######OpenITI# #META# URI: 1324JamilNakhlaMudawwar.TarikhBabilWaAshur.Hindawi30580950 #META# Tags: history #META# ID: 30580950 #META# Title: تاريخ بابل وآشور #META# AuthorID: 46395846 #META# Author: جميل نخلة المدور #META# EditorID: 60830250 #META# Editor: إبراهيم اليازجي #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الجغرافي‏ # ذكر مملكة بابل ومدنها المشهورة‏ # ذكر مملكة آشور‏ # القسم التاريخي‏ # الكلام على سكان بابل الأولين‏ # ذكر الدولة الآشورية الأولى‏ # ذكر الدولة الآشورية الثانية‏ # ذكر الدولة البابلية الثانية‏ # مقدمة‏ # القسم الجغرافي‏ # ذكر مملكة بابل ومدنها المشهورة‏ # ذكر مملكة آشور‏ # القسم التاريخي‏ # الكلام على سكان بابل الأولين‏ # ذكر الدولة الآشورية الأولى‏ # ذكر الدولة الآشورية الثانية‏ # ذكر الدولة البابلية الثانية‏ # | تاريخ بابل وآشور # | تاريخ بابل وآشور # تأليف # جميل نخلة المدور # مراجعة # إبراهيم اليازجي # بسم الله الحي الباقي # الحمد لله الذي جعل لنا نبأ المتقدمين عبرة وذكرى، ودلنا بزوالهم على أنه هو الباقي ~~الذي سيعيدهم تارة أخرى، أما بعد فإن علم التاريخ لمن أجل العلوم مقدارا وأوسعها ~~مدارا، به تعلم الخطط والممالك، وسياسة المملوك والمالك، وما كان للغابرين من الشعوب ~~والقبائل والأنساب والمنازل، والعقائد والمذاهب، والتجارات والمكاسب، والصنائع والعلوم ~~ما بين منطوق ومفهوم، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة والمطالعات الأثيرة، ولشؤم الطالع ~~الذي عم هذه الأقطار وما توالى عليها من الحوادث والأقدار، قد طمس الجهل فيها على ~~آثار هذا العلم الشريف، وضرب الفقر على أيدي أرباب التدوين والتأليف، فمن عهد كذا من ~~الزمان لم نجد من دون سفرا يسفر عن أحوال أيامه وأهلها، ولا من بحث في تواريخ ~~الأمم السالفة ونقب عن أحوالها وأصلها من نحو الآشوريين والمصريين، وغيرهم من الشعوب ~~الغابرين، حالة كون الإفرنج مثلا قد بحثوا في ذلك البحث العميق، وأمعنوا في التنقير ~~والتدقيق، وقد أحصوا من تلك الحقائق ما لا مزيد عليه لباحث، وقرروا كثيرا مما غرب من ~~الآثار والحوادث، فتراهم يرحلون في طلب الوقوف على ما في هذه البلاد من الآثار ويتجشمون ~~لذلك مشقة الأسفار واقتحام الأهوال والأخطار، خلا ما هنالك من صرف النفقات الجزيلة ~~ومعاناة الأتعاب الطويلة، حتى أفضى بهم الأمر إلى احتفار جبال من الأنقاض والأتربة لكشف ~~ما بقي تحتها من الآثار والأخربة، فشرحوها للمطالع شرحا واضحا عن عيان يظهر به حال ~~تلك الأمكنة وما كان عليه أهلها في ذلك الزمان، وبيان واضعها وهادمها ms01 وما وقع بين ذلك ~~من الحدثان. # وإلى اليوم ما برحوا يجدون في البحث عما بقي مستترا وراء ظل القدم وتقلبات ~~الدهر، وكثيرا ما نقلوا من تلك الأبنية العظيمة والصخور الضخمة فحملوها على مراكب البر ~~والبحر، بحيث لو جمعت تلك المنقولات لكانت مدينة كبيرة من أعجب الأبنية وأسناها، قد ~~حملت من الشرق إلى الغرب فرست هنالك ولن يبرح إلى الأبد مرساها، فقد استأثروا بمعظم ~~ما اشتهر من مفاخر أجدادنا، وزينوا بلادهم بما دفنته للدهور من آثار بلادنا، ولا أقول ~~إلا أن تلك المآثر الجليلة والمفاخر الأثيلة قد أصبحت عند من يقوم بحقها ويقومها ~~بأثمانها، ولا يرضى لها ما رضيناه من إهمالها وهوانها. هذا وإني لما رأيت تقاعد أبناء ~~الشرق عن سلوك مثل هذا السبيل، وعدم احتفالهم بما ينبغي من الجد لإدراك هذا الشأن ~~الجليل. حدثتني نفسي أن أتطاول على ما بي من القصر فأجني لهم بعض ما وصلت إليه يدي من ~~داني ذلك الثمر لعلهم إذا أعجبهم الأمر سموا فيه إلى أعلى مما قصدت. فأستفيد من فضلهم ~~بعد ذلك أكثر مما أفدت. فاستصبحت بنبراس أولئك القوم الأفاضل، واغترفت ما يسع مثلي ~~اغترافه من سلسال تلك المناهل، وألفت هذا الكتاب في تاريخ آشور وبابل، وقد جمعته عن ~~أشهر أقوال المؤلفين في هذا الأوان مما وصلوا إلى تحقيقه بعد شهادة الاختبار والعيان، ~~وقسمته قسمين؛ أحدهما: جغرافي يبين الحدود والمساحات وما يتعلق بذلك من الأبنية والمدن ~~والهياكل والساحات، والآخر: تاريخي ذكرت فيه ترجمة من اشتهر من ملوكهم وعظمائهم وما ~~اشتهر لهم من الفتوحات وعظائم الأعمال إلى حين انقضائهم، والمأمول من أرباب النقد غض ~~الطرف عما يرون فيه من الخلل، والله المسئول أن يوفقنا إلى السداد، هو حسبنا وعليه ~~المتكل. # | مقدمة # قد اختلف المؤرخون في بيان أصل البابليين والآشوريين وأشياء كثيرة مما يتعلق ببداءة ~~أمرهم، فذهبوا في ذلك مذاهب شتى لا تتلاءم ولا تتقارب حتى توصل الإفرنج في هذا الزمان إلى ~~حل الكتابة المعروفة بالمسمارية، وهي الحروف الآشورية، فتبين لهم كثير مما كان المؤرخون ~~يختلفون ms02 فيه من تلك الحقائق وجزموا بكثير منها عن يقين؛ لأنهم رأوا حقيقتها مسطرة على جدران ~~الأبنية التي كشفوها في تلك النواحي، فكانت أصدق شاهد بما كان من أمر تلك الأبنية وواضعيها ~~وتواريخها، إلى غير ذلك مما يقررها بأجلى وضوح، وكان كثير من متقدمي المؤرخين الذين يوصفون ~~بالثقة والشهرة يجعلون مملكة البابليين أو الكلدان نفس مملكة الآشوريين، وذلك كما فعل ~~هيرودوطس المؤرخ اليوناني المشهور؛ حيث يقول في تاريخه ما ترجمته: إن آشور تشتمل على كثير ~~من المدائن الكبيرة، إلا أن أسمى تلك المدائن مجدا وأمنعها عزة مدينة بابل، وقد اتخذها ~~ملوك تلك البلاد عاصمة لهم منذ خراب مدينة نينوى. ا.ه. # والصحيح غير ما ذكره فإنه علم بعد البحث أن كلا من بابل ونينوى كانت عاصمة للملك في زمن ~~واحد، وقد كانت بين المدينتين حروب متواترة، ويمكن أن يستدل من ذلك أن ما رواه عن فنون ~~الآشوريين وتاريخهم أصله الكلدانيين، أو ما رواه عن عوائد البابليين وعقائدهم هو للآشوريين، ~~إلى غير ذلك مما يتجاذبه طرفا الوهم والصحة على ما ستراه في مواضعه إن شاء الله ~~تعالى. # وإنما كان منشأ هذه الاختلافات على الأكثر كتاب الفرس الذين شحنوا التاريخ بحكايات ~~فارغة خرافية لا يوثق بها وجعلوا كتاباتهم هذه في بلاط ملوكهم، فكان كل من أراد الاطلاع على ~~شيء من أخبار هاتين المملكتين يستعين بها، فينقل عنها ما أراده حقيقيا كان أو غير حقيقي، ~~وتداولت هذه الحكايات الطويلة ألسنة العامة، فزادوا عليها وحرفوا منها حتى أصابها مع تمادي ~~الأزمنة وتكرار الأيام نفس ما أصاب تلك القرون والآثار من الانقلاب والاضمحلال، وحسبك من ~~ذلك أنهم رجعوا بملك نينيب فلأصر الذي سموه نينوس سبعة قرون، وبملك سموراميت امرأة ~~بعلوخوس الثالث التي سموها سميراميس اثني عشر قرنا، وقالوا إنها امرأة نينوس المذكور، ~~ونسبوا إليها بناء سور بابل وهيكل بعلوس والقصرين الملكيين والحدائق المعلقة إحدى العجائب، ~~ورصيفي النهر وغيرها من الأعمال الكبيرة والحروب العجيبة التي تذكر في الكلام عن بابل ~~وسميراميس وبختنصر وغيرهما. # ولما قصد أكتزياس الكنيدي طبيب ms03 أرتكزرسيس منيمون الفارسي جمع تاريخ لآشور باليونانية، نقل ~~عن الكتب الفارسية التي في بلاط الملك الخرافات المذكورة، وهي المتداولة بين العامة، ~~فاقتبسها كتاب اليونان من بعده، وما زالوا يتداولون ذكرها ويتناقلونها وغيرهم من أمم شتى ~~إلى عصرنا الحالي. لا جرم أن مملكتي بابل وآشور من أقدم الممالك فخرا ونسبة ومن أشهرها ~~تاريخا وأعلاها عزة ومجدا، وقد بلغتا من العظمة والرفعة في المشرق على عهد بختنصر ما بلغت ~~مملكة الرومان في المغرب على عهد كبراء القياصرة، ونرى أيضا أن لهما تاريخا متوغلا في ~~القدم مع قطع النظر عما يقوله مؤرخو الكلدان الذين يزعمون أن ملكهم بقي ما يزيد على ~~473000 سنة، وذلك منذ تملك ألوروس قبل الطوفان إلى سقوط داريوس واضمحلال دولتهم، وقد اشتغل ~~كثيرون من المؤرخين بتدوين تاريخ البابليين والآشوريين، ولكن اختلفت فيه مذاهبهم وتفرقت ~~آراؤهم على أنحاء متباينة، ولم يكن جهد من عني في كل عصر بتصحيح خطئهم إلا عبثا ~~وضياعا، وربما كان تصحيح بعضهم مؤديا إلى خطأ آخر وإحداث وهم جديد، وما زالت الناس على ~~ذلك إلى أن كشفت أخربة مدائن بابل وآشور الكبيرة وتوصل إلى قراءة الكتابة الآشورية ~~على ما أسلفنا ذكره، فتسنى لنا من ثم الوقوف على كثير مما غمض من أخبار هاتين المملكتين ~~وإيضاحها عن يقين جازم. # ومعظم ما ورد في وصف بابل وآشور وتاريخهما ما هو مدون في مصنفات هيرودوطس اليوناني ~~وديودوروس الصقلي نقلا عن أكتزياس الكنيدي المقدم ذكره وبيروسوس الكلداني، والأولان قدما ~~بابل في أواخر القرون الوثنية وكانت قد انحطت عن مجدها فوصفا ما عايناه من أبنيتها، ولكن ~~ليس في كلامهما ما يعرف به أصل سكانها الأولين. على أن الأول منهما أحق بالثقة من الثاني ~~لما ستعرفه، وهو الذي لقبها عاصمة آشور، إلا أنه لم يرد في كلامه شيء عن نينوى ولا عن ~~بانيها، ولكنه اكتفى من تاريخها بقوله إنها مبنية على عدوة دجلة، ويفهم من كلامه أنه كتب ~~تاريخا لآشور وبابل؛ لأنه يقول: ولبابل ملوك كثيرون أذكرهم في الكلام على آشور. إلا ms04 أنه لم ~~يقع إلينا شيء من ذلك ولا عثرنا على نقل منه في كتب المؤرخين، فلا يدرى هل كتب هذا ~~التاريخ فعلا أم كان ذلك في نفسه ثم لم يتأت له إتمامه. لا جرم أنه لو كان موجودا في ~~أيدينا لاتسع لنا النطاق في معرفة أخبار ملوكهم وعظمائهم وفنونهم وعلومهم وعقائدهم وأبنيتهم ~~ومدنهم، إلى غير ذلك مما نتشوق إلى معرفته ونرتاح للوقوف عليه. # وأما الثاني فجميع كتاباته أو معظمها منقول عن مصنفات أكتزياس الكنيدي طبيب ملك فارس التي ~~فقدت في جملة مصنفات قديمة ثمينة، وكان مقام أكتزياس هذا في فرسبوليس في بلاط الملك ~~المذكور آنفا، فجمع ما جمعه عن أشهر مؤرخي الفرس، ولذلك يرجحه قوم على غيره من المؤرخين في ~~معرفة حقيقة تاريخ آشور، ومن تاريخه ما رواه ديودورس نقلا عنه أن أول ملوك آشور نينوس، ~~وكان جبارا ابتنى مدينة على عدوة دجلة سماها نينوى باسمه تخليدا لذكره، ثم نهض للفتح فجهز ~~جيشه وزحف به على أقاليم كثيرة فاستفتحها وضرب عليها الخراج، وبعده استبدت بالملك ~~سميراميس زوجته وكانت أول امرأة ملكت في العالم، وهي التي شادت سور بابل وندبت لبنائه ما ~~ينيف عن ألفي ألف رجل. ا.ه. # وأما بيروسوس فهو كلداني بابلي الأصل، وكان كاهن بعلوس، وقيل إنه كان معاصرا للإسكندر، ~~وهو من أشهر مؤرخي الكلدان دون تاريخا يتضمن أخبار ملوك بابل كافة، ولم يقع إلينا من ~~تاريخه سوى بعض روايات منثورة تداولتها ألسنة العامة، وذكرها جماعة من المؤرخين في جملتهم ~~يوسيفوس اليهودي وأوسابيوس وأكليمنضوس الإسكندري وشنسيلوس وغيرهم، وجميع ما أثبته أخذه عن ~~ألواح قديمة كانت في عهدته في جملة متعلقات الهيكل قد سطرت فيها أخبار الكون وملوك الأرض ~~قبل الطوفان وبعده على ما ستراه في موضعه، وخلاصة ما قاله في هذا الصدد أن سكان بابل ~~الأولين كانوا قبائل متوحشة لا نظام لعيشتها ولا معارف عندها حتى ظهر أوانس، وهو إله على ~~شكل إنسان وسمكة معا خرج إليهم من بحر إريثرة فمدنهم وعلمهم الأدب والفنون وبناء المدن ~~والهياكل، وأول ملك ms05 ولي أمرهم ألوروس وكان كرسيه في بابل وبقيت مدته 36000 سنة، ثم تعاقب ~~على الملك بعده تسعة ملوك من نسله، فساروا سيرته في سن الشرائع والآداب المحدثة وآخرهم يسمى ~~أكسيسوثروس، وعلى عهده انفجرت ينابيع المياه وغمرت الأرض، فأبادت كل ذي نسمة في الأرض من ~~البهائم والطيور والناس كافة، خلا الملك ومن معه ضمن الفلك الذي أوحى إليه كرونوس أن يبنيه، ~~ولعل هذا هو عين الطوفان المذكور في كتب قدماء الهنود وقصته أشبه بقصة الطوفان الذي ورد ~~الخبر عنه في الكتاب المقدس؛ حيث أهلك الماء كل حي في الأرض ولم ينج إلا نوح وعشيرته ~~في الفلك، وذكر بيروسوس أنه قام عقب هذه الحادثة ستة وثمانون ملكا من الكلدان، ثم قدم ~~أزدرخت المادي بجيوشه إلى بابل، فأخذها واستباحها بالنهب سنة 2289 قبل الميلاد، وكثير من ~~هذه الأقوال وما أشبهها وإن وثق بصحته بعض من تقدم من المؤرخين مدفوع عند أهل التحقيق على ~~ما أسلفنا ذكره، والمعتمد من ذلك كله إلى هذا الأوان ما سنذكره في هذه الرسالة إن شاء الله ~~تعالى، وهو سبحانه أعلم. # | القسم الجغرافي # | ذكر مملكة بابل ومدنها المشهورة # يحد مملكة بابل شمالا ما بين النهرين، وجنوبا خليج فارس، وغربا شبه جزيرة العرب، ~~وشرقا بلاد شوشانة، ويمر في أرضها نهر الفرات ودجلة متجهين من الشمال إلى الجنوب، ~~وهذه المملكة تنقسم في نفسها إلى قسمين أحدهما بلاد بابل على الخصوص، وهي الواقعة ما ~~بين النهرين المذكورين والآخر بلاد الكلدان، وهي ما يليها من ملتقى النهرين إلى خليج ~~العجم، وكانت هذه المملكة في قديم الزمان معمورة بالمدائن الكبيرة والأسوار الحصينة ~~والقصور الرفيعة والهياكل الشامخة والأبنية المشهورة، كما سنورد ذكره حتى كانت تسمى ~~بسيدة الممالك، إلا أنه لم يبق من جميع ذلك إلا بقايا رسوم يستدل بها على مواقع ~~بعض تلك المدن كمدينة بابل وأرك وأكد وكلنه - وهي أور الكلدانيين - وبورسيبا ~~وإيس أو إيوبوليس وصفيرة وسلوقية وأكتزيفون وغيرها. # ذكر مدينة بابل # هذه المدينة كانت أعظم مدائن آسية وأبعدها ذكرا وأرفعها علما وأوسعها ظلا، ms06 ~~وأكثرها ثروة وعمرانا، وأمنعها عزة وسلطانا صحبت الملوك دهرا طويلا، وتقلبت في ~~الخصب والدولة أمدا مديدا حتى لم يكن لها ضريب في جميع المدن التي تقدمتها في ~~تاريخ العمران، وبها سميت المملكة ببابل؛ ولذلك يقدمها الكتاب في الذكر على سائر ~~مدن شنعار، وفي تسميتها ببابل أقوال أشهرها أنها إنما سميت بذلك أخذا من بلبلة ~~الألسنة فيها على ما ورد في سفر التكوين (ص11) من أن بني نوح لما ارتحلوا من المشرق ~~ونزلوا بشنعار أخذوا في بناء برج يبلغ إلى السماء، فبلبل الله تعالى ألسنتهم حتى ~~صار بعضهم لا يفهم كلام بعض فكفوا عن بناء البرج؛ ولذلك دعيت المدينة بابل. ~~ا.ه. وهي كلمة عبرانية معناها على هذا البلبلة، وفي رواية أن قوما من الأقدمين ~~بنوا هناك هيكلا يجلسون ببابه لقضاء دعاويهم وفض خصوماتهم، فسميت المدينة ~~بابل، وأصلها على هذا باب إيل أي باب الإله، وقيل أصل اللفظة باب إيلو وهو إله ~~لقدماء الساميين وهو المسمى آشور أيضا، إلى غير ذلك من الأقاويل المبنية على ما ~~تحتمله اللفظة من التفسير والتأويل. # وقد اختلفت آراء قدماء المؤرخين في زمن تخطيطها، فمنهم من ذهب إلى أن بانيها ~~بعلوس وهو زحل عند اليونان، وقال آخرون: إن أول من وضع أسسها الملكة سميراميس ~~زوجة نينوس، وقال ديودورس الصقلي وأميانوس مرشلينوس: إن نينوس بنى هيكل بعلوس، ~~وسميراميس زوجته بنت أسوار بابل. # وهنا بحث؛ هل سميراميس هذه هي نفس سميراميس التي يذكرها هيرودوطس في جملة ملوك ~~بابل؟ فإن هذه كانت قبل الميلاد بما ينيف على ألفي سنة والتي يذكرها هيرودوطس لم ~~يكن بينها وبين الميلاد أكثر من 830 سنة؛ لأنه جعل بينها وبين نيتوكريس خمسة قرون، ~~والصحيح في ذلك كما قاله بعض الثقات أن لفظ سميراميس إنما هو محرف عن سموراميت ~~امرأة بعلوخوس الثالث على ما سبقت الإشارة إليه، وكان مالكا في أواسط القرن التاسع ~~قبل الميلاد فتكون هي المشار إليها في كلام هيرودوطس، ويكون ما ورد في رواية ~~ديودورس وأميانوس خطأ، وذهب قوم من قدماء المؤرخين وتابعهم ms07 بعض المتأخرين إلى ~~عكس ما ذكر، وخطئوا مقالة هيرودوطس في كلام قالوا فيه إنه أراد أن يجعل بينها ~~وبين نيتوكريس خمسة عشر قرنا، فذكر خمسة إلى آخر ما أوردوه وهو مرجوح عند أكثر ~~المحققين، وزعم البابليون والقول لكهنتهم الكلدان أن مدينة بابل بناها إله من ~~آلهتهم في زمن لا يعرف بالتعيين، وذهب مؤرخو الرومان واليونان مع الباحثين ~~المعاصرين، إلى أن بناءها كان عقب الطوفان بزمن يسير خلافا لما ذكره بيروسوس من أن ~~عشرة من ملوك الكلدان تداولوا سلطنة بابل قبل الطوفان. # ولم تكن بابل في أول عهدها عاصمة للملك ولا من المدن الخطيرة كما تدل عليه الآثار ~~التي كشفت في عصرنا هذا جنوبي المدينة، فقد ثبت أن مدنا أخرى كأرك وكلنة ~~وغيرهما من المدن المشهورة كانت قد بلغت المبالغ العظيمة من العزة والغنى وبابل إذ ~~ذاك قرية دنيئة. ثم ضرب الدهر ضرباته وأفضت نوبة الملك إليها في سياق غير معلوم، ~~فبلغت من العظمة والشهرة وسمو المنزلة ما لم تبلغه إحدى تلك المدن من قبل، وجرى ~~فيها من الأعمال العظيمة والإنشاءات الجسيمة ما لم يجر في غيرها ولا يزول ذكره على ~~الأبد، وتحاشدت إليها الجبايات والأرزاق وامتدت إليها أسباب التجارات من كل أوب، ~~واتسع فيها نطاق الثروة والغنى حتى لقبت بمدينة الذهب. # وكان من أشهر ما أحدث فيها من الأعمال المذكورة والعظائم المأثورة هيكل بعلوس ~~والقصر الملكي وحدائقه المعلقة. أما الهيكل فقد ذكره جماعة في جملتهم ديودوروس ~~الصقلي وذكر أن بانيه بعلوس، وروى غيره أنه بختنصر، والصحيح أن بختنصر إنما ~~جدد بناءه بعد خرابه على ما سنورد تحقيقه، وقد عاين هيرودوطس اليوناني مدينة بابل ~~في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، وكانت قد انحطت عن عظمتها الأولى ووصف في جملة ~~ما شاهده هيكل بعلوس بما تلخيصه: إن في كل شطر من شطري المدينة ما يستحق الذكر، ففي ~~أحدهما بلاط الملك وهو فسيح محكم الإتقان، وفي الآخر هيكل بعلوس وهو باق إلى الآن ~~على شكل مربع طوله إستادتان في عرض مثلهما، وله باب ms08 من الشبه وفي وسطه برج حصين ~~طوله إستادة # 1 # في عرض مثلها، ويعلوه برج وفوق البرج برج، وهكذا إلى ثمانية أبراج ~~بعضها فوق بعض يرقى إلى كل منها بسلالم من الخارج وفي وسط الأبراج مقاعد يستريح ~~فيها الراقي إليها، وفي الأعلى منها معبد وسرير كبير وبجانبه مائدة ذهبية، وفي ~~الأخير مسجد لبعلوس يوبتير وفيه سرير كبير حسن الفرش وبجانبه مائدة ذهبية، وليس فيه ~~صور وتماثيل كما في غيره، ولا يبيت فيه أحد ليلا إلا أن تكون امرأة وقع عليها ~~اختيار الإله تبعا لما يقول كهنته الكلدان، وعندي أن ذلك كلام لا صحة له، وفي ~~الهيكل مسجد سفلي وفيه تمثال كبير من الذهب يمثل يوبتير قاعدا وكرسيه وموطئ قدميه ~~وبجانبه مائدة، وجميعها من الذهب الخالص تساوي على قول الكلدان 800 زنة من الذهب. # 2 # وفي خارج هذا الهيكل مذبحان أحدهما من الذهب، ولا يضحى عليه إلا بما كان ~~صغيرا من الحيوان والآخر كبير أعده الكلدان للذبائح الكبيرة المألوفة، وكانوا ~~يوقدون على المذبح كل سنة في عيد الإله ثلاثة آلاف أقة من البخور، وكان في ~~المقدس إذ ذاك صنم كبير من الذهب الخالص ليوبتير بعلوس قاعدا وارتفاعه اثنتا عشرة ~~ذراعا يصفه الكهنة ولم أره، وكان داريوس بن هستاسب قد هم أن يأخذه عنوة، ثم ~~لم يجترئ على ذلك فاستحوذ عليه بعده ابنه أكزرسيس وقتل الكاهن الذي مانعه من ~~الاستيلاء عليه وحمل جميع ما فيه إلى خزائن قصره. هذا أخص ما في الهيكل، وفيه أيضا ~~أوان يسيرة. ا.ه. # وذكره إسترابون المؤرخ بقوله: وقرب الحدائق المعلقة قبر بعلوس، وهو خراب تام ~~خربه أكزرسيس وكان على شكل هرم مربع مبنيا بالآجر علوه إستادة واحدة في ~~مثلها طولا لكل من جهاته، وكان في نية الإسكندر أن يعيد بناءه لأنه كان قد عزم على ~~الإقامة ببابل وجعلها مباءة له ولأعقابه بعده، فعاجله الأمر المحتوم قبل تقرير ما ~~نوى. وذكره ديودوروس في كلام من جملته قوله: وشادت سميراميس عدا هذه الأعمال هيكلا ~~في وسط المدينة لا تتحقق عنه ms09 رواية صحيحة لاختلاف أقوال الكتاب فيه، إلا أنهم ~~أجمعوا على أنه بناء شامخ الارتفاع في أعلاه مرصد للكلدان كانوا يرصدون منه حركات ~~الكواكب فيعرفون أوقات طلوعها وغروبها، وهو مبني بالآجر والحمر وعلى أعلاه ~~تماثيل يوبتير ويونون وريا وهي مغشاة بالذهب وأمامها مائدة مغشاة بالذهب أيضا، ~~وكان عليها أوان وتحف كثيرة انتهبها ملوك الفرس. ا.ه. ومن الناس من يظن أن هذا ~~البناء الذي يصفه هو برج بابل المعروف الآن ببرج نمرود وآثاره لا تزال بين أخربة ~~بورسيبا على ما سنذكره بعد، وقد أثبتوا بعد الفحص المدقق أن ارتفاعه كان ينيف على ~~أعلى رءوس الأهرام المصرية بمائة قدم، وإذا كان ذلك صحيحا فلا عجب إذا أحصاه ~~المتقدمون في جملة الغرائب. # أما القصر الملكي فمنشؤه بختنصر، وقد ورد ذكره في كثير من مصنفات القدماء ولا ~~سيما اليونان، فإنه ما برح عندهم محلا للعجب والاندهاش بالنظر إلى ما كان عليه من ~~السعة والعظمة وغرابة الإتقان وما يليه من الحدائق المعلقة التي عدت في جملة ~~عجائب الدنيا السبع، ومنشئها فيما روى ديودوروس ملك من أعقاب سميراميس، سألته ~~ذلك حظية له من بلاد فارس أحبت أن يمثل لها ما في بلادها من الروابي المكسوة بخضرة ~~الرياض والبساتين فأمر بإنشائها على ذلك المثال؛ ولذلك جعلها على هيئة سطوح قائمة ~~بعضها فوق بعض، وكل واحد من هذه السطوح يتأخر عن الذي تحته على شكل ما يسمى ~~بالإنفتياتر حتى كانت والأشجار عليها أشبه برابية خضراء ذات مروج وخمائل رائعة، ~~وكانت هذه الحدائق مربعة الشكل طول كل جهة من جهاتها 4 فلترات؛ أي نحو 120 مترا، ~~وكل سطح من السطوح المذكورة يرقى إليه بسلم بينه وبين الذي يليه والسطوح ~~برمتها قائمة على عمد، وهي مفروشة بصفائح من الرضام طول الواحدة منها 16 قدما ~~وعرضها 4 أقدام، وهذه الرضام مستورة بخيزران قد غمس في الحمر وفوقه صفان من ~~الآجر المغموس في الجص، وفوق ذلك صفائح من الرصاص تمنع نفوذ الماء إلى ما تحتها ~~من البناء إذا سقي ما فوقها من الأشجار، ms10 وفوق الرصاص التراب المغروسة فيه أشجار ~~الحدائق ، وهو من الكثرة بحيث يمكن أن تغرس فيه أعظم سرحة، وكان هذا الموضع كله ~~مغطى بالشجر المختلف والمغروسات الأنيقة ذات النشر والثمر، وفي داخل العمد ~~المذكورة غرف رائعة الإتقان محكمة الوضع ينفذ إليها النور من خلال العمد، وهي ~~الغرف الملكية، وكان أحد العمد أجوف من رأسه إلى عقبه وفي داخله آلات ترفع الماء ~~من النهر فتصبه في الحدائق. ا.