######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_002773
#META# 000.BookURI :: AFTER1900
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الآخوند الخراساني
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1328
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: كفاية الأصول
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند الشيعة
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_002773
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2773_كفاية-الأصول-الآخوند-الخراساني
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: ربيع الأول 1409
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم يا من أضاء على مطالع العقول
~~والألباب وأنار عليها بسواطع السنة والكتاب، فأحكم الفروع بأصولها في كل
~~باب، ونصلي على أفضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله الطاهرين
~~الأطياب، سيما المخصوص بالاخوة سيد أولي الألباب.
# ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول وآل الرسول فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا
~~سوء الحساب، واللعنة على أعدائهم من اليوم إلى يوم الحساب.
# وبعد: فالعلم على تشعب شؤونه، وتفنن غصونه، مفتقر إلى علم الأصول افتقار
~~الرعية إلى السلطان، ونافذ حكمه عليها بالوجدان، ولا سيما العلوم الدينية،
~~وخصوصا الأحكام الشرعية، فلولا الأصول لم تقع في علم الفقه على محصول.
# فيه استقرت قواعد الدين، وبه صار الفقه كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين،
~~فلذا بادر علماء الأمصار، وفضلاء الاعصار - في كل دور من الأدوار - إلى
~~تمهيد قواعده، وتقييد شوارده، وتبيين ضوابطه، وتوضيح روابطه، وتهذيب أصوله،
~~وإحكام قوانينه، وترتيب فصوله.
# لكنه لما فيه من محاسن النكت والفقر، ولطائف معان تدق دونها الفكر، جل عن
~~أن يكون شرعة لكل وارد، أو أن يطلع على حقائقه إلا واحد PageV00P003
# بعد واحد، فنهض به من أولي البصائر كابر بعد كابر، فلله درهم من عصابة
~~تلقوا وأذعنوا، وبرعوا فأتقنوا، وأجادوا فجادوا، وصنفوا وأفادوا، أثابهم
~~الله برضوانه وبوأهم بحبوحات جنانه.
# حتى انتهى الامر إلى أوحد علماء العصر، قطب فلك الفقاهة والاجتهاد، ومركز
~~دائرة البحث والانتقاد، الطود الشامخ، والعلم الراسخ، محيي الشريعة وحامي
~~الشيعة، النحرير الأواه، والمجاهد في سبيل الله، خاتم الفقهاء والمجتهدين،
~~وحجة الاسلام والمسلمين، الوفي الصفي، مولانا الآخوند (ملا محمد كاظم
~~الهروي الطوسي النجفي) مد الله أطناب ظلاله على رؤوس الأنام، وعمر بوجوده
~~دوارس شرع الاسلام، فقد فاز - دام ظله - منه بالقدح المعلى وجل عن قول أين
~~وأنى، وجرى بفكر صائب تقف دونه الأفكار، ونظر ثاقب يكاد سنا برقه يذهب
~~بالابصار، فلذا أذعن بفضله الفحول، وتلقوه بأنعم القبول. وأظهر صحفا هي
~~المنتهى في التبيان، ذوات نكت لم يطمثهن قبله إنس ولا جان، ويغنيك العيان
~~عن البيان، والوجدان ms001 عن البرهان.
# فما قدمته لك إحدى مقالاته الشافية، ورسائله الكافية، فقد أخذت بجزأيها
~~على شطري الأصول الأصلية، من مباحث الألفاظ والأدلة العقلية، وأغنت
~~بالإشارة عن المطولات، فهي النهاية والمحصول، فحري بأن يسمى ب (كفاية
~~الأصول)، فأين من يعرف قدرها، ولا يرخص مهرها، وعلى الله قصد السبيل، وهو
~~حسبي ونعم الوكيل.
# قال أدام الله ظله [بعد التسمية والتحميد والتصلية] (1):
# PageV00P004
# بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
~~محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
# وبعد فقد رتبته على مقدمة، ومقاصد وخاتمة. PageV00P005
# أما المقدمة ففي بيان أمور:
# الأول إن موضوع كل علم، وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية - أي بلا
~~واسطة في العروض - هو نفس موضوعات مسائله عينا، وما يتحد معها خارجا، وإن
~~كان يغايرها مفهوما، تغاير الكلي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده، والمسائل
~~عبارة عن جملة من قضايا متشتتة، جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي
~~لاجله دون هذا العلم، فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل، مما كان
~~له دخل في مهمين، لاجل كل منهما دون علم على حدة، فيصير من مسائل العلمين.
# لا يقال: على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما، فيما كان هناك
~~مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا، لا يكاد انفكاكهما.
# فإنه يقال: مضافا إلى بعد ذلك، بل امتناعه عادة، لا يكاد يصح لذلك تدوين
~~علمين وتسميتهما باسمين، بل تدوين علم واحد، يبحث فيه تارة لكلا المهمين،
~~وأخرى لأحدهما، وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل، فان حسن تدوين علمين -
~~كانا مشتركين في مسألة، أو أزيد - في جملة مسائلهما المختلفة، لاجل مهمين،
~~مما لا يخفى. PageV00P007
# وقد انقدح بما ذكرنا، أن تمايز العلوم إنما هو باختلاف الأغراض الداعية
~~إلى التدوين، لا الموضوعات ولا المحمولات، وإلا كان كل باب، بل كل مسألة من
~~كل علم، علما على حدة، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل، فلا يكون
~~الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد، كما لا يكون وحدتهما سببا
~~لان يكون من ms002 الواحد.
# ثم إنه ربما لا يكون لموضوع العلم - وهو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل
~~- عنوان خاص واسم مخصوص، فيصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه، بداهة عدم دخل
~~ذلك في موضوعيته أصلا.
# وقد انقدح بذلك أن موضوع علم الأصول، هو الكلي المنطبق على موضوعات
~~مسائله المتشتتة، لا خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة (1)، بل ولا بما هي
~~هي (2)، ضرورة أن البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها، وهو
~~واضح لو كان المراد بالسنة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره، كما
~~هو المصطلح فيها، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة، كعمدة مباحث
~~التعادل والترجيح، بل ومسألة حجية خبر الواحد، لا عنها ولا عن سائر الأدلة،
~~ورجوع البحث فيهما - في الحقيقة - إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد، في
~~مسألة حجية الخبر - كما أفيد - (3) وبأي الخبرين في باب التعارض، فإنه أيضا
~~بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال غير مفيد فان البحث عن ثبوت
~~الموضوع، وما هو مفاد كان التامة، ليس بحثا عن عوارضه، فإنها مفاد كان
~~الناقصة.
# لا يقال: هذا في الثبوت الواقعي، وأما الثبوت التعبدي - كما هو
# PageV00P008
# المهم في هذه المباحث - فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.
# فإنه يقال: نعم، لكنه مما لا يعرض السنة، بل الخبر الحاكي لها، فإن
~~الثبوت التعبدي يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، وهذا
~~من عوارضه لا عوارضها، كما لا يخفى.
# وبالجملة: الثبوت الواقعي ليس من العوارض، والتعبدي وإن كان منها، إلا
~~أنه ليس للسنة، بل للخبر، فتأمل جيدا.
# وأما إذا كان المراد (1) من السنة ما يعم حكايتها، فلان البحث في تلك
~~المباحث وإن كان عن أحوال السنة بهذا المعنى، إلا أن البحث في غير واحد من
~~مسائلها، كمباحث الألفاظ، وجملة من غيرها، لا يخص الأدلة، بل يعم غيرها،
~~وإن كان المهم معرفة أحوال خصوصها، كما لا يخفى.
# ويؤيد ذلك تعريف الأصول، بأنه (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام
~~الشرعية)، ms003 وإن كان الأولى تعريفه بأنه (صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن
~~أن تقع في طريق استنباط الاحكام، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل)، بناء
~~على أن مسألة حجية الظن على الحكومة، ومسائل الأصول العملية في الشبهات
~~الحكمية من الأصول، كما هو كذلك، ضرورة أنه لا وجه لالتزام الاستطراد في
~~مثل هذه المهمات.
# الامر الثاني الوضع هو نحو اختصاص للفظ بالمعنى، وارتباط خاص بينهما، ناش
~~من تخصيصه به تارة، ومن كثرة استعماله فيه أخرى، وبهذا المعنى صح تقسيمه
~~إلى التعييني والتعيني، كما لا يخفى.
# PageV00P009
# ثم إن الملحوظ حال الوضع: إما يكون معنى عاما، فيوضع اللفظ له تارة،
~~ولافراده ومصاديقه أخرى، وإما يكون معنى خاصا، لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ
~~له دون العام، فتكون الأقسام ثلاثة، وذلك لان العام يصلح لان يكون آلة
~~للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك، فإنه من وجوهها، ومعرفة وجه الشئ
~~معرفته بوجه، بخلاف الخاص، فإنه بما هو خاص، لا يكون وجها للعام، ولا لسائر
~~الافراد، فلا يكون معرفته وتصوره معرفة له، ولا لها - أصلا - ولو بوجه.
# نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه، فيوضع له اللفظ، فيكون الوضع
~~عاما، كما كان الموضوع له عاما، وهذا بخلاف ما في الوضع العام والموضوع له
~~الخاص، فإن الموضوع له - وهي الافراد - لا يكون متصورا إلا بوجهه وعنوانه،
~~وهو العام، وفرق واضح بين تصور الشئ بوجهه، وتصوره بنفسه، ولو كان بسبب
~~تصور أمر آخر.
# ولعل خفاء ذلك على بعض الاعلام (1)، وعدم تميزه بينهما، كان موجبا لتوهم
~~امكان ثبوت قسم رابع، وهو أن يكون الوضع خاصا، مع كون الموضوع له عاما، مع
~~أنه واضح لمن كان له أدنى تأمل.
# ثم إنه لا ريب في ثبوت الوضع (2) الخاص والموضوع له الخاص كوضع الاعلام،
~~وكذا الوضع (3) العام والموضوع له العام، كوضع أسماء الأجناس وأما الوضع
~~العام والموضوع له الخاص، فقد توهم (4) أنه وضع الحروف، وما ألحق بها من
~~الأسماء، كما توهم (5) أيضا ان المستعمل فيه فيها (6)
# PageV00P010
# خاص (1) مع كون الموضوع له كالوضع ms004 عاما.
# والتحقيق - حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق - أن حال المستعمل فيه والموضوع
~~له فيها حالهما في الأسماء، وذلك لان الخصوصية المتوهمة، إن كانت هي
~~الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا، فمن الواضح أن كثيرا ما لا
~~يكون المستعمل فيه فيها كذلك بل كليا، ولذا التجأ بعض الفحول (2) إلى جعله
~~جزئيا إضافيا، وهو كما ترى. وإن كانت هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا، حيث
~~أنه لا يكاد يكون المعنى حرفيا، إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر، ومن خصوصياته
~~القائمة به، ويكون حاله كحال العرض، فكما لا يكون في الخارج إلا في
~~الموضوع، كذلك هو لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر، ولذا قيل في تعريفه:
~~بأنه ما دل على معنى في غيره، فالمعنى، وإن كان لا محالة يصير جزئيا بهذا
~~اللحاظ، بحيث يباينه إذا لوحظ ثانيا، كما لوحظ أولا، ولو كان اللاحظ واحدا،
~~إلا أن هذا اللحاظ لا يكاد مأخوذا في المستعمل فيه، وإلا فلا بد من لحاظ
~~آخر، متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة أن تصور المستعمل فيه مما لابد
~~منه في استعمال الألفاظ، وهو كما ترى. مع أنه يلزم أن لا يصدق على
~~الخارجيات، لامتناع صدق الكلي العقلي عليها، حيث لا موطن له إلا الذهن،
~~فامتنع امتثال مثل (سر من البصرة) إلا بالتجريد وإلغاء (3) الخصوصية، هذا
~~مع أنه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلا كلحاظه في نفسه في
~~الأسماء، وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها، كذلك ذاك
~~اللحاظ في الحروف، كما لا يخفى.
# PageV00P011
# وبالجملة: ليس المعنى في كلمة (من) ولفظ الابتداء - مثلا - إلا الابتداء،
~~فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلا، كذلك لا يعتبر في معناها
~~لحاظه في غيرها وآلة، وكما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته، فليكن كذلك
~~فيها.
# إن قلت: على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى، ولزم كون مثل
~~كلمة (من) ولفظ الابتداء مترادفين، صح استعمال كل منهما في موضع الآخر،
~~وهكذا سائر ms005 الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها، وهو باطل بالضرورة، كما
~~هو واضح.
# قلت: الفرق بينهما إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع، حيث [أنه] (1) وضع
~~الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه، والحرف ليراد منه معناه لا
~~كذلك، بل بما هو حالة لغيره، كما مرت الإشارة إليه غير مرة، فالاختلاف بين
~~الاسم والحرف في الوضع، يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع
~~الآخر، وإن اتفقا فيما له الوضع، وقد عرفت - بما لا مزيد عليه - أن نحو
~~إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته ومقوماته.
# ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والانشاء أيضا كذلك، فيكون الخبر
~~موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه، والانشاء ليستعمل في قصد
~~تحققه وثبوته، وإن اتفقا فيما استعملا فيه، فتأمل.
# ثم إنه قد انقدح مما حققناه، أنه يمكن أن يقال: إن المستعمل فيه في مثل
~~أسماء الإشارة والضمائر أيضا عام، وأن تشخصه إنما نشأ من قبل طور
~~استعمالها، حيث أن أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها، وكذا
# PageV00P012
# بعض الضمائر، وبعضها ليخاطب به (1) المعنى، والإشارة والتخاطب يستدعيان
~~التشخص كما لا يخفى، فدعوى أن المستعمل فيه في مثل (هذا) أو (هو) أو (إياك)
~~إنما هو المفرد المذكر، وتشخصه إنما جاء من قبل الإشارة، أو التخاطب بهذه
~~الألفاظ إليه، فإن الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلا إلى الشخص أو معه،
~~غير مجازفة.
# فتلخص مما حققناه: ان التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات، لا يوجب تشخص
~~المستعمل فيه، سواء كان تشخصا خارجيا - كما في مثل أسماء الإشارة - أو
~~ذهنيا - كما في أسماء الأجناس والحروف ونحوهما - من غير فرق في ذلك أصلا
~~بين الحروف وأسماء الأجناس، ولعمري هذا واضح. ولذا ليس في كلام القدماء من
~~كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصا في الحرف عين ولا أثر، وإنما ذهب إليه
~~بعض من تأخر، (2) ولعله لتوهم كون قصده بما هو في غيره، من خصوصيات الموضوع
~~له، أو المستعمل فيه، والغفلة من أن قصد المعنى ms006 من لفظه على أنحائه، لا
~~يكاد يكون من شؤونه وأطواره، وإلا فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك،
~~فتأمل في المقام فإنه دقيق، وقد زل فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق
~~والتدقيق.
# الثالث صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له، هل هو بالوضع، أو
~~بالطبع؟ وجهان، بل قولان، أظهرهما أنه بالطبع بشهادة الوجدان بحسن
~~الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه
~~و لو مع ترخيصه، ولا معنى لصحته إلا حسنه، والظاهر أن صحة الاستعمال
# PageV00P013
# اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله، كما يأتي الإشارة إلى تفصيله (1).
# الرابع لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ، وإرادة نوعه به، كما إذا قيل:
# ضرب - مثلا - فعل ماض، أو صنفه كما إذا قيل: (زيد) في (ضرب زيد) فاعل،
~~إذا لم يقصد به شخص القول أو مثله ك (ضرب) في المثال فيما إذا قصد.
# وقد أشرنا (2) إلى أن صحة الاطلاق كذلك وحسنه، إنما كان بالطبع لا
~~بالوضع، وإلا كانت المهملات موضوعة لذلك، لصحة الاطلاق كذلك فيها،
~~والالتزام بوضعها كذلك كما ترى.
# وأما إطلاقه وإرادة شخصه، كما إذا قيل: (زيد لفظ) وأريد منه شخص نفسه،
~~ففي صحته بدون تأويل نظر، لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول، أو تركب القضية
~~من جزءين كما في الفصول (3).
# بيان ذلك: أنه إن اعتبر دلالته على نفسه - حينئذ - لزم الاتحاد، وإلا لزم
~~تركبها من جزءين، لان القضية اللفظية - على هذا - إنما تكون حاكية عن
~~المحمول والنسبة، لا الموضوع، فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزءين، مع
~~امتناع التركب إلا من الثلاثة، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين.
# قلت: يمكن أن يقال: إنه يكفي تعدد الدال والمدلول اعتبارا، وإن اتحدا
~~ذاتا، فمن حيث أنه لفظ صادر عن لافظه كان دالا، ومن حيث أن
# PageV00P014
# نفسه وشخصه مراده كان مدلولا، مع أن حديث تركب القضية من جزءين - لولا
~~اعتبار الدلالة في البين - إنما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه، وإلا
~~كان أجزاؤها الثلاثة تامة، وكان المحمول فيها منتسبا ms007 إلى شخص اللفظ ونفسه،
~~غاية الامر أنه نفس الموضوع، لا الحاكي عنه، فافهم، فإنه لا يخلو عن دقة.
# وعلى هذا، ليس من باب استعمال اللفظ بشئ، بل يمكن أن يقال:
# إنه ليس أيضا من هذا الباب، ما إذا أطلق اللفظ وأريد به نوعه أو صنفه،
~~فإنه فرده ومصداقه حقيقة، لا لفظه وذاك معناه، كي يكون مستعملا فيه استعمال
~~اللفظ في المعنى، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجا، قد
~~أحضر في ذهنه بلا وساطة حاك (1)، وقد حكم عليه ابتداء، بدون واسطة أصلا، لا
~~لفظه، كما لا يخفى، فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى، بل فرد قد
~~حكم في القضية عليه - بما هو مصداق لكلي (2) اللفظ، لا بما هو خصوص جزئية.
# نعم فيما إذا أريد به فرد آخر مثله، كان من قبيل استعمال اللفظ في
~~المعنى، اللهم إلا أن يقال: إن لفظ (ضرب) وإن كان فردا له، إلا أنه إذا قصد
~~به حكايته، وجعل عنوانا له ومرآته، كان لفظه المستعمل فيه، وكان - حينئذ -
~~كما إذا قصد به فرد مثله.
# وبالجملة: فإذا أطلق وأريد به نوعه، كما إذا أريد به فرد مثله، كان من
~~باب استعمال اللفظ في المعنى، وإن كان فردا منه، وقد حكم في القضية بما
~~يعمه، وإن أطلق ليحكم عليه بما هو فرد كلية ومصداقه، لا بما هو لفظه وبه
~~حكايته، فليس من هذا الباب، لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهرا
# PageV00P015
# ليست كذلك، كما لا يخفى، وفيها ما لا يكاد يصح أن يراد منه ذلك، مما كان
~~الحكم في القضية لا يكاد يعم شخص اللفظ، كما في مثل: (ضرب فعل ماض).
# الخامس لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي، لا من حيث
~~هي مرادة للافظها، لما عرفت بما لا مزيد عليه، من أن قصد المعنى على أنحائه
~~من مقومات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه.
# هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل والاسناد في الجمل، بلا تصرف في ألفاظ
~~الأطراف، مع أنه ms008 لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة، لما صح بدونه، بداهة أن
~~المحمول على (زيد) في (زيد قائم) والمسند إليه في (ضرب زيد) - مثلا - هو
~~نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان، مع أنه يلزم كون وضع عامة الألفاظ
~~عاما والموضوع له خاصا، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له
~~اللفظ، فإنه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة فيه، كما لا يخفى، وهكذا
~~الحال في طرف الموضوع.
# وأما ما حكي (1) عن العلمين (الشيخ الرئيس (2)، والمحقق
# PageV00P016
# الطوسي (1)) من مصيرهما إلى أن الدلالة تتبع الإرادة، فليس ناظرا إلى كون
~~الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة، كما توهمه بعض الأفاضل (2)، بل ناظر
~~إلى أن دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية، أي دلالتها على
~~كونها مرادة للافظها تتبع إرادتها منها، ويتفرع عليها تبعية مقام الاثبات
~~للثبوت، وتفرع الكشف على الواقع المكشوف، فإنه لولا الثبوت في الواقع، لما
~~كان للاثبات والكشف والدلالة مجال، ولذا لا بد من إحراز كون المتكلم بصدد
~~الإفادة في إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه ودلالته على الإرادة، وإلا لما
~~كانت لكلامه هذه الدلالة، وإن كانت له الدلالة التصورية، أي كون سماعه
~~موجبا لاخطار معناه الموضوع له، ولو كان من وراء الجدار، أو من لافظ بلا
~~شعور ولا اختيار.
# إن قلت: على هذا، يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند الخطأ، والقطع بما ليس
~~بمراد، أو الاعتقاد بإرادة شئ، ولم يكن له من اللفظ مراد.
# قلت: نعم لا يكون حينئذ دلالة، بل يكون هناك جهالة وضلالة، يحسبها الجاهل
~~دلالة، ولعمري ما أفاده العلمان من التبعية - على ما بيناه - واضح لا محيص
~~عنه، ولا يكاد ينقضي تعجبي كيف رضي المتوهم أن يجعل كلامهما ناظرا إلى ما
~~لا ينبغي صدوره عن فاضل، فضلا عمن هو علم
# PageV00P017
# في التحقيق والتدقيق؟!.
# السادس لا وجه لتوهم وضع للمركبات، غير وضع المفردات، ضرورة عدم الحاجة
~~إليه، بعد وضعها بموادها، في مثل (زيد قائم) و (ضرب عمرو بكرا) شخصيا،
~~وبهيئاتها المخصوصة من خصوص إعرابها نوعيا، ومنها خصوص ms009 هيئات المركبات
~~الموضوعة لخصوصيات النسب والإضافات، بمزاياها الخاصة من تأكيد وحصر وغيرهما
~~نوعيا، بداهة أن وضعها كذلك واف بتمام المقصود منها، كما لا يخفى من غير
~~حاجة إلى وضع آخر لها بجملتها، مع استلزامه الدلالة على المعنى: تارة
~~بملاحظة وضع نفسها، وأخرى بملاحظة وضع مفرداتها، ولعل المراد من العبارات
~~الموهمة لذلك، هو وضع الهيئات على حدة، غير وضع المواد، لا وضعها بجملتها،
~~علاوة على وضع كل منهما.
# السابع لا يخفى أن تبادر المعنى من اللفظ، وانسباقه إلى الذهن من نفسه -
~~وبلا قرينة - علامة كونه حقيقة فيه، بداهة أنه لولا وضعه له، لما تبادر.
# ولا يقال: كيف يكون علامة؟ مع توقفه على العلم بأنه موضوع له، كما هو
~~واضح، فلو كان العلم به موقوفا عليه لدار.
# فإنه يقال: الموقوف عليه غير الموقوف عليه، فإن العلم التفصيلي - بكونه
~~موضوعا له - موقوف على التبادر، وهو موقوف على العلم الاجمالي الارتكازي
~~به، لا التفصيلي، فلا دور.
# هذا إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم، وأما إذا كان المراد به
~~التبادر عند أهل المحاورة، فالتغاير أوضح من أن يخفى. PageV00P018
# ثم إن هذا فيما لو علم استناد الانسباق إلى نفس اللفظ، وأما فيما احتمل
~~استناده إلى قرينة، فلا يجدي أصالة عدم القرينة في إحراز كون الاستناد
~~إليه، لا إليها - كما قيل (1) - لعدم الدليل على اعتبارها إلا في إحراز
~~المراد، لا الاستناد.
# ثم إن (2) عدم صحة سلب اللفظ - بمعناه المعلوم المرتكز في الذهن اجمالا
~~كذلك - عن معنى تكون علامة كونه حقيقة فيه، كما أن صحة سلبه عنه علامة كونه
~~مجازا في الجملة.
# والتفصيل: إن عدم صحة السلب عنه، وصحة الحمل عليه بالحمل الأولي الذاتي،
~~الذي كان ملاكه الاتحاد مفهوما، علامة كونه نفس المعنى، وبالحمل الشائع
~~الصناعي، الذي ملاكه الاتحاد وجودا، بنحو من أنحاء الاتحاد، علامة كونه من
~~مصاديقه وأفراده الحقيقية (3).
# كما أن صحة سلبه كذلك علامة أنه ليس منها، وإن لم نقل بأن إطلاقه عليه من
~~باب المجاز في الكلمة، بل من باب الحقيقة، وإن التصرف فيه ms010 في أمر عقلي، كما
~~صار إليه السكاكي (4)، واستعلام حال اللفظ، وأنه حقيقة أو
# PageV00P019
# مجاز في هذا المعنى بهما، ليس على وجه دائر، لما عرفت في التبادر من
~~التغاير بين الموقوف والموقوف عليه، بالاجمال والتفصيل أو الإضافة إلى
~~المستعلم والعالم، فتأمل جيدا.
# ثم إنه قد ذكر الاطراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز أيضا، ولعله بملاحظة
~~نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها،
~~وإلا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطرد كالحقيقة، وزيادة
~~قيد (من غير تأويل) أو (على وجه الحقيقة) (1)، وإن كان موجبا لاختصاص
~~الاطراد كذلك بالحقيقة، إلا أنه - حينئذ - لا يكون علامة لها إلا على وجه
~~دائر، ولا يتأتى التفصي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا (2)، ضرورة أنه مع
~~العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة، لا يبقى مجال لاستعلام (3) حال
~~الاستعمال بالاطراد، أو بغيره.
# الثامن انه للفظ أحوال خمسة، وهي: التجوز، والاشتراك، والتخصيص، والنقل،
~~والاضمار، لا يكاد يصار إلى أحدها فيما إذا دار الامر بينه وبين المعنى
~~الحقيقي، إلا بقرينة صارفة عنه إليه.
# وأما إذا دار الامر بينها، فالأصوليون، وإن ذكروا لترجيح بعضها على بعض
~~وجوها، إلا أنها استحسانية، لا اعتبار بها، إلا إذا كانت موجبة لظهور اللفظ
~~في المعنى، لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك، كما لا يخفى.
# PageV00P020
# التاسع إنه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه على أقوال، وقبل الخوض
~~في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال، وهو: أن الوضع التعييني، كما يحصل
~~بالتصريح بإنشائه، كذلك يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له، كما إذا وضع
~~له، بأن يقصد الحكاية عنه، والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة، وإن كان لا بد
~~- حينئذ - من نصب قرينة، إلا أنه للدلالة على ذلك، لا على إرادة المعنى،
~~كما في المجاز، فافهم.
# وكون استعمال اللفظ فيه كذلك في غير ما وضع له، بلا مراعاة ما اعتبر في
~~المجاز، فلا يكون بحقيقة ولا مجاز، غير ضائر بعد ما كان مما يقبله الطبع
~~ولا يستنكره، وقد عرفت سابقا ms011 (1)، أنه في الاستعمالات الشايعة في المحاورات
~~ما ليس بحقيقة ولا مجاز.
# إذا عرفت هذا، فدعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع
~~هكذا قريبة جدا، ومدعي القطع به غير مجازف قطعا، ويدل عليه تبادر المعاني
~~الشرعية منها في محاوراته، ويؤيد ذلك أنه ربما لا يكون علاقة معتبرة بين
~~المعاني الشرعية واللغوية، فأي علاقة بين الصلاة شرعا والصلاة بمعنى
~~الدعاء، ومجرد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة
~~الجزء والكل بينهما، كما لا يخفى. هذا كله بناء على كون معانيها مستحدثة في
~~شرعنا.
# وأما بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة، كما هو قضية غير واحد من
~~الآيات، مثل قوله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
# PageV00P021
# قبلكم) (1) وقوله تعالى (وأذن في الناس بالحج) (2) وقوله تعالى (وأوصاني
~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) (3) إلى غير ذلك، فألفاظها حقائق لغوية، لا
~~شرعية، واختلاف الشرائع فيها جزءا وشرطا، لا يوجب اختلافها في الحقيقة
~~والماهية، إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات، كاختلافها
~~بحسب الحالات في شرعنا، كما لا يخفى.
# ثم لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال، لا مجال لدعوى الوثوق - فضلا عن
~~القطع - بكونها حقائق شرعية، ولا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على
~~ثبوتها، لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه، ومنه [قد] (4) انقدح حال دعوى
~~الوضع التعيني معه، ومع الغض عنه، فالانصاف أن منع حصوله في زمان الشارع في
~~لسانه ولسان تابعيه مكابرة، نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع، فتأمل.
# وأما الثمرة بين القولين، فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام
~~الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت، وعلى معانيها الشرعية
~~على الثبوت، فيما إذا علم تأخر الاستعمال، وفيما إذا جهل التاريخ، ففيه
~~إشكال، وأصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع، لا دليل على
~~اعتبارها تعبدا، إلا على القول بالأصل المثبت، ولم يثبت بناء من العقلاء
~~على التأخر مع الشك، وأصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة فيما إذا شك في ms012 أصل
~~النقل، لا في تأخره، فتأمل.
# PageV00P022
# العاشر أنه وقع الخلاف في أن ألفاظ العبادات، أسام لخصوص الصحيحة أو
~~للأعم منها؟
# وقبل الخوض في ذكر أدلة القولين، يذكر أمور:
# منها: إنه لا شبهة في تأتي الخلاف، على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، وفي
~~جريانه على القول بالعدم إشكال.
# وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره: إن النزاع وقع - على هذا - في أن الأصل
~~في هذه الألفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع، هو استعمالها في خصوص
~~الصحيحة أو الأعم، بمعنى أن أيهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني
~~اللغوية ابتداء، وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته، كي ينزل كلامه (1)
~~عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغوية، وعدم قرينة أخرى معينة للآخر.
# وأنت خبير بأنه لا يكاد يصح هذا، إلا إذا علم أن العلاقة إنما اعتبرت
~~كذلك، وأن بناء الشارع في محاوراته، استقر عند عدم نصب قرينة أخرى على
~~إرادته، بحيث كان هذا قرينة عليه، من غير حاجة إلى قرينة معينة أخرى، وأنى
~~لهم بإثبات ذلك.
# وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع - على ما نسب (2) إلى الباقلاني (3) -
# PageV00P023
# وذلك بأن يكون النزاع، في أن قضية القرينة المضبوطة التي لا يتعدى عنها
~~إلا بالأخرى - الدالة على أجزاء المأمور به وشرائطه - هو تمام الأجزاء
~~والشرائط ، أو هما في الجملة، فلا تغفل.
# ومنها: أن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد، وهو التمامية، وتفسيرها
~~بإسقاط القضاء - كما عن الفقهاء - أو بموافقة الشريعة - كما عن المتكلمين -
~~أو غير ذلك، إنما هو بالمهم من لوازمها، لوضوح اختلافه بحسب اختلاف
~~الانظار، وهذا لا يوجب تعدد المعنى، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من
~~السفر، والحضر، والاختيار، والاضطرار إلى غير ذلك، كما لا يخفى.
# ومنه ينقدح أن الصحة والفساد أمران إضافيان، فيختلف شئ واحد صحة وفسادا
~~بحسب الحالات، فيكون تاما بحسب حالة، وفاسدا بحسب أخرى، فتدبر جيدا.
# ومنها: أنه لابد - على كلا القولين - من قدر جامع في البين، كان هو
~~المسمى بلفظ كذا، ولا إشكال في وجوده بين الافراد الصحيحة، وإمكان الإشارة ms013
~~إليه بخواصه وآثاره، فإن الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد،
~~يؤثر الكل فيه بذاك الجامع، فيصح تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلا: بالناهية
~~عن الفحشاء، وما هو معراج المؤمن، ونحوهما.
# والاشكال فيه (1) - بأن الجامع لا يكاد يكون أمرا مركبا، إذ كل ما فرض
~~جامعا، يمكن أن يكون صحيحا وفاسدا، لما عرفت، ولا أمرا بسيطا، لأنه لا
~~يخلو: أما أن يكون هو عنوان المطلوب، أو ملزوما مساويا له، والأول غير
~~معقول، لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتى إلا من قبل الطلب في متعلقه،
# PageV00P024
# مع لزوم الترادف بين لفظة الصلاة والمطلوب، وعدم جريان البراءة مع الشك
~~في أجزاء العبادات وشرائطها، لعدم الاجمال - حينئذ - في المأمور به فيها،
~~وإنما الاجمال فيما يتحقق به، وفي مثله لا مجال لها، كما حقق في محله، مع
~~أن المشهور القائلين بالصحيح، قائلون بها في الشك فيها، وبهذا يشكل لو كان
~~البسيط هو ملزوم المطلوب أيضا - مدفوع، بأن الجامع إنما هو مفهوم واحد
~~منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة. بحسب إختلاف الحالات، متحد
~~معها نحو اتحاد، وفي مثله تجري البراءة، وإنما لا تجري فيما إذا كان
~~المأمور به أمرا واحدا خارجيا، مسببا عن مركب مردد بين الأقل والأكثر،
~~كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شك في أجزائهما، هذا على
~~الصحيح.
# وأما على الأعم، فتصوير الجامع في غاية الاشكال، فما قيل في تصويره أو
~~يقال: وجوه (1):
# أحدها (2): أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة، كالأركان في الصلاة
~~مثلا، وكان الزائد عليها معتبرا في المأمور به لا في المسمى.
# وفيه ما لا يخفى، فإن التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها، ضرورة صدق
~~الصلاة مع الاخلال ببعض الأركان، بل وعدم الصدق عليها مع الاخلال بسائر
~~الأجزاء والشرائط عند الأعمي، مع أنه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو
~~المأمور به - بأجزائه وشرائطه - مجازا عنده، وكان من باب استعمال اللفظ
~~الموضوع للجزء في الكل، لا من باب إطلاق الكلي على الفرد والجزئي، كما هو
~~واضح، ولا يلتزم به ms014 القائل بالأعم، فافهم.
# PageV00P025
# ثانيها: أن تكون موضوعة لمعظم الاجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفا،
~~فصدق الاسم كذلك يكشف عن وجود المسمى، وعدم صدقه عن عدمه.
# وفيه - مضافا إلى ما أورد على الأول أخيرا - أنه عليه يتبادل ما هو
~~المعتبر في المسمى، فكان شئ واحد داخلا فيه تارة، وخارجا عنه أخرى، بل
~~مرددا بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الاجزاء، وهو كما
~~ترى، سيما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب
~~الحالات.
# ثالثها: أن يكون وضعها كوضع الاعلام الشخصية ك (زيد) فكما لا يضر في
~~التسمية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر، ونقص بعض الاجزاء
~~وزيادته، كذلك فيها.
# وفيه: أن الاعلام إنما تكون موضوعة للاشخاص، والتشخص إنما يكون بالوجود
~~الخاص، ويكون الشخص حقيقة باقيا ما دام وجوده باقيا، وإن تغيرت عوارضه من
~~الزيادة والنقصان، وغيرهما من الحالات والكيفيات، فكما لا يضر اختلافها في
~~التشخص، لا يضر اختلافها في التسمية، وهذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات مما
~~كانت موضوعة للمركبات والمقيدات، ولا يكاد يكون موضوعا له، إلا ما كان
~~جامعا لشتاتها وحاويا لمتفرقاتها، كما عرفت في الصحيح منها.
# رابعها: إن ما وضعت له الألفاظ ابتداء هو الصحيح التام الواجد لتمام
~~الأجزاء والشرائط، إلا أن العرف يتسامحون - كما هو ديدنهم - ويطلقون تلك
~~الألفاظ على الفاقد للبعض، تنزيلا له منزلة الواجد، فلا يكون مجازا في
~~الكلمة - على ما ذهب إليه السكاكي (1) في الاستعارة - بل يمكن دعوى
# PageV00P026
# صيرورته حقيقة فيه، بعد الاستعمال فيه كذلك دفعة أو دفعات، من دون حاجة
~~إلى الكثرة والشهرة، للانس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة، أو المشاركة
~~في التأثير، كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداء لخصوص مركبات واجدة
~~لاجزاء خاصة، حيث يصح إطلاقها على الفاقد لبعض الاجزاء المشابه له صورة،
~~والمشارك في المهم أثرا تنزيلا أو حقيقة.
