######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006392 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد عبده بن حسن خير الله (المتوفى: 1323هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1323 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسالة التوحيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006392 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6392 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6392 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك ~~نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين # وبعد فلما كنت في بيروت من أعمال سورية أيام بعدى عن مصر عقب حوادث سنة ~~1299 هجرية ودعيت في سنة 1303 إلى تدريس بعض العلوم في المدرسة السلطانية ~~ومنها كان علم التوحيد رأيت أن المختصرات في هذا الفن ربما لا تأتى على ~~الغرض من إفادة التلامذة والمطولات تعلوعلى أفهامهم والمتوسطات ألفت لزمن ~~غير زمانهم فرأيت من الأليق أن أملى عليهم ما هو أمس بحالهم فكانت آمالى ~~مختلفة تتغاير بتغاير طبقاتهم أقربها إلى كفاية الطالب ما أملى على الفرقة ~~الأولى في أسلوب لا يصعب تناوله وإن لم يعهد تداوله تمهيد ### | مقدمات # وسير منها إلى المطالب من غير نظر إلا إلى صحة الدليل وإن جاء في التعبير ~~على خلاف ما عهد من هيئة التأليف راميا إلى الخلاف من مكان بعيد حتى ربما ~~لا يدركه إلا الرجل الرشيد غير أن تلك الأمالى لم تحفظ إلا في دفاتر ~~التلامذة ولم أستبق لنفسى منها شيئا وعرض بعد ذلك ما استقدمنى إلى مصر وكان ~~من تقدير الله أن أشتغل بغير التعليم حتى أتى النسيان على ما أمليت وذهب عن ~~الخاطر جميع ما القيت إلى أن خطر لى من مدة أشهر خاطر العود إلى ما تهواه ~~نفسى ويصبو إليه عقلى وحسى وأن أشغل أوقات فراغى بمدارسة شيء من علم ~~التوحيد علما منى أنه ركن العلم الشديد فذكرت سابق العمل وتعلق بمثله الأمل ~~وعزمت أن أكتب إلى بعض التلامذة ليرسل إلى ما تلقاه بين يدى لكيلا أنفق من ~~الزمن ما أنا في أشد الحاجة إليه في إنشاء ما أرى التعويل عليه وذكرت ذلك ~~لأخى فأخبرنى أنه نسخ ما أملى على الفرقة الأولى # PageV01P003 # فطلبته وقرأته فإذا هو قريب مما أحب قد يحتاج إليه القاصر وربما لا ~~يستغنى عنه المكاثر على اختصار فيه مقصود ووقوف عند حد من القول محدود قد ms001 ~~سلك في العقائد مسلك السلف ولم يعب في سيره آراء الخلف وبعد عن الخلاف بين ~~المذاهب بعد ممليه عن أعاصير المشاغب ولكن وجدت فيه إيجازا في بعض المواضع ~~ربما لا ينفذ منه ذهن المطالع وإغفالا لبعض ما تمس الحاجة إليه وزيادة عما ~~يجب في مختصر مثله أن يقتصر عليه فبسطت بعض عباراته وحررت ما غمض من ~~مقدماته وزدت ما أغفل وحذفت ما فضل وتوكلت على الله في نشره راجيا أن لا ~~يكون في قصره ما يحمل على إغفال أمره أو يغض من قدره فما من أحد بدون أن ~~يعين ولا بفوق أن يعان والله وحده ولى الأمر وهو المستعان # PageV01P004 # مقدمات # التوحيد علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات وما يجوز ~~أن يوصف به وما يجب أن ينفى عنه وعن الرسل لإثبات رسالتهم وما يجب أن ~~يكونوا عليه وما يجوز أن ينسب إليهم وما يمتنع أن يلحق بهم # أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له وسمى هذا العلم به ~~تسمية له بأهم أجزائه وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان ~~وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد وهذا المطلب كان الغاية العظمى من ~~بعثة النبى صلى الله عليه وسلم كما تشهد به آيات الكتاب العزيز وسيأتى ~~بيانه # وقد يسمى علم الكلام إما لأن أشهر مسألة وقع فيها الخلاف بين علماء ~~القرون الأولى هي أن كلام الله المتلو حادث أو قديم وإما لأن مبناه الدليل ~~العقلى وأثره يظهر من كل متكلم في كلامه وقلما يرجع فيه إلى النقل اللهم ~~إلا بعد تقرير الأصول الأولى ثم الانتقال منها إلى ما هو أشبه بالفرع عنها ~~وإن كان أصلا لما يأتى بعدها وإما لأنه في بيانه طرق الاستدلال على أصول ~~الدين أشبه بالمنطق في تبيينه مسالك الحجة في علوم أهل النظر وأبدل المنطق ~~بالكلام للتفرقة بينهما # هذا النوع من العلم علم تقرير العقائد وبيان ما جاء في النبوات كان ~~معروفا عند الأمم ms002 قبل الإسلام ففى كل أمة كان القائمون بأمر الدين يعملون ~~لحفظه وتأييده وكان البيان من أول وسائلهم إلى ذلك لكنهم كانوا قلما ينحون ~~في بيانهم نحو الدليل العقلى وبناء آرائهم وعقائدهم على ما في طبيعة الوجود ~~أو ما يشتمل عليه نظام الكون بل كانت منازع العقول في العلم ومضارب الدين ~~في الإلزام بالعقائد وتقريبها من مشاعر القلوب على طرفى نقيض وكثيرا ما صرح ~~الدين على لسان رؤسائه أنه عدو العقل نتائجه و ### | مقدمات # ه # PageV01P005 # فكان جل ما في علوم الكلام تأويل وتفسير وإدهاش بالمعجزات أو إلهاء ~~بالخيالات يعلم ذلك من له إلمام بأحوال الأمم قبل البعثة الإسلامية # جاء القرآن فنهج بالدين منهجا لم يكن عليه ما سبقه من الكتب المقدسة ~~منهجا يمكن لأهل الزمن الذى أنزل فيه ولمن يأتى بعدهم أن يقوموا عليه فلم ~~يقصر الاستدلال على نبوة النبى صلى الله عليه وسلم بما عهد الاستدلال به ~~على النبوات السابقة بل جعل الدليل في حال النبى مع نزول الكتاب عليه في ~~شأن من البلاغة يعجز البلغاء عن محاكاته فيه ولو في مثل أقصر سورة منه وقص ~~علينا من صفات الله ما أذن الله لنا أو ما أوجب علينا أن نعلم لكن لم يطلب ~~التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته ولكنه أقام الدعوى وبرهن وحكى مذاهب ~~المخالفين وكر عليها بالحجة وخاطب العقل واستنهض الفكر وعرض نظام الأكوان ~~وما فيها من الأحكام والأتقان على أنظار العقول وطالبها بالإمعان فيها لتصل ~~بذلك إلى اليقين بصحة ما أدعاه ودعا إليه حتى أنه في سياق قصص أحوال ~~السابقين كان يقرر للخلق سنة لا تغير وقاعدة لا تتبدل فقال سنة الله التى ~~خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وصرح {إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم} {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} ~~واعتضد بالدليل حتى في باب الأدب فقال {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وتآخى العقل والدين لأول مرة في ms003 كتاب مقدس على ~~لسان نبى مرسل بتصريح لا يقبل التأويل # وتقرر بين المسلمين كافة إلا من لاثقة بعقله ولا بدينه أن من قضايا الدين ~~مالا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل كالعلم بوجود الله وبقدرته على ~~إرسال الرسل وعلمه بما يوحى به إليهم وإرادته لاختصاصهم برسالته وما يتبع ~~ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة وكالتصديق بالرسالة نفسها كما أجمعوا ~~على أن الدين إن جاء بشىء قد يعلو عن الفهم فلا يمكن أن يأتى بما يستحيل ~~عند العقل # جاء القرآن يصف الله بصفات وإن كانت أقرب إلى التنزيه مما وصف # PageV01P006 # به في مخاطبات الأجيال السابقة فمن صفات البشر ما يشاركها في الإسم أو فى ~~الجنس كالقدرة والاختيار والسمع والبصر وعزا إليه أمورا يوجد ما يشبهها في ~~الإنسان كالاستواء على العرش وكالوجه واليدين ثم أفاض في القضاء السابق وفى ~~الاختيار الممنوح للإنسان وجادل الغالين من أهل المذهبين ثم جاء بالوعد ~~والوعيد على الحسنات والسيئات ووكل الأمر في الثواب والعقاب إلى مشيئة الله ~~وأمثال ذلك مما لا حاجة إلى بيانه في هذه المقدمة # فأعتبار حكم العقل مع ورود أمثال هذه المشابهات في النقل فسح مجالا ~~للناظرين خصوصا ودعوة الدين إلى الفكر في المخلوقات لم تكن محدودة بحد ولا ~~مشروطة بشرط للعلم بأن كل نظر صحيح فهو مؤد إلى الاعتقاد بالله على ما وصفه ~~بلا غلو في التجريد ولا دنو من التحديد # مضى زمن النبى صلى الله عليه وسلم وهو المرجع في الحيرة والسراج في ظلمات ~~الشبهة وقضى الخليفتان بعده ما قدر لهما من العمر في مدافعة الأعداء وجمع ~~كلمة الأولياء ولم يكن للناس من الفراغ ما يخلون فيه مع عقولهم ليبتلوها ~~بالبحث في مبانى عقائدهم وما كان من اختلاف قليل رد إليهما وقضى الأمر فيه ~~بحكمهما بعد استشارة من جاورهما من أهل البصر بالدين إن كانت حاجة إلى ~~الاستشارة وأغلب الخلاف كان في فروع الأحكام لا فى أصول العقائد ثم كان ~~الناس في الزمنين يفهمون إشارات الكتاب ونصوصه ويعتقدون بالتنزيه ويفوضون ms004 ~~فيما يوهم التشبيه ولا يذهبون وراء ما يفهمه ظاهر اللفظ # كان الأمر على ذلك إلى أن حدث ما حدث في عهد الخليفة الثالث وأفضى إلى ~~قتله هوى بتلك الأحداث ركن عظيم من هيكل الخلافة واصطدام الإسلام وأهله ~~صدمة زحزحتهم عن الطريق التى استقاموا عليها وبقى القرآن قائما على صراطه ~~{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وفتح للناس باب لتعدى الحدود التى ~~حدها الدين فقد قتل الخليفة بدون حكم شرعى وأشعر الأمر قلوب العامة أن ~~شهوات تلاعبت بالعقول في أنفس من لم يملك الإيمان قلوبهم وغلب الغضب على ~~كثير من الغالين في دينهم وتغلب هؤلاء وأولئك على أهل الأصالة منهم فقضيت ~~أمور غير ما يحبون # PageV01P007 # وكان من العاملين في تلك الفتنة عبد الله بن سبأ يهودى أسلم وغلا في حب ~~على كرم الله وجهه حتى زعم أن الله حل فيه وأخذ يدعو إلى أنه الأحق ~~بالخلافة وطعن على عثمان فنفاه فذهب إلى البصرة وبث فيها فتنته فأخرج منها ~~فذهب إلى الكوفة ونفث ما نفث من سم الفتنة فنفى منها فذهب إلى الشام فلم ~~يجد فيها ما يريد فذهب إلى مصر فوجد فيها أعوانا على فتنته إلى أن كان ما ~~كان مما ذكرناه ثم ظهر بمذهبه فى عهد على فنفاه إلى المدائن وكان رأيه ~~جرثومة لما حدث من مذاهب الغلاة من بعده # توالت الأحداث بعد ذلك ونقض بعض المبايعين للخليفة الرابع ما عقدوا وكانت ~~حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الأمويين غير أن بناء ~~الجماعة قد انصدع وانفصمت عرى الوحدة بينهم وتفرقت بهم المذاهب في الخلافة ~~وأخذت الأحزاب في تأييد آرائهم كل ينصر رأيه على رأى خصمه بالقول والعمل ~~وكانت نشأة الاختراع في الرواية والتأويل وغلا كل قبيل فافترق الناس إلى ~~شيعة وخوارج ومعتدلين وغلا الخوارج فكفروا من عداهم ثم استمر عنادهم وطلبهم ~~لحكومة أشبه بالجمهورية وتكفيرهم لمن خالفهم زمنا طويلا إلى أن اتضعضع ~~أمرهم بعد حروب أكلت كثيرا من المسلمين وانتشرت فأرتهم في أطراف البلاد ولم ~~يكفوا عن ms005 شعال الفتن وبقيت منهم بقية إلى اليوم في أطراف أفريقيا وناحية من ~~جزيرة العرب وغلا بعض الشيعة فرفعوا عليا أو بعض ذريته إلى مقام الألوهية ~~أو ما يقرب منه وتبع ذلك خلاف في كثير من العقائد # غير أن شيئا من ذلك لم يقف في سبيل الدعوة الإسلامية ولم يحجب ضياء ~~القرآن عن الأطراف المتسائية عن مثار النزاع وكان الناس يدخلون فيه أفواجا ~~من الفرس والسوريين ومن جاورهم والمصريين والإفريقيين ومن يليهم واستراح ~~جمهور عظيم من العمل في الدفاع عن سلطان الإسلام وآن لهم أن يشتغلوا في ~~اصول العقائد والأحكام بما هداهم إليه سير القرآن اشتغالا بحرص فيه على ~~النقل ولا يهمل فيه اعتبار العقل ولا يغض فيه من نظر الفكر # PageV01P008 # ووجد من أهل الإخلاص من انتدب للنظر في العلم والقيام بفريضة التعليم ومن ~~أشهرهم الحسن البصرى فكان له مجلس للتعليم والإفادة في البصرة يجتمع إليه ~~الطالبون من كل صوب وتمتحن فيه المسائل من كل نوع وكان قد التحف بالإسلام ~~ولم يتبطنه أناس من كل ملة دخلوه حاملين لما كان عندهم راغبين أن يصلوا ~~بينه وبين ما وجدوه فثارت الشبهات بعدما هبت على الناس أعاصير الفتن واعتمد ~~كل ناظر على ما صرح به القرآن من إطلاق العنان للفكر وشارك الدخلاء من حق ~~لهم السبق من العرفاء وبدت رءوس المشاقين تعلو بين المسلمين # وكانت أول مسألة ظهر الخلاف فيها مسألة الأختيار واستقلال الإنسان ~~بإرادته وأفعاله الأختيارية ومسألة من ارتكب الكبيرة ولم يتب اختلف فيها ~~وأصل بن عطاء وأستاذه الحسن البصرى واعتزله يعلم أصولا لم يكن أخذها عنه ~~غير أن كثيرا من السلف ومنهم الحسن على قول كان على رأى أن العبد مختار في ~~أعماله الصادرة عن علمه وإرادته وقام ينازع هؤلاء أهل الجبر الذين ذهبوا ~~إلى أن الإنسان في عمله الإرادى كأغصان الشجرة في حركاتها الأضطرارية كل ~~ذلك وأرباب السلطان من بنى مروان لا يحفلون بالأمر ولا يعنون برد الناس إلى ~~أصل وجمعهم على أمر يشملهم ثم يذهب كل إلى ما شاء ms006 سوى أن عمر بن عبد العزيز ~~أمر الزهرى بتدوين ما وصل إليه من الحديث وهو أول من جمع الحديث # ثم لم يقف الخلاف عند المسألتين السابقتين بل امتد إلى إثبات صفات ~~المعانى للذات الإلهية أو نفيها عنها وإلى تقرير سلطة العقل في معرفة جميع ~~الأحكام الدينية حتى ما كان منها فروعا وعبادات غلوا في تأييد خطة القرآن ~~أو تخصيص تلك السلطة بالأصول الأولى على ما سبق بيانه ثم غالى آخرون وهم ~~الأقلون فمحوها بالمرة وخالفوا في ذلك طريقة الكتاب عنادا للأولين وكانت ~~الآراء في الخلفاء والخلافة تسير مع الآراء في العقائد كأنها مبنى من مبانى ~~الاعتقاد الإسلامى # PageV01P009 # تفرقت السبل باتباع واصل وتناولوا من كتب اليونان مالاق بعقولهم وظنوا من ~~التقوى أن تؤيد العقائد بما أثبته العلم بدون تفرقة بين ما كان منه راجعا ~~إلى أوليات العقل وما كان سرابا في نظر الوهم فخلطوا بمعارف الدين مالا ~~ينطبق على أصل من أصول النظر ولجوا في ذلك حتى صارت شيعهم تعد بالعشرات ~~أيدتهم الدولة العباسية وهي في ريعان القوة فغلب رأيهم وابتدأ علماؤهم ~~يؤلفون الكتب فأخذ المتمسكون بمذاهب السلف يناضلونهم معتصمين بقوة اليقين ~~وإن لم يكن لهم عضد من الحاكمين # عرف الأولون من العباسيين ما كان من الفرس في إقامة دولتهم وقلب دولة ~~الأمويين واعتمدوا على طلب الأنصار فيهم وأعدوا لهم منصات الرفعة بين ~~وزرائهم وحواشيهم فعلا أمر كثير منهم وهم ليسوا من الدين في شيء وكان فيهم ~~المانوية واليزدية ومن لادين له وغير أولئك من الفرق الفارسية فأخذوا ~~ينفثون من أفكارهم ويشيرون بحالهم وبمقالهم إلى من يرى مثل آرائهم أن ~~يقتدوا بهم فظهر الإلحاد وتطلعت رءوس الزندقة حتى صدر أمر المنصور بوضع كتب ~~لكشف شبهاتهم وإبطال مزاعمهم # فيما حوالى هذا العهد كانت نشأة هذا العلم نبتا لم يتكامل نموه وبناء لم ~~يتشامخ علوه وبدأ علم الكلام كما انتهى مشوبا بمبادىء النظر في الكائنات ~~جريا على ما سنه القرآن من ذلك # وحدثت فتنة القول بخلق القرآن أو أزليته وانتصر للأول جمع من ms007 خلفاء ~~العباسيين وأمسك عن القول أو صرح بالأزلية عدد غفير من المتمسكين بظواهر ~~الكتاب والسنة أو المتعففين عن النطق بما فيه مجاراة البدعة وأهين في ذلك ~~رجال من أهل العلم والتقوى وسفكت فيه دماء بغير حق وهكذا تعدى القوم حدود ~~الدين باسم الدين # على هذا كان النزاع بين ما تطرف من نظر العقل وما توسط أو غلا من ~~الإستمساك بظاهر الشرع والكل على وفاق على أن الأحكام الدينية واجبة # PageV01P010 # الإتباع ما تعلق منها بالعبادات والمعاملات وجب الوقوف عنده وما مس بواطن ~~القلوب وملكات النفوس فرض توطين النفس عليه وكان وراء هؤلاء قوم من أهل ~~الحلول أو الدهريين طلبوا أن يحملوا القرآن على ما حملوه عند التحاقهم ~~بالإسلام وأفرطوا في التأويل وحولوا كل عمل ظاهر إلى سر باطن وفسروا الكتاب ~~بما يبعد عن تناول الخطاب بعد الخطأ عن الصواب وعرفوا بالباطنية أو ~~الإسماعيلية ولهم أسماء أخر تعرف في التاريخ فكانت مذاهبهم غائلة الدين ~~وزلزال اليقين وكانت لهم فتن معروفة وحوادث مشهورة # مع اتفاق السلف وخصومهم في مقارعة هؤلاء الزنادقة وأشياعهم كان أمر ~~الخلاف بينهم جللا وكانت الأيام بينهم دولا ولا يمنع ذلك من أخذ بعضهم عن ~~بعض واستفادة كل فريق من صاحبه إلى أن جاء الشيخ أبو الحسن الأشعرى في ~~أوائل القرن الرابع وسلك مسلكه المعروف وسطا بين موقف السلف وتطرف من ~~خالفهم وأخذ يقرر العقائد على أصول النظر وارتاب في أمره الأولون وطعن كثير ~~منهم على عقيدته وكفره الحنابلة واستباحوا دمه # ونصره جماعة من أكابر العلماء كأبى بكر الباقلانى وإمام الحرمين ~~والإسفراينى وغيرهم وسموا رأيه بمذهب أهل السنة والجماعة فانهزم من بين ~~أيدى هؤلاء الأفاضل قوتان عظيمتان قوة الواقفين عند الظواهر وقوة الغالين ~~في الجرى خلف ما تزينه الخواطر ولم يبق من أولئك وهؤلاء بعد نحو من قرنين ~~إلا فئات قليلة في أطراف البلاد الإسلامية # غير أن الناصرين لمذهب الأشعرى بعد تقريرهم ما بنى رأيه عليه من نواميس ~~الكون أوجبوا على المعتقد أن يوقن بتلك المقدمات ونتائجها كما يجب عليه ms008 ~~اليقين بما تؤدى إليه من عقائد الإيمان ذهابا منهم إلى أن عدم الدليل يؤدى ~~إلى عدم المدلول ومضى الأمر على ذلك إلى أن جاء الإمام الغزالى والإمام ~~الرازى ومن أخذ مأخذهما فخالفوهم في ذلك وقرروا أن دليلا واحدا # PageV01P011 # أو أدلة كثيرة قد يظهر بطلانها ولكن قد يستدل على المطلوب بما هو أقوى ~~منها فلا وجه للحجز في الإستدلال # أما مذاهب الفلسفة فكانت تستمد آراءها من الفكر المحض ولم يكن من هم أهل ~~النظر من الفلاسفة إلا تحصيل العلم والوفاء بما تندفع إليه رغبة العقل من ~~كشف مجهول أو استسكناه معقول وكان يمكنهم أن يبلغوا من مطالبهم ما شاءوا ~~وكان الجمهور من أهل الدين يكنفهم بحمايته ويدع لهم من إطلاق الإرادة ما ~~يتمتعون به في تحصيل لذة عقولهم وإفادة الصناعة وتقوية أركان النظام البشرى ~~بما يكشفون من مساتير الأسرار المكنونة في ضمائر الكون فما أباح الله لنا ~~أن نتناوله بعقولنا وأفكارنا في قوله {خلق لكم ما في الأرض جميعا} إذ لم ~~يستثن من ذلك ظاهرا ولا خفيا وما كان عاقل من عقلاء المسلمين ليأخذ عليهم ~~الطريق أو يضع العقبات في سبيلهم إلى ما هدوا إليه بعد ما رفع القرآن من ~~شأن العقل وما وضعه من المكانة بحيث ينتهي إليه أمر السعادة والتمييز بين ~~الحق والباطل والضار والنافع وبعد ما صح من قوله عليه السلام أنتم أعلم ~~بشئون دنياكم وبعد ماسن لنا في غزوة بدر من سنة الأخذ بما صدق من التجارب ~~وصح من الآراء # لكن يظهر أن أمرين غلبا على غالبهم الأول الإعجاب بما نقل إليهم عن ~~فلاسفة اليونان خصوصا أرسطو وأفلاطون ووجدان اللذة في تقليدهما لبادىء ~~الأمر والثانى الشهوة الغالبة على الناس في ذلك الوقت وهو أشأم الأمرين ~~زجوا بأنفسهم في المنازعات التى كانت قائمة بين أهل النظر في الدين ~~واصطدموا بعلومهم في قلة عددهم مع ما انطبعت عليه نفوس الكافة فمال حماة ~~العقائد عليهم وجاء الغزالى ومن على طريقته فأخذوا جميع ما وجد في كتب ~~الفلاسفة مما يتعلق بالإلهيات ms009 وما يتصل بها من الأمور العامة وأحكام ~~الجواهر والأعراض ومذاهبهم في المادة وتركيب الأجسام وجميع ما ظنه ~~المشتغلون بالكلام يمس شيئا من مبانى الدين واشتدوا في نقده وبالغ ~~المتأخرون منهم # PageV01P012 # في تأثرهم حتى كاد يصل بهم السير إلى ما وراء الإعتدال فسقطت منزلتهم من ~~النفوس ونبذتهم العامة ولم تحفل بهم الخاصة وذهب الزمان بما كان ينتظر ~~العالم الإسلامى من سعيهم # هذا هو السبب في خلط مسائل الكلام بمذاهب الفلسفة في كتب المتأخرين كما ~~تراه في كتب البيضاوى والعضد وغيرهم وجمع علوم نظرية شتى وجعلها جميعا علما ~~واحدا والذهاب بمقدماته ومباحثه إلى ما هو أقرب إلى التقليد من النظر فوقف ~~العلم عن التقدم # ثم جاءت فتن طلاب الملك من الأجيال المختلفة وتغلب الجهال على الأمر ~~وفتكوا بما بقى من أثر العلم النظرى النابع من عيون الدين الإسلامى فانحرفت ~~الطريق بسالكيها ولم يعد بين الناظرين في كتب السابقين إلا تحاور في ~~الألفاظ أو تناظر في الأساليب على أن ذلك في قليل من الكتب أختارها الضعف ~~وفضلها القصور # ثم انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين تحت حماية الجهلة من ساستهم فجاء ~~قوم ظنوا في أنفسهم مالم يعترف به العلم لهم فوضعوا مالم يعد للإسلام قبل ~~باحتماله غير أنهم وجدوا من نقص المعارف أنصارا ومن البعد عن ينابيع الدين ~~أعوانا فشردوا بالعقول عن مواطنها وتحكموا في التضليل والتكفير وغلوا في ~~ذلك حتى قلدوا بعض من سبق من الأمم في دعوى العداوة بين العلم والدين ~~وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب هذا حلال وهذا حرام وهذا كفر وهذا إسلام ~~والدين من وراء ما يتوهمون والله جل شأنه فوق ما يظنون وما يصفون ولكن ماذا ~~أصاب العامة في عقائدهم ومصادر أعمالهم من أنفسهم بعد طول الخبط وكثرة ~~الخلط شر عظيم وخطب عميم # هذا مجمل من تاريخ هذا العلم ينبئك كيف أسس على قواعد من الكتاب المبين ~~وكيف عبثت به في نهاية الأمر أيدى المفرقين حتى خرجوا به عن قصده وبعدوا به ~~عن حده # والذى علينا اعتقاده أن الدين ms010 الإسلامى دين توحيد في العقائد لا دين ~~تفريق في القواعد العقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه وما وراء # PageV01P013 # ذلك فنزغات شياطين وشهوات سلاطين والقرآن شاهد على كل بعمله قاض عليه في ~~صوابه وخطله # الغاية من هذا العلم القيام بغرض مجمع عليه وهو معرفة الله تعالى بصفاته ~~الواجب ثبوتها له مع تنزيهه عما يستحيل اتصافه به والتصديق برسله على وجه ~~اليقين الذى تطمئن به النفس اعتمادا على الدليل لا استرسالا مع التقليد ~~حسبما أرشدنا إليه الكتاب فقد أمر بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا ~~من ظواهر الكون وما يمكن النفوذ إليه من دقائقه تحصيلا لليقين بما هدانا ~~إليه ونهانا عن التقليد بما حكى عن أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم ~~وتبشيع ما كانوا عليه من ذلك واستتباعه لهدم معتقداتهم وإمحاء وجودهم الملى ~~وحق ما قال فإن التقليد كما يكون في الحق يأتى في الباطل وكما يكون في ~~النافع يحصل في الضار فهو مضلة يعذر فيها الحيوان ولا تجمل بحال الإنسان ### | أقسام المعلوم # يقسمون المعلوم إلى ثلاثة أقسام ممكن لذاته وواجب لذاته ومستحيل لذاته ~~ويعرفون المستحيل بما عدمه لذاته من حيث هي أما الواجب فهو ما كان يوجد ~~لموجد ويعدم لعدم سبب وجوده وقد يعرض له الوجوب والاستحالة لغيره وإطلاق ~~المعلوم على المستحيل ضرب من المجاز فإن المعلوم حقيقة لا بد أن يكون له ~~كون في الواقع ينطبق عليه العلم والمستحيل ليس من هذا القبيل كما تراه في ~~أحكامه وإنما المراد ما يمكن الحكم عليه وإن كان في صورة يخترعها له العقل ~~ليتوصل بها إلى الحكاية عنه ### | حكم المستحيل # وحكم المستحيل لذاته أن لا يطرأ عليه وجود فإن العدم من لوازم ماهيته من ~~حيث هى فلو طرأ الوجود عليه لسلب لازم الماهية من حيث هي # PageV01P014 # عنها وهو يؤدى إلى سلب الماهية عن نفسها بالبداهة فالمستحيل لا يوجد فهو ~~ليس بموجود قطعا بل لا يمكن للعقل أن يتصور له ماهية كائنة كما أشرنا إليه ~~فهو ليس بموجود لا فى الخارج ms011 ولا في الذهن ### | أحكام الممكن # من أحكام الممكن لذاته أن لا يوجد إلا بسبب وأن لا ينعدم إلا بسبب وذلك ~~لأنه لا واحد من الأمرين له لذاته فنسبتهما إلى ذاته على السواء فإن ثبت له ~~أحدهما بلا سبب لزم رجحان أحد المتساويين على الآخر بلامر جح وهو محال ~~بالبداهة # ومن أحكامه أنه إن وجد يكون حادثا لأنه قد ثبت أنه لا يوجد إلا بسبب فإما ~~أن يتقدم وجوده على وجود سببه أو يقارنه أو يكون بعده والأول باطل وإلا لزم ~~تقدم المحتاج على ما إليه الحاجة وهو إبطال لمعنى الحاجة وقد سبق الاستدلال ~~على ثبوتها فيؤدى إلى خلاف المفروض والثانى كذلك وإلا لزم تساويهما في رتبة ~~الوجود فيكون الحكم على أحدهما بأنه أثر والثانى مؤثر ترجيحا بلا مرجح وهو ~~مما لا يسوغه العقل على أن عليه أحدهما ومعلولية الآخر رجحان بلا مرجح وهو ~~محال بالبداهة فتعين الثالث وهو أن يكون وجوده بعد وجود سببه فيكون مسبوقا ~~بالعدم في مرتبة وجود السبب فيكون حادثا إذ الحادث ما سبق وجوده بالعدم فكل ~~ممكن حادث # الممكن يحتاج في عدمه إلى سبب وجودى لأنه العدم سلب والسلب لا يحتاج إلى ~~إيجاد بداهة فيكون عدم الممكن لعدم التأثير فيه أو لعدم ما كان سببا في ~~بقائه أما في وجوده فيحتاج إلى سبب وجودى ضرورة لأن العدم لا يكون مصدرا ~~للوجود فالموجود إن حدث فإنما يكون حدوثه بإيجاد وذلك كله بديهى # كما يحتاج الممكن إلى السبب في وجوده ابتداء يحتاج إليه في البقاء لما ~~بينا أن ذات الممكن لا تقتضى الوجود ولا يرجح لها الوجود عن العدم إلا ~~للسبب # PageV01P015 # الخارجى الوجودى فذلك لازم من لوازم ماهية الإمكان لا يفارقها من حيث هي ~~فلا يكون للممكن حالة يقتضى فيها الوجود لذاته فيكون في جميع أحواله محتاجا ~~إلى مرجح الوجود عن العدم لا فرق بين الابتداء والبقاء # معنى السبب على ما ذكرنا منشأ الإيجاد ومعطى الوجود وهو الذى يعبر عنه ~~بالموجد وبالعلة الموجدة وبالعلة الفاعلة وبالفاعل الحقيقى ونحو ms012 ذلك من ~~العبارات التى تختلف مبانيها ولا تتباين معانيها وقد يطلق السبب أحيانا على ~~الشرط أو المعد الذى يهيء الممكن لقبول الإيجاد من موجده وهو بهذا المعنى ~~قد يحتاج إليه في الإبتدء ويستغنى عنه في البقاء وقد تكون الحاجة إلى وجوده ~~ثم عدمه ومن هذا القبيل وجود البناء فإنه شرط في وجود البيت وقد يموت ~~البناء ويبقى بناؤه وليس البناء واهب الوجود للبيت وإنما حركات يديه وحركات ~~ذهنه وأطوار إرادته شرط لوجود البيت على هيئته الخاصة به # وبالجملة فيوجد فرق بين توقف الممكن على شىء وبين استفادته الوجود من شىء ~~فالتوقف قد يكون على وجود ثم عدم كما في توقف الخطوة الثانية على الأولى ~~فإن الأولى ليست واهبة الوجود للثانية وإلا وجب وجودها معها مع أن الثانية ~~لا توجد إلا إذا انعدمت الأولى وأما استفادة الوجود فتقتضى سبق مالك للوجود ~~يعطيه للمستفيد منه وأن يكون وجود المستفيد مستمدا من وجود الواهب لا يقوم ~~إلا به فلا يستقل بنفسه دونه في حال من الأحوال ### | الممكن موجود قطعا # نرى أشياء توجد بعد أن لم تكن وأخرى تنعدم بعد أن كانت كأشخاص النباتات ~~والحيوانات فهذه الكائنات إما مستحيلة أو واجبة أو ممكنة لا سبيل إلى الأول ~~لأن المستحيل لا يطرأ عليه الوجود ولا إلى الثانى لأن الواجب له الوجود من ~~ذاته وما بالذات لا