ه. هذه صفة هذه الحدائق في الجملة، وقد درستها الأيام ~~فيما درسته من تلك العظائم العجيبة، فأصبحت تلا من الحجارة والأنقاض. # وذكر ديودوروس في جملة أبنية بابل قصرين أو قلعتين بنتهما سميراميس على كل من ~~طرفي الجسر الذي ابتنته على النهر، فقال بعد ذكر بنائها للمدينة والسور: إنها بنت ~~الجسر على أضيق موضع من النهر في طول خمس إستادات، وقد رفعته على قواعد راسخة في ~~جوف الأرض بين الواحدة منها والأخرى اثنتا عشرة قدما، وشدت حجارتها بأربطة من ~~حديد وعقدت بينها بالرصاص المذاب، وزلمت نواحيها المعرضة لمجرى الماء بحيث لا ~~تتمكن منها قوة الماء في اندفاعه، وسقفت الجسر بخشب السرو والأرز على جوائز من ~~جذوع النخل، وكان عرض الجسر 30 قدما، وهو يعد في جملة أبنية سميراميس العظيمة. ~~قال: ثم بنت على كل من طرفي الجسر قصرا يشرف على سائر المدينة، أحدهما ينظر إلى ~~شطرها الشرقي والآخر إلى شطرها الغربي؛ لأن المدينة كانت منقسمة كذلك؛ إذ كان النهر ~~يخترقها من الشمال إلى الجنوب، فكان هذان القصران بمنزلة مفتاحين لشطريها ~~المذكورين، وكانا على أتم صنعة من الإحكام والزخرفة. والقصر الغربي منهما محيطه 60 ~~إستادة، وذلك نحو 11 كيلومترا وحوله سور شامخ من الآجر، ويليه من الداخل سور آخر ~~من اللبن، وعليه صور من الحيوان بديعة الصنعة رائعة الإتقان يتخيل الناظر إليها ~~أنها حية، وطول هذا السور 40 إستادة، وثخنه يعادل 300 آجرة، وارتفاعه على ما ذكر ~~أكتزياس 50 أرجية وهي نحو 90 مترا. # ثم وجد أمام هذا السور سور ثالث أعلى منه، وهو يلي القصر من ms11 حوله، ومحيطه 20 ~~إستادة، وكان على الأسوار والأبراج التي عليها صور من الحيوان في غاية الإتقان ~~وصورة مشهد صيد فيه كثير من أنواع الحيوان، وهناك صورة سميراميس على فرس وفي يدها ~~حربة قد طعنت بها نمرا، وبمقربة منها صورة نينوس زوجها وفي يده رمح يطعن به أسدا، ~~وكان للقصر باب ذو ثلاثة مداخل ووراءه غرف من الشبه. # وأما القصر الثاني فكان دون هذا في الرونق والسعة، ولم يكن له إلا سور واحد من ~~الآجر محيطه ثلاثون إستادة، وهي نحو 5520 مترا، وكانت فيه تماثيل لنينوس ~~وسميراميس وجماعة من رجال الدولة والعمال، وكلها من الشبه وتمثال يوبتير، وهو الذي ~~يسميه البابليون بعلوس، وفيه فضلا عن ذلك صور معارك ومصارعات ومشاهد صيد متقنة ~~الوضع محكمة الصنع، وبين القصرين نفق ينفذ إليهما من طرفيه احتفرته تحت النهر ~~ارتفاعه 12 قدما، وسعته عرضا 15 قدما، وسقفه معقود بالأجر في ثخن أربع أذرع ~~مطليا بالحمر المذاب، وثخن الجدار 20 آجرة وأتمته في سبعة أيام. انتهى كلام ~~ديودوروس ببعض تصرف، إلا أن أكثر أهل التحقيق على أن باني القصرين هو بختنصر كما ~~تدل على ذلك كتابة له على بعض الآثار لا سميراميس التي نسب إليها ديودوروس جميع ما ~~سوى الحدائق المعلقة من عظائم بابل، وأخربة القصر الشرقي من القصرين المذكورين ~~باقية إلى الآن، وفيه كانت وفاة الإسكندر. # وبقرب أخربة القصر الملكي آثار مسافتها مائة متر يظن الباحثون أنها الحمامات التي ~~ذكرها أريانوس، ويليها على مقربة منها أخربة يقال لها تل عمران، وهيئتها أشبه بربوة ~~مضلعة تضليعا أفقيا طولها من الغرب إلى الشرق ستمائة وخمسون قدما، إلا أنها ~~أدنى ارتفاعا من سائر الروابي التي تجاورها وعليها بقايا أبنية من الآجر، وقد ~~احتفر فيها بعض السياح، فوجدوا قبورا مكدونية في بعضها أكاليل ذهبية حملوها إلى ~~قصور التحف في أوروبا، ومن الناس من يظن أن هذه الأخربة هي بقايا الحدائق المعلقة ~~التي مر ذكرها، إلا أن ذلك ضعيف؛ أما أولا فلأنه لم ير اسم لبختنصر على ~~بقاياها كما هو ms12 دأبه في كل ما بناه أن ينقش عليه اسمه، فلو كانت هذه من أبنيته لم ~~يتركها غفلا مع ما هي عليه من العظمة والغرابة حتى كانت تعد من جملة عجائب ~~الدنيا، وأما ثانيا فلأن مساحة الحدائق المذكورة كانت 400 يرد لكل جهة من جهاتها ~~والأخربة المذكورة طولها 1100 يرد، فبين المساحتين تفاوت بعيد، والله أعلم، وفي ~~جملة ما كشفه الباحثون في بابل أثر سور في جانب النهر قالوا إنه السور الذي بناه ~~نبونيدوس ملك بابل، وقد ذكره بيروسوس فقال: إنه يمتد من طرف السور الشمالي الذي دخل ~~منه قورش مدينة بابل إلى منفذ الفرات في الجنوب، وعليه فتكون مساحة السور مساحة ~~مدينة بابل كلها، والمظنون أن بناءه كان لصيانة الجانب الأدنى من المدينة حين طغيان ~~الماء، ووجدوا أيضا آثارا يقولون إنها من بقايا الجسر الذي ذكره هيرودوطس ~~وديودوروس الصقلي، وقال قوم إنها من آثار الأسوار التي كانت لكل من القصرين على ~~جانبي النهر. # وكانت بابل هذه مربعة الشكل طول كل جهة من جهاتها اثنان وعشرون كيلومترا، وذكروا ~~أن أول من بنى عليها سورا بلأدان، إلا أن هذا الاسم يطلق على غير واحد من ملوك ~~بابل يتعذر معرفة زمان كل منهم وتعيين المراد منهم هنا، وفيما قرره بعضهم أن المراد ~~به مرودخ بلأدان الذي كان في خلال القرن الثامن قبل الميلاد، ويرد عليه أن معظم أهل ~~التحقيق على أن نيوبت بيل، وهو السور الأوسط بنته سميراميس وكان عهدها في أواسط ~~القرن التاسع، وعليه فيكون السور الأوسط قد بني قبل الأصغر وهو مخالف لمقتضى ~~النظر؛ إذ السور إنما يبنى للإحاطة بالبلد، فإذا كان البلد محاطا بسور فلا معنى ~~لبناء سور آخر في داخله، ولعله بين بلأدان الذي كان في القرن الثاني عشر قبل ~~الميلاد، فقد تحقق من الآثار أنه سور بعض مدن بابل والله أعلم، وكان السور ~~المذكور يسمى نيوبت مرودخ؛ أي مسكن مرودخ وهو إله لهم مشهور، ولعل هذا أصل ما ~~ذهب إليه بعضهم من نسبة بنائه إلى مرودخ بلأدان للملابسة ms13 بينهما في التسمية، وأثر ~~هذا السور فيما يقال باق إلى الآن، وهو لا يحيط إلا بقسم صغير من أخربة ~~بابل . # ثم إنا إذا تتبعنا كتابات الملوك يجتمع لنا عدة أسوار لبابل، وذلك أن بعضا منهم ~~كانوا يكتبون أسماءهم على أبنية هذه المدينة ويباهون بأنهم قد شيدوا لها أسوارها ~~وشحنوها بالقلاع الكبيرة كبختنصر؛ حيث يقول على بعض تلك الآثار: إني بنيت أميغور ~~بيل ونيوبت بيل سوري بابل العظيمين، مع أن نيوبت بيل كان قبل بختنصر بزمن بعيد، ~~ولعل الواقع أن أحدهم كان إذا رم في أحد الأسوار موضعا متهدما أو بنى شيئا من ~~أبراجه سواء كان هو واضعه أم أصلح فيه شيئا، يدعي أنه هو بانيه استئثارا بالفخر ~~والذكر الدائم، ونيوبت بيل المذكور هو السور الأوسط الذي يلي نيوبت مرودخ وبانيه في ~~قول المحققين سميراميس على ما مر ذكره، ولا يبعد أن تكون هي أسسته وقد تكون رسمته ~~فقط ثم أتمه الملوك من بعدها، وبيل اسم إله آخر لهم ومعنى التسمية مسكن بيل، ~~وارتفاع هذا السور بإجماع المؤرخين كان نحو خمسين ذراعا، وثخنه ثماني عشرة ذراعا، ~~ومحيطه 84000 ذراع، وارتفاع أبراجه مائة وعشر أذرع، ومساحة البقعة التي يحيط بها ~~383300 ذراع مربعة. ثم لما اتسع نطاق بابل وكثر سكانها لم يبق موضع لإقامة أبنية ~~جديدة في داخل السور، فأخذ الناس يبنون في ربض المدينة حتى كثرت الأبنية والتفت ~~من حول السور، فأخذ بختنصر في بناء سور جديد وراء الأول وسماه أميغور بيل ومعناه ~~بعل يصون، وكان هذا السور أرفع كثيرا من السور الأوسط الذي هو نيوبت بيل، ولكن لا ~~يتأتى لنا تحقيق قياسه لاختلاف أقوال المؤرخين فيه، والذي يتلخص من مجموع كلامهم أن ~~ارتفاعه كان نحو تسعين ذراعا، وثخنه نحو 85 ذراعا وأن أبراجه كانت أعلى منه بمائة ~~قدم، وكان مكتنفا بخندق من جهتيه؛ ولذلك لما سقط تكورت أنقاضه في ذلك الخندق ~~وتبدد ما بقي منها على تمادي الزمان، فضل رسمه وعفا أثره ولم يبق دليل على ~~موقعه الأصلي، وقد أورد ms14 هيرودوطس ذكره فقال: إن السور الكبير يحيط بالمدينة على شكل ~~مربع في طول 120 إستادة لكل جهة من جهاته، ويسمى أميغور بيل ومساحة الأرض التي ~~يحيط بها 513 كيلومترا مربعا. ا.ه. وكان لأميغور بيل مائة باب من الشبه، وهو ضرب ~~من النحاس الأصفر لكل جهة من جهاته خمسة وعشرون بابا تغلق إذا خيف مهاجمة عدو ~~للمدينة، وكان لهذه المدينة على ما رواه قوم من قدماء المؤرخين أسواق مستقيمة تمتد ~~من كل من هذه الأبواب إلى ما يقابله في الجهة الأخرى، وبذلك انقسمت المدينة إلى ~~625 مربعا أو حواء في كل منها حدائق ومروج فسيحة فيها من جميع أنواع الأشجار ~~المثمرة وأصناف البقول والرياحين، حتى قال أرسطاطاليس: إن صح أن تدعى بابل مدينة ~~واحدة فالبيلوبونسية بأسرها تحسب بلدا واحدا. ا.ه. وقد اختلفت الأقاويل في محيط ~~السور على أنحاء شتى، ولعل ما قاله فيه هيرودوطس هو الأصح لما أثبته كثيرون من أن ~~القياس الذي ذكره له هيرودوطس، وهو أربعمائة وثمانون إستادة موافق تماما لما ذكره ~~بختنصر؛ حيث قال: إني قست أميغور بيل سور بابل العظيم الذي لم يسبقني إلى ~~بنائه ملك قبلي، فكان أربعة آلاف مهرغاغار وهي مساحة بابل. ا.ه. وكان أول افتتاح ~~بابل على يد قورش، وهو الذي أخذ أبواب السور، وجاء بعده داريوس فخرب جانبا منه، ~~ويظن أن خراب هذا السور تم في عهد أكزرسيس وأرتكزرسيس، ولم يبق في عهد ~~الإسكندر إلا السور الثاني المسمى نيويت بيل، ولعل هذا سبب الخلاف الذي بين ~~هيرودوطس ومن تأخر عنه من المؤرخين؛ لأن هيرودوطس لما قدم بابل كان أميغور بيل ~~قائما، فما ذكره من قياس السور إنما كان لأميغور بيل، والذين جاءوا بعده لم يروا ~~إلا نيويت بيل وهو أصغر منه، فهم إنما قاسوا غير السور الذي قاسه هيرودوطس. # هذا معظم ما اتصل إلينا وصفه من أبنية هذه المدينة وغرائبها وهي قديمة عهد ~~بالخراب، فقد ذكر ديودورس أنها كانت في أيامه قد ناهزت الدروس. قال: وفي بابل عدة ~~أبنية عظيمة من أبنية الملوك ms15 وغيرهم يتعذر علي وصف ما كانت عليه في إبان ~~أمرها؛ لأنه لم يبق منها إلا بقايا شاخصة ورسوم ناقصة. ا.ه. # أما موقع بابل فقد اجتمع العلماء وأرباب البحث، على أنه المكان الذي فيه تلك ~~الأخربة العظيمة الممتدة إلى مدى شاسع قرب مدينة الحلة على مسافة خمسة أميال منها ~~على ضفة الفرات كما مر ذكره، ومن هذه الأخربة يستدل على ما كانت عليه سالفا ~~من العظمة والأحكام، ومع اتفاقهم على أن هذه البقايا هي بقايا مدينة بابل المشهورة ~~فإنما هو حكم استدلال وغلبة ظن لا يقين قاطع؛ إذ لم يجدوا هناك ما يقضي بالجزم ولم ~~يجدوا مع ذلك ما يناقض هذا الاستدلال فصار قسما بمنزلة اليقين. ثم إن معظم هذه ~~الأخربة واقع على ضفة الفرات الشرقية وليس على الضفة الغربية إلا جانب صغير، ومن ~~الناس من يقول إن ملوك بابل في إبان أمرها كانوا قد حولوا النهر إلى وسط ~~المدينة وزينوا جانبيه بالرصف المتقنة، فكان يقسم المدينة إلى شطرين متآزيين ~~كما أسلفنا ذكره. فلما انقضى أمر أولئك الملوك وسقطت دولتهم أخذت المدينة في ~~الانحطاط وأخطأتها عناية المرممين، ومال النهر مع كرور الأيام إلى مجراه الأصلي ~~شيئا بعد شيء مستعرضا إلى جهة الغرب حتى عاد إلى موضعه القديم. # ويؤيد هذا القول أنا نرى بقايا الشطر الشرقي من المدينة أبين آثارا وأعرف ~~رسما، حتى إن بقايا الرصيف الذي على ميسرة الفرات لم تزل إلى يومنا هذا وعليها اسم ~~آخر ملوك بابل بخلاف الشطر الغربي؛ فإن ماء النهر قد جرف تلك الأبنية وترك موضعها ~~قاعا بورا، ومما يزيد هذه المدينة غرابة أنها مع عظم أبنيتها وكثرتها واتساعها ~~كانت تلك الأبنية من طين كانوا يخلطونه بالحمر، ويصنعون منه قطع الآجر واللبن ~~طبخا بالنار أو تجفيفا في الشمس ويبنونها موضع الحجارة؛ لأن الصخر قلما يوجد ~~هناك، وبذلك قامت تلك الهياكل العظيمة والأسوار الشامخة والمعاقل الحصينة التي صبرت ~~على مهاجمات الزمان وسطوات الأقدار قرونا متوالية، وبعد خرابها بقيت زمنا طويلا ~~بمنزلة مقلع تنقل منه مواد البناء إلى ms16 ما يجاورها من البلاد؛ حتى إن سلوقية ~~وأكتزيفون وبغداد والكوفة والحلة وغيرها من المدن بنيت من بقايا بابل فضلا ~~عما بقي فيها من جبال الأنقاض المنتشرة في تلك النواحي، وخلالها بقايا رسوم لا ~~يأويها إلا البوم والغراب، وقد تحققت فيها نبوة رجال الله ولا سيما أشعيا القائل: ~~ويكون من أمر بابل التي هي بهاء الملك وزينة فخر الكلدانيين، كما كان من تقليب الله ~~لسدوم وعمورة، فلا تعمر أبدا ولا يأوي إليها ساكن من بعد ولا يخيم هناك أعرابي ~~ولا يربض راع سرحه، لكن يربض هناك وحش الصحراء ويملأ بيوتهم البوم وتسكن هناك ~~رئال النعام وتطفر معز الوحش وتصيح بنات آوى في قصورهم والذئاب في هياكل ترفهم ~~(13 : 19 إلى آخره). # ومدينة الحلة مبنية على آثار أخربة بابل، قيل أحدثت سنة 1093 ميلادية ~~وبانيها صدقة بن منصور، ويستفاد من بعض الكتب أنها كانت في أول أمرها مقام قبيلة ~~من العرب، وهي اليوم قرية دنيئة وغالب سكانها قوم صعاليك، وهناك محط للمسافرين من ~~خليج فارس إلى بغداد، وفي شمالها الشرقي آثار عديدة يظن أنها من آثار مدينة ~~القوطيين الذين كانوا يعبدون زحل أو المريخ، وفي الجهة الجنوبية منها قاعدة صنم ~~كبير يقال إنها قاعدة الصنم الذي نصبه بختنصر وهو المذكور في سفر دانيال. # ذكر مدينة بورسيبا # وكان بين أميغور بيل ونيويت بيل موقع مدينة بورسيبا المشهورة، وبورسيبا كلمة ~~آشورية مركبة معناها برج اللغات، ويستدل من الآثار والتقليد البابلي القديم أنه ~~فيها كانت بلبلة الألسنة كما تشير إليه تسميتها، وتعرف أخربتها اليوم ببرج نمرود ~~وهي تبعد أربعة كيلومترات عن نهر الفرات، وهناك آثار البرج، وهي عظيمة شاخصة في ~~السماء على شكل هرم، وارتفاعها إحدى وستون ذراعا، ومحيطها تسعمائة وثلاثون ~~ذراعا، ومعظمها كأنه تل من الأنقاض في غربيه قطعة من حائط عظيم قد تعاصت على ~~كرور الحوادث، يبلغ ارتفاعها سبع عشرة ذراعا، وطولها اثنتا عشرة ذراعا، وثخن ~~الحائط اثنتا عشرة ذراعا أيضا، ويتصل أعلى هذا الحائط بسطح طوله مائة وأربع أذرع، ~~ويظن أن هذا ms17 الحائط من بقايا الهرم الأصلي وارتفاعه نحو سبع عشرة ~~ذراعا. # وكان هذا البرج يسمى بهيكل عوالم الكون السبعة يعنون بها السيارات السبع التي ~~كانوا يعرفونها وقتئذ كما سنورد تفصيله. وزعم قدماء الكلدانيين أن بانيه ملك من ~~ملوكهم، وذلك عقب الطوفان بزمن يسير ثم جدد بناءه بختنصر على رسمه القديم كما ~~يتضح ذلك من كتابة له وجدت من عهد قريب، وذلك أن رولنسون الإنكليزي وجد في أخربة ~~هذا البرج سنة 1854 ناجودين من الخزف البابلي فحملهما إلى دار الآثار في لندرة، ~~وكانت على إحداهما كتابة يقول فيها: أنا بختنصر ملك بابل قد جددت بناء الهرم ~~والبرج ذي الطباق. أنا ابن نبوبولاصر ملك بابل ولدني مرودخ الإله العظيم وأمرني ~~بتشييد معابده. إن الهرم هو أعظم هيكل في السماء وعلى الأرض وهو مقام مرودخ رب ~~الآلهة، وأنا جددت مقدسه مكان قرار جلاله بالذهب الإبريز وجددت برجه ذا الطباق ~~الذي هو مقر الخلد وشيدته بالذهب والفضة ومعادن أخرى وبالآجر المرصع بالميناء ~~وخشب السرو والأرز وأتممت زينته، والبنية الأولى التي هي هيكل قواعد الأرض ~~القائم بها تذكار بابل قد أتممتها وأقمت أعلاها بالآجر والشبه، وأما البنية ~~الثانية التي هي هيكل سبعة أنوار المسكونة القائم بها تذكار بورسيبا، فكان قد شرع ~~في بنائها أول الملوك ولم يتمها إلى أعلاها وبيني وبينه اثنان وأربعون زمنا. ثم ~~أهملت دهرا مديدا، وأعيا الملوك الذين سلفوني مقصدهم من تشييدها، فأخذتها السيول ~~والعواصف وزعزع زلزال الأرض اللبن وحطم الآجر المطبوخ وأتلف لبن الطباق، فكان ~~روابي مركومة. فشدد مرودخ الإله الكبير عزمي لإعادة بنائها، فأعدتها من غير تغيير ~~في موقعها ولا تعطيل في أسسها، وفي شهر الختام في النهار السعيد حوطت الطباق من ~~اللبن والآجر المطبوخ بأروقة وجددت السلم المستديرة ونقشت اسمي المجيد في ~~إفريز الأروقة، وقد أسست البناء وجددته على وفق ما رسمه من تقدمني حتى عاد كأنه ~~قد بني في سالف الأزمنة. ا.ه. وهذا البرج من أهول ما بناه البابليون وأجله ~~خطرا وأعظمه شأنا، وكان بمنزلة هيكل سباعي للآلهة السبعة ms18 التي يلقبونها بسبعة ~~أنوار المسكونة، وكانت له سبع طباق كل طبقة منها خصصت بواحد من تلك الآلهة. ~~فأول طبقة منه وهي السفلى كانت لزحل ولونها أسود، والثانية للزهرة ولونها ~~أبيض، والثالثة للمشتري ولونها بردقاني، والرابعة لعطارد ولونها أزرق، والخامسة ~~للمريخ ولونها قرمزي، والسادسة للقمر ولونها فضي، والسابعة للشمس ولونها ذهبي، وقد ~~ذكرنا أن من الناس من استدل على أن بلبلة الألسنة كانت في هذه المدينة، وهم يقولون ~~إن البرج المشار إليه هو البرج المذكور في الفصل الحادي عشر من سفر التكوين، وعلى ~~ذلك تحول الحادثة المذكورة هناك من مدينة بابل إلى بورسيبا، وقد كثرت أقوالهم في ~~هذا البرج وواضعه وعلة بنائه على أنحاء شتى. فذكر يوسيفوس أن واضعه نمرود بناه بعد ~~الطوفان لينجو الناس إليه إذا حدث طوفان آخر، وذهب غريفل إلى أن أول من بناه ملك من ~~أقدم ملوك تلك البلاد أراد أن يكون ذكرا مخلدا للبلبلة؛ أي بلبلة اللغات، وذكر أن ~~ارتفاعه اثنتان وأربعون ذراعا - أو مقياسا آخر لا يعلم ما هو - وذهب غيره إلى ~~أنه هو هيكل بعلوس الذي ذكره هيرودوطس، وقال إنه ذو ثمانية أبراج أو طباق بعضها فوق ~~بعض وقد تقدم ذكره، وقال قوم إنه كان بناء عظيما ذاهبا في العنان، استلزم ~~لإقامته عددا غفيرا من العملة، وكان المشتغلون فيه في أول الأمر جميعهم بابليين ~~يتكلمون بلسان واحد، فألجأتهم الحال لتعجيل العمل أن يستعينوا بعملة آخرين من ~~غيرهم، فحشدوا لذلك بنائين ونحاتين من أمم مختلفة يتكلمون بألسنة شتى. فلما كانوا ~~في بعض الأيام هبت عواصف شديدة فنسفت رأس البرج، فخيل لهم أن الآلهة فعلت ذلك ~~وبلبلت ألسنتهم فكفوا عن بنائه، وشاع هذا الاعتقاد بين الكلدانيين من ذلك ~~الوقت. # ويظهر أن بورسيبا في أوائل الأجيال النصرانية كانت معمورة بالأبنية والهياكل، وقد ~~ذكرها إسترابون على حالها الأخيرة فقال: إن بورسيبا المعروفة الآن باسم بروس هي من ~~المدن المشهورة بنسج الكتان، وفي جملة أبنيتها هيكلان فاخران أحدهما لأبولون والآخر ~~لأرطاميس أخته، قال ويكثر في نواحيها الخفاش وهو أكبر ms19 من الخفاش المعروف عندنا وهم ~~يأكلونه وبعضهم يدخره مقددا ومملوحا إلى حين الحاجة. انتهى. وعلى مسافة ~~يسيرة من أخربة بورسيبا آثار قديمة العهد جدا وتعرف بإبراهيم الخليل، وفيها على ~~ما قال كثيرون هياكل أو ونينيب سمدان ونانا التي ذكر بختنصر أنها من بنائه، وهناك ~~قبة في الموضع الذي يقال إنه فيه طرح نمرود إبراهيم الخليل في أتون النار ~~وبقربها تلة يبلغ ارتفاعها أكثر من ثلاث وثلاثين ذراعا، وطولها نحو 460 قدما ~~وهي على ما قيل نفس الهرم الذي ذكره إسترابون وقال إنه قبر بعلوس وهو غير ثبت، وفي ~~تلك النواحي أخربة كثيرة حفر فيها بعض السائحين، فوجدوا تحفا كثيرة من أوان ~~وآجر وغيرها، وقالوا إن محيط الآثار فيها يبلغ ميلا. # ذكر سلوقية وأكتزيفون # ومن مدن بابل التي اشتهرت في عصر الملوك البرثيين سلوقية وأكتزيفون اللتان مر ~~ذكرهما، بنى الأولى سلوقوس وهو أحد أعقاب الإسكندر الرومي فسميت باسمه، أراد ~~بها مساماة بابل وحط ما كانت عليه إلى ذلك الحين من العز والفخامة وجعلها مباءة ~~له، فشيد بها المباني الحافلة والمصانع العظيمة والهياكل المرتفعة، وهو الذي بنى ~~سورها فيما يظن فصارت تعد من المدن الكبيرة بآسيا، وكان موقعها على ميمنة دجلة ~~وبقربها على بعد 4000 أو 3500 متر عن ضفة النهر المذكور إلى الغرب مصب نهر دلاس، ~~وهو يصب في دجلة وبين دلاس ونهر عيسى المعروف بالترعة السقلاوية 1500 متر، وكانت ~~سلوقية تجاه مدينة أكتزيفون ولم يكن بينهما إلا مياه دجلة. قال بلينوس: وكثيرا ما ~~يطلق على سلوقية اسم بابل وهي الآن مستقلة، والشائع أن سكانها ينيفون عن ستمائة ~~ألف نسمة وهيئة حدودها على شكل نسر ناشر جناحيه. ا.