# وفيه: إنه إنما يتم في مثل أسامي المعاجين، وسائر المركبات الخارجية مما
~~يكون الموضوع له (1) فيها ابتداء مركبا، خاصا، ولا يكاد يتم في مثل
~~العبادات، ms015 التي عرفت أن الصحيح منها يختلف حسب إختلاف الحالات، وكون الصحيح
~~بحسب حالة فاسدا (2) بحسب حالة أخرى، كما لا يخفى، فتأمل جيدا.
# خامسها: أن يكون حالها حال أسامي المقادير والأوزان، مثل المثقال،
~~والحقة، والوزنة إلى غير ذلك، مما لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد
~~والناقص في الجملة، فإن الواضع وإن لاحظ مقدارا خاصا، إلا أنه لم يضع له
~~بخصوصه، بل للأعم منه ومن الزائد والناقص، أو أنه وإن خص به أولا، إلا أنه
~~بالاستعمال كثيرا فيهما بعناية أنهما منه، قد صار حقيقة في الأعم ثانيا.
# وفيه: إن الصحيح - كما عرفت في الوجه السابق - يختلف زيادة ونقيصة، فلا
~~يكون هناك ما يلحظ الزائد والناقص بالقياس عليه، كي يوضع اللفظ لما هو
~~الأعم، فتدبر جيدا.
# ومنها: ان الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له - في ألفاظ العبادات -
~~عامين، واحتمال كون الموضوع له خاصا بعيد جدا، لاستلزامه كون
# PageV00P027
# استعمالها في الجامع، في مثل: (الصلاة تنهى عن الفحشاء) و (الصلاة معراج
~~المؤمن) و [(عمود الدين)] (1) و (الصوم جنة من النار) مجازا، أو منع
~~استعمالها فيه في مثلها، وكل منهما بعيد إلى الغاية، كما لا يخفى على أولي
~~النهاية.
# ومنها: أن ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحي، وعدم جواز الرجوع
~~إلى إطلاقه، في رفع ما إذا شك في جزئية شئ للمأمور به أو شرطيته أصلا،
~~لاحتمال دخوله في المسمى، كما لا يخفى، وجواز الرجوع إليه في ذلك على القول
~~الأعمي، في غير ما إحتمل دخوله فيه، مما شك في جزئيته أو شرطيته، نعم لا بد
~~في الرجوع إليه فيما ذكر من كونه واردا مورد البيان، كما لا بد منه في
~~الرجوع إلى سائر المطلقات، وبدونه لا مرجع أيضا إلا البراءة أو الاشتغال،
~~على الخلاف في مسألة دوران الامر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
# وقد انقدح بذلك: إن الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال في موارد إجمال
~~الخطاب أو إهماله على القولين، فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع إلى البراءة
~~على الأعم، والاشتغال على الصحيح (2)، ولذا ذهب ms016 المشهور إلى البراءة، مع
~~ذهابهم إلى الصحيح.
# وربما قيل (3) بظهور الثمرة في النذر أيضا.
# قلت: وإن كان تظهر فيما لو نذر لمن صلى إعطاء درهم في البرء فيما لو
~~أعطاه لمن صلى، ولو علم بفساد صلاته، لاخلاله بما لا يعتبر في الاسم على
~~الأعم، وعدم البرء على الصحيح، إلا أنه ليس بثمرة لمثل هذه
# PageV00P028
# المسألة، لما عرفت من أن ثمرة المسألة الأصولية، هي أن تكون نتيجتها
~~واقعة في طريق استنباط الأحكام الفرعية، فافهم.
# وكيف كان، فقد استدل للصحيحي بوجوده:
# أحدها: التبادر، ودعوى أن المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح، ولا
~~منافاة بين دعوى ذلك، وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فإن المنافاة
~~إنما تكون فيما إذا لم تكن معانيها على هذا مبينة بوجه، وقد عرفت كونها
~~مبينة بغير وجه.
# ثانيها: صحة السلب عن الفاسد، بسبب الاخلال ببعض أجزائه، أو شرائطه
~~بالمداقة، وإن صح الاطلاق عليه بالعناية.
# ثالثها: الاخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسميات مثل
~~(الصلاة عمود الدين) (1) أو (معراج المؤمن) (2) و (الصوم جنة من النار) (3)
~~إلى غير ذلك، أو نفي ماهيتها وطبائعها، مثل (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)
~~(4) ونحوه، مما كان ظاهرا في نفي الحقيقة، بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة
~~شطرا أو شرطا، وإرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأولى، ونفي الصحة من
~~الثانية، لشيوع استعمال هذا التركيب في نفي مثل الصحة أو الكمال خلاف
~~الظاهر، لا يصار إليه مع عدم نصب قرينة عليه، واستعمال هذا التركيب في نفي
~~الصفة ممكن المنع، حتى في مثل (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (5) مما
~~يعلم أن المراد نفي الكمال، بدعوى استعماله
# PageV00P029
# في نفي الحقيقة، في مثله أيضا بنحو من العناية، لا على الحقيقة، وإلا لما
~~دل على المبالغة، فافهم (1).
# رابعها: دعوى القطع بأن طريقة الواضعين وديدنهم، وضع الألفاظ للمركبات
~~التامة، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه، والحاجة وإن دعت أحيانا إلى
~~استعمالها في الناقص أيضا، إلا أنه لا يقتضي أن يكون بنحو الحقيقة، بل ولو
~~كان مسامحة، تنزيلا ms017 للفاقد منزلة الواجد.
# والظاهر أن الشارع غير متخط عن هذه الطريقة.
# ولا يخفى أن هذه الدعوى وإن كانت غير بعيدة، إلا أنها قابلة للمنع،
~~فتأمل.
# وقد استدل للأعمي أيضا، بوجوه:
# منها: تبادر الأعم، وفيه: أنه قد عرفت الاشكال في تصوير الجامع الذي لا
~~بد منه، فكيف يصح معه دعوى التبادر.
# ومنها: عدم صحة السلب عن الفاسد، وفيه منع، لما عرفت.
# ومنها: صحة التقسيم إلى الصحيح والسقيم.
# وفيه أنه إنما يشهد على أنها للأعم، لو لم تكن هناك دلالة على كونها
~~موضوعة للصحيح، وقد عرفتها، فلا بد أن يكون التقسيم بملاحظة ما يستعمل فيه
~~اللفظ، ولو بالعناية.
# PageV00P030
# ومنها: استعمال الصلاة وغيرها في غير واحد من الاخبار في الفاسدة، كقوله
~~عليه الصلاة والسلام (بني الاسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والحج،
~~والصوم، والولاية، ولم يناد أحد بشئ كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع،
~~وتركوا هذه، فلو أن أحدا صام نهاره وقام ليله، ومات بغير ولاية، لم يقبل له
~~صوم ولا صلاة) (1)، فإن الاخذ بالأربع، لا يكون بناء على بطلان عبادات
~~تاركي الولاية، إلا إذا كانت أسامي للأعم. وقوله عليه السلام: (دعي الصلاة
~~أيام أقرائك) (2) ضرورة أنه لو لم يكن المراد منها الفاسدة، لزم عدم صحة
~~النهي عنها، لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها.
# وفيه: أن الاستعمال أعم من الحقيقة، مع أن المراد في الرواية الأولى، هو
~~خصوص الصحيح بقرينة أنها مما بني عليها الاسلام، ولا ينافي ذلك بطلان عبادة
~~منكري الولاية، إذ لعل أخذهم بها إنما كان بحسب اعتقادهم لا حقيقة، وذلك لا
~~يقتضي استعمالها في الفاسد أو الأعم، والاستعمال في قوله: (فلو أن أحدا صام
~~نهاره) [إلى آخره] (3)، كان كذلك - أي بحسب اعتقادهم - أو للمشابهة
~~والمشاكلة.
# وفي الرواية الثانية، الارشاد (4) إلى عدم القدرة على الصلاة، وإلا كان
~~الاتيان بالأركان، وسائر ما يعتبر في الصلاة، بل بما يسمى في العرف بها،
# PageV00P031
# ولو أخل بما لا يضر الاخلال به بالتسمية عرفا. محرما على الحائض ذاتا،
~~وإن لم تقصد به القربة.
# ولا أظن أن يلتزم ms018 به المستدل بالرواية، فتأمل جيدا.
# ومنها: أنه لا شبهة (1) في صحة تعلق النذر وشبهه بترك الصلاة في مكان
~~تكره فيه. وحصول الحنث بفعلها، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص
~~الصحيحة، لا يكاد يحصل به الحنث أصلا، لفساد الصلاة المأتي بها لحرمتها،
~~كما لا يخفى، بل يلزم المحال، فإن النذر حسب الفرض قد تعلق بالصحيح منها،
~~ولا يكاد يكون معه صحيحة، وما يلزم من فرض وجوده عدمه محال.
# قلت: لا يخفى أنه لو صح ذلك، لا يقتضي إلا عدم صحة تعلق النذر بالصحيح،
~~لا عدم وضع اللفظ له شرعا، مع أن الفساد من قبل النذر لا ينافي صحة متعلقة،
~~فلا يلزم من فرض وجودها عدمها.
# ومن هنا انقدح أن حصول الحنث إنما يكون لاجل الصحة، لولا تعلقه، نعم لو
~~فرض تعلقه بترك الصلاة المطلوبة بالفعل (2)، لكان منع حصول الحنث بفعلها
~~بمكان من الامكان.
# بقي أمور:
# الأول: إن أسامي المعاملات، إن كانت موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في
~~كونها موضوعة للصحيحة أو للأعم، لعدم اتصافها بهما، كما لا يخفى، بل
~~بالوجود تارة وبالعدم أخرى، وأما إن كانت موضوعة للأسباب،
# PageV00P032
# فللنزاع فيه مجال، لكنه لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضا، وان
~~الموضوع له هو العقد المؤثر لاثر كذا شرعا وعرفا. والاختلاف بين الشرع
~~والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد، لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى، بل
~~الاختلاف في المحققات والمصاديق، وتخطئة الشرع العرف في تخيل كون العقد
~~بدون ما اعتبره في تأثيره، محققا لما هو المؤثر، كما لا يخفى فافهم.
# الثاني: إن كون ألفاظ المعاملات أسامي للصحيحة، لا يوجب إجمالها، كألفاظ
~~العبادات، كي لا يصح التمسك بإطلاقها عند الشك في اعتبار شئ في تأثيرها (1)
~~شرعا، وذلك لان إطلاقها - لو كان مسوقا في مقام البيان - ينزل على أن
~~المؤثر عند الشارع، هو المؤثر عند أهل العرف، ولم يعتبر في تأثيره عنده.
~~غير ما اعتبر فيه عندهم، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره، حيث أنه منهم، ولو
~~اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره، ms019 كان عليه البيان ونصب القرينة عليه،
~~وحيث لم ينصب، بان عدم اعتباره عنده أيضا. ولذا يتمسكون بالاطلاق في أبواب
~~المعاملات، مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح.
# نعم لو شك في اعتبار شئ فيها عرفا، فلا مجال للتمسك بإطلاقها في عدم
~~اعتباره، بل لا بد من اعتباره، لأصالة عدم الأثر بدونه، فتأمل جيدا.
# الثالث: إن دخل شئ وجودي أو عدمي في المأمور به:
# تارة: بأن يكون داخلا فيما يأتلف منه ومن غيره، وجعل جملته متعلقا للامر،
~~فيكون جزءا له وداخلا في قوامه.
# وأخرى: بأن يكون خارجا عنه، لكنه كان مما لا يحصل الخصوصية
# PageV00P033
# المأخوذة فيه بدونه، كما إذا أخذ شئ مسبوقا أو ملحوقا به أو مقارنا له،
~~متعلقا للامر، فيكون من مقدماته لا مقوماته.
# وثالثة: بأن يكون مما يتشخص به المأمور به، بحيث يصدق على المتشخص به
~~عنوانه، وربما يحصل له بسببه مزية أو نقيصة، ودخل هذا فيه أيضا، طورا بنحو
~~الشطرية وآخر بنحو الشرطية، فيكون الاخلال بما له دخل بأحد النحوين في
~~حقيقة المأمور به وماهيته، موجبا لفساده لا محالة، بخلاف ماله الدخل في
~~تشخصه وتحققه مطلقا. شطرا كان أو شرطا، حيث لا يكون الاخلال به إلا إخلالا
~~بتلك الخصوصية، مع تحقق الماهية بخصوصية أخرى، غير موجبة لتلك المزية، بل
~~كانت موجبة لنقصانها، كما أشرنا إليه، كالصلاة في الحمام.
# ثم إنه ربما يكون الشئ مما يندب إليه فيه، بلا دخل له أصلا - لا شطرا ولا
~~شرطا - في حقيقته، ولا في خصوصيته وتشخصه، بل له دخل ظرفا في مطلوبيته،
~~بحيث لا يكون مطلوبا إلا إذا وقع في أثنائه، فيكون مطلوبا نفسيا في واجب أو
~~مستحب، كما إذا كان مطلوبا كذلك، قبل أحدهما أو بعده، فلا يكون الاخلال به
~~موجبا للاخلال به ماهية ولا تشخصا وخصوصية أصلا.
# إذا عرفت هذا كله، فلا شبهة في عدم دخل ما ندب إليه في العبادات نفسيا في
~~التسمية بأساميها، وكذا فيما له دخل في تشخصها مطلقا، وأما ماله الدخل شرطا
~~في أصل ماهيتها، فيمكن الذهاب ms020 أيضا إلى عدم دخله في التسمية بها، مع الذهاب
~~إلى دخل ما له الدخل جزءا فيها، فيكون الاخلال بالجزء مخلا بها، دون
~~الاخلال بالشرط، لكنك عرفت أن الصحيح اعتبارهما فيها. * * PageV00P034
# الحادي عشر الحق وقوع الاشتراك، للنقل والتبادر، وعدم صحة السلب، بالنسبة
~~إلى معنيين أو أكثر للفظ واحد. وان أحاله بعض، لاخلاله بالتفهم المقصود من
~~الوضع لخفاء القرائن، لمنع الاخلال أولا، لامكان الاتكال على القرائن
~~الواضحة، ومنع كونه مخلا بالحكمة ثانيا، لتعلق الغرض بالاجمال أحيانا، كما
~~أن استعمال المشترك في القرآن ليس بمحال كما توهم، لاجل لزوم التطويل بلا
~~طائل، مع الاتكال على القرائن والاجمال في المقال، لولا الاتكال عليها.
~~وكلاهما غير لائق بكلامه تعالى جل شأنه، كما لا يخفى، وذلك لعدم لزوم
~~التطويل، فيما كان الاتكال على حال أو مقال أتي به لغرض آخر، ومنع كون
~~الاجمال غير لائق بكلامه تعالى، مع كونه مما يتعلق به الغرض، وإلا لما وقع
~~المشتبه في كلامه، وقد أخبر في كتابه الكريم (1)، بوقوعه فيه قال الله
~~تعالى (فيه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات) (2).
# وربما توهم وجوب وقوع الاشتراك في اللغات، لاجل عدم تناهي المعاني،
~~وتناهي الألفاظ المركبات، فلا بد من الاشتراك فيها، وهو فاسد لوضوح (3)
~~امتناع الاشتراك في هذه المعاني، لاستدعائه الأوضاع الغير المتناهية، ولو
~~سلم لم يكد يجدي إلا في مقدار متناه، مضافا إلى تناهي المعاني الكلية،
~~وجزئياتها وإن كانت غير متناهية، إلا أن وضع الألفاظ بإزاء كلياتها، يغنى
~~عن وضع لفظ بإزائها، كما لا يخفى، مع أن المجاز باب واسع، فافهم.
# PageV00P035
# الثاني عشر إنه قد اختلفوا في جواز استعمال اللفظ، في أكثر من معنى على
~~سبيل الانفراد والاستقلال، بأن يراد منه كل واحد، كما إذا لم يستعمل إلا
~~فيه، على أقوال (1):
# أظهرها عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلا.
# وبيانه: إن حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل
~~جعله وجها وعنوانا له، بل بوجه نفسه كأنه الملقى، ولذا يسري إليه قبحه
~~وحسنه كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن ms021 جعل اللفظ كذلك، إلا لمعنى واحد، ضرورة
~~أن لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث أن
~~لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلا بتبع لحاظ المعنى فانيا فيه، فناء الوجه في
~~ذي الوجه، والعنوان في المعنون، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في
~~استعمال واحد، ومع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذا الحال.
# وبالجملة (2): لا يكاد يمكن في حال استعمال واحد، لحاظه وجها لمعنيين
~~وفانيا في الاثنين، إلا أن يكون اللاحظ أحول العينين.
# فانقدح بذلك امتناع استعمال اللفظ مطلقا - مفردا كان أو غيره - في أكثر
~~من معنى بنحو الحقيقة أو المجاز، ولولا امتناعه فلا وجه لعدم جوازه فإن
~~اعتبار الوحدة في الموضوع له واضح المنع، وكون (3) الوضع في حال وحدة
~~المعنى، وتوقيفيته لا يقتضي عدم الجواز، بعد ما لم تكن الوحدة قيدا
# PageV00P036
# للوضع، ولا للموضوع له، كما لا يخفى.
# ثم لو تنزلنا عن ذلك، فلا وجه للتفصيل (1) بالجواز على نحو الحقيقة في
~~التثنية والجمع، وعلى نحو المجاز في المفرد، مستدلا على كونه بنحو الحقيقة
~~فيهما، لكونهما بمنزلة تكرار اللفظ وبنحو المجاز فيه، لكونه موضوعا للمعنى
~~بقيد الوحدة، فإذا استعمل في الأكثر لزم إلغاء قيد الوحدة، فيكون مستعملا
~~في جزء المعنى، بعلاقة الكل والجزء، فيكون مجازا، وذلك لوضوح أن الألفاظ لا
~~تكون موضوعة إلا لنفس المعاني، بلا ملاحظة قيد الوحدة، وإلا لما جاز
~~الاستعمال في الأكثر، لان الأكثر ليس جزء المقيد بالوحدة، بل يباينه مباينة
~~الشئ بشرط شئ، والشئ بشرط لا، كما لا يخفى، والتثنية والجمع وإن كانا
~~بمنزلة التكرار في اللفظ، إلا أن الظاهر أن اللفظ فيهما كأنه كرر وأريد من
~~كل لفظ فرد من أفراد معناه، لا أنه أريد منه معنى من معانيه، فإذا قيل
~~مثلا: (جئني بعينين) أريد فردان من العين الجارية، لا العين الجارية والعين
~~الباكية، والتثنية والجمع في الاعلام، إنما هو بتأويل المفرد إلى المسمى
~~بها، مع أنه لو قيل بعدم التأويل، وكفاية الاتحاد في اللفظ، في استعمالهما ms022
~~حقيقة، بحيث جاز إرادة عين جارية وعين باكية من تثنية العين حقيقة، لما كان
~~هذا من باب استعمال اللفظ في الأكثر، لان هيئتهما إنما تدل على إرادة
~~المتعدد مما يراد من مفردهما، فيكون استعمالهما وإرادة المتعدد من معانيه،
~~استعمالهما في معنى واحد، كما إذا استعملا وأريد المتعدد من معنى واحد
~~منهما، كما لا يخفى.
# نعم لو أريد مثلا من عينين، فردان من الجارية، وفردان من الباكية، كان من
~~استعمال العينين في المعنيين، إلا أن حديث التكرار لا يكاد يجدي في ذلك
~~أصلا، فإن فيه إلغاء قيد الوحدة المعتبرة أيضا، ضرورة أن التثنية
# PageV00P037
# عنده إنما يكون لمعنيين، أو لفردين بقيد الوحدة، والفرق بينهما وبين
~~المفرد إنما يكون في أنه موضوع للطبيعة، وهي موضوعة لفردين منها أو معنيين،
~~كما هو أوضح من أن يخفى.
# وهم ودفع:
# لعلك تتوهم أن الاخبار الدالة على أن للقرآن بطونا - سبعة أو سبعين - تدل
~~على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، فضلا عن جوازه، ولكنك غفلت
~~عن أنه لا دلالة لها أصلا على أن إرادتها كان من باب إرادة المعنى من
~~اللفظ، فلعله كان بإرادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى، لا من
~~اللفظ، كما إذا استعمل فيها، أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل
~~فيه اللفظ، وإن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها.
# الثالث عشر إنه اختلفوا في أن المشتق حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدأ في
~~الحال، أو فيما يعمه وما انقضى عنه على أقوال، بعد الاتفاق على كونه مجازا
~~فيما يتلبس به في الاستقبال، وقبل الخوض في المسألة، وتفصيل الأقوال فيها،
~~وبيان الاستدلال عليها، ينبغي تقديم أمور:
# أحدها: إن المراد بالمشتق هاهنا ليس مطلق المشتقات، بل خصوص ما يجري منها
~~على الذوات، مما يكون مفهومه منتزعا عن الذات، بملاحظة اتصافها بالمبدأ،
~~واتحادها معه بنحو من الاتحاد، كان بنحو الحلول أو الانتزاع أو الصدور
~~والايجاد (1)، كأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات، بل وصيغ
~~المبالغة، وأسماء الأزمنة والأمكنة والآلات، كما هو ظاهر العنوانات، وصريح
~~بعض ms023 المحققين، مع عدم صلاحية ما يوجب
# PageV00P038
# اختصاص النزاع بالبعض إلا التمثيل به، وهو غير صالح، كما هو واضح.
# فلا وجه لما زعمه بعض الاجلة (1)، من الاختصاص باسم الفاعل وما بمعناه من
~~الصفات المشبهة وما يلحق بها، وخروج سائر الصفات، ولعل منشأه توهم كون ما
~~ذكره لكل منها من المعنى، مما اتفق عليه الكل، وهو كما ترى، واختلاف انحاء
~~التلبسات حسب تفاوت مبادي المشتقات، بحسب الفعلية والشأنية والصناعة
~~والملكة - حسبما نشير إليه (2) - لا يوجب تفاوتا في المهم من محل النزاع ها
~~هنا، كما لا يخفى.
# ثم إنه لا يبعد أن يراد بالمشتق في محل النزاع، مطلق ما كان مفهومه
~~ومعناه جاريا على الذات ومنتزعا عنها، بملاحظة اتصافها بعرض أو عرضي ولو
~~كان جامدا، كالزوج والزوجة والرق والحر، وإن (3) أبيت إلا عن اختصاص النزاع
~~المعروف بالمشتق، كما هو قضية الجمود على ظاهر لفظه، فهذا القسم من الجوامد
~~أيضا محل النزاع.
# كما يشهد به ما عن الايضاح (4) في باب الرضاع، في مسألة من كانت له
~~زوجتان كبيرتان، أرضعتا زوجته الصغيرة، ما هذا لفظه: (تحرم المرضعة الأولى
~~والصغيرة مع الدخول بالكبيرتين، وأما المرضعة الأخرى، ففي تحريمها خلاف،
~~فاختار والدي المصنف (رحمه الله) وابن إدريس تحريمها لان هذه يصدق عليها أم
~~زوجته، لأنه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه هكذا هاهنا)، وما عن
~~المسالك (5) في هذه المسألة، من ابتناء الحكم فيها
# PageV00P039
# على الخلاف في مسألة المشتق.
# فعليه كلما كان مفهومه منتزعا من الذات، بملاحظة اتصافها بالصفات الخارجة
~~عن الذاتيات - كانت عرضا أو عرضيا - كالزوجية والرقية والحرية وغيرها من
~~الاعتبارات والإضافات، كان محل النزاع وإن كان جامدا، وهذا بخلاف ما كان
~~مفهومه منتزعا عن مقام الذات والذاتيات، فإنه لا نزاع في كونه حقيقة في
~~خصوص ما إذا كانت الذات باقية بذاتياتها.
# ثانيها: قد عرفت أنه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقات الجارية على
~~الذوات، إلا أنه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في اسم الزمان، لان الذات فيه
~~وهي الزمان بنفسه ينقضي وينصرم، فكيف يمكن أن ms024 يقع النزاع في أن الوصف
~~الجاري عليه حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، أو فيما يعم المتلبس
~~به في المضي؟
# ويمكن حل الاشكال بأن انحصار مفهوم عام بفرد - كما في المقام - لا يوجب
~~أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام، وإلا لما وقع الخلاف فيما وضع له
~~لفظ الجلالة، مع أن الواجب موضوع للمفهوم العام، مع انحصاره فيه تبارك
~~وتعالى.
# ثالثها: إنه من الواضح خروج الأفعال والمصادر المزيد فيها عن حريم
~~النزاع، لكونها غير جارية على الذوات، ضرورة أن المصادر المزيد فيها
~~كالمجردة، في الدلالة على ما يتصف به الذوات ويقوم بها - كما لا يخفى - وإن
~~الأفعال إنما تدل على قيام المبادي بها قيام صدور أو حلول أو طلب فعلها أو
~~تركها منها، على اختلافها.
# إزاحة شبهة:
# قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان، حتى أخذوا PageV00P040
# الاقتران بها في تعريفه. وهو اشتباه، ضرورة عدم دلالة الامر ولا النهي
~~عليه، بل على إنشاء طلب الفعل أو الترك، غاية الامر نفس الانشاء بهما في
~~الحال، كما هو الحال في الاخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما، كما لا
~~يخفى، بل يمكن منع دلالة غيرهما من الأفعال على الزمان إلا بالاطلاق
~~والاسناد إلى الزمانيات، وإلا لزم القول بالمجاز والتجريد، عند الاسناد إلى
~~غيرها من نفس الزمان والمجردات.
# نعم لا يبعد أن يكون لكل من الماضي والمضارع - بحسب المعنى - خصوصية أخرى
~~موجبة للدلالة على وقوع النسبة، في الزمان الماضي في الماضي، وفي الحال أو
~~الاستقبال في المضارع، فيما كان الفاعل من الزمانيات، ويؤيده أن المضارع
~~يكون مشتركا معنويا بين الحال والاستقبال، ولا معنى له إلا أن يكون له خصوص
~~معنى صح انطباقه على كل منهما، إلا أنه يدل على مفهوم زمان يعمهما، كما أن
~~الجملة الاسمية ك (زيد ضارب) يكون لها معنى صح انطباقه على كل واحد من
~~الأزمنة، مع عدم دلالتها على واحد منها أصلا، فكانت الجملة الفعلية مثلها.
# وربما يؤيد ذلك أن الزمان الماضي في فعله، وزمان الحال أو ms025 الاستقبال في
~~المضارع، لا يكون ماضيا أو مستقبلا حقيقة لا محالة، بل ربما يكون في الماضي
~~مستقبلا حقيقة، وفي المضارع ماضيا كذلك، وإنما يكون ماضيا أو مستقبلا في
~~فعلهما بالإضافة، كما يظهر من مثل قوله: يجيئني زيد بعد عام، وقد ضرب قبله
~~بأيام، وقوله: جاء زيد في شهر كذا، وهو يضرب في ذلك الوقت، أو فيما بعده
~~مما مضى، فتأمل جيدا.
# ثم لا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عما عداه، بما
~~يناسب المقام، لاجل الاطراد في الاستطراد في تمام الأقسام.
# فاعلم أنه وإن اشتهر بين الاعلام، أن الحرف ما دل على معنى في
~~PageV00P041
# غيره، وقد بيناه في الفوائد (1) بما لا مزيد عليه، إلا أنك عرفت فيما
~~تقدم، عدم الفرق بينه وبين الاسم بحسب المعنى، وأنه فيهما ما لم يلحظ فيه
~~الاستقلال بالمفهومية، ولا عدم الاستقلال بها، وإنما الفرق هو أنه وضع
~~ليستعمل وأريد منه معناه حالة لغيره وبما هو في الغير، ووضع غيره ليستعمل
~~وأريد منه معناه بما هو هو.
# وعليه يكون كل من الاستقلال بالمفهومية، وعدم الاستقلال بها، إنما اعتبر
~~في جانب الاستعمال، لا في المستعمل فيه، ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى،
~~فلفظ (الابتداء) لو استعمل في المعنى الآلي، ولفظة (من) في المعنى
~~الاستقلالي، لما كان مجازا واستعمالا له في غير ما وضع له، وإن كان بغير ما
~~وضع له، فالمعنى في كليهما في نفسه كلي طبيعي يصدق على كثيرين، ومقيدا
~~باللحاظ الاستقلالي أو الآلي كلي (2) عقلي، وإن كان بملاحظة أن لحاظه وجوده
~~ذهنا كان جزئيا ذهنيا، فإن الشئ ما لم يتشخص لم يوجد، وإن كان بالوجود
~~الذهني، فافهم وتأمل فيما وقع في المقام من الاعلام، من الخلط والاشتباه،
~~وتوهم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصا، بخلاف ما عداه فإنه
~~عام.
# وليت شعري إن كان قصد الآلية فيها موجبا لكون المعنى جزئيا، فلم لا يكون
~~قصد الاستقلالية فيه موجبا له؟ وهل يكون ذلك إلا لكون هذا القصد، ليس مما
~~يعتبر في ms026 الموضوع له، ولا المستعمل فيه بل في الاستعمال، فلم لا يكون فيها
~~كذلك؟ كيف، وإلا لزم أن يكون معاني المتعلقات غير منطبقة على الجزئيات
~~الخارجية، لكونها على هذا كليات
# PageV00P042
# عقلية، والكلي العقلي لا موطن له إلا الذهن، فالسير والبصرة والكوفة (1)،
~~في (سرت من البصرة إلى الكوفة) (2) لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة
~~(3)، لتقيدها بما اعتبر فيه القصد فتصير عقلية، فيستحيل انطباقها على
~~الأمور الخارجية.
# وبما حققناه (4) يوفق بين جزئية المعنى الحرفي بل الاسمي، والصدق على
~~الكثيرين (5)، وإن الجزئية باعتبار تقيد المعنى باللحاظ في موارد
~~الاستعمالات آليا أو استقلاليا، وكليته بلحاظ نفس المعنى، ومنه ظهر عدم
~~اختصاص الاشكال والدفع بالحرف، بل يعم غيره، فتأمل في المقام فإنه دقيق
~~ومزال الاقدام للاعلام، وقد سبق في بعض الأمور بعض الكلام، والإعادة مع ذلك
~~لما فيها من الفائدة والإفادة، فافهم.
# رابعها: إن اختلاف المشتقات في المبادئ، وكون المبدأ في بعضها حرفة
~~وصناعة، وفي بعضها قوة وملكة، وفي بعضها فعليا، لا يوجب اختلافا في دلالتها
~~بحسب الهيئة أصلا، ولا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها، كما لا يخفى، غاية
~~الامر إنه يختلف التلبس به في المضي أو الحال، فيكون التلبس به فعلا، لو
~~أخذ حرفة أو ملكة، ولو لم يتلبس به إلى الحال، أو انقضى عنه، ويكون مما مضى
~~أو يأتي لو أخذ فعلى ا، فلا يتفاوت فيها أنحاء التلبسات وأنواع التعلقات،
~~كما أشرنا إليه (6).
# خامسها: إن المراد بالحال في عنوان المسألة، هو حال التلبس
# PageV00P043
# لا حال النطق ضرورة أن مثل (كان زيد ضاربا أمس) أو (سيكون غدا ضاربا)
~~حقيقة إذا كان متلبسا بالضرب في الأمس، في المثال الأول، ومتلبسا به في
~~الغد في الثاني، فجري المشتق حيث كان بلحاظ حال التلبس، وإن مضى زمانه في
~~أحدهما، ولم يأت بعد في آخر، كان حقيقة بلا خلاف، ولا ينافيه الاتفاق على
~~أن مثل (زيد ضارب غدا) مجاز، فإن الظاهر أنه فيما إذا كان الجري في الحال،
~~كما هو قضية الاطلاق، والغد إنما يكون لبيان زمان التلبس، ms027 فيكون الجري
~~والاتصاف في الحال، والتلبس في الاستقبال.
# ومن هنا ظهر الحال في مثل (زيد ضارب أمس) وأنه داخل في محل الخلاف
~~والاشكال. ولو كانت لفظة (أمس) أو (غد) قرينة على تعيين زمان النسبة والجري
~~أيضا كان المثالان حقيقة.
# وبالجملة: لا ينبغي الاشكال في كون المشتق حقيقة، فيما إذا جرى على
~~الذات، بلحاظ حال التلبس، ولو كان في المضي أو الاستقبال، وإنما الخلاف في
~~كونه حقيقة في خصوصه، أو فيما يعم ما إذا جرى عليها في الحال بعد ما انقضى
~~عنه التلبس، بعد الفراغ عن كونه مجازا فيما إذا جرى عليها فعلا بلحاظ
~~التلبس في الاستقبال، ويؤيد ذلك اتفاق أهل العربية على عدم دلالة الاسم على
~~الزمان، ومنه الصفات الجارية على الذوات، ولا ينافيه اشتراط العمل في بعضها
~~بكونه بمعنى الحال، أو الاستقبال، ضرورة أن المراد الدلالة على أحدهما
~~بقرينة، كيف لا؟ وقد اتفقوا على كونه مجازا في الاستقبال.
# لا يقال: يمكن أن يكون المراد بالحال في العنوان زمانه، كما هو الظاهر
~~منه عند إطلاقه، وادعي أنه الظاهر في المشتقات، إما لدعوى الانسباق من
~~الاطلاق، أو بمعونة قرينة الحكمة.
# لأنا نقول: هذا الانسباق، وإن كان مما لا ينكر، إلا أنهم في هذا العنوان
~~بصدد تعيين ما وضع له المشتق، لا تعيين ما يراد بالقرينة منه. PageV00P044
# سادسها: إنه لا أصل في نفس هذه المسألة يعول عليه عند الشك، وأصالة عدم
~~ملاحظة الخصوصية، مع معارضتها بأصالة عدم ملاحظة العموم، لا دليل على
~~اعتبارها في تعيين الموضوع له، وأما ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة
~~والمجاز. إذا دار الامر بينهما لاجل الغلبة، فممنوع، لمنع الغلبة أولا،
~~ومنع نهوض حجة على الترجيح بها ثانيا.
# وأما الأصل العملي فيختلف في الموارد، فأصالة البراءة في مثل (أكرم كل
~~عالم) يقتضي عدم وجوب إكرام ما (1) انقضى عنه المبدأ قبل الايجاب، كما أن
~~قضية الاستصحاب وجوبه لو كان الايجاب قبل الانقضاء.
# فإذا عرفت ما تلونا عليك، فاعلم أن الأقوال في المسألة وإن كثرت، إلا
~~أنها حدثت بين المتأخرين، بعد ms028 ما كانت ذات قولين بين المتقدمين، لاجل توهم
~~اختلاف المشتق باختلاف مباديه في المعنى، أو بتفاوت ما يعتريه من الأحوال،
~~وقد مرت الإشارة (2) إلى أنه لا يوجب التفاوت فيما نحن بصدده، ويأتي له
~~مزيد بيان في أثناء الاستدلال على ما هو المختار، وهو اعتبار التلبس في
~~الحال، وفاقا لمتأخري الأصحاب والأشاعرة، وخلافا لمتقدميهم والمعتزلة، ويدل
~~عليه تبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، وصحة السلب مطلقا عما انقضى
~~عنه، كالمتلبس به في الاستقبال، وذلك لوضوح أن مثل: القائم والضارب
~~والعالم، وما يرادفها من سائر اللغات، لا يصدق على من لم يكن متلبسا
~~بالمبادئ، وإن كان متلبسا بها قبل الجري والانتساب، ويصح سلبها عنه، كيف؟
~~وما يضادها بحسب ما ارتكز من معناها في الأذهان يصدق عليه، ضرورة صدق
~~القاعد عليه في حال تلبسه بالقعود، بعد انقضاء تلبسه بالقيام، مع وضوح
~~التضاد بين القاعد والقائم بحسب ما ارتكز لهما من المعنى، كما لا يخفى.
# PageV00P045
# وقد يقرر هذا وجها على حدة، ويقال (1): لا ريب في مضادة الصفات المتقابلة
~~المأخوذة من المبادئ المتضادة، على ما ارتكز لها من المعاني، فلو كان
~~المشتق حقيقة في الأعم، لما كان بينها مضادة بل مخالفة، لتصادقها فيما
~~انقضى عنه المبدأ وتلبس بالمبدأ الآخر.