يزول فلا يطرأ عليه العدم ولا يسبقه كما سيجىء في أحكام ~~الواجب فهى ممكنة فالممكن موجود قطعا # PageV01P016 ### | وجود الممكن يقتضى بالضرورة وجود الواجب # جملة الممكنات الموجودة ممكنة بداهة وكل ممكن محتاج إلى سبب يعطيه الوجود ~~فجمله الممكنات الموجودة محتاجة بتمامها إلى موجد لها فإما أن يكون عينها ~~وهو محال لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه وإما أن يكون جزأها وهو محال ~~لاستلزامه أن يكون الشىء سببا لنفسه ولما سبقه إن لم يكن الأول ولنفسه فقط ~~إن فرض أول وبطلانه ظاهر فوجب أن يكون السبب وراء جملة الممكنات والموجود ~~الذى ليس بممكن هو الواجب إذ ليس وراء الممكن إلا المستحيل والواجب ms013 ~~والمستحيل لا يوجد فيبقى الواجب فثبت أن للممكنات الموجودة موجدا واجب ~~الوجود # وأيضا الممكنات الموجودة سواء كانت متناهية أو غير متناهية قائمة بوجود ~~فذلك الوجود إما أن يكون مصدره ذات الإمكان وماهيات الممكنات وهو باطل لما ~~سبق في أحكام الممكن من أنه لا شىء من الماهيات الممكنة بمقتض للوجود فتعين ~~أن يكون مصدره سواها وهو الواجب بالضرورة ### | أحكام الواجب ### | القدم والبقاء ونفى التركيب # من أحكام الواجب أن يكون قديما أزليا لأنه لو لم يكن كذلك لكان حادثا ~~والحادث ما سبق وجوده بالعدم فيكون وجوده مسبوقا بعدم وكل ما سبق بالعدم ~~يحتاج إلى علة تعطيه الوجود وإلا لزم رجحان المرجوح بلا سبب وهو محال فلو ~~لم يكن الواجب قديما لكان محتاجا في وجوده إلى موجد غيره وقد سبق أن الواجب ~~ما كان وجوده لذاته فلا يكون ما فرض واجبا وهو تناقض محال ومن أحكامه أن ~~يطرأ عليه عدم إلا لزم سلب ما هو للذات عنها وهو يعود إلى سلب الشىء عن ~~نفسه وهو محال بالبداهة # من أحكامه أن لا يكون مركبا إذ لو تركب لتقدم وجود كل جزء من # PageV01P017 # أجزائه على وجود جملته التى هى ذاته وكل جزء من أجزائه غير ذاته بالضرورة ~~فيكون وجود جملته محتاجا إلى وجود غيره وقد سبق أن الواجب ما كان وجوده ~~لذاته ولأنه لو تركب لكان الحكم له بالوجود موقوفا على الحكم بوجود أجزائه ~~وقد قلنا إنه لذاته من حيث هي ذاته ولأنه لا مزجح لأن يكون الوجوب له دون ~~كل جزء من أجزائه بل يكون الوجوب لها أرجخ فتكون هي الواجبة دونه نفى ~~التركيب في الواجب شامل لما يسمونه حقيقة عقلية أو خارجية فلا يمكن للعقل ~~أن يحاكى ذات الواجب بمركب فإن الأجزاء العقلية لا بد لها من منشأ انتزاع ~~في الخارج فلو تركبت الحقيقة العقلية لكانت الحقيقة مركبة في الخارج وإلا ~~كان ما فرض حقيقة عقلية اعتبارا كاذب الصدق لا حقيقة # كما لا يكون الواجب مركبا لا يكون قابلا للقسمة في أحد الامتدادات ms014 الثلاث ~~أي لا يكون له امتداد لأنه لو قبل القسمة لعاد بها إلى غير وجوده الأول ~~وصار إلى وجودات متعددة وهى وجودات الأجزاء الحاصلة من القسمة فكون ذلك ~~قبولا للعدم أو تركبا وكلاهما محال كما سبق ### | الحياة # معنى الوجود وإن كان بديهيا عند العقل ولكنه يتمثل له بالظهور ثم الثبات ~~والاستقرار وكمال الوجود وقوته بكمال هذا المعنى وقوته بالبداهة # كل مرتبة من مراتب الوجود تستتبع بالضرورة من الصفات الوجودية ما هو كمال ~~لتلك المرتبة في المعنى السابق ذكره وإلا كان الوجود لمرتبة سواها وقد فرض ~~لها ما يتجلى للنفس من مثل الوجود لا ينحصر وأكمل مثال في أى مراتبه كان ~~مقرونا بالنظام والكون على وجه ليس فيه خلل ولا تشويش فإن كان ذلك النظام ~~بحيث يستتبع وجودا مستمرا وإن في النوع كان أدل على كمال المعنى الوجودى فى ~~صاحب المثال # PageV01P018 # فإن تجلت للنفس مرتبة من مراتب الوجود أن تكون مصدرا لكل نظام كان ذلك ~~عنوانا على أنها أكمل المراتب وأعلاها وأرفعها وأقواها # وجود الواجب هو مصدر كل وجود ممكن كما قلنا وظهر بالبرهان القاطع فهو ~~بحكم ذلك أقوى الوجودات وأعلاها فهو يستتبع من الصفات الوجودية ما يلائم ~~تلك المرتبة العليا وكل ما تصوره العقل كمالا في الوجود من حيث ما يحيط به ~~من معنى الثبات والاستقرار والظهور وأمكن أن يكون له وجب أن يثبت له وكونه ~~مصدرا للنظام وتصريف الأعمال على وجه لا اضطراب فيه يعد من كمال الوجود كما ~~ذكرنا فيجب أن يكون ذلك ثابتا له فالوجود الواجب يستتبع من الصفات الوجودية ~~التى تقتضيها هذه المرتبة ما يمكن أن يكون له # فمما يجب أن يكون له صفة الحياة وهى صفة تستتبع العلم و ### | الإرادة # وذلك أن الحياة مما يعتبر كمالا للوجود بداهة فإن الحياة مع ما يتبعها ~~مصدر النظام وناموس الحكمة وهى في أى مراتبها مبدأ الظهور والاستقرار في ~~تلك المرتبة فهى كمال وجودى ويمكن أن يتصف بها الواجب وكل كمال وجودى يمكن ~~أن يتصف به وجب أن يثبت ms015 له فواجب الوجود حى وإن باينت حياته الممكنات فإن ~~ما هو كمال للوجود إنما هو مبدأ العلم والإرادة ولو لم تثبت له هذه الصفة ~~لكان في الممكنات فإن ما هو كمال للوجود إنما هو مبدأ العلم والإرادة ولو ~~لم تثبت له هذه الصفة لكان في الممكنات ما هو أكمل منه وجودا وقد تقدم أنه ~~أعلى الموجودات وأكملها فيه # والواجب هو واهب الوجود وما يتبعه فكيف لو كان فاقدا للحياة يعطيها ~~فالحياة له كما أنه مصدرها ### | العلم # ومما يجب له صفة العلم ويراد به ما به انكشاف شىء عند من ثبتت له تلك ~~الصفة أى مصدر ذلك الانكشاف منه لأن العلم من الصفات الوجودية التى تعد ~~كمالا في الوجود ويمكن أن تكون للواجب وكل ما كان كذلك وجب أن يثبت له ~~فواجب الوجود عالم # PageV01P019 # ثم البداهة قاضية بأن العلم كمال في الموجودات الممكنة ومن الممكنات من ~~هو عالم فلو لم يكن الواجب عالما لكان في الموجودات الممكنة ما هو أكمل من ~~الموجود الواجب وهو محال كما قدمنا ثم هو واهب العلم في عالم الإمكان ولا ~~يعقل أن مصدر العلم يفقده # علم الواجب من لوازم وجوده كما ترى فيعلو على العلوم علو وجوده عن ~~الوجودات فلا يتصور في العلوم ما هو أعلى منه فيكون محيطا بكل ما يمكن علمه ~~وإلا تصور العقل علما اشمل وهو إنما يكون لوجود أكمل وهو محال # ما هو لازم لوجود الواجب يغنى بغناه ويبقى ببقائه وعلم الواجب من لوازم ~~وجوده فلا يفتقر إلى شيء ما وراء ذاته فهو أزلى أبدى غنى عن الآلات وجولات ~~الفكر وأفاعيل النظر فيخالف علوم الممكنات بالضرورة # ما يوجد من الممكنات فهو موافق لما انكشف بذلك العلم وإلا لم يكن علما # من أدلة ثبوت العلم للواجب ما نشاهده في نظام الممكنات من الإحكام ~~والإتقان ووضع كل شىء في موضعه وقرن كل ممكن بما يحتاج إليه في وجوده ~~وبقائه وذلك ظاهر لجلى النظر بما يشاهد في الأعيان كبيرها وصغيرها علويها ~~وسفليها فهذه الروابط بين ms016 الكواكب والنسب الثابتة بينها وتقديرحركاتها على ~~قاعدة تكفل لها البقاء على الوضع الذى قدر لها وإلزام كل كوكب بمدار لو خرج ~~منه لاختل نظام عالمه أو العالم بأسره وغير ذلك مما فصل في علوم الهيئة ~~الفلكية كل ذلك يشهد بعلم صانعه وحكمة مدبرة # اعتبر بما تراه جزئيات النباتات والحيوانات من توفيتها قواها وإيتائها ما ~~تحتاج إليه في تقويم وجودها من الآلات والأعضاء ووضع ذلك في مواضعه من ~~أبدانها وإيداع غير الحساس منها كالنبات قوة الميل إلى تناول ما يناسبه من ~~الغذاء دون ما يلائمه فترى بزرة الحنظل تدفن بجوار حبة البطيخ في أرض واحدة ~~ثم تسقى بماء واجد وتنمى بعناية واحدة ولكن تلك تمتص من المواد ما يغذى ~~المر الزعاق وهذه تتناول ما يغذى حلو المذاق وإرشاد الحساس منها # PageV01P020 # إلى استعمال ما منح من تلك الأدوات والأعضاء وسوق كل قوة من قواه إلى ما ~~قدرت له فهو الذى يعلم حالة الجنين وهو نطفة أو علقة ويعلم حاجته متى تكامل ~~خلقه وأنشأه نشأة الحى المستقل فى عمله إلى الأيدى والأرجل والأعين والمشام ~~والآذان وبقية المشاعر الباطنة ليستعمل ذلك فيما يقيم وجوده وبقية من ~~العوادى عليه وحاجته إلى المعدة والقلب والكبد والرئة ونحوها من الأعضاء ~~التى لا غنى عنها في النمو والبقاء إلى الأجل المحدود للشخص أو للنوع # هو الذى يعلم حالة الجروة من الكلاب مثلا وأنها متى كبرت تلد أجزاء ~~متعددة فيمنحها أطباء متكثرة وغير ذلك مما لا يستطاع إحصاؤه وقد فصل الكثير ~~منه في كتب النباتات وحياة الحيوان وما يسمى التاريخ الطبيعى وفنون منافع ~~الأعضاء والطب وما يتبعه على أن الباحثين في كل ذلك بعد ما بذلوا من الجهد ~~وماصرفوا من الهمم وما كشفوا من الأسرار لم يزالوا في أول البحث # هذا الصنيع الذى إنما تتفاضل العقول فى فهم أسراره والوقوف على دقائق ~~حكمه ألا يدل على أن مصدره هو العالم بكل شىء الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ~~هل يمكن لمجرد الاتفاق المسمى بالصدقة أن يكون ينبوعا لهذا ms017 النظام وواضعا ~~لتلك القواعد التى يقوم عليها وجود الأكوان عظيمها وحقيرها كلا بل مبدع ذلك ~~كله هو من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا فى السماء وهو السميع ~~العليم ### | الإرادة # مما يجب لواجب الوجود الإرادة وهى صفة تخصص فعل العالم بأحد وجوهه ~~الممكنة # بعد ما ثبت أن واهب وجود الممكنات هو الواجب وأنه عالم وأن ما يوجد من ~~الممكن لا بد أن يكون على وفق علمه ثبت بالضرورة أنه مريد لأنه إنما يفعل ~~على حسب علمه ثم إن كل موجود فهو على قدر مخصوص وصفة معينة # PageV01P021 # وله وقت ومكان محدودان وهذه وجوه قد خصصت له دون بقية الوجوه الممكنة ~~وتخصيصها كان على وفق العلم بالضرورة ولا معنى للإرادة إلا هذا # أما ما يعرف من معنى الإرادة وهو ما به يصح للفاعل أن ينفذ ما قصده وأن ~~يرجع عنه فذلك محال فى جانب الواجب فإن هذا المعنى من الهموم الكونية ~~والعزائم القابلة للفسخ وهى من توابع النقص في العلم فتتغير على حسب تغير ~~الحكم وتردد الفاعل بين البواعث على الفعل والترك ### | القدرة # ومما يجب له القدرة وهى صفة بها الإيجاد والإعدام ولما كان الواجب هو ~~مبدع الكائنات على مقتضى علمه وإرادته فلا ريب يكون قادرا بالبداهة لأن فعل ~~العالم المريد فيما علم وأراد إنما يكون بسلطة له على الفعل ولا معنى ~~للقدرة إلا هذا السلطان ### | الإختيار # ثبوت هذه الصفات الثلاث يستلزم بالضرورة ثبوت الأختيار إذ لا معنى له إلا ~~إصدار الأثر بالقدرة على مقتضى العلم وعلى حكم الإرادة فهو الفاعل المختار ~~ليس من أفعاله ولا من تصرفه في خلقه ما يصدر عنه بالعلية المحضة والاستلزام ~~الوجودى بدون شعور ولا إرادة وليس من مصالح الكون ما يلزمه مراعاته لزوم ~~تكليف بحيث لو لم لم يراعه لتوجه عليه النقد فيأتيه تنزها عن اللائمة تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا ولكن نظام الكون ومصالحه العظمى إنما تقررت له بحكم ~~أنه أثر الوجود الواجب الذى هو أكمل الوجودات وأرفعها فالكمال في الكون ms018 ~~إنما هو تابع لكمال المكون وإتقان الإبداع إنما هو مظهر لسمو مرتبة المبدع ~~وبهذا الوجود البالغ أعلى غايات النظام تعلق العلم الشامل والإرادة المطلقة ~~فصدر ويصدر على هذا النمط الرفيع # PageV01P022 # {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} وهذا هو معنى قولهم ~~إن أفعاله لا تعلل بالأغراض ولكنها تتنزه عن العبث ويستحيل أن تخلو من ~~الحكم وإن خفى شىء من حكمتها عن أنظارنا ### | الوحدة # ومما يجب له صفة الوحدة ذاتا ووصفا ووجودا وفعلا أما الوحدة الذاتية فقد ~~أثبتناها فيما تقدم بنفى التركيب في ذاته خارجا وعقلا وأما الوحدة فى الصفة ~~أى أنه لا يساويه فى صفاته الثابتة له موجود فلما بينا من أن الصفة تابعة ~~لمرتبة الوجود وليس في الموجودات ما يساوى واجب الوجود فى مرتبة الوجود فلا ~~يساويه فيما يتبع الوجود من الصفات وأما الوحدة في الوجود وفى الفعل ونعنى ~~بها التفرد بوجوب الوجود وما يتبعه من إيجاد الممكنات فهى ثابتة لأنه لو ~~تعدد واجب الوجود لكان لكل من الواجبين تعين يخالف تعين الآخر بالضرورة ~~والالم يتحصل معنى التعدد وكلما اختلفت التعينات اختلفت الصفات الثابتة ~~للذوات المتعينة لأن الصفة إنما تتعين وتنال تحققها الخاص بها بتعين ما ~~ثبتت له بالبداهة فيختلف العلم الإرادة باختلاف الذوات الواجبة إذ يكون لكل ~~واحدة منها علم وإرادة يباينان علم الأخرى وإرادتها ويكون لكل واحدة علم ~~وإرادة يلائمان ذاتها وتعينها الخاص بها # هذا التخالف ذاتى لأن علم الواجب وإرادته لازمان لذاته من ذاته لا لأمر ~~خارج فلا سبيل إلى التغير والتبدل فيهما كما سبق وقد قدمنا أن فعل الواجب ~~إنما يصدر عنه على حسب علمه وحكم إرادته فيكون فعل كل صادرا على حكم يخالف ~~الآخر مخالفة ذاتية فلو تعدد الواجبون لتخالفت أفعالهم بتخالف علومهم ~~وإرادتهم وهو خلاف يستحيل معه الوفاق وكل واحد بمقتضى وجوب وجوده وما يتبعه ~~من الصفات له السلطة على الإيجاد في عامة الممكنات فكل له التصرف في كل ~~منها على حسب علمه وإرادته ولا مرجح لنفاذ إحدى القدرتين دون الأخرى ~~فتتضارب ms019 أفعالهم حسب التضارب فى علومهم # PageV01P023 # وإرادتهم فيفسد نظام الكون بل يستحيل أن يكون له نظام بل يستحيل وجود ~~ممكن من الممكنات لأن كل ممكن لا بد أن يتعلق به الإيجاد على حسب العلوم ~~والإرادات المختلفة فيلزم أن يكون للشىء الواحد وجودات متعددة وهو محال فلو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا لكن الفساد ممتنع بالبداهة فهو جل شأنه ~~واحد في ذاته وصفاته لا شريك له في وجوده ولا في أفعاله ### | الصفات السمعية التى يجب الإعتقاد بها # ما قدمنا من الصفات التى يجب الاعتقاد بثبوتها لواجب الوجود هى ما أرشد ~~إليه البرهان وجاءت الشريعة الإسلامية وما تقدمها من الشرائع المقدسة ~~لتأييده والدعوة إليه بلسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولسان من سبقه ~~من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين # ومن الصفات ما جاء ذكره على لسان الشرع ولا يحيله العقل إذا حمل على ما ~~يليق بواجب الوجود ولكن لا يهتدى إليه النظر وحده ويجب الاعتقاد بأنه جل ~~شأنه متصف بها اتباعا لما قرره الشرع وتصديقا لما أخبر به فمن تلك الصفات ~~صفة الكلام فقد ورد أن الله كلم بعض انبيائه ونطق القرآن بأنه كلام الله ~~فمصدر الكلام المسموع عنه سبحانه لا بد أن يكون شأنا من شؤونه قديما بقدمه ~~أما الكلام المسموع نفسه المعبر عن ذلك الوصف القديم فلا خلاف في حدوثه ولا ~~فى أنه خلق من خلقه وخصص بالاسناد إليه لاختياره له سبحانه في الدلالة على ~~ما أراد إبلاغه لخلقه ولأنه صادر عن محض قدرته ظاهرا وباطنا بحيث لا مدخل ~~لوجود آخر بوجه من الوجوه سوى أن من جاء على لسانه مظهر لصدوره والقول ~~بخلاف ذلك مصادرة للبداهة وتجرؤ على مقام القدم بنسبة التغير والتبدل إليه ~~فإن الآيات التى يقرؤها القارىء تحدث وتفنى بالبداهة كلما تليت # والقائل بقدم القرآن المقروء أشنع حالا وأضل اعتقادا من كل ملة جاء # PageV01P024 # القرآن نفسه بتضليلها والدعوة إلى مخالفتها وليس فى القول بأن الله أوجد ~~القرآن بدون دخل لكسب بشر فى وجوده ما يمس شرف ms020 نسبته بل ذلك غاية ما دعا ~~الدين إلى اعتقاده فهو السنة وهو ما كان عليه النبى وأصحابه وكل ما خالفه ~~فهو بدعة وضلالة # أما ما نقل إلينا من ذلك الخلاف الذى فرق الأمة وأحدث فيها الأحداث خصوصا ~~في أوائل القرن الثالث من الهجرة وإباء بعض الأئمة أن ينطق بأن القرآن ~~مخلوق فقد كان منشؤه مجرد التحرج والمبالغة فى التأدب من بعضهم وإلا فيجل ~~مقام مثل الإمام ابن حنبل عن أن يعتقد أن القرآن المقروء قديم وهو يتلوه كل ~~ليلة بلسانه ويكفيه بصوته # ومما ثبت له بالنقل صفة البصر وهى ما به تنكشف المبصرات وصفة السمع وهى ~~ما به تنكشف المسموعات فهو السميع البصير لكن علينا أن نعتقد أن هذا ~~الانكشاف ليس بآلة ولا جارحة ولا حدقة ولا باصرة ### | كلمات في الصفات إجمالا # أبتدىء الكلام فيما أقصده بذكر حديث إن لم يصح فكتاب الله بجملته وتفصيله ~~يؤيد معناه وهو قوله صلى الله عليه وسلم تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى ~~ذاته فتهلكوا # إذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول ~~إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التى تقع تحت الإدراك الإنسانى حسا كان أو ~~وجدانا أو تعقلا ثم التوصل بذلك إلى معرفة مناشئها وتحصيل كليات لأنواعها ~~والإحاطة ببعض القواعد لعروض ما يعرض لها أما الوصول إلى كنه حقيقة ما فمما ~~لا تبلغه قوته لأن اكتناه المركبات إنما هو باكتناه ما تركبت منه وذلك ~~ينتهى إلى البسيط الصرف وهو لا سبيل إلى اكتناهة بالضرورة وغاية ما يمكن ~~عرفانه منه هو عوارضه وآثاره خذ أظهر الأشياء وأجلاها كالضوء # PageV01P025 # قرر الناظرون فيه له أحكاما كثيرة فصلوها فى علم خاص به ولكن لم يستطع ~~ناظر أن يفهم ما هو ولا أن يكتنه معنى الإضاءة نفسه وإنما يعرف من ذلك ما ~~يعرفه كل بصير له عينان وعلى هذا القياس # ثم إن الله لم يجعل للإنسان حاجة تدعو إلى اكتناه شىء من الكائنات وإنما ~~حاجته إلى معرفة العوارض والخواص ولذة عقله ms021 إن كان سليما إنما هى تحقيق ~~نسبة تلك الخواص إلى ما اختصت به وإدراك القواعد التى قامت عليها تلك النسب ~~فالاشتغال بالاكتناه أضاعة الوقت وصرف للقوة إلى غير ما سيقت إليه # اشتغل الإنسان بتحصيل العلم بأقرب الأشياء إليه وهى نفسه أراد أن يعرف ~~بعض عوارضها وهل هى عرض أو جوهر هل هى قبل الجسم أو بعده هل هى فيه أو ~~مجردة عنه كل هذه صفات لم يصل العقل إلى اثبات شىء منها يمكن الاتفاق عليه ~~وإنما مبلغ جهده أنه عرف أنه موجود حى له شعور وإرادة وكل ما أحاط به بعد ~~ذلك من الحقائق الثابتة فهو راجع إلى تلك العوارض التى وصل إليها ببديهته ~~أماكنه شىء من ذلك بل وكيفية اتصافه ببعض صفاته فهو مجهول عنده ولا يجد ~~سبيلا للعلم به # هذا حال العقل الإنسانى مع ما يساويه فى الوجود أو ينحط عنه بل وكذلك ~~شأنه فيما يظن من الأفعال أنه صادر عنه كالفكر وارتباطه بالحركة والنطق فما ~~يكون من أمره بالنسبة إلى ذلك الوجود إلا على ماذا يكون اندهاشه بل انقطاعه ~~إذا وجه نظره إلى مالا يتناهى من الوجود الأزلى الأبدى # النظر فى الخلق يهدى بالضرورة إلى المنافع الدنيوية ويضىء للنفس طريقها ~~إلى معرفة من هذه آثاره وعليها تجلت أنواره وإلى اتصافه بما لولاه لما صدرت ~~عنه هذه الآثار على ما هى عليه من النظام وتخالف الأنظار فى الكون إنما هو ~~من تصارع الحق والباطل ولا بد أن يظفر الحق ويعلو على الباطل بتعاون ~~الأفكار أو صولة القوى منها على الضعيف # PageV01P026 # أما الفكر فى ذات الخالق فهو طلب للأكتناه من جهة وهو ممتنع على العقل ~~البشرى لما علمت من انقطاع النسبة بين الوجودين ولاستحالة التركب فى ذاته ~~وتطاول إلى مالا تبلغه القوة البشرية من جهة أخرى فهو عبث ومهلكه عبث لأنه ~~سعى إلى مالا يدرك ومهلكة لأنه يؤدى إلى الخبط فى الاعتقاد لأنه تحديد لما ~~لا يجوز تحديده وحصر لما لا يصح حصره # لا ريب أن هذا الحديث وما ms022 أتينا عليه من البيان كما يأتى فى الذات من حيث ~~هى يأتى فيها مع صفاتها فالنهى واستحالة الوصول إلى الاكتناه شاملان لها ~~فيكفينا من العلم بها أن نعلم أنه متصف بها أما ما وراء ذلك فهو مما يستأثر ~~هو بعلمه ولا يمكن لعقولنا أن تصل إليه ولهذا لم يأت الكتاب العزيز وما ~~سبقه من الكتب إلا بتوجيه النظر إلى المصنوع لينفذ منه إلى معرفة وجود ~~الصانع وصفاته الكمالية أما كيفية الاتصاف فليس من شأننا أن نبحث فيه # فالذى يوجبه علينا الإيمان هو ان نعلم أنه موجود لا يشبه الكائنات أزلى ~~أبدى حى عالم مريد قادر متفرد فى وجوب وجوده وفى كمال صفاته وفى صنع خلقه ~~وأنه متكلم سميع بصير وما يتبع ذلك من الصفات التى جاء الشرع بإطلاق ~~أسمائها عليه أما كون الصفات زائدة على الذات وكون الكلام صفة غير ما اشتمل ~~عليه العلم من معانى الكتب السماوية وكون السمع والبصر غير العلم ~~بالمسموعات والمبصرات ونحو ذلك من الشئون التى اختلف عليها النظار وتفرقت ~~فيها المذاهب فمما لا يجوز الخوض فيه إذ لا يمكن لعقول البشر أن تصل إليه ~~والاستدلال على شىء منه بالألفاظ الواردة ضعف فى العقل وتغرير بالشرع لأن ~~استعمال اللغة لا ينحصر فى الحقيقة ولئن انحصر فيها فوضع اللغة لا تراعى ~~فيه الوجودات بكنهها الحقيقى وإنما تلك مذاهب فلسفة إن لم يصل فيها أمثلهم ~~فلم يهتد فيها فريق إلى مقنع فما علينا إلاالوقوف عندما تبلغه عقولنا وأن ~~نسأل الله أن يغفر لمن آمن به وبما جاء به رسله ممن تقدمنا # PageV01P027 ### | أفعال الله جل شأنه # أفعال الله صادرة عن علمه وإرادته كما سبق تقريره وكل ما صدر عن علم ~~وإرادة فهو عن الاختيار ولا شىء مما يصدر عن الاختيار بواجب على المختار ~~لذاته فلا شىء من أفعاله بواجب الصدور عنه لذاته فجميع صفات الأفعال من خلق ~~ورزق وإعطاء ومنع وتعذيب وتنعيم مما يثبت له تعالى بالإمكان الخاص فلا ~~يطوفن بعقل عاقل بعد تسليم أنه فاعل عن علم وإرادة ms023 أن يتوهم أن شيئا من ~~أفعاله واجب عنه لذاته كما هو الشأن في لوازم الماهيات أو فى اتصاف الواجب ~~بصفاته مثلا فإن ذلك هو التناقض البديهى الاستحالة كما سبق الإشارة إليه # بقيت علينا جولة نظر فى تلك المقالات الحمقى التى اختبط فيها القوم ~~اختباط إخوة تفرقت بهم الطرق فى السير إلى مقصد واحد حتى إذا التقوا فى غسق ~~الليل صاح كل فريق بالآخر صيحة المستخبر فظن كل أن الآخر عدو يريد مقارعته ~~على ما بيده فاستحر بينهم القتال ولا زالوا يتجالدون حتى تساقط جلهم دون ~~المطلب ولما اسفر الصبح وتعارفت الوجوه رجع الرشد إلى من بقى وهم الناجون ~~ولو تعارفوا من قبل لتعاونوا جميعا على بلوغ ما أملوا ولو وافتهم الغاية ~~إخوانا بنور الحق مهتدين نريد تلك المقالات المضطربة فى أنه يجب على الله ~~رعاية المصلحة فى أفعاله وتحقيق وعيده فيمن تعدى حدوده من عبيده وما يتلو ~~ذلك من وقوع أعماله تحت العلل والأغراض فقد بالغ قوم فى الإيجاب حتى ظن ~~الناظر فى مزاعمهم أنهم عدوه واحدا من المكلفين يفرض عليه أن يجهد للقيام ~~بما عليه من الحقوق وتأدية ما لزمه من الواجبات تعالى عن ذلك علوا كبيرا ~~وغلا آخرون فى نفى التعليل عن أفعاله حتى خبل للممعن فى مقالاتهم أنهم لا ~~يرضونه إلا قلبا يبرم اليوم ما نقضه بالأمس ويفعل غدا ما أخبر بنقيضه اليوم ~~أو غافلا لا يشعر بما يستتبعه عمله سبحان ربك رب العزة عما يصفون # PageV01P028 # وهو أحكم الحاكمين وأصدق القائلين جبرون الله وطهارة دينه أعلى وأرفع من ~~هذا كله # اتفق الجميع على أن أفعاله تعالى لا تخلو من حكمة وصرح الغلاة والمقصرون ~~جميعا بأنه تعالى منزه عن العبث فى أفعاله والكذب فى أقواله ثم بعد هذا ~~أخذوا يتنابذون بالألفاظ ويتمارون فى الأوضاع ولا يدرى إلى أى غاية يقصدون ~~فلنأخذ ما اتفقوا عليه ولنرد إلى حقيقة واحدة ما اختلفوا فيه # حكمة كل عمل ما يترتب عليه مما يحتفظ نظاما أو يدفع فسادا خاصا كان أو ~~عاما لو ms024 كشف للعقل من أى وجه لعقله وحكم بأى العمل لم يكن عبثا ولعبا ومن ~~يزعم للحكمة معنى لا يرجع إلى هذا حاكمناه إلى أوضاع اللغة وبداهة العقل لا ~~يسمى ما يترتب على العمل حكمة ولا يتمثل عند العقل بمثالها إلا إذا كان ما ~~يتبع العمل مرادا لفاعله بالفعل وإلا لعدم النائم حكيما فيما لو صدرت عنه ~~حركة فى نومه قتلت عقربا كاد يلسع طفلا أو دفعت صبيا عن حفرة كاد يسقط فيها ~~بل لوسم بالحكمة كثير من العجماوات إذا استتبعت حركاتها بعض المنافع الخاصة ~~أو العامة والبداهة تأباه # من القواعد الصحيحة المسلمة عند جميع العقلاء أن أفعال العاقل تصان عن ~~العبث ولا يريدون من العاقل إلا العالم بما يصدر عنه بإرادته ويريدون من ~~صونها عن البعث أنها لا تصدر إلا لأمر يترتب عليها يكون غاية لها وإن كان ~~هذا العاقل الحادث فما ظنك بمصدر كل عقلى ومنتهى الكمال فى العلم والحكم ~~هذه كلها مسلمات لا ينازع فيها أحد # صنع الله الذى أتقن كل شىء وأحسن خلقه مشحون بضروب الحكم ففيه ما قامت به ~~السموات والأرض وما بينهما وحفظ به نظام الكون بأسره وما صانه عن الفساد ~~الذى يفضى به إلى العدم وفيه ما استقامت به مصلحة كل موجود على حدثه خصوصا ~~ما هو من الموجودات الحية كالنبات والحيوان ولولا هذه البدائع من الحكم ما ~~تيسر لنا الاستدلال على علمه # PageV01P029 # فهذه الحكم التى نعرفها الآن بوضع كل شىء فى موضعه وإيتاء كل محتاج ماله ~~إليه الحاجة إما أن تكون معلومة له مرادة مع الفعل أم لا لا يمكن القول ~~بالثانى وإلا لكان قولا بقصور العلم إن لم تكن معلومة أو بالغفلة إن لم تكن ~~مرادة وقد سبق تحقيق أن علمه وسع كل شىء واستحالة غيبه أثر من آثاره عن ~~إرادته فهو يريد الفعل ويريد ما يترتب عليه من الحكمة ولا معنى لهذا إلا ~~إرادته للحكمة من حيث هى تابعة للفعل ومن المحال أن تكون الحكمة غير مرادة ~~بالفعل مع العلم بارتباطها ms025 به فيجب الاعتقاد بأن أفعاله يستحيل أن تكون ~~خالية من الحكمة وبأن الحكمة يستحيل أن تكون غير مرادة إذ لو صح توهم أن ما ~~يترتب على الفعل غير مراد لم يعد ذلك من الحكمة كما سبق # فوجوب الحكمة فى أفعاله تابع لوجوب الكمال فى علمه وإرادته وهو مما لا ~~نزاع فيه بين جميع المتخالفين وهكذا يقال فى وجوب تحقق ما وعد وأوعد به ~~فإنه تابع لكمال علمه وإرادته وصدقه وهو أصدق القائلين وما جاء فى الكتاب ~~أو السنة مما قد يوهم خلاف ذلك يجب إرجاعه إلى بقية الآيات وسائر الآثار ~~حتى ينطبق الجميع على ما هدت إليه البديهيات السابق إيرادها وعلى ما يليق ~~بكمال الله وبالغ حكمته وجليل عظمته والآصل الذى يرجع إليه كل وارد فى هذا ~~الباب # قوله تعالى {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ ~~لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا ~~هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} # وقوله {لاتخذناه} من لدنا أى لصدر عن ذاتنا المنفردة بالكمال المطلق الذى ~~لا يشوبه نقص وهو محال وإن فى قوله إن كنا فاعلين نافية وهو نتيجة القياس ~~السابق # بقى أن الناظرين فى هذه الحقائق ينقسمون إلى قسمين فمنهم من يطلب علمها ~~لأنه شهوة العقل وفيه لذته فهذا القسم يسمى المعانى بأسمائها ولا يبالى جوز ~~الشرع إطلاقها فى جانب الله أم لم يجوز فيسمى الحكمة غاية وغرضا وعلة # PageV01P030 # غائية ورعاية للمصلحة وليس من رأيه أن يجعل