ه. وقد افتتح هذه المدينة فيروس ~~الروماني ودك سورها وأخربها جملة. قال المؤرخ أميانوس مرشلينوس عند ذكر هذه ~~الحادثة: لما استحوذ قواد قيصر على سلوقية حملوا جميع كنوزها وغنائمها إلى ~~رومية، وكان في جملة ما نقلوه صنم لأبولون أقامه الكهنة وجعلوه في هيكل له في جبل ~~بلاتين. قال: وبعد هذه الحادثة بأيام رأى بعض ms20 الجنود منفذا صغيرا بين الأخربة، ~~فظنوا أن هناك مغارة تخيلوا أن فيها كنوزا ثمينة، فلما حفروا انبعثت من الأرض ~~رائحة كريهة نشأ عنها وباء ذريع، ففشا بين الناس ومات به خلق كثير وما زال فاشيا ~~حتى انقضى عهد فيروس، وقام بعده مرقس أنطونينوس، والوباء ممتد من حدود مملكة فارس ~~إلى نفس غاليا. ا.ه. # وأما أكتزيفون فموقعها على ضفة دجلة الغربية، وهي من بناء الملوك البرثيين، وأول ~~من شرع في بنائها وردانوس، وقام بعده باكوروس فأقام لها سورا حصينا وشاد في ~~داخلها أبنية عديدة، وكان من أكبر علل نجاحها سقوط مدينة بابل، ثم عقبه انحطاط ~~سلوقية عن عظمتها فزاد ذلك في عمارتها وارتفاع شأنها، وكانت مباءة للملوك البرثيين، ~~فكان لها بذلك الحظ الأكبر وتواردت إليها الثروة والجاه، وكثرت فيها المعاقل ~~والحصون وأسباب القوة والمنعة وتعددت فيها الهياكل والأبنية العظيمة؛ إذ كان كل ~~واحد من أولئك الملوك يزيدها من تلك الأبنية ما يفوق به من سلفه حتى صارت بعد حين ~~من أعظم مدن فارس، وما زالت في تلك العظمة والرفعة إلى أن زحف عليها تريانوس القيصر ~~الروماني فضربها واستفتحها عنوة واستباحها بالقتل والنهب، وكل من تخلف عن ~~طاعته من أهلها أخذه أسيرا وذلك سنة 115 ميلادية. ثم اقتدى به فيروس فنهض إلى ~~سلوقية وأخذها على ما أسلفنا ذكره وزحف منها إلى أكتزيفون فمحا ما بقي من آثارها ~~وردها قاعا صفصفا، وبقاياها اليوم تبعد ست ساعات عن مدينة بغداد على مسافة ميل عن ~~ميسرة دجلة، ويقال إنه استؤنف بناء سورها في أوائل عهد النصرانية، بدليل أن ~~كثيرين من قياصرة الرومان من كراسوس إلى يوليانوس قصدوها فعجزوا عن أخذها وكاد ~~بعضهم يتفانى تحت أسوارها. # وعليه فالظاهر أن الأخربة الباقية منها الآن هي من بقايا تجديدها ومحيطها ميلان، ~~وقد بقي جانب من سورها ظاهرا من بين الأنقاض، وهو مبني بالآجر الذي نقل من ~~أخربة بابل، وثخنه يعادل ثخن الأسوار الكبيرة ويكون ذلك إلى 300 آجرة، وفي أواسط ~~الأخربة أثر قصر عظيم يقال له سرير إيوان ms21 كسرى أو سرير كسرى ويراد به باب النصر، ~~وهو من بقايا قصر بناه أحد الملوك البرثيين، ومن الناس من يظن أنه هيكل لمعبود ~~الشمس أو النور استدلالا بأثر كشفوه هناك، وقال آخرون إنه بنية أقامها ملك من ~~الملوك الأوروبيين كان افتتح هناك فتوحات فبنى هذا القصر ذكرا له، ومهما يكن من ~~ذلك فإنه بناء عظيم واسع قديم العهد من أكثر من ألفي سنة وهو مبني بالآجر ~~واللبن، وقد أصبحت جميع جدرانه ما خلا الشرقي منها خرابا تاما، وطول هذا الجدار ~~مائتان وسبعون قدما وارتفاعه ست وثمانون قدما، وفي وسطه قنطرة يليها عقد غوره ~~مائة وأربع وثمانون قدما، وارتفاع القنطرة خمس وثمانون قدما، وعرضها ست وسبعون ~~قدما، وثخن جدارها ثلاث وعشرون قدما؛ ولهذا الجدار ستة أبواب متنوعة الأشكال في ~~كل شطر من شطريه على جانبي القنطرة ثلاثة أبواب، وفيه أربعة صفوف من الكوى غور ~~الواحدة منها قدم في مثلها طولا وعرضا يظن الناظر إليها أنها وكنات طيور، وينبعث ~~الضياء إلى داخل القصر من غير هذا الجدار، وعلى مقربة من القصر جامع كبير يزوره ~~مسلمو تلك النواحي، وهناك بعض أخربة على شكل تلال لم يتيسر للباحثين الوقوف على ~~حقيقتها، وتعرف أراضي أكتزيفون وسلوقية وما في جوارهما بالمدينتين أو ~~المدائن. # ذكر أور # وأقدم مدن الكلدان أور أو أور الكلدانيين كانت في أول أمرها دار مملكة، وكان بها ~~مقام الكهنة وفيها من الهياكل ما لا نظير له سعة وإتقانا حتى كانت مركز الدين ~~عندهم، وهي التي دعي منها إبراهيم الخليل - عليه السلام - حين أمره الله بالهجرة ~~إلى أرض كنعان وذلك في أوائل القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، ويستفاد من ~~الكتاب المقدس أن كدر لعومر العيلامي كان مقيما بها في عهد إبراهيم المذكور، وفي ~~الآثار ما يؤيد ذلك، وقد علم منها أيضا أن بعض تلك الهياكل من بنائه، وفي آثار ~~أخرى أن أورخامس هو الذي حصنها وبنى عليها سورا ضخما وجعلها مباءة للملك، وذلك ~~قبل عهد كدر لعومر بزمن مديد وشاد فيها هرما عظيما تخليدا ms22 لذكره، يظن بعض ~~الناس أنه هو الهرم الذي زعم كثيرون أنه برج البلبلة المذكور في الكتاب، وقرئ ~~على بعض تلك الآثار أنه ابتنى في أور هيكلا فاخرا جعله لمعبود القمر، وقد كشف ~~الإفرنج هذا الهيكل ووجدوا على حائط منه صورة أورخامس وكتابات بالقلم القديم تشهد ~~بأنه هو بانيه، ومن ملوك أور إسمي داجون وتنسب إليه هياكل بناها لمعبودي الشمس ~~والقمر، وفي عهده بلغت أور ذروة العز والشهرة حتى صارت كما في بعض الآثار فريدة ~~المدن، وكان نقل العاصمة منها إلى مدينة بابل في عهد همورابي. # ومنذ ذلك الحين استتبت في أور الراحة والسكينة لخلوها عن قلاقل الملك وانحياز ~~من يقصدها بالشر إلى مقام الملك في بابل، غير أنه فاتها بعد ذلك ما كان يتوارد ~~إليها من أسباب الغنى والثروة وانتقل كل ذلك إلى مدينة بابل، وآخر من يذكر من ~~الملوك على آثارها نبونيدوس وكانت وفاته سنة 540 قبل الميلاد، ولم يكن له آثار كما ~~لغيره ممن سلفه، وأور اليوم خراب تام ويعرف موقعها بالمغاور، وقد كشف فيها أهل ~~البحث من الإفرنج قبورا قديمة العهد جدا وهي في داخل الأرض مبنية بالآجر طول ~~الواحد منها سبع أقدام في ثلاث عرضا وخمس سمكا، ومعظم ما بقي من أخربتها بقايا ~~هياكل لسين وهو إله لهم سيذكر بعيد هذا، ولعل ما يجاور أور من البلاد إنما ~~سماه اليونان باسم مسيني اشتقاقا من اسم هذا الإله لكثرة تماثيله فيها. أما تسمية ~~هذه المدينة بأور ففيها أقوال أشهرها أنها سميت بذلك لحصانتها، ومعنى أور الحصن، ~~وقال آخرون: إنها سميت بذلك لكثرة هياكل النار فيها، ومعنى أور في لغتهم النار ~~ولعله الأصح، وأور هذه في رأي أكثر المحققين أنها كلنة القديمة، وموقعها في المكان ~~الذي يقال له المغاور على ما أسلفنا ذكره وذلك قرب ملتقى نهري دجلة والفرات، ~~ومنهم من يقول إنها مدينة أورفا الحالية استدلالا بقرب موقعها من حران مع تقارب ~~الاسمين، وهو منقوض بما أوردنا ذكره من شهادة الآثار، وقيل غير ذلك مما لا فائدة ms23 من ~~استيفائه، والله أعلم. # ذكر مدن أخرى ببابل # ثم إنه ورد في الفصل العاشر من سفر الخلائق ذكر أربع مدن في أرض شنعار، وهي ~~بابل وأرك وأكد وكلنة، وإن هذه المدائن كانت أول ملك نمرود ولم يذكر أن نمرود هو ~~بانيها؛ ولذا يصح أن يقال إنها كانت قبله وأن الطورانيين وهم أول من وفد على مملكة ~~بابل هم الذين ابتنوها، والذي ظهر بعد مطالعة الآثار أن هذه المدن الكبيرة ما برحت ~~عواصم لملوك تلك البلاد وعلى الخصوص في بعيد الأزمنة، لانفرادها إذ ذاك باتساع ~~الثروة وكثرة العمران وانحطاط سائر المدن المشهورة عما بلغته من المنعة ~~والأبهة، وكان فيها مقام الأمراء وأعيان الدولة، وكان من تبوأ منهم أريكة ~~الملك يجعل سريره في المدينة التي ولد فيها ويسمي نفسه ملك الأقاليم الأربعة، ~~يعني المدن الأربع المذكورة؛ إشارة إلى أنها كلها في حوزته وتحت ظله وإن لم يكن ~~مقامه إلا في إحداها، ولم تلبث هذه المدن عقب أن بدأ فيها الخراب إلا قليلا حتى ~~صارت قاعا صفصفا بعد أن خدمها العز نحو عشرين قرنا من الدهر، ولم يبق منها إلى ~~عهدنا هذا سوى رسوم دوارس لا تزيد على معرفة مواقعها القديمة في الجملة. فأما تمييز ~~بعضها من البعض الآخر بأسمائها فلم يبق عليه دليل، وإنما الناس يأخذون في ذلك ~~بالظن، فمن قائل إن مدينة أرك هي المعروفة اليوم بورقاء أو أرقاء وموقعها على ~~عدوة دجلة عند حدود بابل وشوشانة، وذهب قوم إلى أنها هي التي كانت تعرف عند ~~الأقدمين بإيذسا، وقيل بل هي أورخوه التي ذكرها جماعة من متقدمي المؤرخين، ~~وقالوا إنها على نحو أربعين ميلا من بابل، ولعل الصحيح كما قاله بعض المحققين إنها ~~كانت في موقع الأخربة المعروفة اليوم بالأراق ومنها اشتق اسم العراق، وموقع هذه ~~الأخربة بين مدينة الحلة وملتقى نهري دجلة والفرات وجميعها قديمة عهد بالخراب، ~~ومعظمها بقايا هياكل لسين وبعض أبنية أقامها ملك من ملوكها كان يقال له سين سيد، ~~وسين عندهم اسم للقمر وكانوا يعبدونه في أرك ms24 وما يجاورها، ولذلك كانوا يسمون أرك ~~مدينة القمر، وكانت له فيها هياكل كثيرة، وكان أكثر الملوك الذين تبوءوا ~~سريرها في ذلك العهد يقرنون أسماءهم بلفظة سين تبركا كسين سيد المذكور وقمر سين ~~ونارام سين، إلى غير ذلك. # وأما أكد فموقعها إلى الشمال الشرقي مما بين النهرين وهي التي يقال لها نيبور؛ ~~أي مدينة الإله الكبير وتسمى أيضا نيغار؛ أي مدينة إله الأرض يعنون به ملك الملوك؛ ~~وذلك لأن ملوكها حينئذ كان لهم التقدم على سائر ملوك تلك البلاد، وقد وفق فيها ~~منقبو الإفرنج إلى الوقوف على بقايا هيكلين من بناء أورخامس، أحدهما لإله الجلد ~~والآخر لبيليت تاءوث أم الآلهة، وهناك أخربة شتى غير هذين الهيكلين يقولون إنها من ~~نحو أربعين قرنا، وعليه فيكون عهدها قبل استيلاء العرب على بابل بزمن بعيد، وفي ~~جملة ما وجد فيها حلي معدنية ضخمة الأشكال تدل على تقادمها، ومن الناس من يزعم أن ~~أرك هذه هي مدينة نصيبين استنادا إلى تقليدات كانت عند اليهود في أيام إيرونيموس، ~~وفي ذلك كله أقوال وآراء شتى لم يصل إلى تحقيقها أرباب البحث فنقتصر منها على ما ~~ذكر، وأما كلنة فهي التي يطلق عليها أهل البلاد اسم المدينة وأكثر المحققين على ~~أنها أور الكلدانيين على ما قدمناه قريبا في الكلام على هذه المدينة. # ومن مدن بابل التي كشفها المتأخرون مدينة صفيرة ذكروا أن بانيها الأول أورخاموس ~~وكثير من أخربتها باق إلى اليوم، وقام بعده ساغركتياس وهو الذي بنى فيها الهيكل ~~العظيم الذي ذكره بيروسوس وقال: إنه مبني في نفس الموضع الذي خبأ فيه أكسيسوثروس ~~حين الطوفان السجلات المسطر عليها تاريخ الخليقة وأخبار الأيام الأولى وأسرار ~~التنجيم والكهانة وغير ذلك، وقد كشف هذا الهيكل بعض سياح الإفرنج فوجدوا في جملة ما ~~كان فيه آنية من المرمر الأبيض الخالص، وهي مزخرفة غاية الزخرفة وعليها اسم نارام ~~سين ومعناه المبتهل إلى سين، وهو من ولد ساغر كتياس مشيد الهيكل المذكور، وقال ~~الباحثون: إن الكتابة التي وجدت على الآنية المذكورة هي أشبه بالكتابة ms25 الموسومة ~~بها أبنية أورخاموس، فاستدلوا بذلك على أن هؤلاء الملوك طائفة واحدة. # ومنها مدينة إيس أو إيوبوليس وموقعها على الضفة الغربية من النهر المنسوب إليها ~~وهو يدفع في الفرات على مقربة منها، وأشهر من ذكرها من القدماء هيرودوطس فقال: إنها ~~تبعد ثمانية أيام عن بابل وموقعها على نهر يسمى باسمها يجر ماؤه كثيرا من ~~الحمر، ومنه كان البابليون يحملون الحمر لبناء أسوار مدينتهم. ا.ه. # وقد دثرت هذه المدينة من زمن مديد وكان أعظم أسباب خرابها مجاولة أمراء العرب ~~فيها منذ أيام الجاهلية، وعلى موقع أخربتها اليوم قرية حقيرة تعرف بهيت وفيها كثير ~~من النخل على ضفتي النهر ومن حولها الحمر، وفيها ينابيع من النفط قد اشتهرت ~~بسببها، وسكانها يقاربون ألف نسمة ومعظم أبنيتهم من الحصى المتلاحمة بالحمر ~~واللبن. # | ذكر مملكة آشور # آشور بتشديد الشين إقليم كبير متسع من آسية تعرف ناحيته اليوم بكردستان، وهو كريم ~~البقعة غاية في الخصب يخترقه أنهار أربعة كبيرة أحدها نهر دجلة، وليس في ذلك الإقليم ~~أحسن منظرا منه ولا أقوى اندفاعا ولا أكثر سرعة في سيره يضاهي الفرات، وبعده نهر ~~أربيس ونهر غرغوس ونهر زابيس، ويتخلل هذا الإقليم جبال متشعبة وأودية كثيرة كانت مشحونة ~~بالبساتين الأنيقة والجنات النضيرة، إلا أن أكثرها اليوم قد عاد قفرا غامرا، وكان ~~لآشور من المدن الكبيرة والقلاع الحريزة والضياع الخصيبة شيء كثير جدا، وكانت في أول ~~أمرها ضيقة البقعة قليلة العمران، وفيما ذكره موسى النبي - عليه السلام - ما يستفاد ~~منه أن حدها الغربي لم يكن يتجاوز دجلة، وليس في كلامه ما يدل على أنها كانت مملكة في ~~ذلك العهد، ولكنها عقيب ذلك أخذت تتوسع بكثرة الأبنية والسكان ومد العمارة، حتى بلغ ~~طولها خمسمائة ميل في عرض نصفها فيما يقال على التقريب، فتكون مساحة أرضها ما ينيف على ~~مائة ألف ميل مربع. # وقد خبط المتقدمون في الكلام على آشور خبطا عجيبا لا يكاد يتخلص منه تحقيق تاريخها، ~~وأغرب ما هنالك أن ديودورس لم يفرق بين آشور وسورية؛ لأنه يقول في بعض ms26 كلامه عن هذه ~~المملكة ما معناه أن نينوس رام أن يخلد لنفسه ذكرا ويصنع ما يعقبه فخره، فأخذ في بناء ~~مدينة كبيرة في سورية يقر فيها سرير ملكه ويجعلها مباءة له ولأعقابه، بحيث لا يكون لها ~~شبيه ولا يتخيل بناء مثلها على ممر الأحقاب. فحشد إليه العملة والصناع من طوائف ~~شتى وبنى أسس المدينة على شكل مستطيل، ثم حوطها بسور أكثر ما بلغ طوله 150 إستادة ~~وأقل ما كان عرضه 90 إستادة، فيكون طول السور أربعمائة وثمانين إستادة، وكان ارتفاعه ~~مائة قدم، وثخنه بحيث تجري عليه ثلاث من العجلات صفا واحدا، وابتنى على السور بروجا ~~تبلغ ألفا وخمسمائة عدا، وهي تعلو السور بمائة قدم وارتفاعها من الأرض مائتا قدم. ~~قال ولما أتم نينوس هذه المباني ودعا الناس لسكنى المدينة سماها نينوى باسمه، والتقى ~~فيها خلا الآشوريين وهم أعيان المدينة أمم وقبائل شتى تتباين مذهبا ومشربا، وما لبثت ~~المدينة إلا يسيرا حتى صارت من أشهر المدن انتهى ببعض اختصار. وقال هيرودوطس في وصفه ~~لآشور: إنها تشتمل على كثير من المدن الكبيرة، وإن أعظم تلك المدن مدينة بابل، وقد ~~اتخذها ملوك البلاد عاصمة لهم منذ خراب مدينة نينوى. ا.ه. فعد بابل من جملة مدن آشور، ~~وإجماع المحققين على خلافه، ثم ذكر أن بابل إنما اتخذت مباءة للملوك منذ خراب ~~نينوى، والذي نعلمه أن غير واحد من ملوك الكلدان في بابل وملوك آشور في نينوى كانوا ~~متعاصرين في آن واحد. # وأول من ذكر آشور على حقيقتها بطليموس الفلكي المشهور وهو من أعلام القرن الثاني ~~للميلاد. قال: يحدها شمالا القسم المحاذي لجبل نيوانا من أرمينية الكبرى، وغربا بعض ~~ما بين النهرين وهو الجهة التي تسقى بماء دجلة، وجنوبا مملكة شوشانة، وشرقا مملكة ~~مادي وفيها ثلاثة أنهر تنتهي إلى دجلة بعد أن تسقي معظم أراضيها وهي ليكوس وكابروس ~~وغرغوس. قال: وتقسم آشور إلى عدة أقسام: أحدها أرهباخينس ثم أبولونياتس وموقعها بين ~~سيتاكينا وبلاد الغراميين، ويليها بلاد السمباطيين ثم بلاد الغراميين، وفي جنوبي ~~إذيابينة كلكينيكي ويليها ms27 إقليم إربلة، وقد ذكر كثيرا من مدنها بأسمائها مع تعيين ~~درجات طولها وعرضها كنينوس ومردة وإكتزيفون وغوغاملة وأوزابا وسيتاكي وغومارا وأبولونيا ~~وأسوخيس وغيرها، وجملة ما عدده منها أربع وثلاثون مدينة تختلف عظمة واتساعا، لكنه لم ~~يذكر بينها راسن ولا أولمبيس ولا مسفيليا، وقد كن من أشهر المدائن في تلك الناحية، ~~فالظاهر أنه اقتصر على ذكر المدن التي عاينها بنفسه؛ لأن هذه كانت في عهده قد صارت إلى ~~تمام الخراب ولم تبق لها الأيام أثرا. # ذكر مدينة نينوى # كانت هذه المدينة أبعد مدن آشور شهرة وأعظمها شأنا، حتى لم يكن في تلك البلاد ~~أشد منها سطوة ولا أوسع ثروة وعمرانا، ما خلا مدينة بابل فإنها كانت أوسع منها ~~مساحة وأضخم أسوارا وأفخم أبنية، إلا أن بلوغ كل منهما حد عظمتهما لم يكن في ~~زمان واحد؛ لأن بابل بلغت مبلغها من العمران والأبهة بعد أن أخذت نينوى في التراجع ~~والانحطاط، وكان معظم شهرة نينوى في عصر سنحاريب وأعقابه، وكانت دار ملكهم ومباءة ~~سريرهم، وكانت تساق إليها الأرزاق وتحشد إليها الناس من كل وجه والملك يزيدها ~~جاها وفخامة حتى بلغت من العز والسطوة والغنى ما لم تبلغه مدينة أخرى في ذلك ~~العهد، وما زالت على حالها تلك من النمو والعظمة إلى أن تفرغ أهلها للملذات ~~والملاهي ودب فيهم داء الترف ونعمة العيش، فزحف عليهم البابليون وافتتحوا ~~المدينة ودمروها وحملوا ما فيها من الغنائم والأموال فعادت قاعا صفصفا. أما باني ~~نينوى فعلى ما في رواية موسى عليه السلام (تك. 1 : 11) أنه آشور بن سام، وقد بنى ~~مدنا أخرى ذكرها هناك، والآشوريون يزعمون أنها سميت باسم آشور كبير آلهتهم، وأن ~~هذا الاسم يطلق بالاشتراك على كل ملك من ملوكهم تبركا وهم الذين بنوها، وفي كلام ~~بعض الباحثين أن بانيها أعقاب نمرود ملوك بابل ونواحيها ولم نر ما يؤيد هذا القول، ~~وفي الكتاب ما يعارضه بالنص الصريح، وذهب المؤرخون من اليونان والرومان وتابعهم بعض ~~المتأخرين إلى أن أول من وضع أسسها نينوس، وقد تقدم في ذلك ms28 كلام لديودورس، والله ~~أعلم. # أما موقع نينوى فالمؤرخون فيه على أقوال، أشهرها ما ذهب إليه هيرودوطس وإسترابون ~~من أنها كانت على عدوة دجلة شرقا، وهو موافق لما تقدم من رواية موسى - عليه السلام ~~- في الكلام على حد مملكة آشور وهو الصحيح، ولا يعلم من أمر مساحتها إلا ما ورد ~~في سفر يونان؛ حيث يقول ما صورته: إن نينوى مدينة كبيرة لله مسيرتها مسيرة ثلاثة ~~أيام. إلا أن في هذا الكلام إبهاما لا يخفى، فلا يدرى هل المراد بالمسيرة طول ~~المدينة كما هو المتبادر أم محيطها أم المدة التي تقطع في مطافها كما قال بكل ~~جماعة من المفسرين، ولا يخفى أن الأول فاحش جدا ولم ينقل فيما علمنا أن مدينة ~~بلغ طولها هذه المسافة، والأخير بعيد عن أن يكون هو المراد لقلة جدواه في تقدير ~~المساحة، فلعل المقصود هو الثاني، والله أعلم. # ثم إن الذي يتحقق من التاريخ أن نينوى لم تكن دارا للملك قبل الألف قبل ~~النصرانية، وكانت قبلها مدينة راسن هي أعظم مدينة في آشور كما يستفاد من سفر ~~التكوين من الموضع المشار إليه قبيل هذا، وقد خربت نينوى مرتين عن آخرها: المرة ~~الأولى سنة 788 قبل الميلاد على يد إرباش المادي وبعليزيس الكلداني، وكانت بينهما ~~محالفة فزحفا عليها بجيوشهما والمالك فيها يوم ذاك سردنابال، وكان ملكا جبانا ~~واني الهمة ضعيف الرأي منقطعا إلى مجالسة النساء وسماع الأغاني. فلما طرقه خبر ~~العدو وإيغالهم في أرضه أفاق من لهوه فحشد لهم وخرج عليهم بجموعه والتحم القتال بين ~~الفريقين، فكانت الغلبة في أول الأمر لآشور، ثم كانت الكرة للعدو فظهروا عليهم ~~ودارت في الآشوريين رحى القتل فأبادوا منهم خلقا كثيرا خلا من أسروه. فنكص ~~سردنابال على أعقابه حتى أتى المدينة فدخلها بمن معه واعتصم بها، وجد العدو على ~~أثره فحصروه بها زمنا مديدا تواترت فيه الحرب بين الفريقين، وقتل من الجيشين ~~عدد لا يحصى، وأجلت العاقبة عن قهر سردنابال، فدخل العدو البلد وأسرفوا في القتل ~~والنهب واستباحوا كل من صادفوه بحد ms29 السيف. فلما رأى سردنابال ما حل به وبقومه جمع ~~حطبا وألقى عليه أمتعته وأمواله وجواهره وأضرم فيه النار، ثم دخل هو وأولاده ~~ونساؤه في جوف اللهيب وتبعه من يتصل به من رهطه وحشمه فكان آخر العهد بهم، وانثنى ~~العدو على المدينة بالإحراق والتخريب ولم يخرجوا منها إلا وقد غادروها ~~ركاما. # وبعد مضي ما شاء الله من الزمان انتعش الآشوريون من كبوتهم تلك، ورجع إليهم ~~ملكهم واستقلالهم، وعادوا فرمموا مدينة نينوى وردوا إليها سرير الملك إلى أن قام ~~سنحاريب الذي سبق الإلماع إلى شيء من شأنه، فزادت به نينوى عزة وفخامة وتناهى حالها ~~في الجلالة، وله على بعض الآثار هناك ما معناه أني قد أعدت بناء جميع عظائم نينوى ~~دار سلطنتي ومستقر ملكي وجددت شوارعها القديمة، وما كان منها ضيقا وسعته ~~وحولت المدينة من سماجة الخراب إلى مثل بهاء الشمس. ا.