######OpenITI# #META# URI: 1325MishilUkhya.TarikhTransvaal.Hindawi41395309 #META# Tags: history #META# ID: 41395309 #META# Title: تاريخ الترنسفال #META# AuthorID: 35075205 #META# Author: ميشيل أغيا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: الترنسفال‏ # الإقليم‏ # الزراعة والمعادن‏ # السكان‏ # أشهر المدن‏ # التجارة‏ # إيرادات الحكومة‏ # عوايد البوير وصفاتهم‏ # الجيش وقانون العسكرية‏ # اكتشاف الذهب‏ # الزنوج‏ # الجزء الثاني: تاريخ الترنسفال‏ # أصل البوير1‏ # احتلال إنكلترا الأول‏ # الرحيل إلى الناتال‏ # الملك شاكا‏ # حادثة دنجان‏ # المهاجرة من الناتال‏ # الأورنج‏ # الرحيل إلى الترنسفال‏ # الرئيس برجر‏ # فظائع البوير‏ # سكسوني ومقتل يوحنا‏ # تداخل إنكلترا‏ # الانضمام‏ # طلب الاستقلال‏ # أسباب الثورة‏ # طلب الصلح‏ # شركة أفريقيا الجنوبية الإنكليزية (الشار ترد)‏ # مشروع المستر سسل رودس‏ # أسباب حرب سنة 1899‏ # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: الترنسفال‏ # الإقليم‏ # الزراعة والمعادن‏ # السكان‏ # أشهر المدن‏ # التجارة‏ # إيرادات الحكومة‏ # عوايد البوير وصفاتهم‏ # الجيش وقانون العسكرية‏ # اكتشاف الذهب‏ # الزنوج‏ # الجزء الثاني: تاريخ الترنسفال‏ # أصل البوير1‏ # احتلال إنكلترا الأول‏ # الرحيل إلى الناتال‏ # الملك شاكا‏ # حادثة دنجان‏ # المهاجرة من الناتال‏ # الأورنج‏ # الرحيل إلى الترنسفال‏ # الرئيس برجر‏ # فظائع البوير‏ # سكسوني ومقتل يوحنا‏ # تداخل إنكلترا‏ # الانضمام‏ # طلب الاستقلال‏ # أسباب الثورة‏ # طلب الصلح‏ # شركة أفريقيا الجنوبية الإنكليزية (الشار ترد)‏ # مشروع المستر سسل رودس‏ # أسباب حرب سنة 1899‏ # | تاريخ الترنسفال # | تاريخ الترنسفال # تأليف # ميشيل أغيا # سعادة يوسف بك متوره. # | إهداء الكتاب # سيدي # هذا باكورة أعمالي وبكر أفكاري، دفعني إلى تأليفه نزوع إلى التشبه برجال الأدب ~~وأصحاب الأقلام؛ تطفلا على موائدهم، مع علمي الأكيد بفتور القريحة وقلة البضاعة، لكن ~~لي في حسن القصد والغاية ما يضمن لي العذر في تقصيري عن بلوغهما. وقد لاقيت من تنشيطك ~~إياي أثناء الاشتغال به ما شدد عزيمتي الواهنة وأثار همتي الوانية، فرأيت من الواجب ~~علي أن أقابل الفضل بالشكر، فأهديت هذه الباكورة إليك، مصدرة برسمك الكريم عوذة ~~لها، فاقبلها غير مأمور؛ إن في قبولها تنشيطا لهذا العاجز، لا زلت له زخرا. # ابن أختك # ميشيل أغيا # خريطة الترنسفال # | مقدمة # لما نشبت الحرب الأخيرة بين الترنسفال وبريطانيا العظمى، اتجهت أنظار العالم المتمدن وجهة ~~الأولى منهما، وتشوق قراء الجرائد ومحبو الأخبار إلى الوقوف على أحوالها، وودوا لو ~~يكون لديهم من الكتب ما يستعيضون به على معرفة البلاد وسكانها، وشيء من تاريخها ~~وجغرافيتها، ويرجعون إليه ms01 في تعيين مواقع مدنها المشهورة ومضايقها وحصونها، التي كثر ورود ~~أسمائها في الرسائل البرقية التي نقلت أخبار الحرب. # وشعرت بهذه الحاجة في من شعر بها، فرأيت أن أقدم لجمهور القراء كتابا جمعت فيه زبدة ~~أخبار تلك البلاد بمشتملاتها، مبينا فيه عادات أهلها وعقائدهم، وأحوالهم الاجتماعية، وما ~~هم عليه من الحضارة والمدنية، وأتيت على طرف من تاريخها وكيفية استعمارها، وما فيها من ~~مصادر الثروة، إلى آخر ما يهم الوقوف على معرفته، ملتزما في جميعه الإيجاز مبتعدا عن ~~التطويل الممل. # وجل ما أتمناه أن يقع هذا الكتاب موقع القبول والاستحسان من المطلعين عليه، وأن ~~يتجاوزوا ما فيه من الخطأ والهفوات؛ ففوق كل ذي علم عليم. # الجزء الأول # | الترنسفال # موقعها الجغرافي، حدودها ومساحتها # الترنسفال بلاد واقعة في جنوب القارة الأفريقية ما بين درجة 28 من العرض الجنوبي ~~ودرجة 38 من الطول الشرقي، يحدها جنوبا نهر الفال وبلاد أورنج وبلاد الناتال ~~وجريكالان الغربية، وشمالا نهر ليمبوبواي (نهر التمساح)، وشرقا جبال ليمبوبو ~~وصحراء كالأري وبلاد الزولس، وغربا مستعمرة الرأس والباشوانالند، ويبلغ محيطها ~~ألفا وستمائة ميل، ومساحتها ثلاثمائة وخمسة عشر ألفا وخمسمائة وتسعون كيلومترا ~~مربعا. # جبالها # فيها سلسلة جبال عظيمة تخترقها من الشرق إلى الغرب، وتتألف هذه السلسلة من جبال ~~دراكنستين، وجبال ليمبوبو، وجبال دراكنسبرج، وجبال بلوبرج، وجبال زوتنسبرج، وجبال ~~ليدنبرج، وفيها أيضا جملة جبال صغيرة وتلال لا موضع لذكرها هنا. # أنهارها وبحيراتها # أما أنهارها فهي: «نهر ليمبوبو»: ومنبعه من جبال بالقرب من برتوريا ومصبه في ~~المحيط الهندي، ويبلغ عرضه عند مصبه ثلاثمائة متر تقريبا، وماؤه يهدأ في فصل ~~الشتاء ويهيج في فصل الصيف، وبعد أن يصب في نهر الأفيال يأخذ ماؤه بالنضوب لكثرة ~~التبخر ويغور في أرضه الرملية. ويروي هذا النهر أراضي واتربرج ويمر بجبال مورال ~~وزوتنسبرج، وفيه اثنا عشر شلالا؛ ولذلك لا يصلح للملاحة، وكانت التماسيح تكثر فيه، ~~وعلى ضفتيه كثير من جاموس البحر، والسباع، والقردة، والزرافات، والأفيال. ~~«نهر الأفيال»: ومنبعه من جبال كليستابيل وتافلكوب، ويروي أراضي ميدلبرج، ويمر ~~ببلاد تكثر فيها المعادن، وضفافه ms02 خصبة بأنواع المزروعات والمراعي ، وكانت الفيلة ~~تكثر فيها، على أنها آخذة بالانقراض. وهو لا يصلح للملاحة أيضا. ويقطن في الجهات ~~التي يمر فيها هذا النهر كثير من الزنوج غير مبالين برداءة الإقليم، وكثرة الأمراض ~~التي تردي بكثير منهم في زمن الصيف. ~~«نهر الفال»: ومنبعه من جبال هوج فيلد، ويجري في أراضي أزملو، ويروي القسم ~~الجنوبي من الترنسفال، وبه كثير من الجزر، وتزرع على جوانبه الذرة، ويصب في نهر ~~أورنج، عند جريكلان، وهو كالذي تقدم ذكره من الأنهار لا يصلح للملاحة. ~~«نهر أم كوماس»: يجري في أراضي الترنسفال، ويصب في خليج دلاجوي البرتغالي، وفيه ~~كثير من التماسيح، وثعابين البحر، والسمك الأصفر، وتكثر على ضفتيه الغزلان، ~~والتيوس البرية، والأرانب، والبط، والإوز البري، وغير ذلك؛ مما يجعلها مطمحا ~~لأبصار الصيادين الذين يأتونها طلبا للصيد والارتزاق. ~~«نهر الكاب»: ومنبعه من الجهة الجنوبية من الجبال القريبة من باربرتون، وله فروع ~~كثيرة، أشهرها نهر الملكة، والبلاد التي يمر بها رديئة الإقليم، أما الزراعة على ~~ضفتيه فقليلة في فصل الشتاء؛ لقلة مياهه، وتكثر في فصل الصيف حين فيضانه. # بحيراتها # أما بحيراتها فقليلة جدا، لا تستحق الذكر، ما عدا بحيرة كريستي في إسكوتلندا ~~الجديدة، ويبلغ محيطها ستة وثلاثين ميلا، وهي عميقة جدا. # حيواناتها # أما حيواناتها فهي أجمل حيوانات أفريقيا، لا سيما السباع الصفراء التي تكثر في ~~جهة زوتنسبرج. وحمير الوحش في الجهات الشمالية من الترنسفال. وجاموس البحر، ويبلغ ~~طوله ثلاثة أمتار وستين سنتيمترا، ويتواجد في نهر ليبومبو، وفي الأنهار القريبة من ~~المحيط الهندي، وقد منعت الحكومة صيده بالأسلحة النارية. والزرافة ويبلغ طولها ستة ~~أمتار، وأكثر ما يوجد منها في الجهات الشمالية. والجاموس ويمتاز عن الجاموس المصري ~~باتصال قرنيه من الوسط وانفصالهما من الطرفين، ويبلغ طول الجاموس الواحد نحو مترين ~~ونصف، وارتفاعه مترا وسبعين سنتيمترا. وكان في البلاد كثير من الضباع وابن آوى، ~~ولكنها أخذت بالانقراض لانتشار الأسلحة النارية المفرقعة. ومن حيوانات هذه البلاد ~~أيضا الفيران والقطط البرية، والنموس الحمر، والفهود والقردة، ومنها نوع يسمى ~~قرد شاسينا، وهو نبيه ms03 شديد القوة، قابل للتعليم ، ولكن البري منه خبيث يسطو على ~~الحدائق، ويقتلع الأشجار الصغيرة، ويفترس الحملان، فيشق بطنها ويشرب ما فيها من ~~اللبن الذي ترتضعه من أمهاتها، وهذا النوع يمتاز بقوة حاسة الشم؛ ولذلك له فائدة ~~مشكورة عند أهل البلاد هناك؛ حتى إذا ما اشتبه أحد في شيء وظن به سما وضعه أمام ~~هذا القرد، فإن أكل منه كان خاليا من السم وإلا فلا، وبعض الناس يأخذ صغار هذا ~~النوع ويربيه في الورش ويعلمه النفخ على كير الحداد، وسحب المنشار مقابل النجار، ~~ويستعين به في كثير من الأعمال، وبعضهم يربيه في المنازل، ويعلمه إحضار الأشياء من ~~موضعها، وتوصيل البقر إلى الحقول، وحراثة المواشي، وسوقها في المساء إلى الزرائب. ~~ومن أنواعها أيضا نوع يسمى «الماهي» يأتلف جماعات، وهو في حجم الفأر، ومن خصاله ~~أنه ينام في النهار ويستيقظ عند غروب الشمس، ويظل يقفز من مكان إلى مكان، بدون ~~انقطاع حتى يطلع الفجر، ثم يصعد إلى مرتفع وينام. ومن أنواعها أيضا نوع يسمى ~~«الميركاتس» يخرج في المساء من أوجرته ويقف على قدميه، ويحدق بالناس كالمندهش ~~منهم، ويذهب من حيث أتى. وهو شجاع، قوي، يفترس الكلاب، فهي تخشاه وتهرب منه. وتكثر ~~في تلك البلاد الخفافيش # 1 # على اختلاف أجناسها، ومنها نوع برتقالي اللون. # أما الطيور فأهمها النعام، ويكثر على شواطئ نهر الفال، والصقور، والنسور ذوات ~~المخالب القوية، ترفع صغار الغنم وتطير بها، وهناك أيضا طير يسمى «السكرتير» له ~~ريشة وراء أذنه تشبه القلم إذا وضع وراء أذن الكاتب، وهو السبب في تسميته بهذا ~~الاسم. وهناك أنواع البوم والكركي وأبو قردان، والديوك البرية، والحجل الرمادي ~~والأحمر، ودجاج فرعون على اختلاف أجناسه. ويوجد أيضا طير قبيح المنظر، يسمى ~~«الكالو»، تنبعث منه رائحة كريهة، وله منقار طويل، وهو أشبه شيء بالديك الهندي، ~~يعيش جماعات، ويأكل الجيف، وتعتقد قبائل الكفرة أنه إذا ذبح ورمي في نهر جاف ~~قريبا من أحد الجبال تنفجر المياه من الجبل لتبعده عنه، ويكون ذلك سببا في إفعام ~~النهر حسب زعمهم. # ومن الطيور ms04 أيضا طير يسمى «الفيسكال»، يصنع عشه من الشوك، ويصطاد العصافير ~~الصغيرة والسحالي والضفادع، ويرشقها فيه ليأكل منها متى شاء. ويوجد أيضا البط ~~والإوز، والبلبل الذي يغرد على أغصان الشجر من غروب الشمس إلى شروقها بدون انقطاع، ~~ويوجد أيضا كثير من الطيور المختلفة الأشكال التي لا يوجد مثلها في البلاد ~~المصرية. # ومن أنواع الثعابين ثلاثة؛ واحد يسمى «الموسكاتر»، خال من السم، يعيش في ~~المغازل، فيألفها، ويستخدمونه في طرد القطط وصيد الفيران، ونوع يسمى «التفاف» ~~وهو محب للأذى، يبصق بصاقا ساما، ونوع يسمى «البرجادر» وهو من الثعابين السامة ~~أيضا، ويعيش في الجبال والأماكن الحارة. وفيها من أنواع الأفعوان ثلاثة، واحد ~~يسمى البيتون، ويختلف طوله من سبعة أمتار إلى ثمانية، وهو سام، لكنه ليس شديد ~~الخطر كالنوع الثاني المسمى «الناجاهاج»؛ فإنه مخيف جدا يرهبه كل من يراه لجرأته ~~وخبثه وميله للأذى، ويختلف طوله من متر ونصف إلى مترين، ويركض وراء الخيال ساعات ~~متوالية ويقذف السم من فمه إلى بعد 40 قدما، والنوع الثالث هو أفعى سامة لها أربعة ~~أرجل، ولكنها لا تستطيع القفز إلى الأمام بل إلى الوراء. # أما التماسيح فهي كثيرة جدا في بعض الأنهر، ويبلغ طول الواحد خمسة أمتار، ومنها ~~نوع بدون أعين ولا آذان، له في رأسه فتحة تشبه الفم، وفتحتان يشبهان الأنف. وهناك ~~أيضا سلاحف صغار تأوي إلى الأنهار، وضفادع يبلغ طول الواحد منها خمسة عشر ~~سنتيمترا فعشرين، وكثير من أشكال الحرباء. # وتهب ريح من الغرب في بعض الأحيان، فتحمل كثيرا من الجراد، فتأكل منه الخيول، ~~والبقر، والغنم، والكلاب، والدجاج، والسمك، والحيوانات المفترسة، وتأكله الزنوج ~~أيضا مشويا، ويحوم عليه نوع من العصافير يسمى «الراعي» فيأكل الميت منه، وما ~~فضل عن الحيوانات المذكورة، وتسطو الكراكي على هذه العصافير فتفترسها. أما العنكبوت ~~فنوعان: الأول يبلغ طوله ثلاثة سنتيمترات، ويأوي إلى البيوت، أما الثاني فإنه مثل ~~الأول في الحجم يكثر في زمن المطر، فينسج بيته من شجرة إلى أخرى. وفي تلك البلاد ~~أيضا النمل الأبيض، وهو يلحق بعض الخسائر بالمنازل والحدائق، وهناك ms05 أيضا كثير من ~~العقارب والخنافس، ونوع من الذباب يلتصق بالناس والبهائم، فيمتص من دمائهم، ولشدة ~~أذاه يستعمله بعض القبائل عقابا للمجرمين، فيؤتى بهم، ويربطون إلى شجرة بعد أن ~~يعروا من ثيابهم، ويتركون عرضة للذباب، فيتهافت عليهم، ويمتص دماءهم، فيذهبون ~~فريسة له. وهناك أيضا نحل بري يستخرج منه العسل الأبيض، وفي بعض الأحيان ينقلب ~~عسله سما؛ وذلك إذا أكل عشبا ساما يسمى «الإيفورب»، وإذا أكل الإنسان منه ~~يشعر في الحال بالتهاب في الحنجرة، فإن لم يسرع لاتخاذ الترياق اللازم مات في ~~الحال. ويوجد كثير من أنواع الفراش الملون بألوان مختلفة، ومنه نوع جميل جدا، ~~إذا طار امتدت وراءه سحابة نيرة أشبه شيء بالخيط الأبيض. # | الإقليم # يتصف سكان الترنسفال بقوة البنية وجودة الصحة والنشاط؛ وتعزى هذه إلى جودة الهواء ~~واعتدال الطقس؛ لأن البلاد مرتفعة عن سطح البحر ألفا ومئتي متر. والإقليم على أجوده في ~~الجهات الشمالية منها وفي بعض الأواسط، وتقل جودته بالقرب من نهر ليمبوبو، وفي الجهات ~~المحاذية لبرج الجدي؛ فالهواء هناك حار والماء آسن؛ ولذلك تكثر فيها الحميات ~~الخبيثة، وسائر الأمراض العضالة، وكثيرا ما تفتك بأهل تلك الأنحاء، وأما في الأخرى فإن ~~الهواء نقي جاف والجو صحو صاف. وبالجملة فإن الطقس يماثل طقس أوروبا الجنوبية وبعض ~~أقسام من مستعمرة الكاب. ويبتدئ الشتاء فيها من شهر أبريل وينتهي في شهر أغسطس، وتكون ~~درجة الحرارة في هذا الفصل من 15 إلى 18 بميزان سنتي جراد، ويكون معتدلا نهارا ويشتد ~~البرد ليلا، ويبتدئ الليل هناك من الساعة السادسة بعد الظهر، وينبثق الفجر الساعة ~~السادسة صباحا. وأما فصل الصيف فابتداؤه غرة شهر سبتمبر وانتهاؤه في أواخر شهر مارس، ~~ويكون الطقس حارا نهارا، ورطبا ليلا، ودرجة الحرارة من 18 إلى 23 بميزان سنتي ~~جراد، ويبتدئ الليل من الساعة السابعة بعد الظهر وينتهي في الساعة الخامسة صباحا، ~~وتهب فيه الزوابع العظيمة ويتساقط البرد، وتبتدئ الأمطار وتكثر في شهر يناير وفبراير ~~ومارس. وكان معدل ارتفاع مياه الأمطار عن سطح الأرض بمدينتي بريتوريا وجوهانسبرج في ~~السنين الثلاث كما ms06 هو في الجدول الآتي: # جدول ارتفاع المياه. # سنة 1894 # سنة 1895 # سنة 1896 # مليمتر # مليمتر # مليمتر # جوهانسبرج # 885 # 720 # 657 # برتوريا # 910 # 518 # 475 # جدول فصول السنة. # الشتاء # يونيو # يوليو # أغسطس # الربيع # سبتمبر # أكتوبر # نوفبر # الصيف # ديسمبر # يناير # فبراير # الخريف # مارس # أبريل # مايو # تقسيم بلاد الترنسفال # تنقسم هذه البلاد إلى ثلاثة أقسام: قسم أعلى وقسم متوسط وقسم أسفل. # أما القسم الأعلى، فهو مشهور بكثرة المعادن، خصوصا الفحم الحجري والحديد، وتبلغ ~~مساحته 90650 كيلومترا مربعا، يحده جنوبا جبال دراكنسبرج، وشرقا جبال ليبومبو، ~~وغربا مقاطعة ويتواتر سرند، ويحيط به من الجهات الثلاث جبال شاهقة، يختلف ارتفاعها ~~من ألف إلى ألفي متر، وذلك مما يكسب سكان تلك الأنحاء صحة ونشاطا؛ لجودة الهواء ~~واعتدال الإقليم. # أما القسم الثاني فهو مشهور بجودة الأرض، وفيه أحسن أراضي الترنسفال الزراعية، ~~ففيه الرياض النضرة، تجري فيها الأنهار الكثيرة، وتبلغ مساحته 69940 كيلومترا ~~مربعا، وهو ما بين جهة بشوانلند ومقاطعة ويتواتر سرند، ويحده جنوبا مملكة أورنج ~~وشمالا نهر ليبومبو. # والقسم الأسفل يضاهي القسم الأعلى في الزراعة، وتبلغ مساحته 155000 كيلومتر مربع، ~~ومع انخفاض أراضيه فإن الحرارة فيه أشد منها في القسمين السالف ذكرهما. # | الزراعة والمعادن # أما أراضي هذه البلاد فشديدة الخصب، تعطي إثمارها في حينه، ويمكن لزارعها أن يزرعها ~~مرتين في السنة، وهي أحسن أرض في جنوب أفريقيا وأخصبها؛ وأكثرها يزرع حبوبا، وهي ~~سريعة النمو، وفيها صنف من الحبوب أشبه شيء بالكزبرة، يزرع في شهر سبتمبر أو أكتوبر، ~~ويحصد في شهر مارس، ويطحن ويصير كالبرغل. والجزء الشمالي منه مشهور بزراعة العنب، ~~والدخان، وقصب السكر، والقطن. يوجد صنف من العشب يزرع في الحدائق، فيكسوها خضرة، ~~ويختلف طوله من متر إلى مترين وعشرة سنتيمترات، ويستعملونه في تسقيف المنازل، فيضعونه ~~فوق الأخشاب. وأما مقاطعة برتوريا فمشهورة بالفواكه، حتى إذا غرست الأشجار في شهر ~~مارس، وتطعمت في شهر أكتوبر، تثمر في السنة الثانية من زمان غرسها. # وقد اشتهرت الترنسفال بكثرة معادنها، فإنها تلد المعدنين النفيسين؛ وهما الذهب ~~والفضة، على ضفاف نهر الكاب وبالقرب ms07 من نهر التمساح، وفيها مناجم النحاس في ناحيتي ~~واتربرج وزوتنسبرج. وكانت قبائل الكفرة القاطنة على شواطئ نهر لمبوبو تعرف النحاس من ~~زمن بعيد، وكانوا يستنبطونه من مناجمه. وفي جهات ليدنبرج، وأوتربرج، وسوتنزبرج يكثر ~~الحديد، وهو ظاهر على وجه الأرض. وفي مقاطعة ميدلبرج يوجد النيكل والكوبلت، وكثير من ~~حجر الجرانيت. وفي مقاطعة إسكوتلندا الجديدة يوجد الفحم الحجري. وفي أقسام ميدلبرج ~~وجبال دراكنسبرج، وبالقرب من بريتوريا توجد الأحجار التي يصنع منها الجير. وفي ~~ليشتنبرج وسوتنسبرج توجد البرك والمستنقعات التي يستخرج منها الملح. وفي مقاطعات ~~واكرستروم واترتش وزوتنسبرج غابات عظيمة، فيها أخشاب صفراء. وفي مقاطعة سوتنسبرج خشب ~~الأبانوس والمهوجني، وباقي الأخشاب الثمينة، وأخشاب البناء، وأشجار يستخرج منها زيت ~~القطران. # | السكان # ينقسم سكان الترنسفال إلى أربعة أقسام؛ زنوج، ووتلندر وبوير، وأفريكندر. # أما الزنوج فهم أصحاب البلاد الأصليون، وهم عبارة عن قبائل من الجنس الأسود. # أما الويتلندر فهم الغرباء الذين استوطنوا تلك البلاد، والأفريكندر هم الهولنديون ~~المولودون في أفريقيا. وأما البوير فإنهم أتوا بعد الأفريكندر وافتتحوا البلاد، وأخذوها ~~من أصحابها، ونظموا إدارتها، وجعلوها لنفسهم وطنا عزيزا. # وقاطن في الجهة الشمالية من الترنسفال ثلاث قبائل عظيمة، وهي المكالاك والمتابيل ~~والمتانيا، ويتصف رجال هذه القبائل بالقوة والشجاعة، فلا يهابون القتال، ولا يخافون ~~الموت الزؤام، وفي الجهة الغربية أربع قبائل، وهي قبيلة الشيلي، وقبيلة البنجوكسي، ~~وقبيلة البارالنج، وقبيلة الكورانا. وقد بلغ عدد سكان الترنسفال «1089156 نفسا» حسب ~~إحصاء سنة 1898. # | أشهر المدن # بريتوريا # وهي عاصمة الجمهورية ومركز إدارة الحكومة، وقد سميت بهذا الاسم نسبة لبرتوريوس ~~قائد البوير الأول. ويبلغ طول بعض شوارع تلك المدينة ميلين، يظللها شجر اللبخ ~~المزروع على الجانبين، أما منازلها ففي غاية العظم والفخامة؛ يفصل بينها مسافات ~~طويلة، ويحيط بها البساتين الغناء، ويجري فيها الماء، وعلى ضفاف تلك المجاري ~~أشجار السفرجل، والتفاح، وسائر أنواع الفواكه؛ مما يزيد في جمالها. وحين يرخي الليل ~~سدوله عليها تلبس حلة الأنوار الكهربائية، فتتألق فيها، فتكون كعروس حسناء لبست ~~حلاها، فازدادت بهجتها وتسامت قيمتها. وهواؤها في الشتاء منعش للأبدان، والرطوبة ~~قليلة، ms08 وتشتد الحرارة في الصيف. ويبلغ عدد البيض فيها خمسة عشر ألف نفس، والسود ~~عشرة آلاف نفس، والمدينة كافية لسكنى نصف مليون من البشر على الرحب والسعة. وفيها ~~سوق كبير يسع جميع السكان القاطنين فيها. وفي كل صباح يغص بالعربات المغطاة بالقماش ~~الأبيض تجرها الثيران، والراكبون عليها من الطبقة السفلى من السكان، يقصدون هذا ~~السوق لقضاء حوائجهم. وفي وسطه بناء مرتفع مربع، تدل هيئته على قدمه مع حفظ رونقه ~~الذي لم يقو طول الزمن عليه، وهو كنيسة هولندية بنيت يوم تأسست المدينة، ولها في ~~عيون البوير منزلة رفيعة؛ لأنها من كنائسهم القديمة. وحول دائرة السوق المصالح ~~العمومية والبنوكة، وسراي الحكومة، وهو بناء مرتفع مربع، يحتوي على ثلاث طبقات، وفي ~~أعلاه قبة كبيرة نصب عليها تمثال الحرية قابضا بيده على راية الجمهورية، وهي بشكل ~~الراية الهولندية تتميز عنها بلون أخضر. # جوهانسبرج # كانت هذه المدينة قطعة أرض فسيحة، يمتلكها رجل من البوير اسمه يوحنا، وذلك سنة ~~1868. وفي سنة 1885 اكتشفت فيها مناجم الذهب، فأخذتها الحكومة منه. # وفي غرة سبتمبر سنة 1886 بلغ عدد العمال في مناجمها ستة آلاف رجل، فأسسوا هذه ~~المدينة، وشيدوا فيها المنازل وأنشئت فيها المعامل، وسميت باسم صاحبها الأول ~~جوهانسبرج (مدينة يوحنا). وفي سنة 1887 قسمت الحكومة أراضي تلك المدينة إلى 900 ~~قطعة، مساحة كل قطعة منها خمسون قدما مربعا، وكانت تبيع القطعة بمائة وخمسة ~~وسبعين فرنكا، ولم يزل ثمنها في صعود إلى أن بلغ ثمن القطعة الواحدة عشرين ألف ~~فرنك. وطول المدينة ثمانية كيلومترات من الشرق إلى الغرب، وعرضها كيلومتران من ~~الشمال إلى الجنوب. وعدد سكانها حسب إحصاء سنة 1896 «100723 نسمة»، ينقسمون ~~هكذا: # أوروبايون # 51225 # زنوج # 42533 # هنود وصينيون # 40187 # أخلاط # 2878 # 100723 # وهاك بيان كل جنس على حدته من الأوروبيين: # إنكليز # 34338 # بوير الترنسفال # 6205 # بوير أورنج # 1745 # روسيون # 3333 # ألمانيون # 2262 # هولنديون # 819 # فرنساويون # 402 # سويديون # 302 # إيطاليون # 206 # أمريكيون # 616 # أخلاط # 997 # 51225 # مدينة جوهانسبرج سنة 1882. # أحد شوارع مدينة جوهانسبرج سنة ~~1896. # ومن هذا الإحصاء يعلم ms09 أن العنصر الإنكليزي أكثر من سائر العناصر الموجودة فيها، ~~وللإنكليز أكثر الأملاك وأكبر موارد الثروة. وقد بلغ تعداد السكان لغاية 1899 ~~«150000 نفس». والداخل إلى جوهانسبرج يرى بأجلى بيان أنها مدينة صناعية محض، لا ~~تختلف في هيئتها عن المدن الأوروبية. ومداخن الفوريقات مرتفعة في الجو، تقذف الدخان ~~من أفواهها، فيتصاعد في الهواء ويذوب فيه، ويطير في الهواء تراب ناعم