######OpenITI# #META# URI: 1325NajibMandrawi.KulumbWaCalamJadid.Hindawi48179527 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 48179527 #META# Title: كولومب والعالم الجديد: تاريخ اكتشاف أميركا #META# AuthorID: 80928041 #META# Author: نجيب المندراوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # كلمة لأحد الأدباء‏ # ترجمة حياة كرستوف كولومب‏ # الرحلة الأولى‏ # العالم الجديد‏ # الرحلة الثانية‏ # الرحلة الثالثة‏ # تقاريظ‏ # إهداء الكتاب‏ # كلمة لأحد الأدباء‏ # ترجمة حياة كرستوف كولومب‏ # الرحلة الأولى‏ # العالم الجديد‏ # الرحلة الثانية‏ # الرحلة الثالثة‏ # تقاريظ‏ # | كولومب والعالم الجديد # | كولومب والعالم الجديد # | تاريخ اكتشاف أميركا # تأليف # نجيب المندراوي # | إهداء الكتاب # لرب الفضل والعزم، صاحب النبل والحزم، رجل الهمة والإقدام، سعادة أوجست بك أديب ~~مدير عموم الحسابات المصرية بنظارة المالية: # بكل احترام ووقار أقدم لسعادتكم كتابي هذا هدية لكم؛ إقرارا بفضلكم، واعترافا ~~بجزيل نبلكم. أرجو أن يحظى من لدنكم قبولا وإقبالا، لا سيما وهو باكورة أعمالي. ~~فيا حبذا لو تكرمتم بقبوله وغضيتم الطرف عن قصوري وتقصيري، وحينئذ أترنم بالدعاء ~~لكم، وألهج بشكركم. أطال الله عمركم، إنه السميع المجيب. # نجيب المندراوي # باسم الله الفتاح # الحمد لله الذي أظهر لنا مكنونات الأسرار، وأطلعنا على خبايا الأمور والأخبار، وكشف لنا ~~الغوامض وأزال عنها النقاب حتى راجت الاختراعات والاكتشافات في سوق العلوم والآداب. # وبعد، فلما رأيت في تاريخ كريستوف كولومب من اللذة، ولما وجدت فيه من جليل العبر وسامي ~~العظات، طفقت في جمعه وتعريبه لا ألوي إلا على فائدة الجمهور. ولما طبع عليه الشاب المصري ~~من اليأس والخمول؛ دارت الأفكار في خلدي واستولى علي القنوط، فكنت أقدم رجلا في ~~طبعه، وأؤخر أخرى عن إبرازه، لا سيما أنه ليس برواية غرامية حتى يروج في مثل هذه الأيام. ~~ولكني لحسن الحظ وجدت من إخواني الأحباء تشجيعا وتعضيدا جعلاني أقدم على طبعه، راجيا ~~منهم أن يغضوا الطرف عن الهفوات، سائلا المولى - سبحانه وتعالى - أن يكلل أعمالنا ~~بالنجاح، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. # المؤلف # نجيب المندراوي # | كلمة لأحد الأدباء # قال حكيم: «الكتب قلوب الناس في أيدي الناس.» وهي حكمة بالغة لا يقولها إلا كبار ~~الفلاسفة وفطاحل العلماء الذين خبروا حالة العالم ونفس الإنسان. وعلى حد هذا القول يكون ~~صاحب هذا الكتاب قد وضع بين يدي القارئ قلبه بما جناه في مدة الدراسة من العلم والأدب، وما ~~عاناه ms01 في سبيل عمله لبلوغ الأرب. # ولا يخفى أن أدب كل أمة مقياس تقاس به درجة تمدينها. ألا ترى أن تجارة أدب الشرق في كساد ~~وتجارة أدب الغرب في رواج؛ ولذا تجد الأول في أشد أدوار الانحطاط والثاني ناهض إلى العلياء، ~~وهذا دليل على صحة قولي. كيف لا وفي الغرب يزداد الخطيب بلاغة بما يراه في أعين سامعيه من ~~التكبير والاستحسان، وقلم الكاتب يزداد عذوبة بما يجده من قارئيه من التعضيد والإقبال! ~~بخلاف الشرق حيث يكتب الكاتب كتابا يرجو من ورائه شهرة ومالا ينسيانه ما أنفقه في وضعه ~~من الوقت والتعب والمال، فلا يجد من القراء وأنصار الأدب مساعدة تذكر. زد على هذا أن ~~الحكومات الغربية تأخذ بيد الناهض لتجلسه فوق عرش العزة والعظمة بما تعطيه من المال، ~~والتسهيلات التي تأتيها معه؛ مما يحرك الهمم الفاترة ويجعل المشتغلين يتسابقون في كل فن ~~ومطلب. بخلاف الحكومات الشرقية فإنها فضلا عن كونها لا تساعد أحدا مما يزيد المرء خمولا، ~~لا تتركه وشأنه، بل تعاكسه بما تضع له من العراقيل كمنع حريته فيما يكتب وغير ذلك مما يقتل ~~الأفكار ويميتها، وفي ذلك من الضرر ما فيه. # فانظر، يرعاك الله، الفرق بين الجهل والعلم، بين النقص والكمال، بين العبودية والحرية، ~~بين أدب وأدب. # فإذا أردنا - نحن الشرقيين - تحسين حالنا فلنعمل على رفع منار العلم والأدب بيننا، وذلك ~~لا يتم إلا بتعضيد كل كاتب ومؤلف أدبيا وماديا؛ لتشجيعهم وحملهم على مسابقة بعضهم البعض ~~في هذا المضمار. # وما حملني على هذه المقدمة رغبتي في مساعدة المؤلف وتعضيده، لا وحرمة الأدب، ولكني أردت ~~بهذه السطور تقرير حال الأدب في الشرق؛ لتتنبه الأفكار إلى هذا النقص المعيب فيجعلوه يستفيق ~~من سباته العميق، وينهض لمغالبة الأمم الراقية، وبذا يسترد الأبناء ما كان للآباء من الأدب ~~والعلم والقوة والمجد؛ إذ لا يصح أن نكون قادرين ولا نعمل على حد قول الشاعر: # ولم أر في عيوب الناس شيئا # كنقص القادرين على التمام # هذا، وقد اختار المؤلف موضوعا جليلا بنى عليه هذا الكتاب ms02 ، ولا حاجة بي لذكر هذا ~~الموضوع؛ إذ يعلمه القارئ من عنوان الكتاب. غير أن لي كلمة عن كولومب فأقول: إن الإنسانية ~~مدينة له بهذا الإحسان الذي استعبدها به، ألا وهو اكتشاف العالم الجديد الذي به غير وجهة ~~العالم، فلولا كولومب لما كان العالم كما هو عليه اليوم. هذا وأترك الحكم على هذا ~~المؤلف للقارئ الكريم فيقضي بما يراه، ولا إخال القارئ إلا حكما عدلا، والسلام. # ثابت سيدهم المنقبادي # بمدرسة الحقوق الخديوية # سلبتم يا بني مصر فؤادي # فأضحى مولعا بلقاء جسمي # ولم أر لاجتماع الشمل منا # سوى أني أضم إليه رسمي # | ترجمة حياة كرستوف كولومب # وأدوار أبحاثه # ولد كولومب في «جنوة» من أعمال إيطاليا سنة 1435، وكان أبوه المدعو «دومينيك كولومب» ~~وأمه المسماة «سوزان فونتاناروزا» يقطنان بيتا لهما مطلا على حديقة، ويملكان غيره شيئا ~~من الأرض. وكان شعار الكولومبيين إذ ذاك علما أزرق سماويا عليه ثلاث حمامات فضية، تدعى ~~الأولى «فيدس»، والثانية «سبس»، والثالثة «شاريتا». وكان دومينيك بالكاد يحصل على قوته ~~الضروري من مهنته الحقيرة - غزل الجوخ ونسج الصوف - فوهبه الله سبحانه وتعالى خمسة بنين؛ ~~أربعة ذكور وأنثى زوجها فيما بعد بتاجر كبير. أما «بلجرينو» الابن الأول فإنه مات صغيرا، ~~والثلاثة الأخر «كريستوف، وبرتليمي، وجاك» فإنهم أحبوا بعضهم بعضا محبة تقرب من ~~العبادة، ولقد كتب «بلجرينو» في وصيته التي تركها يخاطب والده قائلا: ليتني كان لي عشرة ~~إخوة وليس أربعة فقط، فما أقلهم علي! أو ما أجمل من أن يرى للإنسان أصدقاء عديدون ~~يلازمونه يمنة ويسرة ويحبونه كل المحبة! # أما كريستوف: فلوحظت فيه النجابة النادرة والنباهة الباهرة منذ حداثته، فأدخله أبوه في ~~مدارس «بافي» بإيطاليا، ولكنه لم يبقه فيها طويلا؛ فقد رأى فيه ميلا كليا إلى الدين، ~~وإلى استحسان أعمال الله والإعجاب بمخلوقاته، خصوصا إلى العلوم الجغرافية والبحرية. كل ذلك ~~كان يدفع كولومب إلى جولان البحار، فغض النظر عن كل الصعوبات والعوائق التي كانت تعترضه في ~~طريقه ودخل في سلك النوتية. وكان كولومب منذ ترعرعه، لا سيما في شبيبته، يرمي إلى مناضلة ms03 ~~العثمانيين، وأخذ بيت الله المقدس منهم. فأخذ يتمرن ويتعود على الاقتتال حتى يفوز بالغلبة ~~والنصرة إذا جاءت تلك الحرب الدينية الموهومة. وطفق يقاتل في معارك صغيرة جرح في إحداها ~~جرحا بالغا ضمد ولكنه فتح ثانية في أواخر أيامه وحرمه لذة تلك الأويقات التي كانت أقصر ~~من حبال الآمال. # ثم رمق بنظر حاد قريبين له، وتتبع سيرهما في سبيل الثروة، وهذان القريبان كانا قد أحرزا ~~صيتا عظيما وشهرة طائرة في الغلبات والانتصارات البحرية. وإذ علم كولومب بوصول أربعة ~~قوارب فينيسية جد وراءها وأدركها بين «أشبونة» ورأس القديس «فنسان». ولما دنا منها ربط ~~سفينته بإحدى سفن الأعداء بسلاسل حديدية، فابتدأ بينهم قتال عنيف، قتال خصم ملامس للآخر، ~~قتال كانت فيه الدماء تجري كالأنهار. كيف لا والميدان ضيق، والسفن مربوطة ببعضها. ولما شبت ~~النيران في إحدى السفن التهمت السفينتين معا والتزم المتقاتلون أن يسبحوا ويخوضوا في عباب ~~الماء تخلصا من النار. أما بطل روايتنا فكان سباحا ماهرا، بيد أنه لما رأى أن الشاطئ ~~بعيد عنه بمقدار فرسخين تقريبا قبض على مجداف بعثت به العناية الإلهية إليه، فتارة كان ~~يتساعد ويتعاون به، وطورا كان يقذفه إلى الأمام حتى وصل إلى الشاطئ سالما آمنا، وأراد ~~الله سبحانه بذلك أن يبقى ويتم أعمالا أهم وأعظم من هذه المعيركات. أما الشاطئ الذي ~~وصل إليه بطلنا فكان من أراضي البرتقال، تلك البلاد التي كان لها حينئذ الشأو الأعظم ~~والمكان الأكبر في العلوم البحرية والاكتشافات الجغرافية. فوجد كريستوف هناك أخاه ~~برتلماوس. # بقي علينا إذ خرجنا ببطلنا من حومة هذا الوغى سالما آمنا، أن نذكر شيئا عن أخلاقه ~~وصفاته حتى يقف القارئ على حقيقة أمر هذا الهمام. فقد كان كولومب معتدل القامة، شديدا ~~ماشقا، حكيما مدركا متبصرا، قاتم اللون، بيضوي الوجه مستطيله، أزرق العينين، حاد البصر ~~والبصيرة، جهوري الصوت، معتدل السير نشيطه. ولحسن تعلمه كان يفصح عما في ضميره ~~بغاية البلاغة والزلاقة، وكان يتداخل في كافة المواضيع بدون أن يسلب حقه أو يضيع فكره. ~~وكان ذا بيان عجيب ونطق غريب ms04 ، وبذا كان يستميل مواطنيه ويجذبهم إليه. فكأن الله سبحانه ~~وتعالى قد وهبه قصدا تلك الهبة الجليلة؛ أي العقل الكامل الذي ما وهبه إنسان قط إلا جل ~~قدره وعلا شأنه: # ما وهب الله لامرئ هبة # أحسن من عقله ومن أدبه # وكان بخلاف ذلك وديعا متواضعا، خفيف الروح، حسن السير، عطري السلوك، لطيف المعشر، شديد ~~التقشف، لا يأكل اللحم إلا نادرا. وكان يقاوم شهواته مقاومة عنيفة، ذاكرا وصايا أمه ~~الحنونة التقية، وكان يصلي كل صباح