ه. وكان لسنحاريب قصر في ~~وسط المدينة بناه له ولمن يخلفه على سرير آشور، وكان من أحسن أبنية نينوى بهجة ~~وزخارف وأتمها إحكاما وأوثقها متانة قد أفرغ فيه البناءون جهد صناعتهم وسقفه ~~بخشب السرو والأرز، ولما فرغ من بنائه أمر أن ينقش على أحد جدرانه ما مفاده أن هذا ~~القصر سيصبح حينا قديم العهد جدا، فيأخذ منه كرور الأحقاب ويغيره توالي العصور، ~~فأتقدم إلى من يتولى عهد هذا الملك من بعدي أن يعنى بتجديد ما يرث من بنائه ~~وتعهد ما فيه من الصور والمشاهد، وأناشده أن يطرس على جميع الكتابات القائم بها ~~تذكاري كلما طمس شيء منه أعاد رسمه. أقول طوبى لمن يأتمر بهذا وعليه رضوان آشور ~~وعشتار الإلهين العظيمين، والويل لمن نبذ هذه الوصية ظهريا وآشور ربي جل جبروته ~~ينزل به ضرباته الشديدة وسخطه العظيم ويخلعه عن ملكه ويحطم صولجانه ويسلبه سلاحه. ~~انتهى. # واستمرت نينوى على حالها تلك من علو الشأن ونفوذ السطوة إلى أن خربت المرة ~~الثانية سنة 606 قبل الميلاد وقيل سنة 625 على اختلاف سنورد تحقيقه فيما بعد، ~~وخلاصة ما كان من خبرها أنها لما امتدت شوكتها ms30 وقوي عضدها كانت الواقعة بينها وبين ~~الماديين لما بين الفريقين من الحزازات القديمة، فقهرتهم وضربت عليهم الجزية فكانوا ~~يحملونها كل سنة إلى نينوى. فكان ذلك في أنفس ملوك مادي إلى أن أفضى أمر الملك إلى ~~كياقصر، فعزم على مناهضة الآشوريين وبعث إلى نبوبولاصر ملك الكلدان يستجيش به ~~ويذكره ما بين أسلافهما من الولاء على ما سبق ذكره. فأجابه نبوبولاصر بالرجال ~~والأهبة وحشد كياقصر قومه ونزل على نينوى، فحاصرها وعلى سريرها يومئذ أساراقوس، ~~فضايقه أشد المضايقة وقويت صدمته لها فاستفتحها عنوة وأعمل فيها السيف والنار ~~وفتك في أهلها فتكا ذريعا، فكثر فيهم القتل والسبي والنهب، وانتشر الخراب في ~~المدينة أياما متوالية حتى دكت عن آخرها دكة واحدة، وعادت كأن لم يسبق بها ~~عهد، وفر من أفلت من الآشوريين فتشتتوا في الآفاق ولم يجتمعوا بعدها، وأما الملك ~~فكان من أمره أنه لما رأى العدو في المدينة أشفق من وقوعه في أيديهم والتنكيل به، ~~فقتل نفسه بسلاحه وانقرض مذ ذاك ملك آشور آخر الدهر. # هذا جملة ما انتهى إليه أهل البحث من وصف هذه المدينة العظيمة، وإن هو إلا وشل ~~من بحر أو ثمد من قطر، وقد بقي وراء تلك المشاهد الخربة والمناظر الموحشة من العظمة ~~والاقتدار والحكمة والثروة والعزة والجمال والبراعة والإتقان ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى وحده، وأغرب ما هنالك أن هذه المدينة مع كل ما بلغت إليه أوان عزها من الشهرة ~~والفخامة لم يذكرها أحد من متقدمي المؤرخين، ولم تلبث بعد خرابها أن صارت نسيا ~~منسيا حتى ذهبت عنا جميع أخبارها وأصبحت معرفة أحوالها موقوفة على توسم تلك ~~المجاهل واستنطاق صداها، وقد عاين زينوفون تلك الأراضي بعد خرابها بقرنين ولم يحك ~~شيئا من وصف ما رآه من نينوى، وكذا مؤرخو الإسكندر لم يوردوا لها ذكرا مع أنها ~~كانت قبلهم بزمن يسير من أعظم مدن العالم، وفي الجملة فإنه لم يعلم أحد نقل عنها ~~شيئا قبل القرن العاشر للميلاد، وأول من وصفها بنيامين تودالوس اليهودي، وقد قدم ~~الموصل فروى عنها ms31 وعن الآثار التي شاهدها إذ ذاك كلاما طويلا يقول في جملته: ~~والموصل التي كانت قديما تعرف بآشور الكبرى هي أعظم مدينة بفارس يسكنها سبعة ~~آلاف من اليهود أو يزيدون قليلا، وهي مدينة ذات جمال وسعة موقعها على عدوة دجلة ~~وهو الفاصل بينها وبين نينوى. قال: ونينوى هذه مدينة قديمة قد آلت إلى تمام الخراب ~~وإلى الآن آثار سورها ظاهرة وهو مناهز الدروس والامحاء، وهناك آثار عديدة ~~للآشوريين أصحابها يستدل بها على أنها كانت من العزة والحسن بمكان. ا.ه. # ويعرف موقع نينوى اليوم بقيونجك، وهو اسم تل هناك يبلغ محيطه 2563 يردا، ~~وارتفاعه 43 قدما وحواليه أخربة مبثوثة على مدى متسع يحيط بها أثر سور يبلغ طوله ~~من الغرب 2600 يرد، ومن الشرق 3500 يرد، ومن الشمال 2000 يرد، ومن الجنوب 1370 ~~يردا، وعلى طول الجهة الغربية منه أثر سورين آخرين يليان السور المذكور من داخل، ~~ولا يرى ذلك في الجهات الثلاث الأخر وهو من جملة تلك الغرائب، وأول من احتفر ~~في قيونجك رجل من الفرنسيس يقال له بوتا كان متوليا القنصلية الفرنسوية بالموصل، ~~وذلك في أواسط القرن الحالي على ما سنذكره قريبا، وجاء بعده اللورد لايرد ~~الإنكليزي، فأمعن في الحفر والبحث زمانا، وكان في جملة ما كشفه قصر سنحاريب ~~المقدم ذكره، وهو بناء كبير يعد في جملة عظائم تلك الأعصار حتى يقال إنه لم ~~يكن أعظم منه إلا ما اشتهر من أبنية بابل، وقد بلغ طول حجرة فيه مائة وثمانين ~~قدما، وكان هذا القصر مزينا بجميع ضروب الزخرفة، وفيه كثير من تماثيل الثيران ذات ~~الرءوس البشرية يبلغ طول الواحد منها نحو عشر أذرع، وهناك صور عديدة ومشاهد صيد ~~وغيره أنيقة الصنعة، وأبدع تلك الصور شكلا وأكملها صناعة صورة سنحاريب وبجانبه ~~رجال من بني إسرائيل ينكل بهم، وصورة أخرى تمثله على عرشه وهذه حملها الإنكليز إلى ~~لندرة، وبعد انصراف لايرد من هناك جاء لوفتس الفرنسوي سنة 1854، فكشف أشياء أخرى ~~أجلها قصر لسردنابال الخامس المعروف بآشور بنيبال وجد فيه تحفا كثيرة، فحمل ms32 منها ~~جانبا كبيرا بقصد إرساله إلى باريز، فسقط منه في دجلة ولم يسلم إلا أشياء قليلة ~~في جملتها صورة سردنابال المذكور صاحب القصر وقطع من الآجر عليها كتابة بالقلم ~~المسماري. # ذكر مدينة خرساباد # ومما اشتهر من مدن آشور خرساباد وكانت تسمى بصاريوكين، وهي اليوم قرية دانية ~~من كردستان وأكثر سكانها عرب وأكراد، وكانت هذه المدينة ومدن أخرى من آشور قد عفا ~~رسمها وذهب أثرها تحت الردم والأنقاض من نحو ألفي سنة، حتى قدم الموسيو بوتا المشار ~~إليه قبيل هذا، وهو أول من كشف هذه المدينة، وكان في جملة ما كشفه فيها قصر ~~لسرجون ولي عهد شلمنأصر الرابع وحواليه أبنية أخرى تعزى إليه، وهي على ستة عشر ~~كيلومترا من نينوى إلى الشمال الغربي، وفي أواسط تلك الأبنية رابية مصنوعة على نحو ~~الرابية المؤسس عليها هيكل سليمان - عليه السلام - وفي قمة الرابية سطح مربع طول ~~كل من جهاته 200 متر وعليه بنى القصر وحوط الرابية بسور لكل من جهاته 1900 ~~متر طولا، وكان للقصر باب كبير يدخل إليه من الخارج، وعلى كل من جانبي الباب ~~ثور هائل له رأس بشر وسائر الباب مزين بكثير من ضروب النقوش وعجائب الأشكال ~~والتصاوير، وبجانب الباب من الداخل سلم طويلة يرقى منها إلى سطح القصر، وهو شاهق في ~~الجو مشرف على جميع ما هنالك من الضواحي ليس في تلك الناحية كلها أحسن منها ~~مطلا ولا أبعد مدى للناظر، وقد بقي من زخارف القصر في داخله وبديع نقوشه ~~وأشكاله ما يدل على أنه كان من الجمال والإتقان بمكان لا يدانيه كثير من أبنية تلك ~~الأعصار، وآثاره إلى الآن لا تزال أكمل وأبين من جميع ما شوهد من الأبنية الآشورية، ~~ولم يبق في شيء منها ما بقي فيه من الأدوات والمناظر المشخصة كثيرا من شئون ~~أهله. # وبجانب القمة التي عليها القصر قمة أخرى أدنى منها ارتفاعا وأصغر حجما، عليها ~~بناء آخر تابع للقصر وهذا البناء ينقسم إلى قسمين، فصار جملة القصر وما يليه ثلاثة ~~أقسام: أحدها وهو القصر ms33 المذكور بلاط الملك، وبناؤه من الآجر، وفي داخله حجرات ~~فسيحة يبلغ طول الحجرة الواحدة مائة وست عشرة قدما، وكلها مزينة بالنقوش والصور ~~والآنية الذهبية والفضية والعاجية والخزفية والتروس والسيوف وكثير من الأسلحة ~~المنوعة والأدوات المصنفة والتحف الجليلة والبقايا الثمينة، وهي ست حجرات من هذا ~~النمط وعلى جدرانها صور من الإنسان والحيوان مختلفة الحركات والهيئات، فمن ملك ~~وجنود وجبابرة ومعارك وحصارات وفتوحات، ومن قاتل أسدا ومساور نمرا ومجهز على ~~عدو وذابح ذبائح وساجد للآلهة، ومن عساكر يخرجون في القتال وقتلى يقاسون النزع، ~~وغير ذلك مما يطول شرحه ولا يسعنا بسط العبارة فيه. وكثير من هذه الصور ما برحت إلى ~~اليوم على ألوانها الأولى، وذلك شاهد يؤيد صحة ما نقله ديودورس عن أكتزياس من بقاء ~~الألوان فيما شاهده في بقايا بابل على ما أسلفنا ذكره، وهناك وجد عرش الملك ~~مرصعا بالعاج وغيره من الجواهر الكريمة، والقسم الثاني وهو شطر البناء الأصغر ~~المبني على القمة الأخرى دار الحرم وفيه ثلاث حجرات فقط، إلا أنها أكمل إتقانا ~~من حجرات البلاط وأبهى زينة وأكثر أدوات وأمتعة، وقد وجد فيه سياح الإفرنج من ~~الذخائر والنفائس ما يجل عن الوصف ولا يقوم بثمن، ويصل بين هذا القسم وبلاط ~~الملك سرب تحت الأرض ينزل فيه الملك إذا أراد الإفضاء إلى دار حرمه، والقسم ~~الثالث متصل بهذا القسم مبني على الناحية الأخرى من القمة المذكورة، وهو على شكل ~~القسم المقدم، وفيه حجرة تقيم بها الحشم والخدم ومن حولها مساكن بعضها للعبيد ~~وبعضها للكراع والسائمة، وبين دار الحشم والبلاط رواق طويل وهو غاية في الإتقان ~~والزخرفة، وفيه وجد الفرنسيس النفائس التي استصحبها سرجون الملك بعد فراغه من ~~فتوحاته وكاثر بها سائر الممالك، ووجدوا هناك أيضا كثيرا من الآنية والجفان ~~والأدوات المختلفة، فحملوها إلى باريس ولا تزال هناك إلى هذا اليوم، وفيما يلي دار ~~الحرم أخربة على شكل هرم من الرفات، ذكر بعضهم أنه كان مدفنا لأحد ملوك آشور قصد ~~به محاكاة الفراعنة المصريين وتقيل أهرامهم، وذهب آخرون إلى أنه المرصد ms34 الذي ذكره ~~سرجون غير مرة، وقد تبينوا بعد البحث أنه كان مبنيا من سبع طباق تعلو بعضها بعضا ~~في العنان، كل واحدة منها أصغر من التي تحتها حتى ينتهى إلى السابعة وهي أصغرها، ~~وقالوا إنه كان لكل طبقة لون يخالف ألوان البقية، وكل لون لإله من الكواكب، وكانت ~~أول طبقة لزحل، والثانية للزهرة، والثالثة للمشتري، والرابعة لعطارد، والخامسة ~~للمريخ، والسادسة للقمر، والسابعة للشمس، ولجميع هذه الطباق قياس واحد في الارتفاع ~~وإن كانت تتفاوت اتساعا على ما قدمناه، وكان هذا البرج أشبه ببرج بورسيبا الذي ~~ذكره هيرودوطس على ما أسلفناه هناك. قالوا وكان المرصد في أعلى تلك الطباق، فيكون ~~له طبقة ثامنة، وكان الآشوريون يرقبون منه حركات الكواكب لمعرفة السعد والنحس، وغير ~~ذلك على ما كان من اعتقاد المتقدمين. # ذكر مدن أخرى بآشور # ومن شهير أخربة آشور الموضع المعروف بنمرود، وهو كالح القديمة على ثلاثة ~~كيلومترات من عدوة دجلة الشرقية، وبينه وبين خرساباد ما ينيف على أربعين كيلومترا، ~~ويليه بسيط من الأرض ينتهي إلى الموصل ومسافته نحو تسعة كيلومترات، وليس في هذا ~~الموضع اليوم إلا أنقاض قد تراكمت أمثال الجبال وبينها بقايا قد شخصت رءوسها في ~~الجو يظنها أرباب البحث مراصد كانت لهم يرقبون منها النجم على نحو ما تقدم قريبا، ~~وفيما أورده بعض المؤرخين أن نمرود هذه كانت دارا لطائفة من الملوك في غابر الدهر، ~~وكانت ذات عز ومنعة وآثار ذلك فيها إلى الآن، وقد وجد بين أخربتها اسم نبوزكبيوكين ~~وابنه مرودخ موبازا، وهما فيما قاله بعضهم من ملوك الآشوريين، وقال آخرون: إنهما من ~~الملوك الذين مردوا على آشور وخلعوا طاعتهم، وأي كان من القولين فهما قديما العهد ~~جدا. # وأول من احتفر في نمرود اللورد لايرد الذي تقدم ذكره، فاستبان آثار قصور جمة ~~محكمة الصنعة مزينة بالنقوش وعجائب الأشكال وصور الملوك والآلهة، واحد منها يعزى ~~إلى سردنابال الثالث المعروف بآشور نزربال، وكان في خلال القرن العاشر قبل الميلاد ~~وآخر ينسب إلى آشور بانيبال بن أسرحدون الذي قام بالملك بعده وكان ms35 في منتصف ~~القرن السابع، وهما قصران ضخمان يروعان الناظر عظمة وإتقانا، والثاني منهما أوسع ~~بنية وأتم رونقا في نظر المتأمل، وكلاهما مشحونان بصور الناس على اختلاف حركاتهم ~~وملابسهم ومشاهد الصيد والمعارك، وصور الآلهة والملوك وتماثيل الحيوان ما بين ~~أسود وذئاب وأنمار وبنات آوى وأبعرة وثيران وشياه إلى غير ذلك مما يطول وصفه، وفي ~~قصر آشور بانيبال منها وجد الإفرنج مكتبة جامعها آشور بانيبال صاحب القصر فاحتملوها ~~إلى أوروبا، وفيها كثير من بيان تاريخ هذا الملك وأعماله على ما هو معلوم من دأب ~~أولئك الملوك أن يدونوا حوادث عهدهم في سجل مخصوص يكون في بلاط الملك تتسلسل فيه ~~مآثرهم وأخبارهم فتبقى على غابر الدهر، وأما القصر فلو لم يظهر من آثار نمرود غيره ~~لكفى معجزة يقف عندها المتأخرون موقف الحائر لما هو عليه من إحكام البناء وجمال ~~الصنعة، وما برح كل من رآه يدهش لغريب هندسته وما فيها من الدقة والتناسب البديع، ~~وهو الشاهد على أن الآشوريين كانوا في ذلك العهد قد بلغوا قمة نجاحهم وتوسطوا باحة ~~علومهم وصنائعهم، وفي هذا القصر غرفة يبلغ مداها 140 قدما يتبين من الأدلة أنها ~~كانت مخصوصة لملاعب النساء والدعوات الحافلة. أما الأصنام والصور التي وجدت في ~~نمرود فشيء كثير جدا منها كبيرة ومنها صغيرة ومعظمها متقن الصنع، ومنها أكثر ~~التماثيل التي في أوروبا على ما شهد به الاستقراء، ومن ذلك تمثال لآشور نزربال ~~المذكور واقفا في طول متر، وقد أخذ بإحدى يديه منجلا وبالأخرى عصا، وفي صدره ~~كتابة تبين عن أمره وسنوردها في الكلام عليه، وتمثالان كبيران لنبو عملهما بعلوخوس ~~الثالث وعليهما اسم سموراميت زوجته المعروفة بسميراميس، وهما الأثران الوحيدان ~~الموسومان باسمها، وفي نمرود أيضا مسلة صغيرة نصبها شلمنأصر الثالث ابن آشور ~~نزربال ونقش عليها صورته وصورا أخر من الناس والحيوان، وذكر فيها بعض فتوحاته ~~على ما سيجيء ذكره، وهي مربعة الشكل مخروطة ذات قاعدة عريضة وأعلاها ينتهي إلى ~~نقطة. # ومن مدائن آشور غوغاملة وصفها إسترابون في كتابه، فعدها من أشهر الأمصار الآشورية ~~قال: ms36 وفيها كانت الواقعة المشهورة بين دارا والإسكندر، وكانت العاقبة للإسكندر وبها ~~انقضت دولة الفرس الأولى، فلم تعد آخر الدهر. قال: ومعنى غوغاملة مناخ البعير سماها ~~بذلك داريوس بن هستاسب حين قفل من بلاد التتار، وكان قد قصدها غازيا فتوغل فيها ~~وأثخن في أهلها وافتتح الأمصار وخرب المعاقل وانتسف الحصون وعاد بالغنائم والسبي ~~ومعه الأبعرة تحمل المتاع. فلما تطاول به السير ماتت الأبعرة في الطريق، وكان آخر ~~هالك منها في بطائح غوغاملة، فسماها بهذا الاسم، فبقي ذكرا لغزوته تلك على الأبد. ~~انتهى بتصرف. # ومن مدائنها موغا ملكة وإربلة، وكانت الأولى مدينة حصينة ذات سور متين وفيها ~~الأبنية الرائعة والهياكل الشامخة، وأعظمها هيكل كان مبنيا على قارة واحدة ~~يعدونه من عظائم البنيان، وخربت هذه المدينة في سنة 364 قبل المسيح، قصدها يوليانوس ~~الروماني فحاصرها في جيش كثير، وكانت الحرب في أول الأمر سجالا، ثم اشتد عليه ~~أهلها فأهلكوا من جيشه خلقا كثيرا ومالوا عليه ميلة شديدة حتى كادت العاقبة تكون ~~عليه، وفي تضاعيف ذلك وفدت عليه الوفود من أصحابه في نجدة وعدة، فشدد الحصر على ~~المدينة حتى نهك أهلها واستحوذ عليها عنوة وحاز منها الغنائم، وما برح عنها حتى ~~غادرها قاعا صفصفا، وأما إربلة فكانت من المدن الكبيرة، وكان إبان شهرتها ومبلغ ~~عمرانها في عهد الفرس الأولى وتنسب إليها الواقعة التي جرت في غوغاملة سنة 331 ~~بين دارا والإسكندر على ما مر ذكره فيقال لها واقعة إربلة، وهذه المدينة تنقسم ~~اليوم إلى قسمين متميزين، أحدهما إربلة القديمة وهي مبنية على رابية هناك وعليها ~~سور قد ذهبت به الغارات والأيام ولم يبق منه لهذا العهد إلا آثار، والآخر إربلة ~~الحديثة وهي مبنية في السهل عند سفح الرابية يسكنها قوم من الأكراد ينتهون في قول ~~بعضهم إلى الكلدان وهم زهاء ألفي نفس، وقد ذهب عنا معرفة ما كانت عليه هذه المدينة ~~في عهدها الأول ولم يبق في آثارها ما يسفر عن أمرها، بيد أن الناظر إلى ما بقي ~~منها في الجملة يتبين أنها كانت ms37 من المواضع الحصينة ذات الثروة والعمران، وبها ~~اليوم منارة ذاهبة في السماء بانيها فيما يقال واحد من خلفاء الإسلام. # وعلى بعد خمسة وعشرين ميلا من جنوبي أخربة خرساباد أخربة كالح شرعات، وهي غير ~~كالح المقدم ذكرها المعروفة اليوم بنمرود، وهذه الأخربة على شكل أخربة نمرود ~~وخرساباد، وبها تل من الأنقاض محيطه 4685 يردا إنكليزيا وحوله بقايا سور محكم ~~الوضع قد بني من حصى النهر، وهناك وجد الإفرنج تمثالا لشلمنأصر الثالث أحد ملوك ~~آشور وكثيرا من المدافن المصنوعة من الرخام، وفيها كثير من العظام بينها حلى من ~~المعدن، وهذه المدينة هي المعروفة باسم أيلاصر، وكانت مباءة لملوك آشور دهرا وفيها ~~بنى إسمي داجون الهيكل المشهور لأوانس، ولا يزال فيها إلى اليوم تمثال لملك من ~~آشور قديم العهد، إلا أنه ناقص لا رأس له ولا عنق وعليه لباس ضاف من كتفيه إلى ~~الأرض وتحته قاعدة عليها اسمه واسم آبائه. # وإلى شرقي بغداد على أربعة أميال منها وستة أميال من نهر الفرات على ميمنة الترعة ~~السقلاوية أخربة قديمة العهد مبنية بالآجر على شكل هرم، يسميها الناس ببرج نمرود ~~وبعضهم ببرج بابل، وهي غير البرجين المقدم ذكرهما، وكان اسمها الأول أكركوف على ما ~~أثبته نيبوهر السائح الدنمركي، وآجرها مربع يبلغ ثخن الواحدة منه ثلاث أصابع ~~وطولها ثلاث عشرة أصبعا في عرض مثلها، وهي مرصوصة بالسياع، وبين كل سبعة سيفان من ~~الآجر عرق من الخيزران أو الأباء ليمسك البناء أن يتصدع على ممر الأزمان، وفي ~~أعالي هذه الأخربة ثقوب كثيرة تمتد امتدادا أفقيا، وبعضها تذهب عموديا، ولها ~~ما يشبه أن يكون بابا، ولكنه عال جدا لا يبلغ إليه إلا بعد عناء وجهد عنيف ~~لصعوبة المرتقى وتضارس البناء، وطول هذا الموضع يبلغ 158 قدما إنكليزيا وعرضه ~~111 قدما وارتفاعه 129 قدما. # وهذا الارتفاع في رأي بعض الباحثين هو ارتفاعه الأول لم يطرأ عليه نقص بدليل ~~التراب المتلبد في أعلى البرج حتى صار في صلابة الحجر، ومنذ قرون قريبة سول ~~الغرور لقوم من العرب أن يهدموا هذا ms38 البرج، لظنهم أن هناك كنوزا وأن الموضع إنما ~~كان مدفنا للملوك، فشرعوا في أسباب الهدم وقوضوا صفحين من البرج حتى انبث ~~الآجر في جميع تلك الناحية، وكان منتهى عملهم الفشل والرجوع بالخيبة بعد أن وهت ~~عزائمهم وأيقنوا بكذب آمالهم، فلم يكن لجهدهم من معنى سوى أنهم شوهوا هذا الأثر ~~الجليل وتركوه ينادي بجهلهم وعجزهم، وقد عني السياح المتأخرون بالبحث والتنقيب في ~~آثار هذا البرج غاية ما استطاعوا لعلهم يجدون فيه شيئا من الكتابة الآشورية، فلم ~~يروا من ذلك شيئا، ولعل هذا هو السبب الذي حمل بعضهم على نسبة بنائه إلى أحد خلفاء ~~بني العباس على ما أشرنا إليه قبيل هذا لقرب موقعه من دار ملكهم، وهناك مذاهب أخرى ~~لهم لا يتأتى الترجيح بينها لرجوعها إلى الرجم بالغيب وعدم استنادها إلى دليل ~~بين. فمن قائل إنه هو برج بابل المشهور وليس بشيء لأن ذاك يلي دجلة وهذا يلي ~~الفرات، وقالت جماعة إنه كان مدفنا لأحد ملوك آشور، وفي بعض الروايات أن الآشوريين ~~كانوا قد بنوه مرقبا لربيئتهم، وكان أعلى مما هو عليه الآن ليمكن مد البصر منه ~~إلى مدى بعيد، وقال آخرون إنه كان مرصدا لهم يرصدون منه النجوم، وذهب جمهور أهل ~~الجغرافية إلى أن موقعه هو موقع مدينة أكد التي مر الكلام عليها، وخالفهم قوم ~~فقالوا هو موقع مدينة سيتاكي، وذهب غيرهم إلى غير ما ذكر، وعلم الله وراء ما نعلم ~~وهو بكل شيء محيط. # | القسم التاريخي # | الكلام على سكان بابل الأولين # قد أشرنا فيما سلف إلى ما وقع من الوهم والشطط في تاريخ البابليين والآشوريين وما كان ~~من مبادئ أمرهم، وأن معظم ما دب في تاريخهم من فساد الروايات وتعارض الأنباء إنما نشأ ~~من قبل كتاب الفرس، وعنهم نقل اليونان ما نقلوه من الأخبار المدخولة والأقاصيص ~~الموضوعة. # وكانت بابل فيما تقدم من تاريخها مجمعا لأمم من الناس وأجيال شتى قد تباينت أصلا ~~وعادات، وكان الملك يخاطبهم بقوله: أيها الشعوب والأمم والألسنة، على ما هو وارد في ~~سفر دانيال عليه ms39 السلام (ص3) وكان لكل من أولئك الأجيال سير وأحاديث يروونها فيما ~~بينهم ويتناقلونها خلف عن سلف بعضها له أصل كالنواة من الشجرة، وبعضها مختلق رأسا، ~~وشاعت هذه الحكايات بينهم حتى تأصلت في أذهانهم، ومرور الأيام يلقي عليها ظل الصدق ~~ورونق الصحة، حتى اعتقدوها من الأمور الواقعة ودونها مؤرخو الفرس في مصنفاتهم على ما ~~قدمناه، وأثبتوها فيما أثبتوه من وقائع تاريخهم، فالتبس صحيحه بفاسده وكثرت فيه ~~الخرافات والأساطير وذهب فيه الخلل كل مذهب. ذلك مع شدة إمعان أولئك الأقوام في القدم ~~وكثرة ما لهم من الدول والانقلابات والوقائع والأخبار المختلفة والأحوال المتشعبة، مما ~~أفضى إلى اضطراب في تاريخهم وارتباك لا مزيد عليه، وألجأ أهل البحث إلى معالجة الحرف ~~المسماري ومزاولة قراءته، حتى وفقوا إلى حله فوجدوا كثيرا من تلك الحقائق مسطرا ~~على الآثار من الحجارة والآجر وغيره، وحينئذ انجلى لهم كثير من تلك الغوامض على ما ~~أسلفنا ذكره، ومع ذلك فإن هذا الفوز العظيم والفتح الجليل لم يكن وافيا بما كان يتوقع ~~وراءه من النتائج الكبيرة، فإنهم استوضحوا به أشياء، وبقي من دون ما استوضحوه مشاكل جمة ~~ومعميات شتى لم يهتدوا إلى جلائها وكشفها، ولا وجدوا ثم ما يسفر عن أولية أولئك ~~الأقوام وأصل نشأتهم، مما لا يزال مستورا تحت ظل الإبهام مكتوما في صدور ~~الأيام. # وقد تقدم أن بيروسوس الكلداني في عهد الإسكندر كان قد دون تاريخا للكلدان، أبان ~~فيه عن شئونهم وتاريخ ملوكهم وما لهم من الوقائع والآثار أخذه عن ألواح السجلات التي ~~كانت في هيكل بعلوس، وقد ذهب هذا السفر الثمين في جملة ما ذهبت به الأيام فلم يبق له ~~عين ولا أثر، بيد أنه يستفاد مما تناقله عنه المؤرخون أنه ابتدأه من ذكر الخليقة وما ~~طرأ وراء ذلك من الأخبار، وأنه عدد عشرة من الملوك تداولوا زمام السلطنة من لدن الخلق ~~إلى الطوفان وكانت مدة ملكهم جميعا 43200 سنة، ولا يغرب أن يكون هؤلاء العشرة هم ~~الآباء العشرة المذكورون غير مرة في الكتاب من آدم إلى نوح، ms40 كان بيروسوس وجماع ~~الكلدان يعتبرونهم من ملوكهم وسموهم بأسمائهم المدونة في السجلات المذكورة، وسيرد مزيد ~~تفصيل لذلك في الكلام على عقائد البابليين. # ثم إن عامة المحققين من أصحاب التاريخ على أنه لا يصح خبر من أخبار الأمم الأولى إلا ~~بعد أن تمثلت تلك الأمم ممالك وتحيزت شعوبا وقبائل، وما قبل