######OpenITI# #META# URI: 1325AntunNajib.IrsaliyyaHabashiyyaFiRusiyya.Hindawi82702853 #META# Tags: history #META# ID: 82702853 #META# Title: الإرسالية القبطية الحبشية في البلاد الروسية: نيافة الأنبا متاءوس في بلاد الروس #META# AuthorID: 68302831 #META# Author: أنطون نجيب #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الرحلة‏ # مقدمة‏ # الرحلة‏ # | الإرسالية القبطية الحبشية في البلاد الروسية # | الإرسالية القبطية الحبشية في البلاد الروسية # | نيافة الأنبا متاءوس في بلاد الروس # تأليف # أنطون نجيب # نيافة الأب الجليل والراعي النبيل، الأنبا متاءوس، مطران ~~الحبشة ورئيس الوفد. # | مقدمة # فطر الإنسان على الولوع باستطلاع الحقائق والوقوف على ماجريات ~~الأحوال، وخصوصا ما كان منها متعلقا بالمسائل التاريخية والحوادث ~~الهامة، وما تركه السلف للخلف من جميل الآثار وجليل المآثر؛ ولذلك ~~ترى أبناء الأمة القبطية يلذ لهم كثيرا مطالعة تاريخ أحبارهم ~~العظام ورعاتهم الكرام الذين نقش لهم التاريخ بين صفحاته بأحرف ~~ذهبية الأثر الحميد والذكر الخالد؛ مثل غبطة الأب الجليل والراعي ~~النبيل الأنبا كيرلس الأكبر مصلح الأمة العظيم، ونيافة المرحوم مطران ~~القدس الشريف، وغيرهما من فطاحل الأمة وقادتها الأفاضل، الذين تركوا ~~لهم بين ظهرانينا من آثار الغيرة الشريفة والهمة العالية ما لا يقوى ~~على محوه مرور الأيام وكرور الأعوام. # وليس يخفى أن نيافة الحبر المفضال الأنبا متاءوس مطران الحبشة نال ~~القدح المعلى واليد الطولى في خدمة أمته وبلاده، وكانت له الأيادي ~~البيضاء والمآثر الغراء في توطيد دعائم المحبة والوداد بين الأمتين ~~القبطية والحبشية، وتأييد سلطة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في هاتيك ~~الأصقاع النائية والديار القاصية. وقد ترك له بين أبناء الأمة القبطية ~~مدة زيارته للقطر المصري الأخيرة من الحب الأكيد والميل الشديد ~~والإخلاص العظيم ما جعل الكل يتشوقون على الدوام للوقوف على تاريخ ~~أعماله الجليلة ومشروعاته النافعة، ولا يملون من استطلاع أخباره ~~السارة، ومطالعتها بمنتهى اللذة والارتياح. وقد كنا نلاحظ ذلك كلما ~~سنحت لنا الظروف بنشر شيء مما كان يأتينا من أنباء الحبشة في جريدة ~~الوطن. # ولا نخال القارئ الكريم قد برح من ذاكرته ما كان من أمر سياحة نيافة ~~الأنبا متاءوس في البلاد الروسية مندوبا من قبل جلالة الإمبراطور ~~مناليك في مهمة عالية ومأمورية خطيرة، وقد انتدب نيافته أحد الأدباء ~~من أبناء الأمة لمرافقته في هذه السياحة بصفته ترجمانا للوفد، وقد ~~عني هذا الأديب بكتابة نبذة مفيدة في تفصيل أخبار هذه السياحة، وما ~~صادفه الوفد ms01 من مظاهر الإجلال، وما كان من مقابلته لجلالة قيصر الروس، ~~وما دار يومئذ بينهما من الحديث، مع وصف ما في تلك البلاد من الآثار ~~والعادات والأخلاق، وكذلك مقابلة نيافة الأنبا متاءوس لجلالة السلطان ~~عبد الحميد، وما شاهده في دار السعادة من جميل المشاهد وبديع الآثار؛ ~~كل ذلك بإيضاح واف وتفصيل كاف شاف مما تلذ مطالعته وتفيد ~~مراجعته. ولما كانت هذه السياحة لا تخلو من الحقائق التاريخية ~~والفوائد الجزيلة، فلا يصح إغفالها ولا سيما لأن الجرائد لم تفها ~~وقتئذ حقها من التوسع والتفصيل، بل كانت تقتصر على مجرد ذكر أخبار ~~سفر الوفد وإيابه، وانتقاله من بلدة إلى أخرى؛ لذلك لم نر بدا من ~~طبع تلك النبذة لتكون أثرا تاريخيا خالدا ينطق بفضل نيافة هذا ~~الحبر الجليل (مطران الحبشة)، ويذكر أبناء الأمة على الدوام ~~بأعمال قادتها الأفاضل ورعاتها الكرام. ونؤمل أن تقع خدمتنا هذه ~~الحقيرة لدى مواطنينا موقع القبول والإقبال، والله ولي الهداية ~~والتوفيق على كل حال. # إدارة الوطن # | الرحلة # قال الراوي: # كنت من تلامذة القسم التجهيزي بالمدرسة الكلية الكبرى. وفي يوم ~~الثلاث 17 يونيو استدعاني كل من حضرات وهبي بك ناظرها وأرمنيوس بك ~~مراقب إدارة البطركخانة، وسألاني إذا كنت أريد السفر مع نيافة مطران ~~الحبشة للشام مدة أسبوعين أو ثلاثة، فأجبتهما أني أستعد لتأدية ~~الامتحان للحصول على شهادة الدراسة الثانوتية في السنة الآتية (سنة ~~1903)، ولا يمكنني إضاعة الوقت بدون مذاكرة، فلم يصغيا لكلامي، بل ~~أخذاني حيث مثلت أمام يدي غبطة بطريركنا المعظم ونيافة المطران ~~المذكور وقدماني لهما، فسألني غبطة البطريرك عن اسمي ونسبي فأجبته ~~عن ذلك، فتذكر غبطته أنه يعرف عائلتنا، وكان ذلك في الساعة 10 وربع ~~من يوم الثلاث المذكور، فأمرني بأن أجهز ملابسي الضرورية وأستعد ~~للسفر، فقصدت محل سكني، وأحضرت كل ما أحتاج إليه، وتوجهت معهم ~~للمحطة حيث فارقنا العاصمة الساعة 11 صباحا، بعدما ودعنا سعادة ~~إسكندر باشا فهمي مدير السكك الحديدية، وسعادتي أرمنيوس بك ووهبي بك، ~~وكثيرين من أعيان الطائفة، فسرنا حيث وصلنا بورسعيد في مساء ذلك ~~اليوم، ms02 وكان في انتظارنا على رصيف المحطة جناب قنصل دولة الروسيا، ورزق ~~الله بك سميكة، ورئيس النيابة، وعدد عظيم من أعيان الطائفة، وساروا ~~بنا إلى الكنيسة الأرثوذكسية حيث أقمنا فيها 5 أيام لغاية يوم السبت 21 ~~يونيو. وفي أثناء ذلك زار نيافته جميع الذين تشرفوا باستقباله على ~~رصيف المحطة. # وما أقبل صباح السبت إلا وحضر جناب وكيل القنصل يدعونا للسفر، فسرنا ~~معه للمينا حيث أبحرنا في الساعة 1 بعد ظهر هذا اليوم. وبعد أن ودعنا ~~جناب القنصل وتحرك الوابور، دعاني نيافة المطران إلى حضرته، وأخذ ~~يحدثني بلطفه المعهود، فقال: لما كنا في مصر علمت أنهم أخبروك ~~بالسفر معي للشام، فالآن لا تخف يا ولدي، أنت معي، وإن شاء الله سنقصد ~~الروسيا حيث نحظى بمقابلة جلالة الإمبراطور في عاصمتها بطرسبرج، فلا ~~تتفكر شيئا ما دمت معي، فإني مستعد يا ولدي لتأدية واجباتك وكل ما ~~تطلبه مني أعطيك إياه في الحال، فاصبر على هذا السفر الطويل، واطلب من ~~الله أن يوصلنا بالسلامة. فعند ذلك أجبت نيافته بأني لست مستحقا ~~أن أكون في حمى آب حنون مثلك؛ فأنا أعلم أن معاملتك إياي ستكون أفضل ~~من معاملة آب لولده، وإني أشكر الله يا سيدي الذي وفق لي آبا ~~مكرما مثل نيافتكم، فإني أحسد زماني الذي من علي بهذه السياحة ~~السعيدة التي ستكون عاقبتها الخير والفائدة لي ولأمتي، وبعد هذا ~~قبلت يديه الكريمتين وانصرفت قاصدا مخدعي وقد طاب خاطري من ~~كلامه الصالح، ورفعت يدي نحو السماء وطلبت منه تعالى أن يديم حياة ~~هذا الآب الجليل. # ومن ثم سارت بنا الباخرة في وسط البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، ~~حتى وصلنا مدينة بيريه من البلاد اليونانية في الساعة الثالثة من مساء ~~يوم الإثنين الموافق 19 من الشهر المذكور. وبينما نحن سائرون كنا نشاهد ~~الأمواج المتلاطمة التي كانت تناطح الباخرة وتكاد تعطلها عن ~~المسير، وكنا ننظر وقتئذ إلى السماء والماء، ولما وصلنا بيريه سارت ~~بنا الباخرة إلى موضع محاط بالجبال حيث مكثنا به خمسة أيام، وفي يوم ~~السبت 28 يونيو ms03 حضر دكتوران بالباخرة، وأخذا في تعداد ركاب الدرجة ~~الأولى والثانية، وأما ركاب الدرجة الثالثة فخرجوا جميعا على الشاطئ ~~حيث طهروهم، وفي الساعة 3 بعد ظهر ذلك اليوم سارت بنا الباخرة