######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007625 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى (المتوفى: 1327هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1327 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرد على شبهات المستعينين بغير الله #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007625 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7625 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7625 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: 1409_1989م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة دار طيبة _ الرياض _ السويدي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | بداية الرد على شبه العراقي # ... # وهذا حين الشروع في رد شبه هذا العراقي. # قال في كراسته: "واليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم منعقد وبسائر # PageV01P028 # الأنبياء، كما أطبق عليه علماء المذهب سوى الشيخ فإنه خالف أهل المذهب ~~ولم يصرح بمراده، والظاهر أنه لا يستحب عنده بل يكره كراهة تنزيه" انتهى. # قوله: سوى الشيخ، يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية. # أقول: انظر إلى هذه الجرأة والكذب على العلماء، ولنذكر كلام شيخ الإسلام ~~رحمه الله تعالى، قال في "كتاب الاستغاثة": وقد اتفق العلماء على أنه لا ~~تنعقد اليمين بغير الله، وهو الحلف بالمخلوقات كالملائكة والكعبة أو أحد من ~~الشيوخ بل ينهى عنه: إما نهي تحريم أو تنزيه، فالصحيح أنه نهي تحريم وهو ~~قول أكثر العلماء، ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" 1 وفي الترمذي عنه أنه قال: "من حلف بغير اله ~~فقد أشرك" 2. PageV01P029 # ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين: إنه تنعقد اليمين بأحد من الخلق، إلا ~~في نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن عن أحمد في ذلك روايتين في انعفاد اليمين ~~به، وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف في سائر الأنبياء، وهذا ضعيف، ~~والقول بانعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم ضعيف PageV01P030 # شاذ، لم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، والذي عليه الجمهور: مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة أنه لا تنعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو ~~الصحيح. انتهى كلامه. # فانظر حكاية هذا الضال عن علماء المذهب انعقاد اليمين بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وبسائر الأنبياء وانظر حكاية الشيخ الإتفاق على أنه لا بيعقد ~~اليمين بالمخلوقات، إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن عن أحمد رواية في ~~انعقاد اليمين به، وأن الذي عليه الجمهور عدم انعقاد اليمين به، وانر لى ~~تصحيحه أن النهي عن الحلف بالمخلوقات نهي تحريم، وهذا الملبس يقول: " ولم ~~يصرح بمرادة " وأي تصريح أبلغ من هذا، نعوذ بالله من الهوى. # 1 وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ms01 موضع آخر: وأما ما نذر لغير الله ~~كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير ~~الله من المخلوقات، والخالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك ~~الناذر للمخلوقات، فإن كلاهما شرك والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر ~~الله من هذا، ويقول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" من حلف باللات ~~والعزى فليقل لا إله إلا الله ". PageV01P031 # فانظر هل صرح بأن الحلق بغير الله شرك أم لا.. يتبين لك كذب هذا العراقي. ~~PageV01P032 ### | فصل: في رد قول العراقي الذي مضمونه: "أن نداء الصالحين والأنبياء وسؤالهم ليس بعبادة" # ... # فصل: # قال العراقي: (إن المانع من نداء الأنبياء والصالحين، وسؤالهم بعد موتهم ~~وفي غيبتهم يستدل على المنع: بأن النداء والطلب عبادة، والعبادة لغير الله ~~شرك، قال: فإذا جاز هذا في حقه صلى الله عليه وسلم دل على أنه ليس كما ~~يزعمه الخوارج من أن ذلك عبادة، ودل على أنه إذا جاز في حقه صلى الله عليه ~~وسلم جاز في غيره) . # والجواب أن يقال: هذا الضال لا يعرف العبادة، ولا ما ذكره العلماء في ~~تعريف العبادة، بل هو لا يعرف ما أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه من ~~توحيد الإلهية، ووجوب إفراده تعالى بالعبادة، بل نشأ على الشرك، وسيط بلحمه ~~ودمه، فلا يعرف غيره، ولا يفهم سواه. # قوله: (إن المانع من نداء الأنبياء والصالحين وسؤالهم بعد موتهم إلخ..) . # أقول: انظر إلى شدة جهالته، وعظمة ضلالته، لما رأى شناعة إطلاق القول ~~بجواز دعاء غير الله تعالى عدل إلى لفظ النداء تلبيسا وتمويها على الجهال ~~والطغام، فكأنه لم يسمع ما ذكره الله تعالى في كتابه من أن مدلول النداء ~~والدعاء واحد. # PageV01P033 # قال الله تعالى: {ذكر رحمت ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا، قال ~~رب إني وهن العظم مني} [مريم - 3] فقوله: {رب} هذا هو الدعاء، سماه نداء ثم ~~قال: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} فتبين أن النداء في هذه الآية هو الدعاء لا ~~غير. # وقال في سورة آل عمران: ms02 {هنالك دعا زكريا ربه قال رب} [آل عمران - 48] ~~فقوله: {رب} هو الدعاء في قوله: {هنالك دعا} . # ففي سورة مريم قال: {إذ نادى} وفي سورة آل عمران قال: {دعا} والصيغة ~~واحدة، ثم قال: {إنك سميع الدعاء} . # وقال تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء - 87] ~~وفي الحديث مرفوعا: "دعوة أخي ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين ما دعا بها مكروب إلا فرج الله" 1 # وقال تعالى: {ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له} . [الأنبياء - 76] . # وقال: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر - 10] . فمدلول الدعاء والنداء ~~واحد. PageV01P034 # وقال تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} ~~[الأنبياء - 83] وقوله: {وزكريا إذ نادى ربه} [الأنبياء - 89] الآية. # وفي الحديث عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده: ~~"أن أعرابيا قال يا رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا} [البقرة - 186] إذا ~~أمرتهم أن يدعوني فدعوني أستجيب لهم". رواه ابن جرير وابن مردويه وأبو ~~الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن حميد عن جرير1 به2. PageV01P035 # والأدلة على هذا من الكتاب والسنة كثيرة، وكذا كلام العرب، قال كعب بن ~~أسد الغنوي: # وداع دعا يا من يجيب إلى النداء ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبا1 المغوار منك قريب # وقال آخر: # فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا # وقال آخر: # فقلت ادعي وأدعو فإن ان ... دى لصوت أن ينادي داعيان # وفسر قوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} [فصلت - 33] بالمؤذن، ~~وهو الذي ينادي بالصلاة. PageV01P036 # والمقصود أن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العرب دل1 على أن ~~النداء الذي هو السؤال والطلب هو مسمى الدعاء، ومعناهما واحد، ويأتي ms03 في هذا ~~ما يكفي ويشفي إن شاء الله تعالى كقوله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون ~~الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف - 5] ~~الآيات. # وهذا صريح في أن المراد بهذا الدعاء السؤال والطلب من غير الله، وهذه حال ~~الميت والغائب لا يستجيب للداعي، وهو أيضا غافل عنه. # وهذا الدعاء الذي نهى الله عنه أن يقصد به غيره يجمع من أنواع العبادة ~~كثيرا: منها أن الداعي يتوجه بوجهه وقلبه ولسانه إلى غير الله ويتضمن رجاءه ~~والرغبة إليه والاعتماد عليه، ولذلك وصفه الله تعالى بغاية الضلال، وأخبر ~~ان ذلك يعود عليه بالخيبة والوبال في مقام الحشر، فيخونه ذلك الدعاء أحوج ~~ما يكون إليه. # إذا تبين هذا فالتحقيق أن بين الدعاء والنداء عموما وخصوصا مطلقا2، ~~فيجتمعان في السؤال والطلب إذا كان عن رغبة أو رهبة، وينفرد الدعاء إذا كان ~~عبادة كالتسبيح والتحميد والتكبير وغير ذلك. PageV01P037 # إذا عرفت هذا فإن أشكل عليك كون الدعاء عبادة فاطلب الأدلة على ذلك من ~~القرآن الكريم1، فإن لم يكفك – لا كفاك الله – فاطلبها من السنة، فإن لم ~~تكفك فقد تم خسرانك. # قال تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} [الأنعام - ~~56] في سورة الأنعام والمؤمن، وقال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من ~~دونه لا يستجيبون لهم بشيء} [الرعد - 14] الآية. وهذه الآية في دعاء ~~المسألة دلت على أنه مختص بالله دون من سواه، لأن تقديم المعمول يفيد ~~الحصر، ثم قال: {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} [الرعد - 14] ~~بين أن دعاء غيره لا يحصل لداعيه غرضه، وهذا جنس الشرك في الإلهية. # وفي حديث أنس الذي في السنن والمسانيد مرفوعا: "الدعاء مخ العبادة "2 وفي ~~السنن مرفوعا في حديث النعمان بن بشير: "الدعاء هو العبادة" ثم تلا: {وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} . # وتقرير هذا في كتاب الله تعالى: فإن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بدعائه ~~ورغبهم فيه، ووعدهم الإجابة فقال ms04 تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان PageV01P038 # فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة - 186] . وأمرهم بدعائه ~~في مواضع كثيرة من كتابه كقوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف - 55] ~~إلى قوله: {وادعوه خوفا وطمعا} [الأعراف - 56] وقال: {فادعوا الله مخلصين ~~له الدين} [غافر - 14] وقال: {فادعوه مخلصين له الدين} [غافر - 65] فأوجب ~~على عباده أن يخلصوا له الدعاء بنوعيه: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، وكل ~~منهما يتضمن الآخر. # وقد تقدم أن الله تعالى قد اختص به في قوله: {له دعوة الحق} [الرعد - 14] ~~وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} [الجن - 18] . وقوله: ~~{قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا} [الجن – 20] . # وهذه الآيات مع ما تقدم فيها الدلالة على أن دعوة غير الله شرك وضلال، ~~كما قال: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة} ~~[الأحقاف - 5] . # وفي الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم: "يخرج عنق ~~من النار له عينان يبصران، وأذنا يسمعان، ولسان ينطق، يقول إني وكلت ~~بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين" حديث ~~حسن صحيح غريب1. PageV01P039 # أما علمت أن الله تعالى أمر نبيه بإخلاص العبادة له، كما نهاه أن يدعو ~~غيره فقال: {فاعبد الله مخلصا له الدين، ألا لله الدين الخالص} [الزمر - 3] ~~وقال في آخر السورة: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر - ~~64] . # وقد دعا صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص جميع أنواع العبادة لله، وخلع ~~الأنداد التي كانت تعبدها أهل الجاهلية من صنم وغيره، وجاهدهم