ذلك من أحوالهم ~~وشئونهم فمما لم يبق إلى معرفته سبيل، وأول مملكة ظهرت في العالم وذكرت في مصاحف ~~التاريخ مملكة نمرود التي ورد الإيماء إليها في الفصل العاشر من سفر الخليقة، ولم تكن ~~إذ ذاك إلا أربع مدن وهي بابل وأرك وأكد وكلنة، وقد سلف الكلام على هذه المدن في محله، ~~ونمرود هذا هو ابن كوش بن حام بن نوح - عليه السلام - وكان رجلا جبارا مولعا بالصيد ~~كما يصفه في الموضع المشار إليه، وفي أحاديث اليهود أنه كان ملكا عاتيا على الله ~~تعالى، وأنه هو الذي بنى برج اللغات المعروف ببرج بابل، والعرب تقول إنه ألقى إبراهيم ~~الخليل في أتون النار في خبر ليس هذا موضعه، وهو عندهم مضرب مثل في الظلم يقولون أظلم ~~من نمرود، وينسب إلى نمرود أشياء كثيرة تضاف إلى اسمه منها مدينة نمرود وبرج نمرود ~~وأخربة نمرود، وقد مر ذكرها، ومنها أصنام هائلة نقلها الإفرنج إلى بلادهم تعرف بأصنام ~~نمرود إلى غير ذلك. # وفي روايات المتقدمين أنه بعد وفاة نمرود خلفه على المملكة ابن له يقال له أويخوس، ~~وكان أول من نصب صنما وعبده وسن عبادته في رعيته، وكانت وفاته في أواخر القرن السابع ~~والعشرين قبل الميلاد، وقام بعده ملك يسمى خوماس فتأله في قومه وعبدوه واستمرت ~~عبادته فيهم بعد موته، ولما هلك تولى بعده بوراو بونغ، واسمه فيما ذكروا محرف عن بعل ~~بيور وهو أحد آلهة الكلدان. ثم عقبه في الملك نيخوبيس وعقب نيخوبيس أبيوس ثم أنيبال ثم ~~خنزيروس وفي عهده دخلت العرب بابل. انتهى باختصار، وهي أخبار لا يعتمد عليها في راجح ~~الرأي وفي الآثار ما يعارضها وينقضها؛ ولذلك قد أجمع أرباب البحث على ms41 أن كل خبر روي عن ~~بابل قبل أورخامس غير حري بالوثوق ولا بارز عن ظل الشبهة؛ لأنهم بعد استغراق ما ~~أوصلهم إليه البحث من كتابات الآثار وجدوا أن أقدم ما سطر عليها لم يتخط عهد ~~أورخامس المذكور، ونحن نبدأ هنا بذكر تاريخه، ثم نتطرق إلى ذكر من اشتهر بعده على ~~التوالي، وما بين ذلك من الحوادث الخطيرة والوقائع المشهورة، فنقول: # كان أورخامس من الملوك النمروديين من ولد نمرود المقدم ذكره، وأورخامس - أو أورشامش ~~- لفظة كلدانية معناها نور الشمس، وقد ثبت بعد البحث والنظر في الآثار أنه السابع من ~~هذه الدولة، وهو أول من نقش اسمه على حجر ابتغاء الفخر وبقاء الذكر على الأبد، ويستفاد ~~من بقايا مدينة أور أنه هو الذي بنى سورها وشيد فيها الهرم العظيم الذي ذهب بعض الناس ~~إلى أنه برج البلبلة على ما أسلفنا الكلام عليه، وفيما قرره بعض الباحثين أن أورخامس ~~هو أول من اتخذ أور دارا للملك، وليس بثبت عند المحققين، ولكن لا خلاف في كونه هو أول ~~من جعل لها شأنا وفخامة وساق إليها من الثروة والعمارة ما فاقت به أشهر المدن في ذلك ~~العهد، وحصنها بالسور على ما قدمناه وزينها بكثير من المباني الضخمة والهياكل ~~الأنيقة، وفي جملتها قصر اختصه لسكناه لا تزال جدرانه ماثلة لهذا اليوم، وعلى أحدها ~~صورة تشخصه ليس من ذلك العهد صورة أبدع منها صنعا، وهناك كتابات تشهد بأنه هو باني ~~القصر وفيها بيان كثير من شهير أعماله، ولأورخامس في غير أور أبنية أخرى تعزى إليه ~~منها هيكل لمعبود النار في لارسان، وآخر مثله في صفيرة وهيكلان في نيبور أحدهما لإله ~~الأفلاك، والآخر لتاءوث أم الآلهة، وهي أشهر ما وجدوه من الأبنية موسوما باسمه، وكل ~~هذه المباني على ما كانت عليه من الضخامة والعظم لم يأت عليها إلا قرون قلائل حتى ~~رثت قواعدها وتمزق قائمها خلافا، لما كانت تتوهم عليه في بادئ الرأي من الصلابة ~~والقوة بالقياس إلى ما يعهد من أبنية ذلك العصر ومصنوعاته؛ فإن هيكل لارسان ms42 منها كان في ~~عهد بورنبورياس أحد أعقاب كدرلاعومر قد اندكت أركانه وتداعت جدرانه، فجدد هو بناءه ~~على رسمه الأول ورد إليه قديم رونقه، كما يستفاد من كتابة له عليه وبين برنبورياس ~~وأورخامس مدة لا تزيد على ستة قرون. # ولما انقضى عهد أورخامس قام بالملك بعده ابنه أيلغي وله ذكر في بعض الآثار يفيد أنه ~~أتم بناء هيكل بأور كان قد شرع في بنائه أبوه أورخامس، وبعد أيلغي ملك ساغركتياس ~~وكان سريره بصفيرة، ومن أبنيته فيها الهيكل الذي تقدم الكلام عليه عند ذكر هذه المدينة، ~~وقد قدمنا هناك أنهم وجدوا في جملة ما كان في هذا الهيكل آنية من المرمر عليها اسم ~~نارام سين أحد أعقاب ساغركتياس المذكور، وأوردنا الدليل على أن ساغركتياس هذا كان من ~~خلفاء أورخامس الوارثين الملك عنه إرث الولي، ونقول هنا إنه لا يستبعد أن تكون أكثر ~~الآثار التي وجدت موسومة بالأسماء المقرونة بسين كأيرسوسين وريم سين وسين هابال، إنما ~~كانت في هذا الموضع وما يجاوره، وأن أصحابها كانوا من ولد كوش من خلفاء أورخامس ~~وساغركتياس، بدليل أن عبادة سين كانت في بني كوش أعرق وأقدم، وهم الذين بثوها في أمم ~~ذلك العهد؛ لأنهم كانوا كلما افتتحوا إقليما وتغلبوا على شعب تركوا فيهم عصابة منهم ~~تؤيد أمرهم وتبث ما لهم من عادات وعبادات، فيبقى فيهم أثر ذلك الفتح على الأبد، ~~وهذا معلوم من شأن المتقدمين من الآشوريين والمصريين وغيرهم. # وأول مرة افتتحت بابل في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد على يد أزدرخت المادي ~~استفتحها عنوة بعد حصار عنيف، ولما دخلها فتك في أهلها فتكا ذريعا ومثل بهم ~~تمثيلا شنيعا وركب فيهم من العسف والجور ما لم يسعهم معه الصبر، فلجئوا إلى مهاجرة ~~البلاد فرارا بأنفسهم وخرجوا هائمين على وجوههم، وكان من حديثهم بعد ذلك أنهم تألبوا ~~يدا واحدة وجعلوا دأبهم العيث في الأرض، لا يدخلون قرية إلا وطئوها واستباحوا أهلها ~~وأرزاقها، حتى بلغ معظم سوادهم إلى الديار الشامية، فأنزلوا بها البلاء وفشا فيها القتل ~~والنهب والسبي زمانا. ms43 ثم زحفوا إلى مصر وقد كثف لفيفهم بمن انضم إليهم من نواحي ~~الشام من أسارى وغيرهم، ونفروا في عرض البلاد وشأنهم ما ذكر حتى انبث شرهم وتفاقم ~~أمرهم. فأجفل لهم المصريون إجفالا شديدا وتأهبوا لقتالهم، فكانت بين الفريقين وقائع ~~عديدة تواترت أزمانا، وكثرت فيها الدماء من الجانبين حتى عجز المصريون عن كشفهم وأجلت ~~عاقبة الأمر عن استيلائهم على معظم بلاد مصر قهرا، ولما استقرت قدمهم هناك ثقلت وطأتهم ~~على البلاد وتمادوا في الظلم والفساد، وبقي ذلك أمرهم مدة خمسمائة سنة أو تزيد إلى أن ~~كان عهد توثمس المصري، فعمد فيهم إلى الحيلة وعمل على تفريق كلمتهم، فقسمهم أحزابا ~~ثم جعل يواقع كل فئة على حدتها حتى بدد شملهم وفرق سوادهم وأجلاهم عن أرض مصر. ~~ا.ه. # ولفتح أزدرخت المذكور شهرة عظيمة بين المؤرخين، وهو النكتة المعتبرة في تاريخ ~~الكلدان؛ فإن كل حادثة ذكرت في مصنفاتهم عقيب هذا الفتح وجدت طباق ما هو مسطر ~~في تواريخ غيرهم من أمم ذلك العهد خلاف دأبهم من قبل ذلك، فإنهم كانوا يجازفون في تقرير ~~الوقائع ما شاءوا حتى كانوا يزيدون على سني ملوكهم قبل الطوفان زيادات فاحشة على ما مرت ~~بك مثله، بحيث لو جعلت كل سنة من تلك السنين يوما لبقيت أعظم من أن يحتملها ~~التصديق. # وفي القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد دخلت بابل في حوزة العيلاميين، واستقر على ~~سريرها منهم اثنا عشر ملكا، وكانت مدتهم جميعا خمسين سنة أو دونها، ومن هنا يرجح في ~~الظن أنهم كانوا بعد استيلائهم على تلك البلاد قد اقتسموها بينهم دفعا للمشاحات، ~~فكان يملك منهم أكثر من ملك في آن واحد، ولعل فيما ورد في الفصل الرابع عشر من سفر ~~الخلائق ما يستأنس منه بصحة هذا الرأي، فإنه يذكر هناك عدة ملوك كانوا في ذلك العهد ~~متملكين على البلاد الكلدانية، وفي جملة أولئك الملوك كدرلاعومر وأريوك، وفي الآثار ما ~~يستبان منه أن كليهما كانا من الملوك العيلاميين الذين ملكوا في تلك البلاد. # ثم إنه يتخلص من آراء أهل ms44 البحث أن هذه الطائفة هي التي وضعت الحرف المعروف ~~بالأناري الذي كان عليه مصطلح الكلدان قبل الحرف المسماري؛ لأن هذا لم يكن معروفا قبل ~~القرن العاشر قبل الميلاد على ما سنبينه بعد، وكان أشهر هؤلاء الملوك كدرلاعومر إلا ~~أنه لم يذكر له على الآثار من عظائم الأعمال ما ذكر لغيره من الملوك ممن لا يضاهيه ~~شوكة وإقداما، ولا يدانيه في كثرة الغزوات وتوسيع الفتوحات على ما هو مبين في الموضع ~~المشار إليه من سفر الخلائق، وملخص ما جاء هناك أن خمسة من ملوك ذلك العهد، وهم ملك ~~سدوم وعمورة وملك أدمة وملك صبوئيم وملك بالع، كانوا تحت إمرة كدرلاعومر ملك عيلام، ~~ودانوا له مدة اثنتي عشرة سنة ثم عصوه وامتنعوا من طاعته، فزحف كدرلاعومر لقتالهم ومعه ~~ثلاثة ملوك آخرين وهم ملك شنعار وملك ألاسار ملك الأمم، فواقعوهم في غور السديم فانهزم ~~ملكا سدوم وعمورة وتشتت من يليهم من أوليائهم وعاد كدرلاعومر وأصحابه بالغنائم ~~والسبايا، ولكدرلاعومر وقائع غير هذه مع الرفائيين والزوزيين والأيميين والحوريين ~~والعمالقة والأموريين غزا أولئك كلهم في بلادهم، وظهر عليهم، وتتمة تفصيل ذلك في ~~موضعه. # أما الزمن الذي ملك فيه كدرلاعومر فلا سبيل إلى معرفته على التعيين، ولكن لا شك أنه ~~كان في القرن العشرين قبل الميلاد، وهو القرن الذي كان فيه إبراهيم الخليل - عليه ~~السلام - لأن كدرلاعومر حين كسر ملكي سدوم وعمورة ومن معهما كان في جملة من أسره لوط ~~ابن أخي إبراهيم وكان نازلا بسدوم، فلما بلغ ذلك إبراهيم نهض في ثلاثمائة رجل من حشمه ~~واستنقذ لوطا ومن معه من يد كدرلاعومر، وأما كون ذلك القرن هو القرن العشرين، فمقرر ~~بشهادة الآثار لأن أهل التوقيت في تلك العصور كانوا يؤرخون من إحدى غزوات كدرلاعومر، ~~كما ورد على بعض الآثار لآشور بانيبال ما معناه: إني استفتحت سوزا ودمرتها في القرن ~~الثالث عشر لغزوة كدرلاعومر. ا.ه. وكان آشور بانيبال في القرن السابع قبل الميلاد؛ ~~ولذلك شواهد أخرى لا نطيل باستيفائها. # وفي أواخر القرن العشرين أخذت دولة العيلاميين في ms45 الانحطاط إثر الوقائع المتواترة ~~بينهم وبين الكلدان وتوالي الاجتياحات عليهم، حتى تقلص ظل سطوتهم ووهت أيديهم عن ضبط ~~أزمة المملكة، وحينئذ استتب الملك للكلدان فنهضوا بأعباء الدولة أتم نهوض ~~وجددوا ما طمس لهم من آثار العزة والصولة، واستقرت أيامهم أربعمائة وثماني وخمسين سنة ~~وملك منهم تسعة وخمسون ملكا. فانبسطوا أثناء ذلك في البلاد وامتدت شوكتهم في الآفاق ~~وقهروا كل من ناوأهم من الأمم حتى دوخوا تلك الأقاليم بأسرها، ومن ثم اشتهرت دولتهم ~~وغلبت أشعتها على كل دولة كانت قبلها في تلك الأنحاء، فلم يعرف إلا الدولة ~~الكلدانية. # وأول من يعرف من هذه الدولة إسمي داجون ومعنى اسمه داجون يستجيب وهو اسم إله ~~سيذكر. كان إسمي داجون من أشد ملوك الكلدان بأسا وأمضاهم صريمة وأكثرهم غزوات ووقائع، ~~وكانت في يده مقاليد السياسة والدين معا، وانتشبت بينه وبين الآشوريين معارك شديدة ~~كانت العاقبة فيها له، فأخضعهم لسطوته وفرق الأحزاب وقمع كل من عانده، حتى دانت له ~~جميع الأمصار الآشورية والكلدانية كما دانت لبختنصر من بعده، وكان مقامه تارة بأور ~~عاصمة بابل وتارة بإيلأسر عاصمة آشور، ومن أبنيته فيها هيكل لأوانس كشفته الفرنج ~~من عهد غير بعيد، وفي أيامه بلغت رعيته أعظم مبلغ من الثروة والنعيم وتناهى حالها في ~~المعارف والفنون، وكثرت عنده أسباب القوة والمنعة وامتدت شوكته إلى أبعد الأقطار، حتى ~~إن مانيثون المصري المؤرخ يقول في جملة كلام له ما صورته: وتخوف نوبتي ملك مصر من بأس ~~يفاجئه من نواحي الفرات فيدهم ثغره، فجد في التحصين واتخذ لنفسه الأهبة وشحن الحصون ~~بالرجال. ا.ه. ونوبتي أحد ملوك الرعاة وكان معاصرا لإسمي داجون، وأما زمن تملكه فقد ~~توصل الباحثون إلى معرفته من كتابة وجدوها لتغلث فلأسر الأول ذكر فيها عن نفسه أنه ~~جدد بناء هيكل أوانس المذكور في السنة الأولى بعد السبعمائة من بنائه الأول، وكان ~~تغلث فلأسر في خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فيكون عهد إسمي داجون في خلال القرن ~~التاسع عشر. # وتوفي إسمي داجون عن ولدين ملكا من بعده يسمى ms46 الواحد كنعون والآخر شمسي، ~~غير أنه لا يعلم أيهما كان الأسبق في الملك، وليس لهما من الآثار ما هو حقيق بالذكر، ~~وممن اشتهر من أعقابهما همورابي، وهو أول من تروى أخباره عن يقين أخذا عن كتاباته ~~على الآثار، وكان معظم همه موجها إلى تشييد المباني واتخاذ الهياكل والقصور، وقد وجد ~~الباحثون من أبنيته آجرا ضخما يقول على واحدة منه ما ترجمته أن ميليتا الزارية ربة ~~الماء والأرض والهواء والنار وإلاهة الفلك هي سيدتي. أنا همورابي صفي آنو وبعل إيل ~~وولي الشمس الراعي الأمين الذي انشرح به صدر مرودخ الجبار. أنا خليل الإلاهة ~~ميليتا الملك القدير ملك بابل وملك السوميريين والآكديين المتسلط على الأمم كافة. ~~ليكتب أن الآلهة قد ائتمروا وملكوني على هذه الأمم، وقد فعلت كل ما أحبت ميليتا ~~التي خولتني الملك، وسننت على الناس عبادتها كما شاءت، وشيدت لها هيكلا في زاري ~~المدينة المخصوصة بعبادة آكاني، وجعلت هذا الهيكل مقدسا ومعبدا لكل أقطار المعمورة ~~وهو ملاك مملكتي. ا.ه. # وكان مقام همورابي بأور عاصمة المملكة ثم تحول منها إلى بابل، وفيها كان معظم ~~أبنيته، وله في غيرها مبان أخر اشتهرت بفخامتها وحسن رونقها، وهو الذي حفر ببابل ~~الترعة العظيمة التي كان له بها جليل الفخر وحميد الذكر، وقد وفق أهل البحث إلى ~~وجدان آجرة من جدران الترعة قد نقش فيها: أنا همورابي القدير ملك البابليين الضابط ~~لأزمة الأقطار الأربعة - يعني بابل وأرك وآكد وكلنة - القاهر كل مناوئ لمرودخ إلهي ~~ونصيري. إن الإلهين بينا وبعل إيل قد قلداني الملك على أمتي سومير وآكد وأفعما ~~يدي بجزى هذه الطوائف، وقد كريت نهر همورابي الذي هو سعادة البابليين وبلغت به إلى ~~أرض السوميريين والآكديين، فأمرعت به الفلوات القحلة وكل بقعة لا ماء بها أفضت عليها ~~معينا عدا، وأجريت للسوميريين والآكديين مناهل لا تنقطع، فجعلت لهم في المدائن ~~والدساكر قرارا خصيبا، وأنشأت لهم من البلقع الغامر مروجا رائعة وخمائل يانعة ~~وناديتهم أقيموا في الرغد والخصب، فهذه أرضكم أرض ريع وهناء. أنا همورابي الملك الهمام ms47 ~~خليل الإله الأكبر، إني وفاقا لما أوعز به إلي مرودخ الإله القدير قد شيدت عند ~~منفجر نهر همورابي أطما شامخ الرأس وشحنته بالبروج العظيمة التي هي أمثال الجبال ~~الشواهق، وسميت هذه الأطم دور أموبانير - أي أطم أموبانير - باسم الأب الذي ~~نزلت من صلبه، وجعلت هذه الأمصار مباءة لي تخليدا لذكر أموبانيرابي. ا.ه. # ولما انقضى عهد همورابي تداول سريره ملوك كثيرون قد اشتبهت أسماؤهم وتداخلت أنباؤهم، ~~فتعذر تخليص بعضها من بعض، ولذلك أضربنا عن تتبع أخبارهم لقلة جدواها وعدم مصيرها إلى ~~حقيقة قاطعة، وفي عهد أولئك الملوك أخذت دولة الكلدان في الانحطاط والانحلال وزحفت ~~عليهم الجيوش المصرية، فكانت بين الفريقين وقائع متواترة نحو قرن من الدهر، وذلك من سنة ~~1665 قبل الميلاد إلى سنة 1559، وكان المصريون في هذه البرهة كلها منبثين في مملكة ~~الكلدان لا تخلو من شراذم منهم يسطون في البلاد ويعيثون في أهلها، إلى أن وفد توثمس ~~الأول أحد مشاهير ملوك مصر إلى كركميش في السنة المذكورة وعبر الفرات برجاله وزحف على ~~بابل، فنازلها وألقى الحصار على بروجها، فاستفتحها عنوة ودخلت البلاد في طاعته ~~ولبثت تؤدي الجزية، ولما توفي توثمس تمرد الكلدان على ملوك مصر ونبذوا طاعتهم حتى كان ~~عهد توثمس الثالث، فجدد عليهم الغارة وزحف بجنوده حتى أتى بابل فحاصرها وأخذها وأثخن ~~في أهلها وانصرف عنها ظافرا، وعند انصرافه ولى عليها من يثق به من أهلها بعد أن أخذ ~~عليه العهود والمواثيق، فما زال الأمر فيها للفراعنة من بعده يولون عليها من شاءوا ~~إلى سنة 1314 قبل الميلاد، فكانت مدة ولايتهم على بابل وما يليها مائتين وخمسا وأربعين ~~سنة، وكانوا في هذه الأحقاب كلها يأتون بأولاد الولاة الذين يولونهم بابل إلى مصر ~~فيلقنونهم عقائدهم من الدين ويؤدبونهم بآدابهم وعاداتهم، حتى إذا توفي أحد آبائهم ~~أنفذوا من أعجبهم منهم فعقدوا له مكان سالفه كما هو مقرر في الآثار المصرية، وكان إذا ~~تمرد أحد هؤلاء الولاة وأبى حمل الجزية إلى مصر خلعه الفراعنة عن خطته وقلدوا الأمر ~~من هو أهل ms48 له. فأصبح ملوك بابل من خلفاء همورابي وإسمي داجون لا يملكون إلا على أعمال ~~بابل فقط، وصاروا في منزلة ملوك نينوى وسنجار وأيلأسر، وكان عدد من ملك من البابليين ~~تحت إمرة الفراعنة تسعة ملوك ذكر بيروسوس أنهم من أصل عربي، غير أنه لا يعلم هل ~~كانوا من نفس العرب سكان الجزيرة أم من أهل سورية والكنعانيين؛ لأن اسم العرب كان ~~يطلق قديما على كل من كان عربي المنطق، وكانت العربية إذ ذاك شائعة في أقطار آسيا ~~الغربية كلها، والذي في رأي أكثر المحققين أنهم كانوا من العرب السوريين بدليل عبادتهم ~~لسوتخ، وهو من الآلهة التي لم تعرف إلا عند السوريين. # ويذكر في جملة من ولي بابل من ملوك العرب ثلاثة ملوك: أحدهم يقال له بورنبورياس، ~~والثاني كراهرداس، والثالث نزيبوكاس، وهم الذين أضرموا نيران الحرب بين بابل وآشور، فلم ~~ينطفئ سعيرها حتى أخضعهم تغلث سمدان سنة 1314، واستخلص المملكة من أيدي الفراعنة على ما ~~سبق الإلماع إليه، فانثلت عروشهم وتبددوا في الأرض، واستعمل سمدان على بابل رجلا من ~~أصحابه واستمرت بابل تحت إمرة الآشوريين يتعاقب عليها الواحد بعد الآخر إلى منتصف ~~القرن الثاني عشر، فنهض واحد من الكلدان يقال له بين بلأدان، وحشد جموعا كثيرة وزحف ~~على آشور، فواقعها وظهر عليها ورجع عنها ظافرا غانما، فاعتز شأنه وارتفعت كلمته ~~ونفذ سلطانه في الأقاليم الكلدانية كلها، ولما تمهد له أمر الملك أقبل على تحصين بابل ~~وعززها بالأسلحة والرجال وبنى على مدينة نيبور سورا سماه نيويت مرودخ، وفي تلك ~~الغضون توفي ملك آشور الذي كانت الواقعة بين بلأدان وبينه، فقام بالأمر بعده آدار ~~بلأسر، فجيش جيوشه وخرج لقتال بلأدان فاستعرت بينهما الحرب، واتفق في تضاعيف ذلك ~~أن توفي بلأدان وتوفي آدار بلأسر أيضا دون أن يتوجه الفوز لأحدهما، فخلف بلأدان ~~نبوخذرصر وقام مكان آدار بلأسر آشور زيسي وقامت معهما الشرور والفتن، وما زال ~~دأبهما ذلك حتى هلكا كلاهما في حديث قد ذهبت عنا تفاصيله فاقتصرنا منه على ما ~~أوردناه. # ولما كانت سنة المائة والألف ms49 قبل الميلاد وفد مرودخ دنياكي الكلداني على آشور بجموعه ~~وأقام الحصار على هيكالي فدمرها عن آخرها، وكان على آشور إذ ذاك تغلث فلأسر وكان ~~ملكا عالي الهمة شجاعا فاتكا، فألب جيشه وبرز لقتال دنياكي فالتحمت الحرب بين ~~الفريقين زمانا حتى كانت الغلبة لآشور، فولى جيش الكلدان أدبارهم بعد أن قتل منهم ~~خلق كثير وكانت آخر نوبة زحفوا فيها على آشور إلى أن نهض بعليزيس الكلداني وتحالف مع ~~أرباش المادي وجيش على نينوى، فأخذها عنوة وتركها قاعا صفصفا وذلك سنة 788 ~~قبل الميلاد، وقد أسلفنا طرفا من هذه الواقعة في القسم الأول من الكتاب، وسنعود إلى ~~تفصيلها إن شاء الله تعالى. # | ذكر الدولة الآشورية الأولى # أما تاريخ الدولة الآشورية فلم تزل أوائله غائبة تحت ظلمات الإبهام لا يكاد يوقف ~~منها على حقيقة يوثق بها، ولا سيما ما كان منها بعيد العهد في أزمان نشأتها، وقد تباينت ~~أقوال المؤرخين في مؤسس هذه الدولة ومشيد أركانها الأول، فمنهم من قال إن نمرود هو أول ~~من أسس مدينة بابل، ثم خرج إلى نينوى فبناها، وقد سبق لنا كلام في هذا المبحث عند ذكر ~~مدينة نينوى يغني عن التكرار هنا. # وذهب غيرهم إلى أن باني نينوى هو نينوس، بدليل تسميتها وظاهره غير بعيد من الصحة لولا ~~معارضة النصوص له كما ورد في سفر الخليقة من أن بانيها آشور بن سام على ما أسلفناه ~~هناك، وأكثر أرباب البحث في هذا العصر على أن بانيها مجهول أو أنه لا يتعين لها بان ~~بعينه، وإنما هم جماعة من أهل تلك الأرض ضربوا فيها مساكنهم، ثم أخذوا يشيدون فيها ~~المباني شيئا بعد شيء وتوطنوها، وجعلت العمارة تتزايد فيها كلما تكاثر أهلها واتسعت ~~أرزاقها شأن غيرها من سائر الأمصار. # قلت: والأظهر أن أولئك القوم كانوا شرذمة من الكلدان نبت بهم أوطانهم فخرجوا إلى ~~تلك الأرض، ولما استقروا في موضع منها ولوا أمرهم رجلا منهم لقبوه بآشور، وهي كلمة ~~بمنزلة القيل عند العرب، ثم أخذوا في بناء هذه المدينة وآووا إليها ms50 وتداولوا ملكها، ~~وكان من أمرها ما نحن فيه. يشهد لذلك أنا نرى أكثر الأشياء التي تواطأ عليها الآشوريون ~~من نحو العقائد والعوائد واللغة وأشكال الأبنية وغير ذلك هي نفس ما عند الكلدان، ولا ~~نرى كذلك بقية الأمم المتجاورة فإنها إن لم تكن ذات أصل واحد لم تكد تتوافق إلا في ~~الشيء القليل مما لا يقضي بينها بهذا الحكم، وفي هذا الرأي موافقة لمقال مؤرخي ~~الكنيسة من أن آشور وقومه لبثوا زمانا مخالطين للبابليين في أرض الكلدان، ثم فارقوهم ~~لظلم أحسوا به أو استقلال سموا