طالبا من الله عز وجل أن يغفر له خطايا يومه. وكان ~~يبدأ كل يوم كتاباته بهذه الكلمات: ليرمقنا يسوع وأمه بأعينهما الرءوفة. # وفي هذه الأزمنة كان الناس يجهلون حجم الأرض وكرويتها، ويخال العلماء أنه من رابع ~~المستحيلات عبور المحيط الذي كانوا يدعونه بالبحر المظلم. وكانوا يخالون أيضا أن في نهاية ~~الأطلانطيكي هاويات عميقة، وجحيما منسحقا لا قرار له. وكانوا يرسمون على خرطهم وحوشا ~~ضارية، وحيوانات مفترسة رمزا للحدود التي وصلت إليها سفنهم وما أمكنها أن تتعداها. # أما كريستوف فبالعكس، كان يعتقد أن الأرض كرة مستديرة، وأنه في نصف الكرة الآخر توجد ~~أراض شاسعة الأكناف تقابل الجزء الكروي الذي كان معلوما آنئذ. وكان يؤكد ذلك بالبراهين ~~الساطعة والأدلة القاطعة، قائلا إنه من المستحيل أن يترك الرحمن بقاعا واسعة كهذه بلا ~~سكان ولا قطان، وبما أنه كان ممتلئا من روح الدين المسيحي والتعاليم القويمة والغيرة ~~الشديدة، أراد أن يكون رسولا يجول بين أولئك القطان هاديا لهم ومعلما إياهم سبيل الله ~~المستقيم، ودينه الحق القويم، وكان يكرر في كل صلواته وطلباته أمرين؛ أولهما: إيجاد تلك ~~الأراضي المجهولة وتبشير أهلها بالإنجيل الشريف، وثانيهما: نزع قبر السيد - له المجد - من ~~يد العثمانيين مستعينا على ذلك بالكنوز التي كان يعلل نفسه بوجودها في الأراضي المجهولة. ~~فاستعد لذلك، وقال في نفسه: إنه يلزم أن تكون تلك الأراضي في مستقبل الأيام ملكا لوطنه ~~ومستعمرات لبني بجدته مقابلة لمساعدتهم له في اكتشافها ومعرفة كنهها. ولكن بما أن جنوة ~~والبندقية قد أبتا مس هذا المشروع، ورفضتا مد ms05 يد المساعدة إليه؛ عاد إلى بلاد البرتقال، ~~وكان يوحنا الثاني ملكها حاميا للبحر والبحرية محوطا بأمهر البحارة والنوتيين. # فانعقد حينئذ مجمع من العلماء لفحص المشروع، وقرروا أخيرا بعد طول البحث وكثرة التنقيب ~~والتدقيق أن الشروع في هذا الأمر عبث لا طائل تحته ولا نتيجة له. ولكن ادعى أحد هؤلاء ~~الباحثين أنه يريد فحص المشروع فحصا مدققا، فاطلع على مذكرات كولومب، وبعد أن عرف أسرار ~~رحلته رخصت له حكومته البرتقالية بإرسال سفينة نحو تلك الأراضي الجديدة المزمع اكتشافها. ~~ولكن بما أن الأمر كان اختلاسا دنيئا سافلا لم يشأ الله أن يباركه ففشل وذهب أدراج ~~الرياح. # ثم ترك كولومب البرتقال، وعزم على أن يعرض مشروعه على بلاد إسبانيا، وكان يحكمها وقتئذ ~~إيزابل وفردينند. أما إيزابل سلطانة الكاستيل فكانت فضلا على جمالها الفتان حكيمة صائبة ~~الآراء، لطيفة المعشر، سليمة النية، خالصة الطوية، وبالإجمال حائزة لكل صفة يجب أن تتحلى ~~بها ملكة مسيطرة على شعب عظيم. وأما فردينند فكان فضلا عن مهارته ورصانته، وحزمه وحذاقته، ~~نشيطا في الأعمال شديد العزم، وقاد القريحة، إلا أنه كان خبيثا ماكرا محتالا. وكان ~~الملكان مخلصين لله جل وعلا متدبرين فيما يرفع شأن شعبيهما ويجعل لهما مقاما عظيما ~~ومكانة سامية بين الشعوب الأخر، وكان الناس ولم يزالوا يدعونهما «المليكين ~~المسيحيين». # فانتظر كولومب زمنا طويلا ريثما هدأت الحرب التي كانت تدور رحاها بين الإسبان ~~والمغاربة، فانتهت بأخذ غرناطة من المغاربة، وطردهم من بلاد الإسبان. وإذ ذاك قصد كولومب ~~الملكين اللذين أمكنهما حينئذ أن يعيراه آذانا صاغية. وقبل ذلك استقبله في دير ~~الفرنسيسكان في «سنت ماري دي لارابيدا» الناطور الطائر الصيت «يوحنا بيريس». هذا، وبينما ~~كان مجلس «سلامنك» يختبر المشروع ويعدله كيفما يشاء، كان الرهبان في الدير يتأملون في ~~أفكار كولومب ذلك العبقري الذي لم يجد الله سبحانه وتعالى أحدا مثله لتأدية تلك المهمة ~~الكبيرة، وكانوا يصغون إليه فاهمين ما يقوله مصدقين كل ما كان يشرحه أمامهم. وبعد الفحص ~~والاختبار أقر رأي الرهبان على قبول أعظم مشروع وجد على وجه هذه ms06 البسيطة الغبراء. # أجل، قبل المشروع بكل سرور وهتاف، بل بكل تهليل وترحاب، بكل فرح وإعجاب. ففي هذا الدير ~~المملوء بالهدوء والسكينة الخالي من الشوائب الدنسة التي تنجس الإنسان، اعتقد الكل بكروية ~~الأرض وبوجود الجزائر والقارات المجهولة، وبإمكان الوصول إليها. مع أنه في منتديات العلوم ~~ودوائر المعارف والآداب، في الكليات، في المدارس والمجالس والمعاهد العلمية، كان القوم ~~يعتقدون أن تلك الآراء ما هي إلا سفسطات وأضغاث أحلام أو رؤيا مريض مستغرق في المنام، وإذ ~~أوشك الملكان أن يرجعا من الحرب وكانا أمام «غرناطة»، عرض عليهما كولومب طلبه كمرسل من قبل ~~الله داعيا نفسه بسفير الرحمن. فذهب إلى أكثر الأمراء تدينا وتقوى وإخلاصا لخدمته تعالى ~~قائلا لهما: تلك هي أعظم وسيلة لتخليد اسميكما في بطون التاريخ، فبها تؤديان أجل خدمة ~~ليسوع، وتنشران إيمانه المستقيم ودينه القويم بين أولئك الشعوب الكثيري العدد. # وعليه كان أول أمر في هذا الاكتشاف العظيم خلوه من كل شائبة بشرية، وتخصيصه لمحض رفع اسم ~~الحق سبحانه وتعالى، ونشره في ربوع تلك القارة الجديدة لتخليد ذكر يسوع بين أركانها، وتعميم ~~دينه بين أهليها وسكانها. فتأثر لذلك قلب إيزابل خصوصا، وكانت حكيمة عاقلة شفيقة ~~القلب. # ولكن لم يلبث المجلس السلامنكي إلا وجاهر بفساد المشروع وعدم إمكان السير فيه؛ ولذلك ~~انتظرت إيزابل ظهور الحقيقة التي يقولون عنها: إنها بنت البحث. وطالما كان يأسف كولومب ~~ويتحسر لما يراه من احتقار العلماء، وامتهان أهل البلاد والبلاط الملوكي له ولمشروعه وسخرية ~~التلاميذ به، حتى إن هؤلاء الأخيرين كانوا إذا قابلوه يدلكون جبهاتهم بأناملهم كأنهم يرمزون ~~بذلك إلى فساد عقل كولومب، واضطراب قواته الإدراكية. فبعث كولومب حينئذ أخاه برتلماوس إلى ~~فرنسا ليعرض عليها ما أبت إسبانيا تنفيذه. وفي ذلك الوقت (سنة 1492) دخل الملكان إسبانيا ~~منصورين فرحين بهزيمة بوابديل ملك المغاربة شر هزيمة. # ثم عزمت إيزابل على تعضيد آراء كولومب، وتنفيذ مشروعه مهما كلفها من المصاريف والمشاق، ~~فبعثت برسول وراء برتلماوس ليدركه قبل وصوله إلى فرنسا. وكان اهتمام سلطانة الكاستيل بمشروع ~~كرستوف عظيما جدا حتى إنها ms07 قد صرحت بأنه لو احتاج الأمر إلى بيع حليها وجواهرها ~~لباعتها تنفيذا لرغائب كولومب وإرضاء لخاطره؛ وذلك لأنها كانت تعهد فيه ما هو أكبر وأعظم ~~من ذاك المشروع. فوضع كولومب الشروط التي يجب أن يسير عليها فقبلتها بدون نقض ولا إبرام. ~~ومن مقتضى تلك الشروط صيرورة كولومب إذا نجح في مهمته أميرالا عظيما في المحيط، وحاكما ~~عاما على الجزائر والبلاد المزمع اكتشافها، وواليا للهند ورسولا مبشرا، ويكون له الحق ~~في عشر حاصلات تلك البلاد سواء كانت زراعية أو معدنية. # | الرحلة الأولى # ذهب كولومب إلى ميناء صغير يدعى «بالوس» انتخبه ليكون نقطة قيامه، وعزم أخيرا على إعداد ~~سفينتين على نفقة الحكومة وتأجير ثالثة. ولكن لما سمع الإسبانيون بهذا المشروع استولى عليهم ~~الرعب واليأس والحزن والكآبة. فكان الملاحون يهربون منه ويهربون سفنهم وقواربهم، ثم تمارض ~~النجارون وصناع السفن، وأبى التجار بيع الخشب والهناء # 1 # والحبال. # أجل، كيف لا ينفر الشعب من مشروع رفضه العلماء بأجمعهم؟! وكيف لا يحزنون ويتباعدون عنه ~~وقد جاهر كل من يوثق بقولهم بعدم إمكان نجاحه، وصاروا يدحضون أقوال ذلك الرجل العظيم الذي ~~يعد من أكبر المحسنين لبني الإنسان إن لم نقل أعظمهم؟! # وأخيرا بالنسبة لما كان ليوحنا بيريس - المار ذكره - من الثقة عند الأهالي أخذ يهدئهم ~~بالكلام الرقيق، ويرشدهم إلى الحقيقة التي تتولد من الشروع في هذا الأمر، ويبين لهم النتائج ~~العظيمة التي ينتظر أن تعود عليهم من ذلك المشروع. فعزم ثلاثة إخوة ملاحين؛ وهم الإخوة ~~«بنسون»، على تكريس حياتهم لخدمة كولومب، وأخذوا يحضون زملاءهم على مساعدة هذا المشروع ~~ويحثونهم على الإقبال عليه، حتى تمكنوا أخيرا من إعداد ثلاث سفن صغيرة تدعى الأولى ~~«لابنتا»، والثانية «لاسنتاماريا» التي امتطاها الأميرال كولومب، والثالثة «لانينا» وهي ~~أصغر الثلاثة كما يتضح ذلك من تسميتها. وكان عدد البحارة 120 نفرا، فاستعدوا لهذا الخطر ~~الذي كان محدقا بهم - على ما كانوا يزعمون - من جراء تلك السياحة. # وإذ كان يوم الجمعة 3 أغسطس سنة 1492 هبت ريح شديدة أمر على أثرها كولومب باسم يسوع أن ms08 ~~تنشر القلوع. فلما وصل إلى رأس الرجاء الصالح دخل إلى مخدعه القائم على مؤخرة السفينة، ~~وشرع في كتابة يومياته باسم سيدنا يسوع المسيح. ولا عجب إذا صنع كذلك؛ فقد كان - كما قال ~~قداسة البابا بيوس التاسع: «متوقد العزيمة، كثير الغيرة على الديانة المسيحية. لم يقدم على ~~هذا المشروع الخطير ويرغب في اكتشاف عالم جديد لمجرد الحصول على أراض واسعة الأكناف يضمها ~~إلى ممتلكات إسبانيا، بل كان يهمه على الأخص أن يجعل اسم يسوع يرفرف على شعوب جديدة عديدة ~~لتكون تحت راية ورعاية الكنيسة المسيحية.» # واستمرت السفن تسير باسم الله مجراها بكل أمان وطمأنينة، حتى التزم كولومب أخيرا أن ~~ينتظر عند جزائر «الكناري»؛ لتصليح ما اختل في «لابنتا». وفيما كانوا يمرون بقرب «تينيريف» ~~أكبر جزر الكناري، كان بركانها في ثوران وفوران، فانزعج الملاحون، وخالوا أن هذا الانقلاب ~~بادئة الكروب التي كانوا ينتظرونها من تلك السياحة، فهدأ كولومب روعهم ضاربا لهم الأمثال ~~وموجها أنظارهم إلى «أتنا» و«الفيزوف» وكانوا يعرفونهما كلهم. وأخيرا أقلع في السادس من ~~سبتمبر فترك «جومير» وابتدأ بالدخول في منطقة الاكتشافات، فعزم حينئذ على الإمعان # 2 # في الأطلانطيقي الذي كان مجهول السبل في تلك