فيلتصق بالوجه ~~والشفتين والحدق، وهذه الأتربة هي التي تتصاعد من خمسة آلاف طاحونة معدة لسحق ~~الأحجار المتحد بها الذهب. وفي شوارع المدينة أعمدة ثخينة يحمل بعضها الأسلاك ~~البرقية، والبعض يحمل أسلاك الكهربائية، التي يسير بها التراموي، وفي المدينة جملة ~~كنائس للمسيحيين على اختلاف مذاهبهم، وشركتان إحداهما لتوزيع الماء والثانية للغاز. ~~ويصدر فيها يوميا ثلاث جرائد تطبع فيها. وفيها تياترو وقهوة كبيرة عمومية، يؤمها ~~الصناع زمرا حينما تسمح لهم الفرص بعد الفراغ من أشغالهم. وفيها ما عدا ذلك من ~~القهاوي الصغيرة والكلوبات والملاهي شيء كثير. ومما يقضي بالعجب والدهشة أن المدينة ~~بلغت هذه الدرجة في نحو خمسة عشر عاما مضت من تاريخ تأسيسها. ومع كثرة قاصديها من ~~كل فج للانتفاع بكنوزها، فهي لا تضيق بهم ذرعا؛ لكثرة الأشغال العظيمة فيها ~~وأرباحها الجسيمة التي لم يؤثر فيها غلاء الأثمان وارتفاع أجور المنازل؛ فأقل ~~منزل فيها لا يمكن استئجاره بأقل من ثلاثين جنيها في الشهر الواحد، وثمن أي مشروب ~~في القهاوي لا يقل عن خمسة غروش، ولو كان فنجانا من القهوة. وبالجملة فإن مكاسبها ~~عظيمة جدا، تكفي لهذه النفقات، ويتوفر منها مبلغ جسيم. والدليل على ذلك ما نراه ~~من عظم ثروة الإنكليز وغيرهم، الذين ذهبوا إلى هذه البلاد النائية فقراء لا يملكون ~~شروى نقير، وعادوا إلى بلادهم وثروتهم تقدر بالملايين. # ومما يروى من هذا القبيل أن إيطاليا أتى هذه المدينة في سنة 1889 واستخدم في ~~إحدى القهاوي، ولما رأى رواج أشغال الذهب شمر عن ساعد الجد، وصار يسعى في جمع ~~الثروة من هذه المهنة، تاركا القهوة لأصحابها، وبعد ثمان سنوات رجع إلى بلاده ومعه ms10 ~~من الثروة ما ينوف عن خمسة ملايين من الفرنكات. وأمثاله كثير ممن يهاجرون إلى هذه ~~البلاد ذات المناجم الذهبية، وقد قدر الذهب المستخرج منها في تسع سنوات ~~ابتداؤها سنة 1887 «322518 كيلوجراما». وقد اتفق الجيولوجيون أنه إذا حفر في ~~الأرض منجم على عمق ثمانمائة متر يستخرج منه من الذهب ما لا تقل قيمته عن عشرة ~~مليارات من الفرنكات، وإذا حفر على عمق ألف ومائتي متر يستخرج منه ما يساوي سبعة ~~عشر مليارا من الفرنكات، وقس على ذلك. # بوتشستروم # كانت هذه المدينة عاصمة الجمهورية قبل برتوريا إلى سنة 1863، واسمها هذا مركب ~~من أسماء ثلاثة أشخاص من نخبة البوير الذين خدموا بلادهم خدمات جليلة، فسميت هذه ~~المدينة بأسمائهم تخليدا لذكرهم، وهم بوتجتر وشرف واستوكنستروم، فأخذوا الثلاثة ~~حروف الأولى من الاسم الأول وحرفا واحدا من اسم الثاني وأربعة أحرف من الاسم ~~الثالث، فصارت بوتشستروم، وهذه المدينة واقعة على نهر الموي، وبها محطة سكة حديد ~~على خط جوهانسبرج الذي ينتهي في كلير كسدورب، وشوارعها منتظمة طويلة، تظللها أشجار ~~الصفصاف المتراخية الأغصان على المنازل المحاطة بالحدائق الغناء، ذات الرياض ~~الفيحاء. # ميدلبرج # هي عاصمة مقاطعة ميدلبرج، أخذها البوير من البازوتس في سنة 1839. وفي سنة 1848 ~~أسسوا فيها حكومة جمهورية مستقلة. وفي سنة 1858 انضمت لجمهوريتهم مقاطعة إيترتش، ~~وما زالوا كذلك إلى سنة 1860، ثم ألغيت حكومتهم وانضموا إلى جمهورية ~~الترنسفال. # زيروست # هي عاصمة مقاطعة ماريكو، وموقعها على نهر ليمبوبو، وهي مشهورة بجودة أرضها وحسن ~~زراعتها، وبها كثير من البساتين؛ ولذلك لقبت بحديقة الترنسفال. # كروجر سدورب # لهذه المدينة شهرة واسعة على صغرها وحقارتها، والبوير يزورونها سنويا؛ لأن فيها ~~مقابر أبطالهم العظام الذين ذهبوا شهداء الوطن، وهي محطة على فرع سكة حديد ~~جوهانسبرج. # كليركسدورب # هي بلدة صغيرة ينتهي إليها سكة حديد جوهانسبرج، ويخترقها نهر شون سبروت، ويبلغ ~~عدد سكانها 2300 نفس. # باريرتون # مؤسسها رجل بويري اسمه جراهم باربر؛ ولذلك سميت باسمه، وهو أول من أتى من ~~الناتال وسكن في تلك النقطة، وتاريخ وصوله إليها سنة 1881، وفي آخر هذه السنة ms11 بلغ ~~عدد الذين جاوروه ثلاثين نفسا، وما زال المهاجرون إليها يزدادون حتى بلغ عددهم سنة ~~1889 «1200 نفس تقريبا». # بولسبرج # هي بلد الفحم الحجري في الترنسفال؛ ففيها أعظم مناجمه، وأكثر سكانها من الزنوج ~~الذين يشتغلون في المناجم، وقليل من البوير والوتلندر الذين هم أصحاب المناجم ~~المذكورة. # ويوجد غير ذلك من البلدان، مما لا أهمية لذكرها. # | التجارة # يمكن الوقوف على حالة التجارة في بلاد الترنسفال من سنة 1883 إلى سنة 1898؛ أي: عندما ~~أخذت ترتقي من درجة إلى أخرى، من مطالعة الجدول الآتي: # بيان قيمة الصادرات من بلاد الترنسفال. # سنة # فرنك # 1883 # 9200000 # 1886 # 10200000 # 1889 # 86500000 # 1892 # 87500000 # 1895 # 245400000 # 1896 # 352000000 # 1897 # 339000000 # 1898 # 265800000 # وهاك جدولا آخر لبيان الأصناف الصادرة في السنين الآتي ذكرها: # صنف # سنة 1896 # سنة 1897 # سنة 1898 # كيلوجرام # كيلوجرام # كيلوجرام # فحم # 3888335 # 21450000 # 38774000 # صوف # 1234694 # 4608000 # 2537000 # جلود # 1816519 # 1953000 # 2101000 # معادن خام # 1177471 # 1203000 # 1920000 # حبوب # 90168 # 512000 # 899000 # دخان # 117231 # 138000 # 659000 # أحجار # 337064 # 288000 # 334000 # أخشاب ~~- # 299000 # 196000 # فواكه # 120472 # 103000 # 174000 # مشروبات ~~- # 33000 # 30000 # طيور # 1109 # 18000 # 21000 # الجملة # 8783063 # 30605000 # 47645000 # | إيرادات الحكومة # إيرادات الحكومة تتحصل من الجمارك والسكك الحديدية والمعادن، وهذا جدول ببيان ~~الإيرادات والمصروفات في السنين المبينة أدناه: # سنة # إيرادات # مصروفات # فرنك # فرنك # 1892 # 31 مليونا # 12 مليونا # 1893 # 43 مليونا # 32 مليونا # 1894 # 56 مليونا # 44 مليونا # 1895 # 89 مليونا # 69 مليونا # 1896 # 120 مليونا # 119 مليونا # 1898 # 99589025 # 99286825 # وفي يناير سنة 1899 كان المتوفر في خزينة الحكومة عشرة ملايين من الفرنكات، أما زيادة ~~مصروفاتها في السنين الأخيرة، فكانت لكثرة الأسلحة والأدوات الحربية التي اشترتها من ~~فابريقات ألمانيا وفرنسا. # ويؤخذ من جدول إيرادات الحكومة السابق أن إيرادها ازداد زيادة جسيمة من ابتداء سنة ~~1896، والسبب في ذلك اكتشاف الذهب في أوقات مختلفة في مقاطعة ويتواتر سرند. # أما دين الحكومة فكان في سنة 1897 «68 مليونا» من الفرنكات. # السكك الحديدية # يوجد في بلاد الترنسفال ثلاثة فروع سكك ms12 حديدية كبيرة، وهي واسطة الاتصال بين تلك ~~البلاد والبلاد المجاورة لها؛ أما الفرع الأول: فهو خط فولسكراست، يمر بهيدلبرج ~~وبريتوريا وبيترسبرج، ويمتد إلى مستعمرة الناتال، فيمر بدربان ولادي سمث وشارلستون، ~~والفرع الثاني: خط كوماتي بورت، يمر بميدلبرج وبريتوريا ولورنسو مركيز، ويصل إلى ~~خليج ولاجوي البرتغالي. # والفرع الثالث: خط نوبورت، ويمر ببريتوريا وبيترسبرج، ويمتد إلى كرنستاد، ويصل ~~إلى بلوم فنتين عاصمة الأورانج. # ويوجد غير ذلك فرعان؛ أولهما: خط جوهانسبرج، ويمر على كروجر سدورب بونشستروم ~~وينتهي في كليركسدورب، وكان في نية البوير أن يمدوا ذلك الخط إلى بلوم هوف ليتصل ~~بسكة حديد الكاب، ولكن الحرب الأخيرة؛ ونعني بها حرب سنة 1899، حالت دون إتمام ذلك ~~المشروع. # والفرع الثاني: يبتدئ من كوماتي بورت وينتهي إلى بريتوريا. # ويبلغ طول هذه الخطوط المذكورة 1433 كيلومترا، للحكومة منها 286 كيلومترا فقط، ~~والباقي ملك شركة هولندية. # جدول ببيان الركاب في ثلاث سنوات مختلفة. # سنة # عدد الركاب # 1890 # 66176 # 1895 # 1000000 # 1898 # 1718139 # وقد قدرت البضائع التي شحنت في القطارات الحديدية في مدة الثلاث سنوات السالف ~~ذكرها بهذا القدر «1749098 طونيلاته». # البوستة والتلغراف # للبوستة والتلغراف إدارة واحدة، يشتغل فيها 400 مستخدم في 65 مكتبا، وبين أيديهم ~~153 آلة تلغرافية، و27 تليفونا، وهذه المصلحة آخذة في التقدم والنجاح، كما يشهد ~~بذلك زيادة إيرادها من سنة إلى أخرى. # سنة # فرنك # 1885 # 127000 # 1890 # 1132000 # 1895 # 2858000 # 1898 # 4016000 # النقود # أكثر النقود شيوعا في بلاد الترنسفال النقود الإنكليزية والنقود الترنسفالية. ~~أما الثانية فإنها مضروبة في برتوريا، ومرسوم على أحد وجهيها صورة الرئيس كروجر، ~~والوجه الثاني منقسم إلى أربعة أقسام، على شكل صليب، في القسم الأول منها صورة ~~فلاح، وفي الثاني صورة محراث، وفي الثالث صورة أسد، وفي الرابع صورة هلب مركب، وقد ~~نقش على هذا الوجه الحروف الآتية: # Z.W.D AFRIK REPUB. # ومعناها «جمهورية أفريقيا الجنوبية». # ويوجد عندهم من الأوراق المالية المتعامل بها ما يساوي عشر شلنات إلى خمسين ~~جنيها، ولا يستعملون نقودا من البرونز لاستعاضتهم عنها بطوابع البوستة. # | عوايد البوير وصفاتهم # للبوير ms13 صفات حسنة ومزايا جميلة نادرة الوجود في باقي الأمم، ولهم في الشجاعة وإتقان ~~الفنون الحربية شهرة تحاكي الشمس، لا يختلف فيها اثنان، ولغتهم الهولندية، وهم أصحاب ~~تقوى، ميالون إلى السلم، محبون للحق، كارهون للكذب، ويعتنون كثيرا باقتناء الكتاب ~~المقدس؛ ولذلك لا تجد منزلا لهم، حقيرا كان أو عظيما، إلا وفيه هذا الكتاب، وهم ~~يقرءون فيه يوميا عند الصباح وجزءا عظيما من الليل، ولا ينشدون الأغاني الغرامية، ~~بل إذا كانوا فرحين يرنمون الترانيم الروحية، عاملين بقول الإنجيل: «إذا كنت فرحا فرتل ~~وإذا كنت حزينا فصل.» ولا يعرفون للكسل معنى بل هم أقوياء البنية. # مطالعة التوراة في عائلة ~~بويرية. # متصفون بالنشاط التام والاجتهاد المستمر، وهم قليلو الشفقة على غيرهم، ولا يميلون إلى ~~التملق، وكانوا لا يحبون تثقيف عقولهم بالعلوم والمعارف، ولكنهم عدلوا عن هذه الخطة من ~~زمن ليس ببعيد، وتغير خطتهم هذه هي التي أحوجتهم لإرسال شبانهم إلى العواصم ~~الأوروبية. # ولكن عادات تلك العواصم لم تؤثر على طباعهم، بل ظلوا على كرههم للتمدن الحديث، ~~ينفرون منه كما ينفر الإنسان من الأفعى، أما لونهم فأشقر، وهم حسان الخلق والخلق، ~~ونساؤهم على جانب عظيم من الرشاقة والخفة، جمعن بين رشاقة القد وذكاء العقل، وتحلين ~~بالعفة والشرف، وعندما يصل الرجال والنساء إلى درجة الشيخوخة يميل الفريقان إلى ~~السمن. وأول شيء ما يربى عليه أولادهم الخضوع التام لسلطة الوالدين وتوقيرهما؛ ~~ولا يتأنقون في ملابسهم، والمثرون منهم يستثمرون أموالهم بالتجارة والزراعة، أو ~~يضعونها في صناديق ويفضلون حفظها فيها عن إقراضها بالربا؛ إطاعة للأوامر الإلهية ~~المدونة في الكتب المقدسة، القائلة: لا تعط فضتك بالربا. وكل منهم يختار لسكنه قطعة ~~من الأرض لا تقل مساحتها عن ستين فدانا مصريا، فيشيد له منزلا في جزء منها؛ ولذلك ~~تجد منازلهم بعيدة عن بعضها بعدا شاسعا، ويبنون الزرائب لمواشيهم في قطعة بعيدة عن ~~المنزل، وما تبقى من الستين فدانا يترك بعضه مرعى للماشية والقسم الآخر يزرع حبوبا ~~وبقولا وما شاكل ذلك. وبعضهم يقتني النعام ويبيعون ريشها في منيا اليصابات. ومن ~~عاداتهم الصمت؛ ms14 حتى ربما يسير أحدهم مع أخيه أو صديقه طول النهار في طريق واحد وهو صامت ~~لا يتكلم إلا للضرورة. وكل فرد منهم يسعى بجد واجتهاد لتوسيع نطاق أملاكه، وما يعود ~~بنمو ثمارها وبإكثار نتاج ماشيته التي يتولى رعيها بنفسه. ومن صفاتهم شدة كرههم للدولة ~~البريطانية؛ نظرا لنفوذ كلمتها وامتداد سطوتها التي تشمل كثيرا من إخوانهم القاطنين ~~في المستعمرات الإنكليزية، وهم يحتقرون الجنس الأسود، ولا يكلمونه إلا بالخشونة والعنف؛ ~~لما هو كامن في الصدور من الحقد المتبادل بين الطرفين، الناتج عن الدماء التي بينهم. ~~وهذه الطباع يتوارثها الأبناء عن الآباء. ولما كانت فلاحة الأرض وزراعتها مهنة البوير ~~ألقوا أتعابها ومشاقها على العبيد المساكين الذين يتحملون ذلك بمزيد الكره والملل؛ ~~لما يقاسونه من الضرب والإهانة، ومضض المعيشة والازدراء، فضلا عن التعب الشديد في ~~تأدية خدمتهم التي فوق الطاقة. ومما يزيدهم حزنا وكرها أنهم لا يقبضون من البوير ~~مقابل أتعابهم إلا الصفع على القفاء والضرب المؤلم. # أما الصيد والقنص وحمل السلاح فعامة فيهم، وهي مزية حسنة خاصة بالبوير ، يمتازون بها ~~عن الأمم المختلفة، فعندما يبلغ الولد العاشرة يحمل البندقية وتكون هي لعبته الوحيدة، ~~فيتمرن أولا على صيد العصافير الصغيرة، ثم الطيور الكبيرة، وهكذا إلى أن يصل إلى صيد ~~الوحوش الضارية، فلا يبلغ الرابعة عشرة إلا وقد حذق فن الرماية كأحسن الماهرين به، وفي ~~ذلك منتهى الإعجاب. # وإذا أراد أحدهم الزواج يكتب قائمة بأسماء الفتيات الموجودات في المنازل المجاورة له، ~~وحينئذ يضع له ريشة مخصوصة لهذا الأمر في قبعته، ويركب جواده ويذهب إلى منازلهن، ~~وعندما يصل إلى منزل إحدى الفتيات المذكورات يدخله بسكون، ويقدم لوالدة الفتاة علبة ~~من مربى البرقوق، وللفتاة شمعة مصنوعة من شمع النحل، فتدركان بذلك القصد من زيارته؛ ~~والفتاة مخيرة حينئذ في قبول الشمعة أو ردها إذا كانت لا تقبله زوجا لها، فإذا ~~ردتها غادرهما في الحال وامتطى صهوة جواده قاصدا منزلا آخر، أما إذا حل طلبه محل ~~القبول، فتأخذ الفتاة الشمعة وتوقدها، فتأتي الوالدة بدبوس وتدسه في الشمعة على مسافة ms15 ~~أربعة سنتيمترات أو ثمانية من أعلاها، ويأخذ الفتى والفتاة يتحدثان حتى إذا بلغ النور ~~الدبوس قفل باب الحديث بينهما، ولكن ذلك لا يمنع الفتاة من نقل الدبوس إلى أسفل؛ ~~لإطالة المدة والتلذذ بالمحادثة إذا طابت لهما، ومتى انقضى حديثهما تذهب الفتاة إلى ~~والدتها، وتخبرها بما تراءى لها من مكالمتها معه، ففي الحال يحدد يوم الاحتفال ~~بالقران، وليس للوالد أدنى مداخلة بأمر الزواج، بل المنوط به الأمهات فقط مع البنات، ~~وإذا توفيت زوجة أحدهم فلا يسوغ له أن يتزوج إلا بعد مضي ثلاثة أشهر على الأقل من ~~تاريخ الوفاة. # ديانتهم ومذاهبهم # يدين البوير عموما بالدين المسيحي، ويلهجون دائما بذكر الله؛ لكثرة تمسكهم ~~بالدين، وكبارهم وصغارهم يكررون الصلاة الآتية كل صباح: # يا إله الرحمة، ارحم شعبك هذا؛ لأنه هرب ليعبدك بسلام بعد أن تحمل ~~الأتعاب الشاقة، وقاسى أهوال القتال من الأشرار الذين لا يعرفونك. والذين ~~يعرفونك ولا يعملون بوصاياك. وأنت يا إلهنا كنت لنا معينا في الشدة، ~~ومنقذا وقت الضيق، ولم تزل ترفق بنا وتغمرنا بمراحمك الإلهية . ولما كنا ~~على شفاء الهلاك ناديتنا بفمك الطاهر الشريف بهذه الكلمة، قائلا: عش يا ~~شعبي وتبارك وكن عظيما. فكنا يا إلهنا كما قلت. ولم تتخل عنا إلى هذا ~~الوقت؛ لأننا متمسكون بمحبتك الثمينة والخضوع الدائم لوصاياك، فأعنا يا ~~إلهنا ولا تنسنا من الآن وإلى الأبد، آمين. # ولهم عيد عظيم يحتفلون به سنويا، وهو يوم 16 ديسمبر، ويسمى عندهم يوم دنجان، ~~وهو تذكار لواقعة حربية كانوا قد انتصروا فيها انتصارا عجيبا، وسيأتي الكلام ~~عليها. # أما المذاهب عندهم فثلاثة؛ أولها المذهب البروتستانتي، وهو أكثرها انتشارا ~~بينهم، وهو المذهب الرسمي الذي تعتبره الحكومة، ويليه المذهب الأرثوذكسي، ثم ~~الكاثوليكي، وهو أقل المذاهب انتشارا هناك. # العلوم والمعارف # بلغ تعداد المدارس في كل أنحاء الجمهورية لغاية سنة 1899 «500 مدرسة»، فيها 13561 ~~من الطلبة، يتلقون فيها اللغة الهولندية، ويوجد غير ذلك مدارس مخصوصة للإنكليز؛ ~~لأن مدارس الترنسفال لا تجيز لطلبتها تعليم اللغة الإنكليزية التي يكرهونها ككرههم ~~لأصحابها. وتوجد مدرسة كلية في ms16 بريتوريا. وفضلا عن هذه المدارس، فإنه يوجد أساتذة ~~تعلم القاطنين في القرى البعيدة عن المدارس. وقد كانت المعارف منحطة إلى أدنى ~~الدركات، ولكنها أخذت ترتقي في السنين الأخيرة، حتى بلغت مقاما رفيعا، ولم يكتف ~~شبان البوير بمدارسهم هذه، بل سار بعضهم إلى مدارس أوروبا؛ لتلقي العلوم العليا، ~~وخصوصا الطب والصيدلة، وهذا بيان تعداد الطلبة في أربع سنين مختلفة، ومنه يتضح ~~مقدار تقدمهم: # سنة # تلميذ # مصاريف # 1885 # 1000 # 200000 # 1890 # 8000 # 800000 # 1895 # 7000 # 1400000 # 1898 # 13000 # 2200000 # المحاكم والقوانين # لكل مقاطعة في بلاد الترنسفال محكمة ابتدائية تسمى «لندروست»، للحكم في القضايا ~~المدنية التي لا تتجاوز قيمتها خمسمائة جنيه، وفي القضايا الجنائية التي لا يتجاوز ~~الحكم فيها غرامة قدرها خمسة وسبعون جنيها، أو السجن أو الأشغال الشاقة لستة أشهر ~~فقط، أو خمسة وعشرين جلدة، وتستأنف أحكام هذه المحاكم إلى محكمة عليا، يرأسها قاض ~~من مجلس القضاء العمومي، وهذا المجلس مؤلف من قضاة منتخبين من ثلاث مقاطعات ~~مختلفة، ومن ثمانية عشر عضوا من ثمانية عشر مقاطعة، ينظرون في القضايا الكبرى ~~المهمة، إذا لم يقتنع أربابها بالأحكام الابتدائية والاستئنافية، ويرأس هذا المجلس ~~رئيس الجمهورية ، وأحكامه نافذة على جميع القاطنين في بلاد الترنسفال. ولكل مقاطعة ~~لجنة مشكلة من ثلاثة أعضاء منتخبين من أعيان البوير القاطنين فيها، وأصحاب أملاك ~~بها للنظر في القضايا المختصة بالأراضي، ويحكمون بما يتراءى لهم، ثم يعلنون ~~للمتنازعين الحكم الذي أصدروه، ويرفعون بذلك تقريرا لمجلس القضاء العمومي لتنفيذ ~~حكمهم. وفي كل مقاطعة محكمة صغرى اسمها «فيلدكورنت»، للنظر في القضايا المنزلية ~~والمنازعات التي تحدث ما بين المستخدمين والمخدومين، وتستأنف قضاياهم كغيرهم إلى ~~المحكمة العليا، أو مجلس القضاء العمومي. وأما القضايا التي تكون بين الزنوج فقط؛ ~~فإنها تنظر أمام لجنة مشكلة من بني جنسهم؛ إلا القضايا الكبرى، فإنها ترفع إلى ~~المحكمة العليا، أو مجلس القضاء العمومي للنظر فيها بحسب ما يتراءى للنائب ~~العمومي. # أما قوانينهم فعلى قاعدة القانون الروماني الهولندي. # تقسيم الحكومة # تنقسم حكومة الترنسفال إلى ثمانية عشر مقاطعة - كالمديريات في القطر المصري ms17 - ~~ولكل مقاطعة حاكم خصوصي كالمدير، ينتخبه مجلس التنفيذ لمدة ثلاث سنوات، وتنقسم كل ~~مقاطعة إلى أقسام أخرى كالمراكز، لكل قسم منها حاكم كمأمور المركز؛ لتحصيل الأمور ~~الأميرية، وإدارة أشغال الضبط والربط والتنظيم، والإقرار على الطلبات التي يجب ~~طلبها من الحكومة لمصالح البلاد. وفي أيام الحرب تكون له السلطة في تجنيد الشبان ~~المطلوبين من قسمه، وحكام الأقسام المذكورة يكونون تحت سلطة حكام المقاطعات. ولكل ~~مقاطعة مجلس يسمى مجلس المقاطعة، مؤلف من أعضاء منتخبين من الأقسام التابعة لها، ~~وهذا المجلس يجتمع تحت رئاسة حاكم المقاطعة للنظر والإقرار على الطلبات التي يجب ~~طلبها من الحكومة وفي ربط الضرائب، وينتخب من كل مقاطعة عضوين أو ثلاثة أعضاء من ~~نخبة البوير، ينوبون عن الأهالي أمام الهيئة الحاكمة، ويتألف من هؤلاء المنتخبين ~~مجلس الفولسكراد (مجلس النواب)، وأعضاؤهم اثنان وأربعون، كل منهم ينتخب لمدة أربع ~~سنوات، يقضيها في عضوية المجلس المذكور، ولا يخول له الحق في الاستعفاء ما لم يكن ~~قضى فيه سنتين، ومتى انسحب أحدهم ينتخب في الحال بدلا عنه من أهالي مقاطعته، ~~ويشترط لقبول كل منتخب أن يكون متحصلا على الشروط الآتية وهي؛ أولا: أن لا يقل ~~عمره عن الثلاثين سنة. ثانيا: أن يكون مسيحيا تابعا للمذهب البروتستانتي. ~~ثالثا: أن يكون من القاطنين في البلاد، وله أملاك فيها. رابعا: أن لا يكون أبوه ~~أو أحد أبنائه منتخبا في ذلك المجلس. خامسا: أن لا يكون أحد أبويه غريب الجنسية. ~~سادسا: أن لا يكون ضابطا في الجيش. # وهذا المجلس لا يمكن إلغاؤه إلا إذا أقر جميع الأعضاء على ذلك، وهو الذي ينتخب ~~رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات كاملة، ويمكن تجديد الانتخاب عند انتهاء كل مدة. ~~وللرئيس المذكور الكلمة النافذة، ويقوم بمساعدته مجلس يسمى مجلس التنفيذ، ينتخب ~~أعضاءه مجلس الفولسكراد، وهو مؤلف من وكيل الجمهورية الذي ينتخب لمدة عشر سنوات، ~~ومندوب عن الزنوج ينتخب لمدة سنتين، ومن اثنين مستشارين من مجلس القضاء العمومي؛ ~~لينوبا عنه مدة سنتين، ويرأس هذا المجلس رئيس الجمهورية، ولأعضاء مجلس التنفيذ ~~كراسي مخصوصة في ms18 مجلس الفولسكراد، وليس لهم أصوات فيه، لكنهم ينظرون في آراء ~~الأعضاء ومناقشاتهم، وما يتفقون عليه من الأمور العائد تنفيذها إلى رئيس الجمهورية ~~وإليهم. ويرتبط بمجلس الفولسكراد المذكور مجلس يسمى الراد، وأكثر أعضائه من ~~الأجانب الذين لا تقل مدة إقامتهم ببلاد الجمهورية عن أربع سنوات، وهذا المجلس مكلف ~~بالنظر في أشغال المعادن والتجارة، وهو تحت رئاسة مجلس الفولسكراد الذي ينتخب ~~أعضاءه، ولا يعتبرون الرجل وطنيا ما لم يكن مولودا في البلاد، ووالده من البوير، ~~وأما الأجانب فينالون حقوق الوطنيين بعد إقامة أربعة عشر عاما في البلاد. # | الجيش وقانون العسكرية # ليس للجمهورية قوة حربية تستحق الذكر، ومعظم ما عندها للدفاع عن البلاد، لا يزيد عن ~~عشر بطريات وفرقة من الطوبجية، وفرقة من البوليس لحفظ النظام واستتباب الأمن، ومتى ~~أرادت الجمهورية إشهار الحرب، فما على رئيسها إلا أن يستدعي جميع البوير واللائقين لحمل ~~السلاح، فيلبون نداءه طائعين، فينتظم الجيش في الحال، بدون عناء ولا تعب ولا إضاعة وقت ~~في التمرين؛ لأنهم جميعا يحسنون الرمي بالبنادق. وفي أيام الحرب تربط ضريبة قدرها ~~عشرون جنيها إنكليزيا على كل صاحب حقل. ويعافى من الخدمة العسكرية أعضاء مجلس ~~الفولسكراد والكهنة ومعلمو المدارس؛ ولكن عليهم أن يدفعوا مساعدة حربية قدرها خمسة عشر ~~جنيها إنكليزيا. وإذا