأخلاق والمسالك في الوزراء والولاة ~~والقواد، مع اضطرار الدولة لاتخاذهم من جميع الأجناس والأقوام الموجودين في ~~المملكة بقصد استرضاء الكل (ف) . ### | 62 - # التزام المخالفة الجنسية في استخدام العمال بقصد تعسر التفاهم بين العمال ~~والأهالي، وتعذر الامتزاج بينهم لتأمن الإدارة غائلة الاتفاق عليها (ف) . ### | 63 - # التزام تفويض الإمارات المختصة عادة ببعض البيوت، كإمارة مكة وإمارات ~~العشائر الضخمة في الحجاز والعراق والفرات لمن لا يحسن إدارتها، لأجل أن ~~يكون الأمير منفورا ممن ولي عليهم مكروها عندهم فلا يتفقون معه ضد الدولة ~~(1) . ### | 64 - # التزام تولية بعض المناصب المختصة ببعض الأصناف كالمشيخة الإسلامية والسر ~~عسكرية لمن يكون منفورا في صنفه من العلماء أو الجند، لأجل أن لا يتفق ~~الرئيس والمرؤس على أمر مهم (ف) . ### | 65 - # التمييز الفاحش بين أجناس الرعية في الغنم والغرم. # PageV00P000 ### | 66 - # التساهل في انتخاب العمال والمأمورين والإكثار منهم بغير لزوم، وإنما ~~بقصد إعاشة العشيرة والمحاسيب والمتملقين الملحين. ### | 67 - # التسامح في المكافأة والمجازاة تهاونا بشؤون الإدارة حسنت أم ساءت، كأن ~~ليس للملك صاحب. ### | 68 - # عدم الالتفات لرعاية المقتضيات الدينية كوضع أنظمة مصادمة للشرع بدون ~~لزوم سياسي مهم، أو مع اللزوم ولكن بدون اعتناء بتفهيمه للأمة والاعتذار ~~لها جلبا للقناعة والرضا. ### | 69 - # تضييع حرمة الشرع وقوة القوانين بالتزام عدم اتباعها وتنفيذها، والإصرار ~~على أن تكون الإدارة نظامية اسما إرادية فعلا. ### | 70 - # التهاون في مجاراة عادات الأهالي وأخلاقهم ومصالحهم استجلابا لمحبتهم ~~القلبية فوق طاعتهم الظاهرية. ### | 71 - # الغفلة أو التغافل عن مقتضيات الزمان ومباراة الجيران وترقية السكان بسبب ~~عدم الاهتمام بالمستقبل. ### | 72 - # الضغط على الأفكار المتنبهة بقصد منع نموها وسموها وإطلاعها على مجاري ~~الإدارة، محاسنها ومعايبها، وإن كان الضغط على النمو الطبيعي عبثا محضا، ~~ويتأتى منه الإغراء والتحفز وينتج عنه الحقد على الإدارة. # PageV00P000 ### | 73 - # تمييز الأسافل أصلا وأخلاقا علما وتحكيمهم في الرقاب الحرة وتسليطهم ms082 على ~~أصحاب المزايا، وهذا التهاون بشأن ذوي الشؤون يستلزم تسفل الإدارة. ### | 74 - # إدارة بيت المال إدارة إطلاق بدون مراقبة، وجزاف بدون موازنة، وإسراف ~~بدون كتاب، وإتلاف بدون حساب، حتى صارت المملكة مديونة للأجانب بديون ثقيلة ~~توفى بلادا ورقابا ودماء وحقوقا. ### | 75 - # إدارة المصالح المهمة السياسية والملكية بدون استشارة الرعية ولا قبول ~~مناقشة فيها، وإن كانت إدارة مشهودة المضرة في كل حركة وسكون. ### | 76 - # إدارة الملك إدارة مداراة وإسكات للمطلعين على معايبها حذرا من أن ينفثوا ~~ما في الصدور فتعلم العامة حقائق الأمور، والعامة من إذا علموا قالوا وإذا ~~قالوا فعلوا وهناك الطامة الكبرى. ### | 77 - # إدارة السياسة الخارجية بالتزلف والإرضاء والمحاباة بالحقوق والرشوة ~~بالامتيازات والنقود، تبذل الإدارة ذلك للجيران بمقابلة تعاميهم عن المشاهد ~~المؤلمة التخريبية، وصبرهم على الروائح المنتنة الإدارية، ولولا تلك ~~المشاهد والروائح لما وجد الجيران وسيلة للضغط مع ما ألقاه الله بينهم من ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. # ثم قال السيد الفراتي: أن بعض هذه الأسباب التي ذكرتها، هي أمراض قديمة ~~ملازمة لإدارة الحكومة العثمانية منذ نشأتها أو منذ قرون، وبعضها أعراض ~~وقتية تزول بزوال محدثها، وربما # PageV00P000 # كان يمكن الصبر عليها لولا أن الخطر قرب والعياذ بالله من القلب كما أشار ~~إليه الأستاذ الرئيس في خطابه الأول. # ثم قال: ويلتحق بهذه الأسباب بعض أسباب شتى أفصلها بعد تعدادها إلحاقا ~~بالخلاصات. وهي: # أسباب شتى: ### | 78 - # عدم تطابق الأخلاق بين الرعية والرعاة. ### | 79 - # الغرارة أي الغفلة عن ترتيب شؤون الحياة. ### | 80 - # الغرارة عن لزوم توزيع الأعمال والأوقات. ### | 81 - # الغرارة عن الإذعان للإتقان. ### | 82 - # الغرارة عن موازنة القوة والاستعداد. ### | 83 - # ترك الاعتناء بتعليم النساء. ### | 84 - # عدم الالتفات للكفاءة في الزوجات. ### | 85 - # الخور في الطبيعة، أي سقوط الهمة. ### | 86 - # الاعتزال في الحياة والتواكل. # PageV00P000 # أما عدم التطابق في الأخلاق بين الرعاة والرعية، فله شان عظيم كما يظهر ~~للمتأمل المدقق في تواريخ الأمم من أن أعاظم الملوك الموفقين والقواد ~~الفاتحين كالإسكندرين، وعمر وصلاح الدين رضي الله عنهما، وجنكيز والفاتح ~~وشرلكان الألماني وبطرس الكبير وبونابرت، لم ms083 يفوزوا في تلك العظائم إلا ~~بالعزائم الصادقة مع مصادقة تطابقهم مع رعاياهم وجيوشهم في الأخلاق ~~والمشارب تطابقا تاما، بحيث كانوا رؤوسا حقا لتلك الأجسام لا كرأس جمل على ~~جسم ثور أو بالعكس. وهذا التطابق وحده يجعل الأمة تعتبر رئيسها رأسها، ~~فتتفانى دون حفظه ودون حكم نفسها بنفسها، حيث لا يكون لها في غير ذلك فلاح ~~أبدا كما قال الحكيم المتنبي: # (إنما الناس بالملوك وهل ... يفلح عرب ملوكها عجم) # ومما لا خلاف فيه أن من أهم حكمة الحكومات أن تتخلق بأخلاق الرعية، وتتحد ~~معها في عوائدها ومشاربها ولو في العوائد غير المستحسنة في ذاتها. ولا أقل ~~من أن تجاري الحكومة الأجنبية أخلاق الرعية ولو تكلفا وقتيا، إلى أن توفق ~~إجتذابهم إلى لغتها فأخلاقها فجنسيتها، كما فعل الأمويون والعباسيون ~~والموحدون، وكما تهتم به الدول المستعمرة الإفرنجية في هذا العهد، وكما فعل ~~جميع # PageV01P168 # الأعاجم الذين قامت لهم دول في الإسلامية كآل بويه والسلجوقيين ~~والأيوبيين والغوريين والأمراء الجراكسة وآل محمد علي، فإنهم ما لبثوا أن ~~استعربوا وتخلقوا بأخلاق العرب، وامتزجوا بهم وصاروا جزءا منهم. وكذلك ~~المغول التاتار صاروا فرسا وهنودا، فلم يشذ في هذا الباب غير المغول ~~الأتراك أي العثمانيين، فإنهم بالعكس يفتخرون بمحافظتهم على غيرية رعاياهم ~~لهم، فلم يسعوا باستتراكهم كما أنهم لم يقبلوا أن يستعربوا، والمتأخرون ~~منهم قبلوا أن يتفرنسوا أو يتألمنوا. ولا يعقل لذلك سبب غير شديد بغضهم ~~للعرب كما يستدل عليه من أقوالهم التي تجري على ألسنتهم مجرى الأمثال في حق ~~العرب: # كإطلاقهم على عرب الحجاز (ديلنجي عرب) أي العرب الشحاذين. # وإطلاقهم على المصريين (كور فلاح) بمعنى الفلاحين الأجلاف. # و (عرب جنكنه سي) أي نور العرب. و (قبطي عرب) أي النور المصريين. # وقولهم عن عرب سوريا: (نه شامك شكري ونه # PageV01P169 # عربك يوزي) أي دع الشام وسكرياتها ولا تر وجوه العرب. # وتعبيرهم بلفظه (عرب) عن الرقيق وعن كل حيوان اسود. # وقولهم بلفظه (عرب) عن الرقيق وعن كل حيوان أسود. # وقولهم (بس عرب) أي عربي قذر. و (عرب عقلي) أي عقل عربي ms084 أي صغير. و (عرب ~~طبيعتي) أي ذوق عربي أي فاسد. و (عرب جكه سي) أي حنك عربي أي كثير الهزر. # وقولهم (بوني يبارسه م عرب أوله يم) أي أن فعلت هذا أكون من العرب. # وقولهم (نرده عرب نرده طنبوره) أي أين العرب من الطنبور. # هذا والعرب لا يقابلونهم على كل ذلك سوى بكلمتين الأولى هي قول العرب ~~فيهم: (ثلاث خلقن للجور والفساد: القمل والترك والجراد) . # والكلمة الثانية تسميتهم بالأراوم كناية عن الريبة في إسلاميتهم، وسبب ~~الريبة أن الأتراك لم يخدموا الإسلامية بغير إقامة بعض جوامع لولا حظ نفوس ~~ملوكهم بذكر أسمائهم على منابرها لم تقم # PageV01P170 # وأنهم أتوا الإسلام بالطاعة العمياء للكبراء، وبخشية الفلك أبي المصائب، ~~وباحترام مواقد النيران (أوجاقات) فزادوا بذلك بلات في طين الخرافات. # ثم قال السيد الفراتي: أرجو المعذرة من المولى الرومي لأنه يعلم أني ما ~~أفرطت، ولولا الضرورة الدينية التي يعلمها لما صرحت، والناصح الغيور من ~~يبكيك لا من يضحكك. # قال الأستاذ الرئيس: أن أخانا السيد الفراتي خطيب قوال وفارس جوال، ~~والأبحاث التي أشار إليها ذات ذيول طوال مع أن اليوم قد قرب وقت الزوال، ~~فموعدنا غد إن شاء المولى المتعال. # PageV01P171 # فارغ # PageV01P172 ### | الاجتماع الثامن ### | يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة # 1316 # في صباح ذلك اليوم انتظمت الجمعية، وقرأ البليغ الإسكندري ضبط اليوم ~~السابق على العادة المألوفة، وأذن الأستاذ الرئيس للسيد الفراتي بإتمام ~~بحثه. # فقال السيد الفراتي: أن من اعظم أسباب الفتور في المسلمين غرارتهم، أي ~~عدم معرفتهم كيف يحصل انتظام المعيشة لأنه ليس فيهم من يرشدهم إلى شيء من ~~ذلك، بخلاف الأمم السائرة فإن من وظائف خدمة الأديان عندهم رفع الغرارة، أي ~~الإرشاد إلى الحكمة في شؤون الحياة. وأما الأقوام الذين ليس عندهم خدمة ~~دين، او الشر أذم الذين لا ينتمون لخدمة دينهم، فمستغنون عن ذلك بوسائل ~~أخرى من نحو: التربية المدرسية، والأخذ من كتب الأخلاق، وكتب تدبير المنزل، ~~ومفصلات فن الاقتصاد، والتواريخ المتقنة، والرومانات # PageV01P173 # الأخلاقية والتمثيلية، أي كتب الحكايات الوضعية، ونحو ذلك مما هو ms085 مفقود ~~بالكلية عند غير بعض خاصة المسلمين. # على أن الخاصة السالمين من الغرارة علما، لا يقوون غالبا على العمل بما ~~يعلمون لأسباب شتى، منها بل أعظمها جهالة النساء المفسدة للنشأة الأولى وقت ~~الطفولة والصبوة ومنها عدم التمرن والألفة، ومنها عدم مساعدة الظروف ~~المحيطة بهم للاستمرار على نظام مخصوص في معيشتهم. # ثم قال: لا أرى لزوما للاستدلال على استيلاء الغرارة علينا لأنها مدركة ~~مسلمة عند الكافة، وهي ما ينطوي تحت أجوبتنا عند التساؤل عن هذه الحال ~~بقولنا: أن المسلم مصاب، وأن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، وإن أكثر أهل الجنة ~~البله، وإن حسب آدم ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، وإن غيرنا مستدرجون، وأنهم ~~كلاب الدنيا، وأنهم أعطوا ظاهرا من الحياة الدنيا، وأنهم في غفلة من الموت، ~~وغفلة عن أن الدنيا شاخت. # ثم قال: فمن الغرارة في طبقاتنا كافة من الملوك