لقلمه عنانا يرده عن إطلاق ~~اسم متى صح عنده معناه وقد يعبر بالواجب عليه بدل الواجب له غير مبال بما ~~يوهمه اللفظ # ومنهم من يطلب علمها مع مراعاة أن ذلك دين يتعبد به واعتقاد بشئون لإله ~~عظيم يعبد بالتحميد والتعظيم ويجب الاحتياط فى ينزيهه حتى بعفة اللسان عن ~~النطق بما يوهم نقصا فى جانبه فيتبرأ من تلك الألفاظ مفردها ومركبها فإن ~~الوجوب عليه يوهم التكليف والإلزام وبعبارة أخرى يوهم القهر والتأثر ~~بالأغيار ورعاية المصلحة ms026 توهم إعمال النظر وإجالة الفكر وهما من لوازم ~~النقص فى العلم والغاية والعلة الغائية والغرض توهم حركة فى نفس الفاعل من ~~قبل البدء فى العمل إلى نهايته وفيها ما فى سوابقها ولكن الله أكبر هل يصح ~~ان تكون سعة المجال أو التعفف فى المقال سببا فى التفرقة بين المؤمنين ~~وتماريهم فى الجدال حتى ينتهى بهم التفرق إلى ما صاروا إليه من سوء الحال ### | أفعال العباد # كما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنه موجود ولا يحتاج فى ذلك إلى ~~دليل يهديه ولا معلم يرشده كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الإختيارية يزن ~~نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته ثم يصدرها بقدرة مافيه ويعد إنكار شىء من ~~ذلك مساويا لإنكار وجوده فى مجافاته لبداهة العقل # كما يشهد بذلك فى نفسه يشهده أيضا فى بنى نوعه كافة متى كانوا مثله فى ~~سلامة العقل والحواس ومع ذلك فقد يريد إرضاء خليل فيغضبه وقد يطلب كسب رزق ~~فيفوته وربما سعى إلى منجاة فسقط فى مهلكة فيعود باللائمة على نفسه إن كان ~~لم يحكم النظر فى تقدير فعله ويتخذ من خيبته أول مرة مرشدا له فى الآخرى ~~فيعاود العمل من طريق أقوم وبوسائل أحكم ويتقد غيظه على من حال بينه وبين ~~ما يشتهى إن كان سبب الإخفاق فى المسعى منازعة # PageV01P031 # منافس له فى مطلبه لوجدانه من نفسه أنه الفاعل فى حرمانه فينبرى لمناضلته ~~وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك إن لم يكن لتقصيره أو لمنافسة غيره دخل ~~فيما لقى من مصير عمله كأن هب ريح فأغرق بضاعته أو نزل صاعق فأحرق ماشيته ~~أو علق أمله بمعين فمات أو بذى منصب فعزل يتجه من ذلك إلى أن فى الكون قوة ~~أسمى من أن تحيط بها قدرته وأن وراء تدبيره سلطانا لا تصل إليه سلطته فإن ~~كان قد هداه البرهان وتقويم الدليل إلى أن حوادث الكون بأسره مستندة إلى ~~واجب وجود واحد يصرفه على مقتضى علمه وإرادته خشع وخضع ورد الأمر إليه فيما ~~لقى ولكن مع ذلك لا ينسى ms027 نصيبه فيما بقى فالمؤمن كما يشهد بالدليل وبالعيان ~~أن قدرة مكون الكائنات أسمى من قوى الممكنات يشهد بالبداهة أنه فى أعماله ~~الاختيارية عقلية كانت أو جسمانية قائم بتصريف ماوهب الله له من المدارك ~~والقوى فيما خلقت لأجله وقد عرف القوم شكر الله على نعمة فقالوا هو صرف ~~العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله # على هذا قامت الشرائع وبه استقامت التكاليف ومن أنكر شيئا منه قد أنكر ~~مكان الإيمان من نفسه وهو عقله الذى شرفه الله بالخطاب فى أوامره ونواهيه # أما البحث فيما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل من أحاطة علم ~~الله وإرادته وبين ما تشهد به البداهة من عمل المختار فيما وقع عليه ~~الاختيار فهو من طلب سر القدر الذى نهينا عن الخوض فيه واشتغال بما لا تكاد ~~تصل العقول إليه وقد خاض فيه الغالون من كل ملة خصوصا من المسيحيين ~~والمسلمين ثم لم يزالوا بعد طول الجدال وقوفا حيث ابتدءوا وغاية ما فعلوا ~~أن فرقوا وشتتوا فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلالها ~~المطلق وهو غرور ظاهر ومنهم من قال بالجبر وصرح به ومنهم من قال به وتبرأ ~~من اسمه وهو هدم للشريعة ومحو للتكاليف وإبطال لحكم العقل البديهى وهو عماد ~~الإيمان # ودعوى أن الاعتقاد بكسب العبد لأفعاله يؤدى إلى الإشراك بالله وهو الظلم ~~العظيم دعوى من لم يلتفت إلى معنى الاشراك على ما جاء به الكتاب # PageV01P032 # والسنة فالإشراك اعتقاد أن لغير الله أثرا فوق ما وهبه الله من الأسباب ~~الظاهرة وأن لشىء من الأشياء سلطانا على ما خرج عن قدرة المخلوقين وهو ~~اعتقاد من يعظم سوى الله مستعينا به فيما لا يقدر العبد عليه كالاستنصار فى ~~الحرب بغير قوة الجيوش والاستشفاء من الأمراض بغيرالأدوية التى هدانا الله ~~إليها والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التى ~~شرعها الله لنا هذا هو الشرك الذى كان عليه الوثنيون ومن ماثلهم فجاءت ~~الشريعة الإسلامية بمحوه ورد الأمر فيما فوق ms028 القدرة البشرية والأسباب ~~الكونية إلى الله وحده وتقرير أمرين عظيمين هما ركنا السعادة وقوام الأعمال ~~البشرية الأول أن العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته والثانى ~~أن قدرة الله هى مرجع لجميع الكائنات وأن من آثارها ما يحول بين العبد وبين ~~إنقاذ ما يريده وأن لا شىء سوى الله يمكن له أن يمد العبد بالمعونة فيما لم ~~يلبغه كسبه جاءت الشريعة لتقرير ذلك وتحريم أن يستعين العبد بأحد غير خالقه ~~فى توفيقه إلى إتمام عمله بعد إحكام البصيرة فيه وتكليفه بأن يرفع همته إلى ~~استمداد العون منه وحده بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح ~~الفكر وإجادة العمل ولا يسمح العقل ولا الدين لأحد أن يذهب إلى غير ذلك ~~وهذا الذى قررناه قد اهتدى إليه سلف الأمة فقاموا من الأعمال بما عجبت له ~~الأمم وعول عليه من متأخرى أهل النظر إمام الحرمين الجوينى رحمه الله وإن ~~أنكر عليه بعض من لم يفهمه # أكرر القول بأن الإيمان بوحدانية الله لا يقتضى من المكلف إلا اعتقاد أن ~~الله صرفه فى قواه فهو كاسب كإيمانه ولما كلفه الله به من بقية الأعمال ~~واعتقاد أن قدرة الله فوق قدرته ولها وحدها السلطان الأعلى فى إتمام مراد ~~العبد بإزالة الموانع أو تهيئة الأسباب المتممة مما لا يعلمه ولا يدخل تحت ~~إرادته # أما التطلع إلى ما هو أغمض من ذلك فليس من مقتضى الإيمان كما بينا وإنا ~~هو من شره العقول فى طلب رفع الأستار عن الأسرار ولا أنكر أن قوما قد وصلوا ~~بقوة العلم والمثابرة على مجاهدة المدارك إلى ما أطمأنت به نفوسهم # PageV01P033 # وتقشعت به حيرتهم ولكن قليل ما هم على أن ذلك نور يقذفه الله فى قلب من ~~شاء ويخص به أهل الولاية والصفاء وكثير ماضل قوم وأضلوا وكان لمقالاتهم ~~أسوأ الأثر فيما عليه حال الأمة اليوم # لو شئت لقربت البعيد فقلت إن من بالغ الحكم فى الكون أن تتنوع الأنواع ~~على ما هى عليه فى العيان ولا يكون ms029 النوع ممتازا عن غيره حتى تلزمه خواصه ~~وكذا الحال فى تميز الأشخاص فواهب الوجود يهب الأنواع والأشخاص وجودها على ~~ما هى عليه ثم كل وجود متى حصل كانت له توابعه ومن تلك الأنواع الإنسان ومن ~~مميزاته حتى يكون غير سائر الحيوانات ان يكون مفكرا مختارا فى عمله على ~~مقتضى فكره فوجوده الموهوب مستتبع لمميزاته هذه ولو سلب شيء منها لكان إما ~~ملكا أو حيوانا آخر والفرض أنه الإنسان فهبة الوجود له لاشىء فيها من القهر ~~على العمل ثم علم الواجب محيط بما يقع من الإنسان بإرادته وبأن عمل كذا ~~يصدر فى وقت كذا وهو خير يثاب عليه وأن عملا آخر شر يعاقب عليه عقاب الشر ~~والأعمال فى جميع الأحوال حاصلة عن الكسب والإختيار فلا شىء فى العلم بسالب ~~للتخيير فى الكسب وكون ما فى العلم يقع لا محالة إنما جاء من حيث هو الواقع ~~والواقع لا يتبدل # ولنا فى علومنا الكونية أقرب الأمثال شخص من أهل العناد يعلم علم اليقين ~~أن عصيانه لأميره باختياره يحل عقوبته لا محالة لكنه مع ذلك يعمل العمل ~~ويستقبل العقوبة وليس لشىء من علمه وانطباقه على الواقع أدنى أثر فى ~~اختياره لا بالمنع ولا بالإلزام فانكشاف الواقع للعالم لا يصح فى نظر العقل ~~ملزما ولا مانعا وإنما يريك الوهم تغيير العبارات وتشعب الألفاظ ولو شئت ~~لزدت فى بيان ذلك ورجوت أن لا يبعد عن عقل ألف النظر الصحيح ولم تفسد فطرته ~~بالمماحكات اللفظية لكن يمنعنى عن الإطالة فيه عدم الحاجة إليه فى صحة ~~الإيمان وتقاصر عقول العامة عن إدراك الأمر فى ذاته مهما بالغ المعبر فى ~~الإيضاح عنه والتياث قلوب الجمهور من الخاصة بمرض التقليد فهم يعتقدون ~~الأمر ثم يطلبون الدليل عليه ولا يريدونه إلا موافقا لما يعتقدون فإن جاءهم ~~بما يخالف ما اعتقدوا # PageV01P034 # قيدوه ولجوا فى مقاومته وإن أدى ذلك إلى جحد العقل برمته فأكثرهم يعتقد ~~فيستدل وقلما نجد بينهم من يستدل ليعتقد فإن صاح بهم صائح من عماق سرائرهم ~~ويل للخابط ذلك قلب ms030 لسنة الله فى خلقه وتحريفلهدية وتحريف لهدية فى شرعه ~~عرتهم هزة من الجزع ثم عادوا إلى السكون محتجين بأن هذا هو المألوف وما ~~أقمنا إلا على معروف ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ### | حسن الأفعال وقبحها # الأفعال الإنسانية الإختيارية لا تخرج عن أن تكون من الأكوان الواقعة تحت ~~مداركنا وما تنفعل به نفوسنا عند الإحساس بها أو استحضار صورها يشابه كل ~~المشابهة ما تنفعل به عند وقوع بعض الكائنات تحت حواسنا أو حضورها فى ~~مخيلاتنا وذلك بديهى لا يحتاج إلى دليل # نجد فى أنفسنا بالضرورة تمييزا بين الجميل من الأشياء والقبيح منها فان ~~اختلفت مشارب الرجال فى فهم جمال النساء أو مشارب النساء فى معنى جمال ~~الرجال فلم يختلف أحد فى جمال ألوان الأزهار وتنضيد اوراق النباتات ~~والأشجار خصوصا إذا كانت أوضاع الزهر على أشكال تمثل الائتلاف والتناسب بين ~~تلك الألوان بعضها مع بعض ولا فى قبح الصورة الممثل بها بتهشيم بعض أجزائها ~~وانقطاع البعض الآخر على غير نظام وانفعال أنفسنا من الجميل بهجة أو إعجاب ~~ومن القبيح اشمئزاز أو جزع وكما يقع هذا التمييز فى المبصرات يقع فى غيرها ~~من المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات كما هو معروف لكل حساس من ~~بنى آدم بإحدى تلك الحواس # ليس هذا موضع تحديد ما هو الجمال وما هو القبح فى الأشياء ولكن لا ~~يخالفنا أحد فى أن من خواص الإنسان بل وبعض الحيوان التمييز بينهما وعلى ~~هذا قامت الصناعات على اختلاف أنواعها وبه ارتقى العمران فى أطواره # PageV01P035 # إلى الحد الذى نراه عليه الآن وإن اختلفت الأذواق ففى الأشياء جمال وقبح # هذا فى المحسوسات واضح كما سبق ولعله لا ينزل عن تلك الدرجة فى الوضوح ~~مالم به العقل من الموجودات المعقولة وإن اختلف اعتبار الجمال فيها فالكمال ~~فى المعقولات كالوجود الواجب والأرواح اللطيفة وصفات النفوس البشرية له ~~جمال تشعر به أنفس عارفيه وتنبهر له بصائر لاحظية وللقص قبح لا تنكره ~~المدارك العالية وإن اختلف أثر الشعور ببعض أطواره فى الوجدان عن اثر ms031 ~~الإحساس بالقبيح فى المحسوسات وهل فى الناس من ينكر قبح النقص فى العقل أو ~~السقوط فى الهمة وضعف العزيمة ويكفى أن أرباب هذه النقائص المعنوية يجاهدون ~~فى إخفائها ويفخرون أحيانا بأنهم متصفون بأضدادها # وقد يجمل القبح بجمال أثره ويقبح الجميل بقبح ما يقترن به فالمر قبيح ~~مستشبع ولذلك الدميم المشوه ألخلقه ينبو عنه النظر لكن أثر المر فى معالجة ~~المرض وعدل الدميم فى رعيته أو إحسانه إليك فى خاصة نفسك يغير من حالتك ~~النفسة عند حضور صورته فإن جمال الأثر يلقى على صاحبه أشعة من بهائه فلا ~~يشعر الوجدان منه إلا بالجميل ومثل ذلك يقال فى قبح الحلو إذا أضر واشمئزاز ~~النفس من الجميل إذا ظلم وأصر # هل يمكن لعاقل أن لا يقول فى الأفعال الأختيارية كما قال فى الموجودات ~~الكونية مع أنها نوع منها وتقع تحت حواسنا ومداركنا العقلية إما بنفسها ~~وإما بآثرها وتنفعل بما يلم بها منها كما تنفعل بما يرد عليها من صور ~~الكائنات كلا بل هى قسم من الموجودات حكمها فى ذلك حكم سائرها بالبداهة # فمن الأفعال الاختيارية ما هو معجب فى نفسه تجد النفس منه ما تجد من جمال ~~الخلق كالحركات العسكرية المنتظمة وتقلب المهرة من اللاعبين فى الألاعيب ~~المعروفة اليوم وبالجمتاستيك كإيقاع النغمات على القوانين الموسيقية من ~~العازف بها ومنها ما هو قبيح فى نفسه يحس منه ما يحس من رؤية الخلق المشوه ~~كتخبط ضعفاء النفوس عند الجزع وكولولة النائحات ونقع المذعورين # PageV01P036 # ومنها ما هو قبيح لما يعقبه من الألم وما هو حسن لما يجلب من اللذة أو ~~دفع الألم فالأول كالضرب والجرح وكل ما يؤلم من أفعال الإنسان والثانى ~~كالأكل على جوع والشرب على عطش وكل ما يحصل لذة أو يدفع ألما مما لا يحصى ~~عده وفى هذا القسم يكون الحسن بمعنى ما يلذ والقبيح بمعنى المؤلم # وقلما يختلف تمييز الإنسان للحسن والقبيح من الأفعال بالمعنيين السابقين ~~عن تمييز الحيوانات المرتقبة فى سلسلة الوجود اللهم إلا فى قوة الوجدان ~~وتحديد مرتبة الجمال والقبح ms032 # ومن الأفعال الاختيارية ما يحسن باعتبار ما يجلب من النفع وما يقبح بما ~~يجر إليه من الضرر ويختص الإنسان بالتمييز بين الحسن والقبيح بهذا المعنى ~~إذا أخذ من أكمل وجهانه وقلما يشاركه فيه حيوان آخر اللهم إلا من أحط جهانه ~~وهو خاصة العقل وسر الحكمة الإلهية فى هبة الفكر # فمن اللذيذ ما يقبح لشئوم عاقبته كالإفراط فى تناول الطعام والشراب ~~والإنقطاع إلى سماع الأغانى والجرى فى أعقاب الشهوات فإن ذلك مفسدة للصحة ~~مضيعة للعقل متلفة للمال مدعاة للعجز والذل وإنما قبح اللذيذ فى هذا الموضع ~~لقصر مدته وطول مدة ما يجر إليه عادة من الآلام التى قد لا تنتهى إلا ~~بالموت على أسوأ حالاته ولضعف النسبة بين متاع اللذة ومقاساة شدائد الألم ~~ومن المؤلم ما يحسن كتجشم مشاق التعب فى الأعمال لكسب الرزق وتأمين النفس ~~حاجاته فى أوقات الضعف ومجاهدة الشهوات ومقاساة الحرمان من بعض اللذات حينا ~~من الزمن ليتوفر للقوى البدنية والعقلية حظها من التمتع بما قدر لها من ~~اللذائذ على وجه ثابت لا يخالطه اضطراب أو على نمط يخفف من رزايا الحياة إن ~~عدت الحياة مثارا لها # ومن المؤلم الذى عده العقل البشرى حسنا مقارعة الإنسان عدوه سواء كان من ~~نوعه أو من غيره للمدافعة عن نفسه أو عن أنصاره ومنهم بنو أبيه أو قبيلته ~~أو شعبه أو أمته حسب ارتقائه فى الإحساس ومخاطرته حتى بحياته فى # PageV01P037 # سبيل ذلك كأنه يرى فى بذل هذه الحياة أمنا على حياة أخرى تشعر بها نفسه ~~وإن لم يحددها عقله ومنه معاناة التعب فى كشف ما عمى عن علمه من حقائق ~~الكون كأنه لا يرى المشقة في ذلك شيئا بالقياس إلى ما يحصل من لذة ~~الاطمئنان على الحق بقدر ماله من الاستطاعة # وعد من اللذيذ المستقبح مد اليد إلى ما كسبه الغير بسعيه واستشفاء ألم ~~الحقد بإتلاف نفس المحقود عليه أو ماله لما فى ذلك من جلب المخافة العامة ~~حتى على ذات المتعدى ويمكنك من نفسك استحضار ما يتبع الوفاء بالعهود ~~والعقود ms033 والغدر فيها # كل هذا عرفه العقل البشرى وفرق فيه بين الضار والنافع وسمى الأول فعل ~~الشر والثانى عمل الخير وهذا التفريق هو منبت التمييز بين الفضيلة والرذيلة ~~وقد حددهما النظر الفكرى على تفاوت فى الإجمال والتفصيل للتفاوت فى درجات ~~عقول الناظرين وناط بهما سعادة الإنسان وشقاءه فى هذه الحياة كما ربط بهما ~~نظام العمران البشرى وفساده وعزة الأمم وذلتها وضعفها وقوتها وإن كان ~~المحددون لذلك والآخذون فيه بحظ من الصواب هم العدد القليل من عقلاء البشر # كل هذا من الأوليات العقلية لم يختلف فيه ملى ولا فيلسوف فللأعمال ~~الاختيارية حسن وقبح فى نفسها أو باعتبار أثرها فى الخاصة أو فى العامة ~~والحس أو العقل قادر على تمييز ما حسن منها وما قبح بالمعانى السابقة بدون ~~توقف على سمع والشاهد على ذلك ما نراه فى بعض أصناف الحيوان وما نشهده فى ~~أفاعيل الصبيان قبل تعقل ما معنى الشرع وما وصل إلينا من تاريخ الإنسان وما ~~عرف عنه فى جاهليته # ومما يحسن ذكره هنا ما شاهده بعض الناظرين فى أحوال النمل قال كانت جماعة ~~من النمل تشتغل فى بيت لها فجاءت نملة كأنها القائمة بمراقبة العمل فرأت ~~المشتغلات قد وضعت السقف على أقل من الارتفاع المناسب فأمرت بهدمه # PageV01P038 # فهدم ورفع البنيان إلى الحد الموافق ووضع السقف على أرفع مما كان وذلك من ~~أنقاض السقف القديم وهذا هو التمييز بين الضار والنافع فمن زعم أن لا حسن ~~ولا قبح فى الأعمال على الإطلاق فقد سلب نفسه العقل بل عدها أشد حمقا من ~~النمل # سبق لنا أن واجب الوجود وصفاته الكمالية تعرف بالعقل فإذا وصل مستدل ~~ببرهان إلى إثبات الواجب وصفاته الغير السمعية ولم تبلغه بذلك رسالة كما ~~حصل لبعض أقوام من البشر ثم انتقل من النظر فى ذلك وفى أطوار نفسه إلى أن ~~مبدأ العقل فى الإنسان يبقى بعد موته كما وقع لقوم آخرين ثم انتقل من هذا ~~مخطئا أو مصيبا إلى أن بقاء النفس البشرية بعد الموت يستدعى سعادة لها فيه ~~أو ms034 شقاء ثم قال إن سعادتها إنما تكون بمعرفة الله وبالفضائل وإنها إنما ~~تسقط فى الشقاء بالجهل بالله وبارتكاب الرذائل وبنى على ذلك أن من الأعمال ~~ما هو نافع للنفس بعد الموت بتحصيل السعادة ومنها ما هو ضار لها بعده ~~بإيقاعها فى الشقاء فأى مانع عقلى أو شرعى يحظر عليه أن يقول بعد ذلك بحكم ~~عقله إن معرفة الله واجبة وإن جميع الفضائل وما يتبعها من الأعمال مفروضة ~~وأن الرذائل وما يكون عنها محظورة وأن يضع لذلك ما يشاء من القوانين ليدعو ~~بقية البشر إلى الإعتقاد بمثل ما يعتقد وإلى أن يأخذ من الأعمال بمثل ما ~~أخذ به حيث لم يوجد شرع يعارضه # أما أن يكون ذلك حالا لعامة الناس يعلمون بعقولهم أن معرفة الله واجبة ~~وأن الفضائل مناط السعادة فى الحياة الأخرى والرذائل مدار الشقاء فيها فمما ~~لا يستطيع عاقل أن يقول به والمشهود من حال الأمم كافة يضلل القائل به فى ~~رأيه # لو كانت حاجات الإنسان ومخاوفه محدودة كما هي حاجات فيل أو أسد مثلا وكان ~~ما وهب له من الفكر واقفا عند حد ما إليه الحاجة لاهتدى إلى المنافع واتقاء ~~المضار على وجه لا يختلف فيه أفراده واسعدت حياته وتخلص كل من شر الآخر ~~ونجا بقية الحيوانات من غائلة الجميع # PageV01P039 # لكن قضى عليه حكم نوعه بأن لا يكون لحاجته حد ولا تختص معيشته بجو من ~~الأجواء ولا بوضع من الأوضاع وأن يوهب من القوى المدركة ما يكفيه استعماله ~~فى سد عوزه وتوفير لذاته فى أي إقليم وعلى أي حال وأن يختلف ظهور هذه ~~المدارك فى أطوارها وآثارها باختلاف أصنافه وشعوبه وأشخاصه اختلافا لا ~~تنتهى درجاته ولولا هذا لما اختلف عن بقية الحيوانات إلا باستقامة القامة ~~وعرض الأظفار # وهب الله الإنسان أو سلط عليه ثلاث قوى لم يساوه فيها حيوان الذاكرة ~~والمخيلة والمفكرة فالمذكرة تثير من صور الماضى ما ستره الاشتغال بالحاضر ~~فتستحضر من صور المرغوبات والمكروهات ما تنبه إليه الأشباه أو الأضداد ~~الحاضرة فقد يذكر الشىء بشبهه وقد ms035 يذكره بضده كما هو بديهى والخيال يجسم من ~~المذكور وما يحيط به من الأحوال حتى يصير كأنه شاهد ثم ينشىء له مثال لذة ~~أو ألم في المستقبل يحاكى ما ذهب به الماضى ويهمز للنفس فى طلبه أو الهرب ~~منه فتلجأ إلى الفكر فى تدبير الوسيلة إليه # على هذه القوى الثلاث مستوى سعادة الإنسان ومنها ينبوع بلائه # فمن الناس معتدل الذكر هادىء الخيال صحيح الفكر ينظر مثلا فى حال مسرف ~~أنفق ماله فى غير نافع وضاقت يده عما يقيم معيشته فيذكر ألما لحاجة مضت ثم ~~يتخيل المال ومنافعه وما تتمتع به النفس من اللذة به سواء فى سد حاجاته أو ~~فى دفع الألم الذى يحدثه مشهد الفاقة فى غيره بإعطاء المضطر ما يذهب ~~بضرورته ثم يتخيل ذلك المال آتيا من وجوهه التى لا يتعلق بها حق من حقوق ~~غيره وعند ذلك يوجه فكره لطلب الوسيلة إليه من تلك الوجوه بالعمل القويم فى ~~استخدام ما وهبه الله من القوى فى نفسه وما سخره له من قوى الكون المحيط به # ومن الناس منحرف عن سنن الاعتدال يرى مالا مثلا فى يد غيره فيتذكر لذة ~~ماضيه أصابها بمثل هذا المال ويعظم له الخيال لذة مثلها فى المستقبل # PageV01P040 # ولا يزال يعظم فى تلك اللذة والتمتع بها حتى يقع ظل الخيال على طريق ~~الفكر فيستر عنه ما طاب من وجوه الكسب وإنما يعمد إلى استعمال قوته أو ~~حيلته فى سلب المال من يد مالكه لينفقه فيما تخيل من المنفعة فيكون قد عطل ~~بذلك قواه الموهوبة له وأخل بالأمن الذى أفاضه الله بين عباده وسن سنة ~~الاعتداء فلا يسهل عليه ولا على غيره الوصول إلى الراحة من أعمال المقترفين ~~لمثل عمله وخفيف من النظر فى أعمال البشر يجليها جميعها على نحو ما بينا فى ~~المثالين فلقوة الذاكرة وضعفها وحدة الخيال واعتداله واعوجاج الفكر ~~واستقامته أعظم أثر فى التمييز بين النافع والضار فى أشخاص الأعمال ~~وللأمزجة والأجواء وما يحتف بالشخص من أهل وعشيرة ومعاشرين مدخل عظيم فى ~~التخيل ms036 والفكر بل وفى الذكر # فالناس متفقون على أن من الأعمال ما هو نافع ومنها ما هو ضار وبعبارة ~~أخرى منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح ومن عقلائهم وأهل النظر الصحيح ~~والمزاج المعتدل منهم من يمكنه إصابة وجه الحق فى معرفة ذلك ومتفقون كذلك ~~على أن الحسن ما كان أدوم فائدة وإن كان مؤلما فى الحال وأن القبيح ما جر ~~إلى فساد فى النظام الخاص بالشخص أو الشامل له ولمن يتصل به وإن عظمت لذته ~~الحاضرة ولكنهم يختلفون فى النظر إلى كل عمل بعينه اختلافهم فى أمزجتهم ~~وسحنهم ومناشئهم وجميع ما يكتنف بهم فلذلك ضربوا إلى الشر فى كل وجه وكل ~~يظن أنه إنما يطلب نافعا ويتقى ضارا فالعقل البشرى وحده ليس فى استطاعته أن ~~يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته فى هذه الحياة اللهم إلا فى قليل ممن لم يعرفهم ~~الزمن فان كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم أشار إليهم الدهر بأصابع ~~الأجيال وقد سبقت الإشارة إليهم فيما مر # وليست عقول الناس سواء فى معرفة الله تعالى ولا فى معرفة حياة بعد هذه ~~الحياة فهم وإن اتفقوا فى الخضوع لقوة أسمى من قواهم وشعر معظمهم بيوم بعد ~~هذا اليوم ولكن أفسدت الوثنية عقولهم وانحرفت بها عن مسلك السعادة فليس فى ~~سعة العقل الإنسانى فى الأفراد كافة أن يعرف من الله ما يجب أن # PageV01P041 # يعرف ولا أن يفهم من الحياة الآخرة ما ينبغى أن يفهم ولا أن يقرر لكل نوع ~~من الأعمال جزاءه فى تلك الدار الآخرة وإنما قد تيسر ذلك لقليل ممن اختصه ~~الله بكمال العقل ونور البصيرة وإن لم ينل شرف الاقتداء بهدى نبوى ولو بلغه ~~لكان أسرع الناس إلى اتباعه وهؤلاء ربما يصلون بأفكارهم إلى العرفان من وجه ~~غير ما يليق فى الحقيقة أن ينظر منه إلى الجلال الإلهي # ثم من أحوال الحياة الأخرى مالا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده وهو ~~تفصيل اللذائذ والآلام وطرق المحاسبة على الأعمال ولو بوجه ما ومن الأعمال ms037 ~~مالا يمكن أن يعرف وجه الفائدة فيه لا فى هذه الحياة ولا فيما بعدها كصور ~~العبادات كما يرى فى أعداد الركعات وبعض الأعمال في الحج فى الديانة ~~الإسلامية وكبعض الاحتفالات فى الديانة الموسوية وضروب التوسل والزهادة فى ~~الديانة العيسوية كل ذلك مما لا يمكن للعقل البشرى أن يستقل بمعرفة وجه ~~الفائدة فيه ويعلم الله أن فيه سعادته # لهذا كله كان العقل الإنسانى محتاجا فى قيادة القوى الإدراكية والبدنية ~~إلى ما هو خير له فى الحياتين إلى معين يستعين به فى تحديد أحكام الأعمال ~~وتعيين الوجه فى الاعتقاد بصفات الألوهية ومعرفة ما ينبغى أن يعرف من أحوال ~~الآخرة وبالجملة فى وسائل السعادة فى الدنيا والآخرة ولا يكون لهذا المعين ~~سلطان على نفسه حتى يكون من بنى جنسه ليفهم منه أو عنه ما يقول وحتى يكون ~~ممتازا على سائر الأفراد بأمر فائق على ما عرف فى العادة وما عرف فى سنة ~~الخليقة ويكون بذلك مبرهنا على أنه يتكلم عن الله الذى يعلم مصالح العباد ~~على ما هى عليه ويعلم صفاته الكمالية وما ينبغى أن يعرف منها والحياة ~~الآخرة وما أعد فيها فيكون الفهم عنه والثقة بأنه يتكلم عن العليم الخبير ~~معينا للعقل على ضبط ما تشتت عليه أو درك ما ضعف عن إدراكه وذلك المعين هو ~~النبى صلى الله عليه وسلم # النبوة تحدد ما ينبغى أن يلحظ فى جانب واجب الوجود من الصفات وما يحتاج ~~إليه البشر كافة من ذلك وتشير إلى خاصتهم بما يمكن لهم أن يفضلوا # PageV01P042 # به غيرهم فى مقامات عرفانهم لكنها لا تحتم إلا ما فيه الكفاية للعامة ~~فجاءت النبوات مطالبة بالاعتقاد بوجود الله وبوحدانيته وبالصفات التى ~~أثبتناها على الوجه الذى بيناه وأرشدت إلى طرق الاستدلال على ذلك فوجوب ~~المعرفة على هذا الوجه المخصوص وحسن المعرفة وحظر الجهالة أو الجحود بشىء ~~مما أوجبه الشرع فى ذلك وقبحه مما لا يعرف إلا من طريق الشرع معرفة تطمئن ~~بها النفس ولو استقل عقل بشرى بذلك لم يكن على الطريق المطلوب من ms038 الجزم ~~واليقين والاقتناع الذى هو عماد الطمأنينة فان زيد على ذلك أن العرفان على ~~ما بينه الشرع يستحق المثوبة المعينة فيه وضده يستحق العقوبة التى نص عليها ~~كانت طريق معرفة الوجوب شرعية محضة غير أن ذلك لا ينافى أن معرفة الله على ~~هذه الصفة حسنة فى نفسها وإنما جاء الشرع مبينا للواقع فهو ليس محدث الحسن ~~ونصوصه تؤيد ذلك وأذكر مثالا من كثير قال تعالى على لسان يوسف أأرباب ~~متفرقون خير أم الواحد القهار يشير بذلك اشارة واضحة إلى أن تفرق الآلهة ~~يفرق بين البشر فى وجهة قلوبهم إلى أعظم سلطان يتخذونه فوق قوتهم وهو يذهب ~~بكل فريق إلى التعصب لما وجه قلبه إليه وفى ذلك فساد نظامهم كما لا يخفى ~~أما اعتقاد جميعهم بإله واحد فهو توحيد لمنازع نفوسهم إلى سلطان واحد يخضع ~~الجميع لحكمه وفى ذلك نظام أخوتهم وهى قاعدة سعاتهم وإليها مآلهم فيما ~~أعتقد وإن طال الزمن فكما جاء الشرع مطالبا بالاعتقاد جاء هاديا لوجه الحسن ~~فيه # النبوة تحدد أنواع الأعمال التى تناط بها سعادة الإنسان فى الدارين ~~وتطالبه عن الله بالوقوف عند الحدود التى حددتها وكثيرا ما تبين له مع ذلك ~~وجوه الحسن أو القبح فيما أمر به أو نهى عنه فوجوب عمل من المأمور به أو ~~الندب إليه وحظر عمل كراهته من المنهى عنه الذى على الوجه الذى حددته ~~الشريعة وعلى أنه مثاب عليه بأجر كذا ومجازى عليه بعقوبة كذا مما لا يستقل ~~العقل بمعرفته بل طريقة معرفته شرعية وهو لا ينافى أيضا أن يكون المأمور به ~~حسنا فى ذاته بمعنى أنه مما يؤدى إلى منفعة دنيوية أو أخروية باعتبار أثره ~~فى أحوال # PageV01P043 # المعيشة أو فى صحة البدن أو فى حفظ النفس أو المال أو العرض أو فى زيادة ~~تعلق القلب بالله جل شأنه كما هو مفصل فى الأحكام الشرعية وقد يكون من ~~الأعمال الشرعية وقد يكون من الأعمال مالا يمكن درك حسنه ومن المنهيات مالا ~~يعرف وجه قبحه وهذا النوع لا حسن له إلا ms039 الأمر ولا قبح إلا النهى والله ~~أعلم ### | الرسالة العامة # نريد من الرسالة العامة بعثة الرسل لتبليغ شىء من العقائد والأحكام عن ~~الله خالق الإنسان وموفيه مالا غنى له عنه كما وفى غيره من الكائنات سداد ~~حاجاتها ووفاء وجودها على القدر الذى حدد لها فى رتبة نوعها من الوجود ~~والكلام فى هذا البحث من وجهين الأول وهو أيسرهما على المتكلم وجه أن ~~الاعتقاد ببعثة الرسل ركن من أركان الإيمان فيجب على كل مؤمن ومؤمنة أن ~~يعتقد بأن الله أرسل رسلا من البشر مبشرين بثوابه ومنذرين بعقابه قاموا ~~بتبليغ أممهم ما أمرهم بتبليغه من تنزيه لذاته وتبيين لسلطانه القاهر على ~~عباده وتفصيل لأحكامه فى فضائل أعمال وصفات يطالبهم بها وفى مثالب الأفعال ~~وخلائق ينهاهم عنها وأن يعتقد بوجوب تصديقهم فى أنهم يبلغون ذلك عن الله ~~ووجوب الاقتداء بهم فى سيرهم والائتمار بما أمروا به والكف عما نهواعنه وأن ~~يعتقد بأن منهم من أنزل الله عليه كتبا تشتمل على ما أراد أن يبلغوه من ~~الخبر عنه ومن الحدود والأحكام التى علم الخير لعباده فى الوقوف عندها وأن ~~هذه الكتب التى أنزلت عليهم حق وأن يؤمن بأنهم مؤيدون من العناية الإلهية ~~بما لا يعهد للعقول ولا للاستطاعة البشرية وأن هذا الأمر الفائق لمعروف ~~للبشر هو المعجزة الدالة على صدق النبى فى دعواه فمتى ادعى الرسول النبوة ~~واستدل عليها بالمعجزة وجب التصديق برسالته # ومن لوازم ذلك بالضرورة وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم وصحة عقولهم وصدقهم فى ~~أقوالهم وأمانتهم فى تبليغ ما عهد اليهم أن يبلغوه وعصمتهم # PageV01P044 # من كل ما يشوه السيرة البشرية وسلامة أبدانهم مما تنبوا عنه الابصار ~~وتنفر منه الأذواق السليمة وأنهم منزهون عما يضاد شيئا من هذه الصفات ~~المتقدمة وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهى بما لا يمكن معه لنفس ~~إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية اما فيما عدا ذلك فهم بشر يعتريهم ما ~~يعترى سائر أفراده يأكلون ويشربون وينامون ويسهون وينسون فيما لا علاقة له ~~بتبليغ الأحكام ويمرضون وتمتد إليهم أيدى الظلمة وينالهم ms040 الاضطهاد وقد ~~يقتلون # المعجزة ليست من نوع المستحيل عقلا فإن مخالفة السير الطبيعى المعروف فى ~~الإيجاد مما لم يقم دليل على استحالته بل ذلك مما يقع كما يشاهد فى حال ~~المريض يمتنع عن الأكل مدة لو لم يأكل فيها وهو صحيح لمات مع وجود العلة ~~التى تزيد الضعف وتساعد الجوع على الإتلاف فإن قيل إن ذلك لا بد أن يكون ~~تابعا لناموس آخر طبيعى قلنا إن واضع الناموس هو موجد الكائنات فليس من ~~المحال عليه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات غاية ما فى الأمر أننا لا ~~نعرفها ولكنا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضل من عنده على أننا بعد ~~الاعتقاد بأن صانع الكون قادر مختار يسهل علينا العلم بأنه لا يمتنع عليه ~~أن يحدث الحادث على أى هيئة وتابعا لأى سبب إذا سبق فى علمه أنه يحدثه كذلك # المعجزة لا بد أن تكون مقرونة بالتحدى عند دعوى النبوة وظهورها من ~~البراهين المثبتة لنبوة من ظهرت على يده لأن النبى يستند إليها فى دعواه ~~أنه مبلغ عن الله فاصدار الله لها عند ذلك يعد تأييدا منه له في تلك الدعوى ~~ومن المحال على الله أن يؤيد الكاذب فإن تأييد الكاذب تصديق له وتصدق ~~الكاذب كذب وهو محال على الله فمتى ظهرت المعجزة وهى مما لا يقدر عليه ~~البشر وقارن ظهورها دعوى النبوة علم بالضرورة أن الله ما أظهرها إلا تصديقا ~~لمن ظهرت على يده وإن كان هذا العلم قد يقارنه الانكار مكابرة # وأما السحر وأمثاله فإن سلم أن مظاهره فائقة عن آثار الأجسام والجسمانيات ~~فهى لا تعلو عن متناول القوى الممكنة فلا يقارب المعجزة فى شىء # PageV01P045 # أما وجوب تلك الصفات المتقدمة للأنبياء فلأنهم لو انحطت فطرهم عن فطر أهل ~~زمانهم أو تضاءلت أرواحهم لسلطان نفوس أخر أو مس عقولهم شىء من الضعف لما ~~كانوا أهلا لهذا الاختصاص الإلهى الذى يفوق كل اختصاص اختصاصهم يوحيه ~~والكشف لهم عن أسرار علمه ولو لم تسلم أبدانهم عن المنفرات لكان انزعاج ~~النفس ms041 لمرآهم حجة للمنكر فى إنكار دعواهم ولو كذبوا أو خانوا أو قبحت ~~سيرتهم لضعفت الثقة بهم ولكانوا مضلين لا مرشدين فتذهب الحكمة من بعثتهم ~~والأمر كذلك لو أدركهم السهو أو النسيان فيما عهد إليهم تبليغه من العقائد ~~والأحكام أما وقوع الخطأ منهم فيما ليس من الحديث عن الله ولاله مدخل فى ~~التشريع فجوزه بعضهم والجمهور على خلافه وما ورد من مثل أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن تأبير النخل ثم أباحه لظهور أثره فى الإثمار فإنما فعله ~~عليه الصلاة والسلام ليعلم الناس أن ما يتخذونه من وسائل الكسب وطرق ~~الصناعات فهو موكول لمعارفهم وتجاربهم ولا حظر عليهم فيه ما دامت الشرائع ~~مرعية والفضائل محمية وما حكاه الله من قصة آدم وعصيانه بالأكل من الشجرة ~~فمهما خفى فيه سر النهى عن الأكل والمؤاخذة عليه وغاية ما علمناه من حكمته ~~أنه كان سببا لعمارة الأرض ببنى آدم كأن النهى والأكل رمزان إلى طورين من ~~أطوار آدم عليه السلام أو مظهران من مظاهر النوع الإنسانى فى الوجود والله ~~أعلم ومن العسر إقامة الدليل العقلى أو إصابة دليل شرعى يقطع بما ذهب إليه ~~الجمهور ### | حاجة البشر إلى الرسالة # سبق لك فى الفصل السابق ما يهم الكلام عليه من الوجه الأول وهو وجه ما ~~يجب على المؤمن اعتقاده فى الرسل والكلام فى هذا الفصل موجه إن شاء الله ~~إلى بيان الحاجة إليهم وهو معترك الأفهام ومزلة الإقدام ومزدحم الكثير من ~~الأفكار والأوهام لسنا بصدد الاتيان بما قال الأولون ولا عرض ما ذهب إليه ~~الآخرون ولكنا نلزم ما التزمنا فى هذه الوريقات من بيان المعتقد والذهاب # PageV01P046 # إليه من أقرب الطرق من غير نظر إلى ما مال إليه المخالف أو استقام عليه ~~الموافق اللهم إلا إشارة من طرف خفى أو إلماعا لا يستغنى عنه القول الجلى # وللكلام فى بيان الحاجة إلى الرسل مسلكان الأول وقد سبق الإشارة إليه ~~يبتدىء من الاعتقاد ببقاء النفس الإنسانية بعد الموت وأن لها حياة أخرى بعد ~~الحياة الدنيا تتمتع فيها ms042 بنعيم أو تشقى فيها بعذاب أليم وأن السعادة ~~والشقاء فى تلك الحياة الباقية معقودان بأعمال المرء فى حياته الفانية سواء ~~كانت تلك الأعمال قلبية كالاعتقادات والمقاصد والارادات أو بدنية كأنواع ~~العبادات والمعاملات # اتفقت كلمة البشر موحدين ووثنيين مليين وفلاسفة إلا قليلا لا يقام لهم ~~وزن على أن لنفس الإنسان بقاء تحيا به بعد مفارقة البدن وأنها لا تموت موت ~~فناء وإنما الموت المحتوم هو ضرب من البطون والخفاء وإن اختلفت منازعهم فى ~~تصوير ذلك البقاء وفيما تكون عليه النفس فيه وتباينت مشاربهم فى طرق ~~الاستدلال عليه فمن قائل بالتناسخ فى اجساد البشر أو الحيوان على الدوام ~~ومن ذاهب إلى أن التناسخ ينتهي عندما تبلغ النفس أعلى مراتب الكمال ومنهم ~~من قال إنها متى فارقت الجسد عادت إلى تجردها عن المادة حافظة لما فيه ~~لذتها أو ما به شقوتها ومنهم من رأى أنها تتعلق بأجسام أثيرية ألطف من هذه ~~الأجسام المرئية وكان اختلاف المذاهب فى كنه السعادة والشقاء الآخرويين ~~وفيما هو متاع الحياة الآخرة وفى الوسائل التى تعد للنعيم أو تبعد عن ~~النكال الدائم وتضارب آراء الأمم فيه قديما وحديثا مما لا تكاد تحصى وجوهه # هذا الشعور العام بحياة بعد هذه الحياة المنبث فى جميع الأنفس عالمها ~~وجاهلها وحشيها ومستأنسها باديها وحاضرها قديمها وحديثها لا يمكن أن يعد ~~ضلة عقلية أو نزعة وهمية وإنما هو الإلهامات التى اختص بها هذا النوع فكما ~~ألهم الإنسان أن عقله وفكره هما عماد بقائه فى هذه الحياة الدنيا وإن شذ ~~أفراد # PageV01P047 # منه ذهبوا إلى أن العقل والفكر ليسا بكافيين للإرشاد فى عمل ما أو إلى ~~أنه لا يمكن للعقل أن يوقن باعتقاد ولا للفكر أن يصل إلى مجهول بل قالوا أن ~~لا وجود للعالم إلا فى اختراع الخيال وإنهم شاكون حتى فى أنهم شاكون ولم ~~يطعن شذوذ هؤلاء فى صحة الإلهام العام المشعر لسائر أفراد النوع أن الفكر ~~والعقل هما ركن الحياة وأس البقاء إلى الأجل المحدود كذلك قد ألهمت العقول ~~وأشعرت النفوس أن هذا ms043 العمر القصير ليس هو منتهى ما للإنسان فى الوجود بل ~~الإنسان ينزع هذا الجسد كما ينزع الثوب عن البدن ثم يكون حيا باقيا فى طور ~~آخر وإن لم يدرك كنهه ذلك إلهام يكاد يزاحم البديهة فى الجلاء يشعر كل نفس ~~أنها خلقت مستعدة لقبول معلومات غير متناهية من طرق غير محصورة شيقة إلى ~~لذائذ غير محدودة ولا واقفة عند غاية مهيأة لدرجات من الكمال لا تحددها ~~أطراف المراتب والغايات معرضة لآلام من الشهوات ونزعات الأهواء ونزوات ~~الأمراض على الأجساد ومصارعة الأجواء والحاجات وضروب من مثل ذلك لا تدخل ~~تحت عدو لا تنتهى عند حد إلهام يسلفنها بعد هذا الشعور إلى أن واهب الوجود ~~للأنواع إنما قدر الاستعداد بقدر الحاجة فى البقاء ولم يعهد فى تصرفه العبث ~~والكيل الجزاف فما كان استعداده لقبول مالا يتناهى من معلومات وآلام ولذائذ ~~وكمالات لا يصح أن يكون بقاؤه قاصرا على أيام أو سنين معدودات # شعور بهيج بالأرواح إلى تحسس هذا البقاء الأبدى وما عسى أن تكون عليه متى ~~وصلت إليه وكيف الاهتداء وأين السبيل وقد غاب المطلوب وأعوز الدليل شعورنا ~~بالحاجة إلى استعمال عقولنا فى تقويم هذه المعيشة القصيرة الأمد لم يكفنا ~~فى الاستقامة على المنهج الأقوم بل لزمتنا الحاجة إلى التعليم والإرشاد ~~وقضاء الأزمنة والأعصار فى تقويم الأنظار وتعديل الأفكار وإصلاح الوجدان ~~وتثقيف الأذهان ولا تزال إلى الآن من هم هذه الحياة الدنيا فى اضطراب لا ~~ندرى متى نخلص منه وفى شوق إلى طمأنينة لا تعلم متى تنتهى إليها # PageV01P048 # هذا شأننا فهم عالم الشهادة فماذا نؤمل من عقولنا وأفكارنا فى العلم بما ~~فى عالم الغيب هل فيما بين أيدينا من الشاهد معالم نهتدى بها إلى الغائب ~~وهل فى طرق الفكر ما يوصل كل أحد إلى معرفة ما قدر له فى حياة يشعر بها ~~وبأن لا مندوحة عن القدوم عليها ولكن لم يوهب من القوة ما ينفذ إلى تفصيل ~~ما أعد له فيها والشؤن التى لا بد أن يكون عليها بعد مفارقة ما هو ms044 فيه أو ~~إلى معرفة بيد من يكون تصريف تلك الشئون هل فى اساليب النظر ما يأخذ بك إلى ~~اليقين بمناطها من الاعتقادات والأعمال وذلك الكون مجهول لديك وتلك الحياة ~~فى غاية الغموض بالنسبة إليك كلا فإن الصلة بين العالمين تكاد تكون منقطعة ~~فى نظر العقل ومرامى المشاعر ولا اشتراك بينهما إلا فيك أنت فالنظر فى ~~المعلومات الحاضرة لا يوصل إلى اليقين بحقائق تلك العوالم المستقبلة # أفليس من حكمة الصانع الحكيم الذى أقام أمر الإنسان على قاعدة الإرشاد ~~والتعليم الذى خلق الإنسان وعلمه البيان علمه الكلام للتفاهم والكتاب ~~للتراسل أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يعدلها بمحض فضله بعض من ~~يصطفيه من خلقه وهو أعلم حيث يجعل رسالته يميزهم بالفطر السليمة ويبلغ ~~بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه والأمانة على ~~مكنون سره مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه أو ذهبت بعقله ~~جلالته وعظمه فيشرفون على الغيب بإذنه ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه ~~ويكونون فى مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين نهاية الشاهد وبداية ~~الغائب فهم فى الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها وهم وفد الآخرة فى لباس من ليس ~~من سكانها ثم يتلقون من أمره أن يحدثوا عن جلاله وما خفى على العقول من ~~شئون حضرته الرفيعة بما يشاء أن يعتقده العباد فيه وما قدر أن يكون له مدخل ~~فى سعادتهم الآخروية وأن يبينوا للناس من أحوال الآخرة ما لا بد لهم من ~~علمه معبرين عنه بما تحتمله طاقة عقولهم ولا يبعد عن متناول أفهامهم وأن ~~يبلغوا عنه شرائع عامة تحدد لهم سيرهم فى تقويم نفوسهم وكبح شهوانهم ~~وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم فى ذلك الكون المغيب عن # PageV01P049 # مشاعرهم بتفصيله اللاصق علمه بأعماق ضمائرهم فى إجماله ويدخل فى ذلك جميع ~~الأحكام المتعلقة بكليات الأعمال ظاهره وباطنه ثم يؤيدهم بما لا تبلغه قوى ~~البشر من الأيات حتى تقوم بهم الحجة ويتم الاقناع بصدق الرسالة فيكونون ~~بذلك رسلا من لدنه إلى خلقه ms045 مبشرين ومنذرين # لا ريب أن الذى أحسن كل شىء خلقه وأبدع فى كل كائن صنعه وجاد على كل حى ~~بما إليه حاجته ولم يحرم من رحمته حقيرا ولا جليلا من خلقه يكون من رأفته ~~بالنوع الذى أجاد صنعه وأقام له من قبول العلم ما يقوم مقام المواهب التى ~~اختص بها غيره أن ينقذه من حيرته ويخلصه من التخبط فى أهم حياتيه والضلال ~~فى أفضل حاليه # يقول قائل ولم لم يودع فى الغرائز ما تحتاج إليه من العلم ولم يضع فيها ~~الانقياد إلى العمل وسلوك الطريق المؤدية إلى الغاية فى الحياة الآخرة وما ~~هذا النحو من عجائب الرحمة فى الهداية والتعليم وهو قول يصدر عن شطط العقل ~~والغفلة عن موضوع البحث وهو النوع الإنسانى ذلك النوع على ما به وما دخل فى ~~تقديم جوهره من الروح المفكر وما اقتضاه ذلك من الاختلاف فى مراتب ~~الاستعداد باختلاف أفراده وأن لا يكون كل فرد منه مستعدا لكل حال بطبعه وأن ~~يكون وضع وجوده على عماد البحث والاستدلال فلو ألهم حاجاته كما تلهم ~~الحيوانات لم يكن هو ذلك النوع بل كان إما حيوانا آخر كالنحل والنمل أو ~~ملكا من الملائكة ليس من سكان هذه الأرض # المسلك الثانى فى بيان الحاجة إلى الرسالة يأخذ من طبيعة الإنسان نفسه ~~أرتنا الأيام غابرها وحاضرها أن من الناس من يختزل نفسه من جماعة البشر ~~وينقطع إلى بعض الغايات أو إلى رؤوس الجبال ويستأنس إلى الوحش ويعيش عيش ~~الأوابد من الحيوان يتغذى بالأعشاب وجذور النبات ويأوى إلى الكهوف والمغاور ~~ويتقى بعض العوادى عليه بالصخور والأشجار ويكتفى من الثياب بما يخصف من ورق ~~الشجر أو جلود الهالك من حيوان البر ولا يزال كذلك حتى # PageV01P050 # مع ما قدر لنوعها وإنما الإنسان نوع من تلك الأنواع التى غرز فى طبعها أن ~~تعيش مجتمعة وإن تعددت فيها الجماعات على أن يكون لكل واحد من الجماعة عمل ~~يعود على المجموع فى بقائه وللمجموع من العمل مالا غنى للواحد عنه فى نمائه ~~وبقائه وأودع فى ms046 كل شخص من أشخاصها شعور ما بحاجته إلى سائر أفراد الجماعة ~~التى يشملها إسم واحد وتاريخ وجود الإنسان شاهد بذلك فلا حاجة إلى الإطالة ~~في بيانه وكفاك من الدليل على أن الأنسان لا يعيش إلا فى جملة ما وهبه من ~~قوة النطق فلم يخلق لسانه مستعدا لتصوير المعانى فى الألفاظ وتأليف ~~العبارات إلا لاشتداد الحاجة به إلى التفاهم وليس الاضطرار إلى التفاهم بين ~~اثنين أو أكثر إلا الشهادة بأن لا غنى لأحدهم عن الآخر # حاجة كل فرد من الجماعة إلى سائرها مما لا يشتبه فيه وكلما كثرت مطالب ~~الشخص فى معيشته ازدادت به الحاجة إلى الأيدى العاملة فتمتد الحاجة وعلى ~~أثرها الصلة من الأهل إلى العشيرة ثم إلى الأمة وإلى النوع بأسره وأيامنا ~~هذه شاهدة على أن الصلة النابعة للحاجة قد تعم النوع كمالا يخفى هذه الحاجة ~~خصوصا فى الأمة التى حققت عنوانها لها صلات وعلائق ميزتها عمن سواها حاجة ~~فى البقاء حاجة فى التمتع بمزايا الحياة حاجة فى جلب الرغائب ودفع المكاره ~~من كل نوع # لو جرى أمر الإنسان على أساليب الخلقة فى غيره لكانت هذه الحاجة من أفضل ~~عوامل المحبة بين أفراده عامل يشعر كل نفس أن بقاءها مرتبط ببقاء الكل ~~فالكل منها بمنزلة بعض قواها المسخرة لمنافعها ودرء مضارها والمحبة عماد ~~السلم ورسول السكينة إلى القلوب هى الدافع لكل من المتاحبين على العمل ~~لمصلحة الآخر الناهض بكل منهما للمدافعة عنه فى حالة الخطر فكان من شأن ~~المحبة أن تكون حفاظا لنظام الأمم وروحا لبقائها وكان من حالها أن تكون ~~ملازمة للحاجة على مقتضى سنة الكون فان المحبة حاجة لنفسك إلى من تحب أو ما ~~تحب فان اشتدت كانت ولعا وعشقا # PageV01P051 # لكن كان من قوانين المحبة أن تنشأ وتدوم بين متاحبين إذا كانت الحاجة إلى ~~ذات المحبوب أو ما هو فيها لا يفارقها ولا يكون هذا النوع منها فى الإنسان ~~إلا إذا كان منشؤه أمرا فى روح المحبوب وشمائله التى لا تفارق ذاته حتى ~~تكون لذة الوصول فى ms047 نفس الاتصال لا فى عارض يتبعه فإذا عرض التبادل ~~والتعارض ولو حظ فى العلاقة بينهما تحولت المحبة إلى رغبة فى الانتفاع ~~بالعوض وتعلقت بالمنتفع به لا بمصدر الانتفاع وقام بين الشخصين مقام المحبة ~~إما سلطان القوة أو ذلة المخافة أو الدهان والخديعة من الجانبين # يحب الكلب سيده ويخلص له ويدافع عنه دفاع المستميت لما يرى أنه مصدر ~~الإحسان إليه فى سداد عوزه فصورة شبعه وربه وحمايته مقرونة فى شعوره بصورة ~~من يكفلها له فهو يتوقع فقدها بفقده فيحرص عليه حرصه على حياته ولو أنه ~~انتقل من حوزته إلى حوزة آخر وغاب عنه السنين ثم رآه معرضا لخطر ما عادت ~~إليه تلك الصورة يصل بعضها بعضا واندفع إلى خلاصة بما تمكنه القوة # ذلك لأن الإلهام الذى هدى به شعور الكلب ليس مما تتسع به المذاهب فوجدانه ~~يتردد بين الإحسان ومصدره وليس له وراءهما مذهب فحاجته فى سد عوزه هى حاجته ~~إلى القائم بأمره فيحبه محبته لنفسه ولا يبخس منها شوب التعارض فى الخدمة # أما الإنسان وما أدراك ما هو فليس أمره على ذلك ليس ممن يلهم ولا يتعلم ~~ولا ممن يشعر ولا يتفكر بل كان كماله النوعى فى إطلاق مداركه عن القيد ~~ومطالبه عن النهايات وتسليمه على صغره إلى العالم الأكبر على جلالته وعظمه ~~بتصارعه بعوامله وهى غير محصورة حتى يعتصر منه منافعه وهى غير محدودة ~~وإيداعه من قوى الإدراك والعمل ما يعينه على المغالبة ويمكنه من المطالبة ~~بسعيه ورأيه ويتبع ذلك أن يكون له فى كل كائن مما يصل إليه لذة وبجوار كل ~~لذة ألم ومخافة فلا تنتهى رغائبه إلى غاية ولا تقف مخاوفه عند نهاية إن ~~الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا تفاوتت # PageV01P052 # أفراده فى مواهب الفهم وفى قوى العمل وفى الهمة والعزم فمنهم المقصر ضعفا ~~أو كسلا المتطاول فى الرغبة شهوة وطمعا يرى فى أخيه أنه العون له على ما ~~يريد من شئون وجوده لكنه يذهب من ذلك إلى تخيل اللذة فى الاستئثار ms048 بجميع ما ~~فى يده ولا يقنع بمعاوضته فى ثمرة من ثمار عمله وقد يجد اللذة فى أن يتمتع ~~ولا يعمل ويرى الخير فى أن يقيم مقام العمل إعمال الفكر فى استنباط ضروب ~~الحيل ليتمتع وإن لم ينفع ويغلب عليه ذلك حتى يخيل له أن لا ضير عليه لو ~~انفرد بالوجود عمن يطلب مغالبته ولا يبالى بإرساله إلى عالم العدم بعد سلبه ~~فكلما حثه الذكر والخيال إلى دفع مخافة أو الوصول إلى لذيذ فتح له الفكر ~~بابا من الحيلة أو هيأ له وسيلة لاستعمال القوة فقام التناهب مقام التواهب ~~وحل الشقاق محل الوفاق وصار الضابط لسيرة الإنسان إما الحيلة وإما القهر # هل وقف الهوى بالإنسان عند التنافس فى اللذائذ الجسدانية وتجالد أفراده ~~طمعا فى وصول كل إلى ما يظنه غاية مطلبه وإن لم تكن له غاية كلا ولكن قدر ~~له أن تكون له لذائذ روحانية وكان من أعظم همه أن يشعر بالكرامة له فى نفس ~~غيره ممن تجمعه معهم جامعة ما حسبما يمتد إليه نظره وقد بلغت هذه الشهوة حد ~~من الأنفس كادت تتغلب على جميع الشهوات وأخذت لذة الوصول إليها من الأرواح ~~مكانا كاد لا تصعد إليه سائر اللذات وهى من أفضل العوامل فى إحراز الفضائل ~~وتمكين الصلات بين الأفراد والأمم لو صرفت فيما سيقت لأجل ولكن انحرف بها ~~السبيل كما انحرف بغيرها للأسباب التى أشرنا إليها من التفاوت فى مراتب ~~الإدراك والهمة والعزيمة حتى خيل لكثير من العقلاء أن يسعى إلى إعلاء ~~منزلته فى القلوب بإخافة الأمن وإزعاج الساكن وإشعار القلوب رهبة المخافة ~~لا تهيب الحرمة # هل يمكن مع هذا أن يستقيم أمر جماعة بنى نظامهم وعلق بقاؤهم فى الحياة ~~على تعاونهم ورفد بعضهم بعضا فى الأعمال أولا تكون هذه الأفاعيل السابق ~~ذكرها سببا فى تفانيهم لا ريب أن البقاء على تلك الأحوال من ضروب المحال ~~فلا بد للنوع الإنسانى فى حفظ بقائه من المحبة أو ما ينوب منابها # PageV01P053 # لجأ بعض أهل البصيرة فى أزمنة مختلفة إلى العدل وظنوا ms049 كما ظن بعض ~~العارفين ونطق به فى كلمة جليلة أن العدل نائب المحبة نعم لا يخلو القول من ~~حكمة ولكن من الذى يضع قواعد العدل ويحمل الكافة على رعايتها قبل ذلك هو ~~العقل فكما كان الفكر والذكر والخيال ينابيع الشقاء كذلك تكون وسائل ~~السعادة وفيها مستقر السكينة وقد راينا أن اعتدال الفكر وسعة العلم وقوة ~~العقل وأصالة الحكم تذهب بكثير من الناس إلى ما وراء حجب الشهوات وتعلو بهم ~~فوق ما تخيله المخاوف فيعرفون لكل حق حرمته ويميزون بين لذة ما يفنى ومنفعة ~~ما يبقى وقد جاء منهم أفراد فى كل أمة وضعوا أصول الفضيلة وكشفوا وجوه ~~الرذيلة وقسموا أعمال الإنسان إلى ما تحضر لذته وتسوء عاقبته وهو ما يحب ~~اجتنابه وإلى ما قد يشق احتماله ولكن تسر مغابته وهو ما يجب الأخذ به ومنهم ~~من أنفق فى الدعوة إلى رايه نفسه وماله وقضى شهيد إخلاصه فى دعوة قومه إلى ~~ما يحفظ نظامهم فهؤلاء العقلاء هم الذين يضعون قواعد العدل وعلى أهل ~~السلطان أن يحملوا الكافة على رعايتها وبذلك يستقيم أمر الناس # هذا قول لا يجافى الحق ظاهره ولكن هل سمع فى سيرة الإنسان وهل ينطبق على ~~سنته أن يخضع كافة أفراده أو الغالب منهم لرأى العاقل لمجرد أنه الصواب وهل ~~كفى فى إقناع جماعة منه كشعب أو أمة قول عاقلهم إنهم مخطئون وإن الصواب ~~فيما يدعوهم إليه وإن أقام على ذلك من الأدلة ما هو أوضح من الضياء وأجلى ~~من ضرورة المحبة للبقاء كلا لم يعرف ذلك فى تاريخ الإنسان ولا هو مما ينطبق ~~على سنته فقد تقدم لنا أن مهب الشقاء هو تفاوت الناس فى الإدراك وهم مع ذلك ~~يدعون المساواة فى العقول والتقارب فى الأصول ولا يعرف جمهورهم من حال ~~الفاضل إلا كما يعرف من أمر الجاهل ومن لم يكن فى مرتبتك من العقل لم يذق ~~مذاقك من الفضل فمجرد البيان العقلى لا يدفع نزاعا ولا يرد طمأنينة وقد ~~يكون القائم على ما وضع من شريعة العقل ms050 ممن يزعم أنه أرفع من واضعها فيذهب ~~بالناس مذهب شهواته فتذهب حرمتها ويتهدم بناؤها ويفقد ما قصد بوضعها # PageV01P054 # أضف إلى ما سبق من لوازم نزعات الفكر ونزعات الأهواء شعورا هو ألصق ~~بالغريزة البشرية واشد لزوما لها كل إنسان مهما علا فكره وقوى عقله أو ضعفت ~~فطنته وانحطت فطرته يجد نفسه أنه مغلوب لقوة أرفع من قوته وقوة ما أنس منه ~~الغلبة عليه مما حوله وأنه محكوم بإرادة تصرفه وتصرف ما هو فيه من العوالم ~~فى وجوه قد لا تعرفها معرفة العارفين ولا نتطرف إليها إرادة المختارين تشعر ~~كل نفس أنها مسوقة لمعرفة تلك القوة العظمى فتطلبها من حسها تارة ومن عقلها ~~أخرى ولا سبيل لها إلا الطريق التى حددت لنوعها وهى طريق النظر فذهب كل فى ~~طلبها وراء رائد الفكر فمنهم من ناولها ببعض الحيوانات لكثرة نفعها أو شدة ~~ضررها ومنهم من تمثلت له فى بعض الكواكب لظهور أثرها ومنهم من حجبته ~~الأشجار والأحجار لاعتبارات له فيها ومنهم من تبدت له آثار قوى مختلفة فى ~~أنواع متفرقة تتماثل فى أفراد كل نوع وتتخالف بتخالف الأنواع فجعل لكل نوع ~~إلها ولكن كلما رق الوجدان ولطفت الأذهان ونفذت البصائر ارتفع الفكر وجلت ~~النتائج فوصل من بلغ به علمه بعض المنازل من ذلك إلى معرفة هذه القدرة ~~الباهرة واهتدى إلى أنها قدرة واجب الوجود غير أن من أسرار الجبروت ما غمض ~~عليه فلم يسلم من الخيط فيه ثم لم يكن له من الميزة الفائقة فى قومه ما ~~يحملهم على الاهتداء بهديه فبقى الخلاف ذائعا والرشد ضائعا انفق الناس فى ~~الإذعان لما فاق قدرهم وعلا متناول استطاعتهم لكنهم اختلفوا فى فهم ما ~~تلجئهم الفطرة إلى الإذعان له اختلافا كان اشد أثرا فى التقاطع بينهم ~~وإثارة أعاصير الشقاق فيهم من اختلافهم فى فهم النافع والضار لغلبة الشهوات ~~عليهم # إن كان الإنسان قد فطر على أن يعيش فى جملة ولم يمنح مع تلك الفطرة ما ~~منحه النحل وبعض أفراد النمل مثلا من الإلهام الهادى إلى ما ms051 يلزم لذلك ~~وإنما ترك إلى فكره يتصرف به على نحو ما سبق كما فطر على الشعور بقاهر ~~تنساق نفسه بالرغم عنها إلى معرفته ولم يفض عليه مع ذلك الشعور عرفانه بذات ~~ذلك القاهر ولا صفاته وإنما ألقى به فى مطارح النظر تحمله الأفكار فى ~~مجاريها وترمى # PageV01P055 # به إلى حيث يدرى ولا يدرى وفى كل ذلك الويل على جامعته والخطر على وجوده ~~أفهل منى هذا النوع بالنقص ورزء بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف الحيوانات ~~وأحطها فى منازل الوجود نعم هو كذلك لولا ما أتاه الصانع الحكيم من ناحية ~~ضعفه # الإنسان عجيب فى شأنه يصعد بقوة عقله إلى أعلى مراتب الملكوت ويطاول ~~بفكره أرفع معالم الجبروت ويسامى بقوته ما يعظم عن أن يسامى من قوى الكون ~~الأعظم ثم يصغر ويتضاءل وينحط إلى أدنى درك من الاستكانة والخضوع متى عرض ~~له أمر مالم يعرف سببه ولم يدرك منشأه ذلك لسر عرفه المستبصرون واستشعرته ~~نفوس الناس أجمعين من ذلك الضعف قيد إلى هداه ومن تلك الضعة أخذ بيده إلى ~~شرف سعادته أكمل الواهب الجواد لجملته ما اقتضت حكمته فى تخصيص نوعه بما ~~يميزه عن غيره أن ينقص من أفراده وكما جاد على كل شخص بالعقل المصرف للحواس ~~لينظر فى طلب اللقمة وستر العورة والتوقى من الحر والبرد جاد على الجملة ~~بما هو أمس بالحاجة في البقاء وآثر فى الوقاية من غوائل الشقاء وأحفظ لنظام ~~الاجتماع الذى هو عماد كونه بالاجماع من عليه بالنائب الحقيقى عن المحبة بل ~~الراجع بها إلى النفوس التى أقفرت منها لم يخالف سننه فيه من بناء كونه على ~~قاعدة التعليم والإرشاد غير أنه أتاه مع ذلك من أضعف الجهات فيه وهى جهة ~~الخضوع والاستكانة فأقام له من بين أفراده مرشدين هادين وميزهم من بينها ~~بخصائص