وقع الجيش في ضيق أثناء الحرب وقضت الحالة بتجنيدهم، فيمكن ~~استدعاؤهم بواسطة مجلس عسكري ينعقد لذلك، وينتدبهم للانضمام في الجيش فيلبون نداءه. أما ~~البوير التابعون للجمهورية وبعيدون عنها، فإذا لم يمكنهم الحضور للخدمة يعافون منها؛ ~~ولكنهم لا يفرون من دفع المساعدة الحربية. أما الضباط فيعينهم رئيس الجمهورية ومجلس ~~التنفيذ، بشرط أن يكونوا من نخبة البوير المشهورين بالمهارة، ويكون رئيس الجمهورية هو ~~القائد العام، وأول تجنيدة تكون من الشبان الذين يبلغ سنهم من 18 إلى 24 سنة. # والتجنيدة الثانية من سن 34 إلى 50، وإذا احتاج الأمر إلى تجنيدة ثالثة فتطلب من سن ~~15 إلى 18، ومن 50 إلى 60، ولكن ذلك لا يأتي إلا إذا دعت الحاجة الشديدة إليه، وهذه ~~التجنيدة الأخيرة تكون في مؤخرة الجيش. ms19 وعلى كل رجل من المنتخبين أن يجهز نفسه بالملابس ~~اللازمة وبندقيته، وما يحتاج له من المئونة والزخرة. ويشترك في الخدمة العسكرية مع ~~البوير بعض الزنوج الخاضعين للجمهورية، وهم يتحملون معظم أثقال الحرب، ويكونون في مقدمة ~~الجيش، ولا ينالون من الغنائم الحربية شيئا، بل تقسم على جنود البوير بحسب ما يستحق ~~كل منهم. # ولما انتشبت الحرب بين جمهورية الترنسفال ودولة بريطانيا العظمى سنة 1899 كان جيش ~~البوير في بدء القتال كما يأتي: # 40000 # بوير الترنسفال # 4500 # مسترزقة (مأجورة) # 27500 # من جمهورية أورنج # 2500 # من متطوعي الدول الأجنبية # 4500 # من بوير مستعمرة الرأس والناتال # 79000 # المجموع # | اكتشاف الذهب # لمعادن الذهب الكثيرة في بلاد الترنسفال الفضل في ارتقائها وتحسين ماليتها، فكل من ~~ضاقت به الدنيا وقصد هذه الجهة الفسيحة يجد خير مأوى، فيعيش فيها ما طاب له من الزمن، ~~وإذا أراد العودة من حيث أتى، يعود طاردا بالأصفر الرنان عوامل الفقر. ولا تعجب أيها ~~القارئ من ذلك؛ لأن آنية سليمان ملك إسرائيل وبيته وعرش ملكه العظيم ما صنع إلا من ~~الذهب الذي أتي به من تلك البلاد، وقد ذكر ذلك في الكتاب المقدس في سفر الملوك الثالث ~~«ف9 ي26: وبنى الملك سليمان سفنا في عصيون جابر التي بجانب أيلة عند شاطئ بحر القلزم ~~(بحر الأحمر) في أرض آدوم، وأرسل ملك حيرام عبيده مع عبيد الملك سليمان قوما ملاحين ~~عارفين بالبحر، فأتوا أوفير وأخذوا من هناك أربعمائة وعشرين قنطارا من الذهب، وأتوا ~~بها إلى الملك سليمان.» # وفي الفصل العاشر من هذا السفر «ي14: وكان وزن الذهب الذي ورد على سليمان في سنة ~~واحدة ستمائة وستة وستين قنطارا.» ومن هذا القدر المذكور مائة وعشرون قنطارا وكثير من ~~الطيب والأحجار الكريمة أهدتها إليه ملكة سابا، # 1 # ويظهر أن رجالها ذهبوا أولا إلى زنجبار وساروا على شطوط الأقيانوس الهندي، ~~حتى وصلوا إلى موزنبيق، ومنها إلى بلاد الأورنج والترنسفال، ومن هناك جاءوها بالذهب ~~الكثير، فأهدته إلى أعظم ملوك عصرها. ومن ذلك يتضح بأجلى بيان أن معادن الذهب في ms20 تلك ~~الجهات كانت معروفة عند بني إسرائيل، ثم خفي أمرها زمنا طويلا حتى سنة 1498، وفيها ~~أوغل الرحالة البرتغالي المسمى فاسكو دي جاما في تلك البلاد، فصادفه الفلاح وقاده ~~النجاح لاكتشاف معادن الذهب على شواطئ نهر الزنبيز، ولكن خبر ذلك الاكتشاف ظل مستترا، ~~إلى سنة 1591، وفي هذه السنة كان رجل برتغالي يسمى باريتو جائلا في هذه البلاد التي ~~لم يكن يقطنها إلا الزنوج المتوحشون الذين لا يعرفون للذهب قيمة، فلما مر باريتو بنهر ~~الزنبيز تأكد له وجود الذهب هناك، فعاد إلى ليسبون عاصمة بلاده، وأخبر بما رآه، فلقبه ~~مواطنوه بأمير الذهب، فحاز منزلة رفيعة، فأراد أن يعظم خدمته العمومية ليحسن ذكره ~~ويزداد مجده، فعاد في أثناء السنة إلى بلاد الموزنبيق، وهناك أرشده أحد المرسلين ~~اليسوعيين إلى شواطئ نهر كورانا حتى يصل إلى بلدة مانيكا، حيث يجد معادن الذهب المسماة ~~معادن بوتنا ومانشيكا. وفي سنة 1845 أثبت العالم الجيولوجي النمساوي فون بوك وجود معادن ~~الذهب والفضة في جنوب أفريقيا. ومن هذا الوقت تنبهت الأفكار للرحيل إلى هذه البقاع، ~~وكثر الطامعون إليها، فتغلب الجنس الأبيض على الأسود، وذلك بعدما ملكت إنكلترا بلاد ~~الكاب والناتال، وامتلك البوير الأورانج والترنسفال، وحينئذ ابتدأ العلماء الجيولوجيون ~~في البحث. وفي سنة 1862 اكتشف الجيولوجي النمساوي كارل موك مناجم تاتي التي تبلغ مساحة ~~أرضها الممتدة فيها عروق الذهب 240 ميلا مربعا. وفي سنة 1865 اكتشف السالف ذكره مناجم ~~باشونالند التي تبلغ مساحة أرضها الذهبية 220 ميلا مربعا، وفي نفس السنة اكتشف أحد ~~صيادي الأفيال المسمى نافارتي معادن ذهب أخرى في تأتي، وقد احتكرت شركة إنكليزية ~~استخراج الذهب في هذه الجهة بمقتضى معاهدة عقدت بينها وبين ملك هذه البلاد المدعو ~~لوبنجولا. وفي سنة 1868 اكتشف كارل موك معادن الذهب في شمال نهر الأفيال في مقاطعة ~~ليدنبرج ببلاد الترنسفال، ثم اكتشفت في هذه الجهة معادن أخرى. # يوجد الذهب في بلاد الترنسفال في إحدى عشرة جهة مسماة بأسماء البلاد القريبة منها، ~~ويدعوها البوير حقول الذهب، وتبلغ مساحتها نحو ستة ملايين متر مربع، ms21 وأهم هذه المدن ~~ثمانية، وهي: ليدنبرج، الكاب، كوماتي، ويتواتر سرند، كليركسدورب، ملماني، زوتنسبرج، ~~واتربرج. # معادن ليدنبرج # تنقسم إلى أربعة أقسام؛ الأول: في جبال دراكنسبرج القريبة من مدينة ليدنبرج، ~~اكتشفت سنة 1868. والثاني: في جهة سبيون كوب، واكتشفت سنة 1869، ومكتشفوه ثلاثة، ~~وهم المستر بيتون من الناتال، والمستر سيترلند الأمريكاني من كاليفورنيا، والمستر ~~توماس ماك لكلان الإنكليزي، وقد كافأتهم الحكومة على خدمتهم. والثالث: معادن على ~~شواطئ نهر بلجرزرست، اكتشفها سنة 1873 بيتون وسيترلند. والقسم الرابع: معادن ~~ماكماك، اكتشفها المستر توماس سنة 1873، وفي ثاني سنة من تاريخ هذا الاكتشاف أرادت ~~الحكومة إنشاء بلدة بالقرب منها، فحال دون قصدها وقوع النزاع والخلاف بين مستخرجي ~~الذهب هناك، انجلى عنه مغادرتهم تلك الجهة، وتعطيل الأشغال فيها إلى سنة 1886، حين ~~استولت عليه شركة إنكليزية وباشرت العمل، فكان حظها وافرا من ربحه العظيم. # معادن الكاب # تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول اكتشفه المستر توماس السالف ذكره في سنة 1875، ثم ~~اكتشف القسم الثاني أحد الجولوجيون سنة 1882، وفي نفس هذه السنة اكتشف المستر شموز ~~القسم الثالث، وكان الذهب فيه ظاهرا على وجه الأرض، وشعابه ممتدة إلى ~~الرمال. # معادن كوماتي # لم يعلم تاريخ اكتشافها، والذهب فيها يوجد قطعا متفرقة، وعروقا ممتدة في ~~الرمال. # معادن ويتواتر سرند # هذه المعادن من المعادن الكبرى، اكتشفها سنة 1854 رجل من أمريكا فرنساوي الأصل، ~~يسمى ماريا، وكانت الحكومة قد منعت استخراج الذهب في ذاك الوقت. وفي سنة 1868 ~~صرح بريتوربوس رئيس الجمهورية بالاشتغال فيها، وكافأ المكتشف. وفي سنة 1878 وجد ~~الذهب في قطع كثيرة من الأراضي في هذه الجهة، وفيها تأسست مدينة جوهانسبرج في أول ~~سبتمبر سنة 1886. # معادن كليركسدورب # واقعة على الطريق الموصلة من كمبرلي إلى جوهانسبرج، وقد اكتشفت سنة 1886، وتأسست ~~مدينة كليركسدورب بقربها بعد الاكتشاف بسنة واحدة، بعد أن كثر العمال في ذلك ~~المكان، وهي تبعد عن كمبرلي مدينة الماس في الناتال بمقدار 130 ميلا. # معادن ملماني # تنقسم إلى سبعة أقسام، وتبلغ مساحتها 16300 هكتار، ويقدر عمق طبقة الأرض الذهبية ~~بخمسة عشر ميلا، وهي طويلة تمتد أميالا ms22 كثيرة على شاطئ نهر ملماني. # معادن زوتنسبرج # تنقسم إلى قسمين، وتبلغ مساحتها 65684 هكتارا، واكتشفت سنة 1873، وهي ملك ~~الحكومة، وفيها مناجم كثيرة، وذهبها كثير؛ ولذا تحسب في عداد الأقسام ~~المهمة. # معادن واتربرج # هي آخر المعادن اكتشافا، وليست بمكان كبير من الأهمية. # مقادير الذهب # أما مقدار الذهب المستخرج من معادن الترنسفال في بدء ظهورها، فلم يكن كثيرا كما ~~في سنة 1890 وما بعدها، ففي سنة 1887 كان المستخرج «1710 كيلوجرامات» وبلغ في سنة ~~1890 «16250 كيلو جراما»، أما في سنة 1897 فكان المستخرج من ست مقاطعات 72462 كيلو ~~جراما، وهذا بيان كل جهة وما استخرج منها: # الجهة # كيلوجرام من الذهب # ويتواترسرند # 62943 # الكاب # 2878 # ليدنبرج # 1884 # كليركسدوب # 4416 # زوتنسبرج # 331 # ملماني # 10 # الجملة # 72462 # وفي سنة 1879 كثر الأجانب في بلاد الترنسفال للبحث عن الذهب واستخراجه، وحينئذ ~~أنشأت حكومة الجمهورية مجلسا وناطت به النظر في أشغال الذهب، ووضعت له القوانين ~~والعقوبات اللازمة، وهذه أهمها: # لا يمكن لأحد أن يشتغل بهذه الحرفة إلا إذا كان حسن السيرة والسلوك، وبيده رخصة ~~من الحكومة تسوغ له ذلك، وإذا حدثت من أحد المستخرجين مشاجرة أو فتنة يحكم عليه ~~بغرامة قدرها 26 فرنكا وتنزع منه رخصته. # وإذا تجرأ أحد على استخراج الذهب من قطعة أرض بدون نيل رخصة؛ يعاقب بدفع غرامة ~~من 125 فرنكا إلى 625، وإذا امتنع عن دفعها يحبس من شهر إلى ستة أشهر. # وكل من تجار الأحجار الكريمة أو المعادن النفيسة يجب أن يكون له دفاتر حسابية، ~~يقدم بمقتضاها كشفا بحسابها في أوائل كل شهر إلى نظارة المعادن، وإذا تأخر عن ~~ذلك يعاقب بدفع غرامة قدرها 1250 فرنكا، وإن لم يدفع يحبس شهرا واحدا، وإذا ~~ضبط أحدهم بدون رخصة يحكم عليه بغرامة قدرها 2590 فرنكا، أو يحبس بدل ذلك ستة ~~أشهر. # وإذا تأخر أحد حاملي الرخص عن إبرازها عند طلب أحد مفتشي نظارة المعادن، يعاقب ~~بدفع غرامة من 25 إلى 75 فرنكا. # وكل من يتعدى على حدود القطعة التي هي في إيجاره يحكم عليه ms23 بدفع غرامة قدرها ~~2500 فرنك، وإذا عجز عن دفعها يحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات. # وإذا أعطى أحد مستخرجي المعادن للزنوج العمال أحجارا كريمة أو معادن نفيسة مقابل ~~أجورهم، يعاقب عقابا صارما، إما بالأشغال الشاقة أو بدفع غرامة لا تتجاوز 12500 ~~فرنك، وتستولي الحكومة على أملاكه. # وكل من يبيع أو يستبدل أحجارا كريمة أو معادن خام ثمينة إلى أحد من الزنوج، ~~يجازى بدفع غرامة 2500 فرنك، وإذا تأخر عن الدفع يحبس خمس سنوات، وتستولي الحكومة ~~على أملاكه. # وكل من يتجرأ على فساد منجم # 2 # أو يعطل آلة من آلات الاستخراج، يعاقب بغرامة 2500 فرنك إلى 25000 ~~فرنك، وبالأشغال الشاقة من ستة إلى عشر سنوات. # ومن عصى من الزنوج سيده أو تركه بدون أن يعلنه أو تهاون في أشغاله يعاقب بالحبس ~~مدة لا تتجاوز عن الشهر أو يضرب 25 جلدة. # وعلى كل رئيس معمل أن يستأذن الحكومة في استخدام كل عبد يريده، ويوضح اسمه واسم ~~قبيلته، ومن أغفل ذلك يعاقب بدفع غرامة ستة فرنكات وربع عن كل عبد، وثمن الرخصة ~~عن كل عبد فرنك وربع. # وإذا انتهى أحد من استنباط الذهب في أرض وتركها بدون أن يعلن نظارة المعادن، ~~يعاقب بغرامة من 25 فرنكا إلى 50 فرنكا، وبالحبس من نصف شهر إلى شهر ~~كامل. # | الزنوج # هم قبائل كثيرة مسماة بأسماء مختلفة، ولكل قبيلة رئيس يليق أن يطلق عليه اسم ملك؛ ~~لأنه نافذ الكلمة مطاع الأمر مهاب من مرءوسيه، يدبر أمورهم وينظر في شكواهم. وقد كانوا ~~قبلا متمتعين بالحرية والاستقلال، يسرحون ويمرحون كما تشتهي نفوسهم، وظلوا كذلك حتى ~~داهمهم البوير بالأسلحة النارية التي كانوا يجهلونها، فحاربوهم المرة بعد المرة، حتى ~~سلبوا استقلالهم وملكوا بلادهم، وحرموا عليهم السكنى في داخل المدن، فإذا دخلوها لقضاء ~~حاجة فلا يؤذن لهم بدخولها بثيابهم الرثة؛ ولذلك كانوا يبتاعون ملابس الجند القديمة ~~ليلبسوها حين دخولهم إليها، وقد حرم عليهم أيضا المشي على أرصفة الشوارع، بل يسيرون ~~في وسطها، وعليهم أن يلزموا منازلهم من الساعة التاسعة مساء، ويوجد ms24 لهذه الغاية جرس ~~في كل مدينة يسمى بجرس الزنوج، يقرع في الساعة المذكورة لتنبيههم بالتزام مساكنهم، ~~فيلبون دقاته مطيعين. ويجتمع سكان كل كرال # 1 # معا في المساء، ويغنون بأصوات مزعجة تصدع الآذان. # وكذلك يقضون أيام أعيادهم بالرقص والطرب، وكل سكان كرال يذبحون في كل يوم عيد «بقرة»، ~~ويفعلون ذلك بطعنها بالحراب في مواضع مختلفة حتى يسيل دمها وتفارقها روحها، وبعد ذلك ~~يقسمونها بجلدها، وكل منهم يأخذ نصيبه ويشويه على النار، ويأكله مع أفراد عائلته. ~~والساكنون منهم في خارج المدن يصنعون بيوتهم كالأكواخ، فتارة يصنعونها من البوص وطورا ~~من الخيزران، ويسقفونها بتراب الطفل بعد عجنه بالماء. أما القاطنون في المدن؛ فأكثرهم ~~يبنون مساكنهم بصناديق السردين الفارغة بعد ملئها بالتراب؛ لتحمل صدمات الزوابع ~~والأمطار. أما ملابسهم فلا يهتمون بها مطلقا، وهم في غالب الأحيان عراة إلا رءوسهم، ~~فإنهم يغطونها بأي شيء، ويكثرون من الحلقات في آذانهم وأيديهم وأعناقهم وأرجلهم، ومتى ~~لبس أحدهم ثوبا فلا ينزعه عنه حتى يبلى. # ومنهم قبائل تسمى قبائل الكفرة، تعتقد بالأرواح، ومن عاداتهم أنه إذا مرض أحدهم ~~مرضا خطرا يأخذ أهل المريض بقرة مسنة من عند أحد أقاربه؛ ليذبحها ضحية للأرواح، ~~وبعد ذبحها يأخذون دمها ويحفظونه في وعاء ويضعونه في عشة مقفلة، ثم يفرقون على الجيران ~~لحمها، فيأخذونه ساكتين؛ لئلا يزعجوا الأرواح المطالبة بشفاء المريض، ثم تذهب الأبكار، ~~ويأتين بفروع الزيتون، ويضعنها على اللحم المراد توزيعه، وعلى كل مدعو أن يقدم تقدمة ~~صغيرة زرا كان أو قطعة من الحديد ونحو ذلك ثم يبدأ بالأكل، وبعد ذلك يحملون العظام ~~بكل احتراس ويضعونها في العشة التي وضع فيها الدم، ويضعون عليها أغصان الزيتون التي ~~كانت على اللحم، ثم يحرقون العشة وفي ظنهم أن الدخان المتصاعد يسر الأرواح، وإذا توفي ~~المريض ظنوا أن الأرواح غاضبة. ومن عاداتهم استيلاء الابن الأكبر على جميع نساء والده ~~بعد وفاة هذا الأخير. والنساء في قبائل الزولس يعملن في فلاحة الأرض، وعلى الرجل أن ~~يلاحظ المواشي فقط. ويقضي الرجال أوقاتهم في الصيد والتدخين، وإذا كانوا في ms25 سفر فعلى ~~النساء حمل جميع الأحمال، حتى أولادهن، وهن عند رجالهن كالحيوانات، وللتدخين عند هؤلاء ~~القبائل مزية عظيمة، لكل منهم قصبة مصنوعة من قرن البقر، يبطنونه بما يمنع احتراقه، ~~ويوقدون فيه نوعا من الكتان البري، فعله كفعل الأفيون، يسبب لهم سعالا قويا يمكث ~~بضع دقائق. # أما لغتهم فإنها كثيرة الأمثال والحكايات، يقضون الليالي في سردها، ويتوارثون ذلك ~~أبا عن جد. أما قبائل البازوتس فقد كانوا في غاية التوحش، ولكنهم خطوا خطوة طويلة في ~~سبيل التمدن. وبلادهم حافلة بالسكان، وأكثرهم يتجر في الصوف ويبنون منازلهم بالطوب ~~والأحجار. ويدين كثير منهم بديانتهم القديمة، وهي عبادة الإله «باريني»، ويعتقدون أن له ~~علاقة مع أرواح الأموات، ويصدقون بالخرافات التي لا يقبلها العقل. ويحل عند بعض القبائل ~~قتل العجائز والمقعدين والمصابين بالأمراض العضالة التي لا سبيل إلى الشفاء ~~منها. # ومن مصائبهم الكبرى إنكار الحكومة عليهم حق امتلاك شبر واحد من الأرض، وإذا أراد ~~أحدهم أن يشتري قطعة للاسترزاق منها، يقصد أحد البوير ويستعير اسمه ويشتري الأرض، ~~ويسجلها باسمه، فإذا كان البويري صاحب ذمة عاش العبد في مأمن من غدره، أما إذا وسوس له ~~شيطان الطمع طرد العبد من أرضه واستولى عليها غنيمة باردة، فيتركها العبد بحالة تفتت ~~الأكباد، ولا يجد مسليا إلا البكاء ولا ملجأ غير الشقاء، وماذا يفعل وباب العدل مغلق ~~في وجهه والمحاكم لا تسمع له شكوى ولا تجيب له نداء؟! # الجزء الثاني # | تاريخ الترنسفال # تأسيس مدينة رأس الرجا الصالح # لا بد من الإتيان على تاريخ هذه المدينة قبل النظر في تاريخ الترنسفال لما بين ~~الاثنين من العلاقات التاريخية. # في سنة 1498 اكتشف الرحالة البرتغالي فاسكو دي جاما طريق الهند عن رأس الرجاء، ~~فكان من خير الاكتشافات وأهمها لتسهيل التجارة ما بين هولندا والهند، فتأسست في ~~هولندا شركة تجارية عظيمة، سميت باسم شركة الهند الهولندية، وصارت ترسل البضائع من ~~هولندا على مراكبها وتستبدلها بالبضائع الهندية، ولم يكن سير المراكب سهلا لما كان ~~يتهددها من المخاطر قبل وصولها إلى مكان مدينة رأس الرجا، فلم ms26 يكن ملاحوها ولا ~~ركابها في مأمن إلا بعد وصولهم لسان داخلة في البحر، فإذا بلغوه قالوا: لقد وصلنا ~~إلى رأس الرجا الصالح، فشاعت هذه التسمية. وفي سنة 1652 كان في أحد مراكب الشركة ~~طبيب ماهر هولندي يسمى ريبيك، فخطر له في إحدى رحلاته أن يبني مدينة هناك، تكون ~~ملجأ للسفن إذا أصيبت بسوء وتكون مينا في جنوب أفريقيا، تقف عندها المراكب، ولم ~~يتردد في هذا العزم، بل أخرجه سريعا من حيز الفكر إلى العمل، فوضع أساسها وسميت ~~باسمها الشائع إذ ذاك؛ أي: رأس الرجا الصالح. ولم يمض عليها قليل من الزمن حتى حل ~~فيها بعض الناس من الذين تحطمت مراكبهم، فسلموا من الغرق وأسماك البحر. ثم تنبهت ~~شركة الهند الهولندية لتعمير هذه الجهات تماما، فأسست فيها شركة زراعية لهذه ~~الغاية، ولغايتها الخصوصية، فخدمها السعد وقصدها كثير من المهاجرين تقدموا للعمل، ~~فكانت تعطي لكل قاصد ما يكفيه من الأرض التي تمكنه زراعتها مع الأدوات اللازمة ~~لفلاحتها والحبوب الكافية. وبالجملة فإنها كانت تعطيه كل ما يحتاج إليه على شروط ~~مؤداها أن لا يبيع محاصيله إلا للشركة، فكثرت السكان وامتدت المساكن إلى جهة ~~الشمال، وصارت مدينة هولندية، وتعين مؤسسها حاكما عليها من حكومة ~~هولندا. # | أصل البوير1 # وكان يوم 22 أكتوبر سنة 1685 يوما مشهورا في فرنسا، بسبب إلغاء فرمان «نانت»، # 2 # وقد قيل: مصائب قوم عند قوم فوائد؛ لأن إلغاء هذا الفرمان عاد بالفائدة ~~على شركة جنوب أفريقيا الزراعية؛ لكن كان ضربة قاضية على هامات البروتستانت الذين لم ~~يعد في وسعهم الإقامة في فرنسا بعد إلغاء الفرمان الضامن لمصالحهم، فأجبروا على مغادرة ~~وطنهم، وعولوا على الرحيل إلى جهة أخرى، ليتخذوها وطنا لهم، وطلبوا ذلك من بروسيا ~~وإنكلترا وهولندا، فعندئذ بادرت شركة جنوب أفريقيا الهولندية لإجابة ملتمسهم، وأرسلت ~~من قبلها مندوبين يدعونهم للرحيل إلى جنوب أفريقيا والإقامة هناك إذا طابت لهم المعيشة، ~~فلبوا دعوتها، فهاجر من فرنسا إلى هولندا مائة وخمسون عائلة على نفقتهم، ومن ثم ~~نقلتهم الشركة إلى جنوب أفريقيا بدون مقابل، بعدما ms27 عقدوا معها معاهدة بتاريخ 20 أكتوبر ~~سنة 1687، وإليك أهم بنودها: # أولا: # تتعهد الشركة بتسفيرهم من هولندا إلى رأس الرجا الصالح على ~~نفقتها. # ثانيا: # لا تتكلف الشركة بالإنفاق عليهم بعد وصولهم، وإنما عليها أن تعطيهم ~~الآلات والأدوات اللازمة والأرض الكافية للزراعة والحبوب اللازمة لها، ~~وكل ذلك بدون مقابل لمدة معلومة. # ثالثا: # على المهاجرين أن يقيموا في جنوب أفريقيا مدة لا تقل عن خمس سنوات، ~~ولكن إذا اضطر أحدهم للرحيل لداع شرعي يطلب ذلك من مجلس ~~الشركة. # رابعا: # بعد انتهاء السنوات الخمس، يتخير المهاجرون في الإقامة أو المهاجرة، ~~فإذا أراد أحدهم العودة إلى بلاده أو إلى بلاد أخرى، يطلب ذلك من مجلس ~~الشركة؛ لكي تستلم الأرض وتسفره على نفقتها إلى حيث شاء. # خامسا: # من يريد الإقامة بعد فوات الخمس سنوات، فعليه أن يقسم يمين الطاعة ~~والخضوع لأحكام البلاد أمام مجلس الشركة. # ولما حصل الاتفاق بين الطرفين، أمرت الحكومة حاكم هذه المدينة أن يستقبل المهاجرين، ~~فكانت المراكب تقوم بهم من «ديلتهافن» إحدى موانئ هولندا، وما زالوا يهاجرون إلى هذه ~~المدينة الجديدة إلى سنة 1690، وقد بلغ عدد المهاجرين ثلاثمائة وخمسين نفسا. أما حاكم ~~المدينة فإنه جمع الفرنساويين وأمرهم بالإقامة في جهتين وهما: وادي نهر اللؤلؤ ونهر ~~الأفيال، فبنوا هناك بلدة سميت «فرنش هوك»؛ أي: الركن الفرنساوي، ثم أخذوا يمارسون ~~مهنة الفلاحة بمزيد الدقة والإتقان، فنجح اجتهادهم خصوصا في كروم العنب، فإنها فاقت ~~كروم فرنسا. وكان الهولنديون يجهلون في ذلك الوقت كيفية استخراج النبيذ وباقي الخمور ~~والزيوت، فعلمهم المهاجرون زراعتها وعاشوا معهم تحت ظل الصفا والهناء إلى سنة 1709، ~~ثم حصل خلاف ونفور بين الهولنديين والمهاجرين الفرنساويين، بعد أن ولي الأحكام رجل ~~اسمه فان درسين؛ فهذا أصدر الأوامر الشديدة القاضية بعدم استعمال اللغة الفرنساوية في ~~الأمور الرسمية، وتشييد الكنائس والمدارس الهولندية، مع عدم منح المهاجرين حرية الأديان ~~والمذاهب، وجعل تعليم اللغة الهولندية إجباريا؛ فأحدثت هذه الأمور كرها في أفئدة ~~الطرفين، وعارض المهاجرون في ذلك كثيرا، ولكن ذهبت معارضتهم أدراج الرياح، فزال من ~~بينهم الصفاء والهناء. وفي ms28 سنة 1724 قرئت التوراة لآخر مرة باللغة الفرنساوية. وفي سنة ~~1780 كانت اللغة الفرنساوية في خبر كان في هذه البلاد، وتعود المهاجرون على اللغة ~~الهولندية، وصاروا يحسنون التكلم بها. # | احتلال إنكلترا الأول # ولما تحسنت الزراعة والتجارة في بلاد الرأس، وكثرت سكانها واتسعت بلدانها، وصارت ~~مستعمرة واسعة الأرجاء، كثيرة الخيرات، يسرح سكانها في ميادين الهنا ويمرحون في ساحات ~~العز؛ أرادت بريطانيا العظمى حفظ الموانئ والطرق الموصلة إلى الهند، فطلبت من حكومة ~~هولندا أن تتنازل لها عن هذه المستعمرة، فتعطيها مقابل ذلك تعويضا، فلبت هولندا ~~الطلب، وكان ذلك في سنة 1795، فجهزت إنكلترا أسطولا تحت قيادة الأميرال ألفنستون، ~~وعقدت لواء الجيش على الجنرال كريج، ولما علم المهاجرون بقدوم الجيش الإنكليزي تناسوا ~~ما بينهم وما بين الهولنديين المقيمين معهم من النفور والعداوة، وعقدوا