######OpenITI# #META# URI: 1326MustafaKamil.MasalaSharqiyya.Hindawi47050746 #META# Tags: history #META# ID: 47050746 #META# Title: المسألة الشرقية #META# AuthorID: 37070482 #META# Author: مصطفى كامل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المسألة الشرقية‏ # المسألة الشرقية في القرن الثامن عشر‏ # المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر‏ # المسألة الشرقية‏ # المسألة الشرقية في القرن الثامن عشر‏ # المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر‏ # | المسألة الشرقية # | المسألة الشرقية # تأليف # مصطفى كامل # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه خير الأنبياء والمرسلين. وبعد، فقد ~~شهد هذا العام فوز الدولة العلية في حربها مع اليونان فوزا عظيما، وانتصارها نصرا ~~مبينا، ورأى العالمون بين أصدقاء للدولة وأعداء براهين حياتها ودلائل شبيبتها، فانتعشت ~~نفوس أبنائها وأصدقائها، وطمس الله على قلوب خصومها وأعدائها، حيث قضى لها بما قضى من ~~الفوز والنصر والسمو والرفعة. # وقد طلب مني بعد انتهاء الحرب بعض أصدقاء يحسنون الظن بشخصي الضعيف أن أكتب تاريخ هذه ~~الحرب الشهيرة؛ فأجبت الطلب لا عن شعور بمقدرتي على ذلك، بل عن سرور جزيل وحبور نادر ~~المثيل بما نالت الدولة العلية حماها الله. # وقد أحببت أن أقدم للقراء الكرام قبل تاريخ الحرب ملخصا عن المسألة الشرقية التي هي ~~موضوع اشتغال الشرقيين والغربيين، وإني أسأل القراء الكرام عذرا إذا كنت اضطررت ~~للإيجاز في بيان المسألة الشرقية، فقد قضى علي الوقت بذلك، وأؤمل العودة لموضوعها في ~~فرصة أخرى، مع بيان أوفى وأشفى. # وإني أضرع إلى الله فاطر السماوات والأرض من فؤاد مخلص وقلب صادق أن يهب الدولة ~~العلية القوة الأبدية والنصر السرمدي؛ ليعيش العثمانيون والمسلمون مدى الدهر في سؤدد ~~ورفعة، وأن يحفظ للدولة العثمانية حامي حماها ~~وللإسلام، إمامه وناصره، جلالة السلطان الأعظم والخليفة الأكبر الغازي «عبد الحميد ~~الثاني» وأن يحفظ لمصر في ظل جلالته عزيزها المحبوب، وأميرها المعظم سمو الخديوي «عباس ~~حلمي باشا الثاني»، إن ربي سميع مجيب. # مصطفى كامل # مصر في شعبان سنة 1315/يناير سنة 1898 # | المسألة الشرقية # اتفق الكتاب والسياسيون على أن المسألة الشرقية هي مسألة النزاع القائم بين بعض دول ~~أوروبا وبين الدولة العلية، بشأن البلاد الواقعة تحت سلطانها، وبعبارة أخرى: هي مسألة وجود ~~الدولة العلية نفسها في أوروبا، وقد قال كتاب آخرون من الشرق ومن ms001 الغرب بأن المسألة ~~الشرقية: هي مسألة النزاع المستمر بين النصرانية والإسلام، أي مسألة حروب صليبية متقطعة بين ~~الدولة القائمة بأمر الإسلام وبين دول المسيحية. إلا أن هذا التعريف وإن كان فيه شيء من ~~الحقيقة، فليس بصحيح تماما؛ لأن الدول التي تنازع الدولة العلية وجودها لا تعاديها باسم ~~الدين فقط، بل في الغالب تعاديها طمعا في نوال شيء من أملاكها، وقد أرانا التاريخ أحوالا ~~كثيرة لم يستعمل الدين فيها إلا سلاحا أو وسيلة لنوال غرض جوهري، فهو ستار تختفي وراءه ~~أغراض شتى وأطماع مختلفة. والذي يراجع تاريخ الدولة العلية، ويقلب صحائف أمورها من أول ~~وجودها إلى اليوم؛ يرى أن المسألة الشرقية نشأت مع الدولة نفسها؛ أي إنه منذ وطأت أقدام ~~الترك ثرى أوروبا، وأسسوا دولتهم الفخمة، قام بينهم وبين بعض الدول الأوروبية النزاع ~~الشديد، ودارت الحروب العديدة. # وبالجملة فإنه منذ ظهرت صولة الترك في أوروبا، أخذت بعض الدول على عهدتها معاداة الدولة ~~ومطاردتها، والعمل على إخراجها من هاته القارة، ولكنها أعمال حبطت وآمال خابت؛ إذ أصبح أمر ~~بقاء دولة آل عثمان من أول الأمور الضرورية اللازمة لسلامة بني الإنسان. # وقد وهب الله الدولة العثمانية سلطة عالية ورهبة عظيمة حينا طويلا من الزمان، فأخضعت ~~لسلطانها الأمم والدول، وأرهبت بقوتها وعظمتها كل قوي وكل عظيم، ورفعت رايتها الهلالية ~~الجليلة على أصقاع شاسعة وأقطار واسعة، فأبقت فتوحاتها وانتصاراتها في نفوس الأمم المقهورة ~~بغضاء كامنة، وعداوة لدودة، فكان ذلك السبب الأول في الحروب العديدة التي وجهت ضدها، ~~وأقيمت في وجهها. # ولما كانت البلاد الواقعة تحت سلطة الدولة العلية من أجمل بلاد العالم وأغناها؛ فقد تاقت ~~نفوس أصحاب الدول الأوروبية لإخراج الترك من هذه البلاد وتقسيمها بينها، فكانت هذه الدول ~~تحارب الدولة العلية بأمل تقسيمها شيئا فشيئا، والاستيلاء على أجزائها جزءا فجزءا، وهذا ~~هو سبب آخر لعداوة بعض الدول الأوروبية للدولة العلية. # وإذا دققنا النظر في سبب العداوة المشهور، وهو مسألة الدين، وجدنا أن الدولة العلية هي ~~الدولة الوحيدة في دول الأرض التي عاملت رعاياها الذين ms002 يدينون بغير دينها بالتسامح والتساهل ~~والاعتدال. فقد اتبعت أوامر الشرع الشريف، وتركت للمسيحيين حرية دياناتهم وعوائدهم ~~وتقاليدهم، واحترمت عقائدهم كل الاحترام، فعاشوا طويلا ممتعين بهاته الحرية على حين أن ~~مسيحيي إسبانيا قتلوا المسلمين؛ لأنهم مسلمون، وهتكوا أعراض نسائهم، وحرمة بيوتهم، وما ~~رحموا إنسانا. # ولم تكتف الدولة العلية حماها الله بحسن معاملة المسيحيين واحترام أديانهم وعقائدهم، بل ~~عاملتهم كأعز أبنائها المسلمين، ولم تميز بين هؤلاء وبينهم، وسلكت مع الكل طريق المساواة، ~~وعينت الكثيرين من المسيحيين في المناصب السامية والوظائف العلية، وائتمنتهم على أمورها، ~~وجعلتهم محل ثقتها، وبقاء المسيحيين إلى اليوم في الدولة العلية أكبر شاهد على اعتدالها ~~الديني في الماضي وفي الحاضر، بل بقاء الجنسيات المختلفة كالبلغار والصرب واليونان وغيرها ~~دليل ساطع وبرهان قاطع على أن الدولة العلية احترمت من نفسها وبمحض إرادتها دين الذين وقعوا ~~تحت سلطتها، ولم تقهر أحدا على اعتناق الدين الإسلامي، ويعترف الكتاب والمؤرخون جميعا، بل ~~ويعترف كل إنسان في الوجود مجرد عن الغرض الأعمى أن الدولة العلية كان في قدرتها يوم كانت ~~أقوى دول الأرض أن تجبر كل المسيحيين في بلادها على اعتناق دين الإسلام، أو أن تطردهم من ~~أراضيها إذا خالفوا رغبتها، ولكنها احترمت الشرع الشريف فاحترمت الدين المسيحي ~~وأصحابه. # وهي حقيقة يقررها التاريخ، وينطق بها كل منصف محب لها، ولكن من غرائب أحوال هذا الوجود أن ~~هذه الفضيلة السامية، وهذه المكرمة الفريدة كانت أكبر سبب لكل ما لحق الدولة العلية من ~~الضرر والإجحاف، وأصلا لكل ما حل بها من المصائب والبلايا؛ فاحترامها لعقائد المسيحيين على ~~اختلاف أنواعهم أقام أمامها بعض دول أوروبا بحجة المسيحيين أنفسهم، وكان سببا لحروب ~~جمة. # فمسألة اختلاف الدين في الدولة العلية التي هي نتيجة الاعتدال الديني والعدل والإنصاف، ~~كانت ولا تزال الداء الدفين الذي يهدد حياة الدولة من وقت إلى آخر. فتداخل الدول الأوروبية ~~في شئون الدولة العلية باسم المسيحيين المحكومين بها، ومضايقة أوروبا للدولة باسم هؤلاء ~~المسيحيين، واضطرابات الدولة تقوم باسم هؤلاء المسيحيين، والإنذارات التي توجه للدولة ~~توجه باسم ms003 هؤلاء المسيحيين؛ بل وأغلب الحروب التي جرت مع الدولة جرت باسم هؤلاء ~~المسيحيين، ويعلم الله إنهم سعداء الحظ في الدولة العلية، وأن تداخل أوروبا بحجة نصرتهم لا ~~لزوم له البتة. # ولو أنصفت الدول الأوربية قليلا لاعترفت بهذه الحقيقة الواضحة، وهي أن المسيحيين في ~~الدولة العلية لا ينقصون عن المسلمين في حسن المعاملة إن لم يكونوا من الراجحين، وها هم ~~اليهود لا يثورون ولا يهيجون ولا يشتكون ولا يتألمون، بل يحمدون الدولة ليلا ونهارا في ~~السراء والضراء، ويسبحون في كل آونة بنعمها عليهم وحسن رعايتها لهم، وما ذلك إلا لأنه لا ~~يوجد في الدول الأوروبية دولة تدعي الدفاع عنهم والعمل لمصالحهم، فهم ليسوا بآلات في ~~الدولة ضد الدولة، بل هم يعرفون من أنفسهم أنهم عثمانيون ممتعون بكل الحقوق العثمانية، وأما ~~العناصر التي كالأرمن تستعملها بعض الدول كإنكلترا، فهي تثور بعوامل الدين وبدسائس دينية، ~~وقد ثبت ذلك جليا في المسألة الأرمنية، وشوهد أن الأرمن الكاثوليك كانوا على سكينة ~~تامة، بينما كان البروستانت يثورون ويدبرون المكائد ضد الحكومة العثمانية. # فمسألة الدين في الدولة العلية هي الآلة القوية التي يستعملها أصحاب الدسائس والغايات، ~~وأولئك الذين يثورون بدسائس أعداء الدولة إنما يثورون ضد أنفسهم، ويقضون على حياتهم ~~وسعادتهم بعبثهم وجنونهم واتباعهم لأوامر أعداء الدولة المحركين لهم؛ فالذين ماتوا من ~~الأرمن في الحوادث الأرمنية إنما ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية، والذين ماتوا في كريد ~~ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية، بل والذين ماتوا من جنود اليونان في تساليا ماتوا فريسة ~~الدسائس الإنكليزية نفسها، ومن يعمل بنصيحة أعداء الدولة ويتبع أوامرهم فجزاؤه ما نال ~~الأرمن واليونان. # وبديهي أن دولة مثل دولة إنكلترا التي تدعي محبة المسيحيين في الشرق، والعمل لراحتهم ~~وسعاداتهم، لو كانت صادقة في دعواها، لرأت من الواجب عليها أن تصافي الدولة العلية حتى تنال ~~منها متمناها بشأن المسيحيين، وإلا فمن الجنون في السياسة أن تدعي إنكلترا محبة ~~المسيحيين، ثم تعادي الدولة العلية القابضة بيديها على زمام أمور المسيحيين، فهل يقبل العقل ~~البشري أن دولة قوية كالدولة العلية تعمل ms004 في بلادها على خلاف رغبتها، وتنيل أصدقاء الإنكليز ~~أي أصدقاء ألد أعدائها الراحة والسعادة والهناء؟! هل يقبل العقل البشري أن المسيحيين ~~المدافعة عنهم إنكلترا يعادون المسلمين، ثم يسألونهم معاملتهم بالرقة واللطف وحسن العناية ~~بهم؟! # إن الاتفاق والوفاق بين المسلمين والمسيحيين في الدولة العلية لا يكون نتيجة الضغط ~~والقوة، بل نتيجة الميل المتبادل وحسن النية من الجانبين، والإخلاص والوفاء للدولة العلية، ~~وإذا كانت دول أوروبا تريد حقيقة سعادة المسيحيين في الشرق، فأول واجب عليها هو أن تأمرهم ~~بالامتثال لأوامر الدولة، والتعلق بها، والإخلاص في خدمتها، وإلا فالدولة أو فالدول ~~العاملة على إلقاء بذور الشقاق والعداوة بين المسلمين والمسيحيين لا تجني ويستحيل أن تجني ~~شيئا آخر غير العداوة المرة والخصومة الشديدة. # وغني عن البيان أن المسلمين في الدولة العلية متى رأوا فريقا من أخدانهم المسيحيين يعمل ~~بأوامر الأجنبي عدوه خائنا للوطن العثماني، ناكثا لعهد الدولة العثمانية، أي عدوه ~~دخيلا في الوطن والملة والدولة، ووجب عليهم العمل ضده بكل ما في استطاعتهم قياما ~~بواجباتهم الوطنية، وهذا هو الشأن في أمم العالم، فلو فرضنا أن فريقا من الإنكليز قام ~~يوما ما في إنكلترا بإحداث الاضطرابات والثورات تنفيذا لأوامر دولة أجنبية كالروسيا أو ~~ألمانيا أو فرنسا؛ فأي واجب تحتمه الوطنية عندئذ على بقية الإنكليز؟ أليس القضاء على هؤلاء ~~الخونة المنفذين لأوامر دولة أجنبية بكل الوسائل؟ # القائمون بالثورات والاضطرابات في الدولة العلية خونة منفذون لأوامر أعداء الدولة، يجب ~~على العثمانيين الصادقين إعلان العداء لهم، والانتقام منهم بكل ما في الجهد ~~والاستطاعة. # ويستحيل الوصول كما قدمنا إلى الاتفاق السليم الصحيح بين المسيحيين والمسلمين في الدولة ~~العثمانية إلا بإخلاص الجميع لها إخلاصا تاما. # هذه هي الحقيقة وحدها دون غيرها. # وإذا كان اختلاف الدين في الدولة العلية هو داء من أدوائها، بل هو أكبر أدوائها، فالدخلاء ~~في الدولة العلية داء عضال، وبلية لا تعادلها بلية؛ فإن الذين كانوا سببا في هزيمة الدولة ~~في حروب مختلفة هم الدخلاء، والذين ساعدوا الدسائس الأجنبية هم الدخلاء. فقد دخل في جسم ~~الدولة العلية ms005 كثير من الأجانب نساء ورجالا، وغيروا أسماءهم بأسماء إسلامية، وعملوا على ~~الارتقاء في المناصب حتى وصل بعضهم إلى أسماها، وصاروا من أقرب المقربين، فعرضوا بالدولة ~~للدمار، وأطلعوا أعداءها على أسرارها، وقد انتشر الدخلاء في الزمن السالف إلى كل فروع ~~الدولة العلية حتى في الجيش نفسه، وصارت لهم سلطة عظيمة ونفوذ كبير، وكنت تجد من وزراء ~~الدولة العلية من يعمل لصالح الروسيا مدعيا أنه روسي السياسة، ومن يعمل لصالح إنكلترا ~~مدعيا أنه إنكليزي السياسة، ولكن ليس منهم من كان عثماني السياسة. # ولولا أن الأمة العثمانية أمة حية قوية عظيمة الشهامة والوطنية، لكانت تلاشت اليوم بدسائس ~~الدخلاء، ولو كان للدخلاء في دولة أخرى ما كان لهم في الدولة العلية من السلطة والحول، ~~لكانت تقوض بنيانها وتداعت أركانها، وإن أعظم سلطان جلس على أريكة ملك آل عثمان، ووجه ~~عنايته لإبطال مساعي الدخلاء، وتطهير الدولة من وجودهم، هو جلالة السلطان الحالي. فلقد تعلم ~~من حرب سنة 1877 وما جرى فيها أن الدخلاء بلية البلايا في الدولة ومصيبة المصائب، فعمل ~~بحكمته العالية على تبديد قوتهم، وتربية الرجال الذين يرفعون شأن الدولة، ويعملون لإعلاء ~~قدرها، وقد برهنت الحرب العثمانية اليونانية على أن للدولة اليوم رجالا من أبنائها ~~الصادقين، يخدمونها بالأمانة والوفاء، ويتفانون في محبتها، وأن ليس للدخلاء من سبيل لنوال ~~مآربهم السيئة، فأمثال صاحب الدولة «أدهم باشا» الذي كان مجهول الاسم عند الكثيرين من ~~العثمانيين قبل الحرب كثيرون في الدولة العلية، تظهرهم الحوادث وتعرفنا بهم وبقدرهم ~~المشكلات. # وإن أغرب شيء في أحوال الدولة العلية وفي تاريخها يدهش أعداءها ويحير الكتاب الكارهين ~~لها، هو بقاؤها حية بعد كل المصائب التي تساقطت عليها، والبلايا التي نزلت بها. فلقد رأت ~~هذه الدولة العثمانية ما لم تره دولة من دول الأرض القديمة والحديثة، فقد كانت تتحالف معها ~~بعض الدول كالنمسا مثلا، وتعمل وهي متحالفة معها على الاتفاق مع الروسيا على تقسيمها، وقد ~~كانت تتظاهر إنكلترا لها بالصداقة والوفاء، وتسعى وهي متظاهرة كذلك على ضياع أملاكها من ~~يدها وسقوطها في قبضتها، ms006 وقد كانت دول أوروبا كلها تجتمع وتتحد على ما تسميه بالمبدأ ~~المقدس، مبدأ حماية استقلال الدولة العلية وسلامتها، ثم كانت هي بعينها تجزئ الدولة العلية ~~باسم هذا المبدأ المقدس نفسه، وقد كان العاملون على تقويض أركان الدولة وحلها عديدين ~~أقوياء، ومع ذلك كله لا تزال الدولة العلية حماها الله قوية ثابتة الأركان تخافها أقوى ~~الدول، ويخطب ودها إمبراطور شهد العالم كله بقوته وعظمته وبأسه. # ولقد يندهش الإنسان غاية الاندهاش عندما يقرأ ما كان يكتب من نحو مائة وعشرين سنة عن ~~الدولة العلية؛ فقد كان الكتاب والسياسيون يتناقشون في مشروعات تقسيمها، فالبعض كان يريد أن ~~يؤسس مكان الدولة العلية «الاتحاد البلقاني»، والبعض الآخر كان يريد إعادة ملك بيزانتان، ~~وكان سياسيو الروسيا والنمسا يتباحثون في مشروع تقسيم الدولة بين دولتيهما، فكل كان يضع ~~مشروعا، والجميع كانوا متفقين على أن الدولة قصيرة الأجل، وأكثرهم أملا في حياتها كان ~~يجود عليها في مشروعه بعشرة من السنين أو عشرين عاما، ولو بعث اليوم من القبور كتاب ~~أواخر القرن الماضي وسواسه، ورأوا الدولة العلية قائمة عزيزة تحارب في أواخر القرن التاسع ~~عشر، وتنتصر وتجتاز العقبات عقبة بعد عقبة، وتصرف المصائب مصيبة بعد أخرى؛ لكذبوا أعينهم ~~وما صدقوا بالحقيقة. # ولكن الحقيقة هي أن بقاء الدولة العلية ضروري للنوع البشري، وأن في بقاء سلطانها سلامة ~~أمم الغرب وأمم الشرق، وأن الله جل شأنه أراد حفظ بني الإنسان من تدمير بعضهم البعض ومن ~~حروب دينية طويلة بحفظ سياج الدولة العلية وبقاء السلطنة العثمانية. فقد لاقت هذه الدولة ~~العثمانية في حياتها الطويلة أخطارا هائلة كانت تكفي لتداعي بنيان أقوى الممالك، ومرت ~~عليها ملمات كانت تندك لها الدول القوية والممالك القاهرة بدون أن تمس حياتها الحقيقية بسوء ~~بل بقيت حية تدهش العالم بشبيبتها. # وقد أحس الكثيرون في أوروبا من رجال السياسة ومن رجال الأقلام أن بقاء الدولة العلية أمر ~~لازم للتوازن العام، وأن زوالها - لا قدر الله - يكون مجلبة للأخطار أكبر الأخطار، ومشعلة ~~لنيران يمتد لهبها بالأرض شرقها وغربها شمالها وجنوبها، ms007 وإن هدم هذه المملكة القائمة بأمر ~~الإسلام يكون داعية لثورة عامة من المسلمين، وحرب دموية لا تعد بعدها الحروب الصليبية ~~إلا معارك صبيانية. # وإن الذين يدعون العمل لخير النصرانية في الشرق يعلمون قبل كل إنسان أن تقسيم الدولة ~~العلية أو حلها يكون الضربة القاضية على مسيحي الشرق عموما قبل مسلميه؛ فقد أجمع العقلاء ~~والبصيرون بعواقب الأمور على أن دولة آل عثمان لا تزول من الوجود إلا ودماء المسلمين ~~والمسيحيين تجري كالأنهار والبحار في كل واد. # وهي الملمة التي يجب على محبي الإنسانية الصادقين في محبتهم العمل لمنع وقوعها ودفعها ~~بتعضيد الدولة العلية وتقوية سلطانها. # ولقد اعتقدت الآن الروسيا كما اعتقدت النمسا - وقد كانتا العدوتين القديمتين للدولة ~~العلية - بأن تقسيم الدولة العلية أمر مستحيل، فعملت كلتاهما على المحافظة على السلام العام ~~بالمحافظة على سياج الدولة العثمانية. # فقد رأت النمسا أن حروبها مع الدولة العلية أضرتها ضررا بليغا، وظهرت النتائج المشئومة ~~لهذه الحروب. فقد ضعفت النمسا، وانتهى بها الأمر أن فقدت أملاكها الإيطالية التي تكونت منها ~~إيطاليا الحالية، وفقدت كذلك أمام بروسيا جزءا عظيما من مقاطعاتها الألمانية. # ولقد عملت النمسا في عهد عدائها للدولة العلية على تهييج أمم البلقان ضد السلطنة السنية، ~~باسم مبدأ الجنسيات؛ لأنها بصفتها دولة كاثوليكية كان لا يمكنها أن تهيج هذه الأمم ~~الأرثوذكسية باسم الدين؛ فكانت نتيجة تهييج النمسا لأمم البلقان باسم الجنسيات وبالا ~~عليها، وذلك أن مبدأ الجنسيات نفسه وجد أنصارا كبارا في قلب المملكة النمساوية، فقامت ~~المجر ونالت حريتها واستقلالها النوعي باسم مبدأ الجنسية المجرية، وها هي أمة البوهيم قائمة ~~اليوم بالمطالبة باستقلالها النوعي باسم مبدأ الجنسية البوهيمية، وقد أصبح من الظاهر للعيان ~~أن دولة النمسا تنازع نزاع الموت في الأيام الحالية بفضل مبدأ الجنسية. # أما الروسيا فقد قامت دائما في المسألة الشرقية باسم الدين الأرثوذكسي، فعملت لإخراج ~~الرومانيين واليونانيين والصربيين والبلغاريين وأهل الجبل الأسود من تحت سلطة الدولة العلية ~~باسم الدين الأرثوذكسي؛ فنشأ عن ذلك مع استقلال هذه الأمم الصغيرة عداوة شديدة بينها وبين ~~بعضها ms008 لما وجدت في نفسها من الطمع لتوسيع دائرة أراضيها، ذلك فضلا عن أن الكنيسة اليونانية ~~التي هي أم الكنائس الأرثوذكسية أصبحت غير معتبرة عند البلغاريين والصربيين، والنزاع القائم ~~بين هذه الجنسيات المختلفة في مقدونيا يبين جيدا درجة عدواتها لبعضها، ودرجة الخطر الذي ~~صارت إليه بلاد البلقان بسبب مسألة الجنس والدين. # وإذا بحثنا فيما اكتسبته الروسيا من حروبها مع الدولة العلية نجد أنها عادت تركيا قرنا ~~ونصف قرن، وحاربتها المرار العديدة، وفقدت الرجال والمال بكثرة عظيمة في كل حرب، ولم تنل في ~~الحقيقة من كل حروبها إلا بلاد القرم والقوقاز، وقد رأت الروسيا ما لم تكن تظنه أبدا وهو ~~أن بعض البلاد الصغيرة التي حررتها كصربيا وبلغاريا واليونان ورومانيا عادتها أشد العداء، ~~ولا تزال صربيا ورومانيا واليونان سائرة في سياسة لا ترضي الروسيا، وعلى الأخص رومانيا التي ~~تمكن بينها وبين ألمانيا والنمسا والدولة العلية الصفاء والوداد، ولم تعتدل بلغاريا نفسها ~~في سياستها مع الروسيا إلا في هذه السنين الأخيرة من يوم اعتناق البرنس بوريس ولي عهد ~~بلغاريا للدين الأرثوذكسي. # وقد رأت الروسيا من جهة أن حروبها مع الدولة العلية لا تفيد غير إنكلترا التي قوي مركزها ~~في آسيا وفي الشرق الأقصى، والتي لها أعظم مصلحة في إضعاف قوة الروسيا، وإضاعتها الوقت ~~والمال والرجال في حروبها مع الدولة العلية، ورأت كذلك من جهة أخرى أنه يستحيل عليها أن ~~تأخذ الآستانة وتنفذ وصية بطرس الأكبر؛ لما تلاقيه في القيام بهذا الأمر من قبل الدولة ~~العلية ومن دول أوروبا نفسها، وفي مقدمتها فرنسا حليفتها؛ ولذا فضلت الروسيا الاهتمام ~~بمسائل الشرق الأقصى ومسالمة تركيا، وقد تحقق العثمانيون من هذه المسالمة في المسألة ~~الأرمنية وفي مسألة الحرب الأخيرة. # وقد شهد السياسيون بأنه لا يوجد في تاريخ علاقات الدولة العلية مع الروسيا للمسالمة ~~والصداقة مثل التلغراف الذي بعث به جلالة القيصر إلى جلالة السلطان يرجوه فيه أن يصدر أمره ~~بإيقاف الحرب مع اليونان. # أما الدولة التي أصبحت في هذه السنين الأخيرة حاملة لراية العدوان ضد الدولة العلية، ms009 فهي ~~إنكلترا عدوة الإسلام، وعدوة مصر. # فلقد قضت هذه الدولة أزمانا طويلة ظهرت فيها للدولة العلية بمظهر الصديقة الوفية ~~والحليفة الأمينة، وكانت تكسب من هذه الصداقة الكاذبة بقدر ما كانت تخسر تركيا؛ فإن ~~لإنكلترا مصلحة عظمى دائمية في أن الروسيا تحارب تركيا لتضعف قواها، فلا تستطيع مطاردة ~~الإنكليز في الهند والشرق الأقصى، ولتضعف تركيا فتستولي إنكلترا على شيء من أملاكها بحجة ~~الدفاع عنها، وفوق ذلك فإن إنكلترا كسبت كثيرا من صداقة تركيا لها - بقطع النظر عن المكاسب ~~المادية والتجارية والصناعية - بما كانت تنيلها هذه الصداقة من النفوذ عند المسلمين، ومن ~~السلطة التامة على مسلمي الهند. فلقد كاد أهل الهند يطردون الإنكليز من بلادهم في ثورة ~~سيباي الشهيرة لولا صداقة تركيا لهم، هذه الصداقة التي حملت المرحوم السلطان «عبد المجيد» ~~على إصدار منشور لمسلمي الهند أمرهم فيه بالركون إلى السكينة والهدوء وعدم القيام بإحداث ~~الاضطرابات ضد حكومة صديقته «ملكة بريطانيا». # فإذا كان الإنكليز في الهند عاشوا طويلا آمنين شر المسلمين، فما الفضل في ذلك إلا ~~للدولة العلية، وها هم اليوم يدعون أن تركيا «عدوتهم الحالية» وصديقتهم القديمة أوعزت إلى ~~الهنود المسلمين بالثورة، فثاروا ولا يزالون ثائرين، وسواء كانت ثورتهم بإيعاز من تركيا - ~~وهو ما لا أظنه لأن الثورة قائمة بها قبائل معلومة، ولو كانت الدولة العلية أوعزت بالثورة ~~لثار مسلمو الهند جميعا - أو بإيعاز من ضمائرهم ونفوسهم، فدعواهم هذه دليل ساطع على أنهم ~~استفادوا كثيرا من تظاهرهم بالصداقة للدولة العلية، وإن إشهارهم العداوة لتركيا لا يضر ~~إلا بهم. # ولقد أدركت الحكومة العثمانية من يوم أن تولى أمور الدولة العلية جلالة السلطان الأعظم ~~«عبد الحميد الثاني» أن إنكلترا خداعة في ودها، وأنها تضر بمن تتظاهر لهم بالصداقة أكثر مما ~~تضر بأعدائها الظاهرين؛ فقد أخذت من الدولة العلية قبرص بدعوى مساعدتها ضد الروسيا في مؤتمر ~~برلين، ثم دخلت المؤتمر وخرجت منه بدون أن تستفيد تركيا من هذه المودة الإنكليزية الكاذبة ~~أقل فائدة، بل إن الدولة العلية فقدت في هذا المؤتمر ما لم تفقده ms010 قط في مؤتمر آخر. # وقد شعرت الروسيا كذلك بعد حرب سنة 1877 أنها لا تستفيد من حروبها مع تركيا ما يعوض عليها ~~خسائرها العظيمة في هذه الحروب، ففضلت سياسة مسالمة الدولة على سياسة العداء، فكان هذا ~~التاريخ مبدأ للشقاق والعداوة بين الدولة العلية وبين إنكلترا، وقد ظهرت هذه العداوة ~~بمظهرها التام الواضح بعد احتلال الإنكليز لمصر؛ حيث رأى جلالة السلطان في هذا الاحتلال وفي ~~خطة الإنكليز فيه وفي خداعهم لجلالته ما علم منه أن الإنكليز لا صديق لهم، وأنهم أكبر أعداء ~~تركيا، وأن صداقتهم القديمة المزعومة لم تكن إلا حجابا ستروا وراءه عداوتهم المرة ~~وأطماعهم الشديدة ضد دولة آل عثمان. # ومن ذلك الحين عملت إنكلترا على دس الدسائس ضد السلطنة السنية في كل أنحاء الأملاك ~~المحروسة، فهاجت الأرمن والكريديين والدروز، ولكن دسائسها لم تأت بغير نتيجة واحدة، وهي ~~إضعاف هذه العناصر التي اتخذتها إنكلترا آلات لها وإظهار قوة الدولة العلية أمام الملأ ~~كله. # وقد علمت اليوم كل العناصر على اختلافها، وجميع الأمم صغيرة كانت أو كبيرة، أن عدو ~~اليونان الحقيقي ليس بتركيا التي صبرت على رذائلها طويلا، بل إنكلترا التي شجعتها على ~~الحرب، وساعدتها في السر والجهر، وملأت مقدونيا من الأسلحة والدنانير الإنكليزية مؤملة ~~قيامها في وجه تركيا أثناء الحرب، فخابت آمالها، وحبطت مساعيها، ورجعت مخذولة خذلانا ~~سياسيا دونه خذلان اليونان الحربي. # وقد حسب الإنكليز أنهم يبلغون متمناهم من مصر ووادي النيل، ويضعون بذلك أيديهم على الحجر ~~الأساسي للخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية، ولكن ما لا ريب فيه هو أن نصيبهم في مصر ~~الفشل عاجلا أو آجلا، ولا يغرن القراء سيرهم الحالي في بلاد وادي النيل، فإنما هو نتيجة ~~ضعف رجال مصر الذين سلمت إليهم مقاليد الأمور، واستيلاء الإنكليز على الإدارات المصرية ~~لا يؤثر مطلقا على جوهر المسألة نفسها، وحيث فشل نابليون الأول يفشل الإنكليز ولا ~~محالة. # وقد علمت إنكلترا أن احتلالها لمصر كان ولا يزال ويكون ما دام قائما سببا للعداوة بينها ~~وبين الدولة العلية، وأن المملكة العثمانية لا تقبل ms011 مطلقا الاتفاق مع إنكلترا على بقائها ~~في مصر؛ إذ إن مسألة مصر بالنسبة لتركيا والخلافة تعد مسألة حيوية؛ ولذلك رأت إنكلترا أن ~~بقاء السلطنة العثمانية يكون عقبة أبدية في طريقها، ومنشأ للمشاكل والعقبات في سبيل ~~امتلاكها مصر، وأن خير وسيلة تضمن لها البقاء في مصر ووضع يدها على وادي النيل هو هدم ~~السلطنة العثمانية، ونقل الخلافة الإسلامية إلى أيدي رجل يكون تحت وصاية الإنكليز، وبمثابة ~~آلة في أيديهم؛ ولذلك أخرج ساسة بريطانيا مشروع الخلافة العربية مؤملين به استمالة العرب ~~لهم، وقيامهم بالعصيان في وجه الدولة العلية، ولكن العرب وغير العرب من المسلمين أرشد من أن ~~يخدعهم الإنكليز بعدما مر من الأمور، وما جرى من الحوادث؛ ولذلك أيضا كنت ترى الإنكليز ~~ينشرون في جرائدهم أيام الحوادث الأرمنية مشروع تقسيم الدولة العلية حماها الله جاعلين ~~لأنفسهم من الأملاك المحروسة مصر وبلاد العرب، أي السلطة العامة على المسلمين. # والذي يبغض الإنكليز على الخصوص في جلالة السلطان الحالي هو ميله الشديد إلى جمع كلمة ~~المسلمين حول راية الخلافة الإسلامية، وهو أمر يحول بينهم وبين أسمى أمانيهم، أي إيجاد ~~الشقاق بين المسلمين وبعضهم وخروج بعض المسلمين على السلطنة العثمانية، ومن ذلك يفهم القارئ ~~سبب اهتمام الإنكليز بالأفراد القليلين الذين قاموا من المسلمين ضد جلالة السلطان الأعظم، ~~وسبب مساعدتهم لهم بكل ما في وسعهم. # وإنكلترا تعلم علم اليقين أنها لو استطاعت أن تجعل خليفة المسلمين تحت وصايتها، أي آلة ~~لها، يكون لها سلطة هائلة ونفوذ لا حد له في سائر أنحاء المعمورة، فإنها تستطيع عندئذ - لا ~~قدر الله - أن تنفذ رغائبها عند المسلمين التابعين لها وغير التابعين بواسطة هذا الخليفة؛ ~~ولذلك فهي بعملها على هدم السلطنة العثمانية تعمل على تحقيق غرض بعيد هو أكبر أغراضها، ~~وأمنية سياسية دونها كل الأماني. # وكما أن مشروع الاستيلاء على السودان بواسطة مصر هو من المشروعات القديمة عند الإنكليز، ~~ويثبت ذلك إرسال غوردون وسامويل باكر إلى آخر السودان بواسطة حكومة مصر التي أحسنت الظن ~~بالإنكليز، فإن مشروع جعل الخلافة الإسلامية تحت ms012 وصاية الإنكليز وحمايتهم هو مشروع ابتكره ~~الكثيرون من سواسهم منذ عهد بعيد، وقد كتب كتاب الإنكليز في هذا الموضوع ومنهم المستر ~~بلانت المعروف في مصر. فقد كتب كتابا قبل احتلال الإنكليز لمصر في هذا المعنى سماه «مستقبل ~~الإسلام»، وأبان فيه أغراض حكومة بلاده، وأماني الإنكليز في مستقبل الإسلام، وقد كتب في ~~فاتحة كتابه ما نصه: # لا تقنطوا فالدر ينثر عقده # ليعود أحسن في النظام وأجملا # أي إن هدم السلطنة العثمانية لا يضر بالمسلمين، بل إن هذا العقد العثماني ينثر ليعود ~~عقدا عربيا أحسن وأجمل. # ولكن ما لم يقله المستر بلانت هو أن قومه يريدون هذا العقد العربي في جيد بريطانيا لا ~~في جيد الإسلام. # ويبين المستر بلانت في كتابه هذا قوة العالم الإسلامي، وكيف أن المدير لأموره يكون قويا ~~واسع السلطة، ويبين كذلك مشروع نابليون الأول، وكيف أنه أراد أن يكون خليفة المسلمين، وأن ~~يقود قواهم، وهو يريد بذلك إلفات أنظار قومه إلى مشروع هم القائمون به الآن، ويبين المستر ~~بلانت أيضا «أن مركز الخلافة الإسلامية يجب أن يكون مكة، وأن الخليفة في المستقبل يجب أن ~~يكون رئيسا دينيا، لا ملكا دنيويا.» أي إن الأمور الدنيوية تترك لإنكلترا تدبر أمورها ~~كيف تشاء! ويعقب المستر بلانت ذلك بقوله: «إن خليفة كهذا يكون بالطبع محتاجا لحليف ينصره ~~ويساعده، وما ذلك الحليف إلا إنكلترا!» وبالجملة فحضرة المؤلف لكتاب مستقبل الإسلام يرى - ~~وما هو إلا مترجم عن آمال أبناء جنسه - أن الأليق بالإسلام أن ينصب إنكلترا دولة له، ولم ~~يبق للمستر بلانت إلا أن يقول بأن الخليفة يجب أن يكون إنكليزيا! # يتضح جليا للقارئ مما قدمناه أن ليس للسلطنة العثمانية، وبالطبع للخلافة الإسلامية في ~~هذه الأيام عدو يجاهر بالعدوان لها، ويعمل على دك أركانها، وتقويض بنيانها غير إنكلترا، ~~ويمكن تعريف المسألة الشرقية اليوم بأنها مسألة النزاع القائم بين إنكلترا وبين بقية دول ~~أوروبا بما فيها الدولة العلية؛ فإن معاداة إنكلترا للدولة العلية هي في الحقيقة معاداة لكل ~~المسيحيين ولكل المسلمين، أي للعالمين الغربي والشرقي. ms013 # وإن واجب أوروبا أمام هذه الحرب السياسية حرب الدسائس والأكاذيب القائمة بها إنكلترا ضد ~~الدولة العلية واضح جلي، فمحتم عليها إذا كانت تعمل للمحافظة على السلام العام وعلى أرواح ~~البشر أن تحبط مساعي إنكلترا في الشرق، وأن تقف لها بالمرصاد، ومن العدل أن نقول: إن حكومتي ~~فرنسا والروسيا قامتا في المسألة الأرمنية بإبطال الدسائس الإنكليزية، وإحباط مساعي سواس ~~إنكلترا، وأظن أنه لم يغب عن ذهن إنسان أن إنكلترا عرضت رسميا على الدول الأوروبية خلع ~~جلالة السلطان الأعظم فرفضت الروسيا وفرنسا طلب إنكلترا قبل كل الدول، وقد قامت ألمانيا في ~~الحرب الأخيرة بواجب أوروبا كلها ضد إنكلترا؛ فتم للدولة العلية الظفر والنصر وتم لبريطانيا ~~الفشل والخذلان. # أما واجب العثمانيين والمسلمين أمام عداوة إنكلترا للدولة العلية فبين لا ينكره إلا ~~الخونة والخوارج والدخلاء؛ فواجب العثمانيين أن يجتمعوا جميعا حول راية السلطنة السنية، ~~وأن يدافعوا عن ملك بلادهم بكل قواهم، ولو تفانى الكثيرون منهم في هذا الغرض الشريف حتى ~~يعيشوا أبد الدهر سادة لا عبيدا، وواجب المسلمين أن يلتفوا أجمعين حول راية الخلافة ~~الإسلامية المقدسة، وأن يعززوها بالأموال والأرواح؛ ففي حفظها حفظ كرامتهم وشرفهم، وفي بقاء ~~مجدها رفعتهم ورفعة العقيدة الإسلامية المقدسة. # | المسألة الشرقية في القرن الثامن عشر # لقد حدثت في القرن الثامن عشر أزمة شديدة مهمة للمسألة الشرقية هي الحرب بين الدولة ~~العلية والروسيا التي طالت من أواخر عام 1768 إلى أوائل عام 1775، وهذه الأزمة كانت شديدة ~~غزيرة النتائج، وأصلا لتداخل أوروبا في أمور الدولة العثمانية باسم الدين. # وقد كانت الروسيا حليفة للبروسيا في ذلك العهد محالفة أمضى عليها فريدريك الكبير ملك ~~بروسيا وكاترينا إمبراطورة الروسيا يوم 11 أبريل سنة 1764، وكان أجلها ثماني سنوات، وسبب ~~تداخل البروسيا في المسائل الشرقية هو تحالفها مع الروسيا نحو قرن، وداعية هذا التحالف هي ~~العداوة الشديدة التي كانت بين النمسا والبروسيا في ألمانيا، وبين النمسا والروسيا في مسائل ~~الشرق، وقد كان يعقد أحيانا اتفاق بين تلك الدول الثلاث، ولكن العداوة بقيت طويلا - ~~بالرغم عن هذه - شديدة ms014 بينها وبين بعضها. # ومن أسباب تحالف الروسيا والبروسيا غير ما ذكرناه: اشتراكهما في المصلحة ضد بولونيا التي ~~كانت جمهورية وقتئذ، وفي حالة من الفوضى عظيمة، وقد كان يروق للروسيا والبروسيا بقاء ~~نفوذهما قويا في بولونيا، والعمل على زيادة الفوضى فيها؛ لتتمكنا من تقسيمها، والاستيلاء ~~عليها. # وكان قد عقد بين فرنسا والنمسا عام 1756 تحالف يضمن للنمسا مساعدة فرنسا الحربية ~~والسياسية في كل أوروبا، ويضمن لفرنسا عدم تداخل النمسا ضدها في حالة قيام الحرب بينها وبين ~~إنكلترا، وقد حصل وقتئذ أن «أوجست الثالث» ملك جمهورية بولونيا توفي، وأرادت الروسيا ~~بالاتفاق مع البروسيا أن تعين بدلا عنه «ستانيسلاس أوجست بونياتووسكي» الذي كان محبوبا ~~عند كاترينا إمبراطورة الروسيا وعاشقا من أكبر عشاقها، وكانت ترمي الروسيا بهذا التعيين ~~إلى إلقاء بذور الشقاق والشحناء بين البولونيين، وإحداث الاضطرابات في بلادهم بواسطة هذا ~~الملك الجديد. # فعمل عندئذ الوطنيون البولونيون لدى الباب العالي مستغيثين به لإحباط مساعي الروسيا في ~~تعيين «ستانيسلاس» ولكن سفيرا الروسيا والبروسيا بالآستانة بذلا ضد هؤلاء الوطنيين كل ~~جهدهم. # وكان من صالح النمسا وفرنسا عدم نجاح الروسيا والبروسيا في مسعاهما لتعيين «ستانيسلاس» ~~فحرضتا الدولة العلية ضد الروسيا والبروسيا، وأظهرتا لها فائدة تداخلها في صالح البولونيين، ~~ولكن المرحوم السلطان «مصطفى الثالث» كان يعجب بفريدريك ملك البروسيا إعجابا زائدا، فلم ~~يرض لذلك العمل ضده، سيما وأن تعيين «ستانيسلاس» كان لا يضر بمصالح الدولة مطلقا، فتم ~~تعيين هذا الرجل ملكا لبولونيا يوم 7 سبتمبر سنة 1764. # وما