فى أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم وأيد ذلك زيادة فى الإقناع بآيات ~~باهرات تملك النفوس وتأخذ الطريق على سوابق العقول فيستخذى الطامح ويذل ~~الجامع ويصطدم بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده وينبهر لها بصر ms052 الجاهل فيرتد ~~عن غيه يطرقون القلوب بقوارع من أمر الله ويدهشون المدارك ببواهر من آياته ~~فيحيطون العقول بمالا مندوحة عن الأذعان له ويستوى فى الركون لما يجيئون به ~~المالك والمملوك والسلطان والصعلوك والعاقل والجاهل والمفضول والفاضل فيكون ~~الاذعان لهم أشبه بالاضطرارى منه بالاختيارى النظرى يعلمونهم ما شاء الله ~~أن يصلح به معاشهم # PageV01P056 # ومعادهم وما أراد أن يعلموه من شئون ذاته وكمال صفاته وأولئك هم الأنبياء ~~والمرسلين فبعثه الأنبياء صلوات الله عليهم من متمات كون الإنسان ومن أهم ~~حاجاته فى بقائه ومنزلتها من النوع منزلة العقل من الشخص نعمة أتمها الله ~~لكيلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وسنتكلم عن وظيفتهم بنوع من ~~التفصيل فيما بعد ### | امكان الوحى # الكلام فى إمكان الوحى يأتى بعد تعريفه لتصوير المعنى الذى يراد منه ~~وليعرف المعنى الحاصل بالمصدر فيفهم معنى المصدر نفسه ولا يعنينا ما تثيره ~~الألفاظ فى الأذهان ولنذكر من اللغة ما يناسبه يقال وحيت إليه وأوحيت إذا ~~كلمته بما تخفيه عن غيره والوحى مصدر من ذلك والمكتوب والرسالة وكل ما ~~ألقيته إلى غيرك ليعلمه ثم غلب فيما يلقى إلى الأنبياء من قبل الله وقيل ~~الوحى إعلام فى خفاء ويطلق ويراد به الموحى وقد عرفوه شرعا أنه كلام الله ~~تعالى المنزل على نبى من أنبيائه أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه عرفان يحده ~~الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة والأول ~~بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت ويفرق بينه وبين الالهام وجدان تستيقنه النفس ~~وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى وهو أشبه بوجدان الجوع ~~والعطش والحزن والسرور أما إمكان حصول هذا النوع هزة العرفان الوحى وانكشاف ~~ما غاب من مصالح البشر عن عامتهم لمن يختصه الله بذلك وسهولة فهمه عند ~~العقل فلا أراه مما يصعب إدراكه إلا على من لا يريد أن يدرك ويحب أن يرغم ~~نفسه الفهامة على أن لا تفهم نعم يوجد فى كل أمة وفى كل زمان أناس يقذف ms053 بهم ~~الطيش والنقص فى العلم إلى ما وراء سواحل اليقين فيسقطون فى غمرات من الشك ~~فى كل مالم يقع تحت حواسهم الخمس بل قد يدركهم الريب فيما هو من متناولها ~~كما سبقت الإشارة إليه فكأنهم بسقطتهم هذه انحطوا إلى ما هو أدنى من مراتب ~~أنواع أخرى من الحيوان فينسون العقل وشئونه # PageV01P057 # وسره ومكنونه ويجدون فى ذلك لذة الإطلاق عن قيود الأوامر والنواهى بل عن ~~محابس الحشمة التى تضمهم إلى التزام ما يليق وتحجزهم عن مقارفة مالا يليق ~~كما هو حال غير الإنسان من الحيوان فإذا عرض عليهم شىء من الكلام فى ~~النبوات والأديان وهم من أنفسهم هام بالإصغاء دافعوه بما أوتوا من الاختيار ~~فى النظر وانصرفوا عنه وجعلوا أصابعهم فى آذانهم حذر أن يخالط الدليل ~~أذهانهم فيلزمهم العقيدة وتتبعها الشريعة فيحرموا لذة ما ذاقوا وما يحبون ~~أن يتذوقوا وهو مرض فى الأنفس والقلوب يستشفى منه بالعلم إن شاء الله # قلت أى استحالة فى الوحى وأن ينكشف لفلان مالا ينكشف لغيره من غير فكر ~~ولا ترتيب مقدمات مع العلم أن ذلك من قبل واهب الفكر ومانح النظر متى خفت ~~العناية من ميزته هذه النعمة # مما شهدت به البديهة أن درجات العقول متفاوتة يعلو بعضها بعضا وأن الأدنى ~~منها لايدرك ما عليه الأعلى إلا على وجه من الإجمال وأن ذلك ليس لتفاوت ~~المراتب فى التعليم فقط بل لا بد معه من التفاوت فى الفطر التى لا مدخل ~~فيها لاختيار الإنسان وكسبه ولا شبهة فى أن من النظريات عند بعض العقلاء ما ~~هو بديهى عند من هو أرقى منه ولا تزال المراتب ترتقى فى ذلك إلى مالا يحصره ~~العدد وإن من أرباب الهمم وكبار النفوس ما يرى البعيد عن صغارها قريبا ~~فيسعى إليه ثم يدركه والناس دونه ينكرون بدايته ويعجبون لنهايته ثم يألفون ~~ما صار إليه كأنه من المعروف الذى لا ينازع والظاهر الذى لا يجاحد فإذا ~~أنكر منكر ثاروا عليه ثورتهم فى بادىء الأمر على من دعاهم إليه ولا يزال ~~هذا الصنف ms054 من الناس على قلته ظاهرا فى كل أمة إلى اليوم # فإذا سلم ولا محبص عن التسليم بما أسلفنا من المقدمات فمن ضعف العقل ~~والنكول عن النتيجة اللازمة لمقدماتها عند الوصول إليها أن لا يسلم بأن من ~~النفوس البشرية ما يكون لها من نقاء الجوهر بأصل الفطرة ما تستعد به من # PageV01P058 # محض الفيض الإلهى لأن تتصل بالأفق الأعلى وتنتهى من الإنسانية إلى الذروة ~~العليا وتشهد من أمر الله شهود العيان مالم يصل غيرها إلى تعقله أو تحسسه ~~بعصى الدليل والبرهان وتتلقى عن العليم الحكيم ما يعلو وضوحا على ما يتلقاه ~~أحدنا عن أساتذة التعاليم ثم تصدر عن ذلك العلم إلى تعليم ما علمت ودعوة ~~الناس إلى ما حملت على إبلاغه إليهم وأن يكون ذلك سنة لله فى كل أمة وفى كل ~~زمان على حسب الحاجة يظهر برحمته من يختصه بعنايته ليفى للإجتماع بما يضطر ~~إليه من مصلحته إلى أن يبلغ النوع الإنسانى أشده وتكون الأعلام التى نصبها ~~لهدايته إلى سعادته كافية فى إرشاده فتختم الرسالة ويغلق باب النبوة كما ~~سنأتى عليه فى رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم # أما وجود بعض الأرواح العالية وظهورها لأهل تلك المرتبة السامية فمما لا ~~استحالة فيه بعد ما عرفنا من أنفسنا وأرشدنا إليه العلم قديمه وحديثه من ~~اشتمال الوجود على ماهر ألطف من المادة وإن غيب عنا فأى مانع من أن يكون ~~بعض هذا الوجود اللطيف مشرقا لشىء من العلم الإلهى وأن يكون لنفوس الأنبياء ~~إشراف عليه فإذا جاء به الخبر الصادق حملنا على الإذعان بصحته # أما تمثل الصوت وأشباح لتلك الأرواح فى حس من اختصه الله بتلك المنزلة ~~فقد عهد عند أعداء الأنبياء مالا يبعد عنه فى بعض المصابين بأمراض خاصة على ~~زعمهم فقد سلموا أن بعض معقولاتهم يتمثل فى خيالهم ويصل إلى درجة المحسوس ~~فيصدق المريض فى قوله إنه يرى ويسمع بل يجالد ويصارع ولا شىء من ذلك فى ~~الحقيقة بواقع فان جاز التمثل فى الصور المعقولة ولا منشأ لها إلا فى النفس ms055 ~~وإن ذلك يكون عند عروض عارض على المخ فلم يجوز تمثل الحقائق المعقولة فى ~~النفوس العالية وأن يكون ذلك لها عندما تنزع عن عالم الحس وتنصل بحظائر ~~القدس وتكون تلك الحال من لواحق صحة العقل فى أهل تلك الدرجة لاختصاص ~~مزاجهم بمالا يوجد فى مزاج غيرهم وغاية ما يلزم عنه أن يكون لعلاقة أرواحهم ~~بأبدانهم شأن غير معروف فى تلك العلاقة من سواهم وهو مما يسهل قبوله بل ~~يتحتم # PageV01P059 # لأن شأنهم فى الناس أيضا غير الشؤن المألوفة وهذه المغايرة من أهم ما ~~امتازوا به وقام منها الدليل على رسالتهم والدليل على سلامة شهودهم وصحة ما ~~يحدثون عنه أن أمراض القلوب تشفى بدوائهم وأن ضعف العزائم والعقول بالقوة ~~فى أممهم التى تأخذ بمقالهم ومن المنكر فى البديهة أن يصدر الصحيح من معتل ~~ويستقيم النظام بمختل # أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء ممن لم تدن مراتبهم ~~من مراتب الأنبياء ولكنهم رضوا أن يكونوا لهم أولياء وعلى شرعهم ودعوتهم ~~أمناء فكثير منهم نال حظه من الأنس بما يقارب تلك الحال فى النوع أو الجنس ~~لهم مشارفة فى بعض أحوالهم على شىء فى عالم الغيب ولهم مشاهد صحيحة فى عالم ~~المثال لا تنكر عليهم لتحقيق حقائقها فى الواقع فهم لذلك لا يستعبدون شيئا ~~مما يحدث به عن الأنبياء صلوات الله عليهم ومن ذاق عرف ومن حرم انحرف ودليل ~~صحة ما يتحدثون به وعنه ظهور الأثر الصالح منهم وسلامة أعمالهم مما يخالف ~~شرائع انبيائهم وطهارة فطرهم مما ينكره العقل الصحيح أو يمجه الذوق السليم ~~واندفاعهم بباعث من الحق الناطق فى سرائرهم المتلألىء فى بصائرهم إلى دعوة ~~من يحف بهم إلى ما فيه خير العامة وترويح قلوب الخاصة ولا يخلو العالم من ~~متشبهين بهم ولكن ما أسرع ما ينكشف حالهم ويسوء مآلهم ومآل من غرروا به ولا ~~يكون لهم إلا سوء الأثر فى تضليل العقول وفساد الأخلاق وانحطاط شأن القوم ~~الذين رزئوابهم إلا أن يتداركهم الله بلطفه فتكون كلمتهم الخبيثة كشجرة ~~خبيثة اجتثت من ms056 فوق الأرض مالها من قرار فلم يبق بين المنكرين لأحوال ~~الأنبياء ومشاهدهم وبين الإقرار بإمكان ما أنبثوا به وبوقوعه إلا حجاب من ~~العادة وكثيرا ما حجب العقول حتى عن إدراك أمور معتادة # PageV01P060 ### | وقوع الوحي والرسالة # الدليل على رسالة نبى وصدقه فيما يحكى عن ربه ظاهر للشاهد الذى يرى حاله ~~ويبصر ما آتاه الله من الآيات البينات ويحقق بالعيان ما يغنيه عن البيان ~~كما سلف فى الوجه الأول من الكلام على الرسالة أما للغائب عن زمن البعثة ~~فدليلها التواتر وهو كما تبين فى علم آخر رواية خبر عن مشهود من جماعة ~~يستحيل تواطؤهم على الكذب وآيته قهر النفس على اليقين بما جاء فيه كالإخبار ~~بوجود مكة أو بأن للصين عاصمة تسمى بكين وسبب استحالة التواطؤ على الكذب ~~استيفاء الخبر لشرائط معلومة وخلوه من عوارض تضعف الثقة به ومرجع كل ذلك ~~إلى العدد وبعد الراوى عن التشيع لمضمون الخبر # لا نزاع بين العقلاء فى أن هذا النوع من الأخبار يحصل اليقين بالمخبر به ~~وإنما النزاع فى اعتبارات تتعلق به ومن الأنبياء ما استوفى الخبر عنهم ~~شرائط التواتر كابراهيم وموسى وعيسى ومما جاء به الخبر أنهم لم يكونوا فيمن ~~بعثوا بينهم بالأقوى سلطانا ولا بالأكثر مالا ولم يختصهم أحد بالعناية بهم ~~لتعليمهم علم ما ادعوا إليه وغاية الأمر أنهم لم يكونوا من الأدنين الذين ~~تعافهم النفوس وتنبو عنهم الأنظار ومع ذلك واستحكام السلطان لغيرهم ووفرة ~~المال لديه واستعلائه عليهم بما كسب من العلم قاموا بدعوة إلى الله على رغم ~~الملوك وأجنادهم وصاحوا بهم صيحة زلزلتهم فى عروشهم وادعوا أنهم يبلغون عن ~~خالق السموات والأرض ما أراد شرعه للناس وأقاموا من الدليل ما تصاغرت دونه ~~قوة المعارضة ثم ثبتت فى الكون شرائعهم ثبات الغريزة في الفطر وكان الخير ~~لأممهم فى اتباع ما جاءوا به حالفتهم القوة واحتضنتهم السعادة ما كانوا ~~قائمين عليها ورزأهم الضعف وغالبهم الشقاء ما انحرفوا عنها وخلطوا فيها ~~فهذا وما أقاموه من الأدلة عند التحدى لا يصح معه فى العقل أن ms057 يكونوا ~~كاذبين فى حديثهم عن الله ولا فى دعواهم أنه كان يوحى إليهم ما شرعوا للناس ~~على أن من لا يعتقد ما يقول لا يبقى لمقاله أثر فى العقول والباطل لابقاء ~~له إلا فى الغفلة عنه كالنبات الخبيث فى الأرض الطيبة # PageV01P061 # ينبت باهمالها وينموا باغفالها فإذا لامستها عناية الزارع غلبه الخصب ~~وذهب به الذكاء ولكن تلك الديانات التى جاء بها أولئك الأنبياء قامت فى ~~العالم الإنسانى ما شاء الله مما قدر لها مقام سائر قواه مع كثرة المعارضين ~~وقوة سلطان المغالبين فلا يمكن أن يكون اسها الكذب ودعامتها الحيلة وكلامنا ~~هذا فى جوهرها الذى يلوح دائما فى خلال ما ألحق بها المبتدعون أما بقية ~~الرسل ممن يجب علينا الإيمان بهم فيكفى فى إثبات نبوتهم إثبات رسالة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم فقد أخبرنا برسالتهم وهو الصادق فيما بلغ به وسنأتى على ~~الكلام فى رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فى باب على حدته إن شاء ~~الله ### | وظيفة الرسل عليهم السلام # تبين مما تقدم فى حاجة العالم الإنسانى إلى الرسل أنهم من الأمم بمنزلة ~~العقول من الأشخاص وأن بعثتهم حاجة من حاجات العقول البشرية قضت رحمة ~~المبدع الحكيم بسدادها ونعمة عن نعم واهب الوجود ميز بها الإنسان عن بقية ~~الكائنات من جنسه ولكنها حاجة روحية وكل مالامس الحس منها فالقصد فيه إلى ~~الروح وتظهيرها من دنس الأهواء الضالة أو تقويم ملكاتها أو إبداعها ما فيه ~~سعادتها فى الحياتين أما تفصيل طرق المعيشة والحذق فى وجوه الكسب وتطاول ~~شهوات العقل إلى درك ما أعد للوصول إليه من أسرار العلم فذلك مما لا دخل ~~للرسالات فيه إلا من وجه النطة العامة والإرشاد إلى الإعتدال فيه وتقرير أن ~~شرط ذلك كله أن لا يحدث ريبا فى الاعتقاد بأن للكون إلها واحدا قادرا عالما ~~حكيما منصفا بما أوجب الدليل أن يتصف به وباستواء نسبة الكائنات إليه فى ~~أنها مخلوقة له وصنع قدرته وإنما تفاوتها فيما اختص به بعضها من الكمال ~~وشرطه أن لا ينال ms058 شىء من تلك الأعمال السابقة أحدا من الناس بشر فى نفسه أو ~~عرضه أو ماله بغير حق يقتضيه نظام عامة الأمة على ما حدد في شريعتها # يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته ويبينون الحد الذى ~~يجب أن يقف عنده فى طلب ذلك العرفان على وجه لا يشق عليه الاطمئنان # PageV01P062 # إليه ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة يجمعون كلمة الخلق على إله ~~واحد لا فرقة معه ويخلون السبيل بينهم وبينه وحده وينهضون نفوسهم إلى ~~التعلق به فى جميع الأعمال والمعاملات ويذكرونهم بعظمته بفرض ضروب من ~~العبادات فيما اختلف من الأوقات تذكرة لمن ينسى وتزكية مستمرة لمن يخشى ~~تقوى ما ضعف منهم وتزيد المستيقن يقينا # يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم وتنازعته مصالحهم ولذاتهم ~~فيفصلون فى تلك المخاصمات بأمر الله الصادع ويؤيدون بما يبلغون عنه ما تقوم ~~به المصالح العامة ولا تفوت به المنافع الخاصة يعودون بالناس إلى الألفة ~~ويكشفون لهم سر المحبة ويستلفتونهم إلى أن فيها انتظام شمل الجماعة ويفرضون ~~عليهم مجاهدة أنفسهم ليستوطنوها قلوبهم ويشعروها أفئدتهم يعلمونهم لذلك أن ~~يرعى كل حق الآخر وإن كان لا يغفل حقه وأن لا يتجاوز فى الطلب حده وأن يعين ~~قويهم ضعيفهم ويمد غنيهم فقيرهم ويهدى راشدهم ضالهم ويعلم عالمهم جاهلهم # يضعون لهم بأمر الله حدودا عامة يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم ~~كاحترام الدماء البشرية إلا بحق مع بيان الحق الذى تهدر له وحظر تناول شىء ~~مما كسبه الغير إلا بحق مع بيان الحق الذى يبيح تناوله واحترام الأعراض مع ~~بيان يباح وما يحرم من الابضاع ويشرعون لهم مع ذلك أن يقوموا أنفسهم ~~بالملكات الفاضلة كالصدق والأمانة والوفاء بالعقود والمحافظة على العهود ~~والرحمة بالضعفاء والاقدام على نصيحة الاقوياء والاعتراف لكل مخلوق بحقه ~~بلا استثناء يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب ~~الرغائب السامية آخذين فى ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والانذار ~~والتبشير حسبما أمرهم الله جل شأنه # يفصلون فى جميع ذلك للناس ms059 ما يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم لسخطه ~~عليهم ثم يحيطون ببانهم بنبأ الدار الآخرة وما أعد الله فيها من الثواب ~~وحسن العقبى لمن وقف عند حدوده وأخذ بأوامره وتجنب الوقوع فى محاظيره # PageV01P063 # يعلمونهم من أنباء الغيب ما أذن الله لعباده فى العلم به مما لو صعب على ~~العقل اكتناهه لم يشق عليه الاعتراف بوجوده # بهذا تطمئن النفوس وتثلج الصدور ويعتصم المرزوء بالصبر انتظارا لجزيل ~~الأجر أو إرضاء لمن بيده الأمر وبهذا ينحل أعظم مشكل فى الاجتماع الإنسانى ~~لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم فى حله إلى اليوم # ليس من وظائف الرسل ما هو من عمل المدرسين ومعلمى الصناعات فليس مما ~~جاءوا له تعليم التاريخ ولا تفصيل ما يحويه عالم الكواكب ولا بيان ما اختلف ~~من حركاتها ولا ما استسكن من طبقات الأرض ولا مقادير الطول فيها والعرض ولا ~~ما تحتاج إليه النباتات فى نموها ولا ما تفتقر إليه الحيوانات فى بقاء ~~أشخاصها أو أنواعها وغير ذلك مما وضعت له العلوم وتسابقت فى الوصول إلى ~~دقائقه الفهوم فإن ذلك كله من وسائل الكسب وتحصيل طرق الراحة هدى الله إليه ~~البشر بما أودع فيهم من الإدراك يزيد فى سعادة المحصلين ويقضى فيه بالنكد ~~على المقصرين ولكن كانت سنة لله فى ذلك أن يتبع طريقة التدرج فى الكمال وقد ~~جاءت شرائع الأنبياء بما يحمل على الإجمال بالسعى فيه وما يكفل التزامه ~~بالوصول إلى ما أعد الله له الفطر الإنسانية من مراتب الارتقاء # أما ما ورد فى كلام الأنبياء من الإشارة إلى شىء مما ذكرنا فى أحوال ~~الأفلاك أو هيئة الأرض فإنما يقصد منه النظر إلى ما فيه من الدلالة على ~~حكمة مبدعة أو توجيه الفكر إلى الغوص لإدراك اسراره وبدائعه ولغتهم عليهم ~~الصلاة والسلام فى مخاطبة أممهم لا يجوز أن تكون فوق ما يفهمون وإلا ضاعت ~~الحكمة فى إرسالهم ولهذا قد يأتى التعبير الذى سبق إلى العامة بما يحتاج ~~إلى التأويل والتفسير عند الخاصة وكذلك ما وجه إلى الخاصة يحتاج إلى الزمان ~~الطويل ms060 حتى يفهمه العامة وهذا القسم أقل ما ورد فى كلامهم # على كل حال لا يجوز أن يقام الدين حاجزا بين الأرواح وبين ما ميزها الله ~~به من الاستعداد للعلم بحقائق الكائنات الممكنة بقدر الإمكان بل يجب أن ~~يكون # PageV01P064 # الدين باعثا لها على طلب العرفان مطالبا لها باحترام البرهان فارضا عليها ~~أن تبذل ما تستطيع من الجهد فى معرفة ما بين يديها من العوالم ولكن مع ~~التزام القصد والوقوف فى سلامة الاعتقاد عند الحد ومن قال غير ذلك فقد جهل ~~الدين وجنى عليه جناية لا يغفرها له رب العالمين ### | اعتراض مشهود # قال قائل إن كانت بعثة الرسل حاجة من حاجات البشر وكمالا لنظام اجتماعهم ~~وطريقا لسعادتهم الدنيوية والأخروية فما بالهم لم يزالوا أشقياء عن السعادة ~~بعداء يتخالفون ولا يتفقون يتقاتلون ولا يتناصرون يتناهبون ولا يتناصفون كل ~~يستعد للوثبة ولا ينتظر إلا مجىء النوبة حشو جلودهم الظلم وملء قلوبهم ~~الطمع عد أهل كل ذى دين دينهم حجة لمقارعة من خالفهم فيه واتخذوا منه سببا ~~جديدا للعداوة والعدوان فوق ما كان من اختلاف المصالح والمنافع بل أهل ~~الدين الواحد قد تنشق عصاهم وتختلف مذاهبهم فى فهمه وتتفارق عقولهم فى ~~عقائدهم ويثور بينهم غبار الشر وتتشبث أهواؤهم بالفتن فيسفكون دماءهم ~~ويخربون ديارهم إلى أن يغلب قويهم ضعيفهم فيستقر الأمر للقوة لا للحق ~~والدين فها هو الدين الذى تقول إنه جامع الكلمة ورسول المحبة كان سببا فى ~~الشقاق ومضرما للضغينة فما هذه الدعوى وما هذا الأثر # نقول فى جوابه نعم كل ذلك قد كان ولكن بعذر من الأنبياء وانقضاء عهدهم ~~ووقوع الدين فى أيدى من لا يفهمه أو يفهمه ويغلو فيه أولا يغلو فيه ولكن لم ~~يمتزج حبه بقلبه أو امتزج بقلبه حب الدين ولكن ضاقت سعة عقله عن تصريفه ~~تصريف الأنبياء أنفسهم أو الخيرة من تبعتهم وإلا فقل لنا أى نبى لم يأت ~~أمته بالخير الجم والفيض الأعم ولم يكن دينه وافيا بجميع ما كانت تمس إليه ~~حاجتها فى أفرادها وجملتها # أظن أنك لا ms061 تخالفنا فى أن الجمهور الأعظم من الناس بل الكل إلا قليلا # PageV01P065 # لا يفهمون فلسفة أفلاطون ولا يقيسون أفكارهم وآراءهم بمنطق أرسطو بل لو ~~عرض أقرب المعقولات إلى العقول عليهم بأوضح عبارة يمكن أن يأتى بها معبر ~~لما أدركوا منها إلا خيالا لا أثر له فى تقويم النفس ولا فى إصلاح العمل ~~فاعتبر هذه الطبقات فى حالها التى لا تفارقها من تلاعب الشهوات بها ثم أنصب ~~نفسك واعظا بينها فى تخفيف بلاء ساقه النزاع إليها فأى الطرق أقرب إليك فى ~~مهاجمة شهواتهم وردها إلى الاعتدال فى رغائبها من البديهى أنك لا تجد ~~الطريق الأقرب فى بيان مضار الإسراف فى الرغب وفوائد القصد فى الطلب وما ~~ينحو نحو ذلك مما لا يصل إليه أرباب العقول السامية إلا بطويل النظر وإنما ~~تجد أقصد الطرق وأقومها أن تأتى إليه من نافذة الوجدان المطلة على سر القهر ~~المحيط به من كل جانب فتذكره بقدرة الله الذى وهبه ما وهب الغالب عليه فى ~~أدنى شئونه إليه المحيط بما فى نفسه الآخذ بأزمة هممه وتسوق إليه من ~~الأمثال فى ذلك ما يقرب إلى فهمه ثم تروى له ما جاء فى الدين المعتقد به من ~~مواعظ وعبر ومن سير السلف فى ذلك الدين ما فيه أسوة حسنة وتنعش روحه بذكر ~~رضا الله إذا استقام وسخطة عليه إذا تقحم عند ذلك يخشع منه القلب وتدمع ~~العين ويستخذى الغضب وتخمد الشهوة والسامع لم يفهم من ذلك كله إلا أنه يرضى ~~الله وأولياءه إذا أطاع ويسخطهم إذا عصى ذلك هو المشهود من حال البشر ~~غابرهم وحاضرهم ومنكره يسم نفسه أنه ليس منهم كم سمعنا أن عيونا بكت وزفرات ~~صعدت وقلوبا خشعت لواعظ الدين ولكن هل سمعت بمثل ذلك بين يدى نصاح الأدب ~~وزعماء السياسة متى سمعنا أن طبقة من طبقات الناس يغلب الخير على أعمالهم ~~لما فيه من المنفعة لعامتهم أو خاصتهم وينفى الشر من بينهم لما يجلبه عليهم ~~من مضار ومهالك هذا أمر لم يعهد فى سير البشر ولا ينطبق ms062 على فطرهم وإنما ~~قوام الملكات هو العقائد والتقاليد ولا قيام للأمرين إلا بالدين فعامل ~~الدين هو أقوى العوامل فى أخلاق العامة بل والخاصة وسلطانه على نفوسهم أعلى ~~من سلطان العقل الذى هو خاصة نوعهم # قلنا إن منزلة النبوات من الاجتماع هى منزلة العقل من الشخص أو منزلة # PageV01P066 # العلم المنصوب على الطريق المسلوك بل نصعد إلى ما فوق ذلك ونقول منزلة ~~السمع والبصر أليس من وظيفة الباصرة التمييز بين الحسن والقبيح من المناظر ~~وبين الطريق السهلة والسلوك والمعابر الوعرة ومع ذلك فقد يسىء البصير ~~استعمال بصره فيتردى فى هاوية يهلك فيها وعيناه سليمتان تلمعان فى وجهه يقع ~~ذلك لطيش أو اهمال أو غفلة أو لجاج وعناد وقد يقوم من العقل والحس ألف دليل ~~على مضرة شىء ويعلم ذلك الباغى فى رايه من أهل الشر ثم يخالف تلك الدلائل ~~الظاهرة ويقتحم المكروه لقضاء شهوة اللجاج أو نحوها ولكن وقوع هذه الأمثال ~~لا ينقص من قدر الحس أو العقل فيما خلق لأجله كذلك الرسل عليهم السلام ~~أعلام هداية نصبها الله على سبيل النجاة فمن الناس من اهتدى بها فانتهى إلى ~~غايات السعادة ومنهم من غلط فى فهمها أو انحرف عن هديها فانكب فى مهاوى ~~الشقاء فالدين هاد والنقص يعرض لمن دعوا إلى الاهتداء به ولا يطعن نقصهم فى ~~كماله واشتداد حاجتهم إليه {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا ~~الفاسقين} ألا إن الدين مستقر السكينة ولجأ الطمأنينة به يرضى كل بما قسم ~~له وبه يدأب عامل حتى يبلغ الغاية من عمله وبه تخضع النفوس إلى أحكام السنن ~~العامة فى الكون وبه ينظر الإنسان إلى من فوقه فى العلم والفضيلة وإلى من ~~دونه في المال والجاه اتباعا لما وردت به الأوامر الإلهية الدين أشبه ~~بالبواعث الفطرية الإلهامية منه بالدواعى الاختيارية الدين قوة من أعظم قوى ~~البشر وإنما قد يعرض عليها من العلل ما يعرض لغيرها من القوى وكل ما وجه ~~إلى الدين من مثل الاعتراض الذى نحن بصدده فتبعته فى أعناق ms063 القائمين عليه ~~الناصبين أنفسهم منصب الدعوة إليه أو المعروفين بأنهم حفظته ورعاة أحكامه ~~وما عليهم فى إبلاغ القلوب بغيتها منه إلا أن يهتدوا به ويرجعوا به إلى ~~أصوله الطاهرة الأولى ويضعوا عنه أوزار البدع فترجع إليه قوته وتظهر للأعمى ~~حكمته # ربما يقول قائل إن هذه المقابلة بين العقل والدين تميل إلى رأى القائلين ~~بإهمال العقل بالمرة فى قضايا الدين وبأن أساسه هو التسليم المحض وقطع ~~الطريق # PageV01P067 # على أشعة البصيرة أن تنفذ إلى فهم ما أودعه من معارف وأحكام فنقول لو كان ~~الأمر كما عساه أن يقال لما كان الدين علما يهتدى به وإنما الذى سبق تقريره ~~هو أن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهى ~~كما لا يستقل الحيوان فى درك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها بل لا بد ~~معها من السمع لإدراك المسموعات مثلا كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما ~~يشتبه على العقل من وسائل السعادات والعقل هو صاحب السلطان فى معرفة تلك ~~الحاسة وتصريفها فيما منحت لأجله والإذعان لما تكشف له من معتقدات وحدود ~~أعمال كيف ينكر على العقل حقه فى ذلك وهو الذى ينظر فى أدلتها ليصل منها ~~إلى معرفتها وأنها آتية من قبل الله وإنما على العقل بعد التصديق برسالة ~~نبى أن يصدق بجميع ما جاء به وإن لم يستطع الوصول إلى كنه بعضه والنفوذ إلى ~~حقيقته ولا يقضى عليه ذلك بقبول ما هو من باب المحال المؤدى إلى مثل الجمع ~~بين النقيضين أو بين الضدين فى موضوع واحد فى آن واحد فإن ذلك مما تتنزه ~~النبوات عن أن تأتى به فإن جاء ما يوهم ظاهره ذلك فى شيء ما الوارد فيها ~~وجب على العقل أن يعتقد أن الظاهر غير مراد وله الخيار بعد ذلك فى التأويل ~~مسترشدا ببقية ما جاء على لسان من ورد المتشابه فى كلامه وفى التفويض إلى ~~الله فى علمه وفى سلفنا من الناجين من أخذ بالأول ومنهم من أخذ بالثانى ### | رسالة محمد صلى الله ms064 عليه وسلم # ليس من غرضنا فى هذه الوريقات أن نلما بتاريخ الأمم عامة وتاريخ العرب ~~خاصة فى زمن البعثة المحمدية لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى ~~قارعة تهز عروش الملوك وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم وتخفض من أبصارهم ~~المعقودة بعنان السماء إلى من دونهم من رعاياهم الضعفاء وإلى نار تنقض من ~~سماء الحق على أدم الأنفس البشرية لتأكل ما عشوشبت به من الأباطيل القاتلة ~~للعقول وصيحة فصحى تزعج الغافلين وترجع بالباب الذاهلين وتنبه المرءوسين # PageV01P068 # إلى أنهم ليسو بأبعدعن البشرية من الرؤساء الظالمين والهداة الضالين ~~والقادة الغارين وبالجملة تؤوب بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التى ~~سنها الله له إنا هديناه السبيل ليبلغ بسلوكها كماله ويصل على نهجها إلى ما ~~أعد فى الدارين له ولكنا نستعير من التاريخ كلمة يفهمها من نظر فيما أتفق ~~عليه مؤرخو ذلك العهد نظر إمعان وإنصاف # كانت دولتا العالم دولة الفرس فى الشرق ودولة الرومان فى الغرب فى تنازع ~~وتجالد مستمر دماء بين العالمين مسفوكة وقوى منهوكة وأموال هالكة وظلم من ~~الأحن حالكة ومع ذلك فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنن فى ~~الملاذ بالغة حد مالا يوصف فى قصور السلاطين والأمراء والقواد ورؤساء ~~الأديان من كل أمة وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد فزادوا فى ~~الضرائب وبالغوا فى