الخناصر على ~~الاتفاق ضد الجنود البريطانية. # وفي الحال تألف من الطرفين جيش تحت قيادة أحد المهاجرين المسمى الكابتن دي بلسيس، ~~فقاوم الجنود البريطانية مقاومة عظيمة، حتى أوقفها في مضيق فيزنبرج 48 ساعة، وأظهر من ~~المهارة وضروب الشجاعة ما يحير العقول، ولكن جميع ذلك ذهب دون جدوى؛ لأن النصر تم ~~للإنكليز، أما أعمال دي بلسيس وتدبيراته الحربية فقد جعلت له مقاما ساميا في عيون ~~العظماء، حتى إن نفس الجنرال كريج بعد احتلاله المستعمرة وتوليه أحكامها، أراد أن ~~يكافئه على شجاعته، فقدم له سيف الشرف ليكون تذكارا له، وأشيع بأن نابوليون بونابرت ~~أرسل له يشكره ويدعوه للعودة إلى فرنسا ووعده أن يعطيه لقب دوق، فأبى أن يهجر مستعمرة ~~الكاب، ولو أنها صارت مستعمرة إنكليزية، أما هذا الاحتلال فكان قصير العمر، ففي سنة ~~1802 عقدت معاهدة سميت بمعاهدة أمين # 1 # بين فرنسا وإنكلترا وإسبانيا وهولندا، مآلها سحب الجنود الإنكليزية من ~~مستعمرة الرأس حسب طلب فرنسا، فأجابت إنكلترا ذلك وصادقت الدول الأربع على المعاهدة ~~المذكورة، على أن أجلها كان أقصر من أجل الاحتلال المشار إليه؛ فلم يعمل بها سوى أربع ~~سنوات؛ وذلك أنه لما تولى لويس بونابرت ملكا على هولندا سنة 1806 انتهزت إنكلترا هذه ms29 ~~الفرصة، فطلبت منه أن تحتل مستعمرة الرأس مرة ثانية، فأجاب طلبها، وللحال أرسلت جنودها ~~لاحتلال بلاد الرأس كما كانت، وأنفذت من قبلها حكاما من نخبة الإنكليز أجروا العدل ~~في أرجائها، ونشروا لواء الحرية على ربوعها. ولما احتلت إنكلترا البلاد تنازلت للبوير ~~عن الأراضي التي أخذوها من الشركة، فاستغزروا منها هذا الكرم الذي لم يحلموا به قبلا، ~~وما علموا أن ذلك التنازل ما حصل إلا لتستميلهم إليها؛ لأن سلطتها كانت سلطة احتلالية ~~فقط، وكانت تنتهز الفرص لضم هذه المستعمرة إلى أملاكها، وقد أتيح لها ذلك في سنة 1814 ~~بمقتضى معاهدة عقدت بينها وبين هولندا، ولما علم المهاجرون بذلك تناسوا فضلها وما رضوا ~~بالخضوع لأحكامها، وأرادوا مقاومتها على قدر استطاعتهم، فامتدت الفتنة حتى شملتهم ~~جميعا. وكان زعيمهم الأكبر رجل منهم يدعى بذندنهوت، كان يحرضهم كثيرا على نبذ ~~أوامرها، وكأن إنكلترا احتقرت الأمر في بدأته ثم استعظمته أخيرا؛ ولذا قبضت على خمسة ~~من زعمائهم، وفي مقدمتهم بذندنهوت وحكمت عليهم بالإعدام شنقا عبرة لرفقائهم، وأنفذ ~~فيهم الحكم على قمة جبل يسميه البوير «سلشيترنسك»؛ أي: قمة المذبحة. # وكان ذلك في 9 مارس سنة 1814 فأخلد البوير إلى السكينة وجعلوا صدورهم حجابا لحقدهم ~~متوعدين الإنكليز بالانتقام والأخذ بالثأر، ووطنوا النفس على انتهاز الفرصة، وما ~~زالوا كذلك إلى سنة 1827، ثم أرادوا العودة إلى العصيان ودس الدسائس وإلقاء الفتن بينهم ~~وبين الإنكليز، فلما أشعر الإنكليز بذلك أخطروا حكومتهم، وبعد المفاوضات بين حكام الكاب ~~وحكومة لندرا لاستبدال النظام الهولندي بنظام إنكليزي وجعل تعليم اللغة الإنكليزية ~~إجبارية، تعين لهذا الغرض مندوب سياسي اسمه استوكنستروم، وكان يبغض قبائل الزنوج بغضا ~~شديدا لقتلهم والده، فأراد أن ينتقم منهم؛ ولذلك صار يشجع البوير ويغريهم على قتال ~~الزنوج، فما زالت الفتن منتشرة بينهم إلى سنة 1833، ثم قنع المندوب الإنكليزي بما مضى ~~من المشاكل، فأراد أن يوقف البوير عند حدهم، وأصدر أمرا بمنع تجارة الرقيق ومنح الحرية ~~والمساواة بين جميع السكان، فهاج البوير عند ذلك، وماجوا وملئوا الفضاء بصراخهم ~~واعتراضاتهم. ولما رأى أن الفتنة تعاظمت ms30 طلب الاستعفاء من حكومته، فأعفته وعينت بدله ~~مندوبا آخر يسمى بنيامين دربان، وبعد تعيينه هاجم عشرون ألفا من قبيلة الكفرة بلاد ~~الرأس تشفيا وانتقاما من البوير، فاتحد البوير والإنكليز على قتالهم وردوا الزنونج ~~خاسرين إلى ما وراء نهر الكي. وكانت إنكلترا تظن أن هذا النصر كان فاتحة الاتحاد مع ~~البوير، ولم تدر أنه صار سببا لتشحيذ همتهم وتشجيعهم وحبهم للاستقلال، فعولوا على ~~السعي في سبيله من تلك الساعة. # | الرحيل إلى الناتال # وكان من البوير رجل جليل القدر مسموع الكلمة، محبوب من بني جنسه اسمه ريتيف، فكتب ~~منشورا ووزعه على إخوانه، دعاهم به إلى الرحيل إلى بلاد بعيدة عن النفوذ البريطاني، ~~يتخذونها وطنا لهم، ويعيشون فيها مستقلين، فصادف اقتراحه قبولا تاما ولحق به عشرة ~~آلاف رجل. وكانت بلاد الترنسفال حينئذ لا يقطنها إلا الزنوج، فألف بير ريتيف فرقة من ~~رجاله وأرسلها لارتياد أرض كافية تقوم بمعيشتهم، فذهبت هذه الفرقة، وعبرت نهر أورنج ثم ~~نهر الفال، ووقفت تحت جبال اسمها جبال عشب السكر، ثم عادوا إلى إخوانهم، وأخبروهم بوجود ~~أرض خصبة شاسعة، فهاجر العشرة الآلاف تحت قيادة ريتيف إلى تلك الأراضي. أما إنكلترا ~~فهالها ذلك الأمر، وأخذت تبحث عن أسباب مهاجرتهم، ومنعت إخوانهم عن الالتحاق بهم، ~~فانتهز إستوكنسروم هذه الفرصة واعترض على أعمال بنيامين دربان، وانتقد صنعه أمام ~~حكومته، فعينته الحكومة ثانيا حاكما لمستعمرة الرأس مع بنيامين دربان، باتخاذ ~~الاحتياطات اللازمة لمنع المهاجرين، فبوصوله أصدر الأوامر والمنشورات الكثيرة وعقدت ~~معاهدات مع القبائل. # وقرر بأن سلطة إنكلترا تشمل السكان والأراضي الممتدة إلى درجة 25 من العرض، وفعل ذلك ~~دون أن يستشير بنيامين، فلما رأى هذا الأخير استقلاله بالرأي استقال عن وظيفته وترك ~~المستعمرة لاستوكنستروم الذي لم ينجح في أعماله أيضا، إذ زاد عدد المهاجرين في أيامه ~~فبلغ سبعة عشر ألفا. أما المهاجرون فانقسموا إلى أربعة أقسام، تولى قيادتهم أربعة من ~~عظمائهم؛ وهم: جيرت موريس، وبيتر هيز وبوتجتر وبرتوريوس، والجميع تحت قيادة بير ريتيف، ~~وذهب كل فريق في جهة، واتفقوا على الاجتماع في نقطة ms31 واحدة، ولما وصل بعضهم إلى حدود ~~المتابيلان وقف على شاطئ نهر موريكفه في أراضي موزيليكاتس ملك إحدى قبائل الزنوج. فلما ~~علم هذا الملك بوصولهم طمع في أخذ عشر خيام وعشر نساء منهم. # زنوج يقاتلون معسكر بويري. # فأرسل من قبيلته ثلاثة آلاف رجل، وكان عدد البوير في هذه النقطة لا يتجاوز الأربعين ~~رجلا، غير نسائهم وأطفالهم، ففي ليلة دهماء أخذ الزنوج بالمسير زمرا زمرا بغير نظام، ~~قاصدين موقع البوير، ولكن عواء الكلاب نبه أفكارهم وأعلمهم بأن عدوا يريد مفاجأتهم، ~~فأخذوا يستعدون للقائه، ووضعوا عرباتهم بشكل مربع وتحصنوا فيها، وعند بزوغ الشمس ~~بدأ القتال بين الفريقين، ولم تمض نصف ساعة حتى بلغ عدد قتلى الزنوج مائة نفس تقريبا، ~~وقتل من البوير اثنان، وجرح اثنان، فولت الزنوج مدبرة مذعورة. هذا كان نصيب بعض ~~المهاجرين، ولم تقل عثرات البعض الآخر عن ذلك؛ لأن القبائل الأخرى كانت تناوشهم ~~كثيرا، حتى كادوا أن يرجعوا من حيث أتوا، ثم سهل لهم الله بأن انتشب القتال ما بين ~~دنجان ملك الأمازولس وموزيليكاتس، فانتهز البوير الفرصة وهجموا على بلاد موزيليكاتس، ~~وغنموا منها غنائم كثيرة. كل ذلك حدث لهم قبل أن يقطعوا جبال دراكنسبرج، حيث صعد بير ~~ريتيف إلى أعلاها فأراهم أراضي الناتال، وقال لهم: سيعطيكم الله هذه الأرض الفسيحة ~~الخصبة لتكون وطنا لكم عن قريب. ولما علمت إنكلترا بقصدهم هذا أرسلت تنذرهم بأنها لا ~~تجيز لهم التخلص من نفوذها، كما أنها لا تسمح لهم بإنشاء حكومة مستقلة في الأراضي ~~التابعة لأملاكها، وكانت مينا الناتال ملكا لإنكلترا ولها حاكم إنكليزي، وحول المينا ~~أراضي واسعة تكفي لإقامة الملايين من البشر، ولكنها خالية من السكان، وهي التي طمع في ~~امتلاكها البوير؛ لذلك شحذوا غرار عزيمتهم وقطعوا الجبال المذكورة قاصدين بلاد الناتال ~~التي كان جزء منها تابعا لإنكلترا، فعبروا نهر توجلا من عند منبعه، وأقاموا على ضفتيه ~~ثم تركهم بير ريتيف قاصدا مينا الناتال، وكان وصوله إليها في أكتوبر سنة 1837، فلقي ~~فيها المستر بيجر حاكمها، فقابله هو والسكان بكل ترحاب، ولما أطلعهم على ms32 قصده من رغبته ~~في الإقامة بجوارهم أذنوا له بذلك بكل ارتياح وطيبة نفس. # | الملك شاكا # وفي سنة 1813 تولى شاكا على قبيلة الزولس، وكان رجلا قويا برجاله حكيما بعقله، ~~مشهورا بالطمع، شديد الرغبة في غزو البلاد المجاورة له، وكان ينتصر في أكثر وقائعه ~~الحربية حتى أرهب القلوب وخافته جميع القبائل، وقد اشتهر بالظلم لسوء معاملته لأسرائه ~~ومعاملته لأهل قبيلته أيضا؛ لأنه كان يأمر بقتل 800 رجل من رجاله في كل عيد، ولما ماتت ~~والدته أمر ألفا من رجاله أن يقتلوا أنفسهم حزنا عليها، وذبح معهم ألف بقرة، وكان من ~~أحكامه أيضا قتل جميع الحبالى، وكان تحت سلطته رجال أبطال وقواد شجعان أعظمهم يسمى ~~موزيليكاتس الذي لفرط إعجاب قومه بمهارته في فن الحرب وقوته العقلية والجسدية لقبوه ~~بالأسد. # ولما رأى هذا القائد العظيم ما وصلت إليه درجته بين قومه وشدة محبتهم له شق عصا ~~الطاعة على ولي أمره. وانضم تحت لوائه كثير من رجاله، ولم يكن يريد خلع الملك شاكا ~~والتولي بدله، بل أنشأ قبيلة جديدة، يكون هو حاكما عليها؛ ولذلك أخذ رجاله ورحل إلى ~~الجهة الشمالية في سنة 1824، وكان سكانها من قبيلة البازوتس، وكان بينهم وبين قبيلة ~~الزولس ضغائن وأحقاد كامنة في صدور الطرفين. فاحتل الأسد بلادهم، وبعدما نال ما تمنى ~~أراد أن يتمتع بالراحة في بلاده الجديدة، ويفتخر بما ناله من السيادة مهنئا نفسه بنوال ~~المشتهى. أما الملك شاكا فاستشاط غضبا من هذا القائد، وأراد أن ينتقم منه، ويرده ~~خاسئا أو يورده المنون، فشرع في تنظيم جيش ليرسله إليه، فصادفته المنية بأن قتله ~~أخوه دنجان قبل أن يبلغ إربه سنة 1828 بعد أن حكم خمس عشرة سنة، وتولى بعده أخوه دنجان ~~الذي قتله طمعا في الملك، ولما صفا له الجو، سار على خطة أخيه وجمع جيشا وأرسله لقتال ~~الأسد، فسار الجيش بعيدا عن بلاد الزولس نحو 300 ميل، وعبر جبال كتلا هنبين، وهناك ~~التقى برجال موزيليكاتس والتحم القتال بينهما، وانجلى عن قتل الأسد وتبديد رجاله، وكان ~~ذلك في سنة ms33 1836. # | حادثة دنجان # وبعد وصول بير ريتيف إلى الناتال لقي رجالا من قبيلة الزولس، فأعطاهم كتابا مؤرخا ~~23 أكتوبر سنة 1837 لملكهم دنجان يعلمه فيه بأنه عازم على زيارته قريبا؛ ليخبره عن ~~الأسباب التي دعتهم للمهاجرة من بلاد الكاب، ولكي يعين له الأراضي التي يرغب الإقامة ~~فيها هو ورجاله؛ لأنها مجاورة لأملاكه، ويقول له: إنني آمل أن نعيش معا بالاتفاق ~~الدائم والصفا المستمر. ولم تمض أيام قلائل على إرساله الكتاب حتى قام قاصدا إنكجلوف ~~عاصمة الزولس، فقابله دنجان بكل فتور؛ لعلمه بما كان يحدث منه ضد إنكلترا من الفتن في ~~مستعمرة الكاب، فعقد النية على التخلص من البوير ومجاورتهم، فقال له دنجان: لا تؤاخذني ~~إذا قلت لك بأني لا أعرفك، ولا أعرف رجالك قبل الآن، ولقد سرقت بهائم كثيرة من قبيلتي، ~~وقال لي بعض رجالي بأنهم رأوها عندكم؛ ولذلك لا يمكنني التصريح لكم بالإقامة في الأراضي ~~التي جئتم تطلبونها حتى أتفحص الأمر جيدا. فاستفهم حينئذ ريتيف عن البهائم المسروقة ~~من دنجان، فأجابه بأنه رآها عند شيخ قبيلة صغيرة اسمه سينكويولا، وأعطاه وعدا صريحا ~~بأنه يأتيه بها من السارق، ففرح دنجان بهذا الوعد، وأفهمه بأنه إذا وفى بما وعد يمنحه ~~طلبه، وعلى ذلك تم الاتفاق. # وفي يوم 3 فبراير سنة 1838 حضر إلى دنجان رجال من البوير وفي مقدمتهم بير ريتيف، ~~ومعهم البهائم المسروقة والسارق سينكويولا، فشكرهم على عملهم وحدد لهم يوم 5 فبراير ~~للتوقيع على المعاهدة القاضية بإعطائهم الأراضي التي طلبوها للإقامة فيها، وفي اليوم ~~المذكور عقد مجلسا ضم أقرباءه وأمراء قبيلته وانتظم به البوير، وصار التوقيع على ~~المعاهدة، ولكن بعد التوقيع عليها ظهرت على دنجان علامات الارتباك كأنه ندم على ما حصل. ~~وكان هذا الملك من دهاة قومه قد اشتهر بالغدر والخيانة، فأخذ يثني على البوير كثيرا ~~وأظهر لهم التودد الصادر عن التملق، وكان حديثه الحلو حجابا لفكره المر، فظنوا أنفسهم ~~في مقام صديق ودود لا يغيره الدهر. ولما أرادوا الانصراف منعهم ودعاهم إلى مأدبة شائقة ~~قد أعدها لهم أمام ms34 منزله، فلبوا دعوته وذهبوا إليها، فوجدوا مقاعد مصطفة على شكل دائرة ~~في صدرها مقعد مرتفع، جلس عليه دنجان، وأجلس البوير بالقرب منه، ثم أمر خدمه بإحضار الشولا # 1 # وأمر رجاله بأن يغنوا ويرقصوا، وبعد مضي نصف ساعة قام دنجان منتصبا على ~~قدميه، وغنى نشيدا بلغته لم يفهمه البوير، قال في آخره ما معناه: «اشربوا اشربوا حتى ~~لا يمكنكم شربه بعد.» وكان غناؤه بصوت جهوري أفزع البوير وانقبضت قلوبهم منه، وبينما هم ~~كذلك صرخ صرخة اهتز لها المكان، وقال: إلي يا رجالي، هيا اقتلوهم عن آخرهم. فما أتم ~~كلماته هذه حتى هجم كل عشرة من الزنوج على رجل من البوير، وذبحوهم ذبحا، فذهب هؤلاء ~~المساكين شهداء الخيانة والغدر، وفي أثناء هذه المذبحة كان دنجان يصيح برجاله؛ لكي ~~ينزعوا كبد وقلب بير ريتيف فنزعوهما وقدموهما لدنجان، فأمر بإلقائهما على الطريق المؤدي ~~إلى الناتال. وبعد ذلك تفاوض في الأمر مع اثنين من رجاله أحدهما يدعى أشلالا والثاني ~~تامبوسا، فأشارا عليه بإرسال حملة إلى الجهة المقيم بها البوير، فقبل مشورتهما، وفي 16 ~~فبراير سنة 1838 أرسل دنجان عشرة آلاف رجل إلى نهر بوشمن فهجموا على البوير القاطنين ~~بالقرب من النهر المذكور، وأهلكوهم عن آخرهم. # يوم الباغي دنجان # وبعد واقعة نهر بوشمن عزم الزنوج على مواصلة القتال والهجوم على باقي البوير، ~~وانقسموا إلى جملة فرق سارت كل منها في جهة، وأكبر فرقة قصدت نهر بلوكرنتز، حيث كان ~~بوتجيتر وجاكوبيس هيز وموريتسن، ولما بدءوا بالهجوم كان البوير جميعا في استعداد ~~تام للقائهم، فهزموهم شر هزيمة، وقتلوا منهم ما ينوف عن الستمائة رجل، عدا الذين ~~غرقوا في النهر عند عبوره، فرجعوا متقهقرين إلى بلادهم، ولم يكتف البوير بذلك، بل ~~أرادوا أن يهاجموا بلاد الزولس ليأخذوا بثأر إخوانهم ، ولو دفعهم ذلك إلى الموت عن ~~بكرة أبيهم، ولكن قلة عددهم وعددهم كانت حائلا دون مشتهاهم، فاستغاثوا بالإنكليز ~~سكان الناتال، وطلبوا منهم المساعدة فلم يضنوا عليهم بها، وساروا لمحاربة دنجان. ~~ولما علم هذا بقدومهم جمع رجاله تحت قيادة أخيه المسمى ms35 بندا. وانقسم جيش الأمازولس ~~إلى ثلاثة أقسام، بقي قسم منها بالعاصمة للمحافظة عليها، وسار القسمان الآخران ~~لمقابلة البوير؛ فالتقى الجيشان في 16 أبريل سنة 1838، واحتدمت نيران الوغى بينهما، ~~وكان يوما هائلا شابت فيه لمم الأطفال، وفنيت فيه أبطال الرجال، وما غربت شمسه ~~إلا والبوير عائدون بخفي حنين، يقطرون بدل الدمع دما، ويصعدون بدل التنفس ~~نارا؛ لشدة الحقد والغيظ والندم على ما قتل منهم؛ خصوصا على فقد أحد قوادهم بيتر ~~وابنه، فضلا عن عودتهم بالخيبة والخزلان؛ ولذلك كانت كبارهم تبكي كصغارهم، وسميت ~~النقطة التي كسروا فيها ونين؛ أي: محل البكاء. وظلوا عاكفين على الجمر إلى ديسمبر ~~من السنة نفسها، وقد ضاقت بهم الدنيا على رحبها، فطلبوا المساعدة من الناتال مرة ~~ثانية، وكان حاكم الكاب في ذاك الوقت اسمه جورج نابير، فأصدر أمره بعدم مساعدتهم ~~بالكلية، ومنع عنهم الأسلحة والبارود، وأعلنهم بأن يعودوا إلى مستعمرة الرأس، ~~ويعيشوا كما كانوا، فأبوا أن يقبلوا ذلك، واكتفوا بما عندهم من الميرة والذخائر، ~~وهاجروا جزء عظيم منهم بلاد الناتال تحت قيادة بريتوريوس. فأرسل الحاكم المذكور في ~~أثرهم مائة عسكري بقيادة الميجر شارتر لإرجاعهم، فما قدروا عليهم، ورجعوا مخذولين. ~~وكان بندا ينظر لأخيه دنجان بعين الحسد، ولما علم هذا الأخير بذلك خاف منه أن يسعى ~~في خلعه أو قتله، فأراد قتله ليكتفي شره. ولما أحس بندا بما يضمره له أخوه من ~~السوء؛ هرب من عنده ومعه كثير من رجال القبيلة المخلصين له، وتقابل مع البوير، ~~وانضم معهم وسار في مقدمتهم لمقاتلة أخيه، فما شعر دنجان إلا والبوير على حدود ~~بلاده بالقرب من نهر الجاموس، وكان ذلك في 14 ديسمبر سنة 1838، فجمع من رجاله خمسة ~~وثلاثين ألف مقاتل، وخرج بنفسه لقتالهم، فعلموا البوير بذلك، وكان عددهم وقتئذ لا ~~يتجاوز الألفين غير رجال بندا. # وفي صباح 15 ديسمبر سجدوا جميعا وصاروا يصلون ويتضرعون إلى الله بخضوع طالبين ~~منه القدرة على إذلال عدوهم، ونذروا جميعا أنه إذا تم لهم النصر يشيدون كنيسة ~~عظيمة تذكارا لذاك اليوم، ويجعلونه يوما سعيدا يحتفلون ms36 به سنويا، وبعد انقضا ~~صلاتهم برزت الغزالة من خدرها بثوبها الوردي، كأنها تخاطبهم قائلة: صلواتكم صعدت ~~أمام الله فقوبلت بالقبول! وبينما هم كذلك تقدمت طليعة جيش الزولس فقابلتهم ~~البوير بالمدافع والبنادق وظل القتال مشتغلا النهار بطوله، وثبت الفوز فيه للبوير، ~~وفي اليوم الثاني؛ أي: يوم 16 ديسمبر جدوا في القتال، وكانت يد الله معهم؛ فما ~~غربت الشمس حتى مدت أشعتها إليهم تصافحهم وتبشرهم بالنصر. ولما رأى دنجان عجز ~~رجاله أمرهم بالهجوم دفعة واحدة، فهجموا كقطيع بلا راع، وقد أوقع الله الرعب في ~~قلوبهم لأمر دبره بحكمته، فكانوا يختبئون وراء الصخور وألقى الكثيرون منهم ~~بنفوسهم في نهر الجاموس ورصاص البوير يتساقط عليهم، وبلغ عدد القتلى أربعة آلاف ~~تقريبا. ولما عجز دنجان عن المقاومة أشعل النار في عاصمة بلاده وفر هاربا مع ~~بعض رجاله إلى قبيلة البازوتس، فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقتلوه أشر قتلة. ~~أما البوير فإنهم وصلوا العاصمة في 19 ديسمبر ووفوا بنذرهم وشيدوا كنيسة بيتر ماري ~~تزبرج تذكارا لانتصارهم هذا. وظلوا يحتفلون بمثل هذا اليوم من كل سنة ويسمونه عيد ~~يوم دنجان. وفي 13 يناير سنة 1839 قامت حملة من البوير من بيتر ماري تزبرج للبحث عن ~~دنجان ورجاله مؤلفة من 300 بويري و400 رجل من قبيلة الكفرة وقبيلة الهوتنتو، وأخذوا ~~معهم ما يلزمهم من الذخيرة والمؤنة، وساروا خمسة أيام حتى وصلوا إلى نهر توجلا، ~~وكان ذلك في مدة فيضانه، فقاسوا كثيرا في عبوره، وعسكروا على الضفة المقابلة ~~منتظرين المدد من الغرب، ومكثوا في الانتظار يومين قضوهما في مطالعة التوراة ~~والترانيم الروحية. وفي 21 منه وصل المدد فقاموا جميعا وعبروا نهر كليب، وتطوع ~~لهم عدد عظيم من قبيلة الماتانيا، وبعدما استراحوا جملة أيام قاموا وعبروا نهر أم ~~شيناتي. وفي 31 منه، عبروا نهر أم فيلوس، وفي 2 فبراير وصل إليهم مدد آخر مؤلف من ~~150 بويريا بقيادة القومندان لومبار. وبعد البحث الطويل اتضح لهم موت دنجان، ~~ولكنهم التقوا برجاله فهزموهم، فاكتفى بريتوريوس بذلك وولى بندا ملكا على قبيلة ~~الأمازولس، ms37 بعد أن أقسم له أن يعيش خاضعا للبوير ومسالما لهم. ثم أعلن برتوريوس ~~أن الأراضي الكائنة ما بين نهر توجلا ونهر أم فيلوس صارت من أملاك البوير، فقطن ~~كثير منهم تلك الأراضي وأسسوا فيها مدينة ميدلبرج. وهذه كانت أول حرب أظهر فيها ~~البوير ما يدهش العقول من الشجاعة في القتال. # | المهاجرة من الناتال # لم تطل مدة إقامة البوير في الناتال؛ وذلك أن بريطانيا العظمى أرادت ضم الناتال إلى ~~أملاكها، فألغت القرار الذي أصدره استوكنستروم حاكم مستعمرة الرأس قبلا، القائل فيه ~~بأن نفوذ جلالة الملكة وسلطتها تنبسط إلى درجة 29 من العرض، وطلبت احتلالها احتلالا ~~حربيا، فاعترض البوير عليها، وجاهروا بالعصيان والاستقلال. وفي 20 مايو سنة 1842 أرسلت ~~إنكلترا من بلاد الرأس إلى مينا الناتال 350 جنديا بقيادة الكابتن سميث ومعهم خمسة ~~مدافع وخمسة وستون عربة تحمل المؤنة والذخيرة. ولما وصلوا أخذوا في إقامة الحصون، فأرسل ~~إليه بريتوريوس يطلب منه الكف عن العمل، فلم يعبأ بكلامه وأعلنه بأنه تعين حاكما ~~للناتال، ويأمره بأن ينجلي عن بلدة كونجيلا الواقعة شمال المينا، فما أجاب طلبه؛ وعلى ~~ذلك أخذ الكابتن المذكور مدفعين و115 عسكريا وسار بهم قاصدا كونجيلا لطرد البوير، ~~فأرسل إلى بريتوريوس يطلب منه المقابلة للمفاوضة في الأمر قبل استفحاله، فأجاب الطلب، ~~ولكنهما افترقا على غير اتفاق. # وطلب بريتوريوس مرة أخرى من الكابتن سميث إيقاف بناء الحصون فأبى الكابتن ذلك؛ ~~وحينئذ ابتدأ القتال بين الطرفين وظل مستمرا إلى 23 مايو، فلم يتمكن الإنكليز من فتح ~~كونجلا، فعولوا على المسير إليها ليلا ليفتحوها عنوة، فقامت فرقة ثانية في الساعة ~~الحادية عشرة مساء، وكان سيرهم سرا، ولكن غاغة المدافع والعربات هتكت السر وأيقظت ~~البوير، فاختبأ منهم 80 رجلا في غابة عظيمة بطريق الإنكليز، فبينما هم سائرون لا ~~يحسبون للعدو حسابا تساقط عليهم الرصاص كالبرد، ولشدة الظلام لم يتمكن الإنكليز من ~~مشاهدة البوير، فتقهقروا، وكانت خسارتهم 23 قتيلا و45 جريحا، وظلت الحرب سجالا ~~بينهما حتى 15 يونيو سنة 1842، حتى تمكنت إنكلترا من التغلب عليهم، وامتلكت بلاد ms38 ~~الناتال، ونظمت بها حكومة شوروية، ورتبت لها القوانين اللازمة. وفي أواخر سنة 1845 ذهب ~~برتوريوس إلى الكاب ليعترض على هذا الاحتلال فأبى حاكم الكاب وقتئذ هنري بوتجيتر ~~مقابلته، فرجع إلى الناتال. وبعد مدة قليلة استبدلت إنكلترا هذا الحاكم بآخر يسمى هاري ~~سميث، فذهب هذا الأخير بناء على أمر حكومته للنظر في مطالب البوير، وتدبير الطرق ~~المسهلة لراحتهم، فخولهم كل ما تتوق إليه أنفسهم، فمكثوا بعد ذلك صامتين مدة من الزمن، ~~ولكن في نفوسهم صوت يدعوهم إلى الشر. فأخذ بريتوريوس يدس الدسائس ويوعز الصدور ضد ~~الإنكليز، إلى أن حمل إخوانه على محاربتهم في نقطة أخرى غير الناتال، وجعل مركز قصده ~~بلاد الأورنج، وبعدما جمع