الأيام، ثم أخذوا يسيرون في الطرق ~~الغربية. # وفي التاسع من سبتمبر سنة 1492 هب نسيم عليل وسطعت الغزالة بأشعتها الذهبية فانتفخت ~~القلوع. وقبل انتهاء النهار اختفت أراضي جزيرة الحديد «أيل دي فير» عن الأبصار؛ فهلعت لذلك ~~قلوب الملاحين وأخذوا في العويل، وأيقنوا أنهم ضلوا وهلكوا لا محالة وفقدوا أوطانهم وأسرهم. ~~فاجتهد الأميرال في تهدئة خواطرهم وإزاحة همومهم، فكان يؤملهم في الحصول على الذهب ~~الوهاج، والتمتع بحاصلات تلك البلاد الثمينة، ونيل المكافآت والمرتبات العالية، وبلوغ ~~المجد الأثيل والشرف السامي. ثم أمر الربانين بمداومة الاتجاه نحو المغرب، والوقوف بعد قطع ~~سبعمائة فرسخ إذا اشتموا رائحة الخطر على السفن ومن فيها، ولم يقل ذلك إلا لأنه كان ~~موقنا بالاقتراب من اليابسة. # ففي الثالث عشر من سبتمبر على بعد مائتي فرسخ تقريبا لاحظ كولومب حادثا كان مجهول ~~السبب؛ وذلك أنه ms09 في منتصف الليل عوضا عن أن تشير الإبرة الممغطسة إلى النجمة القطبية تحولت ~~عنها بخمس أو ست درجات، وكان الاختلاف يزداد شيئا فشيئا. وفي اليوم التالي لوحظ أن طائرين ~~من النادر وجودهما على غير اليابسة كانا يطوفان حول السفن. إلا أنه في الليل الثاني خال ~~النوتية أن هلاكهم قد دنا، وصاروا على شفا جرف هار؛ وذلك لظهور أحد الحوادث الخاصة ~~بدوائر الانقلابات دون غيرها، فكأن لسانا من نار كان يخترق الجو رأسيا وينتهي طرفه في ~~الماء على مسافة خمسة فراسخ من السفن. # وفي السادس عشر من هذا الشهر ظهر لهم على بعد مسافة بالكاد تراها العين أعشاب خضراء؛ ~~فكأن السماء فتحت أمامهم، أو كأنهم دخلوا من أبواب النعيم. أجل أيها القارئ، كم من السرور ~~خالج قلوب هؤلاء البؤساء، وكم شعروا بالفرح والبشر لرؤية تلك الحشائش، وما كان أعظم انشراح ~~صدورهم لهذه الرؤية السارة وتلك البقع الخضراء النضرة الموجودة في بحر «فاريك»! إلا أن كمية ~~تلك النباتات كانت تتجمع وتتشابك حتى ضايقت السفن وكادت توقفها عن المسير، وحينئذ طار لب ~~الملاحين وهلعت قلوبهم ثانية، وانصب على رءوسهم الغم، وتراكمت عليهم الهموم، وأعقب ذلك ~~دمدمة، وتلى هذه ما يشبه التعصب والثورة. فرفع كولومب يديه إلى من تخضع له الرياح والبحار ~~وابتهل إليه، وصلى صلاة طويلة. # وفي الخامس والعشرين من سبتمبر سنة 1492 ماجت المياه بدون أدنى نسيم ودفعت السفن وأنقذتها ~~من تلك الشباك التي كانت محيطة بها! هكذا تصنع العناية الإلهية العظيمة بمن يغارون على ~~أعمالهم وتعاونهم وتشد أزرهم، ومهما جربوا فإنهم لا يفتئون ممتثلين لأعمال الله، ناهجين ~~في سبيله القويم، متكلين عليه في كافة أعمالهم. فكانت تلك القدرة الإلهية تساعد هذا المكتشف ~~العظيم، أو بعبارة أخرى هذا الرجل الذي أضاف إلى العالم عالما آخر؛ لأنه كان يصلي دائما ~~طالبا من الله عز وجل أن يبلغه مقاصده وينجده بمعونته التي لا تقدر. # ومن الغريب أن الله كان ينقذه من أكبر الورطات ويخلصه من شر الويلات، ومع ذلك فإن عدد ~~الثائرين في السفن ms10 كان يزداد شيئا فشيئا ويوما بعد يوم، حتى إن أشدهم جسارة وأكثرهم ~~جراءة تفاوضوا وتخابروا بشأن إلقاء الأميرال في البحر إن لم يذعن هذه الدفعة لطلباتهم ويعود ~~إلى إسبانيا عاجلا! ومع أن كولومب كان يعلم تمام العلم بكل ما كان يختلج صدورهم من الشرور، ~~ويفهم كل ما كان يدور في خلدهم من الأفكار السيئة والمكامن، لم تبد عليه علائم الانزعاج ~~بالمرة، بل استمر هادئ البال ساكن البلبال، يهدئ روع هذا ويوقظ ذاك، ويهدد كل من ~~يجسر على إيقاف رحلته بالعقابات الجسيمة. ثم قال لهم أخيرا: «اعلموا أيها الرجال، أن ~~دمدمتكم وتهوركم لا يجديان فتيلا، فقد بعثت لأبحث عن أقطار مجهولة، فلا بد من متابعة ~~السير حتى ندرك اليابسة بمعونة الله وشفاعة ابنه له المجد.» # وكان الله قد دبر أمرهم وقدر لهم معونته قبل أن يلفظ كولومب تلك الكلمات؛ وذلك أنه في ~~اليوم التالي فضلا عن الحشائش الخضراء التي كان يظهر عليها أنها لم تنبت إلا حديثا، فإنهم ~~وجدوا قصبة ثم لوحا خشبيا مشغولا ثم غصنا عليه بعض الحبوب الحمراء، فجمعوا كل هذه، ~~وتحولت أحزانهم إلى أنس وحبور، وهمومهم إلى بشر وسرور: # فرضوا بما شاء الإله حدوثه # وتبدلت أتراحهم أفراحا # وعندما أسدل الليل البهيم ستاره الأسود على تلك الطبيعة الجميلة، وبعدما دعوا العذراء ~~وطلبوا منها ومن ابنها الحبيب ما شاءوا، وأنشدوا وسط هذا المحيط العجاج نشيد «سالف ريجينا» ~~الإسباني كما هو المعتاد، خطب فيهم كولومب بصوت ملؤه الغيرة والحماس فذكرهم أولا بعناية ~~الله الكبرى التي لولاها لما هبت الرياح وتحركت المياه وساروا فيها بأمان، ثم وعدهم أنه ~~عند شروق شمس اليوم التالي سيطئون - أو على الأقل سيرون - اليابسة، وتعهد لأول من يراها ~~بطقم مخمل # 3 # وذلك بخلاف المرتب الموعودين به، وفي الساعة العاشرة مساء رأى كولومب ضوءا ~~يتلألأ على بعد. # وعندما انبلج الصباح رأوا اليابسة بعد إجهاد البصائر على بعد فرسخين لا غير. فأي قلم ~~يقدر على تعبير ما خالج قلوب هؤلاء المساكين من السرور! بل أي بليغ يمكنه أن يصف ms11 ما مازج ~~أفئدتهم من البشر والحبور! فلقد صاحوا قائلين بعد طلقات المدافع المتوالية: اليابسة ~~اليابسة! ثم أنشدوا الأناشيد الوطنية الملأى غيرة وحماسا، وكان ذلك يوم الجمعة 12 أكتوبر ~~سنة 1492. # | العالم الجديد # نزل كولومب إلى اليابسة بعدما لبس عباءته القرمزية وقبض على اللواء الملوكي. ثم ركع على ~~الأرض وقبلها بكل احترام ووقار، شاكرا المولى سبحانه وتعالى ساكبا دموعا غزيرة من شدة ~~الفرح والسرور. ثم رفع صورة عليها رسم المصلوب، ونطق بصوت خشوع تهتز له القلوب الصلاة ~~الأولى مقدما لله التسبيح والاحترام. ثم سحب حسامه ورفعه إلى العلا، واستولى على تلك ~~الجزيرة باسم ملكي «الكاستيل والأراجون»، ولقد دعاها «سان سلفادور» وهي كلمة إسبانية معناها ~~القديس المخلص. وحين ذلك صار كولومب بواسطة اكتشافه العظيم أميرالا وحاكما وواليا ~~ومبشرا لتلك الأصقاع النائية. # أما تلك الجزيرة فكان اسمها بلغة أهلها «جواناهاني» وهي إحدى جزر الباهاما التي تتبع ~~إنكلترا اليوم. أما عن مواطني الجزيرة فحدث بالحقيقة ولا حرج، فعندما رسا كولومب عليها ~~صاروا يتأملون إلى سفينته من خلال العوسجات والعليقات بكل اندهاش واستغراب، وكانوا يعجبون ~~كثيرا بذلك الموكب الحافل الذي دخل به الإسبان جزيرتهم: # والسفن مبحرة كأن قلوعها # منشورة أجناح طير هائل # هكذا كان القوم يعتقدون في سفن كولمب، فكانوا يخالونها - أو بالحرى يخالون قلوعها - أجنحة ~~هائلة لطيور هائلة. ولمهابة كولومب وهيئته الرهيبة الساكنة التي تدل على الحكمة والسداد؛ ~~اطمأنت قلوبهم وهدأ روعهم، لا سيما لما بدا لهم منه من الشفقة والحنان وأبهة اللباس ~~وزخرفه. فخروا أمامه ساجدين وقدموا له حشائش عطرية جميلة في نظير قلاس حمراء وأخراز ~~وجناجل كانوا يفرحون بها. ثم شرحوا له على قدر الإمكان أن كل هذه المناطق الجزرية وافرة ~~الخيرات والحاصلات عديدة كثيرة السكان، واستشهدوا على ذلك بذكر ما يفوق المائة اسم من أسماء ~~تلك الجزائر. فنزل حينئذ الأميرال كولومب وابتعد لمسافة سبعة فراسخ تقريبا من «سان ~~سلفادور»، ورسا على جزيرة من أكبر تلك الجزر دعاها «سنت ماري دي لاكونسبسيون» بعدما نصب ~~فيها صليبا. ثم رسا على غيرها ودعاها «فرناندين» وكان ms12 أهلها أحسن حالا وأقل فقرا وأكثر ~~براعة من سكان «جواناهاني»، وكانوا ينامون على حصر أو شباك من القطن يعلقونها غالبا أمام ~~أكواخهم، وكانوا يدعون ذلك الفراش «هاماك»، وقد حفظت اللغات المشتقة من اللاتينية ذلك الاسم ~~للآن، وأطلقته على الأرجوحة # hamac ~~. # ثم اكتشف جزيرة أخرى دعاها «إيزابل» كانت أكثر جمالا وأحسن موقعا ورونقا من الأولى. ~~ففيها البحيرات الواسعة والأحراش الظريفة التي تأوي إليها الطيور الجميلة، لا سيما ~~الببغاءات التي تفد إليها عشرات ومئات، وكان ذلك مما يزيد في حسنها ويجعلها بهجة تخلب ~~العقول والأبصار. # وفي مساء السادس والعشرين من أكتوبر ظهرت «كوبا» أعظم جزائر الهند الغربية مرسومة في ~~الأفق تختال في جلابيب الأبهة والجلال. # أما هذه الجزيرة التي لقبها البعض بلؤلؤة البحار فقد انبهر كولومب وأصحابه لمنظرها ~~البديع. كيف لا وسواحلها غير محدودة، وقمم جبالها وردية وبعضها سماوية، ولخلجانها انفراجات ~~كثيرة غريبة، ومزارعها غزيرة جميلة نامية متنوعة، وأنهارها جارية، وسماؤها زاهية: # والريح تجري رخاء فوق بحرتها # وماؤها مطلق في زي مأسور # قد جمعت جمع تصحيح جوانبها # والماء يجمع فيها جمع تكسير # كل ذلك كان يوسوس في عقل كولومب، ويؤكد له أنه لا بد من وجود قارة في تلك النواحي تكون ~~تلك الجزر طليعتها. ولاحظ الإسبان أن الأهالي كانوا يضعون في أفواههم وهم يلعبون أوراق شجرة ~~هناك، وكانوا يحرقون تلك الأوراق ويمتصون دخانها ويسمون تلك اللفائف «تباكو»، فعرفوا أن ~~هناك نباتا يدخن ويسلي، وبهذه الكيفية اكتشف التبغ. ثم اكتشفوا القطن أيضا وعرفوا كيف ~~ينتفع به، فقد وجدوا منه في مغارة واحدة ما يقرب من اثني عشر ألف رطل منسوج أو ~~مغزول. # أما كولومب فكان يريد أن يصل إلى أرض كان الهنود يدعونها «بالبيك»، ولكن الريح كانت مضادة ~~له، ولذا اضطر إلى تغيير الطريق، وكأن الله سبحانه وتعالى جعل الريح تعاكسه لكيما يعدل عن ~~تلك البقعة إلى ما هو أهم منها، بل إلى أهم نقطة كانت هناك. وذلك أن كولومب شاهد في السادس ~~من ديسمبر بينما كان متجها نحو الجنوب الغربي لسانا طويلا ms13 من الأرض العالية كانت قمتها ~~مضوءة