فرض الأتاوات حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم وأتوا ~~على ما فى أيديها من ثمرات أعمالها وانحصر سلطان القوى فى اختطاف ما بيد ~~الضعيف وفكر العاقل فى الاحتيال لسلب الغافل وتبع ذلك أن استولى على تلك ~~الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة والخوف والاضطراب لفقد الأمن على ~~الأرواح والأموال # غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم فعاد هؤلاء كأشياح اللاعب يديرها من ~~وراء حجاب ويظنها الناظر إليها من ذوى الألباب ففقد بذلك الاستقلال الشخصى ~~وظن أفراد الرعايا أنهم لم يخلقوا إلا لخدمة ساداتهم وتوفير لذاتهم كما هو ~~الشأن فى العجماوات مع من يقتنيها ضلت السادات فى عقائدها وأهوائها وغلبتها ~~على الحق والعدل شهواتها ms065 ولكن بقى لها من قوة الفكر أردا بقاياها فلم ~~يفارقها الحذر من أن بصيص النور الإلهى الذى يخالط الفطر الإنسانية قد يفتق ~~الغلف التى أحاطت بالقلوب ويمزق الحجب التى أسدلت على العقول فتهتدى العامة ~~إلى السبيل ويثور الجم الغفير على العدد القليل ولذلك لم يغفل الملوك ~~والرؤساء أن ينشئوا سحبا من الأوهام ويهيئوا كسفا من الأباطيل والخرافات ~~ليقذفوا بها فى عقول العامة فيغلظ الحجاب ويعظم الرين ويختنق بذلك نور # PageV01P069 # الفطرة ويتم لهم ما يريدون من المغلوبين لهم وصرح الدين بلسان رؤسائه أنه ~~عدو العقل وعدو كل ما يثمره النظر إلى أكان تفسيرا لكتاب مقدس وكان لهم فى ~~المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب ومدد لا ينفذ هذه حالة الأقوام كانت فى ~~معارفهم وذلك كان شأنهم فى معايشهم عبيد أذلاء حيارى فى جهالة عمياء اللهم ~~إلا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية والشرائع السابقة آوت إلى بعض ~~الأذهان ومعها مقت الحاضر ونقص العلم بالغابر ثارت الشبهات على اصول ~~العقائد وفروعها بما انقلب من الوضع وانعكس من الطبع فكان يرى الدنس فى ~~مظنة الطهارة والشره حيث تنتظر القناعة والدعارة حيث ترجى السلامة والسلام ~~مع قصور النظر عن معرفة السبب وانصرافه لأول وهلة إلى أن مصدر كل ذلك هو ~~الدين فاستولى الاضطراب على المدارك وذهب بالناس مذهب الفوضى فى العقل ~~والشريعة معا وظهرت مذاهب الإباحيين والدهريين فى شعوب متعددة وكان ذلك ~~ويلا عليها فوق ما رزئت به من سائر الخطوب # وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة فى النزعات خاضعة للشهوات فخر كل ~~قبيلة فى قتال أختها وسفك دماء أبطالها وسبى نسائها وسلب أموالها تسوقها ~~المطامع إلى المعامع ويزين لها السيئات فساد الاعتقادات وقد بلغ العرب من ~~سخافة العقل حدا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها فلما جاعوا أكلوها ~~وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنا قتلوا فيه بناتهم تخلصا من عار حياتهن أو ~~تنصلا من نفقات معيشتهن وبلغ الفحش منهم مبلغا لم يعد معه للعفاف قيمة ~~وبالجملة فكانت ربط النظام الاجتماعى قد تراخت عقدها فى كل أمة ms066 وانفصمت ~~عراها عند كل طائفة # أفلم يكن من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤديهم برجل منهم يوحى إليه ~~رسالته ويمنحه عنايته ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم التى ~~أظلت رءوس جميع الأمم نعم كان ذلك ولله الأمر من قبل ومن بعد # وفى الليلة الثانية عشر من ربيع الأول عام الفيل 20 ابريل سنة 571 من ~~ميلاد المسيح عليه السلام ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ~~القرشى # PageV01P070 # بمكة ولد يتيما توفى والده قبل أن يولد ولم يترك له من المال إلا خمس ~~جمال وبعض نعاج وجارية ويروى أقل من ذلك وفى السنة السادسة من عمره فقد ~~والدته أيضا فاحتضنه جده عبد المطلب وبعد سنتين من كفالته توفى جده فكفله ~~من بعده عمه أبو طالب وكان شهما كريما غير أنه كان من الفقر بحيث لا يملك ~~كفاف أهله وكان صلى الله عليه وسلم من بنى عمه وصبية قومه كأحدهم على ما به ~~من يتم فقد فيه الأبوين معا وفقر لم يسلم منه الكافل والمكفول ولم يقم على ~~تربيته مهذب ولم يعن بتثقيفه مؤدب بين أتراب من نبت الجاهلية وعشراء من ~~حلفاء الوثنية واولياء من عبدة الأوهام وأقرباء من حفدة الأصنام غير أنه مع ~~ذلك كان ينمو ويتكامل بدنا وعقلا وفضيلة وأدبا حتى عرف بين أهل مكة وهو فى ~~ريعان شبابه بالأمين أدب إلهى لم تجر العادة بأن تزين به نفوس الأيتام من ~~الفقراء خصوصا مع فقر القوام فاكتهل صلى الله عليه وسلم كاملا والقوم ~~ناقصون رفيعا والناس منحطون موحدا وهم وثنيون سلما وهم شاغبون صحيح ~~الاعتقاد وهم واهمون مطبوعا على الخير وهم به جاهلون وعن سبيله عادلون # من السنن المعروفة أن يتيما فقيرا أميا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول ~~نشأته إلى زمن كهولته ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه لا سيما إن كان من ~~ذوى قرابته وأهل عصبته ولاكتاب يرشده ولا استأذ ينبهه ولا عضد إذا عزم ~~يؤيده فلو جرى الأمر فيه ms067 على جارى السنن لنشأ على عقائدهم وأخذ بمذاهبهم ~~إلى أن يبلغ مبلغ الرجال ويكون للفكر والنظر مجال فيرجع إلى مخالفتهم إذا ~~قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم كما فعل القليل ممن كانوا على عهده ولكن ~~الأمر لم يجر على سنته بل بغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره فعالجته طهارة ~~العقيدة كما بادره حسن الخليقة وما جاء فى الكتاب من قوله {ووجدك ضالا ~~فهدى} لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد أو على غير ~~السبيل القويم قبل الخلق العظيم حاش لله إن ذلك لهو الإفك المبين وإنما هى ~~الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص فيما يرجون للناس من الخلاص وطلب السبيل إلى ~~ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين وإرشاد الضالين وقد هدى الله نبيه # PageV01P071 # إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته واختياره من بين خلقه لتقرير ~~شريعته # وجد شيئا من المال يسد حاجته وقد كان له فى الاستزادة منه ما يرفه معيشته ~~بما عمل لخديجة رضى الله عنها فى تجارتها وبما اختارته بعد ذلك زوجا لها ~~وكان فيما يجتنيه من ثمرة عمله غناء له وعون على بلوغه ما كان عليه أعاظم ~~قومه لكنه لم ترقه الدنيا ولم تغره زخارفها ولم يسلك ما كان يسلكه مثله فى ~~الوصول إلى ما ترغبه الأنفس من نعيمها بل كلما تقدم به السن زادت فيه ~~الرغبة عما كان عليه الكافة ونما فيه حب الانفراد والانقطاع إلى الفكر ~~والمراقبة والتحنث بمناجاة الله تعالى والتوسل إليه فى طلب المخرج من همه ~~الأعظم فى تخليص قومه ونجاة العالم من الشر الذى تولاه إلى أن أنفتق له ~~الحجاب عن عالم كان يحثه إليه الإلهام الإلهى وتجلى عليه النور القدسى وهبط ~~عليه الوحى من المقام العلى فى تفصيل ليس هذا موضعه # لم يكن من آبائه ملك فيطالب بما سلب من ملكه وكانت نفوس قومه فى انصراف ~~تام عن طلب مناصب السلطان وفى قناعة بما وجدوه من شرف النسبة إلى المكان دل ~~عليهما ما فعل جده عبد المطلب عند ms068 زحف أبرهة الحبشى على ديارهم جاء الحبشى ~~لينتقم من العرب بهدم معبدهم العام وبيتهم الحرام ومنتجع حجيجهم ومستوى ~~العلية من آلهتهم ومنتهى حجة القرشيين فى مفاخرتهم لبنى قومهم وتقدم بعض ~~جنده فاستاق عددا من الإبل فيها لعبد المطلب مائتا بعير وخرج عبد المطلب فى ~~بعض قريش لمقابلة الملك فاستدناه وسأله حاجته فقال هى أن ترد إلى مائتى ~~بعير أصبتها إلى فلامه الملك على المطلب الحقير وقت الخطب الخطير فأجابه ~~أنا رب الأبل أما البيت فله رب يحميه هذا غاية ما ينتهى إليه الإستسلام ~~وعبد المطلب فى مكانه من الرياسة على قريش فأين من تلك المكانة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فى حالة من الفقر ومقامه فى الوسط من طبقات أهله حتى ينتجع ~~ملكا أو يطلب سلطانا لا مال لا جاه لا جند لا أعوان لا سليقة فى الشعر لا ~~براعة فى الكتاب لا شهرة فى الخطاب # PageV01P072 # لا شىء كان عنده مما يكسب المكانة فى نفوس العامة أو يرقى به إلى مقام ما ~~بين الخاصة ما هذا الذى رفع نفسه فوق النفوس ما الذى أعلى راسه على الرءوس ~~ما الذى سما بهمته على الهمم حتى انتدب نفسه لإرشاد الأمم وكفالته لهم كشف ~~الغمم بل وإحياء الرمم ما كان ذلك إلا ما ألقى الله فى روعه من حاجة العالم ~~إلى مقوم لما زاغ من عقائدهم ومصلح لما فسد من أخلاقهم وعوائدهم ما كان ذلك ~~إلا وجدانه ريح العناية الإلهية ينصره فى عمله ويمده فى الانتهاء إلى أمله ~~قبل بلوغ أجله ما هو إلا الوحى الإلهى يسعى نوره بين يديه يضىء له السبيل ~~ويكفيه مؤنة الدليل ما هو إلا الوعد السماوى قام لديه مقام القائد والجندى ~~أرأيت كيف نهض وحيدا فريدا يدعو الناس كافة إلى التوحيد والاعتقاد بالعلى ~~المجيد والكل ما بين وثنية متفرقة ودهرية وزندقة نادى فى الوثنيين بترك ~~أوثانهم ونبذ معبوداتهم وفى المشبهين المنغمسين فى الخلط بين اللاهوت ~~الأقدس وبين الجسمانيات بالتطهر من تشبيههم وفى الثانوية بافراد إله واحد ~~بالتصرف فى ms069 الأكوان ورد كل شىء فى الوجود إليه أهاب بالطبيعيين ليمدوا ~~بصائرهم إلى ما وراء حجاب الطبيعة فيتنوروا سر الوجود الذى قامت به صاح ~~بذوى الزعامة ليهبطوا إلى مضاف العامة فى الاستكانة إلى سلطان معبود واحد ~~هو فاطر السموات والأرض والقابض على أرواحهم فى هياكل أجسادهم تناول ~~المنتحلين منهم لمرتبة التوسط بين العباد وبين ربهم الأعلى فبين لهم ~~بالدليل وكشف لهم بنور الوحى أن نسبة أكبرهم إلى الله كنسبة أصغر المعتقدين ~~بهم وطالبهم بالنزول عما انتحلوه لأنفسهم من المكانات الربانية إلى أدنى ~~سلم من العبودية والاشتراك مع كل ذى نفس إنسانية فى الاستعانة برب واحد ~~يستوى جميع الخلق فى النسبة إليه لا يتفاوتون إلا فيما فضل به بعضهم على ~~بعض من علم أو فضيلة وخز بوعظه عبيد العادات وأسراء التقليد ليعتقوا ~~أرواحهم مما استعبدوا له ويحلوا أغلالهم التى أخذت بأيديهم عن العمل ~~وقطعتهم دون الأمل مال على قراء الكتب السماوية والقائمين على ما أودعته من ~~الشرائع الإلهية فبكت الواقفين عند حروفها بغباوتهم وشدد النكير على ~~المحرفين لها الصارفين لألفاظها إلى غير # PageV01P073 # ما قصد من وحيها اتباعا لشهواتهم ودعاهم إلى فهمها والتحقق بسر علمها حتى ~~يكونوا على نور من ربهم واستفلت كل إنسان إلى ما أودع فيه من المواهب ~~الإلهية ودعا الناس أجمعين ذكورا وإناثا عامة وسادات إلى عرفان أنفسهم ~~وأنهم من نوع خصه الله بالعقل وميزه بالفكر وشرفه بهما وبحرية الإرادة فيما ~~يرشده إليه عقله وفكره وأن الله عرض عليهم جميع ما بين أيديهم من الأكوان ~~وسلطهم على فهمها والانتفاع بها بدون شرط ولا قيد إلا الاعتدال والوقوف عند ~~حدود الشريعة العادلة والفضيلة الكاملة وأقدرهم بذلك على أن يصلوا إلى ~~معرفة خالقهم بعقولهم وأفكارهم بدون واسطة أحد إلا من خصهم الله بوحيه وقد ~~وكل إليهم معرفتهم بالدليل كما كان الشأن فى معرفتهم لمبدع الكائنات أجمع ~~والحاجة إلى أولئك المصطفين إنما هو معرفة الصفات التى أذن الله أن تعلم ~~منه وليس فى الاعتقاد بوجوده وقرر أن لا سلطان لأحد من البشر على ms070 آخر منه ~~إلا ما رسمته الشريعة وفرضه العدل ثم الإنسان بعد ذلك يذهب بإرادته إلى ما ~~سخرت له بمقتضى الفطرة دعا الإنسان إلى معرفة أنه جسم وروح وأنه بذلك من ~~عالمين متخلفين وإن كانا ممتزجين وأنه مطالب بخدمتهما جميعا وإيفاء كل ~~منهما ما قررت له الحكمة الإلهية من الحق دعا الناس كافة إلى الاستعداد فى ~~هذه الحياة لما سيلاقون فى الحياة الأخرى وبين لهم أن خير زاد يتزوده ~~العامل هو الإخلاص لله فى العبادة والإخلاص للعباد فى العدل والنصيحة ~~والإرشاد # قام بهذه الدعوة العظمى وحده ولا حول ولا قوة له كل هذا كان منه والناس ~~أحباء ما ألفوا وإن كان خسران الدنيا وحرمان الآخرة أعداء ما جهلوا وإن كان ~~رغد العيش وعزة السيادة ومنتهى السعادة كل هذا والقوم حواليه أعداء أنفسهم ~~وعبيد شهواتهم لا يفقهون دعوته ولا يعقلون رسالته عقدت أهداب بصائر العامة ~~منهم بأهواء الخاصة وحجبت عقول الخاصة بغرور العزة عن النظر فى دعوى فقير ~~أمى مثله لا يرون فيه ما يرفعه إلى نصيحتهم والتطاول إلى مقاماتهم الرفيعة ~~باللوم والتعنيف # PageV01P074 # لكنه فى فقره وضعفه كان يقارعهم بالحجة ويناضلهم بالدليل ويأخذهم ~~بالنصيحة ويزعجهم بالزجر وينبههم للعبر ويحوطهم مع ذلك بالموعظة الحسنة ~~كأنما هو سلطان قاهر فى حكمه عادل فى أمره ونهيه أو أب حكيم فى تربية ~~أبنائه شديد الحرص على مصالحهم رءوف بهم فى شدته رحيم فى سلطته ما هذه ~~القوة فى ذلك الضعف ما هذا السلطان فى مظنة العجز ما هذا العلم فى تلك ~~الأمية ما هذا الرشاد فى غمرات الجاهلية إن هو إلا خطاب الجبروت الأعلى ~~قارعة القدرة العظمة نداء العناية العليا ذلك خطاب الله القادر على كل شىء ~~الذى وسع كل شىء رحمة وعلما ذلك أمر الله الصادع يقرع الآذان ويشق الحجب ~~ويمزق الغلف وينفذ إلى القلوب على لسان من اختاره لينطق به واختصه بذلك وهو ~~أضعف قومه ليقيم من هذا الاختصاص برهانا عليه بعيدا عن الظنة بريئا من ~~التهمة لإتيانه على غير المعتاد بين خلقه أى ms071 برهان على النبوة أعظم من هذا ~~أمى قام يدعو الكاتبين إلى فهم ما يكتبون وما يقرءون بعيد عن مدارس العلم ~~صاح بالعلماء ليمحصوا ما كانوا يعلمون فى ناحية عن ينابيع العرفان جاء يرشد ~~العرفاء ناشىء بين الواهمين هب لتقويم عوج الحكماء غريب فى أقرب الشعوب إلى ~~سذاجة الطبيعة وأبعدها عن فهم نظام الخليفة والنظر فى سننه البديعة أخذ ~~يقرر للعالم أجمع أصول الشريعة ويخط للسعادة طرقا لن يهلك سالكها ولن يخلص ~~تاركها ما هذا الخطاب المفحم ما ذلك الدليل الملجم أأقول ما هذا بشرا إن ~~هذا إلا ملك كريم لالا أقول ذلك ولكن أقول كما أمره الله أن يصف نفسه إن هو ~~إلا بشر مثلكم يوحى إليه نبى صدق الأنبياء ولكن لم يأت فى الإقناع برسالته ~~بما يلهى الأبصار أو يحير الحواس أو يدهش المشاعر ولكن طالب كل قوة بالعمل ~~فيما أعدت له واختص العقل بالخطاب وحاكم إليه الخطأ والصواب وجعل فى قوة ~~الكلام وسلطان البلاغة وصحة الدليل مبلغ الحجة وآية الحق الذى لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد # PageV01P075 ### | القرآن # جاءنا الخبر المتواتر الذى لا تطرق إليه الريبة أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم كان فى نشأته وأميته على الحال التى ذكرنا وتواترت أخبار الأمم كافة ~~على أنه جاء بكتاب قال إنه أنزل عليه وأن ذلك الكتاب هو القرآن المكتوب فى ~~المصاحف المحفوظ فى صدور من عنى بحفظه من المسلمين إلى اليوم كتاب حوى من ~~أخبار الأمم الماضية ما فيه معتبر للأجيال الحاضرة والمستقبلة نقب على ~~الصحيح منها وغادر الأباطيل التى ألحقتها الأوهام بها ونبه على وجوه العبرة ~~فيها حكى عن الأنبياء ما شاء الله أن يقص علينا من سيرهم وما كان بينهم ~~وبين أممهم وبرأهم مما رماهم به أهل دينهم المعتقدون برسالاتهم آخذ العلماء ~~من الملل المختلفة على ما أفسدوا من عقائدهم وما خلطوا فى أحكامهم وما ~~حرفوا بالتأويل فى كتبهم وشرع للناس أحكاما تنطبق على مصالحهم وظهرت ~~الفائدة فى العمل بها ms072 والمحافظة عليها وقام بها العدل وانتظم بها شمل ~~الجماعة ما كانت عند حد ما قرره ثم عظمت المضرة فى إهمالها والإنحراف عنها ~~أو البعد بها عن الروح الذى أودعته ففاقت بذلك جميع الشرائع الوضعية كما ~~يتبين للناظر فى شرائع الأمم ثم جاء بعد ذلك بحكم ومواعظ وآداب تخشع لها ~~القلوب وتهش لاستقبالها العقول وتنصرف وراءها الهمم انصرافها فى السبيل ~~الأمم نزل القرآن فى عصر اتفق الرواة وتواترت الأخبار على أنه أرقى الأعصار ~~عند العرب وأغزرها مادة فى الفصاحة وأنه الممتاز بين جميع ما تقدمه بوفرة ~~رجال البلاغة وفرسان الخطاب وأنفس ما كانت العرب تتنافس فيه من ثمار العقل ~~ونتائج الفطنة والذكاء هو الغلب فى القول والسبق إلى إصابة مكان الوجدان من ~~القلوب ومقر الإذعان من العقول وتفانيهم فى المفاخرة بذلك مما لا يحتاج إلى ~~الإطالة فى بيانه # تواتر الخبر كذلك بما كان منهم من الحرص على معارضة النبى صلى الله عليه ~~وسلم والتماسهم الوسائل قريبها وبعيدها لإبطال دعواه وتكذيبه فى الإخبار # PageV01P076 # عن الله وإتيانهم فى ذلك على مبلغ استطاعتهم وكان فيهم الملوك الذين ~~تحملهم عزة الملك على معاندته والأمراء الذين يدعوهم السلطان إلى مناوأته ~~والخطباء والشعراء والكتاب الذين يشمخون بأنوفهم عن متابعته وقد اشتد جميع ~~أولئك فى مقاومته وانهالوا بقواهم عليه استكبارا عن الخضوع له وتمسكا بما ~~كانوا عليه من أديان آبائهم وحمية لعقائدهم وعقائد أسلافهم وهو مع ذلك ~~يخطىء آراءهم ويسفه أحلامهم ويحتقر أصنامهم ويدعوهم إلى ما لم تعهده أيامهم ~~ولم تخفق لمثله أعلامهم ولا حجة له بين يدى ذلك كله إلا تحديهم بالإتيان ~~بمثل أقصر سورة من ذلك الكتاب أو بعشر سور من مثله وكان فى استطاعتهم أن ~~يجمعوا إليه من العلماء والفصحاء البلغاء ما شاءوا ليأتوا بشىء من مثل ما ~~أتى به ليبطلوا الحجة ويفحموا صاحب الدعوة # جاءنا الخبر المتواتر أنه مع طول زمن التحدى ولجاج القوم فى التعدى ~~أصيبوا بالعجز ورجعوا بالخيبة وحقت للكتاب العزيز الكلمة العليا على كل ~~كلام وقضى حكمه العلى على جميع الأحكام ms073 أليس فى ظهور مثل هذا الكتاب على ~~لسان أمى أعظم معجزة وأدل برهان على أنه ليس من صنع البشر وإنما هو النور ~~المنبعث عن شمس العلم الإلهى والحكم الصادر عن المقام الربانى على لسان ~~الرسول الأمى صلوات الله عليه # هذا وقد جاء فى الكتاب من أخبار الغيب ما صدقته حوادث الكون كالخبر فى ~~قوله {غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} ~~وكالوعد الصريح فى قوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملو الصالحات ~~ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم الآية وقد تحقق جميع ذلك ~~وفى القرآن كثير من مثل هذا يحيط به من يتلوه حق تلاوته ومن الكلام عن ~~الغيب فيه ما جاء فى تحدى العرب به واكتفائه فى الرجوع عن دعواه بأن يأتو ~~بسورة من مثله مع سعة البلاد العربية ووفرة سكانها وتباعد أطرافها وانتشار ~~دعوته على لسان الوافدين إلى مكة من جميع # PageV01P077 # أرجائها ومع أنه لم يسبق له صلى الله عليه وسلم السياحة فى نواحيها ~~والتعرف برجالها وقصور العلم البشرى عادة عن الإحاطة بما أودع فى قوى أمة ~~عظيمة كالأمة العربية فهذا القضاء الحاتم منه بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا ~~بشىء من مثل ما تحداهم به ليس قضاء بشريا ومن الصعب بل من المتعذر أن يصدر ~~عن عاقل التزام كالذى التزمه وشرط كالذى شرطه على نفسه لغلبة الظن عند من ~~له شىء من العقل أن الأرض لا تخلو من صاحب قوة مثل قوته وإنما ذلك هو الله ~~المتكلم والعليم الخبير هو الناطق على لسانه وقد أحاط علمه بقصور جميع ~~القوى عن تناول ما استنهضهم له وبلوغ ما حثهم عليه # يقول واهم إن العجز حجة على من عجز فإن العجزهى حجة الإفحام وإلزام الخصم ~~وقد يلتزم الخصم ببعض المسلمات عنده فيفحم ويعجز عن الجواب فتلزمه الحجة ~~ولكن ليس ذلك بملزم لغيره فمن الممكن أن لا يسلم غيره بما سلمه فلا يفحمه ~~الدليل بل يجد إلى إبطاله أقرب سبيل # وهو وهم يضمحل بما ms074 قدمنا من البيان إذ لا يوجد من المشابهة بين إعجاز ~~القرآن وإفحام الدليل إلا أنه يوجد عن كل منهما عجز وشتان بين العجزين وبعد ~~ما بين وجهتى الاستدلال فيهما فإن إعجاز القرآن برهن على أمر واقعى وهو ~~تقاصر القوى البشرية دون مكانته من البلاغة وقلنا القوى البشرية لأنه جاء ~~بلسان عربى وقد عرف الكتاب عند جميع العرب فى عهد النبوة وكان حال العصر من ~~البلاغة كما ذكرنا وحال القوم فى العناد كما بينا ومع ذلك لم يمكن للعرب أن ~~يعارضوه بشىء من مبلغ عقولهم فلا يعقل أن فارسيا أو هنديا أو رومانيا يبلغ ~~من قوة البلاغة فى العربية أن يأتى بما عجز عنه العرب أنفسهم وتقاصر القوى ~~جميعها عن ذلك مع التماثل بين النبى وبينهم فى النشأة والتربية وامتياز ~~الكثير منهم بالعلم والدراسة دليل قاطع على أن الكلام ليس مما اعتيد صدوره ~~عن البشر فهو اختصاص من الله سبحانه لمن جاء على لسانه ثم ورد فى القرآن من ~~تسجيل العجز عليهم والتعرض للاصطدام بجميع ما أوتوا من قوة مما يدل على ~~الثقة من أمره مع ما سبق تعداده من الأمور التى لا يمكن معها لعاقل أن # PageV01P078 # يقف ذلك الموقف مع طول الزمن وانفساح الأجل كل ذلك يدل على أن الناطق هو ~~عالم الغيب والشهادة لا رجل يعظ وينصح على العادة # فثبت بهذه المعجزة العظمى وقام الدليل بهذا الكتاب الباقى الذى لا يعرض ~~عليه التغيير ولا يتناوله التبديل أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول ~~الله إلى خلقه فيجب التصديق برسالته والاعتقاد بجميع ما ورد فى الكتاب ~~المنزل عليه والأخذ بكل ما ثبت عنه من هدى وسنة متبعة وقد جاء فى الكتاب ~~أنه خاتم الأنبياء فوجب علينا الإيمان بذلك كذلك # بقى علينا أن نشير إلى وظيفة الدين الإسلامى وما دعا إليه على وجه ~~الإجمال وكيف انتشرت دعوته بالسرعة المعروفة والسر فى كون النبى صلى الله ~~عليه وسلم خاتم المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ### | الإسلام أو الدين الإسلامى # هو الدين ms075 الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وعقله من وعاه عنه من ~~صحابته ومن عاصرهم وجرى العمل عليه حينا من الزمن بينهم بلا خلاف ولا ~~اعتساف فى التأويل ولا ميل مع الشيع وإنى مجمله فى هذا الباب مقتديا ~~بالكتاب المجيد فى التفويض لذوى البصائر أن يفصلوه وما سندى فيما أقول إلا ~~الكتاب والسنة القويمة وهدى الراشدين # جاء الدين الإسلامى بتوحيد الله تعالى فى ذاته وأفعاله وتنزيهه عن مشابهة ~~المخلوقين فأقام الأدلة على أن للكون خالقا واحدا متصفا بما دلت عليه آثار ~~صنعة من الصفات العلية كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها وعلى أنه لا يشبهه ~~شىء من خلقه وأن لا نسبة بينه وبينهم إلا أنه موجدهم وأنهم له وإليه راجعون ~~قل هو الله أحد ألله الصمد لم يلد ولم يولدولم يكن له كفوا أحد وما ورد من ~~ألفاظ الوجه اليدين والاستواء ونحوها له معان عرفها العرب المخاطبون ~~بالكتاب ولم يشتبهوا فى شىء منها وأن ذاته وصفاته يستحيل عليها # PageV01P079 # أن تبرز فى جسد أو روح أحد من العالمين وإنما يختص سبحانه من شاء من ~~عباده بما شاء من علم وسلطان على ما يريد أن يسلطه عليه من الأعمال على سنة ~~له فى ذلك سنها فى علمه الأزلى الذى لا يعتريه التبديل ولا يدنو منه ~~التغيير وحظر على كل ذى عقل أن يعترف لأحد بشىء من ذلك إلا ببرهان ينتهى فى ~~مقدماته إلى حكم الحس وما جاوره من البديهيات التى لا تنقص عنه فى الوضوح ~~بل قد تعلوه كاستحالة الجمع بين النقيضين أو ارتفاعهما معا أو وجوب أن الكل ~~أعظم من الجزء مثلا وقضى على هؤلاء كغيرهم بأنهم لا يملكون لانفسهم نفعا ~~ولا ضرا وغاية أمرهم أنهم عباد مكرمون وأن ما يجريه على أيديهم فإنما هو ~~بإذن خاص وبتيسير خاص فى موضع خاص لحكمة خاصة ولا يعرف شأن الله فى شىء من ~~هذا إلا ببرهان كما تقدم # دل هذا الدين بمثل قول الكتاب {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم ms076 السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} والشكر عند العرب ~~معروف أنه تصريف النعمة فيما كان الإنعام بها لأجله دل بمثل هذا على أن ~~الله وهبنا من الحواس وغرز فينا من القوى ما نصرفه فى وجوهه بمحض تلك ~~الموهبة فكل شخص كاسب لعمله بنفسه لها أو عليها وأما ما تتحير فيه مداركنا ~~وتقصر دونه قوانا وتشعر فيه أنفسنا بسلطان يقهرها أو ناصر يمدها فيما ~~أدركها العجز عنه على أنه فوق ما تعرف من القوى المسخرة لها وكان لا بد من ~~الخضوع له والرجوع إليه والاستعانة به فذلك إنما يرد إلى الله وحده فلا ~~يجوز أن تخشع إلا له ولا أن تطمئن إلا إليه وكذلك جعل شأنها فيما تخافه ~~وترجوه مما تقبل عليه فى الحياة الآخرة لا يسوغ لها أن تلجأ إلى أحد غير ~~الله فى قبول أعمالها من الطيبات ولا فى غفران أفاعيلها من السيئات فهو ~~وحده مالك يوم الدين # اجتثت بذلك جذور الوثنية وما وليها مما لو اختلف عنها فى الصور والشكل أو ~~العبارة واللفظ لم يختلف عنها فى المعنى والحقيقة تبع هذا طهارة العقول من ~~الأوهام الفاسدة التى لا تنفك عن تلك العقيدة الباطلة ثم تنزه النفوس عن # PageV01P080 # الملكات السيئة التى كانت تلازم تلك الأوهام وتخلصت بتلك الطهارة من ~~الاختلاف فى المعبودين وعليهم وارتفع شأن الإنسان وسمعت قيمته بما صار إليه ~~من الكرامة بحيث أصبح لا يخضع لأحد إلا لخالق السموات والأرض وقاهر الناس ~~أجمعين وأبيح لكل أحد بل فرض عليه أن يقول كما قال إبرهيم {إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} وكما أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} # تجلت بذلك للانسان نفسه حره كريمه وأطلقت إرادته من القيود التى كانت ~~تعقدها بإرادة غيره سواء كانت إرادة بشرية ظن أنها شعبة من الإرادة الإلهية ~~أو أنها هى كارادة الرؤساء والمسيطرين أو إرادة موهومة اخترعها الخيال ms077 كما ~~يظن فى القبور والاحجار والاشجار والكواكب ونحوها وافتكت عزيمته من أسر ~~الوسائط والشفعاء والمتكهنة والعرفاء وزعماء السيطرة على الأسرار ومنتحلى ~~حق الولاية على أعمال العيد فيما بينه وبين الله الزاعمين وأنهم واسطة ~~النجاة وبأيديهم الاشقاء والاسعاد وبالجملة فقد اعتقت روحه من العبودية ~~للمحتالين والدجالين صار الإنسان بالتوحيد عبد الله خاصة حرا من العبودية ~~لكل ما سواه فكان له من الحق ما للحر على الحر لا على فى الحق ولا وضيع ولا ~~سافل ولا رفيع ولا تفاوت بين الناس إلا بتفاوت أعمالهم ولا تفاضل إلا ~~بتفاضلهم فى عقولهم ومعارفهم ولا يقربهم من الله إلا طهارة العقل من دنس ~~الوهم وخلوص العمل من العوج والرياء ثم بهذا خلصت أموال الكاسبين وتمحض ~~الحق فيها للفقراء والمساكين والمصالح العامة وكفت عنها أيدى العالة وأهل ~~البطالة