من أطاعه سار برجاله وعبر نهر أورنج، ووصل إلى بلوم فنتين، ~~ولم يكن بها غير ضابط إنكليزي وقليل من الجند، وعدد قليل من البوير الخاضعين لبريطانيا ~~العظمى، فعلمت بذلك إنكلترا وأرسلت مددا من مدينة الرأس، فعجز بريتوريوس عن محاربتهم، ~~وانسحب إلى جهة بلومباتز، وكان ذلك في شهر أغسطس سنة 1848. # | الأورنج # سنتكلم على جمهورية أورنج كلاما موجزا؛ نظرا لما هو بينها وبين بلاد الترنسفال من ~~العلاقات، فنقول: # تبلغ مساحة بلاد الأورنج 48326 ميلا مربعا، ويبلغ عدد سكانها 510207 أنفس، البيض ~~منهم 77720 والباقي من السود. وأشهر مدن هذه الجمهورية مدينة بلوم فنتين، وهي عاصمتها، ~~وفيها خمسون ألف نفس، وهذه المدينة هي أشبه شيء بواحة وسط صحراء كبيرة، وبها قلعة مبنية ~~على تل مرتفع، ولا تخلو المدينة المذكورة من قصور شاهقة، ومنازلها مبنية بناء بسيطا، ~~وفيها شوارع منتظمة تظللها أشجار البلخ الكبيرة من الجانبين وموقعها الطبيعي جيد جدا، ~~مفيد للصحة؛ ولذلك يقصدها كثير من الإنكليز طلبا لاكتساب الصحة وتبديل الهواء، وهي ~~تبعد 90 ميلا عن كمبرلي مدينة الماس في الناتال، 105 أميال عن كولسبرج في الترنسفال، ~~و400 ميل عن دربان. وفي سنة 1853 هاجمها موشيش رئيس قبائل الزولس القاطنين على جبال ~~داراكنسبرج، فأرسل السير هاري سميث حاكم مستعمرة الكاب حملة بقيادة الكابتن جورج ~~كاسكارت للمدافعة عنها. فلما رأى موشيش ms39 أن إنكلترا هي المدافعة من الأورنج، خاف العاقبة ~~ورجع عن قتالهم. وفي 24 فبراير سنة 1854 أعلنت إنكلترا استقلال الأورنج وتركها للبوير، ~~فنظموا فيها جمهورية مثل جمهورية الترنسفال. # | الرحيل إلى الترنسفال # ولما انخذل البوير أيضا في جهة أورنج ساروا بقيادة بريتوريوس إلى جهة الشمال، طالبين ~~وطنا يعيشون فيه مستقلين، فذهبوا أولا إلى ميدلبرج، وكانت البوير قد أخذتها أولا من ~~البازوتس في سنة 1839، فأقاموا مع إخوانهم هناك، وصارت أملاكهم تمتد شيئا فشيئا. وفي ~~سنة 1848 شرع البوير المقيمون بها يؤسسون حكومة جمهورية مستقلة، فانتخبوا لها رئيسا، ~~ثم ألفوا مجلس الفولسكراد ومجلس التنفيذ، وجعلوا عاصمة حكومتهم مدينة ميدلبرج، فتشبه ~~بهم بريتوريوس وأسس له جمهورية ثانية، صار هو رئيسا عليها، وجعل عاصمتها مدينة ~~بوتشستروم، وعقدوا الخناصر على امتلاك الأراضي الواسعة في هذه الجهات الشاسعة، حيث بها ~~قبائل البازوتس. ولما درى هؤلاء بأن البوير طامعون في امتلاك أراضيهم اتحدوا على ~~مقاومتهم، وصاروا يقاتلونهم جهد استطاعتهم، فكانت تذهب أتعابهم هباء منثورا. وفي ~~أواخر سنة 1851 طلبت البوير من إنكلترا الاستقلال، فلبت طلبهم لما رأتهم أبدوا من ~~الهمم مما يشهد لهم بالفخر والعظمة، وانتدبت الميجر هوج والميجر أون لتحديد التخوم ~~الفاصلة ما بين مستعمرة الناتال وأملاك البوير الجديدة التي سميت بلاد الترنسفال، # 1 # ولما وصلوا إلى هناك تشكلت لجنة من البوير يرأسها بريتوريوس، واتحدت مع ~~المندوبين الآنف ذكرهما، وتم الاتفاق بينهما على ما يرضي الطرفين، وعملت معاهدة بذلك ~~في أول يناير سنة 1852، وهذه هي أهم بنودها: # أولا: # يعتبر نهر الفال حدا فاصلا ما بين مستعمرة الناتال وأملاك ~~البوير. # ثانيا: # ليس للحكومة الإنكليزية حق التداخل في أحكامهم الإدارية أو ~~السياسية. # ثالثا: # منع تجارة الرقيق منعا كليا. # رابعا: # ليس للبوير الحق في عقد معاهدات أو اتحاد مع القبائل القاطنة في شمال ~~الترنسفال. # خامسا: # منح حرية التجارة. # سادسا: # الأسلحة النارية والذخائر لا تنقل من بلاد الكاب إلا بإذن وإطلاع ~~الحاكم الإنكليزي عليها. # وبعد هذه المعاهدة أخذت الترنسفال تسعى في الارتقاء وتوسيع دائرة نفوذها. ومن سنة ~~1852 إلى سنة 1876 ms40 لم يحدث بينها شيء تاريخي يستحق الذكر سوى بعض حوادث حدثت في أعوام ~~مختلفة، سنتكلم عليها. # | الرئيس برجر # هو ثاني رؤساء جمهورية الترنسفال، ولد في مستعمرة الكاب، ثم غادرها وهو في السابعة ~~عشرة من عمره، واستوطن بلاد الترنسفال، وكان رجلا فاضلا متوقد القريحة، شديد الذكاء، ~~مشهورا بالفصاحة، وقد انتظم في سلك الكهنة وقضى سنين معهم، ثم تركهم وتفرغ للأعمال ~~السياسية، وكان يخدم وطنه ليلا ونهارا، مشتغلا بما يعود بصالح بلاده وبما يكسبه ~~رضاء أبناء وطنه عنه. # وفي سنة 1872 انتخبه البوير رئيسا للجمهورية بدلا من بريتوريوس الذي انتخبه بوير ~~أورنج بعد ذلك رئيسا لجمهوريتهم، وأما المستر برجر فلما عهدت إليه زمام الجمهورية، ~~رغب في نظمها سلك الممالك المتمدنة؛ فأراد أن يوجد بها السكك الحديدية والأسلاك ~~البرقية وصك النقود لتسهيل موارد الثروة، وكانت مشروعاته هذه ضد إرادة البعض من ~~أغبياء البوير؛ لأنهم كانوا يخافون ثقل الضرائب، ولذلك كانوا يضعون العقبات في سبيله، ~~وحينما أراد أن يبرز رغبته إلى عالم الوجود، بادر بالسفر إلى أوروبا وما راعى إشارة ~~الأطباء الذين كانوا ينهونه عن السفر لعدم موافقته لصحته، بل نبذها ظهريا وأناب عنه ~~المستر كروجر، # 1 # وكان سفره في أوائل سنة 1875، وزار أولا إنكلترا ثم توجه منها إلى ~~هولندا، وعرض مسألة إنشاء السكك الحديدية على أغنيائها، فتألفت منها شركة رأس مالها ~~تسعون ألف جنيه، واشترت به بعض الأدوات اللازمة تحت ملاحظته، وعاد إلى بلاده في أبريل ~~سنة 1876، فقوبل بمزيد الحفاوة والإكرام. وفي أثناء غيابه كان قد انتظم في مجلس ~~الفولسكراد أعضاء لم يكونوا على وفاق معه، فصاروا يحرضون المستر كروجر على مضادته، ~~ولما تمت أعماله قدروها حق قدرها، حتى إن الذين كانوا يعارضون عليها صاروا في ~~مقدمة الراضين عنها. # | فظائع البوير # أما أراضي البوير الواسعة، فقد امتلكوا بعضها بالحيلة وبعضها بحد الحسام، وقد كانوا ~~شديدي الرغبة في اتساع مملكتهم، فنجحوا نجاحا عظيما في زمن قليل، وأصبحت مساحة أرضهم ~~تكفي لأمثالهم أضعافا، وقد كان يذهب الرجل منهم إلى شيخ إحدى القبائل، ويرجوه أن يسمح ms41 ~~له بأن ترعى ماشيته بقطعة أرض من أراضيه، فمتى سمح له ونزلت بها ماشيته يدعي ~~امتلاكها، فإذا أتى صاحب الأرض يطالب بها، يهينه ويحتقره، فيذهب إلى شيخ قبيلة ~~لرفع شكواه، ويذهب معه البويري ومعه رأسان من الغنم هدية للشيخ، الذي لعلمه بقوة ~~البوير ونفوذ كلمتهم يضطر صاغرا لقبول الهدية والتصريح بتسليم الأرض إليه. وحينما كان ~~الرئيس برجر متغيبا في أوروبا، طلب النائب عنه من ستيواو ملك الزولس تغيير الحدود ~~الفاصلة بين أملاك الطرفين، وأعلنه بأنه إذا لم يبادر لإجابة طلبه، يجرد عليه عشرة ~~آلاف مقاتل لتنفيذ طلباته بالرغم عنه، فاستاءت الزولس من تهديده ووعيده، واشتد الخلاف ~~بينهما حتى كاد أن يفضي إلى القتال، فطلب الطرفان تدخل حاكم مستعمرة الكاب ليحكم ~~بينهما، فأجاب طلبهما وحدد بمعرفته التخوم، وفي 18 أغسطس سنة 1875 قامت البوير تدعي ~~بأن الحدود التي حددت بمعرفة حاكم الكاب مجحفة بحقوقهم؛ فتشكلت لجنة للنظر في ~~ذلك وأعادت تحديد التخوم مرة ثانية، نال فيها البوير ما سد أفواههم. # وفي سنة 1876 أرسل أحد رؤساء القبائل أخاه المدعو مونتسيا إلى حاكم جريكالان ~~الإنكليزي وعززه بمكتوب يقول فيه: # أني أرسلت إليك أخي ليخبرك عما نقاسيه من سوء معاملة البوير، وما نتحمله ~~من قساوتهم واستبدادهم. # ولما وصل هذا الرسول إلى الحاكم أخذ يقص عليه بعضا من أفعالهم، فقال: «إنه في يوم ~~من الأيام تعدى أحد خدام البوير على رجل من قبيلتنا، وأخذ يضربه ضربا حتى أسال ~~الدم من جسمه، ولم يكن هذا المسكين جنى ذنبا يستحق عليه ذلك، فخوفا من الوقوع في ~~المشاكل كظمنا غيظنا، ولزمنا السكوت. وفي مرة أخرى بينما كان أحد رجالنا جالسا في ~~حقله، إذ أقبل عليه رجل من البوير ممتطيا صهوة جواده، فنزل من فوقه وأمسك الرجل، ووضع ~~حبلا في عنقه وربطه في السرج ثم ركب جواده، وأخذ يجري فتهشمت عظام الرجل، وفارق ~~الحياة الدنيا شهيد القسوة والاستبداد. ومما يزيدنا حزنا أنهم يلقبوننا ~~بالمتوحشين، وهم يأتون أعمالا تنفر الوحوش منها. وقد حكى لنا أحد رجالنا أنه ذات يوم ms42 ~~قبض عليه رجل منهم، وأخذ يضربه ضربا شديدا، حتى أغمي عليه فأدخله منزله، وجعل يذيقه ~~أنواع العذاب، وهو يستغيث ولا مغيث، إلى أن تحركت الشفقة في قلب زوجة البويري ~~فمنعته عنه بكل جهد.» # ثم بعد أن استراح الرسول وهدأ روعه استأنف الحديث وقال: «إنا لم ننس فظيعة سنة ~~1865 حينما كان البوير يقاتلون قبيلة الكفرة في جهة زوتنسبرج، وهرب من هذه القبيلة ~~عدد عظيم واختبئوا في مغارة هناك، فأحضر البوير أخشابا وأعشابا ووضعوها على باب ~~المغارة وأشعلوا النار فيها، فأحرقوهم عن آخرهم، ولم تزل للآن إشارة الدخان في سقف ~~المغارة تشهد على ذلك، وأيضا العظام المتراكمة فوق بعضها أقوى شاهد. ومن فظائعهم ~~أثناء الحروب أنهم يجمعون أطفالنا ويضعون عليهم عشبا يابسا ويحرقونهم، وإذا أردت أن ~~أعدد لك فظائعهم يطول بي الشرح، ولكني ذكرت ما ذكرت لنقف على أعمال هؤلاء الناس ~~وكيفية معاملتهم للجنس الأسود.» # تجارة الرقيق # أما البوير فلم يراعوا معاهدة نهر الفال، ونبذوا بنودها ظهريا، فكانوا ~~يأخذون أطفال العبيد بعد أن يقتلوا والديهم ويربونهم، ومتى شب الطفل وجد نفسه بين ~~ظهرانيهم لا يعرف والديه، فيكون عبدا لمربيه، يسخره ويحمله أثقال الأشغال، ~~ويبيعه متى شاء، وكان أكثرهم نخاسين على هذه الصورة، وشوهد ذات يوم أحدهم ~~شاحنا قطارا بالعبيد الصغار ذكورا وإناثا، وصار يبيعهم باسم قطع الأبانوس ~~الأسود، باعتبار القطعة ثلاثة عشر جنيها، أو يأخذ بدلا عنها عجلا أو ~~حصانا. # وفي أوائل سنة 1871 أرسل خاما ملك إحدى القبائل كتابا إلى السير بركلي يقول فيه: ~~«يعلم الله أني سطرت هذا بأنامل مرتجفة وأفكار مرتبكة؛ لشدة ما حولي من عويل ~~النساء وبكاء الرجال، الذي بلغ السبع الطباق، وهو السبب في تسطير هذا المكتوب، وبه ~~أستغيث بمراحام جلالة الملكة لتخصنا ببعض النعم التي أسبغتها على شعوب كثيرة ~~غيرنا، ولا يخيب ظني إذا قلت بأنها ستبادر للذود عنا، كما هي عادتها مع كل ضعيف ~~مثلنا، يستظل بظل حمايتها، ونحن جميعا مستغيثون من هؤلاء البوير الذين دخلوا ~~بلادنا وعاملونا بما أنتم أدرى به، وما نحن ms43 عندهم إلا كالبضائع نباع ونشرى ، ~~ولعلمي بأن جلالة الملكة لا ترضى بذلك، قد استغثت بها أنا وعشيرتي لتجعل بلادي تحت ~~حمايتها، ونحن راضخون لكل ما يرضيها.» فلما وصل هذا المكتوب إلى السير بركلي، أرسله ~~في الحال إلى لندرا، فأمرت جلالة الملكة بتشكيل لجنة وإرسالها إلى نيوكاسل # 1 # للنظر في شكاوي العبيد، وبعد البحث والتحقيق تأكد لها ظلم البوير ~~وممارستهم النخاسة، ومما يستغرب أيضا هو أن بريتوريوس رئيس الجمهورية في ذاك ~~الوقت كان يتعاطى تلك المهنة، وقد تقدم للجنة عبد يدعى فردريك مولباكان خادما ~~عند أحد البوير، ولما علم باللجنة فر هاربا من عنده ليشكو أمره إليها، فقال: «إن ~~أحد البوير اختطفني من أهلي رغما عني وعنهم، وباعني لآخر ببقرة وآنية من الفخار، ~~وهذا الأخير كان يخدمني بدون شفقة ويعطيني جزاء أتعابي ضربا.» ثم أتى عبد آخر ~~وقال: «فليعلم سيدي رئيس اللجنة أنه كان بين قبيلتي وبين البوير قتال، فلما ~~تغلبوا علينا أخذوا البعض منا وباعونا بالمزاد العلني، وقد اشتراني رجل منهم ~~يدعى فريتزبوثا وهذه كنيسة بريتوريا تشهد بخدمتي في بنائها سخرة.» ثم تقدمت ~~للجنة جملة إثباتات أخرى، فعملت بها تقريرا وقدمته للحكومة لترى رأيها ~~فيها. # | سكسوني ومقتل يوحنا # كانت قبيلة عظيمة من قبائل البازوتس، تسمى قبيلة السكسونيين نسبة إلى اسم ملكها، ~~قاطنة على حدود ليدنبرج ومتمسكة بالدين المسيحي، وكانت خاضعة للبوير تدفع إليهم ~~مالا سنويا، ففي سنة 1875 أثناء غياب المستر برجر تولد النزاع بشأن قطعة أرض ~~بها قلعة في جهة بوتسبلو، يسكنها يوحنا أخو سكسوني، فقامت البوير تدعي ملكية هذه ~~الأرض، بأنها اشترتها من قبيلة السوازيس، وأرسلت إلى يوحنا تأمره بالانسحاب منها، فأبى ~~إجابة طلبهم، فأرسلوا إلى سكسوني ينذرونه بسوء العاقبة، فأجابهم بقوله: «إن الأرض ~~التي تدعون بأنها من أملاككم هي ملك قبيلتي، ولأخي الحق أن يقيم بها، وجميع ~~القبائل تشهد بأن الأرض أرضنا، وليس لكم فيها قيراط واحد، وبما أنني ممن يكرهون ~~إهراق الدماء، فأرغب أن ينتهي الأمر بيننا بسلام، وإلا إذا كنتم عقدتم النية على ~~مناوشتنا واغتصاب ms44 أملاكنا ظلما، فهذا أمر لا يمكننا الصبر عليه، والحسام يفصل ~~بيننا.» # وقد كان يظن سكسوني أن ما فعله البوير من قبيل التهديد فقط، فجاء الأمر على خلاف ذلك؛ ~~لأن برجر رئيس الجمهورية لما عاد من أوروبا وعلم ذلك، جمع خمسة آلاف رجل نصفهم من ~~البوير والنصف الآخر من قبيلة السوازيس، وساروا بقيادة الرئيس المذكور إلى المحل ~~المقيم فيه يوحنا، فأمر قائد البوير العبيد بالهجوم على القلعة، فهجموا عليها، وكان ~~قتالهم مما يفتت الأكباد، لما كانوا يفعلونه من الأمور الوحشية؛ وذلك لأن رجال ~~السوازيس كانوا يقتلون النساء ويهشمون رءوس الأطفال على الصخور، وبعد قتال هائل انجلى ~~عن فوز البوير وامتلاك ما كانت تطمح إليه أنظارهم، وخرج يوحنا من القتال مجروحا جرحا ~~بليغا، أذاقه الحمام بعد ثلاثة أيام، وأما البوير فإنهم فرحوا بهذا النصر وسموا هذه ~~الموقعة موقعة النصر العجيب. # واقعة إيزندلوانا # ولما انتصر البوير في بوتسبلو أرادوا أن يضربوا السكسونيين الضربة القاضية، ~~فاجتمع مجلس الفولسكراد لهذه الغاية في 4 سبتمبر سنة 1876، واقترح الرئيس برجر ~~تأليف حملة أخرى لمطاردة العدو، يتولى قيادتها الكابتن فون شليكمان، فصادف اقتراحه ~~قبولا، وعملت الاستعدادات اللازمة، وبعد أيام وجيزة سارت الحملة ليلا إلى قرية ~~ستيل بور التي هي ضمن أملاك سكسوني، فأمر فون شليكمان رجاله بمهاجمتها، فاستيقظ ~~أهلها، ولما كانوا على غير استعداد ولوا هاربين، فأمر حينئذ قائد البوير بقتل ~~جميع من بقي بالقرية، فذبحوهم عن آخرهم. وبعد هذه المذبحة صارت البوير تتقدم ~~ورايات النصر تخفق فوق رءوسهم، حتى وصلوا إيزندلوانا عاصمة سكسوني، ولكن خانهم ~~النصر في هذه المرة، وهزمهم السكسونيون شر هزيمة، وتبعوهم إلى بريتوريا وأرادوا ~~أن يقاتلوهم هناك، فاستغاث البوير بإنكلترا، فأغاثتهم وأصلحت بينهما. # هذه كانت حالة حكومة الترنسفال مع القبائل في الخارج، أما حالتها الداخلية، فلم ~~تكن بأصلح من تلك؛ لأن خزينة ماليتها كانت خالية من الأموال، فأقر مجلس ~~الفولسكراد على إصدار أوراق يتعامل بها بدل النقود إلى أن تتحسن حالة ماليتها، ~~وربط ضريبة باهظة على أصحاب الحقول، أجانب كانوا أو وطنيين. ولما كان ms45 للإنكليز ~~أكثر الأملاك رفضوا تأديتها، وقدموا شكاوى كثيرة للحكومة، فكان جوابها لهم هكذا: ~~«من يريد الإقامة ببلادنا فليخضع لقوانين الجمهورية، ومن يأبى فليرحل.» ~~ولما أخفقوا سعيا، رفعوا عريضة إلى جلالة الملكة موقعا عليها من ستة آلاف ~~منهم يطلبون بها مداخلتها، وكانت الأحوال في بريتوريا مرتبكة بعد ربط هذه الضريبة ~~الفادحة من جهة، ولانتخاب رئيس الجمهورية من جهة أخرى؛ لأن مدة الرئيس برجر كانت ~~قد انتهت، فظهر حينئذ في بريتوريا أحزاب كثيرة، أهمها حزب الدوببز وزعيمه المستر ~~كروجر، فرشحوه للرئاسة، ولكن حزب برجر فاز عليه، وتم الأمر بتجديد انتخابه، وكان ~~لا يتمنى ذلك؛ لأنه رأى ما في داخل بلاده من الهياج العظيم، وما بخارجها من عداء ~~القبائل لها، ومما زاد الطين بلة اتحاد أعضاء مجلس التنفيذ على خزله، مع أن ~~المنتظر منهم الأخذ بناصره وشد أزره لتنفيذ آرائه، ولكن كثرة الأحزاب كانت تدفع ~~كلا منهم للسعي في إحباط مساعي الآخر. # | تداخل إنكلترا # وفي أوائل نوفمبر سنة 1876 كان السير بركلي في لندرا، فتفاوض مع كبراء حكومته بخصوص ~~حالة الترنسفال، وبين بأن الخطر محدق بها من كل جانب، وأيد كلامه هذا بعرائض ~~الاستغاثة المقدمة من بعض القبائل التي تقاسي مرارة العذاب من حمل ذل البوير، ~~واتحادها على مهاجمة بلاد الترنسفال، فأرادت إنكلترا أن تتداخل في الأمر حسما للنزاع، ~~فانتخبت لهذا الأمر رجلا قد اتصف بالوداعة وحسن التدبير، واشتهر بالحكمة والشفقة، ألا ~~وهو السير تيوفيل شيبستون حاكم مستعمرة الكاب، وأمرته بالتوجه إلى تلك البلاد للنظر ~~بعين الدقة في أحوالها، وتقديم التقرير اللازم عما يتراءى له، وإذا تأكد بأنه يرجى ~~إصلاحها كان به، وإلا فتضم لإنكلترا. وفي 30 ديسمبر سنة 1876 أرسل السير شيبستون ~~مكتوبا إلى الرئيس برجر يقول فيه: إني عازم على زيارة بلادكم بصفتي مندوبا من حكومتي ~~للاتحاد معكم وإجراء اللازم لحل المشاكل الحاضرة قبل اتساع الخرق، وخصوصا بعد ما ~~رأيناه من أن القبائل كلها قد اتحدت يدا واحدة ضد جمهوريتكم، وذلك مما يدعوننا إلى ~~المبادرة لمساعدتكم وحفظ المستعمرات البريطانية في جنوب ms46 أفريقيا من الخطر؛ لأنها تصبح ~~مهددة إذا أصيبت بلادكم بسوء. فكان لهذا الخبر أعظم تأثير في قلوب القاطنين في بلاد ~~الترنسفال على اختلاف أجناسهم، فمنهم من تلقاه بالفرح والسرور، ومنهم من تلقاه ~~بالحقد والغيظ، وهم من حزب الدوبيرز لعلمهم بأن بحار الحرية سترويهم وسماء العدل ~~ستظللهم، ممتدة إليهم من لندن بيد السير شيبستون، وذلك عكس ما يرغبون. # ولما حضر السير شيبستون إلى الناتال أقام فيها بضعة أيام، ثم قصد بريتوريا، وحينما ~~صار على مقربة منها وانتشر خبر قرب وصوله إليها هرعت الناس إليه أفواجا لاستقباله، ~~وفي أثناء مروره كان بعض الأهالي يتقدم إليه بمزيد الانعطاف، ويظهر له من الإخلاص ~~والولاء ما لم يكن يظنه منهم، وعند وصوله إلى بريتوريا تقاطرت إليه الحكام يهنونه ~~بسلامة الوصول، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية وآيات البشر على محياهم، إظهارا لما ~~يكنه ضميرهم من المحبة له؛ لعلمهم بأنه ما وطئ بلادهم إلا لقصد مصالحهم، وما يعود ~~بمنافعهم، فخطب فيهم قائلا: «إن الحوادث قد أظهرت لكل عاقل ضرورة الاتحاد وتبادل ~~المحبة، وخصوصا بين الأمم المسيحية؛ لتستنتج منه الراحة والحرية والسلم والسعادة ~~بين الجنس الأبيض والأسود، وإني واثق بمساعدتكم على إتمام مشروعي هذا؛ لعظم فائدته، ~~ولأجل أن نكتب على راية جنوب أفريقيا هذه الكلمات اللطيفة: «الاتحاد أساس القوة».» ثم ~~طلب من الرئيس برجر تشكيل لجنة للنظر في أحوال الجمهورية الداخلية والخارجية، فأجاب ~~طلبه، وتألفت من المستر هندرسن والمستر أوزبرن من الإنكليز، والمستر كروجر والمستر ~~جوريسن من البوير، وكانت الرئاسة للسير شيبستون، فلم تأت هذه اللجنة بالغرض المقصود؛ ~~لاختلاف آراء أعضائها، ولأن حزب الدوبيرز وأتباعه كان متفقا ومصرا على مقاومة ~~إنكلترا ومنعها من التداخل في أمورهم، غاضا الطرف عن حالة بلادهم وحرج مركزهم. وكان ~~المستر كروجر زعيم الحزب المذكور والعاضد له؛ إذ كان يطمح إلى رئاسة الجمهورية؛ ولذلك ~~صار هذا الحزب يدس الدسائس ويلقي الفتن سرا؛ لئلا تحبط مساعيهم إذا ظهرت وتتوطد ~~أقدام إنكلترا في بلادهم، فتناقشهم الحساب. # وفي أول فبراير سنة 1877 قال الرئيس برجر لأعضاء مجلس الفولسكراد: ms47 «إنكم تعلمون أن ~~بلادنا أصبحت في خطر عظيم لجملة أوجه؛ أولها: نفاد المال من خزينة الحكومة، وعدم ~~استطاعتنا تحصيل الضرائب. ثانيا: اتحاد القبائل يدا واحدة ضدنا وعزمها على مهاجمتنا، ~~وفي مقدمتهم قبيلة الزولس، وقد أرسلت إنكلترا مندوبا من طرفها ليقف على أحوالنا، وهو ~~يقول بوجوب ضم بلادنا لمستعمرات دولته، والذي أراه أن أفكار الشعب لا تميل إلى ذلك، ~~ولكني إذا سئلت عن ذلك أجاوب بأن انضمامنا إلى هذه الدولة القوية، إلى أن يمكننا ~~حفظ استقلالنا بأنفسنا تكون نتيجته حسنة، وأرى من الضروري خضوع البوير لهذا الرأي، ~~ومتى تم ذلك الانضمام تكون جميع مستعمرات جنوب أفريقيا من رأس الرجا الصالح إلى مينا ~~اليصابات مملكة واحدة ذات قوة عظيمة، توقع الرعب في قلوب أعدائها، وإني أرى بعين ~~الأسف بعض البوير الذين لا يذعنون لدستور البلاد ولا يميلون إلى الأحكام، ويفضلون ~~معيشتهم بدون ارتباط ولا نظام كالوحوش البرية، ويأبون الخضوع للحكومة الإنكليزية؛ ~~ولذلك فإنهم يعرقلون مساعي المندوب الإنكليزي، وإذا أصروا على هذا العناد فإن العاقبة ~~تكون وبالا عليهم.» وبعد انتهاء كلامه انفض المجلس على غير جدوى، ولم يبت أحد من ~~أعضائه رأيا فيما أبداه ذلك الرئيس. # وفي أوائل أبريل علم السير شيبستون أن سكسوني يحشد قواه على الحدود ويستعد لاستئناف ~~قتال البوير، فأرسل إليه مكتوبا يعلنه بأن يوقف استعداده ويفرق قوته، وإلا ~~تكون إنكلترا ضده، فخاف سكسوني العاقبة، وأرسل إليه يطلب توسطه في الصلح مع حكومة ~~الترنسفال، فأطلع السير شيبستون الرئيس برجر على ذلك، وبعد المفاوضة أقرا على ~~تشكيل لجنة وإرسالها إليه لعقد معاهدة الصلح، وانتخب لذلك ثلاثة من الترنسفال، وهم ~~المستر فان جوركن والمستر هولت هوزن والقومندان فريريا واثنان من الإنكليز، وهما المستر ~~أوزبورن والكابتن كلارك، فتوجهوا إلى مدينة ميدلبرج الواقعة على الحدود، وتقابلوا مع ~~اثنين من كبار السكسونيين، فطلب البوير منهم ثلاثة شروط؛ أولا: الخضوع لجمهورية ~~الترنسفال. ثانيا: تقديم ألفي رأس من الغنم تعويضا حربيا. ثالثا: منع تعدي ~~رجال القبيلة الحدود التي يصير تحديدها بمعرفة اللجنة. فعرضوا هذه الطلبات على ملك ms48 ~~القبيلة في إيزندلوانا، فصادق عليها وعقدت معاهدة، وأرسلت للفولسكراد للتوقيع ~~عليها، وبذلك تم الصلح. وقد كتب السير شيبستون تقريرا بأعماله وأرسله لحكومته في ~~لندن، بين فيه