######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004052 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ عباس ( نجل الشيخ حسن صاحب كتاب أنوار الفقاهة ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1323 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسالة في الإمامة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004052 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4052_رسالة-في-الإمامة-الشيخ-عباس-(-نجل-الشيخ-حسن-صاحب-كتاب-أنوار-الفقاهة-) #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، ~~ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. # الرابع من أصول الدين: # الإمامة وهي الاعتقاد والتدين بإمامة الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # والأمام عند الإمامية رضوان الله عليهم: - هو الوارث لعلم النبي ورياسته ~~بعده المتخلق بأخلاقه، والمتحلي بأوصافه الجميلة، والخالي من جميع الأخلاق ~~الرذيلة، السالك في الأمة سلوكه والثابت له كلما ثبت له عدا ربقة النبوة من ~~السياسة والرياسة ووجوب الإطاعة، والعالم بالأحكام جملة حتى أرش الخدش علما ~~حضوريا، لا يعزب عنه شئ منها، وإن كان إراديا في غير الأحكام مما كان ويكون ~~حسب ما تقرر ذلك في كيفية علم الإمام (ع) ويلزم إن يكون معينا ومنصوبا من ~~قبل النبي (ص) ولا يكفي نصب الأمة له، وهذه المسألة من أعظم مسائل أصول ~~الدين، وهي معركة الآراء بين العامة والخاصة، فكم زلت بها الأقدام، وحادت ~~فيها عن الحق أقوام بلا تروي ولا بصيرة حتى هلكوا وأهلكوا، والعقل والنقل ~~لا يعذران الغافل والمتغافل، ولا من أخذته حمية الآباء فاقتدى آثارهم وسلك ~~PageV00P001 # سبيلهم، بل لو أدعي عدم وجود جاهل قاصر في هذا العصر عن هذا الأمر لم يكن ~~بعيدا، فمن خلع برود العناد، ونظر بعين الإنصاف، وجانب جادت الاعتساف هداه ~~الله إلى سواء الطريق، فإن النبوة والإمامة من واد واحد فمن أنكر أو حاد عن ~~إحداهما أنكر الأخر وحاد عنه، وإن اعترف به لسانه أو عقد عليه قلبه، فإن ~~ذلك لا يجدي في الخلاص من العذاب الدائم والخلود الأبدي في سقر وهو الكفر ~~الباطني، وفي الأثر الصحيح (من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية) وفيه ~~بالمعنى لو إن عبدا صلى وصام، وجاء بالفرض والسنة مدة عمره ثم لم يعرف ~~ولاية ولي الله فيواليه، ولا يتبرى من معاديه لا ينفعه ذلك كله، فإن النبي ~~والإمام معا سفيرا حق منصوبان من جانب الله تعالى، والإقرار بأحدهما لا ~~يكفي، وإنكار أحدهما كفر، نعم مشهور أصحابنا على عدم نجاسة منكر الإمامة، ~~وهو ms001 لا ينفي الكفر، فإن ارتفاع حكم من أحكام الكفر لمصلحة لا يوجب ارتفاعه ~~بعد إجماعهم على عد أصول الدين خمسة، واتفاقهم بأن المنكر لأحدها كافر وأما ~~العامة فلا يرون إن الإمامة من أصول الدين، وظاهرهم إنهم يرون إنها من ~~الفروع، حيث إنهم حصروا الأصول بالتوحيد والنبوة والمعاد وبنوا على إن ~~الاعتقاد بالإمامة من واجبات الشريعة على حد وجوب الصلاة والصوم وباقي ~~الفروع الضرورية، وظاهر إن مقالاتهم إن تعيين الإمام واجب عيني على الأمة ~~لتوقف بعض الشرعيات على ذلك، كإجراء الحدود وسياسة الإسلام وغير ذلك مما لا ~~بد له من وال يقوم به، وذلك مما لا مدخليه له في حقيقة الإسلام، ~~PageV00P002 # بل له مدخليه في توقف النظام، فإذا أجمع الأمة على نصب واحد مشخص أو نصب ~~نفسه، وتعقبه رضاء العموم وجب عليهم حينئذ إطاعته والانقياد له ما دام ~~قائما بتلك الوظائف الشرعية، وصريح مقالة بعضهم أن لو زاغ أو مال به الهوى ~~فترك سياسة المسلمين خلع وإن لم تخلعه الأمة، وما دام باقيا عليها حرم ~~البغي عليه ووجب جهاد من خرج عن طاعته وقتله، وإن قتله من باب إجراء الحد ~~كإجرائه بالنسبة إلى المفسد والمحارب، وحيث قام الحرب بين الفريقين على ~~ساق، وكل منهما جاء بالدلائل والبراهين على صحة ما ذهب إليه، ودونت في ذلك ~~الكتب للفريقين لا بأس علينا بأن نكشف النقاب عن ذلك في هذه الرسالة، وانظر ~~إلى ما قيل، وجانب الاعتساف فإنا قد أنصفناهم غاية الإنصاف، وربما أثرنا ~~فيها إلى الرائق من أدلة الطرفين بأوضح إشارة، وأضفنا إلى ذلك ما سنح في ~~ذهن هذا العبد الطالب للتوفيق من مبديه رجاء إن يكون ثالث العمل الذي لا ~~ينقطع، وإن يسهل الأمر على طالب الحق فلا يراجع كتب الفريقين، فإن فيما ~~نذكر كفاية للبصير النيقد، وأوضحنا عباراتها لينتفع بها العالم والمتعلم، ~~وقبل الشروع في المقصود لا بد من ذكر مقدمات تورث سهولة المطلب للطالب: - ~~المقدمة الأولى إنا قد أشرنا قبل إجمالا بأن النزاع دائر بين النفي ~~والإثبات في النبوة بين ms002 المسلم والكافر، فمنكر النبوة في قبال مدعيها ناف، ~~ومدعيها مثبت، وعلى المثبت الدليل، ومثله النزاع في الإمامة فإن مدعيها على ~~الوجه الذي تقوله الشيعة مثبت في قبال النافي لها فيحتاج المثبت إلى الحجة ~~لا النافي، فلا وقع حينئذ لما يتخيل من إن العامة كالخاصة PageV00P003 # يعترفان بالإمامة إجمالا غير إن كل منهما يدعي إمامة شخص بخصوصه، فالعامة ~~تقول بإمامة الخلفاء والخاصة ترى إمامة علي (ع) وأولاده الأحد عشر عليهم ~~السلام، لأن دعوى خلافة الخلفاء لا تمكن إلا بعد الفراغ من بطلان دعوى ~~الإمامية في إثبات الإمامة على وجه السابق من إن ذلك بتعيين الله والرسول، ~~وعليه فبين الدعويين ترتب طبيعي إذ مستند دعواهم الإجماع المحكي في ألسنتهم ~~حيث لا نص قاطع في الإمامة، ومستند دعوى الإمامية ورود النص الواجب اتباعه ~~بما اعتقدوه من الإمامة، فيلزم أولا إبطال حجتهم ثم إيراد الدليل على خلافة ~~الخلفاء، وليس لقائل إن يقول بعدم الفرق بين خلافة الأمير (ع) وبين خلافة ~~غيره بحيال إن كل منهما قابل لإقامة الدليل عليه، فدعوى كل منهما يحتاج إلى ~~البرهان، فإذا ثبت أحدهما بدليله بطل الثاني، وقد أورد علماء العامة من ~~الأدلة العقلية والنقلية على خلافة الخلفاء ما يغني عن التفكر في أدلة ~~الإمامية وحينئذ لا يلتفت إلى أدلتهم في إثبات خلافة الأمير (ع) لما هو ~~مقرر من إن قيام الدليل العلمي على أحد الضدين يورث العلم الإجمالي بفساد ~~أدلة الضد الأخر، ولا حاجة إلى التعرض إلى نقض أدلة الضد الأخر والجواب ~~عنها تفصيلا، وتعرض علمائهم للجواب عنها تفصيلا إنما كان لرفع الشبهة عن ~~جهالهم إذ ذلك كلام شعري لا محصل له فإن لم ندع إن خلافة الخلفاء لا تحتاج ~~إلى الدليل أو إنها ليست بضد لخلافة الأمير (ع)، PageV00P004 # أو إن الدليل على حقيقتها لا يكون دليلا على فساد خلافة الأمير (ع) وإنما ~~قلنا بأن دعوى الإمامية بإمامة حضرة أسد الله الغالب (ع) بحسب المرتبة لها ~~تقدم على دعوى المخالفين بحقية خلافة الخلفاء غيره، فإذا لم تبطل هذه ~~الدعوى لا ms003 يمكن إثبات دعواهم على حقية خلافة خلفائهم نظير ذلك مثلا لو قبض ~~الحاكم الشرعي مال من لا وارث له بحسب الظاهر، وأراد صرفه فيما يترجح في ~~نظره من المصارف، ثم حصل من يدعي إنه يرث صاحب المال المقبوض، فإن الحاكم ~~ليس له قطع المدعي بإقامة الدليل على صرفه فيما ترجح في نظره من المصارف، ~~بل اللازم عليه أن يسمع تلك الدعوى من مدعيها فإن اتضحت لديه بطريق شرعي من ~~بينة وغيرها رفع يده عن المال، وإلا فعليه بيان دليل صحت المصرف وغب (1) 1 ~~بيانه صرف المال في مصرفه، وهذا أمر لا يسع الخصم إنكاره ولو ادعى الخصم ~~بأن خلافة الخلفاء عند مثبتها كخلافة الأمير (ع) في كونها بالنص لا ~~بالإجماع، فحينئذ لا مسرح لترتب المذكور، بل تحصل المعارضة، ويفزع إلى ~~الترجيح لرددناه بأن ذلك لو قيل به فهو مخالف للإجماع من العامة في ثبوتها ~~بالإجماع عندهم دون النص، ومخالف لما تواتر عن عمر ورواه المعتبرون من أهل ~~السنة والجماعة في قضية الشورى من قول عمر لابن عباس أن أترك الاستخلاف ~~فلقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله (ص)، وأن استخلف فقد استخلف من هو ~~خير مني يعني به أبا بكر في # PageV00P005 # حقه، ثم ما معنى الشورى بعد النص وما معنى الأمر بقتل المستخلف بالنص من ~~النبي (ص) فما ذلك إلا اختلاق فلا يلتفت حينئذ إلى لقلقة الرازي وبعض من ~~تبعه وتلفيقا تهم في إثبات خلافة بن أبي قحافة ببعض الإبهامات والنصوص التي ~~بعد إمعان النظر فيها هي كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وعساك تقف في ~~طي كلماتنا الآتية على ما يوضح ذلك أي إيضاح فانتظر. # المقدمة الثانية: - إن خوارق العادات المعبر عنها بالكشف والكرامات لو ~~حصل لشخص يدعي النبوة أو إمامة من جانب الحق سبحانه، فهي مما يعول عليها ~~ويثبت بذلك المنصب المدعى من نبوة أو إمامة، وهي التي يطلق عليها بالمعجزة، ~~وبها ثبتت نبوة أكثر الأنبياء، وأما حصولها عند غير من يدعي ذلك، فهي من ms004 ~~التمويهات التي لا طائل تحتها، ولا بد من ظهور بطلانها، فإن محض جريان خارق ~~العادة على يد شخص، لا يثبت مطلبا أبدا، لا بحسب الشرع، ولا بحسب العادة، ~~بل لا يقضى أكثرها بجلالة من حصلت منه لإمكان أن تكون من تأثيرات بعض ~~الأسباب والطلسمات، وعسى إن بعضها يورث البعد من الله تعالى، فإن من ~~المشاهد إن بعض خوارق العادة كثيرا ما ظهرت من بعض الكفرة المرتاضين ~~والملحدين من المفسدين. # والحاصل إن خوارق العادة لو ظهرت ممن يدعي منصبا يتعلق بالخالق، ويستدل ~~بها على حقيقة منصبه، يثبت بها ذلك المنصب الإلهي، وتسمى بالمعجزة، وأما ~~مجرد ظهورها ممن لا يدعي منصبا إلاهيا أو يدعيه ولا يستند بما ظهر منه على ~~إثبات تلك الدعوى، فظهورها كعدمه بالنسبة إلى ذلك الشخص لا تدل على شأن ~~PageV00P006 # من الشؤون، ولا منصب من المناصب وذلك أمر بديهي لا يحتاج إلى تجشم ~~الاستدلال. # المقدمة الثالثة: - إنك بعد ما عرفت إن وجوب نصب الإمام عند المخالفين هو ~~على الأمة لا على الله تعالى ورسوله، وإن مسألة الإمامة من فروع الدين لا ~~من أصوله، على خلاف ما تدعيه الفرقة المحقة، ومر عليك في المقدمة الأولى إن ~~النزاع في مسألة الإمامة راجع إلى النفي والإثبات، وينبغي إن تحيط خبرا بأن ~~كل دليل تركن إليه الإمامية في تنوير دعواهم، وإثبات مدعاهم من آية أو نص ~~ينافي طبعا ما تعلق به أهل الخلاف من ذلك بتعيين المخلوقين من الأمة، ~~فحينئذ ثبوت أدلة الفرقة المحقة قاض بفساد خلافة الخلفاء، وبطلان تصرفهم في ~~الأمور الراجعة إلى منصب الإمامة، ولا يحتاج بعد إلى نصب دليل على فساد ~~خلافة الخلفاء، ولا إلى التفكر في أدلتهم نقضا وإبراما، بل أدلة الشيعة ~~حاكمة على تلك الأدلة ومزيلة لها، إذ الأدلة التي تعلقوا بها على إثبات ~~خلافة الخلفاء لا تخلو عن وجهين: لأنها إما أن تقتضي بعدم تعيين إمام بالنص ~~من النبي، وإما أن تكون ساكتة عن تعيين الإمام. # والوجه الأول على ضربين: - - (الأول) إن ما دل منها على عدم ms005 التعيين ~~يعارض الدليل الدال عليه ويقاومه، ومعنى المعارضة هو إن اجتماع الدليلين ~~يستحيل واقعا، ويلزم أن يكون أحدهما حقا والأخر باطلا عقلا. # (الثاني) ما يتوقف دلالته على عدم تعيين الإمام على عدم دليل يقضى ~~بتعينه، فمتى دل دليل على التعيين يسقط دلالته على حقية خلافة الخلفاء ولا ~~تتم. PageV00P007 # الوجه الثاني مع القسم الثاني لا تنافي بينهما وبين ما قضى من الأدلة ~~بالتعيين لأن جمعهما أمر ممكن، نعم ما كان من أدلتهم على الوجه الأول يعارض ~~وينافي الأدلة الدالة على تعيين الإمامة بالنص، ولا يمكن الجمع بينهما ~~البتة، ضرورة إن فرض صدق كل واحد منهما يدل دلالة عقلية إجمالية على فساد ~~الثاني، وأدلة المخالفين إذا تصفحتها ألفيتها تشتمل على جميع الضروب ~~السابقة، لكن ما كان منها من قبيل الوجه الأول قليل وضعيف جدا، وما كان ~~بزعمهم قوي فهو غير نافع وغير مجد لما عرفت من إمكان الجمع بين الدليلين، ~~وسيأتي القول في تفصيل ذلك إن شاء الله. # المقدمة الرابعة: - إن جميع الأمور تنقسم إلى ممكن ومحال والمحال ينقسم ~~إلى محال عادي وعقلي والمحال العادي هو ما حصل العلم بعدم وجوده بملاحظة ~~العادة، والمحال العقلي هو ما استحال وجوده بملاحظة العقل، ولازم المحال ~~العقلي إنه لا يثبت خلافه بدليل عقليا كان الدليل أو عاديا، لأن العادي لا ~~يعارض العقل، والعقليان لا يتعارضان، ولا بد أن يرمى أحدهما بالاشتباه ~~فيكشف المعارض عن إن المعارض - بالفتح - غير محال عقلي، بل ممكن عقلي، وكذا ~~المحال العادي لا يمكن إثباته بالعادة، وإلا يلزم إنه غير محال عادي، نعم ~~يمكن إثبات خلافه بدليل عقلي إذ لا منافاة بين امتناع الشيء بحسب العادة ~~وبين وقوعه بقدرة الله تعالى. # وأما الأدلة الشرعية فقسمان قطعية وظنية: - والأول هو الذي لا يتطرقه ~~احتمال الخلاف، والثاني ما يحتمل فيه ذلك. والقسم الأول لا يقبل المعارضة ~~حتى بالدليل العقلي، ولو PageV00P008 # ورد مثل ذلك معارضا فهو صورة دليل لا دليل عقلي حقيقي، هذا إذا لم يظهر ~~طريق فساده، ولو ظهر كفى الله المؤمنين القتال. ms006 # والثاني وهو الظني وحكمه إنه يبطله الدليل العقلي والعادي ويجعله هباء ~~منثورا لا يعارضانه. # المقدمة الخامسة: - إن الإمامة كالنبوة تثبت بكل ما تثبت به النبوة، ~~وتزيد عليها بأن تثبت بالنص دونها لأنه غير معقول، قتثبت بالمعجزة، وقد ~~تثبت بقرائن الأحوال المفيدة للقطع بها، وتثبت بالنص من النبي (ص). # إذا عهدت هذه المقدمات فلنشرع بالمقصود من إثبات صحة مذهب الإمامية ~~بالأدلة القطعية. وفي المقصود مقاصد: - أولها في إقامة البرهان الساطع على ~~إمامة النور اللامع أسد الله الغالب (ع) وخلافته بلا فصل. # ثانيها إقامة الحجة الواضحة على فساد خلافة الخلفاء، وضلالة من تابعهم، ~~وأوجب إطاعتهم، وإن كان في إثبات خلافة الأمير ما يغني عن إثبات فساد خلافة ~~الخلفاء كما تقدم في المقدمة الثالثة، لكن حيث جرت عادة السلف رضوان الله ~~تعالى عنهم أجمعين على ذلك، لزمنا أن نحتذي مثالهم وإن كان لم يسبقن أحد ~~إلى تدوين مثل هذه المقدمات غير إن الفضل للمتقدم، مضافا إلى إن وضع هذه ~~الرسالة للخواص والعوام، فلا بد من أن نورد فيها ما ينتفع به الفريقان إن ~~شاء الله بتوفيق صاحب الشريعة. # وثالثها في إثبات إمامة باقي الأئمة الإثنا عشر في مقابل الفرق التي تزعم ~~خلاف ذلك، وتقتصر على البعض منهم: - المقصد الأول: - PageV00P009 # إعلم إن علماء الإمامية خلفا عن سلف كم أقاموا الحجج والبراهين على ذلك ~~شكر الله سعيهم حتى إن العلامة الحلي دون كتابا سماه بالألفين أورد فيه ألف ~~دليل عقلي وألف دليل نقلي على هذا الأمر، ولكن بناء الحقير على عدم التعرض ~~لتلك الأدلة بالتفصيل، وإنما نذكر الحجج التي تسلم مقدماتها الخصوم ولا ~~يحتاج فهمها إلى مراجعة غير هذه الرسالة من كتب الأخبار، لأن أكثر ما نذكره ~~لا ينكره المخالف فإن المهم في تأليف هذه الرسالة انتفاع الضعفاء وذي القوة ~~العادي عن الأسباب، وأما من له قوة الترجيح والاستنباط وأخذ الأشياء من ~~مواضعها فحاله حال المؤلف، وفقنا الله لمراضيه وجعل مستقبل عمرنا أحسن من ~~ماضيه، ثم إنا قد آثرنا سابقا في إثبات النبوة، إن الدليل ms007 على ضربين إقناعي ~~وإلزامي، والأول في حق المنصف المائل عن جادة الاعتساف. الثاني في حق ~~العنود الجحود المجادل في البديهيات، والمقدمات الواضحة التي تنتج المقصود ~~حتى لو تحاكما عند ثالث تراضيا عليه صدق المستدل وكذب المنكر، كما لو تواتر ~~خبر مائة بأن وراء الجدار يانع شجر مثمر أو لا ثمرة فيه، وحصل من يرد أنباء ~~تلك المائة، ويدعي إن أخبارهم لا تفيد علما بالمخبر به في حقي، فإن مثله ~~إما خارج عن طريقة العقلاء، وإما يطلقون عليه المعاند الجاحد، والشرط في ~~حصول العلم للخصم صفاء ذهنه من الشبه وسلامة فطرته من الخبائث والقذارات ~~المعنوية، كمن دخل في الإسلام رغبة وأراد أن يميز الفرقة المحقة عن غيرها ~~من الفرق التي تنتهي إلى السبعين أو أكثر، وأما من كان مسبوقا بشبهة تشوش ~~ذهنه منها، أو لم تطهر نطفته، أو أخذته حمية الآباء فاقتفى آثارهم، ~~PageV00P010 # فمثله لا تنفعه الأدلة، وهدايته موقوفة على عناية ربانية، ومن هنا ترى ~~مشايخ أهل الخلاف ممن تبحر في العلوم مال به الهوى، وأخذته الحمية حمية ~~الجاهلية أو الجهالة فلم يحصل لهم العلم من الأدلة الإمامية إلا نفر قليل ~~ممن أذعن بالحق وأعترف بصدق بعد تشيخه، وأسماءهم في كتب الرجال مسطورة، ~~ونسب إلى إمام الحرمين بعدما شاخ هذين البيتين تخف الجبال وهي ثقال حملوا ~~يوم السقيفة أوزارا وهيهات عثرة لا تقال ثم جاءوا من بعدها يستقيلون أشار ~~بهن إلى قول الأول بعد السقيفة (أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم)، ولم يسمع ~~انعكاس القضية، بأن كان الشيعي بسبب نظره في أدلة المخالفين معوجا وزائغا ~~عن مستقيم الصراط، ولو اتفق ذلك لشخص نعوذ بالله لم يدرج في سلسلة العلماء، ~~بل هو من الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، وأراء مثل هؤلاء لا عبرة ~~بها أبدا، ولنرجع إلى الأدلة فنقول: - الأدلة التي أقاموها على المقصود ~~قسمان عقلية ونقلية، والعقلية منها قرر بتقارير: - الدليل الأول: الدليل ~~العقلي أولها: توقف حكم العقل بخلافة الأمير (ع) على إحراز مقدمات لو سلمها ~~الخصم فلا بد له ms008 عقلا من الإقرار بذلك. # المقدمة الأولى: - إن النبي خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، ~~وبقائها إلى يوم القيامة لازم، لأن المفروض إنها خاتمة فلو لم تبق يلزم عدم ~~الختم، والختم من الضروريات مع تصريح الكتاب به، فالبقاء مثله، وقوله تعالى ~~PageV00P011 # (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، أقوى دليل على البقاء إلى يوم ~~الانقضاء. # المقدمة الثانية: - إن البقاء إلى يوم النفخ يحتاج إلى حافظ، ومع عدمه ~~يضمحل شيئا فشيئا، إذ هو في معرض الزوال والاندراس، وتوفر الدواعي إلى ~~اندراسه من وجود الكافر والمنافق وغيرهما، وليس ذلك إلا كالبناء الذي ليس ~~له حافظ فإنه يسقط وإن بني محكما، ومع الحارس والمداومة على إصلاحه يبقى ~~ويدوم، ثم لا فرق بين الدوام والحدوث، فكما إن الحدوث محتاج إلى بعث الرسول ~~من جهة احتجاب النفوس البشرية وعدم لياقتها وقابليتها إلى استفادة الأحكام ~~الإلهية بلا واسطة من مصدرها، فكذلك البقاء حذو النعل بالنعل يحتاج إلى ~~مبين ومرجع وحافظ للأحكام، وهو الذي يطلق عليه الأمام، ولا بد إن يكون ~~معينا ومشخصا لتعرفه الأمة فترجع إليه. # المقدمة الثالثة: - في إن العلم بذلك الحافظ المبين مختص بالله وبرسوله ~~وليس للأمة في ذلك مسرح ولا نصيب لعدم إحاطة عقولهم بمعرفته، فيرجع تعيينه ~~إلى الله وإلى رسوله، ويجب على الله ورسوله تعيينه كي لا تضيع الأمة الطريق ~~فتقع في الضلالة، فإن كان موجودا بين الناس أشارا إليه وعيناه، وإن لم يكن ~~موجودا لزم على الله تعالى إيجاده، وعليهما إرشاد الناس إليه لكي يبين ~~الأحكام ويحفظ النظام، ويقوم بأمور الدنيا والدين. # المقدمة الرابعة: - إنه يلزم أن يكون ذلك الشخص المعين خال عن المفسدة، ~~وصلاحيته للاستخلاف معلوم بين الأمة. PageV00P012 # المقدمة الخامسة: - إنه بعد أن اتضح لزوم تعيين الإمام على الله ورسوله ~~(ص)، وإن في ذلك صلاح أمر الدنيا والدين، وإن ترك المصلحة على الله ورسوله ~~قبيح، فلا جرم إن تستقل حكومة العقل بأن حضرت الرسالة لم تفارق روحه الدنيا ~~إلا بعد أن عين للناس إماما يرجعون إليه في الأحكام، وإلا يلزم أحد محذورين ~~محالين، ms009 أما عدم أمر الخالق جل جلاله بتعيين الإمام، أو إن الرسول (ص) خالف ~~الأمر الوارد من الله بالتعيين، وكلاهما باطلان بالضرورة، فإن عدم أمر الله ~~تعالى بذلك مع الاحتياج إليه قبيح، وهو المنزه عن كل قبيح، على إنه يلزم ~~منه تكليف ما لا يطاق، لأنه مع عدم الأمر بتعيين الإمام، إما أن يريد من ~~الأمة امتثال أحكامه أو لا يريد ذلك، فإن أراد لزم التكليف بالممتنع كما لو ~~أراد الامتثال ولم يرسل رسولا يبين أحكامه، وإن لم يرد ذلك كشف عدم إرادته ~~عن عدم إرادة بقاء الشريعة إلى يوم القيامة، وهو ينافي المقدم المفروض من ~~بقاء الشريعة إلى قيام الساعة، وإن كان الله تعالى أمر رسوله بتعيين من ~~شخصه وعينه للإمامة، والرسول (ص) ما أطاع ولم يبلغ ما أمره به، لزم نسبة ~~العصيان إلى النبي (ص) واللازم باطل باتفاق الإمامية وأهل السنة، إذ لا شك ~~ولا إشكال في وجوب عصمة النبي حال النبوة فيثبت بهذه المقدمة إن الله جل ~~وعلا والرسول (ص) قد عينا للإمامة من يصلح لها. # المقدمة السادسة: - هو إن القبيح لا يصدر من الله ورسوله أبدا، وإن ذلك ~~ممتنع PageV00P013 # في حقهما. # المقدمة السابعة: - إن الذي أمرا بالرجوع إليه وعيناه إماما للرعية هو ~~أمير المؤمنين (ع)، إذ لم يدع التعيين غيره أحد من الناس لما مر عليك بأن ~~كل من ادعى إمامة غيره ينكر أصل وجوب تعيين الله ورسوله للإمام، وينكر ~~وقوعه منهما، وعلى تقدير ثبوته فالإجماع قائم من كل الأمة إن المعين هو ~~الأمير (ع). # وهذا الدليل المركب من هذه المقدمات على الإجمال مذكور في كتب العلماء، ~~ولكن سبق إلى بعض الأذهان القاصرة إنه لا ينتج المقصود، وأظن ذلك من إجمال ~~تعبيرهم لهذا الدليل، وإلا فبعد تحريره على الوجه المذكور لا جرم إنه يفيد ~~العلم الضروري بالمقصود، ومع ذلك فقد وقع في أذهان بعض المشككين من بعض ~~علماء أهل السنة بعض الشبهات في الدليل المزبور، ورد أكثر مقدماته، بل ~~كأنهم لم يعترفوا إلا بالمقدمة الأولى، وهي بقاء ms010 الشريعة إلى يوم القيامة، ~~وناقشوا في باقي المقدمات. # مناقشة المقدمة الثانية: - فقد ذكروا إن الشريعة محتفظة بنفسها لا تحتاج ~~إلى حافظ ومأمونة من الزوال بحسب العادة، وليست هي إلا مثل الكتاب العزيز، ~~فإن الشرع عبارة عن الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، والكتاب لا يحتاج إلى ~~حافظ بل الوجود ببركاته مأمون غير الزمان وآفة الدوران، ولو عرض عليه ~~أحيانا ما يوجب تلفه أو زواله من سوانح الدهر فحفظه نظير محافظة النفوس ~~والأموال والأمور الخطيرة التي PageV00P014 # لا تحتاج إلى وجود شخص معين، على إنه يجب كفاية حفظه على جميع المكلفين ~~نظير حفظ بيضة الإسلام عند خوف غلبة الكفار. # وأما السنة فهي أيضا محفوظة من جهة وجود الصحابة الكرام، فإنهم صحبوا ~~النبي (ص) برهة من الدهر حتى أخذوا أحكام الله تعالى بأسرها منه وتلقوها ~~عنه وبلغوها غيرهم، وأخذتها الناس يدا بيد، أو إحتفظوها كالقرآن ودونها، ~~فهي والقرآن مأمونان من الزوال إلى أبد الآباد، فلا يلزم تعيين حافظ غير ~~الصحابة من جانب الله تعالى، إذ هو تحصيل حاصل نظير بعث نبي بعد نبي في ~~تبليغ شريعة واحدة في عصر واحد، فحينئذ دعوى احتياج الشريعة إلى إمام حافظ ~~مثل النبي ممنوعة أشد المنع، هذا أقصى ما يقرر في الإشكال على المقدمة ~~المزبورة من جانب الخصم، ومع ذلك هو صورة بلا معنى أو هيولا بلا صورة، ~~كسراب بقيعة، فإن قياس السنة بكتاب الله تعالى قياس مع الفارق، نظرا إلى أن ~~الكتاب المجيد صدر من مصدر الجلال الإلهي، والحفاظ والكتاب عند نزوله دونوه ~~وحفظوه وضبطوه أشد الضبط، واجتهدوا في حراسته على حد المحافظة لساير كتب ~~العلوم، حتى إنهم طالما يتنازعون في الهمزة والضمة والكسرة منه، إلى أن ~~دونت الكتب في ذلك، ولذلك كان الكتاب المجيد متواترا وباقيا إلى يوم ~~القيامة نظير الكتب الدينية وغير الدينية الباقية في الناس على الدوام ~~لاشتمالها على المصالح الدينية والدنيوية، أو لميل طباع النوع الإنساني إلى ~~بقاءها كما هو المشاهد في كتب القصص والحكايات والأشعار، وليس الكتاب ~~العزيز بأقل منها. # وأما السنة النبوية ms011 المشتملة على بيان النبي (ص) للأحكام فمن المعلوم إن ~~بيان الأحكام بأسرها دفعة واحدة لم يقع منه، بل غير ممكن PageV00P015 # عادة، وإنما الصادر منه (ص) البيان في مواقع الابتلاء، وفي مقامات ~~الاحتياج للمحتاج عند سؤاله أو ابتلائه بحكم لا يعلمه، ولم ينقل عنه ولا ~~عرف منه إنه عند بيان الحكم لسائل يحضر (ص) جميع الصحابة لسماع ذلك الحكم، ~~أو جمعا منهم يفيد قولهم القطع إذا نقلوا الحكم وضبطوه، أو إن الصحابة ~~تصدوا لهذا الأمر بحيث لم يصدر حكم من النبي (ص) إلا وضبطوه وحرروه على نسق ~~اهتمامهم بضبط المنزل من القرآن وتدوينه، حنى إنه عين لكتابة الوحي أربعة ~~عشر كاتبا، والقرآن كان ينزل منجما، وكان كلما هبط الأمين بشيء منه، كتبه ~~أولئك ودونوه وضبطوه ونشروه بين الصحابة، ولا كذلك السنة قطعا، نعم نحن لا ~~ننكر بأن جمعا من الصحابة تصدوا لحفظ الحديث واجتهدوا في ضبطه لكن كونهم ~~اتفقوا على تلك المحفوظات واتفاقهم عليها صار سببا لبقائها بحيث صارت ~~كالكتاب أمر غير معلوم، بل المعلوم عدمه وإن كان ذلك يدعى أو ذلك قد يقال ~~به في بعض المتواترات من الأحاديث، فنحن ما ادعينا السلب الكلي، بل إنما ~~أنكرنا الإيجاب الكلي الذي لا ينافيه الاعتراف ببعض الأفراد، وحينئذ فينحصر ~~الحفظ في جملة السنة النبوية بما تواتر وحصل الاتفاق عليه من الصحابة، فلا ~~يقال للصحابة إنهم حافظين إلا في هذا المقدار، ويختص الحفظ بمن أدرك شرف ~~الحضور، وأقتبس من ذلك النور، وإما من شحطت دياره عن المدينة فلا يأتيها ~~إلا إلماما، وكذلك التابعين وتابعيهم إلى زماننا هذا فلا يجري هذا المعنى ~~في حقهم، نعم تلقوه منهم يدا بيد وأخذوه عنهم بلا اختلاف يلزم قبوله، ولكن ~~ذلك أقل قليل لا يف بمثقال ذرة من الأحكام PageV00P016 # ولا يتم به المقصود من بقاء الشريعة، أنى وكل واحد من الصحابة محتاج إلى ~~الآخر، كاحتياج الآخر إليه في محفوظاته، والبعيد من الأمة لا شك باحتياجهم ~~إلى الأحكام أشد الاحتياج وقول أحاد الصحابة في حقهم لا يفيد ظنا فضلا ms012 عن ~~العلم لظهور وجود الطعن في حقهم الذي صار به كالشبهة المحصورة فيهم، وعلى ~~ما حررناه فالشريعة معطلة بين الصحابة حيث لم يكن عند كل واحد منهم جميع ~~الأحكام، وعند غيرهم ممن بعد عنهم أو جاء بعدهم أشد تعطيلا. ولو سلمنا ~~احتفاظ الشريعة من جهة وجود الصحابة في العصر الأول، فلا نسلمه قطعا في ~~الأعصار اللاحقة، وبقاء الشريعة إلى أبد الآباد لا يمكن إن يكون مستندا إلى ~~محفوظات الصحابة في العصر الأول، ولا يسع الخصم ادعاء ما هو ضروري البطلان ~~وأوهن من بيت العنكبوت. لا يقال إن بقاء الشريعة مطلوب في جميع الأعصار على ~~نسق طلبه في عصر النبي (ص)، ومعلوم إن ما كان في عصره (ص) هو بيان كليات ~~المسائل، وهي التي تتحملها نوابه ورسله إلى النواحي، وأما الجزئيات فكانوا ~~يجتهدون فيها، كما إن النبي (ص) بنفسه كان أيضا يجتهد في الجزئيات، وقد ورد ~~عنه وتكرر منه في كثير من القضايا والمحاكمات إنه كان يشاور أصحابه، ودعوى ~~إنه كان لا يعمل إلا بالوحي لا بالاجتهاد ولا المشورة حتى في الجزئيات كما ~~تدعيه الإمامية لا يعترف بها الخصم، وهي عنده في غاية الضعف، فتلخص من هذا ~~النظر إن حفظ الشريعة بما اتفق عليه الصحابة من الأحكام بانضمام اجتهادهم ~~في الجزئيات، وانضمام اجتهاد الولاة والنواب فيها عن تلك الكليات المأخوذة ~~من الصحابة في جميع الأطراف PageV00P017 # والجوانب البعيدة والقريبة وهذا المقدار من الحفظ غير قابل للإنكار في ~~العصر الأول، بل في جميع الأعصار منظما ذلك إلى الأحكام القرآنية، وكون ~~المطلوب من الحفظ أكثر من ذلك غير معلوم فلا يتم الدليل المزبور، ولا يلزم ~~به المنكر بل ولا المشكك، لأنا نقول إن الدليل على بقاء الشريعة لا يخلوا ~~من أمرين: - أحدهما الإجماع والضرورة. والثاني الكتاب والسنة. # فأما الإجماع والضرورة فإنما يدلان على البقاء فقط، وأما كيفيته فما كانا ~~ليدلان عليها فهما إنما يقضيان ببقاء الشريعة في الجملة من دوام الاعتقاد ~~بالمعارف وضروريات الفروع. # وأما الكتاب والسنة فالمستفاد منهما بقاء الأحكام الواقعية الإلهية إلى ms013 ~~يوم الدين على نهج واحد، وفي قوله تعالى (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ (والحديث المتواتر (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه كذلك) ~~وأمثاله من السنة، صراحة بينه ودليل قاطع على ما ذكرنا من بقاء الأحكام ~~الواقعية إلى يوم القيامة على ما نزلت، ومن البديهيات التي لا تقبل الإنكار ~~إن من الممتنع المستحيل أن تبقى الشريعة من دون تغيير وتبديل وزيادة ونقصان ~~على نهج زمان نزول الوحي وعصر حضرت الرسالة إلى أبد الآباد بلا حافظ رباني، ~~وعالم حقاني يتلقى الأحكام من مصادرها ومواردها، ويعرف محكمها ومتشابهها، ~~وبالجملة إن الله تعالى إذا جرى في علمه إرادة بقاء الشريعة بما هي عليه من ~~غير تغيير وتبديل يلزمه عقلا أن يعين لذلك عالم معصوم من الزلل في جميع ~~الأعصار حتى تتم الحجة في إرادة وإلا يلزم PageV00P018 # الحكم بعدم إرادته لذلك، ولا يعقل القول بأن إرادة ذلك مع عدم النصب ~~يجتمعان، إذ ذلك أمر لا يمكن اجتماعه في المخلوق فضلا عن الخالق. # ولو ادعى الخصم بأن التغيير والتبديل من لوازم الاجتهاد، والاجتهاد واقع ~~في عصر النبي (ص)، ومعمول به بالبداهة واعتقاد أهل السنة على جواز اجتهاد ~~الرسول في الجزئيات، فكيف بسفرائه وأمنائه في الأصقاع والبلدان؟ ومنه يظهر ~~إن التأبيد المذكور في الخبر لحرامه وحلاله يجتمع مع التغيير والتبديل ~~الاجتهادي، ولا منافاة بينهما، فالمراد بالتأبيد بقاء الكتاب المجيد ~~والأخبار المتواترة والفروع الضرورية. وأما غيرها من الجزئيات يرجع فيها من ~~له قابلية الاجتهاد إليه في جميع الأعصار من العلماء وحفظة الأحاديث. # والحاصل إن أحكام الله تطلب وتراد من الأمة في الأزمنة المتأخرة على نحو ~~ما كانت تطلب في عهد النبي (ص)، فكما إنها في زمانه مستغنية عن حافظ معصوم ~~كذلك في باقي الأعصار، وإرادة أكثر من ذلك لا دليل عليه بل في ملاحظة حال ~~السلف وحال أهل عصر النبي أقوى دليل على ذلك. لأجبناه: - أولا: إنا ننكر ~~اجتهاد النبي (ص) في جزئيات الأحكام وننكر معلومية ذلك في الأمة، وجريان ~~العمل عليه، فإن القول ms014 بذلك خلاف قوله تعالى (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا ~~وحي يوحى (وغير ذلك مما يفيد مفاد الآية. # وأما رسله وسفراؤه في الأصقاع فمن الممكن المحتمل إنهم PageV00P019 # لا يعملون إلا بما سمعوه أو علموه من حضرت الرسالة، والحوادث الواقعة لا ~~يفتون بها ولا يحكمون إلا بعد مراجعة النبي (ص)، وما هم إلا كنواب المجتهد ~~في هذا الزمان بتبليغ الأحكام إلى المقلدين، فإن ما يحدث من الوقائع وما لم ~~يسمعوه من المجتهد ولم يروه في زبره ورسائله لا يفتون الناس به بالاجتهاد ~~أبدا بل يتوقفون من الإفتاء حتى يراجعوه، وإبداء هذا الاحتمال يكفي في نهوض ~~الدليل العقلي على إثبات مدعانا بتقرير إن الكتاب والسنة صرحا ببقاء ~~الأحكام الإلهية إلى منتهى الأبد، والتغير والتبديل الاجتهادي ينافي الأمر ~~بالبقاء المذكور وإن كان في الجزئيات من الحوادث، والتحفظ عنها حادثة ~~موقوفة على حافظ معين فإذا لم يثبت العمل بالاجتهاد في الجزئيات في زمن ~~الحضور مطلقا، بل هي محتاجة إلى السماع ثبت وجوب وجود الحافظ ليرجع إليه ~~فيها، والقول بثبوت ذلك يلزمه التصرف والتأويل لما قضى بتأبيد الأحكام ~~مطلقا، والتأويل خلاف الظاهر بل يحتاج إلى الدليل، فالحكم العقلي بحاله على ~~وجوب تعيين الحافظ بلا شبهة. # وثانيا: إنا لو سلمنا إمكان الاجتهاد في الجزئيات في حق الرسول (ص) ~~وسفرائه وتنزلنا مع الخصم فحكمنا بوقوعه فغاية الأمر إن وقوع ذلك كان في ~~عصر النبي وهو موجود بين أظهرهم، وأما بعد فقده فلا، إلا بوجود حافظ لأن ~~المماثلة بين العصرين تقتضي وجود المعصوم في كل عصر وإلا يلتزم أن لا تساوي ~~بين بقاء الشريعة وحدوثها وهو باطل. # وبعبارة أخرى إن تغيير الأحكام بسبب الاجتهاد مع عدم وجود الإمام يزيد ~~على التغيير مع وجوده كثيرا، ومقتضى دوام الشريعة وبقائها PageV00P020 # هو البقاء على نهج عصر الحضور، ومع فقد المعصوم لا يتساوى البقاء والحدوث ~~فلا بد من وجوده كيما يحصل التساوي. # لا يقال إن ما دل هذا الدليل هو الاستدلال بظواهر الأدلة القاضية بتأييد ~~الأحكام الواقعية وهو أولا خروج عن ms015 الاستدلال بالدليل العقلي، وثانيا هذا ~~دليل ظني وهو لا ينفع في مسألة إثبات الإمامة المطلوب فيها الاعتقاد ~~والعلم. لأنا نقول إن استفادة وجوب نصب الإمام من الكتاب والسنة التي ~~أقمناها إنما كان بمداليلها الالتزامية، وهي من الأدلة العقلية كما صرح به ~~المحققون من الفريقين في الأصول. # وإما الثاني من إن الدليل أفاد ظنا، والظن لا يغني ولا يكفي في أصول ~~العقائد. # فجوابه إن الإمامة ليست من العقائد المحضة حتى لا تكون منشأ للتكاليف ~~العملية، بل هنالك تكاليف عملية مرتبة على وجود الإمام كترتبها على وجود ~~الرسول، وكل مسألة يترتب عليها تكليف عملي تجري فيها الدليل الظني ويؤخذ به ~~ويلزم الخصم فيه، ألا ترى إن أدلة المخالفين على حجية الإجماع في خلافة ~~الخلفاء كلها ظنية، فغاية الأمر إن هذا الدليل على نسق أدلتهم فيعارض ~~أدلتهم، فكما إنهم قد استندوا إلى ظواهر الآيات والأخبار على حجية الإجماع، ~~وبعد إثبات حجيته بذلك أثبتوا خلافة خلفائهم، كذلك الإمامية يمكن أن تتمسك ~~بأدلة بقاء التكاليف على فساد مذهب أهل السنة وحقية مذهبهم، فإن كانت ~~الظواهر لا تنفع في باب الإمامة يسقط تمسك الفريقين بها، وإن نفعت نفعتها ~~معا على إن التمسك بأدلة بقاء التكاليف على تعيين الإمام له جنبتان عقلي من ~~جهة ونقلي من جهة أخرى. # فإن قلت إن مصلحة نصب الإمام لا تزيد قطعا على مصلحة بعث PageV00P021 # الرسول، وبعث الرسول قد يختص بزمان دون زمان وبقطر دون قطر وبقوم دون ~~قوم، وكثير ما يوجد في الربع المسكون من الناس من لم تبلغهم دعوة النبي، ~~وذكر أهل التواريخ إن كثيرا من الخلق في الأزمنة السابقة لم يرسل لهم رسول ~~ولا تدينوا بدين وذلك لمصالح لا يعلمها إلا علام الغيوب، فعسى أن يدعى إن ~~علة نصب الإمام بعد رحلت النبي (ص) لم تكن كاملة ليترتب عليها وجود ~~المعلول. # قلنا نعم نحن نعترف بإمكان ما ذكر بل بوقوعه، غير إنا نقول إن أدلة ~~استدامة الشريعة وبقائها إلى يوم الحساب يرفع هذا الاحتمال ويدل على قابلية ~~الزمان وأهله ms016 بعد النبي (ص) للعمل بأحكام الشريعة، وبعد دلالتها كذلك نقضي ~~بلزوم وجود الإمام فقياس بقاء التكاليف على وجوب بعث الرسول لا محصل له ~~لوجود الفارق بينهما كما بينا. نعم نصب الإمام (ع) بعد النبي (ص) مع ~~الإعراض عن أدلة بقاء الشريعة هو كبعث النبي (ص) في عدم حكومة العقل بلزومه ~~على الله تعالى ولا كذلك بعد فرض وجوب بقاء الأحكام والشريعة، وتوقف البقاء ~~على الحافظ فلا محيص عن القول بوجوب النصب وحكم العقل به إذ عدم النصب ~~يلزمه عدم البعث وعدم إرسال من يبين الأحكام ويبلغ الأنام، ونتيجته إن الله ~~لا يريد من العباد ارتكاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه اللذان يطلق عليهما ~~الواجب والحرام. # وربما يعترض كما وقع ذلك لجماعة من محققي أهل السنة PageV00P022 # وهو إن وجوب نصب الإمام على الله في كل عصر منقوض بزمان الغيبة عند ~~الإمامية، فالقول بوجوب حافظ منصوب متصرف مع القول بغيبة ذلك الحافظ لا ~~يكاد يجتمعان إذ لا زم القول بالغيبة إنه في زماننا يكون مدار الشرع ~~الأخبار والأحاديث المروية عن الصحابة والتابعين والإمام المعصوم الذي يجب ~~تلقي أحكام الله تعالى منه لا وجود له بين الأمة فيكشف ذلك كشفا إجماليا عن ~~فساد الدليل العقلي المزبور، أو فساد المقدمة الأولى من لزوم بقاء الشرع ~~على ما هو عليه إلى يوم القيامة، أو بطلان ثاني المقدمات من إن البقاء على ~~هذا النهج لا يمكن بلا وجود إمام معصوم، أو منع الثالثة وفسادها من إن ~~النصب والتعيين لازم على الله لا على الأمة بل يلزم بطلان سائر مقدمات هذا ~~الدليل من جهة فساده إجمالا. # وجواب هذا الإشكال حيث كان مشترك الورود بين هذا الدليل ودليل اللطف - لم ~~نتعرض لرده وجوابه هنا بل أخرنا ذلك إلى التعرض لذلك الدليل إن شاء الله ~~تعالى - فإن أعظم ما تعلق به أهل السنة في نقض الدليلين المزبورين هو زمان ~~الغيبة لأنهم نسبوا الإمامية المدعين ذلك إلى السفه والجنون، حتى قال ~~شاعرهم (1) # PageV00P023 # ما آن للسرداب أن يلد الذي ms017 صيرتموه بزعمكم إنسانا فعلى عقولكم العفا ~~لأنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا ونحن بحول الله تعالى وقوته نجيب عن هذا ~~النقض بأوضح عبارة وألطف إشارة بما يلقم المعترض الحجر، فانتظر وأستمع لما ~~يتلى عليك لترى أي الفريقين أحق بالنقصان. # مناقشة المقدمة الثالثة: - وأما المقدمة الثالثة فغاية ما يزعم في ردها ~~إن الإمام الحافظ للشرع لا يشترط فيه إلا معرفة أمور الدين والدنيا من ~~العدل والإنصاف وسياسة الرعية، ولهذه الأوصاف آثار ظاهرة فمتى كشفت تلك ~~الآثار عن تلك الأوصاف في شخص معين ومشخص في الأمة، واشتهر أمره وعرف بذلك ~~بين القريب والبعيد من الأمة أغنى ذلك عن تعيين الله تعالى ورسوله له، لأن ~~فائدة التعيين إرشاد العالم وإعلامهم بصلاح من أحرز الشرط كيما يأتمرون ~~بأمره وينزجرون عن ما نهى عنه، ومتى كان ذلك معلوما انتفت فائدة التعيين ~~فلا يجب حينئذ، بل هو تحصيل حاصل إن كان المقصود بالإعلام حقيقته، نعم إذا ~~كان الأعلام من باب الترغيب والتحريض على الأمر المعلوم كان ذلك من المقاصد ~~الحسنة لكنه لا يجب على الله تعالى، كما لو ثبتت نبوة نبي بمعجزة أجراها ~~الله على يديه، وبعد ثبوتها أجرى الله تعالى على يده معاجز أخرى للتأكيد ~~والمبالغة فإن عدم وجوب إجراء المؤكد من المعجزات لا يجب على الله تعالى ~~بعد إثبات النبوة بغيرها بالبديهية. # ولو قيل بأن الأمة لا تطيع من أحرز شرط الإمامة وإن عرف بذلك إلا بالنص ~~عليه من الله تعالى كيما ترجع الخلق إليه، ولا تتمرد عن ذلك كمن عرف ~~بالاجتهاد وأحرز له ممن كان مستجيزا عمن قبله وهكذا. PageV00P024 # لقلنا في الجواب إن الأمة لو علمت بمن أحرز شرط الإمامة، واحتاجت الرجوع ~~إلى الإمام وجب عليهم من باب المقدمة الرجوع إليه في الشرعيات من دون حاجة ~~إلى الأعلام الإلهي، وأما من تمرد وعاند منهم فهو معاقب كسائر العصاة ~~المتمردين على الله بعد معلومية الحلال والحرام لديهم، ولا يجب على الله ~~تعالى إلا الإعلام وإبداء الحجة وقطع الأعذار، وإن صدر أمر من الباري أو ~~نهي من ms018 باب التأكيد فهو من باب الفضل والإحسان لا من باب الوجوب والحتم. # والجواب عن هذا الرد: - أولا: إن العلم والعدالة وأمثالهما من الصفات غير ~~محسوسة، وإن كان لها أثار محسوسة يتوصل بها إلى العلم بغير المحسوس لكن ~~حصول العلم بذلك موقوف على المعاشرة والمخالطة التامة فيختص بمن عاشر ~~وخالط. وأما في حق غير المخالطين عمن شحطت دياره أو دنى ولم يخالط لا طريق ~~يحصل له العلم منه إلا الاشتهار وهو لا يفيد إلا الظن، فإن حصول العلم من ~~الاشتهار لا دائمي ولا غالبي. نعم يمكن أن يفيد العلم أحيانا لبعض الناس ~~كما إنه قد لا يفيدهما حتى اشتهر (كم من مشهور لا أصل له)، ولو قلنا ~~بإفادته العلم غالبا أيضا لا يكفي، فإن من لم يحصل له العلم منه معذور في ~~المخالفة لعدم قيام الحجة عليه، فما حال من لم يحصل له الظن فإنه معذور ~~بالأولوية القطعية فلا يعاقب من لم يحصل له العلم مطلقا على عدم الرجوع في ~~الشرعيات وغيرها إلى الذي أحرز تلك الخصال. # وقد يدعي إنه لا تفيد تلك الآثار المحسوسة بعد المعاشرة إلا الظن، لأن ~~حصول العلم من تلك الآثار راجع إلى قرائن الأحوال وشاهد الحال، ومن الواضح ~~إن شاهد الحال يختلف باختلاف الأشخاص PageV00P025 # المشاهدين، فالاعتماد حينئذ على الآثار في معرفة المرجع وترك التنصيص ~~عليه من الله تعالى ونبيه (ص) لا يكاد يجري على القاعدة على إن طريقة ~~العقلاء جارية بأن المطلب المهم المراد إتقانه وإحكامه يلزمه صاحبه إن ~~يحكمه بجميع أنواع الإحكامات، ولا يعتمد على سبب لا كلية فيه، وقد يتخلف عن ~~حصول المقصود كما هو واضح. # وثانيا: إن الآثار الظاهرة من العلم والعمل تصلح أن تكون طريقا إلى ~~الأمور المستقبلة دون الماضية، وقد سبق في المقدمة الأولى إن من اللازم أن ~~يكون الإمام عالما بجميع الأحكام ماضيها ومضارعها إلى يوم التناد فلا يمكن ~~إن يتأتى للأمة معرفة مثل هذا الشخص بمشاهدة الآثار الكاشفة، بل من الأمور ~~الممتنعة إن تحيط العقول بشخص عنده علم ما ms019 كان وما يكون من الأحكام ~~والحوادث اللاحقة والسالفة من دون نص علام الغيوب عليه، كلا بل تختص معرفته ~~بذاته المقدسة، وعليه بيان ذلك للعباد بما يعرفهم به غيره مما اختص علمه ~~به، ودعوى إمكان تمييز الأمة لمثل هذا الشخص بآرائهم القاصرة وعقولهم ~~الفاسدة من بين المخلوقين لا يلتفت إليها ولا يعول عليها لظهور فسادها. # وثالثا: إن الأمة بعد فرض عدم النص من الله تعالى على الإمام يمكنهم عدم ~~إطاعة من عينوه للإمامة لأن وجوب الرجوع في الأحكام لا يلازم وجوب الإطاعة ~~في الأمور الدنيوية والسياسات، ومن هنا وجب الرجوع إلى العلماء في زمن ~~الغيبة في الأحكام فقط دون الأمور الدنيوية، ولا كذلك الإمام المنصوص عليه ~~إذ هو مما تجب إطاعته مطلقا في الأحكام وغيرها، فإنه أولى بالناس من ~~أنفسهم. PageV00P026 # ولو قيل: بأن أمر الإمام إذا تعلق بالأمور الدنيوية لا تلزم إطاعته عقلا ~~حتى لو كان فيها صلاح الدين أيضا، بل يختص وجوب الرجوع إليه بالأحكام فقط. # نقول: إن أمر الإمام بالأمور الدنيوية لجهة إصلاح الدين قد تختلف فيه ~~آراء الناس كما لو أمر الإمام بسرية على طائفة طاغية والعموم ترى أن لا ~~صلاح في ذلك، فإنه لا دليل على وجوب العمل برأي الإمام، وقاعدة وجوب ~~المقدمة لا تنفع، وحينئذ وجوب الإطاعة يلزم أن يكون من الله تعالى، وليعلم ~~إنه بناء على ما أجبناه به ثالثا عن أصل المقدمة من إنه يختص معرفة الشخص ~~القابل للإمامة بالله تعالى لو بطل وأذعنا بإمكان تشخيص ما هو قابل للإمامة ~~بنظر الأمة لا يورث ذلك الوهن في الدليل العقلي المزبور ولا تخريمه، بل ~~يوجب مضافا إلى تعليل مقدماته إتقانه لأن إطاعة الإمام في السياسات واجب ~~ولا يكفي في وجوبه تشخيص الخلق للإمام، بل يتوقف على النص عليه من الله ~~تعالى فيجب فليفهم. # مناقشة المقدمة الرابعة: - وأما طريق المناقشة في رابع المقدمات: - - إن ~~غاية ما ثبت هو اشتمال تعيين الإمام على مصلحة تقتضي الأمر به وتعيينه وذلك ~~غير كاف في وجوب إيجاده وتعيينه على الله ms020 تعالى، بل يلزم مضافا إلى ذلك كون ~~تعيينه خال عن المفسدة أيضا، وإحراز الخلو عن المفسدة لا يمكن إلا بعد ~~تعيينه لتوقف العلم بالخلو على التعيين البتة فيدور، إذ تعيينه متوقف على ~~عرائه من المفسدة، وخلوه عنها لا يعلم إلا بعد التعيين، فهو موقوف عليه وهو ~~خلف. # وجوابه: عدم توقف التعيين على الخلو عن المفسدة لإمكان معرفة PageV00P027 # الخلو قبل التعيين فلا دور. وتوضيحه إن لزوم بقاء الشريعة دليل على وجوب ~~التعيين، وخلوه عن المفسدة فالتعيين والخلو عن المفسدة مستندها لزوم دوام ~~الشريعة، فهما شريكان في ذلك الدليل الدال على البقاء ومعلولان لعلة واحدة، ~~والشركة في الدليل تكون سببا للتلازم لا سببا للتوقف كيما يكون دورا، ~~والمورد رأى التلازم فحسبه توقفا وأين هذا من ذلك؟، وكيفية الملازمة بين ~~بقاء الشريعة وسلامة تعيين الإمام من المفسدة مر في المقدمة الثانية مفصلا ~~وخلاصته إن أدلة بقاء الشريعة ودوامها تقضي بعدم المفسدة في تعيين الإمام، ~~لأن بقاء الشريعة بلا إمام معين لا يمكن فإذا كان في تعيينه مفسدة يلزم أن ~~يكون في البقاء أيضا مفسدة والمفروض خلافه فتدبر. # مناقشة المقدمة الخامسة: - فقد يدعى منعها بأن الحسن والقبح في أفعال ~~الخالق والمخلوق فيه خلاف للعلماء ومعركة الآراء، وأكثر أهل السنة على تنكر ~~الحسن والقبح، ويزعمون إنه لا معنى له في الأفعال. نعم في المأكولات ~~والمشروبات والملبوسات والألوان والصفات يمكن أن تكون حسنة وقبيحة، فيقال ~~المأكول والمشروب والملبوس الفلاني حسن أو قبيح، والجود حسن والبخل قبيح ~~وكذا العلم والجهل. # وأما الأفعال فلا تتصف بحسن ولا قبح، ومن هذه الجهة قالوا لا شئ يجب على ~~الله كيما يكون تركه قبيحا عليه، حتى إنهم نفوا قبح الظلم على الخالق ~~والمخلوق، ولم يذعنوا بلزوم العدل عليهما كذلك، فغاية ما في الباب أن يقال ~~إن تعيين الإمام مشتمل على المصلحة، لكن لزوم العمل بالمصلحة في حق الله ~~تعالى أول الكلام، بل لا معنى للقول PageV00P028 # بلزوم شئ على الله تعالى لأنه فاعل مختار وقادر فعال يفعل ما يريد لا ~~يعترض عليه ms021 أحد في تدبيره، وحكمه في كل ما كان أو يكون بين الكاف والنون لا ~~يسأل عن ما يفعل وهم يسألون، فلو بعث نبيا في زمان ولم يبعث في وقت أخر لا ~~يقال الأول إنه حسن ولازم عليه ولا للثاني إنه قبيح وممتنع عليه، وكذلك نصب ~~الوصي والإمام على فرض اشتماله على المصلحة حسبما تدعيه الإمامية فإنه ليس ~~بلازم على الله تعالى إذ لا يمكن الحكم بوجوب شئ على الله تعالى لكي يتفرع ~~عليه نصب الإمام، ومن هذه الجهة كان الدليل المز بور عقيما لا نتيجة له ولا ~~يثبت هذه الدعوى. والجواب عن ذلك كله: - أولا: إن من المحقق الثابت في محله ~~الذي لا يعتريه شوب الإشكال بالبراهين القطعية الحسن العقلي والقبح العقلي، ~~ولا يمكن لمن له أدنى شعور إن ينكر قبح بعض الأشياء عند العقل بحيث إن ~~فاعلها يستحق المؤاخذة والعقاب وحسنها كذلك بحيث إن فاعلها يستحق المدح ~~والثواب، وعجبا أي عاقل لا يقبح الظلم المطلق، ومن الخالق أعظم، ولا يحسن ~~العدل، ويجوز عذاب المطيع على الله تعالى بلا سبب وإعزاز المنكر له والكافر ~~به. # والحاصل إن إنكار الحسن والقبح في الأشياء مما قضت البداهة ببطلانه، ولا ~~يحتاج إلى تكلف الاستدلال عليه إذ مفاسده لا نهاية لها. # وثانيا: إن المنكرين للحسن والقبح من أهل السنة شرذمة قليلة في قبال ~~المعترفين كيف وعلماء المعتزلة كلهم وكثير من غيرهم يقولون به ولا ينكرونه ~~فدع عنك من مالت به الأهواء، وأدركه مرض الجهل وأعظم داء. # ولو زعموا إن الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات، فالحسن يتصف PageV00P029 # بالقبح وبالعكس كالكذب النافع، وقالوا إن تعيين الإمام وإن كان حسنا ~~وخلافه قبيح لكن لعله لأمر ما يقتضي تركه في عصر النبي (ص) من المصالح ترك ~~الله ذلك الحسن ولم يأمر به ومع قيام هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بأن الله ~~تعالى عين الإمام المخصوص إذ التعيين منه متوقف على نفي هذا الاحتمال ولم ~~يعلم عدم اشتمال التعيين في ذلك العصر على صفة مقبحة له. # لرددناهم: بأن نصب الإمام ms022 كوجوب بعث النبي (ص) لا تعرض لهما صفة مقبحة، ~~ولو أمكن ذلك لتوفرت الدواعي إلى فعله وليس، وبعد ملاحظة أدلة بقاء الشريعة ~~واحتياجها إلى حافظ كما تقدم ينتج العلم بأنه لا يمكن أن يعتري نصب الإمام ~~مفسدة ملزمة تخرجه عن الحسن، وسيجئ في جواب سابع المقدمات ما يوضح ذلك. # وثالثا: على فرض تسليم بطلان الحسن والقبح العقليين مماشاة للخصم نقول إن ~~امتناع الظلم على الله مسلم لم ينكره أحد من أهل السنة حتى من نفى الحسن ~~والقبح ولا من الإمامية ولا غيرهم من أهل الكتاب ممن يوحد الله، بل كل من ~~جعل له إلها من سائر المخلوقين نفى عن ربه الظلم مضافا إلى إن نفي الظلم عن ~~الله تعالى وقع في محكم كتابه وسنة نبيه فلا محيص لمن اعترف بها إن يجوزه ~~على الله ولا ينفيه عنه، ومن الأشياء الغنية عن البيان إن في عدم نصب ~~الإمام مع احتياج الأمة إليه وشدة ضرورتهم إلى العمل بأحكام الشريعة ظلما ~~لا يجب تنزيه الخالق عنه جل وعلا لأدائه إلى التكليف بما لا يطاق وإضلال ~~العباد وتركهم يخوضون بحار الفتن والأهوال العظيمة، فإنه وقع ذلك رأي ~~PageV00P030 # العين بعد رحلة النبي وإنكار النص في حق الوصي وهذا المقدار يكفي في لزوم ~~تعيين الله للإمام، وبعد ثبوت المقدمة الثانية للدليل العقلي وهي احتياج ~~الشريعة إلى إمام حافظ يتضح ثبوت الظلم على الله في عدم النصب، فمنع ~~المقدمة أولى بالمنكر فتفكر، ومن منع هذه المقدمة يظهر منع السادسة أيضا. # مناقشة المقدمة السادسة: - إذ غب ما قبح الظلم في حقه تعالى، امتنع صدوره ~~منه البتة. فالقول بأن امتناع الظلم لا يمنع الصدور لأنه ممكن، وكل ممكن ~~يمكن وقوعه، بل قال علماء الكلام إن كلما شككت في إمكان شئ وعدمه فذره في ~~بقعة الإمكان، فإن القبح لا يصير الشيء واجب الامتناع كشريك الباري، وكذلك ~~الحسن لا يجعل الشيء واجب الوجود، على إن الوجوب والامتناع فعل ممكن يتوقف ~~على إرادة ومشيئة، والمشيئة واللا مشيئة كل منهما يحتاج إلى دليل، ms023 فإذا لم ~~يدل على أحد الطرفين لا جرم أن يكون الصدور واللا صدور فعلين مشكوكين، ولم ~~يثبت مما مضى إن صدور القبيح ممتنع على الباري كيما ينتج الحكم البتي بنصب ~~الإمام. # موهون بأن الثابت من الشرع عدم صدور القبح والظلم من الباري، وهو يفيد ~~الجزم بنصب الإمام الذي تركه ظلم وقبح على إن امتناع صدور القبح من الله ~~تعالى ثابت في محله فليطلب ونشير إليه إجمالا، وهو صدور الفعل من الفاعل ~~إما أن يكون لغرض اقتضى صدوره منه أو لا، والأول يلزم إن يصدر منه ما يحصل ~~به ذلك الغرض، فلو قلنا بصدور الظلم من جانب الله تعالى لتحصيل ذلك الغرض ~~فقد نسبنا العجز للقادر عن تحصيله بغير الظلم تعالى الله عن ذلك، والثاني ~~عبث محض أيضا تعالى الله عنه، ويلزم ما هو محال من وجود المعلول ~~PageV00P031 # بدون علته، إذ علة الأفعال الاختيارية هو الداعي والغرض فإذا فرض وجود ~~فعل اختياري بلا داع ولا غرض فقد فرض وجود المعلول بلا علة وهو محال، فثبت ~~من مجموع ما تلونا عليك من المقدمات إن الله سبحانه نصب إماما وبعد ثبوت ~~ذلك تثبت سابع المقدمات. # مناقشة المقدمة السابعة: - من إن الإمام الصادع بالحق هو علي بن أبي طالب ~~(ع) دون غيره من سائر الصحابة رضوان الله عليهم، ولنا على ذلك أمور: - ~~أولها: اعتراف الخصم بأن خلافة الخلفاء لم تكن بالنص من النبي (ص)، وإن ~~الرسول أهمل ذلك لعدم الحاجة إليه، أو لعدم اقتضاء مصلحة الوقت لذلك ولكن ~~الإجماع من الصحابة مهاجريهم وأنصاريهم أجمعوا على خلافة أبي بكر فلزم ~~اتباعهم. # نعم قد تقدم إن بعض من ليس له قدم ولا روية ولا اطلاع في التواريخ ~~والأخبار ادعى النص على خلافة أبي بكر، كما إن بعض آخر ادعاه في حق العباس ~~عم النبي، وهما موهونان بما مر عليك، وبأن الجمهور من أهل السنة ما أشاروا ~~إلى ذلك في زبرهم بيد ولا بلسان بل تراهم يثبتون خلافة الأول بالإجماع ~~والثاني بنص الأول والثالث بالشورى. # ثانيها: إن ms024 أبي بكر في حديث معتبر قال (أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم)، ~~فإن فيه إمارة ظاهرة وإيماء بين إلى صلاحية علي (ع) للخلافة، ووقوع النص ~~عليه من الرسول، وإلا كيف يطلب الإقالة وهو منصوص عليه بالخلافة؟، وقد قال ~~الله سبحانه (وما كان لمؤمن ولا PageV00P032 # مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا إن يكون لهم الخيرة من أمرهم (ولو زعم ~~إنه قال ذلك عملا بما ورد من تصغير النفس، وكراهة مدح الإنسان نفسه، وإظهار ~~عدم القابلية لنفسه أمر مستحسن. # لرددناه بأن مثل هذا المحل ليس من المقامات التي يستحسن فيها تصغير ~~النفس، والحال إن الله سبحانه أمر بذلك والرسول بلغ. # والحاصل إن صدور هذا الكلام من أبي بكر رواه أكثر أهل السنة فلا ريب في ~~صحته وهو لا يخل إما إن يكون على سبيل الحقيقة أو على تصغير النفس أو لبعض ~~المصالح الباعثة على ذلك، وعلى كل حال فيه مخالفة للكتاب، وجرأة على الله ~~ورسوله في مخالفة عما أمر الله به، أترى يصلح للنبي إن يقول أقيلوني من ~~النبوة؟ فإن الإمامة أختها. # ولو عورض ذلك بصنع الأمير علي بن أبي طالب (ع) بعد قتل عثمان، فإنه امتنع ~~من بيعة الناس يوما أو أياما، وذلك ينافي امتثال النص، فما يعتذر به عن هذا ~~فهو بعينه يكون عذرا عن ذاك. # نقول في منعه بالفرق بين عدم قبول البيعة له وبين الاستقالة، لأن عدم ~~القبول من الأمير - علي بن أبي طالب (ع) - قد يكون لمصالح أظهرها تأكيد ~~الحجة عليهم، فما في ذلك مخالفة لله ورسوله، وأما الاستقالة فالمخالفة فيها ~~ظاهرة. # ثالثها: إن النص على أبي بكر لو كان معلوما لما احتاج إلى الاجتماع في ~~سقيفة بني ساعدة وانتهاز الفرصة والركون إلى من يعادي الأمير - علي بن أبي ~~طالب (ع) - من معاذ بن جبل وخالد بن الوليد وغيرهما، وطلب المساعدة منهم، ~~واغتنام الفرصة PageV00P033 # في مشغولية الأمير بتجهيز النبي (ص)، وعدم حضوره وصاحبه وهما من كبار ~~المهاجرين تجهيز النبي (ص)، ودفنه ومنازعته مع الأنصار أشد النزاع في طلب ms025 ~~الرياسة، بل لا معنى لطلب الأنصار إن يكون منهم أمير، ومن البعيد بل ~~الممتنع عادة إن هنا نص والأنصار كلهم لم يعلموا به، أو خالفوه بعد العلم، ~~ثم إن من المتواتر الذي لا يقبل الإنكار تخلف علي (ع) وجماعة من أجلاء ~~الصحابة عن البيعة له حتى صدر ما صدر بينهم مما لا يليق إن يخطه اليراع، ~~والتخلف مع وجود النص من مثل أمير المؤمنين لا يمكن إن يكون، إذ ذاك يورث ~~العصيان الذي لا يعقل تحققه في المتخلفين، ونقل عن سلمان الفارسي رضي الله ~~عنه وهو من أجل الصحابة وخيارهم إنه قال ذلك اليوم بمحشد من المهاجرين ~~والأنصار (كردى ونه كردى ونه ميداني جكردي) أليس في ذلك كفاية عن عدم صدور ~~النص، ولو ضربت عن ذلك كله صفحا ففي قول عمر على المنبر حسبما رواه ~~الفريقان واعتمده الطائفتان (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله المسلمين ~~شرها) فإن في قوله (فلتة) أقوى شاهد إن لا نص هناك، وجملة الأمر إن دعوى إن ~~هناك نص من النبي في حق أبي بكر أو غيره من الصحابة، أو ادعاه أحدا منهم ~~غير علي (ع) لعله من المزخرفات التي لا تليق بأن تدون أو يلتفت إليها، ~~وأوهن منها إن العباس عم النبي كان منصوصا عليه، فإن ذلك مخالف لإجماع ~~الفريقين وقد أغنانا غير واحد منهما عن التعرض له. # رابعها: إن تجهيز جيش أسامة إلى مؤتة، وهو المكان الذي استشهد ~~PageV00P034 # أبوه فيه في مرض النبي (ص)، وعقد اللواء له بأمره وتأميره على المهاجرين ~~والأنصار الذين منهم أبو بكر وصاحبه أقوى دلالة على عدم النص عليه ~~بالإمامة، فإن النبي (ص) لو فرض إن الخصم ادعى عدم علمه بموته في ذلك المرض ~~فلا أقل من إنه (ص) يظن ذلك ظنا قويا، فينبغي استثناء أبي بكر عن ذلك ~~وإبقاء وصيه ومن نص عليه بالإمامة عنده، فعدم استثنائه له يقضي بعدم النص ~~عليه البتة. # ودعوى إن أبا بكر لم يكن مأمورا من النبي (ص) بالمسير مع أسامة بل ms026 ~~المأمور غيره. يكذبها ذكر أصحاب السير والتواريخ لذلك، وقد أخرج البلاذري ~~في تأريخه، وهو المعروف بالوثاقة والضبط، وبرئ من الميل إلى الشيعة، إن أبا ~~بكر وعمر كانا في جيش أسامة، ولعمري إن الإنكار لما يجري هذا المجرى لا ~~يغني شيئا، وما ذاك ألا كمناقشات بعض علماء أهل السنة لما ضاق عليهم الخناق ~~في دلالة حديث أسامة على عدم أهلية أبي بكر للخلافة، ودلالته على عصيانه ~~لتأخره عن جيش أسامة مع أمر النبي (ص) بتنفيذه، فإنهم تفصوا عن ذلك طورا ~~بأن الأمر لا يقتضي الفور فلا يلزم من التأخر العصيان. وجوابه في الأصول ~~مفصلا ومحصله تحقق العصيان بمجرد المخالفة وإن لم نقل بأن الأمر للفور على ~~ما حققناه في كتبنا الأصولية. # وأخرى بأن الخبر إن النبي (ص) خاطب أبا بكر بقوله (نفذوا جيش أسامة)، ~~والمخاطب خارج، ونقل أبو الثنا الآلوسي تبعا لغيره عن قاضي القضاة ما نصه ~~(إن خطابه (ص) بتنفيذ الجيش يلزم أن يكون متوجها إلى القائم بعده، لأنه من ~~خطاب الأئمة، وهذا PageV00P035 # يقتضي أن لا يدخل المخاطب بالتنفيذ بالجملة حتى قال (وهو يدل على إنه لم ~~يكن إمام منصوص عليه، وإلا لأقبل بالخطاب عليه، وخصه بالأمر بالتنفيذ دون ~~الجميع) ثم ذكر إن الرسول (ص) إنما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب ~~عن اجتهاده، ولا يجب أن يكون ذلك عن وحي مثل الأحكام الشرعية، واجتهاده ~~يجوز إن يخالف بعد وفاته، فتخلف أبي بكر وعدم تنفيذه الجيش بعد النبي (ص) ~~لا عصيان فيه، ثم إن أمر الرسول عن اجتهاده لا بد وأن يكون منوطا بالمصلحة، ~~وأن لا يعرض ما أهم منه فإذا وجدوا إن تنفيذ الجيش يعقب ضررا في الدين لهم ~~أن لا يمتثلوه (انتهى. # والجواب عن ذلك كله يعلم من سالف كلماتنا من مقدمات الدليل العقلي، ~~ونزيده هنا إن عدم امتثال أبي بكر لهذا الأمر لا يمكن إن ينكر في حال حياة ~~النبي (ص)، بل وبعد مفارقته الدنيا، أما في حال الحياة فلأنه أراد تنفيذ ~~الجيش فهو واجب، ولا ms027 يتم هذا الواجب إلا بمسير أبي بكر إذ هو من الجيش فهو ~~واجب، والرواية المعروفة إنه أقبل عليه في المسجد، وقال (ص): نفذوا جيش ~~أسامة، وهو من جملة الجيش، فلا بد أن يكون أمرا له بالخروج، واستثنائه من ~~الجيش يحتاج إلى دليل وليس في كلامه ما يقتضي بالاستثناء. # ومقالة الخصم إنه من خطاب الأئمة وإن المخاطب خارج لبعد شموله لنفسه، لا ~~محصل لها بعد أمره بتنفيذ أمره في مسير الجيش، وكان أبو بكر منصوصا عليه ~~بالمسير مع أسامة، وخيال إن الجيش ليس مثل العشرة التي لا تتحقق بنقصان ~~واحد منها إذ هو اسم لجماعة من الناس PageV00P036 # أعدت للحرب، فلا يضر في صدق الجيش خروج واحد والاثنين باطل لعدم ما يقضى ~~بسقوط الأمر عنه بعد أمره بالخروج، وعدم رضاء النبي (ص) بالتخلف، والأمر ~~بالتنفيذ لا يقتضي خروجه وإن كان مخاطبا. # وأوهن من ذلك زعمه بأن النبي (ص) يأمر بالحروب وما شابهها عن اجتهاد لا ~~عن وحي فمعاذ الله أن يكون كذلك، لأن حروبه لم تكن مما تختص بأمور الدنيا، ~~بل الدين فيها أقوى تعلق، والحال إن عز الإسلام وقوته وفتوحه منحصر به، ~~وليس يجري ذلك مجرى أكله وشربه ونومه مما يجوز إن يكون عن رأيه لعدم تعلق ~~له بالدين، ولو جاز أن كون مغازيه وبعوثه مع التعلق القوي لها بالدين عن ~~اجتهاد أيضا، لجاز ذلك في الأحكام قطعا، وعلى فرض كونه عن اجتهاد أيضا لا ~~تجوز مخالفته لا في حياته ولا بعد مماته كما مر ذلك عليك، وأغرب من ذلك ~~ادعاءه اشتراط الأمر بالنفوذ بالمصلحة إذ إطلاق الأمر يمنع من إثبات الشرط، ~~فإن الأمر مطلقا بالنسبة إلى غير البلوغ والقدرة والعقل والاختيار، ~~والشرطية تحتاج إلى شئ يقضي بها، ومن هنا يحمل على الإطلاق في حالة الشك. ~~ثم إن الحكيم كيف يأمر بشرط المصلحة، بل إطلاق الأمر منه يلزمه ثبوت ~~المصلحة وعدم المفسدة، ولو فتح هذا الباب لحصل الخلل في الأوامر كلها. # وأما قوله (لو كان هنالك إمام مخصوص منصوص عليه كما ms028 تقوله الإمامية لخصه ~~بالخطاب). ففيه: - أولا: إن الخطاب كان للمتخلفين فلا يلزم إن يكون للإمام ~~بعده. # وثانيا: إنه (ص) مرامه التنفيذ في حياته لا بعد موته ليأمر PageV00P037 # الإمام بعده والأمر أمره في حياته، ويلزم أيضا التنفيذ بعد رحلته عن ~~الدنيا. # والحاصل لم نعلم كيف جاز لأبي بكر وغيره ممن تخلف عن جيش أسامة إن يتأخر ~~عن المسير وأن يرجع إلى المدينة، وهلا نفذ لوجهه ولم يرجع حتى بلغه موت ~~النبي (ص) لتحقق عدم الامتثال لو لم يفعل وهو معصية. ولو عورض بأن الأمير - ~~علي بن أبي طالب (ع) - لم لم يخرج مع أسامة وتخلف مع بغض النبي (ص) لمن ~~تخلف على العموم ولا استثناء في الخبر. # نقول في جوابه إن استثناء الأمير (ع) عن الخروج في ذلك الجيش محقق وإلا ~~لنقل في كتاب إنه لم يمتثل أمر الخروج ولأعابته بذلك مبغضيه، فإنه كان مع ~~النبي ليلا ونهارا يمرضه ولا يفارقه ثم إن من المتفق عليه بين الفريقين إن ~~النبي (ص) أمر عليا في كثير من المواطن ولم يجعل عليه أمير، وبالبداهة إن ~~من جعل عليه أميرا مثل أسامة ممن ليس له قدم ولا سابقه لا يساوي من لم يجعل ~~عليه أميرا أبدا، ولنقل ذلك أحد من المؤرخين، ولا يخفى إن الظاهر من الأمر ~~بتنفيذ الجيش، وإرسال أسامة ومن معه إلى هذا المكان البعيد هو خلو المدينة ~~ممن له طمع بالخلافة ليستقيم الأمر لعلي (ع) وتخلو المدينة عن المنازع، فإن ~~النبي (ص) علم برحلته، فأمر عن الله بما أمر من مسير أسامة وتصغير من يتطلع ~~إلى الخلافة بجعله مأمورا لأسامة. ولو قيل إن الأمر إذا كان كذلك فلم لم ~~يصرح النبي (ص) بخلافة الأمير (ع) PageV00P038 # وإمامته في مرضه، ولم لم يشدد على أبي بكر بالخروج إلى الجيش، فإن احتمال ~~توثبه على الأمر وإنكاره النص بخلافة الأمير كان من المقطوع به. # قلنا إن النصوص من النبي (ص) بذلك لعلها كادت إن تلحق بالمتواترات كما ~~ستمر عليك إن شاء الله، ولقد هم أن ms029 يكتب في مرض موته كتابا لن تضل الأمة ~~بعده، ومن القرائن الحالية والمقالية يظهر إنه ما أراد إلا أن يكتب ما يؤكد ~~به النص على خلافة الأمير (ع) ولذلك منعه عمر وقال ما قال، ولو إن النبي ~~(ص) يصر على هذا الأمر وعلى إخراج من يأمل الإمارة والخلافة من المدينة ~~لحصل التشويش في المسلمين، وربما أورث الاختلال في الدين، وبهذا اعتذر عند ~~الأمين جبريل لما أمره في مكة المكرمة عن الله بتنصيب علي (ع) إماما، قال ~~(ص)) إن قومي حديث عهد بالإسلام فأخشى أن يقولوا عمد لابن عمه وصهره ~~ونصبه)، وأمسك عن ذلك إلى إن رجع إلى غدير خم فأنزل الله عليه (ص) قرآنا ~~(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس (إلى أخر الآية ولمثل هذا المحذور صبر الأمير (ع) على ~~البلوى وأمسك عن الخلافة، ولم يشهر سيفه كل ذلك حفظا لبيضة الإسلام فجمع ~~النبي (ص) بين إظهار الحق والخروج من الطاعة، فإنه مأمور بمداراة الأعداء ~~والحكمة الإلهية البالغة تعلقت بعدم انقطاع أسباب PageV00P039 # المعصية بالمرة وإليه يرشد قوله تعالى (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~امنا وهم لا يفتنون (وليمتاز العاصي من المطيع ولا ينقطع الامتحان، وتظهر ~~فائدة أوضاع الوعد والوعيد والجنة والنار، ولو لا ذلك لم يبق امتحان، ولم ~~يفرق بين العاصي والمطيع ولو أراد الله تعالى هداية خلقه لهداهم جميعا ~~ولكنه تعالى شأنه أهمل لخفي من المصالح التي أحاط بها علمه حتى نطق بذلك ~~الكتاب قال جل وعلا (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~(وقال تعالى: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا (الآية. ثم ذلك منقوض بالمنافقين الذين يعلم الرسول (ص) بهم فردا ~~فردا فإنه أهمل عقابهم وتركهم في خوضهم يلعبون مع قدرته عليهم، وأنزل الله ~~فيهم سورة خاصة، فلم لم يأمر بإخراجهم عن مدينته أو يقتلهم أو غير ذلك مما ~~يشتت شملهم به فكل جواب يجاب ms030 به عن ذلك بعينه ندفع به كلام المعترض هنا. # الدليل الثاني: دليل اللطف الدليل الثاني: من الأدلة غير الشرعية التي ~~أقيمت على الإمامة هو دليل اللطف. وتقريره حسب ما ذكره العلماء إن نصب ~~الإمام بعد النبي لطف في حق الأمة، وهو واجب على الله تعالى فيكون نصب ~~الإمام واجبا، واللطف عبارة عن التقريب إلى الطاعة والبعد عن المعصية ~~اختيارا من دون إلجاء لأحدهما من الله تعالى، إما كون وجود الإمام بالمعنى ~~المذكور لطف فهو مما لم يتنازع فيه أحد من أهل السنة والشيعة، بل هو على ~~مذهب أهل السنة أوضح لأنهم يرون PageV00P040 # إن نصب الإمام واجب على الأمة من باب المقدمة، والإمامية تقول إن نصب ~~الإمام له تمام المدخلية في الإطاعة والانقياد لأوامر الله تعالى ونواهيه، ~~وإجراء حدوده وإغاثة المظلوم والانتقام من الظالم، وإزالة الفساد من الأمة، ~~وحصول التعزير لمن يستحقه على ارتكاب المعاصي، وبيان الأحكام بأسرها وبيان ~~المصالح دينا ودنيا، فلا ريب في إن مثل هذا الشخص الجامع لتلك الخصال لطف ~~من الله تعالى ووجوبه على الله تعالى من جهة اشتمال النصب على المصلحة، ~~وتركها مع الإمكان قبح، ولا يصدر منه تعالى على إنه مع ترك النصب يلزم نقض ~~الغرض وخلاف المقصود، وقبح ذلك واضح، مثاله إن من دعا أحدا للضيافة وهو ~~يعلم إنه لا يأتي إلا بمألكة تايقه من الداعي وبدونها لا تحصل الإجابة منه، ~~ومن دعاه يريد وفوده عليه فإن ترك المألكة مع دعوته بغيرها وإرادته يلزم ~~منه نقض غرض الداعي، كذلك ترك نصب الإمام مع علم الله تعالى بتعطيل جملة من ~~الأحكام في تركه، فإنه نقض للغرض وخلاف المقصود، والفرق بين هذا الدليل ~~وسابقه إن مبنى الأول بقاء الأحكام واحتياج الأمة إلى الإمام في تمييز ~~الحلال من الحرام إلى الدوام، وهذا الدليل مبناه مدخلية وجود الإمام في ~~الإطاعة والانقياد بعد معلومية أحكام الله تعالى فحينئذ نصب الإمام من باب ~~اللطف يلزم على الله تعالى من جهتين لكنه من الجهة الأولى مشترك بين وجود ~~الإمام والنبي (ص)، ms031 ومن الثانية مختص بوجود الإمام كما إن الدليل إنما يوجب ~~نصب الإمام على الله من حيثيته توقف بقاء الشريعة المطلوب لله تعالى عليه، ~~والثاني يوجب النصب لمدخلية وجود الإمام (ع) في امتثال أحكام الشريعة لا من ~~جهة توقف بقائها عليه، ودليل اللطف PageV00P041 # عبارة عن إثبات وجوب النصب من الجهة الثانية، ولما كان اللطف من أفعل ~~العباد لا من أفعال الله تعالى وجب على الله تعالى الإلزام به وإيجابه ~~عليهم، ولأجله وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الشرائع ~~والأديان، ثم إن شرذمة المناقشات السابقة في الدليل الأول ترد أيضا على هذا ~~الدليل وأجوبتها الماضية قد لا يفيد بعضها هنا، ولأجله كررنا ما يرد منها ~~مما أوردناه هنا فنقول يرد على الدليل أمور: - الأول: - مطالبة الدليل على ~~إن وجود الإمام مصلحة لقيام احتمال أن يكون في وجوده مفسدة وإثبات كونه ~~مصلحة من جهة تقريبه إلى الطاعة وتبعيده عن المعصية يدفعه إنه وإن كان ~~مقربا من جهة فعسى إن يكون مبعدا من أخرى، بل لعله يقرب إلى المعصية وهذا ~~الإشكال وإن أوردناه على الدليل الأول، ولكن الجواب مختلف لأنا ما أجبنا به ~~عنه هناك إن احتمال المفسدة في وجود الإمام يلزمه احتمال المفسدة في بقاء ~~الشريعة إلى الدوام، وهو معلوم العدم بالضرورة كما مر، وهذا لا يجري فيما ~~نحن فيه لتعقب اللطف عن معرفة الأحكام، وعدم توقف المعرفة عليه. # ثانيا: - إنه لو سلمنا وجود المصلحة في نصب الإمام فإنما نسلمه مرددا بين ~~نصب الله تعالى ورسوله له، وبين نصب الأمة، وإن الله تعالى أوكل نصب الإمام ~~إليهم فتخصيص نصبه بالخالق دون الأمة محتاج إلى القاطع. # ثالثها: - إنه على تقدير اشتمال نصب الإمام على المصلحة، فمن أين يعلم ~~وجوب العمل بهذه المصلحة على الله تعالى التي هي لطف؟ والمشاهد ترك ذلك له ~~تعالى في كثير من الموارد، فإنا ما رأينا ولا سمعنا بأن الله تعالى لأجل ~~الردع عن المعصية أرسل ملكا لموعظة PageV00P042 # العاصي كما روته أهل السنة في قصة يوسف الصديق على ms032 نبينا و (ع) في تفسير ~~إنه (وهم بها) مثل الله له صورة يعقوب عاضا على إصبعه أو جبرئيل أو هما ~~فترك يوسف ما أراد، وكذلك ترك غناء الفقير لو علم الله توقف ترك عصيانه ~~عليه وغير ذلك مما ترك الله خلقه من الأمور التي تقرب من الطاعة وتبعد عن ~~المعصية. # رابعها: - إن الأمر إذا كان كذلك فلماذا خلى هذا الزمان من الإمام ~~المتصرف؟ وأي داع إلى غيبته مع إن في وجوده كمال اللطف؟ وحينئذ إذا فسدت ~~بعض مقدمات الدليل المزبور ولو واحدة منها ذهب الدليل ذهاب أمس، وهذه جملة ~~ما وقفنا عليه من المناقشات في الدليل المزبور للعلماء المحققين، ولم ~~يخطرني أكثر مما ذكرت وعسى إن يكون بعض ما ذكرت لم يذكره أحد غيري، وسنجيب ~~بتوفيق الله تعالى عنها كلا بحيث إن المنكر للنصب لو وقف على الجواب لما ~~وسعه غير الإذعان والتسليم فأستمع لما يوحى إليك. # أما الجواب عن الأول: إن احتمال وجود المفسدة في نصب الإمام مع ظهور ~~مصلحة نصبه من جهة التقريب إلى الطاعة والبعد عن المعصية موهون وساقط عن ~~درجة الاعتبار باتفاق الفريقين، كيف وقد مر عليك في تحرير محل النزاع إنه ~~لا خلاف في لزوم وجود الإمام في الجملة، إنما الخلاف في إنه يجب أن يكون ~~بتعيين الله من باب اللطف، أو بتعيين الأمة من باب وجوب المقدمة، وعليه ~~فاحتمال المفسدة في وجود الإمام احتمال وهمي لا يليق به أن يذكر. # وعن الثاني: - إن المفسدة المحتملة في تعيين الله مما يرجع إلى الأمة أما ~~من جهة المصلحة والمفسدة، أو من جهة الإطاعة والمعصية. PageV00P043 # والأول غلط محض لأن علم الله تعالى بصلاح الأمة وفسادها، وقابلية الإمام ~~وعدمها مما لا يقاس به علم الأمة بذلك، وكيف تطيق الأمة معرفة حقيقة الصلاح ~~والفساد، وأنى لهم بالوصول إلى ما يعلمه الله تعالى، كذب العادلون بالله ~~وضلوا ضلالا بعيدا، كلا لا يكون تعيين الأمة أقرب إلى المصلحة والصواب من ~~تعيين الله، وهم قاصرون عن معرفة الأحوال المستقبلة. # والثاني: مثله أيضا ms033 لا يسلم، إذ لا إشكال ولا ريب إن الإمام المعين من ~~واجب الوجود العالم بالسر والعلن أصلح من الإمام الذي تعينه الأمة مع ~~قصورهم عن إدراك خفي المصالح وإن لزم منه في بادئ النظر التمرد والعصيان، ~~فإنه لا ينافي المصلحة الواقعية كما إذا اقتضت المصلحة أن يأمر بأمر يعلم ~~بأنه بعد التكليف يزيد عصيان المكلف، واستوضح ذلك في أمر إبليس بالسجود ~~لآدم إذ لو لم يأمر به لم يظهر خبثه الباطني ولا خرج من زمرة الملائكة ~~المقربين، فلو سلمنا إن بعض الأوامر تبعث على القرب إلى المعصية لكن اشتمال ~~الأمر على المصلحة الواقعية مما يجعل هذه المفسدة هباءا منثورا، وكلام أهل ~~السنة هنا وإن صدر من علمائهم لكنه عند التأمل ساقط عن درجة الاعتبار، ~~فإنهم زعموا إن الله ترك تعيين الإمام حيث نظر إلى إن تفويض أمر الإمامة ~~إلى الأمة أصلح من تعيينه للإمام، ونحن نطالبهم بإيراد المصلحة الموجبة ~~لهذا التفويض، فإن زعموا إن الأمة أعرف وأبصر بالإمام النافع لأمر الدين ~~والدنيا من الله سبحانه، فهو والعياذ بالله كفر، وإن ادعوا إن الله تعالى ~~علم على إن المصلحة في إن يجعل نصب الإمام بيد الأمة، فيمضي ما يريدونه ~~ويرونه، ويكون الإمام ما يجتمعون عليه، وفائدة إن حماية الدين تحصل في ~~PageV00P044 # تعيينهم أكثر مما تحصل بتعيينه، وبذلك تحفظ بيضة الإسلام وحوزة الشرع عن ~~التشتت خصوصا في بدء الإسلام إذ لو كان الإمام على خلاف آرائهم وله كاره ~~منهم، بعث ذلك على انحراف الكاره فيختل الإسلام وتتبعض صفقته، وتكون ~~المسلمون شعبا وقبائل. # فهذه الدعوى أيضا منظور فيها بل بديهية الفساد، فإن ملخصها إن الأمة قد ~~لا تطيع الإمام المعين من الله لأمور نفسانية ألقاها الشيطان في أذهانهم، ~~فاقتضت المصلحة في بدء الإسلام في عدم تعيين خالق الأنام للإمام، وإيكال ~~أمره إليهم ليطيعوه إذا كان برضاهم ولا يختلف عليه اثنان فيكون ذلك أبلغ في ~~تأييد الشرع والإقدام على الكفرة في الجهاد وعدم الخلاف، كالمصلحة التي ~~أجازت إعطاء المؤلفة قلوبهم من سهم الزكاة وهم ms034 كفرة مع إنها مشروطة ~~بالقربة، والمعتزلة من أهل السنة بعد أن اعترفوا بأن الأمير (ع) أفضل من ~~غيره من الصحابة، بل قال بعضهم إن لا مشاركة، تراهم يرون وجوب تقديم أبي ~~بكر عليه من جهة رعاية المصلحة فعدم النص على الأمير (ع) كان لأجلها، فتقدم ~~أبي بكر على الأمير كان بفعل الله سبحانه لما ذكرنا ولذلك افتتح شارح النهج ~~في أول كتابه بخطبته فقال: (الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل)، أراد ~~المفضول الأول وبالفاضل الأمير (ع) وأشار إلى إن التقديم من الله تعالى. # والجواب عن هذه المناقشة: - إن ما ذكر مسلم لو كان نصب الإمام مجهول ~~العنوان بمعنى إنه من الأفعال التي لا توصف بحسن ولا قبح إلا بالجهات ~~والاعتبارات، فيتجه حينئذ عروض المصلحة المحسنة لعدم تعيين الله للإمام، ~~ويدور حكم الله تعالى مدار تلك المصلحة لكن الأمر PageV00P045 # ليس كذلك، بل ذكرنا وجود المصلحة في وجوب تعيين الإمام على الله تعالى ~~وسيجئ في رد المناقشة الثالثة ما يوضح هذا المطلب على إن المصلحة المذكورة ~~في تفويض أمر الإمامة إلى الأمة مصلحة سفسطائية لا تليق بأن يدعيها من له ~~أدنى مسكة، فإنه لا يلزم على الله أن يتبع في كيفية العبادة شهوات العباد ~~وآرائهم، بل لا يجوز له بناء على التحسين والتقبيح أن يخالف المصلحة ~~الظاهرة كي لا تعصي الناس، بل اللازم على العباد أن تتبع إرادة الله فيما ~~يريده ويأمر به وإن كان بأمر الرسول الباطني وهو العقل، وفي الأثر (اعبد ~~الله حيث يريد لا حيث تريد). # خلاصة المقال إنه بعد معلومية المصلحة في نصب واجب الوجود وتعيينه ~~لمخلوقه إماما يرجعون إليه في الأمور الإلهية يلزم الاعتقاد بوجوب تعيينه، ~~ولا معارض لهذه المصلحة إلا توهم عدم تمكين الأمة للإمام المنصوب من الله ~~تعالى لبعض الوسوسات الشيطانية، وهو بالبداهة ليس بمفسدة تعارض تلك المصلحة ~~فترفعها، أترى يمكن أن يقال إن المصلحة في أن لا يخلق الله لزيد يدا كي لا ~~يسرق؟ فلا وقع لهذا التوهم أبدا. # وعن الثالث: - وهو إنكار ms035 لزوم العمل بهذه المصلحة التي يطلق عليها اسم ~~اللطف، بأن من أنكر ذلك إن استند فيه إلى إنكار الحسن والقبح فقد عرفت ~~بطلانه بما لا مزيد عليه. # وإن ادعى إنه لا شئ يجب على الله من باب اللطف وإن كان حسنا ولا يمتنع ~~ذلك وإن قبح، فهو لا وجه له ضرورة إن اللطف على الله تعالى واجب بل خلافه ~~ممتنع لجهتين: - PageV00P046 # الأولى: إن ترك اللطف نقض للغرض وهو قبيح، ومضافا إلى قبحه إن وجود ما ~~يصرفه محال في حق الحكيم للزوم تخلف المعلول عن العلة، إذ الغرض لو تعلق ~~بحصول شئ لا جرم إنه بالعرض يتعلق بحصول ما لا يحصل الشيء الأول إلا به، ~~ولا يتم نحققه ووجوده لولا وجود الأخر، فلو لم يتعلق الغرض بحصول ما يتقوم ~~به الأول يلزم أن يتعلق بطرفي النقيض، وهذا لا يصدر من عاقل فضلا عن ~~الخالق، وبعد تعلق الغرض بهذه المقدمة التي هي لطف لا يمكن تخلفه، فإن ~~الغرض علة الأفعال الاختيارية، والمفروض وجود القدرة على ما تعلق به الغرض ~~من غير ترتب مفسدة صارفة، فلا محيص إلا عن صدور ذلك من الأمر، والفرق بين ~~ما نحن فيه وبين ما سبق إن تمام الوجه السابق موقوف على كون الآمر حكيم لا ~~يصدر القبح منه، وهذا لا يتوقف إلا على عقل الآمر وإدراكه. # الثانية: وجود مقتضي اللطف بالمعنى المذكور وخلوه عن المانع، فيؤثر ~~المقتضي أثره، أما المقتضي فهو اشتمال النصب للإمام على صلاح أمر الأمة ~~بالاتفاق، ولا مانع إلا ترتب المفسدة ولا مفسدة في نصب الإمام تمنع من ~~اقتضاء المقتضي سوى ما مضى من عصيان الأمة على نحو المقرر، وهو لا يساوي ~~مصلحة النصب لله تعالى ، لأن العقل قاض بصدور اللطف من المبدأ الفياض فلا ~~بد أن يصدر منه ما هو الأصلح للعباد والبلاد كما تقرر ذلك في علمي الحكمة ~~والكلام، فتلخص إن القاضي بوجوب اللطف أمور: - (الأول): إن تركه نقض للغرض ~~وهو قبيح، وهذا الوجه موقوف على ما اخترناه في مسألة الحسن والقبح ms036 وفاقا ~~للمشهور، إذ المسألة خلافية. PageV00P047 # (الثاني): إن اللطف فعل اختياري والداعي لصدوره من الآمر موجود، والفعل ~~الاختياري مع وجود الداعي وعدم المانع لا يتخلف، أما وجود الداعي فلأن ~~إرادة هذا الأمر لطف بالنسبة إلى الآمر، فكما تبعث هذه الإرادة على صدور ~~الأمر والطلب، كذلك تبعث على ارتكاب اللطف لأن في كليهما فائدة وأثر ويحصل ~~بكليهما المقصود وإذا كانت العلية مشتركة بينهما فتخصيصها بأحدهما تفكيك ~~بين العلة والمعلول. # (الثالث): إن الذات المقدسة علة الإفاضة ومبدأ صدور كل خير، واللطف فيض ~~من الفيوضات ومصلحة من المصالح الإلهية، فإذا خلى من المانع لا يتخلف عن ~~إفاضة الفياض، واعلم إن تمامية الوجوه موقوف على معلومية عدم المفسدة في ~~نصب الإمام (ع). # وأما جواب من أنكر اللطف بملاحظة النقوض التي تقدمت مثل غناء الفقير ~~المانع له من ارتكاب المعصية وأمثال ذلك زاعما إن النقض بذلك يكشف إجمالا ~~عن فساد الدليل فهو إنا وإن لم ننكر إنه إذا منع من اللطف مانع أو عرضت له ~~مفسدة يكتفي الشارع المقدس بنفس الأعلام بالتكاليف الشرعية، ولا يجب عليه ~~النصب من جهة وجوب اللطف لكنا نمنع عروض المفسدة المانعة من اللطف في ~~المقام، وما وقع من العلماء من التزلزل في أصل وجوبه للنقوض التي سلفت ففي ~~غير محله لأن كل واحد من الأمور المذكورة غير سالم عن عروض المفسدة المانعة ~~من اللطف فلا تصلح أن تكون نقضا على الدليل العقلي القاضي بوجوبه، وبسط ~~الكلام في محل آخر. PageV00P048 # وعن الرابع: وهو أهمها، لأنه نقض على كل دليل عقلي أقيم على وجوب نصب ~~الإمام على الله تعالى، بأنه يختلف حكم اللطف حدوثا وبقاء، فقد يكون وجود ~~الإمام ابتداء لطف وفي استمراره مفسدة ترفع اللطف الاستمراري، ولتوضيح هذا ~~المطلب نتكلم في بعث النبي (ص) ومنه يعلم حال نصب الإمام، وخلاصته إن الحق ~~سبحانه إذا اقتضت مشيئته وتعلقت إرادته بتشريع شريعة مشتملة على طلب أحكام ~~مراده له من أهل عصر لا تدري بتلك الشريعة والأحكام فيجب على الله تعالى أن ~~يبعث لهم من ms037 يعرف ذلك ويبلغهم هاتيك الأحكام المرادة بالتفصيل وإلا ~~فالامتثال ممتنع الحصول والمؤاخذة على عدم امتثال ما شرعه ظلم وتكليف بما ~~لا يطاق، وذلك المبعوث هو الرسول ويسمى نبيا أيضا، فإذا عمد أهل ذلك العصر ~~المرسول إليهم ذلك النبي وقتلوا نبيهم بعد بعثه أو حبسوه أو خاف على نفسه ~~منهم ففر إلى صقع أو مكان يضمه عنهم واختبى به عمن يخافه، فليس على الله ~~تعالى بعد أن يرسل غيره أو يحييه بعد قتله، وله أن يعاقب الأمة المر سول ~~إليهم على جميع أحكامه بعد بلوغهم دعوته، وتقصيرهم في الرجوع إليه سواء بلغ ~~الأحكام أو بعضها أو لا، وسواء أيد بالمعجزة أو لا، والضابط أنه متى ما ~~اتصف من أرسل إليه بالتقصير استحق العقاب، وكذا أعقابهم وأعقاب أعقابهم، ~~وغير المقصر من أي مرتبة كان لا يستحق عقابا، وتسمى الأزمنة المتأخرة بزمان ~~الفترة والجاهلية، وكيفية حشرهم ونشرهم مذكورة في كتب الأخبار ويتلو النبي ~~الإمام المنصوب في ذلك حذو النعل بالنعل، فإذا اقتضت المشيئة الربانية ~~بتشريع شريعة وببقاء تلك الشريعة إلى أمد مخصوص يزيد على مدة بقاء الرسول ~~المبعوث، أو إلى أبد PageV00P049 # الآباد، وأراد جل جلاله من عباده العمل بقوانين تلك الشريعة وأحكامها ~~يلزم أن يرسل رسولا لتشريع تلك الأحكام، وينصب إماما للمحافظة على بقاء ~~التدين بتلك الشريعة بعد النبي (ص)، فلو ترك البعث كشف ذلك عن عدم اقتضاء ~~المشيئة لتشريع شريعة لخلقه، ولو ترك نصب الإمام كشف ذلك عن عدم إرادته ~~تأييد تلك الشريعة وعمل العباد بشرايعها، ومتى أرادهما لزم عليه البعث ~~والنصب كما مر ذلك مفصلا، وعليه فلو أسرعت الأمة إلى قتل ذلك الإمام الحافظ ~~أو اقتضت شهواتها فتركته ونصبت هي غيره أو فر خوفا أو استتر عنهم في صقع أو ~~ناحية فلا يجب على الله سبحانه منع الأمة عن ذلك كله وإبقاء الإمام ~~بالأسباب القهرية، بل بعد إكمال الحجة بنصب الإمام ودلالة الأمة عليه ~~بالطرق المفضية إلى معرفته لا يحتاج بعد إلى منع الدافع له عن حقه قهرا، ~~ولا يجب على ms038 الله تعالى تنصيب أخر بعد موته بل هو بالخيار إن شاء نصب إماما ~~أخرا وإن شاء ترك، فاتضح أن الواجب على الله إيجاد ما يقتضي بقاء شرعه ~~كإيجاد ما يقتضي حدوثه، وأما رفع الموانع قهرا عما يقتضي البقاء أو ما ~~يقتضي الحدوث فلا قاطع يقضي به، فإن نفس تشريع الشريعة وإرادة بقاءها لا ~~يوجب إبقاء المحدث والمبقي على الله وإن قضت بإيجادهما للفرق الواضح بين ~~الإيجاد والإبقاء، والخصم قاس الحدث بالبقاء فعارضنا بزمن الغيبة والحال ~~أنه لا مساواة بينهما ولا قاعدة اللطف تقتضيهما، بل إنما تقتضي الحدوث ~~فيهما فقط. # وبالجملة أن أحداث الشريعة تقتضي بدليل اللطف إرسال من يحدثها ويعرفها ~~للناس ولا تقتضي رفع الموانع عنه، وبقائها أيضا بالدليل المزبور يقتضي نصب ~~من يبقيها ويحفظ أحكامها ولا يوجب غير ذلك من PageV00P050 # حفظه قهرا على الخلق ورفع الموانع عنه كالسابق، فلا نقض على دليل اللطف ~~بزمن الغيبة، ولا ملازمة بين وجوب الحدوث ووجوب البقاء، فنتج من جميع ما ~~ذكرنا إن نصب الإمام بعد الرسول لطف إذ هو يقرب إلى الطاعة، ويبعد عن ~~المعصية، وليس اللطف إلا ذلك، ولازم صدوره على الله، وإما إبقاء الإمام ~~قهرا على الأمة فهو وإن قرب من الطاعة أيضا لكنه مشروط عقلا بالسلامة من ~~المفسدة فمتى لم يتحقق الشرط ولم يحرز لا يحكم حكما بتيا بوجوب البقاء، ~~ولازمه جواز خلو الزمان الثاني عن وجود الإمام أو عن تصرفه بخلاف الزمان ~~الأول فإنه يلزمه فيه وجود الإمام ونصبه ولو آنا ما، بل وكذا في باقي ~~الأزمنة إذا استند عدم البقاء إلى فعل الخالق كأن يقول له لا تبين الأحكام ~~وهو يطلب العمل بها، ولا كذلك إذا استند عدم البقاء إلى المخلوق، ومن هنا ~~ذهب الإمامية إلى عدم جواز خلو العصر عن إمام متصرف موجود لاقتضاء بقاء ~~الشريعة المفروغ منه على ذلك، فحصل الفرق بين الزمانين من وجوب اشتمال ~~الأول على وجود إمام متصرف وجواز عدم اشتمال الثاني عليه في صورة استناد ~~العدم إلى الأمة العصاة لا إلى الله ms039 عز وجل. # لا يقال أن بقاء الشريعة لا ينفك عن وجود الإمام المتصرف في فعل القادر ~~الفياض، لأن حصول الانفكاك بينهما يلزمه إما عدم مطلوبية البقاء أو عدم ~~توقفه على وجود الإمام المتصرف أو عدم قدرة الله تعالى على إبقاء الإمام ~~بين الأمة وهو كما ترى، فكيف تجمع الإمامية بين ذلك وبين اعتقاد غيبة ~~الإمام والقول به، وهذا من الغرابة بمكان، وأهل السنة شنعوا به على ~~الإمامية. # لأنا نقول إن بقاء الشريعة ومطلوبية ذلك من جانب الحق تعالى له معنيان: ~~PageV00P051 # (الأول): هو بقائها على ما هي عليه من دون تغيير وتبديل، ويراد بالبقاء ~~الفعل التكويني وهو الإبقاء يعني أن مشيئة الله تعالى قضت بإبقاء الشريعة ~~إما طوعا أو كرها إلى يوم الحساب، ومعلوم أن المشيئة لم تتعلق بذلك بالمعنى ~~المذكور، فإن لازم التعلق عدم صدور الكفر والمعصية في الأرض، ويكون حال أهل ~~الأرض كحال الملائكة في السماء فإن أريد بالبقاء هذا المعنى فلا ريب في ~~الملازمة بينه وبين بقاء الإمام المتصرف المبين لأحكام الشريعة الغراء، ولا ~~ينفك أحدهما عن الأخر جزما لكنه لم يدعيه أحد. # (الثاني): البقاء الناشئ من تشريع الشرع وصدور الأوامر والنواهي الذي هو ~~كالحدوث، وهذا النحو من مطلوبية البقاء لا يستلزم دوام وجود الإمام وإن ~~اقتضى نصبه نظير إرادة الأيمان من الكافر والطاعة من العاصي، ولذلك ذكرنا ~~آنفا أنه لو قتل النبي بظلم وجور فلا يجب على الله أن يبعث ثان بشريعة ~~النبي الأول، ومرادنا ببقاء الشريعة هو المعنى الثاني، بمعنى أن التكليف ~~الإلهي يكشف عن المصلحة والمفسدة الواقعية وهو تعلق ببقاء الشريعة بالإجماع ~~والضرورة والكتاب والسنة، ولكن تعلقه على حد مطلوبية الأيمان من الكافر ~~والإطاعة من العاصي، وهذا المقدار من المطلوبية لا يوجب قهر العباد ~~وإلجائهم على تنفيذ الأحكام وإبقاء الشريعة وعلى هذا فالشريعة باقية ~~بالإرادة وهي محتاجة إلى الإمام المتصرف، والقادر قادر على إبقاءه مدى ~~الآباد، ولكنه ليس بواجب عليه ذلك بل يمكن أن يخلو الزمان من إمام متصرف ~~لجهة عصيان الأمة وعدم اقتضاء المصلحة ms040 الواقعية إنفاذ تصرف الإمام بالقهر ~~والغلبة وذلك لا يورث خللا في لزوم إبقاء الشريعة ولا في لزوم نصب الإمام ~~PageV00P052 # المتصرف، وحينئذ يمتنع على القادر الحكيم قبل صدور العصيان من الأمة خلو ~~الزمان من الإمام، وأما بعد نصب الإمام وبعد جحود الأمة له أو عدم إطاعتهم ~~له وإن لم يجحدوه أو عدم تمكينهم إياه يمكن خلو الزمان من ذلك الإمام، ~~ويترتب العذاب حينئذ على العاصي يشاركه المقصر في الاستحقاق، وأما القاصر ~~فحاله من جهة قصور حظه عن إدراك تلك السعادة والفيوضات حال أهل الفترة. # وجملة الأمر أن نصب الإمام للأمة لطف وإبقاءه أخر، واللطف الأول يلزم ~~خلوه عن الموانع ولو بالقهر والغلبة لأن عدمه قبيح وممتنع على الله تعالى ~~حسب ما تقرر ذلك مفصلا. # والثاني وهو إبقاءه على كل حال وإن كان لطفا أيضا غير أنه يعرفه عروض ~~المفسدة من عصيان الأمة وغير ذلك مما يقتضي عدم بقاءه أو تصرفه على ما ~~عرفت، والمعروف من علماء الإمامية أنهم أجابوا عن النقض بزمان الغيبة أن ~~وجود الإمام لطف وتصرفه لطف أخر فأن رجح أحد العبارتين إلى الأخرى وكانا ~~بمعنى واحد فنعم الوفاق، وإن كان مرادهم التفرقة بين وجود الإمام وبين ~~تصرفه لا بين نصبه وإبقائه فلا يصلح ما قالوه أن يكون جوابا للنقض المذكور، ~~وإن كان ما ذكروه من كون وجوده لطفا وتصرفه كذلك مسلم وصحيح لأن وجود ~~الإمام من غير تصرف لطف معنوي نظرا لأن الإمام على مذهب الإمامية بمنزلة ~~قلب العالم وهو قوام بقاؤه ولكن هذا المعنى من اللطف ليس له ربط بمحل ~~النزاع إذ لو طالبهم الخصم بأن مثل هذا الإمام المعطل المهجور أي فائدة في ~~وجوده لا يصلح ما قالوه من كون وجوده لطفا إلى أخره، وإن يكون جوابا لهم إذ ~~قد ورد في الأخبار تشبيه الإمام بالشمس فأن الخلق تنتفع بمجرد وجودها وإن ~~لم يمكن الوصول إليها، والظاهر إنه لم يكن PageV00P053 # مراد العلماء بهذا الكلام رد نقض الخصم المذكور لأن السؤال والجواب بعينه ~~ورد في بعض الأخبار، ms041 ولو أنهم أرادوا الخلاص من النقض على الأدلة العقلية ~~بزمان الغيبة ينحصر الجواب بما نبهنا عليه - وحاصله الفرق بين بعث النبي ~~وإبقائه وبين نصب الإمام وإبقائه في إن المانع الأول لا يعقل وجوده، ويجب ~~على القادر المتعال رفعه بعد استعداد خلق PageV00P054 # الزمان للأيمان بالله تعالى وما يلزمه من الأحكام، ولا كذلك الثاني ~~لإمكان وجود المانع له عقلا. # الدليل الثالث (من الأدلة غير السمعية) استقراء حال الأنبياء إن استقراء ~~حال الأنبياء الماضين واقتفاء آثارهم، وتتبع المتواتر من أحوالهم خصوصا ~~مشاهير الأنبياء المرسلين وألوا العزم منهم، فإن لكل نبي منهم وصي وخليفة ~~معروف باسمه وحسبه ونسبه، فمن تتبع تواريخ الفريقين وكتب علماء الطرفين ~~ولاحظ أخبار السلف، وخلع قلادة العناد وأنصف، رأى إن كل نبي إذا أشرف على ~~الرحيل إلى الدار الباقية، أو قبل ذلك يوصي ويستخلف ويدفع ميراث الأنبياء ~~إلى ذلك الوصي أو إلى موثوق به يدفعه بعد قضاء نحبه إلى خليفته ووصيه، فكيف ~~لا يكون لسيد الأنبياء وخاتمهم وصيا؟ وكيف لا يحذو حذوهم مع إن شريعته أكمل ~~الشرائع وزمان بقاءها أطول ودائرته أوسع حتى أنه (ص) عمت نبوته الإنس والجن ~~على إن أمره باتباع ملة إبراهيم مطلقا بقوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ~~ملة إبر 1 هيم حنيفا (مما يقضي أن يصنع كلما صنع ومنها الاستخلاف ~~والاستيصاء بل هو أهمها، والاستثناء يحتاج إلى برهان قاض به بل لو كان لوقع ~~في الكتاب المجيد لأنه مما تعم به البلوى وليس كغيره مما يتسامح في مخصصه، ~~فإن هذا مما يورث الجزم بأن النبي (ص) لم يخرج من الدنيا حتى نصب له وصيا ~~وخليفة. PageV00P055 # ولو قيل إن النبي (ص) عرف من حال الأمة عدم القبول، وعلم منهم عدم ~~التمكين فترك النص لذلك. فقد عرفت الجواب عنه من إن عصيان الأمة لا يمكن أن ~~يمنع من ابتداء وجوده، كما لا يمنع من ابتداء بعث النبي. # سلمنا لكنه لا ينفع الخصم بل يورث الخلل فيما زعمه من عدم النصب لجهة ~~العصيان وعدم التمكين من الأمة ms042 لعودة في المعنى إلى نسبة العصيان والمخالفة ~~لصحابة النبي (ص)، وعدم قابليتهم لأن يكون فيهم من يصلح للإمامة، فينتج منه ~~غصبهم للخلافة باستعمال الحيل، وهذا يثبت جزء من مذهب الإمامية، ويثبت ~~الباقي وهو خلافة الأمير (ع) بالإجماع المركب، لأن كل من يرى إن خلافة غيره ~~باطلة لعدم استحقاق غيره لها بل غصبه إياها يقول بخلافة الأمير (ع) وإنها ~~بالنص على إنه يمكن إثبات مذهب الإمامية بلا واسطة الإجماع المركب، لأن ~~وجود الإمام باتفاق كل المسلمين لازم وواجب، وليس غير مولانا الأمير (ع) ~~أحد قابل من الصحابة لذلك باعتراف الخصم، فيتعين إنه هو الخليفة حقا، وإن ~~تصرف غيره لا وجه له. # الدليل الرابع (من الأدلة غير الشرعية) سيرة وأحوال النبي (ص) أن المراد ~~بهذا الدليل هو تصفح أحوال النبي (ص) وسيرته مع الأمير - علي بن أبي طالب ~~(ع) - وغيره من الصحابة، فإذا عرفت منه (ص) الميل إلى واحد بإشاراته ~~والتفاتاته من إكرامه PageV00P056 # وإعظامه والرجوع إليه في المهمات، كان ذلك شاهد حال على عدم رجحان غيره ~~عليه، وحصول العلم من هذا الطريق شائع معلوم، مثلا إذا عرفت إنسان بالجود ~~والكرم والإحسان فلا ريب إن الجلوس على باب داره والاتكاء على جداره لا ~~يحتاج بالبداهة إلى استيذانه، وكذا لو أضاف مبغضيه وأكرم معاديه، فإكرامه ~~لمحبيه معلوم بشاهد الحال، وهكذا في ساير موارد ما يحصل العلم به من الرضا ~~والكراهة والكرم والبخل والفسق والعدالة وغيرها من الصفات الخفية، وحينئذ ~~من نظر بعين الإنصاف وتفكر في أحوال سيد المرسلين قطع باستخلافه لأمير ~~المؤمنين دون غيره من الصحابة المسلمين وأقامه مقامه في الإمارة، وحمله ~~أعباء الرسالة نظرا إلى أنه (ص) له التصرف في جميع أمور العالم وله معرفة ~~ما يصلحهم مما يفسدهم، وجعل لكل واقعة حكما يناسبها وما ترك الناس في وهدة ~~الضلالة، وبين الأحكام حتى آداب التخلي وأرش الخدش، وعرفهم طريق السلوك ~~وآداب المعيشة بقانون الحكمة الإلهية، وبين لهم طريق السياسات حتى غلبة ~~العدو في الحروب، وأوضح لهم طرقها وكيفياتها حتى بهر العقول وأذعنت العقلاء ms043 ~~بأن ما حواه ممتنع الحصول ولولا الإطالة لذكرنا من بعض أخلاقه وآدابه ~~وسيرته مما لو وعاها العاقل وبها تدبر لصقع لوجهه وقال يا سبحان الله ما ~~هذا بشر، ولذلك كانت شريعته من أقوى معا جزه، ومن الواضح أنه إذا كان بهذه ~~المرتبة التي لم تحصل لأحد من الخلق من بني آدم من إدراكه لما لا تدركه ~~العقول، وإحاطته بالأحكام وتفاصيلها فيقطع من له أدنى روية ومسكة بأنه (ص) ~~بالنسبة لأمته أشفق من الوالد الرؤوف، وإن رحمته ولطفه على الأمة أكثر من ~~حياطة PageV00P057 # الأمهات على أولادها وتعطفها عليهم، وإنه ما استراح ساعة من غم الأمة ~~ورفه المكروهات عنهم، ولو تفكرت في أحوال العقلاء من الناس من الشريف ~~والوضيع كل بحسبه لألفيت كل من تولى وملك شيئا يبالغ في حراسته وصيانته ~~والتحفظ عليه، وفي الأثر (من تولى عشرة أعطي أعقلهم) ألا ترى إلى صنيع راعي ~~الغنم وسايس الأنعام كيف يتنكب بها الوهاد المعشبة والروابي المخضبة، ~~فينقلها من ناد إلى نادي ومن واد إلى وادي، ويفنى ليله ونهاره في صونها عن ~~المؤذيات وحراستها من المهلكات، ولا يشغله عنها شاغل، فكيف عن ملك أمر ~~الأمة وأرسله الله تعالى إليهم نعمة؟ أتراه يتركهم سدى لا ينصب لهم راعيا ~~يدبر أمورهم، وواليا يرجعون إليه في مهماتهم، به يتقوى الضعيف وبه يزول كرب ~~اللهيف، ومنه يتعرفون أحكام واجب الوجود ويقفون على فرائض الملك المعبود، ~~وكيف يرجع اختيار نصب الإمام إليهم؟ وهو أعرف بما يصلحهم منهم فيترك الأصلح ~~إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، فإن الضرورة تقدر بقدرها عند عروضها، ~~واحتمال عروضها لا يوجب ترك الأصلح المأمور بفعله، والحال إن نصب الإمام من ~~أعظم المصالح العامة وأهمها باتفاق أهل السنة والإمامية، ولو إن ترك ذلك ~~مستحسن لتركته الملوك والسلاطين فتراهم ينصبون ولي عهدهم قبل كل شئ، ~~ويرشدون رعيتهم إليه، أفيترك ذلك ملك الملوك والعقل الكامل؟ كلا ولو اختبرت ~~أهل السنة لوجدتهم يبالغون في هذا الأمر أكثر من الإمامية، فإنهم تركوا ~~حضور تجهيز النبي (ص) ودفنه، وتهافتوا ms044 في سقيفة بني ساعده، واشتغلوا بأمر ~~الإمامة خشية أن لا يختل أمر الدين ولو ريثما يدفن النبي (ص)، لأنهم رأوا ~~ذلك أصلح للدين من PageV00P058 # انتظارهم هذه المدة اليسيرة حتى فاتتهم الصلاة عليه إلا نفرا يسيرا، وفي ~~بعض الأخبار لم يدفن النبي (ص) حتى تم أمر الخلافة وانقطع النزاع وبويع ابن ~~أبي قحافة، وقيل بقي النبي (ص) إلى ثلاثة أيام لم يقبر لكن المشهور الأول، ~~ولأجل لزوم ذلك والاهتمام به عهد أبو بكر إلى عمر واستخلفه، فأي عاقل يجوز ~~ترك الاستخلاف على من أحرز عقل الكل؟ لعمري إن هذا بهتان عظيم. وفي الأثر ~~(حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق لا عقل له)، وعلى كل حال فالمحقق من تواتر ~~الأخبار وأخبار المؤرخين إن جمعا من الصحابة لم يحضروا تجهيز النبي (ص)، ~~وأسرعوا إلى سقيفة بني ساعده لطلب الإمارة والخلافة، وهذا هو الذي دعى ~~الإمامية إلى الانحراف عنهم وعدم الاعتناء بشأنهم، لأن المنصف الخالي من ~~شوائب العناد وهوى النفس يسأل منه إنه أي خلل ووهن ورخنه تصيب الدين في مدة ~~يسيرة حتى يرتكب لأجله هذا الأمر الشنيع الذي يورث الاستخفاف بحق النبي (ص) ~~أن يترك جسدا بلا روح بين الأحياء، ولا يعجلون إلى تربته والحال إن زمان ~~اشتغالهم بالبيعة أطول بحسب العادة من زمان تجهيز النبي (ص) ولو إنهم سلموا ~~من هوى النفس والميل إلى الرياسة لجمعوا بين هذين الأمرين الممكنين وأحرز ~~وأشرف شرف الدنيا والآخرة فيجهزون النبي (ص)، ثم يعدون لما نهوا عنه من أمر ~~الخلافة لا أقل من إن الأمير (ع) إن لم يكن رئيسهم فهو من أول المهاجرين، ~~أما كان ينبغي أن يشاوروه في هذا الأمر ، لكنهم مال بهم الهوى وراق لهم خفق ~~PageV00P059 # النعال فعافوا ما يصلح دينهم لدنياهم وذلك معنى (أفإن مات أو قتل انقلبتم ~~على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا)، يعني بعد النصب ~~وإكمال الحجة وتعيين الإمام لا يضر الله تعالى من يعصي ولم يتمثل وهو معنى ~~الانقلاب، وهذا هو ما أشرنا إليه ms045 آنفا من إن عروض المعصية بعد نصب الإمام ~~وعدم امتثال أمره لا يجب على الله إزالته وإن وجب عليه إزالة ما يمنع من ~~النصب ومما يقضى بأن اجتماعهم كان طلبا للرياسة لا لإصلاح أمر الأمة تظلم ~~الأمير (ع) كما وقع في النهج الذي لا ريب أنه من كلامه قال في خطبة له (حتى ~~قبض رسول الله رجع قوم على الأعقاب وغالتهم السبل ووصلوا غير الرحم الذي ~~أمروا بمودته ونقلوا البناء عن رص أساسه حتى بنوه في غير مرضه) وقوله في ~~أخرى (فلما مضى محمد (ص) تنازع المسلمون الأمر من بعده فوالله ما يلقى في ~~روعي ولا يخطر ببالي إن العرب تزيح هذا الأمر عن أهل بيته ولا أنهم منحوه ~~عني فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت بيدي) إلى غير ~~ذلك من تظلمه من يوم السقيفة، فأين صلاح أمر الأمة والأمير يرى فساد أمرهم ~~بهذا، وأهل السنة لما عرفوا بشاعة هذا الأمر وشناعته أخذ يلفقون ما يموهون ~~به على العوام لرفع التشنيع عليهم من هذه الجهة لكنهم كحاطب ليل لا يدري ما ~~يجمع، فيجيبون تارة عن ذلك بأن الصحابة أرادوا الجمع بين الأمرين فتركوا ~~جمعا منهم يجهز النبي (ص) وجمعا آخر يشتغل بأمر الخلافة والإمامة في المحل ~~المعد له، وليس في هذا إلا تمام العدل والإنصاف PageV00P060 # وحماية الدين وأداء حق الرسول (ص) بالاهتمام بحراسة شريعته الغراء وبتمام ~~الجد والاجتهاد عقدوا البيعة وهدأت النفوس واعتز الإسلام وليس لهم بذلك ~~مقصود أو غرض إلا حفظ الإسلام والمسلمين، ثم ينسبون الإمامية إلى الجهل ~~بمعرفة الأمور والعناد مع المسلمين. # ويتخلصون أخرى بأنه في زمن مرض النبي (ص) كثر القال والقيل وظهر الاختلال ~~في الدين حتى برزنا عق المنافقين وكامن القاسطين وأشرفت الأعراب من حوالي ~~المدينة على الارتداد، وجاسوس المنافقين فيها يتربص الفرص، والصحابة لما ~~نظروا إلى ذلك لم يملكوا أنفسهم عن الإسراع إلى أمر الخلافة بعد أن قام ~~البعض بتجهيز النبي، وهو واجب كفاية، لأنهم من أطلع الناس على أسرار ~~المنافقين ومكايدهم، ms046 ويعلمون بأن الأعراب يسرع إليهم الارتداد لأنهم ينعقون ~~مع كل ناعق فعسى أن يكون قد انتهى الأمر بهم ووصل الحال إلى حد لو انحصر ~~تجهيز النبي (ص) بهم لما فعلوه، لكون حفظ بيضة الإسلام أهم من تجهيزه عند ~~الله ورسوله، وفعل الأهم واجب عند المزاحمة مع غيره، وفي الحديث (من أصبح ~~ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم)، وفي ذلك لهم تمام الفضل والفضيلة، ~~ولهذا ومثله أنزل الله فيهم قرآنا فقال عز وجل (كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~(وربما طعنوا وشنعوا على الإمامية الذين طعنوا في الصحابة بترك تجهيز النبي ~~(ص) ومبادرتهم إلى تعيين الخليفة والإمام بعده، وعدوا ذلك من المثالب قالوا ~~" وذلك من غواية إبليس وتدليسه بأن سلب الدين من PageV00P061 # الإمامية بمقدمات خيلها لديهم إنها دينية فظلوا وأضلوا وشاركوا أهل ~~الكتاب في الكفر ". # ويا ليت شعري كيف تجديهم هذه الخرافات وتفيدهم هاتيك المغالطات فها نحن ~~نرد الأولى بأن العقل والنقل يقضيان بحرمة الرسول، وإن هتك حرمته فسق بل ~~كفر، ولا ريب بأن ترك تجهيزه يقضي بهتك الحرمة فلا عذر لهم في ذلك، بل لو ~~تخلف واحد منهم استحق الملامة والذم والعذاب فكيف بجلهم فإن ذلك حرام من ~~جهتين من الإخلال بالمودة التي أمروا بها، ومن عدم الاحترام، ومقالة أكثرهم ~~إن ذلك لحفظ بيضة الإسلام فيه إن فعل ما هو حرام لاحتمال المصلحة المظنونة ~~لعله خلاف الشريعة، ولو سلمنا إن الضرر المحتمل يلزم دفعه نقول أي دليل قضى ~~بأن حفظ البيضة يزيل حرمة الهتك؟ # كيف وهو بيضة الإسلام؟ ففي ترك حرمته هتك بيضة الإسلام فما فروا منه ~~وقعوا فيه كما لا يخفى. # ونمنع الثانية بأن الارتداد المذكور والتشويش الذي يخشى منه على بيضة ~~الإسلام لو كان لبان، والحال إنه لم يذكره مؤرخ ولا سمعناه من ذي سيرة، ولا ~~وقفنا على جهة من الإعراب إلا ما صدر بعد الخلافة بمدة في عهد الأول من ~~واقعة مالك بن نويرة وهي لعمري إن لم تكن مثلبة فما كادت لتكون منقبة فراجع ~~السير وتعرف الواقعة ms047 تعرف إن مالكا وأصحابه لم يخلعوا طاعة ولا فارقوا ~~الجماعة، وإن ما صدر من خالد بن الوليد معهم كان ظلما وعدوانا، ولا ينبئك ~~مثل خبير، وعند الله تجتمع الخصوم، والحاصل لم يبلغنا ارتداد أحد ولا ~~محاصرة المدينة ولو كان فزمان التجهيز كان بحيث أنه لولا تركه لاختل أمر ~~الدين مما لا يتفوه به عاقل، وهو بهذا القصد على إن من ارتد على فرضه إن لم ~~يأت وينازع PageV00P062 # على إجراء الحدود مثلا هو لا يأتي ولا ينازع فالاعتذار بهذه المعاذير ~~الواهية كما وقع من بعض علماءهم في غاية الضعف لا يخلو عن التعصب ومن ~~الشواهد القوية تخلف الأمير ومن معه من أكابر الصحابة عن الرواح إليها ~~والدخول فيما دخل فيه أهلها، وإن عملهم غير مرضي للأمير. # ولو ادعوا أنه أخطأ في اجتهاده. ففيه بعد منع الخطأ في حقه خصوصا في مثل ~~هذا الأمر العظيم - إن هذا الخطأ قد استمر معه إلى أن قضى نحبه ولقى ربه، ~~ولو كان كذلك ينبغي أن يزول بعد ما تم الأمر وتبين له وجه صلاحه، كلا لقد ~~احتج عليهم في زمانهم وتظلم منهم بعده أنظر إلى شقشقيته فإنها تنبيك عن ~~تظلمه كغيرها من كلماته. # فإن قلت أنه كما إن من البعيد عدم تعيين الرسول (ص) للإمام فأبعد منه ~~مخالفة الجم الغفير من الصحابة وفيهم أجلاء المهاجرين والأنصار، فإن نسبة ~~مخالفتهم النبي (ص) في هذا الأمر يحتاج إلى جرأة عظيمة ونسبتهم إلى الفسق ~~لا يكاد يلتئم مع ما ورد من المدح والثناء عليهم جملة من الله ورسوله في ~~الآيات والأخبار مثل (كنتم خير أمة (ومثل (المهاجرين والأنصار (الآية، وقد ~~صدر فيها تصريح الرضى من الله عنهم فيلزم المنصف أن يحمل أفعالهم على الصحة ~~مهما أمكن ولا يتعرض لهم بسوء. # قلنا: هذا الكلام بظاهرة يكاد لا يسمع ولكنه عند التحقيق لا يشفي علة ولا ~~ينجع غلة أما الآيات والأخبار فهي مجملة لا يركن إليها بعد معلومية أن الله ~~سبحانه ونبيه ما أراد بذلك مدح كل الصحابة يقينا لمعلومية ms048 أن فيهم من نكث ~~وارتد، وفي الكتاب المجيد نزل الذم في PageV00P063 # خصوص بعض الصحابة أيضا مثل (الذين آمنوا ثم كفروا (ومثل (انقلبتم (وغير ~~ذلك، وفي الأخبار أيضا كذلك، وإما مخالفة الأكثر وهو من البعيد فلا يكاد ~~ينكر فإن صدور المعصية علة تامة لتحقق المخالفة وعدم العدالة، وهي واقعة ~~منهم باعتراف الخصوم ولأجلها أخذوا يتعلقون بكل رطب ويابس. قالوا القلوب ~~منحرفة عن الأمير، وأغلب المهاجرين والأنصار لا يرضونه حاكما عليهم فتدبيره ~~مثار الفتنة والارتداد واختلال الإسلام بخلاف تقديم غيره. # وقالوا إن الحق المحض مر، والأمير (ع) لا يداهن في دين الله أبدا، ومن ~~المعلوم إن الناس لا ترغب لغير المداهن خصوصا الولاة والقضاة والمصدقين ~~ورؤساء العساكر وغيرهم، ممن يرغب الارتشاء ويطلب أن يظلم، فلو تولى الأمير ~~أمرهم لعزرهم مضافا إلى العزل، ولأغلظ لهم في القول، وضعفاء العقول لا ~~يتحملون ذلك ولا يطيقونه 64 الدليل الرابع: سيرة وأحوال النبي (ص) ~~PageV00P064 # فيورث إرجاع الأمر إليه الهرج والمرج في بدء الإسلام، والصحابة رأوا ~~المصلحة لأن يتصدون أمر الخلافة ويحفظون الدين عن التغير إلى أن يتقوى ~~الإسلام، ونحن نقول إن هذا ومثله من المعاذير لو صدقت لكان غايتها إن ~~استبداد الأمير بالخلافة بغير مشورتهم ومعاونتهم خلاف الأصلح. وأما خلافته ~~بمعاونة الصحابة فلا فساد فيها فينجم الاعتراض على الصحابة إنهم لم لم ~~يوازروه ولم يعاونوه، فوالله العظيم لو أعانه منهم عشرة ما اختلف عليه ~~اثنان فكيف بجلهم، ولا يزيد كراهة إمرته على كراهة نبوة النبي (ص) فإنه ~~باليسر منهم ملك رقابهم وأظهر نبوته بالسيف، ثم إن الكاره لخلافته وإمرته ~~إن كان من الأذناب فهم لا يعتني بشأنهم وما هم إلا كالفراش، وإن كان من أهل ~~الحل والعقد من المهاجرين والأنصار جاء الحق من إنهم اتبعوا أهواء أنفسهم ~~ولم يكن فيهم أحد سالما من غرض أو مرض، ولولا تقاعد باقي المهاجرين ~~والأنصار عن عثمان في المدينة وعدم رضائهم ببعض أفعاله لما مر به من يؤذيه ~~ولا قتل، ثم إن المنصف إذا تفكر في التواريخ وأخبار السلف يرى ms049 إن أغلب ~~الناس إلا من يشم من نفسه الإمرة كلهم كانوا يوالون عليا)، ويودون ولايته ~~عليهم فهذا العذر كالذي يليه لا يفيد فائدة، فإن الحق أحق أن يتبع فكونه ~~(ع) يقضي بالحق ويسير بالعدل، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من ~~عدله مما يشرف من له أدنى عقل إن العموم ترضى به لكن رضاء العموم متوقف على ~~رضاء الخواص، والخواص قلوبهم مرضى، ومرض القلوب لا يداوى، وهوى النفس يغلب، ~~والله سبحانه أبصر عمن خالف النص وغلبه هواه. PageV00P065 # الخامس من الأدلة: (التي هي غير سمعية) دعواه للإمامة والخلافة أن عليا ~~(ع) ادعى الإمامة والخلافة بالنص، وأنه أقام على ذلك البراهين والمعاجز. # أما دعواه الإمامة فغنية عن البرهان لا تحتاج إلى الإثبات، ويكفي فيها ~~تظلمه في نهجه كما غبر (1) وتخلفه عن البيعة لغيره بإجماع الفريقين. نعم ~~الخصم يدعي بيعته بعد أن قضى رسول الله (ص) بمدة، والإمامية تقول ما بايع ~~أبدا، ولأن ظهر منه صورة بيعة فلأمر ما جذع قصير أنفه، ويستندون في ذلك إلى ~~مشاهدة أحواله حتى عممه ابن ملجم، وأنه لم يزل يتظلم فلو كان مبايعا لا ~~يحسن منه ذلك وعلى كل حال فتخلفه عن البيعة عند فقد الرسول (ص) مما لم ~~ينازع فيه أحد، وادعاءه إنه أحق بهذا الأمر مما لا ينكر. # وأما ما جرى على يده من المعاجز الباهرة، فذلك في الجملة مما لا يعترضه ~~الشك، وإنكار منكريه لا ينفع بعد ظهوره بين الخاص والعام، واعتراف الكفرة ~~بذلك فضلا من الإسلام حتى اشتهر بمظهر العجائب بين الأنام. # 66 الدليل الخامس: دعواه للإمامة والخلافة # PageV00P066 # ولو قيل بأن تسليم ذلك لا يصلح أن يكون حجة على الإمامة ودليلا لأن دعواه ~~للإمامة لم يكن مقرونا بالمعجزة، ولا استند إلى إثباتها بذلك، غاية ما في ~~الباب إنه ادعى الإمامة وظهرت منه المعاجز. # فرده أما على مذهب الإمامية وما وصل إليهم من الأخبار الموثقة من الرواة ~~الذي جرى توثيقهم في السنة من أهل السنة والشيعة مما هم مذكورون في ميزان ~~الاعتدال ms050 في معرفة الرجال إنه ادعى الإمامة وأظهر المعجزة وبذلك وردت جملة ~~من النصوص {كمنازعته مع أبي بكر بعد موت النبي (ص) وتوافقا على الرواح إلى ~~قبر النبي (ص)، فلما ذهبا إليه سمع أبو بكر صوت النبي بل رأى شخصه بدعاء ~~علي (ع) وهو يقول (علي مني بمنزلة هارون من موسى، اللهم وآل من والاه)، ~~فذهب وهو يقول سحر بني هاشم ورب الكعبة}... الخبر، وكذا منازعته مع العباس ~~في ميراث النبي (ص) وغير ذلك. # وأما مذهب أهل السنة فظهور المعجزة وإن لم تكن مقرونة بدعوى الإمامة إلا ~~إنه بعد عدم إنكار صدور المعاجز منه يقضي صدورها بمزيد الفضيلة على ~~المخلوقين وتميزه على من سواه، والمميز من البشر العالي عليهم أحق بالأمر ~~من غيره، فإن علو المراتب بحسب القابلية وهو ظاهر. # الدليل السادس: - (وهو من الأدلة العقلية) الإمام معصوم السادس من الأدلة ~~العقلية: - إن الإمام المنصوب للرعية لا بد وأن يكون معصوما من الخطأ ~~والزلل، والعلم بعصمته لا تمكن ولا تأتى لغير PageV00P067 # الله تعالى ورسوله، فيتعين وجوب نصبه على الله ورسوله. فهنا دعويان: - ~~(الأولى): وجوب كون الإمام معصوما، وإن غير المعصوم يجوز عليه الخطأ ~~والمعصية، ويلزم الأمة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ردع المرتكب ~~لذلك، فالشخص الذي تجب عليه سماع قول الأمة والأمة يلزمهم ردعه كيف يكون ~~حاكما عليهم وقاهرا لهم، ويجب عليهم امتثال أمره ونهيه، فإنه قد يكون ~~مستحقا للتعزير أو للحد أو للقتل وإطاعة مثل هذا الشخص من أقبح الأشياء ~~وأفضحها، ولما نظر بعض علماء أهل السنة إلى بشاعة هذا الأمر تخلصوا منه بأن ~~الإمام إمام ما دام مطيعا لله تعالى، ومتى خالف تعزله الأمة ويعينون غيره، ~~وهذا التخلص من دفع الفاسد بالأفسد لأداء ذلك إلى اختلال النظام ولزوم ~~الهرج والمرج وتشويش أمر الأمة كما وقع ذلك في أمر خلافة بني العباس، ~~ويلزمه تسلط الرعية على ولي الأمر مع اختلاف مذاهب الناس وميلهم. # ولو عورض هذا الدليل باستقرار أمر الأمة في خلافة الخليفتين وغيرهما من ~~بعض السلاطين المتصرفين ms051 في الرعية بتنصيبهم لهم، لأجبنا عن ذلك بقلته أولا. ~~وبأن الاستقرار للخوف من سيوفهم، ولو وجدوا فرصة لعزلوه ثانيا. وبأنا لم ~~نحكم بعدم إمكان الاستقرار أو بامتناعه أو عدم وقعه ثالثا، وإنما حكمنا بأن ~~والي أمر الأمة وسلطان الدين لا يليق به أن يكون منصوبا لهم، ولهم الولاية ~~عليه في العزل والنصب لوجوه: - (أولها): إن الغرض من وجود السلطان إزالة ~~الفساد واستراحة العباد، فإذا كان تعيينه بأمر الأمة نافى ذلك الغرض، بل ~~كان ذلك عين الفساد وعدم الصلاح. PageV00P068 # (ثانيها): إن من عينته الأمة منها للإمارة لابد وأن يكون غير معصوم، إذ ~~تعيين الأمة وتنصيبهم له لا يجعله معصوما بالضرورة، ومتى كان كذلك يمكن في ~~حقه أن ينهمك في المعاصي ويتوغل في الظلم والجور، ويخطأ في الأحكام وحينئذ ~~فإن بقي وجوب إطاعته على الأمة بعد ذلك فوا سوئتاه، وإن وجب عليهم عزله ~~ونصب غيره جاء الهرج والمرج وعساهم لا يمكنهم ذلك لكثرة من تعلق به من ~~شياطين الأنس، ومتى عجزوا وقعوا في المهلكة العظمى والبلية الكبرى، وذكر ~~بعض المؤرخين أنه جاءوا بسارق إلى الرشيد بمحضر الإمام علي الرضا (ع)، فأمر ~~الرشيد بحده فقال له: إن من وجب عليه الحد لا يحد، وقد وجب عليك من حدود ~~الله تعالى الكثير، فالتفت الرشيد إلى الرضا وقال له: ما تقول في رده، فقال ~~(ع): إن قوله موافق لدليل فيحتاج رده إليه. # (ثالثها): أنه قد لا يحصل الاتفاق من الجميع على واحد بأن يختلفون في ~~فردين، كما أنه قد يحصل الاتفاق على واحد متهتك لا يصلح للإمامة، فإن ~~كلاهما ممكن وفي ذلك تمام الفساد وعدم الصلاح، والعجب من علماء أهل السنة ~~إنهم يتحملون في دفع هذه المحاذير ويستندون إلى ما لا يسمن ولا يغني، فأي ~~ضرورة ألجأتهم إلى اختيار هذا حتى احتاروا في دفع ما يلزم منه، وقد ينسبون ~~إلى الهذيان في رد مثل هذه المحاذير بالساقط عن درجة الاعتبار، والإمامية ~~في راحة من ذلك لاشتراطهم العصمة في الإمام، وقولهم بأن العلم بها من خصائص ms052 ~~الله تعالى لامتناع علم الناس بأحوالهم المستقبلة فضلا عن أحوال سواهم، ~~وحينئذ بناء على ثبوت المقدمتين يجب على الله تعالى أن يعين PageV00P069 # الإمام ويوحي إلى رسوله به، ووجب على الرسول أن يعينه بشخصه وحسبه ونسبه ~~للأمة، وبعد ثبوت وجوبه يثبت فعليته لأن الوجوب على الله تعالى ملازم ~~للفعلية باتفاق العقول، لأن عدم النصب ظلم وإضرار وتفويت للمصلحة وامتناع ~~الظلم على الله ثابت بالدليل الفطري، ولا يحتاج في ثبوته إلى قاعدة الحسن ~~والقبح. # ودعوى إن الواجب على الله أن لا يظلم ولا يصدر منه ذلك، وإما تفويت ~~المصلحة وترك فعل الأصلح فلا يمتنع في حقه تعالى، مدفوعة بأن معنى الظلم ~~عرفا بالنسبة إلى الله تعالى هو الخروج عن القوانين العقلية والنقلية، وأي ~~خروج أعظم من نسبة القادر المختار إلى إهمال أمور عباده وإيقاعهم في ~~المهلكة بعد قدرته على عدم ذلك وهو ينظر إلى مفاسد عدم تعيين الإمام، ولا ~~فائدة ترجع إليه في الإهمال. # ودعوى إن المصلحة ربما كانت في الإهمال، مدفوعة بالتفكر في سالف كلماتنا ~~بأن مثل هذه المصلحة غير معقولة إلا من جهة عدم تمكين الأمة للإمام المنصوب ~~من الله تعالى، وهو لا يزيل مصلحة نصبه، كما إن كفر الكفار لا يقضى بعدم ~~بعث النبي فإذا ثبت النصب تعين إن يكون المنصوب هو أمير المؤمنين (ع)، لما ~~مر مفصلا من عدم ادعاء غيره ذلك. # 70 الدليل السادس: الإمام معصوم PageV00P070 # الدليل السابع (وهو من الأدلة العقلية): - أفضليته إن الإمام لابد وأن ~~يكون أفضل من غيره وإلا يلزم إطاعة الفاضل للمفضول وهو قبيح