إلى الصعاليك أننا لا نرى ~~ضرورة للإتقان في الأمور، وقاعدتنا أن بعض الشيء # PageV01P174 # يغني عن كله. والحق أن الإتقان ضروري للنجاح في أي أمر كان، بحيث إذا لم ~~يكن مستطاعا في أمر، يلزم ويتحتم ترك ذلك الأمر كليا والتحول عنه إلى غيره ~~من المستطاع فيه إيفاء حق الإتقان. # ومن (الغرارة) وهمنا أن شؤون الحياة سهلة بسيطة، فنظن إن العلم بالشيء ~~إجمالا ونظريا بدون تمرن عليه يكفي للعمل به، فيقدم أحدنا مثلا على الإمارة ~~بمجرد نظره في نفسه أنه عاقل مدبر قبل أن يعرف ما هي الإدارة علما، ويتمرن ~~عليها عملا، ويكتسب فيها شهرة تعينه على القيام بها. # ويقدم الآخر منا على الاحتراف مثلا ببيع الماء للشرب، بمجرد ظنه أن هذه ~~الحرفة عبارة عن حملة قربة وقدحا وتعرضه للناس في مجتمعاتهم، ولا يرى لزوما ~~لتقلي وسائل إتقان ذلك عمن يرشده مثلا إلى ضرورة النظافة له في قربته وقدحه ~~وظواهر هيئته ولباسه، وكيف يحفظ برودة مائة وكيف يستبرقه ويوهم بصفائه ~~ليشهى به، ومتى يغلب العطش ليقصد المجتمعات، ويتحرى منها الخالية له عن ~~المزاحمين، وكيف يتزلف للناس ويوهم بلسان حالة انه محترف بالاسقاء كفا ms086 ~~لنفسه عن السؤال. إلى نحو هذا من دقائق إتقان # PageV01P175 # الصنعة المتوقف عليها نجاحه فيها، وإن كانت صنعته بسيطة حقيرة. # ومن (الغرارة) ظننا أن الكياسة في " أدري وأقدر " جوابا للنفس في مقاصد ~~كثيرة شتى. والحقيقة أن الكياسة لا تتحقق في الإنسان إلا في فن واحد فقط ~~يتولع فيه فيتقنه حق الإتقان في كما قال تعالى: {وما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه} . فالعاقل من يتخصص بعمل واحد ثم يجاوب نفسه عن كل شيء غيره ~~" لا أدري ولا أقدر "، لأن الأول يتكلف أعمالا لا يحسنها فتفسد عليه كلها، ~~والثاني يتحرى لكل عمل لازم له من يحسنه فتنتظم أموره ويهنأ عيشة. # فالملك مثلا وظيفته النظارة العامة وانتخاب وزير يثق بأخلاقه، ويعتمد على ~~خبرته في انتخاب بقية الوزراء والسيطرة عليهم في الكليات. # فالملك مهما كان عاقلا حكيما لا يقدر على إتقان أكثر من وظيفته المذكورة. # فالملك إذا تغرر وتنزل للتداخل في أمور السياسة أو الإدارة الملكية أو ~~الأمور الحربية أو القضاء، فلا شك انه يكون كرب بيت يداخل طباخه في مهنته ~~ويشارك بستانية في صنعته، فيفسد # PageV01P176 # طعامه ويبور بستانه، فيشتكي ولا يدري أن آفته من نفسه. # ومن " الغرارة " اللوث في الأمور، أي تركها بلا ترتيب؛ والحكمة قاضية على ~~كل إنسان ولو كان زاهدا منفردا في كهف جبل، فضلا عن سائس رعية أو صاحب ~~عائلة، أن يتخذ له ترتيبا في شؤونه وذلك بأن يرتب: # أولا: أوقاته حسب أشغاله، ويرتب أشغاله حسب أوقاته. والشغل الذي لا يجد ~~له وقتا كافيا يهمله بالكلية أو يفوضه لمن يفي حق القيام به عنه. # ثانيا - يرتب نفقاته على نسبة المضمون من كسبه، فإن ضاق دخله عن المبرم ~~من خرجه يغير طراز معيشته، ولو بالتحول مثلا من بلده الغالية الأسعار أو ~~التي مظهره فيها يمنعه من الاقتصاد إلى حيث يمكنه ترتيبها على نسبة كسبه. # ثالثا - يرتب تقليل غائلة عائلته عند أول فرصة؛ ملاحظا إراحة نفسه من ~~الكد في دور العجز من حياته، فيربي أولاده ذكورا وإناثا على صورة أن كلا ms087 ~~منهم متى بلغ أشده يمكنه أن يستغني عنه بنفسه، معتمدا على كسبه الذاتي ولو ~~في غير وطنه. # رابعا - يرتب أموره الأدبية على نسبة حالته المادية، أعني # PageV01P177 # يرتب أموره الدينية ولذاته الفكرية وشهواته الجسمية ترتيبا حسنا، لا يحمل ~~نفسه منها ما لا تطيق الاستمرار عليه. # خامسا - يرتب ميله الطبيعي للمجد والتعالي على حسب استعداده الحقيقي. فلا ~~يترك نفسه تتطاول إلى مقامات ليس من شأن قوته المادية أن يبلغها إلا بمحض ~~الحظ أي الصدف. # وخلاصة البحث أن الغرارة من أقوى أسباب الفتور، وقد أطلت في وصفها ~~وإيضاحها ليتأكد عند السادة الإخوان أن إزالة أسباب الفتور الشخصي ليس من ~~عقيمات الأمور. # ثم قال: أن لانحلال أخلاقنا سببا مهما آخر أيضا يتعلق بالنساء، وهو تركهن ~~جاهلات على خلاف ما كان عليه أسلافنا، حيث كان يوجد في نسائنا كأم المؤمنين ~~عائشة رضي الله عنها التي أخذنا عنها نصف علوم ديننا؛ وكمئات من الصحابيات ~~والتابعيات راويات الحديث والمتفقهات، فضلا عن ألوف من العالمات والشاعرات ~~اللاتي في وجودهن في العهد الأول بدون إنكار، حجة دامغة ترغم أنف غيرة ~~الذين يزعمون أن جهل النساء أحفظ لعفتهن؛ فضلا عن أنه لا يقوم لهم برهان ~~على ما يتوهمون، حتى يصح الحكم # PageV01P178 # بأن العلم يدعو للفجور وان الجهل يدعو للعفة؛ نعم ربما كانت العالمة أقدر ~~على الفجور من الجاهلة، ولكن الجاهلة أجسر عليه من العالمة. # ثم أن ضرر جهل النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين والبنات أمر واضح غني ~~عن البيان، إنما سوء تأثيره على أخلاق الأزواج فيه بعض خفاء يستلزم البحث، ~~فأقول: # أن الرجال ميالون بالطبع إلى زوجاتهم، والمرأة أقدر مطلقا من الرجل في ~~ميدان التجاذب للأخلاق، ولا يتوهم عكس ذلك إلا من استحكم فيه تغرير زوجته ~~له بأنها ضعيفة مسكينة مسخرة لإرادته. # حال كون حقيقة الأمر أنها قابضة على زمامه تسوقه كيف شاءت، وبتعبير آخر ~~يغره أنه أمامها وهي تتبعه، فيظن أنه قائد لها، والحقيقة التي يراها كل ~~الناس من حولهما دونه أنها إنما تمشي وراءه بصفة سائق لا ms088 تابع. # وما قدر قدر دهاء النساء مثل الشريعة الإسلامية، حيث أمرت بالحجب والحجر ~~الشرعيين حصرا لسلطتهن وتفرغهن لتدبير المنزل، فأمرت باحتجابهن احتجابا ~~محدودا بعدم إبداء الزينة للرجال الأجانب، وعدم الاجتماع بهم في خلوة أو ~~لغير لزوم. وأمرت # PageV01P179 # باستقرارهن في البيوت إلا لحاجة. ولا شك أنه ما وراء هذه الحدود إلا فتح ~~باب الفجور، وما هذا التحديد إلا مرحمة بالرجال وتوزيعا لوظائف الحياة. # والصينيون، وهم أقدم البشر مدنية، التزموا تصغير أرجل البنات بالضغط ~~عليها لأجل أن يعسر عليهن المشي والسعي في إفساد الحياة الشريفة. ذاك الشرف ~~الذي هو من أهم مقاصد الشرقيين، بخلاف الغربيين الذين لا يهمهم غير التوسع ~~في الماديات والملذات. # وقد أمرت الشريعة برعاية الكفاءة في الزوج، وذلك أيضا مرحمة بالرجال، ~~وأكثر الأئمة المجتهدين أغفلوا لزوم تحري الكفاءة في جانب المرأة للرجل، ~~وأوجبوا أن يكون هو فقط كفؤا لها كي لا تهلكه بفخارها وتحكمها. على أن ~~لرعاية الكفاءة في المرأة للرجل أيضا موجبات عائلية مهمة منها: التخير ~~للاستسلام والتخير لتربية النسل، وللتساهل في ذلك دخل عظيم في انحلال ~~الأخلاق في المدن. لأن التزوج بمجهولات الأصول أو الأخلاق، أو بسافلات ~~الطباع والعادات، أو بالغريبات جنسا أو الرقيقات، مفاسد شتى. لأن الرجل ~~ينجر طوعا أو كرها لأخلاق زوجته، فإن كانت سافلة يتسفل لامحالة، وإن كانت ~~غريبة بغضته في أهله وقومه، وجرته # PageV01P180 # إلى موالاة قومها والتخلق بأخلاقهم. ولا شك أن هذه المفسدة تستحكم في ~~الأولاد أكثر من الأزواج. # وربما كان أكبر مسبب لانحلال أخلاق الأمراء من المسلمين أتاهم من جهة ~~الأمهات والزوجات السافلات، إذ كيف يرجى من امرأة نشأت سافلة رقيقة ذليلة ~~أن تترك بعلها، وهو في الغالب أطوع لها من خلخالها، أن يجيب داعي شهامة أو ~~مروءة. أو أن تغرس في رؤوس صبيتها أميالا سامية، أو تحمسهم على أعمال خطرة، ~~كلا لا تفعل ذلك أبدا. إنما تفعله الشريفات اللاتي تجدن في أنفسهن عزة ~~وشهامة وهذا هو سر أن أعاظم الرجال لا يوجدون غالبا إلا من أبناء وبعول ~~نسوة شريفات أو بيوت ms089 قروية. وهذا هو سبب حرص أمراء العرب والإفرنج على شرف ~~الزوجات. # ثم قال السيد الفراتي أيضا: وإني أرى أن هذا الفتور بالغ في غالب أهل ~~الطبقة العليا من الأمة ولا سيما في الشيوخ مرتبة (الخور # PageV01P181 # في الطبيعة) لأننا نجدهم: ينتقصون أنفسهم في كل شيء، ويتقاصرون عن كل ~~عمل، ويحجمون عن كل أقدام، ويتوقعون الخيبة في كل أمل. # ومن اقبح آثار هذا الخور نظرهم الكمال في الأجانب كما ينظر الصبيان ~~الكمال في آبائهم ومعلميهم، فيندفعون لتقليد الأجانب واتباعهم فيما يظنونه ~~رقة وظرافة وتمدنا. وينخدعون لهم فيما يغشونهم به: كاستحسان ترك التصلب في ~~الدين والافتخار به، فمنهن من يستحي من الصلاة في غير الخلوات. وكإهمال ~~التمسك بالعادات القومية، فمنهم من يستحي من عمامته. وكالبعد عن الاعتزاز ~~بالعشيرة كان قومهم من سقط البشر. وكنبذ التحزب للرأي كأنهم خلقوا قاصرين. ~~وكالغفلة عن إيثار الأقربين في المنافع. وكالقعود عن التناصر والتزاحم ~~بينهم كي لا يشم من ذلك رائحة التعصب الديني وإن كان على الحق. إلى نحو ذلك ~~من الخصال الذميمة في أهل الخور من المسلمين، الحميدة في الأجانب، لأن ~~الأجانب يموهون عليهم بأنهم يحسنون التحلي بها دونهم. # وهؤلاء الواهنة يحق لهم أن تشق عليهم مفارقة حالات ألفوها عمرهم، كما قد ~~يألف الجسم السقم فلا تلذ له العافية، فإنهم منذ # PageV01P182 # نعومة أظفارهم تعلموا الأدب مع الكبير، يقبلون يده أو ذيله أو رجله، ~~وألفوا الاحترام فلا يدوسون الكبير ولو داس رقابهم. وألفوا الثبات ثبات ~~الأوتاد تحت المطارق. وألفوا الانقياد ولو إلى المهالك. وألفوا أن تكون ~~وظيفتهم في الحياة دون النبات، ذاك يتطاول وهم يتقاصرون، ذاك يطلب السماء ~~وهم يطلبون الأرض كأنهم للموت مشتاقون. # وهكذا طول الألفة على هذه الخصال قلب في فكرهم الحقائق، وجعل عندهم ~~لمخازي مفاخر؛ فصاروا يسمون التصاغر أدبا، والتذلل لطفا، والتملق فصاحة، ~~واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعا، والرضاء بالظلم ~~طاعة. كما يسمون دعوى الاستحقاق غرورا، والخروج عن الشأن الذاتي فضولا، ومد ~~النظر إلى الغد أملا، والإقدام تهورا، والحمية حماقة، والشهامة شراسة، ms090 ~~وحرية القول وقاحة، وحب الوطن جنونا. # ثم قال: وليعلم أن الناشئة الذين تعقد الأمة آمالها بأحلامهم عسى يصدق ~~منها شيء، وتتعلق الأوطان بحبال همتهم عساهم يأتون فعلا مذكورا، هم أولئك ~~الشباب ومن في حكمهم المحمديون المهذبون، الذين يقال فيهم أن شباب رأي ~~القوم عند شبابهم الذين يفتخرون # PageV01P183 # بدينهم فيحرصون على القيام بمبانيه الأساسية نحو الصلاة والصوم، ويتجنبون ~~مناهيه الأصلية نحو الميسر والمسكرات. الذين لا يقصرون بناء قصور الفخر على ~~عظام نخرها الدهر، ولا يرضون أن يكونوا حلقة ساقطة بين الأسلاف والإخلاف، ~~الذين يعلمون انهم خلقوا أحرارا فيأبون الذل والأسار. الذين يودون أن ~~يموتوا كراما ولا يحيون لئاما، الذين يجهدون أن ينالوا حياة رضية، حياة قوم ~~كل فرد منهم سلطان مستقل في شؤونه لا يحكمه غير الدين، وشريك أمين لقومه ~~يقاسمهم ويقاسمونه الشقاء والهناء، وولد بار بوطنه لا يبخل عليه بجزء طفيف ~~من فكره ووقته وماله. الذين يحبون وطنهم حب من يعلم أنه خلق من ترابه. ~~الذين يعشقون الإنسانية ويعلمون أن البشرية هي العلم والبهيمية هي الجهالة. ~~الذين يعتبرون أن خير الناس أنفعهم للناس. الذين يعرفون أن القنوط وباء ~~الآمال والتردد وباء الأعمال. الذين يفقهون أن القضاء والقدر هما السعي ~~والعمل. الذين يوقنون أن كل ما على الأرض من أثر هو من عمل أمثالهم البشر، ~~فلا يتخيلون إلا المقدرة ولا يتوقعون من الأقدار إلا خيرا. # وأما الناشئة المتفرنجة فلا خير فيهم لأنفسهم فضلا عن أن # PageV01P184 # ينفعوا أقوامهم وأوطانهم شيئا وذلك لأنهم لا خلاق لهم، تتجاذبهم الأهواء ~~كيف شاءت، لا يتبعون مسلكا ولا يسيرون على ناموس مطرد، لأنهم يحكمون الحكمة ~~فيفتخرون بدينهم ولكن لا يعملون به تهاونا وكسلا. ويرون غيرهم من الأمم ~~يتباهون بأقوامهم ويستحسنون عاداتهم ومميزاتهم فيميلون لمناظرتهم، ولكن لا ~~يقوون على ترك التفرنج كأنهم خلقوا اتباعا. ويجدون الناس يعشقون أوطانهم ~~فيندفعون للتشبه بهم في التشبيب والإحساس فقط، دون التشبث بالأعمال التي ~~يستوجبها الحب الصادق. # والحاصل أن شؤون الناشئة المتفرنجة أيضا لا تخرج عن تذبذب وتلون ونفاق، ~~يجمعها وصف: " لا خلاق ms091 لهم ". والواهنة خير منهم، متمسكون بالدين ولو رياء. ~~وبالطاعة ولو عمياء، على انه يوجد # PageV01P185 # في المتفرنجة أفراد غيورون كالراسخين من أحرار الأتراك، الملتهبين غيره ~~تقتضي احترام مزيتهم. # ثم قال السيد الفراتي: أن الخور المبحوث فيه علة معدية تسري من الشيوخ ~~إلى الشباب ومن الطبقة العليا إلى العامة. وليت الشيوخ والكبراء يرضون بما ~~كتبه الله عليهم من الذلة والمسكنة، والخمول وسقوط الهمة، والدناءة ~~والاستسلام، فيتركوا أهل النشأة الجديدة وشأنهم، لا يستهزؤن ولا يعطلون، ~~ولا يسفهون ولا شبطون. وما أظنهم بفاعلين ذلك أبدا إلا أن تتصدى لهم جرائد ~~مخصوصة تقابلهم باللوم والتبكيت، وتسلط عليهم أقلام الأدباء والسنة ~~الشعراء، بوضع أهاجي وأناشيد بعبائر بسيطة محلاة بنكت مضحكة لكي تنتشر حتى ~~على السنة العامة. وبمثل هذا التدبير تثور حرب أدبية بين الناشئة والواهنة، ~~لا تلبث أن تنتهي بانكسار الفئة الثانية: أولئك البائسين الفاشلين، ~~المتواكلين، المتقاعسين، المتخاذلين، المتشاكسين، العاجزين عن كل شيء إلا ~~التعطيل. # ومن راجع تواريخ الأمم التي استرجعت نشأتها والدول التي جددت عصبيتها، ~~يجد من حكمائها ونجبائها مثل حسان قريش وكميت العباسيين، ولوثر الألمانيين ~~وفولتر الفرنساويين، قد تغلبوا على # PageV01P186 # الفكر الواهن وأنصاره من الأشراف والشيوخ وأهل العناد والفساد، بحمل لواء ~~الناشئة وإثارة حرب أدبية حماسية بين الفئتين. على أننا نحن تكفينا الضوضاء ~~ولا يحتاج قط للفوضى، لأن واهنتنا أضعف من أن تحوجنا أن ننتظر أم حسان تلد ~~حسانا، ورب حيلة أنفع من قبيلة. ~~(19234174168242131124111849984774240433321 ~~41776687539342334354293484722642554424248221307 ~~5587532288935745190505334776624552438924244229 259441026111810149775) ~~وهذا أنجع دواء والله ولي النيات. # ثم ختم السيد الفراتي كلامه بقوله: هذا ما سنح لي في هذا المرام وقام ~~وتبادل مع الفاضل الشامي والبليغ الإسكندري المقام. # قال الأستاذ الرئيس: إن مباحث الجمعية قد استوفت حقها، وكفانا السيد ~~الفراتي تلخيص أسباب الفتور منها، ولا أرى لزوما لتلخيص بقية المباحث ~~الدينية. # وقد أعطاني أخونا المدقق التركي رئيس لجنة القانون (السانحة) التي وضعتها ~~اللجنة، مطبوعة في نسخ على عدد الإخوان لتوزع عليهم، فيطالعها كل منهم ~~ويدققها قبل وضعها في اجتماعنا غدا في موقع المذاكرات، حيث يبحث فيها قضية ~~قضية ms092 بدون جزاف، # PageV01P187 # وأما اليوم فقد حل أوان الانصراف. # بادر السيد الفراتي، وفرق على كل واحد من أعضاء الجمعية نسخة من سانحة ~~القانون فأخذوها وتفرقوا. # PageV01P188 ### | الاجتماع التاسع ### | ويتبعه الاجتماع العاشر والحادي عشر ### | يوم السبت السابع والعشرين من ذي القعدة سنة # 1316 # في صباح اليوم المذكور انعقدت الجمعية وقرأ كاتبها السيد الفراتي ضبط ~~مفاوضات اليوم السابق حسب الأصول المرعية. # قال الأستاذ الرئيس: أننا نقرأ اليوم قانون الجمعية، وقد علم الإخوان من ~~مطالعة السانحة التي وضعتها اللجنة، إن هذا القانون هو الآن في حكم قانون ~~مؤقت، إلى أن تتشكل الجمعية الدائمة إن شاء الله وتزاول وظائفها. فهي تعيد ~~النظر فيه وتعتني بتطبيقه على الموجبات والتجربات، ثم تعرضه على الجمعية ~~العامة التي سيأتي ذكرها فيه، فإذا أمضته صار حينئذ قانونا راسخا. # فلنقرأ الآن قضايا القانون فقرة فقرة، حتى إذا كان لأحد الإخوان ملاحظة ~~على بعض الفقرات منه فليبدها عند قراءتها، وبعد المناقشة أما تقبل أو ترد ~~أو تعدل بالأكثرية. وعلى كل حال # PageV01P189 # تضبط المناقشة في سجل مخصوص يكون كشرح للقضايا يرجع إليه عند اللزوم. # ثم أمر الأستاذ الرئيس بقراءة سانحة القانون فقرئت، وجرت على بعض القضايا ~~وبعض الفقرات منها مناقشات، وتولى المدقق التركي رئيس اللجنة إعطاء ~~الإيضاحات اللازمة عن المقاصد التي لاحظتها اللجنة فيه، فقبل أكثر قضاياه ~~وعدل بعضها، وضبطت المناقشات على حدة. # وقد استغرقت مباحث القانون جلسة ذلك اليوم، وكذلك جلسة الاجتماع العاشر ~~المنعقد يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر، وجلسة الاجتماع الحادي عشر ~~المنعقد مساء الأحد أي ليلة الاثنين. # PageV01P190 ### | الاجتماع الثاني عشر ### | يوم الاثنين التاسع والعشرين من ذي القعدة سنة # 1316 # في صباح اليوم المذكور انتظمت الجمعية حسب معتادها. # أمر الأستاذ الرئيس بقراءة القانون الذي تقرر في الاجتماعات الثلاثة ~~السابقة متنا مجردا فقرئ وهذه صورته: ### | قانون جمعية تعليم الموحدين ### | المقدمة # قد تقرر في الجمعية المنعقدة في مكة المكرمة في ذي القعدة سنة ست عشرة ~~وثلاثمأة وألف، المسماة (جمعية أم القرى) ، النتائج الآتية: ### | 1 - # المسلمون في حالة فتور مستحكم عام. ### | 2 - # يجب تدارك ms093 هذا الفتور سريعا، وإلا فتنحل عصبيتهم كليا. ### | 3 - # سبب الفتور تهاون الحكام، ثم العلماء، ثم الأمراء. # PageV01P191 ### | 4 - # جرثومة الداء الجهل المطلق. ### | 5 - # أضر فروع الجهل: الجهل في الدين. ### | 6 - # الدواء هو: أولا تنوير الأفكار بالتعليم، ثانيا إيجاد شوق للترقي في رؤوس ~~الناشئة. ### | 7 - # وسيلة المداواة عقد الجمعيات التعليمية القانونية. ### | 8 - # المكلفون بالتدبير هم حكماء ونجباء الأمة من السراة والعلماء. ### | 9 - # الكفاءة لإزالة الفتور بالتدريج موجودة في العرب خاصة ### | 10 - # يلزم تشكيل جمعية ذات مكانه ونفوذ في دائرة القانون الآتي البيان باسم: ~~(جمعية تعليم الموحدين) . # PageV01P192 ### | الفصل الأول ### | في تشكيل الجمعية ### | ### | قضية " # 1 " # تتشكل الجمعية من مائة عضو. منهم عشرة عاملون وعشرة مستشارون وثمانون ~~فخريون، ويرتبط بالجمعية أعضاء محتسبون لا يتعين عددهم. ### | قضية " # 2 " # يجب أن يكون الأعضاء كلهم متصفين بست صفات عامة وهي: ### | 1 - # سلامة الحواس، وكون السن بين الثلاثين والستين ابتداء. ### | 2 - # الإسلامية، من أي مذهب كان من مذاهب أهل القبلة. ### | 3 - # العدالة، بحيث يكون غير متجاهر بمعصية شرعية إجماعية، ولا متلبس أو معروف ~~بخلة منافية للمروءة. ### | 4 - # المزية بعلم أو جاه أو ثروة. ### | 5 - # الكتابة بإتقان، في لغة ما ولو عامية. # PageV01P193 ### | 6 - # النشاط، بأن يكون ذا همة ونجدة وحمية. ### | ### | قضية " # 3 " # يشترط في الأعضاء العاملين والمستشارين زيادة أربع صفات على ما سبق وهي: ### | 1 - # القدرة على التكلم والكتابة بالعربية. ### | 2 - # إمكان الإقامة ثمانية أشهر في مركز الجمعية وهي ما عدا ذا الحجة ومحرما ~~وصفرا أو شهر ربيع الأول. ### | 3 - # تفرغ العاملين للحضور في نادي الجمعية أربع ساعات في كل يوم ما عدا ~~الجمعة والأعياد. ### | 4 - # تفرغ المستشارين لحضور جلسة يوم واحد في كل أسبوع. ### | قضية " # 4 " # يشترط في الأعضاء الفخريين زيادة ثلاث صفات وهي: ### | 1 - # القدرة على الكتابة في إحدى اللغات الأربع وهي العربية والتركية ~~والفارسية والأوردية. ### | 2 - # الاستعداد لمراسلة الجمعية بإحدى هذه اللغات الأربع في كل شهر مرة بمقالة ~~أو رسالة أو فصل من تأليف يقترح موضوعه من قبل الجمعية أو هو يتخيره، ~~والجمعية تستصوبه وتقرره. # PageV01P194 ### | 3 - # الأذعان ms094 لانتقادات وتنقيحات الجمعية وتصحيحها. ### | ### | قضية " # 5 " # تتشكل جمعية عامة في كل سنة مرة في أوائل ذي القعدة يدعى إليها جميع ~~الأعضاء حتى المحتسبون، فيحضرها الأعضاء العاملون مطلقا ومن شاء من ~~الباقين. ### | قضية " # 6 " # الجمعية العامة، بالمذاكرة والانتخاب الخفي والأكثرية المطلقة، تميز أولا ~~المترشحين للهيئة العاملة، ثم المترشحين للهيئة المستشارة. ### | قضية " # 7 " # الهيئتان العاملة والمستشارة تجتمعان، وبالمذاكرة وأكثرية الثلثين تميزان ~~أولا المترشحين منها للرياسة، ولنيابة الرياسة، وللكتابة الأولى، وللكتابة ~~الثانية، ولأمانة المال، ثم تنتخبان من المترشحين رئيسا لأجل سنة، ونائب ~~رئيس لأجل سنتين، وكاتبا أولا لأجل ثلاث سنين، وكاتبا ثانيا، وأمين مال ~~لأجل