الخوف على البوير من القبائل القاطنة حول دائرة الترنسفال باتحادها ~~معا، وذكر أيضا أن سكسوني قبل الصلح خوفا من إنكلترا، ومتى رحلت عن البلاد ~~رجع لقتالهم، وختمه بأنه لا يمكن رفع الخطر عنها إلا بانضمامها لإنكلترا. # | الانضمام # ولما علم السكسونيون بعد إتمام الصلح بأن الترنسفال لم تزل مستقلة؛ أرادوا تجديد ~~النزاع حتى ينتقموا من البوير، ويأخذوا بثأرهم منهم، ولما كانت معاهدة الصلح لم تمض ~~عليها إلا أيام قلائل لم يرق في عين سكسوني أن يبدي حراكا، بل ترك ذلك لستيواو ~~رئيس إحدى قبائل الزولس، فأرسل هذا الأخير رسولا من قبيلته بمكتوب إلى حكومة ~~الترنسفال، يعلنها باستقلاله ورفض سيادة الجمهورية والقتال بينهما إذا أنكرت عليه ذلك. ~~وكان وصول مكتوبه في 11 أبريل سنة 1877، وفي الحال حشد رجاله على الحدود، ولما علم ~~بذلك السير شيبستون خاف العاقبة، وتوجه في الحال إلى الرئيس برجر للمفاوضة في مكتوب ~~ستيواو، فاستدعى الرئيس أعضاء مجلس التنفيذ، فأقروا على إرسال مكتوب إلى ستيواو ~~ويعلنونه بضم الترنسفال إلى إنكلترا، ويهددونه بالقوة الإنكليزية إذا أصر على حشد ~~جيوشه أو تعدى الحدود. ولو تأخر هذا المكتوب أسبوعا واحدا لكانت مضارب الزولس ~~دقت في بريتوريا، ولما وصل هذا المكتوب إلى ستيواو فرق رجاله وأرسل إلى السير ~~شيبستون يقدم له الطاعة، ويعلنه بأنه فرق رجاله لما علم أن بلاد الترنسفال قد ~~انضمت لإنكلترا. # وفي 12 أبريل سنة 1877 أعلن رسميا ضم جمهورية الترنسفال لإنكلترا، وكانت ساعة ~~ذلك الإعلان هائلة جدا، وقد كان المندوب الإنكليزي يخشى حدوث ثورة، ولكن كان يزيل ~~الصعاب ويزحزح العثرات بحكمته وتدبيره، ومن جملة ما فعل من هذا القبيل عدم رفعه الراية ~~الإنكليزية؛ لئلا تكون سببا في شبوب نار العداوة، ولئلا يتخذها الأعداء فرصة لإظهار ~~ما تكنه بواطنهم، وأبقى ذلك ريثما يستتب الأمن، وأخذ من فوره يسعى في اتخاذ الطرق ~~اللازمة لإماتة روح ms49 التعصب، غارسا في أفئدة الشعب بذور الألفة والمحبة، موفقا بين ~~آراء الأحزاب المختلفة، فنجحت مساعيه وخابر حكومته بكل ما تم، فأعجبت لمهارته وحسن ~~درايته ولما أتى به من الأعمال الجليلة التي كانت تستلزم إهراق دماء الألوف في سبيل ~~إتمامها. وفي 31 مايو ورد من لندرا كتابا إلى السر شيبستون يتضمن ممنونية جلالة ~~الملكة وشكرها له على أعماله، وبعد ذلك أراد الذهاب إلى إنكلترا للمفاوضة مع حكومته ~~فيما يلزم أعماله لتحسين تلك البلاد وإصلاحها، فوفدت عليه رؤساء القبائل وعظماء ~~الأوروبيين ليودعوه، فغادرهم في 20 يونيو، مزودا بدعائهم ومستصحبا محبتهم، وأناب ~~بدله السير أون لانيون. ولما وصل السر شيبستون إلى إنكلترا قدم تقريرا مطولا ~~لحكومته، أوضح فيه كل أعماله التي أداها وأضاف إليه ما رأى إجراءه لازما لإصلاح تلك ~~البلاد، وبين أن لا مانع من رفع الراية الإنكليزية الآن على بلاد الترنسفال، ~~فانتدبت إنكلترا لذلك الماجور كلارك، فوصل إلى بريتوريا في 20 من شهر يوليو، وبعد وصوله ~~بيومين عزم بعض رعاع البوير بإغواء حزب الدوبرز على قتل الماجور كلارك قبل أن يرفع ~~الراية على بلادهم. وفي ذات ليلة اجتمعوا بعدما ثملوا بالخمور وأرادوا الهجوم على منزله ~~والفتك به، ولكنه وقف على ما يضمرونه له، وعندما قربوا من المنزل وقف أمام نافذة غرفته ~~وقال لهم بكل هدوء: «إنني أرى رءوسكم مثقلة بالخمر، وأقدامكم لا تقوى على حمل أجسادكم، ~~فأنصحكم أن تتوجهوا إلى منازلكم لتستريحوا وتستفيقوا.» فلما سمعوا منه ذلك ورأوه ~~مستيقظا، خابت مساعيهم وعادوا على أعقابهم، ولم يحدث ما يكدر الصفا في تلك ~~الليلة. # وفي 23 يوليو سنة 1877 وصلت أورطتان من الجيش الإنكليزي إلى بريتوريا، فأرسل الماجور ~~كلارك يستدعي رؤساء القبائل عموما لحضور الاحتفال برفع العلم البريطاني، فحضر الجميع ~~واصطفت الجنود الإنكليزية حول ديوان الجمهورية، ورفعت الراية بيد الكولونل بروك، ~~وبعد ذلك اشتهر رسميا انضمام بلاد الترنسفال لإنكلترا، وكان فرح الأمة الإنكليزية ~~عظيما جدا. # | طلب الاستقلال # وبعد رفع الراية أخذ حزب الدوبرز بمساعدة القائد برتوريوس يقاوم الإنكليز ويختلق ~~الأكاذيب عليهم، وينسب إليهم ms50 الظلم وأشاع بأن هذا الانضمام ضد رغبة البوير عموما، ~~وكل ما حدث من الزولس دسيسة إنكليزية بإغراء السير شيبستون؛ فإنه هو الذي جرأهم ~~على مهاجمتنا وقتالنا ليهدد بهم الجمهورية، ويرغمها على قبول الانضمام. فبلغت هذه ~~الإشاعات مسامع السير لانيون، فأرسل مكتوبا إلى برتوريوس يقول له فيه: «قد اختلقت ~~الأكاذيب وأثرت الإشاعات، وقلت بأن إنكلترا هي التي هيجت قبائل الزولس عليكم، ~~وأنها هددت مجلس التنفيذ ليضطر إلى قبول الانضمام، فأؤكد لكم بأنكم لو اطلعتم على ~~كتابات أعضاء اللجنة التي تشكلت للمفاوضة في مسألة سيتواو لتأكدتم براءتهم مما ~~تختلقونه، وأنهم قابلون الانضمام برغبتهم لصيانة بلادهم. وقد أظهر السير شيبستون ~~بإفادته المرسلة لنظارة المستعمرات بتاريخ 12 أبريل بأنكم لم تكونوا ممن حضر في ~~المجلس، فكيف علمتم بأن إنكلترا هددت أعضاءه حتى اضطروا لقبول الانضمام، وكيف ~~تأكدتم بأننا أغرينا الزولس على قتالكم، وإنني لآسف من صدور مثل ذلك منكم؛ لأنه ~~سيكون سببا لتهيج الشعب وإيقاد نار الثورة التي تكون عاقبتها وبالا عليكم، فأنصحكم ~~أن تقلعوا عن هذا الأمر المنكر.» # وفي أول أكتوبر اجتمع كروجر وجوبير # 1 # وبريتوريوس، واتفقوا على تشكيل لجنة وإرسالها إلى لندرا لطلب الاستقلال، ~~فأقر رأيهم على انتخاب المستر كروجر وجرسون وبوك من غير أن يستشيروا الرئيس برجر؛ ~~لأنهم كانوا غير راضين عن سياسته، وكانوا ينتظرون انتهاء مدة رئاسته ليولوا كروجر ~~بدلا منه، وهذا الأمر كان يقوي كروجر وينشطه على طلب إعادة الاستقلال، ولما وصلوا ~~إلى لندرا تقابلوا مع اللورد كرنارفون ناظر المستعمرات، فعرضوا عليه أمرهم وشكوا ~~إليه بأنهم غير راضين عن تصرف حكام الإنكليز في بلادهم، فعرفهم بأن انضمامهم قد ~~صار أمرا نهائيا، ومن العسير إلغاؤه إلا إذا سنحت الفرص، ولكنه ينظر في أمرهم ويزيل ~~أسباب أتعابهم، فتظاهروا بقبول كلامه ووعدوه بأنهم سيبذلون جهدهم في إرضاء إخوانهم ~~المشتركين معهم في طلب الاستقلال بالخضوع للحكومة الجديدة ونظامها، وهموا بالرجوع إلى ~~بلادهم. # الجنرال جوبير. # وفي 18 يوليو سنة 1878 تعين السير شيبستون مندوبا سياسيا في الترنسفال والسير ~~لانيون وكيلا له، وفي نوفمبر من ms51 هذه السنة كانت مدة انتخاب المستر كروجر في عضوية مجلس ~~التنفيذ قد انتهت، ولم يتجدد انتخابه، فاتحد ثانيا مع جرسون وبريتوريوس وصاروا ~~يستميلون إخوانهم المتحدين مع الإنكليز إلى الانضمام معهم، وتوجه كروجر وجوبير وبوك ~~مرة ثانية إلى لندرا، وتقابلوا مع السير مخائيل هكس بيتش، وطلبوا منه التوسط في طلب ~~الاستقلال، فأبى أن يتداخل في هذا الأمر، وعرفهم بأن من المستحيل سحب السلطة ~~الإنكليزية من بلادهم. فعادوا إلى بلادهم وأوقدوا نار الثورة، فانضم إليهم ثلاثة ~~آلاف من إخوانهم وعقدوا اجتماعا في موضع يبعد ثلاثين ميلا عن بريتوريا، وأرسلوا رسلا ~~إلى رؤساء القبائل يدعونهم للانضمام معهم لمقاومة الإنكليز وطردهم من بلادهم، فرفضت ~~رؤساء القبائل قبول هذا الطلب. # وفي أثناء ذلك تعين المستر غلادستون ناظرا للمستعمرات، وكان مشهورا بمحبته للبوير ~~والإعجاب بشجاعتهم، وكان يسميهم رجال القوة، ولما تولى هذا المنصب ظن البوير أنهم ~~ينالون الاستقلال بمساعدته، فعمدوا إلى السكينة ولم يتظاهروا بمقاومة الإنكليز، فقط ~~صاروا يهاجمون من وقت إلى آخر قبائل الزولس، فحملوا عليهم هؤلاء حملة منكرة وهزموهم، ~~وما زالوا يطاردونهم حتى أدخلوهم بريتوريا وحاصروهم فيها مدة مديدة، وقف في أثنائها ~~دولاب التجارة والصناعة، وما زالوا كذلك حتى أتتهم النجدات الإنكليزية، ورفعت الحصار عن ~~بريتوريا وردت الزولس إلى بلادهم. # ولما انتهوا من مقاتلة الزولس لم تطل مدة سكوتهم، بل عادوا إلى طلب الاستقلال، ~~وصاروا يهينون الإنكليز ويتعصبون عليهم، فأنفذت إنكلترا السير بارتل فرير، الذي ~~حال وصوله أخذ يلقي الخطب الودية بينهم، ويحثهم على الاتحاد والاتفاق، ~~ويعدهم بأنه سيسعى في منحهم طلبهم، وأظهر لهم بأن إنكلترا تمنحهم الاستقلال متى ~~تأكدت أن عندهم قوة كافية لصيانته، فتظاهروا بأنهم أذعنوا لنصائحه، وأخمدوا نار ~~الثورة، ولكن بعد مغادرة المذكور بلادهم عادت البوير إلى معاصيها، فعينت إنكلترا في ~~هذه المرة السير جارنت ولسلي ليعضد السير شيبستون، وبوصوله عدل القوانين وأصدر ~~أوامر ومنشورات جديدة، ورتب المجالس ونظم في عضويتها رجالا أكفاء. فلم يكترث البوير ~~بذلك، بل عادوا يقرعون باب البرلمان الإنكليزي بالعرائض، متظلمين طالبين الاستقلال ~~وسحب الجنود الأجراء من ms52 بلادهم، وكان الزعيم المهيج هو بريتوريوس، فقبضت الحكومة ~~عليه وأحالته إلى التحقيق، فثبت أنه ثوري ومسبب للقلاقل، وكان المنتظر معاقبته ~~عقابا شديدا، ولكن بعد انتهاء التحقيق تحول السير ولسلي من العنف إلى اللين، ~~وعفا عنه وعينه عضوا في مجلس الفولكسراد، فأظهر أنه ارتضى بذلك. وقد ذكرهم السير ~~ولسلي في خطبة ألقاها في بريتوريا كما قال لهم أولا بأن «المتعصبين ضدنا يلحون ~~بطلب الاستقلال، وما معنى هذا الاستقلال الذي تطلبونه؟ هل تناسيتم الخطر الذي كان ~~محدقا بكم وببلادكم، ولولا جنودنا لكانت بلادكم في خبر كان، ولو انجلت الآن رجالنا ~~عن بلادكم لسقطت ولم تقم لها قائمة، وأظنكم لم تنسوا حالتكم التعيسة قبلا حينما ~~كانت الضرائب لا يتحصل منها شيء، وخزينة المالية خاوية من الأموال، وقد بات الأمر ~~الآن بالعكس، فلماذا لا ترضون بما فعلناه معكم، وتتحدون معنا على صيانة حقوقكم وتحسين ~~أحوال بلادكم التي لم نزل مجدين ومجتهدين في سبيل ارتقائها، حتى يمكننا بعد ذلك ~~ننجلي عنها مطمئنين عليها من هجمات الأعداء؟ وآخر شيء أقوله لكم: إن الاتحاد خير من ~~العناد.» فحصل بعد هذه الخطبة هدوء تام، وهاجر كثير من الإنكليز إلى بلاد الترنسفال ~~واستوطنوا بها، وصارت الضرائب تتحصل بالعدل، وتتقدم بالرضاء من الأهالي، وفي يوليو ~~سنة 1879 أرسل السير ولسلي إلى حكومته يقول: إنه لم يبق أثر للثورة، وقد ارتضت جميع ~~الأهالي بالحالة الحاضرة، ووعدوه بأنهم لا يعودون إلى الهياج والعصيان. # أما إيرادات الحكومة فقد تحسنت تحسنا عظيما بعد الانضمام، فبلغ في الستة شهور ~~الأولى من 1879 «69000 جنيه إنكليزي»، وفي الستة شهور الثانية بلغ «160000 جنيه ~~إنكليزي»، وفضلا عن تحسين المالية، فإن التجارة أيضا تقدمت بعد انحطاطها، وارتفعت ~~أثمان الأطيان، وكثرت المنازل وارتفعت أجورها، وفي أواخر سنة 1880 عاد البوير إلى ~~الفتن والعصيان بعد السكوت الذي كان مقدمة للهياج العظيم الآتي ذكره. # | أسباب الثورة # وفي يوليو سنة 1880 بارح السير ولسلي بلاد الترنسفال، وتوجه إلى لندرا، وترك بدلا ~~منه السير لانيون، فتبعه وفد من البوير برئاسة كروجر لطلب الاستقلال، ms53 وبوصولهم إلى ~~لندرا قابلوا المستر غلادستون، وكانوا يؤملون قضاء سؤلهم، ولكن بالنسبة لاشتغال ~~البرلمان الإنكليزي بأمور أخرى أشد خطرا من مسألتهم عادوا كعودتهم السالفة، ولما علموا ~~بأن لا فائدة في الصبر، وأن كل ما يسمعونه من المواعيد مجرد أقوال، اتفقوا على ~~العصيان وشق عصا الطاعة، وصاروا ينتهزون سنوح الفرص لإشهار أمرهم. فلما جاء ميعاد ~~جباية الأموال الأميرية جاهروا بالعصيان، فأرسل السير لانيون فرقة من الجند بقيادة ~~الكولونيل تورنهيل، فكانت غير كافية لإخماد نار الثورة لاستفحالها، فأرسل السير لانيون ~~إلى السير جورج كولي حاكم مستعمرة الرأس يطلب منه إرسال نجدة، فأجابه بعدم الاستغناء عن ~~الجنود الموجودة عنده، فكان هذا التأخير فرصة حسنة لمقاصد البوير وسببا لجرأتهم على ~~دوام العصيان، فانتشرت الثورة واشترك الكثيرون فيها، وأخذوا يهددون باقي البوير ~~الموالين لإنكلترا وينسبون إليهم الخيانة إن لم ينضموا إليهم، فكانوا يتبعونهم خوفا ~~منهم؛ ولذلك صار عددهم عظيما، فأرسلوا كذلك يستدعون رؤساء القبائل للأخذ بناصرهم، ~~فأبوا إجابة طلبهم، وذهب نداؤهم صرخة في واد. ثم جعل الثائرون مركز حركاتهم مدينة ~~ميدلبرج، فكتبوا إعلانا وبعثوه إلى الحكومة الإنكليزية، ومن ضمنه: «إننا لا نميل إلى ~~الحرب وإهراق الدماء، فإذا اضطرمت نيرانها فأنتم المسئولون عن ذلك، فإذا لم تجيبوا ~~طلباتنا لأننا حينئذ ندافع عن الوطن لننال بالقوة ما عجزنا عنه بالسلم. وأرسلوا ~~إعلانهم هذا يوم 17 ديسمبر سنة 1880 الساعة العاشرة والنصف مساء إلى السير لانيون، ~~وطلبوا منه الرد في مدة 48 ساعة. # واقعة بوتشستروم وبرنكرسبلنت # وفي 20 ديسمبر سنة 1880 أرسل السير لانيون إلى الثائرين ردا على إعلانهم يقول: ~~«إني عرضت طلباتكم على حكومة جلالة الملكة، وها أنا منتظر الأمر، وعند صدوره ~~أخبركم به.» ولعلمه بأن هذه الإجابة لا تقنع الثائرين أرسل أورطة للمحافظة على ~~الطريق من ميدلبرج إلى بريتوريا، وفي يوم 16 ديسمبر؛ أي اليوم الذي كتب فيه ~~الإعلان السالف ذكره، حصل قتال في بوتشستروم، فأرسل السير لانيون الكولونيل ونسلو ~~والكابتن فولز وراف فتحصنوا جميعا في سراي المحكمة، وكانت حصونهم ضعيفة لا ~~كالحصون التي اتخذها البوير، ms54 فصار الرصاص يتساقط عليهم بكثرة، وما مضت مدة قليلة ~~حتى أصيب الكولونيل فولز، وذهب أول شهيد تلك الثورة، وقتل كثير منهم، فاضطروا ~~إلى التسليم وسقطت مدينة بوتشستروم في أيدي الثائرين. # وبعد هذا الحادث أرسل السير لانيون إلى مستعمرة الناتال يطلب من الكولونيل بلرز ~~إرسال أورطة إلى بريتوريا، فقامت هذه الأورطة في الحال بقيادة الكولونيل أنستروتر ~~وتبعها قطار مشحون بالمئونة والذخيرة، ولما وصل الإنكليز نقطة اسمها برنكرسبلنت ~~تبعد 38 ميلا عن بريتوريا، نظر الكولونيل عن بعد فرأى عددا عظيما من البوير ~~يفوق عددهم، واقفين أمامه على الطريق من الجهة الشمالية، فلما صاروا على بعد نصف ~~ميل منهم طلع عليهم رجل يحمل راية بيضاء وسلم إلى الكولونيل خطابا من الجنرال ~~جوبير مكتوبا فيه: # لم يأتنا إلى الآن رد إعلاننا الذي أرسلناه للسير لانيون، ولم نعلم ~~إذا كانت طلباتنا رفضت أو وقعت موقع القبول؛ ولذلك فإننا نحذركم من ~~التقدم إلى الأمام أو القيام بأية حركة، بل يجب أن تقفوا في مكانكم حتى ~~نعلم النتيجة، وإذا خالفتم نوقفكم بالقوة ولا نبالي. # الإمضاء # جوبير # فلما قرأ الكولونيل هذا الخطاب هاله ذلك التهديد، فكتب كتابا مختصرا وسلمه ~~للرسول قال فيه: # إني أمرت بالتوجه إلى بريتوريا وإليها يجب أن أذهب. # الإمضاء # أنستروتر # ولما علم البوير بما حواه مكتوبه ابتدءوا بإطلاق الرصاص، فقابلهم الإنكليز ~~بالمثل، واستمر القتال خمس عشرة دقيقة، أصيب في أثنائها الكولونيل بجروح، ولكنه ما ~~انفصل عن موضع القتال، بل كان يدير حركات جنوده ثابتا ويشجعهم، وكانت ضباط هذه ~~الأورطة تسعة، قتل منهم سبعة وهرب الثامن وهو الكابتن إليوت، وجرح التاسع جرحا ~~طفيفا، وبلغ عدد القتلى 56 والجرحى 81 رجلا، فضعفت قوة الكولونيل، ولم يعد ~~يستطيع على الثبات، فسلم ووقع أسيرا مع من بقي من جنوده في أيدي البوير، ~~وكانت خسارة البوير لا تذكر. وبعد هذه الواقعة كتب زعماء الثورة إعلانا ووزعوه ~~على جميع البوير مكتوبا فيه: أيها الإخوان، ارفعوا جميعا أكف الحمد للخالق ~~العظيم على ما أولانا من الفوز على أعدائنا بهمة الجنرال جوبير قائدنا ms55 العام ~~ورجاله، ولنسجد للقادر على كل شيء، الذي منحنا هذه القوة التي بها تغلبنا على ~~الإنكليز وهزمناهم شر هزيمة. # واقعة لنجزنك # وفي 24 ديسمبر سنة 1880 وزع البوير إعلانا يتهمون به السير لانيون بأنه أمر ~~بقتل النساء والأطفال، وبتجنيد العبيد لمحاربتهم ، وكانت هذه الإشاعة عارية عن ~~الصحة، وإنما كان القصد منها زيادة الهياج، فشرع البوير يعتدون على العبيد، ~~ويأخذون مواشيهم؛ وذلك لحقدهم عليهم، حيث رفضوا مساعدتهم، وفي يناير سنة 1881 ~~قبضوا على ثلاثة من العبيد كانوا حاملين رسائل للإنكليز، وبعدما استولوا على ما ~~معهم أعدموهم رميا بالرصاص، فهاجت جميع القبائل وأرسلت الرسائل لإنكلترا، يقولون ~~فيها إنهم مستعدون لمساعدة جنودها في مقاتلة البوير، فرفضت إنكلترا ذلك وأمرتهم ~~بأن يلتزموا الحياد، وفي أثناء هذه الحوادث أخذت نساء الإنكليز في المهاجرة من ~~بريتوريا إلى نيوكاسل، فأرسلت البوير قوة عظيمة وقفت في مضيق لنجزنك القريب من ~~نيوكاسل، وفي 10 يناير سنة 1881 قام السير جورج كولي ومعه ألفان من الجند قاصدا ~~نيوكاسل، ولما وصل إليها مكث فيها بضعة أيام لينظر في استحكاماتها ويتفقد حصونها، ~~وكان القاطنون بها من الإنكليز في غاية الرعب والخوف، وفي 24 منه قام السير جورج ~~كولي من المدينة المذكورة قاصدا مهاجمة مضيق لنجزنك، وفي 27 منه وصل إلى نقطة ~~اسمها «هاتلي»، فرأى بها جنود البوير واقفين له بالمرصاد في المضيق، وفي منتصف ~~الساعة السادسة من صباح الثامن والعشرين أمر السير كولي جنوده بالزحف حتى صار بين ~~الجيشين ألف وخمسمائة متر، ثم أمرهم بإطلاق المدافع، وظلوا كذلك ساعتين فلم ~~يجبهم البوير، فتقدم الإنكليز إلى الأمام حتى صار البعد بين الفريقين ~~ثلاثمائة متر تقريبا، فبادرهم البوير بالرصاص وأصابوا من الإنكليز 17 بين قتيل ~~وجريح، وحينئذ أمر السير كولي قومه بالهجوم، فقابلهم البوير بنار حامية دامت ~~خمسا وأربعين دقيقة كان الإنكليز في أثنائها يحاولون اختراق الصفوف ليعبروا من ~~المضيق، فلما أخفقوا تقهقروا بعد أن قتل منهم سبعة ضباط، وجرح اثنان، وبلغت ~~القتلى والجرحى 195، وقد اعتذر السير كولي لنظارة الحربية عما فرط منه بدعوى ms56 أنه ~~كان يقصد الوصول إلى بريتوريا لإنقاذ السير لانيون ومن معه من الإنكليز. # واقعة إيجونجو # وبعد الحادثة السالف ذكرها قامت حملة من إنكلترا بقيادة الجنرال وود، فلم ينتظر ~~الجنرال كولي هذا المدد، بل أخذ خمس أورطات ومدفعين وعبر بهم نهر إيجونجو في مساء ~~6 فبراير سنة 1881، فشعر بهم البوير وقابلوهم بالرصاص، ودام القتال بينهما من ~~الساعة السادسة صباحا إلى الساعة الثالثة بعد الظهر، ثم استراحوا ساعتين واستأنفوا ~~القتال، وكانت الأمطار تتساقط مع الرصاص، وقصف الرعد يدوي مع فرقعة القنابل، حتى ~~خيم الظلام وحال بين المتحاربين، فكفا عن القتال وأحصى الجنرال كولي عدد ~~القتلى والجرحى من جنوده فكانوا 150، فعاد بالباقين تحت جنح الظلام إلى نيوكاسل، ~~وقاسوا في عبور النهر مشقة وتعبا شديدين، وغرق أكثرهم فيه لشدة فيضانه ~~بالأمطار الغزيرة التي تساقطت بعد الظهر. # وفي 11 فبراير سنة 1881 رجع البوير إلى مستعمرة الناتال لمقابلة المدد الآتي ~~بقيادة الجنرال وود ومقاتلته قبل أن يجتاز بلادهم، ومن 11 فبراير إلى 18 منه كان ~~القسم الشمالي من مستعمرة الناتال في أيدي البوير، فنسفوا السكك الحديدة وقطعوا ~~الأسلاك البرقية، وكانوا ينهبون ويقتلون كل من يصادفهم في الطريق من الإنكليز، ~~وحجزوا قطارا مشحونا بالبضائع ونهبوا ما فيه ثم أحرقوه. أما سكان نيوكاسل ~~الإنكليز، فكانوا يخشون هجوم البوير عليهم؛ ولذلك كانوا متأهبين للقتال، حتى إن ~~الرجل منهم كان ينام وسلاحه تحت الوسادة، وخيولهم دائما مسرجة، واستأجروا رجالا ~~من العبيد لمساعدتهم في حراسة المدينة، ومع كل هذه الاحتياطات كان أكثرهم يريد ~~التسليم، وبينما هم يضربون أخماسا لأسداس إذا وجدوا أن البوير غيروا خطتهم، ~~ورجعوا إلى مضيق لنجزنك. وفي مساء 14 فبراير وصلت الحملة الإنكليزية بقيادة الجنرال ~~وود إلى نيوكاسل، فقابلها أهلها بهتاف السرور والابتهاج، ورفعت عن كواهلهم ~~أثقال الخوف والرعب بعد أن أعيتهم زمنا طويلا. # واقعة ماجوبا # وفي 23 فبراير 1881 أرسل البوير إلى السير كولي يقولون: «إننا لا نبغي قتالكم ~~طمعا في امتلاك شبر واحد من أراضيكم، وإنما غايتنا المقصودة وضالتنا المنشودة أن ~~نمنح الاستقلال الذي لا ms57 نستطيع الحياة بدونه.» فرد عليهم السير كولي بأن يلقوا ~~أولا سلاحهم في ظرف 48 ساعة، وبعد ذلك تشكل لجنة للنظر في طلبهم، فتأخر ~~وصول هذا الجواب إليهم، فأخذوا يستعدون للقتال، فظن السير كولي أنهم لا يسلمون ~~بالشروط التي افترضها عليهم، فأصدر أمرا سريا لست أورطات بالاستعداد للمسير، ولم ~~يطلع أحدا على الخطة التي رسمها لإخفائها عن جواسيس البوير. وقاموا في الساعة ~~الرابعة بعد الظهر من يوم 26 فبراير وظلوا سائرين طول تلك الليلة في ظلام دامس، ~~وكانت الطريق وعرة والمسالك كثيرة الهضاب، فبلغوا تل ماجوبا في الساعة الثالثة ~~صباحا من يوم 27 فبراير، فأرادوا الهجوم على البوير وهم في غفلتهم، وكانت المسافة ~~بينهما ألفي ياردة، فترك بعضا من الجند لحفظ خط الرجعة، وجعل البعض الآخر في ~~أعلى التل، وتقدم مع 350 جنديا إلى الأمام، فنظرهم البوير وهجموا عليهم هجمة ~~الأسود، حتى أحوجوهم أن يحاربوا بالسلاح الأبيض. أصيب في أثناء ذلك السير كولي ~~برصاصة في رأسه كانت القاضية، فتبددت عساكره بموته وولوا الأدبار من وجه ~~البوير، تاركين قتلاهم على التل وكثيرا من جرحاهم الذين لم تعتن البوير ~~بأمرهم، وكان أنينهم يتصاعد مع الهواء، وقد بلغت خسارة الإنكليز في هذه الموقعة 21 ~~ضابطا، و260 جنديا بين قتيل وجريح. # | طلب الصلح # وفي 2 مارس سنة 1881 طلبت إنكلترا هدنة ثمانية أيام، وكان في نيتها استئناف القتال؛ ~~ولذلك أمرت الماجور جنرال روبرتس بالاستعداد لقيادة خمسة عشر ألف مقاتل والذهاب بهم إلى ~~جنوب