# ولا يرد على هذا التقرير ما أورده بعض الاجلة (2) من المعاصرين، من عدم
~~التضاد على القول بعدم الاشتراط، لما عرفت من ارتكازه بينها، كما في
~~مبادئها.
# إن قلت: لعل ارتكازها لاجل الانسباق من الاطلاق، لا الاشتراط.
# قلت: لا يكاد يكون لذلك، لكثرة استعمال المشتق في موارد الانقضاء، لو لم
~~يكن بأكثر.
# إن قلت: على هذا يلزم أن يكون في الغالب أو الأغلب مجازا، وهذا بعيد،
~~ربما لا يلائمه حكمة الوضع.
# لا يقال: كيف؟ وقد قيل: بأن أكثر المحاورات مجازات. فإن ذلك لو سلم،
~~فإنما هو لاجل تعدد المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي الواحد.
~~نعم ربما يتفق ذلك بالنسبة إلى معنى مجازي، لكثرة الحاجة إلى التعبير عنه.
~~لكن أين هذا مما إذا كان دائما كذلك؟ فافهم. ms029
# PageV00P046
# قلت: مضافا إلى أن مجرد الاستبعاد غير ضائر بالمراد، بعد مساعدة الوجوه
~~المتقدمة عليه، إن ذلك إنما يلزم لو لم يكن استعماله فيما انقضى بلحاظ حال
~~التلبس، مع أنه بمكان من الامكان، فيراد من جاء الضارب أو الشارب - وقد
~~انقضى عنه الضرب والشرب - جاء الذي كان ضاربا وشاربا قبل مجيئه حال التلبس
~~بالمبدأ، لا حينه بعد الانقضاء، كي يكون الاستعمال بلحاظ هذا الحال، وجعله
~~معنونا بهذا العنوان فعلا بمجرد تلبسه قبل مجيئه، ضرورة أنه لو كان للأعم
~~لصح استعماله بلحاظ كلا الحالين.
# وبالجملة: كثرة الاستعمال في حال الانقضاء يمنع عن دعوى انسباق خصوص حال
~~التلبس من الاطلاق، إذ مع عموم المعنى وقابلية كونه حقيقة في المورد - ولو
~~بالانطباق - لا وجه لملاحظة حالة أخرى، كما لا يخفى، بخلاف ما إذا لم يكن
~~له العموم، فإن استعماله - حينئذ - مجازا بلحاظ حال الانقضاء وإن كان
~~ممكنا، إلا أنه لما كان بلحاظ حال التلبس على نحو الحقيقة بمكان من
~~الامكان، فلا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازا وبالعناية وملاحظة
~~العلاقة، وهذا غير استعمال اللفظ فيما لا يصح استعماله فيه حقيقة، كما لا
~~يخفى، فافهم.
# ثم إنه ربما أورد (1) على الاستدلال بصحة السلب، بما حاصله: إنه إن أريد
~~بصحة السلب صحته مطلقا، فغير سديد، وإن أريد مقيدا، فغير مفيد، لان علامة
~~المجاز هي صحة السلب المطلق.
# وفيه: إنه إن أريد بالتقييد، تقييد المسلوب الذي يكون سلبه أعم من سلب
~~المطلق - كما هو واضح - فصحة سلبه وإن لم تكن علامة على كون المطلق مجازا
~~فيه، إلا أن تقييده ممنوع، وإن أريد تقييد السلب، فغير ضائر بكونها علامة،
~~ضرورة صدق المطلق على أفراده على كل حال، مع إمكان
# PageV00P047
# منع تقييده أيضا، بأن يلحظ حال الانقضاء في طرف الذات الجاري عليها
~~المشتق، فيصح سلبه مطلقا بلحاظ هذا الحال، كما لا يصح سلبه بلحاظ حال
~~التلبس، فتدبر جدا.
# ثم لا يخفى أنه لا يتفاوت (1) في صحة السلب عما انقضى عنه المبدأ، بين
~~كون المشتق لازما وكونه متعديا، لصحة سلب ms030 الضارب عمن يكون فعلا غير متلبس
~~بالضرب، وكان متلبسا به سابقا، وأما إطلاقه عليه في الحال، فإن كان بلحاظ
~~حال التلبس، فلا إشكال كما عرفت، وإن كان بلحاظ الحال، فهو وإن كان صحيحا
~~إلا أنه لا دلالة على كونه بنحو الحقيقة، لكون الاستعمال أعم منها كما لا
~~يخفى، كما لا يتفاوت في صحة السلب عنه، بين تلبسه بضد المبدأ وعدم تلبسه،
~~لما عرفت من وضوح صحته مع عدم التلبس - أيضا - وإن كان معه أوضح، ومما
~~ذكرنا ظهر حال كثير من التفاصيل، فلا نطيل بذكرها على التفصيل.
# حجة القول بعدم الاشتراط وجوه:
# الأول: التبادر، وقد عرفت أن المتبادر هو خصوص حال التلبس.
# الثاني: عدم صحة السلب في مضروب ومقتول، عمن انقضى عنه المبدأ.
# وفيه: إن عدم صحته في مثلهما، إنما هو لاجل أنه أريد من المبدأ معنى يكون
~~التلبس به باقيا في الحال، ولو مجازا.
# وقد انقدح من بعض المقدمات أنه لا يتفاوت الحال فيما هو المهم في محل
~~البحث والكلام ومورد النقض والابرام، اختلاف ما يراد من المبدأ في كونه
~~حقيقة أو مجازا، وأما لو أريد منه نفس ما وقع على الذات، مما صدر
# PageV00P048
# عن الفاعل، فإنما لا يصح السلب فيما لو كان بلحاظ حال التلبس والوقوع -
~~كما عرفت - لا بلحاظ الحال أيضا، لوضوح صحة أن يقال: إنه ليس بمضروب الآن
~~بل كان.
# الثالث: استدلال الامام - عليه السلام - تأسيا بالنبي - صلوات الله عليه
~~- كما عن غير واحد من الاخبار بقوله (لا ينال عهدي الظالمين) (1) على عدم
~~لياقة من عبد صنما أو وثنا لمنصب الإمامة والخلافة، تعريضا بمن تصدى لها
~~ممن عبد الصنم مدة مديدة، ومن الواضح توقف ذلك على كون المشتق موضوعا
~~للأعم، وإلا لما صح التعريض، لانقضاء تلبسهم بالظلم وعبادتهم للصنم حين
~~التصدي للخلافة، والجواب منع التوقف على ذلك، بل يتم الاستدلال ولو كان
~~موضوعا لخصوص المتلبس.
# وتوضيح ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة، وهي: إن الأوصاف العنوانية التي تؤخذ
~~في موضوعات الاحكام، تكون على أقسام:
# أحدها: أن يكون أخذ ms031 العنوان لمجرد الإشارة إلى ما هو في الحقيقة موضوعا
~~للحكم، لمعهوديته بهذا العنوان، من دون دخل لاتصافه به في الحكم أصلا.
# ثانيها: أن يكون لاجل الإشارة إلى علية المبدأ للحكم، مع كفاية مجرد صحة
~~جري المشتق عليه، ولو فيما مضى.
# ثالثها: أن يكون لذلك مع عدم الكفاية، بل كان الحكم دائرا مدار صحة الجري
~~عليه، واتصافه به حدوثا وبقاء.
# إذا عرفت هذا فنقول: إن الاستدلال بهذا الوجه إنما يتم، لو كان أخذ
~~العنوان في الآية الشريفة على النحو الأخير، ضرورة أنه لو لم يكن المشتق
# PageV00P049
# للأعم، لما تم بعد عدم التلبس بالمبدأ ظاهرا حين التصدي، فلا بد أن يكون
~~للأعم، ليكون حين التصدي حقيقة من الظالمين، ولو انقضى عنهم التلبس بالظلم.
# وأما إذا كان على النحو الثاني، فلا، كما لا يخفى، ولا قرينة على أنه على
~~النحو الأول، لو لم نقل بنهوضها على النحو الثاني، فإن الآية الشريفة في
~~مقام بيان جلالة قدر الإمامة والخلافة وعظم خطرها، ورفعة محلها، وإن لها
~~خصوصية من بين المناصب الإلهية، ومن المعلوم أن المناسب لذلك، هو أن لا
~~يكون المتقمص بها متلبسا بالظلم أصلا، كما لا يخفى.
# إن قلت: نعم، ولكن الظاهر أن الامام - عليه السلام - إنما استدل بما هو
~~قضية ظاهر العنوان وضعا، لا بقرينة المقام مجازا، فلا بد أن يكون للأعم،
~~وإلا لما تم.
# قلت: لو سلم، لم يكن يستلزم جري المشتق على النحو الثاني كونه مجازا، بل
~~يكون حقيقة لو كان بلحاظ حال التلبس - كما عرفت - فيكون معنى الآية، والله
~~العالم: من كان ظالما ولو آنا في زمان سابق (1) لا ينال عهدي أبدا، ومن
~~الواضح أن إرادة هذا المعنى لا تستلزم الاستعمال، لا بلحاظ حال التلبس.
# ومنه قد انقدح ما في الاستدلال على التفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم
~~به، باختيار عدم الاشتراط في الأول، بآية حد السارق والسارقة، والزاني
~~والزانية، وذلك حيث ظهر أنه لا ينافي إرادة خصوص حال التلبس دلالتها على
~~ثبوت القطع والجلد مطلقا، ولو بعد انقضاء. المبدأ، مضافا ms032 إلى
# PageV00P050
# وضوح بطلان تعدد الوضع، حسب وقوعه محكوما عليه أو به، كما لا يخفى.
# ومن مطاوي ما ذكرنا - ها هنا وفي المقدمات - ظهر حال سائر الأقوال، وما
~~ذكر لها من الاستدلال، ولا يسع المجال لتفصيلها، ومن أراد الاطلاع عليها
~~فعليه بالمطولات.
# بقي أمور:
# الأول: إن مفهوم المشتق - على ما حققه المحقق الشريف (1) في بعض حواشيه
~~(2) -: بسيط منتزع عن الذات - باعتبار تلبسها بالمبدأ واتصافها به - غير
~~مركب. وقد أفاد في وجه ذلك: أن مفهوم الشئ لا يعتبر في مفهوم الناطق مثلا،
~~وإلا لكان العرض العام داخلا في الفصل، ولو اعتبر فيه ما صدق عليه الشئ،
~~انقلبت مادة الامكان الخاص ضرورة، فإن الشئ الذي له الضحك هو الانسان،
~~وثبوت الشئ لنفسه ضروري. هذا ملخص ما أفاده الشريف، على ما لخصه بعض
~~الأعاظم (3).
# وقد أورد عليه في الفصول (4)، بأنه يمكن أن يختار الشق الأول، ويدفع
~~الاشكال بأن كون الناطق - مثلا - فصلا، مبني على عرف المنطقيين،
# PageV00P051
# حيث اعتبروه مجردا عن مفهوم الذات، وذلك لا يوجب وضعه لغة كذلك.
# وفيه: إنه من المقطوع أن مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرف في معناه
~~أصلا، بل بماله من المعنى، كما لا يخفى.
# والتحقيق أن يقال إن مثل الناطق ليس بفصل حقيقي، بل لازم ما هو الفصل
~~وأظهر خواصه، وإنما يكون فصلا مشهوريا منطقيا يوضع مكانه إذا لم يعلم نفسه،
~~بل لا يكاد يعلم، كما حقق في محله، ولذا ربما يجعل لازمان مكانه إذا كانا
~~متساوي النسبة إليه، كالحساس والمتحرك بالإرادة في الحيوان، وعليه فلا بأس
~~بأخذ مفهوم الشئ في مثل الناطق، فإنه وإن كان عرضا عام، لا فصلا مقوما
~~للانسان، إلا أنه بعد تقييده بالنطق واتصافه به كان من أظهر خواصه.
# وبالجملة لا يلزم من أخذ مفهوم الشئ في معنى المشتق، إلا دخول العرض في
~~الخاصة التي هي من العرضي، لا في الفصل الحقيقي الذي هو من الذاتي، فتدبر
~~جيدا.
# ثم قال:
# إنه يمكن أن يختار الوجه الثاني أيضا، ويجاب بأن المحمول ليس مصداق الشئ
~~والذات ms033 مطلقا، بل مقيدا بالوصف، وليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة، لجواز
~~أن لا يكون ثبوت القيد ضروريا. انتهى.
# ويمكن أن يقال: إن عدم كون ثبوت القيد ضروريا لا يضر بدعوى الانقلاب، فإن
~~المحمول إن كان ذات المقيد وكان القيد خارجا، وإن كان التقييد داخلا بما هو
~~معنى حرفي، فالقضية لا محالة تكون ضرورية، ضرورة ضرورية ثبوت الانسان الذي
~~يكون مقيدا بالنطق للانسان وان كان المقيد به بما هو مقيد على أن يكون
~~القيد داخلا، فقضية (الانسان ناطق) تنحل في الحقيقة إلى قضيتين إحداهما
~~قضية (الانسان انسان) وهي PageV00P052
# ضرورية، والأخرى قضية (الانسان له النطق) وهي ممكنة، وذلك لان الأوصاف
~~قبل العلم بها أخبار كما أن الاخبار بعد العلم تكون أوصافا، فعقد الحمل
~~ينحل إلى القضية، كما أن عقد الوضع ينحل إلى قضية مطلقة عامة عند الشيخ،
~~وقضية ممكنة عند الفارابي (1)، فتأمل.
# لكنه (قدس سره) تنظر فيما أفاده بقوله: وفيه نظر لان الذات المأخوذة
~~مقيدة بالوصف قوة أو فعلا، إن كانت مقيدة به واقعا صدق الايجاب بالضرورة
~~وإلا صدق السلب بالضرورة، مثلا: لا يصدق زيد كاتب بالضرورة لكن يصدق زيد
~~[الكاتب] (2) بالقوة أو بالفعل كاتب بالضرورة. انتهى.
# ولا يذهب عليك أن صدق الايجاب بالضرورة، بشرط كونه مقيدا به واقعا لا
~~يصحح دعوى الانقلاب إلى الضرورية، ضرورة صدق الايجاب بالضرورة بشرط المحمول
~~في كل قضية ولو كانت ممكنة، كما لا يكاد يضر بها صدق السلب كذلك، بشرط عدم
~~كونه مقيدا به واقعا، لضرورة السلب بهذا الشرط، وذلك لوضوح أن المناط في
~~الجهات ومواد القضايا، إنما هو بملاحظة أن نسبة هذا المحمول إلى ذلك
~~الموضوع موجهة بأي جهة منها، ومع أية منها في نفسها صادقة، لا بملاحظة
~~ثبوتها له واقعا أو عدم ثبوتها له كذلك، وإلا كانت الجهة منحصرة بالضرورة،
~~ضرورة صيرورة الايجاب أو السلب - بلحاظ الثبوت وعدمه - واقعا ضروريا، ويكون
~~من باب الضرورة
# PageV00P053
# بشرط المحمول.
# وبالجملة: الدعوى هو انقلاب مادة الامكان بالضرورة، فيما ليست مادته
~~واقعا في نفسه وبلا شرط غير الامكان.
# وقد انقدح ms034 بذلك عدم نهوض ما أفاده (رحمه الله) بإبطال الوجه الأول، كما
~~زعمه (قدس سره)، فإن لحوق مفهوم الشئ والذات لمصاديقهما، إنما يكون ضروريا
~~مع إطلاقهما، لا مطلقا، ولو مع التقيد إلا بشرط تقيد المصاديق به أيضا، وقد
~~عرفت حال الشرط، فافهم.
# ثم إنه لو جعل التالي في الشرطية الثانية لزوم أخذ النوع في الفصل، ضرورة
~~أن مصداق الشئ الذي له النطق هو الانسان، كان أليق بالشرطية الأولى، بل كان
~~أولى (1) لفساده مطلقا، ولو لم يكن مثل الناطق بفصل حقيقي، ضرورة بطلان أخذ
~~الشئ في لازمه وخاصته، فتأمل جيدا.
# ثم إنه يمكن أن يستدل على البساطة، بضرورة عدم تكرار الموصوف في مثل زيد
~~الكاتب، ولزومه من التركب، وأخذ الشئ مصداقا أو مفهوما في مفهومه.
# إرشاد:
# لا يخفى أن معنى البساطة - بحسب المفهوم - وحدته إدراكا وتصورا، بحيث لا
~~يتصور عند تصوره إلا شئ واحد لا شيئان، وإن انحل بتعمل من العقل إلى شيئين،
~~كانحلال مفهوم الشجر والحجر إلى شئ له الحجرية أو الشجرية، مع وضوح بساطة
~~مفهومهما.
# وبالجملة: لا ينثلم بالانحلال إلى الاثنينية - بالتعمل العقلي - وحدة
~~المعنى
# PageV00P054
# وبساطة المفهوم كما لا يخفى، وإلى ذلك يرجع الاجمال والتفصيل الفارقان
~~(1) بين المحدود والحد، مع ما هما عليه من الاتحاد ذاتا، فالعقل بالتعمل
~~يحلل النوع، ويفصله إلى جنس وفصل، بعد ما كان أمرا واحدا إدراكا، وشيئا
~~فاردا تصورا، فالتحليل يوجب فتق ما هو عليه من الجمع والرتق.
# الثاني: الفرق بين المشتق ومبدئه مفهوما، أنه بمفهومه لا يأبى عن الحمل
~~على ما تلبس بالمبدأ، ولا يعصي عن الجري عليه، لما هما عليه من نحو من
~~الاتحاد، بخلاف المبدأ، فإنه بمعناه يأبى عن ذلك، بل إذا قيس ونسب إليه كان
~~غيره، لا هو هو، وملاك الحمل والجري إنما هو نحو من الاتحاد والهوهوية،
~~وإلى هذا يرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما، من أن المشتق يكون لا
~~بشرط والمبدأ يكون بشرط لا، أي يكون مفهوم المشتق غير آب عن الحمل، ومفهوم
~~المبدأ يكون آبيا عنه، وصاحب ms035 الفصول (2) (رحمه الله) - حيث توهم أن مرادهم
~~إنما هو بيان التفرقة بهذين الاعتبارين، بلحاظ الطوارئ والعوارض الخارجية
~~مع حفظ مفهوم واحد - أورد عليهم بعدم استقامة الفرق بذلك، لاجل امتناع حمل
~~العلم والحركة على الذات، وإن اعتبرا لا بشرط، وغفل عن أن المراد ما ذكرنا،
~~كما يظهر منهم من بيان الفرق بين الجنس والفصل، وبين المادة والصورة،
~~فراجع.
# الثالث: ملاك الحمل - كما أشرنا إليه - هو الهوهوية والاتحاد من وجه،
# PageV00P055
# والمغايرة من وجه آخر، كما يكون بين المشتقات والذوات، ولا يعتبر معه (1)
~~ملاحظة التركيب بين المتغايرين، واعتبار كون مجموعهما - بما هو كذلك -
~~واحدا، بل يكون لحاظ ذلك مخلا، لاستلزامه المغايرة بالجزئية والكلية.
# ومن الواضح أن ملاك الحمل لحاظ نحو اتحاد بين الموضوع والمحمول، مع وضوح
~~عدم لحاظ ذلك في التحديدات وسائر القضايا في طرف الموضوعات، بل لا يلحظ في
~~طرفها إلا نفس معانيها، كما هو الحال في طرف المحمولات، ولا يكون حملها
~~عليها إلا بملاحظة ما هما عليه من نحو من الاتحاد، مع ما هما عليه من
~~المغايرة ولو بنحو من الاعتبار.
# فانقدح بذلك فساد ما جعله في الفصول تحقيقا للمقام. وفي كلامه موارد
~~للنظر، تظهر بالتأمل وإمعان النظر.
# الرابع: لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري المشتق عليه مفهوما،
~~وإن اتحدا عينا وخارجا، فصدق الصفات - مثل: العالم، والقادر، والرحيم،
~~والكريم، إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال - عليه تعالى، على ما ذهب
~~إليه أهل الحق من عينية صفاته، يكون على الحقيقة، فإن المبدأ فيها وإن كان
~~عين ذاته تعالى خارجا، إلا أنه غير ذاته تعالى مفهوما.
# ومنه قد انقدح ما في الفصول، من الالتزام بالنقل (2) أو التجوز في ألفاظ
~~الصفات الجارية عليه تعالى، بناء على الحق من العينية، لعدم المغايرة
~~المعتبرة بالاتفاق (3)، وذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوما، ولا اتفاق
~~على اعتبار غيرها، إن لم نقل بحصول الاتفاق على عدم اعتباره، كمالا يخفى،
~~وقد عرفت ثبوت المغايرة كذلك بين الذات ومبادئ الصفات.
# PageV00P056
# الخامس: إنه وقع الخلاف بعد الاتفاق ms036 على اعتبار المغايرة - كما عرفت -
~~بين المبدأ وما يجري عليه المشتق، في اعتبار قيام المبدأ به، في صدقه على
~~نحو الحقيقة، وقد استدل من قال (1) بعدم الاعتبار، بصدق الضارب والمؤلم، مع
~~قيام الضرب والألم بالمضروب والمؤلم - بالفتح -.
# والتحقيق: إنه لا ينبغي أن يرتاب من كان من أولى الألباب، في أنه يعتبر
~~في صدق المشتق على الذات وجريه عليها، من التلبس بالمبدأ بنحو خاص، على
~~اختلاف أنحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة، واختلاف الهيئات أخرى، من
~~القيام صدورا أو حلولا أو وقوعا عليه أو فيه، أو انتزاعه عنه مفهوما مع
~~اتحاده معه خارجا، كما في صفاته تعالى، على ما أشرنا إليه آنفا، أو مع عدم
~~تحقق إلا للمنتزع عنه، كما في الإضافات والاعتبارات التي لا تحقق لها، ولا
~~يكون بحذائها في الخارج شئ، وتكون من الخارج المحمول، لا المحمول بالضميمة،
~~ففي صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدأ مغايرا له تعالى مفهوما، وقائما
~~به عينا، لكنه بنحو من القيام، لا بأن يكون هناك اثنينية، وكان ما بحذائه
~~غير الذات، بل بنحو الاتحاد والعينية، وكان ما بحذائه عين الذات، وعدم
~~اطلاع العرف على مثل هذا التلبس من الأمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى
~~على نحو الحقيقة، إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة، ولو بتأمل
~~وتعمل من العقل. والعرف إنما يكون مرجعا في تعيين المفاهيم، لا في تطبيقها
~~على مصاديقها.
# وبالجملة: يكون مثل العالم، والعادل، وغيرهما - من الصفات الجارية عليه
~~تعالى وعلى غيره - جارية عليهما بمفهوم واحد ومعنى فارد، وإن اختلفا فيما
~~يعتبر في الجري من الاتحاد، وكيفية التلبس بالمبدأ، حيث أنه بنحو العينية
~~فيه تعالى، وبنحو الحلول أو الصدور في غيره، فلا وجه لما التزم به في
# PageV00P057
# الفصول (1)، من نقل الصفات الجارية عليه تعالى عما هي عليها من المعنى،
~~كما لا يخفى، كيف؟ ولو كانت بغير معانيها العامة جارية عليه تعالى كانت صرف
~~لقلقة اللسان وألفاظ بلا معنى، فإن غير تلك المفاهيم العامة الجارية على
~~غيره تعالى غير مفهوم ولا ms037 معلوم إلا بما يقابلها، ففي مثل ما إذا قلنا: إنه
~~تعالى عالم، إما أن نعني أنه من ينكشف لديه الشئ فهو ذاك المعنى العام، أو
~~أنه مصداق لما يقابل ذاك المعنى، فتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وإما أن لا
~~نعني شيئا، فتكون كما قلناه من كونها صرف اللقلقة، وكونها بلا معنى، كما لا
~~يخفى.
# والعجب أنه جعل ذلك علة لعدم صدقها في حق غيره، وهو كما ترى، وبالتأمل
~~فيما ذكرنا، ظهر الخلل فيما استدل من الجانبين والمحاكمة بين الطرفين،
~~فتأمل.
# السادس: الظاهر أنه لا يعتبر في صدق المشتق وجريه على الذات حقيقة،
~~التلبس بالمبدأ حقيقة وبلا واسطة في العروض، كما في الماء الجاري، بل يكفي
~~التلبس به ولو مجازا، ومع هذه الواسطة، كما في الميزاب الجاري، فاسناد
~~الجريان إلى الميزاب، وإن كان إسنادا إلى غير ما هو له وبالمجاز، إلا أنه
~~في الاسناد، لا في الكلمة، فالمشتق في مثل المثال، بما هو مشتق قد استعمل
~~في معناه الحقيقي، وإن كان مبدؤه مسندا إلى الميزاب بالاسناد المجازي، ولا
~~منافاة بينهما أصلا، كما لا يخفى، ولكن ظاهر الفصول (2) بل صريحه، اعتبار
~~الاسناد الحقيقي في صدق المشتق حقيقة، وكأنه من باب الخلط بين المجاز في
~~الاسناد والمجاز في الكلمة، وهذا - هاهنا - محل الكلام بين الاعلام، والحمد
~~لله، وهو خير ختام.
# PageV00P058
# المقصد الأول الأوامر PageV00P059
# المقصد الأول: في الأوامر وفيه فصول:
# الأول: فيما يتعلق بمادة الامر من الجهات، وهي عديدة:
# الأولى: إنه قد ذكر للفظ الامر معان متعددة، منها الطلب، كما يقال، أمره
~~بكذا.
# ومنها الشأن، كما يقال: شغله أمر كذا.
# ومنها الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ (١).
# ومنها الفعل العجيب، كما في قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا﴾ (2).
# ومنها الشئ، كما تقول: رأيت اليوم أمرا عجيبا.
# ومنها الحادثة، ومنها الغرض، كما تقول: جاء زيد لامر كذا.
# ولا يخفى أن عد بعضها من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم، ضرورة أن
~~الامر في (جاء ms038 زيد لامر) ما استعمل في معنى الغرض، بل اللام قد دل على
~~الغرض، نعم يكون مدخوله مصداقه، فافهم، وهكذا الحال في قوله
# PageV00P061
# تعالى ﴿فلما جاء أمرنا﴾ (1)
~~يكون مصداقا للتعجب، لا مستعملا في مفهومه، وكذا في الحادثة والشأن.
# وبذلك ظهر ما في دعوى الفصول (2)، من كون لفظ الامر حقيقة في المعنيين
~~الأولين، ولا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة والشئ، هذا بحسب
~~العرف واللغة.
# وأما بحسب الاصطلاح، فقد نقل (3) الاتفاق على أنه حقيقة في القول
~~المخصوص، ومجاز في غيره، ولا يخفى أنه عليه لا يمكن منه الاشتقاق، فإن
~~معناه - حينئذ - لا يكون معنى حدثيا، مع أن الاشتقاقات منه - ظاهرا - تكون
~~بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم، لا بالمعنى الاخر، فتدبر.
# ويمكن أن يكون مرادهم به هو الطلب بالقول لا نفسه تعبيرا عنه بما يدل
~~عليه، نعم القول المخصوص - أي صيغة الامر - إذا أراد العالي بها الطلب يكون
~~من مصاديق الامر، لكنه بما هو طلب مطلق أو مخصوص.
# وكيف كان، فالأمر سهل لو ثبت النقل، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإنما المهم
~~بيان ما هو معناه عرفا ولغة، ليحمل عليه فيما إذا ورد بلا قرينة، وقد
~~استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب والسنة، ولا حجة على أنه على نحو
~~الاشتراك اللفظي أو المعنوي أو الحقيقة والمجاز.
# وما ذكر في الترجيح، عند تعارض هذه الأحوال، لو سلم، ولم يعارض بمثله،
~~فلا دليل على الترجيح به، فلا بد مع التعارض من الرجوع إلى الأصل في مقام
~~العمل، نعم لو علم ظهوره في أحد معانيه، ولو إحتمل أنه كان للانسباق من
~~الاطلاق، فليحمل عليه، وإن لم يعلم أنه حقيقة فيه
# PageV00P062
# بالخصوص، أو فيما يعمه، كما لا يبعد أن يكون كذلك في المعنى الأول.
# الجهة الثانية: الظاهر اعتبار العلو في معنى الامر، فلا يكون الطلب من
~~السافل أو المساوي أمرا، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية، كما أن الظاهر
~~عدم اعتبار الاستعلاء، فيكون الطلب من العالي أمرا ولو ms039 كان مستخفضا لجناحه.
# وأما احتمال اعتبار أحدهما فضعيف، وتقبيح الطالب السافل من العالي
~~المستعلي عليه، وتوبيخه بمثل: إنك لم تأمره، إنما هو على استعلائه، لا على
~~أمره حقيقة بعد استعلائه، وإنما يكون إطلاق الامر على طلبه بحسب ما هو قضية
~~استعلائه، وكيف كان، ففي صحة سلب الامر عن طلب السافل، ولو كان مستعليا
~~كفاية.
# الجهة الثالثة: لا يبعد كون لفظ الامر حقيقة في الوجوب، لانسباقه عنه عند
~~إطلاقه، ويؤيد قوله تعال ﴿فليحذر الذين
~~يخالفون عن أمره﴾ (١) وقوله صلى الله عليه وآله (٢): (لولا أن أشق على
~~أمتي لأمرتهم بالسواك) وقوله صلى الله عليه وآله (٣): - لبريرة بعد قولها:
~~أتأمرني يا رسول الله؟ -:
# (لا، بل إنما أنا شافع) إلى غير ذلك، وصحة الاحتجاج على العبد ومؤاخذته
~~بمجرد مخالفة أمره، وتوبيخه على مجرد مخالفته، كما في قوله تعالى ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ (4).
# وتقسيمه إلى الايجاب والاستحباب، إنما يكون قرينة على إرادة المعنى الأعم
~~منه في مقام تقسيمه، وصحة الاستعمال في معنى أعم من كونه على نحو
# PageV00P063
# الحقيقة، كما لا يخفى، وأما ما أفيد (1) من أن الاستعمال فيهما ثابت، فلو
~~لم يكن موضوعا للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز، فهو غير مفيد،
~~لما مرت الإشارة إليه في الجهة الأولى، وفي تعارض الأحوال (2)، فراجع.
# والاستدلال بأن فعل المندوب طاعة، وكل طاعة فهو فعل المأمور به، فيه ما
~~لا يخفى من منع الكبرى، لو أريد من المأمور به معناه الحقيقي، وإلا لا يفيد
~~المدعى.
# الجهة الرابعة: الظاهر أن الطلب الذي يكون هو معنى الامر، ليس هو الطلب
~~الحقيقي الذي يكون طلبا بالحمل الشائع الصناعي، بل الطلب الانشائي الذي لا
~~يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا، بل طلبا إنشائيا، سواء أنشئ بصيغة إفعل، أو
~~بمادة الطلب، أو بمادة الامر، أو بغيرها، ولو أبيت إلا عن كونه موضوعا
~~للطلب فلا أقل من كونه منصرفا إلى الانشائي منه عند إطلاقه كما هو الحال في
~~لفظ الطلب أيضا، ms040 وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الانشائي، كما أن الامر في
~~لفظ الإرادة على عكس لفظ الطلب، والمنصرف عنها عند إطلاقها هو الإرادة
~~الحقيقية (3) واختلافهما في ذلك ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب
~~إليه الأشاعرة، من المغايرة بين الطلب والإرادة، خلافا لقاطبة أهل الحق
~~والمعتزلة، من اتحادهما، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحق في
~~المقام، وإن حققناه في بعض فوائدنا إلا أن الحوالة لما تكن عن المحذور
~~خالية، والإعادة بلا فائدة ولا إفادة، كان المناسب هو التعرض ها هنا أيضا.
# فاعلم، أن الحق كما عليه أهله - وفاقا للمعتزلة وخلافا للأشاعرة - هو
~~اتحاد الطلب والإرادة، بمعنى أن لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد وما
~~بإزاء
# PageV00P064
# أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين
~~الإرادة الانشائية، وبالجملة هما متحدان مفهوما وإنشاء وخارجا، لا أن الطلب
~~الانشائي الذي هو المنصرف إليه إطلاقه - كما عرفت - متحد مع الإرادة
~~الحقيقية (1) التي ينصرف إليها إطلاقها أيضا، ضرورة أن المغايرة بينهما
~~أظهر من الشمس وأبين من الأمس. فإذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد،
~~ففي مراجعة الوجدان عند طلب شئ والامر به حقيقة كفاية، فلا يحتاج إلى مزيد
~~بيان وإقامة برهان، فإن الانسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة
~~أخرى قائمة بها، يكون هو الطلب غيرها، سوى ما هو مقدمة تحققها، عند خطور
~~الشئ والميل وهيجان الرغبة إليه، والتصديق لفائدته، وهو الجزم بدفع ما يوجب
~~توقفه عن طلبه لاجلها.
# وبالجملة: لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة أخرى
~~قائمة بها يكون هو الطلب، فلا محيص (2) عن اتحاد الإرادة والطلب، وأن يكون
~~ذلك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة، أو
~~المستتبع لامر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك، مسمى بالطلب والإرادة كما
~~يعب به تارة وبها أخرى، كما لا يخفى. وكذا الحال في سائر الصيغ الانشائية،
~~والجمل الخبرية، فإنه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس، من
~~الترجي والتمني والعلم إلى غير ذلك، ms041 صفة أخرى كانت قائمة بالنفس، وقد دل
~~اللفظ عليها، كما قيل:
# إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقد انقدح بما
~~حققناه، ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة بالأمر مع عدم الإرادة، كما
~~في صورتي الاختبار والاعتذار من الخلل، فإنه كما لا إرادة
# PageV00P065
# حقيقة في الصورتين، لا طلب كذلك فيهما، والذي يكون فيهما إنما هو الطلب
~~الانشائي الايقاعي، الذي هو مدلول الصيغة أو المادة، ولم يكن بينا ولا
~~مبينا في الاستدلال مغايرته مع الإرادة الانشائية.
# وبالجملة: الذي يتكفله الدليل، ليس إلا الانفكاك بين الإرادة الحقيقية،
~~والطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما. وهو مما لا محيص عن الالتزام
~~به، كما عرفت، ولكنه لا يضر بدعوى الاتحاد أصلا، لمكان هذه المغايرة
~~والانفكاك بين الطلب الحقيقي والانشائي، كما لا يخفى.
# ثم إنه يمكن - مما حققناه - أن يقع الصلح بين الطرفين، ولم يكن نزاع في
~~البين، بأن يكون المراد بحديث الاتحاد ما عرفت من العينية مفهوما ووجودا
~~حقيقيا وانشائيا، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينية هو اثنينية الانشائي
~~من الطلب، كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه، والحقيقي من الإرادة، كما
~~هو المراد غالبا منها حين إطلاقها، فيرجع النزاع لفظيا، فافهم.
# دفع ووهم (1): لا يخفى أنه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة، من نفي غير الصفات
~~المشهورة، وأنه ليس صفة أخرى قائمة بالنفس كانت كلاما نفسيا مدلولا للكلام
~~اللفظي، كما يقول به الأشاعرة، إن هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام.
# إن قلت: فماذا يكون مدلولا عليه عند الأصحاب والمعتزلة؟
# قلت: أما الجمل الخبرية، فهي دالة على ثبوت النسبة بين طرفيها، أو نفيها
~~في نفس الامر من ذهن أو خارج، كالانسان نوع أو كاتب.
# وأما الصيغ الانشائية، فهي - على ما حققناه في بعض فوائدنا (2) - موجدة
# PageV00P066
# لمعانيها في نفس الامر، أي قصد ثبوت معانيها وتحققها بها، وهذا نحو من
~~الوجود، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتب عليه شرعا وعرفا آثار،
~~كما هو الحال في صيغ العقود والايقاعات.
# نعم لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام ms042 والترجي والتمني -
~~بالدلالة الالتزامية - على ثبوت هذه الصفات حقيقة، إما لاجل وضعها
~~لإيقاعها، فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات، أو انصراف إطلاقها
~~إلى هذه الصورة، فلو لم تكن هناك قرينة، كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو
~~غيرهما بصيغتها، لاجل كون الطلب والاستفهام وغيرهما قائمة بالنفس، وضعا أو
~~إطلاقا.
