######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004552Vols #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ محمد جواد البلاغي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1328 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الهدى إلى دين المصطفى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر عقائد أهل الكتاب وردودها #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004552Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4552_الهدى-إلى-دين-المصطفى-الشيخ-محمد-جواد-البلاغي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1405 - 1985 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قل أندعوا ~~من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ~~كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى إئتنا قل ~~إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ (١) ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ~~قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك ~~من الله من ولي ولا نصير﴾ (٢) ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين﴾ (3) اللهم فلك الحمد والشكر دائما أبدا كما أنت ~~أهله، على أن هديت إلى الحق. # وأوضحت سبيل الرشد وأنرت البرهان على حين فترة من الرسل، فلطفت وأنعمت ~~بإرسالك صفوة الأنبياء وخاتم عدتهم والدليل على نبوتهم المبعوث بأتقن شريعة ~~وأوضع طريقة الداعي إلى الحق والهادي إلى الصواب محمد رسولك الصادق الأمين ~~الصادع بأمرك والمجاهد في سبيلك صلواتك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ~~وصحبه المنتجبين. # وبعد: فإني وقفت على كتاب عربي أرخ طبعه بسنة ألف وثمانمائة وإحدى # PageV01P031 # وتسعين ميلادية لم تذكر - كما هو المعتاد - مطبعته ولا محلها ولا صاحبها ~~عنوانه أنه تعريب هاشم العربي نزيل بلاد الإفرنج حالا عن اللغة الانكليزية ~~لمقالة في الإسلام لرجل ترجمه المعرب بأنه جرجيس صال الإنكليزي مولدا ومنشأ ~~المولود في أواخر القرن السابع عشر، وقد ألحق المعرب هذه المقالة بتذييل ~~مستقل في آخرها وتذييلات متفرقات في أثنائها. # ثم وقفت على كتاب آخر استعير له اسم الهداية قد تكلف فيه الرد على كتابي ~~إظهار الحق والسيف الحميدي فوجدت الكتابين الأولين على طريقة ينكرها شرع ~~التحقيق في البحث والأدب في الكلام والأمانة في البيان ولا يرتضيها خدام ~~المعارف المحافظون على فضلهم ورواج بضاعتهم المتحذرون من وبال الانتقاد ~~ووصمة ظهور الزيف والزيغ، وقد أحببت أن أشير إلى بعض ما فيهما مما حاد عن ms001 ~~الأمانة أو تاه في الغفلة خدمة مني للمعارف وإحقاقا للحق وانتقادا للزيف ~~ليثنى من يريد الكتابة من جماع تعصبه، ويأخذ في مزال الأقدام وعثرات ~~الأقلام بيد قلمه، وقد آثرت أن أجعل ذلك في خلال ما هو الأمثل بنا، بل ~~الواجب علينا من الإرشاد إلى سبيل الهدى ودين الحق وخالص الإيمان وحقيقة ~~العرفان، دين الإسلام المتكفل بأعدل النظام، وأحسن التمدن وأكمل التهذيب ~~لعامة البشر، وقربهم من الله وسعادتهم في الدنيا والآخرة. # وقد رتبت كتابنا هذا على مقدمات ومقاصد وخاتمة. # " تنبيه " الظاهر أن مصنف المقالة السابق ذكرها هو الذي سماه الدكتور ~~سعادة في مقدمته على معرب إنجيل برنابا بالمستشرق سايل، وأن هذه المقالة هي ~~الكتابات التي ذكر أنه نشرها وسماها بالمباحث التمهيدية، وهو الذي سماه ~~صاحب إظهار الحق بالقسيس سيل، ونقل عن مقدمته لترجمة القرآن ثلاث جمل ~~متفرقة تكشف عن ملائمة طريقته في البحث وحسن الأدب والإنصاف على خلاف ما قد ~~يوجد في أثناء هذه المقالة، فأظن أن جملة مما تجاوز في هذه المقالة عن حد ~~البحث إلى سوء الأدب إنما هو من تصرف التعريب، أو أنه كان من هفوات الجهل ~~قبل أن يأخذ من المعارف بعض حظه. وتعريب المقالة المذكور يشتمل على ~~ثلاثمائة وإحدى وعشرين صحيفة وقد سميت صاحبها عند التعرض PageV01P032 # لكلامه سايل وجعلت الإشارة إليها " ق "، وأما المعرب فالمظنون أنه موه ~~باسمه ومحله، ويظهر من حاله أنه ليس له وقوف على كتب العهدين كما ينبغي ~~للنصراني وإلا لما أقدم على كثير من أقواله كما ستعرف ذلك إن شاء الله من ~~متفرقات هذا الكتاب اللهم إلا أن يكون قد حاول الإغفال وأمن الانتقاد، وقد ~~سميته عند التعرض لكلامه " المتعرب " وأن تذييله المستقل يشتمل على خمس ~~وتسعين صحيفة من أواخر الكتاب وجعلت الإشارة إليه " ذ " وللتذييلات التي في ~~أثناء المقالة " قذ ". # وأما الكتاب المستعار له اسم الهداية فقد ذكر لي أنه تأليف جماعة من ~~النصارى لكن قد رسم في ختامه " يقول العبد الفقير " بالإفراد ولعله أقرب ~~فإني أستبعد أن يقدم جماعة من ms002 هذا الجيل المتنور بآدابه وحسن مباحثته على ~~مثل ما أقدم عليه مؤلفه كما ستطلع عليه إن شاء الله، وهو يشتمل على أربعة ~~أجزاء مطبوعة في مصر بمعرفة المرسلين الأمريكان، الجزء الأول من الطبعة ~~الثانية سنة 1900 م يشتمل على ثلاثمائة وعشرين صحيفة، الجزء الثاني من ~~الطبعة الثانية سنة 1904 م يشتمل على ثلاثمائة صحيفة، الجزء الثالث مطبوع ~~في سنة 1900 م يشتمل على ثلاثمائة وأربع صحائف، الجزء الرابع مطبوع في سنة ~~1902 م يشتمل على ثلاثمائة وأربع صحائف، وقد سميت مؤلفه عند التعرض لكلامه ~~" المتكلف "، وجعلت الإشارة إلى الكتاب " يه " وإلى الجزء " ج " وإلى عدده ~~بالرقم قبله. PageV01P033 # المقدمة الأولى لما كان من مباحثتي لهم الاحتجاج عليهم جدلا وإلزاما بما ~~في العهدين المنسوبين إلى الإلهام والوحي الإلهي عند عموم النصارى وخصوص ~~البروتستانت الذين منهم هؤلاء فلا بأس بذكر تفصيل كتبهما، والإشارة إلى ~~الرموز المصطلح عليها لأسمائها فالأول من العهدين هو المسمى بالعهد القديم ~~وهو عبارة عن تسعة وثلاثين سفرا خمسة منها منسوبة لنبي الله موسى عليه ~~السلام تسمى بالتوراة، والأسفار الباقية منسوبة إلى الوحي إلى من بعد موسى ~~من الأنبياء إلى ما قبل زمان المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة وسبع وتسعين ~~سنة وقد يسمى جميع العهد القديم بالتوراة، واللسان الأصلي له إلى ما قبل ~~سبي بابل هو اللسان العبراني، ومن سبي بابل صار الأصل لبعضها هو اللسان ~~الكلداني وهو لسان بابل. # ثم ترجم العهد القديم إلى اللغة اليونانية بعناية سبعين أو اثنين وسبعين ~~من علماء اليهود لمائتين واثنتين وثمانين سنة أو وخمس وثمانين أو وست ~~وثمانين قبل المسيح على اختلاف الرواية في تاريخ الترجمة وأسبابها. قيل: ~~وتمت في اثنين وسبعين يوما وسميت بالترجمة السبعينية، ومقتضى النقل إنها ~~كانت معتبرة غاية الاعتبار فيما بين اليهود وقدماء المسيحيين، وإن مصنفي ~~العهد الجديد ما نقلوا الفقرات الكثيرة إلا عنها، وإن المسيح كان يخاطبهم ~~عن الشريعة والأنبياء من هذه الترجمة. وكذا استفانوس في خطابه لليهود. وكذا ~~الذين تشتتوا في PageV01P034 # البلاد ليبشروا بالمسيح باللغة اليونانية، ثم ms003 ترجم بعد ذلك إلى لغات ~~كثيرة. # وهذه أسماء أسفاره ورموزها: # 1 - " تك " لسفر التكوين وهو الأول من التوراة المنسوبة لموسى ويسمى سفر ~~الخليفة أيضا بمقتضى تسمية الترجمة السبعينية، ويسمى في العبرانية باسم ~~أوله " برنشيت ". # 2 - " خر " لسفر الخروج وهو ثانيها بتسمية السبعينية، وفي العبرانية يسمى ~~بأوله " وآله شموت " أي وهذه أسماء. # 3 - " لا " لسفر اللاويين وهو ثالثها بتسمية السبعينية، وفي العبرانية ~~بأوله " ويقرا " أي ودعا. # 4 - " عد " لسفر العدد وهو رابعها بتسمية السبعينية، ويسمى في العبرانية ~~بأوله " ويدبر " أي وكلم. # 5 - " تث " لسفر تثنية الاشتراع وهو خامسها بتسمية السبعينية وفي ~~العبرانية بأوله " اله " أي وهذه. ويسمى أيضا دباريم. # 6 - " يش " لسفر يشوع أي يوشع. # 7 - " قض " لسفر القضاة. # 8 - " را " لكتاب راعوث. # 9 - " 1 صم " صموئيل الأول. # 10 - " 2 صم " لكتاب صموئيل الثاني. # 11 - " 1 مل " لتاريخ الملوك الأول. # 12 - " 2 مل " لتاريخ الملوك الثاني. # 13 - " 1 أي " لتاريخ الأيام الأول. # 14 - " 2 أي " لتاريخ الأيام الثاني. # 15 - " عز " لكتاب عزرا. PageV01P035 # 16 - " نح " لكتاب نحيا. # 17 - " اس " لكتاب استير. # 18 - " اي " لكتاب أيوب. # 19 - " مز " لمزامير داود أي الزبور. # 20 - " أم " لأمثال سليمان. # 21 - " جا " لكتاب الجامعة المنسوب لسليمان. # 22 - " نش " لنشيد الأنشاد. # 23 - " اش " لكتاب أشعيا. # 24 - " ار " لكتاب ارميا. # 25 - " مرا " لمرائي ارميا. # 26 - " حز " لكتاب حزقيال. # 27 - " دا " لكتاب دانيال. # 28 - " هو " لكتاب هوشع. # 29 - " يوء " لكتاب يوئيل. # 30 - " عا " لكتاب عاموس. # 31 - " عو " لكتاب عوبديا. # 32 - " يون " لكتاب يونان أي يونس بن متى. # 33 - " مي " لكتاب ميخا. # 34 - " نا " لكتاب ناحوم. # 35 - " حب " لكتاب حبقوق. # 36 - " صف " لكتاب صفينا. PageV01P036 # 37 - " حج " لكتاب حجى. # 38 - " زك " لكتاب زكريا. # 39 - " مل " لكتاب ملاخي. # ولهذه الكتب في النسخ العبرانية ترتيب آخر من حيث التقديم والتأخير وأما ~~العهد الجديد فهو عند النصارى عبارة عما كتب بالإلهام والوحي الإلهي بعد ~~عيسى وهو عند البروتستنت سبعة وعشرون كتابا وها هي رموزها المصطلح عليها: # 1 - " مت " لإنجيل متي. # 2 - " مر " لإنجيل مرقس. # 3 ms004 - " لو " لإنجيل لوقا. # 4 - " يو " لإنجيل يوحنا. # 5 - " اع " لأعمال الرسل. # 6 - " رو " لرسالة بولس إلى أهل رومية. # 7 - " 1 كو " لرسالته الأولى إلى أهل كورنتوش. # 8 - " 2 كو " لرسالته الثانية إليهم. # 9 - " غل " لرسالته إلى أهل غلاطية. # 10 - " أف " إلى أهل افسس. # 11 - " في " إلى أهل فيلبى. # 12 - " كو " إلى أهل كولوسي. # 13 - " 1 تس " الأولى إلى أهل تسالونيكي. # 14 - " 2 تس " الثانية إليهم. # 15 - " 1 تي " الأولى إلى تيموثاوس. PageV01P037 # 16 - " 2 تي " الثانية إليه. # 17 - " تي " إلى تيطس. # 18 - " فل " إلى فليمون. # 19 - " عب " إلى العبرانيين. # 20 - " يع " لرسالة يعقوب. # 21 - " 1 بط " لرسالة بطرس الأولى. # 22 - " 2 بط " لرسالته الثانية. # 23 - " 1 يو " لرسالة يوحنا الأولى. # 24 - " 2 يو " لرسالته الثانية. # 25 - " 3 يو " لرسالته الثالثة. # 26 - " يه " لرسالة يهوذا. # 27 - " رؤ " لرؤيا يوحنا المسماة بالمكاشفات والمشاهدات والجليان. # ولكل واحد من كتب العهدين فصول معدودة يسمونها الأصحاحات تشتمل على فقرات ~~معدودة بالرقم الهندي، فإذا أرادوا الإشارة إلى الفقرة أشاروا إلى كتابها ~~بما ذكرنا من الرموز ثم أشاروا إلى أصحاحها بعدده بالرقم الهندي وجعلوا ~~بعده نقطتين إحداهما فوق الأخرى هكذا ": " ثم أشاروا إلى الفقرة بعددها ~~بالرقم أيضا، مثاله إذا أردنا أن نشير إلى الفقرة الثالثة عشر من الأصحاح ~~الثالث من رسالة بولس إلى أهل غلاطية رسمنا هكذا " غل 3: # 13 " وإذا أرادوا الإشارة إلى فقرات متعددة أشاروا إلى الأولى بنحو ما ~~ذكرنا ثم رسموا بعدها خطا عرضيا هكذا -، ورسموا بعده عدد الفقرة الأخيرة ~~فيكون الخط العرضي بمعنى إلى أو حتى مثال ذلك: إذا أردنا أن نشير إلى جملة ~~هي من الثامنة عشرة إلى نهاية الثالثة والعشرين من الأصحاح الحادي والعشرين ~~من سفر التثنية رسمنا هكذا " تث 21: 18 - 23 " وأن الكثير من اصطلاحنا في ~~PageV01P038 # الكتاب أن نذكر عدد الأصحاح صريحا ثم نشير إلى عدد الفقرات بالرقم، وأن ~~الذي حضرني من نسخ العهدين عند كتابة هذا الكتاب نسخ عديدة. الأولى نسخة ~~عبرانية مطبوعة في برلين سنة 1901 م يشتمل العهد القديم ms005 منها على ألف ~~وثلاثمائة وأربع وثمانين صحيفة والجديد على أربعمائة وست وثمانين. # " الثانية " نسخة عربية أشير في متنها إلى الكلمات التي زيدت في الترجمة ~~على الأصل العبراني واليوناني بطبعها بالحرف الصغير وإلى الكلمات التي لا ~~توجد في أقدم النسخ وأصحها بجعلها بين خطين هلاليين، وأشير في أسفل صحيفتها ~~إلى اختلاف العبرانية واليونانية والسامرية، وإلى اختلاف القراءات وأشير في ~~جانبها الأعلى إلى تكرر الكلمة والمضمون في العهدين وإلى تاريخ بعض الحوادث ~~المذكورة فيهما، وإن العهد القديم منها ليشتمل على ألف واثنتين وستين ~~صحيفة. # والجديد على ثلاثمائة وثمان وخمسين. وفي آخرها ما نصه، وكان الفراغ من ~~اصطناع صفائحه في شهر تموز من أشهر سنة 1870 مسيحية في بيروت. # " الثالثة " نسخة عربية أيضا من الطبعة الثانية عشر في المطبعة ~~الأمريكانية في بيروت سنة 1905 م يشتمل العهد القديم منها على تسعمائة ~~وعشرين صحيفة والجديد على مائتين وخمسة وتسعين. # " الرابعة " نسخة عربية طبع دي ساراه هو جسون سنة 1811 م. # " الخامسة " نسخة فارسية مطبوعة في روكلين مدلبسيك سنة 1895 م بنفقة ~~الجمعية المشهورة به بريتيش وفورن بيبل سوسائيتي دار السلطنة لندن يشتمل ~~العهد القديم منها على ألف وثلاثمائة وثمان وثمانين صحيفة، والجديد على ~~أربعمائة وإحدى وعشرين. # " السادسة " نسخة فارسية أيضا بالحرف الصغير مساوية للتي قبلها في عدد ~~الصحائف والوضع والطبع بنفقة الجمعية المذكورة طبع العهد القديم منها سنة ~~1901 م، والجديد سنة 1902. # " السابعة " نسخة فارسية أيضا العهد القديم منها يشتمل على أربعة ~~PageV01P039 # أجزاء في ثمان مائة وست وأربعين صحيفة بترجمة وليم كان قسيس اكستي ومعلم ~~العلم الإلهي باستعانة فاضل خان الهمداني بفرمان المجمع المشهور ~~بيونيتداسوشئت سند سكتلند مطبوعة بفرمان المجمع المذكور في دار السلطنة ادن ~~برغ بمطبعة تومس كنستبل سنة 1845 م، والعهد الجديد منها يشتمل على خمسمائة ~~واثنتين وثلاثين صحيفة بترجمة أفضل الفضلاء المسيحية هنري مرتن قسيس ~~إنكليسي وطبع بفرمان مجمع بريتطش اندفرن بيبل سسيتي في ادن برغ، في المطبعة ~~المذكورة أيضا سنة 1846 م. # " الثامنة " خمسة أسفار التوراة لموسى فارسية بترجمة تومارابنسن ms006 القسيس ~~مطبوعة في لندن بمطبعة رجاردواطس سنة 1839 م، وهي تشتمل على خمسمائة وسبعين ~~صحيفة. # " التاسعة " العهد الجديد " نسخة عربية تشتمل على أربعمائة صحيفة فرغ من ~~اصطناع صفائحها في مدينة نيويورك سنة 1846 م، وطبعت في مطبعة المدرسة في ~~أوكسفورد سنة 1869 م. # " العاشرة " العهد الجديد بالفارسية تشتمل على ستمائة وسبعة وعشرين صحيفة ~~بترجمة هنري مارتن المذكور من الطبعة الثالثة بمطبعة رجارد واطس في لندن ~~بإعانة مجمع بيبل سوسسيتي سنة 1837 م. PageV01P040 # المقدمة الثانية فيما يستخرج من العهدين من المدة التي تراخى فيها وحي ~~كتبها، أما التوراة فإن ابتداء وحيها لموسى كان في جبل حوريب، إذ كان موسى ~~يرعى غنم كاهن مدين " خر 3: 4 " ثم في مدين " خر 4: 19 " ثم في مصر في ~~دفعات متراخية بحسب الزمان إلى عبور بني إسرائيل البحر " خر 5 - 14 " ثم في ~~ماره " خر 15: 25 " ثم في برية سين حيث أنزل المن بعد الخامس عشر من الشهر ~~الثاني لخروجهم من مصر " خر 16 " ثم رفيديم " خر 17 " ثم في برية سينا بعد ~~الشهر الثالث لخروجهم من مصر " خر 19 " وتتابع الوحي في دفعات متراخية في ~~جبل سينا وبريته، إلى أن ارتحلوا منها في العشرين من الشهر الثاني من السنة ~~الثانية لخروجهم من مصر " عد 10: 12 " ثم في فبروت هتاوه " عد 11 " ثم في ~~حضروت " عد 12 " ثم في برية فاران " عد 13 "، وتتابع الوحي هناك في سنين ~~عديدة إلى أن مات هارون في جبل هور " عد 20: 23 - 29 " وكان موت هارون في ~~أول الشهر الخامس من السنة الأربعين لخروجهم من مصر " 33: 38 " ثم في عربات ~~مواب ووضع لهم هناك شرائع وأحكام " 28 - 36 " ثم في عبر الأردن في أول ~~الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين لخروجهم من مصر " تث 1: 1 - 4 " فكانت ~~مدة نزول الوحي والشريعة على موسى بالتدريج والتعاقب من المدة التي كان ~~فيها يرعى غنم كاهن مدين في حوريب إلى أن توفي في أرض مواب ما يزيد على ~~إحدى وأربعين سنة على أنه ms007 لم PageV01P041 # يعرف من التوراة الوقت الذي أوحى فيه سفر التكوين إلى موسى ومقتضى صراحة ~~التوراة، إن كتابة موسى لها في كتاب وجمعها كان في آخر عمره الشريف عند ~~إتمام الشريعة كتب هذه التوراة وسلمها للكهنة وشيوخ بني إسرائيل وأمرهم ~~بوضعها بجانب تابوت عهد الرب " أنظر تث 31: 9 و 24 ". # وأما وحي أشعيا فقد كان متراخيا في أيام عزيا ويوثام واحاز وحزقيا ملوك ~~يهوذا " اش 1: 1 " وكانت مدة ملك هؤلاء الأربعة مائة وثلاثة عشر سنة " 2 أي ~~26 و 27 و 28 و 29 ". # وكذا وحي كتاب هوشع " هوا: 1 "، وكان وحي كتاب ارميا متدرجا متراخيا من ~~السنة الثالثة عشر لملك بوشيا، وأيام ملك يهواحاز ويهوياقيم ويهوياكين إلى ~~السنة الحادية عشر لملك صدقيا " 1 ر: 1 - 4 " وكانت هذه المدة إحدى وأربعين ~~سنة " 2 أي 34 و 63 "، وكان وحي كتاب حزقيال من السنة الخامسة لسبي ~~يهوياكين " حز 1: 2 " متدرجا إلى السنة السابعة والعشرين " حز 29: 17 ". # وكان وحي كتاب دانيال متدرجا من أيام بخت نصر " دا 2 " إلى النسبة ~~الثالثة لكورش " دا 10: 1 " وهذه المدة تزيد بحسب التاريخ على الستين سنة ~~وكان وحي كتاب ميخا المورشتي متدرجا في أيام يوثام واحاز وحزقيا ملوك يهوذا ~~" مي 1: 1 " وكان ملك هؤلاء إحدى وستين سنة " 2 أي 27 و 28 و 29 " وكان وحي ~~كتاب حجى على قلته متدرجا من أول الشهر السادس من السنة الثانية لملك ~~داريوس " حج 1: 1 " إلى الرابع والعشرين من الشهر التاسع " حج 5: 10 ". # وكان وحي كتاب زكريا متدرجا من الشهر الثامن من السنة الثانية لداريوس ~~الملك " زك 1: 1 " إلى الشهر التاسع من السنة الرابعة " زك 7: # 1 " ثم لم يؤرخ وحيه بعد هذا في كتابه ولم يذكر في العهد القديم أن باقي ~~كتبه كان وحيها دفعة واحدة. # وكان عمر المسيح حينما اعتمد من يوحنا ونزل عليه الروح القدس نحو ~~PageV01P042 # ثلاثين سنة " لو 3: 21 - 24 "،، ومن المعلوم أن عمره الشريف حينما رفع ~~إلى السماء كان نحو ثلاثة وثلاثين سنة فتكون تعاليمه ms008 النبوية الإلهامية إلى ~~ليلة الجمعية التي هجم فيها عليه اليهود متدرجة حسبما ذكر في الأناجيل في ~~مدة ثلاث سنين. # وإذا عرفت هذه المقدمة فماذا تقول في قول المكلف في شأن القرآن الكريم " ~~يه ا ج ص 55 س 20 " وهو مخالف لكتب الوحي لأنها نزلت جملة، والقرآن مقطع. # ثم انظر إلى تهور سايل " ق " ص 126 س 6 - 12 " فهل تراهما لم يطلعا على ~~ما في العهدين، أم حاولا الإغفال ليروجا أغراضهما، أفأمنا من رقيب الحق، ~~ومن الظرائف قول المتعرب " قذ ص 129 س 18 " اليهود يقولون إن الناموس أعطى ~~لموسى نجوما، وليت شعري أن التوراة في أعصار هؤلاء لم تنحصر بنسخة حلقيا أو ~~عزرا ليجهلوا ما فيها. PageV01P043 # المقدمة الثالثة فيما اتفق من صراحة بعض كتب العهدين بما يدل على مخالفة ~~وضعها وترتيبها لترتيب إلهامها ووحيها، فإن المزمور الثامن عشر كان إلهامه ~~عندما أنقذ الله داود من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول، وإن المزمور الرابع ~~والثلاثين كان إلهامه عندما غير داود عقله قدام أبي مالك وهو قبل ذلك، وإن ~~إلهام المزمور الحادي والخمسين كان بعد ما تزوج داود بامرأة أوريا، وإلهام ~~الثاني والخمسين عندما أخبر دواغ الأدومي شاول بدخول داود إلى بيت أخي مالك ~~وهو قبل ما تقدم ذكره، وكذا إلهام المزمور السادس والخمسين، وكان إلهام ~~المزمور السابع والخمسين بعد إلهام المزمور التاسع والخمسين، وإن الهام ~~التاسع والخمسين كان عندما أرسل شاول من يراقب داود في البيت وهو قبل كل ما ~~ذكر، وكان إلهام المزمور المائة والثاني والأربعين عندما كان داود في ~~المغارة وهو قبل أغلب ما ذكرنا ومقارن لإلهام المزمور السابع والخمسين. # ويعرف ما ذكرنا من التقدم والتأخر ومخالفة الترتيب من ملاحظة عناوين ~~المزامير ومراجعة تاريخ أحوال داود من تاسع عشر صموئيل الأول إلى ثاني عشر ~~صموئيل الثاني. # وإن إلهام الإصحاح الحادي والعشرين من ارميا كان في أيام صدقيا آخر ملوك ~~يهوذا، وإلهام أوائل الثاني والعشرين في أيام يهوياقيم، وإلهام أواخره في ~~PageV01P044 # أيام ابنه كنياهو وهما قبل صدقيا، ms009 وإلهام الخامس والعشرين كان في السنة ~~الرابعة ليهوياقيم وهي قبل ملك كنياهو وصدقيا، وإلهام السادس والعشرين كان ~~في ابتداء ملك يهوياقيم، وهو قبل كل ما ذكرنا، ومثله إلهام السابع والعشرين ~~بحسب أوائله إلا أن فيه غلط واضح كما يشهد به الثامن والعشرون، وإن إلهام ~~الثاني والثلاثين كان في السنة العاشرة لصدقيا، وإلهام السادس والثلاثين ~~كان في السنة الرابعة ليهوياقيم، وإن إلهام الثالث والأربعين كان في ~~تحفنحيس في مصر بعد سبي بابل وانقراض مملكة يهوذا بمدة، وكذا إلهام الرابع ~~والأربعين، مع أن إلهام الخامس والأربعين يتعلق بالسنة الرابعة ليهوياقيم، ~~فراجع نص الأصحاحات المذكورة من ارميا مع تاريخ ملك يهوياقيم ويكنيا وصدقيا ~~ملوك يهوذا، في الثالث والأربعين إلى الخامس والأربعين من الملوك الأول، ~~والسادس والثلاثين من الأيام الثاني، وإن إلهام السادس والعشرين من كتاب ~~حزقيال كان في السنة الحادية عشر لسبيهم، مع أن إلهام أوائل التاسع ~~والعشرين كان في السنة العاشرة، وإلهام أواخره كان في السنة السابعة ~~والعشرين، مع أن إلهام الحادي والثلاثين كان في السنة الحادية عشر وكان ~~إلهام الأصحاح العاشر من كتاب دانيال في السنة الثالثة لكورش ملك فارس، ~~وإلهام الحادي عشر في السنة الأولى لداريوس المادي وهو قبل كورش، وبناء على ~~ما في النسخة السبعينية من ذكر كورش بدل داريوس يكون إلهام العاشر في السنة ~~الثالثة لكورش، وإلهام الحادي عشر في السنة الأولى له، ولعل التتبع في ~~العهدين يدلك على أكثر مما ذكرنا من مخالفة ترتيب الكتاب لترتيب إلهامه بل ~~لعل التنفير في خصوص توراة موسى يشهد بكثير من ذلك، بل لعل ما لا شاهد عليه ~~أكثر وأكثر، فلنكتف في هذه المقدمة على هذا المقدار. PageV01P045 # المقدمة الرابعة فيما ذكر في العهدين من الحالات الغريبة التي تعرض ~~للأنبياء عند الوحي إليهم، وتجلى الله وظهور جلاله لهم. # ففي التوراة أن إبراهيم لما أوحي إليه في شأن نسله وغربتهم وقع عليه عند ~~مغيب الشمس سبات ورعبة مظلمة " تك 15: 12 - 15 ". # وأن يعقوب لما رأى في الحلم السلم والملائكة، وخاطبه الرب واستيقظ خاف ms010 ~~وقال: ما أرهب هذا المكان " تك 28: 12 - 18 ". # وأما موسى فإنه وإن لم تذكر التوراة في شأنه شيئا عند ظهور الله له في ~~حوريب في عليقة النار في أول تكليمه إلا كونه غطى وجهه لأنه خاف أن ينظر ~~إلى الله " خر 3: 1 - 6 "، وكذا في جبل سيناء " خر 19 ". # لكن استفانوس الذي وصف بأنه مملوء من الإيمان والروح القدس والقوة بحيث ~~كان يصنع عجائب وآيات عظيمة في الشعب " 1 ع 6: 5 - 8 ". # قد ذكر أن موسى ارتعد ولم يجسر أن يتطلع عندما ظهر له ملاك الرب في نار ~~العليقة " 1 ع 7: 30 - 33 ". # وبولس الرسول العظيم عند النصارى ذكر في شأن ظهور جلال الله على جبل ~~سيناء حين ارتجف الجبل، إن المنظر كان مخيفا حتى قال موسى: أنا PageV01P046 # مرتعب ومرتعد " عب 12: 21 ". # ويلزم من ذلك أن التوراة أهملت ذكر حال موسى في هذا الشأن، نعم ذكرت في ~~مقام آخر أن موسى قال لله: أرني مجدك، فقال: أجيز كل جودتي قدامك ولا تقدر ~~أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني فيعيش وهو ذا عندي مكان فتقف على الصخرة ~~ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى اجتاز، ~~ثم أرفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهي فلا برى " خر 33: 18 - 23 ". # والمعقول من هذا الكلام هو أن الطبيعة البشرية حتى من مثل موسى لا نقوى ~~على مشاهدة جلال الله ومجده من الوجهة الحقيقية المكنى عنها بأوجه وإنما ~~نقوى بمساعدة العناية الربانية على بعض المشاهدة من الوجهة المكنى عنها ~~بالوراء. # وذكرت التوراة أيضا أن السحابة غطت خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن ~~فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع لأن السحابة حلت وبهاء الرب ملأ ~~المسكن " خر 40: 34 و 35 ". # ومقتضاه أن موسى مع مقامه النبوي وكونه كليم الله قد ضعف وأحجم عن ~~الإقدام على مشاهدة بهاء الله. # وقد اتفق للعهدين التعرض لبعض أحوال الأنبياء عند الوحي والمكاشفة من ~~تصرف الروح بهم على غير اختيارهم وسقوطهم لوجوههم ومقاساتهم الجهد ms011 والشدة ~~كوقوع الغيبة والإغماء عليهم واضطرابهم وغير ذلك عند مشاهدة آثار الجلال ~~والكبرياء. # فعن قول حزقيال لما رأى منظر شبه مجد الرب وخر على وجهه " حز 1 28 " فدخل ~~في روح وأقامني على قدمي " حز 2: 2 "، وعن قوله أيضا فحملني الروح وأخذني ~~وذهبت برا في حرارة روحي ويد الرب كانت شديدة على " حز 3: 14 ". # وأيضا وإذا بمجد الرب واقف هناك كالمجد الذي رأيته على نهر خابور ~~PageV01P047 # فخررت على وجهي فدخل في روحي وأقامني على قدمي " حز 3: 23 و 24 " وأيضا، ~~ومد شبه يد وأخذني بناصية رأسي ورفعني روح بين الأرض والسماء " حز 8: 3 ". # وأيضا ثم دفعني روح وأتى بي إلى باب البيت " حز 11: 1 ". # وأيضا كانت على يد الرب فأخرجني بروح الرب وأنزلني في وسط البقعة " حز ~~37: 1 ". # وعن قول دانيال في بعض رؤياه ومكاشفاته بالوحي، وسمعت صوت إنسان بين ~~أولاي فنادى وقال: يا جبرائيل فهم هذا الرجل فجاء إلي حيث وقفت ولما جاء ~~خفت وخررت على وجهي وإذ كان يتكلم معي كنت مسبخا على وجهي إلى الأرض فلمسني ~~وأوقفني على مقامي " دا 8: 16 - 19 ". # وأيضا ورأيت هذه الرؤيا العظيمة ولم تبق في قوة ونضارتي تحولت إلى فساد ~~ولم أضبط قوة، ولما سمعت صوت كلامه كنت مسبخا على وجهي ووجهي إلى الأرض ~~وإذا بيد لمستني وأقامتني مرتجفا على ركبتي وعلى كفي يدي وهو ذا كشبه بني ~~آدم لمس شفتي ففتحت فمي وتكلمت وقلت للواقف أمامي: يا سيدي بالرؤيا، انقلبت ~~على أوجاعي فكيف يستطيع عبد سيدي أن يتكلم مع سيدي، وأنا فحالا لم تبق في ~~قوة، ولم تبق في نسمة " دا 10: 7 - 18 ". # ومن الواضح أن سقوط حزقيال على وجهه ومرارته وحرارة روحه وشدة يد الرب ~~عليه، وتصرف الروح به لا باختياره، وكذا حالات دانيال المذكورة إنما هي من ~~انفعال الطبيعة البشرية واندهاشها وسقوط قواها لسطوة التجلي وهيبة الجلال ~~وعظمة الكبرياء. # وفي العهدين أيضا، أن إيليا لما سمع صوت الرب الخفيف المنخفض لف وجهه ~~بردائه " امل 19: 12 و 13 ". # وإن زكريا ms012 لما رأى ملاك الرب عن يمين مذبح البخور اضطرب ووقع عليه الخوف ~~" لو 1: 11 و 12 "، ولما خرج من الهيكل وهو لا يستطيع التكلم فهم اليهود ~~أنه قد رأى رؤيا " لو 1: 32 ". PageV01P048 # ويفهم من ذلك أن انفعال الطبيعة البشرية واندهاشها عند التجلي كان أمرا ~~معلوما مقررا عند اليهود. # وفي العهد الجديد أن المسيح بعد اعتماده من يوحنا ونزول الروح القدس عليه ~~أصعده الروح وأخرجه إلى البرية وصار يقوده فيها مع الوحوش أربعين يوما " ~~أنظر إلى مت 4: 1 ومر 1: 12 و 13 ولو 4: 1 " وراجع التراجم الفارسية ~~وغيرها، وتغيرت هيئة وجهه عندما تجلى الله له بإرسال موسى وإيليا " لو 9: ~~29 " واضطرب بالروح إذ أخبر أن واحدا من تلاميذه سيسلمه " لو 13: 12 " ولعل ~~من هذا النحو كونه ليلة هجوم اليهود عليه في جهاد كما ترجم بالفارسية ~~والتركية بالاضطراب حتى صار عرقة كقطرات دم نازلة على الأرض " لو 24: 44 " ~~مع أن الوقت كان باردا يحتاج فيه إلى الاستدفاء والاصطلاء بالنار " أنظر ~~إلى مر 14: 67 ويو 18: 18 "، وإن بطرس قد وقعت عليه غيبة وفسرت " ببيهوشي " ~~وذلك حينما أوحي إليه حل جميع الحيوانات عند نزول الزنبيل " ا ع 10: 10 ". # وكذا بولس حينما أوحي إليه بالخروج من أورشليم " ا ع 22: 17 " بل وكذا ~~عندما عرج به إلى السماء " 2 كو 12: 1 - 4 ". # وإن يوحنا ابن زبدي سقط في رؤياه كميت " روء 1: 17 " وكم وكم تصرف به ~~الروح وذهب به لا باختياره " أنظر إلى روء 1: 10 و 4: 2 و 17: 3 و 21: 10 ~~". # هذا كله مع أن كتب العهدين لم تستقص ذكر هذه الحالات للأنبياء عند الوحي ~~بدليل أن التوراة أهملت في شأن موسى ما ذكره استفانوس وبولس وأن الأناجيل ~~قد أهمل كل واحد منها كثيرا مما ذكره الآخر فضلا عن اختلافها الكاشف عن عدم ~~اطلاع كتبتها على حقيقة الحال. # وأن العهد القديم لم يذكر حالات أشعيا وارميا وهوشع وغيرهم من الأنبياء ~~إلى ملاخي، وما يعرض لهم عند الوحي والتجلي ولا تظن أنهم في ذلك أعلا شأنا ~~وأحسن ms013 حالا من إبراهيم ويعقوب وموسى وحزقيال ودانيال وزكريا PageV01P049 # والمسيح وبطرس وبولس ويوحنا كلا. # نعم ذكر في العهد القديم لبعض أنبيائه عند الوحي والتنبي حالات يستغربها ~~العقل ولا يدنو مضمونها إلى الفهم. # منها أن أليشع النبي لما أراد يهو شافاط أن يسأل به الرب قال: إئتوني ~~بعواد، ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب فتنبأ عن قول الرب " 2 مل ~~3: 11 - 19 ". # ومنها أن صموئيل قال لشاول: إنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من ~~المرتفعة وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبؤون فيحل عليك روح الرب فتنبأ ~~معهم، ولما جاؤوا إلى هناك إلى جبعة إذا بزمرة من الأنبياء لقيته فحل عليه ~~روح الله فتنبأ في وسطهم " 1 صم 10: 5 - 11 ". # وليت شعري ما مداخلة العود والعواد والدف والرباب والناي في النبوة. # وأيضا لما أرسل شاول رسلا لأخذ داود في الرامة ورأوا جماعة من الأنبياء ~~يتنبؤون، وصموئيل رئيس عليهم، فكان عليهم روح الله فتنبأوا هم أيضا، وكذا ~~الذين أرسلهم ثانيا وثالثا ذهب هو فكان عليه روح الله فخلع هو أيضا ثيابه، ~~وتنبأ أيضا أمام صموئيل وانطرح عريانا ذلك النهار كله وكل الليل " 1 صم 19: ~~20 - 24 ". # وليت شعري ما معنى هذا التنبي وحلول روح الله، وما مداخلة خلع الثياب ~~والتعري في النبوة، وما معنى ذلك، وهل يعدو هذا النحو أن يكون ضربا من ~~الخلاعة والتجانن فاحفظ هذه المقدمة على ذكرك فإن بعض المباحثين للإسلام من ~~النصارى كأنهم لم يطلعوا على ما فيها وإلا لما تفوهوا بما تفوهوا من الشطط ~~إن كانت لهم نفوس حرة. # " تذييل " في بعض ما ذكر في العهدين من أحوال بعض الأنبياء في التبليغ عن ~~أمر الله. # فمن ذلك ما في أخريات العشرين من أشعيا من أن الله أمر نبيه أشعيا أن ~~يمشي عريانا وحافيا بين الناس ثلاث سنين ليبلغ الناس ويقول لهم: هكذا ~~PageV01P050 # يسوق ملك آشور سبي مصر وجلاء كوش الفتيان والشيوخ عراة وحفاة ومكشوفي ~~الاستاه خزيا لمصر. # وما في السابع والعشرين من ارميا من أن الله ms014 أمر نبيه ارميا أن يصنع له ~~ربطا وأنيارا ويجعلها على عنقه كما يجعل نير الفدان على أعناق البقر ليبلغ ~~الناس ويقول: ادخلوا أعناقكم تحت نير ملك بابل. # وما في الرابع من حزقيال من أن الله أمر نبيه حزقيال أن يأكل كعكا من خبز ~~الشعير الذي يخبزه أمام عيون بني إسرائيل على الخرء الذي يخرج من الإنسان ~~ليبلغ ويقول: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم ~~إليهم. # وما في أوائل الخامس من حزقيال أيضا من أن الله أمر نبيه حزقيال أيضا من ~~أن يحلق رأسه ولحيته ويقسم الشعر أثلاثا يحرق ثلثا ويضرب بالسيف حوالي ثلث ~~ويذرى الثلث الثالث إلى الريح ليبلغ ويقول إن ثلث أهل أورشليم يموتون ~~بالوباء والجوع، وثلث يسقط بالسيف، وثلث يذريه في كل ريح ويستل سيفا ~~وراءهم. # وما في الخامسة عشر إلى الثامنة عشر من الرابع والعشرين من حزقيال أيضا ~~من أن الله كلم نبيه حزقيال بأنه يأخذ منه شهوة عينيه وهي زوجته، وأمره أن ~~لا ينوح ولا يبكي ولا يعمل مناحة ويلف عصابته ويجعل نعليه في رجليه ولا ~~يغطي شاربه ولا يأكل من خبز الناس ليبلغ بني إسرائيل ويخبرهم أنه هكذا يقع ~~بهم. # وما في الثالثة من أول هوشع من أن الله أمر نبيه هوشع أن يأخذ لنفسه ~~امرأة زنا وأولاد زنا ونتيجة ذلك تعليله بأن الأرض قد زنت تاركة للرب ~~وموعظة بني إسرائيل بأسماء الذين ولدتهم له تلك المرأة وذكر زناها فراجع ~~أول هوشع وثانيه فإنه عجيب. # وما في ثالث هوشع أيضا من قول هوشع وقال لي الرب: اذهب أحبب امرأة حبيبة ~~صاحب وزانية كمحبة الرب لبني إسرائيل وهم ملتفتون إلى آلهة PageV01P051 # أخرى، ومحبون لأقراص الزبيب فاشتريتها لنفسي بخمسة عشر شاقل فضة وبحومر ~~ولثك شعير وقلت لها: تقعدين أياما كثيرة لا تزني ولا تكوني لرجل وأنا كذلك، ~~لأن بني إسرائيل سيقعدون أياما كثيرة بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة، ومقتضى ~~العهد القديم إن هؤلاء الأنبياء عملوا بما أمرهم به الله للتبليغ. ~~PageV01P052 # المقدمة الخامسة ms015 في نبذ من سيرة بني إسرائيل والملة النصرانية في ديانتهم ~~نقلا من كتب العهدين مع اختصار ما، ونقل بالمعنى في بعض الموارد. # أما بنو إسرائيل فقد ظهرت لهم من موسى الداعي لهم إلى التوحيد معجزة ~~العصا واليد البيضاء والعجائب في مصر وانشقاق البحر لهم وعبورهم على ~~اليابسة فيه، والمن والسلوى وإخراج الماء من الصخرة في حوريب وآثار عظمة ~~الله وقدرته على جبل سيناء " خر 4 - 19 " وبلغهم عن الله قوله: لا تصنعوا ~~معي آلهة فضة ولا تصنعوا لكم آلهة ذهب لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، ولا تصنع ~~لك تمثالا منحوتا في السماء أو في الأرض أو في الماء ولا تسجد لهن ولا ~~تعبدهن. # فقالوا كلما تكلم به الرب نفعل فكتب موسى هذه الأقوال وغيرها وقرأها ~~عليهم تجديدا للعهد، فقالوا أيضا: كلما تكلم به الرب نفعل ونسمع " خر 20 - ~~24: 8 ". # وبلغهم أيضا لا تصنعوا لكم أوثانا ولا تقيموا لكم تمثالا منحوتا أو نصبا ~~ولا تجعلوا في أرضكم حجرا مصورا لتسجدوا له " لا 26: 1 " وبعد هذا كله لم ~~تمض سنة منه حتى ارتدوا عن عبادة الله وقالوا لهارون لما أبطأ علهم موسى في ~~جبل سينا اصنع لنا آلهة تسير أمامنا، فلما صنعوا العجل المسبوك من ذهب ~~PageV01P053 # حليهم قالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من مصر فسجدوا له وذبحوا ~~" خر 32: 1 - 9 ". # ولما أقاموا مع موسى في شطيم صار الشعب يزنون مع بنات مواب فدعون الشعب ~~إلى ذبائح آلهتهن فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن وتعلق إسرائيل ببعل فغور " عد ~~25: 1 - 4 " وكفى في تمردهم على الشريعة أنهم في مدة أربعين سنة لم يختنوا ~~من ولد منهم وبعدما عبروا الأردن في زمان يوشع صنع يوشع عن أمر الله سكاكين ~~صوان أو حادة، وفي العبرانية " صيريم " وختنهم بها " يش 5 "، ولم تمض مدة ~~كثيرة من موت يوشع حتى فعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وتركوه وساروا ~~وراء آلهة أخرى وسجدوا لها وعبدوا البعل وعشتاروت " قض 2: 11 - 14 و 3: 7 ~~". # ولم يزل بنو إسرائيل ms016 في زمن القضاة يعاودون إلى عمل الشر في عيني الرب " ~~قض 3: 11 و 4: 1 و 6: 1 و 13: 1 ". # وبعد موت جدعون رجعوا وزنوا وراء البعليم وجعلوا لهم بعل بريث إلهاء " قض ~~8: 33 ". # وبعد موت بائير القاضي عادوا يعملون الشر في عيني الرب، وعبدوا البعليم ~~والعشتاروت وآلهة أرام وآلهة صيدون وآلهة مواب وآلهة عمون وآلهة ~~الفلسطينيين وتركوا الرب ولم يعبدوه " قض 10: 6 " وحاصل شأنهم أنهم اختلطوا ~~بالأمم المشركين وتعلموا أعمالهم وعبدوا أصنامهم وذبحوا بنيهم وبناتهم ~~للأوثان وأهرقوا دما زكيا دم بنيهم وبناتهم الذين ذبحوهم لأصنام كنعان ~~وتدنست الأرض بالدماء " مز 106: 35 - 39 ". # ولما مات سليمان انقسمت مملكة بني إسرائيل إلى قسمين فتبع رحبعام ابنه ~~سبطا يهوذا وبنيامين، وملكوه عليهم وانعزل عنه باقي الأسباط فملكوا عليهم ~~يربعام فعمل لرعيته عجلي ذهب وقال: هذه آلهتك يا إسرائيل ووضع واحدا في بيت ~~ايل والآخر في دان، وكان الشعب يصعدون إلى أحدهما حتى إلى دان PageV01P054 # " امل 12 "، واستمر بنو إسرائيل هؤلاء وملوكهم على خطيئتهم وطريقة يربعام ~~" امل 15 و 16 " أي العكوف على عجول الذهب التي في بيت ايل ودان " 2 مل 10 ~~" حتى إذا ملك اخاب شاعت في أيامه عبادة البعل حتى أنه كان للبعل أربعمائة ~~وخمسين نبيا، وللسواري أربعمائة نبي " امل 18: 19 " وقطعت إيزابل الصيدونية ~~أنبياء الرب إلا من أخفاه عوبديا " امل 18: 4 " حتى لم يبق للرب نبي غير ~~إيليا " امل 18: 22 و 19: 10 و 14 "، وحتى لم يبق من مئات الألوف العديدة ~~من بني إسرائيل من لم يعبد البعل إلا سبعة آلاف أو أقل، ولعلهم كانوا من ~~الأطفال الذين لا يميزون هذه الأمور " أنظر إلى امل 19: 18 "، واستمر بنو ~~إسرائيل على خطيئتهم وطريقة يربعام إلى أن ملك عليهم هوشع بن ايله " امل ~~22: - 2 مل 17 ". # وفي أيامه سباهم ملك آشور واسكن في ديارهم غيرهم، وقد كانوا أخطأوا إلى ~~الرب إلههم، واتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض المشركين وعبدوا الأصنام ~~ورفضوا فرائض الله وعهده وساروا وراء الباطل وصاروا باطلا وتركوا جميع ~~وصايا الله ms017 وعملوا لأنفسهم عجلين وسجدوا لجميع جند السماء وعبدوا البعل " 2 ~~مل 17 ". # وأما سبطا يهوذا وبنيامين فلما تثبتت مملكة رحبعام بن سليمان ترك شريعة ~~الرب هو وكل إسرائيل معه " 2 أي 12: 1 ". # وعمل يهوذا الشر أكثر من جميع ما عمل آباؤهم، وبنوا لأنفسهم مرتفعات ~~وانصابا وسوارى من آثار الشرك على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء، وكان ~~أيضا مأبونون في الأرض، ففعل يهوذا حسب أرجاس المشركين " امل 14: 22 - 24 ~~". # وفي السنة الخامسة لملك رحبعام نهب شوشق ملك مصر خزائن بيت الرب وخزائن ~~بيت الملك وأخذ كل شئ " امل 14: 25 و 26 ". # ثم ملك ابيابن رحبعام وسار في جميع خطايا أبيه التي فعلها قبله " امل 15: ~~3 ". PageV01P055 # ولما ملك آسا ابنه عمل ما هو مستقيم، وأزال آثار الشرك، وأمر يهوذا أن ~~يعملوا حسب الشريعة والوصية " 2 أي 14: 2 - 6 " وأما المرتفعات فلم تنزع من ~~بني إسرائيل " 2 أي 15: 17 ". # ولإسرائيل أيام كثيرة بلا إله حق وبلا كاهن معلم وبلا شريعة، وفي النسخة ~~العبرانية بلا توراة " 2 أي 15: 3 ". # ثم ملك بهوشافاط ابنه وسار في طريق آسا أبيه وعمل المستقيم والمرتفعات ~~أيضا لم تنزع بل كان الشعب لم يعدوا بعد قلوبهم لإله آبائهم " 2 أي 20: 22 ~~و 23 ". # ثم ملك بعده يهورام ابنه، وبعده ابنه أخزيا، وعملا الشر على نهج بيت اخاب ~~" 2 أي 21: 6 و 22: 3 و 4 ". # وبعد أخزيا ملكت أمه الخبيثة المشركة عثليا بنت عمري ملك إسرائيل سبع ~~سنين " 2 أي 22 ". # وهدم بنوها بيت الله وصيروا كل أقداس بيت الله للبعليم إلى أن نهض يواش ~~ويهوياداع الكاهن لتجديد بيت الرب وأقاموا بيت الله على رسمه على مقداره ~~وثبتوه " 2 أي 24: 7 و 12 و 13 ". # وبعدما قتلوا عثليا ملك يواش بن أخزيا، وعمل المستقيم في أيام يهوياداع، ~~ولما مات يهوياداع جاء رؤساء يهوذا، وسجدوا للملك يواش فسمع لهم وتركوا بيت ~~الرب إلههم، وعبدوا السواري والأصنام " 2 أي 24: 2 و 17 و 18 ". # ورجموا زكريا ابن يهوياداع بأمر الملك ms018 وقتلوه في دار بيت الرب لأنه ليس ~~روح الله فوعظهم ووبخهم وأراد إرجاعهم إلى الله فتركوا الرب إله آبائهم (2 ~~أي 24: 20 - 24 ". # ثم ملك امصيا ابن يواش وأتى بآلهة ساعير وأقامهم له آلهة وسجد أمامهم ~~وأرقد لهم " 2 أي 25: 14 ". PageV01P056 # وفي أيامه جاء يواش المشرك ملك إسرائيل ونهب كل الذهب والفضة وجميع ~~الآنية الموجودة في بيت الرب " 2 مل 14: 14 ". # ثم ملك بعد امصيا ابنه عزيا، وبعده ابنه يوثام، وكانا مستقيمين، ولكن كان ~~الشعب يفسدون بعد " 2 أي 27: 2 ". # ثم ملك احاز وسار في طريق ملوك إسرائيل وعمل أيضا تماثيل مسبوكة للبعليم ~~وهو أوقد في وادي هنوم، وأحرق بنيه في النار حسب رجاسات المشركين، وترك ~~يهوذا الرب إلههم، وأيضا ذبح آحاز لآلهة دمشق وقطع آنية بيت الله وأغلق ~~أبواب بيت الرب " 2 أي 28 ". # وأغلقوا أيضا أبواب الرواق وأطفأوا السرج ولم يوقدوا بخورا ولم يصعدوا ~~محرقة في القدس " 2 أي 29:. ". # وإذ ملك حزقيا فتح أبواب بيت الرب ودخل الكهنة إلى داخله، وأخرجوا كل ~~النجاسة التي وجدوها في الهيكل، واستمروا في تطهير بيت الرب ثمانية أيام " ~~2 أي 29: 1 - 19 ". # ولما ملك بعده ابنه منسى عمل الشر حسب رجاسات المشركين، وبنى المرتفعات ~~التي هدمها أبوه وأقام مذابح للبعليم وعمل سواري وسجد لكل جند السماء وبنى ~~لها مذابح في داري بيت الرب، ولما ذاق وبال أمره من ملك آشور رجع إلى الله ~~فلما أنقذه أزال الآلهة الغريبة والأشباه من بيت الرب، وأمر يهوذا أن ~~يعبدوا الرب إلههم، ثم ملك بعده ابنه امون فعمل كل ما عمله أبوه أول الأمر، ~~ولم يرجع إلى الله كما رجع أبوه في الآخرة " 2 أي 33 ". # وملك بعده ابنه يوشيا وكان مؤمنا، وفي السنة الثانية عشر لملكه ابتدأ ~~يطهر يهوذا وأورشليم من السواري والمرتفعات والتماثيل والمسبوكات، وطهر ~~يهوذا وأورشليم وقطع تماثيل الشمس في كل أرض إسرائيل، وهدم بيوت المأبونين ~~التي عند بيت الرب، وبعد أن طهر الأرض وبيت الرب توجه لترميمه وتسقيف ~~البيوت التي أخربها يهوذا. ms019 # وعند إخراجهم الفضة المدخلة إلى بيت الرب قال حلقيا الكاهن لشافان ~~PageV01P057 # الكاتب قد وجدت سفر الشريعة " أي التوراة " في بيت الرب، فقال شافان ~~للملك قد أعطاني حلقيا الكاهن سفرا وقرأ فيه شافان أمام الملك، فلما سمع ~~الملك كلام الشريعة مزق ثيابه وأمر جماعة من خواصه قائلا: اذهبوا اسألوا ~~الرب من أجلي وأجل من بقي من يهوذا وإسرائيل على كلام السفر الذي وجد لأنه ~~عظيم غضب الرب الذي انسكب علينا من أجل أن آبائنا لم يحفظوا الرب ليعملوا ~~حسب كل ما هو مكتوب في هذا السفر، وجمع الملك كل رجال يهوذا وكل الشعب من ~~الصغير إلى الكبير والكهنة والأنبياء إلى بيت الرب وقرأ في آذانهم كل كلام ~~سفر العهد التي وجد في بيت الرب ووقف على منبره وقطع عهدا مع الله عبادته ~~وحفظ وصاياه وفرائضه حسب كلام العهد المكتوب في هذا السفر " 2 مل 22 و 23 و ~~2 أي 24 ". # وإن صريح هذا الكلام وفحواه وشواهده ودلائله لتوضح أن ارتدادات يهوذا ~~وتقلباتهم في الشرك حتى جعلوا الأصنام في بيت المقدس ونجسوه وأخربوه ~~وأغلقوه وبقوا أياما كثيرة بلا إله حق ولا كاهن معلم ولا شريعة توراة لم ~~تبق سفرا للشريعة والتوراة بينهم إلى حد لم يقدر الملك عليه ولم يره ولم ~~يسمع منه شيئا مدة اثنتي عشرة سنة من ملكه وهو مؤمن يطلب الله والشريعة ~~فإنه لو كان للتوراة حينئذ وجود لكانت عنده منها نسخة يقرأ بها كل أيام ~~حياته من أول جلوسه على كرسي مملكته حسب ما هو الواجب في الشريعة على ملوك ~~إسرائيل " تث 17: 8 - 20 ". # ولكنه لما رأى ما ادعى حلقيا الكاهن أنه وجده في بيت الرب وسمع ما فيه ~~رأى شئ جديدا وسمع ما لم يكن معهودا له وحبسه هو والمؤمنون من يهوذا من ~~الحقائق التي غفلت عنها الأيام وخبتها عن دواهيها زوايا الخمول حتى مزق ~~الملك عند قراءته ثيابه واضطرب من أجل تضييعهم وجهلهم ما فيه، وبذل العناية ~~التامة في قراءته على جميع يهوذا وإسرائيل ليطلعوا ms020 على ما أضاعه منهم ~~الضلال، ويعودوا إلى ما ظفروا به من الشريعة التي لم يكونوا يعرفونها ولا ~~يجدون كتابها. # فكانت نسبة هذا الذي وجدوه إلى الشريعة الحقيقية موكولة إلى أمانة ~~PageV01P058 # حلقيا ولو كان لسفر الشريعة عندهم قبل هذا اسم أو رسم لما وقع أقل قليل ~~من هذا الاحتفال العظيم والتنبه إلى الشريعة بما ادعى حلقيا أنه وجده، وهذا ~~مما لا ينبغي أن يرتاب فيه من له حظ من الرشد والفهم. # قال المتكلف " يه 4 ج ص 134 " إن المراد بسفر الشريعة هاهنا هي النسخة ~~التي كانت موجودة في الهيكل بجانب تابوت عهد الرب حسب الأمر الوارد " تث ~~31: 25 و 26 " وهذا لا ينافي وجود نسخ أخرى في أيدي الكهنة واللاويين ~~والشعب. # أقول: إن أراد من هذه النسخة أنها النسخة التي كتبها موسى وأمر بوضعها ~~بجانب تابوت العهد فيدعى في تكلفه أن احتفال يوشيا بها من أجل كونها تذكارا ~~لموسى ومن آثاره فليقل، وإن كان ما ذكرنا من أحوال يوشيا وأقواله أجنبيا عن ~~هذا الاحتمال أين كانت هذه النسخة وأين صارت، إذ نهب الفلسطينيون التابوت ~~من بني إسرائيل ووضعوه بقرب صنمهم داجون في اشدود ثم نقلوه إلى حث ثم إلى ~~عفرون ثم إلى بيت شمس ثم نقل إلى قرية يعاريم " 1 صم 84 7 " ثم نقله داود ~~إلى بيت عوبيد الجتي، ثم إلى قرية مدينته " 2 صم 6 " ثم نقله سليمان من ~~صهيون مدينة داود إلى محراب البيت قدس الأقداس تحت جناحي الكروبين " امل 8: ~~1 - 7 "، فإنه لم يجر لهذه النسخة في هذه المواضع والتنقلات ذكر ولا اسم ~~ولا رسم مع ما لها من الشأن المهم. # فإن قال: إنها كانت إذ ذاك في جوف التابوت قلنا: لم يكن في التابوت حينما ~~وضعه سليمان في قدس الأقداس إلا لوحا الشهادة " امل: 98 و 2 أي 5: 10 ". # وإن قال: إنها حين نهب التابوت كانت عند الكهنة، قلنا: ينبغي أن يكون ~~محلها بحسب الوظيفة في مكان التابوت تحت جناحي الكروبين في المسكن من خيمة ms021 ~~الاجتماع أنظر إلى " خر 40: 1 و 2 - وتث 31: 26 ". # وعلى هذا فلماذا لم يجر لها ذكر عند تحويل سليمان لخيمة الاجتماع وما ~~فيها، مع أن هذه النسخة أهم وأهم وأولى بالذكر من سائر أدوات خيمة ~~PageV01P059 # الاجتماع، وفي ذكرها البشارة الكبرى وبيان نعمة الله العظمى بجمع شمل ~~الشريعة المتبدد في جعل نسخة التوراة التي كتبها موسى على مقتضى وظيفتها ~~إلى جنب تابوت العهد الذي أنعم الله بإرجاعه من نهب المشركين إلى بيته ~~المقدس ففي ثاني الملوك الأول 3 وجاء جميع شيوخ إسرائيل وحمل الكهنة ~~التابوت واصعدوا تابوت الرب، وخيمة الاجتماع مع جميع آنية القدس التي في ~~الخيمة " 2 أي 5: 4 و 5 " فإن أبى المتكلف مكابراته إلا أن تكون النسخة ~~المذكورة وضعت على وظيفتها في محراب بيت المقدس على عهد سليمان بجانب ~~التابوت، قلنا: إن الموضع الذي عينه سليمان لتابوت العهد الذي تكون هذه ~~النسخة إلى جنبه هو المحراب قدس الأقداس تحت جناحي الكروبين " امل 8: 6 و 2 ~~أي 5: 7 "، وكانت مساحة هذا المحراب عشرين ذراعا في مثلها " امل 6: # 20 "، ومساحة جناحي الكروبين الملتقيين الذين يوضع التابوت تحت ملتقاهما ~~عشرة أذرع " امل 6: 24 - 28 " فيكون التابوت في وسط المحراب ومحل نسخة ~~التوراة المذكورة إلى جنبه. # وعلى هذا فهل تركها شوشق ملك مصر الذي نهب الذهب والفضة من بيت الرب على ~~عهد رحبعام، وهل يترك المحراب مع أن عمدة الذهب فيه فرضناه تركها، فهل ~~يتركها بنو إسرائيل ويهوذا في الأيام الكثيرة التي بقوا فيها بلا إله حق ~~وبلا كاهن ومعلم وبلا شريعة فرضناهم تركوها فهل يتركها المشركون أولاد ~~عثليا المشركة إذ هدموا بيت الرب وصيروا كل أقداسه للبعليم حتى احتاج البيت ~~إلى تجديده وإقامته على رسمه تمحلنا وفرضناهم تركوها، فهل يتركها يواش ~~المشرك إذ نهب كل الذهب والفضة وجميع الآنية الموجودة في بيت الرب على عهد ~~امصيا، فرضنا تركه فهل يتركها آحاز المشرك الذي قطع آنية بيت الرب وأغلق ~~أبوابه، وهل تركها قومه الذين وضعوا النجاسة في الهيكل وأغلقوه وأطفأوا ~~سرجه عنادا ms022 للتوحيد والشريعة افترى هؤلاء كلهم يتركون هذه النسخة في محلها ~~ويسمحون لها بالبقاء وهي أشد ما يكون مقاومة ومصادمة لشركهم وضلالهم ~~وأصنامهم وتماثيلهم، وقد بلغت في توبيخهم ولعنهم وذمهم وسب آلهتهم، مبلغا ~~لا يمكن في العادة أن يصبروا عليها ويتركوا لها وجودا وأثرا PageV01P060 # كلا بل هي أول بأن تمد إليها يد الضلال من الهيكل الذي لا يقاومهم مثلها ~~ببيانه. # وأيضا لماذا لم توجد هذه النسخة عند إدخال الفضة إلى بيت الرب وما هو ~~السبب الذي أخر وجدانها إلى حين إخراج الفضة. # وأيضا لماذا لم يجدها حلقيا إلا بعد مضي ما يزيد على عشر سنين من ملك ~~يوشيا مع أن يوشيا ملك مؤمن يطلب الله والشريعة من أول أمره. وإن حلقيا ~~الكاهن لا ينفك عن كثرة الدخول إلى المحراب في الأسبوع مرة أقلا. # هذا وإن قال المتكلف: إن هذه النسخة غير التي كانت في زمان موسى وأمر ~~بوضعها إلى جنب التابوت، بل هي نسخة أخرى من سائر النسخ وضعت مع التابوت ~~على رسم الشريعة. # قلنا: كيف يتركها الذين هم قبل يوشيا من المشركين الذين عبثوا ببيت الرب ~~وأخربوه ونجسوه؟ وكيف لم يجدها حلقيا إلا بعد عشر سنين من ملك يوشيا مع ~~أنها نصب عيني الداخل إلى المحراب. # وأيضا فليعمل المتكلف فكره بما عنده من الفطانة، وليبين لنا أن هذه ~~النسخة إذا لم تكن بخط موسى وتذكارا له، بل كانت من سائر النسخ الكثيرة، ~~فما الوجه المقبول في احتفال يوشيا بها ذاك الاحتفال العظيم لو كان لها ~~أمثال كثيرة. # ثم ملك من بعد يرشيا إلى سبي بابل يهو آحاز ويهوياقيم ويهوياكين وصدقيا ~~وعملوا الشر " 2 مل 23 و 24 ". # وأما يهوذا في أيامهم فقد تكرر كلام ارميا النبي في توبيخهم على سلوكهم ~~وراء البعليم وسيرهم وراء آلهة أخرى حتى صارت آلهتهم بعدد مدنهم وبعدد ~~شوارع أورشليم " ار 7 و 8 و 9 و 11 و 12 و 16 ". # ولما رجعوا من سبي بابل وتوجهوا إلى عبادة الله والشريعة اجتمع كل الشعب ~~وقالوا ms023 لعزرا الكاهن: أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب ~~PageV01P061 # فأتى عزرا بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء وكل فاهم ما يسمع ~~وقرأ فيه من الصباح إلى نصف النهار وآذان الشعب نحو سفر الشريعة وجميع ~~الشعب بكواحين سمعوا كلام الشريعة، وفي اليوم الثاني اجتمع رؤساء آباء جميع ~~الشعب والكهنة واللاويون إلى عزرا ليفهمهم كلام الشريعة فوجدوا مكتوبا فيها ~~إن إسرائيل يسكنون في مظال في العيد في الشهر السابع فأخذوا في عمل المظال ~~" نح 8 ". # وقرأ أيضا في سفر موسى في آذان الشعب ووجدوا مكتوبا أن عمونيا وموابيا لا ~~يدخل في جماعة الله إلى الأبد، ولما سمعوا الشريعة فرزوا كل اللفيف " نح 13 ~~". # قل فما هو السبب في أن ينفرد عزرا وحده بقراءة سفر الشريعة على ألوف من ~~بني إسرائيل جميع رجالهم ونسائهم وكل فاهم ما يسمع حتى الكهنة الذين هم ~~حملة الشريعة والتوراة بمقتضى الوظيفة الشرعية، ولماذا هرع إليه في اليوم ~~الثاني رؤساء آباء الشعب والكهنة واللاويون، ولماذا تنبهوا بسبب قراءته إلى ~~أمور لم تكن معهودة لهم، وبادروا إليها مبادرة مغتنم، أفيجوز مثل هذا؟ مع ~~فرض الوجود لنسخة أو أكثر في بني إسرائيل غير التي بيد عزرا كلا. # وأيضا لو كان بعد سبي بابل عند اليهود نسخ من التوراة، والشريعة لم يكن ~~محل ووجه لنزول الوحي على حزقيال في شريعة الكهنة، وقسمة الأرض بين بني ~~إسرائيل وغير ذلك من الشرائع التي تكلفت التوراة ببيانها " أنظر إلى حز 43 ~~- 48 ". # تجد من الواضح أن ذلك بيان لما ليس في أيدي بني إسرائيل من الشريعة. # ثم من بعد سبي بابل وإن لم يصرح بارتدادهم عن التوحيد إلا أنهم كانوا ~~يقولون من يفعل الشر فهو صالح في عيني الرب وبهم يسر " مل 2: 17 " ويقولون: ~~عبادة الله باطلة، وما الفائدة من أننا حفظنا شعائره " مل 3: 14 " وإن ~~كهنتهم احتقروا اسم الله " مل 1: 6 " وخانوا في الذبائح " مل 1: 7 - ~~PageV01P062 # 14 " وحادوا عن الطريق واعثروا كثيرين بالشريعة، وأفسدوا عهد موسى " مل ~~2: 8 "، وكانت منهم فرقة ms024 يسمون بالصدوقيين، ينكرون القيامة وحياة الأموات ~~بعد الموت، وينكرون الملك والروح " ا ع 23، 8 ومت 22 ومر 2 ولو 20 ". # وقد شحنت الأناجيل من الكلام المنسوب للمسيح بتوبيخهم على تمردهم على ~~الله والشريعة ورياء كهنتهم وكتبتهم حتى تربصوا به من أجل ذلك الدوائر ومع ~~هذا كله هل يمكن للإنسان أن يتلقى من هذه الفرقة المتقلبة في ارتداداتها ~~هذا التقلب الذي طرق سمعك كتابا وشريعة عن الوحي والإلهام على حقيقته ~~الأولية بطريق يفيد اليقين بذلك كلا. # وأما أهل الديانة النصرانية في زمان المسيح فإن الكثيرين الذين آمنوا به ~~في عيد الفصح لما رأوا منه الآيات لم يأتمنهم على نفسه لأنه كان يعرف ~~الجميع ولا يحتاج لشاهد على ما في ضمير الإنسان " يو 2: 23 - 25 " ورجع عنه ~~كثيرون من تلاميذه ولم يعودوا وذلك بسبب وعظه وإرشاده وبيان رسالته " يو ~~16: # 52 - 66 ". # والتلاميذ الاثني عشر مالوا إلى الرئاسة الدنيوية وتشاجروا في أنه من ~~يكون الأكبر بعد المسيح لما أخبرهم بما يجري عليه، وإنه ماض عنهم فوعظهم ~~لذلك، ووعدهم ومناهم بما يرغبهم في الائتلاف وعدم التشاجر " لو 22: 22 - 31 ~~". # واغتاظ عشرة منهم على المسيح من أجل ابني زبدى " مت 20: 24 " ووبخهم على ~~قلة إيمانهم " مت 16: 8 " وأنهم لا إيمان لهم " مر 4: 40 " وليس لهم من ~~الإيمان مثل حبة خردل " مت 17: 20 " ووصفهم الإنجيل بغلظ القلوب " مر 6: 52 ~~". # وأخبر المسيح بأن كافتهم يشكون فيه ليلة هجوم اليهود عليه " مت 26: # 31 " ويتفرقون عنه كل واحد إلى خاصته ويتركونه وحده " يو 16: 32 " وطلب ~~منهم أن يسهروا معه تلك الليلة فلم يفعلوا ولم يواسوه مع ما هو فيه من ~~PageV01P063 # الدهشة والاكتئاب حتى وبخهم على ذلك مرارا، ولما أمسكه اليهود حسب الظاهر ~~تركه التلاميذ كلهم وهربوا " مت 26: 36 - 57 ". # وإن من التلاميذ الاثني عشر يهوذا الاصطخريوطي كان بيده صندوق أموال ~~الفقراء " يو 12: 6 و 13: 29 "، وكان سارقا " يو 12: 6 " وهو الذي اجترأ ~~على تسليم المسيح إلى أعدائه، وباع دمه الشريف بقليل فضة أنظر إلى أخريات ~~الأناجيل وأول الأعمال. # وإن ms025 كبير التلاميذ بطرس صار ينتهر المسيح حتى قال له المسيح: إذهب عني يا ~~شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس " مت 16: 22 و 23 "، ~~وقد أنكر المسيح ثلاث مرات وابتدأ يلعن ويحلف أنه لا يعرفه " مت 26: 69 - ~~75 " مع أن المسيح أنذره بذلك فوعد المسيح أن لا ينكره ولو اضطر إلى الموت ~~معه " مت 26: 35 ". # هذا وأما ما كان بعد حادثة الصليب فإن التلاميذ الأحد عشر لم يصدقوا ~~اللواتي أخبرنهم بقيام المسيح من الأموات في اليوم الثالث بل عدوا كلامهن ~~كالهذيان " لو 24: 11 "،، حتى وبخهم المسيح على عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم ~~لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام " مر 16: 14 "، مع أن في الأناجيل أن ~~المسيح كم وكم قدم لهم أنه يتألم من اليهود وفي اليوم الثالث يقوم " أنظر ~~من جملة ذلك أقلا إلى مت 16: 21 و 17: 23 و 20: 19 و 26: # 32 "، " وغير ذلك في الأناجيل الأربعة "، حتى أن اليهود كانوا يعلمون ~~بكلامه هذا ويخشون عاقبته " مت: 27: 63 ". # وتذكر اليونانيون من المسيحيين على العبرانيين منهم بسبب الغفلة عن طعام ~~أراملهم " ا ع 6: 1 ". # ووقعت المشاجرة في الختان فتكلم بطرس ويعقوب في رفعه عن الأمم بمجرد ~~الاستحسان والتآلف للأمم في مقابلة تأكيد حكمه في التوراة وتأييده وتعليم ~~المعلمين المسيحيين من اليهودية فحصروا ما على الأمم من أحكام الشريعة ~~باجتناب المخنوق وما ذبح للأوثان والدم والزنا " ا ع 15: 1 - 30 ". ~~PageV01P064 # وإن برنابا وبولس اللذين اختارهما الروح القدس لعلمه " ا ع 13: 12 " ~~تشاجرا فيمن يأخذانه معهما للخدمة حتى فارق أحدهما الآخر " ا ع 13: 36 - 40 ~~". # وقد اختلف المعلمون في النصرانية واختلفوا في التعليم حتى صار بعضهم يحذر ~~الأمة من بعض " أنظر إلى رسائل بولس وبطرس ويهوذا ويوحنا " حتى قال بعضهم ~~في البعض الآخر: أنهم لا يخدمون المسيح بل بطونهم وبالكلام الطيب والأقوال ~~الحسنة، يخدعون قلوب السماء " رو 16: 18 "، وعن حسد وخصام يكرزون بالمسيح " ~~في 1: 15 " وأنهم ذئاب خاطفة " ا ع 20: 29 " ورسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون ~~شكلهم إلى ms026 شبه رسل المسيح كالشيطان يغير شكله إلى شبه ملاك نور " 2 كو 11: ~~13 و 14 " حتى أن كثيرين خرجوا وصاروا أضداد للمسيح " 1 يو 2: 18 و 19 ". # وجميع الذين في آسيا ارتدوا عن بولس وبعض زاغ عن الحق وادعى إن القيامة ~~قد قامت " 2 تي 1: 15 و 18 ". # وإن من المعلمين إخوة كذبة ادخلوا خفية ودخلوا اختلاسا، وإن المعتبرين ~~أنهم شئ " كالتلاميذ الأحد عشر " مهما كانوا لا فرق بينهم وبين هؤلاء. # وإن بطرس والنصارى العبرانيين في أنطاكية حتى برنابا استعملوا الرياء ~~والمداهنة، ولم يسلكوا باستقامة حسب حق الإنجيل " غل 2: 3 - 15 ". # وإن بولس قد استعمل الرياء، وختن تيموثاوس اليوناني على خلاف تعليمه " ا ~~ع 16: 1 - 4 ". # وإن يعقوب وجميع المشايخ في أورشليم تواطأوا مع بولس على استعمال الرياء ~~بإلزام بولس مع أربعة أشخاص بأحكام الناموس تمويها لإبطالهم لها ومداهنة ~~للأنوف والربوات من المؤمنين بالمسيح من اليهود الذين ينكرون إبطال الناموس ~~بمجيئ المسيح " ا ع 21: 2 - 27 ". PageV01P065 # وإن بولس ليس له نظير مخلص بل الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ~~للمسيح " في 2: 20 و 21 ". # ويتضح من الأعمال ورسائل بولس أن تعليمه الرائج بين النصارى في القرون ~~المتأخرة كان ضدا لتعليم الرسل والمعلمين من العبرانيين الذين هم من أهل ~~الختان ولذا كثر تعرضه لهم وقد فهم وانتفاضهم وافتخاره عليهم حتى ادعى ~~العروج مرة إلى السماء الثالثة وأخرى إلى الفردوس " أنظر إلى الحادي عشر ~~والثاني عشر من كورنتوش الثانية ". # ومن ذلك تعليمه بكفاية الإيمان وحده في الفائدة وتعليم يعقوب بعدم كفايته ~~بدون الأعمال " أنظر إلى الحادي والعشرين من العبرانيين "، وإلى رسالة ~~يعقوب وخصوص ثانيها، وقد اختلف تعليم بولس في أكل ما ذبح للأوثان الذي قرر ~~الرسل حرمته واضطرب كلامه فيه، فتارة جعله يذبح للشيطان لا لله ولا يريد أن ~~يكون المؤمنون شركاء الشياطين لأنهم لا يقدرون أن يشربوا كأس الرب وكأس ~~شيطان ولا يشتركوا في مائدة الرب ومائدة شياطين أم نغير الرب ألعلنا أقوى ~~منه " 1 كو: 10 - 18 - 22 ms027 ". # وتارة رجع الامتناع منه من دون تحريم، لأنه معثرة للضعفاء أنظر " 1 كو 8 ~~" ومن أجل ضمير الآخر الضعيف " 1 كو 10: 29 "، ثم ندم وقال: # لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر، فإذا كنت أتناول بشكر فلماذا يفترى علي ~~لأجل ما أشكر عليه " 1 كو 10: 29 و 30 ". # وعلى كل حال فهذه الأقوال المضطربة خلاف ومقاومة لما قرره الرسل من ~~التحريم المطلق كما مر، وعن بولس في بعض تعاليمه كل شئ طاهر للطاهرين " تي ~~1: 15 " وكل خليقة الله جيدة، ولا يرفض شئ منها إذا أخذ مع الشكر " 1 تي 4: ~~4 "، وهذه خلاف ومقاومة لما قرره الرسل من تحريم ما ذبح للأوثان والمخنوق ~~والدم. # وعنه أيضا في تعاليمه في شأن الناموس والعهد القديم ما لفظه فإنه يصير ~~إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها إذ الناموس لم يكمل شيئا ~~PageV01P066 # " عب 7: 18 و 19 ". # وعنه في شأن العهد القديم أيضا لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان - ~~فإذا قال جديدا فقد عتق الأول، وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " ~~عب 8: 7 - 13 "، وهذا الكلام إذا أغمضنا النظر عن منافاته لما في العهدين، ~~وخصوص الكلام المنسوب للمزامير وملاخي والمسيح فإنه مناف ومناقض لخصوص ما ~~عن بولس نفسه من قوله كل الكتاب موحي به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ ~~للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملا متأهبا لكل عمل " ~~3 تي 3: 16 و 17 ". # وقد طال الكلام في هذه المقدمة فاقتصرنا على ما ذكرنا لئلا يخرج الكتاب ~~عن وضعه وإن كان للمزيد مجال واسع. PageV01P067 # المقدمة السادسة قد وجدنا العمدة لمباحثي المسلمين من النصارى هو ~~الاحتجاج عليهم بما في كتب العهدين، وكأن هؤلاء المباحثين لم يفطنوا إلى ~~أنه لا حجة لهم بها على المسلمين لوجوه: # " الوجه الأول " أنه من المتعذر إيصال السند في كل واحد من هذه الكتب إلى ~~الأنبياء معادن الوحي والإلهام على سبيل التواتر المفيد لليقين في كل طبقات ~~النقل، فاستوضح بعض ذلك من المقدمة ms028 السابقة، وغاية ما عندهم هو الاعتماد ~~على حكم المجامع المتقلب في تمييز الكتاب الإلهامي من المكذوب، والاستشهاد ~~بمطابقة كلام القدماء، كما ستعرف ذلك من أشتات كلام المتكلف. # " الوجه الثاني " أنه لا يتمكن معرفة رسالة الأنبياء السابقين وتعيين ~~كتبهم الصادرة عن الوحي معرفة يقينية إلا بسبب إخبار رسول الله خاتم ~~المرسلين، والقرآن الذي هو كلام الله بواسطة دلالة العقل على صدق رسول الله ~~بدعواه الرسالة، وإن القرآن الكريم هو كلام الله العظيم، فلو شككنا والعياذ ~~بالله بالرسول والقرآن كما يريدون لم تبق لنا معرفة بنبي مرسل ولا اسم كتاب ~~إلهامي فإن كتب العهدين بنفسها ووجوه مضامينها هي التي تصد عن الإذعان ~~باتصال سندها وصحة تواترها وصدورها عن الوحي والإلهام، وتمنع عن التصديق ~~بنبوة PageV01P068 # أنبيائها والوثوق بنقل دلائل نبوتهم لو صححت نسبتها إليهم، كم ستعرفه إن ~~شاء الله من متفرقات كتابنا، وخصوص ما يأتي إن شاء الله في بيان أنموذج ~~النظر، بل قلما يمر بك فصل إلا ويدلك إن شاء الله بأوضح دلالة على ما ~~ذكرنا. # وأيضا إن القرآن الكريم والعقل السليم يدلان بأوضح دلالة على أن في هذه ~~الكتب شيئا كثيرا ليس من الالهام والوحي أصلا لمخالفتها لهما في أمور كثيرة ~~مخالفة لا تقبل التأويل، كما ستسمع تفصيل بعضه في محاله إن شاء الله، وبذلك ~~يسقط اعتبار مجموعها لو صحت نسبة المجموع إلى الوحي في الجملة. # " الوجه الثالث " شهادة بعضها على بعض بالتحريف صريحا، وإن حامى بعض ~~النصارى عن ذلك وكتبوا في كتبهم قولهم متى حرفت ولماذا حرفت؟ ومن حرفها؟ ~~ولأي غرض حرفها؟ # فمن جملة الشهادات ما في الثالث والعشرين من ارميا في خطاب الشعب 36، أما ~~وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام ~~الإله الحي رب الجنود الهنا، هكذا ما اطلعنا عليه من التراجم العربية ونصه ~~في النسخة العبرانية. ومساء يهوه. لا تزكروا. عودكي. همسا يهوه. لأيش. ووحى ~~الله لا تذكروا بعد لأن وحي الله لرجل ديبارو وهفخيتيم ايت. # كلامه وحرفتم. # دبرى ايلوهيم ms029 حييم يهوه صيباؤت ايلوهينو كلام الإله الحي رب الجنود ~~إلهنا. # وإن في ملاحظة ما ذكرناه من الأصل العبراني هاهنا والتراجم العربية ~~لشهادة أيضا على وقوع التحريف، وفي ثامن ارميا أيضا (8) كيف تقولون نحن ~~حكماء وشريعة الرب معنا حقا أنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب، ونصه ~~في النسخة العبرانية. # ايخاه توميروا حاخاميم انحنو وتوراة يهوه اتانوا أكم هنيه لشيقير كيف ~~PageV01P069 # تقولون حكماء نحن وشريعة الرب معنا لكن هوذا للكذب عاساه عيط شيقير ~~سوفيريم. # صنعها قلم كذب الكتبة. # وفي التاسع والعشرين من أشعيا (16) يا لتحريفكم، ونصه في الأصل العبراني ~~هافخيخيم. # وفي الثالث من رسالة بطرس الثانية 16 كما في الرسائل كلها أيضا متكلما ~~فيها عن هذه التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين ~~كباقي الكتب أيضا لهلاك أنفسهم، وفيه شهادة بتحريف المعلمين للرسائل كما ~~حرفوا سائر الكتب. # ولا تظن أن هؤلاء المحرفين من الوثنيين لا اعتناء لهم بهذه الكتب ولا غرض ~~لهم بتحريفها، بل إنما هم المعلمون من اليهود، والمنتصرين الذين يريدون ~~بضلالهم أن يشوهوا تعليم الكتب فيحرفونها حسب أهوائهم. # وفي أول غلاطية (6) إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم ~~بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر (7) ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ~~ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح. # وفي آخر رؤيا يوحنا 18 و 19 قد شدد في الدعاء على من يزيد في نبوة كتابه ~~أو ينقص منها. # وفي فحوى كلامه شهادة بأن للتحريف حسب الهوى حينئذ طغيان مخوف. # " الوجه الرابع " شهادة بعض كتب العهدين على البعض الآخر بالتحريف ضمنا ~~وإشارة، وهو أن التوراة في ثامن عشر التثنية من العشرين إلى الثانية ~~والعشرين قد أعطت علامة لما ليس من كلام الله وما هو كذب على الله والوحي ~~وأن في العهدين لكثير من هذا القبيل الذي يعرف بهذه العلامة أنه ليس من ~~كلام الله ولا من الوحي والإلهام في شئ، كما ستسمع بعضه إن شاء الله ~~PageV01P070 # في المقدمة الثامنة في الفصل الرابع. # " الوجه الخامس " هو أنه يوجد ms030 من نتائج الجميع بين مضامين العهدين موانع ~~كثيرة من نبوة المسيح ورسالته وقداسته، بل يلزم منهما شرك موسى وهارون ~~وداود وأساف وسليمان والمسيح، وكفر ارميا واستحقاق هؤلاء للقتل، كما سيمر ~~عليك في محاله إن شاء الله، وأنهم لمقدسون عن مثل ذلك وكل ما يشين. # " الوجه السادس " إنا قد وجدنا التبديل الصريح والتصرف الواضح في العهدين ~~في التراجم والمطابع وهو لا يعدو القسيسين ورؤساء الدين، فمن جملة ذلك أن ~~في النسخة العبرانية في الثامنة من رابع التكوين ما تعريبه الحرفي وقال ~~قايين لهابيل أخيه ولما صارا في الحقل قام قايين على هابيل أخيه فقتله. # وكثير من المترجمين لما رأى أن جملة وقال قايين لهابيل أخيه: جملة فارغة ~~عن المعنى ناقصة الفائدة لأجل احتياج القول إلى المقول ترجموها في مطابعهم ~~هكذا. # وكلم قايين هابيل أخاه فبدلوا القول بالتكلم لأجل ما يترائى في التكليم ~~من الفائدة وجروا على هذا التبديل في أكثر ما رأينا من التراجم الفارسية ~~وغيرها مع إن الأصل العبراني هكذا: # ويأمر فأين ال هبل احيو وقال قايين لهابيل أخيه ولو كان الأصل وكلم لقيل ~~" ويدبر ". وبعضهم كصاحب الترجمة المطبوعة سنة 1811 م لما رأى التباين ~~الكلي في اللغة العبرانية بين لفظ ما تعريبه " وقال ": ولفظ ما تعريبه " ~~وكلم " حاول أن يتستر في تصرفه فذكر هكذا وقاول قايين هابيل أخاه. # وبعضهم لما وجد النسخة السامرية واليونانية تامة الكلام والفائدة لا سقط ~~فيها كما في العبرانية جعل ترجمة للعبرانية على طبقهما تصرفا وتقولا على ~~العبرانية فذكر في الترجمة وقال قاين لهابيل أخيه تعال نخرج إلى الحقل. ~~نقله في إظهار الحق عن التراجم القديمة والعربية المطبوعة سنة 1831 و 1848 ~~م بعضهم زاد PageV01P071 # في الترجمة من تلقاء نفسه تتميما للمعنى منهم تومارابنسن القسيس في ~~ترجمته للعبرانية بالفارسية المطبوعة في لندن بمطبعة رجارد واطس سنة 1829 م ~~فقال (وقايين هابيل برادر خود را گفت كه بيا) فزاد من نفسه لفظ كه بيا، ~~ويلزم مما ذكرنا حدوث النقصان المخل في العبرانية وإقدام مترجميها على ~~التبديل ms031 أو الزيادة لأجل تصحيحها فزادوا في الطنبور نغمة، وأيضا في الأصل ~~العبراني في الثالثة عشرة من ثاني عاموس ما نصه عن قول الله: # هنيه انوخي ما عيق تحخيم كاشير تاعيق: # ها هو أنا صار أواصر أو مضايق أو نحو ذلك تحتكم كما أو كالذي تصر أو نحو ~~ذلك هاعغالاه حملا أه لاه عامير. # العجلة الملآنة حزما أو حشيشا. # وفي العربية المطبوعة سنة 1811 لأجل هذا ها أنا أتمرغ تحتكم كما تتمرغ ~~العجلة المملوءة قصبا. # ونقل في إظهار الحق عن ترجمة عربية مطبوعة سنة 1844 م موافقة العبرانية ~~في مضمونها بما لفظها أنا ذا أصر تحتكم كما تصر العجلة المحملة حشيشا. وعن ~~نسخة فارسية أيضا مطبوعة سنة 1838 م (اينك من در زير شما چسبيده شدم چنانچه ~~آرابه برازاقد چسبيده ميشود). # ولما رأى كثير من المترجمين أن حقيقة مضمون هذا الكلام ومجازه بمكان من ~~السخافة بدلوه في أكثر ما رأيناه من التراجم العربية إلى ما لفظه، ها أنا ~~ذا أضغط ما تحتكم كما تضغط العجلة الملآنة حزما، ونحوها ما رأيناه من ~~التراجم الفارسية. # وأيضا قد زادوا على ترجمة العبرانية واليونانية ألفاظا اعترفوا بأنها ليس ~~لها وجود في الأصل العبراني واليوناني، وزعموا أنهم زادوها في الترجمة لأجل ~~الإيضاح، ورسموها بحرف صغير في بعض النسخ العربية المبنية على التأنق في ~~طبعها مع أن الكلمات الكثيرة من ذلك بحيث يعسر إحصاؤها في هذه المقدمة كثرة ~~لتأبى أن تكون أيضا حابل هي إتمام لمعنى ناقص أو زيادة على معنى تام ~~PageV01P072 # فراجع الكلمات المذكورة في أولى النسخ التي عددناها، وراجع الأصل ~~العبراني واليوناني. # ولنكتف في هذه المقدمة على هذا المقدار وإن كان قليلا من كثير ونحيل ~~بالزيادة على ذلك إلى محالها إن شاء الله وسوف نورد فيما يأتي بابا واسعا ~~إن شاء الله في هذه الشأن وندلك على سقوط المتكلف وغيره في تشبثاتهم ~~وتكلفاتهم، فإن وضع المقدمات لا يحتمل أكثر مما ذكرنا هاهنا وإن كان فيه ~~كفاية بتوفيق الله لذي الرشد. PageV01P073 # المقدمة السابعة لا يخفى على ms032 كل ذي رشد ومعرفة بطريق البحث والمباحثة، أن ~~مباحثة أهل الدين والاعتراض على جامعتهم وأصل دينهم إنما يحسن ولا يعيد ~~خبطا ومراوغة عن الحق إذا كان البرهان عليهم بالمقدمات المنتهية إلى بداية ~~العقل أو المسلمة عند عمومهم، وإذا كان الجدل والإلزام لهم بما يعلم أنه من ~~الدين الذي عكفوا عليه والقدر الجامع بينهم لا بما كان رأيا أو رواية يختص ~~به واحد أو آحاد من أهل ذلك الدين لا يفيد علما ولا يذعن عموم أهل الدين ~~بصحته، أو أنه من دينهم فإن تشبث خصمهم بمثل هذا في الاحتجاج على جامعتهم ~~كان ذلك منه حيادا عن الحق لضعف الحجة وضيق الخناق، ولأجل هذا لم أعتمد في ~~هذا الكتاب في البرهان إلا على ما هو حقه من المقدمات البديهية لدى العقل ~~والعقلاء، ولم أجادل عموم النصارى وألزمهم في جامعة دينهم والنصرانية التي ~~عندهم إلا بما تسالموا على إلهاميته وصدوره عن الوحي وهي كتب العهدين التي ~~ذكرنا أنهم متفقون في هذه القرون على نسبتها إلى الوحي والإلهام، وشرحنا ~~أسماءها في المقدمة الأولى. ولم أباحثهم خبطا بآراء آحاد مفسريهم وعلمائهم ~~أو آحاد تقاليدهم التي لا توجب في دينهم علما أو يأبى صحتها أغلبهم. # ولكن هلم الخطب في جملة من المباحثين لدين الإسلام وخصوص الثلاثة الذين ~~وعدناك بالتعرض لكلامهم في هذا الكتاب فإنهم قد دارت مباحثتهم للإسلام على ~~قطبين فاسدين في شرع البحث وأدب الكاتب. PageV01P074 # " أحدهما " اعتمادهم في البرهان لدعاويهم في قبال الإسلام على كتب ~~العهدين التي يدعون إلهاميتها وصدورها عن الوحي. # وقد عرفت في المقدمة السادسة وتعرف إن شاء الله ما يبطل ذلك. وأن تشبثهم ~~بها في قبال الإسلام والمسلمين مما لا يليق بالمباحث وإن لم يقصد ببحثه ~~تحقيق الحق. # " وثانيهما " أنهم تشبثوا في مقام الجدل لدين الإسلام وإلزام عموم ~~المسلمين في جامعة دينهم بآراء بعض مفسريهم وروايات آحادهم مما لا يقبله ~~عمومهم ولا يذعنون بصحته ولا يعتمدون عليه في جامعتهم الإسلامية، أو ترى ~~هؤلاء المباحثين لم يفطنوا أو لم يسمعوا بأنه عرض لروايات ms033 آحاد المسلمين ~~مثلما قد عرض للأناجيل وتعاليم النصرانية بعد المسيح من الاختلافات ~~والتشويش والاضطراب حتى تعددت الأناجيل واختلفت اختلافا واضحا وحتى تتابع ~~النداء من أعمال الرسل والرسائل المدرجة في العهد الجديد بأن بطرس ويهوذا ~~ويوحنا وبولس يستغيثون ويحذرون الأمة من التعاليم المتشبعة من المتنصرين، ~~كما ملأ سمعك في أواخر المقدمة السادسة، وستسمع له زيادة إن شاء الله على ~~أنه لم ينحصر الاختلاف في أخبار آحاد المسلمين بتعمد الكذب من بعض الوسائط ~~بل كان منه ما نشأ من عدم التثبت والتفهم في السماع، ومنه ما نشأ من خلل ~~التوهم والنسيان، ومنه ما كان لأجل اختفاء القرائن المتصلة والنقل بالمعنى، ~~ولأجل هذا ترى المسلمين لم يأخذوا بها جميعا على سبيل التسليم، ولم يطمسوا ~~الحقائق بالإعراض عنها رأسا، بل تصدوا من قديم الزمان إلى الوقت الحاضر ~~وصنفوا الكتب الكثيرة لمحض البحث والتنقيب في أحوال الرواة وجرحهم وتعديلهم ~~وضبطهم وحفظهم وحسن سماعهم وأمانتهم وسلامة عقيدتهم واتصال السند وانقطاعه، ~~كل ذلك ليميزوا منها المتواتر باللفظ أو بالمعنى فيكون لهم حجة في أصول ~~الدين وفروعه، والذي لا يبلغ التواتر بحثوا فيه عن سند الرواية وشهرتها ~~وقبول أساطين العلم لها وعدم اضطرابها أو مخالفتها للعقل أو الكتاب أو ~~السنة ليعتمدوا في فروع الدين وأحكامه على ما اطمأنوا بصحته وصدوره على ~~وجهه منها وما وجدوه مضطربا أو مخالفا للعقل أو PageV01P075 # الكتاب أو السنة ضربوا به الجدار في مقام العمل، نعم لأجل اختلاف آرائهم ~~في جهات الاطمئنان والوثوق على طبق القانون المذكور اختلفت فتاوى أئمتهم إذ ~~قد يثق أحدهم بما لا يثق به الآخر، فقد جرى دأب كل منهم على ما ينبغي ~~للباحث الطالب للحق بجده واجتهاده من عدم التقليد لغيره في بيان الصحيح ~~المطمئن الموثوق به ولو فرض أنه قررته عدة من المجامع بل كل منهم يبحث في ~~هذا الشأن بحسب القواعد الممهدة له ليتميز بنظره واجتهاده ما هو الصحيح ~~الموثوق به ولأجل مراعاتهم للقوانين المذكورة ترى المقبول المعمول عليه من ~~أخبار الآحاد أقل قليل، وأيضا قد جعلوا ms034 من الوجوه التي يعرف بها تخليط ~~الرواي وفساد عقيدته ما يجدونه في روايته من مخالفة العقل أو الوجدان أو ~~الأمور المعلومة أو الكتاب أو السنة. # وأما أقوال المفسرين فمنها ما هو رأي لهم أو مؤدي أخذهم من السير ~~والتواريخ التي لا تفيد علما، وهذا لا حجة فيه على الجامعة الإسلامية ولا ~~جدل أصلا كما بينا. ومنها ما كان رواية، فالاحتجاج أو الجدل بها في أصول ~~الدين وفروعه إنما يحسن ولا يعد خبطا ومرواغة إذ كان على القانون المتقدم ~~ذكره في الرواية. PageV01P076 # المقدمة الثامنة في محل البحث من الرسالة والنبوة، وفيها بابان وفيهما ~~فصول: # الباب الأول الفصل الأول منه في بيان حقيقة الرسول النبي المرسل هو إنسان ~~كامل يرسله الله إلى البشر ليكلمهم ويهديهم إلى الصواب ويرشدهم إلى ما ~~يحتاجون إليه في معرفة الله وطاعته والاحتراز عن معصيته ويحملهم على ما فيه ~~حفظ كمالاتهم ومصالحهم الشخصية والنوعية في الدين والدنيا ويزجرهم عما ~~يضرهم فيهما. # الفصل الثاني في الغاية المطلوبة من إرساله لا ينبغي أن يشك ذو رشد بأن ~~ما ذكرناه هو الغاية المطلوبة من إرسال الله للنبي. وتقريره بالبيان الواضح ~~هو أن إرسال الله للنبي في دعوته رحمة من الله ولطف من ألطافه بمن يدعوهم ~~النبي ليقربهم إلى طاعة الله ويبعدهم عن معصيته وينبههم من رقدة الغفلة ~~وينقذهم من سورة الهوى والضلال ويحملهم على جادة الهدى ودين الحق وقوانين ~~العدل وحسن التمدن والاجتماع وآداب السياسة لينالوا سعادة الدارين. ~~PageV01P077 # الفصل الثالث في عصمته وأول ما يلزم في تحصيل هذه الغاية الشريفة والغرض ~~الحميد وحصول هذا اللطف والرحمة أمران: # " أحدهما " كون الرسول معصوما في التبليغ غير متهم فيه، مع فرض رسالته. # " وثانيهما " كونه معصوما عن الذنوب وارتكاب القبائح التي هي ضد لما يدعو ~~إليه من شريعة الهدى والصلاح. # " أما الأمر الأول " فقد اتفق عليه أهل الملل القائلون بالنبوة والرسالة ~~لوجه أوضحته لهم بداهة عقولهم، وليس حقيقته إلا تحصيل الغرض من الرسالة ~~وقبح نقضه بإرسال الكاذب والمخطئ في التبليغ. # " وأما الأمر الثاني " فحقيقة وجهه ms035 وحجته عين الوجه الأول وحجته وأن خالف ~~فيه اليهود والنصارى فإنه يقبح ويمتنع من الله القادر القدوس الغني العليم ~~الحكيم أن يجعل رحمته ولطفه في طريق يمنع عن فائدتهما ويصد عن منفعتهما، مع ~~إمكان أن يجعلهما في طريق لا يمنع عن حصول الغرض والفائدة ولا مفسدة فيه، ~~بل هو الناجح في تحصيل الغرض، ولبيان ذلك وجوه: # " الأول " إن إرسال النبي الذي يصدر منه الذنب والقبيح، ومخالفة ~~PageV01P078 # شريعة الحق ناقض للغرض المطلوب من إرساله، ونقض الغرض قبيح ببداهة العقل ~~ومنقصة فاضحة فهو ممتنع على الله، فإن الوجدان ليشهد بأن نفوس البشر ~~المحتاجة إلى الاستصلاح والترويض والإرشاد والتقريب إلى الله وشريعة الحق ~~لتنفر نفرة شديدة عن الانقياد إلى من يدعوها إلى الله والشريعة ويعظها ~~ويوبخها ويزجرها عن شهواتها إذا كان ممن يخالف الله والشريعة ويتمرد على ~~أحكامها وينقاد إلى شهواته وهواه مع إدعائه المعرفة والرئاسة الدينية، فلا ~~تصغى إلى إرشاده ولا تعتني به، فانظر بوجدانك إلى المذنب العاصي إذ جاءك ~~واعظا ومرشدا مؤدبا زاجرا لك عن اتباع هواك، فهل ينتج من إرشاده ووعظه ~~وزجره إلا أن يستهزء به ويقال له: كمل نفسك واصلحها وارشدها ثم التفت إلى ~~تكميل غيرك وإرشاده، وحينئذ ادع عليه الرئاسة وفضيلة الإرشاد وسيطرة الزجر ~~والتوبيخ. بل نقول: إن صدور الذنب والقبيح من الرسول الذي هو الرأس والرئيس ~~والقدوة في الدين، مؤيد ومحرك لدواعي سائر البشر إلى الإقدام على الذنوب ~~والتهاون بالشريعة لشهادة الوجدان بأن رئيس الدين إذا أذنب هان على الناس ~~اتباعه في الاقتحام في الذنوب، وتحركت شهواتهم وأهواؤهم إليها وقد لهج ~~الناس بقولهم الموافق للحكمة والتجربة " إذا فسد العالم فسد العالم "، وعلى ~~ذلك يلزم من صدور الذنب والقبيح ومخالفة الشريعة من الرسول حصول الفساد من ~~الجهة التي أراد الله برحمته ولطفه منها الصلاح، وحقيقة هذا ومعناه أن يريد ~~الله الصلاح لأجل رحمته ولطفه بعباده من الجهة التي هي أشد وادعى في انتشار ~~الفساد، وهل يرتاب عاقل في قبح ذلك وامتناعه على الله جل شأنه. # وانظر إلى الملوك ms036 فهل تراهم يرسلون إلى إصلاح رعاياهم المتمردة على شريعة ~~المملكة إلا من يطمئنون بعدم مخالفته لتلك الشريعة وقوانين الإصلاح مهما ~~أمكنهم لئلا تفسد الرعية بفساده، ولو وجدوا إلى المعصوم سبيلا لما عدلوا ~~عنه، وذلك لعين ما ذكرنا من قبح نقض الغرض، فهل ترى الملوك أنظر لصلاح ~~رعاياهم من الله لعباده. # " الوجه الثاني " إن إرسال الله للرسول المعصوم ممكن وحاجة الخلق في ~~الاهتداء إلى الحق وظهور الصلاح والانقياد إلى الرسول وعدم التنفر عنه ~~داعية PageV01P079 # إلى ذلك وهو مصلحة بلا مفسدة بل المفسدة بخلافه فيجب بمقتضى الحكمة ~~والرحمة واللطف فيمتنع إرسال غير المعصوم، أفيقال أن وجود المعصوم غير ~~ممكن؟ أو أن الله لا يعلم به؟ أو أن لا مصلحة في إرسال المعصوم؟ وأن في ~~إرساله مفسدة؟ أو أنه يجوز على الله القدوس الغني العليم الحكيم الاخلال ~~بالحكمة والعدول عبثا عما فيه الصلاح وحصول الغرض إلى ضده حاشا وكلا؟. # " الوجه الثالث " دلالة الكتب المنسوبة بين المليين إلى الوحي والإلهام ~~بنحو يشير بمضمونه أو فحواه إلى ما ذكرنا من وجه دلالة العقل قال الله ~~تعالى في سورة البقرة 118 (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) وفاعل القبيح ~~ظالم إذ لا أقل من كونه ظالما لنفسه بإلقائها في تهلكة العقاب ورذيلة فعل ~~القبيح، قال الله تعالى في سورة فاطر 29: (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق في الخيرات). # وفي سابع عشر التكوين " 1 " ظهر الله لابرام وقال له: أنا القدير سر ~~أمامي وكن كاملا فاجعل عهدي بيني وبينك فإن جعل الله للعهدين بينه وبين ~~إبراهيم متوقف على سير إبراهيم أمام الله، وكونه كاملا، وفي المزمور الخامس ~~والعشرين " 14 " سر الرب لخائفيه. # وفي الثالث من الأمثال " 32 " لأن الملتوي رجس عند الرب، أما سره فعند ~~المستقيمين. وفي الحادي عشر " 20 " كراهة الرب ملتووا القلب ورضاه مستقيموا ~~الطريق. وفي الخامس عشر أيضا " 29 " الرب بعيد عن الأشرار، وفي ثالث رسالة ~~بطرس الأولى " 22 " لأن ms037 عيني الرب على الأبرار وأذنيه إلى طلبتهم، ولكن وجه ~~الرب ضد فاعلي الشر. وفي خامس متى عن قول المسيح لتلاميذه " 13 " أنتم ملح ~~الأرض ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح لا يصلح بعد لشئ إلا لأن يطرح خارجا ~~ويداس من الناس. وفي رابع عشر لوقا " 34 " ما يؤدي هذا المضمون، وفي سادس ~~متى " 24 " لا يقدر أحد أن يخدم سيدين لأنه إما أن PageV01P080 # يبغض الواحد ويجب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر لا تقدرون أن ~~تخدموا الله والمال ومثله في سادس عشر لوقا " 13 ". وعلى هذا كيف إذا يقدر ~~على خدمة الله ومعاناة المشاق في إرشاد خلقه وإصلاحهم من لا رادع له عن ~~خدمة الهوى والشهوات التي هي في الحقيقة خدمة الشيطان. وفي سادس عشر لوقا " ~~10 " الأمين في القليل أمين أيضا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضا ~~في الكثير. # وقد تكرر نقل هذا المضمون عن المسيح بلطيف البيان والتقريب في الخامس ~~والعشرين من متى " 14 - 30 ". وتاسع عشر لوقا " 12 - 27 " وفي ثامن يوحنا ~~في شأن إبليس " 44 " لأنه كذاب وأبو الكذاب. وفي ثامن عشر متى " 1 - 5 " ~~وثاني مرقس " 23 - 26 " وسادس لوقا " 1 - 4 " إن المسيح لما اعترض عليه ~~اليهود بأكل تلاميذه في يوم السبت من الزرع وأنه لا يجوز فعل مثله في ~~السبت، احتج عليهم بأكل داود من خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة فلو لم ~~يكن النبي معصوما، وأن داود برئ مما رمى به في شأن امرأة أوريا لما صح من ~~المسيح الاحتجاج بفعله ولكان يحاذر أن يجيبه اليهود بأن داود أذنب وفعل ~~الخطيئة في أكله من خبز التقدمة كما أخطأ في شأن امرأة أوريا وفعل ذلك ~~القبيح الشنيع. PageV01P081 # الفصل الرابع في ذكر الاعتراضات على هذا المقام وأجوبتها في تحقيق الحق ~~وكشف الالتباس فإن قيل: إن كتب المليين المنسوبة إلى الوحي والإلهام لصريحة ~~في صدور المعصية والذنوب والقبائح من الأنبياء المرسلين. # قلنا: وهل بعد دلالة العقل وما ذكرناه عن الكتب المنسوبة إلى الإلهام ms038 ~~والوحي تجد مجالا للريب، فإنا إن لم نتمسك بهدى العقل فبماذا نعرف أن ~~الكتاب كتاب وحي جاء به النبي المرسل من عند الله، ولماذا نتغافل عما ذكرنا ~~عن الكتب من وضوح الدلالة على عصمة النبي مما يؤكد ببيانه الجلي حكم العقل ~~البديهي. # فإن قيل: فماذا نصنع بما أشرنا إليه مما يدل صريحا على صدور المعصية ~~والذنب من الأنبياء المرسلين. # " قلنا ": أما ما أمكن حمله على المعصية المجازية التي هي عبارة عن ~~ارتكاب خلاف الأولى ومخالفة الأمر الاستحبابي والارشادي، أو النهي التنزيهي ~~أو الارشادي فيجب حمله على ذلك لأجل قرينة العقل والنقل وحكمهما بالعصمة ~~كما يحمل ما جاء في الكتب المذكورة من نسبة الوجه والعين والأذن والأنف ~~واليد والرجل والقدم وباطن القدمين والضحك والركوب والطيران لله جل شأنه ~~على معان مجازية مناسبة لأجل حكم العقل بتنزهه تعالى شأنه عن الجسم، وأما ~~ما لا يمكن حمله على ما ذكرنا فإن العقل الذي هو دليلنا على معرفة الله ~~والنبي والوحي PageV01P082 # يدلنا على أن ذلك أجنبي عن الوحي والإلهام وإنما هو من فلتات الأقلام. # فإن قيل: إن أهل الكتاب يدعون أنه لا ريب في الإلهامية كتبهم المصرحة ~~بصدور الذنوب والمعاصي العظيمة من الأنبياء فهم لأجل ذلك يتأولون ما دل على ~~لزوم عصمة النبي من كتب الالهام ويمنعون ما اعتمدتم عليه في العصمة من ~~دلالة العقل. # قلنا: أولا قد طرق سمعك وسيتواتر عليك إن شاء الله من بيان هذا المختصر ~~ما يمنحك اليقين بأن الكثير من كتبهم أجنبي عن الوحي والإلهام فلا يوثق بشئ ~~منها في كونه إلهاميا، فضلا عن مصادمته للعقل والنقل في هذا المقام. # " وثانيا " إن ما اعتمدنا عليه من دلالة العقل قد بلغ من البداهة إلى حد ~~تلجئهم فيه الفطرة إلى الاعتماد عليه فينطلق به لسانهم أحيانا من قيود ~~العصبية، فإن المتكلف وهو أقل من عرفناه إنصافا وأشد عصبية قد قال: (يه 3 ج ~~ص 72) إن الأنبياء هم أناس أرسلهم المولى سبحانه وتعالى إلى شعبه لإرشادهم ~~إلى الحق اليقين وهدايتهم إلى الصراط ms039 المستقيم فكانوا حصنا منيعا من الحاد ~~الملوك والأمراء وواقيا لشر الفجار، وكانوا قدوة حسنة للصغير والكبير ~~والخطير والحقير. # وهذا اعتراف منه بمقتضى الجاء الفطرة بالغاية المطلوبة من إرسال ~~الأنبياء. # وقال أيضا ص 73: ويلزم أن يكون النبي تقيا خائفا لله سليم الفطرة والفكرة ~~ليستأمنه المولى على أقواله وليوحي إليه إرادته ومشيئته ويأمره بأن يبلغها ~~للورى فيسمع طائعا. # وهذا اعتراف منه بلزوم عصمة الأنبياء خصوصا عن مثل ما نسبته إليهم كتب ~~العهدين من فواضح القبائح كما سيمجه سمعك إن شاء الله في الفصول الآتية في ~~الباب الثاني من هذه المقدمة. # وأيضا قد تكرر من المتكلف في أجزاء كتابه تبعا لأمثاله سئ الطعن ~~PageV01P083 # بقدس رسول الله خاتم المرسلين صلوات الله عليه بنسبة المعصية والذنب له ~~لأجل أن يتشبثوا بوهم ذلك لنفي رسالته صلوات الله عليه، وعدم صلاحيته لها، ~~مع أن ما نسبوه له لو تساهل معهم الامتناع في فرضه لم يبلغ مبلغ ما نسبته ~~كتبهم لموسى وهارون وداود وسليمان وارميا والمسيح قدست أسرارهم. # دع اعتراف المتكلف وأمثاله فإني قد أوضحت الحجة على العصمة بفضل الله ~~لأهل هذه الأدوار السعيدة الذين حرروا أذهانهم من عبودية العصبية والتقليد، ~~وجعلوا قول الحق ضالتهم التي يطلبونها هداهم الله إلى الحق وأخذ بأيديهم في ~~مزال الأقدام. # وقد قال الله تعالى شأنه في سورة العنكبوت 69 (والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا). # وثالثا: إن أهل الكتاب قد اتفقوا على الاعتراف والتسليم بلزوم عصمة ~~الأنبياء في التبليغ، وحجتهم في ذلك ليست إلا نحو ما ذكرنا من دليل العقل ~~في رعاية الغاية المطلوبة من الرسالة وماذا تراهم يصنعون في ما ورد في ~~كتبهم التي ينسبونها إلى الوحي والإلهام من نسبة بعض الأنبياء إلى الكذب في ~~تبليغ الوحي على وجه الصراحة التي لا يحوم حولها مقبول التأويل، أتراهم ~~يعدلون عن دليل العقل ويقولون بكذب النبي في التبليغ تعبدا بما في كتبهم أم ~~يعترفون بأن ما ينادي بصراحته بكذب الأنبياء في التبليغ ليس من الوحي ~~والإلهام بل هو مدسوس فيه، ولئن غفلوا عن ذلك ms040 أو تغافلوا أو حاولوا الاغفال ~~فإن رقيب الحق لا بد أن يحصيه عليهم. # فقد ذكر في الثالث عشر من الملوك الأول " 11 - 30 " أن الشيخ النبي ~~الساكن في بيت ايل الموصوف " 20 - 22 " بأنه كان إليه كلام الرب للتبليغ قد ~~كذب على شمعيا رجل الله بدعوى الوحي وتكليم ملاك الرب له حتى حمله بكذبه ~~على الله وعليه، وخداعه بدعوى الوحي على مخالفة أمر الله وأوقعه في هلكة ~~النكال. # ومن الظرائف أن مترجم الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 م حاول أن ~~PageV01P084 # يجعل هذا النبي الساكن في بيت ايل من الكاذبين في أصل دعوى النبوة وأنه ~~لاحظ له في الوحي والنبوة الحقيقية لأجل أن يتخلص من الاعتراض عليهم بكذب ~~النبي الحقيقي في التبليغ فحرف الفقرة العشرين من ثالث عشر الملوك الأول ~~المذكورة وترجمها هكذا. # وبينما هما جالسان على المائدة يأكلان حتى وردت نبوة من عند الله إلى نبي ~~الله الذي رده النبي الكاذب. # مع أن مقتضى الأصل العبراني والكثير من التراجم العربية وغيرها هو أن ~~كلام الله الوارد في توبيخ رجل الله الذي جاء من يهوذا قد صار إلى الشيخ ~~النبي الساكن في بيت ايل الذي كذب على رجل الله. ونص الأصل العبراني هكذا: # ويهيهم. يشبيم. ال هشلحن. ويهيي. دبر. يهوه. ال. هنبئ. # وكانا جالسين إلى المائدة وكان كلام الله إلى النبي أشير. اشيبو ويقرأ. # ال أيش. هألوهيم. أشير باء ميهوده. لأمر الذي رده ودعا رجل إلا هنا الذي ~~جاء من يهوذا قائلا كه. أمر. يهوه يعن كي مريت في يهوه. # هكذا قال الله أداة تعليل أيضا عصيت فم أي قول وما في معناه الله. # إلى آخر التوبيخ لرجل الله وهو ينادي بأن هذا الوحي والنبوة قد كان إلى ~~النبي ساكن في بيت ايل فزاد هذا المترجم على الأصل العبراني لفظ يأكلان، ~~ولفظ النبي الكاذب وبدل المعنى إلى ما شاء. # هذا وأن أليشع الرسول الذي ذكرت له المعجزات الباهرات في ثاني الملوك ~~الثاني وما بعده إلى التاسع والثالث عشر قد ذكر عنه ms041 في الثامن من الملوك ~~الثاني " 7 - 11 " أن بنهدد ملك آرام إذ كان مريضا أرسل حزائيل ومعه حمل ~~أربعين جملا من كل خيرات دمشق هدية إلى أليشع النبي ليسأله حزائيل عن لسان ~~بنهدد فيخبره أليشع بواسطة الوحي هل يشفى من مرضه (10) فقال له أليشع: وقل ~~له شفاء تشفى وقد أراني الرب إنه موتا يموت. # وقال أشعيا في شأن بعض الأنبياء: أنهم ضلوا بالخمر وابتلعتهم وتاهوا ~~PageV01P085 # من المسكر حتى ضلوا بالرؤيا وقلقوا في القضاء " اش 28: 7 ". # ومن الواضح أن ضلال النبي في الرؤيا التي هي نبوته مستلزم للكذب في ~~التبليغ بل نقول: إن ضلال النبي في النبوة أولى بعدم الجواز من الكذب في ~~التبليغ، وأن قلقه في القضاء الذي هو عبارة عن تبليغ حكم الله للمتخاصمين ~~إنما هو الكذب والخطأ في التبليغ. # وأن حزقيال الرسول قد ذكر عنه في السادس والعشرين من حزقيال " 7 - 13 " ~~أنه ذكر عن قول السيد الرب أنه يجلب على صور نبوخذ راصر ملك بابل فيهدم ~~أبراجها ويقتل شعبها بالسيف، وينهبون ثروتها ويغنمون تجارتها ويهدون ~~أسوارها ويهدمون بيوتها البهيجة ويضعون حجارتها وخشبها وترابها في وسط ~~المياه. # وقد ذكر بعد هذا في التاسع والعشرين " 17 - 21 " عن كلام الرب ما يدل على ~~أنه لم يقع مقتضى الوعد السابق وأن نبوخذ راصر ملك بابل استخدم جيشه خدمة ~~شديدة على صور، ولم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور لأجل خدمته التي خدم بها ~~عليها، لذلك هكذا قال السيد الرب ها أنا أبذل له أرض مصر فيأخذ ثروتها ~~وينهب غنيمتها فتكون أجرة لجيشه بل أعطيته أرض مصر لأجل شغله الذي خدم. # " فإن قلت: " إن المتكلف قد ذكر يه 2 ج ص " 144 - 147 " عن التواريخ ما ~~يقتضي صدق النبوة الأولى والثانية. # قلت: قد رأينا اعتماده في ذلك على نقل الكتابيين مثل يوسيفوس وبريدو. ~~وجيروم. أن نبوخذ راصر استولى على صور كما في النبوة الأولى ولكن لو ~~سامحناه في صحة هذا النقل وما تكلفه في هذا المقام لكان فيما ذكره شهادة ms042 ~~صريحة كافية في كذب هذه النبوة المتضمنة لكون نبوخذ راصر وجيشه ينهبون ثروة ~~صور ويغنمون تجارتها " حز 26: 12 " فإنه اعترف لإصلاح النبوة الثانية " حز ~~29: 18 " بأن نبوخذ راصر لم يجن من صور فوائد تذكر وأن ثروتها نزفت من طول ~~الحصار. PageV01P086 # ونقل عن جيروم ما حاصله أن أهل صور لما رأوا طول الحصار نقلوا كل ما كان ~~ثمينا من ذهب وفضة وثياب وكل ما عند أشرافهم من الأمتعة الثمينة إلى ~~المراكب وذهبوا به إلى الجزائر، فلما فتحها نبوخذ راصر لم يجد فيها شيئا ~~يقوم مقام أتعابه، إنتهى انظر إلى " يه 2 ج ص 145 س 16 - ص 146 س 2 ". # فأين صار مع ذلك دعوى النبوة وتبليغ الرسول بأن نبوخذ راصر وجيشه ينهبون ~~ثروة صور ويغنمون تجارتها، وأين تكون التجارة المغتنمة مع حصار ثلاثة عشر ~~سنة، ونزوف الثروة ونقل الذهب والفضة والأمتعة الثمينة إلى الجزائر. # وحاصل ما عند المتكلف في هذا المقام هو أن الرسول لم يكذب في تبليغه بكل ~~ما قال في شأن صور، وإنما ظهر الكذب في أمرين لم يقعا وهما نهب ثروتها ~~وغنيمة تجارتها والكذب بهذين الأمرين سهل وإن كانا هما العمدة في هذا ~~المقام، فإن باقي النبوات ها هنا قد تمت بفضل الله على ما يقول يوسفيوس ~~وأمثاله. # وأن المسيح قد ذكر عنه في ثاني عشر متى " 38 " حينئذ أجاب قوم من الكتبة ~~والفريسيين قائلين: يا معلم نريد أن نرى منك آية " 39 " فأجاب وقال لهم: ~~جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي " 40 " لأنه ~~كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان ~~في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال انتهى. # وأن الأناجيل الأربعة لتكذب هذا الكلام في أمرين: # " الأول " ما عن قول المسيح جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية ~~يونان النبي فإنه يكذبه ما ذكره متى بعد ذلك من وقوع الآيات والمعجزات من ~~المسيح " مت 14: 4 - 36 و 15: 28 - 32 ms043 و 17: 1 - 6 و 14 - 19 و 20: 29 - 34 ~~و 21: 19 و 27: 45 و 51 - 55 " ونقل لوقا هذا الكلام عن المسيح أيضا " لو ~~11: 29 " وأنه ليكذبه بما ذكره بعد ذلك من وقوع الآيات والمعجزات " لو 13: ~~11 - 14 و 14: 2 - 5 و 17: 11 - 15 و 18: 35 - 43 و 22: 50 و 51 ". # وأيضا في ثامن مرقس 11 فخرج إليه الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين ~~PageV01P087 # منه آية من السماء لكي يجربوه 12 فتنهد بروحه وقال: لماذا يطلب هذا الجيل ~~آية الحق؟ أقول لكم لن يعطي هذا الجيل آية، وأنه ليكذبه بما ذكره بعد ذلك ~~من الآيات والمعجزات " مر 8: 13 - 20 و 22 - 26 و 9: 2 - 5 و 14 - 28 و 10: ~~46 - 52 و 11: 13 و 14 ". # ويكذبه أيضا ما ذكره يوحنا من إحيائه لعازر من الموت " يو 11 "، وقد كان ~~ذلك في أواخر أمر المسيح قريب الفصح الذي هجم به اليهود عليه " انظر يو 12 ~~و 13 ". # ويكذبه أيضا ما ذكر في أعمال الرسل أيضا من ظهور المعجزات والآيات من ~~الرسل لليهود " انظر أقلا إلى أوائل الثاني والثالث من الأعمال وخصوص ~~الثالثة والأربعين من الثاني ". # على كل حال لا ينفك القائلون بكون الأناجيل والأعمال كتب وحي وإلهام عن ~~لزوم كذب الرسول على الوحي لأنه كان الكلام المنسوب للمسيح صادقا لزم كذب ~~الرسل متى. ومرقس. ولوقا. ويوحنا. على الوحي فيما ذكروا وقوعه بعد ذلك من ~~الآيات وإن صدقوا في ذلك فالعكس. # الأمر الثاني: قوله هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ~~ليال فإنه يكذبه ما في آخريات الأناجيل الأربعة من أن المسيح أنزل عن ~~الصليب مساء يوم الجمعة عند استعداد اليهود للسبت ووضع في القبر والسبت ~~يلوح وقام من القبر حيا في صبح الأحد فلم يكن بقاؤه على هذا في قلب الأرض ~~إلا ليلتين ويوما تاما وجزئين قليلين من يومين " انظر مت 27: 57 - 63 و 28: ~~1 ومر 15: 42 و 16: 1 و 2 ولو 23: 53 و 54 و 24: 1 ويو 19: 31 و ms044 42 و 20: 1 ~~" فاختر أي الأمرين يكون كذبا في التبليغ أو نقول: إن الكذب من متى الرسول ~~بقوله ثلاث ليال أو يقال إنه زيادة وتحريف في إنجيله وليست من وحيه. # قلنا: كيف وإنجيله متواتر النقل بزعم النصارى ولم يوضع على هاتين ~~الكلمتين حتى الآن علامة اختلاف النسخ، ومن الظرائف أن المتكلف قد أطال ~~PageV01P088 # الكلام وجهد في التكلف " يه 2 ج ص 215 - 218 " فلم يقدر أن يتكلف إلا ~~بدعوى توجيه اسم الثلاثة أيام على اليوم التام هو يوم السبت، والجزئين ~~القليلين من اليومين المحيطين به وهما آخر يوم الجمعة وأول يوم الأحد ولكنه ~~لم يستطع ولن يستطيع هو ولا غيره أن يتشبث بحيلة لتدبير أمر الثلاث ليال ~~وإن صرف الكلام عنها إلى الثلاثة أيام مع أن الجزء الأخير من يوم الجمعة ~~والجزء الأول من يوم الأحد لا يصلح كل منهما لقلته المقاربة للعدم أن يعبر ~~عنه باليوم حتى يقال ثلاثة أيام " انظر لو 24: 1 ويو 20: 1 ". # وعن بولس الرسول العظيم عند النصارى في خامس عشر كورنتوش الأولى بعد ذكر ~~قيامة الأموات وبيان كيفيتها والبرهان على إمكان وقوعها ما لفظه " 51 " ذو ~~ذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكن كلنا نتغير، وعن النسخة اليونانية كلنا ~~لا نرقد " 52 " في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير فإنه سيبوق ويقام ~~الأموات عديمي فساد ونحن نتغير. # وعنه في رابع تسالونيكي الأولى " 15 " فإنا نقول لكم هذا بكلمة الرب إننا ~~نحن الأحياء الباقين إلى مجيئ الرب لا نسبق الراقدين " 16 " لأن الرب نفسه ~~يهتف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح ~~سيقومون أولا " 17 " ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السحب ~~لملاقاة الرب في الهواء، وهكذا نكون كل حين مع الرب. # وليت شعري أين هذا الوعد السري لأهل كورنتوش، وأين ما قيل بكلمة الرب ~~لأهل تسالونيكي أوليس قد رقدوا جميعا هم وبولس رقدة طحنهم فيها البلاء ~~وتداولت عليها القرون. # وقد أطال المتكلف " يه 2 ج ص ms045 226 - 230 " في محاولة التخلص من هذه الورطة ~~وكثر بالشواهد التي لا دخل لها بخياله، وخلاصة ما يتشبث به هو أن قول بولس. ~~نحن. ونرقد. ونرقد. وكلنا. ونتغير. وإننا. ونحوها مما هو للمتكلم لا يراد ~~منه إلا الأحياء الموجودين عند القيامة ولو بعد آلاف من السنين لا يكون ~~فيهم بولس المتكلم و الحاضرون من أهل كورنتوش وتسالونيكي فنقول له: أيجوز ~~أن يكون كلام الوحي وبيان الرسل وكشفهم للناس عن أسرار PageV01P089 # لملكوت والمعارف النظرية جاريا على غير مجرى كلام العقلاء في محاوراتهم ~~وعلى وجه يعد فيه غلطا في بيان المراد، فمن هم الذين عناهم بقوله لا نرقد ~~كلنا أو كلنا لا نرقد ولكن كلنا نتغير. # وكذا قوله: ونحن نتغير، أترى يصح في الكلام أن يكون المتكلم خارجا عن ~~الحكم في هذه الأخبار، ويصح للمتكلم أن يقول: نحن الأحياء الباقين إلى مجيئ ~~الرب وهو والحاضرون ليس منهم. # وأما الاستشهاد المتكلف " يه 2 ج ص 227 س 10 " بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقولهم نحن العرب نكرم الضيف فإنما ~~هو خلط وتشبث واه. # أفلا ترى أنه لا يصح في الكلام لمن لا يصف نفسه بالنبوة أن يقول نحن ~~معاشر الأنبياء، وكذا لا يصح للعجمي أن يقول: نحن معاشر العرب، ولنفرض ~~المثال على نهج المثل لا فنفرض الحكم بعدم التوريث من الآثار الخاصة ~~بالمتصف بالنبوة عند موته وفي أوان ثبوت الحكم، ولا يثبت لمن كان في أوان ~~الحكم منسلخا عن وصف النبوة، كما أن عدم سبق الراقدين والاختطاف في السحب ~~من الآثار الخاصة بمن كان حيا حين القيامة ولا يثبت لمن كان في أوان ~~القيامة منسلخا عن ذلك. # وعلى هذا فهل يصح أن يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث إلا من يريد إدخال ~~نفسه في موضوع الحكم وهم الأنبياء المتصفين بالنبوة في أوان الموت وتعلق ~~الحكم دون من يفرض انسلاخه عن وصف النبوة في أوان تعلق الحكم وقبله بمدة. # وأما قولهم نحن معاشر العرب نكرم الضيف، فمن المعلوم أنها قضية ms046 نوعية ~~غالبية لشهادة الوجدان بأن منهم من لا يكرم الضيف فلا تقاس عليها كلمات ~~بولس التي هي قضايا كلية لاستيعاب الأفراد. # ومع ذلك لا يصح، بل يقبح ويستهجن من العربي البخيل الذي لا يكرم الضيف. ~~PageV01P090 # قوله نحن معاشر العرب نكرم الضيف ولقد ألجأنا إلى هذا التعمق بيان الخلط ~~في الأمثلة وإعطاء بعض القارئين حقهم من اكتشاف الحقائق بالتحقيق، وحيث ~~اتضح لك الخلف في هذه المواعيد المنقولة عن حزقيال والمسيح وبولس كان ذلك ~~من الكذب في التبليغ عن الله بحكم التوراة، ففي الثامن عشر من التثنية " 20 ~~". وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي ~~يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي " أي يقتل " " 21 ". # وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب " 22 " فما تكلم ~~به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل ~~يطغيان تكلم به النبي انتهى. # ولو خلع الناس العذار بالتأويل بمثل ما تكلفه المتكلف في مثل هذه ~~المقامات لما عرف كذب خبر من الأخبار ولبطلت علامة التوراة على كذب مدعي ~~النبوة على الله في التبليغ وكانت لغوا فإنه يمكن للسان المتغلب على الجنان ~~والوجدان أن يتلاعب في كل كلام بمثل هذه التأويلات. # وإذا وعيت ما ذكرنا فماذا ترى أهل الكتاب يقولون أفتراهم يرجعون عما ~~سلموه من دليل العقل على عصمة النبي في التبليغ ويقولون: إن النبي الساكن ~~في بيت ايل. واليشع. وحزقيال. والمسيح. وبولس ومتى ومرقس. ولوقا. # ويوحنا، رسل حق، ولا يضر في ذلك وقوع الكذب منهم في التبليغ، أم يقولون: ~~إن هذا الذي نسب في العهدين إلى هؤلاء مما يلزم منه الكذب في التبليغ عن ~~الله مكذوب عليهم مدسوس في الكتب الإلهامية. PageV01P091 # الباب الثاني من المقدمة الثامنة في تحقيق الحال في نسبة المعاصي والذنوب ~~إلى الأنبياء في الكتب المنسوبة إلى الالهام وما ينبغي أن يقال في ذلك، وفي ~~هذا الباب أيضا فصول: PageV01P092 # الفصل الأول في ذكر آدم وما ms047 يقال في شأنه أما نبوته ففي القرآن الكريم ~~بقوله تعالى في سورة آل عمران " 31 " (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ~~وآل عمران على العالمين). # وأما ما جاء في شأنه فقد قال الله تعالى له كما في سورة البقرة " 33 " ~~(يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين) " 34 " فأزلهما الشيطان عنها. # وفي سورة طه 119 (وعصى آدم ربه فغوى). # فنقول: إن النهي قد يكون مولويا تحريميا يستحق مخالفة الذم والعقاب على ~~مخالفة مولاه التي هي المعصية القبيحة، وقد يكون مولويا على وجه الكراهة ~~والتنزيه مرخصا في مخالفته التي تسمى أيضا معصية إما مجازا وإما لأن اسم ~~المعصية أعم منها ومن مخالفة النهي التحريمي القبيحة. # وقد يكون إرشاديا كنواهي الطبيب للمريض التي لا يترتب على مخالفتها إلا ~~الوقوع في المشقة التي أرشد إلى التجنب عنها بالنهي، ولا يترتب على هذا ~~النهي من حيث مخالفة المولى ذم. ولا عقاب. ولا لوم. ولا قبح وإنما اللوم ~~على إلقاء النفس في المشقة التي أرشد بالنهي إلى اجتنابها، وتسمى هذه ~~المخالفة أيضا معصية إما مجازا وإما لأن اسم المعصية أعم منها ومن القسمين ~~الأولين من المخالفة. PageV01P093 # وحينئذ فدلالة العقل والنقل على عصمة النبي تكون قرينة على أن المراد من ~~معصية آدم هي مخالفة النهي التنزيهي الكراهي أو النهي الإرشادي ومما يرشد ~~إلى كون النهي لآدم إرشاديا قوله تعالى في سورة طه 115: (يا آدم إن هذا عدو ~~لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) 116 (إن لك أن لا تجوع فيها ولا ~~تعرى) 117 (وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى). # فإن التحذير والتخويف لآدم من عداوة إبليس بإخراجه من راحة الجنة ونعيمها ~~إلى التعب والجوع والظمأ ومقاساة شقاء العيش ليرشد ويقرب إلى الذهن إن هذه ~~هي العاقبة المحذورة من عداوة إبليس لآدم لإيقاعه في قبح مخالفة نهي الله ~~التحريمي ووبال ذنب المعصية وغضب الله. # ولو كانت هذه الأمور الأخيرة هي العاقبة المحذورة لكان ذكرها ms048 أنسب ~~بالتحذير وأدخل في الزجر عن المنهي عنه، وأتم في الحجة والبيان. # وقد يشهد له قوله تعالى في سورة البقرة 34: (فأزلهما الشيطان فأخرجهما ~~مما كانا فيه) حيث لم يقل جل شأنه: فأزلهما الشيطان فأوقعهما في قبح ~~المخالفة والذنب واستحقاق عقاب الله وغضبه. # ولو كان ذلك لازما لكان أولى بالذكر. # ومن هذا النحو من التحذير المذكور في القرآن ينكشف أن وصف آدم بالظلم ~~والغواية في أكله من الشجرة إنما هو لاغتراره بقول إبليس وظلمه لنفسه بسبب ~~إخراجها من نعيم الجنة إلى شقاء التعيش وعنائه، لا بسبب إيقاعها في عقاب ~~التحريم وغضب المخالفة لله، فليس من الظلم القبيح الذي يمنع من نيل عهد ~~الله كما تقدم في دلالة القرآن على العصمة. # وأما قوله تعالى حكاية عن آدم وحوا في سورة الأعراف 22: (ربنا إننا ظلمنا ~~أنفسنا فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، فقد بينا وجه ظلمه ~~نفسه، وأنه ليس من نحو ظلم النفس بإيقاعها في قبح الذنب ونكال العقاب. # وأما طلب المغفرة وحصول الخسران بعدمها فلا ينافي ما قدمنا ولا يلزم منه ~~PageV01P094 # الوقوع في الحرام، لأن العبد العارف خصوصا إذا كان من الأنبياء ليود أن ~~تكون كل أفعاله وتروكه موافقة لأمر الله ونهيه سواء كانا على جهة الحتم أو ~~الرجحان أو الإرشاد، فإن اتفق وقوعه في متابعة الميل الإنساني بغير المعصية ~~القبيحة وجد في نفسه أنه قد خسر الفوز في المرتبة المرغوبة له وحاد عن جادة ~~الصديقين وزل عن مقام المقربين فيفزع إلى الله مولاه في طلب المغفرة ~~والرحمة والتوبة ليعود ببركتها إلى مقامه الرفيع. # كما نفزع نحن معاشر عبيد العصا إلى التوبة عند ارتكاب الذنب العظيم لأجل ~~التخلص من العقاب ونكال الغضب، وعلى مثل ما ذكرنا جاء قوله في سورة البقرة ~~(فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم). # وأما قوله تعالى في سورة الأعراف 189 (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل ~~منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت ~~دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ms049 لنكونن من الشاكرين) 190 (فلما آتيهما ~~صالحا جعلا له شركاء فيما آتيهما فتعالى الله عما يشركون)، فإن نسبة الشرك ~~فيه لآدم مبنية على ما يذكره بعض المفسرين من قصة تسمية آدم وحوا لولدها ~~بعبد الحارث " أي إبليس " إجابة لاقتراحه ذلك عليهما. # وأن سوق الآيات ليأبى ذلك فإنها لو كانت واردة على هذه القصة لكان الذي ~~ينبغي أن يقال فيها فلما أتاهما صالحا جعلا له شريكا فيه فتعالى الله عما ~~يشركان، لأنه لم يكن الشريك بحسب القصة إلا واحدا وهو الحارث " إبليس "، ~~ولم يكن المشرك بحسبها إلا اثنين وهما آدم وحوا، وبحسبها أيضا لا يعرف ~~الوجه الصحيح في العدول عن قوله تعالى، فيه إلى قوله تعالى، فيما أتاهما. # مع أنه قد جاء عن الرضا وهو الإمام الثامن من أهل البيت الذين هم أحد ~~الثقلين اللذين لا يفترقان، ولا يضل من تمسك بهما في تفسير الآية ما معناه ~~أن المراد بالصالح هو نوع الذرية التامة الخلقة على أحسن التقويم لا خصوص ~~ولد واحد فلما أتاهما صالحا من الذرية المشتملة على صنفين ذكرانا وإناثا ~~جعل ذلك الصنفان من الذكران والإناث لله شركاء من الأصنام وسائر المخلوقات ~~التي PageV01P095 # جعلوها بضلالهم آلهة مع الله فيما آتاهما من النعم والأموال والأولاد ~~وغيرهما فقال جل شأنه بحسب كثرة المعنى المراد من الصالح والضمير المثنى ~~اللذين هما عبارة عن صنفي الذكور والإناث " فتعالى الله عما يشركون " وليس ~~في هذه الوجه من التفسير ما هو خلاف الظاهر البدوي إلا رجوع الضمير المثنى ~~في " جعلا وآتاهما " التي بعدها على اسم الجنس الذي هو " صالحا " باعتبار ~~اشتمالها على صنفين، وإلا كون السياق يوهم ابتداء كون المرجع لضميري " جعلا ~~وآتاهما " هو النفس الواحدة مع زوجها. # وهذه المخالفة للظاهر البدوي هينة بالنسبة لتلك المحاذير التي نجدها على ~~الوجه الأول من تنزيل الآيتين على ما يدعى من القصة كما ذكرناه فتكون تلك ~~المحاذير قرينة واضحة على أن الظاهر هو ما ذكرنا معناه عن الإمام الرضا ~~عليه السلام ويشهد لذلك أيضا تعقيبه بقوله تعالى: (أيشركون ms050 ما لا يخلق شيئا ~~وهم يخلقون) حيث أوضح أن الشركاء في الآية هم جماعة من المخلوقين لا خصوص ~~إبليس كما يدعى في الآية، بل يوضحه الالتفات بالتوبيخ إلى المقصود بالضمير ~~في " جعلا وآتاهما " بقوله تعالى 193: (إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم)، ويكشف عن قوله في سورة الأنعام 98 (وهو الذي أنشأكم من نفس ~~واحدة)، إلى قوله تعالى 100 (وجعلوا لله شركاء الجن)، إلى قوله تعالى 102، ~~(ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ)، فإن التدبر في هذا كله يرشد ~~بأوضح إرشاد إلى أن الموصوف بالشرك والعنف عليه إنما هم المخلوقون من النفس ~~الواحدة وإن اختلف التعبير عنهم بالخطاب والغيبة والتثنية باعتبار صنفيهم، ~~والجمع باعتبار كثرة المعنى، كل ذلك بحسب ما يقتضيه صوغ البلاغة للكلام. # ولو تنزلنا عن هذا كله فلا أقل من أن يكون احتمالا مساويا للوجه الأول ~~فلا تبقى في الآية السابقة دلالة على نسبة الشرك لآدم. # هذا كله مع أن الرواية التي تشبث بها في تفسير الآية لقصة نسبة الشرك ~~لآدم إنما هي رواية قتادة عن الحسن عن سمرة وأن سندها لمطعون فيه من وجوه ~~أيسرها أن الحسن وقتادة لم يحتفلا بهذه الرواية ولم يفسرا الآية على ~~مقتضاها كما PageV01P096 # حكاه عنهما في مجمع البيان. # وعن الحسن في تنزيه الأنبياء للمرتضى (1)، وبهذا كله تعرف خبط المتكلف ~~وتحامله على القرآن ومبلغه حيث ادعى جازما. # يه 1 ج ص " 11 " أن رسول الله " ص " نسب إلى آدم في القرآن خطيئة أخرى ~~وهي الشرك متشبثا بهذه الرواية لتفسير الآية. # PageV01P097 # الفصل الثاني في ذكر نوح وما قيل في شأنه أما نبوته ورسالته في القرآن ~~فقد تكرر ذكرها، ويكفي منه قوله تعالى في سورة هود 27: (ولقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه أني لكم نذير مبين). # وفي سادس التكوين " 9 " كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله وسار نوح مع ~~الله - " 13 " وقال الله لنوح، وفي أولى السابع، وقال الرب لنوح وفي الثامن ~~" 15 " وكلم الله نوحا " 20 "، وبني نوح مذبحا للرب ms051 في حادي عشر رسالة ~~العبرانيين " 7 " بالإيمان نوح لما أوحى إليه عن أمور لم تر بعد، وفي ثامن ~~رسالة بطرس الثانية " 5 " بل إنما حفظ الله نوحا ثامنا كارزا للبر. # وأما ما يقال في شأنه فقد دعا على قومه بالضلال، كما حكاه الله تعالى في ~~سورة نوح عن قوله " 24 " (ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) فيقال إن هذا خلاف ~~الوظيفة النبوية، فإن الرسول المبعوث لهدى الخلق وصلاحهم لا يجوز له الدعاء ~~عليهم مهما كانوا بالفساد والانحراف عن الله وسبيل الحق. # قلنا: ليس الضلال المدعو به ذكر بل المراد منه إضاعة طريق الرشد والتدبير ~~في أمورهم وعوائدهم ليشتغلوا بحيرتهم في شؤونهم عن أذى الخلق وإضلالهم عن ~~الحق، فهو دعاء عليهم بالعقوبة الدنيوية لأجل صلاح غيرهم فإن الضلال هو ~~مطلق الإضاعة والتيه عن الطريق المطلوب، وتختلف أنحاء أفراده التي تزاد منه ~~باعتبار الأمر المضيع والطريق الذي ضل عنه. PageV01P098 # ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة 282: (أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما ~~الأخرى) ولم تقم قرينة على أن المراد هاهنا بالضلال المدعو به هو الضلال عن ~~الله وسبيل الحق، بل إن قرينة العقل قاطعة بأن المراد منه غير هذا، بل لو ~~صدر هذا الكلام والدعاء من سائر الأتقياء المحبين للخير وصلاح العباد وقلة ~~الفساد واهتداء الخلق فضلا عن الرسل لكان صدوره منهم قرينة على إرادة غير ~~المعنى المدعى. # وأما دعاؤه على كفار قومه بالهلاك، كما حكاه الله جل شأنه في سورة نوح 27 ~~(وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) 28 (إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا). # فقد أبدى وجهه وحكمته لما علمه من عند الله في شأنهم بالعلم النبوي من ~~سوء عاقبتهم، فكان من الحكمة والوظيفة النبوية أن يدعو عليهم كما اقتضت ~~الحكمة الإلهية إهلاكهم بالطوفان. # وأما ما حكاه الله في أمره في سورة هود بقوله تعالى 47 (ونادى نوح ربه ~~فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) 48 (قال يا ms052 نوح ~~إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم أني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين) فإنه غير قادح بمقامه النبوي ووظيفة رسالته أصلا، فإن ~~غاية ما هناك سؤاله عن وجه الحكمة في غرق ولده مع سبق وعد الله له بنجاة ~~أهله معترفا في السؤال لله بأنه أحكم الحاكمين وأن وعده الحق، فأبان الله ~~له وجه الحكمة بأن الموعود بنجاتهم هم المؤمنون من أهله الذين يحسن أن ~~يضافوا إليه لاهتدائهم بهداه، وأن ولده الغريق ليس من أهله الموعود ~~بنجاتهم، أو أنه لا يليق أن يعد من أهل بيته لأنه عمل غير صالح ليس على هدى ~~أبيه، ثم وعظه الله على سؤاله عن الحكمة لأن الأولى بعلو مقامه هو التسليم ~~والتفويض لحكمة الله إجمالا لا سيما مع عرفانه بأن الله أحكم الحاكمين، ~~فأناب إلى الله من فعله خلاف الأولى، وخاف الانحطاط به عن مراتب الصديقين ~~ومقامات المقربين، وقال كما حكاه الله عنه 49: (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ~~ليس لي به علم وإن لا تغفر لي وترحمني أكن من PageV01P099 # الخاسرين) للفوز بالمراتب العالية. # وإذا تدبرت ما ذكرنا ظهر لك خلل أقوال المتكلف " يه 1 ج ص 14 و 15 ". # وأما ما في تاسع التكوين " 21 " وشرب نوح من الخمر فسكر وتعرى داخل ~~خبائه. # فنقول فيه: قد روى مستفيضا عن أهل البيت عن النبي صلوات الله عليهم أن ~~الخمر ما حلت في دين قط، ويدل العقل بأوضح دلالة على أن شربها والسكر بها ~~الذي هو رأس الخلاعة والتهتك والشرور والمفاسد والخروج عن حدود الإنسانية ~~مناف لوظيفة النبي الداعي إلى الهدى والكمال والصلاح وحفظ الشرف خصوصا وقد ~~حفظ الله نوحا كارزا للبر " 2 بط 8: 5 ". # وحينئذ فلا بد من القول بأن قصة شرب نوح للخمر، وسكره ليست من الوحي، ~~والإلهام لما بيناه من لزوم عصمة النبي. # ومن الظرائف اضطراب كلام المتكلف في هذا المقام " يه 1 ج ص 13 - 18 " ولو ~~أنه التزم بما ادعاه. # " يه ms053 4 ج ص 168 " من أن الله لم ينزل على القدماء قبل موسى شريعة بل ~~اصطلح القدماء على عادات للجريان عليها في هذه الدنيا. # فقال: هاهنا بمقتضاه أنه لم تكن في زمن نوح شريعة بتحريم الخمر فلم يفعل ~~نوح بشربها خطيئة لاستراح هذا المتكلف فمن اضطرابه قوله: # " يه 1 ج ص 13 " لا ننكر أن شرب الخمر حرام وقوله فأنت ترى أنها كانت ~~جائزة والتوراة والإنجيل ناطقان بأنها حرام قطعا وشربها نوح دلالة على ضعف ~~الطبيعة البشرية. # فنقول له: أنت يا ذا الذي تقصر الحقائق على ما في العهدين، وإذ لا تجد ~~فيهما ما تذكره نبوة القرآن تصول عليه صولة المتحمس من أين لك من العهدين ~~أن الخمر كانت محرمة على عهد نوح خصوصا وقد ادعيت غفلة منك أو PageV01P100 # إغفالا إن الله لم ينزل شريعة على القدماء وكيف تنفوه وتقول؟. # " يه 1 ج ص 18 س 16 " قد استفاق نوح من سكره، ولم يعد إلى هذه الخطيئة. # قل عن أي كتاب إلهامي تنقل ذلك؟ أفتدعي أنت الإلهام لنفسك؟ أم جاءك نوح ~~وتاب على يدك من شربه للخمر؟ # وأما قولك: فأنت ترى أنها كانت جائزة، والتوراة والإنجيل ناطقان بأنها ~~حرام قطعا. # فلماذا غفلت أو تغافلت عن اضطراب التوراة والإنجيل في هذا الشأن فإنهما ~~وإن وجد في مضامينهما ما يعطي حرمتها وقبحها سيما بالنسبة للأنبياء كما ~~سنسجله إنشاء الله في المقدمة العاشرة في موانع النبوة. # ولكن فيهما ما يناقض ذلك وينقض عليك قولك هذا. # قل فما معنى الأمر في شريعة تقريب القرابين أن يسكبوا معها سكيب خمر للرب ~~" انظر أقلا خر 29: 40 ولا 23: 13 وعد 15: 5 " وسكيب مسكر للرب " عد 28: 7 ~~"، وأكد حكم السكيب في التاسع والعشرين من العدد وغيره أكثر من عشر مرات. # وكيف يكون الحرام قربانا لله؟ وكيف يأمر الله شعبه بأن يعدوا للقرابين ~~شيئا محرما وجوده مجلبة للغواية والشرور والفساد بل الرحمة وحكمة إصلاح ~~الناس يقتضيان الأمر بإعدامهما عن أعينهم خصوصا بني إسرائيل الذين لا حاجز ~~لهم من تقواهم ms054 عن التمرد على الله كما عرفت في المقدمة الخامسة. # وأيضا ما معنى دعاء موسى على بني إسرائيل إن لم يعمل بوصايا الله بقوله ~~في الثامن والعشرين من التثنية 39 كروما تغرس وتشتغل وخمرا لا تشرب ولا ~~تجنى لأن الدود يأكلها " 51 " ولا تبقى لك خمرا ولا قمحا ولا زيتا ". # وأيضا ما معنى دعائه لهم بالبركة في قوله في الثالث والثلاثين من التثنية ~~" 28 " تكون عين يعقوب إلى أرض حنطة وخمر وسماؤه تقطر ندى. PageV01P101 # فهل يكون هذا كله مع كون الخمر محرمة، أوليس يعطي هذا أنها من النعم ~~المباحة ومتاعهم الشهي حتى يدعى عليهم بفقدانها ويدعى لهم بوجدانها. # وما معنى ما يذكر من أن داود النبي قسم على كل واحد من رجال بني إسرائيل ~~رغيف خبز وكأس خمر وقرص زبيب " 2 صم 6: 19 و 1 أي 6: # 3 "، وما وجه إهداء زق الخمر إلى داود " 2 صم 16: 1 "، وما وجه اسكاره ~~لأوريا " 2 صم 11: 13 " أفلا يصح الاحتجاج بذلك لجواز شرب الخمر كما ينقل ~~عن المسيح الاحتجاج لجواز أكل تلاميذه من الزرع في يوم السبت بأكل داود من ~~خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة " مت 18: 1 - 5 ". # وأيضا ما معنى المنقول من جلوس المسيح ووالدته وتلاميذه في قانا الجليل ~~في مجلس العرس الذي تسكب فيه الخمر وتدار الراح في الأقداح حتى يفعل السكر ~~بالألباب ما يفعل، وينال من العقول ما ينال، ولم يكف ذلك حتى طلبت منه ~~والدته إذ نفذ الخمر أن يصنع لهم بمعجزة خمرا، فعمل لهم ستة أجران من الخمر ~~الجيد وسقوا منه، وكان ذلك بعد أن اعتمد من يوحنا بمعمودية التوبة، ونزل ~~عليه الروح القدس، وتبعه اندرواس وبطرس وننثائيل، وفيلبس " انظر إلى ثالث ~~متى والثاني والثالث من يوحنا ". # وأيضا ما معنى المنقول عن كلام المسيح في شأن جيله في سابع لوقا " 32 " ~~يشبهون أولادا جالسين في السوق ينادون بعضهم بعضا ويقولون زمرنا لكم فلم ~~ترقصوا نحنا لكم فلم تبكوا 33 لأنه جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزا ولا ms055 ~~يشرب خمرا فتقولون به: شيطان " 34 "، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون: ~~هو ذا إنسان أكول، وشريب خمر، ونحوه في حادي عشر متى. # أوليس صريح هذا الكلام وفحواه أن المسيح - وحاشاه - كثير الشرب للخمر ~~المسكر بخلاف يوحنا. # وأيضا ما معنى المنقول من قوله لتلاميذه بعد أن شرب من الكأس وأعطاها ~~لهم، وأقول لكم من الآن: لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك PageV01P102 # اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت أبي " مت 26: 29 ومر 14: 25 ولو ~~32: 18 " حيث عبر عن الخمر في هذا الكلام بعد أن شربها تعبير الشريب المغرم ~~بها المودع لها المتألم على فراقها. # وأيضا ما معنى المنقول عن الرسل من حصرهم اللازم على الأمم باجتناب ما ~~ذبح للأصنام والدم والمخنوق والزنا " اع 15: 29 ". # وإن اقترحت فوق هذا من صراحة العهدين ففي ثاني عشر التثنية " 17 " لا يحل ~~لك أن تأكل في أبوابك عشر حنطتك وخمرك وزيتك - " 18 " بل أمام الرب إلهك ~~تأكلها في المكان الذي يختاره الرب. # وفي رابع عشر التثنية " 23 " وتأكل أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره ~~ليحل اسمه في عشر حنطتك وخمرك وزيتك " 24 "، ولكن إذا طال عليك الطريق حتى ~~لا تقدر أن تحمله - 25 " فبعه بفضة وصر الفضة في يدك واذهب إلى المكان الذي ~~يختاره الرب إلهك " 26 " وأنفق الفضة في كل ما تشتهي نفسك من البقر والغنم ~~والخمر والمسكر وكل ما تطلب منك نفسك، ولك هناك أمام الرب إلهك وافرح أنت ~~وبيتك. # حتى جرى اليهود بعد رجوعهم من سبي بابل على تقديم رفائع الخمر، وعشر ~~الخمر إلى بيت المقدس حسب الشريعة " انظر نح 10: 37 و 39 و 13: 12 ". # فإن قلت لا أكتفي بهذه الصراحة حتى يحضر الإله في مجلس الشرب ويسقي الناس ~~الخمر بمجلس أنبيائه ورسله. # قلت: إن مزاعمك تقتضي وقوع ذلك فإن الذي زعمت في مقدمة الجزء الأول من ~~كتابك وغيرها أنه الإله الذي توشح الطبيعة البشرية ليرفع قدرها قد ذكر ~~الكتاب الذي تحامى عن الخدشة في الهاميته أنه قد ms056 جلس في قانا الجليل في ~~مجلس الشرب والسكر هو وعدة من رسله وسقى الناس زيادة على خمرهم إذ عمل لهم ~~بمعجزة سنة أجران من الخمر... اللهم إني أعوذ بقدسك وجلال وجهك من التعرض ~~لمثل هذا لغير الجدل الذي تدعو إليه ضرورة الوقت، PageV01P103 # ومعارضة فلتات الأوهام إرشادا لعبادك المغرورين إلى الهدى والصواب. # فأقول للمتكلف ليعتبر السامع: # أفتقول إن التوراة والإنجيل ناطقان بأن الخمر حرام قطعا ويكون كل هذا ~~فيهما؟ أم تقول: إن هذا كله مدسوس في العهدين ليس من الوحي وكلام النبوة في ~~شئ؟ أم تقول: إن العهدين غير خاليين من التناقض والاضطراب والتهافت. # وأما قوله المتكلف " يه 1 ج ص 14 "، أما المسيح فلم يشرب " أي من الخمر " ~~إلا شيئا لا يعتد به في عيد الفصح مرة في السنة حسب شريعة موسى. # فهو قول مخالف للأناجيل الرائجة في دلالتها على أن المسيح وحاشاه شريب ~~خمر كما تقدم أي كثير الشرب لها، وكونه حضر مجلس العرس المعقود لشرب الخمر ~~وعربدة السكر هو وعدة من تلاميذه وزادت في الطنبور نغمة إذ ذكرت أنه عمل ~~لهم بطلب والدته ستة أجران من الخمر الجيد، وحاشا قدسه من هذا كله. # وأيضا أين يوجد من شريعة موسى حكم شرب الخمر في عيد الفصح، أو ليست ~~التوراة الرائجة هي التي يزعمون أنها كتاب شريعة موسى، وأن كل ما لم يتذكر ~~فيها لا حقيقة له. # وأما قول المتكلف عقيب كلامه المتقدم، فكان كل واحد من بني إسرائيل يشرب ~~شيئا طفيفا لا يعتد به في هذا العيد تذكارا لمراحمه تعالى. # فيحق أن يقال فيه أن سكر بني إسرائيل الذي استغاث منه أشعيا النبي في ~~الثامن والعشرين من كتابه، وذكر أن الأنبياء والكهنة ابتلعتهم الخمر وتاهوا ~~من المسكر حتى ضلوا في الرؤيا وقلقوا في القضاء، أيضا كان كله تذكارا ~~لمراحمه تعالى. # وعبد بنو إسرائيل العجل تذكارا لمراحمه تعالى، وزنوا ببنات مواب وذبحوا ~~لآلهتهن تذكارا لمراحمه تعالى، وعبدوا البعل والعشتاروت وآلهة الكنعانيين ~~PageV01P104 # وغيرهم تذكارا لمراحمه تعالى، وذبحوا أولادهم للأصنام تذكارا لمراحمه ms057 ~~تعالى، وجعلوا بيوت المأبونين عند بيت الرب تذكارا لمراحمه تعالى وخربوا ~~بيت المقدس ونجسوه تذكارا لمراحمه تعالى، وتمادوا على ارتداداتهم وأحوالهم ~~المذكورة في المقدمة الخامسة تذكارا لمراحمه تعالى، وأظرف من هذا كله أن ~~المتكلف كان شاعرا بما في العهدين من تلويث قدس الأنبياء وخصوص المسيح بشرب ~~الخمر فحاول أن يموه على البسطاء المغفلين ويلوث قدس خاتم المرسلين بشربها ~~فتشبث لذلك بأخبار آحاد لم يتحقق سندها ولم يفهم مدلولها، ولو أنها صحت ~~وكانت لها مداخلة في أصول الدين لكانت أجنبية عن مقصوده الممتنع عليه. # فقال " يه 1 ج ص 13 " إن محمدا شرب الخمر، وذكر عن ابن عباس أن رسول الله ~~" ص " أتى السقاية في مكة وقال اسقوني من هذا فقال العباس: # ألا نسقيك مما في البيوت؟ فقال " ص ": ولا لكن اسقوني مما يشرب منه الناس ~~فأتى بقدح من نبيذ فذاقه فقطب ثم قال هلموا وصبوا فيه الماء، ثم قال: زد ~~فيه مرة أو مرتين أو ثلاثا، ثم قال إذا صنع أحد منكم هكذا فاصنعوا به ~~وهكذا. # وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله " ص " عطش وهو يطوف بالبيت فأتى بنبيذ من ~~السقاية فشمه ثم دعا بذنوب من ماء زمزم " أي دلو " فصب عليه ثم شربه فقال ~~له رجل: أحرام هذا يا رسول الله؟ فقال لا. # وقد غفل المتكلف أو تغافل عن أن اسم النبيذ مأخوذ من النبذ وهو الطرح، قد ~~كان النبيذ على قسمين: # " أحدهما " أن يطرح التمر أو الزبيب في الماء في الأواني التي تصبر على ~~التمادي إلى أن يبلغ حد الإسكار كأواني الدبا وهو القرع اليابس والمزفت وهي ~~أوان تطلى بالزفت، والحنتمة وهي أوان خزفية تدهن بالقلى ونحوها فيترك زمانا ~~طويلا إلى أن يبلغ حد الإسكار. # " وثانيهما " أن ماء الحجاز كان مرا مضرا فيطرح فيه لمداواة طعمه وطبعه ~~ما يتمكن الأعرابي منه في ذلك الزمان وهو قليل من التمر فإن ترقى فالزبيب ~~PageV01P105 # بمقدار الكف أو أقل يطرحونه في السقاء غدوة فيشربونه عشيا ويطرحونه عشيا، ~~فيشربونه غدوة، حينما يؤثر ms058 طعم التمر أو الزبيب في الماء حلاوة ما. # وقد تضافرت الأخبار الكثيرة بأن رسول الله " ص " كان ينهى عن نبيذ الدبا ~~والمزفت والحنتمة بسبب أنه يصبر عليه حتى يبلغ حد الإسكار، ويرخص في نبيذ ~~الأسقية وهو أن يطرح في السقاء كف ونحوه من التمر أو الزبيب فيشرب في يومه ~~أو صبيحة ليلته حينما يطيب طعم الماء بحلاوة التمر أو الزبيب لأن أسقية ~~البيوت لا تحتمل أن تشغل زمانا طويلا بالنبيذ، ولا تقوى على بقائه إلى أن ~~يختمر ويتعفن ويبلغ حد الإسكار. # انظر إلى مسند أحمد وغيره من كتب الحديث، فعلى المتكلف في تشبثه بما ذكر ~~من الحديثين أن صحافي الجامعة الإسلامية أن يعين دلالتهما على أن النبيذ ~~المذكور فيهما كان من القسم المسكر المخمر لا الذي ذكرنا أنه يطرح فيه قليل ~~من التمر أو الزبيب لمحض تطييب طعم الماء على عادة أهل الحجاز. # ونحن نقول: إن المتعين كون النبيذ فيهما من هذا القسم، لا القسم المسكر ~~لوجوه: # أولها: إنه لو كانت في مكة مصانع للنبيذ المسكر كمصانع أوروبا لما وسعت ~~كفاية الألوف العديدة من الحجيج في الأيام الكثيرة وهو يعطي مجانا لهم، ~~وكيف يقوى العباس على ذلك؟ # وثانيها: إن السقاية في مكة كانت لإرواء الحجيج من العطش لا أنها حانوت ~~خمار. # وثالثها: إن هذه الواقعة إن كانت فإنما تكون بعد فتح مكة في أواخر أيام ~~النبي " ص "، ومقتضى الأخبار التي يذكرها المتكلف " يه 1 ج ص 23 و 24 " أن ~~الخمر حرمت في أوائل الهجرة. # وفي ما ذكره عن ابن مسعود أن رسول الله " ص " قال فيما شربه أنه ليس ~~بحرام، مع أن حرمة النبيذ المسكر كانت حينئذ مقررة معلومة في الإسلام. ~~PageV01P106 # ورابعها: الذي يكشف الحجاب ما صح نقله عن جعفر الصادق وهو الإمام السادس ~~من أهل البيت حيث قال في نبيذ السقاية: أن العباس كانت له حبله وهي الكرم، ~~فكان ينقع الزبيب غدوة فيشربونه بالعشي وينقعه بالعشي ويشربونه غدوة يريد ~~أن يكسر به غلظ الماء على الناس. # وأما سر ms059 تقطيبه صلوات الله عليه في رواية ابن عباس فليس لأن النبيذ الذي ~~أعطي له كان من القسم المسكر، بل لأن حلاوة التمر والزبيب كانت زائدة على ~~المتعارف من نبيذ الأسقية، فإن الحلاوة إذا ظهر أثرها مع مرارة الماء كانت ~~من المهوعات فزاد عليها من الماء إلى أن ردها إلى النحو المتعارف، وأرشدهم ~~إلى أن هذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه هذا النحو من المشروب لإصلاح طعم ~~الماء. # ولو تنزلنا وفرضنا أن النبيذ المذكور في الروايتين كان من القسم المسكر ~~لكانتا دليلا على أنه صلوات الله عليه كان يعاف المسكر ويشمئز ويقطب وجهه ~~الشريف منه ولم يشربه حتى أخرجه عن موضوعه وصورته بإراقة الماء الكثير ~~عليه... أفبهذا يتشبث الكاتب ويقول بملئ فمه ومهوى قلمه أن رسول الله " ص " ~~شرب الخمر. # وقد فات المتكلف الشنب فإن في أخبار الآحاد التي لا تقيم لها الجامعة ~~الإسلامية وزنا ما يساعفه على مقصوده بعض المساعفة، فقد روى في مسند أحمد ~~أن رجلا كان إذا قدم المدينة أهدى لرسول الله " ص " خمرا فقد مرة ومعه زق ~~خمر ليهديه إلى رسول الله " ص " فقيل له: إن الخمر قد حرمت ولكن ماذا يعمل ~~الوهم من هذا الخبر في مقابلة متواترات الآثار ومعلومات السير بأن قدس رسول ~~الله لا تحوم حوله هذه الأوهام. # وقد جاء عنه صلوات الله عليه في مستفيض الحديث من طريق أهل البيت قوله " ~~ص ": أول ما نهاني عنه ربي شرب الخمر وعبادة الأوثان، وكفاك أن مشركي قريش ~~والعرب قد تمحلوا في تكذيب رسول الله " ص " وكابروا الوجدان وغالطوا العيان ~~بدعواهم أنه صلوات الله عليه مجنون ولو أنه صلوات PageV01P107 # الله عليه كان يمكن أن يرمي بشرب الخمر والمسكر لتيسر لهم أن يقولوا بلا ~~مكابرة للوجدان إن ادعاءه " ص " للرسالة والوحي إنما هو من سورة الخمر ~~وعربدة السكر وخيالات الخمار، ولكنه كان صلوات الله عليه ولم يكن لقائل فيه ~~مغمز، فيا ذا الرشد والفكر الحر الذي لم يستأسر للعصبية والتقليد. # سألتك بفضيلة الصدق وشرف النفس هل ms060 كان من الرشد وأدب المكاتب أن يتغاضى ~~هذا المتكلف عما لوثت به الكتب الإلهامية في نحلته قدس الأنبياء وخصوص ~~المسيح بشرب الخمر وحضور مجلس السكر صريحا ويتشبث لتلويث قدس رسول الله ~~بهذه الأوهام، ولقد شذ بنا الكلام عن وضع المقدمة ولكنه بفضل الله لم يشذ ~~عن إحقاق الحق والهدى إلى الرشد. PageV01P108 # الفصل الثالث في شأن إبراهيم وما قيل فيه أما رسالته ففي القرآن الكريم ~~بقوله تعالى في سورة الحديد 260 (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم)، وقوله تعالى ~~في سورة مريم 42 (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا) وقوله تعالى ~~في سورة البقرة 118: (إني جاعلك للناس إماما). # وأما دينه وإيمانه فيكفي فيه من القرآن قوله تعالى في سورة الأنعام 162 ~~(قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين). # وأما كتابه وبعض مضامينه، فقد أشار إليه بقوله تعالى في سورة النجم 370: ~~(أم لم ينبأ بما في صحف موسى) 38 (وإبراهيم الذي) وفي - 56 وفي سورة الأعلى ~~عند ذكر بعض المضامين العالية 18 (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم ~~وموسى). # وفي ثاني عشر التكوين " 1 "، وقال الرب لابرام: إذهب من أرضك ومن عشيرتك ~~ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك " 2 " فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم ~~اسمك وتكون بركة، (ومقتضى الأصل العبراني: وكن بركة) " 3 "، وأبارك مباركيك ~~ولا عنك اللعنة وتتبارك فيك جميع قبائل الأمم. # وفي سابع الأعمال عن قول استفانوس " 2 - 4 " إن هذا الخطاب كان ~~PageV01P109 # حينما كان إبراهيم بين النهرين في أرض الكلدانيين قبلما سكن حاران. # وفي سابع عشر التكوين " 9 - 14 " وقال الله لإبراهيم وجعل له شريعة ~~الختان وعهده ولذريته وخدمه وعبيده. # وفي الثامن عشر عن قول الله " 19 " لأني عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من ~~بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا برا وعدلا. # وهذا هو حقيقة الرسالة في هذا المقام، ويوضح أمرها ما في السادس والعشرين ~~من التكوين عن قول الله لإسحاق " 5 " من أجل أن إبراهيم سمع لقولي ms061 وحفظ ما ~~يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي. # وفي العشرين من التكوين عن قول الله لأبي مالك " 7 " أن إبراهيم نبي وفي ~~العهدين خليل الله " 2 أي 20: 7 واش 41: 8 ويع 2: 23 ". # وأما ما ذكر في شأنه فقد قال الله في القرآن الكريم في سورة الأنعام 75 ~~(وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) 76 (فلما جن ~~عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين) 77، (فلما ~~رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من ~~القوم الضالين) 78، (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت ~~قال يا قوم إني برئ مما تشركون). # قال المتكلف " يه 1 ج ص 20 " إن عبارة القرآن ناطقة بوقوعه " يعني ~~إبراهيم " في عبادة الأصنام. # فأقول: إن الآيات واضحة الدلالة على أن رؤية إبراهيم للكواكب وملكوت ~~السماوات والأرض كانت أول رؤية منه لها فقال ما ذكره القرآن فأما أن يعتمد ~~في ذلك على ما روى من أن أمه ولدته في مغارة خوفا عليه من النمرود فلما ~~ترعرع خرج من المغارة فرأى الكوكب إلى آخر المذكور، أو أنها أول رؤية كانت ~~في ابتداء تمييزه حال طفوليته الذي التفت به إلى عظمة شأن العالم العلوي ~~وأجرامه وفضيلة إشراقها ونورها، فإن الله علم منه أن فطرته السليمة في أول ~~تمييزه قد أشعرته بأن له إلها صانعا وربا معبودا، ولكنه بعد لم يوصله ~~التدرب PageV01P110 # بالنظر والتقدم بالتمييز ليقف عندها على اليقين، فرحمه الله ولطف به ~~وأراه ملكوت السماوات والأرض ليكون بالتدبر والتدرب في النظر من الموقنين ~~بالله، فصار ينظر عند رؤيتها بالنظر الصائب، ويسير متدرجا إلى حق المعرفة ~~على جادة الصواب فأدرك فضل العالم العلوي على السفلي، ثم أدرك فضل النير ~~على غيره، فإذا رأى الكوكب النير وقفت به الطفولية وعدم التقدم بالتمييز ~~عنده فلما أفل الكوكب سدده فكره فقال: لا أحب الآفلين ولا يكون الإله ~~متغيرا، ولما رأى القمر بازغا مشرقا يفوق نوره نور ms062 الكوكب وقفت به الطفولية ~~أيضا عنده فلما أفل أدرك أنه ضال في نظره، فطلب الهدى من إلهه: # فلما رأى الشمس بازغة بنورها الباهر وقفت به الطفولية أيضا، فلما أفلت ~~أوصله التدبر إلى الحق اليقين من العرفان وخالص الإيمان، حتى لم يمض له ~~يومان من أول تمييز الطفولية. # ويمكن أن يكون وقوفه المذكور وقوف شك وحيرة واستعلام فيكون قوله: # هذا ربي على سبيل الاستفهام، وقد أسقط حرف الاستفهام من الآيات جريا على ~~المتعارف من لسان العرب، كما يشهد له الكثير من شعرهم ونثرهم، والأقرب أن ~~وقوفه المذكور كان وقوف فرض وتقدير إلى أن يحصل له من النظر ما يكشف عن ~~الحق المبين، وعلى كل حال لم يقع من إبراهيم الشرك القبيح المعاقب عليه حتى ~~لو قلنا: بأن ما ذكرناه في شأنه كان في زمان مهلة النظر عند أول التكليف ~~بالمعرفة، فإن الإنسان لم يخلق عارفا بالله من أول أمره، بل جعل الله له ~~النظر لتحصل له فضيلة الجهاد في سبيله. # فإن قلت: من أين لك هذه الوجوه في الآيات؟ وهل هي إلا احتمال وتخمين؟. # " قلت ": يدل عليها سوق الآيات والمتكرر في القرآن من قوله تعالى في وصف ~~إبراهيم " وما كان من المشركين ". # ثم أقول: هب أن هذه الوجوه احتمالات لا دليل عليها، ولكن مع قيامها كيف ~~يتجه للمتكلف أن يقول غير متأثم إن عبارة القرآن ناطقة بوقوع إبراهيم في ~~عبادة الأصنام. PageV01P111 # وقال الله تعالى في سورة البقرة 262: (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). # فقال المتكلف في هذا الشأن " يه 1 ج ص 20 س 4 " القرآن ناطق بأنه يعني ~~إبراهيم شك في قدرة الله. # أقول: ليت شعري أين سمع المتكلف وبصره وقلبه عن قول إبراهيم بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي، أفيشك عاقل بأنه إذا اجتمع العقل والحس على أمر كان أوقع في ~~النفس وأثبت في الاعتقاد وأدخل في الاطمئنان من المعقول الصرف، وصريح الآية ~~أن إبراهيم كان يطلب هذه المرتبة من ms063 الاطمئنان والإيمان الكامل، وإن كان ~~إيمانه بقدرة الله ثابتا، ولأجل إيمانه وخلوص بيته في طلب الاطمئنان، وأكمل ~~أفراد الإيمان أعطاه الله مراده فقال تعالى له: خذ أربعة من الطير فصرهن ~~إليك الآية. # فانظر يا ذا الرشد والفكر الحر إلى ما ذكرناه في القرآن الكريم وإلى ما ~~في الخامس عشر من التكوين " 7 " وقال له: " أي الله لإبراهيم " أنا الرب ~~الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها " 8 " فقال أيها ~~السيد الرب بماذا أعلم أني أرثها؟ # وقل أي المقامين أولى بأن يكون شكا في قدرة الله وصدقه في وعده. # فهل هو ما ذكر في القرآن الكريم من طلب إبراهيم الاطمئنان وأعلى مراتب ~~الإيمان زيادة على إيمانه المطلوب في شأن المعاد العظيم أمره؟ أم هو ما ذكر ~~في التوراة في شأن إعطاء الله أرض الكنعانيين لإبراهيم ليرثها فقال ~~إبراهيم: بماذا أعلم أني أرثها؟ # فإنه صريح في أنه لا يحصل له العلم بمجرد قول الله بل يحتاج في ذلك إلى ~~شاهد يوجب له العلم بقدرة الله على ذلك أو صدقه في وعده مع أن إعطاء الأرض ~~لقوم بدل آخرين أمر سهل على التصديق. # ثم انظر أيضا استطرادا وتتميما لمتعلقات المقام في انتظام البرهان ~~المذكور في القرآن على إحياء الموتى لأجل اطمئنان إبراهيم ومناسبته للمبرهن ~~عليه بقوله PageV01P112 # تعالى: (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ~~أدعهن يأتينك سعيا)، حيث أقام جل شأنه الحجة الحسية على إحياء الموتى بعد ~~تفرق أوصالهم بإحياء الطيور بعد موتها وتفرق أوصالها على النحو العجيب ~~والإعجاز الباهر. # وأمعن النظر في البرهان المذكور في خامس عشر التكوين ليحصل العلم ~~لإبراهيم بصدق وعد الله له بأنه يرث أرض كنعان وقدرته على ذلك " 9 " فقال ~~له: خذ عجلة ثلاثية، وعنزا ثلاثية، وكبشا ثلاثيا، ويمامة وحمامة " 10 " ~~فأخذ هذه كلها وشقها من الوسط وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه، وأما الطير فلم ~~يشقه " 11 " فنزلت الجوارح على الجثث فكان ابرام يزجرها. # وقل: ماذا يفهم من ms064 مداليل هذه الفقرات من حاصل أمر الله وبرهانه على صدقه ~~في وعده وقدرته وأي نتيجة فيها مناسبة للمقام، أفلا تجدها حكاية بتراء لا ~~يفهم لها أول من آخر، ولا حاصل ولا فائدة، أفهكذا كلام الله العليم ~~الحكيم؟. # هذا وأما ما تشبث به المتكلف " يه 1 ج ص 20 س 7 " من الرواية عن قول رسول ~~الله نحن أولى بالشك من إبراهيم، فيكفي في ردها مخالفتها لنص الكتاب بإيمان ~~إبراهيم في قوله تعالى: (أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) فهذه ~~الرواية كلا شئ. # وقال الله تعالى في سورة الأنبياء 63: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم) 64 (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون). # فقال المتكلف: " يه 1 ج ص 20 س 7 "، ورد في القرآن أنه " يعني إبراهيم " ~~كذب. # قلنا: إن قول إبراهيم بل فعله كبيرهم لم يخرج مخرج القطع والأخبار الجدي، ~~بل هو للتوبيخ والتبكيت إذ هو معلق على قوله إن كانوا ينطقون وحاصله توبيخ ~~المشركين على عبادة الأصنام، ومعناه أن أصنامكم إن كانوا ينطقون ويملكون ~~حراكا فقد فعله كبيرهم إذ لا وجه لنسبة هذا الفعل إلى دونه PageV01P113 # مع عدمه المشاهدة وإن كانوا جمادا فلم تعبدون جمادا لا ينطق؟ # ومن المعلوم أن الخبر المعلق على أمر يعلم المتكلم والمخاطب أنه غير واقع ~~ليس خبرا جديا حتى يقال إنه صدق أو كذب. # " فإن قلت ": إن هذا احتمال محض في الآية " قلت ": أولا كونه احتمالا كاف ~~في بطلان قول المتكلف وورد في القرآن أن إبراهيم كذب. # " وثانيا " أن دلالة العقل والنقل على عصمة النبي تعين دلالة الآية عليه، ~~وكونه المراد منها خصوصا مع صلاحية التركيب بدون تجوز أو خروج عن القانون. # وأما الرواية التي ذكرها المتكلف في كذب إبراهيم ثلاث مرات فلا يصح بها ~~الجدل للمسلمين لما ذكرناه في المقدمة السابعة. # وقال الله تعالى حكاية عن إبراهيم في سورة الصافات 86: (فنظر نظرة في ~~النجوم 87 فقال إني سقيم)، وقد تشبث المتكلف هاهنا " يه 1 ج ص 20 ms065 " برواية ~~استنتج منها أن إبراهيم فعل حراما بنظره في علم النجوم وكذب بقوله إني ~~سقيم. # ولا يخفى أن الرواية لا يصح بها الجدل للمسلمين في جامعتهم بحكم المقدمة ~~السابعة، أما الآية الأولى فلا تدل إلا على أن إبراهيم نظر نظرة في النجوم ~~لا في علمها الذي لا يعلم أنه هل كان في زمانه محرما حتى عليه أم لا، ~~ولعلما كان نظره في النجوم نظر تفكر وتأمل في شأنه كما هو المعتاد ~~للمتفكرين في شؤونهم من نظرهم إلى السماء وإلى الأرض ونحو ذلك، كما يحكى عن ~~المسيح لما أتاه اليهود بالزانية ليرجمها انحنى إلى الأسفل وكان يكتب ~~بإصبعه على الأرض " يو 8: 6 ". # وأما قوله: إني سقيم فمن أين يعلم من القرآن أنه كان كذبا، ولماذا لا ~~يحمل على حقيقته. # وفي الثامن عشر والعشرين من التكوين أن إبراهيم قال عن سارة امرأته ~~PageV01P114 # إنها أخته لكن العشرين من التكوين عن قول إبراهيم " 12 " وبالحقيقة أيضا ~~هي أختي ابنة أبي، غير أنها ليست ابنة أمي فصارت لي زوجة. # وعلى ظاهر هذا لم يكذب بقوله أنها أخته، نعم قوله أنها أخته وسكوته عن ~~جهة الزوجية خصوصا مع شهادة المقام بإنكار كونها امرأته، وتعريضها لطمع ~~الغير فيها يمكن أن يكون مما أباحته ضرورة الوقت لإبراهيم حفظا لنفسه، أو ~~أنه كذب على الوحي لعصمة إبراهيم. PageV01P115 # الفصل الرابع في ذكر إسحق وما جاء في شأنه أما نبوته فيكفي فيها من ~~القرآن الكريم قوله تعالى في سورة مريم 50 (ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا ~~جعلنا نبيا)، وفي سورة النساء 161: # (وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب). # وفي السادس والعشرين من التكوين " 2 و 24 " أن إسحاق ظهر له الله وكلمه ~~بما كلمه. # وأما ما ذكر في شأنه ففي السادس والعشرين من التكوين " 7 " أنه قال عن ~~امرأته أنها أخته وهو خلاف الواقع لأنها بنت ابن عمه بتوئيل ابن ناحور من ~~ملكه بنت هاران " تك 11: 29 و 25: 20 " وكان هذا القول منه مخافة من القتل ~~فيمكن أن يكن جائزا لضرورة الوقت. ms066 # ولا يمكن أن يكون كذبا على الوحي لما ذكرناه من عصمة النبي، وعلى هذا فلا ~~وجه للوقيعة بقدس إسحاق لأجل هذا لإمكان أن يكون مباحا لضرورة الوقت، ~~ولماذا لا يكون ذلك في أقل الأمر احتمالا مانعا لأهل الكتاب عن الإقدام على ~~قداسة الأنبياء الصالحين، أفلا ترى ما نقله في إظهار الحق عن القسيس وليم ~~اسمت من علماء بروتستنت في كتابه المسمى بطريق الأولياء وكيف قد أطال لسانه ~~على إبراهيم وإسحاق من أجل ما نقل عنهما من قولهما عن امرأتيهما أنهما ~~أختاهما. PageV01P116 # فقال في شأن إبراهيم ص " 99 " لعل إبراهيم لما أنكر كون سارة زوجة له في ~~المرة الأولى عزم في قلبه أنه لا يصدر منه مثل هذا الذنب لكنه وقع في شبكة ~~الشيطان السابقة مرة أخرى بسبب الغفلة. # وقال في شأن إسحاق ص " 168 " زل إيمان إسحاق لأنه قال لزوجته: # أنها أخته وص " 69 " يا أسفا أنه لا يوجد كمال في واحد من بني آدم غير ~~الواحد العديم النظير، والعجب أنه شبكة الشيطان التي وقع فيها إبراهيم وقع ~~فيها إسحاق أيضا، وقال عن زوجته: أنها أخته فيا أسفا أن أمثال هؤلاء ~~المقربين عند الله يحتاجون إلى الوعظ. # وقال المتكلف " يه 1 ج ص 19 " في شأن إبراهيم ولا ينكر أنه ترك الأولى ~~لضعف الطبيعة البشرية، فالمولى سبحانه وتعالى هو الكامل وحده والنقص ملازم ~~لكل إنسان مهما كان. # وقال في شأن إسحاق ص " 21 " فإذا كان هذا حال خليل الله وأنه لم يسلم من ~~الكذب فلا عجب إذا وقع إسحاق في ذات هذه الخطيئة فلم يقو على التجربة لضعف ~~الطبيعة البشرية. # فأقول: ليت شعري إذ بنوا على صحة هذه القصص وأنها من الوحي الصادق، ~~فلماذا لم يحتملوا أن مثل هذا الكذب كان على وجه من الضرورة بحيث يكون ~~مباحا أو واجبا على مثل إبراهيم وإسحاق حفظا من الهلكة والقتل لنفس النبي ~~الذي يفدى بجملة الناس. # هب أنه لا يجوز مثله في شرعنا ولكن لماذا لا يكون مباحا في شرع إبراهيم ~~وإسحاق ms067 خصوصا مع قولهم لم تكن شريعة للقدماء قبل موسى فينحصر تحريمه عليهم ~~بحكم العقل بقبح الكذب وأن قبحه مع الضرورة وخوف القتل على النبي غير ~~معلوم، ولماذا لا يحتملون ذلك فيتقون الله من الوقيعة في قدس الأنبياء. # أفيقولون: إن الكذب بحسب كل حال وكل شريعة لا يمكن أن يكون غير قبيح ~~وجائزا أو واجبا لأجل بعض الضرورات والدواعي الراجحة، إذا PageV01P117 # فكيف أمر الله موسى وشيوخ بني إسرائيل بمقتضى نقل التوراة الرائجة أن ~~يكذبوا على فرعون، ويقولون له: إن إله العبرانيين التقانا فالآن نذهب سفر ~~ثلاثة أيام في البرية لو نذبح للرب إلهنا " خر 3: 18 " فعمل موسى بهذا ~~الأمر وزاد على قول الله بقوله لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف " خر 5: 3 " ~~وبقوله: # لأن لنا عيدا للرب " خر 10: 9 "، مع أن الغرض الحقيقي والموعد بين الله ~~وموسى غير هذا بل هو ذهاب بني إسرائيل إلى أرض الموعد أرض الكنعانيين وما ~~والاها وخلاصهم من عبودية المصريين " انظر إلى ثالث الخروج أقلا 8 و 17 ". # وكأني بالمتكلف وغيره يقول: إن الغرض من سفر الثلاثة أيام ليس على ما هو ~~المعروف من هذا التركيب، بل المراد منه السفر الذي تقطع مسافته بالسير ~~المتوالي الدائم في اثنين وسبعين ساعة مثلا وهو صادق على السفر إلى أرض ~~الموعد فإن أقرب أرض الكنعانيين إلى رعمسيس منزل بني إسرائيل في مصر لا ~~يزيد مسافته عنها على الستين فرسخا، أي مائة وثمانون ميلا اعتياديا بكثير. # " قلت ": لئن سامحناهم في صدق ذلك وجاز من الله وموسى أن يريدا هذا الغرض ~~المعمى من هذه العبارة البعيدة عنه جدا في المحاورات لأجل التعمية على ~~فرعون وإن فهم من الكلام ما هو المتعارف منه مما يخالف المراد فلماذا لا ~~يجوز لإسحاق أن يعمى مراده بقوله عن امرأته أنها أخته ويريد أنها أخته من ~~حيث القبيلة والاتصال بالنسب كما سمى الأدومي أخا للإسرائيلي باعتبار ~~اجتماعهما في النسب بعيسو ويعقوب في إسحاق " تث 23: 7 ". # دع هذا وقل: كيف جاز للمسيح أن يقول لإخوته حيث لم يكونوا ms068 يؤمنون به ~~اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، أنا لست اصعد بعد إلى هذا العيد لأن وقتي لم ~~يكمل بعد ثم صعد إلى ذلك العيد بالخفاء " يو 7: 1 - 11 ". # وأما قول طريق الأولياء: لا يوجد كمال في واحد من بني آدم غير الواحد ~~العديم النظير. # فأقول فيه: ويا أسفا ويا ليت كتبكم المنسوبة إلى الإلهام تركت قدس هذا ~~الواحد عن التلويث، كما سنذكر بعضه في الفصل الخامس عشر في عصمة المسيح. ~~PageV01P118 # وفي السابع والعشرين من التكوين " 25 " أن يعقوب أحضر لإسحاق أبيه خمرا ~~فشرب. # أقول: قد تقدم في الفصل الثاني في عصمة نوح ما يتعلق باضطراب المتكلف ~~وتناقض العهدين في مسألة شرب الخمر. # فإن قال المتكلف هنا كما قال في شأن نوح إن إسحاق شرب الخمر ولما أفاق ~~تاب من هذه الخطيئة ولم يعد. # قلنا له: يا أيها الكاتب الماهر أين توجد توبة إسحاق من العهدين؟. ~~PageV01P119 # الفصل الخامس في نبوة يعقوب وما قيل في شأنه أما نبوته فيكفي فيها من ~~القرآن الكريم النص عليها مع نبوة أبيه إسحاق كما تقدم في أول الفصل ~~السابق. # وفي الخامس والثلاثين من التكوين " 1 " قال الله ليعقوب " 9 ": وظهر الله ~~ليعقوب " 10 " وسماه إسرائيل " 11 " وقال له: وكذلك " تك 28: 13 ". # وأما ما ذكر في شأنه ففي السابع والعشرين من التكوين ما ملخصه أن إسحاق ~~أمر عيسى ابنه البكر أن يذهب إلى البرية ويتصيد له صيدا ويصنع له أطعمة كما ~~يجب ليباركه قبل أن يموت، فلما ذهب قام يعقوب بمشورة أمه رفقة وأخذ من ~~الغنم جديي معز وصنع لأبيه طعاما ولبس ثياب عيسى الفاخرة وألبس يديه وملاسة ~~عنقه جلود جديي المعز ليزور على أبيه إن رقبته ويديه مشعرة على ما كانت ~~عليه رقبة عيسى ويداه وتقدم لأبيه وقال كذبا: أنا عيسو بكرك قد فعلت كما ~~كلمتني قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك، وأحضر له خمرا فشرب وقال ~~إسحاق: هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال يعقوب أنا هو فباركه إسحاق، ومن جملة ~~البركة أن دعا ms069 له بكثرة الحنطة والخمر فاستعمل يعقوب بمقتضى التوراة ~~الرائجة هذا الخداع والتزوير وكذب على أبيه أكثر من أربع مرات حتى أوقعه مع ~~كبر سنه وذهاب بصره في أذى الارتعاد العظيم جدا حيث علم بالخديعة " تك 27: ~~33 ". PageV01P120 # أقول: قد قدمنا لك في الباب الأول من هذه المقدمة ما يدل بأوضح دلالة على ~~أن مثل هذه المخادعة والتزوير والكذب المتكرر على الأب النبي العاجز الكال ~~البصر مناقضة لورود النبوة على يعقوب خصوصا مع دلالة هذا العمل المذكور عنه ~~على ضعف الإيمان والمعرفة بالله بسبب البناء على أن البركات الله التي هي ~~من مفاتيح النبوة وسلسلة عهده مع إبراهيم تستلب من الله ونبيه إسحاق بمثل ~~هذه المخادعات والتزويرات القبيحة، فلا بد من القول بكون هذه الحكاية ليست ~~من الوحي ولا صادقة مضافا إلى سخافتها في نفسها ومنافاتها لجلال الله ~~الحكيم الغني علام الغيوب لأنه إن فرضت هذه البركة وما يتبعها من الشؤون ~~العظيمة مقدرة من الله ليعقوب، كما عن وحي ملاخي عن قول الله أحببت يعقوب ~~وأبغضت عيسو " مل، 1: 2 و 3 "، وكما عن الوحي لامهما من قول الرب لها وهي ~~حبلى بهما، إن الكبير يكون عبدا للصغير " تك 25: 23 ورو 9: 11 و 12 ". # سألنا أهل العقول السليمة أنه هل يصح في حكمة علام الغيوب أن يقدر هذه ~~البركة التي هي زمام النبوة أو نفسها لمن تنسب له هذه المخادعات والتزويرات ~~والأكاذيب الناشئة عن ضعف الإيمان والمعرفة بالله أو عدمهما كما ذكرنا، مع ~~أن اللسان الكاذب مكرهة للرب " 1 م 6: 16 و 17 " وكراهة الرب شفتا كذب " ا ~~م 12: 22 "،، وكيف يجتمع هذا مع كون الله أحب يعقوب؟ # وأيضا في التاسع عشر من الأمثال " 5 " المتكلم بالأكاذيب لا ينجو " 9 " ~~المتكلم بالأكاذيب يهلك. # قال فكيف قدرت له هذه البركة العظيمة " انظر تك 27: 27 - 30 ". # هذا وإن فرض أن أمر هذه البركة موكول إلى جعل إسحاق وأنها تكون حيثما ~~يجعلها سواء كان مخدوعا أو مختارا. # سألنا أيضا أهل العقول السليمة كيف يوكل الله العليم ms070 الحكيم أمر هذه ~~البركة مع عظيم شأنها إلى جعل إسحاق، مع أن إسحاق أراد وعزم وجزم على ~~PageV01P121 # أن يجعلها ليعسو مبغوض الله ثم جعلها توهما وانخداعا بالكذب ليعقوب بتوهم ~~أنه عيسو فابتع الله إسحاق على وهمه، أفيعجز الله عن جعل البركة في محلها ~~ولا يعلم حيث يجعل رسالته؟. # أفيغفل العاقل عن كون هذه القصة خرافة مخالفة للعقل، مجعولة مكذوبة على ~~الوحي؟. PageV01P122 # الفصل السادس في نبوة يوسف وما جاء في شأنه أما نبوته فيدل عليها من ~~القرآن الكريم ذكر الله له في عداد الأنبياء الذين فضلهم على العالمين من ~~ذرية إبراهيم " انظر سورة الأنعام 84 - 86 ونص على نبوتهم بقوله تعالى 89: ~~(أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة). # وأما ما جاء في شأنه فقد قال الله تعالى في سورة يوسف في شأنه مع امرأة ~~العزيز 24 (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه). # فقال المتكلف " يه 1 ج ص 5 " إن القرآن نسب ليوسف ما هو منزه عنه بقوله: ~~ولقد همت به وهم بها أي قصدت مخالطته وقصد مخالطتها. # قلت أولا: من أين للمتكلف أن المراد قصد مخالطتها ولماذا لا يكون المراد ~~أنه هم بها ضربا ونحو ذلك من وجوه المدافعة عن قداسته. # " وثانيا " أن قوله تعالى: (وهم بها) معلق على عدم رؤيته لبرهان ربه الذي ~~هو العصمة. فمعنى الآية أنه لولا أن رأى برهان ربه وكان معصوما لهم بها ~~لأجل وجود الدواعي الكثيرة من شبابه وجمال المرأة ورغبتها فيه وخلو المكان ~~وألفتها. # ولعل المتكلف إنما لم يذكر في نقله للآية تتمتها، وهو قوله تعالى: (لولا ~~أن رأى برهان ربه) لأجل التفاته، إلا أن التتمة تنقض غرضه خصوصا ما في ~~PageV01P123 # التتمة من قوله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء أنه من عبادنا ~~المخلصين) سيما وقد حكى الله عنه قبل الآية المذكورة قوله: (معاذ الله إنه ~~ربي أحسن مثواي). # وحكى جل شأنه عن المرأة 32 (أنا راودته عن نفسه فاستعصم) 51 (أنا راودته ~~عن نفسه وإنه لمن الصادقين) فصراحة القرآن ms071 تدل على نزاهة يوسف في هذه ~~الحادثة مطلقا. PageV01P124 # الفصل السابع في رسالة موسى وما قيل في شأنه أما رسالته في القرآن الكريم ~~فغنية عن البيان، ويكفي مما يدل على بعثته ورسالته وكتابه ومعجزاته ودعوته ~~ما اقتصه الله جل شأنه في سورة الأعراف 101 - 155 - ولا حاجة إلى بيان ~~رسالته من العهدين فإنها العنوان والأساس لهما. # وأما ما قيل في شأنه فقد قال الله جل اسمه في شأنه في سورة القصص 14 ~~(ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته ~~وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى ~~عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين 15 قال رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم). # فقال المتكلف " يه 1 ج ص 41 " فقتل القبطي مع أنه لم يكن ذلك مباحا له ~~ولم يكن قتله على سبيل الخطأ بل كان قتل عمد وعدوان لقوله هذا من عمل ~~الشيطان. وقوله: (رب إني ظلمت نفسي) وقوله في سورة الشعراء 19: # (فعلتها إذا وأنا من الضالين). # أقول: لا يخفى إن بني إسرائيل حينئذ كانوا مؤمنين بالله موحدين له ~~يعرفونه باسمه المقدس (اهيه الذي اهيه. ويهوه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب) ~~وهم شعب الله " انظر إلى ثالث الخروج " وأبناء الله أي أولياءه " خر 4: 23 ~~" PageV01P125 # وكان المصريون مشركين يعبدون البهائم " خر 8: 26 ". # فلما رأى موسى الذي من شيعته في الدين مع الذي من عدوه في الدين يقتتلان ~~حسن منه دفاع المشرك عن الموحد فوكزه فقضى عليه. ولا يتبين من الآية أنه ~~وكزه ليقتله بل سوقها يعطي أنه أراد به مجرد الضرب للدفاع فصادف قتله خطأ ~~فيجوز في نفس الواقعة أن يكون دفاع موسى للقبطي جائزا، ويجوز أيضا أن يكون ~~قتله جائزا ولو لأجل دفاع عابد الوثن عن الموحد خصوصا والعادة تقضي أن يكون ~~القبطي هو الظالم المعتدي لكون بني إسرائيل حينئذ تحت عبودية المصريين ~~القاسية وهذا الدفاع والقتل كان على ms072 حين غفلة من أهل المدينة يمكن ستره في ~~وقته بحيث لا يتعقبه ضرر فعلي ليكون حراما من هذه الجهة، ولكن كان الأفضل ~~لموسى تركه سترا على نفسه المقدسة أو على بني إسرائيل من تجسس المصريين ~~وتهمتهم أو أخبار الإسرائيلي إذا غضب وساء خلقه، فلما مات القبطي وعلم موسى ~~أنه وقع في خلاف الأفضل قال إنه من عمل الشيطان يعني إغواء المصري على ~~العدوان أو إغواء الإسرائيلي على المقاومة أو إقدامه على خلاف الأفضل ليثير ~~الشيطان شر المصريين على بني إسرائيل فقال على وتيرة الصديقين الذين يفزعون ~~من تركهم الأفضل (ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي) ليعود إلى مقامه الرفيع فغفر ~~له. وأما قوله (فعلتها إذا وأنا من الضالين) فلا دلالة فيه على أنه فعل ~~حراما لأنا قد قدمنا في الفصل الثاني من عصمة نوح أن المعنى الموضوع له لفظ ~~الضلال بل والمستعمل فيه غير مختص بمعصية الله ومخالفة أمره ونهيه اللازمين ~~بل هو إضاعة الطريق ويختلف باختلاف متعلقه. # ومن الواضح أن النبي بعد أن يهديه الله بنور النبوة إلى الحق اليقين. # ويكشف له بمشاهداتها عن أسرار اللاهوت والملكوت يرى أنه كان قبلها كالميت ~~الذي أحياه الله. # والجماد الذي نعشه بروح القدس فيحق له أن يصف حاله فيما قبلها بالضلال ~~الذي هو إضاعة الطريق عما اهتدى إليه بنور الوحي. # فالظاهر من سوق الآية وما قبلها أن موسى لما أخبر فرعون بأنه رسول ~~PageV01P126 # رب العالمين وأمره بأن يرسل معه بني إسرائيل ألقى عليه فرعون جملة من ~~الكلام تتضمن أمرين " أحدهما " الامتنان عليه بتربيتهم وإيوائهم له " ~~وثانيهما " التهكم على دعواه الرسالة وإنكارها بأنهم هم الذين ربوه من ~~الطفولية ولبث فيما بينهم سنين من عمره وآخر أمره كفر نعمتهم وفعل فعل ~~الأشرار فقتل منهم نفسا فمتى جاءته النبوة فأجاب موسى عليه السلام بما ~~معناه إني في آخر مكثي معكم حينما فعلت الفعلة وقتلت النفس لم أكن رسولا بل ~~كنت من الضالين عن هدى الرسالة إلى الحق اليقين، ففررت منكم لما خفتكم فوهب ~~لي ربي ms073 حكما وجعلني من المرسلين. # وأما التربية والمكث بينكم فقد كان ذلك من آثار استعبادكم القاسي لقومي ~~المؤمنين أولاد الأنبياء، فتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " انظر ~~سورة الشعراء 15 - 22 "، وهب أن ما ذكرناه مع وضوحه احتمالا في الآيات ~~والواقعة، فلماذا لا يمنع المتكلف من أن يقول جازما إن قتل موسى للقبطي لم ~~يكن مباحا ولم يكن خطأ بل كان قتل عمد وعدوان. # وقال الله تعالى في سورة الشعراء حكاية عن موسى لما أرسله إلى فرعون 11 ~~(قال رب إني أخاف أن يكذبون 12 ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ~~13 ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون 14 قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم ~~مستمعون). # فقال المتكلف " يه 1 ج ص 14 " إن هذا يدل على أنه لما أمر الله موسى ~~اعتذر عن التوجه بسبب العقدة التي في لسانه وقتله أحد المصريين فطلب من ~~المولى أن يرسل إلى أخيه هارون بأن يبلغ الرسالة والقصة مأخوذة من التوراة ~~وإنما دأب القرآن الاستخفاف بالخطايا فلم يذكر غضب الله على موسى كما ذكرته ~~التوراة، فموسى ترك الأفضل. # أقول: ليس في الآيات شئ من الدلالة على اعتذار موسى عن التوجه إلى ما ~~أرسل إليه، وإنما كان كلامه هذا حرصا على حصول الغرض من رسالته وطلبا ~~لليقين بحصوله بإبداء الموانع منه، ولم يطلب تحويل الرسالة عنه إلى هارون ~~إذ لا دلالة في قوله: أرسل إلى هارون على طلب الاستبدال به بل غاية ~~PageV01P127 # ما يدل على طلب الرسالة لهارون، وأن الموارد الأخر من القرآن لتشهد بأنه ~~طلب الرسالة لهارون معه ليكون ذلك أنجح لحصول الغرض، فقد حكى الله عنه في ~~سورة القصص قوله 34: (وهارون أخي هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني ~~إني أخاف أن يكذبون 35 قال سنشد عضدك بأخيك) وفي سورة طه 30 (واجعل لي ~~وزيرا من أهلي 31 هارون أخي 32 اشدد به أزري 33 وأشركه في أمري - 36 قال قد ~~أوتيت سؤلك يا موسى). بل يدل في ms074 خصوص المورد ما تقدم من قوله تعالى: " كلا ~~" أي لا تخف من القتل ولا يصلون إليك بسوء فاذهبا بآياتنا فإن قوله تعالى: ~~(فاذهبا بآياتنا) دال بواسطة الفاء التفريعية على أن الأمر بذهابهما معا ~~إجابة لمطلوب موسى وإيتاء لسؤله بقوله: " فأرسل إلى هارون " وكاشف عن أن ~~المطلوب لموسى هو إرسال هارون معه لا الاستبدال به. # ولئن تنزلنا قلنا الذي المعرفة: أفلا يكون ما ذكرنا في دلالة الآيات ~~احتمالا يمنع المتكلف عن جزمه في دعواه ولكنه قد امتلأ سمعه وقلبه من صراحة ~~التوراة الرائجة في نقلها استعفاء موسى من الرسالة بلسان غير لين ولا موافق ~~للأدب فصار يحمل ذلك على عاتق القرآن وحاشا وكلا. ففي رابع الخروج " 10 " ~~فقال موسى للرب: استمع أيها السيد لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول أمس ~~ولا من حين كلمت عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان " 11 " فقال له الرب: من ~~صنع للإنسان فما أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرا أو أعمى؟ أما هو أنا الرب ~~" 12 " فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " 13 " فقال استمع ~~أيها السيد أرسل بيد من ترسل " 14 " فحمى غضب الرب على موسى وقال: أليس ~~هارون اللاوي أخاك أنا أعلم أنه هو يتكلم إلى آخره. # وأنك لترى أن سوق الكلام القول المنسوب إلى موسى أخيرا: " استمع أيها ~~السيد أرسل بيد من ترسل " يعطي ما معناه أني لا أعتمد على هذا الوعد ولا ~~أصغي إلى هذه الحجة، بل اختر لرسالتك رسولا غيري. وحق أن يحمي غضب الله ~~لذلك اللهم إني أعوذ بك أن انسب مثل هذا لقدس رسولك PageV01P128 # وكليمك موسى. وأن انسب لجلال وجهك أن ترسل من يرد عليك بمثل هذا الرد. # وأما قول المتكلف فيما تقدم من كلامه إنما دأب القرآن الاستخفاف بالذنوب ~~فنقول فيه: إن القرآن الكريم كلام الله العليم الحكيم لم يجر على مجرى ~~العهدين الرائجين في الوقيعة بقدس موسى والأنبياء ونسبة فضائح الذنوب ~~والكفر إليهم كما سنذكر بعضه في هذه المقدمة ms075 إن شاء الله ولم يكن القرآن ~~ليجمع على العقل والنقل بين المتناقضين وهما الرسالة وقبائح الذنوب. # وأما قوله: إن موسى ترك الأفضل فهو من الظرائف أفما ذكر عنه في التوراة ~~في خطابه مع الله يعد من ترك الأفضل، أو أن ترك الأفضل يستدعي غضب الله، ~~ولعل المتكلف سمع من المسلمين بلفظ ترك الأفضل ولم يصل إلى حقيقة المراد ~~منه. # وأما ما ورد في القرآن الكريم في سورة الكهف 64 - 82 في الحكاية عن شأن ~~موسى والرجل الذي آتاه الله شيئا من علم الغيب من قوله تعالى: # (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما) إلى ~~قوله تعالى: (وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا) فقد حاول ~~المتكلف " يه 1 ج ص 42 " أن يجعل فيه قدحا بقدس موسى وأنى له ذلك. # ولنكشف نقاب الغفلة عن وجه هذه الآيات، فلا يذهب عليك أن الله جلت عظمته ~~وعظمت آلاؤه قد قسم رحمته وفضله على عباده حسبما اقتضته حكمته في خلقه ~~فأنعم على هذا العبد الصالح الذي يقال إنه الخضر بشئ من علم الغيب وأسرار ~~الحقائق، وأنعم على موسى كليمه فخصه في ذلك العصر بسيادة الرسالة بالشريعة ~~وحقائق العرفان بالله وقوانين السياسة المدنية والسيطرة على تربية الناس ~~وتأديبهم على ذلك بالدعوة إليه والاجراء له حسب فرصة الوقت من الاجراء ~~بالقول والفعل وعلى حكمة التمدن من مراعاة ظاهر الحال وحجبه عن علم الغيب ~~الذي لا مسيس له بحكمة وظيفته، فلما اجتمع موسى مع ذلك العبد الصالح طلب ~~منه أن يطلعه على شطر مما منحه الله من علم الغيب ولم يتواطئا على أن يكون ~~كل ذلك بأسرار الأفعال الجارية بحسب PageV01P129 # ظواهرها على خلاف الشريعة التي جعل تبليغها وسيطرتها لموسى، فكان العبد ~~الصالح يفعل الأفعال على مقتضى حقائقها وأسرارها الغيبة، وكان موسى يعترض ~~فيها على مقتضى وظيفته في القوانين الشرعية والسياسات المدنية. # ولم يظهر من القرآن أن موسى كان مذعنا بعصمة ذلك العبد الصالح في جميع ~~أفعاله عن ms076 الخطأ والجهل ليكون الاعتراض من موسى عليه مناقبا للإذعان بعصمته ~~فيسوغ لموسى السكوت عما يخالف ظاهرة الشريعة إلى أن يخبره بسره الغيبي، ولم ~~يظهر من القرآن أن ذلك الرجل كان رسولا واجب العصمة. نعم يظهر من القرآن أن ~~موسى كان معتقدا بصدقه في دعواه بأن ما صدر من أفعاله المشار إليها إنما هو ~~لكشف غيبي، ووصول إلى حقائقها لا لغفلة أو خطأ في شريعتها. # هذا ويجوز أن يكون اعتراض موسى على وجه الاستعلام عن الحقيقة والاستكشاف ~~لغيبها، ويكون قوله شيئا أمرا وشيئا نكرا، إنما هو بحسب مزاعم الناس الذين ~~لا يعلمون بحقيقة الرجل واطلاعه على بعض الغيب فلا ينبغي لغير المتسرع في ~~غفلاته أن يتوهم في دلالة الآيات شيئا من القدح بقدس موسى. # ثم قال المتكلف في هذا المقام " يه 1 ج ص 42 " والظاهر أن محمدا أخذ هذه ~~القصة من أقوال أهل عصره أو من خرافات اليهود فإنه لا وجود لها في التوراة ~~التي هي أقدم كتاب في الدنيا. # قلت: من أين للمتكلف حصر الحقائق والوقائع التاريخية بما ذكر في التوراة، ~~ومن أين له أن التوراة أقدم كتاب في الدنيا؟ أفتقبل هذه الدعاوى الكبيرة ~~بلا برهان مقبول؟ # وكأن المتكلف لا ينزه القرآن من الخرافات حتى يذكر ما في التوراة من خوف ~~الله من آدم أن يأكل من شجرة الحياة لأنه صار مثل الله في معرفة الخير ~~والشر " انظر تك 3: 22 ". # وأكل الملائكة من الزبد واللبن والعجل الذي قدمه لهم إبراهيم: " تك 18: 8 ~~". PageV01P130 # ومصارعة يعقوب مع الله حتى أنه لم يقدر على يعقوب فطلب منه أن يطلقه فلم ~~يطلقه حتى باركه " انظر تك 32: 22 - 30 ". # ومخادعة صفوره لله حين التقى موسيى وطلب أن يقتله بعد أن أرسله ووعده " ~~انظر خر 4: 24 - 27 "، وفي هذا المقدار كفاية فإن الإكثار منه يخرج عن حد ~~البحث إلى سوء القالة. # وأما قوله تعالى في سورة الشعراء 42 (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون) ~~فلم يكن قول موسى فيه لسحرة فرعون إذنا في السحر ms077 أو بعثا عليه ليكون قد فعل ~~حراما بذلك كما زعم المتكلف، بل إنما حقيقته اختياره التأخر في إلقائه ~~العصا عما صمموا عليه من السحر بإلقاء حبالهم وعصيهم، كما يفيده قوله تعالى ~~(ما أنتم ملقون) أي ما أنتم مصممون على إلقائه حيث جمعهم فرعون ليقابلوا ~~بسحرهم معجزة موسى، ويكشف عن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف 112 (قالوا يا ~~موسى أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين). # 113 قال: ألقوا، وفي سورة طه 68 (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون ~~أول من ألقى 69 (قال بل ألقوا). # وإنا لنسأل المتكلف من أين أخذ قوله قال علماء الإسلام: إنه أذن لهم في ~~السحر، وإن السحر كان جائزا. # ولا نقل للمتكلف أن العهد القديم يذكر عن إيليا النبي أنه أمر أنبياء ~~البعل " صنم " أن يذبحوا له محرقة ويدعوا باسم آلهتهم ففعلوا ذلك باقتراحه ~~حسب العادة في عبادة المشركين من الصباح إلى الظهر قائلين: يا بعل أجبنا، ~~كل ذلك بمحضر إيليا وبني إسرائيل، وزاد إيليا على ذلك بقوله: ادعوا بصوت ~~عال لأنه إله لعله نائم ونحو ذلك، كل هذا ليظهر لهم معجزته " 1 مل 18: # 23 - 30 ". # لأنا نقول لك أولا: لا قياس بين الأمرين فإن موسى لم يأذن بمقتضى القرآن ~~بالسحر ولا اقتراحه ابتداء ولا بعث عليه كما ذكرنا بخلاف ما يذكره العهد ~~القديم عن إيليا من أنه هو المقترح للعبادة الشركية للبعل والباعث عليها ~~فسماه إلها. PageV01P131 # " وثانيا " إن المتكلف لا يتحاشى في هذا الحال عن أن يقول نعم إن إيليا ~~أخطأ هاهنا وتحمل إثم العبادة الشركية وفعل خلاف الأفضل دلالة على ضعف ~~الطبيعة البشرية كهارون وسليمان وغيرهما من الأنبياء. # وأما قوله تعالى في شأن موسى في سورة الأعراف 149 (ولما رجع موسى إلى ~~قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح ~~وأخذ برأس أخيه يجره إليه) فلم يعين القرآن أن أخذ موسى رأس أخيه وجره إليه ~~كان على وجه الإهانة والإذلال في التعزير بحسب متعارف ms078 ذلك الوقت في بني ~~إسرائيل، بل يجوز أن يكون بحسب المتعارف من أحوال بني إسرائيل من أهون ~~أوضاع العتاب فإن العهدين ليوضحان بنقلهما لسير بني إسرائيل أنهم كان عندهم ~~تمزيق الثياب عند الغضب والتألم بمنزلة الحولقة والتمرغ على الأرض بمنزلة ~~الاسترجاع " انظر أقلا إلى السقوط على الأرض وتمزيق الثياب من أنبيائهم ~~وملوكهم الذين هم أولى بالوقار والتحمل " تك 37: # 29 و 34 وعد 14: 5 و 6 و 16: 4 و 22 و 45 و 20: 6 ويش 7: 6 و 2 صم 1: 11 ~~و 3: 31 و 13: 31 و 2 مل 2: 12 و 5: 7 و 19: 1 و 22: 11 وخر 11: 1 ومت 26: ~~65 ". # وقد كان موسى حينئذ حريا بالغضب لله إذ شاهد ذلك الأمر العظيم من قومه، ~~وأن المتكلف " يه 2 ج ص 56 س 4 " جعل ما ذكره القرآن من فعل موسى مع هارون ~~من فعل السفهاء. # وانطر أنت إلى ما نذكره في هذا الفصل مما نسبته التوراة الرائجة لموسى في ~~خطابه مع الله وقل إنه كخطاب من يكون، وفي خامس الخروج " 22 " فرجع إلى ~~الرب وقال: يا سيدي لماذا أسأت إلى هذا الشعب لماذا أرسلتني؟. # وفي الثاني والثلاثين إذ عبد بنو إسرائيل العجل نسب إلى موسى أنه قال لله ~~" 32 " والآن إن غفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت. # وفي حادي عشر العدد " 11 " فقال موسى للرب لماذا أسأت إلى عبدك؟ # حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي " 12 " لعلي حبلت بجميع هذا ~~PageV01P132 # الشعب أو لعلي حتى تقول احمله في حضنك " 15 " فإن كنت تفعل بي هذا ~~فاقتلني قتلا. # ولما وعده الله بقول التوراة عند ذلك أن يخفف عنه ثقل بني إسرائيل ~~ويطعمهم اللحم شهرا من الزمان " 21 " فقال موسى ستمائة ألف هو الشعب الذي ~~أنا في وسطه، وأنت قلت أعطيهم لحما ليأكلوا شهرا من الزمان " 22 " أيذبح ~~غنم وبقر ليكفيهم أم يجمع لهم كل سمك البحر ليكفيهم " 23 " فقال الرب لموسى ~~هل تقصر يد الرب الآن ترى يوافيك كلامي أم لا ms079 إنتهى. # فانظر يا ذا المعرفة واللسان ولحن المحاورات ومواقع الأدب والجرأة والطلب ~~والشك والتهكم والسخرية وسوء الأدب في الكلام، والتفت إلى مواقع هذا الكلام ~~المنسوب لموسى مع الله وحاشاه. # وانظر أين الأقوال الأخيرة من قول الله في القرآن الكريم: (رب أرني كيف ~~تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). # أفقول إبراهيم هذا مع اعترافه بالإيمان وطلبه لاطمئنان قلبه بانضمام الحس ~~إلى العقل يكون شكا في قدرة الله، أم هذا القول المنسوب صدوره لموسى بعد ما ~~رأى من آيات الله العظيمة في مصر وبعد خروجهم منها ما رأى سيما وقد رأى كيف ~~أنزل الله عليهم المن في برية سين قبل ورودهم برية سينا حسب كفاية بني ~~إسرائيل وزيادة " خر 16: 1 - 6 " وبمقتضى التوراة أن هذا الكلام المنسوب ~~لموسى كان في قبروت هتاوه إذ اشتهى بنو إسرائيل اللحم بعد أشهر من نزول ~~المن " عد 11: 4 - 34 ". # ثم انظر أيها الفطن إلى أنه هل تليق هذه الأقوال والمخاطبات لله العظيم ~~بوظائف الأنبياء المرسلين لأجل ردع الناس عن مثل هذه الجرأة على الله، ~~وتعريفهم عظمة الله وحكمته وقدرته وتعليمهم أن أوامره نعمة وتكاليفه لطف ~~ونبوته عناية ورحمة ورسالته فضل منه وتحمل مشقاتها عبادة وجهاد في سبيله ~~وأن الذي يمحى من كتابه من الهالكين. # وذكرت التوراة عن قول الله في شأن موسى وهارون إنهما لم يؤمنا بالله ~~PageV01P133 # " عد 20، 12 " وعصيا قوله عد " 27: 14 " وخاناه " تث 32: 51 " حتى أن ~~موسى فرط بشفتيه " مز 106: 33 " وليت شعري ماذا فرط بشفتيه وحاشاه ومع هذا ~~كله والمتكلف يقول ويكتب " يه 1 ج ص 42 س 18 ". # أما التوراة فلم تذكر يعني في شأن موسى سوى أنه اعتذر بثقل لسانه، ولعله ~~يقول أيضا: أن اعتذار موسى كان بألين الكلام وأحسنه أدبا فيا لهفاه على ~~الناس لو كانت رسل الله إليهم ودعاتهم إلى الحق وإدلاؤهم إلى الله وهداتهم ~~إلى الرشد على مثل هذه الصفات وحاشا لله من ذلك. PageV01P134 # الفصل الثامن في رسالة هارون وما ذكر في شأنه ms080 أما رسالته في القرآن ~~الكريم فيكفي فيها قوله تعالى في سورة مريم 54 (ووهبنا له من رحمتنا أخاه ~~هارون نبيا) وفي سورة قد أفلح 47 (ولقد أرسلنا موسى وأخاه هارون). # وأما في العهدين ففي السابع من الخروج " 1 " فقال الرب لموسى انظر أنا ~~جعلتك إلها لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك، ولئن أبيت هذا فيكفي من التوراة ~~صراحتها بأن الله كلم هارون في أمور الشريعة ولوازم الرسالة مع موسى ~~ومنفردا ففيها ما لفظه وكلم الله موسى وهارون وقال الله لموسى وهارون ما ~~يزيد على ثلاثة عشر موردا " انظر أقلا خر 7: 8 و 12: 43 ولا 11: 1 "، وكلم ~~الرب هارون " لا 10: 8 "، وقال الرب لهارون: " عد 18: 1 و 20 ". # وفي الثاني عشر من صموئيل الأول " 8 " أرسل الرب موسى وهارون وفي المزمور ~~الخامس عبد المائة " 26 " أرسل موسى عبده وهارون الذي اختاره وفي المزمور ~~السادس عبد المائة " 16 " وهارون قدوس الرب. # وفي التوراة أنه ظهرت على يده معجزة عصاه ويكفي من ذلك " خر 7: # 10 و 20 " وأنه صنع الآيات أمام عيون الشعب " خر 4: 30 ". # وأما ما ذكر في شأنه فقد ذكرنا عن التوراة قولها في شأنه وشأن موسى قولها ~~أنهما لم يؤمنا بالله وعصياه وخاناه. PageV01P135 # وفي الثاني والثلاثين من الخروج " 1 " ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في ~~النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير ~~أمامنا. # " 2 " فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم ~~وبناتكم وائتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها ~~هارون. # " 4 " فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالازميل وصنعه عجلا مسبوكا فقالوا هذه ~~آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر. # " 5 " فلما نظر هارون بني مذبحا أمامه وقال غدا عيد الرب. # " 6 " فبكروا في الصباح واصعدوا محرقات وقدموا ذبائح. # فأقول: وإن ما تذكره التوراة من صنع هارون العجل إجابة لطلب بني إسرائيل ~~منه أن يصنع لهم آلهة، لهو بمنزلة الإخبار القولي الصريح بأن العجل ms081 إلههم، ~~وبمنزلة الدعوة الصريحة إلى عبادته، وزاد على ذلك في الصراحة بأن بنى مذبحا ~~أمام العجل ونادى بالعيد على الرسم المألوف للعبادة، بل إن بناءه للمذبح ~~ونداءه للعيد عبادة منه في الظاهر للعجل الذي تبانوا على أنه إلههم. # فإذا كان الاعتقاد في هذا المقام موافقا للقول والعمل، كان القول والعمل ~~عبادة ظاهرا وواقعا، وإن كان الاعتقاد مخالفا لهما كانا عبادة منه في محض ~~الظاهر، وينضم إلى قبحها قبح الإضلال للناس وحملهم على الشرك بالله كفعل ~~إبليس، وعلى كل حال فالتوراة الرائجة صريحة في أن هارون وحاشاه صنع العجل ~~ليتخذه بنو إسرائيل إلها لهم وعبده وأمر بعبادته ولم تتعرض لبيان أن ~~اعتقاده كان مخالفا للظاهر. # وقد أنكر المتكلف " يه 1 ج ص 35 " على صاحب السيف الحميدي قوله ورد في ~~سفر الخروج أن هارون صور العجل وعبده وأمر بني إسرائيل بعبادته فجعل ~~المتكلف هذا القول افتراء على هارون فرية كبرى. # فأقول: أولا لا يخفى على الغبي أن صاحب السيف الحميدي كان PageV01P136 # باعتراضه منزها لهارون والتوراة الحقيقية عن هذه النسب، بل يقول إن هذه ~~الأقوال افتراء على هارون قدوس الله وعلى التوراة الحقيقية كتاب الله. # " وثانيا " إن قول التوراة الرائجة فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه ونادى ~~غدا عيد الرب قد بتره المتكلف عند نقله لهذا المقام ليموه اعتذاره البارد ~~بأن هارون طلب من بني إسرائيل أقراط الذهب ليصرفهم ويماطلهم في مطلوبهم إلى ~~أن يأتي موسى. # أجل فلماذا فعل وصنع العجل الذي أرادوه إلها؟ أوليس اللازم على المؤمن ~~فضلا عن النبي الرسول أن يبذل نفسه وما يعز عليه في المحاماة عن التوحيد، ~~ولماذا لما سمعهم يقولون عنه هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر ~~ورأى عكوفهم عليه على أنه إله بنى مذبحا أمامه ودعى للعيد. # وأن المتكلف هل يحصر العبادة بوضع خاص أو قول خاص، أوليس من الواضح أن ~~أولاها وأظهرها القول والإعلام بأن هذا إله، ثم التطوع له وترتيب آثار ~~الألوهية، وقد نسبت التوراة الرائجة كل هذا لهارون. # فيا ms082 أيها الذين لا يجوزون كذب النبي في التبليغ، ولا يجوزون على الله أن ~~يرسل النبي الكاذب في تبليغه كيف جوزتم على النبي الرسول أن يصنع وثنا لمن ~~يدعوه إلها ويدعو إلى الشرك بالله وعبادة الأوثان ويعين عليهما بفعله ~~وجعلتم ما تضمن ذلك من الوحي والإلهام. # وليت شعري كيف يجتمع هذا الذي تذكره التوراة في شأن هارون مع ما ذكرته ~~قبل ذلك من تكليم الله لموسى في شأن هارون أيضا وزيادة عنايته به في ~~استخدامه زيادة على النبوة والرسالة بتوظيفه للكهنوت والرئاسة الدينية ~~للتقديس وتكفير الخطايا وتعليم الشريعة وسدانة خيمة الاجتماع وزاد في ~~العناية بالتفصيل الضافي لثياب كهنوته للمجد والبهاء وتلوينها وتزيينها ~~وترصيعها وكان هذا التكليم المطنب على طور سينا في صعود موسى الذي تذكر ~~التوراة أن هارون صنع في أثنائه العجل إلها لبني إسرائيل وعبده ودعا ~~لعبادته حينما أبطأ موسى في النزول من الجبل " انظر إلى الثامن والعشرين من ~~الخروج بتمامه ولاحظه مع " خر 24: 12 - 32: 9 ". PageV01P137 # وأسأل المتكلف هل كان الله يعلم حينئذ بما يصنعه هارون من العجل وعبادته ~~والدعوة إليها وتساهل معه أو تقول غير ذلك تعالى الله علوا كبيرا. # وكيف ثم كيف يجوز العقل والعقلاء أن يرسل الله رسولا ويوظفه لخدمته في ~~الوظائف العظيمة وحفظ شريعته ويؤيده بإظهار عنايته به مع أن ذلك الرجل ~~يساعد على الضلال والشرك ثم يظهره أو يعتقده ويدعو إليه ويغوي المؤمنين. # أترى أن واحدا من ملوك الدنيا يعتني هذه العناية بمن يعلم أنه يضل رعيته ~~ويهيأ لهم التمرد على شريعته وسلطانه، أوليس أهون من ذلك أن يكون الرسول ~~موحدا في الظاهر والباطن محافظا على التوحيد والدعوة إليه ولكنه يكذب قليلا ~~أو كثيرا في تبليغ الأحكام التي لا تضر بأصل الإيمان وجوهر الشريعة. # ومن الظرائف فرار بعضهم كصاحب ميزان الحق إلى إنكار نبوة هارون ورسالته ~~فكابر في ذلك ما ذكرنا من صراحة العهدين. # ولقد صرف المتكلف فيما نحن فيه كلاما كثيرا لا ينفعه حتى في المغالطة ~~انظر إلى " يه 1 ج ص 36 و ms083 37 ". # واستشهد أيضا حيرة منه بآيات كثيرة من القرآن الكريم تنقض عليه بصراحتها ~~غرضه. # ومنها قول الله جل اسمه في سورة طه 87 - 95 وآخرها قوله تعالى: # (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمان ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى). # أفترى المتكلف توهم من هذه الآيات وخصوص الأخيرة أن معناها أن هارون صنع ~~العجل إلها لبني إسرائيل وإجابة لطلبهم ذلك منه، وبنى مذبحا ودعى إلى ~~العيد. # ثم إن المتكلف لما شعر بارتباكه في هذا المقام ولم يجد من طول كلامه ~~طائلا فر إلى الانتقاد بوهمه على القرآن ورسول الله ونسب " يه 1 ج ص 37 " ~~الخلط والغلط بتسميته صانع العجل المذكور بالسامري وجعلها من الجهل التام ~~PageV01P138 # بالتاريخ وبعلم توقيع البلدان وادعى بغفلته " يه 2 ج ص 55 " أنه لم يكن ~~في عصر موسى شئ يقال سامرة ولا سامرى. # فأقول: والذي دعى المتكلف إلى هذا التهور والإقدام ما في السادس عشر من ~~الملوك الأول في التراجم العربية الجديدة في ذكر عمري ملك إسرائيل الذي ملك ~~بعد سليمان بن داود بخمسين سنة تقريبا " 24 "، واشترى جبل السامرة من شامر ~~بوزنتين من الفضة وبنى على الجبل ودعى المدينة التي بناها باسم شامر ~~السامرة، فأضاف المتكلف إلى ذلك بوهمه مقدمتين إحداهما أنه لم يقع في خلق ~~الله في جميع الأمكنة والأزمنة منشأ للتسمية بالسامري حتى بنى عمري مدينته ~~المذكورة، " وثانيهما " أن القرآن تبع في تسميته صانع العجل بالسامري لما ~~ذكرناه عن الملوك الأول، وأن دعوى هاتين المقدمتين لتحتاج إلى الإلهام ولعل ~~المتكلف يدعيه ولم يختص بهذا بل سبقه إليه المتعرب " ذ ص 50 " فادعى أنه لا ~~يمكن أن يكون في بني إسرائيل على عهد موسى سامري وأن هذا النعت لم ينعت به ~~إلا بعد جلاء بابل. # إذا سمعت هذا فاعلم أنه كل ما جاء في العهد القديم من اسم السامرة ~~المذكورة فإنما لفظه في الأصل العبراني " شمرون "، وعلى ذلك جرت النسخة ms084 ~~الفارسية المطبوعة في ادن برغ سنة 1845 و 1846 حتى في العهد الجديد الذي ~~ترجمه هنري مارتن، وعليه أيضا جرت النسخة العربية المطبوعة سنة 1811 م في ~~العهد القديم منها. والترجمة العبرانية للعهد الجديد وجرت على نهج الأصل ~~العبراني للعهد القديم فسمت السامري " شمروني "، والسامرية " شمرونيت " ~~والسامريين " شمرونيم "، " انظر أقلا مت 10: 5 ويو 4: 4 و 9 و 8: # 48 ". # ولا بد أن يتضح لك من ذلك أن سامرة وسامر تعريب شمرون في اللغة ~~العبرانية، وسامري تعريب شمروني، وسامريين تعريب شمرونيم. # وحينئذ فاعلم أنه لا ينحصر وجه التسمية بالسامري بالنسبة إلى ما بناه ~~عمري بعد زمان سليمان، بل إن من المدن التي افتتحها يوشع بن نون ووقعت في ~~سهم سبط زبولون مدينة شمرون، وكان لها ملك فلا بد أن تكون موجودة ~~PageV01P139 # في عصر موسى لقرب الزمان " انظر إلى يش 11: 1 و 12: 20 و 19: # 15 " فيكون تعريبها سامرة، والمنسوب إليها سامري، وهذا كاف في جهل ~~المتكلف والمعرب. # ويبقى السؤال على كثير من تراجم العهدين بالعربية، وهو أنه لماذا عربوا ~~شمرون مدينة عمري بالسامرة وتركوا في التعريب شمرون التي افتتحها يوشع في ~~تراجمهم على حالها. # دع هذا فحقيقة الحال أن من أولاد يساكر ابن يعقوب من اسمه " شمرون " " تك ~~46: 13 وعد 26: 24 وأي 7: 21 ". # وكان بنوه من عشائر بني إسرائيل المعدودين في الجند على عهد موسى وسميت ~~عشيرتهم في الأصل العبراني " هشمرونيم " " عدد 26: 24 " وبمقتضى ما ذكرنا ~~من التعريب يكون اسمهم في العربية السامريين وواحدهم سامري، ولئن تهازل ~~المتكلف معجبا بعلمه ومعارفه. # وقال " يه 1 ج ص 37 " لا نعلم من أين أتى هذا السامري هل نزل من السماء ~~أم طلع من الأرض؟ # قلنا إنا لنعذرك في مبلغ اطلاعك وتهوراتك ونخبزك بمقتضى العهد القديم أنه ~~جاء من سبط يساكر من عشيرة " هشمرونيم " باللفظ العبراني والسامريين ~~بالعربي. PageV01P140 # الفصل التاسع في رسالة أيوب وما ذكر في شأنه أما نبوته ورسالته في القرآن ~~الكريم فيكفي فيها أن عده الله في عداد من أوحى إليه من الرسل المبشرين ms085 ~~والمنذرين لتقوم بهم الحجة " انظر إلى سورة النساء 161 - 163. # وجاء في شأنه قوله تعالى في سورة ص 44: (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه ~~أواب ". # وأما نبوته في العهدين فقد تكرر ذكر تكليم الله له ووحيه إليه " انظر أي ~~38: 1 و 40: 1 و 6 و 42: 7 ". # وما يدل على أنه كان عظيما عند الله يخلص نفسه ببره " مز 14: 14 و 20 " ~~وأنه ليس مثله في الأرض رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر " أي 1: ~~8 و 2: 3 ". # وفي الخامس من رسالة يعقوب " 11 " قد سمعتم صبر أيوب. # ومع ذلك قد جاء عنه في العهد القديم من الاعتراض على أمر الله، والضجر من ~~ابتلائه، وسوء الأدب، في الاعتراض على الله والتألم من الوعظ والإرشاد ما ~~لا ينبغي أن يصدر من أجهل جهال الأشرار. # فقيل عنه إنه جعل القضاء ظلما بكلام بلا معرفة " أي 38: 2 " وصار ~~PageV01P141 # يطلب المحاكمة مع الله " أي 19: 7 و 23: 3 - 9 " ويعرض بنسبة الظلم إليه ~~تعالى الله عن ذلك " أي 10: 3 و 19: 7 " وإن الله نزع حقه " أي 27: 2 " ~~ولفق فوق إثمه " أي 14: 17 ". # وانظر الكلام المنسوب له في السفر المسمى باسمه تجد العجب العجيب " انظر ~~أقلا أي 9: 21 - 24 و 28 - 35 و 10: 1 - 8 "، فهل يجتمع صدق هذا النقل عنه ~~مع صدق المنقول في رسالة يعقوب. قد سمعتم صبر أيوب، وهل يجتمع هذا مع ~~النبوة والرسالة التي من مهمات مقاصدها قطع مادة هذا الفساد. PageV01P142 # الفصل العاشر في نبوة داود وما ذكر في شأنه أما نبوته في القرآن الكريم ~~فيكفي فيها قوله تعالى في سورة بني إسرائيل (ولقد فضلنا بعض النبيين على ~~بعض وآتينا داود زبورا ". وعده في جملة الرسل الموحي إليهم كما في سورة ~~النساء 161 - 163، (وانظر إلى سورة الأنعام 84 - 90. # وأما في العهدين ففي الثالث والعشرين من صموئيل الثاني 1 وحي داود ابن ~~يسي ووحي الرجل القائم في العلا روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني 3 قال ~~إله إسرائيل إلي تكلم صخرة إسرائيل. # وفي ms086 ثاني عشر مرقس 36 لأن داود يدعوه بالروح القدس ربا، ونحوه في الثاني ~~والعشرين من متى. # وفي ثاني الأعمال 30 صرح ما عن بطرس بأن داود كان نيبا، وفي أول رسالة ~~العبرانيين المنسوبة إلى بولس استشهد بفقرات عديدة من المزامير وجعلها قول ~~الله. # وأما ما ذكر في شأنه ففي القرآن الكريم في سورة ص 20 (وهل أتيك نبوء ~~الخصم إذ تسوروا المحراب) 12 إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف ~~خصمان بغى بعضنا على بعض - 22 إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة فقال أكفلنيها وعزني بالخطاب 23 قال لقد ظلمك بسؤال PageV01P143 # نعجتك إلى نعاجه - وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب). # قال المتكلف يه 1 ج ص 47 كل من أوتي ذرة من الفهم جزم بأن هذه الأقوال ~~مأخوذة من التوراة. # يعني أنها مأخوذة من الحادي عشر من صموئيل الثاني حيث ذكر فيه أن داود ~~وحاشاه زنى بامرأة أوريا الحثي الذي هو من جنده المؤمنين على علم بأنها ~~امرأة أوريا وذات بعل فحملت منه وحاول أن يموه حملها منه ويلصقه بأوريا ~~زوجها ثم سعى في قتل أوريا، وقد تشبث المتكلف لدعوى مطابقة الآيات في ~~المراد لما ذكرنا عن صموئيل الثاني بأقوال بعض المفسرين حيث ذكروا في ~~تفسيرها نحو ما ذكر في صموئيل من الزنا وإلقاء أوريا للقتل وقد قدمناه في ~~المقدمة السابعة أن مثل هذه الأقوال لا تحتفل بها الجامعة الإسلامية ولا ~~يصح الجدل بها، وأن التشبث بها إنما هو من ضيق الخناق خصوصا مع مصادمتها ~~لحكم العقل بعصمة النبي ومعارضتها بما حكاه المتكلف " يه 1 ج ص 49 " عن ~~تفسير النسفي وغيره من أن داود وقعت عينه على المرأة فأحبها فسأل أوريا ~~النزول له عنها فاستحيا أن يرده ففعل فتزوجها. # وما نقله أيضا " يه 1 ج ص 50 " مما روى عن علي عليه السلام أنه قال من ~~حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهي حد الفرية على ms087 ~~الأنبياء فسمى عليه السلام رواة ذلك قصاصا وهم المعتمدون على الخرافات ~~التاريخية، وصرح بأنه فرية على النبي. # وروى الراوندي في قصص الأنبياء عن الإمام السادس من أهل البيت جعفر بن ~~محمد عليهما السلام روايتين بهذا المضمون وتبرئة ساحة داود عن هذا ~~الافتراء. # فمن الوهم البين قول المتكلف قبل ذكر الرواية عن علي عليه السلام إن عليا ~~لم يكن زجره إنكارا لحقيقة القصة بل لصرف الناس عن المثالب. # وليت شعري ألم يفهم المتكلف معنى قوله عليه السلام حد الفرية على ~~الأنبياء ولم ينظر إلى معنى الفرية في كتب اللغة، هذا وقد رويت أيضا في ~~تفسير PageV01P144 # الآيات روايات متعددة مختلفة المضمون وكلها معارضة لما ذكره أولا عن ~~المفسرين ومبرئة بجامع مضمونها لداود عن الزنا وما بعده، فانظر إلى كتاب ~~تنزيه الأنبياء للسيد المرتضى " قدس سره " (1). # فأقول: إن من كان له من الفهم ما يهديه إلى الصواب ليجزم بأن مدلول ~~الآيات مباين للقصة المذكورة في حادي عشر صموئيل الثاني، فإن دعوى أحد ~~الخصمين إن كانت على سبيل المثل لفعل داود كانت هي وجواب داود في القضاء ~~بمقتضى القرآن يدلان على أن الصورة محض الطلب والسؤال للنعجة من دون أخذ ~~لها أو تصرف بها قهرا أو اختلاسا وبمقتضى قانون المثل في مطابقته للممثل أن ~~لا يكون داود تصرف بامرأة أوريا، وحيث أن الروايات المفسرة للآيات زيادة ~~على تعارضها فيما بينها لم يبلغ بعضها الحد الذي يصح الاعتماد عليه أو ~~الجدل به حسب القانون الذي ذكرناه في المقدمة السابعة فصواب القول في ~~الآيات هو إنها لا دلالة فيها على أن الخصمين من أي نوع كانا، ولا على أن ~~محاكمتهما كانت صورية لأجل التوبيخ لداود، ولا على أنه تسرع في القضاء، ولا ~~على أن فتنته وامتحانه بأي نحو كانا، فمقتضى ظاهر اللفظ أن المخاصمة غير ~~صورية، ومقتضى أن داود آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب كما في سورة ص 19، ~~وأنه عن أحكام الله لم يمل لأن الله هو علمه ولم ينس شريعة الله ولم يضل عن ~~وصاياه ms088 " مز 119: 112 و 109 و 110 " هو أنه لم يتسرع في الحكم ولم يجر على ~~غير قانونه الشرعي. # وأما فتنته فيجوز في معناها أن يكون داود قد امتحنه الله بدخول الخصوم من ~~غير الموضع المعتاد للدخول ومخاصمتهم في أمر غير مهم كثيرا حتى فزع وفكر في ~~ذلك، وأنه ما عسى أن يكون هذا الأمر فشغل بفزعه وفكره زمانا عن وظيفته ~~وطريقته في محراب العبادة من النوافل والتسابيح المندوبة فخر راكعا مسارعة ~~إلى وظيفته وأناب إلى الله عما يعده في تقواه واجتهاده في العبادة زلة من ~~زلات المتقين فطلب من الله المغفرة والعود إلى مقامه الرفيع ومنزلة ~~الصديقين فقال الله جل شأنه في أثر الآيات 24: (فغفرنا له ذلك وإن له عندنا ~~لزلفى # PageV01P145 # وحسن مآب)، وكيف يكون له عند الله زلفى وحسن مآب إذا كان قد اتبع هواه ~~مدة من الزمان كما يزعمون إلى الزنا بذات البعل وتسبيبه قتل زوجها، وقد قال ~~الله له 25: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب). # وأن هاتين الآيتين الأخيرتين يتحصل منهما برهان استثنائي على أن داود لم ~~يتبع الهوى فلم يفعل خطيئة، وتقريره هو أن كل من يتبع الهوى له عذاب شديد ~~بحكم الآية الأخيرة، لكن داود ليس له عذاب شديد بل له عند الله زلفى وحسن ~~مآب بحكم الآية التي قبلها، فينتج بالبداهة أن داود لم يتبع الهوى فكيف ~~تفسر الآيات السابقة؟ أو يتوهم في معناها ما يناقض هذه النتيجة، وإذا تدبرت ~~هذا كله عرفت صواب الشيخ السنوسي وجرأة المتكلف عليه " يه 1 ج ص 53 س 16 "، ~~وسيعلمون غدا من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى. # وفي المزمور المائة والتاسع عشر 101 من كل طريق شر منعت رجلي لكي أحفظ ~~كلامك 102 عن أحكامك لم أمل، لأنك أنت الذي علمتني 110 أما وصاياك فلم أضل ~~عنها. # وليت شعري كيف يجتمع هذا المنسوب إلى الإلهام والوحي مع ما سنذكره من ~~العهدين مما يشدد ms089 القدح في قدس داود، وكيف لا يتناقضان؟ وكيف يكون ~~التناقض؟. # ففي الحادي عشر من صموئيل الثاني 2 وكان في وقت المساء أن داود قام عن ~~سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة ~~جميلة جدا 3 فأرسل داود وسأل عنها فقال واحد: أليست هذه بثشيع بنت اليعام ~~امرأة أوريا الحثى؟ 5 فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت اليه فاضطجع معها وهي ~~مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها 5 وحبلت فأرسلت وأخبرت داود وقالت: إني ~~حبلى، فأرسل داود على أوريا وجاء به من الحرب وأمره أن يذهب إلى بيته " ~~وغرضه أن يقارب أوريا امرأته فيتموه أمر الحمل " فلم يمض أوريا إلى بيته ~~مواساة لأصحابه المتجردين للحرب في سبيل الله مع PageV01P146 # تابوت الله، ولما مضى أوريا إلى الحرب كتب داود إلى رئيس جيشه أن يجعلوا ~~أوريا في وجه الحرب الشديدة ويرجعوا من ورائه ليقتل ففعلوا وقتل أوريا ~~وأخبر داود بموته فأرسل إلى امرأته المذكورة فضمها إلى بيته فولدت له ولدا ~~من حمل ذلك الزنا " 2 صم 11: 6 - 27 " فأرسل الله ناثان النبي إلى داود ~~وقال له قد كان في مدينة رجلان واحد فقير له نعجة واحدة عزيزة عليه، وآخر ~~غني له غنم وبقر كثيرة جدا فأخذ الغني نعجة الفقير وهيأها لضيفه فقال داود ~~يقتل هذا الرجل ويرد على الفقير النعجة أربعة أضعاف " وفي النسخة السبعينية ~~سبعة أضعاف " فأخبره ناثان بأن هذا مثل له ووبخه عن قول الله على أفعاله ~~وأن الله سيكافيه ويسلط عليه من أهل بيته من يزني بنسائه قدام جميع إسرائيل ~~وأخبره بأن الولد المولود له من هذا الزنا سيموت، ولما مرض الولد صام داود ~~لأجله وطلب من الله شفائه وبات مضطجعا على الأرض ولم يأكل خبزا " 2 صم 12 - ~~18 ". # وقد نسب إلى داود هاهنا خطيئة أخرى وهو حكمه على آخذ النعجة بخلاف شريعة ~~التوراة إذ قد جمع عليه بين القتل وغرامة أربعة أضعاف النعجة أو سبعة لأنه ~~إن كان قد سرقها غرم ms090 أربعة أضعافها ولكن لا يهدر دمه مطلقا إلا إذا وجد ~~ينقب فضرب ومات فإنه ليس له دم، ولكن إن أشرقت عليه الشمس فله دم " خر 22: ~~1 و 2 "، وأما إن كان قد غصبها فليس عليه إلا أن يعوض عنها ويزيد عليها خمس ~~العوض ويكفر بكبش صحيح ذبيحة اثم " لا 6: 1 - 8 ". # وأيضا قد نسب له مع أبشالوم ابنه ما ينجر إلى الخطيئة والتساهل في ~~تأديبات الشريعة وحدودها مع الأشرار المفسدين في الأرض لمحض الهوى وحب ~~الولد " انظر 2 صم 15 - 18: 33 ". PageV01P147 # الفصل الحادي عشر في نبوة سليمان وما ذكر في شأنه أما نبوته في القرآن ~~الكريم فقد ذكره الله جل اسمه في عداد الأنبياء من ذرية إبراهيم في سورة ~~الأنعام 84 وقال تعالى بعد تعدادهم 89 (أولئك الذين آتيناهم الكتاب ~~والنبوة). # وذكره أيضا في سورة النساء في عداد الرسل الموحي إليهم المصرح برسالتهم ~~161 - 163. # وأما في العهدين ففي الثالث من الملوك الأول 5 والأول من الأيام الثاني 7 ~~ترائى الله لسليمان وقال له: اسأل ماذا أعطيك؟ # وفي العهدين أيضا فقال الله لسليمان: " 1 مل 3: 11 و 12 ى 1: # 11 "، وفي السابع من الأيام الثاني 12 ما حاصله أن الله ترائى ثانيا ~~لسليمان وقال له: قد سمعت صلاتك. # وفي سادس الملوك الأول 11 وكان كلام الرب إلى سليمان. # وفي الثامن والعشرين من الأيام الأول عن قول داود عن قول الله له 6 وقال: ~~إن سليمان ابنك هو يبني بيتي ودياري لأني اخترته لي ابنا وأنا أكون له أبا. ~~ونحوه في الثاني والعشرين من الأيام الأول 9 و 10، وسابع صموئيل الثاني. ~~PageV01P148 # وأما ما ذكر في شأنه ففي القرآن الكريم في سورة ص 29 (ووهبنا لداود ~~سليمان نعم العبد إنه أواب 30 إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد 31 فقال ~~إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارث بالحجاب 32 ردوها علي فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق). # قال المتكلف " يه 1 ج ص 43 "، قد ورد في القرآن ما يفيد أنه اشتغل ~~بالأمور ms091 الدنيوية التي ألهته عن عبادة الله - والآيات دالة على أن الخيل ~~ألهته عن الصلاة. # أقول: لا ينبغي أن ينكر أن اقتناء سليمان للخيل واختياره لأحوالها كان من ~~الخير الراجح، لأن اقتناءها كان بمقتضى الحال لتثبيت مملكة الإيمان ~~والاستعداد لدفاع طغيان الوثنيين وعدوانهم، وربما يدل عليه قوله أحببت حب ~~الخير فلا وجه للقطع بأنه كان من اللهو الدنيوي كما توهمه المتكلف بل هو ~~على ما ذكرناه نحو من أنحاء العبادة ومقدمات المحافظة على الموحدين والجهاد ~~في سبيل الله، ومن أين في دلالة الآيات ما يفيد أنه اشتغل بالنظر إلى الخيل ~~عن عبادة واجبة حتى فات وقتها ليكون قد أذنب وفعل قبيحا. فلماذا لم يحتمل ~~المتكلف أن ذكر الرب في الآية كان من التسابيح المندوبة التي يجوز تركها ~~وإن كان عمدا فضلا عن الاشتغال عنها بخير آخر، ولكنها لما كانت من وظائف ~~سليمان المعتادة في ذلك الوقت أسف على فوات وظيفتها بسبب ما يمكن تحويله ~~إلى وقت آخر. # ويمكن أن يكون معنى باقي الآيات إن لم يكن هو الظاهر منها أن سليمان رد ~~الخيل إلى محالها ليدرك وقت الوظيفة من الذكر المعتاد له، ولما توارت ~~بالحجاب وفات وقت الوظيفة قال: ردوا الخيل علي ليعود إلى الخير الأول فطفق ~~يمسح بسوقها وأعناقها لأحد أمرين: إما لأنه أحب أن يتواضع لله ويعمل عمل ~~المتولين لخدمة الخيل وسواسها، وإما لأن يتآلفها ليتمكن منها وتجري على ~~إرادته عند الركوب، وكيف كان فإن قول الله جل اسمه عند صدر القصة في شأن ~~سليمان " نعم العبد إنه أواب "، مانع عن حملها على وجه يقتضي وقوع سليمان ~~في المعصية. PageV01P149 # وقال الله تعالى في سورة ص أيضا 33 (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب 34 قال رب اغفر لي...). # فقال المتكلف " يه 1 ج ص 45 " إن هذه العبارات دالة بصراحة اللفظ على ~~وقوعه أي سليمان في الخطيئة. # أقول: إن من معاني الفتنة هو الامتحان والابتلاء وقد اقتضت الحكمة ابتلاء ~~سليمان فألقى على كرسيه جسدا فشغله ذلك ms092 عن تسابيحه المندوبة ووظائفه ~~المعتادة ولم يفعل بذلك ذنبا ولو تركها عمدا وابتداء ولكن اجتهاد الأنبياء ~~في العبادة يأبى ذلك بل يعدونه من الخسران وأسباب عدم الترقي بالطاعة إلى ~~المراتب السامية، فساء سليمان ذلك وأناب إلى ربه واستغفره لتقصيره عن ~~وظيفته الذي يعده الصديقون من الزلل ونقصان الربح فغفر الله له، ولعل ما ~~ناله بالإنابة إلى الله أفضل مما فاته. # ومما ينبغي الاعتبار به أن المتكلف تقول على القرآن وهذه الآيات. # فقال " يه 1 ج ص 43 " غير متحرج حتى من انتقاد الناس، أنه ورد في القرآن ~~أن سليمان سمح بعبادة الأصنام في بيته. # وتشبث لكل ما ادعاه هاهنا كعادته بأخبار بعض القصاص " انظر إلى يه 1 ج ص ~~44 و 45 " وأنه ليعلم أن جمهور المسلمين والجامعة الإسلامية لا يحتفلون ~~بها، وأنه لحق أن يقال له ماذا تصنع؟ أو ما سمعت المثل ولن يصلح العطار ما ~~أفسد الدهر. # فإن في الحادي عشر من الملوك الأول 4 وكان في زمان شيخوخة سليمان أن ~~نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود ~~أبيه 5 فذهب سليمان وراء عشتاروت آلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين 6 ~~وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه 7 حينئذ بنى ~~سليمان مرتفعة لكموش رجس الموابيين على الجبل الذي تجاه أورشليم ولمولك رجس ~~بني عمون وانظر إلى " 2 مل 23 مل: 13 ". PageV01P150 # وليت شعري هل عبادة الأوثان إلا أن يذهب ورائها ويعمل لها مثل ما يعمله ~~عبدتها لها كبناء المرتفعات ونحوه، وأن المتكلف قد هون هذا الأمر " يه 1 ج ~~ص 43 " فقال ذكر في التوراة: إن النساء الغريبات أملن قلب سليمان حتى بنى ~~لآلهتهن المرتفعات. # ومن الاتفاق الظريف أن في العهدين كلمة تنقل عن قول الله قد لازمتها ~~العاقبة الغير المحمودة " وهي كلمة الابن ". # ففي رابع الخروج 22 يقول الرب إسرائيل ابني البكر 23 أطلق ابني ليعبدني ~~فكان عاقبة ذلك أن هؤلاء الذين قيل فيهم ms093 هذا قد تقلبوا في شركهم ما شاؤوا ~~كما سمعت في المقدمة الخامسة. # وفي الثامن والعشرين من الأيام الأولى في شأن سليمان اخترته لي ابنا وأنا ~~أكون له أبا. # ويقول الحادي عشر من الملوك الأول 5 - 8 إن هذا المختار مال قلبه إلى ~~الأوثان وذهب ورائها وعمل لها ما يعمله عبادها. # وفي ثالث متى في شأن المسيح 17 هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت فكانت ~~العاقبة ممن ينتمي إليه أن يقول إن الله ذو أقانيم ثلاثة فهو واحد وثلاثة. # هذا وقد نسب الحادي عشر من الملوك الأول إلى سليمان غير هذا من المعاصي ~~الكثيرة ومخالفات الشريعة، منها تزوجه بسبعمائة امرأة واتخاذه ثلاثمائة من ~~السراري " 1 مل 11: 3 ". # وقد حرمت التوراة على ملك بني إسرائيل كثرة النساء " تث 17: 17 " ومنها ~~تزوجه بالوثنيات وقد حرمته التوراة أيضا " خر 34: 16 وتث 7: 3 و 4 ". # ولا بد حينئذ من أن تكون مقاربة المرأة التي حرم التزويج بها من قسم ~~الزنا المحرم في التوراة " خر 20: 14 وتث 5: 18 ". # وعلى هذا فقد نسب إلى سليمان كثرة الزنا في كثير من عمره الشريف ~~PageV01P151 # وذلك من حيث تجاوزه المقدار الموظف له في الشريعة من النساء ومن حين ~~تزوجه بالمشركات. # فلينظر العاقل أنه هل يجوز في حكمة الله ولطفه أن يكون مثل من تنسب له ~~هذه الأمور نبيا بعث لإرشاد الخلق واختاره الله ابنا له وأوحى إليه مثل ~~كتاب الأمثال والجامعة المعدودين من كتب الوحي. PageV01P152 # الفصل الثاني عشر في نبوة اليسع وما ذكر في شأنه أما نبوته في القرآن ~~الكريم فقد ذكره في عداد الأنبياء الذين صرح بنبوتهم في سورة الأنعام 86 - ~~89، وفي مقام آخر ظاهر في أنه لتعداد الأنبياء في سورة ص 48. # وأما في العهدين فقد صرح بنبوته في أول التاسع من الملوك الثاني، وأما ما ~~ذكر في شأنه ففي الثامن من الملوك الثاني 7 - 9 أن بنهدد ملك آرام كان ~~مريضا فأرسل حزائيل مع هدية إلى أليشع ليسأله عن كلام الله أنه هل يشفى من ~~مرضه 10 ms094 فقال له أليشع: اذهب وقل له شفاء تشفى وقد أراني الرب أنه يموت ~~موتا. # وقد نسب إلى أليشع في ذل صريح الكذب على الوحي وكلام الله. # وفي السادس من الملوك الثاني 19 ما حاصله أن أليشع كذب على الجيش الذي ~~أرسله في طلبه ملك آرام ثلاث كذبات لم تلجأ إليها الضرورة كما ألجأت إسحاق ~~إلى قوله عن امرأته إنها أخته. PageV01P153 # الفصل الثالث عشر في نبوة ارميا وما ذكر في شأنه أما نبوته ففي صريح ~~السادس والثلاثين من الأيام الثاني 12 وثامن متى 17 وفي هذا المقدار كفاية ~~لأهل الكتاب. # وأما ما ذكر في شأنه ففي العهدين في رابع كتابه المسمى ارميا عن قوله 10 ~~فقلت آه يا سيد الرب حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا يكون ~~سلام وقد بلغ السيف النفس. # أقول: وليت شعري ماذا يقول المتكلف في هذا المقام؟ أيقول إن الله جل شأنه ~~متصف بهذا تعالى عن ذلك علوا كبيرا؟ أم يقولون إن هذا النبي الموحى إليه ~~بكثير من الغيب والمرسل لموعظة بني إسرائيل وإرشادهم لا معرفة بالله ولم ~~يسمع عن التوراة أقلا قولها إن الله ليس إنسانا فيكذب " عد 23: # 19 ". # وفي خامس عشر صموئيل الأول 29 ونصيح إسرائيل لا يكذب أم يقولون إن هذا ~~النبي شاء أن يسب الله ويصفه بالكذب والخداع لينكشف للناس علم الله وغناه ~~وحكمته في إرساله، ولا أقل من أن يكون هذا الكلام المعدود من الإلهام كذبا ~~في تبليغ الناس وإرشادهم إلى العارف الحقة إذ نسب هذه الصفة إلى الله ~~تعالى، أم يقولون إن هذا الكلام وما يجري مجراه مكذوب على الأنبياء مدسوس ~~في كتب الوحي من تصرف الضلال أو من عبث الجهل، فليعتبر ذو الرشد. ~~PageV01P154 # الفصل الرابع عشر في نبوة حزقيال وما ذكر في شأنه أما نبوته فضرورية عند ~~أهل الكتاب والكتاب المنسوب إليه المشتمل في أواخره على تبليغ الشريعة ~~معدود من الكتب الإلهامية الصادرة عن الوحي وكلام الله عند عامة أهل الكتاب ~~ما عدا بقية السامريين. # وأما ما ذكر ms095 في شأنه فقد قدمنا عنه أنه أخبر في السادس والعشرين من ~~حزقيال عن قول السيد الرب في شأن تخريب نوبخذ راصر لصور ونهبه لثروتها ~~وغنيمة لتجارتها بتفصيل طويل الذيل، ثم ذكر عنه في التاسع والعشرين عن كلام ~~الرب إن نبوخذ راصر لم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور وإن الله عوضه عنها ~~بمصر فراجع وافرض صحة ما تكلفه المتكلف ومع ذلك تجد ما بد من أن يكون كذبا ~~في التبليغ عن الله. PageV01P155 # الفصل الخامس عشر في رسالة المسيح وما قيل في شأنه أما رسالته في القرآن ~~الكريم فيكفي قول الله جل شأنه في سورة النساء 169: (يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة إنتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا)، وقوله جل شأنه في سورة المائدة ~~79: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون). # وأما رسالته في العهد الجديد فلا تحتاج إلى ذكر. # وأما ما ادعى في العهد الجديد من إشارة العهد القديم إليه وإلى نبوته ~~فسيأتي إن شاء الله إيضاح أن بعضها لا وجود له في العهد القديم، وبعضها لا ~~يمكن انطباقه عليه، وبعضها نص في سليمان بن داود وبعضها رموز تنطبق على ~~غيره كما تنطبق عليه، بل لعل انطباقها على غيره أولى. # وأما ما ذكر في شأنه فأمور: # " الأول " أن في سابع لوقا 34 وحادي عشر متى 19 ما يتضمن اعتراف المسيح ~~وحاشاه بأنه شريب خمر - أي كثير الشرب لها -، وفي السادس والعشرين ~~PageV01P156 # من متى 27 - 30، ورابع عشر مرقس 23 - 26 والثاني والعشرين من لوقا 17 و ~~18 ما يتضمن أنه حاشاه شرب الخمر وقال قول المودع لها المتأسف على فراقها، ms096 ~~وفي ثاني يوحنا 1 - 12 أنه وحاشاه حضر هو وتلاميذه في قانا الجليل مجلس ~~العرس الذي تشرب فيه الخمر ولما فرغت الخمر صنع لهم بطلب أمه ستة أجران من ~~الخمر الجيد فسقوا منه. # وليت شعري ما يصنع المتكلف وغيره بهذا إذا كانت الخمر حراما قطعا، كما ~~اعترف به المتكلف " يه 1 ج ص 13 "، وكذا سقيها كما في ثاني حبقوق 15، وكما ~~سنوضحه إن شاء الله في موانع النبوة وبيان حرمتها خصوصا على الأنبياء. # " الثاني " قد قدمنا في الفصل الرابع من الباب الثاني من هذه المقدمة أنه ~~قد ذكر عن قول المسيح في شأن معاصريه جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له ~~آية إلا آية يونان النبي " مت 12: 39 ولو 11: 29 " الحق أقول لكم لن يعطي ~~هذا الجيل آية " مر 8: 12 ". # وذكرنا أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة يذكر في إنجيله ما يكذب هذا القول ~~المنسوب إلى المسيح بنقله صدور الآيات بعد ذلك ويكذبه أيضا يوحنا بواقعة ~~إحياء العازر ويلزم من ذلك، أما نسبة الكذب إلى المسيح وحاشاه أو كذب أصحاب ~~الأناجيل فيما نقلوه من صدور الآيات بعد ذلك أو كذبهم في نسبة هذا الكلام ~~إلى المسيح أو كذب غيرهم في نسبة ذلك إليهم. # وأيضا ذكر عن قول المسيح لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام ~~وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " ~~مت 12: 40 ". # مع أن مقتضى الأناجيل الأربعة أنه لم يبق في قلب الأرض إلا ليلتين وهما ~~ليلة السبت وليلة الأحد ويوما كاملا وهو يوم السبت وشيئا يسيرا من يوم ~~الجمعة وشيئا يسيرا لا يذكر من يوم الأحد، فاختر لمن تنسب الكذب في هذا ~~الأمر. # وأيضا في سابع يوحنا أن المسيح إذ كان في الجليل قريبا من عيد المظال ~~PageV01P157 # قال له إخوته أن يذهب إلى اليهودية ليرى تلاميذه أعماله، فقال لهم 8 ~~اصعدوا أنتم إلى هذا العيد أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد لأن وقتي لم ~~يكمل بعد 9 ms097 قال لهم هذا ومكث في الجليل 10، ولما كان إخوته قد صعدوا صعد هو ~~أيضا إلى العيد. # وأيضا في حادي عشر متى عن قول المسيح في شأن يوحنا المعمدان 14 وإن أردتم ~~أن تقلبوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي مع أن في أول إنجيل يوحنا في شأن ~~يوحنا المعمدان 21 فسألوا إذا ماذا إيليا أنت؟ فقال: لست أنا وينتج من هذين ~~النقلين نسبة الكذب إلى أحد النبيين، إما إلى المسيح بقوله إن يوحنا هو ~~إيليا المزمع أن يأتي، وإما إلى يوحنا بقوله: إنه ليس إيليا مع أنه نقل عن ~~قول المسيح في شأن يوحنا، أنه نبي وأعظم من نبي " مت 11: 9 ". # " الثالث " في ثامن يوحنا عن قول المسيح إذ قال الفريسيون: أنت تشهد ~~لنفسك وشهادتك ليست حقا حيث قال 17. # وأيضا في ناموسكم مكتوب شهادة رجلين حق 18 أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي ~~الأب الذي أرسلني وقد نسبوا إلى قدسه بهذا الكلام تمام الجهل بحكم التوراة ~~ومعرفة المكتوب وحكم القضاء شرعا وعرفا، فإن المدعي لا يكون أحد الشهود ~~البتة حتى عند الأوباش. # " الرابع " في ثالث عشر يوحنا بعد أن ذكر أخبار المسيح بأن واحدا من ~~تلاميذه سيسلمه 23، وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه ~~24 فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه 25 فاتكأ ~~ذاك على صدر يسوع وقال: يا سيد من هو انتهى، واعلم أن قوله كان متكأ معناه ~~أنه كان جالسا وشواهده من العهد الجديد كثيرة انظر أقلا إلى " يو 2: 1 - 10 ~~ومت 14: 19 و 15: 35 ومر 6: 39 ولو 9: 14 و 15 ويو 6: 10 و 11 ". # ولا تظن أن هذا التلميذ كان ابن أربع سنين أو ثلاث حتى لا يقبح اتكاؤه ~~وجلوسه في حضن المسيح، بل يدلك الحادي والعشرون من يوحنا 20 - PageV01P158 # 25 على أنه هو يوحنا بن زبدي الذي ينسب إليه هذا الإنجيل، وأنه قبل ~~اتكائه وجلوسه في حضن المسيح بنحو ثلاث سنين كان يصطاد السمك مع ms098 أبيه وأخيه ~~ويعمل في السفينة ويصلح الشباك " مت 4: 21 و 22 ومر 1: 19 و 20 " فلا بد ~~وأن يكون حين ما يدعى من جلوسه في حضن المسيح واتكائه على صدره شابا في ~~ريعان الشباب وغضارته، فانظر يا ذا الرشد والفهم الحر واعتبر في أحوال ~~البشر ونزاهة الأولياء وعفافهم وقل هل يجوز على قدس المسيح أن يجلس في حضنه ~~شاب غض في محفل من التلاميذ ويعطيه وجها حتى إذا أراد أن يكلمه اتكأ على ~~صدره كتغنج الفتاة المعجبة بجمالها المعتمدة على شغف زوجها بها. # أفهذا وضع رسول مرشد إلى الهدى والعفاف أم وضع... غفرانك الله مما ذكرت ~~فإني أردت إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل وتنزيه مسيحك المقدس ورسولك المكرم ~~ليحيي من حي عن بينة. # " الخامس " في عاشر يوحنا في شأن المسيح 33 إجابة اليهود قائلين لسنا ~~نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلها 34 ~~أجابهم يسوع أليس مكتوبا في ناموسكم أنا قلت إنكم آلهة 35 أن قال: # آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينقض المكتوب 36، ~~فالذي قدسه الأب وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف؟ لأني قلت: إني ~~ابن الله إنتهى. # فأقول في هذا الكلام وفرض نسبته إلى المسيح وحاشاه إن كان هذا الاحتجاج ~~بما في الناموس جدلا من المسيح لليهود وإسكاتا بما في ناموسهم لزم أن يكون ~~في ناموسهم ما ليس من الإلهام بل هو كذب عليه فجادلهم به المسيح الزاما لهم ~~وانتقادا عليهم، وهذا من شواهد التحريف الذي ادعيناه وإن كان برهانا من ~~المسيح لزم أن يكون معتقدا مصدقا بتعدد الآلهة وكثرتهم وحينئذ أين يكون ما ~~في التوراة ولا تذكروا اسم آلهة أخرى ولا يسمع من فمك " خر 23: # 13 " لا يكن لك آلهة أخرى أمامي " تث 5: 7 " لتعلم أن الرب هو الإله ليس ~~آخر سواه، فاعلم اليوم وردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق ~~وعلى الأرض من أسفل ليس سواه " تث 4: 35 و 39 " أنا هو ms099 الرب PageV01P159 # وليس إله معي " تث 32: 39 ". # وفي السابع عشر من الأيام الأول 20 يا رب ليس مثلك ولا إله غيرك. # وفي المزمور الثامن عشر 31 لأنه من هو إله غير الرب. # وفي الرابع والأربعين من أشعيا 6 هكذا يقول الرب ملك بني إسرائيل وفاديه ~~رب الجنود أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري 8 هل يوجد إله غيري؟ # إلى غير ذلك من العهدين. # وكيف أمكن أن ينقض هذا كله ويقال بتعدد الآلهة ولا يمكن أن ينقض قول ~~المزامير، أنا قلت: إنكم آلهة ولا يصرف عن ظاهره المدعى لأجل دلالة العقل ~~والنقل على توحيد الإله، هذا كله مع أن المزمور الثاني والثمانين المتضمن ~~لهذه الفقرة ظاهر بسوقه فضلا عن قرينة العقل في أن هذه الفقرة مسوقة ~~للإنكار لا للأخبار ففيه 2 حتى متى تقضون جورا وترفعون وجوه الأشرار سلا 5 ~~و 3 أقضوا للذليل ولليتيم انصفوا المسكين والبائس نجوا المسكين والفقير من ~~يد الأشرار أنقذوا 5 لا يعلمون ولا يفهمون في الظلمة يتمشون تتزعزع كل أسس ~~الأرض 6 أنا قلت: إنكم آلهة وبنوا العلى كلكم 7 لكن مثل الناس تموتون وكأحد ~~الرؤساء تسقطون 8، قم يا الله دن الأرض لأنك أنت تمتلك الأمم إنتهى. # فتأمل في أول هذا الكلام وآخره وسوقه وحصل بفهمك الحر معناه ثم تنبه إلى ~~أن العهدين مع ما تضمنا من توحيد الإله كما سمعت بعضه وستسمع إن شاء الله ~~في محاله باقيه، ومع نهي التوراة عن ذكر اسم آلهة أخرى، وأن لا يسمع ذلك من ~~الفم، قد ذكر فيها أن موسى إله لهارون " خر 4، 16 " وإله لفرعون " خر 7، 1 ~~". # وفي العهد الجديد ما سمعت من الذين صارت لهم كلمة الله آلهة، أو يرضي ذو ~~الفكر السليم أن يكون هذا كله من الوحي الإلهي، أو كما يقول المتكلف " يه 1 ~~ج ص 38 " وغيرها تنزيل العليم الحكيم. PageV01P160 # وأما رسل العهد الجديد فقد مر عليك في أواخر المقدمة الخامسة شئ مما ~~وصمهم به كتابهم. # فتبصر أيها العاقل فيما ذكرنا عن ms100 العهدين في شأن أنبيائهما وانظر نظر ~~الطالب للحق الراغب في السعادة الخائف من الهلكة، فهل ترى ذلك كله يمكن أن ~~يكن من الوحي الإلهي وتنزيل العليم الحكيم فإن الله عليك رقيب، وللمتكلف ~~كلام قد آن أوان التعرض له. # قال " يه ج ص 42 و 43 " إن الله عز وجل المذكور في التوراة قدوس ظاهر ~~يعاقب على أقل خطيئة بخلاف الإله المذكور عندهم " يعني المسلمين " فإنه ~~يتساهل بالخطايا ويغفرها وحاشا لله الحق من ذلك فإن عدله وقداسته يستلزمان ~~عقاب أصغر الخطايا ما لم يكفر عنها بالذبيحة. # أقول: أنا بفضل الله وبركة الإسلام دين الحق لنبرأ قلوبنا وألسنتنا ~~وأقلامنا وننزهها عن فرض تعدد الآلهة، ولكنا نقول: إن الله الذي لا إله إلا ~~هو العليم الغني الحكيم اللطيف الخبير اختار من خلقه بلطفه وحكمته وعلمه ~~بعباده رسلا مطهرين مقدسين بررة مبرئين عن الأرجاس والقبائح ليكونوا أدلاء ~~على معرفته، وهداة إلى الحق وقدوة للخلق باعثين لهم بما تقتضيه الحكمة ~~الإلهية، ومصلحة الوقت على التقوى والصلاح ليعرفوا الحق وينكروا الباطل، ~~ويهتدوا بهداهم إلى الرشد والعدل والصلاح فينالوا سعادة الدارين. # فإن صدر من هؤلاء الرسل المطهرين من خلال الأولى والأفضل ما يرونه لحسن ~~معرفتهم بجلال الله منافيا لما ينبغي للعبد العارف من الانقياد إلى مولاه ~~عدوا ذلك على أنفسهم زلة تحطهم عما يرغبون فيه من المقام الرفيع وفزعوا مما ~~صدر منهم إلى الله مولاهم بالتوبة وطلب المغفرة والرحمة وإن لم يفعلوا ~~حراما ويتركوا واجبا فيغفر لهم ذلك ولا يحطهم به عما يجتهدون له من رفيع ~~المقام وحسن الزلفى فإنه أكرم مسؤول وأوسع معط. # ونقول: إن الله تقدست أسماؤه أعلى شأنا وأوسع رحمة وعلما وأتقن حكمة ~~ولطفا من أن يرسل للغاية المذكورة من يكذب، أو يستعمل الخداع والتزوير، ~~PageV01P161 # أو يستهين بالرسالة ومواعيد الله، ويصفه بالإساءة، ويتحكم عليه بالمغفرة ~~لمن أشرك به، ويرضى بمحوه من كتابه، أو يصنع وثنا للعبادة ويعبده ويدعو ~~لعبادته أو يبرر نفسه ويصف الله جل شأنه بالجور ويطلب المحاكمة معه، أو ~~يزني بالمحصنات من ms101 نساء أصحابه المحامين عنه المجاهدين في سبيل الله، ~~ويحاول أن يلصق ولد الزنا بغير أبيه، ويسعى في قتل الزوج، أو يتزوج ~~بالمشركات والنساء الكثيرة المحرمة عليه في الشريعة بحيث وقع في أغلب عمره ~~بالزنا بهن ومال قلبه إلى الشرك وذهب وراء آلهة أخرى وعظم شعائر الأوثان ~~ومعابدها وهو معنى عبادتها، أو من يكذب في التبليغ عنه أو من يسميه خداعا، ~~أو من هو شريب الخمر المحرمة ويعين على شربها ويكذب ويصدر منه ما لا يرضاه ~~أولوا العفة ويقول بتعدد الآلهة تعالى الله عن ذلك وتقدست رسله عن هذه ~~الأوهام الباطلة. # وأما قول المتكلف إن عدل الله وقداسته يستلزمان عقاب أصغر الخطايا ما لم ~~يكفر عنها بالذبيحة فنقول فيه: # " أولا " أن رحمة الله وغناه يقتضيان الغفران للتائب المنيب إذا وجده ~~مولاه أهلا لذلك، وأين يذهب العبد إلا إلى مولاه الكريم الرحيم، نعم إن ~~كانت الخطيئة من نحو الظلم للعباد كان مقتضى العدل أن لا يضيع حق المظلوم ~~وذلك لا ينافي المغفرة للتائب إذا كان أهلا لها. # " وثانيا " إن كان العدل والقداسة يستلزمان ما ذكره فليوضح لنا هو أو ~~غيره وجها معقولا لحل الذبيحة لعقدة هذه الملازمة. # ثم إن أراد من الذبيحة ذبيحة العهد القديم فإن الله لغني عن جميع العالم ~~وعنها وعن رائحة السرور للرب " لا 1: 9 و 13 و 17 "، وإن كثرة المعاصي ~~المنسوبة للأنبياء في العهدين ليناسب تكفيرهم عنها بالذبائح ما في أول ~~أشعيا عن قول الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا 11 اتخمت من محرقات كباش وشحم ~~مسمنات. # وإن أراد ذبيحة العهد الجديد أعني المسيح المصلوب بزعمه سألناه أيضا كيف ~~يعقل أن تنحل بهذه الذبيحة عقدة ما ذكره من الملازمة. PageV01P162 # وأيضا ما هو ومن هو المانع لله عن جوده ورحمته بغفران خطايا التائب ~~المنيب إلا بالتكفير بالذبيحة. # وأيضا ما حاجة الله إلى الفداء والتفكير حتى يجعل ابنه بزعمهم تعالى عن ~~ذلك عرضة للإهانة والصلب والاستهزاء كما يقول العهد الجديد مع ما كان عليه ~~المسيح بمقتضاه من الاضطراب والخوف ms102 والاكتئاب والبكاء وطلبه من الله أن ~~تعبر عنه كأس المنية " انظر مت 26: 36 - 46 ومر 14: 32 - 42 ولو 22: # 39 - 45 ". # ومن الظرائف في مسألة الفداء أنه لما كان من أقوال التوراة ملعون من لا ~~يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها " تث 27: 26 " جاء عن بولس في ثالث ~~غلاطيه 13 المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ~~ملعون كل من علق على خشبة إنتهى. # أفليس للسائل أن يسأل عن الكيفية المعقولة لهذا الفداء والافتداء، وعن ~~موافقته لعدل الله وقداسته المستلزمين للعقاب على أصغر الخطايا، وعن كيفية ~~كون المسيح وحاشاه لعنة لأجلهم، وعن توقف فدائهم على كونه وحاشاه لعنة مع ~~الزعم بأنه ابن الله جل شأنه والأقنوم الثاني لله بل الإله الذي تقمص ~~الطبيعة البشرية ليرفع قدرها، وعن حسن ذلك وعدم منافاته لعدل الله وقداسته، ~~وعن جواز ذلك بالنسبة لمن يزعمونه إلها، وعن مناسبة ذلك للمكتوب المشار ~~إليه فإنه في الحادي والعشرين من التثنية 22 وإذا كان على إنسان خطيئة حقها ~~الموت فقتل وعلقته على خشبة 23 فلا تبت جثة على الخشبة بل تدفنه في ذلك ~~اليوم لأن المعلق ملعون من الله فلا تنجس أرضك إنتهى. # وانظر هل يسب المسيح أعداءه أكثر من هذا " فإن قيل " إن هذا المكتوب ~~المشار إليه غير هذا " قلنا " ها هما العهدان بأيدينا، فأين يكون المكتوب ~~المشار إليه فيهما. # ولم يكتف المتكلف بما ذكره هاهنا في سر الفداء وخيل له وهمه أن هذا من ~~الحقائق البينة والمعقولات الممكنة التي ينشرح لها العقل بالقبول فقال " يه ~~2 ج ص 290 و 291 " وإذا قيل ما هي الغاية من تجسده وصلبه " قلنا " إن ~~الغاية PageV01P163 # هي أن يكفر عن خطايا كل من يؤمن به لأن الجميع أخطأوا واحتاجوا إلى من ~~يكفر عن خطاياهم لأننا إذا نظرنا إلى العالم رأينا أنه لم يسلم أحد من ~~اقتراف الخطيئة وعقاب الخطيئة هو الموت في جهنم إلى الأبد لأن المولى ~~سبحانه وتعالى طاهر قدوس وعدله يستلزم عقاب الخطيئة بهذه الكيفية، ms103 فالمسيح ~~احتمل في جسده ما كنا نستوجبه من العقاب، ووفى ما كان علينا من الدين رحمة ~~منه لأن الله هكذا أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن ~~بل تكون له الحياة الأبدية، فطريقة الخلاص موافقة للعدل الإلهي ولكمالات ~~الله. # أقول: أو تدري من يريد بالمتجسد المصلوب في كلامه هذا هو من تكرر في ~~مزاعمه في كتابه بأنه الإله الذي تقمص الطبيعة البشرية ليرفع قدرها فإن ~~أردت الإيضاح قال لك هو أقنوم الابن، فإن قلت: وما أقنوم الابن قال لك إن ~~الله لواحد والأقانيم ثلاثة الأب والابن والروح القدس والثلاثة هم واحد ~~فالله واحد ثلاثة فإن قلت: كيف يكون الواحد ثلاثة ومن الباذل ومن المبذول ~~إذا كان الثلاثة واحد ومن المصلوب ومن المتجسد قال لك اسكت ولا تكثر في ~~سؤالك فإن هذه الأمور لا يدركها العقل، وليست من وظيفته بل تؤاخذ من تعليم ~~القسوس المؤيدين بروح القدس بلا تعقل لها، فقد قال بولس الرسول: # لأنه إذا كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن ~~يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة، لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله ~~أقوى من الناس " 1 كو: 21 و 25 ". # فإن قلت له: إذا كان عقاب الخطيئة هو الموت في جهنم إلى الأبد لأن المولى ~~سبحانه وتعالى طاهر قدوس وعدله يستلزم عقاب الخطيئة بهذه الكيفية والمسيح ~~احتمل في جسده ما كنا نستوجبه من العقاب، ووفى ما كان علينا من الدين رحمة ~~منه، أفكان الوفاء أو المحتمل عنا من نحو العقاب الذي استوجبناه والدين ~~الذين كان علينا وهو الموت في جهنم إلى الأبد، وننسب هذا إلى المسيح الفادي ~~أم هو من غير هذا النحو، فإن كان من غير هذا النحو سألنا كيف وأنت تقول: إن ~~عدل الله الطاهر القدوس يستلزم العقاب بهذه الكيفية. # وأيضا أفلا يكون هذا الوفاء من المخادعة الجزافية. PageV01P164 # وأيضا إذا كان هذا الفداء من الابن رحمة منه، أفلم يكن عند الأب شئ من ~~هذه الرحمة ليغفر ms104 لنا بدون تحمل ابنه لعقاب الخطيئة. # وأيضا من هو الأب؟ ومن هو الابن؟ وأنت تقول: إن الثلاثة واحد وبالنتيجة ~~يرجع الكلام إلى أن الأب تحمل ما تقول ولازم قولك إنه تحمل الموت الأبدي في ~~جهنم. # " قلت ": سيقول لك المتكلف هذا كلام تجديف فإنا نبشر لا بحكمة كلام لئلا ~~يتعطل صلب المسيح " 1 كو 1: 17 " فإن الكتاب يقول: صار المسيح لعنة لأجلنا ~~كما سمعت. # فإن قلت: إن لي على هذا الكلام وما ذكرته سابقا من نحوه سؤالات كثيرة، ~~قلت: أو على عهدة الجواب في مثل هذا وإني سائل مثلك وقد أجبتك عن البعض بما ~~أعلمه من حالهم ومقالهم وكتبهم، فجاهد في الله يهدك إلى سبيله. # ونتيجة ما تقدم: أن العقل والنقل دالان بأوضح دلالة على لزوم عصمة الرسول ~~عن الخطايا والقبائح والتمرد على الله فلا يجتمع للكتاب المنسوب للوحي ~~والإلهام أن يصرح برسالة شخص ونبوته، ثم ينسب بصراحته له الفعل القبيح عقلا ~~أو شرعا، ودونك القرآن فهل تجد فيه ما هو صريح في نسبة الفعل الحرام أو ترك ~~الواجب أو فعل القبيح إلى من صرح برسالته خصوصا وقد نبهناك على معاني ~~ألفاظه ومرامي مقاصده ودلائل شواهده، ولئن وجد فيه ما يوهم ذلك ابتداء فإن ~~قرينة العقل والنقل وخصوص القرائن المتصلة لتكبح ذلك الوهم وتصرف عنه إيهام ~~اللفظ. # وأما العهدان فكم وكم ترى في صريحهما من نسبة الخطايا الكبائر ومفضعات ~~الجرائم إلى من صرحا بنبوتهم ورسالتهم ونزول الوحي للتبليغ عليهم، ولا ~~يجتمع لهما الصدق في وصفهم بالرسالة ونزول الوحي عليهم للتبليغ ونسبتهم إلى ~~ما ذكراه من الخطايا كما شرحنا بعضه في فصول هذا الباب، فإن بداهة العقل ~~والنقل لتحكم بكذبهما في أحد الأمرين لا محالة، PageV01P165 # فاختر لنفسك فإن اخترت كذبهما في وصف هؤلاء بالرسالة لزم كذبهما على ~~الوحي بأجمعهما لأن مدارهما على رسالة موسى والمسيح وهما العمدة في محل ~~الكلام. PageV01P166 # الفصل السادس عشر في عصمة خاتم المرسلين محمد " ص " وما يتعلق بها اعلم ~~أن المتكلف حاول أن يلوث قدس رسول الله " ص ms105 " بعبادة الأصنام قبل النبوة ~~والميل إلى ذلك بعدها فتشبث لذلك بآراء فاسدة وروايات آحاد مضطربة متعارضة ~~محفوفة بأسباب الوهن والخلل وصار يحمل على ذلك بتشهيه واقتراحه بعض الآيات ~~التي لا ربط لمدلولها بمراده، وسود بذلك وجه ست صحائف " انظر يه 1 ج ص 60 - ~~65 "، وجاء في خلال ذلك بما يشوه وجه التحقيق ويشين شرف الكاتب، وما ضره لو ~~فاز مع ذلك بحسن الأدب أقلا، فاستدل لعبادة الأصنام بقوله تعالى في سورة ~~الضحى 7 (ووجدك ضالا فهدى) وقال: فهذه العبارة ناطقة بأنه كان على عبادة ~~عشيرته. # أقول: هل ترى المتكلف يدعي أن معنى الضلال في اللغة هي عبادة الأوثان أو ~~عبادة ما يعبده الأهل والعشيرة، أوليس يعلم كل مترعرع باللسان العربي أن ~~معنى الضلال مساوق لمعنى التيه وإضاعة الطريق، ويختلف المراد منه باعتبار ~~متعلقه، فيقال: ضل الرجل عن التوحيد إذا عبد غير الله وضل عن الشريعة إذا ~~جهل أحكامها أو خالفها، وضل عن الجادة إذا تاه، وضل عن الصواب إذا خبط ~~وخلط، وضل عن الرشد إذا تحير في أموره، وضد الضلال هو الهدى، ويختلف المراد ~~منه أيضا باعتبار متعلقه على نهج ما تقدم، فعلى المتكلف إن أراد أن لا يضل ~~في الدعوى أن يبين المراد بالضلال من صريح لفظ الآية حتى يدعى أن العبارة ~~ناطقة بمدعاه، بل نقول لماذا لا يكون المراد من الآية ووجدك قبل ~~PageV01P167 # النبوة وإعلان الوحي ضالا عما أوحى إليك من الشريعة المتكفلة لأحسن ~~التهذيب والتكميل وأتقن النظام للدين والدنيا فهداك الله إليها بنور النبوة ~~وإعلام الوحي ودفع عنك الحيرة فيما كنت تطلبه من الهدى إلى شريعة الحق ~~لتحمل عليها الناس. # وما المرجح لما يدعيه المتكلف على هذا لولا الهوى، ولماذا يخلط " يه 1 ج ~~ص 61 " بين الدين والشريعة فإن الخلاف الذي ذكره عن جامع الجوامع إنما هو ~~باعتبار الاختلاف بين شريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام من حيث ~~الناسخ والمنسوخ في الأحكام العملية، ولا اختلاف في دين هؤلاء ولا غيرهم من ~~الأنبياء من حيث ms106 التوحيد والمعارف اللاهوتية أصلا ولم يقل ذو رشد باختلافهم ~~في ذلك. # ثم قال المتكلف: من أقوى الأدلة على حيدانه " يعني رسول الله " ص " عن ~~عبادة الحق وميله إلى الأصنام هو مدحه لآلهة قريش وتقديم العبادة لها. # أقول: المنشأ في تشبث المتكلف في ذلك هي الرواية المقطوعة الفاحشة ~~الاضطراب المشوشة في نقلها وألفاظها حيث أرسلها بعض المفسرين، وهو أن رسول ~~الله (ص) قرأ في سورة النجم في مجلس لقريش فلما بلغ قول الله تعالى 19: " ~~أفرأيتم اللات والعزى 20 ومناة الثالثة الأخرى " قرأ بعده (تلك الغرانيق ~~العلى وإن شفاعتهن لترتجى) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به. # ومضى رسول الله في قراءته فقرأ السورة كلها وسجد في آخرها وسجد المسلمون ~~بسجوده. وسجد جميع من في المسجد من المشركين وقد سرهم ما سمعوا. # وكأن المتكلف يذعن بصدق هذه الحكاية أكثر من إذعانه بصدق ما في العهدين ~~حتى عدها من أقوى الأدلة، وكأن لم يشعر بأن أهل العلم والدراية والنظر من ~~المسلمين قد جبهوا هذه الحكاية بالرد، وسماها المرتضى خرافة وقال النسفي: ~~إن القول بها غير مرضي، وفي تفسير الخازن أن العلماء وهنوا أصل القصة وذلك ~~أنه لم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل، ~~وإنما رواها المفسرون، والمؤرخون المولعون بكل غريب، الملفقون من الصحف كل ~~صحيح وسقيم، والذي يدل على ضعف هذه القصة PageV01P168 # اضطراب رواتها، وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها، إنتهى كلامه. # أما ضعف سندها فمن جهات كثيرة معروفة في فن الدراية ومعرفة الرجال لا يسع ~~المقام إحصاءها، وأما انقطاع سندها فأقله أنه لا يتجاوز في طرقه عن ~~التابعين ومن دونهم إلا إلى ابن عباس مع أنه لم يكن مولودا في الوقت ~~المجعول للقصة أو كان ابن سنتين أو ثلاث. # وأما اضطرابها فقد جاء نقلها المضطرب على وجوه 1 إن النبي حين قرأها كان ~~يصلي 2 وأنه كان جالسا في نادي قومه 3 حدث نفسه بها فجرت على لسانه 4 كان ~~يصلي عند المقام فنعس فألقى الشيطان ذلك على ms107 لسانه فتكلم. بها فتعلق بها ~~المشركون وحفظوها 5 أن الشيطان أخبرهم بأن نبي الله قد قرأها 6 أن رسول ~~الله لم يتنبه لذلك حتى أمسى وأتاه جبرائيل فقرأ عليه في جملة السورة ما ~~ألقاه الشيطان فقال جبرائيل: ما جئتك بهذا فأوحى الله إلى رسوله (وإن كادوا ~~ليفتنوك الآية)، فما زال مهموما مغموما حتى نزل عليه قوله تعالى: " وما ~~أرسلنا قبلك من نبي الآية " 7 أنه سهى فقرأها ففرح المشركون بذلك فقال: لا ~~إنما كان ذلك من الشيطان 8 أنه علق يتلوها فنزل جبرائيل فنسخها 9 قرأها بعد ~~قوله تعالى: " ومناة الثالثة الأخرى " 10 قرأها بعد قوله تعالى " قسمة ضيزي ~~" 11 إنه تنبه لها عند قراءتها وقبل إكمال السورة ففزع وجزع فأوحى الله ~~إليه الآية السادسة والعشرين من السورة " وكما من ملك في السماوات الآية " ~~الآية 12 لم يتنبه حتى أتم السورة وسجد المشركون وحملوه فاشتدوا به بين ~~قطري مكة يقولون نبي بني عبد مناف 13 جاء في لفظها: إنهن لفي الغرانيق ~~العلى وإن شفاعتهن لترتجى 14، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى 15، ~~إن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى 16 تلك الغرانيق العلى منها ~~الشفاعة ترتجى 17 إنهن الغرانيق العلى 18 إن شفاعتهن ترتجى 19 وإنهن لهن ~~الغرانيق العلى وإن شفاعتهن التي ترتجى 20 تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ~~ترتضى ومثلهن لا ينسى 21 وهي الغرانيق العلى شفاعتهن ترجى 22، وإن شفاعتها ~~لترجى، وإنها لمع الغرانيق العلى 23 تلك إذا في الغرانيق العلى، تلك إذا ~~شفاعة ترجى 24، تلك الغرانقة العلى وإن شفاعتهن ترتجى. PageV01P169 # ويزيد الاضطراب في رواية هذه القصة ما في بعض نقلها من أن الله عزى نبيه ~~وفرج عنه بقوله تعالى في سورة الحج 51 (وما أرسلنا من قبلك من نبي ولا رسول ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم ~~آياته والله عليم حكيم) فذكروا عن رواية ابن عباس في سبب نزولها أن رسول ~~الله (ص) تمنى من الله أن يقارب بينه وبين قومه فألقى ms108 الشيطان على لسانه ما ~~كان يحدث به نفسه ويتمناه 2. # عن ابن عباس أيضا أن أمنية رسول الله هي إسلام قومه 3 كان يتمنى كف أذاهم ~~4 تمنى من الله أن لا يأتيه شئ يفرق عنه قريشا، وعلى هذا فالتمني والأمنية ~~من أفعال القلب 5. # عن ابن عباس أيضا إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه 6. # عن ابن عباس أيضا وغيره تمنى تلا وقرأ والأمنية التلاوة والقراءة 7. # عن مجاهد تمنى تكلم وأمنيته كلامه 8 لم يذكر تمني النبي (ص) في بعض ~~الروايات عن ابن عباس وغيره ولذا فسروا تمنى بتلى وأمنيته بتلاوته واستشهد ~~المفسرون بقول حسان: # تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخره لاقى حمام المقادر وقول الآخر: # تمنى كتاب الله آخر ليلة * تمني داود الزبور على رسل وهذا بعض الاضطراب ~~والاختلاف في أمهات المطالب من رواية هذه القصة، ولو استقصينا الاختلاف في ~~الألفاظ والمعاني لأدى طول الكلام إلى الملل، وخرج الكتاب عن موضوعه، فانظر ~~أقلا إلى الدر المنثور تفسير السيوطي. # وإن فيما ذكرنا كفاية لمعرفتك أن الحق أبلج، والباطل لجلج. # ثم لنعطف الكلام إلى تطبيق الآية على المدعي من القصة فنقول أما على ~~تفسير التمني والأمنية فيها بالإرادة القلبية فلا تصلح لأن تكون تعزية عن ~~الحزن PageV01P170 # من أجل القول الذي ألقاه الشيطان كما يزعم لو فرضت مطابقتها لما ذكروه من ~~تمني رسول الله (ص). # وأما إذا جعلنا الأمنية بمعنى المتمني وهو الشئ الذي يتمناه الإنسان فلا ~~يطابق قوله تعالى (ألقى الشيطان في أمنيته) بعض المطابقة إلا ما ذكر من أن ~~الأمنية كانت إسلام قومه (ص). # فإن معنى ألقى الشيطان في المتمني هو أن يدخل فيه ما يضره ويشوشه، بل ~~نقول إن معنى قوله تعالى ألقى الشيطان في أمنيته لا بد أن يكون لتركيبه ~~معنى واحد عرفي مقرر وهو ما يرجع إلى موافقة المتمني أو مخالفته. وعلى كل ~~حال لا يطابق جميع ما قيل في بيان الأمنية. وهي أن يقارب الله بينه وبين ~~قومه 2 إسلام قومه 3 كف أذاهم 4 لا يأتيه من ms109 الوحي شئ يفرقهم عنه. # وأما تفسير التمني والأمنية بالتلاوة فهو شئ غريب لم يسمع له شاهد إلا ~~شاذ يقال إنه لحسان فلا يحسن حمل القرآن على لغة هذا شأنها. # وأيضا إن المروي عن ابن عباس وابن الزبير أن سورة الحج التي فيها هذه ~~الآية مدنية من دون استثناء لهذه الآية أفلا يعارض هذا ما روي من أن الآية ~~نزلت في مكة في مساء واقعة الغرانيق وفي حينها تعزية لرسول الله من أجلها ~~لأنه كان به رحيما؟ أم تقول إن الله الرحيم برسوله اللطيف بعباده آخر تعزية ~~رسوله عن ورطة الغرانيق ولم ينزل فيها الآية المذكورة إلا بعد مدة من ~~السنين وتنقل في الأمكنة وتقلب في الأحوال التي فات بها مقام التعزية ~~والتدارك، دع هذا كله وقل كيف يذعن عاقل بصدق هذه الحكاية خصوصا على مزاعم ~~المتكلف مع مناقضتها لما في خصوص المقام من سورة النجم في التنديد بالأصنام ~~وبيان كونها باطلا بقوله تعالى 23 (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى) وأن هذه الآية لتوضح أن حكاية الغرانيق وسجود المشركين في ~~آخر السورة مع رسول الله سرورا بمدح آلهتهم إنما هي تلفيق من غير تدبر ~~افترى المشركين يسجدون في آخر السورة فرحين مسرورين بعد ما سمعوا من ~~التنديد بآلهتهم. والتسفيه لهم بقوله تعالى (إن هي إلا أسماء الآية)، أفلم ~~يكونوا PageV01P171 # أهل اللسان والمعرفة بمحاوراته؟ أفتراهم لا يفهمون مواقع الكلام مثل... # على أن هذه الحكاية بأصلها وفروعها والاستشهاد لها مخالفة لنص القرآن في ~~نفس سورة النجم بقوله تعالى في شأن رسول الله: (3 وما ينطق عن الهوى 4 إن ~~هو إلا وحي يوحى). # فإن قلت فإذا فما يكون المعنى في الآية المذكورة قوله تعالى: (وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) الآية. # قلنا: والله أعلم الظاهر هو أن يكون المراد من الأمنية هو الشئ المتمني ~~كما هو الاستعمال الشائع ms110 في الشعر والنثر، كما أن الظاهر من التمني المنسوب ~~إلى الرسول والنبي كما يشهد به سوق الآيات هو أن يكون ما يناسب وظيفتهما ~~وهو تمني ظهور الهدى في الناس وانطماس الغواية والهوى وتأييد شريعة الحق ~~ونحو ذلك فيلقي الشيطان بغوايته بين الناس في هذا التمني الصالح ما يشوشه ~~ويكون فتنة للذين في قلوبهم مرض، كما ألقى بين أمة موسى من الضلال والغواية ~~ما ألقى، وألقى بين أتباع المسيح ما أوجب ارتداد كثير منهم وشك خواصهم فيه ~~واضطرابهم في التعاليم وأحكام الشريعة بعده كما مر عليك شرحه في المقدمة ~~الخامسة، وألقى بين قوم رسول الله ما أهاجهم على تكذيبه وحربه وبين أمته ما ~~أوجب الخلاف وظهور البدع. فينسخ الله بنور الهدى غياهب الضلال وغواية ~~الشيطان، فيسفر للعقول السليمة صبح الحق، ثم يحكم الله آياته ويؤيد حجته ~~بإرسال الرسل أو تسديد جامعة الدين القيم، وإذا نورت فكرك بما ذكرناه عرفت ~~شطط المتكلف " يه 3 ج ص 169 - و 2 ج ص 97 ". # " ورطات المتكلف " وإذا تبصرت بما شرحناه فلا تعجب من المتكلف إذ جعل قصة ~~الغرانيق السخيفة من أقوى أدلته فإنه قد أبدع في التحقيق وحرية الضمير حيث ~~قارن بين هذه القصة وبين ما جاء في العهد القديم في شأن سليمان بن داود ~~فقال " يه 1 ج ص 63 س 19 " لم يظهر نبي من الأنبياء الصادقين مثل هذا ~~التلاعب ومسايرة الناس على شركهم وعبادتهم الكاذبة ولا مناسبة بين خطيئته " ~~يعني قدس رسول الله وخرافة الغرانيق " وبين خطيئة سيدنا سليمان، فسيدنا ~~أباح لبعض نسائه الأجنبيات عبادة آلهتهن ولم يقع هو في هذه PageV01P172 # العبادة إنتهى. # وينبغي له أن يقول أيضا تتميما لكلامه وأستغفر الله، ولا مناسبة أيضا ~~بينها وبين خطيئة سيدنا هارون فسيدنا هارون بقول التوراة صنع العجل إلها ~~يعبده بنو إسرائيل وبنى مذبحا أمامه ونادى غدا عيد للرب. # فأقول في شرح بعض كلامه إنك قد سمعت حكاية الغرانيق وهي القصة التي تزداد ~~بزعم المتكلف قوة إلى قوة بانقطاع سندها وضعفه وتناقض مضامين ms111 روايتها ~~وتلونها، وعدم التشاؤم آية التمني معها ومناقضة آية الأسماء والوحي لها ~~وتكذيب العلماء المحققين لها، وتسميتهم لها خرافة إلى غير ذلك. # وفي العهد القديم الذي هو عند المتكلف كتاب وحي إلهي وكلام الله السميع ~~العليم ما نصه أن سليمان أمالت نساءه المشركات قلبه وراء آلهة أخرى فذهب ~~وراء عشتاروت آلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين، وعمل الشر في عيني ~~الرب ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه وبني المرتفعات قبالة أورشليم ~~لعشتاروت رجاسة الصيدونيين ولكموش رجاسة الموابيين ولملكوم كراهة بني عمون ~~" انظر إلى 1 مل 11: 4 - 8 و 2 مل 23: 13 ". # أفنقول إن في هذا شيئا من الشرك؟ فإن المتكلف يقول: حاشا وكلا بل غاية ~~الأمر أن سليمان أباح لبعض نسائه عبادة آلهتهن وماذا تقول للمتكلف لو قال ~~تلك إن هذه الإباحة من وظائف الأنبياء والعدل مع النساء الأجنبيات؟ وما ~~عساك تقول في سليمان وقد نص عليه العهد القديم عن قول الله إن سليمان هو ~~يبني بيتي ودياري لأني اخترته لي ابنا وأنا أكون له أبا " 1 أي 28: 6 ". # والمتكلف يقول " يه 1 ج ص 122 " إنه من كبار الأنبياء فلا يضر في ذلك أنه ~~ذهب وراء آلهة أخرى وعمل الشر ولم يتبع الرب وبنى مرتفعات الأوثان، فليعتبر ~~ذو الرشد والبصيرة. # ثم قال المتكلف " يه 1 ج ص 64 " كان محمد لا يتنكف عن التعبد بآلهة قومه ~~للتقرب منهم ثم ينقلب عليها لما يرى عدم الفوز بمرغوبه، فورد في سورة بني ~~إسرائيل 75 وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~PageV01P173 # وإذا لاتخذوك خليلا). # وذكر في سبب نزولها ثلاث روايات أو أربع متعارضة متناقضة كل واحدة تذكر ~~سببا مباينا لما تذكره الأخرى وكلها تنسب إلى ابن عباس انظر إلى الدر ~~المنثور وتفسير الخازن. # وأقول: وتزيد على ذلك في التعارض والتناقض رواية محمد بن كعب القرضي إنها ~~نزلت في أثناء سورة النجم في قصة الغرانيق المتقدم ذكرها. # ويا عجبا كيف يتشبث أحد بمثل هذه المتناقضات ويحاول أن يموه أمرها اللهم ms112 ~~إلا أن يكون لا يبالي بما يقول وما يقال فيه. # وإن المتكلف لم يذكر الآية التي بعد هذه الآية لأجل أنه شعر بأنها تنقض ~~غرضه الفاسد بمدلولها وهو قوله تعالى 76: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا). # وإن الذي ينبغي تحصيله من معنى الآيتين بمقتضى لفظهما والنظر في مقتضى ~~الحال من الأمور المعلومة من حال رسول الله (ص) وقريش هو أنه لما اشتدت ~~وطأة رسول الله عليهم بالدعوة والتنديد بآلهتهم والتسفيه لهم في عبادتها ~~حتى اهتدى جملة منهم ومال إليه من لم تعمه العصبية صاروا يريدون منه ~~الملاءمة معهم والكف عن الدعوة والتعرض لآلهتهم ويتوسلون إلى ذلك مرة ~~بالمشاغبة ومرة بالاضطهاد ومرة بالاستشفاع بأبي طالب وغيره. وغرضهم من ذلك ~~بزعمهم الفاسد أن ينجر تركه لهم عن الدعوة وتبليغ الوحي إلى التساهل منه ~~والموافقة على أهوائهم التي هي افتراء على الله. فربما خطر على فكر رسول ~~الله (ص) احتمال الصلاح في متاركتهم زمانا قليلا استصلاحا لهم وسياسة في ~~الهدى وتلطفا في تحصيل الغرض فسدده الله إلى الصواب وثبته على الجد في ~~الدعوة والدوام عليها وأنزل عليه الآيتين المذكورتين تعريضا بإصرار ~~المشركين والامتنان عليه بتسديده إلى الصواب في كل حال، وحاصل الآيتين أن ~~المشركين قد كادوا باختلاف وسائلهم في طلب المتاركة من رسول الله ليحصل لهم ~~ما توهموه من الغرض الفاسد وهي الموافقة لأهوائهم أخيرا وقاربوا بذلك أن ~~يفتنوه. PageV01P174 # باحتمال الصلاح في المتاركة والكف شيئا قليلا عن الدوام في الدعوة التي ~~أمره الوحي بها فسدده الله وثبته على أن الصلاح إنما هو بالدوام على الدعوة ~~ولولا هذا التثبيت لكاد رسول الله أن يركن إليهم شيئا قليلا من المتاركة ~~لاحتمال الصلاح والنجاح، فلم يكن المشركون ليفتنوه ولكن كادوا، ولم يركن ~~رسول الله إليهم شيئا قليلا ولكن كاد. # فأين منطوق الآيتين ومرماهما من مقصود المتكلف المحال. وكيف لا يقبح ~~الاستشهاد بالأولى منهما على أن رسول الله لا يستنكف عن التعبد بآلهة قومه ~~أفيجري في الوهم أن القرآن يسمي التعبد بآلهة المشركين شيئا ms113 قليلا. # وقد ترقى المتكلف فصار يدعي أسباب النزول حسب هواه ومشتهاه فصار يدعي أن ~~بعض ما روي في سبب نزول الآية المتقدمة هو السبب في نزول قوله تعالى في ~~سورة بني إسرائيل 41: (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما ~~مدحورا). # مع أنه لم يرد في ذلك عن المفسرين الذين عرفت حالهم في تفسير الآية شئ من ~~هذه الأوهام على أن صريح السوق فيما قبل هذه الآية وما بعدها ينادي بأنها ~~كأخواتها واردة لتعليم الناس وصايا الله من قبيل - إياك أعني واسمعي يا ~~جارة - انظر إلى إطراد الوصايا في هذه السورة من الآية الثالثة والعشرين ~~إلى الخامسة والأربعين حيث قال الله جل اسمه 23: (لا تجعل مع الله إلها آخر ~~فتقعد مذموما مخذولا 24 وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل ~~لهما قولا كريما). # أفيقول المتكلف إن الأمر بالإحسان بالوالدين كان المقصود منه رسول الله ~~مع أنه لم يدرك حياة أبويه. كلا بل أن السوق الجاري في هذه الآيات كالسوق ~~الجاري في كثير من خطاب التوراة وخصوص العشرين من الخروج 3 لا يكن لك آلهة ~~أخرى أمامي 4 لا تصنع لك تمثالا منحوتا 17. وكذا الثالث والعشرين من الخروج ~~والرابع والثلاثين 11 - 27 وغير ذلك فراجع. # ثم قال المتكلف " يه 1 ج ص 65 " لما كان المشركون يرون منه ميلا إلى ~~PageV01P175 # آلهتهم كانوا يطلبون منه أن يذكر شفاعتها، فكان كثيرا ما يجيب دعوتهم ثم ~~يرجع عن ذلك ويدعى أن الله نهاه فورد في سورة الأحزاب 1 (يا أيها النبي اتق ~~الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما 2 واتبع ما يوحي ~~إليك من ربك). فلو لم يقترف ذنبا لما نهى عنه. # أقول: ومن الظرائف دعوى المتكلف أن المشركين كانوا يرون ميلا من رسول ~~الله إلى آلهتهم. وليت شعري هل وجدوا خصما دائم المثابرة لآلهتهم مثل رسول ~~الله فلا توحشه في ذلك ms114 وحدة ولا يصده عنه اضطهاد ولا تميله عنه المطامع، ~~كما لا يخفى ذلك على العدو والصديق، وأظرف من ذلك دعوى المتكلف أن رسول ~~الله كان كثيرا ما يجيب دعوة قريش إلى شركهم. وهل وجد في الناس ضدا مقاوما ~~للوثنية مثل رسول الله. وأن المتكلف ليعلم أنه لا يوافقه على هذه الخرافة ~~أحد من الناس، ولذا التجأ فيها إلى الاحتجاج الذي لا يخفى حتى عليه وهنه ~~وسخافته بقوله: فلو لم يقترف ذنبا لما نهى عنه. # أفيقول إن وصايا الشريعة ونواهيها لا تكون إلا بعد الوقوع في الذنب؟ # أفلم يتدبر في شريعة التوراة؟ أفلم يتدبر في شرائع الملوك؟ أفلم يتدبر في ~~أحكام الموالي؟. # وأظرف من ذلك نقضه بنفسه لهذا التوهم حيث قال في تتميم دعواه بزعمه، روي ~~أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا في الموادعة التي ~~كانت بينه وبينهم وقام منهم ابن أبي ومتعب بن قشير والجد ابن القيس فقال ~~له: ارفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة وندعك وربك فادعى أن الله أنزل عليه ~~ذلك. # فهل ترى المتكلف لم يشعر أن هذه الرواية تنقض غرضه لصراحتها بأن رسول ~~الله قد جبههم في هذه الآيات بالرد وآيسهم من أمانيهم الكاذبة. # وفي تفسير البغوي: أنه شق على النبي قولهم وأمر عمر أن يخرجهم. # وفي تفسير النسفي: هم أن يقتلهم فنزلت (يا أيها النبي اتق الله) يعني في ~~قتلهم ونقض العهد، ولعله لو قيل للمتكلف إذا فمن يشهد لك على مدعاك؟ ~~PageV01P176 # لقال: أليس في قرآنكم مكتوب شهادة رجلين حق أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي ~~التعصب الذي يغريني ويورطني فإن من أوضح المعلومات التي لا يسترها غبار ~~التزوير والتلفيق أن رسول الله كان أثقل الناس وطأة على الأصنام وأشدهم ذما ~~لها وعيبا لعبدتها وتسفيها لأحلامهم، لا يفتر عن ذلك ولا يداهن بل كان هذا ~~هو العنوان لنهضته والقانون الأساسي لدعوته حتى عاداه في محض ذلك القريب ~~والبعيد ولاقى من الاضطهاد ما لاقى. # ثم قال المتكلف. ومما يشبه هذه الحادثة ms115 قوله في سورة الزمر 65 (لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). # أقول: كأن المتكلف قد مناه وهمه بإحراز الموفقية في المنقولات والمحسوسات ~~حتى صار يعتمد على الحدس والتخمين. أو تراه لم يشعر بأن صدر الآية الذي ~~حذفه مما ينقض مرامه، فقد قال الله تبارك وتعالى: (ولقد أوحى إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك الآية) وإن الآية لتنادي بصراحتها إن ~~هذا الخطاب قد خوطب به رسول الله كما خوطب به كل من قبله من الأنبياء ~~الموحي إليهم. # أفيقول: إن خطاب الأنبياء بذلك كان مما يشبه هذه الحادثة، أو لم يتدبر ما ~~في هذه السورة الشريفة من التشديد والتفنن في زجر المشركين عن شركهم ~~وتوبيخهم وبيان ضلالهم فيه، وفي المحاماة عنه والدعوة إليه، فمرة يزجرهم ~~الله بالحجة عليهم بالتجائهم بمقتضى فطرتهم إلى ناحية التوحيد حينما ~~يضايقهم الضر، ثم يرجعون إلى ضلالهم وإضلالهم في الرفاهية، كما في الآية ~~الحادية عشر. # ومرة باعترافهم بأن الخالق القادر هو الله مع عجز الأنداد عن النفع والضر ~~كما في الآية التاسعة والثلاثين. # مرة بضرب المثل فيما يشهد به الوجدان من اختلال النظام بالشركة والشركاء ~~كما في الآية الثلاثين. # ومرة يوبخهم ويقطع آمالهم ويخيب أطماعهم بتلقين رسول الله أعلامهم ~~PageV01P177 # بما أمره به من التوحيد وترك الأنداد وبيان النكال المعد للمشركين ~~والبشرى للمؤمنين كما في الآية الرابعة عشر إلى الآية الثانية والعشرين. # ومرة بتلقينه توبيخهم والإنكار عليهم بطمعهم في الموافقة لهم على الشرك ~~وآيسهم من أوهام أطماعهم بتلقينه أن الله قد توعده وجميع الأنبياء قبله ~~بالوعيد العظيم الشديد على الشرك فقال تعالى 64: (قل أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون 65 ولقد أوحينا إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت) ~~الآية، فجاء الخطاب في هذه الآية لرسول الله وإعلامه بما أوحى إليه وإلى ~~الأنبياء الذين من قبله مجيئ الحجة والبرهان على مضمون الآية التي قبلها ~~وهو الإنكار على المشركين فيما يدعونه إليه وتجهيلهم فيه، بل والبرهان على ~~التوحيد ونفي الأنداد المتقدم في مضامين الآيات التي قبلها، ms116 فأين المتكلف ~~عن التبصر بهدى سورة الزمر (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها). # ثم قال المتكلف في شأن رسول الله " ص "، وكما أنه كان يقدم على المنكر ~~المنهي عنه كان يتأخر عن أداء المأمور به لأنه كان يخشى بأس قومه ولما كان ~~يرى أن موافقتهم لم تأت بفائدة ولا ثمرة كان يتخلص من ذلك بأن يدعى أن الله ~~زجره فورد في سورة المائدة 71 (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته). # وعن الحسن: أن الله لم بعث رسوله ضاق ذرعا وعلم أن في الناس من يكذبه ~~فقال هذه العبارة. # أقول: أما رواية الحسن فزيادة على كونها معارضة مقطوعة السند. # مردودة بأن هذه الآية من سورة المائدة التي هي مدنية من آخر ما نزل من ~~القرآن حينما أظهر الله دينه وكسرت دعوة الحق شوكة الشرك وأخمدت نائرة ~~المشركين فلا ربط لها بأصل البعثة وتكذيب المشركين، بل أن صريح الآية ~~ومرماها يناديان بأنها تحث على أمر هو غير أصل الدعوة وتعظم أمره بيان أن ~~تركه بمنزلة ترك التبليغ لأصل الدعوة وإلا فأي معنى لقوله فإن لم تبلغ أصل ~~الدعوة فما بلغت أصل الدعوة. # وإن سألت عن مرمى الآية وقصدها " قلنا " لا يمتنع أن يكون رسول الله ~~PageV01P178 # قد يؤمر بأمر سياسي وتدبير اجتماعي وقانون إصلاحي غير متعلق بحادثة وقتية ~~يفوت الغرض منها بتأخير البيان ولا يكون في الوحي به تضييق بتعجيل التبليغ ~~فيتربص رسول الله في تبليغه فرصة التأثر ويراعى في تأخيره سياسة الفائدة ~~ومجال التنفيذ وعدم التشويش مراعاة لحكمة الوظيفة واعتمادا على توسعة ~~الإطلاق فيأتيه بيان التضييق والتعجيل بصورة الحث والتشديد إشعارا للعباد ~~بأهمية ذلك الأمر وتنويها بكبير شأنه في السياسة الدينية ونظام المدنية ~~وانتظام الجامعة. # فلماذا لا يحمل المتكلف الآية على هذا الوجه الواضح؟ ولماذا يميل مع ~~الهوى؟ ويعتل بالقيل؟ بل لنا أن نقول: إن المأمور به إذا كان عظيم الأثر في ~~النظام العام كبير الفائدة في الاجتماع والجامعة، فقد تقتضي الحكمة ms117 في ~~الإشعار بأهميته والسياسة في تنفيذه وإجرائه وتثبيته في القلوب وجلبها إليه ~~كما هو حقه أن يقرن الله الوحي به إلى الرسول المبلغ له بالحث والتشديد على ~~تعجيل تبليغه ابتداء ومن دون سابقة له في الوحي فيجري الحث عليه على نحو ~~فلسفي سياسي في براعة البيان ليكشف عن حسن أثره في الدين، ومدخليته في ~~الجامعة. # والشيعة من المسلمين يقولون: إن الآية نزلت في أمر رسول الله بنصب علي ~~خليفة على أمته من بعده وأخذ العهد له من الأمة بذلك وبالبناء عليه يتضح ~~انطباق الآية وحسن مرماها. # ثم إن المتكلف " يه 1 ج ص 66 - 68 " والمتعرب " تذ 65 " قد تعرضا لشأن ~~تزوج رسول الله بزينب بنت جحش التي كانت عند مولاه زيد بن حارثة فاستفزهما ~~ما فيهما إلى أن جاء في كلامهما بما يقبح حتى منهما فراجعه فإن الأوراق ~~لأشرف من أن يسود وجهها بنقله. # وهاك خلاصة الأمر في القضية لا يخفى أن زيدا كان غلاما لرسول الله فجاء ~~أبوه حارثة ليفكه من الرق ويأخذه فأبى زيد أن يتبعه رغبة في خدمة رسول الله ~~لما رآه من بره وعظيم شأنه فشكر له رسول الله ذلك وأعتقه وعامله في البر ~~معاملة الابن حتى دعاه الناس زيد بن محمد، وزوجه زينب بنت جحش، ثم طلقها ~~زيد ولما انقضت عدتها تزوجها رسول الله حسب قوانين الشريعة المقدسة. ~~PageV01P179 # فاسأل المتكلف والمتعرب وأشباههما عن السبب في جرأتهما على رسول الله في ~~ذلك، فإن كان لأجل تزوجه بالمطلقة حيث منع العهد الجديد الرائج من أصل ~~الطلاق والتزوج بالمطلقة في حجة متهافتة وتعليل عليل لا يليق بعوام الناس ~~فضلا عن وحي الله للمسيح. # قلنا: من ذا الذي يوجب على رسول الله أن تكون أعماله وشريعته على مقتضى ~~العهد الجديد الرائج ولا سيما في هذا الحكم الذي قد تلجلج العهد الجديد ~~بحجته وتدافعت أقواله في نسخ مشروعيته حتى رفض تعليمه هذا عقلاء أتباعه في ~~هذه الأعصار المتنورة فجعلوا الطلاق شريعة متبعة كما يشهد به الإحصاء، لأجل ~~ما وجدوه ms118 في منع الطلاق من الضرر الباهظ بنظام المدنية والاجتماع وصفاء ~~العيش، وانتظام أمر العائلة، وحسن الأخلاق، والعدل، والحرية من أقبح ~~القيود. # وإن كان السبب هو تزوجه صلوات الله عليه بمطلقة من يدعى ابنه لأنها تكون ~~محرمة عليه بتا وإن لم يكن ابنا حقيقيا. # قلنا: من حرم ذلك؟ وفي أي شريعة جاء تحريمه هذه التوراة والعهد الجديد ~~الرائجان وشريعة اليهود وشريعة النصارى. # فإن قالا: إنه محرم بشريعة مشركي الجاهلية " قلنا " لا نضايق من يرضى ~~لنفسه أن يتشبث بمثل هذه الواهيات، ولكن أليس رسول الله قد جاء ليجعل شرائع ~~الجاهلية وعاداتها الوخيمة تحت قدميه ويجري بشريعة الحق كل الأمور على ~~حقائقها. فلماذا لا يصد المتكلف شئ مما يصد أدباء الكتاب؟ حتى كتب في هذا ~~المقام أكثر من ثلاث مرات أن رسول الله أخذ امرأة ابنه. # هذا وإن كان السبب هو مقدمات التزويج " قلنا " لم يذكر فيها القرآن ~~الكريم إلا قوله تعالى في سورة الأحزاب 37: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى ~~الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا). PageV01P180 # وأما الروايات المضطربة المختلفة فقد اقتصروا في الصحاح عن أنس على أن ~~زيدا جاء يشكو زينب إلى رسول الله وآل الأمر إلى طلاقها. # وفي رواية أبي سعيد عن زينب قالت: زوجني منه رسول الله فأخذته بلساني ~~فشكاني إلى رسول الله الحديث. # وفي رواية قتادة أن زيدا جاء رسول الله فقال له: إن زينب قد اشتد لسانها ~~علي، فهل ترى في هذه المقدمات شيئا ينتقد به، وقد أرسل المتكلف " يه 1 ج ص ~~66 " حسب أمانته وغرضه أن رسول الله أتى زيدا ذات يوم لحاجة فأبصر زينب في ~~درع وخمار وكانت جميلة فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال سبحان مقلب القلوب ~~وانصرف مع أنه قد جاء في رواية محمد بن يحيى بن حيان أن رسول ms119 الله لما رأى ~~زينب فجأة أعرض عنها ورجع. # وفي رواية الطبري وكان على الباب ستر من شعر فرفعت الريح الستر. # ونقول: لو تنازلنا وأعلمنا أخبار الآحاد فيما يتعلق بأصول الدين. # وأغمضنا عن اضطراب هذه الرواية واختلافها، وقبلنا ما أرسله المتكلف لقلنا ~~ماذا على النبي وغيره إذا وقع نظره اتفاقا ومن دون قصد على امرأة أجنبية ~~وماذا عليه إذا عرف بهذا الاتفاق حسن الحسن وقبح القبيح ووقع في نفسه ~~موقعه، وماذا عليه لو التفت إلى قدرة الله على التصرف بالقلوب، أيشترط في ~~النبي أن يكون في مثل هذه الموارد ينقلب الحسن في عينه قبيحا. # وأن المحرم القبيح هو النظر إلى الأجنبيات ريبة وتلذذا وهو معنى قول ~~الإنجيل الرائج كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بقلبه. وكذا معنى ~~إذا أعثرتك عينك ويدك " مت 5: 28 - 30 ". # " ورطات المتكلف " وقد تورط في هذا المقام بمقايساته فقال " يه 1 ج ص 66 ~~س 9 " نعم إن داود وقع في خطيئة الزنا ولكن يوجد فرق جسيم بين الأمرين فلم ~~يأخذ داود امرأة ابنه. PageV01P181 # أقول: وقد كشف لنا بكلامه هذا عن أنه لا منتهى لورطات الغفلة ولا حد ~~لفلتات العصبية، فلنصور لك هذه القصة على الرواية التي اشتهاها المتكلف، ~~ونذكر لك القصة التي قذف بها داود ملخصة من التفصيل الذي ذكر في العهد ~~القديم كتاب إلهامهم، وقايس أنت بينهما واحكم ولو ببعض إنصافك ووجدانك. # فنقول: جاء في بعض الروايات المضطربة أن رسول الله أتى بيت زيد غلامه ~~ومعتقه فوقعت عينه على امرأته فوقعت في نفسه وأعجبته وأشعر بذلك فطلقها زيد ~~وقل طمعا ببر رسول الله وشكرا عليه، بل قل مصانعة لدنياه بل قل باستدعاء من ~~رسول الله فلما انقضت عدتها تزوجها رسول الله حسب تسويغ شريعته المقدسة ولا ~~تقل بأمر من الله ولا لأجل الحكمة التي سنبينها إن شاء الله في مبحث النسخ. # وجاء في العهد القديم الذي هو كتاب وحي وإلهام عند أهل الكتاب أن داود ~~تمشى على السطح فرأى امرأة أوريا تستحم فسأل ms120 عنها فأخبر أنها امرأة أوريا. ~~ومن أوريا؟ هو أحد رجاله المؤمنين بالله الغازين للجهاد في سبيل الله مع ~~تابوت الله لنصرة دين الله. فهي في الحقيقة وديعة في حمى داود وظل جواره ~~وأمن رعايته فأرسل عليها وواقعها فحبلت وأخبرته بالحبل فأحضر زوجها من ~~الحرب ليدخل على امرأته فيلتصق به ذلك الحمل الذي هو من الزنا، وأسكره أيضا ~~لهذا الغرض فأبى ذلك المؤمن المجاهد الناصح أن يستريح إلى أهله ويأنس بهم ~~وذلك ليواسي تابوت الله والمجاهدين في سبيله، فتوصل داود إلى قتله بأن أمر ~~قائد العسكر أن يجعله في وجه الحرب الشديدة ويرجعوا عنه لكي يضرب ويموت ~~ففعلوا وجاهد أوريا صابرا محتسبا حتى قتل فسر قتله داود وضم امرأته إلى ~~بيته وولدت له من ذلك الحمل ولدا ولما مرض ذلك الولد جزع حتى بات مضطجعا ~~على الأرض باكيا لم يأكل ولم يشرب " 2 صم 11 و 12 " فدونك المقايسة التي ~~تورط بها المتكلف. # ثم إنه له في هذا المقام وللمتعرب " ذ ص 65 " كلاما يفضي استقصاؤه ~~PageV01P182 # إلى طول ممل وغايته أنهما وجدا في أنفسهما بعض القدرة على تلفيق بعض ~~الألفاظ فتكلما حسب ما تنضح به آنيتهما من دون نظر إلى العاقبة. وأقل ما ~~فيه أنهما فتحا به بابا قبيحا ولم يشعر بأن خصمهم ممن لم يلقنه دين الإسلام ~~طهارة المسيح وبراءته من بوادر العهد الجديد ليقول ويقول إذا رأى ما في ~~سابع لوقا في شأن المسيح 37 وإذا امرأة في المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه ~~متكئ في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب 38 ووقفت عند قدميه من ورائه باكية ~~وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسح بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما ~~بالطيب، ولا سيما إذا سمع اعتراض الفريسي والجواب المحكي عن المسيح فإنه ~~لينمق من ذلك رومانا عشقيا، ومقامة وجدية وصالية يوشيها من مرامي ألفاظ ~~القصة ورموز شواهدها بمغازلات صبابتية، و مطارحات شوقية ودادية، وإشارات ~~غرامية، لم يقف العرجي وابن أبي ربيعة موقفها ولم يحظ امرء القيس بمثلها، ~~ولم يبح القيسان ms121 ببثها، ولم يصل نشيد الأنشاد إلى رموز محاوراتهم، ولود أن ~~يكون قسا إذ فتح إنجيل لوقا للسيدات باب هذه التوبة. فأين تذهب الأحلام ~~وتشذ العقول؟ # ثم انظر " يه 3 ج ص 48 " تجد العجب من الإصرار على الغي. فإن سألت عن ~~معنى الآية الشريفة فحاصلها. وإذ تقول يا رسول الله للذي أنعم الله عليه ~~بالخلق السوي والإسلام وسائر النعم العظام، وأنعمت عليه بالبر والعتق أمسك ~~عليك زوجك واتق الله في شكواك منها أو بحس معاشرتك لها عند إمساكك إياها ~~ولا يحملك كلامها معك على أن تجور عليها زيادة على التأديب المشروع. # وتخفي في نفسك يا رسول الله ما الله مبديه، فقد أعلمك أن زينب تكون من ~~أزواجك ولا بد من أن يكون ذلك. وتخشى الناس أن يقولوا جريا على عوائد ~~الجاهلية وضلالا وزورا إن رسول الله أخذ امرأة ابنه مع أن الناس لا ينبغي ~~أن تخشاهم فإنهم لا يضرونك بجهلهم ولا يحطون من شرف منزلتك بأغاليطهم ولا ~~يضلون من سدده الله بالهدى. والله أحق أن تخشاه فإنه هو المالك للنفع والضر ~~وهو الذي يحق الحق بكلماته ويتصرف في عباده بقدرته PageV01P183 # ومشيئته وحكمته، فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إبطالا لأضاليل ~~الجاهلية وعوائدهم الفاسدة في معاملتهم الأدعياء معاملة الأبناء الحقيقيين ~~وتثبيتا للناس على شريعة الحق اقتداء بك لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، وفارقوهن عن رغبة واختيار في طلاقهن. # هذا معنى ما ورد عن أهل البيت في تفسير الآية ولا أقل من أن يكون احتمالا ~~في معناها يكبح أغراض المغرضين. # " حديث الإفك " ومما ينبغي استطراده من هذا النحو أيضا تعرض المتكلف " يه ~~1 ج ص 68 " والمتعرب " ذ 59 - 61 " لحديث الإفك إلا أن المتعرب قد كشف عن ~~مخبأه وأبدى نضحه لما في آنيته وإن كان عيالا في كل ما جاء به على بعض ~~افتراء اليهود والوثنيين في شأن ولادة المسيح الطاهرة ويزيدون عليه بأن ~~شواهد العادة الطبيعية تعضدهم وظواهر الأحوال تساعدهم بحيث يباين ms122 ما ~~يقولونه لحديث الإفك مباينة العادات الطبيعية لجزاف آلهتهم مضافا إلى أن ~~أصل حديث الإفك وتهمته الشخصية غير معلوم وإنما جاء برواية الآحاد التي لا ~~تفيد علما. # وأن القرآن الكريم لم يعين لها موردا خاصا وإنما جاء بعنوان عام. ولو ~~عرضنا الأمرين على اليهود والوثنيين لقال أهل الشرف والنفوس الحرة في حديث ~~الإفك لا يسوغ لنا الإقدام على التهمة والتخمين، وإن الاعتبار ليساعد فيه ~~على البراءة. # هذا وإن الوحي الصادق الإلهي الرادع عن سوء التهم والقاهر ببيان قدرة ~~الله على خلاف العادات الطبيعية. # والمكذب بنفوذ مشيئته لشواهد الحال قد أعلمنا بفضل الله ولطفه بالطهارة ~~والبراءة في المقامين والله الهادي إلى سواء السبيل. # وأما هزوء المتكلف والمتعرب في هذا المقام واعتراضهما على الإطناب في ~~تشديد النكير والموعظة في آيات الإفك فهما معذوران فيه، إلا إذا نبههما ~~الراصدون بروحانيتهم لسياسة الاجتماع والمدنية المتكشفون بوصول عقولهم ~~أسباب PageV01P184 # الائتلاف وارتباط العواطف وحفظ الشرف وناموس العفة. وفهموهما أن أضر شئ ~~في ذلك هو الإقدام على التهم في الأعراض. فإن الكلمة البادرة من ذلك تفعل ~~ما لا تفعله السيوف وتجني ما لا تجنيه الحروب فإنها تثلم في شرف القبيلة ~~ثلما لا يتدارك، وتسم عمومهم بالعار وسما لا ينمحى وتحطهم عن الكفاءة ~~لأقرانهم ومن دونهم، وتصد طالبي العفة عن الرغبة في نسائهم، وتوقع بينهما ~~العداوة وتنشب الشر والعداوة بينهم وبين القاذف وقبيلته وتلجأهم إلى قتل ~~البرئ وتغرس البغضاء في العائلة وتقطع علائق عواطفهم وتجرعهم غصص النكد ~~والكمد وتشتت الشمل المجتمع وتفرق بين الطفل وأمه، والوالد وولده، والحبيب ~~وحبيبه، إلى غير ذلك من المضار الفظيعة.. # وانها لتنشأ عن كلمة يقدر عليها الكبير والصغير والرجل والمرأة والقوي ~~والضعيف والشريف والوضيع. تتفلت من ألسنة ضعفاء النفوس بأيسر غيظ وأدنى سبب ~~فيسرع انتشارها في الناس فلا يدركها كتمان ولا يمحو أثرها حيلة ولا تدبير، ~~فلا يرتق فتقها ولا يداوى جرحها وأنها مما لا يصد عنه سلطة حاكم ولا يردع ~~عن بوادرها قدرة متسلط ولا سيطرة مؤدب إلا النواميس الروحية المكتسبة من ms123 ~~التعاليم الإلهية. فلا غرو إذا إذا أطنب القرآن الكريم في الزجر عن ذلك. ~~وأخذ في الردع عنه بمجامع أسباب التهذيب والتأديب والتشديد في النكير ~~والتغليظ في العقوبة والتلطف في الموعظة وأن هذا لمن إعجاز القرآن الذي لا ~~يخفى إلا على الغبي أو المتعصب. فنور فكرك وخذ حظك من التهذيب والكمال ~~بالنظر إلى سورة النور " 4 - 26 " وأنها مع ما فيها من جوامع الكلم وبواهر ~~الحكم في حفظ النظام وتهذيب الأخلاق وفلسفة صون العائلة وإصلاحها لم تبلغ ~~ألفاظها ربع ما جاء في التوراة الرائجة في صيدلة البرص والقوبا " انظر إلى ~~الثالث عشر والرابع عشر من اللاويين " واسأل الحكماء والأطباء عن ذلك ما لم ~~يكن فيهم كاهن، ولقد أوجزنا وأجملنا في كشف أسرار الآيات الشريفة، وأخرنا ~~شرح ما تصل اليه عقولنا بعون الله من فوائدها إلى حين التعرض لما في القرآن ~~من الأخلاق الاجتماعية. # ولا ألوم المتكلف والمتعرب فيما جاء به في هذا المقام فإنهما قد أشربت ~~PageV01P185 # قلوبهما طريقة العهدين الرائجين في نسبة الفظائع والفواضح إلى الأنبياء ~~وعائلتهم ونشر ذلك عن لسان الوحي " انظر إلى التكوين 12: 14 - 20 و 19: 31 ~~- 38 و 20: 2 - 17 و 26: 7 - 12 و 34: 1 - 12 و 34: 1 - 4 و 35: 22 و 38: ~~13 - 30 " وإلى سفر القضاة " 11: 1 - 3 و 14 - 20 و 16: 1 و 4 " وإلى ~~صموئيل الثاني " 11 و 12 و 13: 1 - 22 " وزادت النسخة السبعينية في الطنبور ~~نغمة إذ ذكرت في هذه الحكاية الشنيعة أن داود لم يحزن روح آمنون ابنه لأنه ~~أحبه لأنه بكره. # وأيضا " 16: 20 - 23 " وإلى هوشع " 1: 2 - 2: 4 و 3: 1 - 4 " وإلى متى " ~~1: 3 و 5 و 6 " وإلى لوقا " 7: 37 و 38 " وإلى يوحنا " 13: # 23 - 26 " غفرانك اللهم تقدست أنبياؤك الطاهرون وكتب وحيك المطهرة وإنما ~~أردت بذلك أن يعتبر من يتوجه إليك بنور هداك. # وأما تشهي المتكلف " يه 1 ج ص 69 " في تشبثه بالرواية المضطربة في السبب ~~لنزول قوله تعالى في أول سورة التحريم: (يا أيها النبي لم تحرم ms124 ما أحل الله ~~لك) فسيأتي إن شاء الله التعرض له عند التعرض لما في الآية الشريفة من ~~الفوائد في نظم العائلة. # ومال المتكلف " يه 1 ج ص 69 " من تأمل تاريخ محمد ظهر له أنه اشتهر ~~بالقسوة والحقد فكان يغتال بالغدر والعدوان من عارضه إلى آخره. # أقول: وقد استشهد لذلك بما يروى من قصة عصماء بنت مروان وأبي عفك وكعب بن ~~الأشرف وبني قريظة. وأبي رافع. # وليت شعري هل تعدو وظيفة رسول الله المبعوث لإعلاء كلمة الحق وانتشار ~~الصلاح وقمح الفساد والمفسدين أن يكون حسب إعلان الوحي شديد الوطأة على ~~أعداء الله المفسدين في الأرض كانوا عثرة في سبيل التوحيد وإعلاء كلمة الحق ~~وحسن النظام فكان إعدامهم بكل وسيلة من لوازم الاصلاح النبوي وأحسنه ما لا ~~يثير فتنة ولا ينشب حربا. # ولئن كان هذا من القسوة والحقد والعدوان فيا لهفاه ويا أسفاه على موسى ~~PageV01P186 # كليم الله. وماذا يقولون فيه إذ أمر بقتل ذكور الأطفال وموطوآت النساء من ~~سبي مديان ولم يبقوا إلا البنات الأطفال اللواتي لم يقربهن ذكر. وإنما ~~أبقوهن لانتفاعهم بهن لا رقة عليهن " عد 31: 17 و 18 " وقتل بأمره كل من في ~~مدن سيحون من الرجال والنساء والأطفال " تث 2: 34 " وكذا مملكة عوج ملك ~~باشان " تث 3: 5 و 6 ". # ويا لهفاه ويا أسفاه على يشوع بن نون إذ قتلوا وحرموا بأمره كل ما في ~~مدينة أريحا من رجل وامرأة وشيخ وطفل حتى الحيوانات " يش 6: 17 و 21 " وكذا ~~كل من في مدينة عاي مما عدا البهائم " يش 8: 26 و 27 " وكل نفس بمقيده، ~~ولبنه، ولخيش، وعجلون، وحبرون ودبير. وكل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح ~~" يش 10: 28 - 41 " وكذا حاصور " يش 11: # 11 ". # ومع ذلك ينسب الأمر بهذا كله إلى الله، بل إنه هو الذي شدد قلوب ~~المحاربين لبني إسرائيل من هؤلاء ليقع هذا الفعل بهم وبنسائهم وأطفالهم ولا ~~تكون عليهم رأفة ويحرموا ويبادوا كما أمر الرب موسى " يش 11: 20 ". # فإن قلت: إن التوراة قد أعلنت بحكمة هذا التحريم والإبادة ms125 وهي المحافظة ~~على أن لا يختلطوا مع بني إسرائيل فيردونهم أو يردون أبناءهم عن عبادة الله ~~إلى عبادة آلهتهم " تث 7: 3 و 4 و 20: 18 ". # قلت: أولا لئن جاز هذا كله بما فيه من العظائم، وصح من موسى ويوشع حذرا ~~من العاقبة في المستقبل وحماية للتوحيد من احتمال أن يغوى نسل هؤلاء ~~المبادين لبني إسرائيل الذين عرفت في المقدمة الخامسة أنهم لم يستقروا على ~~التوحيد في جيل من أجيالهم من زمان موسى إلى سبي بابل. فلماذا لا يجوز ~~لرسول الله المبعوث لمحو الشرك وإعلاء كلمة الحق أن يطهر الأرض من رجاسة ~~فلان وفلان وبني النضير الذين قد أسرفوا وأفرطوا في مقاومة الموحدين ~~والتوحيد بأقوالهم وأفعالهم، وجرأتهم وبغيهم وغدرهم ونكث العهد، ونصرة ~~الشرك. # أفلم ينظر المتكلف في السير ليعرف ما جناه هؤلاء وعلى الخصوص بني النضير ~~الفجرة الذين أرادوا بغدرهم أن يؤيدوا كلمة الشرك ويمكنوا المشركين ~~PageV01P187 # من قتل الموحدين. # وثانيا: إن حكم التوراة الرائجة بالتحريم وإبادة كل نسمة حتى الأطفال ~~مختص بسبعة شعوب: الحثيين. والجرجاشيين. والأموريين والكنعانيين. # والفرزيين. والحويين. واليبوسيين. " تث 7: 1 - 5 و 20: 16 - 18 "، وأما ~~غير هؤلاء الشعوب من المحاربين لبني إسرائيل، فإن نساءهم وأطفالهم وبهائمهم ~~تكون غنيمة ولا يقتلون " تث 20: 12 - 15 ". # فنقول: إن المديانيين إن كانوا من الشعوب السبعة، فلماذا أبقى موسى من ~~إناثهم الأبكار اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر اثنين وثلاثين ألفا " عد 31 - ~~35 " أفأمن موسى من أن يغوين بني إسرائيل ويرددنهم إلى عبادة غير الله؟ # كيف ولا وإن المديانيات هن اللواتي أغوين بني إسرائيل في شطيم إذ زنوا ~~بهن وأكلوا من ذبائح آلهتهن وسجدوا لها وتعلقوا ببعل فغور " عد 25: 1 - 18 ~~و 31: 16 ". # وهل كان هذا منه محاباة لبني إسرائيل حيث أعجبهم جمالهن وذاقوا لذة الزنى ~~بهن. ولئن كان هذا عن أمر الله فهاهنا يقول القائل نحو ما قاله المتكلف " ~~يه 1 ج ص 66 س 13 " حاشا لله القدوس الطاهر أن يصادق على العمل الشهواني ~~المنبعث عن لذة الزنى الموقع في الشرك. هذا ms126 وإن لم يكن المديانيون من ~~الشعوب السبعة فلماذا قتل موسى أطفالهم الذكور وهم يبلغون الوفا عديدة ~~بمقتضى قياس الابكار من الإناث. # وأيضا كيف أقدم يشوع لأجل سرقة من الغنيمة فأحرق عخان وبنيه وبناتهم مع ~~أنهم مؤمنون من نسل إبراهيم من بني إسرائيل شعب الله وهب أن عخان سرق فما ~~ذنب البنين والبنات وما ذنب حيواناته حتى أحرقوها أيضا هي وكل ما له " يش ~~7: 24 و 25 ". # وأيضا في العهد القديم أن صموئيل النبي أمر شاول أن يقتل عماليق رجلا ~~وامرأة طفلا ورضيعا بقرا وغنما جملا وحمارا انتقاما وتشفيا منهم لأجل ما ~~عملوه ببني إسرائيل حين وقفوا لهم بالطريق عند صعودهم من مصر " 1 صم 15: 2 ~~و 3 " بعد ما مضى ما يقرب من أربعمائة وخمسين سنة. PageV01P188 # أفليس هذا من القسوة والحقد؟ وأعجب من هذا إن ذلك ينسب إلى أمر الله ~~وحاشا له أن يأمر بقتل الأطفال الذين لا ذنب لهم ولا تكليف عليهم بفعل ~~الغير قبل ما يزيد على أربعة قرون. # " ورطات المتكلف " فإنه قد قابل بين قتل رسول الله لمن عدهم وقد عرفت ~~مظاهرتهم للشرك على التوحيد وبين عفو داود عن قتل شاول ملك إسرائيل، وهذا ~~من المضحكات فإن العهد القديم يقول: إن شاول رجل مؤمن موحد قد تنبأ مع ~~الأنبياء ومسحه الله ملكا على إسرائيل لتخليصهم فكان متجردا للجهاد في سبيل ~~الله ونصرة التوحيد وكسر شوكة الشرك والمشركين ويكفي في ارتداع داود عن ~~قتله اعترافه بأنه مسيح الرب " انطر صموئيل الأول من التاسع إلى الرابع ~~والعشرين ". # ولكن لماذا لم يذكر المتكلف في المقابلة ما يذكره العهد القديم عن داود ~~وحاشاه من غدره بأوريا في زوجته ونفسه ذلك الغدر الفاحش، ولماذا لم يذكر ما ~~يذكره كتابهم عن موسى ويشوع وصموئيل كما ذكرناه؟ وليت شعري ماذا ترى ~~المتكلف يقول في تقولاته لو لم يكن مثل ما ذكرنا في كتبه التي ينسبها إلى ~~الوحي؟ أتقول: إنه لم يطلع عليها، كيف وقد كرس نفسه مبشرا في نحلته عالما ~~من الكتاب؟ أفلم ينظر ms127 في كتبه حتى في المكتب الابتدائي؟ أيكون مثل هذا في ~~هذا الجيل المتنور. ما عشت أراك الدهر عجبا. # " دعوى الخطأ " ثم قال المتكلف " يه 1 ج ص 71 " في شأن رسول الله " ص " ~~كثيرا ما كان يخطئ في أعماله. # واستشهد لذلك بآيتين الأولى قوله تعالى في سورة الأنفال 68 (ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ~~والله عزيز حكيم). # وقد أرسل المتكلف حسب أمانته وترويج غرضه في نزول الآية رواية مضمونها أن ~~رسول الله أتى بأسارى بدر وفيهم عمه وابن عمه فاستشار أصحابه وأظهر في ~~لوائح كلماته وأمثاله ميله إلى استحيائهم وفدائهم فخير أصحابه فاختاروا ~~الفداء فنزلت هذه الآية. PageV01P189 # أقول: ولئن تشهى المتكلف فيما أرسل روايته فإن الرواية في هذا الشأن ~~مضطربة ذات وجوه، فعن أبي عبيدة قال: نزل جبرائيل على النبي " ص " يوم بدر ~~فقال: إن ربك يخبرك إن شئت أن تقتل هؤلاء الأسارى، وإن شئت أن تفادي بهم ~~ويقتل من أصحابك مثلهم فاستشار أصحابه فقالوا: نفاديهم فنتقوى بهم ويكرم ~~الله بالشهادة من يشاء. # وفي رواية أن رسول الله كان كارها لاستحياء المشركين وآخذا الفداء حتى ~~رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه الشريف فرجح له قتلهم. وكذا عمر بن ~~الخطاب فاستحسن قولهما. # وفي رواية أخرى لما أمر رسول الله بقتل عقبة والنفر من الأسارى خافت ~~الأنصار أن يأمر بقتلهم جميعا فقاموا إليه واستوهبوهم منه ليأخذوا منهم ~~الفداء، وعلى كل حال فليس في صريح الآية ولا ظاهر سوقها إنكار على رسول ~~الله ولا توبيخ على فعله ولا تخطئة لعمله، وإنما لفظها وسوقها يعطي أن ~~التوبيخ كان للأمة حيث اختاروا عرض الحياة الدنيا من فداء الأسارى ولم ~~يشددوا الوطأة على أعداء الله فهي كقوله تعالى في سورة النساء 96: (ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا). # فإن قلت: فما ذكر النبي هاهنا قلت للأعلام بأن استحياء الأسارى والفداء ~~إنما هو للنبي ووظيفته الخاصة به يجري ms128 فيها بحسب ما يراه من الأصلح والأولى ~~والأنسب بالعزة، وليس لأحد أن يتعدى طوره بالتعرض في ذلك فكانت هذه بيانا ~~لمن له الوظيفة وزجرا لمن يتداخل فيها فضولا أو رغبة في المال، هذا على ~~مقتضى الرواية بأن الآية نزلت في الإبقاء على الأسارى بعد أسرهم. وأما إذا ~~أعرضنا عن الرواية لكونها من الآحاد المضطربة لفظا ومضمونا فلا تفيد علما ~~ولا ظنا بسبب النزول، فلنا أن نقول إن ظاهر الآية يقتضي كونها توبيخا على ~~نفس الأسر في أول الأمر وترك قتل المأسورين في أول الظفر بهم وهذا أمر لا ~~ربط له برسول الله لأنه وقع في أمكنة متباعدة وأوقات مختلفة عندما تشتت ~~المشركون بالهزيمة. # وأما ذكر النبي فلبيان حكم الحرب الشرعية التي يقوم بها النبي لتأييد ~~PageV01P190 # دعوته وإظهار شريعة الحق والتوبيخ للمجاهدين بأن هذه الحرب لا ينبغي ~~للمجاهد أن يميل فيها إلى عرض الحياة الدنيا، وليست مثل سائر حروبكم ~~المقصود منها الغلبة الوقتية ومطامع النهب وفداء الأسارى. # وأما إضافة الأسرى إلى النبي فلبيان علو شأنه وأنه أولى بأمرهم لأن سلطة ~~الأسر والغلبة إنما كانت ببركات رئاسته ودعوته ونجدته وشدته في ذات الله ~~واستجابة دعائه. # فإن قلت: إذا كانت المصلحة في عدم الأسر، بل الأولى إعدام الأسارى ~~وقتلهم، فلماذا لم يأمر رسول الله بقتلهم؟ ولماذا رضي للمسلمين باستحيائهم ~~وأخذ الفداء. # قلت: إن المصلحة وإن كانت كذلك أولا وبالذات إذلالا للشرك وتثبيتا لنيات ~~المجاهدين على الشدة في ذات الله وإعلاء كلمة التوحيد، ولكن لما علقت ~~آمالهم بفداء الأسارى وكان قتلهم جميعا بعد سكون الحرب يعده المشركون من ~~الغلظة والقسوة وسوء الولاية فتستحكم بذلك عقدة الأضغان ويشتد بذلك تكالب ~~المشركين على الإسلام والمسلمين، صارت المصلحة بتسويغ أخذ الفداء تقوية ~~للمجاهدين وتثبيتا لعزائمهم على الإقدام في الحرب وتسكينا لغوائل الأضغان ~~والأحقاد وصونا لكرم أخلاق رسول الله عن شطط قول المشركين والمنافقين، ولعل ~~هذا هو المراد من قوله تعالى في هذا المقام: (ولولا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا ms129 طيبا). # وأما الآية الثانية التي استشهد بها المتكلف لدعواه فهو قوله تعالى في ~~سورة براءة 43: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين). # فاعلم أن ما بعدها من الآيات من الرابعة والأربعين إلى الثامنة والأربعين ~~لينادي بأن صورة العتاب فيها على الإذن لم تكن الملامة لرسول الله " ص " ~~حتى على ترك الأولى، وإنما حقيقتها ومرماها هو التوبيخ لهؤلاء القاعدين ~~المستأذنين بنحو من لحن الخطاب الموجه لرسول الله بيانا لضلالهم وموافقة ~~إذنه صلوات الله PageV01P191 # عليه لهم للصواب والسداد من حيث المصلحة الجهادية، وليس في عدمها من ~~الفائدة إلا افتضاحهم عند رسول الله وعلمه بكذبهم في التعلل بالمعاذير، ~~وصدق الصادقين في الجهاد، وفضيلتهم حيث أعدوا له عدته. # فسوق الآيات الخمس قرينة قاطعة على أن قوله تعالى (عفى الله عنك) بنحو لا ~~ربط له بتقدم الذنب وإنما هو جار على النحو المتعارف في التلطف والعناية في ~~الخطاب بتصديره بنحو من الدعاء والإكرام رفعا لحزازة ما في أثنائه من صورة ~~العتاب وصرفا لحزازته إلى من قصد به. # وبهذا تعرف ما في كلام المتكلف " يه 1 ج ص 72 - وكذا 73 " حيث قال ومع ~~ذلك فقالوا: إن الله عاتبه ولو كان الإله الحقيقي هنا لعاقبه أشد العقاب، ~~ففي التوراة لما أخذ عخان بعض الأشياء المحرمة ضرب الله الأمة الإسرائيلية ~~بتمامها وسلط عليها من هزمها، ولما كان أحد ملوك بني إسرائيل يبقى واحدا من ~~الذين أمر الله بإعدامهم عقابا لهم على خطاياهم كان يضربه ضربة شديدة بخلاف ~~الحال هنا فإذا اقترف محمد المنكر الذي يستوجب أشد عقاب وأنكى عذاب يعاتبه ~~الله ويلاطفه ويراعي خاطره. فأين عدل الله وقداسته. # أقول: قد أقام المتكلف من حيث لا يشعر برهانا على براءة رسول الله هاهنا ~~من مخالفة أمر الله أو فعل ما لا يرضاه وإلا لعاقبه أشد العقاب أفتراه ~~يقول: إن الإله الحقيقي غير حاضر هاهنا، وإنه يشتهي أن يستهزئ بعدل الله ~~وقداسته كما يفتري على قدس رسوله. أو كما ينسب العهد القديم إلى ms130 الله ~~القدوس العادل أمورا تنافي العدل والقداسة ويمتنع صدورها من الله جل شأنه. # " منها " أن عخان سرق من الغنيمة فغضب الله على بني إسرائيل وسلط عليهم ~~الكفرة ونسب إليهم السرقة والخيانة مع أن المقام ينادي بأن عامة بني ~~إسرائيل لم يكن لهم علم بذلك ليؤاخذوا بترك النهي عن المنكر ومع ذلك فأحرق ~~عخان هو وبنيه وبناته وبهائمه وكل ما له بأمر الله تعالى الله عن ذلك ~~ومقتضى العادة لا بد أن يكون في بنيه وبناته من هو طفل غير مكلف أو لا يعلم ~~بالسرقة أو ضعيف لا يقدر على النهي عن المنكر فأي عدل يعاقب هؤلاء بذنب ~~PageV01P192 # غيرهم " انظر يش 7 ". # " ومنها " أن صموئيل النبي أمر شاول ملك إسرائيل عن أمر الله بأن يقتل ~~عماليق رجلا وامرأة طفلا ورضيعا عقابا لما فعله أسلافهم قبل أربعمائة سنة ~~تقريبا. وهب أن الكبار كفرة مستحقون للقتل، فأين يكون قتل الأطفال والرضعان ~~من العدل؟. # " ومنها " أن العهد القديم نسب إلى داود وحاشاه في شأن أوريا وامرأته ما ~~هو من أعظم الخطايا وأشنعها، فكان عقابه أن سلط عليه ابنه ليزني بنسائه، ~~ومع ذلك يقول ناثان النبي لداود الرب أيضا قد نقل عنك خطيئتك لا تموت " 2 ~~صم 12: 13 ". فهل يقول المتكلف هاهنا أين عدل الله في عدم عقابه بالموت؟ ~~وأين قداسته بعقابه بالزنا تعالى الله عما يقولون. # ثم قال في شأن رسول الله: كان دأبه مراعاة صاحب الجاه والشوكة وعدم ~~الاكتراث بالمسكين والفقير فمرة قطب في وجه الأعمى ولم يلتفت إليه مع أنه ~~كان آتيا ليتعلم منه ديانته، ولما عرف أن هذا لا يليق ادعى بأن الله وبخه، ~~فورد في سورة عبس 1 (عبس وتولى أن جاءه الأعمى 3 وما يدريك لعله يزكى 4 أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى 5 أما من استغنى 6 فأنت له تصدى 7 وما عليك ألا يزكى 8 ~~وأما من جاءك يسعى 9 وهو يخشى 10 فأنت عنه تلهى.. الخ). # روى أن ابن أم مكتوم أتى محمدا وهو يتكلم مع عظماء ms131 قريش وقال: # أقرأني وعلمني مما علمك الله فلم يلتفت إليه وقال في نفسه يقول هؤلاء ~~الصناديد إنما اتبعه الصبيان والسفلة فعبس في وجهه وأعرض عنه. # أقول: أما أولا فإن التشبث بهذه الرواية لما يدعيه باطل من وجوه: # " أولها " كون الرواية من رواية الآحاد التي قد عرفت حالها. # " ثانيها " كونها مقطوعة السند، فإن أقرب الرواة في سندها إلى الزمان ~~الذي تنسب إليه الحكاية هما ابن عباس وعائشة. وهما في ذلك الزمان إما أن لا ~~يكونا مولودين أو أنهما طفلان لا يميزان شيئا. # " ثالثها " كونها مضطربة النقل فإنه يروي عن عائشة تارة أن رسول الله ~~PageV01P193 # حين جاءه ابن أم مكتوم كان عنده رجل من عظماء المشركين، وتارة أنه كان في ~~مجلس في ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة، وتارة أن اللذين ~~كانا عنده عتبة وشيبة. # وفي الرواية عن ابن عباس أنه لقي عتبة والعباس وأبا جهل، وفي الرواية عن ~~أنس أبي ابن خلف، وفي الرواية عن أبي مالك أمية بن خلف وفي الرواية عن ~~مجاهد عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، وفي رواية أخرى عنه أن رسول الله كان ~~مستخليا بصنديد من صناديد قريش، وفي الرواية عن الضحاك لقي رجلا من أشراف ~~قريش، وأن هذا الاضطراب مما يلحق الرواية بالخرافة. # " رابعها " كونها معارضة بما هو أحسن منها طريقا، فقد روى أن الذي عبس في ~~وجه الأعمى ونزلت فيه الآيات هو غير رسول الله ويدل على ذلك قوله تعالى في ~~السورة (وأما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى) فإنه لا يصح أن ~~يكون خطابا لرسول الله لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن من وظيفة رسول الله ولا ~~خلقه ولا عادته ولا همته في الهدى أنه لا يبالي بتزكي أحد بالإسلام. كيف ~~وقد كان أقصى همته الدعوة إليه خصوصا لمن يقوي الدين بإسلامهم. وليس كل ~~خطاب في القرآن هو خطاب لرسول الله فإن فيه ما لا شك بكونه خطابا لغيره ~~كقوله تعالى في سورة القيامة المكية ms132 34 (أولى لك فأولى 35 ثم أولى لك ~~فأولى). # " خامسها " أن ما في الرواية من سوء الخلق مع الأعمى ومداهنة قريش مناقض ~~لما هو المعروف من خلق رسول الله ولا سيما مع المسلم المسترشد ومناقض أيضا ~~لقوله تعالى في سورة القلم المكية 4 (وإنك لعلى خلق عظيم 9 ودوا لو تدهن ~~فيدهنون). وقال تعالى في سورة آل عمران 153: (فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك). # " وأما ثانيا " فإنا لو تنزلنا مع المتكلف وفرضنا صحة ما تشبث به من ~~الرواية في نزول الآية لما خرج كلامه عن كونه افتراء على قدس رسول الله. ~~فإن من يفرض أنه أعرض مرة عن الأعمى مراعاة لبعض المصالح فأدبه الوحي أو ~~على زعم المتكلف عرف أن هذا لا يليق فتداركه. PageV01P194 # هل يسوغ ممن يتقي فضيحة الافتراء أن يقول في شأنه كان دأبه مراعاة صاحب ~~الجاه والشوكة وعدم الاكتراث بالفقير والمسكين، فمرة قطب في وجه الأعمى. # وليت شعري ألم يسمع المتكلف من قطعيات السير والتواريخ هتافها بأن رسول ~~الله " ص " كان من أول أمره إلى آخر عمره يعد الفقراء والمساكين خير جليس ~~وأحسن أنيس وأخص سمير، وأقرب بطانة حتى ساء ذلك أهل الشرف وشق عليهم. # أفلم يسمع من القرآن الكريم إطراءه بمدح خلق رسول الله، أفلم يسمع أقلا ~~من الروايات التي تشبث بها هاهنا أن رسول الله كان شديد الاعتناء بابن أم ~~مكتوم لأن الله عاتبه فيه. # ومن الظرائف أن المتكلف أيد مزاعمه هذه بما أرسل روايته حسب مشتهاه. # من أن الأقرع وعيينة وجدا رسول الله جالسا مع صهيب وبلال وعمار وخباب ~~ونفر من ضعفاء المؤمنين فحقروهم وقالوا لرسول الله لو جلست في صدر المجلس ~~ونفيت عنا هؤلاء ورائحة جبابهم، وكانت لهم جباب صوف لها رائحة ليس عليهم ~~غيرها لجالسناك وأخذنا عنك، وأن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع ~~هؤلاء إلا عبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعدهم حيث شئت ~~قال: نعم قالوا: ms133 فاكتب لنا بذلك عليك كتابا فأتى بصحيفة ودعى عليا ليكتب ~~فنزل قوله تعالى في سورة الأنعام 52 (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ ~~فتطردهم فتكون من الظالمين). # فأقول: أما أولا كيف يجعل هذه الرواية مؤيدة لما توضح بطلانه، فأين هو عن ~~صراحتها بأن رسول الله كان يجلس مع هؤلاء كأحدهم ولا يكون في مجلسه معهم ~~صدر يختص به كعادة الأشراف، وإن انفصالهم عنه، واختصاص بعض مجالسه بذوي ~~الجاه كان متعسرا يتوصل طالبه إلى تحصيل قراره بكتابة الصحائف. # فهل هذا شأن من دأبه مراعاة صاحب الجاه والشوكة وعدم الاكتراث ~~PageV01P195 # بالمسكين فأين الأفهام وأين التمييز؟ # " وأما ثانيا " فإن هذه الرواية بسبب نزول هذه الآية مما لا يكاد أن يصح ~~لأنها قد رويت مضطربة بوجوه متناقضة وأحوال متفاوتة، فإن ذكر الأقرع وعيينة ~~وطلبهم من رسول الله مجالسته ليأخذوا عنه وذكرهم لوفود العرب عليه يقتضي أن ~~تكون الواقعة في المدينة بعد فتح مكة. # وكذا رواية الزبير بن بكار في أخبار المدينة خصوصا مع ذكر المؤلفة قلوبهم ~~فيها. # وعن ابن مسعود أن الذين طلبوا من رسول الله طرد الفقراء ليتبعوه هم الملأ ~~من قريش. # وعن عكرمة عد جماعة من قريش وأشراف الكفار من عبد مناف، وأنهم توسطوا ~~لطرد رسول الله للمساكين بأبي طالب فأشار عمر بطردهم فنزلت الآية فأقبل عمر ~~معتذرا من مقالته وهذا لا يكون إلا في مكة قبل الهجرة إلى غير ذلك من ~~الروايات المضطربة التي يلزم أيضا من ذكر سلمان الفارسي في بعضها كون ~~الواقعة في المدينة. # وأيضا فقد روى من طرق كثيرة أن سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة فيكون ~~ذلك منافيا لما يلزمه كون الآية نزلت في المدينة كمرسلة المتكلف، ومنافيا ~~أيضا لما يلزمه كون الآية نزلت مستقلة عن السورة لأجل سبب خاص، بل لعل جميع ~~روايات النزول تذكر أن هذه الآية نزلت في مكة أو غير المدينة، وأنها نزلت ~~في جملة السورة فلا يبقى ms134 في روايات أسباب النزول مع اضطرابها ووهنها في ~~نفسها، رواية غير معارضة بما يكذبها بمضمونه. # انظر أقلا إلى الدر المنثور تفسير السيوطي عند أول سورة الأنعام وعند ~~تفسير الآية المذكورة فالصواب أن يقال في الآية أنها نزلت لحسن التأديب ~~وتهذيب الأخلاق وخوطب بها النبي " ص " ككثير من خطاب القرآن من باب " إياك ~~أعني واسمعي يا جارة "، بل ككثير من خطاب التوراة. # ثم تعرض المتكلف " يه 1 ج ص 74 و 75 " لذكر آيات توهم صدور PageV01P196 # الذنب من رسول الله وها نحن نذكرها ونذكر ما ينبغي أن يقال فيها. # الآية الأولى: قوله تعالى في سورة الإنشراح 2 (ووضعنا عنك وزرك 3 الذي ~~أنقض ظهرك) فنقول: إن الوزر في اللغة هو ما يثقل ويتعب وبهذا الاعتبار ~~استعير للذنب اسم الوزر كما حسن أن يستعار للهم المجهد والغم الباهظ ولقد ~~كان رسول الله " ص " قبل البعثة في أشد ما يكون من الغم والهم، وأثقله ~~وأجهده لأجل ما يراه من ضلال الناس و أهوائهم المردية وعوائدهم القبيحة ~~وعباداتهم الباطلة ويتجرع من ذلك غصص النكد حتى أنه صلوات الله عليه كان ~~لأجل ذلك يحب العزلة ويلازم غار حراء مدة من السنة مستوحشا من ضلال الناس ~~معانيا لأعباء هذا الهم المبرح وعسر الحيرة وضيق الصدر منتظرا لفرج الله ~~ولطفه ورحمته والواسعة حتى شرح الله صدره ويسر أمره وفتح له باب الهدى ~~والرحمة بالوحي ووضع عنه أوزار الهم والعنا بالبعثة والرسالة بالدعوة إلى ~~الحق فوجد من ذلك انشراح الصدر، وروح الهدى وراحة الفرج، ومسرة اليسر. # ويرشد إلى ذلك دلالة العقل والنقل على عصمة النبي، وكذا سوق السورة في ~~طرد الامتنان بقوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) أي بالوحي والنبوة بعد ما ~~كان ضيقا بالهموم (ووضعنا عنك وزرك) أي ثقل الهم والغم ببركة الأمر ~~بالدعوة، (ورفعنا لك ذكرك)، أي بالرسالة وحقائق معارفها. # ويوضح ذلك تعليله المؤكد بقوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا 6 إن مع العسر ~~يسرا)، فإن هذا التعليل إنما يناسب الفرج من الضيق وتيسير الأمور، وإزاحة ms135 ~~ثقل الهم الباهظ، ولا مناسبة له مع غفران الذنوب. على أنه لو كان ما ذكرناه ~~احتمالا مساويا في الآية لكفى في إبطال مزاعم المتكلف. # الآية الثانية: قوله تعالى في خطاب رسول الله في سورة الفتح 1 (إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا 2 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك صراطا مستقيما 3 وينصرك الله نصرا عزيزا). # وأن سوق الآيات يأبى أن يكون المراد من الذنب فيها هو معصية الله بل ~~PageV01P197 # المتعين بمقتضى مناسبة السوق أن يكون المراد ذنبه عند قريش والعرب من أجل ~~ما جاء به في دعوته الباهظة لأهوائهم الملاشية لدينهم الفاسد، وما قام به ~~من الدفاع عن حوزة دين الحق بالحروب التي أرغمت آنافهم وحطتهم عن جبروتهم ~~وطاغوتهم فإنه لا مناسبة بين الفتح المبين وغفران الذنوب التي هي معصية ~~الله ليكون الفتح سببا له، بل في السوق والمناسبة شهادة قاطعة بأن هذا ~~الفتح سبب لغفران ذنبه صلوات الله عليه عند قريش والعرب لما شاهدوه من عفوه ~~وإحسانه ولطفه، وأيقنوا به في صدقه في دعوته وأنه على بينة من ربه وأن غرضه ~~الشريف الحميد وراء دواعي الهوى وحب الرئاسة والسلطة والهوى في أمر الدين ~~وإلا لشدد في الانتقام والتشفي. # وقد رأوه على شدة ما جنوه عليه بضلالهم وطغيانهم وقبح معاملتهم له قد ~~أعرض عن أوتاره وثاراته التي عندهم، وفداها لكلمة التوحيد وملاشاة الأوثان ~~فصار بذلك أعدى أعدائه المحاربين له قبل الفتح يسير تحت ركابه ومرف لوائه ~~في حومة الحرب ولهوات الموت يقيه بنفسه ويجاهد بين يديه. # انظر أقلا إلى سيرة غزوة حنين القريبة من الفتح فأتم الله نعمته على ~~رسوله بهذا الفتح إذ جمع له من شذ عنه من قريش وغيرهم الذين كانوا عثرة في ~~سبيل التوحيد والإسلام وعقبة دون المسجد الحرام، وهداه صراطا مستقيما إلى ~~إقامة شعائر الحج وسنن أبيه إبراهيم ونشر دين الحق وبث الدعوة ونصره الله ~~نصرا عزيزا انقادت به جزيرة العرب للتوحيد وتخطتها الدعوة إلى مملكتي فارس ~~والروم. # ويمكن ms136 أن ينزل على هذا المعنى قوله تعالى في سورة المؤمن 57 (فاصبر إن ~~وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار). # وكذا قوله تعالى في سورة محمد " ص " 21 (فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) ويمكن أن يكون تعليما للأمة وإن كان ~~الخطاب للرسول كما قدمناه في قوله تعالى في سورة بني إسرائيل 24 ~~(وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما الآية) ولو لم ~~يكن في سوق الآيات ما يدل على ما ذكرنا للزم حملها عليه بقرينة دلالة العقل ~~والنقل PageV01P198 # على عصمة الرسول. # وهب أن ما ذكرناه في الآيات احتمال محض فإنه يكفي في إبطال تكلف المتكلف ~~" يه 1 ج ص 74 " إذ ليس في الآيات مثل صراحة العهدين بنسبة القبائح إلى ~~الأنبياء كما سمعت منه في هذه المقدمة ما تمجه الأسماع. # " آداب القضاء " قال المتكلف " يه 1 ج ص 75 " ونقول أيضا: إنه " يعني قدس ~~رسول الله " ص " كان جائزا في أحكامه ولما ظهر له انحرافه رجع عنه، كما ورد ~~في سورة النساء 106 (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما). # قال ابن عباس: نزلت هذه العبارة في رجل من الأنصار يقال له طعمة سرق درعا ~~من جار له يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل ~~الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره ثم خبأها عند رجل من ~~اليهود يقال له زيد بن السمين فالتمست الدرع من عند طعمة فحلف بالله ما ~~أخذها وما له به من علم فاتبع أصحاب الدرع أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل ~~اليهودي فأخذوها منه فقال اليهودي: دفعها إلي طعمة، وزاد في الكشاف وشهد له ~~جماعة من اليهود وجاء بنو ظفر قوم طعمة إلى محمد وسألوه أن يجادل عن صاحبهم ~~طعمة فهم محمد " ص " أن يعاقب اليهودي وأن يقطع يده بلا حق وهو حرام ms137 وعلى ~~كل حال فهو مذنب فلو لم يذنب لما استغفر ربه ولو كان نبيا لعرف الحرامي ~~الحقيقي من أول الأمر. # أقول: هب القصة على ما زاده في الكشاف وأنه ليس فيه إلا أن رسول الله هم ~~أن يعاقب اليهودي فنزلت عليه الآية قبل أن يفعل. فكيف يجترئ المتكلف ويقول: ~~إنه كان جائرا في أحكامه فإن هذه الكلمة تقال فيمن تكرر منه الجور في ~~الأحكام وكان عادة له، ثم إن الكشاف قال " وقيل إنه هم أن يقطع يد اليهودي ~~" وهذا مشعر بأنه لم يصح هذا القول عند الكشاف فلماذا يخون المتكلف في ~~النقل. # وأيضا أن هذه القصة قد تلونت روايتها واضطربت اضطرابا شديدا PageV01P199 # يكشف عن كونها لا أصل لها فقد جاء في روايتها وجوه: # 1 - ما نقله المتكلف أولا. # 2 - ما زاده الكشاف. # 3 - ما نسبه إلى القيل. # 4 - إن المسروق منه رفاعة بن زيد من مشربته " محل في الدار ". # 5 - عن ابن عباس أيضا والحسن نفر من الأنصار في بعض الغزوات سرقت درع ~~لأحدهم. # 6 - السارق بشير بن أبيرق دعاه رسول الله فأنكر ورمى بالسرقة لبيد بن ~~سهل. # 7 - رمى بها رجلا من اليهود. # 8 - بنو أبيرق رموا بها لبيد بن سهل رجل له صلاح وإسلام. # 9 - طعمة بن أبيرق استودعه رجل من اليهود درعا ودفنها بيده فأخذها. # طعمة فألقاها في بيت أبي مليك الأنصاري. # 10 - طعمة سرق درعا لعمه كانت وديعة عندهم فقدم بها على يهودي. # 11 - طعمة استودعه رجل من الأنصار مشربة له فيها درع فلما قدم لم يجد ~~الدرع فرمى بها طعمة يهوديا. # انظر إلى الدر المنثور تجد ما ذكرناه من الاضطراب قليلا من كثير ومع هذا ~~الاضطراب الفاحش لا يصح التشبث بهذه القصة لشئ. # فالآية الشريفة واردة في القضاء إشعارا للعباد بأن الله أنزل على رسوله ~~كتابا يهديه إلى الحكم بالحق وأدب رسوله بآداب القضاء ليسمع من للمتداعيين ~~كلامهما ويحكم بينهما بما أراه الله، ولا يكون طرفا في المخاصمة فلا يكون ~~خصما يخاصم الخائن ولا يجادل ms138 عنه، كما في قوله تعالى 107 (ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم). PageV01P200 # وأما قول المتكلف فلو لم يكن مذنبا لما استغفر من ربه فهو شطط لأنه ليس ~~في الآية الشريفة أن رسول الله استغفر عن ذنب فعله وإنما في الآية قوله ~~تعالى (واستغفر الله) فيجوز أن يكون الاستغفار المأمور به هو الاستغفار ~~للمبطل من المتداعيين إشعارا للعباد برفع أضغان التداعي أو إشارة إلى أن ~~مخاصمة المبطل الخائن خروجه عن وظيفة القضاء وأمر يحتاج إلى الاستغفار، فما ~~حال من يجادل عن الخائنين كل ذلك ليتأدب قضاة الأمة بهذه الآداب كما جاء ~~قوله تعالى في خطاب رسول الله (وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما). # وأما قول المتكلف ولو كان نبيا لعرف الحرامي الحقيقي من أول الأمر فهو ~~شطط أيضا. # أما أولا فإن اضطراب رواية القصة لا يسمح لها بشئ من الثبوت حتى يبنى على ~~أساسها. # وثانيا: من أين يلزم في النبي أن يكون عالما بكل شئ من أول الأمر في ~~الأحكام والموضوعات بل إنما يعلم بسبب إعلام الوحي. # أفلم ينظر المتكلف في كتب وحيه أن يشوع النبي لم يكن يعلم بالسرقة من ~~الغنيمة؟ ولا بالسارق حتى أعلمه الوحي بالسرقة؟ وعين عخان بالقرعة فاستنطقه ~~فاعترف بالسرقة، ودله على موضع دفنها، " انظر سابع يشوع ". # وأن موسى كليم الله لم يعلم أن جلد وجهه صار يلمع في كلام معه " خر 34: ~~49 "، وقد يشاء الله أن لا يعلم رسله ببعض الأشياء إلى آخر الأمر " ففي ~~ثالث عشر مرقس 32 ": # وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في ~~السماء ولا الابن إلا الأب. # " شطط الغرور " قال المتكلف " يه 4 ج ص 251 و 252 " ارتياب محمد في الله ~~قال في القرآن (إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي...)، وقال أيضا: PageV01P201 # (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) واستنتج علماء المسلمين ~~من هاتين العبارتين أن محمدا مثل الأمة في ms139 حق صدور المعصية منه وتقدم في ~~الجزء الأول بعض أعماله ومقتضى القانون الذي وضعه المعترض وهو الشك في ~~الإله كفر، إن محمدا ورد في القرآن أنه شك وأشرك وخسر وكفر وافترى وامترى ~~وضل وجهل وكذب إلى غير ذلك. # أقول: وقد تشبث لهذه الجرأة على قدس رسول الله بما توهمه من قوله تعالى ~~في سورة يونس 94 (وإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) - أي في نبأ نوح وقومه ~~ونبأ موسى وهارون مع فرعون -. (فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك). # وقوله تعالى: (فلا تكونن من الممترين، ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين، ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ~~ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) ونحو ذلك. # فأقول أما قوله تعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم)، فلا يفيد سوق الآية ولا ~~لفظها إلا تثبيت التوحيد ورفع أوهام الغلو برسول الله، وتمام الآية (يوحي ~~إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا). # وأما قوله تعالى: (فلو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) فقد ~~قدمنا لك في أوائل هذا الفصل دلالتها ومرماها فراجع. # وأما قوله تعالى: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك الآية)، فإن إن الشرطية ~~فيه للتعليق على فرض الشك والمراد من ذلك تلقين الحجة لرسول الله فيما أوحي ~~إليه وإعلامه بأن ما أوحي إليه في شأن نوح وقومه وموسى مذكور في الكتب التي ~~لم تطلع عليها أنت ولا قومك، بل لنا أن نقول أن صورة الخطاب وإن كانت لرسول ~~الله ولكن المقصود من ذلك قومه الذين لا اطلاع لهم على الكتب السابقة. # ولا نجيب عن الآية الشريفة بأنها مثل ما يحكى عنه قول المسيح " إن ~~PageV01P202 # كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا " يو 5: 31 " لأنه حكى عن قول المسيح ~~شهادته لنفسه وقوله أنا هو الشاهد لنفسي " يو 8: 18 " ولا دليل من القرآن ~~على أن رسول الله شك ms140 فيما أنزل إليه، كما تدل التوراة الرائجة على أن موسى ~~وحاشاه شك في وعد الله وأجاب بالاستهزاء والسخرية كما ذكرناه في أواخر ~~الفصل السابع في عصمة موسى فراجعه. # وأما النواهي الواردة في القرآن الكريم عن الشرك والامتراء والجهل ~~والمظاهرة للكافرين ونحو ذلك فهي مثل ما تذكره التوراة من النواهي الواردة ~~عن خطاب الله لموسى لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تسجد لهن ولا تعبدهن لا ~~تنطق باسم الرب إلهك باطلا. لا تقتل، لا تزن لا تسرق، لا تشهد على قريبك ~~شهادة زور، لا تشته امرأة قريبك " خر 20: 3 - 17 " لا تضع يدك مع المنافق ~~لتكون شاهد ظلم، لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر " خر 23: 1 و 2 ". # فإن كل من له فهم مبرء عن رجاسة العصبية ورذيلة الغرور يعلم أن الخطاب ~~بهذه النواهي لا يدل على أن المخاطب قد كان فعل الشئ المنهي عنه. # بل يعرف أنها إذا خوطب بها النبي فهي لتأسيس الشريعة وبيان تعاليمها ~~للأمة وقد بقي للمتكلف ما هو من قبيل هذا مما يتشبث له بأخبار الآحاد ~~المضطربة المردودة في الجامعة. وقد أخرنا التعرض لها إلى المحال المناسبة ~~لذكرها على أن الناظر العارف يتضح له وجه بطلانها مما شرحناه هاهنا والله ~~الموفق. # وأن المتكلف قد غالطه وهمه بأن يدرك مقصوده في التمويه بالتشبث بأقوال ~~بعض المفسرين ونحوها مما لا تقيم له الجامعة الإسلامية وزنا فقال: " يه 3 ج ~~ص 5 " الشيطان قرين محمد، وتشبث بنقله عن بعض المفسرين قولهم: أنه كان ~~لرسول الله عدو من شياطين الجن كان يأتيه بصورة جبرائيل وأنه يسمى الأبيض. # وليت شعري كيف ترى المتكلف يصول ويتحمس لو جاء في كتاب إلهامي عند ~~المسلمين أو سيرة تسالموا عليها أن الشيطان تصرف برسول الله كما جاء في ~~الأناجيل التي تسالم النصارى على إلهاميتها في شأن المسيح وحاشاه من أنه ~~بعد أن PageV01P203 # اعتمد من يوحنا بمعمودية التوبة وانفتحت السماوات وأتاه روح الله وروح ~~القدس مثل حمامة جسمية وصوت من السماء هذا هو ابني الحبيب ms141 الذي سررت به ~~وامتلأ من الروح القدس أصعده الروح إلى التربة أربعين يوما ليجرب من إبليس. # أو تدري ما معنى ذلك؟ هو أن يروض نفسه ويؤدبها على مخالفة الشيطان وهوى ~~النفس الذي هو شبكته لئلا يقوى الشيطان عليه بالغواية. # فإن قلت: ما حاجة المسيح إلى التجربة من إبليس والتأديب للنفس عن اتباع ~~الهوى، مع أن المتكلف يزعم أنه ابن الله والأقنوم الثاني وهو والله واحد، ~~والإله الذي تقمص الطبيعة البشرية ليرفع قدرها، بل الكلمة الذي كان عند ~~الله وكان هو الله كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ فيه كانت الحياة والحياة ~~كانت نور الناس " يو 1: 1 - 5 ". # قلت: لا أدري ومن ذا الذي يدري؟ فاستمع إلى تمام الكلام فإن الشيطان بعد ~~تجربة الأربعين يوما أصعد المسيح إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في ~~لحظة من الزمان، وقال له إبليس: أعطيك هذا السلطان كله واسجد لي، ثم جاء به ~~من البرية إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله ~~فاطرح نفسك من هاهنا " مت 4: 3 - 11 " ولو 4: 3 - 13 ". # فإن قلت: إن من كان في مزاعم المتكلف وأصحابه بالمنزلة التي ذكرناها عنهم ~~من الألوهية ولوازمها كيف يطمع فيه إبليس أن يسجد له بعد تجربة أربعين ~~يوما، وإنا لنرى أن من كان من الصالحين فيه شئ من النعمة والتوفيق الإلهي ~~ليندحر عنه إبليس ولا يطمع في إغوائه إلا بالاختلاس والمخادعة من ناحية ~~التقوى، فكيف يطمع بالمسيح في السجود له؟ وكيف لم يجبه المسيح على مزاعم ~~المتكلف وأصحابه بقوله اخسأ يا شيطان فإني أنا الإله المستحق للسجود ولي ~~ملكوت كل الموجودات وبي كان كل شئ وبغيري لم يكن فهي في قبضة سلطاني. ~~ولماذا أخفي هذه الحقيقة والحال أنه لم يكن معهما أحد من اليهود ليخاف منه، ~~بل قال له: إنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه تعبد، ومن هو PageV01P204 # إله المسيح ومعبوده إذا كان المسيح إلها. # وكيف يتصرف الشيطان بالإله؟ فمرة يصعده إلى جبل ومرة يأتي به ms142 من البرية ~~ويقيمه على جناح الهيكل. وكيف أراه كل المسكونة في لحظة من الزمان أفلم يكن ~~يراها من يقال: إنه إله؟ أفيكون الشيطان أقدر على ذلك من الإله؟ # قلت: لا أدري سل عما عندك في هذا الشأن ممن يبشر لا بحكمة كلام ويقول ~~استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة " 1 كو 1: 17 - 26 " فإنا إذ ~~قيدنا العقل بالتمييز بين الممكن والممتنع لم نستطع جوابا لسؤالك على ~~موضوعه، واستمع لباقي الكلام ولا تقطع اطراده فإن نص الرابع من لوقا 13 ~~ولما أكمل إبليس كل تجربة " أي مع المسيح " فارقه إلى حين. # وفي النسخة المطبوعة سنة 1811 م مضى عنه إلى زمان. # وفي ترجمة هنري مارتن بالفارسية " مدتي أز وي جدا كشت " وفي ترجمة بروس " ~~تا مدتي أز أو جدا شد ". # ولم يعلم من الأناجيل مقدار زمان المفارقة، ولعله كان يوما وأهملت ~~الأناجيل ذكر الاقتران بعده كما أهمل كل من الأناجيل كثيرا مما ذكره الآخر. # وفي سادس عشر متى عن قول المسيح في شأن بطرس 23 اذهب عني يا شيطان أنت ~~معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس ونحوه في " مر 8: 33 " مع أن ~~بطرس هو الرسول المعطى له بناء الكنيسة ومفاتيح ملكوت السماوات " مت 16: 17 ~~- 20 " ورعاية الأمة " يو 21: 15 - 17 ". # وفي الثاني والعشرين من لوقا عن قول المسيح لسمعان بطرس في شأن الصليب ~~ومقدماته والقيامة من القبر 31 سمعان سمعان هو ذا الشيطان طلبكم لكي ~~يغربلكم كالحنطة. # وقد قدمنا لك في المقدمة الخامسة عن الأناجيل ما تذكره في شأن شكهم ~~بالمسيح عند حادثة الصليب، وعدم مواساتهم له بسهر ليلة وتفرقهم عنه، ~~PageV01P205 # وتركهم له وحده، وإنكار بطرسه له، وشكهم جميعا في قيامه من القبر، فإن ~~راجعته واطلعت على تفصيله تعرف أن الأناجيل تقول في شأنهم أنه لم يبق في ~~غربلة الشيطان لهم حبة حنطة على الغربال وأن لسان حالها لينشد في حقهم: # مخضت الوطاب على زبدة * فلم ألف إلا مخيضا صراحا وفي الثاني عشر من ~~كورنتوش الثانية ms143 عن قول بولس الرسول العظيم عند النصارى 7 ولئلا ارتفع بفرط ~~الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا ارتفع من جهة هذا ~~تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. # وفي ترجمة هنري مارتن بالفارسية " وأز اينجا كه مبادا أز غايت مشاهده ~~مغرور شوم نشتري در جسم بجهت بي قراري داده شد كه فرستاده شيطانست تا مرا ~~مشت زند كه مبادا مغرور شوم ". # وفي ترجمة بروس " خاري در جسم من داده شد فرشته شيطان تا مرا لطمه زند ~~مبادا زيادة سر افرازي نمايم ". # ثم انظر إلى الرابعة عشر من رابع غلاطية، وفي ثاني تسالونيكي الأولى 18 ~~لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين وإنما عاقنا الشيطان. # فلو أن أحدا قال للمتكلف إن كتاب وحكيم يقول: إن بطرس شيطان ويقول ~~الشيطان قرين بولس لما تعدى وحده في الجدل، وحاشا المسيح وحوارييه مما ~~نقلناه عن كتب المتكلف، ولكن انظر إلى المتكلف كيف يتغاضى عما ذكر فيها وهو ~~يقول: إنها كلام الله السميع العليم. ويتشبث للبهتان على قدس رسول الله ~~بأقوال من لا يتبع قوله في الدين والجامعة الإسلامية ولو تألف من أمثاله ~~ألف ألف مجمع فلا يعدو مثل كلامه هذا أن يكون عند الجامعة خرافة مردودة. ~~PageV01P206 # المقدمة التاسعة في بيان ما تثبت به الرسالة وتقوم به لله على الناس ~~الحجة وبيان ما يلزم فيها وما لا يلزم يلزم فيها أن تكون مقتضية لتصديق ~~المدعوين بالرسالة وإيمانهم بصدق مدعيها بحسب حالهم ووقتهم كافية في ~~الاحتجاج عليهم قاطعة لمعاذيرهم. # ويلزم أيضا أن تكون معلومة عند الدعوة وطلب التصديق أما بأن تكون سابقة ~~في الزمان ولكنها معلومة أو يمكن تحصيل العلم بها للمدعوين، كما لو نص ~~الرسول السابق المسلم الرسالة عند المدعوين بالنص الصريح المشخص المعين على ~~رسالة المدعي، وكان ذلك النص معلوما عند المدعوين أو يمكن لهم تحصيل العلم ~~به عند الفحص بشرط أن لا يكون محتملا للاشتباه والاشتراك وإلا فلا حجة فيه، ~~وإما أن تكون سابقة في الزمان على الدعوة ms144 مستمرة إلى حينها، كما لو كفت ~~أحوال مدعي الرسالة أخلاقه الحميدة في الشهادة على صدقه في دعواه للمشاهد ~~لها وغيره الذي يمكنه تحصيل العلم بها، وإما أن تحدث عند الدعوة وطلب ~~التصديق حسب ما تقتضيه الحكمة بشرط أن تكون معلومة للمدعوين أو يمكنهم ~~تحصيل العلم بها. # وإذا تبصرنا بهدى العقل وتصفحنا الكتب المنسوبة إلى الإلهام وجدناهما لا ~~يسمحان بأن نتشهى ونقترح على الحجة المذكورة أن تكون علة تامة لتصديق كافة ~~المدعوين وإيمانهم فعلا، لأن في الناس من المتعصبين من أوقعوا أنفسهم في ~~أسر العصبية وعبوديتها ونبذوا عقولهم وراء ظهورهم فلا يتنفعون بها، ومن ~~PageV01P207 # المقلدين من أماتوا بداء التقليد قلوبهم، وأعموا عيون بصائرهم، وهؤلاء لا ~~يستضيئون بنور عقولهم، ولا يوجهون نظرهم إلى طلب الحق ليهتدوا إليه (وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنون بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا) الأعراف " 123 و 124 ". # وانظر إلى العهدين فكم ترى في نقلهما من هؤلاء أمما لم تنفع فيهم بواهر ~~المعجزات المتكررة والآيات المتظافرة مهما بلغت فلا يجدي معهم إلا أن يصرف ~~الله نفوسهم بقدرته القاهرة إلى الإيمان ويلجئهم بغير اختيار منهم عليه ~~ويطبعهم عليه كما يطبع الحجر الأبيض على البياض وهذا خلاف ما جرت عليه حكمة ~~الله في خلقه لعباده. # ولا يسمحان أيضا بأن تقترح في الحجة على الرسالة أن تكون دائما من قسم ~~الفعل المعجز الخارق للعادة فإن ذلك غير لازم بل يكفي نص الرسول المسلم ~~الرسالة عند المدعوين على رسالة الرسول الذي يدعوهم نصا معينا مشخصا لا ~~يحتمل الاشتراك والاشتباه وذلك لأجل حكم العقل بعصمة الرسول في التبيلغ، ~~فعصمة الرسول الناص حجة كافية في تصديق الرسول المنصوص عليه وصدقه بدعواه ~~الرسالة. # ويكفي أيضا أن يكون مدعي الرسالة على نحو يمتاز به عن سائر البشر في ~~تهذيب جميع أخلاقه واستجماعه لصفات الكمال وطهارته عن جميع الرذائل ~~والنقائص منزها عن الميل مع الهوى مبرءا عن الإثم والتخلق والتصنع والتزوير ~~فإن هذا كاف في الحجة على صدقه ms145 ومقتض لأن يؤمن به من لا تعم العصبية عينيه ~~أو يصم التقليد أذنيه. # وإن قلت: إن ذلك من نحو المعجز الخارق لعادة الطبيعة البشرية فلا نضايقك ~~فيما تقول. # وبمقتضى العهد الجديد أن إيمان الناس بيوحنا المعمدان كان على أحد هذين ~~الوجهين حتى أقبل عليه جمهور اليهود وغيرهم مصغين لبشائره ووعظه معتمدين ~~منه بمعمودية التوبة. PageV01P208 # ففي عاشر يوحنا 41 أن يوحنا " المعمدان " لم يفعل آية واحدة مع أنه عن ~~قول المسيح نبي وأعظم من نبي " مت 11: 9 ولو 7: 26 " ومرسل من الله " يو 1: ~~6 " وليس في الناس نبي أعظم منه " لو 7: 28 " وكان جميع الشعب من بني ~~إسرائيل ما عدا من كان يأكل الدنيا باسم الدين واثقين بأنه نبي " انظر لو ~~20: 6 ومر 11: 32 "، وأن إيمانهم لا بد أن يكون على أحد الوجهين إما لأجل ~~نص أبيه زكريا عليه بأنه نبي الله العلي " لو 1: 76 ". وإما لأجل ما كان ~~عليه يوحنا من تهذيب الأخلاق واجتماع صفات الكمال وحسن جده واجتهاده في ~~خدمة الله وإرشاده عباده إلى الهدى والتوبة والطاعة وكونه القدوة في جميع ~~الكمالات وشرف النفس وطهارته العفة. # وأن كثيرا من أنبياء العهد القديم قد أذعن الناس بنبوتهم وأصغوا إلى ~~تبليغهم عن الله، مع أنه لم يذكر في العهدين أن ذلك كان مقترنا بعفل المعجز ~~أو النص المشخص اللذين هما حجة أيضا على الرسالة فتصفح العهدين في حال ~~صموئيل، وداود وسليمان، واشعيا، وارميا، وحزقيال، وهوشع، ويوئيل، وعاموس، ~~وعوبديا، ويونان، وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجى، وزكريا، وملاخي. # وتبصر في أن العهدين قد ذكرا من غير هؤلاء جملة من الأنبياء واستقصيا في ~~ذكر معجزاتهم. # فإن قلت: إن الكثير أو الكل من هؤلاء المذكورين قد ذكر العهدان في شأنهم ~~أنهم قد تنبأوا عن الوحي بأمور من الغيب فوقعت في المستقبل على نحو ما ~~أخبروا وهذا من نحو المعجز. # قلت: لماذا نسيت إن الحجة التي هي محل الكلام إنما هو ما كان مقتضيا ~~لتصديق الناس في أول أمر التبليغ وطلب التصديق وإن الذي تذكره لو ms146 صح فإنما ~~ينكشف كونه معجزا بعد وقوع ما أخبروا به على طبق الخبر وإن البعض الكثير ~~مما تشير إليه إنما تبين صدقه بمقتضى العهدين وانتفى عنه احتمال الكذب بعد ~~موت النبي الذي أخبر به بمدة أو بمآت من السنين، والبعض الآخر إنما تبين ~~صدقه بمقتضى العهدين وانتفى عنه احتمال الكذب بعد سنين من أول PageV01P209 # الدعوة وطلب التصديق. # ومثل هذا لا يكون حجة على الرسالة لمن يطلب منهم التصديق في أول التبيلغ، ~~ولا يكون حينئذ مقتضيا لتصديقهم وإيمانهم، وأنه حينئذ لمردد بين كونه دالا ~~على صدق مدعي الرسالة في دعواه إذا وقع المخبر به وبين كونه دالا على كذبه ~~فيها إذا لم يقع، كما أعطت التوراة علامة على ذلك " تث 18: 21 و 22 ". # ولا يسمع العقل والنقل أيضا أن نقترح كون الحجة على الرسالة مشاهدة لكل ~~المدعوين أو المطلوب منهم الإيمان بذلك الرسول وإن كانوا أجيالا عديدة. # فإن المدار على حصول العلم بها على النحو الذي تكون به حجة كافية للرسالة ~~فإنه لا يجد العقل فرقا في كونها حجة بين كونها معلومة بالحس أو بالنقل ~~المتواتر، وعلى ذلك جرت حجج رسل العهدين. # فإن معجزات موسى إنما شاهدها جيله من بني إسرائيل مع أن الإيمان به كان ~~مطلوبا من أجيالهم، على أنه من البعيد عادة أن يكون جميع بني إسرائيل رجالا ~~ونساء قد شاهدوا معجزات موسى حينما كان الإيمان مطلوبا منهم. وأن معجزات ~~المسيح حتى أشياعه الخمسة آلاف من قليل الخبز والسمك إنما كانت مشاهدة لبعض ~~الناس في سوريا مع أن الإيمان به كان مطلوبا من جميع الناس في شرق الأرض ~~وغربها. # نعم: لا ننكر أن المعجزات يختلف حالها بالنقل المتواتر، فإن منها ما لا ~~يشك من نقلت له في كونها معجزة كانشقاق البحر الأحمر لبني إسرائيل وعبورهم ~~على اليابسة والماء عن يمينهم ويسارهم مع غرق فرعون وجنوده على أثرهم، ~~ومنها ما تختلج فيه الشكوك ولو تواتر نقل أصله وذلك مثل ما في ثالث يوحنا ~~من جعل المسيح للماء خمرا. # وما في ms147 سابع لوقا من إحياء المسيح ابن الأرملة في نايين من الموت. # وما في حادي عشر يوحنا من إحياء المسيح لعازر من الموت، فإن هذه المقامات ~~الثلاثة معرض للشكوك واحتمال التصنع والتواطئ فيها، ولا يرتفع PageV01P210 # الشك في واقعة قلب الماء خمرا إلا بأن يخبر جماعة يبلغ عددهم حد التواتر ~~المفيد للعلم ويبينوا أنهم شاهدوا الماء في الأجران، وأنه انقلب في الحال ~~خمرا مسكرا من دون مداخلة عمل أو تصرف. # ولا يرتفع الشك أيضا في واقعتي إحياء الميتين المذكورين إلا بإخبار جماعة ~~يبلغ عددهم حد التواتر المفيد للعلم وهم من العارفين المميزين بين الموت ~~وغيره كالأطباء ونحوهم ويشهدون بأنهم شاهدوا موت الميتين يقينا ولم يكن ~~يحتمل التصنع والاغماء ونحوه، أو يخبروا في واقعة لعازر بأنهم شاهدوه ~~منتفخا منتنا بانتفاخ الأموات ونتنهم ثم أحياه المسيح بعد ذلك. # فإن قلت: إذا كان بعض الذين تشملهم دعوة الرسول لم يشاهد المعجز والحجة ~~على الرسالة ولم يحصل له العلم به من النقل وإن جد واجتهد بالفحص أو علم ~~بمبدئه لكنه ليس من أهل التمييز بين كونه من قسم المعجز أو من قسم السحر أو ~~من قسم المهارة في الصناعة كما يشتبه على البريري الوحشي إذ رأى الغونغراف ~~انه هل هو من المعجز أو من السحر أو من ممكنات الصناعة؟ فهل من كان على أحد ~~هذه الأحوال مكلف بالإيمان بذلك الرسول ومعاقب على عدمه، أو هو غير مكلف ~~ولا معاقب. # قلت: أولا أما مثال البربري الوحشي فيمكن له تحصيل العلم والتمييز ~~بالرجوع إلى أهل الخبرة والتمييز الذين يركن إليهم في أموره ويطمئن بهم في ~~معلوماته على وجه يعلم ويميز كون الشئ المشار إليه معجزا أو سحرا أو من ~~ممكنات الصناعات البديعة. # وثانيا: إن في هذا المقام مخادعات للشيطان، ومغالطات للهوى ومخالسات ~~للعصبية، ومعثرات للتقليد قد ضل بسببها كثير من الناس، فمن فرض أنه لم يقصر ~~بجده في طلب الحق، ولم يصده عند انقياده إلى الشيطان أو الهوى أو العصبية ~~أو التقليد، وإنما حجبه عن الوصول إلى الحق ms148 قصوره وإن صدق في الجد مبلغ ~~جهده في طلبه فهذا الإنسان غير معاقب والله من ورائه محيط وهو بكل شئ عليم ~~لا يكلف نفسا إلا وسعها. # ولا يسمح العقل والنقل أيضا بأن نقترح على المعجز كونه من نحو خاص ~~PageV01P211 # لأن الغرض منه هو كونه دالا على صدق الرسول وحجة على الناس وأي نحو منه ~~كان وافيا بهذا الغرض. # صح في الحكمة أن يكون حجة على الرسالة فانظر إلى ما تضمنه العهدان من ~~اختلاف معجزات أنبيائهما وشواهدهم على الرسالة كمعجزات موسى لبني إسرائيل ~~ولفرعون، ومعجزات إيليا واليشع والمسيح. # بل قد توجب الحكمة الإلهية اختلافها مراعاة لمصلحة الوقت وحال المدعوين ~~بحسب أزمانهم وأحوالهم ومعرفتهم. # ولا يسمحان أيضا بأن نشترط في المعجز أن يكون معتضدا بالإشارة من النبي ~~السابق، لأن هذا الشرط يلزم منه بطلان النبوات بأجمعها فإن النبوة الأولى ~~منها لا إشارة إليها إذ ليس قبلها نبوة فتبطل فيبطل ما بعدها من النبوات ~~ولا ينفعها الإشارة من النبوة التي بعدها لأن مقتضى هذا الشرط أن النبوات ~~المتأخرة لا تثبت لكي تنفع إشارتها حتى يثبت ما قبلها بما له من الشروط. # ويكفي من العهدين في الدلالة على بطلان هذا الإشتراط ما دل منها على ~~كفاية المعجز في الدلالة على النبوة والرسالة. # ففي رابع الخروج " 1 - 10 " إن الله جعل لموسى آية العصا واليد البيضاء ~~حجة لرسالته على بني إسرائيل ومقتضية لإيمانهم به، وقد كفى ذلك وآمن لأجله ~~بنو إسرائيل " خر 4: 30 و 31 ". # وفي خامس يوحنا عن قول المسيح 16 لأن الأعمال التي أعطاني الأب لأكملها ~~هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي أن الأب قد أرسلني. # وفي ثاني الأعمال عن قول بطرس 22 يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل ~~الله بقوات عجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما إنكم أيضا تعلمون. # ولا يسمح العقل والنقل أيضا بأن نقترح على المعجز أن لا يصدر إلا بعد ~~الطلب والاقتراح لأن الغرض منه على نحو الغرض من النص وإعجاز كمالات ms149 الرسول ~~إنما هو اقتضاؤه لإيمان المدعوين كما ذكرنا. PageV01P212 # وهذا الغرض يحصل مع تقدمه على الطلب المدعوين فإنه قد تقتضي الحكمة تقدمه ~~تعظيما لشأن الرسول وبيانا لكرامته على الله. # وفي ثاني يوحنا في حديث قلب المسيح للماء بمعجزة خمرا 11 هذه بداءة ~~الآيات التي فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه، ولمن ~~تكن بطلب المدعوين لأجل التصديق وإنما كانت بطلب أمه. # ولا يسمحان بأن نقترح على المعجز أن يصدر عند كل طلب واقتراح فإن الطالب ~~للحق بصدق النية يكفيه العلم بالمعجز الأول كما قدمنا، وأما المتمرد ~~المستهزء فإنه لا فائدة في صدور المعجز، ثانيا إجابة لاقتراحه وتشهيه ولا ~~غاية إلا جعل آيات الله عرضة للمستهزئين وهذا خلاف الحكمة في المعجز. # ففي سادس عشر متى عن قول المسيح لما جاءه الفريسيون والصدوقيون فسألوه أن ~~يريهم آية من السماء 4 جيل شرير فاسق يلتمس آية ولا تعطى له آية إلا آية ~~يونان النبي " وانظر مر 8: 11 و 12 ولو 11: 11 و 29 ". # ولا يسمحان بأن نقترح على الرسول أن يكون قادرا مختارا على الفعل الآيات ~~والمعجزات متى شاء ومتى طلبت منه لأنه إنسان لا يقدر بطبيعته إلا على ما ~~يقدر عليه سائر البشر. # وأما أمر الآيات فبيد الله يجريها على ما تقتضيه حكمته البالغة. # وفي خامس يوحنا 19 فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لا يقدر الابن أن ~~يعمل من نفسه شيئا 30 أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا. # وفي سادس مرقس في شأن المسيح في وطنه 5 ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة ~~واحدة. # المعجز ما هو؟ # فالمعجز هو ما يظهره الله على يد رسوله من الفعل الخارق للعادة بحيث يعجز ~~عنه سائر البشر بما عندهم من دقائق الفلسفة والحذاقة في الصناعة والمهارة ~~في الفنون وبذلك يعرف أن الله هو الذي أظهره بقدرته الباهرة على يد الرسول ~~PageV01P213 # تصديقا لرسالته. # وأما شهادته بصدق الرسول في دعواه الرسالة فهو من المرتكزات في الأذهان ~~كما لا يخفى، وعليه ms150 كافة أهل الملل القائلين بالنبوات. # وإنا معاشر المسلمين قد بينا وجه ارتكازه في الأذهان إذ قد أوضحنا ~~البرهان في أصولنا على أن الله لا يظهر المعجز المذكور على يد الكاذب بدعوى ~~الرسالة لامتناع ذلك في عادة الله بحسب حكمته وغناه وقدسه جل شأنه لأن ~~إظهار المعجز على يد الكاذب بدعوى الرسالة قبيح، ويمتنع صدور القبيح من ~~الله القدوس، الغني، الحكيم، العليم. # وإلى الآن لم أطلع على ما عند أهل الكتاب من البرهان العقلي على ذلك، وأن ~~الاحتجاج له بالكتاب المنسوب إلى الإلهام لا يفيد شيئا وذلك لتوقف ثبوت ~~الإلهامية للكتاب على ثبوت الرسالة وهي متوقفة على معرفة الوجه لشهادة ~~المعجز على صدق دعوى الرسالة. # على أن كتب العهدين وإن ذكرت في بعض مضامينها شهادة المعجز على الرسالة ~~لكن في بعض مضامينها ما يعارض ذلك ويشوش بيانه ويكدر صفوه فإنهما قد سميا ~~المعجز بالآية. والقوة. والإعجوبة " انظر أقلا إلى خر 4: 8 و 7: 3 ويو 2: ~~11 وا ع 2: 22 وعب 2: 4 " ومع ذلك قد نسبا صدور الآية والإعجوبة والقوة إلى ~~الكاذبين بدعوى النبوة، وإلى الداعي للشرك وإلى الدجال الأثيم " انظر أقلا ~~إلى تث 13: 1 و 2 ومت 24: 24 ومر 13: # 22 و 2 تس 2: 9 ". # فإن قلت: ومضافا إلى ذلك قد ورد في التوراة أن سحرة مصر وعرافيها قد ~~طرحوا عصيهم فصارت ثعابين كما فعل هارون " تك 7: 11 و 12 " وفعلوا أيضا ~~بسحرهم مثل ما فعل هارون، فاصعدوا الضفادع على أرض مصر " تك 8: 6، 7 ". # وغاية الأمر أنهم لم يقدروا أن يخرجوا البعوض من أرض مصر وأن عصا هارون ~~ابتلعت عصيهم. PageV01P214 # فكيف يعرف الناس أن فعل موسى وهارون كان من المعجز الخارج عن طاقة البشر ~~بما عندهم من الحكمة والفلسفة؟ وأنه فعل الله لأجل تصديقهما بدعوى الرسالة. # وكيف يكون حجة من الله على صدق الرسالة؟ وهل يختلج في أذهان الناس في ~~مسابقة هذا الميدان إلا أن موسى كان أحذق وأتقن من السحرة والعرافين في ~~الحكمة وفن السحر، وقد جاء في العهد الجديد عن استفانوس ms151 المملوء من الروح ~~القدس أن موسى بواسطة تربيته في بيت فرعون تهذب بكل حكمة المصريين، وكان ~~مقتدرا في الأقوال والأعمال " ا ع 7: 22 ". # قلت: أعلي تحمل ثقل ما في العهدين الرائجين؟ أم قد ضمنت لك صحة جميع ما ~~فيها. # فسل وقل ما هو المائز بين المعجز الذي هو الحجة على الرسالة وبين السحر؟ ~~لكي أقول لك: إن المعجز هو ما كان على نحو يعترف غير العميان بالعصبية ~~والتقليد بأنه من الله لا من السحر. ونحوه وإن قال المتعصبون أو المقلدون ~~مكابرة وجهلا وعنادا أنه سحر ويختلف ذلك بحسب اختلاف الناس في وقتهم ومحلهم ~~ومعارفهم. # قال المتكلف " يه 1 ج ص 224 " المعجزة هي أمر خارق للعادة داعية إلى ~~الخير والسعادة " ص 225 " يلزم أن تكون نافعة ومفيدة أو كما قال السيد ~~الجرجاني داعية إلى الخير والسعادة. فمثل كلام الجمادات ككلام الحصى ~~والرمان والعنب وأسكفة الباب، وحيطان البيت وكلام الشجر وشهادة الذئب لمحمد ~~" ص " بالنبوة وكلام الظبية ليست بمعجزة فإنه لا فائدة للإنسان منها وهي ~~جديرة بأن تدرج في سلك الخرافات. # أقول: أولا قد قال المتكلف " ص 13 " لا ننكر أن شرب الخمر حرام والتوراة ~~والإنجيل ناطقان بأنها حرام قطعا. # وجاء في ثاني يوحنا 2 - 12 أن المسيح كان في مجلس العرس ولما نفد خمرهم ~~استدعت منه أمه أن يصنع لهم. بمعجزة خمرا " لئلا تتعطل عبادة السكر ~~PageV01P215 # ولا تحصل سكتة في عربدته وهذيانه وفواحش آثاره " فعمل لهم ستة أجران من ~~الخمر الجيد وكان ذلك بدء الآيات منه فآمن به تلاميذه. # فينتج من كلام المتكلف هذا وكلام يوحنا وحكايته. أنه لا يلزم في المعجزة ~~أن تكون داعية إلى الخير والسعادة، بل يجوز أن تكون مضرة في الشريعة منتهكة ~~لحرمتها مضطهدة لصلاحها داعية إلى مثل فواحش السكر وشرور مجالسه المنعقدة ~~له لتزيد في عربدته وتقوى انبعاث مفاسده وقبائحه ويقوم الهرج والمرج من ~~تتابع السكر واستحكام آثاره المعهودة قبحها على ساق، ولكن المتكلف ينسى أو ~~لا يدري بما يقول وما في كتب إلهامه. # وليت ms152 شعري ما الذي يريده المتكلف من منفعة المعجزة وفائدتها أكثر من ~~كونها مقتضية لاهتداء الخلق إلى صدق الدعوة وبر الإيمان، وهو معنى كونها ~~داعية إلى الخير والسعادة، وكل ما عدده من معاجز رسول الله من كلام الحصى ~~إلى كلام الظبية يفيد بإعجازه الصريح الباهر هذه الفائدة، ويمنح ببركته هذه ~~المنفعة على أكمل الوجوه إذ لا يحتمل فيه التصنع والتواطئ كدعوى إحياء ~~الميت من دون أن يبلى بالموت. وليت شعري ما الذي أراده بقوله إذ لا فائدة ~~للإنسان منها، أتراه يريد من فائدة المعجزة للإنسان أن تكون مثل إبقاء مجلس ~~العرس وإدامة شرب الخمر لتأخذ شدة السكر من العقول مأخذها وتؤثر حدته ما ~~تؤثر من مفاسدها. # وعليه فأية فائدة إذا في لعن المسيح لشجرة التين حتى يبست في الحال إذ لم ~~يجد فيها ثمرا يسد جوعه، وهل فيها إلا الضرر على مالكها إن كانت مملوكة، أو ~~على الفقراء والعابرين إن كانت من المباحثات " انظر مت 21: 18 - 23 ومر 11: ~~12 - 24 ". # وأية فائدة في صيرورة يد موسى برصاء، وأية فائدة في صيرورة عصا موسى حية ~~" انظر إلى خر 4: 2 و 3 و 6 و 8 و 30 "، وأية فائدة للإنسان في أن عصا ~~هارون أخرجت فروخا وأزهرت زهرا وأنضجت لوزا " عد 17: 8 " وأية فائدة ~~للإنسان في تكلم أتان بلعام ومراجعته في الجواب " عد 22: 28 و 30 ". وليت ~~المتكلف إذ كتب كتابه كان له بعض الإلمام بكتب إلهامه، أو أنه PageV01P216 # يظن أن في الناس من يكون له اطلاع عليها، أو أنه كان يحذر من عاقبة ما ~~يقوله، أو أنه احتشم الحقائق الإلهية والمآثر النبوية فعرف قدره ولم يوجه ~~إليها بضاعته من الجرأة واللسان البذي. PageV01P217 # المقدمة العاشرة في ذكر الموانع للنبوة والرسالة الشاهدة على كذب ادعائها ~~وهي أمور " الأول " أن ينص النبي المعلوم النبوة على كذب المدعي للنبوة ~~والرسالة، فإن تصديق هذا المدعي تكذيب للنبي المعلوم النبوة في تبليغه لكذب ~~هذا المدعي وهو غير جائز بالعقل والنقل واتفاق المليين القائلين بالنبوات " ~~ومثل هذا " أن ms153 ينص النبي المعلوم النبوة على أن لا يكون نبي من هذه القبيلة ~~أو من هذا الصنف أو في الزمان الفلاني ويكون مدعي النبوة من هذه الأقسام. # ومثله أن ينص على انحصار النبوة بهذه القبيلة أو بهذا الصنف أو بهذه ~~البلاد أو بهذا الزمان ويكون مدعي النبوة من غيرها. # " المانع الثاني " أن يعطي النبي المعلوم النبوة علامة على كذب دعوى ~~النبوة وتنطبق تلك العلامة على مدعيها. # " المانع الثالث " أن يعترف مدعي النبوة ويخبر بنبوة شخص وينص هذا الشخص ~~على كذب ذلك المدعي للنبوة في دعواه لها لأنه إن كان هذا الشخص نبيا حقا، ~~فقد نص على كذب مدعي النبوة فيلزم تصديقه في ذلك وإن لم يكن هذا الشخص نبيا ~~فقد كذب مدعي النبوة في التبليغ عن الله بإخباره بنبوة هذا الشخص، والعقل ~~وإجماع أهل الملل حاكمان بأنه لا يكذب النبي في التبليغ. # " المانع الرابع " أن يكون مدعي النبوة فاعلا للإثم وما هو قبيح في العقل ~~أو في الشريعة التي يتدين بها لما قدمناه في الفصل الثالث من المقدمة ~~الثامنة من PageV01P218 # دلالة العقل والنقل على لزوم عصمة النبي، ومن جملة ذلك أن لا يظهر عليه ~~الكذب المحرم في تعاليمه واستشهاداته. # " المانع الخامس " أن لا يأتي في دعوته بما هو مخالف للعقل ومنه الدعوة ~~إلى الشرك وتعدد الآلهة وعبادة غير الله، فإن العقل لا يذعن بنبوة من هو ~~على خلاف هداه وبديهي حكمه، ويجحدها أشد الجحود، وأنا إن لم نتبع موازين ~~العقل فقد أضعنا رشدنا، وضللنا عن السبيل الهادي إلى الله ورسله وكتبه ~~والمعارف الحقة، وهل وراء العقل إلا الجهل؟ وهل بعد الحق إلا الضلال ~~المبين؟. # " المانع السادس " تناقض تعاليمه في بيان الحقائق وتناقض احتجاجه لها ~~بنحو لا يكون من النسخ للحكم السابق، فإن اللازم من ذلك كذبه في التبليغ في ~~أحد الأمرين المتناقضين وجهله في وجه الاحتجاج للأمور الإلهية. # " المانع السابع " شرب الخمر أم الشرور والقبائح والتهتك والخلاعة ~~المنافية لوظيفة الرسول وسفارته من قبل الله على الخلق لهداهم وتكميلهم ~~وتهذيبهم وإصلاح مدنيتهم ms154 وأخلاقهم، كما يدل عليه اعتبار العقل وتظافر ~~النقل، ففي القرآن الكريم في سورة المائدة 93 (إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) ~~وفي سورة البقرة 216 (وإثمهما أكبر من نفعهما) أي الخمر والميسر. # وفي ثاني حبقوق 5 وحقا إن الخمر غادرة. # وفي رابع هوشع 11 الزنا والخمر والسلافة تخلب القلب. # وفي العشرين من الأمثال 1 الخمر مستهزئة المسكر عجاج ومن يترنح بهما فليس ~~بحكيم. # وفي الثالث والعشرين منه 20 لا تكن بين شريبي الخمر 29 لمن الويل لمن ~~الشقاء؟ لمن المخاصمات؟ لمن الكرب؟ لمن الجرح بلا سبب؟ لمن ازمهرار العينين ~~30 للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج 31 لا تنظر إلى ~~الخمر إذا احمرت حين تظهر حبابها في الكأس وساغت مرقرقة 32 في PageV01P219 # الآخر تسلع كالحية وتلدغ كالأفعوان 33 عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك ينطق ~~بأمور ملتوية 34 وتكون كمضطجع في قلب البحر أو كمضطجع على رأس سارية 35 ~~يقول ضربوني ولم أتوجع لقد لكأوني ولم أعرف متى استيقظ أعود اطلبها بعد. # وفي خامس أشعيا 11 ويل للمبكرين صباحا يتبعون المسكر للمتأخرين في العتمة ~~تنهبهم الخمر 22 ويل للأبطال على شرب الخمر ولذي القدرة على مزج المسكر، ~~وفي الثامن والعشرين منه 1 ويل لأكليل فجر سكارى افرايم المضروبين بالخمر 7 ~~ولكن هؤلاء أيضا ضلوا بالخمر وتاهوا بالمسكر الكاهن والنبي ترنحا بالمسكر ~~ابتلعتهما الخمر تاها من المسكر ضلا في الرؤيا قلقا في القضاء. # وانظر إلى تاسع عشر التكوين " 30 - 38 " وتبصر فيما جنته الخمر بزعمهم ~~على لوط البار " 2 بط 2: 7 و 8 " مما تقشعر منه الجلود وتشمئز منه حتى نفوس ~~الفساق. # وفي الحادي العشرين من التثنية " 18 - 21 " أن كون الولد سكيرا من معايبه ~~التي يشتكي بها والده عند شيوخ المدينة ليرجموه حتى يموت وينزع الشر. # وفي عاشر اللاويين 8 وكلم الرب هارون قائلا 9 خمرا ومسكرا لا تشرب أنت ~~وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي ms155 لا تموتوا فرضا دهريا في ~~أجيالكم 10 وللتمييز بين المقدس والمحلل والنجس والطاهر 11 ولتعليم بني ~~إسرائيل جميع الفرائض التي كلمهم الرب بها بيد موسى. # وفي أول لوقا عن قول ملاك الرب لزكريا في تمجيد ابنه يوحنا المعمدان ~~ومدحه 15 لأنه يكون عظيما أمام الرب وخمرا ومسكرا لا يشرب. # وفي خامس افسس 18 ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلأوا بالروح، ~~وتأمل في أن العهد القديم قد أمر بأن النذير لله لا يشرب خمرا ولا مسكرا ~~وكل ما يعمل من جفنة الخمر بل أمر الامرأة الحاملة بالنذير بذلك " انظر عد ~~6: 3 و 4 وقض 13: 14 ". PageV01P220 # المقدمة الحادية عشرة في وجوب النظر في دعوى الرسالة ليعرف أمرها من حيث ~~الصدق فيجب الإيمان بها أو الكذب فيجب جحودها أو يبقى أمرها مرددا مجهول ~~الحال فيجب العمل على ما يقتضيه العقل وطريقة العقلاء في مثل هذه الموارد، ~~ولعمري أن هذا المقام لهو الذي يرفع به الشيطان راية الغواية ويستنهض جنده ~~ويعد عدته ويرتب جيشه فيجعل الغفلة على مقدمته، والعصبية على ميمنته، ~~والتقليد على ميسرته، وحب الراحة على القلب وحب الدنيا في الكمين والميل مع ~~الهوى جاسوسه فيستخدم النفس الأمارة وزيرا على هذا الجند لأنه طالما استسلس ~~قيادها لغوايته وجربها في طاعته أعاننا الله وجميع الراغبين في الحق على ~~مكائد الشيطان ومخادعاته وهدانا بنور العقل وبصيرة الهدى إلى الصواب إنه ~~أرحم الراحمين. # اعلم هداك الله إلى الحق اليقين، وكفاك شر الشيطان اللعين أنه إذا قام ~~مدعي النبوة والرسالة ودعي إلى الإيمان به وقبول ما يدعيه من الوحي وأخبر ~~أن عدم الإيمان به مستلزم لوبال الضلال وموجب لأليم العقاب وشديد النكال ~~فلا شك أن هذه الدعوى قبل النظر في الشواهد والموانع محتملة للصدق والكذب ~~فيقع المدعو حينئذ بين أخطار ثلاثة لأنه إن تسرع إلى تصديقها من دون نظر ~~وتثبت في أمرها كان مخاطرا في ذلك لاحتمال كذبها في الواقع ولخوف ضرر ~~الضلال بالإيمان بها واتباع تعاليمها الفاسدة الكاذبة التي تعمى عن الحق، ~~وإن تسرع ms156 إلى تكذيبها من دون نظر وتثبت في أمرها كان مخاطرا أيضا في ذلك ~~PageV01P221 # لاحتمال صدقها في الواقع ولخوف الضلال بجحود الرسالة الحقة والعقاب ~~الشديد عليه وحرمانه بركة الإيمان بها ومنافع تعاليمها وإصلاحها وتكميلها ~~وسعادة تقريبها إلى الله والفوز العظيم، وإن بقي مترددا فيها متوقفا في ~~شأنها من دون نظر وتثبت في أمرها كان أيضا مخاطرا لاحتمال صدقها في الواقع ~~ولخوف العقاب على عدم الإيمان بها وحرمانه وخسرانه ما ذكرنا من منافعها ~~العظيمة. # فلا رافع لهذه المخاطرات ولا مؤمن من مخاوفها العظيمة إلا اتباع هدى ~~العقل والاستضاءة بنوره في الجد والاجتهاد بالبحث والنظر في أمرها بشرط ~~مراقبة النفس في معاثر الميل مع الهوى، والرغبة في الدين المألوف وغوايات ~~العصبية وعمايات التقليد مع حسن التجرد في الجهاد، والتحذر عن هذه المعاثر، ~~فيجب على المدعو حينئذ بحكم العقل وطريقة العقلاء أعمال النظر في أمر ما ~~دعي إليه بالنحو الذي ذكرناه ليتخلص من هذه المخاطرات ويرفع الضرر عن نفسه ~~التي هي أعز الأنفس وأكرمها عليه، فضلا عن جلب النفع لها، فإنه إن تثبت ~~بهذا النحو من النظر الصادق كان فائزا بالسعادة إن أصاب ومعذورا بحكم الشرع ~~والعقل إن أخطأ وآمنا من العقاب بحكم العقل والشرع فإنه لا يكف الله نفسا ~~إلا وسعها. # فصل فيما يتعلق بكيفية النظر لا يخفى أنه لا يجتمع في الواقع ونفس الأمر ~~شاهد الرسالة مع المانع منها، فإذا اجتمعا في الظاهر تبين كذب الكاشف عن ~~أحدهما أو عنهما كليهما، وأن الكاشف عنهما إما أن يكون هو الحس فيهما معا، ~~وإما أن يكون هو النقل فيهما معا. وإما أن يكون هو النقل في أحدهما والحس ~~في الآخر. # وأن الذي يهم عموم الناس بعد رحلة خاتم المرسلين إلى سعادة الآخرة إنما ~~هو الكاشف النقلي في شأن الأنبياء الذين تنسب إليهم الدعوة إلى دينهم ~~وشرائعهم الواردة في إصلاح البشر في أمر دنياهم وآخرتهم، فلا بد وأن يكون ~~الكاشف النقلي هو النقل المتواتر المفيد للعلم، فإن غيره مما لا يفيد العلم ~~لاحظ له في ms157 المداخلة والحكومة في أصول الدين المبنية على الاعتقاد واليقين. # " النقل المتواتر " المفيد لليقين هو إخبار جماعة يذعن العقل المبرء عن ~~PageV01P222 # غواية العصبية وعماية التقليد بأنهم لو يتواطأوا على الكذب، وإذا كان ~~النقل متعدد الطبقات فلا بد من أن يكون متواترا في جميع طبقاته على هذا ~~النحو ليكون مقيدا لليقين وإلا فلا. # وليعلم الطالب للحق الراغب في الهدى الحريص على نجاته ودفع المخاطرات ~~العظيمة والمخاوف المهلكة عن نفسه أنه إذا بلغته دعوة الرسالة إلى الإيمان ~~بها واتباع شريعتها والاهتداء بتعاليمها. كان عليه أن يفحص جهد قدرته عن ~~النقل لشواهد تلك الرسالة وموانعها من معدنه وأهل خبرته. # وليلتفت إلى أنه لا ينبغي أن يعتمد في أمر الشواهد على من يحرص بتعصبه ~~على إخفائها حتى يلبسها بتمويهه ثوب الاستحالة والامتناع، أو من يحرص ~~بتعصبه لدعواها حتى يفرغها بتلفيقه في قالب بداهة الوجدان. # ولا يعتمد أيضا في أمر الموانع على من يدعوه الحسد والعناد إلى تخييلها ~~بأباطيله للعيان. أو من يدعوه الهوى إلى سترها بحجب الكتمان، بل ليعتبر ~~لتأييد الشواهد باعتراف الخصوم بنحو منها، وليعتبر لتأييد الموانع بالتزام ~~جامعة الاتباع بما يؤول إليها. ثم ليتثبت في أمر النقل ويدقق في جميع ~~طبقاته لئلا يكون فيها ما يمنع من كونه متواترا. ويحقق في سائر منقولات هذا ~~النقل لئلا يكون فيها ما يلزم منه كذبه وفساده ويكشف بنحو إجمالي عن فساد ~~دعوى التواتر فيه. وليحقق في شأن المنقول من الشاهد للرسالة والمانع منها ~~حسب قانون العقل الذي ذكرناه لئلا يشتبه عليه الشاهد بما ليس بشاهد والمانع ~~وما ليس بمانع. # وليحذر كل الحذر في هذا المقام العظيم كله من مخادعات الشيطان ومهاجمات ~~جنوده التي ذكرناها. بل يتجرد لمقاومة الشيطان محافظا على حدود منعته فإن ~~ميل الإنسان مع الهوى قد دل الشيطان على جميع عوراته التي يؤخذ منها، فإن ~~قصر الإنسان فيما شرحناه فأزل الشيطان عن الحق في مقام النظر قدمه وثناه عن ~~الهدى فلا يلومن إلا نفسه حيث استحق بتقصيره العقاب العظيم واستوجب الحرمان ~~وقرت بضلاله وهلاكه ms158 عين الشيطان. ذلك هو الخسران المبين. أعاذنا الله من ~~ذلك وكل طالب للهدى ودين الحق إنه ولي التوفيق. PageV01P223 # فإن ثبتت عنده نبوة النبي فليعد النظر لأخذه بشريعته وتعاليمه فيهما ~~ليميز بين الحق منهما وبين ما زوره تلاعب الأيام عليهما، ثم يميز بين ما هو ~~الثابت في حقه منهما وبين ما هو منسوخ بشريعة صادقة من نبوة لاحقة ليعرف ~~بصدق النظر ما هو حكم الله الفعلي في حقه فيتعبد الله به ويطلب صلاحه ~~وسعادته في الدارين بسببه. # فصل: في أنموذج النظر حسبما شرحنا من قوانينه تمرينا للذهن إنا قد حاولنا ~~إثبات النبوات وكتبها وشرائعها بحججها من غير توقف لثبوت نبوة أو ثبوت ~~آثارها على تصديق النبوة التي بعدها، فوجهنا النظر إلى نبوة الأنبياء الذين ~~هم قبل موسى فلم نجد لدعواهم النبوة وحجتها ولا لشرائعهم ولا لكتبهم أثرا ~~يعتد به في غير النبوات التي بعدهم ولئن كان لها أثر عند أهل الملل من بعد ~~موسى فإنما هو من نبواتهم وكتبها. # فوجهنا النظر إلى نبوة موسى وكتابه وشريعته وما حدث بعده من النبوات ~~والكتب والشرائع. # فنظرنا أولا في رسالة موسى وكتابه وشريعته فوجدنا معاصرينا من اليهود ~~متفقين في نقلهم على أن موسى ادعى الرسالة من الله وظهرت على يده المعجزات ~~العظيمة وأنزل الله عليه كتاب التوراة وبعثه بالشريعة، وأن التوراة الدارجة ~~الآن هو الكتاب المنزل من الله عليه لبيان الشريعة وغيرها. # وهم متفقون أيضا على أن هذه النقول قد تلقوها متواترة في أجيالهم ~~وطبقاتهم يدا عن يد إلى الجيل السامعين من موسى دعوى الرسالة المشاهدين ~~لمعجزاته، ويؤيد نقل اليهود المعاصرين ومن قاربهم نقل طبقات المسلمين ~~وطبقات النصارى عن طبقات اليهود ولكنه منقطع ينتهي في أثناء سلسلة التواتر ~~إلى طبقات اليهود دون غيرهم وذلك ظاهر فإن المسلمين أولهم من العرب والعجم ~~وجملة من الأمم الذين ينكرون نبوة موسى ومعجزاته وكذا النصارى في أممهم. ~~PageV01P224 # بل نقول إن نقل المسلمين والنصارى لمعجزات موسى إنما أصله وحقيقة مأخذه ~~إنما هو الاعتماد على نبواتهم، ولذا ترى المسلمين لا ms159 يعرفون من معجزات موسى ~~إلا ما جاء في القرآن الكريم، فينحصر حصول التواتر بنقل اليهود، وعلى كل ~~حال فإن نقل اليهود يمكن باعتبار كثرتهم في أجيالهم أن يكون من المتواتر ما ~~لم يمنع من ذلك مانع أو نجد فيه ما يكذبه ويشهد بعدم كونه من النقل ~~المتواتر. # فوجهنا نظرنا إلى الفحص وابتدأنا بالنظر في الموانع فوجدنا في عاشر يوحنا ~~عن قول المسيح ما يقدح بعمومه في رسالة موسى ورعايته للأمة ويصمه بالعيب ~~المانع من النبوة فإنه بعد ما ذكر الرعاية الحميدة والاختلاس " يو 10: 1 - ~~6 " قال 7 الحق أقول لكم إني أنا باب الخراف 8 جميع الذين أتوا قبلي هم ~~سراق ولصوص إنتهى. # إلا أنه يكفي في دفع هذا المانع توقف منعه على ثبوت نبوة المسيح والعلم ~~بأن هذا المنقول من قوله، بل يكفي في بطلانه عجالة أنه جاء في الأناجيل عن ~~أقوال المسيح ما يناقضه في شأن موسى، ويكفي من ذلك صراحتها بكون المسيح ~~متبعا لشريعة موسى عاملا بالفصح وأعياد التوراة آمرا باتباع أقوال الكتبة ~~لأنهم جلسوا على كرسي موسى " مت 23: 2 " جاعلا قول التوراة من عند الله ~~وتكليم الله لموسى وقول الرب " مت 22: 31 ومر 12: 26 ولو 20: # 37 ". # فصرفنا النظر إلى تعاليم موسى لعلما يوجد فيها شئ من الموانع فنظرنا في ~~سند التوراة الدارجة التي هي بنقل اليهود كتاب تعاليمه فوجدناها مساوية ~~لدعوى موسى للرسالة وظهور المعجز على يده في اتفاق اليهود ودعواهم التواتر ~~على أن جميعها كتاب موسى عن الوحي، وأنهم قد تسلموا نقلها متواترا عن ~~أجيالهم يدا بيد إلى الجيل المعاصرين لموسى، فأحرزنا من ذلك أن هذا النقل ~~المتحد في الأمرين لا يمكن أن يذعن بتواتره في بعض منقولاته مع كذبه في ~~المنقول الآخر، فلزمنا في مقام النظر التفحص عن هذه المنقولات إذ لعل ما ~~يوجد فيها من الموانع ما هو مساو في السند لصورة الحجة فلا يبقى اعتماد على ~~PageV01P225 # هذا النقل المتساوي فيهما. # وإذ تفحصنا وجدنا في تعليم التوراة عن قول الله لا تذكروا اسم ms160 آلهة أخرى ~~ولا يسمع من فمك " خر 23: 13 " لتعلم أن الرب بهره هو الإله ليس آخر سواه " ~~تث 4: 35 " أنا أنا هو وليس إله معي " تث 32: 39 ". # ووجدنا أيضا في التوراة عن قول موسى عن قول الله إن موسى يكون إلها ~~لهارون " خر 4: 16 " وجعله إلها لفرعون " خر 7: 1 ". # وفي التوراة أيضا إن موسى استعفى من الرسالة بخطاب مع الله غير جار على ~~الأدب، ولم يثق بوعد الله حتى حمى غضب الله عليه، وقال لله لماذا أسأت إلى ~~هذا الشعب لماذا أرسلتني؟ # وقال أيضا لماذا أسأت إلى عبدك؟ # وقال في شأن عبدة العجل: والآن إن غفرت لهم وإلا فامحني من كتابك الذي ~~كتبت، وشك في قدرة الله على إشباع بني إسرائيل من اللحم وخاطب الله بما ~~يشبه الانكار لذلك. # وذكرت التوراة أيضا أن موسى وهارون لم يؤمنا بالله. وعصيا قوله. # وخاناه كما ذكرنا ذلك تفصيلا في الفصل السابع من المقدمة الثامنة، وهذا ~~لا يجتمع مع الرسالة كما ذكرناه في المقدمة المذكورة: مضافا إلى أن في ~~التوراة الرائجة ما يمتنع أن يكون من الإلهام كما سمعت فيما مضى وسيمر عليك ~~إن شاء الله، مضافا إلى شهادة ارميا: بأن شريعة الله وتوراته حولها إلى ~~الكذب قلم كذب الكتبة. كما سمعت في المقدمة السادسة، ثم تحققنا أيضا في ~~خصوص سند التوراة فوجدناه بحكم المقدمة الخامسة وشهادة المقدمة السادسة ~~وأوليات المقدمة الثالثة عشر فتحقق لنا أنه منقطع لا يمكن في العادة للعاقل ~~أن يحتمل اتصاله إلى موسى بل لا بد من أن يكون نقل مجموع التوراة الدارجة ~~عن موسى كاذبا لا اعتداد به. # فيتضح من ذلك أن دعوى اليهود تواتر نقلهم لدعوى موسى الرسالة وظهور ~~المعجز على يد غير صحيحة. وذلك لأجل التنافي بين منقولاتهم التي ~~PageV01P226 # يدعون فيها التواتر فيعلم كذب أحدهما أو كليهما إجمالا. ولأجل ظهور الكذب ~~على بعض منقولاته. # لكنا قلنا: يمكن أن تكون دعوى اليهود صادقة في اتصال النقل والتواتر ~~لدعوى موسى للرسالة وظهور المعجز على يده. وإن ظهر انقطاع النقل ms161 بل والكذب ~~في نقل التوراة. وذلك لأجل اكتشاف الداعي إلى الكذب في نقل التوراة وهو حرص ~~الكهنة ورؤساء الدين على إبقاء صورة الشريعة وآثار موسى بعد تلاشيها ~~وانطماسها بدواهي التقلبات والانقلابات المشروحة في المقدمة الخامسة ~~فلفقوها من أوهامهم ومن النقول المشتبه صدقها بكذبها وكابروا في حفظ اسمها ~~وعنوانها بدعوى تواترها. # ومع ذلك لا يعدو أمر موسى في دعواه الرسالة وظهور المعجز على يده من حيث ~~نقل اليهود أن يكون احتمالا وظنا لا يصلح أن يكون حجة في أصول الدين. # ولو أن نقل اليهود له أفاد العلم وكان حجة لما ثبت عندنا إلا مجرد نبوة ~~موسى ولا أثر لذلك إلا وجوب الإيمان به فقط إذ لم تصل إلينا منه شريعة ~~معلومة ولا كتاب معلوم. # ثم وجهنا نظرنا إلى دعوة المسيح وإنجيله وتعليمه وشريعته فوجدنا ~~المعاصرين من النصارى متفقين في النقل على أنه ادعى الرسالة وظهرت على يده ~~المعجزات وأنزل عليه الإنجيل. # ومتفقين أيضا على أنهم قد تسلموا هذا النقل مسلسلا عن أجيالهم يدا عن يد ~~إلى الكثيرين من جيل المسيح السامعين لدعواه الرسالة والمشاهدين لمعجزاته. # ومتفقين أيضا بهذا الاتفاق في النقل على أن الأناجيل الأربعة الدارجة هي ~~من تعاليم المسيح وأحواله الواقعية، وأنها قد كتبها رسل ملهمون عن الروح ~~القدس ادعوا الرسالة وظهر على يدهم المعجز وأنهم " أعني النصارى " تسلموا ~~هذا كله مسلسلا من نقل أجيالهم إلى الكثيرين السامعين من هؤلاء الرسل ~~PageV01P227 # دعواهم الرسالة، والمشاهدين لظهور المعجز على أيديهم، وأن هذه الكتب ~~الأربعة من كتابتهم. # ومتفقين أيضا بهذا الاتفاق على أن الأعمال الرسل، وأربعة عشرة رسالة ~~لبولس، وواحدة ليعقوب واثنتين لبطرس، وثلاثا ليوحنا وواحدة ليهوذا. # ورؤيا يوحنا على ما شرحناه في المقدمة الأولى هذه كلها كتب رسل ملهمين ~~ادعوا الرسالة وظهر على يدهم المعجز، وأنهم تسلموا هذا كله مسلسلا من نقل ~~أجيالهم إلى الكثيرين السامعين من هؤلاء الرسل دعوى الرسالة المشاهدين ~~لظهور المعجز على أيديهم، وإن هذه الكتب المذكورة من كتابتهم. # وجدنا النصارى المعاصرين أيضا يدافعون أشد المدافعة في أقوالهم وكتاباتهم ms162 ~~على الخدشة في سند هذه الأناجيل والكتب، ويحامون عنها بدعوى تواتر النقل ~~لكونها كتبا إلهامية صادرة من رسل ملهمين. # فقلنا لننظر أولا في الموانع عن رسالة المسيح وهؤلاء الرسل فوجدنا اليهود ~~يقدحون في نسب المسيح وولادته الطاهرة فتمتنع رسالته بحكم " تث 23: 2 "، ~~ويدل عليه اعتبار العقل فإن هذا الأمر منقصة منفرة للناس فيمتنع للرسالة ~~التي هي إتمام للحجة من الله على الناس أن يكون فيها مثل هذا الأمر المنفر. # وأيضا يصفون قدس المسيح بالضلال والسحر، وكذا بعض الوثنيين حتى عدوا من ~~كتبه كتاب الشعبذات والسحر، وأنه في مدة بقائه بمصر تعلم النيرنجات، ~~ويكيلون لباقي الرسل بنحو هذا المكيال. # فقلنا: لننظر أولا في الحجة على رسالة المسيح وموانعها الداخلية فإن تمت ~~الحجة لم تعارضها هذه الموانع الخارجية بل يوضح تمام الحجة كذب دعوى هذا ~~المانع. # فقد قضت العادة بأن كل من نهض لدعوة جديدة أو رئاسة جديدة محقا كان أو ~~مبطلا لا بد أن ينهض له مقاومون يرمونه بالعيب والضلال فاشتبه حق هذا لقدح ~~بباطله، وخصوصا أن قدح اليهود وغيرهم في نسب المسيح في غير محله، لأن الذي ~~يدعونه أمر غيبي، وإن كانت العادة تعضده إلا أن اليهود PageV01P228 # معترفون بأن الله قادر على خلق الولد في رحم أمه من غير فحل. # وقد ظهرت قدرة الله في شأن آدم وحوا بأعظم من ذلك، وأن الطبيعة التي ~~سخرها الله بقدرته صالحة لمثل هذا. # فقد وجدنا في الحيوانات المعتاد تخلقها بآلات التناسل قد تتخلق بغيرها ~~كما هو المشاهد في " الفار " إذ يتخلق من الطين، والدجاج قد يبيض ويفرخ من ~~غير فحل، فإن أخبر نبي بتولد إنسان من غير فحل وجب تصديقه لإخبار الصادق ~~بأمر ممكن في قدرة الله جل شأنه مع صلاحية الطبيعة لمثله خصوصا مع وقوع ما ~~هو من هذا القبيل، هذا وإن لم يخبر به النبي فلا ينبغي أن يستلب حقه من ~~الإمكان والاحتمال وإن كان على خلاف العادة خصوصا إذا كانت المرأة الوالدة ~~من المعروفات بالدين والعفاف. # دع هذا فنظرنا في ms163 هذا الاتفاق من النصارى المعاصرين المتساوي في جميع ~~منقولاته على نحو أحد بحيث لا يمكن أن يكون متواترا في بعض منقولاته كاذبا ~~في المنقولات الأخر فوجدناه مختل الأركان متناقض المنقولات مضطربا فيها ~~مشتملا على ما يكذب بعضه بعضا وعلى واضحات الموانع من رسالة المسيح ولنذكر ~~لك من ذلك شيئا يسيرا. فإن الاستقصاء يفضي إلى السئام والملل والخروج عن ~~المقصود من وضع الكتاب والمقدمة. فاستمع من ذلك إلى أمور: # الأول: شهادة التاريخ بأن بعض منقولات هذا النقل ما ليس متواترا بل هو ~~منقطع قد تواطأ على صحته بعض السلف بتلفيق الأدلة والمؤيدات بزعمهم فتبعهم ~~الخلف واستعاروا له اسم التواتر. # ولنقتصر من نقل ذلك على ما نقله إظهار الحق فإنه الميسور تعجيله فقد نقل ~~من ذلك موارد: # المورد الأول عن جيروم في مقدمته على كتاب يهوديت إن سبعة كتب وبعض ~~الفقرات مما يدعي المعاصرون والمتأخرون تواتره قد كانت مشكوكة فانعقد مجلس ~~العلماء المسيحيين لتحقيق أمرها بأمر السلطان قسطنطين في بلدة نائس " نيقية ~~" سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين فلم يتحقق وهي ست رسائل PageV01P229 # العبرانيين، وبطرس الثانية، ويوحنا الثانية، والثالثة، ويعقوب، ويهوذا ~~والسابع رؤيا يوحنا بل سلم من دونها كتاب يهوديت " المردود عند البروتستنت ~~" قال: ثم انعقد مجلس " لوديسا " - اي لا وديقية - سنة ثلاثمائة وأربع ~~وستين فأوجب التسليم للست رسائل المذكورة، وأبقى رؤيا يوحنا على الشك إلى ~~أن انعقد مجلس " كارتهيج " - اي قرتاجنة - ستة ثلاثمائة وسبع وتسعين فسلم ~~رؤيا يوحنا. # والمتكلف لم تسعه المكابرة بتكذيب إظهار الحق ولا توهين جيروم لأنه ادخره ~~للاستشهاد بكلامه، وصرح " يه 1 ج ص 148 س 7 " بأنه كان مشهورا بالتحقيق ~~والتدقيق في عصره وهو الجيل الرابع للمسيح ولكنه لما ألجأه الوقت أن يكتب ~~شيئا ما قال " يه 1 ج ص 82 " مداولة المجالس في الكتب الموضوعة قال: # " يعني إظهار الحق " التأم مجلس العلماء المسيحيين للنظر في الكتب ~~المشكوكة. # قلنا: يؤخذ من كلامه أنه لا خلاف في الكتب الموحى بها وهو الصواب إلى أن ~~قال المتكلف: ولم يحصل أدنى خلاف ms164 بين أعضاء المجلس النيقاوي على صحة الكتب ~~المقدسة إنتهى. # وأقول: كيف أخذ المتكلف من كلام إظهار الحق أو جيروم أنه لا خلاف في ~~الكتب الموحى بها مع تصريحه في النقل عن جيروم أن الكتب السبعة المذكورة ~~كانت مشكوكة وبقيت على الشك بعد المجلس الأول فسلم منها في المجلس الثاني ~~ستة وبقي السابع مشكوكا إلى المجلس الثالث. # أفيقول المتكلف: إن هذه الكتب السبعة ليست من الكتب الموحى بها هذا وإن ~~أراد المتكلف أن سكوت إظهار الحق أو جيروم عن الباقي من كتب العهد الجديد ~~يدل على أنها مسلمة في جميع الأعصار. # قلنا: متى سكت إظهار الحق أو جيروم أو غيرهم عن باقي الكتب كما سنذكره في ~~الموارد الآتية وأنها بمرأى المتكلف ومسمعه وقد تعرض لها، ولكني أخبرك أن ~~ظني القوي أن المتكلف لا يدري ماذا قال ههنا، وأما قوله: ولم يحصل أدنى ~~خلاف بين أعضاء المجلس النيقاوي على صحة الكتب المقدسة PageV01P230 # فنقول فيه إن أراد من المجمع النيقاوي هو مجلس نائس المذكور. # قلنا: إن نقل جيروم أبعد عن التعصب من دعوى المتكلف وهو أعرف بالأمور ~~القريبة من عصره ومشهور بالتحقيق والتدقيق وهو مثبت والمتكلف نافي. # وإن أراد من المجمع النيقاوي غير مجلس نائس المذكور فلا يضرنا لأنا لا ~~ننكر أن مجامع النصارى قد اتفقت في بعض الأدوار على صحة هذه الكتب بل اتفقت ~~في أدوار كثيرة على صحة كتب كثيرة حتى نبغت فرقة البروتستنت في القرن ~~السادس عشر فانفردت بدعوى كذبها. وقد تعرض المتكلف أيضا للمجمع النيقاوي ~~المذكور " يه 3 ج ص 246 " فلم يجسر على مخالفة جيروم في النقل ولكنه تكلم ~~بما لا دخل له بالمقام كاستشهاده بكثرة الأساقفة على انتشار الديانة ~~المسيحية وأن الكتب الموحى بها هي التي تكتب بإلهام الروح القدس وإن كتاب ~~يهوديت ليس منها. # المورد الثاني: عن وارد كاتلك قال في كتابه: صرح جيروم في مكتوبه أن بعض ~~العلماء من المتقدمين كانوا يشكون في الباب الآخر من إنجيل مرقس، وبعض ~~القدماء كانوا يشكون في بعض الفقرات ms165 من الباب الثاني والعشرين من لوقا، وعن ~~المحقق نورتن في كتابه المطبوع في بلدة بوستن سنة 1837 ص 70. # في هذا الإنجيل " يعني مرقس " عبارة واحدة قابلة للتحقيق " وهي من الفقرة ~~التاسعة من الباب الأخير إلى آخر الإنجيل ". # والعجب من كريسباخ أنه ما جعلها معلمة بعلامة الشك في المتن وأورد في ~~شرحه أدلة على كونها إلحاقية " ثم نقل أدلته وقال " فثبت منها أن هذه ~~العبارة مشتبهة سيما إذ لاحظنا العادة الجبلية للكاتبين بأنهم كانوا ارغب ~~في إدخال العبارات من إخراجها إنتهى. # قال المتكلف " يه 1 ج ص 123 ": إن القول بأن العلماء كانوا يشكون في ~~الأصحاح الأخير من إنجيل مرقس هو افتراء محض غاية الأمر أن غريغوريوس أسقف ~~" نسا " في كبدوكية قال: ان إنجيل مرقس ينتهي بقوله " وخافوا " " والصواب ~~خائفات " وغض الطرف عن الاثنتي عشرة آية الأخيرة لأنه لم يجدها في بعض نسخ ~~الفاتيكان، ومن المؤكد أنها كانت موجودة في نسخ كريسباخ ولكنها PageV01P231 # كانت مكتوبة بين قوسين. # فأقول: هب المتكلف كذب إظهار الحق أو وارد كاتلك أو معتمده جيروم في شك ~~بعض العلماء المتقدمين في آخر مرقس ولكنه اعترف بأن أسقف " نسا " قد أخرج ~~اثنتي عشرة فقرة من آخر مرقس جزما والاعتذار بأنه لم يجدها في بعض نسخ ~~الفاتيكان إعتذار واه لا محصل له إلا القدح بتثبت الأساقفة وقصورهم بل ~~وتقصيرهم في معرفة الحقائق والمحافظة على الكتب الإلهامية بزعمهم. # وينجر إلى القدح أيضا بسند العهد الجديد لأنه لم يكن لعموم الناس قبل ~~القرن السادس عشر حظ في تداوله، كما حدث بعد ذلك وإنما كان أمره مختصا ~~بالأساقفة ومن تحت أيديهم من القسوس وغيرهم، على أنه لم تكن قبل ناشئة ~~البروتستنت كتب تختص بعنوان الفاتيكان وإنما كان أمر الكتب في هرج ومرج ~~تسكن سورته المجامع وبعد مجلس كارتهيج أي قرطاجنة صار الفاتيكان وغيره واجب ~~التسليم إلى القرن السادس عشر. # وأيضا هب أن المتكلف كذب " نورتن " في نقله عن شرح كريسباخ ولكنه اعترف ~~بأن الفقرات المذكورة كانت مكتوبة في نسخته بين قوسين، ومن ms166 المعلوم من ~~الاصطلاح في رسم العهدين أن الجعل بين هلالين إنما هو علامة على أن ما ~~بينهما غير موجود في أصح النسخ وأقدمها وهو أعظم من الشك. # ومن أراد الحكومة بين المتكلف وبين وارد كاتلك ونورتن فليحقق في كتابات ~~جيروم وكريسباخ فان المتكلف قد أنكر الفقرة الثالثة من ثاني التكوين في ~~تقديس اليوم السابع وتبريكه " انظر يه 4 ج ص 174 س 3 " فهل يؤتمن بعد ذلك ~~على نقل؟. # المورد الثالث: عن " ص 205 " من المجلد السابع المطبوع سنة 1844 م من ~~كاتلك هولد كتب استادلن في كتابه أن كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة ~~المدرسة الإسكندرية بلا ريب. # والمحقق برطشنيدر قال: إن هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من ~~تصنيفه بل صنفها واحد في ابتداء القرن الثاني. PageV01P232 # والمحقق المشهور كروتيس قال: إن هذا الإنجيل كان عشرين بابا فالحق كنيسة ~~افسس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا. # وعن هورن في الباب الثاني من القسم الثاني من المجلد الرابع من تفسيره ~~المطبوع سنة 1822 م أنه قال الحالات التي وصلت إلينا في باب زمان تأليف ~~الأناجيل من قدماء مؤرخي الكنيسة أبتر وغير معينة لا توصلنا إلى أمر معين، ~~والمشايخ القدماء الأولون صدقوا الروايات الواهية وكتبوها وقبل الذين جاؤوا ~~من بعدهم مكتوبهم تعظيما لهم، وهذه الروايات الصادقة والكاذبة وصلت من كاتب ~~إلى كاتب آخر وتعذر تنقيدها بعد انقضاء المدة إنتهى. # ولم يتعرض المتكلف للكلام على هذا النقل " انظر يه 1 ج ص 134 " إلى آخره. # المورد الرابع: عن هورن " ص 206 و 207 " من المجلد الثاني من تفسيره ~~المطبوع سنة 1822 م، لا توجد في الترجمة السريانية الرسالة الثانية لبطرس، ~~ورسالة يهوذا، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا ومشاهدات يوحنا، ومن الآية ~~الثانية إلى الآية الحادية عشر من ثامن يوحنا، والآية السابعة من الباب ~~الخامس من الرسالة الأولى ليوحنا. # وعن وارد كاتلك " ص 37 " من كتابه المطبوع سنة 1841 م ذكر راجرس وهو من ~~أعلم علماء بروتستنت أسماء كثيرين من علماء فرقته ms167 الذين أخرجوا الكتب ~~المفصلة من الكتب المقدسة باعتقاد أنها كاذبة الرسالة العبرانية ورسالة ~~يعقوب، والرسالة الثانية، والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوذا ومشاهدات يوحنا. # وقال داكتر بلس من علماء بروتستنت: إن جميع الكتب ما كانت واجبة التسليم ~~إلى عهد يوسى بيس واصر على أن رسالة يعقوب ورسالة يهوذا، والرسالة الثانية ~~لبطرس، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا ليست من تصنيفات الحواريين، وكانت ~~الرسالة العبرانية مردودة إلى مدة والكنائس السريانية ما سلموا أن الرسالة ~~الثانية لبطرس، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوذا وكتاب ~~المشاهدات وما سلموا كونها واجبة التسليم وكذا حال كنائس PageV01P233 # العرب لكننا نسلم. # وعن لارذر " ص 175 " من المجلد الرابع من تفسيره سرل وكذا كنيسة أورشليم ~~في عهده ما كانوا يسلمون كتاب المشاهدات، ولا يوجد هذا الكتاب في الفهرست ~~القانوني الذي كتبه. # ثم قال " ص 323 " إن مشاهدات يوحنا لا توجد في الترجمة السريانية القديمة ~~وما كتب عليه بارهي بريوس ولا يعقوب شرحا وترك " أي بدجسو " في فهرسته ~~الرسالة الثانية لبطرس والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا ورسالة يهوذا ~~ومشاهدات يوحنا وهذا هو رأي السريانيين الآخرين. # وعن " ص 206 " من المجلد السابع من كاتلك هولد ان روز كتب " ص 161 " من ~~كتابه أن كثيرا من محققي بروتستنت لا يسلمون كون كتاب المشاهدات واجب ~~التسليم. # وأثبت برويرا يوالد: بالشهادة القوية أن إنجيل يوحنا ورسائله وكتاب ~~المشاهدات لا يمكن أن تكون من تصنيف مصنف واحد. # وعن يوسى بيس في الباب الخامس والعشرين من الكتاب السابع من تاريخه " قال ~~" ديونيسيش أخرج بعض كتاب المشاهدات عن الكتب المقدسة واجتهد في رده وقال: ~~هذا كله لا معنى له وأعظم حجاب الجهالة وعدم العقل ونسبته إلى يوحنا ~~الحواري غلط ومصنفه ليس بحواري ولا رجل صالح ولا مسيحي بل نسبه سرنتهن ~~الملحد إلى يوحنا لكني لا أقدر على إخراجه عن الكتب المقدسة لأن كثيرا من ~~الأخوة يعظمونه الخ. # وعن يوسى بيس في الباب الثالث من الكتاب الثالث من تاريخه، أن الرسالة ~~الأولى لبطرس صادقة إلا أن الرسالة الثانية له ما كانت داخلة ms168 في الكتب ~~المقدسة في زمان من الأزمنة لكن كانت تقرأ رسائل بولس أربع عشر إلا أن بعض ~~الناس أخرج الرسالة العبرانية. # وفي الباب الخامس والعشرين من الكتاب المذكور، اختلفوا في أن رسالة يعقوب ~~ورسالة يهوذا والرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية، والثالثة ليوحنا ~~PageV01P234 # كتبها الأنجيليون أو أشخاص أخر كان أسماءهم هذه وفي الباب الخامس ~~والعشرين من الكتاب السادس من تاريخه أيضا نقل قول ارجن في شأن الرسالة ~~العبرانية الحال الذي كان على ألسنة الناس إن بعضهم قالوا: إن هذه الرسالة ~~كتبها كليمنت الذي كان بشب الروم وبعضهم قالوا: ترجمها لوقا إنتهى كلام ~~ارجن. قال: وأنكرها رأسا ارنيس بيشب ليس الذي كان سنة 178 م وهب بوليتس ~~الذي كان سنة 220 م نوتيس برسبتر الروم الذي كان سنة 251 م وقال ترتولين ~~برسبتر كارتهيج الذي كان سنة 200 م إنها رسالة برنيا، وكيس برسبتر الروم ~~الذي كان سنة 212 م عد رسائل بولس ثلاثة عشر ولم يعد هذه الرسالة، وسائي ~~برن بشب كارتهيج الذي كان سنة 248 م لم يذكر هذه الرسالة، وقال اسكالجر من ~~كتب الرسالة الثانية لبطرس فقد ضيع وقته. # وعن تاريخ البيبل المطبوع سنة 1850 م قال كروتيس: هذه الرسالة رسالة ~~يهوذا الأسقف الذي كان خامس عشر من أساقفة أورشليم في عهد سلطنة ايدرين. # وعن يوسي بيس في الباب الخامس والعشرين من الكتاب السادس من تاريخه: # قال ارجن في المجلد الخامس من شرح إنجيل يوحنا أن بولس ما كتب شيئا إلى ~~جميع الكنائس والذي كتبه إلى بعضها فسطران أو أربعة سطور. # والمتكلف لم يتمكن من إنكار هذه النقول ولا القدح بناقليها، وغاية ما ~~تمكن في مقابلة بعضها أنه لفق بعض الشواهد الواهية لصحة الكتب المذكورة ~~باستشهاد بعض الأشخاص ببعضها، وتصحيح بعضهم لها واشتمالها على اسم الرسول ~~المنسوبة إليه أو الوعظ وغير ذلك من التشبثات التي ليس فيها شئ يشهد بعدم ~~الجعل " انظر يه 1 ج ص 153 " إلى آخره على المتكلف قد غفل أو تغافل عما هو ~~الموضوع لكلام ms169 إظهار الحق فإنه أورد هذه النقول وغيرها شواهد على عنوان ~~الفصل الثاني من الباب الأول وهو أنه لا يوجد عند أهل الكتاب سند متصل ~~لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد فكل ما فر إليه PageV01P235 # المتكلف من الاستشهادات مما يؤكد دعوى إظهار الحق على أنا لو استقصينا في ~~التعرض لتلك الشواهد لأوضحنا سخافتها في نفسها ولكنها لا تمس غرضنا بوجه ~~ولو تمت بل تؤكد قولنا: إن دعوى النصارى المتأخرين تواتر كتبهم إلى المصادر ~~المدعاة لا أصل لها، بل أن النصارى مختلفون فيها، وأن من يريد منهم التصحيح ~~يحتاج إلى أعمال الظنون والاعتماد على تقليد آحاد الناس في أمر مضى له تسعة ~~عشر قرنا. # المورد الخامس: قد ذكر إظهار الحق أيضا في المقصد الثاني من الباب الثاني ~~شهادة كثير من محققيهم ومفسريهم وأئمتهم في أجيال مختلفة ونصهم على زيادة ~~كثير من العهد الجديد وأنه إلحاقي ليس منه " انظر المقصد الثاني المذكور من ~~الشاهد السابع والعشرين إلى آخره ". # والمتكلف لما أراد أن يتكلم على هذه الشواهد لم يتمكن من جحود نقلها ولا ~~القدح فيمن نقل عنهم فتستر بإهماله لذكر من نقلت عنه فموه بإظهار نسبتها ~~إلى إظهار الحق وصار يجيب عنها بالتلفيقات والتشبثات " انظر يه 3 ج ص 270 - ~~290 ". # ثم جعل استشهادات إظهار الحق المشار إليها استشهادا بأقوال المسيحيين ~~الضعيفة والآراء السقيمة وضرب المثل باعتقاد المتقدمين بكون الشمس متحركة ~~والأرض ثابتة وقد اتضح فساده. # إلى أن قال: ولا يخفى أن المعترض " يعني إظهار الحق " أورد كل رأي سقيم ~~وقول باطل قديم وما دري أن الدنيا في تقدم، فكل سنة تظهر حقائق جمة بل ~~انكشفت بالأبحاث الجديدة أمور مهمة إلى أن قال: ولو كان آدم كلادك أو غيره ~~من الجيل الماضي في هذا العصر لأقلعوا عن كثير من آرائهم الساقطة. # فأقول: أولا: إن المتكلف طالما ادعى أن كتبهم وصلت من السلف إلى الخلف ~~بالسند المتصل القوي " انظر أقلا عنوانه يه 3 ج ص 192 " ولم يجد ملجأ في ~~زعمه صحتها واتصال سندها في ms170 تسعة عشر قرنا إلا بقول فلان واستشهاد فلان. # وثانيا: أن جل الذي استشهد بنقلهم إظهار الحق قد التجأ المتكلف في ~~PageV01P236 # كتابه إلى التشبث بآرائهم ونقولهم، انصر كتابه في أمثال هذه الموارد ~~وراجع إظهار الحق في هذا المقام. # نعم: هؤلاء وأمثالهم من سلف المتكلف عنه على حالتين متباينتين إن استشهد ~~إظهار الحق بكلامهم في مقام لا يتهمون به كانوا عند المتكلف من الجهلة ~~العارين عن الفهم والعلم " انظر يه 1 ج ص 95 س 6 ". # وكان ما ينقله من أقوالهم رأي سقيم وقول باطل قديم وآراء ساقطة " انظر يه ~~3 ج ص 291 و 292 ". وإن استشهد بهم المتكلف لمزاعمه كانوا أئمة فضلاء إثبات ~~محققين مدققين، أنظر إلى مدحه لهم عندما يتشبث بأقوالهم وآرائهم. # وثالثا: أن صحة سند الكتاب وتواتر سلسلة إلى مصدره إنما هو أمر تاريخي ~~ولا وجهة للتقدم في فلسفته إلا مراجعة مأثورات القدماء المتصدين للبحث عنه ~~والتنقير فيما كان في زمانهم وما قاربه من أحواله وما جرياته. وعند التعارض ~~يحكم الاعتراف على الدعوى والاطمئنان على التهمة، ومن الوهم الواضح قياس ~~التاريخ بمسألة حركة الشمس أو الأرض فإن وجهة التقدم في فلسفة هذا مباينة ~~لما تقدم وإنما هي بمزاولة الرصد بالآلة وأعمال النظر في الرياضيات ~~والطبيعيات. # وقد صار المتكلف في هذا المقام أن رأى المجمع يوافقه في مزاعمه احتفل ~~بقراره وارتاح بالاستشهاد به كما في مجمع " ترنت " سنة 1537، وأن رأي ~~المجمع صدق على ما لا يوافقه أو شك فيما يزعم المتكلف إلهاميته قال لا يسوغ ~~الاعتماد على قرار ذلك المجمع. # وأن الكتاب الذي يكتب الوحي الإلهي ويتأيد بالمعجزات في غنى عن قرار ~~مجلس، " انظر يه 3 ج ص 246 و 247 ". # أقول: نعم إن كتابة الرسول أو إملاء للكتاب عن الوحي في غنى عن قرار ~~مجلس، ولكن يا حبذا لو صحت الأحلام. وكيف السبيل إلى العلم بأن ما بأيدي ~~الناس هو ذاك. وأن الكلام في المجامع على كتب العهدين يجري في أمرين باهظين ~~" أحدهما " اتصال سنده اتصالا علميا إلى ms171 مصدره الذي ينسب إليه PageV01P237 # ومرجع هذا إلى محض التحقيق التاريخي " وثانيهما " أن مصدره كتبه عن إلهام ~~متأيد بالمعجزات ومرجع هذا إلى التحقيق التاريخي والنظري وأن المجمع العام ~~النيقاوي الأول المشتمل على ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، لم يتحقق فيه صحة ~~السند لسبعة من الكتب التي يزعم النصارى المتأخرون تواترها في جميع الأجيال ~~إلى الرسل، بل أبقوها مشكوكة النسبة إلى مصادرها وهذا مما يوضح فساد دعوى ~~التواتر فيها. # ويكشف عن أن هذه الدعوى من إصرار المكابرات، بل يوهن قبول ما بعده من ~~المجامع لها ولا سيما إذا ادعت تواترها فإن هذه الأمور التاريخية البعيدة ~~العهد لا سبيل إلى حجتها بقول فلان واستشهاد فلان، ومن هو فلان؟ حتى لو ~~فرضنا أنا علمنا قطعا أنه هو القائل أو المستشهد، أهو نبي أم نخادع عقولنا ~~حتى إذا قيل إنه استشهد بفقرة نقول إن كلما يكتب على الورق معلوم النسبة ~~إلى الإلهام، أو قال: إن ليعقوب رسالة نقول إن كلما يكتب على الورق وهو ~~رسالة يعقوب مثلا، فإن هذه الأمور لا تثبت ثبوتا حقيقيا علميا إلا بقول ~~المعصوم الموحى إليه بأن هذا الكتاب المعين بالإشارة الحسية وهذه الألفاظ ~~المخصوصة هي كتاب فلان النبي. # أو يثبت ذلك بالتواتر المتصل في جميع الأجيال، أفيقول المتكلف إن سبعة ~~كتب من العهد الجديد الرائج هي متواترة وإن شك فيها في القرن الرابع ~~ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا من المنتخبين للمجمع العام للنظر في الديانة ~~النصرانية وكتبها نظرا أوليا أو ثانويا وقد قصروا وقصروا عن الوصول إلى ~~التواتر أو أنهم كابروا بإنكاره حتى بقي الشك مستمرا إلى مدة، أيكون مثل ~~هذا في التواتر؟. # نتيجة ما تقدم: أنه قد اتضح من نقل الموارد الخمسة المذكورة أن اتفاق ~~المتأخرين في النقل لا يصلح لأن يكون من التواتر المفيد للعلم لأجل ظهور ~~الخلاف في دعوى التواتر، ونقله في سبعة من الكتب وجملة من فقرات الكتب ~~الأخر. # وإن انعقاد المجامع في أجيال النصارى للنظر في أمور الكتب ولو ثانويا كما ~~PageV01P238 # يزعم المتكلف لهو مما يقرب أن ms172 اعتمادهم في كتبهم كان على التواطئ وقرار ~~المجلس ولو لأجل التشبث بالشواهد، وهذا مما يدع التواتر هباء منثورا. فإن ~~من أركان التواتر أن يكون الاتفاق على النقل مستندا إلى النقل المسلسل في ~~الأجيال إلى المصدر بحيث لا يحتمل أن يكون مستندا إلى التواطئ وقرار ~~المجامع أو البحث والتشبث بالشواهد والأمارات. # الأمر الثاني: أن الأناجيل التي يدعون تواتر نقلها إلى المصدر الإلهامي ~~قد وجدناها تكذبهم في دعواهم أن المسيح ادعى الرسالة العامة وظهر على يده ~~المعجز، وأن هذا متواتر في نقلهم. # ففي خامس عشر متى عن قول المسيح 24 فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت ~~إسرائيل الضالة. # وفي صراحة الأناجيل أيضا عن قول المسيح أنه لا يظهر على يده المعجز ~~والآية مدة حياته في الأرض إلا بقيامه من الأموات بعد مكثه في بطن الأرض ~~ثلاثة أيام، " انظر إلى مت 16: 4 ومر 8: 11 و 12 ولو 11: 11 و 29 ". # الأمر الثالث: إن الأناجيل التي يدعون تواتر نقلها إلى المصدر الإلهامي ~~قد وجدناها تبطل احتجاجهم بأن ظهور المعجز شاهد وبرهان على الصدق في دعوى ~~الرسالة، فقد صرحت بأن الآية والإعجوبة والقوة التي هي عبارة عن المعجز ~~تظهر على يد الكاذب في دعوى النبوة " انظر إلى متى 24: 24 ومر 13: # 22 ". # أفيمكن أن يكون نقل النصارى متواتر في دعوى المسيح للرسالة العامة. # وفي ظهور المعجز على يده وفي الأناجيل المشتملة على ما يكذب ذلك ويبطل ~~الاحتجاج به. أم نتشهى ونقول إنه متواتر في بعض دون بعض مما ذكرنا وإن كان ~~النقل فيهما متساويا كتساوي دعوى التواتر. # الأمر الرابع: أن العهد الجديد الذي يدعي النصارى تواتره إلى المصدر ~~الإلهامي والأنبياء المرسلين. ويحامون أشد المحاماة عن الخدشة في تواتره ~~وصحة سنده. قد وجدناه قد تضمن ثلاثة مضامين. PageV01P239 # الأول: إن يسوع المتولد في بيت لحم من مريم العذراء المبشر به في العهد ~~الجديد هو ابن داود ومن نسله وداود أبوه انظر اقلا إلى لو 1: 32 واع 2: 30 ~~ورو 1: 3. # الثاني: إن يسوع هو المسيح الموعود به. وهذا ms173 هو العنوان لدعواه الرسالة ~~انظر اقلا مت 16: 16 - 20 ومر 14: 61 و 62 ويو 4: 25 و 26. # الثالث: إن المسيح ليس ابن داود، ففي ثاني عشر مرقس 35 ثم أجاب يسوع وهو ~~يعلم في الهيكل كيف يقول الكتبة إن المسيح بن داود 36 لأن داود نفسه قال ~~بالروح القدس. قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك 37 ~~فداود نفسه يدعوه بالروح ربا فمن أين هو ابنه ونحوه " مت 22: 41 - 36 ولو ~~20: 41 - 45 ". # ولا يخفى عليك أنا إذا أخذنا بالمضمون الأول، وهو أن يسوع بن داود ومن ~~نسله، مع المضمون الثاني، وهو أنه هو المسيح لموعود به، لزم كذب المضمون ~~الثالث، وهو أن المسيح ليس ابن داود، وإذا أخذنا بالمضمون الثاني مع ~~الثالث. لزم كذب المضمون الأول. وهو أن يسوع المذكور من نسل داود وابنه، ~~وإذا أخذنا بالمضمون الأول مع الثالث، لزم كذب المضمون الثاني وهو أن يسوع ~~هو المسيح فتبطل دعواه الرسالة لأنها معنونة بكونه المسيح الموعود به كما ~~لا يخفى، فليختر المتكلف إن أي هذه المضامين الثلاثة كاذب، مع أنه من العهد ~~الجديد المتواتر وكلام الله السميع العليم بزعم المتكلف. # وأيضا كيف يجعل داود له أربابا متعددة أحدهما يخاطب الآخر وكيف يحتج ~~المسيح بهذا القول وينسبه إلى الروح القدس، مع أنه جاء في العهد القديم عن ~~قول الله أنا أنا هو الرب وليس إله معي " تث 32: 39 " أنا الرب وليس آخر " ~~اش 45: 5 و 6 و 18 ". # فإن قلت: إن معنى الرب المراد به المسيح هاهنا هو المعلم، قلت أجل فلماذا ~~لا يكون المعلم ابن داود ومن نسله، دع هذه فإن هذا التفسير منك في هذا ~~المقام فضولا لا يقبلونه. PageV01P240 # الأمر الخامس: إن الأناجيل التي يدعي النصارى تواترها عن المصدر الإلهامي ~~قد ذكرت عن المسيح احتجاجات واهية لا تليق بسائر الناس فضلا عن رسل الله ~~ذوي الحجة الواضحة والبيان الشافي الكافي. # منها: ما أسلفناه في الفصل الخامس عشر من المقدمة الثامنة عن قول المسيح ~~لما ms174 قال له الفريسيون: أنت تشهد لنفسك وشهادتك ليست حقا حيث ذكر أنه قال: ~~وأيضا في ناموسكم مكتوب شهادة رجلين حق أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الأب ~~الذي أرسلني " يو 8: 17 و 18 ". # فهل ترى أحدا من أوباش الناس يحتج لدعاويه بمثل هذا؟ أفيخفى على أحد من ~~الناس أن المدعي لا يكون أحد الشاهدين لا في القضاء الشرعي ولا العرفي. # ومنها: ما أسلفناه أيضا من قول الإنجيل إن المسيح لما أجابه اليهود ~~قائلين لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك ~~إلها، أجابهم يسوع أليس مكتوبا في ناموسكم أنا؟ قلت أنكم آلهة " يو 10: 33 ~~و 34 ". # فهل ترى إن واحدا من الموحدين يحتج بهذا الاحتجاج وينسب الناموس المنسوب ~~إلى الوحي إلى القول بالشرك وتعدد الآلهة؟ وقد أسلفنا ما في هذا من الكلام ~~فراجعه. # الاحتجاج للمنع من الطلاق ومنها ما عن المسيح في احتجاجه للمنع من ~~الطلاق. # ففي تاسع عشر متى 3 وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له هل يحل للرجل ~~أن يطلق امرأته لكل سبب 4 فأجاب وقال لهم: أما قرأتم إن الذين خلق من البدء ~~خلقهما ذكرا وأنثى 5. # وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان ~~جسدا واحدا 6 إذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه ~~إنسان 7. PageV01P241 # قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يعطي كتاب طلاق فتطلق 8 قال لهم إن موسى ~~من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا 9 ~~وأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني " ونحوه مر ~~10: 2 - 10 ". # فأقول: أما الاستشهاد بأنه يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته فإنه إن ~~أريد منه الالتصاق بالمرأة أحيانا من أجل ضرورة التمتع والرغبة في النسل ~~وتربية الأولاد فليس ذلك إلا لأن الوالدين لا يصلحان لذلك، فهذا الالتصاق ~~بالمرأة كالتصاقه في أغلب أوقاته بنوع من التكسب وأعمال المعيشة فيترك ~~لاسترزاقه منه أباه وأمه ms175 وامرأته وولده، أفيصح أن يجعل التصاقه هذا به حجة ~~على أنه لا يجوز أن يفارقه ويتركه إذا استغنى عنه أو سقط عن الفائدة أو كان ~~مضرا بنظام حياته وصحته واستراحته. أو انقياده للشريعة ونواميسها. # وإن أريد بهذا الالتصاق تقديهما على إكرام الوالدين وبرهما اللازم، ~~والإعراض عنهما لأجلها، فهو استشهاد بعمل الأوباش الذين لم تؤدبهم النواميس ~~الروحية على إكرام الوالدين والبر بهما، ولا يبالون بإثم العقوق ومنقصته ~~فهم كالحمار إذا رأى الأتانة تبعها، ولم يبال بمن فوقه وما يراد منه. # فإنا نجد كثيرا منهم يلتصقون هكذا بالزواني اللاتي يختصون بهن بغير زواج ~~شرعي. # وأما الروحانيون المؤدبون بالشريعة فلا يقدمون نساءهم على إكرام والديهم ~~وبرهم ولا يتركونهم لأجلهن، وحاشا للوحي الإلهي أن يستشهد بعمل الأوباش ~~المخالفين لنواميس الشريعة. # وأيضا ما معنى أن الرجل وامرأته يصيران جسدا واحدا وأنهما ليسا بعد ~~اثنين. فما لنا نرى بعض الكلمات قد كابرت الأعداد على حقائقها فلم تعط ~~الوحدة والاثنينية والتثليث حقوقها من المعاني والحقائق. أفمن ماتت زوجته ~~أو طلقها لسبب الزنا يكون نصف جسد واحد، وإذا تزوج بأخرى يعود جسدا واحدا ~~أو يصير الثلاثة والأربعة والعشرة جسدا واحدا. PageV01P242 # وأيضا ما معنى القول بأن ما جمعه الله لا يفرقه إنسان، مع أن الوجدان ~~شاهد على أن كثيرا مما جمعه الله يفرقه الإنسان كأجزاء الأجسام الصورية ~~والجوهرية وقد سوغت له الشريعة كثيرا من ذلك. # نعم إن جمع الله بين الرجل والمرأة بالزواج برابطة شرعية غير مؤقتة لا ~~يمكن أن يفرق بدون شريعة، ولكن الله قد شرع ذلك على يد موسى ثم نقول لهذا ~~المحتج: كيف تسوغ أنت طلاق المرأة إذا كانت زانية وبمقتضى حجتك أنها صارت ~~هي وزوجها جسدا واحدا وليسا بعد اثنين، وما جمعه الله لا يفرقه إنسان. # وأيضا ما معنى قول المحتج بأن موسى من أجل قساوة قلوبكم إذن لكم أن ~~تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا. # أفيقول إن موسى جاء بشريعة الطلاق من عند نفسه مداراة لقومه القساة ~~القلوب لا من عند الله؟ ms176 أم يقول: إن الله شرع الطلاق موقتا من أجل قساوة ~~القلوب؟ ولكن رفعت هذه الشريعة حيث تسلطت المملكة الروحية على قلوب بني ~~إسرائيل والعالم أجمع قدستهم روحانيتهم وأدبتهم على حسن الائتلاف وعرفان ~~الحقوق حتى تلاشت قساوة قلوبهم. # فنقول: يا حبذا لو صحت الأحلام فإنك إذا نظرت في تاريخ العالم ورسوم هذه ~~المملكة منذ حادثة الصليب وقبلها وبعدها حتى الوقت الحاضر ونظرت إلى حوادث ~~الوقت قلت مستعبرا: # قف بالمعاهد نبكي رسمها العافي * بمدمع من سويد القلب رعاف والإجمال ~~أجمل، وأيضا ما معنى احتجاج هذا المحتج بأنه لم يكن من البدء هكذا، أفكلما ~~لم يكن من البدء ينبغي أن لا تكون به شريعة مسوغة له إذا فإن آدم وحوا كانا ~~في البدء عريانين " تك 2: 25 " فينبغي أن لا تجيئ شريعة تسوغ لبس الثياب، ~~فإن قلت: قد عرض لهما من الأحوال ما يقتضي خلاف ذلك وقد صنع الله لهما ~~أقمصة من جلد وألبسهما " تك 3: 21 ". # قلنا: وقد عرض من الأحوال فيما بين الرجال ونسائهم ما لم يكن بين آدم ~~PageV01P243 # وحوا وقد شرع الله الطلاق على يد موسى " تث 24: 1 " وفي الكل لم يكن من ~~البدء هكذا. # وأيضا بناء على هذه الحجة ينبغي أن لا تجيئ شريعة بتسويغ الطلاق لعلة ~~الزنا، أو بتزوج الرجل إذا طلق امرأته لعلة الزنا أو إذا ماتت، ولا للمرأة ~~أن تتزوج إذا مات زوجها أو طلقها لعلة الزنا لأنه لم يكن من البدء هكذا، إذ ~~لم يجر شئ من ذلك بالنسبة لآدم وحوا. # أفهكذا يكون احتجاج الرسل وماذا يمنع الرسول من أن يقول: إني رسول من ~~الله بشريعة تحريم الطلاق إلا لعلة الزنا ولا يحتج بهذا الاحتجاج الواهي من ~~جميع أطرافه. # الزواج في القيامة: ومنها ما في العشرين من لوقا عن قول المسيح في ~~الاحتجاج على الصدوقيين 34 فأجاب وقال لهم يسوع أبناء هذا الدهر يزوجون ~~ويزوجون 35 ولكن الذين حسبوا أهلا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من ~~الأموات لا يزوجون ولا يزوجون 36 إذ لا يستطيعون أن يموتوا ms177 أيضا لأنهم مثل ~~الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة، فانظر وتأمل وقل ما وجه ~~التعليل لعدم التزاوج في القيامة بأن القائمين من الموت لا يستطيعون أن ~~يموتوا أيضا، وما وجه الحجة الكافية في ذلك. # أفيمتنع الزواج عقلا أو عادة على من لا يموت من نوع الإنسان وقل ما معنى ~~نسبة الموت إلى استطاعتهم، وما معنى كونهم مثل الملائكة، فإن كان ذلك بدعوى ~~كونهم أرواحا مجردة فهو إنكار للقيامة من الأموات والمعاد الجسماني الذي ~~عليه صريح العهد الجديد، وما معنى كون أبناء القيامة أبناء الله فإن كان ~~مضمونه أن غير الأبرار لا يقومون من الموت كان ذلك مخالفا لصراحة الأناجيل ~~والعهد الجديد وإن كان الغرض منه التعرض لحال الأبرار فقط كان غير مطابق ~~للسؤال العام عن حال الأبرار وغيرهم، وإن كان المراد أن جميع الناس أبرارهم ~~وشرارهم يكونون في القيامة مثل الملائكة وأبناء الله فأين الدينونة وأين ~~الجزاء حسب الأعمال وأين جهنم النار التي لا تطفئ كما هو مكرر في صراحة ~~العهد الجديد وكيف يعقل ذلك. PageV01P244 # القيامة من الأموات: ومنها ما في العشرين من لوقا عن قول المسيح أيضا في ~~الاحتجاج على الصدوقيين للقيامة من الأموات. # وأما أن الموتى يقومون فقد دل عليه موسى في أمر العليقة كما يقول الرب ~~إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب 38 وليس هو إله أموات بل إله أحياء لأن ~~الجميع عنده أحياء. # وانظر إلى " مت 22: 31 و 32 ومر 12: 36 و 37 ". # ولا يخفى أنه إن كان وجه هذا الاحتجاج أنه ليس في العالم موت ولا أموات ~~كما يشعر به قوله لأن الجميع عنده أحياء. # قلنا: هذا مخالف لضرورة الوجدان والعهدين مع أنه بهذا الوجه لا يدل على ~~القيامة من الموت، بل يدل على أنه ليس هناك أموات يقومون بل الجميع عنده ~~أحياء، وهذا خلاف المدعى فيكون البرهان المخالف للضرورة غير منطبق على ~~المدعي. # وإن كان الوجه في الاحتجاج هو أن الله لا يكون إله أموات وقد قال إنه إله ~~إبراهيم وإله إسحاق ms178 وإله يعقوب فلا بد أن يكون ذلك باعتباره حياتهم بعد ~~الموت وتوجيهه أن المراد من الأموات هي أجسادكم المفارقة للأرواح، ومن ~~الأحياء أجسادهم التي فيها أرواحهم، فلا يكون الله إله أموات وأجساد خالية ~~من الأرواح لأنها جماد، فلا بد أن يكون القول بأن الله إلههم إنما هو ~~باعتبار قيامهم من الموت، وتلبس الروح بهم لخروجهم حينئذ عن كونهم جمادا. # قلنا: أولا لماذا لا يكون الله إلها للجماد؟ أوليس هو إله كل شئ وربه ~~وخالقه؟ أو لم يجئ في العهدين أنه إله صهيون " مز 147: 12 " وهي جماد وإله ~~الآلهة " مز 50: 1 ". وهي أصنام جاد وإله السماء " دا 2: 18 و 19 وروء 11: ~~13 ". # وثانيا: لو سلمنا أن كون الله إلها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب إنما هو ~~باعتبار تعلق الأرواح بأبدانهم. لقلنا: من أين يدل ذلك على القيامة من ~~الموت وتعلق الأرواح بأبدانهم بعد الموت، ولماذا لا يكون ذلك باعتبار تعلق ~~الأرواح بأبدانهم قبل الموت، وهل يكون الاحتجاج على هذا التقدير إلا من ~~قبيل التشهي PageV01P245 # والمجازفات التي يجب أن تنزه الأنبياء عن غلطها. # وإن كان الوجه في الاحتجاج هو أن كون الله إلها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~إنما هو باعتبار وجود أرواحهم، فلو كانت أرواحهم منعدمة عند الموت لما صح ~~قول الله لموسى أنا إله إبراهيم إلى آخره. # فيدل هذا الخطاب من الله لموسى على أن أرواح إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~موجودة حين الخطاب لم تنعدم بموتهم. # قلنا: لو سلمنا إن الله ليس إلها للأجسام وأن الخطاب ليس باعتبار وجود ~~أرواحهم في حياتهم الأولى لكان الخطاب المذكور لا يدل إلا على وجود أرواحهم ~~حينئذ فلا يدل على قيامة الأجسام بعد بلائها من الموت. # وعلى كل حال لا تجد لهذا الاحتجاج ربطا بالمدعى وحاشا للأنبياء أن يحتجوا ~~بمثل هذه الحجج الواهية، ويا أسفاه على القيامة أن توقف أمرها على مثل هذه ~~الحجة، ويا أسفاه على توراة موسى إذ لا يوجد فيها من أمر القيامة ذكر حتى ~~ألجأت الحاجة إلى التشبث بمثل هذا. # ويا لهفاه على قدس المسيح ms179 إذ ينسب له مثل هذه الاحتجاجات. ولا أقول لك ~~ليست هذه الاحتجاجات من قول المسيح، بل أقول إنها ممن لا يعرف وجه الاحتجاج ~~ولا يميز بين الصحيح والغلط فهي أنسب ما تكون بمن يقول لا بشر لا بحكمة ~~كلام - استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة - لأن جهالة الله أحكم ~~من الناس " 1 كو 1: 17 - 26 " أو بمن يحتج على التثليث بقول الله لموسى أنا ~~إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب. # ومن العجيب أن أصحابنا النصارى يكلفوننا بأن نذعن بأن الأناجيل الأربعة ~~هي الإنجيل الذي نزل على المسيح وصدقه القرآن الكريم وقال إنه نور وهدى، ~~فيا لهفاه على النور والهدى إن كان كما نرى. # الأمر السادس: إن الأناجيل التي يدعون تواتر سندها إلى رسل موحى إليهم قد ~~اختلفت اختلافا كثيرا يوضح أنها ليست من عند الله ويكفي ذلك اختلافها ~~الفاحش في نسب المسيح. PageV01P246 # 1 - ففي متى أن يوسف النجار الذي ينسب إليه المسيح هو ابن يعقوب، وفي ~~لوقا أنه ابن هالي. # 2 - أوصل متى نسب يوسف النجار إلى سليمان بن داود وأوصله لوقا إلى ناثا ~~بن داود. # 3 - جعل متى بين يوسف وداود خمسة وعشرين أبا وجعلهم لوقا أحد وأربعين ~~أبا. # 4 - جعل متى في طرد النسب زربابل ابن شألتيئيل بن يكنيا، وذكر في لوقا ~~زربابل ابن شألتيئيل بن نيري فإن كان مرادهما من زربابل شخصا واحدا فقد ~~اختلفا في أسماء أجداده وعددهم إلى داود. # وأيضا ذكر متى: في طرد النسب ابيهود بن زربابل. # وذكر لوقا ريسا بن زربابل ولا يوجد هذان الإسمان في أولاد زربابل الذين ~~ذكروا في ثالث الأيام الأول " 19 و 20 " كما ذكر فيه أن زربابل هو ابن ~~فدايا ابن شألتيئيل. # ونقل إظهار الحق في الفصل الثالث من الباب الأول اعتراف جماعة من ~~المحققين مثل اكهارن، وكيسر، وهيس، وديوت، ووي نر وفرش وغيرهم بأن متى ~~ولوقا مختلفان اختلافا معنويا. # ونقل أيضا عن آدم كلارك في ذيل شرحه للباب الثالث من لوقا أنه نقل ~~التوجيهات لهذا الاختلاف ms180 وما رضى بها وتحير. # وأنه قال " ص 408 " من المجلد الخامس بعلم كل ذي علم أن متى ولوقا اختلفا ~~في نسب الرب اختلافا تحير فيه المحققون من القدماء والمتأخرين. # والمتكلف لما لم يوافق هواه هذا النقل ادعى أن المنقول عنهم جهلة " يه 1 ~~ج ص 209 " وإن كانوا من أئمة أسلافه ولكن لا بد له أن يجعلهم من الأئمة ~~المحققين عندما يستشهد بكلامهم في كتابه كما هو ديدنه ومع هذا فقد ألجأه ~~الأمر إلى بعض الاعتراف وإن مزجه بشئ من المكابرات فقال " يه 1 ج ص 206 ". ~~PageV01P247 # كان العلماء والمحققون يظنون في مبدأ الأمر أنه يوجد تناقض بين إنجيل متى ~~وبين إنجيل لوقا في نسب المسيح ولكن ظهر لهم بأنه لا يوجد تناقض ولا ~~اختلاف. # ثم إنه تكلف الجواب عند هذه الاختلافات الباهظة فقال في الاختلاف الأول ~~ما حاصله أن متى كتب في إنجيله نسب يوسف النجار الحقيقي لأنه كتب إنجيله ~~للعبرانيين فجرى في النسب على الطريقة التي كانت مشهورة عندهم " وهي رعاية ~~النسب الحقيقي " فنسب يوسف إلى أبيه الحقيقي يعقوب وكذا سائر آبائه ~~الحقيقيين إلى إبراهيم. # وأن لوقا كتب في إنجيله نسب يوسف المجازي فنسبه إلى هالي مجازا لأن هالي ~~هو أب حقيقي لمريم ولما لم يكن لها أخ واقترن بها يوسف صار هالي أبا مجازيا ~~ليوسف فنسبه إليه لوقا. # ثم أخذ المتكلف في توجيه ما ذكره عن لوقا فتعثر حسبما يقتضيه التقحم وهو ~~يعد ذلك من تقدم الدنيا في المعارف وتنبه المتأخرين في الأمور التاريخية ~~بنباهتهم إلى ما غفل عنه المتقدمون، فلنوقفك على تناقض كلامه وسخافة دعاويه ~~التي تقدمت بها الدنيا. # 1 - قال: بما أن العبرانيين لا يدخلون في جداول نسبهم النساء فإذا انتهت ~~العائلة بامرأة ادخلوا قرينها في النسب واعتبروه ابن والد قرينته وعلى هذا ~~كان المسيح حسب هذا الاصطلاح الجاري والعادة المرعية المتبعة ابن يوسف " ~~انظر يه 1 ج ص 204 " ثم لم يلبث أن ناقض هذا الكلام بقوله " ص 205 " بما أن ~~متى كتب إنجيله ms181 إلى العبرانيين جرى في النسب على الطريقة التي كانت مشهورة ~~عندهم " أي مراعاة النسب الحقيقي "، وبما أن لوقا " البشير كتب إنجيله إلى ~~اليونان جرى في النسب على المصطلح عليه عندهم. # فيتبين من كلامه الأخير أن مراعاة النسب الصوري المجازي إنما هو اصطلاح ~~اليونان وأن اليهود كانت الطريقة المشهورة عندهم إنما هي مراعاة النسب ~~الحقيقي وبالضرورة تكون مراعاة النسب المجازي ليست اصطلاحا جاريا ولا عادة ~~مرعية، وهب أن اصطلاح اليهود أنهم يعتبرون قرين PageV01P248 # البنت الوحيدة ابن والدها، وبهذا كان يوسف ابنا لهالي أب قرينته مريم لكن ~~قل يا من يعرف ما يقول كيف صار المسيح على هذا الاصطلاح الجاري ابنا ليوسف، ~~فهل كان المسيح مقترنا بابنة يوسف الوحيدة أم هذا الغلط مما تقدمت به ~~الدنيا. # التناقض الثاني: قال " ص 205 " إن شألتيئيل رئيس عائلة سليمان الشرعية " ~~وذلك لأنه يتصل بسليمان بالولادة الحقيقية " أنظر ثالث الأيام الأول فيتبين ~~من كلامه هذا أن النسب الشرعي هو ما كان بالولادة الحقيقية الطبيعية ثم ~~ناقض هذا بقوله: إن لوقا نظر إلى أنه " يعني يوسف " الابن الشرعي لهالي " ~~وذلك باعتبار اقترانه بمريم ابنة هالي الوحيدة بناء على ما ادعاه من ~~الاصطلاح الجاري لليهود. # فنقول: لو سلمنا أن هذا اصطلاح جار لليهود ولم يناقضه المتكلف ببيانه أن ~~هذا إنما هو اصطلاح اليونان الذي جرى عليه لوقا لقلنا أين يكون هذا من ~~التوراة الرائجة التي هي كتاب الشريعة بزعمهم فإنها لا يوجد فيها ما هو من ~~هذا القبيل، إلا أن الرجل إذا مات وليس له ابن تزوج أخوه بزوجته، والبكر ~~الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يمحى اسمه من إسرائيل " تث 25: 5 - 10 ~~". # التناقض الثالث: قد تكرر من المتكلف أن كون يوسف ابنا شرعيا لهالي بسبب ~~اقترانه بابنة هالي الوحيدة مريم، ثم ناقضه بمنام رآه أو خيال توهمه. # فحاول أن يطبق البنوة على ما ذكرناه عن شريعة التوراة في سفر التثنية ~~فادعى أن متان المذكور جدا ليوسف في نسب متى هو من نسل سليمان حقيقة وخلف ~~يعقوب ms182 وأن متثات المذكور جدا ليوسف في نسب لوقا كان من سبط يهوذا من عائلة ~~أخرى " وظاهره أنه ليس من نسل سليمان والا لادعى ذلك " ولما مات متان تزوج ~~امرأته متثات فولد منها هالي، فصار يعقوب وهالي أخوين من الأم ثم مات هالي ~~بدون عقب فتزوج أخوه يعقوب بامرأته فولدت منه يوسف فكان ابن هالي حسب شريعة ~~التثنية. # وليت شعري عن أي تاريخ يذكر ذلك ولو كان لهذه القصة على طولها أثر ~~PageV01P249 # في التاريخ لما تحير المتقدمون في هذا المشكل ولكنها خيال تخيله بعد ما ~~كتب أن بنوة يوسف لهالي باعتبار اقترانه بابنته الوحيدة مريم. # ويدل على ذلك أن إظهار الحق رد هذه السفسطات بقوله: إن هذا التوجيه لا ~~يصح إلا إذا ثبت من التواريخ المعتبرة أن مريم بنت هالي إنتهى. # والمتكلف لم يقدر أن يتشبث في قبال هذا بشئ من التواريخ بل ألجأته ~~الضرورة إلى قوله " ص 213 " قد أقمنا البراهين القوية على أنها بنت هالي. # قلت: ولم يأت بشئ سوى دعواه أن اصطلاح اليهود أن ينسبوا قرين البنت ~~الوحيدة إلى والدها، ثم ناقض هذه الدعوى وجعل هذا من اصطلاح اليونان. # وأن الطريقة المشهورة عند اليهود في النسب خلافه وهي رعاية الولادة ~~الحقيقية ولذا جرى عليها متى لأنه كتب إنجيله لليهود، وهب أن ما ذكره ~~اصطلاح لليهود فمن أين يثبت أن والد مريم اسمه هالي وأن مريم كانت بنته ~~الوحيدة وأن لوقا نسب يوسف إلى هالي بهذا الاعتبار، وأن مثل المتكلف في هذه ~~البراهين القوية كمثل بعض المغفلين حيث قال لزوجته ليلى: إن في دارنا سارقا ~~فقالت له: من أين علمت ذلك؟ فقال: إن الناس يقولون إن السارق إذا دخل الدار ~~لا يحسون به وأنا الآن لا أحس بشئ، بل لم يقل هذا المغفل أن السارق اسمه ~~فلان وله بنت وحيدة اسمها فلانة وقد اقترن بها فلان فنسبه فلان الآخر إلى ~~والدها ولم يقل إن هذه المزاعم مما تقدمت بها الدنيا كاكتشاف التلغراف، ~~والفونغراف، والماكينات البديعة والهيئة الجديدة، ومما يشبه ms183 من أقوال ~~المتكلف هذا النحو أن إظهار الحق نقل عن إنجيل يعقوب الذي لا يقصر عن كونه ~~تاريخا قديما من الفروق الأولى، أنه صرح أن أبوي مريم " يهوياقيم وعانا ". # فقال المتكلف مما تقدمت به الدنيا " ص 213 " على أنه إذا روت التواريخ أن ~~مريم كانت ابنة اليوقيم أو الياقيم فهما مشتقان من هالي أو " إلى " فإن ~~الياقيم مركبة من اليا وكلمة قيم. PageV01P250 # وأيضا نقل إظهار الحق أن " اكتساين " قال: إنه صرح في بعض الكتب التي ~~كانت توجد في عهده " إن مريم عليها السلام من قوم لاوي " فلا تكون من أولاد ~~ناثان، بل ولا داود ولا يهوذا واحتج إظهار الحق لصدق ذلك بصراحة إنجيل لوقا ~~بأن اليصابات امرأة زكريا كانت من بنات هارون " لو 1: 5 " وصراحته بأن مريم ~~نسيبة اليصابات " لو، 1: 36 " ثم دفع احتمال أن قرابتهما من النساء بما ~~ذكره عن التوراة في السادس والثلاثين من العدد من أن كل رجل يتزوج من ~~عشيرته وسبطه وكذلك المرأة فيتعين أن تكون مريم قرابة اليصابا وشريكتها في ~~النسب من جهة الرجال فتكون من بنات هارون فيعتضد بذلك نقل اكتساين. # والمتكلف لم يتعرض لنقل اكتساين ولم يحر وفيه جوابا ولكن تعرض لاحتجاج ~~إظهار الحق فجوز لبني إسرائيل أن يتزوج كل واحد من غير سبطه لكي يجوز أن ~~تكون قرابة مريم لليصابات من جهة النساء فلا يتعين كونها كاليصابات من بنات ~~هارون، واحتج لذلك بأن هارون نفسه اقترن بامرأة من سبط يهوذا. # وليت شعري أتقول إن المتكلف لم يشعر بأن تزوج هارون في سبط يهوذا لا ~~يعارض إظهار الحق لأن هارون فعله قبل نزول الشريعة بل قبل خروجهم من مصر ~~بمدة وإظهار الحق يحتج بشريعة جاءت بمقتضى التوراة بعد موت هارون بمدة ~~وبعدما أخف بنو ماكير بن منسى ارض جلعاد وطردوا الأموريين منها. # نعم: لو كان للمتكلف إلمام بشئ نم العلم ومعرفة بالعهدين وموفقية في ~~الاحتجاج لقال على إظهار الحق أن الشريعة التي أشار إليها في السابع ~~والثلاثين من العدد لا تدل على المنع ms184 بالكلية من تزوج كل من الرجل والمرأة ~~في غير سبطه وإنما يدل على منع البنت الوحيدة الوارثة أن تتزوج في غير ~~سبطها لئلا يتحول نصيب سبط من الأرض إلى سبط آخر. # بل إن صدر السابع والثلاثين من العدد ليشير إلى أنه كان يجوز في شريعة ~~موسى أن تتزوج المرأة الوارثة في غير سبطها ولكن موسى نسخ هذا الحكم في ~~البنت الوارثة عند مطالبته بنات صلفحاد بسهم أبيهن من أرض جلعاد، أفتظن ~~PageV01P251 # أن المتكلف فر من هذا الاحتجاج سترا لما فيه من الإشارة إلى وقوع الناسخ ~~والمنسوخ في شريعة موسى. # ثم ادعى المتكلف " ص 213 " أن اليهود كانوا يسمون مريم بنت هالي. # قلنا: عن أي تاريخ قديم تنقل ذلك ومن ذا قاله من القدماء فإنا لا نقبل ~~أقوال أمثالك ممن تقدمت بمعارفهم الدنيا، ولماذا تحير المتقدمون في رفع ~~الاختلاف بين متى ولوقا لو كان لما تدعيه أثر هم أولى بالاطلاع عليه لقرب ~~عهدهم منه وعلى دعواك نقول: لماذا كان العلماء والمحققون يظنون في مبدأ ~~الأمر أنه يوجد تناقض بين إنجيل متى ولوقا في نسب المسيح لو كان لما تدعيه ~~أثر. # " نتيجة ما تقدم " أنه قد اتضح مما تقدم أن كون والد مريم اسمه هالي وأن ~~نسبة لوقا ليوسف إلى هالي باعتبار أن يوسف قرين ابنته الوحيدة مريم، وأنه ~~ابن شرعي له من أضغاث الأحلام التي كلما أراد المتكلف أن يلفقها سقط ~~وتعرقل. # " زربابل وابيهود وريسا " لما ادعى المتكلف أن زربابل المذكور في متى " ~~1: # 13 " هو الرجل المذكور في لوقا (3: 27 " توجه عليه الاعتراض بأن متى انهى ~~إليه نسب يوسف بابيهود، ولوقا أنها بريسا، ولا يوجد في أبناء زربابل ~~المذكورين في ثالث الأيام الأول فإن نصفه 19 وبنو زربابل مشلام وحنينا ~~وشلومية أختهم 20 وحشوبه، واوهل، وبرخيا، وحسديا، ويوشب حسد خمسة إنتهى. # فقال المتكلف " ص 205 " غير مبال أن ابيهود ابن زربابل الأكبر وريسا ابنه ~~الأصغر ليموه على البسطاء أنهما معروفان من أولاد زربابل بحيث يتميز الأكبر ~~من الأصغر، ولكنه لما رأى ms185 أنه يطالب بما ذكرناه عن ثالث الأيام الأول وهو ~~يقول: إن كل العهد القديم كلام الله السميع العليم ولا يقدر أن يقول فيه ~~كما يصف علماء أسلافه بالجهل إذا خالفوه فيما هم أدرى به وأولى. # قال قلنا ليس الأمر كما ذكر " يعني إظهار الحق " فإنه يعلم من سفر الأيام ~~الأول " ص 3 " ومن لوقا أيضا أن ابن زربابل هو رفايا ولكنه ذكر في لوقا ~~بلفظه PageV01P252 # ريسا وذكر في متى ابيهود وهو المذكور في الأيام الأول بعوبديا، وفي لوقا ~~بيهوذا والمشابهة قوية بين هذه الألفاظ، كما لا يخفى على المتأمل، ولا سيما ~~في الأصل العبري. # ولعله إذا قلنا له ما معنى هذا الكلام يقول: انكم معاشر المسلمين لا ~~دراية لكم بالعهدين ولا وقوف لكم على الأمور الجديدة التي تقدمت بها الدنيا ~~فنقول: إذا إنا نطلب من أهل الدراية من اليهود والنصارى أن يراجعوا متى ~~ولوقا، والأيام الأول ويلاحظوا مواقع هذه الأسماء فيها ويخرجوا كلام ~~المتكلف عن شبه كلام المبرسمين ويسألونه أن المشابهة القوية بين ألفاظ هذه ~~الأسماء هل أوجبت وقوع الغلط في الإلهام أو في الكتب المتواترة أو أعطت ~~حرية للمتكلم والكاتب أن يفعلا ما يشاءآن. # " ابيهود واضطراب المتكلف " ولما اعترض إظهار الحق بأن ابيهود المذكور في ~~متى ولدا لزربابل لم يذكر من أبنائه في ثالث الأيام الأول، سنح للمتكلف " ~~يه 2 ج ص 190 " أن يعدل عن جوابه ها هنا بتشابه الحروف بين ابيهود وعوبيد ~~ولا سيما في الأصل العبراني، بل أجاب هناك بأن اليهود كانوا يسمون الشخص ~~الواحد بأسماء متعددة فأعرضنا عن هذه الدعوى وهذا الاضطراب ولكنه قال بعده: ~~على أنه إذا صرف النظر عن ذلك قلنا إن البشير متى ذكر النسب من زربابل إلى ~~المسيح من الجداول المحفوظة عند اليهود ثم أخذ يبالغ في حفظ اليهود لجداول ~~أنسابهم. # فنقول: إنا نسأل المتكلف وأعوانه عن مراده من هذه العبارة أفيقول إن ~~الروح القدس الذي ألهم متى والإنجيل الذي هو كلام المسيح العليم قد اعتمد ~~في النسب من زربابل إلى ms186 المسيح على جدول اليهود لأنهم كانوا يحافظون عليها، ~~فلا عليه إذا أخطأوا فيها فإنه اعتمد عليهم ولا عليه إذا أخطأ بخطأهم أم ~~يقول: إن متى أصاب بصوابهم ولكن الخطأ في سفر الأيام الأول وإن كان أيضا ~~كلام الله السميع العليم وإلهام الروح القدس للأنبياء. أو أن المتكلف لم ~~يدر ما قال هنا، ولا يعرف وجه اعتذاره وهو يستدعي المسامحة فيه. # " ريسا واضطراب المتكلف " ولما تعرض " يه 2 ج ص 253 " لذكر ريسا ~~PageV01P253 # الذي جزم ها هنا جزم العارف الخبير بأنه الابن الأصغر لزربابل ناقضه هناك ~~وقال جازما: إن لفظة ريسا لقب زربابل لأن معناها الأمير والرئيس فكأن لوقا ~~قال: يوحنا هو ابن زربابل الأمير، أما يوحنا فهو المسمى في سفر أخبار ~~الأيام الأول بحنينا، ولا يخفى ما في هذه الأسماء من الاتحاد والتشابه. # أقول: ومع هذا التناقض والاضطراب بقي مصرا على أن مريم هي من ذرية الأصغر ~~من أولاد زربابل، وليت شعري ألم ينكشف له بالوحي أو بالمنام أو بتقدم ~~الدنيا يوما فيوما بالمعارف أن مريم من ذرية الأكبر كما انكشف له أخيرا أن ~~ريسا هو لقب زربابل لا اسم ولده الأصغر، كما ادعاه ها هنا. # وأيضا إذا كان يوحنا الذي جعله لوقا ابنا لريسا هو حنينا المذكور في ~~الأيام الأول من أبناء زربابل، فنقول: إن لوقا ذكر ابن يوحنا يهوذا ولم ~~يذكر في الأيام الأول من أولاد حنينا من اسمه يهوذا؟ فماذا يقول المتكلف: ~~من هو الذي اقترن ببنت وارثه فصار ابنا شرعيا لوالدها الحقيقي؟. # " زربابل ونيري " ولما جزم المتكلف بأن زربابل المذكور في متى هو ذات ~~زربابل المذكور في لوقا توجه عليه الإشكال باختلاف متى ولوقا في نسبه، فمتى ~~نسبه إلى يكنيا إلى سليمان بن داود، ولوقا نسبه إلى شألتيئيل بن نيري إلى ~~ناثان بن داود، فحاول المتكلف أن يتخلص من هذا بدعوى أن متى كتب النسب ~~الحقيقي لزربابل، ولوقا كتب النسب المجازي له باعتبار اقتران أبيه شألتيئيل ~~بابنه نيري الوحيدة رئيس عائلة ناثان بن داود وذلك أما ms187 لأن لوقا كتب إنجيله ~~إلى اليونان فجرى في النسب على اصطلاحهم كما زعمه المتكلف مرة، وأما لأن ~~ذلك عادة مرعية متبعة عند اليهود كما زعمه مرة أخرى حسب ما تقدم في اضطرابه ~~في هذا الشأن وتناقض كلامه فيه. # وقد استشهد من الآثار القديمة والعهد القديم على صحة نسبة الرجل إلى والد ~~امرأته الوحيدة، وذكر لذلك أمثلة لا تساعده على وهمه " انظر ص 206 - 209 ". # فنقول من أين له أن نيري لم يخلف ولدا وأن شألتيئيل اقترن بابنته ~~PageV01P254 # فصار ابنه واتحد فرعا عائلة ناثان وعائلة سليمان كما زعم، ومتى رأى هذا ~~المنام؟ ولماذا لم يطف على القدماء هذا الطيف؟ وعلى كالوين مقتدى فرقة ~~بروتستنت. # وأما ما استشهد به فعلى أقسام " منها " ما كان من قسم نسبة الولد إلى جده ~~الحقيقي من جهة الأب أو من جهة الأم، وذلك مثل ما وجد في كتابات الآثار ~~القديمة في " بالميرا " حيث ذكر فيها ان " ارانيس " أب " اليالامينيس " مع ~~أنه جده الأعلى وأن " اليالامينيس " هو ابن بانوس حفيد موسيموس حفيد ارانيس ~~المذكور " انظر ص 208 ". # ومثل تسمية صدقيا بابن يوشيا " از: 3 و 37: 1 " مع أنه ابن يهوياقيم ابن ~~يوشيا " 1 أي 3: 16 " ومثله أن يائير ابن سجوب وأباه سجوب بن حصرون سميا ~~بني ماكير أبي جلعاد مع أنه جدهما للأم " انظر 1 أي 2: 21 - 24 " ومثله أن ~~شيشان لم يكن له بنون فأعطى بنته امرأة ليرجع المصري عبده فأدرج الأولاد في ~~نسب سبط يهوذا باعتبار أمهم. # وهذه الأمثلة كلها لا ربط لها بدعوى المتكلف أن الرجل ينسب عادة واصطلاحا ~~وشرعا إلى والد قرينته، وأين هذا من هذه الأمثلة فإنه لم يقع فيها إلا جعل ~~الجد أبا وابن الابن أو البنت ابنا وهو كذلك وإن كان المتفاهم منه من كان ~~بلا واسطة. # " ومنها " ما كان من قسم التبني بالتربية، كما اتخذت ابنة فرعون موسى ~~ابنا لها " خر 2: 10 ". # واتخذ مردخاي استير ابنة " اس 2: 7 " واتخذت نعمى عوبيد ابنا " را 4: # 17 " وهذا القسم لا يدرجه أحد ms188 في النسب ولذا نسب العهد القديم موسى إلى ~~أمه الحقيقية يوكابد " خر 6: 20 "، واستير إلى أبيها الحقيقي ابيجائل " اس ~~2: # 15 "، وعوبيد إلى أمه الحقيقية راعوث " را 4: 13 و 15 "، وأي شهادة لهذا ~~القسم بنسبة الرجل إلى والد قرينته في جدول النسب. # " وقسم منها " لا يمكن بمقتضى شريعة التوراة أن ينزل على ما يدعيه ~~PageV01P255 # المتكلف ليشهد له وذلك أن حيرام أو حورام الذي أبوه رجل صوري قد ذكر في ~~ثاني الأيام الثاني 14 أنه ابن أرملة من بنات دان. # وفي سابع الملوك الأول 14 وهو ابن أرملة من سبط نفتالي، فإنه لا يمكن ~~للمتكلف أن يدعي إن نسبة هذه الأرملة إلى أحد السبطين المذكورين كانت لأجل ~~أن أباها أوجدها اقترن بامرأة وارثة من ذلك السبط فنسب إلى والد قرينته ~~وسبطها. # فإن شريعة التوراة من قبل أربعمائة وأربعين سنة تقريبا قد منعت البنت ~~الوارثة أن تتزوج في غير سبطها " انظر عد 36: 6 - 10 ". # فالأولى أن يعد هذا الاختلاف في نسبة الأرملة إلى السبطين من أغلاط العهد ~~القديم أو تلاعب الزمان به كما وقع في ثاني الأيام الأول 17 وابيجايل ولدت ~~غماسا وأبو غماسايثر الإسماعيلي. # ووقع في السابع عشر من صموئيل الثاني 25 وغماسا ابن رجل اسمه يتر ~~الإسرائيلي الذي دخل إلى ابيجايل بنت ناحاش، وزيادة على الاختلاف ~~بالإسرائيلي والإسماعيلي فقد قال هنا إن ابيجايل بنت ناحاش، وفي ثاني ~~الملوك الأول " 13 - 17 " قال إنها بنت يسى أخت داود فراجع المقامين في ~~النسخ العبرانية والعربية وغيرهما. # " نتيجة باهظة للمتكلف " فإنه ينتج من تكلفاته المشحونة بالتناقض ~~والأوهام كما عرفت أن المسيح متولد بواسطة أمه تولدا حقيقيا من يهوياكين " ~~يكنيا " وأبيه يهوياقيم، وقد قال العهد القديم في شأن يهوياقيم المذكور. ~~هكذا قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا لا يكون له جالس على كرسي داود " ار ~~36: # 30 ". # وقال في شأنه أيضا أو شأن ابنه كنياهو " يهوياكين ويكنيا "، هكذا قال ~~الرب اكتبوا هذا الرجل عقيما رجلا لا ينجح في أيامه لأنه لا ينجح من نسله ~~رجل يجلس ms189 على كرسي داود وحاكما بعد في يهوذا " ار 22: 30 " وحينئذ كيف ~~يجتمع هذا مع ما في لوقا في شأن المسيح عن قول ملاك الرب ويعطيه الرب ~~PageV01P256 # الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه ~~نهاية " لو 1: 32 و 33 " فكيف إذا يعطي المسيح كرسي داود أبيه ويملك على ~~بيت يعقوب وهو على توجيه المتكلف من نسل يهوياقيم ويهوياكين حقيقة. # فإن قلت: إن المتكلف قد وجه ذلك " يه 1 ج ص 223 و 224 " بزعمه ما ملخصه ~~أن المقصود من كرسي داود المعطى للمسيح هو المملكة الروحية التي قد تسلطن ~~بها المسيح في شرق الأرض وغربها وهي التي تقوم بالمحبة والطهارة والسلام ~~وإزالة الشحناء والخصام وهي المملكة التي لا تزول إلى الأبد فشبهت تقريبا ~~للأذهان بمملكة داود. # قلت: لم يكن الوعد الذي في لوقا لمريم على وجه التشبيه وأن الرب يعطيه ~~مثل كرسي داود حتى يقال بأنه شبهت مملكة المسيح الروحية بمملكة داود ~~الدنياوية تقريبا للأذهان، بل الوعد هو إعطاء الرب للمسيح كرسي داود أبيه ~~وقد سبق عن ارميا عن الوحي أن كرسي داود لا يكون لنسل يهوياقيم ويكون ~~يهوياقيم أو يهوياكين عقيما لا ينجح من نسله رجل يجلس على كرسي داود، ~~وينبغي أن يكون المراد من كونه عقيما هو كونه عقيما عن الخير في ذريته وإلا ~~فالوعد كاذب، فإن كلا من يهوياقيم ويهوياكين له نسل كثير بمقتضى العهدين ~~إلى زمان المسيح وبعد المسيح، فقل: كيف يكون عقيما عن الخير في ذريته من ~~يكون من نسله مثل المسيح الذي يعطيه كرسي المملكة الروحية إلى الأبد. # وأما قول المتكلف: إن ملكوت المسيح روحية تقوم بالمحبة والطهارة والسلام ~~وإزالة الشحناء والخصام وهي المملكة الباقية التي لا تزول. # فنقول فيه: يا حبذا لو جلس المسيح على كرسي هذا الملكوت قرنا واحدا فقد ~~دللناك من العهد الجديد في أواخر المقدمة الخامسة على أن تلاميذه ونصارى ~~قرنه لم يخضعوا لهذه المملكة ولم تنفذ فيهم أحكامه الروحية كل النفوذ حسب ~~قوانينها، وأما ms190 فيما تأخر عن قرنه فلا يخفى محل هذه المملكة مع ما جرى في ~~جميع القرون والأدوار إلى الوقت الحاضر من المخاصمات والمشاحنات والاضطهاد ~~وسفك الدماء وانتشاب الحروب الفظيعة إلى غير ذلك من الأحوال والأفعال التي ~~تلاشى جميع ما ذكره من أركان المملكة الروحية وقوانينها، كما PageV01P257 # يشهد به التاريخ والوجدان ولو أطلق عنان القلم فيما جرى في خصوص القرن ~~الحاضر لسجل من الأفعال والأحوال تاريخا مشجيا، ويا للأسف أنا لا نرى لهذه ~~المملكة نفوذا حتى على من يعد نفسه من جندها المتجردين بزعمه لتثبيتها. # " تتمة " وعلى ما ادعاه المتكلف من اتصال نسب المسيح الحقيقي من قبل أمه ~~من زربابل إلى سليمان إلى داود إلى يهوذا بن يعقوب يتوجه سؤال واستفسار، ~~وهو أن إلهام متى ووحيه في طرد النسب لم يتعرض للأمهات إلا لثامار، وراحاب، ~~وراعوث، وامرأة أوريا، أفترى الروح القدس يريد أن ينبه من نظر في العهد ~~القديم على مواقع الكلام في نسب المسيح، فإن قلت يريد أن ينبه على الأمهات ~~اللاتي لسن من بني إسرائيل، قلت: فلماذا أهمل ذكر نعمة العمونية، أم رحبعام ~~بن سليمان " 2 أي 12: 13 و 1 مل 14: 21 ". # ومن اختلاف نقلها عن قول المسيح للكتبة والفريسين الذين طلبوا أن يروا ~~منه معجزة جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي، ~~ومع ذلك تنقل صدور المعجزات العظيمة. # ومن اختلافها نقلها عن قوله إنه يبقى في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ~~ليال، مع نقلها ما يقتضي أنه لم يبق في قلب الأرض إلا سواد ليلتين وبياض ~~يوم واحد وجزئين قليلين جدا من يومين آخرين، وقد أسلفنا الكلام في هذا في ~~الفصل الرابع من المقدمة الثامنة. # " إيليا ويوحنا والمسيح " ومن اضطراب الأناجيل نقلها عن قول المسيح في حق ~~يوحنا المعمدان بأنه هو إيليا المزمع أن يأتي " مت 11: 14 " وأنه نبي وأعظم ~~من نبي وأنه لم يقم بين المولودين من النساء نبي أعظم منه إلا المسيح " مت ~~11: # 9 - 12 ولو 7: 26 و 29 ". # مع أنها ms191 نقلت عن يوحنا المعمدان نفسه قوله بأنه ليس إيليا يو 1: # 21 ". # فكيف يقول المسيح عن يوحنا أنه إيليا المزمع أن يأتي ويقول مع ذلك يوحنا ~~الذي هو نبي وأعظم من نبي أنه ليس إيليا، فأي الأقوال إذا كاذب أو ~~PageV01P258 # ناشئ عن الجهل أو تلاعب الأيام. # وقد حاول المتكلف " يه 1 ج ص 222 " رفع هذا التناقض بدعوى أن المراد من ~~مجيئ إيليا في كلام المسيح وكلام ملاخي إنما هو مجيئ من يشبه إيليا التشتي ~~وفيه روحه وهو يوحنا المعمدان لكثرة شبهه بايليا، وأن يوحنا المعمدان إنما ~~أنكر كونه إيليا التشتي الحقيقي الذي كان معاصرا لليشع النبي فلا يناقض ~~إخبار المسيح بأن يوحنا هو إيليا المجازي. # أقول: قد جاء في رابع ملاخي 5 ها أنا ذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيئ ~~يوم الرب العظيم والمخوف. # فهل ترى في هذا الكلام أمارة المجاز والتشبيه خصوصا مع النص على تعريف ~~إيليا بالنبي إشارة إلى وصفه المعهود المميز له. # دع هذا بل نقول إن يوحنا هل كان يعلم أن إيليا الذي بشر به ملاخي هو ~~إيليا المجازي المشابه لإيليا الحقيقي، أو أنه يجهل ذلك فإن كان يجهل ذلك ~~فكيف يكون أعظم الأنبياء كما يقول المسيح وإن كان يعلم بذلك فهل كان يعلم ~~بأنه هو إيليا المجازي الذي بشر به ملاخي، أو أنه يجهل ذلك. فإن كان يجهل ~~ذلك كان أعظم الأنبياء جاهلا بوظيفته وبشارة الكتب به، ويكون المتكلف ~~وأشباهه أعرف منه بمقاصد كتب الوحي، هذا وإن كان يوحنا يعلم بأنه هو إيليا ~~المجازي الذي بشر به ملاخي فلماذا لم يرفع هذا الوهم عن الخلق الكثير من ~~الفريسيين وغيرهم الذين آمنوا به واعتمدوا منه بمعبودية التوبة وأذعنوا ~~بنبوته ولماذا لا يقول لهم حسب وظيفته أن إيليا النبي الذي يرسل إليكم قبل ~~مجيئ يوم الرب إنما هو شخص يشبه إيليا في أحواله الشريفة وهو أنا ولا ~~تتوهموا من بشارة ملاخي أن إيليا الحقيقي الذي ارتفع في العاصفة هو الذي ~~يرسل إليكم قبل مجيئ يوم الرب. ms192 # فلا يصدكم هذا الوهم في انتظار إيليا الحقيقي عن الإيمان بالمسيح، وهذه ~~هي الوظيفة اللازمة على من جاء ليهئ طريق الإيمان بالمسيح لا أنه يبقيهم ~~على وهمهم في انتظار إيليا الحقيقي بل يغريهم بالجهل ويقول لهم لست ~~PageV01P259 # إيليا مع أنه معناه المقارب للصراحة بشهادة الحال والسؤال أنه ليس إيليا ~~الذي ينتظرونه ويسألونه عنه حسب بشارة ملاخي فكان ذلك منه صدا لهم عن ~~الإيمان بالمسيح ومعثرة فيه بل لا يسلك من يريد منع الناس عن الإيمان ~~بالمسيح طريقا أنجح من هذا فقد بقي الفريسيون متعلقين بهذه الشبهة. # فما للمتكلف يحامي عن الأناجيل التي لا يخفى حالها ويحاول اصلاح اضطرابها ~~وتناقضها بما يلزم منه نسبة الجهل إلى يوحنا المعمدان أو مخالفته لوظيفته ~~حيث يغريهم بالجهل ويصدهم عن الإيمان بالمسيح، مع أن يوحنا لم يكن مداهنا ~~في تعاليمه، أو لم يكن أيسر على المتكلف أن يقول: إن التناقض جاء من خلل ~~الأناجيل الرائجة وبما ذكرناه تعرف مواقع الوهن في كلامه " يه 1 ج ص 222 ". # " يوحنا ومعرفته برسالة المسيح " واعطف على ذلك اضطرابها بل تناقضها في ~~معرفة يوحنا المعمدان برسالة المسيح وجليل شأنه من حين نزول الروح القدس ~~عليه بل قبل ذلك وأن يوحنا كان يعمد الناس بمعمودية التوبة وقبلما يتبع ~~المسيح واحد من تلاميذه أشار إلى شخص المسيح وقال هو ذا حمل الله الذي يرفع ~~خطية العالم هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي قد صار قدامي، إني قد رأيت روح ~~الرب نازلا مثل حمامة من السماء فاستقر عليه وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي ~~أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلا ومستقرا عليه فهذا هو ~~الذي يعمد بالروح القدس وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله ومن أجل ~~شهادة يوحنا هذه صار اثنان من تلاميذه تلاميذ للمسيح ودعا أحدهما أخاه بطرس ~~فتلمذ عليه، ثم دعا المسيح فيلبس ونثنائيل فحصل له بعض التلاميذ، وحينئذ لم ~~تكن صدرت منه آية بل بعد ذلك صدرت منه بداءة الآيات التي ms193 صنعها في مجلس ~~العرس في قانا الجليل " انظر يو 1: 29 - 2: 12 ". # وأن يوحنا قبل أن يلقى في السجن صرح لتلاميذه بما حاصله أن ذات يسوع الذي ~~شهد له هو المسيح الآتي بما له من الصفات وأن الأب قد دفع كل شئ في يده ~~والذي لا يؤمن به لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله " يو 3: # 22 - 36 ". # فأنظر وقل كيف يجتمع هذا كله مع ما في حادي عشر متى 2. PageV01P260 # أما يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه 3 وقال ~~له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر 4 فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا واخبرا يوحنا ~~بما تسمعان وتنظران 5 العمى يبصرون - وطوبى لمن لا يعثر في. # وفي سابع لوقا بعد أن ذكر بعض المعجزات وإحياء ابن الأرملة في نايين قال ~~18 فأخبر يوحنا تلاميذه بهذا كله 19 فدعا يوحنا اثنين من تلاميذه وأرسل إلى ~~يسوع قائلا أنت هو الآتي أم ننتظر آخر إلى آخر ما تقدم. # قال المتكلف " يه 4 ج ص 250 " إن مقصود يوحنا من إرسال التلميذين هو لكي ~~ينظرا بأعينهما أعمال المسيح ويؤمنا به. # قلت: طريق ذلك في الهدى والارشاد أن يقول لهما يسوع هو المسيح الموعود به ~~فإني نبي أخبركم بذلك عن الله وقد رأيت روح الله قد استقر عليه وعرفتم أنتم ~~دعوته ومعجزاته فآمنوا به ولكي يزداد إيمانكم وتطمئن قلوبكم فاذهبوا ~~وعاينوا معجزاته الباهرات. # وأما الكلام الذي ذكرناه عن متى ولوقا فهو أجنبي بسوقه ولفظه وشواهده عما ~~يزعمه المتكلف. # كيف وصريح لوقا أن التلاميذ هم الذين أخبروا مرشدهم يوحنا بمعجزات المسيح ~~ولا يصح أن يكون تلاميذ يوحنا إلى حين دخوله في السجن لم يكونوا من ~~المؤمنين بالمسيح، كيف وقد كان يوحنا يلهج وينادي بالبشارة بالمسيح قبل أن ~~يعتمد المسيح منه ويحل عليه روح القدس أفيترك تلميذيه إلى حين دخوله في ~~السجن وهما لم يؤمنا بالمسيح حق الإيمان. # وأيضا إن كان إرساله التمليذين لأجل ما يزعمه المتكلف فهو الواجب على ~~النبي المرشد ms194 أن يقول لهما: ما يسددهما ويهديهما إلى الإيمان إذا شاهد ~~المعجزات، أم يجعل أمامهم عثرة الكلام المنبئ عن شكه في أن يسوع هو المسيح ~~الآتي ويغرس في أذهانهما انتظار آخر غيره. # وأيضا لماذا يقول لهما المسيح اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران ~~ويعدد معجزاته ويبين دعوته بقوله والمساكين يبشرون، بل اللازم بمقتضى زعم ~~PageV01P261 # المتكلف أن يحتج عليهما لا على يوحنا. # والحاصل: إن الكلام المذكور في متى ولوقا لا يحتمل من المعنى في محاورات ~~العقلاء وخصوص الأنبياء إلا أن يكون قد تيقن من المعجزات ما هو مصدق للدعوة ~~وحجة عليها، ولما كان في السجن لم يمكنه إلا أن يرسل تلميذيه ليكشفا عن ~~حقيقة الدعوة وأن يسوع هل يدعي أنه المسيح الموعود به أو أنه نبي قبل ~~المسيح فكان الجواب منه ليوحنا ببيان ما هو المعهود من معجزات المسيح ~~الموعود به وبشارته، وهذا مناقض لما مر عن يوحنا. # " وانظر " يه 1 ج ص 241 س 2 " تجده صريحا بالاعتراف بأن يوحنا أرسل ~~التلميذين لأجل حاجته لا لمحض حاجتهما في الإيمان. # والمتكلف يرضى بأن يكون كلام يوحنا جاريا على غير النهج العقلائي في ~~الغرض بل يجعل في طريق الهدى والإرشاد معثرة الشك والضلالة ويكون جواب ~~المسيح على خلاف الغرض وفضولا زائدا، كل ذلك محاماة منه عن الأناجيل وإن ~~كانت موهونة من جهات كثيرة. # " يوحنا والمسيح أيضا " واعطف على ذلك أن الأناجيل تقول مرة إن يوحنا من ~~بطن أمه يمتلئ من الروح القدس " لو 1: 15 " ولما جاءت مريم وهي حامل ~~بالمسيح إلى اليصابات وهي حامل بيوحنا وسلمت عليها ارتكض يوحنا جنين ~~اليصابات في بطنها ابتهاجا، وامتلأت من الروح القدس وباركت مريم وجنينها، ~~وقال: من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي " لو 1: 40 - 45 ". # وهذا صريح في أن اليصابات وجنينها يوحنا يعرفان المسيح حق المعرفة وبما ~~له من الوظيفة وهو جنين في بطن أمه، وأن المسيح قبل أن ينزل الروح القدس ~~ويحل عليه جاء إلى يوحنا ليعتمد بمعموديته فمنعه يوحنا قائلا أنا محتاج ms195 أن ~~اعتمد منك وأنت تأتي إلي " مت 3: 13 و 14 ". # وهذا ينادي بأنه يعرف يسوع بأنه المسيح حق المعرفة ويدل على ذلك أيضا أنه ~~كان يبشر بالمسيح ويقول للشعب المعتمدين منه أنه سيأتي من يعمدكم بالروح ~~القدس " مت 3: 11 ومر 1: 7 و 8 ولو 3: 15 و 16 " بل أشار PageV01P262 # للشعب بأنه قائم في وسطكم " يو 1: 26 ". # فانظر أفلا يناقض هذا ما ذكرته الأناجيل من أن يوحنا وهو في السجن أرسل ~~يستعلم من المسيح أنه هو الآتي " يعني المسيح الموعود به " أم ينتظر آخر ~~كما تقدم كما يناقض ما ذكرته عن قول يوحنا أيضا وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي ~~أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلا ومستقرا عليه فهذا هو ~~الذي يعمد بالروح القدس " يو 1: 33 ". # وهذا صريح في أن يوحنا لم يكن يعرف بأن يسوع هو المسيح إلا بعد أن نزل ~~روح القدس واستقر على يسوع. أفلا يناقض هذا أقلا قول يوحنا ليسوع أنا محتاج ~~أن اعتمد منك وأنت تأتي إلي، مع أن هذا الكلام كان قبل أن يعتمد يسوع من ~~يوحنا، وقبل أن ينزل الروح القدس ويستقر عليه وقد أطال المتكلف ها هنا في ~~الكلام ولكنه لم يدر ما يقول " انظر يه 1 ج ص 240 ". # " الأعميان والأعمى " ومن تناقض الأناجيل واضطرابها أنها ذكرت فيما هم ~~خارجون " أي المسيح وتلاميذه " من أريحا تبعه جمع كثير وإذا أعميان جالسان ~~على الطريق فلما سمع أن يسوع مجتاز صرخا قائلين ارحمنا ارحمنا يا سيد يا ~~ابن داود فوقف يسوع وناداهما ما تريدان أن أفعل بكما؟ قالا: يا سيد تنفتح ~~أعيننا، فتحنن يسوع ولمس أعينهما فللوقت أبصرت أعينهما فتبعاه " مت 20: 29 ~~- 34 "، ثم اضطرب نقلها وتخالف وتناقض في عدد من فتحت عينه وعوفي من عماه ~~في هذه الواقعة. # فذكرت ثانيا وفيما هو " أي المسيح " خارج من أريحا مع تلاميذه وجمع غفير ~~كان بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس جالسا على الطريق يستعطي فلما سمع أنه ~~يسوع، ثم ساقت القصة مع هذا ms196 الأعمى الواحد على نحو ما تقدم " أنظر مر 10: ~~46 - 52 ونحوه لو 18: 35 - 43 ". # وناقضت ما تقدم أيضا إذ ذكرت أن هذه القصة كانت لما اقترب المسيح من ~~أريحا ثم بعد ذلك دخلها واجتاز فيها " انظر لو 18: 35 و 19: 1 ". # وقال المتكلف " يه 1 ج ص 232 " لو أفادت عبارة مرقس الحصر لثبت ~~PageV01P263 # التناقض وهي لا تفيده مطلقا. # وذكر هذا الأعمى لأنه كان ابن رجل مشهور طحنته صروف الزمان والقادر على ~~فتح عيني أعمى قادر على فتح عيني غيره وغيره، وعلى كل حال فلا تناقض مطلقا، ~~فالتناقض يتحقق إذا قال أحدهم: إن المسيح فتح عيني بارتيماوس، ثم قال ~~الآخر: إن المسيح لم يفتح عيني بارتيماوس ولم يحصل شئ من ذلك. # قلنا: قد اعترف المتكلف ببعض الحق من حيث لا يشاء وهو قوله: لو أفادت ~~عبارة مرقس الحصر لثبت التناقض فنقول إن مثلها في مثل موردها يفيد الحصر ~~ولا بد أن يريده المتكلم بها إن كان ممن يعرف كيف يتكلم فإنه إذا كانت ~~الواقعة كما في متى أن الأعميين كانا مقترنين في الجلوس والاستعلام عن ~~المسيح والاستغاثة به وانتهار الجمع لهما، وعودهما في لجاجة الاستغاثة ~~والصراخ ووقوف المسيح لهما، وسؤاله لهما، وجوابهما له، وشفائه لهما، ~~واتباعهما له فمن كمال العي والشطط لمن يريد أن يسجل تاريخ معجزات المسيح ~~ويمجده بها وينوه بها للناس أن ينقل الواقعة على غير وجهها ورونقها ومجدها ~~ويترك بعض مضمونها وهي واقعة واحدة، كيف وهم يقولون إن المسجل لهذه الواقعة ~~هو إلهام الروح القدس تنويها بمجد المسيح ولا يلزم أن نقول هو الروح القدس. # بل إن واحدا من المؤرخين العارفين إذا أراد أن ينوه بمجد الواقعة ~~التاريخية وكان عالما بالواقعة على النحو المذكور في متى لا يمسخها إلى ~~النحو المذكور في مرقس، فهل يرضى الملك على مؤرخ كتب تاريخ حربه وفتحه ~~وموفقيته في الحرب الفلاني في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية أن يكتب في ~~تاريخه أن الملك لاقى الفليق الفلاني وجرى بينهما كيت وكيت ثم لاشاه ~~واستولى ms197 على معسكره، هذا وهو عالم أن الملك جرت له هذه الواقعة بتفصيلها مع ~~فيلقين اثنين ولاشاهما معا بموفقيته وقوته، وهل يرتضي الناس من هذا المؤرخ ~~تاريخه الأبتر على الخصوص إذا كان كتبه لتبشير رعية الملك والاحتجاج على ~~خصومه وترهيبهم بقوته وسطوته، كلا ولا يفعل المؤرخ ذلك إلا إذا كانت ~~الواقعة على ما كتب أو PageV01P264 # كان جاهلا بحقيقتها. # وبما ذكرناه تعرف أن أسلوب مرقس يقتضي الحصر فإن الحصر لا ينحصر بأداة ~~خاصة بل إن بعض السوق من الكلام ومقتضى الواقعة أظهر من الأداة في الحصر. # ولعل المتكلف شعر بذلك فندم على اعترافه فإن عبارة مرقس لو أفادت الحصر ~~لناقضت ما في متى، فعدل وناقض كلامه الأول بقوله " فالتناقض يتحقق إذا قال ~~أحدهم إن المسيح فتح عيني بارتيماوس، ثم قال الآخر إن المسيح لم يفتح عيني ~~بارتيماوس " فنقول له إن التناقض متحقق بين ما في متى ومرقس كما هو متحقق ~~بين كلاميك شئت أو أبيت. # وأيضا ماذا يفيد إذا كان بارتيماوس ابن رجل مشهور، فهل فتح عيني الفقير ~~من أب وجد ليس بمعجزة ينبغي ذكرها والتمجيد بها. هب أن مرقس صح منه أن ~~يراعي كون بارتيماوس ابن رجل مشهور ولذا ذكر اسمه، فما بال لوقا ذكر ~~الواقعة أيضا مع أعمى واحد ولم يذكر اسمه، ومن أين للمتكلف أن بارتيماوس ~~ابن رجل مشهور طحنته صروف الزمان. # فهل شارك كتبة الأناجيل في الإلهام كما واساهم بالتناقض، هب انا سامحناه ~~في ذلك فماذا يصنع بالتناقض في هذه الواقعة فإن في متى ومرقس أنها وقعت بعد ~~خروج المسيح من أريحا، وفي لوقا أنها وقعت عندما اقترب من أريحا ثم دخلها ~~كما أشرنا إليه ولكن المتكلف لا يبالي من أن يقول وعلى كل حال فلا تناقض. # " المجنون والمجنونان " وجاء في متى أنه لما جاء المسيح إلى العبر إلى ~~كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جدا حتى لم يكن ~~أحد يقدر أن يجتاز من تلك الطريق، ولما أراد شفاءهما طلب منه الشياطين التي ~~فيهما إن يأذن ms198 لها بالخروج إلى قطيع خنازير كان هناك فأذن لها وخرجت منهما ~~ودخلت في الخنازير فألقت نفسها في البحر وماتت فهرب الرعاة إلى المدينة ~~وأخبروا بقصتها وقصة المجنونين فخرج أهل المدينة وطلبوا من المسيح أن ينصرف ~~عنهم " مت 8: 28 - 34 ". PageV01P265 # وفي مرقس وجاؤا " أي المسيح وتلاميذه " إلى عبر البحر إلى كورة الجدريين، ~~ولما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور إنسان به روح نجس كان مسكنه ~~القبور، وذكر القصة المتقدمة بتمامها مع مجنون واحد " مر 5: 1 - 21 ". # وفي لوقا وساروا إلى كورة الجدريين التي هي مقابل الجليل، ولما خرج إلى ~~الأرض استقبله رجل من المدينة كان به شياطين، وساق القصة نحو مرقس مع مجنون ~~واحد. # قال المتكلف " يه 1 ج ص 233 " إن مرقس ولوقا اقتصرا على ذكر المجنون الذي ~~كان أشد هياجا وعربدة. # وثانيا أنهما اقتصرا على ذكر المجنون الذي كان من الأمم، وصرفا النظر عن ~~اليهودي. # وثالثا إن الذي ذكراه كان من المهذبين والمترجح أنه كان من ذوي اليسار ~~وذا شهرة إلى آخر ما ذكره. # قلت: من أين له إن أحد المجنونين اللذين ذكرا في متى كان أشد هياجا وكان ~~من المهذبين وذوي اليسار والشهرة وإن المجنون الآخر كان يهوديا مع أن متى ~~وصفهما معا بشدة الهياج ومنع الناس عن الاجتياز في الطريق وسائر الأحوال ~~المذكورة في القصة. # ومرقس ولوقا ذكرا مجنونا واحدا ومهما وصفاه بشدة الحال لا يزيد عما ذكره ~~متى في المجنونين معا، وأن متى ومرقس ولوقا لم يتعرضوا في كلامهم ولا ~~إشعارا بكون المجنونين أو أحدهما من الأمم أو اليهود، أو الخاملين أو ~~المهذبين وعلى أن هذه كلها دعاو لا أصل لها حتى في أضغاث الأحلام فإنها لا ~~تصلح لرفع التناقض والاضطراب بين نقل متى ونقل مرقس ولوقا. # وزد على ذلك أن متى ذكر الواقعة في كورة الجرجسيين ولسان القصة يقتضي ~~كونها قريب المدينة " وهي جرجسا " قريب مقابرها ومسارحها وجرف البحيرة. ~~PageV01P266 # ومرقس ولوقا ذكراها في كورة الجدريين ولسان القصة أيضا يقتضي كونها قريب ~~المدينة " وهي جدرة ms199 " وقريب مسارحها ومقابرها وجرف البحيرة فقد تناقضوا ~~أيضا في محل الواقعة ومقتضى خارطات الجغرافيين أن بين جدرة وجرحسا نحو عشرة ~~أميال إنكليزية، وأن جدرة تحت ولاية هيردوس وجرجسا تحت ولاية فيلبس، ويزداد ~~الاضطراب وظهور الغلط في القصة بملاحظة الخارطات فإن كون القصة قريبة من ~~المدينة قريبة من البحيرة إنما يناسب كونها في كورة الجرجسيين لأن جرجسا ~~كذلك، وأما جدرة فهي بعيدة عن البحيرة نحو أربعة أميال. # وكذا ذكر لوقا للجبل الذي كانت ترعى فيه الخنازير وألقت نفسها منه إلى ~~البحر، لأن هكذا جبل موجود قرب جرجسا والبحيرة ولا يوجد جبل قرب جدرة ~~والبحيرة، ولكن ذكر العشر مدن في لوقا إنما يناسب كون الواقعة في جدرة ~~وكورة الجدريين، لأن العشر مدن قريبا منها ومن ولايتها دون جرجسا، ولذا ترى ~~النصارى يذكرون في حاشية متى قراءة الجدريين. # وفي حاشيتي مرقس ولوقا قراءة الجرجسيين أو الجرشيين فاعتبر. وفي هذا ~~القدر كفاية للمتبصر. # " الأمر السابع " إن الأناجيل التي يدعون تواترها إلى الوحي والمصدر ~~الإلهامي قد نسبت لقدس المسيح أمورا لا تنفك عن كونها موانع من النبوة ~~والرسالة فاسمع بعضها. # 1 - " تناقض الكلام " فقد ذكرت عن المسيح أنه قال: إن كنت أشهد لنفسي ~~فشهادتي ليست حقا " يو 5: 31 " وذكرت عن قوله أيضا: إن كنت أشهد لنفسي ~~فشهادتي حق لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب؟ " يو 8: 14 " ولا خفاء في ~~تناقض هذين الكلامين وكذب أحدهما وهو مانع من النبوة. # وقد حاول المتكلف " يه 1 ج ص 241 و 242 " أن يرفع هذا التناقض وإذ كلف ~~نفسه من ذلك ما لا يطاق ضاعت عليه مجار الكلام وروابطه ومضامين العهدين، ~~وأطال فيه بما لا يسمن ولا يغني من جوع فقال كان يجب على صاحب PageV01P267 # إظهار الحق لتوضيح المعنى أن يورد الفقرة الثالثة عشر من ثامن يوحنا وهي، ~~فقال له الفريسيون أنت تشهد لنفسك شهادتك ليست حقا 14 أجاب يسوع وقال لهم ~~وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، ثم قال المتكلف تفريعا على ذلك، فترى أن ~~الكلام ms200 اللاحق لا ينافي الكلام السابق فإن معنى قوله وإن كنت أشهد لنفسي أي ~~إذا شهدت على سبيل الفرض والتقدير فشهادتي حق. # ثم أخذ المتكلف في التفرقة بين معنى إن وإذا وأطال في الكلام، فكانت ~~نتيجة التفرقة أنه جعل إذا ولو في موضع أن عندما تكلف بتكرار الكلام ~~وتقليبه. # فأقول: لا يخفى على من له أدنى فهم أن الفقرة التي أوجب على إظهار الحق ~~ذكرها لا تنفعه شيئا ولو ملأ من تكرارها كتبا أو نادى بها بأعلى صوته ألف ~~ألف مرة صارخا فقال له الفريسيون إلى آخره. # وأما فراره إلى الفرض والتقدير فلا يخلصه من التناقض بل يقال له: أليس ~~التقدير المذكور مناقض لقوله إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا، ومن أين ~~جاء بالفرض والتقدير مع ما حكي بعد ذلك بيسير عن قول المسيح. # وأيضا في ناموسكم مكتوب أن شهادة رجلين حق أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي ~~الأب الذي أرسلني " يو 8: 17 و 18 ". # ثم قال المتكلف وعلى كل حال فكلمة " أن " لا تفيد وقوع الفعل بل لو وقع ~~لما وجد أدنى منافاة. # قلنا: إن كلتا الفقرتين مصدرتان بقوله إن كنت أشهد لنفسي ويقول الإنجيل ~~كما تقدم أنه شهد لنفسه وقال أنا هو الشاهد لنفسي. # فأين إلى أين الفرار بالفرض والتقدير وما يجدي مع تحقق التناقض بين ~~التقديرين أيضا. # نعم إن قال المتكلف إن هاتين الفقرتين خاليتان من المعنى كقولي بل لو وقع ~~الفعل لما وجد أدنى منافاة. PageV01P268 # قلنا له: لا تنفك صورة الكلام عن التناقض أيضا وإن لم يكن هناك معنى ~~مقصود. # 2 - " تناقض الكلام أيضا " ومن ذلك ما في تاسع عشر متى عن قول المسيح لما ~~قال له بعض الناس أيها المعلم الصالح أنكر عليه هذا القول 17 وقال لماذا ~~تدعونني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله. # ومثله في مرقس " 10: 18 " ولوقا " 18: 19 " وهذا مناقض لما يحكى من قوله ~~الإنسان الصالح " مت 12: 35 ولو 6: 45 "، وقوله أنا هو الراعي الصالح أما ~~أنا فإني الراعي الصالح ms201 " يو 10، 11 و 14 ". # والمتكلف " يه 4 ص 285 " تكلم على قوله لماذا تدعونني صالحا بما ينزه ~~القلم عن شططه في التوحيد وصحة الكلام، ويكفي في المناقضة ما يحكى من قوله ~~الإنسان الصالح. # 3 - " تناقض الكلام أيضا " ومن ذلك ما في ثاني عشر متى عن قول المسيح 30 ~~من ليس معي فهو علي ومن لا يجمع معي فهو يفرق، وكذا " لو 11، 23 " وهذا ~~ناقض لما يحكى عن قوله فيمن لم يتبع طريقته، من ليس علينا فهو معنا " مر 9: ~~40 ولو 9: 50 ". # 4 - تناقض التعاليم " فمن ذلك ما ذكر في متى عن قول المسيح ما حاصله أنه ~~لا حسن في صوم تلاميذه ما دام موجودا معهم، ولا فائدة في صومهم بل لا محل ~~له وهو كنوح بني العرس مع وجود العريس بينهم وكجعل رقعة جديدة على ثوب عتيق ~~يصير الخرق بها أردأ، وكجعل الخمر الجديدة في زقاق عتيقة تنشق بها الزقاق ~~وتتلف وتنصب الخمر " مت 9: 14 - 18 ومر 2: # 18 - 23 ولو 5: 23 - 38 ". # فإن هذا مناقض لما حكي عن المسيح في خطابه لتلاميذه بما حاصله أن الصوم ~~من أركان الإيمان وأن بعض الكرامات والمراتب العالية لا تنال إلا به ~~وبالصلاة، وأن بعض الشياطين لا تخرج إلا بالصوم والصلاة، ولذا لم يقدر ~~التلاميذ على إخراج ذلك الشيطان. " انظر مت 17: 14 - 22 ومر 9: 14 - 30 ". ~~PageV01P269 # 5 - " تناقض التعاليم أيضا " ومن ذلك ما في ثامن عشر لوقا عن تعليم ~~المسيح لتلاميذه 1 وقال لهم أيضا مثلا في أنه ينبغي أن يصلي كل حين ولا ~~يمل، وضرب المثل بقاض ظالم مع امرأة لا ينصفها من خصمها فأزعجته بالإلحاح ~~فأنصفها لأجل إلحاحها فالله ينصف سريعا مختاريه الصارخين إليه نهارا وليلا ~~" انظر لو 18: 1 - 8 ". # وضرب أيضا مثلا بمن يلج في الطلب فيعطى لأجل لجاجته " لو 11: 5 - 9 ". # وأيضا أمر بالتضرع في كل حين " لو 21: 36 " وهو نفسه كان ليلة هجوم ~~اليهود عليه يصلي بأشد لجاجة " لو 22: 44 " وهذا كله مناقض لما في سادس متى ~~عن تعليم ms202 المسيح 7 وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم فإنهم يظنون ~~أنه بكثر كلامهم يستجاب 8 فلا تتشبهوا بهم لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه ~~قبل أن تسألوه فإن هذا نهي عن الدوام في التضرع والدعاء وبيان لكونه باطلا ~~من عوائد الأمم الوهمية وأنه لا فائدة فيه فإن الله يعلم بالحاجة قبل أن ~~يسأل. # 6 - " التناقض في التعليم أيضا " فإن التعليم والتعليل لعدم تكرار الدعاء ~~في الحاجة بأن الله يعلم بها قبل أن يسأل مناقض لأصل مشروعية الصلاة وخصوص ~~الصلاة الربانية وخصوص التكرار فيها بقوله لا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من ~~الشرير فإن ما بعد لكن وما قبلها بمعنى واحد مضافا إلى أنه لا بد أن يتكرر ~~هذا الدعاء بتكرار الصلاة الربانية في الشهر أو السنة أو في العمر مرات ~~عديدة وبحسب هذا التعليل يكون تكرارها أيضا باطلا. # 7 - " التناقض بين التعليم والعمل " وأيضا هذا التعليم والتعليل مناقض ~~لما تذكره الأناجيل من فعل المسيح نفسه ليلة هجوم اليهود عليه فإنه كرر ~~الدعاء في طلبه من الله عبور كأس المنية عنه وكان هذا الدعاء هو صلاته كرره ~~ثلاث مرات " انظر مت 6: 39 - 45 " وانظر إلى السابع عشر من يوحنا فكم تجد ~~فيه دعاء مكررا باللفظ أو المعنى. # 8 - " التناقض أيضا بين التعليم والعمل " فقد ذكرت الأناجيل عن تعليم ~~PageV01P270 # المسيح بحفظ الوصايا ومن جملتها إكرام الأم " مت 19: 19 ومر 10: 19 ولو ~~18: 20 " فإنه يناقضه ما يحكى من معاملته مع أمه. # ففي ثاني عشر 46 وفيما هو يكلم الجموع إذ أمه وإخوته قد وقفوا خارجا ~~طالبين أن يكلموه 47 فقال له واحد هو ذا أمك وإخوتك واقفين خارجا طالبين أن ~~يكلموك 48 فأجاب وقال للقائل له من هي أمي؟ ومن هم إخوتي؟ 49 ثم مد يده نحو ~~تلاميذه وقال ها أمي وأختي 50 لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات فهو ~~أخي وأختي وأمي ونحوه " مر 3، 31 - 35 ولو 8، 19 - 21 " أفلم يكن من إكرام ~~الأم الذي أوصى الله به أن ms203 يقوم لها ويكلمها ويطيب قلبها برؤيته وليتهم ~~نقلوا أنه اعتذر منها بدون أن يهينها بقول من هي أمي ويندد بقداستها بكلام ~~مفهومه أنها ليست ممن يعمل مشيئة الله، أفيقولون أنها لم تكن من المؤمنين ~~به العاملين بمشيئة الله، أم يقولون إن محالفة الاكرام المذكور في الوصية ~~هو أن يقوم لها ويكثر ضربها على رأسها وعينيها، وأما ما دون هذا فليس من ~~مخالفة الوصية. # " المتكلف والمتعرب " وعلى هذا كان على المتكلف والمتعرب أن يعدا في ~~كتابيهما من أغلاط القرآن الكريم وصف المسيح بالبر بوالدته " سورة مريم 33 ~~" ويقولان إن الإنجيل يذكر أنه قابل دعواتها بالانتهار واستهان بها وندد ~~بقداستها، ولا يتجه عليهما في ذلك كما يتوجه في فاحش غلط المتكلف " يه 2 ج ~~ص 35 و 93 " حيث نسب الغلط إلى قدس القرآن في قوله تعالى في شأن مريم " يا ~~أخت هارون " فجعل المتكلف هذا القول من أعظم الأغلاط يكرره بلجاجة " انظر ~~مت 26: 39 ولو 22: 41 - 45 " ولا أقل من كونه توهما منه أو إيهاما بأن ~~القرآن الكريم أراد بذلك هارون أخا موسى النبي، فكأن الله لم يخلق هارون ~~غيره ولا عمران غير أبيه أو إن الله نهى عن أن تكنى امرأة بأخت هارون أو أن ~~هذا كله أخذت به مريم أخت موسى امتيازا من الله. وزاد المتعرب على ذلك " ذ ~~ص 49 " حيث اعترض على القرآن بأن دعى مريم بابنة عمران وأخت هارون. # فقال غير مبال: وهي في الإنجيل بنت الياقيم. # فقبحا للغرور وتعسا للاقتحام وأين يوجد في الإنجيل نسب مريم إلا ذكر ~~PageV01P271 # كونها نسيبة اليصابات واليصابات من بنات هارون. # نعم: لما اختلف متى ولوقا في نسب يوسف النجار وتحير في ذلك قدماء النصارى ~~فر بعض المتأخرين إلى محض المكابرة بدعوى أن لوقا نسب يوسف النجار إلى والد ~~مريم وهو " هالي " وحروفه تشابه حروف " إلي " وهو يشبه أن يكون مقتطعا من ~~الياقيم فبخ بخ للدنيا في سعادتها بالتقدم بمثل هذه الأوهام وقد قدمنا ~~قريبا ما فيها. # 9 - " التناقض أيضا بين ms204 التعليم والعمل ". # ذكر الإنجيل عن المسيح أنه علم بمذمة الكذب وقال إن إبليس كذاب وأبو ~~الكذاب " يو 8 - 44 ". # ويناقضه ما ذكره الإنجيل أيضا وقرف به قدس المسيح إذ نسب إليه ما هو كذب ~~صريح حيث ذكر أن إخوة المسيح قالوا له اصعد إلى هذا العيد فأجابهم اصعدوا ~~أنتم إلى هذا العيد أنا لست اصعد بعد إلى هذا العيد لأن وقتي لم يكمل بعد، ~~ولما كان إخوته صعدوا حينئذ صعد هو إلى العيد لا ظاهرا بل كأنه في الخفاء " ~~يو 7، 8 - 11 " وهذه التناقضات المذكورة هي من أعظم الموانع من النبوة ~~والرسالة. # " الأمر الثامن " أن الأناجيل قرفت قدس المسيح بمنافيات العفة وما هو من ~~أعمال الفساق المتهتكين وهو بالبداهة من موانع النبوة والرسالة وذلك كمجيئ ~~الامرأة الخاطئة إلى المسيح وأنها وقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت ~~تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحها بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب، ~~وأن المسيح كان راضيا مستحسنا لعملها هذا حتى ضرب الأمثال للفريسي الذي ~~أنكر ذلك وفضلها عليه بأنها غسلت رجليه بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها ولم ~~تكف عن تقبيلهما منذ دخلت " انظر لو 7 و 36 - 47 ". # وكجلوس يوحنا ابن زبدى في حضن المسيح حتى إذا استشفع به بطرس وطلب منه أن ~~يسأل المسيح عن السر اتكأ يوحنا على صدر المسيح وسأله وقد قدمنا هذا في ~~الفضل الخامس عشر من المقدمة الثامنة وبينا بمقتضى الأناجيل أن PageV01P272 # يوحنا حينئذ لم يكن طفلا بل كان شابا في ريعان الشباب وغضارته " الأمر ~~التاسع " ذكرت الأناجيل أن المسيح وحاشاه شريب خمر " أي كثير الشرب لها " ~~لو 7: 32 - 35 ومت 11: 17 - 20 " وأنه قال في الخمر قول المودع المولع ~~المتلهف " مت 26، 27 و 29 ومر 14: 23 و 35 ولو 22، 17 و 18 " وأنه حضر مجلس ~~العرس المنعقد للسكر وإذ نفذ خمرهم عمل لهم بمعجزة ستة أجران من الخمر " يو ~~2: 1 - 11 ". # وقد قدمنا في المقدمة العاشرة ما يعلم منه أن شرب الخمر والرضاء به ~~والإعانة عليه من موانع النبوة. ms205 # " الأمر العاشر " أن هذه الأناجيل التي يدعون تواترها إلى مصدر إلهامي ~~ويسميها المتكلف كلام الله السميع العليم قد قرفت قدس المسيح إذ حكت عنه ما ~~يرجع إلى القول بتعدد الآلهة " انظر يو 10، 33 - 37 " وكذا تعدد الأرباب " ~~انظر مت 22، 41 - 46 " ومر 12: 35 - 38 ولو 20: 41 - 45 " وقد ذكرنا هذا ~~الأخير في الأمر الرابع وذكرنا عن العهد القديم ما يدل على توحيد الرب بل ~~جاء في مرقس عن قول المسيح وتعليمه الرب إلهنا رب واحد " مر 12: 29 " ~~وقدمنا حكاية تعدد الآلهة في الفصل الخامس عشر من المقدمة الثامنة وذكرنا ~~دلالة العهد القديم على توحيد الإله والنهي عن ذكر اسم آلهة أخرى وأن لا ~~يسمع ذلك من الفم. # وأيضا جاء في سابع عشر يوحنا تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال ~~أيها الأب قد أتت الساعة مجد ابنك ليمجدك ابنك. # أيضا 2 إذ أعطيته سلطانا على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته 3 ~~وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح ~~الذي أرسلته. # وعلى هذا فتكون الأناجيل قد قرفت قدس المسيح بأمرين " أحدهما " القول ~~بتعدد الآلهة والأرباب وهو الشرك " وثانيهما " تناقض تعاليمه مرة بالتوحيد ~~وأخرى بالشرك وحاشا قدسه من كل ذلك. PageV01P273 # وفي هذا المقدار كفاية ولولا أن الاستقصاء يحمل على التحامل وإرادة سوء ~~القالة لزدناك. # نتيجة ما ذكرنا أن النصارى يدعون تواتر نقلهم في أمرين " أحدهما " أن ~~عيسى عليه السلام ادعى الرسالة العامة وظهر على يده المعجز " وثانيهما " أن ~~الأناجيل كتب إلهامية من أنبياء ادعوا النبوة وظهر على يدهم المعجز قد اتضح ~~لك أن دعوى التواتر ونقله في الأمر الثاني لا يكاد يصح بل يشهد بنفسه على ~~كذبه ومع ذلك فلا يبقى للبصير وثوق واعتماد على دعواهم ونقلهم للتواتر ~~وزيادة على هذا أن هذا الأمر الثاني لا يكاد يصح بل يشهد بنفسه على كذبه ~~ومع ذلك فلا يبقى للبصير وثوق واعتماد على دعواهم ونقلهم للتواتر وزيادة ~~على هذا إن هذا الأمر الثاني الذي ينقلون ms206 تواتره ويدعونه بأشد إصرار ليكذب ~~الأمر الأول في دعوى الرسالة العامة وظهور المعجز. وكون المعجز حجة على ~~الصدق في دعوى الرسالة بل يصرح بظهوره على يد الكاذب في دعوى النبوة بل ~~يظهر على يد الكافر كالدجال، ومع ذلك فقد أكثر من ذكر ما هو مانع من نبوة ~~المسيح أشد المنع. # وهل ترضى للعاقل مع هذا كله أن يخدع نفسه ويجانب عقله ويتساهل في دينه ~~ويركن إلى نقلهم ودعواهم التواتر في هذا الوجه، ولا سيما أن قرار الديانة ~~والاعتماد على كتبها كان مبنيا عند أسلافهم على قرار المجامع، وهذا مما ~~يلاشي الاطمئنان بالتواتر فإن مبناه على عدم احتمال المواطاة فكيف وأن ~~المجامع هي أمارة المواطاة. فعلى طالب الهدى أن يتوقى ويتحذر من أن يستهويه ~~السراب إلى مهالك التيه، بل يلزم الجادة الموصلة إلى المنهل المأنوس ~~والمورد الهني. PageV01P274 # " المقدمة الثانية عشرة " في النسخ في الشريعة الإلهية وفيها فصول الفصل ~~الأول في ماهيته وحقيقة المراد منه في الاصطلاح النسخ في الاصطلاح هو رفع ~~الله للحكم الشرعي بتشريع حكم آخر مخالف له، وحقيقته هو أن الله اللطيف ~~بعباده العليم بأحوالهم ومصالحهم في جميع الأزمنة وتقلبات الأمور قد يشرع ~~حكما باعتبار مصلحة يعلم أن لها أمدا منتهيا وحدا محدودا إلا أنه جلت حكمته ~~لم يبين حده لعباده وإن كان مخزونا في علمه فإذا انقضى أمد تلك المصلحة ~~وأمد الحكم المنبعث عنها شرع الحكم الثاني على مقتضى المصلحة المتجددة. # فقولنا النسخ رفع الحكم الأول إنما هو تسامح في الكلام باعتبار دلالة ~~دليله في ظاهر الحال على بقائه في جميع الأزمان، وإلا فالحكم الأول مرتفع ~~في الواقع بنفس انتهاء مصلحته المحدود بحدها عند الله. # ولا ينبغي أن يتوهم ذو شعور بأن القائلين بإمكان النسخ في الشرائع ووقوعه ~~يقولون بأن الله يريد في أول تشريع الحكم دوامه أبد الآباد ثم يعدل عن ذلك ~~ويشرع حكما آخر تعالى الله عن ذلك. # " الفصل الثاني: في إمكانه " لا يخفى أن الله القادر على جعل الشريعة ~~وتشريع الأحكام لقادر على أن يجعل ms207 حكمين لزمانين مثلا، فإذا انقضى زمان ~~الحكم الأول أعلن لعباده بواسطة رسله تشريع الحكم الثاني. ولا نجد من ذلك ~~مانعا بل لا مانع كما PageV01P275 # ستعرف إن شاء الله. # وهاك كشف الحقيقة فإنا إذا نظرنا إلى حكمة الله ولطفه بعباده وعلمه ~~باختلاف أحوالهم وتقلبات أطوارهم وغناه عنهم وعن جميع العالم: # حكمت علينا عقولنا وفهمنا وجداننا بأن أحكامه الشرعية في العبادات ~~والعادات والسياسات إنما هي لاقتضاء مصالح العباد في طهارة نفوسهم وقربهم ~~من حضرته وتهذيب أخلاقهم، وانتظام اجتماعهم ومدنيتهم، وسهولة انقيادهم إلى ~~الطاعة والأدب. # ومن الواضح أن الناس قد تختلف وجوه مصالحهم وتتغير بحسب الأزمان لأنهم ~~بشر متغيرون بحسب الأعصار وتقلب الأحوال في الأخلاق والعادات والقوة ~~والضعف، واللين والقسوة، وسهولة الانقياد إلى الطاعة والتمرد والابتداء في ~~الانقياد والتمرن عليه، إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا يخفى على الفطن. # وبالضرورة يكون ما شرع لمناسبة أخلاق هذه الأجيال لا يناسب الأجيال ~~المخالفة لها في الأخلاق وما يناسب الأجيال القوية لا يناسب الضعيفة وما ~~شرع لمناسبة الأجيال السهلة الانقياد إلى الطاعة لا يناسب الأجيال ~~المتمردة، وما يناسب المتمرن لا يناسب المبتدئ، وما يناسب القاسي لا يناسب ~~اللين. # حكي في الأناجيل أن اليهود اعترضوا على المسيح في منع الطلاق إلا لعلة ~~الزنى، وعارضوه بورود الطلاق في شريعة موسى مطلقا، فقال لهم: إن موسى من ~~أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا " مت ~~19: 7 و 8 ونحوه مر 10: 2 - 7 ". # وانظر أيضا ما هو البديهي من الأحكام العرفية فإن ما يجعله حكماء العقلاء ~~من الشرائع والقوانين لإصلاح اجتماع الرعية ومدنية مملكتهم وانتظام أدبهم ~~لا بد من أن يكون في أول أمر التشريع وخصوص حال الانقلاب أيسر وأسهل على ~~الرعية مما تقتضيه المصلحة عند تمرنهم على الانقياد لشريعة المملكة وذلك ~~لحكمة نفوذ الشريعة السهلة على القبول حتى تتمرن الرعية على الانشراح ~~PageV01P276 # بالتشريع وإجراء المشروع، وهذه مصلحة مهمة يحفظ بحكمتها سائر المصالح. # وإذا توجهت بعقلك ووجدانك إلى ما ذكرنا حكمت بالبداهة ms208 بإمكان النسخ في ~~الشرائع الإلهية بل تحكم بلزومه بمقتضى الحكمة واللطف في بعض الموارد، فإن ~~استوضحت وقلت كل حكم شرعي يراعي فيه معدل المصلحة لكافة البشر والقدر ~~الجامع الذي تتساوى فيه جميع أطوار الناس وأخلاقهم في جميع الأزمان فلا ~~يبقى محل للنسخ. # قلنا: إن من الأمور ما لا تختلف جهته باختلاف الأزمان والأحوال كالزنى ~~مثلا، وهذا لا يعتريه النسخ لحرمته، وأما ما تختلف جهته بحسب الأعصار ~~والأحوال كما ذكرنا فإن كنت تقول بجواز مراعاة معدل المصلحة فيه من غير ~~لزوم فذلك لا ينافي ما ذكرناه لإمكان وقوع النسخ وإن كنت تقول بلزومه ~~سألناك أولا ما هو الملزم به ومن الملزم؟ ونبهناك ثانيا إلى أن سياحة الفكر ~~في تقلب الأحوال البشر بحسب الأعصار والأخلاق والعادات حسبما شرحنا بعضه ~~لتكشف لكل مميز وتعرفه بأن مراعاة معدل المصلحة على ما تقول لا تنفك عن ~~حرمان أكثر الناس من بركات اللطف بهم ومقتضيات مصالحهم، وما هو الداعي لذلك ~~مع إمكان أن يعمهم اللطف باستيفاء بركات مصالحهم على مقتضى الحكمة من دون ~~مانع ولا فساد. # فإن قلت إذا فما بال اليهود والنصارى ينكرون إمكان النسخ ووقوعه حتى أن ~~بعض كتابهم ليشددون النكير على القول بالنسخ ويبالغون في امتناعه على جلال ~~الله. # قلت: إن كان شكك من هذه الجهة فإنا نشكرك على إبدائها فاعلم أنا لم نبخس ~~اليهود والنصارى في ابتداء الأمر حقهم من حس الظن ولأجل ذلك تتبعنا كتبهم ~~التي ينسبونها إلى الإلهام والوحي ونظرنا في نحلهم التي عكفوا عليها وشريعة ~~جامعتهم في يهوديتهم أو نصرانيتهم فوجدنا اليهودية قد كثر فيها النسخ نقلا ~~عما قبلها ونسخا لما تقدمها ونسخا لما جاء فيها ووجدنا النصرانية الرائجة ~~قد بنى أساسها وسيج بنيانها ودار محورها على دعوى معنى النسخ الذي نقول به ~~بل على ملا شاة الشريعة السابقة وأحكامها، ولم نجد وجها صحيحا لما تذكره ~~عنهم PageV01P277 # إلا المنافرة مع النون والسين والخاء في اسم النسخ، وإنا لا نضايقهم في ~~الاسم بل نسمي هذا الذي نقول بإمكانه ووقوعه بالاسم ms209 الذي يسمون به رفع ~~الشرائع الموجود في كتبهم التي ينسبونها إلى الوحي الإلهي ونقتصر في مدعانا ~~على مثل ما وقع في الشرائع التي ينسبونها إلى الله. # وأن السير في كلمات بعض كتابهم في هذا المقام وخصوص المتكلف " به 4 ج ص ~~155 - 194 " قد كشف لنا عن منشأ الاشتباه أو مبدأ الحياد في المغالطة ~~والتمويه، وهو أنهم تخيلوا بوهمهم أو خيلوا بتمويههم أن النسخ الذي يدعي ~~المسلمون وقوعه في الشرائع هو رفع الحكم الشرعي مع إبطال غايته الأصلية ~~التي شرع لأجلها وهي مصلحة العباد إبطالا جزافيا من غير نظر إلى تجدد مصلحة ~~أخرى تناسب خلافه فكأنهم لم يسمعوا ولم يفطنوا من هتاف الصريح من كلمات ~~المسلمين وكتاباتهم قولهم بأن الله الغنى الحكيم شرع الشرائع لطفا منه ~~بعباده ورحمة لهم برعاية مصالحهم بأنواعها حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه بما ~~يناسبها من الأحكام بحسب اختلاف الأحوال والأوقات، وعلى ذلك فقد تقتضي ~~الحكمة واللطف تبديل الحكم الأول إلى ما هو أنسب منه في الزمان الثاني ~~بالمصحلة والغاية المطلوبة في التشريع، وهذا التبديل إنما هو لأجل المحافظة ~~على الغاية التي شرع الحكم الأول لأجلها وهذا هو النسخ عند المسلمين وإن ~~فرض أن شريعة الحكم الثاني هي جوهر شريعة الحكم الأول باعتبار الغاية ~~المطلوبة من التشريع، وأن الأولى ترمز وتشير إلى الثانية لكونها أنسب ~~باللطف والرحمة بحسب الوقت والحال، فإن كل الشرائع الإلهية متحدة في غايتها ~~المرعية ولكن أليست الأحكام المتبادلة فيها مختلفة بالنوع والحقيقة فنحن ~~نصفهما بالناسخ والمنسوخ بلحاظ هذا الاختلاف. # مثاله بأن نتكلم على طريقة القائلين بسر الفداء فنقول إن الله قد شرع ~~بلطفه ورحمته في التوراة أحكاما لمصالح العباد في البر والتأديب والتكفير ~~والخلاص والتكميل واستمرت على ذلك ألفا وخمسمائة سنة تقريبا ولكن لما كانت ~~هذه الغايات تحصل فيما بعد ذلك على أحسن وجه وأتم حصول فرضا بسبب الإيمان ~~بالمسيح وبركة سر الفداء وذبيحة الفادئ الكريم رفعت ذوات PageV01P278 # الأحكام الخاصة التي كانت في شريعة موسى وخفف ثقلها الباهظ وبدلت شدتها ~~بسهولة الراحة ms210 والإباحة، وهذا من وادي النسخ الذي يقول به المسلمون. ولا ~~يشك فاهم أو غبي في أن أحكام التوراة قد بدلت في النصرانية الرائجة في ~~الصورة والماهية وهم يقولون إن ذلك يوحي من الله وعليه فهو النسخ الذي يقول ~~به المسلمون. # وهبنا قلنا ما يقوله المتكلف " يه 4 ج ص 184 " إن الشريعة الموسوية ~~بمنزلة البذر والمسيحية بمنزلة الشجرة والثمرة، وأن المسيحية جوهر الموسوية ~~وفذلكتها ولكننا لا نخادع عقولنا ووجداننا ونقول إنها هي من حيث الأحكام ~~ولا نكون من هذا أضحوكة بقولنا، وعلى كل حال فإن كتاب الله منزه عن الناسخ ~~والمنسوخ. # فاضغ لما نتلوه عليك من الكتب التي ينسبونها إلى الله والوحي واحفظ ما ~~ذكرناه لك في معنى النسخ الذي نقول به وحاسبهم حسابا يسيرا وجادلهم بالتي ~~هي أحسن. # ولنذكر لك مما جاء في كتب وحيهم مما لا محيص عن كونه بمعنى النسخ الذي ~~نقول به، وإن أبوا تسميته نسخا. # ثم نذكر لك أيضا من كتب وحيهم موارد كثيرة لا يسميها المسلمون في ~~الاصطلاح الغالب نسخا ولكنها يرد عليها كلما اعترض به اليهود والنصارى على ~~النسخ فاستمع لذلك إن شاء الله. # 1 - الناسخ والمنسوخ في شريعة نوح بمقتضى نقل التوراة جاء في سابع ~~التكوين " 2 و 8 " وكذا الثامن 20 إن الله ذكر لنوح قبل الطوفان البهائم ~~الطاهرة والتي ليست بطاهرة والمراد من غير الطاهرة ما لا يجوز أكله ولا ~~تقديمه للقرابين والمحرقات. # ثم جاء في تاسع التكوين في ذكر ما بعد الطوفان عن قول الله لنوح 3 كل ~~دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر، وهذا يدل على جواز الأكل لكل دابة ~~حية بخلاف الشريعة السابقة. PageV01P279 # وحاول المتكلف " يه 4 ج ص 167 " أن يتخلص من هذا فقال المراد بقوله تعالى ~~كل دابة حية كل الحيوانات الطاهرة. وأغرب في تشبثات الاستشهاد ولعله إذ علم ~~أن في تاسع التكوين المذكور " 10 و 12 و 15 و 16 " ما يبطل دعواه هذه ويوضح ~~أن وصف الحياة غير وصف الطهارة هرب إلى ms211 دعوى أن المراد من لفظ كل هو البعض، ~~ولكن مراجعة الموارد المشار إليها من تاسع التكوين تنادي بأن المراد من " ~~كل " هو العموم على أن الدعوى بإرادة معنى " بعض " من لفظ " كل " ناشئة من ~~الوهم والاستشهاد لها بالقرآن الكريم ناشئ من الخطأ في الفهم. # 2 - التوراة وشريعة نوح والحيوانات ثم نسخت التوراة هذه الإباحة العامة ~~في شريعة نوح لأكل كل دابة حية كالعشب الأخضر وحرمت كثيرا من الحيوانات " ~~أنظر حادي عشر اللاويين ورابع عشر التثنية ". # 3 - التوراة وما قبلها في التزوج بالأخت فحرمت التوراة التزوج بالأخت وإن ~~كانت من الأب وحده " لا 18 و 9 " مع أنها ذكرت أن سارة امرأة إبراهيم كانت ~~أخته من أبيه " تك 20: 12 " ولا تضع إلى تحريف الترجمة المطبوعة سنة 1811 ~~حيث حرفت وترجمت الأخت بالقريبة التي نعم بنت العم ونحوها ليتخلص من هذا ~~الاعتراض فإن نص الأصل العبراني (وجم امنه أختي بت أبي هوا أخ لا بت أمي ~~وتهي لي لا يشه) أي وأيضا أختي بنت أبي هي لكن لا بنت أمي وصارت لي امرأة ~~ولو كان الذي في الأصل العبراني بمعنى القريبة لقال " شاري ". # 4 - أيضا الجمع بين الأختين في التزويج فحرمته التوراة " لا 18: 18 " مع ~~أنها ذكرت أن يعقوب تزوج براحيل على أختها ليئة " تك 29: 23 و 30 " وبقيتا ~~عنده مجتمعتين مدة من السنين " انظر تك 29 - 35 ". PageV01P280 # 5 - التزوج بالعمة فحرمته التوراة " لا 18: 12 و 20: 19 " مع أنها ذكرت ~~أن أبا موسى وهو عمران بن قهات بن لاوي " خر 6: 16 - 19 " قد أخذ عمته ~~يوكابد بنت لاوي التي ولدت له في مصر امرأة له " انظر خر 2: 1 - 11 و 6: 20 ~~وعد 26: # 29 " ينكشف لك الخطأ في مكابرة المتكلف وخبطه " يه 4 ج ص 8 - 10 " في ~~احتمال كون يوكابد ليست عمة عمران. # وبيان النسخ في هذه الموارد الثلاثة هو أنه لا بد أن تكون لإبراهيم ~~ويعقوب وعمران شريعة إلهية أباحت لهم هذا التزويج المذكور وقد نسختها ~~التوراة، هذا هو مراد إظهار ms212 الحق ولم يقل إن التوراة نفسها حكمت بجواز ~~تزويج هؤلاء النبيين وسبطهما ثم نسخته كما توهمه المتكلف. # ثم أجاب " يه 4 ج ص 167 " بأنه لم ينزل الله على آدم ولا على إبراهيم ~~شريعة بجواز تزوج الأخت الغير الشقيقة ثم حرمتها موسى وإنما هذا الزواج كان ~~من العادات التي اصطلح عليها القدماء قبل الشريعة موسى، وقال ص 168 لم ينزل ~~الله على القدماء شريعة ثم نسخها موسى، بل اصطلح القدماء على عادات للجريان ~~عليها في هذه الدنيا. وقال ص 169 إن زواج عمران كان قبل نزول الشريعة. # أقول: من أين للمتكلف إن القدماء لم تكن لهم شريعة مطلقا أو في خصوص ~~الزواج، مع أنه لا يشهد لدعواه هذه كتاب ينسب إلى الإلهام أم جاءه الوحي ~~بذلك؟ أم يقول إن رحمة الله ولطفه لم يسعا الذين قبل موسى، كما وسعا بني ~~إسرائيل المتمردين. # ثم إن قال إنه لم تكن قبل موسى للقدماء شريعة مطلقا. # " قلنا ": إن التوراة لتكذبك في ذلك فإنها تقول إن الله جعل لنوح شريعة ~~صنعة الفلك ومن يحمله فيه من الأناسين والحيوانات، وشريعة الحيوانات ~~الطاهرة والنجسة والضرورة يكون من الشريعة بناء المذبح وإصعاد المحرقات " ~~انظر تك 6 و 7 و 8 ". PageV01P281 # وجعل لإبراهيم شريعة الختان " تك 17: 9 - 15 ". # وتقول التوراة أيضا إن ملكي صادوق ملك شاليم كان كاهنا لله العلي ولأجل ~~ذلك أعطاه إبراهيم عشر الغنيمة " انظر تك 14: 18 - 21 " فقل ما معنى ~~الكهانة إن لم تكن شريعة، وما وجه العشر الذي أخذه من إبراهيم أتقول إنه ~~كان عشرا ملوكيا كلا بل إن سابع العبرانيين يفصح عن كونه عشرا شرعيا كاشفا ~~عن عظمة ملكي صادوق الذي أعطاه إبراهيم إياه، أفترى المتكلف ينكر هذا كله ~~ويقول إن الله ترك القدماء هملا كالبهائم بلا شريعة ولا نعمة، أم يقول إنه ~~لم تكن للقدماء شريعة في خصوص الزواج؟ فنقول له أترك الله عباده وعاداتهم ~~في الزواج وإن تسافدوا تسافد البهائم؟ دع عنك المشركين ولكن التوراة تقول: ~~منذ ولد انوش بن شيث ms213 ابتدأ يدعى باسم الرب وذلك بعد خلق آدم بمائتين ~~وثمانين سنة " انظر تك 4: 26 و 5: 3 - 7 ". # فالمؤمنون من ذلك الزمان إلى زمان إبراهيم وآل إبراهيم فرضنا إن الله لم ~~يجعل لهم شريعة في الزواج وتركهم وعاداتهم، ولكن هل كان الله راضيا لهم ~~بتلك العادات التي اصطلحوا عليها لأجل مناسبتها لمصلحة وقتهم أو كان ساخطا ~~لها، فإن كان ساخطا لها فلماذا لم ينههم عنها ويشرع لهم ما يناسب مصلحة ~~وقتهم. # وقد أوحى الله إلى إبراهيم وخاطبه في أمور كثيرة وكذا يعقوب ولو أن الله ~~يخاطبهم بقدر ما تذكرة التوراة عن خطاب الله لموسى في تفصيل ثياب هارون ~~والكهنة " خر 28: 2 - 42 " أو صيدلة البرص " لا 13 و 14 " لكفي في جعل ~~الشريعة لهم، أم لم تكن فرصة للرحمة واللطف بخليله وآل خليله كفرصة طور ~~سيناء أو مصارعة يعقوب " تك 32: 24 - 29 " إلا بقدر الختان المؤلم الذي ~~تخلص منه النصارى. هذا وإن كان الله راضيا بتلك العادات على ما ذكرنا فهي ~~شريعة إلهية لهم. # وأيضا فإن الله سمى سارة بأنها امرأة إبراهيم مرارا عديدة أفلا يكفي هذا ~~في إمضاء زواجها فيكون شريعة " انظر أقلا تك 17: 15 و 19 " دع هذا كله ولكن ~~نبه المتكلف بأنه جاء في السادس والعشرين من التكوين عن قول الله 5 ~~PageV01P282 # من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي، ~~وسله هل يقول بعد هذا لم ينزل الله على القدماء شريعة أم يقول إن المراد ~~بهذا كله شريعة الختان الواحدة. # يعقوب وليئة ثم سله ما وجه العذر والتخلص عن جمع يعقوب للأختين بقوله " ~~يه 4 ج ص 158 " إن مسألة يعقوب هي أنه خطب راحيل فمكر به أبوها وأعطاه ليئة ~~غير أنه استمر على خدمته فأعطاه راحيل. # أتراه يقول إن ليئة لم يكن نكاحها صحيحا بل كان فاسدا بحسب عادة الوقت ~~لأن يعقوب كان مخدوعا بها ودخل عليها بزعم أنها راحيل ولم يعرف أنها ليئة ~~حتى أصبح فلا يكون تزوجه براحيل معها من ms214 الجمع بين الأختين. نعم إن قال ذلك ~~لم نعترض عليه بأنه يلزم أن يكون اقترانه الفاسد بليئة زنى فيكون يعقوب ~~وحاشاه زانيا مدة حياة ليئة ويكون أولاده منها روابين وشمعون ولاوي، ~~ويهوذا، ويساكر، وزبولون أولاد زنى والعياذ بالله لا يدخلون في جماعة الله ~~إلى الجيل العاشر " تث 23: 2 ". # ولا نقول إذا كيف دخل في جماعة الله جيلهم الرابع والخامس وإن منهما موسى ~~كليم الله، وهارون قدوس الله، واللاويون حملة تابوت الله، وخدام مسكنه ~~وزعماء كهنوته وحفظة شريعته. # فأنا بحسب ما ألفناه من أدب المتكلف لا نأمن أن يقول لم ينزل على القدماء ~~شريعة بتحريم الزنى، أو يقول نعم وقع يعقوب في خطيئة الزنى هذه المدة ~~المديدة دلالة على ضعف الطبيعة البشرية ثم تاب من خطيئته وزيادة على ذلك إن ~~المولى القدوس العادل سلط عليه ابنه روابين فزنى بزوجته بلهة أم أولاده ~~دان، ونفتالي، " تك 35: 22 " انظر يه 1 ج ص 13 و 18 و 66 ويقول أيضا إن ~~أولاد الزنى الذين لا يدخلون في جماعة الرب هم العمونيون والموابيون " انظر ~~يه 3 ج ص 263 ". PageV01P283 # رسول الله وإظهار الحق والمتكلف والمتكلف من وغر صدره أو قل من حرية ~~ضميره لما رأى إلزام إظهار الحق لهم بالنسخ في تزوج عمران بعمته وتحريم ذلك ~~في شريعة موسى لم يلتفت إلى مراد إظهار الحق وهو أنه إن كانت هذه الحكاية ~~صحيحة فلا يمكن عادة لعمران الموحد لله ابن قهات بن لاوي بن يعقوب نبي الله ~~ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله أن يتزوج على غير شريعة تلقاها ~~من آبائه الأنبياء في إباحة هذا التزويج وصحته. # فيلزم من ذلك وقوع النسخ في شريعة موسى، يل توهم المتكلف إن إظهار الحق ~~يحاول التنديد بطهارة ولادة موسى كليم الله فصار يقابله بخرافات القصص ثم ~~زاد في الافتراء بالتعرض لقدس رسول الله في تزويجه بمطلقة غلامه زيد بن ~~حارثة الذي لشدة رأفة رسول الله به صار الناس يدعونه زيد ابن محمد، فقال ~~غير مبال بالانتقاد ms215 عليه " يه 4 ج ص 169 ". # وماذا نقول: فيمن ادعى أن الله أجاز له أن يتخذ امرأة ابنه وجعل ذلك ~~قانونا ويا حبذا لو نسخ هذا القانون فإن ذلك كان أحق بالنسخ، لأنه قانون ~~وخيم ومبدأ ذميم لأنه يسوغ الاقتران بزوجة الابن ولكنه لم ينسخه فهو وصمة ~~باقية مدى الدهور. # فنقول له الحق لا أنت، يقول إن الله جل شأنه شاء أن يمحق باطل الجاهلية ~~ويلاشي خرافاتهم ويقلع مفاسدها، وحيث كانوا يرتبون آثار الابن الحقيقي على ~~الدعي جهلا منهم وزورا يلزم منه مفاسد لا تحصى منها معاملة الدعي لأرحام من ~~يدعي به ونسائه معاملة المحارم الحقيقية في الخلطة والتكشف مع أنه ليس هناك ~~علقة واقعية ولا رحم ماسة تصده عن النظر إليهن بالفحشاء والأقدام على ~~المكروه مع كثرة الفرص وعدم الاحتشام في الخلطة فهو كحرامي البيت المذكور ~~في المثل، وأن الغالب على الأدعياء كونهم من أمكنة نائية فلا تعرف نجابتهم ~~من سوء منبتهم ولؤم عنصرهم. # فأوحى الله إلى رسوله الصادق بأمره الذي لم يستعف من رسالته ولم يضجر ~~PageV01P284 # من أحكامه أن يبطل هذه العادة الذميمة بتبليغه قول الله في سورة الأحزاب ~~4 (وما جعل أدعيائكم أبنائكم ذلك قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل) 5 (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم ~~في الدين ومواليكم). # وأمره أيضا تثبيتا لإبطال هذه العادة الوخيمة بأن يكون أول عامل بشريعة ~~الحق ومقاوم لخرافات الجاهلية ليكون أسوة للمؤمنين ويرتفع ببركته حرج ~~الأباطيل، وقد قدمنا الكلام في هذا الشأن في الفصل الخامس عشر في عصمة رسول ~~الله. # ومن عدم موفقية المتكلف في كتابه أن لهج بهذا الافتراء وتسميته لزيد ابنا ~~لرسول الله حتى أن الغافل ليحب أن يعرف أن هذا هو الابن البكر لرسول الله ~~أو من سائر أولاده، وهل كانت أمه مبغوضة أو ميتة، فإن الغافل لا يخطر في ~~خياله أن أحدا يصر على الافتراء بهذا المقدار من الإصرار ولا سيما في كتاب ~~يطبع وينشر في العالم لنصرة الديانة ms216 في مقابلة أمة عظيمة راسخة القدم في ~~العلوم الدينية ولكن. # لا تنتهي الأنفس عن غيها * ما لم يكن منها لها زاجر وبماذا يأتي وينفر ~~المغفلين من قومه إلا بهذا التمويه فإن قدس رسول الله ليس لقائل فيه مغمز. # " سؤال " هل تقدر أن تكشف ما هو المنشأ في إصرار المتكلف على إلصاق الدعي ~~بمن يدعى به حتى صار يضجر من هذه الشريعة التي محقت باطل الأدعياء وردت ~~الأمور إلى حقائقها. # 6 - نسخ التوراة لحكمها في محرقة السهو جاء في رابع اللاويين عن الشريعة ~~الموضوعة في جبل سيناء " 13 - 22 " أنه إذا سهى كل جماعة إسرائيل وأخفى أمر ~~عن المجمع وعملوا واحدة من مناهي الرب يقرب المجمع ثورا ذبيحة خطيئة محرقة، ~~مع تفصيل في كيفية PageV01P285 # تقديمه وحرقه من دون ذكر في الشريعة لتقدمه أو سكيب أو ذبيحة أخرى. # وجاء في الخامس عشر من العدد عن الشريعة الموضوعة في برية فاران " 24 - ~~26 " في حكم هذا الموضوع المتقدم بأن يقدموا مع الثور المذكور تقدمة وسكيبا ~~وتيسا، وهو نسخ للحكم بكفاية الثور في الشريعة الأولى. # قال المتكلف " يه 4 ج ص 192 " إن الذبائح متنوعة فالعبارة في سفر ~~اللاويين عن ذبيحة الإثم، وفي سفر العدد عن ذبيحة الإثم مع النذور كما يتضح ~~لمن طالع العبارتين. # أقول يتضح من مطالعة العبارتين وكلام المتكلف هذا أحد أمرين أما أنه لم ~~يطالع العبارتين وإنما تحكم فيهما على نقل إظهار الحق المجمل، وأما أنه لا ~~يبالي بما يقول وما يظهر عليه اعتمادا على أن المسلمين وغالب النصارى لا ~~ينظرون في التوراة نظر مستقص في أحكامها، ولا أقول إنه لم يفهم معنى ~~التوراة لأنه لا يخفى حتى على الغبي أنه لا دخل للنذور ولا ربط فيما بعد ~~الثانية والعشرين من خامس عشر العدد أصلا وليس فيها ما يوهم ذلك، وهاك نص ~~العبارة 24 فإن عمل خفية عن أعين الجماعة سهوا يعمل كل الجماعة ثورا واحدا ~~ابن بقر محرقة لرائحة سرور للرب مع تقدمته وسكيبة كالعادة وتيسا واحدا من ~~المعز ms217 ذبيحة خطيئة 25 فيكفر الكاهن عن كل جماعة بني إسرائيل فيصفح عنهم ~~لأنه كان سهوا. # 7 - أيضا امرأة الأخ وقد حرمت التوراة امرأة الأخ من دون استثناء في ~~الشريعة الموضوعة في جبل سيناء " لا 18: 16 و 20: 21 " ثم بعد أربعين سنة ~~تقريبا نسخت هذا التحريم العام في الشريعة الموضوعة على عبر الأردن وأوجبت ~~على أخي الزوج الميت الذي لم يخلف ولدا أن يتزوج بامرأة أخيه الميت ليقيم ~~له نسلا فإن أبى تقدمه المرأة إلى الشيوخ وتخلع نعله وتبصق في وجهه أمام ~~الشيوخ ويدعى اسمه بيت مخلوع النعل " تث 25: 5 - 11 ". # ولئن حاول المتكلف أن يجعل الحكم الثاني من قبيل التخصيص للحكم ~~PageV01P286 # الأول لا من النسخ، فإنا سنوضح بعون الله أن ما كان بيانه بعد العمل ~~بالعام فهو من الناسخ لا من المخصص، وقد بقي الحكم الأول على عمومه أربعين ~~سنة تقريبا وكلها وقت العمل، فإن بني إسرائيل كانوا مئات الألوف وقد كثر ~~فيهم الموت، وبالضرورة يتفق عندهم في كل سنة كثير من موارد الحكم العام ~~بأنواعها. # 8 - التوراة وداود وعمر اللاويين جاء في شريعة التوراة مرة أن اللاوي ~~الذي يوظف لخدمة المسكن وخيمة الاجتماع يكون من ابن ثلاثين سنة إلى خمسين ~~كما في رابع العدد من النسخة العبرانية وتراجمها، وجاء مرة أخرى أنه يكون ~~من ابن خمس وعشرين سنة " عد 8: 24 و 25 " وحيث أنا لم نتحقق من التوراة ~~العبرانية أن أي الحكمين كان متقدما ولم يظهر لنا أن رفع الأول منهما كان ~~بعد العمل به أو قبله فلم نجزم هاهنا بأن أحدهما ناسخ للآخر، خصوصا وقد ~~خالفتها الترجمة السبعينية فإنها ذكرت الخمس وعشرين سنة في المقامين فلا ~~اختلاف، وعلى كل حال فلا بد من استمرار العمل على الخمس وعشرين سنة أو ~~الثلاثين إلى أن نسخة داود النبي وجعل الموظف من اللاويين لخدمة المسكن، ~~وخيمة الاجتماع يكون من ابن عشرين سنة فما فوق، ففي الثالث والعشرين من ~~الأيام الأول 24 هؤلاء بنو لاوي حسب بيوت آبائهم رؤوس الآباء حسب إحصائهم ms218 ~~في عدد الأسماء حسب رؤوسهم عاملوا العمل لخدمة بيت الرب من ابن عشرين سنة ~~فما فوق 25 لأن داود قال قد أراح الرب إله إسرائيل شعبه فسكن في أورشليم ~~إلى الأبد 26 وليس للاويين بعد أن يحملوا المسكن وكل آنية لخدمته 27 لأنه ~~حسب كلام داود الأخير عد بنو لأي من ابن عشرين سنة فما فوق. # ولست أدري ماذا يقول المتكلف ها هنا؟ أيقول إن الله جل شأنه وضع الحكم ~~الأول محدودا في سابق علمه بمصلحته الموقتة، ثم لما تجددت حال أخرى ومصلحة ~~أخرى أعلن الله لنبيه داود ما يناسبها من الحكم كما ذكر في كلام داود ثم ~~ليقل مع ذلك وعلى كل حال فلا ناسخ ولا منسوخ كما لهج به، أم يقول إن هذا ~~تصرف من داود بالشريعة بغير حق وقد أخطأ فيه كما أخطأ في شأن أوريا ~~PageV01P287 # وامرأته وكان هذا الخطأ منه بعد قوله في الكلمات الإلهامية التي هي كلام ~~الله السميع العليم حفظت طرق الرب ولم أعص إلهي لأن جميع أحكامه أمامي ~~وفرائضه لا أحيد عنها وأكون كاملا معه وأتحفظ من إثمي (2 صم 22: 22 و 23 ~~ومر 18: 21 - 23 ". # وأخطأ أيضا بنو إسرائيل، وعزرا، وحجي وزكريا، الأنبياء إذ جروا على فعل ~~داود وتركوا شريعة موسى فوظفوا للخدمة في المسكن من اللاويين من كان ابن ~~عشرين سنة فما فوق " عز 3: 8 ". # 9 - 11 التوراة وحزقيال والمحرقة اليومية جاء في التوراة أن محرقة كل يوم ~~خروفان حوليان أحدهما للصباح، وثانيهما لما بين العشائين. وتقدمة كل واحد ~~من الخروفين عشر الأيفة من دقيق ملتوت بربع الهين من زيت وسكيبة ربع الهين ~~" عد 28: 3 - 9 ". # وجاء في حزقيال أن محرقة كل يوم حمل حولي يعمل صباحا صباحا وتقدمته سدس ~~الأيفة دقيق وثلث الهين لرش الدقيق " حز 46: 13 - 16 ". # فنسخ شريعة محرقة الليل " 2 " ومقدار الدقيق " 3 " ومقدار الزيت في تقدمة ~~الصباح. # 12 - 16 وأيضا محرقة السبت فقد جاء في التوراة أنها خروفان حوليان ~~وتقدمتها عشران من دقيق ملتوت بزيت مع ms219 سكيبة " عد 28: 9 ". # وجاء في حزقيال أن محرقة السبت ستة حملان وكبش وتقدمتها أيفة. # للكبش. وهين زيت للأيفة وللحملان عطية يد الرئيس " حز 46: 4 و 5: 1 " ~~فنسخ حكم الخروفين " 2 " ومقدار التقدمة للكبش " 3 " وما يناسب الدقيق من ~~الزيت " 4 " ورفع حكم السكيب " 5 " زاد عطية الرئيس في تقدمة الحملان. # 17 - 21 وأيضا محرقة رأس الشهر فقد جاء في التوراة أنها ثوران وكبش واحد ~~وسبعة خراف حولية وتقدمتها PageV01P288 # لكل ثور ثلاثة أعشار من دقيق ملتوت بزيت وللكبش عشران ولكل خروف عشر ~~وسكائبهن نصف الهين من الخمر للثور وثلث الهين للكبش وربع الهين للخروف، ~~ويضاف إلى ذلك تيس من المعز ذبيحة خطيئة " عد 28: 11 - 16 ". # وفي حزقيال ثور واحد وستة وحملان وكبش. والتقدمة أيفة للثور وأيفة للكبش ~~وللأيفة هين من زيت وللحملان ما تناله يد الرئيس " حز 46: 6 و 7 " فنسخ حكم ~~الثورين والخراف " 2 " وتقدمة الثور والكبش " 3 " وما يناسب الدقيق من ~~الزيت " 4 " وحكم السكيب " 5 " وزاد عطية الرئيس في تقدمة الحملان. # 22 - 25 وأيضا محرقة الفصح وذكرت التوراة لمحرقات سبعة أيام الفصح ~~وتقدماتها لكل يوم نحو ما ذكرت لمحرقات أول الشهر " عد 28: 16 - 25 ". # وفي حزقيال أن لكل يوم سبعة ثيران وسبعة كباش وتيسا ذبيحة خطيئة، ~~وتقدماتها أيفة للثور وايفة للكبش وهين من زيت للأيفة " حز 45: 23 و 24 "، ~~فنسخ حكم الذبائح " 2 " وتقدمتها " 3 " وما يناسبها من الزيت " 4 " وحكم ~~السكيب. # 26 - 29 وأيضا محرقات عيد المظال فذكرت التوراة فيه محرقات السبعة أيام ~~مختلفات العدد أكثرها في اليوم الخامس عشر من الشهر السابع ثلاثة عشر ثورا ~~وكبشان وأربعة عشر خروفا حوليا مع تيس ذبيحة خطيئة، وتقدمتها لكل ثور ثلاثة ~~أعشار من دقيق ملتوت بزيت وعشران لكل كبش وعشر لكل خروف، وينقص العدد في ~~الأيام فيكون في اليوم السابع سبعة ثيران وكبشين وأربعة عشر خروفا، ~~وتقدماتها وسكائبها على نحو ما تقدم " عد 29: 12 - 39 ". # وفي حزقيال أن الرئيس يعمل في سبعة أيام عيد المظال محرقة نحو ما يعمله ms220 ~~في عيد الفصح " حز 45: 25 " فنسخ حكم الذبائح " 2 " وتقدماتها " 3 " وما ~~يناسبها من الزيت " 4 " وحكم السكيب. PageV01P289 # وأيضا ما هو للرئيس وما عليه وعليك تعداد ما فيه من النسخ لم يجئ في ~~التوراة شريعة التقدمة للرئيس على إسرائيل ولم تجعل عليه بإزاء ذلك ~~المحرقات وتقدماتها وسكيبها في الأعياد والشهور والسبوت والمواسم بل ذكرت ~~التوراة أن هارون يأخذ من جماعة بني إسرائيل تيسين لذبيحة خطيئة وكبشا ~~لمحرقة " لا 16: 5 " وأن القرابين وذبائح السلامة وذبائح الكفارة وذبائح ~~الخطيئة والإثم، وسائر التقدمات يقدمها بنو إسرائيل بأنفسهم " انظر سفر ~~اللاويين من أوله إلى السادس منه ". وكان حق الكهنة على إسرائيل الساعد ~~والكرش من الذبائح والباكورات " تث 18: 3 و 4 " وقرابينهم وتقدماتهم، ~~وذبائح خطاياهم، وذبائح آثامهم، والابكار، والباكورات وحق بني لاوي على ~~إسرائيل هي العشور " عد 18: 8 - 22 ". وقد جاء في حزقيال ضد هذه الشرائع ~~فجعل على بني إسرائيل تقدمة للرئيس سدس الأيفة من حومر الحنطة والشعير أي ~~من سدس العشر من الحومر وبث من الزيت أي عشر الكر، وشاة واحدة من مائتين. ~~وجعل على الرئيس بإزاء ذلك المحرقات وتقدماتها وسكيبها في الأعياد، والشهور ~~والسبوت كل مواسم بيت إسرائيل، وهو يعمل ذبيحة الخطيئة والتقدمة والمحرقة ~~وذبائح السلامة للكفارة عن بيت إسرائيل " حز 45: # 17 ". # وعلى هذا فإن كان ما ذكرناه عن حزقيال صادرا عن وحي إلهي كما نسبه إلى ~~قول السيد الرب فلا محيص فيه عن القول بالنسخ في هذه الشرائع المختلفة ~~المتباينة، أو يقول بأنه من التشويش وتلاعب الأيام الطارئ على العهد القديم ~~كما بنى عليه إظهار الحق كلامه. # ولكن المتكلف لا يرضى بشئ من ذلك ويقول النسخ مناف لحكمة الله وعلمه " يه ~~4 ج ص 155 " وكتاب الله منزه عن الناسخ والمنسوخ " يه 4 ج ص 184 "، ويقول " ~~يه 1 ج ص 91 و 177 " ما حاصله إنه لما كان حزقيال مع بني إسرائيل في سبي ~~بابل ذكر لهم الهيكل والفرائض المقدسة ليؤكد لهم أن المولى سيعيدهم إلى ~~وطنهم وتشويقا لهم إلى تلك ms221 الأوقات السعيدة. # وثانيا: إن عبارته نبوية استعارية يشير بها إلى أمجاد المسيح فأطلق ~~الهيكل PageV01P290 # على كنيسة المسيح. وعلى كل حال فلا يوجد أدنى تناقض بين أقواله وسفر ~~العدد لاختلاف الموضوع فإن حزقيال لم يأت بما ينافي شريعة موسى. # أقول: قد ذكرنا لك موارد المناقضة والمنافات بين ما يذكر عن شريعة حزقيال ~~وشريعة موسى، فطابق أنت لأجل الاستيضاح ما بين الخامس والأربعين والسادس ~~والأربعين من حزقيال وما بين شريعة التوراة وخصوص الثامن والعشرين والتاسع ~~والعشرين من العدد وقل ما ترضاه لك حرية ضميرك ومجد فهمك وشرف صدقك ومعرفتك ~~وانظر إلى أنه هل يرضى لك ذلك أن تقول لا نسخ ها هنا ولا تناقض ولا منافاة ~~بل إن عبارة حزقيال نبوية استعارية تشير إلى أمجاد ملكوت المسيح فأطلق ~~الهيكل على كنيسة المسيح أم تقول بابتداء فهمك وأول فطرتك أين هذه المقامات ~~وأين الهيكل وأين الكنيسة بل لا بد للكلام من معنى، وللإشارة قانون يميزها ~~عن الهذيان، وأن للكلمات نقادا وللحقائق رصادا وليس كل الناس أبناء الحياد ~~عن الصواب ولا سيما هذه الأجيال المتنورة. # 30 و 31... التوراة والمسيح والطلاق والتزوج بالمطلقة. # شرعت التوراة طلاق الرجل لامرأته إذا لم تجد نعمة في عينه لأنه وجد فيها ~~عيب شئ وشرعت أيضا تزوج رجل آخر بهذه المطلقة " تث 24: 1 - 4 "، ونسخ ~~الإنجيل هذا الحكم بقوله عن المسيح من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها ~~تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني " مت 5: 32 و 19: 19 ومر 10: 11 و 22 ولو ~~16: 18 ". # وقد حاول المتكلف في تبديل الإنجيل لشريعة التوراة في الطلاق والتزوج ~~بالمطلقة أن يجعله من قسم التخصيص المصطلح لا من قسم النسخ " انظر يه 4 ج ص ~~170 و 171 " فأطال وحرف وخلط فراجعه. وهذا أما من عدم الوصول إلى الفارق ~~المعنوي المميز بين التخصيص والنسخ، وأما من الفرار إلى التمويه ~~والمغالطات. # فاعلم أن التخصيص في الاصطلاح هو أن يأتي المتكلم في خطابه بلفظ عام ~~ولكنه لا يريد منه العموم لجميع أفراده بل يريد بعضها، وحينئذ ms222 يلزمه في ~~PageV01P291 # قانون التفيهم وصحة الخطاب أن يأتي على وفق مراده من العام بالمخصص ~~المتصل أو المنفصل ليكون بيانا للمراد قبل أن يحضر وقت العمل من المخاطب ~~فينكشف بالمخصص ويتبين مقدار ما أراده من العام في أول الأمر وحين الخطاب. # مثاله: أن يقول المتكلم أكرم الكتاب وهو يريد من عموم الكتاب من لم تكن ~~عادته التمويهات ومزخرفات الأباطيل، فعليه في قانون البيان أن يقول متصلا ~~أو منفصلا قبل حضور وقت الاكرام المأمور به لا تكرم كتاب التمويهات ~~والأباطيل. فالتخصيص المصطلح هو البيان لإرادة البعض من أفراد العام في أول ~~الخطاب. # وأما إذا تأخر ورود الخاص عن وقت العمل بالعام واستمر العام على عمومه ~~مئات من السنين وصح العمل بجميع أفراده اعتمادا على عموم لفظه في هذه المدة ~~كما في شريعة التوراة في الطلاق فليس ذلك من التخصيص المصطلح بل إنما هو ~~نسخ ورفع للحكم عن بعض أفراد العام بعد إرادة المتكلم لعمومه فإنه لو ملم ~~يرد عمومه على طبق اللفظ لوجب عليه في الحكمة أن يبين مقدار مراده من أفراد ~~العام قبل حضور وقت العمل، ولا يؤخره عن ذلك، فإنه يكون هذا التأخير مغريا ~~بالجهل مقصرا في بيان المراد عند الحاجة إلى البيان ولا شكر في قبح ذلك في ~~حكمة الكلام وصواب المحاورات. # فيكشف ورود الخاص قبل وقت العمل عن إرادة بعض أفراد العام حين الخطاب وهو ~~معنى التخصيص المصطلح. # ويكشف تأخر الخاص عن وقت العمل عن أن العموم مراد من حين الخطاب إلى حين ~~مجيئ الخاص فيكون الخاص رافعا لحكم العام المراد على عمومه وهذا من حقيقة ~~النسخ الذي كشفنا عن معناه في أول المقدمة، فإن صح صح النسخ بجميع أقسامه ~~ولو كان النسخ باطلا لكان هذا باطلا أيضا لأن الجهة فيهما واحدة وهي رفع ~~الحكم الثابت والشريعة السابقة. # ولا يخفى أن حكم التوراة في الطلاق عام لكل عيب في المرأة حتى عيب ~~PageV01P292 # سوء الخلق والخلقة ولم يبين تخصيصه في التوراة ولا من موسى بعيب الزنى بل ~~عمل بنو ms223 إسرائيل بالعموم وصاروا يطلقون من لم تجد نعمة في أعينهم لكل عيب ~~إلى زمان المسيح، كما يشهد بذلك الإنجيل الرائج في نقله لكلام المعترضين ~~على المسيح في أمر الطلاق وإقرار المسيح لاعتراضهم، وجوابه بأن موسى جوز ~~لهم ذلك من أجل قساوة قلوبهم " مت 19: 1 - 9 ومر 10: 2 - 6 " وهذا هو ~~النسخ، فإن فر المتكلف من تسميته نسخا، واقترح الخلط في الاصطلاح بتسميته ~~تخصيصا جاريناه، وقلنا: إن محل كلامنا هذا النحو من التخصيص. # ومن الظرائف المؤنسة أن المتكلف قد نسي موضوع الكلام في هذا المقام وهو ~~الطلاق فعقبه كالمستنتج بقوله: # وقد أقام المسيح دليلا مقنعا باهرا على أن المولى سبحانه وتعالى خلق لآدم ~~حواء ولو كان تعدد الزوجات جائزا لخلق له امرأتين ولكن المولى سبحانه ~~وتعالى هو العليم الحكيم يضع كل شئ في محله ويعرف ما يكون سببا في عمار ~~البيوت وما يعجل بخرابها غير أن الإنسان زاغ عن شريعة الله لفساده وانحرافه ~~وقسوته وتكبره وإعجابه بنفسه. # فنقول أولا: ما ربط هذا الكلام بمسألة الطلاق ونسخه، وأي تعلق له بما ~~قبله من الكلام. # وثانيا: ما ربطه بالاحتجاب المنسوب إلى المسيح فإنه مع ما ذكرنا فيه من ~~الوهن مسوق لعدم التفريق بين الرجل وامرأته " انظر مت 19: 4 - 7 ". # وثالثا: إن هذا النحو من الاحتجاج يبطل عليهم مشروعية رهبانيتهم وترك ~~الزواج فيقال لهم لو كانت الرهبانية وترك الزواج جائزا لما خلق الله لآدم ~~زوجة، ولكن الله هو العليم يعلم ما يكون سببا في تناسل البشر وحفظ النوع ~~غير أن الإنسان يبتدع ما لم ينزل الله به من سلطان. # ورابعا: إن هذا الاحتجاج من المتكلف إنما تكون له صورة غير قبيحة إذا ~~قلنا بوجوب تعدد الزوجات عقلا وفي كل شريعة، وأما إذا قلنا بالجواز فلا ~~يصلح هذا الاحتجاج حتى لمغالطة، إذ نقول: إن الله اختار لآدم أحد ~~PageV01P293 # الأمرين الجائزين، بل لا بد أن يكون على أحد الأمرين الجائزين على كل ~~حال. # وخامسا: قد قلنا في هذا الاحتجاج المقنع الباهر: يقتضي أنه لا يجوز لبس ms224 ~~الثياب لأن الله خلق آدم وحواء عريانين وبقيا على ذلك مدة من الزمان، فلو ~~كان لبس الثياب جائزا لخلق لهما ثيابا من أول الأمر، ولكنه لم يكن من البدء ~~هكذا. # " فإن قلت ": إن الله قد صنع لهما بعد ذلك أقمصة من جلد. # " قلت ": وقد شرع الله لموسى شريعة الطلاق، وبقيت هذه الشريعة باعتراف ~~المتكلف نحو ألف وخمسمائة سنة والكل من الله وفي الكل لم يكن من البدء ~~هكذا. # وأما قوله ولكن المولى هو العليم الحكيم يضع كل شئ في محله إلى آخره فأمر ~~المتكلف دائر فيه بين أمرين إما أنه لا يبالي بما يقول ولا دراية له لا من ~~العهد القديم ولا من أهل العلم بأن تعدد الزوجات كان جائزا قبل المسيح في ~~الشريعة، وعلى جوازه نصت التوراة. سامحناه فيما فعله إبراهيم ويعقوب لزعمه ~~الفاسد أنه لم تكن قبل موسى شريعة. # ولا نقول له إن جدعون النبي بدلالة تكرر كلام الله معه كما في السادس ~~والسابع من القضاة قد كانت له نساء كثيرات " قض 8: 30 ". # وكذا داود النبي وسليمان، لأنا قد ألفنا من أدب المتكلف أن يقول إن هؤلاء ~~فعلوا خلاف الشريعة وأخطأوا وتابوا فعاقبهم المولى. ولكنا نقول له إن ~~التوراة صريحة في جواز تعدد الزوجات " انظر تث 21: 15 - 18 " فكيف وضع الله ~~هذه الشريعة؟ أتراه يريد أن يخرب بيوت شعبه وأبنائه بل ابنه البكر " خر 4: # 22 و 23 وار 31: 9 ". # وإما أن يكون المتكلف يعرف ذلك من التوراة والعهد القديم ولكنه كما يظهر ~~من أواخر كلامه هاهنا قد نخسه ما ينقل من عقيدة " ماني كيز " وأصحابه حيث ~~يقولون إن الذي أعطى موسى التوراة وكلم الأنبياء الإسرائيلية ليس باله بل ~~شيطان من الشياطين أو الإله الثاني خالق الشر نقله إظهار الحق في الجزء ~~PageV01P294 # الثاني عن تاريخ " بل " وتفسير " لاردنر "، أو أنه أخذ ذلك مما عن قول " ~~بولس " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها " عب 7: 18 ~~"، فإنه لو كان الأول بلا عيب لما وجد موضع لثان " عب ms225 8: 7 ". # أو من القول المنسوب للمسيح الحق، الحق أقول لكم إني أنا باب الخراف جميع ~~الذين جاءوا قبلي هم سراق ولصوص " يو 10: 7 و 8 "، أو مما نقله " وارد ~~كاتلك " عن كتاب للوطر " من قوله نحن لا نسلم موسى ولا توراته لأنه عدو ~~عيسى. # وقوله إنه أستاذ الجلادين انظر إلى الوجه الحادي عشر من الفصل الرابع من ~~الباب الأول من إظهار الحق، أو قول " سايل " والرسالة المنسوبة " لعبد ~~المسيح الكندي " إن الله تساهل مع اليهود فأعطاهم أحكاما غير صالحة وفرائض ~~لا يحيون بها. # ثم من ذا الذي عناه بقوله غير أن الإنسان زاغ عن شريعة الله إلى آخر ~~كلامه، أتراه يعني موسى النبي في شريعة تعدد الزوجات، أم جدعون وداود، ~~وسليمان الأنبياء، أم جميع الناس من يعقوب ومن قبله ومن بعده من بني ~~إسرائيل أو أنبيائهم إلى زمان تحريمه في النصرانية. # وأما ادعاءه خراب البيوت بتعدد الزوجات فباطل بالوجدان لما نرى عليه ~~المسلمين منذ أربعة عشر قرنا. # بل إذا أعطيت الحكمة حقها من التدبر دلت بأوضح دلالة على أن الله الرؤوف ~~العليم الحكيم لم يكن ليخلق النساء أكثر من الرجال بأضعاف كما يشهد به ~~الإحصاء. ثم يشرع في أمرهن شريعة توجب حرمان أكثرهن عن قضاء الوطر من ~~الشهوة المقلقة التي أودعها الله فيهن ويسبب بشريعته تعطيلهن عن فائدة ~~التناسل التي جعل فيهن قابليتها مع أنها أشرف الفوائد وأحبها إلى الإنسان ~~فيبقين بمقتضى الشريعة في نكد عيش العزوبة والترمل حتى يترتب على ذلك ما ~~يترتب من العواقب الذميمة انظر إلى حوادث البشر ولولا محذور سوء القالة ~~لأشرنا إلى جملة منها، ولم يكن الله ليعطل الرجال عن بركة التناسل إذا عقمت ~~نساؤهم أو يئسن من المحيض أو مرضن مرضا مزمنا. PageV01P295 # 32 و.. الحلف لم تمنع التوراة من الحلف والقسم بل أمرت بعدم نقضه " عد ~~30: 2 ". # وقد منع الإنجيل منه بالكلية " مت 5: 33 - 38 ". # 33 و 34 و... القصاص والسياسة وقد شرعتها التوراة ونهت عن الاشفاق فيها " ~~خر 21: 23 - 25 ولا 24: # 19 و ms226 20 وتث 19: 21 ". # 35 و 36 و... الدفاع والمطالبة بالأموال وشرعت التوراة دفاع السارق ولو ~~بقتله والمطالبة بالأموال وغراماتها والمحاكمة فيها انظر إلى الثاني ~~والعشرين من الخروج. # ونهى الإنجيل الرائج عن القصاص والسياسة والدفاع والمطالبة بالأموال، ~~وجعل ذلك من مقاومة الشر بالشر " مت 5: 38 - 42 ولو 6: 29 ". # 37 و... الصوم وقد كثر في العهد القديم ذكره والتقرب والتضرع به إلى الله ~~" قض 20 26 ومر 35: 13 واش 58: 3 - 7 وزك 7: 5، 6 " وغير ذلك، وكذا في ~~العهد الجديد " مت 4: 2 " وكان تلاميذ المعمدان يكثرون منه. وقد أبطله نقل ~~الإنجيل عن المسيح وألغاه عن تلاميذه ما دام موجودا فيهم وضرب الأمثال لعدم ~~مناسبته " انظر مت 9: 14 - 18 ومر 2: 18 - 23 ولو 5: 33 - 39 ". # 38 و... الإنجيل والإنجيل بشارة الرسل في الإنجيل أن المسيح أوصى تلاميذه ~~في أول الأمر حين أرسلهم للتبشير بقوله إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة ~~للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى إلى خراف إسرائيل الضالة " مت 10: 5 ~~و 6 ". # ويؤيد هذا الحكم وظهوره في الدوام ما عن قوله المسيح لم أرسل إلا إلى ~~خراف بيت إسرائيل الضالة. ثم نسخ هذا الحكم ورفعه بما عن قوله للتلاميذ ~~PageV01P296 # أيضا فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس ~~وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به " مت 28: 19 و 20 ". # وقوله أيضا: اذهبوا إلى العالم أجمع واكروزا بالإنجيل للخليفة كلها " مر ~~16: 15 ". # " تنبيه " جاء في الإنجيل أن المسيح أمضى شريعة موسى على متبعيه وثبتها ~~وأمر باتباعها بقوله للجموع وتلاميذه، على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون ~~فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه " مت 23: 1 - 3 ". # ومقتضى إنجيل " متى " إن هذا الكلام كان في " أورشليم " قبل الفصح الذي ~~جرت فيه حادثة الصليب بيومين " انظر مت 23 - 26: 2 " فيكون في أواخر أيام ~~المسيح على الأرض وبناء عليه تكون شريعة التوراة شريعة المسيح باعتبار هذا ~~الإمضاء والتثبيت والأمر بالاتباع لها، فكل نسخ جاء بعد هذا من الرسل ~~لشريعة التوراة يرجع في الحقيقة ms227 إلى نسخ شريعة موسى والمسيح. # 39 و... والتوراة والرسل والختان وهو شريعة الله لإبراهيم وذريته ومتبعيه ~~وعلامة عهده معهم " تك 17: # 9 - 15 ". # وشريعة موسى " لا 12: 3 " وقد جعله شرطا في جواز الأكل من الفصح " خر 12: ~~43 - 49 " وقد استمرت هذه الشريعة إلى أن ختن بها المسيح " لو 2: # 21 " وبقيت مستمرة ما دام في الأرض وبعد ذلك مدة في زمان الرسل، ثم نسخه ~~الرسل ورفعوا وجوبه عن المؤمنين من الأمم في ضمن ما رفعوه في المشورة بينهم ~~" انظر خامس عشر الأعمال "، ثم نسخه " بولس " ورفعه رفعا كليا " انظر رومية ~~3: 1 و 30 و 4: 10 - 13 و 1 كو 7: 18 - 20 وغل 6: 15 ". # وقد أطال المتكلف في كلامه في هذا المقام ولم يأت فيه إلا بتناقض أطرافه ~~وسوء الحياد عن الجواب " انظر يه 4 ج ص 175 و 176 ". # قلنا: أيها الكاتب إن الختان الذي كان واجبا في شريعة إبراهيم وشريعة ~~PageV01P297 # موسى إلى شطر من أيام الرسل إما أن تقول فيه إن وجوبه مختص بذرية إبراهيم ~~وإن شريعة التوراة لا تعم غير بني إسرائيل، ونسامحك عما في هذه الدعوى من ~~مخالفة العهدين، وإما أن تقول بأن شريعته عامة لكل الناس وإنه علامة عهد ~~الإيمان بين الله وبين المؤمنين. # وعلى كل تقدير فقل هل هو إلى الآن واجب على نحو وجوبه الأول. وإن الرسل ~~لم يتعرضوا لرفع وجوبه بوجه من الوجوه وغاية ما بينوا أنه لا يخلص بدون ~~الإيمان، أو تقول إنه الآن ومن زمان مشورة الرسل في شأنه غير واجب بوجوب ~~شريعته السابقة بل رفع ثقله لأنه كان رمزا إلى المعمودية والمعمودية تشير ~~إلى الغسل بدم المسيح، وقد انقضى زمان الرمز وجاء زمان الخلاص المرموز ~~إليه. أجب بأحد الأمرين ثم اعرف أين تقول فلا ناسخ ولا منسوخ. # عبد المسيح الكندي ومن الظرائف المؤنسة أنه قد ظهرت في القرون المتأخرة ~~رسالة نصرانية تنسب لعبد المسيح الكندي وأنه كان في زمان بني العباس ومن ~~جملة ما فيها قوله إن الله جل اسمه لما كان ms228 مزمعا أن يدخل بني إسرائيل ~~الذين هم ولد إبراهيم إلى أرض مصر ولم يزل عالما أن الشره سوف يحملهم على ~~ارتكاب الفواحش التي حرمها عليهم ونجس أهلها جعل هذا سببا لمن أراد ارتكاب ~~الفاحشة من امرأة مصرية نظرت إلى هذه العلامة التي في جسده وهي الختان ~~فامتنعت ولم تواته فوسمهم الله بهذه السمة لهذه العلة. # أقول: وغرضه من هذا الكلام هو أن يعتذر عن تركهم للختان بمجرد المشورة في ~~رفعه مصانعة للأمم مع أنه عهد الله الذي يحفظ في الأجيال. وعلامة العهد ~~بينه وبين المؤمنين، والذي لا يختتن يقطع من شعبه لأنه نكث عهد الله " تك ~~17: 9 - 15 ". # وشريعة موسى وشرط في عمل الفصح والأكل منه كما أشرنا إليه، ولكن هذا ~~الرجل لو لم يعتذر لكان خيرا لأدبه مع أنبياء العهدين ولاعتذراه مثل مشهور ~~في الشعر فإنه حاول أن يتخلص من اللوم بكذبة ينسب فيها أنبياء العهدين إلى ~~PageV01P298 # غاية الجهل بالحقائق، وأسرار الأحكام من " يوشع " النبي إلى رسل العهد ~~الجديد ويكون هو أعرف منهم بوجوه الأحكام وحقائق الشريعة، وإذ عرف المجيب ~~هذه العلة فليقل لماذا جاء في كتب إلهامهم أن الله أمر يوشع أن يختن بني ~~إسرائيل من ابن أربعين سنة فما دون فحملهم هذا الأذى الشديد وعرضهم لفتك ~~العدو بهم قبل ما يبرأون من جراحة الختان وقال بختانهم اليوم دحرجت عنكم ~~عار مصر وهي " غرلة الشرك " هذا كله وقد مضى لهم من خروجهم من مصر أربعون ~~سنة " انظر يش 5، 2 - 10 " ولماذا لم يتنبه باقي أنبياء بني إسرائيل إلى ~~هذه العلة في الختان ليرفعوه؟ ولماذا لم يخبرهم الروح القدس بذلك؟ ولماذا ~~لم يرفعه المسيح لهذه العلة ويحتج بها لرفعه كما احتج للنهي عن الطلاق مع ~~أن صورة الاحتجاج بها أوجه من صورة حجة الطلاق الواهية كما عرفت. # وأيضا لماذا أمر التلاميذ والجموع بحفظ ما يقوله الكتبة والعمل به لأنهم ~~جلسوا على كرسي موسى مع أنه يعلم أنهم يشددون في وجوب الختان. ولماذا لم ~~يرفعه الرسل لأجل هذه العلة بل ms229 أبقوا شريعته بعد المسيح مدة تزيد على خمسة ~~عشر سنة، ولماذا لما أرادوا دفعه عن الأمم مصانعة بالتخفيف عنهم لم يحتجوا ~~لرفعه بهذه العلة بل تشبثوا لرفعه بمجرد استحسانهم للتخفيف عن الأمم ورفع ~~الثقل عنهم " انظر خامس الأعمال بتمامه ". # وأيضا صرح العهد الجديد عن قوله " بولس " إن إبراهيم أخذ علامة الختان ~~ختما لبر الإيمان الذي كان في العزلة " رو 4: 11 " ولم يعلله بولس بما ذكره ~~هذا الرجل تمويها من دون تدبر. # وأيضا لماذا لم يحتج بولس بهذه العلة مع أنه لهج في كتبه برفعه وتقلب في ~~وجوه الاحتجاج لذلك. # هذا وإني أحاشي الحواريين من التعرض لرفع الختان وإنما هو ممن حاول أن ~~يستجلب الأمم إلى رئاسته ولو بهدم الشريعة، وإنما نسبته لهم جدلا لمن ينسبه ~~لهم، ويتضح مما ذكرنا أن هذا الرجل يدعي معرفته بشئ جهله الأنبياء والمسيح ~~ورسل العهد الجديد، وإذا اتضح ما ذكرنا فإني أرجو رجاء ناصح من عموم ~~النصارى وخصوص المقلدين لأكابرهم أن لا يقبلوا قول أكابرهم حتى PageV01P299 # يفصحوا عنه ولا أقل من مطابقته مع العهدين التي هي كتب إلهام عندهم، فإني ~~على يقين بأن العهدين على ما فيهما مباينان لأكثر أقوال الأكابر مبطلان ~~حججهم ودعاويهم، ولا يخفى على عاقل أن الله جل شأنه لا يقبل من العباد ~~عذرهم عن ضلالهم بقولهم: أطعنا ساداتنا وكبرائنا واعتمدنا على أقوالهم في ~~الدين والإيمان، كيف وقد اتضح بفضل الله مصادمة أقوال الأكابر لكتب العهدين ~~التي هي دستور ديانتهم كما عرفته وتعرفه إن شاء الله من متفرقات هذا ~~الكتاب. # فإن تقدم الناس في الطبيعيات والرياضيات والصنائع ليبشرهم بالتقدم في ~~معرفة حقائق الدين وأصول معارفه إذا نظروا وبحثوا في جميع مقدماتها ولم ~~يعتمدوا على قول فلان وفلان، والمجمع الفلاني، والمصلح الفلاني، قال الله ~~تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ". # فليعتبر ذو الرشد بأقوال المتكلف في كتابه وأنه كيف كان يراها قبل أن ~~يطلع على هذا الكتاب الذي خدمنا به الحق وطالبيه، أفلم يكن يراها ببادئ ~~نظرة واضحة الصواب ms230 قوية الحجة سديدة الشواهد، وأني أسأله بفضيلة الصدق كيف ~~يراها بعد ما اطلع على كتابنا مع أني لم أستقص ذكر ما فيها؟ أفلم يحصل له ~~الشك في صوابها أقلا. # اللهم أنعم على عبادك بهداك وخذ بأيديهم بتوفيقك إلى الصراط المستقيم إنك ~~أرحم الراحمين. # 40 و... الحيوانات النجسة والمحرم أكلها لا يخفى أن التوراة قد حرمت لحوم ~~كثير من الحيوانات وصرحت بنجاستها ونجاسة حيواناتها " انظر إلى الحادي عشر ~~من اللاويين والرابع عشر من التثنية وقد سبق شئ من ذلك في شريعة نوح بمقتضى ~~نقل التوراة إجمالا " تك 8: # 20 ". # وقد أبيحت هذه المحرمات وحكم بطهارتها في العهد الجديد بما عن بطرس " ا ع ~~10: 11 - 17 " واتفاق الرسل " ا ع 15: 28 و 29 " وعن " بولس " PageV01P300 # " رو 14: 14 و 20 وتي 1: 15 واتي 4: 4 ". # وقد أورد المتكلف في مكابرته لإظهار الحق ها هنا كلاما طويلا لم يفز فيه ~~حتى بحسن الأدب " انظر يه 4 ج ص 171 - 173 ". # وأن لسان الحال من إظهار الحق ليقول له أيها الكاتب المنصف البصير إني ~~أقول إن الحيوانات التي نجستها التوراة وحرمت لحمها قد طهرها العهد الجديد ~~حكاية عن رسله وأباح أكل لحمها فنسخ حكم التوراة وبدله يحكم مخالف له، وأنت ~~تقول إن العهد الجديد صادر عن وحي الله إلى الرسل، وإن أحكامه أحكام الله، ~~وكذا التوراة فلا محيص لك عن القول بالنسخ في الأحكام الإلهية وليس من ~~جوابي أن تقول تعصب أعمى. موسوسين. جوهر الدين سلام. # فرح. محبة. خرافات. ضلال. بل الجواب إما أن تقول بأن التنجيس وتحريم ~~الأكل اللذين في شريعة التوراة هما حكم الله لمصلحة أو لا لمصلحة ثم رفعه ~~الله في العهد الجديد وبدله على لسان رسله بالإباحة والطهارة لأجل طهارة ~~المؤمنين بالمسيح وبرهم وخلاصهم ببركة سر الفداء وذبيحة الفادي الكريم ~~وتعليقه على الخشبة أو ما تشتهي من الأسباب، ونسمح لك بأن لا تسمي هذا نسخا ~~بل سمه بما تشتهي إذا كان المعنى محفوظا، وإما أن تقول بمحضر أصحابك ~~المنصفين لا بمحضر غيرهم من ms231 المتعصبين إن الحيوانات التي نجستها التوراة ~~وحرمت أكل لحمها لم يبدل حكمها في العهد الجديد بالطهارة والإباحة ولا يدل ~~كلام الرسل ولا كلام " بولس " على شئ من ذلك بل إن حكمها المذكور في ~~التوراة باق على حاله لم يرفع ولم يبدل، فإن ردوا عليك وقالوا لك إذا فمن ~~أين جاءت الإباحة العامة والطهارة العامة في الديانة النصرانية الرائجة بين ~~جميع النصارى في أجيالهم، فتنبه من غفلتك وأعد النظر في كل ما قلته في ~~كتابك وأنب إلى الحق وإن اتفقوا على تصديقك فقل فيما بينهم متحمسا بملء فمك ~~متناسيا لما قدمناه من أمثلة النسخ. # كما كتبته في كتابك " 4 ج ص 156 و 157 " أن الديانة الصحيحة منزهة عن ~~وصمة النسخ، وأن الله العالم بالظاهر والباطن وأميال الناس وأحوالهم أنزل ~~كتابه المقدس منزها عن الناسخ والمنسوخ، ثم اضرب ما تشتهي من الأمثال ~~PageV01P301 # والهج في مجلسك بقولك، وعلى كل حال فلا ناسخ ولا منسوخ. # نعم: لا تقل ذلك بمحضر المتعصبين المطلعين على العهد الجديد الذين يعطون ~~الكلام حقه في أخذ معانيه على النهج العقلائي في المحاورات خصوصا الكلام ~~المنسوب إلى الإلهام، ولا يجعلون صريحه رموزا جزافية على مقتضى شهواتهم ~~فإنهم يحضرون لك من العهد الجديد نسخا عديدة من تراجمكم ومطابعكم ويرونك ~~ويقرأونك ما في حادي عشر الأعمال عن وحي " بطرس " 5 أنا كنت في مدينة يافا ~~أصلي فرأيت في غيبة رؤيا إناء نازلا مثل ملاءة عظيمة مدلاة بأربعة أطراف من ~~السماء فأتى إلي 6 فتفرست فيه متأملا فرأيت دواب الأرض والوحوش والزحافات ~~وطيور السماء 7 وسمعت صوتا قائلا لي قم يا بطرس اذبح وكل 8 فقلت كلا يا رب ~~لأنه لم يدخل في فمي قط دنس أو نجس 9 فأجابني صوت ثانيا من السماء ما طهره ~~الله لا تنجسه أنت 10 وكان هذا على ثلاث مرات. وفي خامس عشر الأعمال عن حكم ~~الرسل وكتابتهم بعد الاجتماع والمشورة 28 لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن ~~لا نضع عليكم ثقلا أكثر غير هذه ms232 الأشياء الواجبة 29 أن تمتنعوا عما ذبح ~~للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى. # وعن " بولس " في رابع عشر رومية 14 أني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس ~~شئ نسجا لذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس 20 كل الأشياء طاهرة. # وفي رابع " تيموثاوس " الأولى 4 لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شئ إذا ~~أخذ مع الشكر 5 لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة. # وفي أول " تيطس " 14 لا يصغون إلى خرافات يهودية ووصايا أناس مرتدين عن ~~الحق 15 كل شئ طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شئ طاهرا بل ~~قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم، أفنقول بعد هذا وعلى كل حال فلا ناسخ ولا ~~منسوخ؟ # إلا أن ينقدح في ضميرك شئ من هذا المنقول عن الرسل لأجل تعاضد ~~PageV01P302 # ظهوره في التنديد بالشريعة السابقة وتبكيتها على حكمها بالتحريم والتنجيس ~~كما يعطيه قولهم ما طهره الله فلا تنجسه أنت، ليس شئ نجسا بذاته كل الأشياء ~~طاهرة كل خليقة الله جيدة لا يصغون إلى خرافات يهودية إلى آخره. # وفي ثاني " كولوسي " 20 إذا إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم ~~فلماذا كأنك عائشون في العالم تفرض عليك فرائض 21 لا تمس لا تذق، ولا تجس ~~22 التي هي جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعليم الناس؟ # وسيأتي إن شاء الله ما يشبه هذا. # 41 و 42 و... الذبائح وأحكام الكهنة ذكرت التوراة أحكاما كثيرة في ~~الذبائح والمحرقات وأحكام الكهنة هارون وبنيه في أجيالهم " انظر إلى الثامن ~~والعشرين والتاسع والعشرين من سفر الخروج وإلى سفر اللاويين بتمامه " وقد ~~رفعت هذه الأحكام كلها وبدلت بمقتضى المكتوب في العهد الجديد عن الرسل انظر ~~أقلا من السابع إلى نهاية العاشر من رسالة العبرانيين. # ولقد شذ الكلام ها هنا بالمتكلف " انظر يه 4 ج ص 177 - 181 " وكان الذي ~~عليه أن يجيب بإحدى كلمتين، إما أن يقول إن الأحكام المشار إليها لم ترفع ~~بل هي باقية في شريعة الحق على ما كانت عليه إلى ms233 الآن، وإما أن يقول إنها ~~رفعت من زمان الرسل كما يقول العهد الجديد لأجل حصول الغاية التي كانت تلك ~~الأحكام ترمز وتشير إليها، ودعه يقول بعد هذا فلا ناسخ ولا منسوخ في كتب ~~الله. # 43 و... السبت والأحد والسابع والأول لا يخفى أن يوم الأحد هو اليوم ~~الأول من الأسبوع كما يشهد به اسمه وانظر " مت 28: 1 ومر 16: 2 و 9 ولو 24: ~~1 ويو 20: 1 و 19 ". ويوم السبت هو اليوم السابع من الأسبوع وهو الذي استمر ~~من لم يرتد إلى الوثنية من بني إسرائيل على تعظيمه وتقديسه والاستراحة فيه ~~حسب الوصية من عهد موسى إلى الوقت الحاضر، وكذا المؤمنون بالمسيح وخواصه ~~إلى حادثة الصليب " انظر PageV01P303 # لو 23: 56 " ولم يذكر أن المسيح أبطله، وإنما عارضه اليهود إذ شفي فيه ~~المرضى فجعلوا ذلك منه نقضا للسبت، وقد أخطأوا ولم يتدبروا أن مثل هذا لا ~~يعد من الأعمال المحرمة في السبت ولا يكون نقضا له، ولذا احتج عليهم المسيح ~~بذلك " أنظر مت 12: 3 و 11 و 12 ولو 13: 15 و 16 ". # نعم: نقض النصارى حكمه المؤكد في مواضع كثيرة من التوراة وصرح بنسخ حكمه ~~ورفعه ما عن " بولس " في ثاني " كولوسي " 16 فلا يحكم عليكم أحد في أكل ولا ~~شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت. # وفي رابع غلاطية في صرف أنظار الغلاطيين عن الناموس بعد أن ذكر في الثالث ~~ما ذكر قال 9 وأما الآن إذ عرفتم الله بل بالحري عرفتم من الله فكيف ترجعون ~~أيضا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد 10 ~~أتحفظون أياما وشهورا وأوقاتا وسنين 11 أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم ~~عبثا. # وقد أطال المتكلف هاهنا " انظر يه 4 ج ص 173 - 175 " وحاصل ما عنده إن ~~الله يطلب من الإنسان سبع وقته، وإن معنى السبت الراحة وهو ينطبق على أول ~~الأسبوع كما ينطبق على سابعه وقد تخصص يوم السبت بيوم قيامة المسيح وهو يوم ~~الأحد ومعنى الوصية السابقة ms234 في التوراة هو أن نحفظ سبع وقتنا فلم يقل " ~~يعني الله جل اسمه " أذكر اليوم السابع لتقدسه، وكذا لم يقل الكتاب إن الرب ~~بارك اليوم السابع بل قال إن الرب بارك يوم السبت وقدسه " انظر ص 174 س 3 و ~~4 ". # أقول: " أولا " بعد الإغماض " عما هو معلوم نسأل المتكلف أن السبت الذي ~~في شريعة التوراة هل كان معينا باليوم السابع أو مخيرا فيه بين أسباع ~~الأسبوع وأيامه أو مخيرا فيه بين اليوم الأول والسابع، فإن كان معنيا ~~باليوم السابع كان تبديله بيوم آخر وهو الأول نسخا إن كان التبديل عن وحي ~~وإلا كان ضلالا، وإن كان مخيرا فيه بين أسباع الأسبوع كان أيضا تعيينه بيوم ~~الأحد نسخا لحكم التخيير أو ضلالا، وكذا إن كان مخيرا فيه بين الأول ~~والسابع. # " وثانيا " إن النظر في التوراة الرائجة يكشف عن أن المتكلف لم ينظر ~~إليها PageV01P304 # أو لم يفهم ما فيها أو أنه قد أقدم على التمويه اقتحاما وغرورا من دون ~~نظر إلى العواقب. # فإن نص التوراة في ثاني التكوين 1 فأكملت السماوات والأرض وكل جندها 2 ~~وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من ~~جميع عمله الذي عمل 3 وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه فيه استراح من ~~جميع عمله الذي عمل الله خالقا. # أنظر الأصل العبراني والتراجم وفكر في نفسك واطلب من الله هداك ونجاة ~~نفسك التي هي أعز الأنفس عليك، ولا تقل إذا كيف يقول المتكلف " لم يقل ~~الكتاب إن الرب بارك اليوم السابع " ولا تقل كيف يكون هذا وقد طبع كتاب ~~المتكلف بمعرفة المرسلين الأمريكان، ولا تقل " شنشنة أعرفها من أخزم " فإن ~~هؤلاء لهم وظائف يخدمونها، وقد درت أرزاق الجمعيات وتوفرت الأموال، وأمنوا ~~وبال العواقب، وزيادة على هذا قد باعوا هذا الكتاب بالذهب فعليك بنفسك. # وفي العشرين من الخروج 8 أذكر يوم السبت لتقدسه 9 ستة أيام تعمل وتصنع ~~جميع عملك 10. # وأما اليوم السابع ففيه سبت عطلة للرب إلهك لا تصنع عملا ما ms235 أنت وابنك ~~وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك 11 لأن في ستة أيام ~~صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع لذلك ~~بارك الرب يوم السبت وقدسه، ونحوه في الحادي والثلاثين من الخروج أيضا " 12 ~~- 18 ". # ولا يخفى على الفاهم والغبي إذا نظر إلى مجموع ما ذكرناه هاهنا عن ثاني ~~التكوين والعشرين من الخروج أن يوم السبت إلي أوصت التوراة بتقديسه ~~والاستراحة فيه إنما هو اليوم السابع الذي ذكرت التوراة نفسها في شأنه في ~~ثاني التكوين أن الله بارك اليوم السابع وقدسه لأنه استراح فيه من عمله. ثم ~~ذكرت في العشرين من الخروج لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر ~~وكل PageV01P305 # ما فيها واستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرب يوم السبت " أي يوم ~~الراحة " وهو السابع كما يفهمه من هذا الكلام كل أحد. # 44 و... الناموس والعهد الجديد لا كلام للنصارى في أن الله أنزل على موسى ~~شريعة مدونة في كتاب اسمه التوراة واتفقوا على أن ذلك الكتاب هو أسفار ~~التوراة الخمسة الموجودة بأيدي الناس بلا زيادة ولا نقصان، وفيها أن الله ~~يكلم موسى بالشريعة وجها لوجه كما يكلم الرجل صاحبه " خر 33: 11 " وفما إلى ~~فم وعيانا لا بالألغاز " عد 12: 8 " وفيها عن قول الله فتحفظون فرائضي ~~وأحكامي التي إذا فعلها الإنسان يحيى بها " لا 18: 5 ". # وعن قول موسى الإلهامي وأي شعب هو عظيم له فرائض وأحكام عادلة مثل كل هذه ~~الشريعة التي أنا واضع أمامكم اليوم " تث 4: 8 ". # وفي المزمور التاسع عشر 7 ناموس الرب كامل. # وفي المزمور المائة والتاسع عشر 93 إلى الدهر لا أنسى وصاياك لأنك بها ~~أحييتني 142 وشريعتك حق و 151 قريب أنت يا رب وكل وصاياك حق 128) وفي كل شئ ~~مستقيمة. # وفي العشرين من حزقيال 11 وأعطيتهم فرائضي وعرفتهم أحكامي التي إن عملها ~~الإنسان يحيى بها. # وانظر إلى عدد 13 و 21 وفي تاسع نحميا 13 وأعطيتهم أحكامها مستقيمة ~~وشرائع صادقة فرائض ووصايا صالحة، وفي ms236 ثاني ملاخي 4 فتعلمون أني أرسلت ~~إليكم هذه الوصية لكون عهدي مع " لاوي " قال رب الجنود 5 كان عهدي معه ~~للسلام والحياة وأعطيته إياهما للتقوى فاتقاني ومن اسمي ارتاع هو شريعة ~~الحق كانت في فيه. # وفي خامس " متى " عن قول المسيح 17 لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو ~~الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل - 19، فمن نقض إحدى هذه PageV01P306 # الوصايا الصغرى وعلم الناس، هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات. # وفي الثالث والعشرين أيضا 1 حينئذ خاطب الجموع وتلاميذه 2 قائلا على كرسي ~~موسى جلس الكتبة والفريسيون 3 فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. # وقد سمعت عن الرسل أقوالهم في نسخ أحكام التوراة نسخا يقارب ملاشاتها، ~~وقد جاءت المجاهرة بملاشاتها فيما عن " بولس " في عاشر العبرانيين 9 ينزع ~~الأول ليثبت الثاني. # وفي ثالث " غلاطية " 13 المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة ~~لأجلنا 23 ولكن قبل ما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقا علينا ~~إلى الإيمان العتيد أن يعلن 24 إذ قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي ~~نتبرر بالإيمان 25 ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب، وهذا كلام ~~ليس فيه خدشة بشرف التوراة بل غاية ما فيه أنه ادعى وجها لملاشاة أحكامها ~~والاطلاق المريح من القيود الباهظة للأميال والشهوات، ولكن قد تقدم قريبا ~~عن رابع " غلاطية " 8 - 11 ما يشير إلى التوراة ويبين أنها أركان ضعيفة ~~فقيرة. # وتقدم قبله عن ثاني " كولوسي " 21 و 22 ما مضمونه أن الحكم بنجاسة بعض ~~الأشياء وحرمة أكلها إنما هو من وصايا الناس وتعليمهم ومن الفرائض التي ~~جميعها للفناء. # وتقدم قبل هذا أيضا عن أول " تيطس " 14 ما مضمونه أن الحكم بنجاسة بعض ~~الأشياء هو من الخرافات اليهودية ووصايا المرتدين عن الحق. # وفي سابع العبرانيين 18 فإنه يصير إبطال الوصية السابعة من أجل ضعفها ~~وعدم نفعها 19 إذ الناموس لم يكمل شيئا. # وفي ثامن العبرانيين أيضا 7 فإنه لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان ms237 ~~13 فإذا قال جديدا فقد عتق الأول، وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال، ~~وفي هذا المقدار كفاية وإن كان في الرسائل المنسوبة إلى " بولس " في العهد ~~الجديد أضعاف ذلك، على أنه مناقض لما عن قول " بولس " نفسه في PageV01P307 # ثالث " تيموثاوس " الثانية 16 كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم ~~والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر 17 ليكون إنسان الله كاملا متأهبا ~~لكل عمل صالح. # " تنبيه " إن ما ذكرناه عن " بولس " في " رومية " و " غلاطية " إنما كان ~~خطابا لليهود المؤمنين بالمسيح لينصرفوا عن العمل بالناموس، هذا وقد فر ~~المتكلف هاهنا كعادته إلى سر الفداء " انظر يه 4 ج ص 183 و 184 " وكأنه لا ~~يدري أنه لا ينفعه الفرار إذ لا بد من أن يقال له إن أحكام الناموس هل كانت ~~باقية على " بولس " واتباعه أم ارتفعت ولو لأجل سر الفداء ولا بد أن يقول ~~بالثاني وهو النسخ فإن ما عن " بولس " يصرح بأن المسيح نقض العداوة مبطلا ~~بجسده ناموس الوصايا في فرائض " أف 2: 5 " لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة ~~يصير تغير للناموس " عب 7: 12 ". # 45 و 46 و 47 و... الرسل وبولس وما ذبح للأوثان والمخنوق والدم قد تقدم ~~عن خامس عشر الأعمال عن الرسل أنهم بعد ما رفعوا قيود التوراة وثقلها ~~ونسخوها بمشورتهم أبقوا منها أربعة أشياء أوجبوا الامتناع عنها وهي ما ذبح ~~للأوثان، والدم والمخنوق والزنى " ا ع 15: 28 و 29 " وقد رفع ما عن " بولس ~~" وجوب الامتناع عن ثلاثة منها بعموم قوله كل شئ طاهر للطاهرين، وكل خليقة ~~الله جيدة ولا يرفض شئ منها إذا أخذ مع الشكر وغير ذلك مما تقدم ولكنه ~~اضطرب كلامه في خصوص ما ذبح للأوثان، فتارة رجح الامتناع عنه من أجل ضمير ~~الأخ الضعيف " 1 كو 8: 1 - 13 ". # وتارة منع منه بقوله: " إنما يذبحونه للشيطان فلست أريد أن تكونوا أنتم ~~شركاء الشياطين لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب، ومائدة شياطين أم نغير ~~الرب ألعلنا أقوى منه " كو 10: 20 ms238 - 23 " ثم قال بعد ذلك لماذا يحكم في ~~حريتي من ضمير آخر فإن كنت أنا أتناول بشكر فلماذا يفترى علي لأجل ما اشكر ~~عليه " 1 كو 10: 29 و 30 ". PageV01P308 # " تنبيه " اعلم أن الاصطلاح الأغلب أو الغالب هو النسخ رفع الله للحكم ~~الشرعي بعد وقت العمل به وقد ذكرنا في الجدل أمثلة ما وقع منه في العهدين ~~وهي وإن عددناها سبعة وأربعين مثالا على سبيل الإجمالي لكنها تنحل إلى ألوف ~~من الأمثلة وبقيت هاهنا أمثلة من العهدين منها ما لا تدل الواقعة المذكورة ~~على أن رفع الحكم فيها كان قبل وقت العمل. # وصاحب " إظهار الحق " جعل هذين القسمين من النسخ ولا مخالفة بينه وبين ~~الاصطلاح الأغلب إلا في أمر اصطلاحي يرجع إلى مجرد التسمية، وعلى كل حال ~~فما سنذكره من الأمثلة المقدمة في توهم المنع والمكابرة بدعوى الجهة ~~المانعة بل هي أولى بالامتناع بحسب مزاعم المتكلف لأن رفع الحكم فيها لم ~~يمض له زمان كثير من حين تشريعه، ومنه ما لا يبلغ الساعة والساعتين ~~والمتكلف يتضجر ويشدد النكير على رفع الحكم قبل أن تمضي لتشريعه مدة طويلة ~~" انظر يه 4 ج ص 184 س 10 - 14 "، بل إن سوق كلامه المشار إليه وما قبله ~~يعطي أنه يجوز رفع الحكم بل ملاشاة الشريعة السابقة بعد ألف وخمسمائة سنة، ~~ولا يجوز بعد شهر أو يوم، فهذه الأمثلة حجة عليه وعلى المتعرب في كلامه " ذ ~~" " ص 46 س 14 - ص 47 س 2 " ولكنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، وهاك ما ~~نذكره من الأمثلة. # 1 - نوح والحيوانات جاء في سادس التكوين عن قول الله لنوح 18 ولكن أقيم ~~عهدي معك فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك 19 ومن كل حي كل ذي ~~جسد اثنين من كل تدخل الفلك لاستبقائها معك تكون ذكرا وأنثى 20 من الطيور ~~كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها اثنين من كل ~~تدخل إليك لاستبقائها. # وفي سابع التكوين أيضا 1 وقال الرب لنوح ادخل أنت ms239 و جميع بيتك إلى الفلك ~~لأني إياك رأيت بارا في هذا الجيل 2 من جميع البهائم الطاهرة معك سبعة سبعة ~~ذكرا وأنثى ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا وأنثى 3 ومن طيور ~~السماء أيضا سبعة سبعة ذكرا وأنثى لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض، فقد تبدل ~~PageV01P309 # في شريعة الله لنوح حكم البهائم الطاهرة وطيور السماء ورفع حكمها الأول ~~وهو إدخال اثنين منها وبدل بحكمها الثاني وهو إدخال سبعة سبعة. # وفي سابع التكوين أيضا 13 في ذلك اليوم الذي عينه دخل " نوح " و " سام " ~~و " حام " و " يافث " بنو نوح وثلاث نساء بنيه معهم إلى الفلك 14 هم وكل ~~الوحوش كأجناسها، وكل البهائم كأجناسها، وكل الدبابات التي تدب على الأرض ~~كأجناسها، وكل الطيور كأجناسها، كل عصفور كل ذي جناح 15 ودخلت إلى نوح ~~اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة 16 والداخلات دخلت ذكرا وأنثى من كل ذي ~~جسد كما أمره الله. وهذا الخبر يوافق الحكم الأول ويخالف الحكم الثاني فهل ~~هو كاشف عن حكم ثالث رافع للثاني أو كاشف عن أن الأول هو الحكم الثاني ~~والثاني هو المنسوخ أو... # وقد حاول المتكلف أن يفر من هذا الاختلاف إلى غير النسخ فقال " يه 1 ج ص ~~186 و 4 ج ص 192 " إن الأمر الأول كان على وجه الاجمال بأن قال له خذ لك ~~زوجين من كل البهائم والطيور ولم يبين إذا كانت طاهرة أو غير طاهرة ثم أوضح ~~بعد ذلك بسطرين بأن يأخذ من الطاهرة سبعة لاستبقائها ولتقديم الذبائح منها ~~فهو تفصيل بعد إجمال وتقييد بعد إطلاق ولك أن تجعله من الجمع ثم التقسيم ~~وهو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه أو الجمع مع التفريق والتقسيم. # أقول: لا يخفى أن التفصيل بعد الاجمال أو التقسيم بعد الجمع أو الجمع مع ~~التفريق والتقسيم إنما هو أن يأتي الكلام مجملا مبهما في بعض مضامينه من ~~حيث المقدار أو النوع أو الكيفية ونحو ذلك فيأتي الكلام الثاني مبينا ~~ومفصلا لإبهام الأول ms240 من دون مضادة لمضمونه كما يقول القائل أرسل العسكر مع ~~إبهام الكيفية ثم يفصلها ويقسمهم بقوله أرسل أمراءهم ركبانا وسائرهم مشاة، ~~أو يقول ادخل إلى الفلك من كل الحيوانات فيبهم المقدار ثم يفصله ويبينه ~~بقوله ثانيا. # ادخل من الطاهر والطيور بأجناسها من كل سبعة ومن غيرهما من كل اثنين، ~~وأما إذا قال من كل جنس اثنين فقد بين العدد ولم يبهمه، فإذا قال بعد ~~PageV01P310 # ذلك ادخل من الطاهر والطير سبعة سبعة ومن غيرهما اثنين اثنين فلا يكون ~~ذلك من الإجمال والتفصيل أو الجمع والتقسيم، كما لا يخفى على من يفهم معاني ~~هذه الألفاظ، وذلك لأجل المضادة في الكلام الثاني مع الأول من حيث العدد ~~وتوضيح المقام هو أن وجوه التوفيق المدعاة بين الكلامين هاهنا هي ثلاثة: # الأول: التفصيل والتقييد بعد الاجمال والاطلاق وقل التقسيم بعد الجمع أو ~~الجمع مع التقسيم والتفريق، ولكن هذا النحو ها هنا موقوف على كون الكلام ~~الأول مجملا مبهما مطلقا من حيث العدد وذلك بأن نجعل قوله اثنين منسلخا عن ~~معنى العدد بل هو بمعنى ذكر وأنثى وإن كانت ألفا فيأتي قوله سبعة واثنين ~~بيانا وتقسيما لما أبهم من عدد الطيور والبهائم الطاهرة وغيرها وقل حينئذ ~~إنه تفصيل بعد الإجمال إلى آخره، ولكن هذا الوجه باطل لأمور أما " أولا " ~~فلأنه لم يسمع في كلام العقلاء استعمال لفظ اثنين منسلخا عن معنى العدد فهل ~~سمعت عاقلا يقول أكلت من الطيور اثنين وهو لا يريد العدد بل يرد ذكرا وأنثى ~~وإن كانت عشرة، وأما " ثانيا " فلأنه قد صرح وبين الاثنين ذكرا وأنثى وكانت ~~ذكرا وأنثى، وأما " ثالثا " فلأن كل فاهم لما يسمع ويقرأ ليفهم أن المتكرر ~~خمس مرات من قوله ذكرا وأنثى إنما هو بيان لإجمال المعدود بالعدد المبين في ~~الكلامين على حد سواء. # " الوجه الثاني ": العموم والخصوص بأن يكون قوله في الأمر الأول من كل ذي ~~جسد اثنين، وكذا قوله اثنين من كل تدخل إليك عاما للطير والطاهر وغيره ~~فخصصه الكلام الثاني ببيان أن الطاهرة والطير يدخل ms241 منها سبعة وهذا خطأ ~~منشأه الخبط والخلط بين التخصيص والنسخ فإن التخصيص إنما هو إخراج بعض ~~أفراد العام عن الحكم قبل وقت العمل به، أما رفع الحكم عن جميعها فهو النسخ ~~ولا يمكن البناء هاهنا على التخصيص في حكم الطيور لأنه حكم في الأمر الأول ~~بأن يدخل من الطيور بأجناسها اثنين من كل جنس وحكم في الأمر الثاني على ~~الطيور بأجناسها بأن يدخل منها سبعة سبعة فلا يكون حكم الطيور في الأمر ~~الثاني تخصيصا لحكمها في الأمر الأول أو بالعكس وذلك لأجل تساوي الموضوعين ~~في الكلام، فليس أحدهما أعم والثاني أخص كما هو شرط العموم PageV01P311 # والخصوص وما هو إلا النسخ رضي المتكلف أو أبى. # " الوجه الثالث ": النسخ ولا أقل من لزومه في حكم الطيور، وهو كاف في ~~المطلوب. # ثم نقول مداعبة للمتكلف " أفق " فإن الأمر الأول والأمر الثاني في الداخل ~~إلى الفلك كانا في زمان نوح قبل الطوفان فكان عليك أن تبين الزمان الفاصل ~~بين مجملهما ومفصلهما كما تزعم هل كان يوما أو سنة أو عشرا، ولم يكن صدور ~~الأمرين بكتابة التوراة ليكون ورود التفصيل بعد الاجمال بسطرين. # ولقد أطلنا الكلام حرصا على إيضاح الحقائق والتنبيه على مواقع الخبط لا ~~على المثال فإن فيما ذكرنا كفاية. # 2 - امتحان الله لإبراهيم في الثاني والعشرين من التكوين 1 وحدث بعد هذه ~~الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال له: يا إبراهيم فقال ها أنا ذا 2 فقال ~~خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المرايا واصعده هناك محرقة ~~على أحد الجبال الذي أقول لك، ومعنى المحرقة أن يذبحه ويحرقه قربانا لله ~~كما يدل عليه باقي الكلام إلى أن قال 9 فلما أتيا الموضع الذي قال له الله ~~بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق ~~الحطب 10 ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه 11 فناداه ملاك الرب من ~~السماء وقال إبراهيم إبراهيم فقال ها أنا ذا 12 فقال لا تمد يدك إلى الغلام ~~ولا ms242 تفعل به شيئا فرفع ما تقدم من الأمر بالذبح والاحراق بإصعاد إسحاق ~~محرقة. وقد صرح إظهار الحق بأن هذا المثال من النسخ قبل العمل الكاشف عن ~~كون الأمر الأول امتحانيا. # ومن الظرائف ان المتكلف توهم ان مراد إظهار الحق كون النسخ هاهنا في ذات ~~نقل التوراة لقصة إبراهيم هذه فأخذ ينكر عليه بعد فضول من الكلام " يه 4 ج ~~ص 185 و 186 " ويعترض عليه بقوله في أوائل بحث النسخ بأن النسخ لا يطرأ على ~~القصص. # أقول: وإن لسان الحال من إظهار الحق ليقول للمتكلف يا أيها الرجل ~~PageV01P312 # الذي لم يسمح لنفسه ببقاء صفة جميلة لها إني أقول كما قلت في أول مبحث ~~النسخ إن النسخ لا يطرأ على القصص، وكل من يميز الكلام يعرف أن مرادي هو أن ~~القصة من حيث أنها قصة وحكاية لا تكون ناسخة ولا منسوخة، لأن النسخ إنما هو ~~في الأحكام الإلهية، وأني لم أقل إن ذات قصة التوراة ناسخة أو منسوخة بل ~~قلت ما لا يخفى حتى على الأغبياء. # إن قصة التوراة نقلت إن الله أمر إبراهيم بذبح ابنه محرقة ثم رفع هذا ~~الحكم وبدله ونسخه قبل العمل، فقل أيجوز رفع الحكم الأول وتبديله لكونه ~~محدودا بمصلحة الامتحان لكي نقول لك إذا فكل حكم محدود بمصلحته فإذا انتهى ~~حده يبدله الله ويجعل مكانه ما تقتضيه المصلحة الأخرى وهذا هو النسخ أم ~~تقول إنه لا يجوز رفع الحكم الأول وإن كان محدودا بمصلحة الامتحان والتوراة ~~كاذبة أو غالطة في نقلها لذلك، فإنه لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع ~~لثان " عب 8: 7 ". # وأعلم أن خبيث القول وبذي اللسان لينقصان من فضيلة الصواب وحسن الفطنة، ~~فكيف بهما إذا تعقبا شطط الباطل وخبط الجهل، وكم وكم أوصى العهد الجديد ~~بالسلام والوداعة، والطهارة، احشفا وسوء كيله، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ~~ما لا تفعلون. # 3 - عمر اللاوي الموظف للمسكن ذكرت التوراة العبرانية في رابع العدد " 3 ~~- 47 " في سبعة موارد حكم الله بأن اللاوي الموظف لخدمة ms243 المسكن يكون من ابن ~~ثلاثين سنة إلى خمسين وذكرت أيضا في ثامن العدد " 24 و 25 " حكم الله بأن ~~الموظف المذكور يكون من ابن خمس وعشرين سنة إلى خمسين، فأحد الحكمين تبدل ~~إلى الآخر لا محالة، فإن كان بعد العمل بالأول فهو النسخ بالاصطلاح الغالب. ~~وإن كان قبل العمل فهو نسخ أيضا باصطلاح إظهار الحق وجماعة. وعلى كل حال ~~فإن الجهات التي يتشبثون بها لامتناع النسخ جارية في هذا سواء سميناه نسخا ~~أو لم نسمه. # قال المتكلف " يه 4 ج 191 و 192 " كان اللاوين في عصر موسى PageV01P313 # يخدمون من سن " 25 " في الخدم الخفيفة أما وفت مهمات نقل خيمة الاجتماع ~~الثقيلة في أثناء ارتحالهم فكان يلزم الحال إلى رجال أقوى فاختلاف العبارات ~~لاختلاف الاعتبارات، ومما يؤيد ذلك أنه بعد أن بني الهيكل خف العمل وقبل في ~~خدمة الرب من كان عمره نحو 20 سنة فقط، فربنا وضع كل شئ في محله فعين ~~الأعمال الشاقة للأشداء الذين في عنفوان شبابهم، والأعمال الخفيفة لغيرهم ~~فلا ناسخ ولا منسوخ. # قلنا: إن من يلتزم بأن كتابة التوراة مرتبة على ترتيب نزولها فلا بد له ~~من أن يقول أن حكم الله المتقدم هو كون الموظف لخدمة المسكن من كان ابن ~~ثلاثين سنة إلى خمسين وقد عدهم موسى على هذا المنوال فكان المعدودون ثمانية ~~آلاف وخمسمائة وثمانين " عد 4: 46 - 49 ". # وفي سابع العدد " 1 - 10 " إن موسى أعطى القرابين التي قدمت بعد إقامة ~~المسكن للاويين الموظفين للخدمة حسب أمر الله، وأنهم تطهروا وكفر عنهم ~~هارون وأتوا إلى خدمتهم كما أمر الرب " عد 8: 21 و 22 " وبعد ذلك كله ذكر ~~التوراة إن الله كلم موسى قائلا: هذا ما للاويين من ابن خمس وعشرين سنة ~~فصاعدا يأتون ليتجندوا أجنادا في خدمة خيمة الاجتماع. ومن ابن خمسين يرجعون ~~من جند الخدمة ولا يخدمون بعد يؤازرون إخوتهم في خيمة الاجتماع لحرس حراسة، ~~لكن خدمة لا يخدمون " عد 8: 23 - 26 ". # فإن كان المتكلف يلتزم بأن ترتيب كتابه على ترتيب حوادثه ms244 فعليه أن يقول ~~إن الحكم المذكور أخيرا هو المتأخر في التشريع وله أن يقول إن الحكمة في ~~ذلك هو إنه لما قرب ارتحال بني إسرائيل وكانت خيمة الاجتماع إلى عمل كثير ~~في الارتحال والنزول رفع الله الشريعة الأولى وأضاف إلى المعدودين من كان ~~ابن خمس وعشرين سنة إلى ثلاثين ليساعدوهم في الخدمة كما شرع أن يساعدهم في ~~الحراسة أبناء الخمسين فما فوق. هذا وإن كان لا يلتزم المتكلف بأن كتابة ~~التوراة على ترتيب حوادثها فلا تقبل دعواه أن شريعة الخمس وعشرين سنة هي ~~المتقدمة إلا بدليل يدل على ذلك. # ثم نقول: ن أراد المتكلف بما ذكرنا من كلامه هو التخلص من تبديل أحد ~~PageV01P314 # الحكمين بالآخر بل يدعي أنه لم تكن إلا شريعة واحدة، وهو كون الموظفين ~~للخدمة من ابن خمس وعشرين سنة إلى الخمسين ولكن يختص أبناء الثلاثين فما ~~فوق بالخدمة الشاقة. # قلنا: لا يكاد يفهم ذلك من التوراة إلا بطريقة الرمز الجزافية التي يهرب ~~إليها المتكلف. مع أن الدعوى المعهودة هي أن العهد القديم رمز للعهد ~~الجديد. لا أن التوراة ترمز إلى أحكامها، مع أن التوراة تجبهه بالرد ~~لتصريحها في الأول بأن جميع اللاويين الذين عدهم موسى وهارون وكل الداخلين ~~ليعملوا عمل الخدمة كانوا من ابن ثلاثين سنة إلى خمسين عد 4: 46 - 49: وإن ~~التزم المتكلف بتبديل أحد الحكمين المذكورين بالآخر وفر إلى قوله اختلاف ~~العبارات لاختلاف الاعتبارات فإنا لا نضايقه في التسمية بل نقول في النسخ ~~إن المصالح قد تتغير وربنا يضع كل شئ في محله واختلاف العبارات لاختلاف ~~الاعتبارات. # " ومن ورطات المتكلف " قوله ولما بنى الهيكل خف العمل وقبل في خدمة الرب ~~من كان عمره نحو 20 سنة فقط، فينبغي أن يوقظ ويقال له إن توظيف ابن العشرين ~~سنة قد جعلت شريعته في أيام " دا د " انظر 1 أي 23: 24 - 28 وكان ذلك قبل ~~بناء الهيكل بما يزيد على إحدى عشرة سنة. فإن الهيكل شرع في بنائه " سليمان ~~" في السنة " الرابعة لملكه وكمل بناه في السنة الحادية عشرة ms245 " انظر 1 مل ~~6: 1 و 37 و 38 ". ولم يجئ في العهد القديم ذكر لشريعة توظيف ابن العشرين ~~سنة بعد ما ذكرنا لا في أيام " سليمان " ولا ما بعده إلا في أيام " عزرا " ~~بعد سبى بابل " عز 3: 8 ". # فإن سألت وقلت إن للمتكلف طريقا في التخلص عن هذا المثال للنسخ وذلك بأن ~~يقول: إن كل ما جاء في النسخة العبرانية في رابع العدد بتحديد عمر اللاوي ~~الموظف بثلاثين سنة إلى خمسين قد جاء بدله في الترجمة السبعينية تحديده من ~~الخمس وعشرين سنة إلى خمسين وأن الترجمة السبعينية ذكر أنها كانت في غاية ~~الاعتبار كما أشرنا إليه صحيفة 5 ونوه بها المتكلف " يه 4 ج ص 90 - 92 " ~~فبناء عليها لا مخالفة بين رابع العدد وثامنه في هذا الحكم، فلماذا لم ~~PageV01P315 # يسلك المتكلف هذا الطريق في الفرار عن إلزام إظهار الحق. # قلنا: لو أن المتكلف يلتفت إلى هذا التخلص لما تشبث به لأنه يبين عليه ما ~~يكابر في ستره، وهل كيف يسمح بأن ينبه على مثل هذا الاختلاف الباهظ بين ~~العبرانية والسبعينية مع أنه يقول تارة أن الأصل العبراني هو المعول عليه " ~~يه 4 ج ص 16 ". # ويحامي عن دعوى تواتره في كثير من كتابه وتارة ينوه بالترجمة السبعينية ~~ويجعلها هي المعتمد لليهود والمسيح والرسل ويجعل تواريخها شاهدة لتواتر ~~التوراة " يه 4 ج ص 90 - 92 ". # فإن قلت: وأيضا يصادمه ما في الثالث والعشرين من الأيام الأول 1 و 2 فإن ~~فيه أن " داود " لما شاخ وملك ابنه " سليمان " عد اللاويين للمناظرة على ~~بيت الله من ابن ثلاثين سنة " قلت " لا يتوقف المتكلف لأجل ذلك ولو تعلق له ~~غرض بتقديم السبعينية هاهنا لقال غير مبال إن " داود " أخطأ وخالف الشريعة ~~فعاقبه المولى، بل لا بد له أن يقول ذلك فإنه قال فيما تقدم من كلامه إن ~~توظيف ابن الثلاثين في زمان موسى كان لقرب ارتحال بني إسرائيل وحاجة نقل ~~الخيمة إلى رجال أقوياء فربنا وضع كل شئ في محله، وإن عد ms246 " داود " من ابن ~~الثلاثين سنة كان في زمان الاستراحة وعدم الحاجة إلى نقل المسكن فهو في غير ~~محله، وربنا وضع كل شئ في محله. # 4 - حزقيال وتكليفه في العهد القديم إن الله جل شأنه أمر نبيه " حزقيال " ~~بأن يأكل كعكا من خبز الشعير يخبزه أمام عيون بني إسرائيل على الخرء الذي ~~يخرج من الإنسان لأنه هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم، ~~فاستغاث " حزقيال " إلى الله فرفع عنه هذا الحكم وبدله بغيره وقال له انظر ~~قد جعلت لك خثى البقر بدل خرء الإنسان " حز 4: 12 - 16 ". # أجاب المتكلف " يه 4 ج ص 191 " بعد أن ذكر نبوة " حزقيال " بضيق بني ~~إسرائيل " حز 4: 17 " فقال فالنبي استغاث الله فأجاب صلواته وحقق طلبته، ~~PageV01P316 # وعلى كل حال فلا ناسخ ولا منسوخ، ولولا ضيق المقام لزدنا الكلام وعلى ~~المطالع أن يمعن النظر في هذه الآيات فيجد بطلان دعوى المعترض. # أقول: فيا أيها المطالع سألتك بفضيلة الكمال وزينة الأدب أن تطالع كل ~~الرابع من " حزقيال " وإن شئت فكل كتاب " حزقيال " لتقول أين تجد من ذلك ~~بطلان ما يقوله إظهار الحق، فهل في كلام " حزقيال " أو في كلام المتكلف ~~برهان على أن حكم الله لم يتبدل في شأن " حزقيال " أو هل إذا تبدل الحكم ~~بسبب الدعاء لا يكون تبدلا. # وليت شعري أن المتكلف قد استحسن الجواب في هذه المقامات بقوله وعلى كل ~~حال فلا ناسخ ولا منسوخ، فلماذا يتكلف الجواب بغيره. # " تكملة " قال المتكلف يه 4 ج ص 156 ولعمري إن الناسخ والمنسوخ إذا وجدا ~~في قانون أو دستور أو في كتاب كان أعظم وصمة يوصف بها هذا القانون أو ~~الدستور أو الكتاب، ولذا كانت الديانة الصحيحة الحقيقية وكتبها المنزلة ~~منزهة عن هذه الوصمة - 157 - فماذا تقول في ملك الملوك ورب الأرباب العليم ~~الحكيم هل يعقل أو يتصور إن يأتي بقانون قابل للنسخ والنقص والتغيير ~~والتبديل كل ساعة أو أن لا جرم إن هذا بمنزلة قولنا عن المولى الحكيم ~~العليم إنه جاهل عديم التروي وعديم ms247 التفكر والتبصر - تعالى الله عما يقول ~~الجاهلون علوا كبيرا - 58 افأن أعمال الله منذ الأزل منزهة عن التناقض ~~والتشويش. # أقول: ليت شعري ماذا يصنع من يقول هذا الكلام وماذا يقول فيما ذكرناه عن ~~العهدين من تبديل أحكام الله ونسخها فيما ذكرناه من الأمثلة التي ترجع إلى ~~ألوف من موارد النسخ. وماذا يقول في خصوص أمر الله " إبراهيم " بذبح ولده ~~محرقة. وتكليف " حزقيال " بأن يخبز مأكوله على خرء الإنسان وكيف قد تبدل ~~هذان الحكمان ولم يمض عليهما أربعون سنة ولا ألف وخمسمائة سنة، بل إنما مضى ~~عليهما أيام أو ساعات ثم تبدلا. وكذا شريعة " نوح " في إدخال الحيوانات معه ~~إلى الفلك. # واستمع أيضا لما نتلوه عليك من العهدين حيث تضمنا أن الله جل شأنه بدل ما ~~وعد وأخبر بأنه قضاه وقدره إلى الأبد، وبدل الحكم الشرعي اللازم لهذا ~~PageV01P317 # المقدر الموعود به. # فينحاس وكهنوت نسله الأيدي فقد ذكرت التوراة في الخامس والعشرين من العدد ~~10 فكلم الرب " موسى " قائلا 11 " فيناس " ابن " العازرا " ابن " هارون " ~~الكاهن قد رد غضبي عن بني إسرائيل بكونه غار غيرتي في وسطهم حتى لم أفن بني ~~إسرائيل بغيرتي 12 لذلك قل ها أنا ذا أعطيه ميثاقي السلام 13 فيكون له ~~ولنسله من بعده ميثاق كهنوت أبدي. # وجاء في سابع العبرانيين عن " بولس " 11 فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال ~~إذا الشعب أخذ الناموس عليه. ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر ~~على رتبة ملكي " صادوق " ولا يقال على رتبة " هارون " 12 لأنه إن تغير ~~الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضا. # وانظر إلى بقية الاصطلاح، فليقل المتكلف كيف تغير الكهنوت الذي هو أبدي ~~بوعد الله وقضائه وعطائه وحكمه الشرعي لنسل " فينحاس " وإنا لنسأل المتكلف ~~أن الله عندما وعد وأعطى الميثاق بهذا الكهنوت الأبدي لنسل " فينحاس " هل ~~كان عالما بأن هذا الكهنوت ليس فيه كمال وأن الحاجة تمس إلى أن يقوم كاهن ~~آخر من غير اللاويين وأنه تعالى شأنه مزمع على أن يغير الكهنوت وينقله من ~~بني " فينحاس ms248 " بل " واللاويين " إلى كاهن آخر، فإن أجاب وقال نعم إن الله ~~كان عالما بذلك كله. # " قلنا ": إذا كيف جوزتم على الله أن يعطي عهدا وميثاقا بالكهنوت الأبدي ~~لنسل " فينحاس " مع علمه بأن ها هنا الكهنوت ليس فيه كمال، ومع علمه بأنه ~~ينقض هذا الميثاق ويقع الخلف في الوعد لأجل مسيس الحاجة إلى تغيير الكهنوت ~~وقيام كاهن آخر ليس من نسل " فينحاس ". # فإن قال المتكلف: يجوز نقض الميثاق وخلف الوعد الأبدي بعد ألف وخمسمائة ~~سنة لأن ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " عب 8: 13 " قلنا لأن رضيتم ~~لأنفسكم بهذا القول فإن في العهد القديم أيضا ما يدل على أنه وقع ~~PageV01P318 # الخلف للوعد الأبدي والتبديل للحكم بعد يوم أو ساعة أو أقل. # 2 - عالي وكهنوت بيته ففي ثاني صموئيل الأول أن رجل الله قال لعالي ~~الكاهن عن قول الله 30 لذلك يقول الرب إله إسرائيل إني قلت إن بيتك وبيت ~~أبيك يسيرون أمامي إلى الأبد، فوعد الله وأخبر بأنه قضى وقدر أن بيت " عالي ~~" وبيت أبيه يسيرون أمامه جل شأنه في وظيفة الكهنوت إلى الأبد، ولكن قال ~~رجل الله أيضا على الأثر، والآن يقول الرب حاشا لي فإن أكرم الذين يكرمونني ~~والذين يحتقرونني يصغرون 31، هو ذا تأتي أيام أقطع فيها ذراعك وذراع بيت ~~أبيك إلى آخر ما يشرح فيه ابتلاءهم وحرمانهم من وظيفة الكهنوت. # ومن الظرائف أن المتكلف أطال الكلام " يه 4 ج ص 176 " في شأن زوال ~~الكهنوت عن بيت " عالي "، واعتذر تبعا لكتابه بفسق أولاد " عالي " وقال في ~~قبال إظهار الحق هل مقصود المعترض أن تبقى الإمامة في بيت " عالي " بعد ~~اقتراف ابنيه الفسق. # قلنا: هل يخفى على أحد أن حقيقة اعتراض إظهار الحق هو أنه كيف قبلتم من ~~كتبكم صراحتها بأن الله أخبر بأنه قضى وقدر أمرا أبديا وهو مقرون بحكم شرعي ~~بل أحكام عديدة ترجع إلى وظائف الكهنوت، ثم ينقض الله هذا القضاء المبرم ~~ويرفع أحكامه، أفتقول: إن الله حين قضى ذلك الأمر المؤبد المقرون بالأحكام ~~الشرعية ms249 المؤبدة بتأبيده لم يكن عالما بأن ابني " عالي " سيفسقون وإلا لما ~~قضى قضاء أبديا ثم نقضه تعالى الله عن ذلك. # 3 - مملكة شاول وفي ثالث عشر صموئيل الأول 13 فقال " صموئيل " " لشاول ": ~~انحمقت لم تحفظ وصية الرب إلهك التي أمرك بها، لأنه الآن ثبت الله مملكتك ~~على إسرائيل إلى الأبد 14، والآن مملكتك لا تقوم انتخب الله له رجلا حسب ~~قلبه. PageV01P319 # 4 - موت حزقيا وشفاؤه وفي الثامن والثلاثين من " أشعيا " " 1 - 9 و 2 مل ~~20: 1 - 12 " أن " حزقيا " ملك يهوذا مرض للموت فجاء إليه " أشعيا " النبي ~~وقال له: هكذا يقول الرب أوص بيتك لأنك تموت ولا تعيش فصلى " حزقيا " ~~واستغاث إلى الله وبكى فلم يخرج " أشعيا " النبي إلى المدينة الوسطى حتى ~~كان كلام الرب إليه قائلا: قل لحزقيا هكذا يقول الرب قد سمعت صلاتك ها أنا ~~ذا أضيف إلى أيامك خمس عشرة سنة، وأعطه علامة برجوع الظل إلى الوراء عشر ~~درجات. # وليت شعري ماذا يقولون هاهنا؟ أيقولون: إن قول الله وأخباره بأن " حزقيا ~~" يموت ولا يعيش كان عن مشيئة وإرادة لموته، ثم عدل عن ذلك بواسطة الصلاة؟. # أم يقولون: بأن الله لما أراد موت " حزقيا " لم يكن عالما بأنه يصلي ~~ويستغيث به؟ أم يقولون بأن الله يخبر بأنه يفعل شيئا في المستقبل وهو لا ~~يريد أن يفعله ولا يفعله؟ أم يقولون: بأن النبي كذب بذلك على الله كما أعطت ~~التوراة عن كلام الله علامة على كذب النبي في مثل ذلك " تث 18: 21 و 22 ". # فإن قلت: ألستم معاشر المسلمين تقولون باستجابة الدعاء وفي قرآنكم في ~~سورة المؤمن قول الله 62: (ادعوني استجب لكم)، وفي سورة الرعد 39 (يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). # قلنا: لا نجوز مثل هذا وإن يقول الله أفعل هذا الشئ الخاص ثم لا يفعله، ~~ولو لأجل الصلاة والدعاء وغير ذلك. # وأما الآيات الشريفة فسنبين لك إن شاء الله عند التكلم في معارف القرآن ~~أنها أجنبية عن مثل هذا التناقض والتشويش ونسبة النقائص إلى جلال الله ms250 ~~وقدسه تعالى شأنه. # ويتضح لك أن قوله تعالى: " وعنده أم الكتاب " رافع لحجاب الوهم عن حقائق ~~العرفان وفذلكات المعقول. # وليعلم أن إظهار الحق لم يقل إن الصلاة واستجابة الدعاء من الناسخ ~~PageV01P320 # والمنسوخ كما توهمه المتكلف، بل لا يخفى أن مراده هو أن " أشعيا " أخبر " ~~حزقيا " بأن الله أوجب عليه الوصية إلى أهل بيته معجلة لأنه يموت ولا يعيش، ~~ولا بد أن يرتفع هذا الحكم الذي كان معجلا لأجل ضيق الوقت بسبب الزيادة في ~~عمر " حزقيا " خمس عشرة سنة. # فلماذا لا يقول المتكلف في هذه الأمثلة الأربعة أن ملك الملوك ورب ~~الأرباب لا يعقل ويتصور أن يقضي قضاء أبديا أو يقدر أمرا إلى الأبد أو يخبر ~~بوقوع شئ ويقرن كل ذلك بحكم شرعي ويكون كل هذا قابلا للنقض والخلف والتبديل ~~بعد مدة أو ساعة أو يوم، أفليست أعمال الله هاهنا منزهة منذ الأزل عن ~~التناقض والتشويش، ومعلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله " ا ع 15: 18 " ~~أفهاهنا ينبغي أن يقال ما قاله المتكلف، أم في النسخ الذي تنادي في بيان ~~حقيقته ألسنة المسلمين وأقلامهم، وتبين بصراحتها لكل ذي فهم وكل مستقيم ~~بأنه على نحو معقول لا تلزم فيه هذه المحاذير، ويوضحون بأنواع الإيضاح أن ~~مبناهم فيه وحقيقته هو أن الله يعلم منذ الأزل بما يناسب من الأحكام لمصالح ~~العباد المختلفة بحسب الأزمان والأحوال فجعل في مخزون علمه لكل مصلحة ما ~~يناسبها في اللطف والحكمة من الأحكام المحدودة بحدها ثم إظهار الله أحكامه ~~لعباده بواسطة أنبيائه غير محدودة بحدودها المعلومة عنده لحكمة اقتضت ذلك، ~~فإذا انقضى حدها المخزون في علمه أشعر عباده أيضا بالحكم المناسب للمصلحة ~~المتجددة على ما كان مكنونا في علمه جلت آلاؤه ولا يجوزون النسخ فيما لو ~~قال الله إن هذا الحكم دائم أبدا، وكذا لو قال: إن هذا الحكم ثابت في حق ~~العباد إلى سنة مثلا فإنهم لا يجوزون نسخه قبل السنة لحصول التناقض ~~والتشويش بين الأجل وإبطاله بالنسخ قبل انتهائه. # أترى المتكلف لا يعلم بهذا كله من ms251 مذهب المسلمين؟ أو أنه يعلم ولكنه ماذا ~~يصنع في أمر انعقدت عليه المجامع، وكلف نفسه مؤنة تمويهه إغماضا عن ~~العاقبة. # ثم إنه قد ضجر من كثرة تعداد الأمثلة في إظهار الحق لما في العهدين من ~~النسخ فشذ به الضجر إلى تعداد الأضداد المتقابلة " انظر يه 4 ج ص 192 ~~PageV01P321 # و 193 " وكأنه قد طالع في ذلك الوقت كتاب المحاسن والأضداد " للجاحظ " ~~فعلق ذلك في مخيلته، وحق له أن يضجر فإنه ألف من المنقول عن الرسل و " بولس ~~" نسخهم للشريعة جملة واحدة فيما عن قولهم ما طهره الله فلا تنجسه أنت ولا ~~نضع عليكم ثقلا أكثر من هذه الأشياء الامتناع عما ذبح للأوثان والدم ~~والمخنوق والزنى كل شئ طاهر للطاهرين كل خليقة الله جيده إذا أخذت مع الشكر ~~فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها. # ومن هنا قال القسيس " سايل " ق. ص 226 وكذا كاتب الرسالة المنسوبة لعبد ~~المسيح إن الله تساهل مع اليهود فأعطاهم فرائض غير صالحة وأحكاما لا يحيون ~~بها. # فيا من لم يسلب التعصب رشده أفهذه الأقوال في شأن الشريعة توافق حكمة ~~الله ولطفه وعلمه، ويكون النسخ على ما أوضحه المسلمون من حقيقته منافيا ~~لحكمة الله وعلمه كما يزعمه المتكلف " يه 4 ج ص 155 ". # ثم انظر فهل ترى هذه الأقوال تعطي ما يقوله المتكلف " يه 4 ج ص 158 " إن ~~الديانة اليهودية هي ذات الديانة المسيحية، والمسيحية هي ذات اليهودية فإن ~~أعمال الله منذ الأزل منزهة عن التناقض والتشويش. # أو إنها كما عن " بولس " لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان. # وكما عن " يعقوب " الرسول أرى أن لا يثقل على الأمم لأن " موسى " منذ ~~أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به إذ يقرأ في المجامع في كل سبت " ا ع ~~15: 19 و 21 " فهل ترى لهذا الكلام مرمى إلا أنه يحث على ترويج أمر المسيح ~~بالتخفيف الموافق لأميال الأمم وأهوائهم. وأن " موسى " له من يروجه وقد ~~استوفى حظه من الترويج. ms252 # إنكار المتكلف ما في العهد الجديد ومع هذا كله ينكر المتكلف ما قاله ~~إظهار الحق من أن المنقول عن الحواريين أنهم نسخوا أحكام التوراة العملية ~~غير الأربعة، وعن " بولس " أنه PageV01P322 # نسخ ثلاثة منها أيضا ويقول " يه 4 ج ص 193 " إن هذا إفك مبين فأتوا ~~ببرهانكم إن كنتم من الصادقين. # فبولس كان من أعظم المناضلين عن العفة والتقوى وهو الذي قال: " أنا فريسي ~~" يعني أنه عريق في الديانة الإسرائيلية وعلى كل حال فأيد أقوال الرسل لأنه ~~لم يأت أحدهم منهم شيئا إلا بوحي الروح القدس. # ويقول أيضا " يه 1 ج ص 273 " إن الرسول يعني " بولس " لم يقل إن الشريعة ~~الموسوية ضعيفة معيبة غير نافعة حاشاه من ذلك. # أقول: إذا فمن هو الذي قال في سابع العبرانيين 18 فإنه يصير إبطال الوصية ~~السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها 19 إذ الناموس لم يكمل شيئا، وفي الثامن 7 ~~فإنه لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان، وغير ذلك مما تقدم. # ويقال: إن بعض الحيوانات الوحشية إذا رأى الناس وخاف منهم وأراد أن يتستر ~~عن عيونهم أدخل رأسه في الرمل وأبقى سائر بدنه بارزا وذلك لأجل توهمه بأنه ~~إذا كان لا يرى الناس لدفن عينيه، فالناس أيضا لا يرونه وإن كان بارزا لهم، ~~وهل تراه إذ قال له الناس: رأيناك، يقول: إن هذا إفك مبين فأتوا ببرهانكم ~~إن كنتم من الصادقين. # دع هذا وهب أن ما عن " بولس " يناضل عن العفة والتقوى، وهب أنه أيد أقوال ~~الرسل لأنه لم يأت أحد معهم، إلا بوحي من الروح القدس، ولكن قل هل أبقت ~~كلماتهم التي طرقت سمعك في هذه المقدمة أثرا لأحكام التوراة العملية، أم ~~لاشتها جملة ولا نكلفك أن تقول إن ذلك كان بنحو العيب لها وبيان عدم النفع ~~فيها وطلبا للتخفيف موافقة لأهواء الأمم واستمالة لقلوبهم لأن " موسى " قد ~~استوفى حقه من الترويج. # فإن قلت: إذا كان معنى النسخ بالنحو الذي كشفت عنه من مراعاة المصالح ~~بمناسباتها من الأحكام المخزونة ms253 في علم الله، وكان تبديل الشرائع المنسوبة ~~إلى العهدين بهذا الشيوع البالغ إلى حد الملاشاة، إذا فما هو الوجه في ~~PageV01P323 # إصرار المتكلف وأمثاله على إنكار وقوع النسخ في أحكام الله بهذا الإنكار. # قلت: إن شئت أن تتعجب فتعجب، وإن شئت قلت إنهم قد استحسنوا وألفوا راحة ~~نحلتهم وإطلاقهم من قيود الشرائع بسر الفداء فحصنوا دوامها بدعوى امتناع ~~النسخ في الأحكام الإلهية مقاومة لما يدهمهم من النبوات بشريعة الحق ~~المصلحة لأسباب الكمال ونظام المدنية وسعادة الدارين. # وخلاصة الكلام معهم مع ما تراه من التفاوت والاختلاف الباهظ بين الديانة ~~اليهودية حسب العهد القديم وبين الديانة النصرانية حسب العهد الجديد هو أن ~~قولهم إن الديانة اليهودية هي ذات الديانة المسيحية أي النصرانية الرائجة ~~وبالعكس إن أرادوا منه أنهما متحدتان في الأحكام العملية فهو باطل بالوجدان ~~إذ لا يخفى على أحد أنه ليس في النصرانية الرائجة شئ من أحكام التوراة ~~العملية، وإن أرادوا أنهما متحدتان من حيث الإيصال إلى المعارف الحقة ~~وشرائع التكميل وحفظ المدنية والسعادة، وإن اختلفتا في الأحكام العملية ~~رعاية لمصلحة الحال والوقت، بل هذا الاختلاف ناشئ من اتحادهما في رعاية ~~الغاية المطلوبة. # قلنا: بعد غض النظر عن المباحثات في مضامين هذا الكلام، إنا معاشر ~~المسلمين جميعا لنقول تبعا لرسول الله وكتاب الله أن الإسلام متحد مع ~~الشريعة الموسوية الحقيقية، والمسيحية الحقيقية، وكل شريعة حق من حيث ~~الغاية المطلوبة، وإن اختلف معهما في بعض الأحكام العملية رعاية للغاية ~~الصالحة. # ولو قلنا: بأن اليهودية والنصرانية الرائجتين هما الحقيقيتان وإن كتبهما ~~لرائجة هي الكتب الأصلية لقلنا: إن الإسلام أكمل منهما في أسباب الوصول إلى ~~الغاية والترقي في كمالاتها كما يشهد بذلك خلو التوراة الرائجة من معارف ~~القيامة والثواب الدائم النعيم والعذاب الأليم اللذين هما أولى بالرغبة ~~والرهبة ولم يقع الترغيب للطاعة في التوراة إلا بطفيف من زخارف الدنيا ~~الفانية التي طالما تنعم بها المشركون بأضعاف ما حصل عليه الموحدون. ولم ~~يقع الترهيب فيها. # والتخويف من وبال المعصية، والتمرد على الله إلا بالفقر، والآلام ~~المنقضية ms254 والموت المحتوم على العباد مما يشترك به الناس برهم وفاجرهم.. ~~PageV01P324 # وكما يشهد بذلك أيضا خلو الإنجيل عن مناسبات المصالح من الأحكام بل قد ~~ألغى لوازم الاصلاح وضروريات المدنية من قوانين السياسة وأحكام الدفاع حتى ~~اضطر جميع متبعيه إلى مخالفته بتشريعها في ممالكهم حسب ما استحسنه عقلاؤهم ~~وإن لم يكن مستندا إلى الوحي الإلهي، وأيضا أن المسيح قضى ثلاث سنين من ~~نبوته واليهود في أشد المضايقة له وبالضرورة لا يمكنه في ذلك نشر ما عنده ~~من التعاليم المخالفة للأهواء. # وغاية ما يذكر في الإنجيل أنه كان يعلم بمكارم الأخلاق والذم لرياء ~~المترئسين في الدين ومخالفتهم للشريعة، وهذا مما تنشرح له قلوب العامة ~~ويقبلون إليه، ومع ذلك كان يفر بتعليمه هذا من مكان إلى مكان، وناهيك ما ~~يقوله الإنجيل من أنه لم يستطع أن يجاهر بأن " قيصر " الوثني في ذلك الوقت ~~لا يستحق أخذ الجزية من بني إسرائيل الموحدين، بل كان يوري ويتحرف فيه ~~حينما سأله اليهود ونصبوا له بذلك شبكة ليعرقلوه بالجواب " انظر مت 22: 15 ~~- 22 ومر 12: 13 - 18 ولو 20 20 - 26 " بل كان بنفسه يعطي الجزية لقيصر مت ~~17: 24 - 27 ". # اللعنة على من لا يقيم الناموس فإن قلت: إن لليهود حجة شرعية على امتناع ~~النسخ للشرعية الموسوية وذلك لقول التوراة ملعون من لا يقيم كلمات هذا ~~الناموس ليعمل بها " تث 27: # 26 ". # قلنا: من شروط صحة الاحتجاج بذلك أن تكون التوراة متواترة متصلة السند ~~غير محرفة وهذا واضح البطلان كما يعرف من متفرقات كتابنا وخصوص المقدمة ~~السادسة فقد ذكرنا فيها شهادة كتاب " ارميا " في موضعين منه بتحريف اليهود ~~للتوراة وكلام الله، وشهادة كتاب " أشعيا " بتحريف اليهود، وكذا المقدمة ~~الخامسة فقد أوضحنا فيها انقطاع سند التوراة وستأتي إن شاء الله زيادة ~~الايضاح لذلك في المقدمة الثالثة عشر، وكذا المقدمة العاشرة فقد أوضحنا ~~فيها بطلان دعوى اليهود تواتر التوراة إلى " موسى " عليه السلام. هذا كله ~~مضافا إلى ما في PageV01P325 # متفرقات كتابنا من بيان الموانع الداخلية في التوراة الرائجة من صحة ~~سندها إلى ms255 الوحي. # ومن شروط صحة الاحتجاج بما تذكره أيضا دلالته على أنه لا تجيئ بعد ذلك من ~~شريعة إلهية بواسطة نبي حق تجب طاعته وسماع قوله وليس فيما تذكره شئ من ~~الدلالة على ذلك أما " أولا " فلأن المحتمل كون اللعنة المذكورة على من لا ~~يقيم الكلمات المذكورة في السابع والعشرين من التثنية. وتلك الكلمات ~~وأحكامها ثابتة في دين الإسلام على أكمل وجه وأما " ثانيا " فلو فرضنا أن ~~اللعنة على مخالفة كل أحكام الناموس فإنما هي على المتمردين على أحكام ~~الناموس ممن يجب عليهم العمل به لا على الدين يخالفونه لأجل اتباعهم لشريعة ~~حق إلهية يجب اتباعها لمناسبة إحكامها لمصالح الزمان المتأخر. كيف وأن ~~التوراة تخبر بأن بني إسرائيل خافوا من هيئة خطاب الله لموسى بالشريعة ~~وطلبوا غير هذه الهيئة فاستحسن الله كلامهم وأخبرهم بمجيئ نبي مثل " موسى " ~~يجعل الله كلامه في فمه فيكلم الناس بكل ما يوصيه الله به ويجب اتباعه ~~والذي لا يسمع له يطالبه الله. # انظر تث 18: 15 - 20 وهل هذا إلا نبي يأتي بشريعة تجب طاعتها. # الأبد في التوراة والعهد القديم فإن قلت: ولهم حجة شرعية أخرى على ~~المسلمين وهي أن كثيرا من شريعتهم قد نصت التوراة على أنه أبدي والى الأبد ~~وذلك كالكهنوت الهاروني وكثير من شرايعه ومتعلقاته، وكذا الأعياد والسبت. ~~فيمتنع ما جاء به الإسلام من نسخ هذه الأمور. # قلنا: وإن الاحتجاج بهذا متوقف على صحة السند للتوراة الرائجة، وقد ذكرنا ~~أنه لا سبيل إلى ذلك، ومتوقف أيضا على دلالة ما تذكره في الأصل العبراني ~~على التأبيد مدى الليالي والأيام وليس كذلك كما يشهد به التتبع في العهد ~~القديم العبراني. فإن كل ما قيل في تعريبه. فريضة أبدية، فإنه في الأصل ~~العبراني " حقت عولم " وما قيل في تعريبه " كهنوت أبدية " فإنه في الأصل " ~~كهونة لحقت عولم " وما قيل فيه. فريضة دهرية. فإنه في الأصل " حقت عولم. ~~وحق عولم. ولحق عولم " وما قيل يه " عهد أبدي. وميثاق أبدي " فإنه في ~~PageV01P326 # الأصل " بريت عولم " وما قيل فيه إلى ms256 الأبد فإنه في الأصل " لعولم وعد ~~عولم " هذا وقد قالت التوراة في بعض العبيد إنه يخدم سيده إلى الأبد، وفي ~~الأصل العبراني " لعولم خر 21: 6 " وأن صموئيل قالت أمه بحسب نذرها له في ~~خدمة بيت الرب إنه يقيم هناك إلى الأبد، وفي الأصل " ويشب شم عد عولم 1 صم ~~1: # 22 " مع أنه نذر هاله هو أن تعطيه للرب كل أيام حياته 1 صم 1: 11. # وفي المزامير حد عن الشر وافعل الخير واسكن إلى الأبد " ع لعولم مز 37: # 27 ". # وفي المزمور المائة والتاسع عشر 44 فاحفظ شريعتك دائما إلى الدهر وإلى ~~الأبد " ع لعولم وعد " 93 إلى الدهر لا أنسى وصاياك " ع لعولم ". # وهذا قليل من كثير تعرف به أن لفظ " عولم " في العبرانية غير مختص ~~بالتأييد إلى آخر الزمان ولا يدل على ذلك بل غاية ما نسلم من دلالته على ~~دوام الشئ مدة استعداده المجعول له. فالعبد يخدم مدة عمره ما لم يتلف السيد ~~عينه أو سنه، و " صموئيل " يسكن أمام الرب مدة عمره. وفاعل الخير يسكن مدة ~~عمره والشريعة بحفظها، والوصايا لا ينساها مدة عمره، والأحكام المذكورة في ~~الاعتراض تدوم ما دامت الشريعة الموسوية قائمة لم تنسخ بشريعة النبي ~~المماثل لموسى كما أخبرت به التوراة تث 18: 15 - 20. # على أن لنا أن نقول إن لفظ " عولم " في التوراة جاء منكرا غير مقرون ~~بعلامة التعريف وهي الهاء في العبرانية، فلا يدل إلا على زمان من الأزمنة، ~~وأما التعريف في العربية فإنما هو من المترجمين. # استئناف للكلام مع المتكلف قال " يه 4 ج ص 159 " الاعتقاد بالنسخ هو أن ~~يأتي للانسان بطريقة أو مبدأ ثم ينسخه ويدعي أنه من عند الله وهو مناف ~~للعقل السليم والذوق المستقيم والديانة الصحيحة منزهة عنه وبريئة منه، نعم: ~~لا ننكر أن تجسد الكلمة الأزلية هو فوق عقولنا ولكنه موافق للعقل، والقرآن ~~ناطق بأن المسيح كلمة الله وروح منه أخذا جسدا من مريم بدون واسطة بشرية بل ~~حبل به بالروح PageV01P327 # القدس، وهذا الاعتقاد موافق للعقل والنقل بل أظهر ms257 تنزه صفات الله عن ~~النقص والعيب وأنه لا يبرئ المذنب إلا إذا استوفى حقه وعدله، أما الاعتقاد ~~بالنسخ فإنه يحط بصفات حكمته وعلمه وإرادته ومشيئته وشتان بين العقيدتين. # أقول: قد بينا لك معنى النسخ وكشفنا لك عن حقيقته بما يتضح به لك توهم ~~المتكلف أو مغالطته في تعريفه له، وكشفنا لك عن كونها أنسب بحكمة الله ~~ولطفه في مراعاة مصالح العباد المختلفة بحسب الأحوال والأوقات على وجه عرفت ~~أن الناسخ والمنسوخ سابقان في علم الله، صادران عن مشيئته وإرادته منبعثان ~~عن حكمته ولطفه وعلمه منذ الأزل بمناسبات الأحوال والأوقات، فجعل جل شأنه ~~كلا من الناسخ والمنسوخ بإزاء مصلحته وحده بحدها في مكنون علمه، فأظهرهما ~~لعباده بواسطة أنبيائه على مقتضى حكمته البالغة ورحمته الواسعة فلا نضجر ~~سمعك بتكرار بيانه، وإن كانت مضامينه تسبيحا لله ببيان حكمته ولطفه وعلمه ~~ومراحمه بعباده بما يرتاح به العقل السليم ويستعذبه الذوق المستقيم، وقد ~~قدمنا لك في الأمثلة المتعددة عن العهدين صراحتها على مذاق المتكلف بأن " ~~نوحا " و " وموسى " و " داود " و " حزقيال " و " المسيح " والرسل و " بولس ~~" كل واحد من هؤلاء قد جاء بحكم تشريعا أو إمضاء، ثم نسخه ويدعي أنه من عند ~~الله. # وهلم واعجب من اقتحام المتكلف وتهوره فإنه أحرز الموفقية في أقواله في ~~النسخ، فاقتحم بقوله: " نعم لا ننكر أن تجسد كلمة الله الأزلية هو فوق ~~عقولنا ولكنه موافق للعقل "، فسله وقل له: إذا كان ذلك فوق عقولكم فكيف ~~تحكم بموافقته للعقل، وإذ حكمت بأنه موافق للعقل فكيف يكون فوق عقولكم. # أو تدري ما هو تجسد الكلمة عند المتكلف هو أن الإله أقنوم الابن، ثالث ~~الثالوث الذي هو واحد حقيقة، وثلاثة حقيقة، قد تجسد في الأرض وتوشح الطبيعة ~~البشرية فأخذ جسدا من مريم وبقي أقنوم الأب وأقنوم الروح القدس في السماء، ~~وبعد ثلاثين سنة انفتحت السماء ونزل أقنوم الروح القدس على شكل حمامة جسمية ~~وحل على أقنوم الابن المتجسد، وبقي الأب في السماء وصار أقنوم الابن ~~المتجسد وأقنوم الروح القدس الحال عليه ms258 في الأرض يجرب PageV01P328 # من إبليس أربعين يوما إلى أن ذهب به إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك ~~المسكونة في لحظة وأطمعه بأن يعطيها له على أن يسجد الإله المتجسد لإبليس، ~~ثم جاء به إبليس من البرية إلى " أورشليم " وأوقفه على جناح الهيكل ممتحنا ~~له، ثم بقي بعد ذلك ثلاث سنين يقاسي الاضطهاد من الناس حتى إذا دنا وقت ~~الصليب حزن وبكى وتضرع إلى أقنوم الأب في أن تعبر عنه كأس المنية، ولكن ~~الأب لم يشأ ذلك، وإذ آلمه الاضطهاد قال للأب إلهي إلهي لماذا تركتني؟ وإذ ~~دنا منه الموت صرخ بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك استودع روحي، وأسلم ~~الروح ودفنوه، وفي اليوم الثاني أقامه الله من الأموات وارتفع إلى السماء ~~وجلس عن يمين الله، هذا كله جرى على الكلمة المتجسدة والإله الذي توشح ~~الطبيعة البشرية ليرفع قدرها. # اسمع هذا ولا تقل كيف وكيف فإن هذا بزعم المتكلف مما يهتز له العقل ~~السليم طربا، ويتطعم به الذوق السليم استلذاذا، غفرانك اللهم سبحانك ~~وتعاليت، وليس هذا مقام التعرض لما في ذلك فدعه إلى مجيئ محله إن شاء الله ~~وإن كان ما فيه لا يخفى على من عرف جلال الله وأقر له بالقدرة والوحدانية. # وأما قول المتكلف: بأن القرآن ناطق بأن المسيح كلمة الله وروح منه، ~~فاستمع لموقف ذلك من سياق القرآن الكريم، وانظر إلى أنه هل يسعف المتكلف ~~بشئ من الموافقة، أم أنه يجبهه بالمقاومة ويجاهر بإبطال مزاعمه ودحض ~~أضاليله. # قال الله جل اسمه في سورة النساء 169 (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في ~~الأرض وكفى بالله وكيلا 170، لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله). ومعنى ~~كون المسيح كلمة الله هو كونه أثرا لقوله تعالى ms259 " كن " على خلاف العادة في ~~تناسل البشر، ولا تحسب أن معنى ذلك يوافق ما في كتب إلهام المتكلف فإن فيها ~~ما نصه: وكان الكلمة الله " يو 1: 1 " والمتكلف يقول: " يه 2 ج ص 38 س 4 " ~~PageV01P329 # أن الكلمة الأزلية هي الله كما استشهد به المتكلف " ص 290 " وأين والآية ~~الشريفة تكافح ذلك وتعلن بالتوحيد، وبطلان التثليث، وتنزه الله عن نسبة ~~الولد إليه تعالى شأنه، وتصرح بأن المسيح عبد الله، ولن يستنكف من ذلك. # وعلى مثل هذا جاء قوله تعالى (وروح منه) فإن المراد أنه روح مخلوقة لله ~~أودعت في " مريم " لا بواسطة نطفة وتوالد عادي، بل هي من ناحية قدرة الله ~~الباهرة، وليس كما يحاول المتكلف جريا على كتابه القائل: الله روح " يو 4: # 24 ". # وأما الرب فهو الروح " 2 كو 3: 17 " بل هي على نحو قول الله تعالى في شأن ~~" آدم " (ونفخت فيه من روحي) الحجر " 29 وص 72 " وعلى نحو قول التوراة عن ~~قول الله تعالى: " لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد " " تك 6: 3 ". # ثم إن المتكلف بعد اعترافه أولا بأن تجسد الكلمة الأزلية فوق العقول أقدم ~~على مصادمة العقل والنقل فحكم بأنه موافق لهما، ولم يكتف بذلك بل قال: إن ~~تجسد الكلمة " وهو بالنحو الذي شرحناه لك " أظهر تنزه صفات الله عن النقص ~~والعيب، وكأنه لو لم تنفصل الكلمة أقنوم الابن عن الأب، ويتجسد على الأرض ~~ويجري عليه ما ذكرنا من كتب إلهامهم من تصرف إبليس به، وأطماعه بممالك ~~المسكونة ليسجد له وتوارد الاضطهادات عليه، بل كان الله واحدا قهارا عزيزا ~~غير مثلث ولا متجزء ولا مضطهد لكانت صفاته غير منزهة عن النقص والعيب، ~~سبحانك اللهم وتعاليت. # وأما قول المتكلف: إن الله لا يبرء المذنب إلا إذا استوفى حقه، وعدله، ~~فليت الكامل والناقص والفاهم والغبي يسألونه كيف أظهر تجسد الكلمة أن الله ~~لا يبرئ المذنب إلا إذا استوفى حقه وعدله، فهل يقول: إن العقل والأنبياء ~~والعهد القديم قد قصروا في بيان هذه الحقيقة أو قصروا عنه. # المتكلف ms260 وسر الفداء أم يريد المتكلف ما يلهج به من سر الفداء، وأن الله ~~استوفى حقه من الخاطئين وعدله باضطهاد الفادي الكريم وذبيحته فإنه قال " يه ~~2 ج ص 291 " PageV01P330 # وعقاب الخطيئة هو الموت في جنهم إلى الأبد لأن المولى سبحانه وتعالى قدوس ~~طاهر وعدله يستلزم عقاب الخطيئة بهذه الكيفية، فالمسيح احتمل في جسده ما ~~كنا نستوجبه من العقاب ووفى ما كان علينا من الدين " و 4 ج ص 247 " أن ~~الكلمة الأزلية أو ابن الله بموته، وفى للعدل الإلهي حقه " وص 279 " أن ~~الله سبحانه وتعالى حكم في كتابه العزيز بأن كل نفس تخطئ موتا تموت في جهنم ~~النار إلى الأبد لأن عدله يستلزم هذا القصاص لقداسته التي لا تحد ولمقته ~~الخطيئة مقتا شديدا فلا يمكن أن يغض الطرف عن قصاص الخاطئ لقداسته وكراهته ~~الخطيئة " وص 280 " إن الله سبحانه وتعالى أظهر رحمته ومحبته بتجسد الكلمة ~~الأزلية فلبس هذا الجسد وكان يلزم أن يكون الفادي طاهرا قدوسا منزها عن ~~النقص حتى يفي للعدل الإلهي حقه ويخلص الخطاة، فالمسيح " يسوع " قام بهذا ~~الأمر وقدم نفسه فداء عنا، فالعدل الإلهي كان يستوجب عقابنا وموتنا " أي في ~~جهنم النار إلى الأبد " فمات الفادي الكريم عوضا عنا، ووفى للعدل الإلهي ~~حقه. # فدفق في حفظ هذه المضامين على ذهنك وقل للمتكلف لماذا لا يمكن لله أن يغض ~~الطرف عن قصاص الخاطئ. # مغفرة الله ورحمته وجوده ومن ذا الذي يمنعه عن المغفرة للخاطئ بجوده ~~ورحمته الواسعة كما يعاقب بعدله وقداسته، أفلم يكن له نصيب من جود الفادي ~~الكريم ورحمته أفلم يقل العهد القديم إن الله إله رحيم ورؤوف غافر الإثم ~~والمعصية والخطيئة " خر 43: 6 و 7 " ونحوه " عد 14: 18 " وغفور وكثير ~~الرحمة لكل الداعين إليه " مز 86: 5 " والذي يغفر جميع ذنوبك " مز 103: 3 " ~~ومن هو إله مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب " مي 7: 18 " وللرب إلهنا ~~الراحم والمغفرة " دا 9: 9 " وإله غفران " نح 9: 17 " وعن قوله تعالى: " ~~أنا هو الماحي ذنوبك لنفسي وخطاياك لا اذكرها " اش ms261 43: 25 " قد محوت كغيم ~~ذنوبك وكسحاب خطاياك " اش 44: 22 ". # وفي المزمور الخامس والعشرين 7 اذكرني أنت من أجل جودك يا رب وفي ~~PageV01P331 # الحادي والثلاثين 19 ما أعظم جودك الذي ذخرته لخائفيك، وفي تاسع زكريا 17 ~~ما أجوده، أفلم يمكن لله جل جلاله أن يتصف بهذه الصفات إلا أن تتجسد الكلمة ~~على الأرض ويجري عليها ما جرى من الاضطهاد ثم أجمع في ذهنك ما تقدم من ~~كلمات المتكلف مع قوله " يه 2 ج ص 38 س 4 " إن الكلمة الأزلية هو الله. # وقوله " 4 ج ص 285 " المسيح هو الله، وقوله " 3 ج ص 171 " المسيحيون ~~يعتقدون بأن الذات العلية والكلمة الأزلية والروح القدس هم الله الواحد ~~الأحد، وخذ حاصل هذه الأقوال في ذهنك ثم ليقرر لك المتكلف أو بعض محبيه ~~بقية كلامه في سر الفداء ولا تدعه يطوي الكلام على غره، بل دقق في السؤال ~~منه وجادله بكلامه، فإذا قال: إن الله أظهر رحمته ومحبته بتجسد الكلمة، فقل ~~له: إن عليك أن لا تعمى بل تقول حسب كلامك، وأول " يوحنا " إن الله أظهر ~~رحمته ومحبته بتجسده. # وإذا قال: فالمسيح احتمل في جسده ما كنا نستوجبه من العقاب نقل له: إنك ~~قلت إن الكلمة الأزلية هي الله، والمسيح هو الله، فعليك أن تقول واستغفر ~~الله، فالله احتمل في جسده ما كنا نستوجبه من العقاب " وهو الموت في جهنم ~~النار إلى الأبد " تعالى الله عن ذلك، فينتج من كلامك أن الله لا يمكن أن ~~يغض الطرف عن قصاص الخاطئ لعدله وقداسته فلا يمكن أن يغفر ويمحو حسب رحمته ~~ومحبته، فلم يجد حيلة لمخادعة عدله وقداسته إلا أن يتجسد ويحتمل في جسده ما ~~يستوجبه الخاطئ من العقاب، أترى لو جعل الإيمان والتقديس في ناحية، وجعلت ~~خرافات الكفر في ناحية، ففي أي الناحيتين يكون هذا الكلام، فإن قال لك ~~المتكلف، إن الفادي الذي احتمل في جسده ما كنا نستوجبه من العقاب هو غير ~~الله، فقل له " أولا ": هذا مناقض لقولك ومعتقدك بأن الفادي هو ms262 المسيح الذي ~~هو الكلمة الأزلية التي هو الله، ثم قل له هل من عدل الله القدوس العادل أن ~~يعاقب غير الخاطئ وكيف أمكن أن يغض الطرف عن قصاص الخاطئ، أوليس قد قال ~~كتابكم أن النفس التي تخطئ هي تموت " حز 18: 4 و 20 " وكل واحد يموت بذنبه ~~كل إنسان يأكل الحصرم PageV01P332 # تضرس أسنانه " ار 031 30 ". # فهل ترى أحدا من ملوك الأرض يقبل من أحد الأبرياء أن يحتمل بالرغبة ما ~~على المقصر من الصلب والإعدام، ولو أن الملك قبل ذلك وأجرى على البرئ قصاص ~~المقصر وترك المقصر آمنا في تمرده لعده العقلاء ملكا قاسيا وحشيا لا يبغض ~~الخطيئة على الخصوص إذا كان البرئ يطلب من الملك أن تعبر عنه كأس القصاص ~~ويبكي ويحزن ويكتئب ويقول: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ فإن قال: إن الفادي ~~الكريم لم يحتمل قصاص الخاطئ حسبما يقتضيه العدل الإلهي وهو الموت في جهنم ~~النار إلى الأبد، وإنما احتمل ألم الصلب والاضطهاد والموت في أقل من ثلاثة ~~أيام ثم أقامه الله من الأموات مكرما ممجدا ورفعه إلى السماء فجلس عن يمين ~~الله فقل له " أولا ": إذا كان الفادي الكريم هو الكلمة الأزلية التي هي ~~الله، والمسيح الذي هو الله فمن هو الذي أقامه الله؟ ومن هو الذي جلس عن ~~يمين الله؟. # و " ثانيا " إذا كان عدل الله وقداسته ومقته للخطيئة يستلزم عقاب الخاطئ ~~بالموت في جهنم النار إلى الأبد، فلماذا تنازل عدل الله إلى كون القصاص ~~يوما وبعض يومين؟ فهل كان العقاب الذي هو لازم العدل مالا أحوجت ضرورة ~~الوقت إلى تعجيل استيفائه بالتنزيل الفاحش، أم كان هذا التنازل واستيفاؤه ~~من البرئ محاباة للأثمة الخاطئين، كيف وكتابكم يقول إن الله ليس عنده ~~محاباة " انظر 2 أي 19: 7 ورو 2، 11 وابط 1: 17 " بل النفس التي تخطي هي ~~تموت، هذا كله مع أن الابن إن كان قد أعطى وعدا للأب بهذا الفداء الذي عرفت ~~موقعه من العدل والقداسة ومقت الخطيئة، فبمقتضى كتابكم أنه قد استعفى ~~واستقال من هذه المعاملة مع ms263 الأب لما قرب وقت الاستيفاء ولم يردها، وقال: ~~وهو حزين جدا يا أبتاه إن أمكن فلتغبر عني هذه الكأس " مت 26: 38 و 39 " ~~وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن، وقال: يا أبا الأب كل شئ مستطاع لك ~~فأجز عني هذا الكأس " مر 14: 35 و 36 " وجثا على ركبتيه وصلى قائلا يا ~~أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس، وظهر له ملاك من السماء يقويه وإذ كان ~~في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على PageV01P333 # الأرض " لو 22: 41 - 43 " ولكن لما رأى الحال قد اقتضى التصميم على هذا ~~القصاص والاستيفاء تنازل عن إرادته التي لا تقيده، ثم قل للمتكلف عودا على ~~بدء وكرر عليه في السؤال وان ضجر من هو الكلمة، ومن هو الاله العادل، ومن ~~هو الأب ومن هو الابن؟ ومن هو الاله الذي تقمص الطبيعة البشرية؟ ومن هو ~~الله؟ ومن هو الفادي؟ ومن هو المسيح؟ ألست تقول هم الله الواحد الأحد، ~~والمسيح هو الله، فعليك بقانون البيان والايضاح في الكلام خصوصا في المعارف ~~اللاهوتية أن تقول واستغفر الله ان الله العادل القدوس الذي يمقت الخطيئة ~~ويستلزم عدله عقاب الخطيئة بالموت في جهنم النار إلى الأبد هو الذي احتمل ~~ما تقولونه وفدى الخاطئين لأنه أراد أن يظهر رحمته ومحبته ولا يمكنه أن يغض ~~الطرف عن قصاص الخاطئ لقداسته، فوقعت المخادعة للعدل والقداسة بالتجسد ~~والتنازل بالفداء والقصاص، فإن قال لك أن الفادي غير الله فكرر عليه السؤال ~~بما قلناه في قولنا " أولا، وثانيا " فإن قال لك كما قال سابقا ان تجسد ~~الكلمة الأزلية فوق عقولنا، فقل له: هبك رضيت بأن تعبد الله بما هو فوق ~~عقولكم ولكن لماذا تتكلم في النسخ بذلك الكلام الفاحش مع أن إظهار الحق ~~فضلا عن غيره من المسلمين قد كشف لك عن حقيقته وأوضح لك معقولها وانها ~~متقضى لطف الله بعباده وحكمته وعلمه بالمصالح ومقتضياتها واصلاح عباده على ~~طبقها وقد أوقفك على مواقعه في العهدين. ولماذا لم تكتف بتكرار ms264 قولك. وعلى ~~كل حال فلا ناسخ ولا منسوخ. # الإسلام والمتكلف ثم إن المتكلف بعد ان أودع كتابه مثل هذه الطامات التي ~~تشوه وجه المعقول والمنقول وتخالسهما بالجحود لحقيقة العدل والتوحيد ~~والحكمة والجبروت وكثير من صفات الجلال صار يستنتج الغلط من الغلط. # فقال بعد كلامه الأخير " يه 4 ج ص 280 " فلا شئ من الدينونة على الذين في ~~المسيح يعني ينسب الينا بر المسيح بالإيمان، فالمسيح حفظ الشريعة فبالايمان ~~به ينسب الينا حفظها، والمسيح مات فبالايمان به ينسب الينا موته فكما انه ~~بآدم الأول دخلت الخطيئة فبآدم الثاني دخل البر فيكون الله عادلا في ~~تبريرنا PageV01P334 # لأنه عدله استوفى حقه فصار عدله ورحمته متساويين فلا تفاوت بينهما وهذا ~~بخلاف المسلمين الذين يرتكنون على رحمة الله في الخلاص ويغضون الطرف عن ~~عدله وعن كونه منتقما جبارا فأنت ترى أن طريقة خلاصهم واهية واهنة فاسدة ~~بعيدة عن العقل السليم، أما وهنها فلأنها غير مؤسسة إلا على أوهام باطلة ~~كارتكانهم على رحمة الله فقط، وغضهم الطرف عن عدله وقداسته ومقته للخطيئة " ~~ص 181 ". # ومما يدل على فساد الطريقة الإسلامية أيضا أنها تستلزم أن رحمة الله أعظم ~~من عدله، والعقل السليم لا يقبلها. # أقول: فأين صار العدل الإلهي إذا كان لا شئ من الدينونة على الذين في ~~المسيح، وبأي عدل وحكمة ينسب إليهم بره، كيف وكتابهم يقول: إن الله يغفر ~~الإثم والخطيئة، ولكن لا يبرئ إبراء " خر 34: 7 وعد 14: 18 ونا 1: # 3 ". # وما معنى أن حفظ المسيح للشريعة ينسب إليهم وبأي عدل يكون ذلك وبأية ~~حكمة؟ فهل كان جعل الشريعة لأجل حاجة الله إلى العمل بها حتى يقال إن عمل ~~بعض الناس يسد حاجة الله ويغني عن عمل غيره، وبناء على هذا الغلط أيضا لا ~~يصح أن يكون عمل واحد ينسب إلى غيره، أوليس يعلم كل ذي عقل أن تشريع ~~الشريعة إنما هو لطف من الله بعباده جميعا ليتكلموا ويتقدسوا بالعمل بها ~~ويصلح به اجتماعهم وينالوا سعادة الدارين، ولولا ذلك لكان من أفحش الظلم ~~إلزام كل ms265 أحد بالعمل بها. # وأفحش منه توقف الإقالة منها على الفداء كما عن قول " بولس " المسيح ~~افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، وحاصله أن الله جل شأنه برر ~~المجرم بحمل عقابه ولعنته على البرئ البار " كذى العريكوي غيره وهو راتع " ~~أفهذا عدل الله عند المتكلف؟ وكيف استوفى عدله حقه وممن استوفاه وعلى أي ~~نحو جزاف استوفاه، أيستوفي عقاب مليونات لا تحصى من الخلق وهو موتهم في ~~جهنم النار إلى الأبد بموت بار يوما وبعض يومين، ويكون هذا من العدل ~~واستيفاء الحق. PageV01P335 # فهل سمعت عن الملوك المتمدنة أنه وقع في شرائعهم الإصلاحية أو قصاصاتهم ~~العرفية مثل ذلك؟ وهل سمعت أنه وقع عند التجار حينما يلتجأون إلى التنزيل ~~مثل ذلك؟ وكيف يكون المستوفي بهذا النحو عادلا منتقما جبارا فلو أن ملكا ~~أرضيا عصته رعيته، ولا شوا شريعته، وسفكوا الدماء وهتكوا الحريم، ونهبوا ~~الأموال، وتعدوا الحدود فأراد أن يعطي عدله حقه، فقدم ابنه البري ليفدي ~~رعيته المقصرين المتمردين من عقابهم العظيم بضربة لابنه فاستعفاه الابن ~~وبكى وتوسل إليه في أن تعبر عنه كأس الفداء فلم يسمع له بل ضربه ضربة واحدة ~~وإن كانت مؤلمة بدلا عما تستوجبه الرعية بجرائمها من الإعدام والحبس ~~والتبعيد، وجعلهم بعد ذلك وهم على عاداتهم الوخيمة مبررين قد آمنوا وبال ~~العقاب واطمأنوا بدستور الفداء، أفنقول إن هذا الملك عادل قدوس يمقت ~~الخطيئة، وقد استوفى عدله حقه فهو منتقم جبار أم تقول وعلى قول المتكلف إن ~~الأب والابن واحد يرجع المثال إلى أن الملك ضرب نفسه ليستوفي عدله حقه ~~ويفدي رعيته حسبما ذكرنا. # ومع هذا كله والمتكلف يقول " يه 1 ج ص 274 " إن عند المسلمين عهد ~~الأعمال، ومن سوء الحظ لا يوجد عندهم عهد النعمة عهد الخلاص. # فنقول: الحمد لله على عظيم نعمته ولطفه إذ شرع لنا شريعة الحق، وعرفنا ~~صالح الأعمال ووسائل القرب منه والفوز برضاه، وسدد جامعتنا لحفظ الشريعة، ~~ووفقنا للقول الثابت في توحيده وتقديسه، وهدانا إلى معرفة عدله وقدرته ~~وقدسه لنخشاه، ومواقع رحمته وغفرانه لننيب ms266 إليه بالرجاء، وعصمنا من مخادعات ~~النفس الأمارة، ومغالطات الهوى ومخالسات الشيطان فلا زالت نعم الله وألطافه ~~علينا ظاهرة وباطنة، ومن عظيم توفيقنا وحسن حظنا أن الشيطان الرحيم قد نكص ~~عن عرفان جامعتنا خاسئا. فلم يمزج توحيدنا بالشرك، ولم يغالطنا بالتمرد على ~~الشريعة الإلهية وملاشاتها ولم يدس في معرفتنا بجلال الله وقدسه لوازم ~~النقص والعجز، وأغاليط الوثنية، وخرافات البوذية. # ولا ألوم المتكلف إذ لم يعرف طريقة خلاص المسلمين، فلا يخفف على طالبي ~~الهدى إن المسلمين يقولون اقتداء بقرآنهم كتاب الله، واهتداء بأنوار ~~PageV01P336 # شريعتهم، وتمسكا بعروة العقل الوثقى إن الله جل شأنه عادل قدوس عزيز ذو ~~انتقام وغفور رحيم غني حميد، فإن انتقم من ذات الخاطئ المجرم وعاقبه بجرمه ~~فهو عادل لأجل استحقاق المجرم للعقاب، وإن غفر له وسامحه فذلك من رحمته ~~وفضله وغناه من عقابه، فمعاملة المجرم بالعدل وحده إنما هي العقاب فالعدل ~~هو المخوف الذي ترتعد منه فرايص المجرمين، وإنما يرجى الخلاص بالرحمة من ~~الله الغني، وهذا من أوضح البديهيات. # وما كنت أحسب ذا شعور يقول: إن المجرم ينبغي أن يرجو خلاصه من عدل الله، ~~وإذا رجاه من رحمته يكون قد جعل رحمته أعظم من عدله فتتفاوت صفاته جل شأنه. # ولماذا لا يقول المتكلف إذا رجونا الخلاص من عدل الله يكون عدله أعظم من ~~رحمته فتتفاوت صفاته؟ ولماذا لم يفهم المتكلف أن ما ذكره من تنازل عدل الله ~~وجريه على خلاف مقتضاه لما أظهر الله رحمته ومحبته بتجسد الكلمة هو الذي ~~يستلزم أن تكون رحمة الله أعظم من عدله، ليس هذا فقط، بل يرجع إلى أن محبته ~~ورحمته قد غالطت عدله، وخادعته وقهرته حتى جرى على خلاف مقتضاه، وتنازل إلى ~~مقتضاها تعالى الله عن ذلك وتقدس. # معارف القرآن والمتكلف ولكن المتكلف يقول " يه 2 ج ص 299 " إن القرآن ~~اتخذ من الكتاب المقدس بعض صفات الله وكمالاته إلا أنه لا يعرفها حق ~~المعرفة كما هي مدونة في مصدرها الأصلي فلا يعرف عدل الله الذي اقتضى تجسد ~~الكلمة الأزلية واحتمال الصلب ms267 للتكفير عن خطايا كل من يؤمن به فإن القرآن ~~يتوهم أن رحمة الله أوسع من عدله كأنه يوجد تفاوت بين صفاته جل شأنه. # قلنا: إن كنت قد نزهت ذهنك عن وصمة العصبية والتقليد، كما هو الأمل ~~الوطيد بالمعاصرين المتنورين، فقد أوضحنا لك لزوم الشطط في بناء الخلاص على ~~العدل خصوصا إذا كان بنحو تجسد الكلمة والفداء باحتمال القصاص على النحو ~~الذي يكرره المتكلف مما يتهافت من جميع أطرافه على نسبة PageV01P337 # النقض لذات الله جل شأنه بل والجحود لحقيقة إلهيته. # ولو أن القرآن اتخذ صفات الله من كتابهم لكان ربما اعتمد في احتجاجاته ~~على قول الكتاب بتعدد الآلهة " انظر يو ١٠: ٣١ - ٣٧ " وبتعدد الأرباب " ~~انظر مت ٢٢: ٤١ - ٤٦ ومر ١٢: ٣٥ - ٣٨ ولو ٢٠: ٤١ - ٤٥ " أو ما ترى القرآن ~~قد بنى أساس دعوته وقانونها على إبطال هذه الخرافات وإرغامها ولقال فيما ~~قال إن الله حزن وتأسف في قلبه " تك ٦: ٦ و ٧ ومز ٧٨: ٤٠ واش ٦٣: ١٠ واف ٤: ~~٣٠ " ولقال: إن جماعة رأوا الله وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق ~~الشفاف " خر ٢٤: ١٠ و ١١ ". # ولما قال (١) (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)، ~~ولقال: إن الله صارع بعض الناس إلى الصباح فلم يقدر عليه وطلب منه أن يطلقه ~~" تك ٣٢: ٢٤ - ٣١ ". # ولما قال (٢) ﴿ليس كمثله شئ﴾ (3) ~~(وهو القاهر فوق عباده)، ولقال يا رب لماذا أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذا ~~أرسلتني " خر 5: 22 " لماذا أسأت إلى عبدك " عد 11: 11 " ولقال: يا أيها ~~السيد الرب حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا: يكون سلام وقد ~~بلغ السيف النفس " ار 4: 10 ". # ولم يقل (4): (إن الله لا يخلف الميعاد (5) ومن أوفى بعهده من الله)، ~~ولقال الله محبة " 1 يو 4: 8 و 16 "، ولقال لأبشر لا بحكمة كلام إن الله ~~استحسن أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة " 1 كو: 17 و 21 " وفي الترجمة ~~المطبوعة سنة 1811 م بحماقة الكرازة، ولم يقل (6) (ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة) ms268 ولقال إن جهالة الله، أو تحامق الله أحكم من # PageV01P338 # حكمة الناس، ولم ينوه في كثير من مضامينه بحكمة آلله ولم يقل (1) (يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ولكنه ما ينطق عن الهوى ~~إن هو إلا وحي يوحى). # وأما قول المتكلف: " إن القرآن لا يعرف عدل الله الذي اقتضى تجسد الكلمة ~~إلى خره ". فقد بينا لك أين يكون هذا من عدل الله وتنزيهه وتوحيده، وأين ~~القرن وما يزعمونه من تجسد الكلمة، وكيف والقرآن هو المقاوم لذلك والمنادي ~~بتوحيد الله وتقديسه وبطلان التثليث والثالوث. # المتكلف والبرهمية والبوذية وإن أراد المتكلف من يعرف ذلك فعليه بمصدره ~~الأصلي وأساس تعليمه وهي عقائد البراهمة والبوذيين وكتبهم كما ذكره " بطرس ~~" البستاني في دائرة المعارف فقد ذكر في الجزء الخامس منها ص 375 أن " برهم ~~" هو المعبود الأول عند الهنود وكثيرا ما يجعلون " برهم " اسما للأقانيم ~~الثلاثة المؤلف منها ثالوث الهنود وهي برهما " و " وشنو " و " سيوا " ويسمى ~~برهم " فتش " أي الكلمة. وأما برهما فهو نفس برهم معبود الهنود بعد أن شرع ~~في أعماله. وهو الأقنوم الأول من الثالوث الهندي أي أن برهم ينبثق من نفسه ~~في ثلاثة أقانيم كل مرة في أقنوم. فالأقنوم الأول الذي يظهر به أول مرة هو ~~" برهما " والثاني " وشنو " والثالث " سيوا "، ثم ذكر ما عندهم من التجسد. ~~وفي ص 376 ذكر أن ألقاب " سيوا " عندهم هي. السيد. والرب. والخالق. ~~والمنتقم وفي ص 659 ذكر عن البوذية أمورا يعتقدونها في تجسد " بوذه " ~~وأحواله منها 1 عزمه في السماء الرابعة على التخليص واختياره أن يولد من " ~~مايا " حال كونها عذراء 2 تجربة " المارا " له وهو معبود الحب والخطيئة ~~والموت وتغلبه على سحره وأهواله 3 عند ظهوره لإجراء عمله تقاطر إليه رجال ~~ونساء من جميع الأصناف وأكثر الحكام يتبعوه هم ورعاياهم 4 عمل آيات كثيرة ~~واختار في آخر أمره من النساء وكيلات له 5 كان " اتندا " تلميذه المحبوب 6 ~~يعتقد البعض أنه تسجد تاسع لوشنوء وأنه # PageV01P339 # أصلح البرهمية بإدخاله فيها ms269 قانون إيمان بسيطا. وإبداله عاداتها وشرايعها ~~القاسية بشرايع أدبية ذات لين ورفق، فالبوذية ديانة بسيطة أدبية عقلية ~~مضادة للفلسفة والاحتفالات وحرفة الكهنة. سهلة المراس تدعو جميع الناس ~~إليها. # مسهلة للجميع طريق الخلاص. ولها عدة مجامع في أمر الدين وانظر أيضا إلى ~~سو سنة " سليمان " " ص 55 و 56 ". # الفداء عند المسلمين فإن قلت: أليس عند المسلمين معنى معقول للفداء، وهلا ~~يمكن لبعض الأولياء أن يكون فاديا، قلت: أما على ما يقوله المتكلف فمعاذ ~~الله، نعم كل من أعلن بدعوة الحق، وجاهر بمقاومة الباطل، وأبدى صفحته ~~للاضطهاد في سبيل الله، لا تأخذه في الهدى إلى الحق لومة لائم، فهو فاد لمن ~~يهتدي بنور هداه، وأن من الفادين من أقدم في الجهاد في سبيل الله على تحمل ~~أنواع الاضطهاد وبذل النفس والأعزة للقتل لأجل علمه بأنه إن لم يعل كلمة ~~الحق بالظفر فإنه يعليها بتحمله الاضطهاد، وأن اضطهاده وقتله وسوء المعاملة ~~له مما يعلي كلمة الدين ويوضح نهج الحق وينبه الناس على ضلالة قاتليه ~~ومضطهديه، ولكن لا يمكن لنا أن نسمي المسيح فاديا بهذا المعنى لأجل تصريح ~~كتاب الله بأنه ما قتل ولا صلب بل هو فاد بالمعنى الأول. # الفصل الثالث: في وقوع النسخ اعلم أن كلما ذكرناه من العهدين من أمثلة ~~وقوع النسخ فإنما يتيسر لنا الاحتجاج به على سبيل الجدل والإلزام لمتبعهما ~~وذلك لعدم علمنا بكون الناسخ والمنسوخ فيهما من الأحكام الإلهية، وبعبارة ~~أخرى لما كنا نعلم بانقطاع سندهما ووقوع التحريف فيهما لم يسغ لنا أن نقول ~~على ما فيهما هذا حكم إلهي ناسخ، وهذا حكم إلهي منسوخ. # نعم: برهاننا على وقوعه ما في القرآن الكريم في سورة آل عمران في الحكاية ~~عن قول المسيح في دعوته 44 (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) وكذا ما نعلمه ~~إجمالا في أنحاء العبادات السابقة حيث قيدها الإسلام بكونها عربية، ~~PageV01P340 # وكذا ما نعلمه من وقوع الناسخ والمنسوخ في الشريعة الإسلامية بما دل عليه ~~القرآن الكريم كما سنشير إليه إن شاء الله، وقد أكثر ms270 الناس في ذلك وخلطوا، ~~فلنستأنف الكلام في تتبع بعض الكلمات المتكلف ليتضح لك حالها وحاله فيها. # المتكلف والنسخ وقد افتتح كلامه في بحث النسخ بقوله " يه 4 ج ص 155 " مما ~~اختصت به الديانة الإسلامية مما يشين ويعيب مسألة الناسخ والمنسوخ، فمن ~~تحرى في القرآن وتفاسيره رأى أن الناسخ والمنسوخ فاش فيه بحيث يكاد أن لا ~~تخلو سورة منه، فكان ذلك موجبا لتشويش الذهن واضطراب الفكر، فإذا طالع ~~الإنسان بقصد الفائدة تاه في هندس الظلمات، ووقع في الالتباسات والإيهامات، ~~وصعب عليه التمييز بين الأحكام التي يجب أن يعول عليها وبين الأحكام التي ~~لا يجوز الاعتماد عليها. # أقول: أما دعواه اختصاص الديانة الإسلامية بالنسخ، فقد ظهر لك ظهور الشمس ~~في رابعة النهار من الأمثلة المتقدمة، كونها دعوى باطلة لا يسترها التمويه. # وإن العهد القديم قد ذكر وقوع التناسخ في شريعة " نوح " كما في المثال ~~الأول، وجاء في شريعته النسخ لما قبلها، كما في المثال الثاني إلى المثال ~~الخامس والتناسخ فيها كما في المثال السادس إلى المثال التاسع والعشرين، ~~وإن شريعة الإنجيل قد جاء فيها النسخ لما قبلها كما في المثال الثلاثين إلى ~~المثال السابع والثلاثين والتناسخ فيها أيضا كما في المثال الثامن ~~والثلاثين. # وإن شريعة العهد الجديد قد جاء فيها النسخ لما قبلها كما في المثال ~~التاسع والثلاثين إلى المثال الرابع والأربعين، والتناسخ فيها أيضا كما في ~~المثال الخامس والأربعين إلى السابع والأربعين، وانظر إلى ما ذكرنا في ~~التنبيه، والمتكلف يقول: وعلى كل حال فلا ناسخ ولا منسوخ، على أن المتكلف ~~قد اتبع في هذه الدعوى قول السيوطي في الإتقان اتباعا من دون تدبر، ولم يدر ~~أنه لا يلزم السيوطي مثل ما يلزمه. PageV01P341 # قال في الإتقان في المسألة الثانية من النوع السابع والأربعين في النسخ ~~ما لفظه " النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير "، ولا تحسب ~~أن السيوطي يدعي أنه لم يقع النسخ في الشرائع مطلقا حتى نسخ البعض من أحكام ~~الشريعة السابقة بالشريعة اللاحقة، كيف وأن القرآن ms271 الكريم صريح بأن المسيح ~~يحل لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم كما تقدم، بل غاية دعوى السيوطي أن ~~نسخ الشريعة الواحدة لبعض أحكامها مما خص الله به هذه الأمة في شريعتها، ~~وغاية ما يعترض به على السيوطي في هذه الدعوى هو أنها دعوى لأمر غائب لا ~~يكتفي فيها بالظنون، بل تحتاج إلى حجة قاطعة صادرة عن علام الغيوب. # نعم: لا يلزمه ما يلزم المتكلف من وقوع التناسخ في الشرائع السابقة ~~بمقتضى العهدين كما ذكرناه، وذلك لجواز أن يقول السيوطي لا حجة علي ~~بالعهدين لعدم صحة سندهما إلى الإلهام، ولكن أين يفر المتكلف عن لزوم ما في ~~العهدين، كما ذكرنا أمثلته. # وأما قول المتكلف: فمن تحري القرآن وتفاسيره رأى أن الناسخ والمنسوخ فاش ~~فيه. # فلو أراد فيه الأمانة والتحقيق وترك التمويه والتلبيس لكان عليه أن يبين ~~ما في القرآن من الناسخ والمنسوخ بالبيان الكافي المنطبق على معنى النسخ في ~~الجامعة الإسلامية، ثم يقول ما عنده. # وأما التشبث بأقوال المفسرين فتشبث سخيف، لأن الحقائق غير مربوطة ~~بأقوالهم، وأن كثيرا من أقوالهم هاهنا ناشئ عن آراء ضعيفة وأوهام مردودة، ~~فقد ذكرنا من تفسير الخازن عن قول العلماء إنهم قرنوا المفسرين " باعتبار ~~الكثير منهم " وساووهم بالمؤرخين حيث وصفوهم جميعا بأنهم مولعون بكل غريب ~~ملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم. # ولنقتصر فيما يهمنا في المقام على ما أشار إليه في الإتقان، وإن كان ~~قليلا من كثير، فقد نقل عن ابن " الحصار " قوله ولا يعتمد في النسخ قول ~~عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين. PageV01P342 # العلماء والمفسرون إعلم أن من الناس من كانوا ذوي فهم ثاقب وفكر صائب ~~وقريحة متوقدة فإذا توجهوا إلى العلوم انهمكوا فيها انهماك المنهوم، فلا ~~يزالون يجدون في إتقان مقدماتها وأحكام مبانيها باذلين جهدهم في الغوص على ~~دررها ورفع حجب الجهل وأغاليطه عن وجوه حقائقها، يزنون المنقول بالمعقول ~~ويردون الفروع إلى الأصول. فالذين فازوا بهذه الفضيلة هم المستحقون لاسم ~~العلماء، ومن الناس قوم مالوا إلى العلم وقعدت بهم الهمم وقصور الاستعداد ~~عن طلب ms272 الغاية العلياء، فارتضوا من الفضيلة أن ينسبوا إلى فن من الفنون، ~~واكتفوا من الملكات بكثرة الحفاظ فاقتنعوا بالمنقول والأخذ من الأفواه ~~وسواد الكتابات، ولم يكن همهم في ذلك إلا تكثير بضاعتهم، ووفور محفوظاتهم، ~~وغرابة منقولاتهم من غير التفات إلى التحقيق، ولا وصول إلى الحقائق، ولا ~~انتقاد لما يسمعون، ولا تدبر لما يقولون ويكتبون ورواج بضاعتهم سهولة أخذ ~~الهمج الرعاع عنهم، وموافقة خبطهم لأهواء المدلسين، ومن هؤلاء كثير من ~~المفسرين والمحدثين الذين وقف العلماء لهم بالمرصاد، ونبهوا على خبطهم ~~وخطأهم، كما ذكرناه عن تفسير الخازن. # المفسرون والنسخ وقد ذكر في الإتقان مما أورده المكثرون في النسخ أقساما ~~وأمثلة لا يخفى أنها ليست من النسخ الذي هو محل الكلام في شئ، بل إن جعلها ~~منه إنما هو من فلتات الأوهام، وسوء التخليط، وعدم التدبر.. فمن ذلك جعلهم ~~من أقسام النسخ كلما جاء في الشريعة المقدسة مبطلا لضلالات الجاهلية ~~وعوائدهم الذميمة، وكأنهم لم يسمعوا من العلماء أن النسخ إنما هو رفع الله ~~لحكمه السابق بإعلان حكمه اللاحق حسب اقتضاء المصلحة والإصلاح، فإن رضي ~~المتكلف أن يعد ما ذكروه من قسم النسخ لزمه على رأيه أن تكون أحكام التوراة ~~كلها ناسخة، ولكنه مع ذلك لا يبالي أن يقول: وعلى كل حال فلا ناسخ ولا ~~منسوخ. # ومن ذلك جعلهم جميع الآيات المادحة على الإنفاق والنادبة إليه منسوخة ~~PageV01P343 # بآية الزكاة، وهذا وهم فاحش، فإن حسن الإنفاق والندب إليه من محكمات ~~الشريعة ومستحسنات العقل، لما فيه من كرم الأخلاق واستحكام التقوى وحسن ~~الاجتماع. ودوام العواطف، وحفظ النوع، وليت شعري من أين توهموا أن آية ~~الزكاة ناسخة لآيات الانفاق، فهل ترى في قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها)، وهل تشم منه رائحة المنافاة لآيات الانفاق. # ومن ذلك جعلهم من بابا الناسخ والمنسوخ مثل قوله تعالى: (والعصر إن ~~الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا..)، وقوله تعالى: (والشعراء يتبعهم ~~الغاوون إلا الذين آمنوا)، فتوهموا أن الاستثناء ناسخ لما قبله. وهل هذا ~~إلا من الخلط والخبط بين الاستثناء ms273 والتخصيص المتصل بالكلام، وبين النسخ ~~المصطلح، ولئن رضي المتكلف بعد هذا من النسخ الذي يندد به على قدس القرآن، ~~فماذا يقول إذن فيما يوجد منه كثيرا في العهدين، أيقول مع ذلك وعلى كل حال ~~فلا ناسخ ولا منسوخ. # ومن ذلك جعلهم من المنسوخ قوله تعالى في سورة التين 80: (أليس الله بأحكم ~~الحاكمين). # وكذا قوله تعالى في سورة البقرة 77: (وقولوا للناس حسنا) فقالوا إن ~~الآيتين منسوختان بآية السيف وهو توهم ظاهر، فإن الآية الأولى لا ينبغي ~~لأحد أن يتوهم فيها النسخ لأن مضمونها إخبار بأحسن الأساليب عن أن الله ~~أحكم الحاكمين، وهو كذلك جل شأنه في الأزل والأبد.. فإن قيل إنها منسوخة ~~باعتبار لازم معناها وهو الأمر التفويض والتسليم، قلنا: أين لفظها وسوقها ~~من هذا المعنى؟ أفليس قبلها قوله تعالى (فما يكذبك بعد بالدين) وإن السوق ~~ليشهد بأن نظرها متوجه إلى المكذب بالدين، وأين هذا من الأمر بالتسليم ~~والتفويض، ولو سلمنا ذلك لقلنا إن آية السيف والجهاد الواجب من حكم الله ~~الذي يجب التفويض والتسليم له. # وأما الآية الثانية فهي حكاية عما عهده لبني إسرائيل وأمرهم به، فأين ~~وأين هي من آية السيف، بل لو كانت خطابا لهذه الأمة لكانت من المحكمات ~~PageV01P344 # التي لا تقبل النسخ، فإنها آمرة بتهذيب الأخلاق وحسن الخطاب الذي هو من ~~مصلحات النظام، وصون اللسان عن منقصة الفحش والبذاء، ولأجل ما ذكرنا غلط ~~ابن الحصار من جعلها منسوخة بآية السيف. # ومن ذلك ما يحكم أن " هبة الله بن سلامة الضرير " أخطأ في قوله تعالى في ~~سورة الدهر (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) وقال: إن حسن ~~الاطعام فيها وجوازه منسوخة بالنسبة لأسرى المشركين فقالت له ابنته أخطأت ~~فقد أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يموت جوعا، فأذعن بالخطأ وكان هو ~~الناقل لهذه الحكاية. # ومن ذلك اضطرابهم في الخطأ في قوله تعالى في سورة الأعراف 198 (خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، فقال " ابن العربي " إن أول الآية وآخرها ~~منسوخ بآية السيف، بناء على أن ms274 المراد بالعفو ما يرادف الصفح، وقال بعض: إن ~~أولها منسوخ بآية الزكاة، بناء على أن المراد بالعفو هو الفضل من الأموال، ~~وكلا القولين خطأ لأنه إن حملنا العفو على معنى الفضل من الأموال لم تكن ~~آية الزكاة مضادة له ولا ناسخة، فإن الزكاة من العفو والفضل من الأموال، بل ~~يكون كل من الآيتين شارحا للأخرى، فكأنه قيل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها، وهي من العفو والفصل من الأموال، هذا وإن حملنا العفو على ~~معنى الصفح فإن معناه المسامحة وترك الانتقام عما مضى من الإساءة، وهو من ~~مكارم الأخلاق التي يصلح بها الاجتماع وتتألف القلوب وتقوم بها الحجة، ~~ويتبصر بها الغافل ورياضة نفسانية، وسياسة اقتصادية تتقدم بها شريعة الحق ~~إلى الانتشار ولا مضادة للعفو كما أوضحناه، ولا منافاة له مع آية السيف، ~~فانظر إلى آية السيف وهو قوله تعالى في سورة براءة 5: (فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ~~فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) ~~وانظر إلى ما قبل الآية وما بعدها من أول السورة إلى الثانية عشر فهل تجد ~~في اللفظ أو المعنى أو السوق نهيا عن فضيلة العفو عما سبق من الإساءة، أو ~~أن الله جل اسمه يقول: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة PageV01P345 # فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم 11 فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فإخوانكم في الدين) وإنك لتجد من صراحة الآيات أن قتل المشركين لم ~~يكن لأجل الانتقام منهم ولا للمؤاخذة لهم على إساءتهم السابقة، بل إنما هو ~~لأن المشركين رجس نجس ومعثرة في سبيل التوحيد وانتشار شريعة الحق والعدل ~~ونظام المدنية، وزيادة على ضلالهم قد توغلوا بالعداوة للتوحيد والموحدين ~~وأنهضهم ضلالهم وجبروتهم لإيذاء المؤمنين وحربهم مبلغ جهدهم، ولم تنفع فيهم ~~الحجج الواضحة والمواعظ الناصحة، ولأجل ذلك قال الله جل شأنه أمهلوهم مدة ~~الأشهر الحرم تأكيدا للحجة ومهلة للنظر واستمالة إلى الهدى والتوبة، ثم ~~ضايقوهم بعد هذا بالقتل والحصار تطهيرا ms275 للأرض من رجسهم وحياطة للتوحيد ~~وشريعة الحق من كيدهم، أو ينيبوا إلى الإسلام فيتطهروا بقداستهم ويستنيروا ~~بهداه، وحينئذ فخلوا سبيلهم، وليس لكم أن تؤاخذوهم بإساءتهم معكم أيام ~~شركهم فإن الله غفور رحيم. # فلا بد لكم حينما يسلمون أن تعفوا وتصفحوا عما سبق منهم فإنهم حينئذ ~~إخوانكم في الدين. # فالآيات الكريمة مؤكدة لحكم العفو والصفح، وصريحة في أن قتلهم ومحاصرتهم ~~قبل إسلامهم إنما هما لتنفيذ شريعة الحق، الداعية إلى مكرمة العفو والصفح. # فأين الآية الشريفة من معارضة الأمر بالعفو ونسخه، وقس على ذلك كلما جاء ~~في القرآن الكريم من الأمر بالعفو والصفح عن المشركين، فإذا أمعنت النظر في ~~فلسفة هذه الحقيقة، وأوصلك التدبر إلى معرفة ما فيها من الحكم الباهرة في ~~تربية البشر دعوتهم إلى شريعة الحق والعدل وتأديبهم بها، فإنك تعرف اشتباه ~~" ابن العربي " في دعواه أن آية السيف المذكورة نسخت مائة وأربعة وعشرين ~~آية. # وتعرف أيضا خطأ المتكلف والتعرب في اتباعهما له على ذلك " يه 4 ج ص 161 ~~وذ ص 44 و 45 ". # وتعرف أيضا مبلغ تعصب المتعرب وضلاله، وأني لأظن ظنا قويا أنهما لم ~~PageV01P346 # يطلعا على الآيات التي أشار إليها " ابن العربي " وإنما اتبعا مجمل كلامه ~~لموافقته لأهوائهما، وسنتعرض إن شاء الله لشرح مضامين هذه الآيات عند ~~التعرض لما في القرآن الكريم من التعليم بمكارم الأخلاق والحكمة البالغة في ~~إظهار دين الحق فترتاح إلى نفحات الهدى واليقين وتعرف نسبه الآيات المشار ~~إليها من آية السيف المذكورة. # ومن الاشتباه والخلط ما ينقل من دعوى " ابن العربي " أن آخر آية السيف قد ~~نسخ أولها، وها قد تلوناها عليك، وذكرنا لك صراحتها وسوقها، وقد عرفت في ~~أوائل المقدمة معنى النسخ، فهل تجد لهذه الدعوى وجها مقبولا. # ومن العجب أن الإتقان قد نقل قبل هذا عن " ابن العربي " نفسه قوله بأن ما ~~يخصص باستثناء أو غاية ليس من المنسوخ، وذلك كقوله تعالى: (إن الإنسان لفي ~~خسر إلا الذين آمنوا فاعفوا واصفحوا حتى يأتي أمر الله) فكيف إذن يقول: إن ~~أول آية ms276 السيف منسوخ بآخرها وهو قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم). # ومن الاشتباه ما عن " ابن العربي " أيضا في قوله الله تعالى في سورة ~~المائدة 104 (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم) حيث قال: " أي اهتديتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " فجعل ~~هذا ناسخا لقوله تعالى: " عليكم أنفسكم " زاعما أن معناه لا تتعرضوا لغيركم ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا توهم فإنه لا دلالة في الآية على ~~ذلك أصلا، بل معناها نحو ما قاله الكشاف عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها ~~والسلوك بها في نهج الهدى وذلك باتباع دين الحق والشريعة المقدسة والتأدب ~~بآدابها، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة ~~عليهما فليس بمهتد، بل إن تركهما حينئذ من الضلال المقابل للهدى، ومع ذلك ~~فليت شعري من أين لابن العربي تقييد الاهتداء وتفسيره بخصوص الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فإن أخذه من روايات الآحاد فإن ما رواه الكشاف في هذا ~~المقام عن " ابن مسعود " و " أبي ثعلبة " عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لصريح بخلاف ما يدعيه ابن العربي من النسخ. PageV01P347 # ومن هذا النحو اعتماد بعض على رواية من الآحاد فقال إن قوله تعالى: # (واتقوا الله حق تقاته) منسوخ بقوله تعالى: (واتقوا الله ما استطعتم)، ~~وقد نقل في الإتقان القول بأن الآية الأولى من المحكم الذي لم ينسخ، وذهب ~~المحققون كالكشاف وغيره إلى أن الآيتين بمعنى واحد فلا معارضة بينهما حتى ~~تمكن دعوى النسخ. # فإن معنى قوله تعالى: (اتقوا الله ما استطعتم) اتقوا الله جهد قدرتكم ~~ومبلغ استطاعتكم، وهذا هو تقوى الله حق تقاته، إذ لا يصح الأمر بتقوى الله ~~فوق القدرة والاستطاعة، ولا معنى لذلك. وهذا كاف في رد الرواية لمخالفتها ~~لحكم العقل، وبهذا تعرف وهن كلام المتكلف " يه 4 ج ص 162 " ولو أنه يسمع ~~كلاما " لهيان ابن بيان " لحمله على عاتق حقائق الإسلام وجامعته وقال: ما ~~شاء هواه هذا وأن جملة مما ms277 اختار في الإتقان كونه من الناسخ والمنسوخ لهو ~~أيضا محل منع، وسنتعرض إن شاء الله لتحقيق ذلك بالبيان الواضح عند التعرض ~~لبيان شرائع القرآن الكريم. # وبما ذكرنا هاهنا تعرف أن ما سرده المتكلف " يه 4 ج ص 166 " من تعداد ~~السور التي ادعى فيها وجود الناسخ أو المنسوخ، أو كليهما إنما هو دعوى لا ~~حقيقة لها، وإنما اتبع بها نقل الإتقان عن بعضهم في المسألة الخامسة. # وأعلم أنا لا نتحاشى من وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم بل قد ~~دللناك في أوائل المقدمة على أن النسخ قد تقتضيه الحكمة الإلهية ومراعاة ~~المصلحة، ولكنا قصدنا هاهنا تحقيق الحق، ودفع أغاليط الأوهام عن شرائع ~~القرآن الكريم وآدابه، وقمع تهويلات المتكلف وتمويهاته وإكثاره الكاذب! ~~وبما ذكرنا تعرف خطأ المتكلف في قوله المتقدم " فكان ذلك موجبا لتشويش ~~الذهن واضطراب الفكر ". # شروط الفتيا أفلا يعلم أن كل من يعد نفسه مفتيا في شريعة من الشرائع، ~~ويدعي رياسة العلم بها ليس له أن يستريح من حيث يتعب الكرام، بل لا بد له ~~أن PageV01P348 # يجتهد في الاطلاع على كتابها الذي هو أساسها، ليعرف منه العام والخاص، ~~والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ. ليستنتج من ذلك ~~الأحكام الفعلية، ويميز موضوعاتها لئلا يكون في فتياه كحاطب ليل وخابط ~~عشواء. # أفلا ترى أنه لا يصح لرباني اليهود أن يتصدر للفتوى بمقتضى دينه ويفتي ~~بتقديس كل بكر فاتح رحم للرب اعتمادا على " خر 13: 2 و 22: 29 و 30 وتث 15: ~~19 " من دون أن يفحص ليطلع على الحكم بالفداء " خر 13: 13 و 15 و 34: 20 ~~ولا 27: 27 وعد 3: 12 و 39 - 48 و 8: 16 - 18 و 18: 15 - 18 ". # فيعرف من هذا كله العام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد ~~والناسخ والمنسوخ. # ويتدبر حكم الفداء لبكر الحمار من " خر 13: 13 و 34: 20 ولا 27: # 27 وعد 3: 41 و 45 ". # ولا يصح له أن يفتي في العبد العبراني على مقتضى " لا 25: 39 - 42 " من ~~دون أن يتحقق بيان الحكم من " خر 21: 2 - 7 وتث: 12 - 18 ms278 "، ولا يصح له أن ~~يفتي بحرمة أرملة الأخ على مقتضى " لا 18: 12 و 20: 21 " من دون أن يطلع ~~بالفحص على " تث 25: 5 - 10 ". # ولا يصح له أن يفتي بحد عمر اللاوي لخدمة مسكن الرب على مقتضى " لا 4 " ~~حتى يطلع بالفحص على " لا 8: 44 و 45 ". # ويفحص عن سند التوراة العبرانية والسبعينية، ويتدبر في فتواه بالاطلاع ~~على " 1 أي 23: 3 و 24 و 27 وعز 3: 8 " فيتعرف من ذلك الصحيح والغلط ~~والمحرف والناسخ والمنسوخ. # ولا يصح له أن يفتي في ذبائح الأيام والسبوت والأعياد والمواسم ~~ومقاديرها، وممن تكون وعلى من تجب حتى يطلع بالفحص على " حز 45: 13 46 - 16 ~~" ليعرف الناسخ والمنسوخ والصحيح والغلط، وهذا المقدار كاف في الأنموذج. ~~PageV01P349 # وكذا لا يصح لقس النصارى أن يعتمد في فتواه بأحكام التوراة على إمضاء ~~المسيح لها، وأمره بحفظ أقوال الكتبة والعمل بها لأنهم على كرسي " موسى " ~~جلسوا " مت 23: 2 و 3 " من دون أن يستقصي العهد الجديد بالفحص ليطلع ما ~~يحكي عن المسيح من تحريم الطلاق والتزوج بالمطلقة " مت 19: 9 " وما يحكي عن ~~" بطرس " من تحليله لأكل جميع الحيوانات المحرمة في التوراة " ا ع 10: 11: ~~17 ". # وما يحكي عن التلاميذ من رفعهم وجوب الختان وقيود التوراة إلا أربعة: # الامتناع عما ذبح للأوثان، والدم، والمخنوق، والزنى " ا ع 15: 23 - 30 "، ~~ولا يصح له أيضا على أساسهم أن يفتي بوجوب الامتناع عن هذه الأربعة ما لم ~~يوصله الفحص إلى الإباحة العامة المنقولة عن أقوال " بولس " " رو 14: 14 ~~وأتى 4: 4 وتي 1: 15 " وحتى يستنتج نتيجة من الأقوال المشوشة المضطربة ~~المنقولة عن " بولس " في أكل ما ذبح للأوثان " 1 كو 8: ي 1 - 13 و 10: 19 - ~~22 و 29 و 30 ". # ولا يفتي بكفاية الإيمان في النجاة أو بلزوم الأعمال حتى يوفق بما عنده ~~بين الأقوال المنسوبة إلى " بولس " " عب 9 و 10 و 11 " وبين ما يضادها من ~~الأقوال المنسوبة إلى " يعقوب " يع 2 و 3 ". # وعلى مثل هذا وبخ علي عليه السلام رجلا تصدر للفتيا مع ms279 جهله بالناسخ ~~والمنسوخ، كما استشهد به المتكلف " يه 4 ج ص 156 " ولو لم يكن في الشريعة ~~إلا ناسخ واحد لكفى جهله في لزوم التورع عن الفتيا، ولم يكن جهل ذلك الرجل ~~بالناسخ والمنسوخ من أجل كثرتهما بل لأجل كونه عاطلا من زينة العلم مؤثرا ~~راحة الجهل وإن كان صاحبا لأبي موسى. # فإن قلت: إن لي سوء الآن " أحدهما " هو أنه لم لو يوجب النسخ تشويشا فما ~~هذا النزاع القائم في أمر الناسخ والمنسوخ في القرآن بين المكثر والمقلل، " ~~وثانيهما " هو أنه لماذا لا يوجد في النصرانية مثل هذا التشويش وهذا ~~النزاع، قلنا في السؤال الأول: إن التشويش لم يجئ من ذات النسخ ولم يوجب ~~تشويشا في الشريعة، فإن الناسخ والمنسوخ معلومان معروفان عند الأئمة ~~والمجتهدين في PageV01P350 # تحقيق الأحكام الشرعية العارفين بموارد الشريعة ومصادرها، والمعول عليهم ~~بين الملة في معرفة أحكامها، بحيث لا تشتبه عليهم مواردهما، ولا تلتبس ~~عليهم مصادرهما. # وأما النزاع الذي تراه فإنما أوجبه خبط الاشتباه بين ما سماهم الإتقان ~~بعوام المفسرين، وذكر الخازن عن العلماء أنهم قرنوهم بالمؤرخين المولعين ~~بكل غريب كما تقدم. # وماذا على الحقائق إذا تشعب فيها أوهام غير المحققين، وهل من حقيقة لم ~~نتشعب فيها الأوهام ولم تكثر في سبيل عرفانها معاثر الجهل، وسيمر عليك شئ ~~من ذلك إن شاء الله في أوائل المقدمة الثالثة عشرة. # ثم نقول في السؤال الثاني: إن النصارى قد جاءهم نسخ الشريعة عن " بولس " ~~جملة واحدة بعنوان الملاشاة للشريعة جملة واحدة، وبعد هذه الاستراحة التامة ~~من الشريعة وأحكامها ومعرفتها، فلا حاجة إلى إمعان النظر في كلمات المسيح ~~والرسل للاطلاع على ما فيها من موارد النسخ الجزئي، ولا داعي لهم إلى مرور ~~الأفكار عليهم ليثور منها غبار الأوهام، ومع ذلك أفلا تنظر إلى النزاع ~~العظيم والمثابرة التي قامت بين البروتستنت والكاثوليك حتى جرت إلى سفك ~~الدماء وشديد الاضطهاد وشنايع الأفعال والأقوال، فإن المنشأ في ذلك مكافحة ~~الأوهام من أجل مكافحة رسالة " يعقوب " المشددة في حفظ الأعمال وعدم كفاية ~~الإيمان، مع ms280 رسالة " بولس " إلى العبرانيين المصرة على التعليم بترك حفظ ~~الناموس وبكفاية الاتكال على الإيمان وسر الفداء. # حتى قال " لوطر " مصلح البروتستنت على ما نقله المتكلف " يه 3 ج ص 109 " ~~إن معلمي الخطيئة يعني " الكاثوليك " يضايقوننا بموسى فلا نريد أن نسمع ~~موسى ولا نراه لأنه أعطى لليهود ولم يعط لنا نحن الأمم والمسيحيون فعندنا ~~إنجيلنا فهم يريدون أن يهددونا بواسطة موسى وهيهات. # وقال أيضا " ميلانختون " قد نسخت الوصايا العشر، فقال المتكلف في ~~الاعتذار عن كلام " لوطر " وجرئته على " موسى " إن سببه هو أن الكاثوليك ~~PageV01P351 # تطرفوا في حفظ الأعمال الصالحة، وتوهموا أن الله يقبلنا بسببها، وأن ~~خلاصنا متوقف عليها، فتطرف " لوطر " كذلك في رفضها. # وما أشبه قول المتكلف هذا بالأقوال المنسوبة إلى مردة بني إسرائيل فيما ~~عن قول الله جل اسمه في ثالث " ملاخي " 13 أقوالكم اشتدت علي وقلتم ماذا ~~قلنا عليك 14 عبادة الله باطلة، وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره. # منسوخ التلاوة وأما ما ذكره المتكلف " يه 4 ج ص 164 و 165 " من منسوخ ~~التلاوة فعقبه " ص 165 و 166 " بوساوس هواه، وكذا المتعرب " ذ ص 48 و 49 " ~~فإنما اتبعا فيه بعض المفسرين اتباعا لم يقد إليه إلا الهوى وفرط الغواية ~~مع أن السيوطي نقل عن " القاضي أبي بكر " في الانتصار عن قوم إنكار هذا ~~النحو من النسخ، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ~~ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها إنتهى. # وأين أخبار الآحاد من إثبات القرآن المبني على القطع في الجامعة ~~الإسلامية، بل إنك لا ترى في القرون العديدة جماعة أو واحدا من المسلمين ~~يعتمدون في أمر القرآن على غير اليقين، أو يحتفلون في شأنه بأخبار الآحاد ~~احتفالا دينيا أساسيا، نعم ربما يذكر بعض المحدثين شيئا من ذلك ذكرا ~~تاريخيا، وقد ذكر في الإتقان في شأن منسوخ التلاوة روايات عشرة منها عن راو ~~واحد وهو " أبو عبيدة " وكلها تدل على أن ما نسبته إلى القرآن ليس من منسوخ ~~التلاوة وإنما هو ms281 مما أضاعته الأمة. # وأن خصوص روايات " عائشة " و " حميدة " و " مسلمة بن مخلد " من جملة هذه ~~العشرة لصريحة في ذلك، ورواية عائشة التي ذكرها في منسوخ الحكم والتلاوة ~~صريحة أيضا في ذلك. # وقد اضطرب من جملة الروايات العشر روايتا " زر بن حبيش " و " خالة أبي ~~أمامة " في لفظ آية الرجم كما اضطرب في لفظها وشأن عمر معها ما أخرجه " ~~الحاكم " و " النسائي " و " ابن الضريس " وما ذكره الإتقان عن البرهان على ~~أن هذه PageV01P352 # الروايات مردودة أيضا بوجهين " الأول ": هو أن ما زعمت كونه من القرآن لا ~~نجد له نسبة مع القرآن إلا كنسبة القحمة البالية مع ترصيع تاج الملك. # " الثاني " هو أن نقلها لضياع كثير من القرآن من الأمة ليكذبه قول الله ~~جل اسمه في سورة الحجر 6 - 10 (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فيجب ~~تكذيبها بحكم القرآن الكريم. # وليس في روايات الإتقان ما هو صريح بنسخ التلاوة إلا ما أخرجه " الطبراني ~~" عن " ابن عمر "، وأين هذه الرواية من القبول في الجامعة الإسلامية ولا ~~سيما في شأن القرآن الكريم. # فإن قلت: أليس يشهد لما تنكره قوله تعالى في سورة البقرة 100: (ما ننسخ ~~من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) فإن صراحة هذه الآية تدل على أن ~~الحفظ الموعود به في الآية المتقدمة إنما هو بالنسبة إلى غير الإنساء قلت: ~~الآية تضمنت الإنساء قبل انقطاع الوحي، وتكفلت بالإتيان بخير من المنسوخ ~~والمنسي أو مثله فهي تدل على أن الله لا ينسخ ولا ينسى عند انقطاع الوحي، ~~بل إنما ينسخ أو ينسى آية حيث يوحي بعدها خيرا منها أو مثلها فهذه الآية ~~كآية الحفظ مكذبة لزعم الزاعمين أن ما تضمنته هذه الروايات من القسم الذي ~~أنساه الله بعد انقطاع الوحي ونسخ بذلك تلاوته، وعلى هذه الرواية أين يكون ~~الإتيان بخير منها أو مثلها؟ وأين يكون حفظ الذكر مع أن هذه الرويات ~~وأمثالها قد أفرطت في الإكثار حتى جعلت مقدار الذاهب من القرآن أكثر من ~~الموجود، فتتبع كتب المحدثين ms282 الذين لا هم لهم في تحقيق الحقائق، وإنما همهم ~~حفظ أساطير الأثر والتاريخ، فيكتبون كل ما يسمعون أو يجدون، ويوكلون أمر ~~التحقيق إلى أهله، ويحملون الفقه إلى من هو أفقه منهم. # وأن آية الحفظ للذكر لتدل على أن الإنسان لا يقع بالنسبة إلى القرآن ~~الكريم الموعود بحفظه، فتدل على أن المقصود بالنسخ والإنساء في آيتهما هو ~~ما أوحى من الآيات في الشرائع السابقة، فنسخ بعضها وعفت بعضها عواصف الأيام ~~حتى جعلته نسيا منسيا، كما يشهد لذلك سوق الآية مع التي قبلها وهو قوله ~~تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أن ينزل عليكم ~~PageV01P353 # من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو فضل عظيم، ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) فإن قلت: المراد بالآية هنا هو ما ~~كان من القرآن، قلت: من أين لك أن تخالف سياق القرآن وتتحكم عليه بغير علم؟ ~~أفتقول: إن ما في الكتب الإلهية السابقة لا يسمى في القرآن آية؟ مع أن الله ~~جل اسمه قد سمى في القرآن ما جاء في الكتب الإلهية السابقة بالآية والآيات ~~ومدح من يتلوها فقال تعالى بعد ذم أهل الكتاب في سورة آل عمران 109: (ليسوا ~~سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون). # وقال تعالى في سورة مريم بعد ذكر النبيين السابقين 59: (إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا 60 فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة...)، وقال ~~تعالي في سورة الزمر 71: (ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم...)، ~~فاتضح لك أن القول بمنسوخ التلاوة أخذا من الروايات المشار إليها مما لاحظ ~~له بشئ من التحقيق والصواب لوجوه عديدة... # وأما قوله تعالى في خطاب رسوله في سورة الأعلى 6: (سنقرئك فلا تنسى 7 إلا ~~ما شاء الله...)، فلا يمكن حمله على حقيقة الاستثناء ووقوع مشيئة الله ~~لنسيان القرآن إلى حد الخروج عن الانتفاع به، وذلك لأنه مناف لوعد الله في ~~الآية المتقدمة بحفظ الذكر، ومستلزم لبطلان ms283 الوعد والامتنان بقوله تعالى: # (سنقرئك فلا تنسى..) بل إنه ليكون مثل قولك سأعطيك ولا آخذ منك إلا ما ~~أشاء أن آخذه منك، بل ومناف لما اتفق عليه المليون من عصمة الرسول في ~~التبليغ، ولازمه أن لا يذهب منه بالنسيان بعض ما يوحى إليه، فيكون نظر ~~الاستثناء إلى عروض النسيان زمانا يسيرا لا ينافي الوعد بحفظ الذكر، ولا ~~يضاد الامتنان بعدم النسيان ولا ينافي العصمة في التبليغ، هذا إن جوزنا على ~~الرسول هذا المقدار من النسيان كما ذهب إليه بعض المحدثين. # وأما إذا منعناه أيضا كما هو مذهب المحققين فتكون فائدة الاستثناء هو ~~تسديد الأذهان بدوام إشعارها وتمرينها على الاذعان بعموم قدرة الله وتسلط ~~مشيئته، مع إيضاح وجه الامتنان في الوعد بعدم النسيان، وذلك ببيان أن عدم ~~PageV01P354 # النسيان ليس لأمر ذاتي في الرسول فيثور من ذلك ضلال الغلو وإنما هو منحة ~~من الله وبيده مشيئة النسيان وإن لم يكن يشاؤه لأجل إجراء حكمة الرسالة، ~~وبهذا تعرف فساد تشبث المتعرب " ذ ص 38 ". # وقد عن لنا أن نختم الجزء الأول تعجيلا لإنجاز مطبوعه حامدين لله على ~~آلائه، شاكرين له على أن هدانا بلطفه للحق، ووفقنا بفضله لنصرته متوسلين ~~إليه بحرمة أنبيائه وأضفيائه عليهم الصلاة والسلام أن يوفق عباده للأخذ ~~بحظهم في رشدهم، والنظر في أمرهم، ويجمعهم على كلمة الحق، وجامعة الصواب ~~أنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين. # وأن ضرورة التنبيه على شطط الأضاليل، وغفلات الجهل وفلتات التعصب، وقبائح ~~الجرأة قد ألجأت القلم الغير أن للحق إلى ما نملك منعه عنه ابتداء، ولنا ~~عنه في بيان الهدى أحسن مندوحة نتجافى فيها عن التعرض للنحل ولكن القلم جرى ~~ولسان حاله يقول: إن الإغضاء عن العادي على الحق خور ووهن، وتخلية سبيل ~~المضلين خذلان للدين القيم، ومعاونة على الضلال والإثم والعدوان، وعقوق ~~للأخوان من البشر، وقعود عن نصرتهم على عادية الشبهات ووساوس الغواية، وذلك ~~مما يأباه الدين والعواطف ويحظره العقل والشرع، وما في إحقاق الحق من غضاضة ~~وإن غيظ المضل، على أهلها جنت براقش، والحديث ms284 شجون. # سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا * جبال شروري ما سقوني لغنت " وما توفيقي ~~إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ". # وسيأتي إن شاء الله المقدمة الثالثة عشرة في أوائل الجزء الثاني في ضمن ~~فصول " والله المستعان، وهو حسبي ". PageV01P355 # الهدى إلى دين المصطفى تأليف " الإمام المجاهد " الشيخ محمد جواد البلاغي ~~الجزء الثاني منشورا مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت الأعلمي للمطبوعات ~~بيروت - لبنان ص. ب 7120 PageV02P003 # الطبعة الثالثة كافة الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر 1405 ه‍ 1985 م ~~PageV02P004 # بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الثالثة عشرة في دفع الاعتراضات على قدس ~~القرآن الكريم، وفيها فصول الفصل الأول في الاعتراضات عليه من حيث العربية ~~وقد وسوس بها الضلال لأهواء شرذمة غرها الجهل، وأغرتها العصبية فشطت عن ~~القصد، وعكفت على الشطط، فكشفت عن مغطئها وفضحها نضحها، ليعتبر المتبصر، ~~ويبصر المتدبر، كيف مني الحق، وابتليت الحقائق واستفحل الجهل، وقل الحياء ~~وجمح الغرور، فكم من بادرة يجب التستر بها حتى في المستراح، قد سماها الجهل ~~في سوق الأدب سوم العلق الثمين، فسود بها وجوه الصحف، وشوه بها صورة العلم. # فهل كان يلوح للخيال ويترائى للوهم، أن واحدا من الناس تستفزه العصبية، ~~ويمنيه الضلال، ويغريه الجهل بأن يتعرض بطبيعته الجعلية، وقريحته الهمجية ~~إلى الاعتراض على القرآن الكريم بالعربية، وقد علم الشرقي والغربي، والعربي ~~والعجمي، والفاهم والغبي بأنه لؤلؤ بحرها، وقلادة نحرها وعقدها الفريد، ~~وبكرها الوحيد، قد أقعت لباهره البلغاء، وسجدت لهيبته الفصحاء، وخضعت ~~لسلطانه الخطباء، ففقأ عين الحاسد، وأرغم أنف الشانئ، ولم يبق للعرب معلقة ~~إلا حطها، ولا شاردة إلا عقرها، حيث استقل من العربية بصدر النادي، ومحتبى ~~الدست، ومرف اللواء، وذروة المنبر، وصار موردها المستعذب ومنهلها المورود، ~~وروضها المرتاد وإمامها المقدم، وقاضيها المحكم، فراج به سوقها، وأزهر به ~~روضها، وأشرق به وجهها، إلى أن أسفر صبح الإسلام على الأمم، واتحدت في هداه ~~العرب PageV02P005 # والعجم، وتداخلت اللغات، وأهجنت الألسن، فأرفض نظام العربية، وأشكلت ~~مناهجها، والتبست مقاصدها، وكتمت أسرارها، وتعاصى عرفانها وانفت دررها من ~~سوم الفحام، ونفرت أوانسها من غرائب الطبائع، ms285 وعزفت من هجائن القرائح، وإذ ~~علم المسلمون وغيرهم بالعلم اليقين أن القرآن الكريم الذي هو أساس الدين، ~~ومنار الهدى، ومناط الحجة، وأنموذج الاعجاز، قد استولى من العربية على ~~أفلاذ كبدها، وفرائد لئالئها، ومفاتح كنوزها، فلا يوصل إليه إلا من سبيلها، ~~ولا تقرع بابه إلا بيدها، فلأجل ذلك نهض للتدرب فيها، وللإلتقاط من سقط ~~مائدتها، والمص من وشلها فئة من الأجانب عنها، والمتطفلين في معرفتها، فلم ~~يدركوا من كلام العرب شيئا إلا بطفيف النقل، ولم يقرعوا منه أبواب أسرارها ~~إلا بالتظني، فأسسوا من بسيطها قواعد يتوكؤون عليها في ترعرعهم فيها، وقد ~~فاتهم منها يتائم درر لم تنتظمها قواعدهم، ووقف دونها جدهم، فلا يحظى ~~ببعضها إلا الغائص المتعمق، والقانص المترصد، إذا أسعد جدهما حسن الفطنة، ~~وصفاء القريحة وتوقد الذكاء، ومجانبة التقليد. # ثم إن الناس إذ ذاك على اختلافهم في البضاعة والإضاعة توجهوا بقواعدهم ~~المذكورة إلى اكتشاف أسرار القرآن الكريم، وفهم نكاته في مقاصده التي جرى ~~فيها على النحو الأرفع من مراقي البلاغة وفذلكات العربية فاختلف في ذلك ~~وردهم وصدرهم، وقاموا وقعدوا، وترددوا بين صواب وخطأ، وسداد ووهن، ووجدوا ~~في القرآن الكريم موارد قد ذيدت عنها قواعدهم، أو قصرت عنها منقولاتهم، أو ~~عشت عنها أفهامهم، فتفاوضوا فيها تفاوض الحيران، ولا جرم فما كل زاد مبلغ، ~~ولا كل ظهر موصل ولا كل عدة تجدي، ولا كل من سار وصل، ولا كل من استنجع ~~ورد، ولا كل من طلب أدرك، ولا كل من سمع وعى. # والمتعرب قد نكصت به العصبية في قهقرة جعل وصار يطالب جلالة القرآن ~~الكريم بالقواعد التي لأجل فهمه لفقها المولدون بعد اللتيا واللتي من وشل ~~كلام العرب البسيط، ونزر شعرهم الساذج، وبعد تعثر الأفهام PageV02P006 # واضطراب الأوهام، وشذوذ الأفكار، وتلجج القرائح، وطويل معترك في الخطأ ~~والتخطئة، وتردد مقالات في التقريض والتغليط فقال (ذ ص 72) ثم إن للفصاحة ~~في العربية قواعد وأصولا وضعوها هم أنفسهم وعدوا في جملتها سلامة الكلام من ~~ضعف التأليف، ومن الغرابة والتنافر ومخالفة القياس، وسترى أن في القرآن ما ms286 ~~يخالف قواعدهم، ونحن لا نذكر لك منه إلا ما كانت المخالفة فيه بينة لا ~~تحتمل التأول على علم منا أن المفسرين قد تمحلوا لكل من غلطاته تأولا: وعزب ~~عنهم أن مجرد احتياجه إلى ذلك هو حجة عليه، ولو سلمنا بما حاولوه من الحذف ~~والتقدير لستر غلطه تارة وكشف معناه أخرى لم يبق، ثم من داع لوضع ما وضعوه ~~من القواعد ولأصبح كل لحن وتأويله بل عده من أنواع البديع ممكنا (1) على ~~طريقتهم، هذا كلامه. # ولا تستعجل التسجيل على مفردات شططه، ومكورات لغطه، فإن مباحثنا الآتية ~~إن شاء الله لزعيمة بذلك توقفك على هفواته، وتأخذ بيدك في مداحض زلله، ~~فلنقصر التعرض هاهنا على تمويهه بمولدات القواعد السطحية ومستطرفات الأصول ~~التابعة، وقاصر القياس المجعول، واعتراضه بالحذف والتقدير، وإنا نسألك يا ~~من يعاف المباهتة، ويأنف من لغط الهذيان، هل مهد هذه القواعد قحطان؟ أم هل ~~عنونها عدنان؟ أو شعراء البادية أو خطباء الحاضرة؟ وهل تفاوضوا فيها في سوق ~~عكاظ، أو تآمروا عليها في دار الندوة؟ # أو عقدوا عليها حلف الفضول؟ وهل انعقدت عليها للعرب المجامع؟ أم أوجبت ~~الآباء أن يجري القرآن على البساطة السطحية؟ أو حجرت عليه أن يتجاوز في ~~فذلكاته، وبديع الإشارة في مقاصده عن مبلغ نظر الأخفش ونضيج قريحة المبرد؟. # أفلا يعلم كل من له أدنى إلمام بتاريخ هذه القواعد والأصول، وسبب وضعها ~~ومأخذ قياسها أنها حادثة التشكيل، متعبدة باللغة العربية، تابعة لها منقادة ~~لنفوذ مأثورها، خاضعة لسلطان القرآن الكريم الذي تسالمت العرب العرباء على ~~تقدمه وإمامته في لغتهم حتى خضعوا وهم العتاة لإعجازه، واعترفوا # PageV02P007 # وهم الخصوم اللد بعلو مقامه. # وأنا لنسألك بذمة الحقائق وحرمة الصواب أن تحضر المتعرب بين شهود يحتشمهم ~~في شططه. ويتستر عنهم من تزويره، ولا يطمع بمخادعتهم وسله متى جاء القرآن ~~الكريم؟ ومن الذي جاء به؟ وما يكون من العرب؟ وما حال القرآن مع العرب؟ وما ~~حالهم معه؟ ومتى وضعت فنون العربية ولفقت أصولها، وخمنت أقيستها، ومن الذي ~~وضعها؟ وكيف وضعها وعمن أخذها؟ # ولماذا وضعها؟ وهل كان ms287 أبا العرب؟ أو واضع لغتهم أو قدوتهم فيها، أو ~~المسيطر على غرائزهم وقرائحهم فيها. # وسله أيضا من هم الذين يقول فيهم (هم، وهم أنفسهم) أو ليسوا هم الذين ~~يتكافحون في فهم العربية بالتخطئة والتخليط، ويقومون في تفهمهما ويقعون ~~تستهويهم الغفلة ويخذلهم الفهم (1) ولا غرو فإن الغفلة عن عوائد الإنسان، ~~والعلم كله في العالم كله، وكم وكم أكدى السعي، وضلت الأفهام وزلت الأقدام، ~~ولا سيما إذا تزبب الحصرم، وتمشيخ الصبي، ولا سيما إذا أحكم الجهل والغفلة ~~والتقليد في الذهن مقدمة تحول بين الفكر وبين الحقيقة وتسد عنه باب الصواب. # PageV02P008 # فلك العبرة بجماعة من النصارى يعدون أنفسهم ويعدهم أصحابهم من أهل العلم ~~والوصول، فإنهم قد وقعوا في مخالفة اعتقادهم وجماعتهم وجامعتهم من حيث لا ~~يشعرون، وارتبكوا في الشطط على كتابهم وذهبت بهم الوساوس أنى شاءت، ولنقتصر ~~من شواهد ذلك على موارد: # (الأول والثاني) قال البستاني في الجزء الخامس من دائرة المعارف (ص 536) ~~وبعض مفسري الكتاب المقدس المدققين ذهب إلى أن قصة (بلعام) المدرجة في سفر ~~العدد (ص 22 - 24) دخيلة. # وذهب آخرون إلى أن كلام الأتان عبارة عن رؤيا ظن بلعام أنه رأى فيها ~~ملاكا وتوهم أنه سمع الأتان، فأنكر بعضهم الملاك وكلام الأتانة وجعل ذلك من ~~الظن والوهم، وخالف صراحة العهدين أقبح مخالفة وذلك لمقدمات فاسدة استحوذت ~~على أفكارهم، إذ سولت لهم امتناع كلام الأتانة وعاقليتها لمثل هذه الأمور ~~وإن اقتضت القدرة الإلهية ذلك، وما هذا إلا من عدوى مجاورة الملحدين. # ولكن هذا الإنكار تفضحه صراحة التوراة بوقوف ملاك الرب في الطريق ليقاوم ~~بلعام، ورؤية الأتان له، ثم وقوفه في الخندق، ثم اجتيازه ووقوفه في مكان ~~ضيق، ورؤية الأتان له، في هذه الحالات قبل أن يراه بلعام وأن الله فتح فم ~~الأتانة وترادت الكلام مع بلعام مرتين. # وكشف الله عن عيني بلعام فأبصر الملاك واقفا وسيفه مسلول، وتراجع في ~~الكلام مع بلعام مرتين، ووقفا على قرار، وموعد تعليم (انظر عد 22: # 22 - 36). # ولأجل ذلك أقدم بعض المفسرين المدققين على أن ينكروا كون قصة ms288 بلعام من ~~التوراة فحكموا بأن ثلاث فصول من سفر العدد هي مدسوسة ودخيلة في التوراة، ~~كل ذلك سترا على اعتقادهم الفاسد ومكافحة صراحة التوراة له، ولا ينفعهم ذلك ~~حتى ينكروا صراحة العهد الجديد بتكلم الأتانة ونطقها بصوت إنسان (2 بط 2: ~~16) وإشارته إلى قصة بلعام المذكورة في التوراة (2 بط 2: # 15 ويه 11). PageV02P009 # وهل تراهم بعد هذا أبقوا حيثية لسند العهدين، والبستاني مع ذلك يصفهم ~~بالمفسرين المدققين. # (الثالث) نقل إظهار الحق في حقيقة الاعتقاد بالأرواح النجسة (مردة الجن) ~~شيئا من كلام (بيلي) وهو من علماء البروتستنت، وحاصله أن تسلط الأرواح ~~النجسة وحديثها في العهد الجديد، وإيراد كثير منه في معجزات المسيح إنما ~~كان رأيا غلطا، ولكنه لكونه رأيا عاما في ذلك الزمان وقع فيه مؤلفوا ~~الأناجيل، وإصلاح رأي الناس في ذلك ليس جزءا من الرسالة، والمتكلف وإن خالف ~~إظهار الحق في ترجمة كلام (بيلي) إلا أنه أوضح فيه (يه 3 ج ص 117) أن بيلي ~~شاك في هذه الحقيقة، وأن الفصل فيها فوق طاقته وأن جماعة من النصارى ~~ينكرونها، ولهم على إنكارها أدلة، وأنك إذا نظرت إلى حديث الأرواح النجسة ~~في الأناجيل تجده يقارب ما ذكرته من تعاليم المسيح أو يزيد. # ومع ذلك جاء قوم من متبعي الإنجيل فجعلوه غلطا لا أصل له، وما ذاك إلا ~~لوسوسة عرضت لهم، وما منشؤها ومبدؤها إلا العدوي بداء الطبيعة والإلحاد ~~والتعصب على القرآن الكريم بإنكار الجن، فجرهم هذا الضلال إلى أن يقولوا ما ~~يرجع حاصله إلى أن مؤلفي الأناجيل قد لفقوا للمسيح أكاذيب معجزات مأخوذة من ~~أغاليط الآراء العامة ليداهنوا بذلك أصحاب تلك الآراء فيروجوا بين العامة ~~أمر التثليث الذي يعترفون بأنه وراء عقولهم، ويشدد الأساقفة في المنع عن ~~التفكر في تعقله، ويوجبون على الناس أن يطووه على غرة، ويقبلوه على ~~البساطة، والحاصل أن هؤلاء المنكرين من النصارى لحقيقة الأرواح النجسة، ~~والشاكين فيها لم يعدوا أن جعلوا أناجيلهم أخس من كتاب (كليلة ودمنة). # (الرابع): حكى إظهار الحق أن (لوطر) إمام فرقت البروتستنت يقول في حق ~~رسالة ms289 يعقوب: إنها كلا، يعني لا اعتداد بها. ونقلا عن واردكا تلك أن ~~(بومرن) من علماء البروتستنت وتلميذ لوطر يقول: إن يعقوب يتم رسالته في ~~الواهيات. # وإن (وائي تس) الواعظ في نرم برك قال: إنا تركنا قصدا مشاهدات ~~PageV02P010 # يوحنا ورسالة يعقوب، ثم ندد برسالة يعقوب. # وإن (مكدي برجن سنتيورس) قال: إن رسالة يعقوب تنفرد عن مسائل الحواريين ~~في موضع يقول: إن النجاة ليست موقوفة على الإيمان فقط، بل هي موقوفة على ~~الأعمال أيضا، وفي موضع يقول: إن التوراة قانون الحرية، إنتهى كلامهم. # والمنشأ لأقوالهم هذه هو ما علق بأوهامهم، وأحكمته فيها أهواؤهم من ~~التعليم المنسوب لبولس بكفاية الإيمان في النجاة، كما جاهرت وأكدت به رسالة ~~العبرانيين، فنقموا على رسالة يعقوب اعتبارها الأعمال في النجاة أيضا، وحق ~~لأهوائهم ذلك، فإن الأعمال الصالحة قيود باهظة للهوى المردى والنفس ~~الأمارة، وهب أنها لازمة لحقيقة الإيمان ومظهر صدقه ومفتاح بابه ورابطة ~~دوامه، وثمرات غرسه، ولكن الهوى المطاع لما اضطرته العادة إلى اسم الإيمان ~~يقول: آمن بالثالوث فقط، وما عليك من هرج الأعمال الصالحة ومرجها. # ولما استشعروا من الكلمات المنسوبة لبولس أن معنى الحرية هو الإباق عن ~~الشريعة والتمرد على أحكامها بزعم الفداء بذبيحة الفادي الكريم وتعليقه على ~~الخشبة أنكر الأخير في الذكر على رسالة يعقوب قولها: إن التوراة قانون ~~الحرية، ولم يتدبر صوابها في ذلك، لأن حقيقة الحرية هو التخلص من عبودية ~~الهوى والشيطان، وإنما يكون ذلك بالتمسك بأدب الشريعة والتقدس باتباع ~~نواميسها الإلهية. # (الخامس) قد ذكرنا في مبحث الختان من النسخ عن رسالة الكندي زعمه أن ~~شريعة الختان لإبراهيم والمؤمنين إنما كان سببها علم الله بتغربهم إلى مصر ~~وميلهم إلى الزنى فوسمهم بهذه العلامة المشوهة لتنفر منهم الزواني المصريات ~~فيكون ذلك عصمة لهم من الزنى. # وليس المنشأ في هذا الشطط إلا أن هذا الرجل أشرب في قلبه وهواه رفع ~~النصارى لشريعة الختان مصانعة لأهواء الأمم الذين لا يختتنون، ولم يبال بأن ~~كلامه هذا يرجع إلى تغليط موسى. ويوشع. والأنبياء الإسرائيليين، والمسيح في ~~إبقائهم لشريعته، ms290 بل وكذا رسل العهد الجديد، إلى زمان الاجتماع PageV02P011 # للمشورة في أمره، ورفعه مصانعة الأمم، وقد مر هذا كله فراجعه. # (السادس) زعم سايل (ق ص 226) وكذا الكندي أن الله تساهل مع اليهود ~~فأعطاهم وصايا غير صالحة وأحكاما لا يحيون بها. # وما المنشأ لهذا الشطط إلا موافقة إطلاق النصرانية الرائجة وراحتها ~~لأهوائهما فسول لهما ذلك عيب الشريعة والخضوع لنواميسها، فاجترآ على الذم ~~لشريعة موسى عليه السلام اقتفاء للكلمات المنسوبة إلى بولس، وتوهما من كلام ~~في حزقيال (20: 25). # مع أن ظاهر سوقه ينادي بأن المراد منه أن اليهود لما تمردوا على شريعة ~~الحق وتمادت ارتداداتهم عنها ابتلاهم الله بالذل بين الأمم فخضعوا لشرائعهم ~~الباطلة، ومما يوضح غلطهما في هذا الكلام هو أن العهد القديم وخصوص كتاب ~~حزقيال قد كثر فيه بيان منة الله على الأمة اليهودية إذ أعطاهم شريعة حق ~~عادلة وفرائض صالحة وأحكاما إن عمل بها الإنسان يحيا بها، وقد ذكرنا ذلك في ~~المثال الرابع والأربعين من النسخ. # (السابع) زعم سايل) (ق ص 257) وليس وحده في قصاص الجراح والأطراف ~~المذكورة في التوراة، أن المقصود منه قودما أو عقاب يفي بالجناية لا مقابلة ~~المثل بالمثل فعلا، وأن أسلوب قول التوراة في ذلك قد جرى مجرى الأمثال، ولا ~~يعني به سوى أن القاضي يقتص من الجاني بحسب أهمية الجناية إنتهى. # وما المنشأ في توهمه هذا وتقوله على التوراة بما تكافحه صراحتها، إلا ~~أنهم رأوا أن الإنجيل الرائج قد ألغى أحكام السياسة والقصاص المذكورة في ~~التوراة، وجعلها من مقاومة الشر (مت 5: 38 - 41) ثم رأوا أن إهمال السياسة ~~إلى هذا الحد مما يقصم ظهر النظام ويشوه وجه المدنية والعمران فجعلوا من ~~أنفسهم في هذا المقام شريعة المصادرات والتعزيرات بحسب ما تتقلب فيه آراؤهم ~~وكأنهم تخيلوا أو خيلوا أن ذلك لا يمس التوراة والإنجيل بمخالفة في العمل ~~ومراغمة لصراحتهما بالتأويل. PageV02P012 # فأين (سايل) وأشباهه عن صراحة التوراة في قولها، وإن حصلت أذية تعطي نفسا ~~بنفس وعيا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض ms291 ~~(خر 21: 23 - 26). # وإذا أحدث إنسان في قريبه عيبا فكما فعل كذلك يفعل به كسر بكسر وعين بعين ~~وسن بسن، كما أحدث عيبا في الإنسان كذلك يحدث فيه (لا 24: # 19 و 20) لا تشفق عينك نفس بنفس عين بعين، سن بسن يد بيد، رجل برجل. # وهلم الخطب في المتعرب فمع أنه لا يستطيع أن يجر ذيل تمويهه الواهي على ~~مثل هذه التأويلات المرغمة للصراحة، والتي تكشف بمخائلها وشمائلها عن عدوى ~~داء الإلحاد، ونفوذ القول بالطبيعة العمياء، ومع أنه قد شوه وجه بصيرته ~~جذام هذا الداء صار يندد ويتهكم على مفسري المسلمين في وصولهم إلى مقاصد ~~القرآن الكريم في بارع أسلوبه الجاري على محاسن اللغة العربية وبدائع ~~فذلكاتها في البلاغة من حيث الحذف لما تهدي إليه نورانية المقام، وتحكم ~~بحذفه براعة الكلام، وسيحلو لذوقك إذ يجلو لك البيان إن شاء الله عنه صدأ ~~الشبهات والمغالطات. # عدم الفهم لما يلزم تفهمه ولك العبرة أيضا في عدم التدبر للمسموع ~~والتساهل في التثبت في فهمه كما ينبغي، ولندرج لك من ذلك ما وقع فيه خواص ~~النصارى ونذكره في موردين (الأول) ذكر إنجيلهم والتاريخ أنه قد شاع بين ~~التلاميذ ونصارى عصرهم أن يوحنا ابن زبدي الإنجيلي لا يموت، وذلك لعدم ~~تثبتهم في فهم ما حكي لهم عن المسيح (انظر يو 21: 20 - 24). # ولعل المنشأ في ذلك هو أن الضلال قد أشاع في تلك الأيام ما قرف به إنجيل ~~يوحنا (13: 23 - 26) قدس المسيح بأنه كان يحب يوحنا بحيث يجلسه في حضنه ~~ويبوح له بأسراره ويتوسل التلاميذ إليه به، وإذا خاطب المسيح يتكئ على ~~صدره، فتوهموا بهذه الوسوسة أن المسيح منحه الحياة الدائمة كما كان مشغوفا ~~به. PageV02P013 # مشغوفا به. # (الثاني) ذكر الإنجيل كثيرا أن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح معهم ~~وذهبت بهم الأوهام مذاهبها، مع أنهم أتباعه الملازمون له، ومقتضى القاعدة ~~أن يكونوا يعرفون محاوراته وكناياته وإشاراته وقرائن أحواله ومقارنات ~~مشافهاته، وإن لم يفهموها فمن عسى أن يفهمها من أهل عصرهم وغيرهم (انظر مت ~~16: 5 - 10 ومر 8: 13 - 19 ويو ms292 2: 18 - 23 و 4 22 - 24 و 11: 11 - 14 و 12: ~~16 و 16: 17 و 18). # ولك العبرة أيضا باشتباه كثير من لغويي المسلمين ومفسريهم في أمور لغوية ~~التبست عليهم موارد استعمالها، أو اختلجت فيها الخيالات، ولنذكر لك من ذلك ~~ثلاثة موارد: # (الأول) خلط جماعة منهم في معنى (اللمس، والمس) ففي القاموس فسر المس ~~باللمس، ثم فسر اللمس بالمس باليد. # وفي المصباح مسسته أفضيت إليه بيدي من دون حائل هكذا قيدوه وقال لمسه ~~أفضى إليه بيده هكذا فسروه. # وفيه أيضا عن المهذب عن ابن الأعرابي المس مسك الشئ بيدك وقد قال: اللمس ~~يكون مس الشئ. # وعن ابن دريد اللمس باليد، وقال: لمست مسست وكل ماس لامس ثم استغرب في ~~المصباح على هذا تفرقة الفقهاء بين المس واللمس في المغني ومال إلى قول ~~الفقهاء لكونهم أدق نظرا وأوصل فهما. # ولا يخفى وضوح الفرق بين معنيي المس واللمس قديما وحديثا بحكم التبادر ~~وشهادة موارد الاستعمال، ولا أظنه يخفى على العارف فإن المس هو مطلق ~~الإصابة بالبدن، واللمس هو مطلق الإصابة بما به الإحساس من البدن بقصد ~~إحساس الملموس، نعم قد يكون الغالب في موارد استعماله هو اللمس باليد ~~لكونها أقوى الجوارح إحساسا في الغالب، وهذا كله مما تحكم به بديهة ~~المحاورات على نحو يقطع معه بعدم النقل. PageV02P014 # (الثاني) اشتباه بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى في سورة النجم: # (فكان قاب قوسين أو أدنى) وأن جماعة من محققي المفسرين كصاحب الكشاف ~~وأمثاله فسروا ألقاب فيه بالقدر، وقالوا: إن المعنى قدر قوسين واتفق ~~اللغويون على تفسير ألقاب بالقدر كالقيب والقاد والقيد، وقال ابن ربيعة ~~المخزومي في شأن ناقته. # قصرت لها من جانب الحوض منشأ * جديدا كقاب الشبر أو هي أصغر وقال آخر ~~ولكن تنحى جنبة بعد ما دنا * فكان كقاب القوس أو هو أنفس نعم: زاد بعض ~~اللغويين في معنى ألقاب، وذكر أنه يقال لما بين مقبض القوس وسيته فلكل قوس ~~على هذا المعنى قابان فأوقع ذلك جماعة من المفسرين بالاشتباه فحملوا عليه ~~قوله تعالى قاب ms293 قوسين، والتجأوا في تكلفهم هذا إلى دعوى القلب وقالوا: إن ~~المراد قابى قوس فأقلقوا اللفظ وتقلبوا في المعنى، وشذوا عن النهج من دون ~~حاجة تلجئهم ولا دليل يساعدهم، ولو نحروا رشدا لتركوا اللفظ على رسله، ~~والمعنى على مرماه، ولو أن لهم قلوبا لما استهواهم الاشتباه إلى دعوى ~~القلب، مع أن المعنى المستقيم قد ذكره اللغويون في غرة ذكرهم لمعنى ألقاب. # ولكن المتعرب اغتنم اشتباه هذه الشرذمة فرصة في الاعتراض على القرآن ~~الكريم وأوهم في كلامه أنه قول المفسرين بل المسلمين جميعا كما أوهم في ~~كلامه أنه لا معنى للقاب إلا ما يلزم منه أن يكون للقوس قابان، وقال في ~~الآية الكريمة: الوجه قابى قوس، (انظر ذ 73)، شاهت الوجوه التي ما بلها ~~الحيا. # (الثالث) اشتباه جماعة من المفسرين في تفسير قوله تعالى في سورة الكهف 78 ~~(وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)، فقالوا: إن وراء فيها بمعنى (أمام، ~~وقدام) واستشهدوا لذلك بقوله تعالى في سورة المؤمنون 102 (ومن ورائهم برزخ ~~إلى يوم يبعثون)، وقوله تعالى في سورة البروج 20: # (والله من ورائهم محيط). والمتعرب اغتنم هذا الاشتباه فرصة الاعتراض على ~~القرآن، فأعاب استعمال لفظة وراء بمعنى أمام وقدام، وأنكر كون ذلك من ~~PageV02P015 # معانيها (ذ ص 73)، فأقول: وقد جاء على مثل هذا الاستعمال قول لبيد بن ~~ربيعة: # أليس ورائي أن تراخت منيتي * لزوم العصا تحني عليها الأصابع وقول عبيد: # أليس ورائي أن تراخت منيتي * أدب مع الولدان أزحف كالنسر وقول المرقش: # ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما لا يعلم وهذه الأبيات ~~وأمثالها لو طويناها على غرها لكانت على كل حال شاهدة بكثرة استعمال العرب ~~للفظة (وراء) في المعنى الذي نحاه القرآن الكريم، فإن وجه الاستعمال فيها ~~وفي القرآن الكريم واحد، لأن ما جعل الوراء ظرفا له في الشعر لم يقع في ~~الزمان الماضي ليكون وراء بالمعنى المعروف، وإنما هو مترقب في المستقبل فهو ~~أمام وقدام. # والتحقيق الذي توحي به كل فطرة سليمة، ويشاهده كل فهم مستقيم هو أن ~~(وراء) ms294 في الآيات والشعر مستعملة في معناها المعروف الكناية، عن كون ~~مظروفها طالبا مستوليا كاستيلاء الطالب، وقدرته على أخذ المطلوب إذا كان من ~~وراثه، قال تأبط شرا: # ووراء الثار مني ابن أخت * مصع عقدته لا تحل ولا يسلم للآيات الكريمة ~~والشعر المتقدم هذا البيان البارع لهذا الغرض العالي أو عبر بلفظة (أمام) ~~ولتنازل الكلام إلى البساطة. # وقد جاء كثير من كلام العرب ما قد أخذ بمجامع البلاغة والبراعة، وأوحى ~~أسلوبه الخاص وصورته البهية بأسرار بديعة ومقاصد عالية ونكات شريفة لا يحيط ~~بها الكلام البسيط إلا بتطويل ممل، ولكن أصحاب صناعة النحو اضطروا في ~~تطبيقه على صناعتهم التابعة للسان العرب لا المتبوعة، والتجأوا اعتلالا إلى ~~التقدير، وتوصلا إلى الإلمام بفهمه باسم التوسع مع أنا نجد أنه لو أظهرنا ~~ما يقدرونه فيه لفات الغرض وانحل نظام الكلام. PageV02P016 # فقد قال امرؤ القيس: # اليوم خمر * وغدا أمر. # وقال النابغة الجعدي: # كأن عذيرهم (1) بجنوب سلى * نعام قاف في بلد قفار وقال الحطيئة: # وشر المنايا ميت وسط أهله * كهلك الفتى قد أسلم الحي حاضره وقالت ~~الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار وقال متمم ابن ~~نويرة: # لعمري وما دهري بتأبين هالك (2) * ولا جزع مما أصاب فأوجعا وأن من أعطى ~~حظا من فهم محاورات العرب ليجد أن إظهار ما يقدره النحويون في مثل هذه ~~المواضع مما يهدم على الشاعر غرضه ويمحو نكتته، فمن هذا النحو ما يخرج ~~الكلام به من صورة الفرض الذي لا يهم في الغرض إلى صورة الوقوع المقصود، ~~فيخرج الكلام بحسن بيانه من نحو الدعوى إلى ناحية العيان، ومن المصادرة إلى ~~صورة البرهان، وعلى ذلك جاء قول الحارث بن حلزة اليشكري: # والعيش خير في ظلال النوك ممن عاش كدا ألا ترى أنه لو أظهر ما يقدره أهل ~~الصناعة وقال: خير من عيش من عاش كدا. لم يتحمل كلامه إلا بيان التفاضل بين ~~العيشين، وهذا من الواضحات التي لا يهمه بيانها ولا يتعلق بها غرضه، وإنما ~~غرضه بيان ابتلائه بالعيش الصعب المتعب ms295 على نحو يفضل فيه على عيشه عيش ~~الحمق المقرون غالبا من تعس الوقت بالرفاهية والسعة. # PageV02P017 # فإذا عرفت هذا عرفت البراعة وعلو الشأن في قوله تعالى في سورة البقرة 173 ~~(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس وأولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون). # وفهمت أن الغرض من الآية الكريمة ليس هو بيان الفروض والأمثال وإنما ~~الغرض فيها المقابلة بين الأفعال الواقعة من الغواة والمهتدين وإيضاح ~~المفاضلة فيما بينها وفيما بين فاعليها، والتنويه بمحاسن أفعال المهتدين ~~والتمجيد لهم بها، والتبكيت للغواة وأفعالهم، فتعرض القرآن لعوائدهم ~~القشرية التي ألصقوها بنسب العبادة وموهوها باسم البر، وليس فيها إلا ~~الحركات البدنية التي لا تتعب من دون علاقة لها مع القلب ولا ارتباط لها ~~بالإخلاص والإقبال ولم يتزينوا معها بزينة رغبة الإيمان ولا رهبة العرفان. # وحاصل ما يستنير به الفهم من معنى الآية الكريمة هو أنه ليس البر ملاعبكم ~~المعتادة وإن تولوا وجوهكم إلى مشرق الشمس أو مغربها صورة بلا روح وخيالا ~~بلا معنى وعوائد بلا مستند، فلا تتبجحوا ولا تتبرروا بها فلستم بفعلها من ~~البر في شئ، ولكن انظروا واعتبروا بأولياء الله وخاصة عباده الأبرار الذين ~~آمنوا بالله فانقادت نفوسهم وجوارحهم إلى تقواه، وأقبلت في حبه على طلب ~~رضاه، وأرخصوا لذلك كل عزيز واستسهلوا في سبيله كل صعب، وآمنوا باليوم ~~الآخر وما فيه من عظيم الثواب، فاقبلوا على العمل لأجله راغبين، وما فيه من ~~أليم العقاب، فتحذروا عما فيه بأشد الرهبة وآمنوا بالملائكة وأنزلوهم ~~منازلهم، وبالكتاب المنزل من الله فاتبعوا هداه وبالنبيين فأذعنوا بأنهم ~~رسل الله الهداة البررة المعصومون ففازوا بهداهم والاقتداء بهم ولم ~~يستبدلوا عن اتباع شريعتهم بالغلو فيهم، ولم يفرطوا بوصمهم بالنقائص التي ~~لا ترتضي لسائر البشر، بل عرفوا جليل قدرهم وانشرحت صدورهم لما بلغوه ms296 عن ~~الله، ولم يعيبوه ولم ينتقصوه، ولم يحملهم التمرد على الفرار إلى اختراع ~~عبادة لا تبهظ الأهواء ولا تعارض الشح ولا تقرب PageV02P018 # من الله ولا تؤازر جامعة الحق بل طردوا أهواءهم والشح خاسئة مدحورة فاتوا ~~المال راغبين متطوعين لأجل حبهم لله وواسوا به ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وخلصوا به العبيد العانين من أوزار الرق ~~ومذلة العبودية، وأقبلوا على الله فأقاموا الصلاة بحدودها الشرعية ووظائفها ~~العرفانية وآدابها الأخلاقية، وآتوا الزكاة في محالها طائعين راغبين لإقامة ~~أمر الدين ومهمات الملة ولم تتلاعب أهواؤهم بعهودهم بل هم الموفون إذا ~~عاهدوا ولم يكونوا من الذين جعلوا الدين ونصره - لعقا على ألسنتهم فإذا ~~محصوا بالبلاء قل الديانون - بل كانوا الصابرين في البأساء والضراء وحين ~~اليأس، وهناك تبلى السرائر وتختبر الرجال، ويعرف الصادق من الماذق، فأولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون. # هذى المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ولو أنا ذكرنا ~~في الآية الشريفة ما يزعم أهل الصناعة التابعة تقديره لخرج الكلام إلى محض ~~التفاضل الفرضي بين الفعل الحسن وغيره وهو أمر ساقط الفائدة لأنه من إيضاح ~~الواضحات، فيضيع الغرض الحميد والمعنى السامي وهو الاطراء بالهداة ~~والمفاخرة بكمالاتهم والاحتجاج بهم، كما يدل عليه حسن الختام بقوله جلت ~~عظمته: (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) ولك العبرة بأن جماعة من أهل ~~الصناعة قد قالوا: إن التقدير في الآية الكريمة (ولكن البر من آمن بالله. ~~الآية) وهو اشتباه واضح، فإن المقام ليس مسوقا لبيان أن البر بر هؤلاء على ~~إجماله ومن حيث هو بر، بل هو مسوق لبيان أن الذي يستحق أن يسمى برا إنما هو ~~ما نوهت به الآية الكريمة من صفاة هؤلاء الصفوة الذين كانوا بفضيلتها هم ~~الذين صدقوا والمتقين حقا، ومرجع الأمر بعد ما توحي به براعة الأسلوب إلى ~~أن البر إنما هو أوصاف هؤلاء المنوه بها. # وبما ذكرنا بعضه من الفوائد والشواهد تعرف شطط المتعرب إذ سمع من أهل ~~الصناعة شيئا ذكروه لاطراد قواعدهم التي لفقوها لأجل ms297 الوصول إلى عربية ~~القرآن الكريم ومقاصده، فصار يتعرض به على القرآن الكريم (انظر ذ ص 73). ~~PageV02P019 # ومن براعة العرب نصبهم الاسم على المدح، وذلك لينبهوا الذهن إلى ما ~~يريدون امتيازه عند السامع ليلتفت إلى مزيته وخصوصيته بنفسه لتكون إحالة ~~الالتفات إليها على معرفته بها من نفسه، أو كد في المدح والتنويه من البيان ~~الصريح، فينتبه الذهن بتغيير سياق الإعراب بحركة واحدة إلى ما لا يتنبه له ~~بدون ولا يكفي في التنبيه عليه كثير من الكلام، وهذا باب واسع نص عليه ~~النحويون، وأوردوا فيه الشواهد، ومن ذلك قول الخرنق بنت عفان من بني قيس: # لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ~~والطيبون معاقد الأزر وعلى ذلك جاء في الآية الكريمة نصب (الصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس)، وذلك لأجل التنبيه على امتياز المتحلين بهذه ~~الصفة التي عليها ابتني الثبات على الدين، والإخلاص في العبادة، والدوام ~~على الطاعة والإقدام في نصرة الحق، والاقبال على الله، والبعد عن التمرد، ~~والسلامة من الضلال، والعصمة من الارتداد، فأولئك هم أعلام الهدى، وحماة ~~الدين، ودعاة الحق، فلله صبرهم ما أحلى ثمره، وما أحسن في التوحيد أثره، ~~وما أبهى في الإسلام عاقبته: # وهذا السنا الوضاح من ذلك السنا وهذا الشذا الفياح من ذلك الوادي وقال ~~المتعرب (ذ ص 73) ولا أدري لماذا استحق الصابرون هذا المدح، ولم يستحقه ~~الموفون بعهدهم، مع أنهم مقدمون في النسق على أولئك ومع أن السورة نفسها ~~متقدمة في النزول على سورة براءة التي سن فيها نبذ العهد، وعلى سورة ~~التحريم التي أحل فيها الحنث بالإيمان. # أقول: قد نبهناك على علو مقام الصابرين المذكورين في الآية، ولا يخفى ~~عليك عظيم أثرهم في الدعوة والدين. # وقد روى في المجازات النبوية قوله صلى الله على وآله وسلم: (العم خليل ~~المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه، واللين أخوه PageV02P020 # والرفق والده، والصبر أمير جنوده) أي هو الذي يدبر أمرها ويثبتها عند ~~محاربة الهوى والشيطان. # وروى في ربيع الأبرار عن مستودع علم الرسول علي ms298 عليه السلام أنه قال: ~~(الحياء زينة، والتقى كرم، وخير المركب الصبر). وقال عليه السلام (الصبر ~~مطية لا تكبو بصاحبها). # ولكن أتدري لماذا يجحد المتعرب فضيلة الصابرين؟ لأنهم هم الذين قاموا ~~بنصرة التوحيد، ولم يثنهم عن عزمهم تضايق الشدائد، وأهوال الملاحم، ومحك ~~الامتحان، حتى أشرقوا الشرك بالريق، وأرغموا أنف الضلال... # وأيضا لا يسمح المتعرب بأن تتوجه الأذهان إلى فضيلة الصبر والصابرين، ~~وذلك ليستر ما ذكره إنجيلهم في شأن التلاميذ الذين هم بزعمه عطية الله ~~للمسيح (1) وخيرة العالم (2) ونوره (3) وملح الأرض (4)، فقد ذكر في شأن ~~الأحد عشر منهم عن قول المسيح بأنهم كلهم يتفرقون عنه في ساعة الامتحان كل ~~واحد إلى خاصته ويتركونه وحده، ويشكون أو يعثرون فيه (حينما ينتقدهم ~~الاختبار)، وطلب منهم المواساة بسهر ليلة فلم يتركهم الوهن والخور ليسمحوا، ~~ولما هجم اليهود تركه الجميع وهربوا (مر 14: 27 - 51) وراجع ج 1 / صحيفة ~~62. # ولعل المتعرب مع ذلك يقول: ليست الفضيلة بالصبر عند الشدائد على امتثال ~~الواجب ونصرة الدين والثبات على الإيمان، بل الفضيلة كل الفضيلة أن يجتمعوا ~~ويرتأوا لاستجلاب الناس للإيمان بالثالوث ولو بطمس رسوم الشريعة ومصانعة ~~المشركين بعوائدهم والتقرب بالثالوث إلى شركهم ومداهنة أهل الشريعة بالرياء ~~(انظر صحيفة 63 و 64 من الجزء الأول. # وأما اعتراض المتعرب على تمييز الصابرين المذكورين في الآية على الموفين ~~بعهدهم، فليس لأنه يجهله لكن ليتوصل به في المغالطة إلى ضلالة التعريض # PageV02P021 # بالقرآن والرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كل أحد يعلم أن الوفاء ~~بالعهد، وإن كان خلقا حسنا إلا أنه يتصف به المؤمن والمشرك والشجاع ~~والجبان. # ولكن الصبر المذكور في الآية لا يتصف به إلا خاصة الأبرار وعيون الرجال، ~~وأما تعريضه بنبذ العهد في سورة براءة، فإن كل من له أدنى إلمام التاريخ ~~الاسلامي لا يجهل أنه قد وقعت الموادعة في عام الحديبية بين رسول الله وبين ~~قريش وأحلافهم، وتصالحوا على ترك الحرب مدة بشروط و روابط منها عدم التعرض ~~للإسلام والمسلمين، ومن دخل في عهد رسول الله، ودخلت (خزاعة) في عهد رسول ~~الله ms299 صلى الله عليه وآله وسلم ودخلت (بكر) في عهد قريش، ثم غدرت بكر ~~وظاهرتهم قريش، فنقضوا الصلح والموادعة وعدوا على خزاعة فقتلوهم، فقدم ~~مستغيث خزاعة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال فيما قال: # لا هم أني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ~~* ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا وقد ~~ترجم المتعرب هذه الوقائع من نقل (سايل) لها (ق ص 103 و 107) فكان هذا ~~النكث من المشركين موجبا لانحلال عقدة الموادعة مع الناكثين عرفا وشرعا، ~~فإن كل متعاقدين على شروط و روابط قد تبانيا في عقدهما على أن نكث أحدهما ~~حال للعقد ومحلل للآخر من ذمته، ولولا ذلك لما كان معنى لجعل الشروط ~~والروابط في المعاهدات، وإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى طريقة الملوك ~~والسوقة في معاهداتهم، وانظر إلى ما يذكره العهد القديم في معاهدات الله مع ~~بني إسرائيل (خر 3: 17 و 9: 5 و 6) ومع داود في مملكته (2 صم 7: 16 وخر 89: ~~28 - 37). # وانظر إلى نبذ هذه العهود (عد 14: 21 - 24 ومز 99: 38 - 45 وار 7: 23 - ~~30 و 11: 2 - 9 و 14: 21)، فإن هذا كله إنما يصح على ما ذكرناه. ~~PageV02P022 # ولا نطالب المتعرب بما ذكره العهد القديم عن ميثاق الله (لفينحاس) (عد ~~25: 12 و 13)، نعم لنا عليه المطالبة بما يذكره العهد الجديد عن عهد (بطرس) ~~الذي أيسر مدحه في الإنجيل أن المسيح فوض إليه بناء الكنيسة وأعطاه مفاتيح ~~ملكوت السماوات، وأناط الحل والربط فيها بحله وربطه على الأرض (مت 16: 18 و ~~19) وجعل إليه رعاية الأمة (يو 21: 15 - 18) فإنه قد كان عاهد المسيح نبيه، ~~وبزعم المتعرب - واستغفر الله - (إلهه) معاهدة بأكثر تشديد على أن لا ينكره ~~ولو اضطر إلى الموت (مت 26: 35 ومر 14: 31)، وأنه مستعد لأن يمضي معه حتى ~~إلى السجن وإلى الموت (لو 22: 33) ولم تمض من هذا العهد سويعات حتى جعل ~~عهده المشدد تحت قدميه. وكثر منه الحلف بأنه لا يعرف المسيح وصار يحلف ~~ويلعن (مت 26: 70 - 75) ولمن تظن ms300 يلعن، وأن المتحلي بأقل قليل من الصبر ~~الذي نوهت به الآية لا يستهويه الشيطان في مثل هذا الخور، وأني لأحاشي بطرس ~~من هذه الوصمة ولكن المتعرب لا يحاشيه. # ثم اعلم أن سورة براءة هي التي تعلم بالوفاء بالعهد والدوام عليه مع غير ~~الفجرة الغادرين الناقضين للعهد، فقد قال الله جل اسمه فيها بعد أن برء من ~~أولئك الناقضين للعهد 4 (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ~~ولم يظاهروا عليكم فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين) ~~الموفين بعهودهم مع من لم يغدر بنقضها. # فإن قلت: أفما كان من المعروف أن يتم العهد للناقضين وإن غدروا وفجروا، ~~قلت هذا سؤال من لم يعرف من المعروف إلا اسمه، وأحاشيك من ذلك إذ لا يخفى ~~عليك أنه لولا أن إقامة الحجة ومصلحة دين الحق وسياسة ترقية اقتضت الموادعة ~~معهم مدة من الزمان لما حسن الابقاء على الشرك وعوائد الضلال، ومكالبات ~~الجور والعدوان. # أفيقول موحد بأنه يحسن الإبقاء على الشرك والمشركين الفجرة وضلالهم بعد ~~جرئتهم على الغدر ونكث العهد الذي فتحوا به باب التكالب على مقاومة التوحيد ~~والموحدين، وراموا به تجرئة العرب على نقضهم لعهد رسول الله PageV02P023 # والنهوض لنصرة شركهم وضلالاتهم، كلا بل إن الإغضاء عن هؤلاء إنما هو من ~~الوهن والفشل، والتقاعد عن نصرة الحق، والقيام بواجب الدين القويم ولولا أن ~~شوكة الحق تفقأ أعينهم لكثر الهرج والمرج في مضايقة التوحيد والموحدين. # وأما تحلة الأيمان الواردة بقوله تعالى في سورة التحريم 2 (قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم). # فإن تعريض المتعرب بها في كلامه السابق وتسميتها حنثا، لمن قبيح التعصب، ~~كيف لا؟ وأن تحلة اليمين لها معنيان (أحدهما) الاستثناء بقول الحالف (إن ~~شاء الله). # وتسمية هذا الاستثناء بالتحلة تؤخذ تارة من الحل، كقولهم: حلا أبيت ~~اللعن، وقول عمر بن معديكرب: حلا يا أمير المؤمنين فيما تقول، وقول أبي ~~بكر: حلا أم فلان، وذلك باعتبار أن هذا التعليق على مشيئة الله يحل عقدة ~~اليمين ms301 الجازمة لو كانت على رسلها، وتؤخذ تارة من التحليل كقول امرئ القيس ~~في معلقته: # يوما على ظهر الكثيب تعذرت * علي وآلت حلفة لم تحلل وذلك باعتبار أن ~~تعليقها على المشيئة سبب للتحلل من تحريمها البتي. # (وثانيهما) هو بر اليمين والوفاء بها، قال: قبيصة ابن النصراني الجرمي من ~~طي: # لم أر خيلا مثلها يوم أدركت * بني شمجي خلف اللهيم على ظهر أبر بإيمان ~~وأجرأ مقدما * وأنقض منا للذي كان من وتر عشية قطعنا قرائن بيننا * ~~بأسيافنا والشاهدون بنو بدر فأصبحت قد حلت يميني وأدركت * بنو ثعل تبلى ~~وراجعني شعري فيتحلل الحالف وتحل اليمين بالوفاء بها ولو بفعل شئ مما حلف ~~على فعله لتكون اليمين به مبرورة فيتحلل به الحالف منها ويبرأ من ذمتها، ~~كما إذا حلف PageV02P024 # على ضرب ولده مثلا فإنه يبرء يمينه بضربة واحدة ويتحلل منها ويتخلص بذلك ~~من إثم الحنث بالترك الكلي... وقد ضربت العرب بذلك مثلا في القلة قال كعب ~~بن زهير يصف الناقة: # تخدى على يسرات وهي لاهية * ذوابل وقعهن الأرض تحليل وقال ذو الرمة ~~(قليلا كتحليل الألي) ومنه ما تكرر في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (لا تمسه النار إلا تحلة القسم)، ويحتمل أن يكون منه قول امرئ القيس ~~المتقدم على وجه بعيد في السياق.. فالمولى العليم الحكيم شرع بلطفه لعباده ~~أن يستثنوا في أيمانهم بمشيئة الله لئلا يورطهم الشيطان في إثم الحنث إذا ~~عقدوهما على البت، أو أنه جل شأنه بين لهم في الشريعة أنهم يتحللون من ~~أيمانهم ويبرونها إذا فعلوا شيئا مما حلفوا على فعله، كما يقتضيه اللفظ، ~~ولعل المتعرب سمع من بعض المفسرين تفسيرهم لتحلة الأيمان بالكفارة، وهو ~~اشتباه بين، فإن الكفارة إنما هي عقوبة على الحنث واليمين على حالها لم ~~تحللها الكفارة أصلا.. نعم غاية ما يقال في الكفارة أنها عقوبة معجلة تدرء ~~شيئا من عقوبة الآخرة، ولا أثر لها في تحليل الحرام لا لغة ولا شرعا، فانظر ~~في حال كفارات الأحرام والصيام. # (تتمة) قال الله تعالى قبل هذه ms302 الآية في السورة المذكورة 1 (يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم 2 قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم) الآية. # وقد اضطربت الرواية في سبب نزول الآية الأولى، فروي أن النبي خلا بأمته ~~مارية في يوم عائشة فعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي، وقد حرمت مارية على ~~نفسي. # وروي أنه (ص) خلا بمارية في يوم حفصة واسترضاها بتحريم مارية على نفسه. # وروي أنه شرب العسل في بين زينب فقال بعض نسائه شيئا فحرمه على على نفسه، ~~وروي أنه شربه في بيت حفصة، وروي في بيت أم سلمة، PageV02P025 # وحاصل الأمر أن النبي (ص) عز على الامتناع عن شئ استصلاحا لعائلته، فإن ~~التحريم هو المنع، ولكن شاء الله أن يخفف عن رسوله ثقل هذا القيد، ويتولى ~~إصلاح عائلته بتأديب الوحي فأنكر عليه أن يلقي على نفسه الشريفة ثقل القيود ~~والامتناع عن الحلال. # والمتعرب من خبطه وتعصبه جعل (ذ ص 62) الآية الثانية من تتمة مضمون الآية ~~الأولى ومرتبطة بحكم واقعتها، وأن المعني فيها تحليل الحنث بيمين تضمنها ~~بزعمه التحريم، ولم يشعر أن تغيير الأسلوب في الآيتين يقطع علاقة الارتباط ~~بينهما. # فإن الآية الأولى خطاب للنبي، والثانية خطاب للأمة، مضافا إلى أن غالب ~~الروايات الواردة في واقعة التحريم ليس فيها ذكر لليمين، ولو كان في ~~الواقعة يمين لما أمكن تعلق الآية الثانية به وكونها تبيح مخالفته، لأنه إن ~~قلنا إن التحلة المشروعة هو التعليق على مشيئة الله، فإنما ذلك شريعة ~~وتعليم بالنسبة إلى الأيمان المستقبلة ولا ربط لها بيمين قد مضى. # وإن قلنا: إن التحلة هو التحلل من اليمين بفعل شئ من المحلوف على فعله ~~فلا يمكن ارتباطها بواقعة التحريم، لأنها لو كان فيها يمين لكان على النفي ~~لا على الفعل (أفلا يتدبرون القرآن)، وهذا بعض الوفاء لما وعدناك به (ص ~~143). # (عود إلى النصب على المدح والتعظيم) وقد جاء أيضا في قوله تعالى في سورة ~~النساء 160 (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل ms303 إليك ~~وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما). # فنصب (المقيمين) على المدح للغرض الذي أشرنا إليه في نصب (الصابرين) فإن ~~المراد من المقيمين الصلاة غير الذين يصلونها بسوق الوجوب، وحث الوعيد، ~~وتوصلا إلى الدعاء الزخارف الدنيوية، فإنها حينئذ إذا عوفيت من وباء الرياء ~~وتشويه العجب لم تعد أن تكون جسما بلا روح وشجرة بلا ثمر بل إنهم هم الذين ~~يرتاحون إليها ويعدون وقتها أسعد أوقاتهم وأفضل أعمارهم PageV02P026 # فيغتنمون فيه الأنس بمناجاة مولاهم وفضيلة المثول في حضرته فيقيمونها ~~بالإقبال والعرفان والأنس والهيبة والرغبة والرهبة والنشاط والخشوع على ~~حدود شريعتها وآداب سنتها وشروط إخلاصها ووظائف التعبد بها، فهذا هو إقامة ~~الصلاة وأولئك قادة المؤمنين وسادة الموحدين، وإن تشرف من هو دونهم ببعض ~~مراتب الإيمان بالله واليوم الآخر. # فالقرآن الكريم نبه الذهن بأيسر تغيير في الأسلوب إلى حقيقة إقامة الصلاة ~~وامتياز مقيميها عن سائر المصلين والمؤمنين. # وبهذا تعرف شطط المتعرب في إنكاره لامتياز هؤلاء على سائر المؤمنين (ذ ص ~~74). # وأما ضلال المتعرب في تعريضه بقوله (ذ ص 74) وقصارى ما يقدرون عليه (يعني ~~من يزعم أنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر) هو أنهم إذا رأوا واحدا منهم يغدر ~~ويخون وينهب ويقتل الأسرى حتى يثخن في الأرض ساغ لهم أن يرتابوا في صحة ~~إيمانه بالله واليوم الآخر. # فإنه يكفي في إزهاقه ما ذكرناه من ج 1 ص 159 إلى ص 200 فراجعه. # ولكن القلم الغيران للحق أبى إلا أن يقف للمتعرب موقف الاستفصال وقول ~~الفصل، فقال المتعرب: إن الإيمان الذي عندنا والإيمان الذي عندك قد تبينا ~~إلى حيث لا ملتقى. # فإن الإيمان عندنا بمقتضى هدى العقل ونور الكتاب وإرشاد الشريعة هو ~~الإيمان بأن إله الحق هو الله الواحد الأحد القادر القاهر العزيز الجبار ~~القدوس الحي الذي لا يموت لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، جل ~~وتعالى عن المثل والمكان، لا يتجرأ ولا يتعدد ولا يتجسد، قد اصطفى بعلمه ~~وحكمته ولطفه من عباده رسلا أطهارا ms304 بررة معصومين من الذنوب مبرئين من ~~العيوب دائبين على طاعة الله صادعين بأمره، ليس لقال فيهم مغمز، ومن عدادهم ~~المسيح عبد الله المقرب ورسوله المنتجب، خلقه بقدرته وأودعه في رحم أمه ~~الطاهرة العذراء من غير نطفة فحل، ثم ابتعثه رسولا هاديا مهديا وأنزل عليه ~~الإنجيل PageV02P027 # نورا وهدى، وأن الحواريين أنصار المسيح إلى الله وأما الإيمان بحسب ~~عقيدتك واقتضاء كتابك ومجامعك هو الإيمان بأن الله روح، ومحبة، واحد هو ~~ثلاثة، وثلاثة هم واحد، الأب، والابن، والروح القدس، فتجسد الابن في الأرض، ~~وبعد مدة نزل عليه الروح القدس بشكل حمامة جسمية، ثم قاده الروح إلى البرية ~~وبقي فيها أربعين يوما وإبليس يحاول إغواءه ويتصرف به وينقله من مكان إلى ~~مكان ويطمعه بمالك المسكونة ليسجد له، وبقي الأب في السماء، وبقي الابن أي ~~الإله المتجسد على الأرض يعاني الاضطهاد، إلى أن دنا الوقت فحزن وبكى وألح ~~في السؤال من الأب أن يجيز عنه كأس المنية، فلم يشأ الأب بل أسلمه للهوان ~~والصلب فمات ودفن في الأرض، وبعد ثلاثة أيام أقامه الله من الموت وجلس عن ~~يمين الأب، ولما كان هذا الإله على الأرض كان من رأفته قد ميز من تلاميذه ~~بفرط الحب غلاما يافعا يجلسه في حضنه، ويفضي إليه بسره ويتركه يتغنج عليه ~~ويتكئ على صدره، وأن الزانية يكون إيمانها الكامل إذا ثنت عطفها عليه وهو ~~ابن نيف وثلاثين سنة، وجعلت تقبل قدميه، وتبلها بالدموع وتمسحها بشعر ~~رأسها، وأن رسل هذا الإله المتجسد الذين هم خيرة العالم ونوره وملح الأرض ~~منهم من يجلس في حضن إلهه المتجسد ويتغنج عليه، ومنهم من يغتاظ عليه، ومنهم ~~من ينكره وينقض عهده. # وكلهم قد شكوا فيه، وتركوه في الشدة وهربوا عنه، ثم أنتجت مشورتهم أن ~~يلاشوا الشريعة بالكلية، ويطلقوا الأهواء من قيدها ببشارة الفداء، وكانت ~~الأنبياء قبل ذلك منهم من يكذب، ومنهم من يستلب البركة بالمخادعة والتزوير، ~~ومنهم من يستعفي من الرسالة بخشن الكلام وينسب إلى الله الإساءة ويستهزء ~~بوعده ويفرط بشفتيه، ومنهم من يصنع وثنا وينادي ms305 لعبادته، ومنهم من يزني ~~بالمحصنة ويسعى في قتل زوجها ويغضي عن المناكير في بيته، ومنهم من يذهب ~~وراء آلهة أخرى ويبني لها المرتفعات مع أنه الابن المختار، ومنهم من يدعو ~~الله جل شأنه خداعا. # فيا أيها المتعرب إن كنت تعني المؤمنين بالله واليوم الآخر من كان على ~~مثل إيماننا، فإنهم لينادون كما يعتقدون وهو الحق اليقين بأنه ما هدى إلى ~~حقيقة التوحيد وحق الإيمان وحقائق العرفان، ولا أوضح محجة الحق وأقام حجته ~~PageV02P028 # وأعلى كلمته إلا رسول الله الصادع بأمر الله... # وإن كنت تعني بالمؤمنين من كان على مثل إيمانك فمن الغلط والشطط أن يشكوا ~~في إيمان رسول الله بل لا يسعهم إلا القطع بأن رسول الله مستمسك بوثقى عروة ~~الكفر بمثل ما تقول به أنت في إيمانك. # ومن لغة العرب رفع المعطوف على المنصوب (1) ومنه رفع المعطوف في الصورة ~~على اسم (إن)، قال بشر ابن أبي حازم الأسدي يخاطب بني طي: # إذا جزت نواصي آل بدر * فأدوها وأسرى في الوثاق وإلا فاعلموا أنا وأنتم * ~~بغاة ما بقينا في شقاق وقال الحارث بن ضابئ البرجمي: # ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فأني وقيار بها لغريب وقال آخر: # خليلي هل طب فأني وأنتما * وإن لم تبوحا بالهوى دنفان وقال عنتر يرثي ~~مالكا: # وكان إذا ما كان يوم كريهة * فقد علموا أني وهو فتيان وقال الله تعالى في ~~سورة المائدة 73: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فرفع لفظ ~~(الصابئون) تمييزا لهم من النسق وتنبيها على أن الصابئين وإن كانوا أبعد من ~~اليهود والنصارى عن صورة التوحيد إلا أنهم مثل اليهود والنصارى في أن من ~~آمن منهم وعمل صالحا فهو آمن، ولا حاجة إلى هذه الفذلكة في الآية التاسعة ~~والخمسين من سورة البقرة، وذلك لأجل أن التنازل في الترتيب فيها كاف في ~~الإشارة إلى هذه النكتة، فالآيتان معا دالتان عليها ولكن كل واحدة بنحو من ~~الأسلوب. وأما الآية السابعة عشرة من ms306 سورة الحج فلا محل لهذه النكتة فيها. # PageV02P029 # (ولنستطرد الكلام في الحذف) ولا يخفى عليك أنه قد شاع في كلام العرب في ~~الشعر والنثر اكتفاء بدلالة المقام، وتوصلا في بعض الموارد إلى غرض ونكتة ~~لا تحصل بدونه، فيخرج الكلام به كالذهب المصفى والجوهر المجلو، وقد جروا في ~~الحذف على أنحاء: # (أحدهما) أنهم التزموا بالحذف فيما إذا كانت دلالة المقام لازمة، وجعله ~~النحويون من الحذف الواجب في العربية، فمن ذلك خبر المبتدأ قبل جواب (لو) ~~نحو (لولا البعد لزرتك) وقبل جواب القسم الصريح نحو (لعمري لأفعلن) ولا ~~يحتاج هذا إلى ذكر الشواهد، وكذا في نحو (اخطب ما يكون الأمير قائما) و ~~(ضربي زيدا قائما) و (كل رجل وضيعته) ومن هذا النحو ما يلتزم النحويون ~~بتقديره في الظرف والجار والمجرور المستقرين. (وثانيها) أنهم اطرد عندهم ~~الحذف في موارد جعل لها النحويون ضابطا منها حذف الضمير المنصوب أو المجرور ~~العائد على الموصول، ومنها حذف الجر قبل (أن) المصدرية. # (وثالثها) ما لا ينحصر بعنوان عام إلا بدلالة المقام وهو كثير لا يحصى ~~فلنذكر من ذلك شيئا من شعر مشاهير الشعراء في العرب ممن طرقوا باب البلاغة ~~وشهد لهم بالتقدم. # قال امرؤ القيس في معلقته: # فيا لك من ليل كأن نجومه * بأمراس كتان إلى صم جندل أي كأن نجومه شدت، ~~وقال طرفة بن العبد في معلقته يصف ذنب ناقته: # فطورا به خلف الزميل وتارة * على حشف كالشن ذاو مجدد أي فطورا تضرب به.. ~~وقال أيضا: # ألا أيهذا اللائمي اشهد الوغى * وأن أحضر اللذات هل أنت مخلدي أي على أن ~~اشهد.. وقال أيضا: # وإن يلتقي الحي الجميع تلاقني * إلى ذروة البيت الكريم المصمد ~~PageV02P030 # وقال يزيد بن الحكم الكلابي: # مسنا من الآباء شيئا فكلنا * إلى حسب في قومه غير واضع أي أنتمي، وننتمي ~~إلى... وقال أوس بن حجر: # حتى إذا الكلاب قال لها * كاليوم مطلوبا ولا طلبا أي ليس كاليوم.. وقال ~~النمر بن تولب: # وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم * تلاقونه حتى يؤوب المنخل أي لا ~~تلاقونه.. وقال ms307 امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا * وإن قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي لا أبرح.. ~~وقال آخر: # تنفك تسمع ما حييت * بهالك حتى تكونه أي لا تنفك... وبهذا ونحوه تعرف شطط ~~المتعرب (ذ ص 82) في اعتراضه على قوله تعالى (تالله تفتأ تذكر يوسف). # وقد أفحش المتعرب في الغلط إذ قال في اعتراضه والوجه لا تفتأ لأن فتئ وما ~~جرى مجراها لا يستعمل إلا منفية، فقل له: أتقول إن (تفتأ) في الآية مستعملة ~~في الإثبات. # ومن الحذف في كلامهم وشعرهم ما يعرفك المقام والأسلوب أنه كان لأجل نكتة ~~لطيفة وغرض سام لا ينال بذكر المحذوف، والقرآن الكريم قد تأنق في هذه ~~البراعة ما شاء إعجازه، فانتقى يتائمها، واستولى على غايتها. # قال امرؤ القيس: # ملوك من بني حجر بن عمرو * يساقون العشية يقتلونا فلو في يوم معركة ~~أصيبوا * ولكن في ديار بني مرينا وقال أيضا: # فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا فإن التقدير في جواب ~~(لو) في البيتين (لهان الخطب، أو سهل، وما PageV02P031 # يجري مجرى ذلك) ولكنه لم يسمح في هذا المقام أن يصرح بذكر الهوان ونحوه ~~فأبدع في الأسلوب وطوى ذكر ما لا يجب ذكره، فأوحاه إلى الفهم بطرف خفي ~~وبيان شجي. # وقال عبد مناف الهذلي في آخر قصيدته: # حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلاكما تطرد الجمالة الشردا فطوى ذكر الحال ~~بعد ذلك ولم يأت بجواب (إذا) ليوكل الأمر إلى رجم الظنون، وقال الله تعالى ~~في سورة يوسف 15 (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا ~~إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) فطوى القرآن الكريم من حال يوسف ~~وإخوته في تلك الساعة ذكر ما يتوزع السامع بين الشجي المبرح والغيظ المهيج، ~~فلم يتعرض لما يلزم في تلك الحالة من تذلل يوسف بين يدي إخوته وتوسله بهم، ~~واستعطافه لهم، ولواذه بواحد واحد منهم، ومناشدته لهم بالله والرحم بطرف ~~خاشع وعين عبري وقلب مروع يسترحم لشبابه، ويستبقيهم على مهجته بلين الخطاب ~~وشجي البيان. ومن قسوة إخوته ms308 وغلظتهم وما جرى لهم معه في تلك الحال من ~~الكلام القاسي والأحوال الفظة.. # فما ظنك بالغلام اليافع ربيب الترف والدلال إذا شاهد تلك الحال المدهشة ~~كيف يفعل؟ وكيف يتوسل بمن يمت إليه بالأخوة ويرجو فيه الرقة ويستثير منه ~~العواطف؟ أفلا يقرح قلبك شرح حاله، أم لا يوري غيظك ما يجري معه إذ ذاك من ~~نكاية القسوة وبوادر الغلظة. # فالقرآن الكريم راعى في هذا المقام كل جانب تنبغي مراعاته، فطوى الكلام ~~بأحسن طي وأشار إلى الحال بأجمل إجمال وألطف تنبيه، فكأنما أوقفك عليه ~~بفكرك ومثله لوجدانك، ولكنه قبل أن يقرع الفكر بالشجي قلبك عجل لك البشارة ~~على النسق بأن الله جل شأنه قد سلى يوسف بالوحي وبشره بالنجاة والرفعة التي ~~ينبئ فيها إخوته بأمرهم هذا وهم لا يشعرون فالقرآن الكريم لأنه كلام الله ~~لم يدمج القصة كما أدمجتها التوراة الرائجة (تك 37: 23 و 24). PageV02P032 # وجل عن أن يغرق في حكايات الحالات المستبشعة السمجة، كما زعمت الأناجيل ~~الرائجة أن اليهود وبيلاطس وعسكره فعلوه مع المسيح وحاشا، انظر أقلا (مت ~~26: 67 و 27: 26 - 32). # وقال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته: # لا تخلنا على غراتك أنا * قبل ما قد وشى بنا الأعداء فلم يذكر خبر (أنا) ~~ليترقي الذهن في محتملاته إلى أشد الحماسة، وعدم المبالاة بالملك. # وقال عبيد بن الأبرص يخاطب امرؤ القيس: # نحن الأولى فاجمع * جموعك ثم وجههم إلينا ولم يذكر صلة (الأولى) ليترقي ~~الذهن في محتملاتها أيضا إلى أشد الحماسة والتهويل.. # وقال الله تعالى في سورة الحج 25: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي) فلم يذكر خبر ~~(إن) تهويلا بما يستحقه هؤلاء الكفرة المردة من عظيم النكال والعذاب، أو ~~بما يستحقونه من القذع والذم على كفرهم وعتوهم فيبلغ الذهن في ذلك ما لا ~~يبلغه البيان اللفظي، وأن المقام لجدير بذلك، ومقتضى الحال لا يليق بغيره. # ولعلك لا يخفى عليك جهل المتعرب في اعتراضه (ذ ص 77) على الآية بعطف ~~(يصدون) المضارع على (كفروا) الماضي، فإنه ms309 لا ينبغي أن يخفى على غير ~~المتعرب أن الغرض هو التسجيل والتشنيع عليهم بتماديهم على الغي والصد عن ~~سبيل الله والمسجد الحرام، ولا تحصل هذه الفائدة إلا بالفعل المضارع الدال ~~على الثبوت، ولم يكن الغرض هو التشنيع عليهم بما فعلوه من الصد في الماضي ~~فقط. # (تتمة) وتتمة الآية المتقدمة قوله تعالى في ذكر المسجد الحرام: (ومن يرد ~~PageV02P033 # فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم). # فقال المتعرب (ذ ص 77 و 78) فهذا أيضا كلام ناقص لأنه جاء فيه بفعل متعد ~~وهو (يرد) ولم يأت بمفعوله، ثم قال: نذقه من عذاب أليم، وكان المقام يقتضي ~~العذاب الأليم أو عذابا أليما. # قلت: لا يخفى على كل من يميز بعد الطفولية كيف يتكلم، سواء كان يتكلم ~~باللغة العربية أم بغيرها من لغات الدنيا، ولا يلتبس عليه أن الفعل المتعدي ~~تارة يقصد بالإتيان به بيان وقوعه على المفعول فقط، ولأجل ذلك يعرض المتكلم ~~عن بيان الفاعل ويبني الفعل في اللغة العربية للمفعول، وتارة يقصد به محض ~~وقوعه من الفاعل فلا يذكر المفعول ولا يقدر في الصناعة ولذا قالوا: إن ~~المفعول فضله، أي يصح الاستغناء عنه في الكلام ومرمى الإسناد فالآية ~~الكريمة لم يتعلق فيها الغرض بالمفعول، بل إنما تعلق الغرض فيها بمحض صدور ~~الفعل القبيح من الفاعل المتمرد على الجهة الخاصة والباعث الخاص، فإن قبح ~~الإرادة بالإلحاد والظلم في المسجد الحرام لا ارتباط له بتعلق الإرادة ~~بالإلحاد والظلم بمفعول خاص، بل هو مسجد حرام سواء العاكف فيه والبادي، فهو ~~كقول الملك من يضرب بشقاوة بظلم نعذبه، فليس في الآية الكريمة شئ من الحذف. # ومما ذكرناه تعرف غلط المتعرب في اعتراضه (ذ ص 90) على قوله تعالى في ~~سورة البقرة 28 (ونقدس لك) وذلك لأن المقام غني عن بيان أن المقدس هو الله، ~~وإنما المهم في التقديس بيان كونه لله خالصا مخلصا في قصد القربة الذي هو ~~روح العبادة.. # وأما قوله تعالى: (نذقه من عذاب أليم) فلأن الظالم بإلحاد وإنكار للمعاد ~~والعقاب يكفي في وعيده بيان خيبته ms310 في اغتراره واطمئنانه وتهديده بأنه لا ~~مناص له عن سوء المنقلب الذي أنكره بإلحاده. # والنكتة التي اقتضت التعبير بقوله تعالى (نذقه) لا بد معها من تعبير ~~بقوله تعالى (من عذاب) فإن الذوق إنما هو لبعض الشئ، هذا مضافا إلى أنه لم ~~يقل PageV02P034 # نذقه بعض ما يستحقه، بل بعض العذاب المعد عند الله للأشرار، فإن كل معذب ~~شخصا كان أو صنفا إنما يعذب ببعض العذاب، ويعذب غيره ببعض آخر، أعاذنا الله ~~من ذلك ببركة الإيمان والإخلاص في توحيده وتقديسه، وبهذا تعرف إن شاء الله ~~أن المتعرب يعيب المسك برياه. # وقال لبيد بن ربيعة العامري: # قالت غداة انتجينا عند جارتها * أنت الذي كنت لولا الشيب والكبر فحذف خبر ~~(كنت) لنكتة آثرها، وقال آخر: # إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها * جرى دون ليلى مائل القرن أعضب فحذف خبر ~~(لعل) لنكتة آثرها أيضا، وقال مساور بن هند بن قيس: # زعمتم أن إخوتكم قريش * لهم ألف وليس لكم ألوف أولئك أوهنوا خوفا وجوعا * ~~وقد جاعت بنو أسد وخافوا فاكتفى عن ذكر تكذيبهم بالحجة عليه. # ومما ذكرناه تعرف الحسن والبراعة في قوله تعالى في سورة القصص 46 (وما ~~كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك) فإنه طوى ذكر المستدرك بقوله تعالى (ولكن) لأجل تلألؤ المقام به ~~وإشراقه على أرجائه، وتركه ليستعذبه الفهم من المورد نهلا وعلا، ويقتبسه من ~~مشكاة البرهان، ويكون هو الزعيم باستنتاجه والمستأنس ببرهانه، لا كما يلقى ~~عليه باللفظ ثقلا على وساوسه. # وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى في سورة البقرة 67: (وإذ قتلتم نفسا ~~فادارئتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون 68 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي ~~الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) فقد ألقى حياة المقتول إلى الفهم ~~بسبب ضربه ببعض البقرة السابق ذكرها، ولقنه بها من سوق المورد وحججه بأحسن ~~مما يلقيه إليها بفضول اللفظ، كما لا يخفى إلا على تعصب المتعرب فانظر إلى ~~شططه (ذ ص 91 و 92). PageV02P035 # كما تعرف البراعة ms311 وعلو الشأن في قوله تعالى في سورة البقرة 16 (مثلهم ~~كمثل الذي استوقد نارا فلما أضائت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات ~~لا يبصرون) فإنه بعد أن فتح عين الفهم بضرب المثل ودله على مغزاه أوقفه على ~~ربوة التنبه، وموعد الانتظار، وكفاه بعد المسافة، ومعثرة التطويل وملل ~~التكرار، وناوله تتمة المثل ونتيجة التمثيل بيد واحدة من مكان قريب قد راعى ~~في أسلوبه أولوية الكافرين بصفة المثل، وأن يروع الذهن بهول حقيقتها قبل أن ~~يؤلف بفرض مثالها، ولو أجرى الكلام على السذاجة المبتذلة لتباعدت أطرافه ~~وتشتت معانيه وانحل نظامها، واضمحلت خواص مقاصده، ولم ينجح في طوله الممل ~~بطائل، واستوضح ذلك من تفكيكه وتطويله حسب ما يقترحه البسطاء، واتل لمن ~~ينكر نورانية إعجازه بهذا الأسلوب الخاص (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما ~~أضائت ما حوله..) الآية والتي بعدها. # ومما ذكرناه تعرف أنه لا حاجة إلى أن نجعل (الذي) بمعنى (الذين) فإن هذا ~~التقدير زيادة على وهنه يذهب برونق السياق وفرائد الفوائد. # والمتعرب (ذ ص 77 - 79) يعد هذه الآيات من الكلام المبتور الذي يتحير فيه ~~السامع زاعما في تمويهه أن هذه الأساليب مخلة بالبلاغة لعدم الدلالة فيها ~~على المحذوف. # وقد ذكرنا لك ما يحتمله الاختصار من شعر العرب الذي يوقفك على أسرار ~~البلاغة وتفنن البلغاء في كلامهم حسب مقتضى الحال، على أنك لو قسته بالآيات ~~المذكورة لوجدته كالمصباح مع الشمس والصبابة مع النهر. أم يريد المتعرب أن ~~يكون القرآن الكريم في التطويل المضجر والتكرار الفارغ، كالتوراة الرائجة ~~في صنعة المسكن وثياب هارون، (فانظر خر 25 - 31) (وانظر أيضا خر 35 - 40). # أو يريد أن تكون أمثال القرآن الكريم كأمثال الإنجيل الرائج التي شوه ~~التطويل صورتها، وشردت بها الفضول الفارغة عن مطابقة الممثل حتى كانت ~~النتائج بعدها أجنبيه، مضافا إلى أنها قد اشتملت على فقرات أن كانت داخلة ~~في غرض المثل لزم منها الكفر ونسبة الظلم إلى الله جل شأنه، والمعاملة مع ~~PageV02P036 # عباده بالمحاباة والمجازفة، وإن لم تكن داخلة في ضرب المثل كانت لغوا ms312 ~~ومعثرة فانظر إلى (مت 20: 1 - 17 و 21: 28 - 45 و 22: 1 - 4 و 25: 1 - 31) ~~ويا عجبا أن التعاليم المنسوبة في الإنجيل للمسيح لا تبلغ أن تملأ جريدة ~~أسبوعية أو يومية ومع ذلك كان ما في الإنجيل الرائج ككتابة صحافي ضايقته ~~وظيفة الوقت فصار يملأ أعمدة الجريدة بسفاسف التطويل.. أهذه تعاليم المسيح ~~كلمة الله؟ # حاشا وكلا. # وإن أراد المتعرب أن يعرف الكلام المبتور الذي لم يقف الفهم فيه عل محصل ~~ما، ولم يستشم منه رائحة الفائدة. # فلينظر إلى ما تذكرت التوراة الرائجة في شأن العلامة لإبراهيم على أنه ~~يرث أرض الكنعانيين، كما ذكرناه سابقا، ولينظر إلى قول العهد القديم أن ~~نسيتك يا أورشليم تنس يميني.. ليلصق لساني بحنكي إن لم أذكرك (مز 137، 5 و ~~6). # وقوله: من منكم من كل شعبه الرب إلهه معه ويصعد 2 أي 36، 23 وقوله: ويكون ~~إذا سمعتم صوت الرب إلهكم (زك 6، 15)، وقد جاء في لغة العرب حروف كثيرة ~~تفيد في الكلام فوائد لا تحصل بدونها، وهي مثل (من) و (الباء) الجارتين في ~~مثل قولك (ما فيها من أحد وما زيد بقائم) و (أن) في مثل قولك (ما إن فعلت) ~~و (كان) في مثل قول المتعجب (ما كان أحسنها) و (ما) بعد (إذا، وأي)، و (لا) ~~قبل القسم والشواهد لذلك لا تكاد تحصى في شعر العرب فضلا عن نثرهم.. ولكن ~~لما رأى أهل الصناعة أن الكلام يمكن أن يتألف بدونها إذا لم تقصد فيه ~~فائدتها جعلوا تلك الكلمات زائدة، ولما لم يصلوا إلى حقيقة فوائدها بعنوان ~~من عناوينهم أدمجوا أمرها وقالوا: إنها للتأكيد. # وبعض المفسرين جعل بعض الحروف في القرآن الكريم من هذا النحو فصار ~~المتعرب يعترض عليه (ذ ص 79) ويقول: إنه زائد فهو إذا لغو، ولو أنها كانت ~~كما زعم هؤلاء البعض لقبح من المتعرب أن يشط بزعمه أنها لغو فمن ~~PageV02P037 # ذلك قوله تعالى في سورة القيامة 1 (لا أقسم بيوم القيامة 2 ولا أقسم ~~بالنفس اللوامة 3 أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) وليس كما حسب ms313 المتعرب ~~وتوهم، فإن الحقائق النيرة لا يحجبها غبار القيل والقال، فإن (لا) في الآية ~~وأمثالها للنفي وجئ بها لأعظام القسم والمحلوف به، كما يرشد إلى ذلك ويدل ~~عليه قوله تعالى في سورة الواقعة 74 (فلا أقسم بمواقع النجوم 75 وأنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم). # ويرشد إلى ذلك أيضا شائع الاستعمال العرفي، فإن المخبر المؤكد لخبره قد ~~يجمع بين التعريض بالقسم وإعظامه بإنشاء واحد، فيقول: لا أحلف برأس أبيك قد ~~كان الأمر كذا، وهو أسلوب لطيف وغرض حميد، وأن صاحب الكشاف قد تنبه في ~~تفسير سورة القيمة لهذا الوجه الواضح فجزم به في التفسير واحتج لتقريبه ~~بقوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)، وإن كان ~~عند تفسيره لسورة الواقعة قد اتبع في هذه الآية قول بعض المفسرين فقال: إن ~~(لا) صلة، أي زائدة. # (فإن قال قائل) إذا كان ذلك جامعا بحسن أسلوبه بين التعريض بالقسم ~~وإعظامه، فأين الخبر الذي عرض بالقسم لأجل تأكيده، قلنا: (أفلا يسمع النداء ~~بيوم القيامة)، وقوله تعالى (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين ~~على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسئل أيان يوم القيمة) أم ~~يريد أن لا يجري القرآن على خصائص اللغة العربية ومحاسنها. # وقال الله تعالى في سورة الحديد بعد ذكر الذين اتبعوا المسيح 28: (يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم 29 لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم). # فذهب جماعة إلى أن (لا) في قوله تعالى: (لئلا) زائدة، وتشبث المتعرب (ذ ص ~~80) بكلامهم ليتعرض على القرآن الكريم بزيادتها، ولكن الصواب قد أخذ بيد ~~جماعة ففهموا من الآيات أن (لا) غير زائدة وأن الضمير في (يقدرون) ~~PageV02P038 # يعود على المؤمنين المخاطبين في الآية المتقدمة على نحو الالتفات من ~~الخطاب إلى الغيبة، ويكون قوله تعالى: (وأن الفضل) معطوف على ms314 المجرور بلام ~~التعليل في (لئلا)، أي يتفضل على المؤمنين حق الإيمان بالهدى والثروة ~~والشوكة لكيلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدر المؤمنون على شئ من ذلك، ولأن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. # والسبب المقتضي للالتفات هو أن التعليل المذكور في الآية الثانية غير ~~داخل في الوعد بالجزء المذكور في الآية السابقة وإنما هو حكمة في الجزاء ~~ووجهه، فراعى القرآن بيان ذلك بتغيير الأسلوب بالالتفات لئلا يوهم النسق ~~أنه غاية داخلة في الجزاء والامتنان. # ولكن المتعرب لأنه يتعذر عليه الالتفات إلى الحق صار يعترض على ما جاء من ~~الالتفات في القرآن الكريم (انظر ذ ص 80) مع أن الالتفات يعد من محاسن ~~اللغة العربية، ولم يجئ في القرآن إلا لنكتة شريفة، وإن عشى عنها من عشى: # قال عمر بن كلثوم في معلقته: # بأي مشيئة عمرو بن هند * تطيع بنا الوشاة فتزدرينا تهددنا وأوعدنا رويدا ~~* متى كنا لامك مقتوينا فالتفت من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى ~~الخطاب، وقال امرؤ القيس في معلقته: # إلى مثلها يرنو الحليم صبابة * إذا ما أسكرت بين درع ومحول تسلت عماياة ~~الرجال عن الصبا * وليس فؤادي عن هواك بمنسلي وقال عنتر في معلقته: # حلت بأرض الزائرين فأصبحت * عسر علي طلابك ابنة محرم ثم التفت إلى الغيبة ~~في البيت الذي بعده، ثم إلى الخطاب فيما بعده ثم إلى الغيبة، ثم إلى ~~الخطاب، ثم إلى الغيبة وقد تنقل بالالتفات في ستة أبيات PageV02P039 # على النسق، وقال قيس بن جروة الطائي: # أيوعدني والرمل بيني وبينه * تبين رويدا ما أمامة من هند وقد جاء ~~الالتفات أيضا في التوراة الرائجة العبرانية (انظر لا 2، 8). # (تتمة) واعترض المتعرب أيضا (ذ ص 80) على قوله تعالى في الآية المتقدمة: ~~(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله). # فقال: إنهم إن كانوا حقيقة قد آمنوا كما دعاهم فقد اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله وإلا فما هم بمؤمنين. # قلنا: مما لا يخفى ولا يستر أن عموم النصارى على سعة شريعتهم الفعلية ~~وإطلاقها وقلة تكاليفها غير معصومين عن مخالفة التقوى، ولا ms315 نذكر شيئا مما ~~يشهد به العيان والتاريخ القطعي، بل نقول: إن ملوكهم وحكامهم قد بذلوا غاية ~~جهدهم في كسر سورة الظلم وطغيان الفساد، وقرروا بينهم في ذلك مؤكدات ~~الروابط والمعاهدات، وإنك لترى مع ذلك ما يحدث في العالم من النكال ببعض ~~المقصرين الذين عرفوا أمرهم ولم يحابهم الوقت. # وترى ما يحدث من مخالفة التعاليم النبوية والآداب العقلية والنواميس ~~الروحية التي قد اتفق هتافها ونجواها في الحث على الوداعة والصفاء والسلام، ~~وترى من المخالفة المذكورة ما يكاد أن يأتي على رمق المدنية والانصاف، ~~ويدفنهما في رمس العواطف البالي. # ولو تركنا القلم وجريه لقال: ضع يدك على من شئت مستشهدا بشواهده مدليا ~~بحججه. # أفترى المتكلف يقول: في أهل نحلته أنهم ما هم بمؤمنين أو يغالط وجدانك ~~ويقول: كلهم فائقون في العصمة والتقوى على أنبياء العهدين الذين نسبا إليهم ~~عظائم الذنوب وقبائح الأحوال، كما ذكرناه لاقتضاء المقام وعز علينا ذكره ~~صحيفة 48 - 116. # ولعلك تسأل أن المتعرب لماذا لم يعرف أن للإيمان معارج ومراقي، أولها: ~~PageV02P040 # التحلي بفضيلة الإقرار بالإله الصانع، والتطهر من رجاسة الشرك، فلا يخالس ~~به التوحيد أو يسر حسوا بارتعاء، ثم يترقى في معارجه بالعمل الصالح، ~~والتقوى، والصبر، والتوكل والعرفان، والتسليم، والتهيؤ لطاعة الرسول فيما ~~يبلغه عن الله. # فنقول: دع عنك المتعرب إذ وصلت بسؤالك إلى أن الله جل شأنه أمر المؤمنين ~~في الآية بالترقي في معارج الإيمان ببركة التقوى والأيمان بالرسول ليقوم ~~بذلك نظام الشريعة والمدنية وتنال به سعادة الدنيا والآخرة. # فأما قوله تعالى في سورة الأعراف 160 (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما)، ~~فإن المعدود فيه محذوف يهدي إليه المقام، أي اثنتي عشرة قبيلة حال كونهم ~~أسباطا وأمما. # والمتعرب توهم أن السبط في اللغة العربية بمعنى القبيلة كما توهمه مترجمو ~~التوراة إلى العربية، ولم يدر أن السبط هو الشخص الواحد، وأما القبيلة فهي ~~أسباط متعددون لا سبط واحد. # وأما قوله تعالى في سورة المنافقين 9 (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ms316 هم الخاسرون 10 ~~وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فاصدق وأكن من الصالحين)، فجزم (أكن) لأجل التنبيه على أن الكون ~~من الصالحين أولى بأن يكون جزاء للطلب (بلولا) وغاية للتأخير. # ليتدارك به الخسران الحاصل بسبب اللهو بفتنة الأموال والأولاد عن تقوى ~~الله. # ونسيانه بفعل المعاصي: ولو لم يجزمه بل تركه على النسق لضاعت هذه المزية ~~الشريفة والتنبيه البارع. بل وكذا لو قدمه في النسق. ومن هذا النحو قول ~~خارجة بن الحجاج الأيادي: # فابلوني بليتكم (1) لعلي * أصالحكم واستدرج نويا # PageV02P041 # فجزم (استدرج) لينبه على أنه أولى بكونه جزاء للطلب. # وأما قوله تعالى في سورة آل عمران 52 (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون): فقال جل شأنه في مقام الاحتجاج بالتمثيل ~~(فيكون) بالفعل المضارع الدال على الثبوت. وذلك لبيان الملازمة الدائمة بين ~~قوله تعالى (كن) وبين أن الشئ يكون بهذا الأمر لا محالة. وبهذه القدرة ~~التامة والملازمة الدائمة خلق عيسى من غير فحل إذ قال له (كن) ولا تقوم ~~الحجة بهذا التمثيل ولا يحصل المراد منه في الاحتجاج إلا بيان الملازمة ~~بخلاف ما لو قيل. كن فكان. لأن هذا الأسلوب لا يفيد إلا أن آدم كان. # سواء كان ذلك باتفاق أو بملازمة خاصة بذلك الكون أو عامة. وهو أمر معلوم ~~لا فائدة في بيانه ولا حجة فيه على خلق عيسى من غير فحل. فلا يكون التفريع ~~لو قيل: كن فكان. إلا لغوا في كلام متهافت، وبما ذكرناه تعرف غلط المتعرب ~~(ذ ص 75) وأنه يعيب المسك برياه - كما غلط أيضا في اعتراضه (ذ ص 91) على ~~قوله تعالى في سورة البقرة 51 فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم. # حيث قال ثم إن قوله (فتاب عليكم) ظاهره انه جواب لجملة سقطت فيما سقط ولو ~~قال فيتوب مكان فتاب لكان الكلام أصح. # قلت: تعسا لغرور العصبية. أفلا يعلم الناظر في خطاب الله لبني إسرائيل في ~~سورة البقرة 38 ms317 - 88 أنه إنما كان خطابا لبني إسرائيل المعاصرين لرسول الله ~~(ص) لا المعاصرين لموسى. فاستوضح ذلك من الآية 38 - 44 ومن أنه لا يصح خطاب ~~الأموات الذين صاروا رميما بمثل هذا الخطاب. بل قد خاطب الله الموجودين ~~وامتن عليهم ووعظهم بأحوال آبائهم وشؤونهم. فأسندها إليهم كما هو المتعارف ~~في خطاب القبائل والفرق، وبذلك تعرف أن التوبة ماضية بالنسبة للخطاب وعصر ~~المخاطبين. (فإن قال قائل): كيف يخاطب الموجودون بأحوال الماضين؟ (قلنا) ~~هذا نهج متعارف في خطاب القبائل والفرق. فإن أبى الاذعان بذلك من المحاورات ~~فلينظر إلى العهدين. فإن التوراة الرائجة صريحة بأن بني إسرائيل الذين ~~خرجوا من مصر وحضروا طور سيناء لم يبق منهم إلى السنة الأربعين لخروجهم من ~~مصر أحد حي بل ماتوا كلهم في القفر قبل أن يقتلوا PageV02P042 # (مديان) ويغنموهم. ولم يبق من ذلك الجيل إلا موسى. ويوشع. وكالب. # أنظر اقلا عد 26: 64 و 65 وقد جاء في التوراة أيضا أن موسى في أواخر ~~السنة الأربعين بعد سبي مديان خاطب بني إسرائيل الموجودين بشؤون آبائهم ~~وقال لهم (وكلمتكم في ذلك اليوم) أي في حوريب (فأجبتموني وقلتم) تث 1: 9 و ~~14 (فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام - وأخبركم بعهده - لم ~~تروا صورة ما يوم كلمكم في حوريب) (تث 4: 12 - 16) وانظر أيضا (تث 5: 23 - ~~28)، كما جاء نحو ذلك عن خطاب المسيح لمعاصريه من الكتبة والفريسيين (مت ~~23: 35). # (تتمة) واعترض المتعرب في هذا المقام على امتنان الله على بني إسرائيل ~~بشأن أمره لهم بذبح البقرة مع تمردهم في مراجعة السؤال عن المسارعة إلى ~~الامتثال بمقتضى إطلاق اللفظ (البقرة 63 - 67) وعلى امتنانه جلت آلاؤه على ~~النسق بشأن إحياء المقتول بضربه ببعضها (67 و 68) فقال ذ ص 91 إنه كلام في ~~غاية المعاناه ولا يقدر أحد أن يفهم معناه. # وكان يقترح أن تكون آيات الامتنان الأول حشوا في آيتي الامتنان الثاني ~~توهما منه أو إيهاما بأن القرآن الكريم في صدد أن يذكر قصة البقرة حكاية ~~تاريخية لقوم بسطاء كحكاية بنتي لوط (تك ms318 19، 31 - 38) أو صناعة المسكن ~~وثياب هارون (خر 25 - 40) أو كحكايات الأناجيل الرائجة (مت 4، 1 - 11 ولو ~~7، 36 - 50 ويو 2، 1 - 11 و 13، 21 - 31) ولم يفهم أن القرآن الكريم إنما ~~هو في مقام الامتنان على بني إسرائيل بتعداد نعم الله عليهم وألطافه بهم ~~على ما هم عليه من الغلظة. # فذكر أولا: منته عليهم في شأن أمره لهم بذبح البقرة ومجاراته بلطفه لهم ~~على جهلهم وتمردهم في تكرير السؤال. # وذكر ثانيا: منته عليهم بفصل القضاء المعجز بإحياء الميت وإخماد الفتنة ~~وفضيحة العادي، ولقد أبهر القرآن الكريم بإعجازه هاهنا ولا بدع، فقدم ~~الامتنان الأول توطئة لبيان الامتنان الثاني على وجهه وخصوصيات حاله، حيث ~~أنه بعد أن ملأ السمع والقلب بحال الامتنان الأول قال في الامتنان الثاني ~~(فقلنا PageV02P043 # اضربوه ببعضها) أي تلك البقرة التي تقدم ذكرها، فنظم البيان نظم العقد، ~~وأوحى إلى الفهم بواسطة الضمير في قوله (ببعضها) جميع خصوصيات القصة من دون ~~أن ينحل نظام البيان وتتباعد أطراف الكلام وتبعد مسافته على الفهم، بل جلاء ~~القصة مع المحافظة على عناوين الامتنان أحسن جلوة ونوع الامتنان أحسن ~~تنويع، وما ظنك لو أقحم الامتنان الأول في أثناء الامتنان الثاني، أفلا ~~يتشتت شمل البيان، وتندمج بينات الامتنان، ويعود الكلام بيداء ماحلة تأتي ~~على الفهم بطول المسافة بعد أن كان روضة زاهرة يرتاح إليها ويتمتع بشذاها.. # ولئن استهزأ المتعرب بالقرآن الكريم والراسخين في العلم فإنا لا نستهزئ ~~بالمغمورين بالتعصب، المفضوحين بالجهل والضلال، (الله يستهزء بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون). # وأما قوله تعالى في سورة الصافات 130: (سلام على آل يس) بعد قوله تعالى ~~123: (وإن الياس لمن المرسلين) فذلك لأن هذا الرسول لاسمه العبراني في ~~اللغة العربية تعريبان (الياس، والياسين) كما أن اسمه في العبرانية جاء في ~~العهد القديم على وضعين: أحدهما (الياه) باشباع فتحة الياء وإسكان الهاء ~~بعدها (انظر 2 مل 1، 3 و 4 و 8 و 12)، وثانيهما (الياهو) بضم الهاء وتشديد ~~الواو (انظر 2 مل 1، 10 و 15 و 17). # وأما قوله تعالى في سورة التين 2 (وطور ms319 سنيين) فلأن لهذا المسمى في ~~العربية اسمين (سيناء، وسينين)، كما أنه يسمى في العبرانية في العهد القديم ~~مرة (سيني) بفتح النون بالفتحة الخالصة، وإسكان الياء بعدها (انظر خر 19، 2 ~~و 18 ومز 68، 9) ونص في حاشية هذا المزمور على ذلك فضلا عن رسم الإعراب ~~ويسمى مرة أخرى (سيناي) بفتح النون بالفتحة المشالة إلى الألف (انظر خر 19، ~~1 ولا 27، 34) هذا كله مع قطع النظر عن رموز النغمة المصطلحة عند اليهود في ~~قراءة العهد القديم، وبهذا تعرف بعضا من مبلغ عصبية المتعرب وجهله في كلامه ~~(ذ ص 76) وكأنه إذ ألصق نفسه بالعرب حسب أنه صار الحكم المحكم في العربية، ~~ولكنه من أين يتورع عن مثل هذه الاقتحامات، وفي كتاب إلهامه، لأن هاجر جبل ~~سيناء في العربية (غل 4، PageV02P044 # 25)، فيا لهفاه على العربية. # وأما قوله تعالى في سورة الحج 20 (هذان خصمان اختصموا في ربهم) فثنى فيه ~~في الأولين باعتبار أن الخصومة على طرفين وبين فريقين، وهما الذين كفروا ~~والذين آمنوا، وجمع في الأخيرين باعتبار كثرة المتخاصمين من الفريقين، فلو ~~جمع في الأولين لما دل الكلام على أن الخصومة على طرفين وبين فريقين، ولو ~~ثنى في الآخرين لما دل على كثرة المتخاصمين، فلو غير الأسلوب الموجود في ~~الآية لخرج الكلام إلى ضد حقيقته. # وأما قوله تعالى في سورة الحجرات 9: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما) فقد جمع في قوله (اقتتلوا) باعتبار أن القتال يقع بين آحاد ~~الطائفتين الكثيرين، وثنى في قوله (بينهما) فلبيان أن الواجب هو الصلح بين ~~الطائفتين، ولا يحصل امتثال الواجب أصلا إذا أصلحوا بين بعض أفراد ~~الطائفتين وإن كانوا جمعا كثيرا، وأيضا فإن قرار الصلح وروابطه لا يقع ~~غالبا بين جميع المقتتلين، وإنما يقع بين عنوان الطائفتين ورابطتي ~~رئاستيهما، فلو غير الأسلوب الموجود في الآية أيضا لخرج الكلام إلى غير ~~المراد منه. # وأما قوله تعالى في سورة الأنبياء 3: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) فإن ~~الغرض فيه إسناد الفعل إلى اللاعبين اللاهية قلوبهم، كما سبق فأسند إلى ~~ضميرهم شرحا لذميم حالهم وتسجيلا عليهم ms320 بقبيح تماديهم في الغي، ثم جاء ~~بقوله: (الذين ظلموا) بدلا من الضمير، أو منصوبا على الاختصاص والذم إعلاما ~~بظلمهم في أسرارهم النجوى بجحد الرسالة بالذكر وتسميته سحرا، واحتجاجهم ~~الفاسد بكون الرسول بشرا، ولو أسند الفعل رأسا إلى الذين ظلموا لانحل ~~ارتباط الكلام ولم يدل على المراد منه كما ذكرنا. # وبما ذكرناه تعرف شطط المتعرب في كلامه (ذ ص 76 و 77) وأما اعتراضه على ~~القرآن الكريم (ذ ص 77) بخرافة جمع القلة والكثرة، فهل عدا فيه أن اتبع به ~~الأصمعي وأمثاله على غير هدى ولا كتاب منير، ولو أن القرآن الكريم كان كلام ~~واحد من سائر العرب لقبح الاعتراض عليه بعثرات أوهام الأصمعي وأمثاله، بل ~~كان هو الحاكم عليهم والمقيم لأودهم، أو لم يصد المتعرب عن PageV02P045 # غلطه صاد، ولا أقل مما عربه من كلام سايل حيث قال في شأن القرآن العظيم ~~(ق ص 119 س 4) ومما لا خلاف فيه أيضا أنه (أي القرآن) الحجة التي يرجع ~~إليها في العربية. # وقد توغل المتعرب في شطط التعصب فصار يدعي أن القرآن الكريم يستعمل ~~الألفاظ العربية في غير ما وضعت له (أي خطأ واشتباها) وعد من ذلك (ذ ص 81) ~~قول القرآن عن دين إبراهيم إنه حنيف، وزعم أن العرب تسمى عابد الوثن حنيفا، ~~وأن الحنيف عندهم الملتوي الضال والخب الخداع. # والذي ورط المتعرب هاهنا بهذا الافتراء هو ما ذكر في أوائل الرسالة ~~المنسوبة لعبد المسيح فنسي ما نص عليه قبل (ذ ص 25) من أن العرب سئمت ~~الوثنية، وقد أدرك منها محمدا (ص) رجال كثيرون يدعون بالحنفاء، وإنما دعوا ~~بذلك لحنفهم أي ميلهم عن الوثنية، فكانوا يحرضون قومهم على اطراح عبادة ~~الأصنام ويدعونهم إلى التدين بدين لا شرك فيه. # فاسأل المتعرب لماذا تناقض كلامه؟ فهل هو على المثل الفارسي (دروغ گو ~~حافظه ندارد) أي الكذاب لا حافظة له. # أم يقول: دع هذا فإن لكل مقام مقال؟ أو لم يتعظ بما فضح الله به صاحب ~~الرسالة المذكورة في هذا الافتراء حيث أظهر عليه كذبه ومخالفته لصراحة ~~العهدين ms321 مع أنه نصراني يزعم أنهما كتب إلهية. # أو لم يعتبر به إذ قال في أول رسالته: فقد علمنا الآن أن إبراهيم كان منذ ~~ولد إلى أن أتت عليه تسعون سنة حنيفا عابد صنم - يعبد الصنم المعروف بالعزى ~~مع آبائه وأهل بيته وهو بحران. # مع أن التوراة لم تذكر أن إبراهيم عبد صنما لا يوما ولا تسعين سنة بل ~~تذكر أنه حينما خرج من (حاران) عن أمر الله وبركته له في خطابه كان ابن خمس ~~وسبعين سنة (تك 12، 1 - 4). # ويقول العهد الجديد: إن الله ظهر لإبراهيم وهو في ما بين النهرين قبل ما ~~سكن (حاران) وأمره بالخروج فخرج حينئذ بأمر الله ووحيه من أرض PageV02P046 # الكلدانيين وسكن في حاران (1 ع 7، 1 - 5) وعلى هذا فلا بد أن يكون عمره ~~الشريف حينما ظهر الله وأوحى إليه بالهجرة أقل من خمس وسبعين سنة بمقدار ~~سكناه في حاران وزيادة، وبالإيمان لما دعى أطاع أن يخرج (عب 11، 8). # ويكفي من صارحة ما ذكرناه عن العهد الجديد أنه يلزم منه أن يكون إبراهيم ~~مؤمنا بالله نبيا موحى إليه قبل ما يأتي إلى حاران، وإنك لتعلم من هذا أن ~~مثل صاحب الرسالة في جرأته على خليل الله ومخالفته لكتب دينه ليروج أضاليله ~~وأباطيله (كمثل كلب الأكراد يعض الضيف وصاحب المنزل). # وكيف كان فالحنيف في العربية هو من كان على حقيقة التوحيد وعبادة الحق. ~~قال الجارود بن بشر من عبد القيس، وكان نصرانيا فأسلم طوعا: # فأبلغ رسول الله مني رسالة * بأني حنيف حيث كنت من الأرض وقال حسان بن ~~ثابت يخاطب أبا سفيان: # هجوت محمدا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء وأما استشهاد المتعرب (ذ ~~ص 81 س 14) بحكاية قول (بسطام) النصراني لأخيه (إن كررت يا بجاد فإنا ~~حنيف)، فلا شهادة فيه وإن صحت الحكاية، فإن مراد بسطام تهديد أخيه بترك ~~النصرانية وتثليثها، والقول بتوحيد الحنفاء، فإنهم كانوا يقاومون التثليث ~~والسجود للأيقونات والصور كما يقومون الوثنية الصريحة. # وقال الله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ms322 مذكورا 2 ~~إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا). # فاعترض عليه المتعرب (ذ ص 82) حيث قال بعض المفسرين إن (هل) بمعنى (قد) ~~فقال: إنا لا نجد لها هذا المعنى في شئ من كلام العرب، وقال قبل ذلك أن ~~المتبادر إلى الذهن من هذا أنه سؤال منكر. # فنقول أولا: إن حقيقة الاستفهام هو طلب الفهم، وإنما يعرف كونه استفهام ~~تقرير أو إنكار إذا دل الحال أو المقال على ذلك، فمن أفحش الغلط ~~PageV02P047 # قول المتعرب: إن المتبادر إلى الذهن كونه في الآية سؤال منكر (أي استفهام ~~إنكار) مع اعترافه بأن القرآن لم يرد منه إلا الإثبات، ومع العلم بأن حال ~~رسول الله ومقاله ومقال القرآن في هذا المقام وغيره يناضل ويحامي أشد ~~المحاماة عن هذه الحقيقة التي هي العمدة والأصل من أساسيات دعوته وتعليمه ~~بوجود الصانع الواحد العليم، (وثانيا) قد جاء مثل سوق الآية الكريمة في قول ~~زهير في معلقته: # ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة * وذبيان هل أقسمتم كل مقسم وقول الحرث بن ~~حلزة اليشكري في معلقته مفتخرا ومحتجا: # هل علمت أيام ينتهب الناس * غوارا لكل حي عواء وقول زيد الخيل: # سائل فوارس يربوع بشدتنا * أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم ومن الواضح أن ~~الشعراء المذكورين لا يريدون حقيقة الاستفهام، لأنهم عالمون بما بعد (هل)، ~~ولا ينكرونه لأنه يوافق غرضهم، بل لا يريدون منهم إلا الإثبات والاحتجاج ~~به.. # فإن كانت (هل) في الشعر بمعنى (قدم) فالشعر شاهد لذلك وإن كانت للتقرير ~~والتسجيل عليهم بالاحتجاج، فإن (هل) في الآية الكريمة كذلك وهو الأصح الذي ~~ذهب إليه المحققون من المفسرين. # ثم اعترض المتعرب (ذ ص 82) على قوله تعالى في سورة البقرة 229 (تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها). # فقال: إن المقام يأباه وأنه يلزم أن يعدى (تعتدوا) بعلى لا بنفسه. # فنقول: إن من له أدنى تمييز يعرف من اللغة وموارد الاستعمال أن الاعتداء ~~والتعدي إنما هما بمعنى واحد وكلاهما بمعنى التجاوز، فقولك اعتدى عليه ~~وتعدى عليه بمعنى واحد، والمراد منهما اعتدى الحد، ms323 وتعدى الحد عليه، ~~PageV02P048 # نعم يختص التعدي المذموم بلفظ الاعتداء، فالاعتداء هو تعدي الحد حيث لا ~~ينبغي. # ثم اعترض أيضا (ذ ص 82 و 83) على قوله تعالى في سورة القصص 76: (وآتيناه ~~من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة). # فقال الوجه لتنوء بها العصبة أي تنهض على تثاقل، فالعصبة هي التي تنوء ~~بالمفاتح لا المفاتح بالعصبة. # فأقول: جاء في النوع السادس والثلاثين من إتقان السيوطي أن سائلا سأل عن ~~قوله تعالى: (لتنوء بالعصبة)، فأجاب المجيب بقوله: أما سمعت قول امرئ ~~القيس: # تمشي فتثقلها عجيزتها * مشي الضعيف ينوء بالوسق والظاهر أن سؤال السائل ~~كان عن مجيئ ذات اللفظة في العربية لا عن معناها الخاص في الآية الكريمة ~~فاكتفى المجيب بذكر ما يدل على وجودها وإن كان مخالفا لمعناها في الآية. # واحتمل أن المتعرب رأى ذلك في الإتقان، فتوهم أن السؤال كان عن مجيئ ~~(تنوء) على المعنى الذي في الآية فاستشعر من مخالفة الجواب أن المجيب لم ~~يجد شاهدا على ما في الآية، واحتمل أيضا أن المتعرب جرى على عادته في ~~إقدامه على الاعتراضات الباطلة تمويها بتعصبه وترويجا لباطله. # ومهما يكن من ذلك فلا يخفى أن اللغويين اتفقوا على قولهم: (ناء بالحمل ~~نهض به على تثاقل، وناء الحمل به أثقله وأجهده). # وأن العرب تسند بعض الألفاظ إلى أمور متقابلة. # قال امرؤ القيس في معلقته: # كميت يزل السرج عن حال متنه * كما زلت الصفواء بالمتنزل فاسند الزلل في ~~صدر البيت إلى السرج المتحول، وأسنده في العجز إلى الصفواء المتحول عنها ~~المطر، ومن ذلك (ناء ينوء) فإنها تسند تارة إلى المثقل PageV02P049 # المجهول كقوله: (ينوء بالوسق) وتارة إلى الثقيل المجهد كما في الآية ~~الكريمة وقول عمر بن كلثوم في معلقته: # ومتني لدنة سمقت وطالت * روادفها تنوء بما ولينا فأسند (تنوء) إلى ~~الروادف الثقيلة التي تجهد ما وليته بثقلها، وأشد اللغويون في ذلك أيضا: # ألا عصا ارزن طارت برايتها * تنوء ضربتها بالكف والعضد وأما المفاتح في ~~الآية الكريمة فهو جمع (مفتح) وهو ذات الكنز لا المفتاح ms324 الذي هو آلة الغلق. # واعترض المتعرب أيضا على قوله جل شأنه في سورة الكهف 76: (حتى إذا أتيا ~~أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا). # فقال (ذ ص 85) والوجه استطعماهم. # وذلك لتوهمه أن قوله تعالى: (استطعما أهلها) جواب (لإذا) ولم يفهم أنه ~~وصف للقرية وجواب (إذا) إنما هو قوله تعالى في آخر الآية (قال لو شئت) ~~وحينئذ لو قيل (استطعماهم) لخلت جملة الصفة من ضمير الموصوف وأيضا أن ~~الإتيان في الآية لجميع أهل القرية باعتبار الدخول إلى قريتهم، والاستطعام ~~لم يكن لجميعهم، وإنما كان لمن هو لائق للضيافة، ولو قيل استطعماهم لأوهم ~~الكلام، أن الاستطعام كان لجميع أهل القرية، فلأجل ذلك كرر ذكر الأهل لئلا ~~يمتنع انصرافه إلى المتعارف بخلاف الضمير العائد إلى ما يراد منه العموم. # واعترض أيضا (ذ ص 85) على العدول عن الاضمار إلى تكرار الظاهر في قوله ~~تعالى في سورة البقرة 31: (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم..). # فماذا تقول في اعتراضه هذا هو محض تمويه وتعصب؟ أم أنه لا يفهم من ~~المحاورات فوائد تكرار الظاهر فيها لكي يفهم أن تكرار الظاهر هاهنا لأجل ~~PageV02P050 # التسجيل بالصراحة فيما هو العنوان للحجة والقصة، فلم يطوه بغمغمة ~~الإضمار، وأن الفوائد التي أشرنا إليها لمعتنى بها في البلاغة، فقد قال ~~عنتر في معلقته: # يا دار عبلة بالجواء تكلمي * وعمي صباحا دار عبلة واسلمي وقال سوادة بن ~~عدي: # لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا وذكرنا لك قول ~~امرئ القيس: # فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا وقول الآخر: # إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها * جرى دون ليلى مائل القرن أعضب ومن هذا ~~الوجه مجيئ التكرار في قوله تعالى: (بإذني) في قوله تعالى في سورة المائدة ~~110: (وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة ~~الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرء الأكمه والأبرص بإذني وإذ ~~تخرج الموتى بإذني)، والمتعرب ms325 ضجر من تكرار هذه الكلمة لأمر لا يحير بيانه. # ولا يخفى عليك أن القرآن الكريم لما كان متجردا لتثبيت حقيقة التوحيد ~~منابذا لما يجاهرها أو يخالسها بالشرك فلا جرم أن كانت له العناية التامة ~~في تكرار البيان أو تأكيده بأن أفعال المسيح العجيبة لم تكن بقدرته كما شتت ~~به المزاعم، وإنما هي بإذن الواحد القادر القاهر وبقدرته، وأن الحال ليوجب ~~أن يتكرر قوله تعالى (بإذني) في هذه الموارد وأمثالها وإن بلغ تعدادها ألفا ~~وإن غاظ المتعرب تكرارها المرغم لأهوائه في ثالوثه. # ومن الظرائف أن المتعرب موه تألمه من مباهضتها لهواه. وأبدى أن إنكاره ~~لها، لأن أولها مثل (إذ) ولعله أبغض (إذ) لأنها مثل أول (بإذني) وإلا فماذا ~~يبهظه من تكرار (إذ) إذا اقتضى الحال به تسجيل الامتنان بعظائم النعم ~~وعوائد مزيدها في ظروفها تسجيلا لازما في البيان في مقام الامتنان والتذكير ~~لا يحصل لو خلى السوق ونسق العطف بدون التسجيل بالظرف فاعرف ذلك من ~~PageV02P051 # مراجعة الآية التي قبل هذه. # ومما يستظرف نقله أن المتعرب قد أخذته الرقة على (حين) فتألم من القرآن ~~إذ لم تذكر فيه إلا سبعة عشرة مرة، وأحمشه الحسد (لإذ) حيث ذكرت في القرآن ~~مائتين وأربعا وثلاثين مرة فحقد ذلك عليه. # وماذا على المتكلم البليغ إذا استعمل الألفاظ التي هي أدخل بمقاصده مما ~~اربها في المعنى. # فقد قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته: # ما جزعنا تحت العجاجة إذ * ولوا شلالا وإذ تلظى الصلاء وأقدناه رب غسان ~~بالمنذر * كرها إذ لا تكال الدماء وقالت الخنساء: # كان لم يكونوا حمى يتقي * إذ الناس إذ ذاك من عزيز وقال الأخطل: # كانت منازل آلاف عهدتهم * إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانا ولعل الزمان ~~سيرنا من مخبئاته من يعترض على القرآن الكريم بأن ألفاته أكثر من تآته ~~وظاآته. # ولماذا يتضجر المتعرب من التكرار فإن التكرار رفيقه في أناجيله فقد تكررت ~~(لما) تسع مرات في الأصحاح الثاني وربع الأول من متى، وجاء في أول يوحنا في ~~البدء كان الكلمة، والكلمة كان ms326 عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء ~~عند الله كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان فيه كانت الحياة والحياة ~~كانت نور الناس والنور يضئ في الظلمة والظلمة لم تدركه، لم يكن هو النور بل ~~ليشهد للنور كان النور الحقيقي الذي يبرر كل الناس آتيا إلى العالم كان في ~~العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم. # وكم وكم ترى في إنجيل يوحنا مثل هذا التكرار وأكثر.. وإن قيل إن ~~PageV02P052 # الإنجيل لم يكن مبنيا على البلاغة، والقرآن المبني على البلاغة قد جاء ~~فيه التكرار الكثير.. # قلنا أولا: حاصل هذا الكلام إن التكرار الفارغ لا يضر في الإنجيل لأنه ~~غير مبني على البلاغة. # وثانيا: إنه لم يتكرر في القرآن الكريم إلا ما كان مقتضى الحال موجبا ~~لتكراره، فكيف ترى التكرار الذي اعترض عليه المتعرب (ذ ص 85) وذلك في قوله ~~تعالى في سورة المائدة 94 (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا). # فإن نفي الجناح في المطعوم وعدم لحوق الوبال منه إنما يتم بالنسبة إلى ~~هؤلاء الثابتين الدائبين على الإيمان والعمل الصالح والتقوى والاحسان، فكم ~~من مؤمن عمل صالحا ثم جره الشره والانهماك في الطعام إلى سوء الظن بالله ~~وعدم التوكل عليه، ومنته نفسه الأمارة وحرصه أن يستزيد رزقه بتدبيره، وكم ~~من مؤمن عمل صالحا ثم جره الشره إلى مخالفة التقوى والورع بالإغماض ~~والتساهل في مطالب رزقه، وكم من مؤمن عمل صالحا واتقى مدة ثم جره الشره ~~والاعتياد على ملاذ المطعم إلى الإقدام على كسب الحرام. وكم من مؤمن عمل ~~صالحا واتقى قد أدى به الشره والانهماك بلذة المطعم إلى العجز والتثاقل عن ~~العبادة والعمل الصالح واكتساب الفضائل الروحانية، فإن تكلف شيئا من ذلك ~~جاء به صورة مشوهة وجسما بلا روح. # وكم من هؤلاء من جره الشره إلى الإسراف المحرم والإكثار المضر ببدنه فضلا ~~عن دينه، وكم وكم جرهم الشره إلى الشح وذمائم الأخلاق ms327 والتعطل من زينة ~~الإحسان. ولكن أغلب الناس يقولون: لسنا من هؤلاء والحمد لله فلا يسلم ~~الطاعم من الجناح والوبال إلا إذا تأدب بأدب الآية الكريمة (وقليل ما هم)، ~~ولا يحسن نفي الجناح إلا مع هذا التأكيد في الثبات والدوام على الإيمان ~~والعمل الصالح والتقوى والاحسان فإن القرآن الكريم لم تجر تعاليمه على ~~الفداء والمغالطة بكفاية اسم الإيمان PageV02P053 # (فإن قيل) إن القرآن قد كرر في سورة القمر قوله تعالى: (ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر) أربع مرات. # وكذا قوله: (فكيف كان عذابي ونذر)، وكرر في سورة الرحمان سورة المرسلات ~~قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) عشر مرات فما الوجه في هذا التكرار في ~~السورة الواحدة؟ (قلت) إن للتكرار في الخطابة مناهج البلاغة لمقاما يتنافس ~~فيه البلغاء، وغاية يتسابقون إليها فيكررون ما يعنيهم أمره ويهمهم تثبيته ~~في القلوب، ويجلونه بالتكرار ليفتحوا به المسامع ويملأوا به القلوب تنويها ~~بشأنه، وحياطة للغرض المهم فيه، فيتفاوتون في الإحسان به كما يتفاوت في ~~الجودة والمناسبة واقتضاء الحال. قال الحرث بن عباد في قصيدة لما قتل مهلهل ~~ابنه بجيرا: # قربا مربط النعامة مني * لقحت حرب وائل عن حيال فكرر صدر البيت في أربعة ~~وأربعين بيتا، إلى قوله: # قربا مربط النعامة مني * ليجير فداه عمي وخالي وقال مهلهل في قصيدة: # على أن ليس عدلا من كليب * إذا خاف المغار من المغير فكرر صدر البيت سبعة ~~عشر مرة، إلى قوله: # على أن ليس عدلا من كليب إذا هتف المثوب بالعشير وكرر قوله (قربا مربط ~~المشهر مني) في صدور أبيات كثيرة، وكرر عمر بن كلثوم في معلقته قوله (بأي ~~مشيئة عمر بن هند) في صدري بيتين وكررت ليلى الأخيلية في رثاء، توبة قولها ~~في قصيدة (فنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت) في صدور ستة أبيات، وقولها ~~منها (لعمري لأنت المرء أبكي لفقده) في صدور أربعة أبيات، وقولها منها (فلا ~~يبعدنك الله يا توب) في صدور أربعة أبيات. # وهكذا حسان بن ثابت في شعره قبل الإسلام جوابا لقيس بن الحطيم ms328 ~~PageV02P054 # فكرر قوله في قصيدة (ويثرب تعلم) في صدور أربعة أبيات. وما هو من هذا ~~النحو الكثير. وغير مختص باللغة العربية، بل يوجد في خطابة كثير من اللغات ~~وكلامها الذي يتسامى إلى البراعة ومراعاة مقتضى الحال. # حتى أن المزامير الرائجة لما كان أسلوبها طامحا إلى البلاغة جاء فيها ~~كثير من ذلك، فقد جاء في المزمور التسعين (وعمل أيدينا ثبت علينا وعمل ~~أيدينا ثبته)، وتكرر في المزمور السابع والخمسين قوله (ثابت قلبي) مرتين ~~وفي أول الرابع والتسعين (يا إله النقمات) مرتين، وفي المائة والخامس عشر ~~(اتكلوا على الرب) ثلاث مرات، وفي المائة والثامن عشر (احمدوا الرب لأنه ~~صالح إلى الأبد رحمته) مرتين (أن إلى الأبد رحمته) ثلاث مرات، وفي المائة ~~والرابع والعشرين (لولا الرب الذي كان لنا) مرتين، وفي المائة والسادس ~~والثلاثين (لأن إلى الأبد رحمته) ستا وعشرين مرة، على أن هذا المزمور لا ~~يبلغ النصف من سورة الرحمان. # وأيضا قد تكرر في العشرين من القضاة (بين رجليها أنطرح سقط) مرتين، وفي ~~الأربعين من أشعيا (يبس الشعب ذبل الزهر) مرتين، وفي العشرين من حزقيال ~~(التي إن عملها إنسان يحيا بها) ثلاث مرات، وأيضا تكرر في سابع متى عن قول ~~المسيح (من ثمارهم تعرفونهم) مرتين، كما في الثالث عشر منه أيضا عن خطاب ~~واحد للمسيح مع تلاميذه قوله (هناك يكون البكاء وصرير الأسنان). وفي هذا ~~المقدار من العهدين كفاية وإن كان فيه أكثر من ذلك. # وإنك إذا نظرت إلى مكررات القرآن في مواردها وجدتها مما لا يساغ لغرض ~~البليغ في تركها، كيف لا وهي في مقام الامتنان بتيسير القرآن للذكر والحث ~~على الإدكار للإتعاظ بما جرى على الكفرة المتمردين من عظيم النكال. # وفي مقام التهديد والتهويل بذلك البطش الشديد حيث تمت عليهم الحجة ~~بالنذر، وفي مقام التنويه بآلاء الله وبيان أنه لا مجال في التكذيب بها، ~~وفي مقام التهديد والوعيد بالويل في يوم القيامة للمكذبين بالمعاد والجزاء، ~~وإنك لترى إن هذه المقامات هي الرأس والعمدة في الاصلاح، والتكميل، ونظام ~~المدنية، والهدى إلى الإيمان ms329 والسعادة، فراجع مواردها فإنها توردك بتوفيق ~~الله من زلالها PageV02P055 # العذب نهلا وعلا. # وأما تكرار القرآن لقوله تعالى في سورة الشعراء: (وما أسئلكم عليه من ~~أجر) خمس مرات فذلك لأجل أنه حكاية لكلام خمسة من الأنبياء في خمسة مواقع ~~وهم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب حيث احتج كل واحد منهم على قومه بأنه لا ~~يريد في إنذاره لهم إلا النصح والهدى ولا يرجو فيه طمعا ولا يسئلهم عليه ~~أجرا. # وأما ما تكرر في مجموع القرآن، فما عسى أن يكون إذا اقتضاه الحال أو لم ~~يتكرر (متى) عن قول المسيح (هناك يكون البكاء وصرير الأسنان) ست مرات مع أن ~~الكلمات المنسوبة فيه إلى المسيح لا تقارب واحدة من كبار سور القرآن، هذا ~~فضلا عن التكرار في كتب العهدين. # وبما ذكرناه تعرف شطط المتعرب (ذ ص 76 و 74) وتحامله بضلاله على القرآن ~~الكريم. # قال الله تعالى في سورة البقرة 165 (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا أو لو كان آبائهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون 166 ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم ~~بكم عمي فهم لا يعقلون). # والمراد منه أن الذين كفروا تجري ألسنتهم في كفرهم بما لا يعقلون غلطة ~~ولا يتدبرون شططه، فكأنهم ليس لهم أسماع يسمعون بها ضلال أقوالهم وقبيح ~~فلتاتهم، فإنها قد بلغت من الغلط والضلال حدا لا ينبغي أن لا يعلقه إلا من ~~لم يسمعها. # أفيقول من لم يوقر الغي أذنيه لا أتبع ما أنزل الله بل أتبع ما ألفيت ~~عليه آبائي أفلا يسمع ما يقوله من الغلط والضلال فمثل الذين كفروا في ضلال ~~أقوالهم هذه كمثل الأصم الذي ينعق بما لا يسمعه ولا يميز من مداليل كلماته ~~إلا الصوت والدعاء والنداء، فكلامهم الغلط الفاسد إنما هو بالنسبة إلى ~~غباوتهم عما فيه كنعيق من لا يسمع. PageV02P056 # والمتعرب سمع من بعض المفسرين أنهم يقدرون في الآية، مثل واعظ الذين ~~كفروا، ويجعلون سوق الآية لتشبيه وعظ ms330 الواعظين بالنعيق، والذين كفروا ~~بالأنعام التي ينعق بها، فقال المتعرب (ذ ص 93) هذا التمثيل لا معنى له، ~~وكان الوجه أن يقول، ومثل الذي يعظ الكفار أو يدعوهم كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع. # ولا ألوم المتعرب إذ لم يعقل المراد من الآية، ولم يدر ما يلزم في تقديره ~~من الفساد، أفلا يتدبر أنه حاشا لله وبلاغة القرآن أن يصف وعظ الواعظ ~~الهادي وإرشاده الشافي بالنعيق المهمل. ويعيب إرشاده بعيب غيره بل حاشا كل ~~من يعرف مواقع الكلام من ذلك، هب ذلك ولكن المثل الشريف حينئذ يخطئ مرماه ~~ويلغو معناه. فإن الناعق بالأنعام طالما ينجح بنعيقه بها ويندر أن لا تجيبه ~~بإقبالها وانزجارها وإن كان نعيقه مهملا، وأين ذلك من خيبة واعظ الكفار ~~الذين حرنوا على اتباع ما ألفوا عليه آباءهم. # وأما اعتراض المتعرب على قوله تعالى في سورة البقرة 276 (ذلك بأنهم قالوا ~~إنما البيع مثل الربا). # حيث قال (ذ ص 93)، وكان الوجه أن يقول: إنما الربا مثل البيع. # فيكفي في رده أن القرآن كلام الله الصادق قد حكى ما قاله آكلوا الربا على ~~وجهه، لا كالأناجيل التي تنقلب في نقلها الواقعة الواحدة حسبما تقتضيه ~~الغفلة وغيرها. كما ذكرنا بعضه في الجزء الأول في (صحيفة 252 - 257) ولا ~~كالعهدين الذي يختلف منهما الحاكي والمحكي اختلافا فاحشا، كما سنذكر بعضه ~~إنشاء الله في المستقبل القريب. # ولا علينا أن نقول: إن اعتراضهم إنما هو النقض على الشريعة بحل البيع ~~لتوهمهم أن العلة في تحريم الربا موجودة فيه فهو مثل الربا، فلماذا أحل مع ~~تحريم الربا، وهذا النحو من الاعتراض يستلزم هذا التعبير. # وأما اعتراض المتعرب على عربية القرآن باستعماله بعض الألفاظ التي يدعي ~~أنها عجمية في الأصل: كالسندس، والإستبرق، والأباريق، والنمارق PageV02P057 # والقسطاس، والفردوس. # فنقول: إن من المعروف في جميع اللغات أنها قد تتداخل وتنقل اللفظة من لغة ~~إلى لغة أخرى فتكون بهذا الأخذ في اللغة الثانية كسائر موضوعاتها الخاصة، ~~وقد كثر ذلك في الأسماء في كل لغة، فالذي ينقل من لغة إلى اللغة ms331 العربية ~~يسمى معربا، أي صار عربيا بعد أن كان غير عربي، وذلك كغالب أسماء الأنبياء، ~~فلا يلزم بعد ذلك في فصيح العربية اجتنابها، بل إن الألفاظ المعترض بها لا ~~مناص في الفصاحة والبلاغة وحسن البيان عن استعمالها لأنك تعلم أن مثل ~~السندس، والإستبرق، والنمارق، والقسطاس الذي هو ميزان خاص مبني على الدقة، ~~كل هذه لم تكن من صناعة العرب ولا متداولة عندهم ليضعوا لها الأسماء من ~~لغتهم ابتداء، بل لم يكن يستعملها إلا ملوك الحاضرة ومترفوهم، فاكتفوا في ~~تسميتها في لغتهم بتعريب أسمائها، فلا يمكن البيان عن حقائق مسمياتها إلا ~~بأسمائها، ولو عدل عن أسمائها المذكورة إلى نحو آخر من التعبير لما تيسر ~~بيان المسميات على ما ينبغي ولو بطول الكلام الفارغ، فاعتبر بما إذا جاء في ~~بليغ الكلام الإنكليزي (سلدين) أي صلاح الدين و (جبرلتار) أي جبل طارق، و ~~(ارابيك) أي عربي، فهل ترى مميزا يعترض على انكليزية ذلك الكلام بوجود هذه ~~الألفاظ المأخوذة من العربية أو يقول، كان يلزم في بيان معانيها ومسمياتها ~~أن تستعمل الألفاظ الانكليزية الأصلية، وإن أدى إلى التطويل والهذر، كلا. # وأما دعوى المتعرب أن الملة، والسكينة، والمثاني، والمائدة مأخوذة من ~~اللغة العبرانية فهي دعوى ناشئة من فلتات الجهل وبوادر العصبية. # وأما اعتراضه على القرآن الكريم (ذ ص 85) بأنه يوجد فيه كثير مما تنافرت ~~حروفه نحو فسبحه، ومن يسمعها، ومن يكرههن، وإذ سمعتموه وإذ زاغت. # فقد تلقن دعوى التنافر فيه من أعاجم يعسر عليهم النطق بالحاء والعين ~~والذال، وما أشبهها، بل تراهم يتلكؤون في النطق بالكلمات العربية، وإن كانت ~~حروفها متداولة بينهم. PageV02P058 # وقد تكلفوا الكلام باللغة العربية، وترددوا في النطق بحروفها بين إفراط ~~وتفريط، فإما أن يقلبوا الحاء هاء، والذال زاء، والعين أيضا، وإما أن ~~ينطقوا بالحاء على وجه يكاد أن يجرح الحلقوم، وبالعين على وجه يكاد أن ~~يخنق، ووضع لهم أرباب الصناعة وهم منهم حدودا للحروف لا تنفك أن تخرجهم من ~~التفريط إلى الإفراط وهو تفريط أيضا، فإن كان هذا هو الميزان في التنافر، ms332 ~~فكل اللغة العربية متنافرة الحروف بالنسبة إلى غير العرب، بل كل لغة ~~متنافرة بالنسبة إلى غير أهلها. PageV02P059 # الفصل الثاني (في أوهام الاعتراضات على القرآن الكريم) من حيث وضع الأرض ~~قال الله جل شأنه في سورة يوسف في قصة الجدب والخصب 49 (ثم يأتي من بعد ذلك ~~عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون). # فقال المتعرب (ذ ص 51) ويترتب عليه أن خصب مصر مسبب عن المطر، وهذا خلاف ~~الواقع، فالمطر قلما يقع في ذلك القطر ولا دخل له في خصبه بل ذلك مسبب عن ~~قبض النيل، وهذا لا يجهله أحد من أهل البلاد النازحة عن مصر فضلا عن العرب ~~المتاخمين لها. # قلت: أترى هذا النصراني المتصدي للأمور الدينية والمباحث العلمية كيف أدى ~~به العناد والتمرد على الله ورسوله إلى أن فضح نفسه بالجهل بصراحة التوراة ~~التي هي كتاب ديانته وبمبادئ الجغرافية التي لا يجهلها أطفال المكاتب ~~الابتدائية في هذه القرون. # أما التوراة فإنها تقول بصراحتها إن القحط قد عم مصر وأرض كنعان وكل وجه ~~الأرض (انظر تك 41. 54 - 57 و 42، 1، 2 و، 43، 1 و 2 و 8 و 45، 4 - 8)، ~~وانظر أيضا (مز 105، 16، 17 واع 7، 11) هذا وأن الوجدان شاهد بأن الخصب في ~~أرض كنعان لا يكون إلا بالغيث من المعصرات، وأن الجغرافية الشائعة في ~~المكاتب الابتدائية قد فهمت الأطفال أن خصب مصر وزيادة نيلها إنما هما من ~~نزول الغيث من المعصرات. وقد حددت PageV02P060 # ابتداء زيادة النيل بابتداء المطر في حوضه، وانتهائها بانتهائه وعينت ~~موقع حوض النيل الذي يمده بماء المطر الواقع فيه، وعينت مساحة الحوض أيضا. # وأن المتعرب قد حقق كلامه هذا كون القرآن الكريم من الله علام الغيوب، ~~فإنه لو كان من الناس لأسند خصب مصر إلى فيض النيل جريا على ما هو المعروف ~~في تلك القرون التي لم تكتشف فيها مواقع البلاد، وطبيعيات الأرض وحياض ~~الأنهار. # وما ظنك بجرأة المتعرب لو جاء في القرآن الكريم مثل ما جاء في توراته ~~بأنه كان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة وهناك ينقسم فيصير ms333 أربعة رؤوس، واسم ~~النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش، واسم النهر الثالث حد أقل ~~(أي دجلة) وهو الجاري شرقي آشور، والنهر الرابع الفرات (تك 2، 100 - 15). # أفتراه لا يقول إن جيحون وأرض كوش في أفريقيا، ومبدء الفرات من أرمينية، ~~ومبدء الدجلة من كردستان ومنتهاهما خليج فارس، فأين هذا وأين عدن، وأين هذا ~~من العلم بتوقيع البلدان؟ # ومن نحو هذا الفصل اعتراض المتكلف والمتعرب على القرآن الكريم إذ سمى ~~صانع العجل لبني إسرائيل (بالسامري) وقد أوضحنا لك حقيقة الحال ومقدار ~~جهلهما في (صفحتي 34 و 135 من الجزء الأول فراجع. # وقال الله تعالى في أول سورة الإسراء: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله). # فاعترض المتعرب على ذلك (ذ ص 51) بأن المسجد الأقصى الذي هو الهيكل ~~السليماني كان قد خرب وانمحت آثاره منذ خمسمائة وخمسين سنة. # قلنا: لا يخفى أن المسجد لا يخرج عن فضيلة المسجدية وشرفها وعنوانها وإن ~~صار خربة وانمحت آثاره منذ آلاف من السنين، وعلى ذلك عمل اليهود والنصارى ~~فإنهم يعظمون بيت المقدس بناء على مسجديته السابقة على خرابه.. # وأما اعتراضه باعتبار الرواية فساقط لما قدمناه في المقدمة السابعة. ~~PageV02P061 # وقال الله تعالى في سورة النحل 15: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم)، ~~ونحوه في سورة الأنبياء 32، وسورة لقمان 9. # فنقل المتكلف (يه 2 ج ص 84) أقوال بعض المفسرين الظاهرة في دعواهم: أن ~~الجبال بثقلها تمنع الأرض عن أن تتحرك كرتها على الاستدارة ونحوها، فصار ~~بمقتضى هذه الأقوال يغلط بضلاله القرآن الكريم مدعيا أن الأرض متحركة. # أفتراه لم يشعر بأن ما نقله إنما هو قول بعض المفسرين الذين لا نصيب لهم ~~بشئ من التحقيق، ولم يفوزوا إلا بكثرة الحفظ، ولم يكن همهم إلا رسم التفسير ~~من المسموعات بدون تحقيق، ويكفي في بطلان هذا التفسير أن التضاريس في الكرة ~~والدولاب ادعى لحركتهما على الاستدارة بواسطة ما يصادم التضاريس من القوى، ~~ثم إذا كانت الكرة على عظم حجمها قابلة للحركة إلى فوق أو إلى ms334 اليمين ونحو ~~ذلك. # فهل ترى التضاريس الجزئية التي هي من طبيعتها تمنعها عن الحركة... # ومما يوضح فساد هذا التفسير وأنه تقول على القرآن بدون علم، هو أن ~~الميدان لغة وعرفا ليس من نحو تحرك الكرة على الاستدارة أو الاستقامة، ~~وإنما هو حركات متضادة إلى جهات مختلفة على التتابع بواسطة القاسر العنيف، ~~كالزلزال والرجيف. # وهب أن القرآن الكريم كلام واحد من الناس، فهل يحسن ولا يقبح لك أن تعترض ~~عليه بتفسير غيره، أو إنما يحسن لك أن تأخذ تفسيره من ذات المتكلم أو من ~~الحقائق المنطبقة عليه. # ولكن المتكلف رأى أن الهيئة الجديدة رائجة حتى أن غالب المعاصرين يعدونها ~~زعيمة ببيان الحقائق على ما هي عليه، ويعدون مخالفتها من الغلط، فصار يحاول ~~أن يموه على الناس أن فلسفة القرآن الكريم مخالفة لها.. ولما كان القرآن ~~الكريم يصادمه، والحقائق البينة تجبهه التجأ إلى التمويه بقول بعض ~~المفسرين. PageV02P062 # وهاك دلالة القرآن، وبيان الحقائق لكي تعلم أن فلسفة القرآن لا يمكن أن ~~تصدر من مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير الوحي الإلهي فاعلم أن ~~الميدان ليس هو الحركة مطلقا، وإنما هو التزلزل والتزعزع بالحركات ~~المتفاوتة إلى جهات مختلفة على التتابع بواسطة القاسر فهو غير الحركة ~~الطبيعية التي تثبتها الهيئة الجديدة للأرض.. # ولكن لما اقتضت الحكمة الإلهية إيداع الحرارة المتحركة وأبخرة البحار في ~~جوف الأرض لكي تتولد بسببها المعادن والفلزات، وتتصعد بها مجاري العيون ~~لعمارة المسكونة، جعل لها منافذ مرتفعة عن السطح المعمور وفتح فيها بحكمته ~~أفواه البراكين، ومنافذ الينابيع، وتعاهد بالمطر ودوام الثلج عليها فتح ~~مسامها، كل ذلك لكي تتوجه إليها بسبب ارتفاعها وانفتاح منافذها تلك القوى ~~النارية السيارة في جوف الأرض لتنفذ من خلالها بدون أن تصدم بعاديتها شيئا ~~من المعمور، ولولا ذلك لاستدام الزلزال في السهل المعمور واستمر الميدان ~~وسلب القرار بسبب ميل القوى النارية إلى الخروج من الأرض بحدتها العنيفة ~~فيعم الضرر في المعمور وساكنيه بشيوع الزلزال، فالجبال من أجل هذه الحكمة ~~البالغة هي المانع من شيوع الزلزال ms335 في الأرض والحافظة لها من أن تكون ~~مائدة. # ألا ترى القوى النارية مع هذه المنافذ لها في الجبال كيف تزلزل سطح ~~المعمور وتميده إذا اقتضت الحكمة خروجها منه، بل قد يستتبع خروجها منه ~~الخسف والانفجار الناري والمائي. # ولعل الحكمة في ذلك إرهاب الخلق به لئلا يأمنوا بطش الله فيطغوا ويبغوا، ~~وإشعارهم بالنعمة عليهم بخلق الجبال وحكمتها البديعة في كونها حافظة ~~للمعمور من هذا البلاء العظيم، كما صرح بذلك القرآن الكريم فأظهر الله ~~حكمته ورحمته وامتن على الناس بحفظهم من ميدان الأرض المزعج المخرب فضلا عن ~~الخسف والانفجار.. # بل قد تساعد الفلسفة والاعتبار على أن نقول: إن الجبال بطبعها موجبة لميل ~~القوى النارية إليها والخروج منها، وإن كانت صخرية ليس فيها براكين ولا ~~ينابيع. # وقد امتن الله أيضا على عباده بجعل الجبال راسية في مواطنها PageV02P063 # لإجراء حكمتها، ودوام النعمة بوجودها، فلا تزعزعها القوى النارية كما ~~تزعزع سطح الأرض، ولولا القوة التي أودعها الله فيها لاقتضى نفوذ القوى ~~النارية منها على الدوام أن يحللها ويزعزعها ويلاشيها، جلت حكمة الله وعظمت ~~آلاؤه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. # وقال الله تعالى في سورة الحجر 19 وسورة ق 7 (والأرض مددناها) وفي سورة ~~نوح 18 (والله جعل لكم الأرض بساطا..) والمراد من ذلك أنه جل اسمه وعظمت ~~نعمته جعل الأرض ذات أرجاء واسعة ممتدة وسهول منبسطة رحيبة، فلم يضق رحبها، ~~ولم تستوعر كلها على ساكنيها بتضاريس الحزون وأسنمة الجبال، وأن مد الأرض ~~وبسطها بهذا المعنى لا ينافي كرويتها التي لا تدرك إلا بدقة الرصد وكلفة ~~البرهان.. # وقد جاء في العهد القديم الباسط الأرض على المياه (مز 136، 6) باسط الأرض ~~(اش 42، 5 و 44، 24) هل أدركت عرض الأرض أخبرني أن عرفته كله (أي 38، 18)، ~~وبعد هذا رأيت أربعة ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض (روء 7، 1 و 20، ~~8)، وهذا يقتضي كون الأرض مسطحة مربعة ذات زوايا أربع. # وأظن أن هذا الكلام هو الذي دعا جماعة كثيرين من قدماء المسيحيين إلى ~~تكفير من يقول بكروية الأرض. # ومع هذا كله يقدم ms336 المتكلف (يه 2 ج ص 84) بقبيح جرأته على القرآن الكريم ~~فيما ذكرنا، ويعترض عليه بأن مضمونه مناف لكروية الأرض، وقد عرفت أنه ليس ~~في شئ من المنافاة، وأن ما في العهدين أولى بالمنافاة، وليت شعري أن الذي ~~لا يفهم الكلام ولا يدري بما في كتب دينه لماذا يقتحم مهالك البحث فيقع في ~~فضيحة الجهل فضلا عن ضلال الكفر ولماذا لم يكتف بالأكل من أرزاق الجمعيات ~~كسائر المبشرين.. # فإن حاول التقرب إلى الجمعيات بالتمويه والتلبيس، فإنها لا تجبره على ~~ذلك، وإنما تتوقع منه ما يرفع ذكرها، لا ما ينبه الغافلين على جهل المبشرين ~~بكتب دينهم وعدم تماسكهم في أمرهم إلا بالتزوير والتمويه. PageV02P064 # قال الله تعالى شأنه في شأن ذي القرنين في سورة الكهف 84 (حتى إذا بلغ ~~مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة). # فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 91)، وجعله من الجهل بمبادئ علم الفلك. # (قلت): لا يخفى أن المغرب أمر مبهم إضافي، وأن لكل ناحية مغربا وهو ما ~~تغيب فيه الشمس عن تلك الناحية، والمغرب العمومي للمعمور القديم وهو (آسيا ~~وإفريقيا وأوربا) إنما هو البحر المحيط، فالشمس لا تغرب عن المعمور المعتد ~~به من هذه القطع الثلاث إلا ويكون تمام غروبها أو بعضه في البحر المحيط. # والآية الكريمة تعرضت لسر الغيب الذي أظهره الاكتشاف بعد قرون عديدة، ~~وجرى التعبير في الآية عن البحر بالعين مجازا، كما جرى التعبير في بليغ ~~الكلام عن الفرات بالنطفة (وهي القطرة من الماء ونحوها) وهو من محاسن ~~المجازات في مقامها، وبوصف هذه العين بكونها حمئة ذات طين قد أشير إلى غيب ~~(أمريكا) لأنه لا يكون تخصيص هذا البحر، ووصفه بكونه ذا طين إلا باعتبار ~~الإشارة إلى أمريكا، فلا تحسب أن وصف البحر بكونه ذا طين كان باعتبار وجود ~~الطين في قراره أو حافاته وشواطئه، لأن كل بحر وكل نهر وكل عين لا بد أن ~~يكون في حافاته وقراره طين، فلا بد أن يكون المراد هو الطين الذي في وسطه. # ومقتضى المناسبة في ms337 وصف المحيط العظيم بأن في وسطه طينا لا بد أن يكون ~~المراد منه قطعة أمريكا، ألا ترى أن أقل الأقطار لهذا المحيط يبلغ مائة ~~وثمانين درجة، كما في ناحية الدرجة السادسة والستين وما قاربها من العرض ~~الشمالي، فما ظنك بالطين المناسب لوصف هذا البحر به، أتراه يناسب أن يكون ~~غير أمريكا. # (فإن قلت): إذن فلماذا عدل عن إيضاح هذه الحقيقة بالصراحة إلى الإشارة ~~إليها بهذه الإشارة وهذه العبارة (قلنا): إن حمكة الوحي في دعوته إلى الهدى ~~ودين الحق لتقتضي أن لا يلقي على أذهان الناس شيئا يثقل عليها PageV02P065 # بمخالفته لقطعياتهم الوقتية إلا أن يكون في أمر الدين وتعليم الشريعة، ~~فإن الدين المدعو إليه أثقل ما يكون على الأهواء والجهالات المألوفة، فلا ~~يصح في الحكمة أن يلقي أيضا على أذهان الناس صراحة ينكرونها بجهالاتهم مع ~~أنها لا يهم أمرها في الدين الذي هو الغرض من الدعوة، فإن ذلك معثرة في ~~سبيل الهدى وناقض للغرض من الدعوة. # ألا ترى أنه قد ذهب قوم في الأعصار القديمة إلى أن الأرض كشكل السفينة ~~الطافية على الماء، وذهب آخرون إلى تكفير من يقول بكرويتها، أفترى يحسن مع ~~ذلك في حكمة الوحي أن يضاد أذهانهم بالصراحة بوجود أمريكا، ألم تسمع أن ~~(كولمبيوس) لما عرض على الدول أفكاره في اكتشاف الطريق البحري من أوربا إلى ~~الصين لم يحتفلوا برأيه إلا بالتسفيه، وإنما أسعفته ملكة إسبانيا من خالص ~~مالها التزاما بوعدها، فأسعده الجد بالعثور على أمريكا من حيث لا يحتسب. # هذا مع أن كروية الأرض المقتضية لتصحيح أفكاره وتصويب مشروعه كانت مقررة ~~مسلمة في ذلك الوقت. # والحاصل أن الحكمة اقتضت للقرآن الكريم أن يشير إلى حقيقة أمريكا في ~~البحر المحيط بنحو لا يصادم الجهل، بل بإشارة يسطع نورها، ويتضح مرادها عند ~~انكشاف الحقائق للحس في الأعصر التي يترك فيها التقليد للأسلاف في ~~الطبيعيات، ونسأل الله برحمته ولطفه أن يوفق عباده لترك التقليد في معارف ~~الدين، وهو القائل جل شأنه: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، ولك ~~العبرة في حسن ms338 هذا المجاز في هذه الإشارة ولطف أسلوبه ومناسباته وجريانه ~~على مقتضى الحكمة في الإشارة الغيبية في ذلك العصر فإنه يظهر ذلك كله عند ~~المقايسة بما يذكره الإنجيل الرائج عن قول المسيح في خطاب اليهود انقضوا ~~هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه، فأنكر اليهود ذلك أشد الإنكار، والإنجيل ~~يقول: إنه قال ذلك عن هيكل جسده، ولما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه ~~قال: هذا (يو 2، 19 - 22)، وبقي هذا الكلام مجهولا حتى جعله اليهود باعتبار ~~ظاهره من الذنوب التي تشبثوا بها في حادثة الصليب (مت 26، 61 PageV02P066 # و 27، 40)، هذا وزعم الإنجيل أيضا أن المسيح خاطب التلاميذ في مقام ~~التعليم المضيق وقته بقوله: تحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين، وهو يريد ~~بذلك تعليم الفريسيين والصدوقيين بعدوى أخلاقهم برذيلة الرياء والأخلاق ~~الذميمة، فنسب إلى المسيح أنه أتى في مقام التعليم الديني المضيق بمجاز لا ~~مناسبة له ولا يخطر المراد منه على البال حتى تحير التلاميذ فيه وصاروا ~~يتفكرون ويتحاورون في أوهامهم (انظر مت 16، 6 - 12 ومر 8، 15 - 21) مع أن ~~التعليم الديني هو أولى المقامات بالصراحة والبيان الشافي. PageV02P067 # الفصل الثالث في السماوات قال الله تعالى في سورة المؤمنين 88: (قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم). # وفي سورة الطلاق 12: (خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن). # فتشبث المتكلف بالهيئة الجديدة لجرأته بالاعتراض على القرآن الكريم في ~~هذا المقام (فانظر يه 2 ج ص 26). # وأن الهيئة الجديدة لو طابقت الواقع لما خالفت القرآن الكريم، فاعلم أن ~~أصحاب فن الهيئة وجدوا كواكب مرئية بعضها ساكن أو شبيه بالساكن، وبعضها له ~~حركات على الاستدارة موزونة متناسبة في تكرارها، فحاولوا أن يجعلوا لتلك ~~المتحركات أوضاعا تناسب تلك الحركات وتنطبق عليها، ولا تخرج عما عندهم من ~~المقدمات ليجعلوا من ذلك ميزانا لبيان تلك الحركات ومقاديرها وآثارها، ~~وأحوال تلك الكواكب المتحركة بعضها مع بعض من حيث المحل والقرب والبعد. # فالمتقدمون استخرجوا وضعا للمتحركات مناسبا لتلك الحركات وبنوه على الحدس ~~من المقدمات حسابية وهندسية واستحسانية وملاحظة الكاسف والمنكسف واقتضاء ~~الحركات والتحريك، وامتناع الخلاء، والخرق والالتئام ms339 في PageV02P068 # الفلك، وعدم الفضل في الأفلاك، ولو أدت بهم المقدمات التي عندهم إلى وضع ~~آخر مناسب لما امتنعوا عنه إذ لم يشاهدوا تلك الأوضاع التي بنو عليها، ولا ~~يستندون في ذات الوضع إلى الحس. # والمتأخرون منعوا كثير من مقدمات المتقدمين فتوجهوا بما عندهم من ~~المقدمات والاستعداد إلى استخراج وضع آخر يناسب الحركات المذكورة ولا تحسب ~~أن نظاراتهم دلتهم على الوضع الذي يقولون به، وإنما أدت بهم إلى توسعة ~~دائرة الاحتمال والتخمين في أحوال ذات الكواكب، فانظر إلى مقالاتهم ~~ومباحثاتهم في هذا الفن. # نعم استخرجوا بها كواكب خفية، ومن جملتها ثلاث سيارات سموها (فلكان) و ~~(اورانوس) و (نيطون) فأثبتوا لها ثلاثة أفلاك، ثم إنهم بتخمينهم جعلوا ~~الكواكب اكر قائمة بنفسها في الخلاء وإنما الأفلاك عبارة عن دوائر متوهمة ~~من استدارتها في الخلاء، وجعلوا الشمس هي المركز لأفلاك الكواكب السيارة، ~~كما جعلوا الأرض من السيارات حول الشمس، وجعلوا القمر أو الأقمار ليست ~~بسيارات مستقلة وإنما هي توابع لسيارات أخر تدور عليها كما تدور بمدارها. # ولا تنفك مقدماتهم فيما ذهبوا إليه عن الحدس والتخمين كما تعرفه من ~~مباحثهم ومباحثاتهم في ذلك، مع أن من مقدماتهم ما هو قابل للمنع، أو غير ~~مستلزم للمدعى. # وإنا وإن منعنا على القدماء حكمهم بامتناع الخلاء فإن جوازه لا يستلزم ~~كون الأفلاك عبارة عن دوائر خلائية يفرضها الوهم في مدار السيارات، بل يجوز ~~أن تكون الأفلاك أجراما شفافة لا تحجب ما وراءها ولطيفة لا لون لها، ولا ~~تتلون بغيرها، ويجوز في طبيعتها الخرق والالتئام، بل إن سعادة التوفيق ~~للاعتقاد بوجود الإله القادر الحكيم مما يوضح فساد القول بامتناع الخرق ~~والالتئام. # والحاصل أن كلا من وضعي الهيئة القديمة والهيئة الجديدة ممكن من حيث ~~انطباق الحركات المحسوسة عليه، ولكنه يمكن أن يتعداه التحقيق والبحث في ~~PageV02P069 # المقدمات إلى وضع ثالث ورابع وهكذا، فلا يحسن الجزم بأحد الوضعين ~~المذكورين بجميع تفاصيله المدونة إلا بالمشاهدة التفصيلية للجزئي والكلي، ~~أو بالتفصيل من صراحة الوحي، ولكن الحكمة الإلهية لم تقتض أن يتولى الوحي ~~بصراحته تفصيل ms340 ذلك بجميع أنحائه جزئيا وكليا، بل مقتضى الحكمة الإلهية ~~واللطف في حصول الغرض من الدعوة هو أن لا يبين حقيقة ذلك على الدقة ~~والتفصيل لئلا يتمرد على الدين الذي هو الغرض من سولت له أوهامه وقطعيات ~~وقته خلاف ما يذكره الوحي، فيكون بيان غير المهم معثرة في سبيل المهم. # ولا يسع المقام للمناقشة في المقدمات التي استندوا إليها في كل من ~~الهيئتين، ومع هذا كله فالقرآن الكريم لم يصرح بخلافهما لئلا يجترء المغرور ~~بأحدهما على الاعتراض بجهله وإلحاده على كلام الله، فتكون الصراحة معثرة في ~~سبيل الإيمان. # وأن قوله تعالى: (سبع سماوات والسماوات السبع) لا يمتنع انطباقه على كل ~~واحدة من الهيئتين أعني القديمة والجديدة، فيمكن أن يقال على الهيئة ~~القديمة إن السماوات السبع هي أفلاك السيارات السبع، وإن فلك الثوابت هو ~~الكرسي في قوله تعالى في سورة البقرة 256: (وسع كرسيه السماوات والأرض) وإن ~~الفلك الأطلس المدير على ما زعموا هو العرش في قوله تعالى (قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم). # ويمكن أن يقال على الهيئة الجديدة إن السماوات السبع هي أفلاك خمس من ~~السيارات مع فلكي الأرض و (فلكان) والعرش والكرسي هما فلكا نبطون واورانوس، ~~وأما الشمس فهي مركز الأفلاك، والقمر تابع للأرض وفلكه جزء من فلكها، هذا ~~كله في مقابلة من أشرب في قلبه إحدى الهيئتين، والله أعلم بحقيقة الحال. # وأما الأرض فلم تذكر في القرآن الكريم إلا مفردة، نعم قال جل اسمه (خلق ~~سبع سماوات ومن الأرض مثلهن)، وهو يحتمل وجوها ثلاثة: # الأول: أن يراد مثلهن في الطبقات باعتبار اختلاف طبقات الأرض في ~~PageV02P070 # بدائع الحكم والآثار. # الثاني: أن يراد مثلهن في عدد القطع والمواضع المعتد بها (كاسيا) و ~~(أوربا) و (أفريقيا) و (أمريكا الشمالية) و (أمريكا الجنوبية)، و ~~(أستراليا)،، وأرض لم تكشف بعد، أو لاشتها الحوادث البحرية بالكلية، أو بقي ~~منها ما لا يعتد به، أو هي ما تحت القطب الجنوبي، على ما يظن البعض. # الثالث: أن يراد بالمماثل للسموات هو غير أرضنا بل ما ms341 هو من نوعها فيراد ~~منه ذات السيارات على الهيئة الجديدة، أو ما هو مسكون من الكواكب ولم يظهر ~~للاكتشاف، والله أعلم بحقيقته. # وبما ذكرناه يظهر لك غلط المعترض على القرآن الكريم بالهيئة. # ولئن صح الاعتراض بالهيئة فإن العهدين الرائجين هما المخالفان للهيئة ~~القديمة والجديدة. # فقد جاء في التوراة وقال الله ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلا بين ~~مياه ومياه فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي ~~فوق الجلد، وكان كذلك ودعا الله الجلد سماء (1 تك 1، 6 - 9)، وبهذا الكلام ~~صرحت بمخالفة الهيئة القديمة حيث حكمت بأن السماوات فوقها مياه، وأنها ~~فاصلة بين المياه التي فوقها والمياه التي تحتها. # وكذا قول المزامير يا أيتها المياه التي فوق السماوات (مز 148، 4) وخالفت ~~الهيئة الجديدة حيث قالت في أصل العبراني بدل الجلد (رقيع) وهو الشئ ~~المبسوط (انظر في الأصل العبراني مز 136، 6، واش 42، 5 و 44، 24). # وعلى ذلك جاء قوله الذي ينشر السماوات كسرادق أو يبسطها كخيمة للسكن (اش ~~40، 22) وعلى ذلك أيضا جاء أن السماوات تلتف كدرج (اش 34، 4) وكالدخان ~~تضمحل (اش 51، 6) وتنحل ملتهبة (2 بط 3، 12) وهي والأرض تبيد وكلها كثوب ~~تبلى كرداء تتغير (مز 102، 25 و 26)، وأنها انفتحت (مت 3، 16) وانشقت (مر ~~1، 10) وانفلقت كدرج ملتف (روء PageV02P071 # 16، 14) وهذه السماوات المذكورة هي التي جعلوها في الهيئة الجديدة عبارة ~~عن المداراة الموهومة للسيارات في الخلاء، فلا يصح وصفها بالأوصاف المذكورة ~~في العهدين. # وجاء في المزامير أن الشمس مثل الختن (أي العريس) الخارج من حجلته، تبتهج ~~مثل الجبار للسباق في الطريق من أقصى السماوات خروجها ومدارها إلى أقاصيها ~~(مز 19، 5 و 6) وهذا مخالف للهيئة القديمة فإن المقرر عند أصحابها أن الشمس ~~ومدارها في السماء الرابعة لا في أقصى والسماوات ولا إلى أقاصيها، ومخالف ~~للهيئة الجديدة أيضا لأن الشمس عند أصحابها مركز للسموات لا تدور وليس ~~مدارها إلى أقصى السماوات بل السيارات تدور عليها بخلاف قول العهد القديم ~~الشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق (جا 1، 5). # (فإن قلت) إن المتكلف يزعم أن الهيئة الجديدة مبنية ms342 للحقائق الواقعية ~~وزعيمة بالصواب. # ويزعم أن كتب العهدين الرائجين كلام الله السميع العليم، فماذا يصنع أذن ~~في هذه الاختلافات الصريحة؟ (قلت): إنما يتحير في ذلك من يتكلم بميزان، ~~وأما من لا يبالي فلا يعسر عليه أن يقول وعلى كل حال فلا مخالفة، كما لهج ~~في مبحث النسخ بقوله: وعلى كل حال فلا ناسخ ولا منسوخ. PageV02P072 # الفصل الرابع في دفع أوهام الاعتراض على قصص القرآن الكريم وتاريخه (صدر، ~~وتمهيد) اعلم أن أكثر اعتراضات المتكلف في هذا المقام يتشبث فيها بخلو ~~العهدين الرائجين مما يذكره القرآن الكريم أو بمخالفته لهما، فاقتضى ذلك أن ~~نذكرك قبل الشروع في رد شططه، ونعيد على ذهنك إجمال ما ذكرناه في المقدمة ~~الخامسة عن كتب العهد القديم من ارتدادات بني إسرائيل ويهوذا وملوكهم في ~~الشرك حتى أن مملكة بني إسرائيل كادت أن تتمحض للوثنية، ومملكة يهوذا يكاد ~~نور التوحيد فيهم أن يتلاشى، ثم تبدو منه ذبالة تخفق بها الأهواء. ومن جملة ~~شؤونهم في ذلك أن هدموا بيت المقدس وصيروا كل أقداسه للبعليم (أصنام) ثم ~~عادوا بعد ترميمه فأغلقوا أبوابه وأبواب الرواق وأطفأوا السرج ولم يوقدوا ~~بخورا ولم يصعدوا محرقة، وجعلوا الآلهة الغربية في بيت المقدس وعكفوا على ~~ضلالات المشركين وعوائدهم القبيحة حتى كان فيهم مأبونون يسميهم العهد ~~القديم (قديسيم، قديسين) (وهم ذكور ينذرون أنفسهم للأوثان لكي يلاط بهم) ~~واستمرت هذه العادة القبيحة تتفاحش وتقل من أيام (رحبعام) ابن (سليمان) (1 ~~مل 14، 24) إلى أيام (يوشيا) حتى جعلوا بيوتهم عند بيت المقدس فهدمها ~~(يوشيا) (2 مل 23، 7)، ومضت لبني إسرائيل أيام كثيرة بلا إله حق، ولا كاهن ~~معلم، ولا توراة، وبيت المقدس بينهم عرضة للنهب والتخريب، والتنجيس، وجعل ~~الأوثان فيه حتى إذا مضت ثمان سنين من PageV02P073 # ملك (يوشيا) وطهر بيت المقدس وأراد ترميمه جاء (حلقيا) الكاهن بكتاب يزعم ~~أنه سفر التوراة، وقد وجده فقرء فيه (يوشيا) ما لم يكن يعرفه ولا يعهده ~~فطار به فرحا، واحتفل به هو وبنو إسرائيل احتفالا عظيما إذ سمعوا منه ما لم ~~يكونوا يعرفونه ولا ms343 يعهدونه مع أن العادة والاعتبار الصحيح يمنعان أن يكون ~~(حلقيا) وجده في المكان الذي زعم أنه وجده فيه، فمن ذلك الزمان تكون توراة ~~بني إسرائيل هي بنت (حلقيا) المولدة في حجره. # ثم تمادى بنو إسرائيل بعد ذلك في تقلباتهم في الشرك إلى أن سباهم (بخت ~~نصر) إلى بابل، فقضى ذلك عليهم أن أثكلهم توراة (حلقيا) أيضا حتى أنهم لما ~~رجعوا من السبي بعد دهر طويل فزعوا في إعادة ذكرها وتجديد اسمها إلى (عزرا) ~~فصار يقرء عليهم جميعا ما لا يعرفونه ولا عهد لواحد منهم به، فلبس اسمها ~~ثوب الوجود بعد العدم أيضا. # وقد ذكرنا هذا كله مفصلا، وذكرنا مكابرات المتكلف فيه وبينا شططها في ~~الجزء الأول (صحيفة 56 - 60). # ونذكرك أيضا بما ذكرناه في المقدمة السادسة من وجوه الخلل، وخصوص شهادة ~~(ارميا) النبي على بني إسرائيل بتحريف كلا الله وتحويلهم توراة الله إلى ~~الكذب بكذب قلم الكتبة واستغاثة (أشعيا) النبي من تحريف اليهود واستعظامه ~~لذلك، وخصوص ما ذكرناه من تحريف المطابع والتراجم فراجع الجزء الأول وخصوص ~~الصحيفة 68 - 70. # ونذكرك أيضا بما مر في متفرقات الكتاب، مما يمتنع من كتب العهد القديم أن ~~يكون من الوحي الإلهي كما أوضحه البرهان، ونستلفت نظرك إلى ما يأتي من هذا ~~القبيل. # ونذكرك أيضا بما حكينا في الجزء الأول (صحيفة 325) عن بعض المفسرين ~~المدققين في حكمه بأن قصة (بلعام) المذكورة في سفر العدد (ص 22 - 24) هي ~~دخيلة في التوراة، أي ليست منها وإنما أدخلها عبث الكذب. # ونستلفت نظرك إلى ما نقله إظهار الحق في الباب الثاني عن مفسري ~~PageV02P074 # النصارى في حكمهم بزيادات كثير من فقرات العهدين، ووجود كثير من السقط ~~والتحريف فراجعه. # نتيجة ومن هذا كله أو بعضه تحصل لك شهادة قاطعة من ذات العهد القديم ~~ومعاملة متبعيه معه بأن العهد القديم أجنبي عن النسبة إلى الوحي، بعيد ~~العهد به قد استولى عليه التلفيق، والخلل، والتحريف، والخطأ، واشتماله على ~~ما لا يعقل، أو يؤول إلى الكفر على وجه لا يترك لعاقل عليه اعتماد ولا ~~يتداركه مغالطة ms344 مكابر. # التنبيه المقصود هاهنا ونزيدك هاهنا على أن ننبهك على أمور داخلية في ~~العهد القديم تكشف لبصيرتك حق اليقين، وهو أن أصله العبراني الرائج إنما هو ~~مأخوذ من نسخة وحيدة لا ثانية لها، وهي مملوءة بالغلط والسقط، ولكنهم لا ~~ملجأ لهم سواها، بل اغتنموا وجودها بعد العدم الكلي تجديدا للأثر الدارس ~~وتعبدوا باتباعها في وضعها ورسمها وغلطها الفاحش، والأمور العرضية الخالية ~~عن الفائدة في وضع الكتابة. # ومع الالتفات إلى هذا كله أو بعضه لا يمكن للذهن الصافي من الشوائب أن لا ~~يتيقن بأن الرائج من التوراة العبرانية ليس مأخوذا عن النسخة التي كتبها ~~(موسى) وسلمها للكهنة وشيوخ بني إسرائيل وأمر بوضعها بجانب التابوت (تث 31، ~~9، و 24، 27). # ولا مما يشابه هذه النسخة، إذ لا يعقل أن ما كتبه (موسى) أو كتب بمراقبته ~~يشتمل على هذه الأغلاط الفاحشة. # وكذا الكلام في باقي العهد القديم فإنه لا يمكن أن تكون كتابات الأنبياء ~~أو ما يكتب بمراقبتهم يشتمل على مثل هذه الأغلاط الفاحشة. # بل يحصل لك اليقين بأن بني إسرائيل حينما حرصوا على اتباع هذه ~~PageV02P075 # النسخة وتعبدوا بصورتها المشوهة لم يكونوا يجدون غيرها، بل حينما ظفروا ~~بها اغتنموا بها تجديد الاسم لما اندرس من آثار سلفهم فأكرموا وحدتها ~~بالتعبد بصورتها لكي يتداركوا بإفراطهم في الجمود تفريط أسلافهم في التقلب ~~والتلون في الديانة حتى استأثر العدم بكتب الوحي وعادت نسيا منسيا، ولم ~~يتعرضوا لتلك الأغلاط إلا بالإشارة إلى صحيحها في الحواشي، وتركوا المتن ~~على سقمه، ولكن المترجمين أعرضوا عن مراعاة المتن وطابقوا بتراجمهم تصحيح ~~الحواشي، فطابق أنت بين الأصل العبراني، والتراجم لكي يتضح لك الحال ولا ~~تغتروا تحسب أن الأصل على ما هو موجود في التراجم. # ولنذكر لك ذلك في موارد: # المورد الأول: أن الحواشي ذكرت نقصان الحرف في الأصل العبراني من العهد ~~القديم في أكثر من ستة وأربعين موضعا منها في خصوص التوراة أحد عشر موضعا ~~وأشاروا إلى ذلك في الحاشية بذكر الحرف ولفظ (حسر). # المورد الثاني: ذكروا زيادة الحرف غلطا في مائتين وثلاثة عشر ms345 موضعا، ~~أربعة منها في خصوص التوراة، وأشاروا إلى ذلك بذكر الزائد، ولفظ (يتير). # المورد الثالث: أنهم وجدوا بعض الكلمات أو الحروف منقوطا عليها بغير ~~النقط التي هي علامات الحركات والسكنات المسماة في العبرانية (طعميم) وذلك ~~إما علامة المحو والضرب على الكلمة أو الحرف، وإما أن تكون لغوا من غلط ~~الكاتب وذلك في أحد عشر موضعا في العهد القديم، سبعة منها في خصوص التوراة، ~~وقد أشاروا إلى ذلك في الحاشية بذكر المنقوط عليه ولفظ (نقود). # المورد الرابع: أنهم وجدوا في المتن حروفا هي أكبر من أخواتها بلا خصوصية ~~ولا إشارة، فتعبدوا برسمها كبيرة، وذلك في ثلاثة وثلاثين موضعا، خمسة عشر ~~منها في خصوص التوراة، فأشاروا في الحاشية برسم الحرف الكبير ولفظ (رباتي). # المورد الخامس: أنهم وجدوا أيضا بعض الحروف أصغر من أخواتها بلا خصوصية ~~ولا إشارة أيضا فتعبدوا برسمها صغيرة، وذلك في سبعة وعشرين PageV02P076 # موضعا ستة منها في خصوص التوراة، وأشاروا إلى ذلك برسم الحرف ولفظ ~~(زعيرا). # المورد السادس: قد ذكروا في حاشية الأصل العبراني أكثر من ألف موضع تكون ~~فيه القراءة على خلاف المكتوب في المتن، وذلك يرجع إلى تصحيح الأغلاط ~~الواقعة في المتن من حيث التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية، والجمع، ~~وإبدال بعض الحروف ببعض غلطا، وسقوط بعض الحروف وتقديم بعضها على بعض غلطا، ~~وأشاروا إلى ذلك في الحاشية بذكر القراءة الصحيحة، ولفظ (ق) أو (قرى)، وقد ~~وقع من ذلك في خصوص التوراة ما يزيد على سبعة وسبعين موضعا. # ولأجل شهادة الحال وسوق الكلام ومعلومات اللغة على غلط المتن جرت التراجم ~~على طبق الحواشي إلا نادرا، وهذا من المترجمين أيضا شهادة وتصديق على غلط ~~الأصل العبراني. # أنموذج هذا المورد ولنذكر لك من هذا المورد أنموذجا من التوراة، وسائر ~~العهد القديم في مواضع: # 1 - اختلاف حروف الكلمة وإسقاط بعضها. # فقد جاء في التوراة اسم بلدة من البلاد مرة (صبيم) بباء مضمومة وياء واحد ~~(تك 10، 19) وسميت مرة أخرى (صبييم) بباء مضمومة ويائين (تك 14، 2 و 8)، ~~والذي عليه التراجم وتصحيح القراءة في الحاشية ms346 هو إثبات الواو بعد الباء. # وأيضا تسمى الأمة (جوى) والأمم (جوييم) (انظر تك 15، 14 و 14، 1 و 9)، ثم ~~جاء فيها (جيم) بإسقاط الواو وضم الياء الأولى (تك 25، 23) وصحح في الحاشية ~~بلفظ (جويم) بالواو وياء واحدة، وأيضا كتبت (يسجدون) المسند للجماعة مرة ~~(يشتحوو) بواوين مع تشديد الأخيرة ومرة (يشتحو) بواو واحدة، (انظر تك 27، ~~29)، وصححت الأخيرة في الحاشية بواو ثانية. PageV02P077 # 2 - زيادة لفظ (لو) بحيث لا معنى لوجودها (تك 29، 28). # 3 - إبدال الواو التي هي ضمير المذكر الغائب بالألف فتكون (لو) بمعنى ~~(له) (لا) فينعكس المعنى وينقلب المراد انقلابا فاحشا (انظر خر 21، 8، ولا ~~11، 21، و 25، 30)، وصححت في الحواشي وجرت التراجم على مقتضى التصحيح. # ثم لنستدرك على الحواشي بعض الأغلاط التي أهملت تصحيحها، ونقتصر في ذلك ~~على الأسماء الأعلام: # وذلك إن التوراة ذكرت اسم واحد من أبناء (شمعون) ابن (يعقوب) فكتبت اسمه ~~(يموئيل) بالياء في أوله (تك 46، 10) ثم كتبته (نموئيل) بالنون بدل الياء ~~(عد 26، 12) وكتبت اسم واحد من أبناء (جاد) ابن (يعقوب) (صفيون) بالياء قبل ~~الواو (تك 46، 16) ثم كتبته (صفون) بإسقاط الياء (عد 26، 15). # وكتبت اسم واحد من أبناء (بنيامين) ابن (يعقوب) (مفيم) (تك 46، 21)، ثم ~~كتبته (شفوفام) بفائين و (شوفام) بإسقاط الفاء الأولى (انظر عد 26، 39). # وكتبت واحدا من أبناء (بنيامين) أيضا (نعمان) بنونين من أوله وآخره، ثم ~~كتبته بإسقاط النون من آخره (انظر عد 26، 40)، وبعكس هذا كتبت واحدا من ~~أبناء (يهوذا) شيلاه) بالهاء في آخره، وكتبت واحدا من أبناء (يساكر) (فواه) ~~بالهاء أيضا، ثم كتبتهما بحذف الهاء منهما وزيادة النون بدلها (انظر عد 26، ~~20 و 23). # وكتبت واحدا من أولاد (يعقوب) (شمعون) بالواو قبل النون، ثم كتبته بإسقاط ~~الواو (انظر عد 26، 12 و 14). # وبعكس هذا كتبت واحدا من أولاد (روابين) (حصرن)، ثم كتبته بزيادة الواو ~~قبل النون (انظر عد 26، 5)، وفي هذا القليل كفاية فإن التطويل يؤدي إلى ~~السأم والملل. PageV02P078 # ومن أنموذج هذا المورد في العهد القديم كتابة (لو) أي له (لا) فينقلب ~~المعنى من الإثبات إلى النفي (اش 49، 5 و 63، 9)، ومنه التقلب في كتابة ~~(دمشق) فتارة تكتب ms347 هكذا (تك 14، 15، و 2 مل 8، 7) وغير ذلك، وتارة تكتب ~~(درمشق) بزيادة الراء بعد الدال (1 أي 18، 6 و 2 مل 14 28)، وتارة تكتب ~~(دومشق) بزيادة الواو المشدد بعد الدال (2 مل 16 10)، وكتب فيه من أسماء ~~الأعلام (عخان) بالنون في آخره (يش 7، 18) ثم كتبه أيضا (عاخار) بإبدال ~~النون بالراء وزيادة المد (1 أي 2، 7)، وكتب (داود) بكسر الواو، و (يورام) ~~(2 صم 8، 10) ثم كتبهما (داويد) بزيادة الياء و (هدورام) (1 أي 18، 10)، ~~وربما يقع التعرض لكثير من ذلك إن شاء الله فلنقتصر في الأنموذج على هذا ~~المقدار. # المورد السابع: قد أشارت الحواشي إلى أن سبع كلمات في العهد القديم قد ~~زيدت فيه غلطا، حيث نصت على أنها كتبت وهي لا تقرأ، وذلك لاختلال المعنى ~~بوجودها، كما هو ظاهر، وهي هذه (1 - 4) (أم) (2 صم 13، 33، و 15، 21، وار ~~39، 12 ورا 3، 12 (5) (ات) ار 38، 16 (6) (يدرك) ار 51، 3 (7) (حمش) حز ~~48)، 16). # المورد الثامن: وأشارت أيضا إلى أن عشر كلمات فيه قد سقطت منه غلطا، حيث ~~نصت على أنها تقرأ وهي غير مكتوبة وهي هذه: # 1) (بني) قض 20، 3. # 2) (الفرات) 2 صم 8، 3. # 3) (أيش) 2 صم 17، 23،. # 4) (كن) 2 صم 18، 20. # 5) (صيبائوت) 2 مل 19، 37. # 6) (بنيو) أي ابنا 2 صم 19، 37. # 7) (بائيم) ار 31، 37. PageV02P079 # 8) (له) أي لها، ار 50، 29، (9 و 10) (إلي) ر 31، 5 و 17). # المورد التاسع: قد استدركت الحواشي على الموجود في الإصحاح الحادي ~~والعشرين من سفر (يشوع) عددين محلهما بين الخامسة والثلاثين والسادسة ~~والثلاثين من المتن، ونص معربهما (ومن سبط روابين باصر ومسرحها ويهصه ~~ومسرحها، وقد يموت ومسرحها وميفعه ومسرحها أربع مدن)، والتراجم الموجودة ~~أدخلت هذا في نفس المتن، وهذا بعينه موجود في الأصل العبراني من سفر الأيام ~~الأول (6، 63، و 64). # ففي الحواشي والتراجم وسفر الأيام الأول شهادة مرغمة بالنقصان في سفر ~~يشوع العبراني. # ويشهد لذلك أيضا أن هذا الأصل بذاته صرح بأن المدن المعطاة لبني مراري ~~اثنتي عشرة (يش 21، 39) مع أنه لم يعد إلا ثمان مدن (يش 21، 34 - 39). # وصرح أيضا بأن مدن اللاويين ثمانية وأربعين (يش 12، 39) مع أنه لم يعد ~~إلا أربعا وأربعين (يش ms348 21، 3 - 39). # ويشهد لذلك أيضا أن باصر قد أفرزها (موسى) من سهم بني روابين مدينة ~~للملجأ تكون للاويين كما أفرز (راموت) من سهم الجاديين وجولان من سهم ~~المنسبين (تث 4، 43). # وذكرت هذه المدن الثلاث أيضا في (يش 20، 8) فلماذا لم تذكر (باصر) في ~~الأصل العبراني في عدد الثمان وأربعين مدينة كما ذكر (راموت) و (جولان) ~~والحاصل أن لزوم السقط في الأصل العبراني هاهنا من أوضح الواضحات، وكذا في ~~قول التوراة (تك 4، 8) وقال قاين لهابيل وكان بكونهم في الحقل، وقام قاين ~~إلى هابيل أخيه فقتله، انظر الأصل العبراني. # وزيادة على وضوح السقط والنقصان في هذا الكلام قد ذكرنا لك في الجزء ~~الأول صحيفة 37 كيف اضطرب في هذه العبارة المترجمون، والنسخة السبعينية ~~والنسخة السامرية، وإن هذه الموارد لتوضح لك وضوح الشمس في رابعة النهار ~~PageV02P080 # أن مأخذ العهد القديم العبراني وخصوص التوراة لم يكن إلا نسخة وحيدة ~~مغلوطة جدا قد اتبعوا غلطها فيما تداولوه عنها، ولم يمدوا إليه يد التصحيح ~~إلا في الحواشي وتركوا المتون على سقمها حرصا على حفظ الاسم والصورة التي ~~ظفروا بها بعد التلاشي، وذلك لما هو المعروف من اضطراب أحوالهم، كما شرحناه ~~في المقدمة الخامسة عن كتبهم، وتشهد به أحوالهم المشاهدة من أنهم في أمور ~~ديانتهم بين تفريط فاحش، وإفراط هو أفحش منه. # المورد العاشر: زيادة الفقرات واعتراضها بين الكلام الذي لا ربط له بها ~~ولا مناسبة فيها لمقامه حتى شوهت وجه تاريخه المسوق له، وذلك كالسادسة ~~والسابعة من عاشر التثنية، فإن عاشر التثنية بينما يذكر حديث موسى وكلامه ~~في شأن صعوده إلى جبل سينا بعد واقعة العجل وما أمر الله به من تجديد ~~اللوحين وإفراز بني لاوي لخدمة المسكن، وحمل التابوت إذ قالت بلا ربط ولا ~~مناسبة: # وبني يسرائل ناسعو مبارت بني ياعقان موساره شم وبني إسرائيل ارتحلوا من ~~آبار بني ياعقان إلى موساره هناك مت هارون ويقابر شم ويكهن العازار بنو ~~تحتايو، مشم ناسعو هكد كداه مات هارون وقبر هناك وكهن العازار ابنه بدله من ~~هناك ارتحلوا إلى الجد ms349 جداه، ومن هكد كداه يا طباثاه ارض نحلي مايم. # ومن الجد جداه إلى يا طباثاه أرض أنهار ماء. # ومع أن هذه الفقرات في نفسها غلط صرف بملاحظة منازل بني إسرائيل ومراحلهم ~~بمقتضى الثالث والثلاثين من العدد المستقصى لذكر مراحل بني إسرائيل ~~ومنازلهم على التوالي والترتيب من مصر إلى عربات مواب، وسأذكر لك محل الغرض ~~من المنازل على مقتضى المرسوم في الأصل العبراني ففيه 30: # وارتحلوا من حشمناه ونزلوا بمسروت وارتحلوا من مسروت ونزلوا بني ياعقان ~~وارتحلوا من بني ياعقان ونزلوا بحر الجدجاد وارتحلوا من حر الجدجاد ونزلوا ~~بياطباثاه وارتحلوا من ياطباثاه ونزلوا بعبرناه وارتحلوا من عبرناه ونزلوا ~~بعصين جابر وارتحلوا من عصين جابر ونزلوا ببرية صن هي قادش وارتحلوا من ~~قادش ونزلوا بجبل الهور بطرف ارض أدوم وصعد هارون الكاهن إلى جبل الهور على ~~قول الله ومات هناك، وارتحلوا من جبل الهور ونزلوا بصلمنه إلى آخر المنازل ~~PageV02P081 # (انظر عد 33، 3 - 43). # فقول التثنية إن بني إسرائيل ارتحلوا من آبار بني ياعقان إلى موساره ~~مناقض لقول العدد إنهم ارتحلوا من حشمناه إلى مسروت ومنها إلى بني ياعقان ~~ومنهم إلى هور الجدجاد. # وكذا قول التثنية إن هارون مات وقبر في موساره، فإنه مناقض لقول التوراة ~~بأنه مات ودفن في جبل الهور (عد 20، 28، و 33، 38 و 39 وتث 32، 5). # وكذا قول التثنية إنهم ارتحلوا من موساره إلى الجدجاد ومنه إلى ياطباثاه ~~فإنه مناقض لقول العدد إنهم ارتحلوا من بني ياعقان إلى حر الجدجاد ومنه إلى ~~ياطباثاه ومنها إلى عبرناه. # ومن الظرائف أن مترجم الترجمة المطبوعة سنة 1811 أحس بأن ما ذكرناه عن ~~التثنية إنما هو حشو زائد مخل لا ارتباط له بما قبله وما بعده، فهان عليه ~~أن يحرف الكلام ويزيد فيه ما شاء هواه فلعله يوهم التئام الكلام فعمد إلى ~~الفقرتين اللتين ذكرناهما بأصلهما العبراني وترجمتهما فقال في الترجمة التي ~~هي أشبه بالتشطير والتوشيح ما لفظه، (ولما) شفعني في هارون أقام إلى أن رحل ~~بنو إسرائيل من بايروت بني ياعقان وموسيرا، ومات هارون ثم ودفن ms350 وأم العازرا ~~ابنه مكانه لما رحلوا من ثم إلى جدجد ومنها إلى ياطباثا أرض ذات أودية ماء. # فأنظر إليه وطابقه مع ما ذكرناه من الأصل العبراني لكي تعلم أن هذا ~~المترجم كتب توراة جديدة ولم يتخلص من عدم الارتباط. # ثم نقول: لا يخفى على من راجع سفر التثنية أنه قد أخذ في حديث اللوحين ~~والعجل. # المورد الحادي عشر: قد ذكرنا في الجزء الأول صحيفة 35 أن الترجمة ~~السبعينية للعهد القديم قد ترجمت بعناية سبعين أو اثنين وسبعين من علماء ~~اليهود المنتخبين من الملة. PageV02P082 # ونقول هاهنا بحسب القدر المتفق عليه من تاريخها، والجامع المحصل من ~~منقولاته أنه لا بد أن يكون اجتماع هذا العدد المنتخب من أهل العصر الواحد ~~حجة على أهل الكتاب في نقل كتابهم، فإنه راجع في الحقيقة إلى انتخاب جامعة ~~الملة وعناية رئاستها الدينية من دون توسط اضطهاد أو الجاء أو أدنى سبب ~~للتغيير، بل كان الحال يحث على الدقة والمحافظة على المطابقة كما يشهد لذلك ~~اتفاق التاريخ على أن هذه الترجمة فازت في الملة اليهودية ورئاستها العلمية ~~الدينية بالاحتفال والقبول والاعتماد. # وتتأكد الحجة بها على النصارى لأجل ما ذكروه من اعتماد المسيح عليها وأنه ~~كان يخاطب اليهود الذين اجتمعوا يوم الخمسين من الترجمة السبعينية وكذا ~~استفانوس المملوء بزعمهم من الروح القدس كان يخاطب اليهود منها، وكذا الذين ~~تشتتوا في البلاد ليكرزوا بالمسيح. # وكذا المعلمين من قدماء النصارى (انظر أقلا يه 3 ج ص 175 و 212 و 4 ج ص ~~90 - 92). # ويشهد لذلك أيضا اعتماد العهد الجديد عليها في ذكر الفقرات التي اختصت ~~بها دون العبرانية كما سيأتي ذكره قريبا إنشاء الله. # إذا عرفت ذلك فنقول: إن النسخة السبعينية هذه تشهد بوجود السقط والزيادة ~~في النسخة العبرانية، (أما شهادتها بوجود السقط والنقصان والغلط في ~~العبرانية). # فقد ذكرت فقرات كثيرة غير موجودة في الأصل العبراني، ولنذكر لك بعضا منها ~~(وهذه هي) في سفر التكوين 4، 8 (تعال نخرج إلى الحقل) 10، 24 (وارفكشاد ولد ~~قينان وقينان ولد شالح). # وفي سفر ms351 اللاويين 1، 10 (يوضع يده على رأسه)، 3، 13 (أمام الرب) 7، 3 ~~(وكل الشحم الذي على الأحشاء) 19، 23 (الذي يعطيكم الرب إلهكم) 21، 5 ~~(لميت) 24، 7 (وملحا). # وفي سفر العدد 4، 14 (ويأخذون ثوبا أرجوانيا ويغطون به المرحضة ~~PageV02P083 # وقاعدتها ويضعون عليها غطاء من جلد تخس ويجعلونها على العتلة)، 10، 6 ~~(وإذا ضربتم هتافا ثالثة ترتحل المحلات النازلة إلى الغرب، وإذا ضربتم ~~هتافا رابعة ترتحل المحلات النازلة إلى الشمال)، 14، 12 (وبيت أبيك)، و 45 ~~(فرجعوا إلى المحلة). # وفي سفرة التثنية 4، 2 (اليوم) 20، 17 (والجرجاشي). # وفي سفر يشوع 24، 12 (اثني عشر ملكا للآموريين). # وفي سفر القضاة 16، 13 (أضعف وأصير كواحد من الناس) 19، 18 (لأنها كانت ~~ميتة) 21، 11 (واستبقوا العذارى ففعلوا هكذا). # وفي صموئيل الأول 1، 5 (لأنه ليس لها ولد)، و 18 (مع رجلها وشربت)، 14، ~~23 (وكل الشعب كان مع شاول نحو عشرة آلاف رجل وانتشر الحرب في كل مدينة من ~~جبل افرايم) 19، 22 فاشتعل غضب شاول. وفي صموئيل الثاني 13، 21 (ولم يحزن ~~روح آمنون ابنه لأنه أحبه لأنه بكره) و 27 (وصنع ابشالوم وليمة كوليمة ~~الملك) 14، 27 (وصارت امرأة لرحبعام ابن سليمان فولدت له آبيا) و 30 (وجاء ~~عبيد يواب اليه وثيابهم ممزقة وقالوا قد أحرق عبيد ابشالوم الحقلة بالنار). # وفي الملوك الأول 18، 12 (وأنبياء السواري أربعمائة) و 30 (كلم إيليا ~~التشتي أنبياء البعل قائلا حيدوا الآن وأنا أقرب محرقتي فحادوا وذهبوا) 22، ~~35 (من الصباح إلى المساء). # وفي الملوك الثاني 1، 2 (وذهبوا لكي يسألوا منه) و 9 (رئيس الخمسين) 9، ~~28 (وجاءوا به) 10، 15 (فقال يا هو إن كان فهات يدك). # وفي سفر (أيوب) 1، 21 كما حسن عند الرب هكذا فليكن 2، 9 (بعد زمان طويل). # وفي المزامير 14، 4 (حناجرهم قبور مفتحة مكروا بألسنتهم سم الأفاعي في ~~شفاههم وهؤلاء أفواههم مملؤة لعنة ومرارة وأرجلهم إلى سفك PageV02P084 # الدماء سريعة 6 البؤس والتعبس في سبلهم وطريق السلامة ما عرفوها وليس ~~خروف الله أمام عيونهم). # وصاحب الترجمة المطبوعة سنة 1811 أدرج هذه الفقرات في الأصل وجعل مزمورها ~~الثالث عشر في العدد 73، 28 ms352 (في أبواب ابنة صهيون)، 145، 13 (الرب أمين في ~~كل أقواله رحيم في كل أفعاله) و 21 (ونحن نبارك الرب من الآن وإلى الأبد). # وفي أمثال سليمان 16، 11 (وإن كنت مجتهدا يأتي كينبوع حصادك) وفي أشعيا ~~53، (للموت). # (وأما شهادة السبعينية بوجود الزيادة في الأصل العبراني). # فإنها قد تركت كثيرا مما فيه فتركت من سفر اللاويين 22، 31 (أنا الرب)، ~~ومن سفر التثنية 28، 5 (الرض). # ومن كتاب يشوع 1، 2 لبني إسرائيل، 10 (الخامسة عشرة بتمامها) 20 (الرابعة ~~والخامسة والسادسة بتمامهن) 22، 12 (لما سمع بنو إسرائيل)، ومن صموئيل ~~الأول 2 (الثامنة بتمامها) 4، 19 (خمسين ألف رجل) 13 (الأولى كلها) 17 ~~(الحادية والأربعين وكذا الخمسين وكذا الخامسة والخمسين إلى الثامنة ~~والخمسين) 18 (الأولى إلى لفظ الفلسطيني من السادسة وكذا الثانية عشرة) 23 ~~(الثانية عشرة بتمامها). # ومن صموئيل الثاني 3، 8 (ليهودا) 6 (الرابعة بتمامها). # ومن الملوك الأول 6 (الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة)، 12 ~~(الثانية والثالثة إلى لفظ ير بعام) 14، 31 (واسم أمه إلى آخرها). # ومن كتاب عزرا 1، 29 (عشر). # ومن كتاب نحميا 4، 23 (كل واحد - إلى آخرها)، ومن كتاب أيوب 27، 13 ~~(لولا)، ومن كتاب حزقيال 26، 17 (التي كانت قوية في البحر هي وسكانها. ~~PageV02P085 # وأما شهادة السبعينية بالغلط في الأصل العبراني فإنها قد خالفته في أمور، ~~ففي سفر اللاويين العبراني 19، 26 (لا تأكلوا بالدم)، وفي السبعينية (لا ~~تأكلوا على الجبال). # وفي سفر العدد العبراني 4، 3 و 23 و 30 و 35 و 39 و 43 و 47 (ابن ثلاثين ~~سنة)، وفي السبعينية ابن خمس وعشرين سنة. # وفي المزامير العبرانية 40، 7 (اذنين حفرت لي)، وقرء في السبعينية (جسدا ~~هيأت لي). # المورد الثاني عشر (شهادة العهد الجديد على الأصل العبراني بالنقصان ~~والتحريف). # (أما شهادته بالنقصان): فقد جاء فيه (لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ~~ناصريا) مت 2، 23. # وليس لهذا القول في كتب العهد الجديد عين ولا أثر، وللمتكلف هاهنا كلام ~~لم يأت لقومه إلا بالإسراف في الحبر والقرطاس وعمل الطبع، (فانظر يه 2 ج ص ~~205 - 207). # وخالف ms353 التوراة العبرانية فزاد في طبقات النسب (قينان) بين ارفكشاد وشالح ~~(لو) 3، 35 و 36. وللمتكلف هاهنا كلام سيأتي قريبا إن شاء الله بيان ما ~~فيه. # (وأما شهادته بالتحريف): فقد ذكرنا أن الموجود في السابع من المزمور ~~الأربعين (اذنين حفرت لي)، وفي الخامسة من عاشر العبرانيين (هيأت لي جسدا). # والمتكلف يقول: ان قول العبرانيين (هيأت لي جسدا) نقل بالمعنى لقول ~~المزامير (اذنين حفرت لي)، وتمحل لذلك بكلام طويل وتأويل بارد (فانظر يه 3 ~~ج ص 226 و 227) تعرف شططه. PageV02P086 # ويكفي في رده أن النقل بالمعنى يلزم فيه أن يكون المعنى محفوظا بحدوده ~~وإنما يكون التبديل بصورة الألفاظ، إذن فأين (اذنين حفرت لي) وأين (هيأت لي ~~جسدا)، ولو كان هذا التفاوت والتباين من النقل بالمعنى لما بقي في الكلام ~~اختلاف بل انسد باب اللوم على أكثر الذين يخطئون أو يكذبون في نقلهم، فيقال ~~إنه نقل بالمعنى. # واعلم أن الترجمة المطبوعة سنة 1811 قد جمعت في ترجمة المزامير بين ~~الأمرين فذكرت هكذا (وأعددت لي جسدا فتحت مسامعي)، وفي ترجمة رسالة ~~العبرانيين اقتصرت على قولها (واقتنيت لي جسما) فزادت على الأصل العبراني ~~لكي تتجه دعوى النقل بالمعنى. # (تتمة) واعلم أن المترجمين من النصارى لم يجروا على نهج غير مضطرب فلم ~~يتبعوا الأصل العبراني تماما على ما فيه، ولم يتبعوا حواشيه تماما على ما ~~فيها، ولم يتبعوا النسخة السبعينية تماما على ما فيها، ولم يرفضوا النسخة ~~السامرية تماما، بل استخرجوا بحسب أفكارهم وأغراضهم كتابا ملفقا لا يطابق ~~بتمامه مطابقة تامة لواحد من هذه الأربعة، ولقد كنا نحب بيان ذلك ~~بالاستقصاء، لولا أنه يؤدي إلى الطول الذي تبعد به المسافة عن المقصود، بل ~~هو جدير بأن نفرده في رسالة مستقلة، وفي الإشارة إليه هاهنا كفاية فانظر ~~أقلا إلى ما ذكرناه من الموارد، وراجع النسخة التي ذكرناها أولا في صدر ~~الكتاب. # وانظر الجزء الأول من إظهار الحق، وإن شئت فطابق بين الأصل العبراني ~~وحواشيه والترجمة السبعينية، وبين تراجم النصارى للعهد القديم لكي تعرف أن ~~العهد القديم ليس له ms354 عندهم أصل يعتمد عليه، وإنما هو كتاب موهون للنظر في ~~تصحيحه وتهذيبه مجال واسع، لا يصد عن جماحه عنان التعصب والتستر.. # وبذلك تعرف شطط المتكلف على قومه وكتبه في قوله (يه 1 ج ص 127) (لا يعول ~~على التراجم بل المعول عليه والمرجع إليه هو التوراة العبرية التي حافظ ~~عليها اليهود). PageV02P087 # وقوله (يه 3 ج ص 216) (التوراة العبرية هي المعول عليها) ويه 3 ج ص 228 ~~(أن المعتمد عليه هي التوراة)، (أي العهد القديم) العبرية وعبارتها هي ~~الحق. # تتمة الصدر والتمهيد لا يخفى على غير القاصر أن الحقيقة إذا تداولت عليها ~~قرون القدم، وتقلب الأحوال كثر عليها اعتراك التاريخ ولغطه في الاختلاف ~~والتعارض فلا يكاد المتعمق في سبر كتب التواريخ أن يرى حقيقة سلمت من هرج ~~الاختلاف ومرجه. # نعم: قد يفوز بالشهرة بعض كتب التاريخ لشهرة كاتبه ولو بنحو السلطنة ~~والوزارة، أو بموافقته لطباع العوام، أو الأهواء، أو العصبية القومية أو ~~تعس الوقت، ولو أن المؤرخ كان معروفا بالضبط، والتثبت لما ترجح تاريخه إلا ~~بنحو من رجم الظنون التي تسكن إليها النفس إذا لم يطلع على ما يعارضه. # فلو أن بعض أقوال المؤرخين خالفت القرآن الكريم لما كان لذي عقل أن يعترض ~~بها على القرآن، فإن التاريخ كيفما كان لا يمس الحجة القاطعة على كون ~~القرآن الكريم كلام الله علام الغيوب، بل إذا تمت الحجة عاد التاريخ ~~المعارض من خرافات الضلال، ولو فرضنا أن الحجة لم تتم لما عدا الحال أن ~~يكونا تاريخين متعارضين، لا يحسن التحكم ببطلان أحدهما لأجل معارضة الآخر. # وبهذا تعرف شطط المتعرب في اعتراضه على القرآن الكريم بالتاريخ الأحادي ~~المجهول. # ألا ترى أن العهد القديم تضمن التاريخ من خلق العالم إلى سبي بابل، وأن ~~التاريخ من ذلك الحين إلى ميلاد المسيح معلوم ليس فيه خلاف يعتد به ومع ذلك ~~فقد حكى (1) عن كتاب (جادلس روجر) أنه ذكر اختلاف # PageV02P088 # المؤرخين في ذلك إلى خمسة وعشرين قولا من اليهود والنصارى وغيرهم، وتزيد ~~الأقوال بخلاف (اهيلز) (1) لهم أيضا، وكل هذا ms355 الخلاف أو جله يرجع إلى ~~مخالفة تاريخ العهد القديم وخصوص التوراة. # وأيضا قد جاء في العهد القديم أن سليمان شرع ببناء بيت الرب في السنة ~~الأربعمائة وثمانين من خروج بني إسرائيل من مصر (1 مل 6، 1) وعن آدم كلارك ~~(2) مفسرهم انه نقل في ذلك اثني عشر تاريخا لأهل الكتاب كلها متخالفة، ~~وأقلها 330 سنة وأكثرها 680 سنة وكلها مخالفة لتاريخ العهد القديم في بناء ~~الهيكل وإتمامه (3). # ومع ذلك كله لا يحسن الاعتراض على العهد القديم بمخالفة هؤلاء المؤرخين ~~وإن كانوا من متبعيه، لأنه لو قامت الحجة على كونه من الوحي الإلهي لكشف عن ~~ضلالة هذه التواريخ بأجمعها، وإذا لم تتم الحجة فهو تاريخ كأحد التواريخ ~~يعارضها، كما تعارضه لو لم ينحط عنها بمجهولية كاتبه وعصره وكثرة وقوع ~~الغلط في كتابته وعبث التصرف به وتعرض الأهواء في قلبه إلى حيث تميل. # وكيف كان فإن المصيبة الفادحة على الكتب المنسوبة إلى الوحي وعلى من ~~ينسبها إليه، إذا كان الكتاب الواحد متناقض التاريخ. # 2) أو كانت نسخ الكتاب الواحد المشهود لها بالاعتبار متناقضة التاريخ. # 3) أو كان بعض الكتب المذكورة مناقضا لبعضها الآخر في التاريخ. # وقد ابتلى العهدان بالأقسام الثلاثة من التناقض في التاريخ. # PageV02P089 # أما القسم الأول فقد جاء في التوراة عن قول الله لإبراهيم: اعلم علما أنه ~~غريبا يكون نسلك في أرض ليست لهم ويستعبدونهم ويذلونهم أربعمائة سنة، وأيضا ~~الأمة يعبدونها ادينها أنا، وبعد ذلك يخرجون بأملاك عظيمة. # وفي الجيل الرابع يرجعون إلى هنا (أي أرض كنعان)، (تك 15، 13 - 16) وانظر ~~1 ع 7، 5 - 8). # وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أن الأربعمائة سنة هي مدة الاستعباد ~~والذلة في الغربة في الأرض المذكورة التي يخرجون منها كما هو واضح الدلالة ~~على أن الخروج بالأملاك العظيمة إنما هو من أرض الغربة التي يستعبدون فيها ~~أربعمائة سنة، ولا ينطق ذلك إلا على أرض مصر وخروجهم منها، ويزيد في وضوح ~~ذلك أنه جعل الغاية لتلك الغربة أن بني إسرائيل يرجعون إلى أرض كنعان، فلا ~~يمكن أن تكون أرض كنعان داخلة ms356 في الغربة والأرض المسوق لهما الكلام. # هذا ثم ذكرت التوراة نفسها أن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت أربعمائة ~~وثلاثين سنة (خر 12، 40 و 41) فتناقض تاريخها في المقامين بثلاثين، ولا ~~تتوهم أن سقوط الثلاثين سنة في التاريخ الأول كان لأجل اعتزازهم بعزة يوسف ~~مدة حياته، وذلك لأن عزتهم بحياة يوسف في مصر كانت فوق الثمانين سنة، فإن ~~يوسف وقف بين يدي فرعون وهو ابن الثلاثين سنة، ثم مضت سبع سنين للخصب، وجاء ~~بنو إسرائيل إلى مصر في السنة الأولى أو الثانية من سني الجوع (انظر تك 41، ~~46 - 55، و 47، 1 - 18)، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة (تك 50، 26). # (فإن قلت): إن المتكلف قد وجه هذا الاختلاف (يه 1 ج ص 116 و 117 و 4 ج ص ~~3 - 8) بما حاصله أن مبدأ التحديد بالأربعمائة وثلاثين سنة كان من حين ~~الوعد المذكور (تك 15، 13 - 16) عند دعوة إبراهيم وأمره بالخروج من أهله ~~وعشيرته، وأن مبدأ الأربعمائة سنة كان من ولادة إسحاق أو فطامه. # (قلت): ولماذا سرى إليك داء المتكلف فلم تلتفت إلى ما في كلامه، أم ~~PageV02P090 # إنك من أعدائه فأردت أن تنبه على شططه.. أم تريد أن تدلنا على معرفة ~~المرسلين الأمريكان الذين طبع كتابه بمعرفتهم. # إذن فاسمع ما فيه من الأغلاط. # قال المتكلف (يه 2 ج ص 116 س 5) نعم إن المولى سبحانه وتعالى قال: إن ~~نسله (أي إبراهيم) يستعبد 430 سنة. ولكن كان هذا القول وقت دعوته، ولا شك ~~أنه من وقت دعوته واختياره إلى خروج بني إسرائيل من مصر 430 سنة. # ولا ينبغي أن يخفى عليك أن في كلامه أغلاطا عديدة لا تخفي على صغار الناس ~~(1) أن الكلام الذي فيه هذا العدد أعني 430 سنة ليس فيه لفظ (نسله) ولا لفظ ~~(يستعبد) وإنما لفظه في سفر الخروج 12، 40 وإقامة بني إسرائيل التي أقاموها ~~في مصر أربعمائة وثلاثين سنة، ونصها في الأصل العبراني: وموشب بني إسرائيل ~~آشر يشبو بمصرايم شلشيم شنه وأربع مأوت شنة، (2) لم يجئ في التوراة الرائجة ~~في دعوة ms357 إبراهيم وأمره بالخروج تعرض لشئ من هذا النحو أصلا، وإنما كان وعدا ~~بالعظمة والبركة، وأنه تتبارك به جميع قبائل الأرض (انظر تك 12، 1 - 4). # 3 - إن التحديد بهذه المدة كان في نص التوراة تحديدا لسكنى بني إسرائيل ~~في مصر، وبأي محاورة من محاورات العقلاء أو غيرهم يؤخذ مبدأ التاريخ والعدد ~~من دعوة إبراهيم، فإذا قال شخص: إن فلانا عاش في الدنيا ثمانين سنة، فاطلعت ~~على غلطه، وإن فلانا ما عاش في الدنيا إلا أربعين سنة، أفتقبل عذره لو قال، ~~أخذت مبدأ التاريخ من حين عزم جده على التزويج. # 4 - إن هذا القول لم يكن في وقت دعوة إبراهيم، وإن كان له أصل فهو في عهد ~~موسى جعد خروج بني إسرائيل من مصر. # 5 - إن دعوة إبراهيم واختياره كانا في أور الكلدانيين، كما صرح به ~~المتكلف (يه 4 ج ص 3) في أول جدوله الأيمن، واعتمد فيه على سابع الأعمال، ~~وهذه الدعوة لا يعرف تاريخها من العهدين أصلا ورأسا. PageV02P091 # وكذا مدة مكث إبراهيم في حاران، فمن أين يتيسر للمتكلف هذا التطبيق الذي ~~يدعيه حتى يقول بملء فمه (لا شك). # ثم قال المتكلف في هذا المقام (س 7 - 10). # أما قوله: نسله يستعبد 400، فكان نزول هذا القول في وقت ولادة إسحاق، أو ~~في وقت فطامه عند حصول الخلاف بين سارة وبين هاجر (تك 21، 8 - 12). # ولا شك إن من وقت فطام إسحاق إلى خروج بني إسرائيل من أرض مصر هو 400 ~~سنة. # ولا ينبغي أن يخفى عليك أن في هذا الكلام أيضا أغلاطا عديدة: # 1 - أن نزول هذا القول على إبراهيم كان بحسب نقل توراتهم حينما شكا العقم ~~وعدم الولد، وذلك قبل ولادة إسماعيل التي هي قبل ولادة إسحاق بأربع عشرة ~~سنة (فانظر تك 15 و 16). # 2 - إن الترديد بين ولادة إسحاق وبين فطامه يوجب اشتباه التاريخ بمقدار ~~مدة رضاعه ولا يكون ذلك بحسب العادة أقل من سنتين، وهذا الترديد غلط منه، ~~فإن أصحابه يدعون إتقان التاريخ. # 3 - إن قوله أخيرا (ولا شك إن من وقت ms358 فطام) إسحاق إلى خروج بني إسرائيل ~~من مصر هو 40 سنة) هو مناقض لتردده في مبدأ المدة المذكورة بين ولادة إسحاق ~~وفطامه. 4 - ومناقض لقوله (يه 4 ج ص 3 س 11)، لا شك إنه كان من مولد إسحاق ~~إلى خروج بني إسرائيل من مصر 400 سنة، ولعل المتكلف إذا نبهته على هذا ~~التناقض يقول لك: (لا يوجد في هذا أدنى تناقض فإن إسحاق فطموه في سنة ~~ولادته أو شهرها)، فلا تقبل مزاعمه التي يدعي تقدم الدنيا بها، ولكن اعذره ~~في عدم درايته بصراحة توراته إذ تقول وكبر الولد (أي إسحاق) وفطم وصنع ~~إبراهيم وليمة كبيرة يوم فطام إسحاق، وفي الأصل العبراني (ويكدل هيلد ~~ويغامل) (تك 21، 8). # 5 - أن تقويم التوراة يقتضي أن المدة من مولد إسحاق إلى دخول بني ~~PageV02P092 # إسرائيل إلى مصر تكون مائة وتسعين سنة، وذلك لأنها من مولد إسحاق إلى ~~مولد يعقوب ستون سنة (تك 25، 26)، ومن ولادة يعقوب إلى دخول بنيه إلى مصر ~~مائة وثلاثون سنة (تك 47، 9) فإذا كانت إقامة بني إسرائيل مائتين وخمس عشرة ~~سنة كما جزم به المتكلف (يه 2 ج ص 116 س 15 وص 117 س 4 و 4 ج ص 8 س 3) ~~فيكون المجموع أربعمائة وخمس سنين، فهل كتب في العهدين أن مدة رضاع إسحاق ~~كانت خمس سنين، وإذا كانت كذلك فكيف تتم الأربعمائة سنة على زعمه (يه 4 ج ص ~~3) في جدوله الذي على اليمين حيث جزم فيه بأن إقامتهم في مصر كانت مائتين ~~وعشر سنين، بل وكيف تتم على هذا إذا أخذ مبدأ الأربعمائة من ولادة إسحاق، ~~وتركنا لرضاعه حسب العادة سنتين ونحوهما، فهذا مع ما تقدم عشر أغلاط. # 11 - زعم (يه 2 ج ص 116 س 16 - 18 و 4 ج ص 7 س 12 - 18) أن مبدأ ~~الأربعمائة وثلاثين سنة كان من وقت الموعد الذي وعد الله به إبراهيم ~~بالبركة عند خروجه من حاران وكان عمره حينئذ 75 سنة (تك 12، 3 و 4 وهذا ~~مناف لتصحيح (استفانوس) بأن ظهور الله لإبراهيم ms359 ودعوته التي وقع فيها هذا ~~الموعد قد وقع حين كان إبراهيم فيما بين النهرين قبل ما سكن في حاران ~~(فانظر 1 ع 7، 2 و 3)، ومناقض أيضا لأخذ مبدأ التاريخ بهذه المدة من دعوة ~~إبراهيم من أور الكلدانيين فيما بين النهرين قبل خروجه من حاران بخمس سنين ~~حسبما صرح به في جدوليه (يه 4 ج ص 3) معتمدا فيه على قول استفانوس (1 ع 7: ~~2)، كما اعتمد فيه أيضا (يه 4 ج ص 8 س 4 و 5) على تقويم مرشد الطالبيين. # 13 - جزم المتكلف فيما أشرنا بأن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت مائتين ~~وخمس عشرة سنة، وهذا مناقض لجزمه في جدوله الأيمن المذكور بأنها كانت ~~مائتين وعشر سنين. # ولم يكن هذا التناقض والغلط في الحساب والاضطراب في مبادئ التواريخ إلا ~~لأمر يشير إليه المثل المشهور عند العوام (13) قد التجأ المتكلف في تكلفاته ~~المتناقضة إلى أن يزيد على عبارة سفر الخروج العبرانية 12، 40 مثل ~~PageV02P093 # الألفاظ التي زادتها السامرية واليونانية وهي لفظة (وآبائهم) ولفظة (وأرض ~~كنعان) فتكون العبارة هكذا (وإقامة بني إسرائيل وآبائهم التي أقاموها في ~~مصر وأرض كنعان أربعمائة وثلاثين سنة).، وهذا غلط بحسب جدوله المذكور ~~واعتماده على تقويم مرشد الطالبيين، حيث جعلا مبدأ المدة من دعوة إبراهيم ~~في أور الكلدانيين. # بل يلزم على هذا أن يزيد على ذلك أيضا لفظ (وحاران) بل إن هذه الزيادة ~~لازمة لهم على كل حال، فإن يعقوب وبنيه قد سكنوا في حاران أكثر من ثلاثين ~~سنة، لأن يعقوب خدم (لابان) (بليئة، وراحيل) أربع عشرة سنة قبل أن يرزق ~~منهما الأولاد (انظر تك 29، 20 - 30) ثم ولدت له ليئة أربعة أولاد، ثم ~~توقفت عن الولادة (تك 29، 31 - 35) ثم ولدت ولدين وبعدهما بنتا (تك 30، 17 ~~- 21)، ثم ولدت راحيل يوسف (تك 30، 24) وحينما خرج يعقوب من حاران كانت ~~بنته قابلة للتزويج (انظر تك 24) وكان يوسف آخر أولاده يعرف الاستقبال ~~وسجود التحية (تك 30، 7)، وكان شمعون ولاوي إبناه قابلين للقتل والقتال ~~(انظر تك 34، 25) فلا يمكن أن تنقص هذه المدة عن ثلاثين سنة. # فلماذا أهمل ms360 ذكر حاران مع أنها كانت ليعقوب أرض غربة وخدمة وعبودية وذلة ~~(انظر تك 29 - 32)، (14) لما التجأ المتكلف إلى أن يقدر في الأصل العبراني ~~لفظ (وآبائهم) و (أرض كنعان) بل ولفظ (وحاران) كما هو لازم له لم يكتف ~~بذلك، بل جعله (يه 2 ج ص 117 س 6 و 4 ج ص 4) من باب الاكتفاء الوارد في ~~كلام العرب والقرآن الكريم، وهذا غلط لأن الشرط في الاكتفاء أن تكون دلالة ~~اللفظ الموجود وسوقه كافية في بيان المحذوف المكتفى عنه والدلالة عليه، كما ~~يقتضيه لفظ الاكتفاء، بل اعترف المتكلف بنفسه (يه 4 ج ص 4 س 4 و 5) بأن ~~الاكتفاء هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفي ~~بأحدهما عن الآخر كنكته. # أقول: وليت شعري إذن فأي تلازم وارتباط يشعر به المقام ويقتضيه في عبارة ~~سفر الخروج بين بني إسرائيل وبين آبائهم وبين أرض مصر وبين أرض PageV02P094 # كنعان بل وحاران. # أم تقول: كلما جاء لفظ بني إسرائيل يكون اكتفاء عن لفظ آبائهم، وكلما جاء ~~لفظ مصر يكون اكتفاء عن لفظ كنعان وحاران، إذن فقرت أعينهم بتاريخ توراتهم ~~(15) ثم زاد المتكلف في الغلط حيث قاس دعواه في الاكتفاء والحذف بالحذف ~~الذي تجلو مراده نورانية المقام في القرآن الكريم، كما نبهناك عليه في ~~أوائل هذا الجزء، مع أن ما نسلم فيه الحذف في القرآن الكريم إنما هو على ~~وجه لو ذكر المحذوف لفاتت من الكلام نكتة شريفة، أو أدى إلى تطويل ممل في ~~الكلام المتوسط فضلا عن الكلام السامي في البلاغة، فانظر الأمثلة التي ~~ذكرها في (يه 4 ج ص 5 و 6). # (مثل) يحكى أن صبيا انحصر على سطح بلا درج فأعيا عليه النزول، فجاء بعض ~~المغفلين وألقى إليه طرف الحبل وقال له: شده في وسطك، فلما شده جذبه المغفل ~~إلى صحن الدار، فلما وقع مات، فقال المغفل متعجبا ومعتذرا: إن هذا الصبي ~~قتله حضور أجله، وإلا فقد أخرجت بهذا الحبل من البئر عشرين رجلا سالمين. # 16 - ثم أفحش المتكلف في الغلط ms361 المضحك (يه 4 ج ص 6) حيث اعترض على الآيات ~~التي ذكرها من القرآن الكريم، ثم قال: إن كتاب الله منزه عن مثل هذه ~~التقديرات الفاحشة. # القسم الثاني في اختلاف نسخ التوراة في التاريخ مع أن كلا منها إما مشهود ~~لها بالصحة والاعتبار عند اليهود والنصارى معا وإما مشهود لها بالصحة ~~والاعتبار عند النصارى. # أما النسخة العبرانية فلا تحتاج دعواهم لاعتبارها إلى بيان. # وأما النسخة السبعينية فقد ذكرنا في الصحيفة الخامسة من الجزء الأول وجه ~~اعتبارها، وأشرنا إليه قريبا في صدر المورد الحادي عشر من التمهيد، وكله ~~موافق لملخص اعتراف المتكلف (يه 3 ج ص 175 و 176 و 4 ج ص 90 - 93). ~~PageV02P095 # وأما النسخة السامرية فقد ادعى المتكلف أنها ذات خمسة أسفار موسى التي ~~نزلت باللغة العبرانية، ولكنها مكتوبة بأحرف سامرية قديمة (انظر يه 3 ج ص ~~175 س 22 و 23 وص 176 س 4 و 5)، وهذه الدعوى وإن كانت ساقطة عند غير ~~السامريين ولكنها اعتراف بصحة السامرية واعتبارها، دع عنك المتكلف في ~~دعاويه واعترافاته، ولكنه نقل (يه 4 ج ص 6) عن آدم كلارك قوله (ذهب كثير من ~~العلماء إلى أن ترجمة خمسة أسفار موسى السامرية هي من أضبط التراجم ~~وأقدمها. # ونقل إظهار الحق في شواهد المقصد الأول من الباب الثاني عن المجلد الثاني ~~من تفسير محققهم المشهور (هورن) ما ملخصه: أن المحقق (هيلز) أثبت بالأدلة ~~القوية صحة السامرية، وأن (كني كات) أورد ملاحظات استنتج منها أن الحق ما ~~عليه السامريون، وأن اليهود حرفوا التوراة قصدا، ونقل أيضا عن المفسر ~~المشهور (آدم كلارك) من الصفحة 817 من المجلد الأول من تفسيره أن المحقق ~~(كني كات) يدعي صحة السامرية، وأن كثيرا من الناس يفهمون أن أدلة (كني كات) ~~لا جواب لها، ويجزمون بأن اليهود حرفوا لأجل عداوة السامرية. # وعنه أيضا في المجلد الأول المذكور قوله يصر (هيوبي) إصرارا بليغا على ~~صحة السامرية. # ونقل إظهار الحق أيضا في شواهد المقصد الثالث أن جامعي تفسير (هنري) و ~~(اسكات) قالوا في عبارة في ms362 السامرية تخالف العبرانية (لا شك أن هذه العبارة ~~صادقة). # والمتكلف لم يسعه إنكار هذه النقول عن محققيهم ومفسريهم، والكثير منهم، ~~نعم التجأ إلى شئ من أغاليط التاريخ، ثم قال: فيتضح للمتأمل أن عبارة ~~التوراة العبرية هي صحيحة (انظر يه 3 ج ص 218 - 224). # إذا عرفت هذا فاعلم أن النسخة العبرانية وهاتين النسختين قد وقع فيما ~~بينهما الاختلاف التاريخي، ولنذكر منه ثلاث موارد: PageV02P096 # الأول: قد سمعت المدة المذكورة في التوراة العبرانية لإقامة بني إسرائيل ~~في مصر وهي 430 سنة، وعرفت أغلاط المتكلف في حساب التاريخ، ودعوى الاكتفاء. # فاعلم بأنه قد خالفتها الترجمة السامرية، بل واليونانية، كما اعترف به ~~المتكلف (يه 4 ج ص 4 س 17)، أو السبعينية الاسكندرانية، كما نقله عن آدم ~~كلارك (يه 4 ج ص 6 س 22) فقد جاء فيهما ما تعريبه (وإقامة بني إسرائيل ~~وآبائهم في أرض مصر وكنعان أربعمائة وثلاثون سنة) فاختلفت النسخة العبرانية ~~مع هاتين النسختين في المدة التي أقامها بنو إسرائيل في أرض مصر. # وقد ذكرنا لك أن تقويم هاتين النسختين لا يتجه مع كون المبدأ لتاريخه هو ~~تغرب إبراهيم من أرض الكلدانيين مع كون إقامة بني إسرائيل في مصر 215 سنة، ~~كما ذكره المتكلف مرارا، وعليه تقاويمهم لأن العدد حينئذ يزيد على 430 سنة ~~بمقدار إقامة إبراهيم في حاران، وقد زعم المتكلف في جدوليه وأصحابه في ~~تقاويمهم أنها كانت خمس سنين، ومع ذلك يلزم أنهما تركتا ذكر حاران باعتبار ~~إقامة إبراهيم فيها وإقامة يعقوب وبنيه أكثر من ثلاثين سنة، وأنهما أهملتا ~~ذلك قصورا وتقصيرا، فإن حديث الاكتفاء في مثل هذا المقام عند من يعرف ~~الاكتفاء مضحكة ومسخرة. # هذا ولو فرضوا أن إقامة بني إسرائيل في مصر 210 سنين كما زعمه المتكلف في ~~جدوليه، وبعض اليهود في كتاباتهم لما اتجه التقويم بكون المبدأ له تغرب ~~إبراهيم في كنعان لأن العدد حينئذ ينقص خمس سنين، فإن ادعى مدع أن المبدأ ~~له أول تغرب إبراهيم في حاران، قلنا: من أين لهذا المدعي أن تغرب إبراهيم ~~في حاران ms363 كان خمس سنين لكي يتم العدد؟ وهل البناء عليه إلا بالتشبث ~~بالتخمين الوهمي، وإصلاح الفاسد المضطرب، وتطبيق الحساب الضائع، وإلا ~~فلماذا تركتا ذكر حاران، مع ذكرهما كنعان ومصر. # الثاني: من موارد اختلاف النسخ الثلاث: قد ذكرت النسخة العبرانية تاريخ ~~الآباء من آدم إلى إبراهيم فذكرت عمر الأب قبل ولادة الابن المذكور في ~~السلسلة، وذكرت باقي عمره بعد ولادة ذلك الابن (فانظر تك 5، 323، ~~PageV02P097 # و 11، 10 - 27). # وقد خالفتها النسخة السامرية والسبعينية في ذلك اختلافا فاحشا، كما ~~تخالفتا بينهما كذلك.. # فلنذكر لك الجداول التي ذكرها المفسرون في تسجيل الاختلاف وذكرها المتكلف ~~أيضا (يه 3 ج ص 213 و 216). # وهذه صورتها بعد تصحيحنا للغلط المادي في عناوينها، والغلط الرقومي في ~~طبعها: # أسماء آباء أعمارهم عند ولادة الابن أعمارهم بعد ولادة السلسلة الواقع في ~~السلسلة ذلك الابن قبل الطوفان عبرية سامرية سبعينية عبرية سامرية سبعينية ~~آدم 130 - 130 - 230 - 800 - 800 - 700 شيث 105 - 105 - 205 - 807 - 807 - ~~707 انوش 90 - 90 - 190 - 815 - 815 - 715 قينان 70 - 70 - 170 - 840 - 840 ~~- 740 مهلئيل 65 - 65 - 165 - 830 - 830 - 730 يارد 62 - 621 - 162 - 800 - ~~785 - 800 أخنوخ 65 - 65 - 165 - 300 - 300 - 200 متوشالح 187 - 67 - 187 - ~~782 - 653 - 782 لامك 182 - 53 - 188 - 595 - 600 - 595 عند الطوفان بعد ~~الطوفان نوح 600 - 600 - 600 - 350 - 350 - 350 1656 - 1307 - 2262 فانظر ~~إلى هذا الاختلاف في الأعمار، وفي تاريخ الطوفان من خلقة آدم. # والمتكلف لم يسعه في هذا الاختلاف الباهظ إلا تأييد التقويم العبراني ~~PageV02P098 # بتأييدات فارغة. # ويكفيك أنه جعل من الأدلة القوية على صحة العبرانية ما توهمه (يه 3 ج ص ~~215) حيث قال: إن السبعينية تقتضي تأخر ولادة البكر لآدم وشيث إلى أن مضى ~~من عمرهما 230 سنة و 205 سنين، وهذا يخل بالنسبة بين وقت النمو وبين مجموع ~~عمريهما. # فهل كان أمر الله الذي قال أكثروا واملأوا الأرض ليس بضروري في الجيل ~~المتقدم، وأنه صار ضروريا في الأجيال التي بعده. # قلت: وكم ترى ms364 في هذا الدليل القوي من الغلط والجهل. # أما (أولا) فإن شيئا لم يكن بكر آدم، بل إن توراتهم تصرح بأن آدم ولد ~~قايين وهابيل قبل شيث، بل مقتضاها أن قايين ولد أولادا كثيرين ثم صارت ~~ولادة شيث فانظر رابع التكوين. # وأيضا لا يعرف من التوراة وغيرها من كتب وحيهم أن (انوش) كان بكر شيث، بل ~~إن جميع آباء السلسلة لا يعرف من كتب العهدين أنهم كانوا أبكار آبائهم. # وقد سمعت أن شيثا لم يكن بكر آدم. # وأيضا بمقتضى التوراة أن ساما لم يكن بكر نوح، فإنها تقول: وكان نوح ابن ~~خمسمائة سنة وولد ساما وحاما ويافث (تك 5، 32)، ولما كان نوح ابن ستمائة ~~سنة صار الطوفان (تك 7، 7) فلو كان سام بكر نوح لكان عمره عند الطوفان ~~المائة سنة، ولكن توراتهم تقول: لما كان سام ابن مائة سنة ولد ارفكشاد بعد ~~الطوفان بسنتين (تك 11، 10)، وهذا يقتضي أن ساما تولد بعد ما مضى من عمر ~~نوح خمسمائة وسنتان، فالبكر إذن غير سام، وأيضا يلزم النصارى أن لا يكون ~~إبراهيم بكر أبيه، فإن توراتهم تقول: إن تارح أباه عاش مائتين وخمس سنين، ~~ومات في حاران. (تك 11، 32) وأن إبراهيم حينما خرج من حاران كان عمره خمسا ~~وسبعين سنة (تك 12، 4) واستفانوسهم يقول: إن إبراهيم خرج من حاران بعد ما ~~مات أبوه (اع 7، 4) فلا بد على هذا من أن تكون PageV02P099 # ولادته بعد ما ما مضى من عمر أبيه مائة وثلاثون سنة، والتوراة تقول: إن ~~تاريخ ولد ينبه لسبعين سنة من عمره (تك 11، 26). # فإن قيل) هب أن شيثا وساما وإبراهيم لم يكونوا أبكار آبائهم في هذه ~~السلسلة، ولكن باقي رجال السلسلة كانوا أبكار آبائهم، ويدل على ذلك إن ~~التوراة بعد أن تذكر ولادة الولد المذكور في السلسلة تقول في شأن أبيه ~~(وولد بنين وبنات)، فيدل ذلك على أن الولد المذكور هو البكر، وأيضا أن ~~البكورية لها أهمية وفضيلة، فلا بد أن تكون سلسلة الآباء والعهد ومواليد ~~الأنبياء فائزة بها. # (قلت) هذا واضح البطلان إذ لا دلالة فيما تشبث ms365 به، كيف وقد قيلت هذه ~~العبارة في شأن آدم بعد ذكر ولادة شيث (تك 5، 3 - 5) وأيضا قد دل العهد ~~القديم على أن جماعة من الأنبياء وآباء سلسلة النبوات والعهد لم يكونوا ~~أبكار آبائهم كما في شيث، وسام، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ولاوي، ويهوذا، ~~وفارص، وموسى، وداود، وسليمان، وأكثر هؤلاء عيون هذه السلسلة. # وأيضا أن الله العليم الحكيم قد تقتضي حكمته أن لا يربط سلسلة النبوة ~~بالبكورية، وأن إجراء الحكمة أولى من اتباع عيسو في بيعة بكوريته ليعقوب ~~بأكلة من خبز وطبيخ وعدس (تك 25، 29 - 34). # وأما ثانيا: فلو تجاهلنا وسلمنا أن آباء السلسلة هم أبكار آبائهم لقلنا ~~إن الحكمة التي اقتضت تأخر ولادة شيث مائة وثلاثين سنة، وولادة انوش مائة ~~وخمس سنين حسب التقويم العبراني لا يمتنع أن تقتضي تأخر ولادتهما مائتين ~~وثلاثين سنة ومائتين وخمس سنين حسب تقويم السبعينية، وكلتا المدتين لا ~~تتفاوت كثيرا بالنسبة إلى الوعد بالأثمار في المنافاة وعدمها، وبما ذكرناه ~~تعرف غلط المتكلف في قوله في عنوان تقويم الجداول (قبل ولادة البكر) و (بعد ~~ولادة البكر)، وغلطه في إهمال ذكر الطوفان لما قبل الستمائة وما بعدها في ~~عمر نوح. # وهاك بقية الجداول في تقويم الأعمار بعد الطوفان وقبل ولادة الابن الواقع ~~في السلسلة، وانظر إلى الاختلاف فيها: PageV02P100 # الأعمار بعد الطوفان وقبل ولادة بعد ولادة الابن الابن الواقع في السلسلة ~~الواقع في السلسلة الأسماء عبرية سامرية سبعينية عبرية سامرية سبعينية سام ~~2 - 2 - 2 ارفكشاد 35 - 35 - 35 - 403 - 303 - 400 قينان 130 - 330 شالح 30 ~~- 130 - 130 - 403 - 303 - 330 عابر 34 - 134 - 134 - 430 - 270 - 270 فالج ~~30 - 130 - 130 - 209 - 109 - 209 رعو 32 - 132 - 130 - 207 - 107 - 207 ~~سروج 30 - 130 - 130 - 200 - 100 - 200 ناحور 29 - 79 - 79 - 119 - 69 - ~~129 222 - 772 - 902 ما قبل 1656 - 1307 - 2262 الطوفان 1878 - 2079 - 3164 ~~فانظر إلى هذه الأعداد والحواصل المختلفة بحسب النسخ من خلقة آدم إلى ولادة ~~ناحور لتارح أبي إبراهيم. # واعلم أنه لا يكاد ms366 يعرف من العهدين تاريخ ولادة إبراهيم من تارح إلا أن ~~يعرف المقدار لمكث إبراهيم في حاران بعد موت أبيه، كما يقوله استفانوس (ا ع ~~7، 4). # وقد عرفت من هذه الجداول أيضا أن التوراة السبعينية قد خالفت العبرانية ~~والسامرية، حيث زادت عليها في عدد الآباء (قينان) بين ارفكشاد وشالح. ~~PageV02P101 # القسم الثالث في اختلاف كتب العهدين في التاريخ ولنذكر من ذلك مقامين: # الأول: قد جاء في الأناجيل في طرد النسب ما لفظه (شالح ابن قينان ابن ~~ارفكشاد) (لو 3، 35 و 36) فوافق التوراة السبعينية في زيادة قينان بين ~~ارفكشاد وشالح)، وخالف بذلك العبرانية والسامرية. # والمتكلف حاول التخلص من هذه الورطة فارتبك في التخليط، وقال (يه 3 ج ص ~~212)، ذهب البعض إلى أن موسى لم يذكره (أي قينان) لكي تكون الأجيال من آدم ~~إلى نوح عشرة، ومن نوح إلى إبراهيم عشرة لتكون أعلق بالأذهان. # قلت: إن الوحي وموسى عليه السلام لم يكونا ليشوها وجه التاريخ المسلسل ~~ويهملا حقيقة قينان وتاريخه ويجعلا ذلك عثرة في سبيل التصديق بالوحي، كل ~~ذلك ليصفا الآباء صفا شطرنجيا، إذن قل كيف أقدم سبعون من علماء اليهود ~~المنتخبين من الملة فزادوا قينان وخالفوا إرادة الوحي وموسى وكيف احتفل ~~بترجمتهم عامة اليهود والمسيح والتلاميذ والأجيال القديمة من النصارى، ~~ولماذا أقدم هؤلاء على تغيير وضع التوراة ونقض غرض الوحي وموسى، ولماذا رضي ~~لهم قومهم واحتفلوا بترجمتهم، أفلا تفهم من هذا أن اليهود لا يتوقفون عن ~~العبث بكتب الوحي إذا حسن في أهوائهم بل يكون هذا العبث رائجا مقبولا في ~~الملة. # ثم قال المتكلف: وذهب البعض إلى أن ارفكشاد كان أبا لشالح طبيعيا، ~~ولقينان شرعيا. # قلت: أظن هذا التوجيه ممن تقدمت الدنيا بكشفه عن هذا الغيب، وليت شعري ~~إذا كان قينان ابنا شرعيا، فلماذا أقحمته الترجمة السبعينية في سلسلة النسب ~~والمواليد وجعلته مولودا من ارفكشاد ووالدا لشالح فتلاعبت بالتوراة وشوهت ~~التاريخ وشوشت التقويم بذكرها مقدار عمر قينان عندما ولد شالح، وكيف رضيت ~~لهم الملة ذلك وقبلت منهم ذلك، مع أنه تلاعب بكتاب PageV02P102 # الوحي بأمر ms367 غلطي. # دع عنك الملة اليهودية، ولكن لماذا أقحمه إلهام لوقا في سلسلة الآباء ~~عبثا محضا ومعثرة في التاريخ، والتصديق بصحة التوراة العبرانية، وتثبيتا ~~لغلط السبعينية وتحريفها. # ثم قال المتكلف: وذهب البعض إلى أن قينان وشالح اسمان يدلان على شخص ~~واحد. # قلت: إذا فلماذا قبلت الملة اليهودية من السبعينية جعلها والدا حتى أنها ~~ذكرت عمر قينان عندما ولد شالح. # ولماذا لم يشر إلهام لوقا إلى هذا الغلط، ولا أقل من أن يجري مجرى ~~التوراة العبرانية، بل جرى على غلط السبعينية، وترك متبعيه يخبطون في ~~عشواء، إذ فإن في طرد النسب وابن شالح ابن قينان ابن ارفكشاد. # ثم قال المتكلف: وذهب كثيرون إلى أن قينان لم يكن مذكورا في إنجيل لوقا، ~~غير أن النساخ أخذوه من الترجمة السبعينية محاكاة لها. # قلت: عجبا كيف سمح المتكلف أن ينطق بشهادة الكثيرين على أن كتب وحيهم ~~كانت ملعبة للنساخ وأوهام الآراء، فلماذا اتفقت النسخ والنساخ على هذه في ~~الإنجيل المتواتر بزعم المتكلف. # ثم مع نقل هؤلاء الكثيرين كيف يتجه للمتكلف أن يقول (يه 2 ج ص 254)، قال ~~المفسرون: إن قينان هو لقب لأرفكشاد.. # أفلست ترى أن هذا الاضطراب في الشطط إنما هو من الأوهام التي مناها ~~الغرور بأن تصلح الفاسد بالأفسد... # وبعد هذا كله فما معنى قول المتكلف (يه 2 ج ص 254) على أنه قرئ في بعض ~~النسخ من التوراة قينان قبل ارفكشاد، أتراه يعني بذلك قينان ابن انوش وهو ~~الثالث من ولد آدم في السلسلة، كيف وهو مذكور في جميع نسخ التوراة في ~~الأجيال التي قبل الطوفان. PageV02P103 # أم أنه يعني بذلك أمرا لم يفهمه هو ولا غيره، أم يريد بذلك أن الغلط في ~~العهدين غير عزيز، فلا عيب إذا وقع فيه إنجيل لوقا، ولعله لذلك عقبه بقوله ~~(وعلى كل حال فالأمر سهل). # أفلا تقول له: إنا يكفينا مثل هذا الاستسهال في عدم الاعتناء بالعهدين بل ~~لا عذر لنا عند الله في الاعتماد على كتب يستسهل فيها مثل ذلك. # المقام الثاني: من اختلاف العهدين في ms368 التاريخ: فقد عرفت من تقويم التوراة ~~العبرانية أن المدة من دخول إبراهيم إلى أرض كنعان إلى حين دخول بني ~~إسرائيل إلى مصر تكون مائتين وخمس عشرة سنة، وقد عرفت نصها على أن إقامة ~~بني إسرائيل في مصر كانت أربعمائة وثلاثين سنة. # وتدل أيضا على أن نزول الشريعة والناموس كان ابتداؤه في مصر في سنة ~~الخروج منها (خر 12). # ثم جاء جميع ما في سفر الخروج في السنة الأولى لخروجهم من مصر قبل أن ~~يشتغلوا بعمل المسكن الذي تم، وأقيم في أول السنة الثانية (خر 40، 17). # ثم جاءت الشريعة المذكورة في سفر اللاويين، وعشر أبواب من سفر العدد في ~~السنة الثانية قبل أن يمضي منها شهر وعشرون يوما (انظر لا 27، 34، وعد 10، ~~11). # وقد انتظم في هذا أكثر شريعة التوراة ونواميسها حسبما هو موجود في ~~التوراة الرائجة، فيكون من دخول إبراهيم أرض كنعان إلى هذه الغاية ستمائة ~~وسبع وأربعين سنة. # ثم جاء باقي الشريعة متدرجا إلى السنة الأربعين لخروجهم من مصر فكلم بها ~~موسى بني إسرائيل في سفر التثنية (تث 1، 3)، وكان غالب سفر التثنية تكرارا ~~لبيان الشريعة المتقدمة، ولذا سمته الترجمة السبعينية بذلك، وأن أحكام ~~الكهنوت وشرائعه وتأبيده كلها قد جاءت في سفر الخروج وسفر اللاويين قبل أن ~~تمضي لخروجهم من مصر سنة ونصف، وهاك جداول الحساب بمقتضى PageV02P104 # تقويم التوراة: # سنة: # 25 من دخول إبراهيم كنعان إلى ولادة إسحاق (تك 12، 4 و 21، 5). # 60 ومن ولادة إسحاق إلى ولادة يعقوب (تك 25، 26). # 130 ومن ولادة يعقوب إلى دخوله مع بنيه إلى مصر (تك 47، 9). # 430 وإقامة بني إسرائيل في أرض مصر (خر 12، 40). # 1 شريعة سفر الخروج ونواميسه. # 647 / 1 شريعة سفر اللاويين، وعشر أبواب من سفر العدد ونواميسها. # 658 / 3 باقي الناموس إلى ختامه عن تثنية بيانه. # وبمقتضى التوراة أن إبراهيم توفاه الله بعد ما خرج من حاران بمائة سنة ~~(انظر تك 12، 4، و 25، 7). # وعلى هذا فالزمان الفاصل بين مواعيد الله لإبراهيم حينما تجلى له وبين ~~ابتداء الناموس الذي نزل على موسى لا يمكن أن يكون أقل من خمسمائة ms369 وخمس ~~وأربعين سنة.. # إذا عرفت هذا فقد جاء عن بولس في ثالث غلاطية 16، وأما المواعيد فقيلت في ~~إبراهيم وفي نسله، لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد، ~~وفي نسلك الذي هو المسيح 17، وإنما أقول هذا: إن الناموس الذي صار بعد ~~أربعمائة وثلاثين سنة لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله، وأقل اختلاف يفرض ~~بين هذا الكلام وبين التقويم المتقدم عن التوراة العبرانية هو مائة وخمس ~~عشرة سنة. # قال المتكلف (يه 4 ج ص 7 و 8) ما ملخصه أن الموعد المشار إليه في كلام ~~بولس هو الوعد الذي وعد الله به إبراهيم (تك 12، 3) عندما أمره بالتغرب عن ~~وطنه وعشيرته، ومن هذا الموعد إلى نزول الشريعة 430 سنة لأن PageV02P105 # عمر إبراهيم حينئذ كان 75 سنة، ومنه إلى دخول بني إسرائيل مصر 215 ~~وأقاموا في مصر 215 يكون المجموع إلى نزول الشريعة 430 سنة، إنتهى ملخصا. # قلت: قد أوضحنا لك قريبا في القسم الأول من أقسام الاختلاف الثلاثة كيف ~~قد تقلب المتكلف في التناقض في هذا المقام وقلق في أغلاطه، فراجعها إلى ~~الغلط الرابع عشر واكفنا مؤنة التكرار، ولكنا نوضح لك هاهنا أنه لو فرضنا ~~إن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت 215 سنة أو 210 سنين كما تقلب به المتكلف ~~لما أمكن أيضا انطباق الكلام الذي ذكرناه عن غلاطية على موعد من مواعيد ~~الله لإبراهيم المذكورة في التوراة لا من حيث المعنى ولا من حيث التقويم ~~أصلا ورأسا. # فلنذكر لك ما جاء في التوراة من مواعيد الله وعهوده لإبراهيم. # فالموعد الأول: وهو الذي عناه المتكلف وعينه في كلامه جاء في (تك 12، 2 و ~~3) وليس فيه ذكر للنسل الذي ذكر في كلام غلاطية أصلا، وتاريخ هذا الموعد ~~أما عند خروج إبراهيم من حاران حينما كان عمر إبراهيم 75 سنة كما زعم ~~المتكلف هاهنا. # وأما عند خروجه مما بين النهرين أي (أور الكلدانيين) على قول استفانوس (ا ~~ع 7، 3 - 4)، وعلى زعم المتكلف أيضا في أول جدوله كما تقدم، وبمقتضى ms370 تقويم ~~المتكلف في جدوليه يوافق السبعين من عمر إبراهيم. # الموعد الثاني: بعد اعتزال لوط عن إبراهيم وبعد رجوعهم من مصر وعندما ~~أقام إبراهيم في حبرون وهو (تك 13، 15 و 16)، وذلك بعد دخول إبراهيم لي أرض ~~كنعان بسنين، والنصارى يقولون في تواريخهم: أنها كانت خمس سنين أو أربع. # وصريح هذا الوعد أن المراد من النسل هم الكثيرون الذين يعسر عدهم كتراب ~~الأرض. # الموعد الثالث: بعد ذلك وبعد حرب إبراهيم مع الملوك (تك 15، 5 - ~~PageV02P106 # 19)، وصريحه أيضا أن المراد من النسل الكثيرون الذين يعسر عدهم والذين ~~يستعبدون ويذلون في مصر. # العهد الرابع: لما كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة (تك 17، 7 و 8) وهو ~~صريح أيضا في أن المراد من النسل هم الكثيرون في أجيالهم. # العهد الخامس: فإنه بهذا التاريخ وهذا المعنى (تك 17، 9 - 13). # العهد السادس: حينما عزم إبراهيم على ذبح إسحاق قربانا (تك 22، 16 - 19) ~~وهو أيضا صريح في أن المراد من النسل هم الكثيرون، الذين هم كنجوم السماء ~~وكالرمل. # وليس في هذه المواعيد لفظ (في نسلك) الذي يتشبث به كلام غلاطية إلا في ~~الموعد الأخير، ولكن ما شئت فابذل جهدك وسعيك في تطبيق كلام غلاطية المنسوب ~~إلى بولس على أحد المواعيد التي ذكرناها من حيث اللفظ أو المعنى أو ~~التاريخ. # أما الوعد الأول فليس فيه ذكر للنسل أصلا، وأما المواعيد الأربعة التي ~~بعده فليس فيها لفظ (في نسلك)، بل ذكر النسل بعبارة أخرى صريحة في أن ~~المراد من النسل هم الكثيرون في أجيالهم. # وأما الوعد السادس فإنه وإن كان فيه لفظ (في نسلك) لكنه صريح في أن ~~المراد من النسل هم الكثيرون كنجوم السماء وكالرمل، ولا يمكن تطبيق تقويمه ~~على كلام غلاطيه، فاذن ليس في التوراة كلام ينطبق عليه الكلام الذي سمعته ~~عن غلاطيه لا من حيث المعنى ولا من حيث التقويم حتى بالتقويم الذي اضطرب في ~~دعاويه المتكلف، مضافا إلى أنه جاء أيضا في الرسائل المنسوبة إلى بولس ما ~~هو صريح في أن المراد من النسل في مواعيد إبراهيم هم الكثيرون، وإن ms371 زعم أن ~~المراد منهم أولاد الموعد لا أولاد الجسد، (فانظر رو 9، 7 و 8)، وأظن أن ~~كاتب رسالة رومية لم يطلع على رسالة غلاطية أو بالعكس. # والحاصل أن كلام غلاطية زيادة على غلطه في المعنى فهو مناقض لتقويم ~~التوراة كما ذكرناه أولا. PageV02P107 # المقام الثالث: من اختلاف العهدين جاء في إنجيل متى قوله: (27، 9 و 10) ~~حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن ~~الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب. # هذا مع أن هذا المنقول لا يوجد في كتاب ارميا، نعم يوجد له مشابه في بعض ~~المفردات في كتاب زكريا وهو قوله (11، 12 و 13) فوزنوا أجرتي ثلاثين من فضة ~~فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنت عليهم فأخذت ~~الثلاثين الفضة وأرسلتها إلى الفخاري في بيت الرب، وأنت ترى أنه لا مماثلة ~~من حيث المعنى ولا التركيب بين ما ذكرنا عن متى وما ذكرناه عن زكريا، وإنما ~~توجد المماثلة بين بعض المفردات مثل: ثلاثين، وفضة وثمن، والذي، والرب. # فإن أغمضنا عن مسخ التركيب والمعنى فقد غلط كاتب الإنجيل في نسبته إلى ~~ارميا وهو في كتاب زكريا، أو غلط كتاب العهد القديم إذ جعلوه في كتاب زكريا ~~وهو من كتاب ارميا، وإن أغمضنا عن الغلط في النسبة، فقد غلط كاتب الإنجيل ~~في مسخ التركيب، وتبديل الاسم، أو غلط العهد القديم في نقل الكلام على ~~وجهه. # نقل إظهار الحق في الشاهد التاسع والعشرين من المقصد الثاني من الباب ~~الثاني عن كتاب (وارد كاتلك) عن كتاب (مستر جويل) أن متى غلط فكتب (ارميا) ~~موضع زكريا. # وعن (هورن) في تفسيره اعترافه بأن في هذا النقل إشكالا جدا من أجل عدم ~~وجوده في ارميا وعدم مطابقته لما في زكريا. ونقل عن بعض المحققين بناءهم ~~على أحد أمرين. إما تبديل الكتاب لزكريا بارميا غلطا. وإما أن لفظ ارميا ~~الحقه الكتاب غلطا، ثم قوى هورن هذا الأخير ونقل إظهار الحق عن بعض مفسريهم ~~أنه وجهه بالوجه الأول. ms372 # وعن ابن ساباط أن بعض قسيسيهم اعترف بأن متى كتب هذا اعتمادا PageV02P108 # على حفظه بدون مراجعة للكتب فوقع في الغلط، وقال بعضهم، لعل زكريا يكون ~~مسمى بأرميا أيضا. # والمتكلف (يه 3 ج ص 271) من شدة عناده للحق، أو من كثرة علمه نسب إظهار ~~الحق إلى الهذيان حيث نقل الحيص والبيص من علماء النصارى في هذا المقام. # وليت شعري لماذا حمل على إظهار الحق قصاص علماء النصارى ومفسريهم إذا ~~أنطقوا في اضطرابهم ببعض الصواب الباهظ لضلال الأهواء، فهل يقول المتكلف إن ~~عدل الله وقداسته ومقته للخطيئة والخطأ والخبط والغلط اقتضى أن يكون إظهار ~~الحق فاديا لمتى والمفسرين. # دع هذا فإن المتكلف (يه 3 ج ص 272) زاد في الخبط والاضطراب في هذا ~~المقام، فزعم (أولا) أن من اصطلاحات علماء اليهود القديمة أنهم كانوا ~~يقسمون الكتب المقدسة إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول: شريعة موسى، وكانوا يسمونها الشريعة. # القسم الثاني: المزامير. # القسم الثالث: قسم الأنبياء ويسمى ارميا، من إطلاق الجزء على الكل، وسبب ~~تسمية قسم الأنبياء بأرميا هو أنهم ذكروا نبواته أول الأنبياء على هذا ~~الترتيب وهو ارميا وحزقيال وأشعيا، ثم نبوات الاثني عشر نبيا صغيرا. # قلت: يحكى أن بعض الكذابين أوصى ولده وقال له: إذا كذبت فاستشهد ~~بالأموات، كيف وأن الموجود من العهد القديم العبراني هو أنهم ذكروا بعد ~~أسفار التوراة حصتين سموا الأولى (نبيايم - اشونيم) - أي الأنبياء الأولين ~~- وهي ستة كتب أولها كتاب يوشع وآخرها الملوك الثاني، وسموا الحصة الثانية ~~(نبيايم احرونيم) - أي الأنبياء الآخرين - وهي خمسة عشر كتابا أولها كتاب ~~أشعيا وآخرها كتاب ملاخي. # ثم ذكروا بعد ذلك حصة سموها (كتوبيم) وهي ثلاثة عشر كتابا أولها المزامير ~~(تهليم) وآخرها أخبار الأيام الثاني. PageV02P109 # فليس في العهد القديم العبراني حصة أولها كتاب ارميا، ولا حصة تسمى ~~ارميا، واليهود لا يعرفون ذلك عن سلفهم، وإنجيل متى لم يقل بالأنبياء بل ~~قال (بأرميا النبي القائل) وهذا كالصراحة بإرادته كتابا واحدا ولو خادعنا ~~نفوسنا وسلمنا دعوى المتكلف في اصطلاحات اليهود القديمة، وأعرضنا عن دلالة ~~اللفظ لقلنا ms373 أن إنجيل متى لم يجر على هذا الاصطلاح المكذوب، بدليل أنه قال ~~(مت 27، 35) (لكي يتم ما قيل بالنبي) وهو يعني بذلك كتاب المزامير، فإن قسم ~~المزامير لا يسمى عند اليهود بالنبي ولا الأنبياء لا في الاصطلاح المكذوب، ~~ولا في الاصطلاح المعروف بل يسمى (تهليم). # فإن قلت: إن استشهاد إنجيل متى بما ذكرته عن المزامير غير ثابت بل ذهب ~~بعض المفسرين إلى أن الفقرة المشار إليها يجب حذفها لأنها ليست في المتن ~~وإنما هي مأخوذة من إنجيل يوحنا (19، 24) ولذا جعلوها في إنجيل متى بين ~~خطين هلاليين. # قلت - أولا: إن المتكلف يعترف (يه 3 ج ص 274) بأن هذه الفقرة في إنجيل ~~متى ثابتة في النسخ المعتبرة والقراءات الصحيحة. # وثانيا: إنك لم تأت في هذا بشئ إلا أنك جلبت على الإنجيل مصيبة أخرى وهي ~~أن تكون مثل هذه الفقرة الطويلة زائدة فيه من عبث التصرف. # وزعم المتكلف ثانيا: أن كلمة (ارميا) تكتب باللغة اليونانية (ايريو) ~~وكلمة زكريا (زيريو) بتغيير الألف إلى زاي فقط فنشأ هذا الاختلاف. # قلت: إذن فيحق أن يصنع التنوير والاحتفال لاتقان الإنجيل في لغته ~~وكتابته، وللمتكلف في رؤياه النبوية. # وزعم ثالثا: بأن البعض ذهب إلى أن راميا هو الذي تكلم بهذه الكلمات وأن ~~زكريا نقل عنه. # قلت: دع عنك أن سوق الكلام في كتاب زكريا يأبى ذلك ويبطل هذه الدعوى، ~~ولكن كان على هذا البعض إذ تنبأ من هواه بهذا الغيب أن يتم PageV02P110 # الإصلاح لنقل إنجيله فيتنبأ ويقول: إن العبارة الأصلية لأرميا موافقة ~~لعبارة متى، وإن الخطأ وقع في نقل زكريا. # المقام الرابع: وأيضا جاء في العهد القديم أن (بلعام) هو ابن (بعور) ~~بالعين قبل الواو (عد 22، 5 وتث 23، 4 ويش 13، 22 ومي 6، 5). # وجاء في العهد الجديد (بلعام) ابن (بصور) بالصاد قبل الواو، (2 بط 2، ~~15). # ولا تصغ إلى اعتذار المتكلف في مثل هذا بتقارب الحروف فإن الفرق في الخط ~~العبراني بين العين والصاد من أوضح ما يكون في الفرق بين الحروف إلا أن ~~يقول: إن كاتب العهد الجديد لا يحسن ms374 أن يميز ما بين الحروف، فقل له: # إذن فقد وقع كتبة العهد القديم بمثل ذلك، حيث اعتذرت عن اشتباههم مرارا ~~بتقارب الحروف، فلماذا قسم الطالع للعهدين بالكتبة الذين لا يميزون بين ~~الحروف. # ولا تلتفت إلى نبواته الأهوائية إذا ادعى باطلا أن (بعور) لما تزوج أو ~~لما نبتت لحيته، أو لما شاب، أو لما ارتفع بعد الضعة، أو لما اتضع بعد ~~الرفعة صار اسمه (بصور) بالصاد، كما يلتجأ إلى مثل هذا الخبط عندما يضيق به ~~الخناق كما ادعاه (يه 2 ج ص 128)، لما سمى العهد القديم أم سليمان النبي ~~مرة (بت شبع بنت اليعام) (2 صم 11، 3) ومرة (بت شوع بنت عميئيل) (1 أي 3، ~~5)، وادعاه أيضا في كتابه في كثير من اختلاف العهد القديم. # المقام الخامس: في اختلاف ذات الأناجيل فيما بينها في التاريخ، ولنكتف من ~~ذلك بما ذكرناه في الجزء الأول صحيفة 237 - 264 فراجعه، فإنه يشتمل أيضا ~~على القسم الأول وهو اختلاف ذات الكتاب الواحد في تاريخه. # المقام السادس: في اختلاف كتب العهد القديم فيما بينها في التاريخ جاء في ~~سفر الملوك الثاني 8، 26 ابن اثنتين وعشرين سنة أخزيا هو عند ملكه وسنة ~~واحدة ملك بأورشليم واسم أمه عثليا بنت عمري ملك إسرائيل، وجاء في سفر ~~الأيام الثاني 22، 2 ابن اثنتين وأربعين سنة أخزيا هو عند ملكه وسنة ~~PageV02P111 # واحدة ملك بأورشليم واسم أمه عثليا بنت عمري. # فزاد تاريخ سفر الأيام على تاريخ سفر الملوك عشرين سنة، مع أن ما في سفر ~~الأيام لا يكاد أن يصح لنص العهد القديم على أن أباه يهورام مات وهو ابن ~~أربعين سنة، وأن أخزيا صار ملكا سنة موت أبيه (فانظر 2 مل 8، 17 و 25، و 2 ~~مل، 21، 20) وعلى هذا يلزم أن يكون أخزيا أكبر من أبيه بسنتين. # قال المتكلف (يه 1 ج ص 282) المراد بقوله (يعني الأيام الثاني 22، 2) ~~اثنتين وأربعين سنة - أي من دولته - وأنه صار للدولة التي هو منها 42 سنة ~~وكان عمره نحو اثنتين وعشرين سنة. # قلنا: سامحنا المتكلف في دعواه التي ms375 لا يرتضيها لنفسه كل مؤرخ يعرف من ~~لحن الكلام والتاريخ موطئ قدمه، ودعه يرضى مثل ذلك لأنبيائه وكتب وحيه، وإن ~~خالفه أسلوب كل التاريخ المذكور في العهد القديم، ولكن قبل أي وقت من ~~الدولة يأخذه مبدأ للاثنتين وأربعين سنة، فإن كان ابتداء دولة أبيه يهورام ~~فإنه يكون ابن ثمان سنين، وإن كان ابتداء دولة جده يهو شافاط فإنه يكون ابن ~~ثلاث وثلاثين سنة، وإن كان ابتداء دولة جد أبيه آسا فإنه يكون ابن أربع ~~وسبعين سنة، أم يقول: إن الوحي اشتهى سنة من السنين فجعلها مبدأ للتاريخ، ~~وعلى كل حال فلا غلط، ولا خبط ولا اختلاف. # ثم قال (ص 183) ثانيا قرأ عوضا عن 42 سنة 22 وعليه فلا لزوم إلى التأويل، ~~وسبب اختلاف القراءة هو أن العبرانيين كانوا يستعملون الأحرف للدلالة على ~~الأعداد، وبما أنه يوجد تشابه بين الحرف الدال على الحرف العدد 2 والحرف ~~الدال على العدد 4 نشأ هذا الاختلاف في القراءة وهو أمر نادر جدا في كتاب ~~الله وهو يكاد أن يكون كالمعدوم. # قلت: أولا إن اليهود وإن كانوا ربما يشيرون إلى العدد بالحروف ولكنه لا ~~أثر لذلك في متن العهد القديم العبراني، بل إن جميع أعداده مذكورة باللفظ ~~الصريح حتى في هذا المقام، إلا أن يقول المتكلف إن المتن العبراني كالحرباء ~~يبرز كل زمان بلون. PageV02P112 # وثانيا: إن إشارتهم إلى العدد إنما هي بحروف (أبجد) الكبير الذي تكون فيه ~~مراتب العدد محفوظة في ذات الحرف لا بموقعه في الصف، كما هو في الإشارة ~~بالأرقام. # فالمتكلف غلط في قوله (تشابه الحرف الدال على العدد 2 والحرف الدال على ~~العدد 4) بل الاشتباه في مثل المقام يكون بين الحرف الدال على عشرين وهو ~~الكاف، والحرف الدال على أربعين وهو الميم. # وثالثا: إن الباء والدال والكاف والميم في الخط العبراني متباعدة في ~~الشكل كتباعدها في الخط العربي أو أكثر فلا يشتبه بها إلا من لا يميز من ~~الخط إلا السواد على البياض، فقرت عين المتكلف بكتبه وكتبتها وقرائها ~~وحملتها. # ورابعا: إن ms376 قوله: وهذا نادر جدا في كتاب الله إنما هو قول من لا خبرة له ~~في كتابه أو قول من لا يبالي بدعاويه الوقتية وإن قدم وأخر ما ينفضها، كيف ~~لا وقد تشبث باشتباه الحروف وتقاربها في الاعتذار عن كثير من أغلاط العهدين ~~(فانظر الجزء الأول صحيفة 242) كما اعتذر بذلك (يه 1 ج ص 180) عن اختلاف ~~العهد القديم في نحو تاريع وتحريع، وبنعة وينعة، ويهوعده ويعره، على أنا قد ~~ذكرنا لك في التمهيد أن الحواشي قد ذكرت من أغلاط الحروف في المتن العبري ~~ما يزيد على الألف مع أنها قد أهملت من ذلك الكثير، ولكن المتكلف لا يبالي ~~أن يقول مع ذلك، وعلى كل حال فلا اشتباه بالحروف في كتاب الله. # (وأيضا) جاء في الملوك الثاني 24، 8 ابن ثماني عشرة سنة يهوياكين عند ~~ملكه وثلاثة أشهر ملك بأورشليم. # وجاء في الأيام الثاني (36، 9) ابن ثماني سنين يهوياكين عند ملكه وثلاثة ~~أشهر وعشرة أيام ملك بأورشليم، فاختلف التاريخان في عمره عند ملكه بعشر ~~سنين. # وقال المتكلف (يه 1 ج ص 183) لما كان عمره ثماني سنين أشركه معه والده في ~~الحكم ليمرنه ويدربه على السياسة والإدارة، ومع ذلك فلم يملك PageV02P113 # رسميا إلا لما كان عمره ثماني عشرة سنة. # قلت: دع عنك إن هذه الدعوى تقول بلا أثر يشهد لها وإنما أوردها على ~~اللسان والقلم ذلك الروح المذكور (1 مل 22، 22، و 2 أي 18، 21) ولكن ما ~~يصنع المتكلف والمرسلون الأمريكان بقول الأيام الثاني (36، 5 ابن خمس ~~وعشرين يهوياقيم عند ملكه وإحدى عشر سنة ملك بأورشليم، وملك يهوياكين ابنه ~~عوضه 9 ابن ثماني سنين يهوياكين عند ملكه وثلاثة أشهر وعشرة أيام ملك ~~بأورشليم. # وطابق أنت هذه العبارات مع 2 مل 23، 36، و 624 و 8 فإنه لو كان المراد ~~كما يزعمه المتكلف هاهنا لكان نبيه ووحيه قد غلطا في قولهما إن يهوياكين ~~ملك عوض أبيه، بل كان عليهما أن يقولا (معه) وغلطا في قولهما إن يهوياكين ~~ملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام، بل كان عليهما أن يقولا عشر سنين ms377 وثلاثة أشهر ~~وعشرة أيام، فلا يصح لسفر الأيام إلا أن يريد في جميع كلامه ملك يهوياكين ~~الرسمي بعد أبيه. # المقام السابع: في اختلاف كتب العهدين فيما بينها في التاريخ، جاء في ~~صموئيل الثاني 23، 8 هذه أسماء الأبطال الذين لداود، يوشيب بشبث التحكموني ~~رئيس الثلاثة هو هز قناته على ثمان مائة قتيل دفعة واحدة 9 وبعده العازرا ~~ابن ددي ابن اخوخي 11، وبعده شمة ابن اجي هاراري، فاجتمع الفسطينيون جيشا ~~وكانت هناك قطعة مملوءة عدسا. # وجاء في الأيام الأول في هذا الموضوع 11، 11 وهذا عدد الأبطال الذي لداود ~~ياشا بعام ابن حكموني رئيس الثوالث هو هز رمحه على ثلاث مائة قتيل دفعة ~~واحدة 12، وبعده العازرا ابن دودو الاخوخي 13 والفلسطينيون اجتمعوا هناك ~~للحرب، وكانت قطعة الحقل مملوءة شعيرا فاختلف الكتابان في نقل القصة ~~الواحدة في أمور. # 1 - يوشيب بشبث، وباشبعام. # 2 - التحكموني ابن حكموني. PageV02P114 # 3 - ثمان مائة قتيل دفعة واحدة ثلاث مائة قتيل دفعة واحدة. # 4 - ددي ابن اخوخي، دودو الاخوخي. # 5 - مملوءة عدسا، مملوءة شعيرا. # وحاصل ما عند المتكلف في هذه الورطة ثلاث دعاوى تزيد في الطنبور نغمة. # 1 - إن العلم قد يكون مركبا من اسم فاعل وجار ومجرور فإن بشبث الرابض في ~~مكانه. # 2 - إن أحد النبيين ذكر 300 عدد المقتولين، والثاني ذكر 800 عدد ~~المقتولين مع الجرحى والهاربين. # 3 - أن يكون العددان في حادثتين مختلفتين (انظر يه 1 ج ص 184 و 3 ج ص ~~229). # فنقول: # أولا: هب أن بشبث علم مركب، ولكن ما وجه التوفيق بذلك بينه وبين يوشيب ~~وبين باشبعام، وما وجه التوفيق بين وصفه بالتحكموني وبين جعله ابن حكموني. # وثانيا: إن كلا الكتابين قالا 300 و 800 قتيل دفعة واحدة ولفظ ذلك في ~~الأصل العبراني في كلا الكتابين (حالال) وهو القتيل (انظر تث 21، 1 و 3 و ~~6، وا صم 31، 1 و 8، و 1 أي 10، 8) فهل يقول المتكلف إن أحد النبيين جهل ~~الحقيقة فعد الجرحى والهاربين من قسم القتلى، ولعله يقول ذلك لكي يحامي عن ~~كتبه المملوءة ms378 غلطا والتي لا تعرف الأنبياء ولا يعرف الأنبياء صورتها ~~المستحدثة. # وثالثا: إن كل من يفهم ما يقول وما يسمع وما يقرأ ليعلم أن المراد من ~~صموئيل الثاني (23، 8 - 39) هو المراد من الأيام الأول (11، 10 - 47) كما ~~يعلم أن العازار ابن ددي ابن اخوحى هو الذي قيل فيه العازار ابن دودو ~~PageV02P115 # الاخوخي، وأن العدس هو الذي قيل فيه شعير. # وكما يعلم أيضا من صموئيل الثاني 23، 25 (بان شمة الحروري) هو المذكور في ~~الأيام الأول 11، 27 (شموت الهروري) و (حالص الفلطي) 262 هو (حالص الفلوني) ~~27 و (خالب ابن بعنة) 29 هو خالد ابن بعنة 30 و (هدى من أودية جاعش) 30 هو ~~(حوري) 32 و (اخيام ابن شاراد الاراري) 33 هو (اخيام ابن ساكار الهرادي) ~~35، ولو قابلت (2 صم 23، 24 - 39 مع 1 أي 11، 26 - 47) لوجدت الاختلاف ~~الفاحش في الأسماء، مع أن المقامين متصديان لذكر أمر واحد، ولا يخفى عليك ~~أن هذا كله من الغلط الذي أشرنا إليه آنفا. # المقام الثامن: في اختلاف الكتاب الواحد من العهد القديم، جاء في الملوك ~~الثاني (1، 17) أن أخزيا ابن اخاب ملك إسرائيل مات وملك عوضه أخوه يهورام ~~ابن اخاب في السنة الثانية ليهورام ابن يهو شافاط ملك يهودا، وجاء فيه أيضا ~~(8، 16) وفي السنة الخامسة ليهورام ابن اخاب ملك إسرائيل ويهوشافاط ملك ~~يهوذا ملك يهورام ابن يهوشافاط ملك يهودا وإذا كان يهورام ابن يهوشافاط قد ~~ملك في السنة الخامسة لملك يهورام ابن اخاب فيكف يكون يهورام ابن اخاب ملك ~~في السنة الثانية لملك يهورام ابن يهوشافاط، ودع باقي المناقضات في الملوك ~~الثاني، وبينه وبين الأيام الثاني في تاريخ هذين الملكين ويهوشافاط، ودع ~~المترجمين يسقطون ويحرفون ما شأوا حيث لا يقبل منهم ولا يجديهم. # وقد أدى بنا التطويل في هذا المقام إلى السأم، وفي هذا الأنموذج كفاية، ~~وليس الغرض من هذا المقام هو الاستقصاء فإنه يحتاج إلى كتاب برأسه، بل وليس ~~الغرض بيان أغلاط المتكلف في كل ما أجاب به إظهار الحق، ولعلما نستطرد في ~~المباحث الآتية كثيرا ms379 من ذلك إن شاء الله. # * * * فلنشرع بعون الله فيما هو المقصود في الفصل الرابع الذي قدمنا ~~لأجله PageV02P116 # هذا التمهيد، قال الله جل اسمه في سورة حم فصلت 8 (قل أئنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين 9 وجعل فيها ~~رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ~~10 ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين 11 فقضيهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم). # واعترض المتعرب (ذ) 44 على هذه الآيات باعتراضين (الأول) زعمه أنه يتحصل ~~من الآيات الكريمة المذكورة أن خلق الأرض والسماوات كان في ثمانية أيام ~~(وذلك لمكان يومين وأربعمائة أيام ويومين ثم زعم أنه منقوض في سبعة مواضع ~~من القرآن بما معناه أنه (جل شأنه) خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام لا ثمانية. # قلت: لا يخفى أن الجبال جزء من الأرض التي خلقت في يومين وهي مخلوقة بخلق ~~الأرض ولكن جرى التنصيص على ذكرها للامتنان بجعلها على الأرض لما فيها من ~~الفوائد ودفع المضار، كما أشرنا إليه في هذا الجزء صحيفة 39 - 41، ولم يقل ~~جل اسمه: (وخلق فيها رواسي) بل قال: (وجعل فيها رواسي) وذلك لئلا يتوهم أن ~~خلق الجبال كان منفصلا عن خلق الأرض في اليومين، بل لينبه على أن الجبال من ~~المخلوق في اليومين، وجرى التنصيص عليها للامتنان بحكمتها الظاهرة فيكون ~~ذكر جعل الجبال بمنزلة الإعادة لذكر الخلق المتقدم في الآية الأولى، لأن ~~جعل الجبال كان من جملتها، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى، فيكون قوله تعالى في ~~الآية الثانية: (وجعل فيها رواسي من فوقها) بمنزلة قوله تعالى خلقها مع ~~جبالها الراسية النافعة، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، ~~فيكون اليومان داخلين في الأربعة فتتم فائدة التفصيل والبيان والتمجد ~~بالقدرة والامتنان بقوله تعالى: (خلق الأرض في يومين) وبيانه جل شأنه ms380 بقوله ~~تعالى: إنه خلقها (وجعل فيها رواسي وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة ~~أيام). # الاعتراض الثاني: هو أن الآيات المذكورة تدل على أن خلق السماوات ~~PageV02P117 # كان بعد خلق الأرض، فزعم أنه منقوض بقوله تعالى في سورة النازعات 27 ~~(أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها 28 رفع سمكها فسواها 29 وأغطش ليلها وأخرج ~~ضحيها 30 والأرض بعد ذلك دحاها 31 أخرج منها مائها ومرعاها 32 والجبال ~~أرساها 33 متاعا لكم ولأنعامكم) قلت: منشأ توهم المتعرب في زعمه هذا أمران ~~(أحدهما) توهمه أن قول الله جل شأنه: (ثم استوى إلى السماء) معطوف ومرتب ~~على قوله تبارك اسمه: # (وبارك فيها وقدر فيها أقواتها) وليس كما توهم، بل إنه معطوف على قوله ~~تعالى: (خلق الأرض في يومين). # (وثانيهما: توهمه أن قوله تعالى: (والأرض بعد ذلك دحاها) بمعنى أنشأ ~~خلقها، وليس كما توهم، بل إن معنى قوله تعالى: (دحاها) مهدها وأعدها للسكنى ~~وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وأخرج منها مائها ومرعاها متاعا للناس ~~ولأنعامهم. # ولوا اعتمدنا على الهيئة الجديدة لفهمنا من قوله تعالى: (دحاها) أنه ~~سخرها للحركة الأينية في الدوران على الشمس بعد أن خلق الشمس في جملة ~~السماوات وأودع فيها القوة الجاذبة فيكون قوله تعالى: (أخرج منها مائها ~~ومرعاها) حالا من الضمير البارز في (دحاها)، كما أنه يكون على المعنى الأول ~~بدلا من قوله تعالى: (دحاها). # فيكون حاصل الآيات السابقة هو أن الله جلت قدرته خلق الأرض وأنشأها في ~~يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين، وخلق الأرض وجعل ~~فيها رواسي وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة تامة في العدد وإن كانت ~~مفصولة بوقوع خلق السماوات بين خلق الأرض وبين البركة فيها وتقدير أقواتها. # ومما يرشد من نفس الآيات إلى أن يومي خلق الأرض مفصولان عن يومي البركة ~~فيها وتقدير أقواتها هو قوله تعالى: (سواء للسائلين) أي أربعة تامة العدد ~~فيما يتعلق بالأرض وإن كانت مفصولة بخلق السماوات كقوله تعالى في ~~PageV02P118 # سورة البقرة 192: (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ms381 رجعتم تلك عشرة كاملة) ~~أي كاملة في العدد وإن كانت مفصولة بمدة الرجوع إلى الوطن. # (فإن قلت): فلماذا لم يجر البيان على نسق التكوين والتقدير، (قلت) ليجري ~~البيان والامتنان في النظام الأرضي في تكوينها وتقدير أقواتها مطردا في نسق ~~واحد، وينتظم فيه التقدير بأربعة أيام، فإنه لا يخفى أن أذهان عامة البشر ~~أقرب إلى الالتفات إلى تأثير النعم الأرضية في قوام حياتهم وقرار تعيشهم، ~~وأما النعم السماوية فلا يلتفت إلى حقيقة مداخلتها في ذلك بما لها من ~~التسبيب إلا الخواص. # (فإن قلت): قد قدمت أن خلق الجبال كان في جملة خلق الأرض في اليومين قبل ~~خلق السماوات. # إذن فماذا تقول في قوله تعالى في السادسة من الآيات الأخيرة (والجبال ~~أرساها)، أفليس ذلك يدل على أن خلق الجبال كان بعد خلق السماء، (قلت) إن ~~إرساء الجبال ليس بمعنى خلقها بل بمعنى تثبيتها وإعطائها قوة الثبات في ~~محالها حينما تحتاج إلى ذلك بواسطة الصوادم أو حركة الأرض عند دحو الأرض ~~وتقدير أقواتها إذ كان من ذلك أن أودع بقدرته في جوفها المواد البخارية ~~والنارية السيارة لتوليد معادنها ونباتها وتصعيد مياهها، فمنح الله الجبال ~~قوة إرسائها فلا يزعزعها ويلاشيها ما قدر الله خروجه منها من المواد ~~البخارية والنارية السيارة في جوف الأرض لكي تدوم بذلك حكمة خلقها كما ~~أشرنا إليه في هذا الجزء صحيفة 40 - 41 وجعلها راسية عندما دحا الأرض ~~بالحركة الوضعية أو الأينية فدبت فيها الحرارة السيارة وتوجهت إلى الخروج ~~من الجبال، أو لهذا ولأنها لا تنهال بواسطة الحركة وتتزعزع من مكانها وذلك ~~إما بقوة كافية في ذلك كله، أو بأن جعل في طبيعتها الميل إلى مركز الأرض ~~كما تقوله الفلسفة القديمة أو بحبسها بإحاطة الهواء الثقيل المطلق كما يقال ~~في الفلسفة الجديدة (إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا)، ولعل ما ~~إلى نحو هذه الحركة يشير قوله تعالى في سورة النمل 90 (وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه ms382 خبير بما تفعلون). ~~PageV02P119 # واعترض المتكلف على الآيات السابقة من سورة فصلت أيضا فقال (يه 2 ج ص ~~108) ومن طالع الإصحاح الأول من سفر التكوين وجد أغلاطا جمة في عبارة ~~لقرآن. # ففي اليوم الأول خلق الله النور وفي اليوم الثاني خلق الله الجلد وفي ~~اليوم الثالث خلق الله الأرض وجعلها تنبت العشب وفي اليوم الرابع خلق الشمس ~~وفي اليوم الخامس خلق الله الطيور والزحافات وفي اليوم السادس خلق الله ~~البهائم والوحوش وغيرها وفي اليوم السابع خلق الله الإنسان، كما هو مذكور ~~بالتفصيل في الإصحاح الأول من سفر التكوين. # قلت: (أولا) إن أردت أن تعرف حال التورية التي يعترض بها فانظر إلى ما ~~ذكرنا في الصدر والتمهيد مع ما أشرنا إليه في الجزء الأول لكي تعرف ما هي ~~عليه من تعدد مواليدها ومسمياتها، ونشوءها، وأحوالها، وأسقامها وإنكار ~~المفسرين المدققين لمضامينها وصراحتها، وشهادة جملة من المفسرين بزيادتها ~~ونقصانها، وإعراض قارئيها ومترجميها عن صورتها المشوهة بالغلط والنقصان. # ودع عنك ما ذكرنا في متفرقات الكتاب مما تتيقن منه بأن هذه الصورة ~~الموجودة لا تعرف كليم الله موسى عليه السلام ولا يعرفها. # (وثانيا) إن أردت تعرف مقدار معرفة المعترض فانظر إلى جهله بتوراته فإنها ~~تقول: إن اليوم الثالث قال الله فيه: لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان ~~واحد ولتظهر اليابسة، وكان كذلك ودعى الله اليابسة أرضا، ومجتمع المياه ~~بحارا (تك 1، 9 و 10)، وهذا لا يدل إلا على أن الأرض كانت مخلوقة موجودة ~~ولكنها مغمورة بالمياه، فأمر الله المياه أن تنحسر عنها لكي تظهر بعد ~~الانغمار. # وزيادة على ذلك أن توراته قد ذكرت قبل ذلك أن الأرض كانت خربة وخيالية، ~~وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفرف على وجه المياه، وقال الله ليكن نور، ~~ودعا الله النور نهارا والظلمة ليلا، وهو اليوم الأول (انظر تك 1، 2 - 6)، ~~وهذا يدل على أن الأرض مخلوقة قبل خلق النور في اليوم الأول. # وأن قوله وفي اليوم السابع خلق الله الإنسان إنما هو أيضا جهل بصراحة ~~PageV02P120 # توراته في هذا المقام وغيره، فإنها ms383 تقول إن الله خلق الإنسان في اليوم ~~السادس (تك 1، 26 - 31)، وأن الله تعالى فرغ في اليوم السابع واستراح من ~~عمله (تك 2، 2 و 3) وتقول في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحار وكل ~~ما فيها واستراح في اليوم السابع (خر 20، 11 و 23، 17). # (وثالثا) إن أردت أن تعرف تنافي التوراة واضطرابها في المقام الذي يعترض ~~به فاعرف ذلك أقلا من أربعة موارد: # 1 - قد تقدم أن توراته تدل على أن الأرض كانت خربة وخالية قبل خلق النور ~~الذي حدث منه اليوم الأول وأنها في اليوم الثالث ظهرت من تحت الماء بسبب ~~اجتماع المياه إلى مكان واحد، وهذا مناف لقولها فأكملت السماوات والأرض وكل ~~جندها وفرغ الله في اليوم السابع. # وقولها هذه تولدات السماوات والأرض عند خلقها (تك 2، 1 و 4) فإنها لم ~~تؤرخ خلق الأرض، بل مقتضاها أن خلق الأرض قبل الستة أيام، وقبل خلق النور ~~الذي تميزت به الأيام. # 2 - وإذا كان خلق الأرض هكذا وظهورها من الماء في اليوم الثالث وذكرت خلق ~~السماء في اليوم الثاني، فهذا معا مناف لقولها هذه تواليد السماوات والأرض ~~عند خلقها بيوم عمل الرب الإله الأرض والسماوات، فكيف تجمع خلقهما بيوم ~~واحد مع أنها تذكره في أيام متفرقة. # 3 - ذكرت أن الله جلت قدرته في اليوم الأول خلق النور وفصل بين النور ~~والظلمة ودعا النور نهارا، والظلام ليلا وكان مساء وكان صباح، وهذا مناف ~~لقولها إن الله في اليوم الرابع خلق الأنوار لتفصل بين الليل والنهار ~~ولتحكم على الليل والنهار وتفصل بين النور والظلمة (تك 1، 4 - 19). # 4 - ذكرت أن الله أنبت العشب والبقل والشجر المثمر في اليوم الذي عمل فيه ~~الأرض بأن أظهرها من تحت الماء وهو اليوم الثالث (تك 1، 9 - 13) وهذا مناف ~~لقولها كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد في ~~الأرض، لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان PageV02P121 # إنسان ليعمل الأرض. # فإن هذا الكلام يدل على أن نبات الشجر كان موقوفا على ms384 وجود الإنسان الذي ~~يعمل الأرض، وهي تذكر أن الإنسان لم يخلق إلا في اليوم السادس، فأين قولها ~~إن الشجر نبت في اليوم الثالث. # هذا مضافا إلى كونها تذكر أن السماوات تفصل بين مياه ومياه من فوقها ~~وتحتها (تك 1، 6 - 8) مع أن المتكلف وقومه المعتمدين على الهيئة الجديدة ~~يعدون هذا من الخرافات. # وأيضا صريح هذا المقام أن الله خلق النور والسماوات والشمس والقمر ~~والكواكب والعالم الأرضي من نبات وشجر وحيوان هذا كله وفيما بين خلقه وبين ~~خلق آدم خمسة أيام، وقبل ذلك لم يكن، وغالب قوم المتكلف يعدون هذا أيضا من ~~الخرافات. # أفبهذا الكتاب وهذه المعرفة وهذا المقام المتناقض المرفوض في مضامينه ~~يعترض المتكلف على القرآن الكريم، نعم ولعله بسبب هذه المعارف يتوقع من ~~قومه مرتبة الأسقفية الكبرى. # * * * وقال الله تعالى في سورة الحجر 27: (والجان خلقناه من قبل من نار ~~السموم)، وفي سورة الرحمن 14 (وخلق الجان من مارج من نار). # فقال المتكلف فيما قال (يه 2 ج ص 82) والحق هو ما ورد في كتاب الله من ~~أنه لا يوجد سوى الملائكة الأخيار والملائكة الأشرار أو أرواح طاهرة وأرواح ~~شريرة، ولا وجود لشئ يقال له جن، فالاعتقاد بوجود جن هو من الاعتقادات ~~الوثنية. # قلنا: فاستمع لما في العهدين مما هو من هذا الذي نفي المتكلف وجوده وجعله ~~من الاعتقادات الوثنية. # ففي التوراة: لا تلتفتوا إلى الجان ولا تطلبوا التوابع فتتنجسوا بهم (لا ~~19، PageV02P122 # 31) والنفس التي تلتفت إلى الجان والتوابع لتزني ورائهم اجعل وجهي ضد تلك ~~النفس. # وإذا كان في رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يقتل (لا 20، 6 و 27) لا ~~يوجد فيك، ولا من يسأل جانا أو تابعة، ولا من يستشير الموتى (تث 18، 10 و ~~11). # وفي تاريخ منسى ملك يهوذا أنه استخدم جانا وتوابع (2 مل 21، 6 و 2 أي 33، ~~6). # وانظر إلى حديث صاحبة الجان مع شاول (1 صم 28، 3 - 19 و 1 أي 10، 13)، ~~واسم الجان في الأصل العبراني (اوب) و (اوبت) واسم التابعة (يدعني) ~~والتوابع (يدعنيم). # وأما العهد الجديد فقد ms385 ذكر أن الأرواح النجسة حينما نظرت المسيح خرت له ~~وصرخت قائلة: أنت ابن الله (مر 3، 11)، وصرخ الروح النجس قائلا: # آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري أتيت لتهلكنا أنا أعرف أنك قدوس الله ~~فانتهره يسوع قائلا: اخرس واخرج (مر 1، 23 - 25) واخرج شياطين كثيرة ولم ~~يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه أو لم يدعهم يقولون إنهم عرفوه (مر 1، 34 ~~ولو 4، 41) وإن الروح النجس والشياطين لما رأى المسيح قال: ما لنا ولك يا ~~يسوع ابن الله أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا، وطلبوا منه أن لا يأمرهم ~~بالذهاب إلى الهاوية وأن يأذن لهم بالذهاب إلى قطيع الخنازير فأذن لهم ~~وذهبوا إليه (انظر مت 8، 28 - 33 ومر 5، 6 - 14 ولو 8، 28، 34). # فانظر إلى الصفات التي أثبتها العهد الجديد للأرواح النجسة، واعلم أنه ~~كلما جاء في العهد الجديد المعرب في حديث الأرواح النجسة للفظ شيطان ~~وشياطين فقد ترجموه بالعبرانية بلفظ (شد، وشديم) فظهر لك من العهدين أن ~~الجان المذكور في العهد القديم هو نوع الجان، والروح النجس وشيطان وشد ~~وشديم الواردة في العهد الجديد هم أشرار الجان، وبذلك تعرف أنه قد أخطأ ~~سايل (ق) ص 144 في قوله لا يختلف مذهب المسلمين في الجن عما يذهب إليه ~~اليهود في نوع من الأرواح الخبيثة يطلقون عليه اسم (شديم)، وأما الشيطان ~~PageV02P123 # الذي هو إبليس فقد ترجموه في العهد الجديد بالعبرانية بلفظ (شطن) كما جاء ~~بهذا اللفظ في العهد القديم العبراني (2 صم 24، 1 وأي 1، 6 و 7 و 8 و 19 و ~~12، و 2، 1 و 2 و 3 و 4 و 6 و 7 ومز 109، 6 وزك 3، 1 و 2). # وأما خلق الجان من نار فهو أمر ممكن ولا طريق لإثباته ونفيه إلا من جهة ~~الوحي الإلهي وقد أخبر الوحي بحقيقة فلا مساغ لإنكاره خصوصا للنصراني، فقد ~~جاء في العهدين ما يخرس لسانه عن الاعتراض في ذلك ففيهما الصانع ملائكته ~~رياحا، وخدامه نارا ملتهبة أو لهيب نار (مز 104، 4 وعب 1، 7). # فالقرآن الكريم ميز الجان من الملائكة، وعين أن الجان ms386 هم المخلوقون من ~~نار، فبين بذلك ما اختلط في العهدين في اسم الملائكة فجعلا منهم من خلق من ~~نار، ومنهم أشرار (مز 78، 49)، ومنهم من طرحوا في جهنم (2 بط 2، 4) مقيدين ~~إلى يوم القضاء (يه 6). # فالذين سماهم المتكلف تبعا لعهديه بالملائكة الأشرار والأرواح الشريرة هم ~~قسم من الجان الذي يذكره القرآن الكريم. # بيلي والمتكلف والأرواح النجسة ذكر إظهار الحق في الوجه الرابع عشر من ~~الفصل الرابع من الباب الأول نقلا عن ص 323 من الكتاب المطبوع سنة 1850 م ~~تصنيف (بيلي) من محققي البروتستنت ما لفظه، ولا نقول في الأشياء التي هي ~~أجنبية من الدين صراحة لكن يقال في الأشياء التي اختلطت بالمقصود اتفاقا ~~قولا ما، ومن هذه الأشياء تسلطن الجن، والذين يفهمون أن هذا الرأي الغلط ~~كان عاما، في ذلك الزمان فوقع فيه مؤلفوا الأناجيل واليهود الذين كانوا في ~~ذلك الزمان، فلا بد أن يقبل هذا الأمر ولا خوف منه في صدق الملة المسيحية ~~لأن هذه المسألة ليست من المسائل التي جاء بها عيسى بل اختلطت بالأقوال ~~المسيحية اتفاقا بسبب كونها رأيا عاما في تلك المملكة وذلك الزمان، وإصلاح ~~رأي الناس في تأثير الأرواح جزءا من الرسالة ولا علاقة له بالشهادة بوجه ما ~~إنتهى. # والمتكلف لم يرتض ترجمة إظهار الحق لقول بيلي فترجمه هو يه 2 ج ص ~~PageV02P124 # 117 بقوله يلزم التمييز بينما كان غرض الدعوة الرسولية وبين ما كان ~~أجنبيا خارجا عنها أو ما اتصل بها عرضا واتفاقا، أما القضايا الخارجة عن ~~الدين فلا لزوم إلى الكلام عليها، غير أن القضايا التي اتصلت بها عرضا ~~فيلزم الإشارة إليها فأقول من هذه القضايا تسلطن الأرواح النجسة، أما من ~~جهة حقيقتها فلا يمكنني الفصل في هذه القضية فإنه فوق طاقتي وضيق المقام ~~يمنعني عن إيراد أدلة كل فريق في هذه المسألة، والأمر الذي أريد التنبيه ~~عليه هو أنه لو سلمنا بقول من ذهب إلى أن هذا الرأي كان شائعا في تلك ~~الأزمنة وكان خطأ، وأن كتبة العهد الجديد جاروا مؤلفي اليهود ms387 في ذلك العصر ~~وتكلموا على هذه القضية حسب اصطلاحهم وعاداتهم وطرق مخاطباتهم وأفكارهم فلا ~~يخشى من ذلك على صدق وصحة الديانة المسيحية، فإن المسيح لم يأت بهذا ~~التعليم في الدنيا بل إنه ظهر في النصوص المسيحية عرضا واتفاقا بصفة أنه ~~كان رأيا موجودا في ذلك العصر وفي تلك البلاد التي كان يهدي الناس فيها ولم ~~يكن من اختصاصات الوحي تنظيم وترتيب آراء الناس بخصوص تأثير الجواهر ~~الروحية في الأجسام الحيوانية، وعلى كل حال فلا ارتباط بينه وبين الشهادات ~~الإلهية، فإنه إذا أعيد للأخرس الأبكم قوة النطق والبيان فلا يهمنا معرفة ~~سبب هذا الخرس، فالمرض كان حقيقيا والشفاء كان واقعيا، ولا يهم إذا كان ~~توضيح الناس لهذا السبب حقيقيا أم لا، وإنما الأمر الحقيقي الواقعي هو ~~التغير الذي حصل للمريض على كل حال لأنه كان مشاهدا بالعيان لا يحتاج إلى ~~برهان، إنتهى بلفظه. # قلت: ولم يحصل لي الأصل من كتاب بيلي لأعرف أي الترجمتين أصح ولكن القدر ~~المتيقن منهما أن فريقا من النصارى ينكرون صحة ما في الإنجيل فيما شحنت به ~~من أحاديث الأرواح النجسة وشؤونها مع المسيح، ولهم على ذلك أدلة، وأن كتبة ~~العهد الجديد قد جاروا بها مؤلفي اليهود وتكلموا حسب عاداتهم وأفكارهم، وأن ~~(بيلي) لا يمكنه الفصل في حقيقة ذلك، فإنه فوق طاقته... # وليت شعري إذا كان بيلي نصرانيا يقول: بأن الأناجيل كتبها الرسل بوحي ~~الروح القدس فلماذا لم يمكنه الفصل في هذه القضية، وفي أي شئ PageV02P125 # تنفع كتب الوحي إذا لم تنفع صراحتها التي ملئت أطرافها في هذا الموضوع، ~~كيف لا وقد ذكرت الأناجيل بتكرارها أن الأرواح النجسة ترى وتخر للمسيح ~~وتعرفه، وتصرخ، وتخاطبه، وتخاف من إهلاكه لها، وتتكلم، وتسكت بأمره، ~~ويأمرها بأن لا تظهر أنها عرفته، وتخاف من الذهاب إلى الهاوية، وتستأذن منه ~~لذهابها إلى قطيع الخنازير وتخبره أنها لجيون أي جماعة كثيرة فأذن لها، ~~وخرجت إلى الخنازير كما ذكرنا لك طرفا من ذلك، وقد جعل كتبة الأناجيل هذه ~~التفاصيل الضافية حجة وبرهانا لدعوة المسيح، فقل ms388 لبيلي: # وأولئك المنكرين إذا كان رسلكم الملهمون قد ملأوا أناجيلهم بهذه الحكايات ~~المفصلة وهي أكاذيب لا حقيقة لها، فماذا تكون العلامة على ما يصدقون فيه؟. # وكيف لنا إذا بتصديقهم في حكايات شفاء المسيح للأمراض؟ ومن أين نعلم أن ~~المرض كان حقيقا والشفاء كان واقعيا؟ وهم قد عنونوا حكايات المرض والشفاء ~~بهذه الحكايات التي تقولون إنها أكاذيب، وأي شئ يخشى منه على صدق الديانة ~~المسيحية وصحتها أكثر من أن تكون كتب وحيها وقانونها الأساسي في حجتها ~~وبرهانها وتعليمها قد ملئت بهذه الأكاذيب، وإذ كانوا قد جاروا بها أفكار ~~اليهود، فبالحري أن يكونوا في باقي الأناجيل وكتب العهد الجديد قد جاروا ~~أهوائهم وأهواء الأمم الذين حاولوا الترأس عليهم بوسيلة الرياسة الدينية ~~كما يشهد لذلك العاشر والحادي عشر والخامس عشر من الأعمال، وكثير من كلمات ~~الرسائل المنسوبة لبولس. # ومن أوهن الوهن إعتذار (بيلي) عن هذه الحكايات بقوله، ولم يكن من ~~اختصاصات الوحي تنظيم وترتيب آراء الناس بخصوص تأثير الجواهر الروحية في ~~الأجسام الحيوانية، فإن هذا الاعتذار إنما يخرج عن الغش والغلط لو لم تذكر ~~الأناجيل من هذه الحكايات شيئا، واعترض المعترض على كونها لم تصلح بتعليمها ~~آراء الناس في وهم القول بتأثير الجواهر الروحية، وأما على ما أطنبت ~~بتكراره في هذه الحكايات فعلى زعمهم تكون قد أكدت فساد آراء الناس ولفقت من ~~أوهامهم الفاسدة أكاذيب كثيرة جعلتها البرهان على صحة الديانة المسيحية ~~وأساس تعليمها. PageV02P126 # فيا أيها الأخ المسلم لا يؤلمنك اعتراض المتكلف وأمثاله بأوهامهم على ~~القرآن الكريم، فإن نكاية أوهامهم على كتب وحيهم وأساس دينهم أشد وأشد ~~(شنشنة أعرفها من أخزم)، ولا تنشدني قول الشاعر: # (لا تقل دارها بشرقي نجد * كل نجد للعامرية دار) وإذ قد سمعت ما ذكرناه ~~أولا عن العهدين فإنك تعرف ما في قول المتكلف، (فالاعتقاد بوجود جن هو من ~~الاعتقادات الوثنية) ولولا التحرج من سوء القالة لذكرنا شطرا مما قد أخذ من ~~الاعتقادات الوثنية، ولكنا قد كفينا مؤنة ذلك بالكتب التي أشار إليها في ~~صدر كتاب الوثنية والنصرانية. # وقال ms389 الله جل اسمه في سورة البقرة 28: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون 29 وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين 30 قالوا سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم 31 قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ~~فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ~~ما تبدون وما كنتم تكتمون). # فاعترض المتعرب (ذ) 88 - 90 على هذه الآيات باعتراضات متعددة، وكذا ~~المتكلف (يه 2 ج ص 10 و 11)، وربما اشتركا في الاعتراض فاكتفى بنسبته إلى ~~أحدهما ورده، وإن شئت فانظر إلى كلاميهما في كتابيهما. # قال المتعرب إنه عنى بالخليفة آدم لكنه لم يقل لمن أراد أن يجعله خليفة ~~وأنت تعلم أنه لم يكن على الأرض مخلوق قبله حتى يخلفه فيها ويلزم من هذا أن ~~الله أراد أن يستخلفه عن نفسه. # قلت: كان المتعرب افترى عليك بدعوى العلم بأنه لم يكن على الأرض مخلوق ~~قبل آدم لأجل غروره بخرافة مذهب (داروين) أو بمضمون توراته الذي لا يقبله ~~حتى الكثير من قومه وهي أن السماوات والأرض وما فيهن خلقت كلها فيما ~~PageV02P127 # بين خمسة أيام قبل خلق آدم. # ولكن لنا أن نجادله بكتبه ونقول له: إن توراتك لم تذكر أن خلق الملائكة ~~كان بعد خلق آدم، بل إما أن يكون في اليوم الثالث أو الرابع أو قبل ذلك، ~~فلماذا لا يكون آدم خليفة في الأرض بدلا عن الملائكة الأشرار، والذين لم ~~يحفظوا رياستهم وأخطأوا فلم يشفق الله عليهم، بل طرحهم في جهنم بقيود أبدية ~~إلى يوم الدينونة، كما سيأتي عن كتبه، وهذا كاف في دحض باطله، وستسمع إن ~~شاء الله اعلام الحق. # وقال أيضا على النسق غير أنه تعالى لما عزم على خلقه نوى أن يجعله في ~~الجنة يأكل منها رغدا ولو لم يعصمه لم يحبطه ms390 إلى الأرض ليكون خليفة فيها، ~~فقوله: إنه جاعله في الأرض خليفة وهو ينوي أن يجعله في الجنة فيه نظر، ~~وحاصل كلامه الاعتراض على جعله خليفة في الأرض مع إسكانه في الجنة ونهيه ~~عما يسبب خروجه منها. # قلنا (أولا) لنا أن نقول إن الله قال ذلك باعتبار سابق علمه بما يصير ~~إليه أمر آدم في سكناه في الأرض. # وقد أوضحنا لك في الجزء الأول (صحيفة 90 - 91) أن آدم لم تصدر منه ~~المعصية القبيحة المانعة لوظيفة الخلافة، إن أريد بالخلافة معنى النبوة ~~والرئاسة الدينية، وأن الله بكل شئ عليم لا يغيب عن سابق علمه شئ، و ~~(ثانيا) لنا أيضا أن نقول: إن الجنة المذكورة كانت من جنان الدنيا، كما جاء ~~عن أهل بيت النبوة، وذهب إليه جمع من المفسرين، ولا حجة بقول بعض المفسرين ~~على القرآن إذ قالوا إنها جنة السماء ولا دلالة في قوله تعالى: (اهبطوا، ~~واهبطا منها) لجريان هذا الاستعمال في الانتقال من مكان إلى مكان فقد قال ~~تعالى في سورة البقرة 58: (إهبطوا مصرا) بل هو استعمال متعارف حتى في ~~التوراة إذ تقول: فانحدر ابرام إلى مصر (تك 12، 10) انزلوا إلى هناك (يعني ~~مصر) فنزل عشرة (يعني إلى مصر)، (تك 24، 2 و 3). # وقال المتكلف في الاعتراض على الآية الأولى، وهذه العبارة ناطقة بأن ~~PageV02P128 # المولى سبحانه وتعالى استشار الملائكة في خلق آدم فاعترضوا عليه وهو خطأ ~~فإن كتاب الله يعلمنا أن المولى سبحانه وتعالى غني عن ذلك، ثم قال: فأقوال ~~الوحي ناطقة بأنه لم يستشر ولن يستشير. # قلنا: ليس هذا من الاستشارة في شئ، فإن كل من يفهم الكلام يعلم أن ~~الاستشارة لا تكون بمثل الإخبار المؤكد بهذا التأكيد، وإنما هو تفضل منه ~~تعالى بإعلام ملائكته بآثار حكمته وقدرته. # وقد جاء في العهد القديم أن السيد الرب لا يصنع أمرا إلا وهو يعلن سره ~~لعبيده الأنبياء (عا 3، 7)، بل هو أبعد من الاستشارة ونحوها من قول ~~التوراة، فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله (تك 18، 17)، وحاشا ~~للقرآن الكريم كلام الله أن ms391 يجئ فيه مثل قول التوراة، إن صرخة سدوم وعمورة ~~قد كثرت، وخطيئتهم قد عظمت جدا، أنزل وأرى هل كصرختهم الآتية إلي علموا ~~كلها وإلا فأعلم (تك 18 و 21). # وإن أراد المتكلف أن يعرف الكلام الدال على نسبة الاستشارة والحيرة ~~والضعف إلى الله جل شأنه فلينظر إلى العهد القديم الذي يقول: فاسمع إذن ~~كلام الرب قد رأيت السيد الرب جالسا على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه عن ~~يمينه ويساره فقال الرب: من يغوي اخاب فيصعد ويسقط في راموت جلعاد فقال هذا ~~هكذا وقال ذاك هكذا فخرج الروح ووقف أمام الرب وقال: أنا أغويه فقال له ~~بماذا؟ فقال اخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه فقال: # إنك تغويه وتقتدر فاخرج وافعل هكذا (1 مل 22، 19 - 23، و 2 أي 18، 18 - ~~22). # والمتكلف يعظم العهد القديم المشتمل على أمثال هذه الخرافة الكفرية ~~ويسميه كلام الله السميع العليم، ثم يتقول على القرآن ببواعث هواه، ويعترض ~~عليه بجهله. # ويقول: إن كتاب الله يعلمنا أن الملائكة هم خدامه المعصومون عن الخطأ ~~والزلل، أما عبارة القرآن فتفيد أنهم اقترفوا أربعة معاص، كما قال علماء ~~المسلمين. PageV02P129 # قلت: يا عجبا ولا عجب من مثل المتكلف والمتعرب فإن الذي يسميانه كتاب ~~الله وكلام الله السميع العليم هو الذي يقول: إن الله ينسب إلى ملائكته ~~حماقة (أي 14، 18). # ويقول أيضا جيش ملائكة أشرار (مز 78، 49) وأن الله لم يشفق على ملائكة قد ~~أخطأوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء (2 بط 2، ~~4)، والملائكة الذين لم يحفظوا رئاستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة ~~اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام (يه 6) فأين تكون من كتابهم عصمة ~~الملائكة، وأن عبارة القرآن لا تفيد أن الملائكة اقترفوا أربعة معاص، ولا ~~قال بذلك علماء المسلمين، فاستمع إلى ذلك: # فإنه قال إن فيما حكاه القرآن من قول الملائكة إنكار على الله فيما يفعله ~~وهو من أعظم المعاصي. # قلت: ليس في هذا الكلام شئ من الإنكار على الله وإنما هو سؤال عن وجه ~~الحكمة في خلقه ms392 للإنسان مع أنه قد ينبعث من بعض أفراده الفساد وسفك الدماء، ~~ولهذا أجابهم الله بقوله: (إني أعلم ما لا تعلمون) من وجوه الحكمة والصلاح ~~في خلق هذا النوع وما سيظهر منه من قداسة الأنبياء والأولياء وحسن عبادتهم ~~وإخلاصهم بالرغبة والاختيار المرغم لدواعي الهوى ووساوس الشيطان وبواعث ~~الطبيعة البشرية، ولو كان كلامهم اعتراضا على الله لقال لهم الله عالم ~~الغيب والشهادة: ما أنتم والاعتراض على خالقكم القادر القاهر، وإن شئت ~~فقابل كلام الملائكة، هذا مع ما تذكره التوراة عن قول إبراهيم لله جل شأنه: # أفتهلك الصديق مع الأثيم عسى أن يكون خمسون صديقا في المدينة؟ أفتهلك ~~المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين صديقا الذين فيه حاشا لك أن تفعل مثل ~~هذا الأمر لتميت الصديق مع الأثيم فيكون الصديق كالأثيم أديان كل الأرض لا ~~يصنع عدلا (تك 18، 23 - 26)، وقس أيضا كلام الملائكة مع ما تذكره التوراة ~~في قولها فرجع موسى إلى الرب وقال: يا سيد لماذا أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذا ~~أرسلتني (خر 5، 22) فقال موسى للرب لماذا أسأت إلى عبدك؟ # ولماذا لم أجد نعمة في عينك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي، العلي ~~PageV02P130 # حبلت بجميع هذا الشعب أو لعلي ولدته (عد 11، 11 و 12) ونادى (أي إيليا) ~~إلى الرب وقال: أيها الرب إلهي أيضا إلى الأرملة التي أنا نازل معها أسأت ~~بإماتتك ابنها (1 مل 17، 20)، ودع عنك ما ينسبه سفر أيوب إلى أيوب وحاشاه ~~من عظائم الكفر في الاعتراض على الله ككونه جل شأنه نزع حق ولفق فوق إثمه ~~حتى طلب المحاكمة معه، فراجع الأقوال المنسوبة إلى أيوب وحاشاه. # وقال المتكلف: إن الملائكة في كلامهم هذا قد اقترفوا الغيبة في حق من ~~يجعله الله خليفة بأن ذكروا مثالبه. # قلت: المراد من قول الله جل شأنه: (إني جاعل في الأرض خليفة) هو إخبار ~~الملائكة بخلق جنس البشر، إما لأنهم يخلفون من كان قبلهم في الأرض من خلق ~~الله، أو لأن أصلهم وداعيهم إلى الله وهو آدم خليفة عليهم ومؤدب لهم على ms393 ~~الطاعة، فاقتضى الحال أن الملائكة يسألون عن وجه الحكمة في خلق هذا النوع ~~مع أنه يكون فيه من يفسد ويسفك الدماء. فلم يقصدوا بذلك جميع النوع البشري ~~ولا خصوص أصلهم وداعيهم إلى الله، فليس في قولهم هذا شيئا من الغيبة ~~المحرمة بالعقل أو الشرائع، فإنهم لم يعنوا بما قالوه شخصا معينا أو أشخاصا ~~معينين، بل قالوا ذلك لما علموه من الله بأن الجنس البشري تقتضي طبيعته أن ~~يكون فيه من يفسد ويسفك الدماء، فهم لم يقصدوا بما قالوه إلا العنوان الكلي ~~مبهم المجمل بمقتضى الإبهام في تأثير اقتضاء الطبيعة البشرية الذي يجوز على ~~كل واحد من البشر مع فرض عدم المانع ويمتنع عن كل واحد مع وجود المانع، ~~وهذا ليس من الغيبة في شئ فإنه إذا قال شخص إن في جنس البشر من يكون فاسقا ~~لم يقل عاقل أو متشرع بأن هذا الشخص قد اغتاب، بل لا يتأثر من كلامه أحد من ~~البشر حتى الفساق في نفس الأمر وذلك لأنه لم يوجه باللفظ قصده حتى بمعونة ~~القرائن إلى ذات معينة، أو جماعة معينين أو محصورين. # فكذا قول الملائكة فإنهم قصدوا أمرا طبيعيا، هذا مضافا إلى أن الملائكة ~~لو قصدوا أناسا معينين من المتهتكين بالفسق والفجور الهاتكين بفسادهم ~~PageV02P131 # لأستارهم لم يكن مثل ذلك من الغيبة المحرمة القبيحة أصلا، مضافا إلى أن ~~شريعة تحريم الغيبة من العقل والشرع إنما هي شريعة إصلاحية اجتماعية تمد ~~الستر فيما بين البشر وتمنع ما يضر بالاجتماع البشري، فلا يجري حكمهما مع ~~الملائكة خصوصا إذا ذكروا شيئا من فسق الفساق تنفرا منه واستقباحا له، فهل ~~يقول عاقل أو متشرع بأنك اغتبت وفعلت حراما إذا شكوت إلى الله ظالمك وذكرت ~~له ظلمه، وإذا ذكرت لله فسق الفاسق ليغفر له أو ليهديه أو لينتقم منه. # وليت شعري إذا كان المتكلف يجعل قول الملائكة من الغيبة المحرمة، فماذا ~~يصنع بكتابة العهد الجديد، فإنك تقدر أن تؤلف منه من الكلام المنسوب للمسيح ~~والتلاميذ كتابا بقدر الإنجيل أو أكثر كله في غيبة ms394 الكتبة والفريسيين وبني ~~إسرائيل والمسيح والتلاميذ ومريم المجدلية وجماعة من المؤمنين بالمسيح. # وقال المتكلف في كلامهم (أي الملائكة): العجب وتزكية النفس بذكر مناقبها. # قلنا: لم يكن الغرض من بيان تسبيحهم وتقديسهم هو الافتخار به، ولكن ضرورة ~~السؤال عن وجه الحكمة في خلق البشر اقتضت ذكره، وليس هذا من العجب وتزكية ~~النفس خصوصا حال كونهم أزكياء معصومين لا يعصون الله ولا يفرطون في وظائفهم ~~من العبادة، ولئن كان هذا من العجب وتزكية النفس الممقوتة، فماذا يقال في ~~القول المنسوب للمسيح بعد الذم للرعاة أنا باب الخراف أنا الراعي الصالح، ~~أما أنا فإني الراعي الصالح (يو 10، 7 - 15) مع أنه أنكر على من سماه صالحا ~~وقال له: لماذا تدعونني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله (انظر مت 9 ~~ومر 10 ولو 18)، وماذا يقال في القول المنسوب لداود يكافأني الرب حسب بري ~~حسب طهارة يدي يرد علي لأني حفظت طرق الرب ولم أعص إلهي لأن جميع أحكامه ~~أمامي وفرائضه لا أحيد عنها (2 صم 22، 21 - 24). # والأقوال المنسوبة إلى بولس في الافتخار بالأعمال والمراتب العالية وإن ~~PageV02P132 # امتزجت في الأثناء بالتصوف البارد والتواضع السخيف (فانظر إلى الإصحاح ~~السادس والحادي عشر والثاني عشر من كورنتوش الثانية). # وقال المتكلف: وفيه أيضا (أي في كلام الملائكة) إنهم قالوا ما قالوه من ~~نسبة الافساد والسفك رجما بالظن وإلا شاركوا المولى سبحانه وتعالى في علم ~~الغيب. # قلنا: لا هذا ولا هذا بل قالوه بعلم موهوب لهم من الله جل شأنه. # وقال المتكلف (يه 2 ج ص 12) إن القرآن نسب إلى المولى تعجيز الملائكة ~~بطريق الاحتيال. # قلت: لا يدل سوق القرآن على إرادة تعجيز الملائكة، بل إنما يدل على أن ~~الله بين لهم الحكمة في خلقه لنوع البشر على لسان آدم ببيان من يخلق من ~~ذريته من الأنبياء والأولياء. # وحاصل ذلك أن الله جل اسمه تفضل على ملائكته بإعلامهم بأنه جاعل في الأرض ~~خليفة، فاستفسروا عن وجه الحكمة في ذلك وإن كانوا يعلمون إجمالا أن الله هو ~~العليم الحكيم. # فأبان ms395 جل شأنه لهم وجه الحكمة على لسان آدم وخصه بذلك تكريما له تنويها ~~بارتفاعه هو وكثير من بنيه عن النقائص العارضة للطبيعة البشرية من آثار ~~الشهوة والغضب (وعلم آدم الأسماء كلها) أسماء ذريته من الأنبياء والأصفياء ~~بما يكونون عليه من القدس والطهارة والطاعة لله والجهاد في سبيله وتحمل ~~الأذى والمتاعب الشديدة في إرشاد عباده وإعلاء دعوة الحق وحسن صبرهم ورضاهم ~~فيما يلقونه من الاضطهاد في الدعوة إلى الحق والصلاح كل، ذلك بالطوع ~~والرغبة على رغم الشهوة والغضب المودعين في الطبيعة البشرية (ثم عرضهم) أي ~~هؤلاء الصفوة وهم أشباح نورانية (على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء) ~~وما هم عليه من صفات القدس والكمال الاختياري (إن) ادعيتم العلم و (كنتم ~~صادقين) في دعواه (قالوا سبحانك) تقدست عن الشريك والشبيه، لك العلم وحدك ~~لا شريك لك و (لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم) بالغائبات ~~(الحكيم) PageV02P133 # فيما تفعل، (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم) وما هم عليه من الكمالات ~~القدسية الباهرة الباهظة لشهوات الطبيعة البشرية الكاسرة لثورات غضبها ~~(فلما أنبأهم بأسمائهم) واتضح للملائكة وجه الحكمة في خلق النوع الإنساني ~~(قال) جل شأنه: (ألم أقل لكم) وأعلمكم (إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ~~ما تبدون وما كنتم تكتمون) ومن كان له هذا العلم لا يفوت حكمته شئ من ~~الغائبات عنكم. # هذا ملخص ما جاء عن أهل بيت النبوة في تفسير الآيات، وهل تراه ناظرا إلى ~~تعجيز الملائكة، وإذا حطت خبرا بما قلناه تعرف شطط المتعرب فيما قاله في ~~هذا المقام فإنه شريك المتكلف في اعتراضاته. # وقال الله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس). # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 12) بأن القرآن نسب إلى الله جل اسمه أنه أمر ~~الملائكة أن يسجدوا لآدم وحاشا لله القدوس أن يأمر بالسجود لغير ذاته ~~العلية، قال في سفر الخروج (34، 14) لا تسجد لإله آخر، وكتاب الوحي الإلهي ~~يحرم السجود لغير المولى من المخلوقات مهما كانت درجتهم. # قلنا: لنا أن نقول إن المحرم إنما هو سجود ms396 العبادة لا سجود التحية ~~والإكرام، وسجود الملائكة لآدم كان من القسم الثاني، وتوراة المتكلف إنما ~~نهت عن القسم الأول لقولها لا تسجد لإله آخر ومعناه لا تسجد لشئ غير الله ~~بعنوان السجود للإله والعبادة له، ولا حجة من كتب المتكلف على تحريم السجود ~~لغير الله إذا كان بعنوان التحية والإكرام، بل في كتب المتكلف حجة على ~~جوازه كما يستنتج ذلك منها من مقدمتين: (الأولى) سجود الأنبياء لغير الله، ~~و (الثانية) أن عمل الأنبياء حجة على جواز ما يفعلونه. أما المقدمة الأولى: ~~فقد ذكرت أن إبراهيم خليل الله سجد لشعب الأرض بني حث مرتين (تك 23، 7 و ~~12) وقد كان هؤلاء غير مؤمنين. # وسجد يعقوب النبي لعيسوا سبع مرات إلى الأرض، وسجد أيضا نسائه وأولاده ~~(تك 33، 3 - 7). PageV02P134 # وموسى كليم الله خرج لاستقبال حميه فسجد وقبل له، وفي الأصل العبراني ~~(ويشتحوا ويشق - لو) (خر 18، 7). # وسجد داود النبي ثلاث مرات لما ودع ناثان ابن شاول (1 صم 20، 21) وسجد ~~لشاول (1 صم 24، 8 وسجد ناثان النبي لداود النبي (1 مل 1، 23)، وسجد سليمان ~~النبي لأمه (1 مل 2، 19). # وزيادة على ذلك أن يوسف سجد أمام وجه يعقوب (تك 48، 12) وسجدت ابيجايل ~~لداود (1 صم 5، 23)، وكذا بثشبع (1 صم مل 1، 16) ولم يذكر أن هذين النبيين ~~منعا عن السجود لهما. # وأما المقدمة الثانية فإن الأناجيل تذكر أن اليهود اعترضوا على المسيح ~~بأكل تلاميذه من الزرع في يوم السبت وهو محرم فاحتج على جواز ذلك بأكل داود ~~من خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة (مت 12، 1 - 9 ومر 2 ولو 6). # أم تقول: دعنا من احتجاج المسيح، فإن هؤلاء الأنبياء كلهم قد عصوا ~~وأخطأوا في هذا السجود لغير الله وإن كان بعنوان التحية والإكرام لا بعنوان ~~العبادة. # إذا فلماذا لم تتعرض كتب وحيكم لتوبيخهم على ذلك لا تصريحا ولا تلويحا ~~ولا إشارة؟. # ولنا أن نقول: إن سجود الملائكة كان شكرا لله وتمجيدا له على خلقه لآدم ~~أبي الأنبياء والأصفياء والأولياء لأجل ما لهم من عظيم الشأن وشرف المنزلة، ~~فيعود السجود الذي ms397 هو لله بالتكريم والتبجيل لآدم، ولأجل ذلك نسب السجود ~~لآدم باعتبار غايته المطلوبة، وليس كذلك ما يذكره العهد القديم في سجود ~~إبراهيم ومن ذكرناهم من الأنبياء. # فتدبر ما قلناه، وراجع كلام المتكلف، وقل ما شئت في تمجيده على معرفته ~~وأمانته. # * * * PageV02P135 # وقال الله تعالى في سورة الأعراف فيما اقتص من حديث آدم وحواء وأكلهما من ~~الشجرة 21 (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين 22 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين). # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 46) على ذلك بمخالفته لما في توراته (تك 3، 8 - ~~20). # وعلى قوله تعالى: (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) وعلى حكايته جل اسمه لقول ~~آدم وحواء: (ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين)، ثم ذكر المتكلف كلام توراته في ذلك الشأن، ولكن شذ به هذبه، ~~وأنى له. # فلننقله بنصه وهو قولها في آدم وحوا فسمعا صوت الإله متمشيا (عب متهلخ) ~~في الجنة عند ريح النهار فاختبأ آدم من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة ~~فنادى الرب الإله آدم وقال: أين أنت؟ فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني ~~عريان فاختبأت فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن ~~لا تأكل منها. # ولعل المتكلف أنكر على مضمون القرآن دلالته على أن الله العليم علم بأكل ~~آدم وحوا من الشجرة بعلمه الذي لا يغيب عنه الشئ بدون استعلام واستخبار، ~~والمتكلف لا يرضى بذلك، لأنه توارته تدل على أن الله جل اسمه (واستغفره) ~~يحتاج إلى الاستعلام من آدم بقوله جل شأنه أين أنت من أعلمك هل أكلت؟ ولا ~~يرضى المتكلف من القرآن إلا أن يقول (متمشيا في الجنة عند ريح النهار) لكي ~~يفهم القارئ أن ذلك المشي لأجل الاستراحة والتنفس في طيب الوقت وصفاء ~~الجنة، وأن آدم وحوا (سمعا صوت الإله متمشيا) لكي يفهم القارئ أنهما سمعا ~~وطئ الأقدام أو ترنم الطرب في التمشي، وأن آدم اختبأ ms398 لكي يتأكد مضمون هذه ~~التجسيمات بأن آدم كان يعرف أن الاختباء بشجرة الجنة يستره عن الله جل ~~شأنه، ولأجل هذا سأله أين أنت، من أعلمك؟ هل أكلت. PageV02P136 # ولكن ليعلم المتكلف فيسخط أو يرضى أن القرآن يعد حقائق هذه الكلمات كفرا ~~وإلحادا وجحودا لله إله الحق، ويعد مجازاتها جهلا وضلالا، ويسعد بذلك ~~التوراة الحقيقية في استغاثتها من ذلك. # وأما عدم ذكر التوراة الرائجة لتوبة آدم فذلك لعادة رباها عليها آباؤها ~~وكاتبوها في أنهم يذكرون خطايا الأنبياء ولا يذكرون توبتهم، فهل يراها ~~المتكلف ذكرت توبة نوح كما يزعم مما ذكرته (تك 9، 21)، أو توبة إسحاق مما ~~ذكرته (تك 26، 7)، أو توبة يعقوب مما ذكرته (تك 27، 18 - 35) أو توبة موسى ~~مما ذكرته (خر 4، 10 - 14، و 5، 22، و 32، وعد 11، 11 - 15)، أو توبة هارون ~~مما ذكرته (خر 32، 1 - 7)، أم يقول المتكلف: إن هؤلاء ما تابوا ولكن تساهل ~~الله معهم فأبقاهم على وظيفة النبوة ولوازم القداسة، حاشا لله القدوس ~~الحكيم العليم من ذلك سبحانه وتعالى شأنه. # × × × وقال الله تعالى في سورة الأعراف 189 و 190: (هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة) (الآيات)، وقد ذكرناهما في الجزء الأول وذكرنا في شأنهما ما يبطل ~~تشبثات المتكلف لأوهامه (يه 1 ج 11 و 2 ج ص 93 و 94) فانظر إلى الصحيفة 93 ~~- 94. # * * * وقال الله تعالى في سورة المائدة 30: (واتل عليهم نبأ ابني آدم ~~بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال ~~إنما يتقبل الله من المتقين 33 فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من ~~الخاسرين 34 فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه فقال ~~يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة فأصبح من النادمين). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 43) وقول القرآن: إن الغراب علم قايين كيفية دفن ~~أخيه مأخوذ من خرافات اليهود القديمة، وهل يتصور أن قايين كان يجهل هذا ~~الأمر، وكان يرى مدة حياته الذبائح تقدم لله، وهل يعقل أنه لم ير ~~PageV02P137 # في مدة حياته الطويلة أن ms399 دفن الطير أو الحيوان ومواراته في التراب يكون ~~واقيا في الأرض وقد آتي الله الإنسان عقلا به يعقل. # قلت: لماذا لا يتصور أن قابيل كان يجهل دفن الموتى وقد كان لم ير ميتا ~~ولا دفنا، ومن قال: إن الذبائح التي كانت تقدم لله كانت تدفن، ومن يقول إن ~~قابيل رأى في مدة حياته إلى حين قتله لهابيل من يدفن الطير، وما الغاية في ~~فن الطير أو الحيوان، ومن فعل ذلك وبمقتضى التوراة أن قابيل كان إذ ذاك ~~رابعا لثلاثة من البشر آدم، وحوا، وهابيل، وأن هذه الواقعة حدثت قبل أن ~~يولد شيث، وقبل أن يمضي من العمر لآدم مائة وثلاثون سنة فانظر (تك 4 و 5، ~~3) فهل يكون عمر قابيل حينئذ ثلاثمائة أو أربعمائة سنة بين ألوف من البشر ~~المتمدنين، وقد دربته الدنيا بحوادثها وتربى في المكاتب ليكرس نفسه مبشرا ~~لأهل نحلته ولو كان كذلك وكان معتضدا بجماعة من المرسلين الأمريكان لجوزنا ~~في عقله عدم الوصول إلى ما لم يره ولم يحدث في الدنيا، فإنا نرى من الناس ~~من شذت عقولهم وأبصارهم عما هو نصب أعينهم في كتبهم التي يدرسونها ويعتمدون ~~عليها ويدعون إليها، ولا نزيدك غير ذلك. # وقال المتكلف في هذا المقام (ص 42) ثم إن مراعاة القرآن السجع مقدمة على ~~الحقائق فقال قابيل لأنه على وزن هابيل. # قلت: ليس في القرآن الكريم ذكر للفظ قابيل أو هابيل، والمتكلف في أغراضه ~~وشؤونه معذور في ذلك، ولا تبخل بالعذر أيضا على المرسلين الأميركان الذين ~~طبع كتابه بمعرفتهم. # * * * وذكر الله جل جلاله في سورة هود 27 - 39 نحوا من شأن نوح وقومه في ~~دعوته ونصحه لهم وتمردهم وطغيانهم على دعوة الحق. # فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 65) بقوله: لم يرد في كتاب الوحي ~~الإلهي خبر عن هذه المجادلة، ولم يرد في التوراة أن أراذل الناس اتبعوا ~~نوحا. PageV02P138 # قلت: إن من منحه الله شيئا من الفهم والشعور ليعلم من العادة وفلسفة ~~الحقائق أن النبي الذي يقيم في دعوة الحق والوعظ والنصيحة مئات ms400 من السنين ~~بين قوم كفرة متجبرين، ويجزم يقينا إن شأن هذا النبي لا ينقضي مع قومه ~~بالصمت والسكوت بل لا بد فيه من المكالمات الكثيرة، والرد والبدل، والدعوة ~~والجحود، والوعظ، والهزء، والنصيحة والسخرية. والاحتجاج والجدال، والبرهان ~~والمكابرة، والحجة والعناد، وليس هذا المقام مما قال فيه الشاعر: # حواجبنا تقضي الحوائج بيننا فنحن سكوت والهوى يتكلم أفلا ترى أن مدير ~~القرية إذا أراد أن يبدل فيها قانونا واحدا عموميا، أو يؤسس هذا القانون ~~الواحد كم يحدث فيها من الانقلاب والمجادلات والمكالمات، فما ظنك بدعوة ~~النبي إلى التوحيد والصلاح، وماذا ينبغي أن يصدر من العتاة في رد الدعوة ~~الدائمة والنصح المستمر من النبي الأمين في الدعوة، المجاهد في سبيل الله، ~~وما يبدر منهم ليحافظوا على وثنيتهم وعوائد ضلالهم، فأعرني رشدك لحظة وانظر ~~في التوراة الرائجة التي سلكت في قصصها مسلك التاريخ الساذج، فهل تراها ~~ذكرت في شأن نوح وقومه ما يليق بحوادث يوم واحد في الدعوة والوعظ وجوابهما، ~~وهل ذكرت في هذا الشأن إلا أن أبناء الله رأوا بنات الناس حسنات فاتخذوا ~~لأنفسهم نساء، فقال الرب: لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد تكون أيامه ~~مائة وعشرين سنة. # كان في الأرض طغاة في تلك الأيام وبنات الناس ولدن الجبابرة، ورأى الرب ~~أن شر الإنسان قد كثر، فحزن الرب أن عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه ~~فقال: امحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته مع البهائم والدبابات وطيور ~~السماء لأني حزنت أني عملتهم، وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب وفسدت الأرض ~~وامتلأت ظلما، فقال الله لنوح اصنع فلكا إلى آخره، هذا ما في التوراة في ~~شأن نوح وقومه مع حذف التكرار والفضول فانظر (تك 6، 1 - 14). # ومع هذا فهل يحسن من أقل العقلاء أن يقول: إن هذه هي تمام PageV02P139 # الحوادث في أيام نوح وشؤون دعوته ووعظه ونصحه لقومه، ولم يصدر كلام لا من ~~نوح ولا من قومه لا في الدعوة ولا في الجحود، ولا في الوعظ ولا في الاصرار، ~~ولا في النصح ولا ms401 في العناد، فلم يوبخهم نوح ولم يضجروا منه ولم يجادلوه ~~ولم يستهزؤا به. # حتى أن من نقل من ذلك شيئا يقول له المتكلف اسكت فإن التوراة لم تذكر من ~~ذلك شيئا مع أنها أطنبت في بيان حزن الله وتأسفه في قلبه.. أين العقول؟ أين ~~الرشد؟ أين الأدب؟. # فهل تراب ذا أدب يقدر أن يرد بالتوراة تاريخا من التواريخ إذا ذكر سيرة ~~طويلة في تاريخ نوح من قومه في دعوته، نعم له في قانون الأدب أن يطالب ~~المؤرخ بمستند ما يذكره. # وأما رده بأن التوراة الرائجة لم تذكر ذلك فإن الأدب والأديب والفهم ~~والفاهم لينكرونه، أي إنكار، ويهتفون مع المؤرخ في قوله وما على الحقائق ~~إذا كان توراتكم الرائجة، وحاشا الحقيقة خرساء في هذا الشأن إلا عن ذكر حزن ~~الله وتأسفه في قلبه. # والمتكلف يعترض على القرآن كلام الله بإهمال توراته للحقائق اللازمة إذا ~~ذكر بعضها حسب مقتضى الحال في مقام الوعظ والتذكير والحجة كما هو شأنه لا ~~سفاسف السيرة وخرافات الاعتقاد وفضائح الأنبياء والأولياء. # نعم للمتكلف أن يطالب بالحجة على كون القرآن كلام الله لكي يتيقن بحقيقة ~~ما يذكره ولكنه هوى به عاصف الهوى عن ذلك في مكان سحيق. # وبما ذكرنا تعرف شططه أيضا في قوله ولم يرد في التوراة إن أراذل الناس ~~اتبعوا نوحا، كما تعرف أن حجته على إنكار ذلك بقول التوراة إن الله أغرقهم ~~بالطوفان إنما هي حجة واهية. # فإنا لو خطر في خيالنا الاعتماد على التوراة الرائجة لقلنا: يجوز أن يكون ~~هؤلاء الصفوة الأفاضل الذين سماهم الطغاة بالأراذل لم يدركوا زمان الطوفان ~~بل ماتوا بآجالهم أو أماتهم اضطهاد الكفر، فإن الدعوة والأيمان والطوفان لم ~~PageV02P140 # تكن حادثة يوم وليلة، بل استمرت الدعوة مئات من السنين حتى جاء أمر الله ~~بالطوفان. # غرق ابن نوح في الطوفان وقال الله تعالى في سورة هود 44: (ونادى نوح ابنه ~~وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين 45 قال سآوي إلى جبل ~~يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم ms402 من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما ~~الموج فكان من المغرقين 47 ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق وأنت أحكم الحاكمين 48 قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ~~فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين). # والمتكلف (يه 2 ج ص 66) ينكر هذا كله تشبثا بغمغمة توراته الرائجة في ~~تاريخها المدمج وسيرتها البتراء. # وقد اعترض (ص 65) على بعض المفسرين في تسميتهم لابن نوح المشار إليه ~~بكنعان وقال هذا غلط مبين، وأظن ذلك لكون توراته تذكر أن ابن حام ابن نوح ~~اسمه كنعان، فكان المتكلف يقول: إن كنعان ابن حام أخذ امتيازا بهذا الاسم ~~من أول الدنيا، فلم يقدر نوح أن يتعدى قانون الأسماء ليسمي ابنه كنعان، فيا ~~لهفاه على الأدب على أن ذلك لا يمس القرآن في شئ. # واعترض أيضا على قول نوح (رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق) وافترى على ~~القرآن بنسبة التأوه لنوح. # ثم صار يتبجح بما يذكر كتابه عن عالي لما أخبر صموئيل بما يحل بولديه ~~لأجل شرهما وما يحل ببيته من البوار حيث قال: هو الرب ما يحسن في عينيه ~~يعمل، وصار يطالب نوحا بما يزعمه من تسليم عالي لأمر الله حسب عادة ~~الأتقياء. # قلت: قد قدمنا لك في الجزء الأول صحيفة 95 - 96 أنه ليس في قول نوح ~~اعتراض على الله، ولا منافاة للتسليم لإرادته وإنما استفهم عن حقيقة ~~PageV02P141 # الوعد السابق بنجاة أهله فقال: إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق، وعقب ~~سؤاله بالاذعان بالحكمة والرضا والتسليم. # ولو أن المتكلف يشعر بما قرفت به كتبه كبار الأنبياء لما تعرض للافتخار ~~بتسليم (عالي) الذي ليس بنبي، ولكنه كأنه لا يدري لكي يتحذر من أن يقول له ~~نقاد الأدب وزعماء البحث إذن فكيف تقول كتبكم إن موسى كليم الله يقول لله: ~~لماذا أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذا أسأت إلى عبدك؟ وأن إيليا يقول أ إلى ~~الأرملة التي أنا ms403 عندها أسأت أيضا بإماتتك ابنها، وأن ارميا النبي يقول يا ~~أيها السيد الرب حقا إنك خداع خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا يكون سلام ~~وقد بلغ السيف النفس، وأن المسيح يقول وهو على الصليب إلهي إلهي لماذا ~~شبقتني (أي تركتني)؟ ولماذا شحن كتاب أيوب بنسبته لأيوب كلمات الجزع ~~والاعتراض على قضاء الله إلى حد الكفر. # وقال الله جل اسمه في سورة العنكبوت 13: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون). # فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 102) بأن التوراة تقول إن عمر نوح هو ~~950 سنة من دون زيادة ما قبل الرسالة وما بعد الطوفان كما يقتضيه القرآن. # قلت: قد ذكرنا لك في تتمة الصدر مبلغ اعتبار التوراة السبعينية في الأمة ~~اليهودية وعلو شأنها في الملة النصرانية، بل كانت هي الشاهد لها في الدعوة ~~وبشارة الرسالة، كما أن النسخة العبرانية عندهم هي الأصل المعتمد والسند ~~والمستند، وبذلك تكون النسختان متكافئتين في الاعتبار متزاملتين عندهم في ~~محمل الصحة على اسم التوراة الواحد ومعناها المتحد، فنقول: إذن إن التوراة ~~بهاتين النسختين وذاتها بهذين الزيين أو الزينتين قد اضطربت وتلونت في ~~مقادير العدد وألفاظه في التاريخ والشريعة أفحش اختلاف، كما ذكرنا لك في ~~أعمار الآباء وعمر اللاوي في خدمة المسكن، وزد على ذلك مخالفة النسخة ~~السامرية التي قال جمع من محققي النصارى ومفسريهم بصحتها واعتبارها، دع عنك ~~هذا كله ولكن النسخة العبرانية قد ذكرنا لك اضطرابها في التاريخ ومقادير ~~السنين PageV02P142 # على وجه بينا لك في تتمة الصدر أنه كلما رام المتكلف أن يصلحه بمعونة ~~معرفة المرسلين الأميركان فلم يستطع إلا مواساة توراته في الاضطراب ~~والاختلاف. # فقل للمتكلف: أبهذه التوراة ذات النشؤ المجهول والكاتب المغلاط تريد أن ~~تعارض القرآن الكريم؟ لا، ولا واحدا من كتب التاريخ، أيها المتكلف ألم يسمح ~~أدبك أو إنصافك أن تجعل القرآن بمخالفته للتوراة الرائجة في صف النسخة ~~السبعينية إذ كان يرتلها المسيح عليه السلام، كما تقولون في خطابه ويدرسها ~~الرسل والقدماء ms404 كما تقولون لاحتجاجهم لا، ولا منة ولا إحسان فإنما هو هو ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وذكرى للمؤمنين ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كبيرا. # * * * شأن إبراهيم والكواكب وقد كرر المتكلف (يه 2 ج ص 45) اعتراضه على ~~الآيات التي ذكرت ذلك في سورة الأنعام 75 - 78: وقد قدمنا لك الكلام في ذلك ~~مستوفى في الجزء الأول (صحيفة 106 - 108). # * * * وقال الله تعالى في سورة البقرة 260: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ~~في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا ~~أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ~~فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 30 و 31) ما ملخصه: أجمع علماء الإسلام على أن ~~الذي حاج إبراهيم هو نمرود ابن كنعان الجبار، ولا شك أن محمد (ص) اتخذ هذه ~~القصة من الخرافات اليهودية التي كانت متداولة في عصره، والتوراة منزهة عن ~~مثل هذه الخرافات، على أن نمرود لم يكن معاصرا لإبراهيم بل يعلم من سفر ~~التكوين أنه كان بين نمرود وإبراهيم نحو ثلاثمائة سنة، فأقوال PageV02P143 # القرآن هي من الخرافات الملفقة. # قلت (أولا): إن التوراة الرائجة لا يحتمل شأنها أن تذكر مثل هذه الحجة ~~الباهرة وتمجد الله ورسوله بذكر واقعتها، وإنما توفقت لأن تقتصر على ~~واقعتين في تاريخ ما بين الطوفان وهجرة إبراهيم (الواقعة الأولى) أن نوحا ~~شرب الخمر وسكر وتعرى في خبائه فأبصر حام عورته وأخبر ساما ويافث فلما ~~استيقظ نوح من خمره لعن كنعان (تك 9، 21 - 25)، (الواقعة الثانية) أن بني ~~آدم عزموا على أن يبنوا مدينة وبرجا فنزل الرب لينظر المدينة والبرج وقال: ~~هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتدائهم بالعمل والآن لا يمتنع ~~عليهم كلما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع ~~بعضهم لسان بعض (تك 11، 5 - 8). # وثانيا: أن الذي سماه المسلمون هو نمرود ابن كنعان، وقالوا هم وغيرهم من ms405 ~~المؤرخين أن (نمرود) اسم يسمى به ملوك تلك البلاد كما يسمى كل واحد من ملوك ~~الفرس (كسرى) وكل واحد من ملوك الروم (قيصر) كما سمى به العهد الجديد ~~أوغسطس (لو 2، 1 وطيباروس لو 3، 1 وكلوديسوس 1 ع 11، 28)، وكما سمى العهد ~~القديم ملوك مصر (فرعون) فسمى بذلك صاحب إبراهيم (تك 12، 15 - 20)، وصاحب ~~يوسف (تك 41، 1 - 55) وصاحب موسى (خر 1 - 15، 20)، وصهر سليمان (1 أي 3، ~~1)، ومعاصر ارميا (ار 44، 30)، وأن نمرود ابن كنعان لا يلزم أن يكون هو ~~المذكور في توراة المتكلف. # وثالثا: سلمنا ذلك ولكن التوراة ذكرت أن الذين نجوا بالفلك من الطوفان هم ~~ثمانية من البشر: نوح وامرأته وبنوه الثلاثة ونسائهم (تك 8، 18). # وذكرت في أولاد حام (كوشا) وذكرت أن بني كوش سبا، وحويلة وسبته، ورعمة، ~~وسبتكا، وأن بني رعمة شبا وددان، وبعدا كله ذكرت أن كوشا ولد نمرود الذي ~~ابتدأ يكون جبارا في الأرض، وكان ابتداء مملكته بابل، وارك، PageV02P144 # وأكد، وكلنه في أرض شنعار فانظر (تك 10، 6 - 11) وتصحيح عبارة التوراة ~~يقتضي أن يكون نمرود من أولاد كوش بالواسطة، وهبه كان ولده بلا واسطة، ولكن ~~كم ينبغي أن يكون من السنين بين الطوفان وبين موت نمرود بحسب أعمار تلك ~~الأدوار ومواليدها، أفلم تذكر التوراة أن أعمار تلك الطبقات كانت خمسمائة ~~وما يقاربها (تك 11، 12 - 18)، فمن أقرب الممكنات العادية أن يعيش ولد ~~(كوش) إلى ما بعد الطوفان بأربعمائة سنة أو أكثر. # وإذا أخذنا مولد إبراهيم بحسب التوراة العبرانية (تك 11، 10 - 32 و 12، 4 ~~واع 7، 4) وجدناه أبعد ما يكون فيه عن الطوفان نحو ثلاث مائة واثنتين ~~وخمسين سنة أو ثلاثمائة وستين سنة. # وحاصل ذلك أن تقاويم التوراة العبرانية في ذلك الوقت تقتضي أن يكون نمرود ~~المذكور في التوراة قد أدرك في عمره المعتاد مدة طويلة وسنين عديدة من عمر ~~إبراهيم، كما اتفق بحسب تقويمها أن إبراهيم أدركه جميع آبائه الذين هم بعد ~~الطوفان مدة طويلة ما عدا نوحا وفالج، إذا عرفت هذا فقل للمتكلف: إن نمرود ~~الذي ذكره المسلمون هو النمرود ابن كنعان أحد النماردة ms406 الكثيرين لا خصوص من ~~ذكرته توراتك. # وهبه هو فإن أبعد مدة تقولها توراتك العبرانية بين الطوفان ومولد إبراهيم ~~هي 352 أو 360 سنة فإذا جعلنا بين إبراهيم وبين نمرود المذكور في التوراة ~~ثلاث مائة سنة كما تزعم، فقل: متى كانت ولادة كوش من حام ومتى كانت ولادة ~~نمرود؟ ومتى كان تملكه على بابل وأرك وأكد وكلنه في أرض شنعار؟ ومتى تمصرت ~~البلاد بعد الطوفان؟ أفتقول بإلهامك ومعرفة المرسلين الأمريكان أن ولادة ~~كوش كانت بعد الطوفان بسنة، وولادة نمرود كانت بعد الطوفان بسبعة عشرة سنة ~~ثم ملك البلاد الممصرة ومات بعد الطوفان بنحو 52 أو 60 سنة، فكان بينه وبين ~~إبراهيم 300 سنة، ولكن المتكلف لا يبالي من أن يقول مثل ذلك فيخالف كتبه. # أوليس هو الذي قال (يه 3 ج ص 217) اقتضت عناية الله الإلهية أن يبقى نوح ~~حتى رأى إبراهيم فأخبره عن الطوفان وعن أعمال الله معه وغير ذلك ~~PageV02P145 # فنقل إبراهيم هذه القصص الإلهية وأعلمهم إرادة الله. # فلم يبال في ذلك بمخالفة كتبه التي يعول عليها فإن توراته تقول إن نوحا ~~عاش بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة (تك 9، 28)، وتقويم العبرانية يقول ~~بحسابه: إن ولادة تارح أبي إبراهيم لمائتين واثنتين وعشرين سنة من الطوفان، ~~وكانت أيام تارح مائتين وخمس سنين ومات في حاران (تك 11 10 - 32)، وأن ~~إبراهيم لما خرج من حاران كان ابن خمس وسبعين سنة (تك 12، 4). # والعهد الجديد يقول: إن إبراهيم خرج من حاران بعد ما مات أبوه (1 ع 7، 4) ~~فإن فرضنا أنه خرج من حاران في سنة موت أبيه فلا بد أن يكون مولده لمائة ~~وثلاثين سنة من مولد أبيه تارح، فيكون مولد إبراهيم لسنة ثلاث مائة واثنتين ~~وخمسين سنة من الطوفان، فيكون مولده بعد موت نوح بسنتين، فأين تكون رؤية ~~نوح لإبراهيم وإخباره عن الطوفان وأعمال الله معه. # وقال الله تعالى في سورة البقرة 262: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من ms407 الطير ~~فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم أدعهن يأتينك سعيا). # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 33 و 34) على هذه الآية بأن عبارة القرآن ناطقة ~~بوقوع الشك من إبراهيم في قدرة الله تعالى، وتشبث لذلك برواية من الآحاد. # قلنا: وقد ذكرنا لك في الجزء الأول صحيفة 109 - 110 إن قول إبراهيم (بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي) لصريح على رغم أنف الغباوة والعناد بأن إبراهيم مؤمن ~~بهذه الحقيقة لا شك له فيها ولكنه طلب تأييد العقل بالحس ليحصل له ~~الاطمئنان باليقين الكامل، إذ لا شك أن العقل إذا تأيد بالحس كان المعلوم ~~أوقع في النفس وأثبت في اليقين من المعقول الصرف. # وذكرنا لك أيضا أن الرواية يكفي في ردها مخالفتها لصراحة القرآن الكريم ~~وطلبنا منك المقايسة في الدلالة على الإيمان والشك بين قول إبراهيم: ~~PageV02P146 # (بلى ولكن ليطمئن قلبي)، وبين حكاية التوراة لقول إبراهيم أيضا ففيها ~~وقال: # أنا الرب الذي أخرج من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها، فقال: # أيها السيد الرب بماذا أعلم أني أرثها (تك 15، 7 و 8) أفترى هذا الكلام ~~يعطي رائحة من الإيمان والتصديق بوعد الله في أمر جرت عليه سنة الله في ~~عباده وبلاده من توريثه أرض قوم لآخرين، أم يعطي أنه لا يحصل العلم بمجرد ~~قول الله ووعده وإنما يحصل العلم بشئ آخر، كما قيل: بماذا أعلم أني أرثها. # هب أن المتكلف لا يفهم القرآن ولا اللغة العربية، أو أنه يتحامل لتعصبه ~~على القرآن بالافتراء توهما لرواج ذلك عند بعض الأوباش، ولكنه ألم يكن يدري ~~بأن في توراته مثل هذا الذي يفضحه عند المقايسة، ولعمر الأدب لو أراد أن ~~يدل على ما في توراته من الخلل لما أحسن التنبيه بمثل هذا التعريض. # وأظرف شئ مع ذلك أنه يقول: إن كتاب الله يعلمنا بأن إبراهيم لم يشك في ~~قدرة الله مطلقا، إذن فالتوراة التي ذكرت هذا الكلام كتاب من؟ وهل ترى ~~المتكلف يقول: إن قول إبراهيم (بماذا أعلم) ليس شكا في قدرة الله وإنما هو ms408 ~~شك في صدقه جل شأنه في وعده، نعم يقول ولا يبالي، ولا تقل إن المتكلف لا ~~يعلم بهذا الكلام من توراته، فإنه نقل منها هذا المقام برمته، ولكنه ستر ~~بذيل أمانته قولها (بماذا أعلم أني أرثها). # وحاصل هذا المقام هو أن الله تبارك اسمه قال لإبراهيم أعطيك هذه الأرض ~~لترثها فقال إبراهيم: بماذا أعلم أني أرثها؟ فقال له: خذ لي عجلا ثلاثية ~~وعنزا ثلاثية وكبشا ثلاثيا ويمامة وحمامة فأخذها وشقها من الوسط وجعل شق كل ~~واحد مقابل صاحبه، وأما الطير فلم يشقه، ثم غابت الشمس فصارت العتمة وإذا ~~تنور دخان ومصباح نار يجوز بين تلك القطع، في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ~~ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض (تك 15، 1 - 19)، فانظر وقل إذا كان ~~وعد الله لا يوجب العلم بصدقه حتى يقول إبراهيم: (بماذا أعلم أني أرثها)، ~~فما وجه الدلالة في قطع الحيوانات وظهور الدخان والنار بين قطعها، فإن كان ~~إبراهيم يخاف خلف الوعد والندم والحزن والتأسف في القلب على صدور الوعد، ~~فإن هذا العمل لا يوجب له العلم بعدم الندامة ولا فائدة فيه. PageV02P147 # أو تقول مثل ما قال المتكلف في هذا المقام، فهذه الذبيحة هي لتأييد العهد ~~الذي عقده الله مع إبراهيم فكانت عادت اليهود بل الأمم أيضا عند ابرام عهد ~~يذبحون الذبيحة إشارة إلى أن من ينكث العهد يحل به سيف العدل الإلهي، ~~فالمولى سبحانه وتعالى تفضل وأعطاه هذه العلامة لتأييد العهد وتثبيت إيمانه ~~وأن الله سينجز ما وعده به. # إذن فهل حصل العلم بعقد الميثاق وتثبيت العهد بهذه العادة الأممية بسبب ~~إشارتها إلى جعلها سيف العدل الإلهي حوالة على الناكث؟ أم لم يحصل؟ # ولماذا يحصل فإن من لا يصدق بوعده لا يؤتمن على الوفاء بعهده. # والتوراة لم تذكر حصول العلم بواسطة هذا العهد، ولعلها تقول أن قانون ~~الفداء لم يترك وثوقا بمراقبة سيف العدل الإلهي، إذ لعل العدل والقداسة ~~وبغض الخطيئة والنكث للعهد تكون سببا لأن يكون إبراهيم فاديا وإن استعفى ~~فيحمل عليه قصاص الناكث للعهد ms409 غفرانك اللهم جل شأنك وتعاليت عما يقولون. # ثم اعترض المتكلف على حديث الطيور في الآية الكريمة ودلالتها على حياتها ~~واجتماع أوصالها بعد التفرق، فقال: هذه الأقوال ليست من الأغلاط الفاحشة بل ~~من الخرافات الخارجة عن حد المعقول. # قلت: إن كان لك إلمام بمعرفة أحوال المتكلف فأبن لي عن منشأ هذا الكلام ~~هل هو هذيان مبرسم، أو نفثة باح بها كامن الإلحاد وإنكار المعاد وقدرة ~~الله، وانطواء الاعتقاد على أن عود الأجسام والتئامها بعد تفرق أجزائها ~~خارج عن حد المعقول، وكيف يكون ذلك والمتكلف والمرسلون الأمريكان يدعون ~~أنهم أتباع المسيح الذي هو والعهد الجديد أيضا يحتجان على وقوع القيامة ~~وعود الأجسام بعد تفرقها، وينوهان بقدرة الله، وهم يدعون أنهم أرسل الدين ~~المسيحي لا رسل (داروين). # وقال الله جل اسمه في سورة الأنعام 74: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ ~~أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين). PageV02P148 # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 44) على تسمية القرآن أبا إبراهيم (آزر) مع أن ~~التوراة سمته (تارح) (تك 11، 26)، وبأن تارح ما كان يعبد الأصنام بدليل أنه ~~هاجر مع إبراهيم إلى حاران، فلو لم يكن تقيا لما ترك وطنه وهو عزيز عنده. # قلنا: إن آزر معرب اليعازر، ومنه قول المتنبي: (أو كان صادف رأس آزر ~~سيفه) حيث أراد منه اليعازر الذي يذكر إنجيل يوحنا أن المسيح أحياه من ~~الموت، فيجوز أن يكون لفظ اليعازر لقبا لتارح فإن معناه (الله عون) فسمى ~~القرآن تارح بلقبه. # ودعوى أن تارح لم يكن يعبد الأصنام إنما هي من المتكلف دعوى لا شاهد ~~عليها إلا التخمين المعارض بأقوى منه، فإن (لابان) ابن بتوئيل ابن ناحور ~~أخي إبراهيم كان في حاران يعبد الأصنام انظر (تك 31، 19 و 30) وهذا يعطي أن ~~بيت إبراهيم لم يكونوا في حاران أبرياء من عبادة الأصنام، ويؤيد ذلك أن ~~إبراهيم هاجر عن أهله من حاران ولم يتبعه إلا لوط وسارة ويجوز أن يكون تارح ~~هاجر من وطنه حبا لإبراهيم وفرارا بولده من كيد عبدة الأوثان، وهذا مما ~~يقدم ms410 عليه الأب الشفيق وإن لم يكن على دين ولده ولنا أن نقول إن آزر ~~المذكور في القرآن لم يكن أبا إبراهيم حقيقة، وإنما هو حسب قول التوراة ~~اليعازر الدمشقي ملك بيت إبراهيم أو ابنه المتأهل لوراثة إبراهيم (تك 15، 2 ~~- 4) فسماه القرآن أبا لإبراهيم حسب الاصطلاح الجاري في القديم من تسمية ~~القيم بالأمور (أبا) وإن كان عبدا أو رعية، فعن قول يوسف: الله جعلني أبا ~~لفرعون (تك 45، 8). # وعن قول ميخا للغلام اللاوي: كن لي أبا: (قض 17، 10)، وعن قول الدانيين ~~لذلك الغلام أيضا: كن لنا أبا: (قض 18، 19)، وربما يشير تصريح القرآن باسم ~~آزر إلا أنه احتراز عن الأب الحقيقي. # وقال الله تعالى في سورة التوبة 115: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا ~~عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه ~~حليم). PageV02P149 # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 60) بأنه حاشا لإبراهيم أن يستغفر له، فإنه ~~يعرف أنه لا تنفع الشفاعة بعد الموت، وبأن أبا إبراهيم ما كان مشركا ولا ~~عدوا لله. # قلنا: إن قوله تعالى: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) كاف في بيان ~~بطلان الاعتراض وكاشف عن أن الاستغفار كان لرجاء الإيمان فيكون المراد من ~~الاستغفار هو طلب التوفيق للأيمان الذي هو سبب المغفرة، ولكن جل اسمه لا ~~يلجئ المعاند، ولا يوفق إلا من هو أهل، فلما تبين لإبراهيم عناد أبيه، ويأس ~~من إيمانه تبرء منه، كما هو وظيفة الأنبياء والأولياء بل وسائر المؤمنين، ~~فلم يقل لله ولا يقول لإبراهيم ولا غيره من الأنبياء في شأن من يعبد الوثن، ~~والآن إن غفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت (خر 32، 32)، هذا ~~وقد تقدم الكلام بأن أبا إبراهيم المذكور ما كان مشركا. # وقال الله تعالى في سورة هود 72: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا ~~سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ 73 فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط 74 وامرأته ~~قائمة ms411 فضحكت فبشرناها بإسحاق). # واعترض عليه المتكلف (يه 2 ج ص 66) بمخالفته لما ذكر في توراته التي عرفت ~~حالها (تك 18، 1 - 16)، وأنموذج اعتراضاته في ذلك هو اعتراضه على نقله أن ~~الملائكة لم يأكلوا حيث أن توراتهم تقول إنهم أكلوا. # قلت: ويظهر وجه اعتراضه بقول توراته، وظهر له الرب وإذا ثلاثة رجال، إلى ~~أن قالت: فجاء الملاكان إلى سدوم، فصنع لهما لوط ضيافة وخبزا فطيرا فأكلا ~~(تك 18، 1 - 19، 4) وهي وإن اضطربت في العدد لكنها لا تخفى دلالتها على أن ~~الملاكين الذين جاءا إلى سدوم هما الذين جاؤوا إلى إبراهيم وأكلوا تحت ~~الشجرة من ضيافته وذهبوا نحو سدوم. # ويتضح وجه اعتراضه بقول عهده الجديد في الملائكة، أليس جميعهم أرواحا (عب ~~1، 14). PageV02P150 # وباحتجاج أناجيله على أن أبناء القيامة لا يتزوجون بكونهم مثل الملائكة ~~(مت 22، 30 ومر 12، 25 ولو 20، 36). # واعترض المتكلف أيضا على القرآن وقال (يه 2 ج ص 67 س 22) عدم تعيين عدد ~~الرجال يدل على الجهل، يعني بذلك عدد الرسل الذين أرسلهم الله إلى إبراهيم. # قلت: وقد قدمنا لك أن القرآن الكريم لم يدخل شؤونه مدخل التاريخ بل لا ~~يتعرض في نصه وبيانه إلا لما كان مهما في الغرض المقصود ولا مداخلة هاهنا ~~في الغرض للنص على كون الرسل ثلاثة أو عشرة، فاكتفى بالإشارة إلى الحقيقة ~~بصيغة الجمع وضميره الدالين على أنهم لا ينقصون عن ثلاثة. # ولا تعجب من سخافة كلام المتكلف في اعتراضه هذا، ولكن تبصر فيما جناه ~~بهذا الاعتراض على نفسه وعلى كتابه وعلى قومه، إذ حمل المتتبع على أن ينظر ~~في توراته فيرى خبطها في هذا المقام، فإنها بينما تقول إن هؤلاء الرسل ~~ثلاثة رجال وقاموا وتطلعوا نحو سدوم، وانصرفوا من هناك وذهبوا نحو سدوم (تك ~~18، 2 و 16 و 22) أذابها قد قالت وجاء الملاكان الاثنان إلى سدوم (تك 19، ~~1) فانقلب الثلاثة اثنين. # ثم قالت أيضا في مخاطبة لوط لهؤلاء وجوابهما له، فقال لهما لوط: # لا يا سيد هو ذا عبدك، وجد نعمة في عينك عظمت لطفك، فقال له: قد رفعت ~~وجهك، ms412 أنا لا اقلب المدينة، أنا لا أستطيع أن أفعل شيئا حتى مجيئ إلى هناك ~~(تك 19، 18 - 23) فانقلب الاثنان واحدا، وحق للمتكلف أن يفتخر بتوراته ~~ويقول إن الناس من هذا المقام أخذوا علم الحساب ووضعوا أصوله واستخرجوا ~~قواعد الجبر والمقابلة. # ولعل المتكلف يقول: إن هذا المقام من مجاهرة التوراة بالثالوث، فنقول له: ~~إن توراتك ثلثت وثنت ووحدت موضوعا واحدا من الملائكة، وأن المعروف منكم ~~وممن تقدمكم بعقيدة الثالوث كالبراهمة والبوذيين وغيرهم من الأمم القديمة ~~(1) إنما هو التثليث في الذات الإلهية تعالى الله عن ذلك، فتجعلونه # PageV02P151 # واحدا ذا أقانيم ثلاثة، وعليه جرت مزاعمك (يه 4 ج ص 245 - 301)، ولا نسمع ~~عنكم ولا عمن قبلكم دعوى الجميع بين التثليث والتثنية والتوحيد حتى في ~~الملائكة. # فإن زعم المتكلف كمزاعم الرسالة المنسوبة لعبد المسيح أن التوراة أرادت ~~بذلك الثالوث الإلهي وذكرت أقانيمه الثلاثة. # قلنا له: إذن فقل إن البرهان لك من توراتك على ذلك هو أن إبراهيم عرف ~~أنهم أقانيم الإله الثلاثة، ولذلك دعاهم لأن يسندوا قلوبهم بكسرة خبز ~~فأكلوا تحت الشجرة، وبعدما انقلب هؤلاء الثلاثة اثنين أكلا عند لوط من ~~ضيافته والخبز الفطير، وبعدما انقلب الاثنان إلى واحد صار لا يقدر على أن ~~يفعل شيئا حتى يجئ لوط إلى صوغر. # ومن أين يجد أهل علم اللاهوت في الاحتجاج على الألوهية أحسن من مجد هذه ~~الصفات فانظر (تك 18، و 19). # وقال الله جل اسمه في سورة الصافات في شأن إبراهيم وابنه 100 (فلما بلغ ~~معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك). # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 106) بأن هذا لم يكن في الرؤيا بل إن الله أمره ~~بذلك كما في التوراة. # قلت: غاية ما في التوراة على ما فيها، إنها قالت إن الله امتحن إبراهيم ~~فقال له: يا إبراهيم فقال: ها أنا، فقال: خذ ابنك وحيدك إلى آخره (تك 22، 1 ~~و 2) ولم تصرح بأن هذه كان في يقظة أو رؤيا، وإن جملة من نبوات إبراهيم ~~وكلام الله وخطابه معه قد كانت في ms413 الرؤيا والمنام انظر (تك 15، 1 - 10 و 12 ~~- 17). # فالقرآن أوضح الحقيقة على خلاف إبهام التوراة لها. # وقال الله تبارك اسمه في سورة البقرة 119: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ~~PageV02P152 # طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود 121 وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت وإسماعيل). # والمتكلف ينكر ذلك ويقول (يه 2 ج ص 23)، وكتاب الوحي الإلهي يعلمنا أن ~~إبراهيم لم يتوجه مطلقا إلى الكعبة، ولا إلى بلاد العرب، ثم ذكر ما ذكرته ~~توراته في سيرة إبراهيم المجملة، ثم قال: والحقيقة هي أن الكعبة بيت زحل. # قلت: ليس في التوراة الرائجة ما يدل على أن إبراهيم لم يتوجه مطلقا إلى ~~الكعبة ولا إلى بلاد العرب، وغاية ما فيها أنها لم تذكر بصراحتها سفر ~~إبراهيم إلى مكة، وغاية ما تعرضت له من أحوال إبراهيم إنما هو رحلاته التي ~~هاجر فيها بعائلته وثقله وبيته، وإنما كان ذهابه إلى مكة من سفرياته ~~الخصوصية، ولم تتعرض التوراة الرائجة لهذا النوع من السفريات، كما أهملت ~~ذكر شؤونه وأحواله ونشوؤه وتربيته فيما بين النهرين وقد قضى من ذلك شطرا ~~وافيا من عمره وهو مؤمن بل نبي بين وثنيين لا بد أن تجري لهم معه شؤون ~~مهمة، وكما أهملت ذكر شؤونه في حاران أيضا. # أفترى إذا قال بعض المؤرخين أن إبراهيم سافر وهو فيما بين النهرين إلى ~~اليمن أو عمان أو سافر وهو في حاران إلى ناحية الشمال فهل يحسن من ذي أدب ~~أن يرده بخلو التوراة من ذلك؟ كلا. # فإن قلت: إن الذي يدعي من سفر إبراهيم إلى مكة وبناء البيت أمر مهم لا ~~ينبغي للتوراة أن تهمله إذا كان له أصل، (قلت): # أما أولا: فإن توراة حلقيا أو غيره مشغولة بما هو أهم من ذلك عندها وهو ~~التسجيل على رحلة إبراهيم إلى (مصر، وجرار) لكي تجري وظيفتها في ذكر قصة ~~فرعون وأبي مالك مع إبراهيم، فتمجد إبراهيم بذلك انظر (تك 12، 11 - 20، و ~~20، 1 - 18). # وأما ثانيا: فإن هذه التوراة ms414 إنما هي كآبائها بني إسرائيل إذ حرصوا على ~~أن يجعلوا نصيبا لغيرهم في توحيد الله وعبادته وشريعته ونبوته، فكيف تسمح ~~PageV02P153 # أن تذكر بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت مع ما فيه من الفضل والرفعة ~~للإسماعيليين، وأن كاتب الأيام الأول لم يدعه الحنق على الإسماعيليين أن ~~ينسبهم إلى أبيهم بل سماهم الهاجريين (1 أي 5، 10 و 19 و 20) وسرى هذا ~~الوباء حتى إلى كاتب رسالة غلاطية فصار يضرب مثله في الرفعة والضعة بابن ~~سارة وابن هاجر (غل 4، 22 - 31). # ويدلك على ذلك أن هذه التوراة ذكرت أولاد إسماعيل فقامت ووقعت في الخبط، ~~فإنها لما تعرضت لذكر الذين اشتروا يوسف من إخوته وباعوه في مصر ذكرت ما ~~ملخصه، وإذا قافلة إسماعيليين ذاهب إلى مصر فقال يهوذا: تعالوا نبيعه ~~للإسماعيليين واجتاز رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف من البئر وباعوه ~~للإسماعيليين فأتوا بيوسف إلى مصر، والمديانيون باعوه في مصر لفوطيفار (تك ~~37، 25 - 36). # ثم قالت: ويوسف أنزل إلى مصر واشتراه فوطيفار من يد الإسماعيليين فانظر ~~إلى هذا الخبط والجهل بأنساب أولاد إبراهيم، فإن هؤلاء الجماعة نسبتهم هذه ~~التوراة مرة إلى إسماعيل ابن إبراهيم من هاجر، ونسبتهم مرة إلى مديان، وإن ~~كاد المراد به ابن إبراهيم فهو مديان ابن إبراهيم من قطورة ونسبتهم مرة ~~ثالثة إلى مدان، وإن كان ابن إبراهيم فهو مدان ابن إبراهيم من قطورة أيضا ~~شقيق مديان. # وأما ثالثا: فإن أمة العرب بأسرها متسالمين في أجيالهم على نقلهم أن ~~الكعبة الشريفة هي بناء إبراهيم وإسماعيل، وقل ما يتفق الحقيقة أن يتواتر ~~نقلها بمثل هذا التواتر فهو حجة مرغمة للخصم، ولا يمنع من ذلك أن العرب ~~أخيرا وضعوا فيه الأصنام لما تلاشت من بينهم حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم ~~فانقلبوا إلى الوثنية والشرك، كما هو الوباء العام الذي لم تسلم منه أمة ~~إلا أمتنا المرحومة ثبتها الله على توحيده وطاعته، فإن بني إسرائيل شعب ~~الله وابنه البكر بقول توراتهم قد جعلوا الأصنام في بيت المقدس مرارا عديدة ~~لما تقلبوا في وثنيتهم بل أخربوا بيت المقدس وانتهبوه. # وأما رابعا: ms415 فإن رسول الله (ص) طالما هتف بين العرب بأن الكعبة بناء ~~PageV02P154 # إبراهيم، وتلا عليهم الآيات المصرحة بذلك، فلو كان في ذلك خدشة لصالوا ~~على دعوته بذلك وجعلوه برهانا على تكذيبه في دعوته الثقيلة على أهوائهم، ~~ولم يلتجئوا إلى المكابرة بنسبة الجنون إلى قدسه مع أنهم كانوا يعاملونه من ~~حيث الكمالات معاملتهم لأكمل البشر وأعقلهم (فإن قلت): إنهم عرب خالون من ~~المعارف، فتزوج فيهم مثل هذه الدعوى (قلت): إن كل من له إلمام بفلسفة ~~القبائل ومعرفة أحوال العرب يعلم أنه لهم المعرفة التامة في تاريخ قديمهم ~~وآثار آبائهم وأسباب شرفهم، بل كان ذلك من أهم معارفهم عندهم الرائجة ~~بينهم. # ولا تقل: إن روج ذلك سهل بين الإسماعيليين لأنه يتعلق بمجدهم، وذلك لأن ~~القحطانيين لو وجدوا أدنى سبيل لمنعه لمنعوه ولم يتركوا الإسماعيليين ~~يفخرون عليهم بذلك، فإنهم من قديم الدهر وحديثه لا يزالون يفاخرون ~~الإسماعيليين وينافرونهم. # ومن ذلك تعلم أن تسليم القحطانيين لهذه الحقيقة برهان كاف على أنها لا ~~تختلج فيها الأوهام إلا إذا أقحمتها العصبية وقلة المبالاة. # ولئن علقت نفسك بإهمال التوراة الرائجة لهذه الحقيقة، ولم يزح ما قدمناه ~~شكوك شبهاتك، فلا تحتفل بإهمال التوراة، فإن العهد الجديد يشهد بأنها قد ~~أهملت أهم تاريخ إبراهيم وألزم شؤونه بالذكر فيما هي بصدده، وهو بدء الدعوة ~~وظهور الله له في أرض الكلدانيين فيما بين النهرين، وأمره له بالهجرة من ~~وطنه. # فقد جاء في أعمال الرسل كتاب إلهام المسيحيين عن استفانوس المذكور أنه ~~مملوء من الإيمان والروح القدس والقوة بحيث يصنع عجائب وآيات عظيمة في ~~الشعب (10 ع 6، 5 - 9) أنه قال: ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو فيما بين ~~النهرين قبل ما سكن في حاران وقال له: اخرج من أرضك ومن عشيرتك وهلم إلى ~~الأرض التي أريك، فحينئذ خرج من أرض الكلدانيين وسكن في حاران (1 ع 7، 2 - ~~5). PageV02P155 # ومع ذلك فإن التوراة لم تذكر أن الله دعى إبراهيم فيما بين النهرين ~~للمهاجرة، وإنما ذكرت أن تارح أخذ ابرام ابنه ولوطا وساراى كنته فخرجوا من ms416 ~~أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك ومات ~~فيها تارح (11، 31 و 32). # ثم قالت بعد ذلك: وقال الرب لإبراهيم: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت ~~أبيك إلى الأرض التي أريك، فذهب ابرام كما قال له الرب وذهب معه لوط، وكان ~~ابرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ ابرام ساراي امرأته ولوطا ~~ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران (تك 12، ~~1 - 6)، وهي صريحة في أن ما تذكره من دعوة الله لإبراهيم كان في حاران. # وحينئذ فمقتضى العهد الجديد أن التوراة الرائجة لا تخلو من أحد أمرين أما ~~أنها حرفت الواقعة الواحدة. والدعوة التي كانت في أرض الكلدانيين فجعلتها ~~واقعة في حاران وأما أنها أهملت ذكر الدعوة التي وقعت أولا في أرض ~~الكلدانيين مع أنها ألزم بالذكر، وزادت على ذلك بأن مسخت الحقيقة ونسبت ~~الهجرة إلى تصرف تارح، ومع هذا لا يصح للنصراني أن يتشبث بهذه التوراة على ~~إنكار حقيقة إذا لم تفز بذكرها حتى لو فرضنا سلامتها من الخلل من غير هذه ~~الجهة. # والمتعرب أيضا لج في إنكار مجيئ إسماعيل إلى مكة وأنكر على سائل قوله في ~~أول مقالته في بلاد العرب وتهامة أن إسماعيل بن إبراهيم توطنها فقال (قذ) ص ~~7 ليس هذا بثبت لأن في فلسطين موضعا يسمى عربة أيضا، وبعد، فإن التوراة قد ~~عينت موضع سكنى إسماعيل وهو في غير بلاد العرب (تك 21، 14، و 25، 12 - 18). # ثم قال أيضا (ذ) ص 10 و 11 ما حاصله إن قول العرب إن إسماعيل سكن مكة ~~مرود بأن التوراة التي لا نعلم بوجود هذا الشخص إلا منها تقول: # إنه لما طرد من بيت أبيه سكن في برية فاران وهي ببرية سينا بين مصر وبلاد ~~ثمود، وتقول في موضع آخر: إنه نزل أمام إخوته، وهؤلاء كانوا بأرض كنعان من ~~الشام، ولم يكن أمامهم مما يلي جزيرة العرب سوى بلاد ثمود، وتقول في ~~PageV02P156 # موضع ثالث: إنه لما مات أبوه أتى ودفنه في ms417 مغارة المكفلية بقرية أربع من ~~كنعان، وبينها وبين مكة مسافة لا يقطعها الراكب المجد في أقل من عشرة أيام. # قلت: إذا كانت توراته قد عينت موضع سكنى إسماعيل فيما أشار إليه حيث ذكرت ~~أنه برية فاران، وهو يقول: إنها ببرية سينا بين مصر وبلاد ثمود. # إذا فما وجه قوله: إن في فلسطين موضعا يسمى عربه، ومن المعلوم أن برية ~~سينا أجنبية عن فلسطين، وهل تشبثه باسم هذه العربة إلا غلط في غلط. # وأما قوله: (لا نعلم بوجود إسماعيل إلا من التوراة) فهو من أفحش الأغلاط، ~~فلو أن حلقيا لم يأت شافان بكتاب وحيد سماه التوراة لما انحط إسماعيل عن ~~شهرته أقل قليل، كيف وها بنوه الذين يفخرون به في أجيالهم قد ملأوا جزيرة ~~العرب وأذعن لهم بذلك صاحبهم وخصمهم في المفاخرات ولم يك إسماعيل كملكي ~~صاروق بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداية أيام له ولا نهاية حياة حتى لا يعرف ~~إلا من إلهام رسالة العبرانيين 7، 3. # وأما قوله: إن التوراة تصرح بأن إسماعيل سكن في برية فاران فهو مردود بأن ~~اختلاف التوراة في التاريخ وأغلاطها فيه، وعلى الخصوص فيما يتعلق بإبراهيم ~~ودعوته وبنية لا يدع لها اعتبارا تساوي فيه واحدا من كتب التاريخ، ولو ~~سلمنا ذلك فقد ذكر اللغويون أن فاران من جبال مكة، وأما قوله: إن فاران هي ~~ببرية سينا بين مصر وبلاد ثمود فهو خبط بلا حجة، فإن أصحابه قد اضطربوا في ~~ذلك فجعلوا فاران تارة اسما لجبل فيران وهو الرأس الواقع بين خليجي العقبة ~~والسويس جنوبي سينا وكاترينا، بل هو آخر الجبال الواقعة في الزاوية بين ~~الخليجين. # وجعلوه تارة أخرى اسما لجبل (فوريا) وهو الجبل المقوس الذي يقارب وسط محد ~~به للدرجة التاسعة والعشرين من العرض الشمالي والرابعة والثلاثين من شرقي ~~لندن فجعلوا برية فاران ما كان في شمال هذا الجبل، وسموا به PageV02P157 # أيضا واديا ذا أربع شعب متقاطعة على زوايا مختلفة، وهو في قرب ما سمي ~~أيضا وادي فيران، فلا سبيل لهم إذا في تعيين ms418 ما ذكرته توراتهم منزلا ~~لإسماعيل بمجرد الاسم فإنهم قد سموا بذلك أماكن متباينة في الوضع والبعد. # وإن سامحنا المتعرب ورجعنا إلى اكتشاف برية فاران من علامات التوراة ~~ومضامينها، فلا بد أن نقول: إن برية فاران واقعة في شرقي جبل الشرات وهو ~~السلسلة الممتدة في شرقي الأردن فبحيرة لوط فوادي العربة فخليج العقبة ~~فالبحر الأحمر إلى الحجاز ومن رؤ وسها جبال مكة. # والبرية التي في شرقي جبل الشرات لا ربط لها ببرية سينا ولا فلسطين فإنها ~~مفصولة عنهما بسلسلة جبل الشرات ثم الأردن وبحيرة لوط ووادي العربة وخليج ~~العقبة ثم السلسلة الغربية المتوجهة من حدود لبنان إلى جبل سينا، وأن مقتضى ~~التوراة أن برية فاران تسمى بها برية صين وقادش برنيع كما يعرف من (عد 13، ~~3 و 12 و 26، و 32، 8 وتث 1، 19 - 26). # وإنك لتعرف منها أيضا أن برية فاران واقعة في شرقي جبل الشرات، فقد ذكرت ~~مراحل بني إسرائيل ومنازلهم على التفصيل والترتيب والتتابع من مصر إلى ~~عربات مواب حيث توفي موسى عليه السلام، فذكرت لهم من برية سينا إلى عصيون ~~جابر عشرين مرحلة ومنزلا (عد 33، 16 - 36)، وأن عصيون جابر واقع إا في وادي ~~العربة الشرقي سلسلة جبال سينا، وإما في شرقي سلسلة جبل الشرات. # ثم قالت: وارتحلوا من عصيون جابر ونزلوا في برية صين وهي قادش وارتحلوا ~~من قادش ونزلوا في جبل هور في طرف أرض أدوم (عد 33، 26 و 27) وقد عرفت من ~~التوراة أن برية صين وقادش هي برية فاران وعرفت موقع عصيون جابر، وأما جبل ~~هور فهو جزء من جبل الشرات مائلا إلى الشرق منه. # وتقول التوراة أيضا: وعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير من طريق ~~العربة من إيلة ومن عصيون جابر (تث 2، 8) والعبور عنهم بهذا النحو ~~PageV02P158 # إنما يكون بالتوجه إلى شرقي جبل الشرات، فإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا ~~منافاة بين قول التوراة إن إسماعيل سكن في بريه فاران، وبين القول بأنه سكن ~~مكة. # فإن التوراة كثيرا ما تحدد الأماكن بحدود واسعة خصوصا إذا ms419 لم تكن مدينة ~~معروفة، فإن مكة لم تكن عند سكنى إسماعيل فيها مدينة ممصرة وإنما كانت برية ~~بيداء. # وقد جرت عادت التوراة بتحديد مثلها بالحدود الواسعة كأرض الجنوب (تك 24، ~~62 وعد 13، 29)، وأرض المشرق (تك 25، 6)، وأرض بني المشرق (تك 29، 1)، وعند ~~الجبل وعند البحر (عد 13، 39)، فالمراد من برية فاران هي البرية الواقعة في ~~شرقي سلسلة جبل الشرات، فإنه لا برية له في غربه، لأن غربه مضايق بالأردن ~~وبحيرة لوط ووادي العربة والبحر الأحمر، وهذه البرية هي الشاملة للحجاز ~~ومكة. # فالتوراة ذكرت منزل إسماعيل في مكة والحجاز لا بالتعيين، بل بالجهة ~~الشاملة. # قال في الجلد السابع من دائرة المعارف ص 691: الحجاز قيل وأحسن ما قيل في ~~تحديده ما قاله ابن الكلبي (وهو العلامة النسابة في أواخر القرن الأول من ~~الهجرة): إن الحجاز عبارة عن جبل الشرات وما اتصل به. # (فإن قال المتعرب): إن أسلوب الإصحاح الأول والثاني من التثنية يقتضي أن ~~عبور بني إسرائيل من إيلة ومن عصيون جابر إلى شرقي جبل الشرات إنما كان بعد ~~ارتحالهم من قادش التي هي برية فاران، وذلك يقتضي أن تكون قادش وبرية فاران ~~في وادي العربة أو في غربيه، فهي إذا أما من فلسطين وأما من برية سينا. # (قلت): لعل المتعرب قد غرته التراجم حيث جعلت أدوات العطف بلفظ (ثم) و ~~(الفاء) اللتين هما للترتيب، وإنما هو محض تشهي وتحكم من المترجمين، فإن ~~الأصل العبراني لم يقع فيه العطف إلا بالواو، وهي لمطلق PageV02P159 # الجمع لا تدل على الترتيب، فإن التوراة طالما عطفت بالواو ما هو متقدم ~~على ما هو متأخر، فلا تشبث بمحض العطف بالواو. # وكيف نعدل بوهمه عن صراحة الترتيب والتفصيل المذكور في الثالث والثلاثين ~~من العدد حيث استقصى منازلهم ومراحلهم من رعمسيس في مصر إلى عربات مواب حيث ~~توفي موسى عليه السلام، حيث ذكر أن بني إسرائيل ارتحلوا من رعمسيس ونزلوا ~~في سكوت، وارتحلوا من سكوت ونزلوا في ايثام وجرت على هذا النسق والترتيب ~~إلى أن قالت: وارتحلوا من ياطباثاه ونزلوا في عبرونه، وارتحلوا ms420 من عبرونه ~~ونزلوا في عصيون جابر، وارتحلوا من عصيون جابر ونزلوا في برية صين وهي ~~قادش، وارتحلوا من قادش ونزلوا في جبل هور في طرف أدوم. # ثم ذكر لهم على هذا النسق والترتيب سبع مراحل ومنازل إلى عربات مواب. # وإذ حاول المتعرب أن يتشبث في وهمه بسفر التثنية، فإن لنا من صراحته حجة ~~واضحة على أن قادش وبرية فاران إنما هي في شرقي جبل الشرات وذلك لصراحته ~~بأن بني إسرائيل وهم في قادش صعدوا إلى جبل فخرج الآموريون الساكنون في ذلك ~~الجبل للقائهم، وكسروهم في سعير إلى حرمة (انظر تث 1، 19 - 40 ثم من 40 - ~~46). # وأن جبل سعير قطعة من جبل الشرات في شرقي وادي العربة وجبل الأموريين ~~قطعة منها أيضا في شمال سعير. # فإن ذات التوراة تقول: إن ملك الأموريين كان ساكنا في حشبون (تث 2، 26 و ~~30، و 23)، وحشبون وأرض الأموريين في شمال مواب شرقي الطرف الشمالي من ~~بحيرة لوط وانظر (يش 13، 27). # (فإن قال المتعرب): إن سفر التثنية العبراني قد غلط في هذه الواقعة ~~وارتباطها مع الأموريين والصحيح هو ما في النسخة السامرية وهو قولها بدل ~~الأموريين (العماليقي والكنعاني) بدليل ما في سفر العدد في قوله في هذه ~~PageV02P160 # الواقعة، لكن تجبروا وصعدوا إلى رأس الجبل، فنزل العمالقة والكنعانيون ~~الساكنون في ذلك الجبل وضربوهم وكسروهم إلى حرمة (عد 14، 44 و 45) (قلت) ~~له: إذا فإن الحياء زينة الرجل، أفتريد أن تعارض الحقائق المعروفة في ~~الأجيال المتعددة عند ملايين لا تحصى من أهل المعارف والدقة، وتغالط فيها ~~بكلمة لا تفهم معناها من كتاب يلجأك سقمه واضطرابه إلى الاعتراف بغلطه. # وأما قول المتعرب: إن التوراة تقول: إن إسماعيل نزل أمام إخوته وهؤلاء ~~كانوا بأرض كنعان من الشام، ولم يكن أمامهم مما يلي جزيرة العرب سوى بلاد ~~ثمود. # قلت: إن كان مراد التوراة إسماعيل نفسه وإنه نزل أمام إخوته أولاد ~~إبراهيم، فقد كذب المتعرب أو وهم بقول، (وهؤلاء كانوا بأرض كنعان) لأن ~~إسماعيل لم يكن له في أرض كنعان إلا أخ واحد وهو إسحاق، ms421 وأما إخوته الستة ~~بنو قطورة، فإنما كانت منازلهم في أرض المشرق (تك 25، 1 - 7)، وهي في شرقي ~~جبل الشرات، ومنهم مدان ومديان، وهكذا إن كان المراد من إخوته هم عشيرته ~~وبنو نسبه فإن أكثرهم لم يكونوا في كنعان لأن إخوته الستة أولاد قطورة ~~والموابيين والعمونيين بني لوط كانوا كلهم في شرقي جبل الشرات وعلى كل حال ~~لا يتعين من نزول إسماعيل مقابل هؤلاء كونه سكن في برية سينا بل يجوز أن ~~يراد بذلك سكناه في مكة، فإن التوراة كثيرا ما تذكر الجهات بالسمت البعيد ~~جدا، فقد سمت حاران بأرض بني المشرق (تك 29، 1) مع أن سمتها يميل إلى ~~الشمال عن مشرق مساكن إسحاق في كنعان بما يزيد على أربعمائة ميل جغرافي. # وسمت (سفار) بجبل المشرق (تك 10، 30) مع أن سمته يميل إلى الجنوب عن مشرق ~~الأماكن التي نزلت فيها التوراة بما يزيد على الثمانمائة ميل ووصفت عبر ~~الأردن الذي نزل فيه سفر التثنية بأنه قبالة (سوف) مع أنه ليس له مسامتة ~~ومقابلة حقيقية أو عرفية مع سوف إلا مع البعد الشاسع، ووصفته أيضا بأنه بين ~~فاران وحضيروت (تث 1، 1) مع، أن بينه وبين حضيروت مسيرة سبعة أيام تقريبا ~~انظر (تث 1، 2 وعد 33، 16 و 17). PageV02P161 # هذا وإن كان مراد التوراة من الساكن أمام جميع إخوته هو بنو إسماعيل ~~وذريته كما يدل عليه كلام التوراة الذي سنذكره. # فمن الواضح أن مساكنهم لا ربط لها ببرية سيناء ولا فلسطين، بل هي في شرقي ~~جبل الشرات على بعد متفاوت. # فقد قالت التوراة: وهذه أسماء بني إسماعيل حسب مواليدهم: نيابت بكر ~~إسماعيل، وقيداره، وادبيئل، ومبسام، ومشماع، ودومة، ومسا، وحدد، وتيما، ~~ويطور، ونافيش، وقدمه. هؤلاء هم بنو إسماعيل وهذه أسمائهم بديارهم وحصونهم ~~اثني عشر رئيسا حسب قبائلهم، وهذه سنو حياة إسماعيل مائة وسبع وثلاثين سنة، ~~وأسلم روحه ومات وانضم إلى قومه، وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر ~~لمجيئك نحو اشور أمام جميع إخوته نزل (تك 25، 13 - 19). # وهذا الكلام بمقتضى المحاورة العقلائية ظاهر كالصريح في أن المراد من ~~الذي ms422 نزل أمام جميع إخوته إنما هم أولاد إسماعيل، وصريح في أن الأسماء ~~الاثني عشر المذكورة هي أسماء لأولاد إسماعيل وأسماء لقبائلهم وأسماء ~~لديارهم وحصونهم على النهج المألوف في القديم، كما في أولاد يقطان، ~~حضروموت، واوزال، واوفير، وحويلة، إذ سميت قبائلهم وأراضيهم وبلدانهم ~~بأسمائهم، وكما في أولاد إبراهيم: مديان، و أدوم (عيسو) ابن يعقوب، وعلى ~~هذا فلا يخفى على من له أدنى معرفة بتوقيع البلدان أن (تيما) و (دومة) لا ~~ربط لهما ببرية سينا، ولا بأرض كنعان، ولا بأرض إسرائيل في شرقي الأردن، بل ~~هما مائلتان عن ذلك وعن الحجر بلاد ثمود إلى المشرق في بلاد العرب بمسافة ~~بعيدة ومحلهما معروف، وهذا كاف في إبطال مزاعم المتكلف. # وزد على ذلك أن التوراة في تحديدها لمنازل بني يقطان ذكرت (مسا) حيث ~~قالت: وكان مسكنهم من (مسا) لمجيئك سفار جبل المشرق (تك 10، 30). # وقال المتعرب (قذ) ص 11 إن لفظها في النسخة المطبوعة في رومية ~~PageV02P162 # (ماسا)، قلت: وفي الترجمة الفارسية المطبوعة في لندن سنة 1839 (مسا) ~~ومشا، أو مسا عند العرب من أسماء مكة، وعلى ذلك جرى ظن كثير من النصارى حتى ~~رسموا (مشا) في الخارتة في موقع مكة، وهو ما فوق الدرجة الحادية والعشرين ~~من العرض الشمالي وفوق الدرجة الأربعين من الطول الشرقي، قال سايل (ق ص 11 ~~س 2): (ويظن أنه - أي مشا أو مسا أو ماسا - مأخوذ من اسم واحد من أولاد ~~إسماعيل) وهو مسا المذكور قريبا، وقد سمعت أن التوراة جعلت أسماء بني ~~إسماعيل أسماء لقبائلهم وحصونهم وديارهم فيكون لفظ مسا اسما لابن إسماعيل ~~وموطنه وحصنه، قلت: ويجوز أن يكون اسم ابن إسماعيل مأخوذا من اسم مكة، أو ~~كما ظن باعتبار أن مسا هو الذي مصرها وبنى فيها الحصون. # (تنبيه) إعلم أن ما يقرأ ميشا ومشا ومشاء ومسا وماسا ومسا إنما هو بصورة ~~واحدة بلا فرق أصلا في نسخ التوراة التي يكتبها اليهود على الرق، ويقدسونها ~~للتلاوة في معابدهم من القديم إلى الآن حيث التزموا فيها باتباع أصلها ~~المكتوب بالوضع القديم ms423 حتى على الغلط البين، فلم يرسموا في هذه الألفاظ (تك ~~10، 30، و 25، 14) إلا ميما وألفا بينهما حرف مردد بين السين والشين، وإنما ~~جاء الفرق والاضطراب حسب التشهي من بعض النسخ المرسومة على الوضع الحادث ~~للخط العبراني في طبرية فيما بين القرن الثاني والثالث للمسيح، وإنما كتبنا ~~في المتن على مقتضاها لئلا يقرفنا الغافل بالخيانة في النقل، وإلا فاللفظان ~~في صورة واحدة. # وزد على ذلك أيضا أن التوراة ذكرت أن أولاد إسماعيل سكنوا من حويلة إلى ~~شور التي أمام مصر لمجيئك إلى اشور، وحويلة من بلاد اليمن مسماة باسم واحد ~~من أولاد يقطان فهي في جنوب مكة، انظر (تك 2، 11، و 10، 29). # (فإن قلت): قد جاء في صموئيل الأول 15، 7 أن شاول ضرب عماليق من حويلة ~~لمجيئك شور التي مقابل مصر، وليس لعماليق محل في أرض اليمن، ولم تصل حروب ~~شاول إلى أرض اليمن بل إن هذا التحديد لا بد أن يكون واقعا في أرض إسرائيل ~~في شرقي الأردن أو غربيه. PageV02P163 # (قلت): إن منازل أولاد إسماعيل الواقعة من حويلة إلى شور لا يمكن أن تكون ~~واقعة في أرض بني إسرائيل لا في شرق الأردن ولا في غربيه، وذلك لوجهين: # أحدهما: أن من منازل أولاد إسماعيل تيما ودومة وهما بعيدتان إلى الشرق عن ~~أراضي إسرائيل بعدا شاسعا. # وثانيهما: أن التوراة تقول: إن الله وعد إبراهيم وهاجر بأن يبارك إسماعيل ~~ويثمره ويكثره كثيرا جدا ويلد اثني عشر رئيسا، ويجعله أمة عظيمة (تك 17، ~~20، و 21، 18) فلا بد أن يكونوا في زمان موسى أكثر من المديانيين أولاد ~~مديان بن إبراهيم. # ومن الموابيين والعمونيين أولاد لوط، ومن الأدوميين أولاد عيسو فإن هؤلاء ~~لم يسبق لهم الوعد بالبركة والكثرة كأولاد إسماعيل مع أنهم كانوا في زمان ~~موسى ألوفا عديدة، بل لا بد بمقتضى وعد الله في إسماعيل أن يكون أولاده في ~~زمان موسى بقدر بني إسرائيل أو أكثر. # وعلى هذا لو كانت منازلهم في الأرض التي استطرقها أو افتتحها بنو إسرائيل ~~مع موسى أو يوشع لجرى لهم حال وشأن كبير مع ms424 بني إسرائيل في حرب أو معارضة ~~أو مصالحة أو مساعدة أو مهادنة أو معاهدة كما جرى لبني إسرائيل مع غيرهم، ~~مع أن التوراة، وسفر يوشع لم يذكرا من ذلك شيئا لا تصريحا ولا تلويحا، وهذا ~~السكوت في مثل تاريخ التوراة، وسفر يشوع يعد من نحو صراحتهما بأن بني ~~إسماعيل لم يكن لهم منزل فيما استطرقه أو تملكه بنو إسرائيل. # وحينئذ لو سلمنا أن حويلة في سفر صموئيل هي في بلاد بني إسرائيل أو ما ~~يتاخمها لقلنا: إنها لا بد أن تكون غير حويلة المذكورة في التوراة، فإن ~~البلدان قد تتشابه في الأسماء نحو قادش (عد 20، 1 و 22 وقادش، يش 20، 7، و ~~21، 32). # وهذا التطويل كله مماشاة وجدل لمن يتشبث بالتوراة لأوهامه بأن مسكن ~~PageV02P164 # إسماعيل وأولاده كان في برية سينا أو أرض كنعان أو ما يقاربها وإلا فإن ~~أوضح الحجج التاريخية دالة على أن مسكن إسماعيل هي مكة، وهو تسالم الأجيال ~~المتسلسلة المتصلة المشتمل كل جيل منها على ألوف عديدة من الناس المختلفين ~~في النسب المتشاجرين في المفاخرات. # ولعل ما تأتي إن شاء الله تتمة لهذا المقام عند ذكرنا لنسب رسول الله ~~(ص). # وأما قول المتعرب إن التوراة تقول في موضع ثالث إنه - أي إسماعيل - لما ~~مات أبوه أتى فدفنه في مغارة المكفلية. # فيكفي في قمع أباطيله بيان ما فيه من التحريف القبيح، الذي هو العمدة في ~~زبرج الباطل، وذلك أن لفظ (أتى) التي يموه بها أمره إنما هي زيادة على ~~التوراة، فإن لفظها في شأن إبراهيم. وانضم إلى قومه، ودفنه إسحاق وإسماعيل ~~إبناه في مغارة المكفلية (تك 25، 8 و 9). # رسالة هود إلى عاد، وصالح إلى ثمود، وشعيب (إلى مدين. وشؤون هؤلاء) وقد ~~اقتص الله جل شأنه في القرآن الكريم شيئا من أنباء هؤلاء حسبما تقتضيه ~~الموعظة والتذكير (1). # ولكن المتكلف والمتعرب لأجل أن توراتهما التي عرفت حالهما لم تذكر من ذلك ~~شيئا تحاملا ببواعثهما على قدس القرآن الكريم فيما ذكره في شأن هؤلاء. # وحاصل ما عند المتكلف في معرفته (يه 2 ج ms425 ص 48 و 49) هو أنه لم يرد في ~~كتبه أن هودا كان نبيا، وأنه أرسل إلى قومه وكذلك لم يرد أن قومه هم عاد، ~~وأن الحق الذي لا مرية فيه أنه لم يرسل الله بين عصر نوح وبين عصر إبراهيم، ~~ولم يرد في التوراة ولا في الإنجيل أن الله أرسل نبيا اسمه صالح إلى ثمود ~~من قبائل العرب، فإن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا من الأمة الإسرائيلية ~~في أرض اليهود. # PageV02P165 # وغاية ما عند المتعرب (ذ) ص 1 - 10 هو محض الهوسات في التكذيب للمؤرخين، ~~واستغراب بعض التفاصيل المنقولة عن بعض الناس مما لا يعود شئ منه على جلالة ~~القرآن الكريم. # ومرجع كلام المتكلف وأعوذ بالله من وبال بيانه، هو أن خزانة رحمة الله ~~ولطفه وعدله وهداه وإرادة الصلاح بعباده، ودعوتهم إلى توحيد والهدى ~~والكمال، قد كانت محجورا عليها، ممنوعة بالقهر من أن يرشح من نداها شئ على ~~العباد، أو أن الحرص ضرب عليها أقفالا ختمها بخواتيم المحاباة لبني إسرائيل ~~ورصدها بحراسة الشح، فبقيت عباد الله هملا فوضى بلا معارف نبوة، ولا دعوة ~~توحيد، ولا نور هدى، ولا تكميل تعليم ولا لطف تهذيب، ولا فيض رحمة، ولا ~~بركة نعمة، ولا مدنية أحكام إلهية، ولا سياسة شريعة، يعاقبون بلا حجة، ~~ويوبخون بلا بيان ويوصفون بالظلم بلا شريعة تميز الحقوق وتحفظها بالسياسة، ~~إلى أن ارتفع ذلك الحجر من نحو خاص وتفصمت تلك الأقفال، وانصرفت الحراس من ~~جهة واحدة فانهطل وابل النبوة على إسرائيل وبنيه سحا بلا ميزان، ولا رعاية ~~أثر، ولا مراعاة حكمة، ولا دعوة عامة، ولا بركة شاملة، ولا هدى فائض، فلذلك ~~اتفق لها بمقتضى نقل التوراة الرائجة أمر عجيب قد فاتته الموفقية وجانبته ~~الحكمة، فلم تذكر التوراة في نبوة إبراهيم إلا الوعد بالبركة وكثرة النسل، ~~وإعطاء قطعة من الأرض لهم، وعهد الختان الذي أبطله العهد الجديد، وتنفيذ ~~أوامر سارة، ولم تذكر في نبوة إسحاق إلا الوعد بتكثير نسله وإعطائه قطعة من ~~الأرض، ولكنها لم تذكر أن أمره لولده عيسو أن يصنع له ms426 طعاما كما يحب ليأكل ~~ويبارك عيسو قبل أن يموت. # وأن اشتباهه بمخادعة يعقوب إذ باركه بعد ما أكل وشرب خمرا، هل كان هذا ~~كله بوحي ونبوة أم لا؟ نعم ذكرت أن يعقوب اختلس بركة النبوة وعهدها ~~بالمخادعة والتزوير، وأحكم أمرها بالمضارعة والجهاد مع الله تعالى شأنه. # والحاصل لم تذكر التوراة في نبوة هؤلاء الأنبياء ولا الذين من قبلهم كتاب ~~هدى ورحمة، أو نبوة بالدعوة إلى التوحيد والكمال، أو بتمهيد شريعة أدبية، ~~أو تأسيس قوانين مدنية وإصلاح للاجتماع. PageV02P166 # نعم ذكرت أن في أيام شيث ابتدأ أن يدعى باسم الرب، ولكنها لم تذكر من ~~الداعي؟ ولمن ادعى؟ وبماذا دعى؟ وكيف دعى؟ # ثم بعد ذلك اندفقت النبوة بأبهة رسالتها ورياستها الكبرى على موسى فلم ~~تعد التوراة أن ذكرت أنه رد هذه الرسالة بلسان غير لين ولا مؤدب ولم يلتفت ~~إلى حجه الله ووعده بالتأييد، بل كرر الرد بلسان خشن حتى حمي على غضب الله. # ثم تحكم على الله بالغفران لعبدة العجل، أو يمحوه من كتابه، ووصف الله ~~بالإساءة إلى الشعب وإلى عبده، وشك في قدرة الله على إشباع بني إسرائيل من ~~اللحم كالمستهزء بوعد الله، وذكرت المزامير أنه فرط بشفتيه. # هذا كله ولم تسمح هذه الرسالة أن ترشح من بركتها قطرة واحدة على فرعون ~~وقومه بالدعوة إلى الإيمان بالله وتوحيده، فلم تذكر التوراة أن موسى دعاهم ~~إلى الإيمان والتوحيد ولا بكلمة واحدة، حتى كأن سكوته عن ذلك كان إمضاء لما ~~عليه فرعون وقومه. # وغاية فائدة تلك الرسالة وبركة عاقبتها هو أن يطلق فرعون بني إسرائيل ~~الذين كانت عاقبتهم بعد ما رأوا الآيات أن عبدوا العجل وزنوا ببنات مواب ~~إلى آخر ما ذكرناه في المقدمة الخامسة من ارتداداتهم. # ومن أجل هذا قال المتكلف (يه 2 ج ص 61) ما حاصله أن الله لم يرسل موسى ~~ليدعو فرعون وقومه إلى ديانته ولا ليلفتهم عن شركهم. # ولسان الحال من عقيدة البروتستنت المذكورة في كتاب صلاتهم يقول: ما ~~الحاجة إلى إزعاج فرعون وقومه عن شركهم وظلمهم وفسادهم، وعما ms427 قليل (واستغفر ~~الله) سينزل المسيح إلى الجحيم وينجي أرواحهم منها. # ومقتضى التوراة الرائجة أن موسى جاء بكتاب اشتمل على سيرة لم تعنون ~~بالموعظة ولم تتزين بسياق التذكير، بل اشتملت في تاريخها على الفضائح ~~لعائلات الأنبياء والأولياء. # ولم يعلن ذلك الكتاب بعموم الدعوة، وسعة الرحمة، وفيض الهدى PageV02P167 # وشمول الشريعة والإصلاح، بل خص بني إسرائيل بدعوة التوحيد والشريعة ~~وأحكام أراضيهم، وسلطهم على قتل الأمم حتى النساء والأطفال بلا علة سوى ~~استلاب أراضيهم وإزعاجهم عن أوطانهم من دون أن يربط ذلك بالدعوة إلى الهدى ~~والتوحيد وعدل الشريعة وآدابها، فلم يذكر وقوع شئ من ذلك لا وحيا ولا عملا، ~~ولم يتعرض له ولم يتوعد على مخالفة الشريعة والتوحيد إلا بنحو والمرض ~~والفقر، ولم يجعل الثواب إلا بنحو كثرة الحنطة والخمر، وغادر أمر الثواب ~~والعقاب في الآخرة نسيا منسيا، بل لم يتعرض لذكر المعاد والقيامة أصلا ~~ورأسا لا تصريحا ولا تلويحا، وجعل سيطرة الشريعة وإمامتها إلى هارون، وذكر ~~أن الله كلمه مع موسى ومنفردا. # ثم ذكر أن هارون صنع العجل إلها يعبده بنو إسرائيل، وبنى مذبحا أمامه ~~ونادى لعبادته. # ثم سالت النبوة على النساء والرجال، وإلى آخرها لم تذكر كتب العهد القديم ~~عن الأنبياء والنبيات دعوة عامة، أو إشارة إلى هدى لعموم الناس بل ذكر في ~~النبوة أنها تقوم بضرب الدف والعود والناي والرباب، وبالتعري والأضطجاع، ~~ويكون تبليغها بأنواع الخلاعات والتجانن، والفحش في الانذار والوعيد بألفاظ ~~الزنا، وكشف العورة والهتك مما لا نسمعه إلا من تهديد المتهتكين. # هذا كله وسلعة النبوة المبذولة بائرة في سوق بني إسرائيل، وإن زاد عدد ~~الأنبياء في الزمان الواحد على المائة، بل كان النفوذ والأثر الرائج لضلال ~~الوثنية وطغيان الفساد الذين يتقلب بهما ابن لله البكر بنو إسرائيل حتى جرى ~~ذلك النفوذ بنقل كتبهم على أعيان الأنبياء، كما قرفت به قدس هارون وداود ~~وسليمان عليهم السلام. # ثم أفضت نوبة النبوة إلى المسيح فقرفت الأناجيل قدسه بما نحتشم تكراره، ~~وذكرت انه لم يسعده الامهال إلا ثلاث سنين على تستر وخوف في ms428 تعليمه اليسير. # ولكن بعد ذلك انحل وكاء النبوة والرسالة فهطلت على التلاميذ الذين ~~PageV02P168 # عرفت حالهم في أواخر المقدمة الخامسة، وعلى اتباعهم بحيث يتنبأ بنوهم ~~وبناتهم، وذكر كتابهم ان أربع عذارى في بيت واحد كن نبيات، (10 ع 21، 9). # هذا وقد فوض للتلاميذ أن يمحوا رسوم الشريعة، ونادت كتبهم بالفداء ~~والخلاص، ولم تنفتح باب الرسالة العامة، ولم يرتفع عنها الحجر حتى المسيح ~~إلا للتلاميذ، ولكنها تقول: انها كانت بالدعوة إلى التثليث لا إلى التوحيد، ~~ثم عادت النبوة والرسالة إلى حجرها الأول، وسد بابها وأحكام رتاجها. # فلسان حال المتكلف والمتعرب وفحوى مقالهما يقولان: إذا فكيف يسوغ الله أن ~~يرسل رسولا إلى غير بني إسرائيل من غير بني إسرائيل بغير الشريعة المعروفة ~~في العهد القديم، وغير الوعد والوعيد المذكورين فيه، أو بغير الفداء ~~المذكور في العهد الجديد، وكلما يذكر في خلاف ذلك فهو من الخرافات، فكيف ~~يبعث الله رسلا إلى عاد وثمود وأهل مدين ليأمروهم بعبادة الله وتوحيده ~~وتقواه وطاعة أمر الرسول، واطراح عبادة الأوثان والفساد في الأرض؟ أم كيف ~~تصدر من موسى دعوة فرعون وقومه إلى الإيمان والهدى والصلاح؟ أم كيف يكون من ~~آل فرعون مؤمن ينصح قومه وينذرهم بيوم القيامة ويعظم بهلاك من قبلهم ويقول: ~~(يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين ~~من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم ~~تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم (1). # وكيف يكون ذلك والتوراة لم تذكر يوم القيامة ولم تتوعد به، وإن ذكرت ~~القيامة في العهد الجديد، فباحتجاج واهن فاسد أو وعد مكذوب (2) فكل ما يذكر ~~من النبوات في غير الكذب على فرعون ومخادعته بإطلاق بني إسرائيل ليذهبوا ~~سفرة ثلاثة أيام، مع أن الغرض والوعد هو التوجه إلى أرض كنعان، وغير استلاب ~~الأرض من الكنعانيين وقتلهم وقتل أطفالهم ونسائهم وبهائمهم، وغير الشريعة ~~لخصوص بني إسرائيل، وغير وعيدهم بالمرض والفقر وتسلط # PageV02P169 # الأجنبي على وطئ زوجة الرجل، وغير وعدهم بالحنطة والخمر، وغير ms429 محو ~~الشريعة بالفداء فهو من الخرافات العجائزية، بل إن تاريخ العالم كله محصور ~~في العهدين، وإن استولى على كتبهما التطويل الممل بالفضول الفارغة، وتسجيل ~~لفضائح... وما عدا ذلك فتاريخ أهل الهند والصين خرافة، وتاريخ العرب خرافة، ~~وتاريخ اليهود خرافة، وتاريخ قدماء المسيحيين خرافة. # وخلاصة الأمر أن كل ما وافق القرآن فهو خرافة. # نعم رؤيا يوحنا حقيقة نورانية الثالث والرابع من رسالة يوحنا الأولى ~~حقيقة وتعليم هدى ومعرفة وتوحيد، الرسائل المنسوبة إلى بولس لا يوجد فيها ~~غير الصدق والتوحيد والتكميل بالشريعة، خامس عشر الأعمال وحي وتقوى وورع ~~وحفظ للشريعة وتمجيد لشريعة موسى وشدة في حفظ أوامر الله ونواهيه، عاشر ~~الأعمال وحي صادق لا يكذب الشريعة السابعة (يو 13، 22 - 26) عفة ووقار ~~وبيان لمراتب المحبة ورأفة بالتلميذ الشاب (يو 10، 33 - 37) توحيد وإيمان ~~وفهم للكتب (لو 7، 36 - 50) هو روح للعفة ورفع لحشمة التائبات وتثبيت ~~لعلاقة التوبة بينهن وبين القديسين بطهارة القلب وعفة الضمير. # الاحتجاج بالقيامة وعدم الزواج فيها (لو 20، 34 - 38) والاحتجاج للمنع من ~~الطلاق (مت 19، 3 - 10) من حجج الوحي القاطعة الباهرة (1) هو (1 - 3 وخر 16 ~~و 23 واش 3، 16 - 25 وار 13، 22 - 27 ونا 3، 4 - 6) كله وحي لائق بجلال ~~الله وشرف الأنبياء والتعليم بالوقار والحشمة وصون اللسان عن الخنا والفحش ~~(2 صم 11) تمجيد للنبي وتنويه بعفته وأمانته وحكمة الله وعلمه في إعطائه ~~النبوة وحكمة الله وعدله في كيفية عقابه، أقوال أيوب تقوى وتسليم لأمر الله ~~وتمجيد له بعدله ومعرفة للإنسان بقدر نفسه (1 مل 22، 19 - 24 و 2 أي 18، 16 ~~- 23 وار 4، 10) كله معرفة الله بجلال الله وعظمته وتقديس وتسبيح له جل ~~شأنه (قص 11 - 17) نور وهدى وحكم وأحكام (لا 13 و 14) حكمة بالغة وآيات ~~باهرة وشفاء ناجح تشهد به التجربة # PageV02P170 # وتتأكد به الحجة (خر 4، 24، 27 وتك 6، 6 و 11، 5 - 8) كله علم من الله ~~وقدرة وحكمة ووفاء بالعهد (2 صم 13 وتك 19 و 38) تمجيد للمؤمنين بعفتهم ~~وطهارة نفوسهم ونجابة عوائلهم ومواليدهم (تك 27) من الحقائق الموضحة لحكمة ~~الله وعلمه في اختياره والمبينة لمقدار ms430 علم الأنبياء وأهليتهم للائتمان على ~~أعمال الله. # وقال المتكلف (يه 2 ج ص 48) لم يصرح القرآن بالرجس الذي أنزل على قوم هود ~~ولو كان شيئا حقيقيا له وجود لصرح به. # قلت: لا ألوم المتكلف على جهله بالقرآن بعد ما وجدناه من جهله الفاحش ~~بكتبه، فلا غرو إذا لم يعلم من القرآن الكريم بيانه المكرر في أن ذلك الرجس ~~هو الريح المهلكة، ويكفي منه قول الله تعالى شأنه في سورة الحاقة المكية 6: ~~(وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية 7 سخرها سبع ليال وثمانية أيام حسوما ~~فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية). # ثم أعلم أن المتعرب حاول أن يكذب ما ذكره المؤرخون في شأن شداد ابن عاد ~~بتمويه لا يمس بتزويره قدس القرآن الكريم، وإنا وإن كنا لا يعنينا ما يقوله ~~في التاريخ وأخبار الآحاد، ولكن لا بأس ببيان جهالات المتعرب في اعتراضه، ~~فقد اعترض على المؤرخين إذ قالوا: إن عادا من ذرية ارم بن سام، وإنه متقدم ~~على إسماعيل. # وإن ابنه شدادا عزم على بناء إرم وهو ابن تسعمائة سنة وأقام في بنائها ~~ثلاثمائة سنة، فيكون شداد عمر ألفا ومائتي سنة. # وحاصل اعتراضه على ذلك بأنه يلزم أن يكون شداد مات بعد الطوفان بنحو ألف ~~وثلاثمائة سنة. # والتوراة العبرانية يعلم منها أن إسماعيل مات بعد الطوفان بخمسمائة ~~وعشرين سنة، وبحسب النسخة السبعينية يكون بين الطوفان وموت إسماعيل ألف ~~ومائتان وخمسون سنة، فلا بد أن يكون موت شداد بعد موت إسماعيل. # قلت: أما (أولا) فإن المؤرخين لا يلتزمون بأن موت شداد وهلاك قومه ~~PageV02P171 # متقدمان على موت إسماعيل، بل مقتضى ذكرهم أن (قيل) ابن عثر و (مرثد) ابن ~~سعد توجها إلى البيت الحرام في مكة ليطلبوا من الله الفرج، هو أن هلاك شداد ~~وعاد كان بعد ما بنى إبراهيم وإسماعيل البيت بمدة، فإن من مسلمات معلوماتهم ~~هو أن البيت الحرام إنما بناه إسماعيل وأبوه إبراهيم فيكون هلاك عاد في ~~المدة التي بين بناء البيت في أيام إسماعيل وبين دعوة موسى لفرعون، ms431 ولا ~~مانع من أن يكون هلاك شداد وقومه بعد موت إسماعيل، ولئن قال المؤرخون: إن ~~شداد متقدم على إسماعيل في الولادة فلا مانع منه، بل إن طبقات المواليد ~~تقتضيه. # وأما (ثانيا) فإن الاعتراض على تقويم المؤرخين بتقويم التوراة الرائجة ~~إنما هو من ورطات الغرور، فإن المؤرخين أتقن من أن يعتمدوا على كتاب تلاعبت ~~به الأيام ما شائت، وهتكت الحواشي من ستر أغلاطه ما هتكت، وسجل عليه ~~بالافتضاح تنازع نسخه المتعادلة في الاعتبار الإدعائي وعدمه الحقيقي، ويا ~~حبذا لو سلم من ذلك من زمان حلقيا فما بعد، فكيف إذا لا يقبح الاعتراض به، ~~سيما إذا كان الاعتراض بنسخة من نسخه. # وأما (ثالثا) فإن المتعرب لم يكتف بسخافة كتبه حتى صار يتقول عليها ولا ~~يفهم ما فيها ولا يدري به، فلم يشعر أن تقويم التوراة العبرانية وتاريخ ~~العهد الجديد يقتضيان أن يكون بين الطوفان وبين موت إسماعيل خمسمائة وخمس ~~وسبعون سنة لا خمسمائة وعشر سنين، وذلك لأن من الطوفان إلى مولد تارح أبي ~~إبراهيم بحسب النسخة العبرانية مائتان واثنتان وعشرون سنة، وعاش تارح ~~مائتين وخمس سنين، ومات في حاران (تك 11، 10 - 32)، وباعتبار أن إبراهيم ~~خرج من حاران وهو ابن خمس وسبعين سنة (تك 12، 4) وأنه خرج بعد ما مات أبوه ~~(10 ع 7، 4) فلا تكون ولادة إبراهيم قبل أن يمضي من عمر أبيه تارح مائة ~~وثلاثون سنة، فيكون من الطوفان إلى مولد إبراهيم على الأقل ثلاثمائة ~~واثنتان وخمسون سنة، فإذا أضيف إليها من مولد إبراهيم إلى مولد إسماعيل ست ~~وثمانون سنة، وعمر إسماعيل وهو مائة وسبع وثلاثون سنة (تك 16، 6 و 25، 17) ~~كان المجموع خمسمائة وخمسا وسبعين سنة، هذا مع أن PageV02P172 # المتعرب لا يساعده على دعواه تاريخ من التواريخ حتى تاريخ يوسيفوس ~~المتعبد بتقويم التوراة. # وأيضا مقتضى النسخة السبعينية أن المدة من الطوفان إلى مولد تارح تسعمائة ~~وسنتان، فبمقتضى التقويم الذي ذكرناه من مولد تارح إلى وفاة إسماعيل تكون ~~المدة من الطوفان إلى وفاة إسماعيل ألفا ومائتين وخمسا وخمسين، فالمتعرب ~~غلط في التقويم الأول بخمس ms432 وستين سنة، وفي التقويم الثاني بخمس سنين، فزاد ~~على نسخ كتبه في الغلط نسختين أيضا، وهو بكتبه المتقلبة وجهله بها وغلطه في ~~الحساب يحاول أن يعترض على المؤرخين، فتعسا للغرور. # وقال الله تعالى في سورة الفجر 5: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد 6 إرم ذات ~~العماد 7 التي لم يخلق مثلها في البلاد). # ولا يمكن لعاقل أن يستبعد ذلك، فإنه لا بد في كل زمان من أن تكون فيه ~~بلدة هي خير بلاده، فلا بد أن تكون من جميع البلاد بلدة هي خير بلاد الدنيا ~~في جميع الأزمان. # فما ظنك ببلدة تصدى للتأنق ببنائها ملك عات مقتدر ساعده على ذلك طول ~~العمر وكثرة المعادن وبكارتها، فلا غرو إذا جاءت خير بلاد الدنيا إلى وقتها ~~أو مطلقا. # وأما ما جاء عن بعض الناس في وصفها فليس على عهدة القرآن منه شئ، ولا ~~يقول المسلمون: إن شدادا نفسه تنبأ في وصف الجنة كما تنبأ (قيافا) في أمره ~~بقتل المسيح (يو 11، 49 - 52) بل يقولون: إن شدادا سمع من أنبياء عصره ~~الذين يدعون إلى التوحيد والخير والصلاح بوعد الله بنعيم الجنة وكبير شأنها ~~لا بالحنطة والخمر، ويحذرون بوعيد الله بعذاب الدنيا والآخرة لا بمحض الفقر ~~والمرض ووطأ الأجانب لزوجة العاصي. # وأن المسلمين لا يشطون على الله ويحصرون النبوة بقبيلة بني إسرائيل ~~ومريم، ودبورة، وخلدة، وحنة، وأربع بنات فيلبس، وبنيهم وبناتهم. ~~PageV02P173 # وبهذا تعرف غلط المتعرب (ذ) ص 4 - 6، وزاد المتعرب في الغلط حيث أنكر قصة ~~ثمود وهلاكهم متشبثا بأن (بترا) هي منازل ثمود وقد كانت عامرة في القرآن ~~الثاني بعد الميلاد. # فقبحا لغرور الجهل، أفلا يعلم كل عاقل أنا إن سلمنا أن منازل ثمود الذين ~~ذكرهم القرآن هي بترا لقلنا: إن القرآن يبين أنهم هلكوا قبل دعوة موسى ~~لفرعون (1) فأقل ما يكون بينهم وبين الميلاد ما يزيد على ألف وخمسمائة سنة، ~~وكل ذي شعور يعلم أنه يمكن للبلاد أن تخرب ويهلك جل أهليها، ثم تعمر بعد ~~ألف وخمسمائة سنة. # ولو سلمنا أن الذين كانوا في ms433 بترا بعد الميلاد يدعون ثمود لجوزنا أن ~~يكونوا بقية ثمود الأولى من نسل الذين نجوا مع صالح (2)، أو أن الناس ~~نحلوهم اسم ثمود كما جاء في التوراة (3) الايميون يحسبون رفائيين لكن ~~الموابيين يدعونهم ايميين. # وأما إنكار المتكلف والمتعرب على وصف أخبار المسلمين الأحادية لناقة صالح ~~فهو من الشطط، لأن الله قادر على أن يخلق ناقة هي أعظم من النوق المعتادة ~~لكي تكون آية لاقتراح العرب الذين ألفوا حقيقة الإبل وأحوالها، ولذا خصوها ~~بالاقتراح لكون أمرها في نظرهم أبعد عن السحر، فخلقها الله بقدرته، كما هو ~~قادر على أن يخلق عنقود عنب يحمل بالدقرانة بين رجلين (عد 13، 23)، وعلى أن ~~يعطي شمشون قوة يقتل بها ألف رجل بلحى حمار، ويقلع بيتا على سطحه ثلاثة ~~آلاف رجل بجذب العمودين من تحته (قض 15، 15 و 16، 27 - 31) وعلى أن يفتح ~~القبور عند حادثة الصليب ويقيم كثيرا من أجساد القديسين الراقدين فخرجوا من ~~القبور ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين (مت 27، 51 - 54)، وعلى أن ~~يعطي بطرس قوة الشفاء للمرضى # PageV02P174 # والمعذبين من الأرواح النجسة، ولو بأن يخيم ولو ظله على واحد منهم (1 ع ~~5، 15 و 16)، وعلى أن يصنع على يدي بولس قواة غير المعتادة حتى كان يؤتي عن ~~جسده بمناديل أو مآزر فتزول بها الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة (10 ع 19، ~~11 و 12). # * * * (وأما سورة يوسف في القرآن الكريم وقصته فيها من الآية 4 - 103). # فقد اعترض المتكلف (يه 2 ج 68 - 81) على مضامينها (تارة) بعدم وجود بعضها ~~في توراته، (وتارة) بمخالفة بعضها لتوراته، (وتارة) بمخالفة بعضها للاعتبار ~~أو المعقول بزعمه، (وتارة) يفتري على بعضها فيعترض عليه بأحد الوجوه ~~الثلاثة، فانظر كتابه في هذا المقام. # فنقول: (أما أولا) فإنا لو كابرنا الوجدان والشواهد القطعية وفرضنا صحة ~~التوراة الرائجة لقلنا إن ممارستها والنظر في شؤون الحقائق يشهدان بأنها ~~تعرض في تاريخها عن ذكر كثير من الحقائق اللازمة الوقوع، وتطوي في قصصها ~~أشياء كثيرة لا ينبغي أن تطويها بمقتضى وضعها، كما يظهر ذلك من سيرة ما بين ~~الطوفان وزمان إبراهيم وإهمالها ms434 كثيرا من شؤون ذلك وتاريخ انقلاب التوحيد ~~الذي صفاه الطوفان إلى الوثنية، وعناء الموحدين في الردع عنها، واعتبر ~~حالها أيضا في تكرارها في سفر العدد (12 - 34) وسفر التثنية (1 - 12) لذكر ~~مراحل بني إسرائيل ومنازلهم وشؤونهم فيها، فإنها في كل مقام يظهر عليها ~~أنها طوت في المقام الآخر ذكر شئ أو أشياء، وانتظر ما سنذكره مما طوت ذكره ~~في شأن موسى مع فرعون. # واعتبر أيضا بأنها قد طوت في خصوص المقام مكالمات يوسف مع إخوته ~~واسترحامهم لما عزموا على قتله وإلقائه في البئر وهو أمر لا بد من وقوعه، ~~كما أشرنا إليه في هذا الجزء صحيفة 12 وأهملت أيضا تعيين الزمان الذي بقي ~~فيه يوسف في السجن، بل أهملت الإشارة إليه، مع أنها نصت في هذه القصة على ~~تعيين كثير من الأزمنة. PageV02P175 # فلا غرو إذا ذكر القرآن الكريم شيئا قد أهملت التوراة ذكره لكي تكمل ~~الفائدة من كلا الوحيين مثلا. # ولكن أين وأين غرض المتكلف ومعرفته وأمانته من التدبر في هذه الأمور، ~~أفتأمل منه لأجل هذا أن يتورع ويقف عن مثل قوله (غلط) متشبثا بأن التوراة ~~لم تذكر ذلك (كلا). # (وأما ثانيا): فإن مخالفة القرآن الكريم للتوراة الرائجة إن لم تكن من ~~أمارات الحق فلا تورد على الحقيقة شكا، وذلك لأن العقل إذا نظر بعين ~~الاعتبار والاستقصاء إلى ما أشرنا إليه في التصدير وغيره من قلق التوراة في ~~أدوارها وتقلبها في شؤونها، ومكافحة متبعيها لها بالتغليط والرد، فإنه يقرب ~~إلى الظن فضلا عن العلم أن كل مضمون من مضامينها لا بد من أن يكون قد طرء ~~عليه المسخ والتبديل الكلي أو الجزئي مرارا عديدة خصوصا إذا كان المضمون ~~قصة طويلة الذيل، فلا يعتبرها العقل كتاب تاريخ يساوي سائر التواريخ حتى ~~بالنسبة إلى (حلقيا) أو غيره، فانظر أقلا إلى الجزء الأول صحيفة 52 - 60، و ~~65 - 69، و 346! 