إلى ~~الميناء فأقمنا فيها نحو ثلاث ساعات، وفي الساعة السادسة قصدنا مدينة ~~أزمير. وفي أثناء سيرنا كنا نشاهد الجزائر بعضها على بعد ساعة والبعض ~~الآخر على بعد ساعتين، وكلها مكسوة بثوب أخضر جميل، وشجر اللوز ~~والجوز والبندق يزين تلك الجزائر التي تبهج النظر وتسبب للناظر ~~انشراحا عظيما، فكنا ننظرها بالنظارة المعظمة. وفي الساعة ~~التاسعة من مساء ذلك اليوم شاهدنا جزيرة قولين على بعد 10 أميال ~~تقريبا، وهذه الجزيرة مضاءة بالنور الكهربائي، وتشبه جزيرة سيلان في ~~طقسها اللطيف، وما زلنا نشاهدها من أربع أو خمس ساعات إلى أن غابت ~~عنا. # وفي اليوم الثاني (يوم الأحد 29 يونيو الساعة 3 ونصف) وصلنا أزمير، ~~ولشدة هيجان البحر والأمواج المرعبة أمر جناب القبطان بإبقائنا تلك ~~الليلة، فكان الركاب ينزلون إلى البر ويذهبون إلى المدينة يتنزهون ~~فيها؛ حيث ضاقت صدورهم من البقاء في الباخرة مدة السفر. ولما نظرت ~~أكثر الركاب يتوافدون على المدينة طلبت من نيافة المطران أن يسمح لي ~~بالتجول فيها فسمح لي بذلك، وفي الحال أخذت قاربا مع بعض من ~~الركاب وقصدنا المينا، فشاهدنا من أول وهلة مركبات الترامواي تمر على ~~المينا وبجانبها الأيسر مرسح عظيم وقهوة أشبه بمدينة. وبعد ذلك سار ~~بنا المرشد إلى الشوارع التي كانت صاعدة فوق الجبل، ورأينا على ~~جانبيها قصورا عظيمة تعلو بالتدريج إلى أن تصل إلى قمة الجبل، وهذه ~~حالة أغلب شوارعها، فبعدما صرفنا نحو ثلاث ساعات عدنا إلى الباخرة حيث ~~كانت في انتظارنا وأخذنا القارب الذي أنزلنا، فعند ذلك برز شخص من ~~رجال الضبط، وطلب منا أن نريه «جواز السفر» فأجبنا طلبه في الحال، ثم ~~قصصت ما شاهدته لنيافة المطران. وعندما أظلم الجو صرنا نشاهد المدينة ~~بهيئة جميلة ومنظر بديع كأنها زينة جميلة ومهرجان بهيج. وفي الساعة ~~3 من مساء اليوم الثاني 30 يونيو سارت الباخرة ms04 إلى الآستانة، فوصلناها ~~في الساعة 5 من مساء يوم الثلاث، وبعدما عبرنا الدردانيل في الصباح ~~مكثنا فيه نحو ساعة، وأخذنا نشاهد في طريقنا «بحر مرمرة» وجزائر عديدة ~~تكسوها الخضراوات والأتمار وأشجار البندق واللوز. وقبل وصولنا إلى ~~عاصمة الخلافة بساعتين كنا نشاهد جامع أجيا صوفيا بالنظارات ~~المعظمة، وهذا المسجد تعلوه أربع مآذن مرتفعة ارتفاعا هائلا ~~(وسيأتي الكلام إن شاء الله على وصف هذا الجامع المشهور عند قصة عودتنا ~~من الروسيا)، فلما وصلنا المدينة وقفنا على بعد ميل من المينا إلى أن ~~تلقينا الأمر باستمرار المسير إلى موضع يبعد عن البحر الأسود ~~بمسافة قليلة يقال له غلاطة؛ أعني من بحر مرمرة للبحر الأسود. وفي ~~أثناء عبورنا كنا نشاهد شواطئ هذا البوغاز مرتفعة من 100 متر إلى 150 ~~مترا، وعلى انحدارها ترى البيوت فوق بعضها كما فصلنا في وصف أزمير، ~~وأكثرها من خشب، وأما الجزء الخالي من ذلك فمحصن بالمدافع شمالا ~~ويمينا، والبوغاز نفسه على هيئة خطوط منحنية، ثم على فم البحر الأسود ~~نقطة يقال لها بيوكديره، وفيها محلات جميع سفراء الدول يمضون فيها ~~فصل الصيف، وعلى نصف ميل نقطة تمكث فيها الباخرات مدة؛ الكرنتينة، ~~وقد أقمنا بها ليلتين عند توجهنا إلى الروسيا منتظرين البوستة من ~~بيت السفارة المسكوبية. وهذا البوغاز مكتس بالخضروات من الأعلى إلى ~~الأسفل، ولا يمكني أن أعبر أكثر من ذلك حيث لا يمكنني أن أقص ~~للقراء كل ما نظرت. وفي يوم الخميس 3 يوليو طرحتنا الباخرة في وسط ~~البحر الأسود، وغبنا عن الصواب من شدة الأمواج التي كانت تناطح ~~الباخرة، وتعمل على تعطيلها عن المسير، فكان المسافرون في خوف عظيم ~~وكل واحد منهم قد لازم سريره، فكان لا يصعد فوق الباخرة خوفا من منظر ~~تلك الأمواج المدهش. # وبقينا على هذا المنوال إلى أن وصلنا أودسا (المينا المقصودة) حيث ~~كان ذلك في يوم السبت 5 يوليو الساعة 7 مساء، وفي أثناء سفرنا في هذا ~~البحر الأسود لم نكن نشاهد غير السماء والماء؛ فمدة سفرنا في هذا البحر ~~كانت 27 ساعة. ms05 ولما وصلنا الأقطار الروسية كان جمع عظيم على رصيف ~~المينا ينتظرنا، فما كادت الباخرة (نقولا الثاني) تلقي مراسيها إلا ~~واستقبلنا هذا الجمع يتقدمه جناب رئيس المينا، ورئيس الكرنتينة، ~~وجناب محافظ البلدة، وكثير من الأعيان، ثم مندوب معين لخدمتنا من ~~وزارة الخارجية، وبيده صنية من الفضة فوقها «خبز وملح» فتناول نيافة ~~المطران بيده الكريمة قليلا منها، وأمر أتباعه أيضا ففعلوا مثلما ~~فعل. وبعد ذلك ساروا بنا إلى نزل «بطرسبرج» حيث أمضينا تلك الليلة. ~~ولما أشرق صباح يوم الأحد 6 منه حضر مندوبنا المذكور ومعه العربات ~~المعدة لنا لنقلنا؛ حيث كان ينتظرنا خارج القاعة المعدة لاستقبالنا ~~حضرات من شرفوا رصيف المينا بالأمس لمقابلتنا، فاستمر الحديث مع كل ~~شخص منهم بضع دقائق إلى أن نادانا القطار للسفر، فأخذناه في الساعة 9 ~~صباحا، فسار بنا مدة 5 ساعات في وسط مزروعات من الغلال، وبعد ذلك كنا ~~ننظر الغابات الكثيفة إلى أن وصلنا للعاصمة، فكانت هذه الغابات تحيط ~~بنا يمينا وشمالا على حافتي السكة الحديد، وأغلبها مزروعة من الخيار ~~والخرشوف، وأشجار هذه الغابات ترتفع نحو ثلاثين مترا تقريبا. وفي ~~أثناء تناول الطعام كان حضرة وكيلنا يرسل تلغرافا إلى المحطة التي ~~نكون فيها بعد ذلك، وعند الوصول إليها كان بعض أهاليها يقابلنا على ~~رصيفها بغاية الترحاب وقد فرشوا لنا بساطا من باب العربة لأودة ~~المائدة، وكانوا ينتظرون واقفين حتى انتهاء الأكل. وكانوا يعدون ~~لنا مائدتين؛ الأولى يجلس عليها نيافة المطران وسكرتيره وجناب الوكيل ~~المعين لخدمتنا، والثانية لحاشيته الذين يبلغ عددهم سبعة أشخاص أنا ~~في جملتهم، وهم الكاتب والصراف ورئيس الحرس واثنان لخدمة نيافته ~~الخصوصية، والسادس خادم جناب سكرتيره، وبعد انتهاء المائدة كنا نحيي ~~المستقبلين، وهكذا مدة الثماني وأربعين ساعة. وأما مواعيد الطعام فهي: ~~في الساعة 9 صباحا كنا نتناول الشاي مع الكونياك وقليل من الخبز مع ~~القهوة، ثم الفطور ظهرا (بعده أو قبله بقليل حسب وصول القطار للمحطة ~~المعدة للطعام)، وفي المساء أيضا يسمى غداء، وقبل الرقود بقليل ~~كنا نتعاطى الشاي أيضا مع الكونياك، ونتناول الطعام ms06 في المحطات، وأما ~~الشاي فكنا نتناوله في نفس القطار. # عاصمة الروس # ولما وصلنا مدينة بطرسبرج في الساعة 9 والدقيقة 40 من صباح يوم ~~الثلاث 8 يوليو، استقبلنا على رصيف المحطة أولا بعض الوزراء، ثم ~~مطران العاصمة وجملة من الكهنة، ثم عدد عظيم من موظفي النظارات ~~ومحافظ العاصمة وشرذمة من البوليس وناظر المحطة ومستخدميها. وبعد ~~التحية المعتادة قدموا لنيافة المطران صنية من الفضة منقوشة ~~بأعظم نقش وعليها خبز وملح مثلما فعلوا في أودسا. وأخيرا سار ~~بنا الموكب إلى نزل يدعى «اللوكندة العظمى بشارع مورسكايا ~~الصغير»، وهذه اللوكندة تشتمل على طبقتين خلاف البدرون، وفي ~~مدخلها أناس يحملون «البلطوات» للزائرين الأجانب، وعلى يمين ~~المدخل في موضع يرتفع 6 درجات يوجد ناد، وعلى شماله يصعد الإنسان ~~على 6 درجات أيضا ويجد على آخر الدرجة السادسة أودة الحسابات، ~~وإذا استمر في سيره يجد غرفا عديدة على اليمين يختلف إيجار كل ~~واحدة من ثلاثة روبلات فما دون لغاية روبل