# إشكال ودفع: أما الاشكال، فهو إنه يلزم بناء على اتحاد الطلب والإرادة،
~~في تكليف الكفار بالايمان، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان، إما أن
~~لا يكون هناك تكليف جدي، إن لم يكن هناك إرادة، حيث أنه لا يكون حينئذ طلب
~~حقيقي، واعتباره في الطلب الجدي ربما يكون من البديهي، وإن كان هناك إرادة،
~~فكيف تتخلف عن المراد؟ ولا تكاد تتخلف، إذا أراد الله شيئا يقول له: كن
~~فيكون.
# وأما الدفع، فهو أن استحالة التخلف إنما تكون في الإرادة التكوينية وهي
~~العلم بالنظام على النحو الكامل التام، دون الإرادة التشريعية، وهي العلم
~~بالمصلحة في فعل المكلف. وما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الإرادة
~~التشريعية لا التكوينية، فإذا توافقتا فلا بد من الإطاعة والايمان، وإذا
~~تخالفتا، فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان.
# إن قلت: إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والايمان، بإرادته تعالى التي
~~لا تكاد تتخلف عن المراد، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف، لكونها خارجة عن
~~الاختيار المعتبر فيه عقلا. PageV00P067
# قلت: إنما يخرج بذلك عن الاختيار، لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة
~~بمقدماتها الاختيارية، وإلا فلا بد من صدورها بالاختيار، وإلا لزم تخلف
~~إرادته عن مراده، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
# إن قلت: إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين
~~بإرادتهما، إلا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، كيف؟ وقد سبقهما
~~الإرادة الأزلية والمشية الإلهية، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون
~~بالآخرة بلا اختيار؟
# قلت: العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن
~~مقدماته، الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما، فإن (السعيد
~~سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن ms043 أمه) (1) و (الناس معادن كمعادن الذهب
~~والفضة) (2)، كما في الخبر، والذاتي لا يعلل، فانقطع سؤال: إنه لم جعل
~~السعيد سعيدا والشقي شقيا؟ فإن السعيد سعيد بنفسه والشقي شقي كذلك، وإنما
~~أوجدهما الله تعالى (قلم اينجا رسيد سر بشكست) (3)، قد إنتهى الكلام في
~~المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الافهام، ومن الله الرشد والهداية وبه
~~الاعتصام.
# وهم ودفع: لعلك تقول: إذا كانت الإرادة التشريعية منه تعالى عين علمه
~~بصلاح الفعل، لزم - بناء على أن تكون عين الطلب - كون المنشأ بالصيغة في
~~الخطابات الإلهية هو العلم، وهو بمكان من البطلان.
# PageV00P068
# لكنك غفلت عن أن اتحاد الإرادة مع العلم بالصلاح، إنما يكون خارجا لا
~~مفهوما، وقد عرفت (1) أن المنشأ ليس إلا المفهوم، لا الطلب الخارجي، ولا
~~غرو أصلا في اتحاد الإرادة والعلم عينا وخارجا، بل لا محيص عنه في جميع
~~صفاته تعالى، لرجوع الصفات إلى ذاته المقدسة، قال أمير المؤمنين صلوات الله
~~وسلامه عليه (2): (وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات
~~عنه).
# الفصل الثاني فيما يتعلق بصيغة الامر وفيه مباحث:
# الأول: إنه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها، وقد عد منها:
# الترجي، والتمني، والتهديد، والانذار، والإهانة، والاحتقار، والتعجيز،
~~والتسخير، إلى غير ذلك، وهذا كما ترى، ضرورة أن الصيغة ما استعملت في واحد
~~منها، بل لم يستعمل إلا في إنشاء الطلب، إلا أن الداعي إلى ذلك، كما يكون
~~تارة هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي، يكون أخرى أحد هذه الأمور،
~~كما لا يخفى.
# قصارى ما يمكن أن يدعى، أن تكون الصيغة موضوعة لانشاء الطلب، فيما إذا
~~كان بداعي البعث والتحريك، لا بداع آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثا
~~حقيقة، وإنشاؤه بها تهديدا مجازا، وهذا غير كونها مستعملة في التهديد
~~وغيره، فلا تغفل.
# إيقاظ: لا يخفى أن ما ذكروه في صيغة الامر، جار في سائر الصيغ الانشائية،
~~فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمني أو الترجي أو الاستفهام
# PageV00P069
# بصيغها، تارة هو ثبوت هذه الصفات حقيقة، يكون الداعي غيرها أخرى، فلا ms044 وجه
~~للالتزام بانسلاخ صيغها عنها، واستعمالها في غيرها، إذا وقعت في كلامه
~~تعالى، لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه تبارك وتعالى، مما لازمه العجز أو
~~الجهل، وأنه لا وجه له، فإن المستحيل إنما هو الحقيقي منها لا الانشائي
~~الايقاعي، الذي يكون بمجرد قصد حصوله بالصيغة، كما عرفت، ففي كلامه تعالى
~~قد استعملت في معانيها الايقاعية الانشائية أيضا، لا لاظهار ثبوتها حقيقة،
~~بل لامر آخر حسب ما يقتضيه الحال من إظهار المحبة أو الانكار أو التقرير
~~إلى غير ذلك، ومنه ظهر أن ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس
~~كما ينبغي أيضا.
# المبحث الثاني: في أن الصيغة حقيقة في الوجوب، أو في الندب، أو فيهما، أو
~~في المشترك بينهما، وجوه بل أقوال، لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا
~~قرينة، ويؤيده عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب، مع
~~الاعتراف بعدم دلالته عليه بحال أو مقال، وكثرة الاستعمال فيه في الكتاب
~~والسنة وغيرهما لا يوجب نقله إليه أو حمله عليه (1)، لكثرة استعماله في
~~الوجوب أيضا، مع أن الاستعمال وإن كثر فيه، إلا أنه كان مع القرينة
~~المصحوبة، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازي لا يوجب صيرورته مشهورا
~~فيه، ليرجح أو يتوقف، على الخلاف في المجاز المشهور، كيف؟ وقد كثر استعمال
~~العام في الخاص، حتى قيل: (ما من عام إلا وقد خص) ولم ينثلم به ظهوره في
~~العموم، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص.
# المبحث الثالث: هل الجمل الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب والبعث -
~~مثل: يغتسل، ويتوضأ، ويعيد - ظاهرة في الوجوب أو لا؟ لتعدد
# PageV00P070
# المجازات فيها، وليس الوجوب بأقواها، بعد تعذر حملها على معناها من
~~الاخبار، بثبوت النسبة والحكاية عن وقوعها.
# الظاهر الأول، بل تكون أظهر من الصيغة، ولكنه لا يخفى أنه ليست الجمل
~~الخبرية الواقعة في ذلك المقام - أي الطلب - مستعملة في غير معناها، بل
~~تكون مستعملة فيه، إلا أنه ليس بداعي الاعلام، بل بداعي البعث بنحو آكد،
~~حيث أنه أخبر بوقوع مطلوبه ms045 في مقام طلبه، إظهارا بأنه لا يرضى إلا بوقوعه،
~~فيكون آكد في البعث من الصيغة، كما هو الحال في الصيغ الانشائية، على ما
~~عرفت من أنها أبدا تستعمل في معانيها الايقاعية لكن بدواعي أخر، كما مر
~~(1).
# لا يقال: كيف؟ ويلزم الكذب كثيرا، لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في
~~الخارج، تعالى الله وأولياؤه عن ذلك علوا كبيرا.
# فإنه يقال: إنما يلزم الكذب، إذا أتي بها بداعي الاخبار والاعلام، لا
~~لداعي البعث، كيف؟ وإلا يلزم الكذب في غالب الكنايات، فمثل (زيد كثير
~~الرماد) أو (مهزول الفصيل) لا يكون كذبا، إذا قيل كناية عن جوده، ولو لم
~~يكن له رماد أو فصيل أصلا، وإنما يكون كذبا إذا لم يكن بجواد، فيكون الطلب
~~بالخبر في مقام التأكيد أبلغ، فإنه مقال بمقتضى الحال. هذا مع أنه إذا أتى
~~بها في مقام البيان، فمقدمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب، فإن تلك
~~النكتة إن لم تكن موجبة لظهورها فيه، فلا أقل من كونها موجبة لتعينه من بين
~~محتملات ما هو بصدده، فإن شدة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب، موجبة
~~لتعين إرادته إذا كان بصدد البيان، مع عدم نصب قرينة خاصة على غيره، فافهم.
# PageV00P071
# المبحث الرابع: إنه إذا سلم أن الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب، هذ لا
~~تكون ظاهرة فيه أيضا أو تكون؟ قيل بظهورها فيه، إما لغلبة الاستعمال فيه،
~~أو لغلبة وجوده أو أكمليته، والكل كما ترى، ضرورة أن الاستعمال في الندب
~~وكذا وجوده، ليس بأقل لو لم يكن بأكثر. وأما الأكملية فغير موجبة للظهور،
~~إذ الظهور لا يكاد يكون إلا لشدة أنس اللفظ بالمعنى، بحيث يصير وجها له،
~~ومجرد الأكملية لا يوجبه، كما لا يخفى، نعم فيما كان الامر بصدد البيان،
~~فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب، فإن الندب كأنه يحتاج إلى مؤونة
~~بيان التحديد والتقييد بعدم المنع من الترك، بخلاف الوجوب، فإنه لا تحديد
~~فيه للطلب ولا تقييد، فإطلاق اللفظ وعدم تقييده مع كون المطلق في مقام
~~البيان، كاف في بيانه، فافهم.
# المبحث ms046 الخامس: إن إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصليا، فيجزي
~~إتيانه مطلقا، ولو بدون قصد القربة، أو لا؟ فلا بد من الرجوع فيما شك في
~~تعبديته وتوصليته إلى الأصل.
# لابد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات:
# إحداها: الوجوب التوصلي، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب،
~~ويسقط بمجرد وجوده، بخلاف التعبدي، فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك، بل
~~لابد - في سقوطه وحصول غرضه - من الاتيان به متقربا به منه تعالى.
# ثانيتها: إن التقرب المعتبر في التعبدي، إن كان بمعنى قصد الامتثال
~~والاتيان بالواجب بداعي أمره، كان مما يعتبر في الطاعة عقلا، لا مما أخذ في
~~نفس العبادة شرعا، وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الامر
~~بشئ في متعلق ذاك الامر مطلقا شرطا أو شطرا، فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة
~~للامر، لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها. PageV00P072
# وتوهم إمكان تعلق الامر بفعل الصلاة بداعي الامر، وإمكان الاتيان بها
~~بهذا الداعي، ضرورة إمكان تصور الامر بها مقيدة، والتمكن من إتيانها كذلك،
~~بعد تعلق الامر بها، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلا في صحة الامر إنما
~~هو في حال الامتثال لا حال الامر، واضح الفساد، ضرورة أنه وإن كان تصورها
~~كذلك بمكان من الامكان، إلا أنه لا يكاد يمكن الاتيان بها بداعي أمرها،
~~لعدم الامر بها، فإن الامر حسب الفرض تعلق بها مقيدة بداعي الامر، ولا يكاد
~~يدعو الامر إلا إلى ما تعلق به، لا إلى غيره.
# إن قلت: نعم، ولكن نفس الصلاة أيضا صارت مأمورة بها بالأمر بها مقيدة.
# قلت: كلا، لان ذات المقيد لا يكون مأمورا بها، فإن الجزء التحليلي العقلي
~~لا يتصف بالوجوب أصلا، فإنه ليس إلا وجود واحد واجب بالوجوب النفسي، كما
~~ربما يأتي في باب المقدمة.
# إن قلت: نعم، لكنه إذا أخذ قصد الامتثال شرطا، وأما إذا أخذ شطرا، فلا
~~محالة نفس الفعل الذي تعلق الوجوب به مع هذا القصد، يكون متعلقا للوجوب، إذ
~~المركب ليس إلا نفس الاجزاء بالاسر، ms047 ويكون تعلقه بكل بعين تعلقه بالكل،
~~ويصح أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب، ضرورة صحة الاتيان بأجزاء الواجب بداعي
~~وجوبه.
# قلت: مع امتناع اعتباره كذلك، فإنه يوجب تعلق الوجوب بأمر غير اختياري،
~~فإن الفعل وإن كان بالإرادة اختياريا، إلا أن إرادته - حيث لا تكون بإرادة
~~أخرى، وإلا لتسلسلت - ليست باختيارية، كما لا يخفى. إنما يصح الاتيان بجزء
~~الواجب بداعي وجوبه في ضمن إتيانه بهذا الداعي، ولا يكاد يمكن الاتيان
~~بالمركب عن قصد الامتثال، بداعي امتثال أمره. PageV00P073
# إن قلت: نعم (1)، لكن هذا كله إذا كان اعتباره في المأمور به بأمر واحد،
~~وأما إذا كان بأمرين: تعلق أحدهما بذات الفعل، وثانيهما بإتيانه بداعي
~~أمره، فلا محذور أصلا، كما لا يخفى. فللآمر أن يتوسل بذلك في الوصلة إلى
~~تمام غرضه ومقصده، بلا منعة.
# قلت: - مضافا إلى القطع بأنه ليس في العبادات إلا أمر واحد، كغيرها من
~~الواجبات والمستحبات، غاية الامر يدور مدار الامتثال وجودا وعدما فيها
~~المثوبات والعقوبات، بخلاف ما عداها، فيدور فيه خصوص المثوبات، وأما
~~العقوبة فمترتبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة - أن الامر الأول إن كان
~~يسقط بمجرد موافقته، ولو لم يقصد به الامتثال، كما هو قضية الامر الثاني،
~~فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأول بدون قصد امتثاله، فلا يتوسل
~~الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة، وإن لم يكد يسقط بذلك، فلا يكاد يكون
~~له وجه، إلا عدم حصول غرضه بذلك من أمره، لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله،
~~وإلا لما كان موجبا لحدوثه، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة
~~تعدد الامر، لاستقلال العقل، مع عدم حصول غرض الآمر بمجرد موافقة الامر
~~بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه، فيسقط أمره.
# هذا كله إذا كان التقرب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال.
# وأما إذا كان بمعنى الاتيان بالفعل بداعي حسنه، أو كونه ذا مصلحة [أو له
~~تعالى] (2)، فاعتباره في متعلق الامر وإن كان بمكان من الامكان، إلا أنه
~~غير معتبر فيه قطعا، لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال، ms048 الذي عرفت
# PageV00P074
# عدم إمكان أخذه فيه بديهة.
# تأمل فيما ذكرناه في المقام، تعرف حقيقة المرام، كيلا تقع فيما وقع فيه
~~من الاشتباه بعض الاعلام.
# ثالثتها: إنه إذا عرفت بما لا مزيد عليه، عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في
~~المأمور به أصلا، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه - ولو كان مسوقا في مقام
~~البيان - على عدم اعتباره، كما هو أوضح من أن يخفى، فلا يكاد يصح التمسك به
~~إلا فيما يمكن اعتباره فيه.
# فانقدح بذلك أنه لا وجه لاستظهار التوصلية من إطلاق الصيغة بمادتها، ولا
~~لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه مما هو ناشئ من قبل الآمر، من إطلاق المادة
~~في العبادة لو شك في اعتباره فيها، نعم إذا كان الامر في مقام بصدد بيان
~~تمام ماله دخل في حصول غرضه، وإن لم يكن له دخل في متعلق أمره، ومعه سكت في
~~المقام، ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله، كان هذا قرينة على
~~عدم دخله في غرضه، وإلا لكان سكوته نقصا له وخلاف الحكمة، فلا بد عند الشك
~~وعدم إحراز هذا المقام، من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل ويستقل به العقل.
# فاعلم: أنه لا مجال - ها هنا - إلا لأصالة الاشتغال، ولو قيل بأصالة
~~البراءة فيما إذا دار الامر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، وذلك لان الشك
~~ها هنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم، مع استقلال العقل بلزوم الخروج
~~عنها، فلا يكون العقاب - مع الشك وعدم إحراز الخروج - عقابا بلا بيان،
~~والمؤاخذة عليه بلا برهان، ضرورة أنه بالعلم بالتكليف تصح المؤاخذة على
~~المخالفة، وعدم الخروج عن العهدة، لو اتفق عدم الخروج عنها بمجرد الموافقة
~~بلا قصد القربة، وهكذا الحال في كل ما شك دخله في الطاعة، والخروج به عن
~~العهدة، مما لا يمكن اعتباره في المأمور به كالوجه والتمييز.
# نعم: يمكن أن يقال: إن كل ما ربما يحتمل بدوا دخله في الامتثال،
~~PageV00P075
# أمرا كان مما يغفل عنه غالبا العامة (1)، كان على الآمر بيانه، ونصب
~~قرينة على دخله واقعا، وإلا لأخل بما هو ms049 همه وغرضه، أما إذا لم ينصب دلالة
~~على دخله، كشف عن عدم دخله، وبذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه والتمييز في
~~الطاعة بالعبادة، حيث ليس منهما عين ولا أثر في الاخبار والآثار، وكانا مما
~~يغفل عنه العامة، وإن احتمل اعتباره بعض الخاصة، فتدبر جيدا.
# ثم إنه لا أظنك أن تتوهم وتقول: إن أدلة البراءة الشرعية مقتضية لعدم
~~الاعتبار، وإن كان قضية الاشتغال عقلا هو الاعتبار، لوضوح أنه لابد في
~~عمومها من شئ قابل للرفع والوضع شرعا، وليس ها هنا، فإن دخل قصد القربة
~~ونحوها في الغرض ليس بشرعي، بل واقعي. ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان كذلك،
~~إلا أنهما قابلان للوضع والرفع شرعا، فبدليل الرفع - ولو كان أصلا - يكشف
~~أنه ليس هناك أمر فعلي بما يعتبر فيه المشكوك، يجب الخروج عن عهدته عقلا،
~~بخلاف المقام، فإنه علم بثبوت الامر الفعلي، كما عرفت، فافهم.
# المبحث السادس: قضية إطلاق الصيغة، كون الوجوب نفسيا تعينيا عينيا، لكون
~~كل واحد مما يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب وتضيق دائرته، فإذا كان في مقام
~~البيان، ولم ينصب قرينة عليه، فالحكمة تقتضي كونه مطلقا، وجب هناك شئ آخر
~~أو لا، أتى بشئ آخر أو لا، أتى به آخر أو لا، كما هو واضح لا يخفى.
# المبحث السابع: إنه اختلف القائلون بظهور صيغة الامر في الوجوب وضعا أو
~~إطلاقا فيما إذا وقع عقيب الحظر أو في مقام توهمه على أقوال:
# PageV00P076
# نسب (1) إلى المشهور ظهورها في الإباحة. وإلى بعض العامة (2) ظهورها في
~~الوجوب، وإلى بعض (3) تبعيته لما قبل النهي، إن علق الامر بزوال علة النهي،
~~إلى غير ذلك.
# والتحقيق: إنه لا مجال للتشبث بموارد الاستعمال، فإنه قل مورد منها يكون
~~خاليا عن قرينة على الوجوب، أو الإباحة، أو التبعية، ومع فرض التجريد عنها،
~~لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجبا لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه.
# غاية الامر يكون موجبا لاجمالها، غير ظاهرة في واحد منها إلا بقرينة
~~أخرى، كما أشرنا.
# المبحث الثامن: الحق أن صيغة الامر مطلقا، ms050 لا دلالة لها على المرة ولا
~~التكرار، فإن المنصرف عنها، ليس إلا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها، فلا
~~دلالة لها على أحدهما، لا بهيئتها ولا بمادتها، والاكتفاء بالمرة، فإنما هو
~~لحصول الامتثال بها في الامر بالطبيعة، كما لا يخفى.
# ثم لا يذهب عليك: أن الاتفاق على أن المصدر المجرد عن اللام والتنوين، لا
~~يدل إلا على الماهية - على ما حكاه السكاكي (4) - لا يوجب كون النزاع ها
~~هنا في الهيئة - كما في الفصول (5) - فإنه غفلة وذهول عن كون المصدر كذلك،
~~لا يوجب الاتفاق على أن مادة الصيغة لا تدل إلا على
# PageV00P077
# الماهية، ضرورة أن المصدر ليست مادة لسائر المشتقات، بل هو صيغة مثلها،
~~كيف؟ وقد عرفت في باب المشتق مباينة المصدر وسائر المشتقات بحسب المعنى،
~~فكيف بمعناه يكون مادة لها؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرة أو التكرار في
~~مادتها، كما لا يخفى.
# إن قلت: فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلا في الكلام.
# قلت: مع أنه محل الخلاف، معناه أن الذي وضع أولا بالوضع الشخصي، ثم
~~بملاحظته وضع نوعيا أو شخصيا سائر الصيغ التي تناسبه، مما جمعه معه مادة
~~لفظ متصورة في كل منها ومنه، بصورة ومعنى كذلك، هو المصدر أو الفعل، فافهم.
# ثم المراد بالمرة والتكرار، هل هو الدفعة والدفعات؟ أو الفرد والافراد؟
# والتحقيق: أن يقعا بكلا المعنيين محل النزاع، وإن كان لفظهما ظاهرا في
~~المعنى الأول، وتوهم (1) أنه لو أريد بالمرة الفرد، لكان الأنسب، بل اللازم
~~أن يجعل هذا المبحث تتمة للبحث الآتي، من أن الامر هل يتعلق بالطبيعة أو
~~بالفرد؟ فيقال عند ذلك وعلى تقدير تعلقه بالفرد، هل يقتضي التعلق بالفرد
~~الواحد أو المتعدد؟ أو لا يقتضي شيئا منهما؟ ولم يحتج إلى إفراد كل منهما
~~بالبحث كما فعلوه، وأما لو أريد بها الدفعة، فلا علقة بين المسألتين، كما
~~لا يخفى، فاسد، لعدم العلقة بينهما لو أريد بها الفرد أيضا، فإن الطلب على
~~القول بالطبيعة إنما يتعلق بها باعتبار وجودها في الخارج، ضرورة أن الطبيعة
~~من حيث هي ms051 ليست إلا هي، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة، وبهذا الاعتبار كانت
~~مرددة بين المرة والتكرار بكلا المعنيين، فيصح النزاع في دلالة الصيغة على
~~المرة والتكرار بالمعنيين وعدمها.
# PageV00P078
# أما بالمعنى الأول فواضح، وأما بالمعنى الثاني فلوضوح أن المراد من الفرد
~~أو الافراد وجود واحد أو وجودات، وإنما عبر بالفرد لان وجود الطبيعة في
~~الخارج هو الفرد، غاية الامر خصوصيته وتشخصه على القول بتعلق الامر
~~بالطبائع يلازم المطلوب وخارج عنه، بخلاف القول بتعلقه بالافراد، فإنه مما
~~يقومه.
# تنبيه: لا إشكال بناء على القول بالمرة في الامتثال، وأنه لا مجال
~~للاتيان بالمأمور به ثانيا، على أن يكون أيضا به الامتثال، فإنه من
~~الامتثال بعد الامتثال. وأما على المختار من دلالته على طلب الطبيعة من دون
~~دلالة على المرة ولا على التكرار، فلا يخلو الحال: إما أن لا يكون هناك
~~إطلاق الصيغة في مقام البيان، بل في مقام الاهمال أو الاجمال، فالمرجع هو
~~الأصل. وإما أن يكون إطلاقها في ذلك المقام، فلا إشكال في الاكتفاء بالمرة
~~في الامتثال، وإنما الاشكال في جواز أن لا يقتصر عليها، فإن لازم إطلاق
~~الطبيعة المأمور بها، هو الاتيان بها مرة أو مرارا لا، لزوم الاقتصار على
~~المرة، كما لا يخفى.
# والتحقيق: إن قضية الاطلاق إنما هو جواز الاتيان بها مرة في ضمن فرد أو
~~أفراد، فيكون إيجادها في ضمنها نحوا من الامتثال، كإيجادها في ضمن الواحد،
~~لا جواز الاتيان بها مرة ومرات، فإنه مع الاتيان بها مرة لا محالة يحصل
~~الامتثال ويسقط به الامر، فيما إذا كان امتثال الامر علة تامة لحصول الغرض
~~الأقصى، بحيث يحصل بمجرده، فلا يبقى معه مجال لاتيانه ثانيا بداعي امتثال
~~آخر، أو بداعي أن يكون الاتيانان امتثالا واحدا، لما عرفت من حصول الموافقة
~~بإتيانها، وسقوط الغرض معها، وسقوط الامر بسقوطه، فلا يبقى مجال لامتثاله
~~أصلا، وأما إذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض، كما إذا أمر بالماء
~~ليشرب أو يتوضأ فأتي به، ولم يشرب أو لم يتوضأ فعلا، فلا يبعد صحة تبديل ms052
~~الامتثال بإتيان فرد آخر أحسن منه، بل PageV00P079
# مطلقا، كما كان له ذلك قبله، على ما يأتي بيانه في الاجزاء.
# المبحث التاسع: الحق أنه لا دلالة للصيغة، لا على الفور ولا على التراخي،
~~نعم قضية إطلاقها جواز التراخي، والدليل عليه تبادر طلب إيجاد الطبيعة
~~منها، بلا دلالة على تقييدها بأحدها، فلا بد في التقييد من دلالة أخرى، كما
~~ادعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية.
# وفيه منع، ضرورة أن سياق آية ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ (١) وكذا آية ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ (2) إنما هو
~~البعث نحو المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير، من دون استتباع
~~تركهما للغضب والشر، ضرورة أن تركهما لو كان مستتبعا للغضب والشر، كان
~~البعث بالتحذير عنهما أنسب، كما لا يخفى.
# مع لزوم كثرة تخصيصه في المستحبات، وكثير من الواجبات بل أكثرها، فلا بد
~~من حمل الصيغة فيهما على خصوص الندب أو مطلق الطلب، ولا يبعد دعوى استقلال
~~العقل بحسن المسارعة والاستباق، وكان ما ورد من الآيات والروايات في مقام
~~البعث نحوه إرشادا إلى ذلك، كالآيات والروايات الواردة في الحث على أصل
~~الإطاعة، فيكون الامر فيها لما يترتب على المادة بنفسها، ولو لم يكن هناك
~~أمر بها، كما هو الشأن في الأوامر الارشادية، فافهم.
# تتمة: بناء على القول بالفور، فهل قضية الامر الاتيان فورا ففورا بحيث لو
~~عصى لوجب عليه الاتيان به فورا أيضا، في الزمان الثاني، أو لا؟
# وجهان: مبنيان على أن مفاد الصيغة على هذا القول، هو وحدة المطلوب أو
~~تعدده، ولا يخفى أنه لو قيل بدلالتها على الفورية، لما كان لها دلالة على
~~نحو
# PageV00P080
# المطلوب من وحدته أو تعدده، فتدبر جيدا.
# الفصل الثالث الاتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء في الجملة بلا
~~شبهة، وقبل الخوض في تفصيل المقام وبيان النقض والابرام، ينبغي تقديم أمور:
# أحدها: الظاهر أن المراد من (وجهه) - في العنوان - هو النهج الذي ينبغي
~~أن يؤتى به على ذاك النهج شرعا وعقلا، ms053 مثل أن يؤتى به بقصد التقرب في
~~العبادة، لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا، فإنه عليه يكون
~~(على وجهه) قيدا توضيحيا، وهو بعيد، مع أنه يلزم خروج التعبديات عن حريم
~~النزاع، بناء على المختار، كما تقدم من أن قصد القربة من كيفيات الإطاعة
~~عقلا، لا من قيود المأمور به شرعا، ولا الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب (1)،
~~فإنه - مع عدم اعتباره عند المعظم، وعدم اعتباره عند من اعتبره، إلا في
~~خصوص العبادات لا مطلق الواجبات - لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير
~~الاعتبار، فلا بد من إرادة ما يندرج فيه من المعنى، وهو ما ذكرناه، كما لا
~~يخفى.
# ثانيها: الظاهر أن المراد من الاقتضاء - ها هنا - الاقتضاء بنحو العلية
~~والتأثير، لا بنحو الكشف والدلالة، ولذا نسب إلى الاتيان لا إلى الطبيعة.
# إن قلت: هذا إنما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره، وأما بالنسبة إلى أمر آخر،
~~كالاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الامر
~~الواقعي، فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره، بنحو يفيد
~~الاجزاء، أو بنحو آخر لا يفيده.
# PageV00P081
# قلت: نعم، لكنه لا ينافي كون النزاع فيهما، كان في الاقتضاء بالمعنى
~~المتقدم، غايته أن العمدة في سبب الاختلاف فيهما، إنما هو الخلاف في دلالة
~~دليلهما، هل أنه على نحو يستقل العقل بأن الاتيان به موجب للاجزاء ويؤثر
~~فيه، وعدم دلالته؟ ويكون النزاع فيه صغرويا أيضا، بخلافه في الاجزاء
~~بالإضافة إلى أمره، فإنه لا يكون إلا كبرويا، لو كان هناك نزاع، كما نقل عن
~~بعض (1). فافهم.
# ثالثها: الظاهر أن الاجزاء - ها هنا - بمعناه لغة، وهو الكفاية (2)، وإن
~~كان يختلف ما يكفي عنه، فإن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي يكفي،
~~فيسقط به التعبد به ثانيا، وبالامر الاضطراري أو الظاهري الجعلي، فيسقط به
~~القضاء، لا أنه يكون - ها هنا - اصطلاحا، بمعنى اسقاط التعبد أو القضاء،
~~فإنه بعيد جدا.
# رابعها: الفرق (3) بين هذه المسألة، ومسألة المرة والتكرار، لا يكاد
~~يخفى، فإن البحث - ها هنا - في أن الاتيان بما هو المأمور به ms054 يجزي عقلا،
~~بخلافه في تلك المسألة، فإنه في تعيين ما هو المأمور به شرعا بحسب دلالة
~~الصيغة بنفسها، أو بدلالة أخرى.
# نعم كان التكرار عملا موافقا لعدم الاجزاء لكنه لا بملاكه، وهكذا الفرق
~~بينها وبين مسألة تبعية القضاء للأداء، فإن البحث في تلك المسألة في دلالة
~~الصيغة على التبعية وعدمها، بخلاف هذه المسألة، فإنه - كما عرفت - في
# PageV00P082
# أن الاتيان بالمأمور به يجزي عقلا عن إتيانه ثانيا أداء أو قضاء، أو لا
~~يجزي، فلا علقة بين المسألة والمسألتين أصلا.
# إذا عرفت هذه الأمور، فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين:
# الأول: إن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي - بل (1) بالأمر الاضطراري
~~أو الظاهري أيضا - يجزي عن التعبد به ثانيا، لاستقلال العقل بأنه لا مجال
~~مع موافقة الامر بإتيان المأمور به على وجهه، لاقتضائه التعبد به ثانيا.
# نعم لا يبعد أن يقال: بأنه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبد به ثانيا،
~~بدلا عن التعبد به أولا، لا منضما إليه، كما أشرنا إليه في المسألة السابقة
~~(2)، وذلك فيما علم أن مجرد امتثاله لا يكون علة تامة لحصول الغرض، وإن كان
~~وافيا به لو اكتفى به، كما إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه، فلم يشربه
~~بعد، فإن الامر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد، ولذا لو أهريق (3) الماء واطلع
~~عليه العبد، وجب عليه إتيانه ثانيا، كما إذا لم يأت به أولا، ضرورة بقاء
~~طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه، وإلا لما أوجب حدوثه، فحينئذ يكون له
~~الاتيان بماء آخر موافق للامر، كما كان له قبل إتيانه الأول بدلا عنه.
# نعم فيما كان الاتيان علة تامة لحصول الغرض، فلا يبقى موضع للتبديل، كما
~~إذا أمر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه فأهرقه، بل لو لم يعلم أنه من أي
~~القبيل، فله التبديل باحتمال أن لا يكون علة، فله إليه سبيل، ويؤيد ذلك -
~~بل يدل عليه - ما ورد من الروايات في باب إعادة من صلى فرادى
# PageV00P083
# جماعة (1)، وأن الله تعالى يختار أحبهما إليه.
# الموضع الثاني: وفيه مقامان: ms055
# المقام الأول: في أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري، هل يجزي عن
~~الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ثانيا، بعد رفع الاضطرار في الوقت
~~إعادة، وفي خارجه قضاء، أو لا يجزي؟
# تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه
~~الامر الاضطراري من الانحاء، وبيان ما هو قضية كل منها من الاجزاء وعدمه،
~~وأخرى في تعيين ما وقع عليه.
# فاعلم أنه يمكن أن يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار، كالتكليف
~~الاختياري في حال الاختيار، وافيا بتمام المصلحة، وكافيا فيما هو المهم
~~والغرض، ويمكن أن لا يكون وافيا به كذلك، بل يبقى منه شئ أمكن استيفاؤه أو
~~لا يمكن. وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه، أو يكون بمقدار يستحب، ولا يخفى
~~أنه إن كان وافيا به يجزي، فلا يبقى مجال أصلا للتدارك، لا قضاء ولا إعادة،
~~وكذا لو لم يكن وافيا، ولكن لا يمكن تداركه، ولا يكاد يسوغ له البدار في
~~هذه الصورة إلا لمصلحة كانت فيه، لما فيه من نقض الغرض، وتفويت مقدار من
~~المصلحة، لولا مراعاة ما هو فيه من الأهم، فافهم.
# لا يقال: عليه، فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار، لا مكان استيفاء
~~الغرض بالقضاء.
# PageV00P084
# فإنه يقال: هذا كذلك، لولا المزاحمة بمصلحة الوقت، وأما تسويغ البدار أو
~~إيجاب الانتظار في الصورة الأولى، فيدور مدار كون العمل - بمجرد الاضطرار
~~مطلقا، أو بشرط الانتظار، أو مع اليأس عن طرو الاختيار - ذا مصلحة ووافيا
~~بالغرض.
# وإن لم يكن وافيا، وقد أمكن تدارك الباقي (١) في الوقت، أو مطلقا ولو
~~بالقضاء خارج الوقت، فإن كان الباقي مما يجب تداركه فلا يجزي، بل لابد (٢)
~~من إيجاب الإعادة أو القضاء، وإلا فيجزي، ولا مانع عن البدار في الصورتين،
~~غاية الامر يتخير في الصورة الأولى بين البدار والاتيان بعملين:
# العمل الاضطراري في هذا الحال، والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار أو
~~الانتظار، والاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار، وفي الصورة الثانية يجزي
~~البدار ويستحب الإعادة بعد طرو الاختيار.
# هذا كله فيما يمكن أن ms056 يقع عليه الاضطراري من الانحاء، وأما ما وقع عليه
~~فظاهر إطلاق دليله، مثل قوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ (3) وقوله
~~(عليه السلام): (التراب أحد الطهورين) (4) و: (يكفيك عشر سنين) (5) هو
~~الاجزاء، وعدم وجوب الإعادة أو القضاء، ولا بد في إيجاب الاتيان به ثانيا
~~من دلالة دليل بالخصوص.
# وبالجملة: فالمتبع هو الاطلاق لو كان، وإلا فالأصل، وهو يقتضي البراءة من
~~إيجاب الإعادة، لكونه شكا في أصل التكليف، وكذا عن إيجاب
# PageV00P085
# القضاء بطريق أولى، نعم لو دل دليله على أن سببه فوت الواقع، ولو لم يكن
~~هو فريضة، كان القضاء واجبا عليه، لتحقق سببه، وإن أتى بالفرض لكنه مجرد
~~الفرض.
# المقام الثاني: في إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري وعدمه.
# والتحقيق: إن ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق
~~متعلقه، وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره، كقاعدة الطهارة أو الحلية، بل
~~واستصحابهما في وجه قوي، ونحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو
~~الحلية يجري، فإن دليله يكون حاكما على دليل الاشتراط، ومبينا لدائرة
~~الشرط، وأنه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية، فانكشاف الخلاف فيه لا
~~يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل
~~ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل، وهذا بخلاف ما كان منها بلسان أنه ما هو
~~الشرط واقعا، كما هو لسان الامارات، فلا يجزي، فإن دليل حجيته حيث كان
~~بلسان أنه واجد لما هو شرطه الواقعي، فبارتفاع الجهل ينكشف أنه لم يكن
~~كذلك، بل كان لشرطه فاقدا (1).