استقر هذا الرجل على كرسي ملك بولونيا حتى خلق فيها المشاكل والاضطرابات طبقا لرغائب ~~كاترينا، وسهل لها التداخل في شئونها الداخلية، فطلب عندئذ بتاريخ 25 نوفمبر من السنة نفسها ~~سفيرا الروسيا والبروسيا من حكومة بولونيا جملة طلبات تخالف المصلحة البولونية، فرفضها مجلس ~~نواب بولونيا، وكان رفضه هذا سببا لتداخل الروسيا، فدخلت بولونيا بجيوشها الجرارة، وأسالت ~~الدماء، وأنحت على الكثيرين من الأبرياء، واستمرت الثورات في بولونيا تباعا، والعالم كله ~~ناظر إليها بلا حراك، حتى بلغت الروسيا مرامها من هذه الديار التعسة، وصارت ms015 بولونيا مستقلة ~~في الظاهر محكومة في الباطن بأهواء الروسيا وأغراضها. # وفي هذه الأثناء تعين المسيو «شوازيل» وزيرا لخارجية فرنسا، وكان ألد أعداء الروسيا، ~~وعلى الخصوص كان عدوا شخصيا لكاترينا، فكتب إلى المسيو «دي فرجين» سفير فرنسا من ~~الآستانة يأمره بعمل كل ما في سعته لخلق المشكلات بين الدولة العلية والروسيا، وأرسل إليه ~~ثلاثة ملايين من الفرنكات؛ ليشتري بها ذمم بعض رجال الدولة، وكان الوطنيون البولونيون حين ~~ذاك يستغيثون بالدولة ليلا ونهارا. # وحصل أن بعض قسوس الروسيا جاءوا بلاد الدولة، وأخذوا يهيجون أهالي اليونان وكريد والجبل ~~الأسود باسم الدين، حاملين بأيديهم وعلى صدورهم الصليب، وقام وقتئذ قسيس اسمه «ستيفانو ~~بيكولو» في شهر أكتوبر عام 1767 يدعو أهالي الجبل الأسود للقيام ضد المسلمين، فهاجت الأهالي ~~هياجا شديدا. # فلما رأت الدولة ذلك، ووقفت على الفظائع العديدة التي جرت في بولونيا أنذرت الدولة ~~الروسية بالخروج من بولونيا، فرفضت وكان ذلك سبب الحرب. # وقد كانت الأمة العثمانية ميالة إلى البولونيين حتى إن المسيو «زيجلين» سفير بروسيا ~~بالآستانة كتب إلى حكومته بتاريخ 26 يوليو سنة 1768 يقول: «إنه وإن كانت الحكومة العثمانية ~~مطلقة النفوذ والسلطة في بلادها، ولكن للرأي العام صوتا إذا ارتفع لا تقدر الحكومة على ~~مخالفته.» # وعندما علمت الروسيا باستعداد الدولة العلية للحرب أرسلت عساكرها واحتلت «كاركوفيا»، وقد ~~أعلنت الحرب يوم 6 أكتوبر سنة 1768، وكان ذلك بإلقاء الدولة العلية سفير الروسيا في القصر ~~المعروف «بقصر السبعة أبراج»، وبهذه الصورة كانت تعلن الحرب في القرن الماضي. # وقد أرسلت الدولة عندئذ منشورا للدول الأوروبية بتاريخ 30 أكتوبر سنة 1768 أبانت فيه ~~أسباب إعلانها الحرب للدولة الروسية قائلة: «لقد تجاسرت الروسيا، وقضت على حرية بولونيا، ~~وأجبرتها على قبول ملك ليس من عائلة ملوكية، ولم تنتخبه الأمة ملكا عليها طبقا لقوانينها ~~وشرائعها، وأسالت الروسيا الدماء، وذبحت كل من خالف سياستها وأغراضها، وخربت الأراضي ~~والأملاك.» # وقد أدهش إعلان الحرب بهذه الصورة كل رجال السياسة الأوروبية، وجعل كل همه الانتفاع منها. ~~أما المسيو «دي فرجين» سفير فرنسا، فقد أعاد إلى ms016 حكومته الثلاثة ملايين، وكتب إليها: «إن ~~رجال تركيا لا تشترى ذممهم؛ لأنهم يعملون بمقتضى مصلحة بلادهم، وشرف دولتهم.» # ومضت أشهر طويلة اشتغل فيها كل خصم بالتجهيز والتحضير، ولم تقم الحرب الحقيقية إلا في ~~شهر يوليو عام 1769 على شواطئ نهر «الدينستر»، وقد اقتتل الجيشان طويلا حول «خوتين»، ~~واختلف المؤرخون في إثبات وجود فرق بروسية بين الجيش الروسي، فقال بعضهم بوجودها بمقتضى ~~المعاهدة التي بين الروسيا والبروسيا، وأنكر البعض الآخر وجودها، ولكن الرأي الأول أقرب إلى ~~العقل والحقيقة. # وفي يوم 16 سبتمبر هجم الجيش العثماني على الجيش الروسي، ووقعت بينهما معركة هائلة انتهت ~~بانتصار الروسيين واستيلائهم على مقاطعة «البغدان»، وأخذوا بعد هذه الواقعة قلاع خوتين ~~وأزوف وتاجا نروج، ثم احتلت العساكر الروسية يوم 16 نوفمبر سنة 1796 مدينة «بوخارست» التي ~~هي عاصمة رومانيا الحالية. أما مقاطعة البغدان، فهي تكون مع مقاطعة الأفلاق مملكة رومانيا ~~نفسها. # وقد اغترت الروسيا بهذا الانتصار، وأرادت فصل اليونان من أملاك تركيا - وكانت أرسلت من ~~قبل بطلا اسمه «أورلوف» ليهيج اليونانيين ضد الدولة العلية - فأرسلت في البحر الأبيض ~~المتوسط في آخر سنة 1770 أسطولين؛ الأول: تحت قيادة «سبيروتوف» الروسي، والثاني: تحت قيادة ~~«ألفنستون» الإنكليزي، وقد تجمعت عندئذ جماعات اليونان، وتظاهرت بالقيام في وجه الدولة، ~~ولكنها تفرقت شذر مذر عند تقدم الأتراك والألبانيين، فرجعت الروسيا بخفي حنين، ويئست من ~~تخليص اليونان من ذلك الحين. # ثم أرادت الروسيا أن تنتقم من الدولة العلية؛ لفشل مساعيها في اليونان، فعاكست مراكبها ~~وأسطولها، ولم تأخذ بعد حرب وقتال عنيفين إلا بعض السفن العثمانية في «تشمسه». ~~••• # ولقد كانت سياسة كل دولة من الدول الأوروبية في هذه الحرب مختلفة عن الأخرى، فكانت فرنسا ~~مصادقة للدولة العلية ومعادية للروسيا، وكانت الدولة الوحيدة المنتصرة لبولونيا، ولكن ~~صداقتها للدولة العلية وانتصارها لبولونيا لم ينتجا أقل نتيجة؛ لأن الدول الثلاث الروسيا ~~والبروسيا والنمسا اتفقت في آخر الأمر - كما سيراه القارئ - على تجزئة بولونيا، فكان من ~~المستحيل على فرنسا مساعدة تركيا مساعدة فعلية؛ خوفا من اشتعال نار الحرب بينها ms017 وبين الدول ~~الأوروبية، ولكن ما كانت تخافه لنفسها تشجع الدولة العلية على الإتيان به فهي كانت تخشى ~~الحرب، ولكنها كانت أول محرضة للدولة العلية عليها، وهكذا الدول كلها والأمم جميعها متى رأت ~~في عمل من الأعمال احتمال الخير والشر تفضل أن يقوم به غيرها، فإن أنتج خيرا استفادت منه، ~~وإن أنتج شرا اجتنبت أضراره. وكان «شوازيل» وزير فرنسا الأكبر ذا سياسة خرقاء، حيث كانت ~~النمسا ساخرة من تحالفها مع فرنسا لا تقبل منها نصيحة ولا تتبع لها رأيا، وكانت سياسة ~~«شوازيل» ترمي إلى إضعاف الروسيا وتركيا في آن واحد، كما يتضح ذلك جليا من مذكرة رسمية ~~أرسلها في شهر ديسمبر عام 1769 إلى البرنس «كونيتز» وزير النمسا، وجاء فيها: «وترى فرنسا أن ~~أحسن شيء يعود على تحالفنا - أي تحالف فرنسا والنمسا - بالفائدة هو أن تستمر الحرب بين ~~الروسيا وتركيا مع انتصارات متبادلة من الجانبين حتى يضعف الخصمان بدرجة واحدة، وإذا ~~ساعدتنا الأيام تكون لنا الفرص كلها والفوائد أجمعها.» # أما النمسا فكانت قد عقدت مع الروسيا في عام 1753 معاهدة ضد الدولة العلية، ولكنها بطلت ~~عام 1762 بسبب تحالف الروسيا مع البروسيا، ولما أعلنت الحرب بين الدولة العلية والروسيا ~~عام 1768 اتبعت النمسا في بادئ الأمر سياسة الحياد مع مسالمة الدولة العلية. # وفي ختام عام 1769 كلفت النمسا سفيرها في الدولة العلية المسيو «توجوت» أن يعرض على وزراء ~~جلالة السلطان رغبة النمسا للتداخل في عقد الصلح بين المتحاربين، ولم تكن رغبة النمسا ~~الحقيقية من هذا التداخل عقد الصلح، بل كان غرضها الوصول إلى امتلاك مقاطعة من أملاك تركيا ~~وتوسيع نطاق المملكة النمساوية. # وسيجد القارئ في خلال هذا الفصل الخطة التي جرت عليها النمسا مع الدولة العلية، وكيف أنها ~~حالفتها ضد الروسيا، وعملت في الوقت نفسه على الاتفاق مع الروسيا ضد تركيا! # وأما البروسيا، فقد كان ملكها وقتئذ «فريدريك الكبير» المشهور بدهائه السياسي وقدرته ~~الفائقة على الاستفادة من كل حادث أوروبي، وقد جعل سياسته في المسألة الشرقية الاستفادة من ~~الحرب بين الدولة ms018 العلية والروسيا مع المحافظة على استقلال الدولة العلية، وكتب في مذكراته ~~السياسية الشهيرة «إنه يوجد لنا طريقتان أمام تقدم الروسيا واتساع أملاكها: الأولى: إيقافها ~~في تقدمها وفتوحاتها، والثانية - وهي أحكم طريقة: الاستفادة من تقدمها، واتساع أملاكها ~~وفتوحاتها بمهارة.» وقد اتبع فريدريك الكبير الطريقة الثانية كما كتب في مذكراته فكان ~~متحالفا مع الروسيا، وعلى تمام الصفاء مع تركيا، وبذلك كان يستفيد أكثر من غيره. # ولما قامت الحرب بين الدولة العلية والروسيا كان اشتغال فريدريك الكبير منحصرا في الوقوف ~~على الخطة التي ستجري عليها النمسا، هل تبقى وفية لفرنسا حليفتها، أي مصافية لتركيا ~~وبولونيا، أو تنخدع للروسيا فيفقد التحالف الروسي البروسي أهميته الأولى؟ وقد وجد عندئذ ~~فريدريك بدهائه الغريب وذكائه العالي طريقة مثلى لفصل النمسا من فرنسا، ولمنعها من معاداة ~~الروسيا في الشرق وفي بولونيا، ولبقاء التحالف الروسي البروسي بأهميته الأولى، فوضع لذلك ~~مشروع تحالف ثلاثي بين الروسيا وبروسيا والنمسا يكون غرضه حل المسألة الشرقية، لا في تركيا ~~نفسها، بل في بولونيا بأن تقسم هذه المملكة بين هاته الدول الثلاث. # وهذه الأمنية كانت أكبر أماني فريدريك الكبير أيام حكمه؛ لأنه كان يرى في تقسيم بولونيا ~~ربحا كبيرا للبروسيا، واتساعا لنطاقها بضم بولونيا البروسية لها. # وأول مرة فاتح المسيو «سولمس» سفير بروسيا في سان بطرسبورغ المسيو «بابين» وزير الروسيا ~~الأكبر في مسألة تقسيم بولونيا، كان جواب الوزير الروسي: إن تحالف الدول الثلاث يجب أن يرمي ~~أيضا إلى تقسيم الدولة العلية. فلما سمع فريدريك هذا الجواب تخوف منه، وأهمل أمر التحالف ~~الثلاثي في الظاهر. # وقد قلنا إن فريدريك الكبير كان يرى في بقاء الدولة العلية فائدة عظمة لبروسيا، وكان ~~يستطلع بحدة ذهنه وقوة بصيرته من خلال الأيام الآتية أن مودة الروسيا للبروسيا لا تدوم أبد ~~الدهر، وأن بقاء الدولة العلية قوية يكون كحاجز حصين أمام الروسيا، وكصخرة عالية واقفة ~~أمامها، وبالجملة تكون للبروسيا قوة عظيمة يمكن الاعتماد عليها حسب مقتضى الحوادث. # وقد برهنت الأيام على أن فريدريك الكبير - وهو أول عامل على توسيع نطاق ms019 بروسيا، وأول واضع ~~لمشروع الوحدة الألمانية الذي تم على يدي غليوم الأول وبسمارك - نظر نظرة بصير، فجاء من ~~سلالته جلالة الإمبراطور غليوم الثاني مدركا أهمية التودد للدولة العلية وتوثيق الروابط ~~بينه وبينها، فاستفاد العالم من هذه المودة المزدوجة، واستفادت ألمانيا منها كثيرا. # ولما علم فريدريك الكبير بجواب وزير الروسيا تخوف منه كما قدمنا، ولكنه لم يرجع عن عزمه ~~الأول وهو العمل على تقسيم بولونيا، فرأى لنوال هذه البغية أن يتحبب إلى النمسا، ويتحد معها ~~اتحادا سريا يوقع الروسيا في الارتباك والبلبال، فتضطر إلى قبول آرائه، وتدرك فائدة ~~التحالف معه والعمل بنصائحه، وبالفعل تقابل في مدينة «نيس» مع «جوزيف الثاني» إمبراطور ~~النمسا وابن «ماري تيريزيا» الشهيرة، وتوصل إلى عقد اتفاقية ودية معه في شهر أغسطس عام ~~1769. # فكانت نتيجة هذه الاتفاقية أن الروسيا صارت في بلبال زائد كما أراد فريدريك؛ فإنها كانت ~~تجهل مضمونها، وكانت تظن أنها اتفاقية عقدت للعمل ضدها في المسألة الشرقية، فاضطرت إلى ~~تجديد محالفتها مع البروسيا يوم 12 أكتوبر سنة 1769، واشترط جعل أجلها ممتدا إلى غاية عام ~~1780، فنالت بذلك البروسيا ما كانت تتمناه، وهو أن الروسيا عرفت مقدار تحالفها معها، وصار ~~لآرائها عندها تقدير القبول والرضى، وباتفاقها مع النمسا اتفاقية ودية صارت حليفة الروسيا ~~وصديقة النمسا، ووضعت بذلك الأساس لمشروعها العظيم؛ أي مشروع تقسيم بولونيا بين الدول ~~الثلاث. # وقد بعث فريدريك الكبير بأخيه البرنس هنري إلى سان بطرسبورغ لزيارة القيصر، فوصل عاصمة ~~الروسيا يوم 12 أكتوبر سنة 1770، وقد تحادث كثيرا مدة وجوده في بطرسبورغ مع القيصرة ورجال ~~السياسة الروسية في مشروع عقد تحالف ثلاثي بين الروسيا والبروسيا والنمسا، بقصد تقسيم ~~بولونيا، فوجد لهذا المشروع قبولا عند الروسيين لم يكن عندهم من قبل. # وقد بذلت البروسيا في ذلك الحين جهدها في إقناع الدولة العلية بضرورة إيقاف الحرب والتوسط ~~في الصلح حتى رضيت الدولة العلية، وطالبت بمذكرة تاريخها 12 أغسطس سنة 1770 من بروسيا ~~والنمسا التوسط بينها وبين الروسيا في أمر عقد الصلح. # يرى القارئ مما تقدم سياسة كل من ms020 دول فرنسا والنمسا والبروسيا في المسألة الشرقية في ~~القرن الثامن عشر. أما إنكلترا فقد جرت في هذا القرن الماضي على سياسة مزدوجة، فكانت تساعد ~~الروسيا في الحرب كل المساعدة، وتظهر للدولة العلية بمظهر الصديقة؛ لتقف على أسرارها حيث ~~تطلع الروسيا عليها، ولما قامت الحرب بين الدولتين العلية والروسية كانت إنكلترا مشتغلة ~~بأمور الهند التي كانت استولت عليها منذ بضع سنين من قبل. # ولما كانت الروسيا مصافية لإنكلترا وغير ميالة وقتئذ للاستيلاء على الهند، وسلبها من أيدي ~~الإنكليز، وكانت فرنسا هي العدوة اللدودة لإنكلترا والدولة الوحيدة التي كانت تخاف منها ~~إنكلترا على الهند - وقد كانت الهند من قبل ملكا لفرنسا ومستعمرة من مستعمراتها - اتبع ~~الإنكليز سياسة التقرب من الروسيا والتودد إليها ومعاداة فرنسا والدولة العلية. # وفضلا عن الأسباب السياسية الداعية لذلك، فهنالك أسباب تجارية دفعت الإنكليز لمحاباة ~~الروسيا، فقد كانت إنكلترا تتاجر وحدها في الشمال، وكانت واردات الروسيا كلها من إنكلترا، ~~وكان الكثيرون من البحارة الإنكليز موظفين في المراكب الروسية، وقد أراد «شوازيل» وزير ~~فرنسا الأكبر أن يضرب المراكب الروسية بالعمارة الفرنساوية، وقدم بذلك مذكرة لمجلس نظار ~~فرنسا ولكنها رفضت، وقبل رفضها أعلنت وزارة لندره أن كل عمل يعمل ضد الروسيا يعد ~~إهانة لإنكلترا واعتداء عليها، وهو قول يبين مقدار ميل الإنكليز للدولة الروسية في ذلك ~~الحين، أو بعبارة أصرح يبين مقدار المكاسب العظيمة التي كانت تكسبها إنكلترا من ~~الروسيا. # ومن أكبر الأسباب التي جعلت إنكلترا ضعيفة الصوت في مسائل الشرق في ذلك الحين هو ~~اضطراباتها الداخلية، وقيام الأمريكيين بالثورة ضدها مطالبين بالاستقلال الذي نالوه بدماء ~~أبطالهم، أي بأعز الأثمان. # ومن غريب أمر السياسة الإنكليزية أنها مع محاباتها للروسيا كل المحاباة أرادت أن تظهر ~~لتركيا بمظهر الصداقة كما قدمنا؛ فعرضت عليها في صيف عام 1770 أن تتداخل بينها وبين الروسيا ~~لعقد الصلح، فأجابت الدولة العلية سفير إنكلترا بالآستانة «السير موري» بمذكرة حكيمة جاء ~~فيها: «إنه لمن الأمور المدهشة الخارقة للعادة أن إنكلترا تعرض على الباب العالي توسطها في ~~الحرب مع أن ms021 لها سفنا في الأسطول الروسي حاربت ضدنا؛ ولذلك نحن نعتقد أن طلبها التوسط في ~~الحرب ليس إلا ستارا لأغراض أخرى ينويها العدو «أي الروسيا»، فلتعلن إنكلترا خطتها ~~وسلوكها بدون مراوغة حتى يعلم الباب العالي مع أي المتحاربين هي أمعه أو ضده؟!» وقد أحدثت ~~هذه المذكرة الحازمة تأثيرا شديدا لدى الإنكليز، وأفهمتهم أن الأتراك خبيرون بسياستهم ~~وبما فيها من الغش والنفاق، فاضطروا لسحب ضباطهم وعساكرهم من الأساطيل والجيوش الروسية، ~~ولكن ذلك جاء بعد أن قضت الحرب معظمها. # ولما طلبت الدولة العلية من بروسيا والنمسا التوسط في أمر الصلح، أبلغت إنكلترا الروسيا ~~هذا الطلب لتأخذ حذرها، فكانت وظيفة إنكلترا في هذه المسألة أشبه بوظيفة جاسوس على الدولة ~~العلية للروسيا. ~~••• # ولما علمت الروسيا بواسطة الإنكليز بأمر طلب الصلح، أرادت أن تعرقل مساعي البروسيا ~~والنمسا، فأمرت الجنرال رومانتسوف بتاريخ 26 سبتمبر سنة 1770 أن يكتب إلى الصدر الأعظم بأن ~~الروسيا مستعدة للمناقشة مع الباب العالي مباشرة في أمر الصلح متى أطلق سراح «أوبرسكوف» ~~سفير الروسيا في الآستانة، وبذلك منعت الروسيا البروسيا والنمسا من التداخل في أمر الصلح ~~مدعية بأن تداخل هاتين الدولتين يدعو لتداخل فرنسا، وهو الأمر الذي ترفضه القيصرة رفضا ~~باتا. # وفي هذه الأثناء استولى الجيش الروسي على مدينة بندر وأكرامان وبرايلا، ولما طال أمر ~~المراسلات بشأن الصلح بين فريدريك وكاترينا كتبت قيصرة الروس إلى ملك بروسيا بتاريخ 20 ~~سبتمبر من السنة نفسها توضح له الشروط التي تشترطها لعقد الصلح، وهي الاستيلاء على أزوف ~~وكاباردا مع استقلال البغدان والأفلاق، أو بقاء هاتين المقاطعتين تحت حكم الروسيا مدة ربع ~~قرن كغرامة حربية، واستقلال ترتار البسرابي والقرم وحرية الملاحة في البحر الأسود والتنازل ~~عن جزيرة للروسيا في الأرخبيل، وعفو عام عن كل اليونانيين الذين ثاروا ضد الدولة العلية ~~أثناء الحرب. # فلما اطلع فريدريك على هذه الشروط اندهش غاية الاندهاش من مطالب الروسيا وأطماعها، وقد ~~حصل وقتئذ أن رئيس أفندي - وهي وظيفة كانت في الدولة العلية بمثابة وظيفة ناظر الخارجية - ~~أخبر سفيري النمسا وبروسيا أن الدولة ms022 العلية لا تقبل المخابرة مع الروسيا مباشرة بشأن ~~الصلح، ولكنها تقبل توسط النمسا والبروسيا، وأبلغهما أنه أعلن ذلك للجنرال ~~رومانتسوف. # وقد كتب فريدريك لما اطلع على شروط الصلح المبعوثة إليه من القيصرة إلى أخيه البرنس هنري ~~- الذي كان لا يزال بسان بطرسبورغ - بتاريخ 3 يناير سنة 1771: «لقد اندهشت اندهاشا عظيما ~~لما اطلعت على الشروط التي تقدمها الروسيا للصلح، وأنه يستحيل علي أن أقدمها للأتراك أو ~~للنمساويين؛ لأنها شروط لا يمكن قبولها.» وأبان فريدريك في كتابه لأخيه أن هذه الشروط لا ~~يمكن لدول أوروبا قبولها، وأنها تعتبر إعلان حرب للنمسا، وقد كتب بنفسه للقيصرة بتاريخ 5 ~~يناير سنة 1771 أنها إذا كانت تريد اجتناب الحرب مع النمسا، يجب عليها أن تكتفي بأخذ أزوف ~~والكاباردا وبحرية الملاحة في البحر الأسود. # وفي أثناء ذلك كانت القيصرة كاترينا تتحدث مع البرنس هنري بسان بطرسبورغ في أمر تقسيم ~~بولونيا، فلما كتب البرنس هنري إلى أخيه بذلك سر ملك بروسيا حيث جاء هذا الأمر موافقا ~~لرغائبه، واجتهد في جعل حل المسألة الشرقية في بولونيا فقط لعلمه بما لبقاء الدولة العلية ~~من اللزوم والأهمية، فأراد تقسيم بولونيا على شرط أن الروسيا لا تأخذ البغدان ~~والأفلاق. # وقد جرى عندئذ أن النمسا طمحت لمحالفة تركيا ضد الروسيا، والعمل للاستفادة من هذه ~~المحالفة ولو ضد تركيا نفسها، فبعث «كونيتز» رئيس الوزارة النمساوية إلى المسيو «توجوت» ~~سفير النمسا في الآستانة يأمره بمخابرة رجال الدولة العلية في أمر عقد محالفة بين النمسا ~~وتركيا يشترط فيها أن تركيا تدفع سنويا للنمسا 34 مليونا من الفلورينو، أي فوق الثلاثة ~~ملايين من الجنيهات، وأن تتنازل لها عن «الأفلاق» ومدينة بلغراد، وأن تجعل للنمساويين في ~~ممالك الدولة العلية أهم الامتيازات التجارية، وفضلا عن كل هذه الشروط تقدم للنمسا في حالة ~~الحرب من خمسين إلى ستين ألف مقاتل، وتشترط النمسا على نفسها مقابل ذلك أن تحارب الروسيا مع ~~تركيا إذا لم ترض القيصرة بطريق المخابرات إعادة البلاد التي استولت عليها إلى الدولة ~~العلية. # وقد سعى «كونيتز» عندئذ ms023 لدى فريدريك ملك بروسيا أن يبقى على الحياد إذا قامت الحرب بين ~~النمسا والروسيا، ولكن فريدريك اتبع طريق المراوغة فلم يجب بجواب صريح. # أما فرنسا حليفة النمسا، فكانت تعمل في هذا الحين على مساعدة تركيا بأسطولها مقابل عوض ~~مالي، ولكن «توجوت» سفير النمسا - الذي كان كاتب سرا الحكومة الفرنساوية كجاسوس لها مقابل ~~أجرة شهرية، وكان في الحقيقة يغشها، ولا يخدم إلا مصلحة النمسا وطنه - بذل أقصى جهده من ~~حين علم بهذا المشروع على إحباط مسعى فرنسا، فأبان لرجال الدولة العلية أن مساعدة الأسطول ~~لا تفيد شيئا ما؛ لأن الحرب برية محضة لا بحرية، وأن قصد فرنسا ليس مساعدة الدولة العلية، ~~بل معاداة الروسيا ومد أمد الحرب إلى ما شاء الله. فأفلح «توجوت» واقتنع رجال الدولة بصدق ~~أقواله وصحة أفكاره، ورفضوا مشروع فرنسا. # وقد كان رجال الدولة العلية يؤملون أن اتفاق فرنسا مع الدولة يحمل النمسا - حليفة فرنسا - ~~على مساعدة تركيا، ولكن النمسا كانت تخشى هذا الأمر لما فيه من التقيد لها، ولعلمها بأنها ~~لا تستطيع أن تخدع تركيا إذا كانت فرنسا متحدة معها، بخلاف ما إذا كانت هي المتحدة مع ~~الدولة العلية دون غيرها؛ ولذلك كان فشل مشروع فرنسا مضرا بالدولة العلية مفيدا للنمسا ~~حليفة فرنسا! # ولما فشل مسعى فرنسا عمل «توجوت» على عقد التحالف بين النمسا وتركيا، ومن حسن حظ النمسا ~~وقتئذ أن خضعت تاتار بلاد القرم للروسيا، وصارت كتاتار البسرابي، فاضطرت الدولة بهذا السبب ~~لتعجيل الاتفاق مع النمسا وقبول معاهدة التحالف؛ فأمضت المعاهدة مساء يوم 6 يوليو سنة 1771، ~~وشروط هذه المعاهدة: أن النمسا تتعهد بمساعدة تركيا ضد الروسيا، وعدم سلخ أي جزء من الأملاك ~~العثمانية، والمحافظة على استقلال بولونيا مراعاة لشرف الدولة العلية، وأن تتعهد تركيا بدفع ~~مبلغ 11350000 فلورينو للنمسا - لا 34 مليونا كما طلبت النمسا أولا - أي نحو المليون ~~جنيها، وبالتنازل للنمسا عن أراضي «الأفلاق»، وبمساعدة الرعايا النمساويين في بلاد الدولة ~~العلية على ترويج تجارتهم وصنائعهم، واشترط بين الدولتين المتعاهدتين أن هذه المعاهدة ~~يكتم أمرها خصوصا ms024 على فرنسا حليفة النمسا إذ ذاك. # وقد رفع «توجوت» صورة هذه المعاهدة إلى حكومة دولته، وطلب التوقيع عليها. # فلما وصلت صورة المعاهدة إلى «كونيتز» اطمأن من جهة الدولة العلية، وأخذ يهدد الروسيا ~~مؤملا بهذا التهديد حملها على مخابرته في شأن تقسيم الدولة العلية، وقد كان ذلك، وأرسلت ~~الروسيا الكونت «ماسين» حاملا لجملة مشروعات تختص بالدولة العثمانية، ومكلفا من قبل ~~القيصرة بعرضها على «كونيتز»، ومن ضمن المشروعات مشروعان يشتملان على عقد اتحاد بين النمسا ~~والروسيا يكون غرضه الوحيد إخراج الأتراك من أوروبا، وتقسيم الدولة العلية. فالمشروع الأول: ~~يبين صورة تقسيمها بين الدولتين بأن تأخذ النمسا صربيا والبوسنة والهرسك وألبانيا ومقدونيا، ~~ويترك للروسية بقية أملاك الدولة العلية بما فيها الآستانة. وفي المشروع الثاني: تأخذ ~~النمسا الأفلاق وصربيا وبلغاريا والهرسك، وتأخذ الروسيا مقدونيا وألبانيا ورومانيا وقسما ~~عظيما من الأرخبيل وآسيا الصغرى والآستانة، وتأخذ كذلك الروسيا الأراضي الواقعة على شمال ~~الدانوب، وشواطئ البحر الأسود. أما بلاد القرم والمورة فتبقى مستقلة. # والمشروع الثالث: يتضمن بقاء الترك على الشاطئ الشمالي للدانوب، وإعطاء صربيا والبوسنة ~~والهرسك للنمسا، وما على شواطئ البحر الأسود للروسيا، مع استقلال التاتار ... وقدم الكونت ~~«ماسين» غير ذلك مشروعات أخرى تتعلق بتقسيم بولونيا بين الروسيا والنمسا والبروسيا. # وقد اطلعت النمسا على هذه المشروعات كلها، وتباحثت فيها واحدا بعد آخر في وقت كانت تعد ~~فيه متحالفة مع تركيا تحالفا يقتضي رد الروسيا عن أملاك الدولة العلية وبقاء تركيا سليمة ~~كما كانت قبل الحرب والمحافظة على احتلال بولونيا ... # وبينما كانت النمسا تتباحث في هذه المشروعات الغريبة، كان فريدريك الكبير ملك بروسيا يسعى ~~لتقسيم بولونيا مع بقاء مقاطعات الدانوب تحت سلطة الدولة العلية، أي لحل المسألة الشرقية في ~~بولونيا كما قدمنا. # أما الدولة العلية: فقد قامت بما تعهدت به نحو النمسا، وأرسلت إلى حكومة فيينا بتاريخ 25 ~~يوليو سنة 1771 جانبا من مبلغ المليون جنيه الذي فرضته على نفسها، وقد طلبت الدولة العلية ~~جملة مرات التوقيع على معاهدة التحالف، غير أن النمسا كانت تهمل طلب الدولة رغبة ms025 منها في ~~الوصول إلى نوال مآربها وأغراضها بدون حرب وقتال، وقد كانت سياسة «كونيتز» ترمي إلى عقد ~~اتفاق يفيد النمسا فائدة عظمى، إما مع الروسيا ضد تركيا، أو مع تركيا ضد الروسيا؛ فلذلك كان ~~يؤجل كل مرة أمر التوقيع على معاهدة التحالف مع تركيا أملا منه في الوصول إلى عقد اتفاق مع ~~الروسيا يكون أكبر فائدة وأعظم نفعا، وكان يخشى «كونيتز» أنه إذا أمضى على معاهدة الاتحاد ~~مع تركيا تقسم الروسيا والبروسيا بلاد بولونيا بين دولتيهما بدون أن تأخذ النمسا شيئا ~~منها. # ولما رأى كونيتز أن الدولة العلية تلح كثيرا في أمر التوقيع على عهدة التحالف، كتب إلى ~~الحكومة العثمانية بتاريخ 14 أكتوبر سنة 1771 كتاب صدق وإخلاص قال لها فيه: «إن دولته ~~محافظة على عهودها وفية في تحالفها.» ولكنه لم يرسل مع ذلك بالعهدة موقعا عليها. # وفي هذه الأثناء علم سفير إنكلترا بالآستانة اللورد «موري» بأمر المبلغ الذي أرسلته ~~الدولة العلية للنمسا فأخبر سفير دولته في باريس، وهذا أخبر سفير البروسيا بها. فلما علم ~~فريدريك الكبير بهذا الخبر بعث به في الحال إلى القيصر، وكتب إلى سفيره بالآستانة يأمره بأن ~~يرشد وزراء الدولة العلية إلى حقيقة أغراض النمساويين، ويبين لهم أنها تعمل للإضرار بمصالح ~~حكومة جلالة السلطان، وكتب كذلك فريدريك إلى سفيره بباريس يأمره أن يعرض على الوزارة ~~الفرنساوية أن تطلب عقد مؤتمر بالآستانة لعقد الصلح بين الروسيا وتركيا. كل ذلك قصد به ~~فريدريك الكبير أن يظهر النمسا لدول أوروبا بمظهر الدولة الخداعة في ودها الخائنة لعهودها ~~مع تركيا وفرنسا في آن واحد. # وقد كانت الحرب مع تركيا أضعفت الجيوش الروسية كثيرا، وقتالها في بولونيا جعلها في أشد ~~حاجة للراحة والسكينة، فضلا عن أن المال كان ينقص وقتئذ الدولة الروسية، فكتبت «كاترينا» ~~إمبراطورة الروسيا بتاريخ 6 ديسمبر سنة 1771 إلى فريدريك الكبير ملك بروسيا تخبره أنها ~~تنازلت عن مطالبها بشأن «البغدان والأفلاق»، ولكنها تطلب من تركيا التنازل لها عن بعض مدائن ~~منها «بندر» و«أوتشاكوف»، وتعلمه بأنها قبلت تقسيم بولونيا، ms026 وإعطاء البروسيا ما طلبته منها؛ ~~أي بولونيا البروسية و«فارميا»، وتطلب القيصرة مقابل ذلك من ملك بروسيا أن يسير عشرين ألف ~~جندي على مقاطعتي «الأفلاق والبغدان» إذا قامت النمسا بمحاربة الروسيا. # وعند وصول هذا الكتاب إلى فريدريك الكبير ملك البروسيا كان همه موجها إلى تقسيم بولونيا ~~وتوسيع دائرة أملاك بلاده، ففرح غاية الفرح بكتاب القيصرة، وانتهى الأمر باتفاق الروسيا ~~والبروسيا على تقسيم بلاد بولونيا التعسة، وصارت النمسا بهذا الاتفاق بين أمرين: إما الوفاء ~~بالعهد لتركيا وفرنسا ومعارضة مشروع تقسيم بولونيا، وإما الاتفاق مع الروسيا والبروسيا وعدم ~~احترام عهودها نحو تركيا وفرنسا. فاختار كونيتز الأمر الثاني عاملا بالمبدأ السياسي ~~القائل: «بأن لا عهد ولا شرف في السياسة»، ووافق الإمبراطور جوزيف والإمبراطورة ماري ~~تيريزيا والدته على خطة كونيتز، وكان ذلك في أوائل عام 1772. # وفي يوم 28 يناير سنة 1772 كتب «كونيتز» إلى حكومة الروسيا يبلغها قبول النمسا لمشروع ~~تقسيم بولونيا، ولمطالب القيصرة نحو الدولة العلية، مظهرا أمله وأمل حكومته في أن النمسا ~~تأخذ من أملاك الدولة العلية شيئا كما أخذت من بلاد بولونيا، أي أن تقسم الدولة ~~العثمانية كما قسمت بولونيا! # وبذلك يرى القارئ أن النمسا بعد أن تحالفت مع تركيا على أن ترد الروسيا عن أملاكها بواسطة ~~المخابرات السياسية أو بواسطة الحرب وأن تدافع عن استقلال بولونيا، وبعد أن قامت إليها ~~الدولة العلية ما طلبت من المال، عرضت بنفسها على الروسيا والبروسيا في يناير عام 1772 ~~تقسيم بولونيا وتجزئة الدولة العلية! # وهي نتيجة اعترفت «ماري تيريزيا» نفسها بأنها لا تشرف المملكة النمساوية، وقالت عنها في ~~رسائلها السياسية: «إنها سياسة جرت عليها النمسا ضد الشرف، وضد مجد المملكة، وضد الذمة ~~والعقيدة.» # وقد تم اتفاق الروسيا والبروسيا والنمسا على تقسيم بولونيا، وانتهى الأمر بتقسيم هذه ~~المملكة بفضل دسائس الدخلاء، وانقسام أهلها على بعضهم، وذهبت هذه الأمة البولونية الشريفة ~~المشهورة بالوطنية الفائقة والشهامة العظيمة ضحية مطامع الدول الثلاث، وفريسة الدسائس ~~الأجنبية والشقاق الأهلي. # وقد امتنعت الدولة العلية عن إرسال المدد المالي للنمسا لما رأت تلاعبها ms027 معها وتلونها في ~~سياستها، فجعل «كونيتز» عدم إرسال المدد المالي سببا لحل التحالف بين دولته وتركيا! # ولما علمت الدولة العلية بأن الروسيا قابلة لعقد الصلح بدون استيلائها على مقاطعتي ~~«البغدان والأفلاق» رضيت بالصلح، وعقدت مع حكومة الروسيا هدنة بتاريخ 10 يونيو سنة 1772، ~~واتفق رجال الدولتين على اجتماع مندوبين من قبليهما بمدينة «فوكتشاني» للمناقشة في شروط ~~الصلح، فاجتمع المندوبون، ولبثوا مجتمعين عشرين يوما اتفقوا فيها على سائر الشروط إلا ~~على شرط استقلال الترتار. فقد طلب مندوبو تركيا بقاء الترتار تحت سلطة الدولة العلية؛ لأن ~~جلالة السلطان بصفته خليفة المسلمين لا يمكنه التنازل عن السلطة عليهم. فرفض الروسيون هذا ~~الطلب وبذلك انحل المؤتمر، وبعد انحلاله بزمن عرضت الروسيا على الدولة العلية عقد مؤتمر آخر ~~فقبلت الدولة وعقد المؤتمر بمدينة «بوخارست» بعد أن عقدت هدنة ثانية جعل آخر أجلها 21 ~~مارس سنة 1773، وقد اتفق مندوبو الروسيا وتركيا في هذا المؤتمر على مسألة الترتار، فرضيت ~~الروسيا ببقائهم تحت سلطة جلالة السلطان، ولكنها طلبت من تركيا التنازل لها عن «كرتش» و«يني ~~قلعة»، فلم تقبل تركيا ذلك، وانحل هذا المؤتمر أيضا - كما انحل المؤتمر الأول بغير نتيجة - ~~في أوائل يناير 1773. # وقد عادت المخابرات مرة أخرى بين الدولتين بتاريخ 15 فبراير سنة 1773 ولكن الاتفاق كان ~~مستحيلا؛ لأن الروسيا كانت تطالب بعزم ثابت بكرتش ويني قلعه، وساسة الدولة العلية كانوا ~~يرفضون طلب الروسيا أشد الرفض؛ لأنهم كانوا يرون - والحق معهم - أن أخذ هذين الموقعين يجعل ~~الآستانة في خطر مستمر من جهة الروسيا؛ ولذلك أقفل باب المخابرات، وعادت الحرب بين ~~الدولتين، فأمرت القيصرة «رومانتسوف» جنرال الجيش الروسي بأن يسير وراء الدانوب، ويحمل على ~~العثمانيين، فسار بأمرها الجيش الروسي يوم 13 يونيو سنة 1773، وحمل على «سيليستريا» - وهي ~~مدينة ببلاد البلغار - ولكن الجيش العثماني انتصر عليه انتصارا عظيما، وقطع عليه خط ~~الرجعة حتى فقد الجيش الروسي معظم رجاله، فقام عندئذ الجنرال فيسمان الروسي بعمل جملة ~~مناورات اضطرت الأتراك للرجوع إلى الوراء، وقد مات في هذه المناورات الجنرال فيسمان نفسه، ~~ولكنه ms028 أعاد للجيش الروسي بعض قوته. # وقد رأت الروسيا عندئذ أن مصلحتها تقضي عليها بعقد الصلح مع الدولة العلية، خصوصا وأن ~~جيوشها انهزمت هزيمة شديدة بالقرب من «وارنا»، وأن أهل القرم أظهروا ميلهم للانضمام مع ~~جلالة السلطان ضد الروسيا، فضلا عن أن ثورة أهلية قامت في الروسيا تحت قيادة رجل اسمه ~~«بوجاتشيف» كانت تهدد القيصرة وملكها؛ فلذلك طلبت الروسيا من النمسا التوسط بينها وبين ~~الدولة العلية في أمر الصلح مقابل جزء تعطاه من أملاك تركيا نفسها. # وفي ذلك الحين توفي المرحوم السلطان «مصطفى الثالث»، وتولى بعده السلطان «عبد الحميد ~~الأول» فأمر باستمرار الحرب، ولكنها عادت بخسائر جمة على الدولة؛ لأن الجيش كان غير مستعد ~~للقتال بعد الحروب الطويلة التي قام بها، فاضطر الصدر الأعظم إلى عرض الصلح على الجنرال ~~«رومانتسوف»، وتم الاتفاق بينهما في 10 يوليو سنة 1774، وأمضيا بعد ذلك في 21 يوليو سنة ~~1774 على عهدة الصلح بمدينة «كوتشك قاينارجه»، وهي أشهر عهدة أمضت عليها الدولة العلية ~~والحجر الأول للمسألة الشرقية، وعنوان النزاع بين المسيحية والإسلام، وأصل الحروب الطويلة ~~التي وجهت ضد الدولة في القرن التاسع عشر والأزمات الشداد التي وقعت فيها. # وشروط هذه المعاهدة: أن الدولة العلية تتنازل للروسيا عن الكاباردا، وتضع مقاطعات الدانوب ~~تحت حمايتها، وتعلن استقلال بلاد القرم تحت ضمانتها، وتتنازل لها عن «أزوف» «وكرتش» و«يني ~~قلعة» وتعطيها حق الملاحة في البحر الأسود، وشبه حماية معنوية على رعايا الدولة العلية ~~المسيحيين عموما والأرثوذكسيين منهم خصوصا. # وهذا الشرط الأخير كان ولا يزال آفة الدولة العلية في علاقاتها مع دول أوروبا، فكلها ~~تتداخل في شئون الدولة باسم المسيحية، وإذا قامت الحرب بينها وبين إحدى الدول كانت العلة ~~المسيحية وحقوقها، وأن سياسة الروسيا مع الدولة العلية في القرن الثامن عشر كانت كسياستها ~~مع مملكة بولونيا التعسة، تخلق لنفسها حزبا في قلب المملكة يخلق لها الاضطرابات والمشاكل ~~عند الحاجة؛ لتتداخل في شئون المملكة الداخلية باسم هذا الحزب وبحجة نصرته، ولكن هذه ~~السياسة التي أفلحت في بولونيا تماما بفضل النمسا والبروسيا لم ms029 تفلح في تركيا تماما كما ~~كانت تؤمله الروسيا؛ لما عند العثمانيين من الشهامة الحقيقية، ولما لجيشهم من القوة ~~الهائلة، ولما بين الدول الأوربية من الشقاق والاختلاف بشأن أمور تركيا ومسائل ~~الشرق. # أما النمسا: فقد انتهزت فرصة اشتغال الروسيا وتركيا بأمر الصلح، ووضعت يدها على جزء مهم ~~من البغدان، وعرضت على الروسيا مقابل ذلك مشروعا يتضمن تحالفها معها ضد الدولة ~~العلية! # ولم توقع الحكومة العثمانية نهائيا على معاهدة «قاينارجه» إلا يوم 24 يناير ~~سنة 1775. # ولم يمض على هذه المعاهدة زمن يسير حتى أحدثت الروسيا في بلاد القرم الاضطرابات بفضل ~~الدخلاء العاملين بأمرها، وأرسلت جيشا جرارا إلى داخل البلاد بدعوى تسكين الاضطرابات، ~~ولكن غرضها الحقيقي كان الاستيلاء على بلاد القرم، وبالفعل استولت عليها، وظهر للعيان أن ~~الروسيا إنما كانت تعمل لإخراج هذه البلاد من حوزة الدولة العلية، وأن بذل جهدها في سبيل ~~إعلان استقلالها لم يكن إلا ليسهل لها الاستيلاء عليها، وقد احتجت الدولة العلية ضد هذا ~~العمل المخالف لشروط معاهدة «قاينارجه» وأرادت إعلان الحرب ضد الروسيا، ولكنها رجعت عن ~~عزمها بنصائح فرنسا التي كانت تعلم أن الروسيا والنمسا متفقتان على تقويض أركان السلطنة ~~العثمانية. # ولكن الروسيا كانت