أربع سنين. # PageV01P195 ### | ### | قضية " # 8 " # الهيئتان العاملة والمستشارة يدققون صفات الذين يراد أن يكونوا من ~~الأعضاء الفخريين أو المحتسبين، ثم بالانتخاب الخفي والأكثرية المطلقة ~~يقبلون أو يردون. ### | قضية " # 9 " # للهيئتين العاملة والمستشارة أن يرفعوا صفة العضوية عمن يعلم وقوع حالة ~~منه تستوجب ذلك، وتتحقق خفيا، وتصدق بأكثرية الثلثين. ### | قضية # 10 " # الجمعية العامة تقوم بأربع وظائف وهي: ### | 1 - # تدقيق إجمالي في جميع الأعمال التي أجرتها الجمعية في السنة الماضية. ### | 2 - # تدقيق حساباتها الماضية. ### | 3 - # تقرير ما يلزم التشبث به من الأعمال الكبيرة في السنة المستقبلة. ### | 4 - # تقرير نفقات السنة القابلة. ### | قضية " # 11 " # المركز الرسمي للجمعية مكة المكرمة، ولها شعبات في القسطنطينية ومصر وعدن ~~وحائل والشام وتفليس وطهران وخيوه وكابل وكلكته ودهلي وسنكابور وتونس ~~ومراكش وغيرها من المواقع المناسبة. # PageV01P196 ### | قضية " # 12 " # يكون تشكيل الشعبات على نمط تشكيل الجمعية المركزية مصغرا. وتكون مرتبطة ~~تماما بالجمعية فيما عدا ماليتها وجزئيات أمورها، فإن لها الخيار أن تكون ~~مستقلة المالية والإدارة. ### | قضية " # 13 " # تتشكل الشعبات على التراخي، ويعطى للبعض المناسب الموقع منها هيئة تصلح ~~معها لأن تتخذ عند مسيس الحاجة هي المركز الأصلي. # PageV01P197 # فارغ # PageV01P198 ### | الفصل الثاني ### | في مباني الجمعية ### | ### | قضية " # 14 " # الجمعية لا تتداخل في الشؤون السياسية مطلقا فيما عدا إرشادات وإخطارات ~~بمسائل أصول التعليم وتعميمه. ### | قضية " # 15 " # ليس من شان الجمعية أن تكون تابعة أو مرتبطة بحكومة مخصوصة، على أنها ~~تقبل المعاونة أو المعاضدة ms095 من قبل السلاطين العظام والأمراء الفخام ~~المستقلين والتابعين بصفة حماة فخريين ### | قضية # 16 " # لا تنتسب الجمعية إلى مذهب أو شيعة مخصوصة من مذاهب وشيع الإسلام مطلقا. ### | قضية " # 17 " # توفق الجمعية مسلكها الديني على المشرب السلفي المعتدل، وعلى نبذ كل # PageV01P199 # زيادة وبدعة في الدين، وعلى عدم الجدال فيه إلا بالتي هي أحسن. ### | قضية " # 18 " # يكون شعار الجمعية القولي: (لا نعبد إلا الله) . وشعارها الفعلي التزام ~~(المصافحة) على وجه السنة. ووجهتها: (الغيرة على الدين قبل الشفقة على ~~المسلمين) . وأهم أعمالها (تعليم الأحداث وتهذيبهم) تراجع قضية 46 و 47 و ~~48 ### | قضية " # 19 " # أعضاء الجمعية لا يتكلفون التناصر والتعاون فيما هو ليس من مقاصد ~~الجمعية، أي التعاون بالمال أو الجاه فيما بينهم إلا لمن يصاب ويتضرر بسبب ~~الجمعية. ### | قضية " # 20 " # تتكفل الجمعية بإعاشة عدد مخصوص من أصحاب المزايا العلمية الخاصة، أو ~~العزائم الخارقة العادة، بشرط أن يكونوا مجردين لا عيال لهم أو شبيهين ~~بالمجردين. # PageV01P200 ### | الفصل الثالث ### | في مالية الجمعية ### | ### | قضية " # 21 " # نفقات الجمعية تبنى على غابة البساطة والاقتصاد وهي تسعة أنواع: ### | 1 - # إكمال كفاية الهيئة العاملة بما لا يزيد على ستين ذهبا انكليزيا لكل واحد ~~في السنة. ### | 2 - # رواتب الكتاب والمترجمين والخدم. ### | 3 - # أجره محلات المركز والشعب غير المستقلة ماليا. ### | 4 - # مصاريف البعوث المتجولة. ### | 5 - # مصاريف المطبوعات. ### | 6 - # مصاريف التحرير والتأليف. ### | 7 - # مصاريف البريد والمخابرات. ### | 8 - # كفاية المكفول أعاشتهم المذكورين في القضية (20) . ### | 9 - # المصاريف المتفرقة. ### | قضية " # 22 " # تعتمد الجمعية في الحصول على نفقاتها على جهتين فقط: النصف من ربح # PageV01P201 # مطبوعات الجمعية، أي طبع المؤلفات الآتي ذكرها في الفصل التالي من نحو ~~طبع المصحف الشريف بصورة متقنة للغاية تستوجب الاختصاص بطبعه، والنصف الآخر ~~من إعانات أصحاب الحمية والنجدة من أمراء وأغنياء الأمة وبعض الأعضاء ~~المحتسبين. ### | قضية " # 23 " # أمين المال يكون من أغنياء التجار المشاهير المقيمين في مركز الجمعية ~~ويكون من جملة الأعضاء المستشارين، ويقوم بهذه الخدمة حسبة لربه ودينه، ~~ويكون المال في يده بوجه مضمون. ### | قضية " # 24 " # أمين المال يعطي وصولات بمقبوضاته تكون مطبوعة ms096 مرقوما عليها عدد متسلسل، ~~ومرقما في جانب منها مجموع الوارد ومجموع المصروف في تلك السنة باعتبار ~~غاية الشهر العربي المنصرم. ### | قضية " # 25 " # أمين المال لا يصرف شيئا إلا بورقة صرف مطبوعة مرقما عليها عدد متسلسل ~~وموقعا عليها من القابض وكاتب الجمعية ورئيسها. # PageV01P202 ### | الفصل الرابع ### | في وظائف الجمعية ### | ### | قضية " # 26 " # الهيئتان العاملة والمستشارة بالاتفاق أو أكثرية الثلثين تعيدان النظر في ~~قانون الجمعية مرة ابتداء، ثم كل ثلاث سنين مرة، وتنظمان القوانين التي ~~تلزم؛ ويجب مطلقا أن يكون ترتيب القوانين تابعا لقواعد التروي والتدقيق ~~والتأمين. وترتبط كل قضية بشرح مفصل مسجل يرجع إليه. # ولا يصير القانون دستورا للعمل إلا بعد قراءته في الجمعية العامة السنوية ~~وقبوله. ويجوز للهيئتين عند الضرورة تقرير إجراء البعض من أحكام تلك ~~القوانين مؤقتا، ثم تعرض على الجمعية العامة الأسباب المجبرة على التعجيل. ### | قضية " # 27 " # إيقاظ فكر علماء الدين إلى الأمور الخمسة الآتية، وتنشيطهم للسعي في ~~حصولها ومساعدتهم باراءة أسهل الوسائل وأقربها وهي: ### | 1 - # تعميم القراءة والكتابة مع تسهيل تعليمها. ### | 2 - # الترغيب في العلوم والفنون النافعة التي هي من قبيل الصنائع مع تسهيل ~~تعليمها وتلقيها. # PageV01P203 ### | 3 - # تخصيص كل من المدارس والمدرسين لنوع واحد أو نوعين من العلوم والفنون ~~ليوجد في الأمة أفراد نابغون متخصصون. ### | 4 - # إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية وتسهيل تحصيلها، بحيث ~~يبقى في عمر الطالب بقية يصرفها في تحصيل الفنون النافعة. ### | 5 - # الجد وراء توحيد أصول التعليم وكتب التدريس. ### | ### | قضية " # 28 " # السعي في تأليف متون مختصرة بسيطة واضحة على ثلاث مراتب: ### | 1 - # لتعليم المبتدئين أو المكتفين بالمبادئ. ### | 2 - # لتعليم المنتهين الطالبين الإتقان. ### | 3 - # لتعليم النابغين الراغبين في الاختصاص. ### | قضية " # 29 " # الاهتمام في جعل المتعلمين والمعلمين على أربع مراتب: ### | 1 - # العامة ومعلموهم أئمة المساجد والجوامع الصغيرة ### | 2 - # المهذبون ومعلموهم مدرسو المدارس العمومية والجوامع الكبيرة. ### | 3 - # العلماء ومعلموهم مدرسو المدارس المختصة بالعلوم العالية. ### | 4 - # النابغون ومعلموهم الأفاضل المتخصصون. ### | قضية " # 30 " # السعي لدى أمراء الأمة بمعاملة كافة طبقات العلماء معاملة الأطباء، أي ~~بالحجر رسما على من يتصدر ms097 للتدريس والإفتاء والوعظ والإرشاد ما لم يكن ~~مجازا # PageV01P204 # من قبل هيئة امتحانية رسمية موثوق بها تقام في العواصم. ### | ### | قضية " # 31 " # التوسل لدى الأمراء أن يعطوا لأحد العلماء الغيورين في كل بلدة صفة محتسب ~~ديني على جماعة المسلمين في تلك البلدة، ويجعلوا له مستشارين منتخبين من ~~عقلاء الأهالي. وتكليف هذه الجمعية الاحتسابية بان تقوم بالنصيحة للمسلمين ~~بدون عنف، وبتسهيل تعميم المعارف والمحافظة على الأخلاق الدينية. ### | قضية " # 32 " # التوسل لنيل العلماء ما يستحقون من رزق وحرمة، ومنعهم عن كل ما يخل ~~بصفتهم وشرفهم. ### | قضية " # 33 " # التوسل لحمل أهل الطرائق على الرجوع إلى الأصول الملائمة للشرع والحكمة ~~في الإرشاد وتربية المريدين. وتكليف كل فرقة منهم بوظيفة مخصوصة يخدمون بها ~~الأمة الإسلامية من نحو اختصاص فرقة كالقادرية مثلا بإعاشة وتعليم الأيتام، ~~وأخرى بمواساة المساكين وأبناء السبيل، وجماعة بتمريض الفقراء والبائسين، ~~وفئة بالتشويق إلى الصلاة، وغيرها بالتنفير عن المسكرات. ونحو ذلك من ~~المقاصد الخيرية الشرعية فيكون عملهم هذا عوضا عن العطل والتعطيل. # PageV01P205 ### | ### | قضية " # 34 " # حمل العلماء والمرشدين وجمعيات الاحتساب على السعي لإرشاد أفراد الأمة، ~~خصوصا إحداثها، إلى قواعد معاشية وأخلاقية متحدة الأصول تلائم الإسلامية ~~والحرية الدينية، وتفيد تريض الأجسام وتقوية المدارك، وتثمر النشاط للسعي ~~والعمل، وتولد الحمية والأخلاق الشريفة. ### | قضية " # 35 " # تعتني الجمعية بصورة مخصوصة بوضع مؤلفات أخلاقية ملائمة للدين وللزمان، ~~وتكون على مراتب من بسيطة ومتوسطة وعالية بحيث تقوم هذه المؤلفات مقام ~~مطولات الصوفية. # ونقوم بوضع مؤلفات اللغة، وسطى عربية لا مضرية ولا عامية، وجعلها لغة ~~لبعض الجرائد ولمؤلفات الخلاق ونحوها مما يهم نشره بين العوام فقط. قضية " ~~36 " ### | تعتني الجمعية في حمل العلماء وجمعيات الاحتساب على تعليم الأمة ما يجب عليها شرعا من المجاملة في المعاملة من غير المسلمين، وما تقتضيه الإنسانية والمزايا # PageV01P206 # الإسلامية من حسن معاشرتهم ومقابلة معروفهم بخير منه، ورعاية الذمة ~~والتأمين والمساواة في الحقوق، وتجنب التعصب الديني أو الجنسي بغير حق. ### | ### | قضية " # 37 " # تنشر الجمعية رسالة دينية عربية في كل شهر يكون حجمها نحو مائة صفحة بحيث ~~يتألف منها كتاب ms098 في كل عام، وتكون مباحثها ثمانية أنواع يخصص لكل بحث قسم ~~منها وهي: ### | 1 - # مقرارات الجمعية وأعمالها وخلاصة المهم من مخابراتها مع شعباتها. ### | 2 - # مباحث دينية في موضوع سماحة الدين ومزاياه السامية، ودفع ما يرمى به به ~~من منافته للحكمة والمدنية ### | 3 - # قواعد أخلاقية ونصائح معاشية. ### | 4 - # فصول في العلوم والفنون النافعة والترغيب فيها وأراءة طرائق تقلينها ~~وتلقيها ### | 5 - # المقالات المفيدة التي يحررها الأعضاء الفخريون وغيرهم من فضلاء الأمة. ### | 6 - # الأخبار والإعلانات المتعلقة بالنهضة العلمية الإسلامية. ### | 7 - # الأسئلة والأجوبة المهمة. ### | 8 - # مباحث وفوائد شتى. ### | قضية " # 38 " # تكون