أفريقيا، فلما علم بذلك البوير خافوا العاقبة؛ لعلمهم أنهم ليس في إمكانهم ~~الوقوف أمام هذه الحملة، فأسرعوا بطلب الصلح، ووسطوا المستر برند رئيس جمهورية أورنج، ~~وأرسلوا إلى السير وود يطلبون منه تشكيل لجنة من البوير والإنكليز للبحث في الطلبات ~~المرضية للطرفين، فأرسل السير وود إلى المستر غلادستون بذلك، وأعرب عن رغبته في إجابة ~~طلباتهم، فسعى هذا الأخير لدى حكومته ليقنعها بقبول الصلح، ومنح البوير الاستقلال، ~~فنجحت مساعيه، وأوقفت الحملة التي كانت على نية المسير. وفي 5 مارس 1881 أرسل المستر ~~غلادستون إلى ms58 الجنرال وود يقول له بأن جلالة الملكة قبلت تشكيل لجنة للبحث في طلبات ~~البوير، وأنها أمرت السير هركيل روبنصن حاكم مستعمرة الكاب والسير هنري دي فيليه والسير ~~وود بعقد معاهدة الصلح، فاجتمع هؤلاء الثلاثة مع قواد البوير كروجر وجوبير وبريتوريوس ~~وعملت المعاهدة في 3 أغسطس 1881، وهاك أهم بنودها: # أولا: # منح جمهورية الترنسفال استقلالا إداريا تحت سيادة بريطانيا ~~العظمى. # ثانيا: # تعيين مندوب إنكليزي في بريتوريا لحماية الإنكليز القاطنين في أنحاء ~~البلاد. # ثالثا: # منح حرية الأديان. # رابعا: # منع تجارة الرقيق منعا كليا. # خامسا: # معاملة الأجانب معاملة الوطنيين مع التخويل لهم حق الانتخاب في ~~مجالس الحكومة. # سادسا: # قضايا الأجانب وقضايا العبيد الكبرى تحل بواسطة المندوب ~~الإنكليزي. # سابعا: # للمندوب الإنكليزي الحق أن ينظر في القوانين والأوامر التي تسنها ~~الحكومة والاعتراض عليها، إن لم تكن موافقة. # ثامنا: # للمندوب المذكور الحق في مخابرة دولته واستدعاء الجنود ~~الإنكليزية إذا أوجب الحال. # وأمضى هذه المعاهدة مندوبو البوير والإنكليز في نفس الموضع الذي عقدت فيه معاهدة ~~الانضمام بيد السير شيبستون، ثم عرضت على مجلس الفولسكراد، فأقر على عدم قبولها ~~وطلب تحوير بعض بنود، منها البند القائل بأن علاقات الأجانب وقضايا العبيد الكبرى ~~تحل بواسطة مندوب إنكلترا، بل طلب أن يكون معه عضو آخر من البوير برئاسة رئيس ~~الجمهورية، ثم اعترض على تخويل المندوب الإنكليزي حق الاعتراض على ما تقرره الحكومة ~~من القوانين والأوامر، وأرسلوا بذلك تقريرا إلى المندوب الإنكليزي ليعرضه على حكومته، ~~فأرسله في الحال إلى لندرا، فأجاب اللورد كمبرلي بقوله إنه تقرر عدم تغيير بند من ~~بنود المعاهدة، ولكن إذا قام الفولسكراد بإنفاذ هذه الشروط ورأت إنكلترا ما يؤهله ~~الاستقلال التام، فلا تضن عليه به. ولما أبلغ هذا الجواب إلى أعضاء الفولسكراد ~~أصروا على الرفض، ولولا طالع سعد البوير لكادت الحرب تعود بينهما، وإنما جاء في ذلك ~~الحين تعيين اللورد بيكونسفيلد ناظرا للمستعمرات، فأجاب طلبهم، وتحورت المعاهدة بما ~~يلائم رغبتهم، وكان ذلك في أكتوبر سنة 1881. ولما انتشر ذلك الخبر بين البوير أخذوا ~~جميعا يلهجون بالدعاء لجلالة الملكة واللورد ms59 بيكونسفيلد، والسير وود، الذي كان أعظم ~~مساعد لهم على نيل مطالبهم، وحاولوا أن يحرقوا رسم المستر غلادستون؛ لأنه لم يف ~~بوعده لهم، وبقدر سرور البوير باستقلالهم كان حزن رعايا إنكلترا؛ ولذلك غادروا البلاد ~~أفواجا وأكثرهم من الأغنياء والتجار، فبخست أثمان الأطيان وانحطت التجارة. # أما المستر كروجر فلم يجن أثمار أتعابه إلا في يناير سنة 1882، حينما انتهت مدة ~~انتخاب الرئيس برجر فانتخبوه رئيسا للجمهورية بدلا عنه، وبذلك نال أمنيته التي طالما ~~علل بها النفس، وكان يوم انتخابه عظيما جدا، فتواردت عليه التهاني من كل فج، ~~وعندما تولى الرئاسة لم يقنع بالاستقلال، بل وجه نظره لطرد الإنكليز من مستعمرات ~~جنوب أفريقيا، وضمها إلى جمهوريته، فتوجه مع المستر تويت وسميث إلى لندرا في سبتمبر ~~سنة 1883 وتقابلوا مع اللورد دربي الذي كان ناظرا للمستعمرات في ذاك الوقت، وطلبوا منه ~~تحوير معاهدة سنة 1881، وأنهم لم يقبلوها في بادئ الأمر إلا رغبة في السلم، فطرح ~~أمرهم على البرلمان الإنكليزي، فقرر إجابة سؤلهم وغير بعض بنود منها ببنود ~~جديدة، منها تسمية حكومة الترنسفال جمهورية أفريقيا الجنوبية، ومنها عدم تخويل ~~الجمهورية عقد معاهدة مع أي دولة خلاف جمهورية أورنج، ومنها إلغاء سيادة إنكلترا على ~~الجمهورية، وكان ذلك جل ما يتمناه الرئيس كروجر ليكون مطلق الحرية، وبعد أن نال ~~مشتهاه زار بعض العواصم الأوروبية، فقوبل بمزيد الحفاوة والإكرام، وعاد إلى بلاده ~~ظافرا مسرورا. # | شركة أفريقيا الجنوبية الإنكليزية (الشار ترد) # وفي سنة 1889 اتحد الدوق أبركورن، والدوق فيف صهر البرنس دي غال، واللورد جغورد، ~~والمستر سسل جون رودس، والمستر ألفريد بيت، والمستر جورج جراي، والمستر جورج كاوستون؛ ~~على تأسيس شركة في جنوب أفريقيا تسمى بشركة أفريقيا الجنوبية، مركز إدارتها في لندن ~~وأشغالها تمتد ما بين البشوانالند وأملاك البرتغال جنوبا، والغرض منها نشر لواء ~~التمدن على سكان هذه الجهات، وتوسيع نطاق التجارة ومنع تجارة الرقيق، وعقد المعاهدات ~~مع رؤساء القبائل لضمانة راحة جميع الأجانب، وطلبوا من جلالة الملكة التصريح لهم بذلك، ~~فصرحت لهم على شروط أهمها أن رؤساء الشركة يكونون ms60 من الإنكليز، وأن معتمد الحكومة ~~الإنكليزية يكون صاحب الحكم فيما يقع من الخلاف بين الشركة والقبائل، وأن تضمن ~~السلم واستتباب الأمن في الجهات التي تحل فيها، وأن تتعهد بمنع تجارة الرقيق ~~وببيع جميع أصناف المسكرات إلى العبيد، وأن تحترم جميع الديانات والمذاهب على اختلاف ~~أجناسها، وليس لها الحق في إعطاء أي احتكار تجاري لأحد، وأن تقدم حسابا سنويا ~~لمعتمد إنكلترا يتضمن إيراداتها ومصروفاتها. وبعد ذلك أخذت الشركة في العمل تحت رئاسة ~~الدوق فيف وأصدرت مليون سهم، وجعلت ثمن السهم جنيها إنكليزيا، ولما اجتمع لديها ثمن ~~الأسهم المذكورة صارت تشتري المراكب وتنشئ البنوك المالية، وتمد السكك الحديدية، ~~فمدت أولا خطا حديديا من مدينة الرأس إلى كمبرلي، وخطا آخر إلى مفكنج ~~موازيا حدود الترنسفال، وعملت طريقا يسمى سيلوس وطوله 343 كيلومترا، وأنشأت ~~مكاتب للبوستة والتلغراف، ونظمت جندا للبوليس، وألفت لجنة للنظر في الأعمال ~~التجارية والزراعية وغير ذلك. # وفي أوائل سنة 1890 أراد البوير أن يضموا إلى أملاكهم أراضي المتابيلان الواقعة شمال ~~بلاد الترنسفال، وأرسلوا حملة لهذا الغرض، فبينما هي سائرة وإذا بجنود الشركة قد ~~قابلتها بقيادة الماجور ألن عند نهر تولي فأوقفتها عن المسير، وردتها من حيث أتت، ثم ~~ذهب المستر سسل رودس وبعض من الجند، وقد ألبسهم ملابس الخدم حتى لا ينزعج منهم ~~لوبنجولا ملك قبيلة المتابيلان، وقدم إليه ما كان يحمله من الهدايا، فقبلها منه، ثم ~~عرفه المستر سسل أن بلاده في خطر من مهاجمة البوير، وأنهم كانوا قاصدين قتاله، لولا ~~أنه صدهم وردهم إلى بلادهم، وعرض عليه قبول حماية جلالة الملكة، فأجاب بالقبول. ومن ~~هذه السنة صارت المتابيلان خاضعة لسيادة إنكلترا، فأنشئوا فيها البوستة والتلغراف ~~وأخذوا في تنظيمها، ثم بحثوا في أراضيها، فوجدوا فيها مناجم الذهب، فأرادوا أن ~~يستنبطوه، ولكنهم خافوا من عدم رضاء الملك لوبنجولا، فقدموا له هدية أخرى وهي ألف ~~بندقية وكمية عظيمة من الخرطوش، وسفينة تحمل مدفعا لكي يتنزه بها في نهر الزنبيز، ~~وربطوا له مرتبا شهريا ألفين وخمسمائة فرنك، ثم سألوه أن يعقد معهم معاهدة ms61 لأجل ~~استخراج الذهب، فأجابهم إلى ذلك. فأخذت رجال الشركة تنشئ المعامل اللازمة، وكانت على ~~تمام الوئام والوفاق مع رجال الماتبيلان، لا يمانعهم ممانع ولا يعارضهم أحد. وفي سنة ~~1893 دخل شيطان الشقاق في قلوب رجال قبيلة الماتبيلان، فمنعوا الإنكليز من استخراج ~~الذهب، وصاروا يلحون على ملكهم أن يطرهم من بلاده، وما اقتصروا على ذلك، بل ~~مدوا أيديهم إلى البوستة، ونهبوها مرارا عديدة، وكان الإنكليز في كل مرة يطلبون من ~~لوبنجولا معاقبة الجانين وإيقافهم عند حدهم، فلم يجب لهم طلبا. ولما فرغت جعبة ~~اصطبار المستر سسل قبض على المجرمين وأودعهم السجن، فطلب منه لوبنجولا أن يطلق سراحهم ~~فأجاب: «إنني طالما طلبت منك أن تعاقبهم بنفسك فأبيت؛ ولذلك اضطررت لأن أسجنهم عقابا ~~لهم.» فلم يرعو لوبنجولا من كلامه، بل ألح بطلبه، فأبى أن يسلمهم إليه، وخابر ~~حكومته في أمرهم، وطلب منها التصريح له بقتال المتابيلان فصرحت بذلك. # وكان سروره لذلك لا يوصف حتى جعل مصاريف الحملة من ماله الخاص، فجهز ستمائة ~~مقاتل تحت قيادة الدكتور جمسون وأمرهم بالهجوم على المتابيلان، فانتشب القتال ~~بينهما، ثم انجلى عن قتل الملك لوبنجولا وتبديد رجاله أيدي سبأ، وكانت خسارة الإنكليز ~~245 نفسا، ما بين قتيل وجريح، وبلغت مصاريف هذه الحملة ثلاثة ملايين من الفرنكات ~~أنفقها المستر سسل رودس وهو يكاد أن يطير فرحا لنجاح أعماله التي قدرتها حكومته ~~حق قدرها، فسمت هذه البلاد ولاية رودسيا تذكارا حسنا لتخليد اسمه، ومن هذه ~~السنة عظمت شهرته وصار يعد من رجال إنكلترا الأكفاء، المشهود لهم بإجادة العمل، ~~وسداد الرأي، وعلو الهمة، ثم تعين رئيسا لوزارة حكومة الكاب. # | مشروع المستر سسل رودس # ولما نجح المستر سسل في المتابيلان حدثته نفسه بعمل أعظم، وهو اتحاد الترنسفال ~~والأورنج والناتال بمستعمرة الكاب، حتى تصير مملكة واسعة الأرجاء، تلقب بممالك ~~أفريقيا الجنوبية المتحدة، ويتلو ذلك إنشاء سكة حديد تخترق أفريقيا من مدينة الرأس إلى ~~مدينة الإسكندرية، فلما اطلع مواطنوه على مشروعاته هذه وغايتها، لقبوه ب «نابليون ~~أفريقيا»، وقد ساعده على الاهتمام بها ما كان ms62 من الارتباك ما بين جمهورية أفريقيا ~~الجنوبية وقبيلتي السوازيس والمجازوتس، وكانت إنكلترا ترغب كثيرا في دوام استقلال ~~القبيلة الأولى، وجعلها بمعزل عن سيادة جمهورية أفريقيا الجنوبية؛ ولذلك عقدت معاهدة ~~في سنة 1884 مع جمهورية الترنسفال تمنع فيها نفوذ هذه الجمهورية من الجهة الشمالية من ~~نهر ليمبوبو؛ لكيلا يمس استقلالها، فما راعى البوير هذ المعاهدة وحاولوا نكثها. ~~فأنفذت إنكلترا من قبلها السير فرنسيس دي ونتون إلى بلاد السوازيلان؛ ليقف على حقيقة ~~الأمر، فاقترح على حكومته أن تجعلها تحت سيادتها أو تكلف شركة أفريقيا الجنوبية ~~بملاحظتها، فرفضت إنكلترا اقتراحه، وأرسلت إلى الرئيس كروجر تحذره من إتيان أي عمل ~~كان خارقا للمعاهدة، ثم استترت هذه المسألة بحجاب السكوت إلى سنة 1890، فعادت ~~الجمهورية إلى السعي للاستيلاء عليها، فوقفت إنكلترا في السبيل، وقد اشتد الخلاف ~~بينهما حتى أصبحت الحرب على قاب قوسين أو أدنى، ولكن جلالة الملكة حبا في نشر لواء ~~السلام وحقن الدماء أرسلت السير هوفمير إلى الرئيس كروجر، فاتفق معه على حالة ترضي ~~الطرفين. # وفي سنة 1893 عاد البوير إلى غايتهم الأولى، فلما ملت إنكلترا من هذه المسألة سمحت ~~للجمهورية بأن تجعل بلاد السوازيس تحت سيادتها من غير أن تضمها إلى أملاكها، مع ~~مراعاة حفظ حقوق إنكلترا فيها، وتعين لهذا الصدد مندوب إنكليزي، وعقد بذلك معاهدة ~~في 14 فبراير سنة 1894، ثم ربطت الجمهورية ضرائب على هذه القبيلة، فما قبلت بها وقامت ~~ضدها، وكان ملك تلك القبيلة المسمى إيليني قد رأى من أحد أعضاء مجلسه ميلا إلى ~~البوير، فقتله، فاعترضت عليه الجمهورية، وأرسلت تطلبه للمحاكمة، فرفض إجابة الطلب، ~~وقتل خمسة آخرين من الأعضاء الذين حثوه على إجابة طلبها، فاشتد حنق الرئيس كروجر ~~وأصر على استحضاره بالقوة إلى بريتوريا لمحاكمته، وأرسل إليه مندوبين يأمرانه ~~بالحضور، فأبى مقابلتهما، فأمر حينئذ الرئيس كروجر بإرسال حملة بقيادة الجنرال جوبير، ~~وبعد قتال عظيم دخل البوير عاصمة الزولس، فهرب الملك إيليني من وجههم، واختبأ مع ثمانية ~~من عائلته، وبعض من رجاله في الزولولند، بالقرب من بحيرة القديسة لويسة تحت حماية ms63 ~~المندوب الإنكليزي، فجمع الجنرال جوبير 180 رجلا من كبراء القبيلة، وأمرهم أن ينتخبوا ~~لهم ملكا بدلا عن الأول، فوقع اختيارهم على والدة إيليني، فولاها عليهم، وعاد إلى ~~بريتوريا بعدما ترك نحو مائة جندي للمحافظة على الأمن، ثم أرسلت الجمهورية لإنكلترا ~~تطلب منها تسليم إيليني لمحاكمته، فأجابت طلبها تحت شرط أن يحضر مندوب إنكليزي معهم ~~في المحاكمة، فعينت إنكلترا المستر هنري لسوك، وتم الحكم على إيليني بالنفي من ~~بلاده. # وفي بحر هذه السنة؛ أي سنة 1894، كان ملك المجازوتس المدعو مبغو شق عصا الطاعة على ~~حكومة الترنسفال ورفض دفع الضريبة المربوطة عليه، وثارت جميع رجاله على جميع البيض ~~القاطنين ببلاده، وحرقوا أحد المرسلين حيا، فجردت عليهم الجمهورية حملة في 13 ~~أكتوبر بقيادة الجنرال جوبير، فدمرتهم، وفازت بالنصر، وولى مبغو هاربا على شواطئ ~~نهر ليبومبو هو ومن معه، وبعد مدة وجيزة عاد من معه إلى بلادهم وقدموا الطاعة ~~للجمهورية، فلما علم بذلك مبغو حاول أن ينتحر ففاجئته رجال بوليس ولاية رودسيا، ~~وقبضوا عليه وسلموه للجمهورية وولت آخر بدله. # أما حالة الترنسفال في ذاك الوقت فكانت على غير ما يرام؛ لأن قانون العسكرية كان يقضي ~~على الوتلندر القاطنين هناك بالانتظام في سلك الجيش الترنسفالي، فأبى خمسة منهم ~~الالتحاق بالحملة التي أرسلتها الجمهورية لإخضاع مبغو، فألقت القبض عليهم وسجنتهم، ~~ولما علمت حكومة إنكلترا بهذا الأمر، كلفت المستر هنري لوك بأن ينظر في أمرهم، وفي ~~أثناء ذلك كان الهياج شديدا في جوهانسبرج، وخصوصا الإنكليز بعد أن سجن إخوانهم، ~~وكان في هذه المدينة جمعية إنكليزية تسمى جمعية الإصلاح تابعة لشركة أفريقيا ~~الجنوبية، فأرسلت إلى المستر هنري لوك في بريتوريا تطلب منه التوسط والنظر في أمرهم، ~~فلبى دعوتهم، فعلم بذلك رئيس نظارة المعادن في جوهانسبرج المسمى ليونيل فيليبس، فكتب ~~إلى حكومته كتابا يدعي فيه بأن المستر هنري لوك لم يحضر إلا ليختبر حالة مدينة ~~جوهانسبرج والقوة الحربية التي فيها، وليقف على ما عندنا من المئونة والذخيرة؛ فكان ~~لكتابه هذا دوي عظيم في بلاد الترنسفال، فأرسل الرئيس كروجر إلى ms64 المستر لوك إفادة ~~بتاريخ 26 يونيو سنة 1894 يقول فيها: «إني أرجوكم عدم زيارة جوهانسبرج؛ إيقافا للفتنة ~~وإبطالا للهياج الذي أتأكد تعاظمه عند حضوركم، ولكيلا أتحمل مسئولية ذلك أرسلت ~~إليك إفادتي هذه لترفض طلب الوفد الآتي إليك فأصبح ممنونا لكم، وفضلا عن ذلك فإنكم ~~تكونون قد فعلتم ما يديم الوفاق والوئام والمحبة الدولية بيننا.» # فلما علم السير هنري بما نسب إليه، تعجب كثيرا وكتب إلى الرئيس كروجر يقول: ~~«إني أؤكد لكم موافقتي لأفكاركم وقبول ما أبديتموه بإفادتكم، ودليلي على ذلك رفض طلب ~~من دعاني للذهاب إلى جوهانسبرج، وإنما أقول بأنه ظهر لي بأن هذا الهياج هو نتيجة ~~اهتضام حقوق الوتلندر، وحيث أعهد فيكم الميل إلى السلم والابتعاد عن الظلم، فأطلب ~~تلافي هذا الأمر قبل استفحاله باتخاذ التدابير اللازمة، وحكمتكم المشهورة كفء لمثل ~~هذا العمل، ويسرني كثيرا ألا أرى أثرا لهذا الهياج بعد قليل من الزمن.» # فإجابة لهذا الطلب أطلق الرئيس كروجر سراح الخمسة الإنكليز المسجونين، ولكن أصر ~~على عدم تغيير قانون العسكرية، فلما علمت بذلك جمعية الإصلاح عمدت إلى القوة، فأخذت في ~~استحضار الأسلحة والذخائر من أوروبا بطرق سرية، وكان ذلك بمعرفة شركة أفريقيا الجنوبية، ~~وفي سنة 1895 جمعت هذه الشركة كل قوتها في نقطة اسمها بيليواجوا وأعطت قيادتها ~~للكولونيل هوايت، والقيادة العامة للدكتور جمسون، وفي 18 أكتوبر من هذه السنة طلبت ~~الشركة من إنكلترا أن تسمح لها بجعل جنود البوليس المقيمة في جهة باشوانالند تابعة ~~لإدارتها، فصرحت لها بذلك، وفي 29 منه صدرت الأوامر من المستر سسل إلى الكولونيل ~~هوايت أن يقوم مع رجاله إلى مفكنج فصدع بالأمر، وكانت المسافة بين بيليواجوا ومفكنج 890 ~~كيلومترا تقريبا، فقطعوها في مدة ثلاثين يوما، وعسكروا في نقطة تسمى بيتسلاني ~~بيتسلاجو، وأنشئوا مخازن في طريقهم لوضع الذخيرة، وأول مخزن كان بقرب منجم ملماني. وفي ~~26 ديسمبر ابتدأ الهياج في جوهانسبرج، وقفلت الحوانيت وأخذت النساء والأطفال بالمهاجرة ~~إلى مستعمرات إنكلترا وأغلبهم من الإنكليز، وأوقفت حركة الأشغال بالكلية، واستقال ~~المستر سسل من منصبه في مستعمرة ms65 الرأس، وأرسل في صباح يوم 30 ديسمبر سنة 1895 أربع ~~أورطات لمقابلة الدكتور جمسون ومن معه، فتقابلوا في مساء اليوم المذكور بالقرب من ~~ملماني، وبعدما استراحوا في هذه النقطة ساروا منها حتى وصلوا إلى شواطئ نهر إيلندس، وفي ~~31 ديسمبر قبل الغروب بساعة تقابلوا بالكولونيل هوايت ومعه بعض الجند فظلوا سائرين معا ~~حتى قطعوا 130 كيلومترا في 21 ساعة. # وفي صباح أول يناير الساعة الخامسة مساء، بينما هم سائرون في الطريق إذا أتت رسالة ~~للدكتور جمسون من مندوب إنكلترا في بريتوريا يوقفه عن المسير باسم الحكومة ~~الإنكليزية، ويأمره بالعود من حيث أتى، فأرسل ردا على هذه الإفادة يقول: «إنه ليس ~~في إمكاني العودة لكثرة ما معي من الرجال، ولعدم وجود معي مئونة كافية، فأنا مضطر بأن ~~أتقدم حتى أصل إلى كروجر سدورب أو جوهانسبرج، على أنه لم يحدث مني شيء يمس بفرد من ~~السكان على اختلاف أجناسها.» ثم أخذ في مواصلة السير إلى الظهر، فوصل إلى نقطة تبعد 29 ~~كيلومترا عن كروجر سدورب من الشمال الشرقي، فأتى رسول من جوهانسبرج حاملا كتابين من ~~سسل رودس إلى جمسون؛ أولهما يحذره فيه من البوير؛ لأنهم مختبئون له في بعض المناجم ~~المهجورة التي في طريقه، وثانيهما يقول فيه: # عزيزي جمسون # لا صحة لما سمعته عن حدوث مذبحة في المدينة حتى اضطررت لتنجدنا، ولكن لا ~~تخلو المدينة من الهياج، ونتمنى أن نراك عن قريب، وسأرسل لمقابلتكم ثلاثمائة ~~رجل يلاقونكم بالقرب من كروجر سدورب. # أما البوير فما خفيت عليهم تلك الاستعدادات، ولكنهم تجاهلوها وأخذوا بالاستعداد ~~سرا، وفي 30 ديسمبر طلب الرئيس كروجر من جمعية الإصلاح تشكيل لجنة للاتحاد مع لجنة ~~أخرى من البوير للبحث في طلبات الوتلندر، فقبلت الجمعية ذلك، ولما عرضت الوتلندر ~~طلباتها أبت البوير قبولها، وقالت بأن البلاد بلادهم يفعلون فيها كيف شاءوا، وفي ~~الحال حمل البوير سلاحهم حتى شيوخهم وتطوع لهم ما ينوف عن 200 رجل بين ألمانيين ~~وهولنديين وقدموا أنفسهم للمحافظة على بريتوريا وضواحيها من هجمات الإنكليز. وفي أول ~~يناير سنة ms66 1896 عند بزوغ الشمس سار 1250 رجلا من البوير بقيادة الجنرال كرونجي إلى ~~كروجر سدورب، وقرب الظهر وصل جمسون إلى نقطة قريبة، فأرسل يطلب منهم الإذن بالمرور ~~إلى جوهانسبرج فأبوا، فأمر رجاله بالهجوم والمرور قهرا عنهم، فأصلتهم البوير ~~نارا حامية أحوجتهم إلى التقهقر، وبعد هنيهة أراد جمسون أن يعيد الكرة فكانت ~~الضربة الثانية شرا من الأولى، فصف جنوده بشكل مربع، وجعل الذخيرة والأدوات ~~الحربية بداخلها، وأصر على المقاومة إلى أن تأتي له النجدة التي كان وعده رودس بها، ~~فخابت آماله وتأخرت عنه إلى أن هجمت عليه البوير صبيحة اليوم الثاني من يناير. وكان ~~أمل البوير تبديدهم قبل وصول المدد إليهم، ولكن لم ينجحوا، فانتهز جمسون الفرصة ~~واخترق صفوفهم، وعبر من كروجر سدورب، وبعدما مشي قليلا قابلته فرقة أخرى من البوير ~~بالقرب من جبال درونكوب، فأوقفته وانتشب القتال بينهما، فانجلى عن خسارة جمسون 167 ~~رجلا ما بين قتيل وجريح وأربعين أسيرا، وكان من ضمن المجروحين الميجر راليج وجراي ~~وكوفنتري والكابتن راف، ولما رأى جمسون عدم مقدرته على القتال رفع الراية البيضاء، فوقف ~~القتال وأرسل رسولا إلى الجنرال كرونجي يخبره أنه يريد التسليم، فرد عليه بقوله: ~~«إنا نقبل تسليمك على شرط أن تتعهد بدفع غرامة حربية، وتسلم لنا أسلحتكم، وها ~~نحن منتظرون الرد في مدة لا تتجاوز ثلاثين دقيقة.» فقبل جمسون هذا الشرط لاضطراره، ~~وماتت آماله هو ورودس ودفنت مأسوفا عليها، أما المدد الذي وعد به رودس لمقابلة جمسون ~~فإنه لما قام من جوهانسبرج بقيادة بتنجتون علم في أثناء سيره بانهزام جمسون ووقوعه ~~أسيرا، فرجع إلى المدينة وأخبر بما علم، فكذب المسيو ليونار هذا الخبر تسكينا ~~للهياج ومنعا للاضطراب. # وفي مساء 3 يناير سنة 1896 أرسل المستر شامبرلن ناظر المستعمرات تلغرافا إلى السير ~~هركول روبنصن حاكم بلاد الرأس يأمره بمخابرة الرئيس كروجر بشأن جمسون ورفاقه، فأرسل ~~إليه السير هركول يقول بأن الجمهورية قد حكمت على أربعة من الأسرى بالإعدام وهم: جمسون، ~~ويلغوبي، وهويت، وكوفنتري، وأنها لحسم الخلاف تطلب أيضا نزع السلاح عن ms67 سكان جوهانسبرج، ~~فكان لهذه الرسالة وقع مخيف في فؤاد المستر شامبرلن؛ ولذلك أرسل في الحال تلغرافا ~~إلى الرئيس كروجر يرجوه العفو عن الأسرى، وبالأخص من حكم عليهم بالإعدام، فأجابه ~~بأن «الجمهورية ليس في نيتها قتلهم، وإنما أعلنت ذلك إرهابا لأعضاء جمعية الإصلاح، أما ~~الحكم فإنه لم يتجاوز الحبس والغرامة؛ ولعلمي بأن ما أتوه من الأعمال السيئة هو ضد رغبة ~~حكومتكم، فأرسلهم لكم لتجازوهم بما يستحقونه. وأرجو أن تأمروا رعاياكم الموجودين في ~~جوهانسبرج بتسليم أسلحتهم لنا.» فشكرت إنكلترا الرئيس كروجر على ذلك، وأمرت حاكم بلاد ~~الرأس بالتوجه إلى بريتوريا ومفاوضة رئيس الجمهورية في الأعمال التي يرغبها، فتوجه ~~إليها في 6 يناير سنة 1896 وتقابل مع الرئيس، وبعد المفاوضة صدر أمر لعموم الرعايا ~~بتسليم السلاح في ميعاد 48 ساعة، وفي يومي 7 و8 يناير استلمت الجمهورية 1820 بندقية، ~~وما اقتنعت بذلك لعلمها أن عندهم