إليه، فصح أن أصل الآشوريين كلداني استدلالا ~~ونقلا، والله أعلم بالصواب. # ثم إن نص الكتاب لا يورد من هذا القبيل إلا لمعة خفيفة، وبقي تاريخ أعقاب آشور وما ~~آل إليه أمرهم في تقلب ملكهم كل ذلك مجهولا إلى هذا العهد، وقصارى ما يعلم من ~~شأنهم أنهم أفضى بهم حول الدهر إلى الوقوع في قبضة ملوك الكلدان، إلا أن هذا النبأ ~~عار عن التفاصيل غفل من بيان علل سقوطهم وتاريخ انحلال ملكهم وتوقيت الزمان الذي ~~لبثوا فيه تحت إمرة الكلدان إلى حين خروجهم من ربقتهم، وقد يستخلص مما ذكره الكتاب من ~~أن الله جل وعلا لما أراد عقاب بني إسرائيل على معصيتهم أسلمهم إلى كوشان رشعتائيم ملك ~~أرام النهرين، أن الآشوريين كانوا في ذلك العهد تحت ربقة الكلدان؛ لأنهم لو كانوا ~~مستقلين في ملكهم لأسلم بني إسرائيل إليهم لينفذوا فيه نقمته، كما كان من شأنه تعالى أن ~~يسلطهم عليهم كلما أراد نكالهم على ما سنبينه في الكلام على أسرحدون وشلمنأسر ~~وبختنصر وغيرهم، ومهما يكن من ذلك فالذي يفهم من روايات المؤرخين أن الآشوريين مضى ~~عليهم القرن الثامن عشر والسابع عشر والسادس عشر قبل المسيح، وهم في قبضة الكلدان ~~يذوقون من أنواع الذل وأصناف الجور ما لا طاقة لهم به، حتى ضاقت صدورهم وعيل ~~اصطبارهم، فأخذوا يجهدون في التملص من أيديهم، حتى إذا كادوا يظفرون بالنجاة انقضت ~~عليهم جيوش مصر فأذاقتهم البلاء وسامتهم الخسف والرق، وما زالوا في ms51 مثل تلك الحال من ~~ضغط المصريين عليهم وغزوات البابليين لهم ممن كانوا يلون تحت إمرة الفراعنة على ما سبق ~~الإيماء إليه حتى انتهى القرن الخامس عشر، ثم تلاه القرن الرابع عشر فنهض في أوائله رجل ~~منهم من أهل الشدة والنجدة يقال له نينيب فلأسر، وهو تغلث سمدان المقدم ذكره قبيل ~~هذا، فصاح في قومه الآشوريين وجرد منهم خلقا لا يحصى وزحف بهم على بابل، فنازلها ~~وحاصرها حصارا شديدا إلى أن افتتحها عنوة سنة 1314 وأباد أهلها قتلا ~~وأسرا. # ونينيب فلأسر هذا هو الذي يسميه الفرس بنينوس، ويجعلون سميراميس زوجته في حديث طويل ~~نلخصه هنا عما رواه أكتزياس طبيب أرتكزرسيس ملك فارس عن السجلات التي كانت في بلاط ~~الفرس بفرسبوليس على ما سلف بيانه في أوائل الكتاب، وعن أكتزياس هذا أخذ أكثر المؤرخين، ~~ومن تاريخه فيما نحن فيه ما رواه ديودوروس الصقلي من كلام يقول فيه ما معناه: ولما ~~انحطت أحوال البابليين إثر المواثبات التي وقعت ببابل أيام دخلتها العرب نهض نينوس ~~الآشوري لإنقاذ قومه من ربقة الذل، فشرع في حشد الجنود وجمع الأقوات واتخاذ العدد ~~وزحف بجيشه إلى بابل، فامتلكها بعد حصار عنيف وأثخن في أهلها وقتل ملكها وحبس امرأته ~~وبنيه وبناته وسائر من ينتمي إليه. ثم انصرف عنها فعطف على أرمينية وفي عزمه أن ينزل ~~بها ما أنزله ببابل، فازدلف إليه ملكها بما عنده من أصناف الكنوز والذخائر الكريمة، ~~فتقبلها نينوس من يده وانصرف عنه راضيا. ثم مضى بجنوده إلى مادي، وكان عليها يومئذ ~~ملك جبار من أرباب الصولة والبأس فأنف من التسليم إلى نينوس والانقياد لطاعته، ~~فواقعه نينوس وقهره ثم قبض عليه وصلبه، وبقي نينوس على مثل تلك الحال نحوا من سبع عشرة ~~سنة يغزو في البلاد ويفتح الحصون والمعاقل ويدمر الأسوار والمدن، حتى استولى على جميع ~~البلاد الواقعة ما بين البحر المتوسط وبحر الخزر ونهر الهند وخليج فارس. قال ولما قفل ~~نينوس إلى بلاده بالغنائم والسبايا هم بابتناء مدينة يجعلها مباءة له ولأعقابه لا يقع ~~في الإمكان ms52 أن يكون لها مثيل على تراخي العصور وتوالي الأحقاب، فأقام فيها الأبنية ورفع ~~عليها سورا منيعا شيد عليها بروجا باسقة الارتفاع، ونادى بالناس إلى سكنى المدينة ~~فاجتمع إليها ألوف من الرجال والنساء من أشراف الناس وصعاليكهم، وتواردت إليها أسباب ~~الثروة والعمران، فما لبثت إلا زمنا يسيرا حتى صارت لا تدانيها مدينة في ~~الأرض. # قال وبعد أن تم بناء السور هب نينوس للمسير فجند جنوده وارتحل بهم إلى بقتريا ~~عاصمة بقتريانا، وكان قد قصد هذه المدينة من قبل وأضرم عليها لظى الحرب زمنا، ثم تراجع ~~عنها عن عجز وخسران، فلما عاد إليها في الكرة الثانية لبث تحت أسوارها أمدا طويلا حتى ~~ضعف رجاؤه في النصر وتخوف أن يفرغ من عنده الزاد، فتكون في ذلك هلكته وفناء جيشه. ~~فحدث في تلك الأيام أن الإله الكبير أنفذ إلى نينوس امرأة قائد من قواده اسمها سميراميس ~~فأشارت عليه بحيلة يتمكن بها من الاستيلاء على المدينة، ففعل فانفتحت له أبواب البلد ~~ودخلها ووضع السيف في أهلها فتعزز سلطانه وقويت شوكته في سائر الأقطار، ومذ ذلك الحين ~~هام نينوس في حب سميراميس وكلف لها كلفا لا مزيد عليه، وعلم بذلك بعلها القائد ورأى ~~أنه لا يقوى على مقاومة الملك ولا يصبر عن امرأته، فخنق نفسه ومات شر ميتة، فوقع موته ~~عند نينوس أشهى موقع، ولم يلبث أن أمر فعقد له على سميراميس وتزوجها. انتهى ~~بتصرف. # وممن اشتهر من ملوك آشور تغلث فلأسر المقدم ذكره قبيل هذا، ولي الملك في أواخر ~~القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهو السابع من أعقاب نينيب فلأسر، وله على الآثار ما ~~يشهد بأنه كان من جلة ملوك آشور الموصوفين بالإقدام وكثرة الغارات ووفرة العمارات، ~~ومن عهد غير بعيد وجد له أثر في أخربة كالح شرعات قد سطر عليه تاريخ فتوحه فيما ~~ينيف على سبعمائة سطر، ذكر في جملتها أنه بلغ في غاراته بحر الخزر الذي يسميه البحر ~~الأعلى، ودوخ ما هنالك من البلاد وأنه اخترق جبل لبنان، ولم يكن اخترقه ملك آشوري ms53 ~~قبله وركب البحر المتوسط إلى جزيرة رواد وزحف بجيشه على ممالك كثيرة، فقهرها ورجع عنها ~~ظافرا وطأطأت له ملوك طانيس كنف الطاعة والخضوع، فأطرفه فرعون مصر بتمساح من تماسيح ~~النيل توددا إليه وتزلفا من رضاه، وفي عهده نهض مرودخ دنياكي الكلداني على هيكالي ~~وأخذها عنوة على ما قدمناه ، فثار تغلث فلأسر بجيش كثيف وأم بابل، فخرج إليه ~~مرودخ واقتتل الفريقان في قاع من الأرض بظاهر بابل، وكانت العاقبة للآشوريين فأثخنوا في ~~البابليين ومزقوا شملهم كل ممزق ودخلت المدينة في حوزتهم. # وبعد وفاة تغلث فلأسر انتشبت الفتن بين الآشوريين وتفرقت كلمتهم فلانت شوكتهم وضعفت ~~صولتهم، وفي تضاعيف ذلك زحف عليهم قوم من الكيتاسيين فناصبوهم حربا شديدة فلم يستطيعوا ~~الثبات أمامهم، واستولى الكيتاسيون على كثير من البلاد وضربوا عليهم الذلة، وبعدما شاء ~~الله من الزمن نهض رجل من أعيان الدولة الآشورية يقال له بعل كيتراسو واليونان يسمونه ~~ببعليتراس، وقد رأى ما حل بالدولة من انحلال عراها واختلال أمرها، فعمل على خلع الملك ~~وهو يومئذ آشور بمار وغلبه على الملك، ونقل السرير من آشور إلى مدينة نمرود، وكان ~~بعليتراس هذا من الأمراء آل الملك كما يستفاد من كتابة لبعلوخوس الثالث الآشوري ~~خلافا لما يزعمه اليونان من أنه كان أجنبيا عن الملك، ولما انقضت أيامه قام بأعباء ~~الدولة بعده شلمنأسر الثاني ثم إربين، وتعاقب بعده ملوك آخرون حتى أفضى الأمر إلى ~~بعلوخوس الثاني، وكانت مدة ملكه من سنة 956 إلى 936، وهو الذي كانت الواقعة بينه وبين ~~ملك مادي، فأخضعه لدولته وأقام الماديون يؤدون الجزية، ولنا من عهد هذا الملك إلى ~~انقضاء الدولة الآشورية سلسلة متواصلة لجميع الملوك الذين ركبوا سرير آشور من غير نقص ~~ولا خلل. # وتولى الملك بعده ابنه تغلث سمدان الثاني وكان رجلا جبارا مولعا بالفتوح والغزوات ~~دون تشييد الأبنية؛ لأنه لم يعثر له على بناء باسمه إلا أن تكون قد ذهبت به الأيام ~~ومحاه توالي الخراب فلم يبق إلى كشفه سبيل، وقد وجد أرباب التنقيب آجرة من آثاره قد ~~نقش عليها ms54 ما معناه: أنا تغلث فلأسر الملك القدير المستولي على الأمم كافة، أنا ~~السيد العظيم الذي ليس سيد في المعمورة إلا وأنا سيده. لقد ملكت بسيفي الأقطار الأربعة ~~وغزوت بجيشي صغير الممالك وكبيرها، وكل عدو لربي قمعته وأرغمت أنفه، وذكر بعد ذلك ~~إخضاعه لمملكة كوماغنيا ثم المملكة الواقعة عند منفجر دجلة - ولا شك أنه يريد أرمينية - ~~ثم استيلاءه على القسم الأعلى مما بين النهرين وإجلاءه لطوائف تلك الآفاق، ثم وصف خروجه ~~إلى مصر وظهوره عليها وتملكه لها، وقهره من انتصر لها من ملوك الأقاليم المجاورة، إلى ~~أن قال: فبلغ جملة ما ملكته اثنتين وأربعين مملكة وولاية تمتد من أقاصي المشرق إلى ~~أطراف المغرب، وحملت من حيوانها ونباتها وغرائب موجوداتها فضلا عمن أجليته من كل مملكة ~~أخضعتها، وجئت بذلك كله فجعلته في مملكتي الزاهرة. انتهى، وكانت مدته من سنة 935 إلى ~~سنة 930. # وبعد تغلث فلأسر تولى زمام الدولة ابنه آشور نزربال الثالث واستقر على سرير الملك من ~~سنة 930 إلى سنة 905، وكان تملكه في اليوم الثاني عشر من شهر تموز على ما حققه أهل ~~الهيئة في هذا الزمان؛ لأنهم وجدوا على الآثار ما مفاده أن هذا الملك ولي السلطان في ~~اليوم الذي كسفت فيه الشمس كسوفا تاما، وكان ذلك بموجب حسابهم في اليوم المذكور، ~~وكان مولعا بتشييد المباني وإقامة الهياكل والقصور، وقد وجد له ما لا يحصى من ~~الآثار الموسومة باسمه من أبنية وتماثيل آلهة وأوان مختلفة من الذهب والفضة والعاج ~~وغير ذلك، ومن أبنيته القصر العظيم بنمرود الذي كشفه السير لايرد الإنكليزي، وقد بقيت ~~منه بقايا تدل على أنه كان من الفخامة والإحكام بمكان، وله بنمرود أيضا الهرم الباذخ ~~الذي شيده لرصد الكواكب، وعلى مسافة منها هرم آخر كان هيكلا لآدار بناه، وأقام فيه ~~تمثالا له قد نقش عليه ما ترجمته: أنا آشور نزربال الظافر الميمم رب القصر الآشوري ~~ابن تغلث سمدان ليث القراع ومخراق الحروب المالك على الأربعة الأقطار ابن بعلوخوس الملك ~~المظفر المتسلط على الطوائف الآشورية. لقد ملكت بسيفي ms55 جميع الأقاليم الممتدة من لدن ~~منفجر دجلة إلى أطراف جبل لبنان. ا.ه. # وكان آشور نزربال ظلوما جافيا سفاكا للدماء لا تأخذه في أحد رحمة ولا تعطفه ~~عاطفة، وكان إذا أسر قوما نكل بهم تنكيلا فظيعا فيصلم آذانهم ويجدع أنوفهم ويقطع ~~أيديهم وأرجلهم إلى ما شاكل ذلك، فضلا عما يركبه من الفواحش في السبايا والأطفال، ثم ~~يجمع تلك الأعضاء فينضد بعضها فوق بعض حتى تصير بناء قائما في السماء ويتلذذ بالنظر ~~إليها. قلت: وهذا أشبه بما يروى عن نيرون الروماني وقت إيقاعه بأهل الدعوة النصرانية ~~من أنه كان يصلب الجماعة منهم في ربض المدينة ثم يطلي أبدانهم بالقار والنفط، فإذا ~~خيم الليل أمر بإحراقهم ثم خرج على عجلته ومعه وزراء دولته وكبراء بلاطه يتفرجون على ~~ذلك المشهد الكريه، ومع ما في هذا الصنيع من شدة القسوة التي تدل على نهاية الخشونة ~~والبربرية، فلا ينكر على الآشوريين أنهم كانوا في ذلك العهد قد بلغوا قمة التمدن ~~والحضارة في فنونهم وصنائعهم، ولهم في أواخر أزمانهم ما هو أشنع وأفظع مما ذكر، فقد ~~روى عنهم هيرودوطس اليوناني وكان قد قدم بابل في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد، أنه ~~لما حدثت الفتنة في بابل قبيل ذلك العهد بقليل ووفد عليها داريوس هستاسب وحاصرها سئم ~~أهلها من طول الحصار وفرغت أهبتهم، فذبحوا عددا كثيرا من نسائهم بحيث لم يتركوا إلا ~~امرأة لكل واحد منهم. ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى استفتح داريوس المدينة، فلما دخلها ~~وعلم بما صنعوا حنق عليهم حنقا شديدا فأطلق يده فيهم بالعذاب والتمثيل وصلب منهم ~~ثلاثة آلاف رجل. انتهى. # ولما توفي آشور نزربال خلفه على الملك ابنه شلمنأسر الثالث، وكان ملكه من سنة 905 ~~إلى سنة 870، وعلى عهده عظم شأن آشور واتسع نطاقها وأطلق عليها في الكتاب اسم مملكة، ~~ومن شهير أعماله التي ذكرت في التاريخ وأقرتها الآثار ما ورد له منقوشا على ~~أحدها؛ حيث يقول ما ترجمته: في السنة التاسعة لملكي عبرت نهر الفرات، وهي ثامن مرة ~~عبرته فيها ودمرت مدينتي ms56 سنجار وكركميش وصيرتهما مأكلا للنار. ثم خرجت لمواقعة ابن ~~حدري الشامي وصخلينا الحموي واثني عشر ملكا من ملوك الساحل - يعني فينيقية - ~~فقهرتهم واستحوذت على كنوزهم وعجلاتهم وعددهم وخيولهم، وفي السنة العاشرة خرجت بمائة ~~وعشرين ألفا من الجند إلى حماة، فأخذتها واستوليت معها على تسع وثمانين مدينة، وفي ~~السنة التاسعة عشرة خرجت على حزائيل خليفة ابن حدري، فغنمت منه ألفا ومائة وإحدى ~~وعشرين عجلة وأسرت أربعمائة وسبعين فارسا بعددهم، وفي السنة الموفية للعشرين سرت إلى ~~جبال أمانوس وقطعت من أرز لبنان جسورا حملتها إلى آشور، وفي السنة الثانية والعشرين ~~سيقت إلي الجزية من صور وصيداء وجبيل، وبعدها وفدت علي الهدايا من ياهو ملك ~~إسرائيل، وله أعمال غير هذه سطرها على السارية التي نصبها بنمرود أضربنا عنها لضيق ~~المقام. # وبعد شلمنأسر أفضى الملك إلى ابنه شمسيهو الثالث المعروف بصامس بين، وكان له أخ ~~قد استحوذ على بعض الممالك التي افتتحها أبوه فتشاحا عليها، واستطارت بينهما الفتنة ~~نحوا من خمس سنين، ونشأت عن ذلك مشاغب شتى في بابل ونينوى وكثر الهرج حتى أصبحت عترة ~~الملك في خطر أن تسقط رأسا، وفي آخر الأمر استقر الفوز لشمسيهو فاستخلص تلك الممالك ~~من أخيه وخلا بأمر الملك، وقد عثر له على أثر يقول فيه: إنه خرج على بابل لقتال مرودخ ~~بلتاريب، وكان مرودخ تحت إمرة الآشوريين، فلما ثارت الفتنة بين شمسيهو وأخيه اغتنم ~~تلك النهزة لشق عصا الطاعة وجاهر بالعصيان، فواقعه وظفر به وقتل زعماء الأحزاب وغنم ~~منه مائتي عجلة وأجلى من رعيته سبعة آلاف نفس. ا.ه. # وتولى الملك بعده ابنه بعلوخوس الثالث، وعلى عهده استؤنفت الفتنة في بابل وتمادى ~~القوم في المنابذة والخلاف، حتى عجز عن ردهم إلى طاعته فارتأى أنه إذا تزوج واحدة من ~~بنات ملوك بابل كان في ذلك وسيلة إلى بلوغ مأربه وأمن سورة الشقاق. فوقع اختياره على ~~سميراميس التي يروي عنها بعض متقدمي المؤرخين أفعالا يضيق عنها نطاق التصديق، ومما ~~وجد من آثاره آجرة قد نقش عليها: أنا بعلوخوس قد ضربت ms57 الإتاوة على جميع المدن ~~والأقاليم والممالك الواقعة ما بين سورية وفينيقية وحدود صور وصيدون والسامرة وأيذومة ~~وفلسط. ا.ه. وهي أول مرة ذكرت فيها فلسط؛ أي فلسطين على آثار آشور، وفي لندرة ~~اليوم تمثال ضخم للإله نبوكان نصبه وزير بعلوخوس، وكتب عليه: أيها الإله نبو المعظم ~~عصمة مولاي وعضده كن مؤازرا له بحولك وقدرتك واحفظ سيدتي الملكة سميراميس زوجته. ~~ا.ه. # وسميراميس هذه هي التي ذكرها هيرودوطس، وقال إنها كانت مالكة قبل نيتوكريس بمائة ~~وستين سنة، وجاء المؤرخون بعده فخطئوه ورووا عنها أقاصيص وأخبارا لا يحتمل غرضنا ~~الإطناب بذكرها، غير أنا نورد بعضا من تلك الحكايات تفكيها للمطالع، فمن ذلك ما حكاه ~~بعلوطرخوس في جملة كلام أورد فيه ذكر سميراميس قال: وتوسلت هذه الملكة إلى بعلها ~~نينوس أن يفوض إليها أزمة الأحكام خمسة أيام تستبد فيها دونه، ففعل وأنفذ ~~بالأوامر المؤكدة إلى جميع العمال وأرباب المجالس والأحكام أن يولوها جانب ~~الإذعان ولا يخالفوها في شيء مما تأمرهم به. فلما خلت بالملك كان أول ما أمرت به طرح ~~نينوس في السجن وخلعته عن السرير رأسا، فبقي في محبسه يعاني الذل والقهر حتى أدركته ~~الوفاة، وقال ديودوروس ومن أخذ أخذه من الكتاب: كانت سميراميس من طائفة خاملة الذكر ~~من رعاع عسقلان، فلما وصلت إلى الملك أفرغت طوقها فيما يذيل به ذكرها الدنيء من ~~الأعمال العظيمة والفتوح الجسيمة، فحشدت إليها البنائين والصناع من أنماط شتى وأمرت ~~بإقامة السورين العظيمين اللذين يحيطان ببابل، فبلغا سبعين كيلومترا طولا، ورفعت ~~فوقهما بروجا منيعة، وخططت أزقة المدينة وقسمتها إلى ستمائة وخمسة وعشرين حواء، وشيدت ~~هيكل بعلوس والقصر الملكي والحدائق المعلقة مما سلف ذكره في القسم الأول من هذا الكتاب. ~~قالوا: وإن سميراميس لم تقنع بالملك الذي تقلدته عن بعلها، فنادت في قومها وحشدت من ~~الجيش ما بلغت عدته ألف ألف جندي، وزحفت بهم إلى أرمينية وهي في طليعتهم، وكان على ~~أرمينيا ملك يقال له قارا فظهرت عليه وقهرته وولت مكانه رجلا من أصحابها. ثم سارت ~~إلى فلسطين فأخضعتها واستولت ms58 عليها وتقدمت من هناك إلى مصر فامتلكتها، ثم عطفت على ~~الحبشة ففعلت بها كذلك، ولم يمض عليها إلا زمن يسير حتى دانت لها جميع الأقطار التي ~~بين الصين والحبشة. ثم وجهت الغارة إلى الجنوب فارتحلت بعسكرها إلى بلاد الهند، وتقدمت ~~إلى رجالها أن يذبحوا ألوفا من الثيران الدهس ويسلخوا جلودها ويقطعوها على هيئة ~~الفيلة، حتى تكسو بها أبعرتها وخيولها وتقدمها أمام الجيش إيهاما للعدو، وبلغ ملك ~~الهند خبر مقدمها فتجهز لقتالها وألب جيشا كثيفا، ووجه شرذمة من الجيش أوعز إليهم ~~أن يبروزا لها ثم ينهزموا أمامها حتى تدخل إلى أواسط البلاد. # فلما التقى الجمعان والتحمت الحرب ولت الهنود على أعقابها وتبعتهم سميراميس برجالها ~~حتى أوغلت في أرضهم، وكانوا قد كمنوا لها في موضع من البلاد، حتى إذا بلغت موضع الكمين ~~ثاروا في وجهها وأطبق جيشهم من كل جانب، فأهلكوا من قومها خلقا لا يحصى وانهزمت ~~سميراميس شر هزيمة، وقد أصابها جرح بالغ كادوا يمسكونها به لولا خفة فرسها وسرعتها في ~~المفر، وانثنت قافلة إلى بابل بالفشل والخسران. ا.ه. # وخلف بعلوخوس الثالث وسيراميس آشور ليخوس المعروف بسردنابال أو سردنافول، وفي أيامه ~~تفاقم أمر الفتنة في بابل ووهت سطوة الآشوريين، وتضعضعت دعائم دولتهم لما كان في ~~سردنابال من الغفلة وضعف النفس ووهن العزيمة؛ لأنه أفنى زمانه في حشد الأموال ومعاقرة ~~اللذات والإقبال على اللهو والخلاعة، وكان لا يفارق دار حرمه ولا يهمه إلا مغازلة ~~نسائه، حتى قيل إنه كان يتزيا بملابسهن ويعمل أعمالهن من الغزل ونحوه إلى غير ~~ذلك، ولما كان أهل بابل قد سئموا من تسلط الآشوريين عليهم وهم غير غافلين عن انتهاز ~~فرصة للتخلص من أيديهم نهض بعليزيس الكلداني وحالف أرباش ملك مادي على آشور، كما ~~قدمنا تفصيله في القسم الأول، وكان من عاقبة هذه الحرب خراب نينوى عن آخرها وإحراق ~~الملك نفسه وآله في النار على ما مر هناك، واضمحلت بذلك الدولة الآشورية ~~الأولى. # | ذكر الدولة الآشورية الثانية # ولما تم هذا الفتح لبعليزيس واطمأنت له البلاد جعل مقامه بآشور ms59 وبقيت في حوزته إلى أن ~~توفي سنة 747، وبعليزيس هذا هو المعروف بفول وهو على ما في الآثار الآشورية من سلالة ~~ملوك آشور الأولين، وليس لنا من أخباره إلا ما ورد عنه في رابع أسفار الملوك؛ حيث ذكر ~~أن منحيم ملك إسرائيل لما قتل شلوم بن يابيش الذي كان مالكا قبله وتسلق عرش الملك ~~أرسل إلى فول ملك آشور يستصرخه ويستعين به على إقرار الملك في يده، وجهز له ألف قنطار ~~من الفضة ضربها على قومه فلباه فول وأسعفه بما أراد، وبعد أن استنض منه المال قفل ~~راجعا إلى أرضه وكان ذلك سنة 771، وفي سفر يونان أن الله جل جلاله أرسل نبيه يونان ~~- عليه السلام - إلى نينوى ينذرهم خراب المدينة إن لم يتوبوا إليه تعالى، فلما اتصل ~~خبره بالملك نزل عن أريكته وجلس على الرماد، وهو قد تردى بالمسح وأمر مناديه أن ينادي ~~في المدينة بصوم عام على الناس والبهائم جميعا لا تذوق نفس منها مطعما ولا مشربا، ~~وأن يلبسوا المسوح كذلك ويبتهلوا بالدعاء إلى الله ويأخذوا بأسباب الصلاح والتوبة، فلما ~~فعلوا ذلك عفا الله عنهم وكف عن المدينة. # وبعد وفاة فول انتقض الآشوريون على أهل بابل ونبذوا الطاعة لهم ووقعت بين الفريقين ~~مجاولات شتى، وكان في طليعة الآشوريين واحد من أبناء ملوكهم يعرف بتغلث فلأسر ~~الرابع، ودامت الحرب بينهم نحوا من أربع سنين حتى كان الظفر للآشوريين وذلك سنة 743، ~~وكان تغلث فلأسر هذا رجلا جبارا فاتكا مقداما، وقد أوتي من النصرة والتوفيق ~~شيئا عزيزا حتى طار ذكره في الأقطار، وظللت مهابته على الأمصار، وكان يلقب نفسه ~~بنينوس الثاني، وكان لما استقر في يده أمر آشور واستوثق له الملك أنه صرف اهتمامه إلى ~~النظر في أحوال الدولة وجمع ما تفرق من أمرها، ونظر إلى الممالك التي استفتحها ~~الآشوريون من قبله، فإذا بالكثير منها في قبضة البابليين فعقد عزمه على استرجاعها، ولم ~~يلبث أن زحف من تلك السنة إلى أسروينا وشمالي الأقطار الشامية فأخضعها لسطوته، وفي ~~السنة التالية سار إلى أرمينية فنكبها ms60 واستولى عليها وأجلى عدة كثيرة من أهلها إلى ~~آشور، واتفق في تضاعيف ذلك أن هاجت حرب بين فاقح ملك إسرائيل ورصين ملك دمشق وبين آحاز ~~ملك يهوذا، حتى تضايق آحاز جدا فبعث إلى فلأسر المذكور يستعديه، وأنفذ إليه بما كان ~~في الهيكل الكبير وقصر الملك من الذهب والفضة وكان شيئا كثيرا، فجرد فلأسر جيوشه ~~ونزل على دمشق فافتتحها وقتل رصين ملكها، ثم عطف على فلسطين فقهر فاقح ملك إسرائيل ~~واستولى من مدائنه على عيون وآبل بيت معكة ويانوح وقادش وحاصور وجلعاد وكل أرض نفتالي ~~وساق سكانها إلى آشور، وبعد ذلك ارتد على آحاز ملك يهوذا، فقاتله ثم تاركه الحرب على ~~مال