تبذل أقصى جهد للوصول إلى إعلان الحرب بينها وبين تركيا، فأرسلت ~~مبعوثين من عندها؛ لتهييج بلاد اليونان والأفلاق والبغدان ضد السلطنة السنية، ونشرت ~~الجواسيس في أنحاء الدولة العلية؛ ليحدثوا فيها القلاقل، ويخلقوا الاضطرابات. فلما رأت ~~الدولة العلية ذلك، وأن لا مناص لها من الحرب طلبت من سفير الروسيا بالآستانة أن يخابر ~~دولته في تسليم حاكم الأفلاق الذي عصى أمر الدولة والتجأ إلى الروسيا، وفي عزل قناصل ~~الروسيا المهيجين للأهالي في بلاد الدولة، وفي منح الدولة العلية حق تفتيش مراكب الروسيا ~~التجارية التي تمر من بوغاز الآستانة. # فرفضت الروسيا هذه الطلبات، وكان ذلك الرفض إعلانا للحرب بينها وبين الدولة ~~العلية. # ولما كانت النمسا متفقة مع الروسيا على مساعدتها ضد تركيا، أرسل جوزيف الثاني إمبراطور ~~النمسا جيشا عظيما لمحاربة الأتراك والاستيلاء على مدينة «بلغراد» فانهزم جيشه ms030 أمام ~~العثمانيين، واضطر للعودة إلى مدينة «تمسوار» ببلاد المجر حيث اقتفى أثره الجيش التركي ~~وهزمه هزيمة عظيمة. # أما الجيش الروسي، فقد استولى في هذه الأثناء على مدينة «أوزي» وبينما الجيش العثماني ~~يقاوم جيش الروسيا والنمسا إذ مات المرحوم السلطان «عبد الحميد الأول» في 7 أبريل سنة 1789، ~~وتولى بعده السلطان الغازي «سليم خان الثالث» حيث أمور الدولة مرتبكة والحرب قائمة على قدم ~~وساق، وقد انتهز الروسيون فرصة انتقال الملك في الدولة العلية، واتحدوا مع النمساويين في ~~الحركات العسكرية، وتولى القيادة العامة قائد واحد، فانتصر الجيشان على جيش الدولة، واستولى ~~الروسيون على مدينة «بندر» واحتلوا جزءا عظيما من بلاد الأفلاق والبغدان وبسرابيا، ودخل ~~النمساويون بلاد الصرب ومدينة بلغراد. # وقد مات حين ذاك جوزيف الثاني إمبراطور النمسا، وعقبه على سرير المملكة النمساوية ليوبولد ~~الثاني، فسعى في عقد الصلح مع الدولة العلية تخوفا من قيام النمساويين بالثورة ضده ~~تقليدا للأمة الفرنسوية التي كانت ثائرة وقتئذ ثورتها الأولى الكبيرة ضد لويس السادس عشر. ~~فعقدت عهدة بين النمسا والدولة العلية في أغسطس سنة 1791 بمدينة «زشتوي» وقد ردت النمسا إلى ~~الدولة العلية بمقتضى هذه المعاهدة بلاد الصرب وبلغراد التي كانت في قبضتها، ولم تخسر ~~الدولة العلية من هذه الحرب مع النمسا خسارة تذكر. # أما الروسيا: فقد استمرت بمفردها على محاربة الدولة العلية حتى توسطت بينهما البروسيا ~~وإنكلترا وهولاندا، فأمضيت بينهما معاهدة بمدينة «ياش» أخذت الروسيا بمقتضاها بلاد القرم ~~نهائيا وبساربيا والبلاد الواقعة بين نهري بوج دينستر ومدينة «أوتشاكوف». # وبذلك انتهت هذه الأزمة الشديدة التي جاءت في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت عنوانا ~~لأزمات شداد توالت بعد بعضها في القرن التاسع عشر. نأتي عليها الواحدة بعد الأخرى. # | المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر # ليس غرضنا أن نأتي في هذا الفصل على تاريخ الدولة العلية في القرن الحاضر، بل على أشهر ~~وأهم أزمات المسألة الشرقية؛ فلذلك نهمل الحوادث الصغار، ونفصل الأزمات الشداد أزمة بعد ~~أخرى. ~~(1) الأزمة الأولى: استقلال اليونان # كل من قرأ تاريخ الدولة العلية يعلم أن المرحوم ms031 السلطان الغازي «محمد الثاني» لما فتح ~~الآستانة أمن الناس على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم على أموالهم وأرواحهم ودياناتهم ~~وتقاليدهم، حيث اتبع أوامر الشرع الشريف ونشر راية الاعتدال الديني، فنال اليونانيون من ~~هذه المعاملة الحسنة ما لم يكن يخطر لهم على بال من السعادة والرفاهية، ورأوا من سلطان ~~آل عثمان إكراما لهم واحتراما لدينهم ولرجال دينهم، حتى إنه لما انتخب بطريرقهم بعد ~~فتح الآستانة قال له المرحوم السلطان محمد الثاني: «كن بطريرقا لليونان والله يحميك، ~~وفي كل الأحوال والظروف اعتمد على مساعدتي، وتمتع بكل الامتيازات التي كانت لأسلافك من ~~قبل.» # وقد كانت هذه المعاملة الإسلامية فريدة في نوعها، غريبة في بابها، فإن الكاثوليكيين ~~أنفسهم كانوا يعاملون اليونانيين بالاحتقار والازدراء، ويستحيل على المؤرخين أن ينكروا ~~على محمد الفاتح وعلى المسلمين هذه الصفات العالية والمكارم الجليلة التي ظهرت في ~~الآستانة بعد الفتح كشمس تبدد الظلمات، وآية من أكبر آيات الدين الإسلامي ~~الباهر. # وقد أدى هذا الاعتدال الديني إلى نمو التجارة في أيدي اليونانيين، فصاروا بفضل الدولة ~~العلية وبفضل تساهلها الديني أغنياء أثرياء عائشين في أتم الراحة والهناء، ولكنهم لم ~~يحفظوا للدولة العلية عهدا ولم يرعوا لها نعمة، بل أنكروا المعروف والجميل، وصاروا في ~~الصف الأول من أرباب الدسائس العاملين ضد السلطنة العثمانية، وأضر الآلات لأعداء الدولة ~~في قلبها. # وقد بلغت ثقة الدولة العلية برعاياها على اختلاف دياناتهم وأجناسهم وحسن نواياها نحو ~~المسيحيين المحكومين بها أنها عينت لمقاطعات صربيا والأفلاق والبغدان حكاما من ~~اليونانيين مؤملة أنهم يخدمونها بصدق وأمانة كما أكرمتهم وأكرمت أمتهم، فكانوا الأعداء ~~الألداء في ثياب الأصدقاء الأمناء، وعوضا عن أن يقوموا بالواجب عليهم نحو دولة رفعتهم ~~إلى أسمى المناصب استعملوا سلطتهم ونفوذهم في تهييج أهالي هذه البلاد ضد الدولة العلية، ~~وإلقاء بذور الثورات والاضطرابات فيها. ~~••• # وقد أسس المهيجون من اليونانيين جمعية في بلاد الروسيا اسمها «هيتري» - أي الجمعية ~~اليونانية الوطنية - غرضها: استقلال اليونان والانتقام من الدين الإسلامي، وقد ساعد ~~القيصر هذه الجمعية كل المساعدة؛ فأخذت تنمو وتنتشر، وأخذ الكثير من أعضائها يقتلون ms032 ~~ويسلبون باسمها وبدعوى المطالبة باستقلال اليونان، وكان «إسكندر إيبسيلانتي» و«ديمتريوس ~~إيبسيلانتي» أهم أعضاء الهيتري في خدمة القيصر الشخصية، وكان «كابوديستريا» زعيم الثورة ~~اليونانية أحد وزراء القيصر إسكندر الأول. # وكان ابتداء الثورة اليونانية دخول «إيبسيلانتي» في المقاطعات اليونانية في عام 1821 ~~محرضا على الثورة بلاد اليونان كلها، وقد اعتبر هذا العمل بإيعاز من الروسيا، وكان من ~~البديهيات أن «إيبسيلانتي» الذي كان ضابطا بمعية القيصر عمل ما عمل بأمر القيصر أو ~~برضاه، وقد أتى «إيبسيلانتي» نفسه بما يدل على ذلك حيث كتب في دعوته للثورة: «وإذا ~~اعتدى أحد من الأتراك على أراضي بلادكم فلا تخشوا له بأسا؛ فإن دولة عظيمة مستعدة ~~لمعاقبة المعتدين عليكم.» # ولم يكن بين دول أوروبا دولة تعارض هذه الحركة اليونانية مثل دولة النمسا، فإنها كانت ~~تحيط الباب العالي علما بكل دسائس ثورويي اليونان، وبكل تشجيعات الروسيا لهم وأعمالها ~~السرية. # أما إنكلترا فكانت خطتها في بادئ الأمر التظاهر بمساعدة تركيا ضد الروسيا، ومقاومة ~~الحركة اليونانية أشد المقاومة، ولكن الدولة العلية أظهرت شكها في نوايا بريطانيا؛ ~~لعلمها بطمعها وجشعها وكراهتها الحقيقية للإسلام. خصوصا وأن سوء قصدها كان قد ظهر ~~باستيلائها على الجزائر اليونانية، وقد جاءت الأيام مبرهنة بأسطع برهان على أن الدولة ~~العلية كانت مصيبة في سوء ظنها بالإنكليز، فقد انقلبت إنكلترا في مسألة الثورة ~~اليونانية ضد الدولة العلية كل الانقلاب، وغيرت كراهتها الأولى لليونانيين بالمحبة ~~العلنية والمساعدة الظاهرة. # ولما علمت النمسا بأعمال الروسيا ومساعداتها لليونانيين بذل وزيرها الأول «مترنيخ» ~~الشهير أقصى جهده لدى القيصر إسكندر الأول؛ ليعيد السكون إلى بلاد اليونان، ويأمر ~~الثورويين بعدم القيام في وجه حكومة المرحوم السلطان محمود، والامتثال والخضوع لأوامر ~~الدولة، وقد أظهر مترنيخ للقيصر إسكندر الأول مقدار الخطر الذي ينتج عن اشتعال نار ~~الفتنة والثورة في بلاد اليونان مبينا له أن تعضيده لثورة اليونان يكون داعيا لانتشار ~~الثورة في كل أنحاء أوروبا ضد الملوك، فأثرت هذه الأقوال على القيصر إسكندر الأول، ~~وأعلن رسميا غضبه وسخطه على إيبسيلانتي، ووجه ملامه لليونانيين ناصحا لهم بالسكينة ~~والانصياع ms033 لحكم الدولة العلية. # ولكن هذه التصريحات العلنية لم تكن إلا ترضية وقتية للنمسا التي كانت مضطربة ~~الأحوال؛ لاشتغالها بقمع الثورة الإيطالية التي قامت وقتئذ في وجهها، ولم يرجع القيصر ~~إسكندر الأول عن عزمه؛ بل صار يتظاهر علنا بمحبة السلم والميل إلى الإنصاف مع الدولة ~~العلية، وهو يكمن لها في الباطن السوء والضرر منتظرا الفرص المناسبة . # أما إيبسيلانتي فقد هزمته الدولة هو ورجاله شر هزيمة، واضطر إلى الهروب في ~~ترانسلفانيا حيث قبضت عليه النمسا وسجنته لغاية عام 1827، وقد أسس ثوار اليونان بالرغم ~~عن سقوط إيبسيلانتي في قبضة النمسا مجالس أهلية ومجلسا عموميا لهم كبرلمان ~~يوناني. ~~••• # وما انتشر في أوروبا خبر قيام اليونانيين بالثورة ضد الدولة العلية حتى تظاهر ~~الكثيرون من الكتاب والشعراء بتعضيدهم والانتصار لثورتهم ضد المسلمين، وأول من جاهر ~~بالانتصار لليونانيين وبالنداء باستقلالهم هو اللورد «بيرون» الشاعر الإنكليزي. فقد ~~هاجر من بلاده، وعاش غريبا ينشد مجد اليونان السالف، وينادي أوروبا بمساعدة أبناء ~~اليونان ونصرتهم، وقد أثرت كتاباته وأشعاره في أغلب بلاد أوروبا، وجرى على سنته الكثير ~~من شعراء فرنسا وكتابها، وفي مقدمتهم «فيكتور هوجو» الشاعر الشهير، وأسست اللجان ~~المختلفة في فرنسا وإنكلترا لمساعدة اليونانيين بالمال والرجال، وسافر المتطوعون من كل ~~بلد في أوروبا ومن كل جانب. # وقد قامت الحركة كلها في بلاد أوروبا باسم معارف اليونان وأنوارها القديمة وباسم ~~الدين المسيحي، فكنت تجد الكتاب الذين لا دين لهم ولا عقيدة في أفئدتهم يدافعون عن ~~اليونانيين باسم الدين المسيحي، ويوجهون إلى الإسلام أقبح السباب وأدنى الشتائم. # وكان أنصار اليونانيين يحسبونهم كآبائهم الأولين متى نالوا حريتهم واستقلالهم؛ بزغت ~~شموس المعارف والآداب والفلسفة من بلادهم، وعادت أتينا مشرقا لأنوار الحكمة والعرفان، ~~والذين كانوا ينتصرون لليونانيين مؤملين هذا الأمل كانوا إما متعصبين في الدين ضد ~~المسلمين يحملهم بغضهم على اعتقاد فاسد كهذا، أو كانوا سليمي النية، فلقد برهن ~~اليونانيون بعد استقلالهم على أن بينهم وبين اليونانيين القدماء بونا بعيدا وفرقا ~~عظيما. # ولا ريب أن أولئك الذين كانوا ينتظرون شروق أنوار الحكمة والفلسفة العالية من ms034 أبناء ~~أتينا الحاليين تحسروا طويلا، واندهشوا منتهى الاندهاش من خطئهم في آمالهم هذا الخطأ ~~الكبير، واعتدائهم بغير حق على السلطنة السنية التي كانوا يقولون عنها إنها المانعة ~~لترقي اليونان، والواقفة في سبيل شروق شموس الحكمة والعرفان من «أتينا». # ومن الغريب أن أغلب أنصار اليونانيين إن لم نقل كلهم كانوا يجهلون تمام الجهل بلاد ~~اليونان وأهلها ، على أنهم لو كانوا أرسلوا بعض الوفود لزيارة هذه البلاد والوقوف على ~~حقيقتها وحقيقة أهلها، لكانوا أدركوا أنهم مخطئون خطأ كبيرا، وأن آمالهم البعيدة حلم ~~لا حقيقة له، ويستحيل أن يكون له وجود. # وقد أنصف بعض الكتاب الأوروبيين الدولة العلية، وأظهروا للعالم المتمدن الحقيقة التي ~~لا مراء فيها، وفضحوا أعمال اليونانيين حتى خجل أنصارهم، وفي مقدمة هؤلاء الكتاب ~~الفضلاء «ألفريد لميتر» الفرنساوي، فقد وضع كتابا على استقلال اليونان، كشف فيه الغطاء ~~عن أمور عديدة تشرف الدولة العلية وترفع من مقامها أمام التاريخ، وتشهر أكاذيب أنصار ~~اليونان الجمة. # ومن المستندات الرسمية العديدة التي أوردها حضرة المؤلف السالف الذكر؛ عريضة رفعها ~~جماعة من الفرنسويين كانوا سافروا إلى بلاد اليونان لنصرة الثائرين فيها إلى أميرال ~~البحرية الفرنساوية بالبحر الأبيض المتوسط يسألونه فيها أن يردهم إلى فرنسا، وهذه ~~العريضة تترجم للقارئ عن الحقيقة، وعن أكاذيب أنصار اليونان، وقد جاء فيها: «وقد وصفوا ~~لنا اليونانيين قبل سفرنا من فرنسا بشجعان وأبطال يفوقون آباءهم الأولين شهامة ومجدا، ~~فما وجدنا هنا إلا رجالا يحملهم حب المال على حب الجرائم، وأناسا لا يزالون في ~~ظلمات الجهالة والوحشية.» # وقد كتب القومندان «بوجول» في مذكراته عن ثورة اليونان بتاريخ 22 ديسمبر سنة 1827 ما تعريبه: # وقد جئت الشرق وأنا من أكبر أنصار هذه الأمة «اليونانية» ولم يتغير اعتقادي ~~فيها وإحساسي نحوها إلا بالتجربة؛ فهي مجردة عن الوطنية والشجاعة والاتحاد، ~~وهم كل رئيس من رؤسائها أن يكون غنيا، وقد بلغت الفوضى حدها في بلاد اليونان، ~~وأغلب أعضاء حكومتها - وكلهم محتقرون أشد الاحتقار - معروفون من الجميع بأنهم ~~المسلحون للصوص البحار، ولولا تداخل الدول لخضع اليونانيين جميعا هذا ms035 العام، ~~واعترافا بالجميل نحو أمم أوروبا لا يزال اللصوص اليونانيون يعتدون على تجارة ~~هذه الأمم نفسها! # وكتب الأمير «ريني» أميرال الأساطيل الفرنساوية بالبحر الأبيض المتوسط من أزمير ~~بتاريخ 23 مارس سنة 1826 ما تعريبه: # لقد تغش أوروبا بشأن كل ما يختص بثورة اليونانيين ضد تركيا؛ فقد تنقص ~~المستندات الرسمية، وليس من عادة الأتراك أن ينشروها، والتقارير اليونانية ليست ~~إلا مراسلات خصوصية تجسم فيها الأمور وتمر على «زانت» و«كورفو» والنمسا قبل ~~أن تلونها الجرائد في لوندرة وباريس بالألوان الساطعة البهية، ولكنها في أغلب ~~الأحيان ألوان كذابة، ولا شك أن هذا هو اللازم للتأثير على أفكار العالم، ولكن ~~هذا لا يكفي لإنارة أفكار الذين يقودون زمام الأمور. # وقد انتهز اليونانيون فرصة قيام «علي باشا» والي يانيه ضد الدولة العلية؛ لإحداث ~~الاضطرابات والهيجان في كل أنحاء بلاد اليونان، فقد طغى هذا الباشا، وعصى الدولة ~~العلية، وأراد الاستقلال والخروج من تحت السلطة الشرعية؛ فصار يعمل لاستمالة اليونانيين ~~إليه ضد الدولة العثمانية، ولكن أطماعه الشديدة وأخلاقه الشرسة أكثرت من أعدائه بالرغم ~~من تملقه لليونانيين ونفاقه. # وسبب عصيانه على الدولة: أن إسماعيل باشا أكبر أصدقائه وأول المقربين إليه وقع بينه ~~وبينه خلاف شديد أدى إلى هروب إسماعيل باشا إلى الآستانة حيث تعين فيها بالحرس ~~السلطاني، وأبلغ رجال الدولة أعمال هذا الرجل وسوء نواياه، فقررت الدولة عزل ابنه الذي ~~كان حاكما لتساليا؛ فاغتاظ علي باشا من ذلك وأرسل أحد أتباعه من الألبانيين إلى ~~الآستانة لقتل إسماعيل باشا، وبالفعل قتله هذا الألباني عند ذهابه للصلاة. # وقد علمت الدولة وقتئذ بأن الإنكليز يشجعون علي باشا على رفع لواء العصيان ضد ~~الدولة العلية، ووقفت على كل مراسلاته مع اليونانيين، فامتلأت غيظا منه، واعتبر ~~خائنا للدولة والملة، وأصدر شيخ الإسلام منشورا للمسلمين باعتباره خارجا على الدولة ~~كافرا بنعمتها. # وقد أمرته الدولة بالحضور إلى الآستانة في ظرف أربعين يوما، فخالف أمرها، وصمم على ~~معاداتها، والقيام في وجهها، وصار يجتهد في استمالة المسلمين إليه، فلما لم يفلح لأنهم ~~جميعا اعتبروه خائنا وخارجا من ms036 دين الإسلام مال إلى اليونانيين، وصار يتقرب منهم ~~ويستنصر بهم ضد الدولة، ويوزع الأموال عليهم، ولما أراد الانتفاع بهذا الود سألهم ~~بتاريخ 24 مايو سنة 1820 تكوين جيش ينصره ضد الدولة، ولكن اليونانيين الذين كانوا ~~يعرفون أخذ الأموال وسماع المدائح وبدائع الأقوال من هذا الطاغية كانوا يعرفون من ~~أنفسهم أنهم عاجزون عن تقديم الأسلحة والرجال، فلم يجيبوا للعاصي طلبا، ولم يلبوا له ~~نداء؛ بل بقي يناديهم وهم صامتون حتى اقترب منه الجيش العثماني، فلم يجد له مخرجا من ~~ورطته إلا حرق مدينة «يانينا» والالتجاء إلى جزيرة كان بنى فيها قلعة حصينة جمع فيها ~~كل ذخائره وأمواله. # وقد كان يقود الجيش العثماني ضده خورشيد باشا حاكم المورة، فوصل بمهارته وحكمته إلى ~~دخول القلعة التي كان ملتجئا إليها هذا المتمرد، ولما لم يجد علي باشا لنفسه سبيلا ~~غير التسليم، سلم نفسه لخورشيد باشا الذين أنفذ أمر الدولة بقتله عقابا على تمرده ~~وعصيانه، وفي أوائل فبراير سنة 1822 أرسل برأسه إلى الآستانة؛ لتعلق في مكان عام ~~إنذارا لكل عدو للدولة ولكل خائن. ~~••• # وقد انتهز اليونانيون فرصة عصيان علي باشا والي يانينا، وأخذوا يسلبون وينهبون في كل ~~أنحاء اليونان، وجعلوا المورة منبع الثورات والاضطرابات؛ لخلوها من العدد الكافي من ~~الجنود العثمانية، وفي 5 مارس 1821 دخل من يدعى «كارافيا»، وهو يوناني تعلم الجندية في ~~الروسيا في ميناء «جالاتز» - وهو ميناء من رومانيا على الدانوب - وهجم على قلعتها ~~برجاله العديدين حيث نهبوا وسلبوا وقتلوا من في المدينة كلها، وأسالوا الدماء وخربوا ~~المنازل، وقد أشاع اليونانيون عندئذ في كل أصقاع العالم أن ما أتوه في هذا الميناء ~~الصغير الذي لا يكاد يوجد به جنود يعد انتصارا كبيرا على الدولة العثمانية وعملا ~~عظيما، وهاج كذلك أعضاء الهيتري بمدينة «ياسي» واحتالوا على حرسها، وكان مكونا من ~~خمسين رجلا، فأفهموهم أن الأهالي عازمون على الثورة وقطع دابر الأتراك، ولكنهم إن ~~تجردوا من أسلحتهم وبنادقهم توطد الأمن في المدينة، وعادت الأمور إلى السكينة والسلام، ~~فاغتر رئيس الحرس، وظن أن أعضاء ms037 الهيتري صادقون في أقوالهم، فأجاب طلبهم وأمر الجنود ~~بالتجرد من السلاح والذخائر الحربية، فقابل اليونانيون هذا العمل بأن نشروا لواء النهب ~~والسلب في المدينة، ورفعوا راية الفتك بالمسلمين، فقتلوا الكثير منهم بلا تمييز بين ~~الرجال والنساء والأطفال، ولما جاء «إيبسيلانتي» زعيم جمعية الهيتري استحسن هذه الفظائع ~~والمنكرات، ووافق عليها باسم الانتقام من الإسلام والمطالبة بالحرية. # وقد كانت جمعية الهيتري تهدد الأغنياء من اليونانيين بالقتل إن لما يساعدوها بالمال - ~~وقد اتبعت هذه الخطة نفسها جمعية ثوار الأرمن مع أغنياء الطائفة الأرمنية - وحصل أن ~~«إيبسيلانتي» المذكور لما جاء مدينة «ياسي» علم بوجود يوناني عظيم الثروة اسمه «بول ~~أندرياس» فألقى القبض عليه بدعوى أنه اختلس أموالا كثيرة من أموال الهيتري، فأدرك ~~الرجل أن هذه التهمة ألقيت عليه ليقدم لإيبسيلانتي شيئا من المال، ففعل ذلك وكان في ~~فعله نجاته. # وقد أحدثت هذه الفظائع التي جرت في «ياسي» في كل بلاد اليونان فرحا شديدا، واشتاقت ~~نفوس أهاليها للسلب والنهب، وذبح المسلمين باسم الحرية والدين! # وقد يجد الإنسان في بعض الكتب المنتصر أصحابها لليونان فصولا طويلة على هذه المذابح ~~المختلفة والجرائم العديدة، ومن هذه المؤلفات أشهرها مؤلف المسيو «بوكفيل» المسمى «محطة ~~الشرق» فقد جاء بالرغم عن شدة تعصب المؤلف ضد المسلمين بحقائق يخجل منها كل إنسان يحترم ~~الإنسانية ويحبها. # ولما كانت المورة كما قدمنا منبعا للثورات والاضطرابات، حاصر اليونانيون مدينة ~~«مونبازيا» فقاوم أهلها الحصار طويلا حتى فقدوا كل الذخائر والمأكولات، وكان يقود ~~اليونانيين وقتئذ «ديمتريوس إيبسيلانتي» فاستعمل الخداع للاستيلاء على هذه المدينة، ~~وأعلن أهلها بأنه يحترم أملاكهم وأموالهم ويحترم قبل كل شيء أرواحهم إذا سلموا المدينة، ~~وأنه يساعدهم على الرحيل منها إذا أرادوا ذلك. فصدق أهل هذه المدينة الشقية كلام ~~«إيبسيلانتي» وسلموا القلعة والأسلحة، فدخل اليونانيون المدينة وأول شيء قاموا به هو ~~أنهم لم يحترموا لرئيسهم قولا ولا عهدا؛ بل هتكوا الأعراض، ونهبوا الأموال، وقتلوا ~~النساء والأطفال قبل الرجال. # وإنه ليسهل على القارئ أن يتمثل قوما لا سلاح بأيديهم ولا قوة تحميهم، يهجم عليهم ~~جماعة من ms038 أشرار اليونانيين وهم متسلحون بأنواع السلاح، ويتمثل مناظر المعارك الدموية ~~التي تجري بينهم، ودفاع الموت الذي يدافع به المسلمون عن نسائهم وأطفالهم. # وقد كتب الكونتر أميرال الفرنساوي «هالجان» في عام 1821 تقريرا عن دخول اليونانيين ~~إلى «مونبازيا» جاء فيه: # وقد وجد في قلعة مونمبازيا ثلاثمائة يوناني لم يكتف الأتراك أيام الحصار ~~بمعاملتهم بالحسنى، بل عاملوهم كإخوتهم الحقيقيين أثناء المجاعة، واحترموا ~~كنائسهم كل الاحترام، ولكن يونانيو المورة لم يعاملوا الأتراك بنفس هذه ~~المعاملة عندما أخذوا المدينة، بل أتوا بأشنع القبائح وأفظعها في مساجد ~~الأتراك. # أما المسجونون فقد أرسلوا بغير زاد إلى «كاسوميس»، ووجدت على الأرض ~~العائلات الإسلامية التعسة تنازع نزاع الموت من الجوع والعطش، وهي نائمة على ~~الأحجار، وحوالي الجزيرة وجدت جثث القتلى، وبالرغم من ذلك كله فقد أراد ~~اليونانيون ضرب هاته العائلات بالرصاص، ولم تنج من أيديهم إلا بفضل المسيو ~~«دي بونفور» الذي هدد اليونانيين، وأخذ كل الأتراك الموجودين بهذه الجهة في ~~سفينة مخاطبا ضباط اليونانيين بأن ما عملوه هم ورجالهم لا يأتي به إلا لصوص ~~البحار! # وهذا التقرير وحده يشهد بأبدع بيان على أن أنصار اليونان في أوروبا كذبوا على العالم ~~كله الأكاذيب الشنيعة، وأن الجرائم والفظائع الدموية التي جرت في بلاد اليونان لم يأتها ~~إلا اليونانيون ضد المسلمين. # وإن الفيلسوف ليقف مندهشا أمام هذه الدنايا والجرائم، ويعجب كيف أن شعراء أوروبا ~~وكتابها كانوا ينتصرون لقوم لا تتغذى أرواحهم إلا بذبح الأبرياء، ولا تستريح نفوسهم ~~إلا إلى الجرائم. فهل كان ينتظر شعراء أوروبا وكتابها من هؤلاء القوم الذين كتب عنهم ~~ضباط أوروبا نفسها، وبعض من أفاضل كتابها ما قرأه القارئ أن يعيدوا لربوع اليونان مجدها ~~السالف، وأن يردوا للوجود أتينا مشرقا لأنوار الحكمة والعرفان؟! # وقد استولى ثوار اليونان في 19 أغسطس سنة 1821 على مدينة «ناورين» الشهيرة، وأتوا ~~فيها من الفظائع ما لم تره عين ولم تسمع به أذن. # وكتب عن هذه الفظائع القس الأرثوذكسي «فرانتزيس» ما ترجمته: # وكانت البنات التي تريد الهروب من أيدي القتلة تجري نحو شاطئ ms039 البحر وعلى ~~أجسادها أثر الرصاص، ومع ذلك كانت ترمى وتقتل، وكانت النساء يحمل أكثرهن ~~الأطفال على الذراع فيمزق المعتدون ملابسهن، والتي كانت تلقي بنفسها إلى البحر ~~لتستر عورتها كانت ترمى كذلك بالرصاص وتقتل، وقد هشمت رءوس بعض الأطفال ~~الذين اختطفوا من أمهاتهم، وألقى اليونانيون في عميق البحار بناتا وأطفالا لم ~~يتجاوز أغلبهم الرابعة أو الخامسة من العمر كأنهم قطع من لحوم الكلاب. # وفي 5 أكتوبر نفسها استولى ثوار اليونان بعد حصار طويل على مدينة «تريبوليتزا»، وإنه ~~يستحيل على كاتب شرقي أو غربي مهما كانت بلاغته وقوة إنشائه وعظيم تأثيره أن يصف ~~المذابح الهائلة البهيمية - أو التي لا اسم لها - التي أتاها اليونانيون، بل يكفي ~~القارئ أن يعلم أن اليونانيين ذبحوا في «تريبوليتزا» ثمانية آلاف من الرجال، وفوق ذلك ~~من النساء، وأن المذابح استمرت ثلاثة أيام كاملات، حتى فسد الجو وتغير الهواء، وانتشر ~~من بعدها الوباء حيث عم كل بلاد اليونان، وجاء من المنتقم الجبار منتقما للأبرياء ~~الشهداء من الظالمين المجرمين السافكين للدماء. # وقد كتب أغلب كتاب أوروبا إلا من أعماهم الغرض والتعصب على هذه الفظائع، ووصفوها ~~كما تستحق، فقال عنها الكاتب الإنكليزي «فنلي» المشهور - وكان قد شهد الحادثة بعينه - ~~في كتابه «تاريخ اليونان»: # إن منظر هذه المذابح لا يعادله منظر في تاريخ البشر، لا في فظاعته ولا في طول ~~مدته. # وقد أحدثت هذه الفظائع في الآستانة تأثيرا شديدا جدا، وهاج الأهالي طالبين عقاب ~~اليونانيين الذين لهم يد في جمعية الهيتري؛ فقام عندئذ شيخ الإسلام ونصح المسلمين ~~بالسكينة والاعتدال، وعدم الاعتداء على الأبرياء انتقاما من الآفكين، وسيرى القارئ أن ~~اليونانيين كافأوا شيخ الإسلام هذا بأن قتلوه هو وعائلته بعد ندائه في صالح الأبرياء ~~منهم. # فلما علم المرحوم «السلطان محمود» بما عمله اليونانيون بدسائس جمعية الهيتري؛ أمر ~~بتفتيش منازل بعض اليونانيين المشتبه فيهم، وعمل تحقيق تام على كل الذين اشتبه في ~~أمرهم؛ فأبان التحقيق إدانة الكثيرين من اليونانيين، ومنهم «موروزي» الذي كان للسلطان ~~به ثقة عظمى، فاستعملها في تبليغ أعضاء الهيتري أسرار ms040 السياسة العثمانية، والبطريرق ~~«جريجوريوس» فأمر السلطان بإعدام الجميع عبرة لغيرهم من المفسدين والثوار. # أما في أتينا، فقد اتبع اليونانيون خطتهم الدموية بنفسها، فأسالوا الدماء بكثرة ~~عظيمة، ولم يرحموا أحدا من المسلمين. # وقد انتشر بعض أعضاء الهيتري في أزمير، وجعلوا غايتهم جمع الأموال بأدنى الوسائل ~~وأسفل الطرق، وإلقاء الخوف والرعب في نفوس اليونانيين المقيمين بأزمير. فأشاعوا ~~الإشاعات المختلفة عن نوايا الدولة العلية نحو اليونانيين حتى اضطرت العائلات اليونانية ~~كلها إلى المهاجرة من أزمير، فاستفاد أعضاء الهيتري من هذه المهاجرة أنهم جمعوا أموالا ~~كثيرة، وأوهموا أوروبا بأن سبب هذه المهاجرة ظلم الدولة العلية، وسوء معاملتها ~~لليونانيين! # ومما يؤكد ذلك أن أحد رجال فرنسا بعث من أزمير بكتاب إلى وزير البحرية الفرنساوية في ~~ذلك الحين جاء فيه: # وقد أشاع في كل أنحاء المدينة رجال يعملون على جمع الأموال بكل الوسائط ~~الدنيئة الإشاعات المزعجة للخواطر بشأن نوايا الأتراك، فمتى علم الأهالي بأن ~~أحد بواخرنا تقصد ميناء الأرخبيل تأتيني العائلات اليونانية وتسألني من كل جانب ~~السفر على هذه البواخر، وقد يطول بي الأمر إذا أردت أن أشرح لسعادتكم كل ~~الوسائل التي يمليها الشره وسوء القصد على رجال يعملون لجمع الأموال بدعوى ~~الإنسانية، وأنه يجب أن يكون الإنسان هنا ليعتقد ذلك. # وقد استعملت هذه الوسائل في جهات مختلفة، وأهاج ثوار اليونان كل المسيحيين في البلاد ~~اليونانية، إما بدعوى الدين، وإما بالتهديدات والإنذارات. # أما في الأرخبيل، فقد جعل اليونانيون همهم الأكبر السرقة واللصوصية والقتل والسلب ~~والنهب، وقد كانت الدولة العلية استخدمت الكثيرين من أبناء اليونان في بحريتها ثقة منها ~~بهم، كثقتها بكل رعاياها على اختلاف دياناتهم وأجناسهم. فلما قامت الثورة اليونانية ترك ~~البحرية العثمانية كل اليونانيين الموظفين بها، فعاق ذلك الدولة العلية عن قمع الثورة ~~في الأرخبيل كما قمعتها بعد في بلاد اليونان نفسها. # وقد قدمنا فيما سبق أن شيخ الإسلام أصدر منشورا بالآستانة نصح فيه المسلمين بالسكينة ~~وعدم الاعتداء على الأبرياء من اليونانيين، وقلنا إن مكافأته من هؤلاء كانت القتل، وذلك ~~أن المرحوم السلطان «محمود» عزله ms041 من منصبه لهياج الشعب ضده، فغادر الآستانة على باخرة ~~عثمانية قاصدا بلاد الحجاز، ولما وصلت الباخرة الأرخبيل هجمت عليها بعض السفن ~~اليونانية، وضايقتها من كل جانب حتى أسرتها وأخذت ما فيها من الأموال والخيرات، ولما ~~رأى البحارة اليونانيون أن شيخ الإسلام وعائلته بين ركاب السفينة قبضوا على بناته ~~وذبحوهن أمامه، وألقوا بهن إلى البحر، ثم قتلوا كل من بالسفينة على مشهد منه حتى صار ~~وحده أمامهم، فقتلوه شر قتلة جزاء له على نصحه المسلمين بالسكينة وعدم الاعتداء على ~~الأبرياء من بني اليونان! ~~••• # وقد أحدثت مذابح اليونان تأثيرا شديدا في الروسيا، فقام القس ورجال الدين يحرضون ~~الأهالي ورجال الحكومة على أن يطلبوا من القيصر الانتقام من الهلال للصليب، وطرد ~~الأتراك المسلمين من بلاد اليونان المسيحية، ومع أن اليونانيين هم الذين اعتدوا على ~~المسلمين وأتوا الفظائع الجسام فإن أنصار اليونان في أوروبا ملأوا الأرض بكاء وعويلا، ~~واتهموا الدولة العلية بأنها تذبح الأبرياء وتسفك الدماء، فأرسل عندئذ القيصر «إسكندر» ~~إنذارا للدولة العلية على يد سفيره بالآستانة المسيو «ستروجونوف» جاء فيه: «إن الباب ~~العالي يجبر المسيحية على أن تتساءل إذا كانت تستطيع أن تنظر بغير حراك إلى إبادة أمة ~~مسيحية، وترضى بهذه الإهانات الموجهة للدين المسيحي»، وطلب القيصر من الدولة العلية في ~~مذكرته هذه طلبات ملؤها التهديد والوعيد. # وفي الوقت نفسه أرسل إلى الدول الأوروبية مذكرة يفسر فيها لها خطته وسلوكه، ويسألها ~~عن الخطة التي تنوي كل واحدة منها اتباعها إذا قامت الحرب بين الروسيا والدولة العلية، ~~وعلى أي صورة ترضى كل منها تقسيم الدولة العلية ... # فكان القيصر إسكندر الأول يريد بثورة اليونان تقسيم الدولة العلية وبلوغ أمانيه من ~~الآستانة والبوسفور. # أما الدولة العلية، فقد أجابت على إنذار الروسيا بغاية الشرف والشهامة غير خائفة ~~تهديدها ووعيدها. فترك عندئذ سفير الروسيا الآستانة، وأعلن في 8 أغسطس سنة 1821 ~~انقطاع العلائق السياسية بين الدولتين، فلما رأت النمسا ذلك خافت النتائج الهائلة ~~والعواقب الوخيمة التي تنتج عن الحرب بين تركيا والروسيا، واتفقت مع إنكلترا على مقاومة ~~الروسيا ms042 ومعارضة أغراضها، واتحدت معها على منع الحرب بين الدولة العلية وبينها بكل ~~الوسائل، فكتبت وزارة لوندرة كما كتبت وزارة فيينا إلى القيصر تعارض مشروعاته، وتعده ~~بالتوسط مع النمسا لدى الباب العالي لنوال ترضية للروسيا، فقبل القيصر توسط النمسا ~~وإنكلترا وأطاع نصائحهما، وبالفعل توصل ساسة النمسا وإنكلترا إلى منع الحرب بين الروسيا ~~وتركيا. # ولا يحسبن القارئ أن توسط إنكلترا مع النمسا لمنع الحرب بين الدولة العلية والروسيا ~~كانت تقصد به إنكلترا خدمة تركيا أو مساعدتها، بل الحقيقة أن الإنكليز لما رأوا الروسيا ~~تسعى لجعل بلاد اليونان تحت حمايتها المعنوية واستخدامها في سبيل سياستها، قاموا في ~~وجهها وردوها عن محاربة تركيا، ثم تظاهروا بعدئذ بنصرة اليونان أكثر منها حتى حول ~~اليونانيون أنظارهم إلى بريطانيا، وصار للإنكليز النفوذ الأول في اليونان؛ حيث شكلوا في ~~لوندرة الجمعيات العديدة لمساعدة اليونان ونصرتهم، ولم يتأخر ماليو إنكلترا عن تسليف ~~مبالغ طائلة لحكومة اليونان الثوروية، فصارت إنكلترا بذلك أول عدوة للدولة العلية وأول ~~دولة منتصرة لليونان. # وفي أوائل عام 1823 صار حاكم الجزائر اليونانية الإنكليزي الذي كان يعامل قبل هذا ~~الحين ثوار اليونان بغاية القساوة والشدة يحميهم ويساعدهم، ويتركهم يتآمرون في جزائره ~~ضد الدولة العلية. # ولما رأت الدولة أن الاضطرابات قد كثرت في بلاد اليونان، وأن الثورة قد عمت كل ~~أنحائها طلبت من المرحوم «محمد علي باشا» عزيز مصر أن يمدها بالرجال، فأجاب الطلب وأرسل ~~جيشا جرارا على أساطيل مصر تحت قيادة ابنه المرحوم «إبراهيم باشا». # وفي أثناء تأهب المصريين للدخول في بلاد اليونان كانت الدول الأوروبية تتناقش في سان ~~بطرسبورغ في أمر المسألة اليونانية، ولكن إنكلترا كانت تعمل على عدم نجاح المؤتمر حتى ~~يكون لها حرية تامة في العمل، وغاية ما أقر عليه هذا المؤتمر هو أن الدول الأوروبية ~~تطلب من الباب العالي أن يعطي أمة اليونان شيئا من الحرية والاستقلال في إدارتها، وقد ~~أجاب الباب العالي على هذا الطلب بأنه لا يهب اليونانيين حقا جديدا، إلا بعد تمام ~~خضوعهم، وأنه لا يقبل مطلقا تداخل أية ms043 دولة أوروبية أو كل الدول بينه وبين ~~رعاياه. ~~••• # أما المصريون فقد أتوا في بلاد اليونان من الأعمال ما يخلده لهم التاريخ، وما يحق ~~لمصر أن تفتخر به في كل آن وفي كل زمان؛ فإنهم خدموا الدولة العلية أكبر الخدم وأجلها، ~~وبرهنوا على أن المصري إذا تعلم وتربى يقوم بأشرف الأعمال وأعظمها، فقد هزم المصريون ~~اليونانيين شر هزيمة، واستولوا على كل بلادهم حتى ارتفعت أصوات أنصار اليونان في أوروبا ~~ضدهم، وسموا بطل مصر المرحوم «إبراهيم باشا» بالسفاح إظهارا لغيظهم من رجل قام بالواجب ~~عليه نحو دولته وأمته وملته. # وقد قدمنا فيما سبق أن البحرية العثمانية كان أغلب عمالها من اليونانيين، وكانت غير ~~قادرة على قطع دابر اللصوص من الأرخبيل وحدها، فلما طلب المرحوم السلطان «محمود» من ~~عزيز مصر أن يمده برجاله وسفنه؛ أمر المرحوم «محمد علي باشا» بإرسال أساطيل مصر الفخمة ~~إلى مياه الأرخبيل، فاستعدت البواخر في الإسكندرية، ورأى عندئذ هذا الميناء الزاهر مظهر ~~جلال مصر وقوتها في البحر مما لم تر له طول حياتها مثيلا، وكان الرأي المنتشر حين ذاك ~~بين قناصل دول أوروبا في مصر أن مصر بقوتها وسلطتها تقهر وحدها بلاد اليونان، وتعيدها ~~خاضعة للدولة العلية قبل تمام ستة أشهر. # وقد أتمت مصر تجهيزاتها الحربية في 9 يونيو سنة 1824، وكان الأسطول المصري مركبا من ~~ثلاث وستين مركبا حربية عظيمة، ومن ثمانية آلاف جندي مصري من خيرة الرجال، وكان مع ~~الأسطول والجيش ذخيرة سنتين كاملتين. # وبعد مبارحة الجنود المصرية لثغر الإسكندرية وقفت بجزيرة «كاكسوس» وأخضعتها وقهرت ~~أهلها الذين كان أغلبهم يعيش من النهب والسلب، وبعد ذلك بقليل استولى الأميرال التركي ~~خسرو باشا على «إيبسارا» التي أتى أهلها من قبل إخضاع الدولة لها من الفظائع ما يعجز ~~القلم عن وصفه، حتى إنهم قتلوا الكثيرين من أهل ساموس؛ لعدم رضاهم بدفع شبه جزية ~~لهم. # وما أخذ المصريون والأتراك هذين الموقعين المهمين حتى نادى أنصار اليونان في أوروبا ~~بالويل والثبور، ونشروا الأكاذيب والمفتريات عن دخول العثمانيين في هذين البلدين، مدعين ~~أنهم ذبحوا ms044 الأبرياء وقتلوا الأطفال والنساء. هذه العبارات نفسها التي تذكر في كل ~~خلاف يقع بين المسلمين والمسيحيين في الدولة العلية، والتي لا تتغير وإن تغيرت الظروف ~~والحوادث ... # وفي أول سبتمبر عام 1824 اجتمع المصريون والأتراك في خليج «بودرون» تحت القيادة ~~العامة لخسرو باشا، فلما علم «مياوليس» رئيس بحرية ثوار اليونان باجتماع هذه القوى ~~العظيمة جمع سفن