أسلحة كثيرة لم يظهروها، فتشكلت لجنة وأخذت في ~~تفتيش المنازل، فخافت السكان وسلمت ما عندها، فبلغ عشرين ألف بندقية أخرى، وفي 9 منه ~~قبضت الجمهورية على أعضاء جمعية الإصلاح، وفي مقدمتهم المستر سسل رودس، وساقتهم إلى ~~بريتوريا لمحاكمتهم، وفي 10 منه سلمت الجمهورية جمسون ورفاقه إلى حاكم الكاب ليوصلهم ~~إلى دربان فأرسلهم مخفورين بالجنود، ومن هناك أبحروا إلى إنكلترا، فأحيلوا على محكمة ~~جنايات لندرا، فحكمت على جمسون بالحبس خمسة عشر شهرا وويلغوبي عشرة أشهر، وهويت تسعة ~~أشهر، وجراي وكوفتري خمسة أشهر، وعفت عن الباقين. أما حكومة بريتوريا فقد أحالت أعضاء ~~جمعية الإصلاح على محكمة الجنايات التي حكمت بإعدام المستر سسل وليونار وفرارها منود ~~وفيليبس، وحكمت على الباقين بغرامة قدرها خمسة آلاف فرنك، وبالحبس سنتين وبالنفي ~~المؤبد، فعارضت إنكلترا أيضا في هذا الحكم، وطلبت من الرئيس كروجر تخفيفه، فما ضن ~~بذلك، وأحال القضية على مجلس التنفيذ فاستبدل حكم الإعدام بالحبس خمس عشرة سنة، ~~واستبدل النفي المؤبد بالحبس ست سنوات، ثم تلطف الحكم مرة ثانية وثالثة حتى صدر آخر ~~مرة في 11 يوليو سنة 1896 بالعفو عن كل من حكم ms68 عليه بالسجن أو النفي بعد أخذ ~~التعهدات عليهم بعدم التداخل في الشئون السياسية، فقبلوا ذلك. أما الغرامة فلم تتنازل ~~عنها الجمهورية، فدفعوها بكل ارتياح. # وبعد هذا الحادث وعود السكان إلى السكينة اتحد المستر كروجر مع الدكتور ليدس وكيل ~~الجمهورية على اتخاذ الطرق اللازمة لطرد الإنكليز من مستعمرات الرأس وضمها لجمهوريتهم، ~~وأخذا يفكران فيما يمهد لهما الطريق توصلا إلى تلك الغاية. # | أسباب حرب سنة 1899 # فلما طمحت أنظار البوير إلى الاستيلاء على مستعمرات إنكلترا، أخذوا يدبرون الحيلة ~~سرا خوفا من بطش بريطانيا، فعقدوا في مارس سنة 1897 مع جمهورية أورنج معاهدة دفاعية ~~هجومية على أن يكونا معا يدا واحدة في أي عمل، سياسيا كان أو حربيا، فيقاوما أية ~~دولة أو قبيلة تريد شن الغارة على أحدهما، وشكلا مجلسا مركبا من عشرة أعضاء ~~ينتخبون من الجمهوريتين ويجتمع هذا المجلس في كل سنة مرتين: الأولى في بريتوريا، ~~والثانية في بلوم فتين ليبحث في الأعمال التجارية والسياسية، وإذا حدث حادث خطر تعقد ~~جلسات فوق العادة، فلما علمت رعايا الإنكليز بذلك خابرت حكومتها به، فكلفت هذه المستر ~~شامبرلن ناظر المستعمرات أن ينظر في ذلك الذي لم يعد بوسعه السكوت، بل جاهر ~~بأفكاره وبينها في خطاب ألقاه في البرلمان الإنكليزي في 22 أبريل سنة 1897، ذكر فيه ~~أن إنكلترا لها السيادة على الجمهورية، وعدم مخابرتها بمعاهدة أورنج خروج عن القانون ~~يحملنا على سوء الظن بها. فحملت كلماته هذه على صفحات الجرائد حتى وصلت إلى مسامع ~~الرئيس كروجر، فقال في 25 أغسطس سنة 1897 في مجلس الفولسكراد ردا على هذا الكلام: ~~«إني مطلق الحرية في بلادي، وأدير شئون حكومتي كيف شئت، فلا حق للمستر شامبرلن في أن ~~يذكر سيادة حكومته على جمهوريتنا؛ لأن هذه الكلمة كانت قبلا في معاهدة سنة 1881، ~~ومحيت من المعاهدة سنة 1884، وسكوت الحكومة الإنكليزية للآن دليل على صحة كلامي؛ ~~وعلى ذلك فلا حق لوزير المستعمرات فيما أبداه، ولا يسعنا الاعتراف به أبدا.» # وفي أوائل يناير سنة 1898 كانت مدة رئاسة المستر كروجر قد انتهت، فأعيد ms69 انتخابه ~~بأغلبية الأصوات، فأراد حينئذ تغيير نظام حكومته واستبدال قوانينها بما هو أحسن، ~~فأصدر أوامر كثيرة أهمها طرد الأجانب الذين يثبت عليهم عدم الاستقامة، وتنزيل خمسة ~~شلنات من عوائد الديناميت، والسجن من سنة إلى ست سنوات لكل من يفشي أسرار ~~الحكومة، ومثله عقابا لكل محرر جريدة ينشر كلاما ضد الجمهورية. وفي 31 مايو سنة ~~1898 اجتمع المجلس المؤلف من جمهوريتي الأورنج والترنسفال فأقر على إصلاح مدارس ~~الوتلندر، وإلزام تلامذتها بتعلم اللغة الهولندية وتاريخ جنوب أفريقيا. وفي 19 يوليو ~~أقر مجلس الفولسكراد على إلغاء عوائد الجمرك عن الدخان الوارد من بلاد الكاب. وفي 6 ~~أكتوبر أصدرت الجمهورية أمرا بإعفاء الوتلندر من الخدمة العسكرية إجابة لطلب إنكلترا ~~والتصريح ببيع المواد الكحولية للعبيد، فكان هذان الأمران داعيين لرضاء الوتلندر ~~وسرورهم ، وظنوا أن الإصلاح قد فاجأهم على حين غفلة منهم، ولم يعلموا بأن الجمهورية ~~جعلت ذلك تمهيدا لما يبعد حدوثه عن الظن؛ ففي 17 نوفمبر سنة 1898 اجتمع مجلس ~~الفولسكراد وطلب من شركات التعدين نزع ملكية الأراضي التي يستخرجون منها الذهب، وطلب ~~أيضا احتكار الديناميت، وربط ضريبة قدرها اثنان ونصف في المائة على الذهب ~~المستخرج، ثم في 2 نوفمبر من تلك السنة زاد الفولسكراد الضريبة وجعلها خمسة في ~~المائة، فاعترض أصحاب المناجم على ذلك، ولكن اعتراضاتهم ذهبت بغير فائدة. ثم أقر على ~~عدم نيل الأجنبي حق الانتخاب ما لم يكن قد قضى في بلاد الجمهورية مدة لا تقل عن ~~أربع عشرة سنة، فهاج الوتلندر وماجوا؛ لأن هذه الطلبات كانت ضد صالحهم، ودلالة على ~~تولد الشر، وأرسل الرئيس كروجر يخابر معامل أوروبا بشأن صنع تماثيل نحاس بصور ~~الرجال الذين تغلبوا على جمسون لتوضع في ساحات الشوارع تذكارا حسنا للبوير، ~~وسيئا للإنكليز. # فبعد هذه التغيرات الكثيرة لم يجد سسل رودس بابا للصبر، خصوصا وقد رأى مواطنيه في ~~ارتباك عظيم من اهتضام حقوقهم، فأرسل يطلب من حكومته أن تتداخل في هذا الأمر، فلبت ~~طلبه وأرسل المستر شامبرلن تلغرافا في 13 يناير سنة 1899 يعترض على حكومة الجمهورية ms70 ~~احتكار صناعة الديناميت، فما أجابته على هذا الاعتراض. وفي أثناء ذلك خابر ناظر ~~خارجية الترنسفال السير ألفريد ملنر حاكم مستعمرة الكاب بشأن تعيين قنصل ترنسفالي في ~~بلاد المستعمرة المذكورة، فأجابه بأن يرفع طلبه هذا إلى حكومة إنكلترا مباشرة، فما ~~ركنت الجمهورية لهذه الإجابة، بل طرحتها ظهريا وأرسلت قنصلا إلى هناك، فعارضتها ~~إنكلترا في 27 فبراير سنة 1899، فاحتجت الجمهورية عليها بأنها سبق لها تعيين قنصل ~~في جوهانسبرج بدون مخابرتها على أنها خابرت حاكم مستعمرة الكاب بهذا الصدد، فأجابها ~~إجابة ليست كافية مع اضطرارها لتعيين قنصل لها في تلك الجهات. # أما الوتلندر فكانوا في قلق شديد خوفا من إهمال إنكلترا أمرهم، وتركهم تحت تصرف ~~الجمهورية، فقدموا في 28 مارس سنة 1899 عريضة ممضاة من واحد وعشرين ألفا منهم إلى ~~السير ألفريد ملنر، تتضمن شكايتهم من اهتضام حقوقهم ، فأرسلها السير ألفريد ملنر إلى ~~جلالة الملكة، وكان الرئيس كروجر في ذاك الوقت يتجول في بلاده ليتفقد راحة أهاليها، ~~فكان يقابل بكل ترحيب وتبجيل، وفي أثناء جولاته قدمت إليه عريضة ممضاة من أربعة ~~عشر ألفا من البوير يطلبون منه أن يمنع تداخل الأجانب في شئونهم؛ لأن عددهم أصبح نحو ~~ثلثي السكان، ويخشى منهم أن يستولوا على إدارة الحكومة؛ فيخرج الحكم من أيدي البوير ~~إلى أيديهم. # وفي 3 مايو سنة 1899 تقدمت عريضة أخرى من الوتلندر إلى البرلمان الإنكليزي ~~يستغيثون فيها من البوير، ويطلبون النظر في أمرهم فورا، ولما قرئت هذه العريضة في ~~الجلسة قال المستر شامبرلن: «لا يجب علينا أن نصم آذاننا عن نداء واحد وعشرين ألف ~~رجل من رعايانا، ولا بد أن يكونوا في موقف حرج حتى جاءوا بلسان واحد يطلبون تداخل ~~حكومتهم، ويستغيثون بها من ظلم البوير ومعاملتهم.» فاتفق أعضاء البرلمان على مطالبة ~~حكومة الترنسفال بمعاملة الوتلندر بالعدل وإعطائهم حقوقهم. # فلما علم المستر ستين # 1 # رئيس جمهورية أورنج بما تقرر في البرلمان، خاف العاقبة لعلمه بأنه إذا ~~هدم استقلال الترنسفال يجعل استقلال بلاده ضربا من المحال، وأراد أن يرتق الخرق ~~قبل اتساعه، فطلب ms71 من إنكلترا أن تعين مندوبا في بلوم فنتين للمفاوضة معه ومع حكومة ~~الترنسفال في الأحوال الحاضرة، وحل المشاكل التي بينهما حلا سلميا، فلبت ~~إنكلترا الطلب، وأرسلت إلى السير ألفريد ملنر تأمره بالذهاب إلى بلوم فنتين، فقام إلى ~~هناك، وتقابل مع الرئيسين ستين وكروجر، واتفقوا على عقد جلستين في 2 يونيو سنة 1899؛ ~~الأولى من الساعة العاشرة صباحا إلى الساعة الثانية عشرة، والثانية من الساعة الثانية ~~بعد الظهر إلى الساعة الرابعة. فلما فتحت الجلسة الأولى طلب السير ألفريد ملنر منح ~~الوتلندر حق الانتخاب في رئاسة الجمهورية، وقيادة الجيش، وعضوية جميع المجالس، بعد ~~مضي خمس سنوات من تاريخ نزولهم في الترنسفال، وأن يسمح لهم بالتكلم باللغة ~~الإنكليزية في المجالس. فأبى الرئيس كروجر قبول هذه الطلبات وقال: «إن عدد البوير ~~المخول لهم الحق في الانتخاب لا يتجاوز ثلاثين ألفا، وإذا منحنا حق الانتخاب ~~للوتلندر على هذه الصورة يبلغ عدد من ينالون الأحقية سبعين ألفا، فتكون الأكثرية لهم، ~~وتخرج أزمة الأحكام من أيدينا.» وبعد المناقشات الطويلة اقترح الرئيس كروجر هذه الطلبات: # أولا: # الأجانب الموجودون الآن في البلاد ينالون حق الانتخاب إذا قضوا ~~فيها تسع سنوات، وسبع سنوات لمن يأتي بعد السنة الحاضرة. # ثانيا: # أن يكون ربع أعضاء المجالس من الوتلندر والباقي من البوير. # ثالثا: # يكون التكلم في المجالس باللغة الهولندية. # فلم يقبل السير ألفريد ذلك ورجع إلى مدينة الرأس وعرض الأمر على حكومته، وبعد ~~المخابرات بين إنكلترا والجمهورية أقر مجلس الفولسكراد في 15 سبتمبر سنة 1899 على ما ~~هو آت: # أولا: # تنقيص المدة وجعلها خمس سنوات. # ثانيا: # لا تتداخل إنكلترا في شئونهم مطلقا. # ثالثا: # المشاكل التي تحصل بين إنكلترا والجمهورية تعرض على لجنة دولية ~~للفصل فيها، ويكون حكمها نافذا على الطرفين. # ثم أرسل هذا التقرير إلى إنكلترا، فأبت قبوله. # وفي 25 سبتمبر سنة 1899 اجتمع البرلمان، وكان المستر شامبرلن هو الصوت الصارخ فيه، ~~يطلب حقوق الوتلندر وتنفيذها رغما عن المستر كروجر، وبعد المفاوضة أقر الأعضاء ~~على تسيير حملة مؤلفة من خمسين ألف مقاتل إلى بلاد ms72 الترنسفال، وفي الحال تعين ~~المال الكافي لنفقاتها. ولما علم الرئيس ستين أن الحرب أصبحت من المقرر، أعلن بأن ~~جمهوريته ستتحد مع جمهورية الترنسفال في محاربة إنكلترا، فأرسلت إليه تحذره من ~~الاتحاد وتضمن له استقلاله إذا لزم الحياد، فأبى الرئيس ستين ذلك. # وبينما كانت الاستعدادات سائرة على قدم السرعة في بلاد الجمهوريتين، كان الحزب ~~المعارض للحرب يشدد النكير على المستر شامبرلن وينشر المقالات الطوال في الجرائد ~~ضد سياسته، وكان الرئيس كروجر يستند إلى هذا الحزب ويظن أنه سينتصر على سياسة المستر ~~شامبرلن ويوقفها أو تتداخل الدول بينهما، وخصوصا ألمانيا، لما كانت تظهره من ~~الانعطاف والوداد، ولكن خاب ظنه وذهبت مساعي هذا الحزب أدراج الرياح، ولم تتداخل أي ~~دولة من الدول في هذا الأمر، بل تركتهم وشأنهم. # وفي 28 سبتمبر سنة 1899 كانت الجنود الإنكليزية المقيمة في مستعمرة الكاب محتشدة ~~بالقرب من جلانكوي، وفي 29 منه اجتمع البرلمان في لندرا تحت رئاسة اللورد سالسبوري ~~وأقر على إرسال الجنود إلى جنوب أفريقيا، ولكن لا يبدءون بالقتال إلا متى كمل الجيش، ~~وقد كان سير التأهب بطيئا جدا، وقد اتهمتها بعض الدول المبغضة لها أنها تروم ~~الحرب من زمن بعيد. وفي 9 أكتوبر أصدرت الجمهورية أمرا بإقفال جميع المناجم وحجزت ~~مقدارا عظيما من الذهب كان مرسلا إلى إنكلترا وجمعت جنودها، وكان عددهم سبعة ~~وثلاثين ألفا، وانضم إليها جيش الأورنج وعدده عشرون ألفا، ثم أرسلت إلى السير ~~ألفريد ملنر بلاغا رسميا في نفس هذا اليوم تقول فيه هكذا: «أرجو تبليغ حكومتكم هذه ~~الطلبات الآتية، وأومل قبولها منعا لما لا تحمد عقباه: # أولا: # الفصل في المسائل الحادث فيها الخلاف بيننا بواسطة التحكيم، أو بأي ~~واسطة أخرى يصير الاتفاق عليها. # ثانيا: # الأمر بسحب الجنود الإنكليزية الواقفة على الحدود حالا. # ثالثا: # استرجاع ما زاد من الجنود التي أضيفت على جيش مستعمرة الكاب من ~~ابتداء شهر يونيو. # رابعا: # الجنود الآتية في البحر لا تنزل إلى البر، بل تعود من حيث ~~أتت. # وها نحن في انتظار الإفادة لغاية يوم الأربعاء 11 ms73 أكتوبر الساعة الخامسة بعد الظهر، ~~وإذا لم يأتنا رد مرض في الميعاد المحدد نعتبر ذلك بمثابة إعلان حرب تعود ~~مسئوليتها على الحكومة البريطانية، ونكون نحن بريئين من تبعتها. # فأرسل في الحال السير ألفريد ملنر هذا البلاغ على جناح البرق إلى حكومته، فكان له ~~وقع سيئ في نفوس جميع الإنكليز، حتى إن الحزب الذي كان يدافع عنهم في إنكلترا أمسك ~~عن اعتراضه، وعد ذلك عنادا وإهانة. وفي 10 أكتوبر الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة ~~والأربعين مساء بعث المستر شامبرلن إلى السير ألفريد ملنر تلغرافا يقول فيه: «بلغ ~~حكومة الترنسفال أن تلغرافهم عرض على جلالة الملكة، فرفضت قبوله.» # وفي 11 أكتوبر تحرك جيش الترنسفال بقيادة الجنرال جوبير، وسار إلى مستعمرة الناتال ~~وحاصر مدينة لادي سميث، وكان قائد حاميتها الكولونيل كيكوينش، وكان معه نجل اللورد ~~سالسبوري والمستر سسل رودس عدو البوير، وحاصر مدينة مفكنج، وكان قائد حاميتها ~~الكولونيل بادن بول (هو اليوم ميجر جنرال )، ثم تطوع لجيش الترنسفال عشرون ألفا من ~~البوير الخاضعين لإنكلترا في مستعمرة الكاب والناتال، وأعلن الرئيس كروجر بأنه يعطي ~~مكافأة قدرها عشرون ألف جنيه لمن يأتي بالمستر سسل رودس حيا أو ميتا. # ولما تطايرت إلى لندرا أخبار حصار المدن الثلاث أمرت الحكومة الجنرال السير ~~ردفرس بولر بالذهاب إلى جنوب أفريقيا لاستلام القيادة العامة للجيش البريطاني، فأبحر ~~إلى هناك مع أركان حربه في 15 أكتوبر سنة 1899، وفي 20 منه حدثت واقعة جلانكوي حيث ~~أصيب الجنرال سيمونس برصاصة في أمعائه، وقبل أن يفارق الحياة أخذ أسيرا، فحينما ~~رأت الجند أن هذا البطل العظيم أصيب وأسر هجموا على البوير قائلين: «فلننتقم ~~لقائدنا.» فأخذوا منهم قمم دندي وهزموهم، فارتد البوير خاسرين ومعهم الجنرال سيمونس ~~يتألم من جروحه، ويهنئ نفسه بفوز جنوده. وفي الساعة الخامسة من مساء 26 أكتوبر فارق ~~الحياة الدنيا مأسوفا عليه، وكان لخبر وفاته وقع سيئ في قلوب جميع الإنكليز، وأرسلت ~~جلالة الملكة رسالة إلى اللادي سيمونس تعزيها على فقد زوجها. # وحينما وصل الجنرال بولر إلى الناتال كان موضوع خطته الحربية خلاص ms74 لادي سميث من ~~الحصار أولا، ثم المدن الباقية بعدها، وبعد وصوله ظلت إنكلترا تنتظر أخبار النصر حتى ~~مضت الأيام الطوال، ولم يأتهم ما يفرج كربهم، بل كانت أخبار الكسرات المتوالية ~~تطن في كل وقت، حتى تخيل لكل أحد أن الدولة الإنكليزية ستقضي نحبها في هذه الحرب، ~~وصارت الدول المعادية لها تظهر الشماتة والازدراء، ولم يزل الأمر على هذا الحال ~~والحكومة الإنكليزية ترسل الجنود والعدد الحربية من وقت إلى آخر، ولكن بدون فائدة ~~حتى خافت العاقبة بعكس البوير الذين كانوا ثملين بخمرة الانتصارات العديدة في جميع ~~وقائعهم. # وفي 17 ديسمبر سنة 1899 اجتمع البرلمان الإنكليزي وقرر زيادة الجيش إلى مائة ألف ~~مقاتل، وتعيين اللورد روبرتس قائدا عاما، واللورد كتشنر بطل الخرطوم رئيسا لأركان ~~حربه، وجعل الجنرال بولر قائدا حرا على ثلث الجيش فقط، منعا لمس إحساساته، ~~وحينما وصلت الأوامر إلى اللورد كتشنر في مصر قام في الحال في 27 ديسمبر إلى جبل طارق ~~حيث تقابل مع اللورد روبرتس، وفي 10 يناير سنة 1900 وصلا إلى مدينة الرأس، فعند وصولهم ~~عزم اللورد روبرتس على تغيير الخطة التي سار عليها الجنرال بولر، فأمر الجنرال فرنش أن ~~يقود ثلاثة ألوية من الفرسان والطبجية والبيادة، ويسير بهم شرقا عابرا نهر مدر حتى ~~يصل إلى أورنج، ثم أمر فريق الجنرال طوكر واللورد كتشنر أن يقوما بإثره وألحق بهم ~~الجنرال كليكني، فعبروا نهر مدر من جهة معبر كليب، فصادفوا البوير في طريقهم، فتغلبوا ~~عليهم، وفي 11 فبراير سنة 1900 استولوا على ثلاثة معسكرات، وفي 16 منه دخل الجنرال فرنش ~~مدينة كمبرلي بعدما رفع عنها الحصار، فقوبل بالدعاء والسرور العظيم. # أما الجنرال كرونجي الذي كان محاصرا لكمبرلي، فتقهقر برجاله قاصدا بلوم فنتين ~~ليحصنها ويرد هجمات الإنكليز عنها، فجد الجنرال كليكني واللورد كتشنر في إثره، ~~وفي 17 فبراير سنة 1900 غنم الإنكليز منه 95 مركبة محملة بالذخيرة، وفي اليوم ~~المذكور كان التعب قد أنهك قوى البوير، فوقف الجنرال كرونجي في نقطة اسمها باردي برج ~~بالقرب من نهر مدر في ms75 أرض منبسطة، وصف المركبات الباقية معه على شكل دائرة حول ~~جنوده، وأخذ بإطلاق الرصاص على الإنكليز فجاوبتهم بالمثل، وفي 18 منه جاء الجنرال ~~فرنش ليساعد الجنرال كليكني واللورد كتشنر، ثم لحقه اللورد روبرتس، وفي 19 منه أحاطت ~~الجنود الإنكليزية بجيش الجنرال كرونجي من كل جانب، ولما تيقن هذا الأخير بعدم ~~الخلاص وقد فقد من جيشه 800 مقاتل وكثيرا من الخيل، أرسل إلى اللورد كتشنر يطلب ~~هدنة ليدفن القتلى، فرد عليه بقوله: «لا أوقف القتال حتى تسلم.» فأبى كرونجي ~~التسليم وأصر على القتال حتى يقتل، وفي مساء 26 فبراير هجمت الإنكليز على خنادق ~~البوير وحمي وطيس القتال في هذه الليلة، حتى تمزقت القلوب، ولما لاح الفجر أتى ~~رسول من البوير رافعا راية بيضاء وبيده كتاب التسليم بدون شرط من الجنرال كرونجي، ~~فأوقف القتال، وتم الفوز في هذا اليوم للإنكليز الذي في مثله من سنة 1880 كسروا ~~على تل ماجوبا، وقد محا هذا النصر الأخير ذكر الانكسار السيئ. وفي 3 مارس 1900 أبحر ~~الجنرال كرونجي ومن معه إلى جزيرة القديسة هيلانة. # وبينما كان اللورد روبرتس يحارب البوير شرقا في باردي برج، كان الجنرال بولر ~~يحاربهم غربا عند نهر توجلا، وقد انتصر عليهم وهزمهم ورفع الحصار عن لادي سميث، وكان ~~فرح الأمة الإنكليزية عموميا لا يوصف لما أحرزوه من النصر المتوالي، ووردت رسائل ~~التهاني إلى جلالة الملكة، كما أن جلالتها أرسلت التهاني أيضا لجميع قوادها في جنوب ~~أفريقيا. # وفي 6 مارس سنة 1900 أرسل الرئيسان كروجر وستين رسالة برقية إلى اللورد سالسبوري ~~يطلبان منه الصلح على شروط أهمها حفظ استقلالهما، فأجابهما في 11 منه يقول: ~~«إن حكومة جلالة الملكة لا يمكنها إجابتكم إلا بالرفض القطعي وعدم الرضاء ~~باستقلالكما.» فأرسل الرئيسان إلى جميع الدول يستغيثان بها ويطلبان منها التداخل في ~~أمرهما، فرفضت طلبهما، فانتخب البوير وفدا منهم برئاسة المستر فلورنزا رئيس وزارة ~~أورنج، والمستر فيشر رئيس وزارة الترنسفال، وقام الوفد المذكور في 12 مارس قاصدا ~~الذهاب إلى عواصم أوروبا لإلقاء الخطب وتهييج الرأي العام ms76 للأخذ بناصرهم. # أما إنكلترا فما اكترثت بما فعله البوير، وظلت تقاتل إلى أن بقي بينها وبين بلوم ~~فنتين خمسة عشر ميلا، ومن ثم أرسل اللورد روبرتس إلى الرئيس ستين يطلب منه التسليم ~~فأبى، وكان إباؤه بعكس رغبة الأهالي؛ ولذلك هرب إلى مدينة كرونستاد وجعلها عاصمة جديدة ~~لحكومته، وفي الساعة الثامنة من صباح 13 مارس دخل اللورد روبرتس مدينة بلوم فنتين، ~~ورفع علما بريطانيا فوق ديوان الجمهورية كانت صنعته اللادي روبرتس بيدها، وأعلن في ~~الحال باسم جلالة الملكة احتلاله لعاصمة جمهورية أورنج رسميا، وعين الجنرال بريتمان ~~حاكما عسكريا للمدينة. # وفي 15 مارس سنة 1900 استقال الجنرال جوبير من قيادة الجيش العامة؛ لأنه كان يلح ~~كثيرا على الرئيس كروجر في طلب الصلح أيام انتصارهم فلم يسمع الرئيس لكلامه، حتى ~~وقعوا فيما كان يخشاه، ولما قنط من النصر فضل الاستقالة وأوصى بتسليم القيادة بعده ~~للجنرال بوثا. # أما الجيوش الإنكليزية فلم يزل النصر قائدهم حتى أنقذوا مدينة مفكنج، فدخلها ~~فيلق الكولونيل ماهون في الساعة الرابعة من صباح 16 مايو بعدما عانى تعبا شديدا في ~~رفع الحصار عنها، ثم فتحوا أكثر بلاد الجمهوريتين، ونخص بالذكر مدينة جوهانسبرج التي ~~فتحوها في غرة يونيو سنة 1900، وفي 4 منه دخل اللورد روبرتس مدينة بريتوريا عاصمة ~~جمهورية الترنسفال، وما زال الإنكليز يفتحون بلاد الجمهوريتين الواحدة بعد الأخرى حتى ~~أوائل أكتوبر سنة 1900. # ولما تيقن الرئيس كروجر بعدم نجاح جنوده ووقوع أكثر بلاده في أيدي الإنكليز، قام ~~من خليج دلاجوي في 9 أكتوبر سنة 1900 قاصدا السياحة في عواصم أوروبا؛ ليطلب من ملوكها ~~التداخل بينه وبين الإنكليز لإيقاف رحى الحرب وإعادة استقلاله تحت سيادة إنكلترا، أو ~~بأي الشروط، وترك الرئيس ستين والجنرال دي ويت والجنرال بوثا وغيرهم في ساحة القتال، ~~وقد امتنعت كل ملوك أوروبا عن التداخل ولازموا الحياد. # ولقد أظهرت هذه الحرب ما أدهش العالم بأسره من فعال المتحاربين؛ فالبوير على ~~قلتهم قد أتوا بما يدهش العقل ويحار له الفهم من ضروب الشجاعة والصبر على ~~الدفاع عن بلادهم، حتى صارت ms77 أخبارهم لا تكاد تصدق لاستعظامها، فجدير بتاريخهم أن ~~يحفظ بخزائن الفكر ويرسم على صفحات القلوب؛ لأنهم شخصوا في ميدان القتال رواية ~~عظيمة ذات فصول مهمة، كان موضوعها محبة الوطن والدفاع عن الاستقلال. # وقد شخصت هذه الحرب أيضا نصب أعين العالم آخر ما تصل إليه مدارك الإنسان، ~~ونبهت الأفكار إلى تقلبات الأيام وتغيراتها السريعة التي لم تكن في الحسبان، ~~فبعدما كانت جمهوريتا أورنج والترنسفال في استقلال تام واطمئنان عظيم تعللان النفس ~~بتوسيع نطاق أملاكهما، قلب لهما الدهر آمالهما بهدم استقلالهما، وصارت الجمهوريتان ~~مستعمرتين إنكليزيتين ابتداء من منتصف سنة 1900، فسبحان مغير الأحوال ومبدل ~~الآمال. ms78