واحد (والروبل يساوي 10 ~~قروش صاغ). وبجانب أودة الحسابات المذكورة ودرجات اللوكندة ~~(السلالم) يبتدئ الصاعد بأول درج من الجهة القبلية ويصعد 10 درجات ~~ثم يلتفت يمينا ويصعد قدر الأول، وفي آخر ذلك درجة مستطيلة ~~الشكل، فإذا تركها الإنسان على اليسار يعبر ردهة عظيمة على ~~يسارها حجرة كبيرة إيجارها 14 روبلا؛ أي 140 قرشا تقريبا كل ~~يوم، وبداخلها مخدع صغير فيه سريران، وعلى يمينها حجرة صغيرة ~~بثلاثة روبلات (أي 30 قرشا). وهكذا على جانبي هذه الردهة التي ~~يبلغ طولها نحوا من ثمانين لمائة متر. # وفي الردهة الأخيرة التي على شمال سلالم النزل، الشقة التي ~~أعدت لنيافة المطران ووكيله على يمين الردهة، وهذه الشقة تحتوي ~~على غرفة الاستقبال أولا، وعلى يمينها أودة الوكيل الموصلة إلى ~~بلكون على باب اللوكندة، وبها دروة داخلها سريران من النحاس الأصفر ~~ودولاب لحفظ الملابس، وعلى باب هذه الردهة 6 كراس مفروشة بقماش ~~مثل ورق الردهة المذكورة، وأمامها يوجد باب المائدة، ثم في ~~انتهائها أودة المطران، وعند دخولها يجد الإنسان مائدة فوقها ~~شمعدان كهربائي ورياش ms07 فاخرة، وعلى يمينها حاجز أيضا داخله ~~سريران، وإيجار هذه الشقة 30 روبلا في اليوم الواحد؛ أي 305 قروش ~~تقريبا. وأما أودة الاستقبال فيوجد بداخلها ديوان عجيب و12 ~~كرسيا وكلها بالاستك ومكسوة بالحرير، ومائدة فوقها شمعدان ~~كهربائي وداخلها ثرية بالنور الكهربائي، ومن جهة الشارع شباكان ~~عليهما ستاير بالحرير البني مثل باقي المفروشات، وأمام هذه الشقة ~~أودتان يوجد بهما سريران لشخصين من أتباع نيافته، وفي الأودة ~~الثانية باب يفتح على الردهة، وعلى الأمام نافذة تطل على حوش ~~اللوكندة، وعلى يمينه مرآة كبيرة وصور مختلفة. وإذا مشى الإنسان ~~من الردهة الثانية التي يفتح عليها باب الأودة الثانية يجد ~~أودتين وفي وسطهما أودة المائدة التي كنا نتناول فيها الطعام (نحن ~~السبعة). وعلى يمين الأودة المذكورة أودة الكاتب، والثانية جهة ~~اليمين وبها كان ينام رئيس الحرس وخادم الوكيل، وأمام باب الشقة ~~العظمى يوجد شقة خصوصية داخلها أودة استقبال الزائرين قبل مقابلة ~~نيافة المطران، ثم أودة مخدعي، ثم أودة الصراف وهكذا، وإيجار هذه ~~الشقة 14 روبلا يوميا (145 غرشا صاغا). وأودة الاستقبال ~~الثانية تشابه الأولى إلا أن المفروشات مختلفة اللون وأقل اتساعا ~~منها، وقبل وصول هذه الشقة بمترين يوجد ردهة أخرى كبيرة جدا ~~على شمال العابر. وبالجملة فإن هذه اللوكندة تحتوي على ست ردهات، ~~وأقل ردهة يبلغ طولها نحوا من 40 مترا وأكبرها 100 متر أيضا ~~وهكذا في الدور الثاني، وكل ردهة مفروشة ببساط طويل يكفيها. وأما ~~مطبخ هذه اللوكندة فهو في آخر ردهة جهة الشرق من الدور الأسفل. ~~وأما المنوطون بخدمة الأود فهن خادمات في غاية النظافة ينظفن ~~السراير ويغيرن فرشها. وفي صباح كل يوم يأتي الفراشون فينظفون ~~الأحذية والملابس، وإذا أراد الإنسان أن يستحم فيدفع أولا أربعة ~~فرنكات أجرة خصوصية للوكندة وبخشيشا للذي يكون في خدمته، والحمام ~~البارد بنصف هذه القيمة. وإذا طلب الإنسان شيئا ودق الجرس دفعة ~~واحدة فيحضر له غلام في الحال، وإذا دق مرتين تحضر الخادمة، ~~أو ثلاثا يحضر الفراش الذي ينظف الملابس وغيرها. # ولما بزغ صباح اليوم الثاني (من وصولنا) ms08 ركب نيافة المطران ~~العربات ووكيله والوكيل المعين لنا، وقصدوا سراي وزير الخارجية ~~حيث مكثوا مع عطوفته نحو عشرين أو ثلاثين دقيقة، وبعد ذلك مروا على ~~كل من سراي الوزراء، وترك نيافته بطاقة زيارة في كل منها، ثم ~~عادوا إلى النزل في الساعة العاشرة حيث تناولوا الغذاء، وبعد ~~الظهر رد الزيارة بعض الوزراء وكذا وزير الخارجية. وهكذا دامت ~~الزيارات كل يوم لغاية يوم السبت 12 يوليو سنة 1903. ولما أصبح ~~يوم السبت المذكور كان عيد الرسل فحضر نيافته الصلاة في كنيسة ماري ~~إسحاق حيث مكثنا فيها للساعة واحدة بعد الظهر (وسنصف هذه الكنيسة ~~عند وصف الكنائس التي شاهدناها حال وجودنا في بطرسبرج). وقد أعدوا ~~لنا مكانا مخصوصا أمام باب الهيكل. ولما انتهت الصلاة قصدنا ~~النزل حيث لم يكن يوجد وقت. وفي الساعة 2 بعد الظهر انتهى ~~الغداء. وفي الحال ركب جناب المطران ووكيله وصرافه والوكيل ~~المعين وقصدوا موضعا يدعى «بترهوف» حيث كان ينتظرهم جلالة ~~القيصر في الوقت الذي خصصه لاستقبالهم، فلما وصلوا المحطة كانت ~~في انتظارهم ثلاث عربات بيضاء اللون منقوشة بماء الذهب، يقود كل ~~واحدة رأسان من الخيل الملوكي السوداء، فركب نيافة المطران العربة ~~الأولى منفردا، وفي الثانية كان جناب الوكيل المعين، وفي ~~الثالثة حضرة وكيل المطران والشخص الآخر الذي توجه معهم، وكان في ~~انتظارهم على رصيف المحطة جملة من موظفي المعية الملوكية، فسار ~~بهم الموكب لغاية البلاط الملوكي، فدخلوا القصر الإمبراطوري حيث ~~صعدوا إليه بواسطة سلالم ترفع الإنسان إلى الطبقة المطلوبة، ولم ~~يشعروا إلا وقد وجدوا نفسهم في الطبقة الثانية. ولما دخلوا أودة ~~المقابلة وجدوا جلالة القيصر والقيصرة واقفين بكل خشوع ووقار ~~واحترام، فتشرف جلالتهما بتقبيل الصليب الذي كان بيد نيافة ~~المطران، ولبثوا واقفين نحو ثلاثين دقيقة، وكان الترجمان جناب ~~الوكيل المعين لذلك حيث كان يعرف قليلا من اللغة العربية. وفي ~~الحال أبرز نيافته خطابا من جلالة ملك الحبشة مكتوبا باللغة ~~الحبشية فأخذه جلالة القيصر فقبله، ثم أمر جلالته أن يتعاطوا ~~قليلا من الشاي وغيره. وبعد ذلك زاروا الطبقة الثانية ms09 كلها ~~فاندهشوا من تلك المناظر العجيبة والمفروشات المختلفة الألوان مما ~~لا يمكنني أن أعبر عنه بطريقة وافية، وأما مخدع جلالته فبسيط ~~للغاية. ويوجد بهذا القصر حجرة مخصوصة فيها أيقونة العذراء وجملة ~~قديسين حيث يؤدي صلاته الخصوصية فيها صباحا ومساء، فتعجبوا ~~كثيرا من بساطة هذا الملك وتمسكه بالدين. وأما «بترهوف» السابق ~~ذكرها فهي بلدة صغيرة تبعد عن العاصمة بمسافة 15 كيلومترا ~~يقطعها الإنسان بقطار السكة الحديد، وفيها يوجد السراي التي يمضي ~~فيها القيصر فصل الصيف. # ثم إن نيافة المطران لبث في سراي «بترهوف» لغاية الساعة 4 من ~~مساء يوم السبت، وعاد للمحطة بالعربات الخصوصية التي كانت في ~~انتظارهم أولا، وسار القطار بعد بضعة دقائق قاصدا بطرسبرج. ~~وأخيرا وصلوا النزل في الساعة الخامسة وقلوبهم تهتز من شدة الفرح ~~لما توسموه من ميل هذا الملك السعيد إلى عمل الخير وزهده الدنيا ~~بحيث إنه لا يلبس لبس الملوك والسلاطين، بل كأحد أفراد العساكر، ~~وطلبوا من المولى تعالى أن يزيد في شوكة هذا القيصر الكريم. وفي ~~جملة ما قاله جلالته لنيافة المطران: إني سعيد اليوم لزيارة شخص ~~موقر مثلكم، وخصوصا لأنك من عند حبيبنا الملك مناليك. # وفي يوم الأحد الموافق 13 من الشهر أمضينا الصلاة في كنيسة تدعى ~~ألكسندرفسكي (إسكندر) فأعدوا لنا أيضا محلا مخصوصا مثلما ~~فعلوا بكنيسة ماري إسحاق المتقدم ذكرها، وبعد الصلاة دخلنا ~~الهيكل وشاهدنا الأيقونات الموجودة به وباب الهيكل المصفح ~~بالفضة، وبه قبر فيه جثة صاحب الكنيسة، ونظرنا الملابس الكهنوتية ~~المصنوعة من القصب بأعظم اعتنا وأبدع شكل. وبعد ذلك ساروا بنا ~~في دير الكنيسة حيث