الثوار كلها بين «كوس» وجزيرة «كاباري» فوجه عندئذ «إبراهيم باشا» ~~أسطوله إلى جزيرة كريد حيث كان وصلها من الإسكندرية جنود أخرى وأسلحة وذخائر جديدة، ~~وجرى حين ذاك أن البحارة اليونانيين الذين كانوا تحت قيادة «مياوليس» طالبوه بماهياتهم ~~ومرتباتهم الماضية، وأنذروه بأنهم يعودون إلى جزائرهم، ولا يبقون بسفنه إذا لم يعطهم ~~هذه المرتبات؛ فحار «مياوليس» في أمره مع هؤلاء القوم الذين كان يظنهم شجعانا أبطالا ~~وخداما للوطن اليوناني، والذين كان يسميهم أنصار اليونان في أوروبا برجال الحرية ~~والاستقلال، وبورثة اليونانيين القدماء! # فاضطر عندئذ «مياوليس» إلى الذهاب إلى مدينة «بوبلي»، وقد كانت هذه المدينة مركز ~~حكومة اليونان الثوروية. # أما «إبراهيم باشا» فقد أتم كل تجهيزاته ومعداته، وسار بأسطوله وجنوده قاصدا «مودون» ~~بالمورة حيث وصلها في 24 فبراير سنة 1825، وما استقر بها حتى أخذ يهيئ الجيش للقتال ~~والحرب، وفي 25 مارس من السنة نفسها بدأ المصريون بمحاصرة مدينة «ناورين» الشهيرة ~~ومدينة «بيلوس». # ولا يسل القارئ عن مقدار الاحتقار والازدراء الذي كان يظهره اليونانيون نحو الجنود ~~المصرية المظفرة، فقد كانوا يظنونهم نساء في الحرب يهربون من ساحة القتال لأول طلقة ~~نارية، ولكنهم لما اقتربوا منهم عرفوا أن أمامهم شجعانا كبارا وأبطالا يحق لمصر على ~~مدى الدهر أن تفتخر بهم كل الفخار، وحق لمحمد علي ولابنه الكريم وقتئذ، ويحق لسلالتهما ~~من بعد أن تفاخر بهم جنود أعظم الأمم المتمدنة. # وفي كل واقعة حدثت بين المصريين واليونانيين كان اليونانيون يولون الأدبار، ويهربون ~~مسلمين البلاد والمواقع! # وقد رأى «إبراهيم باشا» أن الاستيلاء على «ناورين» لا يكون إلا بالاستيلاء على ~~جزيرة «سفاكتيريا»، فأرسل إليها حسين بك الجريدلي المشهور بشهامته العظيمة ونظره الصائب ~~في ms045 مسائل الاستحكامات العسكرية، فقهر جنود هذه الجزيرة اليونانية واستولى عليها، وما ~~مضى إلا ثلاثة أيام على استيلائه عليها حتى فتح أهالي «بيلوس» أبوابها، وسألوا ~~«إبراهيم باشا» أن يتركهم يهربون بدون أن يلحق بهم الأذى، فقبل ذلك «إبراهيم باشا» ~~وكانت نتيجة تسامحه الجميل أن أهالي «ناورين» لما تضايقوا من طول الحصار ويئسوا من ~~الأمر خابروه في أمر تسليم المدينة إليه بعين الشروط التي سلمت بها «بيلوس» فرضي ابن ~~عزيز مصر بطلبهم، وسقطت «ناورين» في أيدي المصريين في شهر مايو سنة 1825. # ولما رأى «إبراهيم باشا» أن اليونانيين امتلأت قلوبهم بالخوف منه ومن جنوده الأعزاء ~~شرع في مهاجمة مدائن المورة ومعاقلها، فاستولى بدون صعوبة تذكر على «نيزي» ~~و«كالاماتا» وبلغ «تريبوليتسا» التي تركها اليونانيون وتركوا فيها ذخائرهم من شدة ~~تسرعهم في الهروب منها، وفي 26 يونيو من سنة 1825 استولى «إبراهيم باشا» على مدينة ~~«أرجوس». # وقد جعل اليونانيون دأبهم وقتئذ حرق مساكنهم ومعاقلهم ومنازلهم وتخريب المدائن ~~والقرى، وكان أنصار اليونان في أوروبا يكذبون على العالم كله، ويدعون أن إبراهيم باشا ~~هو الذي يخرب مدائن اليونان، وقد بلغت قحة بعضهم أن سماه بالسفاح! # أما خسرو باشا، فقد صدرت إليه أوامر الدولة بأن يسافر بأسطوله إلى الإسكندرية، حيث ~~يستعد المرحوم «محمد علي باشا» لإرسال مدد جديد، فسافر إليها وكان المرحوم «إبراهيم ~~باشا» أرسل كذلك بأسطوله إليها، وبقي هو وجنوده في المورة، فاهتم أمير مصر - رحمه الله ~~- بتجنيد الجنود حتى تهيئوا جميعا، وكان عددهم أحد عشر ألف مقاتل، وسافروا من ~~الإسكندرية بتاريخ 23 أكتوبر سنة 1825، وكان في ذلك الحين «رشيد باشا» محاصرا لمدينة ~~«ميسولونجي» التي كان المدد يصلها من اليونانيين من جهة البر، وكانت محاطة ببرك عفنة ~~انتشرت منها الأمراض والحميات في جيش رشيد باشا مما أطال الحصار، وأضر بالجيش العثماني ~~ضررا بليغا، ولما علم بذلك «إبراهيم باشا» سافر بجنوده إلى «ميسولونجي»، وكانت الجنود ~~المصرية وصلت عندئذ من مصر برفقة خسرو باشا، فقوي عدد الجيش المصري التركي المحاصر لهذه ~~المدينة، وفي 9 مارس سنة 1826 استولى الجيش ms046 على قلعة «فازيليادي» وفي 13 منه سقطت ~~«أنتاليكون» في أيدي العثمانيين، ولما رأى قواد الجيش المصري التركي أن «ميسولونجي» ~~واقعة في أيديهم لا محالة، وأنها إن وقعت بغير التسليم من سكانها أسيلت فيها الدماء ~~كتبوا إلى أهلها بتسليم المدينة والأسلحة، وخروج من يشاء الخروج منها، وأعلنوا كل من ~~يريد البقاء فيها أنه يبقى آمنا مطمئنا. # وقد جاء عندئذ «مياوليس» بأسطوله، ووقف في خليج «باتراس» ولكن الأسطول المصري التركي ~~هزمه شر هزيمة، وقضى بهذه الهزيمة على كل آمال اليونانيين. # وقد أراد اليونانيون المقيمون بميسولونجي الهجوم على الجيش المصري التركي في مساء 22 ~~أبريل سنة 1826 ولكن «إبراهيم باشا» وجنوده تنبهوا للأمر، وأطلقوا الرصاص عليهم؛ فحصل ~~بين اليونانيين فزع شديد، وولوا الأدبار، وفي فجر يوم 23 أبريل من السنة نفسها أي في ~~اليوم التالي سقطت مدينة «ميسولونجي» في أيدي الجنود العثمانية. # وفي شهر يونيو سنة 1827 استولى الجيش العثماني على مدينة «أتينا» عاصمة اليونان ~~الحالية، وقد أعجب كل منصف محب للإنسانية بالخطة التي جرى عليها العثمانيون في دخولهم ~~أتينا؛ حيث عاملوا أهلها بالرفق، ولم يقتلوا ولم يهينوا أحدا ما، بخلاف ما عمله ~~اليونانيون مع المسلمين عند استيلائهم في أول الثورة اليونانية على المدائن ~~والقرى. # وتفصيل أخذ أتينا بالعثمانيين أن اليونانيين استدعوا إليهم اللورد «كوشران» والسير ~~«روبرشرش» الإنكليزيين؛ ليقودا جيوشهم وعصاباتهم، فأجابا الطلب، وسافرا إلى اليونان، ~~وتوليا رئاسة الجيش اليوناني المحاصر في أتينا. # وقد أبدى الجيش العثماني بقيادة «رشيد باشا» في محاصرة أتينا من المهارة والشهامة ما ~~أبقى له ذكرا عاطرا في التاريخ، فقد جمع هذا القائد العثماني الجليل بين منتهى ~~الشهامة العثمانية ومنتهى الإنسانية التي أمر بها الشرع الشريف. # وإن انتصار جيش «رشيد باشا» على ثوار اليونان في أتينا لمن الانتصارات المعدودة في ~~تاريخ الحروب البشرية، فقد كاد السير «روبرشرش» نفسه يقع أسيرا في قبضة العثمانيين ~~لولا أنه عند الهزيمة ألقى بنفسه إلى البحر حتى أدرك مركبا كانت بالقرب من ~~الشاطئ. # ولما رأى القائدان الإنكليزيان أن لا مناص من التسليم وسقوط أتينا ms047 وقلاعها في أيدي ~~العثمانيين، سألا قومندان مركب «جومون» الفرنساوية أن يتوسط بين اليونانيين والعثمانيين ~~في أمر الصلح، فأجاب سؤلهما وكتب بذلك إلى «رشيد باشا»، فقبل القائد العثماني الشروط ~~التي عرضها عليه المسيو «لوبلان» قومندان مركب «جومون» وهي: نزع السلاح من الجنود ~~اليونانية، وترك الحرية المطلقة لكل من أراد السفر من أتينا، ومعاملة الذين يريدون ~~البقاء فيها بالحسنى وعلى الخصوص الجرحى منهم. ولما علم السير «شرش» بقبول «رشيد باشا» ~~لهذه الشروط فرح كثيرا، واندهش غاية الاندهاش من هذا الاعتدال العظيم الذي أظهره ظافر ~~كبير كرشيد باشا. # ولكن ثوار اليونان أرادوا أن يظهروا شيئا من الشهامة التي كان يترنم بها أنصارهم في ~~أوروبا، فرفضوا هذه الشروط وأبوا تسليم قلاع أتينا، ولو كان «رشيد باشا» رجلا وحشيا ~~كما قال عنه ذلك كذبا أنصار اليونان في أوروبا لكان دخل أتينا جوابا على وقاحة ثوار ~~اليونان وشهامتهم الكاذبة، وقضى عليهم وعلى جنودهم وضباطهم شر قضاء، ولكنه تأنى في ~~الأمر، واستعمل الدعة التي جبل عليها رعاية للأبرياء من سكان أتينا. # إلا أن «رشيد باشا» أنذر السير «شرش» بأنه إذا لم تسلم أتينا وقلاعها للجيش ~~العثماني في أقرب زمن هاجم المدينة، وكان حرا في عمله غير ملوم، فأرسل السير «شرش» ~~بتاريخ 12 مايو سنة 1827 إعلانا لثوار أتينا وضباطها أمرهم فيه بوجوب التسليم، وأنذرهم ~~بسوء العاقبة إن خالفوا أمره. # ولكن ثوار أتينا جروا على خطتهم الأولى، ورفضوا الامتثال لأوامر السير «شرش» أي ~~لأوامر قائدهم ورئيسهم. # فلما رأى ذلك «رشيد باشا» كتب إلى المسيو «لوبلان» قومندان مركب «جومون» كتابا في ~~غاية اللطف والرقة أظهر فيه أنه عمل كل ما في وسعه للمحافظة على أرواح الأبرياء ~~اليونانيين القاطنين بأتينا، ولكن خطة ثوارهم تحمله على اتخاذ طريقة أخرى للاستيلاء على ~~أتينا، وعندئذ أعلن السير «شرش» ثوار أتينا بأنه يتركهم وأنفسهم؛ لعدم امتثالهم ~~لأوامره، فوقعوا في حيص بيص، وارتبكوا أشد الارتباك، وانتهزوا فرصة وجود مركب نمساوية ~~في الميناء، فسألوا قومندانها التوسط بينهم وبين «رشيد باشا» في أمر تسليم المدينة ~~وقلاعها بطريقة ms048 سلمية، فسلم هذا الضابط النمساوي طلبهم للمسيو «دي ريني» قومندان مركب ~~«سيرين» الفرنساوية، فاستلم هذا الأخير الطلب، وأخذ يخابر «رشيد باشا» مدة ثلاثة أيام ~~حتى قبل القائد العثماني دخول أتينا بالسلم وعدم سفك الدماء، وفي يوم 5 يونيو سنة 1827 ~~أمضى زعماء الثورة اليونانية بأتينا على شروط تسليم المدينة، ورحلوا جميعا عنها بعد ~~ذلك. # وقد كتب المؤرخ الإنكليزي «فنلي» في كتابه «تاريخ اليونان» عن خطة «رشيد باشا» ودخوله ~~أتينا ما تعريبه: # لقد اكتسب «رشيد باشا» في سقوط أتينا بخطته التي جرى عليها شرفا أبديا، ~~وظهر فوق السير «روبرشرش» شهامة في الحرب ورأيا في السلم، ولم يترك العثمانيون ~~وسيلة من وسائل الاحتراس إلا أتوها، ولم ينتقموا أقل الانتقام من ~~اليونانيين. # وقد توفي في أول ديسمبر عام 1825 القيصر إسكندر الأول، وتولى بعده «نيقولا الأول»، ~~وما جلس هذا القيصر على أريكة الملك حتى أعلن عداءه لتركيا، وأرسل للحكومة العثمانية ~~بتاريخ 17 مارس سنة 1826 إنذارا يطلب منها فيه جملة طلبات مختصة بالأفلاق والبغدان ~~وبلاد الصرب، وترك لها مهلة ستة أسابيع لقبول طلباته، وأنذرها بأنها إن لم تقبل هذه ~~الطلبات انقطعت العلائق السياسية بين الدولتين، واشتعلت نيران الحرب. # فانتهزت إنكلترا هذه الفرصة للتقرب من الروسيا، وأرسلت في بادئ الأمر إلى بلاد ~~اليونان ثم إلى الآستانة سفيرا يعرض توسط إنكلترا بين الدولة العلية واليونان، فرفضت ~~الدولة طلبه بعد أن قبله اليونانيون الذين كانوا في أسوأ الحالات بفضل «إبراهيم باشا» ~~بطل مصر وابن عزيزها، فاغتاظت إنكلترا من الدولة، وعملت على الإضرار بمصالحها والانتقام ~~منها، وأرسلت «والنجتون» الشهير - بطل واترلو التي هزم فيها نابليون - إلى سان ~~بطرسبورغ؛ ليتفق مع القيصر على المسألة اليونانية ضد الدولة العلية، وبالفعل اتفق معه، ~~وأمضى بينهما اتفاق يتضمن أن الروسيا تقبل توسط إنكلترا بين الدولة العلية واليونان، ~~وأن بلاد اليونان تصير مستقلة استقلالا نوعيا، وأنها تختار بنفسها حاكما ~~عليها. # ومن الغريب أن إنكلترا لما لم تفلح في أمر التوسط بين الدولة العلية واليونان أرادت ~~أن تتوسط بالقوة والقهر، وبالرغم عن الدولة ms049 العلية نفسها مستعينة في ذلك بالروسيا، ~~وهكذا كانت إنكلترا تفهم معنى صداقتها لتركيا ومعنى إخلاصها لملك آل عثمان. # ولما رأى المرحوم السلطان «محمود الثاني» أن إنكلترا والروسيا متفقتان ضده، اضطر إلى ~~قبول مطالب الروسيا منتظرا الفرص المناسبة، وأرسل مندوبين من قبله للمخابرة مع مندوبي ~~الروسيا في أمر عقد معاهدة بين الدولتين، وقد اجتمع المندوبون في «آق كرمان» ووضعوا بها ~~في سبتمبر عام 1826 عهدة سميت باسم هذه المدينة، تضمنت أن يكون للروسيا حق الملاحة في ~~البحر الأسود، والمرور من البوغازين بدون أن تفتش الدولة سفنها، وأن تكون بلاد الصرب ~~مستقلة تقريبا ، وتضمنت كذلك بعض شروط مختلفة بامتيازات الأفلاق والبغدان. # ويقول بعض المؤرخين: إن الذي حمل تركيا على قبول هذه المعاهدة غير اتفاق إنكلترا ~~والروسيا ضدها؛ هو تعهد الروسيا صريحا للحكومة العثمانية بعدم التداخل في صالح ~~اليونان. # وقد اجتهدت إنكلترا بعد عقد هذه المعاهدة في استمالة فرنسا لها وللروسيا، وتوصلت إلى ~~عقد اتفاق بينها وبين الدولتين؛ لمساعدة اليونان ضد تركيا، أمضى عليه في لوندرة بتاريخ ~~6 يوليو سنة 1827. ~~••• # وقد كان هذا الاتفاق أساسا لواقعة «ناورين» الشهيرة، فإن الدول الثلاث لما رأت أن ~~«إبراهيم باشا» فاز في المورة وانتصر نصرا مبينا، وأخضع اليونانيين كافة، وأن الثورة ~~قاربت الانتهاء وأخذ لهيبها في الانطفاء، أمرت كل واحدة منها أميرال أسطولها بأن ينذر ~~«إبراهيم باشا» بالوقوف عن كل عمل عدائي ضد اليونانيين، وبالعودة إلى الإسكندرية مع ~~رجاله وأسطوله؛ فرفض «إبراهيم باشا» هذا الطلب أو هذا الإنذار قائلا لكل أميرال إنه لا ~~يتبع غير أوامر أبيه وأوامر الدولة العلية، ولكنه لما رأى من قواد الأساطيل الأوروبية ~~استعدادهم لإشهار الحرب لأسطوله وعدهم برفع بلاغهم إلى الآستانة وإلى والده الجليل، ~~واتفق معهم على هدنة وقتية لحين ورود أوامر الدولة وأوامر أبيه. # ولكن قواد الأساطيل لم يعملوا باتفاقهم مع «إبراهيم باشا» بل أخذوا يراقبون حركاته ~~وسكناته، ويشجعون - خلافا لشروط الهدنة - كل ضابط يوناني أو أوروبي في خدمة اليونان ~~على مهاجمة المدائن والمواقع التي وقعت في قبضة «إبراهيم باشا» وجنوده، ms050 فشجعوا اللورد ~~كوشران على مهاجمة قلعة «فازيلادي» كما شجعوا غيره من الضباط، وقد احتج «إبراهيم باشا» ~~على هذه الأعمال، ولما رأى أن احتجاجه لدى قواد الأساطيل الأوروبية لم يفد شيئا، وتحقق ~~من تشجيعهم اللورد كوشران على مهاجمة مدينة «باتراس» خرج من ميناء «ناورين» مع بعض ~~مراكبه لإنقاذ تلك المدينة التي كان بها فوق الألف مصري، ولكن الأسطول الإنكليزي أنذر ~~«إبراهيم باشا» بالعودة إلى «ناورين»، فعاد هو وأسطوله احتراما للهدنة التي كان يذكره ~~بها قواد الأساطيل الأوروبية، وكانوا لا يذكرون بها أنفسهم. # وجرى عندئذ أن «إبراهيم باشا» نزل إلى البر، وتوغل في المورة ، فانتهز قواد الأساطيل ~~الدولية فرصة غيابه عن الأساطيل المصرية العثمانية، وأجمعوا على تدميرها؛ فأصدر ~~الأميرال «كودرنجتون» الإنكليزي - الذي كانت له القيادة العامة على الأساطيل الفرنساوية ~~والروسية والإنكليزية - أمره باستعداد السفن الدولية، وعين لكل سفينة مكانها، وألقى ~~التعليمات اللازمة لكل ضابط يقود مركبا، وفي يوم 20 أكتوبر سنة 1827 ادعى الأميرال ~~«كودرنجتون» أن مركبا من المراكب المصرية قتل أحد بحارته إنكليزيا من سفينة ~~إنكليزية، وجعل هذه الجريمة المختلقة سببا لتدمير المراكب المصرية والتركية، فسلط ~~عليها الأساطيل المتحدة الدولية حتى دمرتها عن آخرها، وزالت هذه الأساطيل الفخمة في يوم ~~واحد، حيث كان قومندانها الأول وأميرها الأعظم «إبراهيم باشا» متغيبا عنها، ظانا أن ~~قواد الأساطيل الأوروبية يحترمون كلامهم وعهودهم! # ويقدر المؤرخون عدد الذين ماتوا من بحارة مصر في هذه المذبحة الشهيرة بستة آلاف ~~بحري، وقد عد أنصار اليونان مذبحة «ناورين» بواقعة المجد والفخار. أما أنصار الحقيقة ~~فقد قضوا عليها شر قضاء، ووجهوا الملام أشد الملام إلى حكومات فرنسا والروسيا وإنكلترا ~~التي قامت باسم المدنية بأمر ليس فيه إلا العار والشنار، وقد قال إمبراطور النمسا ~~وقتئذ عن حادثة «ناورين» بأنها «مذبحة»! ونعم التسمية، وقال عنها جورج الرابع نفسه ملك ~~إنكلترا: «إنها حادثة مشئومة.» # وقد تهيج الأحرار في إنكلترا ضد الأميرال «كودرنجتون» واعتبروا عمله وحشيا لا شرف ~~فيه ولا فخار، فاضطرت الحكومة الإنكليزية لأن تعلن عدم موافقتها على عمل «كودرنجتون» ~~ولكنها لم تعلن ms051 عدم موافقتها على هذا العمل الفظيع الوحشي إلا بعد حدوثه ... ويتضح من ~~المستندات الرسمية التي لا تزال باقية في وزارة البحرية الفرنساوية، والتي أتى على ~~بعضها المسيو «ألفريد لميتر» في كتابه عن استقلال اليونان أن حكومات فرنسا والروسيا ~~وإنكلترا كانت متفقة من قبل على كل ما أتاه قواد أساطيلها، وقد قال الأميرال ~~«كودرنجتون» لما علم بعدم موافقة حكومته على مذبحة «ناورين»: «إن الوزراء يضحونني ~~ليحفظوا مراكزهم.» # أما «إبراهيم باشا» فقد عاد بعد المذبحة، ولا يسألن القارئ عن تحسره الشديد على ~~أسطوله العظيم الذي تركه زاهيا قويا، وعاد فوجده أثرا بعد عين، وعن عظيم اندهاشه من ~~هذا العمل الفظيع الذي قام به دعاة المدنية وأنصار الحرية والإنسانية، وقد احتج ~~«إبراهيم باشا» أشد الاحتجاج على هذا العمل الوحشي، وزاد احتجاجه واندهاشه عندما علم ~~بالمطاعن السافلة التي كان يوجهها إليه الأميرال «كودرنجتون»، وبأن هذا الإنكليزي الذي ~~دمر الأساطيل المصرية والتركية بأسفل الطرق وأدنى الوسائل ادعى أنه - أي إبراهيم باشا - ~~هو الخائن للعهد الناكث لشروط الهدنة، وأنه المسبب لواقعة «ناورين». # وقد كتب الضابط الفرنساوي البحري المسيو «بوجول» تاريخ مذبحة «ناورين» وأتى فيها على ~~كل ما قاله له «إبراهيم باشا» عقب المذبحة، وإنا نأتي هنا على ترجمة فصل يتضمن تصريحات ~~«إبراهيم باشا» بشأن تهم الأميرال كودرنجتون. كتب المسيو بوجول ما ترجمته: # قال لي «إبراهيم باشا» عند زيارتي له: إنهم يتهمون إبراهيم بأنه خان العهد، ~~ولم يحترم كلامه، ولكنني مستعد لأن أسافر لباريس وللوندرة إذا اقتضى الحال ذلك؛ ~~لأظهر الحقيقة، ولكي يحمل الذين أسالوا دماء الأبرياء وحدهم الفضيحة والملامة، ~~وما أنشئت السفن إلا لتكون فريسة النار أو البحار؛ فلذلك لست اليوم آسفا ~~عليها، ولكن اتهامي بأني خنت عهودي هو وشاية سافلة، وإني أعتمد على شرفك يا ~~حضرة الضابط لتبلغ كلمة بكلمة إلى أميرالك ما قلته لك. # فقل له: إن ثاني يوم لواقعة «ناورين» دعا الأميرال الإنكليزي الأميرال التركي ~~إلى مركب إنكليزية، ووشى له بأني قدمت إليه مبالغ طائلة؛ ليساعدني على ~~الاستقلال بمصر من الدولة العلية ومن ms052 التابعية للحضرة السلطانية، وقال له بأني ~~خائن، وأشار عليه بتبليغ ذلك للضباط والبحارة الأتراك، فماذا يقال عن هذا ~~السلوك وعن هذا الغش؟! أولم تبلغ الوقاحة بالأميرال الإنكليزي أنه طلب من ~~الأميرال التركي أن يسلمه امرأة من نسائي؟! # وإنه ليسهل على القارئ أن يحكم بعد اطلاعه على أقوال «إبراهيم باشا» أي الرجلين صادق، ~~أإبراهيم ذلك البطل النادر المثال الذي عامل ثوار اليونان بعد انتصاره عليهم النصر ~~المبين بالرأفة والرحمة، وما سفك للأبرياء دما، ذلك الذي احترم عهده؟ أم كدرنجتون الذي ~~تولى أمر تدمير أساطيل لم تعاده أقل عداء، وخان بذلك عهده وكلامه وشرفه، بل لطخ أوروبا ~~والمدنية الغربية بدنس الفضيحة والعار؟! ~~••• # وبينما كانت الدول الثلاث تتداخل لصالح اليونانيين، وتسفك دماء الأبرياء لأجلهم، ~~وتدمر الأساطيل غدرا لمساعدتهم ونصرتهم، كان اليونانيون يهجمون على سفن التجارة ~~الأوروبية ويسرقون كل ما فيها من المتاجر والمصانع والأموال، وقد أيد هذه الحقيقة ~~الأميرال الفرنساوي «دي ريني» نفسه، وكتب جملة كتب على هذه السرقات الفظيعة والتعديات ~~المتعددة إلى وزارة البحرية الفرنساوية، وقد قال في كتاب من كتبه: «إن عدد السفن التي ~~اعتدى اليونانيون عليها، وسرقوا ما بها، بلغ في شهر واحد ستين سفينة.» فليعجب القارئ ~~بقوم تحارب أوروبا لأجلهم، وتخون عهدها حبا فيهم، ويلطخ قواد أساطيلها شرفهم وشرف ~~دولهم بمذبحة «ناورين»، وهم يجيبونها على هذا التناهي في الإحسان بالتناهي في إساءة ~~رعاياها وسرقة أمتعتهم وأموالهم ومتاجرهم ومصانعهم! ~~••• # وقد طلبت الحكومة العثمانية من الدول الثلاث ترضية علنية لمذبحة «ناورين»، فرفضت ~~الدول طلبها، ولم تكتف برفضه فقط؛ بل طلبت منها أن تقبل مطالبها المشتركة بشأن ~~اليونان، وأن تعلن استقلالها، فأجابت الدولة على هذا الطلب الغريب بالاندهاش والاستغراب ~~والرفض، فبارح عندئذ سفراء إنكلترا والروسيا وفرنسا الآستانة بتاريخ 8 ديسمبر سنة ~~1827. # وفي 12 ديسمبر من السنة نفسها تجدد بين الدول الثلاث اتفاق لوندرة السالف الذكر، ~~وأخذت الروسيا من ذلك العهد تعمل لإعلان الحرب بينها وبين الدولة العلية، وبتاريخ 16 ~~أبريل سنة 1828 أشهرت بالفعل إعلانها الحرب لتركيا، وفي 7 مايو اجتازت الجنود ms053 الروسية ~~نهر «بروث». # ولا شك أن الدولة العلية كانت وقتئذ في أشد الأخطار، وكانت أزمتها شديدة قوية، فإن ~~الروسيا أظهرت عداءها لها بإشهار الحرب عليها، وإنكلترا أظهرت عداءها لها بمساعدة ~~اليونانيين في السر والجهر، وبترك أسطولها واقفا في مياه الشرق يهدد موانيها، وبعقد ~~المؤتمرات المختلفة لإعلان استقلال اليونان بالرغم عن إخضاع «إبراهيم باشا» لثوروييهم ~~وانطفاء نار الفتنة، وفرنسا اشتركت في هذه العداوة بإرسال جيش جرار تحت قيادة الجنرال ~~«ميزون» إلى بلاد اليونان. # وقد رأى عندئذ المرحوم «محمد علي باشا» بنظره الصائب أن الدول الثلاث متفقة كلها ضد ~~الدولة العلية، وأن مأمورية مصر قد انتهت بقمع الثورة اليونانية، فأصدر أمره إلى ابنه ~~المرحوم «إبراهيم باشا» بالعودة هو وجنوده إلى الوطن العزيز، فصدع بأمر والده وعاد ~~لمصر، حيث احتلت الجنود الفرنساوية المواقع والبلاد التي أخلتها جنود مصر. # وبذلك يرى القارئ أن الدول الثلاث كانت تعمل في آن واحد ضد الدولة العلية، وكانت ~~الدولة بلا نصير ينصرها ولا صديق يساعدها، وكانت النمسا تعضدها بالقول في الباطن، وتعلن ~~في الظاهر صداقتها للروسيا شأنها في سياستها على الدوام، فضلا عن أن الجيش العثماني ~~كان حديث التشكيل؛ لأن المرحوم السلطان «محمود» قد ألغى طائفة الإنكشارية. # ومع ذلك فقد أظهرت الجنود العثمانية في الحرب مع الروسيا من الشهامة والثبات ما حير ~~رجال الحرب في أوروبا وأدهش الروسيين، فإن الجيش الروسي مع عظيم استعداده وكثرة عدده لم ~~يستول على «وارنا» إلا بعد صعوبات جمة، ولم يستطع أخذ مدينة شوملا، واضطر للرجوع إلى ~~الوراء في شهري أكتوبر ونوفمبر بعد أن خسر الخسائر الجمة، وقد قارن وقتئذ «مترنيخ» وزير ~~النمسا الأول تقهقر الروسيين في هذه الحرب بتقهقر نابليون في عام 1812. # وقد استمرت الحرب في عام 1829، ولكن الجنود العثمانية التي كانت مشكلة حديثا كما ~~قدمنا لم تستطع مقاومة الجيش الروسي تمام المقاومة، فاستولى هذا الجيش على مدينة «إسكي ~~إستانبول» واجتاز جبال البلقان، وبلغ في 20 أغسطس سنة 1829 مدينة «أدرنة»، وبالرغم من ~~هذه الانتصارات فإن القيصر نيقولا الأول كان يخاف الهزيمة ms054 لما رأى عند الجيش العثماني ~~من الدراية والكفاءة في سنة 1828؛ ولذلك سأل ملك بروسيا أن يتوسط في أمر الصلح بينه ~~وبين الدولة العلية، فقبل ملك بروسيا ذلك وتوسط بالفعل في أمر الصلح. وفي 4 سبتمبر من ~~السنة نفسها أمضت الروسيا والدولة العلية على معاهدة «أدرنة»، وهي تتضمن استيلاء الروس ~~على جملة مواقع أسيوية، وضمانة حقوق الأفلاق والبغدان وصربيا، وحرية مرور السفن الروسية ~~من بوغازي الدردنيل والبوسفور، وحرية التجارة للرعايا الروسيين، وتتضمن أيضا أن الدولة ~~العلية تدفع للروسيا غرامة حربية تبلغ الخمسة ملايين ونصفا من الجنيهات، وأن الدولة ~~العلية تقبل ما اتفقت عليه الدول بشأن اليونان. # وهذا الاتفاق بين الدول بشأن المسألة اليونانية لم يكن مشتملا إلا على جعل بلاد ~~اليونان مستقلة تمام الاستقلال! وقد أمضت الدول في لوندرة بتاريخ 3 فبراير سنة 1830 على ~~معاهدة بهذا المعنى. # وبذلك انتهت هذه الأزمة الشديدة، وتم استقلال اليونان، وإن القارئ يجد من خلال هذه ~~السطور، ومن مطالعة هذه الحوادث الحكم الصحيح على خطة الدول نحو الدولة العلية، ويرى ~~كيف أنها أخرجت من تحت حكم الدولة بلاد اليونان بحجة المسيحية والمدنية مع أن الروسيا ~~جزأت من قبل مع البروسيا والنمسا بلاد بولونيا ولم ترع للمسيحية حرمة ولا للمدنية ~~مقاما! # وهكذا الغرض في كل الأمور يعمي الدول كما يعمي الأفراد. ~~(2) الأزمة الثانية: مسألة الشام بين مصر والدولة العلية # إن هذه الأزمة هي الأزمة التي إذا تذكرها العثمانيون والمسلمون امتلأوا حسرة وأسفا ~~أكثر من كل أزمة سواها؛ لأنها أعظم شقاق وقع بين التابع والمتبوع، وبين مصر والدولة ~~العلية، أي بين قلب الخلافة الإسلامية وهذه الخلافة نفسها، وبين روح المملكة العثمانية ~~وهذه المملكة. # وسيجد القارئ في هذا الفصل تفاصيل هذه الأزمة المشئومة وما جرت على الدولة ومصر ~~والإسلام من الأضرار والمصائب مما يبقى أبد الدهر درسا للعثمانيين والمسلمين، ونذيرا ~~بأن الشقاق بين أعضاء مجموع واحد يعود على المجموع كله وعلى أعضائه عضوا عضوا ~~بالمصائب العظام والبلايا الجسام. # ابتدأت هذه الأزمة بخلاف وقع بين عزيز مصر ووالي «عكا» ms055 بسبب مهاجرة بعض المصريين إلى ~~الشام، حيث لم يرض والي «عكا» بأن يعيدهم إلى مصر طبقا لرغائب المرحوم «محمد علي ~~باشا»، فأمر عزيز مصر ابنه المرحوم «إبراهيم باشا» بالسفر إلى بلاد الشام على رأس جيش ~~جرار للانتقام من هذا الوالي، فسافر واستولى في 27 مايو سنة 1832 على «عكا» وبعد ~~الاستيلاء عليها دخل هو وجيشه دمشق وحمص، وعبر جبال طوروس بعد معارك مختلفة بين الجيش ~~المصري والجيش التركي. # وقد انتهت سنة 1832 بوصول المرحوم «إبراهيم باشا» إلى قلب آسيا الصغرى حيث وقعت بين ~~عساكر مصر وعساكر الدولة واقعة «قونيه» الشهيرة التي انتهت بسقوط هذه المدينة في أيدي ~~المرحوم «إبراهيم باشا»، وكان ذلك في 21 ديسمبر سنة 1832، وقد وقع في هذه الواقعة ~~أسيرا في أيدي المصريين المرحوم «رشيد باشا» الذي كان يقود الجيش التركي أمام «إبراهيم ~~باشا» والذي كان من قبل في بلاد اليونان مكلفا بقمع الثورة اليونانية. # ولا شك أن هذه الانتصارات المتوالية تدل من جهة على ما كان لمصر وقتئذ من القوة ~~الهائلة، وتحمل الإنسان من جهة أخرى على التساؤل: كيف تقهقر الأتراك الأبطال في هذه ~~المواقع؟! فالجواب على ذلك: أن المرحوم السلطان «محمود الثاني» كان قد ألغى طائفة ~~الإنكشارية كما قدمنا، وكان مشتغلا بتنظيم جيش جديد عندما قام المرحوم «محمد علي باشا» ~~بإحداث هذه الأزمة المشئومة، ولم يكن الجيش التركي الجديد مستعدا تمام الاستعداد ~~للقتال. # وكان من نتيجة هذا الخلاف المشئوم بين مصر والدولة العلية أن المرحوم السلطاني «محمود ~~الثاني» اضطر للاستنصار بالدول الأوروبية؛ فانتهزت الروسيا هذه الفرصة؛ لتقوية نفوذها ~~في تركيا، وجعل سيطرتها عظيمة على الباب العالي، فأظهرت للدولة العلية استعدادها ~~لمساعدتها ضد عزيز مصر، وأرسلت إلى الآستانة الكونت «مورافييف» أحد ضباط القيصر ~~الخصوصيين مكلفا بتبليغ الباب العالي أن الحكومة الروسية تقدم إليه إذا أراد أسطولا ~~قويا وجيشا عظيما؛ لنصرة الدولة ضد عزيز مصر، ومكلفا كذلك بالسفر إلى الإسكندرية ~~لإقناع المرحوم «محمد علي باشا» بضرورة الاتفاق مع الدولة، والرجوع عن نواياه ومشروعاته ~~ضدها. # وبالفعل ذهب «مورافييف» إلى ms056 الآستانة، فاستقبل رجال الدولة بلاغه بالرضى مع الحزن ~~الشديد على هذه الحالة التي وصلوا إليها بسبب الشقاق المشئوم بين المتبوع الأعظم ~~والتابع؛ أي بين خليفة الإسلام وأكبر أمرائه. # وقد سافر الكونت «مورافييف» من الآستانة إلى الإسكندرية في يناير عام 1833 بقصد إقناع ~~عزيز مصر بوجوب حل المشكلة حلا سلميا. # هذه كانت سياسة الروسيا، وسيرى القارئ نتائجها السيئة على الدولة العثمانية. أما ~~البروسيا فلم تتداخل في الأمر؛ بل تركت بقية الدول الأوروبية مشتغلة بالمسألة وانتظرت ~~النتيجة، وقد ود بعض سواس النمسا أن تتداخل دولتهم في هذه الأزمة المهمة؛ لتحول دون ~~أغراض الروسيا، ولكن القابضين على أمور المملكة النمساوية حينئذ رأوا أن الثورة تهدد ~~دولتهم من كل جانب، وأنهم في حاجة شديدة لعضد الروسيا ومساعدتها، فالتزموا لهذا السبب ~~الحياد، واختاروا سياسة مراقبة الحوادث والانتظار. # أما إنكلترا، فقد كانت أميالها من بادئ الأمر ضد أميال عزيز مصر، ولكنها كانت تخاف ~~إضعاف نفوذها في تركيا بتقوية نفوذ الروسيا، فكانت تريد العمل ضد الروسيا ومساعدة تركيا ~~في آن واحد، غير أن أيرلندا كانت في ذلك الحين قائمة بالثورة ضد بريطانيا رغبة في نيل ~~حريتها واستقلالها، فبقيت لذلك إنكلترا مترددة في سياستها. # ولم يكن لعزيز مصر بين الدول الأوروبية دولة تريد نصرته في السر والجهر غير فرنسا، ~~فإن الرأي العام فيها كان يحب «محمد علي باشا» حبا شديدا، وكانت أعمال عزيز مصر ~~ومجهوداته في سبيل رفع شأن مصر وتمدينها معروفة في فرنسا، ومقدرة فيها حق قدرها، لا ~~سيما وأن أغلب عمال عزيز مصر في تمدين مصر كانوا من الفرنساويين، وكان بين «لويس فيليب» ~~ملك فرنسا وبين «محمد علي باشا» مودة شديدة وصداقة متينة. # إلا أن سفير فرنسا في الآستانة كان يخاف سقوط نفوذ دولته في المملكة العثمانية بقدر ~~ارتفاعه وازدياده في مصر، فعرض على الباب العالي أن يتوسط بينه وبين أمير مصر، وكتب إلى ~~المرحوم «إبراهيم باشا» يرجوه باسم فرنسا ألا يتقدم في فتوحاته، وكتب إلى المرحوم «محمد ~~علي باشا» يسأله أن يقبل الشروط التي أرسل ms057 بها إليه المرحوم السلطان «محمود الثاني» مع ~~خليل باشا، وهذه الشروط كانت تنحصر في تنازل الدولة لعزيز مصر عن ولايات «عكا ونابلس ~~وصيدا وبيت المقدس»، ولكن «محمد علي باشا» كان يريد الاستيلاء على الشام كلها، وكان ~~قنصل فرنسا بمصر يشجعه على أمياله وأغراضه؛ فلذلك لم يقبل عزيز مصر الشروط السلطانية ~~التي عرضها عليه خليل باشا، ولم يلق رجاء سفير فرنسا بالآستانة عنده قبولا؛ لأنه ~~اعتبره مجاملة لتركيا وغير صادر عن تعليمات سياسية واردة من الحكومة الفرنساوية، وأمر ~~ابنه المرحوم «إبراهيم باشا» بالتقدم في فتوحاته، فصدع بالأمر وتقدم إلى أن وصل مدينة ~~«كوتاهيه». # فلما علم المرحوم السلطان «محمود الثاني» بذلك سأل الروسيا في آخر يناير سنة 1833 أن ~~ترسل إليه بأسطولها فوعدته بذلك، وفي هذه الأثناء عاد «مورافييف» من الإسكندرية، وكان ~~قد نجح في مأموريته لدى «محمد علي باشا» بعض النجاح، فأعلن الباب العالي أن أمير مصر ~~وعده، وأصدر أمره لابنه بالوقوف عن التقدم في فتوحاته. فلما علمت الدول الأوروبية بذلك ~~رأت أن مجيء الأسطول الروسي إلى مياه البوسفور صار غير لازم، فسألت الباب العالي أن ~~يجعل وقوفه ببلاد القرم، ولكن الروسيا كان يهمها أن يظهر أسطولها في مياه الشرق، ويعلم ~~المسلمون قبل المسيحيين أنها صارت الحامية للمملكة العثمانية والأمينة على مصالح دولة ~~آل عثمان! # فجاء الأسطول الروسي إلى مياه البوسفور، وجعل مرساه أمام سراي السلطان، وبعد وصوله ~~بأيام قليلة وصل جزء من الجيش الروسي إلى الآستانة وأقام بها، فهاجت لذلك إنكلترا ~~والنمسا وفرنسا، وطلبت من الدولة العلية الإسراع بالاتفاق مع عزيز مصر، وإبعاد العساكر ~~الروسية عن أراضي الدولة. فقبل المرحوم السلطان «محمود الثاني» طلب الدول الثلاث، وبعد ~~مخابرات مختلفة أعلنت الدولة العلية في أوائل مايو سنة 1833 بخطين شريفين أنها عينت ~~أمير مصر واليا على الشام وعلى ولاية «أطنه»، وقد سمي هذا الاتفاق الذي صدر به الخطان ~~الشريفان باتفاق «كوتاهية» نسبة إلى المدينة التي كان محتلا لها «إبراهيم باشا» عند ~~عقد هذا الاتفاق. # ولما صدر هذان الخطان الشريفان سألت الدول ms058 الأوروبية الدولة الروسية أن تسحب أسطولها ~~من مياه البوسفور وجنودها من أراضي الدولة، فأجابت الطلب ولكنها لم تنفذه إلا بعد أن ~~أمضت مع الدولة العلية على معاهدة «خورنكار أسكله سي» التي جعلت للروسيا في الدولة ~~العلية نفوذا قويا وسلطة عظيمة. # ومضمون هذه المعاهدة: أن الدولة العلية تتحالف مع الروسيا تحالفا دفاعيا، وأن ~~تتعهد كل واحدة منهما بمساعدة الأخرى في داخل بلادها أو في خارجها حسب الظروف، ولا شك ~~أن ظاهر هذه المعاهدة لا يفيد شيئا غريبا، ولكن المتأمل يرى أن الدولة الروسية كانت ~~غير واقعة وقتئذ تحت خطر، فكان من المستحيل أن ترسل الدولة العلية يوما ما جيشا ~~تركيا لداخل البلاد الروسية، بخلافها فإنها كانت واقعة تحت خطر ظاهر، وكان احتمال ~~دخول الجنود الروسية إلى قلب المملكة العثمانية حاصلا. ذلك فضلا عن أن الروسيا كان في ~~استطاعتها أن تحدث في قلب الدولة من الاضطرابات ما تشاء لما كان لها فيها من الآلات ~~القوية؛ أي إنه كان يمكنها أن ترسل بجنودها إلى داخل الدولة في أي وقت تريد. # والذي يثبت أن دخول الجيوش العثمانية إلى قلب المملكة الروسية كان مستحيلا حتى في ~~حالة قيام الحرب بين الروسيا وبين إحدى الدول خلافا لظاهر معاهدة «خونكار أسكله سي» أن ~~الروسيا اشترطت في آخر المعاهدة أن الدولة العلية غير ملزمة بإرسال مدد عسكري إليها في ~~حالة وقوع الحرب بينها وبين إحدى الدول، بل يكفيها عوضا عن إرسال مدد عسكري أن تقفل ~~بوغاز الدردنيل أمام أساطيل الدولة أو الدول المحاربة للروسيا. # وقد علمت فرنسا وإنكلترا بهذه المعاهدة، وعملت كلتاهما على إبطالها، ولكن مسعاهما لم ~~ينجح، وتكدرت بذلك علائقهما مع الروسيا. ~~••• # ولم يسر حكم هذا الاتفاق طويلا، فإن إنكلترا التي كان يسوءها استتباب السكينة ~~والسلام في الشرق، والتي اقتضت سياستها في كل أطوار المسألة الشرقية إضعاف سلطة ~~المسلمين، عملت على تحريض الدولة العلية على الأخذ بالثأر، والانتقام من عزيز مصر، ~~وفضلا عن اهتمام إنكلترا بإضعاف السلطة الإسلامية في الآستانة ومصر، فإنه كان يروق لها ~~أن تأخذ ms059 المركز الأول في النفوذ لدى الباب العالي، وتخفض من نفوذ الروسيا وسلطتها، ~~فلذلك استمرت تحرض الدولة على الانتقام من «محمد علي باشا» ووجدت عند رجال الدولة ~~آذانا