بالشمس الساطعة، وكان منظرها ينعكس في مياه رائقة جدا، تلك هي جزيرة «هايتي» ~~الكبيرة التي دعاها كولومب «هسبنيولا»؛ أي إسبانيا الصغرى. # وإذ صادف الملاحون جمعا من الأهالي الهمج أخذوا منهم امرأة بالمحايلة وألبسوها ثيابا ~~باهرة الألوان مرصعة بالأخراز والجناجل، ثم ألبسوها من السوارات والخواتم المعدنية شيئا ~~كثيرا، وساروا وراءها في حفلة زاهرة، وبهذه الطريقة السديدة استمالوا الأهالي؛ حتى إن ~~هؤلاء أحضروا في السفن في اليوم التالي ما لا يحصى من المؤن والمأكولات والبقول وغير ~~ذلك. # أما عروس البارحة التي احتفل بها الملاحون ذلك الاحتفال الباهر، فأقبلت محمولة على مائدة ~~خشبية مغطاة بالخضرة والأزهار يتبعها زوجها الذي طالما أظهر بحركاته وإشاراته وابتساماته ~~امتنانه ومعرفته للجميل. # ثم زار كولومب كثير من أمراء تلك البقاع. أما حاكم البلاد أو أمير الأمراء المدعو ~~«جواكاناجاري»، فأرسل إلى كولومب منطقة ركب عليها كيس من الجلد الطيب بشكل وجه بشري ~~أذناه ولسانه وعيناه من الذهب الخالص، ولقد بعث برسول ألح على كولومب كثيرا بزيارة ~~الأمير والمثول بين يديه. # ثم سارت السفن باسم الله مجراها، ولكن رأى كولومب أنه محتاج إلى الراحة؛ لأن المهمة ~~الشاقة التي قام بها أتعبته جدا وكلفته مشاق عظيمة. إلا أنه لم يفارق أعلى السفينة ويدخل ~~مخدعه حتى نام أغلب البحارة. وأصبحت السفينة سائرة كما تروم ويروم الريح، وما بقي من ~~الملاحين مستيقظا إلا نفر قليل لا يكفون لإدارة السفن في مثل تلك الجهات الخطرة؛ فاصطدمت ~~السفينة «سانتا ماريا» بصخرة صادفتها، وقبل أن يعطي الأميرال الأوامر، ويرشد إلى الطرق ~~اللازمة لنجدتها وانتشالها اشتبكت بالرمال، ولم يدر بذلك أمير الأمراء - المار ذكره - حتى ~~أرسل رجاله وقواربه ووضع تحت تصرف كولومب وأصحابه ثلاثة أكواخ، وجعل من رعيته حراسا ~~يحرسون أولئك الأجانب الشرفاء - كما كانوا يدعونهم. ومن الغريب الذي يجدر ذكره هنا أنه لم ~~يسرق من هؤلاء الأجانب في تلك المدة شيء بالمرة. أما كولومب فأول الحادثة الماضية - ~~حادثة الاصطدام - بما معناه: «أرادت العناية الإلهية إغراق سفينتنا وبقاءنا في هذه البقعة ms14 ~~وليس في غيرها؛ لأنها من جهة أجمل بقعة في تلك النواحي، ومن جهة أخرى ليصير أول مركز لنا ~~هناك بجوار تلك المناجم الذهبية الغزيرة.» وفي الواقع ونفس الأمر صارت تلك البقعة الصغيرة ~~أول مركز للغربيين في تلك الديار القاصية النائية. فابتنوا ببقايا السفينة التي تبدد شملها ~~حصنا صغيرا أحاطوه بحفر وأسوار من أوتاد، ثم حصنوه بعدد من المدافع وسماه كولومب ~~«لاناتيفيتي»؛ أي الميلاد. ثم ترك فيه عددا كافيا من الرجال، وأبحر في يوم الجمعة 11 يناير سنة 1493 قاصدا إسبانيا. # وكانت العودة طويلة كثيرة المشاق والأخطار، ولقد رأى الملاحون في أثنائها من أنواع العذاب ~~ما لا يقدر. ففي ثلاث مرار مختلفة أوشك كولومب ورجاله أن يهلكوا، وكانوا يصلون بحرارة ~~إلى العذراء طالبين منها أن تدفع عنهم تلك الشدائد، ولكن العواصف كانت تشتد والزوابع تقوى ~~والأنواء تكثر حتى خاف كولومب وأصحابه من الغرق؛ ولذا أخذ الأميرال في كتابة تفصيل رحلته ~~بكل سرعة، ثم وضعه في دن من صفيح ألقاه في اليم، ثم ربط دنا يشبه الأول تماما في طرف ~~السفينة بعدما وضع فيه تفصيلا آخر. # وأخيرا بعد مضي ستة وثلاثين ساعة وهم على جانب عظيم من القلق الزائد والهم والغم وانشغال ~~البال، سمعوا صوتا جهوريا صادرا من أعلى السفينة قائلا: اليابسة اليابسة! ولقد ~~يعدني القارئ مبالغا أو مغاليا إذا قلت له: إن خبر الوصول إلى اليابسة لم يفرح سامعيه ~~في المرة الأولى عندما كانوا قاصدين العالم الجديد مثل هذه المرة! وكانوا قد رسوا على سواحل ~~جزيرة «العذراء» أول جزر «الآثور» من الجهة القبلية؛ فانشرحت صدورهم وابتهجت قلوبهم وقرت ~~عيونهم وامتلئوا بشرا وحبورا. ومن العجيب الغريب الذي يعد من أكبر المعجزات نجاة تلك ~~السفن الصغيرة من أيدي العواصف الهائلة ومقاومتها لها. # ولما كانت جزائر الآثور - ولا تزال - تتبع بلاد البرتقال امتلأ قلب حاكمها البرتقالي ~~غيظا وحسدا للإسبانيين، وحقد عليهم حقدا دفينا حتى كادت تسول له نفسه الخبيثة - والنفس ~~أمارة بالسوء - أن يحجزهم عنده كأسراء. ولكن تمكن كولومب بفصاحته وسياسته أن ينجو هو ms15 ~~وسفنه ورجاله من هذا الذئب الجبان. # ولم يكونوا إلا على مائة وعشرين فرسخا من رأس «سنت فنسان» حتى فاجأهم نوء عظيم، فحمل على ~~القلوع حملة شديدة مخيفة حتى كاد يمزقها تمزيقا، وكان الملاحون وضباطهم يوالون الصلوات إلى ~~العزة الإلهية طالبين إزاحة هذه الكروب عنهم. # وفي الثالث من الشهر ازدادت العواصف والزوابع حتى لم يشك أحد منهم في الهلاك. فقر الرأي ~~أخيرا أن يطلبوا من العلي أن يخلصهم، ونذروا لله أن يصوموا في مقابلة ذلك يوم السبت الذي ~~سيعقب نزولهم إلى اليابسة تماما. وفي مساء ذلك اليوم رأوا اليابسة وكان الظلام حالكا، ~~فكأن الله سبحانه وتعالى أجابهم إلى طلبهم عاجلا ونجاهم في نفس اليوم. ولما صاروا على ~~مقربة من السواحل عرف الأميرال أنهم وصلوا إلى مصب نهر «التاج» أحد مجاري البلاد البرتقالية ~~والإسبانية. وكان الوصول إلى الميناء - أو بالحرى الدخول فيه - صعبا جدا والسفينة عليها ~~علائم الحزن والانكسار، محفوفة بكل أنواع الأخطار، ولكنهم بقوة الله ومعونته أمكنهم في ~~المساء أن يرسوا في مرفأ «رستلو». ومن الغريب أن أصغر السفن نجت من الغرق، وسلمت من حملات ~~العواصف والأنواء مع أن خمسا وعشرين سفينة غرقت في تلك النواحي، أو على الأقل أصابها عطب ~~أثناء ذلك الشتاء الشديد رغما عن ضخامتها ومتانتها. # فاتجه كولومب إلى «بالوس» نقطة قيامه بعد أن زار ملك البرتقال الذي هنأه ورحب به كل ~~الترحيب. وليعلم القارئ أنه منذ قيامهم من بالوس في الثالث من أغسطس سنة 1492 كانت أخبار ~~تلك السفن قد انقطعت عن أوروبا بالمرة؛ فلبست الأسرات ثياب الحداد على الضباط والملاحين ~~وعم الحزن جميع البلاد، وكان الناس يلعنون ذلك الأجنبي الأشعبي الطمع «كولمب» قائلين عنه: ~~إنه كان يطمح في الآمال من غير بابها، وكانوا يسبونه ويسلقونه بألسنة حداد لظنهم أنه ~~أفقدهم آباءهم وأبناءهم وجعل أجسامهم طعاما للحيتان والأسماك. # وفي يوم الجمعة 15 مارس سنة 1493 عند الساعة الثانية عشرة، كان بعض البحارة الملازمين ~~للسواحل خالي الشغل وفيما يلتفتون نحو البحر ذات اليمين وذات اليسار، رأوا العلم الكستيلي ms16 ~~العظيم يتماوج فوق القلع الأكبر لسفينة صغيرة. فعرفوا أنه علم تلك البعثة التي جرى خبر ~~ضياعها على الألسنة، وأصبح مضغة في الأفواه يلوكها الصغير والكبير على حد سوى. وإذ اقتربت ~~السفينتان تأكدوا أن «النينا» منهما. فتصور أيها القارئ مقدار الفرح الذي حل لهؤلاء ~~البحارة والسرور الذي خامر أفئدتهم والبهجة والانشراح والبشر التي بدت علائمها ~~عليهم: # علائم البشر فوق الوجه بادية # وللمحيا لسان صادق الخبر # وكان دوي المدافع يزيد وطلقاتها تتوالى، فضلا عن النواقيس التي كانت تقرع والطبول التي ~~كانت تدق، وصيحات الفرح والتهليل، وأكاليل الزهور والرياحين التي كانت تزخرف بها النوافذ. ~~وبالإجمال فقد ثمل الأهالي من خمر الفرح ونبيذ السرور. # وبقدر ما كان فرح رجال البعثة عظيما فإنهم أسرعوا بإنجاز وعدهم وإيفاء نذرهم، فذهبوا إلى ~~أقرب كنيسة هناك باسم السيدة العذراء، ودخلوا فيها حفاة الأقدام عراة الرءوس مرتدين ~~بالقمصان الكنائسية. ومن حسن الصدف وغرائب الأمور أنهم دخلوا في كنيسة «سنت ماري دي ~~لارابيدا». فطلب الأب «يوحنا بيريس» من الله عز وجل أن يلهم هؤلاء الأبطال الصبر والثبات ~~وأن يمنحهم المعونة في رحلاتهم المستقبلة، ثم شكره وحمده على حفظه لهم في الرحلة الماضية ~~بدون أن يصيب أحدهم ضرر أو أذى، وسأله جل وعلا أن يساعدهم حتى ينجحوا في هذا الاكتشاف ~~الجليل. وأما الملكان فقد طلبا مقابلة كولومب إذ علما بوصوله سالما غانما. # ومن المعلوم أن بين «إشبلة» - أو هي «سيفيل» - و«برشلونة» توجد أثرى أقاليم في إسبانيا ~~وأرغدها. وكان الأهالي يقيمون على قارعة الطريق؛ لكي يمر بهم هذا المكتشف العظيم ولكي ~~يحيونه تحية الوداد: تحية شعب يئس ثم ظفر. وللقارئ أن يقابل بين حالة كولومب الأولى عندما ~~كان عازما على السفر وحالته الحاضرة؛ فكان الناس يقيمون له الاحتفالات الشائقة والمهرجانات ~~الرائقة. أما عن الزحام فحدث طبعا ولا حرج، فقد كانت الطرق والشوارع وغيرها من الممرات ~~مزدحمة بالمتفرجين غاصة بالرائين، حتى إنهم كانوا يتركون أعمالهم في محالهم التجارية ~~والصناعية ويذهبون لمشاهدة ذلك البطل الصنديد. كيف لا ولم يتجاوز غيره حدود الأرض التي كانت ms17 ~~معروفة قبل هذا الاكتشاف الذي ضاعف مسطح البسيطة، وأظهر للملأ ما جهلوه أثناء قرون مما كان ~~معدوما مبسوطة عليه يد الانطماس؟! كيف لا يفتخرون بكولمب ولم يقطع أحد مسافة أكبر من التي ~~قطعها معرضا نفسه للأخطار؟! وكيف لا يتهللون ويسرون بوصول رجل هذا شأنه وقد عاد إليهم ~~آمنا كاسبا؟! # وإذ مثل كولومب بين يدي الملكين وقفا له احتراما وتبجيلا، ودفعهما إلى ذلك ما ناله ~~الرجل منذ ذلك من المقام السامي والاعتبار الفائق عند جميع أهالي الأرض على اختلاف نحلهم ~~وتباين نزعاتهم. ثم مدا إليه يديهما، وأمرا أن يخلع عليه من ثياب الأكابر والوزراء، وأن ~~يجلس بجانبهما على أول مقعد أمام العرش الملوكي، حيث تكلم كولومب بصوت خشوع فاهتزت له ~~القلوب طربا، ورقصت له الأفئدة عجبا، وطربت لسماعه الآذان، لا سيما وكان فصيحا بليغا. ~~ثم