# هذا على ما هو الأظهر الأقوى في الطرق والامارات، من أن حجيتها ليست بنحو
~~السببية، وأما بناء عليها، وأن العمل بسبب أداء أمارة إلى وجدان شرطه أو
~~شطره، يصير حقيقة صحيحا كأنه واجد له، مع كونه فاقده، فيجزي لو كان الفاقد
~~معه - في هذا الحال - كالواجد في كونه وافيا بتمام الغرض، ولا يجزي لو لم
~~يكن كذلك، ويجب الاتيان بالواجد لاستيفاء الباقي - إن وجب - وإلا لاستحب.
# هذا ms057 مع إمكان استيفائه، وإلا فلا مجال لاتيانه، كما عرفت في الامر
~~الاضطراري.
# PageV00P086
# ولا يخفى أن قضية إطلاق دليل الحجية - على هذا - هو الاجتزاء بموافقته
~~أيضا، هذا فيما إذا أحرز أن الحجية بنحو الكشف والطريقية، أي بنحو
~~الموضوعية والسببية، وأما إذا شك [فيها] (1) ولم يحرز أنها على أي الوجهين،
~~فأصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف مقتضية للإعادة في الوقت،
~~واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليا في الوقت لا يجدي، ولا يثبت كون ما
~~أتى به مسقطا، إلا على القول بالأصل المثبت، وقد علم اشتغال ذمته بما يشك
~~في فراغها عنه بذلك المأتي.
# وهذا بخلاف ما إذا علم أنه مأمور به واقعا، وشك في أنه يجزي عما هو
~~المأمور به الواقعي الأولي، كما في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية، بناء
~~على أن يكون الحجية على نحو السببية، فقضية الأصل فيها - كما أشرنا إليه -
~~عدم وجوب الإعادة، للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقينا، وأصالة عدم فعلية
~~التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف.
# وأما القضاء فلا يجب بناء على أنه فرض جديد، وكان الفوت المعلق عليه وجوب
~~لا يثبت بأصالة عدم الاتيان، إلا على القول بالأصل المثبت، وإلا فهو واجب،
~~كما لا يخفى على المتأمل، فتأمل جيدا.
# ثم إن هذا كله فيما يجري في متعلق التكاليف، من الامارات الشرعية والأصول
~~العملية، وأما ما يجري في إثبات أصل التكليف، كما إذا قام الطريق أو الأصل
~~على وجوب صلاة الجمعة يومها في زمان الغيبة، فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة
~~الظهر في زمانها، فلا وجه لاجزائها مطلقا، غاية الامر أن تصير صلاة الجمعة
~~فيها - أيضا - ذات مصلحة لذلك، ولا ينافي هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي
~~عليه من المصلحة، كما لا يخفى، إلا أن يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب
~~صلاتين في يوم واحد.
# PageV00P087
# تذنيبان:
# الأول: لا ينبغي توهم الاجزاء في القطع بالأمر في صورة الخطأ، فإنه لا
~~يكون موافقة للامر فيها، وبقي الامر بلا موافقة أصلا، وهو أوضح من أن يخفى،
~~نعم ربما يكون ms058 ما قطع بكونه مأمورا به مشتملا على المصلحة في هذا الحال، أو
~~على مقدار منها، ولو في غير الحال، غير ممكن مع استيفائه استيفاء الباقي
~~منها، ومعه لا يبقى مجال لامتثال الامر الواقعي، وهكذا الحال في الطرق،
~~فالاجزاء ليس لاجل اقتضاء امتثال الامر القطعي أو الطريقي للاجزاء - بل
~~إنما هو لخصوصية اتفاقية في متعلقهما، كما في الاتمام والقصر، والاخفات
~~والجهر.
# الثاني: لا يذهب عليك أن الاجزاء في بعض موارد الأصول والطرق والامارات،
~~على ما عرفت تفصيله، لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد،
~~فإن الحكم الواقعي بمرتبته محفوظ فيها، فإن الحكم المشترك بين العالم
~~والجاهل والملتفت والغافل، ليس إلا الحكم الانشائي المدلول عليه بالخطابات
~~المشتملة على بيان الاحكام للموضوعات بعناوينها الأولية، بحسب ما يكون فيها
~~من المقتضيات، وهو ثابت في تلك الموارد كسائر موارد الامارات، وإنما المنفي
~~فيها ليس إلا الحكم الفعلي البعثي، وهو منفي في غير موارد الإصابة، وإن لم
~~نقل بالاجزاء، فلا فرق بين الاجزاء وعدمه، إلا في سقوط التكليف بالواقع
~~بموافقة الامر الظاهري، وعدم سقوطه بعد انكشاف عدم الإصابة، وسقوط التكليف
~~بحصول غرضه، أو لعدم إمكان تحصيله غير التصويب المجمع على بطلانه، وهو خلو
~~الواقعة عن الحكم غير ما أدت إليه الامارة، كيف؟ وكان الجهل بها -
~~بخصوصيتها أو بحكمها - مأخوذا في موضوعها، فلا بد من أن يكون الحكم الواقعي
~~بمرتبته محفوظا فيها، كما لا يخفى. PageV00P088
# فصل في مقدمة الواجب وقبل الخوض في المقصود، ينبغي رسم أمور:
# الأول: الظاهر أن المهم المبحوث عنه في هذه المسألة، البحث عن الملازمة
~~بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته، فتكون مسألة أصولية، لا عن نفس وجوبها، كما هو
~~المتوهم من بعض العناوين (1)، كي تكون فرعية، وذلك لوضوح أن البحث كذلك لا
~~يناسب الأصولي، والاستطراد لا وجه له، بعد إمكان أن يكون البحث على وجه
~~تكون عن المسائل الأصولية.
# ثم الظاهر أيضا أن المسألة عقلية، والكلام في استقلال العقل بالملازمة
~~وعدمه، لا لفظية كما ربما يظهر من صاحب المعالم (2)، حيث استدل على ms059 النفي
~~بانتفاء الدلالات الثلاث، مضافا إلى أنه ذكرها في مباحث الألفاظ، ضرورة (3)
~~أنه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته ثبوتا محل الاشكال،
~~فلا مجال لتحرير النزاع في الاثبات والدلالة عليها بإحدى الدلالات الثلاث،
~~كما لا يخفى.
# الامر الثاني: إنه ربما تقسم المقدمة إلى تقسيمات:
# منها: تقسيمها إلى داخلية وهي الاجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها،
~~والخارجية وهي الأمور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه.
# PageV00P089
# وربما يشكل (1) في كون الاجزاء مقدمة له وسابقة عليه، بأن المركب ليس إلا
~~نفس الاجزاء بأسرها.
# والحل: إن المقدمة هي نفس الاجزاء بالاسر، وذو المقدمة هو الاجزاء بشرط
~~الاجتماع، فيحصل المغايرة بينهما، وبذلك ظهر أنه لابد في اعتبار الجزئية
~~أخذ الشئ بلا شرط، كما لابد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع.
# وكون الاجزاء الخارجية كالهيولي والصورة، هي الماهية المأخوذة بشرط لا
~~ينافي ذلك، فإنه إنما يكون في مقام الفرق بين نفس الاجزاء الخارجية
~~والتحليلية، من الجنس والفصل، وأن الماهية إذا أخذت بشرط لا تكون هيولى أو
~~صورة، وإذا أخذت لا بشرط تكون جنسا أو فصلا، لا بالإضافة إلى المركب،
~~فافهم.
# ثم لا يخفى أنه ينبغي خروج الاجزاء عن محل النزاع، كما صرح به بعض (2)
~~وذلك لما عرفت من كون الاجزاء بالاسر عين المأمور به ذاتا، وإنما كانت
~~المغايرة بينهما اعتبارا، فتكون واجبة بعين وجوبه، ومبعوثا إليها بنفس
~~الامر الباعث إليه، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر، لامتناع اجتماع
~~المثلين، ولو قيل بكفاية تعدد الجهة، وجواز اجتماع الأمر والنهي معه، لعدم
~~تعددها ها هنا، لان الواجب بالوجوب الغيري، لو كان إنما هو نفس الاجزاء، لا
~~عنوان مقدميتها والتوسل بها إلى المركب المأمور به، ضرورة أن الواجب بهذا
~~الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة، لأنه المتوقف عليه، لا عنوانها، نعم
~~يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون.
# PageV00P090
# فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي
~~والغيري، باعتبارين، فباعتبار كونه في ضمن الكل واجب نفسي، وباعتبار كونه
~~مما ms060 يتوسل به إلى الكل واجب غيري، اللهم إلا أن يريد أن فيه ملاك الوجوبين،
~~وإن كان واجبا بوجوب واحد نفسي لسبقه، فتأمل (1).
# هذا كله في المقدمة الداخلية، وأما المقدمة الخارجية، فهي ما كان خارجا
~~عن المأمور به، وكان له دخل في تحققه، لا يكاد يتحقق بدونه، وقد ذكر لها
~~أقسام، وأطيل الكلام في تحديدها بالنقض والابرام، إلا أنه غير مهم في
~~المقام.
# ومنها: تقسيمها إلى العقلية والشرعية والعادية:
# فالعقلية هي (2) ما استحيل واقعا وجود ذي المقدمة بدونه.
# والشرعية على ما قيل: ما استحيل وجوده بدونه شرعا، ولكنه لا يخفى رجوع
~~الشرعية إلى العقلية، ضرورة أنه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا، إلا إذا
~~أخذ فيه شرطا وقيدا، واستحالة المشروط والمقيد بدون شرطه وقيده، يكون
~~عقليا.
# وأما العادية، فإن كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة، بحيث
~~يمكن تحقق ذيها بدونها، إلا أن العادة جرت على الاتيان به بواسطتها، فهي
~~وإن كانت غير راجعة إلى العقلية، إلا أنه لا ينبغي توهم دخولها في محل
# PageV00P091
# النزاع، وإن كانت بمعنى أن التوقف عليها وإن كان فعلا واقعيا، كنصب السلم
~~ونحوه للصعود على السطح، إلا أنه لاجل عدم التمكن من الطيران الممكن عقلا
~~فهي أيضا راجعة إلى العقلية، ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا
~~لغير الطائر فعلا، وإن كان طيرانه ممكنا ذاتا، فافهم.
# ومنها: تقسيمها إلى مقدمة الوجود، ومقدمة الصحة، ومقدمة الوجوب، ومقدمة
~~العلم.
# لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود، ولو على القول بكون الأسامي
~~موضوعة للأعم، ضرورة أن الكلام في مقدمة الواجب، لا في مقدمة المسمى
~~بأحدها، كما لا يخفى.
# ولا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع، وبداهة عدم اتصافها
~~بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها، وكذلك المقدمة العلمية، وإن استقل
~~العقل بوجوبها، إلا أنه من باب وجوب الإطاعة إرشادا ليؤمن من العقوبة على
~~مخالفة الواجب المنجز، لا مولويا من باب الملازمة، وترشح الوجوب عليها من
~~قبل وجوب ذي المقدمة.
# ومنها: تقسيمها إلى المتقدم، والمقارن، والمتأخر، بحسب ms061 الوجود بالإضافة
~~إلى ذي المقدمة، وحيث أنها كانت من أجزاء العلة، ولا بد من تقدمها بجميع
~~أجزائها على المعلول أشكل الامر في المقدمة المتأخرة، كالأغسال الليلية
~~المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض، والإجازة في صحة العقد على الكشف
~~كذلك، بل في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط زمانا المتصرم حينه،
~~كالعقد في الوصية والصرف والسلم، بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه،
~~لتصرمها حين تأثيره، مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا، فليس إشكال
~~انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر في PageV00P092
# الشرعيات - كما اشتهر في الألسنة - بل يعم الشرط والمقتضي المتقدمين
~~المتصرمين حين الأثر.
# والتحقيق في رفع هذا الاشكال أن يقال: إن الموارد التي توهم انخرام
~~القاعدة فيها، لا يخلو إما يكون المتقدم أو المتأخر شرطا للتكليف، أو
~~الوضع، أو المأمور به.
# أما الأول: فكون أحدهما شرطا له، ليس إلا أن للحاظه دخل في تكليف الامر،
~~كالشرط المقارن بعينه، فكما أن اشتراطه بما يقارنه ليس إلا أن لتصوره دخلا
~~في أمره، بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الامر، كذلك المتقدم أو
~~المتأخر.
# وبالجملة: حيث كان الامر من الأفعال الاختيارية، كان من مبادئه بما هو
~~كذلك تصور الشئ بأطرافه، ليرغب في طلبه والامر به، بحيث لولاه لما رغب فيه
~~ولما أراده واختاره، فيسمى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها دخل في
~~حصول الرغبة فيه وإرادته شرطا، لاجل دخل لحاظه في حصوله، كان مقارنا له أو
~~لم يكن كذلك، متقدما أو متأخرا، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة
~~شرطا، كان فيهما كذلك، فلا إشكال، وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقا ولو كان
~~مقارنا، فإن دخل شئ في الحكم به وصحة انتزاعه لدى الحاكم به، ليس إلا ما
~~كان بلحاظه يصح انتزاعه، وبدونه لا يكاد يصح اختراعه عنده، فيكون دخل كل من
~~المقارن وغيره بتصوره ولحاظه وهو مقارن، فأين انخرام القاعدة العقلية في
~~غير المقارن؟ فتأمل تعرف.
# وأما الثاني: فكون شئ شرطا للمأمور به ليس إلا ما يحصل ms062 لذات المأمور به
~~بالإضافة إليه وجه وعنوان، به يكون حسنا أو متعلقا للغرض، بحيث لولاها لما
~~كان كذلك، واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة
~~من الإضافات، مما لا شبهة فيه ولا شك يعتريه، والإضافة كما تكون إلى
~~المقارن تكون إلى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت أصلا، كما لا يخفى على
~~المتأمل، فكما تكون إضافة شئ إلى مقارن له موجبا لكونه PageV00P093
# معنونا بعنوان، يكون بذلك العنوان حسنا ومتعلقا للغرض، كذلك إضافته إلى
~~متأخر أو متقدم، بداهة أن الإضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضا، فلو لا
~~حدوث المتأخر في محله، لما كانت للمتقدم تلك الإضافة الموجبة لحسنه الموجب
~~لطلبه والامر به، كما هو الحال في المقارن أيضا، ولذلك أطلق عليه الشرط
~~مثله، بلا انخرام للقاعدة أصلا، لان المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس إلا
~~طرف الإضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن، وقد حقق في محله أنه بالوجوه
~~والاعتبارات، ومن الواضح أنها تكون بالإضافات.
# فمنشأ توهم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخر، وقد عرفت أن إطلاقه عليه
~~فيه، كإطلاقه على المقارن، إنما يكون لاجل كونه طرفا للإضافة الموجبة
~~للوجه، الذي يكون بذاك الوجه مرغوبا ومطلوبا، كما كان في الحكم لاجل دخل
~~تصوره فيه، كدخل تصور سائر الأطراف والحدود، التي لولا لحاظها لما حصل له
~~الرغبة في التكليف، أو لما صح عنده الوضع.
# وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الاشكال، في بعض فوائدنا (1)،
~~ولم يسبقني إليه أحد فيما أعلم، فافهم واغتنم.
# ولا يخفى أنها بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع، وبناء على الملازمة
~~يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن والسابق، إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة،
~~ويكون سقوط الامر بإتيان المشروط به مراعى بإتيانه، فلولا اغتسالها في
~~الليل - على القول بالاشتراط - لما صح الصوم في اليوم.
# الامر الثالث: في تقسيمات الواجب منها: تقسيمه إلى المطلق والمشروط، وقد
~~ذكر لكل منهما تعريفات
# PageV00P094
# وحدود، تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود، وربما أطيل الكلام بالنقض
~~والابرام (1) في النقض على الطرد والعكس، مع أنها - كما لا ms063 يخفى - تعريفات
~~لفظية لشرح الاسم، وليست بالحد ولا بالرسم، والظاهر أنه ليس لهم اصطلاح
~~جديد في لفظ المطلق والمشروط، بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي،
~~كما أن الظاهر أن وصفي الاطلاق والاشتراط، وصفان إضافيان لا حقيقيان، وإلا
~~لم يكد يوجد واجب مطلق، ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الأمور، لا أقل من
~~الشرائط العامة، كالبلوغ والعقل.
# فالحري أن يقال: إن الواجب مع كل شئ يلاحظ معه، إن كان وجوبه غير مشروط
~~به، فهو مطلق بالإضافة إليه، وإلا فمشروط كذلك، وإن كانا بالقياس إلى شئ
~~آخر كانا بالعكس.
# ثم الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه، أن نفس الوجوب فيه مشروط
~~بالشرط، بحيث لا وجوب حقيقة، ولا طلب واقعا قبل حصول الشرط، كما هو ظاهر
~~الخطاب التعليقي، ضرورة أن ظاهر خطاب (إن جاءك زيد فأكرمه) كون الشرط من
~~قيود الهيئة، وأن طلب الاكرام وإيجابه معلق على المجئ، لا أن الواجب فيه
~~يكون مقيدا به، بحيث يكون الطلب والايجاب في الخطاب فعليا ومطلقا، وإنما
~~الواجب يكون خاصا ومقيدا، وهو الاكرام على تقدير المجئ، فيكون الشرط من
~~قيود المادة لا الهيئة، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلامة (2) أعلى الله
~~مقامه، مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة
# PageV00P095
# واقعا، ولزوم كونه من قيود المادة لبا، مع الاعتراف بأن قضية القواعد
~~العربية أنه من قيود الهيئة ظاهرا.
# أما امتناع كونه من قيود الهيئة، فلانه لا إطلاق في الفرد الموجود من
~~الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة، حتى يصح القول بتقييده بشرط ونحوه،
~~فكل ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الذي يدل عليه الهيئة، فهو عند التحقيق راجع
~~إلى نفس المادة.
# وأما لزوم كونه من قيود المادة لبا، فلان العاقل إذا توجه إلى شئ والتفت
~~إليه، فإما أن يتعلق طلبه به، أو لا يتعلق به طلبه أصلا، لا كلام على
~~الثاني.
# وعلى الأول: فإما أن يكون ذاك الشئ موردا لطلبه وأمره مطلقا على اختلاف
~~طوارئه، أو على تقدير خاص، وذلك التقدير، تارة يكون من الأمور ms064 الاختيارية،
~~وأخرى لا يكون كذلك، وما كان من الأمور الاختيارية، قد يكون مأخوذا فيه على
~~نحو يكون موردا للتكليف، وقد لا يكون كذلك، على اختلاف الأغراض الداعية إلى
~~طلبه والامر به، من غير فرق في ذلك بين القول بتبعية الاحكام للمصالح
~~والمفاسد، والقول بعدم التبعية، كما لا يخفى، هذا موافق لما أفاده بعض
~~الأفاضل (1) المقرر لبحثه بأدنى تفاوت، ولا يخفى ما فيه.
# PageV00P096
# أما حديث عدم الاطلاق في مفاد الهيئة، فقد حققناه سابقا (1)، إن كل واحد
~~من الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف يكون عاما كوضعها، وإنما الخصوصية
~~من قبل الاستعمال كالأسماء، وإنما الفرق بينهما أنها وضعت لتستعمل وقصد بها
~~معانيها بما هي آلة وحالة لمعاني المتعلقات، فلحاظ الآلية كلحاظ
~~الاستقلالية ليس من طوارئ المعنى، بل من مشخصات الاستعمال، كما لا يخفى على
~~أولي الدراية والنهى.
# فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق، قابل لان يقيد، مع أنه لو
~~سلم أنه فرد، فإنما يمنع عن التقيد لو أنشئ أولا غير مقيد، لا ما إذا أنشئ
~~من الأول مقيدا، غاية الامر قد دل عليه بدالين، وهو غير إنشائه أولا ثم
~~تقييده ثانيا، فافهم.
# فإن قلت: على ذلك، يلزم تفكيك الانشاء من المنشأ، حيث لا طلب قبل حصول
~~الشرط.
# قلت: المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله، فلا بد أن لا يكون قبل
~~حصوله طلب وبعث، وإلا لتخلف عن إنشائه، وإنشاء أمر على تقدير كالاخبار به
~~بمكان من الامكان، كما يشهد به الوجدان، فتأمل جيدا.
# وأما حديث (2) لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبا ففيه: إن الشئ إذا توجه
~~إليه، وكان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها، كما يمكن أن
~~يبعث فعلا إليه ويطلبه حالا، لعدم مانع عن طلبه كذلك، يمكن أن يبعث إليه
~~معلقا، ويطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول لاجل مانع عن الطلب
# PageV00P097
# والبعث فعلا قبل حصوله، فلا يصح منه إلا الطلب والبعث معلقا بحصوله، لا
~~مطلقا ولو متعلقا بذاك على التقدير، فيصح منه طلب الاكرام بعد ms065 مجئ زيد، ولا
~~يصح منه الطلب المطلق الحالي للاكرام المقيد بالمجئ، هذا بناء على تبعية
~~الاحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح.
# وأما بناء على تبعيتها للمصالح والمفاسد في المأمور به، والمنهي عنه
~~فكذلك، ضرورة أن التبعية كذلك، إنما تكون في الأحكام الواقعية بما هي
~~واقعية، لا بما هي فعلية، فإن المنع عن فعلية تلك الأحكام غير عزيز، كما في
~~موارد الأصول والامارات على خلافها، وفي بعض الاحكام في أول البعثة، بل إلى
~~يوم قيام القائم عجل الله فرجه، مع أن حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال
~~إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ومع ذلك ربما يكون المانع
~~عن فعلية بعض الاحكام باقيا مر الليالي والأيام، إلى أن تطلع شمس الهداية
~~ويرتفع (1) الظلام، كما يظهر من الاخبار المروية (2) عن الأئمة (عليهم
~~السلام).
# فان قلت: فما فائدة الانشاء؟ إذا لم يكن المنشأ به طلبا فعليا، وبعثا
~~حاليا.
# قلت: كفى فائدة له أنه يصير بعثا فعليا بعد حصول الشرط، بلا حاجة إلى
~~خطاب آخر، بحيث لولاه لما كان فعلا متمكنا من الخطاب، هذا مع شمول الخطاب
~~كذلك للإيجاب فعلا بالنسبة إلى الواجد للشرط، فيكون بعثا فعليا بالإضافة
~~إليه، وتقديريا بالنسبة إلى الفاقد له، فافهم وتأمل جيدا.
# PageV00P098
# ثم الظاهر دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط، في محل النزاع (1)
~~أيضا، فلا وجه لتخصيصه بمقدمات الواجب المطلق، غاية الامر تكون في الاطلاق
~~والاشتراط تابعة لذي المقدمة كأصل الوجوب بناء على وجوبها من باب الملازمة.
# وأما الشرط المعلق عليه الايجاب في ظاهر الخطاب، فخروجه مما لا شبهة فيه،
~~ولا ارتياب:
# أما على ما هو ظاهر المشهور والمتصور، لكونه مقدمة وجوبية لا وأما على
~~المختار لشيخنا العلامة (2) - أعلى الله مقامه - فلانه وإن كان من المقدمات
~~الوجودية للواجب، إلا أنه أخذ على نحو لا يكاد يترشح عليه الوجوب منه، فإنه
~~جعل الشئ واجبا على تقدير حصول ذاك الشرط، فمعه كيف يترشح عليه الوجوب
~~ويتعلق به الطلب؟ وهل هو إلا طلب الحاصل؟
# نعم على مختاره - قدس سره - لو ms066 كانت له مقدمات وجودية غير معلق عليها
~~وجوبه، لتعلق بها الطلب في الحال على تقدير اتفاق وجود الشرط في الاستقبال،
~~وذلك لان إيجاب ذي المقدمة على ذلك حالي، والواجب إنما هو استقبالي، كما
~~يأتي في الواجب المعلق (3)، فإن الواجب المشروط على مختاره، هو بعينه ما
~~اصطلح عليه صاحب الفصول (4) من المعلق، فلا تغفل.
# هذا في غير المعرفة والتعلم من المقدمات، وأما المعرفة، فلا يبعد القول
~~بوجوبها، حتى في الواجب المشروط - بالمعنى المختار - قبل حصول شرطه، لكنه
~~لا بالملازمة، بل من باب استقلال العقل بتنجز الاحكام على الأنام بمجرد
~~قيام
# PageV00P099
# احتمالها، إلا مع الفحص واليأس عن الظفر بالدليل على التكليف، فيستقل
~~بعده بالبراءة، وإن العقوبة على المخالفة بلا حجة وبيان، والمؤاخذة عليها
~~بلا برهان، فافهم.
# تذنيب: لا يخفى أن إطلاق الواجب على الواجب المشروط، بلحاظ حال حصول
~~الشرط على الحقيقة مطلقا، وأما بلحاظ حال قبل حصوله فكذلك على الحقيقة على
~~مختاره (1) - قدس سره - في الواجب المشروط، لان الواجب وإن كان أمرا
~~استقباليا عليه، إلا أن تلبسه بالوجوب في الحال، ومجاز على المختار، حيث لا
~~تلبس بالوجوب عليه قبله، كما عن البهائي (2) (رحمه الله) تصريحه بأن لفظ
~~الواجب مجاز في المشروط، بعلاقة الأول أو المشارفة.
# وأما الصيغة مع الشرط، فهي حقيقة على كل حال لاستعمالها على مختاره (3) -
~~قدس سره - في الطلب المطلق، وعلى المختار في الطلب المقيد، على نحو تعدد
~~الدال والمدلول، كما هو الحال فيما إذا أريد منها المطلق المقابل للمقيد،
~~لا المبهم المقسم، فافهم.
# ومنها: تقسيمه إلى المعلق والمنجز، قال في الفصول (4): إنه ينقسم
# PageV00P100
# باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه بالمكلف، ولا يتوقف حصوله على أمر غير
~~مقدور له، كالمعرفة، وليسم منجزا، وإلى ما يتعلق وجوبه به، ويتوقف حصوله
~~على أمر غير مقدور له، وليسم معلقا كالحج، فإن وجوبه يتعلق بالمكلف من أول
~~زمن الاستطاعة، أو خروج الرفقة، ويتوقف فعله على مجئ وقته، وهو غير مقدور
~~له، والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو أن التوقف هناك للوجوب،
~~وهنا ms067 للفعل. انتهى كلامه رفع مقامه.
# لا يخفى أن شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - حيث اختار في الواجب
~~المشروط ذاك المعنى، وجعل الشرط لزوما من قيود المادة ثبوتا وإثباتا، حيث
~~ادعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك، أي إثباتا وثبوتا، على خلاف القواعد
~~العربية وظاهر المشهور، كما يشهد به ما تقدم آنفا عن البهائي، أنكر (1) على
~~الفصول هذا التقسيم، ضرورة أن المعلق بما فسره، يكون من المشروط بما اختار
~~له من المعنى على ذلك، كما هو واضح، حيث لا يكون حينئذ هناك معنى آخر
~~معقول، كان هو المعلق المقابل للمشروط.
# ومن ها انقدح أنه في الحقيقة إنما أنكر الواجب المشروط، بالمعنى الذي
~~يكون هو ظاهر المشهور، والقواعد العربية، لا الواجب المعلق بالتفسير
~~المذكور.
# وحيث قد عرفت - بما لا مزيد عليه - امكان رجوع الشرط إلى الهيئة، كما هو
~~ظاهر المشهور وظاهر القواعد، فلا يكون مجال لانكاره عليه.
# نعم يمكن أن يقال: إنه لا وقع لهذا التقسيم، لأنه بكلا قسميه من المطلق
~~المقابل للمشروط وخصوصية (2) كونه حاليا أو استقباليا لا توجبه ما لم
# PageV00P101
# توجب الاختلاف في المهم، وإلا لكثر تقسيماته لكثرة الخصوصيات، ولا اختلاف
~~فيه، فإن ما رتبه عليه من وجوب المقدمة فعلا - كما يأتي - إنما هو من أثر
~~إطلاق وجوبه وحاليته، لا من استقبالية الواجب، فافهم.
# ثم إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر (1) من أهل العصر إشكال في الواجب
~~المعلق، وهو أن الطلب والايجاب، إنما يكون بأزاء الإرادة المحركة للعضلات
~~نحو المراد، فكما لا تكاد تكون الإرادة منفكة عن المراد، فليكن الايجاب غير
~~منفك عما يتعلق به، فكيف يتعلق بأمر استقبالي؟ فلا يكاد يصح الطلب والبعث
~~فعلا نحو أمر متأخر.
# قلت: فيه أن الإرادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي، كما تتعلق بأمر حالي،
~~وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلا عن فاضل، ضرورة أن تحمل المشاق في تحصيل
~~المقدمات - فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المؤونة - ليس إلا
~~لاجل تعلق إرادته به، وكونه مريدا له قاصدا إياه، لا يكاد يحمله ms068 على التحمل
~~إلا ذلك، ولعل الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق
~~المؤكد المحرك للعضلات نحو المراد، وتوهم أن تحريكها نحو المتأخر مما لا
~~يكاد، وقد غفل عن أن كونه (2) محركا نحوه يختلف حسب اختلافه، في كونه مما
~~لا مؤونة له كحركة نفس العضلات، أو مما له مؤونة ومقدمات قليلة أو كثيرة،
~~فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له، والجامع أن
~~يكون نحو المقصود، بل مرادهم من هذا الوصف - في تعريف الإرادة - بيان مرتبة
~~الشوق الذي يكون هو الإرادة، وإن لم يكن هناك فعلا تحريك، لكون المراد وما
~~اشتاق إليه كمال الاشتياق أمرا استقباليا غير محتاج إلى تهيئة مؤونة أو
~~تمهيد مقدمة، ضرورة أن شوقه إليه ربما يكون أشد من الشوق
# PageV00P102
# المحرك فعلا نحو أمر حالي أو استقبالي، محتاج إلى ذلك.
# هذا مع أنه لا يكاد يتعلق البعث إلا بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أن
~~البعث إنما يكون لاحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به، بأن يتصوره بما يترتب
~~عليه من المثوبة، وعلى تركه من العقوبة، ولا يكاد يكون هذا إلا بعد البعث
~~بزمان، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان، ولا يتفاوت طوله
~~وقصره، فيما هو ملاك الاستحالة والامكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب،
~~ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه، والاطناب إنما هو لاجل رفع المغالطة
~~الواقعة في أذهان بعض الطلاب.
# وربما أشكل على المعلق أيضا، بعدم القدرة على المكلف به في حال البعث، مع
~~أنها من الشرائط العامة.
# وفيه: إن الشرط إنما هو القدرة على الواجب في زمانه، لا في زمان الايجاب
~~والتكليف، غاية الامر يكون من باب الشرط المتأخر، وقد عرفت بما لا مزيد
~~عليه أنه كالمقارن، من غير انخرام للقاعدة العقلية أصلا، فراجع.
# ثم لا وجه لتخصيص المعلق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور، بل ينبغي
~~تعميمه إلى أمر مقدور متأخر، أخذ على نحو يكون موردا للتكليف، ويترشح عليه
~~الوجوب من ms069 الواجب، أو لا، لعدم تفاوت فيما يهمه من وجوب تحصيل المقدمات
~~التي لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب المعلق، دون المشروط، لثبوت الوجوب
~~الحالي فيه، فيترشح منه الوجوب على المقدمة، بناء على الملازمة، دونه لعدم
~~ثبوته فيه إلا بعد الشرط.
# نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر، وفرض وجوده، كان الوجوب المشروط
~~به حاليا أيضا، فيكون وجوب سائر المقدمات الوجودية للواجب أيضا حاليا، وليس
~~الفرق بينه وبين المعلق حينئذ إلا كونه مرتبطا PageV00P103
# بالشرط، بخلافه، وإن ارتبط به الواجب.
# تنبيه: قد انقدح - من مطاوي ما ذكرناه - أن المناط في فعلية وجوب المقدمة
~~الوجودية، وكونه في الحال بحيث يجب على المكلف تحصيلها، هو فعلية وجوب
~~ذيها، ولو كان أمرا استقباليا، كالصوم في الغد والمناسك في الموسم، كان
~~وجوبه مشروطا بشرط موجود أخذ فيه ولو متأخرا، أو مطلقا، منجزا كان أو
~~معلقا، فيما إذا لم تكن مقدمة للوجوب أيضا، أو مأخوذة في الواجب على نحو
~~يستحيل أن تكون موردا للتكليف، كما إذا أخذ عنوانا للمكلف، كالمسافر
~~والحاضر والمستطيع إلى غير ذلك، أو جعل الفعل المقيد باتفاق حصوله، وتقدير
~~وجوده - بلا اختيار أو باختياره - موردا للتكليف، ضرورة أنه لو كان مقدمة
~~الوجوب أيضا، لا يكاد يكون هناك وجوب إلا بعد حصوله، وبعد الحصول يكون
~~وجوبه طلب الحاصل، كما أنه إذا أخذ على أحد النحوين يكون كذلك، فلو لم يحصل
~~لما كان الفعل موردا للتكليف، ومع حصوله لا يكاد يصح تعلقه به، فافهم.
# إذا عرفت ذلك، فقد عرفت أنه لا إشكال أصلا في لزوم الاتيان بالمقدمة قبل
~~زمان الواجب، إذا لم يقدر عليه بعد زمانه، فيما كان وجوبه حاليا مطلقا، ولو
~~كان مشروطا بشرط متأخر، كان معلوم الوجود فيما بعد، كما لا يخفى، ضرورة
~~فعلية وجوبه وتنجزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدمته، فيترشح منه الوجوب عليها
~~على الملازمة، ولا يلزم منه محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، وإنما
~~اللازم الاتيان بها قبل الاتيان به، بل لزوم الاتيان بها عقلا، ولو لم نقل
~~بالملازمة، لا ms070 يحتاج إلى مزيد بيان ومؤونة برهان، كالاتيان بسائر المقدمات
~~في زمان الواجب قبل إتيانه.
# فانقدح بذلك: أنه لا ينحصر التفصي عن هذه العويصة بالتعلق بالتعليق، أو
~~بما يرجع إليه، من جعل الشرط من قيود المادة في المشروط. PageV00P104
# فانقدح بذلك: أنه لا إشكال في الموارد التي يجب في الشريعة الاتيان
~~بالمقدمة قبل زمان الواجب، كالغسل في الليل في شهر رمضان وغيره مما وجب
~~عليه الصوم في الغد، إذ يكشف به بطريق الآن عن سبق وجوب الواجب، و إنما
~~المتأخر هو زمان إتيانه، ولا محذور فيه أصلا، ولو فرض العلم بعدم سبقه،
~~لاستحال اتصاف مقدمته بالوجوب الغيري، فلو نهض دليل على وجوبها، فلا محالة
~~يكون وجوبها نفسيا [ولو] (1) تهيؤا، ليتهيأ بإتيانها، ويستعد لايجاب ذي
~~المقدمة عليه، فلا محذور أيضا.
# إن قلت: لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفا عن سبق وجوب ذي المقدمة لزم
~~وجوب جميع مقدماته ولو موسعا، وليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض عدم
~~تمكنه منها لو لم يبادر.
# قلت: لا محيص عنه، إلا إذا أخذ في الواجب من قبل سائر المقدمات قدرة
~~خاصة، وهي القدرة عليه بعد مجئ زمانه، لا القدرة عليه في زمانه من زمان
~~وجوبه، فتدبر جدا.
# تتمة: قد عرفت اختلاف القيود في وجوب التحصيل، وكونه موردا للتكليف
~~وعدمه، فإن علم حال قيد فلا إشكال، وإن دار أمره ثبوتا بين أن يكون راجعا
~~إلى الهيئة، نحو الشرط المتأخر أو المقارن، وأن يكون راجعا إلى المادة على
~~نهج يجب تحصيله أولا يجب، فإن كان في مقام الاثبات ما يعين حاله، وأنه راجع
~~إلى أيهما من القواعد العربية فهو، وإلا فالمرجع هو الأصول العملية.