صاغية؛ لأن قلوبهم كانت قد تغيرت من جهة مصر وأميرها، وتركت فيها حوادث الشام ~~آلاما كبارا. # وقد نجحت إنكلترا في هذه السياسة، وعقدت مع الباب العالي اتفاقا تجاريا يخول لها ~~كل ما للروسيا من الحقوق والامتيازات، وقابلت ثقة تركيا بها بأن استعدت لاحتلال «عدن» ~~كأنها أرادت أن تعرف الحكومة العثمانية مقدار ثمن المودة الإنكليزية ... # ومع ذلك فقد اتبعت الدولة العلية آراء الإنكليز ونصائحهم، وسيرت جيشا جرارا إلى ~~آسيا تحت قيادة «حافظ باشا»، فعبر هذا الجيش نهر الفرات في 21 أبريل سنة 1839. وفي 7 ~~يونيو من السنة نفسها أعلنت الدولة العلية الحرب على جيوش مصر، وقد كان المرحوم «محمد ~~علي باشا» علم من قبل باستعداد الدولة لمحاربته وإخراجه من الشام، فتأهب للقتال واستعد ~~أكمل استعداد. # فلما علمت الدول الأوروبية باستعداد الدولة العلية للحرب اهتمت كلها بالمسألة، وأخذت ~~إنكلترا تبذل الجهد في استمالة فرنسا إليها، والاتفاق معها على مساعدة تركيا ضد «محمد ~~علي باشا» وإضعاف نفوذ الروسيا في الدولة العلية، ولكن فرنسا لم تقبل الاتفاق مع ~~إنكلترا ضد عزيز مصر لما كان له عندها وعند الشعب الفرنساوي من الاحترام العظيم والكلمة ~~العليا. # وقد قام وقتئذ الخطباء على منبر مجلس النواب الفرنساوي بإلقاء الخطب البليغة دفاعا ~~عن أميال عزيز مصر وأغراضه السياسية، سائلين حكومتهم مساعدته ومنع كل عمل عدائي ضده، ~~ولم يظهر الرأي العام الفرنساوي قوته وشدة تأثيره على حكومته في ظروف كثيرة مثل ما أظهر ~~في مسألة الخلاف بين مصر والدولة العلية، فإنه كان منتصرا لعزيز مصر أشد ~~الانتصار. # وقد أدى رفض فرنسا لطلب إنكلترا إلى اتفاق هذه الدولة مع الروسيا اتفاقا مبدئيا ضد ~~عزيز مصر. # أما النمسا، فقد عرضت على الدول مشروع عقد مؤتمر بفيينا لحل المشكلة المصرية، فلم ~~تقبل الروسيا هذا الطلب خوفا من تداخل الدول في شئون تركيا الداخلية، وإضعاف نفوذها ~~بمثل ms060 هذا التداخل، ورفضت فرنسا كذلك طلب النمسا منعا لاتفاق الدول ضد «محمد علي ~~باشا». # وبينما الدول مشتغلة بهذا الخلاف الخطير إذ انتشر خبر واقعة «نصيبين» أو «نزيب» التي ~~انتصر فيها الجيش المصري بقيادة «إبراهيم باشا» على الجيش التركي في 24 يونيو سنة 1839، ~~وبعد هذه الواقعة بأسبوع واحد توفي المرحوم السلطان «محمود الثاني» ولم تكن وصلته أخبار ~~واقعة «نصيبين» لعدم وجود الأسلاك البرقية وقتئذ، وتولى بعده على الأريكة العثمانية ~~ابنه السلطان الغازي «عبد المجيد خان». # وفي 4 يوليو من السنة نفسها، شرع أحمد باشا القبودان الأول للأسطول العثماني في تسليم ~~هذا الأسطول لعزيز مصر، وسبب ذلك أنه كان يبغض خسرو باشا الصدر الأعظم بغضا شديدا ~~ويميل كثيرا إلى عزيز مصر. فلما علمت الدول الأوروبية بهذا النبأ الغريب، أرسلت مذكرة ~~إلى الباب العالي بتاريخ 27 يوليو سنة 1839 تفيده أنها متفقة كلها على مساعدته في هذه ~~الأزمة ودفع الخطر عن المملكة العثمانية، وقد اشتركت فرنسا مع بقية الدول في إرسال هذه ~~المذكرة، ولم يكن قصدها بذلك الاشتراك معها ضد «محمد علي باشا»، بل منع اتفاقها ضده ~~اتفاقا حربيا. # وبناء على رجاء فرنسا لم يتقدم «إبراهيم باشا» بعد «نصيبين» بل وقف عندها. # وقد عرض وقتئذ بالمرستون وزير خارجية إنكلترا على الدول الأوروبية أن ترسل جميعها ~~إنذارا لعزيز مصر تأمره فيه بسحب جنوده من الشام، والاكتفاء بإمارته على مصر، وتهدده ~~بأنها تنفذ مطالبها بالقوة إن لم يرض بها ويذعن إليها؛ فعارضت فرنسا مطلب بالمرستون ~~أشد المعارضة، وطلبت باسم «محمد علي باشا» تعيينه أميرا على مصر والشام وبلاد العرب، ~~واستمر الجدال بين حكومتي باريس ولنودره طويلا، واشتدت لهجة السياسيين من الجانبين، ~~كما اشتدت لهجة جرائد الدولتين، وتكدرت عقب ذلك العلائق بين الحكومتين؛ فسعت الروسيا في ~~أن تضم إليها إنكلترا وتجعل ما بين هذه وفرنسا من الخلاف أساسا لوفاق يوضع بينها وبين ~~إنكلترا، وأرسلت لهذا الغرض البارون دي «برونو» للوندرة، ولكن بعض وزراء الحكومة ~~الإنكليزية كانوا يخالفون بالمرستون رأيا، وكانوا يودون الاتفاق مع فرنسا. فلم يتم ms061 ~~لهذا السبب بين إنكلترا والروسيا الاتفاق، وعاد البارون دي «برونو» إلى سان بطرسبورغ ~~ليتلقى تعليمات جديدة. # وقد زاد وقتئذ تهيج الشعب الفرنساوي في صالح عزيز مصر ازديادا هائلا، وخاف «لويس ~~فيليب» ملك فرنسا من عواقب هذا التهيج، فأمر بإرجاع بقايا «نابليون الأول» من جزيرة ~~سانت هيلينه، ودفنها بباريس في موكب حافل؛ ليشتغل الشعب الفرنساوي عن مصر وأميرها بذكرى ~~نابليون الأول، وذكرى فتوحاته وانتصاراته العديدة، وبالفعل جيء بجثة نابليون الأول، ~~وسارت في باريس في موكب لم ير له مثيل لا في جلاله ولا في فخامته؛ مما حول أنظار ~~الشعب الفرنساوي عن مصر كثيرا لا قليلا. # أما إنكلترا فقد اتفق سواسها مع البارون دي «برونو» بعد عودته من الروسيا، ودعوا ~~الدول الاوربية لإرسال مندوبين من قبلها لحضور مؤتمر يعقد بلوندرة لحل المشكلة ~~المصرية، وقد اشتركت فرنسا في هذا المؤتمر غير أن سفيرها بلوندرة المسيو «جيزو» الشهير ~~وجه عنايته كلها لمد أجل المؤتمر، ومنع الدول من الوصول إلى اتفاق نهائي؛ لأن ~~الحكومة الفرنساوية كانت مشتغلة سرا بالتوسط بين تركيا ومصر، وكانت تؤمل بلوغ نتيجة ~~مرضية لعزيز مصر بدون تداخل الدول الأخرى. # وقد نجحت فرنسا في مخابراتها السرية مع مصر والباب العالي بعض النجاح، وتوصلت إلى عزل ~~«خسرو باشا» الصدر الأعظم، إلا أن «بونسونبي» سفير إنكلترا بالآستانة علم بمخابرات ~~فرنسا السرية، وأبلغ حكومته هذا الخبر العظيم الأهمية؛ فهاج «بالمرستون» لذلك واغتاظ ~~كثيرا، وصمم على الانتقام من فرنسا؛ فدس الدسائس ضد «محمد علي باشا» في الشام، وأقام ~~أهلها ضده، وعمل على عقد اتفاق بين إنكلترا والروسيا والنمسا والبروسيا، أي بين كل دول ~~أوروبا ما عدا فرنسا، وبالفعل عقد هذا الاتفاق، وأمضى مندوبو الدول الأربع في لوندرة ~~بتاريخ 15 يوليو سنة 1840 على اتفاقية مختصة بالمشكلة المصرية. # وهذه الاتفاقية تضمنت أن «محمد علي باشا» يرد إلى الدولة جزيرة كريد وبيت المقدس ~~وأطنه وبلاد الشام الشمالية، وأن يحفظ له ولأبنائه من بعده مصر، ويتولى ولاية «عكا» مدة ~~حياته، وأنه إن لم يخضع لأوامر الدول في مدة عشرة ms062 أيام من تاريخ إرسال الإنذار الدولي ~~إليه، لا تترك الدول له غير مصر، وإن لم يخضع في مدة عشرة أيام أخرى لا تترك له مصر ~~نفسها، وتضمنت هذه الاتفاقية غير ذلك أن الدول تشترك في بوغازي الآستانة والدردانيل ضد ~~كل اعتداء. # وقد اتفق مندوبو الدول في هذه الاتفاقية على أنها تنفذ قبل توقيع دولهم عليها إذا ~~اقتضى الحال ذلك. # وما علم «لويس فيليب» ملك فرنسا بهذه الاتفاقية حتى أعلن غضبه وسخطه، ووافق وزيره ~~الأول «تييرس» على الاستعداد للحرب، فجند هذا الأخير الجنود الفرنساوية، وجمع الرديف، ~~واشتغل بتحصين الحدود، وساعد الجرائد على تهييجها الشعب ضد دول أوروبا، فتهيجت فرنسا ~~كلها منادية بالانتقام لها ولأمير مصر من دول أوروبا. # وفي 11 سبتمبر سنة 1840 ضرب الأميرال الإنكليزي «نابييه» ثغر بيروت وجبر «إبراهيم ~~باشا » على إخلاء هذا الثغر، وبعد إخلائه بثلاثة أيام أعلن الباب العالي عزل «محمد علي ~~باشا» من إمارة مصر نفسها، وكان ذلك بناء على إيعاز «بونسونبي» سفير إنكلترا ~~بالآستانة. فأحدثت هاتان الحادثتان في فرنسا تأثيرا شديدا، وهياجا عظيما؛ مما جعل ~~عناية الحكومة الفرنساوية بتتميم استعداداتها الحربية عظيمة شديدة، وصير الحرب قاب ~~قوسين أو أدنى. # وقد استعفى بعد ذلك بقليل المسيو «تييرس» من رئاسة الوزارة الفرنساوية، وعين مكانه ~~المرشال «سولت» وتقلد المسيو «جيزو» سفير فرنسا بإنكلترا منصب وزارة الخارجية؛ فبذل ~~أقصى جهده في تعديل اتفاقية 15 يوليو التي عقدت بين الدول الأربع في لوندرة، ولكنه لم ~~يفلح في مسعاه؛ لشدة كراهة «بالمرستون» وزير خارجية إنكلترا لفرنسا ولعزيز مصر. # وفي ذلك العهد جاءت الأخبار من الشام مؤيدة آمال بالمرستون، فإن الأسطول الإنكليزي ~~والأسطول النمساوي استوليا على أهم المواني السورية، وخرجت «عكا» نفسها من أيدي الجنود ~~المصرية في 2 نوفمبر سنة 1840، ولم يستطع المرحوم «محمد علي باشا» قمع الهيجان الذي ~~أحدثته الدسائس الإنكليزية ضده في الشام، فسر بالمرستون بهذه الأخبار، وأراد أن يزيد ~~الطين بلة ويجعل الاضطراب عاما في كل أنحاء أوروبا، فاقترح على الدول الأوروبية عزل ~~«محمد علي باشا» من إمارة مصر ms063 نفسها وإخراجه هو وعائلته من الديار المصرية، فازداد لذلك ~~الهياج في فرنسا ازديادا هائلا، وحمل المسيو «تييرس» في مجلس النواب الفرنساوي على ~~الوزارة حملة شديدة متهما إياها بترك إنكلترا تنتقم من «محمد علي باشا» صديق فرنسا ~~الحميم، فأجاب المسيو «جيزو» وزير خارجية فرنسا على اعتراضات «تييرس» وغيره من الخطباء ~~بأن فرنسا لا تقبل أبدا نزع إمارة مصر من أيدي «محمد علي باشا» وأبنائه من بعده، وأنها ~~مستعدة للدفاع عن حقوقه في مصر، ولو اضطرت إلى الحرب. فأدركت أوروبا من لهجة الحكومة ~~الفرنساوية أن قبول اقتراح بالمرستون يكون داعية لحرب عامة، وأصلا لمصائب جمة، فرفضته ~~إرضاء لفرنسا، ومنعا للحرب وعواقبها الوخيمة. # ولم يخضع المرحوم «محمد علي باشا» لأوامر الدول الأوروبية إلا عندما رأى أن فرنسا ~~غير قادرة على مقاومة أوروبا كلها، وأن الأميرال الإنكليزي «نابييه» يهدد ثغر ~~الإسكندرية إن بقي مستمرا على المقاومة وعدم الامتثال لأوامر الدول، فأمضى معه ~~اتفاقية تعهد فيها بسحب الجنود المصرية من الشام، وتعهد له فيها الأميرال «نابييه» بجعل ~~إمارة مصر له ولأبنائه من بعده، وما وصل خبر هذه الاتفاقية إلى الآستانة حتى أشار ~~«بونسونبي» سفير إنكلترا بها على الباب العالي برفضها، فرفضها، وصرح بأنه لا يقبل جعل ~~إمارة مصر وراثية لعائلة «محمد علي باشا» بل له وحده مدة حياته. # فلما علمت فرنسا بذلك عرضت حكومتها على مجلس النواب مشروع تحصين مدينة باريس، أي ~~إتمام الاستعدادات الحربية، فأقر المجلس على المشروع بارتياح تام، وأيد الحكومة في ~~خطتها ودفاعها عن حقوق مؤسسة العائلة الخديوية، فاضطربت حكومة النمسا وحكومة البروسيا ~~عندما تحققت أن استعدادات فرنسا للحرب حقيقية، وأن الاعتداء على حقوق «محمد علي باشا» ~~وسلالته في مصر يكون سببا لحرب عمومية في أوروبا، واتفقتا على منع الحرب بكل الوسائل، ~~وتأييد «محمد علي باشا» وسلالته من بعده في إمارة مصر، وجبرتا بالفعل إنكلترا والروسيا ~~على تقديم مذكرة مشتركة معهما للباب العالي طلبت فيها الدول الأربع جعل إمارة مصر لمحمد ~~علي باشا وسلالته من بعده، وقد قدمت هذه المذكرة في 31 ms064 يناير سنة 1841، وأخذت النمسا ~~بعد تقديمها تجتهد في استمالة فرنسا للاشتراك مع بقية الدول في أمر تسوية المسألة ~~المصرية؛ فقبلت فرنسا ذلك، ولكنها اشترطت عدم التعرض لاتفاقية لوندرة التي أبرمت بالرغم ~~عن معارضتها وتم مفعولها. # وقد أقرت فرنسا مع الدول في لوندرة على اتفاقية البوغازات التي تضمنت قفل بوغاز ~~الدردنيل والبوسفور لكل سفن الدول الحربية بلا استثناء. # وقبل أن تمضي الدول على هذه الاتفاقية أصدر الباب العالي، متبعا في ذلك نصيحة ~~السفير الإنجليزي «بونسونبي» خطا شريفا أعلن فيه أن حكومة مصر تبقى وراثية لعائلة ~~«محمد علي باشا» ولكن الدولة تحتم انتخاب من تشاء من أعضاء العائلة لإمارة مصر عند وفاة ~~أميرها الحاكم، وألا تجند مصر أكثر من ثمانية عشر ألف عسكري، وأن تؤخذ الضرائب بنفس ~~الطريقة التي تؤخذ بها في تركيا، وأن يرسل للدولة منها الربع، فرفض عزيز مصر هذه القيود ~~كما رفضتها فرنسا، وعاد الهياج والاضطراب في فرنسا إلى ما كانت عليه. فاهتم «مترنيخ» ~~وزير النمسا الأول بالأمر، وسعى في عزل الصدر الأعظم «رشيد باشا» الذي كان يعمل بنصائح ~~السفير الإنكليزي، فعزلته الدولة وعينت مكانه «رفعت باشا» وأصدرت إرادة جديدة بتعيين ~~«محمد علي باشا» واليا على مصر، وجعل إمارة مصر لأبنائه من بعده الأرشد فالأرشد، وبأن ~~يتفق بعد بين مصر والباب العالي على مبلغ ترسله مصر سنويا للدولة العلية. # فقبل المرحوم «محمد علي باشا» هذه الشروط في 10 مايو سنة 1841، ولم يعد لإنكلترا ~~وسفيرها بالآستانة حجة لخلق المشاكل ومد أجل الشقاق، وبذلك أمضت الدول كلها في لوندرة ~~بتاريخ 13 يوليو من السنة نفسها على اتفاقيتين: الأولى معلنة قفل باب المسألة المصرية ~~حين ذاك. والثانية: متعلقة بقفل بوغازي الدردنيل والبوسفور أمام سفن الدول ~~الحربية. # وبذلك انتهت هذه الأزمة المشئومة. ~~••• # لا ريب أن المرحوم «محمد علي باشا» كان يعمل لتوسيع نطاق ملكه، وكان مولعا بأن يتولى ~~إمارة مصر والشام؛ لتتم له الكلمة في الشرق وفي البحر الأبيض المتوسط، وكأنه رأى ما رآه ~~قبله نابليون من أن صاحب مصر لا يهنأ له ms065 عيش ولا تكمل له سعادة بغير الشام، وكذلك صاحب ~~الشام لا تؤيد إمارته ولا تقوى سلطته إلا باستلامه زمام أمور مصر، فطمح لذلك مؤسس ~~العائلة الخديوية لجعل الشام تحت حكمه، وانتهز فرصة رفض والي «عكا» قبول طلبه بإرجاع ~~المصريين المهاجرين من مصر إلى وطنهم؛ لفتح الشام وتحقيق أمانيه، ومما سهل له ذلك علمه ~~بارتباك أحوال الدولة عندئذ، واشتغال المرحوم السلطان «محمود الثاني» بتنظيم جيش ~~جديد. # وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن «محمد علي باشا» كان يؤمل القبض على زمام الخلافة ~~الإسلامية والسلطنة العثمانية والجلوس على أريكة ملك آل عثمان، ولكني لست ممن يرون هذا ~~الرأي، بل ولا ممن يظنونه ظنا، فإن «محمد علي باشا» الذي وهبه الله من الذكاء النادر ~~والفكر الحاد والنظر الصائب والبصيرة الصادقة ما جعله في نظر الكثيرين فوق «نابليون» ~~رأيا وعملا أبعد من أن يؤمل مثل هذا الأمل المستحيل، وإن ذلك الذي سخرت له الرجال ~~وذللت أمامه صعاب الأعمال كان يعلم أكثر من كل إنسان أن زوال المملكة العثمانية أمر لا ~~يكون إلا إذا زال هذا الوجود، وأن دولة الروسيا القوية العظيمة لم تستطع بلوغ هذه ~~الغاية، فكيف به وما كان إلا أمير مصر؟! # كلا، إني لست ممن يرون بأن مؤسس العائلة الخديوية الكريمة كان يؤمل أو يحلم أن يقبض ~~على زمام الدولة العثمانية، ولكنه كان يريد أن يحكم الشام مع مصر، وها هي رسائله إلى ~~«لويس فيليب» ملك فرنسا مدونة في المستندات الرسمية والتاريخية تثبت أن غاية أمانيه ~~كانت الاستيلاء على الشام. # ولو كان يعلم عزيز مصر بالنتائج السيئة والعواقب الوخيمة التي تنشأ عن دخوله الشام، ~~ووقوع الخلاف بينه وبين الدولة العلية؛ لكان ولا محالة عدل عن أمنيته وعمله، ولا جرم أن ~~«محمد علي باشا» تندم طويلا على هذا الخلاف المشئوم، وتحسر على ما فرط ~~منه. # وقد يذهب الإنسان عندما يقلب صحائف تاريخ هذه الأزمة المشئومة إلى أن هنالك أسرارا ~~لم يكشفها لنا التاريخ دفعت بعزيز مصر ضد الدولة العلية، فإن المرحوم «محمد علي باشا» ms066 ~~كان يعلم علم اليقين أن إنكلترا هي أول عدوة له ولمصر، وأنها لذلك تعاكسه بكل ما في ~~وسعها، وكان لا يغيب عنه أن الروسيا لا يروق لها استيلاؤه على الشام وتأسيس دولة ~~إسلامية جديدة يكون لها من القوة والحول ما تستطيع معه الدولة العلية يوما من الأيام ~~أن تقهر الروسيا وتردها عن ديارها. # وعلى أي حال، فهذه الأزمة المشئومة يجب أن تكون درسا أبديا للعثمانيين والمصريين، ~~بل ولسائر المسلمين؛ فإن هذا الخلاف القديم كان سببا لمصائب جمة تساقطت على مصر وعلى ~~الدولة العلية، وفي أغلب الملمات التي نزلت بالدولة أو بمصر يرى الإنسان أثرا من آثار ~~ذلك الشقاق المنحوس. # وقد يعمل بعض المفسدين على إحياء الضغائن في صدور رجال الدولة العلية بإيهامهم أن مصر ~~طامحة الآن وفي كل آن إلى ما طمح إليه مؤسس العائلة الخديوية ، وهي دسيسة لا يقصد بها ~~إلا الإضرار بمصالح الدولة وبمصالح مصر. # فإذا كان الخلاف القديم قد جر على الدولة وعلى مصر المصائب والبلايا، فواجب على بني ~~الدولة وبني مصر أن يعتبروا به، وأن يجعلوا الوفاق والاتفاق رائدهم في كل أعمالهم؛ فمصر ~~من الدولة روحها ومن الخلافة فؤادها، ولا حياة لهذا الجسم العظيم إلا بالاتفاق بين ~~أعضائه في العمل. # وإذا كانت دول أوروبا تتحد وتتفق مع قوتها وعظمتها عندما يهم المسيحية أمر، فكيف لا ~~نتحد معاشر المسلمين وبلادنا واقعة في أشد البلاء، والأخطار محدقة بها من كل جانب، ~~وأعداؤها يكيدون لها أعظم كيد كلما سنحت لهم الفرص؟! # لا سلامة للدولة العلية ولمصر إلا بالوفاق والاتحاد، وقد أدرك هذه الحقيقة المصريون ~~عن بكرة أبيهم مقتدين بالعباس أميرهم المحبوب، فتقربوا من الدولة العلية، وجاهروا ~~بمحبتها في السراء والضراء، واعترف العالم كله بأن أهل مصر أصدق المخلصين للدولة العلية ~~وللعرش الشاهاني؛ إذ ثبت ذلك بأجلى بيان في الحرب الأخيرة، ولا ريب عندي أن أمة مصر ~~العزيزة ثابتة في أميالها لا تتحول أبد الدهر عن إخلاصها للدولة العلية حماها ~~الله. # وإنه ليجب على كل مصري صادق وعلى كل عثماني ms067 يخلص الحب لبلاده أن يحبط أعمال الذين ~~يبثون الدسائس بين مصر والدولة العلية، ويلقون بذور الشقاق بين جلالة الخليفة الأعظم ~~وسمو الخديوي الأفخم، فإن أولئك العاملين على خلق الشحناء والبغضاء بين المتبوع والتابع ~~لأشد خصوم الدولة، وألد أعدائها. # كتاب من «محمد علي» أمير مصر إلى «لويس فيليب» ملك فرنسا # نأتي هنا على ترجمة كتاب أرسله عزيز مصر إلى ملك فرنسا بشأن حوادث الشام ومسألة ~~الخلاف بينه وبين الدولة العلية، وكنا قد نشرناه في جريدة المؤيد الغراء عقب خطبة ~~ألقيناها بالإسكندرية، وأشرنا فيها إليه. # ومن هذا الكتاب يعرف القارئ حقيقة أفكار المرحوم «محمد علي باشا» وأمياله وقت ~~الأزمة السالفة الذكر. # القاهرة في 16 رمضان سنة 1256 هجرية، نوفمبر سنة 1840 # أيها الملك العظيم، إني أشعر بالحاجة لإظهار شكري لجلالتكم، ذلك الشكر ~~الذي يجيش في صدري. # فلقد ألقت نحوي حكومة جلالة الملك من أمد بعيد أنظار رعايتها، واليوم ~~تتوج جلالتكم مآثرها علي بإعلانها للدول أن وجودي السياسي ضروري للموازنة ~~الأوروبية. # وإن هذه العواطف الجديدة من شأنها أن تحدد لي واجبات أعرف القيام بها، ~~وأول هذه الواجبات هو أن أوضح لملك فرنسا بكل صراحة أسباب سلوكي الحالي ~~واحدا بعد آخر. # لقد كانت في سائر الأزمان سعادة الدولة العثمانية أصدق أمنية أتمناها من ~~صميم فؤادي؛ حيث أنا أود أن أراها دائما سعيدة قوية آمنة، وكانت قصارى ~~آمالي ومرامي أنظاري موجهة نحو مساعدتها على أعدائها أولا، والمحافظة على ~~كل ما ملكته يدي بعد المجاهدات العظيمة في سبيل الدفاع عنها ثانيا. # أما الذي حببني نحو فرنسا - وأقول ذلك بكل صراحة - وحملني على اتباع ~~نصائحها دائما، فهو ما تبينته من أنها أكثر الحكومات رغبة في خير الدولة ~~العثمانية بلا خديعة ولا مواربة ولا شائبة قصد سيئ، وكذلك أرجو أن تعتقد ~~جلالتكم أن حبي لبلادي هو الذي كان دائما الدافع لي والقائد ~~لزمامي. # وعلى ذلك استطعت بعد المجاهدات العظيمة والأحوال المتناقضة تأييد الأمن ~~في الشام، فحل فيها اليوم السلام محل الفوضى والاضطراب، وإذا كنت قد أظهرت ~~عظيم رغبتي ms068 في بقاء هذه البلاد تحت حكومتي؛ فذلك لأني معتقد بأنها إذا ~~نزعت من يدي عادت إليها المصائب التي استأصلت جراثيمها منها. ومن جهة ~~أخرى، أرى أن الشام تصير إذا بقيت في يدي عنصر قوة أستطيع به وقتئذ مساعدة ~~مولاي السلطان ودولتي العلية مساعدة فعلية حقيقية، ولكنها لما كانت في يد ~~الدولة العلية - وذلك ما أتجاسر على القول به - كان الاضطراب والفوضى ~~والحروب الأهلية مستحكمة فيها، وها قد تحققت اليوم شيئا مما كنت أخافه، ~~فلقد ساعد النفوذ الأجنبي عناصر الشقاق والاضطراب حيث لم يكن يفلح أول ~~الأمر مسعى الذين كانوا يهيجون الأمة، ولكن مساعي أولئك الذين كانوا يظنون ~~أنهم يخدمون استقلال تركيا بإحداثهم الاضطراب في إحدى ولاياتها نجحت هذه ~~المرة، لا في إثارة خواطر البلاد فقط، بل وفي إقامة الأمة ضد بعضها، فثارت ~~بذلك الحروب الأهلية. # وإن دواعي المصلحة العمومية التي كانت ترغبني في المحافظة على الشام، ~~وجعلها تحت حكومتي زالت اليوم بالمرة، ولم تبق هنالك إلا مصالحي الخصوصية ~~ومصالح عائلتي، وإنني مستعد لحياطة هذه المصالح بكل ما يصل إليه جهدي في ~~سبيل سلامة العالم، فأترك إذن الأمر للحكمة العالية، وأضع بين يدي ملك ~~فرنسا حظي، فهو الذي يسوي كما تقتضيه رغبته الخلاف الحالي. # وإذا وافق ما أعرض على جلالتكم؛ فإنني أرضى من الشام بعكا؛ لأنها البلد ~~التي قاومت بكل الوسائل مساعي التهييج التي عملت لإثارتها ضدي، وقد يجوز أن ~~جلالتكم ترى من العدل أن تترك لي جزيرة «قنديه» التي صارت تحت سلطة حكومتي ~~حسنة زاهية من عهد بعيد، ولكن إذا أرشدتكم حكمة جلالتكم العالية إلى أن زمن ~~التساهل والتنازل قد فات، وأن المحافظة الشديدة واجبة، فإني مستعد للكفاح ~~حتى آخر لحظة من حياتي أنا وسائر أولادي، وإن جيشي في الشام لا يزال ~~عظيما، ودمشق وحلب وكل المدائن المهمة لا تزال تحت سلطتي، وجيشي الذي في ~~الحجاز ها هو عائد نحو مصر، وقد وصل قسم منه إلى القاهرة، ويصل القسم الآخر ~~قريبا، وبين يدي شيوخ ذوو نفوذ هم نازعون الآن إلى ms069 جبل لبنان متعهدين بأن ~~يخضعوا لسلطتي الدروز والمارونيين، ولدي أربعون باخرة مستعدة للسفر لأول ~~إشارة من جلالتكم. # وعليه فأؤمل أن أسباب مسعاي لا تبقى مجهولة بعد اليوم، حتى لا يظن إنسان ~~ما أن الخوف صار قائدي الآن، فإن حياتي كلها براهين داحضة لمثل هذه الدعوى، ~~ولو كان الخوف يقودني، لجاز أن أرى ضعيفا واهنا، ولكنت تنازلت منذ 15 ~~يوما حيث كان وجودي مهددا بالأخطار، ولكن اليوم وقد أنقذ وجودي السياسي ~~بإعلان فرنسا، فإنني لا أخاطر بشيء كبير إن طالت الحرب. # كلا، وليست القوة التي يعدونها ضدي هي التي ترهبني؛ بل إن الذي يرهبني هو ~~أن أكون سببا لحرب عمومية، وأن أجر فرنسا التي أنا مدين لها كثيرا إلى ~~حرب لا يكون لها داع غير فوائدي ومصالحي الشخصية. # ولهذا فإنني أعرض حقيقة الأمر على أنظار جلالتكم، واعترافي لكم بالجميل ~~يجعل ذلك فرضا وواجبا علي، فضلا عن أني معجب وواثق بملك فرنسا، ذاك ~~الإعجاب وهذه الثقة اللتين تحمل العالم كله عليهما حكمة جلالتكم وذكاؤكم ~~العالي، وإنني بهما أضع حظي بين يديكم. # ومهما كان قرار الملك، فإني أقبله بشكر وامتنان ما دامت جلالتكم مشتركة ~~في المعاهدة التي سيتفق عليها بين الدول العظيمة، والتي تقرر حظي ~~ومستقبلي. # وأخيرا، مهما وقع ومهما كان الأمر، فإني أرجو الملك أن يسمح لي بأن أقول ~~له: «إن اعترافي بالجميل نحوه ونحو فرنسا سيبقى في قلبي إلى الأبد، وإني ~~أتركه إرثا لأبنائي وأبناء أبنائي من بعدي كواجب مقدس.» # ولقد كنت أود أنه كلف أحد ضباطي العظام المعول عليهم بحمل هذا الكتاب إلى ~~أعتاب جلالتكم، ولكن الصعوبة وطول القورتنينه حملتاني على تكليف الكونت ~~«والوسكي» بتوصيله إلى جلالتكم، ا.ه. # محمد علي ~~(3) الأزمة الثالثة: حرب القرم # تبين للقارئ فيما سبق أن إنكلترا حلت محل الروسيا في النفوذ لدى الباب العالي، وصارت ~~وحدها المسموعة الكلمة في الأزمة الأخيرة عند رجال الدولة، وأنها توصلت إلى إبطال ~~معاهدة «خونكار أسكله سي» التي خولت للروسيا حق إرسال جيوشها إلى قلب الدولة العلية عند ~~الحاجة، فاستاءت الروسيا ms070 لذلك، وعقدت النية على الانتقام من الدولة العلية التي أحلت ~~إنكلترا محلها، وقد كان المرحوم السلطان الغازي «عبد المجيد خان» عاملا على إصلاح ~~أحوال الدولة، وتنظيم إدارتها، فأصدر فرمان الكلخانة الشهير الذي اشتمل على إصلاحات ~~عديدة كانت تكفي لتقويم أحوال الدولة وتقويتها في ظرف قليل من السنين، فساء ذلك القيصر ~~«نيقولا الأول» لأن سياسته كانت تقتضي تقهقر الدولة على الدوام، وعدم تمكنها من إصلاح ~~شئونها، وتقويم المعوج في أحوالها؛ ولذلك أوعز إلى المسيحيين الأرثوذكس في الدولة ~~بمعارضة «التنظيمات» والعمل على إيقاف تنفيذها، وبالرغم عما بذله الأرثوذكس من معارضة ~~التنظيمات الجديدة، فإن الحكومة العثمانية التي كان على رأسها وقتئذ «رشيد باشا» ابتدأت ~~في تنفيذها، واستبشر كل العثمانيين بقرب فلاحها تمام الفلاح، ونيل ثمارها. إلا أن ذلك ~~كان من شأنه ازدياد حقد القيصر «نيقولا الأول» على الدولة العلية، فأمر بإجراء ~~التجهيزات الحربية اللازمة، واستعد لمحاربة الدولة مؤملا إضعافها وإيقافها في طريق ~~الإصلاح. # ولإيجاد المشاكل بين الروسيا والدولة العلية أوعز القيصر «نيقولا الأول» إلى القس ~~«دانيلو» الذي كان حاكما على الجبل الأسود، وتابعا للدولة العلية، بأن يرفع راية ~~العصيان في وجه الدولة، ودعاه قبل ذلك للسفر إلى سان بطرسبورغ، فسافر إليها وقوبل ~~فيها باحتفاء عظيم، وأهداه القيصر المال والنياشين، وحرضه ضد الدولة بكل أنواع ~~التحريضات حتى عاد إلى الجبل الأسود، ونادى أهله باسم الصليب والدين الأرثوذكسي للقيام ~~في وجه الدولة؛ فلبوا نداءه وثاروا أجمعين. # فلما علمت الحكومة العثمانية بذلك؛ سيرت جيشا عظيما بقيادة عمر باشا - وهو قائد ~~عثماني جليل اشتهر بقهر بلاد البوسنة - لقمع ثورة أهل الجبل الأسود، فسار الجيش ووقعت ~~بينه وبين الثوار مواقع دموية في جبال هذه البلاد، حتى قهر الثوار وتم له الظفر والنصر، ~~وقد كان لهذه الحادثة تأثير شديد في أوروبا، فاهتمت كل الدول بالأمر وعلى الخصوص ~~النمسا، فإنه كان يهمها عدم اضطراب الأحوال في البلقان، ولكنها كانت مدينة للروسيا ~~بمساعدتها في عام 1849 في قمع الثورة المجرية، فاضطرت للتظاهر بمساعدة أهل الجبل الأسود ~~لدى الباب العالي، وكان غرضها ms071 الحقيقي توطيد السكينة والسلام في البلقان، وإحباط مساعي ~~الروسيا، فسألت الباب العالي في آخر عام 1852 أن يعتدل في انتقامه أهالي الجبل الأسود، ~~حتى لا تجد الروسيا حجة لخلق مشاكل جديدة. # وفي هذه السنة نفسها حدث خلاف عظيم بين الروسيا وفرنسا بشأن الأماكن المقدسة في ~~الشام؛ وذلك أن لفرنسا بمقتضى معاهدات قديمة وحقوق ثابتة حماية معنوية على الكاثوليكيين ~~في الشرق، وقد توصلت بهذه الحماية إلى جعل مفاتيح كنائس «أورشليم» بأيدي الكاثوليكيين، ~~فأرادت الروسيا أن ترفع كلمة الدين الأرثوذكسي بتسليم مفاتيح الكنائس بأورشليم إلى ~~القسس الأرثوذكس؛ ليزداد نفوذها في الشرق مما يخالف مصلحة فرنسا في الشرق وشرفها كل ~~المخالفة؛ فلذلك احتجت الحكومة الفرنساوية على رغبة الروسيا، وطلبت من الباب العالي أن ~~يفصل في هذا الخلاف بمقتضى الحقوق والمعاهدات، فعين الباب العالي لجنة للتحقيق. وبعد ~~بحث طويل أقرت اللجنة على أن للكاثوليكيين وحدهم الحق في امتلاك الكنائس بأورشليم، ~~وبناء على هذا القرار أصدر الباب العالي فرمانا بذلك بتاريخ 9 فبراير سنة 1852، ~~فاستاءت الروسيا من هذا الفرمان غاية الاستياء، وألحت على الحكومة العثمانية بإبطاله ~~مدعية أن معاهدتي «قينارجه» و«أدرنة» تخولان لها هذا الحق، ولكن الباب العالي أبقى ~~فرمان 9 فبراير بالرغم عن إلحاح الروسيا ومعارضتها. # وفي آخر عام 1852 تعين لويس نابليون «نابليون الثالث» إمبراطورا على فرنسا، فعمل على ~~رفع شأن بلاده في الشرق، وسر لهذا الخلاف الناشئ بين دولته وبين الروسيا؛ ليدافع فيه ~~عن مصالح الكاثوليكية، ويستميل بذلك رجال الدين إليه. # وقد خافت النمسا وقتئذ أن يتسع الخرق على الراتق، وتشتعل نيران الاضطرابات في البلقان ~~ونيران الحرب بين الروسيا والدولة العلية، فبذلت جهودها في تسوية مسألة الجبل الأسود، ~~وأرسلت في يناير عام 1853 إلى الآستانة الكونت دي «ليننجن» يرجو الباب العالي باسم ~~النمسا توطيد السكينة في هذه الجهات المضطربة، والعفو عن ثوار الجبل الأسود، ومكافأة ~~المسيحيين الذين لم يثوروا ولحقهم الضرر في هذه الاضطرابات، فأجاب الباب العالي رجاء ~~النمسا، وتأيدت السكينة والطمأنينة في الربوع المضطربة. # أما ما يختص بمسألة الأماكن المقدسة، فقد ms072 أرادت فرنسا أن تتساهل مع الروسيا خصوصا ~~وأنها بلغت مرامها، واكتسب «نابليون الثالث» ميل الكاثوليكيين إليه، فسألت الباب العالي ~~أن يمنح القسوس الأرثوذكس بعض امتيازات في كنائس أورشليم، وخابرت الحكومة الروسية في ~~أمر عقد لجنة بسان بطرسبورغ من مندوبي الحكومتين للنظر في مسألة الأماكن المقدسة، فقبلت ~~الروسيا، وكان يخيل وقتئذ للعالم كله أن الخلاف بين الروسيا وفرنسا أوشك أن ينتهي ~~بسلام. ~~••• # غير أن القيصر «نيقولا الأول» أمر في الوقت نفسه البرنس منشيكوف بالسفر إلى الآستانة؛ ~~ليخلق سببا لإعلان الحرب على الدولة العلية، وكانت مأموريته ظاهرها أنه مكلف بتسوية ~~مسألتي الجبل الأسود والأماكن المقدسة مع الباب العالي، وقد سافر «منشيكوف» من سان ~~بطرسبورغ في 10 فبراير سنة 1853 مصحوبا بضباط عديديين خلافا للعادة الجارية عند سفر ~~أحد السياسيين إلى إحدى العواصم لمخابرة حكومتها في أمر. وجمعت الروسيا على نهر «بروث» ~~جيشا مكونا من خمسين ألف عسكري، وبدت جليا لكل أوربا رغبة الروسيا في الحرب، بل ~~عزمها على إعلانها. # وكان يظن القيصر «نيقولا الأول» أن البروسيا والنمسا تساعدانه ضد الدولة العلية، وأن ~~إنكلترا لا تعارضه في شيء، وكان لا يخاف مساعدة فرنسا لتركيا، ولا يظن أن إنكلترا ~~وفرنسا تتحدان مع تركيا ضده، وكان سفيره بلوندرة يمثل له الحكومة الإنكليزية ميالة ~~للسلم، والرأي العام الإنكليزي مضادا للحرب، والعلائق بين إنكلترا وفرنسا غير متينة ~~لا يخشى معها من عقد اتفاق بين هاتين الدولتين. كل ذلك حمل القيصر «نيقولا الأول» على ~~الاستعداد للحرب وعدم المبالاة بنتائجها. # وقد سعى القيصر طويلا في الاتفاق مع إنكلترا على تقسيم الدولة العلية بين دولته ~~وبينها، فتحادث في هذا الصدد كثيرا مع السير «هاميلتون سيمور» سفير إنكلترا بسان ~~بطرسبورغ، ولكنه لم يفلح؛ لأن إنكلترا كانت تعلم أن بقية الدول الأوروبية لا ترضى بأمر ~~خطير كهذا، وأن تقسيم الدولة العلية ليس بالأمر السهل، وعلى فرض وقوعه فإنه يجر أكبر ~~المصائب على العالمين، فضلا عن أن هذا التقسيم لا يفيد في الحقيقة غير الروسيا. # وفي 28 فبراير سنة 1853 وصل البرنس «منشيكوف» ms073 إلى الآستانة بين رجاله وضباطه، وفي ~~أبهة أراد بها التأثير على أفكار رجال الباب العالي، وصار في كل أفعاله يعمل على خلق ~~سبب لإعلان الروسيا الحرب على الدولة العلية، فطلب أولا عزل «فؤاد باشا» ناظر الخارجية ~~العثمانية الذي كان عدوا للروسيا؛ لتسهل له المخابرات، ثم عرض على الباب العالي مشروع ~~عقد تحالف دائم بين الروسيا والدولة العلية تعترف فيه الدولة بحماية القيصر على الكنيسة ~~اليونانية. فاندهش رجال الدولة من هذا المشروع الغريب، وأدركوا أن الروسيا تريد إعلان ~~الحرب؛ لأنها تعلم جيدا أنه يستحيل على الدولة قبول هذا المشروع، فإن لرؤساء الكنيسة ~~اليونانية سلطة دنيوية على نحو الخمسة عشر مليونا من المسيحيين، وما حماية الروسيا على ~~الكنيسة اليونانية إلا حماية حقيقية على هؤلاء المسيحيين. # وقد أبلغت الدولة العلية سرا وكلاء الدول الأوروبية طلب روسيا هذا، ووصل عندئذ ~~للآستانة سفيرا فرنسا وإنكلترا بها، وكلفا من قبل حكومتيهما بالعمل بالاتفاق. وبما ~~أن البرنس «منشيكوف» كان لا يزال يجاهر بأن مأموريته تنحصر في حل مسألتي الجبل الأسود ~~والأماكن المقدسة، اتفق السفيران على تعجيل حل هاتين المسألتين حتى يضطر «منشيكوف» ~~إلى مبارحة الآستانة وإعلان انتهاء مأموريته أو التصريح بنوايا القيصر الحقيقية، وسبق ~~أننا ذكرنا أن مسألة الجبل الأسود انتهت بتوسط النمسا لدى الباب العالي. أما مسألة ~~الأماكن المقدسة، فقد رضيت فرنسا بتسويتها بما فيه ترضية للقيصر، وتمت هذه التسوية في 4 ~~مايو سنة 1853، ولم يبق هنالك سبب ظاهري لبقاء «منشيكوف» بالآستانة، إلا أن القيصر ~~بقي على نيته الأولى، وكان لا يزال يظن أن إنكلترا لا تساعد الدولة ضده، فقدم «منشيكوف» ~~في 5 مايو سنة 1853 للباب العالي إنذارا شديد العبارة طلب فيه أن يجيبه في ظرف خمسة ~~أيام على طلبه بشأن عقد اتفاقية بين الدولتين، يضمن فيها الباب العالي للكنيسة ~~اليونانية حريتها الدينية وامتيازاتها الدنيوية، ويجعل للروسيا عليها حماية حقيقية، ~~وأعلن «منشيكوف» الباب العالي في إنذاره بأنه إن لم يقبل مطالب الروسيا قامت الحرب بين ~~الدولتين. فأجاب الباب العالي بأن الكنيسة اليونانية متمتعة بتمام حريتها، ms074 وبأنه مستعد ~~مع ذلك لأن يؤكد أمام العالم كله لسائر رعاياه المسيحيين ضمانته لحريتهم الدينية، وبأنه ~~يرفض رفضا باتا جعل الكنيسة اليونانية تحت حماية الروسيا، مبينا للبرنس «منشيكوف» ~~أنه لا يستطيع قبول هذا الطلب بدون تعريض استقلال الدولة للخطر، ووضع إدارتها الداخلية ~~تحت مراقبة أجنبية - أي تحت مراقبة الروسيا. # وفي ذلك الحين عين «رشيد باشا» صدرا أعظم ووزيرا لخارجية الدولة، وكان معروفا ~~بكراهته الشديدة للروسيا، فتظاهر «منشيكوف» ببعض اعتدال في خطته، وسأل الباب العالي أن ~~يرسل رسالة للحكومة الروسية يصرح لها فيها بقبول مطالبها، وبذلك لا تطلب منه الروسيا ~~عقد اتفاقية بهذه المطالب. فأجاب «رشيد باشا» على هذا السؤال الجديد بالرفض، وكان ذلك ~~في 20 مايو سنة 1853، فانقطعت المخابرات، وعاد «منشيكوف» إلى سان بطرسبورغ. وفي 31 مايو ~~من السنة نفسها أرسل «نسلرود» وزير الروسيا الأول إنذارا جديدا للباب العالي بمعنى ~~إنذار «منشيكوف»، وأعلن فيه بأن الروسيا تحتل مقاطعتي الأفلاق والبغدان إذا رفض الباب ~~العالي قبول مطالبها، وقد كان ورفض الباب العالي رفضا جديدا قبول هذه المطالب، فأرسل ~~«نسلرود» في 11 يونيو سنة 1853 إلى وكلاء الروسيا لدى الدول الأجنبية منشورا بين لهم ~~فيه الأسباب التي حملت الروسيا على الشروع في احتلال الأفلاق والبغدان؛ أي على إعلانها ~~الحرب على الدولة العلية. ~~••• # ما انتشر خبر تهديد الروسيا للدولة باحتلال مقاطعتي الأفلاق والبغدان حتى هاج الرأي ~~العام في إنكلترا وفرنسا، واندهش ساسة الحكومتين من جراءة الروسيا الغريبة، وإقدامها ~~على هذا العمل الخطير النتائج، فاتفقتا على مساعدة الدولة العلية ضدها، وأرسلتا ~~أسطوليهما إلى فرضة «بزيكا» أي إلى مدخل الدردانيل؛ ليسهل لهما أن تساعدا الحكومة ~~العثمانية مساعدة فعلية عن مساس الحاجة. # وإظهارا لما جبلت عليه العائلة السلطانية المعظمة من محبة رعاياها على اختلاف ~~دياناتهم ومذاهبهم، وحسن رعايتها لهم على السواء؛ أصدر الباب العالي خطا شريفا ~~بتاريخ 6 يونيو سنة 1853 منح فيه سائر المسيحيين في الدولة العلية الحرية الدينية ~~التامة؛ أي أكد لهم استمرار الحكومة العثمانية على احترام هذه الحرية التي تمتعوا بها ~~دائما هم ms075 وأسلافهم من قبل. وعرضت فرنسا من جهة أخرى على الدول الأوروبية مشروع عقد ~~مؤتمر لإزالة الخلاف بين الروسيا والدولة العلية؛ فبرهنت بذلك الدولة العلية ونصيرتها ~~الأولى فرنسا على اعتدالهما وميلهما للسلم، وتركتا مسئولية الحرب وسفك الدماء على ~~الحكومة الروسية التي بقيت على عنادها، ولم ترجع عن قصدها. # وعندما علم القيصر «نيقولا الأول» بإرسال الأساطيل الفرنساوية والإنكليزية إلى ~~الدردانيل غضب غاية الغضب، وزاد غضبه رفض الباب العالي للإنذار الذي أرسله إليه المسيو ~~«دي نسلرود» وزير الروسيا الأول، فأصدر إلى الشعب الروسي بتاريخ 25 يونيو من السنة ~~نفسها منشورا بين له فيه أنه أشهر على تركيا حربا يجب عليه اعتبارها حربا صليبية، ~~وجهادا في سبيل الأرثوذكسية. وبعث كذلك «دي نسلرود» بمذكرة إلى الدولة الأوروبية أظهر ~~لها فيها أن الدولة العلية وإنكلترا وفرنسا جبرت الروسيا على الحرب بأعمالها العدائية ~~ضدها، كأن وزير القيصر أراد أن يغالط أوروبا بهذه المذكرة، أو كأنه نسي أن دولته هددت ~~تركيا باحتلال مقاطعتي الأفلاق والبغدان، وأن فرنسا وإنكلترا ما أرسلتا بأسطوليهما إلى ~~مياه الدردانيل إلا عند توقع اشتعال نيران الحرب. # وقد هاجمت الجيوش الروسية في 4 يوليو سنة 1853 مقاطعتي الأفلاق والبغدان، واحتلتهما ~~بعد أيام قليلة، فاستولى بذلك القلق على أفكار سواس الدول الأوروبية، وعلى الخصوص دولة ~~النمسا التي كان موقفها حرجا للغاية، فإنها كانت لا ترضى معارضة الروسيا؛ لما لهذه ~~الدولة عليها من الأيادي البيضاء في قمع الثورة المجرية عام 1849، ولأنها الدولة ~~الوحيدة التي تستطيع مساعدتها ضد الثورات، فضلا عن أن الروسيا كان في قدرتها أن تهيج ~~العنصر السلافي في بلاد النمسا ضد الحكومة النمساوية. وكان من جهة أخرى اعتداء الروسيا ~~على الدولة العلية مخالفا لمصلحة النمسا كل المخالفة، وكان سواسها يعلمون علم اليقين ~~أنها لو ساعدت الروسيا استطاعت فرنسا وإنكلترا أن تهيج ضدها إيطاليا والمجر وبولونيا؛ ~~فلذلك بقيت النمسا حائرة في أمرها مضطربة في سياستها، وغاية ما أقر عليه سواسها أنهم ~~سألوا الباب العالي ألا يجعل جوابه على احتلال الروسيا لمقاطعتي الأفلاق والبغدان إعلان ~~الحرب عليها، ms076 بل مجرد احتجاج على هذا الاحتلال، حتى يسهل للنمسا مخابرة الدول في حل ~~المسألة حلا سلميا؛ فقبل الباب العالي سؤال النمسا، وبرهن بذلك للعالم كله على عظيم ~~اعتداله وسلامة أمياله؛ مما شجع النمسا على دعوة الدول لعقد مؤتمر بفيينا، وقد أجابت ~~الدول دعوة النمسا، واجتمع مندوبوها بفيينا في 24 يوليو سنة 1853، ولم تقبل الروسيا ~~الاشتراك في هذا المؤتمر، بل اكتفت بأن وعدت الدول بقبول ما تقرره فيه إن وافق ~~مصلحتها. # وقد أقر هذا المؤتمر على قرار مبهم العبارة والمعنى كان يسهل لسواس الروسيا أن يفسروه ~~حسب أهوائهم وأغراضهم، فرفضته الدولة العلية منعا للمشاكل. فلما رأت فرنسا وإنكلترا أن ~~الاتفاق مستحيل وأن الروسيا عاملة على منعه وإيقاد نيران الحرب أمرتا أسطوليهما بعبور ~~الدردانيل، والوقوف أمام الآستانة، وكان ذلك بناء على طلب الباب العالي ورغبته، وفي آخر ~~سبتمبر سنة 1853. # وفي هذه الأثناء تقابل القيصر «نيقولا الأول» في مدينة «أولموتز» مع الإمبراطور ~~«فرنسوا جوزيف» إمبراطور النمسا، وطلب منه الاتحاد معه ضد تركيا وفرنسا وإنكلترا ، ~~فاعتذر إمبراطور النمسا عن قبول هذا الطلب مظهرا للقيصر أسفه من عدم إمكانه مساعدته، ~~فلما لم يجد من إمبراطور النمسا إقبالا على مساعدته طلب من ملك بروسيا مقابلته، وقابله ~~وعرض عليه كذلك الاتحاد معه، ولكن نتيجة مسعاه عند ملك بروسيا كانت كنتيجة مسعاه عند ~~إمبراطور النمسا. # أما الدولة العلية، فقد اهتمت بإتمام تجهيزاتها الحربية ولم تغفل شيئا من لوازم ~~الحرب، وكان الرأي العام العثماني متهيجا جدا ضد الروسيا، والمسلمون في حالة قلق ~~وهياج عظيمين، خصوصا وأن منشور القيصر لشعبه أبان لهم أن الحرب دينية صليبية، فاجتمعوا ~~مئات وألوفا أمام سراي السلطان، وطلبوا بأعلى أصواتهم إعلان الحرب، فلبت الدولة ~~طلبهم، وبعد جلسة عقدت من وزراء الدولة وكبرائها تحت رئاسة المرحوم السلطان الغازي ~~«عبد المجيد خان»، وأعلنت الدولة الحرب على الروسيا بتاريخ 4 أكتوبر سنة 1853، وفي 8 ~~منه أنذر «عمر باشا» قائد الجيوش العثمانية البرنس «غورتشاكوف» قائد الجيوش الروسية ~~بانجلاء العساكر الروسية من مقاطعة الأفلاق والبغدان، وحدد له خمسة عشر يوما ms077 أجلا ~~للجلاء تبتدئ الحرب بعدها إذا لم ينفذ البرنس «غورتشاكوف» طلب «عمر باشا». # وقد كان القيصر «نيقولا الأول» مؤملا قهر تركيا، ليس فقط بقوة جيوشه الجرارة، بل ~~بفضل الاضطرابات والثورات التي كان يعمل عماله وصنائعه لإحداثها في الدولة العلية؛ فإن ~~جملة من مهيجي اليونان قاموا في مقاطعة تساليا وأبيرا اللتين كانتا تحت حكم الدولة ~~بتحريض الأهالي على العصيان في وجه الحكومة العثمانية، وساعدت الحكومة اليونانية وقتئذ ~~هؤلاء المهيجين، وسمحت لعدد عديد من ضباطها وجنودها بالسفر سرا إلى تساليا وأبيرا؛ ~~لنشر لواء الثورة بالفعل، وكان القيصر يحرض من جهة أخرى شاه العجم على محاربة الدولة ~~العلية. # ولما كان أمل القيصر وطيدا في نجاح ثوار اليونان، والوصول إلى إحداث الاضطرابات في ~~الدولة من كل جانب، أظهر لدول أوروبا ميله للسلم ورغبته في تسوية المسألة تسوية سلمية، ~~وكان قصده بذلك إغفال الدولة العلية عن إتمام تجهيزاتها الحربية وإضعافها بالاضطرابات ~~والثورات. وقد اغترت النمسا بتصريحات القيصر وحسبتها صادرة عن إخلاص، فجمعت سفراء الدول ~~بفيينا ثانية في مؤتمر ، وقررت معهم في 5 ديسمبر سنة 1853 أمرين؛ الأول: المحافظة على ~~استقلال الدولة العلية. والثاني: استقلال الحكومة العثمانية تمام الاستقلال في إدارتها ~~وأعمالها الداخلية. وأرسلت النمسا مع هذا القرار مذكرة للباب العالي سألته فيها أن يخبر ~~الدول في أقرب وقت على أي شروط يقبل المخابرة مع الروسيا في أمر الصلح. # ولكن جيوش الدولة كانت قد سارت تحت قيادة «عمر باشا» وهزمت الجنود الروسية هزيمة ~~عظيمة اهتزت لها أوروبا كلها، وانتهت باسترجاع الدولة لمقاطعة الأفلاق الصغرى، وبإبعاد ~~الجيوش الروسية من صربيا التي كان يجتهد الروسيون في تهييجها ضد الدولة. وفي آسيا أتى ~~الجيش العثماني بقيادة «عبده باشا» ما أتاه مثيله بقيادة «عمر باشا» حيث دخل الأراضي ~~الروسية، وهزم جنودها، واحتل قلعة «سانت نيقولا». فأزعجت القيصر هذه الانتصارات ~~الباهرة، وانتقاما من تركيا أمر أسطوله بالبحر الأسود أن يدمر أسطولها، ففاجأه في ~~ميناء «سينوب» وأرسل عليه نيرانه حتى دمره بعد مجهودات عظيمة. # فلما وصل خبر واقعة «سينوب» إلى المرحوم السلطان ms078 «عبد المجيد خان» أرسل إلى دولتي ~~فرنسا وإنكلترا يسألهما إرسال أساطيلهما إلى البحر الأسود لحماية المواني العثمانية؛ ~~فأجابت الحكومة الفرنساوية الطلب بدون إمهال، بخلاف الحكومة الإنكليزية فإنها تأخرت ~~لعدم ميل «أبردين» رئيس الوزارة الإنكليزية إلى الحرب، وأمله في حل المسألة حلا ~~سلميا. غير أن الرأي العام الإنكليزي كان ميالا إلى الحرب متهيجا ضد الروسيا، ~~وكان «بالمرستون» وزير خارجية إنكلترا من أكبر أنصار الحرب، فقدم استعفاءه في 15 ديسمبر ~~عام 1853 عندما رأى تأخر «أبردين» في إرسال الأساطيل الإنكليزية إلى البحر الأسود؛ ~~فازداد تهيج الرأي العام الإنكليزي، واضطر «أبردين» إلى دعوة بالمرستون لسحب استعفائه ~~والعودة للوزارة تاركا له قيادة السياسة الإنكليزية كما يرى ويشاء، فأرسل «بالمرستون» ~~الأساطيل الإنكليزية إلى البحر الأسود حسب طلب الدولة العلية، وفي 27 ديسمبر أرسلت ~~فرنسا وإنكلترا مذكرة مشتركة للروسيا أعلنتاها فيها بوجوب سحب مراكبها وسفنها من البحر ~~الأسود، وبأن أساطيلهما داخلة إلى هذا البحر، وبأنهما تسمحان للدولة العلية بترك ~~مراكبها وسفنها فيه، فكان الإعلان في الحقيقة إعلانا للحرب من فرنسا وإنكلترا على ~~الروسيا، ولم ترض حكومتا الدولتين التصريح به علنا؛ لاشتغالهما بأمر إتمام التجهيزات ~~الحربية. # كل هذه الحوادث كان من شأنها ازدياد حيرة النمسا، فعادت هذه الدولة مرة ثالثة إلى ~~مخابرة الدولة العلية وبقية الدول في أمر منع الحرب، فطلبت من الدولة إيضاح الشروط التي ~~تطلبها لعقد الصلح، فأجابتها الدولة بأن شروطها أربع؛ أولا: إعلان استقلال بلادها ~~وأراضيها، وضمانة دول فرنسا وإنكلترا والنمسا والبروسيا لهذا الاستقلال. ثانيا: انجلاء ~~العساكر الروسية من مقاطعتي الأفلاق والبغدان. ثالثا: تجديد الضمانات المقدمة من ~~أوروبا للدولة في عام 1841. رابعا: احترام أوروبا كلها وفي مقدمتها الروسيا لاستقلال ~~الحكومة العثمانية في كل أعمالها داخلية كانت أو خارجية. # فلما عرضت هذه الشروط على سفراء البروسيا والنمسا وفرنسا بفيينا؛ قبلوها وصدقوا ~~عليها، وكلفوا حكومة النمسا في 13 يناير سنة 1854 بتبليغها للروسيا، وبقيت الدول منتظرة ~~جواب الروسيا على إنذار فرنسا وإنكلترا أولا، وعلى مذكرة الدول الأربع ثانيا، إلا ~~أن القيصر «نيقولا الأول» كان لا يزال ms079 مؤملا مساعدة البروسيا والنمسا، فأرسل إلى برلين ~~البارون «دي بودبرج» وإلى فيينا الكونت «أورلوف» ليسألا الحكومتين البروسية والنمساوية ~~أن تبقيا على الحيادة أثناء الحرب، ويعدهما القيصر مقابل ذلك بدعوتهما بعد للاشتراك معه ~~في حل المسألة الشرقية، فطلبت النمسا من الكونت «أورلوف» ألا تعبر الجنود الروسية نهر ~~الدانوب، ووعدته بالبقاء على الحيادة إذا قبلت الروسيا هذا الشرط، ولكن الروسيا وجدت ~~قبوله يضر بها ضررا عظيما في الحرب، فرفضته وحملت بذلك النمسا على أن ترفض طلبها ~~البقاء على الحيادة، وأن تحفظ لنفسها حرية تامة في العمل. # وقد رفضت البروسيا أيضا طلب الروسيا بالرغم عن قرابة القيصر «نيقولا الأول» لملكها، ~~وتحقق القيصر عندئذ أنه لا نصير له بين دول أوروبا، وأنه سيحارب تركيا وحده، فرفض مذكرة ~~الدول الأربع التي أرسلت إليه في 13 يناير سنة 1854، وأجاب على كتاب ودي أرسله إليه ~~«نابليون الثالث» إمبراطور فرنسا نصحه فيه بقبول مطالب الدول بأن شرف الروسيا يحتم ~~عليها الحرب، وبقي بذلك على عناده الأول غير حاسب لنتائج الحرب حسابا. # فلما علمت الحكومة الفرنساوية والحكومة الإنكليزية بنوايا القيصر أرسلتا إلى حكومته ~~بتاريخ 27 فبراير سنة 1854 إنذارا هددتاها فيه بوجوب إخلاء مقاطعتي الأفلاق والبغدان ~~وإلا أعلنتا عليها الحرب، واجتهدت فرنسا وإنكلترا بعد ذلك في ضم النمسا والبروسيا ~~إليهما ضد الروسيا، غير أن ملك بروسيا رفض الاشتراك في الحرب ضد الروسيا، وأبلغ حكومات ~~فرنسا وإنكلترا والنمسا بأنه مستعد للاتفاق معها على بعض قواعد سياسية، تكون فيما بعد ~~أساسا لتسوية الخلاف بين الروسيا وتركيا. فقبلت الدول الثلاث ذلك، واجتمع مندوبو ~~البروسيا والنمسا وإنكلترا وفرنسا في فيينا مرة رابعة، وأمضوا على بروتوكول «مذكرة» 9 ~~أبريل سنة 1854 المشتمل على القواعد الآتية؛ أولا: استقلال الدولة العلية. ثانيا: ~~انجلاء العساكر الروسية من مقاطعتي الأفلاق والبغدان. ثالثا: استقلال الحكومة ~~العثمانية في أعمالها، وترك الحرية التامة لها في منح رعاياها المسيحيين الامتيازات ~~اللازمة. رابعا: الاتفاق على الضمانات اللازمة؛ لتنظيم العلاقات السياسية للدولة ~~العلية؛ مما يضمن سلامة التوازن الأوروبي. # وعندما وصل إنذار فرنسا وإنكلترا السابق ms080 الذكر إلى القيصر «نيقولا الأول» رفضه رفضا ~~باتا، وقبل إعلان الحرب عليه من الدولتين، فعقدت فرنسا وإنكلترا عندئذ في 12 مارس ~~سنة 1854 تحالفا مع الدولة العلية ضد الروسيا اشترط فيه بادئ بدء أن فرنسا ترسل خمسين ~~ألف جندي إلى تركيا، وأن إنكلترا ترسل خمسة وعشرين ألفا، ولكن الحرب اقتضت إرسال جنود ~~كثيرة، حتى إن فرنسا وحدها فقدت في ساحة القتال فوق المائة ألف جندي، واشترط في هذا ~~التحالف أن دولتي فرنسا وإنكلترا تسحبان جنودهما في مدة خمسة أسابيع بعد عقد الصلح مع ~~الروسيا، واشترط كذلك أن دولتي فرنسا وإنكلترا ترسلان أساطيلهما إلى البحر الأسود، ~~وبالفعل استولت فرنسا وإنكلترا على البحر الأسود وأرسلتا جيوشهما إلى الدانوب، ولقمع ~~الثورة في تساليا وبيرا أرسل جزء من هذه الجيوش إلى هاتيك الجهات، فقمعت الثورة في ~~زمن يسير، وعادت السكينة بعد الاضطراب. ~~••• # وبعد أن اتفقت فرنسا مع إنكلترا ضد الروسيا اجتهدت الحكومتان في استمالة النمسا ~~إليهما؛ لأن قوة الجيش الروسي كانت على الدانوب، وكان يسهل التغلب عليه وقهره إذا ساعدت ~~النمسا دول تركيا وفرنسا وإنكلترا، غير أن النمسا كانت تأبى العمل ضد الروسيا قبل ~~اتفاقها على ذلك مع البروسيا، فخابرت هذه الدولة التي كان من صالحها خدمة الروسيا بدون ~~أن يدرك ذلك أحد، وطالت المخابرات بينهما، وانتهت بعقد اتفاقية بين النمسا والبروسيا ~~بتاريخ 20 أبريل سنة 1854 تضمنت أن النمسا ترسل لحكومة الروسيا إنذارا بعدم تقدم ~~جنودها وبانسحابها من مقاطعتي الأفلاق والبغدان، وأن النمسا والبروسيا تعلنان الحرب على ~~الروسيا إذا عبرت البلقان أو أعلنت استيلاءها على المقاطعتين. # وقد وجهت البروسيا عنايتها بعد عقد هذه الاتفاقية إلى إبطال مفعولها مع بقائها، وأخرت ~~إرسال النمسا للإنذار المتفق عليه مؤملة استيلاء الجيوش الروسية في هذه الأثناء على ~~مدينة «سيليستريا» التي كانت محاصرة لها، والتي لم تستطع الاستيلاء عليها، ولم ترسل ~~النمسا إنذارها للروسيا إلا في 3 يونية عام 1854. # ولما لم يستطع «غورتشاكوف» الاستيلاء على «سيليستريا» رفع عنها الحصار، وسحب جيوشه ~~عائدا إلى الوراء، وعندئذ اتفقت النمسا مع ms081 الباب العالي بتاريخ 14 يونيو سنة 1854 على ~~احتلالها لمقاطعتي الأفلاق والبغدان، وصد هجمات الروسيا عنهما، ومساعدة عساكر فرنسا ~~وإنكلترا في حركاتهما الحربية، إلا أن البروسيا كانت عاملة كما قدمنا على معاكسة ~~النمسا في خطتها، فأوعزت إلى حكومات الاتحاد الجرماني باشتراط جملة شروط للتصديق على ~~الاتفاقية التي عقدت بين الروسيا والنمسا في 20 أبريل، فعملت هذه الحكومات الصغيرة ~~بإيعاز البروسيا واشترطت عدة شروط؛ منها اشتراكها في المخابرات التي ستجري بين الدول ~~بشأن المسألة الشرقية، ومنها أنه إذا كانت النمسا ستجبر الروسيا على إخلاء مقاطعتي ~~الأفلاق والبغدان يجب عليها كذلك أن توقف سير إنكلترا وفرنسا وتجبرهما على الإمضاء على ~~هدنة؛ فاضطرت النمسا لقبول هذه الشروط، ورضيت فرنسا وإنكلترا بناء على رجائها بألا تسير ~~جيوشهما من جهة المقاطعتين، واتفقتا عندئذ على تجريدة «القرم» والهجوم على مدينة ~~«سباستول». # وقد أنقذت الروسيا من أخطار هائلة وخسائر جمة بتحول الجيوش الفرنساوية والإنكليزية ~~بعد التركية عن مقاطعتي الأفلاق والبغدان اتباعا لرجاء النمسا، والفضل في ذلك للبروسيا ~~التي أوعزت لحكومات الاتحاد الجرماني باشتراط هذا الشرط على حكومة النمسا. # فلما تحققت الروسيا من ميل البروسيا وحكومات الاتحاد الجرماني إليها أرسلت للنمسا ~~بتاريخ 29 يونية عام 1854 جوابها على إنذارها مبينة أنها لا تستطيع الرضاء بإخلاء ~~المقاطعتين من جنودها إلا إذا قدمت لها النمسا ضمانات كافية، وأعلنت عدم اتحادها مع ~~فرنسا وإنكلترا، وتعهدت بمنعهما من محاربة الروسيا في الأفلاق والبغدان؛ فرأت النمسا ~~عندئذ ضرورة الاتفاق مع فرنسا وإنكلترا على شروط جديدة لتسوية الخلاف بين الروسيا ~~وتركيا تكون بمثابة إنذار جديد للروسيا، وجمعت بفيينا مندوبي فرنسا وإنكلترا مع ~~مندوبيها لوضع هاته الشروط، فلما وصل هذا الخبر إلى ملك البروسيا أوعز إلى إمبراطور ~~الروسيا بإعلان إخلاء المقاطعتين من الجنود الروسية مؤملا بذلك تعطيل أعمال مندوبي ~~الدول الثلاث بفيينا، ولكنهم لبثوا مجتمعين بضعة أيام قرروا فيها - يوم 8 أغسطس عام ~~1854 - أن العلاقات السياسية بين تركيا والروسيا لا تعود لمجراها الأول؛ أولا: إذا ~~بقيت حماية الروسيا على مقاطعات الأفلاق والبغدان وصربيا، وإذا ms082 لم توضع الامتيازات التي ~~منحها الباب العالي لهذه المقاطعات تحت ضمانة الدول كلها. ثانيا: إذا بقيت الملاحة في ~~الدانوب غير حرة. ثالثا: إذا لم تغير الدول معاهدة 13 يوليو عام 1841. رابعا: إذا ~~استمرت الروسيا مدعية أن لها حق حماية المسيحيين كلهم أو بعضهم في الدولة العلية، وإذا ~~لم تضمن أوروبا كلها استقلال الدولة العلية وسلامتها. # وقرر مندوبو الدول بألا تحيد دولهم بعد عن هذا القرار، وألا يعقد الصلح إلا ~~بقبوله. # وقد أرادت النمسا أن تصدق البروسيا وحكومات الاتحاد الجرماني على هذا القرار، ولكنها ~~لم تقبل منه إلا الشرطين الأولين ورفضت الآخرين، وأعلنت النمسا أنها لا تتحد معها ~~إلا إذا تعهدت بمنع الجيوش التركية والفرنساوية والإنكليزية من الهجوم على المقاتلين ~~أو محاربة الروسيا من هذه الجهة؛ فحارت النمسا في أمرها لأنه كان لا يمكنها قبول هذا ~~الطلب بغير تكدير علائقها مع حكومات تركيا وفرنسا وإنكلترا. # وفي هذه الأثناء انتصرت الجيوش التركية والفرنساوية والإنكليزية على الجيوش الروسية ~~انتصارات باهرة، فقهرتها على شواطئ نهر «ألما» واستولت على مواقع مختلفة، وفي 25 أكتوبر ~~عام 1854 هزمت الجيوش المتحدة جيوش القيصر في «بكلاوا»، وفي 5 نوفمبر هزمتها في ~~«أنكرمان» وكان حصار «سباستوبول» لا يزال مستمرا. # وقد رأت فرنسا وإنكلترا أن النمسا تماطلها كثيرا في أمر الاتفاق معهما اتفاقا ~~نهائيا صريحا، فافتكرتا في طريقة تحملها على الاتفاق معهما وهي دعوة حكومة ~~«البيمونتي» إلى الاشتراك معهما في الحرب ضد الروسيا، ويعلم كل مطلع على التاريخ أن ~~النمسا كانت تبغض حكومة «البيمونتي» الإيطالية أشد البغض؛ لعملها على تحرير إيطاليا ~~كلها من تحت نير النمسا، فلما علمت حكومة فيينا بأن «البيمونتي» على وشك الاتحاد مع ~~فرنسا وإنكلترا؛ خافت من مساعدة هاتين الدولتين فيما بعد لهذه الحكومة الصغيرة، ~~وأبلغتهما أنها مستعدة للاتفاق معهما، وعقدت معهما بالفعل في 2 ديسمبر عام 1854 اتفاقا ~~تضمن أن النمسا تتبع قرار 8 أغسطس الذي أقرت عليه الدول الثلاث، وأنها لا تتخابر ~~بمفردها مع الروسيا، وأنها تدافع عن مقاطعات الأفلاق والبغدان وصربيا ضد كل اعتداء، ms083 وأن ~~فرنسا وإنكلترا تتعهدان للنمسا بمساعدتها ماديا إذا قامت الحرب بينها وبين الروسيا، ~~وأنه إذا لم يتم الصلح قبل أول يناير عام 1855 بالشروط التي قررتها الدول الثلاث في 8 ~~أغسطس عام 1854 اجتمع مندوبوها، وتداولوا في الوسائل الفعالة التي توصلها إلى ~~مرامها. # ويعلم القارئ مما سبق أن البروسيا كانت ميالة للروسيا، وعاملة على إنقاذها، فلما ~~علمت باتفاق النمسا مع فرنسا وإنكلترا ضد الروسيا سعت في تأخير تنفيذ هذا الاتفاق؛ ~~لتكتسب الروسيا زمنا تستطيع فيه تحسين أحوال جيشها وتقويته، وليسهل للبروسيا حل ~~الاتفاق بين النمسا وفرنسا وإنكلترا أو على الأقل إضعافه، فأشارت على الحكومة الروسية ~~أن تعلن النمسا بقبولها لقرار 8 أغسطس عام 1854 وتسألها عقد مؤتمر بفيينا للمناقشة فيه. ~~فسرت النمسا بذلك، وحسبت الروسيا صادقة في بلاغها، وطلبت من فرنسا وإنكلترا إرسال ~~مندوبين من قبلهما لحضور المؤتمر، فرضيت الدولتان بذلك، ولكنهما طلبتا من النمسا إرسال ~~مذكرة مشتركة للبرنس «غورتشاكوف» الذي كان عين سفيرا للروسيا بفيينا توضح فيها ~~الدول الثلاث معنى قرار 8 أغسطس السالف الذكر، فلم تجد النمسا مناصا من القبول، وحررت ~~المذكرة وأرسلتها في 28 ديسمبر عام 1854 مفسرة لمعنى قرار 8 أغسطس، وبعد عشرة أيام من ~~تاريخ إرسالها أجاب البرنس «غورتشاكوف» بمذكرة فسر فيها قرار 8 أغسطس تفسيرا يناقض ~~تفسير الدول الثلاث؛ أي تفسير الدول الواضعة للقرار، واستمرت المناقشات طويلا قبل عقد ~~المؤتمر نفسه. # وقد أحس مندوبو فرنسا وإنكلترا أن النمسا تخدع دولتيهما، وتعمل على عدم الوفاء ~~بتعهداتها؛ فأبلغوا حكومتيهم بذلك، وأشاروا عليهما بعقد اتفاق بينهما وبين حكومة ~~«البيمونتي» انتقاما من النمسا، وقد كانت الأمراض والحميات أضرت بالجيوش الفرنساوية ~~والإنكليزية ضررا بليغا، وشدة البرد عطلت الأعمال الحربية، فاتفقت فرنسا وإنكلترا مع ~~«فيكتور رامانويل» ملك البيمونتي على مساعدة حكومته لهما ضد الروسيا وإرسال ثمانية عشر ~~ألف مقاتل، وأمضى «كافور» الشهير وزير البيمونتي على هذه الاتفاقية في 26 يناير سنة ~~1855، وقد سر «كافور» بها سرورا عظيما؛ لعلمه بأن اشتراك البيمونتي مع فرنسا ~~وإنكلترا في الحرب ضد الروسيا يجعل لبلاده ms084 شأنا يسمح له بعرض المسألة الإيطالية على ~~الدول وقت المناقشة في شروط الصلح بعد إتمام الحرب؛ ولذلك يعتبر المؤرخون اتفاقية 26 ~~يناير عام 1855 مصدرا لتكوين الوحدة الإيطالية وأصلا لها، وما عقدت هذه الاتفاقية ~~حتى سافرت إلى تركيا الجنود البيمونتية تحت قيادة الجنرال «لامارمورا». # وفي هذا الوقت نفسه تقدم القائد العثماني «عمر باشا» إلى مدينة «إيباتوريا» - التي هي ~~أيضا ثغر من ثغور بحيث جزيرة القرم - وانتصر على الجيوش الروسية فيها نصرا مبينا في ~~17 فبراير عام 1855، وانضم بعد هذا النصر إلى جيوش الدولة وجيوش فرنسا وإنكلترا ~~المحاصرة لمدينة «سباستوبول». # ولما رأت النمسا أن فرنسا وإنكلترا أساءتا الظن بها، ورضيتا بمساعدة البيمونتي؛ ~~اجتهدت في إرضائهما والاشتراك معهما في العمل، فعرضت على البروسيا وحكومات الاتحاد ~~الجرماني أمر استعدادها للحرب، وعزمها على إرسال جنودها ضد الروسيا، فرفضت طلبها بأشنع ~~صورة ووجهت إليها الملام العنيف على اتباعها إرشادات فرنسا وإنكلترا بدون مراعاة مصلحة ~~البروسيا والحكومات الجرمانية، وكان الموغر للصدور وقتئذ ضد النمسا المسيو «دي بسمارك» ~~الطائر الصيت، وكان عضوا بالمجلس المشترك لحكومات الاتحاد الجرماني بفرانكفور ومسموع ~~الكلمة عند حكومته «البروسيا» وقد أظهر بمهارته السياسية الفائقة لحكومة البروسيا ~~وحكومات الاتحاد الجرماني أن خير وسيلة لمساعدة الروسيا هي جمع العساكر البروسيانية ~~والجرمانية على الحدود أمام الحدود الفرنساوية؛ لتخشى فرنسا شأنها ويرجع «نابليون ~~الثالث» عما كان عزم عليه من إرسال جيش جرار إلى النمسا مخترقا به البلاد الجرمانية ~~لمحاربة الروسيا، وجعلها بين نار جيوشه من جهة مقاطعتي الأفلاق والبغدان، وبين نار ~~الجيوش المتحدة من جهة القرم. وقد أفلحت سياسة «بسمارك» وعدل «نابليون الثالث» عن ~~مشروعه عندما علم بوقوف الجنود البروسيانية والجرمانية أمام حدود فرنسا. # وقد خطر على بال «نابليون الثالث» عندئذ أن يسافر بنفسه إلى الشرق، ويتولى القيادة ~~العامة على جيوش تركيا وفرنسا وإنكلترا، ولكن إنكلترا عارضته في رغبته كما عارضه ~~الكثيرون من نصاحه ووزرائه. # وفي 2 مارس من السنة نفسها - 1855 - توفي القيصر «نيقولا الأول» وتولى بعده القيصر ~~«إسكندر الثاني»، فأعلن لأوروبا رغبته في السلم وميله ms085 إلى عقد الصلح؛ مما اطمأنت له ~~خواطر الكثيرين من رجال السياسة، وحمل فرنسا على طلب عقد مؤتمر دولي جديد بفيينا؛ حيث ~~قبل طلبها وعقد المؤتمر في 16 مارس. # ولما عقد المؤتمر اتفق مندوبو النمسا وإنكلترا وفرنسا وتركيا والروسيا على شرطي ~~إعلان عدم حماية الروسيا لمقاطعتي الأفلاق والبغدان، وحرية الملاحة في نهر الدانوب. أما ~~ما يختص بضمانة استقلال الدولة العلية وسلامتها، فقد صرح مندوبو الروسيا بأن دولتهم ~~تحترم استقلال تركيا، ولكنها لا تقبل الاشتراك مع الدول في أمر ضمانته، وقد رفضت ~~الروسيا، وكذلك الشرط الرابع وهو المتعلق بتحديد عدد سفنها في البحر الأسود؛ فأوقفت ~~بسبب ذلك جلسات المؤتمر في 27 مارس عام 1855، ولما أعيد عقد المؤتمر رفض «غورتشاكوف» ~~مرة جديدة تحديد عدد سفن الروسيا في البحر الأسود وضمانتها مع الدول لاستقلال الدولة ~~العلية، وعرض على دول أوروبا قفل بوغازي الآستانة والدردانيل، كما تعهدت به الدول في ~~معاهدة عام 1841، وإعطاء الباب العالي حق فتحهما عند الحاجة لسفن الدول المتحالفة معه، ~~فلم يحصل بذلك الاتفاق بين مندوبي الدول، وأوقفت جلسات المؤتمر للمرة الثانية في 27 ~~أبريل عام 1855، وفي أوائل يونية أعيد عقد المؤتمر للمرة الثالثة، ولكن مندوبي الدول ~~تضاربت آراؤهم كما حصل في المرة الأولى والثانية، ولم يجدوا سبيلا للاتفاق؛ فأعلن ~~قفل المؤتمر نهائيا بلا نتيجة تذكر. ~~••• # وقد رأت فرنسا وإنكلترا أنهما صارتا في أشد حاجة للاتفاق بعد خيبة المؤتمر الدولي، ~~فسافر الإمبراطور «نابليون الثالث» إلى لوندرة لزيارة الملكة «فيكتوريا»، حيث قوبل فيها ~~بغاية الإجلال والإكرام، وبعد زمن قليل من زيارته ردت له الملكة زيارته بباريس، وبعدئذ ~~اتفقت الحكومتان الفرنساوية والإنكليزية على إصدار أوامر جديدة لقواد جيوشهما ببلاد ~~القرم أمرتاهم فيها بأن يحملوا الحملة الأخيرة على «سباستوبول»، وعينت الحكومة ~~الفرنساوية في القرم الجنرال «بيليسييه» بدل «كانروبر» على قيادة الجيش الفرنساوي، ~~وأمرته بالزحف على قلاع ومعاقل العدو، فاستولى بجيوشه في 7 يونيو عام 1855 مع مساعدة ~~جيوش الدولة العلية له في قلعة «ماملون فير» المعروفة بالقمة الخضراء، وهجم في 18 يونيو ~~على حصن «ملاكوف» ms086 فصدت الجيوش الروسية عنه جيش فرنسا؛ فاستاءت لذلك فرنسا وإنكلترا ~~وتركيا، وجمعت قواها، واتفق قواد هذه الجيوش المجتمعة «عمر باشا» و«بليسييه» و«سمبسون» ~~و«لامارمورا» على عمل مشترك للاستيلاء على «سباستوبول»؛ فهاجمت الجيوش المجتمعة في 8 ~~سبتمبر عام 1855 مدينة «سباستوبول»؛ حيث احتل الجنرال الفرنساوي «ماك ماهون» قلعة ~~«ملاكوف» بعد موت الكثيرين من جنود الدول المتحدة ومن جنود دولة الروسيا، وكان ذلك ~~اليوم مشهودا ومن أكبر أيام الحروب، وانتهى بسقوط «سباستوبول» في أيدي الجيوش ~~المتحدة. # وقد أحدث سقوط «سباستوبول» تأثيرا هائلا في كل أوروبا، وانتظر العالم كله إيقاف ~~الحرب وعقد الصلح بين الروسيا ودول تركيا وفرنسا وإنكلترا، ولكن الحرب بقيت مستمرة، ~~واحتلت الجيوش المتحدة جملة مواقع مهمة، منها مدينة «قلبرون». ولولا إقبال الشتاء ~~لاستمرت الحرب بلا انقطاع، وفي أثناء الحرب استولت الأساطيل الفرنساوية والإنكليزية على ~~ميناء «بتروباولوسك» واحتلت في بحر البلطيق «بومارسند» وضربت «سفيابورج». # فلما رأت الروسيا أن لا استطاعة لها على استمرار الحرب بذلت جهدها في استمالة فرنسا ~~لها، وحل عقدة الاتفاق بين هذه الدولة وبين إنكلترا، وأرسلت إلى باريس جملة من عمالها ~~وصنائعها؛ ليستميلوا إليها رجال السياسة الفرنساوية والقابضين على أزمة الرأي العام من ~~الكتاب والخطباء، فأظهر الإمبراطور «نابليون الثالث» استعداده لمساعدة الروسيا، ولكنه ~~وجدها ترفض مطالب الظافرين، فاضطر إلى الاستمرار على خطته الأولى نحوها، ولما كان من ~~صالح إنكلترا أن تضعف نفوذ الروسيا في بحر البلطيق اتحدت هي وفرنسا اتحادا دفاعيا ~~مع حكومة السويد التي كانت ألد عدوة للروسيا وقتئذ، وكانت تطمح لاسترجاع ~~«فنلندا». # وجرى في هذه الأثناء أن «فيكتور إمانويل» ملك البيمونتي ذهب إلى باريس برفقة وزيره ~~الشهير «كافور»، فانتهز الإمبراطور «نابليون الثالث» هذه الفرصة للانتقام من النمسا ~~التي خدعته وخدعت إنكلترا في حرب القرم، فاستقبل ملك البيمونتي ووزيره أحسن استقبال، ~~ووعدهما بالمساعدة على تحرير إيطاليا وتكوين وحدتها، فاضطربت الحكومة النمساوية وخافت ~~شر العاقبة، وأبلغت في الحال حكومتي فرنسا وإنكلترا أنها مستعدة لأن ترسل معهما إنذارا ~~للروسيا تهددها فيه بإعلان الحرب عليها إذا رفضت مطالب الدول الثلاث، وسألت ms087 الحكومة ~~النمساوية فرنسا وإنكلترا أن تمضيا معها على اتفاقية تضمن أمام العالم استقلال الدولة ~~العلية وسلامتها، فقبلت فرنسا وإنكلترا طلب النمسا، واتفقت الدول الثلاث على صورة ~~الإنذار، وأرسلته بالفعل لقيصر الروسيا بتاريخ 16 ديسمبر عام 1855، وأعلنته بوجوب قبوله ~~قبل تمام شهر أي قبل 17 يناير عام 1856، وهذا الإنذار يشتمل على الشروط الآتية: # أولا: # جعل المقاطعات الدانوبية تحت رعاية الدول العظمى وضمانتها، ومنع ~~الدولة العلية من إرسال جنودها إليها بدون تصريح الدول، وتعديل الحدود ~~من جهة البسارابيا. # ثانيا: # تقرير حرية الملاحة في نهر الدانوب تحت ضمانة الدول. # ثالثا: # جعل البحر الأسود حرا، ويعمل لذلك اتفاقية خصوصية بين الروسيا ~~والباب العالي تضمنها الدول بعد، وقبول الدولة العلية في المجتمع ~~الأوروبي، وعرض كل خلاف يقع بينها وبين إحدى الدول على بقية الدول، ~~وتقرير مبدأ قفل بوغازي الآستانة والدردانيل. # رابعا: # تأكيد حقوق المسيحيين في تركيا بدون إلحاق ضرر باستقلال السلطان ~~وسيادته العالية. # خامسا: # جواز وضع شروط جديدة إذا اقتضت مصلحة أوروبا ذلك. # فأجابت الروسيا على إنذار دول فرنسا وإنكلترا والنمسا في 5 يناير عام 1856 بقبول ~~الشروط الأربعة الأولى، ورفض الشرط الخامس لإبهامه، ولكن البروسيا خافت اشتعال نيران ~~حرب عمومية في كل أوروبا تقوم معها الثورات والاضطرابات، فنصحت الروسيا بقبول المطالب ~~الخمسة، والخروج من هذه الأزمة الخطرة عليها وعلى مصالحها، فاتبعت الروسيا نصيحة ~~البروسيا، وأبلغت الدول رسميا في 16 يناير عام 1856 قبولها لشروطها كلها . # فاجتمع عندئذ المؤتمر الدولي بباريس في 25 فبراير عام 1856 وعقدت جلساته تحت رئاسة ~~الكونت «والوسكي» وزير خارجية فرنسا، واشتركت الدولة العلية والروسيا فيه كما اشتركت ~~حكومة البيمونتي التي أرسلت نائبا عنها الكونت «كافور» الشهير، وكان «عالي باشا» ~~مندوبا عن الدولة العلية في هذا المؤتمر. # وقد اتفق مندوبو الدول في هذا المؤتمر بغير صعوبة على الشروط التي عرضتها من قبل ~~فرنسا وإنكلترا والنمسا، والتي أتينا عليها، ولم يختلفوا إلا في قبول طلب «نابليون ~~الثالث» بشأن ضم الأفلاق والبغدان إلى إمارة واحدة، فقرروا النظر في هذا الأمر بعد ~~انتهاء المؤتمر. ms088 # ولم يمض على مؤتمر باريس عامان حتى قررت الدول في باريس نفسها بتاريخ 19 أغسطس سنة ~~1858 جعل هاتين المقاطعتين إمارة واحدة تحت ضمانة الدول. # وقد أمضت الدول الأوروبية على عهدة باريس في 30 مارس سنة 1856، وأعلن قفل المؤتمر ~~في 16 أبريل من السنة نفسها، بعد أن تناقش أعضاؤه في جملة مسائل؛ أهمها: المسألة ~~الإيطالية التي عرضها على المؤتمر الكونت «كافور» ووجه أنظار الدول إليها، ولكن المؤتمر ~~لم يقرر شيئا في هذه المسائل، واكتفى بالاتفاق على بعض شروط خارجية عن عهدة باريس ~~مختصة بالملاحة والتجارة. # انتهت هذه الحرب بنتائج مختلفة نأتي عليها واحدة بعد أخرى. # تبين للقارئ أن هذه الحرب أصلها مسألة الأماكن المقدسة، والخلاف بين الكاثوليكيين ~~والأرثوذكس، وطالما كانت تؤمل كل دولة من الدول الاستيلاء على الشام، والقبض على زمام ~~الكنائس ببيت المقدس، فجاء الخلاف بين فرنسا والروسيا بشأنها دليلا على أن هذه الأماكن ~~المقدسة يجب أن تبقى إلى الأبد في أيدي الدولة الإسلامية العظمى؛ لأنها الدولة الوحيدة ~~التي تقدر أن تحفظ الموازنة بين كل الديانات في بيت المقدس، وتعطي كل ذي حق حقه، وأنه ~~لو تركت الأماكن المقدسة لدول أوروبا؛ لوقع بينها وبين بعض شقاق عظيم، وقامت حرب ~~دموية؛ لنزوع كل واحدة منها إلى امتلاكها، ورغبة كل دولة في سبق غيرها إلى الاستيلاء ~~عليها. # فدفعا لهذا الخطر الجسيم يجب أن تبقى هذه الأماكن في أيدي الدولة العلية العادلة ~~الأمينة، وقد أدرك سواس أوروبا ذلك، وعلموا أن مسألة الأماكن المقدسة هي من أهم الأسباب ~~التي تحتم ضرورة بقاء الدولة العلية. # وإذا كانت الدولة العلية قد اكتسبت من حرب القرم هذه النتيجة المهمة، فإنها لم تكسب ~~غيرها شيئا ما، فقد فقدت المال والرجال وأضاعت نفيس وقتها، ولم تأخذ من بلاد الروسيا ~~بلدا واحدة، بل انسلخت عنها في الحقيقة «الأفلاق والبغدان»، وقد خدعتها الدول بمنحها ~~امتيازين، أثبتت الحوادث بعد أنهما لا يفيدانها شيئا مذكورا؛ فقد تعهدت الدول كلها ~~بضمانة استقلال الدولة العلية وسلامتها، وأرتنا الحوادث أن دول أوروبا نفسها سلخت من ms089 ~~الدولة العلية جملة بلاد باسم هذا المبدأ نفسه مبدأ ضمانة استقلال الدولة العلية ~~وسلامتها، واتفقت الدول كذلك على اعتبار الدولة العلية دولة أوروبية وقبولها في ~~المجتمع الأوروبي، ولم تر الدولة لهذا الامتياز فائدة ما؛ بل كانت نتيجته جر البلايا ~~عليها بازدياد تداخل أوروبا في شئونها الداخلية. # وقد خرجت الروسيا من هذه الحرب سليمة لم تخسر فيها غير المال والرجال شيئا، ومعاكسة ~~الدول لها في البحر الأسود لم تكن إلا معاكسة وقتية كما أظهرته جليا الحوادث بعد ~~مؤتمر باريس. # أما الدولة التي استفادت كثيرا من هذه الحرب، فهي دولة البروسيا؛ فإنها استمالت ~~إليها الروسيا بخطتها نحوها، وأوجدت عندها كراهة شديدة للنمسا التي لم تساعدها ضد تركيا ~~كما ساعدتها هي في قمع الثورة المجرية عام 1849، وأحدثت البروسيا بين النمسا وبين ~~حكومات الاتحاد الجرماني شقاقا كبيرا؛ فحمل البروسيا كل ذلك على محاربة النمسا عام ~~1866 هذه الحرب التي ساعدت الروسيا فيها البروسيا مساعدة معنوية، وانتهت باستيلاء ~~البروسيا على مقاطعتين من أملاك النمسا، وقد تمت نتائج هذه الحرب بهزيمة فرنسا أمام ~~البروسيا عام 1870، وتكوين الوحدة الألمانية. # ومن أهم نتائج حرب عام 1866 على النمسا غير فقدها مقاطعتين مهمتين؛ استقلال المجر ~~منها استقلالا إداريا، وهي أيضا نتيجة من نتائج حرب القرم. # وقد استفادت كذلك من حرب القرم حكومة البيمونتي، فإنها أرسلت إلى مؤتمر باريس كما ~~قدمنا الكونت «كافور» الشهير الذي استلفت أنظار مندوبي الدول إلى حالة إيطاليا ومظالم ~~النمسا، وحمل على الحكومة النمساوية حملة شديدة كان لها رنة ودوي في كل أصقاع العالم، ~~ومن حسن حظ البيمونتي أن «نابليون الثالث» كان مغرما بتحرير البلاد النازعة للاستقلال، ~~وكان ميله لإيطاليا أشد من ميله لسواها، خصوصا وأن بغضه للنمسا كان عظيما بعد حرب ~~القرم؛ لتلاعب هذه الدولة في سياستها وعدم وفائها في وعودها مع فرنسا وإنكلترا، ولم ~~تمض إلا سنون قلائل بعد حرب القرم حتى نالت إيطاليا استقلالها وتكونت وحدتها، فكانت ~~بذلك حرب القرم سببا لسقوط مقاطعتين مهمتين من أملاك النمسا في قبضة البروسيا، وسببا ~~لاستقلال المجر ms090 استقلالا إداريا، وسببا لخروج إيطاليا من تحت نير النمسا ~~واستقلالها، وتكوين وحدتها. وبالجملة، كانت حرب القرم سببا لضعف النمسا وتقويض أركان ~~مملكتها. # وقد اكتسبت إنكلترا وفرنسا من هذه الحرب ازدياد نفوذهما في الآستانة، فاستعملتاه في ~~سبيل مصالحهما، فإن الهنود كادوا يطردون الإنكليز من بلادهم في ثورة سيباي الشهيرة عام ~~1856 لولا تداخل المرحوم السلطان «عبد المجيد خان»؛ فإنه أصدر منشورا - بناء على رجاء ~~إنكلترا - لمسلمي الهند أمرهم فيه بالركون إلى السكينة والطاعة لحكومة جلالة الملكة ~~«فيكتوريا»، ومعلوم أن المسلمين في الهند أقوياء، ولهم شأن عظيم وكلمة نافذة، وكلهم ~~يحترمون خليقة الإسلام ويجلونه أعظم إجلال، فلما وصل إليهم منشور جلالته وضعوه على ~~رءوسهم وعملوا بما أمرهم به، فألقوا أسلحتهم، وانتهت بذلك الثورة وتوطدت سلطة الإنكليز ~~في الهند بعد اضمحلالها. # وإنه ليتبادر للذهن أن إنكلترا شكرت الدولة العلية على عمل سلطانها الأعظم أو اعترفت ~~لها بالجميل، نعم إنها اعترفت لها بالجميل، ولكن بمعاداتها والاعتداء على بلادها! فإنها ~~سلطت في عام 1858 - أي بعد عامين من ثورة سيباي - إحدى سفنها الحربية الضخمة على ثغر ~~«جدة» فاستمرت تدمر فيه نحو عشرين ساعة؛ أسيلت فيها دماء كثيرة وخربت منازل ~~وبيوت عامرة، وكان ذلك عقب فتنة صغيرة قام فيها بعض المسلمين على بعض المسيحيين، ~~وأصيب فيها قنصل فرنسا وقتلت زوجته، ولم يكن لعمل إنكلترا معنى ولا ضرورة؛ لأن ~~الدولة العلية كانت قد أرسلت مندوبا عاليا من لدنها لتحقيق الأمر ومعاقبة ~~المعتدين. # أما فرنسا فقد استعملت نفوذها في تركيا الذي ازداد بعد حرب القرم - كما قدمنا - ~~لإعلاء كلمتها في الشرق؛ فأرسلت جيشا فرنساويا إلى الشام عام 1860 بحجة مساعدة ~~الدولة العلية على قمع الفتنة التي أحدثها الخلاف والشحناء بين المارونية والدروز، مع ~~أن جيش الدولة كان كافيا لإعادة الأمن والسكينة في هذه الديار، ولم تخرج العساكر ~~الفرنساوية من الشام إلا في 5 يونيو عام 1861. # هذه هي النتائج الخطيرة التي أنتجتها حرب القرم، ومنها يعلم القارئ حظ كل دولة في هذه ~~الحرب، وخطة الدول نحو الدولة العلية وكنه ms091 مقاصد كل واحدة منها وحقيقة أغراضها. ~~(4) الأزمة الرابعة: الحرب بين تركيا والروسيا وما قبلها وما ~~بعدها من عام 1875 إلى عام 1878 # أبنا في ختام ما سبق أن نتيجة حرب القرم على النمسا كانت وخيمة، حيث فقدت هذه الدولة ~~بعدها مقاطعاتها الإيطالية، وأخذت البروسيا منها في حرب عام 1866 مقاطعتين مهمتين، ~~ونالت المجر استقلالها النوعي؛ أي ارتفعت سلطة النمسا عنها؛ فطمعت هذه الدولة في أخذ ~~شيء من أملاك الدولة العلية يعوض عليها بعض خسائرها، فتقربت من ألمانيا عدوتها اللدودة ~~التي قهرتها، وكونت وحدتها بانتصارها عليها وعلى فرنسا عوضا عن أن تستعد للأخذ ~~بالثأر منها واسترجاع المقاطعتين اللتين أخذتهما منها، وصارت كذلك النمسا تستميل ~~الروسيا إليها وتوعز لها بمحاربة تركيا. # وأوضحنا كذلك أن العلائق بين الروسيا والبروسيا صارت جيدة متينة، وأن مساعدة البروسيا ~~للروسيا في حرب القرم حملت روسيا على ترك البروسيا تحارب النمسا وتقهرها وتحارب فرنسا ~~وتقهرها، وتأخذ من كل دولة من الدولتين مقاطعتين عظيمتين، وتكون بذلك وحدتها، ويصير ~~ملكها إمبراطورا لألمانيا بدون أن تعارضها في أعمالها، بل بقيت على الحيادة مظهرة ~~ارتياحها لنجاح البروسيا ضد النمسا وفرنسا اللتين عاكستاها - أي الروسيا - في حرب ~~القرم. # ومن ذلك يرى القارئ أن الروسيا والنمسا وألمانيا اتفقت بعد حرب عام 1870 التي قامت ~~بين فرنسا والبروسيا واتفق إمبراطرتها على العمل بالاتحاد، فاهتمت الروسيا لتغيير الشرط ~~المتعلق بحريتها في البحر الأسود الذي اتفقت عليه الدول في مؤتمر باريس عام 1856، ودعت ~~الدول لعقد مؤتمر للنظر فيه؛ فأجابت الدول دعوتها، واجتمع مندوبوها في عاصمة بلاد ~~الإنكليز في 13 مارس سنة 1871 واتفقوا - ولم تشترك فرنسا مع الدول لاشتغالها بعقد الصلح ~~مع البروسيا - على تغيير هذا الشرط، وإعطاء الروسيا الحرية التامة في الملاحة بالبحر ~~الأسود وتسيير سفنها فيه. # ولما تحققت الروسيا من أن ألمانيا والنمسا مستعدتان لمساعدتها، وأن إيطاليا دولة ~~ناشئة لا يخشى منها، وأن فرنسا ضعيفة بعد الهزيمة خافت صوتها، وأن ليس لها في دول ~~أوروبا من يستطيع معارضتها غير إنكلترا، وأنها وحدها لا تستطيع أن ms092 تضرها بشيء - فضلا ~~عن أن الروسيا كانت تعلم أن إنكلترا لا تفيد تركيا شيئا؛ لأن مبدأها في كل أطوار ~~سياستها أن تنتفع من غيرها ولا تنفع غيرها - اجتهدت «أي الروسيا» في تهييج أمم البلقان، ~~وأرسلت في كل أنحاء بلاد البلقان زعماء ينادون بالثورة ضد الدولة العلية، وينشرون مبدأ ~~اتحاد السلافيين تحت راية القيصر، ويدعون أقوام البلقان كافة للعصيان باسم الدين ~~الأرثوذكسي ضد الحكومة العثمانية الإسلامية. وكان من مصلحة النمسا أن تهيج بلاد البوسنة ~~والهرسك ضد الدولة العلية؛ لما كان عندها من الأمل في الاستيلاء عليها، فساعدت مهيجي ~~الروسيا وأخذت تهيج كذلك أهالي هذه البلاد حتى هاج المسيحيون كافة في بلاد البوسنة ~~والهرسك، وصارت المساعدات تأتيهم جهارا من بلاد الصرب والجبل الأسود، وأرسلت لهم من ~~النمسا الأسلحة والذخائر سرا. فلما علمت الدولة العلية بذلك أرسلت إلى البوسنة ~~والهرسك جيشا قويا بقيادة القائد الشهير والبطل العظيم الغازي «مختار باشا» فقمع ~~الثورة ورد كيد الثائرين، ولكن دول الروسيا والنمسا وألمانيا التي كانت تريد كما قدمنا ~~استمرار الثورات والاضطرابات في الدولة توسطت بين الثائرين وبين الباب العالي، وطلبت من ~~الدولة أن تقبل مطالب الثوار بتخفيف الضرائب عنهم وبتركهم يعينون الشرطة «البوليس» ~~من نفس أبناء البوسنة والهرسك؛ فوعد المرحوم السلطان «عبد العزيز خان» بالنظر في هذه ~~المطالب، وبمنح رعاياه على اختلاف دياناتهم ما يطلبونه من الامتيازات، وما يراه موافقا ~~لهم وللدولة. وفي 12 ديسمبر عام 1875 أصدر السلطان إرادة عالية بقبول مطالب أهالي ~~البوسنة والهرسك، وبرهن بذلك على عدم تعصب الدولة ضد رعاياها المسيحيين. ولو كانت الدول ~~راغبة حقيقة في خير المسيحيين وغير قاصدة ضرر الدولة وإضعافها، لكانت اكتفت بهذه ~~الإرادة السلطانية، وساعدت الدولة على تنفيذها، وأمرت الثوار الذين هاجتهم ضد الدولة ~~بالركون إلى السكينة وبالامتثال لأوامر الحكومة العثمانية، ولكنها كانت تعمل لبث ~~الفتن والثورات، فأوعزت إلى الثوار بعدم نزع السلاح وبالاستعداد للكفاح. # وفي 30 يناير عام 1876 قدمت الدول جميعها بما فيها فرنسا وإيطاليا مذكرة للباب العالي ~~طلبت منه فيها منح أهالي البوسنة والهرسك ms093 تمام الحرية الدينية، وتقرير مساواة الأديان، ~~وتخفيف الضرائب، وجعل الشرطة أهلية، وتشكيل لجنة من أهالي البوسنة والهرسك مكون نصفها ~~من مسيحيين والنصف الآخر من مسلمين؛ لمراقبة تنفيذ ما جاء في الإرادة العلية التي ~~أصدرها السلطان في 12 ديسمبر عام 1875. # وأول من وضع هذه المذكرة هو الكونت «أندراشي» وقد سميت باسمه - وهو مجري - أغضبت ~~خطته نحو الدولة العلية في هذه الحوادث الأمة المجرية؛ لشدة تعلقها بالدولة العلية ~~واعترافها بالجميل للعثمانيين. # ولم تتأخر الدولة العلية عن قبول مطالب الدول المذكورة في مذكرتها، وإجابتها عليها في ~~11 فبراير من السنة نفسها. # فلما رأت الروسيا أن الدولة العلية قمعت الثورة أولا، ولم ترفض مطالب الثوار ثانيا، ~~ولم ترفض مطالب الدول ثالثا، وتحققت من أنه يستحيل عليها خلق سبب سياسي من المخابرات ~~يقيم في وجه تركيا أوروبا والرأي العام الأوروبي، بذلت جهدها ووجهت كل عنايتها لجعل ~~الثورة عامة في بلاد البلقان؛ حتى تضعف الدولة وترتبك أحوالها من جهة، وحتى يسهل ~~عليها أن تشيع في أوروبا الإشاعات الكاذبة عن معاملة الأتراك للمسيحيين، وتهيج بذلك ~~الرأي العام الأوروبي ضد الدولة العلية وضد المسلمين؛ فاجتمع ثوار البوسنة والهرسك في ~~«كوسيروفو» في 28 فبراير أي بعد قبول الدولة لمطالب الدول، وقرروا بإيعاز الروسيا ~~الاستمرار على الثورة والعصيان، وعدم الخضوع للدولة. # وقد توصلت الروسيا إلى تهييج بلاد الصرب ضد الدولة العلية، فهاج أهلها، وجاهروا ~~بمعاداة الدولة وطلبوا من حكومتهم محاربتها؛ فخابرت حكومتها حكومة الجبل الأسود، واتفقت ~~معها ضد الدولة، فصارت بذلك بلاد البلقان كلها قائمة على قدم وساق ضد الدولة، وبلغت ~~الفوضى حدها في هذه البلاد ، فاعتدى المجرمون على الأبرياء، وصار كل واحد من الثوار ~~يفاخر الآخرين بما نهب وسلب من المسلمين، وصار الذين لا سلاح بأيديهم من المسلمين ~~يدافعون به عن أنفسهم فريسة للمجرمين من السافكين للدماء من ثوار المسيحيين. # رأى المسلمون في بلاد البلقان ما رأوا من الإهانة والسلب والنهب، وأسيلت دماء ~~الأبرياء من الكثيرين منهم، وأنصار الباطل والضلال في أوروبا يشيعون في كل مكان أن ~~الدولة العلية ms094 دولة بربرية تسفك دماء المسيحيين، وتهتك أعراض نسائهم، وتخرب بيوتهم ~~وكنائسهم، وغير ذلك مما يكرره أعداء الدولة وأعداء الحقيقة في كل خلاف يقع بين ~~المسيحيين والمسلمين في بلاد الدولة. # وقد عمل أعداء الدولة على تهييج الرأي العام الأوروبي ضدها بكل الوسائل، وحصل أن فتاة ~~مسيحية اعتنقت الدين الإسلامي في ضواحي سالونيك، وذهبت لهذه المدينة لإثبات إسلامها ~~بصفة شرعية، فعلم المسيحيون بالأمر، وتجمعوا في طريق الفتاة حتى اختطفوها عند مرورها، ~~وأخفوها في بيت أحد المسيحيين، فهاج المسلمون لذلك وذهبوا إلى الحاكم طالبين تخليص ~~الفتاة، ثم اجتمعوا في مسجد للمداولة في الأمر، وبينما هم مجتمعون؛ إذ دخل عليهم قنصلا ~~ألمانيا وفرنسا، فاعتدى عليهما بعض الحاضرين لاعتبارهم دخول القنصلين في المسجد إهانة ~~لهم، وضربوهما ضربا قضى عليهما في الحال. فانتشر خبر الحادثة في أوروبا، وما انتشر حتى ~~نادى أعداء الدولة بالويل والثبور، وحملوا على الإسلام ودولته العزيزة حملات شديدة، ~~وهاجوا الرأي العام ضد الحكومة العثمانية حتى اضطرت الدول كلها لإرسال سفن حربية إلى ~~ميناء سالونيك، ولم يستطع الباب العالي أن يفهم أوروبا أن القنصلين أخطآ في الذهاب إلى ~~المسجد، بل طلبت منه الدول معاقبة المعتدين، ولما لم يجد سبيلا لرفض طلب الدول عاقب من ~~ثبت عليهم الاعتداء على القنصلين بالإعدام، وانتهت بذلك هذه الحادثة، وهي حادثة من ~~حوادث عديدة خلقتها يد الدسائس والأغراض للإيقاع بالدولة والإضرار بها، وإني لست ممن ~~يستبعدون أن إسلام هذه الفتاة المسيحية كان مصطنعا، وأن الحادثة مدبرة من أولها ~~لآخرها؛ فكل من طالع شيئا من أعمال أرباب الدسائس في الدولة يعلم أنهم قادرون على ~~إيجاد حادثة كهذه وأكبر منها. # وقد عرض في هذه الأثناء ثوار البوسنة والهرسك على دول أوروبا أنهم ينكفون عن الثورة، ~~ويعيدون السكينة إلى بلادهم إذا أنفذت الشروط الآتية: # أولا: # أن تعطي الدولة العلية للمسيحيين ثلث الأراضي التي بيد المسلمين. # ثانيا: # أن تصلح لهم المنازل التي هدمت بسبب الثورة، وأن تساعدهم بالمال، ~~وأن تقدم لهم الثيران اللازمة لحرث الأرض. # ثالثا: # أن تعفيهم من الضرائب مدة ثلاث ms095 سنين. # رابعا: # أن تنجلي العساكر التركية النظامية من بلاد البوسنة والهرسك، وأن ~~تبقى فقط في «نيكشيش» و«ستولاز» و«فوكا» و«تريبين» و«بيوجلي» و«مستار»، ~~وأن ترسل النمسا والروسيا مندوبين من قبليهما في هذه البلاد لمراقبة ~~تنفيذ هذه الشروط. # خامسا: # نزع السلاح من المسلمين. # سادسا: # ضمانة الدول الأوروبية لتنفيذ هذه الشروط. # ولما رأت صربيا وبلغاريا والجبل الأسود أن الروسيا والنمسا وألمانيا تشجع ثوار ~~البوسنة والهرسك؛ أصغت لإرشادات المهيجين، وقامت مستعدة لمحاربة تركيا والانتقام من ~~الإسلام باسم الصليب، ولما أرادت الروسيا أن تعجل بالحرب وبإسقاط المصائب على تركيا ~~دعت النمسا وألمانيا للاشتراك معها في تقديم إنذار جديد للباب العالي، فأجابت النمسا ~~وألمانيا طلبها، واجتمع البرنس «غورتشاكوف» عن الروسيا والكونت «أندراشي» عن النمسا مع ~~البرنس «بسمارك» في برلين، وتم اتفاقهم في 11 مايو سنة 1876 على إنذار ترسله دولهم إلى ~~الباب العالي. # ولم تطلب الدول الثلاث من الباب العالي ما طلبته في مذكرة «أندراشي» التي أرسلت في ~~30 يناير عام 1876 بل طلبت جل ما أراد ثوار البوسنة والهرسك، فاشتملت مذكراتها على ~~الطلبات الآتية: # أولا: # أن يصلح الباب العالي المنازل التي دمرت بسبب الثورة، وأن يقدم كل ~~ما يلزم للفلاحين من الثيران والآلات، وأن يعفي أهالي البوسنة والهرسك ~~من الضرائب مدة ثلاث سنوات. # ثانيا: # أن يعين الباب العالي لجنة من أعيان أهالي البوسنة والهرسك ~~المسيحيين؛ لتوزيع المساعدات المادية التي يقدمها. # ثالثا: # أن يسحب العساكر التركية من بلاد البوسنة والهرسك، وألا يتركها تحتل ~~غير عشر قلاع معينة. # رابعا: # أن يترك المسيحيين مسلحين لغاية إتمام الإصلاحات، وإعادة الأمن ~~والسكينة إلى بلاد البوسنة والهرسك . # خامسا: # أن يكون لقناصل الدول أو لمندوبيها الحق في مراقبة تنفيذ هذه ~~الطلبات، وطلبت الدول الثلاث غير هذه الطلبات أن تمنح تركيا للثوار ~~هدنة شهرين، وهددتها بأنها إن لم تنفذ هذه الطلبات مدة الشهرين اتخذت ~~معها طرق القوة والقهر. # وقد قبلت فرنسا وإيطاليا التوقيع على هذه المذكرة، أما إنكلترا فرفضت التوقيع عليها ~~بالمرة. # ولا شك أن المطالع لهذه الشروط يقف مندهشا مستغربا من معاملة دول ms096 أوروبا للدولة ~~العلية، واعتدائها عليها بأشنع الصور وأقبحها، ويدرك من نفسه أن هذه الشروط لو كان ~~يطلب تنفيذها من أحقر دول الأرض لكانت رفضت قبولها، ولو أدى رفضها إلى دمارها ~~وخرابها؛ فموت فيه شرف خير من حياة تلطخ بالعار؛ ولذلك كان يستحيل على الدولة العلية أن ~~تقبل هذه الشروط ولو لحظة واحدة؛ فإن طلب الدولة بقاء الجنود العثمانية في جهات مخصوصة ~~وقلاع معينة، مع بقاء المسيحيين مسلحين هو تشجيع للثوار عظيم، وطلب الدول إعطاء الحكومة ~~العثمانية للمسيحيين كل ما يحتاجون إليه من المساعدات المادية، وإصلاح المنازل التي ~~دمرت بسبب الثورة هو طلب لا تستطيع ميزانية تركيا أن تقوم به، وتهديد الدول للدولة ~~باتخاذ طرق القوة والقهر معها إن لم تنفذ طلباتها هو تشجيع لكل أمم البلقان على ~~الثورة ضد الدولة العلية. # ومن سوء حظ الدولة أن أسقط عن عرش السلطنة العثمانية في هذا الوقت الممتلئ ~~بالاضطرابات والأخطار المرحوم السلطان «عبد العزيز خان»، وأجلس مكانه السلطان «مراد ~~الخامس» الذي لم يحكم إلا خمسة أشهر. ~~••• # وبديهي أن الروسيا كانت ترمي إلى إضعاف تركيا بالثورات والاضطرابات والحرب مع أمم ~~البلقان، حتى إذا ثبطت عزيمتها وقلت همتها تحولت ضدها برجالها وقوتها. وهي سياسة لا ~~يمكن لمؤرخ عادل أن يقول إنها سياسة شريفة؛ لأن الروسيا كان يجب عليها أن تحارب تركيا ~~من بادئ الأمر لا أن تهيج ضدها البوسنة والهرسك وصربيا والجبل الأسود ~~وبلغاريا. # فقد قام البلغاريون في وجه الدولة، وجعلوا غايتهم قتل المسلمين؛ فأتوا من الفظائع ~~والجرائم ما لا يستطيع وصفه قلم، وصار أنصار الضلال في أوروبا يكذبون على العالم كله، ~~ويدعون أن الدولة تذبحهم هم ونساءهم وأطفالهم مع أنهم كانوا المعتدين على الأبرياء من ~~المسلمين. # وقد استعدت كذلك صربيا والجبل الأسود لمحاربة الدولة، فاتحد أميرا هاتين الإمارتين ضد ~~الدولة، وحشدا الجنود بكثرة، وأرسلت الروسيا ضابطا من أمهر ضباطها «تشرنايف» لقيادة ~~الجيش الصربي، فلما علمت الدولة العلية باستعدادات صربيا والجبل الأسود الحربية أرسلت ~~إلى أميريهما في 9 يونيو عام 1876 تسألهما عن سبب هذه ms097 الاستعدادات، فأجابت الصرب بأنها ~~تطلب من الباب العالي أن تنجلي العساكر العثمانية من مقاطعتي البوسنة والهرسك، وأن تحتل ~~العساكر الصربية مقاطعة البوسنة، وأن تحتل عساكر الجبل الأسود مقاطعة الهرسك؛ فرفض ~~الباب العالي هذا الطلب الغريب بغاية الشدة والشهامة، وأرسل بجيشه إلى حدود الصرب ~~والجبل الأسود، وفي 30 يونيو أعلنت الصرب الحرب على تركيا، وفي 2 يوليو أعلنها الجبل ~~الأسود. # ولما كانت الروسيا تعلم أن تظاهر صربيا والجبل الأسود برغبة احتلال البوسنة والهرسك ~~من شأنه أن يكدر النمسا التي تريد تقوية نفوذها في البلقان، وتطمح إلى الاستيلاء على ~~هاتين المقاطعتين سافر القيصر «إسكندر الثاني» بنفسه إلى «ريشتاد» في بوهيميا، وتقابل ~~مع «فرنسوا جوزيف» إمبراطور النمسا، وتحادث معه طويلا في أمور الشرق. ويحقق كثيرون من ~~المؤرخين بأن القيصر وعد إمبراطور النمسا بإعطائه البوسنة والهرسك بعد انتهاء أزمة ~~المسألة الشرقية، فبقيت النمسا بذلك على الحيادة وقت الحرب بين الدولة العلية وبين ~~صربيا والجبل الأسود. # وقد كان يظن سواس أوروبا وكتابها ورجال الحرب فيها أن الدولة العلية ستقهر في هذه ~~الحرب أمام صربيا والجبل الأسود، ولكنهم علموا بعدئذ أن جنود تركيا لا يزالون ليوثا في ~~الحرب وآسادا في معامع القتال، فقد انتصروا على عساكر الجبل الأسود وجنود صربيا نصرا ~~مبينا بقيادة الغازي عثمان باشا والمرحوم عبد الكريم باشا، وهزموهم في «زيتشار» هزيمة ~~اهتزت لها أوروبا، ومادت لها محافلها ونواديها، ولما شعرت صربيا بأن بلغراد عاصمة ~~بلادها صارت نفسها في خطر طلبت من الدول بتاريخ 28 أغسطس سنة 1876 أن تتوسط بينها وبين ~~الدولة العلية، فسألت الدول الأوروبية الدولة العلية أن تعرض عليها الشروط التي تقبل ~~معها عقد الصلح، فأجابتها بهذه الشروط: # أولا: # أن تعود الأحوال في صربيا إلى ما كانت عليه قبل عام 1867. # ثانيا: # أن تهدم القلاع التي بنتها صربيا بعد عام 1867. # ثالثا: # أن ترد القلاع التي كانت محتلة لها تركيا من قبل إليها. # رابعا: # أن تدفع صربيا غرامة حربية، أو أن تقبل ازدياد الخراج السنوي الذي ~~تدفعه لتركيا. # خامسا: # ألا يزيد عدد الجيش ms098 الصربي عن عشرة آلاف مقاتل. # سادسا: # أن يسافر أمير الصرب إلى الآستانة؛ ليقدم واجبات الخضوع والتابعية ~~للحضرة السلطانية، وليستلم فرمان تعيينه أميرا على الصرب. # فرأت الدول أن هذه الشروط قاسية جدا، وأن قبولها يضر بالصرب ضررا بليغا، على أن ~~القارئ إذا تذكر الطلبات التي اتفقت عليها الروسيا والنمسا وألمانيا في برلين بشأن ~~البوسنة والهرسك وطلبتها من الباب العالي، لوجد شروط الدولة العلية مع الصرب أخف كثيرا ~~من طلبات الدول، مع أن الدولة غلبت الصرب وانتصرت عليها انتصارا باهرا. فطلبت الدول ~~من إنكلترا التي كانت تدعي مساعدة تركيا - وما كانت تعمل في الحقيقة إلا على تشجيع ~~رجال تركيا في معارضتهم ضد الدول مع علمها باتفاق الدول كلها ضد تركيا - أن تعرض على ~~الباب العالي شروطا أخرى. # وفي هذه الأثناء جلس جلالة مولانا السلطان الأعظم والخليفة الأكبر «عبد الحميد خان» ~~على أريكة المملكة العثمانية، حيث المصاعب تحيط بها من كل جانب، وأعداؤها يدسون لها ~~الدسائس في كافة أنحائها، والدول كلها متحدة ضدها، فبذل أقصى جهده في تنظيم الأمور ~~وإصلاح الأحوال ودفع المصائب والأخطار. # وقد عرض الكونت «دي بيكونسفيلد» الوزير الأول لإنكلترا على الدولة العلية عقد هدنة ~~لمدة ستة أسابيع للمخابرة فيها في شروط الصلح، وبقاء الحالة على ما هي عليه في صربيا، ~~ومنح البوسنة والهرسك استقلالا إداريا، فرفضت الدولة هذه الطلبات، خصوصا وأن القيصر ~~أوعز إلى صربيا باستئناف الحرب مرة ثانية، فجمعت جنودها وجندت من لم يجند منهم. ~~وفي 1 أكتوبر سنة 1876 أرسل القيصر إلى «فرنسوا جوزيف» إمبراطور النمسا كتابا سريا ~~سأله فيه اتحاد النمسا مع الروسيا لاحتلال بلاد البلقان كلها، فرفض إمبراطور النمسا طلب ~~القيصر خوفا من نتائج عمل خطير كهذا. # وفي 5 أكتوبر طلبت إنكلترا من الدولة العلية عقد هدنة لمدة ستة أسابيع، وفتح مذاكرة ~~بين الدول وقت الهدنة بشأن عقد الصلح، فأجابت الدولة العلية بأن الهدنة يجب أن تكون ~~لمدة ستة أشهر حتى تستطيع جنودها أن تستريح من أنصاب الحرب، وبأن يمنع وصول الأسلحة ~~والذخائر لثوار البوسنة والهرسك ms099 ولصربيا والجبل الأسود وقت الهدنة. فلم تقبل الدول طلب ~~الدولة العلية العادل، وأرسلت الروسيا في 15 أكتوبر الجنرال «أغناتييف» للآستانة حاملا ~~إنذارا للباب العالي يتضمن هذه الشروط: # أولا: # عقد هدنة لمدة ستة أسابيع بلا شرط. # ثانيا: # منح البوسنة والهرسك وبلغاريا استقلالا إداريا. # ثالثا: # ضمانة الدول الأوروبية لحقوق هذه المقاطعات. # وما وصل «أغناتييف» إلى الآستانة حتى وصلته أخبار انهزام الجيش الصربي أمام الجيش ~~العثماني الظافر؛ فقد انتصرت الجنود العثمانية انتصارا عظيما في «دليجراد» ~~و«ألكسيناتس»، وباتوا على مقربة من «بلغراد» عاصمة الصرب التي صار أمر سقوطها في أيدي ~~العثمانيين محققا، فقدم في الحال «أغناتييف» إنذاره للباب العالي، وقبلت الدولة العلية ~~عقد الهدنة في 2 نوفمبر عام 1876. # ولما رأت إنكلترا أن الروسيا تهدد الدولة العلية على لسان الجنرال «أغناتييف»، أرادت ~~أن تظهر لتركيا مودتها لها؛ لتنتفع من هذه المودة عن الحاجة كما سيرى القارئ؛ فأمرت ~~أسطولها بالسفر إلى مياه الشرق والوقوف في «بزيكا»؛ أي: في مدخل الدردانيل. وعندئذ ~~اتفقت الدول على عقد مذاكرة بينها وبين بعضها في الآستانة. ~~••• # وقد اجتمع مندوبو الدول بالآستانة في أوائل ديسمبر عام 1876، وقرروا عدم اشتراك تركيا ~~في مداولاتهم ومناقشاتهم، بل إرسال قرارهم النهائي إليها بعد إتمام المداولات والاتفاق ~~عليه، وهي أول مرة اجتمع مؤتمر دولي في عاصمة بلاد لم تشترك في هذا المؤتمر! وفي 23 ~~ديسمبر تم اتفاق مندوبي الدول على وضع قرار نهائي، وفي 24 منه أبلغ هذا القرار إلى ~~الباب العالي، وهو يتضمن أن الدولة العلية تتنازل لبلاد الصرب والجبل الأسود عن بعض ~~الأراضي ليتسع نطاق إمارتيهما، كأنهما الغالبتان لتركيا! ويتضمن أن البوسنة والهرسك ~~تصيران مستقلتين استقلالا إداريا وأن يعين لهما لمدة خمس سنوات حاكم يجب أن يكون ~~تعيينه بموافقة الدول، وأن يكون البوليس في البوسنة والهرسك مسيحيا، وأن يترك لهاتين ~~المقاطعتين نصف إيرادهما، وأن تكون لغة البوسنة والهرسك هي اللغة الرسمية فيهما، ويتضمن ~~القرار غير ذلك أن القسم الموجود في شمال البلقان من بلاد بلغاريا يصير مستقلا ~~استقلالا إداريا كالبوسنة والهرسك، وأن تحتل الجنود البلجيكية ms100 هذه المقاطعات السالفة ~~الذكر لحين تنفيذ قرار الدول، وأن تعين لجنة دولية لمراقبة تنفيذ هذا القرار. # ولا ريب أن قرار الدول هذا كان في الحقيقة إعلانا لتركيا بأن دول أوروبا كلها متعصبة ~~ضدها، وأنها متحدة في العمل على الإضرار بها؛ فإن الدول الأوروبية كانت تعلم علم اليقين ~~أن هذه المطالب ترفضها تركيا رفضا باتا لما فيها من المساس بحقوقها، وكيف كانت ~~تستطيع تركيا أن تقبلها بعد أن أقمعت الثورة في البوسنة والهرسك وهزمت جنود الصرب ~~والجبل الأسود شر هزيمة؟! # وقد كانت إنكلترا وحدها تتظاهر للدولة العلية بالمحبة والولاء، ولكنها أضرت بها ~~كغيرها بل أكثر من غيرها؛ لأن الدولة العلية انخدعت بتظاهر سواس الإنكليز بالميل لها، ~~وحسبت أن بريطانيا مساعدة لها ضد الروسيا وقت الحرب، فلما جاءت الحرب علمت تركيا أن ~~إنكلترا كانت ترمي فقط إلى تشجيعها على معارضة أوروبا مع علمها باتحاد أوروبا ضدها، ~~وكذلك خدعت إنكلترا تركيا عند عقد مؤتمر برلين، حيث أخذت منها قبرص كما سيرى ~~القارئ. # ولما رأى مندوبو فرنسا أن الدولة العلية عازمة على رفض مطالب المؤتمر عرضوا على بقية ~~الأعضاء تعديل الطلبات، فقبلوا ذلك وأبلغوا الباب العالي أنهم يتركون مسألة تنازل ~~الدولة العلية للصرب والجبل الأسود عن بعض الأراضي لمخابرة أخرى، وأنهم لا يسألون الباب ~~العالي أن يستشير الدول في تعيين حاكم البوسنة والهرسك إلا في الخمس سنين الأولى، ~~وأنهم عدلوا عن طلبهم بشأن تقسيم بلغاريا إلى قسمين، وجعل قسم منها مستقلا استقلالا ~~إداريا، وأنهم عدلوا عن طلبهم بشأن جعل البوليس كله في البوسنة والهرسك مسيحيا، ~~وقبلوا أن يكون من المسيحيين ومن المسلمين، وأنهم قبلوا اعتبار اللغة التركية في ~~البوسنة والهرسك رسمية كاللغة السلافية، وحددوا للباب العالي مدة ثلاثة أشهر لتنفيذ ما ~~بقي من مطالب الدول. # وقد أمضى مندوبو إنكلترا على هذا القرار مع بقية مندوبي الدول، ولكنهم كانوا ينصحون ~~لسواس تركيا سرا برفض مطالب الدول. # ولكي تعلم الأمة العثمانية أن جلالة السلطان الأعظم لا يعرض بمصالحها للخطر، وأنه ~~يستشير في صغائر الأمور وكبائرها كبار ms101 الأمة وعقلاءها، جمع جلالة السلطان الأعظم مجلسا ~~عاليا مكونا من مائة وثمانين عضوا من كبراء الأمة ورؤساء الطوائف والمذاهب، وعرض ~~عليهم مطالب الدول وسألهم رأيهم في الأمر، فرفضوها بالإجماع، وأشاروا على جلالة السلطان ~~برفضها؛ فقرر جلالته رفضها عملا برأي كبراء الأمة ورؤساء المذاهب والديانات، وحفظا ~~لكرامة الدولة وصيانة لشرفها. # وفي 20 يناير عام 1877 أعلن صفوت باشا مندوبي الدول رسميا بأن الدولة العلية رفضت ~~مطالبهم لمساسها بمصالحها الجوهرية، فانفض بذلك المجتمع الدولي، وترك مندوبو الدول كفة ~~الآستانة إظهارا لغضب دولهم وانقطاع العلائق السياسية. # وفي 30 يناير من السنة نفسها كتب المسيو «غورتشاكوف» وزير الروسيا الأول إلى الدول ~~الأوروبية يسألها عن الوسائل التي ستتخذها مع تركيا لإجبارها على قبول مطالبها، ويعلمها ~~بأن الروسيا مستعدة للعمل وحدها ضد تركيا. وفي الوقت نفسه اتفق القيصر مع «فرنسوا ~~جوزيف» إمبراطور النمسا على بقاء النمسا على الحيادة أثناء الحرب بين الدولة العلية ~~والروسيا، وقبل القيصر الشروط الآتية: أولا: ألا تدعي إحدى الدول الأوروبية أن لها ~~وحدها حق حماية المسيحيين في الدولة العلية، وأن يكون لدول أوروبا كلها القول الفصل بين ~~تركيا والروسيا بعد نهاية الحرب. ثانيا: ألا تأخذ الروسيا شيئا ما من الأراضي الواقعة ~~على الشاطئ الأيمن لنهر الطونة، وأن تحترم استقلال رومانيا، وألا تمس الآستانة بسوء. ~~ثالثا: إذا أوجدت الروسيا إمارة سلافية جديدة يجب ألا يكون ذلك ضد مصلحة البلاد الغير ~~سلافية، وألا تدعي الروسيا حقوقا على بلغاريا التي يجب ألا يحكمها أمير روسي ولا ~~أمير نمساوي. رابعا: ألا تمر الجنود الروسية من بلاد الصرب. # ولم تكتف الروسيا باتفاقها مع النمسا ومساعدة ألمانيا لها من أول الأزمة كل ~~المساعدة، بل أرادت أن تتحقق من مساعدة بقية الدول الأوروبية لها مساعدة معنوية؛ فأرسلت ~~الجنرال «أغناتييف» إلى عواصم أوروبا، فزارها عاصمة بعد عاصمة حتى لوندرة نفسها، وفي كل ~~عاصمة من عواصم أوروبا قوبل بالترحاب، ووعد بعدم معارضة الروسيا في شيء. وفي لوندرة ~~اتفق مع الوزارة الإنكليزية على عقد مؤتمر دولي في لوندرة لإرسال إنذار أخير للباب ms102 ~~العالي، وبالفعل اجتمع المؤتمر. وفي 31 مارس سنة 1877 أرسل الإنذار الدولي للباب ~~العالي متضمنا أنه يجب على الدولة العلية أن تتمم عقد الصلح مع الجبل الأسود، وأن تترك ~~له الأراضي التي يطالب بها، وأن تنفذ الإصلاحات التي طلبتها منها الدول، وأن تجعل ~~عساكرها في حالة السلم بأن تقلل عددها العظيم الذي جمعته للحرب، وأنذرتها الدول بأنها ~~كلها مستعدة لأن تتحد وتقرر الوسائل الفعالة ضدها إن لم تقبل مطالبها في أقرب وقت، ~~وبذلك اشتركت أوروبا كلها اشتراكا معنويا في معاداة الروسيا لتركيا وتهييجها أمم ~~البلقان عليها، وتحملت مسئولية كل ما عملته الروسيا ضد تركيا. # وقد أرسلت الروسيا بانفرادها إنذارا آخر للباب العالي أشد لهجة من الإنذار الدولي، ~~فعرض الباب العالي هذين الإنذارين على مجلس المبعوثان ليرى رأيه فيهما، فرفضهما في 9 ~~أبريل سنة 1877، وفي 11 أبريل أعلن الباب العالي الدول الأوروبية رفضه لهما، ومن ذلك ~~اليوم صارت الحرب على أبواب تركيا، وأخذت الدولة العلية من جهة والروسيا من جهة أخرى ~~تتمم تجهيزاتها الحربية وترسل جيوشها على الحدود. # ولما رأت الروسيا أنها لا تستطيع التغلب على تركيا والفوز عليها، إلا إذا عبرت ~~جيوشها بلاد رومانيا عقدت في 16 أبريل مع هذه الإمارة - خلافا لاتفاقها مع النمسا - ~~اتفاقية تسمح للجنود الروسية بعبور أراضي رومانيا، وفي 24 أبريل سنة 1877 أعلنت الروسيا ~~رسميا الحرب على تركيا، مبينة في إعلانها أن غرضها بالحرب نصرة المسيحيين. # فلما علمت إنكلترا بأن الحرب لا بد منها سألت الروسيا عدم المساس بمصالحها في الشرق ~~واحترام صوالحها، فأجابتها الروسيا على ذلك، وهذه هي المساعدة التي قدمتها إنكلترا ~~للدولة العلية! # وقد اتخذت الجنود الروسية في القرم وفي البحر الأسود خطة دفاعية، وجعلت خطتها ~~الهجومية في جهة القوقاز والدانوب. # وسار الجيش الروسي في آسيا تحت قيادة الجنرال «لويس مليكوف» وبعد مجهودات عظيمة وقتال ~~عنيف؛ استولى في 19 مايو على مدينة أردهان، وسار في أوائل يونية إلى مدينة «أرضروم». ~~أما في أوروبا فقد اتفقت الروسيا مع رومانيا - التي أعلنت عندئذ استقلالها التام ms103 عن ~~الدولة العلية - في 14 مايو عام 1877 اتفاقا دفاعيا هجوميا، وانضمت جنود رومانيا ~~إلى جنود الروسيا، وعبرت بلغاريا الشمالية، وفي أواسط يوليو احتلت مدينة نيكوبلي، واحتل ~~الجنرال «جوركو» مضايق البلقان الموصلة لمضيق شيبكا الشهير. وقد أحدثت هذه الأخبار ~~تأثيرا شديدا في الآستانة وفي أوروبا كلها، وازداد اهتمام الباب العالي بأحوال الجيش، ~~إلا أنه من سوء حظ الدولة وشى بعض الدخلاء بالشهم المشهور «عبد الكريم باشا»؛ فعزلته ~~الدولة وعزلت رديف باشا ناظر الحربية، وعينت بدل عبد الكريم باشا «محمد علي باشا» وهو ~~ضابط روسي الأصل اعتنق الإسلام ودخل في عسكرية الدولة. # ولما علم دولة الغازي «عثمان باشا» بانتصار الجيوش الروسية والرومانية أتى بجيشه إلى ~~مدينة «بلفنة» وحصنها أحسن تحصين. # وقد هاجت الخواطر في بلاد المجر حين ذاك هيجانا شديدا لانتصار الروسيا على تركيا في ~~بعض المواقع، وصار المجريون يتظاهرون في الشوارع وفي المجتمعات ضد الروسيا، وينادون ~~بمحبة تركيا التي ساعدت ثوارهم عام 1849، وأخذوا يسألون حكومتهم مساعدة تركيا بالفعل. ~~إلا أن النمسا التي بيدها زمام القيادة العامة للجيش المجري والنمساوي كانت على ~~الحيادة، وكان «بسمارك» يسمعها من وقت إلى آخر أن نصيبها من أملاك تركيا سيكون «البوسنة ~~والهرسك»؛ فكانت راضية بالحرب غير حاسبة لتقوية نفوذ الروسيا في بلاد البلقان ~~حسابا. # وبالجملة، لم يكن لتركيا في أمم أوروبا محب يخلص الحب لها غير الأمة المجرية، ولكنها ~~لم تستطع أن تعمل شيئا ما في صالحها. # وقد ظن سواس أوروبا ورجال العسكرية فيها أن الروسيا ستستمر سائرة في طريق النصر، ولكن ~~الأخبار ملأت أوروبا بعدئذ أن الجنود العثمانية انتصرت على الجنود الروسية انتصارا ~~باهرا «في