يحمله إليه وذلك سنة 734، ولما فرغ من أمر أولئك الملوك وجه الغارة إلى المشرق، ~~فلم يمر بأرض إلا أذاقها البلاء وظفر بملك أريانا واستحوذ على كثير من مدنه وضياعه، ~~وما زال ذلك دأبه إلى أن توفي سنة 727. # وخلفه على سرير الملك شلمنأسر الرابع وقيل الخامس وقيل السادس، ومن أخباره ما جاء ~~في أسفار الملوك أيضا من أنه زحف على هوشع ملك إسرائيل بالسامرة وقهره وضرب عليه ~~الجزية، فلبث يؤديها مدة، ثم انقطع عن تأديتها وبعث إلى سوء ملك مصر يستنجده فعاد إليه ~~شلمنأسر وظفر به وأرسله إلى السجن مكتوفا، وحاصر مدينته السامرة فمكثت ثلاث سنين تحت ~~الحصار ثم افتتحها عنوة وأجلى من بها من الإسرائيليين إلى آشور، فأنزلهم بحلاح وعلى ~~عدوة خابور نهر جوزان وبث منهم أناسا في مدائن مادي، ثم بعث عصبة كبيرة من ~~الآشوريين، فبوأهم السامرة وانقرضت مذ ذاك مملكة إسرائيل آخر الدهر بعد أن دامت ~~مائتين وأربعا وخمسين سنة، وكان ذلك سنة 721 قبل الميلاد، وفي بعض الآثار أن الذي كان ~~فتح السامرة على يده هو صاريوكين خليفة شلمنأسر المشار إليه، والصحيح في ذلك كما ذهب ~~إليه أكثر المحققين أن شلمنأسر توفي أثناء الحصار، فتم الفتح على يد صاريوكين، وكان ~~القائد الأكبر في الجيش فنسب الفتح إليه. # ولما هلك شلمنأسر لم يكن في ولده من يضطلع ms61 بأعباء الملك، فتسلق السرير صاريوكين ~~قائده المشار إليه وهو المسمى في الكتاب بسرجون، وعلى يده تم فتح السامرة على ما ~~قررناه، وكان جملة من أجلاهم من اليهود نحوا من سبعة وعشرين ألف نفس، وكان هذا الملك ~~كثير الغزوات والحروب نهض لاسترجاع ما بقي من فتوح آشور وممالكهم في أيدي الكلدان منذ ~~حين سقط سردنابال آخر ملوك الدولة الأولى على ما سلف إيراده. فدوخ جميع ما بين ~~النهرين وأخضع أرمينية ومصر وقبرس، ونصب في قبرس حجرا كبيرا نقش عليه صورته مع تاريخ ~~استيلائه عليها والحجر المذكور اليوم في برلين، وكان في جميع هذه المغازي والغارات ~~مظفرا منصورا، ولم يدركه الفشل إلا في حصار مدينة صور، فإنه قصدها ونازلها بجيشه ~~زمنا طويلا وتفانى من جنوده تحت أسوارها خلق لا يحصى، وفي عاقبة الأمر نفد ما عنده ~~من القوت والعلف فتراجع عنها خاسرا. # وله غير ما ذكر وقائع كثيرة أثبتها على جدران الأبنية التي شيدها بخرساباد يقول في ~~موضع منها: هذه سياقة ما فعلته من لدن استيلائي على زمام الملك إلى منتهى الغزوة ~~الخامسة عشرة من غزواتي. كان استيلائي على الملك في يوم الخسوف التام - يعني خسوف ~~القمر وكان فيما عينه بطليموس في 19 آذار سنة 721 - وقد قهرت كمبانيغاز ملك عيلام، ثم ~~حاصرت مدينة السامرة وأخذتها وأجليت 27280 نسمة من سكانها، وتحالف هانون ملك غزة وفرعون ~~ملك مصر على قتالي، فنازلتهما وأوقعت بهما في أرض رافيا، فانهزما شر هزيمة وسكتت ~~نأمتهما آخر الدهر. ثم إني ضربت على فرعون ملك مصر وعلى شمس ملك العرب ويطعمير ملك ~~الصابئة إتاوة من الذهب والعقاقير العطرية والخيل والإبل والبقر، وبعد ذلك حاول عبيد ~~المالك في حماة أن يحرش علي أهل دمشق والسامرة، فزحفت بجنودي المظفرة إلى كركار ~~وانتشبت بيني وبينه وقائع هائلة كانت العاقبة فيها عليه، فدككت سور المدينة وأعملت ~~الهدم في سائر أبنيتها حتى رددتها ركاما، ثم قتلت زعماء الأحزاب وقبضت على الملك وسلخت ~~جلده عن بدنه، ولما ملك إرنزو في وإن كانت في حوزة ms62 يدي، فلما مات بايع الأهالي ابنه ~~آسا وعقدوا بينهم وبين أورساما الأرمني حلفا سريا على أن يمالئهم في رد استقلالهم، ~~فسرت إليهم بالجيوش الآشورية وضربتهم ونسفت قلاعهم عن آخرها، وقبضت على الملك الخائن - ~~يعني ملك أرمينية - وسلخته وقطعته خراذل وأخضعت الجميع لسلطاني. # وفي تضاعيف ذلك انتهز آزوري ملك أسوط فرصة اشتغالي بأولئك الأقوام وامتنع عن حمل ~~الجزية إلي، فدمرت مدائنه واستحوذت على آلهته وعلى امرأته وبنيه وكل من ينتمي إليه. ~~ثم أخذتني الرحمة فأعدت عمارة المدائن التي خربتها وأسكنت فيها الأقوام الذين أجليتهم ~~من مشارق الشمس ووليت أمرهم واحدا من قوادي وأدخلتهم في عداد الآشوريين، وبعد ذلك ~~ذكر عدة مواقع بينه وبين مرودخ بلأدان سنة 709 كان النصر فيها له، واستولى على الفسطاط ~~الذي كان لمرودخ من الذهب وغنم كنوزه وذخائره، وأسر عددا كبيرا من جنوده، ودمر ~~مدينة دورياقين بثأر سردنابال، وإن ملوك يطنان السبعة - أي ملوك قبرس - الذين لم يسمع ~~أسلافه بذكرهم بسطوا له يد الإذعان، ووفدوا عليه بالهدايا والطرف من الذهب والفضة ~~والآنية الثمينة وخشب الأبنوس، وعدد كثيرا من الحروب التي عملها بعد ذلك مما يطول ~~شرحه ولا فائدة في استيفائه. # وفي سنة 711 بعدما عنت له تلك الأقاليم ونفذت كلمته وارتفع سلطانه شرع في بناء ~~مدينة تضاهي نينوى في مجدها الأول، فاتخذ لها أسباب العمارة وحشد أهل الصناعة من كل أوب ~~وجعل مركزها إلى الشمال الغربي من نينوى على مسافة ستة عشر كيلومترا منها، وزينها ~~بالقصور الشاهقة والهياكل الباسقة والأبنية الفسيحة، وشرع في تشييد قصر له ولمن يخلفه ~~على سرير آشور وسماه دورصاريوكين؛ أي قصر صاريوكين وأتم بناءه في الثاني والعشرين من ~~شهر تشرين الأول سنة 706، وقسمه ثلاثة أقسام زينها كلها بالنقوش والتماثيل وأصناف ~~الآنية والتحف النفيسة، ونقش على جدرانها صور كثير من وقائعه مع تاريخ انتصاراته، وقد ~~استوفينا الكلام على هذا القصر في القسم الأول، ولا يزال معظمه ماثلا إلى هذا العهد لم ~~يفقد من رونقه إلا القليل. # وبعد وفاة صاريوكين استقل بالملك ابنه سنحاريب واسمه ms63 فيما حققه بعضهم محرف عن سين ~~اح ريب، وسين اسم للقمر كان ملوكهم يزيدونه في أوائل أسمائهم تبركا على ما سلف الإلماع ~~إليه، ومعنى اح ريب أخ آخر، وكان سنحاربب ملكا عظيم الشأن شديد الوطأة بعيد الهمة ~~كثير المغازي والفتوح أتى في أيامه من عظائم الأمور ما لم يأته ملك قبله، حتى طار ذكره ~~في الآفاق وامتدت شوكته إلى أبعد الأقطار وتحامت حوزته كبراء الملوك ودان لدولته كثير ~~من الأقاليم، وكان يلقب نفسه بملك الأرض وخليل الآلهة على ما كان من دأب ملوك آشور ~~وبابل في ذلك العهد، وأخباره كثيرة طويلة نقتصر منها على ما سنورده في هذا الموضع ميلا ~~إلى الاختصار الذي هو أليق بحال هذه الرسالة، وأكثره ملخص عما وجد له من الكتابات ~~التي كتبها بنفسه مما خلت عنه أسفار المؤرخين. قال في بعض تلك الكتابات ما محصله: أول ~~غزوة لي كانت على مرودخ بلأدان ملك بابل وجيوش عيلام، وكانت الواقعة بيننا في بقعة ~~كيش، فما تطاول أمد القتال حتى أجفل الملك من أمامي وفر معتصما بأحد معاقله، فلحقت ~~بأصحابه وأطلقت يدي فيهم بالسبي والأسر والقتل وغنمت أمواله وخيوله وأسلحته وسائر كنوزه ~~وذخائره، وكان فيها من الذهب والفضة والآنية الثمينة والملابس الملكية شيء كثير. ثم ~~وجهت نفرا من رجالي فقبضوا على امرأته وأعوانه وسائر من ينتمي إليه من آله وحشمه ~~ذكرانا وإناثا مع الخصيان وخدام البلاط، وأسرت بقية الجند كلهم وأخذت الجميع ~~وبعتهم عبيدا. ثم إني بإمداد ربي آشور وحوله أقمت الحصار على تسع وسبعين مدينة من ~~مدائن الكلدان الكبيرة وثمانمائة وعشرين قرية، فأخذتها جميعا وغنمت منها الغنائم ~~الطائلة وسبيت نساءها وبعت الرجال عبيدا. # ثم إنه بعد وصفه لغزوته الثانية ونصرته في بلاد مادي وأرمينية وألبانية وأرض البرثيين ~~وكوماجينة، أقبل على وصف غزوته الثالثة قال: وفي غزوتي الثالثة وجهت بأسي نحو الديار ~~الشامية وعليها يوم ذاك ملك سخيف العزم ضعيف البطش يسمى إيلولي، كان قد بلغ خوفي من ~~قلبه كل مبلغ، حتى إنه لما اتصل به خبر مقدمي ms64 عليه لم يتمالك أن احتمل بنفسه وابتدر ~~المفر إلى إحدى جزائر البحر تاركا لي جميع حوزته وما ملكت يداه مغنما باردا. فأخذت ~~مدائن صيداء الكبرى وصيداء الصغرى وما يتبعها من المصانع والمعاقل والهياكل، ثم عدت ~~عنها واستعملت عليها إيتوبعل على خراج يرفعه إلي. # وفي أعقاب ذلك كان إيتوبعل الصيداوي وعبدليت الأروادي وميطنتي الأسوطي وبادول ~~العموني وشمس ناداب الموآبي ومولك رام الأدومي وسائر ملوك فينيقية، يتزلفون ~~إلي بالهدايا والطرف ويعتملون في اجتلاب مرضاتي إلا صدقا العسقلاني، فإنه ذهب ~~بنفسه مذهب الكبر والعتي وزين له الغرور شق عصا الطاعة، فزحفت عليه بجندي ومنحني ~~ربي عنقه فقبضت عليه وحطمت آلهته وآلهة آبائه وأسرت امرأته وبنيه وبناته وإخوته وجميع ~~أعقابه معه وقفلت بهم راجعا إلى آشور. # وفي تلك الغضون ائتمر زعماء ميغرون وفئة من أشرافها بملكهم بادي ليقتلوه؛ لأنهم نقموا ~~عليه ميله إلى آشور واحترامه لسطوتها فحملوه إلى حزقيا ملك يهوذا وسلموه يده، وكان ~~لسكان ميغرون طمع في مظاهرة ملوك مصر والحبشة لهم إذا شبت الحرب بيني وبينهم، ~~فتأهبوا جميعا لمنازلتي وحشدوا جيوشهم من كل أوب وخرجوا إلي بخيلهم ورجلهم، ~~فالتقينا في بقعة إيلسيكا والتحم بيننا القتال، فكانت العاقبة لي عليهم فبددت جموعهم ~~وأثخنت فيهم قتلا وجرحا وأسرت منهم وغنمت ما لا يدخل في نطاق حصر، وبعد أن تمزقوا من ~~أمامي كل ممزق وانهزم بنبالي ميروي المصري وولده أقبح هزيمة، وقد قتلت حاميتهما ~~وأوشكا أن يقعا في يدي انثنيت إلى ميغرون، فقتلت من بها من الأكابر وزعماء الأحزاب ~~وقبضت على أهل الفتنة فبعتهم عبيدا. ثم أرسلت إلى أورشليم في طلب بادي ملكهم فأعدته ~~إلى ملكه، فأقام في ظل بأسي وزاد يقينا أن رأيه في لم يكن إلا صوابا. # هذا ما كان من أمر أولئك الملوك وأما حزقيا اليهودي، فبقي شامخا بأنفه ممتنعا من ~~الاستسلام لدولتي استعظاما منه لأمر نفسه واستخفافا ببأسي ومقدرتي، وكانت له أربع ~~وأربعون مدينة محصنة وعلى أسوارها من الأبراج المنيعة ما يفوت العد. فدهمته بجيش ~~كالجراد المنتشر وخيمت حول تلك المدن ms65 وبنيت عليها المتارس وسددت إليها آلات الحصار، ~~وما زلت أضربها بما أوتيت من البطش وثبات العزيمة حتى أذقتها من البلاء أمره ومن ~~الضنك أشده، ولم أولها فترة حتى فتحتها عنوة ودخلتها بسيفي وأعملت فيها النار ~~والسلاح، وانبث رجالي في كل وجه يسبون وينهبون حتى لم يبقوا ولم يذروا. فكان ~~فتحا كبيرا لم يسمع بمثله فيما مر من الدهر، وكان جملة ما سبيته وغنمته مائتي ألف ~~نفس ومائة وخمسين نفسا من كبار وصغار رجالا ونساء، ومن الخيل والحمير والبغال والإبل ~~والبقر والشاء وسائر الغنائم والأموال ما لا يحصى عدده ولا تقدر جملته، وسقت هذا ~~العديد كله إلى آشور وهو المصداق لما كان من ذلك الفتح العزيز والفوز الجليل. # وبعد ذلك وجهت الحملة إلى مدينة أورشليم دار الملك حزقيا، فحبسته في داخل المدينة كما ~~يحبس العصفور في القفص، وابتنيت في أرباض المدينة أبراجا كثيرة وبثثت رجالي حول ~~السور، فإذا خرج واحد من المدينة تخطفوه، وفي تلك الأثناء استعملت على المدن التي ~~افتتحتها بفلسطين ولاة من أشياعي وهم ميطنتي ملك أسوط وبادي ملك ميغرون وأسما بعل ملك ~~غزة. فأما ما كان من أمر حزقيا فإنه لما رأى بأسي وما أحاق به من الخطر الشديد ضاقت ~~عليه مذاهب النجاة ولم يجد للثبات سبيلا، فأوفد علي رسله يعرضون علي المهادنة ~~والصلح وأن أضرب عليهم ما شئت من الأموال، ففعلت وجاءوا نينوى دار سلطنتي ومقر ~~محكمتي، ووضعوا بين يدي ثلاثين وزنة من الذهب وأربعمائة وزنة من الفضة وكثيرا من ~~المعادن الثمينة والحجارة الكريمة واللؤلؤ والياقوت الكبير والعروش الملكية والكهرباء ~~الخالصة وسروج الجلد وجلود البقر البحرية والأخشاب المتنوعة، ومنها خشب الأبنوس ~~والجواري الحسان والعبيد الكثيرين ذكرانا وإناثا. ا.ه. # وفي أخبار ملوك يهوذا ما يؤيد صدق هذا الخبر، إلا أن سنحاريب طوى كشحه عن ذكر الفشل ~~الذي لقيه عند قصده لأورشليم في المرة الثانية، فإنه بعد أن عاهد حزقيا على السلم عاد ~~فنكث عهده ووجه عسكره على فلسطين وأم أورشليم وفيها حزقيا فحاصرها حصارا شديدا، ~~وملخص ما جاء ms66 في الكتاب أنه لما اشتد الأمر على حزقيا وسكان المدينة وبلغ منهم الضنك ~~والضيق، وتمادى قواد آشور في الوعيد والتهويل على مسمع من الشعب وشتموا إله إسرائيل، ~~فزع الملك وبطانته إلى أشعياء بن آموص النبي فدعا الله سبحانه وتعالى، فأرسل ملاكه ~~فقتل من جيش آشور مائة وخمسة وثمانين ألفا، فلما أصبح سنحاريب إذا جيشه جثث أموات فنهض ~~ليومه وقفل راجعا إلى نينوى. ا.ه. وكان ذلك نحو سنة 698 قبل الميلاد. # وعاد سنحاريب بعد ذلك فلم شعث دولته وجدد رونق ملكه، ولما استجمعت له أسباب العزة ~~والصولة جرد جحافله وسار بها إلى بابل مدينة الفتن فواقعها مرة أخرى، وكان السبب في ~~ذلك أن سنحاريب لما قهر بابل في النازلة الأولى ولى عليها رجلا من أوليائه يقال له ~~بعليبوس، فاستمر أمرها في يده إلى أن كانت نكبة سنحاريب عند أورشليم، وعاد بالفشل ~~والخسران فاغتنم مرودخ بلأدان تلك الفترة وحدثته نفسه باسترجاع الملك، فأخذ في أسباب ~~ذلك وحشد أولياءه وأتباعه وزحف على بابل بجمع كثير، فاستبشر البابليون بعودته وتغيروا ~~عن طاعة بعليبوس وجاهروا بالفتنة والهرج، واتصل الأمر بسنحاريب فبادر بعدده وعدده ~~ودهم بابل بجيش لا يحصى، فبرز إليه مرودخ في طليعة أصحابه والتحمت الحرب بين الفريقين ~~أياما وآخر الأمر كانت الغلبة لسنحاريب، فانهزمت جيوش الكلدان وتمزق سوادهم بعد أن ~~هلك منهم خلق كثير، وفر مرودخ بلأدان وغمض خبره آخر الدهر. ثم دخل سنحاريب بابل ~~فاستأصل منها أعراق الفتنة ومهد السكينة والطاعة، واستخلف عليها ولده آشور ناردين وهو ~~بكر أبنائه. # ولما فرغ سنحاريب من أمر بابل وجه غارته ناحية المشرق، فأمعن في البلاد ووطئ من ~~الأقاليم ما لم يبلغ إليه أحد ممن سلفه، حتى انتهى إلى داي فدوخ تلك الأرض جملة وأكثر ~~من إراقة الدماء وإتيان الفظائع وشنع وسبى ونهب وهدم كثيرا من المدائن والمعاقل ~~وضرم عامتها بالنار، وله على بعض الآثار في ذكر هذه الغزاة ما تعريبه: إني ملكت ~~الرجال والدواب والغنم والبقر وافتتحت المدائن والقرى، ولم أفارقها حتى غادرتها ~~حطاما. # واستقرت البلاد ms67 بعد ذلك برهة طويلة صماء من زعازع الحروب وفديد الجيوش وصلصلة ~~الحديد، واستولت فيها الدعة والسكينة وعلا طالع سنحاريب إلى أوج سعده وعظم قدره في ~~العيون والمسامع وتمكنت هيبته في القلوب، ووقع إجماع المؤرخين على أنه لم يقم في ملوك ~~آشور من ضاهاه سطوة وإقداما ولا داناه عزة وسلطانا، وفي تلك الأثناء فتق له عقله أن ~~يجدد بناء نينوى ويجعلها بحيث لا تقارنها مدينة في العالم، فشرع في حشد أرباب الصناعة ~~من البنائين والنجارين والنقاشين وغيرهم، وشيد فيها من المباني العظيمة والهياكل ~~الرفيعة والقصور الأنيقة والبروج الحصينة ما لا يتأتى لأحد وصفه، وزينها جميعها ~~بالزخارف البديعة والنقوش الجميلة حتى فاقت ما كانت عليه من قديم حالها، وقد تقدم لنا ~~عند وصف هذه المدينة زيادة بيان، فاقتصرنا ها هنا عن المزيد. # ولما كانت سنة 693 توفي آشور ناردين بن سنحاريب، فخلفه على سرير بابل أرجيبعل، وكانت ~~مدة استيلائه عليها حولا واحدا، ثم دهمته المنية فأفضى الأمر بعده إلى مزيزي مرودخ، ~~وكان بابلي الأصل فتفاقمت على عهده البلابل والمشاغب، وجعلت أسباب الفساد تتزايد على ~~الأيام، حتى اشتد الخطب وتخوف سنحاريب سوء العاقبة فلم يبق في رأيه إلا أن يستأنف ~~الكرة عليهم ويبطش بهم مبادرة لامتداد الفتنة قبل اتساع الخرق والعجز عن تلافيه، وكان ~~الفريق الأقوى ممن خرجوا عن طاعته طوائف من الكلدان على أطراف البلاد مما يلي خليج ~~فارس، فبدأهم بالحملة وفرق عصائبهم ونكب زعماءهم ومثل بهم تمثيلا فظيعا، وجال في ~~تلك الأنحاء فأكثر فيها الدمار وإراقة الدماء وهدم المدائن والصياصي حتى ترك البلاد ~~بسيطا غامرا، وبينا هو مشتغل بأمر هؤلاء زادت الفتنة احتداما في بابل وانتهزوا منه ~~تلك الفرصة، فاجتمع لفيفهم وبايعوا بالملك عليهم رجلا منهم يقال له سوزوب وأنفذوا إلى ~~كدرناكنتا ملك عيلام يستنجدونه على سنحاريب، فما كذب أن أجابهم بالجيش والسلاح ~~وانضموا كلهم يدا واحدة وزحفوا لمنازلة سنحاريب، فكانت حربا هائلة تطاير شررها في ~~الآفاق وكثرت فيها المصارع والدماء، وما زال السيف يعمل في الجيشين حتى أجلت العاقبة عن ms68 ~~فشل الكلدان، فانهزموا شر هزيمة وتتبعهم سنحاريب بجنوده فأفنى منهم خلقا لا يحصى ~~وقبض على سوزوب وساقه أسيرا إلى نينوى. # وبعد هذه الواقعة ركب سنحاريب وسار إلى عيلام لينتقم من كدرناكنتا، فأوغل في البلاد ~~وأثخن فيها ودمر حتى رجفت منه الفرائص وطأطأت له المناكب، وجعل لا يمر بمدينة إلا ~~استسلم أهلها في وجهه وغدا أعزتهم أذلة بين يديه حتى بلغ جملة ما افتتحه أربعا وأربعين ~~مدينة من المدائن الكبيرة، ولسنحاريب على بعض الآثار يصف غارته هذه من جملة كلام ما ~~تعريبه: وسطع من تلك الآفاق دخان متواصل ملأ السماء والأرض وطبق سحابه البسيطة وكان ~~للنيران أجيج وزفير أشبه بزمازم الرعد، ولما بلغ كدرناكنتا مقدم بأسي عليه طارت نفسه ~~شعاعا، حتى إذا ازدلفت من عاصمته وعصفت به ريحي من كل أوب اعتصم بالفرار من وجهي، ~~وتوارى في قاصية أرضه فشددت الحصار على مدينته وصممت على أخذها. ا.ه. ولم يأت على ~~هذا الأثر زيادة على ذلك، لكن ورد على غيره من الآثار أنه بعد ذلك عدل عن أخذ المدينة ~~ورفع عنها الحصار وانقلب راجعا إلى نينوى؛ وذلك لأنه وجد في أدلة التنجيم ما ينذره خوف ~~العاقبة فرضي من الغنيمة بالإياب. # وبعد نحو ثلاثة أشهر من مفر كدرناكنتا أدركته المنية فبايع العيلاميون أخاه أومان ~~مينان، وكان أومان مينان هذا خليلا لسوزوب فلما أتاه خبر تملكه جعل يردد إليه رسله ~~وأكثر من صلته، حتى احتال له في النجاة من قبضة سنحاريب، وكان لم يزل مسجونا في نينوى، ~~فلما أفلت من محبسه انطلق إلى عيلام فرحب به أومان وأحسن مثواه وحقق آماله وعقد له على ~~جيش كثيف من العيلاميين، فزحف بهم سوزوب على بابل والتف عليه أقوام من البابليين ~~فأصبحوا عصبة منيعة. فلما رأى سنحاريب ذلك جند جنوده وخرج عليهم وقاتلهم قتالا ~~شديدا كان هو الظافر فيه أيضا، فكسر شوكتهم وفض جموعهم وفتك فيهم فتكا ذريعا، وله ~~على بعض الآثار في تفصيل هذه الموقعة ما ملخصه: لما فوض البابليون أمرهم إلى سوزوب ~~ألقى يده على ms69 كنوز الهرم وابتز ما في هيكل بعل وزربانيت من الفضة والذهب، وبعث بذلك ~~هدية إلى أومان مينان ملك عيلام في سبيل الاستمالة له والتقرب منه ووجه إليه يسأله ~~المظاهرة علي ويتظلم إليه من استيلاء بطشي ووطأة عزتي، وضرع إليه في ذلك أشد الضراعة ~~حتى مال العيلامي إلى شكواه وأمده بالرجال والعدد، فجعل دأبه العيث في البلاد وركوب ~~الفظائع من القتل والسبي والنهب واستطال على الناس بالبغي والجور، فاستوقد بذلك غضبي ~~وأثار من حميتي، فنهضت إليهم بحنق شديد واتخذت مركبتي الكبرى والقوس التي وهبنيها ربي ~~وأهطلت عليهم من النبل ما أوشك أن يسد الأفق كثرة حتى سالت بدمائهم البطاح، وما لبثوا ~~إلا قليلا حتى استسلموا للفرار، فملأت يدي من غنائهم وأسرت منهم عددا لا يحصى وقطعت ~~أيديهم حتى لا يستطيعوا أن يعودوا إلى حمل السلاح. انتهى ببعض تصرف. وكان في جملة من ~~أسرهم نبوبلارسكون بن مرودخ بلأدان، فأما سوزوب وأومان مينان ففرا بأنفسهما إلى ~~عيلام. # وفي سنة 683 عاد سوزوب إلى بابل مرة ثالثة لتهييج الفتنة، فنهض إليه سنحاريب وقد أخذه ~~من الحنق ما لم يبق معه موضع للصبر ولا محل للرفق، وانصب عليه بجنوده فانكسر سوزوب ~~كسرة لم يقم بعدها، وتسلم سنحاريب بابل فضربها ضربا شديدا ولم تأخذه فيها رحمة ولا ~~شفقة مع ما كان لها عنده من الحرمة؛ لأنها مدينة الآلهة، وولى عليها ولده آشور ناردين ~~المعروف بأسرحدون وهو رابع أبنائه، وبعدما مهد الأمر في بابل انقلب راجعا إلى ~~نينوى، فأقام بها زهاء سنتين يحكم بالعسف والجور إلى أن كان يوما ساجدا في هيكل نسروخ ~~فوثب عليه ابناه أدرملك وشرأسر فقتلاه بالسيف طمعا في تولي الملك من بعده، ~~وكان مقتله سنة 681. # وكان من أعقاب ذلك أنه لما بلغ الأمر أسرحدون في بابل حشد كتائبه، وانقض بها على ~~نينوى يريد النقمة من أخويه وتسلم المدينة بعد أبيه، فأجفل أخواه من وجهه وفرا ~~بأنفسهما إلى أرمينية فقبض أسرحدون على زمام نينوى واجتمع له الأمر على آشور والكدان ~~جميعا، ولما استتب في ms70 يده الملك شرع في تقيل أبيه في الأحكام والغارات وتشييد ~~المعاقل والقصور، ولم يلبث طويلا حتى بلغ من العزة والسطوة وبعد الصيت وفخامة الشأن ~~ما لم يبلغه كثير من عظماء الملوك، وكان أسرحدون من أشد الملوك عزيمة وأعلاهم همة ~~وأقواهم جأشا، وكان على ذلك موفق المقدم مسعود الجد لم يخفق في غزوة ولا ~~توجهت عليه هزيمة مع كثرة غاراته وحروبه وبعد منزعه في الغزوات والفتوح، وأخباره لا ~~يزال الكثير منها إلى هذا العهد مسطرا على الآثار، غير أنها غفل من بيان التاريخ ~~ناقصة الشرح في أكثر المواضع إلا ما كان منها في أوائل ملكه، فإنه أوسع بسطا مما ~~يليه. # فمما نطقت به تلك الآثار