# وربما قيل (2) في الدوران بين الرجوع إلى الهيئة أو المادة، بترجيح
~~الاطلاق في طرف الهيئة، وتقييد المادة، بوجهين:
# PageV00P105
# أحدهما: إن إطلاق الهيئة يكون شموليا، كما في شمول العام لافراده، فإن
~~وجوب الاكرام على تقدير الاطلاق، يشمل جميع التقادير التي يمكن أن يكون
~~تقديرا له، وإطلاق المادة يكون بدليا غير شامل لفردين في حالة ms071 واحدة.
# ثانيهما: إن تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الاطلاق في المادة ويرتفع به
~~مورده، بخلاف العكس، وكلما دار الامر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لا
~~يوجب بطلان الآخر أولى.
# أما الصغرى، فلأجل أنه لا يبقى مع تقييد الهيئة محل حاجة وبيان لاطلاق
~~المادة، لأنها لا محالة لا تنفك عن وجود قيد الهيئة، بخلاف تقييد المادة،
~~فإن محل الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير
~~وجود القيد وعدمه.
# وأما الكبرى، فلان التقييد وإن لم يكن مجازا إلا أنه خلاف الأصل، ولا فرق
~~في الحقيقة بين تقييد الاطلاق، وبين أن يعمل عملا يشترك مع التقييد في
~~الأثر، وبطلان العمل به.
# وما ذكرناه من الوجهين موافق لما أفاده بعض مقرري بحث الأستاذ العلامة
~~أعلى الله مقامه، و أنت خبير بما فيهما.
# أما في الأول: فلان مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شموليا بخلاف المادة، إلا
~~أنه لا يوجب ترجيحه على إطلاقها، لأنه أيضا كان بالاطلاق ومقدمات الحكمة،
~~غاية الامر أنه تارة يقتضي العموم الشمولي، وأخرى البدلي، كما ربما يقتضي
~~التعيين أحيانا، كما لا يخفى.
# وترجيح عموم العام على إطلاق المطلق إنما هو لاجل كون دلالته بالوضع، لا
~~لكونه شموليا، بخلاف المطلق فإنه بالحكمة، فيكون العام أظهر منه، فيقدم
~~عليه، فلو فرض أنهما في ذلك على العكس، فكان عام بالوضع دل على العموم
~~البدلي، ومطلق بإطلاقه دل على الشمول، لكان العام PageV00P106
# يقدم بلا كلام.
# وأما في الثاني: فلان التقييد وإن كان خلاف الأصل، إلا أن العمل إلي يوجب
~~عدم جريان مقدمات الحكمة، وانتفاء بعض مقدماته، لا يكون على خلاف الأصل
~~أصلا، إذ معه لا يكون هناك إطلاق، كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة مثل
~~التقييد الذي يكون على خلاف الأصل.
# وبالجملة لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل، إلا كونه خلاف الظهور المنعقد
~~للمطلق ببركة مقدمات الحكمة، ومع انتفاء المقدمات لا يكاد ينعقد له هناك
~~ظهور، كان ذاك العمل المشارك مع التقييد في الأثر، وبطلان العمل بإطلاق
~~المطلق، مشاركا معه ms072 في خلاف الأصل أيضا.
# وكأنه توهم: أن إطلاق المطلق كعموم العام ثابت، ورفع اليد عن العمل به،
~~تارة لاجل التقييد، وأخرى بالعمل المبطل للعمل به، وهو فاسد، لأنه لا يكون
~~إطلاق إلا فيما جرت هناك المقدمات.
# نعم إذا كان التقييد بمنفصل، ودار الامر بين الرجوع إلى المادة أو الهيئة
~~كان لهذا التوهم مجال، حيث انعقد للمطلق إطلاق، وقد استقر له ظهور ولو
~~بقرينة الحكمة، فتأمل.
# ومنها: تقسيمه إلى النفسي والغيري، وحيث كان طلب شئ وإيجابه لا يكاد يكون
~~بلا داع، فإن كان الداعي فيه هو التوصل به إلى واجب، لا يكاد التوصل بدونه
~~إليه، لتوقفه عليه، فالواجب غيري، وإلا فهو نفسي، سواء كان الداعي محبوبية
~~الواجب بنفسه، كالمعرفة بالله، أو محبوبيته بما له من فائدة مترتبة عليه،
~~كأكثر الواجبات من العبادات والتوصليات.
# هذا، لكنه لا يخفى أن الداعي لو كان هو محبوبيته كذلك - أي بما له من
~~الفائدة المترتبة عليه - كان الواجب في الحقيقة واجبا غيريا، فإنه لو لم
~~يكن وجود هذه الفائدة لازما، لما دعي إلى إيجاب ذي الفائدة. PageV00P107
# فإن قلت: نعم وإن كان وجودها محبوبا لزوما، إلا أنه حيث كانت من الخواص
~~المترتبة على الأفعال التي ليست داخلة تحت قدرة المكلف، لما كاد يتعلق بها
~~الايجاب.
# قلت: بل هي داخلة تحت القدرة، لدخول أسبابها تحتها، والقدرة على السبب
~~قدرة على المسبب، وهو واضح، وإلا لما صح وقوع مثل التطهير والتمليك
~~والتزويج والطلاق والعتاق.. إلى غير ذلك من المسببات، موردا لحكم من
~~الأحكام التكليفية.
# فالأولى أن يقال: إن الأثر المترتب عليه وإن كان لازما، إلا أن ذا الأثر
~~لما كان معنونا بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله، بل ويذم تاركه، صار
~~متعلقا للإيجاب بما هو كذلك، ولا ينافيه كونه مقدمة لامر مطلوب واقعا،
~~بخلاف الواجب الغيري، لتمحض وجوبه في أنه لكونه مقدمة لواجب نفسي، وهذا
~~أيضا لا ينافي أن يكون معنونا بعنوان حسن في نفسه، إلا أنه لا دخل له في
~~إيجابه الغيري، ولعله مراد من فسرهما بما أمر ms073 به لنفسه، وما أمر به لاجل
~~غيره، فلا يتوجه عليه بأن جل الواجبات - لولا الكل - يلزم أن يكون من
~~الواجبات الغيرية، فإن المطلوب النفسي قلما يوجد في الأوامر، فإن جلها
~~مطلوبات لاجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها، فتأمل.
# ثم إنه لا إشكال فيما إذا علم بأحد القسمين، وأما إذا شك في واجب أنه
~~نفسي أو غيري، فالتحقيق أن الهيئة، وإن كانت موضوعة لما يعمهما، إلا أن
~~إطلاقها يقتضي كونه نفسيا، فإنه لو كان شرطا لغيره لوجب التنبيه عليه على
~~المتكلم الحكيم.
# وأما ما قيل (1) من أنه لا وجه للاستناد إلى إطلاق الهيئة، لدفع الشك
# PageV00P108
# المذكور، بعد كون مفادها الافراد التي لا يعقل فيها التقييد، نعم لو كان
~~مفاد الامر هو مفهوم الطلب، صح القول بالاطلاق، لكنه بمراحل من الواقع، إذ
~~لا شك في اتصاف الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الامر، ولا يعقل اتصاف
~~المطلوب بالمطلوبية بواسطة مفهوم الطلب، فإن الفعل يصير مرادا بواسطة تعلق
~~واقع الإرادة وحقيقتها، لا بواسطة مفهومها، وذلك واضح لا يعتريه ريب.
# ففيه: إن مفاد الهيئة - كما مرت الإشارة إليه - ليس الافراد، بل هو مفهوم
~~الطلب، كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف (1)، ولا يكاد يكون فرد الطلب
~~الحقيقي، والذي يكون بالحمل الشائع طلبا، وإلا لما صح إنشاؤه بها، ضرورة
~~أنه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب الخاصة.
# نعم ربما يكون هو السبب لانشائه، كما يكون غيره أحيانا.
# واتصاف الفعل بالمطلوبية الواقعية والإرادة الحقيقية - الداعية إلى إيقاع
~~طلبه، وإنشاء إرادته بعثا نحو مطلوبه الحقيقي وتحريكا إلى مراده الواقعي -
~~لا ينافي اتصافه بالطلب الانشائي أيضا، والوجود الانشائي لكل شئ ليس إلا
~~قصد حصول مفهومه بلفظه، كان هناك طلب حقيقي أو لم يكن، بل كان إنشاؤه بسبب
~~آخر.
# ولعل منشأ الخلط والاشتباه تعارف التعبير عن مفاد الصيغة بالطلب المطلق،
~~فتوهم منه أن مفاد الصيغة يكون طلبا حقيقيا، يصدق عليه الطلب بالحمل
~~الشائع، ولعمري إنه من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق، فالطلب الحقيقي إذا
~~لم يكن قابلا للتقييد لا يقتضي أن ms074 لا يكون مفاد الهيئة قابلا له، وإن تعارف
~~تسميته بالطلب أيضا، وعدم تقييده بالانشائي لوضوح إرادة
# PageV00P109
# خصوصه، وإن الطلب الحقيقي لا يكاد ينشأ بها، كما لا يخفى.
# فانقدح بذلك صحة تقييد مفاد الصيغة بالشرط، كما مر هاهنا بعض الكلام، وقد
~~تقدم (1) في مسألة اتحاد الطلب والإرادة ما يجدي [في] المقام.
# هذا إذا كان هناك إطلاق، وأما إذا لم يكن، فلا بد من الاتيان به فيما إذا
~~كان التكليف بما احتمل كونه شرطا له فعليا، للعلم بوجوبه فعلا، وإن لم يعلم
~~جهة وجوبه، وإلا فلا، لصيرورة الشك فيه بدويا، كما لا يخفى.
# تذنيبان الأول: لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الامر النفسي
~~وموافقته، واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته عقلا، وأما استحقاقهما على
~~امتثال الغيري ومخالفته، ففيه إشكال، وإن كان التحقيق عدم الاستحقاق على
~~موافقته ومخالفته، بما هو موافقة ومخالفة، ضرورة استقلال العقل بعدم
~~الاستحقاق إلا لعقاب واحد، أو لثواب كذلك، فيما خالف الواجب ولم يأت بواحدة
~~من مقدماته على كثرتها، أو وافقه وأتاه بما له من المقدمات.
# نعم لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدمة، وبزيادة
~~المثوبة على الموافقة فيما لو أتى بالمقدمات بما هي مقدمات له، من باب أنه
~~يصير حينئذ من أفضل الاعمال، حيث صار أشقها، وعليه ينزل ما ورد في الاخبار
~~(2) من الثواب على المقدمات، أو على التفضل فتأمل جيدا، وذلك لبداهة أن
~~موافقة الامر الغيري - بما هو أمر لا بما هو شروع في إطاعة الامر النفسي -
~~لا توجب قربا، ولا مخالفته - بما هو كذلك - بعدا، والمثوبة والعقوبة إنما
~~تكونان من تبعات القرب والبعد.
# PageV00P110
# إشكال ودفع:
# أما الأول: فهو أنه إذا كان الامر الغيري بما هو لا إطاعة له، ولا قرب في
~~موافقته، ولا مثوبة على امتثاله، فكيف حال بعض المقدمات؟
# كالطهارات، حيث لا شبهة في حصول الإطاعة والقرب والمثوبة بموافقة أمرها،
~~هذا مضافا إلى أن الامر الغيري لا شبهة في كونه توصليا، وقد اعتبر في صحتها
~~إتيانها بقصد القربة.
# وأما الثاني: فالتحقيق أن يقال: ms075 إن المقدمة فيها بنفسها مستحبة وعبادة،
~~وغاياتها إنما تكون متوقفة على إحدى هذه العبادات، فلا بد أن يؤتى بها
~~عبادة، وإلا فلم يؤت بما هو مقدمة لها، فقصد القربة فيها إنما هو لاجل
~~كونها في نفسها أمورا عبادية ومستحبات نفيسة، لا لكونها مطلوبات غيرية
~~والاكتفاء بقصد أمرها الغيري، فإنما هو لاجل أنه يدعو إلى ما هو كذلك في
~~نفسه حيث أنه لا يدعو إلا إلى ما هو المقدمة، فافهم.
# وقد تفصي عن الاشكال بوجهين آخرين (1):
# أحدهما ما ملخصه: إن الحركات الخاصة ربما لا تكون محصلة لما هو المقصود
~~منها، من العنوان الذي يكون بذاك العنوان مقدمة وموقوفا عليها، فلا بد في
~~إتيانها بذاك العنوان من قصد أمرها، لكونه لا يدعو إلا إلى ما هو الموقوف
~~عليه، فيكون عنوانا إجماليا ومرآة لها، فإتيان الطهارات عبادة وإطاعة
~~لأمرها ليس لاجل أن أمرها المقدمي يقضي بالاتيان كذلك، بل إنما كان لاجل
~~إحراز نفس العنوان، الذي يكون بذاك العنوان موقوفا عليها.
# وفيه: مضافا إلى أن ذلك لا يقتضي الاتيان بها كذلك، لا مكان الإشارة إلى
~~عناوينها التي تكون بتلك العناوين موقوفا عليها بنحو آخر، ولو
# PageV00P111
# بقصد أمرها وصفا لا غاية وداعيا، بل كان الداعي إلى هذه الحركات الموصوفة
~~بكونها مأمورا بها شيئا آخر غير أمرها، غير واف بدفع إشكال ترتب المثوبة
~~عليها، كما لا يخفى.
# ثانيهما: ما محصله أن لزوم وقوع الطهارات عبادة، إنما يكون لاجل أن الغرض
~~من الامر النفسي بغاياتها، كما لا يكاد يحصل بدون قصد التقرب بموافقته،
~~كذلك لا يحصل ما لم يؤت بها كذلك، لا باقتضاء أمرها الغيري.
# وبالجملة وجه لزوم إتيانها عبادة، إنما هو لاجل أن الغرض في الغايات، لا
~~يحصل إلا بإتيان خصوص الطهارات من بين مقدماتها أيضا، بقصد الإطاعة.
# وفيه أيضا: إنه غير واف بدفع إشكال ترتب المثوبة عليها، وأما ما ربما قيل
~~(1) في تصحيح اعتبار قصد الإطاعة في العبادات، من الالتزام بأمرين:
# أحدهما كان متعلقا بذات العمل، والثاني بإتيانه بداعي امتثال الأول، لا
~~يكاد يجزي في ms076 تصحيح اعتبارها في الطهارات، إذ لو لم تكن بنفسها مقدمة
~~لغاياتها، لا يكاد يتعلق بها أمر من قبل الامر بالغايات، فمن أين يجئ طلب
~~آخر من سنخ الطلب الغيري متعلق بذاتها، ليتمكن به من المقدمة في الخارج.
~~هذا مع أن في هذا الالتزام ما في تصحيح اعتبار قصد الطاعة في العبادة على
~~ما عرفته مفصلا سابقا، فتذكر.
# الثاني: إنه قد انقدح مما هو التحقيق، في وجه اعتبار قصد القربة في
~~الطهارات صحتها ولو لم يؤت بها بقصد التوصل بها إلى غاية من غاياتها، نعم
~~لو كان المصحح لاعتبار قصد القربة فيها امرها الغيري، لكان قصد الغاية مما
~~لابد منه في وقوعها صحيحة، فان الامر الغيري لا يكاد يمتثل إلا إذا قصد
# PageV00P112
# التوصل إلى الغير، حيث لا يكاد يصير داعيا إلا مع هذا القصد، بل في
~~الحقيقة يكون هو الملاك لوقوع المقدمة عبادة، ولو لم يقصد أمرها، بل ولو لم
~~نقل بتعلق الطلب بها أصلا.
# وهذا هو السر في اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة عبادة، لا ما توهم
~~(1) من أن المقدمة إنما تكون مأمورا بها بعنوان المقدمية، فلا بد عند إرادة
~~الامتثال بالمقدمة من قصد هذا العنوان، وقصدها كذلك لا يكاد يكون بدون قصد
~~التوصل إلى ذي المقدمة بها، فإنه فاسد جدا، ضرورة أن عنوان المقدمية ليس
~~بموقوف عليه الواجب، ولا بالحمل الشائع مقدمة له، وإنما كان المقدمة هو نفس
~~المعنونات بعناوينها الأولية، والمقدمية إنما تكون علة لوجوبها.
# الامر الرابع: لا شبهة في أن وجوب المقدمة بناء على الملازمة، يتبع في
~~الاطلاق والاشتراط وجوب ذي المقدمة، كما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا، ولا
~~يكون مشروطا بإرادته، كما يوهمه ظاهر عبارة صاحب المعالم (2) (رحمه الله)
~~في بحث الضد، قال: وأيضا فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما
~~تنهض دليلا على الوجوب، في حال كون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها، كما
~~لا يخفى على من أعطاها حق النظر.
# وأنت خبير بأن نهوضها على التبعية واضح لا يكاد يخفى، وإن كان نهوضها ms077 على
~~أصل الملازمة لم يكن بهذه المثابة، كما لا يخفى.
# PageV00P113
# وهل يعتبر في وقوعها على صفة الوجوب أن يكون الاتيان بها بداعي التوصل
~~بها إلى ذي المقدمة؟ كما يظهر مما نسبه إلى شيخنا العلامة - أعلى الله
~~مقامه - بعض أفاضل (1) مقرري بحثه، أو ترتب ذي المقدمة عليها؟ بحيث لو لم
~~يترتب عليها لكشف (2) عن عدم وقوعها على صفة الوجوب، كما زعمه صاحب الفصول
~~(3) (قدس سره) أو لا يعتبر في وقوعها كذلك شئ منهما.
# الظاهر عدم الاعتبار: أما عدم اعتبار قصد التوصل، فلأجل أن الوجوب لم يكن
~~بحكم العقل إلا لاجل المقدمية والتوقف، وعدم دخل قصد التوصل فيه واضح، ولذا
~~اعترف (4) بالاجتزاء بما لم يقصد به ذلك في غير المقدمات العبادية، لحصول
~~ذات الواجب، فيكون تخصيص الوجوب بخصوص ما قصد به التوصل من المقدمة بلا
~~مخصص، فافهم.
# نعم انما اعتبر ذلك في الامتثال، لما عرفت (5) من انه لا يكاد يكون الآتي
~~بها بدونه ممتثلا لأمرها، وآخذا في امتثال الامر بذيها، فيثاب بثواب أشق
~~الاعمال، فيقع الفعل المقدمي على صفة الوجوب، ولو لم يقصد به التوصل، كسائر
~~الواجبات التوصلية، لا على حكمه السابق الثابت له، لولا عروض صفة توقف
~~الواجب الفعلي المنجز عليه، فيقع الدخول في ملك الغير واجبا إذا كان مقدمة
~~لانقاذ غريق أو إطفاء حريق واجب فعلي لا حراما، وإن لم يلتفت إلى التوقف
~~والمقدمية، غاية الامر يكون حينئذ متجرئا فيه، كما أنه مع الالتفات يتجرأ
~~بالنسبة إلى ذي المقدمة، فيما لم يقصد التوصل إليه أصلا.
# PageV00P114
# وأما إذا قصده، ولكنه لم يأت بها بهذا الداعي، بل بداع آخر أكده بقصد
~~التوصل، فلا يكون متجرئا أصلا.
# وبالجملة: يكون التوصل بها إلى ذي المقدمة من الفوائد المترتبة على
~~المقدمة الواجبة، لا أن يكون قصده قيدا وشرطا لوقوعها على صفة الوجوب،
~~لثبوت ملاك الوجوب في نفسها بلا دخل له فيه أصلا، وإلا لما حصل ذات الواجب
~~ولما سقط الوجوب به، كما لا يخفى.
# ولا يقاس على ما إذا أتى بالفرد المحرم منها، حيث يسقط ms078 به الوجوب، مع أنه
~~ليس بواجب، وذلك لان الفرد المحرم إنما يسقط به الوجوب، لكونه كغيره في
~~حصول الغرض به، بلا تفاوت أصلا، إلا أنه لاجل وقوعه على صفة الحرمة لا يكاد
~~يقع على صفة الوجوب، وهذا بخلاف [ما] ها هنا، فإنه إن كان كغيره مما يقصد
~~به التوصل في حصول الغرض، فلا بد أن يقع على صفة الوجوب مثله، لثبوت
~~المقتضي فيه بلا مانع، وإلا لما كان يسقط به الوجوب ضرورة، والتالي باطل
~~بداهة، فيكشف هذا عن عدم اعتبار قصده في الوقوع على صفة الوجوب قطعا،
~~وانتظر لذلك تتمة (1) توضيح.
# والعجب أنه شدد النكير على القول بالمقدمة الموصلة، واعتبار ترتب ذي
~~المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب، على ما حرره بعض مقرري (2) بحثه
~~(قدس سره) بما يتوجه على اعتبار قصد التوصل في وقوعها كذلك، فراجع تمام
~~كلامه زيد في علو مقامه، وتأمل في نقضه وإبرامه.
# وأما عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب، فلانه
~~لا يكاد يعتبر في الواجب إلا ما له دخل في غرضه الداعي إلى إيجابه
# PageV00P115
# والباعث على طلبه، وليس الغرض من المقدمة إلا حصول ما لولاه لما أمكن
~~حصول ذي المقدمة، ضرورة أنه لا يكاد يكون الغرض إلا ما يترتب عليه من
~~فائدته وأثره، ولا يترتب على المقدمة إلا ذلك، ولا تفاوت فيه بين ما يترتب
~~عليه الواجب، وما لا يترتب عليه أصلا، وأنه لا محالة يترتب عليهما، كما لا
~~يخفى.
# وأما ترتب الواجب، فلا يعقل أن يكون الغرض الداعي إلى إيجابها والباعث
~~على طلبها، فإنه ليس بأثر تمام المقدمات، فضلا عن إحداها في غالب الواجبات،
~~فإن الواجب إلا ما قل في الشرعيات والعرفيات فعل اختياري، يختار المكلف
~~تارة إتيانه بعد وجود تمام مقدماته، وأخرى عدم إتيانه، فكيف يكون اختيار
~~إتيانه غرضا من إيجاب كل واحدة من مقدماته، مع عدم ترتبه على تمامها (1)،
~~فضلا عن كل واحدة منها؟
# نعم فيما كان الواجب من الأفعال التسبيبية والتوليدية، كان مترتبا لا
~~محالة على ms079 تمام مقدماته، لعدم تخلف المعلول عن علته.
# ومن هنا [قد] انقدح أن القول بالمقدمة الموصلة، يستلزم إنكار وجوب
~~المقدمة في غالب الواجبات، والقول بوجوب خصوص العلة التامة في خصوص
~~الواجبات التوليدية.
# فإن قلت: ما من واجب إلا وله علة تامة، ضرورة استحالة وجود الممكن
~~بدونها، فالتخصيص بالواجبات التوليدية بلا مخصص.
# قلت: نعم وإن استحال صدور الممكن بلا علة، إلا أن مبادئ اختيار الفعل
~~الاختياري من أجزاء علته، وهي لا تكاد تتصف بالوجوب، لعدم كونها
# PageV00P116
# بالاختيار، وإلا لتسلسل، كما هو واضح لمن تأمل، ولأنه لو كان معتبرا فيه
~~الترتب، لما كان الطلب يسقط بمجرد الاتيان بها، من دون انتظار لترتب الواجب
~~عليها، بحيث لا يبقى في البين إلا طلبه وإيجابه، كما إذا لم تكن هذه
~~بمقدمته (1)، أو كانت حاصلة من الأول قبل إيجابه، مع أن الطلب لا يكاد يسقط
~~إلا بالموافقة، أو بالعصيان والمخالفة، أو بارتفاع موضوع التكليف، كما في
~~سقوط الامر بالكفن أو الدفن، بسبب غرق الميت أحيانا أو حرقه، ولا يكون
~~الاتيان بها بالضرورة من هذه الأمور غير الموافقة.
# إن قلت: كما يسقط الامر في تلك الأمور، كذلك يسقط بما ليس بالمأمور به
~~فيما يحصل به الغرض منه، كسقوطه في التوصليات بفعل الغير، أو المحرمات.
# قلت: نعم، ولكن لا محيص عن أن يكون ما يحصل به الغرض، من الفعل الاختياري
~~للمكلف متعلقا للطلب فيما لم يكن فيه مانع، وهو كونه بالفعل محرما، ضرورة
~~أنه لا يكون بينهما تفاوت أصلا، فيكف يكون أحدهما متعلقا له فعلا دون
~~الآخر؟
# وقد استدل صاحب الفصول (2) على ما ذهب إليه بوجوه، حيث قال بعد بيان أن
~~التوصل بها إلى الواجب، من قبيل شرط الوجود لها لا من قبيل شرط الوجوب، ما
~~هذا لفظه:
# (والذي يدلك على هذا - يعني الاشتراط بالتوصل - أن وجوب المقدمة لما كان
~~من باب الملازمة العقلية، فالعقل لا يدل عليه زائدا على القدر المذكور،
~~وأيضا لا يأبى العقل أن يقول الآمر الحكيم: أريد الحج، وأريد المسير الذي
# PageV00P117
# يتوصل به إلى فعل ms080 الواجب، دون ما لم يتوصل به إليه، بل الضرورة قاضية
~~بجواز تصريح الامر بمثل ذلك، كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها
~~له مطلقا، أو على تقدير التوصل بها إليه، وذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه
~~ووجوب مقدماته على تقدير عدم التوصل بها إليه، وأيضا حيث أن المطلوب
~~بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب وحصوله، فلا جرم يكون التوصل بها إليه
~~وحصوله معتبرا في مطلوبيتها، فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه، وصريح الوجدان
~~قاض بأن من يريد شيئا بمجرد حصول شئ آخر، لا يريده إذا وقع مجردا عنه،
~~ويلزم منه أن يكون وقوعه على وجه المطلوب منوطا بحصوله).
# انتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو مقامه.
# وقد عرفت بما لا مزيد عليه، أن العقل الحاكم بالملازمة دل على وجوب مطلق
~~المقدمة، لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب، فيما لم يكن هناك مانع عن
~~وجوبه، كما إذا كان بعض مصاديقه محكوما فعلا بالحرمة، لثبوت مناط الوجوب
~~حينئذ في مطلقها، وعدم اختصاصه بالمقيد بذلك منها.
# وقد انقدح منه، أنه ليس للآمر الحكيم الغير المجازف بالقول ذلك التصريح،
~~وأن دعوى أن الضرورة قاضية بجوازه (1) مجازفة، كيف يكون ذا مع ثبوت الملاك
~~في الصورتين بلا تفاوت أصلا؟ كما عرفت.
# نعم إنما يكون التفاوت بينهما في حصول المطلوب النفسي في إحداهما، وعدم
~~حصوله في الأخرى، من دون دخل لها في ذلك أصلا، بل كان بحسن اختيار المكلف
~~وسوء اختياره، وجاز للآمر أن يصرح بحصول هذا المطلوب في إحداهما، وعدم
~~حصوله في الأخرى، [بل من] (2) حيث أن الملحوظ بالذات هو
# PageV00P118
# هذا المطلوب، وإنما كان الواجب الغيري ملحوظا إجمالا بتبعه، كما يأتي أن
~~وجوب المقدمة على الملازمة تبعي، جاز في صورة عدم حصول المطلوب النفسي
~~التصريح بعدم حصول المطلوب أصلا، لعدم الالتفات إلى ما حصل من المقدمة،
~~فضلا عن كونها مطلوبة، كما جاز التصريح بحصول الغيري مع عدم فائدته لو
~~التفت إليها، كما لا يخفى، فافهم.
# إن قلت: لعل التفاوت بينهما في صحة اتصاف إحداهما ms081 بعنوان الموصلية دون
~~الأخرى، أوجب التفاوت بينهما في المطلوبية وعدمها، وجواز التصريح بهما، وإن
~~لم يكن بينهما تفاوت في الأثر، كما مر.
# قلت: إنما يوجب ذلك تفاوتا فيهما، لو كان ذلك لاجل تفاوت في ناحية
~~المقدمة، لا فيما إذا لم يكن في ناحيتها أصلا - كما هاهنا - ضرورة أن
~~الموصلية إنما تنتزع من وجود الواجب، وترتبه عليها من دون اختلاف في
~~ناحيتها، وكونه في كلا الصورتين على نحو واحد وخصوصية واحدة، ضرورة أن
~~الاتيان بالواجب بعد الاتيان بها بالاختيار تارة، وعدم الاتيان به كذلك
~~أخرى، لا يوجب تفاوتا فيها، كما لا يخفى.
# وأما ما أفاده (1) (قدس سره) من أن مطلوبية المقدمة حيث كانت بمجرد
~~التوصل بها، فلا جرم يكون التوصل بها إلى الواجب معتبرا فيها.
# ففيه: إنه إنما كانت مطلوبيتها لاجل عدم التمكن من التوصل بدونها، لا
~~لاجل التوصل بها، لما عرفت من أنه ليس من آثارها، بل مما يترتب عليها
~~أحيانا بالاختيار بمقدمات أخرى، وهي مبادئ اختياره، ولا يكاد يكون مثل ذا
~~غاية لمطلوبيتها وداعيا إلى إيجابها، وصريح الوجدان إنما يقتضي بأن ما أريد
~~لاجل غاية، وتجرد عن الغاية بسبب عدم حصول سائر ماله دخل في حصولها،
# PageV00P119
# يقع على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية، كيف؟ وإلا يلزم أن يكون وجودها
~~من قيوده، ومقدمة لوقوعه على نحو يكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو
~~ووجوبها.
# وهو كما ترى، ضرورة أن الغاية لا تكاد تكون قيدا لذي الغاية، بحيث كان
~~تخلفها موجبا لعدم وقوع ذي الغاية على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية،
~~وإلا يلزم أن تكون مطلوبة بطلبه كسائر قيوده، فلا يكون وقوعه على هذه الصفة
~~منوطا بحصولها، كما أفاده.
# ولعل منشأ توهمه، خلطه بين الجهة التقييدية والتعليلية، هذا مع ما عرفت
~~من عدم التخلف ها هنا، وأن الغاية إنما هو حصول ما لولاه لما تمكن من
~~التوصل إلى المطلوب النفسي، فافهم واغتنم.
# ثم إنه لا شهادة على الاعتبار في صحة منع المولى عن مقدماته بأنحائها،
~~إلا فيما إذا رتب عليه ms082 الواجب لو سلم أصلا، ضرورة أنه وإن لم يكن الواجب
~~منها حينئذ غير الموصلة، إلا أنه ليس لاجل اختصاص الوجوب بها في باب
~~المقدمة، بل لاجل المنع عن غيرها المانع عن الاتصاف بالوجوب هاهنا، كما لا
~~يخفى.
# مع أن في صحة المنع عنه كذلك نظر، وجهه أنه يلزم أن لا يكون ترك الواجب
~~حينئذ مخالفة وعصيانا، لعدم التمكن شرعا منه، لاختصاص جواز مقدمته بصورة
~~الاتيان به.
# وبالجملة يلزم أن يكون الايجاب مختصا بصورة الاتيان، لاختصاص جواز
~~المقدمة بها وهو محال (1) فإنه يكون من طلب الحاصل المحال، فتدبر جيدا.
# PageV00P120
# بقي شئ وهو أن ثمرة القول بالمقدمة الموصلة، هي تصحيح العبادة التي يتوقف
~~على تركها فعل الواجب، بناء على كون ترك الضد مما يتوقف عليه فعل ضده، فإن
~~تركها على هذا القول لا يكون مطلقا واجبا، ليكون فعلها محرما، فتكون فاسدة،
~~بل فيما يترتب عليه الضد الواجب، ومع الاتيان بها لا يكاد يكون هناك ترتب،
~~فلا يكون تركها مع ذلك واجبا، فلا يكون فعلها منهيا عنه، فلا تكون فاسدة.
# وربما أورد (1) على تفريع هذه الثمرة بما حاصله بأن فعل الضد، وإن لم يكن
~~نقيضا للترك الواجب مقدمة، بناء على المقدمة الموصلة، إلا أنه لازم لما هو
~~من أفراد النقيض، حيث أن نقيض ذاك الترك الخاص رفعه، وهو أعم من الفعل
~~والترك الآخر المجرد، وهذا يكفي في إثبات الحرمة، وإلا لم يكن الفعل المطلق
~~محرما فيما إذا كان الترك المطلق واجبا، لان الفعل أيضا ليس نقيضا للترك،
~~لأنه أمر وجودي، ونقيض الترك إنما هو رفعه، ورفع الترك إنما يلازم الفعل
~~مصداقا، وليس عينه، فكما أن هذه الملازمة تكفي في إثبات الحرمة لمطلق
~~الفعل، فكذلك تكفي في المقام، غاية الامر أن ما هو النقيض في مطلق الترك،
~~إنما ينحصر مصداقه في الفعل فقط، وأما النقيض للترك الخاص فله فردان، وذلك
~~لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده، كما لا يخفى.
# قلت: وأنت خبير بما بينهما من الفرق، فإن الفعل في الأول لا يكون إلا
~~مقارنا ms083 لما هو النقيض، من رفع الترك المجامع معه تارة، ومع الترك المجرد
~~أخرى، ولا تكاد تسري حرمة الشئ إلى ما يلازمه، فضلا عما يقارنه أحيانا.
# نعم لابد أن لا يكون الملازم محكوما فعلا بحكم آخر على خلاف حكمه، لا أن
~~يكون محكوما بحكمه، وهذا بخلاف الفعل في الثاني، فإنه
# PageV00P121
# بنفسه يعاند الترك المطلق وينافيه، لا ملازم لمعانده ومنافيه، فلو لم يكن
~~عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح مفهوما، لكنه متحد معه عينا وخارجا، فإذا كان
~~الترك واجبا، فلا محالة يكون الفعل منهيا عنه قطعا، فتدبر جيدا.
# ومنها: تقسيمه إلى الأصلي والتبعي، والظاهر أن يكون هذا التقسيم بلحاظ
~~الأصالة والتبعية في الواقع ومقام الثبوت، حيث يكون الشئ تارة متعلقا
~~للإرادة والطلب مستقلا، للالتفات إليه بما هو عليه مما يوجب طلبه فيطلبه،
~~كان طلبه نفسيا أو غيريا، وأخرى متعلقا للإرادة تبعا لإرادة غيره، لاجل كون
~~إرادته لازمة لإرادته، من دون التفات إليه بما يوجب إرادته، لا بلحاظ
~~الأصالة والتبعية في مقام الدلالة والاثبات (1)، فإنه يكون في هذا المقام،
~~تارة مقصودا بالإفادة، وأخرى غير مقصود بها على حدة، إلا أنه لازم الخطاب،
~~كما في دلالة الإشارة ونحوها.
# وعلى ذلك، فلا شبهة في انقسام الواجب الغيري إليهما، واتصافه بالأصالة
~~والتبعية كليهما، حيث يكون متعلقا للإرادة على حدة عند الالتفات إليه بما
~~هو مقدمة، وأخرى لا يكون متعلقا لها كذلك عند عدم الالتفات إليه كذلك، فإنه
~~يكون لا محالة مرادا تبعا لإرادة ذي المقدمة على الملازمة.
# كما لا شبهة في اتصاف النفسي أيضا بالأصالة، ولكنه لا يتصف بالتبعية،
~~ضرورة أنه لا يكاد يتعلق به الطلب النفسي ما لم تكن فيه مصلحة نفسية، ومعها
~~يتعلق الطلب بها مستقلا، ولو لم يكن هناك شئ آخر مطلوب أصلا، كما لا يخفى.
# نعم لو كان الاتصاف بهما بلحاظ الدلالة، اتصف النفسي بهما أيضا،
# PageV00P122
# ضرورة أنه قد يكون غير مقصودة بالإفادة، بل أفيد بتبع غيره المقصود بها،
~~لكن الظاهر - كما مر - أن الاتصاف بهما إنما هو في نفسه لا بلحاظ حال ms084
~~الدلالة عليه، وإلا لما اتصف بواحد منهما، إذا لم يكن بعد مفاد دليل، وهو
~~كما ترى.
# ثم إنه إذا كان الواجب التبعي ما لم يتعلق به إرادة مستقلة، فإذا شك في
~~واجب أنه أصلي أو تبعي، فبأصالة عدم تعلق إرادة مستقلة به يثبت أنه تبعي،
~~ويترتب عليه آثاره إذا فرض له آثار شرعية (1)، كسائر الموضوعات المتقومة
~~بأمور عدمية.
# نعم لو كان التبعي أمرا وجوديا خاصا غير متقوم بعدمي، وإن كان يلزمه، لما
~~كان يثبت بها إلا على القول بالأصل المثبت، كما هو واضح، فافهم.