ركع الكل بما فيهم الوزراء والأمراء والملكان، وبعد صيحات الفرح والتهليل، صاحوا بغتة ~~بنشيد: «تي ديم»؛ أي شكرا لله. واستمرت معهم الموسيقى الملوكية صادحة بأنغامها الوطنية ~~الشجية، وكأن تلك النغمات كانت ترتفع إلى عنان السماء كأنها تريد أن توصل لرب القدرة ~~والجلال بكيفية محسوسة وطريقة ملموسة، ما كان يدور في خلد أولئك الأبطال من الإحساسات ~~الشريفة، والعواطف المنيفة، وحمد الله وشكره تبارك وتعالى. # وعليه فقد تم ما كان يرومه كولومب من نشر اسم الله المقدس في تلك النواحي التي يجدر بنا ~~أن ندعوها بسيطة أخرى، وكان ذلك على يد رجل مسيحي من أقوم وأتقى أبطال هذا الدين. رجل يدل ~~لقبه على حقيقته. كيف لا وهو كولمب؛ رمز الروح القدس، واسمه «كريستوفورس» ومعناه: باب ~~المسيح، وقد طابق اسمه مسماه بأجلى وضوح وبيان! # | الرحلة الثانية # سار كولومب في رحلته الثانية بأربع عشرة سفينة تحمل كل ما يساعد على استعمار أول أرض ~~يطئونها في الدنيا الجديدة. فمن النباتات: الحبوب على اختلاف أنواعها، ومن الحيوانات: المعز ~~والعجول والنعاج والخنازير. وكانت تلك النباتات والحيوانات مجهولة تمام الجهل في البلاد ~~الجديدة. واصطحب كولومب هذه المرة كثيرا من المبشرين والمرسلين، لا سيما صديقه ms18 الحميم ~~«يوحنا بيريس»، وهو أول من نطق بالقداس الشريف على سطح المحيط العجاج فوق تلك اللجج السائلة ~~المتجهة إلى نواحي المعمورة الجديدة، التي سميت فيما بعد «بأمريقا» نسبة إلى الرحالة ~~الإيطالي المشهور «أمريكوفسبوسي». فسار كولومب قاصدا تلك الديار النائية لا يلوي على شيء ~~وكأنه قطع تلك الطرق وعاودها ألف مرة. فقام من «بالوس» في الخامس والعشرين من سبتمبر سنة ~~1493، وفي يوم الأحد 8 نوفمبر اكتشف جزيرة «دومينيك» التي دعاها بهذا الاسم نسبة ليوم ~~اكتشافها (دومينيكو؛ أي الأحد). وبعد زمن أدرك «ماري جالانت» حيث أقام فيها الصليب «يوحنا ~~بيريس» وبشر مع باقي رفاقه بين أهالي تلك الجزر. # ثم وصلوا إلى جزيرة كبيرة دعوها «جواد لاب» نسبة إلى أحد قديسيهم. وكان كولومب عمل حساب ~~المسافات بكل تدقيق حتى إنه وصل إلى جزائر «كارايب» التي تسكنها قبيلة متوحشة تسمى ~~«بالكنيبال»؛ وهم قوم من أكلة لحوم البشر. وكان كولومب عازما على الاستيلاء عليها وإبادتها ~~عن آخرها أو على الأقل إخافة أفرادها؛ حتى يخفف جراءتهم الفظيعة ويمنع جولانهم المرعب. # وبعد ذلك اكتشف كولومب جزيرة «أنتجوا» ثم «بورتريكو» و«منسرات» التي وجدها خالية خاوية ~~لا سكان فيها ولا قطان؛ لأن «الكنيبال» أكلوهم عن آخرهم. وأخيرا في يوم الجمعة 22 نوفمبر ~~سنة 1493 وصل الأميرال بسفينته إلى جزيرة «هسبنيولا» عن طريق مصب نهر الذهب، وكان الطريق ~~ظاهرا بل ويكاد يكون مخطوطا من قبل. ولم ير الإسبان على الشواطئ - بعكس ما كانوا ينتظرون ~~- إنسانا قط، بل كانت خالية قفرة لا أنيس بها ولا جليس بخلاف ما لاحظوه من عادة الهنود؛ ~~فإنهم كانوا يرونهم مجتمعين منتشرين حول السواحل، لا سيما عندما يرون سفينة مقدمة نحوهم. ~~فتعجب الملاحون لهذا الأمر، ولكن يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب؛ فإنهم وجدوا جثتين ملقاتين ~~فوق الرمال يحوط رقبة الأولى حبل، وكان ذراعا القتيل موضوعين على هيئة الصليب ومربوطين بنفس ~~الحبل، وعلى مسافة من هاتين الجثتين وجدوا أخريين إحداهما ذات لحية دلت دلالة صريحة أن ~~المقتولين هم من البحارة الذين تركوهم في الحصن الصغير الذي ms19 ابتنوه قبل مفارقتهم للجزيرة من ~~بقايا السفينة. ولما أطلقوا المدافع لم يسمعوا إلا صداها ولم يجبهم مجيب إلى صيحاتهم ~~بالمرة؛ فتيقنوا حينئذ مما حدث بإخوانهم، وتأكد الأميرال من تلك المصيبة التي ~~لحقتهم. # وتحرير الخبر أنه بعدما فارق كولومب وأصحابه الجزيرة وتركوا فريقا منهم هناك، ثار هؤلاء ~~وهربوا مجدين في طلب المناجم الذهبية؛ ليتجروا منها لفائدتهم الخصوصية. ولما علم بذلك ~~الأمير «كاونابو» الهندي الذي كان مسيطرا على تلك المناجم أحب الانتقام، ففكر في نفسه، ~~ووجد أنه بعد عودة من رجعوا إلى إسبانيا وهروب من هرب من الملاحين لا يمكن للباقين الدفاع ~~عن أنفسهم إذا حاول مهاجمتهم. فاقترب منهم ذات ليلة برجاله فوجدهم ساكنين هادئين وكأن على ~~رءوسهم الطير، وليس على أبوابهم حراس يدافعون عنهم وقت الحاجة. فدخل الهنود يتدرجون شيئا ~~فشيئا حتى تعمقوا في الحصن، وقتلوا جميع من كان فيه من البحارة، ثم أوقدوا النار في ~~أكواخهم التي كانوا يقطنونها. أما الأمير «جواكاناجاري» المخلص لكولمب فبادر إلى مساعدة ~~الإسبان، ولكنه لم يدركهم إلا بعد أن قضى عليهم «كاونابو» ورجاله. ثم فرق هذا الأخير رجال ~~الأمير «جواكاناجاري» وجرحه في وجهه جرحا بالغا، وأحرق أكواخه وأكواخ قبيلته. فعزم كولومب ~~حينئذ على بناء مدينة محصنة؛ ليمكنه حين ذاك دفع هجمات الأعداء. فخط الرسومات ورسم بيده ~~على الأرض الشوارع والمنافذ. ثم وضع باسم الثالوث الأقدس أول حجر لأول مدينة شيدها هناك. ثم ~~دعاها إيزابل تذكارا لفضل تلك الملكة العظيمة. فشرعوا أولا في بناء الكنيسة وبنشاط ~~وغيرة البحارة ومراقبة كولومب لهم، أمكنهم أن يقيموا في أول كنيسة في الدنيا الجديدة يوم 6 ~~يناير القداديس والصلوات. وكان ذلك اليوم هو عيد الغطاس، فقام بالقداس الاثنا عشر مبشرا ~~الذين كان اصطحبهم كولومب معه بصفة مرسلين. واعتمد في ذاك اليوم عدد عظيم من الهنود، وبذا ~~تم سرور كولومب. وفي الحقيقة ونفس الأمر إن هذا لمن الأمور التي ينشرح لها صدر كل إنسان ~~يعرف قيمة ذلك الدين. # ثم قر رأيه أخيرا على أن يرسل إلى إسبانيا للبحث عن مؤن أخرى ms20 وذلك ليشغل البحارة. ثم ~~قصد جبال «سباو» ليكتشف المناجم الذهبية، وكان يأمل أن يمكث البحارة مدة تذكر في الجزيرة، ~~فيها تهدأ أفكارهم، ويزول ما كان يعتورها من الاضطراب. # ولكيما يستميل سكان تلك الجزر ويضرب عليهم بيد من حديد ويدهشهم ويحيرهم في أمرهم؛ خرج من ~~مدينة إيزابل وسط بحارته وكأنه كان ذاهبا إلى معركة حربية فكانت الطبول تدق، والأبواق ~~تصوت، والأعلام ترفرف في الفضاء. وساروا على هذه الحال حتى صادفوا طريقا وعرا مسدودا ~~بالصخور والآكام والأتربة المتراكمة والعليقات المتشابكة والجذور المرتبطة مما أربك الطريق ~~وجعلها وعرة يستحيل عبورها، وحينئذ صاح كولومب بالضباط المهرة والرجال الأقوياء، وكانوا من ~~شبان الأشراف الذين اشتهروا بالبسالة والبراعة في حرب المغاربة الأخيرة. فاستفز كرستوف ~~همتهم ونخوتهم واستحلفهم بشرفهم ومروءتهم أن يعملوا على ما فيه الفائدة في القريب العاجل، ~~ولم تمر بضعة دقائق وجيزة حتى سلك الطريق بجدهم واجتهادهم، وكانت أول طريق وعرة فتحوها ~~للعابرين في هذا العالم الجديد. ثم وصلوا إلى واد جميل دعوه بالوادي الملوكي، وكان قريبا ~~من «سيباو»، فابتنى هناك كولومب حصن القديس «توماس» وجعل «بدرو» أحد رجاله العاملين حارسا ~~له وأميرا عليه. # ثم كر الأميرال راجعا فاكتشف في طريقه «جاميكا» وأرخبيل «حدائق الأميرة». وهناك صادفت ~~السفن أنواء عظيمة ورياحا هائلة، فأحدق بهم الخطر من كل جهة، وصاروا في حالة يرثى لها في ~~وسط تلك الصخور والآكام. وكان التعب قد أضنى كولومب فاستغرق مرة في نومه خمسة أيام وخمس ~~ليال! ولما تيقظ من نومه قابل أخاه «برتلماوس» في عرض البحر، وكان راجعا من إسبانيا ~~حاملا المؤن المطلوبة، ومعه خطاب من الملكة، وهو أول كتاب أرسل من أوروبا إلى العالم ~~الجديد. # أما حصن «سنت توماس» - الذي مر ذكره - فقد عانى في غياب الأميرال أنواع المشاق. حيث إنه ~~لما رأى الملاحون أنهم أحرار انقادوا لشهواتهم السيئة فتلصصوا وتطاولوا على الهنود، وكانوا ~~يسبونهم بلا مبالاة، ويذبحون فيهم كأنهم أغنام بلا رعاة، وضربوا على من بقي منهم الغرامات ~~الرابية والرسوم الفاحشة. فاغتاظ الهنود من ذلك وثاروا، وتحالف أمراؤهم ms21 تحت رعاية «كاونابو» ~~الآنف الذكر. فحاصر عشرة آلاف منهم حصن «سنت توماس» الصغير، ولكن الإسبان بحرصهم وبقائهم في ~~الحصن تحت إمرة «أوجيدا» أمكنهم بعد ثلاثين يوما أن يتعبوا المحاصرين الذين التزموا أن ~~يفكوا الحصار عنهم. # أما «جواكاناجاري» فلم يقطع حبل مودته مع الإسبان، بل كان لهم عونا عظيما ومساعدا ~~ومنجدا كبيرا لا يتركهم في الشدائد، بل يشاركهم ويدافع عنهم على قدر طاقته، فكانوا ~~يستعينون به ويلجئون إليه دائما. ولقد أهلك الأمير «جواتجوانا» عشرا من الإسبانيين، وأحرق ~~كوخهم الكبير الذي كانوا أقاموا فيه شبه مستشفى؛ فراح المرضى شهداء اللهيب. # أما كولومب مع كونه تأثر من معاملة عساكره للهنود فقد أقسم بالانتقام من قساوة أمرائهم ~~المتوحشين؛ ولذلك هاجم «جواتجوانا» على حين بغتة، وأمر «أوجيدا» بالقبض عليه وشد وثاقه على ~~جواده، ثم اتجهوا جميعا على هذه الحال نحو مدينة إيزابل. فذعر الهنود في أول الأمر لهذا ~~المشهد العجيب، ثم انتشروا كالجراد في كل الجزيرة تحت قيادة إخوة الأمير المخطوف الثلاثة. ~~وكان انتشارهم عظيما مريعا سريعا إذ كانوا يبلغون المائة ألف عدا مع أن الإسبان كانوا ~~لا يتجاوزون المائتين وعشرين نفرا، فكأنهم أرادوا أن يقاتلوا بنسبة واحد ضد خمسمائة نفر ~~تقريبا؛ ولذلك كان فزع الإسبان يعظم كلما نظروا إلى تلك النسبة المريعة: إسباني واحد ضد ~~خمسمائة هندي متوحشين! يا للفزع! يا للرعب! # أما كولومب فسلم القيادة العامة لأخيه ثم استغرق في الصلوات والطلبات إلى العزة الإلهية ~~بحرارة عظيمة. وإذ أطلق الهنود في الهواء نيفا وخمسمائة سهم أظلم لها الجو وسد لهولها ~~الفضاء. ثم هبت ريح شديدة