ممن كان يزعم الحق فيها بصفته ورتبته لا بعمله وخدمته # طالب الإسلام بالعمل كل قادر عليه وقرر أن لكل نفس ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال # PageV01P081 # ذرة شرا يره} وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأباح لكل أحد أن يتناول من ~~الطيبات ما شاء أكلا وشربا ولباسا وزينة ولم يحظر عليه إلا ما كان ضارا ~~بنفسه أو بمن يدخل فى ولايته أو ما تعدى ضرره إلى غيره وحدد له فى ذلك ~~الحدود العامة بما ينطبق على مصالح البشر كافة فكفل الاستقلال لكل شخص فى ~~عمله واتسع المجال لتسابق الهمم فى السعى حتى لم يعدلها عقبة تتعثر بها ~~اللهم إلا حقا محترما ما تصطدم به # أنحى الإسلام على التقليد وحمل عليه حملة لم يردها عنه القدر فبددت ~~فيالقه المتغلبة على النفوس واقتلعت أصوله الراسخة فى المدارك ونسفت ما كان ~~له من دعائم وأركان فى عقائد الأمم صاح بالعقل صيحة أزعجته من سباته وهبت ~~به من نومه طال عليه الغيب فيها كلما نفذ إليه شعاع من نور الحق خلصت إليه ~~هينمة من سدنة هياكل الوهم نم فان الليل حالك والطريق وعرة والغاية ms078 بعيدة ~~والراحلة كليلة والازواد قليلة علا صوت الإسلام على وساوس الطغام وجهر بأن ~~الانسان لم يخلق ليقاد بالزمام ولكنه فطر على أن يهتدى بالعلم والاعلام ~~أعلام الكون ودلائل الحوادث وإنما المعلمون منبهون ومرشدون إلى طرق البحث ~~ما دون صرح فى وصف أهل الحق بأنهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~فوصفهم بالتمييز بين ما يقال من غير فرق بين القائلين ليأخذوا بما عرفوا ~~حسنه ويطرحوا ما لم يتبينوا صحته ونفعه ومال على الرؤساء فأنزلهم من مستوى ~~كانوا فيه يأمرون وينهون ووضعهم تحت أنظار مرءوسيهم يخبرونهم كما يشاءون ~~ويمتحنون مزاعمهم حسبما يحكمون ويقضون فيها بما يعلمون ويتيقنون لا بما ~~يظنون ويتوهمون صرف القلوب عن التعلق بما كان عليه الآباء وما توارثه عنهم ~~الآبناء وسجل الحمق والسفاهة على الآخذين بأقوال السابقين ونبه على أن ~~السبق فى الزمان ليس آية من آيات العرفان ولا مسميا العقول على عقول ولا ~~لأذهان على أذهان وإنما السابق واللاحق فى التمييز والفطرة سيان بل للاحق ~~من علم آثارها فى الكون مالم يكن لمن تقدمه من أسلافة وآبائه وقد يكون من ~~تلك الآثار التى ينتفع بها أهل الجيل الحاضر ظهور # PageV01P082 # العواقب السيئة لأعمال من سبقهم وطغيان الشر الذى وصل إليهم بما اقترفه ~~سلفهم {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} وإن أبواب فضل ~~الله لم تغلق دون طالب ورحمته التى وسعت كل شىء لن تضيق عن دائب عاب أرباب ~~الأديان فى افتفائهم أثر آبائهم ووقوفهم عند ما اختطته لهم سير أسلافهم ~~وقولهم {بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مهتدون} فأطلق بهذا سلطان العقل من كل ما كان قيده وخلصه من كل ~~تقليد كان استعبده ورده إلى مملكته يقضى فيها بحكمه وحكمته مع الخضوع مع ~~ذلك لله وحده والوقوف عند شريعته ولا حد للعمل فى منطقة حدودها ولا نهاية ~~للنظر يمتد تحت بنودها # بهذا وما سبقه تم للانسان بمقتضى دينه أمران عظيمان طالما حرم منهما وهما ~~استقلال الإرادة واستقلال ms079 الرأى والفكر وبهما كملت له إنسانيته واستعد لأن ~~يبلغ من السعادة ما هيأه الله له بحكم الفطرة التى فطر عليها وقد قال بعض ~~حكماء الغربيين من متأخيريهم إن نشأة المدينة فى أوربا إنما قامت على هذين ~~الأصلين فلم تنهض النفوس للعمل ولم تتحرك العقول للبحث والنظر إلا بعد أن ~~عرف العدد الكثير أنفسهم وأن لهم حقا فى تصريف اختيارهم وفى طلب الحقائق ~~بعقولهم ولم يصل إليهم هذا النوع من العرفان إلا فى الجيل السادس عشر من ~~ميلاد المسيح وقرر ذلك الحكيم أنه شعاع سطع عليهم من آداب الإسلام ومعارف ~~المحققين من أهله من تلك الأزمان # رفع الاسلام بكتابه المنزل ما كان قد وضعه رؤساء الأديان من الحجر على ~~عقول المتدينين فى فهم الكتب السماوية استثار من أولئك الرؤساء بحق الفهم ~~لانفسهم وضنا به على كل من لم يلبس لباسهم ولم يسلك مسلكهم لنيل تلك الرتب ~~المقدسة ففرضوا على العامة أو أباحوا لهم أن يقرءوا قطعا من تلك الكتب لكن ~~على شريطة أن لا يفهموها ولا أن يطيلوا أنظارهم إلى ما ترمى # PageV01P083 # إليه ثم غالوا فى ذلك فحرموا أنفسهم أيضا مزية الفهم إلا قليلا ورموا ~~عقولهم بالقصور عن إدراك ما جاء فى الشرائع والنبوات ووقفوا كما وقفوا ~~بالناس عند تلاوة الألفاظ تعبدا بالأصوات والحروف فذهبوا بحكمة الارسال ~~فجاء القرآن يلبسهم عار ما فعلوا فقال {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وإن هم إلا يظنون} {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} أما الأمانى ففسرت بالقراءت والتلاوات أى لا يعلمون منه ~~إلا أن يتلوه وإذا ظنوا أنهم على شىء مما دعا إليه فهو عن غير علم بما ~~أودعه وبلا برهان على ما تخيلوه عقيدة وظنوه دينا وإذا عن لأحدهم أن يبين ~~شيئا من أحكامه ومقاصده لشهوة دفعته إلى ذلك جاء فيما يقول بما ليس منه على ~~بينة واعتسف فى التأويل وقال هذا من عند الله ms080 {فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} أما الذين قال ~~إنهم لم يحملوا التوراة وهى بين أيديهم بعد ما حملوها فهم الذين لم يعرفوا ~~منها إلا الألفاظ ولم تسم عقولهم إلى درك ما أودعته من الشرائع والأحكام ~~فعميت عليهم بذلك طرق الاهتداء بها وطمست عن أعينهم أعلام الهداية التى ~~نصبت بانزالها فحق عليهم ذلك المثل الذى أظهر شأنهم فيما لا يليق بنفس ~~بشرية أن تظهر به مثل الحمار الذى يحمل الكتب ولا يستفيد من حملها إلا ~~العناء والتعب وقصم الظهر وانهيار النفس وما أشنع شأن قوم انقلبت بهم الحال ~~فما كان سببا فى إسعادهم وهو التنزيل والشريعة أصبح سببا فى شقائهم بالجهل ~~والغباوة وبهذا التقريع ونحوه وبالدعوة العامة إلى الفهم وتمحيص الألباب ~~لفقه واليقين مما هو منتشر في القرآن العزيز فرض الإسلام على كل ذى دين أن ~~يأخذ بحظه من علم ما أودع الله فى كتبه وما قرر من شرعه وجعل الناس فى ذلك ~~سواء بعد استيفاء الشرط بإعداد ما لا بد منه للفهم وهو سهل المنال # PageV01P084 # على الجمهور الأعظم من المتدينين لا تختص به طبقة من الطبقات ولا يحتكر ~~مزينة وقت من الأوقات # جاء الإسلام والناس شيع فى الدين وإن كانوا إلا قليلا فى جانب عن اليقين ~~يتنابذون ويتلاعبون ويزعمون فى ذلك أنهم بحبل الله مستمسكون فرقة وتخالف ~~وشغب يظنونها فى سبيل الله أقوى سبب أنكر الإسلام ذلك كله وصرح تصريحا لا ~~يحتمل الريبة بأن دين الله فى جميع الأزمان وعلى ألسن جميع الأنبياء واحد ~~قال الله إن الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أوتو الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن ~~كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} {قل يا أهل ms081 الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} وكثير ~~من ذلك يطول إيراده فى هذه الوريقات والآيات الكريمة التى تعيب على اهل ~~الدين ما نزعوا إليه من الاختلاف والمشاقة مع ظهور الحجة واستقامة المحجة ~~لهم فى علم ما اختلفوا فيه معروفة لكل من قرأ القرآن وتلاه حق تلاوته نص ~~الكتاب على أن دين الله فى جميع الأزمان هو إفراده بالربوبية والاستسلام له ~~وحده بالعبودية وطاعته فيما أمر به ونهى عنه مما هو مصلحة للبشر وعماد ~~لسعادتهم فى الدنيا والآخرة وقد ضمنه كتبه التى أنزلها على المصطفين من ~~رسله ودعا العقول إلى فهمه منه والعزائم إلى العمل به وأن هذا المعنى من ~~الدين هو الأصل الذى يرجع إليه عند هبوب ريح التخالف وهو الميزان الذى توزن ~~به الأقوال عند التناصف وإن اللجاج والمراء فى الجدل فراق مع الدين وبعد عن ~~سنته ومتى روعيت # PageV01P085 # حكمته ولوحظ جانب العناية الإلهية فى الإنعام على البشرية ذهب الخلاف ~~وتراجعت القلوب إلى هداها وسار الكافة فى مراشهدهم إخوانا بالحق مستمسكين ~~وعلى نصرته متعاونين # أما صور العبادات وضروب الاحتفالات مما اختلفت فيه الأديان الصحيحة ~~سابقها مع لاحقها واختلاف الأحكام متقدمها مع متأخرها فمصدره رحمة الله ~~ورأفته فى إيتاء كل أمة وكل زمان ما علم فيه الخير للأمة والملاءمة للزمان ~~وكما جرت سنته هو رب العالمين بالتدريج فى تربية الأشخاص من خارج بطن أمه ~~لا يعلم شيئا إلى راشد فى عقله كامل فى نشأته يمزق الحجب بفكره ويواصل ~~أسرار الكون بنظره كذلك لم تختلف سنته ولم يضطرب هديه فى تربية الأمم فلم ~~يكن من شأن الإنسان فى جملته ونوعه أن يكون فى مرتبة واحدة من العلم وقبول ~~الخطاب من يوم خلقه إلى يوم يبلغ به من الكمال منتهاه بل سبق القضاء بأن ~~يكون شأن جملته فى النمو قائما على ما قررته الفطرة الإلهية فى شأن أفراده ~~وهذا ms082 من البديهيات التى لا يصح الاختلاف فيها وإن اختلف أهل النظر فى بيان ~~ما تفرع منه فى علوم وضعت للبحث فى الاجتماع البشرى خاصة فلا نطيل الكلام ~~فيه هنا # جاءت أديان والناس من فهم مصالحهم العامة بل والخاصة فى طور أشبه بطور ~~الطفولة للناشىء الحديث العهد بالوجود لا يألف منه إلا ما وقع تحت حسه ~~ويصعب عليه أن يضع الميزان بين يومه وأمسه وأن يتناول بذهنه من المعانى ما ~~لا يقرب من لمسه ولم ينفث فى روعه من الوجدان الباطن ما يعطفه على غيره من ~~عشيرة أو ابن جنسه فهو من الحرص على ما يقيم بناء شخصه فى هم شاغل عما يلقى ~~إليه فيما يصله بغيره اللهم إلا يدا تصل إلى فمه بطعام أو تسنده فى قعود أو ~~قيام فلم يكن من حكمة تلك الأديان أن تخاطب الناس بما يلطف فى الوجدان أو ~~يرقى إليه بسلم البرهان بل كان من عظيم الرحمة أن نسير بالأقوام وهم عيال ~~الله سير الوالد مع ولده فى سذاجة السن لا يأتيه إلا من قبل ما يحسه بسمعه ~~أو يبصره فأخذتهم بالأوامر الصادعة والزواجر الرادعة وطالبتهم بالطاعة ~~وحملتهم فيها على مبلغ الاستطاعة كلفتهم بمعقول المعنى # PageV01P086 # جلى الغاية وإن لم يفهموا معناه ولم تصل مداركهم إلى مرماه وجاءتهم من ~~الآيات بما تطرف له عيونهم وتنفعل به مشاعرهم وفرضت عليهم من العبادات ما ~~يليق بحالهم هذه # ثم مضت على ذلك أزمان علت فيها الأقوام وسقطت وارتفعت وانحطت وجربت وكسبت ~~وتخالفت واتفقت وذاقت من الأيام آلاما وتقلبت فى السعادة والشقاء أياما ~~واياما ووجدت الأنفس بنفث الحوادث ولقن الكوارث شعورا أدق من الحس وأدخل فى ~~الوجدان لا يرتفع فى الجملة عما تشعر به قلوب النساء أو تذهب معه نزعات ~~الغلمان فجاء دين يخاطب العواطف ويناجى المراحم ويستعطف الأهواء ويحادث ~~خطرات القلوب فتشرع للناس من شرائع الزهادة ما يصرفهم عن الدنيا بجملتها ~~ويوجه وجوههم نحو الملكوت الأعلى ويقتضى من صاحب الحق أن لا يطالب به ولو ~~بحق ويغلق أبواب السماء ms083 فى وجوه الأغنياء وما ينحو نحو ذلك مما هو معروف ~~وسن للناس سننا فى عبادة الله تتفق مع ما كانوا عليه وما دعاهم إليه فلاقى ~~من تعلق النفوس بدعوته ما أصلح من فاسدها وداوى من أمراضها ثم لم يمض عليه ~~بضعة أجيال حتى ضعفت العزائم البشرية عن احتماله وضاقت الذرائع عن الوقوف ~~عند حدوده والأخذ بأقواله ووقر فى الظنون أن اتباع وصاياه ضرب من المحال ~~فهب القائمون عليه أنفسهم لمنافسة الملوك فى السلطان ومزاحمة أهل الترف فى ~~جمع الأموال وانحرف الجمهور الأعظم منهم عن جادته بالتأويل وأضافوا عليه ما ~~شاء الهوى من الأباطيل هذا كان شأنهم فى السجايا والأعمال نسوا طهارته ~~وباعوا نزاهته أما فى العقائد فتفرقوا شيعا وأحدثوا بدعا ولم يستمسكوا من ~~أصوله إلا بما ظنوه من أشد أركانها وتوهموه من أقوى دعائمها وهو حرمان ~~العقول من النظر فيه بل وفى غيره من دقائق الأكوان والحظر على الأفكار أن ~~تنفذ إلى شىء من سرائر الخلقة فصرحوا بأن لا وفاق بين الدين والعقل وأن ~~الدين من أشد أعداء العلم ولم يكف الذاهب إلى ذلك أن يأخذ به نفسه بل جد فى ~~حمل الناس على مذهبه بكل ما يملك من حول وقوة وأفضى الغلو فى ذلك بالأنفس ~~إلى نزعة # PageV01P087 # كانت أشام النزعات على العالم الإنسانى وهى نزعة الحرب بين أهل الدين ~~للإلزام ببعض قضايا الدين فتقوض الأصل وتخرمت العلائق بين الأهل وحلت ~~القطيعة محل التراحم والتخاصم مكان التعاون والحرب محل السلام وكان الناس ~~على ذلك إلى أن جاء الإسلام # كان سن الاجتماع البشرى قد بلغ بالإنسان أشده وأعدته الحوادث الماضية إلى ~~رشده فجاء الإسلام يخاطب العقل ويستصرخ الفهم واللب ويشركه مع بعض العواطف ~~والإحساس فى إرشاد الإنسان إلى سعادته الدنيوية والأخروية وبين للناس ما ~~اختلفوا فيه وكشف لهم عن وجه ما اختصموا عليه وبرهن على أن دين الله فى ~~جميع الأجيال واحد ومشيئته فى إصلاح شئونهم وتطهير قلوبهم واحدة وأن رسم ~~العبادة على الأشباح إنما هو لتجديد الذكرى فى الأرواح وأن ms084 الله لا ينظر ~~إلى الصور ولكن ينظر إلى القلوب وطالب المكلف برعاية جسده كما طالبه بإصلاح ~~سره ففرض نظافة الظاهر كما أوجب طهارة الباطن وعد كلا الأمرين طهرا مطلوبا ~~وجعل روح العبادة والإخلاص وأن ما فرض من الأهمال إنما هو لما أوجب من ~~التحلى بمكارم الأخلاق {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} {إن الإنسان ~~خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين} ورفع ~~الغنى الشاكر إلى مرتبة الفقير الصابر بل ربما فضله عليه وعامل الإنسان فى ~~مواعظه معاملة الناصح الهادى للرجل الرشيد فدعاه إلى استعمال جميع قواه ~~الظاهرة والباطنة وصرح بما لا يقبل التأويل أن فى ذلك رضا الله وشكر نعمته ~~وأن الدنيا مزرعة الآخرة ولا وصول إلى خير العقبى إلا بالسعى فى صلاح ~~الدنيا # التفت إلى أهل العناد فقال لهم {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} وعنف ~~النازعين إلى الخلاف والشقاق على ما زعزعوا من اصول اليقين ونص على أن ~~التفرق بغى وخروج عن سبيل الحق المبين ولم يقف فى ذلك عند حد الموعظة ~~بالكلام والنصيحة بالبيان بل شرع شريعة الوفاق وقررها فى # PageV01P088 # فى العمل فأباح للمسلم أن يتزوج من أهل الكتاب وسوغ مؤاكلتهم وأوصى أن ~~تكون مجادلتهم بالتى هي أحسن ومن المعلوم أن المحاسنة هى رسول المحبة وعقد ~~الألفة والمصاهرة إنما تكون بعد التحاب بين أهل الزوجين والإرتباط بينهما ~~بروابط الائتلاف وأقل ما فيها محبة الرجل لزوجيه وهى على غير دينه قال ~~تعالى {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة} ثم أخذ العهد على المسلمين أن يدافعوا عمن يدخل فى ذمتهم من ~~غيرهم كما يدافعون عن أنفسهم ونص على أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا ولم ~~يفرض عليهم جزاء ذلك إلا زهيدا يقدمونه من مالهم ونهى بعد ذلك عن كل إكراه ~~فى الدين وطيب قلوب المؤمنين فى قوله {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم} فعليهم الدعوة إلى الخير بالتى هى ms085 أحسن وليس لهم ~~ولا عليهم أن يستعملوا أى ضرب من ضروب القوة فى الحمل على الإسلام فإن نوره ~~جدير أن يخترق القلوب وليست الآية فى الأمر بالمعروف بين المسلمين فإنه لا ~~اهتداء إلا بعد القيام به ولو أريد ذلك لكان التعبير على كل واحد منكم ~~بنفسه لا عليكم أنفسكم كما هو ظاهر لكل عربى كل ذلك ليرشد إلى أن الله لم ~~يشرع لهم الدين ليتفرقوا فيه ولكن ليهديهم إلى الخير فى جميع نواحيه # رفع الإسلام كل امتياز بين الأجناس البشرية وقرر لكل فطرة شرف النسبة إلى ~~الله فى الخلقة وشرف اندراجها فى النوع الإنسانى فى الجنس والفصل والخاصة ~~وشرف استعدادها بذلك لبلوغ أعلى درجات الكمال الذى أعده الله لنوعها على ~~خلاف ما زعمه المنتحلون من الاختصاص بمزايا حرم منها غيرهم وتسجيل الخسة ~~على أصناف زعموا أنها لن تبلغ من الشأن أن تلحق غبارهم فأماتوا بذلك ~~الأرواح فى معظم الأمم وصيروا أكثر الشعوب هياكل وأشباحا # هذه عبادات الإسلام على ما فى الكتاب وصحيح السنة تتفق على ما يليق بجلال ~~الله وسمو وجوده عن الأشباه وتلتثم مع المعروف عند العقول السليمة فالصلاة ~~ركوع وسجود وحركة وسكون ودعاء وتضرع وتسبيح وتعظيم وكلها # PageV01P089 # تصدر عن ذلك الشعور بالسطان الإلهى الذى يغمر القوة البشرية ويستغرق ~~الحول فتخشع له القلوب وتستحذى له النفوس وليس فيها شىء يعلو على متناول ~~العقل إلا نحو تحديد عدد الركعات أو رمى الجمرات على أنه مما يسهل التسليم ~~فيه لحكمة العليم الخبير وليس فيه من ظاهر العبث واستحالة المعنى ما يخل ~~بالأصول التى وضعها الله للعقل فى الفهم والتفكير أما الصوم فحرمان يعظم به ~~أمر الله فى النفس وتعرف به مقادير النعم عند فقدها ومكانة الإحسان الإلهى ~~فى التفضل بها {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ~~أما أعمال الحج فتذكير للإنسان بأوليات حاجاته وتعهد له بتمثيل المساواة ~~بين أفراده ولو فى العمر مرة يرتفع فيها الامتياز بين الغنى والفقير ~~والصعلوك والأمير ويظهر الجميع فى معرض واحد ms086 عراة الأبدان متجردين عن آثار ~~الصنعة وحدت بينهم العبودية لله رب العالمين كل ذلك مع استبقائهم فى الطواف ~~والسعى والمواقف ولمس الحجر ذكرى إبراهيم عليه السلام وهو أبو الدين وهو ~~الذى سماهم المسلمين واستقرار يقينهم على أن لا شىء من تلك البقايا الشريفة ~~يضر أو ينفع وشعار هذا الإذعان الكريم فى كل عمل الله اكبر أين هذا كله مما ~~تجد في عبادات أقوام آخرين يضل فيها العقل ويتعذر معها خلوص السر للتنزيه ~~والتوحيد # كشف الإسلام عن العقل غمة من الوهم فيما يعرض من حوادث الكون الكبير ~~العالم والكون الصغير والإنسان فقرر أن آيات الله الكبرى فى صنع العالم ~~إنما يجرى أمرها على السنن الإلهية التى قدرها الله فى علمه الأزلى لا ~~يغيرها شىء من الطوارىء الجزائية غير أنه لا يجوز أن يغفل شأن الله فيها بل ~~ينبغى أن يحيى ذكره عند رؤيتها فقد جاء على لسان النبى صلى الله عليه وسلم ~~إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا ~~رأيتم ذلك فاذكروا الله وفيه التصريح بأن جيمع آيات الكون تجرى على نظام ~~واحد لا يقضى فيه إلا العناية الأزلية على السنن التى أقامته عليها ثم أماط ~~اللثام عن حال الإنسان فى النعم التى يتمتع بها الأشخاص أو الأمم والمصائب # PageV01P090 # التى يرزءون بها ففصل بين الأمرين فصلا لا مجال معه للخلط بينهما فأما ~~النعم التى يمتع الله بها بعض الأشخاص فى هذه الحياة والرزايا التى يرزأ ~~بها فى نفسه فكثير منها كالثروة والجاه والقوة والبنين أو الفقر والضعة ~~والضعف والفقد قد لا يكون كاسبها أو جاليها ما عليه الشخص فى سيرته من ~~استقامة وعوج أو طاعة وعصيان وكثيرا ما أمهل الله بعض الطغاة البغاة أو ~~الفجرة الفسقة وترك لهم متاع الحياة الدنيا إنظارا لهم حتى يتلقاهم ما أعد ~~لهم من العذاب المقيم فى الحياة الأخرى وكثيرا ما امتحن الله الصالحين من ~~عباده وأثنى عليهم فى الاستسلام لحكمه وهم الذين إذا أصابتهم مصيبة عبروا ~~عن إخلاصهم ms087 فى التسليم بقولهم {إنا لله وإنا إليه راجعون} فلا غضب زيد ولا ~~رضا عمرو ولا إخلاص سريرة ولا فساد عمل مما يكون له دخل فى هذه الرزايا ولا ~~فى تلك النعم الخاصة اللهم إلا فيما ارتباطه بالعمل ارتباط المسبب بالسبب ~~على جارى العادة كارتباط الفقر بالإسراف والذل بالجبن وضياع السلطان بالظلم ~~وكارتباط الثروة بحسن التدبير فى الأغلب والمكانة عند الناس بالسعى فى ~~مصالحهم على الأكثر وما يشبه ذلك مما هو مبين فى علم آخر # أما شأن الأمم فليس على ذلك فإن الروح الذى أودعه الله جميع شرائعه ~~الإلهية من تصحيح الفكر وتسديد النظر وتأديب الأهواء وتحديد مطامح الشهوات ~~والدخول إلى كل امر من بابه وطلب كل رغيبة من أسبابها وحفظ الأمانة ~~واستشعار الإخوة والتعاون على البر والتناصح فى الخير والشر وغير ذلك من ~~أصول الفضائل ذلك الروح هو مصدر حياة الأمم ومشرق سعادتهم فى هذه الدنيا ~~قبل الآخرة {من يرد ثواب الدنيا نؤته منها} ولن يسلب الله عنها نعمته ما ~~دام هذا الروح فيها يزيد الله النعم بقوته وينقصها بضعفه حتى إذا فارقها ~~ذهبت السعادة على أثره وتبعته الراحة إلى مقره واستبدل الله عزة القوم ~~بالذل وكثيرهم بالقل ونعيمهم بالشقاء وراحتهم بالعناء وسلط عليهم الظالمين ~~أو العادلين فأخذهم بهم وهم فى غفلة ساهون وإذا أردنا أن نهلك # PageV01P091 # قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) ~~أمرناهم بالحق ففسقوا عنه إلى الباطل ثم لا ينفعهم الأنين ولا يجديهم ~~البكاء ولا يفيدهم ما بقى من صور الأعمال ولا يستجاب منهم الدعاء ولا كاشف ~~لما نزل بهم إلا أن يلجؤوا إلى ذلك الروح الأكرم فيستنزلوه من سماء الرحمة ~~برسل الفكر والذكر والصبر والشكر إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} وما أجل ~~ما قاله العباس بن عبد المطلب فى استسقائه اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ~~ولم يرفع إلا بتوبة على هذه السنن جرى سلف الأمة ms088 فبينما كان المسلم يرفع ~~روحه بهذه العقائد السامية ويأخذ نفسه بما يتبعها من الأعمال الجليلة كان ~~غيره يظن أنه يزلزل الأرض بدعائه ويشق الفلك ببكائه وهو ولع بأهوائه ماض فى ~~غلوائه وما كان يغنى عنه ظنه من الحق شيئا # حث القرآن على التعليم وإرشاد العامة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~فقال {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ثم فرض ذلك فى قوله ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب ~~عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد أيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم ~~فيها خالدون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ~~ولله ما فى السموات وما فى الأرض وإلى الله ترجع الأمور ثم بعد هذا الوعيد ~~الذى يزعج المفرطين وتحقق به كلمة العذاب على # PageV01P092 # المختلفين والمقصرين أبرز حال الأمارين بالمعروف النهائين عن المنكر فى ~~أجل مظهر يمكن أن تظهر فيه حال أمة فقال {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} فقدم ذكر الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر على الإيمان فى هذه الآية مع أن الإيمان هو الأصل الذى تقوم عليه ~~أعمال البر والدوحة التى تتفرع عنها أفنان الخير تشريفا لتلك الفريضة ~~وإعلاء لمنزلتها بين الفرائض بل تنبيها على أنها حفاظ الإيمان وملاك أمره ~~ثم شد بالإنكار على قوم اغفلوها وأهل دين أهملوها فقال لعن الذين كفروا من ~~بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~وكانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون فقذف عليهم اللعنة ~~وهى أشد ما عنون الله به على مقته وغضبه # فرض الإسلام للفقراء فى أموال الأغنياء حقا معلوما يفيض به الآخرون على ~~الأولين سدا لحاجة ms089 المعدم وتفريجا لكربة الغارم وتحريرا لرقاب المستبعدين ~~وتيسير الأبناء السبيل ولم يحث على شىء حثه على الإنفاق من الأموال فى سبيل ~~الخير وكثيرا ما جعله عنوان الإيمان ودليل الاهتداء إلى الصراط المستقيم ~~فاستل بذلك ضغائن أهل الفاقة ومحص صدورهم من الاحقاد على من فضلهم الله ~~عليهم فى الرزق وأشعر قلوب أولئك محبة هؤلاء وساق الرحمة فى نفوس هؤلاء على ~~أولئك البائسين فاستقرت بذلك الطمأنينة فى نفوس الناس أجمعين وأى دواء ~~لأمراض الاجتماع أنجع من هذا ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم # أغلق الإسلام بأبى الشر وسد ينبوعى فساد العقل والمال بتحريمه الخمبر ~~والمقامرة والربا تحريما باتا لا هوادة فيه # لم يدع الإسلام بعد ما قررنا أصلا من أصول الفضائل إلا أتى عليه ولا أما ~~من أمهات الصالحات إلا أحياها ولا قاعدة من قواعد النظام إلا قررها # PageV01P093 # فاستجمع للإنسان عند بلوغ رشده كما ذكرنا حرية الفكر واستقلال العقل فى ~~النظر وما به من صلاح السجايا واستقامة الطبع وما فيه إنهاض العزائم إلى ~~العمل وسوقها فى سبل السعى ومن يتلو القرآن حق تلاوته يجد فيه من ذلك كنزا ~~لا ينفد وذخيرة لا تفنى هل بعد الرشد وصاية وبعد اكتمال العقل ولاية كلا قد ~~تبين الرشد من الغى ولم يبق إلا اتباع الهدى والانتفاع بما ساقته أيدى ~~الرحمة لبلوغ الغاية من السعادتين لهذا ختمت النبوات بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وانتهت الرسالات برسالته كما صرح بذلك الكتاب وأيدته السنة ~~الصحيحة وبرهنت عليه خيبة مدعيها من بعده واطمئنان العالم بما وصل إليه من ~~العلم إلى أن لا سبيل بعد لقبول دعوة بزعم القائم بها أنه يحدث عن الله ~~بشرع أو يصدع عن وحيه بأمر هكذا يصدق نبأ الغيب ما كان محمد ابا أحد من ~~رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شىء عليما ### | انتشار الإسلام ### | بسرعة لم يعهد لها نظير فى التاريخ # كانت حاجة الأمم إلى الإصلاح عامة فجعل الله رسالة خاتم النبيين عامة ~~كذلك لكن يندهش ms090 عقل الناظر فى أحوال البشر عندما يرى أن هذا الدين يجمع ~~إليه الأمة العربية من أدناها إلى أقصاها فى أقل من ثلاثين سنة ثم يتناول ~~من بقية الأمم ما بين المحيط الغربى وجدار الصين فى أقل من قرن واحد وهو ~~أمر لم يعهد فى تاريخ الأديان ولذلك ضل الكثير فى بيان السبب واهتدى إليه ~~المنصفون فبطل العجب # ابتدأ هذا الدين بالدعوة كغيره من الأديان ولقى من أعداء أنفسهم أشد ما ~~يلقى حق من باطل أوذى الداعى صلى الله عليه وسلم بضروب الإيذاء وأقيم فى ~~وجهه ما كان يصعب تذليله من العقاب لولا عناية الله وعذب المستجيبون له ~~وحرموا الرزق وطردوا من الدار وسفكت منهم دماء غزيرة غير أن تلك # PageV01P094 # الدماء كانت عيون العزائم تتفجر من صخور الصبر يثبت الله بمشهدها ~~المستيقنين ويقذف بها الرعب فى أنفس المرتابين فكانت تسيل لمنظرها نفوس أهل ~~الريب وهى ذوب ما فسد من طباعهم فتجرى من مناحرهم جرى الدم الفاسد من ~~المقصود على أيدى الأطباء الحاذقين ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل ~~الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فى جهنم أولئك هم الخاسرون تألبت الملل ~~المختلفة ممن كان يسكن جزيرة العرب وما جاورها على الإسلام ليحصدوا نبتته ~~ويخنقوا دعوته فما زال يدافع عن نفسه دفاع الضعيف للأقوياء والفقير ~~للأغنياء ولا ناصر