# تذنيب: في بيان الثمرة، وهي في المسألة الأصولية - كما عرفت سابقا - ليست
~~إلا أن تكون نتيجتها صالحة للوقوع في طريق الاجتهاد، واستنباط حكم فرعي،
~~كما لو قيل بالملازمة في المسألة، فإنه بضميمة مقدمة كون شئ مقدمة لواجب
~~يستنتج انه واجب.
# ومنه قد انقدح، أنه ليس منها مثل برء النذر بإتيان مقدمة واجب، عند نذر
~~الواجب، وحصول الفسق بترك الواجب بمقدماته إذا كانت له مقدمات كثيرة، لصدق
~~الاصرار على الحرام بذلك، وعدم جواز أخذ الأجرة على المقدمة.
# مع أن البرء وعدمه إنما يتبعان قصد الناذر، فلا برء بإتيان المقدمة لو
~~قصد الوجوب النفسي، كما هو المنصرف عند إطلاقه ولو قيل بالملازمة، وربما
# PageV00P123
# يحصل البرء به لو قصد ما يعم المقدمة ولو قيل بعدمها، كما لا يخفى.
# ولا يكاد يحصل الاصرار على الحرام بترك واجب، ولو كانت له مقدمات غير
~~عديدة، لحصول العصيان بترك أول مقدمة لا يتمكن معه من الواجب، ولا يكون ترك
~~سائر المقدمات بحرام أصلا، لسقوط التكليف حينئذ، كما هو واضح لا يخفى.
# وأخذ الأجرة على الواجب لا بأس به، إذا لم يكن إيجابه على المكلف مجانا
~~وبلا عوض، بل كان وجوده المطلق مطلوبا كالصناعات الواجبة كفائية التي لا
~~يكاد ينتظم بدونها البلاد، ويختل لولاها معاش العباد، بل ربما يجب أخذ
~~الأجرة عليها لذلك، أي لزوم الاختلال وعدم الانتظام لولا أخذها، هذا في
~~الواجبات التوصلية.
# وأما الواجبات التعبدية، فيمكن أن يقال بجواز أخذ الأجرة على ms085 إتيانها
~~بداعي امتثالها، لا على نفس الاتيان، كي ينافي عباديتها، فيكون من قبيل
~~الداعي إلى الداعي، غاية الامر يعتبر فيها - كغيرها - أن يكون فيها منفعة
~~عائدة إلى المستأجر، كي لا تكون المعاملة سفهية، وأخذ الأجرة عليها أكلا
~~بالباطل.
# وربما يجعل (1) من الثمرة، اجتماع الوجوب والحرمة - إذا قيل بالملازمة -
~~فيما كانت المقدمة محرمة، فيبتني على جواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه،
~~بخلاف ما لو قيل بعدمها، وفيه:
# أولا: إنه لا يكون من باب الاجتماع، كي تكون مبتنية عليه، لما أشرنا إليه
~~غير مرة، إن الواجب ما هو بالحمل الشائع مقدمة، لا بعنوان المقدمة، فيكون
~~على الملازمة من باب النهي في العبادة والمعاملة.
# PageV00P124
# وثانيا: (1) إن الاجتماع وعدمه لا دخل له في التوصل (2) بالمقدمة المحرمة
~~وعدمه أصلا، فإنه يمكن التوصل (3) بها إن كانت توصلية، ولو لم نقل بجواز
~~الاجتماع، وعدم جواز التوصل (4) بها إن كانت تعبدية على القول بالامتناع،
~~قيل بوجوب المقدمة أو بعدمه، وجواز التوصل (5) بها على القول بالجواز كذلك،
~~أي قيل بالوجوب أو بعدمه.
# وبالجملة لا يتفاوت الحال في جواز التوصل (6) بها، وعدم جوازه أصلا، بين
~~أن يقال بالوجوب، أو يقال بعدمه، كما لا يخفى.
# في تأسيس الأصل في المسألة إعلم أنه لا أصل في محل البحث في المسألة، فإن
~~الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذي المقدمة وعدمها ليست لها حالة سابقة،
~~بل تكون الملازمة أو عدمها أزلية، نعم نفس وجوب المقدمة يكون مسبوقا
~~بالعدم، حيث يكون حادثا بحدوث وجوب ذي المقدمة، فالأصل عدم وجوبها.
# وتوهم عدم جريانه، لكون وجوبها على الملازمة، من قبيل لوازم الماهية، غير
~~مجعولة، ولا أثر آخر مجعول مترتب عليه، ولو كان لم يكن بمهم ها هنا، مدفوع
~~بأنه وإن كان غير مجعول بالذات، لا بالجعل البسيط الذي هو مفاد كان التامة،
~~ولا بالجعل التأليفي الذي هو مفاد كان الناقصة، إلا أنه
# PageV00P125
# مجعول بالعرض، ويتبع جعل وجوب ذي المقدمة، وهو كاف في جريان الأصل.
# ولزوم التفكيك بين الوجوبين مع الشك لا محالة، لأصالة عدم وجوب المقدمة
~~مع وجوب ms086 ذي المقدمة، لا ينافي الملازمة بين الواقعيين، وإنما ينافي
~~الملازمة بين الفعليين، نعم لو كانت الدعوى هي الملازمة المطلقة حتى في
~~المرتبة الفعلية، لما صح التمسك بالأصل، كما لا يخفى.
# إذا عرفت ما ذكرنا، فقد تصدى غير واحد من الأفاضل (1) لإقامة البرهان على
~~الملازمة، وما أتى منهم بواحد خال عن الخلل، والأولى إحالة ذلك إلى
~~الوجدان، حيث أنه أقوى شاهد على أن الانسان إذا أراد شيئا له مقدمات، أراد
~~تلك المقدمات، لو التفت إليها بحيث ربما يجعلها في قالب الطلب مثله، ويقول
~~مولويا (أدخل السوق واشتر اللحم) مثلا، بداهة أن الطلب المنشأ بخطاب (أدخل)
~~مثل المنشأ بخطاب (اشتر) في كونه بعثا مولويا، وأنه حيث تعلقت إرادته
~~بإيجاد عبده الاشتراء، ترشحت منها له إرادة أخرى بدخول السوق، بعد الالتفات
~~إليه وأنه يكون مقدمة له، كما لا يخفى.
# ويؤيد الوجدان، بل يكون من أوضح البرهان، وجود الأوامر الغيرية في
~~الشرعيات والعرفيات، لوضوح أنه لا يكاد يتعلق بمقدمة أمر غيري، إلا إذا كان
~~فيها مناطه، وإذا كان فيها كان في مثلها، فيصح تعلقه به أيضا، لتحقق ملاكه
~~ومناطه، والتفصيل بين السبب وغيره والشرط الشرعي وغيره سيأتي بطلانه، وأنه
~~لا تفاوت في باب الملازمة بين مقدمة ومقدمة.
# ولا بأس بذكر الاستدلال الذي هو كالأصل لغيره - مما ذكره الأفاضل (2)
# PageV00P126
# عن الاستدلالات - وهو ما ذكره أبو الحسن [الحسين] (1) البصري (2)، وهو
~~أنه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها، وحينئذ، فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم
~~التكليف بما لا يطاق، وإلا خرج الواجب المطلق عن وجوبه.
# وفيه: - بعد إصلاحه بإرادة عدم المنع الشرعي من التالي في الشرطية
~~الأولى، لا الإباحة الشرعية، وإلا كانت الملازمة واضحة البطلان، وإرادة
~~الترك عما أضيف إليه الظرف، لا نفس الجواز، وإلا فمجرد الجواز بدون الترك،
~~لا يكاد يتوهم [معه] (3) صدق القضية الشرطية الثانية - ما لا يخفى، فان
~~الترك بمجرد عدم المنع شرعا لا يوجب صدق إحدى الشرطيتين، ولا يلزم أحد
~~المحذورين، فإنه وإن لم يبق له وجوب معه، إلا أنه كان ذلك بالعصيان، ms087 لكونه
~~متمكنا من الإطاعة والاتيان، وقد اختار تركه بترك مقدمته بسوء اختياره، مع
~~حكم العقل بلزوم إتيانها، إرشادا إلى ما في تركها من العصيان المستتبع
~~للعقاب.
# نعم لو كان المراد من الجواز الترك شرعا وعقلا، يلزم أحد المحذورين، إلا
~~أن الملازمة على هذا في الشرطية الأولى ممنوعة، بداهة أنه لو لم يجب شرعا
~~لا يلزم أن يكون جائزا شرعا وعقلا، لامكان أن لا يكون محكوما بحكم شرعا،
~~وإن كان واجبا عقلا إرشادا، وهذا واضح.
# وأما التفصيل بين السبب وغيره، فقد استدل (4) على وجوب السبب،
# PageV00P127
# بأن التكليف لا يكاد يتعلق إلا بالمقدور، والمقدور لا يكون إلا هو السبب،
~~وإنما المسبب من آثاره المترتبة عليه قهرا، ولا يكون من أفعال المكلف
~~وحركاته أو سكناته، فلا بد من صرف الامر المتوجه إليه عنه إلى سببه.
# ولا يخفى ما فيه، من أنه ليس بدليل على التفصيل، بل على أن الامر النفسي
~~إنما يكون متعلقا بالسبب دون المسبب، مع وضوح فساده، ضرورة أن المسبب مقدور
~~المكلف، وهو متمكن عنه بواسطة السبب، ولا يعتبر في التكليف أزيد من القدرة،
~~كانت بلا واسطة أو معها، كما لا يخفى.
# وأما التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره، فقد استدل (1) على الوجوب في الأول
~~بأنه لولا وجوبه شرعا لما كان شرطا، حيث أنه ليس مما لا بد منه عقلا أو
~~عادة.
# وفيه - مضافا إلى ما عرفت من رجوع الشرط الشرعي إلى العقلي - أنه لا يكاد
~~يتعلق الامر الغيري إلا بما هو مقدمة الواجب، فلو كانت مقدميته متوقفة على
~~تعلقه بها لدار، والشرطية وإن كانت منتزعة عن التكليف، إلا أنه عن التكليف
~~النفسي المتعلق بما قيد بالشرط، لا عن الغيري، فافهم.
# تتمة: لا شبهة في أن مقدمة المستحب كمقدمة الواجب، فتكون مستحبة - لو قيل
~~بالملازمة - وأما مقدمة الحرام والمكروه فلا تكاد تتصف بالحرمة أو الكراهة،
~~إذ منها ما يتمكن معه من ترك الحرام أو المكروه اختيارا، كما كان متمكنا
~~قبله، فلا دخل له أصلا في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام ms088 أو المكروه،
~~فلم يترشح من طلبه طلب ترك مقدمتهما، نعم ما لا يتمكن معه من الترك
~~المطلوب، لا محالة يكون مطلوب الترك، ويترشح من طلب تركهما طلب ترك خصوص
~~هذه المقدمة، فلو لم يكن للحرام مقدمة لا يبقى
# PageV00P128
# معها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة مقدمة من مقدماته.
# لا يقال: كيف؟ ولا يكاد يكون فعل إلا عن مقدمة لا محالة معها يوجد، ضرورة
~~أن الشئ ما لم يجب لم يوجد.
# فإنه يقال: نعم لا محالة يكون من جملتها ما يجب معه صدور الحرام، لكنه لا
~~يلزم أن يكون ذلك من المقدمات الاختيارية، بل من المقدمات الغير
~~الاختيارية، كمبادئ الاختيار التي لا تكون بالاختيار، والا لتسلسل، فلا
~~تغفل، وتأمل.
# فصل الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده، أو لا؟
# فيه أقوال، وتحقيق الحال يستدعي رسم أمور:
# الأول: الاقتضاء في العنوان أعم من أن يكون بنحو العينية، أو الجزئية، أو
~~اللزوم من جهة التلازم بين طلب أحد الضدين، وطلب ترك الآخر، أو المقدمية
~~على ما سيظهر، كما أن المراد بالضد هاهنا، هو مطلق المعاند والمنافي وجوديا
~~كان أو عدميا.
# الثاني: إن الجهة المبحوثة عنها في المسألة، وإن كانت أنه هل يكون للامر
~~اقتضاء بنحو من الانحاء المذكورة، إلا أنه لما كان عمدة القائلين بالاقتضاء
~~في الضد الخاص، إنما ذهبوا إليه لاجل توهم مقدمية ترك الضد، كان المهم صرف
~~عنان الكلام في المقام إلى بيان الحال وتحقيق المقال، في المقدمية وعدمها،
~~فنقول وعلى الله الاتكال:
# إن توهم توقف الشئ على ترك ضده، ليس إلا من جهة المضادة والمعاندة بين
~~الوجودين، وقضيتها الممانعة بينهما، ومن الواضحات أن عدم PageV00P129
# المانع من المقدمات.
# وهو توهم فاسد، وذلك لان المعاندة والمنافرة بين الشيئين، لا تقتضي إلا
~~عدم اجتماعهما في التحقق، وحيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين وما هو نقيض
~~الآخر وبديله، بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما
~~هو بديله في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما ms089 على
~~الآخر، كما لا يخفى.
# فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في
~~ثبوت الآخر، كذلك في المتضادين، كيف؟ ولو اقتضى التضاد توقف وجود الشئ على
~~عدم ضده، توقف الشئ على عدم مانعه، لاقتضى توقف عدم الضد على وجود الشئ
~~توقف عدم الشئ على مانعه، بداهية ثبوت المانعية في الطرفين، وكون المطاردة
~~من الجانبين، وهو دور (1) واضح.
# وما قيل (2) في التفصي عن هذا الدور بأن التوقف من طرف الوجود فعلي،
~~بخلاف التوقف من طرف العدم، فإنه بتوقف على فرض ثبوت المقتضي له، مع شراشر
~~شرائطه غير عدم وجود ضده، ولعله كان محالا، لاجل انتهاء عدم وجود أحد
~~الضدين مع وجود الآخر إلى عدم تعلق الإرادة الأزلية به، وتعلقها بالآخر حسب
~~ما اقتضته الحكمة البالغة، فيكون العدم دائما مستندا إلى عدم المقتضي، فلا
~~يكاد يكون مستندا إلى وجود المانع، كي يلزم الدور.
# إن قلت: هذا إذا لوحظا منتهيين إلى إرادة شخص واحد، وأما إذا كان كل
~~منهما متعلقا لإرادة شخص، فأراد مثلا أحد الشخصين حركة شئ، وأراد الآخر
~~سكونه، فيكون المقتضي لكل منهما حينئذ موجودا، فالعدم - لا محالة - يكون
~~فعلا مستندا إلى وجود المانع.
# PageV00P130
# قلت: هاهنا أيضا مستند إلى عدم قدرة المغلوب منهما في إرادته، وهي مما
~~لابد منه في وجود المراد، ولا يكاد يكون بمجرد الإرادة بدونها لا إلى وجود
~~الضد، لكونه مسبوقا بعدم قدرته - كما لا يخفى - غير سديد، فإنه وإن كان قد
~~ارتفع به الدور، إلا أنه غائلة لزوم توقف الشئ على ما يصلح أن يتوقف عليه
~~على حالها، لاستحالة أن يكون الشئ الصالح لان يكون موقوفا عليه [الشئ] (1)
~~موقوفا عليه، ضرورة أنه لو كان في مرتبة يصلح لان يستند إليه، لما كاد يصح
~~أن يستند فعلا إليه.
# والمنع عن صلوحه لذلك بدعوى: أن قضية كون العدم مستندا إلى وجود الضد، لو
~~كان مجتمعا مع وجود المقتضي، وإن كانت صادقة، إلا أن صدقها لا يقتضي كون
~~الضد صالحا لذلك، لعدم اقتضاء صدق الشرطية صدق ms090 طرفيها، مساوق (2) لمنع
~~مانعية الضد، وهو يوجب رفع التوقف رأسا من البين، ضرورة أنه لا منشأ لتوهم
~~توقف أحد الضدين على عدم الآخر، إلا توهم مانعية الضد - كما أشرنا إليه -
~~وصلوحه لها.
# إن قلت: التمانع بين الضدين كالنار على المنار، بل كالشمس في رابعة
~~النهار، وكذا كون عدم المانع مما يتوقف عليه، مما لا يقبل الانكار، فليس ما
~~ذكر إلا شبهة في مقابل البديهة.
# PageV00P131
# قلت: التمانع بمعنى التنافي والتعاند الموجب لاستحالة الاجتماع مما لا
~~ريب فيه ولا شبهة تعتريه، إلا أنه لا يقتضي إلا امتناع الاجتماع، وعدم وجود
~~أحدهما إلا مع عدم الاخر، الذي هو بديل وجوده المعاند له، فيكون في مرتبته
~~لا مقدما عليه ولو طبعا، والمانع الذي يكون موقوفا عليه الوجود هو ما كان
~~ينافي ويزاحم المقتضي في تأثيره، لا ما يعاند الشئ ويزاحمه في وجوده.
# نعم العلة التامة لاحد الضدين، ربما تكون مانعا عن الآخر، ومزاحما
~~لمقتضيه في تأثيره، مثلا تكون شدة الشفقة على الولد الغريق وكثرة المحبة
~~له، تمنع عن أن يؤثر ما في الأخ الغريق من المحبة والشفقة، لإرادة إنقاذه
~~مع المزاحمة فينقذ به الولد دونه، فتأمل جيدا.
# ومما ذكرنا ظهر أنه لا فرق بين الضد الموجود والمعدوم، في أن عدمه
~~الملائم للشئ المناقض لوجوده المعاند لذاك، لابد أن يجامع معه من غير مقتض
~~لسبقه، بل عرفت ما يقتضي عدم سبقه.
# فانقدح بذلك ما في تفصيل بعض الاعلام (1)، حيث قال بالتوقف على رفع الضد
~~الموجود، وعدم التوقف على عدم الضد المعدوم، فتأمل في أطراف ما ذكرناه،
~~فإنه دقيق وبذلك حقيق.
# فقد ظهر عدم حرمة الضد من جهة المقدمية.
# وأما من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود، في الحكم، فغايته أن
~~لا يكون أحدهما فعلا محكوما بغير ما حكم به الآخر، لا أن يكون محكوما
~~بحكمه.
# وعدم خلو الواقعة عن الحكم، فهو إنما يكون بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي،
~~فلا حرمة للضد من هذه الجهة أيضا، بل على ما هو عليه، لولا
# PageV00P132
# الابتلاء بالمضادة للواجب ms091 الفعلي، من الحكم الواقعي.
# الامر الثالث: إنه قيل (1) بدلالة الامر بالشئ بالتضمن على النهي عن الضد
~~العام، بمعنى الترك، حيث أنه يدل على الوجوب المركب من طلب الفعل والمنع عن
~~الترك. والتحقيق أنه لا يكون الوجوب إلا طلبا بسيطا، ومرتبة وحيدة أكيدة من
~~الطلب، لا مركبا من طلبين، نعم في مقام تحديد تلك المرتبة وتعيينها، ربما
~~يقال: الوجوب يكون عبارة من طلب الفعل مع المنع عن الترك، ويتخيل منه أنه
~~يذكر له حدا، فالمنع عن الترك ليس من أجزاء الوجوب ومقوماته، بل من خواصه
~~ولوازمه، بمعنى أنه لو التفت الآمر إلى الترك لما كان راضيا به لا محالة،
~~وكان يبغضه البتة.
# ومن هنا انقدح أنه لا وجه لدعوى العينية، ضرورة أن اللزوم يقتضي
~~الاثنينية، لا الاتحاد والعينية.
# نعم لا بأس بها، بأن يكون المراد بها أنه يكون هناك طلب واحد، وهو كما
~~يكون حقيقة منسوبا إلى الوجود وبعثا إليه، كذلك يصح أن ينسب إلى الترك
~~بالعرض والمجاز ويكون زجرا وردعا عنه، فافهم.
# الامر الرابع: تظهر الثمرة في أن نتيجة المسألة، وهي النهي عن الضد بناء
~~على الاقتضاء، بضميمة أن النهي في العبادات يقتضي الفساد، ينتج فساده إذا
~~كان عبادة.
# وعن البهائي (رحمه الله) (2) أنه أنكر الثمرة، بدعوى أنه لا يحتاج في
~~استنتاج الفساد إلى النهي عن الضد، بل يكفي عدم الامر به، لاحتياج العبادة
~~إلى الامر.
# PageV00P133
# وفيه: إنه يكفي مجرد الرجحان والمحبوبية للمولى، كي يصح أن يتقرب به منه،
~~كما لا يخفى، والضد بناء على عدم حرمته يكون كذلك، فإن المزاحمة على هذا لا
~~يوجب إلا ارتفاع الامر المتعلق به فعلا، مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه
~~من المصلحة، كما هو مذهب العدلية، أو غيرها أي شئ كان، كما هو مذهب
~~الأشاعرة، وعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته وخروجه عن قابلية التقرب به كما حدث،
~~بناء على الاقتضاء.
# ثم إنه تصدى جماعة من الأفاضل (1)، لتصحيح الامر بالضد بنحو الترتب على
~~العصيان، وعدم إطاعة الامر بالشئ بنحو الشرط المتأخر، أو ms092 البناء على معصيته
~~(2) بنحو الشرط المتقدم، أو المقارن، بدعوى أنه لا مانع عقلا عن تعلق الامر
~~بالضدين كذلك، أي بأن يكون الامر بالأهم مطلقا، والامر بغيره معلقا على
~~عصيان ذاك الامر، أو البناء والعزم عليه، بل هو واقع كثيرا عرفا.
# قلت: ما هو ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد، آت في طلبهما كذلك،
~~فإنه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما، إلا أنه كان في مرتبة
~~الامر بغيره اجتماعهما، بداهة فعلية الامر بالأهم في هذه المرتبة، وعدم
~~سقوطه بعد بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص، أو العزم عليها مع فعلية
~~الامر بغيره أيضا، لتحقق ما هو شرط فعليته فرضا.
# لا يقال: نعم لكنه بسوء اختيار المكلف حيث يعصي فيما بعد بالاختيار،
~~فلولاه لما كان متوجها إليه إلا الطلب بالأهم، ولا برهان على امتناع
~~الاجتماع، إذا كان بسوء الاختيار.
# فإنه يقال: استحالة طلب الضدين، ليس إلا لاجل استحالة طلب المحال،
~~واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته، لا تختص بحال دون
# PageV00P134
# حال، وإلا لصح فيما علق على أمر اختياري في عرض واحد، بلا حاجة في تصحيحه
~~إلى الترتب، مع أنه محال بلا ريب ولا إشكال.
# إن قلت: فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك، فإن الطلب في كل
~~منهما في الأول يطارد الآخر، بخلافه في الثاني، فإن الطلب بغير الأهم لا
~~يطارد طلب الأهم، فإنه يكون على تقدير عدم الاتيان بالأهم، فلا يكاد يريد
~~غيره على تقدير إتيانه، وعدم عصيان أمره.
# قلت: ليت شعري كيف لا يطارده الامر بغير الأهم؟ وهل يكون طرده له إلا من
~~جهة فعليته، ومضادة متعلقه للأهم؟ والمفروض فعليته، ومضادة متعلقه له.
# وعدم إرادة غير الأهم على تقدير الاتيان به لا يوجب عدم طرده لطلبه مع
~~تحققه، على تقدير عدم الاتيان به وعصيان أمره، فيلزم اجتماعهما على هذا
~~التقدير، مع ما هما عليه من المطاردة، من جهة المضادة بين المتعلقين، مع
~~أنه يكفي الطرد من طرف الامر بالأهم، فإنه على هذا الحال ms093 يكون طاردا لطلب
~~الضد، كما كان في غير هذا الحال، فلا يكون له معه أصلا بمجال.
# إن قلت: فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدين في العرفيات؟
# قلت: لا يخلو: إما أن يكون الامر بغير الأهم، بعد التجاوز عن الامر به
~~وطلبه حقيقة.
# وإما أن يكون الامر به إرشادا إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من
~~المصلحة والغرض لولا المزاحمة، وأن الاتيان به يوجب استحقاق المثوبة فيذهب
~~بها بعض ما استحقه من العقوبة على مخالفة الامر بالأهم، لا أنه أمر مولوي
~~فعلي كالامر به، فافهم وتأمل جيدا.
# ثم إنه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب، بما هو لازمه من الاستحقاق في
~~PageV00P135
# صورة مخالفة الامرين لعقوبتين، ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه
~~العبد، ولذا كان سيدنا الأستاذ (قدس سره) (1) لا يلتزم به - على ما هو
~~ببالي - وكنا نورد به على الترتب، وكان بصدد تصحيحه، فقد ظهر أنه لا وجه
~~لصحة العبادة، مع مضادتها لما هو أهم منها، إلا ملاك الامر.
# نعم فيما إذا كانت موسعة، وكانت مزاحمة بالأهم ببعض الوقت، لا في تمامه،
~~يمكن أن يقال: إنه حيث كان الامر بها على حاله، وإن صارت مضيقة بخروج ما
~~زاحمه الأهم من أفرادها من تحتها، أمكن أن يؤتى بما زوحم منها بداعي ذاك
~~الامر، فإنه وإن كان خارجا عن تحتها بما هي مأمور بها، إلا أنه لما كان
~~وافيا بغرضها كالباقي تحتها، كان عقلا مثله في الاتيان به في مقام
~~الامتثال، والاتيان به بداعي ذاك الامر، بلا تفاوت في نظره بينهما أصلا.
# ودعوى أن الامر لا يكاد يدعو إلا إلى ما هو من أفراد الطبيعة المأمور
~~بها، وما زوحم منها بالأهم، وإن كان من أفراد الطبيعة، لكنه ليس من أفرادها
~~بما هي مأمور بها، فاسدة، فإنه إنما يوجب ذلك، إذا كان خروجه عنها بما هي
~~كذلك تخصيصا لا مزاحمة، فإنه معها وإن كان لا تعمه الطبيعة المأمور بها،
~~إلا أنه ليس لقصور فيه، بل لعدم إمكان تعلق الامر ms094 بما تعمه عقلا، وعلى كل
~~حال، فالعقل لا يرى تفاوتا في مقام الامتثال وإطاعة الامر بها، بين هذا
~~الفرد وسائر الافراد أصلا.
# PageV00P136
# هذا على القول بكون الأوامر متعلقة بالطبائع.
# وأما بناء على تعلقها بالافراد فكذلك، وإن كان جريانه عليه أخفى، كما لا
~~يخفى، فتأمل.
# ثم لا يخفى أنه بناء على إمكان الترتب وصحته، لا بد من الالتزام بوقوعه،
~~من دون انتظار دليل آخر عليه، وذلك لوضوح أن المزاحمة على صحة الترتب لا
~~تقتضي عقلا إلا امتنع الاجتماع في عرض واحد، لا كذلك، فلو قيل بلزوم الامر
~~في صحة العبادة: ولم يكن في الملاك كفاية، كانت العبادة مع ترك الأهم صحيحة
~~لثبوت الامر بها في هذا الحال، كما إذا لم تكن هناك مضادة.
# فصل لا يجوز أمر الآمر، مع علمه بانتفاء شرطه، خلافا لما نسب (1) إلى
~~أكثر مخالفينا (2)، ضرورة أنه لا يكاد يكون الشئ مع عدم علته، كما هو
~~المفروض ها هنا، فإن الشرط من أجزائها، وانحلال المركب بانحلال بعض أجزائه
~~مما لا يخفى، وكون الجواز في العنوان بمعنى الامكان الذاتي بعيد عن محل
~~الخلاف بين الاعلام.
# نعم لو كان المراد من لفظ الامر، الامر ببعض مراتبه، ومن الضمير الراجع
~~إليه بعض مراتبه الاخر، بأن يكون النزاع في أن أمر الآمر يجوز إنشاء مع
~~علمه بانتفاء شرطه، بمرتبة فعلية.
# وبعبارة أخرى: كان النزاع في جواز إنشائه مع العلم بعدم بلوغه إلى
~~المرتبة الفعلية لعدم شرطه، لكان جائزا، وفي وقوعه في الشرعيات والعرفيات
# PageV00P137
# غنى وكفاية، ولا يحتاج معه إلى مزيد بيان أو مؤونة برهان.
# وقد عرفت سابقا (1) أن داعي إنشاء الطلب، لا ينحصر بالبعث و التحريك جدا
~~حقيقة، بل قد يكون صوريا امتحانا، وربما يكون غير ذلك.
# ومنع كونه أمرا إذا لم يكن بداعي البعث جدا واقعا، وإن كان في محله، إلا
~~أن إطلاق الامر عليه، إذا كانت هناك قرينة على أنه بداع آخر غير البعث
~~توسعا، مما لا بأس به أصلا، كما لا يخفى.
# وقد ظهر بذلك حال ما ذكره الاعلام ms095 في المقام من النقض والابرام، وربما
~~يقع به التصالح بين الجانبين ويرتفع النزاع من البين، فتأمل جدا.
# فصل الحق أن الأوامر والنواهي تكون متعلقة بالطبائع دون الافراد، ولا
~~يخفى أن المراد أن متعلق الطلب في الأوامر هو صرف الايجاد، كما أن متعلقه
~~في النواهي هو محض الترك، ومتعلقهما هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود
~~والمقيدة بقيود، تكون بها موافقة للغرض والمقصود، من دون تعلق غرض بإحدى
~~الخصوصيات اللازمة للوجودات، بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكنا، لما
~~كان ذلك مما يضر بالمقصود أصلا، كما هو الحال في القضية الطبيعية في غير
~~الاحكام، بل في المحصورة، على ما حقق في غير المقام.
# وفي مراجعة الوجدان للانسان غنى وكفاية عن إقامة البرهان على ذلك، حيث
~~يرى إذا راجعه أنه لا غرض له في مطلوباته إلا نفس الطبائع، ولا نظر له إلا
~~إليها من دون نظر إلى خصوصياتها الخارجية، وعوارضها العينية، وإن نفس
~~وجودها السعي بما هو وجودها تمام المطلوب، وإن كان ذاك الوجود
# PageV00P138
# لا يكاد ينفك في الخارج عن الخصوصية.
# فانقدح بذلك أن المراد بتعلق الأوامر بالطبائع دون الافراد، انها بوجودها
~~السعي بما هو وجودها قبالا لخصوص الوجود، متعلقة للطلب، لا أنها بما هي هي
~~كانت متعلقة له، كما ربما يتوهم، فإنها كذلك ليست إلا هي، نعم هي كذلك تكون
~~متعلقة للامر، فإنه طلب الوجود، فافهم.
# دفع وهم: لا يخفى أن كون وجود الطبيعة أو الفرد متعلقا للطلب، إنما يكون
~~بمعنى أن الطالب يريد صدور الوجود من العبد، وجعله بسيطا الذي هو مفاد كان
~~التامة، وإفاضته، لا أنه يريد ما هو صادر وثابت في الخارج كي يلزم طلب
~~الحاصل، كما توهم، ولا جعل الطلب متعلقا بنفس الطبيعة، وقد جعل وجودها غاية
~~لطلبها.
# وقد عرفت أن الطبيعة بما هي هي ليست إلا هي، لا يعقل أن يتعلق بها طلب
~~لتوجد أو تترك، وأنه لابد في تعلق الطلب من لحاظ الوجود أو العدم معها،
~~فيلاحظ وجودها فيطلبه ويبعث إليه، كي يكون ويصدر منه، هذا بناء ms096 على أصالة
~~الوجود.
# وأما بناء على أصالة الماهية، فمتعلق الطلب ليس هو الطبيعة بما هي أيضا،
~~بل بما هي بنفسها في الخارج، فيطلبها كذلك لكي يجعلها بنفسها من الخارجيات
~~والأعيان الثابتات، لا بوجودها كما كان الامر بالعكس على أصالة الوجود.
# وكيف كان فيلحظ الآمر ما هو المقصود من الماهية الخارجية أو الوجود،
~~فيطلبه ويبعث نحوه ليصدر منه ويكون ما لم يكن، فافهم وتأمل جيدا.
# فصل إذا نسخ الوجوب فلا دلالة لدليل الناسخ ولا المنسوخ، على بقاء الجواز
~~PageV00P139
# بالمعنى الأعم، ولا بالمعنى الأخص، كما لا دلالة لهما على ثبوت غيره من
~~الاحكام، ضرورة أن ثبوت كل واحد من الاحكام الأربعة الباقية بعد ارتفاع
~~الوجوب واقعا ممكن، ولا دلالة لواحد من دليلي الناسخ والمنسوخ - بإحدى
~~الدلالات - على تعيين واحد منها، كما هو أوضح من أن يخفى، فلا بد للتعيين
~~من دليل آخر، ولا مجال لاستصحاب الجواز، إلا بناء على جريانه في القسم
~~الثالث من أقسام استصحاب الكلي، وهو ما إذا شك في حدوث فرد كلي مقارنا
~~لارتفاع فرده الآخر، وقد حققنا في محله (1)، أنه لا يجري الاستصحاب فيه، ما
~~لم يكن الحادث المشكوك من المراتب القوية أو الضعيفة المتصلة بالمرتفع،
~~بحيث عد عرفا - لو كان - أنه باق، لا أنه أمر حادث غيره.
# ومن المعلوم أن كل واحد من الاحكام مع الآخر عقلا وعرفا، من المباينات
~~والمتضادات، غير الوجوب والاستحباب، فإنه وإن كان بينهما التفاوت بالمرتبة
~~والشدة والضعف عقلا إلا أنهما متباينان عرفا، فلا مجال للاستصحاب إذا شك في
~~تبدل أحدهما بالآخر، فإن حكم العرف ونظره يكون متبعا في هذا الباب.
# فصل إذا تعلق الامر بأحد (2) الشيئين أو الأشياء، ففي وجوب كل واحد على
~~التخيير، بمعنى عدم جواز تركه إلا إلى بدل، أو وجوب الواحد بعينه، أو وجوب
~~كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما، أو وجوب المعين عند الله، أقوال.
# والتحقيق أن يقال: إنه إن كان الامر بأحد الشيئين، بملاك أنه هناك غرض
~~واحد يقوم به كل واحد منهما، بحيث إذا أتى بأحدهما ms097 حصل به تمام
# PageV00P140
# الغرض، ولذا يسقط به الامر، كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما،
~~وكان التخيير بينهما بحسب الواقع عقليا لا شرعيا، وذلك لوضوح أن الواحد لا
~~يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان، ما لم يكن بينهما جامع في البين،
~~لاعتبار نحو من السنخية بين العلة والمعلول.
# وعليه: فجعلهما متعلقين للخطاب الشرعي، لبيان أن الواجب هو الجامع بين
~~هذين الاثنين.
# وإن كان بملاك أنه يكون في كل واحد منهما غرض، لا يكاد يحصل مع حصول
~~الغرض في الآخر بإتيانه، كان كل واحد واجبا بنحو من الوجوب، يستكشف عنه
~~تبعاته، من عدم جواز تركه إلا إلى الآخر، وترتب الثواب على فعل الواحد
~~منهما، والعقاب على تركهما، فلا وجه في مثله للقول بكون الواجب هو (1)
~~أحدهما لا بعينه مصداقا ولا مفهوما، كما هو واضح، إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا
~~فيما إذا كان الامر بأحدهما بالملاك الأول، من أن الواجب هو الواحد الجامع
~~بينهما، ولا أحدهما معينا، مع كون كل منهما مثل الآخر في أنه واف بالغرض
~~[ولا كل واحد منهما تعينا مع السقوط بفعل أحدهما، بداهة عدم السقوط مع
~~إمكان استيفاء ما في كل منهما من الغرض، وعدم جواز الايجاب كذلك مع عدم
~~إمكانه] (2) فتدبر.
# بقي الكلام في أنه هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين الأقل والأكثر،
~~أولا؟
# PageV00P141
# ربما يقال، بأنه محال، فإن الأقل إذا وجد كان هو الواجب لا محالة، ولو
~~كان في ضمن الأكثر، لحصول الغرض به، وكان الزائد عليه من أجزاء الأكثر
~~زائدا على الواجب، لكنه ليس كذلك، فإنه إذا فرض أن المحصل للغرض فيما إذا
~~وجد الأكثر، هو الأكثر لا الأقل الذي في ضمنه، بمعنى أن يكون لجميع أجزائه
~~حينئذ دخل في حصوله، وإن كان الأقل لو لم يكن في ضمنه كان وافيا به أيضا،
~~فلا محيص عن التخيير بينهما، إذ تخصيص الأقل بالوجوب حينئذ كان بلا مخصص،
~~فإن الأكثر بحده يكون مثله على الفرض، مثل أن يكون الغرض الحاصل من رسم
~~الخط مترتبا ms098 على الطويل إذا رسم بماله من الحد، لا على القصير في ضمنه،
~~ومعه كيف يجوز تخصيصه بما لا يعمه؟ ومن الواضح كون هذا الفرض بمكان من
~~الامكان.