عند طلبة كولومب حولتها جميعا إلى جهة أخرى، فسقطت بعيدا دون ~~أن تصيب المرمى؛ فاندهش لذلك جماعة الهنود اندهاشا عظيما، ثم ولوا الأدبار في كل أرجاء ~~الجزيرة، بينما كان الإسبان يصيحون بأعلى أصواتهم: يا للعجيبة! يا للمعجزة! ولزيادة فرحهم ~~وكثرة سرورهم انطلقوا وراءهم حتى طردوهم عن آخرهم. ولقد دعي ذلك النصر الباهر والفوز ~~الخارج عن دائرة المعقولات: «معجزة القسي»، وصار يذكر في التاريخ محفوفا بكل تجلة وإكرام. ~~فالله ms22 سبحانه وتعالى قادر على كل شيء يدبر الأمور بحكمته البالغة، ويعمل كل غريبة ~~ومعجزة: # يدبر ما فات ابن آدم أمره # فسبحان رب العرش فيما يدبر # ثم دعا كولومب المكان الذي صلى فيه: «الجبيل المقدس». # أما حاكم حصن «سنت توماس» فكان قد هرب وعاد إلى بلاده، حيث وشى في حق كولومب ذلك البطل ~~المغوار متهما إياه بالجور والاعتساف. فتراءى للملكين حينئذ أنه من الأوفق انتداب رجل ~~يختبر الحالة، ويجري كل ما يلزم، ثم يرفع تقريرا عن ذلك للملكين. فوقع الانتخاب على ~~أجوادو - ويا ليته لم يقع عليه - فمع أن كولومب كان أحسن إليه وغمره بإحسانه ومننه، فقد ذهب ~~إليه متناسيا ذلك متشامخ الأنف متعجرفا. فبادر بجمع شهادات سيئة في حق كولومب من كل من ~~كان مستاء منه من البحارة الفسقة الفاسدين، والعساكر القليلي التربية، والهنود الذين كانوا ~~يشتكون مر الشكوى من الإسبان وطمعهم الأشعبي، وذلك رغما عما كان يتخذه كولومب من ~~الاحتياطات الكثيرة. # فأراد كولومب أن يشرع في الرجوع، وإذ هدمت العواصف سفينة «النينا» التي كانت كأنها محفوظة ~~برعاية العلي وحسن عنايته، فإنه أصلحها وابتنى له أخرى دعاها «الصليب المقدس». ولما أوشك ~~أن يقوم بلغه خبر وجود منجم ذهبي عظيم جدا، فأرسل مع أخيه برتلماوس العلامة الجيولوجي ~~«بابلو بلفس» لقياس نهر «هانيا» وفحص الأراضي المجاورة له. فوجدوا على مسافة ستة أميال أن ~~الأرض كانت كثيرة الذهب فكانوا يجمعونه بمقادير عظيمة جدا، وكميات هائلة لدرجة أنهم كادوا ~~يظنون الأمر حلما. # ثم رجعوا إلى «مدينة إزابل» حاملين قطعا من الذهب عظيمة القدر. أما كولومب فأخذ يحمد ~~الله ويشكره كجاري عادته، لا سيما وقد أنعم عليهم بكل تلك المنن الكثيرة. # وفي العاشر من مارس سنة 1496 أقلعت السفن قاصدة بلاد الإسبان وعليها كولومب وأجوادو وعدد ~~كبير من البحارة، فعاكستهم الرياح معاكسة شديدة. ولما تعمقوا في المياه، وبلغوا وسط المحيط ~~يوم 20 مايو اشتدت العواصف وعظمت الأنواء، وكادت المؤن تنفد؛ فجاع القوم واشتد بهم الطوى، ~~وأخذوا يدمدمون بصوت خافت، ثم علت الأصوات وتفاوضوا في أمر ms23 إلقاء الهنود الذين أتوا معهم ~~في البحر حتى تكفيهم المؤذن، وافتكر البعض الآخر في ذبحهم وشيهم وأكلهم. وفي السابع من ~~يونيو بلغ الأميرال خبر الثورة التي قامت بين البحارة، فتأثر لمسمعها واغتاظ وجاهر بأعلى ~~صوته: «إنه ولو استوجب الأمر موتنا جميعا واحدا فواحدا لا يمكن أن يمس أحدنا الهنود بأقل ~~أذى، وكونوا على يقين أننا سندخل مياه رأس «سنت فنسان» بعد ثلاثة أيام على الأكثر.» وفي ~~الواقع رأوا في اليوم الثالث الأرض التي نوه عنها كولومب تماما. # وفي الحادي عشر من يونيو دخلت السفن في ميناء «كاديس». وإذ مثل كرستوف بين يدي إيزابل نزع ~~من فكرها كل ما كان اتهم به نظرا لتواضعه ووداعته وحسن أساليبه في الكلام. أما الملكة ~~فكانت تعزيه قائلة: «فلنجد يا كولومب أكثر فأكثر في نشر اسم العلي ورفع شأن دينه القويم ~~في تلك البلاد الجديدة النائية، واعلم أيها الأميرال أني أريد متابعة البحث في تلك الأراضي ~~المجهولة والاستقصاء عن مجاهلها، وإتمام المشروع، ولو لم أجن من ورائه ثمت فائدة.» ثم ~~حدثته بشأن منحه قطعة أرض تبلغ مساحتها مائة وخمسين فرسخا مربعا من أراضي هسبنيولا يطلق ~~عليها اسم «مركيزات» أو «دوقيه»، وذلك في أي نقطة يختارها الأميرال بنفسه؛ لكي يجعلها ~~مقاطعة ملوكية يقيم بها بصفته واليا على تلك البلاد. ولكن كان حنق أعداء كولومب عليه ~~عظيما حتى إنه ما أمكنه أن يقلع بست سفن من ميناء «سان ليكادي باراميدا» إلا بعد مضي ~~سنتين. ومن ضمن ما أجروه من الفعال السافلة أنهم استأجروا أحد الأوباش لكيما يسبه علنا ~~بقلة الشرف والخسة والدناءة، وكل الألفاظ البذيئة والعبارات القبيحة التي يمجها السمع. كل ~~ذلك على مشهد من الجمهور وخصوصا أمام بحارته وأنفاره. فاشتد كولومب غضبا واستشاط غيظا ~~وصفعه ذات مرة صفعة شديدة على وجهه، فلم يعاود الكرة بل ذهب كأنه لم يكن. # | الرحلة الثالثة # أقلع كولومب في اليوم الثلاثين من مايو سنة 1498 باسم الثالوث الأقدس بعدما قرر في فكره ~~أنه يدعو أول أرض يكتشفها في هذه الرحلة بهذا ms24 الاسم «الثالوث»، وقد كان يريد أن يصل هذه ~~الدفعة إلى العالم الجديد نفسه وليس إلى سواه. ففي الحادي والثلاثين من يوليو شاهد على بعد ~~اثني عشر أو خمسة عشر فرسخا ثلاث قمم عالية لجبل شامخ شاهق يناطح الجوزاء. فامتلأ كولومب ~~إيمانا حيث صادف ما كان يأمل وجوده، فدعا كولومب تلك الأرض ثالوثا # Trinité ~~. # وفي جنوب تلك الجزيرة لاحظ كولومب تيارا شديدا من الماء العذب يمتد على مسافة ثلاثة ~~فراسخ في البحر، تلك هي دلتا «الأورنوك» ذي الأربعين فما التي تشغل أكثر من خمسين فرسخا. ~~ففهم الأميرال بذكائه وإدراكه الفائقين أن جميع تلك الجزائر ليست بأرخبيل وإنما هي أراض ~~قطعها هذا النهر بقوة تياره، فدعاها كولومب «أرض العناية». # ثم اشتدت على الأميرال وطأة المرض فكلف القبطان الفاضل «بطرس دير ترير» أن يقيم الصليب ~~بالنيابة عنه على ساحل تلك المقاطعات باسم تاجي إسبانيا. ففعل بطرس هذا كما أمره رئيسه، ~~وكان هو أول أوروبي وطأت قدماه أرض العالم الجديد نفسه، وكان ذلك في الخامس من أغسطس سنة ~~1498، وبذا عرفوا خليج «باريا» فاتبعوا جزيرة «سنت مارجريت»، وكان الماء هناك عذبا جدا ~~حتى قال عنه الأميرال: «إنه لم يشرب مثله قط»، وكانوا وجدوا أخيرا بحر اللؤلؤ. # فإذا تأملنا فيما سبق ذكره نجد أن كولومب قد اكتشف في هذه الرحلة الاكتشافات الثلاثة ~~الكبرى؛ فإنه أثبت: # أولا: # وجود العالم الجديد. # ثانيا: # تجوف اليابسة عند خط الاستواء. # ثالثا: # التيار المحيطي الأكبر. # وواضح كالشمس في رابعة النهار أن اكتشافا واحدا من هذه الثلاثة يكفي لتخليد اسم صاحبه، ~~فكم وكم يكون تخليد اسم من ضم الثلاثة، وكم يلزم أن يكون مقداره عظيما عند كافة المؤرخين، ~~وكم يجب أن تكون أهمية مكانته في عالم الاكتشافات والرحلات! # ولما عاد كولومب إلى سنت دومنج «هسبنيولا» وجد الثائرين يرأسهم «رولدان»؛ لأن «برتلماوس» ~~الذي كان جعله كولومب حاكما هناك بالنيابة عنه لم يلبث أن تآلف مع أمراء الجزر الوطنيين، ~~وأعد للانتقال في المناجم كل المعدات وأسس مدينة «سنت دومنج». حتى شق رولدان وشركاؤه عصا ~~الطاعة ms25 عليه؛ لأنهم كانوا يريدون أن يستبدوا بأعمال المناجم واستخراج بعض ما فيها، وهذا ما ~~كان يأباه عقل «برتلماوس» وعدله الفائقان . # فعزم كولومب أن يعود إلى إسبانيا لمقابلة الملكين اللذين كانا كأنهما غير واثقين بحسن ~~سير كولومب وجميل معاملته. ثم نزل «أوجيدا» إلى البر كمبعوث من قبل البلاط الملوكي ~~الإسباني ليحاكم الوالي ويقتص منه، فاستشاط كولومب غضبا واعتراه ضعف؛ لأنه كان سريع التأثر ~~خفيف العاطفة رقيق الإحساس، فابتهل إلى الله سبحانه وتعالى، واتكل عليه. وكأن فؤاده قد أوحى ~~إليه أن يرتاح، وأن الله قد أصغى إليه وأجابه إلى مطلبه. وبعد ذلك بقليل علم أن «رولدان» ~~الذي كان بالأمس ثائرا، يسد الطريق في وجه «أوجيدا» منضما إلى حزب كولمب، ولكن كان السهم ~~قد نفذ؛ لأن رولدان كان قد بعث برسالة إلى إسبانيا يذم فيها كولومب وأتباعه، وبمقتضاها أرسل ~~البلاط «بوباديلا» إلى سنت دومنج ليكون حاكما عليها، وكان كولومب حينئذ في «كونسبسيون». ~~وفي تلك الأثناء أخذت الثورة تزداد. # وفي الثالث والعشرين من أغسطس سنة 1500 نزل «بوباديلا» إلى الساحل، أما البسطاء السذج ~~فسروا وابتهجوا وأملوا منه خيرا. ولكن أبى الدهر إلا عكس آمالهم؛ فإن «بوباديلا» فتح ~~السجون وأدخل فيها «برتلماوس» و«ديجو كولمب»، ثم استولى على كل التقارير والرسميات والأقمشة ~~والأواني الظريفة والنقود النفيسة، وكل شيء حفظه كولومب ليقدمه إلى ملكيه العزيزين، ثم ~~اختلس أثناء غياب كولومب مركز الولاية. ولما جاء الأميرال تجاسر ذلك الوغد اللئيم على ~~إهانته وتكبيله بالسلاسل الحديدية وإلقائه في أعماق السجون، فاستشاط الهنود والبحارة غيظا ~~لهذا الأمر المنكر مع أنهم كانوا حانقين على كولمب؛ لأنه كان يريد قمع شهواتهم وشرورهم ~~العديدة. # ولقد وجدوا في بيت الأميرال نفسه من أوثق له القيود وشد حلقات أسره، وكانت سلاسله مربوطة ~~بحجارة ثابتة في الأرض وكذلك أخويه أيضا، إلا أنه كان مفصولا عنهما، فأثر عليهما بكلامه ~~الرقيق طالبا منهما متوسلا إليهما أن يصبرا على هذا المضض فإن الله رءوف رحيم. وبكلامه ~~اللطيف وألفاظه العذبة استدر عبرات الجميع ومن ضمنهم السجانون. ولما خال أنهم سيقودونه ms26 ~~مسلسلا هكذا أمام الملكين رفض خلع السلاسل، وكان لا يعتبر رئيسا له ولا حاكما عليه إلا ~~الله سبحانه وتعالى، ولم يكن ليعترف لأحد بحق أبدا عليه ولا بنجاته إلا لله عز وجل. # ولما وصل خبر تلك المعاملة السيئة إلى فردينند وإيزابل أمرا بإعطائه حريته التامة، وحررا ~~إليه كتابا قالا فيه ما معناه: «إن ثقل السلاسل كان كأنه واقع على قلبيهما.» ولما وصل إلى ~~إسبانيا دعته الملكة إلى زيارة خصوصية فقص عليها القصة