تناولنا الغذاء، وفي أثناء ذلك صارت الكهنة ~~والشمامسة ترتل أثناء الطعام، وبقينا هناك لغاية الساعة الثالثة ~~بعد الظهر، ثم ركبنا العربات وتوجهنا إلى اللوكندة. وفي عصاري ~~ذلك اليوم تنزهنا على شاطئ بوغاز منلند الموصل إلى البحر ~~البلطيقي بنقطة تدعى الجزائر، فصارت العربات تمشي بنا الهوينى ~~حتى أشبعنا النظر منها، وهذا المحل كله أشجار غير مثمرة وروائح ~~زكية، وفي وسط هذه الأشجار شوارع منتظمة جدا وكلها مضاءة بالنور ms10 ~~الكهربائي، وهذا الموضع يبعد عن المدينة نحو عشرة كيلومترات، ثم ~~عدنا في الساعة الثامنة. # المتحف الروسي # وفي يوم الأربعاء 14 منه في الساعة 9 صباحا سارت بنا العربات ~~إلى الأنتكخانة ثم القصر الإمبراطوري؛ فأولا دخلنا الأنتكخانة، ~~وهنا يقصر اللسان عن إيضاح جميع ما شاهدناه من التحف التي توجب ~~العجب وتصير الإنسان مدهوشا متحيرا. # كان دخولنا إلى الأنتكخانة في الساعة 9 من صباح اليوم المذكور؛ ~~فأولا وجدنا فسحة عظيمة موصلة إلى السلالم، وعلى كل من ~~يمينها وشمالها أودتان لرؤساء هذا المتحف، وعندما يصعد الإنسان في ~~الدور الثاني يجد على شماله غرفة عظيمة يبلغ طولها 12 مترا ~~وعرضها 8 أمتار وكلها مزينة بصور بعض القياصرة وبعض القواد ~~الذين شهد لهم الزمان بالشجاعة في الحروب، ثم دخلنا حجرة من داخل ~~حجرة إلى أن وصلنا إلى ردهة عظيمة ترى فيها على الشمال صندوقا ~~عظيما بداخله صورة إسكندر الأكبر وأمامه جواده الخصوصي وكلباه، ~~وإذا مشى الإنسان قليلا يجد السرج الذي كان يضعه على هذا الجواد ~~المرصع بالجواهر الثمينة، ولربما يبلغ ثمنه عشرة ملايين جنيه؛ إذ ~~فيه نحو ثلاثة كيلوجرامات وأكثر من الألماس خلاف الحجارة الأخرى، ~~وأمام هذا السرج صندوق من الزجاج داخله علب نقود ودخان مختلفة ~~القياس ومرصعة بالجواهر أيضا. وبالجملة فإن هذه الحجرة العظيمة ~~ممتلئة من الألماس والجواهر المختلفة، ثم نظرنا في جهة أخرى صورا ~~عديدة مصنوعة من الزلط الرفيع. وبعد أن أشبعنا النظر في الطبقة ~~العليا قصدنا الطبقة السفلى، فأول ما شاهدناه آلات الحرب القديمة ~~بأجمعها من مدافع وأسلحة وبنادق وما شاكل ذلك، وصور الأبطال راكبين ~~جيادهم ورافعين السلاح إشارة إلى الهيئة التي كانوا بها أثناء ~~الحروب. وبعدئذ دخلنا غرفا عديدة فيها صور القديسين، فشاهدنا ~~أولا صورة عظيمة يبلغ طولها من ثلاثة لأربعة أمتار وعرضها نحو ~~مترين، وهي صورة بطرس الرسول عندما صلب منكس الرأس واليهود ~~بكثرة حوله، ثم صورة إبراهيم الخليل عندما أراد ذبح ولده الوحيد ~~وجاء ملك من السماء وأمسك بيده ووضع الكبش بجانبه، وأكثر الصور ~~يبلغ 3 × 4 أو 2 ms11 × 5. ثم أيقونة أم المخلص، وبعد ذلك دخلنا ~~أودة عظيمة بها نحو من 20 أيقونة، وكل واحدة معلق أمامها قنديل ~~من الفضة لا ينطفئ ليلا ونهارا. # وقد سهي علي أيها القراء أن أذكر لكم أولا صورة الملكة ~~زوجة بطرس الأكبر وصورته عندما أسلم الروح، ثم صورته وهو راكب ~~جواده، ثم عند وضعه في القبر، والعصا التي تدل على قياسه والسيوف ~~المرصعة بالجواهر التي كانت له، والشماسي والعصي التي كانت له ~~ولزوجته. وبعد أن انتهينا من مشاهدة هذا المحل العظيم دخلنا القصر ~~الإمبراطوري، فعبرنا ردهة موصلة من دار التحف إلى القصر ~~المذكور، وهنا يعجز اللسان عن التعبير ولا يمكنه أن يصف هيئة القصر ~~كما شاهده الإنسان بعينه، دخلنا ونحن نعجب من ارتفاع تلك القصور ~~الهائل والكراسي المزخرفة والمفروشات العظيمة الموجودة به، فصرنا ~~نعبر حجرة بعد أخرى حتى وصلنا صالة كبيرة وهي المعدة لمقابلة ~~الملوك، فهذه الصالة فيها يشاهد الإنسان نهر نيفا وطولها نحو من 30 ~~مترا وعرضها 10 تقريبا، وعلى يمينها ويسارها عدة كراسي، ومن ~~الجهة البحرية يوجد الكرسي الملوكي، ويوجد في هذه الصالة 24 ~~ثرية يبلغ ضوء كل واحدة منها 400 شمعة وهي بالنور الكهربائي. ~~وبعد ذلك دخلنا حجرا عديدة كلها مزخرفة، ومن ضمنها أودة جد ~~الإمبراطور الحالي، فلما دخلناها نظرنا في شمالها مائدة وعليها ~~دفاتره، وعلى اليمين وفي وسط هذه الأودة مائدة أخرى للأشغال ~~الخصوصية، فنظرنا فوقها الساعة التي كان يحملها وعقاربها واقفة ~~عند ساعة موته، ثم شاهدنا أيضا النقود التي كانت في زمانه، وفم ~~السيجارة وبعض ملابسه، وآخر سطر كتبه حيث كان الدفتر مفتوحا، ~~ووراء كرسيه كرسي آخر عليه دفاتر أخرى، وعلى يمين هذا الكرسي ~~دروة فيها السرير الذي أسلم عليه الروح، فتعجبنا من الاهتمام ~~بحفظ هذه الآثار في مواضعها حيث مضى عليها نحو 25 سنة، ثم دخلنا ~~محلات أخرى بها صورة الوقائع الحربية ومن جملتها الحروب التي كانت ~~بين الروسيا والدولة العلية، وكل صورة من هذه الصور تبلغ مساحتها 3 ~~أمتار × 4 أو 2 × 4 بالتقريب، وكلها مرسومة ms12 بالألوان الجميلة، ثم ~~شاهدنا بستانا في الطبقة الثالثة تبلغ مساحته 200 متر مربع (20 × ~~10) وبه أشجار مرتفعة تشبه شجر «الصرو» وبه عدة مماش وفي وسطه ~~بئر لري هذا البستان العظيم. وهكذا أخذنا نسير مدة ثلاث ساعات ~~ونصفا حتى تعبنا فركبنا العربات وعدنا للنزل في الساعة الواحدة ~~بعد الظهر. وفي مساء ذلك اليوم تنزهنا في الجزائر السابقة الذكر ~~فأمضينا فيها للساعة 9 مساء. ومما يوجب العجب أن غروب الشمس في ~~عاصمة الروسيا في فصل الصيف يكون بعد غروب الشمس عندنا بربع ساعة ~~وهكذا في فصل الصيف. وأما في فصل الشتاء فيكتسي الجو بالظلام من ~~الساعة 3 بعد الظهر لغاية صباح اليوم التالي، وتكتسي الأرض بالثلج ~~حتى لا يمكن للإنسان أن يعبر الطريق إلا إذا لبس حذاء كبيرا. ~~وفي أثناء سقوط الثلج تتجمد المياه حتى يمكن للعربات المسير على ~~المياه نفسها، ثم يصنعون قنايات في وسط الثلج الذي يسقط في الأنهر ~~حتى يتمكنوا من وجود ماء للشرب، ويبلغ عمق القنايات نحو متر ونصف ~~تقريبا. # وفي يوم الثلاث 15 منه الساعة 9 صباحا ركبنا قطار السكة الحديد ~~وقصدنا موضعا يدعى «كراتنويسلو» يبعد عن العاصمة نحو 20 ~~كيلومترا تقريبا، فعند وصولنا للمحطة ركبنا العربات التي كانت ~~معدة لنا وسرنا إلى موضع يبعد عن المحطة بنصف ساعة لمشاهدة ~~استعراض الجيش الروسي، فاستقبلونا في محل مخصوص كان قد أعد لنا ~~ولعائلات الوزراء وأكابر التجار وبعض أكابر القوم أيضا، وبجانب ~~هذا المكان يوجد كشك مخصوص لجلالة الإمبراطور وملك إيطاليا وبعض ~~العائلات الملوكية، فما حلت الشمس وسط الأفق إلا ومر جلالة ~~القيصر راكبا جواده أمام الجيش ورافعا سلاحه رمزا إلى تحية أمته ~~السعيدة، وتلاه شقيقه الدوك مخائيل وراءه، ثم وزير الحربية وجمع ~~عظيم من القواد، فاستمرت الأورط تمر أمام الجميع مدة ثلاث ساعات ~~ونصف، ومن ضمن هذا الجيش العظيم تلامذة المدارس الحربية والبحرية، ~~ثم مر نحو 400 مدفع وكل واحد منها يقوده 6 من جياد الخيل، وكل ~~جواد يركبه جندي، والمدفع نفسه يركبه ثمانية جنود. وكل أورطة مؤلفة ms13 ~~من ثمانية صفوف، فسررنا بمشاهدة هذا الجيش العظيم الذي يبلغ 40 ~~ألف جندي في العاصمة فقط، وأما مجموعه فيبلغ نحو مليون وهو متفرق ~~في أقطار الروسيا كلها. # وهذا الاستعراض كان لمناسبة وجود جلالة فيكتور عمانويل الثالث ~~ملك إيطاليا. وفي الساعة الرابعة من مساء ذلك اليوم عدنا بالعربات ~~إلى المحطة حيث