الأبحاث والمقالات الدينية في الرسالة الشهرية ملاحظا فيها إجماع ~~السلف أو الموافقة لمذهبين فأكثر من المذاهب المدونة المتبعة. ويتعين في ~~المسائل المهمة الخلافية أن يقرها بعض مشاهير علماء الهداية من المذاهب ~~المختلفة. # PageV01P207 ### | ### | قضية " # 39 " # تكون قيمة الرسالة معتدلة قريبة من مصروف تحريرها وطبعها فقط، وترسل ~~لكافة المدارس ومشاهير العلماء بدون عوض على حساب الأمراء والمحتسبين. ### | قضية " # 40 " # تعتني الجمعية غاية الاعتناء في إيصال الرسالة إلى المرسلة إليهم بصورة ~~منتظمة، وفي إدخالها لكافة البلاد المأهولة بالمسلمين رغما عن كل مانع، ~~فترسل ولو برا مع رواد على نجائب تخترق آسيا وإفريقيا إلى أقاصيهما، ولا ~~تعدم الجمعية وسائل كثيرة للإيصال. ### | قضية " # 41 " # تخصص الجمعية لمنشوراتها وإعلاناتها أربع جرائد من أشهر الجرائد ~~الإسلامية السياسية. (1) عربية في مصر (2) تركية في القسطنطينية (3) فارسية ~~في طهران (4) أوردية في كلكته. ### | قضية " # 42 " # تسعى الجمعية في تأسيس مدرسة جغرافية تاريخية دينية في مركز الجمعية لأجل ~~تثقيف تلامذتها وتأهيلهم للسياحة والبعوث. ### | قضية " # 43 " # ترسل الجمعية بعوثا جغرافية وعلمية تتجول في البلاد الإسلامية القريبة # PageV01P208 # والبعيدة للإطلاع على أحوال البلاد وأهلها من حيث الدين والمعارف، ~~ولإرشادهم إلى لما يلزم إرشادهم إليه في ذلك حسبما تقتضيه الأخوة الدينية ~~بدون تعرض للأحوال السياسية قطعيا. ### | قضية " # 44 " # تسعى الجمعية بعد مضي ثلاث سنين من انعقادها في إقناع ملوك المسلمين ~~وأمرائهم لعقد مؤتمر رسمي في مكة المكرمة، يحضره وفود من قبلهم، ويترأسهم ~~مندوب أصغر أولئك الأمراء، ويكون موضوع المذاكرات ms099 في المؤتمر: السياسة ~~الدينية. ### | قضية " # 45 " # إذا صادفت الجمعية معارضة في بعض أعمالها من حكومة بعض البلاد، ولا سيما ~~البلاد التي هي تحت استيلاء الأجانب، فالجمعية تتذرع أولا بالوسائل اللازمة ~~لمراجعة تلك الحكومة وإقناعها بحسن نية الجمعية، فإذا وفقت لرفع التعنت ~~فيها، وإلا فلتلجأ الجمعية إلى الله القادر الذي لا يعجزه شيء # PageV01P209 ### | خاتمة ### | قضية " # 46 " # سياسة الجمعية: جلب قلوب من تتخير جلبهم ببذل المعروف محاباة فتتحرى ~~مواساة الإنسان عند مصابه وتنقب عن أهم حاجاته أو غاياته فتعينه عليها. ### | قضية " # 47 " # مظهر الجمعية: العجز والمسكنة، فلا تقاوم ولا تقابل إلا بأساليب النصيحة ~~والموعظة الحسنة، وتلاطف وتحامل جهدها من يعادي مقاصدها، ولا تلجأ إلى ~~الإلجاء إلا في الضروريات. ### | قضية " # 48 " # قوة الجمعية: الإخلاص في النية، وعمدتها الثبات على العمل. ومسلكها تذليل ~~العقبات واحدة فواحدة. وحصنها الدين الحنيف، وسلاحها العلم والتعليم. ~~وجيشها الأحداث والضعفاء. وقوادها حكماء العلماء والأمراء. ورايتها القدوة ~~الحسنة، وغنيمتها بث الحياة في الموحدين. وغايتها خدمة المدنية والإنسانية. ~~وثمرة أعضائها وأنصارها لذة الفكر والفخر ونيل الأجر من الله - تم القانون. # قال الأستاذ الرئيس: ها نحن أولاء قد استوفينا قراءة القانون للمرة ~~الثانية أيضا ولم يستدرك عليه أحد من الإخوان شيئا، فهل أنتم # PageV01P210 # مقروه؟ فأجاب جميع الأعضاء: نعم نقره. # قال العلامة المصري: إني بالنيابة عن هيئة الجمعية أشكر لحضرة الأستاذ ~~المكي براعته في حسن إدارة الجمعية، كما أنني أقدر للمدقق التركي ورفقائه ~~وأضعي سانحة القانون قدر فضلهم وحسن أحاطتهم. # وإني لأرى في هذا القانون أشعة نور بين القضايا والسطور، نور يشرق على ~~المنارات فيغشى ببدره الأهلة ويبهر النسور. نور معقود اللواء لنشأة جديدة ~~وحياة حميدة وعاقبة سعيدة. نور يمزق ديجور الفتور ويحيى ميت الشعور وما ذلك ~~على الله بعزيز. # قال المحقق المدني: بمناسبة إني جار للنبي [صلى الله عليه وسلم] أرى كأن ~~رسول الله مسرور بكم أيها الإخوان الكرام، يتضرع إلى ربه أن يوفقكم في ~~مشروعكم خدمة لدينه وأمته خدمة تلحقكم بالمجاهدين الصديقين الأولين. # قال الاستاذ الرئيس: حيث تقرر أن يكون تأسيس ms100 الجمعية الدائمة ابتداء في ~~بور سعيد أو الكويت بصورة غير علنية في الأول، فأرى أن نفوض تعاطي أسباب ~~هذه المهمة للعلامة المصري والسيد الفراتي، فهما بعد ستة اشهر يجتمعان في ~~مصر، وبعد تهيئة # PageV01P211 # الأسباب وترتيب ما يلزم ترتيبه يسعيان أولا بطبع هذه المذاكرات مع ~~القانون، ثم يهتمان بترجمة ذلك إلى بقية أمهات اللغات الإسلامية التركية ~~والفارسية والأوردية فيطبعانها وينشرانها ذكرى وبشرى للمؤمنين. # ثم بعد استطلاعهما ما يلزم استطلاعه من آراء ذوي الهمم السامية، يباشران ~~تعاطي أسباب تشكيل الجمعية مع التروي والتأني اللازمين حكمة. وربما لا ~~يساعدهما الزمان فيحتاجان لترقب الفرصة ولو تأخر الأمر إلى اجتماعنا ~~الثاني. وأخونا السيد الفراتي يعدنا بأنه لا يقطع عنا رسائله وإعلامنا بسير ~~المسألة. والأمل بعنايته تعالى أن نجد في اجتماعنا الثاني بعد ثلاث سنين ~~الجمعية الدائمة متشكلة على أحسن نظام. # ثم قال الأستاذ الرئيس: وإني على أمل أن الجمعية الدائمة ستلحقنا ~~بأعضائها الفخريين، فنخدم مقاصدها الجليلة المتعلقة بإعزاز ديننا وإخواننا ~~وأنفسنا، فننال بذلك اجر المحسنين وشرفا عظيما نفتخر به نحن وأحقابنا من ~~بعدنا إلى يوم الدين. # ثم قال: وإن جمعيتنا هذه إذا اختارت أن تجعل مركزها الموقت في مصر دار ~~العلم والحرية، فلها أمل قوي في أن حضرة # PageV01P212 # العزيز (عباس الثاني) يكون عضدا للقائمين بإعزاز الدين وحاميا فخريا ~~للجمعية، ولا بدع فإنه خير أمير شاب نشأ على الغيرة الدينية والحمية ~~العربية. خصوصا جنابه السامي من آل بيت حازوا بين سائر ملوك الإسلام ~~وأمرائها قصب السبق في الإطلاع على أحوال الدنيا، فاجتهدوا في الترقيات ~~السياسية والعمرانية والعلمية والتنظيمية والمدنية. # حتى أن النهضة العثمانية بكل فروعها مسبوقة في مصر ومقتبسة عنها. بل كما ~~يعلم العارفون إنما تقدمت الدولة العلية العثمانية بعض خطوات في ميدان ~~المدنية والعمران مدفوعة بأيدي المرحومين محمد علي وإبراهيم وفاضل وكامل ~~وغيرهم من الأمراء حتى والأميرات المصريات، فما كان رشيد وعالي وفؤاد وكمال ~~ومدحت وعوني وبقية أحرار الأتراك إلا وأكثرهم آلات أوجدها ومدها بالقوة ~~هؤلاء العظام. ولا غرو فقد يحمل الابن أباه على الرشد ms101 وان أباه. # ولولا تهاون سعيد وتطاول إسماعيل، وسقوط نفوذ الفرنسيس بحرب السبعين، ~~وانفراد الإنكليز ويأسهم من قبول المريض التمريض، وتهاتر قوات الدول ~~بتوازنها، لبقيت تلك الحركة مستمرة ولما رجع الشيخ إلى دور الانحلال ولا ~~وقع الابن في دور # PageV01P213 # الاحتلال. # ولهذا لا تفرط الجمعية إذا عقدت الأمل في مؤازره هذا الأمر السهل الخطير ~~بذاك العزيز الشاب الكبير، إجابة لداعي الحمية وسمو الفكر واغتناما للثواب ~~وفخر الذكر، والله الملهم الموفق ونسأله حسن الختام. # ثم خاطب السيد الفراتي هيئة الجمعية فقال: أيها السادة، لا غرو أن أكون ~~أكثر الإخوان سرورا بإنتاج سعيي وسياحتي، هذه الخطوة الكبيرة في هذا ~~السبيل. وإني مستبشر من تسهيل المولى تعالى البداية أن يسهل السير إلى ~~النهاية، ولا يعز على الله شيء، والعزائم لا شك تذلل العظائم. # وإني أيها السادة سأراسلكم إن شاء الله بمهمات ما يحصل ويتم، ولا استغنى ~~أن تردفوني بآرائكم ولو عن بعد وتسعفوني بأدعيتكم بالتوفيق. هذا وليس اليوم ~~آخر عهد جمعيتنا، بل يلزم أن تجتمع أيضا في هذا المحفل رابع أيام التشريق ~~فتكون تلك جمعية الوداع، وفيها يكاشفكم حضرة الأستاذ الرئيس عن بعض تدابير ~~وبشائر يجب إسرارها فتوقر في الصدور لا تسجل ولا تذاع. وإلى ذاك اليوم يتم ~~بتسهيل الله طبع سجل مذاكرات جمعيتنا إلى هذه الساعة (بمطبعة # PageV01P214 # الجلاتين. فيوزع عليكم نسخ منها كما يعطى لكم نسخ من ضبط المناقشات على ~~القانون، ونسخ جديدة من مفتاح الكتابة الرمزية تبديلا للمفتاح المختصر ~~الأول، مذيلا بتراجم الإخوان بصورة أكثر تفصيلا من الأولى وعلى الله ~~التيسير. # ثم قال السيد الفراتي: أخبركم أيها السادة بأني أخذت بالأمس رسالة من ~~أخينا الأديب البيروتي الذي لم يمكنه القدر من موافاة الجمعية كما بينت ذلك ~~قبلا، فهو يقرئكم السلام ويدعو للجمعية بالتوفيق، ويطلب أن أتلو عليكم ~~قصيدة له يخاطب بها المسلمين. # فقال الأستاذ الرئيس: وعليه السلام وأمر بقراءة القصيدة، فقرئت وأثبت ~~منها بإشارة الأستاذ الرئيس بعض أبيات وهي: # (غيرتمو يا حيارى ما بأنفسكم ... فغير الله عنكم سابغ النعم) # (الله لا يهلك القرى ms102 إذا كفرت ... وأهلها مصلحون في شؤونهم) # (ترك التآمر بالمعروف أورثكم ... ما حاق من نذر يا زلة القدم) # إلى أن يقول: # (يا قومنا صححوا توحيد بارئكم ... بدون إشراك أحياء ولا رمم) # (ونقحوا الشرع من حشو ومخترع ... رجعى إلى دين إسلاف ذوي ذمم) # PageV01P215 # (خذوا بمحكم آيات منزلة ... وسنة جاءنا بأفصح الكلم) # (دعوا البدائع في الدين وإن حسنت ... ولا يغرنكم تأويل محتكم) # (سماحة الدين في فكر وفي عمل ... خير من الأصرو والأغلال والسقم) # (سماحة الدين من الله خالقكم ... بها عليكم، دعوا الكفران بالنعم) # (وحافظوا ملة بيضاء ساطعة ... سمحاء جاءتكمو بكل مغتنم) # (راقت فضائلها في كل فلسفة ... قوامها حكمة تفضي إلى شمم) # حتى يقول: # (هذي وسيلتكم لا غيرها أبدا ... فاسعوا لنهضتكم يا خيرة الأمم) # (في غير جامعة التوحيد لن تجدوا ... من جامع لكمولستم ذوي رحم) # (سياسة الدين أولى ما تساس به ... شتى الخلائق من عرب ومن عجم) # (فيها الحياة وفيها حفظ رايتكم ... خضراء سوداء حول الركن والحرم) # ذيل # قررت الجمعية في اجتماع الوداع المنعقد في رابع أيام العيد بعض # PageV01P216 # أمور ينبغي أن تسر ولا تذاع. غير أنها رأت أن يلحق منها بهذا السجل ما ~~يأتي فقط: ### | قرار عدد # (6) # أن الجمعية، بعد البحث الدقيق والنظر العميق في أحوال وخصال جميع الأقوام ~~المسلمين الموجودين، وخصائص مواقعهم، والظروف المحيطة