الحقيقية، فاغرورقت عيناها بالدموع، ~~وأذرفت دمعا سخينا. ولما رأى كولومب تلك العواطف الحساسة، وهذا التأثر الغريب نسي ما جرى ~~له، ولا سيما أنه كان سليم النية خالص الطوية، لا يحقد ولا يكمن بل يكظم الغيظ. ومع ذلك فلم ~~تمنع العوامل السياسية من تعيين حاكم آخر لتلك الولايات المكتشفة. وسافر «أوفاندو» حينئذ ~~لهذا الخصوص إلى «سنت دومنج». ثم ألح كولومب في طلب أسطول؛ ليعاود الملاحة، ويطوف حوالي ~~السواحل الأرضية؛ إذ قد أتم اكتشاف العالم الجديد، وكان لا يريد أن يترك ساحلا من سواحل ~~المحيط أو جزيرة من جزره إلا وينشر فيها اسم الله القدوس ويباركه، فاصطحب معه «أدلتندو» ~~و«فردينند» - هذا ليس بالملك - وكان يطمح في هذه الرحلة الرابعة أن يرجع إلى إسبانيا من ~~بحار آسيا وجنوب أفريقيا بعدما يطوف حول الأرض. # ففي الخامس والعشرين من مايو رسا كولومب باسم الثالوث الأقدس على «سنت دومنج» أو ~~«هسبنيولا»، فوصل إلى جزائر «الكارائب» في ستة عشر يوما. وفي التاسع والعشرين من يونيو رسا ~~على بعد فرسخ من «هسبنيولا»، وكان عازما على إبدال سفينة «جاليسيين» بأخرى أخف سيرا، ~~فأرسل ضابطا على قارب يلح على الحاكم «أفندو» في طلب سفينة أخرى يدفع إليه ثمنها، وكذلك ~~ليحصل منه على تصريح يسمح له بالالتجاء في الميناء ريثما تهدأ العاصفة التي أظهرت بوادرها ~~أنها ستكون من أفظع العواصف. فرفض «أوفندو» بتاتا أن يصرح بإبدال السفينة، ومنع كولومب ~~كذلك أن يرسو على الأرض أو أن يدخل إلى الميناء. # ومع ذلك كله، وما كان يوعزه كولومب من حلول العاصفة، ms27 فإن ستا وثلاثين سفينة استعدت ~~للسفر إلى إسبانيا من طرف أوفندو، وقد طرد «والي الهند» ذلك الحاكم الثابت على تلك الأراضي ~~الشاسعة التي غنمها بمعونة الله له باسم إسبانيا مخاطرا بحياته. # وكان داعي الرابطة المسيحية وعامل التحاب الشديد بعث في كولومب أن يرسل مرة أخرى إلى ~~أوفندو رسولا آخر يخبره أن العاصفة ستكون فظيعة جدا. ولكن الجو كان ساكنا والسماء صافية ~~الأديم؛ فسخروا به وسموه نبي السوء! وأقلعت سفنهم الست وثلاثين، ولم تكد تقطع ثمانية ~~فراسخ في البحر حتى انقلب النهار الباهر ليلا بهيما، وامتنع الموج عن الحركة، وانقطع ~~الريح عن الهبوب، وكأن البحر صار كتلة من رصاص مذاب. ثم احتاطت بالسفن قبة كأنها شعلة من ~~نار فلم يمكنها التحرك قدوما ولا رجوعا. # وقد هلك من الست وثلاثين سفينة ست وعشرون، ابتلعتها تلك الهاوية المائية التي لا قرار لها ~~في نفس مركزها التي لبثت فيه. وأما العشرة الأخرى فضلت في الظلام الحالك والضباب الشديد ~~ولم يجدوا فيها رجالا ولا غنائم. ولقد اختفى في تلك الظروف كل ما كانوا جمعوه في الشهور ~~والأعوام. وكذلك أيضا راح نحو الخمسمائة رجل شهداء تعنت ذلك الحاكم وسخريته بكولومب. ~~فراح فيها المفترون والثائرون ورولدان وبوبا ديلا، وكل من كان يطمح في اغتيال الكنوز ~~والإثراء من غير الباب القويم، وكل من عادى كولومب وقاتل الهنود وسفك الدماء ونهب الآثار. ~~أجل، تم كل ذلك في تلك اللحظة الهائلة والبرهة المريعة، بينما كان كولومب يصلي طالبا إلى ~~الله بحرارة شديدة في مرفأ صغير بعيدا عن أعين الناظرين. # فهذا الحادث الهائل بل هذه الكارثة الفظيعة اعتبرها أعداء كولومب أنفسهم قصاصا إلهيا ~~لهم. بل إن هيئتها الغريبة والشكل الذي أخذته أثرا تأثيرا عظيما على بلاد الإسبان ~~وحكومتها (كما ذكر ذلك روزلي دي لورج المؤرخ المشهور). بل إن هول تلك الظروف وعظم الخسارة ~~والتلف وحداد أكثر من خمسمائة أسرة، جعلت لتفاصيل ذلك الحادث حقيقة فاجعة، جديرة بالذكرى ~~والعبرة لمن اعتبر بما يحدث للآخرين قبلما يصير عظة لهم: # فلنعتبر بمن قضى خير ms28 لنا # من أن نكون عبرة لغيرنا # ولما صفا الجو وهب النسيم العليل أتم كولومب جولانه في البحار عاكفا على الرحلات، ~~رغما عن معاكسة أعدائه العديدين وما كانوا يوجهونه إليه من المظاهرات العدائية العديدة. ~~فاكتشف على مقربة من ساحل «هندراس» جزيرة «جوانابا». ثم في السابع عشر من أغسطس سنة 1502 ~~رسا بالقرب من نهر دعاه «بوسيسيون»؛ أي المستعمرة، وفي ذلك اليوم اكتشف كولومب ليس فقط جزر ~~«الأنتيل» - أي الهند الغربية - ولكنه وصل بدون علم إلى جزئي أميركا الشمالي والجنوبي ~~بواسطة أميركا الوسطى. # وكان كولومب يدخل الأجوان ويتبع الشواطئ مداوما على الملاحة بكل بسالة وبدون ملل، لا ~~يحوله عن الجد في البحث عن البوغاز شيء أبدا. وكان وقتئذ بالقرب من «شاجر» من الجهة ~~الأخرى «لبناما». ومن العجب أن نفس المكان الذي صمم على أن يصادف فيه البوغاز، وكان يبحث ~~عنه ليتم طوافه حول الأرض، ولينتقل من المحيط الأتلانطيقي إلى المحيط الهادي، هو نفس النقطة ~~التي يريد رجال يومنا هذا أن يجعلوها مركز علاقاتهم التجارية بين أعظم الأمم وأكبر الشعوب! ~~وذلك مما يدل على ذكاء كولومب ونبوغه العظيم وخبرته الواسعة في انتقاء المراكز المهمة ~~ورصانته وحزمه. ولكن إذ لم يجد ممرا اتجه نحو المشرق، واتبع البرزخ بدون علم منه. ومع ذلك ~~فلم يلبث الجو هادئا والريح معتدلة حتى ازدادت الزوبعة، وساءت الحال، وصارت قلوب أبسل ~~الشجعان تخفق وتضطرب، وكان البحر ثائرا يغلي ويفور كأن مياهه فوق دست عظيم تتقد من تحته ~~نيران الجحيم. ثم هطل المطر مدرارا بغزارة ودوي تهتز له الأجسام ارتعابا وارتعادا، بل ~~أستغفر الله أن أسميه مطرا، فقد ذكر كولومب في كتاباته التي تركها أنه لا يجوز تسمية هذا ~~مطرا بالمرة، وكأن ذلك كان ينبئ بقرب حلول زوبعة دورية. # أما كولومب فانفتح جرحه المعهود ثانيا، وأوشك أن يميته من شدة الألم. وما لبث كذلك حتى ~~هبطت الزوبعة الدورية في البحر على هيئة مخروط من الماء تتخلله كتل ثلجية، ولم تمر مدة ~~قصيرة حتى قام أمامها عمود آخر من الماء تكون ms29 من الأمواج الهائجة. ثم تقدم ذلك العمود ~~المائي إلى السفينة، وكأنه يتهددها بالخراب والدمار. فأسرع كولومب حينئذ بإشعال الشموع ~~المكرسة وشد شريط القديس «فرانسوا»، وقبض على الكتاب المقدس بيد وعلى حسامه بالأخرى ورسم ~~بالأخير في الفضاء صليبا عظيما، وناشد ذلك العمود الهائل أن يجل ويحترم خدام الكلمة ~~التي تم بها كل شيء. # وفي الحال كأن العمود المائي دفع بنفخة غير منظورة؛ فتغير اتجاهه وانزلف بين السفن ~~وضاع في الأفق نازلا في تلك الهاويات البحرية العميقة. ولكن إذ رأى كولومب استمرار ثوران ~~البحر وانعكاس هبوب الرياح رغما عن اختفاء الزوبعة الدورية، اضطر أن يلتجئ إلى ميناء صغير ~~يدعى «بيلين»، حتى إذا هدأ الماء وهبت الرياح وفق إرادته واصل السير إلى مناجم «فيراجوا» ~~الغزيرة. وهناك هجم عليه أحد أمراء أولئك الهنود المدعو «كيبيان»، ولولا هروب هذا الرجل ~~لوقع غنيمة باردة في يدي كولومب وأتباعه إلا أنه أفلت. فأخذ الهنود في ذبح الإسبانيين الذين ~~أرسلهم كولومب في قارب إلى هناك للاستعلام والاستقصاء على تلك السواحل. بينما أخذ البعض ~~الآخر في محاصرة الحاكم في حصنه. ولكنه بفضل إخلاص «ديجو مندز» لهم وبسالته العجيبة؛ فازوا ~~بنجاة كل ما كان في الحصن، ثم أقلعوا قبل أن يهدأ البحر. # ورأى كولومب سفينة من سفنه على وشك الدمار، ولكنها استمرت في مداومة المسير حتى وصلوا إلى ~~سواحل «جاميكا» وهناك شحطت. ورأى أيضا أن السفينتين الأخريين لا يمكنهما متابعة السير ~~فالتزم إيقاف عمل السفينة «الكابتان» - أي القبودان - وربطها ربطا محكما على سواحل «سان ~~جاك دي بالوس»، وابتنى عليها شبه حصن متين أودع فيه كل ما كان معه، بعدما نبه على رجاله ~~أنه سيعامل كل من يحيد عن سواء السبيل بكل قسوة وشدة. أما «ديجو مندز» ذلك الباسل المغوار ~~فبعدما نشر لواء الأمن وتدارك كل ما يهم البحارة، ووعده أمراء الهنود بتوريد جميع المؤن ~~اللازمة لهم بواسطة المبادلات التجارية، فإنه ركب زورقا صغيرا غير مبال بالهلاك، وذهب ~~توا إلى «سنت دومنج» فطلب من «أوفندو» أن يرسل معه سفينتين ليرجع عليهما ms30 كولومب ورجاله ~~إلى أوروبا. وإذ كان ديجو في مأموريته هذه التي استغرقت شهورا طويلة مال الإسبانيون الذين ~~كانوا في «جاميكا » إلى الثورة، وكثيرا ما ساعدهم على ذلك أخوان من أسرة «بوراس» بكل جسارة ~~وجراءة. إلا أنهما بعدما نهبا السفن، وسلبا منها ما استطاعا إليه سبيلا، نزلا في قوارب ~~طالبين العودة إلى أوروبا. # أما الهنود وأمراؤهم ففكروا جميعا في أمر الثورة، ولما علم بذلك كولومب دعاهم لرؤية مشهد ~~عظيم؛ فاشرأبت لهذا أعناقهم وتوافدوا عليه زرافات ووحدانا. فانتهز كولومب تلك الفرصة التي ~~اجتمع فيها هذا الجم الغفير، وذكرهم أنه عند وصوله أخبرهم بأن سيده المسيح إله هذا الكون ~~أرسله إلى تلك البقاع، وأنه يجب عليه أن يبقى فيها حتى يصدر أمر هذا الملك الكريم ~~بالانسحاب. ثم قال لهم: إن السيد الإله له المجد عرف أنهم سينزعون إلى الثورة، ويأبون توريد ~~المؤن للملاحين؛ ولذلك قد غضب عليهم غضبا شديدا. ثم شرح لهم أنه بعد ظهور القمر بقليل في ~~نفس الساعة التي حددها يأخذ الكوكب في الاحمرار وينتهي بالسواد، وعند انتهائه من الكلام سخر ~~البعض بتهديداته وارتعد البعض الآخر عند سماعها. # أما وقد وافت الساعة التي ذكرها لهم، ورأوا أن لون القمر يتغير وكأنه قد تقنع هرعوا ~~إلى السفن، ووعدوا كولومب وعدا صادقا لا يبرون فيه أنهم منذ ذلك لا ينهجون إلا في سواء ~~السبيل ولا يألون جهدا عن إرضاء سيده. ثم توسلوا إلى «رسول الإله العظيم» (لقبوا كولومب ~~بذلك بعد خسوف القمر؛ لأنهم اعتقدوا أن تلك معجزة من معجزاته) أن يصلي إلى سيده من ~~أجلهم. # فانسحب كولومب من وسطهم، ودخل إلى