فيمتنع، ولا ~~ريب في أفضلية الأمير (ع) على من سواه من المهاجرين والأنصار وذلك لا يحتاج ~~إلى تجشم الاستدلال، ويكفي فيه ما ورد صحيحا من طرق الطرفين (علي أقضاكم) ~~وغير ذلك مما يحسر عنه نطاق القلم، والمعتزلة بأسرهم يقولون بذلك وأما ~~الأشاعرة الذين جوزوا صدور القبيح على الله تعالى وإمكانه أيضا بلا مصلحة، ~~لا يجوزون تقديم الفاضل على المفضول، ويرون التقديم بلا سبب ظلم في حق ~~الفاضل وصدور الظلم ms053 من الله قبح لا ينكره الأشعري من جهة دلالة الكتاب ~~والشرع عليه، وإن جوزوه عقلا، واحتمال إنه ربما كانت هنالك مصلحة اقتضت ~~التقديم يدفعه التدبر فيما تلوناه عليك مما غير من الأدلة العقلية من إن ~~المصلحة المتوهمة لا ترفع المصلحة اللازمة في أصل التعيين. # والقول بأن الأمير (ع) وإن كان أفضل من غيره في جميع الصفات الحميدة من ~~العلم والشجاعة والحسب والنسب فعسى أن يكون غيره أبصر منه في السياسات ~~والإمارة، مدفوع بعدم معلومية ذلك بل المعلوم غيره من رجوع الصحابة إليه في ~~أكثر المهمات وقد ورد (لولا علي لهلك عمر)، وعدم المعلومية تكفينا على إن ~~الصحابة لو أطاعوه وأمروه عليهم لسار فيهم سيرة النبي (ص)، ولشاورهم كما ~~يفعل الرسول فلا محذور على إن هذا البحث يجري في حق النبي (ص)، PageV00P071 # لأنه كثيرا ما يشاور أصحابه في الوقائع، ويأخذ بما يرونه من التدبير فإذا ~~اقتضى ذلك حجر مستحق الخلافة جرى مثله في حق النبي (ص). # وزاعم الفرق بينهما بأن النبي (ص) ورد الأخذ برأيه وامتثال أمره من الله ~~تعالى فوجب على الأمة إطاعته ومرعاة المصلحة، وعدمها ملغاة في حقه. # وأما الإمام (فلم يرد النص بتقديم رأيه على رأي الأمة، فاشتراط الأخذ ~~برأيه بأن لا يكون نظر غيره أصوب من نظره وأبصر لا عيب فيه، بل مما يحسنه ~~العقل، مردود بأن النزاع ليس في فعل الأمة بل في فعل الله تعالى في إن ~~الأبصرية بالسياسة تكون باعثا وسببا لتفويض الله جل شأنه الإمارة والسلطنة ~~لغير الأفضل أم لا، ولكون ذلك ممنوع على الله تعالى في حق الرسول ففي حق ~~الإمام أيضا كذلك، على إن الأبصرية في السياسات إن كانت فيما يعود إلى أمر ~~الدنيا فقط ولا دخل لها في الدين فذلك لا كرامة فيه ولا ترجيح، وإن كانت ~~الأبصرية في الأمور الدنيوية المتعلقة بالآخرة فذلك خلاف الأعلمية ~~والأفضلية، والمفروض أن الأمير (ع) أفضل من غيره في كل ما يتعلق بالدين من ~~الفرائض والسنن والمعاش والسياسات وغيرها فلم يبق إلا ما يتعلق ms054 بأمر الدنيا ~~محضا، والاشتغال بذلك إن لم يكن نقصا في حق ولي الله فما كاد أن يكون واجبا ~~خلاصة الكلام إن الأمير (ع) أفضل من غيره فتقديم غيره عليه قبيح، والصغرى ~~والكبرى معلومتان فالنتيجة بديهية. # 72 الدليل السابع: أفضليته PageV00P072 # الدليل الثامن (وهو من الأدلة غير السمعية): - إجماع الإمامية إجماع ~~الإمامية على اختلاف فرقهم على وجوب تقديم الأمير (ع) في الإمارة على غيره، ~~وإنه مدفوع عن حقه، وذلك يكشف عن رأي رئيسهم كما هو المعهود في كل من تبع ~~غيره، والخصم يعترف باتفاق جميع المسلمين يكشف عن رأي نبيهم لأنهم أتباعه ~~فكذا اتفاق جملة المتابعين يكشف عن رأي متبعهم، وهذا الدليل يشمل على ~~مقدمات: - (أولها): ثبوت اتفاق الإمامية على وجوب تقديم الأمير على غيره، ~~وعلى عدم أحقية من سواه بإمرة المؤمنين، بل على عدم جواز عزل نفسه عن هذا ~~الأمر، وتسليم الأمر لغيره طوعا. # (ثانيها): حصول الكشف والقطع إن ذلك هو رأي سيدهم وإمامهم. # (ثالثها): إن رأي الإمام صواب لا يجوز الرد عليه ولا مخالفته. # (ورابعها): ثبوت الملازمة بين بطلان خلافة الخلفاء وحقية خلافة الأمير ~~(ع) وعدم إمكان الجمع بين حقيتهما معا. # والرابعة من المقدمات كالأولى يمكن النزاع فيها ولا يتصور. # وأما المقدمتان المتوسطتان فقد أنكرهما جل أهل السنة، فطورا يقولون إن ~~الشيعة بيت الكذب والافتراء لأنهم ينسبون رؤساء المذهب وأئمة الدين إلى قبح ~~الأمور وارتكاب المعاصي، وربما يعتمدون ويتمسكون على هذا المطلب ببعض ما ~~ورد من أئمة الإمامية في مدح الخلفاء خصوصا والصحابة عموما كقول الأمير (ع) ~~في رواية PageV00P073 # الطوسي (رحمه الله) عن سويد بن غفلة (من فضلني على أبي بكر جلدته حد ~~المفتري)، وقول الصادق (ع) (ولدت منه مرتين) وقوله (ع) (هما إمامان عادلان ~~كانا على الحق وماتا عليه) وقول الإمام الباقر (ع) في رواية كشف الغمة لما ~~قال الإمام (ع) (أبا بكر الصديق قال السائل: منكرا عليه أتقول هذا؟ قال ~~الإمام (ع) نعم هو الصديق ثلاثا، ومن لم يقل إنه الصديق فلا صدق الله تعالى ~~قولا) وكقول الإمام ms055 الصادق (ع) للمنصور في حديث رواه في الاحتجاج (بأبي أنت ~~وأمي يا أمير المؤمنين)، وكقول الإمام الرضا (ع) للمأمون مثل ذلك وكتبه في ~~ظهر الطرس الذي فيه ولاية عهده، ولم نقف بعد التتبع على غير ذلك في المدح ~~من طرق الإمامية للجماعة. # والجواب عن ذلك كله مسطور في كتب الإمامية وخلاصته إن أمثال هذه الأخبار ~~محمولة على التقية الموجبة لأكثر من ذلك بالعقل والإجماع والكتاب والسنة، ~~وفي الكشاف في تفسير قوله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقية (: أي إلا أن ~~تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقائه رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد ~~بتلك المولاة معاشرة ومخالفة ظاهرة مستشهد بقول عيسى كن وسطا وامشي ~~جانبا... انتهى. نعم يبقى لهم مطالبة الدليل على الخروج عن ظاهر الخطاب ~~وترك العمل بأصالة الحقيقة والحمل على التقية، ولعل القرينة في مثل هذه ~~الخطابات وصرفها عن ظاهرها ظاهرة إذ لو لم يكن مغروسا في أذهان الشيعة ~~انحراف الإمام عن أبي بكر لما قابله بقوله (أتقول هذا) على طريق الاستفهام ~~الإنكاري، ولا PageV00P074 # داعي للإمام أن يقول (بأبي أنت وأمي) لأنه إفراط في التحبب المستهجن في ~~حقه، مضافا إلى الدغدغة (1) في سند هذه الأخبار، وعدم الوقوف على تصحيح ~~رجالها، وعلى العلات فهي معارضة بما هو أقوى منها سندا ودلالة، والنظر في ~~قواعد التعادل والتراجيح إذا تعذر الجمع يوجب الأخذ بالأقوى بعد التدبر في ~~لحاظ السند والدلالة في كل متعارضين، ولولا ذلك لفسد أمر الشريعة رأسا ~~لوجود الأخبار المتعارضة في الشريعة فوق حد الإحصاء. # وروى محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج ~~وغيرهما حديثا مرفوعا إلى أنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان إن النبي (ص) قال ~~(ليردن علي أناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني، ~~فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: ~~سحقا سحقا). فإن أهل السنة تصرفوا في ظاهر هذا الحديث بأنواع التصرف بعد أن ~~أثبتوا عدالة الصحابة وعرفوا إن إبقاء الحديث على ظاهره ms056 صريح في مذهب ~~الإمامية من حيث أنهم يقولون بمخالفة بعض أصحاب النبي (ص)، وأهل السنة ~~ينكرون ذلك فتحملوا في حمل الحديث على محامل من دون قرينة داخلية أو خارجية ~~حرفة العاجز فإذا فتح باب التصرف عندهم فليت شعري كيف يغلق على الشيعة؟ ~~والحال إن بين التصرفين بعد المشرقين، فالركون إلى مثل هذه الأخبار بعد ~~القرائن الظاهرة صرفها عن ظاهرها، ووجود المعارض الذي يوجب # PageV00P075 # طرحها إن لم يتصرف فيها مما لا محصل له في إثبات هذه الدعوى الجسيمة. # وأخرى يزعمون بأن مذهب الشيعة والرافضة ليس له أساس وإنما هو من تدليسات ~~هشام ابن الحكم ونصرة بن الراوندي وأبو عيسى الوراق وعبد الله بن سبأ ~~والعلامة والكاشي وغيرهم هم الذين روجوه، وتارة يدعون أن مذهب الرافضة صنيع ~~يهودي أراد الخلل في الإسلام فلم يقدر فألف كتابا في ثلب الصحابة وأودعه ~~عند الإمام الصادق (ع) ولما فارق الإمام الدنيا وجد في خزانته فحسبته ~~الشيعة أنه من كلامه فتدينت به، إلى غير ذلك من المضحكات التي لا تليق بأن ~~تدون، ولكن قوة الشيطان وقدرته على الغواية في المسائل العلمية كقدرته ~~عليها في المسائل العملية، فإن منع المقدمتين بأمثال ذلك مما لا شبهة في ~~بطلانه، وكيف يختلج ببال أو يسري في خيال احتمال افتراء الشيعة على أئمتهم ~~مع إنهم يدققون ويتفكرون في النقير والفتيل، ويحتاطون في أغلب الموارد، ~~وأهل السنة وإن زادوا عددا عليهم إلا إن الخواص من علماءنا تزيد على الخواص ~~من علمائهم، والعبرة بهم لا بالسواد الذي لا يتدبر شيئا والله تعالى يقول ~~(وقليل ما هم ( وملخص القول إن إجماع الشيعة وعلماءهم يكشف قطعا عن رأي ~~رئيسهم، فإن يكن هنالك طعن فهو في الرئيس عافانا الله من سوء 76 الدليل ~~الثامن: اجماع الإمامية PageV00P076 # العقيدة، وغلبة الشيطان، والتطويل في مثل ذلك لعله لا فائدة فيه لظهوره. # هذا تمام لما يستدل به من الأدلة العقلية. # الباب الثاني الأدلة النقلية على إمامة أمير المؤمنين (ع) وأما الأدلة ~~النقلية منها، فهي كثيرة فوق حد الإحصاء، ونحن نذكر ms057 منها ما يغني العاقل ~~المتبصر مما اشتملت على نكات ودقائق تدل على المدعى بلا واسطة شأن النزول ~~مما لا ينكره الخصم، وإلا فلو ذكرنا الآيات التي نزلت في حق الأمير (ع) ~~وعترته من طرق أهل السنة وطرقنا لخرجت عن حد الإحصاء، وقد تصدى غير واحد من ~~علماءنا إلى ذكرها فراجع تذكرة العلامة المجلسي من الإمامية وغيره، وراجع ~~طوق الحمام في الإمامة للعالم المتبحر إمام الحرمين الشافعي فنقول: - ~~(الأول): آيات الإطاعة نحو (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~(وتقريب الاستدلال حسب ما ذكره بعض أصحابنا إن المراد بأولي الأمر الإمام ~~المعصوم (ع) الحافظ لأحكام الله تعالى، لأن إطاعة غيره من الناس قبيح، ومن ~~قرن الله إطاعته بطاعته يلزم أن يكون فيه المزية التامة على غيره، ولا ~~تمييز بغير العصمة ومتى ثبت إن الولي لا بد وأن يكون معصوما ثبت ما تقوله ~~الشيعة في حق أئمتهم وأنهم ولاة الأمر بعد النبي بضميمة ما مر عليك من ~~الأدلة العقلية، فالآية بنفسها PageV00P077 # تقضي بعصمة الإمام، وحقية مذهب الشيعة، وأهل السنة بعدما نفوا عصمة ~~الإمام وأنكروا ذلك بل لأجله أنكروا الحسن والقبح العقليين ذهبوا في تفسير ~~الآية كل مذهب فقال بعضهم إن المراد بأولي الأمر الخلفاء الراشدين وذهب ~~آخرون إلى تعميمه لجميع السلاطين والحكام، ومنهم من نفاه عن الحكام مطلقا ~~وخصه بالخلفاء والعلماء، والتفاسير المذكورة كما ترى، فالأول مضافا إلى ما ~~اشتمل عليه من المفاسد التي مرت عليك إنه لا يفيد فائدة لاحتياج الأعصار ~~المتأخرة من عصر الخلفاء إلى مثلهم لتجب إطاعته، والمفروض إن أهل السنة ~~رووا مرفوعا إلى النبي (ص) (أن الخلافة ثلاثون سنة وبعدها تكون ملكا عضوضا) ~~فكيف يلتئم الملك العضوض مع وجوب الإطاعة والانقياد. # وإما المعنى الثاني فأدهى وأمر للزوم وجوب الإطاعة والانقياد للفسقة ~~الفجرة المنتهكين لحرمات الله سبحانه وتعالى فإن أغلبهم يشرب الخمر ويستعمل ~~المنكرات وهو ملعون بنص الكتاب مستوجب للحد والتعزير، ومن كان كذلك كيف ~~يوجب الله إطاعته، والمشاهد من حكام الوقت وسلاطينهم هو سيرهم بسيرة ~~الأكاسرة والجبابرة ومخالفة ms058 الشريعة الغراء في كل قوانينهم، ثم مع تعدد ~~السلاطين كيف يكون عمل الأمة، نعم الإطاعة من باب دفع الضرر لازمة عقلا ~~وشرعا فهي لأجل حفظ النفوس والأموال والأعراض لا بد منها، وكل حاكم لا بد ~~وأن ينظم مملكته بأحسن نظام، والإطاعة بهذا المعنى لا ربط لها برئيس ~~المسلمين، ومن إطاعته تتلو إطاعة الله ورسوله. # والثالث أبده فسادا من سابقيه، فإنه يلزم تعدد الأئمة وهو كتعدد الإلهة، ~~والتخصيص بالأفضل لا يجدي عند اشتباه موضوعه على الأمة PageV00P078 # لو تعدد العلماء، فيعود المحذور وبعض من لا بصيرة له فر من هذا المحذور ~~إلى ما هو أدهى وأمر فخصص ولي الأمر بمن خرج بالسيف وأوجب اتباعه، واستند ~~للآية والإجماع على ذلك، ولعمري أي رحمة على العباد في ذلك، ومع تعدد ~~الخارج كيف تكون الإطاعة؟ بل يقضي أن يكون دين النبي عذاب لا رحمة، وهل ~~يوصي عاقل أتباعه حين وفاته: إن من يغلب على الأمر بالسيف من بعدي اتبعوه، ~~لأول ذلك إلى الوصية بالمقاتلة بعده، ونزع السيوف من أغمادها على إن خصوص ~~العلماء يحتاجون إلى إمام قطعا لإمكان الاختلاف بينهم في أمور الدين ~~والدنيا الذي لا يخلو منه نوع العالم ومن تجب إطاعته عليهم لابد وأن يكون ~~من غير جنسهم، وإلا فكل يدعي وصلا بليلى، وفي صورة تعدد المدعى كيف يكون ~~حال الأمة؟ فإن إطاعة الكل مع الاختلاف لا يمكن، وإطاعة البعض لا مرجح لها ~~على البعض الأخر، ولو قصرناه على الأفضل تجيء الحيرة مع التساوي أو الجهل ~~به، ولو قلنا بالتخيير فاستمرارية مفسدة وتعيين المختار في زمان، ولزوم ~~إطاعته دائما لا دليل من عقل ولا نقل عليه، واستخراجه بقرعه ونحوها مسخرة، ~~نعم الرجوع إلى العلماء في أخذ الأحكام الشرعية لا بأس به، وأما وجوب ~~إطاعتهم على حد إطاعة الله ورسوله كما تفصح به الآية الكريمة في العرض ~~والمال بحيث يكون مختارا لا يرد عليه كما تقتضيه آية (وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة (فكلا معل تعالى ms059 الله ~~عن ذلك. # لا يقال إن الآية من خطاب المشافهة وهو مختص بالحاضرين على ما هو ~~التحقيق، فلا يسري وجوب الإطاعة لغير زمن الخطاب، وحينئذ PageV00P079 # يختص بزمان الخلفاء ولا يشمل الأعصار اللاحقة حتى يقال بانحصاره بالأئمة ~~على مذهب الإمامية، لأن إثبات الانحصار متفرع على شمول الخطاب للمعدومين ~~والشمول ممنوع. # لأنا نقول أولا: لو كان الأمر كذلك للزم أن تختص إطاعة الله والرسول ~~بالحاضرين أيضا وفساده واضح. # وثانيا: إن إطاعة أولي الأمر من الأحكام التي لا تقبل الاختصاص بزمن ~~الحضور للإجماع القطعي بأن الإمام الواجب الإطاعة لازم الوجود أبدا، وعليه ~~فيلزم إما أن يعينه الله تعالى، أو يأمر الأمة بتعيينه، والثاني باطل ~~لاتفاق المسلمين على عدم صدور الأمر من الله بذلك. نعم ذهب أهل السنة إلى ~~إن الله تعالى أمر بإطاعة الإمام الذي عينته الأمة، وهذا بمجرده لا يقضي ~~بوجوب تعيين الإمام من جانب الحق تعالى شأنه، وإن زعموا أن وجوب التعيين من ~~الأمور الواضحة - لأنه مقدمة وجوب العمل بالأحكام الشرعية - فلا يحتاج إلى ~~الأمر، بل يكفي فيه الأمر بالأحكام، فعدم الأمر به اتكالا على وضوح وجوبه، ~~لأن فائدة الأمر الأعلام بالوجوب وهو حاصل فلا حاجة إليه. # فالجواب عنه أن وجوب تعيين الإمام على الأمة ليس بواضح، وعسى إن وجوبه ~~كذلك غير معلوم فضلا عن أن يكون ضروريا وبديهيا. وادعاء أن وجوبه من باب ~~المقدمة أول الكلام، لأن العمل بالواجبات والمحرمات على مذهب أهل السنة من ~~الكتاب والسنة حاصل بدون وجود السلطان المتصرف بالأمور التي تحتاج إلى أمير ~~من السياسات وغيرها، وكون هذه الأشياء تحتاج إلى أمير فيجب على الأمة نصبه ~~ممنوع، بأن الاحتياج بمجردة لا يوجب النصب على الأمة، ولا دليل على وجوبه ~~على الأمة غيره بزعمهم كما حققنا ذلك في الأصول. PageV00P080 # سلمنا الاقتضاء لكنه اقتضاء خفي لا يفهمه إلا أهل العلم على أن الأمة لا ~~قابلية لها ولا صلاحية لنصب الإمام، وإيكال الله سبحانه وتعالى هذا الأمر ~~إلى الأئمة مورث للفتنة وسفك الدماء فيلزم نقض الغرض في الإحالة، إذ ms060 الغرض ~~من نصب الإمام القسط والعدل وحفظ النفوس والأموال والأخذ بيد المظلوم، ودفع ~~الظلم والظالم، فلا جرم إن المراد بأولي الأمر من يكون دون النبي وفوق جميع ~~الأمة كي يكون الأمر بإطاعة الأمة له لا يورث فتنة ولا فساد، فإن عصوه ~~دخلوا في زمرة العاصين وقد سلف منا ما يوضح ذلك. # ودعوى: إن هذا البحث مشترك الورود لعدم وجود الإمام المتصرف في الأزمنة ~~المتأخرة على مذهب الإمامية، فكل ما يقولوه في تفسير الآية في الأعصار ~~المتأخرة، يجاب به بناء على مذهب العامة، ورد هذه الدعوى قد اكتست حلة ~~البيان والتوضيح عند تعرضنا للوجه الأولي وحاصله: - إن الشيعة يقولون في ~~تفسير الآية أن المراد بأولي الأمر أوصياء الرسول (ص) بأمر من الله تعالى، ~~ولا يخلو عصر من الأعصار من وصي وإمام منصوص عليه سواء هذا الزمان وغيره من ~~سابق الأزمنة، والله سبحانه وتعالى جاء بما لزم عليه من تعيين الوصي ونصبه ~~إماما متسلسلا إلى قيام الساعة، ولكن الأمة ما عملوا بما أوجب الله تعالى ~~عليهم من لزوم الاتباع وعصوا في ذلك الله ورسوله على حد عصيانهم في ~~الأحكام، وتقدم أنه ليس على الله جبرهم على الاتباع، فالأئمة ما انفكوا ~~خائفين مترقبين للمكاره، فإذا لم يبلغوا بعض الأحكام بل كلها لا ضير عليهم ~~ولا ينقص ذلك في إمامتهم، فإنهم مكثوا بين PageV00P081 # أظهر الأمة وصبروا على إيذائهم وسلكوا طريق التقية، واعتزلوا الأمة حتى ~~آل الأمر من شدة الخوف إلى أن غاب مهديهم عن الأبصار، واستتر عنهم أي ~~استتار فها هو ينتظر الفرج سهل الله له ولجميع الأئمة الظهور والمخرج... ~~آمين. # (الثانية): قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي (فإنها ~~بعد الأعراض عن شأن نزولها، وإنها نزلت في حق الأمير (ع) يوم الغدير كما ~~اتفقت عليه الإمامية وكثير من مفسرين أهل السنة تقتضي حقيقة مذهب الشيعة، ~~بتقريب إن الآية في (اليوم) للعهد الحضوري، فيكون إشارة إلى يوم معين فيه ~~كمل الدين، وتمت النعمة، وليس هو إلا يوم تعيين الإمامة والخليفة الذي هو ms061 ~~من أصول الدين، ويجب الالتزام والاعتقاد به، فالمراد بالدين حينئذ خصوص ~~أصول الدين لا فروعه. ومعنى الآية على هذا أنه لم يبق من أصول الدين إلا ~~نصب الإمام والالتزام بإطاعته، وقد أمر الله به في ذلك اليوم وهو يوم ~~الغدير الذي صدر التنصيب فيه لعلي (ع) من الله ورسوله، ولا يمكن أن يراد به ~~غير ذلك، لأن ذلك الغير المراد إما فروع الأحكام أو الأعم منها ومن الأصول، ~~وكلاهما كما ترى لأداء الأول إلى أن النبي (ص) لم يبلغ جميع الأحكام ~~الفرعية، وهو لا يتم على المذهبين، فإن أهل السنة حكموا بأن أكثر الوقائع ~~خالية من الأحكام المقررة لها وطريق استخراجها منوط بنظر المجتهد بالطرق ~~التي قرروها من الأقيسة والاستحسانات وغيرهما، والشيعة وإن لم يعتقدوا ذلك، ~~وعندهم إن لكل واقعة حكم عينه الله ورسوله، وإن الأحكام PageV00P082 # بأسرها وصلت إلى النبي (ص) وهو علمها لأوصيائه، وهم بلغوها تدريجيا كما ~~بلغها النبي (ص)، ومعلوم إن هذا المقدار من تشريع الأحكام وإنزالها لا يكفي ~~في إكمال الدين وإتمام النعمة، لأن جعلها وتبليغها الرسول مع عدم إطلاع ~~الأمة عليها كلا لا يصدق معه إتمام الدين، وإن كان الله يعلم بوجودها في ~~العالم. نعم لا نضايق في إنها بالنسبة إلى النبي (ص) وأوصيائه كاملة، وإما ~~في حق الأمة مع جهلها ببعضها فلا، والإكمال والإتمام لا يتصور فينبغي بل ~~يلزم حينئذ إفراد الضمير في (لكم وعليكم). # وإن قالوا إن الخطاب بضمير الجمع مع جهل الأمة ببعض الأحكام لا ضرر فيه ~~نظر إلى وجوب الاجتهاد في الحوادث التي لم يعلم حكمها، فمعه بانضمام ~~الأحكام المفصلة النازلة يتحقق إكمال الدين في حق الأمة. # فردهم أولا: إن وجوب الاجتهاد في الوقائع لم يرد فيه نص على مذهب أهل ~~السنة، وإنما ثبت عندهم بدليل العقل وفعل النبي (ص) والصحابة فلم يكن ~~لوجوبه يوم معين ورد فيه الأمر بوجوبه حتى تكون اللام في (اليوم) إشارة ~~إليه. # وثانيا: إن إيجاب الاجتهاد على القول به مخصوص ببعض أفراد الأمة لا ~~جميعها لعدم إمكان ms062 ذلك في حق الجميع فيتبعض الإكمال بل ظاهر الإكمال أن ~~يكون بالفعل لا بالقوة فهو لا يتم حتى في حق البعض القابل للاجتهاد، فالآية ~~الشريفة بملاحظة ما ذكرنا وبقرينة العقل والاعتبار الصحيح تفصح وتقضي بعقد ~~عهد الإمامة والخلافة لواحد من الأمة، وذلك الواحد هو الأمير (ع) دون غيره، ~~فلا يحتاج إلى PageV00P083 # ملاحظة شأن النزول الذي ربما تنكره أهل السنة لو ادعيناه، ولا يصغى إلى ~~إن الآية نزلت في خلال أحكام بعض الفروع من حلية بعض المآكل والمشارب ~~وحرمتها كحلية بهيمة الأنعام غير محلى الصيد، وكحرمة الميتة والدم ولحم ~~الخنزير، وبعد الآية قوله تعالى (فمن اضطر في مخمصة)، فكيف تصرف إلى ~~الأصول؟ لأن ورودها في سياق تلك الأحكام لا يقضي باختصاصها بها، وإن ظهر ~~ذلك منها لكن بعد قيام القرينة العقلية ينتفي ذلك الظهور مضافا إلى وقوع ~~مثل ذلك في الكتاب المجيد فإن آية التطهير نزلت في خصوص رجال أهل البيت أو ~~في الأعم منهم والإناث مع وقوعها تلو مخاطبات أزواج النبي (ص)، وأمثالها في ~~الفرقان العظيم فوق حد الإحصاء مع إن ذلك فن من فنون البلاغة وشعبة من ~~شعوبها. # الآية الثالثة: آية التبليغ: - وهي قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك (وهذه الآية نزلت في حق الإمام علي (ع)، وعقد ولايته ~~بإجماع الشيعة وجماعة من أهل السنة، ودلالتها على المقصود غير محتاج إلى ~~الاستعانة بشأن النزول والتفاسير بل صريحها إن الله تعالى أمر نبيه (ص) ~~بتبليغ حكم في تبليغه خوف وخطر من الناس عليه، ولم يكن في الفروع حكم في ~~تبليغه خطر وخوف، فإن أشق التكاليف على نوع البشر خصوصا العصاة منهم الجهاد ~~وترك المال وبذل النفوس، وقد وردت الأوامر المؤكدة بذلك في الزكاة ~~والكفارات والجهاد والحدود والحج وغيرها، وبعدها أي حكم من الأحكام الفرعية ~~يخشى النبي (ص) PageV00P084 # ويخاف من تبليغه مع كمال شدته (ص) وإقدامه على المكاره وهو مصداق (لا ~~تأخذه في الله لومة لائم)، وأي تكليف بقي ورسول الله (ص) يتوانى في تبليغه ~~حتى ms063 تنزل هذه الآية التي ظاهرها العتاب على عدم المسارعة في التبليغ. # لا يقال إن عصمة النبي (ص) تنافي عدم تبليغ كل حكم نزل به الأمين عليه ~~ومن جملة الأحكام إمارة حضرة الأمير (ع) فلو كان مأمورا بها لبلغ ذلك عند ~~الأمر، فظاهر الآية غير مستقيم على المذهبين ولا بد من التصرف فيها على حد ~~غيرها من المتشابه. # لأنا نقول فرق واضح بين تبليغ سائر الأحكام وتبليغ الإمامة في المسارعة ~~والتواني إذ الإمامة يقتضي التواني في تبليغها من جهة نفرة قلوب المنافقين ~~وعدم ميلهم وقبولهم لذلك، ولأجل ذلك توانى النبي (ص) ولم يسارع في هذا ~~الحكم برجاء إنهم يقبلونه حيث لم يصدر بفورية الأمر بفورية التبليغ والله ~~سبحانه يعلم بما تكن صدور أصحاب النبي (ص) من النفاق، ويعلم بما وقع في نفس ~~رسول الله (ص) من انتظار الوقت المناسب لتبليغ هذا الحكم، فلذلك خاطبه بهذا ~~الخطاب واللبيب من نفس الآية ينتقل إلى إن حضرت الرسالة يريد تبليغ هذا ~~الحكم لكنه يمنعه عن الإعلان به خوف الفتنة وأذية المنافقين، وينتظر وقتا ~~يصلح له إلى أن حج حجة الوداع فتضيق الوقت بحيث لا يمكن التأخير، والمسلمون ~~مع رؤسائهم كانوا في ذلك النادي مجتمعون من كل فج عميق، لهذا ورد الأمر ~~الفوري به أن بلغ PageV00P085 # ذلك في موضعك هذا ولا تؤخر، ولأجل إبداء عذر النبي (ص) قال الله تعالى ~~(وإن لم تفعل فما بلغت رسالته (حتى إن الناس تعلم العذر في تأخر الرسول عن ~~التبليغ، ومن أنصف ووعى وجد هذه الآية من دون استعانة بشأن النزول تقضي ~~بصحة مذهب الإمامية. لا يقال إن الآية على حد وأصدع بما تؤمر. # الآية الرابعة: مما تفرد بها ذهني القاصر حيث لم أقف على من تعرض لها في ~~الإمامة أو استند إليها، وأرى إنها بنفسها تدل على المطلوب، وأرجو ممن اطلع ~~عليها أن يمعن النظر في تقريب دلالتها على النحو الذي وقع في ذهني فأن وجده ~~صحيحا فذاك وإلا فليرده على المستدل، ولا يتهم العلماء الأعلام في أنظارهم ms064 ~~وهي قوله عز وجل في سورة تبارك عن لسان رسوله (وقال الرسول يا رب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا (وقبلها قوله تعالى (ويوم يعض الظالم على يديه ~~يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلانا خليلا ~~(وفي بعض الأخبار فسر الظالم بالأول وفلانا كناية عن الثاني، وظاهر الآية ~~أن لام التعريف في الظالم ليست للجنس بل ظاهرة في العهد وفيها إشارة إلى ~~ظالم معين، كما إن فلانا كناية عن شخص معين، والعدول فيها عن التصريح إلى ~~الكناية له جهات وفوائد ليس للتعرض لها فائدة، وحيث إن علماء أهل السنة ~~والجماعة ينكرون ما ترويه الإمامية، ويحملون على ظواهر القرآن الأولية حتى ~~صار ذلك شعارهم في أصول الدين لهذا لا يمكن إلزامهم بتفسير الإمامية في ~~عهدية اللام، لكن الآية الأخيرة PageV00P086 # بملاحظة قرائن صناعة تدل على المدعى بأوضح دلالة خصوصا بملاحظة الأخبار ~~المتواترة من طرق العامة المتضمنة جميعا إن رسول الله (ص) أخبر بأنه يرد ~~بعض أصحابي على الحوض والملائكة تذودهم عني وعن الورود، فأقول هؤلاء أصحابي ~~دعوهم يلحقون بي فتقول الملائكة لي أنهم ارتدوا بعدك، وبدلوا السنة والدين. # وتقريب الاستدلال في الآية إن (القوم) المضاف إلى ياء المتكلم الذين شكى ~~النبي إلى الله منهم لا يمكن أن يقال إنهم اليهود والنصارى وأمثالهم من ~~الزنادقة وزمر الكفرة لأنهم ليسوا من قوم نبينا (ص)، وإن كلا منهم ينتسب ~~إلى نبيه أو إلاهه فلا يصلح عند أهل اللسان إضافتهم إلى نفسه، ثم إن نسبة ~~أخذ القرآن وهجره إليهم ينافي أن يكون الآخذ والهاجر هو الكافر، لأنهم لا ~~يدخلوا في الإسلام ولا ذاقوا طعم الأيمان، وليس في الكتاب المجيد من إرب، ~~فكيف يصح نسبة أخذ القرآن مهجورا إليهم؟ ومثلهم العصاة فإن النبي (ص) بعث ~~رحمة للعالمين، ولم يزل ينوء بحمل غم الأمة وهمها، ويطلب لهم الغفران، ~~ويشفع لهم وقد أعطاه الله تعالى منصب الشفاعة الكبرى، ومن البعيد أن النبي ~~(ص) مع تلك الرحمة الواسعة في يوم الشفاعة أول شكاية يشكوها ms065 في العرصة ~~الكبرى من عصاة الأمة، كلا بل أول ما يشفع لهم، فلا جرم أن القوم الذين شكى ~~منهم هم فرقة من المسلمين لا عقيدة لهم في دين الإسلام، وإن نطقوا ~~بالشهادتين فذلك جرى في لسانهم من دون عقد القلب عليه، فهم يشاركون الكفار ~~ويزيدون عليهم بأن نسبوا الظلم إلى النبي (ص)، والشكاية من PageV00P087 # محض كفر الكافرين من دون نسبة الظلم إلى الرسول لا يناسب المقام، وكذلك ~~الشكاية ممن أسلم ظاهرا وقلبه مطمئن بالكفر مع عدم الإيذاء للنبي (ص) لا ~~وجه له لأن عقاب الطرفين على الله سبحانه، فتخص الشكاية بمن صدرت منه ~~الأذية والهتك لرسول الله (ص)، وحينئذ فأما أن يراد ب‍ (القوم) في الآية من ~~بايع الخليفة الأول وأعرض عن الأمير (ع)، أو من بايع الأمير (ع) وتابع ~~الأئمة بعده وأعرض عن الخلفاء، والثاني باطل لوجوه. # أولها: إن أهل السنة أعلنوا جازمين بأن مذهب الإمامية في زمن الخلفاء لا ~~عين له ولا أثر، وحينئذ لا يكون محل شكاية النبي (ص) واحتمال أن المراد ب‍ ~~(القوم) الفرقة المستحدثة في الأعصار المتأخرة بعيد عن الصواب في غاية ~~السخافة نظرا إلى أن الفرق المستحدثة حدثت بعد انقراض أعصار الأولين، فلا ~~يقال لهم أنهم قوم النبي (ص) لأن القوم ليس كلفظ الأئمة كي يصدق على من ~~أدرك الحضور ومن لم يدرك ذلك، بل هو مختص بالقوم المدركين لزمن الحضور، ولو ~~فرض صدقه بنحو فبملاحظة إضافته لياء المتكلم يكون صريحا في الاختصاص. # ثانيها: إن الشيعة يرون إن العمل بالكتاب متوقف على بيان العترة النبوية، ~~وعلى الجمع بين أخبارهم والكتاب العزيز كيما يعملون بوصية النبي (ص) حيث ~~قال (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)... الخبر، والذي يعمل بهذا ~~لا يزعم في حقه إنه أخذ القرآن مهجورا، بل هم العاملون بحقيقة الكتاب، فكيف ~~يشكو النبي (ص) PageV00P088 # من قوم عملوا بوصيته في متابعة الكتاب بانضمام العترة، سبحانك هذا بهتان ~~عظيم. # ثالثها: - إن المفرد المضاف خصوصا في أمثال المقام يدل على العموم، فلا ~~جرم أن يكون ms066 المراد بالقوم في الآية، أما تمام الصحابة أو رؤساءهم حفظا ~~للمناسبة إلى العموم نادرة وإرادة شرذمة بإرادة أظهر الأفراد قليلة من ~~العام مخالف للقواعد العربية فيتعين بهذه الملاحظة أن المراد من القوم غير ~~من بايع الأمير (ع) وتابعه، ممن بايع الأول وتابعه وتابع الخلفاء بعده، إذ ~~الأمير ومن تابعه لم يتركوا العمل بالقرآن أصلا وبالمرة، ولا اقتصروا على ~~العمل بظاهره من دون انضمام العترة النبوية إليه، بل أخذوا الكتاب حسبما ~~أمر النبي (ص) من الجمع في الحديث المستفيض المجمع عليه المتقدم ذكره، ~~وحينئذ فمن عمل بأحدهما من دون انضمام الأخر إليه يصدق عليه إنه هجر القرآن ~~ولم يعمل به، ولا ريب إن الآخذ بظواهر الكتاب التارك لانضمام العترة ~~والاستعانة بهم في فهم معناه هاجر للقرآن الكريم، فتمحض الشكاية على من ~~عرفت ممن لا يصغي إلى العترة ولا يأخذ معنى القرآن منهم، لأنهم هجروا ~~بهجرهم للعترة، وهو واضح. # ويمكن أن يكون المراد بالقرآن هنا القرآن الذي جمعه الأمير (ع)، ولم ~~يقبله الثاني، وقال إن فيه ثلب جملة من رؤساء المهاجرين والأنصار ونحن ليس ~~لنا حاجة بهذا القرآن، وفي بعض الأخبار إن فيه ذم سبعين واحد باسمه من ~~المنافقين ثم دعى زيد بن ثابت وقال له: إئتني بقرآن لا يشمل على ذم أحد، ~~فاستمهله زيد وأتى بقرآن له، وقال لعمر: PageV00P089 # إني امتثلت أمرك لكن إن أخرج علي (ع) قرآنه يظهر للناس فسق جميع الصحابة ~~فقال عمر: ما الحيلة، قال زيد: أنت أعرف بها فقال عمر: لا حيلة لنا إلا أن ~~نقتله ونأمن شره، فطلب خالد بن الوليد وأمره بذلك فلم يتيسر له هذا الأمر. # ويحتمل أن يراد بالقرآن أمير المؤمنين (ع) إذ هو الكتاب الناطق كما قاله ~~(ع) في صفين، وعلى جميع الاحتمالات والتقادير يثبت مذهب الإمامية، وتقريب ~~الاستدلال على وجه الاختصار أن المراد بالقوم إما أهل السنة أو الشيعة، ~~والأخير لا يمكن أن يدعى لأن الإمامية عملوا بحقيقة القرآن وكنهه بالرجوع ~~إلى العترة النبوية، وأخذ معناه منهم فلا يكون محلا للشكاية، ms067 وأما أهل ~~السنة فهم وإن عملوا بظواهر الكتاب لكنهم تركوا تفسير العترة له وراء ~~ظهورهم، فهم الذين اتخذوا هذا القرآن مهجورا. # هذه جملة من الآيات التي تقضي بالإمامة بلا ملاحظة شأن النزول، وإما ما ~~دل منها بتلك الملاحظة فهو كثير، وفي روايات الإمامية إن ثلث القرآن نزل في ~~شأن أهل البيت ومدحهم، والثلث الثاني في ذم أعدائهم، والثالث في الأحكام ~~والقصص، ولما كانت أخبار الشيعة لا أثر لها عند أهل السنة لذلك لم نتعرض ~~لها ولكن العلامة المجلسي (رحمه الله) وأعلى مقامه في تذكرة الأئمة ذكر ~~جملة من الآيات، وذكر إنها وردت في حق الأمير (ع) باتفاق أهل السنة وهي ~~ثلاث مائة آية رقمها على نسق الفهرست فكان المناسب لنا أن نودع جملة منها ~~في هذه الرسالة بطريق الإجمال ليسهل الأمر على من يريد الرجوع إلى ~~تفاسيرها: - PageV00P090 # 1 - (إنما وليكم الله) 2 - - (يا أيها الرسول بلغ) 3 - - (قل تعالوا ندع) ~~4 - - (إنما أنت منذر (5 - - (ولكل قوم هاد (6 - - (وقفوهم إنهم مسؤولون (7 ~~- - (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) 8 - - (إتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين) 9 - - (واعتصموا بحبل الله جميعا) 10 - - (وكفى الله ~~المؤمنين القتال) 11 - - (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) 12 - - (أم ~~حسب الذين اجترحوا السيئات) 13 - - - (السابقون السابقون) 14 - - - (إن ~~الذين أمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) 15 - - (ومن المؤمنين ~~رجال) 16 - - (اهدنا الصراط المستقيم) 17 - - (واركعوا مع الراكعين) 18 - - ~~(الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار) 19 - - (واسأل من أرسلنا) 20 - - (يا ~~أيها النبي حسبك الله) 21 - - (وكفى بالله شهيدا) 22 - - (هذان خصمان) 23 - ~~- (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) 24 - - (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستون) 25 - - (والذين أمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون) 26 - - (فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) 27 - (يوم لا يخزي الله النبي) 28 - ~~- (أولئك هم خير البرية) 29 - - (وتواصوا بالحق) 30 - - (فاستوى على سوقه) ~~31 - - (ألم، أحسب الناس أن يتركوا) 32 - - (من بعد ما تبين لهم ms068 الهدى) 33 ~~- - (ويؤت كل ذي فضل فضله) 34 - - (أفمن يعلم أنما أنزل PageV00P091 # إليك) 35 - - (فانقلبوا بنعمة) 36 - - (في بيوت أذن الله) 37 - - (لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله) 38 - - (واجعل لي لسان صدق في الأخرين) 39 92 ~~الأدلة النقلية PageV00P092 # - - (والعصر) 40 - - (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) 41 - - (في لحن ~~القوم) 42 - - (من جاء بالحسنة) 43 - - (فأذن مؤذن) 44 - - (في مقعد صدق) ~~45 - - (ولما ضرب ابن مريم) 46 - - (وممن خلقنا) 47 - - (وتعيها أذن) 48 - ~~- (والذين يؤذون المؤمنين) 49 - - (ويقولون امنا بالله) 50 - - (وهو الذي ~~خلق من الماء بشرا) 51 - - (وأولو الأرحام بعضهم) 52 - - (اليوم أكملت لكم) ~~53 - - (وأذان من الله) 54 - - (طوبى لهم وحسن) 55 - - (فإما نذهبن بك) 56 ~~- - (بينهما برزخ) 57 - - (ونادى أصحاب الأعراف) 58 - - (ونزعنا ما في ~~صدورهم) 59 - - (أجعلتم سقاية الحاج) 60 - - (إنما يريد الله ليذهب) 61 - - ~~(هل أتى) 62 - - (وأقام الصلاة وأتى الزكاة) 63 - - (والموفون بعهدهم) 64 - ~~- (ومن يطع الله ورسوله) 65 - - (ليس البر) 66 - - (جزائهم عند ربهم) 67 - ~~- (إذا ناجيتم الرسول) 68 - - (أأشفقتم أن تقدموا) 69 - - (هو الذي أيدك ~~بنصره) 70 - - (قل لا أسئلكم عليه أجرا) 71 - - (واذكروا نعمة الله) 72 - - ~~(قل ما يكون لي أن أبدله) 73 - - (سأل سائل) 74 - - (اليوم يئس الذين ~~كفروا) 75 - - (ولقد صدق عليهم إبليس) 76 - - (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب) ~~77 - - (أم يحسدون الناس) 78 - - (ولقد عهدنا إلى آدم) 79 - - (فأوحى إلى ~~عبده) 80 - - (والنجم إذا هوى) 81 - - PageV00P093 # (عم يتساءلون) 82 - - (والعاديات ضبحا)، يقول المؤلف ومن تدبر الفرقان، ~~وجمع بينه وبين الأخبار الواردة عن العترة، عرف أن أكثره ورد في حق آل بيت ~~النبي (ص) لكن بكنايات وتوريات ودقايق غير خارجة عن المعاني والبيان ~~العربي. # الأدلة السمعية (السنة النبوية): - - وأما السنة النبوية فحيث إن وضع ~~الرسالة كان على إتقان الأدلة العقلية القاضية بالإمامة، وعلى إبداء بعض ~~الدقائق والنكات التي تضمنتها الآيات والأخبار المسلمة عند الطرفين، لهذا ~~اقتصرنا على إيراد بعض الأخبار التي تضمنتها كتب أهل السنة من الصحاح الست ms069 ~~وغيرها التي هي صريحة في إثبات الإمامة حسب ما تعتقده الشيعة، وصريحة أيضا ~~بفساد ما تزعمه أهل السنة في أمر الخلافة، وربما تعرضنا لرد بعض المناقشات ~~التي أوردها بعض علماء أهل السنة على الأحاديث المذكورة، مثل الرازي ~~والتفتازاني والعضدي وغيرهم، فاستمع لما يوحى إليك: - - (الحديث الأول): - ~~الخبر المستفيض وهو خبر الغدير، وهذا الحديث عند الأمامية متواتر بل ضروري، ~~ولذلك إن يوم الغدير من أعظم أعياد السنة عندهم، فإنهم يعظمونه أكثر من يوم ~~المبعث لأن الدين به كمل، والغدير اسم موضع بين الحرمين مكة والمدينة ~~المنورة، والنبي (ص) في حجة الوداع لما وصل إليه مجد في السير إلى المدينة ~~لينصب عليا (ص) فيها لأن الأمر بالنصب كان بمكة، فاستمهل النبي (ص) الأمين ~~جبرائيل في التبليغ حتى يصل إلى المدينة، ولما وصل إلى غدير خم وهو موضع ~~تفرق الأعراب إلى أهاليها هبط عليه الأمين وأمره أن ينصب عليا في مكانه هذا ~~ولم يجوز له PageV00P094 # في التأخير، وكان مع النبي ما يزيد على ستين ألف واحد من الناس ومعه ~~رؤساء المهاجرين والأنصار، وحينئذ أمر (ص) بأن يصنع له منبرا من الأقتاب ~~فصنع له ذلك، وأمر بجمع الناس فجمعوا في صعيد واحد، وصعد النبي على تلك ~~الأعواد المصنوعة من الحودج والأكوار، ثم وعظ الناس وخطب خطبة بليغة لم ~~يسمع السامعون مثلها حتى قال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قالوا بلى ~~يا رسول الله، ثم أخذ بيد علي حتى بان بياض إبطيهما ورأه كل من حضر، وقال: ~~(من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وآل من والاه، وعاد من عاداه، وأدر ~~الحق معه حيث دار). # وروى هذا الحديث جماعة من معتبرين أهل السنة، مثل محمد بن جرير الطبري ~~رواه بسبعين طريق، وابن عقده بمائة وخمس طرق، وبعض منهم رواه بمائة وخمسين ~~طريقا، وبعض بمائة وخمسة وعشرين طريقا، وعن مسند بن حنبل، وتفسير الثعلبي، ~~وابن المغازلي، وابن مردويه وعقد بن عقد ربه مرويا بطرق متعددة، ورواه مسلم ~~وداود السجستاني، والترمذي في صحيحهما بطرق متكثرة، وروى في ms070 الجمع بين ~~الصحيحين، وفي الجمع بين الصحاح الست باثني عشرة طريقا. وقال ابن المغازلي ~~بعد روايته: هذا حديث صحيح. # وجملة الأمر إن هذا الحديث مروي بطرق متشعبة في كتب أهل السنة بحيث إنه ~~لا يمكن إنكاره لأحدهم ولا يتيسر، ونقل عن الشافعي الشامي، وأبو المعالي ~~الجويني، وابن الجزري الشافعي وغيرهم، إنهم وجدوا كتب وتصانيف عديدة دونت ~~في ضبط هذا الحديث، وقال الإمام الغزالي في سر العالمين ما نصه: (قال رسول ~~الله (ص) لعلي يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر بن الخطاب: ~~بخ بخ لك يا أبا PageV00P095 # الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، ثم قال وهذا رضى وتسليم ~~وولاية وتحكيم، ثم بعد ذلك غلب الهوى وحب الرياسة وعقود البنود، وخفقان ~~الرايات، وازدحام الخيول وفتح الأمصار، والأمر والنهي، فحملهم على الخلاف ~~فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا، وبئس ما يشترون حتى قال: إن أبا ~~بكر قال على منبر رسول الله (ص) أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم، أفقال ذلك ~~هزوا أو جدا أو امتحنا، فإن كان هزوا فالخلفاء لا يليق بهم الهزل إلى أن ~~قال: والعجب من منازعة معاوية بن أبي سفيان عليا في الخلافة، أنى ومن أين ~~أليس رسول الله (ص) قطع طمع من طمع فيها بقوله (ص): إذا ولي الخليفتان ~~فاقتلوا الأخير منهما، والعجب من حق واحد كيف ينقسم بين اثنين، والخلافة ~~ليست بجسم ولا عرض فتتجزى... انتهى كلامه. وهو صريح بأن صحة الحديث المذكور ~~من المسلمات، ولذا أرسله إرسال المسلمات، هذا كله مع قطع النظر عن كلام أهل ~~السنة في تفسير آية التبليغ السابقة، فإن الثعلبي في تفسيره وتفسيرها، روى ~~عن ابن عباس إن الآية المذكورة نزلت في حق علي (ع)، وأخذ النبي (ص) بيد علي ~~وقال: من كنت مولاه... إلى آخره. # ونقل عن الفخر الرازي هذه الرواية أيضا عن ابن عباس، وزاد بأن عمر استقبل ~~عليا حينئذ وقال هنيئا لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، ولا ~~يقدح اختلاف اللفظ ms071 بين ما رواه الغزالي وما رواه الرازي عن ابن عباس، فإن ~~الخبر بالنسبة إلى تهنئة الأمير (ع) متواتر معنوي، وبالنسبة إلى لفظ مولاي ~~متواتر لفظي، ومما اشتهر في ذلك اليوم تهنئة حسان بن ثابت شاعر النبي (ص) ~~بعد أن استأذنه PageV00P096 # لعلمه (ع) من قصيدة منها، وقال له قم يا علي فإنني رضيتك من بعدي إماما ~~وهاديا، ويكفي في اشتهاره إن ابن عقدة من أعاظم العلماء ومن ثقات أهل السنة ~~ألف كتابا سماه بكتاب الولاية جمع فيها أخبار غدير خم، ورواه عن أكابر ~~الصحابة ومنهم العشرة المبشرة وغيرهم من الأعاظم، وذكر غير واحد من ~~المفسرين الخاصة وأهل السنة في تفسير (سأل سائل بعذاب واقع (إنها نزلت في ~~حق الحارث بن النعمان، حيث إنه لم يكن حاضرا يوم الغدير ولما شاع خبر تنصيب ~~علي في ذلك اليوم، وبلغ الحارث ذلك، فركب ناقته وجاء إلى المدينة، ودخل ~~المسجد فوجد النبي (ص) جالسا والمسجد مشحون من المهاجرين والأنصار فقال: يا ~~محمد أمرتنا بالتوحيد وبنبوتك فقبلنا وسلمنا فلم تقنع بذلك منا حتى عمدت ~~إلى ابن عمك ففضلته علينا، ولم نعلم إن ذلك من عند نفسك أم من عند الله ~~تعالى؟ فأجابه الرسول (ص) بأن ذلك بأمر من الله تعالى، فرجع الحارث مغضبا ~~وقال يا ربي إن كان محمدا صادقا فأنزل علي حجرا من السماء، فلم يبلغ راحلته ~~حتى وقعت عليه حجارة من السماء فأهلكته فنزلت هذه الآية في حقه. # وروى إن أبا قحافة كان في الشام في موت النبي (ص) وكان قد شهد الغدير ~~فجاء من الشام ووجد ابنه أبا بكر على المنبر فصاح ما هذا، وأين سلامكم على ~~علي (ع) بالإمرة يوم الغدير، فقال عمر يا أبا قحافة غبت وشهدنا، ويرى ~~الحاضر ما لا يراه الغائب، إلى غير ذلك، ولكن ومع هذا كله فقد ناقش في ~~الخبر المز بور جماعة من أفاضل علماء العامة، وهي وإن كانت أوهى من بيت ~~العنكبوت لدى من له أدنى خبرة PageV00P097 # بالمعقول والمنقول، لكنا تصدينا لها لنوضح دفعها كيما ms072 يعرفه القروي ~~والبدوي، فنقول أجيب عن هذا الحديث بأجوبة: - - (أولها): منع تواتر الحديث، ~~ومنع كونه مجمعا عليه بين المحدثين نظرا إلى عدم وجوده في بعض كتب الأحاديث ~~والتفاسير وفي إثبات المذهب، فلا يكون حجة بعد كونه خلافيا، وهذا الرد ~~لشرذمة منهم التفتازاني في شرح المفصل، ونقل عن الرازي إنه قال: ظفرت ~~بأربعمائة طريق إلى حديث الغدير، ومع ذلك لم يؤثر صحته في قلبي. # والجواب عن هذه المناقشة ظاهر فإن عدم رواية الحديث لا يدل على عدم صحته ~~بأحد من الدلالات، لأن عدم روايته لا تكون شهادة على عدم وروده حتى يتعارض ~~النقلان، ويكون حديث الغدير خلافيا بل هي ساكتة عن غير المروية فيها، كيف ~~وليس شرط صحته الحديث أن يروى في جميع الكتب، وكثير من مقطوع الصدور لم يرو ~~في بعض كتب الأحاديث وأغرب من ذلك عدم وقوفه مع ضبطه وإتقانه على الحديث في ~~الصحيحين البخاري ومسلم حتى نفى فيهما مع وجوده في الكتابين، ونقله عنهما ~~الكثير ممن تعرض للخبر من العلماء من الأمامية وأهل السنة. # وبالجملة إن عدم نقل بعض الرواة للخبر لا يقدح في صحته، إنما العبر ة ~~بالأسانيد والطرق، وشاهد حال الرواة والمحدثين، فإذا كان عدد الرواية ~~بمثابة يكون احتمال الكذب والجعل فيها بعيدا يلزم القول بصحتها خصوصا إذا ~~كانت الرواية مخالفة لما يزعمه الرواي من المذهب، ولو سلمنا اختلاف الرواة ~~في الحديث المذكور فهو من باب تعارض PageV00P098 # النافي والمثبت والثاني مقدم بالاتفاق بل من المتحقق عقلا في مقام اختلاف ~~الشهادات إن شهادة المثبت مقدمة على النافي. # وإن قالوا: إن تقديم شهادة المثبت على النافي في صورة رجوع شهادة النافي ~~إلى لا أدري لا إلى أدري لا، فإنه يرجع إلى أمر وجودي وعدمه، ذكر جملة من ~~الرواة لهذا الحديث في قوة أدري لا عملا بشاهد الحال، فإن الرواة المتصدين ~~لجمع الأخبار من البعيد أن يخفى عليهم مثل هذا الخبر المشتهر، فشاهد الحال ~~يقضي بعدم وقوفهم على صحته بل قيامهم بنفيه. فمنعه إن شاهد الحال، وامتناع ~~خفاء مثل ms073 هذا الحديث عليهم لا يوجبان الجزم بشهادة النفي على الوجه المذكور ~~لقيام احتمال العوائق القهرية والموانع التي ليست باختيارية من بعض مقدمات ~~الرواية للراوي، ومع هذا الاحتمال لا يمكن القطع بأن من لم يذكر الحديث ~~المز بور جازم بعدمه. # ولو قالوا أيضا: إن تقديم شهادات المثبت على النافي منحصر في المسائل ~~العملية دون الاعتقادية العلمية. # فجوابه: - - إن مسألة الإمامة عندهم من مسائل الفروع كما سبقت الإشارة ~~إليه فبناء على مذهبهم يجب الالتزام بمضمون الحديث المذكور لعدم ثبوت ~~المعارض لذلك. # ومنه يعلم إن منع الإجماع على صدور النص المذكور أو منع تواتره لا ينفع ~~أهل السنة أبدا لأنهم أجمعوا على حجية أخبار الآحاد في المسائل العملية فلا ~~عذر لهم في الإعراض عن حديث الغدير من هذه الجهة. # ثانيها: - - ما ذكره التفتازاني في شرح المقاصد، وأيضا تبعه الروزبهاني ~~بأن لفظ المولى مشترك بين معان عديدة، فيستعمل بمعنى السيد والأولى ~~PageV00P099 # بالتصرف، وبمعنى الناصر والمحب والجار وابن العم والمعتق وغير ذلك، ~~والمناسب للحديث من هذه المعاني أربعة السيد والأولى بالتصرف والناصر ~~والمحب، واللفظ المشترك بلا قرينة معينة ليس له ظهور في واحد من المعاني ~~المشتركة، فكيف يثبت بهذا الحديث مولوية حضرة الأمير (ع) وأولويته بالتصرف ~~في أمور الناس من غيره؟ وترقى وادعى إن قوله (ص) (اللهم وآل من والاه... ~~إلخ) قرينة مقارنة على إرادة المحب والناصر وقد تصدى للجواب عن ذلك بعض ~~العلماء بوجوه: - منها: إن صدر الحديث وهو قوله (ص) (ألست أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم) قرينة معينة لإرادة السيد والأولى بالتصرف من المولى، وإلا لما ~~صح التفريع في (فمن كنت مولاه)، وإنكار التفتازاني لوجود صدر الحديث لا ~~يلتفت إليه بعد ما بينا تواتر الحديث المز بور، وإلا ينسد باب الاستدلال ~~بالسمعيات. # وحاصله إن رواة صدر الحديث إذا بلغوا ما يفيد العلم للخالي عن الغر ض ~~والمرض، كفى في صدوره متواترا خصوصا بعد ملاحظة شواهد الحال وانتفاء دواعي ~~الكذب، ولا يلزم في ذلك رواية جميع الرواة وأهل الحديث. # ومنها: إن التحابب والتناصر بين المؤمنين ms074 ثابت بقوله تعالى (والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، ولا داعي لخروج علي عن عموم المؤمنين ليأكد ~~النبي (ص) دخوله فيهم بهذا الخبر في رمضاء الهجير، ويقيم بذلك الوادي ويدع ~~الناس تستظل بظل دوابها وتلف ثيابها على أقدامها من حرارة الأرض، فإن ~~المنصف لا يرتاب في أن الاهتمام بمثل PageV00P100 # ذلك قرينة حال على إرادة المعنى المذكور من المولى، ومما يضحك الثكلى ~~مقالة التفتازاني إن الشاهد على التأكيد منع احتمال طرو التخصيص في آية ~~موالاة المؤمنين بالنسبة إلى علي (ع) وهذا الاحتمال لا يحتمله سفيه فضلا عن ~~عاقل لأن عليا إن لم يكن الفرد الكامل من المؤمنين فلا أقل إنه واحد منهم، ~~وهذا من التشبث بالحشيش، عجبا يرتكب النبي هذا الأمر الجسيم لسد باب ~~الاحتمال والفاضل الروزبهاني لما وجد بشاعة هذا الاحتمال اعتذر بما يقرب ~~منه، بأن النبي (ص) أراد الوصية بأهل بيته ليعلو شأنهم عند العرب وتزيد ~~مرتبتهم فارتكب ما ارتكب، وأوقع ذلك في غدير خم، لأنه محل تفرق الناس إلى ~~أطرافهم وأهاليهم، وهو أيضا كما ترى من إن شدة الاهتمام بهذا الأمر موجب ~~إلى ما هو أعظم من ذلك وليس إلا التنصيب، ومن البديهي أن ليس المقصود من ~~وصية النبي إبلاغ العرب الهمج الرعاع، بل العرب تابعة لرؤسائها، والمقصود ~~إسماع من حضر من الناس ذلك بمحضر من أكابر المهاجرين والأنصار ليشهدوا ~~عليهم إذا نكثوا وخالفوا، ولو كان المقصود مجرد الوصية بحبهم وإبلاغ ذلك ~~العرب لوقع ذلك في عرفات أو في مكة، فأن النافر من مكة إلى أهله خلق كثير، ~~فالمتدرب المتدبر يجزم بأن ذلك لم يكن إلا لأمر فوري عظيم، والمقصد فيه أخذ ~~البيعة على الرؤساء وأعلام من حضر ليشهدوا عليهم، ولولا يوم الغدير وما وقع ~~فيه من التنصيب لعلي (ع) لما وقع الاختلاف بين المسلمين ولا ادعى علي (ع) ~~بأنه مغلوب على حقه ولا جلس في بيته، ولا قيد بحمائل سيفه ولدخل فيما دخل ~~فيه الناس لو كان يعرف في ذلك إطاعة الله تعالى، ومن تدبر نهج البلاغة جزم ms075 ~~بما قلناه. PageV00P101 # ومنها: إن الوصية من النبي (ص) بأهل بيته قد وقع في مقامات عديدة وفي ~~أخبار متواترة مثل خبر الثقلين وغيره، فلا حاجة حينئذ إلى التكلف في إبداء ~~هذا الأمر، وليس هو إلا من باب إيضاح الواضحات، فإن شدة الاهتمام بهذا ~~الأمر يوجب إنه أمر جديد غير مسبوق، فتوقف النبي (ص) ونزوله وإقامته مع شدة ~~الحر ما هو إلا لأمر حادث فيه نجاة الأمة من الهلاك، وما هو إلا نصب علي ~~(ع) إماما، لأنه يروم أن يوصي بحبه الذي هو معلوم من يوم مبيته على فراشه، ~~ومأمور به كل غزوة، وظاهر من أفعال النبي (ص) وأقواله معه، فمن أرجع حديث ~~الغدير إلى غير التنصيب وصرفه عن ما هو صريح فيه من الإمامة، فقد مال به ~~الهوى وغلب على عقله الشيطان ومنها: ما التفت إليه الفاضل الفياض في جواب ~~التفتازاني، وهو إنه على فرض تسليم أن المراد بالمولى الموالاة، فإنه يدل ~~أيضا على تقديم الأمير (ع) على جميع الناس في جميع الأمور لظهور اقتران ~~مولاته بمولاة النبي (ص) وسعد الدين اعترف بأن هذا الاقتران من خصائص ~~الأمير (ع)، والاقتران المز بور يورث مولوية الأمير (ع) حيث إن موالاته ~~كموالاته، ومحبته كمحبته لكن محل الكلام إنه هل بين الخلافة وهذا الاقتران ~~المذكور تلازم وارتباط أم لا؟ ولعل غرض الفاضل الفياض أن محبة الأمير (ع) ~~وموالاته لما كانت كمحبة النبي (ص) وموالاته فلا يجوز للأمة أن تجري على ~~خلاف ما يحب ويهوى، ولا ريب إن تقديم غيره عليه مما لا يحبه ويهواه، فلا ~~يجوز للأمة ارتكابه. # ثالثها: - - ما أجاب به العضدي في موقفه، بعدم ورود لفظ (المولى) بمعنى ~~أولى، فلا يقال مولى الرجلين بكذا، ويقال: أولى الرجلين بالأمر، ~~PageV00P102 # ويقال فلان أولى بالأمر الفلاني، ولا يقال فلان مولى بكذا، وعلى فرض صحة ~~الإطلاق، وإنهما بمعنى فذيل الحديث من قوله (ص) (اللهم وآل من والاه) قرينة ~~على إرادة المحب من المولى، ولو سلم إن المولى بمعنى الأولى، وأعرض عن ~~القرينة المذكورة فدلالته على الأولوية ms076 في التصرف ممنوعة، بل غايته الدلالة ~~على أولوية الأمير (ع) في أمر من الأمور فالمولى هنا كالأولى في قوله تعالى ~~(إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه (يعني بالمتابعة والقرب إلى خليل ~~الله إبراهيم... هذا ملخصه. # وأجاب القاضي الششتري (رحمه الله) عن جميع ذلك. أما إنكار ورود المولى ~~بمعنى الأولى ففيه إنه خلاف ما نص عليه أهل اللغة، فعن أبي عبيده وهو من ~~أهل اللسان إن المولى في آية (مولاهم النار (فسرت بالأولى، وورد ذلك في ~~الشعر أيضا، وفي الحديث النبوي (أي امرأة نكحت بغير أذن مولاها) أي بغير ~~أذن سيدها ومالكها فإنكار العضدي لوروده في اللغة كما ترى. # وأما الآية الشريفة ففرق بينها وبين ما نحن فيه، لأن الأولى فيها أضيفت ~~لنفس إبراهيم (ع) بخلاف حديث الغدير، فإن الأولى فيه بالقياس إلى الناس، ~~ولو أن الآية (إن أولى الناس بإبراهيم (من نفسه يكون من قبيل ما نحن فيه. # أقول كأن القاضي أراد بهذا الرد إن التفضيل لا بد فيه من أمور ثلاثة، ~~المفضل والمفضل عليه والمفضل فيه، فلو قال أحد: أنا أولى بك من زيد، كان ~~المفضل هو المتكلم، والمفضل عليه المجرور بمن، والمفضل فيه ما يتعلق ~~بالمخاطب من الأمور بدلالة قرينة المقام، ومراد القاضي من قوله PageV00P103 # (الأولى) في الآية أضيفت إلى إبراهيم (ع) هو إن نفس حضرة إبراهيم (ع) هو ~~المفضل فيه لا المفضل، وحديث الغدير ليس كذلك، بل المفضل هو نفس النبي (ص) ~~والمفضل فيه ما يتعلق بالمخاطبين من الأمور، فكان النبي (ص) بعد كون المراد ~~بالمولى الأولى قال: (من كنت أولى به من نفسه فعلي كذلك). # والحاصل إن المفضل هو النبي (ص) والمفضل فيه هو الأمور المتعلقة بهم، ثم ~~قال القاضي: فلو كانت الآية إن أولى الناس بإبراهيم من نفسه لكانت من قبيل ~~ما نحن فيه، لأن المفضل عليه يكون هو نفس إبراهيم، والمفضل فيه ما يتعلق به ~~من الأمور والمفضل هم التابعون، لكن الآية ليست كذلك، بل لا يستقيم أن يكون ~~كذلك، إذ لا معنى لكون ms077 التابعين أولى من نفس إبراهيم بأموره، فالمراد من ~~صيرورة الآية حينئذ من قبيل ما نحن فيه أنها من قبيله في الجملة، أي في ~~مجرد كونه (ع) مفضل عليه لا مفضل فيه، وعليك بالتأمل والاجتهاد في كلام ~~القاضي لغموضه، وإن كان غير ميسور وإن بلغ ما بلغ. # وأما إن (أولى من كذا) صحيح، و (مولى من كذا) لا يصح، فجوابه إن مولى ~~أسم، وأولى صفة، والاختلاف نشأ من هذا فأن صيغة التفضل صفة وهي بحسب ~~الاستعمال تقتضي دخول من كذا في المفضل عليه، والمولى صيغة تفضيل لا بطريق ~~الصفة بل هو نظير اسم الفعل الذي حكمه حكم الفعل في الصفات والمتعلقات لا ~~بمعنى، وأيضا اختلاف صلات الألفاظ سماعية، ومن أحكام الألفاظ لا من أحكام ~~المعنى وكثيرا ما يقع في كلام العرب لفظان مشتركان في المعنى مع إن صفاتهما ~~مختلفة، مثلا لفظ الصلاة متعدي بعلى في مقام طلب الرحمة، PageV00P104 # فيقال: صلى الله عليه، ولا يقال دعا الله عليه، ومع إن الصلاة بمعنى ~~الدعاء، وقال الفاضل الرضي (رحمه الله) إن العلم والمعرفة بمعنى واحد مع ~~تعدي العلم إلى مفعولين دون المعرفة، وأيضا أنت وكاف الخطاب بمعنى واحد مع ~~إنه يقال: إنك عالم، ولا يقال إن أنت عالم. # يقول المؤلف: أجوبة القاضي (وأجوبة سائر العلماء رضوان الله عليهم تكفي ~~في رد العضدي وغيره ممن فسر المولى في الحديث بالمحب والناصر غير إن الذي ~~يختلج بنظر القاصر إن فساد التفسير المذكور لا يحتاج إلى هذه التفاصيل وإلى ~~النقض والابرام، بل يكفي في فساد ذلك اختلاله بحسب المعنى كما لو فسر ~~بالجار والمعتق فإنه لفساده بحسب المعنى اتفق الفريقان على عدم جواز تفسير ~~الحديث بهما مع أنهما من معاني المولى. # وتوضيحه: إن مفاد الحديث على تقدير أن المولى بمعنى المحب والناصر. إن كل ~~من أحبه وأنصره فعلي كذلك يحبه وينصره لأن المحب غير المحبوب، والناصر غير ~~المنصور، وهذا المعنى مضافا إلى ركاكته وعدم إفادته المقصود من جهة إن ~~الواجب على الناس كافة محبة النبي (ص) علي ms078 (ع) ونصرته ومودته، إن الحديث ~~حينئذ مردد بين الأخبار والإنشاء، ولكل واحد منهما أفسد من صاحبه، إما ~~الأول فلأن محض الأخبار كلام لغو لا فائدة له أحاشى مقام النبوة عنه، أترى ~~أن النبي (ص) ينزل ذلك المنزل الوعر ويجمع الناس بذلك الصعيد العاري من ~~الماء والكلأ، ويخطب تلك الخطبة في حر الهجير، ويكون جل مقصده إخبار الناس ~~بأن من أحبه وأنصره فعلي (ع) يحبه وينصره، فأي لطف وأي فائدة في ذلك، ومن ~~استماع هذا الحديث أي علم أم عمل يحصل للسامع، نعم لو كان من معاني المولى ~~الحقيقة المحبوب والمنصور لأمكن PageV00P105 # أن يقال: أنه لا فساد فيه بحسب المعنى، ويمكن أن يراد لكن لم نعثر على إن ~~المحبوب والمنصور من معاني المولى حقيقة، وإنما الموجود المحب والناصر. # وأما الثاني وهو الإنشاء فاسد من سابقه ضرورة إنه حينئذ أمر لعلي (ع) ~~بأنه يحب من يحبه رسول الله من الناس، وهذا المعنى لا داعي إلى بيانه ~~والأمر به على رؤوس الأشهاد وجمع الناس له إلا أن يقال والعياذ بالله تعالى ~~إن النبي (ص) خاف من عدم امتثال الأمير لهذا الأمر لو أمره بذلك مخفيا، ~~وتمرده وعصيانه حتى التجاء النبي (ص) إلى أن يشهد الناس ويطلعهم على ذلك ~~لتتم له الحجة على الأمير (ع) كي لا يعصى الرسول فيه، والمظنون من متعصبين ~~أهل السنة أنهم لا يبالون في حمل حديث الغدير على ذلك، ويزعمون ما لا يرضى ~~به العقل والنقل من أنه ليس المراد من تبليغ النبي (ص) (من كنت مولاه... ~~إلخ)، إثبات مرتبة أو إظهار شرف لعلي (ع) بل الغرض التعريض والازراء بحق ~~الأمير (ع) في إنه في امتثال الأوامر والنواهي يتساهل ويتوانى، فأراد ~~الرسول (ص) أن يسمع المهاجرين والأنصار وسائر قبائل العرب أن أمرت عليا (ع) ~~بأن يحب من أحبه مثل أبي بكر وصاحبه، وليس لعلي (ع) أن يستبد برأيه، أو ~~يسلك بغير الطريق الذي سلكته في مودة كبار الصحابة، ومما يشهد على صدق الظن ~~المزبور إن شارح نهج الحق للعلامة ms079 الحلي (رحمه الله) أنكر أكثر ما سطر فيه ~~من فضائل علي (ع) حتى قاده إلى إنكار شجاعة الأمير وأشجعيته، وزاد فادعى ~~أشجعية أبي بكر فلا استبعاد في دعواه أو دعوى أمثاله إن خطبة الغدير ~~PageV00P106 # تعريض بحق الأمير، وليس لمثل هؤلاء من الجواب إلا الإعراض وتركهم في ~~طغيانهم يعمهون. # الحديث الثاني: - من الأحاديث التي اتفقت عليه الأمامية، وأهل السنة، ~~ولكنه ورد بعبارات مختلفة اللفظ متقاربة المعنى، والقدر الجامع منها ~~المتواتر معنى إن خلفاء رسول الله (ص) الذين لهم التصرف في نفوس الأمة ~~وأموالهم عددهم اثنا عشر خليفة، وكلهم من قريش ودين الإسلام ما داموا موجود ~~وبسبب وجودهم عزيز ممضى ومجرى، وحيث أني لم أعثر على منكر لهذا المعنى ~~المتواتر من جماعة هذه الأحاديث حتى إن الفاضل الروزبهاني اعترف بهذه ~~الأحاديث مع إنكاره لأكثر المتواترات، لذلك لم أتعرض لمن نقله من أهل السنة ~~في كتابه إذ قل ما يخلو منه كتاب من كتبهم التي تعرضوا فيها للإمامة بل ~~وغيرها، ودلالة هذه الأحاديث على حقية مذهب الشيعة غني عن البيان كمنافاته ~~لما ذهب إليه غير الأمامية من المسلمين خصوصا أهل السنة، ومن هنا تعرف سقوط ~~الحديث المروي عند أهل السنة عن النبي (ص) (إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ~~وبعدها تكون ملكا عضوضا) بتنزيله على زمان خلافة الخلفاء بل كذبه، إذ من ~~قبول هذه الأحاديث يلزم تكذيب الحديث المرقوم بالتحديد، لكن لعدم مبالاتهم ~~بإنكار الضروريات وعنادهم في البديهيات أخذوا في توجيه الأحاديث الناصبة ~~على إن عدد الخلفاء إثنا عشر خليفة بمحامل سخيفة سقطوا من حيث لا يشعرون. # ونقل عن الفاضل الروزبهاني إنه قال: اختلفت العلماء في معنى هذه ~~الأحاديث، فقال بعض إن معناها إن أمر الدين عزيز في مدة خلافة أثني عشر ~~خليفة حتى تبلغ ثلاثمائة سنة بعدها تكثر الفتن في الناس ويذل PageV00P107 # الدين. وقال آخرون إن الخلفاء الأربعة ومعاوية وعبد الله بن الزبير وعمر ~~بن عبد العزيز وخمسة من بني العباس هؤلاء الخلفاء الإثنا عشر، وفساد هذين ~~المعنيين لظهور وضوحه لا يحتاج إلى ms080 بيان سواء أريد من الخلفاء في الخبر ~~خلفاء الحق فقط أو الأعم منه ومن حكام الجور، فإن كل واحد منهما أفسد من ~~صاحبه. # أما الثاني فلعدم اجتماع العزة وخلافة الجائر جزما، وأي عزة للإسلام في ~~زمن خلافة الجائر، ولو أريد بالعزة العزة الصورية أي مجرد صيت الإسلام ~~المجامع للظلم والعدوان وهتك النواميس الإلهية فمثل هذه العزة لا تشخص ~~بزمان دون زمان، ولا بحاكم دون حاكم كي يدعي اختصاصها بإثني عشر خليفة في ~~ضمن ثلاثمائة سنة، بل سواد الإسلام يوما فيوما بتزايد وترقي، وفرق المسلمين ~~كلما تأخروا كثروا وكانوا أقوى من السابقين بالبديهية، فاختيار هذا المعنى ~~فيه تكذيب للنبي (ص) من حيث لا يشعر. # وإن أريد بالخلفاء خلفاء الحق فإن أهل السنة قصروا الخلافة على أربعة وما ~~تعدوا لغيرهم حتى إن معاوية لم يزعم أحد من أهل السنة أنه من خلفاء الحق، ~~بل بعضهم حكم بفسقه وبعضهم حكم باجتهاده ومعذوريته من حيث الاجتهاد، فإن ~~تحديد الخلافة بالمدة المزبوره صريح في ذلك، ومن هنا يظهر فساد المعنى ~~الثاني إذ لا عزة للإسلام قطعا في زمان معاوية، مضافا إلى إن الجمع بين ~~خلافة علي (ع) ومعاوية في عزة الإسلام من الممتنعات العقلية نظرا إلى إن ~~حقية كل منهما باعثة على تذليل الإسلام بالنسبة إلى الآخر، فكيف يعز ~~الإسلام بخلافتهما؟ وهذا الكلام من باب المماشاة مع الخصم وإلا لو أنصف ~~المطلع على مطاعن PageV00P108 # الخلفاء خصوصا الثالث ومعاوية وغيرهما ممن خرج على الأمير وعانده إن لم ~~نقل بالارتداد فيمن خرج نظرا إلى الصحيح من قول النبي (ص) (يا علي حربك ~~حربي)، والرائي لفعال سائر السلاطين وسوء معاملاتهم، وارتكابهم القبائح ~~التي نهى الله عنها في كتابه التي وقعت عما يسمونهم بالخلفاء لجزم بأن مراد ~~النبي (ص) من الأئمة الإثنا عشر غير هؤلاء جزما. # وأما ما أجاب به القاضي من إنه لا يصلح أن يفسر الحديث بهؤلاء الخلفاء ~~لأنهم لا يصلحون للخلافة لكثرة المطاعن التي فيهم، فإن من جملتهم عبد الله ~~بن الزبير، فقد نهى في زمان ms081 خلافته عن الصلاة على النبي (ص)، وقال إن بني ~~هاشم يصيبهم النخوة والتجبر في ذلك، فلو منعناهم يذهب منهم التجبر، ومع قطع ~~النظر عن ذلك يلزم تعطل الأحكام بعد انقضاء الثلثمائة سنة. # فأقول: كلام القاضي وإن كان صوابا غير أنه لا يدفع مقالة الروزبهاني إذ ~~خلاصة مقالته إن النبي (ص) يقول إن بعد مضي ثلاثمائة سنة لا يبقى للدين ~~صاحب وحامي ولا وآل يقوم به، ومعنى العزة العزة الصورية الاسمية، وهي بقاء ~~صيت الإسلام وزيادة شوكته وكثرة سواده فحينئذ انقطاع العزة المعنوية بعد ~~الخلفاء الاثني عشر، وكذلك فسق الخلفاء بل كفرهم لا يصلح أن يكون ردا لأنه ~~يثبت العزة مع اعترافه بأن معاوية من السلاطين وملوك الجور، فلا جرم أن ~~يكون مراده بالعزة العزة الاسمية في المدة المذكورة لا المعنوية، فلا يفيد ~~في رده كلام القاضي فينحصر بحسب القواعد العلمية جوابه بما حررناه، وليعلم ~~أيضا أن الفاضل الغزالي بعدما اطلع على هذه الأحاديث أخذته الحيرة والأفكل ~~في تحقيق والي المسلمين وحاميهم وبعد أن اجتهد وأمعن النظر جرى في ~~PageV00P109 # فكره أن قال ما محصله: إن في هذه الأزمنة الأمر مردد بين محاذير ثلاث أما ~~منع الناس من إجراء العقود والأنكحة والقضاء بين الناس، وأما القول من باب ~~أكل الميتة عند المخمصة إن الناس معذورون في فعل المحرمات، وأما إن إمام ~~المسلمين لا يشترط فيه العدالة وغيرها من الشروط المقررة في زمن الغيبة، ~~ومن باب ارتكاب أقل المحذورين لابد وأن يلتزم بالأخير، ولعمري إن هذه ~~المحاذير لولا اختياره المذهب الفاسد والعقيدة الرديئة لما ابتلي بشيء منها ~~ولو اختار مذهب الأمامية وترك العناد لوصل إلى حمى الأمان، ولم يعان محذورا ~~أبدا، فإن الإمام (ع) نصب فقهاء الأمامية في التصرفات الحسبية، وذكره ~~للعقود والأنكحة يكشف عن عدم مهارته في علم الفقه كما هو واضح. # لا يقال: مقتضى مذهب الشيعة تأييد عزة الإسلام ودوامها أبد الدهر بسبب ~~وجود الأئمة الاثني عشر (ع) واحد بعد واحد، والحال إن ظواهر هذه الأخبار ~~تقضي بانقطاع العزة بانقطاع الأئمة ms082 الإثنى عشر مثل قوله (ص) (لا يزال أمر ~~الناس عزيز إلى أثني عشر خليفة، كلهم من قريش) وقال (ص) أيضا (إن هذا الأمر ~~ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) وهكذا باقي الأخبار ~~فإنها تدل بمفهوم الغاية على إثبات انقطاع العزة. # لأنا نقول: التحديد بالغاية لا يدل على انقطاع الحكم إلا بعد معلومية ~~انقطاع الغاية، وهو غير معلوم بل المعلوم عدمه، فإن الأمامية قاطعة بعدم ~~خلو الأرض من حجة إلى يوم القيامة، والحجة من نسل النبي (ص) ووصيه (ع)، وفي ~~الصحيح عن الأمير (ع) (أن الزمان لا يخلو من إمام من نسلي لكنه إما ظاهر ~~مشهور أو خفي مستور) وأخبار PageV00P110 # الأئمة بذلك متواترة عن النبي (ص) وعن الأمير (ع)، إن الزمان لا يخلو من ~~إمام منصوب من الله في خلقه، وهو الحافظ للدين عن السرقة والتبديل والتحريف ~~من المنافقين والمشركين، ومن غير الزمان، وإن عرض له زيادة أو نقصان من أهل ~~البدع والكذابين أصلح أمره وقطع شأفتهم، وحينئذ بعد تأييد الغاية التي هي ~~وجود واحد من الإثنى عشر (ع) لا تنقطع العزة بانتهاء العدد مع بقاء ~~الشريعة، ويؤيد ذلك مضامين جملة من الأخبار في هذا المضمار، فقد روى السدي ~~وهو من قدماء المفسرين وثقاة أهل السنة (إن سارة لما كرهت مكان هاجر أوحى ~~الله تعالى إلى خليله أن نحي هاجر عن سارة، وسر بها إلى تهامة، لأنها أم ~~إسماعيل وإني أزيد في ذرية إسماعيل (ع) وأجعلهم على الكافرين عذابا صبا، ~~وأخلق من ذريته نبيا عظيم الشأن يغلب دينه الأديان وأخلق من ذريته أثني عشر ~~إماما لهم شأن عظيم، وأيضا أخلق من ذريته خلقا بعدد نجوم السماء). # ونقل عن كتاب متعصب الأثر في إمامة الاثني عشر عن أبي عبد الله محمد بن ~~عبد الله بن عياش عن أبي سليمان راعي رسول الله (ص) قال: سمعت رسول الله ~~يقول: (أوحى إلي الله تعالى ليلة أسرى بي إلى السماء آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه؟ فقلت: أنا والمؤمنين، فقال ms083 الله: صدقت يا محمد فمن أبقيت في ~~أمتك؟ قلت: خيرهم يا ربي، فقال علي بن أبي طالب؟ قلت نعم يا إلاهي، فقال: ~~يا محمد إني اخترتك من بين أهل الأرض بعد أن اطلعت عليهم وسميتك بأسماء ~~اشتققتها من أسمي، فلا أذكر في موضع إلا وأنت معي فأنا المحمود وأنت محمد، ~~وأطلعت على أهل الأرض مرة أخرى، واخترت بعدك عليا واشتققت له اسما من ~~أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد خلقتك وعليا PageV00P111 # وفاطمة والحسنين والأئمة من أولاد الحسين (ع) من نوري، وعرضت ولايتكم على ~~أهل السماوات والأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن أنكرها أو تمرد ~~عنها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو إن عبدا من عبادي عبدني حتى تقوس ~~ظهره وابيض حاجبه ولم يعترف بولايتكم لا ينفعه كل ذلك عندي، ولن يذوق رحمتي ~~حتى يقر بها، يا محمد أتريد أن أريك الأئمة من نسل الحسين؟ قلت نعم يا ربي، ~~فقال الله تعالى التفت إلى يمين العرش، فالتفت فإذا بعلي وفاطمة والحسن ~~والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة (ع) في ~~ضحضاح من نور، وهم مشغولون بعبادة الله تعالى، والحجة (ع) عجل الله فرجه في ~~وسطهم كالبدر الساطع فجاءني النداء من العلي الأعلى: يا محمد هؤلاء حججي ~~على خلقي آخرهم مهديهم يطلب بوترك ويأخذ الثأر ويبيد الكفار، فأقسم بعزتي ~~وجلالي إنه هو الباقي عونا لعبادي المؤمنين المنتقم من أعدائي الكافرين)، ~~ومن هذا القبيل من الأحاديث التي ترويها الفريقان، وتعتمدها الطائفتان فوق ~~حد الإحصاء، وكلها تدل على مذهب الأمامية. # سؤال: أي عزة للإسلام بوجود الأئمة (ع)، والحال إنهم ما بين قتيل وأسير ~~ومسجون لا ينفذ لهم أمر في الدين، وترى أكثرهم يتقون، ومن الخوف يسكتون، ~~ولهذه الجهة صرف الفاضل الروزبهاني ظواهر الأخبار الماضية في إمامة الاثني ~~عشر إلى أئمة الجور وسلاطين الإسلام. # وأجاب بعض علماءنا كالقاضي (رحمه الله) وغيره لا يدفع هذا السؤال فإن ~~ملخص جوابهم حلا إن وجود الخليفة لا يستلزم وجوب تصرفه وسلطنته في ms084 جميع ~~الأمور. ونقضا بخلافة الأول قبل استقرار خلافته، PageV00P112 # وبخلافة الأمير (ع) قبل تمام التمكين ومن البين إن ذلك لا يدفع مقالة ~~الروزبهاني إذ مضامين أخبار نصر الإسلام ورونقه لسبب وجود الخلفاء الاثني ~~عشر في الأمر حيث لا يمكن انطباقه على الأئمة الاثني عشر فلا جرم أن تصرف ~~تلك الأخبار إلى الخلفاء المتصرفين بالحق أو بالباطل قصورا أو تقصيرا، أو ~~يقال إن الأحاديث المذكورة من المتشابهات وعلى التقديرين لا تصلح أن تكون ~~دليلا على مذهب الشيعة. # فالتحقيق في الجواب: إن عزة الدين ورونقه يحصل بالمحافظة على أصول الدين ~~وإتقان العقائد وصونها عن تطرق الشبهات، وأما محافظته من الزيادة والنقصان ~~والتغيير والتبديل في مسائل الفروع بواسطة انسداد باب العلم فلا مدخلية ~~لذلك في العزة والذلة بالبداهة، بل حقيقة عزة الدين هو حفظ الناس عن أن ~~يحصل لهم الشبهة في حقية النبي (ص) وفي حقية الشريعة فأن المحافظة على ذلك ~~فيه تمام العزة للدين، وقد تواترت الأحاديث وملئت الطوامير، وأفصحت الكتب ~~المعتبرة في فضائل الأئمة (ع). في إن أئمتنا (ع) كم دفعوا شبه الملحدين، ~~وقطعوا شأفة الضالين من الزنادقة وغيرهم من أهل الكتاب وسائر الفرق بحيث إن ~~غيرهم من سائر الخلق لا يطيق دفع بعض البعض من ذلك، وهذا من أعظم معاجزهم ~~الذي لا يقبل الإنكار إذ هو كالشمس في رابعة النهار، وناهيك في ذلك حديث ~~اليهودي الذي ذكره علماءنا المتبحرين في باب النبوة، ونحن ذكرناه أيضا في ~~بابه، ومن الأحاديث المعتبرة حديث الجاثليق الذي رواه المفيد رحمه الله عن ~~الصدوق، وهو رواه بإسناده عن سلمان الفارسي)، ونقل أيضا من البحار، وهو ~~حديث طويل وأكثر فقراته لا تفهم فلنذكر من فقراته ما له ربط في المقام، ومن ~~أراد الاطلاع على تمام الحديث فليطلبه من مضانه، ورواه صاحب منهج السلامة ~~من غير واحد PageV00P113 # من أصحابنا، ولكن فيه نوع اختلاف باللفظ لا يضر بالمعنى، قال سلمان ~~الفارسي (رحمه الله): لما ابتلت قريش بعد رحلة النبي (ص) بالداهية العظمى ~~والبلية الكبرى، وانكشف غطاء جسدهم وحقدهم لآل ms085 الرسول (ص) وبلغ ملك الروم ~~قوة النبي ونزاع أصحابه بعده في الخلافة والإمرة، وادعائهم إن النبي (ص) لم ~~يعهد إلى أحد لا من أهل بيته ولا من الأجانب بل أحال الأمر إلى الأمة وقرنه ~~باختيارها، وإن الأمة بعده تركوا تأمير عترته وذريته وصرفوا الأمر إلى ~~غيرهم فدعى علماء مملكته وذوي البصيرة منهم، وذكر لهم اختلاف قريش بعد ~~نبيهم، وأن النبي (ص) ارتحل من الدار الفانية فلما سمعوا ذلك منه ووعوه ~~طلبوا منه أن يرسل إلى يثرب جماعة من أهل العلم والمعرفة من أتباعه ~~ليتحققوا الحال ويصلوا إلى حقيقة الأمر، وليتعرفوا السبب الذي أوجب تقديم ~~الأجانب على الأقارب على خلاف عادة الأنبياء السالفين، فطلب الملك الجاثليق ~~وكان أكبر علماء أهل مملكته، وأمره بأن يختار من أصحابه الكاملين مائة نفر ~~ويسير بهم إلى طيبة المنورة، ويأتيه بحقيقة الحال، وأمره أن يخاصم أصحاب ~~محمد (ص) وأن يفلجهم لما يعلم من مهارته في الفنون جميعها فأمتثل الجاثليق ~~الأمر وسار مع من أنتخبه وأختاره حتى أناخ على المدينة عند شروق الشمس فلما ~~عقل راحلته واستقر به وبأصحابه المكان نهض بمن معه حتى وافى المسجد ~~والصحابة فيه مجتمعون فحياهم بتحيته وسألهم عن وصي نبيهم وخليفته بعده، ~~فأرشدوه إلى أبي بكر وكان في المسجد جمعا من الصحابة كعمر وأبي عبيدة وخالد ~~بن الوليد وعثمان وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فشخصت إليهم الأبصار ~~ورمقتهم العيون لما رأوهم بهيئة حسنة وأخلاق مأنوسة للطبع مستحسنة، ~~PageV00P114 # فوقف الجاثليق مقابل القوم وحياهم بتحيته فأجابوه، ثم قال بنهاية التأدب ~~نحن قوم نفرنا من الروم إليكم، ونحن على دين المسيح بن مريم، ولما بلغنا ~~خبر نبيكم أردنا الوفود إليه لنتعرف دينه فلم يساعد التوفيق والآن بلغنا ~~خبر وفاته فسرنا من مكاننا إليكم لتدلونا على وصيه بعده لنسأله في أمر ~~الدين فإن قطعنا بقوله دخلنا في دينكم، وإن قطعناه وأفلجناه بقينا على ~~ديننا، وسمعنا اختلافكم أيضا فجئنا نطلب الحق ونقف على حقيقة الأمر فأيكم ~~صاحب الأمر بعد النبي (ص). # قال سلمان: وكنت إذ ذاك حاضرا في ms086 المسجد فضاق بي الفضا، وقلت ذهب الدين، ~~فقال عمر: هذا صاحب رسول الله (ص) وخليفته وأشار إلى أبي بكر، فالتفت ~~الجاثليق إليه وقال: أنت خليفة رسول الله ووصيه في أمته وعندك ما تحتاج ~~الأمة إليه بعد نبيها، فقال أبو بكر: لست بوصيه يا هذا، فقال الجاثليق فمن ~~تكون أنت؟ فقال عمر: هذا خليفة رسول الله، فقال النصراني: النبي استخلفك ~~على الأمة؟ فقال الأول: لا لم يستخلفني النبي، فقال الجاثليق فإذا ما معنى ~~كونك خليفة؟ ومن سماك بهذا الاسم؟ فإنا وجدنا في كتبنا إن الخلافة من ~~المناصب الإلهية المختصة بالأنبياء، وليس لغيرهم أن يجعل في الأرض خليفة، ~~والله سبحانه استخلف آدم وداود في الخلق، وأنت إذا لم يكن عندك منصب ~~الخلافة من الله تعالى فكيف وسمت بهذا الاسم وجلست هذا المجلس؟ ومن سماك ~~به؟ فقال الأول: يا هذا إن الناس قد اجتمعت علي ورضيت بي أن أكون عليهم ~~واليا وإماما لهم فلذلك سميت بهذا الاسم، فقال الجاثليق: فإذا أنت مستخلف ~~من الناس لا من الله ورسوله، وأنت خليفة القوم، وعلى هذا فنبيكم على خلاف ~~طريقة الأنبياء السالفين، لأن الذي وصل إلينا ووجدناه مرسوما في كتبنا إن ~~الله لا يبعث نبيا لخلقه إلا PageV00P115 # ويجعل له وصيا ترجع الناس إليه فيما تحتاج من أمر الدين والدنيا، وكلها ~~محتاجة إليه وهو مستغن عن جميعهم، وأنت تقول إن نبيك لم يعين للناس خليفة ~~وإماما يرجعون إليه فباعترافك إن نبيك لم يكن نبيا مرسلا من الله تعالى لأن ~~من لوازم النبوة التي لا تنفك أن يكون للنبي (ص) وصيا، وأنت نفيت ذلك عن ~~نبيك فعلم إنه غير نبي، ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه وقال لهم: إن هذه ~~الجماعة تقول إن نبيها لم يكن نبيا وإنما تسلطه على الناس كان بالقهر ~~والغلبة إذ لو كان نبيا لعين له وصيا ترجع الناس إليه، ولاحتذي حذو من سبقه ~~من الأنبياء، ثم التفت إلى أبي بكر وقال: يا شيخ أما أنت فقد أقررت بأن ~~نبيك لم يوصي ولم يعهد إلى ms087 أحد، وأقررت بأنك لست بخليفة منصوب من قبله، ~~وإنما الناس اجتمعت عليك فأمرتك عليهم واستخلفتك وجعلتك بمقام نبيهم، ومتى ~~جاز على الله أن يوكل ذلك إلى اختيار الخلق ويمضي اختيارهم ويرضى به فأي ~~داع بعد إلى بعث الرسل ولم لا يوكل ذلك أيضا إلى اختيار الأمة؟ وكذا أي ~~موجب لإنزال الكتب وأمر الأنبياء بنشر أحكامه لتعرف الناس الحلال من ~~الحرام، والواجب من غيره، فإن تمام الحجة على الخلق لا يتوقف بزعمك على بعث ~~الرسل وإنزال الكتب، لأن إقرارك هذا ينتهي إلى إن الخلق تستغني بعقلهم عن ~~الأنبياء، وإن الله يقرهم على ذلك، وإن الرسل لا تحتاج إلى نصب من يكون ~~علما للأمة، بل يكفي نصبهم له، وعلى خلاف ذلك العقل والنقل بل هو افتراء ~~على الله تعالى، ثم إنك لم تكتف بهذا حتى سميت نفسك بالخليفة، وجلست على ~~دست النبوة وذلك لا يحل إلا للنبي أو لوصيه بعده، ولا يثبت دينك إلا إذا ~~كانت حجته على طبق حجج الأنبياء السابقين وطريقتهم، PageV00P116 # ومن المعلوم إن الله تعالى إذ بعث للناس نبيا هو خاتم الأنبياء بزعمك ولم ~~يعين له وصيا يقوم مقامه فقد أمر بما هو خارج عن طريقة الأنبياء فينحصر ~~الأمر في شيئين أما أن يكون نبيك غير نبي، وأما أن يكون له وصي فإذا تخلف ~~الثاني بإقرارك تحقق الأول قضاء للملازمة بينهما، وعلى هذا فلا يجب علينا ~~ولا يلزمنا أن نتحاجج معكم في إثبات دينكم لأنه متوقف على إثبات نبيكم وقد ~~أنكرتموه، وصار اللازم علينا أن نرجع إلى أهالينا ونبقى على ديننا الذي ~~أنتم تعترفون فيه بواسطة اعترافكم بنبينا، ولا يلزمنا الفحص عن أعمالكم ~~السابقة إنها صواب أو خطأ. # ثم قال الجاثليق: أجبني أيها الشيخ، قال سلمان (رحمه الله) فألتمع لون ~~أبي بكر ثم نظر إلى أبي عبيدة، وكان إلى جنبه فقال: أجبه، فلم يجب أبو ~~عبيدة الجواب، فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال لهم: إن بناء القوم على ~~أساس غير ثابت وليس له دليل محكم ولا حجة واضحة، فأجابه أصحابه ms088 بأنا قد ~~علمنا ذلك وفهمناه ثم التفت إلى أبي بكر وقال له أيها أسألك عن شئ أجبني ~~فيه، فقال له: سل، فقال أخبرني عن نفسي وعنك، وأي شئ تعتقد فيهما عند ربك؟ ~~فقال: إني أعتقد إني مؤمن عند نفسي ولا أعلم حالي عند الله تعالى أني كذلك ~~أم لا، وأعتقد إنك كافر ولا أعلم حالك عند الله تعالى، فقال الجاثليق أما ~~أنت فقد نسبت نفسك للكفر وأقررت بأنك جاهل بحالك في الإيمان، ولم تدر أمحق ~~أنت أم مبطل، وأما أنا فقد أثبت لي الإيمان بعد الكفر عند الله تعالى فما ~~أحسن حالي وما أسوء حالك عند نفسك لعدم يقينك بحالي وحالك. # أقول: جواب أبي بكر وإن لم يكن صريحا بما قاله الجاثليق من الأمرين لكن ~~ذلك من لوازم كلامه، والجاثليق حكم عليه بذلك اللازم ضرورة إنه بعد مشاهدة ~~الآيات الإلهية والإمارات القطعية في حقيقة PageV00P117 # الإيمان والكفر وعلائمها لا ينبغي حينئذ أن يحصل له الشك في نفسه، فإن ~~الشاك بعد ذلك كافر محض، وهو قد اعترف بجهله في إيمانه الواقعي واعترف في ~~حق الجاثليق بأني لا أدري، وكل شخص لا يعلم بحال الآخر لا يمكنه نفي ~~الإيمان عنه، فإذا ادعى الآخر إني مؤمن لا ينكر عليه ولا ينفى عنه فادعاء ~~الجاثليق إنه مؤمن عند الله تعالى ظاهر من مقالة أبي بكر ومعترف به ضمنا ~~كما لا يخفى. ولنرجع إلى ما كنا فيه. # ثم قال الجاثليق: أيها الشيخ أين محلك الآن في الجنة إن كنت مؤمنا؟ وأين ~~مقامي من النار في هذه الساعة إن كنت كافرا كما تزعم؟ فالتفت أبو بكر إلى ~~أبي عبيدة ثانيا وإلى عمر كيما يجيبانه فلم يتكلما أبدا، فقال أبو بكر لا ~~أعلم ولا أدري بحالي عند الله وهذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى ~~فعندها قال جاثليق النصارى له: إنك قد تأمرت وجلست بمكان لا يحل لك الجلوس ~~فيه، وادعيت الخلافة من غير صلاحية لأنك محتاج إلى غيرك في العلم، ووصي ~~النبي وخليفته لا يحتاج غيره ms089 في أمة نبيك، من هو أعلم منك؟ فدلني عليه ~~وأرشدني إليه لكي أحاججه وأطلع على أمره؟ وإن لم يكن فيهم من هو أعلم منك ~~فقد ظلمت نفسك بتقحمك في أمر لم يجعله الله لك، وظلموك قومك بل وظلموا ~~أنفسهم في رضائهم بك وجعلك أميرا عليهم. # قال سلمان (رحمه الله): فلما رأيت القوم وقد بهتوا ونكسوا رؤوسهم إلى ~~الأرض خجلا وبان فيهم العجز والانكسار وبانت الذلة في الدين فلم أملك نفسي ~~أن قمت مسرعا وأنا لا أبصر موضع قدمي من الدهشة والحزن حتى أتيت باب علي ~~(ع) فطرقتها، فخرج إلي فلما بصرني على تلك الحالة قال ما شأنك يا سلمان؟ أي ~~شئ عرض لك؟ فقلت: يا PageV00P118 # سيدي هلك دين محمد واضمحل وغلبت الكفار علينا بالحجة والبرهان فتلاف جعلت ~~فداك دين ابن عمك فليس في القوم من يحاجج الكفار ويغلبهم وأنت اليوم سراج ~~الأمة، وأبو الأئمة وحلال المشاكل وكاشف المعضلات ومفرج الهم والغم ومؤيد ~~الدين القويم فقال (ع): ما الخبر؟ وأي حادثة وقعت؟ فحكيت له القصة من أولها ~~فلما انتهيت إلى عجز القوم عن الجواب أحمر وجهه، وقال: أخبرني بذلك حبيبي ~~محمد (ص) ثم قال: عند الصباح يحمد القوم السرى، ثم مشى أمامي وأنا خلفه ~~والحسن والحسين بين يديه حتى دخل المسجد، وقام له نور حتى خيل لأهل المسجد ~~إن الشمس وقعت من السماء فيه، فإذا القوم على حالتهم من الحيرة فوسعوا له ~~المجلس وسلم عليهم وجلس مجلسه، ثم التفت إلى الجاثليق وقال له أقصدني ~~بمسألتك وأدلي إلي بحجتك فإن عندي ما تحتاجه الناس في العمل، وأنا العالم ~~بأحكامها، أما والذي فلق الحبة وبرء النسمة لو خاصمني جميع أهل الأديان ~~لأفلجتهم بكتبهم وألزمتهم الحجة فهات ما عندك؟ وما توفيقي إلا بالله، فقام ~~النصراني وجلس بين يديه، ثم قال يا فتى إنا وجدنا في كتبنا إن الله تبارك ~~وتعالى لم يبعث نبيا إلا وقد جعل له وصيا يقوم مقامه بعد رحلته كي لا تبقى ~~الناس في وحدة الحيرة وكي ترجع إليه فيما تحتاج ms090 من أمر الدين، وقد بلغنا ~~اختلاف أمة نبيكم بعده فقريش والأنصار كل يروم الخلافة أن تكون فيهم، وكل ~~يريدها له، وإن ملك الروم اختارنا من بين قومه وأرسلنا لنفتش عن دين محمد ~~ونعرف حقيقته من بطلانه، ونقف على تمام أمره، ونرى إن سنن الأنبياء ~~السالفين موجودة فيه أم لا؟ ثم نرى إن من أدعى الخلافة بعده ادعاها بحق أم ~~بباطل؟ لأن الأمم السالفة وجد فيها من افترى على نبيه بعده، ومن منع وصية ~~من حقه كقوم موسى عكفوا على أصنام لهم PageV00P119 # وتركوا هارون لما استخلفه موسى عليهم، فلما دخلنا بلادكم أرشدونا إلى هذا ~~الشيخ الجالس، وقالوا: هذا ولي المؤمنين وهو بمقام النبي وسألناه إن النبي ~~أوصاك ونص عليك فقال: لا ثم سألناه عن أشياء أخر فلم يجبنا، ونحن جئنا نطلب ~~الحق فإن وجدنا من يدلنا عليه، ورأينا وصي نبي فيه شمائل أوصياء الأنبياء ~~السابقين، دخلنا في دينكم، وإن لم نجد أحدا كذلك عذرنا عند ربنا، وعلمنا إن ~~محمد الموعود ببعثه لم يبعث، فنبقى على ديننا ننتظر بعثه. فقال الإمام (ع) ~~وما تلك الشمائل التي تذكرون؟ فقالوا: يلزم أن يكون عنده علم كلما تحتاج ~~الأمة إليه، ويقطع بالجواب شبهات المنكرين، وعنده علم المنايا والبلايا ~~وفصل الخطاب ومعرفة الأنساب وأحكام ليلة القدر وما ينزل فيها وغير ذلك فلما ~~استخبرنا بالمكالمة حال هذا الشيخ لم نجد عنده شيئا من تلك الشمائل بل لازم ~~مقالاته إن محمدا لم يكن نبيا بل هو من الجبابرة لأنه لم يثبت فيه من آثار ~~الأنبياء السابقين شيئا فإن أهمها الوصية والاستخلاف، وقد اعترف بنفي ذلك ~~فكيف يكون محمدا نبيا؟ وهو بهذا الحال الذي يذكره الشيخ إنه ترك أمته بلا ~~راع ولا أقام أحدا مقامه، ولم يعلم إن ذلك مع إنه ليس من صفات الأنبياء، ~~ومن طريقتهم يلزم فيه الاختلاف وبغي بعضهم على بعض، وعدم استقرار الدين كما ~~بلغنا إن ذلك واقع فيكم وجل الله تعالى أن يهمل عباده ويدعهم بلا راع ~~يهديهم إلى الخصب ويردعهم عن المحل والجدب، ms091 فهل عندك ما يشفي الغليل ويزيل ~~الشكوك والشبهات ويهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل. # فقال الأمير (ع): نعم عندي ما يشفي الصدور، وعندي شرح المشكلات، وعندي ~~بيان ما يرفع الشكوك والشبهات، وسأوضح لكم كل PageV00P120 # ما أبهم عليكم وأنا الحجة البالغة والمحجة الواضحة فأعيروني أسماعكم ~~وتوجهوا إلي بقلوبكم: اعلم أيها الجاثليق أنت وقومك إن الله وله الحمد بمنه ~~وطوله وفضله، وفى لنا بوعده، وأعز دينه بنبيه محمد (ص) على فترة من الرسل، ~~وحباه بالنصر وشتت شمل أحزاب العرب، واختاره وانتجبه وبعثه للخلق جميعا ~~إنسهم وجنهم، وأوجب طاعته عليهم، ومنحه بالرأفة والرحمة، وفضله على جميع ~~الأنبياء والمرسلين، وألزم باتباعه عامة المخلوقين من أهل السماوات ~~والأرضين، وجعله خاتم الأنبياء ووارث علومهم، وقربه من قاب قوسين أو أدنى ~~وجعل عن يمين عرشه مقامه لم يصله نبي مرسل ولا ملك مقرب، وأوحى إليه ما ~~أوحى، وما كذب الفؤاد ما رأى، وأخذ على الأنبياء العهد والميثاق بأن يأمنوا ~~به وينصروه، بعد أن شاهدوا مقامه من الله، ورفيع منزلته عنده، وأوحى إلى ~~الرسل بعد أن أخذ الميثاق عليهم أقررتم وأخذتم على ذلك إصري؟ قالوا: أقررنا ~~فأشهدوا إنا معكم من الشاهدين، وقال سبحانه تعالى (يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات)، ~~واعلموا إنه لم يفارق رسول الله هذه الدنيا إلا بعد رفع الله مقامه، وأعلى ~~على العالمين درجته وأتم به الحجة على الخلق، وقرن اسمه باسمه، فلا يذكر ~~الله تعالى في موضع إلا واسمه به مقرون ووصل طاعته بطاعته، فقال (من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله (وقال (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~(فبلغ الرسالة ودل الأمة على سبيل النجاة والهداية والحكمة، وصدع بما أمر ~~به، وبه بشرت الأنبياء السابقون والمسيح عيسى بن مريم بشر به PageV00P121 # وبوجوده في السفر السابع من الإنجيل قال (الأحمد المحمود العربي الأمي ~~صاحب الجمل الأحمر، والقضيب، خاتم الرسل ووصيه موضع السر وصندوق العلم ~~وتالي الكتاب حق تلاوته وباب حطة وهو خاتم الأوصياء)، وأنا ذلك ms092 الوصي يا ~~أخا النصارى، وأنا الذي قال النبي (ص) في حقي وحق عترتي (أني تارك فيكم ~~الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض، وكل من الثقلين عظيمين لكن الكتاب هو الثقل ~~الأعظم لأنه الحبل المتين الممدود من الأرض إلى السماء بيد الجبار طرفه ~~والآخر بيدك يا محمد)، وعندي يا أخا النصارى تأويل القرآن، وأنا العارف ~~العالم بالحلال والحرام والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وعندي علم ما ~~تحتاجه الأمة بعد النبي (ص) وعلم كل قائم وملتوي، وعلم المنايا والبلايا ~~وفصل الخطاب وأنا صاحب الكرات والكرامات فاسألني عن ما تريد وعن ما كان أو ~~يكون إلى القيامة، وعن كل ما حدث في عهد نبيك عيسى، وعن كل وصي لنبي، وعن ~~كل فرقة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى قيام الساعة، وسلني عن كل آية ~~نزلت في كتاب الله ليلا نزلت أم نهارا. وسلني عن التوراة والإنجيل والزبور ~~والفرقان العظيم، وأنا الصادق الذي نزل فيه قوله تعالى ( وكونوا مع ~~الصادقين)، وأنا أخو رسول الله وابن عمه، وشاهده على أمته، وأنا الوسيلة ~~بين الله قوله تعالى (وكونوا مع الصادقين)، وأنا أخو رسول الله وابن عمه، ~~وشاهده على أمته، وأنا الوسيلة بين الله وخلقه، وأنا وذريتي كسفينة نوح من ~~ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق، وأنا وذريتي بمنزلة باب حطة في بني إسرائيل ~~من دخله كان آمنا، وأنا من محمد بمنزلة هارون من موسى، فمن أحبني ~~PageV00P122 # كان من المؤمنين، ومن أبغضني يا أخا النصارى فهو من الكافرين، وأنا الذي ~~ما كذبت قط ولا نسب لي ذلك قط، فلا يزال (ع) يقول أنا فلا يرد عليه أحد ~~قوله إلى أن التفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: هذا ما نبغي ولقد ضفرنا إن ~~شاء الله بالمقصود والمطلوب، ثم أقبل على أمير المؤمنين (ع)، وقال له ~~أخبرني لأي أمر اختار الناس غيرك وأنت بهذه المنزلة عند الله ورسوله، فقال ~~(ع): لقد حق القول عليهم ولي أسوة بالأوصياء غيري، ثم ms093 سأله الجاثليق عن ~~مسائل جمة فأجابه (ع) بما اعترف فيه هو وأصحابه على ما يوافق رأيهم، فحينئذ ~~التفت إلى أصحابه، وقال أما تسمعون والله لقد نطق بما في الكتب الإلهية، ~~فقالوا جميعا: سمعنا وفهمنا، ثم قال الجاثليق: وإني لسائله عن مسائل فإن ~~أجاب بها فلا حيلة لي إلا الإسلام بمحمد وبه، فقال له الإمام: أجيبك عنها ~~بما أنت تذعن به، فإن أجبتك كذلك أتدخل في ديننا؟ فقال الجاثليق: نعم والله ~~شاهد على ذلك والكفيل، فقال له الإمام (ع) وأصحابك، فقال: نعم وأصحابي معي، ~~ثم ابتدأ بالسؤال فقال: أخبرني عن الجنة أهي في الدنيا أو في الآخرة؟ وأين ~~موضع الدنيا من الآخرة؟ فأجاب الإمام بما أوضح ذلك أي إيضاح، وعرفه ~~الجاثليق هو وأصحابه، ثم سأله عن معنى قوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه ~~(وما معنى الوجه في الآية وهل يكون للإله وجه وقفا؟ فقال علي (ع) يا غلام ~~علي بحطب ونار، فلما سمع النصراني ذلك قال صدقت يا وصي الهادي، ثم تقدم ~~وجلس بين يديه وشهد الشهادتين، وأعترف بالوصية والإمامة لعلي (ع) وأولاده ~~وتبرى من أعدائهم، ثم التفت إلى أصحابه وقال قوموا PageV00P123 # وأسلموا على يد هذا والله هذا هو المنعوت في التوراة والإنجيل والزبور، ~~هذا قسيم الجنة والنار، هذا نعمة الله على الأبرار ونقمته على الكفار، وأخذ ~~يقول هذا هذا حتى شرف وقت الفريضة فقام أصحابه وآمنوا وأسلموا واعترفوا ~~بالإمامة لعلي (ع)، وبعدها خطب الأمير (ع) القوم وقال: # الحمد لله الذي أوضح برهان محمد وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون ~~إلى آخر الخطبة، فاستبشر القوم برفع شبههم ووصولهم إلى الحق وهدايتهم بسبب ~~الأمير (ع) ودعوا له، وقالوا: أحسن الله تعالى جزاءك يا أبا الحسن في مقامك ~~بحق نبيك، قال سلمان (رحمه الله) ثم تفرق القوم وكأن الحاضرين لم يسمعوا ~~شيئا مما فهمه القوم وقد نسوا ما ذكروا به. # أقول لعل مراد سلمان (رحمه الله) من عدم سماع الحاضرين أنهم ما فهموا بعض ~~تلك المكالمات وما فهموه منها نسوه، أو ms094 إنهم لم يفهموها جميعا أو إنهم ما ~~فهموا ما ذكروا به من المواعظ والحكم وبراهين الإمامة التي أقامها (ع) على ~~ولايته وأعرضوا عنها فكأنهم نسوها ولم يتدبروها. # قال سلمان: فلما تفرق القوم وخرجوا من المسجد وأراد أهل الروم الرجوع إلى ~~أهاليهم جاءوا إلى المسجد فوجدوا عليا (ع) فيه وسائر الصحابة فالتفتوا إلى ~~الصحابة وقالوا لهم: هلكتم من حيث لا تشعرون تركتم التمسك بالعروة الوثقى ~~والحبل المتين فتبا لكم وسحقا ثم استأذنوا الإمام بالرجوع إلى أهاليهم فأذن ~~لهم، ثم قالوا له: مرنا بأمرك فنحن PageV00P124 # سامعون مطيعون إن شئت أن نقيم معك أقمنا، وإن نرجع إلى أهالينا رجعنا، ~~وإن شئت أن نسير إلى أي نواحي الأرض سرنا ولا يهولنك ولا يحزنك عصيان الأمة ~~لك فإن شأن الأوصياء الصبر على البلاء والتحمل لمضاضة الأعداء، ثم لا ~~لتفتوا إلى الجماعة ووعظوهم بمواعظ بينة، وكان ختام وعظهم وحججهم إنكم أيها ~~القوم خالفتم الله ورسوله فتبؤا مقعدكم من جهنم ولبئس المثوى وبئس المصير، ~~ثم عطفوا على مرقد الرسول (ص) فقالوا بعد السلام عليه: اشهد علينا يا رسول ~~الله (ص) أنا قد أقررنا بنبوتك واعترفنا بوصيك وبما جئت به من عند الله ~~وتبرأنا من أعدائك وأعداء وصيك ونشكوا إليك ما لقى وصيك من أمتك بعدك، ثم ~~طلبوا من الأمير (ع) أن يخبرهم بجميع ما جرى عليه بعد رحلة النبي (ص) ~~فأخبرهم بجميع ذلك فضجوا بالبكاء والنحيب، وأخبرهم بأن النبي أخبره بذلك ~~كله، فقالوا أخبرك بذلك؟ قال نعم كيف لا يخبرني وأنا منه بمنزلة هارون من ~~موسى وشمعون من عيسى ألم تعلمون بما وقع بين شمعون وابن خاله حتى افترقت ~~أمة عيسى أربع فرق والأربع افترقت سبعين فرقة، وكل هذه الفرق هلكت إلا فرقة ~~واحدة، وكذا أمة موسى افترقوا على اثنين وسبعين فرقة ثلاثة عشر منها تدعي ~~محبتنا أهل البيت، وكل هذه الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي الناجية. ثم ~~ذكر لهم الوقائع المستقبلة وتلا لهم الآيات التي نزلت في مذمة المخالفين له ~~وأعلمهم بمدة غصب الخلافة ms095 منه، وبما يقع في أيام خلافته من وقعة الجمل ~~وصفين وقتاله الخوارج على الإجمال، وأخبرهم بالأئمة بعده وما يقع عليهم من ~~الظلم من جهة فساد الأمة إلى أن يعجل الله بالفرج على يد المهدي من ذريته ~~(اللهم عجل فرجه دعاء PageV00P125 # إخلاص متى ذكرته قال الحفيظان معي آمينا) ثم غلبه وغلبهم البكاء وعندها ~~استأذنوا منه في المسير بعد أن اعترفوا وأذعنوا بولايته وذكروا له أن وجدنا ~~في كتبنا صورة محمد (ص) وسيدة النساء وصورتك وصورة الحسنين وهي موجودة ~~عندنا، وسيرد علينا بعد هذا الرجل جماعة من قريش ويريهم ملكنا تلك الصورة ~~مع صور الأنبياء التي هي عندنا، فأمرهم الأمير (ع) بالرجوع وكتمان أمرهم، ~~وألزمهم بالتقية إلى زمان خلافته، وقال: إن من مات منكم قبل حضور وقت جهادي ~~لأعداء الله مات شهيدا، فحينئذ قبل القوم يديه ورجليه ورجعوا إلى أهاليهم. # وهذا ما انتهى إلينا من هذا الخبر الشريف المشتمل على فوائد جمة كل فائدة ~~منها تكفي في إثبات دين الإمامية وفساد ما يزعمونه أهل السنة، وكل فقرة من ~~فقراته قرينة قطعية على صحته وصدوره من سلمان عليه الرضوان، وأكثر الأدلة ~~العقلية واعتقادات الإمامية في هذا الحديث الشريف موجود، والظاهر إن علماء ~~أهل السنة مثل الروزبهاني وسعد الدين التفتزاني وغيرهم إذا اطلعوا على هذا ~~الحديث وأمثاله يعلنون بأنه من مفتريات الشيعة، أو يزعمون بأنه خبر واحد لا ~~يثبت به العلمية فلا يكون دليلا وكل ذلك ينشأ من هوى النفس وعدم التدبر ~~والإنصاف في هذه الأحاديث، فإن المتنظر إذا نظر إلى طول هذا الخبر وتفاصيله ~~بحيث إن كل فقرة منه مطابقة لآية من القرآن مع إن أهل الكتاب يصدقون ~~ويعترفون بما نقل فيه من كتب الأنبياء والسابقين، فكيف يظن فيه الجعل ~~والافتراء؟ فما ذلك إلا من عيون عمياء وقلوب ما أنكشف عنها الغطاء، مضافا ~~إلى إن نقلة هذا الحديث وإن لم يكونوا بدرجة PageV00P126 # العصمة لكنهم في التحرز وعدم الافتراء هم كالمعصومين حاشاهم من ذلك، ولعل ~~الخصم يقول إن بائك تجر وبائي لا تجر إذ ms096 على هذا لا معنى لدعوى الشيعة ~~الافتراء والجعل في بعض ما يرويه أهل السنة في حق خلافائهم إذ المنصف يعرف ~~الفرق البين فإن ظهور مثالب بعض الصحابة وفضيحتهم مع عدواة السلاطين وحكام ~~الجور لآل الرسول (ص) لا يمكن أن ينكر وكل واحد بنفسه مقتضي للجعل، فكيف ~~إذا تعاضدا، بخلاف الشيعة لأن كل عاقل متدين بدين لا يمكن أن يفتعل أو يحلل ~~شيئا على خلاف مذهبه، والحال إن أهل السنة يقولون إن الناس بعد النبي (ص) ~~لم يختلفوا والكل راضون بخلافة الخلفاء، وإذا كان كذلك فأي داع لأعقابهم أن ~~يفتروا ويكذبوا ويضعوا أخبار مجعولة على خلاف مذهب آبائهم وأسلافهم، وإن ~~قالوا إن الجاعل هو أهل الصدر الأول فمع إنه خلاف ما يقولوه من الإجماع ~~وعدم الاختلاف أيضا أي داع لأهل الصدر الأول مع عدم الشحناء بينهم أن ~~يجعلوا، وأي سبب اقتضى ذلك. # وممن نقل هذا الحديث المفيد في الأمالي بطريق ينتهي إلى زازان عن سلمان، ~~لكن على سبيل الإيجاز والاختصار، ولهذه الجهة بعض المحدثين ذهبوا إلى إنهما ~~حديث واحد لكن بعد التأمل فيهما يكاد يظن إنهما حديثين لأن في أخر الحديث ~~على الطريق الثاني زيادات ليست في الطريق الأول، مع إن في فقراتها الاختلاف ~~الكلي، ومع تعدد السند والمضامين، الحكم بالاتحاد لا يخلو عن سقم، بل بعد ~~تنافي بعض فقراتهما بالتنافي بالنفي والإثبات، لا يصلح الحكم بالاتحاد ~~جزما، في آخر هذا الطريق مذكور إن القوم لما أسلموا قال عمر: الحمد لله ~~تعالى PageV00P127 # الذي هداك أيها الرجل إلى الحق وهدى من معك غير إنه يجب أن تعلم إن علم ~~النبوة في أهل بيت صاحبها، والأمر بعده لما خاطبت أولا برضاء الأمة، ~~وإصلاحها عليه، وتخبر صاحبك بذلك وتدعوه إلى طاعة الخليفة، فقال الجاثليق: ~~عرفت ما قلت أيها الرجل وأنا على يقين من أمري فيما أسررت وأعلنت، وانصرف ~~الناس، وتقدم عمر أن لا يذكر هذا المجلس بعد، وتوعد على من ذكره بالعقاب، ~~وقال: أما والله لولا إني أخاف أن تقول الناس قتل مسلما لقتلت ms097 هذا الشيخ ~~ومن معه، فإني أظن إنهم شياطين أرادوا الإفساد على هذه الأمة، وإيقاع ~~الفرقة بينها، فقال الأمير (ع): يا سلمان أما ترى كيف يظهر الله الحجة ~~لأوليائه وما يزيد ذلك قومنا إلا نفورا. # وكذلك كل واحد من الأئمة له مباحثات في عهده مع أهل الأديان الباطلة، ~~ويظهره الله عليهم فيفلجهم ويدفع شبهاتهم فيسلم لذلك بعضهم، ومن نظر ~~بالعيون وتفكر في مباحثات ثامن الأئمة (ع) في أصول الدين، وفي الإمامة لرأى ~~مالا عين رأت مثله ولا أذن سمعت شكله، والمأمون في عهد سلطنته جمع العلماء ~~من المسلمين وغيرهم للمناظرة مع الرضا (ع) بألسنة مختلفة وكلهم قطعهم الرضا ~~(ع) وكأنه هو الذي صار سبب حسد المأمون له إلى أن دس له السم، ولولا وجود ~~الأئمة (ع) لاختل أمر الدين من كثرة شبه المعاندين الذين يدخلون في الأذن ~~بغير أذن، ويستغوون ضعفاء العقول من العوام. وذكر جماعة من الخاصة وغيرهم ~~إن الناس في أيام الهادي (ع) أجدبوا وحصل القحط لقلة الغيث، فخرج ~~PageV00P128 # المسلمون يستسقون فما أمطروا، وخرج من بعدهم أهل الكتاب واستسقوا فبعث ~~الله المطر وخجل المسلمون لذلك وطالت ألسنة أهل الذمة عليهم، وصار توهين في ~~الدين فخشى الخليفة من الخلل على خلافته، واستشار من يثق به في كيفية ~~الاستظهار على أهل الكتاب، فأرشد إلى الهادي (ع) فاستغاث به بعد أن بعث له ~~وبأن الدين قد حصلت فيه ذلة ووهن، فقال الإمام الهادي (ع) له: مر أهل ~~الكتاب أن يخرجوا ثانيا ويستسقوا، فإذا خرجوا ورفعوا أيديهم إلى الدعاء ~~فعين رجلا أن يكون بالقرب من راهبهم فإذا رفع يده فليأخذ الشيء الذي، فإذا ~~أخذه فاليأمره بالدعاء، ففعل الخليفة ذلك، فلما رفع الراهب يده أخذ الرجل ~~الموظف من بين أصابعه عظما ثم قال له: أدعو فكلما دعا تقشع الغيم وانقطع ~~المطر فعاد كأنه يدعو الله بعدم المطر، فسأل الإمام (ع) فقال هذا عظم نبي ~~وكلما كشف إلى السماء هطلت وبعد أن دفن ذلك العظم خرج الإمام الهادي (ع) ~~بنفسه إلى الصحراء، فلما أصحر بالمسلمين ms098 دعى الله فانهملت السماء بالمطر ~~حتى جاءته الناس أفواجا يسألونه أن يدعو الله تعالى أن ينقطع المطر. # فظهر إن المراد من تعزيز الدين في وجود اثني عشر خليفة من هذه الأخبار ~~تقوية معاجز حضرة الرسالة وتأكدها ودفع شبهات الكفار لا تقويت السلطنة ~~الموجودة في زمن خلفاء الجور. # لا يقال: سلمنا إن المراد من العزة العزة المعنوية لكن النقض بزمن الغيبة ~~وعدم وجود من يدفع الشبهات باق بنفسه لا يدفع بما قلتم، والحال إن الأخبار ~~مصرحة بأن الدين عزيز بوجود الخلفاء الاثني عشر، PageV00P129 # فلا جرم أن يكون المراد من الأخبار أما ما نطقت به أهل السنة في تفسيرها ~~أو إنها من المتشابهات التي لا يفهم المراد منها. # لأنا نقول إن أمر الدين بسبب حضور الأئمة وبياناتهم الكافية الشافية كان ~~محكما لا ينوشه ضيم ولا رضنه، وإنهم (() فتحوا لنا باب قطع جميع الفرق، ورد ~~تشكيكاتهم ودفع شبهاتهم فلا يتم النقض بزمان الغيبة الكبرى، لأن وضوح أمر ~~الدين سد باب المناظرة والمباحثة، وعلى فرض عدم السد، فقد فتحوا الباب ~~للعلماء وأرشدوهم إلى سبيل قطع الشبهات بالعقل والنقل، فلا يستظهر المخالف ~~لهم عليهم أبدا، فيدفعوا منكر الربوبية ببراهينها، ومنكر النبوة بالمعجزات، ~~ويقطع منكرها بما أجاب الإمام الصادق (ع) لحبر من أحبار اليهود، فإنه نقض ~~عليه بإنكار معجزات موسى، فقال الحبر: إن ثقات الرواة أخبروا بها، فقال ~~الإمام (ع) وكذلك معجزات نبينا، فإن الثقاة أيضا أخبروا بها ورووها. # والحاصل بعد الاطلاع على ما ورد من الأئمة (ع) لا يكاد يتوقف العالم ~~الماهر في دفع شبهة من شبه أهل الضلال، وروى جماعة إن سعد بن عبد الله ~~القمي دخل على الحسن العسكري (ع)، وسأله عن أربعين مسألة من مشكلات المسائل ~~العلمية ومن جملتها إن إيمان بعض الصحابة كان كرها أو طوعا، والإمام أمره ~~أن يأخذ جواب جميع ذلك من الصاحب (عجل الله فرجه) وكان ابن سنتين، فأجابه ~~الإمام عن جميعها. PageV00P130 # وعن هشام بن الحكم إنه قال سألت الإمام الصادق (ع) عن خمسمائة مسألة من ~~مشكلات المسائل ms099 الكلامية، فأجاب عنها جميعا فقلت جعلت فداك يجب في الإمام ~~العلم بالفرائض والأحكام، فأخبرني هل يجب عليه الإحاطة بغيرها من سائر ~~العلوم عقلية أو نقلية، فقال الإمام (ع): أتظن يا هشام بأن الله تعالى يعين ~~للناس إماما وحجة وهو لا يعلم جميع ما تحتاج الخلق إليه من العلوم التي من ~~جملتها الإحاطة بجميع علوم الأنبياء والكتب المنزلة وجميع ما في القرآن ~~وجميع التفاسير والتأويلات. # وفي العيون إن أخبار اليهود والزنادقة وجميع فرق الأديان الباطلة تأتي ~~الإمام الرضا (ع) في شبهاتهم يسألونه أفواجا أفواجا ويمتحنونه، وهو (ع) ~~يفلجهم، وكل ذلك كان بتحريك المأمون، وكذا في عصر سائر الأئمة خصوصا ~~الصادقين (ع)، ولولا وجود الأئمة (ع) لم يبق للدين أثر، وقد تضمن حديث ~~الجاثليق إن إفحام ذوي الأديان الباطلة من المناظرين والملل الفاسدة يتوقف ~~على الإخبار عن الأمور الغيبية وآثار السماوات والأرضين التي لم تعلم للبشر ~~والكتب السماوية المنزلة بلغاتها المختلفة، ولابد أن يعلم ذلك الإمام، فإذا ~~أي عزة فوق هذه العزة، وهذا المعنى كان مستداما إلى زمان الغيبة الكبرى، ~~وبعد ما استغنى عن دفع الشبه في العقائد والمسائل الكلامية غاب الإمام (ع) ~~عن نظر الناس، ولكن نفعه العام وفيوضاته على الأنام آنا فآنا تتزايد وتعم ~~الناس من حيث لا يشعرون، ولم يرد على الدين مشكل أخر PageV00P131 # يحتاج فيه إلى ظهوره (عجل الله فرجه) لأن المشاكل كلها انحلت إما بالفعل ~~أو بالقوة. # والثاني باعتبار وجود العلماء المقتبسين من مشكاة الإمامة، فلو إن مبدعا ~~أو مجادلا ظهر في أصل المذهب تدفعه العلماء التي ارتشفت من بحر هاتيك ~~العلوم، فمن أدلة العقائد الصحيحة تقدر على دفع الشبهة فيها، ولو فرض وجود ~~شبهة والعياذ بالله لم تقدر على حلها علماء المسلمين في أصل الدين يلزم ~~عقلا على الإمام دفعها إما بالمباشرة أو بالتسبب، وهكذا لو بدت سائر فرق ~~المسلمين على الإمامية شبهة قوية لا تقدر الإمامية على حلها، فلا بد أن ~~يحلها الإمام (ع)، ومن الأمور المشاهدة إن الاستغاثة بالإمام الثاني عشر ~~(عجل الله فرجه) ms100 له الأثر التام في دفع المشكلات نوعية وشخصية كلية وجزئية، ~~وما وقع له (عجل الله فرجه) من المعجزات المرئية يضيق عنها نطاق القلم، وإن ~~صريح الأخبار المذكورة إن الإمام يرفع كل زيادة ونقيصة من المفسدين ~~والكذابين ويتدارك إصلاح أمر الدين لو ناشه ما يقتضي إفساده من المعاندين ~~فما المراد بالزيادة والنقيصة في الأخبار؟ وهذا المعنى هل ينافي الغيبة أم ~~لا؟. # فالجواب عن ذلك إن الظاهر من الزيادة والنقيصة أن تكون في العقائد لا ~~مطلقا، وبناء على ذلك محافظة الإمام (ع) للدين من الزيادة والنقصان بالمعنى ~~المتقدم لازم وهو حاصل، ويحتمل أن يراد بهما الاطلاق فتشمل فروع الدين ~~والأحكام العملية من الواجبات والمحرمات، وعلى هذا فيراد بالمحافظة ~~المحافظة في الجملة، أي ولو كانت في البعض دون البعض، ومن هنا إن بعض علماء ~~الإمامية لما فسروا PageV00P132 # أحاديث الزيادة والنقصان التي لا بد أن يتداركها الإمام (ع) بالأعم من ~~العقائد ذهبوا إلى إن حجية الإجماع من باب اللطف، وقالوا إن الأمة لو ~~اجتمعت على الخطأ أو أوقعوا في الضلالة يجب على الإمام (عجل الله فرجه) ~~إرشادهم إما بظهوره لهم أو بطرق أخرى يحصل بها الإرشاد عند الزيغ وإلا تبطل ~~فائدة وجود الإمام، وهذا الطريق وإن لم يكن مرض أكثر علمائنا المحققين لكن ~~بواسطة تلك الأخبار لا يمكن رد هذا الاحتمال، وتفصيله في الأصول. # ويحتمل ثالثا إن المراد من المحافظة المحافظة الشأنية ولو لم تصل إلى ~~الفعلية كما فسر أخبار عزة الشرع بذلك، القاضي وغيره من علمائنا، وملخص ذلك ~~إنه لا بد أن يكون في الأمة إمام من جانب الله تعالى يمكنه حفظ الدين من ~~الزيادة والنقيصة وإن عاقه عن ذلك ظلم الظالمين له، أو عاقه بعض المصالح ~~التي ترفع هذه المفسدة مثل غيبته أو عدم بسط يده، والمعنى الأول أقرب والله ~~العالم. # الحديث الثالث: - (حديث المنزلة) وهو متواتر عند الشيعة، ومروي عند أهل ~~السنة بل متواتر أيضا كما ستعرف، وممن رواه أحمد بن حنبل، قال إن رسول الله ~~(ص) لما خرج إلى تبوك ms101 في الغزو استخلف على المدينة المنورة عليا (ع)، فقال ~~له: ما كنت أحب أن تخرج في وجهة إلا وأنا معك، فقال أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) ورواه أيضا غيره من المحدثين ~~وشيوخ أهل السنة. # ودلالة هذا الحديث على خلافة حضرة الأمير (ع) صريحة جدا، لكن من علماء ~~أهل السنة من ناقش في دلالته بوجوه كلها موهونة منها PageV00P133 # إنه خبر واحد لم يبلغ درجة التواتر فلا يصلح الاستناد إليه في مثل ~~المفروض. # ورده بأن نقلة هذا الحديث هم نقلة الغدير السابق، وقد ثبت تواتره فهذا ~~مثله، ونقل من صاحب نهج الأيمان إنه بعد أن صرح بتواتره قال: هذا حديث بين ~~ظاهر لا يحتاج إلى الإثبات، ذكره البخاري وأبو داود والترمذي في صحاحها، ~~وذكر في الجمع بين الصحيحين، والجامع بين الصحاح الست، وذكره أيضا ابن عقدة ~~وأبو نصر الحربي والخطيب والعسكري وابن المغازلي في العقد والتحقيق ~~والتاريخ والفضائل والمناقب من كتبهم. # وبعضهم رواه بطرق متعددة كالأول فإنه رواه بعشر طرق، وأما ما انتهت إليهم ~~رواية هذا الحديث عن النبي (ص) فهم جماعة منهم عبد الله بن مسعود وسعد بن ~~أبي وقاص وعبد الله بن عباس وجابر الأنصاري وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري ~~وجابر بن سمرة وبراء بن عازب وزيد بن أرقم، وأبو رافع مولى رسول الله (ص) ~~وعبد الله بن وافى وأنس بن مالك وأبو برده الأسلمي، وأبو أيوب الأنصاري ~~وعقيل بن أبي طالب ومعاوية وأم سلمه وأسماء بنت عميس وسعيد بن المسيب ومحمد ~~بن علي بن الحسين فإن كل هؤلاء النفر رووا هذا الحديث عن رسول الله (ص) قال ~~بعض المتبحرين إن كل واحد من هؤلاء الجماعة كألف. # أقول قد ذكرنا سابقا إن المناط في صحة الاستدلال على قطعية الحديث لا ~~ينحصر بالتواتر، فلو سلمنا عدم تواتره فالقرائن القطعية من PageV00P134 # جهة التعاضد، ورواية أهل السنة له تفيد القطع بالصدور، وفي خبر الجاثليق ~~الذي صححناه إن الأمير (ع) قال: أنا من النبي (ص) ms102 بمنزلة هارون من موسى ~~وشمعون من عيسى، ولو فرض عدم قطعية هذا الحديث أيضا يلزم أهل السنة قبوله، ~~لأن مسألة الإمامة بناء على مذهبهم هي من فروع الدين، والخبر الواحد حجة في ~~الفروع بالإجماع فلا ينفع منع التواتر. # ومنها ما عن سعد الدين من منع عموم المنزلة نظرا إلى انقطاع الاستثناء ~~والمنقطع منه لا يقضي بعموم المستثنى منه. # وأجيب بعدم كونه منقطعا بل هو بمنزلة إلا النبوة فيكون منفصلا، ولا يقضي ~~بعموم المستثنى منه. # يقول المؤلف إنه لا فرق بين إلا إنه لا نبي بعدي أو إلا النبوة من جهة ~~اتصال الاستثناء أو انقطاعه بل إلا النبوة أنسب بكونه منقطعا كما لا يخفى. # والجواب الصحيح عن هذه المناقشة إن دلالة منقطع الاستثناء على العموم ~~أقوى من متصلة، لأن مطلق الاستثناء من علائم العموم، ولم يفرق بين ~~الاستثنائين أحد، بل هو في المنقطع أأكد، لأن قولنا جاء القوم إلا حمارا، ~~بحسب متعارف العرف نص في عموم القوم، وعدم تخلف أحد منهم في المجيء، والحال ~~إن الاستثناء بالنسبة إلى حمارهم لا أنفسهم، ومثله (لا يذوقون فيها الموت ~~إلا الموتة الأولى)، بخلاف ما جاءني القوم إلا زيد، فإن دلالته على عموم ~~عدم المجيء لغير المستثنى لا يكون إلا بملاحظة عموم لفظ القوم، وأيضا لو ~~سلمنا الانقطاع في الاستثناء، وسلمنا مماشاة للخصم بعدم دلالته على العموم ~~لكنه قطعا لا يقضي بعدم العموم. غاية PageV00P135 # ما في الباب أن يكون الحديث نظير التراب بمنزلة الماء وغيرها، ومن ~~الموارد المذكور فيها المنزلة بلا تعقب الاستثناء، ومن المحقق في الأصول ~~ثبوت عموم المنزلة إن لم يكن اللفظ منصرفا إلى بعض الأفراد لظهوره أو ~~لقرائن أخرى لفظية أو غيرها بحيث تمنع العموم الحكمي بالنسبة إلى الفرد غير ~~ظاهر، ومن المعلوم إن التصرف في أمور الأمة إما أن يكون مسلوبا لباقي شؤون ~~هارون، أو إنه أظهر أفراد شؤونه وخواصه فالتصرف المذكور لا بد وأن يكون ~~مرادا على فرض العموم وعدمه. سلمنا عدم عموم المنزلة والقول بإجمال تنزيل ~~شئ مقام شئ ms103 في العموم والخصوص لكن الآية (واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون ~~أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري (عن لسان كليم الله ظاهرة في إرادة ~~الاشتراك في النبوة وتبليغ الرسالة، والتصرف في أمور الأمة، وغير هذه ~~المناصب لم يكن مذكورا في الآية الشريفة مما هو من شؤون هارون وأوصافه كي ~~يكون في تنزيل على منزلته ناظرا إلى تلك الصفة وحينئذ لا يراد من التنزيل ~~في الحديث إلا المشاركة في أمر النبوة. # ومنها إن الفخر الرازي نقل في أربعينه إن التنزيل منزلة هارون لا يقضي ~~الزيادة على هارون إذ غاية ما يدل عليه إن الأمير (ع) كهارون، ومعلوم إن ~~الثابت لهارون هو الشركة في النبوة والخلافة في حياة موسى (ع) لأنه مات ~~قبله ومن أين يعلم إن هارون لو لم يمت وبقى خلف موسى كان وصيه وخليفته ~~بعده، فعسى أن يكون له الاستقلال في النبوة، ولربما نسخ شريعة موسى ولا نقص ~~على هارون إذا لم يتصرف في أمور الأمة بعد أخيه من جهة الاستخلاف، بل إذا ~~كان PageV00P136 # تصرفه بالاستقلال كان أرفع لشأنه لأن النبي أشرف من الإمام، بل لو لم ~~يتصرف أبدا لا نقص في ذلك عليه ويكون حاله حال أوصياء عيسى لما عزلوا في ~~نبوة نبينا (ص). # وأجاب عن ذلك بعض علماءنا المتبحرين إن مناط الآية ثبوت منصب التصرف في ~~الأمة لهارون وهو أعم من أن يكون بالاستقلال أو لجهة الاستخلاف، وثبوت هذا ~~المنصب يستلزم خلافته ورياسته على الأمة لو بقي بعد أخيه وحينئذ هذا المنصب ~~على عمومه بعد موت موسى (ع) لأخيه هارون ثابت ولو كان على جهة الاستقلال، ~~وهو عين مفاد الآية ومقتضى حديث المنزلة بثبوت مثل هذا المنصب لعلي (ع)، ~~لكن حيث إن النبي خاتم الأنبياء بالبديهة فلا بد من تحقق المنصب المذكور في ~~ضمن الخلافة وإلا لا تكون منزلة علي مثل منزلة هارون، والحال إن الحديث ~~صريح بالمماثلة. # أقول هذا الجواب غير مرضي عندي في رد الفخر الرازي، لأن مفاد الآية ~~بملاحظة موت هارون قبل موسى ms104 (ع) هو الشركة في النبوة لا الاستقلال في ~~التصرف، والمشاركة المزبورة ثبتت لعلي من حيث استخلافه على المدينة في ~~الغزوة المرقومة فمن أين ثبت له الاستقلال؟ والحال إنه لم يثبت لهارون. # فلتحقيق في الجواب: - إن وجه الشبه هو الشركة في النبوة والتصرف في أمر ~~الأمة لا كيفية الشركة، ومن البين إنه لا يلزم في الشركة اجتماع حقوق ~~المشاركين في زمان واحد، بل يختلف الزمان باختلاف موارد الشركة وأسبابها، ~~فقد تجتمع في زمان واحد ولازم ذلك في الأملاك الإشاعة مثل اجتماع حقوق ~~الوارث في التركة، وفي التصرفات نفوذ PageV00P137 # تصرف كل واحد من الشريكين إما بالاستقلال مثل الأب والجد أو بانضمام ~~الآخر إليه فيما عداهما وقد تكون في زمانين على الترتيب وهو في الأملاك ~~نظير الوقف الترتيبي، وفي التصرفات نظير سلطنة الوصي بالنسبة إلى سلطنة ~~الموصي، وفي كل هذه الموارد الشركة ثابتة، ولما كان صريح الكتاب المجيد ~~مشاركة هارون لموسى (ع) في النبوة والتصرف في أمر الأمة فلا جرم أن يكون ~~عليا شريك للنبي (ص) في تبليغ الشرع ورجوع الأمة إليه فيما يحتاجون، ويثبت ~~ذلك بحديث المنزلة، ولا يضر اختلاف الكيفية فإن اختلاف الخصوصيات لا يرفع ~~أصل الشركة، لكن يبقى في المقام إن ذلك كله لا يرفع إيراد الروزبهاني على ~~الدليل المذكور ويحتاج دفعه إلى جواب أخر وملخص المناقشة، إن الحديث مهمل ~~مجمل بالنسبة إلى الشركتين، كما إنه غير صريح بالشركة في زمان واحد، كذلك ~~لا صراحة فيه ولا نصوصية على الشركة الترتيبية المفيدة في المقام، فيمكن أن ~~تكون الشركة مثل هارون وموسى ويمكن أن تكون مثل الوصي والموصي، وبعد حمل ~~الحديث على بيان أصل الشركة تبقى الكيفية مسكوتا عنها فيه، فإرادة خصوص ~~الشركة الترتيبية تحتاج إلى قرينة مفقودة فيه إن لم تكن القرينة فيه ظاهرة ~~على غيرها، فقد ادعى إن قرينة المسافرة والمماثلة من حيث أن خلفه موسى (ع) ~~في قومه لما مضى إلى الطور تقتضي بأن مشاركة علي (ع) للنبي (ص) في خصوص ~~زمان غيبته إلى تبوك لا مطلقا حتى ms105 بعد فقده، وإن اختلفا في إن استخلاف ~~هارون في زمان محدود بخلاف استخلاف علي (ع) فإن هذا الاختلاف لا يقتضي ~~بترتيبه الاستخلاف. PageV00P138 # ودفع هذه الشبهة بأن هذا الحديث لم يختص بغزوة تبوك فقط كما ذكره أحمد بن ~~حنبل، بل قال ذلك في مقامات عديدة وموارد متكثرة. # ... إلى هنا جف قلم شيخنا الأجل الشيخ عباس كاشف الغطاء (رحمه الله). ~~والله الهادي إلى الصواب. # والحمد لله أولا وأخرا والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد ~~الله وآله الطاهرين. PageV00P139 ms106