على ذلك حق ~~الجهاد، وناظر النصارى في عبادتهم المسيح بن مريم عليهما السلام، وأنزل ~~الله تعالى النهي عن دعوة الأنبياء والصالحين والملائكة فقال: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء - 56] ~~والآيات بعدها نزلت فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة في قول أكثر ~~المفسرين من السلف. # فمن بلغته هذه الأدلة وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms05 يرضيه الإعراض ~~عن سؤال ربه والرغبة إليه ورجائه1 والاعتماد عليه: فقد ظن برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما هو بريء منه، كما برأه الله تعالى بقوله: PageV01P040 # {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا} [الجن - 20] وقوله: {ومن أضل ممن ~~يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف - 5] . # ففي هذه الآية من الأدلة على بطلان دعوة غير الله فوائد: # منها أن الله حكم على من دعا غيره بغاية الضلال، وبين أن المدعو لا ~~يستجيب له، وأنه غافل عن دعائه، تكذيبا لمن ادعى غير ذلك من المشركين، وأنه ~~يوم القيامة يكون عدوا لمن دعاه في دار الدنيا، وأنه ينكر عبادته له ويبرأ ~~إلى الله منها، كما أخبر عن المسيح عليه السلام أنه قال: {ما قلت لهم إلا ~~ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة - 117] فخان المشرك دعاؤه ~~لغير الله أحوج ما يكون إليه، وعامله الله بنقيض قصده. # ويشبه هذه الآية قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم} [فاطر - 13] ففي هذه الآية ست ~~جمل تقطع عرق الشرك، وتبطل دعوة غير الله كائنا من كان: # الجملة الأولى قوله: {ذلكم الله ربكم له الملك} فهو المختص بالملك، كما ~~هو المختص بالعبادة. # وقوله: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} دليل على أن غيره لا ~~يملك شيئا، فإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يدعى غيره. # PageV01P041 # وقوله: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} وهذا نقيض ما عند المشركين أن ~~المدعو الميت يسمع ممن دعاه، والله تعالى يقول: {إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم} آمنا بالله، وكذبنا من أشرك بالله. # وقوله: {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} يدل على أن الاستجابة ممتنعة في حق ~~من دعا غير الله، فخاب أمله، وضل سعيه. # وقوله: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} ms06 فيه أن دعوة غير الله شرك بالنص، ~~وأن المدعو يكفر بها يوم القيامة، أي ينكرها ويبرأ إلى الله من ذلك الشرك. # {ولا ينبئك مثل خبير} ففيه وجوب الإيمان بما دلت عليه هذه الآية، وتصديقه ~~فيما أخبر. # وتضمنت هذه الآية أن الدعاء الذي نهى الله عنه في هذه الآية1 أنه دعاء ~~المسألة بدليل قوله: {لا يسمعوا دعاءكم} . # والأدوات التي تستعمل في الدعاء كثيرة معروفة، وأكثر ما يستعمل منها في ~~الكتاب والسنة وغيرها "يا" الممدودة، كقوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة - 201] وقوله: {ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا} [آل عمران - 147] {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة - ~~286] التقدير: يا ربنا. PageV01P042 # وتستعمل في الدعاء مذكورة كما جاء في كثير من الأحاديث كقوله: "يا حي يا ~~قيوم" 1. PageV01P043 # PageV01P044 # "يا ذا الجلال والإكرام" 1 " يا بديع السموات والأرض" 2، يا ودود، يا ذا ~~العرش المجيد، يا فعال لما يريد، ونحو ذلك. وهذا كثير مطرد لا يقدر أحد على ~~دفعه. # ويأتي الدعاء أيضا بصيغة الخبر ومعناه الدعاء كقولنا: صلى الله على النبي ~~محمد، وقولهم: بارك الله فيك ونحو ذلك. # والعجب أن هذا خفي على من يدعي المعرفة، وسببه نسيان العلم، كما ذكره ~~الله تعالى في قوله: {ويوم يحشرهم وما يعبدون PageV01P045 # من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيلقالوا ~~سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم ~~حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا} [الفرقان - 18] . # فنسيان الذكر من أعظم أسباب ضلال من ضل عن الهدى، وقد قال تعالى: {ومن ~~يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح ~~الكافرون} [المؤمنون - 117] فدلت هذه الآية الكريمة على أن من دعا مع الله ~~إلها آخر أنه كافر بالله لأنه صرف هذا النوع الذي هو من خصائص الإلهية لمن ~~لا 1يستحقه ووضع العبادة في غير موضعها. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ~~ما كنتم تدعون ms07 من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين} [الأنعام - 130] فلم ينفعهم ذلك الدعاء في الوقت الذي أملوا فيه ~~نفعه، فوقعوا في نقيض قصدهم، وخاب أملهم وسعيهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر. ~~PageV01P046 ### | فصل: وقد أمر الله بدعائه، وشرعه لعباده، وأحبه منهم # ... # فصل: # وقد أمر الله سبحانه بدعائه، وشرعه لعباده، وأحبه منهم، وسماه دينا، وأتى ~~فيه بأل المعرفة المؤكدة فقال: {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره ~~الكافرون} وهذا شأن العبادات، فما1 أمر به سبحانه عباده، ففعله عبادة، وفي ~~الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه" 2 وفي حديث آخر: "الدعاء سلاح المؤمن، ~~وعماد الدين، ونور السموات والأرض" 3 فكيف والحالة هذه أن يجعل لله شريكا ~~فيما شرعه لعباده، وأمرهم أن يخلصوه له، ونهاهم أن يجعلوا له شريكا فيه، ~~كما قال: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ~~بعد إذ هدانا الله} [الأنعام - 71] . إلى قوله: {وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين} [الأنعام - 71] . # وقد تقرر أن الدعاء يجمع من أنواع العبادة كثيرا: كإسلام الوجه لمن ~~يدعوه، والرغبة إليه، والاعتماد عليه، والخضوع له، والاطراح والتذلل، فمن ~~أسلم وجهه لغير الله فهو مشرك شاء أم أبى، PageV01P047 # ومن رغب عن الله إلى غيره فكذلك، قال الله تعالى: {ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} ~~[النساء - 125] . # قال ابن كثير في الآية: أي أخلص العمل لربه عز وجل، فعمل إيمانا واحتسابا ~~{وهو محسن} أي متبع1 في عمله ما شرع الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ~~ودين الحق..،2 فمن فقد الإخلاص كان منافقا.. ومن فقد المتابعة كان ضالا ~~جاهلا، ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين، الذين يتقبل منهم أحسن ما عملوا، ~~ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون3. # و"الحنيف" هو المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه، كما تقدم، وهذا هو ~~حقيقة دين الإسلام. # وقد اشتدت غربته في هذا الزمان وقبله، حتى عاد المعروف منكرا والمنكر ms08 ~~معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير، ~~وعظمت الفتنة بأرباب القبور، ورغب كثير عن إخلاص العبادة للذي له الملك ~~كله، والقدرة التامة، والمشيئة النافذة، فجعلوا له شركاء في عبادته. # والحاذق منهم يتعلق بأمر الشفاعة، وقد أخبر تعالى أن PageV01P048 # الشفاعة جميعها له: فمن طلبها من غير الله فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا ~~يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضا ~~من هي له، وإذنه فيها، وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من ~~جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم. # ومن تدبر آيات الشفاعة حق التدبر علم علما يقينا أنها لا تقع إلا لمن ~~أخلص أعماله كلها لله، واتبع ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم من توحيده ~~وشرائع دينه، فليس لله من عمل عبده إلا الإخلاص، كما قال تعالى: {ألا لله ~~الدين الخالص} [الزمر - 3] وقال: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ~~يناله التقوى منكم} [الحج - 37] وهو لا يقبل الشركة في الأعمال ولا يرضاها، ~~قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~[النساء - 48] وقال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار} [المائدة - 72] # وكما صح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول ~~الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري ~~تركته وشركه" 1. PageV01P049 ### | فصل: والدعاء صلاة وهو اسمه لغة # ... # فصل: # والدعاء صلاة، وهوة اسمه لغة، وجاء في القرآن كذلك، قالتعالى: {وصل عليهم ~~إن صلاتك سكن لهم} [التوبة - 103] أي ادع لهم. # وفي الحديث من هذا كثير: فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الملائكة ~~تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، اللهم اغفر له ~~اللهم ارحمه" 1. # قال الحافظ العراقي: المراد بصلاة الملائكة عليه ما فسره به في بقية ~~الحديث من قوله2: "اللهم اغفر له اللهم ارحمه" ms09 وهذا دعاء، وشواهده في اللغة ~~كذلك. # ومنه قول الأعشى: # تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # فإذا كان الدعاء صلاة لغة، وجاء كذلك في الكتاب والسنة PageV01P050 # علم بذلك أن قول الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين. لا شريك له} [الأنعام - 162] يتناول الدعاء، ولا ريب أن الصلاة ~~الشرعية تتضمن الدعوات الواجبة، والتحقيق أنها سميت صلاة لاشتمالها على ~~نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فلا تخرج عنهما، كما سيأتي ~~تقريره أن شاء الله تعالى. # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإكثار من الدعاء في السجود، ~~فقال: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى، وأما السجود فأكثروا فيه من ~~الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" 1. # قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في أصل الصلاة فقيل: هي الدعاء ~~لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم. انتهى. # وهذا هو الذي قرره العلامة ابن القيم رحمه الله كما سيأتي. # فإذا كانت الصلاة قد اشتملت على الدعاء فلا ريب أنه عبادة، وقد اشتملت ~~على التكبير والتسبيح وهو عبادة أيضا. # ولا يرتاب مسلم أن التكبير والتسبيح لا يجوز أن يستعمل في حق غير الله، ~~لكونه من خصائص الربوبية، فكذلك الدعاء ولا فرق، PageV01P051 # فتدبر هذا وما قبله من الأدلة على ذلك. {فاعتبروا يا أولي الأبصار} ~~[الحشر - 2] . # قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى قوله تعالى: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية} [الأعراف - 55] . # يتضمن نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة، متضمن لدعاء العبادة، ~~ولهذا أمر بإخفائه وإسراره. # وقوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} ~~[البقرة - 186] يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية: قيل أعطيه إذا ~~سألني، وقيل أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان. # وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه، أو حقيقته ومجازه، بل هذا ~~استعماله في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. فتأمله فإنه عظيم ~~النفع. # وهذا التقرير يأتي في مسألة الصلاة، ms10 وأنها نقلت عن مسماها في اللغة وصارت ~~حقيقة شرعية منقولة، أو استعملت في هذه العبادة مجازا بالعلاقة بينها وبين ~~المسمى اللغوي فضم إليهما أركان وشرائط، وعلى ما قررناه لا حاجة إلى شيء من ~~ذلك، فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء: إما دعاء عبادة ~~وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داع. انتهى ملخصا1. PageV01P052 # وفسر القنوت بالدعاء في قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة - 238] ~~. قال في شرح التقريب: والقنوت يطلق بإزاء معان: قيل الطاعة، وقيل الدعاء، ~~وبمعنى طول القيام، وبمعنى السكوت في الصلاة. # قال القاضي عياض: وأصله الدوام على الشيء. # قال ابن دقيق العيد: وإذا كان هذا أصله فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي، ~~والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلهم فاعلون للقنوت، انتهى ~~ملخصا. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه ~~الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة انتهى. # وقد تقدم ما يدل أن الله تعالى يرضى من عبده أن يسأله حاجته وأمره بذلك، ~~ووعده عليه بالاستجابة، فإذا كان الدعاء عبادة فقد أمر الله عباده بعبادته ~~وحده، كما قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء - 23] وقال: ~~{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} [النساء - 36] {أن اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره} [المؤمنون - 32] . # و"الإله" هو الذي تألهه القلوب وتعبده بأي نوع كان من أنواع العبادة، وهو ~~الذي فسر به اسمه: الله. # قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: "الله" مشتق من "الإله"، سقطت الهمزة ~~التي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين # PageV01P053 # الاسم، واللام الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى، فصارتا في اللفظ ~~لاما واحدة مشددة. # وأما تأويله: فهو على ما روى لنا ابن عباس: هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده ~~كل خلق وساق بسنده عن ابن عباس قال: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه ~~أجمعين. انتهى. # وقال الزمخشري: "الله" أصله "الإله" فحذفت الهمزة، وعوض منها حرف ~~التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا إله. # و"الإله" من أسماء ms11 الأجناس، كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو ~~باطل، ثم غلب على المعبود بحق. انتهى. # وفي القاموس: أله إلهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، ~~وأصله "إله" كفعال بمعنى مألوه، فكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه، ~~والتأله: التنسك والتعبد. والتأليه: التعبيد. انتهى. # فتبين مما تقرر أن من دعا ميتا أو غائبا فقد اتخذه معبودا بدعائه، ورغبته ~~إليه، ورجائه له، وإقباله عليه، دون من له الأمر كله والقدرة التامة، ~~والمشيئة النافذة، والعلم بما كان وبما يكون، وما لم يكن كيف يكون لو كان، ~~{فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [يس - 83] . # PageV01P054 ### | فصل: في رد قول العراقي - كذبا وبهتانا -: (صرح الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات كراهة تنزيه على وجه مخصوص: وهو طلبها بالكتابة ودس الورق في أنقاب القبر) # ... # فصل: # قال العراقي: (نعم، صرح فقهاء الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات ~~كراهة تنزيه على وجه مخصوص. وهو طلبها بالكتابة ودس الورق في أنقاب القبر. ~~قال: وقد ذكر ذلك ابن مفلح في "الفروع" وفسرها بما ذكرته، ونص عبارته عن ~~الفنون، قال - يعني ابن عقيل -: ويكره استعمال النيران، والتبخير بالعود، ~~والأبنية الشاهقة القباب، سموا ذلك مشهدا، واستشفوا بالتربة من الأسقام، ~~وكتبوا إلى التربة الرقاع، ودسوها في الأنقاب، فهذا يقول: جمالي قد جربت. ~~وهذا يقول: أرضي قد أجدبت، كأنهم يخاطبون حيا، ويدعون إلها. انتهى. # قال العراقي: فانظر إلى حكمه في هذه الأشياء بالكراهة التنزيهية مع ~~قوله1: كأنهم يخاطبون حيا، ويدعون إلها) . # أقول: سبحان مقلب القلوب. فهاهنا تسكب العبرات، انظر إلى تلبيس هذا ~~الضال، واجتهاده في الدعوة إلى الشرك بالواحد المتعال، ولنذكر كلام ابن ~~عقيل في "الفنون" على وجهه الذي نقله PageV01P055 # عنه صاحب الفروع، قال في الفروع: وفي الفنون: "لا تخلق القبور بالخلوق، ~~والتزويق، والتقبيل لها، # والطواف1 بها، والتوسل بهم إلى الله" قال: "ولا يكفيهم ذلك حتى يقولوا ~~بالسر الذي بينك وبين الله، وأي شيء2 يسمى سرا بينه وبين خلقه، قال: ويكره ~~استعمال النيران.. إلى آخر ما ذكره العراقي. # فانظر كيف ms12 ترك أول الكلام لمصادمته لغرضه، وسقوطه على علته ومرضه، وانظر ~~إلى كلام ابن عقيل، وتصريحه بالنهي عن التوسل، إلى آخر كلامه، يتبين لك أن ~~الله قد أضل هذا3 وأعماه وأقماه4 في هوة هواه، وليس هذا بأول قارورة كسرت ~~في الإسلام منه، ومن أمثاله. # ولابن عقيل رحمه الله كلام أصرح من هذا الذي ذكره صاحب الفروع عنه، قال ~~أبو الوفاء ابن عقيل: # لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع ~~وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم ~~عندي كفار بهذه الأوضاع: مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع، ~~وإيقاد5 السرج، PageV01P056 # وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي ~~افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال ~~إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم ~~لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون ~~على جنازته: أبو بكر الصديق، أو محمد أو علي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا ~~بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر، ~~انتهى كلامه. # فانظر إلى تصريحه بكفر فاعل هذه الأمور. وهذا الملبس يقول: إنه مكروه ~~عنده كراهة تنزيه إذا كان طلب الحوائج من الأموات بالكتابة ونحوها، فأما ~~طلب الحوائج من الأموات باللسان فمستحب عنده، فسبحان من مسخ عقله، وأظهر ~~تلبيسه وجهله. # ويشبه هذا ما ذكر أن رجلا اجتمع بامرأة ليزني بها، فلما جامعها قال لها: ~~استري وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام. # قوله: (صرح فقهاء الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات والغائبين، إلى ~~آخره) . # جوابه أن يقال: بل صرح فقهاء الحنابلة وغيرهم بإنكاره والنهي عنه، وأن ~~ذلك هو الشرك الأكبر، وأنه كفعل عابدي الأصنام، كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها. # ونحن نذكر من كلامهم قليلا من كثير، وغيضا من فيض، وقد تقدم بعض ذلك من ~~كلام الله وكلام رسوله، ms13 ولا بد من ذكر ما تيسر من كلام العلماء. # PageV01P057 # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "من جعل بينه وبين الله ~~وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا". نقل عنه ذلك أئمة ~~الحنابلة: كصاحب الفروع، وصاحب الإنصاف، وصاحب الإقناع. # وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته السنية لما ~~تكلم على حديث الخوارج: "فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ~~ممن انتسب إلى الإسلام من قد مرق من الدين مع عبادته العظيمة، فليعلم أن ~~المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضا، وذلك بأمور، منها: # الغلو الذي ذمه الله كالغلو في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي ~~بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح. # فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه ~~من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، وأنا في حسبك، فكل هذا شرك ~~وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. # فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر، ~~والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة والمسيح وعزير، والصالحين ~~أو قبورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق أو ترزق، وإنما كانوا يدعونهم، ~~يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من ~~دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة1، انتهى. PageV01P058 # وقال ابن القيم رحمه الله: ومن أنواعه – أي الشرك1 – طلب الحوائج من ~~الموتى، والاستغاثة بهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو ~~لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عمن استغاث به، وسأله أن يشفع له، وهذا ~~من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا ~~بإذنه. # قال بعض المحققين: لو جاز طلب الشفاعة من الميت والغائب لما صار لنفي ~~الشفاعة في القرآن معنى، كقوله: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ~~ولا شفاعة} [البقرة - 254] {ليس لهم من دونه ولي ms14 ولا شفيع} [الأنعام - 51] ~~{واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~ولا هم ينصرون} [البقرة - 123] فلا يظهر الفرق بين الشفاعة المنفية في هذه ~~الآيات ونحوها، والمثبتة كما في قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} [البقرة - 255] {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء – 28] {يومئذ ~~لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} [طه - 109] فلا يظهر ~~الفرق إلا أن المنفية هي التي تطلب من غير الله، ويرغب فيها إلى غيره، ~~والمثبتة هي التي لا تطلب إلا من الله وحده، وهو الإخلاص الذي لا يرضى من ~~العبد سواه، كما تقرر في كلام العلماء. # قال ابن القيم: والله تعالى لم يجعل استغاثتة بغيره، وسؤاله لغيره ~~PageV01P059 # سببا للإذن في الشفاعة، وإنما السبب كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب ~~يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل ~~مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعادات1 أهل التوحيد، ~~ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه ~~الموحدين له بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، ~~وظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء أعداء الرسل في ~~كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم. # وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين ~~في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه ومعبوده، فجرد حبه ~~لله، وخوفه لله، ورجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، ~~والتجاءه إلى الله، واستغاثته بالله، وأخلص قصده لله، متبعا لأمره، متطلبا ~~لمرضاته، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله، ~~فهو لله، وبالله، ومع الله، انتهى كلامه. # وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه في الرد على من ادعى أن ~~للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة2: PageV01P060 # هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفا ~~في حياتهم1 وبعد مماتهم، ms15 ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهمتهم2 تكشف ~~المهمات، فيأتون قبورهم، وينادوهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك ~~منهم كرامات.. وقالوا: فيهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، ~~وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا ~~لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا كلام فيه تفريط ~~وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك ~~المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة، وما اجتمعت ~~عليه الأمة، وفي التنزيل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء - 115] . # ثم قال: # فأما قولهم إن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: ~~{أإله مع الله} [النمل - 60] {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف - 54] {لله ~~ملك السماوات والأرض} [المائدة - 120] ونحوه من الآيات الدالات على أنه ~~المنفرد بالخلق PageV01P061 # والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شركة1 لغيره في شيء بوجه من الوجوه، ~~فالكل تحت ملكه وقهره: تصرفا وملكا، وإحياء وإماتة، وخلقا ### | .... # وتمدح الرب تعالى بملكه في آيات من كتابه كقوله: {هل من خالق غير الله} ~~[فاطر - 3] {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر - 13]- وذكر ~~آيات في هذا المعنى - ثم قال: # فقوله في الآيات كلها: {من دونه} أي من غيره، فإنه عام يدخل فيه من ~~اعتقدته من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه فكيف يمد2 ~~غيره، إن هذا القول وخيم، وشرك عظيم، إلى أن قال: # وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول في التصرف في ~~الحياة، قال جل ذكره: {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر - 30] وقال تعالى: ~~{الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها ~~الموت} [الزمر -42] الآية، {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران - 185] {كل نفس ~~بما كسبت رهينة} [المدثر - 38] وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" ~~الحديث3. PageV01P062 # فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن ~~أرواحهم ممسكة، ms16 وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان فدل ذلك على أن ليس ~~للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره.. فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في ~~غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن ~~الأرواح مطلقة متصرفة {قل أأنتم أعلم أم الله} . # قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من المكرمات فهو من المغالطة، ~~لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به أولياءه، لا قصد لهم فيه، ولا تحدي، ~~ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني. # قال: وأما قولهم: "فيستغاث بهم في الشدائد ... " فهذا أقبح مما قبله، ~~وأبدع لمصادرته قوله: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض أإله مع الله} [النمل - 62] {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} # [الأنعام - 63] وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال: # فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه القادر على إيصال الخير، ~~فهو المنفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبي وولي، قال: # والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية من قتال أو ~~إدراك عدو، أو سبع، ونحوه، كقولهم: # يا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة # PageV01P063 # بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد والمرض، وخوف الغرق، ~~والضيق، والفقر، وطلب الرزق، ونحوه فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره. قال: # وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله جاهلية ~~العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات ... ~~فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة، أو ~~قضاء حاجة تأثيرا1، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير. # وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات فحاشا لله أن تكون أولياء ~~الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كما2 أخبر الرحمن: {هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله} [يونس - 18] {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر - 3] ~~{أأتخذ ms17 من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} [يس - 23] فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي ~~وغيره على وجه الإمداد منه: إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا ~~خير إلا خيره. # قال: وأما ما قالوه: "إن منهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، وسبعين ~~وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس" فهذا من موضوعات إفكهم، كما ~~ذكره القاضي المحدث ابن العربي3 في PageV01P064 # "سراج المريدين" وابن الجوزي، وابن تيمية. انتهى باختصار. وقال ابن عطية ~~في قوله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} الآيات [يونس - ~~106] : معناه قيل لي: ولا تدع، فهو عطف على {أقم} وهذا الأمر والمخاطبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان هكذا فأحرى أن يتخذ من ذلك غيره، ~~والخطاب خرج مخرج الخصوص، وهو عام للأمة. # وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير في هذه الآية: يقول تعالى ذكره: ولا تدع ~~يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ~~يضرك في دين ولا دنيا. يعني بذلك الآلهة، يقول: تعبدها راجيا نفعها أو ~~خائفا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر، فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله فإنك ~~إذا من الظالمين، يقول: من المشركين بالله، انتهى. # وهذه الآية لها نظائر كقوله تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين} [الشعراء - 213] وقوله: {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا ~~هو} [القصص - 88] ففي هذه الآيات بيان أن كل مدعو يكون إلها، والإلهية حق ~~لله، لا يصلح منها شيء لغيره، ولهذا قال: {لا إله إلا هو} كما قال تعالى: ~~{ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير} [لقمان - 30] . # وقال الشيخ قاسم الحنفي في "شرح درر البحار": النذر الذي ينذره أكثر ~~العوام على ما هو مشاهد، كأن يكون لإنسان # PageV01P065 # غائب، أو مريض، أو له حاجة، فيأتي إلى بعض ms18 الصلحاء ويجعل على رأسه سترة ~~ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك ~~من الذهب كذا، أو من الفضة أو من الطعام كذا، أو من المال كذا، أو من الشمع ~~والزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: # منها أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا ~~تكون لمخلوق. # ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. # ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد # ذلك كفر، إلى أن قال: # فإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ~~ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين، نقله عنه ابن نجيم في ~~البحر الرائق، ونقله المرشدي في تذكرته وغيرهما عنه1، وزاد: "وقد ابتلي ~~الناس بهما لا سيما في مولد البدوي" انتهى. # وقال العلامة أحمد الرومي الحنفي في كتابه المسمى "مجالس الأبرار" بعد ~~كلام سبق في الكلام على زيارة القبور: # فإذا كان كذلك فاللائق بالزائر أن يتبع السنة، ويقف عند ما شرع له، ولا ~~يتعداه، ليكون الزائر إلى نفسه، وإلى أهل القبور، لأن زيارة القبور نوعان: ~~زيارة شرعية، وزيارة بدعية. PageV01P066 # أما الزيارة الشرعية التي أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فالمقصود منها شيئان: # أحدهما: راجع إلى الزائر، وهو الاتعاظ والاعتبار. # والثاني: راجع إلى أصحاب القبور وهو أن يسلم الزائر عليهم، ويدعو له. ~~وأما الزيارة البدعية فهي زيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، ~~وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، ~~والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، والولد، وقضاء الدين ~~وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من الحاجات التي كان عباد ~~الأصنام يسألونها من أصنامهم، فإن أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذ ~~منهم، وليس شيء من ذلك مشروعا باتفاق المسلمين، إذ لم يفعله رسول رب ~~العالمين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل قد أنكر ~~الصحابة ما هو دون ذلك بكثير، كما روي عن المعرور بن سويد أن عمر صلى صلاة ~~الصبح ms19 في طريق مكة ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: ~~مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من ~~كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثارأنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا، ~~فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصلها فيها، ومن لا فليمض لا يتعمدها1. ~~PageV01P067 # وكذلك لما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع تحتها النبي عليه ~~الصلاة والسلام أرسل إليها فقطعها. # فإذا كان عمر فعل هذا بالشجرة التي بايع الصحابة تحتها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذكرها الله تعالى في القرآن حيث قال: {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح - 18] فماذا يكون حكمه فيما ~~عداها! # ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كانت الصحابة والتابعون ~~حيث كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد - إلى زمن الوليد ابن عبد الملك ~~- لا يدخل فيها أحد لا لصلاة، ولا لدعاء ولا لشيء آخر مما هو من جنس ~~العبادة، بل كانوا يفعلون جميع ذلك في المسجد. # وكان أحدهم إذا سلم على النبي عليه السلام وأراد الدعاء استقبل القبلة، ~~وجعل ظهره إلى جوار القبر ثم دعا وهذا مما لا نزاع فيه بين العلماء، وإنما ~~نزاعهم في وقت السلام عليه. PageV01P068 # قال أبو حنيفة: يستقبل القبلة عند السلام أيضا ولا يستقبل القبر. وقال ~~غيره: لا يستقبل القبر عند الدعاء، بل قالوا إنه يستقبل القبلة وقت الدعاء ~~ولا يستقبل القبر، حتى لا يكون الدعاء عند القبر، فإن الدعاء عبادة كما ثبت ~~بالحديث المرفوع: "إن الدعاء هو العبادة". # والسلف الصالح من الصحابة والتابعين جعلوا العبادة خالصة لله تعالى، ولم ~~يفعلوا عند القبور شيئا منها، إلا ما أذن فيه النبي عليه الصلاة والسلام من ~~السلام على أصحابها، وسؤال الرحمة والمغفرة والعافية من الله لهم. # وسبب ذلك أن الميت قد انقطع عمله، وهو يحتاج إلى من يدعو له، ويشفع ~~لأجله1، ولهذا شرع في الصلاة عليه وجوبا أو ندبا ما لم يشرع مثله في الدعاء ~~للحي، فإنا لما كنا إذا قمنا ms20 إلى جنازته ندعو له، ونشفع لأجله، فبعد الدفن ~~أولى أن ندعو له ونشفع، لأنه في قبره بعد الدفن أشد احتياجا إلى الدعاء منه ~~على نعشه، لأنه حينئذ معرض للسؤال وغيره، على ما روي عن عثمان بن عفان أنه ~~عليه الصلاة والسلام كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا ~~لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" 2.