مخدعه. وهناك توسل إلى السيد له المجد أن يفتح عيون ~~هؤلاء القوم، ويهبهم العقل والذكاء؛ لكيما يعرفون مقداره، ولكيما يؤدون له ما يلزم من ~~الطاعة والتبجيل والمحبة والاحترام. ثم خرج وأخبرهم أنه توسل إلى الله. وبعد ذلك قال لهم: ~~إن ما رأوه إنما هو أصغر مشاهده التي تدل على عظمته وجبروته، وأنه ليس مجهولا ولا مخيفا ~~لمن يخدمه بأمانة وطاعة ونشاط. ثم ms31 انتهز فرصة خضوعهم وإصغائهم إليه، وجعل في قلوبهم الخشوع ~~والاحترام لإله المسيحيين العظيم (هكذا كانوا يدعون الله). ومنذ تلك اللحظة لم يتكلموا عن ~~هذا الإله إلا بشفاه ملأى خشوعا وتبجيلا. # هكذا تجنب كولومب ثورة الهنود وأمرائهم، وخاب مسعى الأخوين «بوراس». ومع ذلك فإن كولومب ~~لعلو نفسه وكرم شيمه صفح عن الأخوين الغادرين واصطحبهما معه، وبذل جهده في حفظهما سالمين ~~حتى وصلا إلى إسبانيا عندما رجع إليها الأميرال. # أما «أوفندو» - وليرجع مرجوعنا إليه - فلم يوافق على إرسال سفينة إلى الأميرال كولومب - ~~كما طلب منه «ديجو» - إلا مكرها، وذلك بعدما رأى من شعبه قالا وقيلا، صوبوا سهامهما ~~نحوه. وما كان من «ديجو مندز» إلا أنه استأجر على تلك السفينة سفينة أخرى، وذهب بالاثنتين ~~إلى «جاميكا» ومنها إلى إسبانيا حاملا خطابا من كولومب إلى الملكة. # أما هذا الخطاب الذي شرح فيه كولومب اكتشافاته الجديدة، ومحنه الغريبة التي صادفها في هذه ~~الرحلة، فإنه وصل إلى الملكة في اللحظة التي رقدت فيها إيزابل على سرير الموت عقب مرض عضال ~~أصابها. إلا أنها قرأت تلك الرسالة، وعرفت نتيجة اكتشافات كولومب الأخيرة التي لم تكن ~~لترجى. ثم عرفت من مصدر آخر ثورة الأخوين «بوراس» ومعاملة «أوفندو» الذميمة لكريستوف ~~وجوره وعسفه على أهالي تلك الجزر التعساء. # على أن كولومب لم يلبث حتى علم وهو في «سنت دومنج» بخبر مرض الملكة. ومع أن السفينتين ~~كانتا خربتين لا تستطيعان الملاحة، فإنه عزم أن يذهب لرؤية إيزابل العظيمة قبل مماتها مهما ~~كانت الطوارئ والعقبات. # فلم تكد السفينتان تتركان مرساهما حتى أتتهما لفحة ريح شديدة كسرت الصاري الأكبر ~~لإحداهما. فلم يكن من الأميرال إلا أنه بعث بإحدى السفينتين إلى «سنت دومنج» ثم ركب الأخرى ~~وسار. أما البحر فكان هائجا على الدوام كرجل غضوب ملآن حقدا كمينا. ولتوالي الزوابع ~~والعواصف صارت الصواري تتكسر حتى قصرت جدا، وحينئذ تراكمت على كولومب الهموم والأحزان ~~والآلام والأوجاع حتى سها عليه أن يصلح سفينته في جزائر الآثور عندما مر بها. وكانت غايته ~~المقصودة وضالته المنشودة الوصول إلى ms32 تلك الأرض التي تتنفس عليها إيزابل الكريمة الخلق ~~والخلق. # ففي السابع من نوفمبر سنة 1504 دخل كولومب في ميناء «سنت ليكاردي باراميدا». إلا أن ~~الظروف والمقادير لم تساعد ذلك البطل العظيم أن يقابل إيزابل سلطانة الكاستيل على سطح هذه ~~البسيطة الغبراء الفانية، وإنما في الحياة الأخرى حياة الخلود والدوام ... ففي يوم الثلاثاء ~~26 نوفمبر سنة 1504 طلبت إيزابل إذ أحست بدنو ساعة احتضارها الرهيب وقرب أجلها، أن تردى ~~بثوب القديس «فرنسوا» بصفتها عضوا من أعضاء شيعته. ثم تناولت القربان المقدس ومسحت المسحة ~~المقدسة بثبات ونفس متأهبة لسماع حكم الإله العادل. أقول: عادل؛ لأنها قد خدمت يسوع له ~~المجد دائما بأمانة وذمة وشهامة وهمة وصبر ونشاط، فاستحقت منه كل خير، واعتنقت مبادئه ~~القويمة اعتناقا تاما، وخصصت لخدمته كل قواها وقوى مملكتها الواسعة الأطراف. لذلك كانت ~~تستحق منه سبحانه وتعالى أن يكلل هامتها بالإكليل الأزلي المرصع بجواهر الرحمة والغفران ~~ولآلئ الطوبى والنعمة، ذلك الإكليل الذي يضمحل بجانبه - بل ويختفي من أمامه - إكليل ~~الكاستيل، والذي سيضيء على رأسها ضوءا حيا أبديا. # وإذ علم كولومب أن إيزابل قضت نحبها حزن حزنا شديدا، ثم ذهب إلى «سيجوفيا» في ربيع ~~سنة 1505 حيث كان فردينند هناك. فاستقبله الملك بكل ترحاب وانعطاف، وأصغى بطول بال إلى ~~قصته الغريبة، وتاريخ رحلاته واكتشافاته. ومع أنه اعترف له بألقابه التي يستحقها بلا جدال ~~ولا نزاع فإنه لم يعده بشيء من تلك الألقاب، وكان يوصيه دائما بنفسه وصحته، وبعد انتهاء ~~المجلس يسمح له بالانصراف مبديا ذلك بإشارة صغيرة لطيفة. # ولما رأى كولومب أنه عومل كملك الملوك - له المجد - مهجورا من الجميع محروما من حقوقه ~~الشرعية القانونية، قضى أيامه كسير القلب مدمى الفؤاد، لا سيما لما كان يراه من سوء معاملة ~~الناس للهنود الذين أحضرهم معه. وقد زاد الطين بلة موت تلك الملكة العظيمة الشأن الرفيعة ~~المقام. فصار كولومب يقتدي بالسيد تمام الاقتداء في خضوعه وانقياده. وكما حمل الصليب إلى كل ~~مكان حمله أيضا على جسمه وفي نفسه، ومات وهو ناظر إلى ms33 المصلوب ملك اليهود. وبما أنه قطع ~~الأمل والرجاء إلا في الله سبحانه وتعالى ولم ينتظر جزاء لأعماله إلا منه عز وجل، مضى حياته ~~في شقاء تام وتعاسة زائدة، واستعد أن يلفظ روحه الطاهرة استعداد بطل مغوار، بل استعداد قديس ~~زاهد متعبد. # فدعا كولومب يوم 19 مايو سنة 1506 كاتبا شرعيا في قاعة حقيرة بإحدى الفنادق الصغيرة، ~~فأعاد له قراءة وصيته قبل وفاته. ثم دعي قس لكي يعده لاستقبال السيد - له المجد - للمرة ~~الأخيرة، ولكي يرى وجها لوجه ذلك الذي أعانه وعزاه في ضيقاته وكروبه، وصروفه وخطوبه. ~~وكان حول كولومب في تلك الساعة الرهيبة أبناؤه وبعض أقاربه وأصدقائه راكعين مصغين إلى آخر ~~وصاياه ونصائحه الذهبية. وكانت السلاسل التي حملها بأمر ذلك العاتي اللئيم «بوباديلا» معلقة ~~في الحائط ليس من ستار يحجبها عن نظره، ولا من غطاء يمنعه من رؤيتها، وكان ينظر إليها بتأمل ~~غريب؛ لأنها كانت كل ما كوفئ به على سطح هذه الدنيا الدنية، وكانت آلة شهادته وعنوان فخره ~~الأزلي وفضله الدائم الذكر. ثم بعدما ارتدى ثياب القديس فرانسوا التي كان يلبسها دائما تحت ~~اللباس العسكري، لمس السلاسل الحديدية وطلب أن توضع مع جثته في التابوت. وبعد ذلك رقد ~~رقادا هادئا، وأسلم روحه، وله تمام الثقة بمن حمل اسمه من مشارق الأرض إلى مغاربها. وكان ~~موته ليلة الصعود في التاسع عشر من مايو سنة 1506 ميلادية، فكأن السيد - له المجد - أراد أن ~~يحتضنه صباح الصعود ويشركه في موكبه الحافل. هكذا مات كولمب، هكذا مات مذيع سر الكرة ~~الأرضية. ~~(انتهى) # | تقاريظ # وردت إلينا التقاريظ العديدة من بعض الأساتذة الفضلاء، والأصدقاء النجباء. فاقتصرنا على ~~نشر ما يأتي مع الشكر الكثير لحضراتهم، ونلتمس من أصحاب التقاريظ الأخرى معذرة في عدم نشرها ~~وذلك لضيق المقام. # قال حضرة العلامة الفاضل والأستاذ العامل محمد أفندي علي المنياوي مدرس اللغة العربية ~~والإنشاء بمدرسة المعلمين التوفيقية: # حمدا لمن تفرد بالبقاء، وقضى على غيره بالفناء، وصلاة وسلاما على من حمدت ~~سيرته، وعلى من صدقت في محبته سريرته. وبعد، فإن ms34 التاريخ ديوان الأخبار، وسجل تسطر ~~فيه الآثار؛ ليكون كمرآة تمثل أعمال من سلف، لمن يكون بعدهم من الخلف، وحسبك ما ~~قيل: # تلك آثارنا تدل علينا # فانظروا بعدنا إلى الآثار # ولذا كان أعظم باعث على التحلي بالفضائل، وأقوى رادع في التخلي عن الرذائل. وقد ~~تفنن في الترغيب فيه مؤلفوه، وتنوع في طرق الإقبال عليه مصنفوه، حتى مثلوا بعضه ~~بهيئة روايات؛ ليكون أدعى إلى الرغبات. من ذلك كتاب «كولمب والعالم الجديد»، الذي ~~لرقة عبارته أخذ بمجامع القلوب، ولفوائد مباحثه كان أجل مطلوب. وقد احتفل بوضعه ~~وتعريبه حضرة الفاضل الأديب، والكاتب الأريب نجيب أفندي المندراوي الذي أحكم أسلوبه ~~العربي حتى حسن عند قارئه وقعه، وكثر لدى مطالعه نفعه. أكثر الله من أمثال ~~هذا الفاضل النجيب، ومنحه من نجاح العمل أوفر نصيب. # محمد علي المنياوي # وقال حضرة الفاضل الكامل، والرياضي البارع، عبد الواحد أفندي حمدي: # إذا بسط الأغنياء من أبناء هذا الوطن العزيز يد العطاء، وبذل كل منهم بعض ما جادت ~~به نفسه في سبيل نشر المعارف والآداب، وشد أزرهم كل من رضع لبان العلوم، وجاد بما ~~وهبه الله منها - والجود بالمعرفة أثمن وأغلى - أصبحت حياتنا راقية، وعيشتنا راضية. ~~الجود بالمعارف والعلوم على الأمة قوة لها، وقوة الأمم معارفها. فعلى الأغنياء ~~والمتعلمين أن يشد بعضهم بعضا لنتقدم ونفلح. # ويقيني أن حضرة مؤلف هذا السفر الفريد بادر بالقيام بالواجب عليه نحو بني وطنه ~~خير قيام. الكتاب يقرأ من عنوانه، وحسبنا أنه يشمل سيرة الرجل الذي اكتشف عالما ~~بأسره، ولا أغالي إذا قلت بعقد جواهرها تعلو همتي، وأستسهل الصعب حتى أدرك المنى. ~~لا سيما إذا نظم دررها مثل حضرة الكاتب البليغ ألا وهو صديقي الفاضل نجيب أفندي ~~المندراوي، أكثر الله من أمثاله. وما كنت لأكتم الحق فأقول: كل الصيد في جوف ~~الفرا. # عبد الواحد حمدي # وقال حضرة الشاعر الأديب والكاتب الأريب إسكندر أفندي إلياس من طلبة مدرسة الحقوق ~~الخديوية بمصر: # سبحان من أظهر غامض الأخبار من منسي الزوايا، ورفع الستار عن الخبايا، ويسر لنا ~~النظر فيما ms35 غبر، وجعلنا نعتبر بأحوال البشر، وصير الأولين قدوة للآخرين، وجعل في ~~أخبارهم فائدة للعالمين. # وبعد، فقد جاء هذا الكتاب من أجل الأسفار لما فيه من محاسن الآداب ، وصفوة ~~الأخبار. الأمر الذي يشهد لصاحبه بحسن التحرير، ويثبت طول باعه في فن التحبير. كيف ~~لا والكتاب بين أيدينا جليل، يثني على مؤلفه الثناء الجزيل. # كتاب حوى من كل وجه فوائدا # وفيه لطلاب الحوادث أخبار # علوم وآداب وفضل وحكمة # وسحر بيان فيه كل الورى حارو # إسكندر إلياس ms36