######OpenITI# #META# URI: 1325NajibAshciya.FiZilalHaqiqa.Hindawi31460696 #META# Tags: philosophy :: literature #META# ID: 31460696 #META# Title: في ظلال الحقيقة #META# AuthorID: 37402050 #META# Author: نجيب أشعيا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # تقديم الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # | في ظلال الحقيقة # | في ظلال الحقيقة # تأليف # نجيب أشعيا # | تقديم الكتاب # واجب علي مقدس نحو مصر، حيث شببت وعشت العشرة والعشرين زهرة العمر، حيث نزلت على الرحب ~~والسعة، حيث صادقت وأحببت وكافحت وجاهدت روحا وجسما، فذقت طعم الحياة من حلاوة ومرارة، ~~فنلت غايتي الأولى، وتجلت لي الحقيقة فنلت بها غايتي الثانية. # فلمصر وطني الثاني بشخص سيدها الجالس على عرشها فؤاد الأول، أؤدي هذا الواجب فأقدم عروسة ~~فكري وربيبة روحي، شكرا لما كان ولما سيكون. # نجيب أشعيا # | الفصل الأول # الفاتحة # على ضفاف النيل، تحت ظل النخيل، على مقعد من خشب في مقدمة الجزيرة، هناك كان يجلس شاب في ~~مقتبل العمر حاسر الرأس يلاعب شعره النسيم، يحول عينيه تارة إلى الماء وطورا إلى السماء ~~مبتسما مرة وعابسا مرة أخرى. كان هذا الشاب يرتاد هذا المكان لجمال موقعه وطلبا للراحة ~~بعد عناء الأعمال، ولما كان يوحي إليه هذا الموقع من الأفكار التي كان يلذ له التفكير فيها، ~~لم يكن يرتاح إلى الأخذ بالظواهر فقط رغم حسنها أو قبحها، بل كان يحب التعمق في كل شيء؛ ~~ليصل إلى معرفة أصول ما يشاهد أو يسمع، فإنه كان يطلب الحكمة في أرجاء هذا الكون. # إنما الحكمة بنت الاختبار # تقتنيها النفس بعد الاعتبار # أو بالأحرى كان يبحث عن الحقيقة بنفسه؛ لأنه في أوائل سني تلمذته كان قد سمع هذا البيت؛ ~~فتنبهت له حواسه وأخذ من ذلك الحين في التفكير رغم ما كان يبدو عليه مرارا من دلائل الخفة ~~وعدم الاكتراث؛ لذا تربت في نفسه ملكة البحث رويدا رويدا، إلى أن تملكت منه فأصبحت فيه ~~طبعا لا يهنأ له عيش إلا بالتفكير للوصول إلى الحقيقة أو البحث عنها. لم يكن يقرأ كثيرا؛ ~~لأنه كان كثير الخيلاء، لا يريد ms01 أن يتأثر بأفكار الغير، بل كان يريد أن يربي نفسه بنفسه؛ ~~ليكون له رأي خاص عن اقتناع شخصي، إلا أنه كان إذا أثبت له بعد ذلك فساد رأيه ينقاد إلى ~~الصحيح بسرور عظيم وشكر. كان يحب المباحثة والإكثار منها مع كل الناس من مختلف الطبقات ~~والأجناس، الكبير والصغير، العظيم والحقير، نساء ورجالا فتية وفتيات؛ لاعتقاده بأن الروح ~~العظيمة ليست لها طبقة أو أمة مخصوصة بل توجد في عموم الطبقات والأجناس، وكم كان اغتباطه ~~عظيما عندما كان يتغلب رأيه على رأي محدثه، فينقاد هذا مقتنعا إليه خصوصا إذا كان ~~المقتنع من ممتازي الناس ومعروفيهم إن علما أو مركزا أو جاها. # كانت عيشة صاحبنا هذا مزدوجة: حياة الحاضر، وحياة الماضي التي كانت دائما ماثلة ~~بتذكاراتها أمام عينيه؛ لأنه كان يقول: إن الإنسان الحقيقي الذي يمكن أن يدعى بحق إنسانا ~~هو ذاك الذي يعيش بنفسه وبقلبه وبتذكاراته أكثر مما يعيش بجسمه. # ففي عشية ذات اليوم بينما كان شابنا جالسا على مقعده كالمعتاد، إذ شعر بانزعاج خفي أخذ ~~عليه أفكاره، فأخذ يبحث عن السبب في نفسه وحواليه، وفيما هو حائر لا يعرف لهذا من داع، إذ ~~أبصر على بعد خطوات منه شبحا يتحرك من وراء الأشجار قادما إليه، ولما دنا وتبينه إذا به ~~أحد الدراويش رث الثياب، عاري الرأس، ضئيل الجسم، يناهز السبعين من العمر، ذو لحية بيضاء، ~~براق العينين، متأبطا جرابه، متوكئا على عصا طويلة يمشي بتثاقل شديد كمن أعياه السير، ولم ~~يكد يقترب من صاحبنا حتى خفض نظره، وحيا بكل احترام وطلب صدقة؛ فناوله صاحبنا قطعة بقرشين، ~~فأخذها فرحا وأراد أن يقبل يده شكرا وامتنانا. أما صاحبنا فقد سحب يده وتباعد قليلا، ~~فقال له الدرويش: بارك الله فيك يا سيدي، لقد أغنيت عوزي الليلة، وقد أردت أن أقبل يدك ~~علامة الشكر العظيم فلم تشأ؛ لذا فليكافئك الله عني ويجزيك خيرا، وينيلك مرامك. وهم ~~بالسير إلا أن صاحبنا لم يكد هذا الدعاء يصل إلى سمعه حتى شعر بارتياح شديد، وبميل إلى ~~الإكثار من ms02 محادثة هذا الشيخ الغريب، فاستوقفه قائلا: يا هذا، أراك تعبا، والمسافة بيننا ~~وبين المدينة قريبة لا تتطلب جد السير، فاجلس هنا قليلا لنتحادث؛ فالمكان جميل والهواء ~~عليل، وخذ هذه قطعة بقرشين أخرى، وهذه سيجارة فدخنها. فأخذ الشيخ القرشين والسيجارة وشكر ~~وجلس. # | الفصل الثاني # بدء الحديث # بعد أن استراح شيخنا قليلا؛ بادره الشاب بالسؤال قائلا: من أين أنت يا هذا؟ وما اسمك؟ ~~وإلى أين قاصد؟ فأجاب الشيخ وقال: أما من أين أنا، فإني لا أعرف لي وطنا مخصوصا، أعيش هنا ~~وهنا أطوي الفيافي والقفار وأزور المدن والقرى متنقلا من مكان إلى مكان في أرض الله ~~الواسعة، ليس لي مقصد سوى البحث والتنقيب، أراقب الطبيعة وأستجليها المكنون، لعلي أهتدي إلى ~~سر وجودي وسر الوجود، فادعني إن شئت باحثا. فأكبر الشاب هذا الجواب وتبين له أن هذا الشيخ ~~الذي ظنه أولا أحد الدراويش المتسولين ليس هو بالرجل العادي، بل إن هذا الجسم الحقير ~~المظهر يحوي نفسا كبيرة، وهذا الرأس العاري المعفر بالغبار فيه عقل راجح عظيم، ربما قل ~~وجوده في أعظم الجامعات. # وسر كثيرا بسنوح هذه الفرصة التي أقامها له القدر عفوا لعله يستفيد منه بما يشفي ~~غليله؛ حيث إن غاية هذا الشيخ الباحث هي كما بدا من جوابه نفس الغاية التي يصبو إليها ويسعى ~~وراءها. فقال له: وإلى أية نتيجة وصلت يا صاح؟ لعلك توفقت في أبحاثك ومراقباتك إلى أمر حاسم ~~تهديني إليه؛ لأني وإن اختلفت معك مظهرا وعيشة فغايتي هي نفس الغاية التي سعيت وتسعى أنت ~~إليها، فبالله عليك أفدني وزدني إفادة وإيضاحا. فحدق الشيخ فيه نظره كمن يريد أن يخترق ~~أعماق أفكاره؛ ليرى حقيقة أمره، هل صحيح ما يريد هذا الشاب؟ أو هل سؤاله هذا هو من باب ~~الازدراء؛ حيث إن هذا الأمر قليل من يبحث فيه من الناس، وأقل منه أيضا من يعيره من الأهمية ~~التي يجب أن تكون له؟! وبعد أن صعد بصره فيه مرارا وصوبه، وتحقق منه الجد، أبرقت عيناه ~~سرورا، وبانت على وجهه علامات الارتياح، فأجابه ms03 وقال: يا بني، إن البحث عن الحقيقة يجب أن ~~يكون غاية كل عاقل ومفكر، حتى إذا ما وصل إليها أو إلى ما يدانيها، سار معها أو مع ما يكون ~~قد ظهر له منها موفقا أعماله مع سننها؛ حيث إن السعادة الحقيقية والراحة التامة هي فيها ~~ومعها. # لقد مررت بك الآن مرة وثانية دون أن تنتبه إلي، فرأيتك غارقا في تأملاتك فاستلفتت ~~حالتك نظري وشعرت بميل إليك لم أعرف له أولا سببا، ولكن لم ألبث أن ذكرت ما قيل: «إن ~~الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف»؛ لذا وقفت أخيرا حيث رأيتني ~~قادما محدقا بك النظر مفكرا، وأتيت بحركة تنبهت أنت إليها. # فبهت الشاب لهذا، وعرف حينئذ سر الانزعاج الخفي الذي شعر به قبل أن يرى الشيخ. # لقد ولدت يا بني على ما قيل لي من أبوين صالحين لم أعرفهما؛ لأنهما ماتا قبل أن أبلغ ~~الرابعة من العمر، فربيت يتيما تتلاعب بي أيدي الأغراب إلى أن بلغت العاشرة. ففي ذات يوم ~~بينما كنت ألعب مع أحد أولاد الجيران ونلاعب كلبا صغيرا نركض ذهابا وإيابا، والكلب ~~يتبعنا متعبا، إذا دست على غير انتباه وقصد على رجل صاحبي؛ فآلمه ذلك؛ فأخذ يبكي ويصرخ، ~~وقام ولطمني وجاء أخوه وأبوه وأشبعاني ضربا ولكما. ولما كنت يتيما وحيدا فقيرا لم أر ~~أحدا يشفع لي بل إن الذين حضروا أخذوا جميعهم يلومونني ويعنفونني، فآلمني ظلمهم أكثر من ~~ضربهم وتأنيبهم. ولم أزل لليوم أذكر هذه الحادثة التي كانت السبب فيما أنا فيه وعليه؛ لأني ~~عندما تخلصت منهم جئت إلى الكلب الصغير، فحملته وسرت هائما على وجهي باكيا شاكيا ساخطا، ~~فبت تلك الليلة جائعا في إحدى المغائر، وفي صباح اليوم التالي قمت مبكرا أحمل كلبي أبحث ~~عن شيء نقتات به، فأبصرت من بعيد راعيا آتيا مع قطيع كبير من الغنم، فركضت إليه وقبلت ~~يديه وطلبت منه قطعة خبز لآكلها مع كلبي، فهش في وجهي وبش، وسألني إلى أين أقصد، ومن ~~أين أنا، ومن أنا؟ فأخبرته بجميع ms04 قصتي، فرق قلبه لي وفتح جرابه وأعطاني رغيفا، وأمسك ~~أحد النعاج، وحلب منها قليلا من اللبن؛ وسقى كلبي. فأكلت الرغيف وأطعمت أيضا منه الكلب ~~وفرحت جدا، وأنست بهذا الراعي وقمت إلى يده مرة أخرى أقبلها، وأردت متابعة السير ~~فاستوقفني، وقال لي أن أبقى معه طول النهار، وفي المساء يأخذني معه إلى الدير، حيث إن هذا ~~القطيع هو لأحد الأديار، وهكذا كان. ففي المساء جئنا إلى الدير وبعد أن أدخل الغنم الحظيرة ~~ذهب وكلم أحد الرهبان فجاء إلي وأخذني بيده إلى الرئيس، فسألني عن قصتي فأخبرته بها من ~~أولها إلى آخرها، فسكت قليلا وفكر ثم ضمني إلى صدره وقبلني، وقال لي: يا بني، اعلم أن ~~الله - سبحانه وتعالى - قد سمح لك بهذا الشر كي ينتج لك منه خيرا، كما أن هذا الألم الذي ~~نالك من ضرب هؤلاء الناس لك، لربما كان قصاصا عما آلمت به كلبك، ولكن لا بأس من هذا، ~~فالنتيجة هي على كل حال خير لك، فإني أقبلك هنا وستكون في النهار مع الراعي تساعده على ~~رعاية ومراقبة القطيع، وفي المساء سآمر أحد الإخوة بأن يعلمك أصول القراءة وقواعد الدين. ~~ففرحت جدا جدا وشعرت بسرور داخلي وارتياح عظيم، فقبلت يدي الرئيس، وشكرت له هذا ~~الصنيع. وهكذا بقيت في خدمة الدير اثنتي عشرة سنة أذهب في صباح كل يوم مع صديقي ومخلصي ~~الراعي بطرس، يصحبنا كلبي الأمين بلبل؛ نرعى الغنم. وفي المساء نعود بها. وبعد العشاء كنت ~~أذهب أولا في السني الأولى إلى معلمي الراهب يوحنا أتلقى عليه أصول القراءة والكتابة وأمور ~~الدين، وبعد أن أتقنت هذه كلها كنت أختلي إلى مكتبة الدير أطالع الكتب فيها إلى قرب نصف ~~الليل، محاولا فهم ما فيها وتطبيقه على ما كنت أشاهده أو أسمعه أو يجول بخاطري. وكنت أكثر ~~الحديث مع الرهبان ومع بطرس؛ مستفهما عن كل شيء خصوصا مع صديقي هذا الأخير؛ حيث كان الوقت ~~متسعا لنا، وأمامنا من الطبيعة كتاب لا نهاية له نأخذ عنه دروسنا ونروض الفكر على ما كان ms05 ~~يبدو لنا من الأسرار. فحقا يا بني إن الطبيعة لهي أعظم أستاذ يعطي دروسه بسخاء وعن ينبوع ~~لا ينضب لكل من يسترشد به، ويأتي إليه يستنير بنبراسه، فالدارس على الطبيعة الآخذ عنها ~~حكمته وعلمه يكون حقيقة حكيما عالما؛ فينفتح أمامه كتاب الكون يقرأ فيه كما تقرأ أنت في ~~صحيفة الأخبار، بشرط أن يواجهها بأكملها ومن كل الوجوه، وليس من جهة أو من بعض ~~الجهات. # ففي أحد الأيام بينما كنت مع بطرس نرعى القطيع على حسب المعتاد، وبلبل الكلب الأمين يركض ~~إلى هنا وإلى هناك مراقبا حارسا، لاحظت على بطرس آثار ألم يكافحه ويريد أن يتغلب عليه ~~ويخفيه عني، فسألته ما لك يا صاح؟ فإني أرى على وجهك وفي حالتك ما يدلني على أنك تتألم، ~~فبماذا تشعر؟ قل لي لعلي أستطيع أن أفيدك بشيء. فشكرني وقال: صحيح ما لاحظت فإني طول الليلة ~~الماضية وأنا على غير ما يرام ولكني عند الصباح آنست في بعض التحسن فقمت كالعادة، ولكن الآن ~~عاودني الألم بشدة، لا يمكني من متابعة السير، فهات يدك ولنجلس تحت هذه الشجرة القريبة. ~~ففعلت، وبعد أن أجلسته ذهبت إلى بعض الآبار واستقيت دلو ماء أتيته به، فغسلت وجهه ويديه ~~ورجليه فنام قليلا، ولما استيقظ كان قد استراح بعض الراحة وهدأ الألم نوعا ما، ولكنه لم ~~يلبث أن عاوده. حينئذ أشرت عليه بالرجوع بالغنم إلى الدير، فقبل، ورجعنا. وعند عودتنا أخبرت ~~الرئيس والرهبان بالأمر، فحضروا إلى غرفته وسقيناه بعض العقاقير وعالجناه على قدر الإمكان، ~~ولكن لم يصبح الصباح إلا وكان صاحبي ومنقذي بطرس قد فارق الحياة، فبكيناه جميعا بدموع ~~حارة. # وبعد الصلاة عليه واريناه التراب في مقبرة الدير. # أما بلبل فإن حزنه قد فاق حزننا جميعا، فإنه عندما رافقنا إلى المقبرة ورأى ما حل ~~بفقيدنا، انقطع عن الأكل وذهب عنا واختفى، وبعد بضعة أيام وجدناه ميتا على قبر بطرس، وهكذا ~~فقدت رفيقي وأصبحت وحيدا مرة أخرى. عندئذ اشتد بي الحزن وصغرت في عيني الحياة، ولم أعد ~~أطيق القيام في الدير؛ فاستأذنت ms06 الرئيس وودعت الرهبان والأسى ملء القلب، وأخذت هذه العصا ~~وهذا الجراب وهما من مخلفات بطرس، وسرت هائما على وجهي من تلك الساعة إلى الآن حيث تراني ~~معك. فتأثر الشاب من هذا الحديث ونظر إلى الشيخ نظرة إشفاق كأنه يشاركه في كل ما حل به من ~~المصائب، وود لو ساعدته الظروف ليكون معه دائما ملازما؛ كما كان هو فيما مضى مع بطرس، ~~ولما كان الوقت قد مضى وقد تأخر عن ميعاد رجوعه إلى منزله دعا الشيخ إلى المبيت عنده؛ كي ~~يتابع الحديث، فاعتذر الشيخ عن قبول الدعوة بكل لطف ووعده باللقاء في الغد في المحل ذاته، ~~فتفارقا على أمل المقابلة في الغد يفكر كل في صاحبه كأنهما يعرفان بعضهما من سنين؛ حيث إن ~~هذه البرهة الوجيزة التي قضياها سويا كانت كافية لتمكين عرى التعارف لا بل الصداقة ~~بينهما. ولا غرو، فإن هذا الأمر يكثر حدوثه جدا بين الناس وحتى بين الحيوانات عند تجانس ~~الدم والروح. # | الفصل الثالث # هل يوجد خير أو شر في الحقيقة؟ أم أن ما نظنه خيرا لنا هو شر للغير والعكس ~~بالعكس. ~~*** # في اليوم التالي في الوقت المعين أقبل صاحبنا الشاب نجيب، وجلس على المقعد حسب المعتاد، ~~ولم تمض برهة قصيرة حتى حضر شيخنا، وبعد تبادل التحية والسلام قال له نجيب: والله يا شيخي ~~إني لم أذق مرارة الانتظار مثل الليلة، فقد كانت كل دقيقة منها بيوم، وكل ساعة بشهر. ~~فتبسم الشيخ وقال: وهذا ما كان عندي أيضا، ولنعد الآن إلى الحديث. # من سياق كلامي لك أمس يتضح أنني تركت الدير وعمري اثنتان وعشرون سنة، وقد بلغت الآن ~~السبعين، فثمان وأربعون سنة قضيتها كما تراني الآن متجولا من بلد إلى بلد، فزرت معظم ~~الأقطار، واختلطت بجميع الشعوب؛ من هنود وصينيين وعجم وعرب وزنوج. ورحلت أيضا إلى أوروبا ~~وشهدت ما يسمونه عظمة التمدن الحديث، ومن هناك قيض الله لي من استصحبني إلى أمريكا؛ حيث ~~مكثت ثماني سنوات، فبحثت ونقبت وراقبت؛ فدهشت، ولكن دهشتي لم تكن لأمر جديد وقفت عليه ms07 ، ~~ولو أن أشياء كثيرة يمكن عدها جديدة لاختلاف مظاهرها عند الناظر إليها سطحيا، بل إن دهشتي ~~هي لأني رأيت وتحققت بأن لا شيء جديد تحت الشمس، أو بالأعم لا شيء جديد في العالم أجمع. ~~فالطبيعة واحدة، وسننها واحدة، تتمشى على أنظمة وخطط ثابتة واحدة، والويل لمن عارضها، ~~فسبحان تلك القوة الخالقة المدبرة الفائقة، فلا شيء يخلق نفسه ولا شيء يفنى، بل إنه يخرج من ~~الينبوع العظيم ويعود إليه. ولو اختلفت طرق العودة بالتحول من شيء إلى آخر حتى ظن بعضهم أن ~~الفناء حاصل، مع أن الحقيقة لا فناء بل تحول، بل رجوع إلى الأصل كما سترى فيما بعد. # تتصارع الكائنات جميعها بعضها مع بعض سيان في ذلك الجماد والنبات والحيوان تحت تأثيرات ~~شتى وعوامل مختلفة، فتتبدل أشكالها وتتغير من حال إلى حال مع توالي الزمن، ومرور الأيام ~~ينظر المرء إلى هذا، فما كان منه موافقا له ولمصلحته وصحته ولراحته عده خيرا، وما كان ~~مخالفا عده شرا، مع أنه في الحقيقة لا يوجد خير أو شر؛ إذا نظرنا للمجموع الكلي وللنتيجة ~~القصوى وللسنن الطبيعية. # سنة تنازع البقاء سنة طبيعية، ولكنها في الإنسان تدرجت معه حتى تولدت منها الأنانية، وعلى ~~مصلحة الأنانية الفردية أو الشعبية أو العمومية الإنسانية تكيف الخير والشر، ومصائب قوم عند ~~قوم فوائد. وإذا أردت يا بني أمثلة على هذا المبدأ أقول لك: إني أنا مثل وأنت مثل، وما ~~حصل وما يحصل لك مثل، وكل إنسان وكل حيوان مثل، وكل ما في الطبيعة أمثال؛ لذلك إذا حصرتها ~~انحصرت وإذا عممتها تعممت. تضيع أنت محفظة نقودك فهذا شر لك؛ لأنك فقدت شيئا يمكنك به أن ~~تزيد نعيمك ولذتك وراحتك، إن رأسا أو بواسطة أو أدبيا أو ماديا روحيا أو جسميا ~~فيجدها غيرك فيكون شرك خيرا للغير. في حقلك بقرة تدر عليك لبنا وتفيد أرضك وزرعك، وفي ~~الجبل بالقرب منك أسد جائع؛ يأتي فيفترس البقرة فيأكلها ويشبع أشباله، فموت البقرة يعد في ~~العرف الحالي شر عليها وعليك، ولكن خير للأسد ولأشباله ms08 ، ولكن هل خسرت الطبيعة شيء؟ كلا، ~~فبمجموعها توازنها باق. يحترق حي في مدينة فينقلب العمار الذي فيه إلى حي آخر. تخرب بقعة ~~فيتحول ما كان يلزمها من الخيرات إلى بقعة أخرى فيزداد خير هذه ببلاء تلك. تقوم حرب بين أمة ~~وأخرى فتخسر هذه وتفوز تلك؛ فشر الأولى خير للثانية. ولكن يطغى البحر على أرض غير مأهولة ~~فيغمرها وتزلزل الأرض زلزالها، فتغور جزائر وتظهر أخرى، ولا تعد هذه الحوادث لا خيرا ولا ~~شرا. تنقض صاعقة فتميت شاة لامرأة عجوز فقيرة، فيعد هذا الأمر حادثا جللا وشرا ~~مستطيرا، ولكن تولد حيوانات شتى مفترسة وغير مفترسة، وتعيش في الغابات البعيدة وتموت ~~وتنقرض ولا يفطن لها أحد، فلا يعد وجودها أو فناؤها لا خيرا ولا شرا. # بالقرب من إحدى القرى يوجد ذئب كاسر يسطو على ماشية الناس فيتعاونون على قتله، ويعدون ~~الفتك به خيرا عظيما، ثم يجدون حيوانا نافعا مفيدا فيحسب وجوده نعمة. تنفجر عيون ماء ~~غزيرة تجري منها أنهار وتجف أو تتحول من مجاريها إلى مجاري أخرى، ولا أهمية لهذا إذا كانت ~~في بقاع لأناس فيها، ولكن يرمي بعضهم حجرا في بئر ماء يرتادها الناس فيعد عمله شرا ~~يستوجب العقاب. تنبت الأشجار والمزروعات في أراض غير مأهولة من الإنسان وتزهر وتثمر فيأكل ~~الطير والحيوان ثمرها - إن كان هناك حيوان أو طير - أو تتساقط على الأرض بعد نضجها، وتتحول ~~إلى تراب وأسمدة، ولا يعد هذا لا خيرا ولا شرا، ولكن يكون في بستان يوسف شجرة تفاح يقطف ~~منها زيد تفاحة فيعد عمله شرا وسرقة تستوجب القصاص. يربي الإنسان الماشية ليأكلها وينتفع ~~بلحمها وجلدها وعظمها وبكل ما ينتج عنها. ويذهب الصياد إلى الصيد فيقتنص الحيوانات والطير ~~ويستعملها لما يتراءى له فيعد عمله خيرا عظيما، ولكن إذا لسعت عقرب ولدا أو لدغت نحلة ~~إنسانا أو نقد طائر حبة حنطة من بعض حقول الناس عد هذا العمل شرا، أفليس هذا من الغرابة ~~بمكان. وهكذا مما لا نهاية له. فمن هنا ترى يا بني أن الخير والشر ما ms09 هو إلا زرع، ونبت ~~الأنانية الإنسانية حسب وجهة نظر الإنسان فيما يتراءى له من الفائدة، إذ ما معنى تحول الماء ~~من جهة إلى جهة للماء نفسه، أو ظهور أرض وغور أرض للأرض نفسها، أو سقوط ثمرة من الشجرة أو ~~قطفها أو أكلها من إنسان أو حيوان للشجرة ذاتها، أو وجود حيوان مفترس أو داجن أو عدم ~~وجودهما هنا أو هناك. # فأجابه نجيب، وقال: يستنتج من أقوالك وبيانك أنه لا خير ولا شر البتة، ولكن كيف توفق هذا ~~مع تعاليم جميع الأديان، وقد اتفقت جميعها على وجود الخير والحث على عمله، ووجود الشر ~~والنهي عن فعله؟ فقال الشيخ: اسمع يا بني: لما ترقى الإنسان وأسس جمعيته الإنسانية، فعاش ~~قبائل فشعوبا فأمما، ورأى أن عوامل كثيرة طبيعية تقاومه منها خارجية؛ مثل الحيوانات ~~المفترسة والسامة، والقحل في الأرض، والصواعق والأمطار، والحر والبرد والثلوج، والعواصف ~~وخلافها، ومنها داخلية مثل؛ البغض، والحسد، وحب الانتقام، والكسل، وحب الحصول على جنبي ~~الغير، وهلم جرا مما نشاهده في أنفسنا ونعلمه من ذواتنا، أراد أن يحتاط للأمر ويعد العدة ~~لمقاومة ذلك حفظا لتلك الجمعية وتقوية وإنماء لها، فاقتبس من غريزته الطبيعية ومما شاهده ~~في أجناس الحيوانات سننا وطرقا سار عليها، ولما ترقى في عقله وزاد في توهمه وضعف جسمه ~~لترهفه في المعيشة، وكادت الغريزة الطبيعية فيه أن تضمحل، ولم تعد وحدها كافية لوقايته كما ~~في بقية الحيوانات، استعاض عنها بروادع وزواجر خيالية تصورها للاستعانة بها على حفظه وحفظ ~~روابطه؛ لذا تراه في كل نواهيه ومسموحاته لم يقصد سوى مصلحته الخاصة أو مصلحة الإنسانية ~~العامة، إن رأسا، أو بواسطة؛ غير ناظر إلى خلافها البتة، بل إنه إذا نظر لغيره من الكائنات ~~الأخرى، فإن ذلك يكون لتصور فائدة تعود إليه منها، فعد نفسه السيد المطلق وكل الكائنات ~~ملكا له، لا بل عد نفسه الكل في الكل. حرم القتل نفسه وفي جنسه وأباحه في بقية ~~الحيوانات. حرم السرقة في نفسه وفي جنسه وأباحها في بقية الحيوانات والأشياء. فلماذا إذن ~~يقتل الحيوانات ليأكلها ms10 وينتفع بما ينتج عنها؟ ولماذا يحلب اللبن من الماشية فيسرقه من ~~صغارها؟ ويأخذ العسل من النحل فيسلبها قوتها؟ حرم الظلم والاستعباد، ولكنه يظلم الحيوانات ~~ويستعبدها؛ فيحملها نفسه وأمتعته ويستخدمها في قضاء حاجاته. حرم الزنا؛ لأنه بعد أن ضعفت ~~أو تلاشت فيه تقريبا الغريزة الرادعة التي تحتم على الحيوانات، لحفظ كيانها، عدم مجامعة ~~أنثاها إلا في أوقات معينة وهو يطلب الجماع دائما، أضر به هذا الإفراط أم لا، لما أثاره ~~فيه ترفهه وتفننه وتأنقه في مأكله ومشربه؛ وجب عليه ذلك التحريم لردعه عما يضر به وببني ~~جنسه. # وحفظا لما اختطه لجمعيته من العوائد والنظامات وما تولد عنها من الغيرة وحب الاستئثار ~~وإرضاء لما يدعيه من العدل؛ لئلا يتحمل زيد مثلا تربية ولد هو من صلب عمرو. ومما يدلنا ~~أيضا على أن هذه السنن ليست طبيعية، وأن هذه التحريمات هي من وضع الإنسان؛ أننا نرى ذلك ~~الإنسان ذاته في كثير من الأحيان يثور عليها رغم ما حصنها به من الوعد والوعيد، فيقتل بعضه ~~بعضا، ويسلب بعضه بعضا ويسبي حريم بعضه البعض، ويخرب ويدمر بلاد بعضه البعض، كما يشاهد في ~~كل حرب وفي كل حادثة من هذا القبيل. فمن هنا تستدل على أن الأنانية الفردية والأنانية ~~القومية، والأنانية العنصرية، والأنانية الإنسانية هي التي تحرم وتحلل حسب ما يتراءى ~~لها من المصلحة والمنفعة. يقولون: إن الخير والشر معرفتهما محصورة في الإنسان فقط مع أن ما ~~يفعله الإنسان يفعله الحيوان، ويساويهما فيه النبات والجماد. فانظر إلى الأسماك في الماء، ~~وإلى الحيوانات على الأرض، وإلى الطير في السماء، تراها تقاتل بعضها البعض، وتفتك بعضها ~~ببعض، وتأكل بعضها البعض، وتتسابق على طعامها، وتتسارقه كما يفعل الإنسان، وتقاتل الإنسان ~~وتفتك به كما يقاتلها، وتقاتل بعضها وتفتك به، وتفتك ببعضها وتسارقه متاعه، كما يسرقها، ~~وتسرق بعضها. ألا ترى يا بني أن الأسد إذا رأى إنسانا أو كبشا في البرية انقض على ذلك ~~الإنسان أو الكبش وقتله وأكله، كما يفعل ذلك الإنسان بالسبع إذا قوي عليه فيصطاده؟! وهذا هو ~~الثعلب ms11 يسطو على الدجاج فيأخذ منها ما يطيب له، وهذه هي الدجاج أيضا تنقض على الحشرات في ~~الأرض والديدان فتأكلها، وتفعل بها كما يفعل الثعلب. ما الفرق يا بني بين سارق يهاجمك فيسرق ~~مقتناك، وبينك أنت تجد خلية نحل فتشتار عسلها؟ وبين ذئب يهجم على طفلك أو شاتك فيأخذهما، ~~وبينك أنت تجد عش طير فتلتقط صغارها؟ ما الفرق يا بني بين جار يسرق منك الفاكهة، وبين الطير ~~والحيوان تفعل فعل ذلك الجار؟! ألا ترى أيضا أن ما فعله هذا الجار تفعله أيضا تلك الشجرة ~~الغير المثمرة، أو الحشائش البرية التي تنبت بين تلك الفاكهة، فتظلل عليها وتأخذ من نمو ~~أرضها؛ فتقلل من حملها ولربما أيبستها؟ ما الفرق يا بني بين شعوب تثير على بعضها حروبا ~~طاحنة؛ تميت الولد وتخرب الديار وتذهب بالزرع والضرع، وبين عاصفة تثور فتقتلع الأشجار، ~~وتجرف الأمطار جميع ما فوق اليابسة؛ فتصبح البلاد قاعا صفصفا؟ أو زلزال يحدث فتغور الأرض ~~بمن عليها من حي أو نبات أو جماد، ويصبح عاليها أسفلها، وتندثر جميع معالم ما كان كأنه لم ~~يكن؟ وما الفرق أيضا يا بني بين عصابة تدخل إحدى القرى فتقتل وتسبي وتسرح وتمرح، وبين ~~وافدة من ميكروب قتال تدخل في الأجساد وتفعل فعل تلك العصابة؟ أفلا ترى أن جميع هذه ~~الأفعال ولو اختلفت شكلا وفاعلا؛ هي في الحقيقة واحدة تساوت في عملها الممالك الثلاث: ~~الحيوان والنبات والجماد. فهذه هي أيضا الحيوانات وفيها الحقد والبغض والغيرة والغضب كما ~~في الإنسان، وتؤثر فيها المادة كما تؤثر فيه، ففيها البري وفيها الداجن. يخاف الذئب من ~~الأسد كما يخاف الإنسان، ويحقد الجمل على من آذاه كما يحقد الإنسان. فمن هذا يتضح أن الخير ~~والشر عامان يتساوى فيهما وأمام فعلهما جميع ما في الكون، فما هما إلا مظهر من مظاهر ~~التصارع السلبي والإيجابي، ولم يكيفا بالخير والشر إلا حسب تعريف المصلحة الإنسانية. # في البدء ابتدأ التنازع بين الأحياء على القوت والسكنى؛ فانخذل الضعيف وفاز الأقوى، وبدأ ~~الكفاح والعراك بينهما. ومن هذا الكفاح تولد ms12 الحقد والغيرة والحسد وحب الثأر والاغتصاب ~~وما شاكل؛ لأن الفائز أحب أن يحتفظ بما فاز به ويستزيد منه، والمغلوب أراد للمدافعة وإرجاع ~~ما أخذ منه، والتمثل بما فعل الغالب، فتأصلت العداوة وأصبح القوي يحاذر من الضعيف والضعيف ~~من القوي. فإن الدببة مثلا وهي تطلب السكنى في أحسن المغائر كان الإنسان يطاردها ويزاحمها ~~عليها، فيقاتلها وتقاتله إلى أن يجلو أحدهما الآخر عنها، فأصبحت تنفر منه وهو ينفر منها. ~~وما يقال عن الدببة يقال عن بقية الحيوانات التي بينها وبين الإنسان عداوة، فإنه زاحمها في ~~الأصل إما على قوتها أو سكناها، أو أنه ناصبها العداء طلبا لراحته لمضايقتها له في أمر ما، ~~أو أنه أراد الفتك بها ليقتات بها؛ حتى تأصلت العداوة في الفريقين، يتوارثها الأحفاد عن ~~الأجداد، فهي والحال هذه، قد نبتت عن الأنانية؛ لأن الإنسان إذا كان قد عادى الذئب مثلا، ~~فإنه إنما عاداه ليس لأنه ذئب؛ بل لأن الذئب سابقه على قوته، أو أقلقه في راحته، أو سارقه ~~متاعه، وهذه العداوة دائمة طالما الإنسان يشعر بمقدرة الذئب على أذيته، حتى إذا حل العجز ~~وجاء دور المنفعة تحولت العداوة إلى الرأفة والمطاردة إلى التأمين، كما يرى ذلك في حدائق ~~الحيوانات، حيث يحميها ويعولها ويسهر على راحتها. وهكذا تتجلى الأنانية الإنسانية في كل ~~شيء، كما أنها تتجلى أيضا بأوضح أشكالها ومقاصدها في جميع ديانات الإنسان ومعبوداته. فإنه ~~لم يدن لشيء ولم يعبد شيئا إلا ما تصور منه القدرة على أذيته فعبده تملقا ودفعا لضرره، ~~أو ما تصور منه النفع فدان له استدرارا لنعمه. # فسأل نجيب الشيخ فقال: لقد أقنعتني يا شيخ بهذا البيان، ولكني أستوضحك عن هذا الأمر، أليس ~~للإنسان وقد ترقى كثيرا، وتدرجت معارف بعضهم إلى حد بعيد في كل العلوم والاختراعات ~~والابتكار، والتصور أن يجد طريقة بها يمكنه أن يكيف حاله على قاعدة أخرى أعدل من هذه تفيده ~~ولا تضر بغيره؛ أن من جنسه أو من الحيوانات الأخرى، وتوافق ما يدعيه من الرقي في العقل ~~والعدل والمعرفة، فلا يناقض ms13 نفسه بنفسه وقوله بعمله، ويوجد له حياة أهدأ وأهنأ؛ حيث إنه ~~بالحق ليست لهذه الحياة مهما طالت قيمة ما تستلزمه من المشاق والآلام إن نفسية أو جسدية؟ ~~فأجابه الشيخ، وقال: إن وقت الذهاب قد حان، ويكفيك الآن ما قد سمعته، فتأمل به، فموعد ~~الجواب على ما سألت غدا، فالسلام عليك وإلى الملتقى. # | الفصل الرابع # كل شيء في العالم مبني على قاعدة الأخذ والعطاء أو التبادل، وهذا هو التوازن ~~السلبي والإيجابي. ~~*** # تفارق صاحبانا وسار كل طريقه، فسار الشيخ إلى إحدى القرى المجاورة للأهرام يستضيف ~~الأجاويد، وسار نجيب إلى بيته مفكرا متأملا بما سمع، واجتاز جسر قصر النيل، ولم تكن تلك ~~الضوضاء وحركة السيارات والعربات وجلبة الناس لتلهيه عما كان يتأمل فيه، وتنبهه من سباته ~~العميق؛ لولا أنه أحس بيد أمسكته بكتفه وهزته، وسمع صوتا يناديه باسمه، فالتفت إلى ورائه ~~فرأى أحد أصحابه يبتسم له محييا؛ فرد التحية بأحسن منها، فقال له صاحبه: ما لي أراك يا ~~نجيب دائما مفكرا؟ لقد أضنيت جسمك، ألعلك تريد أن تغير نظام الكون؟ دع عنك هذه الأفكار ~~وكن كبقية الإخوان فرحا جزلا طروبا. إني مدعو الليلة إلى حفلة عند أحد المعارف فتعال ~~معي، فسيغنينا أحد كبار المغنين المشهورين على تخت مشهور أيضا، فهي ليلة أنس وطرب وسمع، ~~فهيا بنا وسوف تدعو لي بالخير. # وما زال به حتى قبل وسار معه، وكان هذا الصديق كاتبا أدبيا حلو الحديث لطيف المعشر ~~واسمه فريد. فأخذ الاثنان يتحادثان في أمور شتى، وقد نسي نجيب ما كان يفكر فيه؛ فأخذ يضحك ~~مع فريد مما كان هذا يلقيه على مسامعه من مستملح النكت. وكان فريد في حالة سرور عظيم يطفح ~~البشر على وجهه ويقهقه طويلا لكل نكتة يلقيها، وقال لنجيب: والله إنني يا صاح لم أذكر أني ~~يوما من الأيام قد ضحكت مثل اليوم، فربنا يعطينا خير هذا الضحك. # ولما كان في الوقت متسع، أخذ الاثنان يتمشيان على هذه الحالة على ضفاف النيل، وكانت ~~المراكب من شراعية وبخارية متلألئة الأنوار تخترق الماء ms14 ذهابا وإيابا، وحواليها عدد كبير ~~من الزوارق مكتظة بالناس؛ طالبي النزهة، تروح وتجيء بمن عليها، وكانت سطوح الذهبيات الرأسية ~~على شاطئ النهر غاصة أيضا بسكانها وبزوارهم. وكانت أنوار جميع هذه المراكب وأنوار الجسر ~~والمنازل والفنادق القريبة مع أنوار تلك السماء الصافية تنعكس على مياه النهر العظيم ~~الهادئة؛ فتزيد المنظر بهجة تأخذ بمجامع القلوب. # فأثر هذا المنظر في صاحبينا جدا، فقال فريد لنجيب: هلم يا أخي نجاري القوم في عملهم ~~وننتقل من الأرض إلى الماء، فنأخذ نحن أيضا ساعة زمن زورقا، فلذة العيش في التنقل، ~~فحقا إن هذه الليلة لهي من الليالي النادرة. فوافق نجيب على هذه الفكرة بكل ارتياح وناديا ~~بأحد الزوارق، فجاءهما وركبا وجعلا يقذفان، والرئيس محمد ماسك الدفة بيديه الاثنتين، وكانا ~~يتسابقان مع بقية الزوارق ضاحكين فرحين. # وفيما هما كذلك إذ سمع فريد ضحكا خيل له أنه يعرف الضاحك، فامتقع لونه قليلا كأنه شعر ~~بحلول العاصفة. فقال لنجيب: رويدك يا أخي، اسمع! أليست هذه ضحكة فريدة؟ ~~«وكانت فريدة هذه فتاة في مقتبل العمر بارعة الجمال أديبة متعلمة، هام فريد في حبها من ~~بضع سنوات حبا عذريا كاد يذهب بلبه لولا طبيعته الميالة إلى اللهو والطرب، وما كان ~~يختلقه لنفسه من الأسباب ليموه عن فكره التفكير بمن كان يهوى.» هيا بنا نقترب من الزورق حيث ~~الصوت لنتحقق من الأمر، فأنصت نجيب قليلا؛ فعلم أن الضحك هو ضحك فريدة، ولعلمه بما سيكون ~~لهذا المشهد من التأثير على فريد، خصوصا إذا كانت فريدة مع شخص آخر - كما يدل الواقع - بدا ~~له أن يغالطه ويحوله عن عزمه على اللحاق بها والاقتراب منها. فقال له: أظن أنك أخطأت ~~التقدير؛ لأني لا أرى أقل مشابهة بين الصوتين، ثم ما الذي يأتي بفريدة الآن إلى هنا في هذه ~~الساعة؟! وإذا فرضنا المستحيل وكانت هي، فإنها إنما تكون مع عائلتها أو أحد أخوتها، ~~واقترابنا منها ليس من اللياقة والأدب بشيء، فدع عنك الآن فريدة واترك التفكير بها، ولنعد ~~إلى ما نحن فيه فما قلته من قبل ms15 لي بخصوص التفكير بالكون والطبيعة أقوله لك الآن بخصوص ~~فريدة، كما قال الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # فلم يستمع فريد لهذا القول، بل أخذ يقذف بسرعة طلبا للحاق بهذا الزورق، وسايره نجيب في ~~عمله؛ لأنه رأى أن الحالة مع صاحبه لا تجدي فيها المعاكسة نفعا. وبعد بضع دقائق كانا قد ~~اقتربا جدا من الزورق فسارا بمحاذاته قليلا، ولم يكد فريد يلقي نظره على من فيه حتى اصفر ~~لونه، وتثلج جسمه، وارتخت مفاصله؛ فسقط المقذاف من يده، وارتمى على نجيب كأنه صعق من هول ~~ما رأى، وأخذ يتنهد وينتحب كالأطفال. فحول نجيب سير زورقهما بأقل من لمح البصر؛ لئلا ~~ينتبه أحد إليهما، وأعطى المقاذيف إلى الرئيس محمد، وأمره بالرجوع إلى الشاطئ، وأخذ هو ~~يعالج حالة صاحبه محاولا تعزيته على قدر الإمكان، وهكذا تحولت الحال من فرح عظيم إلى كدر ~~وحزن أليم، فقد انقلب المعزى معزيا والمعزي معزا. ولما بلغا الشاطئ، نقد نجيب صاحب ~~الزورق أجرته، وأخذ بفريد إلى منزله ولم يتركه طول تلك الليلة. وفي الصباح لم يشأ نجيب ~~أيضا أن يدع فريدا وحده، فدعاه لمرافقته وأخذ يقص عليه ما حضره من الأخبار والعبر محاولا ~~تخفيف آلامه وتحويل أفكاره عن صدمة الأمس، وكان من جملة الأخبار الحديث عن الشيخ، فسري عن ~~فريد بعض الشيء وطلب إلى نجيب أن يذهبا سويا لمقابلته حسب المتفق. # وعندما أزف الوقت جاء الاثنان إلى الجزيرة فوجدا الشيخ قد سبقهما، فسلما عليه، واستأذنه ~~نجيب بتقديم صديقه إليه فقبل، ولكن على ما بدا عليه كان قبوله عن غير ارتياح كلي، ثم نظر ~~إليهما مليا مستفحصا مستقرئا، وقال موجها الكلام إلى نجيب: مالي أراك يا صاح وصاحبك ~~وقد بدت على محياكما آثار السهر والانهماك والحزن، فهل حدث أمر مكروه لا سمح الله حتى أثر ~~عليكما هكذا؟ فإن حالتكما على ما تبين لي ليست بالعادية المألوفة، فأخبره نجيب بكل ما حصل ~~من حين ما فارقه بالأمس إلى ساعة ملاقاته الآن، قاصا عليه جميع ms16 ذلك حرفا حرفا، فتعجب ~~الشيخ! ولكن عجبه لم يكن لوقوع الأمر بل لمصادفته للموضوع الذي سيكون حديث اليوم. فقال: لقد ~~سألتني بالأمس عن رأيي فيما لو كان يمكن للإنسان، بعد رقيه الحالي، أن يجد لنفسه طريقة ~~بها يتوصل إلى أن يكيف حاله على شكل أعدل من حالته الراهنة تفيده ولا تضر بغيره من موجودات ~~الطبيعة؛ لتكون حياته أهدأ وأهنأ منها الآن، وقد شاءت الأقدار والصدف أن تساعدني على إفهامك ~~ذلك؛ لتكون على اقتناع تام من نظريتي، ففي حادثتكما بالأمس الدليل القاطع والبرهان الساطع، ~~فاعلما أن كل شيء في العالم؛ حيث إنه جزء من الينبوع العظيم، وقد تحول كل إلى مظاهر وقوى ~~مختلفة تحت ناموس التوازن انبنى على قاعدة التبادل، أو الأخذ والعطاء؛ لهذا فإنه ليستحيل ~~على الإنسان إذا كان يريد المحافظة على درجته في الرقي وتدرجه فيها، وعلى كيانه الحالي أن ~~يتملص من هذه القاعدة، ولكنه يمكنه أن يلطف منها بعض الشيء؛ لذا فكل شيء يفعله المرء أو ~~يشعر به له مقابل أو ثمن أو ضد، فلا فرح بلا حزن، ولا سعادة بلا شقاء، ولا تعب بلا راحة، ~~ولا لذة بلا مرارة؛ ليبقى ناموس التوازن السلبي والإيجابي دائما متسلطا. إذ لو اختل ولو ~~ذرة واحدة لانعدم كل شيء. # لقد تركتني وأنت منقبض الصدر، فلم تلبث حتى لقيت فريدا فشرح صدرك فسررتما هنيهة، ولما ~~كان فرح فريد شديدا؛ كذلك كان حزنه شديدا. وكما كان لك معزيا هكذا كنت له أنت أيضا، فقد ~~قيل:إن الجزاء من صنف العمل، واعلم أن سرور تلك المرأة سيعقبه مرارة وكدر يوازيان شقاء ~~فريد. وما يقال عن فريدة يقال عن صاحبها، فيوم لك ويوم عليك، يأكل الإنسان الحيوان والنبات ~~وهما في دورهما يتغذيان به، ثم إن التراب الذي منه تغذوا يتغذى هو أيضا منهم ويسمد ~~بهم. # يتلذذ الإنسان بالمأكولات الشهية من لحوم وخلافها، ولكن تلك اللذة تكلفه ثمنا غاليا ~~يدفعه من تعبه ومن صحته ومن حياته. يتلذذ بالملاهي والشهوات، ولكنه يضني جسمه ويقصر عمره. ~~تلبس الملابس لتقيك ms17 البرد والحر فتتنعم بها، ولكنك في الحقيقة تدفع ثمن هذا النعيم من جني ~~تعبك ومن إضناء جسمك؛ لأنك بسترك له تقلل نمو قوته ومناعته. تأكل الحلو فتتلذذ به، وتأكل ~~المر فتتمرر، فلولا مرارة المر لما عرفت طعم الحلو، ولولا التعب لما عرفت لذة الراحة، ولقد ~~قال الشاعر: # ضدان ما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # لقد قلت لي إن الإنسان ترقى كثيرا، وأنا أجاريك وأقول: رقي، ولكن في الحقيقة ليس هذا ~~سوى تحول أو تغيير مظاهر دون أقل إفادة حقيقية، أعني دون أن يزيد له شيء عن شيء، تأنق في ~~مأكله وملبسه وسكنه، فعلى قدر ملذته هذه دفع لها ثمنا من قصر حياته ومضايقته لحريته ومن ~~أمراضه وتعبه وشقائه. ترقى في نفسه وفي تصوره، فعلى قدر الزيادة زاد في ضعف جسمه وفي آلامه ~~الروحانية. # يضربك زيد فيوجعك فتتألم في جسمك وفي نفسك؛ لأن ما يتألم منه الجسم تشعر به النفس، وما ~~تتألم منه النفس يؤثر على الجسم وبعد ذلك يسكن الألم فتشعر بلذة، ثم يجازى زيد فترتاح نفسك، ~~وقد تكون مجازاة زيد - إن رأسا أو بواسطة - لأنه على كل يجب أن يدفع ثمن عمله، إما ~~بعذابه الجسمي مضاعفا أو بعذابه الروحي مضاعفا، إذا لم يشترك الجسم والروح في الثمن لسبب ~~ما لأنه إذا تألم الجسم فقط يجب أن يكون على قدر التألم الجسمي والروحي، وإذا تألمت الروح ~~فقط يجب أيضا أن تكون آلامها كآلام المعتدى عليه جسما وروحا. # يتفنن الإنسان بتحضير المأكولات اللذيذة فيتلذذ بها، فتقوى به حاسة اللذة ويصير على قدر ~~اللذة من اللذيذ يشعر بالكره من الكريه،. لقد أصبح الإنسان الآن يطير في الهواء وينتقل ~~بسرعة من مكان إلى مكان؛ فعلى قدر فرحه بالسرعة صار يتأفف من البطء، ولربما ما يعده الآن ~~بطئا كان يعده من قبل سرعة يفرح بها. والأمثلة على هذا هي في كل شيء؛ لذا ترى أن النسبة ~~مهما تغيرت المظاهر هي دائما بين التبادل محفوظة وتراها أيضا واضحة فيما سن له من ~~اللوائح والشرائع ms18 وما استنبطه من القواعد، قصد ذلك أو لم يقصد، عرف هذه الحقيقة أو لم يعرف؛ ~~لأنه لا يمكنه أن يخرج عن الطبيعة، فهو منها، لا، بل هو مجتمع الممالك الثلاث وهيأة ~~للعالمين المادي والروحي. # لقد قال الكتاب: أحبب قريبك كنفسك، وافعل بغيرك ما تريد أن يفعله غيرك بك؛ لأن الأنانية ~~الإنسانية تلزم الإنسان أن لا يرضى لنفسه إلا كل خير وراحة، فمن أحب قريبه كنفسه أراد له ~~طبعا ما يريده لنفسه، وعامله كما يعامل نفسه. ولما كان التبادل بين الناس عظيما بالنسبة ~~لجمعيتهم الإنسانية ولحالتهم المعيشية ولاشتباك مصالحهم بعضهم مع بعض، كتبت هذه الحكمة ~~استنادا على هذه القاعدة تخفيفا لآلامهم بعضهم من بعض وتقوية لجمعيتهم ضد الكائنات ~~الأخرى؛ لأنهم بما يدخرون من القوى الإيجابية في ذواتهم بعدم إضاعتها في تكافحهم مع بعض؛ ~~يقاومون سلبية تلك الكائنات الأخرى. هذا ما قيل فيما مضى وكان دينا، وهو لا يختلف كثيرا ~~معنى عما يقال اليوم قانونا: إن حرية المرء يجب أن تنتهي حيث يبتدئ واجبه نحو الغير، فمن ~~هنا يتضح أيضا أنه لم يخرج عن هذه القاعدة لا في دينه ولا معاملته الاجتماعية إلا تراه في ~~صلاته لخالقه يعطي ليأخذ، يقرب القرابين لينال الجزاء، ينذر النذور ليحصل على ما يرجو، يسبح ~~ويمجد لينال المغفرة، وهلم جرا مما هو ظاهر جلي في كل أعماله وأحواله وأفكاره إن روحيا أو ~~جسديا، فعلى هذا التوازن السلبي والإيجابي انبنت سنة التبادل والأخذ والعطاء، وهي أيضا ~~الأس الذي منه ظهر العدل، وما العدل سوى التوازن، فعلى قدر الأخذ يجب العطاء، وعلى قدر ~~الأذية يجب التعويض، وعلى قدر التعب تجب الراحة. واعلم أن ما قيل بهذا المبحث عن الإنسان ~~يقال أيضا عن الحيوان، وينطبق على كل شيء آخر بمظاهر وأشكال وطرق شتى؛ لأن قانون التوازن ~~يسري على كل ما في الأكوان والعوالم. # فقال نجيب: ولكن إذا صح هذا - ولا أراه إلا صحيحا - فبماذا تعلل أسباب الانحلال ~~والانقلاب والتغير؛ إذا كانت دائما نواميس التوازن محفوظة، والتبادل بالقسط العادل ~~حقيقيا ؟ فتبسم ms19 الشيخ، وقال: بورك فيك يا نجيب! إن سؤالك هذا لم يفاجئني على غرة، بل كنت ~~متوقعا إياه منك وسأجيبك عليه في الغد إن كان في العمر بقية. # وكان الاثنان - نجيب وفريد - ينصتان بكل انتباه إلى كل كلمة كان الشيخ يلقيها، غير أن ~~فريد - وكان لم يعتد على ترويض فكره على مثل هذه المباحث - قد استفزه الفرح وأخذ يقبل ~~نجيبا شاكرا له استصحابه معه وتقديمه إلى الشيخ، ثم قام إلى الشيخ يصافحه مظهرا له ~~اغتباطه بما سمع منه راجيا أن يسمح له بالعودة إليه ثانيا، فأجابه الشيخ إذا كانت هذه ~~المسائل مما ترتاح إليها وتعرف من نفسك القدرة على فهمها فعلى الرحب والسعة. والآن فإلى ~~الملتقى بالغد. # | الفصل الخامس # العوامل المساعدة على التكوين هي نفسها المساعدة على التحويل في ظروف ~~أخرى. ~~*** # ذهب الشيخ في حال سبيله كالمعتاد وقفل صاحبانا نجيب وفريد راجعين إلى المدينة يتحادثان ~~بما سمعاه ويضربان الأمثال ويقيمان الشواهد ويطبقانها على الواقع، وقد انفتح أمامهما باب ~~واسع من هذا المبحث، ولا غرو، فحياة كل واحد منهما في جميع مظاهرها ودقائقها وما عايناه ~~وعانياه لهي مصداق لقول الشيخ. # وفي اليوم التالي حضر الجميع في الميعاد وبعد التحية والسلام ومبادلة بعض الحديث، قال ~~نجيب للشيخ: عسى شيخنا أن يمن علي بما طلبت إيضاحه البارحة، فإني قضيت ثلاثة أرباع ~~الليلة قلقا أفكر في هذا؛ لعلي أجد له حلا ترتاح إليه نفسي، ولكن فهمي عجز عن إرشادي إلى ~~ما يقنعني لما بدا لي من بعض المتناقضات. فأجابه الشيخ: لبيك يا صاح، فها أنا مبد لك على ~~سؤالك من البيان ما أرجو أن يبرهن لك على حقيقة الواقع ويقنعك كل الإقناع، وهم باستطراد ~~الكلام، فقاطعه فريد قائلا: عفوا يا شيخ إذا قطعت عليك الحديث بسرد واقعة لها علاقة ~~بمسألة الأمس، كما أني أرجو من صديقي نجيب أن لا يؤاخذني على هذا، فالحادثة لها علاقة ~~بفريدة وأنتما تعلمان الآن ما كان لهذا الاسم علي. # لما تركت نجيبا بالأمس راجعا إلى منزلي فطنت لحاجة كنت نسيتها ms20 عند بعض المعارف فقصدته ~~لأخذها، وبينما أنا سائر إذا بصرت بفريدة مع الشاب الذي رأيتها معه بالزورق سائرين الهوينا ~~يتهاديان في مشيتهما كما كنت أنا أسير معها من قبل، فشعرت أولا بانفعال شديد لم يلبث أن ~~تحول إلى غضب وحقد، ثم إلى ازدراء واحتقار، ثم إلى عدم مبالاة كأن تلك العاطفة التي ثارت في ~~أول أمس قد ماتت أو كأنها لم تكن البتة. فاقتربت منها وحييتها بكل هدوء وسكون وعاودت ~~المسير، ولكنها لم تكد تسمع صوتي ويتقابل النظران حتى رأيتها وقد امتقع لونها وترنحت ~~كالسكران ونفرت من صاحبها، ونادت بسائق إحدى العربات فصعدت إليها، ولم تسمح لصاحبها ~~بالاقتراب منها، ووضعت وجهها بين كفيها وأخذت تبكي، وسارت العربة بها. فبهت صاحبها من هذا ~~المنظر كمن لم يعلم له سببا، أما أنا فقد وقفت بعيدا أراقب ما جرى دون أن أشعر بتأثير ~~يذكر؛ كأن فريدة لم تكن لدي سوى أية امرأة أو أي إنسان آخر. # وتابعت المسير كأن لم يكن شيء مما كان، وها أنا الآن أسرد عليكما هذه الحادثة وكأنها ليست ~~لي مع فريدة بل كأنها قصة قرأتها في بعض الكتب أو سمعتها من بعض الرواة، وقلت: لقد صدق ~~شيخنا فيما قال لقد دفعت فريدة ثمن سرورها مرارة وبكاء، وكما كانت حالتي عندما رأيتها في ~~الزورق هكذا حالتها كانت في العربة. ففكر الشيخ هنيهة محدقا بفريد ثم تبسم كعادته، وقال: ~~لقد صدقت في استنتاجك هذا، ولكن لهذه الحادثة عندي الآن استنتاجان، لا بل لهي برهانان ~~ساطعان على ما قلته لكما بالأمس وعلى ما سأقوله الآن، فكأن الصدف قد أرادت ثانية أن تساعدني ~~على إقناعكما بما تطلبان من الإيضاحات. لقد سألتني بالأمس يا نجيب بما تعلل أسباب الانقلاب ~~والانحلال والتغيير إذا كانت دائما نواميس التوازن محفوظة، والتبادل بالقسط العادل ~~حقيقيا، فأجيب بأن القوى والعوامل المكنونة أو المساعدة على التكوين هي نفسها المحلة أو ~~المساعدة على التحويل، وذلك باختلاف الظروف. ولك في حادثة صديقك فريد بالأمس برهان جلي على ~~ذلك: أحب فريد فريدة ms21 حبا تزايد لأسباب شتى، وفي ظروف مختلفة لم تصادمه حين نموه موانع ~~التغلب الكافي، ولم يكن حب فريدة له شديدا كحبه لها، فكانت قوتها السلبية والحالة هذه ~~متغلبة على قوته الإيجابية، ولم يزل حتى تكامل أول أمس حينما شاهد فريدة في الزورق، ولكن ~~عندما رأيت يا فريد بالأمس ما رأيت طفح الكيل وانقلبت الآية، وأصبح ما كان يزكي قبلا فيك ~~نار الحب يطفئها الآن، وقد قيل: # لكل شيء إذا ما تم نقصان # فلا يغر بطيب العيش إنسان # إن العناصر الأربعة الثانوية المكونة المتولدة عن العنصر الأصيل الفرد، هي نفسها المحولة ~~إذا تحولت كفة الميزان في إحداها، فالهواء والماء والنار والتراب التي تنبت النبات وتحيي ~~موات الشجر فيورق ويعطي ثمرة، وتقوي الأجسام وتنعش القلوب وتفرح الصدور في الربيع، هي نفسها ~~التي تيبس النبات وتسقط الورق، وتضعف الأجسام وتقبض الصدور. # وكما أن الغذاء يغذي الإنسان والحيوان وينميه، كذلك هو الغذاء الذي يفنيه ويميته، والهواء ~~والحرارة اللذان يبخران الماء ويصعدانه في الجو ضبابا، هما ذاتهما اللذان يرميان به على ~~الأرض، والتراب الذي بواسطته تتكون الأجسام وتتغذى هو الذي بواسطته تنحل وتتحول. انظرا إلى ~~هذه المدينة وما فيها من المباني الحديثة الجميلة المزخرفة، وقارناها بتلك المباني القديمة ~~الآيلة إلى السقوط تريا أن القوى والعناصر التي ساعدت على تشييد وتكوين الجديد هي نفسها ~~التي ساعدت على سقوط وتخريب واضمحلال هذا القديم، وقد كانت القديمة في حينها جديدة جميلة، ~~وسوف تتحول جديدتنا الآن في حينها أيضا إلى قديمة مخربة، وهكذا إلى أن تندثر تماما معالم ~~الجميع. # انظرا إلى السماء فوقكما وما فيها من الغيوم المختلفة الأشكال وعايناها بعد ذلك وقد صفا ~~أديمها، ولم يبق لتلك من أثر ظاهر، وانظرا إلى ما حواليكما من البقاع والسهول والجبال ~~تريا أن القوى التي أعطتها شكلها الحاضر هي نفسها الكفيلة بتغييرها إلى شكل آخر. انظرا إلى ~~هذه الرياض والجنائن المخضرة المثمرة وكيف كان حالها بالأمس، وكيف يكون حالها غدا، أنبتها ~~التراب وسقاها الغيث وأنمتها حرارة الشمس وأزهاها النسيم ولونها النور ms22 بألوان تبهر الأبصار ~~بجمالها، وسوف تحرقها الشمس فتيبس ويذريها الريح ويفسدها الماء ويسلبها النور ما أعطاها من ~~زاهي الألوان، ويحولها التراب إليه ويمحي منها الأثر والعين. بل انظرا إلى نفسكما وما طرأ ~~عليكما حتى الآن من الانقلابات والتحولات من الطفولية إلى سن الشباب، من صحة ومرض وسمن ~~ونحول، وما سيطرأ أيضا في السنين المقبلة إن نفسيا أو جسديا، تريا أن العوامل هي ~~نفسها واحدة في كل الحالات، فقط تغلب عامل على عامل فحصل التغيير والانقلاب. فقال نجيب: ~~ليسمح لي شيخنا أن ألقي سؤالا أستوضحه به بعض ما أبهم علي وعلى صديقي فهمه؛ فقد قلت لنا ~~يا شيخ بمناسبة حادثة فريدة وفريد: إن الانقلاب حدث بقوة التحويل السلبي والإيجابي وهي ~~حادثة نفسية روحية، واستطردت الكلام إلى العناصر الأربعة، وتكلمت عن التحويل فيها مستندا ~~كما ظهر لنا على المبدأ الأول؛ مع أن الكلام عنها هو عن الماديات المحضة. فما دخل الروح في ~~المادة؟ ثم عدت فقلت: إن ما طرأ وما سيطرأ علينا من التحولات إن نفسيا أو جسديا هو ناتج ~~عن نفس العوامل دون أن تميز بين العوامل المؤثرة على النفس والمؤثرة على المادة أو الجسد، ~~مع أن لا شبه بين المادة والروح. # فتنبه الشيخ كمن فطن إلى شيء، وتبسم وأجاب: نعم، لقد صدقت في ملاحظتك يا صاح؛ لأنه كان ~~يجب علي زيادة الإيضاح في حديثي، ولكنك لو ذكرت كلمتي عند استطراد الكلام حيث قلت: إن ~~العناصر الأربعة الثانوية المكونة المتولدة عن العنصر الأصيل الفرد، لعلمت أن هناك صلة ~~أصلية بين المادة والروح، وعليه، أقول لكما: إن المادة نفسها التي يدعونها مادة لوقوعها تحت ~~الحواس بسبب التقلبات والتحولات، هي من العنصر الأصيل الفرد المتولد منه الروح أيضا، ففي ~~الجماد والنبات مظهران من العنصر الأصيل الفرد، أما في الأحياء فثلاثة المظاهر كما سأبين ~~ذلك لكما فيما بعد؛ لذا فإن ما تتأثر منه الروح يشعر به الجسم، وما يتأثر منه الجسم يعم ~~تأثيره الروح. # فقال فريد: والله يا شيخ إن هذا البحث لهو مما ms23 يعجز عنه فهمي الآن، ولعل ما وعدت به من ~~البيان في المستقبل يزيل عن عيني بعض الغشاوة، ولقد قال شيخنا فيما قال بمناسبة حادثتي مع ~~فريدة، وكيف أن حبي لها تحول إلى بغض وحقد واحتقار تلاه عدم مبالاة واهتمام؛ مما فهمت منه ~~حسب قولك أن قوتها السلبية كانت في الأول متغلبة على قوتي الإيجابية، ثم بفعل الحوادث ~~والظروف وما شاكل انقلبت الآية وأصبحت أنا المتغلب، ثم إن صديقي سأل عن حقيقة التوازن ~~السلبي والإيجابي فأجبته بما يؤكد حقيقة التوازن، ثم قلت: حفظك الله، إن التحول يجري إذا ~~تحولت كفة الميزان من جهة لأخرى، فبناء على ما تقدم فلا بد للتحول من تغلب السلبي على ~~الإيجابي، أو الإيجابي على السلبي، فإذا تغلب عامل على عامل كان ثم طبعا زيادة في هذا ونقص ~~في ذاك، فأين التوازن مع هذا؟ # فنظر الشيخ إلى فريد مليا متأملا، ثم بدت على وجهه علامات البشر، وقال: يسرني جدا ~~منك يا فريد أن أسمع منك مثل هذه الأسئلة مما يدلني على تتبعك للحديث بكل اهتمام وتبصر ~~واستيعاب؛ لذا أقول لكما ولو خالف ظاهر قولي المعقول إنه رغم تغلب عامل على عامل، ورغم ~~النقص في هذا والزيادة في ذاك ورجحان كفة هذا على ذاك، يبقى التوازن بين السلبي والإيجابي ~~محفوظا متساويا كما سأشرح لكما هذا غدا، وتريان مما تقدم أن التحول والانقلاب هو سنة ~~طبيعية تشمل جميع أجزاء الكون سيان في ذلك الأرض والنجوم والممالك الثلاث، وهي ظاهرة أيضا ~~في الإنسان بأجلى مظاهرها إن كان بجسمه أو بروحه، بأعماله أو أفكاره؛ لذا فهو لا يطيب له ~~العيش إلا بالتحول والانتقال والتغير على قدر ما به من الحياة. ولله در من قال: # يطلب الإنسان في الصيف الشتا # فإذا جاء الشتا أنكره # ليس يرضي المرء شيء واحد # قاتل الإنسان ما أكفره # والآن، فإني أستودعكما المولى وهو نعم الوكيل، فإلى الملتقى يا صاحبي. قال هذا وهم ~~بالابتعاد، فقام إليه نجيب ووضع في يده بعض الشيء ثم حياهما وشكر وسار. # | الفصل السادس ms24 # تأثير الكائنات بعضها على بعض، وتأثير الممالك الثلاث بأجزائها بعضها على ~~بعض. ~~*** # بقي نجيب وفريد جالسين على مقعدهما بعد ذهاب الشيخ؛ لأن الوقت كان متسعا أمامهما، فالغد ~~كان أحدا وهو يوم عطلة وليس عندهما من الأعمال ما يدعوهما إلى الإسراع. فقال فريد لنجيب: ~~إن شيخك يا صاح لهو نابغة حقيقة، فقد استصغرت نفسي أمامه إلى حد العدم مع أني ولا أخفي عليك ~~لما شاهدته لأول مرة لم أسعره بقرش، فصحيح أن من يحكم على الظواهر يخطئ، ولكن مما يصعب ~~علي فهمه أن هذا الرجل رغم معارفه الواسعة ورأسه المفكرة المملوءة بالحكمة يبقى هكذا هائما ~~على وجهه ينام في العراء متوسدا الغبراء وملتحفا السماء، ليس له مكان يأوي إليه، يتنقل ~~بأطماره البالية من بلد إلى بلد يستجدي أكف المحسنين، مع أنه - وأني واثق من هذا - ~~باستطاعته بعمل واحد أن يشهر ذاته فيلفت إليه الأنظار، فينال مكانا رفيعا ويعيش سعيدا ~~متنعما فيفيد نفسه وينفع الغير. # فأجابه نجيب وقال: لربما كنت محقا في ملاحظتك، ولكن لا تتسرع يا أخي فلعل له عذرا أو ~~غاية مخصوصة يقصدها بحياته هذه ونحن نجهلها، بل لربما كانت السعادة لديه - حسب وجهة نظره - ~~هي في معيشته على هذا النمط؛ لأن السعادة - إن كانت هناك سعادة - تختلف باختلاف وجهة نظر كل ~~واحد، فمنهم من يراها في جمع المال، ومنهم من يراها في المناصب، ومنهم من يراها في الحب، ~~ومنهم من يطلبها من وراء الشهرة، ومنهم من يراها في خدمة الناس، ومنهم من يراها في السكون ~~والانفراد، ومنهم من يراها في طلب العلم والتوسع فيه، ومنهم من يراها في التمتع بالملذات، ~~ومنهم كثير كل واحد على حسب ما يتراءى لها، ولكني أنا يا فريد أرى أن لا سعادة البتة في ~~الحياة؛ لأن الحياة كفاح دائم مستمر، طالما أن سنة التبادل والتوازن طبيعية، وسنة التحول ~~والانقلاب طبيعية أيضا كما بين لنا الشيخ، وكما يثبت ذلك لنا الواقع. وعلى كل، فما لنا ~~ولخصوصياته؟ فإن له من عقله ما يرشده إلى ما يراه ms25 أوفق له، ولنعد الآن إلى التفكير فيما ~~قاله لنا، فهذا أولى وأنفع ولنغتنم هذه الفرصة لندرس عليه ونأخذ عنه ما أمكن. فقال فريد: ~~لقد صدقت يا أخي، وسأمضي يوم غد في التفكير لعلي أصل إلى تفهم ما قال أو على الأقل إلى ~~ترويض عقلي على تفهمه. فأجابه نجيب وقال: اسمع يا فريد أريد أن أشير عليك بأمر لعلك توافقني ~~عليه، لقد صرحت لنا علنا ولست أشك بصدقك لما أعلمه عنك وأعرفه فيك من الصراحة والصدق، بأن ~~عاطفة حبك لفريدة قد تلاشت، وأعلم أيضا أن عرى الصداقة متوطدة بينك وبين أفراد عائلتها، ~~فاذهب غدا وزرهم في منزلهم وحادث فريدة كالمعتاد كأن لم يكن شيء مما كان، وسهل السبل ~~لمقابلتنا بها، ولا تسلني الآن عن السبب، فإن لي بحثا أريد أن أجريه. فبهت فريد لهذا ~~الطلب، وعرته الدهشة، وبقي هنيهة حائرا صامتا، ولكنه لعلمه ببعد نظر نجيب، وأن لا بد أن ~~يكون له ثمة غاية معينة يقصدها، وحقيقة يريد أن يستجليها لصالح الفريقين، قبل ذلك رغم ما ~~كان يخشاه من سوء تأثير هذه المقابلة بعد كل ما حصل. # رجع الاثنان إلى منزلهما صامتين لا ينبسان ببنت شفة، ولما اقترب نجيب من منزله صافح ~~فريدا على أمل المقابلة في الغد وتركه. ولما بقي فريد وحده خطر بباله خاطر، فنظر إلى ساعته ~~فوجد أن لم يزل في الوقت متسع؛ فسار يسرع الخطى إلى منزل فريدة؛ لأن اليوم كان يوم استقبال ~~أهلها، وحضوره في مثل هذا اليوم يكون عاديا مألوفا، فلهذا، ولدافع خفي أيضا يجهله سار ~~من ساعته لزيارتهم. # دخل فريد وحي، فقوبل بكل حفاوة وإكرام من آل البيت وممن حضر عندهم من الزائرين، وبعد ~~تبادل عبارات المجاملة مما تطلبه المقام سأل أخو فريدة فريدا عن سبب تغيبه في هذه الأيام ~~عن القهوة حيث كان مجمع الخلان عادة. وقبل أن يجيبه على هذا السؤال دخلت فريدة وكانت شاحبة ~~اللون يدل منظرها على ألم خفي وتأثير نفسي كانت تعلله أمام الحضور بألم في معدتها، ولما رأت ms26 ~~فريدا ازداد اصفرارها، ولكنها تجلدت وتقدمت إليه وحيته كالمعتاد دون أن ينتبه أحد لما بدا ~~عليها غيره فدعاها إلى الجلوس بالقرب منه ومن أخيها، ولما جلست أجاب فريد وقال: تسألني عن ~~سبب تغيبي عن القهوة هذه الأيام فما قولك إذا قلت بأني كنت مشغولا بدرس الفلسفة؟ فتبسم أخو ~~فريدة وقال: ولا شك على صديقك نجيب؟ فأجاب فريد وقال: ليس عليه، ولكن معه على شيخ غريب ~~عجيب. فقال أحد الموجودين، وكان يبغض نجيبا ولا يترك فرصة تمر دون الحط من كرامته والسب ~~فيه حسدا وخساسة، وقد تجرأ بتبسم أخي فريدة عند ذكر الفلسفة، فقال: شيخ غريب عجيب أستاذ ~~صديقك نجيب، فطبعا يجب أن يكون مثله، فالطيور على أشكالها تقع، ولكن ما لا أفهمه هو كيف ~~أنك وأنت الكاتب الذكي القدير ترضى بمعاشرة نجيب الغريب الأطوار النصف مجنون؟ وأراد أن ~~يتابع القول؛ ولكن فريدا غضب لهذا وشاركته في غضبه فريدة، لا بل زادت عليه؛ لأنها كانت ~~أدرى بحقيقة نجيب من غيرها، كما اشمأز من هذا التطاول أكثر الحاضرين منهم لمعرفتهم لنجيب ~~ومنهم للتطاول نفسه وللقدح في الناس. فنال الرجل نصيبه من المقت واللوم مما اضطره إلى ~~الخروج، وعاد فريد إلى الكلام فأخبرهم عن معرفته بالشيخ وعن بعض ما قاله وشرحه، فتعجب بعضهم ~~ممن فهم القول كما أن البعض الآخر لم يعر ذلك اهتماما، وكانت فريدة أكثر الحاضرين تعجبا ~~فقالت: يا حبذا لو تمكنت من التعرف بهذا الرجل، قالت هذا مدفوعة بجملة عوامل منها؛ لكونها ~~أديبة متعلمة ذكية، وكانت تتوق لمثل هذه المباحث؛ ومنها لكونها امرأة تحب الاستطلاع بطبيعة ~~الحال، ومنها أنها كانت تريد أن توجد مع فريد للتكلم عن الحادثة. فأجابها فريد: إني غدا ~~قرب المغرب على ميعاد في الجزيرة مع نجيب ومعه، فإذا شئت وشاء الأخ حضرت أنا ونجيب إلى هنا ~~قبل الموعد، فنذهب سويا أو أن نتقابل عند آخر الجسر عند مدخل الجنينة. فقال الأخ: إذا ~~أحببت يا فريد فاحضر غدا مع نجيب إلى هنا فنشرب القهوة ثم نرى رأينا. ms27 وعلى هذا تم ~~الاتفاق فاستأذن فريد في الذهاب وودع الحاضرين وخرج. # في اليوم الثاني تقابل فريد مع نجيب فأخبره بكل ما حصل واتفق معه على الذهاب سوية إلى ~~منزل فريدة بعد الظهر، وأخبره أيضا بتطاول ذلك الرجل وما ناله من الحاضرين، فتبسم نجيب ~~وقال: عجيب، فهذه مرة أخرى يصدق معي الحديث «اتق شر من أحسنت إليه»، اعلم يا فريد أن هذا ~~المتطاول مدين لي بحالة اليسر التي هو فيها، فلولاي كان على الحضيض، ولكن لا بأس فالله لا ~~يضيع أجر من أحسن عملا. # من يصنع الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين الله والناس # فقال فريد: لقد صدقت، ومثل هذا قد صادفني أيضا مرارا، ولكني لا أدري كيف أعلله وسأسأل ~~الشيخ هذا المساء عله يفيدنا بشيء عنه، فقال نجيب: سأكفيك مؤنة الانتظار حتى المساء وسأكفي ~~الشيخ مؤنة الرد، فإني أفيدك عما طلبت ولعلي مقنعك وأنت حر بأن تقبل أم لا، وعلى كل فإن ~~هذا الحديث يساعدنا على تمضية الوقت لحين موعد الغداء: إن من طبع الإنسان العنفوان وحب ~~السيادة والعظمة سيان في هذا الغني والفقير، الكبير والصغير، العظيم والحقير، وهو لا يأتيك ~~لطلب حاجة إلا مرغما لاحتياجه إليك أو مدفوعا بعامل آخر، فإذا أنلته إياها شعر بأنه مدين ~~لك وهذا يؤلم عنفوانه ويحط من سيادته وعظمته في عينيه، ولربما شعر بإهانة عزة نفسه أمام ~~الآخرين؛ فيزين له الوهم أن يثلم من قدرك أو يسعى ليؤذيك بمالك وبمركزك حتى يظهر بمظهر أهم ~~منك، فينتقم لعنفوانه ولعزة نفسه منك لجهله - وما أكثر الجهال - أما إذا كان ممن تثقف عقلهم ~~حقيقة - وما أقل هؤلاء - عرف لك الجميل وشكر لهذا، واعتمادا على الأكثرية يجب الحذر من ~~انتقام المحسن إليه، ويوجد أيضا أناس بينما يعرفون لك جميلك ويحفظونه تراهم يغمطون إحسان ~~شخص آخر، والعكس بالعكس. وهذا أعلله بتجانس بين الأرواح أو بتنافرها، فالمتعارفة تزداد بمثل ~~هذا تقربا، والمتباعدة تباعدا. ففكر فريد هنيهة ثم قال: لربما كنت مصيبا يا نجيب. وأخذ ~~الاثنان يسردان على بعضهما ms28 ما حصل لهما وما سمعا به من مثل هذه الحوادث ويطبقانه على إحدى ~~النظريتين، إلى أن حان وقت الغداء فافترقا على موعد اللقاء أمام منزل آل فريدة. # التقى صاحبانا في الموعد المحدد أمام منزل فريدة فصعدا سوية إليه، وبعد شرب القهوة خرجا ~~وخرجت فريدة وأخوها، وسار الجميع نحو قصر النيل قاصدين الجزيرة فدخلوا إحدى القهوات، وبعد ~~أن شربوا بعض المرطبات وهم يتجاذبون أطراف الحديث طلب سليم أخو فريدة - وكان لا يهمه من ~~الحياة سوى اللهو والطرب ولعب الميسر - أن يعفى من مرافقتهم إلى مقابلة الشيخ؛ لأنه يرغب ~~في الذهاب إلى رهان صيد الحمام. فأجابه فريد: خيرا تفعل يا سليم؛ لأني على يقين من أن منظر ~~الشيخ في نظرك لا يوازي منظر الحمام، ولا حديثه يسليك كحديث من ستكون معهم هناك من الأصحاب، ~~ولكن حيث إنه لم يزل عندنا وقت، فسنرافقك إلى هناك ثم نعود مشيا إلى مقعدنا إذا سمحت بذلك ~~فريدة. فوافق الجميع على هذا ونادوا بإحدى العربات فركبوا، ولما وصلوا إلى محل صيد الحمام ~~تفارقوا على أمل المقابلة مساء. ودخل سليم محل الصيد ونجيب وفريد وفريدة ساروا إلى مقابلة ~~الشيخ؛ يفكر كل منهم بماذا يفتتح الحديث، ولكنهم لم يبتعدوا بضعة أمتار حتى شعر نجيب ~~بقشعريرة هزت جسمه، فنظر حواليه يبحث عن السبب فتنبهت فريدة لهذا وسألته عما به، فقال: لا ~~أعلم لقد شعرت بقشعريرة هزت جميع جسمي من أخمص قدمي إلى قمة رأسي كما لو كنت بالقرب من وحش ~~كاسر أو حية أو قاطع طريق في مكان منفرد؛ لهذا فإني أنظر يمينا وشمالا لعلي أرى الموجب ~~لهذا التأثير الخفي الذي به شعرت، إذ إن شعوري كما لاحظت دائما لم يخن البتة. فأجابه ~~فريد وقال: دع عنا يا أخي مثل هذه الأوهام ولا تزعج فريدة. ففطن نجيب لملاحظته، ولكنه ~~عاود الكلام وقال: نعم إنك مصيب في قولك، ولكن ألا ترى فريدة أننا نحن الاثنان هنا فمما ~~نخاف. لذا أقول لك وأكرر القول بأنه لا بد أن يكون بالقرب من هنا ms29 ثعبان أو ذئب أو أي شيء ~~مثل هذا فقفا أنتما هنا فإني مقترب من هذا الهشيم لأتحقق الأمر، قال هذا وتقدم من شاطئ ~~النيل بكل احتراس، ولما دنا منه رأى بضعة عصافير ترفرف بأجنحتها تريد الهرب والطيران ولكنها ~~لا تستطيع الارتفاع، كان هناك قوة تجذبها إليها، ورأى على الأرض ثعبانا رافعا رأسه محدقا ~~بها النظر يتقدم منها رويدا رويدا لافتراسها. فتراجع نجيب قليلا وأومأ إلى فريد بالتقدم ~~وحده بكل ترو وهدوء فجاء وجاءت وراءه فريدة، ولم يكد يقع نظرهما على هذا المشهد حتى ~~ذعرا وهما بالتقهقر، فهدأ روعهما وقال مهلا، فإن لنا بهذا المنظر درسا مفيدا جدا ~~فأنصتا ولا تأتيا بأقل حركة؛ لأني أريد المراقبة إلى النهاية، فقالت فريدة: مسكينة هذه ~~العصافير، فإن هذه الحية ستلتهمها. فأجاب نجيب: لا تخافي عليها، فإني قد احتطت للأمر ~~وسأضربها بهذه الحجارة فتنفر وتخلص العصافير. ولم تزل الحية تدنو والعصافير تقلل من صياحها ~~وحركتها كأن الخوف قد هد منها كل حيل حتى كادت تقع فريسة، عندئذ تناول نجيب الأحجار وأخذ ~~يرشق الحية، وفعل فريد وفريدة فعله فنفرت وهربت وتطايرت العصافير، وتراجع أصحابنا بكل سرعة ~~إلى الطريق. # سار أصحابنا بضع خطوات دون كلام منذهلين مما رأوه، ولكنهم لم يطل صمتهم كثيرا حتى قطعه ~~نجيب بقوله لهما: كيف رأيتما؟ ألم أكن محقا في زعمي؟ لقد قلت لكما ذلك ولكن الصديق فريد ~~لم يرد أن يصدق، فها قد حقق الواقع ما به شعرت. فأجابت فريدة: لقد كنت الآن أفكر بهذا ~~وأقيسه ببعض حوادث جرت أيضا لي، وقد ذكرتني هذه الحادثة بجملة حوادث حصلت لي مع أناس كنت ~~عندما أراهم أشعر بانزعاج أو بعدم ارتياح لمحضرهم، وكان يتحقق دائما انزعاجي بما كان يجري ~~منهم لي، أو بما كان يصدر عنهم مما كنت أراه أو أسمعه عنهم؛ لذا أصبحت تراني يا نجيب أعير ~~أهمية كبرى لأول تأثير عند مقابلتي لأي كان، فما هو السر يا ترى في هذا؟ لعل الشيخ الذي ~~أطنبتما في مدحه يفيدنا عن هذا. فأجاب فريد ms30 وقال: إني لا أشك في ذلك، ولكن أرى أن المسائل ~~تراكمت اليوم لدرجة ربما أنستنا ما طلبناه من إيضاح مسائل الأمس، فقال نجيب: لا تخف، فإنا ~~وإن نحن نسينا فهو سيذكرنا به ويفيدنا عنه، ولا سيما أني أعتقد بأن جميع ما حصل اليوم لهو ~~مترابط متماسك مع ما قاله الأمس، وما سيقوله اليوم. قالت فريدة: إني كلما سمعتكما تذكران ~~هذا الرجل يزداد اهتمامي بمعرفته وشوقي لرؤياه واستماع كلامه، فلعله لا يتأخر كثيرا عن ~~الحضور، فها قد قاربنا الوصول، لا بل علنا نراه وقد سبقنا فيكفينا مؤنة الانتظار؛ لأنه ~~مما يشغل الآن فكري كثيرا هو كيف أن هذه العصافير وهي بنات الجو لم تقدر على الهرب من هذه ~~الحية رغم ما كانت تبديه من العزم عليه، بل بقيت محاولتها عبثا كأنها ربطت في مكانها ~~مكهربة من نظر الحية، فما سر هذه القوة التي أوقفتها في مكانها رغم خطر الموت؟ فحالتها ~~والحالة هذه كانت تشبه بعض الشبه حالتي مع هذا الرجل الذي رآني فريد معه في الشارع، فكان ~~سلام فريد كالحجر الذي نفر الحية وأطار العصافير. # فدهش فريد عند سماعه هذا، ولبث صامتا حائرا لا يدري أهل يصدق فريدة وما قالت، أم هل ~~يعد هذا القول ادعاء منها ذرا للرماد في العيون؟! أما نجيب فلم يكن أقل دهشة من فريد، ~~إلا أنه لم يخامره أقل شك فيما قالت، ففكر قليلا ثم تبسم تبسم الفوز لإدراكه ما كان ~~يبغيه، وقال لفريدة: لقد أخبرني فريد بهذا الأمر فاستغربته جدا، وفكرت به طويلا؛ لذا ~~أشرت عليه أمس بالذهاب إليكم سعيا وراء هذه المقابلة لأستوضحك السبب، وكنت من ساعة وجودنا ~~عندكم إلى الآن أفكر بطريقة أفتتح بها هذا الحديث دون أن آلم شعورك، أما الآن وقد قلت ما ~~قلت، فلا حاجة لزيادة الإيضاح، وما مثلك مع الرجل وفريد ومثل العصافير مع الحية ومعنا إلا ~~كمثل ما نشاهده في الجيوش في الحروب، تساق إليها مرغمة بقوة معنوية أكثر منها مادية تضطرها ~~لملاقاة حتفها وهي تنظر إليه ولا ms31 يمكنها الهرب منه. قال هذا ونظر إلى الأمام فرأى الشيخ ~~قادما من الجهة المقابلة، فقال: وها هو الشيخ قد حضر، وهو سيوضح لنا هذه المعميات فلنسرع ~~الآن لعلنا نصل قبله، فسار الثلاثة مسرعين، وبعد قليل كان الجميع معا قرب المقعد ~~المعلوم. # بعد مبادلة السلام قال نجيب: لا تستغرب يا شيخنا وجود هذه الآنسة معنا، فهي فريدة فريد ~~وهي على ما أعرفها من البنات ذوات القلب والنفس والفكر؛ لذا عسر علي فهم بعض ما حصل لها ~~معه، فأوفدته إليها توطئة لمقابلتها لعلي أقف منها على بعض السبب، والحمد لله فقد تسهل ~~الأمر وسمعت بذكر الشيخ فطلبت التعرف به وسماع حديثه والدرس عليه. ثم قص عليه جميع ما جرى ~~وما قيل. ففكر الشيخ مليا ثم نظر إلى فريدة وقال: يسرني جدا أن أراك هنا وقد تركت ما ~~يروق عادة لبنات جنسك، وجئت إلينا مدفوعة بحب العلم طلبا للمعرفة والحكمة؛ لهذا فإني أرحب ~~بك ترحيبا مزدوجا، ثم مد إليها يده وصافحها. # جلس الجميع ولزموا الصمت هنيهة كأن على رءوسهم الطير؛ حتى افتتح الشيخ الحديث، وقال: إن ~~من ينعم النظر في هذا الكون يرى أن جميع الكائنات تتأثر بعضها من بعض، بلا استثناء من ذلك ~~أي جنس من الأجناس، أو أي صنف من الأصناف، أو أي مملكة من الممالك الثلاث، أو أي عنصر من ~~العناصر، إلا أن التأثير يختلف باختلاف القوى. # لقد سألني فريد بالأمس كيف يتغلب السلبي على الإيجابي أو الإيجابي على السلبي مع بقاء ~~التوازن محفوظا؟ سؤال وجيه، ولكن لو كان هذان العاملان موجودين في القوتين المتنازعتين ~~فقط، ومحصورين فيهما دون غيرهما، وتغلب عامل على آخر صح القول بأن الزيادة في أحدهما ~~والنقصان في الآخر يخل في حفظ التوازن، ولكن حيث إن هذا التغلب لا يتعدى وحدة أو وحدات من ~~مجموع الكائنات بينما العكس يجري على غيرها أيضا إن سلبا أو إيجابا، أو إيجابا أو ~~سلبا، يبقى التوازن دائما محفوظا، لقد قلت لكما والآن أقول لكم: حيث إن أصل جميع ~~الكائنات واحد ms32 كما سيأتي بيانه فيما بعد، وكانت كل وحدة من الكائنات، وكل جزء منها مهما كان ~~صغيرا، وكل مظهر من مظاهرها هو قوة قائمة بذاتها تسير على نظام واحد ثابت تضم إليها أو ~~تنضم إلى غيرها حسب ما بها من قوة نسبية أمام المنضمة إليه أو المضموم إليها، فعلى قدر ~~القوى المتنازعة يكون التأثير والتحول، كما أنه على قدر التجانس يكون الانضمام أو ~~الانفصال. # رأى فريد فريدة فجذب أحدهما الآخر إليه، وبما أنه وجد بينهما تجانس، والتجانس يختلف كثرة ~~وقلة، وهو إما أن يكون تجانس المادة كالدم، أو تجانس الروح، وقد وجد بينهما تجانس دم وروح، ~~فقد ائتلفا وما زالا يقويان ببعضهما ويتصارعان مع بعضهما دون أن يشعرا كما يتصارعان مع بقية ~~العوامل والقوى حسب نظام الكون، فيقوى شيء ويضعف آخر، وينضم شيء وينفصل آخر، والتحول جار ~~مجراه؛ إلى أن صدمتهما بأحدهما قوة أقوى فجذبت فريدة إليها، إلا أن الجاذب كان فقط دمويا ~~لا تجانس للروحين فيه البتة سوى تأثير قوة أحدهما، وهو الرجل الذي كان معها؛ لذا لما ~~تقابل الثلاثة وكان الاثنان متجانسين دما وروحا، أخذت فريدة قوة من فريد؛ بها تغلبت على ~~الرجل الآخر وبقيت مع فريد لأن تجانس الدم يتقلب مع المادة، وتجانس الروح دائم؛ لأن العوامل ~~التي تخضع المادة لها لا شأن لها مع الروح، فالروح هي المظهر الثالث من العنصر الفرد ~~الأصيل. نعم، يمكن الضغط على الروح بواسطة المادة طالما هي متصلة بها، إلا أن هذا التأثير ~~تأثير مفتعل يذهب مع زوال السبب، وليس هو بأصيل، فالروح لا تتأثر فعليا إلا بالروح، وعلى ~~هذا، فإن الحب - وما هو إلا تأثير التجانس بين الرجل والمرأة إذا كان تجانس دم فقط - ذهب ~~عندما يتلاقى ويتحد الدمان؛ لأن القوة التي تصدر من هذا الاتحاد المادي إما أن يأخذها أحد ~~الاثنين فيزداد ميل الأول ويقل ميل الثاني، أو أنها تذهب عنهما فتزول بزوالها تلك العاطفة، ~~أما إذا كان تجانس دم وروح تقوى تجانس الروح باتحاد وتلاقي المادة بما تستنفده روح ms33 ~~الاثنين