له إلا أنه الحق بين الأباطيل والرشد فى ظلمات الأضاليل ~~حتى ظفر بالعزة وتعزز بالمنعة وقد وطىء أرض الجزيرة أقوام من أديان أخرى ~~كانت تدعو إليها وكانت لهم ملوك وعزة وسلطان وحملوا الناس على عقائدهم ~~بأنواع من المكاره ومع ذلك لم يبلغ بهم السعى نجاحا ولا أنالهم القهر فلاحا # ضم الإسلام سكان القفار العربية إلى وحدة لم يعرفها تاريخهم ولم يعهد لها ~~نظير فى ماضيهم وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أبلغ رسالته بأمر ربه إلى ~~من جاور البلاد العربية من ملوك الفرس والرومان فهزءوا وامتنعوا وناصبوه ~~وقومه الشر وأخافوا السابلة وضيقوا على المناجر فبعث إليهم البعوث فى حياته ~~وجرى على سنته الأئمة ms091 من صحابته طلبا للأمن وإبلاغا للدعوة فاندفعوا فى ~~ضعفهم وفقرهم يحملون الحق على أيديهم وانهالوا به على تلك الأمم فى قوتهم ~~ومنعتها وكثرة عددها واستكمال أهبها وعددها فظفروا منها بما هو معلوم ~~وكانوا متى وضعت الحرب أوزارها واستقر السلطان للفاتح عطفوا على المغلوبين ~~بالرفق واللين وأباحو لهم البقاء على أديانهم وإقامة شعائرها آمنين مطمئنين ~~ونشروا حمايتهم عليهم يمنعونهم مما يمنعون منهم أهلهم وأموالهم وفرضوا ~~عليهم كفاء ذلك جزءا قليلا من مكاسبهم على شرائط معينة كانت الملوك من غير ~~المسلمين إذا فتحوا مملكة اتبعوا جيشها الظافر بجيش من الدعاة إلى دينها ~~يلجون على الناس # PageV01P095 # بيوتهم ويغشون مجالسهم ليحملوهم على دين الظافر وبرهانهم الغلبة وحجتهم ~~القوة ولم يقع ذلك لفاتح من المسلمين ولم يعهد فى تاريخ فتوح الإسلام أن ~~كان له دعاة معروفون لهم وظيفة ممتازة يأخذون على أنفسهم العمل فى نشره ~~ويقفون مسعاهم على بث عقائده بين غير المسلمين بل كان المسلمون يكتفون ~~بمخالطة من عداهم ومحاسنتهم فى المعاملة وشهد العالم بأسره أن الإسلام كان ~~يعد مجاملة المغلوبين فضلا وإحسانا عندما كان يعدها الأوروبيون ضعة وضعفا ~~رفع الإسلام ما ثقل من الأتاوات ورد الأموال المسلوبة إلى أربابها وانتزع ~~الحقوق من مغتصبيها ووضع المساواة فى الحق عند التقاضى بين المسلم وغير ~~المسلم بلغ أمر المسلمين فيما بعد أن لا يقبل إسلام من داخل فيه إلا بين ~~يدى قاض شرعى بإقرار من المسلم الجديد أنه أسلم بلا إكراه ولا رغبة فى دنيا ~~وصل الأمر فى عهد بعض الخلفاء الأمويين أن كره عمالهم دخول الناس فى دين ~~الإسلام لما رأوا أنه ينقص من مبالغ الجزية وكان فى حال أولئك العمال صد عن ~~سبيل الدين لا محالة عرف خلفاء المسلمين وملوكهم فى كل زمن ما لبعض أهل ~~الكتاب بل وغيرهم من المهارة فى كثر من الأعمال فاستخدموهم وصعدوا بهم إلى ~~أعلى المناصب حتى كان منهم من تولى قيادة الجيش فى اسبانيا اشتهرت حرية ~~الأديان فى بلاد الإسلام حتى هجر اليهود أوربا فرارا منها بدينهم إلى ms092 بلاد ~~الأندلس وغيرها # هذا ما كان من أمر المسلمين فى معاملتهم لمن أظلوهم بسيوفهم لم يفعلوا ~~شيئا سوى أنهم حملوا إلى أولئك الأقوام كتاب الله وشريعته وألقوا بذلك بين ~~أيديهم وتركوا الخيار لهم فى القبول وعدمه ولم يقوموا بينهم بدعوة ولم ~~يستعملوا لإكراههم عليه شيئا من القوة وما كان من الجزية لم يكون مما يثقل ~~أداؤه على من ضربت عليه فما الذى أقبل بأهل الأديان المختلفة على الإسلام ~~وأقنعهم أنه الحق دون ما كان لديهم حتى دخلوا فيه أفواجا وبذلوا فى خدمته ~~مالم يبذله العرب أنفسهم # ظهور الإسلام على ما كان فى جزيرة العرب من ضروب العبادات الوثنية وتغلبه ~~على ماكان فيها من رذائل الاخلاق وقبائح الأعمال وسيره بسكانها على # PageV01P099 # الجادة القويمة حقق لقراء الكتب الإلهية السابقة أن ذلك هو وعد الله ~~لنبييه إبراهيم وإسماعيل وتحقيق استجابة دعاء الخليل {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم} وإن هذا الدين هو ما كانت تبشر به الأنبياء أقوامها من بعدها ~~فلم يجد أهل النصفة منهم سبيلا إلى البقاء على العناد فى مجاحدته فتلقوه ~~شاكرين وتركوا ما كان لهم بين قومهم صابرين أوقع ذلك من الريب فى قلوب ~~مقلديهم ما حركهم إلى النظر فيه فوجدوا لطفا ورحمة وخيرا ونعمة لا عقيدة ~~بنفر منها العقل وهو رائد الإيمان الصادق ولا عمل تضعف عن احتماله الطبيعة ~~البشرية وهى القاضية فى قبول المصالح والمرافق رأوا أن الإسلام يرفع النفوس ~~بشعور من اللاهوت يكاد يعلو بها عن العلم السفلى ويلحقها بالملكوت الأعلى ~~وبدعوها إلى إحياء ذلك الشعور بخمس صلوات فى اليوم وهو مع ذلك لا يمنع من ~~التمتع بالطيبات ولا يفرض من الرياضات وضروب الزهادة ما يشق على الفطرة ~~البشرية تجشمه ويعد برضا الله ونيل ثوابه حتى فى توفية البدن حقه متى حسنت ~~النية وخلصت السريرة فإذا نزلت شهوة أو غلب هوى كان الغفران الإلهى ينتظره ~~متى حسنت التوبة وكملت الأوبة تبدت لهم سذاجة الدين عندما قرءوا القرآن ~~ونظروا فى سيرة الطاهرين من حامليه اليهم وظهر لهم الفرق بين ms093 مالا سبيل إلى ~~فهمه وما تكفى جولة نظر فى الوصول إلى علمه فتراموا إليه خفافا من ثقل ما ~~كانوا عليه كانت الأمم تطلب عقلا فى دين فوافاها وتطلع إلى عدل فى إيمان ~~فأتاها فما الذى يحجم بها عن المسارعة إلى طلبتها والمبادرة إلى رغيبتها ~~كانت الشعوب تئن من ضروب الامتياز التى رفعت بعض الطبقات على بعض بغير حق ~~وكان من حكمها أن لا يقام وزن لشئون الأدنين متى عرضت دونها شهوات الأعلين ~~فجاء دين يحدد الحقوق ويسوى بين جميع الطبقات فى احترام النفس والدين ~~والعرض والمال ويسوغ لأمراء فقيرة غير مسلمة أن تأبى بيع بيت صغير بأية ~~قيمة لأمير عظيم مطلق السلطان فى قطر كبير وما كان يريده لنفسه ولكن ليوسع ~~به مسجدا فلما عقد العزيمة على أخذه مع دفع أضعاف قيمته رفعت الشكوى إلى ~~الخليفة فورد أمره برد بينها إليها مع لوم الأمير على ما كان # PageV01P097 # منه عدل يسمح ليهودى أن يخاصم مثل على بن أبى طالب أمام القاضى وهو من ~~نعلم من هو ويستوقفه معه للتقاضى إلى أن قضى الحق بينهما هذا وما سبق بيانه ~~مما جاء به الإسلام هو الذى حببه إلى من كانوا أعداءه ورد إليه أهواءهم حتى ~~صاروا أنصاره وأولياءه # غلب على المسلين فى كل زمن روح الإسلام فكان من خلقهم العطف على من ~~جاورهم من غيرهم ولم تستشعر قلوبهم عداوة لمن خالفهم إلا بعد أن يحرجهم ~~الجار فهم كانوا يتعلمونها من سواهم ثم لا يكون إلا طائفا يحل ثم يرتحل ~~فإذا انقطعت أسباب الشغب تراجعت القلوب إلى سابق ما الفته من اللين ~~والمياسرة ومع ذلك بل وغفلة المسلمين عن الإسلام وخذلانهم له وسعى الكثير ~~منهم فى هدمه بعلم وبغير علم لم يقف الإسلام فى انتشاره عند حد خصوصا فى ~~الصين وفى إفريقيا ولم يخل زمن من رؤية جموع كثيرة من ملل مختلفة تنزع إلى ~~الأخذبعقائده على بصيرة فيما تنزع إليه لا سيف وراءها ولا داعى أمامها ~~وإنما هو مجرد الاطلاع على ما أودعه مع ms094 قليل من حركة الفكر فى العلم بما ~~شرعه ومن هذا تعلم أن سرعة انتشار الدين الإسلامى وإقبال الناس على ~~الاعتقاد به من كل ملة إنما كان لسهولة تعقله ويسر أحكامه وعدالة شريعته ~~وبالجملة لأن فطر البشر تطلب دينا وترتاد منه ما هو أمس بمصالحها وأقرب إلى ~~قلوبها ومشاعرها وأدعى إلى الطمأنينة فى الدنيا والآخرة ودين هذا شأنه يجد ~~إلى القلوب منفذا وإلى العقول مخلصا وبدون حاجة إلى دعاة ينفقون الأموال ~~الكثيرة والأوقات الطويلة ويستكثرون من الوسائل ونصب الحبائل لاسقاط النفوس ~~فيه هذا كان حال الإسلام فى سذاجته الأولى وطهارته التى أنشأه الله عليها ~~ولا يزال على جانب عظيم منها فى بعض أطراف الأرض إلى اليوم # قال من لم يفهم ما قدمناه أولم يرد أن يفهمه إن الإسلام لم يطف على قلوب ~~العالم بهذه السرعة إلا بالسيف فقد فتح المسلمون ديار غيرهم والقرآن بإحدى ~~اليدين والسيف بالأخرى يعرضون القرآن على المغلوب فان لم يقبله فصل السيف ~~بينه وبين حياته سبحانك هذا بهتان عظيم ما قدمناه من معاملة المسلمين مع # PageV01P098 # من دخلوا تحت سلطانهم هو ماتواترت به الأخبار تواترا صحيحا لا يقبل ~~الريبة فى جملته وإن وقع اختلاف فى تفصيله وإنما شهر المسلمون سيوفهم دفاعا ~~عن أنفسهم وكفا للعدوان عنهم ثم كان الافتتاح بعد ذلك من ضرورة الملك ولم ~~يكن من المسلمين مع غيرهم إلا أنهم جاوروهم وأجاروهم فكان الجوار طريق ~~العلم بالإسلام وكانت الحاجة لصلاح العقل والعمل داعية الانتقال إليه # لو كان السيف ينشر دينا فقد عمل فى الرقاب للاكراه على الدين والإلزام به ~~مهددا كل أمة لم تقبله بالإبادة والمحو من سطح البسيطة مع كثرة الجيوش ~~ووفرة العدد وبلوغ القوة أسمى درجة كانت تمكن لها وابتدأ ذلك العمل قبل ~~ظهور الإسلام بثلاثة قرون كاملة واستمر فى شدته بعد مجىء الإسلام سبعة ~~أجيال أو يزيد فتلك عشرة قرون كاملة لم يبلغ فيها السيف من كسب عقائد البشر ~~مبلغ الإسلام فى أقل من قرن هذا ولم يكن السيف وحده بل كان الحسام ms095 لا يتقدم ~~خطوة إلا والدعاة من خلفه يقولون ما يشاءون تحت حمايته مع غيره نفيض من ~~الأفئدة وفصاحة تتدفق عن الألسنة وأموال تخلب ألباب المستضعفين إن فى ذلك ~~لآيات للمستيقنين # جلت حكمة الله فى أمر هذا الدين سلسبيل حياة نبع فى القفار العربية أبعد ~~بلاد الله عن المدينة فاض حتى شملها فجمع شملها فأحياها حياة شعبية ملية ~~علامده حتى استغرق ممالك كانت تفاخر أهل السماء فى رفعتها وتعلوا أهل الأرض ~~بمدنيتها زلزل هديره على لينه ما كان استحجر من الأرواح فانشقت عن مكنون سر ~~الحياة فيها قالوا كان لا يخلو من غلب بالتحريك قليا تلك سنة الله فى الخلق ~~لا تزال المصارعة بين الحق والباطل والرشد والغى قائمة فى هذا العالم إلى ~~أن يقضى الله قصاءه فيه إذا ساق الله ربيعا إلى أرض جدبة ليحيى ميتنها ~~وينقع غلتها وينمى الخصب فيها أفينقص من قدره أن اتى فى طريقه على عقبة ~~فعلاها أو بيت رفيع العماد فهوى به # سطح الإسلام على الديار التى بلغها أهله فلم يكن بين أهل تلك الديار ~~وبينه إلا أن يسمعوا كلام الله ويفقهوه واشتغل المسلمون بعضهم ببعض زمنا ~~وانحرفوا # PageV01P099 # عن طريق الدين أزمانا فوقف وقفة القائد خذله الأنصار وكاد يتزحزح إلى ما ~~وراءه لكن الله بالغ أمره فانحدرت إلى ديار المسلمين أمم من التتار يقودها ~~جنكيزخار وفعلوا بالمسلمين الأفاعيل وكانوا وثنيين جاءوا لمحض الغلبة ~~والسلب والنهب ولم يلبث أعقابهم أن اتخذوا الإسلام دينا وحملوه إلى أقوامهم ~~فعمهم منه ما عم غيرهم جاءوا لشقوتهم فعادوا بسعادتهم # حمل الغرب على الشرق حملة واحدة لم يبق ملك من ملوكه ولا شعب من شعوبه ~~إلا اشترك فيها واستمرت المجالدات بين الغربيين والشرقيين أكثر من مائتى ~~سنة جمع فيها الغربيون من الغيرة والحمية للدين ما لم يسبق لهم من قبل ~~وجيشوا من الجند وأعدوا من القوة ما بلغته طاقتهم وزحفوا على ديار المسلمين ~~وكانت فيهم بقية من روح الدين فغلب الغربيون على كثير من البلاد الإسلامية ~~وانتهت تلك الحروب الجارفة بإجلائهم ms096 عنها لم جاءوا وبماذا رجعوا ظفر رؤساء ~~الدين فى الغرب بإثارة شعوبهم ليبيدوا ما يشاءون من سكان الشرق أو يستولى ~~سلطان تلك الشعوب على ما يعتقدون لأنفسهم الحق فى الاستيلاء عليه من البلاد ~~الإسلامية جاء من الملوك والأمراء وذوى الثروة والأعلياء جم غفير وجاء ممن ~~دونهم من الطبقات ما قدروه بالملايين استقر المقام بكثير من هؤلاء فى أرض ~~المسلمين وكانت فترات تنطفىء فيها نار الغضب وتثوب العقول إلى سكينتها تنظر ~~فى أحوال المجاورين وتلتقط من أفكار المخالطين وتنفعل بما ترى وما تسمع ~~فتبينت أن المبالغات التى أطاشت الأحلام وجسمت الآلام لم تصب مستقر الحقيقة ~~ثم وجدت حرية فى دين وعلما وشرعا وصنعة مع كمال فى يقين وتعلمت أن حرية ~~الفكر وسعة العلم من وسائل الإيمان لا من العوادى عليه ثم جمعت من الآداب ~~ما شاء الله وانطلقت إلى بلادها قريرة العين بما غنمته من جلادها هذا إلى ~~ما كسبه السفار من أطراف الممالك إلى بلاد الأندلس بمخالطة حكمائها ~~وأدبائها ثم عادوا به إلى شعوبهم ليذيقوهم حلاوة ما كسبوا وأخذت الأفكار من ~~ذلك العهد تتراسل والرغبة فى العلم تتزايد بين الغربيين ونهضت الهمم لقطع ~~سلاسل التقليد ونزعت العزائم إلى تقييد سلطان زعماء # PageV01P100 # الدين والأخذ على أيديهم فيما تجاوزوا فيه وصاياه وحرفوا فى معناه ولم ~~يكن بعد ذلك إلا قليل من الزمن حتى ظهرت طائفة منهم تدعو إلى الإصلاح ~~والرجوع بالدين إلى سذاجته وجاءت فى إصلاحها بما لا يبعد عن الإسلام إلا ~~قليلا بل ذهب بعض طوائف الإصلاح فى العقائد إلى ما يتفق مع عقيدة الإسلام ~~إلا فى التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأن ما هم عليه إنما هو ~~دينه يختلف عنه إسما ولا يختلف معنى إلا فى صورة العبادة لا غير # ثم أخذت أمم أوربا تفتك من أسرها وتصلح من شئونها حتى استقامت أمور ~~دنياها على مثل ما دعا إليه الإسلام غافلة عن قائدها لاهية عن مرشدها ~~وتقررت أصول المدنية الحاضرة التى تفاخر بها الأجيال المتأخرة ما سبقها من ms097 ~~أهل الأزمان الغابرة هذا طل من وابله أصاب أرضا قابلة فاهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج جاء القوم ليبيدوا فاستفادوا وعادوا ليفيدوا ظن الرؤساء أن ~~فى إهاجة شعوبهم شقاء ضغنهم وتقوية ركنهم فباءوا بوضوح شأنهم وضعضعة ~~سلطانهم وما بيناه فى شأن الإسلام ويعرفه كل من تفقه فيه قد ظفر به كثير من ~~أهل النظر فى بلاد الغرب فعرفوا له حقه واعترفوا أنه كان أكبر أساتذتهم ~~فيما هم فيه اليوم وإلى الله عاقبة الأمور ### | ايراد سهل الايراد # يقول قائلون إذا كان الإسلام إنما جاء لدعوة المختلفين إلى الإتفاق وقال ~~فى كتابه إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء فما بال الملة ~~الإسلامية قد مزقتها المشارب وفرقت بين طوائفها المذاهب إذا كان الإسلام ~~موحدا فما بال المسلمين عددوا إذا كان موليا وجه العبد وجهة الذي خلق ~~السموات والأرض فما بال جمهورهم يولون وجوههم من لا يملك لنفسه نفعا ولا ~~ضرا ولا يستطيع من دون الله خيرا ولا شرا وكادوا يعدون ذلك فصلا من فصول ~~الوحيد إذا كان أول دين خاطب العقل ودعاه إلى النظر فى الأكوان # PageV01P101 # وأطلق له العنان يجول فى ضمائرها بما يسمعه الإمكان ولم يشرط عليه فى ذلك ~~سوى المحافظة على عقد الإيمان فما بالهم قنعوا باليسير وكثير منهم أغلق على ~~نفسه باب العلم ظنا منه أنه قد يرضى الله بالجهل وإغفال النظر فيما أبدع من ~~محكم الصنع ما بالهم وقد كانوا رسل المحبة أصبحوا اليوم وهم يتنسمونها لا ~~يجدونها ما بالهم بعد أن كانوا قدوة في الجد والعمل أصبحوا مثلا فى القعود ~~والكسل ما هذا الذى ألحق المسملون بدينهم وكتاب الله بينهم يقيم ميزان ~~القسط بين ما ابتدعوه وبين ما دعاهم إليه فتركوه إذا كان الإسلام فى قربه ~~من العقول والقلوب على ما بينت فما باله اليوم على رأى القوم تقصر دون ~~الوصول إليه يد المتناول إذا كان الإسلام يدعوا إلى البصيرة فيه فما بال ~~قراء القرآن لا يقرءونه إلا تغنيا ورجال العلم بالدين لا ms098 يعرفه أغلبهم إلا ~~تظنيا # إذا كان الإسلام منح العقل والإرادة شرف الاستقلال فما بالهم شدوهما إلى ~~أغلال أي أغلال إذا كان قد أقام قواعد العدل فما بال أغلب حكامهم يضرب بهم ~~المثل فى الظلم إذا كان الدين فى تشوف إلى حرية الأرقاء فما بالهم قضوا ~~قرونا فى استعباد الأحرار إذا كان الإسلام يعد من أركانه حفظ العهود والصدق ~~والوفاء فما بالهم قد فاض بينهم الغدر والكذب والزور والافتراء إذا كان ~~الإسلام يحظر الغيلة ويحرم الخديعة ويوعد على الغش بأن الغاش ليس من أهله ~~فما بالهم يحتالون حتى على الله وشرعه وأوليائه إذا كان قد حرم الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن فما هذا الذي نراه بينهم في السر والعلن والنفس والبدن ~~إذا كان قد صرح بأن الدين النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين خاصتهم وعامتهم ~~وإن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصو ~~بالصبر وأنهم إن لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر سلط عليهم شرارهم ~~فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم وشدد فى ذلك بما لم يشدد فى غيره فما بالهم لا ~~يتناصحون ولا يتواصون بحق ولا يعتصمون بصبر ولا يتناصحون فى خير ولا شر بل ~~ترك كل صاحبه وألقى حبله على غاربه فعاشوا أفذاذا وصاروا فى أعمالهم أفرادا ~~لا يحس أحدهم بما يكون من عمل أخيه كأنه ليس منه وكأن لم تجمعه معه صلة ولم ~~تضمه # PageV01P102 # إليه وشيجة ما بال الأبناء يقتلون الآباء وما بال البنات يعققن الأمهات ~~أين وشائج الرحمة اين عاطفة الرحم على القريب أين الحق الذى فرض فى أموال ~~الأغنياء للفقراء وقد اصبح الأغنياء يسلبون ما بقى فى ايدى أهل البأساء # قبس من الإسلام أضاء الغرب كما تقول وضوءه الأعظم وشمسه الكبرى فى الشرق ~~وأهله فى ظلمات لا يبصرون أصبح هذا فى عقل أو عهد فى نقل ألم تر إلى الذين ~~تذوقوا من العلم شيئا وهم من أهل هذا الدين أول ما يعلق بأوهام أكثرهم أن ~~عقائده خرافات وقواعده وأحكامه ترهات ويجدون لذتهم فى التشبه ms099 بالمستهزئين ~~ممن سموا أنفسهم أحرار الأفكار وبعداء الأنظار وإلى الذين قصروا هممهم على ~~تصفح أوراق من كتبه ووسموا أنفسهم بأنهم حفاظ أحكامه والقوام على شرائعه ~~كيف يجافون علوم النظر ويهزءون بها ويرون العمل فيها عبثا فى الدين والدنيا ~~ويفتخر الكثير منهم بجهلها كأنه فى ذلك قد هجر منكرا وترفع عن دنيئة فمن ~~وقف على باب العلم من المسلمين يجد دينه كالثوب الخلق يستحى أن يظهر به بين ~~الناس ومن غرته نفسه بأنه على شىء من الدين وأنه مستمسك بعقائده يرى العقل ~~جنة والعلم ظنة أليس فى هذا ما يشهد الله وملائكته والناس أجمعين على أن لا ~~وفاق بين العلم والعقل وهذا الدين ### | الجواب # ربما لم يبالغ الواصف لما عليه المسلمون اليوم بل من عدة أجيال وربما كان ~~ما جاء فى الإيراد قليلا من كثير وقد وصف الشيخ الغزالى رحمه الله وابن ~~الحاج وغيرهما من أهل البصر فى الدين ما كان عليه مسلمون زمانهم عامتهم ~~وخاصتهم بما حوته مجلدات ولكن قد أتيت فى خاصة الدين الإسلامى بما يكفى ~~للاعتراف به مجرد تلاوة القرآن مع التدقيق فى فهم معانيه وحملها على ما ~~فهمه أولئك الذين أنزل فيهم وعمل به بينهم ويكفى فى الاعتراف بما ذكرته من ~~جميل أثره قراءة ورقات فى التاريخ على ما كتبه محققو الإسلام ومنصفو سائر ~~الأمم فذلك هو الإسلام وقد أسلفنا أن الدين هدى وعقل من أحسن فى # PageV01P103 # استعماله والآخذ بما أرشد إليه نال من السعادة ما وعد الله على اتباعه ~~وقد جرب علاج الاجتماع الإنسانى بهذا الدواء فظهر نجاحه ظهورا لا يستطيع ~~معه الأعمى إنكارا ولا الأصم إعراضا وغاية ما قيل فى الإيراد أن أعطى ~~الطبيب إلى المريض دواء فصح المريض وانقلب الطبيب بالمرض الذى كان يعمل ~~لمعالجته وهو يتجرع الغصص من آلامه والدواء فى بيته وهو لا يتناوله وكثير ~~ممن يعودونه أو يتشفون منه ويشمتون لمصيبته يتناولون من ذلك الدواء فيعافون ~~من مثل مرضه وهو فى يأس من حياته ينتظر الموت أو تبدل سنة الله فى ms100 شفاء ~~أمثاله كلامنا اليوم فى الدين الإسلامى وحاله على ما بيناه أما المسلمون ~~وقد أصبحوا بسيرهم حجة على دينهم فلا كلام لنا فيهم الآن وسيكون الكلام ~~عنهم كتاب آخر إن شاء الله ### | التصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم # بعد أن ثبتت نبوته عليه السلام بالدليل القاطع على ما بينا وأنه إنما ~~يخبر عن الله تعالى فلا ريب أنه يجب تصديق خبره والإيمان بما جاء به ونعنى ~~بما جاء به ما صرح به الكتاب العزيز وما تواتر الخبر به تواترا صحيحا ~~مستوفيا لشرائطه وهو ما أخبر به جماعة يستحيل تواطئوهم على الكذب عادة فى ~~أمر محسوس ومن ذلك أحوال ما بعد الموت من بعث ونعيم فى جنة وعذاب فى نار ~~وحساب على حسنات وسيئات وغير ذلك مما هو معروف ويجب أن يقتصر فى الاعتقاد ~~على ما هو صريح فى الخبر ولا تجوز الزيادة على ما هو قطعى يظن وشرط صحة ~~الاعتقاد أن لا يكون فيه شىء يمس التنزيه وعلو المقام الإلهى عن مشابهة ~~المخلوقين فإن ورد ما يوهم ظاهره ذلك فى المنواز وجب صرفه عن الظاهر إما ~~بتسليم لله فى العلم بمعناه مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد أو بتأويل تقوم ~~عليه القرائن المقبولة # أما أخبار الآحاد فإنما يجب الإيمان بما ورد فيها على من بلغته وصدق بصحة ~~روايتها أما من لم يبلغه الخبر أو بلغه وعرضت له شبهة فى صحته وهو # PageV01P104 # ليس من المتواتر فلا يطعن فى إيمانه عدم التصديق به والأصل فى جميع ذلك ~~أن من أنكر شيئا وهو يعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم حدث به أو قرره فقد ~~طعن فى صدق الرسالة وكذب بها ويلحق به من أهمل العلم بما تواتر وعلم أنه من ~~الدين بالضرورة وهو فى الكتاب وقليل من السنة فى العمل # من اعتقد بالكتاب العزيز وبما فيه من الشرائع العملية وعسر عليه فهم ~~أخبار الغيب على ما هى عليه فى ظاهر القول وذهب بعقله إلى تأويلها بحقائق ~~يقوم له الدليل ms101 عليها مع الاعتقاد بحياة بعد الموت وثواب وعقاب على الأعمال ~~والعقائد بحيث لا ينقص تأويله شيئا من قيمة الوعد والوعيد ولا ينقص شيئا من ~~بناء الشريعة فى التكليف كان مؤمنا حقا وإن كان لا يصلح اتخاذه قدوة فى ~~تأويله فإن الشرائع الإلهية قد نظر فيها إلى ما تبلغه طاقة العامة لا إلى ~~ما تشتهيه عقول الخاصة والأصل فى ذلك أن الإيمان هو اليقين فى الاعتقاد ~~بالله ورسله واليوم الآخر بلاقيد فى ذلك إلا احترام ما جاء به على ألسنة ~~الرسل # بقيت علينا مسألتان وضعتا من هذا العلم فى مكان من الاهتمام وما هما منه ~~إلا حيث يكون غيرهما مما أجملنا القول فيه الأولى جواز رؤية الله تعالى فى ~~الآخرة والأخرى جواز وقوع الكرامات وخوارق العادات من غير الأنبياء من ~~الأولياء والصديقين # أما الأولى فقد اشتد فيها النزاع ثم انتهى إلى وفاق بين المنزهين لا مجال ~~معه للتنازع فإن القائلين بجواز الرؤية من أهل التنزيه متفقون على أن ~~الرؤية لا تكون على المعهود من رؤية البصر المعروفة لنا فى مجرى العادة بل ~~هى رؤية لا كيف فيها ولا تحديد ومثلها لا يكون إلا يبصر يختص الله به أهل ~~الدار الآخرة أو تتغير فيه خاصته المعهودة فى الحياة الدنيا وهو مالا ~~يمكننا معرفته وإن كنا نصدق بوقوعه متى صح الخبر والمنكرون لجوازها لم ~~ينكروا انكشافا يساويها فسواء كان ذلك بالبصر الغير المعهود أو بحاسة أخرى ~~فهو فى المعنى يرجع إلى قول خصومهم ولكن منى الإسلام بقوم يحبون الخلاف ~~والله فوق ما يظنون # وأما الثانية فأنكر جواز وقوع الكرامات أبو إسحاق الاسفراينى من # PageV01P105 # أكابر أصحاب أبى الحسن الأشعرى وعلى ذلك المعتزلة إلا ابا الحسن البصرى ~~فقال بجواز وقوعها وعليه جمهور الأشاعرة واستدل الذاهبون إلى الجواز بما ~~جاء فى الكتاب من قصة الذى عنده علم من الكتاب الواردة فى خبر بلقيس من ~~إحضاره عرشها قبل ارتداد الطرف وقصة مريم عليها السلام وحضور الرزق عندها ~~وقصة أصحاب الكهف واحتج الآخرون بأن ذلك يوقع الشبهة فى ms102 المعجزات وأولوا ما ~~جاء فى الآيات أما أن ذلك يوقع الشبهة فى المعجزات فليس بصحيح لأن المعجزات ~~إنما تظهر مقرونة بدعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى ولا بد أن تكتنفها ~~حوادث تميزها عما سواها وأما ما احتج به المجوزون من الآيات فلا دليل فيه ~~لأن ما فى قصة مريم وآصف قد يكون بتخصيص من الله تعالى لوقوعه فى عهد ~~الأنبياء عليه الصلاة والسلام ولا علم لنا بما اكتنف تلك الوقائع من شئون ~~الله فى أنبياء ذلك العهد إلا قليلا وأما قصة أهل الكهف فقد عدها الله من ~~آياته فى خلقه وذكرنا بها لنعتبر بمظاهر قدرته فليست من قبيل ما الكلام فيه ~~من عموم الجواز فصار البحث فى جواز وقوع الكرامات نوعا من البحث فى متناول ~~همم النفوس البشرية وعلاقتها بالكون الكبير وفى مكان الأعمال الصالحة ~~وارتقاء النفوس فى مقامات الكمال من العناية الإلهية وهو بحث دقيق قد يختص ~~بعلم آخر وأما مجرد الجواز العقلى وأن صدور خارق للعادة على يد غير نبى مما ~~تتناوله القدرة الإلهية فلا أظن أنه موضع نزاع يختلف عليه العقلاء وإنما ~~الذى يجب الالتفات إليه هو أن أهل السنة وغيرهم فى اتفاق على أنه لا يجب ~~الاعتقاد بوقوع كرامة معينة على يد ولى لله معين بعد ظهور الإسلام فيجوز ~~لكل مسلم بإجماع الأمة أن ينكر صدور أي كرامة كانت من أى ولى كان ولا يكون ~~بإنكاره هذا مخالفا لشىء من أصول الدين ولا مائلا عن سنة صحيحة ولا منحرفا ~~عن الصراط المستقيم اللهم إلا ان يكون مما صح فى السنة عن الصحابة أين هذا ~~الأصل المجمع عليه مما يهذى به جمهور المسلمين فى هذه الأيام حيث يظنون أن ~~الكرامات وخوارق العادات أصبحت من ضروب الصناعات يتنافس فيها الأولياء ~~وتتفاخر فيها همم الأصفياء وهو مما يتبرأ منه الله ودينه وأولياؤه وأهل ~~العلم أجمعون # PageV01P106 ### | خاتمة ### | بسم الله الرحمن الرحيم # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ms103 ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~وقد فسر الكفر فى هذه الآية بكفر النعمة وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن ~~أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وألو استقاموا على ~~الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا ~~صعدا وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعوا ربى ولا أشرك به أحدا قل إنى لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا قل إنى لن يجيرنى من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا ~~بلاغا من الله ورسالاته ومن # PageV01P107 # يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا واقل عددا قل إن أدرى أقريب ما توعدون أم ~~يجعل له ربى أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلقه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط ~~بما لديهم وأحصى كل شىء عددا) صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم وخسىء ~~الشيطان الرجيم وحق الشكر لله رب العالمين الرحمن الرحيم PageV01P108 ms104