بهم، واستعدادتهم، ~~وجدت أن لجزيرة العرب ولأهلها بالنظر إلى السياسة الدينية مجموعة خصائص ~~وخصال لم تتوفر في غيرهم. بناء عليه رأت الجمعية أن حفظ الحياة الدينية ~~متعينة عليهم لا يقوم فيها مقامهم غيرهم مطلقا، وأن انتظار ذلك من غيرهم ~~عبث محض. # على أن لبقية الأقوام أيضا خصائص ومزايا تجعل لكل منهم مقاما مهما في بعض ~~وظائف الجامعة الإسلامية، مثل: أن معاناة حفظ الحياة السياسية ولا سيما ~~الخارجية متعينة على الترك العثمانيين. ومراقبة حفظ الحياة المدنية ~~التنظيمية يليق أن تناط بالمصريين، والقيام بمهام الحياة الجندية يناسب أن ~~يتكفل بها الأفغان وتركستان والخزر # PageV01P217 # والقوقاس يمينا ومراكش وإمارات إفريقيا شمالا. وتدبير حفظ الحياة العلمية ~~والاقتصادية خير من يتولاها أهل إيران وأواسط ms103 آسيا والهند وما يليها. # وحيث كانت الجمعية لا يعنيها غير أمر النهضة الدينية، بناء عليه رأت ~~الجمعية من الضروري أن تربط آمالها بالجزيرة وما يليها وأهلها ومن يجاريهم. ~~وأن تبسط لأنظار الأمة ما هي خصائص الجزيرة وأهلها والعرب عموما؛ وذلك لأجل ~~رفع التعصب السياسي أو الجنسي، ولأجل إيضاح أسباب ميل الجمعية للعرب فنقول: ### | 1 - # الجزيرة هي مشرق النور الإسلامي. ### | 2 - # الجزيرة فيها الكعبة المعظمة. ### | 3 - # الجزيرة فيها المسجد النبوي وفيه الروضة المطهرة. ### | 4 - # الجزيرة أنسب المواقع لأن تكون مركزا للسياسة الدينية لتوسطها بين أقصى ~~آسيا شرقا وأقصى إفريقيا غربا. ### | 5 - # الجزيرة أسلم الأقاليم من الأخلاط جنسية واديانا ومذاهب. ### | 6 - # الجزيرة أبعد الأقاليم عن مجاورة الأجانب. ### | 7 - # الجزيرة أفضل الأراضي لأن تكون ديار أحرار لبعدها عن # PageV01P218 # الطامعين والمزاحمين نظرا لفقرها الطبيعي ### | 8 - # عرب الجزيرة هم مؤسسو الجامعة الإسلامية لظهور الدين فيهم. ### | 9 - # عرب الجزيرة مستحكم فيهم التخلق بالدين لأنه مناسب لطبائعهم الأهلية اكثر ~~من مناسبته لغيرهم. ### | 10 - # عرب الجزيرة أعلم المسلمين بقواعد الدين لأنهم أعرقهم فيه، ومشهود لهم ~~بأحاديث كثيرة بالمتانة في الإيمان. ### | 11 - # عرب الجزيرة اكثر المسلمين حرصا على حفظ الدين وتأييده والفخار به، خصوصا ~~والعصبية النبوية لم تزل قائمة بين أظهرهم في الحجاز واليمن وعمان وحضرموت ~~والعراق وإفريقيا. ### | 12 - # عرب الجزيرة لم يزل الدين عندهم حنيفا سلفيا بعيدا عن التشديد والتشويش. ### | 13 - # عرب الجزيرة أقوى المسلمين عصبية وأشدهم أنفة لما فيهم من خصائص البدوية. ### | 14 - # عرب الجزيرة أمراؤهم جامعون بين شرف الآباء والأمهات # PageV01P219 # والزوجات فلم تختل عزتهم. ### | 15 - # عرب الجزيرة أقدم الأمم مدنية مهذبة بدليلي: سعة لغتهم، وسمو حكمتهم ~~وادبياتهم. ### | 16 - # عرب الجزيرة أقدر المسلمين على تحمل قشف المعيشة في سبيل مقاصدهم، ~~وأنشطهم على التغرب والسياحات وذلك لبعدهم عن الترف المذل أهله. ### | 17 - # عرب الجزيرة أحفظ الأقوام على جنسيتهم وعاداتهم فهم يخالطون ولا يختلطون. ### | 18 - # عرب الجزيرة احرص الأمم الإسلامية على الحرية والاستقلال وأباء الضيم. ### | 19 - # العرب عموما: لغتهم أغنى لغات المسلمين في المعارف ومصونة بالقرآن الكريم ~~من أن ms104 تموت. ### | 20 - # العرب لغتهم هي اللغة العمومية بين كافة المسلمين البالغ عددهم 300 ~~مليون. ### | 21 - # العرب لغتهم هي اللغة الخصوصية لمائة مليون من المسلمين # PageV01P220 # وغير المسلمين. ### | 22 - # العرب أقدم الأمم اتباعا لأصول تساوي الحقوق وتقارب المراتب في الهيئة ~~الاجتماعية. ### | 23 - # العرب أعرق الأمم في أصول الشورى في الشؤون العمومية. ### | 24 - # العرب أهدى الأمم لأصول المعيشة الاشتراكية. ### | 25 - # العرب من احرص الأمم على احترام العهود عزة، واحترام الذمة إنسانية، ~~واحترام الجوار شهامة، وبذل المعروف مروءة. ### | 26 - # العرب أنسب الأقوام لأن يكونوا مرجعا في الدين وقدوة # PageV01P221 # للمسلمين حيث كان بقية الأقوام قد اتبعوا قد اتبعوا هديهم ابتداء فلا ~~يأنفون عن اتباعهم أخيرا. # فهذه هي الأسباب التي جعلت جمعية أم القرى أن تعتبر العرب هم الوسيلة ~~الوحيدة لجمع الكلمة الدينية بل الكلمة الشرقية. والجمعية تسأل الله تعالى ~~أن يوفق ملوك المسلمين وأمراءهم للتصلب في الدين وللحزم والعزم عساهم ~~يحفظون عزهم وسلطانهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وان يحميهم من ~~التعصب السيء للسياسات والجنسيات، ومن الكبر والأنفة، ومن التخاذل ~~والانقسام، ومن الانقياد إلى وساوس الأجانب الأضداد، وإلا فينتابهم الخطر ~~القريب المحدق بهم ويتخاطفهم النسور المحلقة في سمائهم والله الموفق وإليه ~~ترجع الأمور. # وهكذا تمت الاجتماعات وختمت المذاكرات وانفض الجمع على وعد التلاقي. # PageV01P222 ### | لاحقة # يقول السيد الفراتي: انه بعد تفرق الجمعية بنحو شهرين، ورد إلي من الصاحب ~~الهندي كتاب يذكر فيه أنه بعد مفارقته مكة المكرمة اجتمع بأمير جليل فاضل ~~من أعاظم نبلاء الأمة ورجال السياسة. فاستطلع رأي الأمير في خصوص النهضة ~~الإسلامية , بعد أن دار بينهما حديث طويل تحقق من خلاله سمو فكر الأمير ~~والتهاب غيرته، ذكر له إطلاعه على سجل جمعية أم القرى وأشياء من مذاكراتها ~~ومقرراتها، فاظهر الأمير سروره من الخبر وشديد شوقه للإطلاع على السجل الذي ~~ذكره له، فعندئذ وعده بإعارته نسخة من السجل ثم أرسلها له. وبعد أيام ~~تلاقيا فدارت بينهما المحاورة الآتية: # قال الأمير: أشكرك أيها المولى الصاحب على هذه الهدية العزيزة، ويا لذة ~~ليلة أحييتها في ms105 مطالعة تلك المذاكرات النفسية التي لم أتمالك أن أتركها ~~تلك الليلة حتى أتيت على آخرها، ثم في الأيام التالية # PageV01P223 # أعدت النظر فيها بالتدقيق. # قال الصاحب: يظهر من عبارة مولاي الأمير استحسانه كيفية تشكيل الجمعية ~~وامتنانه من مجرى مذاكراتها. # قال الأمير: كيف لا أعجب بذلك، ولطالما كنت أتمنى انعقاد جمعية يتضافر ~~أعضاؤها على مثل هذا المقصد، وتكون فيه المزية التي ظهرت على رجال هذه ~~الجمعية الذين حلوا المشكلة حلا سياسيا ودينيا معا، وكنت استبعد وجودا كفاء ~~كهؤلاء! وأعظم إعجابي هو في هذا الرجل الملقب بالسيد الفراتي كيف اهتدى في ~~رحلة قصيرة، مع إقامته أياما قلائل في مكة، لانتخاب هؤلاء الأعضاء الإجلاء. # قال الصاحب: لا بد أن يكون هذا الرجل مخلصا في قصده فأعانه الله عليه، ~~كما ورد في الخبر: إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. فلعل في الأقدار شيئا آن ~~أوانه. # قال الأمير: نعم للأقدار دلائل ولنعم البشائر. # قال الصاحب: أود أن استفيد من مولاي الأمير وجوه إعجابه بهذه الجمعية ~~ومذاكراتها لا صحح رأيي في بعض انتقادات تختلج في فكري القاصر، فإن إذن لي ~~أعرضها عليه مسألة مسألة. # PageV01P224 # قال الأمير: قل، ولعلي أقف على ما لم انتبه إليه. # قال الصاحب: يظهر أن أعضاء الجمعية ليس بينهم بعض من السياسيين المحنكين، ~~فلو وجد ربما كانت تأتي لمقررات أكثر إحكاما. # قال الأمير: لا أظن أن في الأمراء والوزراء المسلمين المعاصرين من هم ~~أعلى كعبا في السياسة من بعض هؤلاء الأعضاء، الذين تشف آراؤهم عن سعة إطلاع ~~وسمو فكر وبعد نظر، مع ملاحظات السياسة الدينية والحالة العلمية والتدقيقات ~~الأخلاقية. # قال الصاحب: أرى أن الجمعية أعطت لمباحث السياسة الدينية الموقع الأول، ~~وقد أصابت على أن السياسة الإدارية أيضا جديرة بالاهتمام فتركت بدون تدبير ~~كاف. # قال الأمير: لا شك أن السياسة الإدارية مهمة أيضا وقد ابتدأت الجمعية ~~بها، ولكن رأت أفضل وسيلة لحصول المطلوب هي رفع علة الفتور حيث أنتجت ~~مباحثاتها: أن علة الفتور هي الخلل الديني. بناء عليه حولت اهتمامها لجهة ~~العلة حتى إذا زالت ms106 العلة زال المعلول. # ومع ذلك لم يترك السيد الفراتي في فصل الأسباب الإدارية شيئا من أمهات ~~أصول الإدارة إلا وأشار إليه بما يغني عن تفصيله. # PageV01P225 # قال الصاحب: أليس بعض الأعضاء كالعالم النجدي والمجتهد التبريزي قد أسهب ~~كثيرا بما كان بعضه يكفي عن باقيه؟ # قال الأمير: أن مسألتي التوحيد والاستهداء ركنان مهمان في الدين، وقد ~~تطرق إليهما الخلل منذ قرون، كثيرة، فصار إصلاحهما وردهما إلى أصلهما من ~~أصعب الأمور. وفي مثل ذلك لا بد من الأسهاب في البحث والتعمق فيه، أو لا ~~يرى، ولله المثل الأعلى، كيف جاء القرآن الكريم بألف أسلوب في تأييد ~~التنزيه والتوحيد والحث على اتباع الكتاب والنبي دون التقليد. # قال الصاحب: أني أرى أيضا بعض مكررات في المذاكرات خلافا لما قله السيد ~~الفراتي، ولذلك أرى أنه لو اهتم ذو غيره في اختصارها يكون حسنا. # قال الأمير: أني لا أوافقك على هذا أيضا، لأنك إذا دققت النظر لا تجد ~~مكررات، إنما هي آراء فلا بد أن يعاد فيها بعض ما سبق، وعلى كل حال هذا سجل ~~قد ضبط فيه ما وقع فلا يجوز اختصاره والتصرف فيه. وإني أرى من أكبر محاسن ~~هذه المذاكرات أن جاءت مباحثها متسلسلة مترقية، فكل موضوع فيها يتلوه ما هو ~~أهم # PageV01P226 # منه فلا يمل منها سامع ولا مطالع. # قال الصاحب: ما هو رأي مولانا الأمير في القانون الموضوع لأجل تشكيل ~~جمعية تعليم الموحدين، هل هو قانون محكم الترتيب، وهل هو قابل الإجراء ~~والتطبيق على الأحوال الحاضرة والمنتظرة. # قال الأمير: القانون هو أهم ما أثمرته الجمعية، وقابل الإجراء مع ~~الصعوبة. # قال الصاحب: لا أدري هل أصابت الجمعية أم أخطأت في تعليق أكبر أملها في ~~إعزاز الدين بالعرب دون دولة آل عثمان وملوكها العظام. # قال الأمير: لا يفوتك أن مطمح نظر الجمعية منحصر في النهضة الدينية فقط، ~~وتؤمل أن يأتي الانتظام السياسي تبعا للدين، ولا شك أنه لا يقوم بالهدي ~~الديني ويغار على الدين أمة مثل العرب. # قال الصاحب: أليس، دولة راسخة الملك إدارة وعسكرية وسياسة، ms107 وافرة القوى ~~مالا وعدة ورجالا، تكون أقدر على تمحيص الدين وإعزازه من العرب الضعفاء من ~~كل وجه؟ وحيث قد ألفت الأمة سماع لقب خدمة الحرمين قديما ولقب الخلافة # PageV01P227 # أخيرا في حضرة السلطان العثماني، فلا تستنكف عن الأذعان الديني له ~~بسهولة؟ # قال الأمير: أن حضرة السلطان المعظم يصلح أن يكون عضدا عظيما في الأمر، ~~أما إذا أراد أن يكون هو القائم به فلا يتم قطعيا، لأن الدين شيء والملك ~~شيء آخر، والسلطان غير الدولة. # قال الصاحب: ما فهمت المراد من أن الدين غير الملك وان السلطان غير ~~الدولة، فهل يتفضل مولاي الأمير بإيضاح ذلك؟ # قال الأمير: أريد أن احترام الشعائر الدينية في اكثر ملوك آل عثمان هي ~~ظواهر محضة؛ وليس من غرضهم، بل ولا من شأنهم، أن يقدموا الاهتمام بالدين ~~على مصلحة الملك، وهذا مرادي بأن الدين غير الملك , وعلى فرض إرادتهم تقديم ~~الدين على الملك، لا يقدرون على ذلك، ولا تساعدهم الظروف المحيطة بهم؛ حيث ~~دولهم مؤلفة من لفيف أهل أديان ونحل مختلفة؛ كما أن الهيئة التي تتشكل منها ~~الدولة، اعني الوزراء، هم كذلك لفيف مختلف الأديان والجنسيات، وهذا مرادي ~~بأن السلطان غير الدولة. بناء عليه، خدمة الحرمين ولقب الخلافة ورسوخ الملك ~~ووفرة القوى، كلها لا تكفي للمرجع في الدين. نعم إذا بذل آل عثمان العظام ~~قوتهم في تعضيد # PageV01P228 # وتأييد من يقوم بذلك يأتون بفضل عظيم. # قال الصاحب: قد وجد في هذا البيت الكريم بعض أعاظم خدموا إعزاز الدين ~~خدمات كبيرة، كالسلطان محمد الفاتح والسلطان ياوز سليم والسلطان سليمان ~~والسلطان محمود والسلطان الحالي المعظم، فهم أولى واجدر بالخلافة من غيرهم. # قال الأمير: أرجوك أن لا تنظر للمسألة بنظر العوام، بل بنظر حكيم سياسي. ~~فابعد النظر ماضيا مستقبلا، وقلب صفحات التاريخ بدقة تجد أن إدارة الدين ~~وإدارة الملك لم تتحدا في الإسلام تماما إلا في عهد الخلفاء الراشدين وعمر ~~بن عبد العزيز فقط رضي الله عنهم، واتخذتا نوعا في الأمويين والعباسيين، ثم ~~افترقت الخلافة عن الملك. # وأما سلاطين آل عثمان الفخام، ms108 فإني أذكر لك أنموذجا من أعمال لهم أتوها ~~رعاية للملك، ون كانت مصادمة للدين، فأقول: هذا السلطان محمد الفاتح وهو ~~أفضل آل عثمان قد قدم الملك على الدين، فاتفق سرا مع (فرديناند) ملك ~~(الأراغون) الاسبانيولي ثم مع زوجته (إيزابيلا) على تمكينهما مع إزالة ملك ~~بني الأحمر، آخر الدول العربية في الأندلس، ورضي بالقتل العام والإكراه على # PageV01P229 # التنصر بالإحراق، وضياع خمسة عشر مليونا من المسلمين، بإعانتهما بإشغاله ~~أساطيل إفريقيا عن نجده المسلمين. وقد فعل ذلك بمقابلة ما قامت له به روما ~~من خذلان الإمبراطورية الشرقية عند مهاجمته مكدونيا ثم القسطنطينية. # وهذا السلطان سليم غدر بآل العباس واستأصلهم، حتى انه قتل الأمهات لأجل ~~الأجنة، وبينما كان هو يقتل العرب في الشرق كان الاسبانيون يحرقون بقيتهم ~~في الأندلس. وهذا السلطان سليمان ضايق إيران حتى ألجأهم إلى إعلان الرفض ~~المكفر. ثم لم يقبل العثمانيون تكليف نادر شاه لرفع التفرقة بمجرد تصديق ~~مذهب الإمام جعفر، كما لم يقبلوا من أشرف خان الأفغاني اقتسام فارس كي لا ~~يجاورهم ملك سني. # وقد سعوا في انقراض خمسة عشر دولة وحكومة إسلامية. ومنها انهم أغروا ~~وأعانوا الروس على التاتار المسملين، وهو لا ندة على الجاوة والهنديين. ~~وتعاقبوا على تدويخ اليمن، فأهلكوا إلى الآن عشرات ملايين من المسلمين ~~يقتلون بعضهم بعضا، لا يحترمون فيما بينهم دينا ولا أخوة ولا مروءة ولا ~~إنسانية، حتى أن العسكر العثماني باغت المسلمين مرة في صنعاء والزبيد وهم ~~في صلاة العيد # PageV01P230 # وهذا السلطان محمود اقتبس عن الإفرنج كسوتهم، وألزم رجال دولته وحاشيته ~~بلبسها حتى عمت أو كادت، ولم يشأ الأتراك أن يغيروا منها الأكمام رعاية ~~للدين لأنها مانعة من الوضوء أو معسرة له. وهذا السلطان عبد المجيد رأى من ~~مؤيدات إدارة ملكه إباحة الربا والخمور وإبطال الحدود. ورأى مصلحة في قهر ~~الإشراف وإذلال السادات بإلغاء نفوذ النقابات، ففعل. # وفي هذا المقدار كفاية إيضاح لقاعدة: أن مؤيدات الملك عند السلاطين مقدمة ~~على الدين. أما صفة خدمة الحرمين وألفة مسامع العثمانيين للقب الخلافة، ~~فهذا كذلك لا يفيد ms109 الدين واهلة شيئا، وليس له ما يتوهم البعض من الإجلال ~~عند الأجانب # ولو أن حضرة السلطان المعظم أخذ عليه تأييد الدين بما أمده الله به من ~~القوة المادية بدون استناد إلى صبغة معنوية، لتمكن من أن يخدم دينه وملكه ~~حقا خدمات مقبولة عند الله ورسوله مشكورة عند المؤمنين كافة. ولرفعت له ~~راية الحمد في شرق الأرض وغربها # PageV01P231 # واحترمه الأبيض والأحمر، وعظمه المسلم والكافر. وأظنه قد قرب اليوم الذي ~~يتنبه فيه، فيتروى في الأمر فيعدل عن الاعتماد على غير الماديات، ويضرب على ~~فم بعض الغشاشين المتملقين الخائنين، الذين ينسبون حضرته إلى ما لم ينتسب ~~هو إليه: ويشيعون عنه دعوى ما ادعاها قط أحد من أجداده العظام بوجه رسمي. # وهؤلاء الغشاشون يغرون حضرة السلطان على هذه الدعوى بما يهرفون به عليه، ~~وبما يؤلفونه هم وأعوانهم من الكتب والرسائل التي يعزون بعضها لأنفسهم، ~~وبعضها لغيرهم من المنافقين أو لأسماء يسمونها أو كتب يختلقونها، فيجعلون ~~تارة آل عثمان العظام يتصلون نسبا بعثمان بن عفان رضي الله عنه؛ وأخرى ~~يرفعون نسبهم إلى أعالي قريش ويعطونهم حق الخلافة، مرة بالتنازل من ~~العباسيين، وأخرى بالاستحقاق والوراثة، وآونة بالعهد، وأخرى بالبيعة ~~العامة، وحينا بخدمة الحرمين الشريفين. ووقتا بحفظ المخلفات النبوية. # وكأن هؤلاء الغشاشين يريدون بهذه الدسائس أن يجعلوا حضرة السلطان نظيرهم: ~~دعي نسب كاذب كدعواهم لأنفسهم السيادة، ومتسنم مقام موهوم كدعواهم الولاية ~~والقطبانية في أنفسهم وآبائهم وأجدادهم؛ فيحشون في تلك المؤلفات انسابا ~~انتحلوها # PageV01P232 # لأنفسهم مقرونة بنسب حضرة السلطان؛ ويستطردون لحكايات كرامات لأجدادهم ~~ملفقة مخترعة لا يعترفها لهم أحد من المسلمين، يدسونها بين حكايات ووقائع ~~الخلفاء والسلاطين. # ومن المعلوم عند أهل الوقوف، أن التلقب بالخلافة والإمامة الكبرى أو ~~إمارة المؤمنين في آل عثمان العظام حدث في عهد المرحوم السلطان محمود، حيث ~~صار بعض وزرائه يخاطبونه بذلك أحيانا تفننا في الإجلال وغلوا في التعظيم، ~~ثم توسع استعمال هذه الألقاب في عهد أبنية وحفيدية إلى أن بلغ ما بلغه ~~اليوم بسعي أولئك الغشاشين، الذين يدفعون ويقودون حضرة السلطان الحالي ~~لتنازل عن ms110 حقوق راسخة سلطانية لأجل عنوان خلافة وهمية مقيدة في وضعها ~~بشرائط ثقيلة، لا تلائم أحوال الملك، ومعرضة بطبعها للقلقلة والانتزاع ~~والخطر العظيم. # ولذلك، حضرات السلاطين أنفسهم لم يزالوا إلى الآن متحفظين عن التلقب ~~بالخلافة رسميا في منشوراتهم ومسكوكاتهم، إنما تمضغها أفواه البعض، فيلوكها ~~التركي تعظيما لقومه، والعربي نفاقا لسلطانه، والمصري اتباعا للمرائين، ~~والهندي اعتزازا بالوهم، والأجنبي هزؤا ومكرا؛ بخلاف حضرات سلطان مراكش ~~وأمير عمان وإمام # PageV01P233 # اليمن، المتنازعين في هذا المقام رسما، المتقاطعين لأجله، على أنهم قد ~~شعروا أو كادوا يشعرون بضررهم السياسي في ذلك. ولا نعلم متى يخلق الله من ~~يسعى في إقناعهم جميعا بترك هذه الدعوة الداعية للانفراد والتخاذل، ويرتب ~~بينهم قواعد محافظة الاستقلال السياسي، ومراسم التشريفات والمخاطبات، ~~وروابط التعاون والاتحاد بصفة سلاطين وامراء، كما آل إليه الأمر على عهد ~~الخلفاء العباسيين مع السلاطين الخارزمية والديلم والأيوبيين وغيرهم. # ثم قال الأمير: وقد حملتني إشارات السيد الفراتي في كلامه على الجامعة ~~الدينية تحت لواء وأمراء الخلافة، أن افتكر في القواعد الأساسية التي ينبغي ~~أن يبنى عليها ذلك. فلاح لي ما قيدته في هذه المفكرة، وأخرج من جيبه ورقة ~~قرأها، وعند ختام مجلسنا استنسختها منه وصورتها: ### | 1 - # إقامة خليفة عربي قرشي مستجمع للشرائط في مكة. ### | 2 - # يكون حكم الخليفة سياسة مقصورا على الخطة الحجازية، ومربوطا بشورى خاصة ~~حجازية. ### | 3 - # الخليفة ينيب عنه من يترأس هيئة شورى عامة إسلامية. ### | 4 - # تتشكل هيئة الشورى العامة من نحو مائة عضو منتخبين # PageV01P234 # مندوبين من قبل جميع السلطنات والإمارات الإسلامية، وتكون وظائفها منحصرة ~~في شؤون السياسة العامة الدينية فقط. ### | 5 - # تجتمع الشورى العامة مدة شهرين في كل سنة قبيل موسم الحج. ### | 6 - # مركز الشورى العامة يكون مكة عندما يصادف الحج موسم الشتاء، والطائف في ~~موسم الصيف. ### | 7 - # تقترع الشورى يوم افتتاح كل اجتماع على انتخاب نائب الرئيس ويعينه ~~الخليفة. ### | 8 - # تتعين وظائف الشورى العامة بقانون مخصوص تضعه هي، ويصدق عليه من قبل ~~السلطنات والإمارات. ### | 9 - # ترتبط بيعة الخليفة بشرائط مخصوصة ملائمة للشرع، بناء على أنه إذا ms111 تعدى ~~شرطا منها ترتفع بيعته، وفي كل ثلاث سنين يعاد تجديد البيعة. ### | 10 - # انتخاب الخليفة يكون منوطا بهيئة الشورى العامة. ### | 11 - # الخليفة يبلغ قرارات الشورى ويراقب تنفيذها. # PageV01P235 ### | 12 - # الخليفة لا يتداخل في شيء من الشؤون السياسية والإدارية في السلطنات ~~والإمارات قطعيا. ### | 13 - # الخليفة يصدق على توليات السلاطين والأمراء التي تجري احتراما للشرع على ~~حسب أصولهم القديمة في وراثاتهم للولاية. ### | 14 - # الخليفة لا يكون تحت أمره قوة عسكرية مطلقا، ويذكر اسمه في الخطبة قبل ~~أسماء السلاطين ولا يذكر في المسكوكات. ### | 15 - # يناط حفظ الأمن في الخطة الحجازية بقوة عسكرية تتألف من ألفين إلى ثلاثة ~~الآف من جنود مختلطة ترسل من قبل جميع السلطنات والإمارات. ### | 16 - # تكون القيادة العامة للجنود الحجازية منوطة بقائد من قبل إحدى الإمارات ~~الصغيرة. ### | 17 - # يكون القائد تحت أمر هيئة الشورى مدة انعقادها. ### | 18 - # هيئة الشورى تكون تحت حماية الجنود المختلطة. # أما وظائف الشورى العامة فيقتضي أن لا تخرج عن تمحيص أمهات المسائل ~~الدينية التي لها تعلق مهم في سياسة الأمة، وتأثير قوي في أخلاقها ونشاطها. ~~وذلك: مثل فتح باب