تناولنا الغذاء في لوكندة الإمبراطور الخصوصية ~~المعدة لجلالته لتناول الطعام في الأوقات التي يكون جلالته ~~مترددا في الأماكن المجاورة لها، ثم أخذنا القطار وعدنا ~~للعاصمة. # المعامل الروسية # وفي صبيحة اليوم الثاني 16 منه عند الساعة 10 صباحا قصدنا معامل ~~الحديد، فاستقبلنا جناب الرئيس العمومي وبعض المهندسين ورؤساء ~~الورش، ودخلوا بنا إلى فابريقة المدافع الصغيرة الموضوعة على فرع ~~من نهر نيفا، فنظرنا كيفية العمل وكيفية وضع الرصاص وإطلاقه. وبعد ~~ذلك ركبنا باخرة صغيرة (رفاص) وسرنا إلى الشاطئ الثاني حيث كان ~~يوجد نحو 10 مدافع صغيرة، فأطلقوها أمامنا ثلاث دفعات فكنا نسد ~~آذاننا من شدة الضجة. وبعد بضعة دقائق عدنا بالباخرة وأخذنا ~~وابورا صغيرا للوصول إلى الفابريقة الأخرى؛ حيث كل واحدة تبعد ~~عن الثانية بنحو كيلومتر تقريبا، فوصل بنا إلى الفابريقة التي ~~يصنعون فيها أعظم المدافع، فلما شاهدناها زاد بنا العجب والاندهاش؛ ~~إذ شاهدنا من المدافع ما يبلغ طول البعض منها 13 مترا وارتفاع ~~الدائرة 45 سنتيمترا، والبعض الآخر 8 أمتار وارتفاع الدائرة 20 ~~سنتيمترا. وأخذنا نجول في هذه الورش الهائلة مدة 3 ساعات ~~تقريبا. وشاهدنا أيضا الحديد عندما يصير كالماء الجاري، ثم آلات ~~بخارية للمراكب الحربية وثمن البعض منها 5 آلاف جنيه والآخر 8 ~~آلاف، والمدافع الكبيرة يبلغ ثمن البعض منها 10 آلاف جنيه والأخرى ~~ستة آلاف. ومن العجيب أنه في كل ورشة أودة مخصوصة بها أيقونة أحد ~~القديسين وأمامها قنديل لا ينطفئ، وكذا في أغلب الشوارع والأزقة، ~~ثم تناولنا الغذاء في الساعة الثانية من مساء اليوم المذكور، ~~وبعدئذ عدنا لمحل إقامتنا. # زيارة الكنائس # ولما أصبح اليوم التالي (يوم الخميس 17 منه) قصدنا زيارة ~~الكنائس، فدخلنا أولا كنيسة ماري إسحاق التي ms14 كانت تبعد عن ~~النزل بنصف كيلومتر، ودخلناها في الساعة العاشرة من صباح اليوم ~~المذكور، وكان في انتظارنا حضرات كهنتها وأكثر من 50 تلميذا ~~(شماس) فأنشد الجميع في الحال التراتيل الدينية وهتفوا بصوت واحد: ~~فليعش الإمبراطور مناليك والإمبراطور نقولا الثاني ونيافة مطران ~~الحبشة و«عباس الثاني». ثم ساروا بنا أمام الهيكل فنظرنا الباب كله ~~مموها بالفضة، ومنقوشا عليه رسم نحو مائة قديس، وفي أربعة أركانه ~~ملائكة يحملون الصلبان، وأمام هذا الباب العجيب على بعد 3 أمتار ~~أيقونة أم المخلص وابنها الحبيب موضوعة على قطعة من النحاس ~~الأصفر ترتفع عن الأرض بنحو متر، وكان دائرها مرصعا بالجواهر ~~الكريمة، وفوق كل من رأس السيدة وابنها الحبيب قطعة من الألماس ~~تشبه البندقة، والاسمان مكتوبان بالحجارة الكريمة أيضا. وبجانب ~~هذه الأيقونة نسخة الإنجيل الذي يبلغ ثمن غطائه 8 آلاف جنيه؛ لأنه ~~مرصع بالجواهر، وعلى بعد 15 مترا على باب الهيكل أيقونة ~~المخلص وهو مدفون في قبره رمزا إلى موته المجيد، وفي الأربعة ~~أركان ملائكة يحملون الصليب أيضا، ثم قبر صاحب الكنيسة وأيقونته ~~أمامها قنديل لا ينطفئ دائما، وفي الجهة الغربية من هذه الكنيسة ~~غرفة ناظر حساباتها، وأمامها مائدة عظيمة مستطيلة عليها شمع كثير ~~يأخذ الإنسان عددا معلوما ويشعله أمام من يريد من القديسين إذا ~~كان عليه نذر بعد دفع الثمن المحدد لكل شمعة، وتكاليف هذه ~~الكنيسة 29 مليون روبل (3 ملايين جنيه تقريبا). وأما ارتفاعها ~~فغريب جدا يبلغ 40 مترا وطولها 50 مترا وعرضها 25، وبها 20 ~~عمودا من الرخام الأزرق المنقوش، وكذا جدارها بالرخام أيضا، وقد ~~مكثنا بها نحو ساعة مندهشين من فخامة هذه الكنيسة، ثم غادرناها في ~~الساعة 11، وقصدنا كنيسة أخرى، ألا وهي كنيسة القديسة مريم، فكان ~~في انتظارنا على بابها جملة من الكهنة والشمامسة وكلهم بالملابس ~~الكنايسية، فساروا بنا بموكب عظيم داخل الكنيسة، فرأينا باب ~~الهيكل المفضض منقوشا عليه جملة من القديسين مثلما تقدم في ~~باب هيكل كنيسة ماري إسحاق المتقدم ذكره، ثم أيقونتها مرصعة ~~بالجواهر وتبلغ قيمتها 5 آلاف جنيه، واسمها واسم ابنها ms15 المخلص ~~منقوشين بالألماس أيضا، وكذلك أواني الكنيسة جميعها. وأما ملابس ~~الكهنة فمنقوشة أعظم نقش وبعضها مزين بالجواهر، ثم صورة أم ~~المخلص مدفونة في قبر من الرخام الأبيض وعليه صليب عجيب من ~~الذهب، ثم أيقونتها فوق ذلك القبر وأمامها قنديل من الذهب الروسي ~~الأبيض، وأما تكاليف هذه الكنيسة فتبلغ 750 ألف جنيه. وهي أقل ~~ارتفاعا من الكنيسة السابقة الذكر، ويعلوها قباب منها أربع صغيرة ~~والوسطى كبيرة جدا، وبها أربعة أجراس، وفي الجهة الغربية منها ~~توجد أودة الحسابات وبجانبها أودة صغيرة لحساب النذور فقط، ثم ~~مائدة أمام هاتين الأودتين مخصوصة لشمع النذور، فمكثنا في كل ~~كنيسة نحو ساعة، وفي الظهر قصدنا النزل حيث تناولنا ~~الغذاء. # وفي الساعة 2 من مساء ذلك اليوم ساروا بنا إلى كنيسة صغيرة ~~داخلها قبور الملوك السالفين وعائلاتهم، فكنا نشاهد كل قبر من ~~الرخام الأبيض وعليه صليب من الذهب الخالص وأيقونة الميت على ~~الرأس وأمامها قنديل مشتعل، وقد أحصيت نحو 90 قبرا بهذه الصفة، ~~وهناك أقيمت الصلاة على روح والد جلالة القيصر الحالي واستمرت نحو ~~ساعة وربع، وكنا نقبض على الشمع أثناء الصلاة، ونرى على كل قبر ~~ملكا ماسكا الصليب. والموكلون على هذا المحل نحو 15 شخصا غير ~~الكهنة والشمامسة، وبداخله أشجار كثيرة ورياحين متنوعة، وإذا ~~تأمل الإنسان لهذه الكنيسة يجدها شعلة تتلألأ بالقناديل الموضوعة ~~أمام كل قبر من هذه القبور. وكان خروجنا منها في الساعة 3 بعد ~~الظهر، فقصدنا محلا صغيرا منفردا، فوجدنا بداخله أول قارب ~~صنعه بطرس الأكبر، وهذا القارب معلق في سلسلة من الحديد ترتفع عن ~~الأرض بنحو نصف متر تقريبا، وفيه أيضا الرايات التي كانت في أيام ~~ذلك القيصر مرفوعة حول القارب المذكور، وبعد ذلك سرنا لموضع آخر ~~يوجد بداخله كرسي وخزانة صنعهما القيصر المذكور وهما منقوشان ~~أعظم نقش، وفيه مقصورة السيدة العذراء وأيقونتها، وكنا نشاهد ~~أناسا كثيرين يتوافدون على هذا المكان للتبرك به. # وفي يوم الجمعة 18 منه استرحنا لغاية الظهر، وفي الساعة 4 مساء ~~أخذنا العربات وتنزهنا في الجزائر المتقدم ذكرها، فلبثنا ms16 فيها ~~نحو ثلاث ساعات، وكان نيافة المطران في زيارة خصوصية. # ولما أقبل صباح السبت 19 منه سرنا إلى مينا مخصوصة على نهر ~~نيفا، فأخذنا رفاصا كان أعد لنا، فسار بنا إلى محل تصنع فيه ~~المراكب، وفي أثناء سيرنا كنا نشاهد المراكب بكثرة في هذا النهر، ~~وعند وصولنا استقبلنا في كشك مخصوص كان معدا للسفراء وللعائلة ~~الملوكية. وأمام هذا الكشك كانت العساكر مصطفة بأجمل نظام ~~وبجانبهم بعض قواد الجيش ثم الوزراء وعدد عظيم من موظفي ~~النظارات، وعلى جهتي الباخرة كان يوجد عدد عظيم من أعيان القوم ~~ينتظرون الباخرة. وفي الساعة 11 و5 دقائق حضرت جلالة الملكة أم ~~القيصر الحالي فاستقبلها وزير الخارجية وبعض القواد، وصدحت ~~الموسيقى إكراما لها فألقت التحيات للحاضرين، ثم حضر جلالة القيصر ~~فقابله جميع السفراء وصافحهم فقط يدا بيد، إلا نيافة المطران فإنه ~~تكلم معه، فقال: كيف صحتك اليوم؟ هل نظرت مركبا قبل نزولها ~~المياه مثل هذه؟ فأجابه: كلا. فقال جلالته: انظر الآن. وتركه ومضى، ~~فتعجب الحاضرون من كلام جلالته هذا، وصار البعض يستفهم من الآخر ~~عن نيافة المطران وكيف تحدث معه القيصر، وما وافت الساعة 12 وربع ~~إلا وتركت الباخرة موضعها الأصلي وسارت في المياه، ففي الحال ~~هللت الناس وهتفت بصوت واحد: «فليعش جلالة الإمبراطور» ثلاث ~~دفعات، وأطلق 41 مدفعا، وهذه الباخرة يبلغ طولها 300 ذراع وعرضها ~~35 وارتفاعها 18 ذراعا، وهي تشبه مدينة عائمة على وجه المياه، ~~وبلغت تكاليفها مليونا من الجنيهات. وفي الساعة 12 و5 دقائق عاد ~~جلالة الإمبراطور ووالدته وسفراء الدول الذين حضروا ووزير ~~الخارجية، وبعد 5 دقائق أخذنا الرفاص وعدنا للميناء ومنها إلى ~~النزل. وفي يوم الأحد 20 منه أدينا الصلاة في كنيسة أخرى باسم ~~العذراء، فظللنا لغاية الساعة 11 وأخيرا عدنا للنزل وتناولنا ~~به الغداء. وفي الساعة 3 بعد الظهر زار نيافة المطران جلالة والدة ~~الإمبراطور وكان معه الوكيل المعين فقط حيث تناول الشاي بعد ~~المقابلة، ولبث لغاية الساعة 5 وعاد بالقطار؛ لأن قصرها ب «بترهوف» ~~بجانب قصر الإمبراطور الذي يمضي في ms17 فصل الصيف كما تقدم، وقد ~~تعجب نيافة المطران من تواضع هذه الملكة وتواضع ابنها ~~الإمبراطور أيضا، فخرج من حضرتها وقلبه ممتلئ من العجب، وأخذ ~~يطلب منه تعالى أن يديم لها وللأمة المسكوبية هذا الملك ~~العادل. # ومن يوم 21 لغاية 25 منه كنا نأخذ لنفسنا الراحة كل يوم لغاية ~~الساعة 8 مساء نتردد في الجزائر تارة وحدنا وأخرى مع نيافة ~~المطران. # حديقة الحيوانات # وفي يوم 25 الساعة 3 مساء قصدنا زيارة حديقة الحيوانات، فلبثنا ~~بها نحو ساعتين وشاهدنا في جهة الشمال منازل الحيوانات الصغيرة ~~كالهر والنسناس والببغاء ونحوها، وشاهدنا من الجهة الأخرى منازل ~~الحيوانات المفترسة كالنمر والسبع والضبع ونحوها. وفي الشمال ~~الغربي يوجد فيلان كان يلاعبهما المكلف بأكلهما فصارا يلعبان على ~~الموسيقى والطبل أمامنا مدة ربع ساعة، ونظرنا جملة حيوانات أخرى ~~كثيرة أغلبها يوجد في حديقة حيوانات مصر. # وفي صباح الأحد 27 منه توجهنا إلى كنيسة العذراء، فأدينا ~~فيها الصلاة في موضع خاص أمام باب الهيكل، وبعد انتهاء القداس ~~تهافت الشعب على نيافة المطران، وأخذوا يقبلون يديه نحو ساعة ~~من الزمان. # الضربخانة # وفي يوم الإثنين 28 منه الساعة 3 قصدنا زيارة الضربخانة، وهنا ~~يعجز القلم عن إيضاح ما شاهدناه من المدهشات لما دخلنا هذا المحل ~~العظيم المبني من الحديد، ووجدنا جناب مديره ينتظرنا مع بعض ~~الضباط، فساروا بنا أولا إلى محل كبير هو خزينة النقود وبداخله ~~قوالب من الذهب الخالص، حجم الواحدة 12 مترا و20 سنتيمترا، ~~وارتفاعها 2 سنتمترات، ويبلغ وزنها 18 كيلوجراما. # ثم ساروا بنا إلى محل يشبه هذا المحل وبداخله قوالب أخرى مثل ~~هذه، وفي أثناء مرورنا كنا نشاهد الذهب والفضة المستخرجة، وهي غير ~~الخالصة، كانت مطروحة أمامنا على الأرض، ثم شاهدنا الآلة التي ~~تصفي الذهب والفضة، وقد أهداها عم جلالة الإمبراطور الحالي ~~للضربخانة المشار إليها. # ولما صعدنا إلى أعلى هذا المحل العظيم في المكان الذي يصبون ~~فيه هذه المعادن كنا ننظر لقوالب الذهب السابق ذكرها يقطعونها ~~إربا إربا، ويأخذون كل قطعة فيمدونها بواسطة النار حتى تصير ~~شبه قضيب، ms18 ثم يأخذون هذا القضيب ويضعونه تحت آلة تجعله سمكا ~~واحدا، ثم يضعونه تحت آلة أخرى تقطعه قطعا في حجم الجنيه، ثم ~~يأخذون هذه القطع ويضعون قطعة بعد أخرى تحت آلة تزنها، فالقطعة ~~المضبوطة تسقط تحت الآلة في محل مخصوص، والقطعة الزائدة تأخذ ~~منها تلك الآلة مقدار الزيادة، وأما الناقصة فتطرحها خارجا. وبعد ~~ذلك يأخذون جميع القطع ويضعونها تحت آلة أخرى للطبع، وكذلك ~~يفعلون في الأخرى. وأما الجزء الباقي من بعد تقطيع المعادن ~~فيسكبونه أيضا، وتجري عليه العملية المشار إليها مرة ~~أخرى. # ولما سألنا مدير الضربخانة عن القيمة التي تخرجها الضربخانة في ~~اليوم الواحد أجاب أنها 100 ألف جنيه، وهكذا لبثنا نحو أربع ساعات ~~ونحن في غاية الاندهاش، ثم ساروا بنا أيضا إلى المحل الذي ~~يجهزون فيه النياشين والمداليات، فناول جناب المدير نيافة ~~المطران مدالية من البرنز تذكارا لدخوله هذا المحل، وكلفه ~~بكتابة اسمه وتاريخ زيارته عليها ففعل. # أما النقود الروسية فهي الكوبك (أي مليم وكسور) وهي قطعة من ~~النحاس، واثنان كوبك (قطعة أكبر منها مرتين)، وخمسة كوبك (قطعة من ~~فضة)، وعشرة كوبك (قطعة من فضة)، و15 كوبك (قطعة من فضة)، و20 كوبك ~~(قطعة من فضة)، ثم 50 كوبك (قطعة من فضة)، و100 كوبك (قطعة من فضة) ~~وتسمى روبلا، ثم 5 روبلات (قطعة من ذهب) نصف جنيه مسكوبي، و10 ~~روبلات (قطعة من ذهب) وتساوي 1000 كوبك وتسمى جنيها مسكوبيا، ~~ثم خرجنا من هذا المحل في الساعة 7. ومن ذلك اليوم إلى آخر الشهر ~~لم نزر محلا آخر سوى الجزائر في عصاري كل يوم. # العودة # وفي يوم الثلاث 29 منه صباحا أمر جلالة القيصر بالنياشين ~~فقدمها لنا جناب الوكيل المعين بالنزل، وفي الساعة 3 مساء ~~تشرف نيافة المطران ومن كان معه في أول دفعة بزيارة جلالته ~~ليقدموا له الشكر الخالص ويستأذنوا في السفر، فظلوا هناك ب ~~«بترهوف» نحو 45 دقيقة وهم جالسون مع جلالته يتحدثون، وأخيرا ~~ودعهم جلالة القيصر وآخر كلمة قالها هي: «إني أتمنى لكم سفرا ~~سعيدا كي تقدموا واجب التحيات لجلالة ms19 الإمبراطور ~~مناليك.» # وبعد ذلك تناولوا الشاي وعادوا إلى محل إقامتهم في الساعة 6 ~~مساء بعدما زاروا وزير الخارجية، وقد عزم نيافة المطران على السفر ~~في اليوم الثاني لزيارة الإمبراطور، ولكن المرض كان منتشرا وقد ~~اتخذت الاحتياطات ضد أودسا؛ ولذا أجل ذلك ليوم أول أغسطس حيث ~~ركبنا القطار في الساعة 9 والدقيقة 40 صباحا قاصدين سباستبول ~~(كريمه) بعدما ودعنا بالمحطة جميع من تشرفوا بالمقابلة حال ~~وصولنا للعاصمة (بطرسبرج). فظل القطار سائرا نحو 50 ساعة، وقد ~~عبرنا موسكو العاصمة القديمة في الساعة 9 والدقيقة 5 من مساء ~~اليوم عينه أول أغسطس، فأخبرني شخص على رصيف المحطة أنه يوجد ~~بهذه المدينة نحو ألف وخمسماية كنيسة منها 500 كبيرة والأخرى ~~صغيرة، وفي كل منزل حجرة صغيرة للصلاة، وقيل إن هذه المدينة هي ~~أعظم مدينة في العالم من حيث انتشار الدين. # وكنا نشاهد المدينة مضاءة بالنور الكهربائي، واستمر القطار نحو ~~عشر دقائق يسير بجانبها. # وفي الساعة 6 من صباح اليوم التالي (2 أغسطس) عبر القطار بلدة ~~صغيرة بها نحو مائة كنيسة، وهكذا ما كنا نشاهد إلا المدن المجاورة ~~بعضها لبعض المرتفعة ارتفاعا هائلا، وفي الساعة 5 والدقيقة 5 من ~~مساء ذلك اليوم وصلنا مدينة «كرشوف»، فدعانا جناب الوكيل الخصوصي ~~لتناول الغداء، وكان في استقبالنا عدد عظيم من الكهنة يتقدمهم ~~نيافة مطرانها ثم محافظها وبعض رجال البوليس وجمع عظيم من الناس، ~~وهكذا كنا نتناول الغداء في أثناء عبورنا بالمحطات الكبرى التي ~~يوجد بها لوكندات كما تقدم. # وفي أثناء وجودنا في الأقطار المسكوبية لم نكن نشعر بحرارة في ~~الطقس؛ حيث كانت درجتها 16 لغاية 18، وبقيت هكذا لغاية قبل وصول ~~القطار لسباستبول (أعني في العودة) فاشتدت الحرارة حيث بلغت درجتها ~~24 و25؛ وذلك لأننا كنا نعبر جبالا وصحراء ليس بها أشجار. # وفي الساعة 10 والدقيقة 40 حضر فرملجي القطار وأشعل الشموع، وبعد ~~خمس دقائق عبر القطار ثلاثة خنادق في الجبل يبعد كل منها عن ~~الثاني أربعة كيلومترات، والثاني عن الثالث 3، واستمر القطار مدة ~~15 دقيقة في الأول، ودقيقتين ms20 في الثاني، ودقيقة في الثالث. ~~وأخيرا وصلنا في الساعة 12 صباحا لسباستبول، فكان في انتظارنا ~~على رصيف المحطة جناب محافظ البلدة وبعض الكهنة ورجال البوليس ~~وناظر المحطة وكثير من الأعيان، ثم تناولنا الغذاء في الساعة 12 ~~بها. # وفي الساعة واحدة حضر مطران تلك المدينة وقدم واجب التحية، ~~واستمر نحو ربع ساعة مع نيافة مطران الحبشة، فركبنا العربات في ~~الساعة 2 بعد الظهر، وسرنا إلى المينا بالباخرة أوليج فظللنا بها ~~نحو ساعتين، وفي الساعة الرابعة أخذنا رفاصا صغيرا وقصدنا زيارة ~~دير يبعد عن المدينة بأربعة أميال، وكان في انتظارنا نيافة ~~المطران وعدد عظيم من الرهبان، فساروا بنا إلى الكنيسة حيث أقيمت ~~الصلاة نحو نصف ساعة، وكان يوجد عدد عظيم من الناس يتزاحمون ~~لمشاهدتنا، وبعد انتهاء الصلاة ساروا بنا إلى أعلى الكنيسة فوجدنا ~~كنيسة أخرى مشيدة فوقها، وأخيرا تناولنا الشاي والقهوة وعدنا ~~إلى الرفاص، فودعنا نيافة المطران وسار معنا إلى درج ذلك الدير، ~~وصافح نيافة مطران الحبشة جميع الحاضرين يدا بيد، ثم عدنا إلى ~~الباخرة في الساعة 6 مساء. وما بزغ صباح الإثنين 4 منه إلا ~~وودعنا الديار المسكوبية بسلام شاكرين أهلها على لطفهم وحسن ~~معاملتهم. # دار السعادة # هكذا ظلت الباخرة (أوليج) سائرة بنا مدة 27 ساعة، إلى أن وصلت ~~مدينة القسطنطينية في ظهر اليوم الثاني (الثلاث 5 منه)، فاستقبلنا ~~جناب المسيو مايكوف الترجمان الثاني للسفارة المسكوبية، وسار بنا ~~لدار السفارة المذكورة التي تبعد عن شاطئ البحر الأسود بمسافة ~~كيلومتر واحد، وكان في انتظارنا جناب المسيو نشارباتشوف وكيل ~~السفير وجميع مستخدمي السفارة، فتناول نيافته الغداء في الساعة 2 ~~بعد الظهر وظل هناك ساعة ونصفا، وأخيرا ساروا بنا إلى فندق بجانب ~~السفارة المومى إليها يدعى «لوكندة المنظر الجميل» وهذه ~~اللوكندة واقعة في غرب البوسفور، وعلى ارتفاع 60 مترا منه، ولها ~~طريقان؛ الأول من جهة البوغاز المذكور، والثاني من عطفة واقعة جهة ~~الشمال، وحولها بعض الأشجار وبساتين صغيرة، وأما مدخلها فهو من ~~جهة الشمال، وهي مؤلفة من طبقتين ومبنية من الخشب، ومنها يطل ~~الإنسان ms21 على البوغاز المذكور من الجهة الشرقية. وقبل الدخول يجد ~~الإنسان على اليمين ردهة عظيمة لتناول الطعام، وعلى بعد 5 أمتار ~~منها يجد على الشمال مطبخ هذا الفندق، وخلفه وبجانب الصالة الكبرى ~~صالة صغيرة ببلكون يطل على البوغاز، وهي مخصصة لأشغال المسافرين ~~الخصوصية، وأمامها درج الفندق، فإذا صعد الإنسان يجد طرقة ~~عظيمة وعلى يسارها عشرين حجرة وكلها لجهة البوغاز، وعلى اليمين ~~غرف أخرى، والجزء الباقي يطل على بستان من البساتين السابقة ~~الذكر، ثم يعبر مثلما عبر أول دفعة فيجد الطبقة الثانية، وهي ~~كالطبقة الأولى، وفي الطبقة الثانية صالة خصوصية كان يتناول فيها ~~الطعام نيافة المطران وجناب وكيله، وبجانبها حجرته، ولها بابان ~~أحدهما من الصالة والثاني من ذات الطرقة، وبجانبها حجرة الوكيل ثم ~~الصراف الخصوصي ثم الترجمان (المؤلف)، ومن الجهة الأخرى حجر ~~باقي الأشخاص، وأجرة كل نازل في الطبقة الثانية 13 فرنكا يوميا، ~~وفي الثانية 10 فرنكات بما فيه الأكل. # وقد مكثنا في هذه اللوكندة مدة 5 أيام لغاية يوم السبت، ففي ~~اليوم الأول (الثلاث 5 منه) لم تتيسر لنا الزيارة. # وفي اليوم الثاني (الأربع 6 منه) الساعة 9 صباحا قصدنا زيارة ~~قداسة بطريرك الروم بالقسطنطينية، وكان معنا جناب المسيو مايكوف ~~الوكيل المعين لنا من قبل السفارة الروسية، فأخذنا الرفاص ~~المعد لنا أثناء الإقامة بالآستانة لكي ننتقل به من مكان لآخر ~~لغاية المدينة التي تبعد عن محل إقامتنا بمسافة 20 كيلومترا ~~بالبوغاز المشار إليه، وعندما استقر الرفاص ركبنا العربات ولبثنا ~~سائرين مدة نصف ساعة، وفي أثناء الطريق عبرنا كبريا مبنيا على ~~البوسفور طوله نحو كيلومتر واحد، ولما وصلنا استقبلنا خارج ~~القصر جناب وكيل البطركخانة وجملة من الكهنة، وساروا إلى قداسته ~~فاستقبلنا على بعد مترين من كرسيه، وبعد التسليمات والتحيات جلس ~~نيافة مطران الحبشة على يمينه ودار الحديث بينهما باللغتين ~~اليونانية والفرنساوية، وكان ترجمان قداسته يلقي إلي الكلام من ~~اللغة اليونانية والفرنساوية وأنا أنقل بالعربية، ثم تناولنا ~~القهوة والشاي ولبثنا نصف ساعة، فخرجنا في الساعة 11 بعدما ودعنا ~~قداسته على باب الردهة، وطلب ms22 من نيافة المطران إبلاغ التحيات ~~لجلالة ملك الحبشة، وقبل الخروج زار نيافته كنيسة البطركخانة. وبعد ~~بضعة دقائق ركبنا العربات وقصدنا اللوكندة بالمدينة حيث تناولنا ~~الغذاء فيها. # وفي الساعة واحدة عدنا بالرفاص إلى محل إقامتنا بعدما عبرنا ~~عدة شوارع في المدينة على سبيل التفرج، وفي اليوم الثالث من ~~إقامتنا، وفي يوم الخميس (أو صيام العذراء) قصدنا في الساعة 11 ~~صباحا زيارة جامع أجيا صوفيا، فدخلناه في الساعة 12 وخمس دقائق، ~~فعبرنا أولا طرقة عظيمة يبلغ ارتفاعها نحو أربعين مترا وهي ~~مجوفة من جهة الشمال، وبابا آخر مرتفعا نحو ثلاثة أمتار وهو ~~باب الصلاة، فعندما دخلنا منه نظرنا ردهة كبيرة وعلى يمينها ~~وشمالها على ارتفاع 15 مترا تقريبا محلات أشبه ببلكونات حول هذه ~~الردهة، وهكذا على بابها وفي وسطها عدة أعمدة من الرخام الأزرق ~~الملون المنقوش، وفوق البعض منها كنا نشاهد كتابة نصها «لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله» وأخرى «عمرو بن العاص رضي الله تعالى ~~عنه» وأخرى «عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه» وهكذا. وأما من ~~الجهة الشرقية فكنا نشاهد بابا هائلا ارتفاعه نحو أربعة أمتار ~~وعرضه متران وفوقه نقش بديع في الحائط نفسه، وكذا حول الباب ~~العظيم، ثم قبة أعلاه وقبتين مستطيلتي الشكل أمام كل من ~~البلكونات التي حول الردهة المتقدم ذكرها؛ أعني الجزء المحصور بين ~~الأعمدة والبلكونات. # ومن باب مدخل هذا الجامع للباب الشرقي المغلق وهو محصور بين ~~صفي الأعمدة المتقدم ذكرها وبأعلاه ثلاث قبات؛ واحدة منها ~~أمام باب المدخل، وأخرى أمام الباب المغلق، وبين هاتين القبتين ~~القبة الثالثة العظيمة التي تظهر للمسافرين على بعد 40 كيلومترا ~~من بحر مرمرة، وأما على يسار الباب المغلق فيوجد محل مرتفع ~~أشبه بكشك عظيم، وهو الموضع الذي كان الملك يمضي فيه الصلاة، ~~وبالحائط آثار بعض الملوك القدماء، وفي هذا الجامع يعلمون ~~الأولاد القرآن الشريف، فخرجنا منه في الساعة الثانية مساء ~~متعجبين من هذا الجامع المصنوع كله من الرخام الملون. # وفي اليوم نفسه دعانا جناب وكيل السفير لزيارة المراكب الحربية ~~المعدة ms23 للسفارة المومى إليها، فصاحبنا جناب وكيلنا الخصوصي ~~وسار بنا لأول مركب، فكان في انتظارنا جناب القبطان والضباط العشرة ~~وكانت البحارة مصفوفة بأجمل نظام، فلما دخلناها صرخ هؤلاء ~~البحارة بصوت