وروي عن سفيان الثوري أنه قال: ~~"إذا سئل الميت من ربك يتراءى PageV01P069 # له الشيطان في صورة ويشير إلى نفسه – أي- أنا ربك" قال الترمذي: هذا فتنة ~~عظيمة. وكانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقال: اللهم أعذه من ~~الشيطان الرجيم. # فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة. ~~وهذه سنة الخلفاء الراشدين، وطريقة جميع الصحابة والتابعين، فبدل أهل البدع ~~والضلال قولا غير الذي قيل لهم، فإنهم قصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى الميت وإلى الزائر سؤالهم الميت والاستغاثة ~~به، وليس هذا إلا الفتنة التي قال فيها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ~~"كيف إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير تجري على الناس ~~ويتخذونها سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة. # قال: وقال ابن القيم في إغاثته: # هذا يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا اعتبارولا التفات إليه، ~~وقد جرى على خلاف السنة منذ زمن طويل، فإذا لابد أن تكون شديد التوقي من ~~محدثات الأمور، وإن اتفق عليهالجمهور، فلا يغرنك إطباقهم على ما حدث بعد ~~الصحابة، بل ينبغي لك أن تكون حريصا على التفتيش عن أحوالهم وأعمالهم، فإن ~~أعلم الناس وأقربهم إلى الله أشبههم بهم، وأعلمهم بطريقتهم، إذ عنهم أخذ ~~الدين وهم أصول في نقل الشريعة من صاحب الشرع، فلا بد لك أن لا تكترث ~~بمخالفتك لأهل عصرك في موافقتك لأهل عصر النبي عليه السلام، إذ قد جاء في ~~الحديث: "إذا اختلف # PageV01P070 # الناس فعليكم بالسواد الأعظم". # قال عبد الرحمن بن إسماعيل – المعروف بأبي شامة –: حيث ms21 جاء الأمر بلزوم ~~الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف ~~له كثيرا، إلا أن الحق ما كان عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة، ولا عبرة ~~بكثرة الباطل بعدهم. وقد قال الفضيل بن عياض ما معناه: "إلزم طريق الهدى، ~~ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين" انتهى ~~كلامه. # وقال العلامة الرومي أيضا في المجلس السابع عشر في عدم جواز الصلاة عند ~~القبور، والاستمداد من أهلها، واتخاذ السرج والشموع عليها: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" هذا الحديث من صحاح المصابيح، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ~~ذلك". # قال بعض المحققين: والصلاة في المواضع المتبرك1 بها من مقابر الصالحين ~~داخلة في هذا النهي، لاسيما إذا كان الباعث عليها تعظيم هؤلاء لما فيه2 من ~~الشرك، فإن مبتدأ عبادة الأصنام كان في قوم نوح النبي عليه السلام، من جهة ~~عكوفهم على القبور، كما أخبر PageV01P071 # الله تعالى في كتابه بقوله: {قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ~~ماله وولده إلا خسارا. ومكروا مكرا كبارا. وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [نوح - 21] . # قال ابن عباس وغيره من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين من1 قوم نوح النبي ~~عليه السلام فلما ماتوا عكف الناس على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال ~~عليهم الأمد فعبدوهم. وهذا هو مبتدأ عبادة الأصنام. # قال: وقال ابن القيم في إغاثته نقلا عن شيخه: إن هذه العلة التي لأجلها ~~نهى الشارع عن اتخاذ القبور مساجد هي التي أوقعت كثيرا من الناس إما في ~~الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد ~~صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بشجر أو حجر. # ولهذا تجد كثيرا من الناس عند القبور يتضرعون ويخشعون ويخضعون ويعبدون ~~بقلوبهم عبادة لا يفعلون مثلها في بيوت ms22 الله تعالى ولا في وقت السحر، ~~ويرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء لديها ما لا يرجون في المساجد، فلحسم ~~مادة هذه المفسدة نهى عليه السلام عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد ~~المصلي بصلاته فيها بركة البقعة، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ~~PageV01P072 # ووقت غروبها ووقت استوائها: لأن أوقات يقصد المشركون الصلاة للشمس فيها، ~~فنهى أمته عن الصلاة فيها، وإن لم يقصدوا ما قصده المشركون. # وإذا قصد الرجل الصلاة عند المقبرة تبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين ~~المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى، ~~فإن العبادات مبناها على الاستنان والاتباع، لا على الأهواء والابتداع. فإن ~~المسلمين أجمعوا على ما علموا من دين نبيهم أن الصلاة عند المقبرة منهي ~~عنها. لأن فتنة الشرك بالصلاة فيها، ومشابهة عبادة الأصنام أعظم كثيرا من ~~مفسدة الصلاة عند طلوع الشمس، وحين غروبها، وحين استوائها، فإن النبي عليه ~~السلام لما نهى عن تلك المفسدة سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال ~~المصلي، فكيف بهذه الذريعة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك بدعاء ~~الموتى، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل من الصلاة ~~في المساجد، وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة لله تعالى ولرسوله؟. # قال: وقال ابن القيم في إغاثته: من جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في القبور، وبين ما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه الصحابة ~~والتابعون، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر، ~~ومناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا. إلى أن قال: # وقد آل الأمر بهؤلاء الضالين المضلين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له ~~مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك # PageV01P073 # كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" تشبيها منه للقبور بالبيت الحرام، ولا ~~يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام. # فانظر إلى ما شرعه النبي عليه السلام في القبور من النهي، وبين ما شرعه ~~هؤلاء وما قصدوه من التباين العظيم، ولا ms23 ريب أن في ذلك من الفساد ما يعجز ~~الإنسان على حصره: # منها تعظيمها الموقع في الافتتان بها. # ومنها تفضيلها على المساجد التي هي خير البقاع، وأحبها إلى الله، فإنهم ~~إذا قصدوا القبور يقصدونها مع التعظيم، والاحترام، والخشوع، ورقة القلب، ~~وغير ذلك مما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا مثله. # ومنها اتخاذ المساجد والسرج عليها. # ومنها العكوف عندها، وتعليق الستور عليها، واتخاذ السدنة لها. # ومنها النذر لها، ولسدنتها. # ومنها زيارتها لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، ~~وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم ~~النصر، والرزق، والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وغير ذلك ~~من الحاجات التي كان عباد الأوثان يسألونها من أوثانهم، وليس شيء منها ~~مشروعا باتفاق أئمة المسلمين، إذ لم يفعل منه شيئا رسول رب العالمين، ولا ~~أحد من # PageV01P074 # الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين. # ومن المحال أن يكون شيء منها مشروعا، وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون ~~الثلاثة التي شهد فيهم النبي عليه السلام بالصدق والعدل، ويظفر به الخلوف ~~الذين شهد فيهم النبي عليه السلام بالكذب والفسق، فمن شك في هذا فلينظر هل ~~يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو ضعيف أنهم كانوا ~~إذا بدت لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا عن أن يصلوا ~~عندها، أو يسألوا حوائجهم منها، كلا لا يمكنهم ذلك، بل إنما يمكنهم أن ~~يأتوا بكثير من ذلك عن الخلوف التي خلفت من بعدهم، ثم كلما تأخر الزمان، ~~وطال العهد، كان ذلك أكثر، حتى وجدت من ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن النبي ~~عليه السلام ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن الصحابة والتابعين حرف واحد، بل ~~فيها من خلاف ذلك كثير من الأحاديث المرفوعة التي من جملتها قوله عليه ~~السلام: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا ~~هجرا" 1 أي فحشا، وأي فحش أعظم من الشرك عندها قولا وفعلا. إلى أن قال: # فإن غلاة متخذيها عيدا ms24 إذا رأوها من مكان بعيد ينزلون عن دوابهم، ويكشفون ~~رؤوسهم، ويضعون جباههم على الأرض، ويقبلون PageV01P075 # الأرض، ثم إنهم إذا وصلوا إليها يصلون عندها ركعتين، ثم ينتشرون حول ~~القبر طائفين به تشبيها بالبيت الحرام الذي جعله الله تعالى مباركا وهدى ~~للأنام، ثم يأخذون في التقبيل والاستلام، كما يفعل الحجاج في المسجد ~~الحرام، ثم يعفرون جباههم وخدودهم، ثم يكملون مناسك حج القبر بالحلق ~~والتقصير، ثم يقربون لذلك الوثن القرابين، فلا يكون صلاتهم، ونسكهم، ~~وقربانهم، وما يراق هناك من العبرات، ويرفع من الأصوات، ويطلب منه من ~~الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي ~~العاهات والبليات لله تعالى بل للشيطان، فإن الشيطان لبني آدم عدو مبين، ~~يصدهم بأنواع مكايده عن الطريق المستقيم. # ومن أعظم مكايده ما نصبه للناس من الأنصاب التي هي رجس من عمل الشيطان، ~~وقد أمر الله المؤمنين باجتنابها، وعلق فلاحهم بذلك الاجتناب، فقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة - 90] فالأنصاب جمع نصب بضمتين، أو جمع ~~نصب بالفتح والسكون، وهو كل ما نصب وعبد من دون الله تعالى من شجر أو حجر ~~أو قبر أو غير ذلك. # والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره، كما أن عمر لما بلغه أن الناس ينتابون ~~الشجرة التي بويع تحتها النبي عليه السلام أرسل إليها فقطعها. ثم ذكر حديث ~~أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول # PageV01P076 # الله صلى الله عليه وسلم على حنين ونحن حدثاء عهد بكفر1، وللمشركين سدرة ~~يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم يقال لها ذات أنواط. فمررنا ~~بسدرة، فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده ~~كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" لتركبن سنن من ~~كان قبلكم". # فإذا كان اتخاذ مثل هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله ~~مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها، ولا ms25 يسألونها شيئا، فما الظن بغيرها ~~مما يقصده الناس من شجر أو حجر أو قبر، ويعظمونه، ويرجون منه الشفاء ~~ويقولون: إن هذا الشجر وهذا الحجر وهذا القبر يقبل النذر الذي هو عبادة ~~وقربة، ويتمسحون بذلك النصب، ويستلمونه. # وهذا الشيطان في كل حين وزمان ينصب لهم قبر رجل معظم يعظمه الناس، ثم ~~يجعله وثنا يعبد من دون الله تعالى، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن ~~عبادته وعن اتخاذه عيدا، وعن جعله وثنا فقد