مما حكاه أسرحدون عن نفسه قوله في بعضها: أول ما أخلدت إلى ~~الغارات وجهت طلائع بأسي جهة فينيقية، فحاصرت مدينة صيداء التي على فم البحر، فدككت ~~أسوارها ونسفت مصانعها وهياكلها وطرحت أنقاضها في البحر وقتلت من بها من الكبراء ~~والزعماء، وفر ملكها عبد الملكوت فأوغل في البحر فتعقبت مسيره وشققت الأمواج ~~وراءه شق الأسماك حتى أدركته فقبضت عليه وجدعت أنفه، ثم عدت فاستحوذت على ما في خزائنه ~~من الذهب والفضة والحجارة الكريمة والكهرباء والجلود المطيبة بالأفاويه العطرة وخشب ~~الأبنوس والأنسجة المصبوغة بالنيل والأرجوان، واستقت من مملكته الرجال والنساء والبقر ~~والشاء والدواب وسائر ما تهيأ لي نقله وحمله إلى مملكتي، وبعد ذلك شيدت حصنا ~~منيعا سميته دور أسرحدون وشحنته بالرجال الذين أجلبتهم من البحر الأعلى من ناحية ~~مشرق الشمس. # وبعد أن أتم كلامه في هذه الغزاة ذكر أنه سار من هناك إلى مملكة يهوذا يريد ~~التهامها، فنازلها وقهر ملكها منسى وقاده أسيرا إلى بابل، ثم رق له فأعاده إلى ملكه ~~على إتاوة يرفعها إليه كل سنة. قال: ثم خرجت من هناك قاصدا إقليم وان ونواحي بحر ~~الخزر، فدوختها جملة، وبينا أنا في تلك الأطراف، وقد ترامت المسافة بيني وبين مملكتي ~~اغتنم نبوزرسمتات بن مرودخ بلأدان هذه النهزة وأغرى من تحت يده من الطوائف القاطنة عند ~~خليج فارس ms71 بالنشوز عن طاعتي، فانصرفت إليهم وأوقعت بهم ووليت عليهم مكان نبوزرسمتات ~~أخاه نهيد مرودخ بعد أن ضربت عليه خراجا، وعدت من بعد ذلك إلى بابل، فلما بلغتها وجدت ~~سجلات هيكل بورسيبا قد استولى عليها رجل كلداني اسمه سماسبني، وفر بها إلى مدينة يقال ~~لها بيت دكوري، فتوجهت إليه فيها وانتزعت من يده السجلات المغصوبة وأعدتها إلى موضعها ~~في بورسيبا، ووكلت الاحتفاظ بها إلى نبو سليم بن بعلز وهو من الثقات القائمين بحرمة ~~الشرائع وصيانة القوانين. # ثم قال: وكان أبي قد غزا إلى بلاد العرب وافتتح مدينة دومة الجندل وهي عاصمة البلاد، ~~فجددت الغارة على تلك البلاد وقهرتها وغنمت منها وأجليت جما غفيرا من أهلها، وبعد ~~ذلك وفد علي الرسل من عند ملكتهم يحملون إلي الهدايا السنية والبضائع التي يعز ~~وجودها في غير البلاد العربية، ويسألونني أن أمن عليهم بالأصنام التي غنمتها من ~~أرضهم، فاستجبت مسئولهم وأمرت النحاتين، فأصلحوا ما تعطل منها ثم أمرت فنقشت عليها ~~تسابيح آشور وعظائم اسمي المبجل، وبعد أن مضت على ذلك مدة من الدهر تغير رأيي فيهم، ~~فوجهت إليهم طابويا إحدى نسائي تتولى الحكم عليهم وقلت لها: اذهبي فقد جعلتك سيدة على ~~العرب كلهم، وعهدت إليها أن تأخذ لي منهم في كل سنة خمسة وستين وقر جمل علاوة على ~~ما كانوا يؤدونه إلى أبي سنحاريب. # ثم ذكر أنه بعد ذلك توجه لتدبير إقليم الحجاز وعاصمته إذ ذاك مدينة يثرب وعليها ملك ~~اسمه حسن، فلما قضى نحبه قلد مكانه ابنه يعلى وضرب عليه إتاوة جزيلة. ثم أوغل من هناك ~~في بلاد العرب حتى أتى اليمن ودخل حضرموت وغنم منها الغنائم الطائلة وعطف منها على بلاد ~~فارس، فدوخها وأسر بعضا من ملوكها وقفل عنها ظافرا مؤيدا، ولما استقر به المقام ~~في نينوى أقام بها صرحا كبيرا جعله مدخرا لكنوزه، وفي سنة 682 غزا إلى قبرس وأخضع ~~ملوكها العشرة، ثم ارتحل منها إلى مصر فأدخلها في طاعته وترك فيها قوما من الآشوريين ~~يكونون سياطرة عليها ورقباء خوف الفتنة. # وكان ms72 أكثر مقام أسرحدون ببابل كما يدل على ذلك كثرة ما له فيها من المباني، وهو آخر ~~من اشتهر من ملوك آشور بالفتوح الكبيرة والغزوات البعيدة والأبنية الحافلة والزخارف ~~الثمينة، حتى يروى أن القصور التي من بنائه كانت كلها مكسوة بالفضة والذهب تأخذ ~~بالبصر من شدة لمعانها، وفي هذه السنين المتأخرة كشف له اللورد لايرد الإنكليزي المذكور ~~غير مرة في هذا الكتاب قصرا بناه ببابل لعله من أعظم القصور البابلية، يقول أهل ~~التنقيب: إنه من صنع الفينيقيين الذين أجلاهم معه إلى بابل. # وفي سنة 668 مرض أسرحدون وأعضلت علته، فجمع إليه أكابر دولته وعقد بحضرتهم بيعة ~~الملك لولده آشوربانيبال، وكان ذلك في اليوم الثاني عشر من شهر أيار ولم يبق لنفسه ~~سوى مدينة بابل وأعمالها، وكان آشور بانيبال إذا كتب إلى أبيه يفتتح كتابه بقوله: من ~~آشور بانيبال ملك آشور إلى أبي ملك بابل، وعاش أسرحدون بعد ذلك سنة ثم أدركته ~~الوفاة. # ولما مات أسرحدون خلفه على سرير بابل ولده صملصامغين وهو الذي يسميه المؤرخون ~~بصاوصدوخين، فلم يستقر في الملك حتى هاجت الفتنة في بابل وهو في مقدمة الأحزاب، وقد ~~انضم إليه تعومان ملك عيلام ومن شايعه من الثائرين، وهبت أمم مصر والعرب في طلب ~~الاستقلال وانتشر الشغب في جميع الأقاليم الخاضعة لآشور بانيبال، فجرد آشور بانيبال ~~جحافله وزحف بها لمقاتلتهم، فكانت بينه وبينهم مواقع شتى دارت فيها الدائرة على ~~الأحزاب، ففرق جموعهم وأكثر فيهم من النكال، وفر صاوصدوخين فلجأ إلى أخت له كانت ~~لها شفاعة عند أخيه آشور بانيبال، فتوسل بها إليه أن تسأل له الصفح عن صنيعه، فمن ~~عليه ورده إلى ملكه. ثم سار إلى شوشانة وعيلام ليحل بهما نقمته على ممالأتهما ~~لأخيه، فقهرهما جميعا وقتل تعومان ملك عيلام وحرق كثيرا من المدائن وعاد إلى نينوى ~~وقد انتشرت مهابته في تلك الأقطار. # وكان بعد وفاة تعومان قد استولى على سرير عيلام ملك يقال له أمانلدس، فآلى على نفسه ~~أن يقهر آشور بانيبال وجرد جيشا كثيفا، وسار به يعيث في ms73 الممالك الآشورية، واتخذ له ~~معقلا في الجبال التي بجبال سوزا شحنه بالذخائر والعدد، فثار إليه آشور بانيبال يجر ~~وراءه جيشا من نخب قومه، وسار في البلاد لا يمر بمدينة من مدائن عيلام إلا أذاقها ~~البلاء وأعمل فيها السيف والنار، حتى دخل مدينة شوشن وزحف منها إلى سوزا، فدخلها ووضع ~~السيف في أهلها، وغادر فيها جماعة من قومه، ثم مضى بطلب أمانلدس حتى انتهى إلى بانون ~~فلم يظفر به فخرب المدينة، ثم انقلب من هناك فانثنى على سوزا واستحوذ على ما فيها من ~~الكنوز والذخائر، وهدم الهيكل الذي بها وكان كعبة للعيلاميين يحجون إليه كل سنة، ونقل ~~ما فيه من الأصنام إلى نينوى وهو أول خبر وقع فيه ذكر لمعبودات العيلاميين في تواريخ ~~الأمم. # ولما فرغ آشور بانيبال من أمر العيلاميين صوب عزيمته نحو عرب الحجاز؛ لما رأى من ~~امتداد ملكهم وتبسطهم في أقطار العربية، وكانوا قد استولوا على نجد وجبل شمر والجوف ~~وبادية الشام والعراق، فكانت بينه وبينهم حرب عوان أضرمها عليهم مدة ثلاث سنين متوالية ~~فاستولى على الحيرة والعراق بأسره، وانقض على مدائن الشام فاستفتحها واستحوذ على ما ~~يليها من شمالي العربية، وزحف من هناك إلى نجد فأدخلها في طاعته، ثم سار في طلب هويتع ~~ملك الحجاز وكان في مدينة يثرب، فحاصره فيها زمانا إلى أن ضايقه أشد المضايقة وسد ~~عليه منافذ النجاة فاستأمن إليه فأمنه ودخل المدينة بالسلم، ثم طلب منه اثنين من ~~قواده فلما حضرا بين يديه أمر بهما فسلخت جلودهما وهما حيان، ثم أمر فصلبوهما ~~وانصرف قافلا إلى نينوى. # واستقر آشوربانيبال بعد ذلك في نينوى وقد كل من كثرة الغارات والمعارك وانصرف إلى ~~النظر في توثيق أمر الملك وتوفير أسباب الدعة والثروة في رعيته، وأخرج الذهب الذي غنمه ~~في مغازيه فابتنى به مباني من جملتها قصر جعله مستودعا للصحف والسجلات وشحنه بالآجر ~~المسطرة عليها تواريخ الآشوريين، وأتم القصر الذي شرع فيه سنحاريب جده. ثم توفي سنة ~~647 وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة، فتولى مكانه آشور ms74 ديليلي الثالث ابنه المعروف عند ~~اليونان بخنيلادان. # ولما اتصل خبر وفاته بفراورتس ملك مادي اغتنم تلك الفرصة فجهز جنوده وسار إلى فارس ~~وكانت في حوزة الآشوريين فأجلاهم عنها وأخرج من كان منهم في المصانع والقلاع، واستولى ~~على البلاد فاشتد ساعده وقويت شوكته، ومذ ذلك شرع في تعزيز نجدته وتكثير عديده وتوفير ~~الأسلحة والذخائر إلى أن كانت سنة 635، فحدثته نفسه أن يزحف على نينوى اقتداء بما فعل ~~إرباش أحد أسلافه، فألب جموعه ونزل عليها فبرز إليه آشور ديليلي والتقى الجيشان في ~~مضيق جبل، فاقتتلا قتالا شديدا كانت العاقبة فيه لآشور، فانهزم جيش الماديين وتتبعهم ~~الآشوريون فمزقوهم كل ممزق وقتل فراورتس ملكهم، ومات آشور ديليلي سنة 625 بعد أن ملك ~~اثنتين وعشرين سنة ولم يقع إلينا من أخباره غير ما ذكر. # وبعد وفاة آشور ديليلي أفضت نوبة الملك إلى أساراقس وهو آخر ملوكهم، فما كاد يستقر ~~على سرير المملكة حتى عادت جيوش مادي في نجدتها كتائب الكلدان، فانقضت على نينوى في ~~عدد لا يحصى وفي مقدمتهم كياقصر ملك مادي على ما قدمناه في الكلام على نينوى، فلبثوا ~~حول أسوارها أشهرا حتى بلغ الجهد من الآشوريين وأعياهم الدفاع عن المدينة، فدخلها ~~كياقصر عنوة وكان من أمره فيها ما ذكر هناك، وفي رواية أنه بينما هم بدخول ~~المدينة؛ إذ وفدت عليه الرسل من قومه بأن التتر والأكراد قد أغاروا على بلاده وانبثوا ~~فيها من كل أوب يقتلون وينهبون، فأعجله ذلك عن أخذها وأسرع الأوبة إلى أرضه فأقام فيها ~~يقاتل نحوا من تسع عشرة سنة حتى دفع الثائرين واطمأنت البلاد، وكانت نينوى في تضاعيف ~~ذلك لا تزداد إلا وهنا وهرما، فلما فرغ كياقصر من نوبة التتر عاود الكرة إلى نينوى ~~وقد عقد عزمه على أن ينسفها من أسسها ويدكها دكة لا تقوم بعدها ليكفي البلاد عسف ~~الآشوريين واستطالتهم، فما تمادى أمر حصاره لها حتى خرت بين يديه، فدخلها بجيوشه ~~وأطلق يده فيها بالقتل والسبي والحريق والهدم حتى أعادها قاعا صفصفا. # | ذكر الدولة البابلية الثانية # قد ms75 أسلفنا ما كان من أمر بعليزيس واستيلائه على البلاد الآشورية بعد تدميره لنينوى، ~~ولبثت آشور في طاعته إلى أن توفي سنة 847 على ما مر في موضعه بعدما ملك إحدى ~~وأربعين سنة، فتولى الأمر بعده رجل من سلالة الملك يقال له نبونصر، وكان من أمره أنه ~~أول ما تولى الملك أمر بإحراق السجلات والكتابات المحفوظة ليمحو ذكر كل من ملك قبله من ~~الأجانب على بابل، وتقدم إلى رؤساء الأمة أن يبدءوا بتأريخ جديد يفتتحونه من 26 شباط ~~من السنة المذكورة وهو اليوم الذي رقى فيه سرير الملك، وكان ذلك في اليوم السادس من ~~تأسيس رومية أم المدائن، وفي السنة الأولى من ملكه نهض تغلث فلأسر الرابع وحرر آشور من ~~قبضة الكلدان بعد قتال دام بين الفريقين إلى سنة 743 على ما تقدم الكلام عليه، وبعد ~~وفاة نبونصر هذا خلفه على الملك ابنه نادبوس ثم عقبه ثلاثة ملوك أفنوا أيامهم ~~بالمعارك والفتن وراح كلهم شهيدا، وكانت مدة ملكهم جميعا كما قيده بطليمس اليوناني ~~اثنتي عشرة سنة. # وكانت آشور في هذه المدة كلها تتربص نهزة للتخلص من عسف الكلدان إلى أن قام ~~صاريوكين على سرير آشور، فجيش على دورياقين وأخذها واستتبع أكثر بلاد الكلدان، فلبثت ~~مذ ذاك تحت طاعة الآشوريين، وملك بعد صاريوكين سنحاريب، وبعده أسرحدون، ثم آشور ~~بانيبال، ثم آشور ديليلي، وبابل في هذه البرهة كلها لا تزداد إلا ذلا ومهانة، وفي ~~أيام آشور ديليلي انتشر أقوام من البربر في البلاد الكلدانية وأكثروا فيها من العيث ~~والفساد، فأرسل آشور ديليلي رجلا من قبله يقال له نبوبولصر وجهزه بالجند ~~والأسلحة وأمره بقتالهم ودفعهم وقلده الأمر على بابل فما زال حكمها في يده، إلى أن ~~توفي آشور ديليلي سنة 625، فاستبد بنوبولصر بأمر بابل وامتنع من طاعة الآشوريين، ثم ~~تزلف إلى كياقصر ملك مادي فشد أزره وحالفه، ثم عقد لبختنصر بن نبوبولصر على ابنته ~~فتوثقت بينهما عقدة الولاء، وفي أثناء ذلك جهز الفريقان على نينوى كما تقدم خبره إلى ~~أن اشتغل كياقصر بأمر التتر، ms76 وتراجع عن نينوى، فسار نبوبولصر بمن بقي من الجيش حول ~~أسوارها وقصد الفتوح الآشورية من ممالك الكلدان وغيرها، فجعل يتملك منها حتى أدخلها في ~~حوزته ولم يبق في يد أساراقس إلا نينوى وأعمالها. # وفي أواخر ملك نبوبولصر وفد من مصر جيوش جرارة انقضت على اليهود، فأذاقتهم ~~البلاء ثم انتشرت من هناك لا تلوي على موضع إلا تركت فيه آثارا من العيث والدمار حتى ~~وصلت إلى كركميش عند الفرات، فاستحوذت عليها وحصنتها استعدادا للوثوب على بابل على ~~حين غفلة. فتخوف نبوبولصر عاقبة أمرهم، وإذ رأى نفسه شيخا سلم قيادة الجيش إلى ~~ابنه بختنصر ووجهه بالأهبة والرجال، فزحف إلى كركميش حتى التقى بهم واصطلت بين ~~الفريقين مواقع شديدة كان الفوز فيها لبختنصر، فأهلك منهم خلقا لا يحصى وفر ~~الباقون بأنفسهم وتشتتوا في البلاد، وفي غضون ذلك نمي إليه خبر وفاة أبيه فبادر الأوبة ~~إلى بابل، وكان كبراؤها يتوقعون مقدمه، فتسلم أزمة الملك بعد أبيه وتوجه لعقد الأمور ~~وكان ذلك سنة 607 قبل الميلاد، وفي تلك السنة جهز جيوشه وسار بها إلى البلاد الشامية ~~فأدخلها في طاعته، ثم توجه إلى أورشليم وعليها يومئذ الياقيم أو يهوياقيم فقبض عليه ~~وأوثقه بسلاسل من نحاس في نية إرساله إلى بابل، فافتدى نفسه بمال يرفعه إليه كل سنة، ~~فمن عليه ورده إلى ملكه، وبعد ثلاث سنين امتنع الياقيم من حمل المال إليه فاستأنف ~~بختنصر الحملة عليه وسير إليه جيشا كثيفا، فنزل على أورشليم وحاصرها حصارا ~~شديدا، وفي تلك الأثناء توفي الياقيم فتولى موضعه ابنه يهوياكين، ولبثت المدينة تحت ~~الحصار أشهرا إلى أن رأى بختنصر أن الأمر قد تطاول جدا فنهض بنفسه وجند جندا غير ~~الذي مع قواده، وسار إلى أورشليم وضايقها أشد المضايقة حتى بلغ من أهلها الضنك وأعياهم ~~الثبات على مقاومته، فخرج إليه يهوياكين بنسائه وعبيده وقواده وخصيانه فقبض عليهم ~~بختنصر وأرسلهم جملة إلى بابل وأجلى معهم عشرة آلاف نفس من أهل أورشليم من رؤساء ~~وجبابرة وصناع وغيرهم ما خلا أقواما من الصعاليك خلفهم في المدينة، ms77 وملك عليهم ~~متنيا عم يهوياكين بعد أن أخذ عليه المواثيق والأيمان المؤكدة وسماه صدقيا، ~~واستولى على جميع ما وجده من ذخائر بيت المقدس وكنوز الملك وانقلب راجعا إلى بابل وكان ~~ذلك سنة 599. # فلبث صدقيا مالكا على أورشليم تسع سنين خاضعا لبختنصر، ثم سولت له نفسه الخروج ~~عن طاعته، فجاهر بالعصيان وأرسل إلى حفرع فرعون مصر يستصرخه، فاشتد ذلك على ~~بختنصر وعزم على نسف أورشليم من أساسها وأن لا ييقي لها باقية تذكر، ولم يمض على ~~ذلك إلا اليسير حتى أحاطت جيوشه بأورشليم وبنوا عليها البروج ونصبوا الدبابات ~~والمجانيق، فأقامت تحت الحصار ثمانية عشر شهرا حتى اشتد الجوع في المدينة وذاقوا من ~~الويل ما لم يبق معه للصبر طاقة، فعمدوا إلى ثغر السور وفر جميع المقاتلة ليلا ~~وفيهم الملك، وكان جيش الكلدان محدقا بالمدينة فتتبعوهم وأدركوا الملك في برية أريحا ~~وقد تفرقت عنه جميع جيوشه، فقبضوا عليه وقادوه إلى ربلة من أرض حماة، وكان بها ~~بختنصر فقتل بنيه على مرأى منه ثم فقأ عينيه قائلا: ليكن هذا آخر ما تراه من الدنيا، ~~وبعد ذلك قيده بسلسلتين من نحاس وسيره إلى بابل. ثم وجه بختنصر واحدا من قواده ~~يقال له نبوزرادان إلى أورشليم، فأحرق بيت المقدس وبلاط الملك وكل بناء بأورشليم، ~~ودك أسوارها إلى الأرض وأجلى من بقي من يهوذا إلى بابل، ولم يبق إلا شرذمة من ~~مساكينهم ليكونوا أكرة في الأرض، واستعمل عليهم جدليا بن أحيقام، وحمل كل ما كان ~~في الهيكل من أعمدة وآنية وبعث به إلى بابل، وقاد من وجده من أكابر اليهود إلى ربلة ~~فقتلهم بختنصر عن آخرهم. # ولما ذاق بختنصر حلاوة النصر وآنس طالع الفوز وجه بأسه ناحية فلسطين يريد ~~التهامها لما رأى بها من الثروة والنعيم، وأنزل جيشه على مدينة صور، وساق إليه القوات ~~من العجلات والأسلحة، وأمده بالعديد والنفقات، وأقام يحاصرها نحوا من ثلاث عشرة سنة ~~حتى دخلها عنوة، فأسرف فيها بالنكال والهدم والحريق، وسبى منها وغنم الغنائم ~~الطائلة، وكان هذا الفتح سنة 574، وبعد ذلك ms78 زحف على الأقاليم الموآبية والعمونية، ~~وكانوا قد أعدوا اليهود على قتاله أيام حصاره لأورشليم، فقاتلهم وأكثر فيهم من النكاية ~~والقهر ثم سار إلى البلاد العربية، فدخل الحجاز واليمن ونجدا وعاد عنها مظفرا غانما، ~~ولم يدع موضعا في آسيا الغربية إلا تغلب عليه وقهر أهله. # ولما فرغ من هذه المعارك وقد اطمأنت البلاد بين يديه ودانت الملوك لشوكته، قفل إلى ~~بابل ومعه الأسرى من كل إقليم وأمة وصرف همه إلى عمارة البلاد فتوفر دخل الدولة خراجا ~~وغلة، وأكثر من المباني المزخرفة والمصانع المشيدة حتى أصبحت بابل منقطعة القرين ~~والثروة والعزة، وقد ذكرها هيرودوطس إثر سياحته في القرن الخامس قبل الميلاد فقال: ~~وبابل مدينة متناهية في الفخامة والجلال لا يتصور أن تحاكيها مدينة في رونق وسعة ~~حضارة، وكان الأسرى والغرباء في عهده يتولون الإمارات والمناصب العالية كما هو جار ~~بين الأتراك لهذا العهد، وحسبنا ثبتا في ذلك أن دانيال اليهودي - عليه السلام - كان ~~وزيرا في بلاط الملك تنفذ كلمته في أمم الكلدان بلا معارض. # وكان بختنصر من أجل الملوك قدرا وأعلاهم همة وأسعدهم طالعا، إلا أنه في آخر ~~مدته غلبت عليه الخيلاء والزهو، وفيما رواه دانيال - عليه السلام - أنه بينا كان في بعض ~~الأيام يختال في قصره تيها وبين يديه بابل يرى عظمتها وفخامتها أخذت من نفسه نشوة ~~الكبر ونزت في رأسه سورة العجب، وقال في نفسه: هذه بابل مقر سلطاني ومباءة مجدي قد ~~شيدتها بقدرتي وعززتها بجلالي، فأي ملك يضاهيني في قوة السلطان وعزة الحول، ولحينه ~~وقع عليه صوت من السماء يقول له: اعلم يا بختنصر أن ملكك هذا سيبتز من يدك، وعن ~~قليل ستكون منفيا من بين أظهر البشر، ويكون أليفك وحش الصحراء، وتأكل العشب ~~كالثيران، وتمضي عليك سبعة أزمنة - كذا - وأنت في هذه الحال حتى تعلم أن الملك لله ~~يؤتيه من يشاء. فلما سمع بختنصر هذه المقالة دهش، واختل عقله، وخرج فهام في الأرض ~~لا يأوي منزلا ولا يألف إنسا حتى انقضى الأجل المضروب له، فثاب إليه رشده وعاد ms79 إلى ~~بابل وتسلم أزمة الملك من يد بعل بسروق الذي كان قد ناب عنه في تلك المدة، وملك بعد ~~ذلك سنة ثم أدركته الوفاة لثلاث وأربعين سنة من وفاة أبيه. انتهى ببعض زيادة. # وبعد وفاة بختنصر أفضت نوبة الملك إلى ابنه البكر أويل مرودخ وكان في مدة مرض ~~أبيه قد سجن في محبس يهوياكين ملك يهوذا، فلما استقل بالأمر رفع شأن يهوياكين وأعلى ~~منزلته على سائر من عنده من الملوك الذين أسرهم أبوه وجعل له وظيفة دائمة في بلاطه، ~~وكان أويل مرودخ متفرغا للملاهي قليل الاكتراث بشرائع الأمة حتى روى بيروسوس أنه وطئ ~~بنعله كتاب السنة التي جرى عليها سلفاؤه، فكان ذلك داعية إلى حنق الأمة عليه، فثاروا ~~بأجمعهم يطلبون قتله فظفروا به وقضوا عليه بعد سنتين من وفاة بختنصر، وكان في مقدمة ~~الثائرين عليه نريكليصر بن بعل بسروق المقدم ذكره، وكان صهرا لأويل مرودخ متزوجا ~~بأخته فتسلم الملك من بعده واستقر على سرير بابل، وكان الماديون في ذلك العهد قد ~~اشتدت شوكتهم وتعاظم شأنهم، فحدثته نفسه أن يزحف لقتالهم اقتداء بما فعل الذين سلفوه من ~~ملوك بابل، وأنفذ رجالا من قومه يتجسسون ما عند الماديين ويستبطنون دخلتهم، وأرسل إلى ~~حلفائه من الملوك يسألهم النجدة فأجابوه، ووجه إليه كرسيوس ملك ليدية جيشا كثيفا فنهض ~~يجر جحافله حتى وفد على أرض مادي، وكان الماديون على بينة من قصده، فأرسل كياقصر ~~ملكهم إلى كمبيز ملك فارس، وكانت بينهما مصاهرة أن يوافيه بالعدة والمدد، فوجه إليه ~~ثلاثين ألفا من الجند يقودهم قورش ابنه وانضموا جميعا يتوقعون مقدم نريكليصر، فلما ~~التقى الجمعان اقتتلوا قتالا شديدا، وكان نريكليصر في مقدمة حاميته فأصابه رجل من ~~أتباع قورش بنصل خرق صدره فخر لساعته صريعا وانفض جيشه وتتبعهم جيش مادي، ~~فمزقوهم كل ممزق وعادوا عنهم بالأسرى والغنائم وكان ذلك سنة 555. # وملك بعد نريكليصر ولد له اسمه لبورسرخد وكان صبيا دون البلوغ، فعبث بالملك ~~وقتل جما غفيرا من كبراء دولته ونبلاء عصره لغير جريرة أو لبدوات صبيانية، حتى ~~قيل ms80 إنه قتل ابن قائد جيشه لأنه أصاب في الصيد طيرا لم يصبه هو، ولما سئم الكلدان ~~أمره تمالئوا عليه وخلعوه لتسعة أشهر من ملكه وبايعوا مكانه ملكا آخر اسمه نبونيدس من ~~أعقال بختنصر، وكان قورش الفارسي في تلك الأثناء قد أغزى إلى أكثر الممالك بآسيا، ~~فألحقها بسلطنته، ولم يبق إلا بابل فتقدم إليها بجيشه المنتصر سنة 538 وأقام الحصار ~~على سورها الداخلي المحدق ببورسيبا، ففوض نبونيدس إمرة الجيش إلى ابنه بلطشصر، وأقامت ~~المدينة تحت الحصار ما شاء الله إلى أن رأى قورش أن لا سبيل إلى أخذها عنوة، فعاد ~~إلى استنباط الحيلة، حتى إذا كان في ليلة عيد للكلدان وقد اشتغلوا بالملاهي والشراب، ~~دخل المدينة من ماء الفرات، فلم يشعر الناس إلا وأسلحة قورش تتخطفهم من كل جانب فقتل ~~بلطشصر ونجا أبوه إلى بلاد الكرمان، فقضى غابر حياته هناك، ومذ ذاك اضمحلت كلمة الكلدان ~~فلم يعقد لهم ملك ولم تثبت لهم جماعة. ms81