قارص» بفضل البطل الشهير الغازي «أحمد مختار باشا»، واضطر الروسيون لرفع ~~الحصار عن هذه المدينة. وفي يوليو وأغسطس وسبتمبر عام 1877 هاجمت الجنود الروسية مدينة ~~«بلفنة» المرة بعد الأخرى، وارتدوا على أعقابهم خاسرين؛ لما أقام حولها الغازي «عثمان ~~باشا» من المعاقل والحصون المنيعة. # ولكن سوء حظ الدولة العلية قضى عليها بألا ترسل ما يلزم من المدد للغازي «مختار باشا» ms104 ~~بعد أن فقد جيشه الرجال الأبطال؛ فسقطت منه لذلك «قارص» في أيدي الروسيين في شهر نوفمبر ~~عام 1877، وسار بعد ذلك الجنرال الروسي «مليكوف» على «أرضروم». أما «بلفنة» فقد أعيت ~~معاقلها وحصونها الروسيين، فحاصروها حصارا شديدا، وشهدوا قوة الأتراك وشهامتهم، ~~وأعجب قيصر الروس نفسه بمهارة الغازي «عثمان باشا» وقوة إدراكه. وقد طالت محاصرة ~~«بلفنة» حتى انقطع المدد عن الأتراك، ونفد كل ما عندهم من الذخائر، فعزم الغازي «عثمان ~~باشا» على الخروج من «بلفنة» مع جنوده الأشداء. وفي 10 ديسمبر عام 1877 خرج بالفعل، ~~ومرت الجنود العثمانية من وسط الأعداء غير خائفة نيرانهم ولا مقذوفاتهم، بل جعالة ~~وجهتها الاستحكامات التي كان أقامها الروسيون حول «بلفنة» على ثلاثة خطوط متعاقبة، ~~واستولت على مدافع الخط الأول والثاني وكادت تستولى على الخط الثالث، غير أن الغازي ~~«عثمان باشا» وقع جريحا فظنه قومه ميتا، وانتشر خبر موته بين الجنود العثمانية؛ فثبطت ~~هممهم وانحلت عزائمهم، ودخل الروسيون في هذه الأثناء «بلفنة»، واضطر قواد الجيش ~~العثماني للتسليم، والاتفاق مع قواد الجيش الروسي على إيقاف الحرب بإلقاء الجيش ~~العثماني للسلاح، وقد فقد الجيش الروسي في محاصرة «بلفنة» 28080 رجلا وفقد الجيش ~~العثماني 15300 رجلا. # ولم يعتبر رجال العسكرية في أوروبا سقوط «بلفنة» انتصارا للروسيين على العثمانيين، ~~بل أعجب كل إنسان بالعثمانيين أكثر من إعجابه بالروسيين؛ فإن الروسيين كان عددهم مائة ~~وخمسين ألف مقاتل، وكان عدد العثمانيين ثلثهم أي خمسين ألفا فقط، وقد أظهر القيصر ~~إسكندر الثاني نفسه للغازي «عثمان باشا» عظيم إعجابه بدفاعه عن «بلفنة»، وقال له: إن ~~هذا الدفاع يعد من الأعمال الحربية النادرة المثال في تاريخ البشر. # وبالجملة، فلم تنتصر الروسيا على تركيا في هذه الحرب إلا بالدسائس العديدة التي ~~دستها ضدها في البوسنة والهرسك وفي بلاد البلقان؛ فقد رأى القارئ أن الدولة العلية ~~اضطرت إلى قمع ثورة عظيمة في البوسنة والهرسك، ومحاربة الصرب والجبل الأسود، وقمع ثورة ~~بلغاريا؛ مما أراق دماء كثيرة من دماء العثمانيين، وأمات أبطالا من جنود الدولة، ~~وحملها الأموال والمصاريف الطائلة. # ومع أن ms105 الثورة في البوسنة والهرسك وبلغاريا والحرب مع صربيا والجبل الأسود أضعفت جيوش ~~الدولة، فإن هذه الجيوش الفخمة حاربت الروسيا بكل قوة وشهامة، وانتصرت عليها في مواضع ~~مختلفة، ولم تحارب الروسيا تركيا بجيوشها وحدها، بل استعانت برومانيا التي قدمت لها نحو ~~المائة ألف مقاتل، ولو كانت الروسيا حاربت تركيا من بادئ الأمر قبل أن تهيج البوسنة ~~والهرسك وبلغاريا والصرب والجبل الأسود ضدها لكانت انتصرت تركيا ولا محالة وخابت ~~الروسيا وهزمت شر هزيمة. # وإذا أضاف القارئ إلى ما تقدم أن تركيا كانت تضع ثقتها في رجال من الدخلاء يعملون ~~بأوامر الأجنبي ويعرضون بمصالح الدولة للدمار، وأنه كان بين قواد جيشها قائد روسي الأصل ~~علم فضل تركيا في انتصارها على الروسيا في بعض مواقع مهمة. # ولا بد لنا من أن نذكر للقارئ أيضا أن جنود الجبل كانت تعاكس جنود الدولة أثناء ~~الحرب، وأن الصرب انضم جيشها لجيش الروسيا بعد سقوط «بلفنة»؛ فكانت الدولة العلية بذلك ~~مشتغلة من كل جانب برد الأعداء عن ديارها، ولم يكن لها نصير ينصرها على أعدائها، بل ~~كانت وحدها أمام أعداء عديدين، وكان اعتمادها على محض قوتها. ~~••• # طالما ادعى أعداء الدولة العلية أنها إذا فتحت بلادا نشرت فيها لجنودها راية السلب ~~والنهب والفتك بأهلها، وإذا مرت بأرض خربتها وغيرت معالمها، فليقرأ المنصفون ما عمله ~~الروسيون وصنائعهم البلغاريون في هذه الحرب مع المسلمين الأبرياء الذين لم يكن لديهم ~~أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم، بل كانوا آمنين مطمئنين يحسبون الحرب بشرية إنسانية، لا ~~بهيمية بربرية. # وقد أتى السير أشميد برتلت في كتابه الحديث «مواقع تساليا» على تاريخ كثير من هذه ~~الفظائع، وإنا نذكر للقراء الكرام شيئا منها: # لما عبر الجنرال سكويبف نهر شيبكا في يناير سنة 1877 وجد معسكرا يحتوي على ~~مائة ألف من نساء الأتراك نازلا بقرب هرمنلي، فلم يكن من جنوده سوى أنهم فتكوا ~~بهن، وطردوهن أمامهم على ثلوج نهر ميرتزا إلى جبال رودب حتى مات أكثرهن من ~~البرد والجوع. # وإنا نستشهد على هذه المعاملات البربرية واعتداء الروسيين والبلغاريين ms106 على الأبرياء ~~من المسلمين بما جاء في جريدة الدالي نيوز، وقد كانت إذ ذاك منتصرة للروسيا، ففي عدد 8 ~~فبراير سنة 1878 جاء فيها بالحرف الواحد: # أدريا نوبل في 27 يناير سنة 1878 لمكاتبنا في الحرب # إن المسافة التي بين «فيلوبوبوليس» و«هرمنلي» تبلغ سبعين ميلا قد كانت ~~بالأمس مرتعا لآلاف من العائلات، واليوم أصبحت قاعا صفصفا خاوية على عروشها، ~~ليس بها سوى جيف الموتى وعظام القتلى وبقايا المذبوحين، فتحولت نضارتها السابقة ~~إلى منظر مخيف وأطلال دوارس؛ وذلك نتيجة ما حصل من الفظائع المنكرة التي تقشعر ~~من هولها الأبدان، ولا يمكن لأي إنسان أن يتصور مهما اجتهد أن يحاول تلك ~~الأهوال التي وقعت في تلك البقعة، والحالة التي وصلت إليها. # وكتب هذا الكاتب نفسه: # بينما نحن نسير من «فيلوبوبوليس» كنا نرى جثث الفلاحين مغطاة بالثلوج، ولا شك ~~أن بعضها قد لبث على هذه الحالة الشنيعة المحزنة أسبوعين أو ثلاثة، ولم تزل ~~آثار الدماء على ملابس بعضهم، وهكذا كنا نسير بين رمم القتلى وآثار الخيام ~~والأرض حولنا مغطاة بالجثث وبقايا المعسكرات كما تغطى بالبسط والفرش، وكنا ~~نخترق صفوفا من جثث القتلى ورمم الحيوانات مسافة لا تقل عن خمسة وثلاثين ~~ميلا؛ فرأينا نساء ملقاة في الثلوج وأولادا وأطفالا مرماة في البرك، ورجالا ~~ممزقة أجسادهم مما أصابهم من الجراحات القتالة، ورأينا الثلج محمرا من أثر ~~الدماء المنهطلة، وأظن أن أغلب النساء متن من البرد القارص؛ لأن نضارة الحياة ~~كانت بادية على وجوههن، فكأنهن نيام للراحة من عناء هذا العالم ومعاملة أهله ~~البربرية باسم المدنية. # أما الرجال فكنت تراهم واحدا بجانب الآخر تظهر عليهم علائم العظمة، حتى مع ~~الموت، وذقونهم ملوثة بدمائهم، وأيديهم موضوعة على صدورهم كأنما هم يحافظون على ~~قلوبهم الشريفة من أن تدوسها أعداؤهم بأقدام الخيل. # أما الأطفال والأولاد، فهم كالنساء مات أغلبهم من شدة البرد القارص والثلوج ~~المتراكمة؛ فكنت ترى أوجههم لطيفة بعضها باد وبعضها مغطى بالثلج، وكانت تلوح ~~عليهم نضارة الطفولية، وتظهر عليهم الطهارة والبراءة التامة، كأنما هم نائمون ~~نوما طبيعيا، ms107 أو كأنما جعلت من الثلوج الناصعة البياض سرائرهم وأيديهم ~~الناعمة البيضاء بارزة من المياه الذائبة. # ولا أشك أن أمهاتهم لما رأينهم أمواتا على صدورهن من شدة البرد، وأن لا أمل ~~في عودتهم للحياة رمينهم في الثلوج ليخففن حملهن، وفارقن حشاشات أكبادهن بالرغم ~~عنهن، والدموع تسيل من عيونهن حتى إذا أدركت الخدود تحولت بردا من شدة ~~الزمهرير. # وإني لم أشعر بيأس زائد وبلاء عظيم في حياتي إلا عندما رأيت بعيني الفظائع ~~والمصائب التي حلت على بني الإنسان؛ فلقد رأيت امرأة تسير بجانب طفلة تناهز ~~العاشرة من عمرها، وهما تجدان في المسير فرارا من معاملة الروسيين وقساوتهم ~~البربرية، ولكن الابنة لم تقو على المشي؛ لأن أقدامها العارية تعبت غاية التعب ~~من المسير على الثلج، فسقطت ميتة بين أيدي أمها الحنونة، ولقد داهم الأم الليل ~~بظلامه الحالك وبرده الفاتك؛ فسقطت طريحة بجانب ابنتها. # وإن الطريق إلى «هاسكيوي» مملوءة بجثث عديدة، وكلما مررنا على قرية رأيناها ~~خاوية على عروشها ليس بها إلا بقايا المذبوحين والمقتولين، ولقد سألنا بعض ~~البلغاريين: من قتل هؤلاء؟ فأجابونا بصوت الشامت المسرور: «إننا ونصراءنا ~~قتلناهم شر قتلة.» # أما في هاسكيوي فكنت ترى كثيرا من الجنود التركية مقتولين، وفضلا عما ~~أصابهم من الجراح القاتلة، فإن فلاحي البلغار لم يشفقوا عليهم، بل رجموهم ~~بالحجارة؛ ليفنوا عظام هؤلاء الشهداء الأبطال. # ولقد سألت إحدى العائلات التركية: من أين جاءت وإلى أين تسير؟ فقالت لي: إنها ~~تركت «بلفنة» من خمسة شهور مضت، وهي على مثل حالها من الفقر المدقع تسير ليلا ~~ونهارا لا غذاء لديها سوى ما تجده من لحوم الحيوانات التي تموت في الطرق، ~~وكانت هذه العائلة مكونة من أب وأم على صدرها طفل صغير وولد يبلغ العاشرة من ~~العمر، وكلهم حفاة عراة، الأرض فراشهم والسماء غطاؤهم، وليس لديهم سوى بعض خرق ~~يسترون بها سوآتهم وقدرة يطبخون فيها اللحم. # وكلما سرنا خطوة بعد «هاسكيوي» رأينا مناظر أبشع وأفظع، فكم رأينا امرأة ~~وزوجها مقتولين نائمين بجانب بعضهما وطفلين بقربهما على الثلوج، وشيوخا متكسرة ~~جماجمهم، وكل ms108 هذا فضلا عن خراب القرى وسلب ونهب ما لأصحابها من الخيرات ~~والأشياء النافعة. ومن المناظر التي تولد الحسرة وتحزن الفؤاد أنني رأيت شيخا ~~هرما من الترك ملقى على الأرض وبجانبه مصحف قرآن شريف مفتوحا وملوثا ~~بدمائه، وذلك بينما كان البلغاريون يسلبون الناس أموالهم ويحملونها على ~~عرباتهم، ثم يجرونها فوق جثث القتلى؛ لتدهس العجلات لحومهم، وتفتت عظامهم، ~~وتهشم جماجمهم بلا رحمة ولا شفقة، بل وبلا تأثر لمثل تلك المناظر البشعة ~~الفظيعة، فأين المدنية؟! وأين حب الإنسانية؟! # وإني أقول إن عدد الذين فتك بهم البلغاريون من الأبرياء الآمنين كثير جدا، ~~وقد ترك بيوتهم نحو الخمسة وسبعين ألفا هروبا من المعاملة القاسية البربرية، ~~ولكنهم لا يكادون يفرون من القتل حتى ينقض عليهم البلغاريون ويفتكون بأغلبهم، ~~ولم يهرب إلا القليل إلى بلاد الترك، وإنه ليحق للعالم أن يسمي الطريق بين ~~فيلوبوبوليس وهرمنلي «طريق الموتى» لكثرة ما فقد فيه من الأرواح ~~البريئة. # ولقد رأينا في طريقنا إلى قسطنطينية من أمثال هذه المناظر الفظيعة كثيرا، ~~وكم رأينا أناسا من الضعفاء يسيرون سريعا لا يلتفتون وراءهم خوفا من ~~أعدائهم، وإذا سألتهم إلى أين يسيرون لم يجيبوك من شدة ضعفهم وانتهاك قواهم، ~~كأنما هم لا يعرفون إلى أي طريق هم سائرون، وإنما غاية ما يتصورون أنه يجب ~~عليهم الفرار حتى يأمنوا على أرواحهم، ومن شدة فزعهم وهلعهم كانوا يتركون ~~أمتعتهم حين تكسر لهم عربة ويفرون وحدهم. # وإني بينما أكتب هذه الأسطر أرى أمام عيني كثيرا من العربات تغدو بأصحابها ~~بين هضاب متراكمة من الثلج، وأغلب النساء يسرن حفاة عراة خائرات القوى من الضعف ~~والتعب. # ولذلك ضوضاء يصحبها صراخ الأطفال وعويل الأولاد وبكاء النساء وزفزفة العواصف ~~وقرقعة عجلات العربات مما يزيد المنظر فظاعة وبشاعة، ومع الأسف الزائد أن هؤلاء ~~المساكين التعساء يروحون فريسة الظلم وليس من يرحمهم أو يشفق عليهم. # وقد كتب مكاتب الستندرد الذي سار مع الدوق نيقولا وجاب الجزء الشمالي من بحيث جزيرة ~~البلقان ما نصه: # لم أترك لنفسي مجالا للتكلم عن كبائر الفظائع كما يجب أن ms109 نسميها، وأقول ~~الآن: إن المتوحشين لا يفعلون مع الفارين الهاربين كما فعل البلغاريون مع ~~جيرانهم الأتراك من القساوة البربرية والمعاملة الوحشية، وما حمل هؤلاء ~~المسيحيين على فعل هذه المنكرات سوى حب نفوسهم الخبيثة للفتك بعباد الله، ~~وظمئها إلى شرب دماء جيرانهم الأبرياء الذين لا سلاح بأيديهم، ولقد سمع تابع لي ~~رجلا بلغاريا في إحدى حوانيت الخمر في «سيستوف» يقول وهو حامل سكينة هائلة: ~~«كنت أحمل معي بندقية، ولكن هذه السكينة اللطيفة أفادتني أكثر من البندقية؛ ~~لأني ذبحت بها عشرة منهم كما تذبح الأغنام.» # ولعمري إن مثل هذا التغيير لا يضارعه مثيل في القسوة والفظاعة البهيمية، وإني ~~لا أشك أنهم قتلوا الضعفاء الأبرياء، وذبحوهم كما تذبح الأغنام، ولقد مضى ~~شهران على الروسيين وهم مقيمون، ومع ذلك لم يسمع أن تركيا أساء إلى أحد من ~~المسيحيين. ومما يحكى أن ضابطا روسيا اشترى من أحد الفلاحين المسيحيين ~~ديكين روميين بمبلغ نصف شلن، ثم سأل الفلاح قائلا: «أليس الناس في سرور ~~لمقابلة إخوانهم المسيحيين؟» فأجابه: «فلننظر حتى نرى إن كنتم تعاملوننا كما ~~كان يعاملنا الأتراك بالحسنى!» # وقد سأل المستر إدموند قنصل إنكلترا في «فيلوبوبوليس» خليل أوغلي حسين ومصطفى أوغلي ~~عبد الله وسليمان أوغلي رشيد، وهم من سكان «بالفان» التي تبعد بمسافة سير ثلاث ساعات من ~~ترنافو عما جرى لهم من الإهانات، فأجابوا بما يأتي: ~~«في صباح السبت الماضي «7 يوليو» وصل ألايان من الكوساكز إلى قرية «بالفان ~~فخرج كبارها حين سمعوا بوصول الروسيين لمقابلة قوادها، ولكن الكوساكز حاصروا ~~القرية وطلبوا من السكان تسليم أسلحتهم، وفي اليوم الثاني حضر ألايان آخران من ~~الكوساكز وأحاطوا كإخوانهم بالقرية، وكان يصحبهم في هذه المرة عدد لا يقل عن ~~ألفين أو ثلاثة آلاف من البلغاريين الذين يسكنون القرى المجاورة، وجميعهم ~~متقلدون بالنبابيت والسكاكين والبنادق والسيوف المختلفة الأجناس، فابتدأ هؤلاء ~~الأوغاد في طرد أهل القرية وحيواناتهم، ونهب الناس وسلبهم من كل شيء يستحق ~~الأخذ، ثم أشعلوا النار في القرية في أماكن عديدة، وكلما حاول أحد الخروج من ~~لظى النار ولا ms110 سيما الأطفال والنساء حملوا عليه وزجوه فيها. # أما الكوساكز فإنهم وقفوا بعيدا على شكل كوردون حول القرية غير متألمين مما ~~يجري أمام أعينهم، بل كانت علائم السرور بادية على وجوههم، ولولا أننا «خليل ~~أوغلي ومن معه» هجمنا على الكوردون بقلوب شجعها اليأس وقطعناه في طرف القرية، ~~ما تمكنا من الفرار من لهيب النار. # وكان المتكلم هو خليل أوغلي المذكور، ولقد استمر في حديثه وعلامات الحزن والأسف بادية ~~على وجهه، ولكنه حينما أراد أن يتكلم عما حصل لعائلته بكى بكاء مرا، وصار يتنهد كما ~~تتنهد الثكلى، ثم خنقته العبرة؛ فلم يقدر على الكلام، وبعد مدة طويلة أمكنه أن يعبر ~~لنا عما حصل لأختيه اللتين كان يعتني بأمرهما؛ لأن زوجيهما كانا في الجيش، وقال لنا: ~~إنه رأى بعينيه عائلته وقد كانت تزيد عن إحدى عشرة نسمة ترمى في النار واحدا بعد ~~واحد. # ولما عبر الروسيون نهر الدانوب سنة 1877 قبضوا على نساء الأتراك وأطفالهم الذين ~~كانوا يحاولون الهرب من وجه أعدائهم، وأحضروهم إلى مدينة شملا بحالة تذيب الأفئدة وتقطع ~~الأكبدة، وهناك رآهم بعض مكاتبي الجرائد الأوروبية، فكتبوا قرارا بهذا الشأن وأمضوا ~~عليه. # ولقد أرسل وزير خارجية الدولة العلية هذا القرار إلى السفارة العثمانية في باريس ~~بتاريخ 21 يوليو سنة 1877 قائلا: «إني سأرسل إليكم القرار الآتي بإجماع وإمضاءات ~~مكاتبي الجرائد الأجنبية الآتية، وهي: «كولونيا غازت» «جرنال الديبا» «نيوفراي برسيه» ~~«ستندارد» «دايلي تلغراف» «اللستر اند لندن نيوز» «مانشستر جارديان» «التيمس» «فرانكفور ~~ترزايتنج» «مورنن بوست» «ريببليك فرانسز» «بسترلويد» «فاينرتاجبلاط» «مورنن إدفر تيسر» ~~«سكوتمان» «نيويورك هرالد» «منشستر أكزامنر»، والقرار هو الآتي: # الممضون أدناه الذين يمثلون الصحافة الأوروبية والمجتمعون في مدينة شملا يرون ~~أن من واجباتهم أن يمضوا الرسائل التي أرسلها كل واحد منهم إلى جريدته عن ~~القسوة البربرية التي ارتكبها ويرتكبها البلغاريون ضد السكان المسلمين ~~الأبرياء، وأن يشهد كل منا أننا رأينا بأعيننا جراح النساء والشيوخ والأطفال، ~~وسألنا في مدينتي «راسجرار» و«شملا» النساء والأطفال والشيوخ عما حل بهم من ~~الجراحات العنيفة بالسيوف والحراب فضلا عن ms111 البنادق التي ربما ظن أنها ~~أصابتهم أثناء اشتعال نار الحرب. # ويستدل من أجوبتهم أن ما حل بهم هو من معاملة الروسيين والبلغاريين، ~~ويستنتج من كلامهم أيضا أن معظم سكان القرى من المسلمين ذبحوا كما تذبح ~~الأغنام، ونحن الممضون أدناه نقر أن أغلب الجرحى من النساء والأطفال. # الإمضاءات # وكتب مكاتب التيمس - وقد صحب هذا المكاتب الجنرال جوركو ورأى بعينه ما حل بالأتراك ~~الأبرياء - من معسكر جنوب البلقان في 12 يوليو سنة 1877 ما يأتي: # إن هذه الحرب ليست من الحروب الإنسانية، بل هي هول على هول، وفظائع على ~~فظائع؛ لأن الجندي الروسي يرى التركي كحيوان يجتهد في صيده ليقتله، وأما ~~البلغاري فكيفما تمكن من القتل قتل، وهذا هو البرنس ويتشتنستين يقول: إن ~~البلغاريين يقتلون جرحى الأتراك، ويسلبون القتلى أموالهم، فماذا يعمل الإنسان ~~ذو العواطف الحية حينما يرى إخوانه يتحمسون لشرب الدماء عندما يسمعون أنه قبض ~~على أسرى من الأتراك؟! أم كيف يتسنى للأبطال أن ينظروا بعين الرضى رجالا ~~يلوثون انتصارهم بما يركبونه من منكرات الفظائع والمذابح؟! # لما رأت الدولة العلية أن أوروبا كلها ضدها، وأن لا نصير لها بين الدول، وأن إطالة ~~الحرب مضرة بها، طلبت من الروسيا إيقاف الحرب وعقد هدنة للمخابرة في شروط الصلح، فقبلت ~~الروسيا ذلك بغاية الامتنان، وعقدت الهدنة بين المتحاربين في «أدرنة» بتاريخ 30 يناير ~~عام 1878، واشترطت الروسيا عند عقد الهدنة أن القواعد الأولية للصلح يجب أن تكون ~~استقلال الصرب ورومانيا، وتنازل الدولة العلية لهما وللجبل الأسود عن بعض الأراضي، وجعل ~~بلغاريا مستقلة استقلالا إداريا، وجعل الإدارة في البوسنة والهرسك مستقلة، وتقدير ~~غرامة حربية تدفعها تركيا للروسيا. # وما انتشر خبر هذه الاتفاقية التي عقدت في أدرنة بين المتحاربين حتى هاجت الخواطر ~~في النمسا ضد الروسيا، ورأت حكومة الإمبراطور «فرنسوا جوزيف» أن هذه الشروط التي جبرت ~~الروسيا الدولة العلية على قبولها ماسة بحقوقها وبمصالحها في البلقان وعلى شواطئ نهر ~~الدانوب؛ فأعلنت الدول الأوروبية بأنها تعتبر كل اتفاق يقع بين المتحاربين لاغيا لا ~~عمل له، وأن أوروبا كلها ms112 يجب عليها أن تجتمع في مؤتمر للفصل بين تركيا والروسيا. # أما إنكلترا فقد أظهرت عندئذ ميلها للدولة العلية، وتظاهرت بالمحبة والصداقة لملك آل ~~عثمان، وأرسلت بأسطولها إلى مياه البوسفور، وهددت الروسيا بإنزال العساكر الإنكليزية ~~إلى الآستانة، وسيرى القارئ إلى أي غاية كانت ترمي إنكلترا عندئذ، وهل كانت صادقة في ~~تظاهرها بالمودة للدولة العلية أو غير صادقة. # وقد أجابت الحكومة الروسية على إعلان النمسا بأن ليس لأوروبا حق في أن تتداخل في أمور ~~لا تمس مصالحها مطلقا، وأن الروسيا تعرض على الدول عقد مؤتمر أوروبي للنظر في شروط ~~الصلح، فوافق البرنس «بسمارك» على جواب الروسيا، وعرض على الدول عقد مؤتمر ~~ببرلين. # وفي هذه الأثناء كان الجنرال «أغناتييف» يتخابر مع مندوبي تركيا في شروط الصلح، وفي 3 ~~مارس أمضى معهم عهدة سان إسطفانوس التي هي أكبر المعاهدات ضررا بالدولة العلية؛ فهي ~~تتضمن جعل بلاد الجبل الأسود مستقلة تمام الاستقلال من الدولة العلية مع توسيع نطاقها ~~وإعطائها ثغرين على البحر الأدرياتيكي، وتتضمن جعل بلاد رومانيا مستقلة تمام الاستقلال، ~~وجعل بلاد الصرب مستقلة، مع إضافة أراضي «نيش» إلى بلادها، وتتضمن جعل بلاد البلغار ~~مستقلة استقلالا نوعيا، وتعيين حاكم روسي لها ينظمها ويحكمها لمدة سنتين، يكون لها ~~فيها الحق في انتخاب أمير عليها، وتتضمن العهدة كذلك احتلال العساكر الروسية لبلاد ~~البلغار مدة سنتين، وهدم كل القلاع والحصون الموجودة على نهر الدانوب «الطونة» وجعل ~~الملاحة في نهر الدانوب حرة، وتتضمن العهدة أيضا أن الإدارة في البوسنة والهرسك تكون ~~موافقة لما طلبته الدول في مجتمع الآستانة، وتوضع تحت مراقبة الروسيا والنمسا، وأن ~~أرمينيا تمنح بعض امتيازات وبعض حقوق جديدة، وأن جلالة السلطان يصدر عفوا عاما عن ~~الثوار والمجرمين السياسيين، وتتضمن العهدة غير ذلك أن الدولة العلية تدفع للروسيا ~~غرامة حربية قدرها 1400 مليون من الروبل، وقد رضيت الروسيا بأن تتنازل للدولة عن مبلغ ~~1100 مليون من الروبل مقابل تنازل الدولة لها عن باطوم وأردهان وقارص وبايزيد في آسيا، ~~وعن إقليم «الدبروجه» في أوروبا، وهذا الإقليم أضيف إلى ms113 مملكة رومانيا مقابل استيلاء ~~الروسيا على إقليم «بسارابيا» الذي سلخ منها في عام 1856. # وتشتمل العهدة على تعهد الدولة العلية برعاية الرعايا الروسيين في بلادها، ووضع حقوق ~~القسوس الأرثوذكس تحت حماية القيصر، وإعادة تنفيذ المعاهدات التجارية التي كانت بين ~~الروسيا وتركيا قبل الحرب، وفتح بوغازي الدردانيل والبوسفور في كل وقت للسفن ~~التجارية. # وما علمت الدول الأوروبية بهذه العهدة حتى اعترف سواسها بأن الروسيا اعتدت على حقوق ~~الدولة العلية شر اعتداء، وأن دول أوربا تفقد موازنتها ويضيع بالمرة التوازن العام إذا ~~أنفذت شروط عهدة سان إسطفانوس، وكانت أشد الدول تهيجا ضد الروسيا هي النمسا التي ~~خدعت في اتفاقيتها التي عقدتها مع الروسيا في يناير عام 1877، فخابرت إنكلترا واتفقت ~~معها على معارضة الروسيا كل المعارضة، وطلبتا منها عرض عهدة سان إسطفانوس للمناقشة بين ~~مندوبي الدول في المؤتمر المزمع عقده، فأجاب القيصر في 26 مارس سنة 1878 بأنه لا يرضى ~~بأن دول أوروبا تتناقش في الشروط التي لا تخص إلا الروسيا وتركيا، وقد أمل القيصر ~~عندئذ الاتفاق مع النمسا، فأرسل إلى فيينا الجنرال «أغناتييف» ولكن الاتفاق كان ~~مستحيلا لتباين أميال الروسيا والنمسا. # وقد استفادت إنكلترا من خيبة الجنرال «أغناتييف» في مأموريته بفيينا، واعتمدت على ~~مساعدة النمسا لها ضد الروسيا، وأعلن اللورد سالسبوري وزير الخارجية الإنكليزية وقتئذ ~~أن عهدة سان إسطفانوس تجعل البحر الأسود تحت سلطة الروسيا ورحمتها، وتهدد استقلال ~~الدولة العلية وسلامتها، وتضر بمصالح إنكلترا؛ أي إن إنكلترا أرادت أن تسمع الروسيا ~~أنها إذا صممت على تنفيذ عهدة سان إسطفانوس قامت الحرب بينهما، وكان القابض في الحقيقة ~~على مفاتيح السلم والحرب حينئذ هو البرنس «بسمارك»؛ لأن ألمانيا كانت بين الدول في موقف ~~الحكم، فإنها إذا كانت انضمت إلى الروسيا كانت اضطرت النمسا إلى العدول عن محاربة ~~الروسيا، وبذلك كانت فشلت إنكلترا وبلغت الروسيا مرامها، وإذا كانت وقفت على الحياد ~~بدون أن تساعد الروسيا وتركتها أمام إنكلترا والنمسا كانت خسرت الروسيا أهم مكاسبها في ~~عهدة إسطفانوس، وقد سألت الروسيا ألمانيا مساعدتها مذكرة إياها برعايتها لها ms114 ضد النمسا ~~في عام 1866 ومساعدتها لها ضد فرنسا في عام 1870 حيث منعت النمسا من مساعدة فرنسا، ولكن ~~البرنس «بسمارك» أبى مساعد الروسيا بجنود ألمانيا معتذرا بأن ألمانيا في حاجة مستمرة ~~لمراقبة فرنسا والاستعداد لمحاربتها، فاغتاظ قيصر الروسيا واغتاظ سواسها أشد الغيظ من ~~ألمانيا ووزيرها، وابتدأت العداوة الكامنة بين الدولتين من ذلك الحين في الظهور. # ولما رأت الروسيا أنه لا استطاعة لها على محاربة النمسا وإنكلترا بعد محاربتها ~~لتركيا، طلبت من الوزارة الإنكليزية أن تعرفها عن التغييرات التي تريد إجراءها في عهدة ~~سان إسطفانوس، وجرت المخابرات في ذلك بين اللورد سالسبوري وبين الكونت «شوفالوف» سفير ~~الروسيا بلوندرة، وفي 30 مايو عام 1878 أمضيا اتفاقية سرية تتضمن التغييرات التي طرأت ~~على عهدة سان إسطفانوس، ولم يكن لهذه التغييرات الجديدة التي أحدثتها الوزارة ~~الإنكليزية في عهدة إسطفانوس أهمية؛ لأن المؤتمر الدولي كان من شأنه أن ينظر في كل شروط ~~الصلح، وأن يقرر ما يتفق عليه فيه بالأغلبية. # أما فرنسا، فقد كانت خطتها في المسألة من بادئ الأمر خطة الدولة الراغبة في السلامة ~~العديمة الأطماع في أخذ شيء من أملاك الدولة العلية، ولما عرضت عليها الدول الأوروبية ~~الاشتراك معها في مؤتمر يعقد للفصل النهائي بين تركيا والروسيا، اشترطت على الدول: ~~أولا: اشتراك كل الدول التي أمضت على معاهدة باريس عام 1856 في هذا المؤتمر. ثانيا: ~~أن لا ينظر في هذا المؤتمر إلا في المسائل المختصة بالحرب بين تركيا والروسيا. ~~ثالثا: أن لا يبحث أعضاء المؤتمر في شئون مصر والشام، وأن لا يناقش أحد في المؤتمر في ~~حقوق فرنسا على الأماكن المقدسة. فقبلت الدول كلها هذه الشروط ورضيت بذلك فرنسا أن ~~تشترك معها في المؤتمر. # وقد ظهر للقارئ مما سبق أن إنكلترا كانت متظاهرة بالمودة للدولة العلية، وكانت تهدد ~~الروسيا بأعلى صوت ولسان، ولم يكن قصدها من ذلك خدمة تركيا أو مساعدتها، بل التغرير بها ~~وخدعها؛ فإنها وعدتها بالمساعدة في مؤتمر برلين ضد الروسيا، وعرضت عليها عقد اتحاد معها ~~تتعهد فيه إنكلترا بالدفاع ms115 عن تركيا إذا مستها الروسيا بسوء - ولو كانت إنكلترا صادقة ~~في مودتها لكانت تحالفت مع الدولة العلية قبل الحرب - وتأخذ منها مقابل ذلك جزيرة ~~«قبرص»، فانخدع رجال الدولة العلية لسواس بريطانيا وأحسنوا الظن بهم، وعقدوا معهم هذه ~~المعاهدة في 4 يونيو عام 1878؛ أي قبل عقد مؤتمر برلين بأيام قلائل، وبذلك فقدت الدولة ~~العلية جزيرة قبرص بدون أن تكسبها المودة الإنكليزية الكاذبة أقل فائدة. ~~••• # وقد دعا البرنس بسمارك رسميا في 3 يونيو عام 1878 مندوبي الدول الأوروبية للاجتماع ~~ببرلين، فحضر المندوبون وعقدت الجلسة الأولى للمؤتمر في 13 يونيو، وكان أهم مندوبي ~~ألمانيا البرنس «بسمارك»، وأهم مندوبي النمسا الكونت «أندراشي»، وأهم مندوبي فرنسا مسيو ~~«وادنجتون»، وأهم مندوبي إنكلترا الكونت «بيكونسفيلد» والمركيز «دي سالسبوري»، وأهم ~~مندوبي إيطاليا الكونت «كورتي»، وكان مندوبو الروسيا البرنس «غورتشاكوف» والكونت ~~«شوفالوف» والبارون «دوبريل». أما مندوبو الدولة العلية فكانوا «قره تيودوري باشا» ~~و«محمد علي باشا» الروسي الأصل و«سعد الله بك». # وقد أرسلت حكومة اليونان مندوبين من قبلها لعرض مطالب اليونان على المؤتمر، وكان ~~مندوبو إنكلترا مساعدين لهم كل المساعدة، فطلبوا من المؤتمر قبولهم لسماع أقوالهم، وكان ~~قصد مندوبي إنكلترا من هذه المساعدة معاكسة الروسيا التي يسوءها تقوية العنصر اليوناني؛ ~~لما في ذلك من الضرر بالعنصر السلافي، وكأن مندوبي إنكلترا كانوا يجهلون أن مساعدتهم ~~لليونان تضر بالدولة العلية أكثر من ضررها بالروسيا، ولكن مصالح الدولة العلية كانت لا ~~تهمهم مطلقا بعد أن تحققت أمنيتهم بالاستيلاء على «قبرص»! # وكانت تنحصر مطالب اليونان في إظهار ضرورة استيلائها على تساليا وأبيرا وألبانيا ~~وكريت، وقد قرر المؤتمر قبول مندوبي اليونان في آخر جلسات المؤتمر وسماع ~~مطالبهم. # وأول مناقشة دارت بين أعضاء المؤتمر كانت على مسألة بلغاريا واستغرقت أربع جلسات، وقد ~~انتهت المناقشة باتفاق أعضاء المؤتمر - بالرغم من معارضة مندوبي الروسيا - على جعل ~~مساحة بلغاريا أقل بكثير مما اتفقت عليه الروسيا مع الدولة العلية في سان إسطفانوس، ~~بجعل حدودها عند جبال البلقان ، وإعطائها «صوفيا» كعاصمة لها مع بعض الأراضي في جنوب ~~البلقان، وقرر المؤتمر بذلك ms116 جعل مساحتها 64000 كيلومتر مربع بعد أن كانت في اتفاقية سان ~~إسطفانوس 163000 كيلومتر مربع، وصار عدد سكانها مليونا ونصف مليون بعد أن كان في عهدة ~~إسطفانوس أربعة ملايين؛ وبذلك بقيت سواحل الأرخبيل في أيدي الدولة العلية خلافا لشروط ~~عهدة إسطفانوس، وقرر المؤتمر جعل احتلال الجنود الروسية لبلاد بلغاريا لمدة تسعة أشهر ~~فقط لا لسنتين كما قررته عهدة إسطفانوس، وجعل تنظيم بلغاريا تحت مراقبة لجنة دولية لا ~~تحت مراقبة مندوب روسي. # وقرر المؤتمر كذلك إنشاء ولاية جديدة في جنوب البلقان بين مقدونيا وأدرنة تكون ~~عاصمتها مدينة «فيليبوبوليس» وتسمى بالرومللي الشرقي، وتكون إدارتها الداخلية ~~مستقلة، وأن لا يجوز للجنود العثمانية أن تقيم في داخلها، بل يكون لها الحق فقط في ~~الدفاع عن حدودها، ولم يرض أعضاء مؤتمر برلين تسمية الرومللي الشرقي ببلغاريا ~~الجنوبية، ولكنهم كانوا يرمون ولا محالة إلى ضم هذه الولاية الجديدة إلى بلغاريا بعد ~~زمن قليل من عام 1878. # ولما دارت المناقشة بشأن «البوسنة والهرسك» قام الكونت «أندراشي» مندوب النمسا، وقرأ ~~تقريرا طويلا أبان فيه أن بقاء هاتين المقاطعتين تحت يد الدولة العلية، أي تحت حكم ~~المسلمين، يكون سببا لاستمرار الاضطرابات والثورات فيها، وأظهر ما في ذلك من الضرر ~~بمصالح الدولة النمساوية، وما انتهى من كلامه حتى وقف الماركيز «سالسبوري» وأيد أقواله، ~~وسأل المؤتمر تقرير احتلال الجنود النمساوية لمقاطعتي البوسنة والهرسك احتلالا لا أجل ~~له، وهكذا ساعدت إنكلترا الدولة العلية وبرهنت لها على صدق إخلاصها! ... وقد احتج مندوبو ~~تركيا على هذا السؤال الغريب، فأجابهم البرنس بسمارك - الذي كان الموعز للكونت ~~«أندراشي» وللماركيز «سالسبوري» بما طلباه - بأن الغرض من مؤتمر برلين ليس رعاية ~~المصالح العثمانية، بل رعاية مصالح أوروبا والمدنية! ... وقد اتفق مندوبو المؤتمر ~~بالأغلبية على جعل البوسنة والهرسك تحت حكم النمسا، وإعطائها حق احتلال إقليم «نوفي ~~بازار»، وهو إقليم على طريق سالونيك. # وبعد ذلك نظر المؤتمر في مسألة الصرب والجبل الأسود، فأعلن استقلالهما تمام ~~الاستقلال، وقرر إعطاءهما بعض الأراضي لتوسيع نطاقهما، ولكن أقل مما قررته عهدة ~~إسطفانوس، وفي ذلك الوقت ms117 قرر المؤتمر سماع مطالب اليونان، فدخل المسيو «ديليانيس» ~~والمسيو «رانجابيه» وقرأ الأول مطالب حكومته، وهي تشتمل على إعطاء اليونان ألبانيا ~~وأبيرا وتساليا وكريت؛ فاتفق أعضاء المؤتمر على تقرير جعل المناقشة في مطالب اليونان ~~بين اليونان والدولة العلية نفسها، وعلى أنه إذا لم يحصل الاتفاق بين الحكومتين على ~~تحديد حدود جديدة بينهما؛ يعرض الأمر عندئذ على الدول الأوروبية، وأقروا على تنظيم ~~المقاطعات اليونانية الباقية تحت حكم الدولة العلية على نسق الرومللي الشرقي، وجعل ~~تنظيمها تحت مراقبة اللجنة الدولية. # ولما جاءت مسألة رومانيا، أعلن المؤتمر استقلال هذه البلاد كصربيا والجبل الأسود، ~~وقرر المساواة التامة بين كل أهاليها على اختلاف دياناتهم، وهذا القرار جاء مفيدا ~~جدا لليهود الذين أساءت إليهم حكومة رومانيا في معاملتها معهم، كما أساء إليهم أهلوها ~~كل الإساءة. وقد سمع المؤتمر مندوبي رومانيا - المسيو براتينو والمسيو كوجو لنيسانو - ~~كما سمع مندوبي اليونان، فطلبا منه عدم تقرير سلخ أي جزء من أراضي رومانيا، وعدم مرور ~~الجنود الروسية في بلادهم، وأن يقرر أن الروسيا تدفع غرامة لرومانيا مقابل ما تكبدته من ~~الخسائر أثناء الحرب، ولكن المؤتمر لم يستطع قبول هذه الطلبات لما فيها من المساس ~~بمصالح الروسيا، واكتفى بتقرير إعطاء رومانيا ألفي كيلومتر مربع في إقليم ~~الدبروجة. # وقد نظر المؤتمر بعدما تقدم في مسألة الملاحة في نهر الطونة، فقرر بقاءها على ما كانت ~~عليه قبل الحرب ومنح النمسا بعض امتيازات، وقرر المؤتمر في مسألة الغرامة الحربية عدم ~~جواز استبدالها بأراض أو ببلاد عثمانية، واعتبار الروسيا آخر دائن لتركيا؛ أي إنه لا ~~يجوز لها أن تتقدم في المطالبة بالغرامة الحربية قبل الدائنين السابقين لتركيا. # أما ما يتعلق بالمسيحيين في الدولة العلية، فقد صرح مندوبو تركيا بأن دولتهم تحترم كل ~~الديانات في بلادها، وتعامل رعاياها على السواء، فقرر المؤتمر جعل المساواة في الحقوق ~~بين المسلمين والمسيحيين تامة، وجعل المسيحيين في بلاد الدولة العلية تحت حماية أوروبا ~~المعنوية. # ولم يبق أمام المؤتمر بعد المسائل السالفة الذكر إلا مسألة استيلاء الروسيا على ~~بعض بلاد ومواقع في ms118 آسيا، فتعهدت الروسيا بالتنازل عن مدينة «بايزيد» للدولة العلية ~~مقابل تنازل الدولة عن مدينة «خوتور» للعجم، وتعهدت كذلك بعدم تحصين ثغر «باطوم» وجعله ~~ثغرا حرا للتجارة، وقد قرر المؤتمر أيضا أن الإصلاحات المزمع إجراؤها في أرمينيا ~~تعرض على الدول الأوروبية كافة، وأن حرية بوغازي البسفور والدردانيل تبقى كما قررته ~~معاهدة باريس عام 1856 ومعاهدة لوندرة عام 1871. # ولما رأى مندوبو إنكلترا أن أعمال المؤتمر قد انتهت، وأن الساعة آذنت بإعلان استيلاء ~~دولتهم على جزيرة «قبرص» أعلن الكونت «دي بيكونسفيلد» ذلك في 8 يوليو عام 1878 لأعضاء ~~المؤتمر، فاندهش مندوبو الروسيا غاية الاندهاش، وتحقق العالم كله أن إنكلترا قد خدعت ~~الدولة العلية أكبر خدعة، وأنه خير لها أن تعتمد على ألد أعدائها من أن تعتمد على دولة ~~الإنكليز، ولم يندهش البرنس «بسمارك» ولا الكونت «أندارشي» من إعلان الكونت «دي ~~بيكونسفيلد» استيلاء إنكلترا على قبرص؛ لأنهما كانا عالمين بالأمر، ولم يعارضا فيه؛ ~~لتعهد «بيكونسفيلد» بمساعدتهما في تقرير استيلاء النمسا على «البوسنة» ~~و«الهرسك». # وقد طلب البرنس «غورتشاكوف» مندوب الروسيا قبل انفضاض المؤتمر تقرير الوسائل الفعالة ~~التي تستطيع بها دول أوروبا إجبار تركيا على تنفيذ قرارات مؤتمر برلين، واستمرت ~~المناقشة في هذا الطلب ثلاثة أيام، ولكنها انتهت برفضه، وخرج البرنس «غورتشاكوف» من ~~مؤتمر برلين منهزما شر هزيمة سياسية. # وفي 13 يوليو عام 1878 أمضى مندوبو المؤتمر على معاهدة برلين، وانتهت بذلك جلسات ~~المؤتمر. ms119