تنقصه، وهضم حقه، فيسعى ~~الجاهلون في قتله وعقوبته، ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه أمر بما أمر به الله ~~تعالى ورسوله، ونهى عما نهى الله تعالى عنه ورسوله. # والذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها أمور: # منها الجهل بحقيقة ما بعث الله تعالى به رسوله، من تحقيق PageV01P077 # التوحيد وقطع أسباب الشرك، فالذين قل نصيبهم من ذلك إذا دعاهم الشيطان ~~إلى الفتنة بها، ولم يكن لهم ما يبطل دعوته استجابوا له بحسب ما عندهم من ~~الجهل، وعصموا منه بقدر ما عندهم من العلم. # ومنها أحاديث مكذوبة وضعها على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشباه عباد ~~الأصنام من المقابرية، وهي تناقض ما جاء به من دينه، كحديث: "إذا تحيرتم في ~~الأمور فاستعينوا من أهل القبور" وحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب ~~القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي ~~هي مناقضة لدين الإسلام وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية، وراجت على ~~الجهال والضلال، والله تعالى إنما بعث رسوله لقتال من حسن ظنه بالأحجار ~~والأشجار، فإنه عليه السلام جنب أمته من الفتنة بالقبور بكل طريق. # ومنها حكايات حكيت عن أهل تلك القبور، أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في ~~شدة فخلص منها، وفلان نزل به ضر فاستدعى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وفلان ~~دعاه في حاجة فقضيت حاجته، وعند السدنة والمقابرية شيء من ذلك يطول ذكره، ~~وهم كمن أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، ~~وإزالة ضروراتها، لاسيما من كان مضطرا يتشبث بكل سبب ms26 وإن كان فيه كراهة، ~~فإذا سمع أحد أن قبر فلان ترياق مجرب، يميل إليه، فيذهب ويدعو عنده بحرقة ~~وذلة وانكسار، فيجيب # PageV01P078 # الله تعالى دعوته لما قام بقلبه1 من الذلة والانكسار، لا لأجل القبر، ~~فإنه لو دعا كذلك في الجبانة والحمامة والسوق لأجابه: فيظن الجاهل أن لقبر ~~تأثيرا في إجابة تلك الدعوة، ولا يعلم أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو ~~كان كافرا، فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه، ولا محبا له، ولا ~~راضيا بفعله، فإنه يجيب دعاء البر والفاجر، والمؤمن والكافر، يسر لنا الله ~~تعالى من الدعاء والعمل ما يكون موافقا لرضائه بلطفه وكرمه. انتهى كلام ~~العلامة الرومي رحمه الله تعالى ببعض اختصار. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والله تعالى لم يجعل أحدا ~~من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية، مثل ما يتفرد به ~~من الخلق والرزق، وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج ~~الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببا، أن يدعو ويشفع، والله تعالى قال: {من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة - 255] وقال: {وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} ~~[النجم - 26] وقال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران – 80] . # فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، ولهذا كانوا ~~PageV01P079 # في الشفاعة على ثلاثة أقسام: # فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك، كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما ~~يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير إذنهم، ويجيب ~~الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله ~~مشركون كفار، لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى ~~أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعوة الشافعين، ولهذا قال: {ما لكم ~~من دونه من ولي ولا شفيع} [السجدة-4] وقال: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء ~~قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون. ms27 قل لله الشفاعة جميعا} ~~[الزمر-43] وقال عن صاحب يس: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا ~~تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} [يس-23] . # وأما الخوارج والمعتزلة فإنهم أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في ~~أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال، مخالفون للسنة المستفيضة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولإجماع خير القرون. # القسم الثالث أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم ~~بإحسان، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه، وسنة رسوله، ونفوا ما نفاه، ~~فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها ~~القرآن – كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة – فينفيها ~~أهل العلم والإيمان: مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين ~~والميتين قضاء حوائجهم، # PageV01P080 # ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك ~~عند الملوك يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به ~~حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، والله سبحانه قد نزه نفسه عن ~~ذلك. انتهى. # ولو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال المقام جدا ~~وفيما ذكرنا كفاية لطالب الهدى {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا} [المائدة-41] وبالله التوفيق. # PageV01P081 ### | فصل: الجواب عند استدلال العراقي على دعواه بحديث الأعمى وحديث ((ياعباد الله احبسوا)) # ... # فصل: # واستدل العراقي بما روى الطبراني عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيمن انفلتت عليه دابته قال: "يا عباد الله احبسوا" وبحديث الأعمى. # والجواب أن يقال: سبحان الله! كيف يتعلق بهذا ونحوه المشركون، ويرومون به ~~معارضة الحجج القاطعة من كلام من يقول للشيء كن فيكون، وكلام رسوله الصادق ~~المأمون. ونحن بحول الله وقوته نتكلم على الحديثين، ونبين معناهما، ونوضح ~~منطوقهما وفحواهما، ونقطع شغب كل مشرك وجداله، ونبين باطله ومحاله، فنقول ~~وبالله التوفيق: # اعلم أن الله سبحانه بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى التوحيد، ~~والنهي عن الإشراك والتنديد، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسد كل ~~طريق يوصل إلى الشرك، ms28 حتى إن رجلا قال له: "ما شاء الله وشئت" قال: ~~"أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده" فكيف يأمر بدعاء الميت والغائب؟. # بل من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن دعاء الميت والغائب لم يأمر ~~الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة # PageV01P082 # والتابعين، ولا فعله أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من الصحابة استغاث ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولو كان هذا جائزا أو مشروعا لفعلوه، ~~ولو كان خيرا لسبقونا إليه. # وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد ~~كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه، ولا استغاث ~~به، ولا استنصر به، ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الدواعي والهمم على نقله، ~~بل على نقل ما هو دونه. # وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون دعاء الموتى أو الغائبين أو الدعاء عند ~~قبورهم والتوسل بأصحابها أفضل أو لا. فإن كان أفضل فكيف يخفى علما وعملا ~~على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة علما ~~وعملا بهذا الفضل العظيم، ويظفر به الخلوف علما وعملا. # وهذان الحديثان اللذان ذكرهما هذا العراقي إما أن يكون الصحابة الذين ~~رووهما وسمعوهما من النبي صلى الله عليه وسلم جاهلين بمعناهما، وعلمه هؤلاء ~~المتأخرون، وإما أن يكون الصحابة علموهما وزهدوا فيهما عملا مع حرصهم على ~~الخير وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وكلاهما محال، بل هم أعلم الناس ~~بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطوع الناس لأوامره، وأحرص الناس على ~~كل خير، وهم الذين نقلوا إلينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فهل فهموا من ~~هذين الحديثين جواز دعاء الموتى والغائبين فضلا عن استحبابه، والأمر به؟؟. # ومعلوم أنهم عرضت لهم شدائد واضطرابات، ومحن وفتن # PageV01P083 # وسنون مجدبات، أفلا جاؤوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم شاكين، وله ~~مخاطبين بكشفها عنهم وتفريج كرباتهم؟ والمضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه ~~نفعا، لاسيما الدعاء، فلو كان ذلك وسيلة مشروعة وعملا صالحا ms29 لفعلوه. # فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور حتى توفاه الله، ~~وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين هل يمكن أحدا ~~أن يأتي عنهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة، أو ~~عرضت لهم شدة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يسألوها ~~حوائجهم؟. # فمن كان عنده في هذا أثر أو حرف واحد فليوقفنا عليه، نعم لهم أن يأتوا عن ~~الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون بكثير من ~~المختلقات، والحكايات المكذوبات، حتى لقد صنف في ذلك عدة مصنفات، ليس فيها ~~حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما فيها التمويهات ~~والحكايات المخترعات، والأحاديث المكذوبات، كقولهم: "إذا أعيتكم الأمور ~~فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه". # وفيها حكايات لهم عن تلك القبور بأن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة ~~فخلص منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت، وفلان نزل به ضر فأتى صاحب ~~ذلك القبر فكشف ضره، ونحو ذلك مما يعلم أنه مضاد لما بعث الله به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، ويعلم أنه حمى جانب التوحيد، وسد الذرائع الموصلة إلى ~~الشرك، فكيف # PageV01P084 # يستدل بكلامه على نقيض ما أمر به!؟. # فأما حديث "إذا انفلتت دابة أحدكم" إلى آخره، فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه من رواية ~~معروف بن حسان، وهو منكر الحديث، قاله ابن عدي. # الوجه الثاني: أن يقال: على تقدير صحته، معناه: أن الإنسان إذا انفلتت ~~دابته، وعجز عنها، فقد جعل الله عبادا من الملائكة، أو صالحي الجن، أو ممن ~~لا يعلمه من جنده سواه {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر-31] فإن هؤلاء ~~عباد الله أحياء حاضرون، قد جعل الله لهم قدرة على ذلك كما جعل للإنس، فهذا ~~كما إذا انفلتت دابة الإنسان فنادى أحد رفقته يا فلان رد الدابة، فلا بأس ~~بهذا. # ويدل على ms30 هذا ما رواه البزار من حديث ابن عباس1 أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إن لله في الأرض ملائكة سوى الحفظة، يكتبون ما سقط من ورق، ~~فإذا أصاب أحدكم شيء بأرض فلاة، فليناد: أعينوني"، فأين هذا من الاستغاثة ~~بأهل القبور لو كانوا يعقلون. # وأما حديث الأعمى فنذكر بحول الله وقوته عنه من صواب الجواب، ما يتبين به ~~الحق ويزول