347)، وانظر إلى التصدير في هذا الجزء، فلا يسمح لها العقل ~~بأن تقف في صف كتب التواريخ التي لم يعلم بوقوع التقلب والمسخ في مكتوبها ~~وجهالة نسبتها. ms435 # ودع عنك أمر الاعتماد على الكاتب، وأنه هل هو من أهل الخبرة بالتاريخ ~~والأمانة في النقل والضبط في الحفظ، هذا إذا أغضى العقل عما فيها من ~~الخرافات التي تؤول إلى الكفر، وما قرفت به يعقوب وموسى وهارون كما تقدم ~~مرارا، وإلا فإنه يقول ويقول. # وليس في قوله تعالى في هذه السورة (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) دلالة على ~~أن القرآن الكريم في هذه القصة ترجمة لما في التوراة الرائجة، كيف وهو جل ~~شأنه يقول: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك)، فإن هذا صريح في أن ~~قصة يوسف إنما هي بوحي ابتدائي. # دع هذا وإن كان لا يمكن أن تدعه، ولكن لو كان القرآن الكريم ترجمة ~~PageV02P176 # لما ذكرته التوراة الرائجة لكانت مخالفته لها استدراكا عليها فيما غلط به ~~كتابها وآبائها المتعددون أو سقط منهم، كما استدركت الترجمة السبعينية ~~والعهد الجديد والحواشي والتراجم عليها أشياء كثيرة من نحو الغلط والسقط، ~~أو ليست التوراة الرائجة وصلت بالطريق الذي وصل به العهد القديم، ومع أنه ~~أقرب منها عهدا وأقل منها إباءا وابتلاء بالحوادث والكوارث، فإنه قد ~~استدركت عليه الحواشي كثيرا من الكلمات المكتوبة فقالت: إنها لا تقرأ ~~وأوجبت قراءة كثير من الكلمات التي لم تكتب، فراجع التصدير، هذا مضافا إلى ~~خلل التوراة الرائجة فيما يتعلق بقصة يوسف في الذين اشتروه وباعوه في مصر ~~لفوطيفار، فتارة جعلتهم إسماعيليين، وتارة جعلتهم ميديانيين وتارة جعلتهم ~~مدانيين. # (وأما ثالثا) فقد اعترض على مضمون القرآن الكريم في أن زوج المرأة التي ~~راودت يوسف اطمأن ببرائته وأمر المرأة بالاستغفار وأبقاها في بيته وأبقى ~~يوسف إلى أن بدا لهم أن يسجنوه. # فقال ص 71 من الغرائب تبرئة فوطيفار ليوسف وتوبيخ امرأته فإنه لا يتصور ~~أن الرجل يثبت على امرأته الفسق والخيانة ومع ذلك يقتنيها في بيته أو يستمر ~~على اقتناء العبد ليكون أحبولة لامرأته الشريرة، ولا يتصور أنه يسجنه بعد ~~ظهور برائته. # أقول: أما إبقاء المرأة في بيته مع ظنه أو علمه بخيانتها، فلا غرابة فيه، ~~فإن أحوال الوقت والمكان ms436 والعوائد والأشخاص وبعض العوارض قد تقتضي ذلك... # ولا أقول أكثر من هذا، وأما إبقاء يوسف في بيته فهو أقرب إلى الاعتبار ~~حيث اطمأن بصيانته وعفته وأمانته لقيام الآيات والشهادة على ذلك فإن مثل ~~هذه المرأة لا ينبغي أن يكون في بيتها غير هذا التصديق الأمين. # وأما سجن يوسف فإنما كان من استبداد من لم يطمئن ببراءة يوسف، أو اطمئن، ~~ولكنه أراد أن يحابي المرأة المصرية الشريفة فيموه الأمر، ويزور الخيانة ~~على يوسف الغريب، ويسجلها بالسجن لكي تشيع بين الناس براءة المرأة. ~~PageV02P177 # وهذا قريب من كيد الحكومات الوثنية الجورية القديمة في معاملتها مع أعيان ~~الوطن وضعفاء الغرباء، ولم يقل القرآن إن الذي سجنه هو زوج المرأة، بل قال: ~~(ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين)، ولو نسبه إلى زوج ~~المرأة لكان من الجائز أن يقصد به محاباة المرأة بالستر عليها، كما قدمنا. # واعترض أيضا على مضمون القرآن الكريم في أنها دعت لائماتها من نسوة في ~~المدينة وآتت كل واحدة منهن سكينا فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن فقالت: # هذا الذي لمتنني فيه، واعترفت بأنها راودته فاستعصم. # فقال (ص 72): هذا لا يتصور عقلا، فلا يتصور أن تفضح نفسها، ولا يتصور ~~عاقل، ولا جاهل أن النساء يقطعن أيديهن ولا يشعرن لدهشتهن من جمال يوسف. # وأقول: إن سورة العشق وخلاعة الغرام تبعث على أكثر من هذا ولم يقل القرآن ~~إن تلك النسوة من أشراف المدينة، بل قال نسوة في المدينة ولعلهن صويحباتها ~~في طاعة الصبابة والشهوة، وكان لومهن لها إنما هو لأنها لم تكشف سترها ~~وتفشي سرها لأبناء جنسها من الأعيان الذين يغازلونها إذا تغازلهم، بل تعرضت ~~لغلام وضيع لا يواتيها على مرامها، وأصرت على ذلك حتى فضحها بقوله: هي التي ~~راودتني عن نفسي، فإن الناس لا يمتنع عليهم أن يصدقوا يوسف فضلا عن شهادة ~~الآيات، ولعل ما يشير إلى ذلك قوله تعالى (فلما سمعت بمكرهن) إذ سمى لومهن ~~على الفحشاء مكرا، أي ليس يلوم على الفحشاء في الحقيقة وأنما هو ms437 لوم على ~~عدم سلوكها في الفحشاء بالنحو المألوف، فأبدت لأرباب الهوى عذرها المقبول ~~عندهم في الغرام ويشهد لذلك ما داخلهن عند رؤية يوسف إذ تنبهت صبابتهن ~~المألوفة، وحركتهن ممارسة المغازلة، وإن عملها معهن ليدل على معرفتها ~~بحالهن، وانهن ممن يلبي دعوة العشق ويستخفه الغرام. # ومن ذلك يظهر إنهن لا يمتنع عليهن في دين الغرام وناموس الشغف أن يقطعن ~~أيديهن، وسيما إذا كانت سقتهن من نتاج الكرمة، ولا سيما إذا حسبن إعراضه ~~دلالا، وعفته تغنجا، وخيل لهن أن إغضاءه من فتنة ألحاظه وإسراعه ~~PageV02P178 # من ترنيح الشباب لأعطافه، فشبت بجوانحهن نيران الوجد، إذ لم يقبل توبتهن ~~على يده فيقبلن قدميه، ويبللنهما بمدامعهن، ويمسحنهما بشعور رؤسهن... # وأما اعترافها ببراءة يوسف بعد ذلك فقد تقتضيه التوبة والتبرئة البرئ ~~وتخليصه من الظلم، بل قد تقتضيه رأفة العاشق بالمعشوق بعد أن خمدت نار ~~الغضب فشبت نار الغرام وأقلق الشوق الوساد ونبضت أعلاق المحبة (إن الغرام ~~لأهله فضاح). # فلا يتوجه استبعاد المتكلف لذلك ص 96، فإنا نرى كثيرا من الناس قد جعلوا ~~عرضهم وشرفهم فداء لغرضهم الصحيح أو الفاسد، ومن ذلك اعتراف الخاطئات أمام ~~القديسين، ومن هذا النحو اعتراض المتكلف على قوله تعالى في إخوة يوسف: (إذ ~~قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلا مبين). # فجعل ص 69 هذا النقل عنهم افتراء عليهم. # مع أن التوراة تصرح بأنهم لما رأوا أباه يحبه أكثر من جميع إخوته أبغضوه، ~~ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام (تك 37، 4)، أفتقول إنهم مع ذلك لا ينقدح في ~~أنفسهم شئ على أبيهم ولا يتفوهون به، أم يقول المتكلف إنهم أورع من ذلك؟. # إذا فلماذا أقدم أكثرهم على قتل أخيهم وحبيب أبيهم، وباعوه بيع العبيد ~~وأقرحوا قلب أبيه وكذبوا عليه (تك 37، 27، 36)، أم يقول إن روابين ويهوذا ~~قد تورعا عن قتل أخيهم، فهما أورع من أن يتكلما على أبيهم لكي تشهد له ~~التوراة على ورعهما (تك 35، 22، و 38، 13 - 19). # ومن هذا النحو اعتراضه على مضمون القرآن بأن يعقوب انفتحت عيناه إذ ألقوا ~~على ms438 وجهه قميص يوسف. # حيث قال ص 81 فمسألة القميص المذكورة في القرآن هي خرافية. PageV02P179 # قلت: وكيف إذا يعد المتكلف من كلام الله السميع العليم قول كتابه إن بولس ~~كان يؤتى عن بدنه بمناديل ومآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض وتخرج ~~الأرواح الشريرة (1 ع 19، 12). # فلماذا يكون هذا ممكنا معقولا وتكون كرامة الله ليعقوب ويوسف في أمر ~~القميص خرافية، وهل التفرقة بينهما إلا من الظلم الفاحش، فهل كان الأقنوم ~~المتجسد فاديا ومتحملا حتى لقصاص هذه الخطيئة، أم يقول المتكلف إن كرامة ~~القميص وأمثالها لم تكن ممكنة قبل التجسد. # وأما بعد فضيلة التجسد ومجد الاضطهاد والصلب، فقد انبثقت القدرة على ~~إعطاء بولس ما تقدم ذكره، وإعطاء بطرس شفاء المرضى، ولو بأن يخيم ظله على ~~أحد منهم (اع 5، 15)، وشفاء المفلوج، وإحياء الميت (ا ع 9، 32 - 42). # (وأما رابعا) فإن المتكلف من رسوخ إيمانه وامتلاءه من روح القدس صار ~~يفتري على القرآن ثم يعترض عليه. # فقال ص 69 إن القرآن يقول: إن الذي اشترى يوسف من مصر اتخذه ولدا، ~~والحقيقة هي أنه كان عبدا غريب الجنس. # قلت يعني بذلك قول الله تعالى 21: (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ~~أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) فهل ترى في ذلك أخبارا بأنه ~~اتخذه ولدا وتبناه، أم بأنه يترجى في المستقبل أحد أمرين إما أن ينفعه نفع ~~العبيد في العمل أو يصافيهم صفاء الأولاد فيتخذونه ولدا. # وقال الله تعالى: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين). # فقال المتكلف ص 70 وهم بها أي قصد مخالطتها، لولا أن رأى برهان ربه جوابه ~~محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، ثم اعترض على القرآن في آخر ~~الصفحة. PageV02P180 # قلت: قدمنا لك في الجزء الأول صحيفة 117 أن قوله تعالى هم بها معلق على ~~ما بعده أي ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. # وأما قوله المتكلف (لولا رأى برهان ربه جوابه محذوف تقديره لولا أن برهان ms439 ~~ربه لخالطها) فهو قول باطل مردود بلفظ الآية الشريفة ومعناها أما باللفظ ~~فلأنه لو كان المراد كما يدعيه لجئ بالواو، وقيل ولولا أن رأى برهان ربه، ~~وأما بالمعنى فلأن العزم على الزنا بذات الزوج المحصن من أسوأ السوء وقد ~~قال الله تعالى في الآية: (لنصرف عنه السوء والفحشاء). # وقال الله تعالى: (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن) - أي أكثرن جروحها - ~~فصارت بالجروح قطعا. # فقال المتكلف ص 72 ولكن دعواه - أي القرآن - أن البعض قتلن أنفسهن ولم ~~يشعرن، وهو من الأقوال الوهمية والخرافات المستحيلة. # قلت: ولا أدري أن هذه الأمانة من المتكلف في النقل عن القرآن هل هي من ~~طهارة ذاته وغسله بدم المسيح، وامتلاءه بالنعمة، أو من شربه دم المسيح، ~~وإلا فمتى قال القرآن إن بعض النسوة قتلن أنفسهن. # وقال الله تعالى في طرد القصة 52 و 53: (ذلك ليعلم أني لم أخته بالغيب ~~وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرء نفسي إن نفسي لأمارة بالسوء إلا ما ~~رحم ربي)، قيل: إن هاتين الآيتين حكاية عن امرأة العزيز وهما مرتبطتان ~~بقوله تعالى 51 في الحكاية عنها: (وإنه لمن الصادقين) - أي ليعلم يوسف أنها ~~وإن اتهمته في حضرته ولكنها لا تخونه بالغيب فتبهته وتبرأ نفسها، وقيل: ~~إنهما حكاية لقول يوسف وهما مرتبطان بقوله تعالى 50: (بكيدهن عليم) ذلك أي ~~طلبه سؤال النسوة لكي يتضح الحق، ويعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب في ~~امرأته. # ثم تواضع لله على سنة الأولياء العارفين بالله ومواقع نعمه عليهم، فقال: # (وما أبرء نفسي) - أي لا أزكيها -، وأقول، إني تجنبت الخيانة وتعففت عن ~~السوء والفحشاء لذات نفسي وطبيعتي البشرية، بل إنما كان ذلك برحمة الله ~~PageV02P181 # وعصمته (إن النفس لأمارة بالسوء) باعثه بشهوتها على الفحشاء (إلا ما رحم ~~ربي) وأيدها بالعناية والعصمة. # وقال المتكلف ص 77: وكتاب الله يعلمنا أنه - أي يوسف - منزه عما عزاه ~~إليه القرآن من أنه (هم بها)، وكيف يساعده الله على الارتقاء، وقلبه فاسد. # قلت: وقد قدمنا لك أن القرآن الكريم لم ينسب إليه أنه هم بها ms440 جزما بل ~~تعليقا، بل التوراة جزمت بأنه جاء إلى أبيه بنميمة إخوته القبيحة - أي نم ~~عليهم بنميمة قبيحة - (تك 37، 2)، وقرفهم بأنهم جاؤوا إلى مصر جواسيس ليروا ~~عورة الأرض، مع أنه عرفهم وعرف أنهم جاؤوا ليشتروا طعاما، انظر (تك 42، 6 - ~~18). # والقرآن لم يقل إن قلبه فاسد بل قال: (لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين). # وحكى عنه التحدث بنعمة الله بملكة التقوى، والتواضع لله في نفسه وأن ~~عصمته وتقواه إنما هي برحمة الله ونعمته. # ويا ليت المتكلف وتوراته وإنجيله الرائجين وكتبه يعرفون بأن الله لا ~~يساعد فاسد القلب على الارتقاء في معارج السعادة والتوفيق ومراتب الرفعة ~~الروحانية، كيف وأن توراته تذكر أن الله كلم موسى في جبل سيناء بكلام طويل ~~وعناية تامة، كل ذلك في تفصيل ثياب هارون والتأنق في صنعتها وترصيعها ~~ليمجده ويقدسه ويرفعه إلى مراقي الإمامة الكبرى والكهانة في الشريعة فانظر ~~الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر الخروج، مع أنها تذكر أن هارون في ~~ذلك الوقت عمل عجل الذهب ليتخذه بنو إسرائيل إلها يعبدونه وبنى أمامه مذبحا ~~لرسم العبادة ونادى لعبادته (خر 32، 1 - 7). # ولم يثن ذلك عزم الوحي وموسى عن تقديس هارون بأبهة الرفعة إلى الرياسة ~~الدينية الكبرى. # وإن الإنجيل ليقول: إن بطرس صار ينتهر المسيح حتى قال له المسيح: ~~PageV02P182 # إذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي لأنك لا تهتم لله بل بما للناس (مت 16، ~~22 و 23) مع أنه يذكر قبل ذلك أن المسيح قال لبطرس أنت بطرس، وأعطيك مفاتيح ~~ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماوات وكل ما ~~تحله على الأرض يكون محلولا في السماوات (مت 16، 18 و 19)، فهل تجد ارتقاء ~~ورفعة أكثر من هذا إلا أن يكون أقنوما رابعا، وهل تجد فساد قلب أكثر من أن ~~يكون شيطانا لا يهتم بما لله، بل بما للناس. # ودع عنك مشاركته للتلاميذ فيما وصمهم به الإنجيل، وإنكاره للمسيح حتى صار ~~يحلف ويلعن. # وأيضا إن الأناجيل قد وصفت التلاميذ بقلة الأيمان وغلظ القلوب وقساوتها ~~والمشاحنة على ms441 الرياسة بعد المسيح والغيظ عليه من أجل ابني زبدى وعدم ~~مواساته بالحزن والصلاة وسهر بعض الليل حتى تفرقوا عنه وهربوا وتركوه وحده ~~بيد الأعداء، كما أشرنا إليه في الجزء الأول صحيفة (60 و 61) ومع ذلك يذكر ~~العهد الجديد أنهم ارتقوا بروح القدس والمعجزات إلى درجات الرسالة التي ~~صانعوا بها الأمم واستحسنوا فيها بمشورتهم أن يبطلوا شريعة موسى لأنه له من ~~يكرز به في كل سبت (1 ع 15). # ودع عنك ما يذكره العهد الجديد من رياء أكابرهم (غل 2، 3 - 15، و 1 ع 16، ~~1 - 4 و 21، 2 - 27). # ومع هذا وما هو أكثر منه في كتبهم، والمتكلف يقول ص 77 وكأن القرآن مستخف ~~بخطيئة الفسق. # فكأن القرآن الكريم يقول: ما سمعته من كتبهم في شأن هارون وبطرس ~~والتلاميذ. # أو كأن القرآن يقول: إن سليمان وحاشاه مال قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن ~~قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه، فذهب وراء عشتاروت آلهة ~~الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين وعمل الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب ~~تماما فبنى مرتفعة لكموش رجس الموابيين، ولمولك رجس بني عمون (1 مل ~~PageV02P183 # 11، 4 - 8). # ومع ذلك يقول عن كلام الله علام الغيوب في شأن سليمان هو يبني بيتا لاسمي ~~وهو يكون لي ابنا وأنا له أبا انظر (1 أي 22، 9 - 11، و 17، 11 - 14 و 2 صم ~~7، 12 - 15) فكان آخر الأمر بنقل العهد القديم أن هذا الابن الباني البيت ~~بنى المرتفعات للأوثان، أو كأن القرآن ذكر ما ذكره العهد القديم في شأن ~~داود وحاشاه مع أوريا وامرأته وحملها مما تقشعر منه الجلود، كما هو مشروح ~~في الحادي عشر من صموئيل الثاني، ومع ذلك يذكر عن إلهام الروح القدس في ~~كلامه، لأني حفظت طرق الرب ولم أعص إلهي (2 صم 22، 2، ومز 18، 21). # واقتص الله جل شأنه في هذه السورة 70 - 78 قصة جعل الصواع في رحل بنيامين ~~واستخراجها منه ليستخلص يوسف أخاه بنيامين من إخوته ويبقيه عنده، ولم يكن ~~في ذلك بهتان وإيذاء لبنيامين، بل لا بد أن يكون هذا العمل ms442 عن تواطئ مع ~~بنيامين، لأن مقتضى القرآن الكريم أن ذلك وقع بعدما عرف يوسف نفسه لأخيه ~~بنيامين، فلما تم القرار في مسألة الصواع وأعيت الحيل على إخوته حنقوا على ~~بنيامين لتوهمهم أنه سرق وأوجب ريب المصريين منهم، وجعلهم عرضة للوم أبيهم ~~وتنكيده لعيشهم بالجزع عليه فنبض عرق البغضاء له وليوسف، فقالوا في ~~محاورتهم فيما بينهما باللسان العبراني: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل زعما ~~منهم أن يوسف والحاضرين أناس مصريون لا يفهمون اللسان العبراني إذ تكلموا ~~به على جاري العادة في القوم إذا صاروا في البلاد الأجنبية فإنهم يتكلمون ~~في مقاصدهم ومحاورتهم بلسانهم الخاص، فلم يقولوا ذلك ليشهدوا على سرقة ~~بنيامين، ولا ليوقعوه في التهلكة، ولذا قال الله تعالى: # (فأسرها يوسف) أي الكلمة التي قالوها عليه (في نفسه ولم يبدها لهم) فكأنه ~~لم يفهم ما قالوه بلغتهم، وما قرفوه به من السرقة، وقال: (أنتم شر مكانا) ~~في أفعالكم التي أعرفها، ولا بد من أن يكون قال ذلك في نفسه أو بكلام لا ~~يفهمونه (والله أعلم بما تصفون) به بنيامين وإياي من السرقة. # فقد جاء في أوثق الروايات أن السرقة ليوسف كانت أيضا تدبيرا PageV02P184 # من بعض أرحامه كالتدبير في السرقة المنسوبة لبنيامين، وقد كان ينبغي ~~لأخوة يوسف أن يظنوا أو يحتملوا براءة بنيامين، وأن الذي جعل بضاعتهم في ~~رحالهم في المرة الأولى هو الذي وضع الصواع في رحل بنيامين. # وقد جاء في التوراة أن يوسف كان يكلم إخوته بواسطة الترجمان وهم يزعمون ~~أنه لا يفهم ما يقولونه باللسان العبراني، ولذا لما طلب منهم أن يجيئوا ~~بأخيهم الصغير جعلوا يتلاومون فيما بينهم بلسانهم الخاص فيما فرطوا بيوسف ~~(تك 42، 21 - 25). # وإذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن المتكلف جرى على عادته في الفهم والأمانة، ~~فقال (ص 80 س 1) يؤخذ من عبارة القرآن أن بنيامين سرق الصاع مثل أخيه يوسف. # قلت: لا يخفى على من تشرف بالنظر إلى القرآن الكريم وهذه السورة أنه صريح ~~في واقعة الصواع بأن بنيامين لم يسرقه وإنما جعل ms443 في رحله تدبيرا من يوسف ~~لكي يستخلص أخاه من إخوته بطريق لا يعد من الظلم وجور القدرة فانظر الآية ~~69 - 78. # ولعل الذي اقتضى هذا التدبير هو أن يوسف حن إلى شقيقه وآواه وأكرمه فخاف ~~عليه من إخوته أن يحسدوه على ذلك فيفعلون مع بنيامين مثل ما فعلوه مع يوسف ~~أو أشد، والتوراة أيضا تذكر أن يوسف أكر بنيامين أكثر من إخوته كلهم بخمسة ~~أضعاف (تك 43، 34)، وبما ذكرنا تعرف شطط المتكلف في باقي كلامه في هذا ~~المقام. # * * * وقال الله جل شأنه في سورة (طه) في الحكاية لخطابه سبحانه وتعالى ~~مع موسى (إني أنا ربك فخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى). # فأنكر المتكلف ذلك وادعى أن موسى عليه السلام كان في جبل حوريب حينما ~~أمره لله بخلع حذائه، ثم ادعى أن طوى اسم وهمي، انظر (يه 2 ج ص 95). ~~PageV02P185 # وهذا أيضا من بوادر الغرور، أما (أولا) فإن العهد الجديد كتاب إلهام ~~المتكلف يقول بصراحته: ظهر له - أي لموسى - ملاك الرب في برية جبل سينا في ~~لهيب نار عليقة (ا ع 7، 30 - 35)، وطابقه مع (خر 3، 2 - 8). # (وأما ثانيا) فإن التوراة على ما بها لم تقل إن موسى كان حينئذ في الجبل، ~~بل إنما قالت: وموسى كان يرعى غنم (يثرو)، فساق الغنم وراء البرية وجاء إلى ~~جبل الله حوريب وظهر له ملاك الرب بلهبة نار إلى آخره، ومن المعلوم أن ~~السائر من مكان بعيد يقال له: إنه جاء إلى الجبل إذا صار قريبا منه وعند ~~سفحه وأودية سيله. # والقرآن يصرح في سورة القصص 29 و 30 بأن الواقعة كانت بجانب الطور من ~~شاطئ الوادي الأيمن. # ولو أن توراة المتكلف تقول إن موسى إذ ذاك كان في الجبل لما صحت بلفظها ~~المعارضة، وذلك لأجل ما هو المعهود من توسعها الفاحش، فقد ذكرت أن بني ~~إسرائيل نزلوا في جبل هور (عد 33، 37) مع أنها تقول في هذا المنزل إن الله ~~أمر موسى أن يصعد بهارون والعازرا إلى جبل هور فصعدوا إلى جبل هور أمام عين ~~كل جماعة، ms444 ثم انحدر موسى والعازرا من الجبل، انظر (عد 20، 22 - 29). # وهذا كالصريح في أن نزول بني إسرائيل هناك لم يكن في الجبل، وتقول أيضا ~~الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلا: كفاكم قعود في هذا الجبل (تث 1، 6) مع ~~أنها تذكر أن نزول بني إسرائيل كان في برية سينا مقابل الجبل، وكان ~~ارتحالهم من تلك البرية أيضا، انظر (خر 19، 2 وعد 10، 12، و 33، 15 و 16)، ~~وتقول أيضا: عن حكاية خطاب موسى لبني إسرائيل في اليوم الذي وقفت فيه أمام ~~الرب إلهك في حوريب، مع أنها تقول: فتقدمتم ووقفتم في أسفل الجبل (تث 4، 10 ~~- 12)، وفيها من هذا النحو من التوسع شئ كثير. # ولو أن توراة المتكلف أيضا تصرح وتقول: إن موسى عليه السلام كان حينئذ ~~على قنة الجبل لما كان ذلك ضائرا بأي تاريخ يعارضها فضلا عن القرآن ~~PageV02P186 # الكريم كلام الله، وذلك لما بيناه في الجزء الأول في المقدمة الخامسة ~~والسادسة، وفي هذا الجزء في التصدير، بل كل مورد تعرضنا فيه لحال التوراة ~~من متفرقات هذا الكتاب. # وأما قول المتكلف: إن طوى اسم وهمي، فهي دعوى تشوه وجه الأدب، أفيقول: ~~إنه ليس في تلك الناحية واد أصلا ورأسا، أم يقول إنه قد بلغ من العمر آلافا ~~من السنين التي قضاها في تلك النواحي فعلم بالعلم اليقين أنه لم يسم بعض ~~أراضيها (طوى) لا باللغة العبرانية ولا العربية ولا غيرهما، فننقل ذلك ~~بأمانته وتقواه، أم يقول: إن هذه الدعوى من إلهام الروح الذي أخبر عنه ميخا ~~(1 مل 22، 22). # استطراد ومناسبة في الذكر وقال الله تعالى في سورة المؤمنين 20: (وشجرة ~~تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 98) الصواب إن شجرة الزيتون هي في فلسطين ولم يكن ~~في طور سيناء شجر ولا غيره وإلا لما أرسل الله المن والسلوى إلى بني ~~إسرائيل. # قلنا: لم يحصر القرآن وجود الشجرة بطور سيناء، بل يجوز أن الله جل شأنه ~~خصها بالذكر امتنانا بقدرته على أن يخلق مثل هذه الشجرة النافعة بنوعها من ~~الجبل الصخري. ms445 # ولا يسوغ إنكار ذلك إلا بإقامة البرهان على امتناعه في العادة بحسب تلك ~~الأرض، وهو باطل فإن الوجدان شاهد على أن تلك الجبال يكثر فيها الشجر ~~كالطرفاء والعوسج وغيرهما. # وقد كانت تلك الجبال قريبة من عمران الحاضرة مثل ايليم، ومدين، وعصيون ~~جابر، وايلة، بل تكاد أن تعد من ضواحي ذلك العمران، فلا يبعد أنها كانت ~~تستنبت فيها تلك الشجرة وإن كانت لا توجد فيها الآن، فإن الأحوال تتبدل ~~والعمران يتنقل. PageV02P187 # ولعلك تؤيد أوهام المتكلف بدعوى بعض الجغرافيين أن منابت الزيتون منحصرة ~~فيما بين الدرجة الرابعة والثلاثين والرابعة والأربعين من العرض الشمالي، ~~فتقول إذا إن جبل سيناء لا يبلغ الدرجة التاسعة والعشرين، ولكنا ننبهك إلى ~~أن (الجيزة) من أعمال مصر هي من منابت الزيتون الكثير وهي لا تبلغ الدرجة ~~الثلاثين، وكذا (الفيوم) من أعمال مصر أيضا وهو دون الجيزة بنحو ثلاثين ~~دقيقة تقريبا، وهو لا يزيد بالعرض على جبل سينا بأكثر من نيف وخمسين دقيقة، ~~مع أنه ينجبر ذلك في طور سيناء بانكسار الحرارة فيه بسبب ارتفاعه عن انعكاس ~~الأشعة الأرضية، وبسبب قربه من البحر الملطف لهوائه. # وأما قول المتكلف أنه لم يكن في طور سيناء شجر ولا غيره فهي دعوى باطلة ~~مردودة عليه، ولو كان كملكي صادوق بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداية أيام له ~~ولا نهاية حياة (عب 7، 3). # وأما احتجاجه بقوله: وإلا لما أرسل الله المن والسلوى إلى بني إسرائيل، ~~فهو من الشطط، لأن القرآن لم يقل إن في طور سيناء أشجارا وبساتين من ~~الزيتون والفواكه ومزارع من الحنطة والشعير ومليونات من الغنم والبقر وكل ~~قسم يقوم بحاجة بني إسرائيل فلا حاجة لهم إلى المن والسلوى، بل لو قال إن ~~في طور سيناء ألف شجرة مما ذكره لما كان منافيا للحاجة لنزول المن والسلوى، ~~كيف لا وأن التوراة تقول: إن الله أعطى المن والسلوى لبني إسرائيل في برية ~~سين في الشهر الثاني لخروجهم من مصر (خر 16، 1 - 17) مع أنهم خرجوا من مصر ~~ومعهم لفيف كثير من غنم ms446 وبقر مواش وافرة جدا. # وفي أوائل مجيئهم إلى برية سينا أصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب ~~من الثيران، وكذا بعد ذلك انظر (خر 12، 38، و 24، 5 ولا 8 و 9 وعد 7). # ولو أنا نرضى لمجد معارفنا بالحجة المخدوشة بالاحتمال لقلنا: إن وجود زيت ~~الزيتون الذي جاء به بنو إسرائيل في برية سيناء للضوء ودهن المسحة هو دليل ~~على وجود شجر الزيتون هناك فانظر (خر 27، 20، و 29، 40، و 30، و 24)، ثم ~~انظر أيضا (خر 35، 8 و 28، و 39، 37)، ولكن احتمال PageV02P188 # استجلابه من الأماكن البعيدة، ووهن توراة حلقيا أو غيره مانعان لنا عن ~~التشبث بمثل ذلك. # ولنا أن نقول: إن رؤوس الجبال التي في شبه جزيرة سينا إنما هي أجزاء من ~~سلسلة ذات تعاريج منبثة في أرض فلسطين وشبه جزيرة سينا، ولنا أن نعتبر مبدأ ~~السلسلة من موازاة جبل لبنان، والأحرى أن نعده جزءا منها وإن تخلل بينهما ~~ما هو بمنزلة العقبات في أثناء سلاسل الجبال، فتمتد هذه السلسلة إلى الجنوب ~~على غربي الأردن وبحيرة لوط ووادي العربة وخليج العقبة، ثم تنعطف عند ملتقى ~~الخليجين إلى الشمال الغربي ممتدة مع شرقي خليج السويس حتى تتعدى منتهاه ~~بنحو ثلاثين ميلا، ثم تنعطف إلى الشمال الشرقي ممتدة إلى نحو العريش وحدود ~~فلسطين. # فيتفق لهذه السلسلة في امتدادها وتعاريجها وانعطافاتها عدة رؤوس يسمى كل ~~منها باسم، نحو فوريا، والصفصافي، والصمغي، وحوريب، وكاترينا، وفيران، ~~وغيرها، وقد تتداخل الأسماء كما تداخل أسماء حوريب وسيناء في التوراة انظر ~~(19 و 20 و 24 و 34 و 1 ع 7، 30)، ثم انظر (خر 3، وتث 1، 6 و 19، و 4، 10، ~~و 5، 2 - 6، و 18، 16 و 1 مل 8، 9 ومل 4، 4 -). # فمن الممكن الشائع في اللغة والاستعمال أن يكون القرآن الكريم قد أراد ~~بطور سيناء الجبل الذي هو مجموع السلسلة، وسماه طور سينا باعتبار أن سينا ~~هو الحد الجنوبي لمنابت الزيتون فيه، أو لأنه أشرف رؤوسه وأشهرها، ولبعض ~~هذه الوجوه جعل الجغرافيون (برية سينا) اسما لجميع القسم الواقع غربا من خط ~~مفروض من طرف بحيرة لوط الجنوبي إلى ms447 رأس خليج العقبة مع أنه يشتمل على شطر ~~من أرض يهوذا في فلسطين، كما أنهم يسمون سلسلة الجبال العربية (جبل الشرات) ~~باعتبار قطعة منها، مع أن لها قطعا ورؤوسا ذوات أسماء وشهرة. # وقال الله تعالى في سورة يونس 76: (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى ~~فرعون وملأه فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين 79 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آبائنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين). ~~PageV02P189 # فاعترض المتكلف على ذلك وقال (يه 2 ج ص 61) إن الله لم يرسل موسى ليدعو ~~فرعون وقومه إلى ديانته، بل إن المولى سبحانه وتعالى أرسله لإنقاذ الأمة ~~الإسرائيلية من الرق والعبودية وإخراجهم من مصر. # قلت: إن اللازم على أمانة المتكلف أن يذكر ما ذكرته توراته في عنوان ~~إرسال الله موسى إلى فرعون، وماذا أمره أن يقوله له، وماذا قال له، ثم إذا ~~ذكر ذلك فليتكئ على سرير تبشيره بمحضر العقلاء العارفين بالله ويقول: إن ~~هذا هو الحقيقة المعقولة اللائقة بجلال الله في إرساله موسى إلى فرعون، دون ~~ما يذكره القرآن. # ولئن طوى ذكر ما في توراته فإنا نذكره ونقول، يقول مضمون توراته إن الله ~~جل شأنه قال لموسى في أول كلامه في حوريب، أني رأيت مذلة شعبي الذي في مصر ~~فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، ~~إلى أرض تفيض لبنا وعسلا إلى مقام الكنعاني والحثي والاموري والفرزي والحوي ~~واليبوسي (خر 3، 7 و 8)، وأمره أن يبشر قومه بذلك (16 و 17) (فاعرف المقصود ~~من الرسالة واحفظه)، ثم قالت عن قول الله لموسى فإذا سمعوا لقولك تدخل أنت ~~وشيوخ إسرائيل إلى ملك مصر وتقولون الرب إله العبرانيين التقانا، فالآن ~~نمضي طريق ثلاثة أيام في البرية ونذبح لله إلهنا (خر 3، 18) فتكون فائدة ~~هذا الوحي وحاشا لله أمرين (أحدهما) إن الله أمر موسى بأن يأمر شيوخ بني ~~إسرائيل أن يكذبوا على فرعون بقولهم إله العبرانيين التقانا، مع أنه جل ~~شأنه إنما تجلى لموسى في حوريب ولم يتجل لهم ولا التقاهم. ms448 # (وثانيهما) إن الله جل شأنه أمر موسى وشيوخ إسرائيل أن يكذبوا أيضا على ~~فرعون بقولهم نذهب طريق ثلاثة أيام في البرية ونذبح لله إلهنا مع أن ~~المقصود هو الذهاب إلى بلاد ذات مدن ومزارع وبساتين وهي أرض الكنعانيين ومن ~~جرى ذكرهم من القبائل، لا إلى البرية، ولا إلى طريق ثلاثة أيام، بل إن أقرب ~~حدود هذه الأرض إلى محل بني إسرائيل في مصر يزيد بعده عنهم على مائة وسبعين ~~ميلا بالخط المستقيم فضلا عن تعاريج الطريق وانحرافاته، فلا يمكن ~~PageV02P190 # لثقل بني إسرائيل أن يبلغ أقرب حدودها إليهم بأقل من سته أيام، ولا يمكن ~~أن يتوسطوها بأقل من ثمانية أيام أو تسعة، ولا تقل إن المقصود من طريق ~~الثلاثة أيام هو الطريق إلى برية سينا، وذلك لأن بعده عنهم يزيد على مائتي ~~ميل بالخط المستقيم، وقد قطعه بنو إسرائيل بمسير ثلاثة عشر يوما في أكثر من ~~شهرين. # وزادت التوراة أيضا في الطنبور نغمة إذ ذكرت أن الله جل شأنه أمر موسى ~~بأن يأمر نساء بني إسرائيل أن يطلبن من جاراتهن المصريات أمتعة فضة وأمتعة ~~ذهب وثيابا بعنوان الأمانة والاستعارة فيسلبونها من المصريين بعنوان ~~الخيانة في الأمانة (خر 3، 21 و 22). # ويقول: مضمون التوراة أنه لما جاءت النوبة إلى تبليغ الرسالة لفرعون لم ~~يفعل شيوخ إسرائيل ما أمر به الله، بل دخل موسى وهارون وقالا لفرعون: # هكذا يقول الله إله إسرائيل أطلق شعبي ليعيدوا لي في البرية (خر 5، 1) مع ~~أنه لم يسبق هذا الكلام فيما ذكرته سابقا عن كلام الله لموسى، ثم قالا ~~لفرعون إله العبرانيين التقانا فنذهب طريق ثلاثة أيام في البرية، ونذبح لله ~~إلهنا لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف (خر 5، 3)، مع أنه لم يتقدم في الوحي ~~السابق وعيد بالوباء أو بالسيف. # فحاصل مضمون التوراة الرائجة التي اغتر بها المتكلف يظهر منه في إرسال ~~الله لموسى وتبليغه للرسالة عدة أمور: # 1 - أمر شيوخ إسرائيل أن يكذبوا بدعوى أن الله التقاهم. # 2 - أمر موسى وشيوخ إسرائيل أن يكذبوا بدعوى الذهاب طريق ثلاثة أيام ms449 في ~~البرية ليذبحوا لله، مع أن المقصود هو الذهاب إلى مدن فلسطين للسكنى ~~والتملك. # 3 - أمر نساء بني إسرائيل أن يخدعن المصريات ويخن أمانتهن. # 4 - كذب موسى وهارون وحاشا قدسهما في مسألة العيد. # 5 - كذبهما وحاشاهما في دعوى الذهاب طريق ثلاثة أيام في البرية ليذبحوا ~~PageV02P191 # لله وقد عرفت المقصود. # 6 - كذبهما وحاشاهما في قولهما لئلا يصيبنا بالوباء أو السيف. # فكأن المتكلف يقول واستغفر الله هذا هو الذي يليق بجلال الله ولطفه وقدسه ~~في إرسال موسى إلى فرعون، وهو الذي يليق من الرسول في التبليغ، فالتوراة ~~التي تنقل هذه المضامين هي أحق بالإذعان من القرآن الذي يقول: إن الله ~~القدوس اللطيف إله العدل والصلاح أرسل موسى ليدعو فرعون إلى طهارة الإيمان، ~~والصلاح، والإقلاع عن رجاسة الشرك والظلم والفساد. # أترى هل يصح من موسى أن يبلغ فرعون عن الله أمره بأن يطلق بني إسرائيل ~~بدون أن يعمله الإيمان بالله ويدعوه إليه لكي يسمع أمره، ويعرض عن ضلالة ~~الأوثان. # فهل ترى أنه يمكن لرسول الملك أن يبلغ بعض الناس أوامره الملك، ويأمرهم ~~بالطاعة بدون أن يعرفهم بالملك وسطوته وقدرته، ويدعوهم إلي الإذعان بذلك ~~ليطيعوه. # دع هذا وقل: ما معنى قول التوراة (وكلم الله موسى وهارون قائلا إذا ~~كلمكما فرعون قائلا هاتيا عجيبة)، فلماذا يطلب العجيبة إذا لم تكن الدعوة ~~إلى الإيمان بالله ورسوله لكي تكون العجيبة برهانا لهذه الدعوة. # ومن الظرائف أن توراة المتكلف كأن لها عداوة مع الدعوة إلى الإيمان بالله ~~وتوحيده وشريعته والإقلاع عن الشرك وعوائد الضلال، فلم تذكر أن موسى ومن ~~بعده يوشع دعوا المصريين أو الكنعانيين أو غيرهم من أمم الأرض إلى التوحيد ~~والهدى والصلاح، ولم تذكر أن الله أمر موسى بهذه الدعوة أصلا، بل ذكرت أن ~~الله جل شأنه أمرهم بقتل الرجال والنساء والأطفال والبهائم، وإحراق البلاد ~~وما فيها. # نعم ذكرت أن الله أمر موسى إذا حارب مدينة أن يدعوها إلى الصلح فإن أجابت ~~كان شعبها للتسخير والجزية، هذا إذا كانت من غير الشعوب السبعة وأما إذا ~~كانت ms450 منها فلا يبقى نسمة منهم حتى البهائم، وأما الدعوة إلى الإيمان ~~PageV02P192 # بالله فهي نسي منسي، وأنت ترى وكل عاقل يرى أنه لا يأمر بذلك ولا يفعله ~~واحد من البرابرة المتوحشين (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا). # ولئن رضي المتكلف بهذا كله من توراته، فإن العقل والدين ليأبيان لنا أن ~~نرضى ذلك لجلال الله وقدس رسله وهدى كتبه. # ولإيلام المتكلف مع ما ألفه من توراته من مثل هذه الطامات إذا اعترض على ~~القرآن الكريم. # فكيف ترى ليلى بعين ترى بها سواها وما طهرتها بالمدامع وقد حداني الكلام ~~أن أبصرك بالهدى ودين الحق، وأشمك من أرج تاريخ الإسلام نفحة، وأشيمك من ~~سنا أحكامه وأساسياته لمحة، فنقول إن الله تقدست أسماؤه أمر رسوله الصادق ~~الأمين أن يصدع بما يؤمر، ويشمر للدعوة إلى التوحيد وشريعة العدل والصلاح ~~وترك الأوثان وعوائد الجور والفساد، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة ~~الحسنة بشيرا ونذيرا، فتجرد وشمر (ص) للدعوة مدرعا بالصبر معتدا باليقين ~~ونصح العباد وحسن الخلق والمواظبة على الدعوة للشفيع والوضيع والكبير ~~والصغير والحر والعبد والرجل والمرأة والحاضر والبادي والقرابة والبعيد لا ~~يستصغر فيها حقيرا ولا يكبر فيها جبارا ولا يثنيه عنها اضطهاد ولا يتربص ~~فيها فرصة ولا ييأسه من تأثيرها إصرار الغي. # وقد لباه في دعوته جماعة قد اقتضت حكمة الدعوة أن يأمرهم بالصبر على تحمل ~~الأذى والفرار بدينهم. # واستمر على هذا الدأب سنين عديدة، وقد بث دعوته ودعاته في البلاد ولما ~~لباه أهل المدينة آثر بأمر الله أن يهاجر إليها ليحكم أمر الدعوة وينشر ~~لوائها بدون ثورة شغب، ولتكون مأوى المؤمنين فلا تنقدح بينهم وبين المشركين ~~نار الفتنة، ولكي تشيع منعته فلا يصد من يريد الإسلام خوف الاضطهاد وضعف ~~الجانب، ولا يستنكف من الانضمام إلى حوزته، ولما تمادى مشركوا مكة على الغي ~~واضطهاد من عندهم من المسلمين والتعرض لإطفاء نور الإيمان ويأبى الله ~~PageV02P193 # إلا أن يتم نوره، أمره الله جل شأنه أن يتعرض لإرهابهم ليخافوا جانبه ~~فيكفوا عن غيهم وغرورهم فتعرض لأموالهم وطريق تجارتهم لكي ms451 يضطروا في حفظ ~~اقتصادهم وثروتهم إلى الإقلاع عن عدوانهم على المسلمين، فخرج المشركون ~~لإنقاذ أموالهم بعدة تامة وقوة بزعمهم كافية، فلما علموا بنجاتها حملهم ~~طغيانهم وغرورهم بعدتهم وعديدهم فقصدوا حرب رسول الله (ص) اغترارا بقلة ~~أصحابه ووهن استعدادهم، وأصروا على حربه ولم ينجع بهم نصح شيوخهم (ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا)، إذ كان جلت آلائه قد وعد رسوله والمسلمين بإحدى ~~الطائفتين من العير أو النفير، فقضى الله بالفتح على رسوله على نحو لم يكن ~~متصورا في العادة. # ثم تتابعت بعد ذلك حروب رسول الله وتجريداته، وكلها كانت من نحو الدفاع ~~والانتصار للمسلمين، وكسر عادية المشركين. # وكان (ص) في حروبه وتجريداته كلها يبتدأ بالدعوة إلى الإيمان والصلاح ~~ويرغب فيهما، ويحث على السلم، ويجيب إلى الهندة ويقبل العثرة ويركن إلى ~~الصلح مع كونه المظفر المنصور، كل ذلك لحبه الصلاح، وليكون الامهال وحسن ~~السيرة ولين الجانب والوفاء بالعهد داعية للناس إلى الإيمان من دون تحريش ~~بالحروب القاسية. # فإذا اعترف المشرك بالتوحيد وأناب إلى الإيمان ولو ظاهرا عصم ماله ودمه، ~~وصار أخا حبيبا للمسلمين، وإن كان قد قتل في الشرك آبائهم وأبنائهم وجنى ما ~~جنى عليهم. # وكان (ص) أهم وصاياه في تجريداته وحروبه هو النهي عن المثلة بالقتلى، ~~وسوء الولاية، وقتل النساء والأطفال والمشائخ العاجزين والرهبان المعتزلين ~~وإزعاجهم عن معابدهم. # وكان يحث على الرأفة بالأسرى والمماليك وحسن معاملتهم ويسلي قلوبهم ~~ويعدهم بنعمة الله عليهم، ويشدد في الترغيب في عتقهم. # وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقبل من أهل الكتاب الجزية على شروط ~~PageV02P194 # يؤول إجرائها بهم إلى الإسلام، وشريعة العدل إن ساعدهم التوفيق من دون ~~نكاية بهم أو تساهل بأهوائهم. # فلم يسمع ولن يسمع بمثل رسول الله (ص) في دعوته وسيرته في حروبه حيث أعطى ~~كل مقام صالح حقه من حيث سياسة الإيمان وشريعة العدل، وكسر شوكة الشرك ~~والجور وعوائد الضلال بصدق النهضة والتشمير والصبر في الدعوة، وحسن الدفاع ~~عنها، والشدة في ذات الله من غير قسوة، واللين والرحمة من غير ضعف وخور، قد ~~بلغ ms452 في جميع ذلك أعلى مراتب حسن الخلق وكرم النقيبة وحسن الولاية. # وقد ساس العرب العتاة الأشداء الألداء أحلاس الخيل وإخوان السيف وأبناء ~~الحرب، فقلبهم من الوثنية إلى التوحيد، ومن عوائد الضلال إلى شريعة العدل، ~~ومن تفرق الأهواء والتوحش وتكالب العداوة إلى حسن الاجتماع والأخوة والخضوع ~~لنظام المدنية، وهم الذين تمادوا على حرب البسوس عمرا من السنين فقطعوا بها ~~علائق الأرحام ونياط القرابة من أجل ضرع ناقة، واستمروا في حرب الغبرا ~~وداحس فقتلوا الرجال والأطفال من أجل سباق فرس. # ولجوا في حرب كسرى حتى أذاقوه الوبال مع سطوته، وذلك من أجل حماية امرأة. # ويكفيك شاهدا أن هذا العنصر وهؤلاء القوم كلهم قد غلبهم على معبوداتهم ~~وأهوائهم وعوائدهم وجبروتهم وعدوان وحشيتهم وطغيان رياستهم واستقلال ~~قبائلهم، فثنى أعناقهم وجمعهم على التوحيد ونواميس الحق، ومدنية العدل وأدب ~~الشريعة. # وأن الكثير منهم قد انقادوا إلى ذلك برغم أنوفهم مع احتدام قلوبهم بنار ~~الغيظ وضغائن الأوتار، ولكنهم لما تشرفوا بنعمة الإسلام صار رسول الله أحب ~~إليهم من أسماعهم وأبصارهم وذلك لما وجدوه من صلاح دعوته وحسن سيرته في ~~إجرائها فيما عاملهم به من التحمل والملاينة وجميل الدفاع وعاطفة الرحمة ~~PageV02P195 # وكرم المروءة وحسن الخلق وحسن الأثر وحسن الولاية ووجدوا أن حربه معهم ~~وإن كانت لأجل أحسن الغايات وأشرفها، وأنفعها للبشر في دينهم ودنياهم، ~~ولكنه (ص) لم يسلك فيها إلا سبيل الدفاع لعدوانهم وحماية حوزة التوحيد ~~والحق بالتي هي أحسن ليرد عادية المعتدين، فجلب قلوبهم ما وجدوه في أثناء ~~ذلك من حسن المعاملة وجميل الصفح وعظيم المن وكرم الأخلاق وأيادي الرحمة ~~مما لا يتصورونه هم ولا غيرهم في محارب مظفر معتز بنصيحة أصحابه وطاعتهم ~~له. # هذا كله ولم تنشب الحرب بمقدار حرب البسوس ولم تزد القتلى على قتلى ربيعة ~~فيها بكثير يذكر، بل يمكن لنا أن نقول: إن كل من قتل في سبيل الإسلام من ~~العرب لا يبلغ ما يقتل في ضلالات العرب وعدوانهم بحروب سنة، وسيأتي إن شاء ~~الله بيان ما ذكرنا على وجهه. # وقال الله تعالى ms453 في سورة يونس 88: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين). # فاعترض المتكلف على ذلك بعد أن ذكر شيئا من أقوال المفسرين، وقال (يه 2 ج ~~ص 61) وعلى كل حال لم يأمر الله موسى وأخاه أن يتبوءا بيوتا في مصر، بل أمر ~~موسى بإخراج بني إسرائيل من أرض العبودية ليرثوا أرض الموعد. # قلنا: أما أقوال المفسرين فهم أعرف بمأخذها، ولا مانع منها إلا إصرار ~~المتكلف في إنكار كل ما لا يوافق هواه، أو أغفلت ذكره توراته التي عرفت ~~حالها. # وأما قول المتكلف: إن الله لم يأمر موسى وأخاه أن يتبوءا بيوتا في مصر ~~إلى آخره فإنما هو من الشطط والتغافل عما يقتضيه الحال من لزوم ذلك وأن ~~توراته قد أغفلته مع أنها دخلت في ذلك مدخل الاستيفاء في السيرة البسيطة ~~والتاريخ الساذج، بل جعلت دعوة موسى لبني إسرائيل وترويضهم على الإيمان به ~~وعلى أن يطاوعوه على الخروج من مصر، وعلى أن يدخلوا إلى فرعون ليخلي ~~PageV02P196 # سبيلهم ودخولهم إلى فرعون، ودعوته وعمل الآيات جعلت هذا كله كأنه حادثة ~~يوم وليلة بين عشرة أشخاص في بيت واحد، ولكن المتدبر في عادات الأمور يجزم ~~بأنه لا بد لموسى وهارون من أن يقيما مدة مديدة بين بني إسرائيل يدعوانهم ~~فيها إلى حقيقة الإيمان بالله وحق عبادته والانقطاع إليه ويمرنانهم على ~~الصلاة له والطاعة لرسله والانقياد إليهما والائتمار بأمرهما، ويملأ آذانهم ~~وقلوبهم بالبشارة بخلاصهم من عبودية فرعون والتنعم بأرض الموعد ويثبتانهم ~~على الاطمئنان بذلك ويروضانهم على الانقياد والمتابعة في الخروج معهما، ~~فإذا اطمأنا منهم بالانقياد أعلنا دعوتهما لفرعون، ولو كان ذلك من أهل قرية ~~لا يبلغون الألف وهم ثابتون في طباعهم لاحتاج إلى تربص كثير ورياضة في ~~السياسة. # فكيف ببني إسرائيل المتلونين المتقلبين وهم مئات من الألوف وقد عرفت ~~حالهم من المقدمة الخامسة. # وأن ذات التوراة الرائجة قد ذكرت عنهم أنهم قالوا لموسى وهارون في مصر ~~ينظر الرب إليكما ويقضي لأنكما قد أنتنتما رائحتنا في عيني فرعون ms454 وعيون ~~عبيده حتى تعطيا سيفا في أيديهم ليقتلونا (خر 5، 21)، وأنهم لم يسمعوا ~~لموسى بشارته بوعد الله لهم بالخلاص وتوريثهم أرض الموعد (خر 6، 1 - 9)، ~~وقالوا: كف عنا فنخدم المصريين لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت ~~في البرية (خر 14، 12). # وإن حكمة التعليم التمرين وتجديد التأسيس وإجراء الأحكام الإلهية في مثل ~~رسالة موسى لتقتضي أن يكون الله جل شأنه قد أمر موسى وهارون أن يتبوءا في ~~مصر بيوتا يجعلونها مختلفا لبني إسرائيل ومقصدا لهم يقبلون إليه ليروضهم ~~التمرين على الانقياد فيما يراد منهم. # ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى: (واجعلوا بيوتكم قبلة)، أي بيوت موسى ~~وهارون ومن يعضدهم من المؤمنين في نشر الدعوة والنهضة إلى التعليم، أو أن ~~المراد واجعلوا بيوت بني إسرائيل قبلة يقبلون فيها على عبادة الله وطاعته، ~~ويقيمون الصلاة، ولو أن بعض المؤرخين ذكر ذلك لحكم بصدقه الاعتبار بالعادة ~~في بيان هذه الحقيقة اللازمة، وأن التوراة الرائجة قد قصر بيانها عن ~~PageV02P197 # ذلك، فكيف وقد بينها القرآن الكريم بوحي الله إلى رسوله الصادق الأمين. # أم يقول المتكلف ليس الأمر كذلك، بل كانت دعوة موسى وهارون لقومهما ~~ولفرعون كقبسة العجلان واستعجال الخائن المتكلف. # وقال الله تعالى شأنه في سورة الإسراء 103: (ولقد آتينا موسى تسع آيات ~~بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ~~قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا ~~فرعون مثبورا). # والمثبور: هو المعذب الهالك، والمراد من ذلك إنذار فرعون بالنكال ووبال ~~العاقبة إذا تمادى على طغيانه وغيه، فقد كان يظن من أمارات عتوه وطغيانه ~~أنه لا يقلع عن غيه. # ولكن المتكلف يقول ببواعثه (يه 2 ج ص 87)، وقد افترى القرآن على موسى ~~وعلى فرعون بأنهما تشاتما وموسى لم يشتم فرعون، كما أن فرعون لم يلعن موسى، ~~فإن هذه المسألة ليست مسألة مطاولة وقباحة، ولا يعقل أن موسى المشهور ~~بالحلم والوداعة يتطاول على ملك مستبد. # قلت: ما غر المتكلف ومعرفة المرسلين الأمريكان بهذا الكلام، ms455 إلا أن ألفاظ ~~القرآن لا توجد في توراتهم، ولم يشعروا من توراتهم بأنها قد أهملت الكثير ~~من مخاطبات موسى وهارون مع فرعون، كما أهملت أجوبته لهما، بدليل قولها عن ~~قول الله لموسى، أنت تتكلم كما أمرك، وهارون أخوك يكلم فرعون ليطلق بني ~~إسرائيل من أرضه، فلم تبين بعد هذا كلام موسى وهارون ولا جواب فرعون لهما، ~~بل طوت الحال ولم تبين ماذا أمرهما الله أن يتكلما به مع فرعون وماذا قالاه ~~له؟ وبماذا أجابهما؟ بل قالت ففعل موسى وهارون كما أمرهما الرب، انظر (خر ~~7، 2 - 7). # وقولها أيضا: إذا كلمكما فرعون قائلا: هاتيا عجيبة تقول لهارون: خذ عصاك ~~واطرحها أمام فرعون فتصير ثعبانا، فدخل موسى وهارون وفعلا هكذا، كما أمر ~~الرب وطرح هارون عصاه أمام فرعون وعبيده فصارت ثعبانا PageV02P198 # (خر 7، 9 و 10)، فلم تذكر كلامهما في دعوتهما له بماذا أجابها حتى انجر ~~الكلام إلى المطالبة بالعجيبة وكيف طالبهما بها. # ثم انظر في هذا الأصحاح تجد توراتهم قد أهملت فيما بين العدد 18 والعدد ~~19 وأسقطت ما هو لازم الوقوع من جواب فرعون لموسى. # وكذا في الأصحاح الثامن فيما بين العدد 4 والعدد 5 والعدد 6 وكذا فيما ~~بين العدد 19 والعدد 20. # وكذا في الإصحاح العاشر في أثناء العدد السادس بين قولها (اليوم) و (ثم) ~~وإنك لتعلم أن المقام بين موسى وفرعون مقتضى بالضرورة والعادة لوقوع ~~المطارحات ومراجعات الكلام بينهما من تفنيد فرعون لموسى وتوهينه لرأيه إذ ~~طلب منه أن يخرج بني إسرائيل عن سلطانه وطاعته، ومن تكذيبه لموسى في دعوى ~~الرسالة بذلك من الله، فقد أرسل فرعون إلى بني إسرائيل يردعهم من الاعتماد ~~على كلام موسى قائلا: ولا يلتفتوا إلى كلام الكذب (خر 5، 9) ومن موعظة موسى ~~لفرعون وتوبيخه له على عتوه على الله وإصراره على الظلم والجور، وتحذيره من ~~عاقبة ظلمة ووبال بطش الله به. # هذا لو كانت دعوة موسى لفرعون كما يظهر من توراتهم هي محض طلبه أن يطلق ~~بني إسرائيل. # وأما إذا كانت كما هو الحق ووظيفة الرسل وآثار ms456 رحمة الله ولطفه بعباده هي ~~الدعوة إلى الإيمان بالله وتوحيده وطاعة رسله واتباع هداهم والانقياد إلى ~~شريعتهم والاقلاع عن الظلم والعدوان. # فالحال والعادة يقتضيان أن يغلظ موسى عليه السلام في الإنذار والمواعظة ~~والتوبيخ لفرعون على إصراره على كفره، وغلظ قلبه، وقبيح ظلمه، وأن يغلظ ~~فرعون في تكذيب موسى وتوبيخه، حيث تكررت المراجعة بينهما.. # والحال يقتضي أن فرعون بضلاله وطغيانه يرى أن موسى عليه السلام كافر ~~بنعمتهم وبرهم عاق لحق تربيتهم له. # فقول فرعون لموسى إنك مسحورا هو من أيسر ما يقتضي الحال أن يقوله ~~PageV02P199 # فرعون الطاغية لموسى في رد دعوته، بل هو رد جميل من مثل فرعون قد نزه به ~~موسى عن تعمد الافتراء على الله بدعوى الرسالة وليس لعنا، وقول موسى لفرعون ~~أظنك مثبورا هو أيضا من أيسر الانذار وليس شتما، كما لا يخفى ذلك على أقل ~~الناس فهما وأكثرهم غباوة، ولا يقول بأنه شتم ولعن إلا من داس شرف أدبه ~~بنعل تعصبه. # وإذ قد نزه المتكلف فرعون عن أن يقول لموسى أظنك مسحورا، فقد اعترف بأن ~~فرعون على عتوه وغلظ قلبه أطيب منه نفسا وأحسن أدبا وأعف لسانا وأقل تمردا ~~على الله. # فإن المتكلف قد نزه فرعون عن الجرأة على موسى بما هو واحد من ألوف الألوف ~~من قبيح جرأته على قدس رسول الله الصادع بالحق، مع أن رسول الله لم يبهظ ~~المتكلف في دعوته بمثل ما بهظ به موسى فرعون، فإن دعوة موسى تبهظ فرعون ~~بالتوحيد النافي لأوثان كثيرة من آلهة المصريين، ودعوة رسول الله بتوحيده ~~لا تبهظ المتكلف إلا بنفي اثنين من ثالوثه، وأن موسى عليه السلام في دعوته ~~قد سمى آلهة المصريين رجسا، ورسول الله قد مجد المسيح بعد أن نفى عنه ~~الإلهية وسماه رسول الله وكلمته، ونزهه بالتمجيد عما قرفت قدسه به ~~الأناجيل، ومجد الروح القدس إذ جعله رسول التنزيل على الأنبياء. # وأن دعوة موسى تستلب من فرعون سلطانه وتحطه عن سلطته وتشتت رعيته وتقهره ~~في إجرائه. # وأن دعوة رسول الله لا تمنع المتكلف ms457 إلا من خسيس عيش تباع به الأمانة ~~وشرف الأدب والدين، بل يبيح له التعيش والتنعم بما لا يضاد ذلك، وأن ما ~~ذكرناه من اعتراف المتكلف ليكون شهادة أيضا على أن المرسلين الأمريكان ~~الذين طبع كتابه بمعرفتهم هم أيضا شركائه في المقايسة، ويا عجباه ولا عجب ~~من قوم ينزهون فرعون من أن يقول لموسى (أظنك مسحورا) ويرضون من كتاب ~~إلهامهم أن يقول عن خطاب ارميا النبي مع الله جل شأنه: يا سيد الرب حقا إنك ~~خداعا خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا يكون سلام وقد بلغ السيف النفس (ار ~~4، 10) ويقول إن هذا الكفر من وحي الله. PageV02P200 # وأما أن موسى عليه السلام مشهور بالحلم والوداعة، فهو لعمر الله رسول ~~الله وكليمه وصفيه، معلم الكمال ومهذب البشر ومؤدبهم، العارف بمواقع الحلم ~~ومواقع الحزم والشدة في ذات الله ووظيفة الرسالة وحكمة التبليغ والأنذار، ~~وهو أجل شأنا وأعلى قدرا من أن يعتمد في كماله على مجرد الشهرة. # ولكن لا يتيسر الإذعان بذلك مع الإذعان بصحة في العهد القديم، فإنه قد ~~قرف قدس موسى عليه السلام بما لا يصدر إلا من فظ غليظ القلب سئ الخلق سئ ~~الأدب سئ المعرفة بالله، فنسب إلى موسى وحاشاه أنه لما أرسله الله إلى ~~فرعون رد الرسالة بلسان خشن وكرر الرد مع احتجاج الله عليه ووعده له ~~بالتأييد حتى حمي غضب الله عليه (خر 4، 10 - 15) وأنه قال الله: # لماذا أسأت إلى هذا الشعب (خر 55، 22) لماذا أسأت إلى عبدك (عد 11، 11) ~~وتحكم على الله بالغفران لعابدي العجل، وقال لله: الآن إن غفرت لهم وإلا ~~فامحني من كتابك (خر 32، 32). # ولما وعده الله بإشباع بني إسرائيل من اللحم رد على الله كالمستهزء بوعده ~~المنكر لقدرته، فقال: ستمائة ألف ماش هو الشعب الذي أنا في وسطه، وأنت قد ~~قلت أعطيهم لحما ليأكلوا شهرا من الزمان، أيذبح لهم بقر وغنم ليكفيهم؟ أم ~~يجمع لهم سمك البحر ليكفيهم؟ فقال الرب: هل تقصر يد الرب (عد 11، 21، 23). # وقالت المزامير: إن موسى وحاشاه فرط بشفتيه (مز 106، 33)، وانظر الجزء ~~الأول صحيفة (125 ms458 - 132)، أفيقول المتكلف: إن الحلم والوداعة والأدب لا ~~تليق من موسى مع الله، كما تليق منه مع فرعون في مقام الدعوة والانذار. # ولعلك تسأل وتقول: لماذا لم تذكر التوراة شيئا من مكالمات موسى لفرعون في ~~الوعظ والانذار الذي لا بد منه في هذا المقام، ولماذا أهملت ذكر المكالمات ~~فيما أشرت إليه في أول الجواب؟ فنقول لك: إن التوراة الرائجة قد أبدلتها ~~صروف الأيام عن مثل هذا بأشياء قد حكمنا فيها وجدانك فإن شئت جعلتها من ~~حقائق العرفان وإن شئت جعلتها من خرافات الهذيان، وذلك أنها ذكرت كلام الله ~~مع موسى في حوريب ومدين وإرساله إلى فرعون ووعده بالتأييد PageV02P201 # ليخلص بني إسرائيل من العبودية، وأن موسى رجع إلى مصر حسب أمر الله ووعده ~~له. # ثم قالت: وحدث في الطريق في المنزل أن الله التقاه - أي التقى موسى - ~~وطلب أن يقتله، فأخذت صفورة صوانة، وقطعت غرلة ابنها ومست رجليه وقالت: ~~لأنك عريس دم أنت لي فانفك عنه حينئذ (خر 4، 24 - 26). # وقد اقتص الله في سورة الأعراف من الآية (110 - 127) قصة موسى مع فرعون ~~ومع السحرة وحسن عاقبتهم ووعيد فرعون لهم، ووعيده أيضا لبني إسرائيل، ~~وتسلية موسى لهم وأمرهم بالصبر وبشارتهم بالفرج، وذكر في سورة طه 70 - أن ~~موسى لما جاء السحرة بسحرهم أوجس في نفسه خيفة، فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص ~~52 و 53) على مضامين القرآن الكريم في ذلك باعتراضات منشأها أن توراته ~~الرائجة لم تذكر ما ذكره القرآن الكريم في قصتها البتراء. # وقد عرفناك حال توراته في قصصها، وسنزيدك إن شاء الله معرفة في أنها تهمل ~~المهم في الذكر وتطيل في الفضول الفارغة، ونسبة المثالب الشنيعة إلى ~~الأولياء وعائلاتهم، وفي الخرافات الكفرية.. # فاعترض على قوله تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون 110: (إن لنا لأجرا إن ~~كنا نحن الغالبين). # فقال المتكلف: إن هذا لا يتصور حصوله لأن فرعون كان ملكا مستبدا يفعل ~~بقومه ما يشاء، والذوق والأدب يقضيان بعدم إبرام شرط مع الملك. # قلت: لم يقل القرآن إن السحرة اشترطوا على الملك ms459 وقالوا: إن لم تعطنا ~~أجرا فإنا لا نفعل ولا كرامة لك، بل طلبوا منه الجائزة وأرادوا بذلك أن ~~يثبتوا قلوب فرعون ورعيته على الاطمئنان بغلبتهم لموسى، ولعل هذا من بعض ~~مقدماتهم في سحرهم وشعبذتهم. # والتوراة الرائجة أدمجت هذه القصة ادماجا سمجا لا يليق بالكتاب المتصدي ~~لبسيط التاريخ حيث اقتصرت على قولها: فدعى أيضا فرعون PageV02P202 # الحكماء والسحرة ففعل أيضا عرافوا مصر بسحرهم كذلك (خر 7، 11) فلم تذكر ~~ما يلزم في العادة أن يجري من الكلام بين فرعون وبينهم ولا أقل من أمر ~~فرعون لهم بمقابلة موسى بسحرهم، وحثهم على إتقان السحر لكي تتم له ~~المقابلة، فإن مثل الساحر في هذا المقام يحتاج إلى الحث والترغيب في إتقان ~~عمله، لكي ينصح فيه، فإنه من الأعمال الخفية التي يجوز أن يقصر فيها، ويقول ~~هذا حد مقدوري.. # واعترض المتكلف أيضا على قوله تعالى في سورة طه 7: (فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى).. # فقال: لم يرد في كتاب الله أن موسى جزع وخاف من شعوذة السحر وهو يعرف ~~كذبها، هذا فضلا عن بسالته. # قلنا: (أولا) إن توراته لم تذكر في قصصها البتراء أن موسى ارتعد أو ارتعب ~~عندما كلمه الله في حوريب في عليقة النار (خر 3، 1 - 6) وفي جبل سينا (خر ~~19)، مع أن العهد الجديد يذكر أن موسى ارتعد في الكلام الأول (ا ع 7، 32). # وقال في الكلام الثاني: أنا مرتعب ومرتعد (عب 12، 21)، وأن ارتعاد موسى ~~وارتعابه في هذين المقامين أهم الأمور بالذكر في مثل التوراة، فماذا تقول ~~بكتاب يهمل مثل هذا ويشتغل بالسفاسف؟. # (وثانيا) إن القرآن لم يقل إن موسى جزع وخاف واضطرب وإنما قال: # (أوجس في نفسه خيفة) بتنكير خيفة - أي أحس بشئ من الخيفة - وهو كناية عن ~~قلة الخيفة وزوالها. # ولم يقل القرآن إن موسى ارتاع وخاف من هول السحر، بل إن موسى الرسول ~~الأمين الحريص على هدى الناس، وإجراء أحكام الله اختلج في نفسه شئ من خوف ~~أن يفتتن الناس بتمويه السحر فيستحكم الضلال وتقف معجزته عن تأثيرها ~~المطلوب. # ويدل على ذلك أن الله ms460 جل شأنه آمنه بقوله جل اسمه 71: (لا تخف ~~PageV02P203 # إنك أنت الأعلى) في برهانك ومعجزتك الحقيقية، فلا تخف الفتنة على الناس ~~فإن الله مسدد أمرك. # ولم تفتض الحكمة امتحان الناس 72 (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) مما ~~لا حقيقة له فينجلي الريب ويحق الله الحق ويمحق الباطل وتزول ظلمة الشك ~~ويسفر صبح اليقين ويعلي الله برهانك (إنما صنعوا كيد ساحر)، يعرف الناس أنه ~~زبرج وتمويه إذا أزال الله معثرته وأبطل صورته وأيد إعجاز آيته جل اسمه: ~~(ولا يفلح الساحر حيث أتى)، بل يرد الله كيده ويخذله في باطله. # واعتراض المتكلف أيضا على نقل القرآن لأيمان السحرة لما تحققوا معجزة ~~موسى. # فقال: لا يتصوران عبيد فرعون يؤمنون برب موسى، ويخالفون فرعون الملك ~~المطاع صاحب الدولة والشوكة الآمر الناهي، وموسى كان بلا جاه ولا قوة. # قلت (أولا): إن توراة المتكلف مع تفريطها في بيان الحقائق قد أشارت إلى ~~إيمان السحرة، إذ ذكرت أنهم قالوا لفرعون في معجزة البعوض: (هذا إصبع الله) ~~(خر 8، 19)، وهذا إيمان منهم بالله وتصديق بمعجزة رسوله. # (وثانيا) إن الإيمان المنبعث عن هدى وبصيرة لينهض بالمؤمن إلى نصرة الحق ~~بإظهاره فلا يصده خوف من ظالم ولا محاذرة من الشدائد والعطب ولا طمع في أكل ~~أموال الناس بالباطل.. فإن الذين أسلموا مع رسول الله عليه السلام وآمنوا ~~بدعوته لم يصدهم عن المجاهرة بإيمانهم خوف بلاء أو شدة أو عطب أو حب مال أو ~~ولد أو وطن أو عزة عشيرة، بل استقبلوا البلاء والشدائد وجبال الحديد ونيران ~~الحروب بمهجهم وأرخصوا في سبيل الله كل عزيز، كما هو معلوم بشهادة الأثر ~~المتواتر. # فلا تقس أيها المتكلف كل الناس على تلاميذ المسيح فيما تذكره عنهم ~~أناجيلكم من أنهم لم يواسوا المسيح في الشدة ولم يدافعوا عنه، بل هربوا ~~وتركوه PageV02P204 # وحده، وأنكره بطرس وصار يحلف ويلعن، مع أن المسيح حذرهم من ذلك إذ أخبرهم ~~به وبأنهم كلهم يشكون أو يعثرون به، انظر الجزء الأول صحيفة 62 و 63. # إذا انبجست دموع من عيون * تبين من ms461 بكى ممن تباكى والناس ألف منهم كواحد ~~* وواحد كالألف إن خطب عرى واعترض المتكلف على حكاية القرآن الكريم 121 ~~لتهديد فرعون للسحرة الذين آمنوا. # وهذا الاعتراض من الظرائف، فإن المتكلف يعترف بأن فرعون ملك مستبد يفعل ~~بقومه ما يشاء وهو صاحب السطوة والشوكة، إذا فما يمنعه من تهديد الذين فتوا ~~بإيمانهم في عضده وأبطلوا تدبيره وضعفوا سلطانه، أيقول المتكلف إن فرعون ~~أقوى إيمانا وأرأف قلبا أو أقل قدرة من (قيافا) رئيس الكهنة النبي يقول ~~إنجيلهم (يو 11، 49 - 52)، فلا يفعل فرعون بالسحرة مع نكايتهم في سياسته ~~ومملكته، كما فعله قيافا والكهنة بالمسيح على ما تزعمه الأناجيل، أم يقول ~~المتكلف: إن فرعون أبر من ذلك حتى أنه لا يصح على بره أن يتوعد السحرة ~~المؤمنين ولا يروعهم بالتهديد. # واعترض المتكلف على حكاية الله لقول فرعون بعد دعوة موسى وظهور معجزاته ~~وإيمان السحرة في تهديده لبني إسرائيل الذين قاسى من أجلهم هذا الاغتشاش في ~~مملكته، ولامه الملأ من قومه على الإبقاء عليهم وخوفوه عاقبة أمرهم، فقال ~~في سورة الأعراف 124: (سنقتل أبناءهم ونستحيي نسائهم وإنا فوقهم قاهرون). # فقال المتكلف: إن قتل الذكور واستحياء النساء كان قبل ولادة موسى. # قلت: لم يقل القرآن إن فرعون في هذه الواقعة قتل أبنائهم واستحيى نسائهم، ~~وإنما ذكر أن فرعون توعدهم بأنه سيفعل ذلك في المستقبل اغترارا بقوته ~~وسطوته، ولكن موسى هون على قومه وعيد فرعون ووعدهم بالنجاة والعافية ~~والرفاهية والفوز بعاقبة الصبر. PageV02P205 # فقد ذكر القرآن الكريم أنه 125 (قال موسى لقومه استعينوا بالله) على ~~فرعون وغيره ممن يبغيكم بالسوء (واصبروا) ولا يستخفكم الهلع أو يهولكم ~~الوعيد أو تحسبوا أنكم لا مأوى لكم من الأرض تستريحون به من ذلة العبودية ~~وتأمنون به من سلطان الجور (إن الأرض) كلها (لله) وبيده أمرها (يورثها من ~~يشاء من عباده) وهو قادر على أن يجعل لكم منها ميراثا تتبوؤنه بالأمن ~~والعزة، وأن ذلك بلغة الحياة الدنيا ونعيم زائل من ورائه الحساب ويوم الدين ~~(والعاقبة) المرضية إنما هي (للمتقين) لا لكل من ورث الأرض ms462 126 (قالوا ~~أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) قال موسى ما معناه: لا تيأسوا ~~من رحمة الله وفرجه ونصره (عسى ربكم أن يهلك عدوكم) أي كل من ينصب لهم ~~العداوة ويبتغي بهم السوء. # فلم يسم القرآن خصوص فرعون وقومه، بل العموم أنسب بالامتنان وأحسن في ~~البشارة خصوصا إذا كانوا موعودين بالخروج من مصر، (ويستخلفكم في الأرض) بعد ~~معاديكم، ولم يسم القرآن أرض مصر ولا غيرها، ولكن ينبغي أن يكون مراد موسى ~~غير أرض مصر، فإن ذلك هو المناسب لأمر الله، وهارون أن يرسل معهما بني ~~إسرائيل، كما في سورة طه 49. # وأمر موسى لفرعون بذلك كما جاء في سورة الأعراف 103، وقد حقق الله رجاءهم ~~وأنجز وعده وقال جل شأنه 133: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض) وهي التي في شرقي الأردن (ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك ~~على بني إسرائيل بما صبروا). # وبما ذكرناه تعرف شطط المتكلف في اعتراضه، (يه 2 ج ص 53 س 11 - 16). # وقال الله تعالى في ذكر البلايا التي عذب بها المصريين 100: (وأرسلنا ~~عليهم الطوفان)، والمراد به زيادة النيل وطغيانه فوق عادته بحيث أضر بزرعهم ~~وغرسهم ومساكنهم وعمارتهم. # ولم يقل القرآن إنه أرسل عليهم مثل طوفان نوح الذي أهلك جميع الناس ~~PageV02P206 # بالغرق إلا من نجي بالسفينة، ولكن المتكلف كأنه توهم هذا وحاول أن يموه ~~به اعتراضه حيث قال جازما. # إن الله لم يرسل على المصريين طوفانا فأغرقهم. # حتى كأنه لم يدر بما هو معلوم أن النيل إذا زاد ارتفاع مائه عن المعتاد ~~بكثير تسبب عنه الغرق. # وأن المقاييس التي في بلاد السودان تأتي منها الأنباء البرقية عند طغيان ~~النيل لكي تؤخذ الاحتياطات اللازمة في وقاية البلاد من غوائله، وأنه لم ~~يسمع من مشاهير المهندسين أن المخزن الذي أوجده الفراعنة في وادي الريان من ~~إقليم الفيوم إنما كان ليأخذ من ماء النيل عند الطغيان، ليخفف عاديته عن ~~البلاد. # وقال الله تعالى في سورة القصص 5: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم) أي ~~من بني إسرائيل (ما ms463 كانوا يحذرون) 7 (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين). # فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 102) وقال والحقيقة هي أن هامان كان ~~وزيرا للملك احشويروش. # قلت: وينبغي له في تكملة شططه في اعتراضه أن يقول: وإن وزير احشويروش هذا ~~وإن كان في الزمان الذي بعد سبي بابل، ولكنه قد أخذ امتيازا من الله بهذا ~~الاسم فلا يمكن أن يسمى غيره (هامان) من أول الدنيا إلى آخرها. # وبمثل هذا الشطط اعترض على القرآن الكريم في تسميته (مريم) أم المسيح ~~بابنة عمران وأخت هارون، فزعم بتوقد فهمه أو بحرية ضميره أن القرآن الكريم ~~أراد بذلك هارون أخا موسى وعمران أباهما، وكان ذلك لأجل أخذهما الامتياز ~~الذي ذكرناه، فوا أسفاه على التقوى والأدب.. نعم من لا يتحاشى من الاحتجاج ~~بالإنجيل على أن أبا مريم اسمه (هالى) فإنه لا يرى عليه حرجا فيما يقوله ~~(انظر يه 2 ج ص 35). # وقال الله تعالى في سورة يونس 90 (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ~~PageV02P207 # فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت إنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)، 91 (الآن وقد عصيت من ~~قبل وكنت من المفسدين)، 92 (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية). # وقال المتكلف (يه 2 ج ص 63) ما حاصله أن التوراة تعلمه أن فرعون لم يؤمن ~~برب موسى حتى في الساعة الأخيرة، ولا يتصور إيمان فرعون الذي صرف حياته في ~~الاستبداد والظلم، وأن الله لا يقبل مثل هذه التوبة الوقتية الناشئة من ~~الخوف. # ولم يرد خبر في التوراة عن غرق فرعون، وأيدت التواريخ أن فرعون موسى لم ~~يغرق لأنه لم يخرج مع جيشه. # قلنا: إن توراة المتكلف لما جاءت إلى سعي فرعون وراء بني إسرائيل غمغمت ~~أمر غرقه وأدمجت الحال ادماجا يخل بالمقام، فلم تحسن المواعظة ولا بيان ~~القصة، كما أهملت ذكر مكالماته مع موسى، كما قدمناه، وغاية ما صرحت به من ~~فعل فرعون أنه سعى وراء بني إسرائيل واقترب منهم بحيث يرونه وهم ms464 عند فم ~~الحيروث في المنزل الثالث من منازلهم، ومنه ارتحلوا وعبروا البحر. # وغاية الأمر أنها لم تتعرض لذكر توبة فرعون عندما أدركه الغرق، كما لم ~~تذكر عدمها، انظر رابع عشر الخروج فإنك ترى أن دعوى المتكلف في كلامه للعلم ~~إنما هي شهادة على العناد أو الجهل. # وهب أن توراته صرحت بعدم إيمان فرعون ساعة الغرق فقد عرفناك وستزاد معرفة ~~إن شاء الله أن التوراة الرائجة لم تبق لها الأيام بتلاعبها مجدا تعارض به ~~واحدا من التواريخ. # (وأما قول المتكلف لا يتصور إيمان فرعون، إلى آخره)، فإنا نعذر فيه ~~المتكلف في تصوره أن جد في إنكاره، ولكنا نسأل عن ذلك من لم تمنعه الموانع ~~عن تصور الممكن والممتنع، وما المانع العقلي أو العادي من إيمان فرعون وقد ~~PageV02P208 # تكررت عليه الحجج وصرحت له الآيات، وأن انشقاق البحر ليكشف الغطاء ويبصر ~~المرتاب، حتى لو قال له بعض الموسوسين الذين تقدمت الدنيا أو بأفكارهم وقال ~~له: إن شق البحر من حادثة المد والجزر، وإن التوراة الرائجة لتقول: إن ~~فرعون كان عندما يمسه العذاب يطلب من موسى وهارون أن يصليا إلى الرب إلههما ~~ليرفع عنه العذاب ويطلب منهما البركة حينما يعبد إلههما، ويعترف بأنه أخطأ ~~إلى الله إلههما، وأن الله هو البار وهو (أي فرعون) وشعبه هم الأشرار، انظر ~~(خر 8، 8 و 28، و 9، 27 و 28، و 10، 16، و 12، 31 و 32). # وهذا كله يعطي أن فرعون كان في الباطن مؤمنا بالله عارفا به، ولكن الذي ~~يمنعه عن إظهار ذلك بين العموم والانقياد لرسالة موسى إنما هو حب الملك ~~وكبرياء السلطنة وسلطة الاستبداد. # ويقول التوراة أيضا: إن الله جل اسمه شدد قلب فرعون وغلظه فلم يطلق بني ~~إسرائيل لكي يتمجد الله به. # والقرآن الكريم لا يعارض هذه المضامين فإنه لم يصرح بأن فرعون كان كافرا ~~مشركا في الظاهر والباطن في جميع أيامه إلى ساعة الغرق، بل يمكن أن يكون ~~نقل القرآن الكريم لقول فرعون: (لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) إنما ~~هو نقل لمجاهرة فرعون بما ms465 كان يكتمه من الإيمان والتوحيد بعد أن كان يحافظ ~~على سطوته ومملكته بالمكابرة والمجاهرة بالشرك، ولكنه لما رأى العذاب ~~والغرق أعلن وجاهر بالأيمان والتوحيد، أما ندما وتوبة، وأما رجاء للنجاة من ~~العذاب، والعود ولو إلى بعض ثروته، بل ولو إلى مجرد الحياة.. # وهب أنه كان كافرا في الظاهر والباطن ولكنه لا يبعد إيمانه بعد ما رأى ~~الآيات وحاق به العذاب فبصرته الشدة ورفعت عن بصيرته غشاوة غرور الملك ~~وأبهة السطوة وترف العيش، وإن كان المتكلف يستبعد أو لا يتصور من نحو ذلك ~~شيئا فليستبعد أو لا يتصور إيمان (بولس) رسوله فإنه يعترف بأنه كان مضطهدا ~~للمؤمنين بالمسيح ومجدفا - أي متكلما بكلام الكفر - ومفتريا (1 تي 1، 13)، ~~ويعاقب القديسين ويضطرهم إلى التجديف - أي كلام الكفر (1 ع 26، 11). ~~PageV02P209 # ويقول كتابهم: إنه لم يزل ينفث تهددا وقتلا على تلاميذ المسيح والمؤمنين ~~به، ويأخذ الرسائل ليسوق الرجال والنساء من المؤمنين من الطريق موثقين (1 ع ~~9، 1 و 2). # فيكف إذا يتصور المتكلف أن بولس آمن وبعث رسولا وأعطى سلطانا على ملاشاة ~~الشريعة والعيب لها؟. # (وأما قول المتكلف: إن الله لا يقبل هذه التوبة الوقتية الناشئة من ~~الخوف) فهو غفلة فاحشة. # فإن القرآن لم يقل إن الله تاب على فرعون وجعله رسولا وأعطاه سلطانا على ~~عمل الآيات ومحو الشريعة، بل قال الله تقريعا له وتوبيخا وتسفيها لرأيه ~~(الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين). # أفيرى ذو الرشد أن هذا قبول للتوبة، ولعل مفاد الآيات والله أعلم، فإن ~~كنت آمنت طمعا في النجاة فلا نجاة بل (اليوم ننجيك) لا بنفسك، بل (ببدنك) ~~المشوه بالموت المرعب ولا كرامة لك ولكن (لتكون لم خلفك آية) وعبرة وموعظة ~~تقوم بها الحجة. # وأما قول المتكلف لم يرد خبر في التوراة عن غرق فرعون، فهو من الجهل ~~بتوراته فإنها تقول عن قول الله جل اسمه واشدد قلب فرعون حتى يسعى ورائهم ~~فأتمجد بفرعون وبكل جيشه، فشد مركبته - أي فرعون - وأخذ قومه معه، وشدد ~~الله قلب فرعون ملك مصر حتى سعى وراء بني إسرائيل، ms466 فلما اقترب فرعون رفع ~~بنو إسرائيل عيونهم وإذا المصريون راحلون ورائهم، وها أنا اشدد قلوب ~~المصريين حتى يدخلوا ورائهم - أي وراء بني إسرائيل في البحر - فأتمجد ~~بفرعون وكل جيشه بمركباته وفرسانه فيعرف المصريون أني أنا الرب حين أتمجد ~~بفرعون ومركباته وفرسانه، انظر (خر 14، 4، 19)، فإذا كانت التوراة تخبر أن ~~فرعون شد مركبته، وأخذ قومه وسعى وراء بني إسرائيل واقترب منهم بعد ثلاث ~~مراحل، وتخبر أن الله أخبر بأن فرعون يسعى ورائهم. # ووعد جل شأنه بالوعد المكرر المؤكد بأنه يتمجد بفرعون، وكل جيشه ~~PageV02P210 # بمركباته وفرسانه. # وكتابهم يقول إن نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم لأنه ليس إنسانا ليندم (1 ~~صم 15، 29)، فلا بد أن يكون الله جلا جلاله تمجد بفرعون كما وعد وأكد. # ولم تقل التوراة هاهنا إن الله تعالى شأنه حزن وندم على فعل الشر بفرعون ~~كما قالته (تك 6، 6 و 7) ولم تقل إن فرعون رجع إلى مصر. # (وأما قول المتكلف: وأيدت التواريخ أن فرعون موسى لم يغرق لأنه لم يخرج ~~مع جيشه)، فما عسى أن أقول فيه؟ أأقول إنه لم يطلع مدة عمره على صراحة ما ~~ذكرناه من نقل التوراة أن فرعون شد مركبته وأخذ قومه معه وسعى وراء بني ~~إسرائيل واقترب منهم حتى أبصروه وهم في فم الحيروث في المنزل الذي عبروا ~~منه في البحر، أم أقول اطلع عليه ولكنه يتخيل أن المسلمين لا يدرون بما ~~ذكرناه عن توراته، وأن قومه يعذرونه في ذلك. أم أقول: إنه يشير بغمز خفي ~~إلى أن التاريخ هو المعتبر دون صراحة توراته، وأن عهدة الجزم بأحد هذه ~~الوجوه الثلاثة عائدة على معرفة المرسلين الأمريكان الذين طبع الكتاب ~~بمعرفتهم. # ثم إن المتكلف (يه 2 ج ص 63) والمتعرب (ذ) 41 و 42 قد اعترضا على قوله ~~تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك). # وقالا ما حاصله إن هذا الكلام يقتضي أن الله نجى فرعون من الغرق وهو ~~مناقض لقوله في سورة الإسراء 105 (فأغرقناه ومن معه جميعا)، وهنا قول ~~المفسرين بأن معنى ننجيك ببدنك ننقذك من قعر البحر. # قلنا: ms467 لا مساغ لمن يعرف مفردات الكلام ويفهم تراكيبه أن يفسر الآية ~~الكريمة بغير ما قاله المفسرون، فإنه مع تعليق النجاة بالبدن لا يحسن في ~~الكلام أن يراد منها نجاة النفس، ولو أراد ذلك واحد من الناس لعده أهل ~~اللسان من الغالطين. # ألا ترى أنه لو قال شخص أنجيت بدن فلان من البحر أو أنحيته ببدنه ~~PageV02P211 # من البحر لما فهمت منه إن كنت أهل اللسان أنه أنجاه حيا وأنجى نفسه من ~~الهلكة، بل إنما تفهم بواسطة التقييد بالبدن إن أنجى ذات بدنه المجرد عن ~~النفس من صدمات البحر وحيواناته. # وكذا قولك: أنجيت بدن زيد أو جثته من المعركة، أو أنجيته ببدنه أو بجثته ~~من المعركة. # وقال الله تعالى في سورة الأعراف في شأن بني إسرائيل 170: (وإذ نتقنا ~~الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون). # وقال جل شأنه في سورة النساء 153 (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم)، فنقل ~~المتكلف عن تفسير الخازن أن أصحاب الأخبار قالوا: إن بني إسرائيل لما أبوا ~~أن يقبلوا أحكام التوراة لما فيها من التكليف الشاقة أمر الله عز وجل ~~جبرائيل فرفع جبلا عظيما حتى صار على رؤ وسهم كالظلة، فلما نظروا إلى الجبل ~~فوق رؤسهم خروا ساجدين، فسجد كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر وجعل ينظر ~~بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا أن يسقط عليه ولذلك لا تسجد اليهود إلا على شق ~~وجوههم الأيسر، فقال المتكلف (يه 2 ج ص 16) فهذه الأقوال ليست فقط من ~~الأغلاط، بل هي من الخرافات القديمة اليهودية، أما كتاب الله فيعلمنا أنه ~~لما أنزل الله الشريعة على موسى بمرأى من بني إسرائيل رأوا الرعود والبروق ~~وصوت البوق والجبل يدخن ففزعوا وارتعدوا ووقعت هيبة الله وموسى في قلوبهم ~~(خر 20، 18) فانظر بين الكلام المعقول المقبول وبين الخرافات اليهودية. # قلت: إن كان اعتراض المتكلف لأجل أن ما ذكره الخازن غير موجود في توراته ~~فهو شطط، لأن توراة حلقيا أو غيره كما عرفت حالها وتزداد فيه معرفة ms468 إن شاء ~~الله لا تنهض بثقل خرافاتها في الإلهيات، والنبوات حتى تكون ميزانا ~~للحقائق. # وقد قدمنا لك أنها أهملت ذكر ارتعاد موسى وارتعابه، كما نص عليه ~~PageV02P212 # العهد الجديد (1 ع 7، 32 وعب 12، 21). # وأهملت كثيرا من مكالمات موسى وفرعون، وأهملت ذكر يوم القيامة وثوابه ~~وعقابه فلا تجد فيها من ذلك أثرا مما يذكره العهد الجديد والقرآن الكريم، ~~وأبدلته بالوعد بكثرة الحنطة والخمر والوعيد بالمرض والفقر وتسلط الأجانب ~~على الزوجة، لئن أهملت التوراة ما ذكره الخازن، فلقد أشارت المزامير إليه ~~وزيادة بإشارة واضحة حيث قالت: في تمجيد الله ما لفظه عند خروج بني إسرائيل ~~من مصر وبيت يعقوب من شعب أعجم كان يهوذا مقدسه وإسرائيل محل سلطانه، البحر ~~رآه فهرب، الأردن رجع إلى خلف، الجبال قفزت مثل الكباش والأكام مثل حملان ~~الغنم، مالك أيها البحر قد هربت وما لك أيها الأردن قد رجعت إلى خلف، وما ~~لكن أيتها الجبال قد قفزتن مثل الكباش وأيتها التلال مثل حملان الغنم (مز ~~114، 1 - 7). # وإن كان المتكلف يزعم أن هذا غير معقول وغير ممكن فهو كفر منه بما في ~~العهدين من بيان قدرة الله جلا جلاله، وما أظهره بقدرته من العجائب الخارقة ~~لعادة الطبيعة. # وذلك كتوقد العليقة بالنار وهي لا تحترق، وكمعجزة عصا موسى ويده والضربات ~~على أرض مصر وشق البحر الأحمر والأردن وظهور الماء من الصخرة ونزول النار ~~على جبل سينا وصعود دخانه وارتجافه بأجمعه جدا (خر 19، 18 ومز 68، 8). # ومثل أن عصا هارون في يوم واحد اخضرت وأفرخت فروخا وأزهرت زهرا وأنضجت ~~لوزا (عد 17، 7 و 8). # ومثل ما ذكرته الأناجيل من معجزات المسيح كشفائه المرضى والعمى والمقعدين ~~والمجانين وإحياء الموتى والمشي على الماء وإشباع الألوف من قليل الخبز، ~~وقد بقي أضعافه، وما ذكرته من تفتح القبور، وخروج كثير من الموتى فيها، ~~ودخولهم المدينة المقدسة، وظهورهم لكثيرين، (مت 27، 52 و 53)، ومثل ما نسبه ~~العهد الجديد من المعجزات إلى التلاميذ وبولس. PageV02P213 # وأنه ليقبح على الرجل أن يكون مثله كمثل النعامة إذا قيل لها طيري قالت ~~أنا بعير، ms469 وإذا قيل لها احملي قالت أنا طير. # فليس للرجل أن يظهر نفسه لبعض الأمور نصرانيا، ويكون في طواياه بالنسبة ~~إلى الإلهيات طبيعيا دارونيا، فيسر حسوا بارتعاء، بل إما أن يذعن بقدرة ~~الإله وحقيقة المعجزات، كما جاهرت به كتب العهدين، وإما أن يقف في صف شبلي ~~شميل تحت راية دارون. # ومن هذا الوباء أن جملة من أهل الكتاب ذهبوا إلى أن معجزة شق البحر ~~الأحمر لبني إسرائيل إنما هي من حادثة المد والجزر، وذلك لئلا تكون خارقة ~~لعادة الطبيعة، حتى أنهم رسموا في الخارطة خط عبور بني إسرائيل من البحر ~~على طرف خليج السويس بحيث يكون على طرف شواطيه التي ينحسر عنها الماء عند ~~الجزر عادة، حتى كأنهم لم يسمعوا من العهد القديم أنه انشق الماء ودخل بنو ~~إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم (خر ~~14، 21 و 22)، وتراكمت المياه وانتصبت المجاري كرابية وتجمدت اللجج في قلب ~~البحر (خر 15، 8)، وفلق اليم أمامهم، وعبروا في وسط البحر (نح 9، 11) والله ~~شق البحر بقوته (مز 74، 13) وشق المياه قدامهم ليصنع لنفسه اسما أبديا (اش ~~63، 12)، ولو كانت واقعة البحر من حادثة الجزر لكانت هذه الكلمات غلطا ~~وافتراء. # وقال الله تعالى في سورة البقر 57: (وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب ~~بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتي عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم) وفي سورة ~~الأعراف 160 (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر ~~فانبجست منه اثنتي عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم)، وقد ذكرت التوراة ~~الرائجة لذلك واقعتين ضرب فيهما موسى الحجر عن أمر الله فانفجرت منه ~~المياه. # (الواقعة الأولى) في رفيديم (خر 17، 5 و 6).. # (والواقعة الثانية) في برية صين (عد 20، 7 - 12). PageV02P214 # والقرآن الكريم لا يتعارض في أمثال هذا إلا لما كان له دخل في الامتنان ~~والموعظة أو الحجة، فلأجل ذلك لم يتعرض لمحل هذه الواقعة، إذ لا دخل له إلا ~~في بسيط التاريخ وهو بمعزل عن شريف أسلوب القرآن الكريم. # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص ms470 16 س 17 و 18) على نقل القرآن أن موسى (ضرب ~~الحجر فانفجرت منه المياه)، وقال: والصواب إن الصخرة انفجرت ماء. # قلت في توراة المتكلف: إن الله أمر موسى أن يأخذ عصاه التي ضرب بها النهر ~~فيضرب الصخرة فيخرج منها ماء ليشرب الشعب ففعل موسى هكذا (خر 17، 5 و 6) ~~وأيضا، ورفع موسى يده وضرب الصخرة بعصاه مرارا فخرجت مياه كثيرة (عد 20، 6 ~~- 12). # قل فماذا ترى في اعتراض المتكلف؟ أتقول إنه لم ير توراته مدة عمره؟ # أم تقول إن معنى اعتراضه وإن خبط باللفظ هو أن القرآن الكريم ذكر الحجر ~~والتوراة العربية قد سمته صخرة فهذا مبلغ اعتراض المتكلف، فنقول: إن اسم ~~الحجر المذكور في القرآن الكريم يشمل الصخر كما هو المعروف في اللغة ~~العربية وهو في الأصل العبراني (صور وسلع) وقد أعاد على (صور) ضمير المذكر ~~حيث قال (ممنو) - أي منه -، وأشار إلى (سلع) باسم الإشارة الذكر فقال (هزه) ~~- أي هذا -، ثم نقول: ماذا على القرآن الكريم إذا خالف توراة حلقيا، أو ~~غيره، أم تقول: إن المتكلف يغمز في اعتراضه إلى إنكار معجزة موسى بإخراجه ~~الماء من الحجر بواسطة ضربه له عن أمر الله، بل يقول: إن الصخرة انفجرت ماء ~~لمقتض طبيعي، فكلما ينقل من المعجزات المخالفة لاقتضاء الطبيعة فهو خرافة، ~~ولكنه تحاشا من قومه أن يوجه إنكاره إلى صراحة التوراة فكنى عن ذلك بإنكاره ~~على القرآن الكريم، أم تقول إنه كثيرا ما تكلم بمثل هذا وهو لا يدري ما ~~يقول. # واعترض المتكلف أيضا على قول القرآن الكريم (إن الحجر انفجرت منه اثتني ~~عشرة عينا)، ومنشأ اعتراضه هو أن توراته التي عرفت حالها لم تذكر هذا ~~العدد. PageV02P215 # قلت: لئن أساءت التراجم للعهد القديم ترجمتها في هذا المقام، فإن الأصل ~~العبراني يشير إلى ما يذكره القرآن الكريم من تعدد الينابيع، وإن لم ينص ~~العهد القديم على عددها كعادته في إهمال ذكر المهمات وإطنابه بالفضول وهاك ~~نص كلماته: # ويصاو ممنو ميم، فتخرج (بضمير الجمع) منه مياه (خر 17، 6)، ودبريتم ال ~~هسلع لعينيهم وناتن ميما ms471 يو وهو صائيتا لهم ميم، وكلما الحجر لعيونهم ويعطي ~~مياهه فتخرج لهم مياها، ويصأو ميم ربيم، فخرجت (بضمير الجمع) مياه كثيرة ~~(عد 20، 8 و 11). # وفي المزامير في ذكر النعم والمعجزات التي صنعها الله مع بني إسرائيل بعد ~~خروجهم من مصر يبقع صوريم بمدءبار ويشقى كتهموت رباه، يشق أحجارا في البرية ~~ويسقى كلجج كثيرة، ويوصانو زليم مسلع ويورد كنهروت ميم، أخرج مجار من حجر ~~وأجرى كأنهار مياها، هن هكاه صور وياز وبو ميم ونحليم، هو ذا ضرب الحجر، ~~وفاضت المياه والأودية (مز 78، 15 - 21). # وهذه الكلمات متعاضدة على الصراحة بتعدد المنابع والعيون من الحجر، ولكن ~~التوراة والعهد القديم يهملان النص على العدد حيث يلزم في الامتنان وبيان ~~القدرة وعظيم النعمة، وينصان على العدد حيث لا يلزم النص بل يقعان فيه ~~بعثرات الغلط التي لا تقال، كما ذكرناه قريبا في عدد الملائكة الذين جاؤوا ~~إلى إبراهيم ثم توجهوا إلى سدوم وجاؤوا إلى لوط، وكما ذكره إظهار الحق في ~~شواهد المقصد الأول والثاني من الباب الثاني فوقع المتكلف به في حيص وبيص ~~ولعل ما يجري له ذكر إن شاء الله. # ومن أوهام المتكلف أو تنبيهاته على مواقع الاعتراض على التوراة الرائجة ~~هو أنه افتخر هاهنا بضبطها وإتقانها لمنازل بني إسرائيل في خروجهم من مصر، ~~فلا أدري أنه هل يجهل خبطها في هذا الشأن، أو يدري أو يريد أن ينبه عليه، ~~وهل ذلك لأجل تعلق قلبه بغير النصرانية، أو لكي يجعل لها أسوة بإنجيله في ~~الخبط بالأمكنة، كما ذكرناه في الجزء الأول صحيفة (253 - 257). PageV02P216 # واسمع إذا خبط التوراة الرائجة في مراحل بني إسرائيل ومنازلهم فإنها ~~تقول: إن بني إسرائيل ارتحلوا من أبت ونزلوا في عي العباريم، من هناك ~~ارتحلوا ونزلوا في وادي زارد من هناك ارتحلوا ونزلوا في عبرارنون، ومن هناك ~~إلى بأره - أو بئر -، ومن البرية إلى متاناه، ومن متاناه إلى نحليئل ومن ~~نحليئل إلى باموت ومن باموت إلى الجواء. # وأرسل إسرائيل رسلا إلى سيحون ملك الأموريين (عد 21، 11 - 22)، ثم قالت: ~~إنهم ارتحلوا من ms472 أبت ونزلوا في عي العباريم (أي خربات العباريم) وارتحلوا ~~من الخربات ونزلوا في ديبن جاد ومنها في علمون دبلاتايمه ومنها في جبال ~~عباريم ومنها في عربات مواب على أردن أريحا (عد 33، 44 - 50)، فانظر هذا ~~الاختلاف وضمه إلى ما ذكرناه في الصدر والتمهيد عن عاشر التثنية (6 و 7) ~~وليفتخر المتكلف بإتقان توراته. # وقال الله تعالى في سورة الأعراف 146 (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا)، وفي سورة طه ~~90 (فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقال هذا إلهكم وإله ~~موسى فنسى 91) (أفلا يرون س لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ~~96 قال ما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول فنبذتها). # فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 55) بأن كون العجل له خوار هو من ~~خرافات اليهود القديمة، وأن الله جل اسمه لا يساعد على الاشراك به وأنه لم ~~يكن في عصر موسى شئ يقال له سامره ولا سامري فهو من التخيلات البعيدة ~~المستحيلة، كما يدل عليه تاريخ بني إسرائيل بل تواريخ العالم قاطبة، وأنه ~~ليس لجبرائيل فرس حتى يقول: إن السامري ألقى في فم العجل من تراب أثر فرس ~~جبرائيل. # قلت أولا: لم يقل القرآن الكريم إن العجل كان يخور هو بخوار حيواني غير ~~منبعث عن وضع صناعي أو روح كهربائي، بل قال (له خوار) - أي يسمع منه صوت ~~كصوت البقر - والفرق بين العبارتين لا يخفى على من له PageV02P217 # معرفة باللسان، وهذا من الممكنات الواقعة في الصناعة كثيرا حيث يقدر نفوذ ~~الهواء وضغطه وتقطيعه على وضع خاص فينشأ منه صوت ذو كيفية خاصة مع ترجيع أو ~~اشتمال على ما يشبه الحروف. # ومن المشاهد الشايع أن صنفا من الساعات المجلسية يحدث منها عند تحرك ~~آلاتها صوت كصوت الفاختة أو العصفور أو الديك أو ما يشبه لفظة (يا كريم)، ~~فيجوز أن تكون صنعة العجل ms473 الذهبي كانت على وضع يقتضي نفوذ الريح في منافذه ~~أن يحدث منه صوت كالخوار، بل يجوز أن يكون ذلك من روح كهربائي يؤثر بالهواء ~~النافذ إلى جوف العجل الذهب هذا الأثر فيجوز أن تكون القبضة التي قبضها ~~السامري من أثر الرسول هو شئ بصر به دون بني إسرائيل في قعر البحر إذ عبروا ~~فيه فوجده يؤثر بكهربائيته أثرا غريبا فأعمله في واقعة العجل. # وأن من المعروف أن في البحر سمكة إذا مس الإنسان ولو خيط الشبكة التي تقع ~~فيها حدثت فيه بكهربائيتها رعدة مزعجة جدا، فهذا أمر لا بعد فيه أصلا، وعلى ~~كل حال لم يكن الخوار في العجل الذهبي إنشاء خلق من الله فيه بنحو خرق ~~العادة لا من أمر طبيعي صناعي أو كيماوي أو كهربائي، فليس هو كأحوال عصا ~~موسى حتى يتشبث به المتكلف لقوله (إن الله لا يساعد على الاشراك به)، نعم ~~إن ابتلاء الله لبني إسرائيل في واقعة العجل والخوار إنما كان من نحو ~~الخذلان لهم لأجل عتوهم بأن لم يصرف بقدرته المضل عن كيده، ولا الطبيعيات ~~الصناعية والكهربائية عن اقتضائها الذي أودعه بقدرته في نوعها كما لم يصرف ~~عملة الأوثان عن صنعهم لها وتركيب صورتها بالصناعة وحصول صورتها بالتركيب. # وليت شعري إذا كان المتكلف يعترض في مثل هذا فما يقول في خلق الله لإبليس ~~رأس الضلال والمشمر في الدعوة إلى الاشراك. # وإنجيلهم يقول: إنه أعطى من القوة ما يقدر به على أن يتصرف بالمسيح، الذي ~~يزعمون أنه الإله المتجسد، وأقنوم الابن الذي حل عليه أقنوم الروح القدس ~~حتى صار ينقله من مكان إلى مكان ويدعوه إلى السجود له. PageV02P218 # وإن كان المتكلف اعتراض فليعترض على توراته في قولها إن عصى السحرة ~~والعرافين لما ألقوها في مقابلة موسى صارت ثعابين (خر 7، 12) وهذا لا يكون ~~من السحر الذي هو تمويه باطل، فلا تكون ثعابين إلا بقدرة الله تعالى ~~ومشيئته وخلقه.. # وفي قولها أيضا عن كلام الله جل شأنه في فرعون، ولكني اشدد قلبه حتى لا ~~يطاق الشعب (خر ms474 4، 21)، فإني أغلظت قلبه وقلوب عبيده لكي اصنع آياتي بينهم ~~(خر 10، 2). # وأيضا فإن مقتضى التوراة الرائجة أنه حينما كان هارون يصنع العجل ليكون ~~إلها يعبده بنو إسرائيل، وبنى مذبحا أمامه ونادى لعبادته، في ذلك الوقت كان ~~الله جل جلاله يكلم موسى في تقديس هارون للكهنوت وتمجيده بامتيازات الرياسة ~~الكبرى، واستعداد تتويجه لتنفذ طاعته بكلام طويل (خر 28 و 29)، فهل ترى ~~مساعدة على الاشراك أكثر من هذا. # وفي رابع عشر حزقيال عن قول الله جل جلاله 7 لأن كل إنسان من بيت إسرائيل ~~أو من الغرباء المتغربين في إسرائيل إذا ارتد عني وأصعد أصنامه إلى قلبه ~~ووضع معثرة إثمه تلقاء وجهه، ثم جاء إلى النبي ليسأله عني فأنا الرب أجيبه ~~بنفسي 8 واجعل وجهي ضد ذلك الإنسان 9، وإذا ضل النبي وتكلم بكلام فأنا الرب ~~قد أضللت ذلك النبي وأمد يدي عليه وأبيده من وسط شعبي إسرائيل 10 ويحملون ~~إثمهم كإثم السائل يكون إثم النبي 11 لكي لا يعود يضل عني بيت إسرائيل. # أفلا ترى صراحة هذا الكلام بأن الله جل شأنه هو الذي أضل ذلك النبي الذي ~~ضل وواتى بكلامه في عبادة الأصنام والارتداد عن الله، إذا فكيف تكون ~~المساعدة على الاشراك، تعالى الله عما يقولون. # وثانيا: أنا قد قدمنا في الجزء الأول صحيفة 135 - 136 أن التسمية ~~بالسامري في العربية والشموني في العبرانية غير منحصرة في النسبة إلى سمرون ~~أو شمرون، وهي البلدة التي بناها عمري ملك إسرائيل فتسمت بها تلك ~~PageV02P219 # المملكة، بل يسمى بذلك أيضا من ينسب إلى سمرون أو شمرون بن يساكر بن ~~يعقوب فراجع تعرف مبلغ جهل المتكلف والمتعرب. # وثالثا: إنما قال القرآن الكريم (من أثر الرسول) إن الذي قال من أثر حافر ~~فرس الرسول إنما هي الروايات. # فينبغي للمتكلف في ناموس الأمانة أن يوجه اعتراضه إليها أو يقيم الحجة ~~على أنها تفيد العلم بأن مضمونها هو مراد القرآن الكريم، على أنا نقول إن ~~من المعلوم من قوانين الملة اليهودية والملة النصرانية هو أن الملائكة وإن ~~كانوا أرواحا ms475 إلا أنهم يتشكلون بأشكال الجسمانيات، ولا يضر في اتفاقهم خروج ~~الصدوقين من اليهود ومن علق به وباء القول بالطبيعة من الفريقين. # وأن هذا الاعتراض سواء كان على الروايات أو على القرآن الكريم ليقبح كل ~~القبح من النصراني الذي يدعي أن كتب العهدين كتب سماوية، فإن توراته ~~وإنجيله ناطقان بوقوع أمثال ذلك من الملائكة بل والروح القدس الذي هو ~~بزعمهم أحد أقانيم الإله، تعالى الله عن ذلك، وأن كتبه لتقول في نقلها عن ~~المشاهدة في اليقظة والعيان لا عن الرؤيا في المنام أن موسى وهارون وناداب ~~وابيهو وسبعين من شيوخ إسرائيل صعدوا إلى الجبل ورأوا إله بني إسرائيل وتحت ~~رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة وأكلوا ~~وشربوا (خر 24، 10 و 11). # وأن الروح القدس أحد الأقانيم الثلاثة بزعمهم نزل على المسيح بهيئة جسمية ~~مثل حمامة (لو 3، 22). # وأن الملائكة جاؤوا إلى إبراهيم ولوط بشكل رجال وأكلوا من ضيافتهما فانظر ~~(تك 18، 1 - 9، و 19، 1 - 11). # وأن ملاك الرب قد مد طرف العكازة التي بيده (قض 6، 21)، وأن للجند ~~السماوي خيلا من نار ومركبات من نار (2 مل 2، 11 و 6، 11)،. # فإذا كان هذا كله فإذ يمنع من أن تكون لجبرائيل فرس تناسب عالمه، ~~PageV02P220 # وأنها تحدث في الأرضيات من أثرها روحا كهربائيا. # فلا مساغ في الأدب والدين للمتكلف أن يسمي نفسه نصرانيا يسلم بكتب ~~العهدين وهو يعترض على القرآن الكريم بنحو هذا الاعتراض. # نعم إذا جاهر بمكنونه وقال: إن نواميس الطبيعة، وقوانين دارون تأبى هذا ~~كله، وتعده من خرافات اليهود والنصارى والمسلمين، فإن لنا معه موقفا آخر. # وقال الله تعالى في سورة الأعراف في شأن موسى لما عبد قومه العجل 149: ~~(وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه - 153 ولما سكت عن موسى الغضب أخذ ~~الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون). # فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 56 و 57 بثلاثة اعتراضات: # 1 - إن القرآن الكريم ذكر الألواح بصيغة الجمع الدالة على أنهما أكثر من ~~اثنين، وإن توراته تذكر ms476 أنهما لوحان. # 2 - إن القرآن يدل على أن موسى لم يكسر الألواح، بل إنه لما سكت عنه ~~الغضب أخذها بعينها وهي صحيحة، وتوراته تقول إن موسى كسر اللوحين ثم بعد ~~مدة أعطاه الله لوحين آخرين. # 3 - إن موسى لم يجر أخاه من رأسه كما يفعل السفهاء. # قلت: أما عدد الألواح فقد اختلفت فيه التوراة الرائجة، ففي بعض المقامات ~~صرحت بأنهما لوحان اثنان حيث صرح الأصل العبراني بقوله: (شنى لو حت)، وفي ~~بعض المقامات قال: (لو حت) (خر 24، 12)، وهذه في اللغة العبرانية كلمة جمع ~~لا تخرج إلى التثنية إلا بالتقييد بلفظة (شنى) - أي اثنين -. # فالقرآن الكريم بوحيه الإلهي الصادق أبان لنا أن التوراة الرائجة أصابت ~~في قولها (لوحت)، ولكنها بعد ذلك حولها قلم كذب الكتبة، كما قال أرميا ~~PageV02P221 # إلى (شنى لوحت)، كما شوه صورتها بالتناقض والتقلب والغلط في عدد الملائكة ~~الذين جاؤوا إلى إبراهيم، ثم توجهوا إلى سدوم، وجاؤوا إلى لوط حيث ذكرت ~~أنهم ثلاثة، ثم قالت: إنهم اثنان ثم جعلتهما واحدا (انظر تك 18 - 19، 23). # ثم اعلم أن القرآن الكريم بوحيه الإلهي الصادق ومعارفه الحقة لينزه ~~أنبياء الله ورسله الكرام عن السفاهة والهتك لحرمات الله والاستخفاف ~~بأماناته وعهوده والنكول بالغضب والتهور عن وظائف النبوة، فلا يصح في ~~التعاليم الحقة أن يكون موسى رسول الله وكليمه يفعل مثل ذلك، أتقول إن موسى ~~رسول لله يعطيه الله لوحي العهد المكتوبين بإصبع الله ويأمره بأن يصنع لهما ~~صندوقا مصفحا بالذهب ليضعهما فيه ويضعه في أشرف الأماكن المقدسة وبهذه ~~العناية يكونان كواسطة العقد لنبوة موسى ولواء الديانة لبني إسرائيل وأعز ~~ودائع النبوة وأشد شعائر الله حرمة، ومع ذلك كله يلقيهما موسى من يده ~~ويكسرهما عند الغضب، مع أنه لا يجدي كسرهما شيئا لا في العقوبة ولا في ~~العتاب ولا في الحث على التوبة إلا العبث والحماقة والاستخفاف بعهد الله ~~وأمره والخيانة لأمانته والهتك لحرمته، قل إذا فماذا يتوقى النبي عند غضبه؟ ~~وأي حرمة لله يحتشم هتكها؟ حاشا لله ورسوله موسى، الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته. ms477 # ومن العجب أن المتكلف يستر هذا بذيل أمانته ويعترض على قول القرآن الكريم ~~إن موسى أخذ برأس أخيه يجره ويقول: إن هذا من فعل السفهاء، وقد بينا لك في ~~الجزء الأول صحيفة 128 ما يمكن أن يكون وجها له، ولكنا نقول هاهنا إن وجهه ~~ما هو المعروف من ملاومة الأرحام وتشاكيهم عند النوائب العظيمة، فيكون جر ~~موسى لرأس أخيه المعاضد له في مهماته ونوائبه من باب الشكاية والتلهف كما ~~يجر رأس نفسه ويضرب وجهه، وإذا كان هذا من فعل السفهاء فكسر الألواح من فعل ~~من يكون؟. # * * * وقال الله تعالى في سورة البقرة 247: (ألم تر إلى الملأ من بني ~~إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ~~قال هل PageV02P222 # عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا أن لا نقاتل في ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا ~~قليلا منهم والله عليم بالظالمين 248 وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث طالوت ~~ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من ~~المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ~~ملكه من يشاء والله واسع عليم). # والمتكلف (يه 2 ج ص 26) قد اعترض على قوله تعالى من بعد موسى فقال الصواب ~~من بعد القضاة. # قلت: إن القرآن الكريم لم يكن من مقصوده بيان التاريخ السنوي وتشخيص ~~الزمان، بل إن الذي يدخل في مقصوده هو الظرف الذي بينه، لأن المقصود هو ~~الموعظة والتوبيخ لبني إسرائيل على ملازمتهم في أجيالهم للتلون والتقلب ~~ببيان أنهم كانوا مع موسى رسول الله المظفر المنصور بالمعجزات والسيف، وقد ~~شاهدوا منه آيات النصر وخرجوا ببركته من الذل إلى العزة، ومن الضعف إلى ~~الشوكة ومع ذلك كانوا يتمردون على أوامره وينكصون عن دعوته حتى بدلوا دينه ~~وتقلبوا في طغيانهم فأبدلهم الله بالعز ذلا وبالأمن خوفا، فجاء هؤلاء وهم ~~أبناء أولئك القوم وعلى وتيرتهم يطلبون ms478 ملكا يقاتلون معه في سبيل الله مع ~~أن القول أبناء القوم في التقلب والتمرد، ولذا حذرهم نبيهم من أن يكونوا ~~كآبائهم إذ كتب عليهم القتال فلم يقاتلوا.. ولكن المتكلف لا يدعه فهمه ~~وسجيته إلا أن يقول: # فقول القرآن إن بني إسرائيل طلبوا من نبيهم بعد موسى - أي بعد وفاته - هو ~~غلط والصواب أنه من بعد صموئيل آخر قضاة بني إسرائيل. # لكي يقال له: # أولا: إن القرآن قال: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى) ولم ~~يقل قالوا من بعد موسى، فإن أردت أن تتلاعب بالتراكيب حسب فهمك وأغراضك ~~فاقصد بذلك كتابك لتكون كواحد من قومك، وأما PageV02P223 # القرآن الكريم فإنه مرصود بالعناية الإلهية، وينتهرك في تبديلك ألوف ~~عديدة من حفاظ أطفال المسلمين. # ثانيا: إن كتابك يقول: إن الذي طلب منه بنو إسرائيل أن يجعل لهم ملكا هو ~~نفس صموئيل، وإن طالوت (شاول) ملك في حياة صموئيل انظر (1 صم 10 - 25، 1)، ~~وتواريخكم تقول: إن مدة ملكه في حياة صموئيل كانت خمسا وثلاثين سنة ولم ~~يلبث بعد موت صموئيل إلا نحو أربع سنين مع ملك متضعضع، وافتراق داود وجملة ~~من بني إسرائيل عنه. # فكيف تقول (والصواب أنه من بعد صموئيل آخر قضاة بني إسرائيل) فأفق ثم ~~تكلم في مثل هذه المقامات بعد أن تعرف ما في كتابك أقلا. # واعترض أيضا على حكاية القرآن الكريم لقول بني إسرائيل: (أخرجنا من ~~ديارنا وأبنائنا) فقال إنه لم يكن أحد سبي بني إسرائيل، ولا أخرجهم من ~~ديارهم، بل إنهم طلبوا الملك ليقضي لهم ويحارب حروبهم ويخرج أمامهم. # قلت: إن العهد القديم مع تفريطه في الحقائق التاريخية، ليكذب المتكلف في ~~دعواه. # أفلم ينظر مدة عمره في سفر القضاة ليرى تسلط الأمم على بني إسرائيل من ~~بعد يوشع، وأن الله غضب عليهم فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم وباعهم بيد ~~أعدائهم حولهم (قض 2، 14)، وباعهم بيد كوشان ملك آرام النهرين وضرب ملك ~~عمون بني إسرائيل وملك مدينة النخل (3، 8 و 13)، وباعهم الرب بيد يابين ملك ~~كنعان (4، 2)، ودفعهم ليد مديان ms479 حتى أنهم عملوا لأنفسهم الكهوف والمغائر ~~بسبب تسلط المديانيين، وإذا زرعوا تنهبه الأمم ولا يتركون لهم قوتا ولا ~~بقرا ولا غنما ولا حميرا (6، 2 - 6) وأن الله دفعهم ليد الفلسطينيين أربعين ~~سنة (13، 1) فلم يزل بنو إسرائيل عرضة لاضطهاد الملوك تعمهم النوائب أو ~~تتناوب على قبائلهم. # أفلا يكفي المتكلف هذه الأحوال في صدق قولهم أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، ~~وهل قال القرآن الكريم إنهم قالوا سبينا بأجمعنا إلى آشور أو إلى بابل. ~~PageV02P224 # واعترض أيضا على تسمية القرآن الكريم لهذا الملك (طالوت) فقال وصوابه ~~شاول. # قلت: سماه القرآن الكريم بوصفه الذي امتاز به عن جميع بني إسرائيل وهو ~~طول القامة وبسطة الجسم. # والعهد القديم يقول: إنه وقف بين الشعب، فكان أطول من كل الشعب من كتفه ~~فما فوق، وأنه ليس مثله في جميع الشعب (1 صم 10، 23 و 24)، فسماه القرآن ~~طالوت تنويها بامتيازه، كما يقال كهنوت وجبروت وملكوت. # واعترض أيضا على قول القرآن الكريم (قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن ~~أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال). # قلت: إن الذي جاء إلى صموئيل لينصب لهم ملكا لا بد أن يكونوا رؤساء بني ~~إسرائيل وشيوخهم، كما ذكر 1 (صم 8، 4 - 6). # وبحكم العادة والاعتبار بأحوال البشر وخصوص بني إسرائيل في مثل هذه ~~الواقعة أن يكون كل واحد من هؤلاء الرؤساء يرجو أن يكون هو الملك ويجد في ~~نفسه أنه هو الأولى بذلك لرياسته وكبر سنه، والعادة المطردة تقتضي أن ~~الشيوخ والزعماء وأهل الثروة لا يذعنون إذا وقع الاختيار على من هو دونهم ~~في السن والشرف والرياسة والثروة، بل لا بد أن يقولوا إن الاختيار الذي هو ~~لصلاح المملكة ينبغي أن يقع على ذي شرف ورياسة تنقاد له النفوس، وذي ثروة ~~تعينه على مهمات الملك، وذي سن قد بصرته التجارب وممارسة حوادث الأيام، وذي ~~قبيلة عظيمة تفي بمنعته. # فلا بد بحكم العادة للشيوخ الذين طلبوا الملك أن ينكروا تملك شاول دونهم ~~مع أنه شاب من أصغر العشائر في أسباط بنيامين، وكتاب المتكلف يقول: إن ~~قبيلة ms480 بنيامين قد قاربت أن تنقرض في أيام القضاة (فض 20 و 21) ويقول: إن ~~بني بلعيال (1) قالوا في حق شاول كيف يخلصنا هذا # PageV02P225 # واحتقروه فلم يقدموا له هدية (1 صم 10، 27)، ومعنى قولهم هذا هو معنى ما ~~حكاه القرآن من قولهم. # ومن المعلوم أن الذي يقدم هدية للملك إنما هم الأشراف والرؤساء الذين ~~يدبرون أمر العامة في طلب الملك وتبريكه. # وأما هتاف الشعب بقولهم ليحيي الملك (1 صم 10، 24) فيجوز أن يكون بعد ~~اعتراض الملأ والرؤساء على تمليك طالوت، وبعد أن غلبتهم آراء الجمهور ~~انقيادا لصموئيل فتم القرار على تمليكه، ويجوز أن يكون من عامة الشعب ما ~~عدا الرؤساء.. # فالعهد القديم على ما به من الخلل لا يعارض القرآن الكريم في هذا المقام، ~~كما توهمه المتكلف، بل هو مع انحلال نظامه يحاول المعنى الذي ذكره القرآن ~~الكريم ولكنه لم يحسن بيانه. # وقال تعالى في سورة البقرة في تتمة المقام المتقدم 249: (وقال لهم نبيهم ~~إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى ~~وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين). # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 28) على قول القرآن: إن التابوت تحمله ~~الملائكة، فقال: لم يرد في كتاب الله أن الملائكة حملت التابوت وأدخلته إلى ~~بيت شاول علامة على الملك. # قلت: وقد ذكرنا لك في التصدير حال العهد القديم على وجه لا يبقى لذي اللب ~~أدنى ركون إليه، فكيف بالاعتراض به على القرآن الكريم، ولماذا لا يقال إن ~~كلمة (تحمله الملائكة) قد سقطت منه كالكلمات التي تذكر الحواشي أنها تقرأ ~~وهي غير مكتوبة في المتن وجرت التراجم على تنبيه الحواشي.. وأيضا إن العهد ~~القديم يذكر أن الفلسطينيين لما ردوا التابوت من عندهم إلى بني إسرائيل ~~(فعلوا فعلا لا يمضي معه التابوت إلى بني إسرائيل إلا بنحو خارق العادة ~~يذعنون بأنه من آيات الله، كما أشار عليهم بذلك كهنتهم وعرافوهم (1 صم 6، 6 ~~- 10)، وذلك أنهم وضعوه على عجلة ربطوا بها بقرتين مرضعتين PageV02P226 # لم يعلهما ms481 نير وارجعوا عنهما ولديهما، فاستقامت البقرتان في الطريق إلى ~~طريق بيتشمس، وكانتا تسيران في سكة واحدة وتجأران ولم تميلا يمينا ولا ~~شمالا وأقطاب الفلسطينيين يسيرون وراءهما إلى تخم بيتشمس حتى أتت العجلة ~~تسير بها البقرتان على هذا الحال إلى حقل يهوشع البتشمسي ووقفت هناك فأنزل ~~اللاويون تابوت الرب (1 صم 6، 7 - 16) ومن المعلوم في العادة أن مثل هاتين ~~البقرتين لا ينبغي أن يتحركا خطوة واحدة ولو كان لهما عدة من السائقين ~~والقائدين لأجل أنهما لم تعلما على وضع نير على أعناقهما وعلى جر الثقيل ~~خلفهما، بل يلزمهما في العادة في كل آن تشمصا وترجعا إلى ولديهما الذين ~~ارجعا عنهما. # فكيف تسيران عدة أميال على الاستقامة في الطريق إلى حقل يهوشع بلا قائد ~~ولا دليل. # وهل هذا التسخير إلا من الآيات وخوارق العادة وتصرف الملائكة، فهو راجع ~~في الحقيقة إلى قول القرآن الكريم تحمله الملائكة، ولم يقل القرآن إن ~~الملائكة حملت التابوت وأدخلته بيت شاول، بل إنما قال ذلك المتكلف من تحريك ~~ذلك الروح الذي أخبر عنه ميخا (1 مل 22، 22)، وإنما قال القرآن لبني ~~إسرائيل (يأتيكم التابوت) فيكون صدق النبي بمجئ التابوت من حيث لا يحتسبون ~~على نحو معجز هواية ودليلا على صدقه بقوله إن الله جعل طالوت ملكا، والعهد ~~القديم يخبر بمجئ التابوت إلى هذا الوجه بنحو لا يكون إلا من تصرف الأرواح ~~السماوية وهم الملائكة. # واعترض المتكلف أيضا على قوله تعالى في وصف (التابوت فيه سكينة) فقال: ~~وصوابه شخينا وهي كلمة عبرية معناها الروح، أو مأخوذ من شاخونة ومعنى سكن، ~~وقد سبقه المتعرب إلى هذا الاعتراض (ذ) ص 86. # قلت: السكينة مأخوذة من السكون بمعنى الطمأنينة - أي روح تقتضي سكون بني ~~إسرائيل وطمأنينتهم بها -، وكنى عنها في الأحاديث بالريح باعتبار سريان ~~روحها وبركتها إلى بني إسرائيل، كما تروح الريح الطيبة، وتنعش بسريانها، ~~ووصفت مجازا بأن لها وجها كوجه إنسان باعتبار أن روحانيتها PageV02P227 # وبركتها لها وجهة واحدة تراعى بها بني إسرائيل دون غيرهم من محاربيهم ~~الذين يقذفهم إدبارها عنهم بالرعب والوبال. ms482 # وأما دعوى المتكلف والمتعرب بأن السكينة في القرآن مأخوذة من شخينا ~~وشاخونة فمنشأها أمور: # 1 - تحاملهما على القرآن كلام الله. # 2 - جهلهما أو تغافلهما عن وجود مادة سكن ويسكن وسكون في اللغة العربية. # 3 - بخلهما على اللفظة العربية أن توافق العبرية بالنون التي في سكينة ~~وشخينا. # 4 - بخلهما بأن يعرب القرآن لفظ شخينا بلفظ سكينة. # 5 - بخلهما بأن يذكر القرآن أمور بني إسرائيل بألفاظ عربية أو معربة. # 6 - عدم مبالاتهما بما يقولون فوا أسفاه على الأدب وحرية الضمير. # واعترض المتكلف أيضا على القرآن الكريم في قوله في التابوت إنه: (فيه ~~بقية مما ترك آل موسى وآل هارون)، فقال: والحقيقة إنه لم يكن فيه سوى لوحي ~~العهد. # قلت: إن توراة حلقيا أو غيره، والتي عرفت حالها من التصدير وغيره وإن لم ~~تنص على ما وضع في التابوت الأعلى لوحي العهد، ولكن العهد الجديد كتاب ~~المتكلف مما ينبه على خللها في هذا المقام، وأنها أهملت ما هو لازم الذكر، ~~فإنه يقول وتابوت العهد مصفحا من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط (أي كوز، أو ~~حقة) من ذهب فيه المن وعصا هارون التي أفرخت ولوحا العهد (عب 9، 4). # فالعهد الجديد يقول أيضا: إن التابوت فيه بقية مما ترك آل موسى وآل ~~هارون، بل إن التوراة الرائجة ربما يظهر منها هذا وإن لم تنص على وضع المن ~~والعصا في التابوت، بل ذكرت أن موسى أمر هارون بأن يجعلهما أمام الشهادة ~~PageV02P228 # للحفظ في أجيال بني إسرائيل (خر 16، 32 - 35 وعد 17، 10)، ولكن المتكلف ~~تبعثه بواعثه على الاعتراض على القرآن كلام الله وهو لا يدري بما في كتبه ~~أو يستره بذيل أمانته. # واعترض المتكلف أيضا على قول القرآن الكريم (إذ قالوا لنبي لهم وقال لهم ~~نبيهم...)، فقال: إن هذا لعدم معرفته باسم النبي الذي مسح شاول ولا يخفى ~~أنه صموئيل. # قلت: لم يكن المقام لبيان دعوة ذلك النبي واجتهاده في إعلان الحق ليمجده ~~القرآن بذكر اسمه، بل إن وصفه بالنبوة أحسن دخلا في توبيخ بني إسرائيل على ~~فارطهم ms483 إذ طلبوا مع وجوده ملكا وردوا عليه في تعيين الملك عن أمر الله.. # ولكن العهدين الذين ينصان على الأسماء بلا داع خصوصا في الفضائح فإنهما ~~قد أهملا ذكر كثير من أسماء الأنبياء وغيرهم مع اقتضاء وضع الكتاب أو ~~المقام لذكرها ففيه: وكان لما صرخ بنو إسرائيل إلى الرب بسبب المديانيين أن ~~الرب أرسل رجلا نبيا إلى بني إسرائيل وقال لهم إلى آخر موعظته وتوبيخه لهم ~~ودعوتهم إلى الإيمان (قض 6، 7 - 11)، وجاء رجل الله إلى عالي (1 صم 2، 27) ~~وإذا بنبي تقدم إلى اخاب، فتقدم النبي، فتقدم رجل الله، وأن رجلا من بني ~~الأنبياء قال لصاحبه عن أمر الرب، فذهب النبي فعرفه ملك إسرائيل أنه من ~~الأنبياء (1 مل 20، 13 - 42). # ودعا أليشع النبي واحدا من بني الأنبياء فانطلق الغلام الغلام النبي (2 ~~مل 9، 1 و 4) وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس ~~الكهنة فقطع أذنه (مت 76، 51 ومر 14، 47 ولو 22، 50)، وإنجيل يوحنا يذكر أن ~~الضارب هو سمعان بطرس، واسم العبد المضروب ملحس (يو 18، 10) وهذا قليل من ~~كثير. # وقال الله تعالى في سورة البقرة في تتمة قصة طالوت 250: (فلما فصل طالوت ~~بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم PageV02P229 # يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم). # والعهد القديم لم يذكر هذه القصة في تاريخ طالوت (شاول) وذكر ما هو قريب ~~منها في تاريخ جدعون (قض 7، 4 - 7)، فخيل للمتكلف وهمه أن يعترض على القرآن ~~الكريم (يه 2 ج ص 29) بأنه نسب قصة جدعون إلى شاول ولم يجر على ما هو ~~المذكور في قصة جدعون، وجرى المتكلف على هذا الوهم أيضا (يه 1 ج ص 110 و ~~111). # قلت أولا: ما المانع من أن يكون لطالوت قصة تشابه قصة جدعون ولم يذكرها ~~العهد القديم في أحوال طالوت - أي شاول - كما أن التوراة الرائجة ذكرت حنوك ~~- أي أخنوخ - وهو السابع من ولد آدم، وأهملت أولى أحواله بالذكر وهي نبوته ~~التي ms484 ذكرها العهد الجديد (يه 14 - 17) وذكرت إبراهيم وأهملت أولى أحواله ~~بالذكر وهو بدء دعوته وظهور الله له وهو فيما بين النهرين من أرض ~~الكلدانيين حينما أمره بالهجرة منها، كما ذكره العهد الجديد (10 ع 7، 2 و ~~3). # وأهملت كتب العهدين أمرا مهما في البيان والموعظة، وهو مخاصمة ميخائيل ~~رئيس الملائكة مع إبليس محاجا عن جسد موسى وما دار بينهما من القول ~~والاحتجاج، كما أشار إليه العهد الجديد بالإيجاز المخل (يه 9)، وأغفل ~~الحادي والعشرون من سفر يشوع ذكر أربع مدن مما يرجع إلى اللاويين وهي باصر، ~~ويهصه، وميفعه، وقد يموت، ومسارحها، فذكرتها الحواشي والتراجم بين العدد 35 ~~والعدد 36 من الأصل العبراني أخذا من سفر الأيام الأول ص 6، 63 و 64 من ~~الأصل العبراني. # وأهملت ثلاثة من الأناجيل ما ذكره لوقا (7، 11 - 16) من إحياء المسيح ~~لابن الأرملة في نايين، كما أهملت ثلاثة منها أيضا ما ذكره حادي عشر يوحنا ~~من إحياء لعازر. # ودع عنك أمثال ذلك مما هو كثير... # وثانيا: يجوز أن يكون كاتب سفر القضاة في أحد أدواره قد خبط فحرف ~~PageV02P230 # قصة طالوت ونسبها إلى جدعون، كما خبط إنجيل متى فحرف كلاما في كتاب زكريا ~~(11، 12 و 13) ونسبه إلى كتاب أرميا مع أنه لا يوجد لذلك فيه عين ولا أثر، ~~وقد ذكرنا ذلك في التصدير، وذكرنا أوهام المتكلف فيه. # سفر القضاة وثالثا: إن سفر القضاة الذي نسب الواقعة إلى جدعون قد اختلفوا ~~فيمن ينسبونه له، كما نقله إظهار الحق في الفصل الثاني من الباب الأول، ~~ونقله المتكلف (يه 1 ج ص 109) عن هورن حيث قال: ذهب البعض إلى أن هذا السفر ~~نزل على فينحاس، وذهب البعض الآخر إلى أنه نزل على حزقيا أو أرميا أو ~~حزقيال أو عزرا، إنتهى. # ومثل هذا الكتاب لو لم تعبث به صروف الأيام لما كان له اعتبار واحد من ~~كتب التواريخ مع هذا الاختلاف في مصنفه. # وقولهم نزل على فينحاس ونزل على حزقيا إنما هو غلط وخيانة في الكلام فإن ~~فينحاس وحزقيال لم يقل أحد يعرف ms485 قدره بأنهما كانا نبيين، وأن بين فينحاس ~~وعزرا نحو ثمانمائة سنة. # فما ظنك بكتاب يتردد أمره بين كونه تصنيف نبي أو غير نبي وبين أناس تكون ~~المدة بين طرفيهم نحو ثمانمائة سنة. # ودع عنك الكلام في أن هذا الموجود هو المولود بهذه الولادة المبحوث عنها، ~~أو أنه تعددت فيه المواليد وتعاقبت على اسم الأول، وهل يجديه نفعا دعوى ~~هورن بأنه أجمع علماء اليهود والمسيحيين بعد التحقيق على أنه نزل على ~~صموئيل وهو آخر قضاة بني إسرائيل. # أفلا تدري أن أمر الكتب ومعلومية نسبتها إلى مصنفها هو شئ لا ربط له ~~بدعوى إجماع العلماء بعد التحقيق، وإنما يؤخذ العلم به من النقل المتواتر ~~بين العلماء والعوام من الملة بدون شبهة تحتاج إلى التحقيق، بل متى أحوج ~~الوقت إلى القيل والقال عاد أمر الكتاب إلى الوهن الدائم.. وأيضا فإنك تعلم ~~قد مضت عليهم دهور في ديانتهم وجلائهم كانوا فيها بحكم العدم، ثم ~~PageV02P231 # انتعشت جمعيتهم بعد سبي بابل كالطفل المولود جديدا، وليس لهم من يذكر لهم ~~شيئا من كتب أسلافهم إلا عزرا، فصارت جمعيتهم بعد ذلك تتطلب آثار أسلافها ~~فتحتفل بما يخادعها به الوقت احتفالها بالحقائق حيث تموه عليها الأماني ~~والحرص على آثار السلف أنه هو ضالتها المطلوبة، (وأنى وقد عصفت عليها عواصف ~~البلا) فتداركوا التفريط بالإفراط، فلا عذر لأحد عند الله في الاعتماد على ~~اتفاقهم مع ما لله علينا من الحجج وأيسرها ما نشاهده من تعبد اليهود في ~~جميع نسخ العالم لكتاب العهد القديم العبراني بالوضع المملوء بالغلط الفاحش ~~بجميع أنواع الغلط، كما يعرف ذلك من متنه والتراجم والحواشي والقرائن ~~القطعية فتعلم من ذلك بالعلم اليقين أنهم أخذوا جميع ما عندهم من نسخة ~~واحدة مشوهة بما يملأها من الغلط فاحتفلوا بها بالتعبد بصورتها، كما ذكرنا، ~~(فإن قلت) إن تعبدهم بأجمعهم بصورة النسخة المغلوطة التي تذكرها لا ينافي ~~وجود نسخ صحيحة كثيرة في وقتها، (قلت) إذا جوزت عليهم هذا الفرض كان البلاء ~~أعظم، فإن كل سبب تفرضه لصرفهم عن النسخ الصحيحة إلى التعبد ms486 بهذه النسخة ~~المغلوطة بهذا الغلط الفاحش هو كاف في سخافة الاعتماد على نقلهم واتفاقهم، ~~فتحر رشدك وافتكر في هذا الشأن. # وأما المسيحيون فلا تغتر بحرية أفكارهم وانتشار كتبهم في هذه الأدوار ولا ~~تتوهم أن قديمهم كحديثهم في حرية الفكر وانتشار الكتب وتتداول البحث بين ~~عموم جامعتهم لكي تتوهم من اتفاقهم شيئا، بل إن أفكارهم في أمر الديانة ~~والكتب في القديم كانت مستعبدة لأحكام المجامع المؤلفة من بعض الأساقفة ~~بحكم الأمراء والسلاطين لقطع النزاع، وسد باب البحث في مبادئ الديانة ~~واعتبار الكتب. # ولا يلزم أن نقول إن هؤلاء كانت تلجأهم الدواعي إلى التواطئ على تسليم ~~أمر مشكوك أو ممنوع، بل يكفي أن نقول إن الشواهد وكلمات كتابهم تكشف لنا عن ~~أن مبادئ آرائهم المتفقة في أمر الكتب هي أمور اعتبارية، أقواها اتفاق ~~اليهود على الكتب الفلاني من العهد القديم، (وقد عرفت حال كتبهم وحال ~~اتفاقهم فيها)، أو مشابهة بعض ألفاظ الكتاب لكلمات الأسقف PageV02P232 # الكبير الفلاني والعالم الكبير الفلاني في القرن الثاني أو الثالث أو ~~الرابع، أو استشهاد الأسقف الفلاني ببعض فقرات الكتاب، أو اشتمال التاريخ ~~على مضامين الكتاب. # كما أن هذه الأمور غاية ما أمكن المتكلف أن يأتي به لتصحيح كتبه، كما ~~نعرفه من كتابه في الجزء الأول ص 79 - 157 والجزء الثالث والجزء الرابع ص 2 ~~- 155. # وهب أنا وثقنا وعلمنا بصحة نقل الاستشهاد عن الأساقفة القدماء، واعتمدنا ~~على استشهادهم ولكن ذلك بعد اللتيا واللتي لا يفيد إلا الظن التقليدي بصحة ~~خصوص ما استشهدوا به من الفقرات، وأما سائر الكتاب فهو في رهن الشك والريب ~~إن لم يمنع من صدقه مانع داخلي أو خارجي، بل وكذا لو أشار ذلك الأسقف إلى ~~اسم الكتاب فمن أين يحصل الاطمئنان بأنه هو هو وقد مضت قرون كثيرة وأمر ~~الكتب والنظر فيها ممنوع على عموم الملة مختص بأناس مخصوصين. # وقد وجدنا التحريف البديهي في التراجم والمطابع حينما تحررت الأفكار ~~وانتشرت الكتب بيد العامة وصارت منظورة للعموم تتراصد عليها فرق الروم ~~والكاثوليك والبرتستنت، فوا غوثاه لها ms487 إذ كان أمرها مختصا بأناس معدودين ~~ممنوعا عن نظر العموم.. # وقد توفق المتكلف والمتعرب لأن يكون من فعليهما في كتابيهما شاهد صدق على ~~وباء التحريف. # وكذا الكلام في التاريخ فإنا لو فرضنا أن التاريخ القطعي قد وافق السفر ~~الفلاني في طرف من منقولاته فكيف تتم الشهادة على أن ذلك السفر كله صحيح لا ~~ريب فيه. # ومن ذا يرضى لنا أن نقول بأن عيد الثعالب في شهر ابريل عند سكان روما هو ~~مأخوذ من قصة شمشون في سفر القضاة (15، 3 - 6). # فكل سفر القضاة إذا حق لا ريب فيه، كلا لا يرضى أحد منا بذلك، ~~PageV02P233 # بل يقال لنا: إن هذا التقدم في المعرفة قد أخذ امتيازه المتكلف (يه 1 ج ص ~~111). # وأيضا لو كان سفر القضاة تصنيف صموئيل لكان ينبغي أن يتم فيه تاريخ بني ~~إسرائيل إلى زمان التصنيف، ولا يقطعه في أثناء المدة الفاصلة بينه وبين ~~تاريخ سفر يوشع فيقطعه على حرب بني إسرائيل لقبيلة بنيامين مع أن بين هذا ~~الحرب وبين موت صموئيل بمقتضى تقويم أهل الكتاب نحو ثلاثمائة وست وأربعين ~~سنة، ولا أقل من أن يكمل التاريخ إلى حين تمليك شاول، ولا يقطعه قبل ذلك ~~بنحو ثلاثمائة وعشرين سنة، وهذا كاف في نفي نسبته إلى صموئيل فضلا عما ~~ذكرناه. # سفر صموئيل (ورابعا) لو أعرضنا عن جميع ما ذكرناه في أسفار العهد القديم ~~لقلنا يكفي كون المصنف لكتاب صموئيل الأول مجهولا، فيجوز أن يكون ممن يجوز ~~عليه أن يكون جاهلا بقصة طالوت وجيشه في ابتلائهم بالنهر، ولا تغتر بتسمية ~~الكتاب باسم صموئيل فتقول إنه تصنيف صموئيل النبي كما زعم المتكلف جازما به ~~(يه 4 ج ص 117) قائلا إن سفري صموئيل النبي نزلا عليه وهما معنونان باسمه، ~~فإن هذا من الغلط الفاحش وذلك لأن أول الإصحاح الخامس والعشرين من صموئيل ~~الأول يذكر موت صموئيل النبي، واستمر بعد ذلك في سبعة إصحاحات يذكر الحوادث ~~التي وقعت بعد موته إلى حين موت شاول فكيف يكون الكتاب تصنيف صموئيل النبي. # وزد على ذلك أن ms488 سفر صموئيل الثاني كله في تاريخ ما وقع بعد وفاة صموئيل ~~النبي بعدة سنين. # فاعتبر بهذا وتفطن إلى أن بعض الناس لا يتحاشون عن الجزم بنسبة الكتاب ~~إلى النبي وإن خالف المعقول، ولله عليك بهذا حجة. # وقال الله جل اسمه في سورة الأنبياء 78 (وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين 79 ففهمناها سليمان ~~PageV02P234 # وكلا آتيناه حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا ~~فاعلين). # فذكر المتكلف رواية بأن داود قضى بقضاء وخالفه سليمان فعدل داود إلى قضاء ~~سليمان، فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 91)، وقال لا يعقل ولا يتصور أن ~~سليمان كان يتعقب أحكام والده، وكيف يرضى داود بتغيير الحكم أمام رعيته. # قلت: جاء في تفسير علي بن إبراهيم بسند صحيح معتمد عن أبي عبد الله ~~الصادق وهو الإمام السادس من أهل البيت أحد الثقلين اللذين لن يفترقا: # إن المتحاكمين في هذه الواقعة جاءا إلى داود فقال: اذهبا إلى سليمان ~~ليحكم بينكما، وأراد بذلك أن يعرف بنو إسرائيل أن سليمان وصيه من بعده ~~فذهبا إلى سليمان فحكم بينهما، فكان حكم داود كذلك، ولم يختلفا ولو اختلفا ~~لقال الله تعالى وكنا لحكميهما شاهدين بتثنية الحكمين، فدل توحيد الحكم على ~~أن ذلك الحكم الواحد هو حكمهما معا. # وأما قوله تعالى: (ففهمناها سليمان)، فليس المراد منه تخصيص فهم الحكومة ~~بسليمان دون داود، بل المراد بيان النعمة على سليمان بتفهيمه تلك الحكومة ~~حين لم يكن قد جاءته كأبيه داود نوبة النبوة والسفارة الإلهية وتسديد ~~الإلهام في لوازم الرياسة الدينية، وفصل القضاء، بل كانت هذه النوبة لداود، ~~وكل منهما قد حباه الله بهذه النوبة في وقته، وآتاه حكما وعلما مؤيدا له في ~~نوبته. # ثم نقول للمتكلف الذي يقول إن كتب العهدين كلام الله السميع العليم كيف ~~يقول لا يعقل ولا يتصور أن سليمان كان يتعقب أحكام والده، أيقول ذلك لأجل ~~ورع سليمان وديانته، نعم وهو الورع الذي علم الله أهليته للنبوة ولكن كتاب ~~وحي ms489 المتكلف يقول: إن سليمان كان له سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية (1 مل 11: ~~3) وهذا محرم في التوراة على الملك في إسرائيل (تث 17، 14 - 18). # ويقول: إنه (وحاشاه) ذهب وراء الأصنام وبنى لها المرتفعات وآثار العبادة ~~(1 مل 11، 4 - 11). PageV02P235 # فمن كان يصدر منه هذا فكيف لا يعقل ولا يتصور أن يتعقب أحكام والده، أم ~~يقول المتكلف أن هيبة داود وسطوته كانت تمنع من ذلك بحيث يكون مما لا يعقل ~~ولا يتصور. # قلنا: فإن كتاب إلهامك يقول: إن ابشالوم بن داود أيضا فعل ما هو من هذا ~~النحو وأعظم وأشنع، (انظر 2 صم 15 - 18)، وانظر من ذلك (16، 20 - 23). # وأما قول المتكلف (وكيف يرضى داود بتغيير الحكم أمام رعيته)، فليس له أن ~~يفصل القضية فيه بالإنكار ويقول (كيف يرضى)، بل عليه أن يردد في كلامه ~~ويقول: يبعد من داود عليه السلام أن يخطأ نفسه ويعدل إلى حكم العدل إن صح ~~ما يذكره العهد القديم من فعله مع أوريا وامرأته (2 صم 11) وإغضائه عن ابنه ~~آمنون وما فعله بأخته (2 صم 13) وإغضائه عن ابشالوم ابنه وبكائه وجزعه عليه ~~(2 صم 8، 29 - 33)، مع ما أشرنا إليه من فعل ابشالوم. # وينبغي لداود أن يعدل إلى حكم العدل، ولا يبالي بتخطئة نفسه، إذا صح عنه ~~ما ذكره العهد القديم عن قوله الإلهي، لأني حفظت طرق الرب ولم أعص إلهي (2 ~~صم 22، 22 ومز 18، 21). # تسبيح الجبال والطير مع داود واعترض المتكلف أيضا على قوله تعالى في ~~الآية المتقدمة (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين). # فقال: إن الذي خص بالعقل والبيان، والأعراب عما في الجنان هو الإنسان فقط ~~لا الجماد ولا الحيوان، وقال أيضا (يه 2 ج ص 105) إن الجبال والطير لم تسبح ~~ولن تسبح، وإنما لسان حالها ناطق بحكمة الله وقدرته وجودته. # قلت: قد جاء في الزبور الرائج: تسبحه السماوات والأرض والبحار وكل ما يدب ~~فيها (مز 69: 34) يمجدني حيوان الصحراء الذائب وبنات النعام (1 ش 43، 20). ~~PageV02P236 # وفي المزمور المائة والثامن والأربعين (1 14) ما ملخصه: سبحيه أيتها ~~الشمس، والقمر، والكواكب، ms490 وسماء السماوات، والمياه التي فوق السماوات ~~والتنانين، وكل اللجج، والنار، والبرد، والثلج والضباب، والجبال والآكام ~~والوحوش، وكل البهائم والطيور، وملوك الأرض، وكل الشعوب والأحداث والعذاري ~~والفتيان. # وفي تاسع عشر لوقا 38 - 41 لما كان التلاميذ يسبحون الله قائلين: مبارك ~~الملك الآتي باسم الرب، فقال بعض الفريسيين للمسيح انتهر تلاميذك، فقال ~~لهم: أقول لكم إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ. # وأن مثل هذه الأمور ليست بجميع أنحائها مما كانت المقدمات البديهية ~~تستلزم الحكم بامتناعها، ولا سبيل في ذلك حتى للطبيعي فإنها يمكن أن تكون ~~لها حقائق غيبية لا يمس الجحود الأعمى شرف إمكانها وحقيقتها، فإن من أودع ~~في الأشياء قوة ينشأ منها مثل التلغراف والفونغراف وسائر الآثار العجيبة، ~~وأودع في الحيوان والانسان ما نجده من القوى لا يمتنع عليه (سواء كان إله ~~حق قادرا أو طبيعة عمياء) أن يودع في الأشياء قوة ينشأ عنها التسبيح وشبهه ~~على نحو ممكن، ولكنه لا يمكن اكتشاف غيبه بقوى البشر العادية إلا برصد ~~النبوة وإعلان الوحي، كما لا تنكشف القوى الكهربائية والكيماوية إلا بالخوض ~~في حكمتها بالبحث ومزاولة التجربة. # وقد أخبرت كتب الوحي بهذه الحقيقة الغيبية، فليسن لمن يقبل تلك الكتب أن ~~يجحدها، بل إن الطبيعي الجاحد لكتب الوحي لا يصح في أصوله فيما يشبه هذه ~~الأمور إلا أن يقول لم تثبت ولم يدل عليها دليل، أو لا سبيل إلى إثباتها ~~وإن أمكن ثبوتها. # وقال الله تعالى في سورة سبأ 10: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي ~~معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون بصير). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 105) لم يسمع أن داود كان حدادا وأن الله ألان له ~~الحديد. PageV02P237 # قلت: لم يكن داود بهذه الكرامة حدادا، بل كان ملكا نبيا حباه الله بهذه ~~الكرامة، وإن بعض السلاطين العظام في هذا القرن من جملة كمالاته أنه ممتاز ~~في عمل النجارة، وربما يشرف امرأته من عناياته بصناديق صغار بديعة الصنعة ~~للمحابر ونحوها حيث تشرفت بعنايته، ms491 فلا يقال لهذا الشخص الكبير إنه نجار، ~~فكذا لا يقول أحد إن داود كان حدادا... وأما (إن الله ألان له الحديد)، فلا ~~يسمع به سماعا شافيا من أوقر التعصب على القرآن أذنيه. # فمن أين يسمع المتكلف ويذعن بذلك، والحال أن القرآن كلام الله عدوه في ~~تثليثه وطريقة تبشيره، وأن منقولات اليهود طالما يقول إنها خرافة، وأما ~~منقولات العرب فهو يتصامم عنها، فلم يبقى إلا العهد القديم، وتاريخ ~~الوثنيين القدماء من الغربيين. # أما العهد القديم فقد ذكرنا لك قريبا أن سفري صموئيل الأول والثاني لا ~~يمكن أن يكونا من كتابة صموئيل النبي، لأن أكثر ما ذكر في تاريخ شاول وداود ~~في السفر الأول وجميع تاريخ داود في السفر الثاني إنما كان بعد موت صموئيل ~~النبي، فهما إذا كتابان نكرتان من أصلهما فضلا عن تلاعب الأيام بهما وتعدد ~~مواليدهما، فمن هو كاتبهما حتى يقال كتب أو لم يكتب، ومع ذلك فهو مشغول ~~بحكاية آمنون مع أخته ثار، وداود مع أوريا وامرأته وابشالوم مع سراري أبيه، ~~فالأنسب بحال هذين أن لا يذكرا مثل هذه الكرامة لداود.. وأما الغربيون ~~فزيادة على وحشيتهم العامة في ذلك الزمان لم تكن لهم علاقة مع الشرق ولا ~~تردد يذكر. # وإنما حدث التردد والارتباط بعد ذلك لليونان والرومانيين بعد قرون ~~متطاولة تزيد على الستمائة سنة. # وزيادة على ذلك إن هذه الكرامة مما تنفر منه أصول الوثنية، فلا يمكن أن ~~تدخل في تاريخ الوثنيين، ولا تناسبه، بل لو وقفوا عليها لتصامموا عنها.. # فهل تجد ذكرا في تاريخ الوثنيين من المصريين والغربيين لمعجزات موسى ~~الظاهرة بين ألوف من الناس. PageV02P238 # فهل تجد ذكرا لشق البحر وعبور بني إسرائيل من وسطه والماء عن يمينهم ~~ويسارهم، كما ذكرته التوراة، أم هل تجد ذكر الحديث تعيشهم من المن أربعين ~~سنة في البر، ولم تبل في هذه المدة ثيابهم ونعالهم (تث 29، 5) وهل تجد ذكر ~~الحديث انفجار الماء من الصخرة معجزة لموسى بسبب ضربة لها بالعصا عن أمر ~~الله حتى شرب بنو إسرائيل وسقوا إبلهم وأنعامهم، وهم ms492 مئات من الألوف. # أم هل تجد في تاريخ الوثنيين ذكرا لأعمال المسيح كما تذكره الأناجيل من ~~إحياء الموتى وشفاء العمى والخرس والمرضى؟ كلا لا تجد شيئا من ذلك، فإن ~~الناس لا يكتبون شيئا يناقض أصولهم، بل إن كثيرا ممن يقول بنبوة موسى ووحي ~~التوراة قد خالف التوراة وأخرج حادثة شق البحر عن موضوعها الأصلي، وكونها ~~آية لموسى، بل جعلها من حادثة المد والجزر، والمتكلف أيضا اعترض على القرآن ~~في قوله: إن موسى ضرب الحجر فانفجرت منه المياه، وقال (يه 2 ج ص 16): ~~والصواب إن الصخرة انفجرت ماءا. # وقال الله جل اسمه في سورة سبأ 11: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها ~~شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزعم منهم ~~عن أمرنا نذقه من عذاب السعير 12 يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ~~وجفان كالجواب وقدور راسيات). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 105) لم يسمع أحد أن سليمان كان يطير على الرياح، ~~وأنه كان ينتقل من مكان إلى آخر في طرفة عين، ولم يسمع تليين النحاس له أو ~~أنه كان بأرض اليمن، فإن سليمان كان في أورشليم وأن الذين بنوا الهيكل هم ~~العملة لا الجن، فإن الجن اسم بلا مسمى. # قلت: إن غرض القرآن الكريم هو بيان النعمة على سليمان والتكريم له بتسخير ~~الريح لأمره بحيث يكون غدوها شهر ورواحها شهر، ومع عظيم هذه النعمة ~~والكرامة فلا مداخلة في هذا الغرض لبيان كيفية تسخير الريح، وكيف يتصرف بها ~~ومن أين تغدو وإلى أين تروح، وبأي شئ مجيئ وبأي شئ PageV02P239 # تذهب، فإنه لا مداخلة لذكر هذه الخصوصيات إلا في التاريخ المحض الذي ليس ~~من وظيفة القرآن الكريم. # وأما الأحاديث الأحادية المختلفة فلا تكون حجة قاطعة في تعيين مراد ~~القرآن حتى يقال فيه كيف، ولماذا. # ولا يلزم أن يكون تسخير الريح لسليمان من الحوادث التي يلزم أن يعلم بها ~~كل أحد وتسطر في كل تاريخ، بل يجوز أن تكون تجري في مقاصد سليمان حسب أمره ~~على ms493 نحو يحسب عامة الناس أنها تجري بهبوبها الطبيعي. # (فإن قلت) لو كان لذلك أصل أو أثر لذكرته كتب الوحي المتعرضة لأحوال ~~سليمان وتاريخه من كتب العهد القديم كسفر الملوك الأول وسفر الأيام الثاني، ~~فإن مثل ذلك بجميع أنحائه لا يخفى على الأنبياء، ولا ينبغي أن يهملوا ذكره. # (قلت): إنا نجاريك في أول الكلام على غرتك فنقول لك: إن سفر الملوك الأول ~~صريح في أنه لم يستوف تاريخ سليمان، لأنه يقول في آخر تاريخه ما نصه: ~~(وبقية أمور سليمان وكل الذي صنعه وحكمته أما هي مكتوبة في سفر أمور سليمان ~~(1 مل 11، 41)، ولا تقل إن سفر أمور سليمان المشار إليه هو سفر الأيام ~~الثاني، وذلك لأن سفر الأيام الثاني غير مختص بأمور سليمان حتى يسمى بها، ~~بل يذكر ملوك يهوذا من سليمان إلى سبي بابل. # وأيضا فإنه لم يستوف ما ذكره سفر الملوك الأول في أمور سليمان، ولم يزد ~~عليه بشئ، فانظر (1 مل 2، 12 - 11، 41، و 2، أي 1 - 9). # نعم قد يختلفان في شئ غلطا على أحدهما أو كليهما في النقل، كما تخالفا في ~~نقلهما لصلاة سليمان، (انظر 1 مل 8: 50 - 54، و 2 أي 6، 39 - 42). # والذي يزعم أن سفر الملوك الأول من كتب الوحي فإنه يتجه عليه الاحتجاج من ~~نفس السفر المذكور على أمور، وهي أن النبي وكتاب الوحي قد لا يستوفي ~~التاريخ، وأن سفر الملوك الأول لم يستوف تاريخ سليمان وأن هناك PageV02P240 # كتابا اسمه سفر أمور سليمان فيه بقية أمور سليمان وكل الذي صنعه، ولا شك ~~إن هذا الكتاب غير موجود في كتب العهد القديم لا باسمه ولا بوصفه، فإذا إن ~~بقية أمور سليمان، وكل الذي صنعه غير مذكورة في كتب العهد القديم... # وأيضا كيف يدعي أن سفر الملوك الأول هو كتابة نبي عن الوحي، إذا فليقل ~~مدعي ذلك أنه كتابة - أي نبي من الأنبياء - وإلى أي الأنبياء يوصله النقل ~~المتواتر، أفلا ترى أنه لم يجسر على تعيين كاتبه حتى خبط العشواء، وغاية ما ~~في مكابرات المتكلف دعواه بأن سفري الملوك ms494 وسفري أخبار الأيام كتابات جملة ~~من الأنبياء، فانظر (يه 4 ج ص 117)، ولعله يقول والبرهان الشافي الكافي على ~~ذلك هو اتفاق الملوك الأول (22، 19 - 23)، والأيام الثاني (18، 18 - 22) ~~على نسبة الحيرة إلى الله جل شأنه فيمن يغوي (اخاب) حتى اهتدى روح الكذب ~~للرأي فاستعان بقدرته وصواب رأيه (تعالى الله عما يقولون)... # فلهفي على كتاب التاريخ إذا كان كذلك فضلا عن الكتاب الذي ينسب إلى ~~الوحي، وقد ذكرنا لك في التصدير حال العهد القديم، ولأجل ذلك قد اشتغل سفر ~~الملوك عن ذكر تسخير الريح لسليمان وأمثال ذلك من الكرامات بذكر شركه ~~(وحاشاه) في آخر عمره، وذهابه وراء آلهة أخرى، وبنائه السواري والمرتفعات ~~وشعائر العبادة للأوثان، فانظر (1 مل 11، 4 - 9). # فمن أين يسمع المتكلف بتسخير الريح لسليمان، ومن أين يعلم بإسالة عين ~~القطر، وكيف يهتدي لمراد القرآن الكريم من ذلك. # وأما تسخير الجن في عملهم لسليمان فقد ذكرنا لك فيما تقدم صراحة العهدين ~~كثيرا بوجود ما يسميه القرآن جنا وجانا على وجه تعرف أن الكتابي إذا أنكر ~~ذلك فقد جحد كتابه واقتفى أثر (دارون)، وإذا عرفت ذلك عرفت شطط المتكلف في ~~قوله: (إن الذين بنوا الهيكل هم العملة لا الجن). # فإن القرآن الكريم لم يقل إن الجن الذين بنوا الهيكل لم يكونوا عملة بل ~~قال: إن الجن كانوا عملة، ولم يقل كان لكل واحد منهم سبعة رؤوس وعشرة ~~PageV02P241 # قرون وعلى قرونه عشرة تيجان لكي يعرف الناس أنه من الجن لا من الأنس بل ~~كانوا على صور بني آدم، كما يقول العهد القديم إن الملائكة جاؤوا إلى ~~إبراهيم على صورة ثلاثة رجال، فدعاهم لأن يستريحوا ويغسلوا أرجلهم ويسندوا ~~قلوبهم بكسرة خبز وعمل لهم ضيافة وجلسوا تحت الشجرة وأكلوا (تك 18، 1 - 9). # وجاؤوا إلى لوط على صورة رجلين فدعاهما إلى ضيافته وأكلا عنده ولم يكن ~~يعرف في أول الأمر أنهما ملكان ولم يعرفهما قومه، بل استداروا بالبيت ~~ليفعلوا معهما الفاحشة حسب عادتهم مع الناس فساء ذلك لوطا وصار يعمل ~~التدابير في صرفهم عن ضيفه، (انظر تك ms495 19، 1 - 10)، وأن الملك جاء إلى منوح ~~وامرأته بصورة رجل (قض 13، 1 - 17) فلا يعرف أن عملة سليمان كانوا من الجن ~~إلا من ناحية النبوة والوحي. # وقال الله تعالى في سورة النمل 16 (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين 17 وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 99 و 100)، فالقرآن ناطق صراحة بأن الطيور تعقل ~~وتدرك وتتكلم وتنطق بحكم يعجز عن الإتيان بمثلها العلماء من بني آدم وهو ~~غلط جسيم، فإن الله سبحانه وتعالى خص الإنسان فقط بالنطق والعقل والبيان، ~~وعليه فيكون سليمان كذب على الناس والطيور أو يكون ما نسب إليه هو الكذب ~~وهو الصواب، وثانيا: هل كانت الطيور والحشرات في عصره تعقل وتدرك ثم جردها ~~الله من العقل الآن قلنا: إنها لا تزال واحدة كما كانت، فمن نسب إليها ~~الإدراك هو الذي غلط، وثالثا لم يكن لسليمان جنود من الجن، بل كانت جنوده ~~من الأمة الإسرائيلية فقط وتقدم أنه لا يوجد شئ يقال له جن وما نسب إلى ~~سليمان من معرفة لغة الطير هو من خرافات اليهود، فتوسع فيها القرآن وخالها ~~حقائق واقعية وهي خرافات وهمية لا أصل لها. # قلنا: إنا نشاهد أن الحيوانات تصوت عند مقاصدها وأحوالها بأنحاء مختلفة ~~تتفنن فيها كما وكيفا ووضعا، وإن كنا في أغلبها لا نميز لها حروفا من ~~PageV02P242 # حروفنا المألوفة، ولكن الوجدان والتتبع شاهدان بأن كل من لا يعرف لغة ~~فإنه لا يميز حروفها إذا سمع من يتكلم بها، بل يشذ عن سمعه كثير من حروفها ~~فيحسبها صوتا مشتملا على حرفين أو ثلاثة وإن كانت في الحقيقة مشتملة على ~~جميع أنواع الحروف، فإن العربي إذا سمع الزنجي أو الهندي أو التركي أو ~~الإنكليزي مثلا يتكلم لم يميز من حروفه إلا قليلا، ويخفى بل يشتبه على سمعه ~~أغلب منطوقها مع أنها الحروف الموجودة في اللغة العربية ولكن اللهجة وغرابة ~~اللغة وجهل المعنى تحول بين ms496 السمع وبين تمييز جميع الحروف بحدودها. # ولأجل ما ذكرناه اختلج في أذهان بعض الحكماء أن يرصدوا أصوات بعض ~~الحيوانات في مختلفات أحوالها ومقاصدها لكي يعرفوا وضع لغاتها وحروفها، ~~وأظن الذي صدهم عن ذلك أنهم لم يتصورا لهذا العناء العظيم في المدة الطويلة ~~نتيجة تخرجه عن حدود العبث وتضييع الوقت. # والحاصل إن الجزم بأن الحيوانات ليس لها في تفننها بأصواتها أوضاع تنطبق ~~على مقاصدها كما ينطق كلام البشر على مقاصدهم إنما هو جزم لا يساعد عليه ~~دليل ولا برهان، ولا مشاحة بأن يدعى أن لغات الحيوانات أبسط من لغات البشر ~~كبساطة لغة الطفل في مبادئ نطقه مثلا، وقد شاهدنا من الأطيار الببغاء ~~الأخضر والأسود وهو يتكلم بكلام البشر في موارد كثيرة تمرن عليها ووجدناه ~~يستعملها معهم في بيان مقاصده. # هذا، وأما كون الحيوانات تدرك فهو مما لا ينبغي أن يرتاب فيه ذو إدراك ~~وإنما الكلام في أن إدراكها هل هو محض شعور بالموارد الجزئية وإن صدرت منها ~~الأفعال العجيبة والأحوال الباهرة من حيث الصناعات والحيل والذاكرة أو أن ~~هذه الإدراكات الجزئية ناشئة عن تعقل للكليات وتطبيقها على الموارد ~~الجزئية، ولا سبيل إلى البرهان القاطع على أنها لا تعقل الكليات، نعم لا ~~مشاحة في دعوى كونها مهما بلغت أبسط من نوع البشر في أنحاء المعقول، وإن ~~كان من البشر من لو حاكمته بعض الحيوانات وقالت له: بأي حق وبأي إنصاف أنك ~~تدعي أنك تعقل وأن الحيوانات لا تعقل لضاق على العدل مجال الحكومة، أو حكم ~~لها إذا شرحت له من أحواله وأقواله ما يزيد في السخافة على عبثيات ~~PageV02P243 # الجحش، وأنك لترى في البرابرة المتوحشين كثيرا من ذلك، وإذا نظرت إلى حيل ~~ابن آوى في كيفيات صيده وتخلصه من أذى الناس وسائر الأذى، وإلى الهرة في ~~صيدها وتعليم أولادها، وإلى النحل في صناعة بيته وانتظام أمره، وإلى ~~الأطيار في صناعة أعشاشها العجيبة ومعرفتها بأوكارها القديمة وإلى القرد في ~~أفعاله وحيله في مقاصده، وتتبعت في أحوال الحيوانات فإنك تقف قهرا عن الحكم ~~بأنها لا ms497 تعقل. # وكيف تحكم وأن من منحك العاقلية لا يمتنع عليه أن يمنحها إياها أيضا كما ~~منحها الشعور، فإن كان لك عقل فلا بد أن تقول إن عاقليتها في حيز الإمكان ~~ولو لم يدل عليها دليل. # دع هذا فإنا لو اقتصرنا فيها على الإدراك شعوري لجاز أن تكون متكلمة ~~بشعورها، وكاشفة عن مقاصدها وأحوالها بأصواتها على أنحاء متمايزة مبنية على ~~اصطلاحات خاصة ودلالات كاشفة، وإذا أوضح الوحي ذلك فلا مساغ لإنكاره. # وإن من حرمه سوء الحظ بالأيمان بذلك الوحي فليس له أن يطعن عليه في ~~إخباره بهذا الأمر الممكن. # ولم يقل القرآن الكريم إن الطيور كانت تكلم سليمان باللغة العربية أو ~~الجيناوية فعلمه الله لغتها لكي يعترض المتكلف ويقول: (إنها الآن ليست كذلك ~~ولا تزال واحدة كما كانت)، وإن كان المعترض على قول القرآن كتابيا فقد نزع ~~نفسه من الإيمان بكتبه، فإن توراته تقول: إن الحية كانت أحيل جميع ~~الحيوانات البرية، وكلمت حواء بخداع المغالطة حتى أغوتها وحملتها على الأكل ~~من الشجرة، فقال الله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت، على بطنك تسعين ~~وترابا تأكلين كل أيام حياتك، وأن نسل حواء يسحق رأسها وهي تسحق عقبه انظر ~~(تك 3، 1 - 16). # وفي عاشر متى 16 فكونوا حكماء كالحيات، وفي الخامس والثلاثين من أيوب 11 ~~الذي يعلمنا أكثر من وحوش الأرض ويجعلنا أحكم من طيور السماء، وفي السابع ~~عشر من الملوك الأول 6 وكانت الغربات تأتي إيليا بخبز PageV02P244 # ولحم صباحا وبخبز ولحم مساء، فالعهدان يقولان: إن في الحيوان ما هو ذو ~~حيل ومخادعة وتعقل وكلام وكذب وحكمة، فأين المتكلف عن هذا عند اعتراضه. # وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم واقعة الهدهد وملكة سبأ وعرشها ~~ومجيئها إلى سليمان، فانظر إلى سورة النمل من الآية 20 - 45. # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 100 و 101) وهذه الخرافة من الخرافات اليهودية ~~ذكرت في كتبهم، ومن أوتي ذرة من التمييز لا يقبلها، ولم يرسل سليمان عفريتا ~~من الجن وسرق عرشها ولم يأت بأخبارها هدهد ولا غير ذلك من ms498 الخرافات الفاحشة ~~الدالة على أن الهدهد أعلم من سليمان. # قلت: ليس لمن يعرف قدره أن يحكم على الشئ بأنه خرافة حتى يقيم البرهان ~~على امتناعه عقلا كامتناع اجتماع النقيضين، وليس له أن يتشبث بامتناعه ~~العادي إذا كانت واقعته مرتبطة بقدرة الله وكرامته الخاصة لأنبيائه ~~وأوليائه، كما لا ينبغي أن يعترض بمجرد الاستبعاد والامتناع العادي على ما ~~يذكره العهدان في كرامات موسى وهارون، ويوشع، وإيليا، واليشع، والمسيح، ~~وبطرس، وبولس. # وإنما للمعترض في المقام أن يطالب بمستنده فإن كان كتاب الوحي فليطالب ~~بسنده وحجته إن لم يسعده التوفيق على الطلب لذلك بنفسه ليفوز بنعمة الإيمان ~~وينجو من هلكة الجحود الأعمى. # وليس له في قانون الأدب وشرف الإنسانية أن يجعل جهلة الأعمى حجة على ~~الإنكار على كتاب الوحي، وليس مما ذكره القرآن في هذا المقام شئ ممتنع ~~عقلا، ولا يلزم منه أن يكون الهدهد أعلم من سليمان مطلقا، بل إن سليمان ~~إنسان يجوز أن لا يعلم من البلاد مثل من شاهدها، وإن أراد المتكلف الخرافة ~~التي تبطل بها دعوى كون الكتاب إلهاميا فلينظر أقلا إلى ما تذكره التوراة ~~الرائجة إذ تقول إن الله جل شأنه وتعالى صارع يعقوب إلى طلوع السحر، ولما ~~رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته فقال له: ~~PageV02P245 # أطلقني لأنه قد طلع السحر فقال يعقوب: لا أطلقك إن لم تباركني، فقال له: ~~ما اسمك؟ فقال يعقوب فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل يسرائيل (أي ~~يجاهد الله) لأنك جاهدت مع الله ومع الناس وقدرت، وسأل يعقوب وقال: أخبرني ~~باسمك فقال لماذا تسأل عني اسمي؟ وباركه هناك فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل ~~(أي وجه الله) لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي وأشرقت له الشمس وهو ~~يخمع على فخذه (تك 32، 24 - 32) وبقوته جاهد الله (هو 12، 4). # فلسان حال التوراة الرائجة في منقولاتها يقول: لا تليق البركة ولا تهنأ ~~إلا ليعقوب، إذ لم يتحمل فيها منة وذلة، فمرة أخذها من أبيه بغلبة المخادعة ~~والكذب (تك ms499 27، 1 - 37)، ومرة أخذها من الله (تعالى شأنه) بغلبة القوة.. ~~ولعله لذا لا يسمح الكتابيون بمثل هذه البركة لغير ذرية يعقوب. # ولينظر المتكلف إلى ما يذكره الملوك الأول (22، 19 - 23) والأيام الثاني ~~(18، 18 - 22) من أن الله (ع يهوه) جل اسمه جلس على كرسيه وكل جند السماء ~~وقوف عن يمينه ويساره، فقال من يغوي (اخاب)؟ فقال جند السماء: هذا هكذا ~~وذاك هكذا، (ولكن المقدسون من جند السماء لم يهتدوا إلى الرأي)، وخرج الروح ~~ووقف أمام الله وقال: أنا أغويه، فقال بماذا؟ فقال: # اخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه فقال: إنك تغويه وتقدر فاخرج ~~وافعل هكذا. # فماذا يقول المتكلف في هذا؟ ولماذا لا يقول أقلا إنه يلزم من ذلك أن يكون ~~روح الكذب أعرف بصواب الرأي وأقدر على رفع الحيرة، ولينظر المتكلف إلى ما ~~تذكره أناجيله (مت 4، 1 - 10 ولو 4، 1 - 10) من أن المسيح بعد نزول الروح ~~القدس عليه وامتلائه منه وصومه أربعين يوما جائه إبليس ليغويه فأخذه من ~~البرية إلى أورشليم وأوقفه على جناح الهيكل ثم أخذه أيضا إلى جبل عال جدا ~~وأراه جميع ممالك المسكونة ومجدها في لحظة من الزمان وقال له: أعطيك هذه ~~جميعها إن خررت وسجدت لي، ولماذا لا يقول المتكلف يلزم من ذلك أن يكون ~~إبليس قادرا على التصرف والتنقل بأقنوم الإله والإله PageV02P246 # الذي توشح الطبيعة البشرية وهو أقدر منه على إرائته ممالك المسكونة بلحظة ~~من الزمان.. فإنا نقول إن إبليس يقل ويقصر عن أن يفعل مثل ذلك مع النبي ~~الرسول. # وقد عرفت من جميع ما قدمناه أن المتكلف طالما تغريه طواياه باللجاج في ~~الاعتراض على القرآن كلام الله وهو لا يدري بما في كتبه، فمن ذلك اعتراضه ~~على نقل القرآن الكريم لتسخير الشياطين لسليمان، فقال (يه 2 ج ص 97) أن ~~الشياطين أرواح شريرة لا شغل لها سوى الإفساد، ولا يتصور أن من كان دأبه ~~هكذا يخترع الاختراعات التي تنفع، (قلت) إنها وإن كانت من حيث طبعها كما ~~ذكر، ولكنها كانت في عملها لسليمان مسخرة من الله ms500 له مقهورة على طاعته، كما ~~تذكره الأناجيل أنها كانت تطيع المسيح وتخاف منه كما ذكرنا بعضه فيما تقدم ~~في خلق الجن. # ويذكر العهد الجديد أنها كانت تطيع التلاميذ وبولس (لو 10، 17 و 1 ع 5، ~~16، و 8، 7، و 19، 12). # ومن ذلك اعتراضه على ذكر القرآن الكريم تسخير الريح لسليمان حيث قال ما ~~حاصله: لا يليق هذا بحكمة الله وقدرته، كأن الله أشرك سليمان في ملكه، ~~(قلت) وهذا كلام من لا يعرف للشرك والتوحيد معنى حيث جعل تأليه المسيح ~~وتثليث الأقانيم توحيدا، وجعل نعمة الله على أوليائه بالكرامة شركا مع الله ~~في ملكه. # وليت شعري ألم يسمع أقلا من أناجيله أن المسيح قال لتلاميذه: لو كان لكم ~~من الإيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك ~~فينتقل ولا يكون شئ غير ممكن لديكم (مت 17، 20 ومر 11، 23 ولو 17، 6)، وكل ~~شئ مستطاع للمؤمن (مر 9، 23)، فلماذا يكون تسخير الريح لسليمان مشاركة لله ~~في ملكه ولا يكون هذا كذلك. # وقال ا لله تعالى في سورة البقرة 96 (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما ~~PageV02P247 # نحن فتنة فلا تكفر) (الآية). # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 20 - 23) على ذلك بوجوه. # أحدها: إنه لم يكن في عهد سليمان شياطين يعلمون الناس السحر. # قلت: لا ينبغي للكتابي المتتبع لكتبه أن ينكر وجود الشياطين، ولا ينبغي ~~أن ينكر تصديهم لإضلال الناس وتعليمهم الضلال بكل نحو، أفلا ينظر المتكلف ~~أقلا إلى ما في العهد الجديد وقوله في الدجال الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل ~~قوة وبآيات وعجائب كاذبة (2 تس 2، 9) على أنه يجوز أن يراد من الشياطين ~~شياطين الإنس، كما حكي عن المسيح أنه قال لبطرس: إذهب عني يا شيطان (مت 16، ~~23) وسمي يهوذا الاسطحريوطي شيطانا (يو 6، 70 و 71). # ثانيهما: ادعى أن مراد القرآن أن الله أنزل السحر على الملكين، فأخذ ~~يقول: حاشا المولى أن يصنع ms501 عثرة لبني آدم بأن يقيم معلمين خصوصيين لتعليم ~~الناس الضلال. # قلت: لا يدل القرآن الكريم على أن المنزل على هاروت وماروت هو السحر ~~الممحض للضلال، بل إن سوق القرآن وخصوص عطفه على السحر ظاهر في أنه شئ ~~مقابل للسحر فيكون من الأسماء الفعالة في الخير والشر ولذا كان الملكان ~~يحذران من يعلمانه ويقولان له: إنما نحن بما عندنا فتنة وامتحان فلا تكفر ~~باستعمال ما نعلمك في الشر كما تفعل بالسكين المعمولة لمنافع البيت ~~فتستعملها في قتل النفوس المحترمة، وكالسموم المخلوقة للمنافع تستعملها في ~~إهلاك النفوس فيتعلمون منهما ما يستعملونه بضلالهم في التفرقة بين المرء ~~وزوجه، ولا يستعملونه في منافعهم، بل يتعلمون ما يعقبهم الضرر بغوايتهم ولا ~~ينفعهم حيث رغبوا عن منافعه إلى اقتراح أهوائهم وضلالاتهم، هذا هو مقتضى ~~دلالة القرآن الكريم ومقتضاه أن هاروت وماروت لم يكونا ضالين ولا مضلين، بل ~~لا يعلمان أحدا حتى ينبهانه على وجه الامتحان ويحذرانه عن الضلال والكفر، ~~كما PageV02P248 # يحذر بائع السموم لاستعمالها في الأعمال الطبية والكيماوية ونحوها عن ~~استعمالها في إهلاك النفوس. # وهذا ليس كصراحة كتب وحي المتكلف بأن الله يمكن النبي الكاذب والدجال ~~الداعين إلى الشرك من المعجزات والأعاجيب والآيات ليمتحن عباده (تث 13، 1 ~~ومت 24، 24 ومر 13، 22 و 2 تس 2، 8 - 12). # وثالثها: زعمه أن عبارة القرآن تفيد أن الملائكة غير معصومين، وقال: # إن الملائكة هم معصومون عن الخطيئة لأنهم خدام الله القائمون بطاعته ~~وإنفاذ أمره. # قلت: قد قدمنا إنه لا دلالة في القرآن الكريم على الطعن في هاروت وماروت، ~~بل ذكر أنهما يؤدبان الناس وينبهانهم على مواقع الامتحان، ويحذرانهم من ~~الضلال والكفر، ولو عولنا على أخبار الآحاد لما كان فيما ذكرته في شأنهما ~~منافاة لعصمة الملائكة فإنها تذكر أنهما خرجا عن عنوان الملائكة المعصومين ~~حيث ركبت فيهما الشهوة الحيوانية. # ورابعها: إنه لم يرد بأن اليهود نسبوا إلى سليمان الكفر. # قلت: إن لم ينسبوا له الكفر فقد نسبته إليه الكتب التي يزعمون أنها كتب ~~الوحي، فانظر (1 مل 11، 4 - 11 و 2 مل ms502 23، 13)، والقرآن الكريم تعرض لهذا ~~الافتراء الباطل. # وخامسها: إن الملكين ظهرا ببابل وسليمان في أورشليم فكأنه ظن أن بابل هي ~~أورشليم. # قلنا: إذا قلت أنت إن المتكلف يعلم في مصر بالتعاليم التي قررها المجمع ~~النيقاوي، فهل تريد أن زمان المجمع وزمان المتكلف واحد، وأن نيقية هي مصر، ~~وهل لأحد أن يعترض عليك ويقول لك: لماذا أتظن أن نيقية هي مصر وماذا تقول ~~لمن يعترض عليك بهذا الاعتراض؟. # والمتكلف لم يأت ببدع في إنكاره لما ذكره وحي القرآن الكريم في أحوال ~~داود وسليمان، بل لو أن العهدين ذكراها مفصلة، وأن سفر الملوك الأول لم ~~PageV02P249 # يحل في بقية أمور سليمان وكل الذي صنعه على سفر أمور سليمان، وأن سفر ~~سليمان كان موجودا وهو يشرح هذه الأحوال لكان للمتكلف أسوة واقتداء في ~~إنكار ذلك بكثير من قومه الذين أنكروا كثيرا مما صرح به العهدان كتب وحيهم ~~وقد ذكرنا لك جملة من ذلك في الجزء الأول صحيفة 163 - 165، وأشرنا إلى ~~الطوايا الباعثة على إنكار ذلك، وتزيد على ذلك في هذا المورد الأسباب ~~المقتضية للمجاهرة بالتحامل والتعصب على القرآن الكريم، فلا حاجة إلى تكرار ~~الحال العهدين في سندهما وكتبتهما وابتلائهما بالتقلب وما شحنتهما به ~~الأهواء لكي تعلم أن عدم ذكرهما للحقائق لا يمس شرفها بمقدار ما يقذي ~~العين، ولو فرضناهما كتب تواريخ معتبرة، كيف وهذه الحقائق مما لا يصل إليه ~~ولا ينبئ عنه إلا الوحي الذي لم يضعه الضلال ولم تبلغه الحوادث ولم يشوه ~~كتابه التحريف والتبديل. # * * * وقال الله تعالى في سورة الأعراف 163: (واسألهم عن القرية التي ~~كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم ~~لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون 166 فلما عتوا عما نهوا ~~عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 17 و 59) ما ملخصه إنه حاشا الله أن يجرب عباده ~~على اقتراب المنكر ويجعل الحيتان تأتي يوم السبت ولا تظهر في باقي الأيام، ~~قال يعقوب الرسول إن الله: لا ms503 يجرب أحدا بالشرور ولكن كل واحد إذا يجرب ~~انجذب وانخدع من شهوته. # وإن عقاب المولى لهم بمسخهم قردة وخنازير من الخرافات ولا يوجد لذلك أثر ~~في التوراة، والقرآن جرى في ذلك حسب مذهب الوثنيين القائلين بالتناسخ. # قلت: جاء في التوراة الرائجة إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما وأعطاك ~~PageV02P250 # آية أو أعجوبة ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلا لنذهب ~~وراء آلهة أخرى لم تعرفها وتعبدها فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك ~~الحلم لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ~~وكل أنفسكم (تث 13، 1 - 4). # وهذا الكلام يعطي أن امتحان الله وتجربته لعباده قد يقطع بإظهار الآية ~~والإعجوبة على يد الكاذب الداعي إلى الشرك ويعطيه حجة على ضلاله كما يعطيها ~~للنبي الصادق الداعي إلى الحق. # وفي العهد الجديد في حديث الدجال الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة، ~~وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم في الهالكين لأنهم لم يقبلوا محبة ~~الحق حتى يخلصوا، ولأجل ذلك سيرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب ~~لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سروا بالإثم (2 تس 2، 9 - 13). # ولا يخفى عليك أن مثل هذا لا يجوز على جلالة الله ولطفه وعدله، فإنه إذا ~~جاز أن يمكن الله الدجال أن يعمل بكل قوة ويأتي بآيات وعجائب فماذا تكون ~~إذا حجة النبي الصادق المرسل من الله بدعوة الحق، وكيف يعذب الله من يصدق ~~الدجال؟ وبماذا يعلم أن هذا الذي أرسله الله هو عمل الضلال أفلا يصح حينئذ ~~ممن صدقه أن يقول إن الدجال قد جاء بمثل ما يجئ به الرسل من الحجة الباهرة ~~أو أكبر فإن كان أولئك صادقين فالدجال مثلهم أو أولى منهم بالصدق لأن قواته ~~وآياته وعجائبه إن لم تكن أكبر فهي مثل حججهم، وإن لم يكن هذا النحو حجة ~~فبماذا أعرف الصدق لكي يصح عقابي على عدم الإيمان به، وهكذا الكلام في ~~الأنبياء الكذبة الذين ذكرت الأناجيل أنهم يعطون آيات عظيمة وعجائب ms504 (مت 24، ~~24 ومر 13، 22). # وهذا بخلاف تكثير السمك يوم السبت فإن ليس فيه تمويه الضلال ببرهان الحق ~~وحجته ولا فيه إغراء بالضلال. # ألا ترى أن تكثير الزانيات في البلد وتكثير الخمر ليسا إغراء بالزنا وشرب ~~PageV02P251 # الخمر، وإنما هو امتحان لصاحب الإيمان المستودع والتقوى الادعائية لكي ~~يظهر غشه ويبرز كامن فسقه وضلال ريائه، كما أنه امتحان أيضا لثابت الإيمان ~~وصادق التقوى ليظهر كماله في طاعته وتقواه فيضاعف أجره ويرتفع مقامه، كما ~~امتحن الله إبراهيم بذبح ولده، انظر (تك 22، 1 - 19)، ولا شك إن كثرة ~~الحيتان يوم السبت لا تميل بالنفس عن التقوى والطاعة كالأمر بذبح الولد. # وأما تشبث المتكلف بما حكاه عن رسالة يعقوب فهو واه من وجوه (أحدها) إنه ~~كتابه فليحتج به على نفسه وليفرح بذلك، (ثانيها) إنه لو كان معناه كما ~~يحاول لكان مناقضا لما ذكرنا من كتبه، فإنه إن كان تكثير السمك في السبت ~~تجربة بالشر فالأمر بذبح الولد تجربة بشر منه وإعطاء القوات والآيات ~~والعجائب للمتنبي والحالم والدجال يكون تجربة بشر الشرور، (ثالثها) إن الذي ~~في رسالة يعقوب لا يؤاتيه على مزاعمه، فإن معناه إن الذي صار غلويا لا ينسب ~~الاغواء إلى الله لأن الله لا يغوي أحدا بل الخاطئ يغوي إذا انجذب وانخدع ~~من جهة شهوته ونفسه الأمارة، فإن الشهوة إذا حبلت ولدت خطيئة انظر (يع 1، ~~13 - 16) فإن المتكلف قد بتر منقوله وشوشه. # وأما صيرورتهم قردة فهو عبارة عن تحول صور أجسامهم إلى صور أجسام القردة، ~~ومادة الصورتين واحدة، وهو المسمى في الإصلاح بالمسخ وهو مباين للتناسخ، ~~فإن التناسخ عبارة عن تحول النفس وحدها من جسم إلى جسم آخر مباين له في ~~المادة والصورة. # وإن المسخ ممكن في قدرة الله، وقد ذكر العهدان وقوعه، فقد ذكرت التوراة ~~أن امرأة لوط صارت في آن واحد عمود ملح (تك 19، 26) وجاء في إنجيل لوقا عن ~~قول المسيح في علامات القيامة ووقوع الهلاك، كما في أيام نوح ولوط، في ذلك ~~اليوم من كان على السطح وأمتعته في البيت فلا ينزل ليأخذها والذي ms505 في الحقل ~~كذلك لا يرجع إلى الوراء اذكروا امرأة لوط (لو 17، 26 - 36)، إذا عرفت ذلك ~~فقد أخبر الوحي بوقوع هذا الأمر الممكن فليس إنكاره إلا الجحود. ~~PageV02P252 # ولم يذكر القرآن الكريم أن هذه الحادثة وقعت في أيام موسى حتى يعترض ~~لمتكلف بكون التوراة الرائجة لم تذكرها، فإن أراد من التوراة مجموع العهد ~~القديم فقد عرفت وتزداد يقينا إن شاء الله بأنه لا بأس على الحقائق إذا خلا ~~منها العهد القديم، فإن عذره في ذلك مقبول، كما ستسمعه إن شاء الله تعالى. # * * * وقال الله تعالى في سورة البقرة 261: (أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مأة عام ثم ~~بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مأة عام فانظر إلى ~~طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام ~~كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم أن الله على كل شئ قدير). # والمتكلف (يه 2 ج ص 31 و 32) في مقام الاعتراض هاهنا عدة أوهام. # الأول: روي عن مجاهد أن الرجل المذكور في الآية كان كافرا شك في البعث، ~~فاعترض عليه بأن الله خاطب هذا الرجل بقوله تعالى: (كم لبثت) والله تعالى ~~لا يخاطب الكافر. # قلت: لماذا لا يخاطب الله الكافر في مقام الحجة والموعظة والتوبيخ، وأن ~~كتب المتكلف تذكر أن الله تعالى خاطب الحية التي أغوت حواء (تك 143 و 15)، ~~وخاطب (أبي مالك) ملك جرار (تك 20، 3 - 8) وخاطب الشيطان (أي 1، 7 - 2، 7). # الثاني: اعترض أيضا بقوله تعالى (آية للناس) فقال وهذا اللفظ لا يستعمل ~~في حق الكافر وإنما يستعمل في حق الأنبياء. # قلت: إن الله لم يقل له قد أرسلتك رسولا للناس وجعلت لك هذه الآية حجة ~~مصدقة لك على دعوى الرسالة، بل قال الله جل اسمه (ولنجعلك آية للناس) وحجة ~~عليهم في أمر المعاد في القيامة، وإنما سبيله في ذلك كسبيل ما PageV02P253 # يحكيه الإنجيل الرائج في قصة انقلاب ms506 الماء خمرا إذ قال فيه وهذه بدأت ~~الآيات فعلها يسوع (يو 2، 1 - 12)، أفيقول المتكلف إن الخمر المنقلب عن ~~الماء كان نبيا لأنه قيل فيه (آية) وإنما يستعمل ذلك في حق الأنبياء، نعم ~~لا يبعد فيه أن يقول. # الثالث: قوله: لو كان لهذه القصة أصل في كتب الوحي الإلهي لذكر اسم هذا ~~الشخص. # قلت: وهذا الوهم ينحل إلى أوهام. # أحدها: يعرفه كل من مارس القرآن الكريم وعرف منه أنه لم يكن متبعا في ~~مواعظ قصصه وحججها أحاديث العهدين (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا) كما اختلفت كتب العهد القديم في قصصها والأناجيل في ~~منقولاتها. # وثانيها: إن من عرف من القرآن أنه كتاب هدى وموعظة وحجة وتمجيد للأنبياء ~~والصالحين ليعرف أنه لم يتعلق غرضه في قصصه إلا بهذه الفوائد فيقتصر في ~~قصصه على ما يؤدي هذه الأغراض الحميدة من دون فضول وكل من له رشد يعلم أنه ~~ليس لذكر اسم الشخص هاهنا مداخلة في التذكير بالحجة على المعاد، ولم يكن ~~القرآن مجلة تاريخية تنص على الأسماء حتى على أسماء النساء وحتى في مقام ~~الوقيعة والهتك لأعراض الأنبياء والأولياء، ومع ذلك فإن العهدين مع ~~طريقتهما قد أهملا ذكر كثير من الأسماء في مقام التاريخ الذي يكون بإهمالها ~~مشوها أبتر، فقد قالت في تاريخ ولادة موسى وجاء رجل من بيت لاوي وأخذ بنت ~~لاوي فحبلت المرأة وولدت ابنا، ووضعت ولد ووقفت أخته (خر 2، 1 - 5)، مع أن ~~التاريخ والامتنان وبيان العناية والإلطاف بموسى، ونفوذ المشيئة الإلهية ~~يوجب كل واحد منها النص على الأسماء، ولكن لو كان وقيعة وهتكا للأعراض لنص ~~على الأسماء على العادة الجارية في العهدين. # وفي العهدين أيضا في تاريخ يربعام وجاء رجل الله، وقال رجل الله (وهكذا ~~15 مرة)، وكان نبي شيخ، النبي الذي أرجعه النبي الشيخ انظر (1 مل 12). ~~PageV02P254 # وفي سيرة إيليا أمرت هناك امرأة أرملة تعولك، وإذا بامرأة أرملة، مرض ابن ~~الأرملة، فرجعت نفس الولد (1 مل 17). # وفي العهد الجديد: أما يوحنا فلما سمع في السجن ms507 بأعمال المسيح أرسل اثنين ~~من تلاميذه وقال له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر (مت 11، 2، و 3 ولو 7، 18، ~~19)، وإذا ميت محمول ابن وحيد لأمه وهي أرملة، فجلس الميت وابتدأ يتكلم ~~فدفعه إلى أمه (لو 7، 12 - 17). # وقد ذكرنا عن العهدين في قصة (طالوت) شطرا من هذا النحو ومثله في العهدين ~~كثير يطول بذكره الكلام. # وثالثها: إن كل فاهم وغبي يعلم أنه لا بأس على كتاب الوحي إذا ذكر أمرا ~~لم يذكر فيما قبله من الكتب المنسوبة إلى الوحي وإن كانت معافاة من ~~الابتلاء، ولو تنبه المتكلف من نوم غفلته أو تعصبه لوافق على ذلك ولم ~~يعترض، كيف لا وقد ذكر في رسالة يهوذا 9 مخاصمة ميخائيل رئيس الملائكة مع ~~إبليس في جسد موسى عليه السلام مع أنها لا يوجد لها أثر فيما تقدم من كتب ~~العهدين على رسالة يهوذا مع أن هذه المخاصمة أولى بالموعظة والارشاد في ~~الذكر وأنسب بكتاب الوحي من ذكر ملاعب شمشون (قض 14 - 17) وحالات راعوث ~~وفضائح الأنبياء وعائلاتهم. # وأيضا ذكر في رسالة يهوذا (14 و 15) تنبي أخنوخ (أي إدريس) وهو السابع من ~~ولد آدم، مع أنه لا يوجد له في الكتب قبل يهوذا عين ولا أثر، وهو أولى ~~بالذكر من أكثر ما ذكر فيها. # والحاصل لا يخفى أنه لا بأس على كتاب الوحي إذا ذكر شيئا قد أهملته كتب ~~الوحي الصحيحة فضلا عما كان دعيا في النسبة إلى الوحي، بل البأس كل البأس ~~على الكتاب المنسوب إلى الوحي إذا ابتلي بما ذكرناه أو أشرنا إليه في الصدر ~~والتمهيد، فراجع ذلك وما ذكره إظهار الحق من بعض ابتلاءآت كتب العهدين. # ثم قال المتكلف: ومن تأمل كتب الوحي الإلهي - أي التوراة والإنجيل ~~PageV02P255 # والزبور - لا يجد فيها شيئا من ذلك، وهي حكاية ابيمنيدس وهو كاهن يوناني. # قلت: سنبدي لك إن شاء الله عذر العهدين في تركهما لمثل هذا، ونعرفك ~~مشغوليتهما بما هو أهم من ذلك في أغراض كتبتهما المتأخرين، ولكن المتكلف ~~اشتهى أن يزيد في حجم كتابه بشئ من تاريخ ms508 اليونان وابيمنيدس فادعى على ~~القرآن الكريم بأن قصته تتعلق بحكاية ابيمنيدس (يه 2 ج ص 32 و 33) ثم لج في ~~الانقياد إلى بواعثه فادعى أن رسول الله (ص) جعل ابيمنيدس من الأنبياء، ~~انظر (يه 2 ج ص 102 و 110)، فيا لهفاه على الصدق والأمانة والأدب. # * * * وقال الله تعالى في سورة البقرة 244: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل ~~على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون). # وإن طوايا المتكلف وعوائده لتقتضي أن يقول في هذا المقام إن هذا من ~~الخرافات التي لا تعقل ولا تتصور، ولكنه اسكته عن ذلك امتلاء كتبه بكثرة ~~إحياء الموتى في دار الدنيا. # ولا تحسب أنه يتضايق بما ذكر في العهد القديم ولكنه يراعي أغراضه فيما ~~ذكره العهد الجديد. # أما ما في العهد القديم فهو ما حصل على يد إيليا في إحياء ابن الأرملة (1 ~~مل 17، 17 - 24)، ومع اليسع (2 مل 4، 19 - 37) ومع حزقيال حيث تنبأ على ~~العظام المالئة للبقعة فتقاربت وكسيت العصب واللحم والجلد ودخلت فيهم ~~الأرواح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا (خر 37، 1 - 11). # والأمر في ذلك عند المتكلف سهل، وأما ما ذكره العهد الجديد فهو ما ذكرت ~~الأناجيل حصوله على يد المسيح ومن جملته حياة لعازر بعد دفنه بأربعة ~~PageV02P256 # أيام (يو 11، 39 - 45). وأنه عند حادثة الصليب تفتحت القبور وقام كثير من ~~أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامة المسيح ودخلوا المدينة ~~المقدسة وظهروا لكثيرين (مت 27، 52 و 53)، وأنه حصلت الحياة للميتة على يد ~~بطرس (1 ع 9، 36 - 42) وحياة الميت على يد بولس (10 ع 20، 9 و 10). # فالمتكلف لم يعترض على ما ذكره القرآن الكريم بما اعتاده من قوله ~~(خرافة)، ولم يذكره أحد، ولا يعقل، ولا يتصور، فلم يقل ذلك لا ورعا بل ~~محافظة على ما ذكره العهد الجديد في الأناجيل وأعمال الرسل كما أشرنا إليه. # ومع ذلك فقد أبت سجيته إلا أن يعترض (يه 2 ج ص ms509 24 و 25)، فذكر قول ~~المفسرين بأن هؤلاء هربوا من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم على يد حزقيال ~~بن بوذي، فكان أدب المتكلف أن يقول في اعتراضه، ففي زمان حزقيال النبي لم ~~يهرب عشرة آلاف من بني إسرائيل من الطاعون كما قال القرآن وأن الله أماتهم ~~وأن النبي حزقيال بعثهم من الموت. # قلت: ولم يقل القرآن الكريم بأنهم هربوا من الطاعون ولكنه قال: (حذر ~~الموت)، ولم يقل القرآن والمفسرون إنهم من بني إسرائيل، ولم يقل القرآن ~~والمفسرون إن حزقيال بعثهم من الموت، بل قاله المتكلف بإلهام ذاك الروح ~~المذكور (1 مل 22، 22 و 2 أي 18، 21). # وهب أن القرآن أشار إلى قصة حزقيال فإن كتاب حزقيال على ما في العهد ~~القديم من أسباب الخلل لم يقل إن العظام المالئة للبقعة كانت عظام أموات ~~مات كل واحد في وقت منفرد، بل لو كانوا كذلك لتدافنوا، وفي كتاب حزقيال عن ~~قول الله (37، 9) هلم يا روح من الرياح الأربع وهب على هؤلاء القتلى ~~ليحيوا، والمتكلف حذف تسميتهم بالقتلى من منقوله، وذلك لأجل دلالة وصفهم ~~بالقتلى على أنهم ماتوا دفعة واحدة بسبب واحد وأن الموت بالوباء والطاعون ~~ونحوهما من البلايا والعياذ بالله يسمى قتلا، انظر (خر 4، 23 مع 12، 29) ~~فينطبق ما في حزقيال على قول المفسرين أحسن انطباق، ولكن PageV02P257 # المتكلف لما أراد أن يعترض على المفسرين حذف لفظ (القتلى) ولعله قال في ~~نفسه ومن ذا يلتفت إليها. # ثم إن المتكلف (يه 2 ج ص 25) بدل ما ذكره حزقيال من إحياء العظام وقيام ~~القتلى جيشا عظيما جدا جدا، وجعله (رؤيا) والغاية منها إنعاش قلوب بني ~~إسرائيل وإحياء آمالهم، وأن الإحياء الذي ذكره القرآن الكريم لا فائدة فيه ~~ولا مصلحة. # قلت: لعل تعصب المتكلف على القرآن الكريم حمله على أن يتأول ما ذكر في ~~حزقيال ويجعله رؤيا منامية لكي يقول إن القرآن ذكره على سبيل الحقيقة وهي ~~غير ممكنة ولا معقولة ولا بأس بها إذا كانت رؤيا خيالية، فإن كان كذلك فما ~~عساه يقول بما ذكرناه عن متى من ms510 تفتح القبور، وقيام كثير من أجساد القديسين ~~وخروجهم من القبور ودخولهم المدينة المقدسة وظهورهم لكثيرين، وكذا ما ~~ذكرناه عن يوحنا من حياة لعازر بعد أربعة أيام من دفنه. # ولعل المتكلف تبعثه بعض الطوايا على إنكار حقيقة الجميع ودعوى أن المعقول ~~منه ما كان رؤيا خيالية فيقتفي بذلك أثر بعض المفسرين المدققين حيث أنكروا ~~حقيقة تكليم الأتان لبلعام وجعلوها رؤيا خيالية توهم منها بلعام أن الأتان ~~قد كلمته فراغموا بذلك صراحة التوراة ورسالة بطرس كما ذكرناه في الجزء ~~الأول صحيفة 343 - 344، أم تقول إن المتكلف سمى واقعة حزقيال رؤيا ولم يدر ~~ما قال. # وأما زعم المتكلف إن الإحياء الذي ذكره حزقيال فائدته إنعاش أفئدة بني ~~إسرائيل، والاحياء الذي ذكره القرآن لا فائدة منه ولا مصلحة فيه. # فهو زعم من استولت الغفلة على مشاعره، فإنه إذا جاز أن يحيي الله جيشا ~~عظيما جدا جدا لأجل أن يسمع بنو إسرائيل بذلك من حزقيال فتنتعش أفئدتهم، ~~فلماذا لا يجوز أن يحيي الله، أولئك الجيش لأجل التفضل عليهم بالحياة ~~وإنعاشهم من البلاء، أفليسوا عباد الله أفلا يدعوهم ذلك إلى الاطمئنان ~~واليقين في الإيمان بالمعاد ولا يحتاجون في أمر المعاد إلى مثل الاحتجاج ~~الذي PageV02P258 # تذكره الأناجيل (انظر إلى الجزء الأول صحيفة 235 - 236). # أفلا يؤدي بهم ذلك إلى الاعتبار والارتداع والتوبة، أفلا يؤدي بهم ذلك ~~إلى شكر النعمة، أفلا تحسن نعمة الله على عباده إلا لإنعاش أفئدة بني ~~إسرائيل، وأن إنعاش أفئدة بني إسرائيل يحصل بإحياء رجل واحد نصب أعينهم ~~فيذكر لهم حزقيال البشارة عن الله. # وأما في غيبتهم فلا يفيدهم إحياء أهل الدنيا خصوصا إذا كان المشاهد له ~~حزقيال وحده، فإن بني إسرائيل من عرفت أحوالهم من العهد القديم والمخبر لهم ~~بالأمرين واحد وهو حزقيال، فإن لم يصدقوه بالبشارة لم يصدقوه بالإحياء ولا ~~يكون انفراده بهذا الخبر إلا كقول القائل (أنا الشاهد لنفسي). # ولكن المتكلف كأنه سمع من كتبه شواهد التبليغ في أحوال أشعيا وأرميا، ~~وحزقيال، وهوشع، (كما ذكرناه في الجزء الأول صحيفة 50، و 51)، فجعل المتكلف ms511 ~~هذا من ذاك، ولم يدر أن ذاك على ما به أهون من هذا. # × × × وقال الله جل اسمه في سورة لقمان 11: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن ~~اشكر لله ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) 12 (وإذ قال ~~لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)، ثم وعظه ~~بإقامة الصلاة ومكارم الأخلاق كما ذكره الله جل شأنه من الآية 15 - 19. # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 102) من تتبع القرآن رأى محمدا (ص) لم يقتصر على ~~جعل بعض فلاسفة اليونان الذين لم يعرفوا الإله الحقيقي من الأنبياء كما في ~~ابيمنيدس، وتقدم الكلام عليه بل سمى بعض السور باسم بعض الفلاسفة كما في ~~سورة لقمان، ففي هذه السور ادعى أن الله آتي لقمان الحكمة، وأن لقمان حض ~~ابنه على أن لا يشرك بالله وهو من الغرائب فإنه لم يرد في كتب الوحي أن ~~الله أوحى إلى لقمان ولا إلى غيره من فلاسفة اليونان بل الكتاب المقدس قال: ~~إنهم لا يعرفون الإله الحقيقي، وأنهم كانوا يستبيحون PageV02P259 # المنكرات، وكانت أذهانهم مظلمة والقرآن جعله نبيا ورجلا تقيا وواعظا ~~لابنه. # وقد قدمنا لك أن دعوى المتكلف في ابيمنيدس إنما هي مما غلب به الهوى على ~~شرف الأمانة والأدب. # وأما تسمية السورة باسم لقمان فلا دلالة لها على نبوته ولا ربط لها بذلك، ~~بل سميت باسمه للتسجيل على عنوان شأنه في توحيده وحكمته وأخلافه وموعظته، ~~كما سميت بعض السور لأجل تسجيل العنوان والتذكير به بسورة الكهف والفيل ~~ونحو ذلك.. # وأما أن الله آتي لقمان الحكمة وأن لقمان حض ابنه على أن لا يشرك بالله ~~فلا ألوم المتكلف إذا ثقل ذلك على هواه. # فإن من أوليات الحكمة الحقيقة وبديهياتها هتافها بأن الواحد الحقيقي لا ~~يكون ثلاثة مختلفة في الآثار والمشخصات، وهذه الثلاثة لا تكون واحدا ~~حقيقيا، ومن أساسيات الحكمة أنها لا تقبل ما تحكم بداهة العقل بامتناعه ~~واستحالته، ومن أساسياتها أيضا أن الإله الغني العادل القدوس الرحيم الحكيم ~~العليم اللطيف ms512 الخبير لا يترك عباده هملا فوضى من دون أن يجعل لهم من عنده ~~قوانين تنتظم بها مدنيتهم وسياسات يستوسق بها اجتماعهم، ونواميس عملية ترقى ~~بهم إلى معارج النواميس الروحية، وتحكم الرابطة بينهم وبين إلههم فتكون لهم ~~قيادا إلى الطاعة ورادعا عن التمرد وطريقا إلى الانقياد الروحي. # ومن أساسيات الحكمة أيضا إن الله تبارك اسمه لا يترك عباده هملا بدون أن ~~يقيدهم بزاجر الوعيد ويقين القصاص ولا يدعهم يترددون في غيهم آمنين.. # وأشد شئ تضاده الحكمة وتقاومه بأوليائها وأساسياتها هو أماني الهوى ~~والمغالطة الشيطان بأن الله الواحد هو ثلاثة تجسد أحدهم على الأرض وبعد ~~ثلاثين سنة نزل عليه الآخر بشكل حمامة جسمية وبقي الثالث في السماء ليمهد ~~عمله في الفداء الذي بمغالطته يطلق سراح المتمردين ويخرب الشريعة المدنية ~~السياسية المكملة المهذبة ويلاشيها من مملكته، وذلك بأن يفدي الناس من لعنة ~~الناموس وقصاص خطاياهم بالموت في جهنم النار (ومرجع ذلك إلى إغراء الغواة ~~PageV02P260 # بغرورهم وتأمينهم من وبال غيهم) فجعل الإله المتجسد عرضة للإهانة ~~وللاضطهاد بحيث كان يتقي الضالين في اليسير من تعليمه. # ثم نبأ (قيافا) رئيس الكهنة بأن يسعى في قتل ذلك الإله المتجسد واضطهاده ~~الشنيع ملقنا لقيافا في النبوة بأنه خير لهم أن يموت إنسان واحد عن الشعب ~~ولا تهلك الأمة كلها (يو 1، 47 - 52)، فجرى التصميم على قتل الإله المتجسد ~~وإن استعفى واستقال من معاملة الفداء وحزن واكتئب وصلى وطلب أن تعبر عنه ~~كأسه ولكن لم يفده ذلك، بل قتل ومات يومين وبعض يوما، فتم العمل في قرار ~~الفداء من قصاص الخطايا ولعنة الناموس وبعد ذلك أرسلت الرسل ليعلنوا بتمام ~~قرار الفداء فهتف واحد منهم بإلهامه المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار ~~(وحاشاه) لعنة من أجلنا، (غل 3، 13)، ولسنا بعد تحت مؤدب (عل 3، 25)، وقد ~~تقدم هذا متفرقا في الجزء الأول. # وإذا كانت الحكمة تقاوم هذا كله وتضاده، قالت الكتب المنسوبة إلى الوحي - ~~لا بشر لا بحكمة كلام لئلا يتعطل صلب المسيح - لأنه إذا كان العالم في حكمة ~~لم يعرف الله بالحكمة ms513 استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة لأن ~~جهالة الله أحكم من حكمة الناس وضعف الله أقوى من الناس، (1 كو 1، 17 - ~~26). # وزاد المتكلف في تلمذه على هذا التعليم فبشر بالتناقض، وقال: (يه 4 ج ص ~~159). # نعم لا ننكر أن تجسد الكلمة الأزلية هو فوق عقولنا ولكنه موافق للعقل، ثم ~~عقد فصلا لعجز العقلي عن إدراك صفات الله وأسرار حكمته وحقيقة الروح (1) ~~فتوهم أن هذا يروج عند الناس عزل العقل عن بديهيات أحكامه وأساسيات قوانينه ~~في الممكن والممتنع لكي يتم للمتكلف الأمر في كل وساوس أهوائه، وسوف نتعرض ~~لذلك إن شاء الله تفصيلا، وأن كل من منحه الله شيئا من العقل ليعرف أن ~~العقل هو الدليل على الله ورسله وكتبه، وهو النور الذي يستضاء به في معرفة ~~الممكن والممتنع، وأنه وإن حجب عن أشياء قد استأثر الله بعلمها ولكنه لا ~~يعشو عن مشارق نورانيته إلا من ران PageV02P261 # الهوى على بصيرته. # وليت شعري أن إنجيله يقول: إن من يزعمه أقنوم الابن والإله المتجسد ~~والكلمة التي هي الله لا يعلم من أمر الساعة ما يعلمه أقنوم الأب، (مر 13، ~~32)، فلماذا لا يقول المتكلف: لا أعتني بأحكام أقنوم الابن وعلومه لأنه لا ~~يعلم ما يعلمه أقنوم الأب كما لم يعتن ببديهيات العقل وأساسيات أحكامه، ~~متشبثا بأن الله حجبه عن بعض المعلومات مثل الوصول إلى حقيقة الروح.. # وليت شعري لماذا يستغرب المتكلف وينكر أن يكون في اليونانيين من يوحد ~~الله وينهى عن الشرك به، ويعلم بمكارم الأخلاق، أفيدعي أن كل اليونانيين في ~~أجيالهم يقولون في بعض البشر أنهم آلهة وأولاد الإله قد تجسدوا واتحد ~~لاهوتهم بناسوتهم، فالواحد منهم إله وإنسان حقيقيان وربما ولد بعضهم من ~~عذراء. # أفلم يكن توحيد الإله وتنزيهه عن مثل هذه الخرافات الباطلة موجودا في ~~العالم، كيف وتوراته تقول: إنه من زمان (شيث) ابتدأ أن يدعى باسم الرب (تك ~~4، 26). # وتقويم توراته العبرانية يحتمل أن يكون إبراهيم قد أدرك سنين عديدة من ~~حياة نوح كما زعمه المتكلف (يه 2 ج ص 217)، وعليه فتكون ms514 دعوة التوحيد من ~~الأنبياء مستمرة أو قريبة من الاستمرار، أفلا يمكن أن تسري روحها في أرجاء ~~الأرض ويشرق نورها على من له عقل يعرف به سخافة القول بتجسد الإله. # إذا فمن أين كان ملكي صادوق (وهو في فلسطين دار الشرك) كاهنا لله العلي ~~(تك 14، 19). # فهل يقول المتكلف إن العقل لا يمكن له أن يغلب الهوى فيهدي إلى توحيد ~~الله ويرشد إلى الصلاح ومكارم الأخلاق، وأن الأنبياء الكرام لم ينشروا ~~الدعوة إلى ذلك.. # وحقيقة الأمر إن العقل الحاكم بعدل الله وغناه وحكمته وقدسه ورحمته ولطفه ~~ليحكم بأن الله تبارك اسمه لا يخلي الأرض من داع إلى توحيده وتقديسه ~~PageV02P262 # وهاد إلى وسائل القرب من حضرته ومرشد إلى نواميس الصلاح وقوانين الشريعة ~~المتكفلة بصلاح البشر وإصلاح أمرهم لآخرتهم ودنياهم، ولكن المتكلف لا بد أن ~~يجعل هذا من الخرافات، ويقول: إن الله جل اسمه لم يلطف ويرحم بالشريعة إلا ~~بني إسرائيل ولم يبين حقيقة التثليث إلا للنصارى ولكن حينما أطلقهم من قيود ~~الشريعة وفداهم من لعنة الناموس، وكيف قال فإنا نجد في هذا القرن كثيرا من ~~عرفاء النصارى من أشرق نور التوحيد الحقيقي على عقولهم، فتجنبوا أغاليط ~~التثليث ومخادعات الفداء. # ومنهم من بقي في الظاهر على النصرانية كالكونت (تولستوي) وأتباعه ~~المحتفلين بتعليمه في في أشتات البلاد، ومنهم من حظى بهدى الإسلام وعبد ~~الله به، ومنهم من يعترف بحقيقة التوحيد وحق الإسلام ولكنه تمرد على ~~نواميسه بألفة الراحة واعتياد الهوى على الاستراحة من النواميس الإلهية. # ولئن استغرب المتكلف من القرآن الكريم ذكره لما لم تذكره كتب العهدين ~~كذكره لما أكرم الله به داود وسليمان، وذكره لموت رجل مائة عام ثم أحياه ~~الله، وكذكره للقمان وحكمته وتوحيده ووعظه، فإن ذلك لا يعود بالسؤال على ~~القرآن الكريم ولا على الحقائق الثابتة، بل يعود بالسؤال على كتب العهدين ~~إلا أن تعتذر بلسان حالها وتقول إنها صنفان صنف لا تعرف النبوة اسمه ولا ~~مسماه، وصنف لم تبق له دواهي الأيام إلا بقايا أسماء تستعار للمسميات التي ~~اختلفت عليها الموارد ms515 والمصادر وتقلبت بها الأحوال والنشآت وهي بصنفيها قد ~~صرفت وجهها عواصف الأهواء ووجهت عنايتها إلى ما شحنت به أرجائها من عظائم ~~المصائب، فتارة تنادي بتعدد الآلهة والأرباب وتارة تأله البشر، وتارة تصف ~~الله جل شأنه بالعجز والحيرة والمشاورة مع جند السماء في بعض التدابير حتى ~~كان روح الكذب هو الموافق لإصابة الرأي وتارة تصف الأنبياء بالشك في قدرة ~~الله وسوء الأدب في خطابه والاستعفاء من رسالته، ونسبته إلى الظلم والجور، ~~وكونه جل شأنه خداعا، تعالى الله عن ذلك، وتارة تصف الأنبياء بالفسق ~~والفجور والشرك وشرب الخمر، وتارة تبسط قولها وتطيل شرحها في نسبتها إلى ~~الأنبياء وعائلاتهم أقبح الفواحش والدنس في العرض، وتارة تنسب PageV02P263 # إلى الأنبياء المخادعة بالكذب وخلاعة الجنون في التبليغ وتنسب تلك ~~السخافات إلى أمر الله جل شأنه، وتارة تصف المسيح بكونه وحاشاه شريب خمر ~~وترميه بالقول بتعدد الآلهة والأرباب، وبالكذب وبالعقوق لوالدته والقدح ~~بإيمانها وترميه أيضا بمنافيات العفة والقداسة، وتنسب له الاحتجاجات ~~الواهية والتناقض بين الأقوال، وبين الأقوال والأفعال، وترمي تلاميذه ~~بالشيطنة وغلظ القلوب وعدم الإيمان والشك في المسيح وخذلانهم له وهربهم ~~عنه، وتارة تقضي شطرا منها في ملاشاة الشريعة والذم لها وعيبها، وتارة تقضي ~~شطرا كبيرا في صنعة خيمة الاجتماع، وثياب هارون، وصيدلة البرص، وملاعب ~~شمشون وشؤونه مع الكنعانيات، وإن أردت أن تدقق أعملت تدقيقها في نسب فاص ~~وابن يهوذا المنتهي إلى داود ثم إلى المسيح وفي نسب يفتاح، ونصت في نسب ~~المسيح على ذكر بعض الأمهات إشارة إلى أحوالها المذكورة فيما سلف مع أنها ~~أهملت ذكر جملة من الآباء. # ثم جاء بعض المتبعين لهذه الكتب من المفسرين المدققين فأنكروا قصة بلعام ~~المذكورة بثلاث فصول طويلة من التوراة وجعلوها دخيلة لا أصل لها وجعلوا ~~تكلم أتان بلعام وهما من طائف الأحلام. # وعمد جملة أيضا إلى شطر كبير من الأناجيل وباقي العهد الجديد مما فيها من ~~معجزات المسيح وتلاميذه في شؤون الأرواح النجسة فجعلوها من الكذب مداهنة ~~ومجاراة لغلط الأوهام. # ويسري هذا أيضا إلى شطر كبير من العهد ms516 القديم، ومع ذلك فقد جعلها التلاعب ~~تتكافح في مكررات قصصها بالتناقض والاختلاف بل صارت نسخها العبرانية ~~والسامرية والسبعينية تتكافح بالاختلاف في الأسماء والأجيال والتاريخ ~~وبالزيادة والنقصان، وجاء كتبتها فانتقدوا عليها بزيادة الكلمات والحروف ~~ونقصهما غلطا، وتبديل الحروف والخبط فيها، وجاءت المجامع فتحكمت فيها بالرد ~~والقبول. # وجاء مفسروها فوصموها بالنقصان والإلحاق، وجاء الطابعون لها PageV02P264 # فاضطربوا فيها بالتبديل والنفي والإلصاق، أفلا تجد من ذلك كله عذرا لها ~~فيما أغفلته من الحقائق. # * * * وقال الله جل اسمه في سورة الكهف في قصة ذي القرنين 85: (قلنا يا ~~ذا القرنين..). # فاعترض المتكلف على ذلك (يه 2 ج ص 91) بما حاصله أن القرآن قد جعل ~~الإسكندر نبيا لأن الله لا يخاطب إلا نبيا مع أنه كان ملكا سفاكا للدماء. # قلنا أولا: ليس في القرآن الكريم ما يدل على أن ذا القرنين هو الإسكندر ~~الرومي المكدوني. # ومن أين للمتكلف هذا التحكم فإن أخذه من أقوال بعض الناس، فإن كثيرا من ~~الناس من قال بخلافه، فإن أبا الفداء والبيروني وغيرهما قالوا إنه الصعب ~~ابن الرائش، وقال بعض إن اسمه عياش، وقال بعض: عبد الله بن الضحاك، وهب أن ~~الجميع لا حجة فيه ولكنه يكشف عن سوء تحكم المتكلف وتقوله على القرآن ~~الكريم. # وثانيا: يمكن أن يراد من القول الألقاء في الفكر والتأمل في النظر، أو ~~القول له بواسطة نبي يبلغه. # وقد جاء في العهد القديم وكلم الله منسى وشعبه فلم يصغوا (2 أي 23، 10). # وثالثا: قد ذكرنا عن كتب وحي المتكلف صراحتها بأن الله خاطب الحية التي ~~أغوت حوا. # وخاطب قايين وأبي مالك والشيطان، وتذكر أيضا أنه جل اسمه خاطب حوا (تك 3، ~~13 و 16) فإن كان المتكلف يسمح لهؤلاء بالنبوة فلماذا يبخل بها على ~~الإسكندر المكدوني، وحتى متى يعترض وهو لا يدري بما في كتبه أو يدري ~~ويتغافل، فهل هو عدو نفسه. PageV02P265 # ورابعا: إن سفك الدماء لا يمنع من النبوة إذا كان لأجل إحقاق الحق وقطع ~~فساد الشرك والجور، بل وكتب وحي المتكلف تفصح أنه لا يمنع من النبوة حتى ms517 ~~إذا كان لأجل امتلاك الأرض واستلابها وسلطة الملك، فإن مقتضاها إن من أعظم ~~السفاكين للدماء حتى دماء النساء والأطفال والبهائم جماعة من الأنبياء ~~المقدسين وهم موسى ويشوع وداود عليهم السلام، فانظر أقلا (عد 31، 7 - 19 ~~ويش 6 - 12 و 1 أي 22، 8). # وقل للمتكلف: # فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ثم اعترض المتكلف ~~(يه 2 ج ص 92) على ذكر السد في سورة الكهف في الآية 92 - 97 وجعله من ~~الخرافات الوثنيين الوهمية. # وقال المتعرب (ذ) ص 51 إن الإسكندر لم يبلغ تلك البلاد قط وإن سور الصين ~~متأخر عن زمان الإسكندر بزهاء مائة سنة، فإن قالوا إن القرآن أراد بذي ~~القرنين الصعب ابن الرائش كما ذكره أبو الفداء والبيروني، قلنا: إن الصعب ~~المذكور متأخر عن بناء السور بأكثر من مائة وعشرين سنة وذلك بحسب أصح ~~تقاويمهم. # قلنا: هب أن بعض التواريخ المختلفة قد خالف نص القرآن الكريم ولكن لا يصح ~~لمن يعرف قدره أن يعترض على القرآن الكريم بما يخالفه من التواريخ المختلفة ~~المضطربة ولو لم يوافقه بعضها، فقد بينا ذلك وأوضحناه في تتمة الصدر ~~والتمهيد من هذا الجزء، وبينا فيه وجه العيب التاريخي في الكتاب المنسوب ~~إلى الوحي، وأشرنا إلى الكتب التي ابتليت بذلك، (فانظر صحيفة 57). # * * * وقال الله تعالى في سورة مريم حكاية عن زكريا 5 (وإني خفت الموالي ~~من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا 6 يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا). PageV02P266 # فاعترض المتكلف وقال (يه ج ص 92) وكتاب الله يعلمنا أن زكريا وامرأته ~~كانا بارين وسلما الأمر لله ولم يخشيا من وارث ولا غيره. # قلت: إن إنجيل لوقا المتعرض لذكر زكريا يدل بأوضح دلالة على أن زكريا طلب ~~من الله الولد، حيث يذكر أن الملاك قال لزكريا لا تخف يا زكريا لأن طلبتك ~~قد سمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ابنا وتسميه يوحنا (لو 1، 13). # وقول الملاك (لا تخف لأن طلبتك قد سمعت إلى آخره) صريح أو كالصريح في أن ms518 ~~زكريا كان خائفا من أمر يرتفع الخوف منه بإجابة طلبته وإعطائه الولد، وإلا ~~فلا معنى للتعليل.. وهذا من نحو المعنى الذي ذكره القرآن الكريم إن لم يكن ~~هو بعينه، ولكن المتكلف إن كان ينظر في كتبه اتفاقا فإن تحامله على القرآن ~~الكريم يحول بينه وبين واضحاتها، ولا يضر بذلك إلا نفسه وأن القرآن الكريم ~~لم يقل إن زكريا وامرأته لم يكونا بارين، بل وصف زكريا بصفات الأبرار ولم ~~يذكر في حقه أنه قال لله: لماذا أسأت، أرسل بيد من ترسل وإلا فامحني من ~~كتابك، أو أنه صنع العجل إلها يعبده بنو إسرائيل وبنى مذبحا أمامه، أو أنه ~~زنى بالمحصنة من نساء أصحابه وحاول أن يلصق حملها منه بزوجها المسكين ثم ~~سعى في قتل زوجها وتزويجها، أو أنه ذهب وراء آلهة أخرى وبنى المرتفعات ~~والسواري للأوثان، أ وأنه قال لله حقا إنك خداعا (أو...) بل حكى القرآن عن ~~زكريا قوله (إني خفت الموالي فهب لي من لدنك وليا يرثني) ولعله كانت له ~~مداخلات مالية يخاف من مواليه أن لا ينجزوها على حقها إذا اغتنموا ميراثه، ~~فطلب الولد ليكون هو وليه الذي ينجزها على حقها، فإن الاعتبار والتجربة ~~شاهدان على أن الولد أقرب لتنجيز مهمات والده في وجوه أمواله. # وقد طلب زكريا من الله أن يجعل ولده رضيا، أو لأن مواليه كانوا من الكهنة ~~الذين طالما ذمهم العهد الجديد، وكان زكريا يأمرهم بالمعروف وأداء حق ~~الكهنوت وحفظ الشريعة واحترام بيت الله فخافهم أن ينقلبوا من ورائه ويعودوا ~~إلى سجاياهم فطلب من الله وليا وولدا رضيا يرثه في هداه ووعظه لقومه وأداء ~~وظيفة الهدى. PageV02P267 # وهب أن القرآن الكريم قال: إن زكريا طلب الولد لمجرد المحافظة على أن لا ~~يرث مواليه أمواله فليس للكتابي أن يتفوه بالاعتراض على ذلك ويجعله خطيئة ~~ينزه منها زكريا، فإن زكريا مهما كان لا يكون أكمل ولا أبر ولا أعرف من ~~إبراهيم خليل الله، وهذه توراتهم تفصح عن أنه جرى من إبراهيم في الحرص على ~~الإرث ما هو أشد ms519 من هذا، حيث ذكرت أن الله جل اسمه قال لإبراهيم: لا تخف يا ~~ابرام أنا ترس لك أجرك كثير جدا، فقال ابرام: أيها السيد الرب ماذا تعطيني ~~وابن ملك بيتي هو اليعازر الدمشقي وقال ابرام: إنك لم تعطني نسلا وهو ذا ~~ابن بيتي وارث لي (تك 15، 1 - 4). # ودع عنك ما في هذا الكلام من الرد على الله واحتقار عطاياه وأجر الكثير ~~الموعود به مما عدا الولد الوارث للمال حتى العطاء والأجر الكثير جدا في ~~الآخرة. # وقال الله تعالى في سورة آل عمران في شأن مريم أم المسيح عليه السلام 32 ~~(وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم ~~أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). # فأنكر المتكلف (يه 2 ج ص 36) أن زكريا كان يكفل مريم متشبثا لإنكاره ذلك ~~بأنها كانت بنت هالي أو عالي من نسل داود، وأنكر على القرآن الكريم لأجل ~~قول المفسرين بأن الله تبارك شأنه كان يأتيها بفاكهة الجنة متشبثا بدعوى أن ~~الجنة ليست محل أكل وشرب بل هي محل التسبيح والتقديس وكل تنعماتها روحية، ~~واستند في ذلك إلى دعوى قول المسيح إجمالا ولم يذكره ولم يشر إلى محله، ثم ~~قال إن هذه الأقوال مأخوذة من خرافات المسيحيين. # قلت: إن إنجيل المتكلف يصرح بأن امرأة زكريا كانت من بنات هارون، وأنها ~~نسيبة مريم - أي شريكتها في النسب - (لو 1، 5 و 36)، ومقتضاه أن مريم هي من ~~بنات هارون أيضا لأن أنساب بني إسرائيل كانت على ما يقال محفوظة متمايزة ~~بحسب أسباطهم، ولم يذكر الإنجيل أن مريم كانت بنت عالي أو هالي، وإنما ذكر ~~لوقا في نسب يوسف أنه ابن هالي (لو 3، 23)، ولكن بعضهم حاول أن يرفع ~~التناقض الكثير بين متى ولوقا في نسب PageV02P268 # المسيح من جهة نسب يوسف، فقالوا: إن لوقا نسب يوسف إلى هالي أبي مريم. # وقد قدمنا في الجزء الأول صحيفة 237 - 241 ما تعرف منه أن هذه الدعوى من ~~تلفيقات الأوهام ms520 وتسويلات الخيال عند ضيق الخناق.. # دع هذا ولكن الباب الأول من لوقا يؤكد أنه كانت بين مريم واليصابات قرابة ~~وعلاقة اتصال وعواطف، فلماذا لا يكفي هذا في كفالة زكريا لمريم، دع هذا وقل ~~ما المانع لزكريا المؤمن البار أن يتقرب إلى الله بكفالة امرأة عذراء مؤمنة ~~برة من بني إسرائيل، ولا يلزم في الكفالة أن تكون مضطرة يتصدق عليها ~~بالقوت، بل يكفي في ذلك قيامه بأمرها ورعايتها وحمايتها، فهل تمتنع هذه ~~الكفالة بوجوهها في الدين والمروات عند من تقدمت الدنيا بمعارفهم. # وأما الرزق الذي قالت فيه مريم لزكريا (هو من عند الله) فلماذا لا يحمل ~~المتكلف قول القرآن الكريم فيه على أنه رزق يبعثه الله إلى مريم الصديقة ~~البرة برحمته وقدرته، كما يقول العهد القديم إن الله سخر الغربان لإيليا ~~فكانت تأتيه بخبز ولحم صباحا ومساء (1 مل 17، 4 و 6) وكما هيأ له الكعكة ~~(نوع من الخبز) وكوز الماء فنبهه الملاك للأكل والشرب حتى صار بقوة تلك ~~الأكلة أربعين يوما (1 مل 9، 5 - 9). # وماذا ينكر المتكلف على المفسرين في قولهم إن ذلك الرزق لمريم كان من ~~فاكهة الجنة.. # فلماذا لا تكون من جنة آدم المذكورة في التوراة (تك 2، 8 و 9)، فهل يقول ~~المتكلف: إن تلك الجنة قد يبست أشجارها ونابها الخراب فلم يساعد الوقت على ~~غرسها وعمارتها..؟ ولماذا لا تكون من الكرمة التي يشرب المسيح جديدا من ~~نتاجها مع تلاميذه في ملكوت الله (مت 26، 29 ومر 14، 25 ولو 22، 18)، أو ~~مما يأكل منه التلاميذ على مائدة المسيح في ملكوته (لو 22، 30). # وأما قول المتكلف إن الجنة ليست محل أكل وشرب بل كل تنعماتها روحية ~~PageV02P269 # كما قال السيد المسيح، فليس فيما تنقله الأناجيل عن أقوال المسيح ما يمكن ~~التشبث به لهذه الدعوى إلا نقلها عن قوله إن أبناء القيامة لا يزوجون ولا ~~يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء (مت 22، 30 ومر 12، 25) إذ لا ~~يستطيعون أن يموتوا أيضا لأنهم مثل الملائكة، وهم أبناء الله إذ هم أبناء ~~القيامة (لو 20، 35، و 36) فإن كان المستند ms521 هو هذا فقد بينا لك في الجزء ~~الأول صحيفة 234 سقوط هذه الحجة ووهنها من جميع أطرافها على حد ينبغي أن ~~ينزه عن مثله آحاد أهل الأدب والمعرفة فضلا عن المسيح رسول الله على أنها ~~لو تمت لما أمكن أن يراد أنهم لا يأكلون ولا يشربون من حيث أنهم كالملائكة، ~~وذلك لأن التوراة تنافي هذه الدعوى حيث ذكرت مكررا أن الملائكة أكلوا من ~~ضيافة إبراهيم ومن ضيافة لوط (تك 18، 8 و 19، 3) وصدقت على ذلك رسالة ~~العبرانيين (13، 2)، وسيأتي التعرض إن شاء الله لذكر الجنة في الأجزاء ~~الآتية بحول الله وقوته. # وقال الله تعالى في سورة آل عمران في شأن زكريا وبشارته 36: (قال رب اجعل ~~لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا). # فاعترض المتكلف (يه 2 - ج ص 37) بأنه لم يفهم من الإنجيل أن زكريا طلب ~~آية وبأن مدة صمته كانت تسعة أشهر وثلاثة أيام. # قلنا أولا: إن إنجيل لوقا يذكر أن زكريا قال للملك الذي بشره: كيف اعلم ~~هذا لأني أنا شيخ وامرأتي متقدمة في أيامها، فقال له الملاك وها أنت تكون ~~صامتا ولا تقدر أن تتكلم لأنك لم تصدق كلامي (لو 1، 18 و 20)، فقوله: كيف ~~أعلم هو طلب لما يحصل به العلم، ولكن القرآن الكريم كلام الله ذكر الواقعة ~~على الحقيقة المناسبة لبر زكريا وإيمانه حيث إنه طلب من الله الآية ليزداد ~~إيمانا ويطمئن قلبه باستجابة دعائه، فإن زكريا أجل من يقول لله أو بلملك ~~(كيف أعلم هذا) ولا يصدق الملك في بشارته. # وثانيا: إن القرآن الكريم كلام الله لم يكن متبعا في وحيه مضطربات ~~العهدين في منقولها ولا معتنيا بإنجيل لوقا، كيف ولو كان كذلك لمجد المسيح ~~بما يذكره لوقا من وقوف الخاطئة عند قدميه وهي باكية وابتدأت تبل قدميه ~~بالدموع وتمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب فشكر لها صنيعها ~~PageV02P270 # وكثرة حبها حتى باهى به الفريسي (لو 7، 36 - 48). # وثالثا: إن كتب العهدين قد اضطربت واختلفت كثيرا فيما يرجع إلى العدد فلم ~~يقدح ذلك ms522 عند المتكلف في زعمه أنها كتب وحي صادقة، فمن الظلم الفاحش ~~اعتراضه على القرآن الكريم إذا خالف أحدها، فإنا نذكرك بما ذكرناه في هذا ~~الكتاب من اختلاف العهدين واضطرابهما في العدد، فمن ذلك حكاية الملائكة ~~الذين جاؤوا إلى إبراهيم وذهبوا إلى سدوم فجاؤوا إلى لوط حيث جعلتهم ~~التوراة ثلاثة ثم اثنين ثم واحدا فانظر (تك 18 و 19) ومن ذلك إقامة بني ~~إسرائيل وتغربهم في مصر حيث جعلته التوراة أربعمائة سنة (تك 15، 13)، وكذا ~~العهد الجديد (1 ع 7، 6)، ثم جعلته أربعمائة وثلاثين سنة (خر 12، 40)، ~~وجعلها العهد الجديد أقل من ذلك بكثير (غل 3، 17). # ومن ذلك اختلاف النسخة العبرانية والنسخة السبعينية في أعمار آباء ~~السلسلة من آدم إلى إبراهيم، كما ذكرنا في تتمة الصدر من هذا الجزء، ومن ~~ذلك حكاية الأعمى والأعميين، والمجنون والمجنونين. # ومكث المسيح في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال ويوم وليلتين، انظر ~~الجزء الأول صحيفة 252 - 257، ودع عنك سائر ما ذكره إظهار الحق. # * * * وقال الله تبارك اسمه في سورة مريم في شأن حملها الطاهر بالمسيح ~~وولادتها المقدسة 22 (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا 23 فأجائها المخاض إلى ~~جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا 24 فناداها من تحتها ~~أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا 25 وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك ~~رطبا جنيا 26 فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا 27 فقولي إني ~~نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا 28 فأتت به قومها تحمله قالوا يا ~~مريم لقد جئت شيئا فريا 29 يا أخت هارون ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك ~~بغيا 30 فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا 31 قال إني عبد ~~الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا). PageV02P271 # فأنكر المتكلف ذلك (يه 2 ج ص 92 و 93) وزعم أن القرآن نسب إلى مريم قصة ~~هاجر أم إسماعيل، وأن مريم ولدت المسيح في بيت لحم اليهودية، ولم تكن في ~~البرية، ولم تهز جذع النخلة، ولم ms523 يضرب ملاك ولا غيره الأرض برجله، ولم تنذر ~~لله السكوت، وأن هذه الأمور من خرافات المسيحيين، وأن كلام المسيح وهو طفل ~~مأخوذ من خرافات المسيحيين. # قلنا: لا يلزم أن نقول إن جزم المتكلف في إنكاره هاهنا لا يليق إلا من ~~نبي مؤيد مصدق أو ممن يعتمد فيه على برهان قاطع، بل نقول: ينبغي أقلا أن ~~يكون من معروف بالأمانة وصدق اللهجة والمعرفة بمواقع الكلام وكتب ديانته، ~~سالم من داء التعصب والبواعث الردية والتحريف والتغافل أو الغفلة عما في ~~كتب ديانته، غير معروف بأضداد ذلك، ولا نقول أكثر من ذلك بل نجعل الحكم لمن ~~ينظر في مباحثات كتابنا هذا. # ولا تقل إن المتكلف اغتر واعتمد في إنكاره على أناجيله لأنا نخبرك بأنه ~~لم يتعرض من أناجيله لهذا الحال إلا إنجيل لوقا وهو لا ينافي شيئا مما ذكره ~~القرآن الكريم، فانظر (لو 2، 1 - 8). # ولا تقل أيضا إن المتكلف اعتمد في ذلك على أحكام المجامع وإصلاحه الديني ~~من ناشئة البروتستنت، فإنه لا يخفى عليك أنه ليس من ولاية المجامع والإصلاح ~~إنكار وقوع الحوادث الممكنة في قدرة الله كرامة لأوليائه، بل غاية ما يسع ~~المجامع أن تنكر كون الكتاب المشتمل عليها كتابا قانونيا فيكون بذلك كتاب ~~تاريخ أو مجموع تقاليد، نعم إن سياسة البروتستنت اقتضت أن يطرحوا التقاليد ~~المسيحية ويطووا غثها على سمينها، ولكن ذلك كله لو استقام لما كان فيه جزم ~~بنفي ما أنكروه، بل غايته الإعراض عنه لشكهم فيه خصوصا أو في ضمن العموم، ~~فإن الجزم بنفي وقوع الشئ لا يسوغه الأدب والعقل إلا بإقامة البرهان على ~~عدمه أو امتناعه.. # ولا أظنني أخطئ إذا قلت إن هذا الإنكار الجزمي من المتكلف وقوله: # إن هذه الأمور من خرافات المسيحيين إنما جاءه من عدوى داء الطبيعة ~~فاستحكم فيه وسخر أفكاره بتعليمه، وإلا فلماذا تكون منقولات المسيحيين في ~~شأن PageV02P272 # كرامات مريم والمسيح من الخرافات، أوليس المسيحيون أسلاف المتكلف وحملة ~~ديانته. # ثم نقول: إن قصص الأناجيل في شأن ولادة المسيح تجد فيها في هذا الخصوص ~~خللا ms524 من وجوه. # الأول: إن متى ولوقا المتعرضين لذلك قد أهمل كل واحد منهما شطرا مما ذكره ~~الآخر، فمتى أهمل ما ذكره لوقا في شأن مجيئ الملاك جبرئيل في الناصرة إلى ~~مريم وبشارته لها بالمسيح ومكالمته معها، وجوابها له وذهابها إلى جبال ~~يهوذا إلى اليصابات ومكالماتهما (لو 1، 26 - 57) وكذا ذهاب يوسف ومريم من ~~الجليل إلى بيت لحم لأجل الاكتتاب، وبشارة الملاك للرعاة وشأن مجيئهم إلى ~~المسيح، ورجوع يوسف ومريم بالمسيح إلى الجليل إلى الناصرة بعد ما أكملوا ~~أحكام الولادة في أورشليم فرجعوا منها إلى الناصرة (لو 2، 1 - 41). # ولوقا أهمل ما ذكره متى في شأن المجوس مع هيرودس ومع المسيح، والوحي ~~ليوسف بعد انصراف المجوس بأن يهرب بالمسيح إلى مصر فهرب به ليلا سرا، وقتل ~~هيرودس للأطفال في بيت لحم، ورجوع يوسف بالمسيح من مصر بعد ما مات هيرودس ~~إلى أرض إسرائيل، وخوفه من ارخيلاوس أن يذهب به إلى اليهودية فانصرف إلى ~~الجليل إلى الناصرة (مت 2، 1 - 23). # الثاني: تناقض متى ولوقا في شأن المسيح بعد ولادته، فمتى يذكر أن يوسف ~~بعد انصراف المجوس من زيارة المسيح في بيت لحم هرب به إلى مصر وبقي هناك ~~إلى أن مات هيرودس فرجع به إلى أرض إسرائيل (مت 2، 7 - 22). # ولوقا يذكر أن يوسف ومريم والمسيح بقوا في بيت لحم إلى أن تمت أيام تطهير ~~مريم (وهي ثلاثون يوما، لا 12، 2 - 24)، فصعدوا به إلى أورشليم ليقدموا ~~ذبيحة، كما قيل في التوراة، ولما أكملوا شريعة ولادة البكر بمقتضى التوراة ~~رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة، (لو 2، 22 - 40). # فمقتضى متى أنه بعد انصراف المجوس من بيت لحم كان لا يمكن أن PageV02P273 # يؤتى بالمسيح إلى أورشليم لأن هيرودس بسبب أخبار المجوس كان يطلبه ~~ليهلكه، بل هربوا به بمقتضى الوحي من هناك سرا إلى مصر إلى أن مات هيرودس، ~~وعلى ذلك كيف يمكن أن يؤتى به إلى أورشليم، ويتنبأ عنه سمعان وحنه كما ذكره ~~لوقا، ولوقا يذكر انهم جاؤوا بالمسيح من بيت لحم إلى أورشليم لكي يجروا ~~شريعة ولادة البكر ms525 ثم رجعوا من أورشليم إلى مدينتهم الناصرة. # الثالث: يذكر متى أن يوسف لما رجع من مصر أراد الرجوع بالمسيح إلى بلاد ~~اليهودية ولكنه خاف من ارخيلاوس أن يذهب إلى هناك فأوحى إليه أن يذهب إلى ~~نواحي الجليل، وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء ~~إنه سيدعى ناصريا. # ومقتضاه أن الناصرة لم تكن وطن يوسف ومريم ومسكنا لهما قبل ذلك، بل بعد ~~الرجوع من مصر صارت لهم دار هجرة وفرار بالمسيح لكي يتم ما في الأنبياء. # ولوقا يذكر أن الناصرة كانت قبل ذلك وطن مريم ويوسف وفيها حبلت مريم، ~~ومنها صعدا إلى بيت لحم لأجل الاكتتاب واليها لكونها مدينتهم رجعوا من ~~أورشليم. # ثم نقول للمتكلف: أبمثل هذه الكتب تعترض على القرآن الكريم كلام الله، ~~أفلم يكن عليك في ناموس الأدب والانصاف أن تقول أو تظن أو تحتمل أن مخالفة ~~كتبك للقرآن الكريم كمخالفة بعضها لبعض، وأن غفلتها عما فيه كغفلة بعضها ~~عما في البعض الآخر. # أفتقول إن المسيح افتداك حتى من لعنة هذا الناموس، فبأي نبوة وبأي إلهام ~~تنكر ما يذكره القرآن الكريم. # ثم نقول مجاراة لك في إعجابك بأناجيلك المضطربة المختلفة إن القرآن ~~الكريم قال: (وانتبذت به مكانا قصيا)، وهذا لا يأبى الانطباق على هجرتها ~~إلى بيت لحم كما يذكره لوقا. # ولم يقل القرآن إنها تاهت في البرية، وقال: (فأجاءها المخاض إلى جذع ~~PageV02P274 # النخلة)، وهذا يقربه ما يذكره لوقا من أن مريم لم يكن لها موضع في المنزل ~~حتى أنهم التجأوا إلى وضع المسيح في المذود - أي الآخور -، ومن كانت هكذا ~~وهي من ذوات العفة والحياء فلا تسعها الولادة في هذا المنزل الضيق بكثرة ~~أهله لا بد لها من أن تفر بولادتها إلى موضع خال من الأجانب، فإن زعم ~~المتكلف أنه لا يوجد في تلك النواحي نخل قلنا: إن إنجيل يوحنا يقول إن ~~الكثيرين في أورشليم أخذوا سعوف النخل وخرجوا للقاء المسيح (يو 12، 12 و ~~13)، وإن بيت لحم يعد من ضواحي أورشليم... وأما كرامة الله ms526 لمريم بإحياء ~~النخلة وإثمارها لتأكل منها وتقر عينها، فالمتكلف جدير بإنكاره فإنه لا نفع ~~له فيه. # نعم لو ذكر القرآن الكريم (أن مريم جاعت فانفتحت السماء ونزل عليها إناء ~~فيه كل دواب الأرض والزحافات والطيور، وقيل لها اذبحي وكلي فقالت كلا يا رب ~~إني لم أأكل قط شيئا دنسا أو نجسا فقيل لها ما طهره الله فلا تدنسيه أنت (1 ~~ع 10، 10 - 16). # وراغم بذلك شريعة التوراة وأشار به إلى بطلانها لقال المتكلف: نعم هذا هو ~~الحق لكي ينتفع بها في التمسك بعوائد الوثنية وإبطال شريعة التوراة وعيبها ~~والرد عليها في نهيها عن لحوم كثير من الحيوانات وتنجيسها، فإن قال ~~المتكلف: # إن اخضرار الجذع وإثماره ونضج ثمرته في زمان قليل هو من الخرافات الخارجة ~~عن حد المعقول (قلنا) لا نبهظه بذكر العقل والمعقول، ولكن توراتكم تقول: # إن عصا هارون وضعها موسى في خيمة الشهادة وفي الغد وجدها قد أفرخت فروخا ~~- أي أغصانا -، وأزهرت زهرا وأنضجت لوزا (عد 17، 17 - 11). # وصدق على ذلك العهد الجديد (عب 9، 4)، فإن قال المتكلف إن حديث العصا في ~~العهدين أيضا خرافة خارجة عن حد المعقول (قلنا) إذا قرة عيناه بالعهدين ~~وقرة عيون العهدين به وببشارته. # وقس على ذلك إنكاره لتكلم المسيح في المهد وكيف لا يصر على ذلك والقرآن ~~يذكر أن المسيح (قال إني عبد الله). # وأما نذر مريم للصوم وأنها لا تكلم أحدا، فأي برهان قائم على عدم ~~PageV02P275 # وقوعه، وهل هناك إلا أن إنجيل متى ولوقا لم يذكراه، فلماذا لا يقال إنهما ~~غفلا عنه كما أهمل كل منهما كثيرا مما ذكره الآخر. # واعترض المتعرب أيضا وقال (ذ) ص 57: جاء في القرآن أن الله أمر مريم أن ~~تقول كذبا إنها نذرت للرحمن صوما فلن تكلم اليوم انسيا، وهي لم تكن صائمة ~~بدليل أمره إياها في العبارة نفسها أن تهز إليها بجذع النخلة تساقط عليها ~~رطبا جنيا فتأكل وتشرب وتقر عينا، وبعد فإن أمره إياها أن تقول إنها صائمة ~~لا تتكلم كلام متناقض لأن الصائم لا يتكلم، فإن قالت ms527 ما أمرها بقوله فقد ~~تكلمت. # قلنا: إن للكلام مجاريا ودلالات عرفية التزامية لا يجحدها غير المعاند أو ~~الغبي.. فلا يخفى أن المولى إذا قال لعبده إذا جاءك فلان وأراد منك شيئا ~~فقل له: إني ملتزم لمولاي بأن لا أعطيك، فإن كل من يفهم الكلام يفهم من هذا ~~أن المولى قد أمره في مضمون كلامه بأن يلتزم. # فكلام الله دال بمضمونه على أمر مريم بأن تنذر السكوت، وأيضا إذا قال ~~المولى لعبده: إذا جاءك أحد فقل له بقول اللفظي: إني ملتزم بأن لا أكلمك ~~فمعناه الأمر بأن يلتزم أن لا يكلم أحدا بغير هذا القول المتكفل بالبيان، ~~فيكون هذا القول غير داخل من أول الأمر في الكلام المأمور بتركه بل المأمور ~~بتركه هو ما بعد هذا القول وما عداه من الكلام. # فقول مريم (إني نذرت.. الخ) غير داخل من أول الأمر في الكلام المأمور ~~بنذر تركه، هذا إذا كان المراد من القول في الآية الكريمة هو القول اللفظي، ~~وأما إذا أريد منه الإشارة إلى معاني هذه الألفاظ وعبر عنها بالقول مجازا ~~لأجل أفادت الإشارة فائدته فلا حاجة إذا إلى الاستثناء، فدعوى التناقض في ~~هذا المقام إنما هي من تناقض السجية، والبواعث مع دعوى الأدب وحرية ~~الضمير.. # وأيضا إن وقت الصوم المنذور لم يكن هو وقت أكلها من الرطب، بل كان وقته ~~حينما ترى الناس وترجع إليهم ويسألونها عن شأنها، فهو غير الوقت ~~PageV02P276 # الذي أكلت فيه الرطب، بل حينما وضعت المسيح في المهد وسألها الناس عن ~~شأنه فأشارت إليه. # (مائدة المسيح) وقد ذكر القرآن الكريم قصة إنزالها من السماء بطلب ~~التلاميذ كما في سورة المائدة 112 - 115. # فاعترض المتكلف على ذلك، وأنكر حقيقة هذه المائدة، انظر (يه 2 ج ص 44). # وما السبب في ذلك إلا خلو أناجيله من ذكرها على الوجه الذي بينه القرآن ~~الكريم، ولو تحرى المتكلف رشدا لما اغتر بخلو أناجيله، فإنا لو أغمضنا ~~النظر عن أحوالها وتغافلنا عن مشغوليتها عن الاستقصاء في تمجيد المسيح ~~بذكرها لما ينافي قدسه كما مر ms528 في أشتات الكتاب لقلنا: إن اختلافها في ~~منقولاتها يشهد على أن كل واحد منها قد فاته ذكر كثير من المهمات من أحوال ~~المسيح وآياته وتعاليمه ودلالاته. # فإن متى ومرقس ولوقا قد فاتها ما ذكر يوحنا من حكاية قلب الماء خمرا في ~~قانا الجليل، وقد ذكر أنها بدء الآيات (يو 2، 1 - 12)، فهي إذا بشارة ~~الدعوة وطليعة المعجزات وهلال الحجة. # وفاتها أيضا ما ذكره من إحياء لعازر من الموت (يو 11، 1 - 45)، وهي واقعة ~~ينبغي أن يكون لها دوي في جميع الأناجيل، لامتيازها عن سائر ما ذكرته... # وفاتها أيضا ما ذكره من البشارة بمجيئ المعزى (يو 14، 15 - 16، 16) مع ~~أنها ناموس البشائر وأساس التعليم. # وأن متى ومرقس ويوحنا قد فاتها ما ذكره لوقا من إحياء المسيح لابن ~~الأرملة في نايين (لو 7، 11 - 17). # وحكاية لعازر والغني وإبراهيم في عالم الأموات الذي يمسيه المسلمون ~~بالبرزخ (لو 16، 19 - 31) مع أن مثل هذا أهم ما يكون في البيان لأجل ~~PageV02P277 # الموعظة والترهيب وكشف الحقائق والتثبيت على الإيمان والترغيب في الصبر ~~والزهد والورع. # وإن مرقس ولوقا ويوحنا قد فاتها ما ذكره متى من حديث المجوس ومجيئهم في ~~طلب المسيح والنجم الذي كان يتقدمهم في السير حتى وقف حيث كان المسيح (مت ~~2، 1 - 12)،، مع أن ذلك من أكبر البشارات والدلالات والإرهاصات.. # وفاتها أيضا ما ذكره من حديث تفتح القبور عند حادثة الصليب، وقيام كثير ~~من أجساد القديسين الموتى ودخولهم المدينة المقدسة وظهورهم لكثيرين (مت 27، ~~52 و 53). # وإن متى ولوقا ويوحنا قد فاتها ما ذكره مرقس عن المسيح من بيان الآيات ~~التي تتبع المؤمنين وهي أنهم يخرجون الشياطين ويتكلمون بألسنة جديدة يحملون ~~حيات، وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون (مر ~~16، 17 و 18). # وهذه علامات بآيات تبصر المرتاب، وتقيم الحجة وتقطع المعاذير، لو صحت ~~الأحلام. # فنقول: إن القرآن الكريم ذكر بوحيه من حقيقة المائدة ما فات الأناجيل ~~الأربعة، لو أن مضامينها كانت وحيا.. فما بال القلوب التي في الصدور. # ومن الظرائف إن المتكلف (يه 2 ج ص 44) لج ms529 في إنكاره مائدة المسيح وقال: ~~بل المائدة التي نزلت من السماء نزلت على بطرس أحد الحواريين فإنه كان ~~جائعا، ونزلت مائدة فيها من كل دواب الأرض والزحافات وطيور السماء وكانت ~~الغاية منها أن يعلمه الله أن دعوة الإنجيل عامة، كما في سفر الأعمال ص 10، ~~ولكن المتكلف لم يذكر تتمة الحديث في المائدة التي ينسبها كتابه لبطرس، ~~فكأنه شعر بما فيها من البشاعة والسخافة من حيث العيب لشريعة موسى ~~والاعتراض عليها في تنجيسها للحوم بعض الحيوانات، فإن تتمة ما ذكره في ~~مائدتهم المنسوبة لبطرس هكذا. PageV02P278 # وصار إليه صوت: قم يا بطرس اذبح وكل فقال بطرس: كلا يا رب لأني لم أأكل ~~قط شيئا دنسا أو نجسا فصار إليه أيضا صوت ثانية ما طهره الله لا تدنسه أنت، ~~وكان هذا على ثلاث مرات (1 ع 10، 10 - 17، و 11، 5 - 11). # أفلا تعلم من هذا الكلام أن هذا الوحي الكذائي الذي ذكره فلان الأممي لا ~~بطرس الإسرائيلي يقول: إن هذه الحيوانات قد طهرها الله فتدنيسها إنما هو ~~بشري على خلاف ما عند الله. # وعلى ذلك جرى قول العهد الجديد: لا يصغون إلى خرافات يهودية ووصايا أناس ~~مرتدين عن الحق كل شئ طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شئ ~~طاهرا بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم (تي 1، 14 و 15) ليس شئ نجسا بذاته ~~إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس (رو 14، 14) تفرض عليكم فرائض لا تمس ولا ~~تذق ولا تجس التي هي جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعليم الناس ~~(كو 2، 20 - 23). # * * * (أصحاب الكهف) وقد ذكر الله جل شأنه قصتهم في سورة الكهف الآية 8 - ~~23. # والمتكلف (يه 2 ج ص 89) جعل قصتهم من خرافات المسيحيين المذكورة في كتب ~~اليونان، وادعى أن حقيقة هذه الحادثة التاريخية هي قصة (انبابولا) من أهل ~~الإسكندرية. # ومرجع كلام المتكلف هذا إلى أن الله جل اسمه محجور على أعمال قدرته ~~وألطافه مع أوليائه حتى تخرج له الأذن ممن تأخر من مؤرخي ناشئة البروتستنت ~~وإلا فما يكتبه القدماء هو من خرافات ms530 المسيحيين خصوصا إذا كتبوه في تاريخ ~~الكنيسة وخصوصا إذا كتبه الكاتبون من كبار المسيحيين وخصوصا إذا ذكره ~~القرآن الكريم. # وليت شعري لماذا صار نقل المسيحيين لواقعة أصحاب الكهف خرافة أو ~~PageV02P279 # ليس المسيحيون هم أسلاف المتكلف الذين عنهم أخذ وعليهم اعتمد حتى أنه صار ~~يتشبث لصحة كتاب برمته باستشهاد واحد منهم بفقرة من ذلك الكتاب، أو تجيئ في ~~كلام واحد منهم فقرة مشابهة لفقرة من ذلك الكتاب فانظر (يه 1 ج ص 143 - ~~157). # (والحاصل) إن كثيرا من الناس لم يجروا في المنقول على طريقة مستقيمة، ~~فتارة تراهم يقبلون الخرافات الكفرية ويقطعون بنسبتها إلى الوحي ويغضون ~~الطرف عما في سند كتابها من التمزيق والهرج والمرج خصوصا في تلك الخرافة بل ~~تراهم يتشبثون لها بقول فلان واستشهاد فلان، وإن كانت كتبهم قد قائتها ~~مرارا عديدة ثم يوجرها العناد في حلقها، ورفضها مصلحوهم فراغمهم أتباعهم ~~بالاحتفال بها، فانظر (يه 3 ج ص 274 - 277). # وتارة يقطعون بنسبة الكتاب إلى الوحي ويحامون عنه ومع ذلك يقطعون بأن ~~جملة وافرة منه ليست من الوحي وما هو صريح بالعيان والوقوع يجعلونه من ~~الرؤيا والتوهم فانظر الجزء الأول 343 - 344. # أو يقطعون بأن الشطر الكثير من كتبهم في الآيات والدلائل إنما كان كذبا ~~ومداهنة للرأي العام الغلط، كما امتلأ العهد الجديد بهذا النحو في آيات ~~المسيح والرسل بحديث الأرواح النجسة، فانظر في هذا الجزء إلى الكلام على ~~خلق الجان صحيفة 90 - 95. # (وخلاصة الكلام) لو أن أحدا كتب تصوير أصحاب الكهف وخيال كهفهم على حجر ~~ورسم إلى جنبه صليبا أو بعض صور القديسين وأودع ذلك الحجر في بعض الآثار ~~العتيقة فوجده بعض الاورباويين لكانت قصة أصحاب الكهف من الحقائق التي لا ~~ريب فيها وخصوصا إذا أعطيت الأجرة الوافرة فكتب ذلك في صدر الجرائد ~~والمجلات الشهيرة، نعم وتحتمل مع ذلك أن داء المضادة والمحادة للقرآن يقتضي ~~عدم التجاهر بتصديقها، وهذا هو الداء الذي ألجأ المتكلف وأمثاله إلى تكذيب ~~أسلافه المسيحيين لهذه الواقعة حتى سماها خرافة. # * * * PageV02P280 # وقال الله تعالى شأنه في أول سورة ms531 الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله). # والمتكلف يريد أن يعترض على معراج رسول الله (ص) إلى السماء فاعترض على ~~هذه الآية الكريمة (يه 2 ج ص 85) وقال وقصة المعراج هذه أخذت من كتب الفرس ~~ومن خرافات اليهود القديمة فإنها مذكورة في كتبهم 400 سنة قبل الهجرة. # قلنا: إن هاهنا حقيقتين (إحداهما) الاسراء برسول الله (ص) من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، (وثانيتهما) عروجه صلوات ~~الله عليه إلى السماء، والآية المذكورة إنما تعرض لفظها للحقيقة الأولى، ~~فالاعتراض عليها من حيث الحقيقة الثانية إنما هو من سوء الفهم. # أما الإسراء إلى بيت المقدس فلا ينبغي أن يختلج الشك في إمكانه في قدرة ~~الله إلا أن تأتينا دواهي الأيام بمن يطرح عقله ودينه وأدبه ويقول: ~~(واستغفر الله) إن هذه القدرة مختصة بإبليس حيث تنقل بالمسيح من البرية مرة ~~إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في طرفة عين، ومرة أخرى جناح الهيكل ~~(مت 4، 5 - 9 ولو 4، 5 - 10). # وقد أعطى رسول الله لقريش علائم شاهدها حال الاسراء به كنفار بعض إبلهم ~~في طريق الشام وأسمائها وأوصافها وكلام أصحابها، فلما وردت القافلة بعد ~~أيام تحقق المشركون من ذلك ما أرغم آنافهم وألقمهم حجرا. وأما الحقيقة ~~الثانية فإنه وإن شك فيها بعض بواسطة سفاسف قد قيلت في الطبيعيات والهيئة ~~القديمة مما لا يختص شططه بالجحود لحقيقة المعراج، بل أول ما يعود إلى ~~الإلحاد والجحود لقدرة الله وإرادته واختياره. # والكلام على هذه إنما يلزم في مقابلة الطبيعي الملحد، وسيجئ إن شاء الله ~~في المقاصد. # وأما من يتظاهر باليهودية والنصرانية فيكفينا أن نحتج عليه في إمكان ~~الصعود إلى السماء ووقوعه بكتبه التي ينسبها إلى الوحي حيث تذكر صعود البشر ~~PageV02P281 # إلى السماء مكررا، فلا يبقى في أمر المعراج إلا المطالبة بالحجة على ~~وقوعه، ومرجع ذلك إلى الحجة على صدق النبي (ص) الذي أخبر به في دعوى ~~النبوة... # أما ما جاء في العهدين من أمر الصعود إلى ms532 السماء فقط جاء في صراحة الملوك ~~الثاني (2، 1 و 11) أن إيليا صعد إلى السماء. # وجاء في الأناجيل أن المسيح صعد بجسمه إلى السماء (مر 16، 19 ولو 24، ~~51). # وعن كورنتوش الثانية عن بولس في مقام افتخاره (12، 2 - 5) أعرف إنسانا في ~~المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم، الله ~~يعلم اختطف هذا إلى السماء الثالثة واعرف هذا الإنسان أفي الجسد أم خارج ~~الجسد لست أعلم الله يعلم أنه اختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ~~ولا يسوغ للإنسان أن يتكلم بها. # وهذا الشك منه لا يصح إلا مع تجويزه لصعوده بجسده إلى السماء الثالثة ~~وإلى الفردوس. # وأيضا في شأن (حنوك) - أي إدريس المسمى في العهد الجديد أخنوخ، جاء في ~~التوراة أن الله أخذه (تك 5، 24)، وفي العهد الجديد أن الله نقله لكي لا ~~يرى الموت (عب 11، 5)، والمعروف أن المراد من هذا الكلام إصعاده إلى ~~السماء. # هذا وإن المعلوم من دين الإسلام أن رسول الله (ص) أخبر بعروجه بجسده ~~الشريف إلى السماء، فالحجة على نبوته حجة على وقوع ما أخبر به، كما أن صعود ~~حنوك وإيليا والمسيح يتوقف التصديق به على العلم بأخبار النبوة به، وكذا ~~الصعود الجسماني أو الروحاني الذي نسبت دعواه إلى بولس. # (فإن قلت): إذا كان الصعود إلى السماء مذكورا في العهدين بهذا التكرار ~~فلماذا يقول المتكلف إن المعراج مأخوذ من خرافات اليهود القديمة، (قلت) إن ~~شئت أن تقول إنه لا يدري بما في كتبه، وإن شئت أن تقول إنه يريد أن يموه ~~PageV02P282 # على البسطاء، ومن لم يطلع على العهدين ويغشهم بأن دعوى الصعود إلى السماء ~~دعوى ابتدائية لم يتفق لها حقيقة، فيتيسر له بزعمه أن يقول لهم: إنها خارجة ~~عن حد المعقول.. # (فإن قلت): لعل المتكلف يدعي انحصار الصعود إلى السماء بصعود المسيح ~~ويحتج لدعواه بقول إنجيله نقلا عن قول المسيح: ليس أحد صعد إلى السماء إلا ~~الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء (يو 3، 13)، (قلت): لا ~~نحتاج إلى أن ms533 ننبهك على حال الأناجيل، ونذكرك بما ذكرناه من تناقضها ~~واختلافها ونسبتها إلى المسيح ما لا يرضاه له من يحبه ويعتقد بإيمانه ~~وكماله وصلاحه، على أن هذا بل بعضه يكفي في بطلان هذا التشبث الواهي، بل ~~نقول إن هذا المنقول كذب على المسيح لأن هذا الكلام يكذبه العهدان، فإنه إن ~~أريد منه الزمان الماضي بالنسبة إلى حال المتكلم كما يقتضيه لفظ (صعد) فإنه ~~يكذبه العهد القديم بما يذكره من صعود إيليا، وهو كاذب أيضا بنسبة الصعود ~~إلى المسيح لأنه حينئذ لم يكن قد صعد إلى السماء، وهو مع كذبه من هاتين ~~الجهتين لا يمس معراج رسول الله بشئ من أوهام النفي، وإن أريد منه ما يعم ~~الماضي والمستقبل رغما على اللفظ فإنه يكذبه أيضا صعود إيليا وكلام بولس في ~~صعوده إلى السماء الثالثة، فإنه لو كان هذا الكلام صادقا لما صح لبولس أن ~~يتردد في صعوده بين كونه في الجسد أو خارج الجسد. # وأيضا ما معنى قوله ابن الإنسان الذي هو في السماء فهل في السماء إنسان ~~يكون المسيح ابنه. # × × × وقد أقسم الله جل شأنه في جملة من فواتح السور بأشياء من بدائع ~~صنعه إذ كانت مظاهر قدرته وآثار رحمته ووسائل نعمه، فاقسم بها تنويها بآثار ~~القدرة في خلقها وتنبيها إلى أسرار النعمة فيها وإعلاما بتشرفها بشرف ~~الآثار وجلالة أسرار الآلاء. # فقال جل اسمه مخاطبا لرسوله (ص): (يس والقرآن الحكيم إنك لمن PageV02P283 # المرسلين)، وقال جل اسمه: والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى)، ~~وقال جل شأنه: (والتين والزيتون - وهما أظهر ثمار الأرض المقدسة - وطور ~~سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم..) ونحو ذلك من ~~الأقسام. # فاعترض المتكلف (يه 2 ج ص 108) بقوله: والمسيح يعلمنا ما نصه لا تحلفوا ~~البتة لا بالسماء لأنها كرسي الله ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه ولا ~~بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم، ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل ~~شعرة واحدة بيضاء أو سوداء، بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا وما ms534 زاد على ذلك ~~فهو من الشرير (مت 5، 34 - 37) يعني أن الحلف هو من عمل الشيطان والقرآن ~~يحلف بكل شئ. # قلنا: إن الذي أقسم بهذه الأقسام في القرآن هو الله جل جلاله، فهل يقول ~~المتكلف إن الله جل شأنه محكوم لإنجيل متى، مع أن العهدين يذكران أن الله ~~جل اسمه أقسم بذاته لإبراهيم (تك 22، 16) وبقدسه لداود (مز 89، 35)، وباسمه ~~العظيم ليهوذا (ار 44، 26) وبيمينه وذراع عزته لصهيون (ا ش 62، 8) وبغضبه ~~لبني إسرائيل (مز 95، 11) وبفخر يعقوب (عا 8، 7)، وذكر أيضا لله أقساما ~~كثيرة فانظر (لو 1، 73 و 1 ع 2، 30 وعب 7، 21) وغير ذلك.. # وإن القسم هو توسيط العظيم في تثبيت الكلام وتأكيد مضمونه، وقد يقصد به ~~مع ذلك معنى آخر وهو التنبيه على عظمة المحلوف به والتنويه بشأنه، كما تقول ~~المزامير إن الله أقسم بغضبه، فإن المراد من غضبه جل شأنه هو انتقامه ~~وتنكيله بمن يعصيه لأنه جلا جلاله منزه عن عروض صفة الغضب كما تعرض للبشر، ~~فأراد الله بقسمه بغضبه أن ينبه إلى عظمة نقمته وشرف شأنها في التأديب ~~والتوبيخ وقطع دابر المفسدين. # ونحو ذلك ما ذكرناه عن أشعيا من أن الله أقسم بيمينه وذراع عزته، فإن ~~المراد من ذلك آثار قدرته في نعمته ونقمته جلت عظمته، وبهذا الاعتبار أقسم ~~الله في القرآن الكريم بالقرآن الحكيم والأماكن المقدسة مظاهر البركة ~~والرحمة كما PageV02P284 # نبهنا عليه في أول العنوان. # ولا بأس أن نتعرض لنهي إنجيل متى عن حلف البشر، فنقول: إن العهد القديم ~~جعل الحلف بالله نحوا من العبادة والاعتراف بإله الحق وتوحيده فقد جاء فيه ~~الرب إياه تعبد وباسمه تحلف (تث 6، 13، و 10، 20) يفتخر كل من يحلف به (مز ~~63، 11) والذي يحلف في الأرض يحلف بإله الحق (ا ش 65، 16) كيف اصفح لك عن ~~هذه، بنوك تركوني وحلفوا بما ليست آلهة (ار 5، 7) ويكون إذا تعلموا علما ~~طرق شعبي أن يحلفوا باسمي حي هو الرب (ار 12، 16) وكثير من نحو ذلك. # وجاء أيضا: إذا نذر رجل نذرا للرب أو أقسم قسما أن يلزم نفسه بلازم، فلا ~~ينقض كلامه بكل ما ms535 خرج من فمه يعمل (عد 30، 2). # وجاء في متى (5، 33) أيضا قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب ~~إقسامك 34 وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة بالسماء لأنها كرسي الله 35 ~~ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم 36 ولا ~~تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء 37، بل ليكن ~~كلامكم نعم نعم لا لا وما زاد عن ذلك فهو من الشرير.. # وهذا الكلام إن كان المراد منه تحريم القسم مطلقا صادقا كان أم كذبا، ~~فهذا الاحتجاج فيه لا يستقيم وذلك لوجهين (أحدهما) أن القسم إنما يكون بما ~~له شأن وجهة عظيمة، وأن كون السماء كرسي الله هي المصححة للقسم بها لا ~~مانعة منه. # وكذا كون الأرض موطئ قدميه - أي محل نفوذ مشيئة، وكذا كون أورشليم مدينة ~~الملك العظيم. # فإن هذه الثلاثة قد اكتسبت بنسبتها إلى الله جلا جلاله شرفا وكرامة فيحق ~~القسم بها وإلا فبماذا يحق القسم، أتراه يحق بالأوثان وهياكلها ومرتفعاتها ~~وسواريها. # وأيضا إن صورة هذا الاحتجاج تعطي أن المانع من القسم بالأمور PageV02P285 # العظيمة هو أمر عقلي لا يختلف بحسب الأزمان والشرايع، وفي ذلك اعتراض على ~~التوراة بتسويغها القسم وتغليط لشريعتها في ذلك. # أجل فأين يكون القول المنسوب في هذا الأصحاح للمسيح، لا تظنوا أني جئت ~~لأنقض الناموس والأنبياء - بل لأكمل - إلى تزول السماوات والأرض لا يزول ~~حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم ~~الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات (مت 5، 13 - 20). # فإن هذا الكلام يناقض مخالفة التوراة ولو بنحو النسخ فضلا عما يعود عليها ~~بالاعتراض والتغليط لشريعتها، نعم الذي يناسب هذا الاحتجاج هو قول القائل: ~~لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضعا لثان (عب 8، 7) ولولا تشويش الكلام ~~المتقدم لأمكن حمله على التعليم بالاجتناب من إكثار القسم حذرا من الوقوع ~~في الحنث الكثير وأن لا يستهان بالحلف بالسماء والأرض وأورشليم والرأس الذي ~~هو من عجائب صنع الله، وذلك لكرامة ms536 هذه المذكورات بانتسابها إلى الله ~~بالوجوه المذكورة، فتكون الاستهانة بها جرأة على الله. # فطريق الاحتياط هو اجتناب القسم لئلا يعتد اللسان على إكثاره فيقع في ~~الحنث كثيرا، فإن إكثاره هو استسهال أمره من الشرير. # ويؤيد هذا الحمل ما جاء في الرسالة المنسوبة إلى يعقوب (5، 12) لا تحلفوا ~~بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر، بل لتكن نعمكم نعم، ولاكم لا لئلا تقعوا ~~في دينونة أي لئلا توقعكم كثرة الحلف في دينونة الحنث وعقابه. # وقال الله جل شأنه في سورة البقرة 224: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ~~أن تبرؤوا وتتقوا)، وفي سورة القلم 10 (ولا تطع كل حلاف مهين). # (تنبيه): لا يوجد في التوراة ما ذكر في متى من قوله قيل: للقدماء لا تحنث ~~بل أوف للرب أقسامك، بل الموجود فيها من هذا النحو ما ذكرناه عن ~~PageV02P286 # عد (30، 2). # * * * وقال الله تعالى في سورة النحل 108: (من كفر من بعد إيمانه إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالأيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 85) نزلت في عمار بن ياسر، وذلك فإن المشركين ~~أخذوه وأباه وأمه وغيرهم فعذبوهم وقتلوا أباه وأمه، وأما عمار فوافقهم وكفر ~~بمحمد وقلبه كاره فأتى عمار محمدا (ص) وهو يبكي فقال له محمد (ص) ما وراك؟ ~~قال: شر يا رسول الله نلت منك وذكرت فقال: كيف وجدت قلبك؟ قال مطمئنا ~~بالأيمان فجعل محمد (ص) يمسح عينيه وقال: إن عادوا فعد لهم بما قلت، يعني ~~يجوز الكفر باللسان، إذا كان في القلب الإيمان وهو تعليم فاسد، وهل يرضى ~~الله بالشرك به باللسان انظر قول المسيح من ينكرني قدام الناس أنكره قدام ~~الملائكة أبي في السماوات، وقوله لا تخافوا ممن يقتل الجسد بل خافوا ممن ~~يقتل الجسد ويعذب النفس معا فالمبدأ الذي وضعه محمد (ص) يساعد المنافق على ~~نفاقه. # قلنا: أما الآية الكريمة فلا تعرض فيها لتسويغ الكفر باللسان مع اطمئنان ~~القلب بالأيمان، وغاية ما تعرضته هو استثناء هذا المكره المطمئن القلب ~~بالإيمان، وأخرجته ms537 من الوعيد بغضب الله والعذاب العظيم الذين يستحقهما ~~الكافر الذي شرح بالكفر صدرا، وهذا الاستثناء حقيقة لازمة لا يمكن لذي شعور ~~إنكارها ولا يسوغ لذي عقل ومعرفة أن يدعي أن المكره على كلمة يقولها ~~والمرتد الحقيقي يكون عذابهما واحدا. # وأما تشبث المتكلف فإنما هو ببعض وجوه الرواية الأحادية المختلفة الألفاظ ~~المضطربة النقل المقطوعة السند. # وزاد المتكلف على ذلك فخبط ولفق ما ذكره من روايات مختلفة ويكفي في ~~اضطراب الرواية أن المذكور من طريق أبي عبيدة (فإن عادوا فعد) وعن محمد ~~PageV02P287 # بن سيرين (فإن عادوا فقل ذلك لهم)، وفي مرسلة الكشاف (مالك إن عادوا لك ~~فعد لهم بما قلت). # وفيما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس لم يذكر ~~من ذلك شئ بل مقتضى الرواية المذكورة أنه لا محل لشئ من هذا القول، فإنها ~~تذكر أن عمارا أخبر رسول الله (ص) بما جرى له حينما لحقه في هجرته إلى ~~المدينة دار المنعة والأمن من عود المشركين إلى تعذيب عمار وإكراهه.. # وأما النقل لما قاله عمار للمشركين فهو مضطرب أيضا، ففي رواية ابن عباس ~~أن عمارا قال للمشركين كلمة أعجبتهم تقية. # وفيما روي من طريق أبي عبيدة سب النبي (ص) وذكر آلهة قريش بخير، وفيما عن ~~السدي أن عمارا وخبابا أخذهما قريش وعذبوهما حتى كفرا، وفيما عن قتادة أن ~~بني المغيرة غطوا عمارا في بئر وقالوا: أكفر بمحمد (ص) فاتبعهم على ذلك ~~وقلبه كاره، وفي مرسلة الكشاف أن عمارا أعطى قريشا ما أرادوا بلسانه، وغاية ~~ما يتفق عليه هذا النقل المضطرب هو أن عمارا نال من رسول الله (ص) بلسانه ~~وهو مكره ملجأ، وعلى فرض صحة ذلك، لنا أن نقول إن فلسفة الإيمان ونشر كلمة ~~الحق وإعلاء كلمة الدين تقتضي أحوالا مختلفة بحسب اختلاف الوقت ومصلحته ~~ومناسباته، فرب وقت لا يسع فيه إلا الملاينة والإبقاء على أنفس المؤمنين ~~الداعين إلى الحق ليتلطفوا في نشر الدعوة بالرفق والمطايبة إلى أن تسنح له ~~الفرصة إلى نشرها بالحزم والجد، وذلك حيث ms538 يأمنون بحسب العادة من استئصالهم ~~الموجب لانعدام أنصار الدعوة، فإن الغرض في مثل هذه الأمور ليس مجرد تسليم ~~النفوس للهلاك وإنما هو النهضة لإعلاء دين الحق ببث الدعوة وكسر شوكة ~~الضلال بتعاضد الأنصار، فربما لا يمنع العقل ولا الشرع من بعض أنحاء ~~الملاينة والمداراة من بعض الأشخاص في بعض الأحوال إذا كان الحزم والشدة ~~فيها هادمين لبنيان الدعوة مضعضعين لأساسها، نعم لا يجوز للنبي معلم الدعوة ~~أن ينكل عنها وينكرها أو يبدل في تعليمها بحال من الأحوال، وإنما له في ~~فلسفتها أن يتمهل في الجد في تكرارها ويتلطف في أمرها إلى أن تسنح له ~~الفرصة في إجرائها بالحزم والشوكة، فنقول بناء على PageV02P288 # الرواية والسيرة المعلومة أن عمارا قد أخذ في أمر الإيمان ونصرة الحق ~~بمجامع الحكمة وأعطى كل مقام حقه بحسب حاله، فإنه رجح الملاينة مع المشركين ~~بكلمة يوري بها في شأن رسول الله (ص) وذلك حيث كان محتقرا بين المشركين ~~يعلم أن قتله لا يجدي في قوة الدعوة ولا يهيأ لها ثأرا تعتز بطلبه، بل إنما ~~ينقص قتله من عديدها، ومع ذلك فقد رهقه الوجل مما قال وجاء إلى رسول الله ~~(ص) باكيا. # ولعل هذا الحال أحسن أثرا في نصرة الدعوة من قتله في تلك الحال، ولكن لما ~~قويت شوكة الحق وكثرت دعاته وعلم أن قتله إن لم يشيد كلمة الحق لا يضعضعها ~~أخذ حينئذ بالحزم والشدة بحدي سيفه ولسانه.. هذا ولو صح من الرواية أن رسول ~~(ص) قال لعمار: إن عادوا فعد لهم بما قلت لكان ناظرا إلى مثل الحال في ~~إكراه عمار وأن يقول مثل ما قال مما تصلح التوراة فاسدة. # وقد بينا أن حكمة الدين قد تقتضيه ويرضاه الله لأجل إعلاء دينه ولم يكن ~~ذلك تجويزا للكفر باللسان مطلقا ولا تعليما به، ولكن جاء في إنجيل المتكلف ~~عن قول المسيح كل خطيئة وتجديف يغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن ~~يغفر للناس، ومن قال كلمة علي ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح ~~القدس ms539 فلن يغفر له (مت 12، 31 و 32). # ولا تلتفت إلى تشبث المتكلف للمنع من ذلك مطلقا بما نقله عن قول المسيح: ~~من ينكرني قدام الناس أنكره قدام ملائكة أبي في السماوات، فإنه لا بد أن ~~يحمل الإنكار على إنكار المسيح حقيقة كمن شرح بالكفر صدرا، ولا يمكن عمومه ~~للكفر بالمسيح وإنكاره باللسان، وإلا كأنه هذا الكلام المنقول عن المسيح ~~كاذبا بمقتضى العهد الجديد. # فإن الأناجيل اتفقت على أن بطرس أنكر المسيح وصار يحلف ويلعن مع أن ~~المسيح أنذره بذلك وهو قد عاهد المسيح على أن لا ينكره، ومع ذلك فالعهد ~~الجديد يقول: إن المسيح بعد ذلك بأيام قلائل سلم إليه رعاية الكنيسة (يو ~~21، 15 - 18). # ومن الظرائف أن المتكلف لم يكتف باختلاف متى ولوقا في نقلهما PageV02P289 # لكلام المسيح حتى ثلثهما بالاختلاف والتحريف ليكمل له التثليث، ففي متى ~~(10، 33) من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبي الذي في السماوات، ~~وفي لوقا (12، 9) ومن أنكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله، والمتكلف ~~ينقله بتحريفه هكذا: من ينكرني قدام الناس أنكره قدام ملائكة أبي في ~~السماوات، وكذا ثلث بالاختلاف والتحريف في نقله عن قول المسيح: لا تخافوا ~~ممن يقتل الجسد بل خافوا ممن يقتل الجسد ويعذب النفس معا، فطابقه مع (مت ~~10، 28 ولو 12، 4 و 5). # ويكفي في بطلان التشبث بهذا الكلام أنه يفتح باب الاعتراض على المسيح حيث ~~تذكر الأناجيل أنه سئل عن إعطاء الجزية لقيصر فصار يعمى في الجواب ويوري به ~~على وجه يوهم ما يخالف حكم الله، فانظر (مت 22 ومر 12 ولو 20) ولم يتردد في ~~اليهودية لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه (يو 7، 1) ولأجل ذلك لم يكن ~~يمشي بينهم علانية (يو 11، 53 و 54) وهذا يقتضي أن الخوف من الناس قد صده ~~عن دعوته وتعليمه، هذا كله ولم يكن في دعوة التلاميذ إلا الوعظ بأنه قد ~~اقترب ملكوت السماوات وملكوت الله (مت 10، 7 ولو 10، 9). # وليس في هذا مظنة خوف لأنه ليس فيه مصادمة لنحلة المدعوين لا في عبادتهم ~~ولا في شريعتهم، بل هي ms540 بشارة مجملة تمتد إليها الأعناق وتنشرح لها الصدور ~~فإن اليهود كانوا ينتظرونها. # * * * وقال الله تعالى في سورة النحل 71: (يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 84): ادعى القرآن أن عسل النحل شفاء من كل داء. # قلنا: لا يخفى على من اطلع على الطب أن العسل فيه شفاء من أدواء كثيرة، ~~وأيسر ذلك أنه الجزء المقوم في المعاجين والترياقات الكبار الفعالة وقد ~~PageV02P290 # قال القرآن الكريم فيه شفاء ورحمة ولم يقل فيه شفاء من كل داء، وإنما قال ~~ذلك روح الكذب والتعصب. # * * * وقال الله تعالى في سورة الأحزاب 72: (إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال فأبين يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 104) ولم يكتف القرآن بأن جعل البهائم والدبابات ~~من العقلاء بل جعل الجمادات أيضا، ثم قال: إن الإنسان وحده المختص بالعقل. # قلنا: مما جاء في كتاب العهدين من هذا النحو قوله: أبصرتك ففزعت الجبال ~~(حب 3، 10) رأت الأرض وارتعدت مز (97، 3) لماذا أيتها الجبال المسنمة ترصدن ~~جبل الله (مز 68، 16) ترنمي أيتها السماوات اهتفي يا أسافل الأرض أشيدي يا ~~جبال ترنما الوعر وكل شجرة فيه (ا ش 44، 23) إن سكت هؤلاء فإن الحجارة تصرخ ~~(لو 19، 40). # فإن قال المتكلف إن هذه حقائق غيبية قد كشف عنها الوحي وأعلمنا منها بما ~~قصرنا عن إدراكه فلماذا لا يقول بمثل ذلك في القرآن الكريم. # وإن قال إنها استعارات وكنايات فلماذا لا يقول بمثل ذلك في القرآن ~~الكريم، أم أنه لا يدري بما ذكرناه من كتابه، أو يدري ولكن روحه لا تدعه ~~حتى ينفث بما عنده. # * * * وقال الله تعالى في سورة النمل 84: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا ~~لهم دابة من الأرض تكلمهم). # فزعم المتكلف (يه 2 ج ص 101) نقلا عن بعض المفسرين أن الدابة المذكورة هي ~~الجساسة الواردة في أخبار الآحاد المضطربة والأقوال المشوشة المختلفة ~~فجعلها من الخرافات.. PageV02P291 # وذكرها (سايل) (ق 157)، وذكر اضطراب الأقوال فيها، ثم قال (ص 158) وكل ~~هذا الهذيان إنما هو نتيجة ms541 خواطر مختبلة أصلها الوحش المذكور في سفر ~~الجليان. # قلنا: لم يدل دليل قاطع على أن المراد بدابة الأرض غير الإنسان، بل دلت ~~بعض الأدلة المعتبرة أن المراد بها إنسان خاص، وأن الإنسان مما يدب على ~~الأرض، وقد قال الله تعالى: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) وانظر ~~التوراة الرائجة (تك 7، 21 و 22)، وشتان ما بين حسن هذا الإبهام المناسب ~~لمقتضى الحال وبين سماجة الكناية عن المسيح بالخروف الذي له سبعة قرون ~~(روء، 5، 6 و 8) وعن جسده بالهيكل - أي بيت المقدس، (يو 2، 20 و 21). # ولئن قبلنا أخبار الآحاد في هذا الشأن فليكن ما روى فيها من تأثير الدابة ~~على الجباه مثل ما جاء من السمة والكتابة على الجباه (خر 9، 4 وروء 7، 3، و ~~13، 16، و 14، 1). # وأن مقتضي أخبار الآحاد أن الدابة المذكورة أشبه شئ بالخروف المذكور (روء ~~5، 6) أو أحد الحيوانات الأربعة المذكورة (روء 4، 6)، ولئن كانت أقوال بعض ~~المسلمين وروايات آحادهم في الجساسة من الهذيان الناشئ عن خواطر مختبلة، ~~فمما ظنك بسفر الجليان - أي رؤيا يوحنا - الذي يمثل لك سورة البرسام ~~وهذيانه، وأن أخبار الجساسة والأقوال فيها ليست من أصول الإسلام ولا كتب ~~وحيه، ولا يقطع المسلمون على صدورها من مأخذ الدين الإسلامي، ولكن النصارى ~~في قرون كثيرة قد اتفقوا على أن سفر الرؤيا ليوحنا الرسول ولا يشكون في أنه ~~كتاب وحي وإلهام. # * * * وقال الله تعالى في سورة الحجر في شأن الناوين اتباع إبليس 43 (وإن ~~جهنم لموعدهم أجمعين 44 لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم). # فقال المتكلف (يه 2 ج ص 83) وكتاب الله يعلمنا أنه لا يوجد سوى ~~PageV02P292 # محلين وهما الجنة والنار، فمحل المؤمنين الحقيقيين هو النعيم ومحل غير ~~المؤمنين هو الجحيم، فالاعتقاد بوجود سبع دركات وسبع أبواب لجهنم من ~~الاعتقادات الوثنية ومن خرافات اليهود. # قلنا: لا يخفي اختلاف الغاوين في غوايتهم والمجرمين في عظائم جرمهم، فلا ~~بد لمن يؤمن بالآخرة والعقاب وجهنم أن يذعن باختلاف العقاب فيها بحسب أنحاء ~~الإلحاد والكفر والفساد والظلم واضطهاد الداعين إلى الله، ولا بد ms542 أن تختلف ~~دار العقاب في معاقل سجونها في شديد العقاب وأشده، وهذه حقيقة لا ينكرها ~~غير الملحد ولا طريق لتفصيل مجملها إلا الوحي الإلهي، وقد بين الله العظيم ~~في كتابه الكريم نحوا من ذلك حسبما يقتضيه حال الموعظة، وأما الكتب الرائجة ~~التي اغتر المتكلف بها فلم تصرح بخلاف هذه الحقيقة ولم تقل إن جهنم لها باب ~~واحد أو طبقة واحدة، وإن اقتصارها على ذكر جهنم لا يقتضي دلالتها على أنها ~~عرصة بسيطة فيها نار واحدة بكيفية واحدة وعقاب واحد، وإنها لينبغي التشكر ~~لبعضها إذ سمح بذكر جهنم، فإن التوراة الرائجة - وحاشا الحقيقية - لم تطر ~~لجهنم ذكرا، وإنما شددت وعيدها بالقحط والأمراض، وأن يتزوج الخاطئ امرأة ~~ورجل آخر يواقعها (تث 28، 30). # وقد عرفت من أشتات كتابنا حال كتب المتكلف الرائجة في نسبتها إلى الوحي، ~~واشتغالها بالتناقض والفضاول الفارغة، والحجج الواهية، والتفصيل القبيح في ~~مثالب الأنبياء والأولياء، ونسبة الكفر والفضائح إلى قدسهم وإلى عائلاتهم. # ولعل المتكلف يغتر ويقول إن الكتب التي لا يفوتها مثل الاكثار من ذلك لا ~~يفوتها تفصيل الحقيقة لجهنم لو كان لها أصل، فقل له: مهلا ولا تبشر أوهامك ~~فإن الكتاب الذي تستودعه تقلب الأحوال والنشآت وتلاعب الأيام والأهواء مثل ~~ما ذكرناه لا بد من أن تستلب منه كثيرا من الحقائق وكفى بحال التوراة ~~الرائجة حجة عليك، فإنها أكثرت في سفاسفها في شأن الأنبياء والأولياء ~~وتفصيل ثياب هارون وصيدلة البرص ولم تسنح لها الفرصة بذكر جهنم أصلا ورأسا، ~~وإنك في اعتراضك على القرآن بغفلة كتبك قد فتحت للطبيعي باب PageV02P293 # الاعتراض على العهد الجديد إذا قال لك إن جهنم المذكورة في العهد الجديد ~~هي من الخرافات، فإن التوراة التي هي أساس تعليم العهدين لم تذكر جهنم ~~أصلا، على أن اعتراضك على القرآن الكريم بغفلة كتبك المعروف حالها إنما هو ~~شطط واه، واعتراض الطبيعي على كتبك بتوراتك جدل لازم فحتى متى. # * * * PageV02P294 # المقدمة الرابعة عشرة فيما تضمنه العهدان الرائجان من حيث اللاهوت ~~والنبوات والشريعة والآداب، وفيها فصول * * * الفصل الأول في الإلهيات لا ~~يخفى ms543 أن عنوان العهدين هو التعليم بوجود الإله الصانع القادر العليم الحكيم ~~الحي الأزلي الدائم، وبجلال قدسه وكمال ذاته وبتوحيده، وأنه جل جلاله لا ~~إله غيره ولا شبيه له ولا مثل، غير منظور ولا يرى، والتعليم بالتنزه من ~~ضلالة الشرك وعبادة الأوثان. # ولكن دواهي الأيام ودواعي الأهواء قلما تدع حقيقة لا تكدر صفوها ولا تدخل ~~عليها أضدادها في ديوان بيانها وكتاب تعليمها حتى تتركها وأضدادها في معترك ~~التناقض ومثابرة التنافر، وإن أوهمت كثيرين بتلبيس المختلس على الغافل ~~وخدعة الماذق للغر أنها قد نظمت فرائدها في سمط البيان وجمعت فوائدها في ~~ديوان الوحي، (وهيهات فقد سبق السيف العذل واتسع الخرق على الراقع، ولن ~~يصلح العطار ما أفسد الدهر). # ولذا جاء في العهدين في الأمور الإلهية والشؤون النبوية ما لا يقف في صف ~~الحقيقة، ولا يستقيم على قاعدة الإيمان ولا يدور على محور العرفان. # فقد ذكرت التوراة الرائجة عن وحي الله لموسى باللغة العبرانية أن اسمه ~~المقدس جل اسمه (يهوه) (خر 3، 15 و 6، 3). # وكذا جاء في المزمور (83، 18 وعا 4، 13، و 5، 8، و 9، PageV02P295 # 6)، ويهوه هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت ليس سواه، (تث 4، ~~39). # وهو إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب (خر 3، 15 و 16)، وهو الإله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجبل آدم ترابا من الأرض (تك 2، 4 و 7) ومقتضى هذا أن ~~(يهوه) اسم علم لله جلت أسماؤه. # ولكن التوراة الرائجة تقول: وأخذ يهوه الإله آدم ووضعه في جنة عدن ~~ليعلمها ويحفظها، وأوصى يهوه الإله آدم قائلا من كل شجر الجنة أكلا تأكل ~~ومن شجرة معرفة الخير والشر (أو معرفة الحسن والقبيح) فلا تأكل منها لأنك ~~بيوم أكلك منها موتا تموت (تك 2، 15 - 18). # وقالت (الحية) للمرأة (حوا): أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ ~~فقالت المرأة للحية من ثمر شجر الجنة نأكل ومن ثمر الشجرة التي في وسط ~~الجنة، قال الله تعالى: (لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا)، وقالت الحية ~~للمرأة لا تموتا موتا بل يعلم الله أنه بيوم أكلكما منه تنفتح ms544 أعينكما ~~وتكونان كالله عارف في الخير والشر، (فلما أكل آدم وحوا) انفتحت أعينهما ~~وعلما أنهما عريانان. # فالتوراة الرائجة تقول بسخافة مضمونها واستغفر الله إنه قد كذب القول ~~لآدم بأنه بيوم أكله من شجرة الخير والشر يموت موتا بل كانت الحية هي ~~الصادقة في قولها، فإنهما لما أكلا من الشجرة انفتحت أعينهما وعلما أنهما ~~عريانان وصارا عارفين في الخير والشر كما سيأتي. # والمتكلف (يه 2 ج ص 131) جمع في الاعتذار عن ذلك بين أمرين متباينين ~~تتكفل ذات التوراة ببيان غلطهما (أحدهما) أن المراد من الموت هو الموت ~~الروحي لأن آدم لما تعدى الوصية استوجب سخط خالقه، وتوراة المتكلف تغلطه في ~~هذا الاعتذار فإنها تقول إن آدم قبل أكله من الشجرة لم يكن عارف الخير ~~والشر حتى أنه لا يميز أنه عريان ولا يخجل من ذلك وهذا الحال هو الهمجية ~~والموت الروحي، وإن من كان على مثل هذا الحال لا يدرك قبح PageV02P296 # المخالفة ولا يصح السخط عليه، وكيف يصح السخط على من لا يعرف الخير ~~والحسن لكي يعرف حسن الطاعة ولا يعرف الشر والقبيح لكي يعرف قبح المخالفة ~~وتعدي الوصية. # بل مقتضى التوراة أن أكله من الشجرة أوجب له الحياة الروحية، إذ صار عارف ~~الخير والشر كالإله وصار قابلا بمعرفته أن يشرق في قلب نور العرفان ~~والإيمان والرغبة في الطاعة. # وثانيهما: إنه يوم أكله من الشجرة دبت فيه أسباب الموت وغرست في جسمه ~~بذور الفناء.. # والتوراة توضح إن هذا وهم فاحش لأن مقتضاها أن آدم لم يخلق للبقاء بل قد ~~وقعت المحاذرة والتدابير لئلا يأكل من شجرة الحياة فيعيش إلى الأبد كما ~~ستسمعه فهو من يوم خلق قد غرس التقدير في جسمه بذر الفناء فهذا الموت ~~التقديري لازم له قبل أكله من الشجرة. # ثم اعلم أن كاتب التوراة الرائجة وحاشا الحقيقة قد أودع مضمونها السخيف ~~أكثر مما قالته الحية في المنشأ لنهي آدم عن الأكل من الشجرة، غفرانك اللهم ~~وأنت المستعان على عبث الأهواء. # وتقول التوراة الرائجة أيضا إن يهوه تبارك اسمه ms545 وجل شأنه سمع آدم وحوا ~~صوته وهو متمش في الجنة عند ريح النهار فاختبأ آدم من وجهه في وسط شجر ~~الجنة فنادى يهوه الإله آدم وقال له أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة ~~فخشيت لأني عريان فاختبأت فقال: من أعلمك أنك عريان هل أكلت من الشجرة (تك ~~3، 8 - 12). # أفلا ترى أن هذا الكلام يقول بسخيف مضمونه أن الله جل شأنه جسم يتمشى في ~~الجنة وله في تمشيه صوت، وأن آدم بعد ما صار عارفا للخير والشر عرف أن ~~الاختباء في شجر الجنة يخفيه على الله تعالى شأنه، وكأنه لأجل ذلك سأله أين ~~أنت. # وتقول لما أكل آدم من الشجرة وصار عارفا للخير والشر، قال يهوه: هو ~~PageV02P297 # ذا الإنسان صار كواحد منا عارفا الخير والشر والآن لعله يمد يده ويأخذ من ~~شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحي إلى الأبد فأخرجه يهوه الإله من جنة عدن وأقام ~~شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة (تك 3، 22 ~~- 24). # أفلا ترى أن هذا الكلام يقول مضمونه إن الله جلت عظمته وعظمت قدرته قد ~~خاف من عاقبة آدم وصار يحاذر منه على استقلال مملكته واستبداده في أمره حتى ~~أعمل التدابير والاحتياطات اللازمة. # وتقول أيضا (لما عزم بنو آدم بعد الطوفان أن يبنوا في بابل مدينة وبرجا ~~حصينا لئلا يتبددوا على وجه كل الأرض) نزل يهوه لينظر المدينة والبرج للذين ~~كان بنو آدم يبنونهما، وقال يهوه: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ~~ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كلما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ~~ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض (تك 11، 5 - 8). # أفلا تقول: ما حاجة علم الله جلا جلاله إلى النزول لأجل الاطلاع وما حاجة ~~قدرته العظيمة إلى الاستعانة والنزول، وما أقبح هذه التعبيرات حتى لو سمح ~~أسلوب التوراة الرائجة بحملها على المجاز ولكنه لا يسمح، أو لا ترى أن ~~مضمون هذا الكلام يقول بسخافته إن الله جل شأنه خاف على مملكته من تمرد ~~الرعية وخروجهم عن ms546 نفوذ سلطانه فاستغاث بمن يعينه على النزول معه لأعمال ~~التدابير والاحتياطات في حفظ المملكة عن الانحلال. # وتقول أيضا: وقال يهوه صرخة سدوم وعمورة قد كثرت وخطيئتهم قد عظمت جدا ~~انزل وأرى كصرختها الآتية إلي عملوا كلها وإلا أعلمها، (تك 18، 20 و 21). # وقل ما حاجة علم الله جل اسمه إلى النزول لأجل الاطلاع وتحقيق الحال ~~والكشف على مطابقة الصرخة والشكاية لحقيقة العمل، أم لا لكي يحصل له العلم ~~بحقيقة الحال في هذا النزول للاكتشاف. # وتقول أيضا: ما حاصله أن يهوه جل اسمه وعد موسى بأن يصعد بنو PageV02P298 # إسرائيل من مصر إلى أرض الكنعاني والاموري والحوي واليبوسي، ولكنه جل ~~شأنه قال لموسى: تدخل أنت وشيوخ بني إسرائيل إلى ملك مصر وتقولون: يهوه إله ~~العبرانيين استقبلنا فالآن نمضي طريق ثلاثة أيام في البرية ونذبح ليهوه ~~إلهنا. # مع أنها تصرح بأن الله لم يستقبل بني إسرائيل، بل أرسل إليهم موسى ولم ~~يكن المقصود هو الذهاب طريق ثلاثة أيام الذبح، بل المضي إلى أرض الموعد ~~المذكورة، وحاشا لله أن يعلم بالكذب ويفتح رسالته بهذا العمل الفاسد. # وتقول أيضا: لما رجع موسى برسالة الله من مديان إلى مصر حسب الأمر ~~والموعد صار في الطريق في المنزل والتقاه يهوه وطلب أن يقتله فأخذت صفورة ~~امرأة موسى صوانة فقطعت غرلة ابنها ومست رجليه وقالت: إنك عريس دم لي فانفك ~~عنه (تك 4، 24 - 26). # أفلا ترى أن هذا الكلام يقول بسخافة مضمونه إن الله جل شأنه أخلف وعده ~~لبني إسرائيل وموسى، وطلب أن يقتله ولكنه انفك عنه بمخادعة صفورة. # وتقول أيضا: إن يهوه كلم موسى وهارون أن يأمرا بني إسرائيل في مصر بذبح ~~الفصح، وأن يجعلوا من دمه على أبوابهم ويعبر يهوه ويضرب كل بكر في أرض مصر ~~من الناس والبهائم ويكون الدم الذي على الأبواب علامة على بيوت إسرائيل ~~فيرى يهوه الدم ويعبر عنهم فلا تكون عليهم ضربة للهلاك حينما يضرب مصر (تك ~~12، 6 - 14 و 21 - 24). # ويا للعجب العجيب ما حاجة الله إلى العلامة، أفلم يكن من الممكن ms547 في علمه ~~جل شأنه أن يعرف بيوت بني إسرائيل بدوت العلامة. # وتقول أيضا: إن موسى وهارون وناداب وابيهو وسبعين من شيوخ إسرائيل رأوا ~~إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في ~~النقاوة، فرأوا الله وأكلوا وشربوا (خر 24، 9 - 12). # وكيف يكون التجسيم إذا، بل لو قيل إن الله جل شأنه جسم متحيز في ~~PageV02P299 # مكان لاحتمل من المجاز ما لا يحتمله هذا الكلام. # وتقول أيضا: فنزل يهوه في السحاب ووقف - أي موسى - عنده هناك ونادى باسم ~~الرب وعبر يهوه قدامه (خر 34، 5 و 6) فنزل يهوه في عمود سحاب ووقف بباب ~~الخيمة (عد 12، 5). # ويقول العهد القديم: إن يهوه كان جالسا على كرسيه وكل جند السماء وقوف ~~لديه عن يمينه وعن يساره، فقال يهوه: من يغوي اخاب فيصعد ويسقط في راموت ~~جلعاد؟ فقال هذا هكذا، وقال ذاك هكذا، ثم خرج الروح ووقف أمام يهوه فقال: ~~أنا أغويه فقال له يهوه بماذا؟ فقال أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع ~~أنبيائه فقال إنك تغويه وتقدر فاخرج وافعل هكذا (1 مل 22، 19 - 23، و 2 أي ~~18، 18 - 22). # ولا تخفى سخافة هذا الكلام في تضمنه للتجسيم والعجز والحيرة وعدم ~~الاهتداء إلى الرأي حتى اهتدى إليه روح الكذب، وأن القدرة تقصر عن نفوذها ~~حتى تتوصل بالكذب. # ويقول العهد القديم عن وحي أرميا، فقلت: آه يا سيدي يهوه حقا خداعا خادعت ~~الشعب هذا وأورشليم قائلا: سلام يكون لكم وقد بلغ السيف إلى النفس. # وسخافة هذا الكلام لا تحتاج إلى البيان. # وجاء في العهد الجديد أن المسيح لما صعد إلى السماء جلس عن يمين الله (مر ~~16، 19 وعب 10، 12 وانظر ا ع 7، 56). # وهذا يقتضي التجسيم وأن الله جل جلاله يحويه المكان ويكون له جهة يمين، ~~كما جاء في التوراة أن الله جل شأنه له جهة وراء (خر 33، 23). # ويقول العهد الجديد أيضا إن الله جل شأنه محبة (1 يو 4، 8 و 16). # ولا يخفى أن المحبة ميل شئ إلى شئ فهي عرض لا تأصل له في الوجود. ~~PageV02P300 # ويقول ms548 العهد الجديد أيضا: والكلمة كان عند الله والكلمة كان الله، (يو 1، ~~1). # فكيف يكون الكلمة الله والذي هو الله كيف يكون عند الله. # وجاء في العهد الجديد أيضا: لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه، (10 ع ~~20، 28). # وهذه من الدواهي التي توقف العقل والعرفان موقف الحسرة والعجب. # هذا ودع عنك ما تضمنه العهدان مما يمكن حمله على المجازات الواهية ~~المستهجنة كوصفه جل شأنه بطويل الروح (عد 14، 18) وأنه حزن وتأسف في قلبه ~~لأنه عمل الإنسان والحيوانات (تك 6، 6 و 7)، وأنه ندم على جعله شاول ملكا ~~(1 صم 15، 11) وأنه رجل الحرب (خر 15، 3) وكنسبة الرأس له جل شأنه (اش 19، ~~17)، وحدقة العين (تث 32، 10) والأجفان (مز 11، 4) والأنف (خر 15، 10) ~~والفم (تث 8، 3)، والجناحين والأجنحة والخوافي وهي الريش الصغار من الأجنحة ~~(مز 16، 8، و 91، 4) والحضن (يو 1، 18) وباطن القدمين (خر 43، 7) وموطئ ~~القدمين (1 أي 28، 2) وكنسبة المشي له جل شأنه (مز 104، 3) والجلوس (مز 9، ~~4) وأنه جل شأنه ركب على كروب وطار (مز 18، 10) وجالس على الكروبيم (مز 80، ~~1) والركوب على سحابة سريعة والقدوم إلى مصر (ا ش 19، 1)، والابتلاع (مر ا ~~2، 2) والالتحاف بالسحاب (مر ا 3، 44)، والتحير (ا ش 59، 16)، والفرح (مز ~~104، 31)، والضحك (مز 37، 13). # * * * ولا يخفى أن الملائكة مخلوقون لله يسبحونه ويقدسونه ويعملون بأمره ~~كما جاء في العهد القديم (مز 104، 4 و 103، 20، و 148، 2) وجاء أيضا أن ~~الله ينسب إليهم حماقة (أي 4، 18) وفيهم ملائكة أشرار (مز 78، 49) وانظر ~~إلى العهد الجديد (2 بط 2، 4 ويه 6)، هذا والتوراة الرائجة PageV02P301 # كثيرا ما تنسب إلى الملاك ما تختص نسبته بالله جل شأنه وتسمى الملاك ~~(يهوه) أو (الإله) وهما اسمان مختصان بذات الجلالة، فمن ذلك قولها إن ملاك ~~يهوه وجد (هاجر) وذكرت مكالمته معها ثم قالت: وقال لها ملاك يهوه تكثيرا ~~أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة. # ثم قالت التوراة فدعت (أي هاجر) اسم يهوه الذي تكلم معها أنت ايل رئى (أي ~~إله رؤية) (تك 16، 7 - 14). # فالتوراة الرائجة سمت الذي كلم هاجر أولا ملاك يهوه ثم نسبت له أن يكثر ~~نسلها حتى لا يعد من الكثرة، وهذه النسبة لا تصح إلا لله تبارك اسمه ثم ms549 سمت ~~الملاك الذي كلم هاجر (يهوه). # وقالت التوراة أيضا ونادى ملاك الرب هاجر من السماء قومي احملي الغلام ~~لأني سأجعله أمة عظيمة (تك 21، 17 و 18). # وقد كثر خبط التوراة الرائجة بين الله جل اسمه وبين ملاك الذي هو الملك، ~~فقد جاء فيها ما ملخصه أن يهوه وهو الله جل اسمه كما قدمنا ظهر لإبراهيم ~~فرفع عينيه وإذا ثلاثة رجال واقفون فنظر وركض لاستقبالهم وسجد إلى الأرض ~~وقال: يا سيد إن كنت وجدت نعمة في عينك فلا تتجاوز عبدك ليؤخذ قليل ماء ~~واغسلوا أرجلكم واتكأوا تحت الشجرة وأخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم ~~تجتازون فعمل لهم طعاما وأكلوا فقالوا أين سارة وقال: # رجوعا ارجع كوقت الحياة وهو ذا لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة فضحكت ~~فقال يهوه: لم ضحكت سارة؟ هل يستحيل على يهوه شئ للميعاد أرجع إليك ولسارة ~~ابن ثم قام الرجال وتطلعوا نحو سدوم (تك 18، 1 - 17). # ويا للعجب كيف يكون الله جل شأنه ثلاثة رجال يمشون ويأكلون؟ # وكيف يخاطبهم إبراهيم تارة بخطاب الواحد فيقول (يا سيد) (عينك) (عبدك) ~~وتارة بخطاب الجمع فيقول (اغسلوا أرجلكم) (واتكأوا) (فتسندون قلوبكم) وكيف ~~تعبر عنهم التوراة مرة بضمير الجمع فتقول (أكلوا) PageV02P302 # (وقالوا)، ومرة بضمير الواحد فتقول (وقال) (وقال يهوه ارجع). # وليت شعري هل تقول التوراة إن الله يهوه جلت أسماؤه هو جمع الرجال ~~الثلاثة الذين أكلوا أم هو واحد منهم.. # نعم إن الرسالة المنسوبة لعبد المسيح تقول: إن الرجال الثلاثة هم أقانيم ~~الإله الواحد. # ولعله يحتج لخرافتها هذه بأنهم أكلوا تحت الشجرة فترغم بحجتها أنوف ~~الوثنيين، وتمثل مجد الإله وقدسه للملحدين سبحانك اللهم. # ولعل المتكلف يحتج على أن الرجال الثلاثة هم الله جل شأنه بقول التوراة ~~إن إبراهيم ركض لاستقبالهم وسجد إلى الأرض، فإن المتكلف يدعي في مثل هذا ~~المقام (يه 4 ج ص 205 و 206) أن سجود إبراهيم دليل على أن الذي سجد له هو ~~الله. # ولم يشعر المتكلف أن التوراة تبين من سخافة هذه الحجة أن إبراهيم سجد ~~مرتين لبني حث (تك ms550 23، 7 وط 12). # واعلم أن النصارى يتشبثون لدعوى الثالوث وألوهية المسيح بأوهام كلمات في ~~كتبهم الرائجة، فحاول إظهار الحق أن يجادلهم بما في كتبهم لكي يوضح أنها لم ~~يدعها قلم كذب الكتبة لأن تقف على حد المعقول وصواب المحاورة، بل إن أمرها ~~دائر بين المقالات الكفرية، أو التأدي على سخافة الجاز وممقوت التعبير وإن ~~أبى الكثير منها إلا مناقضة الحقائق المعقولة في اسم الله والإله ويهوه، ~~وما تختص نسبته بالله جل اسمه كما سمعت بعضه، ولكن المتكلف نكص إلى تلفيقات ~~لم يتدبر بها ما في كتبه، فكأنه لم يفهم مراد إظهار الحق، أو لم يجد ما ~~يتعب به القلم ويسود به وجه الصحف إلا هذه التلفيقات حتى حاول أن يلوث ~~إظهار الحق بما جادلهم به من كتبهم بل عابه به انظر (يه 4 ج ص 202 - 210). # ثم قالت التوراة في هذا الموضوع على الأثر ما ملخصه: وجاء الملأ كان إلى ~~سدوم فاستقبلهما لوط وسجد بوجهه إلى الأرض ودعاهما إلى ضيافته فأكلا فقال ~~PageV02P303 # الرجلان للوط: أخرج من لك في هذا المكان لأن يهوه أرسلنا لنهلكه وكان ~~الملاكان يعجلان لوطا وكان لما أخرجاهم قال اهرب لحياتك فقال لهما لا يا ~~سيد هو ذا عبدك وجد نعمة في عينيك وعظمت لطفك هو ذا المدينة قريبة اهرب ~~إليها فقال: رفعت وجهك في هذا الأمر لأني لا أقدر أن أفعل شيئا حتى تجيئ ~~إلى هناك (تك 19، 1 - 23). # وليت شعري أن الرجال الثلاثة الذين جاؤوا إلى إبراهيم وذهبوا إلى سدوم ~~كيف صاروا ملاكين اثنين. # أيقول المتكلف إن ثالثهم هو يهوه الإله الذي كلم إبراهيم وذهب وأنه رجع ~~عن صحبة الملاكين بعد ما أكل من ضيافة إبراهيم؟ ولماذا صار الملاكان واحدا ~~يقول لهما لوط (لا يا سيد) (هو ذا عبدك)؟ ومن هو الذي يقول أنا لا أقدر أن ~~أفعل شيئا حتى تجيئ إلى هناك. # وإن الرسالة المنسوبة لعبد المسيح وأمثالها تقول: إن العهد القديم يرمز ~~إلى الثالوث، أتراهم يريدون بذلك هذا الخبط في العدد. # وإن يعقوب صارعه إنسان ms551 حتى طلوع الفجر ولما رأى - أي ذلك الإنسان - أنه ~~لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فخذ يعقوب في مصارعته معه وقال - أي ذلك الإنسان ~~- أطلقني لأنه قد طلع الفجر فقال: - أي يعقوب - لا أطلقك إن لم تباركني، ~~فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب فقال: لا يدعى اسمك بعد يعقوب بل يسرائيل - ~~أي يجاهد الله - لأنك جاهدت مع الله ومع الناس وقدرت، فدعا يعقوب اسم ~~المكان فنيئيل - أي وجه الله - لأنه رأيت الإله وجها لوجه ونجيت نفسي (تك ~~32، 24 - 31). # والعهد القديم يقول أيضا: إن يعقوب بقوته جاهد الله جاهد الملاك وغلب (هو ~~12، 3 و 4). # فانظر إلى سخافة هذا الكلام كيف جعل الموضوع الواحد إنسانا وملاكا وسماه ~~الإله ووصفه بالجسمية والمصارعة ليعقوب والمغلوبية. # وتقول التوراة الرائجة في بدء خطاب الله لموسى إن ملاك يهوه ظهر لموسى ~~PageV02P304 # بلهيب نار من وسط عليقة وناداه الله (اخلع نعليك) وقال له أنا إله أبيك ~~إبراهيم إلى آخر كلام الله معه. # وهذا وإن أمكن حمله على أن الذي ظهر في لهيب النار لموسى هو الملك، والذي ~~كلم موسى هو الله. # ولكن التوراة الرائجة تأبى هذا التأويل حيث تقول: وغطى موسى وجهه لأنه ~~خاف أن ينظر إلى الله (خر 3، 6) وهذا يعطي أنها تقول: إن الله هو الملاك ~~الذي ظهر في لهيب النار، ويؤكده قول العهد الجديد إن الذي كلم موسى هو ~~الملاك (ا ع 7، 37). # ثم إن التوراة الرائجة تارة يصرح مضمونها بأن الله جل اسمه وهو يهوه سار ~~أمام بني إسرائيل بعمود سحاب نهارا وعمود نار ليلا، وذلك من سكوت وهو ~~المنزل الثاني لهم من مصر إلى عربات مواب حيث توفي موسى عليه السلام وذلك ~~في مدة أربعين سنة. # كقولها عند ذكر ارتحالهم من سكوت، ويهوه يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ~~ليهديهم الطريق وليلا في عمود نار ليضئ لهم ليمشوا نهارا وليلا (خر 13، ~~21). # وقولها عن خطاب موسى لله يهوه في برية فاران، وبعمود سحاب أنت سائر ~~أمامهم نهارا، وبعمود نار ليلا، (عد 14، 14)، وقولها عن قول موسى في ms552 خطاب ~~بني إسرائيل في عربات مواب، يهوه إلهكم السائر أمامكم في الطريق في نار ~~ليلا وفي سحاب نهارا (تث 1، 32 و 33). # وتارة تنقض ذلك وتذكر أن السائر أمام بني إسرائيل هو ملاك الإله يهوه ~~الذي يرسله يهوه. # فقد قالت في شأنهم في فم الحيروث وهو المنزل الثالث لهم من مصر عندما ~~أدركهم فرعون وجنوده، فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار ~~ورائهم، وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم (خر 14، 19) PageV02P305 # وذكرت عن قول الله لموسى في طور سيناء في خطاب بني إسرائيل، ها أنا مرسل ~~ملاكا أمام وجهك ليحفظك في الطريق ويجئ بك إلى المكان الذي أعددته، فإن ~~ملاكي يسير أمامك (خر 23، 20 و 23). # وذكرت عن قول موسى في ذكر مراحم الله: أرسل ملاكا وأخرجنا من مصر (عد 20، ~~16) وجاهرت بالصراحة في ذلك أذكرت عن قول الله لموسى في طور سيناء في خطاب ~~الشعب أرسل (أو أرسلت) أمامك ملاكا، فإني لا أصعد في قربك لأنك شعب صلب ~~الرقبة، وقال يهوه لموسى: قل لبني إسرائيل أنتم شعب صلب الرقبة لحظة واحدة ~~إن صعدت في قربك أفنيتك (خر 33، 3 و 5). # وهذا صريح في أن الله جل اسمه لم يسر أمام بني إسرائيل ولم يصعد بقربهم ~~بأي نحو أولت صعود الله معهم وسيره أمامهم، بل إن السائر أمامهم والذي ~~أخرجهم من مصر هو الملاك الذي أرسله الله ويؤكد ذلك قول العهد الجديد في ~~شأن موسى، هذا هو الذي كان في الكنيسة في البرية مع الملاك الذي كان يكلمه ~~في جبل سيناء (ا ع 7، 38). # وهذا كله مناقض لقول التوراة إن السائر أمام بني إسرائيل في عمود السحاب ~~هو الله بأي نحو أولته. # وقد كثر في التوراة والعهد القديم قولها: (فنزل الله) (فصعد الله) ~~(فتراءى الله) وهو في مقام يمتنع من أسلوبها التأويل، فهو لا يخلو من أحد ~~وجوه ثلاثة: أما القول بالتجسيم وأن الله (تعالى شأنه) يحويه المكان فيصح ~~عليه الصعود والنزول وتقع عليه الرؤية تعالى الله عن ذلك، وأما الخبط في ~~تسمية الملك ms553 بالأسماء الخاصة بذات الجلالة، وأما الضلال بالبناء على أن ~~الملك هو الله جل شأنه. # وإذا نظرت إلى التوراة الرائجة وجدتها كأنها كتابة أناس متعددين مختلفين ~~في المعرفة وصحة الاعتقاد لا يدري كل واحد بما كتبه الآخر، أو لأنه كتاب ~~جدد اسمه في بقايا ديانة توحيدية سرت فيها روح الوثنية فتقاسمت مخائله ~~مشابهة هذين الأبوين. PageV02P306 # ولذا جاء في العهدين وخصوص التوراة صراحة التعليم بوحدة الإله وأن الله ~~يهوه هو الإله وليس آخر سواه، وهو الإله في السماء وعلى الأرض وليس سواه، ~~ولا إله معه ولا إله غيره، وذكرت عن قول الله جل اسمه لا تذكروا اسم آلهة ~~أخرى ولا يسمع من فمك، ولا يكن لك آلهة أخرى أمامي. # وجاء في العهدين أيضا عن قول الله إن موسى إله لهارون ولفرعون، وإن الذين ~~صارت إليهم كلمة الله آلهة انظر الجزء الأول صحيفة 153 - 154 وجاء في العهد ~~القديم أيضا لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعي ~~اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبديا رئيس السلام (ا ش 9، 6). # ولا يخفى أن هذه المقالة لا تناسب الديانة المؤسسة على توحيد الإله ~~وتقديسه وتنزيهه عن النقائص البشرية. # بل إنما تناسب أن تدرج في كتب الهنود والصينيين والآشوريين واليونان ~~والمكسيكيين من الوثنيين الذين يقال إنهم يعتقدون بتولد الإله بالولادة ~~البشرية... # ومن هذه التعاليم جاء قول العهد الجديد، ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن ~~على الكل إلها مباركا إلى الأبد (رو 9، 5). # ومن أجل هذا الداء صدر ما تضمنه العهدان من نسبة صفات النقص البشري إلى ~~الله جل جلاله وعلا شأنه، كما نسبت له الدم وصفات الجسم في أساليب لا تحتمل ~~المجاز كما نسبت له لوازم الضعف والمغلوبية والحاجة والحيرة والكذب وعدم ~~العلم كما تعرفه مما سبق، تعالى الله عما يقولون. # وكما نسبت إليه جل شأنه أنه يمكن الكاذب في دعوى النبوة والداعي إلى ~~الشرك والدجال المضل الأثيم ويتركهم تجري على أيديهم الآيات والقوات ~~والعجائب، وأن الله جل شأنه يرسل إلى الناس عمل الضلال حتى يصدقوا ms554 الكذب، ~~فانظر (تث 13، 1 - 4، ومت 24، 24 و 2 تس 2، 9 - 12). # وفي هذا نسبة جملة من القبائح إلى الله جل شأنه بحد لا يرضاه لنفسه آحاد ~~البشر. PageV02P307 # أحدها: إغراء الناس بالضلال، فإن الركون في التصديق إلى ظهور الآيات ~~والقوات والعجائب العظيمة إنما هو من مرتكزات الفطرة وأوليات البديهة بحيث ~~لا يتطرقه الشك كما يتطرق سائر البديهيات من المعارف، ولذا ترى كثيرا من ~~الناس قد كابروا البداهة وجانبوا عقولهم في المعارف لشبهة المعجزة ومنقولها ~~الموهون. # وقل من يكون له العقل ونور الحقيقة هما الهاديان إليها والشاهدان عليها ~~كما هو روح العرفان وثابت الإيمان وقليل ما هم. # وثانيهما: سد باب الحجة على النبوة الصادقة وتضييع فائدتها لأجل التباس ~~الأمر على غالب الناس فإنه إذ جاز ظهور الآيات والقوات والعجائب العظيمة من ~~الكاذب والداعي إلى الشرك كما تزعمه الكتب التي تغر بصورة نسبتها إلى الوحي ~~فحينئذ لا حجة عند عامة الناس بظهور هذه الأمور من النبي الصادق حيث يكون ~~أمرها مشترك بين الصادق والكاذب. # وثالثها: لزوم العبث بإظهارها على يد الصادق سواء كان للحجة على رسالته ~~أو لبيان كرامته حيث إنها لا تفيد شيئا من ذلك مع اشتراكها بين الصادق ~~والكاذب. # ورابعا: إن إظهارها على يد الكاذب نقض للغرض من إظهارها على يد الصادق ~~وهو كونها حجة على صدقه. # وخامسها: إذا كان إظهارها على يد الصادق لأجل الحجة على صدقه مع إظهارها ~~على يد الكاذب لزم من ذلك أمران: # أحدهما: قبح العقاب والملامة والتوبيخ لمن صدق الكاذب وآمن به لأنه قد ~~جاء بما هو حجة على صدق الصادق. # وثانيهما: قبح العقاب والملامة والتوبيخ لمن لم يؤمن بالصادق ولم يصدقه ~~وذلك لأنه لم يجئ إلا بما يجئ به الكاذب. # ولا يخفى أن كل واحد من البشر لا يرضى بأن ينسب إليه واحد من هذه الأمور. # * * * PageV02P308 # خلق السماوات والأرض وما فيها وقد قدمنا في هذا الجزء في آيات خلقها من ~~القرآن الكريم ما تعرف به شيئا من تنافي كلمات التوراة واضطرابها في هذا ~~الشأن، (فراجعه صحيفة ms555 88 و 89). # النبوة والأنبياء أما النبوة فللعهدين مقالات غريبة وإن شئت قلت ظريفة ~~(منها) إنها تذكر أن المتنبئ يقوم بخلع الثياب والتعري والاطراح عريانا ~~انظر (1 صم 19، 23 و 24) ويقوم بالرباب والدف والناي والعود (1 صم 10، 5 و ~~6) وأن ضرب العود يوجب حلول يد الله على النبي وإعلان الوحي له فيطلب النبي ~~عودا وعوادا عندما يسئل عن الوحي (2 مل 3، 15)، بل إن العهد القديم سمى ~~الجنون تنبيا حيث قال الأصل العبراني في أحوال شاول مع داود ويهيئ مما ~~حارات وتصلح روح إليهم راعاه آل شاول، ويتنبأ بتوك هبيت (1 صم 18، 10). # وتعريبه وكان من الغد، واقتحم روح الإله الردي على شاول فتنبأ في وسط ~~البيت، والتراجم أصابت حيث ترجمت قوله (ويتنبأ) بقولها (وجن).. # وقد ذكر العهدان أحوال الأنبياء عند الوحي إليهم وأحوالا ظريفة في ~~تبليغهم ذكرناها في الجزء الأول صحيفة 46 - 52. # ولم يذكر العهد القديم أن الله أرسل نبيا إلى عامة البشر ليدعوهم إلى هدى ~~التوحيد وحقيقة الإيمان وأدب الشريعة وإصلاحها. # وغاية ما ذكر في أحوال الأنبياء قبل موسى بعض الأحوال الخصوصية ولكن ~~كثيرا منها يرجع إلى القدح بقدسهم أو التسجيل بالفضائح على عائلاتهم أو ~~الجرأة على جلال الله وعظمته وقد ذكرناها أو أشرنا إليها متفرقة في هذا ~~الكتاب فلا نؤثر إعادتها هنا مجموعة. # نعم تذكر التوراة الرائجة أن نوحا لما نجا من الطوفان بنى مذبحا لله ~~PageV02P309 # وقرب فيه محرقات من كل الحيوانات والطيور الطاهرة... وهذا يقتضي أنه قد ~~أعطى شريعة القرابين، وطهارة بعض البهائم والطيور، ونجاسة بعضها الآخر (تك ~~8، 20). # بل ومقتضى التوراة أن شريعة القرابين من الابكار وغيرها ثابتة من عهد آدم ~~وهابيل وقابيل إذ عملا بها (تك 4، و 4)،، وأن إبراهيم حينما بلغ عمره تسعا ~~وتسعين سنة، وعمر إسماعيل ثلاث عشرة سنة أعطي شريعة الختان له ولنسله، ~~وعبده الغريب المبتاع بالفضة علامة للعهد بينهم وبين الله فيختن المولود ~~وهو ابن ثمانية أيام (تك 17، 10 - 14). # ولم تذكر لنوح ولا لإبراهيم ولا لغيرهما دعوة إلى التوحيد والصلاح ولا ~~نهيا عن عبادة الأوثان. ms556 # نعم تذكر أن موسى علم بني إسرائيل بالتوحيد ولم تذكر أنه دعا إليه غيرهم ~~حتى فرعون وقومه، بل يكاد مضمونها أن يصرح بأنه لم يعلم بالتوحيد ولم يدع ~~إليه إلا بني إسرائيل. # وذكرت أن موسى جاء من الله بالشريعة ولكن كثيرا من كلماتها يصرح باختصاص ~~الشريعة ببني إسرائيل والجار الذي في وسطهم. # وأما العهد الجديد فإنه يذكر عن قول المسيح إنه لم يرسل إلا إلى خراف ~~إسرائيل الضالة (مت 15، 24): وإنه أرسل دعاته وتلاميذه للدعوة وأوصاهم أن ~~لا يذهبوا في طريق أمم ولا يدخلوا مدينة للسامريين بل يذهبوا إلى خراف بيت ~~إسرائيل الضالة (مت 10، 5 و 6). # ولكن العهد الجديد يذكر عن المسيح بعد حادثة الصليب أنه قال لتلاميذه: # اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم (مت 28، 19). # وأما ما ذكره العهدان في أحوال الأنبياء ونسبة المعاصي والكفر والكذب إلى ~~قدسهم فإنك تعرفه من متفرقات الكتاب، وخصوص الفصول المتقدمة من الباب ~~الثاني من المقدمة الثامنة في الجزء الأول صحيفة (90 - 150). # وإن العهد الجديد يعتبر التلاميذ وبولس أنبياء ورسلا، وقد ذكر في ~~PageV02P310 # أحوالهم ما تجل عنه مرتبة سائر الصالحين فضلا عن الأنبياء، فانظر إلى ~~الجزء الأول (صحيفة 62 - 65)،، وقد أحلناك على متفرقاته استقباحا لجمعه في ~~مقام واحد. # وذكرت التوراة الرائجة في أمر النبوة أشياء لا تناسب الوحي وكتبه بل ~~تناسب خرافات الأهواء (منها) أن الله كلم موسى بأن الكاهن الذي يعمل ذبيحة ~~الخطيئة يأكلها في مكان مقدس (لا 6، 24 - 27)، ثم ذكرت إن موسى طلب تيس ~~الخطيئة فإذا هو قد احترق فسخط على العازرا وايثامار بني هارون وقال: ما ~~لكما لم تأكلا ذبيحة الخطيئة في المكان المقدس فإن الله أعطاكما إياها ~~لتحملا إثم الجماعة تكفيرا عنهم، أكلا تأكلانها كما أمرت فقال هارون إنهما ~~اليوم قد قدما ذبيحة خطيئتهما ومحرقتهما أمام الرب وقد أصابني اليوم مثل ~~هذه - يعني احتراق (ناداب) و (ابيهو) ابنيه -، فلو أكلت ذبيحة الخطيئة ~~اليوم هل كان يحسن في عيني الرب، فلما سمع موسى حسن في عينيه (لا 10، 16 - ~~20). # فيا عجبا إن الله يأمرهم بأكل ذبيحة ms557 الخطيئة وموسى يبلغ ذلك عن الله، ~~وهارون يعترض على هذه الشريعة وشريعة المحرقة ويتشائم بهما ويقول: إن ذلك ~~هل يحسن في عيني الرب؟ فماذا ترى في هذا الكلام؟ أيقال إن هارون كان مكذبا ~~لموسى في تبليغه عن الله؟ أم يرى أن له أن يعارض الوحي بالرأي والأعجب من ~~ذلك قول التوراة إن موسى استحسن رأي هارون مع معارضته لما أوحاه الله من ~~الشريعة المذكورة. # أيقال إن موسى كان شاكا في أمره فيستحسن الرأي المعارض للوحي، حاشا لله، ~~(الله أعلم حيث يجعل رسالته). # (ومنها) إن الإله أتى (بلعام) ليلا وقال له: إن أتى الرجال إليك فانطلق ~~معهم وتعمل الكلام الذي أكلمك به فقط، فقام بلعام صباحا وانطلق معهم فحمى ~~غضب الإله لكونه منطلقا ووقف ملاك الرب في الطريق ليقاومه (عد 22، 20 - ~~23). # ويا عجبا كيف يأمر الله بلعام بالانطلاق معهم ثم يحمي غضبه عليه لأنه ~~PageV02P311 # انطلق ويرسل ملاكه ليقاومه، مع أن بلعام حسب نقل التوراة لم يتكلم في ~~ذهابه معهم إلا بما كلمه الله به، (عد 23 و 24) ثم بعد هذا أيضا أمر ~~بالذهاب معهم (عد 22، 35) أم تقول التوراة الرائجة (كلام الليل يمحوه ~~النهار). # واعلم أن العهدين لم ينصا على نبوة آدم، وغاية ما ذكرت التوراة خطاب الله ~~معه في شأن الشجرة في النهي عن الأكل منها وبعد الأكل ولكن ذلك بمقتضى ~~التوراة لا يدل على النبوة، حيث تذكر أن الله خاطب الحية وحواء بنحو هذا ~~الخطاب. # ثم ذكرت أنه عندما ولد (انوش) ابتدأ أن يدعى باسم الرب، وهذا يشعر بوجود ~~نبوة ودعوة إلى الله في ذلك الوقت، ولكنها لم تبين أن تلك الدعوة باسم الرب ~~كانت من آدم أو من شيث، فإن ذلك الوقت كان بمقتضى التوراة قبل موت آدم بنحو ~~ستمائة وخمس وتسعين سنة، وبعد ولادة شيث بنحو مائة وخمس سنين.. # ثم ذكرت نوحا وذكرت خطاب الله معه بنحو يشعر بنبوته، وصرح العهد الجديد ~~بالوحي إليه (عب 11، 7)، وذكرت (حنوك) - أي إدريس - ولم تذكر إلا أنه سار ~~مع الله والله أخذه، ms558 وصرح العهد الجديد بنبوته (يه 14)، وذكرت إبراهيم ونصت ~~على خطاب الله معه وعلى نبوته، وذكرت إسحاق ويعقوب وخطاب الله معهما ولم ~~تنص عليهما بعنوان النبوة، ولم تذكر لهؤلاء دعوة إلى التوحيد ولا موعظة ولا ~~إرشادا إلى الهدى، كما لم تذكر لهم شريعة ولا كتابا ولكنها لا تنفي ذلك. # وذكرت مع نبوة موسى نبوة هارون أخاه ومريم أختهما وسبعين من شيوخ إسرائيل ~~ورجلين آخرين معهما، ولم تصرح بنبوة يشوع - أي يوشع - بل ذكرت أنه امتلأ ~~روح حكمة إذ وضع موسى عليه يديه، لكن سفر يشوع قد تكرر فيه قوله إن الله ~~كلم يوشع.. # ثم لم ينص سفر القضاة فيما بين يوشع وصموئيل على نبوة أحد إلا على ~~PageV02P312 # نبوة (دبوره) امرأة لفيدوت، ورجل آخر لم يذكر اسمه بل إن الله أرسله فوبخ ~~بني إسرائيل، نعم ذكر أن (جدعون) ظهر له ملاك يهوه وكلمه يهوه مرارا ثم من ~~صموئيل صار العهد القديم يتعرض لكثرة الأنبياء فذكر أنه كان مع صموئيل في ~~الرامة جماعة من الأنبياء، ولكنهم يتعاطون الرباب والناي والدف والعود حتى ~~أن رسل (شاول) في دفعات ثلاث لما ذهبوا إلى الرامة ووجدوا الأنبياء يتنبأون ~~كان عليهم روح الله فتنبأوا، وكذا شاول لما ذهب أيضا خلع ثيابه هو أيضا ~~وتنبأ أمام صموئيل، وانطرح عريانا ذلك النهار كله وكل الليل. # ولم تتضح حقيقة هذه النبوة والتنبي الذي يقوم بالدف والرباب والناي ~~والعود والتعري والانطراح كل النهار وكل الليل. # وكان النبي في زمان صموئيل ونحوه يسمى (الرائي) (1 صم 9، 9)، ويسمى أيضا ~~في العهد القديم (رجل الله)، والعهد القديم ذكر أن الله كلم داود وخاطبه، ~~وكذا سليمان، ونص العهد الجديد على نبوة داود، وذكر العهد القديم في زمان ~~داود (ناثان) النبي و (جاد) النبي و (يدوثون) يرائي داود، وذكر من بعد ذلك ~~أخيا الشيلوني، ورجل الله من يهوذا، والنبي الساكن في بيت ايل، وحناني، ~~وشمعيا، وعدو، وعوديد، ويعدو، عزرياهو، وياهو بن حناني، وإيليا، وجماعة في ~~زمانه من الأنبياء الذين قتلت منهم (ابزابل) من قتلت وأخفى عوبديا ms559 منهم ~~مائة، واليشع، ونبيا لم يسمه، وآخر من الأنبياء لم يسمه أيضا، وغلام نبي لم ~~يسمه أيضا وميخا ابن يملة، وعدة من الأنبياء في زمان (منسى)، والنبية خلدة، ~~وحننيا، والأنبياء الذين تنسب إليهم كتب من العهد القديم وهم أشعيا وأرميا ~~وحزقيال ودانيال، وهوشع، ويوئيل، وعاموس، وعوبديا، ويونان ابن امتاي - أي ~~يونس بن متى - وميخا المورشتى، وناحوم، وحبقوق، وصفينا، وحجى، وزكريا، ~~وملاخي، ويقال إن ملاخي آخر أنبياء العهد القديم. # وأما الأنبياء الذين يذكرهم العهد الجديد فهم زكريا (لو 1، 67)، والنبية ~~حنة (لو 2، 36)، ويوحنا المعمدان - أي يحيى بن زكريا -، والمسيح عليه ~~السلام رسول الله، وقد ذكره العهد الجديد بسمات وصفات (منها) PageV02P313 # تسميته بالمسيح. # وهذه تسمية سبقت في العهد القديم (لشاول) سماه داود مرارا مسيح الرب، ~~وسبقت أيضا عن وحي الله لأشعيا، هكذا يقول الرب لمسيحه (كورش) وهو من ملوك ~~فارس (ا ش 45، 1). # (ومنها) أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يعبر عن نفسه المقدسة يسمى نفسه ~~ابن الإنسان. # أفلا تقول إن الالتزام بهذا التعبير إنما هو للمحافظة والاحتياط من وقوع ~~الشبهة التي علقت بها الأوهام وسرى دائها من المجاورة (ومنها) أنه نبي (اع ~~3، 20 - 25) وأنه هو النبي الذي قال عنه موسى لبني إسرائيل إن الله يقيم ~~لهم نبيا مثل موسى (تث 18، 15). # (ومنها) أنه رسول الله كما كثر ذلك في الأناجيل وخصوص يوحنا، (ومنها) ~~تسميته ابن الله، والابن، والابن الوحيد. # وهذا اصطلاح جرى عليه العهدان في أن المؤمنين أو الصالحين يسمون ابن الله ~~البكر، وأبناء الله، أولاد الله، ومولودين من الله، والله ولدهم، والله ~~أبوهم، ولا يسهل أن يحصى ذلك من العهدين لكثرته، فانظر أقلا (تك 6، 2 و 4 ~~وخر 4، 22 و 23 وتث 14، 1 و 1 أي 22، 10 وهو 1، 10 ومت 6، 6 - 32 ويو 12 و ~~13 و 1 يو 3، 1 و 2 و 9 و 10، و 5، 1 و 2 و 4). # وجاء في الأناجيل المترجمة بالعربية أن المسيح عبر عن نفسه بالرب، (مت ~~21، 3 ومر 11، 3 ولو 19، 31)، وكثر التعبير بذلك في التراجم العربية ms560 لرسائل ~~العهد الجديد، ونص عبارة الإنجيل (الرب محتاج إليه)، وفي الترجمة العبرانية ~~(هادون) - أي السيد أو المولى -، وفي التراجم الفارسية (خداوند). # ولكن لا يخفى عليك أن نفس الإنجيل يقول: إن لفظ الرب تفسيره PageV02P314 # (المعلم) (يو 1، 38، و 20، 16). # وذكرت حواشي العهد الجديد أن المذكور في إنجيل متى (23، 7) في العربية ~~(سيدي سيدي) وفي الفارسية (آقا آقا) إنما هو في العبرانية (ربي ربي) ~~والمراد بالعبرانية هي نسخة إنجيل متى الأصلية. # ويشهد لذلك قوله لأن معلمكم أو مدبركم أو مرشدكم واحد، وهذه شهادة كافية ~~من ذات الإنجيل على أن اللغة العبرانية التي هي لغة المسيح وخصوصا في خطابه ~~للتلاميذ واليهود يدعى فيها الرئيس والمعلم والمرشد (الرب) و (ربي) ~~والمذكور في إنجيل يوحنا (3، 3) في العربية (يا معلم) هو في اليونانية ~~(ربي). # وأن نفس قول الأناجيل (الرب محتاج إليه) يكفي في إبطال أوهام الغلو ويبين ~~أن المراد منه وصف مخلوق محتاج ويكفي في ذلك أن الأناجيل تشهد أن المسيح لم ~~يكن يمكنه أن يبين لبني إسرائيل مراتبه من النبوة والكمال البشري فكيف يدعى ~~الألوهية. # وجاء في المزمور العاشر بعد المائة ما نصه: نأوم يهوه لادناي - أي أوحى ~~الله لسيدي - فترجموه في المزامير العربية (قال الرب لربي))، والفارسية ~~(يهوه بخداوند من گفت) و (خداوند بخداوند من فرمود). # وذكرت الأناجيل أن المسيح استشهد بهذا الكلام من المزامير فترجمته ~~بالعربية (قال الرب ربي)، وبالفارسية (خداوند بخداوند گفت)، واعلم أن ~~الأناجيل تذكر عن قول المسيح أنه أنكر على الكتبة والفريسيين قولهم أن ~~المسيح يكون ابن داود، واحتج لإنكاره بأن داود قال بالروح القدس في ~~المزامير (قال الرب لربي)، فإذا كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه؟ ومن ~~أين هو ابنه؟ # (مت 22، 41 - 46 ومر 12، 35 - 38 ولو 20، 41 - 45). # فاتفقت تراجم العهد الجديد وتراجم أصحابه للمزامير على تغيير معنى (سيدي) ~~الذي هو في الأصل العبراني إلى معنى (ربي) وذلك لئلا تبطل صورة المغالط في ~~الاحتجاج المذكور حيث إن كل أحد يعلم أن لا منافاة بين أن يكون PageV02P315 # المسيح ابن داود وبين أن ms561 يدعوه داود (سيدي) فإن كثيرا من الأبناء يكونون ~~بشأنهم الجليل ورتبهم العظيمة سادات لآبائهم كما يكون الأنبياء بالنسبة إلى ~~آبائهم الذي ليسوا بأنبياء. # وإن مقام المسيح في النبوة والرسالة العامة ليقتضي لداود وإن كان نبيا أن ~~يدعوه سيدا. # فلذلك بدل المترجمون معنى (سيدي) بمعنى (ربي) لأن كل موحد يعلم أن ابن ~~البشر لا يكون ربا ولا إلها.. لكن ماذا يصنعون وعهدهم الجديد يصرح بأن ~~المسيح هو ابن داود، وقد قدمنا في الجزء الأول شيئا من هذا فراجعه صحيفة ~~230 - 231. # وجاء في العهد الجديد أنه هو صورة الله (2 كو 4، 4). # ومن تتبع العهدين لم يجد من أمثال هذا الكلام دلالة إلا على تقحمهما في ~~سماجة التعبير حتى أنهما لم يقفا فيه على حد ولا مجاز مناسب، فقد جاء في ~~التوراة الرائجة إن الله جل شأنه خلق آدم على صورته، ولم ترض بهذا المقدار، ~~بل كررت وقالت على صورة الله خلقه (تك 1، 27)، وذكر العهد الجديد أن الرجل ~~صورة الله (1 كو 11، 7)، فلماذا يكون الرجل والمسيح صورة الله؟ وكيف يكون ~~ذلك؟ # وجاء في العهد الجديد أن المسيح بكر كل خليقة (كو 1، 15) وبداية خليقة ~~الله (روء 3، 14). # ولا يمتنع أن يكون المسيح باعتبار نورانيته بكر خليقة الله وبداية خليقته ~~إذ لا يمتنع أن يكون الأنبياء والمرسلون قد خلقوا بنورانيتهم قبل خلق ~~أجسامهم، وأما خلق أجسامهم فلا يشك عاقل في أن وجودها إنما هو بأزمانها ~~وأوقاتها المحدودة المترتبة. # وكيف كان فهذا الكلام من العهد الجديد جرى على ما ينبغي في بيان الحقيقة ~~والتصريح بأن المسيح مخلوق لله.. # ولكن ماذا ترى في قول العهد الجديد: المسيح يسوع الذي إذا كان في ~~PageV02P316 # صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معاد لله، (أو لم يحسب المساواة بالله ~~غنيمة) لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في ~~الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله أيضا ~~وأعطاه اسما فوق كل اسم (في 2، 5 - 10) أترى أن هذا القائل يريد في كلامه ~~هذا ms562 أن هناك إلهين متعادلين في مجد الألوهية وصفاتها، وأن المسيح هو أحدهما ~~فهو يستحق بمقامه الإلهي أن يكون معادلة لله، ولكنه ترك الشقاق والنزاع ~~وتنازل عن حقه من مجد الألوهية وصفاتها مراعاة ومحاباة أو صلحا بجعالة، ~~فأخلى نفسه من معادلة الله وأخذ بنفسه صورة عبد وصار من ذاته في شبه الناس. # وعلى هذا فلا يكون من خليقة الله ولا يكون هو الله لأن الله على هذا ~~الكلام هو معادلة الآخر (تعالى الله عما يقولون). # ولماذا لم يتمم هذا الكلام بيانه فيبين أن هذا التنازل كان بمعاملة يصح ~~فيها الفسخ أو لا يصح، وأن المسيح لو أراد فسخ هذه المعاملة هل يقدر على ~~فسخها أو لا يقدر. # نعم يمكن أن يفهم من الأناجيل مع كلام المتكلف وأمثاله في مسألة الفداء ~~ويعرف أن المسيح على أي حال كان لا يقدر على فسخ معاملاته مع الله، وإن ~~أراد وطلب وبكى واكتئب وحزن وصلى بأشد لجاجة، فانظر الجزء الأول صحيفة 316 ~~- 323. # ثم إن كان بهذا التنازل خرج عن حقيقة الألوهية إلى حقيقة العبودية وشبه ~~الناس فحينئذ لا يبقى له شئ من مجد الحقيقة الأولى وصفاتها العظيمة بل هو ~~إنسان كسائر البشر إن فاز بشئ من المجد فبمجد النبوة والرسالة الذي يمكن ~~ثبوته لآحاد البشر، وإن كان لم يخرج عن حقيقة الأولى في الألوهية ومعادلة ~~الله، ولم تنقلب حقيقته إلى الإنسانية، فحينئذ لا بد أن تبقى له المعادلة ~~لله، وصفات الألوهية كالعلم والقدرة وسائر الكمالات الإلهية على وجه لا ~~يمكن أن يتصف بضدها لأنها لا يمكن أن تنفك من حقيقة الألوهية. PageV02P317 # قل: إذا فما حاجة هذا المعادل لله إلى أن يرفعه الله ويعطيه اسما فوق كل ~~اسم، أم تقول: إن الكلام المتقدم المنقول عن ثاني (فيلبي) إنما هو من محض ~~الغلو في التعبير، وتعدي الحد المقبول في المبالغة، فإن الذي ينسب له هذا ~~الكلام هو الذي ينسب إليه قوله إن المسيح بكر كل خليقة، ولذا قال هاهنا إن ~~الله رفعه وأعطاه اسما فوق كل اسم. ms563 # وزد على ذلك إن الإنجيل ينقل عن قول المسيح أبي أعظم مني (يو 14، 28)، ~~وقوله وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في ~~السماء ولا الابن إلا الأب (مر 13، 32). # ومن المعلوم من العهد الجديد أن المراد بالابن هو المسيح فهو لا يعلم ~~بذلك اليوم وتلك الساعة. # وقوله: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا (يو 5: 30 و 19) وأنه لم يقدر ~~أن يصنع في وطنه ولا قوة واحدة (مر 6، 5)، وليس له أن يعطي شيئا إلا للذين ~~أعده الله لهم (مت 20، 23) وأنه يتضرع إلى الله، ويعبده بالصلاة والصوم ~~ويطلب منه ويفزع إليه في حوائجه وضيقه، ويطلب منه النجاة ويجرب من إبليس، ~~ويطمع فيه إبليس بغوايته بالشرك وينقله من مكان ومن كان بهذه الصفات لا ~~يقال فيه إنه معادل لله، وكيف والأناجيل تنسب له إنه قال على الصليب إلهي ~~إلهي لماذا شبقتني؟ - أي لماذا تركتني -؟ وهذا كاف في الصراحة بأنه ليس ~~معادلا لله وإنه ليس إلها، لأن الإله لا يكون له إله، ولا هو الله، وإلا ~~كان هذا الكلام كله غلط وكذب. # وكذا حكاية الإنجيل اصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم، (يو 20، 17)، ~~أفليس في هذا صراحة في كونه مساويا للبشر في أنه له إله هو إله البشر. # ولكن المتكلف يقول (يه 4 ج ص 287) لو سوى بينه - أي المسيح - وبينهم - أي ~~البشر - لقال إلى أبينا وإلهنا، ولكنه لم يقل ذلك إشارة إلى كونه الكلمة ~~الأزلية الخالق للعالمين، وإنه والأب واحد، فأبوة الأب للمسيح هي ~~PageV02P318 # أزلية لأنه كلمته وروحه، أما أبوته لنا نحن فهي أبوة الخالق للمخلوقين. # فنقول أولا: إن المسيح قال إلهي وإلهكم، ويكفينا من ذلك قوله إن له إلها ~~هو إله البشر، ولا يجدي في ذلك اختلاف الجهات لو كان معقولا فإن الإله لا ~~يكون له إله، وهذا من أوضح البديهيات على رغم فلتات الأوهام، والمتكلف يقول ~~(يه 4 ج ص 285) المسيح هو الله. # فليت شعري إذا من هو الإله للمسيح الذي يكون على ذلك إلها لله ms564 الذي هو ~~المسيح. # وثانيا: إن العهدين ذكرا عن خطاب الله لموسى: أنا إله أبيك إله إبراهيم ~~إله إسحاق وإله يعقوب (خر 3، 6 ومت 22، 32). # أفيقول المتكلف إنه قال ذلك لكي يدل على أن ألوهيته لإبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب متخالفة في الجهات؟ ولو سوى بينهم لقال: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. # وثالثا: إن العهد الجديد يقول: إن المسيح بكر كل خليقة، وبداية خليقة ~~الله، فلا بد حينئذ من أن تكون أبوة الله له أبوة الخالق للمخلوقين، وكيف ~~يكون الخالق والمخلوق واحدا. # ومن هذا كله يتضح لك الوهن والغلو في العبارة، أو المراد في قول العهد ~~الجديد في شأن المسيح الكائن على الكل إلها. # والمتكلف يقول (يه 4 ج ص 288 و 289) فلا عجب إذا تألم وتوجع وحزن وطلب ~~عبور الحزن واحتمل كل هذه الأحزان لأجلنا، فقد مات البار من أجل الآثمة ~~ليبررنا، فاللاهوت لم يبتلع الناسوت، بل كان إلها تاما وإنسانا تاما يجول ~~ويمشي ويجوع ويحزن ويتوجع، ولكنه كإله كان قديرا خالقا حفيظا. # أفلا تقول للمتكلف إذا كان المسيح إلها احتمل هذه الأحزان لأجل الآثمة، ~~فلماذا يطلب عبور الحزن وكأس المنية، وممن يطلب إذا كان هو الإله وهو الله، ~~وإن كان اللاهوت لم يبتلع الناسوت فلماذا كان الناسوت قد ابتلع اللاهوت ~~وشرب عليه الماء. PageV02P319 # وليت شعري ما معنى قول المتكلف إن المسيح كان إلها تاما ولكنه كان كإله، ~~فهل كان المسيح يتقلب حسب هوى المتكلف مرة يكون إلها تاما، ومرة يكون كإله. # وكيف يقول المتكلف كان قديرا حفيظا، مع أن الأناجيل تقول: إن المسيح ~~اعترف بعدم القدرة وعدم العلم، وإن بعض الأمور ليس له أن يعطيها، وتقول ~~الأناجيل إنه حزن واكتئب وسأل من الله بأشد لجاجة أن يعبر عنه كأس المنية ~~فلم تعبر كما ذكرناه في الجزء الأول صحيفة 320، بل يقول الإنجيل إنه قال: ~~على الصليب إلهي إلهي لماذا شبقتني - أي لماذا تركتني - وهذا قول عبد عاجز ~~ضعيف مستغيث بإله يقدر على تخليصه. # وقد جاء في العهد الجديد في شأن المسيح كلمات لو كانت ms565 وحدها لأوهمت شيئا ~~من الغلو ولكنها قد جاء مثلها في شأن غيره من البشر، وذلك مما يكفي في رده ~~لتوهم الغلو منها خاسئا، فضلا عن سائر القرائن من ذات العهد الجديد. # فمنها ما يحكيه عن قول المسيح أنا والأب واحد (يو 10، 30) وقد جاء مثله ~~في شأن التلاميذ عن قول المسيح في الدعاء إلى الله ليكونوا واحدا كما نحن ~~(يو 17، 11 و 22). # وقوله في شأن التلاميذ وغيرهم ليكون الجميع واحدا كما أنت أيها الأب في ~~وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني (يو 17، ~~21)،، وهذا بنفسه وحده يشهد بأن المراد بالوحدة والاتحاد هو الاتفاق على ~~الحق، وأن المراد من قوله (أنت أيها الأب في) هو عناية الله به في تأييده ~~بالمعجزات وإجابة الدعاء ونحو ذلك. # والمراد من قوله: (أنا فيك) إيمانه بالله، والدعوة إلى توحيده وطاعته ~~ونحو ذلك.. # وكذا قوله: (ليكونوا هم أيضا واحدا فينا)، فهو كما يحكى من قوله ~~للتلاميذ: في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم في وأنا فيكم (يو 14: # 20). PageV02P320 # وكقوله العهد الجديد في المؤمنين بصلاح المسيح ورسالته، فالله يثبت فيه ~~وهو في الله، يثبت في الله والله فيه (1 يو 4، 15 و 16). # وكقوله أيضا: نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، (رو 12، 5)، وقوله: لأن ~~أعضائنا جسمه - أي المسيح - من لحمه ومن عظامه (ا ف 5، 30)،، والكنيسة جسده ~~(ا ف 1، 23) وإن المؤمنين به جسده (1 كو 12، 27). # (ومنها) ما يحكى عن قول المسيح الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من ~~نفسي، لكن الأب الحال في هو يعمل الأعمال (يو 14: 10)، وهو كما يحكى عنه من ~~قوله للتلاميذ: لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم (مت 10، ~~10). # والمراد من ذلك تأييد الله فنسب إليه الفعل والحلول فيه وفيهم، وعن قول ~~بولس لأهل كورنتوش: أما تعلمون إنكم هيكل الله؟ وروح الله يسكن فيكم (1 كو ~~3، 16)، ولأهل فيلبي إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم (أو ~~وفي كلنا)، أو وفي الكل). # فاستعمال لفظ (الحال في) و ms566 (فيكم) و (في كلكم) مجاز جرى عليه العهد ~~الجديد، وليس على عهدتي أن يكون مقبولا. # (ومنها) ما يحكى عن قول المسيح أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق أنتم من ~~هذا العالم، أما أنا فلست من هذا العالم (يو 8، 23). # وقد جاء مثله في العهد الجديد في شأن المؤمنين فوصفهم بالولادة من الله ~~ومن فوق. # ففيه الذين ولدوا ليس من دم ولا مشيئة جسد ولا مشيئة رجل، بل من الله (يو ~~1، 13). # وعن قول المسيح إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله، لا ~~تتعجب أني قلت لك ينبغي أن تولدوا من فوق (يو 3، 3 و 7)، PageV02P321 # وعن قوله في شأن التلاميذ لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن ~~لأنكم لستم من العالم (يو 15: 19) وأنهم ليسوا من العالم، كما أني لست من ~~العالم (يو 17، 14 و 16). # (ومنها) عن قول المسيح الذي رآني فقد رأى الأب (يو 4، 9)، وذات العهد ~~الجديد يوجب تأويل هذا الكلام فضلا عن سائر القرائن لقوله فيما هو بمقتضى ~~فرض الترتيب بعد زمان المسيح، وبعد الكلام المذكور ما نصه: الله لم يره أحد ~~من الناس ولا يقدر أن يراه (أتي 6، 16)، وإن الله لم ينظره أحد قط (1 يو 4، ~~12)، والله غير منظور (كو 1، 15)، ولو كان الكلام الأول له حقيقة لكان الله ~~جل شأنه مرئيا ومنظورا، ويقدر كل أحد على أن يراه. # هذا هو العمدة مما يوهم الغلو وقد عرفت من نفس محاورة العهد الجديد سخافة ~~توهم الغلو منه.. # وإن حكمت عقلك في ذلك فقد فزت بالسعادة وأضاء لك صبح اليقين، وقد جاء في ~~الإنجيل عن قول المسيح في خطاب الله، وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت ~~الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو 17، 3). # وذكرت الأناجيل في عبادة المسيح لله أنه اعتمد من يوحنا بمعمودية التوبة ~~(وهو غسل التوبة) لكي يكمل كل بر (مت 3، 15) وصار مع الوحوش في البرية ~~أربعين يوما صائما ليجرب من إبليس (مت 4 ومر 1 ولو 4)، (ومعنى ذلك أنه يروض ms567 ~~نفسه الكريمة على الطاعة لله ومجانبة الهوى) وكان يصعد الجبل ليصلي منفردا ~~يقضي بذلك أكثر النهار وأكثر الليل (مت 14، 23 - 26 ومر 6، 46 - 48)، ويقصد ~~لصلاته المواضع الخالية (مر 1، 35) والانفراد (لو 9، 18)، ويبين أن بعض ~~شفائه للمرضى لا ينال إلا بالصوم والصلاة (مت 17، 21 ومر 9، 29). # ويصرح بأنه لم يجئ لينقض الناموس، ويذم على نقض وصاياه حتى PageV02P322 # الصغرى (مت 5، 17 - 20)، ويحث على اتباع قول الكتبة والفريسيين لأنهم ~~جلسوا على كرسي موسى (مت 23، 1 - 4). # × × × وأما القيامة والآخرة والثواب والعقاب فيهما، فلم تذكر التوراة ~~الرائجة فيها شيئا أصلا حتى أن إهمال ذلك بالكلية في مقامات الوعد والوعيد، ~~فلم تذكر في الوعد والترغيب إلا التنعم الدنيوي الفاني كالاستعلاء على ~~القبائل والبركة في المزارع ونتاج البهائم والسلة والمعجنة وثمرة البطن وما ~~أشبه ذلك، ولم تذكر في الوعد والتخويف إلا نحو اللعنة فيما تقدم ذكره، ~~والابتلاء بالأمراض الرديئة، والقحط والذلة، وأنه يخطب امرأة، ورجل آخر ~~يضطجع معها، ونحو ذلك، انظر (تث 28). # وعلى ذلك جرى سائر العهد القديم فلم تذكر فيه القيامة والآخرة إلا في ~~دانيال (12، 1 و 2)،، ولكنه نسب القيامة لكثير من الموتى الراقدين وهذا ~~خلاف حقيقتها. # وجاء في أشعيا (26، 19) كلام يشبه الكلام على القيامة ولكن سوقه يأباه ~~وجاء في أيوب (19، 26) كلام لا يدل إلا على بقاء الروح في الجملة بعد ~~الموت. # ويحتمل أن يكون لأجل ما ذكرناه من تفريط العهد القديم في ذكر القيامة ~~والآخرة نبغت فرقة من اليهود يسمون الصدوقيين فأنكروا القيامة، كما جاء ~~ذكرهم في الأناجيل. # نعم إن العهد الجديد قد جاء فيه التعرض لذكر ما بعد الموت، فقد جاء في ~~إنجيل لوقا في حال العالم الذي يسميه المسلمون عالم البرزخ وهو عالم ~~الأموات فيما بين الموت والقيامة، ففيه عن موعظة المسيح للفريسيين أنه مات ~~إنسان فقير مبتلي فحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم ومات غني فدفن فرفع ~~عينيه في الهاوية وهو في العذاب، ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه، ~~فنادى يا أبي يا إبراهيم ارحمني وأرسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرد ~~لساني لأني ms568 PageV02P323 # معذب في هذا اللهيب، فقال إبراهيم: يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في ~~حياتك، وكذا لعازر البلايا والآن هو يتعزى وأنت الغني تتعذب وفوق هذا كله ~~إن بيننا وبينكم هوة عظيمة لا يقدر من يريد العبور أن يجوزها، فقال أسألك ~~إذا يا أبت أن ترسله إلى بيت أبي لأن لي خمسة إخوة حتى يشهد لهم لكيلا ~~يأتوا هم أيضا إلى موضع العذاب هذا، فقال له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء ~~ليسمعوا منهم فقال: إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون فقال: إن كانوا ~~لا يسمعون من موسى والأنبياء فلا يصدقون وإن قام واحد من الأموات (لو 16، ~~19 - 31). # ويوجد في أثناء هذا البيان خلل ظاهر يجل عنه تعليم المسيح حيث علل نعيم ~~لعازر بابتلائه وعذاب الغني بثروته في الدنيا وهو تعليم فاسد، فإن الله ~~العادل الكريم لا يعذب على نعمه التي وهبها برحمته وإنما يعذب على المعاصي، ~~وقد يجتمع للصالح سعادة الدنيا والآخرة، ولا يكون ثواب الآخرة مربوطا بمجرد ~~الابتلاء في الدنيا، بل إنما هو مربوط بالطاعة والصبر على البلاء، والتسليم ~~للقضاء، فرب مبتلي يكون بمعصيته واعتراضه على الله من الكافرين فيخسر ~~الدنيا والآخرة. # وجاء في رسالة بطرس الأول (3، 18 و 19) في ذكر المسيح وأنه تألم مماتا في ~~الجسد، ولكنه محيي في الروح الذي به أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن ~~إذ عصت قديما. # وكان هذا الكلام يشير إلى سجن الأرواح الشقية في عالم البرزخ.. ولعل هذا ~~هو المأخذ لما كتبه البروتستنت في كتاب صلاتهم من وجوب الاعتقاد بأن المسيح ~~نزل إلى الجحيم. # ولكن المتكلف مع ما سمعته عن إنجيل لوقا يقول في أمر البرزخ (يه 2 ج ص ~~205 س 6)،، إن الديانة المسيحية منزهة عن هذه الخرافات، فليس عندهم برزخ.. # ولعل المتكلف يقول فيما جاء في لوقا عن المسيح في شأن إبراهيم ولعازر ~~PageV02P324 # والغني كما قاله كثير من أصحابه فيما جاء كثيرا في الأناجيل من حديث ~~الأرواح النجسة بأنه كلام لا حقيقة له ولكنه كان مداهنة لأفكار الناس في ~~غلطهم ms569 وإصلاح رأي الناس في غلط الاعتقادات ليس من وظائف الرسالة، بل من ~~وظيفتها مداهنتهم بالغلط وإغرائهم بالجهل. # وقد كثر في العهد الجديد التعرض لذكر القيامة محتجا لها، ولكن باحتجاج ~~واه لا يرضاه لأنفسهم عوام الناس وأوباشهم، انظر الجزء الأول صحيفة 235 - ~~236. # وفي كورنتوش الأولى يذكر أن بولس يحتج للقيامة بقيام المسيح من الأموات.. ~~وبأن بولس تحمل المتاعب في افسس ولولا القيامة لما فعل ذلك (1 كو 15، 12 - ~~33. # ولا يخفى عليك أنه احتجاج ساقط لا يثبت شيئا على من لم يثبت عنده قيام ~~المسيح من الموت، ولا يثبت القيامة بالنحو المطلوب وإن فرض التصديق بموت ~~المسيح وقيامه، إذ لا ملازمة بين الأمرين خصوصا إذا كانت الشبهة في أمر ~~القيامة من حيث بلاء الأجسام وانعدام صورتها وتفرق أوصالها، وأما متاعب ~~بولس فالاحتجاج بها واه ولو فرضنا أن كل من أجهد نفسه لم يقصد بمتاعبه إلا ~~وجه الله، كيف والموجود المعروف أن سلطان الهوى وحب الجاه والرياسة بعد ~~الخمول يسخر لأكثر من ذلك، فكم من مضرم لنار الثورة القاسية قاذف بنفسه في ~~مهالكها معذب لنفسه في متاعبها وهو يعلم بإنكار القيامة. # وفي العهد الجديد عن بولس قوله: لا نرقد - أي لا نموت كلنا - ولكنا كلنا ~~نتغير في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات ~~عديمي فساد ونحن نتغير (1 كوه 1، 51 و 52) وأن الأموات في المسيح سيقومون ~~ونحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السحب لملاقاة الرب وهكذا نكون ~~مع الرب في كل حين (1 تس 4، 16 و 17). # وقد ذكرنا في الجزء الأول صحيفة 87 - 88 ما في هذا الكلام من لزوم الكذب ~~وبينا لك وهن ما تشبث به المتكلف لإصلاح هذا الكلام فراجع. PageV02P325 # وعن قول المسيح أنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته - أي ~~صوت المسيح - فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا ~~السيئات إلى قيامة الدينونة (يو 5، 28 و 29). # وهكذا يكون في انقضاء العالم يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين ~~الأبرار ويطرحونهم ms570 في أتون النار (مت 13، 49 و 50) وأن الصالحين أصحاب ~~اليمين يرثون الملكوت المعد لهم منذ تأسيس العالم، وأصحاب الشمال الملاعين ~~يذهبون إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته، (مت 25، 34 و 41). # وهذا ناطق بأن الصالحين لهم ملكوت يرثونه لنعيمهم وهو معد لهم. # وعن قوله لتلاميذه: وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتا لتأكلوا وتشربوا ~~على مائدتي في ملكوتي (لو 22، 29 و 30). # وقوله من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه ~~معكم جديدا في ملكوت الله (مت 26، 29 ومر 14، 25). # وقوله لهم أيضا لا تضطرب قلوبكم أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي، في بيت أبي ~~منازل كثيرة وإلا كنت قلت لكم أنا ماض لأعد لكم مكانا، يو 14، 1 و 2). # وهذا يصرح في التعليم بأن ملكوت الله الذي يرثه الأبرار في القيامة ~~لنعيمهم فيه مساكن ومأكل ومشرب وشرب من نتاج الكرمة. # وجاء أيضا عن قول المسيح إن العصاة يمضون ويطرحون في جهنم النار التي لا ~~تطفى حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفى (مر 9، 43 - 49)، وإن جسدهم يلقى في ~~جهنم أتون النار الأبدية (مت 5، 29 و 30، و 18، 8). # نعم جاء عن قول المسيح إن أبناء هذا الدهر يزوجون ويزوجون، ولكن الذين ~~حسبوا أهلا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ~~PageV02P326 # ولا يزوجون إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء ~~الله إذ هم أبناء القيامة (لو 20، 24، و 27). # ومقتضى هذا الكلام إن القيامة مختصة بالأبرار الذين حسبوا أهلا للقيامة ~~وهم أبناء الله، وهذا مناقض لما تقدم في بيان قيام الأشرار أيضا للعذاب ~~ودخول جهنم، وقد أشرنا إلى ما في هذا الكلام في الجزء الأول صحيفة 234. # وعن بولس هكذا أيضا قيامة الأموات يزرع في فساد ويقام في عدم فساد يزرع ~~في هوان ويقام في مجد يزرع في ضعف ويقام في قوة يزرع جسما حيوانيا ويقام ~~جسما روحانيا (1 كوه 1، 42 - 45). # ومقتضى هذا الكلام أيضا اختصاص القيامة بالأبرار الذين يقومون في مجد ~~وقوة. # وفي العهد الجديد إن يوم ms571 الرب تزول فيه السماوات وتنحل ملتهبة وتنحل ~~العناصر وتذوب محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات فيها ولكنه وعد بسماوات ~~جديدة وأرض جديدة يسكن فيها البر. # وينبغي أن يكون هذا اليوم هو يوم القيامة. # وفيه أيضا المسيح باكورة الراقدين ثم الذين للمسيح في مجيئه وبعد ذلك ~~النهاية متى سلم الملك لله الأب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة لأنه ~~يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه، آخر عدو يبطل هو الموت لأنه ~~أخضع كل شئ تحت قدميه، ولكن حينما يقول إن كل شئ قد أخضع فواضح إنه غير ~~الذي أخضع له الكل ومتى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع ~~له الكل كي يكون الله الكل في الكل (1 كو 15، 23 - 29). # ولم يتيسر لي فهم المراد والمحصل من هذا الكلام، ولكنه يتألف منه برهان ~~على أن المسيح المسمى بالابن هو غير الله لأنه يخضع لله والخاضع غير الذي ~~يخضع له الكل. PageV02P327 # وفيه أيضا أن التلاميذ سألوا المسيح عن علامة مجيئه وانقضاء الدهر ~~فأعطاهم علامات بضيق وفتن وأضاليل وحذرهم وذكر لهم أن مجيئه يكون بغتة، ~~وقال: وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوئه والنجوم ~~تسقط من السماء وقوات السماء تتزعزع ويبصرون ابن الإنسان - أي المسيح - ~~آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت ~~فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السماء إلى أقصاها، الحق أقول ~~لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله، السماء والأرض تزولان ولكن كلامي ~~لا يزول، وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا ملائكة السماء ~~إلى أبي وحده، (مت 24، 3 - 37 - وانظر مر 13، 3 - 33، ولو 21، 7 - 34). # وقد اضطرب المتكلف وأمثاله في المراد من هذا الكلام، فمرة قالوا: إن ~~المراد من ذلك مجيئ المسيح ورجوعه في آخر الزمان وقالوا إن المراد بالجيل ~~الذي لا ينقضي حتى يكون هذا كله هو الأمة اليهودية والقبيلة الإسرائيلية ~~وإنها لا تزال موجودة إلى مجيئ المسيح، ولذا ترى ms572 الترجمة الكلدانية ~~المطبوعة في نيويورك ذكرت بدل لفظ الجيل لفظ (هوجاج) - أي القبيلة - ومرة ~~قالوا إن المراد من هجئ المسيح هو انتشار النصرانية، والمراد من الجيل هو ~~الطبقة من الناس، ولذا ذكر في التراجم العبرانية بلفظ (دور) وفي الفارسية ~~بلفظ (طبقه)، وفي الانكليزية والفرنساوية بلفظ (جنراشن) وإن هذه الحوادث ~~علامة لخراب بيت المقدس ولفظها كناية عن حادثة (انطوخيوس ابيغانس) ووقيعته ~~ونكايته في اليهود. # وما وقعوا بهذا الاضطراب والتمحلات الواهية إلا من اضطراب الأناجيل، فإن ~~متى ذكر هذه الأمور جوابا لسؤال التلاميذ من المسيح عن مجيئه وانقضاء ~~الدهر. # ولوقا ذكرها جوابا لسؤالهم عن وقت خراب الهيكل بيت المقدس، ومرقس شوش ~~الأمر وقرن الإشارة بأسباب الابهام والانحلال فلم يربط أطراف كلامه، فانظر ~~(يه 2 ج ص 230 - 233). PageV02P328 # ومن الظرائف أن المتكلف صار يتشبث لتمحلاته باستعمالات لفظ الجيل في ~~اللغة العربية بمعنى الصنف من الناس، ولم يشعر أن لفظ الجيل ليس من اللغة ~~الأصلية للأناجيل وإنما هو من لغات التراجم، واشتراكه في اللغة العربية لا ~~يواتيه على تأويله لإصلاح ظهور الكذب على أناجيله. # ولو تحرى رشدا ووجد مناصا أو كانت له سعة من الاطلاع لذكر اللفظ الأصلي ~~من أناجيله باللغة اليونانية القديمة، ثم بين إنه هل يحتمل التأويل بمعنى ~~الصنف من الناس كلفظ الجيل لكي يأول بالأمة اليهودية أم لا يحتمل ذلك. # وفي العهد الجديد أيضا فإن ابن الإنسان - أي المسيح - سوف يأتي في مجد ~~أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم إن من ~~القيام هاهنا قوما لا يذوقون الموت حتى يرو ابن الإنسان آتيا في ملوكته. # والمتكلف لم يجد هاهنا لفظ الجيل لكي يذكر معانيه في اللغة العربية، وأن ~~جميع القائمين هناك قد ذاقوا الموت منذ قرون عديدة فالتجأ إلى تأويل مجيئ ~~المسيح ومجازاته للناس حسب أعمالهم، ورؤية بعض القائمين هناك له آتيا في ~~ملكوته، فانظر (يه 2 ج ص 219 - 223). # أترى المتكلف لا يشعر أن هذه التأويلات السخيفة لمثل هذا الكلام المنسوب ~~إلى مثل المسيح عليه ms573 السلام في مقام البيان والتعليم والإعلام بما يأتي ~~ليفتح للكذابين بابا واسعا تتركهم يتكلمون بما يجري على لسانهم ثم يطبقونه ~~بمثل هذا التأويل على أي حادثة تقع، فيقول أتباعهم قد تمت نبواتهم والحمد ~~لله فتأيدوا بالآيات الباهرة.. # فلا يبقى محل للعلامة التي أعطتها التوراة للدلالة على كذب الكاذب بدعوى ~~النبوة وهي عدم الوقوع لما أخبر به، انظر (تث 18، 21 و 22) ولا يبقى لها ~~وظيفة إلا أن تقف موقف الحيرة والتعطيل، ولعلها إن قالت كلمة قيل لها إن ~~أضاليلك كأضاليل إظهار الحق. # وليت اضطراب الأناجيل الرائجة وخللها قد أعطى قدس المسيح كفافا لا له ولا ~~عليه. PageV02P329 # وقد تركنا في هذا المقام ذكر الهوسات التي جاءت في أمر القيامة في الكتاب ~~المسمى رؤيا يوحنا تكريما لهذا المقام عن مثلها. # × × × وأما شريعة موسى فقد ذكرت التوراة الرائجة في ابتدائها شريعة ذبح ~~الفصح في ليلة الرابع عشر من شهر ابيب وهو نيسان بين العشائين يذبحون لكل ~~بيت شاة، والفقراء يكتفي الجماعة من الجيران حسب أكلهم بشاة ويأكلون الفطير ~~من ليلة الرابع عشر إلى ليلة الحادي والعشرين من نيسان ومن شريعة الفصح أن ~~لا يأكل منه إلا المختون، ولا يخرج من لحمه خارج البيت ولا يكسر عظمه (خر ~~12). # وذكرت فيما بين المنزل الأول لهم من مصر وبين المنزل الثاني أن الله أمر ~~موسى أن يقدس كل بكر فاتح رحم من الناس والبهائم فإنه لله، ومتى قدموا إلى ~~أرض الموعد يقدمون كل بكر ذكر من نتاج البهائم لله ولكن بكر الحمار يفديه ~~بشاة وإن يفده يكسر عنقه، وكل بكر من الأولاد يفديه، ولم يعين حينئذ فدائه ~~(خر 13). # وفي برية سين في نحو الخامس عشر من أيار أنزل الله عليهم المن وأرسل ~~إليهم السلوى وشرع لهم في المن أن يأخذوا لكل واحد عمرا وهو عشر الأيفة ~~يأخذوه يوما فيوما لا يوم الجمعة فإنهم يأخذون فيه ليوم السبت، والمن كبزر ~~الكزبرة وطعمه كرقاق بعسل (خر 16). # وفي (رفيديم) أشار على موسى حموه (يثرو) وهو شعيب أن يعلم بني إسرائيل ms574 ~~الشرائع ويقيم عليهم رؤساء ألوف ومئات وخماسين وعشرات فيقضون للشعب في ~~الدعاوي الصغيرة ويرجعون إلى موسى في الدعاوي الكبيرة لكي تخف عن موسى ~~المشقة التي كان يتحملها بتصديه للقضاء بنفسه في كل الدعاوي ففعل موسى كل ~~ما قال حموه (خر 18). # وهذا يقتضي أن يكون حمو موسى نبيا قد بلغ موسى بهذا الأمر عن الله وإلا ~~فحاشا لموسى أن يسلط الناس على وظيفة القضاء وفصل الخصومات بدون ~~PageV02P330 # أمر من الله بل بمجرد مشورة من رجل من سائر الناس، والتوراة الرائجة تذكر ~~أن موسى كان يؤخر ما يصدر عليه إلى أن يبين الله له حكمه فذكرت أنه لم يحكم ~~على ابن الإسرائيلية الذي سب الاسم بل حبسه إلى أن أمره الله بقتله رجما ~~انظر (لا 20، 10 - 17)، وكذا فيمن وجدوه يحتطب في يوم السبت (عد 15، 32 - ~~37). # وذكرت عن أول كلام الله لموسى في طور سيناء في خطاب بني إسرائيل: لا تكن ~~لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا، (وعبارته في العبرانية ~~فسل)، ولا صورة مما في السماء والأرض والماء لا تسجد لهن ولا تعبدهن. # وكثيرا ما كررت وأكدت هذا النهي وتوعدت على مخالفته ونهت عن مخالطة شعوب ~~الأرض بل أمرت بملاشاتهم احتياطا لهذه الحقيقة وحماية لحوزة التوحيد من ~~مهاجمة الأهواء بعادية أضاليلها وحفظا لصحة الاعتقاد من عدوى داء الوثنية ~~وسريان وباء الشرك بالتجاوز عن التوحيد وتأليه البشر وعبادة جند السماء ~~والحيوان والجماد. # ثم لنذكر باقي الشريعة في فصول ملخصة، وربما نشير في مكرراتها إلى مورد ~~واحد. # الفصل الأول: في الأوامر والنواهي الواردة في الآداب وتهذيب الأخلاق، وقد ~~أمرت بني إسرائيل بعبادة الله والحلف باسمه وإكرام الأبوين، والمساعدة حتى ~~للعدو والمبغض، والحكم بالعدل لقريبهم. # ولكنها وحاشا التوراة الحقيقية قد باهضت التعليم الإلهي وشوهت صورته، إذ ~~خصت أمرها بالحكم بالعدل بالقريب - أي من كان إسرائيليا -، فإن التعليم ~~الصحيح ووجدان كل البشر يشمئزان من حقيقة هذا التخصيص وصورته. # ونهت بني إسرائيل عن القتل والزنا والسرقة والالتفات إلى الجان وطلب ~~التوابع والتفؤل والعيافة وتدنيس البنت ms575 بتعريضها للزنا وعن أخذ الرشوة ~~ومتابعة المنافق واتباع الكثيرين لفعل الشر والتحريف وعن الحلف باسم الله ~~كذبا PageV02P331 # واضطهاد الغريب وظلم الأجير والمسكين والإساءة إلى الأرملة واليتيم وشتم ~~الأصم وجعل المعثرة قدام الأعمى وعن الجور في القضاء. # ويا حبذا هذا التعليم الجاري على حقه من الإطلاق، ولكنها لم تتم الإحسان ~~به بل خصصت جملة من التعاليم ويا أسفاه. # فنهتهم عن الانتقام والحقد على أبناء شعبهم، والسعي بالوشاة بين شعبهم ~~وشهادة الزور على قريبهم وأن يغدر أحدهم بصاحبه. # ويا ليتها لم تقيد هذه التعاليم بالشعب والقريب، فإن الحقد والغدر ~~والوشاية وشهادة الزور رذائل ينبغي أن تجتنب من أصلها وذاتها مع كل أحد ولا ~~يحسن بالتعاليم الصحيحة أن تقيدها وتخصها ولو في الصورة، ولكن في المثل (حن ~~قدح ليس منها). # نعم لا يوجد هذا البأس في منعها عن أخذ الربا من الإسرائيلي وجواز أخذه ~~من الأجنبي. # الفصل الثاني: في الشعائر والمواسم والعبادات (ومنها) محرقة كل يوم وهي ~~خروف في الصباح وخروف بين العشائين مع التقدمة والسكيب من الخمر، (ومنها) ~~محرقة السبت أيضا وهي خروفان مع التقدمة والسكيب من الخمر، (ومنها) محرقة ~~رؤوس الشهور وهي ثوران وكبش وسبعة خراف حولية وتيس مع تقدمتها وسكيبها من ~~الخمر، (ومثلها) محرقة الفصح في كل يوم من خامس عشر نيسان إلى الحادي ~~والعشرين، (ونحوها) محرقة عيد الأسابيع بعد خمسين يوما من أوائل الحصاد ~~ومحرقة عيد المظال مع التقدمات والسكائب من الخمر مع تفاوت في المقادير ~~والأيام. # هذا ما عدا محرقات القرابين، وكيفية إحراقها أن توضع الليلة على الموقدة ~~كل الليل، والنهارية كل النهار والنار تتقد دائما، ويحرق أيضا على هذه ~~النار الألية والشحم من ذبائح الخطيئة وذبائح السلامة على تفصيل طويل في ~~الذبح والاحراق وإلقاء الرماد والأكل من ذبائح الخطيئة والسلامة، انظر (عد ~~28 ولا 1 - 9). PageV02P332 # ولا يمتنع فرض الحكمة في شريعة المحرقات باعتبار حال الوقت والعوائد وبني ~~إسرائيل، فلا تقل لا يوجد فيها أثر إلا إتلاف المال وتضييعه من دون نفع ~~للفقير أو غيره.. # ولكن قل متأسفا ms576 ما أسوء التعبير عن المحرقات بأنها رائجة سرور لله، ومع ~~ذلك تنسب العبارة إلى قول الله جلا وعلا، وكذا رائجة سروري، وقل أيضا ما ~~معنى سكب المسكر، وما أسوء التعبير بأنه سكيب مسكر للرب وهذا يقتضي أن يعمل ~~مصنع للمسكر ويدخر لأجل هذا الشعار، أفلا يدعو هذا إلى الرغبة في المسكر ~~ودوام وجوده، وهو رأس الخبائث، ومنبع الشرور، إذا وأين ذم الخمر والمسكر في ~~العهدين كما ذكرناه في الجزء الأول صحيفة 210 - 211. # (ومنها) السبت ولزوم ترك الأعمال فيه، (ومنها) عيد الفصح وعيد الأسابيع ~~وعيد المظال وأن يحضر في هذه الأعياد جميع الذكور من بني إسرائيل في المحل ~~الذي يختاره الله كبيت المقدس في أورشليم. # ولعلك تشك في أن هذا من شريعة الله المعطاة لموسى وتقول إن الله الحكيم ~~الذي شرع في القرآن الكريم صلاة الخوف والتحذر من العدو لا يناسب حكمته أن ~~يأمر بني إسرائيل بأن يجتمع جميع ذكورهم في الأعياد في بيت المقدس ونحوه ~~ويتركوا حرمهم ونسائهم بلا ذكر يحميهن من سوء الأعداء والفسقة، وهم بين ~~كفار وثنيين يطلبون بني إسرائيل بالأحقاد والثارات والذحول، وإن الله تبارك ~~اسمه ليعلم أنهم مئات من الألوف سينتشرون في أرض الموعد بحيث تبلغ مسافة ~~كثير منهم عن بيت المقدس ونحوه مسيرة يوم أو يومين، ويعلم ما تذكره التوراة ~~الرائجة وكتاب يشوع (يوشع) إن صح نقلهما فيما صنعه بنو إسرائيل بسكان الأرض ~~من سوء الولاية وقتل النساء والأطفال وإحراقهم مع البلاد والبهائم، وقولهما ~~إن ذلك عن أمر الله، إذا فكيف يأمرهم بشريعة تترك نسائهم وبناتهم مطمعا ~~للثائرين والفسقة. # (ومن الشعائر) صنعة خيمة الاجتماع والتابوت وثياب هارون وبنيه والذبائح ~~لتقديسهم وللتكفير وسائر أحكام الكهنة، (خر 25 - 31 ولا 16 - و 21). ~~PageV02P333 # ولا تستغرب ما ذكر في وضع ثياب هارون وزينته للكهنوت فإن الأزمان تختلف ~~والزي والوقار يتفاوت بحسب الزمان والمكان وبذلك يمكن أن يكون لذاك المنقول ~~حظ من الحقيقة. # (ومنها) شريعة المنذور لله وفيها اجتنابه عن الخمر وما يؤخذ منه كالخل ~~والعنب ونحوهما.. وعندما يحل من ms577 انتذاره يسوغ له شرب الخمر (عد 6). # فأين حماسة المتكلف في قوله (يه 1 ج ص 13) في قوله فأنت ترى أنها كانت ~~جائزة والتوراة والإنجيل ناطقان بأنها حرام قطعا. # (ومنها) شريعة إخراج العشر لله من الحبوب والثمار، وكذا البقر والغنم مما ~~يعبر تحت العصا سنة بسنة، (لا 27، 30 و 32 وتث 14، 22 و 23). # ولكن التوراة الرائجة قد اختلفت في هذه الشريعة (فمرة) ذكرت أن هذه ~~العشور لله واطلقت كما تقدم. # (ومرة) ذكرت أن الله أعطاها للاويين ميراثا ونصيبا وأجرة عوض خدمتهم ~~لخيمة الاجتماع إذ لم يجعل لهم قسمة في أرض الموعد حتى أن اللاويين يرفعون ~~عشر العشر ويعطونه رفيعة لهارون كما يعشر الناس أملاكهم، انظر (عد 18، 21 - ~~32). # (ومرة) ذكرت أن العشر يأكله صاحبه ولكنها منعته عن أكله في محله بل يحمله ~~إلى المكان الذي يختاره الله ويأكله هناك، وإذا طال عليه الطريق فلم يقدر ~~أن يحمله فإنه يبيعه بفضة ويحملها إلى المكان الذي يختاره الله وينفقها في ~~كل ما تشتهيه نفسه من البقر والغنم والخمر والمسكر وكل ما تطلب منه نفسه ~~فيأكله هناك أمام الرب إلهه، ولا يترك اللاوي بل يعطيه شيئا لأنه ليس له ~~نصيب في الأرض (تث 12، 17 و 18، و 14، 23 - 27). # ثم ذكرت أن الإسرائيلي في آخر ثلاث سنين يخرج كل عشر محصوله في تلك السنة ~~سنة العشور ويضعه في أبوابه فيأتي الغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابه ~~ويأكلون ويشبعون، وكذا اللاوي لأنه ليس له قسم ولا نصيب في PageV02P334 # الأرض (تث 14، 28 و 29، و 26، 12 و 13). # وظاهر الكلام يقتضي أن هذا العشر غير العشور السنوية ولذا خالفها في ~~الأحكام ويحتمل أن يكون منها ولكن الأحكام اختلفت من حيث النسخ أو تعدد ~~مواليد التوراة. # (ومنها) ما جاء في التوراة الرائجة في خطاب الشعب الإسرائيلي ست سنين ~~تزرع أرضك وتجمع غلتها، وأما في السنة السابعة فتريحها وتتركها - أي لا ~~تزرعها - ليأكل فقراء شعبك وفضلتهم تأكلها وحوش البرية كذلك تفعل بكرمك ~~وزيتونك (خر 23، 10 و 11). # وهذا كلام غير مستقيم يشهد بأنه لا ms578 يعرف موسى عليه السلام فإن الأرض إذا ~~أريحت ولم تزرع لم يمكن أكل الفقراء منها ولا وحوش البرية، وهل يأكلون ~~ترابها، ولو قيل هذا في الكرم والزيتون لكان مناسبا كما جاء في (لا 25، 5 - ~~7). # (ومنها) سنة الابراء وهي في آخر سبع سنين يبرء فيها كل ذي دين من بني ~~إسرائيل صاحبه وأخاه مما عليه من الدين إلا أن يكون غنيا أو يكون المديون ~~أجنبيا عن بني إسرائيل (تث 15، 1 - 5). # ومما يناسب ذلك إن العبد العبراني يخدم ست سنين وفي السنة السابعة يخرج ~~حرا ويزوده سيده من غنمه وبيدره ومعصرته وإن دخلت زوجته معه خرجت معه، وإن ~~تزوج عند سيده وصار له أولاد خرج وحده وإن أحب البقاء عند سيده مع أولاده ~~يقدمه سيده إلى الله ويثقب أذنه بالمثقب فيخدمه إلى الأبد ويكون عبدا مؤبدا ~~(خر 21 وتث 15). # ويا حبذا هذه الشريعة في إطلاق العبد العبراني لولا قساوة ثقب أذنه ووسمه ~~بسمة الذلة والندامة باستخدامه إلى الأبد، ويا حبذا لو وسعه كرم الأخلاق ~~بغير هذه العادة القاسية، وحاشا الوحي من ذلك. # (ومنها) سنة اليوبيل وهي السنة الخمسين لا يزرعون الأرض فيها ولا يقطفون ~~كرمها وينادون في يوم الكفارة بالعتق في الأرض لجميع سكانها، وتفك ~~PageV02P335 # الأراضي المبيعة وترجع إلى أصحابها على ميزان مخصوص ويخرج العبد العبراني ~~حرا هو وبنوه (لا 25). # ولم يتضح من ذلك أن العبد العبراني الذي حكم قبلا بثقب أذنه وخدمته ~~وعبوديته إلى الأبد هل يخرج في سنة اليوبيل حرا فيكون الحكم بالتأبيد ~~منسوخا أم لا يخرج. # (ومنها) تقديس الابكار الذكور لله، فعن كلام الله لموسى: قدس لي كل بكر ~~فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم إنه لي وذكر فداء الولد البكر ~~مجملا (خر 13، 2 و 12 و 13 و 15، و 34، 20). # وعن خطاب الله لبني إسرائيل وأبكار بنيك تعطيني (خر 22، 29). # ثم ذكر فداء البكر من الإنسان والبهائم النجسة وهو خمسة شواقل فضة تكون ~~لهارون لأن الله جعل الابكار لهارون، وأما بكر البقر والضأن والمعز فلا ~~يفدي بل يذبح ms579 ويرش دمه على المذبح ويوقد شحمه وقودا رائحة سرور، ولحمه يكون ~~لهارون (عد 18، 15 - 19). # ثم ذكر عن قول الله وها أنا أخذت اللاويين من بني إسرائيل بدل كل بكر ~~فاتح رحم من بني إسرائيل فيكون اللاويون لي (عد 3، 12)، وعن قوله جل اسمه ~~لموسى: عد كل بكر ذكر من بني إسرائيل من ابن شهر فصاعدا فتأخذ اللاويين لي ~~أنا الله بدل كل بكر في بني إسرائيل وبهائم اللاويين بدل كل بكر في بهائم ~~بني إسرائيل (عد 3، 40 و 41). # وهذا الاختلاف في حكم الابكار من الناس والبهائم من حيث التقديس والفداء ~~وعدمه والاستبدال عنها باللاويين وبهائمهم لا يخلو عن أن يكون من ناحية ~~النسخ أو من ناحية تشويش التوراة الرائجة لتعدد مواليدها. # (ومنها) انتخاب القهاتيين من اللاويين لخدمة خيمة الاجتماع عن أمر الله ~~لموسى، وأن عمر الموظف للخدمة يكون من ابن ثلاثين سنة إلى خمسين (عد 4) ~~فنصت التوراة العبرانية على هذا العدد في سبعة مواضع، وخالفتها السبعينية ~~في هذا المقام فأبدلت الثلاثين سنة بخمس وعشرين.. والعبرانية PageV02P336 # نفسها أيضا ذكرت أن المنتخب يكون من ابن خمس وعشرين سنة إلى خمسين (عد 8، ~~24 و 25). # وقد ذكرنا هذا الاختلاف وما قيل فيه في الجزء الأول صحيفة 276 و 300 - ~~303 فراجعه. PageV02P337 # الفصل الثاني في الملابس والمطاعم وقد نهت التوراة بني إسرائيل عن لبس ~~ثوب مصنف من صنفين أو مختلطا صوفا وكتانا، ولا يكون متاع رجل على امرأة ولا ~~يلبس رجل ثوب امرأة وأمرتهم بأن يصنعوا لهم أهدابا في أذيال ثيابهم ويجعلوا ~~على هدب الذيل عصابة من اسمانجوني وأن يصنعوا جدائل على أربعة أطراف الثوب ~~الذي يتغطون به. # ونهتهم عن أكل الدم والفريسة والميتة، ومن البهائم ما لم يجمع صفتين وهما ~~أن يكون يجتر وله ظلف ينشق إلى ظلفين، ونصت من ذلك على تحريم لحم الجمل ~~والوبر والأرنب والخنزير. # ومن حيوانات الماء ما لم يكن له زعانف وحرشف. # ومن الطير: النسر والانوق والعقاب والحداة والباشق والشاهين وكل غراب ~~والنعامة والظليم والسأف والباز والبوم والغواص والكركي والبجع ms580 والقوق ~~والرخم واللقلق والببغاء والهدهد والخفاش وكل دبيب الطير الماشي على أربع ~~إلا ما كان له كراعان فوق رجليه يثب بهما على الأرض كالجراد والدبا ~~والحرجوان والجندب (لا 11)، وهناك محرمات اخر لا يهمنا استقصائها. ~~PageV02P338 # الفصل الثالث في الطهارة والنجاسة وقد حكمت التوراة بنجاسة هذه الحيوانات ~~المحرمة وأن من مس ميتتها يكون نجسا إلى المساء، وبنجاسة أشياء أخر تعرف هي ~~ووجه التطهير منها من (لا 11 و 12 و 15 و 22 وعد 19). # وإن شئت أن تتعجب فتعجب من العهد الجديد المبني على أن التوراة الرائجة ~~هي التوراة الحقيقية التي هي وحي الله وتكليمه لرسوله موسى عليه السلام، ~~أفلا تراه حيث أراد أن يلاشي شريعة التوراة في أحكامها وخصوص تحريمها لأكل ~~كثير من الحيوانات وتنجيسها وأحكام النجاسات والتنجيس، كيف لم يقدر أن يحبس ~~بواعثه عن الظهور فلم يملك لسانه عن التنديد بالشريعة والتلويح أو التصريح ~~بتكذيب كونها من الله، ولم يتستر من مصانعة الأمم بموافقتهم على عوائدهم ~~استجلابا لأهوائهم، فنسب إلى بطرس أنه أمر في الوحي بأن يذبح ويأكل من ~~الحيوانات التي حرمتها التوراة ونجستها، فقال جريا على شريعة التوراة: كلا ~~يا رب، لأنه لم يدخل فمي قط دنس أو نجس فأجابه صوت من السماء ثانية ما طهره ~~الله لا تنجسه أنت (10 ع 10، 11 - 17، و 11، 12 - 11). # أفلا ترى أن هذا الكلام يقول مجاهرة لا مخالسة إن تنجيس الحيوانات وتحريم ~~أكلها إنما هو بشري، وأما عند الله فهي على خلاف ذلك بل هي PageV02P339 # طاهرة، وما طهره الله فلا تدنسه أنت. # ونسب أيضا إلى مشورة الرسل في عزمهم على ملاشاة الشريعة أن يعقوب قال أنا ~~أرى أن لا يثقل على الراجعين إلى الله من الأمم بل يرسل إليهم أن يمتنعوا ~~عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم لأن موسى منذ أجيال قديمة له في ~~كل مدينة من يكرز به إذ يقرأ في المجامع في كل سبت، ثم زعم أن الرسل بعد ~~إمضائهم لهذا الرأي كتبوا إلى الأمم ما ملخصه إذ قد سمعنا أن ms581 أناسا خارجين ~~من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين إن تختتنوا وتحفظوا الناموس ~~الذي لم نأمرهم لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلا أكثر ~~غير هذه الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق ~~والزنا (1 ع 15، 6 - 30). # أفلا تقول - أي مداخلة للرأي في شريعة الله، وإذا شاء الله أن يثقل ~~بشريعته على أهواء الناس لكي ينعم عليهم بأسباب الطهارة والكمال وشرف ~~الطاعة، فمن ذا الذي يعارض الله في شريعته ورحمته ويشاركه في أحكامه، وما ~~هو معنى قول القائل لأن موسى منذ أجيال قديمة له من يكرز به. # أفتفهم من هذا القول مرادا غير التلويح بأن العمل بقيود التوراة إنما كان ~~محاباة لموسى وتنفيذا لرياسته. # وكفاه من ذلك هذه المدة، فإن الأيام دول، والأشياء العتيقة قد مضت، (2 كو ~~5، 17)، وما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال (عب 8، 13). # إذا فأين نقل الإنجيل عن قول المسيح في الحث على العمل بوصايا الناموس ~~حتى الصغرى، وأنه لم يجئ لينقضه بل ليكمله (مت 5، 17 - 20)، وأين حثه على ~~حفظ ما يقول الكتبة والعمل به لأنهم على كرسي موسى جلسوا، (مت 20، 1 و 2). # وأيضا ماذا ترى من المعنى في قوله فيما تقدم قد سمعنا أن أناسا خارجين من ~~عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم إلى آخره. PageV02P340 # أفلا ترى منه التقبيح لدعوة الداعين إلى حفظ الختان والشريعة والتنفير ~~منهم ومن دعوتهم وما يدعون إليه، والعمل بالمناقصة للاستئثار بالرياسة، ~~واستجلاب الأهواء بالمداهنة بإبقاء العوائد المألوفة والراحة المحبوبة، ~~ولكن الرسائل المنسوبة لبولس زادت في التنقيص والمناقصة فقالت: ولا يصغون ~~إلى خرافات يهودية ووصايا أناس مرتدين عن الحق كل شئ طاهر للطاهرين (تي 1، ~~14 و 15) تفرض عليكم فرائض لا تمس لا تذق ولا تحبس التي هي جميعها للفناء ~~في الاستعمال حسب وصايا وتعليم الناس (كو 2، 20 - 23) لماذا يحكم في حريتي ~~(1 كو 10، 29 و 30). # نعم وقف هذا التنقيص عند قول القائل: ومن يغرس كرما ومن ثمره لا يأكل، أو ~~من يرعى رعية ومن لبن الرعية ms582 لا يأكل، إن كنا نحن زرعنا لكم الروحيات ~~أفعظيم أن حصدنا منكم الجسديات، هكذا أيضا أمر الرب إن الذين ينادون ~~بالإنجيل من الإنجيل يعيشون (1 كو 9، 7 - 15) ويشارك الذي يتعلم الكلمة ~~المعلم في جميع الخيرات (غل 6، 6، وانظر رو 15، 25 - 29). # × × × PageV02P341 # الفصل الرابع في النكاح وقد حرمت التوراة نكاح عدة من النساء فحرمت نكاح ~~الأم، وامرأة الأب، والأخت من الأب، أو من الأم أو منهما، وابنة الابن، ~~وابنة البنت، والعمة، والخالة، وامرأة العم، وامرأة الابن وأم المرأة، ~~وبنتها، وبنت بنتها، وبنت ابنها، والجميع بين الأختين، ونكاح امرأة الأخ ~~(لا 18). # ولكن التوراة الرائجة ذكرت لامرأة الأخ حكما آخر وهو أنه إذا سكن إخوة ~~معا ومات أحدهم وليس له ابن فإن أخاه يتزوج بامرأته، والبكر الذي تلده يقوم ~~باسم الميت لئلا يمحى اسمه، وإن لم يرض الرجل أن يتزوج امرأة أخيه الميت ~~فإن المرأة تأخذه إلى شيوخ إسرائيل وتشتكي عليه بذلك، فإن أصر على أن لا ~~يتزوجها تتقدم إليه أمام أعين الشيوخ وتخلع نعله من رجله وتبصق في وجهه ~~وتصرخ، هكذا يفعل بالذي لا يبني بيت أخيه فيدعى اسمه في إسرائيل بيت مخلوع ~~النعل (تث 25، 5 - 11). # وحاشا للوحي الإلهي وقدس موسى من هذه العادة الوحشية الفظة الهاتكة ~~لناموس الأدب والحياء والشرف، الواسمة بالعار مع أنها لا فائدة فيها إلا ~~زور لا حقيقة له، وكيف يكون البكر من هذه المرأة يقوم باسم الميت وإن مثل ~~هذا الإبقاء لأسم الميت ليقوم بزور آخر مثل هذا، فلا ضرورة إلى جعل الرجل ~~بين خطرين، أما الشناعة، وانهدام شرفه بالجرأة القبيحة من امرأة بذية، وإما ~~PageV02P342 # التقيد بامرأة لا يريدها، بل ربما كان يتمنى خلاص بيتهم منها ولو بموت ~~أخيه. # وذكرت من أحكام النكاح أيضا أن الرجل إذا تزوج فتاتا وأشاع عنها أنه لم ~~يجد لها عذرة فإن أباها وأمها يأخذانها ويخرجان علامة عذرتها على الثوب إلى ~~شيوخ المدينة ويقول أبوها: إن هذا الرجل افترى على ابنتي، ويخرج علامة ~~عذرتها ويبسط الثوب، فيؤدب شيوخ المدينة الزوج ويغرمونه مائة من الفضة ms583 لأبي ~~الفتاة وتكون امرأة لزوجها لا يقدر أن يطلقها كل أيامه. # وحاشا لله أن يكون هذا من شريعته وإنما هو تلفيق من وساوس المغفلين، فإن ~~أبا الفتاة إنما يأتي الشيوخ بثوب عليه شئ من الدم الذي يمكن أن يؤخذ من كل ~~دم وكل حيوان، فكيف يكون علامة للعذرة؟ وكيف يكون ذلك حجة يفصل بها القضاء ~~وتجب به الصادرة والنكال على الزوج المحتمل صدقه، بل إن الأب في هذه الحال ~~أولى بأن يتهم بالكذب لمظنة كونه يريد بهذه الحيلة رفع العار عنه وعن ابنته ~~وتخليصها من القتل بحكم الشريعة القاسية الآتية، بل إن هذا التشريع الفاسد ~~يدعوه أيضا إلى أن يجعل على خرقة دما كذبا فيحتج به ليكتسب مائة من الفضة، ~~ويلقى ابنته كلا على زوجها حتى لا يطلقها كل أيامه. # ثم قالت التوراة الرائجة في هذا المقام: ولكن إن كان الأمر صحيحا لم توجد ~~عذرة للفتاة يخرجونها ويرجمها رجال المدينة حتى تموت لأنها عملت قباحة في ~~إسرائيل. # وهذه أيضا شريعة قاسية مكذوبة على شريعة الله ممن لا معرفة له ولا حكمة، ~~فإن العذرة غشاء رقيق فيه ثقب يخرج منه الحيض وربما تخرقه الطفرة والضواغط ~~والتفحج العنيف والحيض الخارج بحدته عن مقتضى الطبيعة، فلا ينبغي أن يحكم ~~على المرأة بمجرد ذهاب عذرتها أنها زنت وفعلت قباحة فترجم، فإن هذا ظلم ~~فاحش. # وأيضا كيف يعرف أن المرأة لم يجد لها زوجها عذرة وماذا الذي يشهد له بأنه ~~لم يكن هو الذي افتض عذرتها؟ فإن افتضاضها لا يستلزم قطع أذنها أو أنفها ~~حتى يعرف الأمر بحصول هذا الأثر وعدمه، نعم يثبت زنا المرأة PageV02P343 # بإقرارها، أو شهادة الشهود عليها بأنها زنت قبل ذلك، ولكن سوق التوراة ~~الرائجة أجنبي عن ذلك. # * * * PageV02P344 # الفصل الخامس في الطلاق وهو ثابت في شريعة التوراة، والأناجيل تذكر عن ~~المسيح أنه صدق على مشروعيته في التوراة، وجعل السبب لشريعته فيها هي قساوة ~~قلوب بني إسرائيل ثم منع منه إلا ما كان لعلة الزنا. # وقد ذكرنا لك في الجزء الأول صحيفة 231 ms584 - 234 ما تذكره الأناجيل في ~~الاحتجاج على المنع المذكور وبينا ما في الاحتجاج من الوهن الذي يجب أن ~~ينزه عنه المسيح عليه السلام، وأن صورة الاحتجاج تعود بالتوهين والتغليط ~~لشريعة موسى عليه السلام. # وذكرت التوراة أن الزوج لا يقدر على الطلاق في موردين (أحدهما) إذا أدعى ~~أنه لم يجد لامرأته عذرة وأظهر أبوها عذرتها كما تقدم، (وثانيها) إذا زنى ~~بعذراء غير مخطوبة فإنه يتزوجها ولا يقدر أن يطلقها كل أيامه (تث 22، 29). # ومن أحكام الطلاق أن الرجل إذا لم تعجبه امرأته لأنه وجد فيها عيب شئ ~~وكتب لها كتاب طلاق وأخرجها من بيته فلها أن تتزوج بآخر، فإن طلقها الثاني ~~أو مات فالأول لا يقدر أن يتزوجها ثانيا، بعد أن تنجست لأن ذلك رجس عند ~~الله يجلب خطيئة على الأرض التي لبني إسرائيل (تث 24). # وليت شعري ما معنى كونها تنجست وبماذا تنجست؟ هذا ولم تذكر PageV02P345 # التوراة الرائجة عدة تقعد فيها المطلقة قبل أن تتزوج بالثاني لكي يطمئن ~~بعدم حملها من الأول فلا يختلط النسل، وهذه حكمة لازمة المراعاة. # * * * PageV02P346 # الفصل السادس في الحرب والجهاد ذكرت التوراة الرائجة أن من بني بيتا ولم ~~يدشنه أو غرس كرما ولم يبتكره، أو خطب امرأة ولم يأخذها فإنه يرجع من الحرب ~~إلى بيته لئلا يموت فيدشن بيته أو يبتكر كرمه أو يأخذ مخطوبته رجل آخر، ~~والرجل الخائف والضعيف القلب أيضا يرجع. # وهذه شريعة تهون أمر الجهاد في سبيل الله ودعوة الحق، وتذم شرف الشهادة ~~في نصرة التوحيد وتمهيد العدل والصلاح، وتصرف أنظار الناس وقلوبهم عن ~~الجهاد إلى زخارف الدنيا الفانية، وتعطف قلوبهم إلى الرغبة فيها فتوجب لهم ~~التقاعد والتخاذل عن النهضة الحميدة خصوصا إذا نودي بذلك في الجيش، وهذا ~~مضاد للحكمة في نهضة الحق وجهاد المشركين. # نعم ما أحسن هذه الشريعة للنجاة مما تذكره التوراة الرائجة في شريعة ~~الحرب القاسية من قتل الأطفال والنساء والبهائم كما ستسمعه. # فقد ذكرت التوراة الرائجة أن مدة الحثيين والأموريين والكنعانيين ~~والفرزيين والحويين واليبوسيين يحرمها بنو إسرائيل تحريما لا يستبقون منها ms585 ~~نسمة ولا يقطع معهم عهدا ولا يشفق عليهم. # وأما مدن غير هؤلاء من الأمم فتستدعي إلى الصلح، فإن أجابت فكل الشعب ~~الذي فيها يستعبد وإن حاربت وفتحت فجميع ذكورها يقتلون PageV02P347 # وتكون النساء والأطفال والبهائم وكل ما فيها غنيمة (تث 20). # وإن ما في هذه الشرائع من الوحشية والقساوة ليدلك على أنها ليست من شريعة ~~الله ولا تعرف موسى، ثم أي وجه وحكمة للتفرقة في سوء الولاية بين الشعوب ~~الستة المذكورين وبين سائر الأمم، فإن كان هو الخوف من الاغواء بشركهم ~~والعدوي بضلالهم فهو موجود بالنسبة إلى سائر الأمم، بل إن الخوف من الكبار ~~الذين يبقون في الصلح والحرب ومن سائر الأمم أشد وأشد من الخوف من الطفل ~~الذي لا يعرف ما كان عليه آبائه، فلماذا حكم بقتل الأطفال من الشعوب الستة. # ومع ذلك فالتوراة الرائجة تذكر أن موسى عليه السلام لم يعمل بهذه الشرائع ~~في سبي مديان، بل أمر بقتل جميع الذكور من الأطفال وجميع النساء اللاتي ~~قاربهن رجل، استبقى البنات اللاتي لم يقربهن رجل وهن اثنان وثلاثون ألفا. # فقل: كم قتل من الأطفال الذكور والنساء الثيبات؟ ولماذا أبقى البنات ~~العذارى إن كن من الشعوب الستة؟ ولماذا قتل الأطفال الذكور والنساء الثيبات ~~إن كانوا من غيرهم، حاشا لله ولرسوله موسى من تشريع هذه العوائد الجائرة ~~القاسية، أفترى أن الله يرسل رسله ليصبغوا الأرض من دماء الأطفال، مع أن ~~التوراة الرائجة لم تذكر من غايات هذه الحروب القاسية دعوة الأمم إلى ~~التوحيد والعدل والصلاح وإنما ذكرت أن الغاية هو استلاب بني إسرائيل للأرض، ~~مع أن مقتضى العهد القديم أن بني إسرائيل لم يخلو في جيل من أجيالهم من ~~عبادة وثنية، كما ذكرنا في الجزء الأول صحيفة 51 - 66. # ويا لهفاه على الحضارة والمدنية مما جنته عليها هذه العوائد الفظة ~~القاسية ويا لهفاه للشريعة الإلهية إذ تلصق بها هذه القساوة والفظاظة ~~الفاسدة، وكيف تعجب إذا من حوادث الوقت إذا انبعثت من ثوراتها أمثال هذه ~~المصائب ناتجة فيها من مجاهرة التوثب ودعوى الحياد. # سهم أصاب ms586 وراميه بذي سلم * من بالعراق لقد أبعدت مرماك PageV02P348 # الفصل السابع في السياسة الشرعية وقد ذكرت أحكاما كثيرة في القصاص ~~والتغريمات والحدود والتعزيرات يعرف أغلبها من الحادي والعشرين والثاني ~~والعشرين من الخروج والخامس والثلاثين من العدد وغير ذلك من متفرقات ~~التوراة ولا يخفى على كل عاقل أنه لا تستقيم المدنية ولا يطمئن الاجتماع ~~ولا تسكن الثورات ولا يقل الظلم ولا تعرف الحقوق قرارها إلا بسيادة السياسة ~~وسلطة التأديب وتدارك التغريم فإن ذلك روح المدنية وحياة النفوس والحقوق ~~ولم تنتظم بدون ذلك ملة ولا دولة، بل لا تنتظم بدونها عائلة بيت، وإن ~~اختلفت مصادرها وتفاوتت مبانيها. # ولكن العهد الجديد يقول: قد سمعتم إن قيل - أي في التوراة - عين بعين وسن ~~بسن، وأما أنا فأقول لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له ~~الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا (مت 5، 38 ~~- 41). # وأن من يحمل الكلام على أحسن وجوهه وأصحها ينبغي أن لا يحمل هذا الكلام ~~على المعارضة والمقاومة لسيادة السياسة الشرعية الإلهية ليترك العباد هملا، ~~ويكون شريكا للفاسقين والظالمين والكافرين، بل ينبغي أن يحمل على التعليم ~~لصاحب الحق بالملاينة وفضيلة العفو والتصدق بالمسامحة كما ندب القرآن ~~الكريم إلى التصدق بالقصاص وفضيلة العفو الذي هو أقرب للتقوى. PageV02P349 # الفصل الثامن في المواريث جعلت التوراة الرائجة من ميراث الرجل للابن ~~البكر مع إخوته نصيب اثنين (تث 1، 17) وليس للبنات مع وجود الابن أو ~~الأبناء شئ، نعم جعلت الإرث للبنت إذا لم يكن للرجل الميت ابن، وإن لم يكن ~~بنت فميراثه لأخوته، وإن لم يكن له إخوة فلأخوة أبيه، وإن لم يكن لأبيه ~~إخوة فلنسيبه الأقرب (عد 27، 8 - 12). # هذا ما تعرضت له من المواريث ولم تتعرض للميراث من المرأة إذا ماتت ولم ~~تجعل للأبوين شيئا من إرث ولدهما. # ولا يخفى أن حرمان البنات مع وجود الابن لا يخلو من القساوة والوحشية ~~التي وبخ عليها القرآن الكريم جاهلية العرب، وحاشا للشريعة الإلهية أن ~~تتركهن صفرات اليد متعوسات الحظ بعد ما ms587 مات أبوهن وكافلهن بالشفقة والرحمة ~~وهن الضعيفات.. # هذا ما اقتضى الحال والاختصار ذكره من شريعة التوراة الرائجة. # × × × وأما شريعة العهد الجديد فقد ذكرنا لك منها ما تذكره الأناجيل عن ~~قول المسيح من أنه لم يجئ PageV02P350 # لينقض الناموس وأنه يحث على العمل بوصاياه حتى الصغرى. # وذكرنا أيضا معارضة الأناجيل لحكم الطلاق، والحلف، والسياسة ومعارضة باقي ~~العهد الجديد بإباحة ما حرمته التوراة وتطهير ما نجسته ونسخ حكم الختان ~~وسائر القيود. # ثم لنذكر لك شيئا مما اختص به عن التوراة الرائجة، فاعلم أنه قد أكثر في ~~الحث على التقوى ومكارم الأخلاق والزجر عن رذائلها بنحو يفوق على التوراة ~~في حسن بيانه وروحانية تعليمه، ولكنه متى تعدى عن مأخذه شذت به الشواذ ~~وتقلبت به الأحوال. # واعلم أن المسيح ويوحنا المعمدان - أي يحيى بن زكريا - عليهم السلام قد ~~أشرقا على العالم بنور الموعظة والتعليم الروحي، ونشرا لواء الدعوة إلى ~~الكمال الحقيقي، ووقفا نفسيهما الكريمتين في سبيل تهذيب النفوس والأخلاق ~~ونبها على ظاهر أدواء النفوس وباطنها، ومثار أوبئة الأخلاق وفساد الأهواء ~~فحذرا من عدواها، وعلما علاجها، ودلا على دوائها، ففتحا بيمارستان التعليم ~~وطافا لعموم العلاج، ولطفا للناس الدواء، وروقاه بعذب البيان ولطف الدعوة ~~ومزاج الحكمة، واستشعرا الزهد والتقشف والوعظ والإرشاد والعبادة والاجتهاد ~~رغبة فيما عند الله، وليقتدي الناس بهما ويهتدون بهداهما فمهدا سبيل الوعظ ~~والتعليم وسهلا للناس تعاطيه والتفنن في بيانه، فسلكه بعدهما تابعوهما ~~والملتصقون بتابعيتهما، واختلفوا فيه بالقول والعمل بين صادق وماذق وعارف ~~وقاصر وناصح ومخادع. # خليلي قطاع الطريق إلى الحمى * كثير وأن الواصلين قليل فلا عجب إذا إذا ~~تحرى العهد الجديد منهج الوعظ والتعليم تمثلا بشبه الانتساب، ولكنه ويا ~~للأسف كم وكم شذت به الشواذ فجمع بين الأضداد وألقى مضامينه في معترك ~~التناقض (فضح التطبع شيمة المطبوع). # وجاء في الإنجيل الرائج عن قول المسيح لا تدعوا لكم أبا على الأرض لأن ~~أباكم واحد الذي في السماوات. PageV02P351 # ويا أسفاه فإنا نرى كل من يتصدر من النصارى للرياسة الدينية والسيطرة في ~~تعليم الإنجيل لا يرضى من ms588 الناس إلا أن يدعوه (الأب فلان) فيدعوه الناس ~~بذلك بلا نكير بل هو أيضا يسمى نفسه (الأب فلان) وليس هذا في عصر واحد وقرن ~~واحد. # وما أكثر ما تسمع وترى في الصحف قول النصارى في رؤساء ديانتهم (الآباء ~~اليسوعيين). # عجبا فأين نقل الإنجيل عن تعليم المسيح، أتراهم يرون الإنجيل مكذوبا على ~~المسيح؟ أم ألهمهم روح القدس أن يجعلوا هذا التعليم وهذا النهي تحت ~~أقدامهم؟ # ومما كرره العهد الجديد وأكده في تعليمه حث العبيد على طاعة ساداتهم وأن ~~يحسبوهم مستحقين كل الاكرام وإن كانوا غير مؤمنين (1 تي 6، 1 و 2) ويرضوهم ~~في كل شئ (تي 2، 59). # ولم يتعرض في هذين المقامين لشئ من تعليم السادة بالرأفة بعبيدهم، ولكنه ~~أكد وشدد على العبيد بأن يخدموهم بخوف ورعد في بساطة قلب، (أف 6، 5)،، ~~ويطيعوهم في كل شئ من القلب، كما للرب (كو 3، 22 و 23)، نعم في هذين ~~المقامين أوصى السادة بمعاملة العبيد بالعدل والمساواة وأن يتركوا التهديد. # وهذان التعليمان لم يجريا على ناموس الحكمة، بل جريا على المحاباة ~~ومصانعة الوجوه، فإن العبيد المساكين تكفيهم عصا السادات في التعليم وعنف ~~التسخير خصوصا إذا كان ساداتهم غير مؤمنين، وأن الذي تقتضيه الحكمة هو ~~التأكيد على السادات بمعاملة العبيد بالرأفة والرحمة والتخفيف، وترغيبهم ~~إلى فك عبيدهم من أسر الرق وعنائه وذلته، كما احتاط القرآن الكريم على هذه ~~المكارم من جميع وجوهها حتى جعل العتق بابا من العبادات والقربات، ونحوا من ~~خصال الكفارات، وجعل سهما من الزكاة لفك العبيد من عناء الرق، وسيأتي بيان ~~ذلك مفصلا مشروحا في محله إن شاء الله. PageV02P352 # وشدد أيضا بالتعليم بالخضوع للسلاطين القائمة معللا بأنها من الله ومرتبة ~~منه، وأن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله لأنه خادم الله للصلاح يلزم أن ~~يخضع له بالضمير ويوفي الجزية لأنه خادم الله، وأن تعطى الجزية لمن له ~~الجزية، والجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف يعطى الجميع حقوقهم ~~هذه (رو 13، 1 - 8). # وهذا التعليم لأهل رومية الذين هم تحت سلطان قيصر، وأن القياصرة في الوقت ~~المجعول ms589 له هذا التعليم قد كانوا وثنيين، وأعداء للملة النصرانية مضطهدين ~~لمن ينتسب للمسيحية، وكل من يعتبر تلك الحال يعلم أن هذا التعليم قد تعدى ~~إلى الإفراط الفاسد، نعم لو كان بغير هذا الأسلوب لأمكن أن يجري على وجه ~~صحيح. # ومضمون نقل الأناجيل عن المسيح هو أن الجزية ليست حقا للقياصرة ولا يجوز ~~إعطائها لهم، وذلك أن اليهود نصبوا له شبكة في سؤالهم عن إعطاء الجزية ~~لقيصر لعلمهم بأنه لا يجوز ذلك فأرادوا أن يجاهر بذلك فيجعلونه ذنبا عليه ~~عند قيصر والوالي، فعلم بمكرهم وخبثهم فلجأ إلى التقية والحياد عن الجواب ~~بالمنع ولكنه مع ذلك سلك مسلك التعمية والايهام في الجواب فأخذ دينارا ~~فقال: لمن هذه الصورة؟ فقالوا لقيصر فقال أعطوا ما لقيصر وما لله لله (مت ~~22 ومر 12 ولو 30)، فجمع بين التقية والتخلص من مكرهم وبين عدم المجاهرة ~~بمخالفة حكم الله، فتلطف وعمى في الجواب، ولكنه لما أمر بطرس بإعطاء الجزية ~~عنهما بين له أن إعطائها لهم لئلا يكدرهم ويحملهم على العثرة به (مت 37، ~~27). # وأين هذا من التعليم المتقدم الذي يجعل الجزية حقا لقيصر، أفلا ترى ~~محاباة السلطان وخدمة أفكاره لائحة أو ظاهرة على تطرفه ومغالاته، أم تقول ~~إنه تعليم سلطاني؟ # وقد حث العهدان على السلام، ففيهما أحبوا الحق والسلام (زك 8، 19)، طوبى ~~لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون (مت 5، 9) وأن ملكوت الله بر وسلام ~~(رو 14، 17) وهو من ثمار الروح (غل 5، 22) ومن PageV02P353 # اهتمامها (رو 8، 6)، وثمر البر يزرع بالسلام من الذين يفعلون السلام (يع ~~3، 18)، اتبعوا السلام مع الجميع (عب 13، 14) وإن كان ممكنا فحسب طاقتكم ~~سالموا جميع الناس (رو 12، 18). # حتى أن الإنجيل يذكر عن قول المسيح نهى المظلوم عن الانتصار والانتصاف بل ~~والدفاع، كما في قوله: لا تقاوموا الشر، من لطمك على خدك الأيمن فحول له ~~الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا (مت 5، 39 و ~~40). # وإن أولى من يتبع هذه التعاليم ويعلم بها هم الذين يدعون الروحانية ~~والرياسة الدينية، ولكنك لو استنطقت التاريخ المتعجب عما جنته دوائر ms590 ~~الكاثوليك على البروتستنت ودوائر البروتستنت على الكاثوليك؟ لأنبأك بغرائب ~~المصائب، ومنكرات الأحوال، وإن باح لك ببعض سره لا بكله أو جله.. # أفترى ذلك كان لأجل سياسة ملكية، كلا، ولكنها قساوة مزاعم الروحانية ~~وعواصف تلك الأهواء الوبيئة. # ولو سألت الزمان المتحسر والتاريخ المتأسف وقلت: من هو الذي قاوم الدين ~~والصلاح والإنسانية والسلام وأضرار نار الحروب الصليبية وقاد ظلها وساق ~~قسوتها وأثكل الإنسانية وألبسها ثوب الحزن والعار والشنار لقالا لك بعين ~~عبرى وقلب شجي: لا نعلم مثيرا لغبارها وناشرا للوائها وموريا لنارها وملقحا ~~لها ومستنتجا منها ذاك النتاج المشؤوم إلا الأسقفية والمطرنة ومزاعم ~~الروحانية والرهبنة، لماذا؟ أهي لأجل الدعوة إلى التوحيد، لا بل للدعوة إلى ~~التثليث وتأليه البشر؟ أم هي لأجل ترك الأوثان، لا، بل لأجل تمثيل الصور ~~والأيقونات. # أم لأجل العمل بالشريعة، لا بل لأجل الاستراحة من نواميسها المكملة ~~ورياضاتها المؤدبة. # أم لأجل تقديس المسيح وتنزيهه عن قول الباطل فيه، لا بل لأجل أن يتلى في ~~شأنه (قدس سره) (مت 11، 18 و 19، و 12، 46 - 50 ولو PageV02P354 # 7، 36 - 50 ويو 7، 8 و 10، و 13، 23 - 26). # وسائر ما ذكرناه في الجزء الأول صحيفة 227 - 235 - و 257 - 266 (ودع عنك ~~نهبا صيح في حجراته). # أفلا ترى وتسمع في يومك وأمسك ضوضاء الهمجية الفاحشة وتفاحش القول البذئ ~~في الجرأة القبيحة على قدس رسول الله المصطفى (ص) مما يوقر صدى ضلاله أذنيك ~~وتقذى به صحف السوء عينيك، وهل تحد تلك النفثات الشيطانية والضلالات ~~الدجالية إلا من مزاعم الروحانية التي اعتمدت بالماء ثم وارتكبت بالضلال ~~والخطايا. # فيا للتوحيد والأيمان ويا للدين والتقوى ويا للعدل والصلاح ويا للآداب ~~والشرف، أليس رسول الله (ص) هو الذي نهض بنفسه الكريمة في معترك الضلال ~~ومحتشد الشرك وغمرات الظلم وظلمات الوحشية فأقام منار التوحيد وأعلام ~~الإيمان ومحى ضلال الشرك واستأصل الوثنية، ولا شئ العوائد الوحشية وأحيى ~~نظام العدل وأوضح نهج الصلاح ومهد سبيل التقوى وسهل معارج السعادة، لا ~~تأخذه في الله لومة لائم، كل ذلك بأصدق دعوة وأحسن موعظة وأجمل دفاع أعد ms591 ~~عدته بعواطف الرحمة وكريم الصفح وحسن الولاية وجميل الأثر. # وهل تراهم نقموا منه إلا تبليغه عن الله تقدست أسماؤه قوله جلت آلاؤه في ~~كتابه الكريم (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد). # فهل وجدوا في ذلك دعوة إلى شرك أو اختلاسا في التوحيد أو غشا في النصيحة ~~أو شدة في التوبيخ أو عنفا في الزجر أو فحشا في القول أو غلطة في الموعظة، ~~أو بذاءة في الكلام، ولئن ساءهم هدى هذه الدعوى، وحسن هذه الموعظة، ~~والنصيحة، فإنه يسوء أولا سابقيهم في دعوة التثليث والأقانيم. # وها هم البراهمة، والبوذيون لا تنفلت منهم هذه البوادر، ولا تبدر منهم ~~هذه الفحشاء. PageV02P355 # وقد اقتضى لي الاستعجال في نشر هذا المكتوب أن أختم الجزء الثاني من كتاب ~~الهدى حامدا لله شاكرا لفضله مصليا على أنبيائه ورسله وأوليائه سائلا منه ~~بحرمتهم أن يسددني بالتوفيق ويفتح لي باب الهدى والصواب، إنه ولي التوفيق ~~وهو أرحم الراحمين.# PageV02P356 ms592