واحد: «فليعش الإمبراطور مناليك ملك ملوك الحبشة، ~~فليعش الإمبراطور نقولا الثاني إمبراطور الروسيا، فليعش نيافة ~~مطران الحبشة المعظم.» وبعد التسليمات والتحيات مر نيافته على ~~الصفوف وحياهم بالسلام. # ثم صعدوا بنا أعلى الباخرة فشاهدنا المدافع مصفوفة حولها، ~~وكان البعض منها كبيرا والبعض صغيرا، فكانت البحارة تضع بها ~~الرصاص أمامنا، وكانوا يفرضون أن الأعداء على مقربة منهم، ~~فيصوبون الطلقة عليهم، ثم أخرجوا الرصاص ثانيا وفرضوا حدوث ~~حريق في تلك الباخرة، فما كنا ننظر إلا وجميع البحارة مسرعون ~~بأخذ الطلمبة وإخماد تلك النيران، ثم فرضوا أيضا أن شخصا قد سقط ~~في المياه، فنزل عدد من البحارة ومعهم قارب صغير ينقذونه من ~~هذا الخطر، ثم نزلوا بنا إلى أسفل المركب فكنا نجد جميع الأشياء ~~الدقيقة التي تحتاج إليها تلك الباخرة، ثم بعض حجر للمرضى، ~~وشاهدنا مريضين فطلب نيافة المطران منه تعالى أن يهب لهما الشفاء ~~العاجل، وبعد بضع دقائق صعدنا ثانيا فتناولنا الشاي وما طاب من ~~الفاكهة، وشرب الجميع على صحة جلالتي الإمبراطور مناليك وإمبراطور ~~الروسيا ونيافة المطران وجميع من شرف هذا المحفل العظيم. # وما دقت الساعة الثانية إلا وودعنا جميع من كان في الباخرة ~~ونحن في أشد العجب من محبة أفراد هذا الشعب العظيم لبعضهم البعض، ~~وبالأخص لطفهم مع الزائرين. ولما غادرنا الباخرة الأولى قصدنا ~~الثانية التي تبلغ ثلاثة أرباع حجم الأولى، فوجدنا بها 6 ضباط ~~وثمانين بحريا، فاستقبلنا جناب القبطان على باب الباخرة، وكذا ~~جميع الضباط، وكانت البحارة مصفوفة على الجانبين، وبالجملة ~~عاملونا تلك المعاملة نفسها وتناولنا ما طاب لنا، ولبثنا نحو 45 ~~دقيقة ثم ودعناها ونحن آسفون على فراق هذا الشعب الحالة عليه ~~نعمة الرحمن، ولما أصبح صباح الجمعة كان هو اليوم الذي طالما كنا ~~ننتظره في كل أيام حياتنا. # مقابلة جلالة السلطان # إن هذا اليوم يعد من الأيام المعدودة في حياتنا، ms24 كيف لا وهو ~~اليوم العظيم الذي قد حظينا فيه بمقابلة مولانا وولي نعمتنا جلالة ~~السلطان الأعظم. أجل، هو يوم عظيم أشرقت فيه شموسه وسطعت ~~أنواره، وفيه قد أنعم علينا جلالته بالوسامات التي خلدت لنا ~~ذكرا مجيدا بمقابلة جلالته. رفع نيافة المطران خطابا نفيسا من ~~جلالة ملك الحبشة مكتوبا باللغة الحبشية ومترجما بالفرنساوية، ~~وهو يتضمن أعظم التحيات والتسليمات لجلالة السلطان، وإني أذكر ~~للقراء تفصيل هذه المقابلة: # في صباح اليوم المعهود دعاني جناب المسيو مايكوف الوكيل ~~المعين، وكلفني أن أترجم خطاب جلالة السلطان باللغة ~~الفرنساوية، وكان قد أرسل في منتصف الليلة السابقة. # وفي الساعة السابعة من اليوم التالي (يوم الجمعة) حظينا بترجمته ~~وكتبته أنا بخطي، وما اقتربت الساعة الحادية عشرة إلا وحضر شخص ~~من المعية السنية، وبيده أمر جلالته يدعونا للامتثال بين يدي ~~السلطان، وفي الوقت نفسه سرنا بالرفاص للمدينة حيث تركنا العربات ~~ومررنا وسط الجيش المعد للحرس في كل يوم جمعة عادة لخروج جلالته ~~للصلاة، ويبلغ عدده 30 ألف جندي مصفوفة في الشوارع المجاورة ~~لجامعه الخصوصي الذي يبعد عن قصره (سراي يلدز) بخمسين ~~مترا. # ولما دخلنا السراي استقبلنا على بابها جماعة من رجال المعية حيث ~~ساروا بنا إلى سلاملك السراي الذي ينظر فيه جلالته عند ذهابه ~~وإيابه من الصلاة، ولما اقتربت الساعة الحادية ونصف دعانا سعادة ~~السر تشريفاتي للمثول بين يدي جلالته، فامتثل أولا نيافة المطران ~~والوكيل المعين، وبعد التحية سأل جلالته عن وجود بعض من حاشية ~~المطران، فدعينا نحن أيضا للمثول بين يديه وبعد ذلك قبلنا ~~يدي جلالة السلطان، ما خلا نيافة المطران الذي سلم على جلالته، ~~ودار الحديث بينهما باللغة التركية وكان الترجمان من حاشية جلالة ~~السلطان. # أولا: # سأل جلالته عن صحة الملك مناليك، فأجابه أنها ~~جيدة. # ثانيا: # قال: نحن عندنا 150 حبشيا وكلهم في راحة ~~وسلام. فأجابه: والمسلمون الموجودون في الحبشة هم ~~في مثل هذه الراحة. # ثالثا: # هل توجهتم للبلاد المسكوبية؟ فأجابه: ~~نعم. # رابعا: # في أي يوم تقصدون الديار المصرية؟ فأجابه: غدا ~~(السبت). # أخيرا كلفه بإبلاغ تحياته لجلالة ms25 الإمبراطور مناليك. # وأما الخطاب الذي قدمه نيافته لجلالة السلطان فهذا نصه: # غلب الأسد الذي من سبط يهوذا مناليك الثاني المكرز من ~~الله ملك ملوك الحبشة. # يصل إلى المكرم المعظم جلالة السلطان عبد الحميد ملك ~~الممالك الإسلامية، يعطيكم السلام أبونا المكرم أنبا ~~متاءوس، من مدة طويلة، بواسطته كان لنا ولمملكتنا السلام ~~والرجاء، وحيث إنه سيحظى بمقابلتكم فطلبنا منه أن يخبركم ~~عما في القلب من المحبة لكم ولمملكتكم؛ لأنه ليس لنا آب ~~مكرم نظيره. # أما حضرته وجميع عائلته فهم من ضمن رعاياكم الذين في ~~مصر، وحيث إن الله تعالى أراد مقابلته مع جلالتكم سواء كان ~~لوطنه أم لمملكتنا يفيدنا فائدة كبرى، والله يديم عليكم ~~سلامه واطمئنانه، آمين. # تحريرا في أديس أبابا في شهر هتور سنة ~~1894 حبشية ودسمبر سنة ~~1901 # هذه صورة الخطاب الذي ترجم بالفرنساوية مثلما سبق، والترجمة ~~وضعت داخل مظروف الخطاب الحبشي، وقد لبثنا نحو 10 دقائق بين يدي ~~جلالة السلطان، وأنعم جلالته بالعثماني الأول على نيافة المطران، ~~وعلى جناب وكيله بلاتة بولس بالمجيدي الثاني، وعلى بجرند يوسف ~~بالعثماني الرابع، وعلى ترجمانه (المؤلف) أنطون نجيب وقبر سلاس ~~بالمجيدي الرابع، وعلى باقي حاشيته بالمجيدي الخامس؛ فخرجنا وعلامة ~~الفرح تلوح على وجوهنا وتعجبنا من المعاملة الحسنة التي ~~أظهرها لنا جلالة السلطان، وطلبنا منه تعالى أن يديم عزه مدى ~~الأعوام، ثم قصدنا سراي الصدر الأعظم حيث ترك نيافة المطران بطاقة ~~زيارته وزرنا عطوفة وزير الخارجية، فتشرف بمقابلته جميع من ~~تشرفوا بمقابلة جلالة السلطان، ودار الحديث باللغة الفرنساوية، ~~وكنت أنا مترجما بينهما، وقد جاء تفصيل هذه المقابلة في العدد ~~2352 من جريدة الوطن الغراء في حينه، ودونك هو: ~~«ثم زار عطوفة وزير الخارجية فدار بينهما الحديث باللغة ~~الفرنساوية وكان الترجمان بينهما أنطون أفندي نجيب، ~~فتكلموا عن طقس البلاد الحبشية في الفصل الحاضر، وعن ~~الحيوانات التي تسكن تلك البقاع وسأل عن كيفية صيدها، ~~فأجابه نيافته عن كل ذلك، ثم سأل دولة الوزير جناب ~~المترجم عما إذا كان حبشيا أو مصريا فأجابه أنه مصري ~~الجنس وتعلم ms26 اللغة الفرنساوية في المدرسة القبطية، ~~فتعجب عطوفته وأثنى على فصاحته، ثم قصدوا البوسفور حيث ~~كان ينتظرهم اليخت الذي خصص لهم عند وصولهم لينتقلوا من ~~جهة لأخرى، فسار بهم إلى محل إقامتهم، وزارهم هناك جناب ~~قنصل المسكوف، وقدم لنيافة المطران ورجال حاشيته ~~الوسامات التي منحها لهم جلالة السلطان، وفي صباح اليوم ~~التالي رد نيافته الزيارة لجناب القنصل فقوبل من جنابه ~~ورجال القنصلية بالإكرام الزائد، وعند الساعة واحدة بعد ~~ظهر يوم السبت الماضي قصد أفراد الوفد وابور البرنس عباس ~~قاصدين الديار المصرية.» # صورة الوفد الحبشي المؤلف من الأنبا متاءوس ~~مطران الحبشة وبلاتة بولس والجنرال ليكوموكاس وأحد ~~رؤساء الأديرة وبعض العساكر والحاشية. ms27