الارتياب، فنقول: PageV01P085 # ذكر العلماء في معناه قولين: أحدهما أنه توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فيدل على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن التوسل ليس فيه ~~دعاء له ولا استغاثة به، وإنما يسأل الله بجاهه. # وهذا ذكره الفقيه أبو محمد ابن عبد السلام، فإنه أفتى بأنه لا يجوز ~~التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم، قال وأما التوسل بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم فيجوز إن صح الحديث، يعني حديث الأعمى. # قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى: وما زلت أبحث ~~وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء هل جوز أحدهم التوسل ~~بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم فما وجدته، ثم وقفت على فتيا ~~للفقيه أبي محمد ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأما بالنبي صلى الله عليه وسلم فجوز التوسل به إن صح ~~الحديث في ذلك. # وذكر القدوري في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجوز أن يسأل ~~الله إلا به. انتهى كلامه. # وذكر ابن القيم رحمه الله عن أبي الحسين القدوري نحو ذلك، فقال: قال ~~القدوري: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي ~~لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، وأن يقول: ~~بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام. # قال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة، لأنه لا حق لغير الله ~~عليه، وإنما الحق له على خلقه. # PageV01P086 # وأما قوله: بمعقد العز من عرشك. فكرهه أبو ms31 حنيفة، ورخص فيه أبو يوسف. # وقال ابن بلدجي في "شرح المختار": ويكره أن يدعو الله إلا به، ولا يقول: ~~أسألك بملائكتك، أو بأنبيائك، ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو1 ~~يقول في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك، وعن أبي يوسف جوازه. # ومن قواعد الحنفية أن الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم، وممن ذكر ~~ذلك ابن نجيم في "البحر" حيث قال: وأفاد صحة إطلاق الحكم على المكروه ~~تحريما. وذكر العلامة ابن عابدين في "رد المختار على الدر المختار" قال: ~~وذكر محمد في المبسوط أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء أكرهه، ~~فما رأيك فيه؟ قال: التحريم. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": لفظ ~~"التوسل" بالشخص والتوجه به والتوسل به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم ~~يفهم مقصود الصحابة، يراد التسبب به، لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو يكون ~~الداعي محبا له مطيعا لأمره، مقتديا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل ~~واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته. ويراد به الإقسام به، والتوسل ~~بذاته. فهذا هو الذي كرهوه ونهوا عنه. PageV01P087 # وكذلك لفظ "السؤال بالشيء" قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه ~~سببا في حصول المطلوب. وقد يراد به الإقسام، ومن الأول حديث الثلاثة الذين ~~آووا إلى غار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت ~~عليهم فقالوا: ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله، فدعوا الله بصالح أعمالهم، لأن ~~الأعمال الصالحة التي هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به إليه ~~ويسأله به، وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح والتضرع، ~~وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: "اللهم إني ~~آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك" وسألت الله أن يحيي ولدها، وأمثال ذلك. ~~وهذا كما قال المؤمنون: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا ~~بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} [آل عمران-193] الآيات، فسؤال الله ~~والتوسل إليه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ms32 # وأما قوله في حديث أبي سعيد: "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا" ~~فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، ~~فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له ~~والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب ~~به. ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته من ~~أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، ~~وبمعافاتك من عقوبتك، # PageV01P088 # وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك". # والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، ~~فاستعاذ صلى الله عليه وسلم بعفوه ومعافاته من عقوبته، مع أنه لا يستعاذ ~~بمخلوق، كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان لا يسأل بمخلوق. # ومن قال من العلماء لا يسأل الله إلا به لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن ~~الحلف لا يشرع إلا بالله، ومن حلف بغير الله فقد أشرك، ومع هذا فالحلف بعزة ~~الله ولعمر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف به لم ~~يدخل في الحلف بغير الله. # وأما قول بعض الناس: "أسألك بالله وبالرحم" وقراءة من قرأ: {تساءلون به ~~والأرحام} فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل ~~الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره توسل إليه بما يوجب صلته من ~~القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي ~~المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب بالتوسل بدعاء الأنبياء وطاعتهم. ~~انتهىملخصا. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا: وأما استشفاع الناس بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم القيامة فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما ~~كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره. # وقول عمر رضي الله عنه: "كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ~~نتوسل إليك بعم نبينا" معناه: إنا نتوسل بدعائه # PageV01P089 # وشفاعته، ليس المراد به ms33 نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل ~~بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: "أسألك بجاه فلان عندك" ويقولون: ~~"إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه" ويروون حديثا موضوعا: "إذا سألتم ~~الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض". فإنه لو كان هذا التوسل الذي ~~كان الصحابة يفعلونه كماذكر عمر رضي الله عنه لفعلوا ذلك بعد موته، ولم ~~يعدلوا عنه إلى العباس، مع علمهم أن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس. # فعلم أن التوسل الذي ذكروه هو مما بفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل ~~بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ~~ولا غيره. # وكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ~~ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره فيه أن ~~يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شفع فيه، وأمره أن يسأل الله فبول شفاعته، وأن قوله: " أسألك وأتوجه إليك ~~بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك ~~بنبينا" فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: " يا محمد ~~إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في" فطلب من الله أن ~~يشفع فيه نبيه، وقوله: "يا محمد يا نبي الله" هذا وأمثاله نداء يطلب به ~~استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي: السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. # PageV01P090 # واعلم رحمك الله ان العبادات مبناها على الأمر والاتباع، لا على الهوى ~~والابتداع، والتوسل الذي جاءت به السنة والأحاديث الصحيحة هو التوسل ~~والتوجه إلى الله بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة كالأدعية الواردة في ~~السنة نحو: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع ~~السموات والأرض، يا ذا الجلالوالإكرام، يا حي يا قيوم" وفي الحديث الآخر: ~~"اللهم إني أسألك ms34 بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد " وكقوله في الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بكل ~~اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك" وكما حكاه الله سبحانه عن عباده المؤمنين ~~أنهم توسلوا إليه بصالح أعمالهم، فقال تعالى حاكيا عنهم: {ربنا إنناسمعنا ~~مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} [آل ~~عمران-193] الآية، وكذلك ما تقدم من قصة الثلاثة الذين آووا إلى الغار ~~فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، وكالتوسل بدعاء ~~الأنبياء والصالحين وشفاعتهم في حياتهم، كما كان الصحابة يتوسلون بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء، وكذا توسلهم بالعباس، وبيزيد بن الأسود، ~~وتوسل الأعمى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، فهذا من الأمور ~~المشروعة ولا نزاع فيه. # وأما التوسل بالذوات فما الدليل على جوازه؟ ومن قال هذا من الصحابة ~~والتابعين؟ وإذا وقع النزاع في مسألة وجب رد ذلك # PageV01P091 # إلى الله والرسول كما قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء-59] وقال تعالى: {وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى-10] ومعلوم أن هذا لم يكن ~~منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف، ولا ريب الأنبياء ~~والصالحين لهم # الجاه عند الله لكن الذي لهم عند الله من الجاه والمنازل والدرجات أمر ~~يعود نفعه إليهم. # ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم، ومحبتنا، فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا ~~بنبيه صلى الله عليه وسلم ومحبته وطاعته واتباع سنته كان هذا من أعظم ~~الوسائل. # وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يكون وسيلة، ~~فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بدعائه أو بمحبته واتباعه فبأي شيء يتوسل؟؟ ~~والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ~~ذلك، مثل أن يقول لأبي الرجل ms35 أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان. ~~فهذا جائز، وإما أن يقسم عليه، ولا يجوز الإقسام بمخلوق، كما أنه لا يجوز ~~أن يقسم على الله بالمخلوقين. # ويزيد المقام وضوحا ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد كلام سبق، ~~قال: # لفظ التوسل والتوجه يراد به أن يتوسل إلى الله ويتوجه إليه بدعائهم ~~وشفاعتهم، فهذا هو الذي جاء في ألفاظ الصحابة من # PageV01P092 # السلف رضوان الله عليهم، كما في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه استسقى بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا ~~فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا"فهذا إخبار من عمر رضي الله عنه بما ~~كانوا يفعلونه، وتوسل منهم بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # قال: وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، قالوا: ويستحب أن ~~يستسقى بالصالحين، وإن كانوا من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~أفضل. انتهى. # وقد أزحت بحمد الله الإشكال، وأوضحت فيه الحال، وقد قرر جمع من العلماء ~~ما قرره شيخ الإسلام في معنى حديث الأعمى، وبينوا أنه ليس فيه إلا طلب ~~الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا دلالة فيه # على التوسل بالذات كالعلامة السويدي، وابنه، والشيخ نعمان بن العلامة ~~محمود أفندي الآلوسي في رده على هذا العراقي، ونقل كلامهم يفضي إلى ~~التطويل، وقد تقدم ما فيه كفاية لطالب الحق. # وقال السويدي رحمه الله في "شرح العقد الثمين" بعد كلام سبق: # وهذا التوسل الذي ذكره فيه الخلاف فيما إذا كان الداعي يتوجه إلى ربه ~~متوسلا إليه بغيره، مثل أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك، أو بحرمته، أو ~~بحقه، وأما إذا توجه إلى ذلك الغير، وطلب منه فهو شرك كما تحقق، انتهى. # وهذا عين التحقيق، وبالله تعالى التوفيق. # PageV01P093 # وقد أكثر هذا العراقي من ذكر عبارات الفقهاء في باب الاستسقاء من قولهم: ~~(ويباح التوسل بالصالحين) وأكثر من تكرير عباراتهم في ذلك للتهويل، وطول ~~بذلك أشد التطويل، وظن أن في ذلك دليلا ms36 على ما يدعو إليه من الشرك بالله، ~~وحاشا علماء الدين، وأهل الحق واليقين، أن يجوزوا الشرك بالله أو أن يحوموا ~~حول حماه، وإنما معنى ذلك التوسل بدعائهم وابتهالهم لا غير، كما تقدم ذلك ~~والله أعلم. # PageV01P094 ### | فصل: في رد ما استدل به العراقي على دعواه بما روي عن ابن عمر وابن عباس: أن رجله خدرت، فقيل: اذكر أحب الناس إليك فقال: يا محمد # ... # فصل: # وذكر العراقي ما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: "أن كلا منهما ~~خدرت رجله فقيل لكل واحد منهما: اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد". # والجواب أن يقال: سبحان الله، هذا غاية ما عند هذا وأمثاله، ونهاية محصول ~~إشكاله. # كيف يروم معارضة القواطع القرآنية، والأحاديث النبوية، الدالة على وجوب ~~إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده، ويحاول صرف الدعاء الذي هو مخ ~~العبادة إلى غير الله تعالى بهذا ونحوه. ولنذكر الجواب على ذلك: # قال الشهاب الخفاجي رحمه الله تعالى في "شرح الشفاء" وأثر1 ابن عمر رضي ~~الله عنهما رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة. "خدرت رجله" أي أصابها ~~خدر، وهو أمر يعتري الرجل لما يصيب العصب، فيمنع من تحريكها بسهولة، ويزول ~~سريعا، لأنه لو امتد كان فالجا، أو مقدماته. فقيل له: "اذكر أحب الناس ~~إليك" PageV01P095 # لأن الناس جربوا في الخدران من أصابه إذا ذكر محبوبه زال بسهولة، لأنه ~~بمسرته تنتعش الحرارة الغريزية فيندفع الخدر "فصاح يا محمداه" يعنيه صلى ~~الله عليه وسلم، لأنه أحب الناس إليه، وإلى كل مؤمن. "فانتشرت رجله" أي ~~امتدت لزوال خدرها، وهذا يقتضي صحة ما جربوه، وقد يقال: إنه وقع مثله لابن ~~عباس رضي الله عنه، وفيه يقول أبو العتاهية: # وتخدر في بعض الأحايين رجله ... فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر # انتهى. # فهذا جواب ما ذكره ذو اللب المعكوس، والقلب المنكوس. وهل يحتج بمثل هذا ~~الأثر المذكور بصيغة التمريض على جواز الشرك بالله إلا ذو قلب مريض؟. # PageV01P096 ### | فصل: في رد قول العراقي الجاني: إن السجود لغير الله محرم، ms37 والتوسل لم يذكره الفقهاء في كبائر الذنوب ولا صغارها. ورد هذه السفسطة # ... # فصل: # قال العراقي: (وهاهنا شيء يفيدك إن كنت تزعم أن التوسل ونداء الأنبياء ~~والصالحين وطلب الشفاعة منهم حرام، فقد ذكر الفقهاء من كل مذهب في باب ~~الشهادة: المحرمات الكبائر والصغائر، واستوعبوها، فانظر هل ترى هذا من ~~المحرم؟ ثم قال: نعم، ذكروا أن السجود لغير الله من المحرمات، فإذا كان ~~السجود لغير الله من المحرمات، وهو من أخص العبادات الخاصة بالله لم يحكم ~~على فاعله إلا بالذنب دون الكفر المخرج عن الملة، # فكيف يكون التوسل كفرا) انتهى. # أقول: تأمل كلام هذا الضال المخذول، وانظر إلى خروجه عن المسموع ~~والمعقول، يقول: إن السجود لغير الله محرم. فظاهر كلامه أن السجود لغير ~~الله محرم، وليس بشرك عنده، وأيضا: أن السجود لغير الله ذنب، وليس بشرك. ~~فانظر حيرة هذا الجاهل وعمايته، وبلوغه في الضلال غايته ونهايته، وقد قال ~~الله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} [الأعراف-33] ، فهل صرح القرآن بأن الشرك من # PageV01P097 # المحرمات أم لا؟! فالشرك أعظم ذنب عصي الله به، وأشد المحرمات تحريما، ~~وأعظمها عند الله تأثيما، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال: قلت يا رسول الله: "أي الذنب أعظم عند الله"؟ قال: "أن تجعل لله ندا ~~وهو خلقك" قلت: "ثم أي"؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قلت:"ثم ~~أي"؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تصديق ذلك {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ~~[الفرقان-68] الآيات. فانظر هل سمى الشرك ذنبا؟! والشرك أظلم الظلم، كما في ~~الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أيضا قال: لما نزل قوله تعالى: {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام-82] شق ذلك على أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا ms38 لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك ~~لظلم عظيم} [لقمان-13] . # فليت شعري ما الذي يخرج عند هذا من الملة إذا كان الشرك بالله لا يخرج ~~عنده من الملة، وإنما هو ذنب!؟ # قوله: (فلو كان ذلك كفرا للزم ذكره في باب الردة ... إلى آخر كلامه) . # يقال: قد ذكر ذلك الجهابذة العلماء، وصرح به النبلاء والفهماء اتباعا ~~لكتاب الله وسنة رسوله، كما تقدم من كلامهم القليل، لكن ثم ماذا إذا أعمى ~~الله بصيرتك {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} . # PageV01P098 # وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر ~~صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك امرؤ ~~فيك جاهلية" وقول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} [النساء-48] . # وانظر إلى باب الردة من كل مذهب، فأول ما يذكره الفقهاء أن يقولوا: من ~~أشرك بالله تعالى كفر لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} ~~[النساء-48] . # ومرادهم هذا الذي تسميه أنت وأضرابك: توسلا وتشفعا واستمدادا، وهل ينفعك ~~تسميته بغير اسمه، وتغيير حقيقته ورسمه، فالشرك بالله تعالى الذي قامت عليه ~~الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء شرك بالله، شاء المشرك أم ~~أبى. وهل ينفع شارب الخمر تسميته بغير اسمه، أو المرابي تسميته الربا بغير ~~اسمه، والنظر إلى المسمى لا إلى الاسم، وبالله التوفيق. # PageV01P099 ### | فصل: في رد افترائه علينا بأنا كفرنا الصحابة في قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط # ... # فصل: # ثم كذب العراقي وافترى فقال: (وقد كفر هؤلاء الناس الصحابة بقولهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط، ثم ذكر أنهم خوارج، وذكر بعض ~~الأحاديث التي وردت في الخوارج) . # والجواب أن هذه الدعوة كاذبة، فتقابل بالرد والمنع، وعدم القبول، ومن ~~المعلوم أن المشار إليهم من أشد الناس تعظيما ومحبة للصحابة، وأعظمهم ~~اتباعا لهم، واقتفاء لآثارهم، ms39 ولكن لما تصدوا لبيان شركه، وانتصبوا لهتك ~~باطله وإفكه، وأولجوه المضايق، وبينوا الحجج الواضحة وحققوا الحقائق، فصار ~~قصاراه بهتهم ورميهم بما هم براء منه، وما أشبهه بمن قيل فيه: # ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولاسيما أن أولجوه المضايقا # والفرق بينهم وبين الخوارج: أن الخوارج يكفرون بكبائر الذنوب،كالزنا ~~والسرقة وشرب المسكر ونحو ذلك، كما ذكره أرباب المقالات. # وهؤلاء إنما يكفرون بالشرك بالله، كما تقدم بعض بيان ذلك بالأدلة ~~الظاهرة، والحجج المتناصرة، من الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة. # PageV01P100 # وأما الذنوب كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها فحاشاهم من التكفير بذلك ~~كما تقدم، فسبحان من طبع على قلوب من شاء من خلقه بعدله. # والخوارج كفروا الصحابة رضي الله عنهم بما جرى بينهم من القتال، كما جرى ~~في وقعة الجمل بالبصرة بين علي وطلحة والزبير وعائشة، وكما جرى بين علي ~~ومعاوية في صفين، وتلك الذنوب لا يكفر فاعلها، والصحابة رضي الله عنهم لهم ~~حسنات عظيمة ماحية: إيمان، وهجرة، وأعمال، وجهاد. فالخوارج إنما كفروا أهل ~~الإيمان بالذنوب. # وهذا وأمثاله عادوا أهل التوحيد لما أنكروا عليهم الشرك بالله، ودعوهم ~~إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما كان الصحابة رضي الله عنهم مع ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم وبعده، يأمرون بالتوحيد، وينهون عن الشرك. # فالأشبه بالخوارج على الحقيقة من يكفر أهل التوحيد، وينصر الشرك بالله ~~والتنديد، بل هو أشد من الخوارج لأن الخوارج كفروا بالذنب، وهؤلاء كفروا ~~بمحض الإيمان، كما قال العلامة ابن القيم: # من لي بشبه خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا إحسان # ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان # وخصومنا قد كفرونا بالذي # ... هو غاية التوحيد والإيمان # فالذي نعتقد وندين الله به وندعو إليه هو: إخلاص العبادة بجميع أنواعها ~~لله تعالى، وننكر أن يصرف منها شيء لغير # PageV01P101 # الله متمسكين في ذلك بكتاب الله وسنة رسوله، وهذا هو سبيل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، فمن سبنا وأنكر علينا فقد سب من كان ~~على مثل ما كان عليه الصحابة والتابعون من ms40 التوحيد ونفي الشرك، وذلك مسبة ~~للصحابة والتابعين، فالساب في الحقيقة إنما سب الصحابة وأنكر عليهم، لأن ~~الذي أنكره هو دينهم، وبالله التوفيق. # فهذا آخر ما قصدناه من الكلام على شبهاته، والتنبيه على بعض خزعبلاته، ~~وقد سقطت به - والحمد لله - أباطيله، واجتثت به وساوسه وأضاليله. # وهذه الشبه الفاسدة، لا تخدش في وجوه براهين التوحيد القاطعة، وأدلة ~~الكتاب والسنة القاطعة، ولو تتبعنا جميع هذيانه، وسوء فهمه لكلام العلماء، ~~وتصرفه فيه بالتأويل والحذف لطال الخطاب، وكثر الجواب، ولكن قد حصل المقصود ~~وهو بيان التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، والجواب عن شبهات ~~المبطلين. # والحمد لله على بيان الحجة، ووضوح المحجة، و {الحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} والله المسؤول أن يهدينا وإخواننا ~~الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضآلين. # وكان الفراغ من رقمه عشية السبت المبارك السادس عشر من شهر ربيع الأول من ~~سنة 1294 بمكة المكرمة على يد مؤلفه العبد # PageV01P102 # لفقير إلى رحمة ربه ومغفرته أحمد ابن إبراهيم بن عيسى، عامله الله بلطفه ~~الخفي، وآجره على عوائد بره الحفي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم1. PageV01P103 ms41