النظر والاجتهاد # PageV01P236 # تمحيصا للشريعة، وتيسيرا للدين، وسد أبواب الحروب والغارات والاسترقاق ~~اتباعا لمقتضيات الحكمة الزمانية. # وكفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة والاستفادة من إرشاداتها وإن ~~كانت غير مسلمة، وسد أبواب الانقياد المطلق ولو لمثل عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه. # وكفتح باب أخذ العلوم والفنون النافعة ولو عن المجوس، وسد باب إضاعة ~~الأوقات بالعبث، ونحو ذلك من أمهات المنجيات والمهالك. # ثم قال الأمير: وبمثل هذا الترتيب تنحل مشكلة الخلافة، ويتسهل عقد اتحاد ~~إسلامي تضامني تعاوني يقتبس ترتيبه من قواعد اتحاد الألمانيين ~~والأمريكانيين مع الملاحظات الخاصة. وبذلك تأمن الحكومات الإسلامية ~~الموجودة على حياتها السياسية من الغوائل الداخلية والخارجية، فتتفرغ ~~للترقي في المعارف والعمران والثروة والقوة، مما لا بد منه للنجاة من ~~الممات. وما اجدر إمارات الجزيرة بالسبق إلى مثل هذا الاتحاد. # قال الصاحب: يستشف من ظاهر فكر مولاي الأمير، انه لا يجوز الاتكال على ~~الملوك العثمانيين العظام في أمر ms112 الخلافة، علاوة على السلطنة. # PageV01P237 # قال الأمير: أني احب العثمانيين للطف شمائلهم، وتعظيمهم الشعائر الدينية، ~~ولكن النصيحة للدين تستلزم قول الحق. وعندي أن حضرات آل عثمان العظام ~~أنفسهم، إذا تدبروا، لا يجدون وسيلة لتجديد حياتهم السياسية أفضل من ~~اجتماعهم مع غيرهم على خليفة قرشي. # قال الصاحب: أخبرني، أيها الأمير، أحد أعضاء الجمعية أنه لما رأى السيد ~~الفراتي يميل للتنقيب عن سياسة العثمانيين، واستمالة الجمعية عليهم لا لهم، ~~ذكر له ذلك مرة متلوما، وقال له: إلا ينبغي ستر أحوالهم والمدافعة عنهم، ~~لأنهم أعظم دولة إسلامية موجودة. فأجابه: # بان ذلك كذلك لولا أن فيه تغرير المسلمين، وتركهم متكلين على دولة ما ~~توفقت لنفع الإسلامية بشيء في عز شبابها، بل أضرتها بمحو الخلافة العباسية ~~المجمع عليها، وتخريب ما بناه العرب، وإفناء الأمة بفتوحاتها شرقي أوربا ~~ومدافعاتها، وإنه لا يقصد بكشف الحقيقة وإظهارها غير إزالة الغرور والاتكال ~~المستوليين على جماهير المسلمين بسبب عدم التأمل. ثم قال له: # أليس الترك قد تركوا الأمة أربعة قرون ولا خليفة، وتركوا # PageV01P238 # الدين تعبث به الأهواء ولا مرجع، وتركوا المسلمين صما بكما عميا ولا ~~مرشد؟ # أليس الترك قد تركوا الأندلس مبادلة. وتركوا الهند مساهلة، وتركوا ~~الممالك الجسيمة الآسيوية للروسيين، وتركوا قارة إفريقيا الإسلامية ~~للطامعين، وتركوا المداخلة في الصين كأنهم الأبعدون؟ # أليس الترك قد تركوا وفود الملتجئين يعودون خائبين، وتركوا المستنصرين ~~بهم عرضة للمنتقمين، وتركوا ثلثي ملكهم طعمه للمتغلبين؟ # أفما آن لهم أن يستيقظوا ويصبحوا من النادمين على ما فرطوا في القرون ~~الخالية، فيتركون الخلافة لأهلها والدين لحماته؛ وهم يحتفظون على بقية ~~سلطنتهم، ويكتفون بشرف خدمة نفس الحرمين، وبذلك يتقون الله في الإسلام ~~والمسلمين. # وقال أيضا: انه غير متعصب للعرب، وإنما يرى مالا بد أن يراه كل حر مدقق ~~يتفحص الأمر: من أن الغيرة على الدين وأهله والاستعداد لتجديد عز الإسلام، ~~منحصران في أهل المعيشة البدوية من العرب. إذ يرى أن المشيئة الآلهية حفظهم ~~من تلك الأمراض # PageV01P239 # الأخلاقية التي لا دواء لها: كفالج الحرية في الحواضر، باعتقاد أهلها ~~أنهم خلقوا أنعاما ms113 للأمراء، وكجذام التربية في المدن بوضعهم النساء في مقام ~~ربائط للاستمتاع. وكطاعون الحياء في بعض الأقوام بالفتهم اللواط المميت ~~للأخلاق الشريفة دفعة الذي جزى الله أهله بخسف الأرض بهم تطهيرا لها منهم , ~~وكوباء النشاط في أهل الأراضي الخصبة، حيث يسهل أن يغنوا، فيبطروا، فتفسد ~~أخلاقهم فيخسرون الدنيا والآخرة. # قال الأمير: نعم الرأي ونعم التدقيق # قال الصاحب: أن ما ذكر مولاي من حصر صفة الخلافة في خليفة قرشي في مكة، ~~ترتبط به جميع السلطنات والإمارات الإسلامية ارتباطا دينيا؛ وما وصف من ~~تشكيل الشورى العامة المؤيدة لهذا الارتباط الديني، لأمر عظيم جدا. والغالب ~~أن الدول المسيحية التي لها رعايا من المسلمين، أو المجاورة للمسلمين، ~~تتحذر من أن يجر جمع الكلمة الدينية على رابطة سياسية تولد حروبا دينية، ~~فتعمد هذه الدول إلى عمل الدسائس والوسائل لمنع حصول هذا الارتباط أساسا. ~~فما هو التدبير الذي يقتضي اتخاذه أمام تحذر الدول من ذلك. # PageV01P240 # قال الأمير: لا يفكر هذا الفكر غير الفاتيكان وأحزابه الجزويت وأمثالهم، ~~أما رجال السياسة في إنكلترا وروسيا وفرانسا، وهي الدول العظام التي يهمها ~~التفكير في هذا الشأن، فقد علمتهم التجارب النتائج الآتية وهي: ### | 1 - # أن المسلمين لا ينتصرون أبدا، لا سيما في زمان يبتعد فيه النصارى عن ~~نصرانيتهم. ### | 2 - # أن المسلمين المتنورين أفرادا وجموعا أبعد عن الفتن من الجاهلين. ### | 3 - # أن العرب من المسلمين أقرب من غيرهم للألفة وحسن المعاملة والثبات على ~~العهد. # فإذا أرشد أولئك السياسيون لأن يضموا إلى معرفتهم هذه، علمهم أيضا ~~بالأحكام الإسلامية في مسألة الجهاد التي يتهيبونها، علما يستخرجونه مما ~~عندهم من تراجم القرآن الكريم، لا من مؤلفات متعصبي الطرفين، حيث يجدون ~~نحوا من خمسين آية بأساليب شتى، كلها تنهى عن الإلحاح في الهداية إلى ~~الدين، فضلا عن التشديد والإلزام بالقتال، كقوله تعالى: {إنك لا تهدي من ~~أحببت} ، # PageV01P241 # {وجادلهم بالتي هي احسن} و {لست عليهم بمسيطر} ويجدون آيتين في التشديد ~~إحداهما {فاصدع بما تؤمر} {والآخري} (وجاهدوا في سبيل الله} ؛ وبمراجعة ~~أسباب نزول هاتين الآيتين يعلمون انهما نزلتا في ms114 حق المشركين والكتابيين من ~~العرب، ولا يوجد في القرآن ملزم لاعتبار عمومية حكمهما. # وإذا دققوا البحث، يجدون أن ليس في علماء الإسلام مطلقا من يحصر معنى ~~الجهاد في سبيل الله في مجرد محاربة غير المسلمين، بل كل عمل شاق نافع ~~للدين والدنيا، حتى الكسب لأجل العيال، يسمى جهادا. # وبذلك يعلمون أن قصر معنى الجهاد على الحروب كان مبنيا على إرادة ~~الفتوحات، والتوسل للتشجيع حين كان مجال للفتوحات، كما أعطي اسم الجهاد ~~مقابلة لاسم الحروب الصليبية التي أصلى نارها المسيحيون. # ثم بعطف نظرهم إلى التاريخ، يجدون أن العرب منذ سبعة قرون لم يأتوا حربا ~~باسم الجهاد. وما كانت تعديات أساطيل إمارات الغرب إلا من قبيل (القرصان) ~~الذي كان مألوفا عند جميع إمارات الأرخبيلين الصقلي واليوناني وكلهم نصارى. ~~أما غارات التاتار # PageV01P242 # على شمالي أوروبا غارات الترك على شرقها، فكذلك ليست من نوع الجهاد ولا ~~من الحروب الدينية، وإنما هي من ملحقات غارات البرابرة الشماليين على ~~أوروبا. ويجدون انهم كما أغاروا على أوروبا أغاروا على البلاد الإسلامية، ~~ثم اسلم التاتار وحسنت أخلاقهم. # أما الترك، فإذا دقق الأوربيون سياستهم، يجدونهم لا يقصدون بالاستناد ~~للدين غير التلاعب السياسي وقيادة الناس إلى سياستهم بسهولة، وإرهاب أوروبا ~~باسم الخلافة واسم الرأي العام. وعدم اشتراك البلاد العربية في المذابح ~~الأرمنية الأخيرة، برهان كاف على أن الإسلامية بمعزل عن المجافاة، لأن ~~العرب يفهمون معنى القرآن فيدينون به. وقد يندهش الأوربيون إذا علموا أن ~~السياسة التركية لم يوافقها أن تترجم القرآن إلى اللغة التركية إلى الآن. # ولدى رجال السياسة دليل مهم آخر على أن أصل الإسلامية لا يستلزم الوحشة ~~بين المسلمين وغيرهم، بل يستلزم الألفة؛ وذلك أن العرب أينما حلوا من ~~البلاد، جذبوا أهلها بحسن القدوة والمثال لدينهم ولغتهم، كما أنهم لم ~~ينفروا من الأمم التي حلت بلادهم وحكمتهم، فلم يهاجروا منها كعدن وتونس ~~ومصر بخلاف الأتراك، بل يعتبرون دخولهم تحت سلطة غيرهم من حكم الله لأنهم ~~يذعنون لكلمة ربهم # PageV01P243 # تعالى شأنه: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} . # فإذا علم السياسيون ms115 هذه الحقائق وتوابعها لا يحذرون من الخلافة العربية، ~~بل يرون من صوالحهم الخصوصية، وصوالح النصرانية، وصوالح الإنسانية، أن ~~يؤيدوا قيام الخلافة العربية بصورة محدودة السطوة، مربوطة بالشورى على ~~النسق الذي قرأته عليك. # ثم على فرض أن بعض الدول ولو المسلمة أرادت عرقلة هذا الأمر، فهي لا تقوى ~~عليه، لأن أفكار الأمم لا تقاوم ولا تصادم، على أني لا أظن بمثل فرانسا أن ~~تنخدع لرأي أنصار الجزويت، لا سيما بعد أن تعلمت من الإنكليز كيف تسوس ~~المسلمين، فأبقت لتونس أميرها، فاستراحت مما عانته قبلا من الجزائر بسبب ~~السياسة التعصبية الخرقاء. # قال الصاحب: استشف من كلام مولاي الأمير أن أمله ضعيف في تشكيل جمعية ~~تعليم الموحدين، مع انه معجب بإتقان التدبير. # قال الأمير: أن دون تشكيل الجمعية بعض عوائق مالية شتى، وأرجوا اله تعال ~~أن يزيلها. # قال الصاحب: إنني جاهد في الوقوف على خبر السيد الفراتي، # PageV01P244 # ولعلي اظفر بمعرفته فاجتمع به أو أكاتبه، فهل لمولاي الأمير رأي أو أمر ~~أبلغه إياه إذا ظفرت به؟ # قال الأمير: نعم إذا ظفرت بمعرفته فأقرئه مني السلام، وبلغه عني هذه ~~الجمل: وهي أني أثني على صدق عزيمته، وعلى حسن إنتخابه رفقاءه، وأوصيه ~~بالثبات والإقدام ولو طال المطال، وأن يحرص على إبقاء علاقته مع أعضاء ~~جمعية أم القرى باستمراره على مكاتبتهم وإن لا يقنط من مساعدة القسطنيطينية ~~أو مصر او مراكش أو طهران أو كابل أو حائل أو عمات، لا سيما بعد انعقاد ~~جمعية تعليم الموحدين ورسوخها. # قال الصاحب: إذا ظفرت به عن شاء الله أبشره بتحية مولاي الأمير، وأبلغه ~~كل ما أمر به. (انتهت المحاورة) يقول السيد الفراتي: قد ألحقت هذه المحاورة ~~بسجل المذاكرات، وكتبت بها إلى باقي الإخوان، وذلك تنويها بشأن حضرة الأمير ~~المشار إليه، وشكرا على غيرته وتبصيراته، وافتخارا بحسن ظنه ونظره في هذا ~~العاجز، وتبشيرا لجنابه وللمسلمين بأن جمعية أم القرى قد احكم تصورها ~~وتأسيسها، فهي بعناية الحي القيوم الأبدي حية قائمة أبدا. PageV01P245 ms116