من تلك القوة الصادرة من تلاقي واتحاد المادة، فتتمتن تلك العاطفة وتلك الصلة، ~~وتصير فيما بعد صداقة؛ لأن الروح تأخذ من المادة وتتقوى بها، ولكن المادة لا تأخذ من الروح ~~بل تحفظ بها. # إن كل وحدة من الكائنات مهما صغرت لهي شبه آلة، فالجماد والنبات آلات صامتة، والأحياء ~~آلات عاقلة، ففي الأولى لا يتعدى التأثير المادة، أما في الثانية فالتأثير بينها على المادة ~~والروح تأثير يجريه الحي على الحي بإرادته مدفوعا بغريزته الفطرية أو بآرائه أو بعوائده ~~المكتسبة أو يتقبله مرغما بالنسبة لصلته بالروح والمادة، فعلى هذا فإن التأثير عام بين ~~الكائنات بأجمعها، غير أن الأحياء تعانيه وتشعر به، والبقية تعانيه بلا شعور؛ لأن الأولى ~~كاملة والأخرى ناقصة، فالأرض بحيوانها ونباتها وجمادها تتأثر بعضها ببعض كما أنها تتأثر ~~بالعناصر الأخرى وبالكائنات العلوية، وتؤثر عليها كما تؤثر الشمس والقمر على الأرض كما نرى ~~في المد والجزر في البحار، رأت الحية العصافير فجاءت إليها مدفوعة إما بطبيعتها الفطرية ~~طلبا للغذاء أو بعوائدها المكتسبة ترفها بالمأكل، وحيث إن القوة التي بالحية إن جسمية أو ~~روحية هي أقوى من العصافير، فقد تسلطت عليها وأوقفتها بقوة تأثيرها رغم ما كانت العصافير ~~تراه من الخطر المهلك، فكانت والحالة هذه، قوتها الإيجابية ضعيفة جدا بالنسبة لقوة الحية ~~السلبية، ولكن لما حضرتم وكنتم مع العصافير على الحية انقلبت الآية وتحولت دفة الميزان فنجت ~~العصافير، وهكذا فإن الغلبة دائما للقوة. قال هذا وصمت قليلا، ثم نظر إلى أصحابنا الثلاثة ~~يستطلعهم فكرهم، وحدق بفريدة بنوع خاص ليعلم مبلغ فهمها وما استوعبته من هذا الشرح، ~~ولكنها لم تطل وقت انتظاره بل قالت له: لقد أفهمني الشيخ الآن بما أدلى به ما كان لغاية ~~الآن مبهما علي فهمه؛ أولا من أمور وحوادث شتى، وثانيا مما لقيت أخيرا في حادثي مع ~~فريد. لقد كنت أسمع كثيرا عن مثل هذا، وكنت أقول: إن هذه المسائل خارقة للطبيعة، وبهذا كنت ~~أقنع نفسي، أما الآن فقد أصبحت يمكنني بناء على هذه القاعدة أن أعلل مسائل ms34 جمة، ولما كان ~~الشيء بالشيء يذكر أقول: كنت ذات يوم مع إخوتي في نزهة، وإذا بطائر كان كأنه جامد في الهواء ~~انقض بسرعة على الأرض، ثم ارتفع وبمنقاره حية فخفنا وارتعبنا قليلا خوفا من أن يفلتها ~~فتقع علينا، فتعجبت جدا من أن هذا الطائر لم يخف الحية بل انقض عليها واصطادها. فتبسم ~~نجيب وقال: لو كنت معنا يا فريدة قبل اليوم حين شرح لنا شيخنا سنة التبادل والتوازن، ~~لعلمت أكثر من هذا، فحقيقة أن من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ؛ فكما أن حيتنا اليوم تقتات ~~بالعصافير، كذلك كان طائرك يقتات بالحية، وحيث إن شيخنا قد أذن بدخولك في مدرستنا، فسنتولى ~~فريد وأنا إفادتك عما سبق وشرح لنا. قال هذا ثم نظر إلى الشيخ وقال: لقد استلفت نظري في ~~كلام فريدة قولها: إنهم خافوا لما رأوا الطائر مرتفعا وبمنقاره الحية، فالخوف كان من الحية ~~طبعا، والخوف يكون عند تغلب القوة المهاجمة على المدافعة، أو على حسب لغتنا الآن السلبي ~~على الإيجابي، فبماذا نعلل تأثيرهم وهم جماعة من الحية، وهي واحدة، وفي حالتها هذه لا قوة ~~فعلية لها مع أنه إذا كان هناك تأثير خوف وجب أن يكون من الطائر صاحب القوة على الحية؟ ~~فأجاب الشيخ وقال: لقد أصبت فيما قلت، ولكم اعلم أن الخوف من الحية في هذه الحالة هو نتيجة، ~~وهم تسلط عليهم عند رؤيتهم للحية، فذكرهم بما كانوا سمعوا وقرءوا عن الحيات فأضعف فيهم ~~القوة، وما أشد تأثير الوهم على الأحياء! ويكون الخوف أيضا من الشيء على قدر توهم الأذية ~~منه، فأذية الطائر للإنسان جزئية، لكن الحية إذا لدغته لربما مات. # الغريزة الفطرية في الأصل هي واحدة في الإنسان كما في بقية الأحياء، وضعت فيها لأجل حفظ ~~كيانها في المرحلة التي تقطعها في حياتها، فهي الميزان في كل حي لدرجة معلومة بين السلبي ~~والإيجابي، غير أنها في بعض أجناس من الأحياء قد ترقت أكثر منها في الأخرى حسب ما طرأ عليها ~~من التأثيرات والتطورات، كما أنها في الإنسان قد ترقت ms35 لدرجة صار يمكن القول عنها: إنها ~~تغيرت معالمها بما حل محلها من ترقي التصور والابتكار، وبما تأثرت به من العادات والأوساط ~~حتى لم تعد البقية الباقية منها تكفي لوحدها لأداء الغرض فوضعوا القوانين والشرائع، وما ~~أحاطوها به من الأوهام لتقوم مقام هذه الغريزة الفطرية لحفظ ميزة الجنس على غيره، وبما أن ~~الغريزة التي بالحيوان هي نفس العقل الذي بالإنسان، وهو من خصائص الروح، وحيث إن هذه هي ~~مشتركة بين الإنسان والحيوان مع حفظ نسبة التفاوت؛ فلهذا كان تأثير الحيوانات ومنها الإنسان ~~بعضها على بعض عظيما كما سبق فذكرت ذلك. لقد قلت لكم الآن: إن كل وحدة من أجزاء هذا الكون ~~هي قوة قائمة بذاتها مهما صغرت أو كبرت، وهي إنما تختلف كبرا أو صغرا بما تقارن به من ~~بقية الوحدات؛ فلهذا فإن تأثيرها يختلف فيما تنضم إليه أو تنفصل عنه أو تصطدم به حسب نسبتها ~~إليه، وفي كل الأحوال لا بد لحصول التأثير فيها ومنها، وهذا التأثير هو سبب اختلاف المظاهر ~~والأشكال وتنوع الأجناس وتعدد الوحدات إلى ما لا نهاية. واعلموا أن الجاذبية ليست سوى مظهر ~~من مظاهر التأثير في المتجانسات إيجابيا أو سلبيا للضم أو للانفصال. فقالت فريدة: إن لي ~~استفهاما آخرا أظن أن له علاقة بالموضوع أرجو من الشيخ إيضاحه، وهو أمر شائع جدا خصوصا ~~بين بنات جنسنا، فالبسيطات الجاهلات تؤمن به والمتعلمات تعده من الخرافات والخزعبلات، ولقد ~~شاهدت جملة حوادث بنفسي أوقعتني في حيرة، ولا بد أن شيخنا يكون قد سمع بمسألة العين وما ~~ينسبون لها من التأثير، وهاكم ما شاهدته بنفسي وما سمعته ممن أثق بهم تمام الثقة: # كنت ذات يوم مع والدتي وأخي الصغير في زيارة عند بعض الأقارب، وكانت هناك امرأة قيل لنا ~~أنها عاقر لم ترزق أولادا، فلما شاهدت أخي قالت لأمي: يا لحسن حظك بهذا الولد، وأحدقت ~~النظر بأخي هنيهة، ولكنها لما خرجت اعترى أخي ألم شديد اضطرنا إلى العودة إلى البيت، ولما ~~كشف عليه وجد في جنبه ألم يشبه العين في ms36 الجهة المواجهة لجلوس تلك المرأة، فداويناه عدة ~~أيام كاد فيها أن يقضى عليه حتى شفي وزال الألم. وأذكر أيضا أني كنت مرة مع بعض صديقاتي ~~فجاءتنا إحدى البنات من أقارب صديقتي ونظرت إلي وكنت أرسم بيدي بعض الرسوم على قطعة من ~~قماش، فقالت: ما أجمل هذا الرسم! وما أخف يدك! فيا حبذا لو كنت أستطيع مثل هذا العمل، فشعرت ~~في الحال بألم في يدي أوقفني عن متابعة الرسم ولم يزل ذاك الألم إلا بعد علاج بضع ساعات. ~~وأمثلة هذه الحوادث كثيرة جدا لا بد أن يكون نجيب وفريد يعرفان أيضا منها الشيء الكثير. ~~فقال نجيب: نعم، إني سمعت كثير عن مثل هذا، ولكن أغرب ما سمعته من هذا القبيل حادثتان: ~~الأولى جرت في بيتنا أرويها عن أهلي، والثانية بالقرب من بستان لعمي، فالأولى هي أنه كان ~~أمام بيتنا دالية عنب كبيرة كانت مرفوعة من مدة مديدة على سقالة من خشب متينة الوضع؛ كي ~~تقاوم عواصف الشتاء، ففي ذات يوم وكان الزمن صيفا والدالية عليها من العنب الشيء الكثير، ~~جاءنا بعض الزائرين ومعهم رجل مشهور عنه على حسب اصطلاحهم؛ أنه يصيب بالعين، وكان أهلي لا ~~يعلمون ذلك فرحبوا بهم حسب المعتاد، وبعد تقديم القهوة قطفوا لهم بعض العناقيد من عنب ~~الدالية وكانت كبيرة الحجم جميلة المنظر حلوة الطعم للغاية، فأكلوا هنيئا، ثم نظر ذلك ~~الرجل إلى الدالية وقال حقا: إن هذا العنب لهو في غاية الجودة، وهذه الدالية هي حقيقة ~~فريدة في نوعها هنا، وفي الحال مالت السقالة وتفككت أخشابها بعضها من بعض وسقطت إلى ~~الأرض. # والحادثة الثانية هي أن عمي كان مدعوا مع أهل بيته عند بعض الجيران في بستان لهم، وكان ~~بين الحاضرين رجل مثل الأول، فجرى الحديث عن العين وتأثيرها فتبسم الرجل وقال: إذا أردتم أن ~~أبرهن لكم على ذلك فليتفضل أي منكم ويعين لي أي غصن من أغصان هذه النخلة؛ وأنا بنظرة من هنا ~~أقطعه لكم، وفعلا تم ذلك مرة ومرتين وثلاثا، فكان هذا الرجل ينظر إلى ms37 الغصن المعين محدقا ~~به فيسقط الغصن كأنه قطع بسكين حادة؛ حتى دهش الجميع وتولاهم بعض الخوف من عينه وأفعالها، ~~فقال الشيخ: نعم، إن هذه الحوادث لهي مما يستلفت الأنظار، ولكنها الآن يجب أن تكون عندكم ~~بسيطة لا تستوجب الاستغراب بعد الذي شرحته لكم، فإن تينك المرأتين في حادثتي فريدة وهذين ~~الرجلين في حادثتي نجيب، يملكون قوة عظيمة تخرج من عيونهم كالسهم فتؤثر على الهدف المسلطة ~~عليه على نسبة قوتها وقابليتها، وكما أن هذا التأثير جرى في هذه الحوادث على المادة مثل يد ~~فريدة وجسم أخيها وسقالة الدالية وأغصان النخلة، كذلك يجري كثيرا على الأرواح وخصائصها كما ~~كان الحال في حادثتي الحية مع العصافير والطائر مع الحية، وكما في التنويم المغناطيسي ~~وانتقال الأفكار وخلاف ذلك، فقالت فريدة لفورها: نعم هذا صحيح، وأزيد عليه بأن الحيوان يمكن ~~أن يؤثر روحا على الإنسان، كما أن الإنسان يمكنه أن يؤثر روحا على الحيوان. # وهاكم حادثة من جملة حوادث سمعتها عن الضباع: كان أحد أصدقائنا مسافرا في ليلة ظلماء ~~شاتية من بلد إلى بلد، وفي الطريق تصدت له ضبع في مكان منفرد، ولما رآها اعتراه خوف شديد ~~أضاع رشده وعقد لسانه وفقد كل قوة للمقاومة أو الهرب، فجمد في مكانه كالتمثال لا يبدي ~~حراكا كأنه أنيم مغناطيسيا، فتقدمت منه وابتدأت تنهشه حيا، وتصادف أن مر من هناك في ~~تلك اللحظة أناس سمعوا أنينه فوجدوه على تلك الحالة فعرفوه وكانت الضبع لما شعرت بقدومهم ~~تركته ولاذت بالفرار فلحقوا بها ورموها بالرصاص فقتلوها، وجاءوا بصاحبنا إلى بيته. فأجاب ~~فريد وقال: لقد كنت سمعت كثيرا عن مثل هذه الأمور، فكنت أنسبها فقط إلى الجبن والذعر أو لا ~~أصدقها، ولكن الآن نرى أنها نتيجة عوامل طبيعية كما بين لنا شيخنا ذلك، حيث شبه جميع وحدات ~~الكون بالآلات الميكانيكية تنبعث منها القوة السلبية والإيجابية، وعلى هذا نرى أنه ظهر لنا ~~سبب كثير من الأسرار. # صمت الجميع هنيهة بعد ذلك محدقين بالأرض لا ينبسون ببنت شفة، ولا يأتون بأقل حركة حتى ms38 قطع ~~نجيب ذلك السكوت بقوله مخاطبا الشيخ: لقد قال الكتاب: «هذا هو الناموس أحبب قريبك كنفسك، ~~وأكرم أباك وأمك.» وقد بين الشيخ لنا في كلامه عن التوازن السلبي والإيجابي أصل حكمة الآية ~~الأولى. والآن بناء على قاعدة التأثير هذه التي لها أيضا مساس بتلك الآية بما يتأثر به ~~الجاني من الانفعالات المسببة عن المجني عليه، يتضح لنا أصل حكمة الآية الثانية؛ لأنه ما من ~~أحد يمكنه أن يشعر بتأثير الوالدين من فرح أو حزن، بغض أو حب، غضب أو سلام، مرض أو صحة أكثر ~~من الأولاد؛ لأنهم أكثر صلة وأكثر تجانسا دما وجسما وروحا، وعادة من أي شخص آخر؛ لأن ~~الأولاد هم جزء من الوالدين كما أن الغصن يتأثر من الأصل أكثر من تأثره من الخارج؛ ولذا فقد ~~قال الكتاب أيضا: «إنه يثأر من الآباء بالبنين إلى الجيل الرابع والخامس»؛ أي: إن التأثير ~~يدوم ما دام التجانس؛ لأنه بعد هذا يضعف أو يضمحل بما يطرأ عليه من التغييرات. وهأنذا أروي ~~لكم حادثة من هذا القبيل سمعتها من أحد أصدقائي قال: كان غلام سيئ السيرة مبذرا، يبعثر كل ~~ما يصل إلى يديه من الدراهم في اللهو والملذات، ضاقت في إصلاحه جميع حيل وإرشادات والديه ~~حتى قبض عنه أبوه يده أخيرا، فلم يعد يعطيه غير النذر اليسير جدا، فتضايق الغلام، وعزم ~~على الفتك بأبيه. وسمعت الأم بالأمر فخافت على زوجها من شر ابنها وعلى الابن من سوء المغبة، ~~فأخبرت الأب بذلك، ورجت منه أن يحتاط للأمر ولا يعرض نفسه للخطر؛ لأنها عرفت أن الابن كان ~~عازما على الإقدام على فعلته في تلك الليلة، أما الأب فلم يعر الأمر ما كانت تنتظره من ~~الاهتمام، بل اكتفى بأن سألها إذا كان هذا الولد حقيقة من صلبه أم لا؟ قائلا لها: إن على ~~صدقك يتوقف أمر حياتي، أما الأم - وكانت امرأة طاهرة الذيل - فقد أكدت للأب أنها لم تخنه ~~قط، وأن الولد هو لا شك ولا ريب من صلبه، فاطمأن الأب لهذا التصريح وقبل امرأته ms39 وخرج رغم ~~توسلها إليه بالبقاء، ولما رجع بالليل كان الولد كامنا له في إحدى منعطفات الدار المظلمة، ~~فلما شعر بقدوم أبيه هجم عليه والسكين بيده، وهم أن يغمدها في صدره إلا أن الأب، وكان ~~حذرا ومتوقعا مثل هذا الهجوم وهذه المفاجأة، صاح بالغلام وقال له: اضرب يا ولد هذا صدري ~~أمامك، فحين سمع الولد صوت أبيه ارتجفت يداه وخارت قواه وسقطت السكين من يده وانطرح على ~~قدمي أبيه باكيا يقبلهما متوسلا نادما واعدا بإصلاح سيره، وفعلا كان ذلك. وأصبح ذاك ~~الغلام السيئ السيرة المسرف من خيرة الناس سلوكا واقتصادا. # ولما كان الشيء بالشيء يذكر، أروي لكم أيضا حادثة حصلت لي شخصيا تبين لنا تأثير ~~التجانس بأجلى بيان: كنت يوما مسافرا إلى حلب الشهباء لأول مرة، وكان معنا أحد المسافرين ~~اخترت محادثته دون غيره لما ظهر لي من الائتلاف بيني وبينه مشربا وفكرا، فقضينا الطريق ~~نتحادث في مختلف الأمور حتى وصلنا إلى محطة قرب المدينة، كان وقوف القطار فيها مقررا له ~~بضع دقائق فقط، ولكن بسبب عطل طرأ على الآلة طال الوقوف كثيرا، فقمنا إلى النافذة لنعرف ~~السبب، فوقع نظري على ناظر المحطة يجيء ويذهب ملاحظا عمل إصلاح العطل، فاستلفت نظري جدا ~~وشعرت حال رؤيته بميل شديد إليه لم أتمالك من إخبار رفيقي به، وكدت لولا أن عاود القطار ~~السير حالا أن أنزل لأخاطب هذا الرجل فأعلم علمه ومن أين هو. مضت على هذه الحادثة مدة، ~~رجعت في خلالها من سياحتي والتقيت بعدها بصديق سألني عما إذا كنت لم أجتمع هناك برفيق صبانا ~~فلان؟ فقلت: وأين هو؟ فقال: إنه ناظر محطة كذا، فعلمت إذ ذاك أن ذلك الذي شعرت بالميل إليه ~~لم يكن سوى ذلك الصديق؛ فلهذا لما رأيته في تلك البلاد، وكان أكثر تجانسا معي من جميع ~~الباقين، شعرت بهذا التأثير. وعليه، أفلا نرى أيضا مثلا أن الإسكندري يأتنس بابن ~~الإسكندرية في القاهرة، والمصري بالمصري في الشام، والشرقي بالشرقي في أوروبا، ولو اختلف ~~عنه بلدا وأصلا ولغة؛ لأنهما فيما بينهما ms40 أكثر تجانسا منهما مع الغربي، وعلى هذا قال ~~المثل: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب. # فقال فريد: وإني أنا أيضا أروي لكم بعض الحوادث مما كنت أستهجنه أولا لعدم معرفتي ~~لأسبابه، أما الآن فقد أصبحت أنظر إليه بغير تلك العين. كان لي قريب فقير يسكن في بيت حقير ~~منزو في إحدى نواحي القرية، فأثرى بعد ذلك هذا القريب وأراد أن يحسن حالة مسكنه، فبدلا ~~من أن يبني بيته الجديد في موقع أطلق هواء وأجمل موقعا؛ هدم بيته القديم وأقام في محله ~~بيته الفخيم الجديد، فضحكت وقتئذ من فعلته هذه، فقال لي: إنه يشعر بحنان إلى موضع بيته ~~القديم وبميل شديد إلى ذلك المكان؛ حيث ولد وعاش صبيا وشابا. وكان في حديقتنا شجرة ~~كانت تأتيها ليلا جميع عصافير الجوار لتبيت فيها دون غيرها، حتى كادت أن تتلف، فعمدت جملة ~~مرار على تحويلها إلى مبيت آخر، ولكن عبثا كنت أفعل، أخيرا اضطرني الأمر لاتخاذ طرق شتى ~~تمكنت فيها نهائيا من إبعاد العصافير عنها إلى غيرها حتى سلمت. وهذا شاهد آخر على أن ~~قريبي ذلك وهذه العصافير كانوا مدفوعين بتأثير العادة والذكرى، ذاك للبقاء في موضعه، وتلك ~~للمبيت على الشجرة. فقال الشيخ: وبدافع التجانس أيضا لما تأثر قريبك به من بيته، والعصافير ~~من شجرتك سلبا وإيجابا، أخذا وعطاء، حتى أصبح البيت والشجرة فيهم ومنهم أكثر من المواقع ~~والأشجار الأخرى. قال هذا وهم بالقيام وإلقاء كلمة الختام، إلا أن فريدة نظرت إليه نظرة ~~رجاء وقالت: بقي أمر آخر عن التأثير والشعور أريد قبل أن ننتقل إلى بحث جديد أن أستوضح الشيخ عنه؛ ~~لأنه كثيرا ما شغل ذهني وبحثت فيه مليا دون أن أتوصل لمعرفة السبب الحقيقي له، ولكن مما ~~فهمت الآن فإنه لا بد أن يكون هناك سبب طبيعي واضح لهذا: لقد كنت عندما آتي بأي عمل يؤذي أو ~~يضايق أحدا؛ أشعر بانزعاج داخلي على قدر تصوري للأذية وللمضايقة، وكنت أيضا أشعر بعض ~~الأحيان بمثل هذا الانزعاج دون أن أفعل ms41 شيئا، وقد كنت أيضا عندما أسر أحدا أو أنفعه ~~أشعر بارتياح وسرور، كما أني أيضا كنت أشعر بمثل هذا بدون سبب، ولكني في كلا الحالين كنت ~~عندما أخبر بعض رفيقاتي بالأمر كان هذا الشعور إن بالارتياح أو بالانزعاج يخف وأحيانا كان ~~يزول. فما هو سر هذا يا ترى؟ فأجابها الشيخ وقال: اعلمي يا ابنتي أن التأثير الذي يرسله ~~المصدر إلى المرسل إليه يخف أو يزول إذا تعداه إلى شخص آخر حسب قابلية هذا للقبول والتصدير ~~بأسرع مما لو حصر في المرسل إليه؛ لأنه في إذاعته تقاومه عوامل خارجية رأسا بخلاف ما لو ~~كان بقي محصورا؛ لأن المقاومة في هذه الحالة تبقى محصورة بين القوتين المرسلة والمرسل ~~إليها فقط، والتأثير يكون عليهما حسب ما بينهما من التكافؤ أو التفاوت، وعلى هذا الأساس ~~بنيت حكمة الاعتراف والإقرار، ثم اعلموا يا أولادي أنه كثيرا ما يلتقط الإنسان رسالات فرح ~~أو حزن غير موجهة إليه رأسا؛ فيتأثر بها على قدر قابليته الوقتية، فهو والحالة هذه، مثل ~~آلة اللاسلكي التي تلتقط ما يوجه إليها أو ما يمر في طريقها موجها إلى غيرها، فإذا دخل ~~الواحد منكم مأتما مثلا وكان فرحا مسرورا، تولى عليه الحزن والأسي، كذلك إذا دخلتم ~~عرسا وكنتم حزانى، تبدل حزنكم بسرور وطرب، فاكتفوا الآن بهذه، وسأزيدكم غدا بيانا، فقد ~~أزف وقت الفراق فانعموا مساء، وموعدنا هنا غدا كما كان بالأمس واليوم، فشكروا له ~~إيضاحاته، وتقدم منه فريد ووضع في يده بعض الشيء فشكر وحيا وقام. # | الفصل السابع # إن سنن الطبيعة هي واحدة في الممالك الثلاث. ~~*** # تناول الشيخ عصاه وقام متوكئا عليها وولى وجهه هذه الليلة شطر المدينة، ولما ابتعد ~~قليلا قال نجيب لفريدة: عسى أن لا تكوني حاقدة علي وعلى فريد لدخولك مدرستنا، فإذا كان ثمة ~~حقد فيجب أن يكون علي فقط؛ لأن فريدا لم يفعل إلا ما أوحيت به. فنظرت إليه فريدة فرأته ~~باسما، فعلمت أنه إنما أراد المداعبة والمزاح، ولا غرو؛ فإنه كان يعرف عن فريدة رغبتها ~~بالبحث وشغفها بمثل ms42 هذه المواضيع وتفضيلها لها على أي شيء آخر. فأجابته قائلة: قبل أن أجيبك ~~قل لي كم الساعة الآن؟ فنظر الاثنان إلى ساعتيهما وكانت الساعة التاسعة، فقالت: هيا بنا؛ ~~ولنسرع لأن وقت العشاء قد حان والجميع في البيت ينتظرون قدومنا، فلنذهب إذا شئتما ولا داع ~~للإلحاح، فنأكل عندنا سويا وهكذا يمكننا تمضية بقية السهرة في متابعة دروسنا، أليس ~~كذلك؟ # قالت هذا ونظرت إلى نجيب، ثم قالت: ومن هنا تعلم إذا كنت حاقدة أو مسرورة، أما إذا كنت لا ~~تريد إلا أن تسمع كلمة الشكر مني، فإني أهديكها، لا بل أهديكهما إياها بكل اغتباط وسرور. ~~ضحك الثلاثة لهذا وقبلا صاحبانا الدعوة، فركبوا إحدى العربات تقلهم إلى منزل فريدة، فجلست ~~فريدة في الوسط على يمين فريد، وجلس نجيب بجانبها يرقبها بكل اهتمام ليرى ما يبدو على وجهها ~~ووجه فريد، وهما بقرب بعضهما، من التأثيرات بدون أن ينتبها إليه؛ لأنهما كانا غارقين كل ~~منهما في ما كان يفكر فيه. # سارت العربة مسرعة وهم على هذه الحال حتى وصلت إلى أول الجسر، فتنبه فريد حينئذ ونظر إلى ~~الماء، وكانت الحالة كما كانت يوم النزهة من بضعة أيام، فتذكرها ونظر إلى فريدة ونظر إلى ~~نجيب وتبسم وقال: سبحان من يغير ولا يتغير، فأجابته فريدة لفورها - وكانت كأنها أفاقت من ~~سباتها: صدقت، سبحانه على كل حال، ثم صمتت قليلا واحمرت وجنتاها؛ لأنها ذكرت وجودها مع ذلك ~~الرجل يوم رآها فريد ولم تره، ولكنها لم تلبث حتى عبست وبانت عليها ملامح الجد والعزم، ~~وقالت: قل لي يا فريد أين كنت يوم الخميس في مثل هذه الساعة؟ قالت هذا بلهجة الآمر ~~المستعلم، فحار فريد في أمره لهذا السؤال ونظر إلى نجيب مستفهما مستنجدا وسكت، فلحظت ~~فريدة عليه حيرته وارتباكه، فقالت: لماذا لا تجيب على سؤالي؟ فإن الأمر له علاقة بما سمعنا ~~الآن من الإيضاح، فقل لي ولا تتردد حتى ولو كان هناك ما يدعو إلى الكتمان والمجاملة أو ~~الخجل، فنظر فريد إلى نجيب ثانية وقال: ما رأيك يا نجيب ms43 في سؤال فريدة؟ فأجابه نجيب وقال: ~~تكلم يا أخي، فالحقيقة يجب أن تقال ولو جرحت، وفريدة أعقل من أن تجرحها الحقيقة، ونحن الآن ~~هنا نتكلم بالروح، والروح ليس لها جنس، فهي لا ذكر ولا أنثى، فقال فريد: إذن فلنترك ~~المجاملة والخجل: لقد كنا هنا يا فريدة، لا بل كنا في أحد القوارب نتنزه في النيل نروح ~~ونجيء أمام هذا المكان. فاحمر وجه فريدة أولا ولكنها تملكت نفسها وتبسمت وقالت: أنت ومن؟ ~~قال: نحن الاثنان: نجيب وأنا. فقالت: إذن لقد رأيتماني؟ فقال: نعم، لقد رأيناك، لا بل ~~رأيناكما. فقالت: كفى، لقد فهمت الآن سر انزعاجي تلك الليلة وهذا ما كنت أريد معرفته لقد ~~صدق الشيخ فيما قال؛ فإن تلك الليلة قد التقطت جميع ما وجهت إلي من التأثير؛ لأن انزعاجي ~~كان لدرجة قصوى حتى غيرني من حال إلى حال، فثق بأن جميع حبي الماضي لك قد تحول إلى صداقة ~~خالصة لقد خنقت الصداقة الحب فنمت به وتقوت بما تغذت من أشلائه كما يتقوى الإنسان الضعيف ~~بما يأكل من لحم حمامة أو حمل. فقال نجيب: وهذا دليل على تجانسكما مادة وروحا، ولولا ذلك ~~لانقلب الحب إلى بغض شديد قتال؛ لأن الضعيف إذا أكل لحم الأفعى بدل الحمامة والحمل مات ~~بدلا من أن يتقوى. # وصلت العربة إلى منزل فريدة فنزل الثلاثة ودخلوا البيت فوجدوا الجميع على وشك تناول ~~الطعام فسار الكل إلى قاعة الأكل، فتعشوا وتسامروا قليلا، ثم خرجوا إلى الجنينة طلبا ~~للنزهة يتمشون بين زهورها وأشجارها كل مع من طابت له مسامرته من الحاضرين، أما فريدة ونجيب ~~وفريد فقد انفردوا لوحدهم يتابعون حديثهم. وفيما هم كذلك ابتعدت فريدة قليلا وأسرعت إلى ~~مكان مخصوص في الحديقة حيث كانت منذ مدة زرعت زهرة نادرة كان أحد أصدقائها أهداها إليها ثم ~~عادت كئيبة؛ لأن تلك الزهرة كانت قد ذبلت وتلاشت بما نبت حولها من الأعشاب الأخرى، شعرت ~~فريدة بعد ذلك بألم في رأسها فاستأذنت من صاحبيها ودخلت حجرة نومها بعد أن اتفقت معهما على ~~المقابلة ms44 لميعاد الغد، كان دخول فريدة حجرتها كمنبه للقوم للذهاب فانفرط عقد الحاضرين وذهب ~~نجيب وفريد مع من ذهب كل منهما إلى منزله، حيث إن الليل كان قد انتصف. # في اليوم التالي اجتمع أصحابنا الثلاثة وساروا للقاء الشيخ فمروا في طريقهم وسط الحديقة ~~الكبيرة، وكان الناس ذرافات يروحون ويجيئون في مماشيها، وقد جلس بعضهم على الخضرة تحت ظل ~~الأشجار وبعضهم نام في الشمس، وكانت الطيور تحوم هنا وهناك فوق الناس، تحط تارة على الأرض ~~وطورا على الأشجار، فتلتقط شيئا ثم ترتفع، وكان بعضها يتنقل من جهة إلى أخرى ومنقاره ~~بالأرض يبحث عن الديدان ليقتات بها، وكان البستانيون منهمكين كل في عمله في خدمة الحديقة؛ ~~فمنهم من كان يقتلع الأعشاب من بين الزهور، ومنهم من كان يروي الأرض، ومنهم من كان يحرثها، ~~وكان البعض يسمد بعض القطع لإعدادها للزرع، وبعضهم يلقي البذور أو ينقل النبت من مكان إلى ~~آخر. # مشى أصحابنا وسط هذا كله وهم صامتون يفكرون فيما يرون، ولكنهم لم يلبثوا حتى استوقف ~~أنظارهم بعض المشاهد، إذ كان أحد البستانيين قد تسلق نخلة شامخة وكان بيده شيء أخذ ينفضه ~~على ما كان عليها من الحمل. فقال فريد لنجيب: انظر يا أخي إلى جشع الإنسان فإنه يريد أن ~~يحصر كل شيء فيه ويحرم غيره حتى من قوته، فها إننا نراه وقد ركب الأخطار وتسلق هذه النخلة ~~العالية يرمي على حملها من المواد ما تعافه بقية الطيور والحيوانات؛ ليحفظه بجملته لنفسه ~~ويجنيه كاملا حين نضجه. فأجابه نجيب وقال: إني وإن كنت أوافقك تمام الموافقة على ما يختص ~~بالجشع الإنساني، إلا أن ما يفعله هذا الرجل الآن فوق النخلة ليس هو ما توهمت، بل إنه إنما ~~يقوم بعملية التلقيح، فإن ما تراه في يده ينفضه عليها ما هو إلا جنبي نخلة ذكر، جاء به ~~هذه النخلة الأنثى؛ ليثبت وينمي وينضج به ما عليها من الحمل. فتعجب فريد من هذا، وقالت ~~فريدة: هل يوجد أيضا بين النبات ذكر وأنثى! سبحان الله، إن هذا لعجيب غريب! ms45 فأجابها صوت من ~~ورائها وقال: نعم، ولكن ليس في الطبيعة شيء غريب، بل إن الغرابة تظهر لمن لا ينظر إلا ~~للظواهر فقط، فالتفت الجميع إلى الوراء فرأوا الشيخ واقفا خلفهم وقد كان في الحديقة حينما ~~دخلوها، فرآهم ذاهبين إلى المقعد المعلوم فتبعهم دون أن يروه، ولم يشأ بادئ بدء أن ينبههم ~~إلى وجوده؛ لئلا يعكر عليهم صفوهم ويضايقهم بوجوده معهم فسار وراءهم كظلهم حتى وقفوا تجاه ~~النخلة، وكان من حديثهم ما كان ففرحوا بهذه المباغتة، وحيوه بكل احترام فرد عليهم التحية ~~بأحسن منها، واعتذر لهم عن مقاطعتهم الحديث. ثم تابعوا السير جميعا وتابع هو الكلام ~~قائلا: اعلموا يا أولادي أن سنن الطبيعة هي واحدة في جميع أجزاء الكون، كما هي واحدة في الممالك ~~الثلاث، وهي تسير على نظام أثبت من الثبات، وتنفذ بدقة تامة، ولو اختلف شكل التنفيذ؛ لأن ~~الأصل واحد. فالسلبي والإيجابي هما في كل شيء يتجاذبان بما تفرع عنهما من الوحدات التي لا ~~تعد ولا تحصى فيتأثران بفروعهما دون أن يختلا بالمجموع، وعلى قدر التأثير تتغير الظواهر ~~فيأخذ هذا من ذاك وذاك من هذا، فيتغير الآخذ والمأخوذ منه ويتحول هذا من شكل إلى أشكال أو ~~من وحدة إلى وحدات وذاك من أشكال إلى شكل أو من وحدات إلى وحدة للناظر، ولكن الأصل باق لا ~~يتغير مثل الماء سائلا ومتجمدا وسحابا. # يجامع الحيوان أنثاه فيتولد منهما حيوان فيعطيان ويأخذان، ويتغير الكل مظهرا رويدا ~~رويدا حسب التأثيرات الكلية والجزئية الأرضية والجوية التي تؤثرها أرضنا على موجوداتها ~~وأجزائها، أو حسب التأثيرات والعوامل التي تتأثر بها أرضنا من العوالم والأفلاك والكائنات ~~الأخرى، كما نراه ونشعر به من تأثير الشمس والقمر مثلا علينا وعلى أرضنا وعلى ما فيها وما ~~عليها. وما الجاذبية سوى تأثير تجانس العناصر بعضها على بعض ليلتحق كل عنصر بعنصره والغلبة ~~للأقوى. ترمي قطعة خشب من علو وهي بشكلها هذا عنصرها الترابي الغالب، فتقع مجذوبة على ~~الأرض، ولكن إذا حللت بالحرق فالهواء الذي فيها يذهب مع الهواء وماؤها يتبخر والنار ms46 التي ~~فيها تلتحق بعنصرها، حتى إن ترابها الذي هو الرماد يضيع من مناعته النسبية أمام بقية ~~العناصر، فيتغلب الريح عليه فيجذبه إليه ويطير معه، وعلى هذا أقول لكم: إن لا شيء يخلق نفسه ~~ولا شيء يفنى، بل إن الكون موجود والكل باق غير أن المظاهر تتحول وتختلف وتتغير. # لقد قال الكتاب: لا شيء جديد تحت الشمس؛ لأن التحول عام شامل، قصرت مدته أو طالت. قالوا: ~~إن التاريخ يعيد نفسه بما يختص بالحوادث، وأنا أقول لكم أيضا: إن الطبيعة أصل الحوادث، ~~تعيد أيضا نفسها؛ لأن سننها واحدة في الممالك الثلاث، كما أن أصلها واحد، فما هو حاصل الآن ~~على كرتنا الأرضية حصل قبل ذلك ما يشابهه في القمر، أو في الأجرام التي سبقت الأرض في ~~تكوينها وصلاحيتها للحياة النباتية والحيوانية، كما أن حالتها الآن سوف تتبدل وبما فيها ~~وبما عليها إلى شكل أو أشكال أخرى، بما سيطرأ عليها من عوامل التأثير. نعم، هذا لا بد له من ~~زمن، ولكن الزمن ليس موجودا في الطبيعة؛ أي في الأصل؛ لأن الأصل أبدي أزلي سرمدي، والزمن ~~هو فقط للزائل المحدود يختلف قلة أو كثرة حسب قلة أو كثرة الشيء ومناعته الوحدانية، وسوف ~~يأتي زمن تكون فيه أرضنا في حالتها، كما هي الحال الآن فيما سبقها من الأجرام ~~نسبيا. # وصل الجميع إلى حيث المقعد الخشبي موضع الاجتماع، فصمت الشيخ وجلس الجميع بجانبه وبقي ~~هنيهة صامتا ناظرا أمامه كأنه يستوحي الوجود، ثم عاود الكلام قائلا: إنكم لو نظرتم ~~بإنعام وتفكر إلى ما شاهدتموه الآن يجري في الجنينة حيث مررتم والتقينا؛ تجلت لكم أسرار ~~وسنن الطبيعة بأجمعها، فيمكنكم تطبيقه على ما سبق فشرحته لكم، وعلى ما سوف تسمعون: # لقد رأيتم الطيور تنقد الديدان من الأرض لتقتات بها، والناس تنظر إليها، فكأنها عرفت أن ~~الإنسان يحميها ويعاونها على عملها هذا، وإذا تساءلنا عن سبب سكوت الإنسان؟ أجابنا: الواقع ~~بأن الديدان التي تلتقطها هذه الطيور هي مما يزاحمه على زرعه، فرأى في هذه الطيور عونا له ~~على التخلص من ms47 مزاحم حال كونه في ظروف أخرى نراه ينقض على تلك الطيور فيقتنصها ويقتات ~~بلحمها، ويدثر بريشها ويتزين به فهذا المظهر يمثل الحياة الحيوانية، وهو يعم جميع أجناسها ~~من الميكروب الصغير الذي لا يرى إلا بالمنظار إلى الفيل العظيم، ومن الدودة التي ليس فيها ~~من الروح سوى الروح المحركة إلى الإنسان ذي الروح الراقية المخترعة. فما هو الفرق يا ترى ~~بين هذه الطيور تحط فتلتقط تلك الديدان فتقتات بها، وبين الإنسان يصطاد الأسماك ويقتنص ~~الغزال ويرمي الطير بنباله ورصاصه، ويذبح الغنم والبقر والماعز ليأكل لحمها، ويستعمل بقيتها ~~في منافعه؟ ما الفرق يا ترى بين هذه الديدان وهذه الطيور وبين الطيور بعضها مع بعض؛ فينقض ~~الباشق فيأكل العصفور، وبين الحيوانات أيضا بعضها مع بعض فيهجم الذئب على الغنم والأسد على ~~البقر، والثعلب على الفرخة فيقتات هذا من ذاك وذاك من هذا؟ ما الفرق يا ترى بين الإنسان ~~يطارد الوحش فيقتله ويظفر الوحش به فيأكله؟ لا بل ما الفرق بين الحيوانات تأكل بعضها بعضا ~~وبين الإنسان في قبائله المتوحشة يأكل أيضا بعضه بعضا؟ ما الفرق أيضا بين الإنسان يأكل ~~لحم بعضه كما كان قديما، وكما هو الآن باقيا ليومنا هذا في بعض القبائل المدعاة غير ~~المتمدينة وبين الإنسان الحالي الراقي المتمدين يفتك بعضه ببعض بما يسعره بينه من الحروب ~~الطاحنة، ويستعبد قويه ضعيفه منمقا لذلك ما يحلو له من الألفاظ من استعمار أو حماية أو ~~رقابة وانتداب؟ أليس أصل هذه الأعمال واحد؟ إن الطبيعة واحدة في الإنسان والحيوان في جميع ~~أجناسهما، وما التمدن سوى طلاء يغطي مظاهرها، ويختلف كثافة باختلاف درجة الفرد أو المجموع ~~في التعليم أو التقليد أو الأخلاق المكتسبة، والرقي يدوم هذا الطلاء طالما لا يمس الأصل حتى ~~إذا ما مس هذا ثار ثائر ونفض عنه ذلك الغبار المغشى وتجلى بحقيقة طبيعته. فلا تغتروا يا ~~أولادي بالمظاهر فإن الطبع غالب والتطبع مغلوب. فتبسم فريد وقال: لقد صدق شيخنا، وقد ذكرني ~~هذا البيان بقصة قرأتها أخيرا: قيل إن ملكين من الملوك كان ms48 له وزير حازم مجرب، فكان يصدر ~~عن رأيه، ويتعرف اليمن في مشورته، ثم إنه هلك ذلك الملك وقام بعده ابنه، فعجب بنفسه واستبد ~~برأيه، فقيل له: إن أباك كان لا يقطع أمرا دونه، فقال: كان أبي يغلط في ذلك، ولكن سأمتحنه ~~بنفسي. فأرسل إليه وقال: أيهما أغلب على الرجل الطبع أو التطبع؟ فقال له الوزير: الطبيعة ~~أغلب، لأنها أصل، والتطبع فرع. فدعا بسفرته، فلما وضعت أقبلت سنانير بأيديها الشمع فوقفت ~~حول السفرة، فقال الملك للوزير: اعتبر خطأك وضعف مذهبك متى كان أبو هذه السنانير شماعا، ~~فسكت عنه الوزير وقال: أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة فقال: ذلك لك. فخرج الوزير فدعا ~~بغلام له فقال: التمس لي فأرة واربطها بخيط وجئني بها، فأتاه بها الغلام، فعقد الخيط في زر ~~ثوبه وطرح الفأرة في كمه، ثم راح من الغد إلى الملك فلما حضرت سفرته أقبلت السنانير بالشمع ~~كالعادة، فأخرج الوزير الفأرة من كمه ثم ألقاها إليها، فتسابقت السنانير إليها ورمت بالشمع ~~حتى كاد البيت يضطرم نارا، فقال الوزير: كيف رأيت غلبة الطبع على التطبع، ورجوع الفرع إلى ~~أصله؟ فقال الملك: صدقت. فقال له الشيخ: بارك الله فيك يا فريد. # هذه أيضا حكاية تفهمكم أن لا فرق بين هذه السنانير حملة الشموع على مائدة الطعام، وبين ~~الشعوب الإنسانية في مقرراتها على مائدة السياسة، فكم أبرمت من مواثيق وقفت حينا بموجبها ~~وقفة زينت بها المظهر الإنساني الراقي، ولكنها تحولت عنها حالما ظهرت لها فأرة المنافع؛ ~~فأحرقت وخربت وقتلت وشنعت، ولم تبال بما سنته من الشرائع، وبما وضعته من القوانين وبما ~~حللته وبما حرمته وبما ادعت نزوله وحيا، بل سارت في طريقها لا تبقي ولا تذر ولم تقف إلا ~~عندما صدمها حائل تقوى عليها فلم تستطع اقتحامه، فسكن ثائرها مغلوبة من القوة المصادمة ~~الطبيعية ولم تكن من قبل لتوقفها العوائق التطبعية. فإني قد قلت لكم وأعيد القول بأن الغلبة ~~فقط للقوة ولو اختلفت مظاهر القوة؛ لأن القوة هي الطبيعة وهي أصل التأثير؛ ولهذا فقد جاء ms49 ~~بالكتاب الكريم؛ من له يعطى ويزاد ومن ليس له يؤخذ منه ماله؛ لأن الضعيف من الكائنات ~~يجذبه الأقوى إليه، فيضمه بطرق شتى ويحوله إلى مظهره تبعا لسنة التأثير، ويبقي المظهر ~~الجديد شاملا إلى أن يتحول إلى مظهر آخر؛ لأن العوامل المكونة بقوة حركتها الدائمة هي ~~نفسها المحولة، وهكذا إلى ما لا نهاية له. # انظروا يا أولادي إلى هذه العناكيب وإلى شباكها التي تخيطها على هذه الشجرة فوقنا من ~~نسيجها لتصيد بها الذباب قوتها، أليست هي مثل هذه الشباك التي بيد هذا الصياد أمامنا ~~يلقيها في الماء يصيد بها الأسماك؟ أوليست هي أيضا مثل تلك الشباك الشائكة التي يصنعها ~~الإنسان في حروبه الآن؛ ليمنع بها أعداءه من الدنو إليه؟ # ترك الناس تلك الطيور تنقد تلك الديدان؛ لأن الديدان تضر بزرعهم، ولكن لو كانت سقطت تفاحة ~~أو ثمرة مما يطيب لهم أكلها، فهل كانوا يتركونها لتلك الطيور أو يتركون الطيور تقربها؟ كلا، ~~ثم كلا، ولكن تلك الديدان نفسها سوف تقتات بدورها من تلك الطيور ومن الإنسان أيضا الذي لم ~~يدافع عنها طبقا لسنة التبادل، فالسلبي يثأر لنفسه من الإيجابي، والإيجابي يثأر لنفسه من ~~السلبي. # يتوالد الحيوان بمجامعة ذكره لأنثاه، لا فرق في ذلك بين طير السماء وسمك البحار ووحش البر ~~وكل ذي نسمة حية، كما يجري بين الرجل والمرأة لا فرق في الأصل البتة بين هذا وذاك، فالذكر ~~الزارع والأنثى الأرض المنبتة، وهو بالنسبة إليها يمثل العنصر السلبي، وهي بالنسبة إليه ~~تمثل العنصر الإيجابي، وباجتماعهما يظهر في الوجود آخر بشكله المعلوم، وهو في الوجود من قبل ~~ومن بعد، فيسير سيره تتجاذبه العوامل الأخرى من بقية الكائنات تحت نظام التأثير والأخذ ~~والعطاء، فيأخذ منها ويعطيها ويتأثر بها وتتأثر به إلى أن يتبدل ذلك الشكل ليأتي شكل آخر، ~~وهكذا إلى ما لا نهاية له. # هذا فيما يختص بالمملكة الحيوانية وهو عين النظام الذي يتمشى عليه النبات والجماد. لقد ~~شاهدتم البستانيين يقتلع بعضهم الأعشاب من بين الزهور؛ ليبعد عنها مزاحما يمتص من خواص ~~الأرض ؛ ما ms50 لو بقي لها وحدها لامتصته هي؛ فنمت وتقوت وأتت بمحصول كثير، أخليت الأرض لتلك ~~الزهور؛ فنمت وأزهرت كثيرا، ولكنها في سيرها هذا لم تخرج عن سنة التأثير والتبادل. خلصها ~~الإنسان من مزاحم فامتصت قوته فازدادت نموا، وأخذ الإنسان من زهورها مقابل تعبه لها، ~~تأثرت قوتها بما امتصته من المواد المنمية، فنمت بزيادة ستدفعها من ضعفها في السنين المقبلة ~~إذا لم يتداركها عامل غير اعتيادي يمنع ذلك الضعف ليثبت توازن ذلك النمو؛ لأن من قاوم ~~الطبيعة صرعته الطبيعة؛ لأنها هي الأصل وهي المتبوع وكل شيء لها ولأحكامها تابع، فمن خالف ~~سننها ولم يماشها لا يطول أمده، وهذا سر ما رأيتموه من فعل البعض الآخر من البستانيين، إذ ~~كان بعضهم منهمكا في تسميد الأرض وبعضهم في نقل النبات من مكان إلى آخر، وفي حرث بعض قطع ~~من الأرض وري بعضها، فعملهم هذا هو ذلك العامل الغير الاعتيادي الذي لولاه لوقف ذلك النمو ~~وتحولت قوته إلى ضعف، وهو عمل تساوى فيه النبات والجماد فلو لم ينقل النبات من مكانه إلى ~~مكان أصلح به من الخواص المنمية ما ليس يوجد في مكانه حيث كان لما نما وترعرع، ولو لم تسمد ~~الأرض وتحرث وتروى لإعطائها من الخواص عوض التي فقدتها بإجهادها بالزرع لما كانت أخصبت، ~~وهكذا فهي أعطت وأخذت، وأخذ النبات فأعطى، وأعطى الإنسان فأخذ. وبهذا عمت هذه السنة الممالك ~~الثلاث. # أجابت فريدة وقالت: ولكن لو لم تسمد الأرض وتروى وتحرث لكانت أيضا أنمت تلك النباتات ~~فأزهرت زهورها فجناها الإنسان دون تعب؟ أجابها الشيخ وقال: اعلمي يا بنيتي أن ذلك الإنماء ~~كان يكون في هذه الحالة نسبيا على قدر ما كان بقي في الأرض من المواد المخصبة، وما تكون ~~أخذته في تلك الفترة طبيعيا عاديا؛ لأن ذلك العامل الغير العادي الذي به استغلت الأرض ~~فأنمت النباتات يجب حتى يبقى ذلك الخصب وذلك النمو محفوظا؛ أن يقابل بعامل غير عادي أيضا، ~~وفي هذا يتساوى أيضا الحيوان بجميع أجناسه، فالإنسان أو الطير أو الوحش أو السمك الذي ms51 ينمو ~~نموا مفتعلا لا بد أن يعقب نموه هذا رد فعل يظهر بتوقف ذلك النمو أو بانحطاطه إذا لم ~~يدعم بعامل مفتعل آخر. خذي يا بنيتي نفسك مثلا ولنقل أن قواك تمكنك من الذهاب مشيا من ~~البيت إلى الأهرام مرة في اليوم، ولكنك إذا أجهدت نفسك وذهبت مرتين، فهل يمكنك في اليوم ~~الثاني أن تذهبي كما كنت تذهبين من قبل دون أن تعوضي ذلك الإجهاد إما براحة أزيد من قبل أو ~~بأكل أكثر تغذية من قبل، أو بتناول أي مقو يعيد لك قواك التي فقدتها بذلك الإجهاد؟ أقول ~~لك: كلا، فإنك إن لم تستعيضي عن المرة الزائدة بأي عامل آخر فإنك لا يمكنك الذهاب في ذلك ~~اليوم كما كنت تذهبين من قبل، كما هي الحال مع تلك الأرض وتلك الزهور؛ لأن السنة واحدة، ~~فكما أن الجمل إذا حملته فوق طاقته رزح تحت الحمل، كذلك قطعة الحديد أو الخشب تنكسر أو ~~تلتوي إذا لم تدعم وتتقو. # تشاهدون بين الحيوان أن هذا الصنف الذي يعيش في تلك البقعة أو في تلك القارة هو أقوى أو ~~أضعف من ذاك الذي يعيش في غيرها، كما أنكم ترون هذا أيضا بعينه بين النبات وبين الجماد، ~~فكم نسمع البائع يقول: بسوسي يا شمام، بلدي يا برتقال؛ حتى يظهر أفضيلة ما معه على غيره، ~~وكم نلاحظ أن سكان الجبال هم أقوى بنية من سكان السهول مثلا، وسكان الأرياف هم أقوى وأصح ~~جسما من سكان المدن، وأن هذا الصنف من الحديد أو الفولاذ أو الفضة أو الذهب أو أي معدن آخر ~~يختلف باختلاف البقعة التي استخرج منها، أفليس هذا كله منشأه سنة التأثير التي تعم الممالك ~~الثلاث؟ # فقال نجيب: لقد حل لي الشيخ بما أبانه الآن عقدة طالما حاولت حلها، فلم أتوفق لما كان ~~يعترضني من المتناقضات، إذ كنت عندما أتعب من البحث فيها بلا جدوى مقنعة أنسبها إلى عمل ~~سماوي لغاية مجهولة. # لقد قال الكتاب الكريم: إن الإسرائيليين عند خروجهم من مصر وعلى رأسهم موسى الكليم ، ذاك ms52 ~~الرجل العظيم الذي أخذ العلم والحكمة على كهنة مصر، ففاقهم جميعا، وأتى بمعجرات أذرت بجميع ~~ما عملوا قد تاهوا في برية سيناء أربعين سنة، وفي موضع آخر يقول الكتاب: «إن موسى هرب بعد ~~قتله المصري إلى تلك البقعة نفسها، فعاش فيها العشرين سنة، ومنها تزوج فعرفها طبعا وعرف كل ~~مجاهلها.» فهل يعقل يا ترى، أن رجلا مثل هذا، وقد تصدى لخلاص قومه من رق العبودية، وقاد ~~ذلك الشعب بأكمله رجالا ونساء شيوخا وأطفالا؛ يأتي إلى ذلك المكان فيتيه فيه ولا يعود ~~يعرف منه له مخرجا طول هذه السنين؟ أمام هذا كنت أقف حائرا لا أجد لهذه العقدة حلا ~~موفقا معقولا، فكان فكري أمامها يصبح تيها يتيه فيه عقلي، أما الآن فأرى أن موسى وقد كان ~~توفق لتنفيذ الشطر الأول من خطته وعرف كيف يجتاز بقومه في ساعة جزر في بحر القلزم في مكان ~~يعرفه حق المعرفة، ثم يغري عدوه باللحاق به فيدركه المد فيسد عليه السبل فيغرق بخيله ورجله، ~~عرف أيضا أن ذلك الشعب الذي خرج به من مصر، حيث كان مستعبدا قرونا طويلة؛ سيم فيها الذل ~~والمسكنة فأفقده الاضطهاد والاحتقار مناعته وذاته المعنوية، وكل مزية طيبة؛ فتأثرت قواه ~~بذلك تأثيرا توارثه أبا عن جد فتأصل في جسمه ونفسه، وضاعت معه كل همة وعزة نفس، وإقدام لا ~~يصلح في حالته الراهنة لمصادمة وقتال شعوب قوية، شديدة المراس، منيعة الجانب، ربيت في ~~الحرية؛ فاضطر إلى تأخير تنفيذ الشطر الثاني من تلك الخطة المدبرة بأحكام عظيم يليق بذلك ~~العقل الذي أبرز أمتن وأحق شريعة عرفت؛ حتى قال عن ناموسه السيد المسيح: «إن السماء والأرض ~~تزولان، وحرف من الناموس لا يزول»، فعمد إلى حيلته هذه؛ فأضاعهم حيث قادهم وأبقاهم تلك ~~السنين؛ ليعوض عليهم في حياة البرية الحرة ما أضاعوه في عيشة الذل والهوان والاستعباد؛ ~~ليقوم مقام هذا الجيل الخامل الضعيف جيل جديد همام قوي يصلح للقتال والمقاومة والغزو، ~~يستولى به على ما كان يطلب من البلاد، فيخضع به شعوبها ويطردها منها؛ فيحل محلها ms53 فيها كما ~~حدث وتحقق، فنظر إليه الشيخ وقال: صدقت يا بني باستنتاجك هذا؛ لأن ذلك الشعب كان في حالته ~~مثل تلك الأرض المجهرة التي لا تصلح للزرع قبل أن تستعيض ما فقدته من الخواص، ومثل ذلك ~~الضعيف الذي أناخه التعب فلم يعد قادرا على متابعة السير قبل استرجاع قواه. ولا غرو، إذا ~~كان موسى عرف ذلك؛ لأن بعض الحقيقة كان معروفا لديه ولدى أساطين ذلك العصر. # فمما تقدم يظهر لكم أن السنتين الأصليتين الجامعتين الخاضع لهما جميع ما في الكون؛ هما ~~سنة التبادل أو التوازن، وسنة التأثير، ومنهما تفرعت جميع بقية السنن وعليهما بنيت جميع ~~الشرائع والتحليلات والتحريمات، ولا غرو فهما في الأصل مظهر الينبوع العظيم الأصيل الفرد، ~~فهما السلبي والإيجابي يبدوان بفروعهما التي لا عد لها ولا حصر بأشكال ومظاهر مختلفة، حتى ~~يتعذر على الناظر إليها معرفة حقيقتها، فيظنها أنها متعددة الأصول كما هي متعددة المظاهر ~~والفروع، ولكن المتعمق في البحث تقل لديه الأصول على قدر ما يقترب من الحقيقة، ويزداد ~~التجانس على قدر التقارب حتى ينحصر في اثنين فقط فيما يختص بالمادة. # أفليس مظهر الذكر والأنثى، الكبير والصغير، الحلو والمر، الرخص والصلب، السائل ~~والجامد، البرد والحر، الظلام والنور، الأسود والأبيض؛ يمثل السلبي والإيجابي؟ # انظروا إلى تنوع النبات واختلاف أجناس الحيوان، وتنوع أصناف الجماد وكثرة معادنه، وكيف أن ~~كل نوع أو جنس يقاوم الآخر أو يتحد معه أو ينفصل عنه على قدر كثرة أو قلة التجانس بين ~~الاثنين، فإن الفضة تتحد مع الذهب حتى كأن الاثنين جسم واحد، ولكنها لا يمكنها الاتحاد بهذه ~~الصورة مع الخشب مثلا، وإذا صب الرصاص مع النحاس لا يتحد معه كما لو صب الرصاص مع الفضة، ~~وهكذا، أيضا في النبات، فإذا تطعم النخيل بالبرتقال مثلا لا يعيش ويثمر، أما إذا تطعم ~~البرتقال بشجر آخر أكثر تجانسا معه اتحد وعاش وأثمر. وما نراه في الجماد والنبات نراه ~~أيضا في الحيوان، فإن الحمار إذا جامع البقرة فهذه لا تحمل ولا تلد، أما إذا جامع الحصان ~~الأتان ms54 حملت وولدت، وإذا جامع الإنسان ناقة أو شاة لا تحبل، ولكن القرد إذا جامع امرأة ~~لربما حملت وولدت، وإذا جامع الحيوان الطير فإن هذه لا تبيض فتفرخ أما إذا جامع ذكر الحمام ~~أنثى طير من فصيلته باضت وفرخت. # لقد قلت لكم فيما سبق إن العوامل المكونة أو المساعدة على التكوين هي نفسها المحولة أو ~~المساعدة على التحويل، يتساوى أمام ذلك الحيوان والنبات والجماد فيسير الكل سيره حسب سنتي ~~التأثير والتبادل. يولد الحيوان من بطن أمه صغيرا ضعيفا فيقوى بالغذاء والهواء والنور ~~والحرارة والماء حتى يصل إلى درجة معلومة من القوى، ثم يرجع القهقري حتى يضعف ويشيخ ويحل به ~~العجز، فيموت، هذا إذا لم يصادمه طارئ لم يقو على مكافحته والتغلب عليه، فيموت ويتحلل قبل ~~أوانه، وينبت النبات فيسير على الطريقة نفسها فيزهو وينمو ويثمر ثم يضعف فيذبل وييبس ~~ويضمحل، ويتكون الجماد بجميع معادنه ويسير خاضعا لذلك الناموس، فيتغير ويتبدل ويتحول حسب ~~ما ينضم إليه أو ينفصل عنه من المواد والعناصر الأخرى، وهكذا دواليك في جميع الكائنات؛ لأن ~~العناصر الأربعة المتولدة من العنصر الأصيل الفرد المكونة هي نفسها المحولة حسب تأثيراتها ~~بعضها على بعض؛ إن رأسا أو بما تفرع عنها. ألا ترون أنه إذا زادت الحرارة في جسم حيوان عن ~~المعتاد أو قلت عنه مات ذلك الحيوان أو مرض، وإذا عرض جسم آخر لأي من العناصر أكثر مما ~~يلزم أضر به هذا التعريض، وأثر به إن قليلا أو كثيرا على نسبة مناعته؛ لأن الأشكال جميعها ~~في مظاهر الممالك الثلاث تكونت على نسبة معلومة من كميات معلومة فيما بينها، فإذا زادت كمية ~~عن نسبتها أو نقصت ابتدأ التحول والتغير بالشكل. # فأي فرق في الحقيقة بين الصدأ الذي يغشى الحديد إذا لحقت هذا الرطوبة، وبين الزكام الذي ~~تسببه الرطوبة لكم؟ فإن الأول لا يزول إلا إذا جلي الحديد والثاني لا يزول إلا إذا ~~قاومتموه بالمسخنات. أفلا ترون أيضا أن النبات إذا روي بكثرة عما يلزمه، أو إذا عطش أضر ~~به ذلك الري وذلك ms55 الظمأ؟ وأن الحيوان إذا شرب أكثر مما يلزمه، أو إذا ظمئ ظمأ شديدا أضر به ~~ذلك الشرب وذلك الظمأ، كل على قدر نسبته؟ # قال هذا وهم بالقيام، غير أن فريدا استوقفه بقوله له: ليسمح لنا شيخنا بسؤال عن أمر ~~يشغل بال بعض علماء هذا العصر ويثير اهتمام الناس؛ وهو إمكان وجود الحياة في بعض العوالم ~~الأخرى مثل المريخ مثلا؟ وهل في الإمكان إذا وجدت التوصل للتخابر معها، أو التوصل إلى ~~الوصول منا إليها أو منها إلينا؟ فأجابه الشيخ قائلا: إني الآن تعب، تلزمني بعض الراحة، ~~وأرى أن الوقت قد حان؛ فموعد الإجابة على سؤالك هذا غدا إن كان في العمر بقية، فأنعموا إذن ~~مساء يا أولادي. # قال هذا وقام وصافحهم، فتقدمت منه فريدة وبيدها صندوق صغير به بعض المآكل، وشيء من الحلوى ~~وصرة بها قليل من الدراهم وقدمته له راجية قبوله، فتناول تقدمتها شاكرا ممتنا، وصافحها ~~ثانية وابتعد. # | الفصل الثامن # ارتباط عموم أجزاء الكون بعضها ببعض ووحدة أصلها. ~~*** # مكث أصحابنا بعد ذهاب الشيخ قليلا مفكرين بما سمعوه، يساعدهم على ذلك جمال الطقس وجلال ~~الموقع وهدوء الليل، ولبثوا كذلك برهة ليست بقصيرة حتى قطعت فريدة ذلك السكون بقولها لهما: ~~ما قولكما في شروح أستاذنا؟ إني أراه أصاب كبد الحقيقة، فإني كلما فكرت فيما سمعنا وقارنته ~~بالواقع؛ أراه ينطبق عليه تمام الانطباق، ولكن هذا فيما يختص بنا وبعالمنا وما يدرينا، ما ~~هي الحقيقة في العوالم الأخرى؟ لذلك فإني منتظرة بفروغ صبر يوم غد لنرى ماذا يقول في هذا ~~الصدد، خصوصا، وقد فتح لنا هذا الباب الصديق فريد بسؤاليه المذكورين: أليس كذلك؟ فأجابها ~~نجيب وقال: إني أوافقك تمام الموافقة على ذلك، ولكن فلنفرض أن شيخنا لم يعد بسبب طارئ لم ~~يكن في الحسبان، أفلا يمكننا نحن الآن بقوة الاستنتاج، استنادا على ما سمعنا، أن نجيب ~~أنفسنا على هذا؟ فما قولك يا فريد؟ # فنظر فريد إليه مستفهما، وقد بهت لهذا الكلام، وقال: وكيف يا أخي يمكننا ذلك؟! أجابه ~~نجيب وقال: فلنجرب، وما عليك إلا ms56 أن تراجع ما قاله لنا الآن فقط في حديثنا اليوم، ولا أقول ~~أحاديثنا الماضية، مع أنك كنت معي في جميع الأحاديث، وما فاتك من الأحاديث الأولى شرحته لك، ~~ترى فيه ما يساعدك على الإجابة، ولكن مع ذلك سأكفيك مؤنة المراجعة والبحث، فهيا بنا الآن ~~نسير الهوينا؛ لأني تعبت من الجلوس، فقاموا وساروا معا. وبعد هنيهة لزم فيها نجيب الصمت ~~عاود الكلام وقال: لقد قال شيخنا الآن في سياق الحديث ما كان سبق أيضا، وقال: من أن السلبي والإيجابي هما ~~في الأصل مظهرا الينبوع العظيم الأصيل يبدوان بفروعهما بأشكال ومظاهر لا عد ولا حصر لها، ~~وأن الكل من ذلك الينبوع خرج وإلى ذلك الينبوع يعود؛ فإن الطبيعة أصل الحوادث واحدة تعيد ~~نفسها وتسير على سنة واحدة، فما جرى ويجري في عالمنا جرى ويجري فيما يماثله من العوالم ~~الأخرى، وسوف يجري أيضا هنا كما جرى فيما سبق كرتنا الأرضية في التكوين، إذن فلا بد أن ~~تكون هناك حياة أو كانت هناك حياة حسب صلاحية تلك العوالم الماضية أو الحالية؛ إذ لا وجه ~~لتخصيص الأرض لوحدها بالحياة دون غيرها طالما أن الأصل واحد، فأجابه فريد وقال: وما هو ~~الدليل على وحدة الأصل يا ترى؟ أهل هو قولك أو زعم شيخنا فقط؟ وهل قوله أو زعمه هذا يكفي ~~للدلالة على ذلك؟ # أجابه نجيب باسما وقال: كلا، ليس زعم شيخنا وقوله بكاف لنا لنأخذ الأمر قضية مسلمة، ~~ولكن لنا أيضا مما قاله في سياق الحديث وما أورده من الحوادث بعض الأدلة المثبتة، أفلم يقل ~~عن تأثير الشمس والقمر على الأرض، وعن المد والجزر، وعن التأثيرات التي تتأثر بها أرضنا في ~~دورتها من العوالم الأخرى مما هو مثبوت علميا ومما نشعر نحن به ونتأثر؟ أفلو لم يكن هناك ~~يا صاح وحدة بالأصل، أهل كان أمكن التأثير؟ ثم قل لنا - عافاك الله يا فريد - ألم تر أبدا ~~أحد النيازك ولم تشاهد سقوطها؟ وما هي تلك النيازك؟ أليست هي قطعا من معادن صلبة تنقطع من ~~النجوم فتسوح في ms57 الفضاء، وتأتينا مجذوبة بقوة التجانس؛ إذ إن الجاذبية كما قال شيخنا ما هي ~~إلا التجانس؟ وإذا حللت تلك القطع نرى أنها هي مثل بقية معادن أرضنا، وإذا اختلفت فإنما ~~تختلف عنها اختلافا بسيطا؟ أفليس هذا أيضا دليلا قاطعا على أن أصل المادة هناك هو مثل ~~أصل المادة التي عندنا؟ فاكتف بهذا واكفني مؤنة إيراد كثير من أدلة العلم على هذا، فقالت ~~فريدة: إذن لا شك في أن هناك حياة وأحياء سوف نستطيع يوما ما مواصلتهم والوصول ~~إليهم. # أجابها نجيب، وقال: رويدا رويدا يا أخية، أما من جهة وجود الحياة فأنا أشاطرك الرأي ~~في هذا، وأما من جهة المواصلة والوصول فلا؛ لأن هذا مستحيل في نظري؛ لأني أرى أن الحياة في ~~العوالم الأخرى - إذا كانت ثمة حياة - فهي حياة خاصة بها كما أن الحياة هنا هي خاصة أيضا ~~بنا، تختلف تمام الاختلاف هذه عن تلك وتلك عن هذه؛ لأنه باختلاف التأثيرات تختلف الأجسام، ~~والحياة كما بين وأوضح لنا شيخنا ذلك وكما يثبته لنا الواقع أيضا. أفلا نرى أن السمك ~~الذي يعيش في النيل وماء النيل حلو إذا دخل البحر يموت؛ لأن ماء البحر مالح؟ أو لا نرى أن ~~الحيوانات في مختلف القارات الأرضية تختلف بعضها عن بعض مزاجا ولونا وعيشة وقدا باختلاف ~~جو الإقليم؛ إن لم نقل فهما وتصورا أيضا؟ أفلا نرى أن مناعة الغربي لاحتمال حر مصر ~~والسودان هي أقل كثيرا من قدرة ومناعة المصري والسوداني على احتمال ذلك الحر؟ وهكذا يقال ~~عن المصري والسوداني إذا وجد في بلاد باردة، فإنه لا يطيق برد تلك البلاد مثل أهلها. وهذا ~~هو النبات أيضا في جميع أجناسه، يختلف في مختلف البلدان بعضه عن بعض، كذا الجماد لم يسلم ~~من هذا. بل إن سنة التأثير كما توضح وثبت؛ هي عامة للجميع، فكيف إذن يمكننا والحياة تختلف ~~هكذا مثل هذا الاختلاف الكلي أن نواصل أحياء العوالم الأخرى أو نصل إليهم؟ هذا فضلا عن ~~اختلاف تناسب المقادير في تركيب المادة؛ ولهذا فقد قال الكتاب الكريم: ms58 «لقد كلمتكم ~~بالأرضيات فلم تفهموا، فكيف لو كلمتكم بالسموايات تفهمون؟» لهذا أراني أجزم باستحالة تحقيق ~~غاية هؤلاء العلماء، وعلى كل فإن شيخنا لكفيل بأن يزيدنا غدا إيضاحا، أما الآن فقد كفانا ~~بحثا. فهيا بنا نركب إحدى العربات لتقلنا إلى بيت الصديقة فريدة لتوصيلها، فصدعت فريدة ~~وفريد بإشارة نجيب فركب الجميع، وسارت العربة مسرعة جهة المدينة، وكان قد عاودهم الصمت ~~والتفكير فلم يشعروا إلا والعربة بقرب المنزل، فنزلوا وودع نجيب وفريد فريدة بعد أن حددوا ~~موعد الغد، فدخلت فريدة منزلها وسار صاحبانا كل في طريقه. # شغلت هذه المباحث بال فريدة ردحا طويلا من الليل وحرمتها النوم أولا، فخرجت إلى ~~الحديقة تتمشى فيها ذهابا وإيابا، ثم جلست على كرسي وقد أعياها المشي ونظرت إلى السماء، ~~وجعلت تحدق بالنجوم، وفيما هي كذلك إذا بشهب نار قد لمع في السماء وانحدر كالسهم كأنه خرج ~~من إحدى تلك النجوم، وسار سابحا في الفضاء حتى وقع كجمرة نار بالقرب منها فتقدمت منه، وإذا ~~به قد حفر حفرة في الأرض من عزم السقوط، فنادت البستاني حتى أفاق من نومه، وأمرته بالنبش ~~عليه ففعل وأخرجه، فإذا به حجر أسود ثقيل الوزن، فتأملته جيدا، فإذا به يشبه في خارجه بعض ~~الأحجار الكروية الصوانية ولكنه أشد سوادا منها، فقالت: لقد صدق نجيب في استنتاجه، فليس ~~هذا الحجر سوى إحدى النيازك، ولكن مما لا أستطيع فهمه هو تلك السرعة التي انحدر بها من ~~النجم إلى هنا، فإنها لم تتعد بضع ثوان، مع أن بعد هذه النجمة عنا حسب العلم يزيد عن ~~مئات الملايين من الكيلومترات، فلو قسناها بسرعة سير النور لما وجدنا أقل مناسبة بين سرعة ~~الانحدار وبعد المسافة، فلعل هناك أيضا سر سأستوضحه الشيخ غدا. قالت هذا ودخلت غرفتها ~~مسرورة من هذه المصادفة، فنامت حتى الصباح. # في أصيل اليوم الثاني تقابل أصحابنا الثلاثة في الميعاد المقرر عند الجسر، وساروا جميعا ~~نحو ناديهم على المقعد المذكور، وكانت فريدة تقص عليهما قصة نيزكها بالأمس وما لاحظته من ~~السرعة العظيمة التي وصل بها ms59 إلى الأرض، فأثارت هذه المسألة مناقشة فيما بينهم دامت إلى أن ~~وصلوا أمام المقعد، فوجدوا الشيخ جالسا ينظر إليهم بابتسام، فقام إليهم وصافحهم وسألهم عما ~~كانوا يتحدثون به بتلك الحدة التي لاحظها، فأجابه نجيب وقال: إذا سمح الشيخ بإبقاء هذه ~~المسألة ريثما أخبره بما كان بيننا بعد ذهابنا بالأمس من هنا، فإن مناقشتنا اليوم هي نتيجة ~~لمقدمة حديث البارحة حتى نأخذ الأشياء من أولها فنسير بها متسلسلة دفعا للغموض، ولعل ~~الصديقين فريد وفريدة لا يمانعان أيضا بها، فأجاب الجميع بالقبول. فأخذ إذ ذاك يسرد ما جرى ~~من المباحثة وما أبداه من التعليل والتفسير حتى وصل إلى مسألة النيزك، وما أثارته من الأخذ ~~والرد. # ولما انتهى من ذلك نظر الشيخ إلى تلاميذه مليا محدقا بهم النظر كأنه يستقرئ ضمائرهم، ~~ثم قال: اسمعوا يا أولادي لقد صدق نجيب في استنتاجه عن إمكان وجود الحياة في العوالم الأخرى، ~~ولكنها لا بد وأنها تختلف كلية عنها عما في عالمنا، تختلف عنها في الشكل والتركيب والشعور ~~والتصور والفهم حسب ما تتأثر به في عالمها وما يتأثر به ذلك العالم من العوالم الأخرى، أفلا ~~ترون اختلاف الأحياء في عالمنا بعضها عن بعض في مختلف القارات، اختلافا سبقت وبينت لكم بعض ~~أسبابه في ما سبق من الكلام، وكيف أن الأحياء اليوم هي غيرها في القرون الغابرة المتقدمة ~~كما يثبت لنا ما عثر عليه من بقاياها، وأن أحياءنا اليوم تبعا لهذه القاعدة ستختلف أيضا ~~في الأجيال المقبلة عما هي عليه الآن؟ # فإذا كان هذا الاختلاف الجزئي والكلي قد حصل وحاصل وسوف يحصل فينا ونحن جميعا في عالم ~~واحد، فماذا يكون إذن بون ذلك الاختلاف بيننا وبين تلك الأحياء في العوالم الأخرى، حيث ~~العناصر المتفرعة عن العنصر الأصيل الفرد تختلف قوة وقلة وكثرة عن عناصرنا هنا، فكم من عنصر ~~كان عندنا هنا من قبل وزال اليوم، وكم من عنصر هو الآن كائن وسوف يزول غدا، وكم من عنصر لم ~~يكن من قبل ولكنه تكون أو سوف يكون وكم من ms60 عنصر هناك وليس له وجود هنا، وكل هذه العناصر لها ~~تأثيرها النسبي على الحياة، فإذا كان هذا كله وهو كائن ومثبوت بلا شك، فكيف يمكن لأحيائنا ~~أو بالحري لإنساننا أن يواصل تلك الأحياء أو يصل إليها، فلربما كانت أحياؤهم أشف مادة وأغلظ ~~أو أثقل أو أخف مادة منا فتشبه الأرواح أو تشبه الديدان، أو ليس لها شبه يمكننا أن نتصوره ~~هنا؛ لذا أرى أن المواصلة بيننا وبينهم هي أكثر من مستحيلة، وأستغرب جدا كيف أن بعض ~~العلماء يشغل وقته وفكره بمثل هذا وأني أيضا على قدر استحالة المواصلة أقول باستحالة ~~الوصول؛ لأن العناصر المكونة للحياة عندنا لا يتعدى وجودها مكونة وحافظة بضع العشرات من ~~الأميال بعيدا عن الأرض في محيطها من الأجواء، مع أن أقرب عالم منا يقاس بعده بما لا يقل ~~عن الملايين العديدة من الأميال، فإذا افترضنا وحصنا تلك الأحياء أو تلك الآلات الذاهبة منا ~~إليهم بما يقيها مغبة التأثيرات في محيطنا، فبماذا نتقي تأثيرات العناصر الأخرى وهي مجهولة ~~لدينا في المحيط القادمة إليه: مجهولة اسما ومجهولة تأثيرا، بل لربما الحي الذاهب منا ~~بآلته إلى ذلك العالم، أو لربما تلك العلامة المرسلة منا إليهم مدفوعة بما تبين لنا من ~~القوى مثل الراديوم مثلا يتحولان عند أول مصادمة لما تحويه الأجواء من مختلف العناصر، ~~فيتأثران بها ويتحللان وينضمان إليها، فلا يبقى منهما لا أثر ولا عين. # لقد عجبت فريدة من سرعة وصول النيزك إلى أرضنا عند انفصاله عن النجم مما أثار مناقشتكم، ~~ولها أن تعجب من ذلك، ولكني لإيضاح ذلك أقول لكم إن ذلك النيزك إذا كان حقيقة انقطع عن نجمه ~~وسار نحونا، فإنه لا بد وأن يكون قد سار قبل ظهور نوره أمدا يتناسب مع سرعة سيره، ولم يظهر ~~لأعيننا إلا عندما اقترب منا قربا يتناسب مع قوة نوره، وسرعة سير النور وتلك المسافة ~~التي كانت بقيت له للوصول إلينا، أو أن يكون قد تكون لساعته في تلك الأجواء العلوية، وسار ~~نحونا لقربه منا مدفوعا بقوة جاذبية أرضنا؛ ms61 أعني بقوة التجانس، إذ إنه من المحتمل جدا، ~~لا بل من المعقول قياسا ومنطقا أن الخلق أو التكوين دائم أبدا بما تأخذه الأجرام بعضها ~~من بعض، وبما ينتج عن العنصر الأصيل الفرد المالئ للكون أجرامه وفضائه، وليس من الضروري إذن ~~على ما أرى أن تكون جميع الكواكب قد خلقت معا في عموم الأفلاك بل إن التكوين دائم ~~مستمر. # ألا فاعلموا يا أولادي أن عموم أجزاء هذا الكون الفسيح الذي لا ابتداء ولا نهاية له؛ هي ~~مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا محكما نظرا لوحدة أصلها، ولا يغرنكم تغير الأشكال، فإن هذه ~~الأشكال تتغير وتختلف باختلاف التأثيرات زمانا ومكانا، ولكم على هذا بعض الأدلة، والأدلة ~~على هذا هي في كل شيء مما كان من هذا النيزك الذي رأته بالأمس فريدة، فإنه قد كان له في ~~سيره إلينا شكل، وعندما وصلنا شكل، ولما استقر أصبح له أيضا شكل آخر؛ لأن أصل المادة واحد ~~والمادة في درجتها الثانية واحدة أيضا، ولا يبتدئ الاختلاف بالمظاهر إلا في الدرجة ~~الثالثة؛ أي عند اكتمال تكوينها بالنسبة لنا ولحواسنا، إذ يزداد شعورنا بها على قدر تجانسها ~~مع العناصر المكونة لنا؛ لأنه كلما زادت صلة التجانس زاد الشعور بالتأثير. # إن جميع ما نراه وما نشعر به فينا وفيما حوالينا وجميع ما في الأكوان نرتبط به ويرتبط ~~بنا، ونؤثر عليه ويؤثر علينا نسبيا؛ لأن الأصل واحد يتجلى بمظاهره لا فرق في ذلك إن كان ~~ماديا أو روحيا، فالفكر له تأثيره، والأجسام لها تأثيرها، والأصوات لها تأثيرها، فهذه ~~تؤثر على تلك، وتلك على هذه. كما أن للأصوات أيضا تأثيرها على الجماد والنبات والحيوان ~~تأثيرا يفوق الوصف؛ فهي تلين الحديد وتدك الأبراج والمباني، وتسترق العواطف وتثير ~~الأشجان؛ ولكم على أفعالها شاهد بين فيما حصل بأسوار أريحا إذ سقطت رغم متانتها من أصوات ~~الألحان والتهليل. فقال فريد: صحيح هذا، فإني قد قرأت أخيرا أن بعض القواد أمر فرق جنده ~~بعدم العزف على آلات موسيقاها عند مرورها على الجسور؛ لما ثبت لآل الخبرة من التأثير ms62 الذي ~~تسببه أصوات الموسيقى لمباني الجسور؛ حتى إنها لربما تهدمت بمن يسيرون فوقها. فتابع الشيخ ~~حديثه وقال: لقد سبق وقلت لنجيب في بدء الحديث: إن الكائنات جميعها تتصارع بعضها مع بعض ~~سيان في ذلك الجماد والنبات والحيوان، تحت تأثيرات شتى وعوامل مختلفة، فتتبدل أشكالها ~~وتتغير من حال إلى حال مع مرور الزمن وتوالي الأيام لا فرق فيما بين أرضنا وما فيها وما ~~عليها، وبين بقية الأجرام والعوالم الأخرى؛ حيث إن الكل من أصل واحد ويتبع نظاما واحدا. ~~فإن الكائن مهما كان كبيرا أو صغيرا من الذرة إلى الميكروب إلى أرضنا كلها إلى بقية ~~الأجرام الأخرى التي يفوق بعضها أرضنا كبرا بملايين من المرات؛ يبقى حافظا لشكله الذاتي ~~على قدر مناعته أمام غيره حتى إذا قلت هذه المناعة أو زادت تغير الشكل إلى آخر. وعليه، ~~فلا أنتم باقون كما كنتم ولستم باقين كما ستكونون، ولا النبات كذلك ولا الجماد أيضا، ولا ~~الأرض، ولا أي عالم آخر. فإن أرضنا هذه لا بد يوما ما أنها إما أن تلتحق بنجم آخر أو بنجوم ~~عندما تقل مناعتها بالنسبة إلى ما حواليها من العوالم، أو تتجزأ أو تنضم بدافع التجانس أو ~~أن ينضم إليها ما هو أقل مناعة منها، فيتغير شكلها عند ذلك الضم أو الانضمام، وما يتبع ذلك ~~في العوالم الأخرى مما يجري متأثرا بهذا الضم أو الانضمام. ولهذا فقد قال الكتاب عند ~~الكلام على انتهاء العالم: إن النجوم تتساقط والأرض تزلزل، إلى آخر ما جاء في هذا الصدد؛ ~~لأن الجميع مرتبط كلية وأجزاء بعضه ببعض؛ لأن أصل الكل واحد؛ ولهذا وجب أن ما كان وما هو ~~كائن وما سيكون بعالمنا يكون أيضا في العوالم الأخرى. إذن فإن الحياة يجب أن تكون في ~~العوالم الأخرى كل بحسب حالته، فكما أن العنصر الأصيل الفرد تجلى كاملا هنا كذلك يتجلى ~~هناك بجميع مظاهره. # عندئذ قال له نجيب: لقد تبسط الشيخ في حديثه معنا عن مظهر العنصر الأصيل الفرد، ولم يذكر ~~لبقية المظاهر أو بالأحرى للمظهر الثالث ms63 إلا مرة أو مرتين عفوا، فهل له الآن أن يمن علينا ~~بالشرح عنه بما يشفي غليلنا ويثير أذهاننا كما سبق، فوعدنا إجابة لطلب الصديق فريد فيما مضى ~~عن ذكر الأحياء وما فيها من المظاهر الثلاثة، فأجابه الشيخ وقال: نعم، لقد وعدت وسأفي ~~بوعدي، ولكن ليس في هذا المكان، بل فليكن اجتماعنا غدا أمام أبي الهول، والآن فقد حان ~~الوقت؛ لذا فإني أستودعكم الله إلى الغد فالموعد غدا أمام أبي الهول. قال هذا وحياهم وسار ~~مسرعا ودلائل الاهتمام على وجهه. فنظر فريد وفريدة إلى نجيب مستفهمين متسائلين عن سبب ~~تغيير المكان، وعن ذلك الاهتمام الذي بدت علاماته على وجه الشيخ عند هذا السؤال؟ فأجابهما ~~نجيب وقال: إذا لم يخطئ ظني فإني عرفت لماذا، ولكن لا تسألاني، فلا يجب أن نسبق ~~الحوادث. # | الفصل التاسع # هل توجد حقيقة؟ وما هي بالحقيقة الحقيقة؟ ~~*** # في اليوم الثاني دعا نجيب فريدا وفريدة لتناول الغذاء في الفندق قرب الأهرام معه، ~~فلبيا الدعوة وركبوا إحدى السيارات، فقلتهم إلى هناك. # وبعد تناول الطعام قام أصحابنا الثلاثة يتمشون في حديقة الفندق، ينتظرون بفروغ صبر حلول ~~الميعاد؛ ليذهبوا أمام أبي الهول لمقابلة الشيخ، وكانوا يتحدثون بأمور شتى في مواضيع ~~مختلفة، وإنما الحديث شجون. فقال نجيب: قل لي يا فريد أين أمضيت السهرة أمس؟ فأجابه فريد: ~~لما تفارقنا مررت على القهوة فوجدت هناك سليما ومعه بعض الأصحاب يلعبون الشطرنج فدعوني ~~للجلوس معهم، ولما كانت هذه اللعبة تسرني لما تستدعيه من التفكير والحساب؛ قبلت الدعوة ~~وجلست معهم. وكانت اللعبة على رهان كسبه سليم، فسر سرورا عظيما، ومن شدة سروره بالمكسب ~~دعانا جميعا لشرب كأس خمرة معه، فلم نشأ أن نعكر عليه صفوه فقبلنا ذلك ثم انصرفنا كل إلى ~~منزله، فقالت فريدة: إنه مما لا يعجبني في أخي سروره من أقل شيء وتكدره من أقل شيء، فبينما ~~نراه يغضب لكلمة نراه أيضا يرضى لكلمة، ويتحول كدره إلى سرور مثل الأطفال. فما سر الفرح ~~والكدر في الإنسان يا ترى؟ وما هو سر الشعور بالألم واللذة؟ ms64 فإن هذه الأبحاث كثيرا ما شغلت ~~فكري، فلماذا سر سليم بمكسبه هذا يا ترى؟ ويا ليتني كنت فطنت إلى هذا قبلا فسألت الشيخ ~~عنه؛ لأني اليوم لا أرى وجها لمثل هذا السؤال لاختلافه عن موضوع الحديث. فقال نجيب: إن هذه ~~المسألة لهي بسيطة حسب رأيي، وأعللها بزيادة أو نقصان أحد العنصرين عن الآخر، فإن الإنسان ~~إذا خسر شيئا مثلا قل سلبيه الذي اعتاده فينقبض ويغتم، أما إذا كسب شيئا زاد إيجابيه ~~فينشرح؛ لأن الكدر والفرح والألم واللذة ما هو إلا الشعور بزيادة أو نقصان أحد هذين ~~العنصرين بدخول قوة على أحدهما أو خروج قوة عن أحدهما، ويبقى هذا الشعور إلى أن يتعادلا بما ~~يأخذه الناقص من مختلف القوى أو إلى أن يتساوى الزائد به بما يذهب عنه من الزيادة، أما إذا ~~تعذرت المعادلة جرى الانفصال؛ لأن الفرح يميت والحزن يميت، وهذه مسألة أصبحت لدينا طبيعية ~~بما سبق لنا سماعه من الشروح. # وفيما هم كذلك إذ هبت عاصفة شديدة مما يندر حدوثه، فأبرقت السماء ودوى صوت الرعد بشدة ~~وابتدأ المطر يهطل، فهرولوا مسرعين إلى الفندق ومكثوا فيه يراقبون هذا المنظر حتى هدأت ~~الزوبعة، وعاد أديم السماء فصفا ثانية. # حل ميعاد المقابلة فخرج الثلاثة وساروا مشيا ناحية أبي الهول، ولما وصلوا وجدوا الشيخ قد ~~سبقهم إلى هناك، ولما رآهم قادمين تقدم للقائهم بضع خطوات؛ ففرحوا به وحيوه بكل ~~احترام. # ثم جاءوا إلى بعض الأحجار الكبيرة فجلسوا عليها، ولما استقر بهم المقام قالت فريدة: لعلنا ~~لم نبطئ على الشيخ، فقد كنا قادمين قبل الآن لنكفيه مؤنة انتظارنا، ولكن المطر داهمنا ~~فرجعنا من حيث أتينا، فإن هذه العاصفة لم تكن بالحسبان، فمسكين هو الإنسان كم هو ضعيف أمام ~~قوى الطبيعة، فقد كنت طول هذا الوقت عندما كانت الأرياح تعصف والبرق يلمع والرعد يقصف ~~والأمطار تهطل أفكر بهذا، وأنظر إلى حقارتي بالنسبة إلى ذلك، ولكن كنت في الوقت ذاته أشعر ~~أيضا بعظمة نفسي أمام كل هذا، فأقيس ضعفي بهذه القوى فلا أفهم لعظمة نفسي من ms65 سبب. فأجاب ~~الشيخ وقال: اسمعي يا ابنتي، إن شعورك بالحقارة هو بالنسبة لجسمك المادي أمام عظمة تلك ~~القوة التي تفوقه؛ لأن المادة التي به هي جزء حقير بالنسبة للوحدات الأخرى، فالمادة ولو ~~أنها في أصلها عظيمة إلا أن ما طرأ عليها من التغييرات والتجزيئات، وما تكون منها من ~~الوحدات بعدها عن الأصل, ووضعها تحت الحس والمقارنة، أما شعورك رغم ذلك بالعظمة النفسية ~~فهو بالنسبة لروحك؛ لأن الروح هي رأسا من الأصل الفرد العظيم المثلث المظاهر المالئ ~~للفضاء، والذي منه كل الكائنات؛ فهي رأسا من مظهره الثالث. # لقد سألني نجيب أمس كما سألني فريد من قبل عن هذا، ولقد تكلمت مرارا عنه في سياق الحديث، ~~والآن أقول لكم بأن الروح هي تلك القوة التي تصدر منبثقة من اجتماع السلبي والإيجابي، وهي ~~في الأحياء كاملة؛ لأنها شاعرة مدركة محركة بذاتها، أما في الكائنات الأخرى فهي كامنة ناقصة ~~لا قدرة لها بذاتها، بل تظهر عند اجتماع العنصرين: فالسلبي فيه روح، ولكن لا قدرة له على ~~إظهارها بغير الإيجابي، والإيجابي فيه روح ولكن لا قدرة له على إظهارها بغير السلبي، ولا ~~قدرة لأحد العنصرين على التكوين بدون الآخر، ولا اجتماع لهما بدون انبثاق الروح منهما، ونرى ~~لهذه الحقيقة مظهرا يؤيدها في كل شيء، فمثلا لو لم يتلاق السلبي والإيجابي لما كنتم ~~رأيتم نور البرق ولا سمعتم قصف الرعد الآن؛ لذا كانت الأحياء وسيدها الإنسان بالنسبة لرقي ~~روحه أشبه الأشياء بالله - عز وجل؛ ولهذا دعي الناس أبناء الله وما الله - عز وجل - سوى ~~تلك القوة الفائقة الخالقة العاقلة، وذلك العنصر الأصيل الفرد المثلث المظاهر الأصل الوحيد ~~والمرجع الوحيد؛ لذا أيضا فإن كل قوة هي من الله؛ لأنه هو المصدر الوحيد لجميع ~~القوى. # فهذه هي الحقيقة التي بدت لي أقولها لكم يا أولادي، وهذا هو السر الذي ائتمنت الأجيال أبا ~~الهول عليه يبوح به الآن، وما بقية الأشكال والمظاهر سوى خيالات لا حقيقة بالحقيقة لها سوى ~~ما بها من العنصر الأصيل الفرد فقط. # قال هذا وذهب ms66 عنهم تاركا عصاه وجرابه لنجيب. ms67