# إن قلت: هبه في مثل ما إذا كان للأكثر وجود واحد، لم يكن للأقل في ضمنه
~~وجود على حدة، كالخط الطويل الذي رسم دفعة بلا تخلل سكون في البين، لكنه
~~ممنوع فيما كان له في ضمنه وجود، كتسبيحة في ضمن تسبيحات ثلاث، أو خط طويل
~~رسم مع تخلل العدم في رسمه، فإن الأقل قد وجد بحده، وبه يحصل الغرض على
~~الفرض، ومعه لا محالة يكون الزائد عليه مما لا دخل له في حصوله، فيكون
~~زائدا على الواجب، لا من أجزائه.
# قلت: لا يكاد يختلف الحال بذاك، فإنه مع الفرض لا يكاد يترتب الغرض على
~~الأقل في ضمن الأكثر، وإنما يترتب عليه بشرط عدم الانضمام، ومعه كان مترتبا
~~على الأكثر بالتمام.
# وبالجملة إذا كان كل واحد من الأقل والأكثر بحده مما يترتب عليه الغرض،
~~فلا محالة يكون الواجب هو الجامع بينهما، وكان التخيير بينهما عقليا إن كان
~~هناك غرض واحد، وتخييرا شرعيا فيما كان هناك غرضان، على ما عرفت.
~~PageV00P142
# نعم لو كان الغرض مترتبا على الأقل، من دون دخل للزائد، لما كان الأكثر
~~مثل الأقل وعدلا له، بل كان فيه اجتماع الواجب وغيره، مستحبا كان أو غيره،
~~حسب اختلاف الموارد، فتدبر جيدا.
# فصل في الوجوب (1) الكفائي:
# والتحقيق أنه سنخ من الوجوب، وله تعلق بكل واحد، بحيث لو أخل بامتثاله
~~الكل لعوقبوا على مخالفته جميعا، وإن سقط عنهم لو أتى به بعضهم، وذلك لأنه
~~قضية ما إذا كان هناك غرض واحد، حصل بفعل واحد، صادر عن الكل أو البعض.
# كما أن الظاهر هو امتثال الجميع لو أتوا به دفعة، واستحقاقهم للمثوبة،
~~وسقوط الغرض بفعل الكل، كما هو قضية توارد العلل المتعددة على معلول واحد.
# فصل لا يخفى أنه وإن كان الزمان مما لا بد منه عقلا في الواجب، إلا أنه
~~تارة مما له دخل فيه ms099 شرعا فيكون موقتا، وأخرى لا دخل له فيه أصلا فهو غير
~~موقت، والموقت إما أن يكون الزمان المأخوذ فيه بقدره فمضيق، وإما أن يكون
~~أوسع منه فموسع.
# ولا يذهب عليك أن الموسع كلي، كما كان له أفراد دفعية، كان له أفراد
~~تدريجية، يكون التخيير بينها كالتخيير بين أفرادها الدفعية عقليا.
# ولا وجه لتوهم أن يكون التخيير بينها شرعيا، ضرورة أن نسبتها إلى الواجب
~~نسبة أفراد الطبائع إليها، كما لا يخفى، ووقوع الموسع فضلا عن
# PageV00P143
# إمكانه، مما لا ريب فيه، ولا شبهة تعتريه، ولا اعتناء ببعض التسويلات كما
~~يظهر من المطولات.
# ثم إنه لا دلالة للامر بالموقت بوجه على الامر به في خارج الوقت، بعد
~~فوته في الوقت، لو لم نقل بدلالته على عدم الامر به.
# نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل، لم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت،
~~وكان لدليل الواجب إطلاق، لكان قضية إطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت،
~~وكون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله.
# وبالجملة: التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب، كذلك ربما يكون
~~بنحو تعدد المطلوب، بحيث كان أصل الفعل، ولو في خارج الوقت مطلوبا في
~~الجملة، وإن لم يكن بتمام المطلوب، إلا أنه لابد في إثبات أنه بهذا النحو
~~من دلالة، ولا يكفي الدليل على الوقت إلا فيما عرفت، ومع عدم الدلالة فقضية
~~أصالة البراءة عدم وجوبها في خارج الوقت، ولا مجال لاستصحاب وجوب الموقت
~~بعد انقضاء الوقت، فتدبر جيدا.
# فصل الامر بالأمر بشئ، أمر به لو كان الغرض حصوله، ولم يكن له غرض في
~~توسيط أمر الغير به إلا تبليغ (1) أمره به، كما هو المتعارف في أمر الرسل
~~بالأمر أو النهي. وأما لو كان الغرض من ذلك يحصل بأمره بذاك الشئ، من دون
~~تعلق غرضه به، أو مع تعلق غرضه به لا مطلقا، بل بعد تعلق أمره به، فلا يكون
~~أمرا بذاك الشئ، كما لا يخفى.
# وقد انقدح بذلك أنه لا دلالة بمجرد الامر بالأمر، على كونه أمرا به، ولا
~~بد في ms100 الدلالة
# PageV00P144
# عليه من قرينة عليه.
# فصل إذا ورد أمر بشئ بعد الامر به قبل امتثاله، فهل يوجب تكرار ذاك الشئ،
~~أو تأكيد الامر الأول، والبعث الحاصل به؟ قضية إطلاق المادة هو التأكيد،
~~فإن الطلب تأسيسا لا يكاد يتعلق بطبيعة واحدة مرتين، من دون أن يجئ تقييد
~~لها في البين، ولو كان بمثل (مرة أخرى) كي يكون متعلق كل منهما غير متعلق
~~الاخر، كما لا يخفى، والمنساق من إطلاق الهيئة، وإن كان هو تأسيس الطلب لا
~~تأكيده، إلا أن الظاهر هو انسباق التأكيد عنها، فيما كانت مسبوقة بمثلها،
~~ولم يذكر هناك سبب، أو ذكر سبب واحد. PageV00P145
# المقصد الثاني النواهي PageV00P147
# المقصد الثاني: في النواهي فصل الظاهر أن النهي بمادته وصيغته في الدلالة
~~على الطلب، مثل الامر بمادته وصيغته، غير أن متعلق الطلب في أحدهما الوجود،
~~وفي الآخر العدم، فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت أصلا، نعم
~~يختص النهي بخلاف، وهو: إن متعلق الطلب فيه، هل هو الكف، أو مجرد الترك وأن
~~لا يفعل؟
# والظاهر هو الثاني، وتوهم أن الترك ومجرد أن لا يفعل خارج عن تحت
~~الاختيار، فلا يصح أن يتعلق به البعث والطلب، فاسد، فإن الترك أيضا يكون
~~مقدورا، وإلا لما كان الفعل مقدورا وصادرا بالإرادة والاختيار، وكون العدم
~~الأزلي لا بالاختيار، لا يوجب أن يكون بحسب البقاء والاستمرار الذي يكون
~~بحسبه محلا للتكليف.
# ثم إنه لا دلالة لصيغته على الدوام والتكرار، كما لا دلالة لصيغة الامر
~~وإن كان قضيتهما عقلا تختلف ولو مع وحدة متعلقهما، بأن يكون طبيعة واحدة
~~بذاتها وقيدها تعلق بها الامر مرة والنهي أخرى، ضرورة أن وجودها يكون بوجود
~~فرد واحد، وعدمها لا يكاد يكون إلا بعدم الجميع، كما لا يخفى.
# ومن ذلك يظهر أن الدوام والاستمرار، إنما يكون في النهي إذا كان متعلقه
~~طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان أو حال، فإنه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه
~~الطبيعة معدومة، إلا بعدم جميع أفرادها الدفعية والتدريجية. PageV00P149
# وبالجملة قضية النهي، ليس إلا ترك تلك الطبيعة التي ms101 تكون متعلقة له، كانت
~~مقيدة أو مطلقة، وقضية تركها عقلا، إنما هو ترك جميع أفرادها.
# ثم إنه لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف، أو عدم إرادته، بل لابد
~~في تعيين ذلك من دلالة، ولو كان إطلاق المتعلق من هذه الجهة، ولا يكفي
~~إطلاقها من سائر الجهات، فتدبر جيدا.
# فصل اختلفوا في جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد، وامتناعه، على أقوال:
~~(1) ثالثها (2): جوازه عقلا وامتناعه عرفا، وقبل الخوض في المقصود يقدم
~~أمور:
# الأول: المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين، ومندرجا تحت عنوانين،
~~بأحدهما كان موردا للامر، وبالآخر للنهي، وإن كان كليا مقولا على كثيرين،
~~كالصلاة في المغصوب، وإنما ذكر لاخراج ما إذا تعدد متعلق الأمر والنهي ولم
~~يجتمعا وجودا، ولو جمعهما واحد مفهوما، كالسجود لله تعالى، والسجود للصنم
~~مثلا، لا لاخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالحركة والسكون الكليين
~~المعنونين بالصلاتية والغصبية.
# الثاني: الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي في العبادة (3)، هو أن الجهة
~~المبحوث عنها فيها التي بها تمتاز المسائل، هي أن تعدد الوجه والعنوان في
~~الواحد يوجب تعدد متعلق الأمر والنهي، بحيث يرتفع به غائلة استحالة
~~الاجتماع في الواحد بوجه واحد، أو لا يوجبه، بل يكون حاله حاله، فالنزاع في
~~سراية كل
# PageV00P150
# من الأمر والنهي إلى متعلق الآخر، لاتحاد متعلقيهما وجودا، وعدم سرايته
~~لتعددهما وجها، وهذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الأخرى، فإن
~~البحث فيها في أن النهي في العبادة [أو المعاملة] (1) يوجب فسادها، بعد
~~الفراغ عن التوجه إليها.
# نعم لو قيل بالامتناع مع ترجيح جانب النهي في مسألة الاجتماع، يكون مثل
~~الصلاة في الدار المغصوبة من صغريات تلك المسألة.
# فانقدح أن الفرق بين المسألتين في غاية الوضوح، وأما ما أفاده في الفصول
~~(2)، من الفرق بما هذه عبارته:
# (ثم اعلم أن الفرق بين المقام والمقام المتقدم، وهو أن الأمر والنهي هل
~~يجتمعان في شئ واحد أو لا؟ أما في المعاملات فظاهر، وأما في العبادات، فهو
~~أن النزاع هناك فيما إذا تعلق الأمر والنهي بطبيعتين متغايرتين بحسب ms102
~~الحقيقة، وإن كان بينهما عموم مطلق، وهنا فيما إذا اتحدتا حقيقة وتغايرتا
~~بمجرد الاطلاق والتقييد، بأن تعلق الامر بالمطلق، والنهي بالمقيد) انتهى
~~موضع الحاجة، فاسد، فإن مجرد تعدد الموضوعات وتغايرها بحسب الذوات، لا يوجب
~~التمايز بين المسائل، ما لم يكن هناك اختلاف الجهات، ومعه لا حاجة أصلا إلى
~~تعددها، بل لا بد من عقد مسألتين، مع وحدة الموضوع وتعدد الجهة المبحوث
~~عنها، وعقد مسألة واحدة في صورة العكس، كما لا يخفى.
# ومن هنا انقدح أيضا فساد الفرق، بأن النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا،
~~وهناك في دلالة النهي لفظا، فإن مجرد ذلك لو لم يكن تعدد الجهة في البين،
~~لا يوجب إلا تفصيلا في المسألة الواحدة، لا عقد مسألتين، هذا مع
# PageV00P151
# عدم اختصاص النزاع في تلك المسألة بدلالة اللفظ، كما سيظهر.
# الثالث: إنه حيث كانت نتيجة هذه المسألة مما تقع في طريق الاستنباط، كانت
~~المسألة من المسائل الأصولية، لا من مبادئها الأحكامية، ولا التصديقية، ولا
~~من المسائل الكلامية، ولا من المسائل الفرعية، وإن كانت فيها جهاتها، كما
~~لا يخفى، ضرورة أن مجرد ذلك لا يوجب كونها منها إذا كانت فيها جهة أخرى،
~~يمكن عقدها معها من المسائل، إذ لا مجال حينئذ لتوهم عقدها من غيرها في
~~الأصول، وإن عقدت كلامية في الكلام، وصح عقدها فرعية أو غيرها بلا كلام،
~~وقد عرفت في أول الكتاب (1) أنه لا ضير في كون مسألة واحدة، يبحث فيها عن
~~جهة خاصة من مسائل علمين، لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة، كانت
~~بإحداهما من مسائل علم، وبالأخرى من آخر، فتذكر.
# الرابع: إنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه، أن المسألة عقلية، ولا اختصاص
~~للنزاع في جواز الاجتماع والامتناع فيها بما إذا كان الايجاب والتحريم
~~باللفظ، كما ربما يوهمه التعبير بالأمر والنهي الظاهرين في الطلب بالقول،
~~إلا أنه لكون الدلالة عليهما غالبا بهما، كما هو أوضح من أن يخفى، وذهاب
~~البعض (2) إلى الجواز عقلا والامتناع عرفا، ليس بمعنى دلالة اللفظ، بل
~~بدعوى أن الواحد بالنظر الدقيق العقلي ms103 اثنين، وأنه بالنظر المسامحي العرفي
~~واحد ذو وجهين، وإلا فلا يكون معنى محصلا للامتناع العرفي، غاية الامر دعوى
~~دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع، فتدبر جيدا.
# الخامس: لا يخفى أن ملاك النزاع في جواز الاجتماع والامتناع يعم جميع
~~أقسام الايجاب والتحريم، كما هو قضية إطلاق لفظ الأمر والنهي،
# PageV00P152
# ودعوى الانصراف إلى النفسيين التعيينيين العينيين في مادتهما، غير خالية
~~عن الاعتساف، وإن سلم في صيغتهما، مع أنه فيها ممنوع (1).
# نعم لا يبعد دعوى الظهور والانسباق من الاطلاق، بمقدمات الحكمة الغير
~~الجارية في المقام، لما عرفت من عموم الملاك لجميع الأقسام، وكذا ما وقع في
~~البين من النقض والابرام، مثلا إذا أمر بالصلاة والصوم تخييرا بينهما،
~~وكذلك نهى عن التصرف في الدار والمجالسة مع الأغيار، فصلى فيها مع
~~مجالستهم، كان حال الصلاة فيها حالها، كما إذا أمر بها تعيينا (2)، ونهى عن
~~التصرف فيها كذلك في جريان النزاع في الجواز والامتناع، ومجئ أدلة الطرفين،
~~وما وقع من النقض والابرام في البين، فتفطن.
# السادس: إنه ربما يؤخذ في محل النزاع قيد المندوحة في مقام الامتثال، بل
~~ربما قيل: بأن الاطلاق إنما هو للاتكال على الوضوح، إذ بدونها يلزم التكليف
~~بالمحال.
# ولكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها في ما هو المهم في محل النزاع من لزوم
~~المحال، وهو اجتماع الحكمين المتضادين، وعدم الجدوى في كون موردهما موجها
~~بوجهين في رفع غائلة اجتماع الضدين، أو عدم لزومه، وأن تعدد الوجه يجدي في
~~رفعها، ولا يتفاوت في ذلك أصلا وجود المندوحة وعدمها، ولزوم التكليف
~~بالمحال بدونها محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع.
# نعم لا بد من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلا، لمن يرى التكليف بالمحال
~~محذورا ومحالا، كما ربما لا بد من اعتبار أمر آخر في الحكم به كذلك أيضا.
# وبالجملة لا وجه لاعتبارها، إلا لاجل اعتبار القدرة على الامتثال، وعدم
# PageV00P153
# لزوم التكليف بالمحال، ولا دخل له بما هو المحذور في المقام من التكليف
~~المحال، فافهم واغتنم.
# السابع: إنه ربما يتوهم تارة أن ms104 النزاع في الجواز والامتناع، يبتني على
~~القول بتعلق الاحكام بالطبائع، وأما الامتناع على القول بتعلقها بالافراد
~~فلا يكاد يخفى، ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي، ولو كان ذا وجهين على
~~هذا القول.
# وأخرى أن القول بالجواز مبني على القول بالطبائع، لتعدد متعلق الأمر
~~والنهي ذاتا عليه، وإن اتحد وجودا، والقول بالامتناع على القول بالافراد،
~~لاتحاد متعلقهما شخصا خارجا، وكونه فردا واحدا.
# وأنت خبير بفساد كلا التوهمين، فإن تعدد الوجه إن كان يجدي بحيث لا يضر
~~معه الاتحاد بحسب الوجود والايجاد، لكان يجدي ولو على القول بالافراد، فإن
~~الموجود الخارجي الموجه بوجهين، يكون فردا لكل من الطبيعتين، فيكون مجمعا
~~لفردين موجودين بوجود واحد، فكما لا يضر وحدة الوجود بتعدد الطبيعتين، لا
~~يضر بكون المجمع اثنين بما هو مصداق وفرد لكل من الطبيعتين، وإلا لما كان
~~يجدي أصلا، حتى على القول بالطبائع، كما لا يخفى، لوحدة الطبيعتين وجودا
~~واتحادهما خارجا، فكما أن وحدة الصلاتية والغصبية في الصلاة في الدار
~~المغصوبة وجودا غير ضائر بتعددهما وكونها طبيعتين، كذلك وحدة ما وقع في
~~الخارج من خصوصيات الصلاة فيها وجودا غير ضائر بكونه فردا للصلاة، فيكون
~~مأمورا به، وفردا للغصب فيكون منهيا عنه، فهو على وحدته وجودا يكون اثنين،
~~لكونه مصداقا للطبيعتين، فلا تغفل.
# الثامن: إنه لا يكاد يكون من باب الاجتماع، إلا إذا كان في كل واحد من
~~متعلقي الايجاب والتحريم مناط حكمه مطلقا، حتى في مورد PageV00P154
# التصادق والاجتماع، كي يحكم على الجواز بكونه فعلا محكوما بالحكمين وعلى
~~الامتناع بكونه محكوما بأقوى المناطين، أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم
~~يكن هناك أحدهما أقوى، كما يأتي تفصيله (1).
# وأما إذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك، فلا يكون من هذا الباب، ولا يكون
~~مورد الاجتماع محكوما إلا بحكم واحد منها، إذا كان له مناطه، أو حكم آخر
~~غيرهما، فيما لم يكن لواحد منهما، قيل بالجواز والامتناع، هذا بحسب مقام
~~الثبوت.
# وأما بحسب مقام الدلالة والاثبات، فالروايتان الدالتان على الحكمين
~~متعارضتان، إذا أحرز أن المناط من قبيل ms105 الثاني، فلا بد من حمل المعارضة
~~حينئذ بينهما من الترجيح والتخيير، وإلا فلا تعارض في البين، بل كان من باب
~~التزاحم بين المقتضيين، فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلا، لكونه أقوى
~~مناطا، فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات أصلا، بل لا بد من مرجحات
~~المقتضيات المتزاحمات، كما يأتي الإشارة (2) إليها.
# نعم لو كان كل منها متكفلا للحكم الفعلي، لوقع بينهما التعارض، فلا بد من
~~ملاحظة مرجحات باب المعارضة، لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم
~~الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة، فتفطن.
# التاسع: إنه قد عرفت أن المعتبر في هذا الباب، أن يكون كل واحد من
~~الطبيعة المأمور بها والمنهي عنها، مشتملة على مناط الحكم مطلقا، حتى في
~~حال الاجتماع، فلو كان هناك ما دل على ذلك من اجماع أو غيره فلا إشكال، ولو
~~لم يكن إلا اطلاق دليلي الحكمين، ففيه تفصيل وهو:
# إن الاطلاق لو كان في بيان الحكم الاقتضائي، لكان دليلا على ثبوت
# PageV00P155
# المقتضي والمناط في مورد الاجتماع، فيكون من هذا الباب، ولو كان بصدد
~~الحكم الفعلي، فلا إشكال في استكشاف ثبوت المقتضي في الحكمين على القول
~~بالجواز، إلا إذا علم إجمالا بكذب أحد الدليلين، فيعامل معهما معاملة
~~المتعارضين. وأما على القول بالامتناع فالاطلاقان متنافيان، من غير دلالة
~~على ثبوت المقتضي للحكمين في مورد الاجتماع أصلا، فإن انتفاء أحد
~~المتنافيين، كما يمكن أن يكون لاجل المانع مع ثبوت المقتضي له، يمكن أن
~~يكون لاجل انتفائه، إلا أن يقال: إن قضية التوفيق بينهما، هو حمل كل منهما
~~على الحكم الاقتضائي، لو لم يكن أحدهما أظهر، وإلا فخصوص الظاهر منهما.
# فتلخص أنه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضي في الحكمين، كان من
~~مسألة الاجتماع، وكلما لم تكن هناك دلالة عليه، فهو من باب التعارض مطلقا،
~~إذا كانت هناك دلالة على انتفائه في أحدهما بلا تعيين ولو على الجواز، وإلا
~~فعلى الامتناع.
# العاشر (1): إنه لا إشكال في سقوط الامر وحصول الامتثال بإتيان المجمع
~~بداعي الامر على الجواز مطلقا، ms106 ولو في العبادات، وإن كان معصية للنهي أيضا،
~~وكذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الامر، إلا أنه لا معصية عليه، وأما
~~عليه وترجيح جانب النهي فيسقط به الامر به مطلقا في غير العبادات، لحصول
~~الغرض الموجب له، وأما فيها فلا، مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيرا،
~~فإنه وإن كان متمكنا - مع عدم الالتفات - من قصد القربة، وقد قصدها، إلا
~~أنه مع التقصير لا يصلح لان يتقرب به أصلا، فلا يقع مقربا، وبدونه لا يكاد
~~يحصل به الغرض الموجب للامر به عبادة، كما لا يخفى. وأما إذا لم يلتفت
~~إليها قصورا، وقد قصد القربة بإتيانه، فالامر
# PageV00P156
# يسقط، لقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به، لاشتماله على المصلحة، مع صدوره
~~حسنا لاجل الجهل بحرمته قصورا، فيحصل به الغرض من الامر، فيسقط به قطعا،
~~وإن لم يكن امتثالا له بناء على تبعية الاحكام لما هو الأقوى من جهات
~~المصالح والمفاسد واقعا، لا لما هو المؤثر منها فعلا للحسن أو القبح،
~~لكونهما تابعين لما علم منهما كما حقق في محله.
# مع أنه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك، فإن العقل لا يرى تفاوتا
~~بينه وبين سائر الافراد في الوفاء بغرض (1) الطبيعة المأمور بها، وإن لم
~~تعمه بما هي مأمور بها، لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضي.
# ومن هنا انقدح أنه يجزي، ولو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحة العبادة،
~~وعدم كفاية الاتيان بمجرد المحبوبية، كما يكون كذلك في ضد الواجب، حيث لا
~~يكون هناك أمر يقصد أصلا.
# وبالجملة مع الجهل قصورا بالحرمة موضوعا أو حكما، يكون الاتيان بالمجمع
~~امتثالا، وبداعي الامر بالطبيعة لا محالة، غاية الامر أنه لا يكون مما تسعه
~~بما هي مأمور بها، لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرها للاحكام الواقعية،
~~وأما لو قيل بعدم التزاحم إلا في مقام فعلية الاحكام، لكان مما تسعه
~~وامتثالا لأمرها بلا كلام.
# وقد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليلا الحرمة والوجوب متعارضين،
~~وقدم دليل الحرمة تخييرا أو ترجيحا، حيث لا ms107 يكون معه مجال للصحة أصلا، وبين
~~ما إذا كانا من باب الاجتماع.
# وقيل بالامتناع، وتقديم جانب الحرمة، حيث يقع صحيحا في غير مورد من موارد
~~الجهل والنسيان، لموافقته للغرض بل للامر، ومن هنا علم أن
# PageV00P157
# الثواب عليه من قبيل الثواب على الإطاعة، لا الانقياد ومجرد اعتقاد
~~الموافقة.
# وقد ظهر بما ذكرناه، وجه حكم الأصحاب بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، مع
~~النسيان أو الجهل بالموضوع، بل أو الحكم إذا كان عن قصور، مع أن الجل لولا
~~الكل قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة، ويحكمون بالبطلان في غير موارد
~~العذر، فلتكن من ذلك على ذكر.
# إذا عرفت هذه الأمور، فالحق هو القول بالامتناع، كما ذهب إليه المشهور،
~~وتحقيقه على وجه يتضح به فساد ما قيل، أو يمكن أن يقال، من وجوه الاستدلال
~~لسائر الأقوال، يتوقف على تمهيد مقدمات:
# إحداها: إنه لا ريب في أن الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها،
~~وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين
~~البعث نحو واحد في زمان والزجر عنه في ذاك الزمان، وإن لم يكن بينها مضادة
~~ما لم يبلغ إلى تلك المرتبة، لعدم المنافاة والمعاندة بين وجوداتها
~~الانشائية قبل البلوغ إليها، كما لا يخفى، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في
~~واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة أنه بنفسه محال، فلا يجوز
~~عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضا.
# ثانيتها: إنه لا شبهة في أن متعلق الاحكام، هو فعل المكلف وما هو في
~~الخارج يصدر عنه، وهو فاعله وجاعله، لا ما هو اسمه، وهو واضح، ولا ما هو
~~عنوانه مما قد انتزع عنه، بحيث لولا انتزاعه تصورا واختراعه ذهنا، لا كان
~~بحذائه شئ خارجا ويكون خارج المحمول، كالملكية والزوجية والرقية والحرية
~~والمغصوبية (1)، إلى غير ذلك من الاعتبارات والإضافات، ضرورة أن البعث ليس
~~نحوه، والزجر لا يكون عنه، وإنما يؤخذ في متعلق الاحكام آلة للحاظ
# PageV00P158
# متعلقاتها، والإشارة إليها، بمقدار الغرض منها والحاجة إليها، لا بما هو
~~هو وبنفسه، وعلى استقلاله وحياله.
# ثالثتها: إنه ms108 لا يوجب تعدد الوجه والعنوان تعدد المعنون، ولا ينثلم به
~~وحدته، فإن المفاهيم المتعددة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد،
~~وتصدق على الفارد الذي لا كثرة فيه من جهة، بل بسيط من جميع الجهات، ليس
~~فيه حيث غير حيث، وجهة مغايرة لجهة أصلا، كالواجب تبارك وتعالى، فهو على
~~بساطته ووحدته وأحديته، تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلالية والجمالية، له
~~الأسماء الحسنى والأمثال العليا، لكنها بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد
~~الأحد.
# عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير رابعتها: إنه لا يكاد
~~يكون للموجود بوجود واحد، إلا ماهية واحدة وحقيقة فاردة، لا يقع في جواب
~~السؤال عن حقيقته بما هو إلا تلك الماهية، فالمفهومان المتصادقان على ذاك
~~لا يكاد يكون كل منهما ماهية وحقيقة، وكانت عينه في الخارج كما هو شأن
~~الطبيعي وفرده، فيكون الواحد وجودا واحدا ماهية وذاتا لا محالة، فالمجمع
~~وإن تصادق عليه متعلقا الأمر والنهي، إلا أنه كما يكون واحدا وجودا، يكون
~~واحدا ماهية وذاتا، ولا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية.
# ومنه يظهر عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع في المسألة، على القولين
~~في تلك المسألة، كما توهم في الفصول (1)، كما ظهر عدم الابتناء على تعدد
~~وجود الجنس والفصل في الخارج، وعدم تعدده، ضرورة عدم كون العنوانين
~~المتصادقين عليه من قبيل الجنس والفصل له، وإن مثل الحركة في دار من أي
# PageV00P159
# مقولة كانت، لا يكاد يختلف حقيقتها وماهيتها ويتخلف ذاتياتها، وقعت جزءا
~~للصلاة أو لا، كانت تلك الدار مغصوبة أو لا (1).
# إذا عرفت ما مهدناه، عرفت أن المجمع حيث كان واحدا وجودا وذاتا، كان تعلق
~~الأمر والنهي به محالا، ولو كان تعلقهما به بعنوانين، لما عرفت من كون فعل
~~المكلف بحقيقته وواقعيته الصادرة عنه، متعلقا للاحكام لا بعناوينه الطارئة
~~عليه، وأن غائلة اجتماع الضدين فيه لا تكاد ترتفع بكون الاحكام تتعلق
~~بالطبائع لا الافراد (2)، فإن غاية تقريبه أن يقال: إن الطبائع من حيث هي
~~هي، وإن كانت ليست إلا هي، ولا تتعلق بها الأحكام ms109 الشرعية، كالآثار العادية
~~والعقلية، إلا أنها مقيدة بالوجود، بحيث كان القيد خارجا والتقيد داخلا،
~~صالحة لتعلق الاحكام بها، ومتعلقا الأمر والنهي على هذا لا يكونان متحدين
~~أصلا، لا في مقام تعلق البعث والزجر، ولا في مقام عصيان النهي وإطاعة الامر
~~بإتيان المجمع بسوء الاختيار.
# أما في المقام الأول، فلتعددهما بما هما متعلقان لهما وإن كانا متحدين
~~فيما هو خارج عنهما، بما هما كذلك.
# وأما في المقام الثاني، فلسقوط أحدهما بالإطاعة، والآخر بالعصيان بمجرد
~~الاتيان، ففي أي مقام اجتمع الحكمان في واحد؟
# وأنت خبير بأنه لا يكاد يجدي بعد ما عرفت، من أن تعدد العنوان لا يوجب
~~تعدد المعنون لا وجودا ولا ماهية، ولا تنثلم به وحدته أصلا، وأن المتعلق
~~للاحكام هو المعنونات لا العنوانات، وأنها إنما تؤخذ في المتعلقات بما
# PageV00P160
# هي حاكيات كالعبارات، لا بما هي على حيالها واستقلالها.
# كما ظهر مما حققناه: أنه لا يكاد يجدي أيضا كون الفرد مقدمة لوجود
~~الطبيعي المأمور به أو المنهي عنه، وأنه لا ضير في كون المقدمة محرمة في
~~صورة عدم الانحصار بسوء الاختيار، وذلك - مضافا إلى وضوح فساده، وأن الفرد
~~هو عين الطبيعي في الخارج، كيف؟ والمقدمية تقتضي الاثنينية بحسب الوجود،
~~ولا تعدد كما هو واضح - أنه إنما يجدي لو لم يكن المجمع واحدا ماهية، وقد
~~عرفت بما لا مزيد عليه أنه بحسبها أيضا واحد.
# ثم إنه قد استدل (1) على الجواز بأمور:
# منها (2): إنه لو لم يجز اجتماع الأمر والنهي، لما وقع نظيره وقد وقع،
~~كما في العبادات المكروهة، كالصلاة في مواضع التهمة وفي الحمام والصيام في
~~السفر وفي بعض الأيام.
# بيان الملازمة: إنه لو لم يكن تعدد الجهة مجديا في إمكان اجتماعهما لما
~~جاز اجتماع حكمين آخرين في مورد مع تعددهما، لعدم اختصاصهما من بين الاحكام
~~بما يوجب الامتناع من التضاد، بداهة تضادها بأسرها، والتالي باطل، لوقوع
~~اجتماع الكراهة والايجاب أو الاستحباب، في مثل الصلاة في الحمام، والصيام
~~في السفر، وفي عاشوراء ولو في الحضر، واجتماع الوجوب أو الاستحباب مع
~~الإباحة ms110 أو الاستحباب، في مثل الصلاة في المسجد أو الدار.
# والجواب عنه أما إجمالا: فبأنه لا بد من التصرف والتأويل فيما وقع في
~~الشريعة مما ظاهره الاجتماع، بعد قيام الدليل على الامتناع، ضرورة أن
# PageV00P161
# الظهور لا يصادم البرهان، مع أن قضية ظهور تلك الموارد، اجتماع الحكمين
~~فيها بعنوان واحد، ولا يقول الخصم بجوازه كذلك، بل بالامتناع ما لم يكن
~~بعنوانين وبوجهين، فهو أيضا لابد [له] من التفصي عن إشكال الاجتماع فيها لا
~~سيما إذا لم يكن هناك مندوحة، كما في العبادات المكروهة التي لا بدل لها،
~~فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلا، كما لا
~~يخفى.
# وأما تفصيلا: فقد أجيب عنه بوجوه (1)، يوجب ذكرها بما فيها من النقض
~~والابرام طول الكلام بما لا يسعه المقام، فالأولى الاقتصار على ما هو
~~التحقيق في حسم مادة الاشكال، فيقال وعلى الله الاتكال: إن العبادات
~~المكروهة على ثلاثة أقسام:
# أحدها: ما تعلق به النهي بعنوانه وذاته، ولا بدل له، كصوم يوم عاشوراء
~~(2)، والنوافل المبتدئة في بعض الأوقات (3).
# ثانيها: ما تعلق به النهي كذلك، ويكون له البدل، كالنهي عن الصلاة في
~~الحمام (4).
# ثالثها: ما تعلق النهي به لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجودا،
# PageV00P162
# أو ملازم له خارجا، كالصلاة في مواضع التهمة (1)، بناء على كون النهي
~~عنها لاجل اتحادها مع الكون في مواضعها.
# أما القسم الأول: فالنهي تنزيها عنه بعد الاجتماع على أنه يقع صحيحا، ومع
~~ذلك يكون تركه أرجح، كما يظهر من مداومة الأئمة عليهم السلام على الترك،
~~إما لاجل انطباق عنوان ذي مصلحة على الترك، فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة
~~موافقة للغرض، وإن كان مصلحة الترك أكثر، فهما حينئذ يكونان من قبيل
~~المستحبين المتزاحمين، فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن أهم في البين، وإلا
~~فيتعين الأهم وإن كان الآخر يقع صحيحا، حيث أنه كان راجحا وموافقا للغرض،
~~كما هو الحال في سائر المستحبات المتزاحمات بل الواجبات، وأرجحية الترك من
~~الفعل لا توجب (2) حزازة ومنقصة فيه أصلا، كما يوجبها ما ms111 إذا كان فيه مفسدة
~~غالبة على مصلحته، ولذا لا يقع صحيحا على الامتناع، فإن الحزازة والمنقصة
~~فيه مانعة عن صلاحية التقرب به، بخلاف المقام، فإنه على ما هو عليه من
~~الرجحان وموافقة الغرض،
# PageV00P163
# كما إذا لم يكن تركه راجحا بلا حدوث حزازة فيه أصلا.
# وإما لاجل ملازمة الترك لعنوان كذلك، من دون انطباقه عليه، فيكون كما إذا
~~انطبق عليه من غير تفاوت، إلا في أن الطلب المتعلق به حينئذ ليس بحقيقي، بل
~~بالعرض والمجاز، فإنما يكون في الحقيقة متعلقا بما يلازمه من العنوان،
~~بخلاف صورة الانطباق لتعلقه به حقيقة، كما في سائر المكروهات من غير فرق،
~~إلا أن منشأه فيها حزازة ومنقصة في نفس الفعل، وفيه رجحان في الترك، من دون
~~حزازة في الفعل أصلا، غاية الامر كون الترك أرجح.
# نعم يمكن أن يحمل النهي - في كلا القسمين - على الارشاد إلى الترك الذي
~~هو أرجح من الفعل، أو ملازم لما هو الأرجح وأكثر ثوابا لذلك، وعليه يكون
~~النهي على نحو الحقيقة، لا بالعرض والمجاز، فلا تغفل.
# وأما القسم الثاني: فالنهي فيه يمكن أن يكون لاجل ما ذكر في القسم الأول،
~~طابق النعل بالنعل، كما يمكن أن يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور
~~بها، لاجل تشخصها في هذا القسم بمشخص غير ملائم لها، كما في الصلاة في
~~الحمام، فإن تشخصها بتشخص وقوعها فيه، لا يناسب كونها معراجا، وإن لم يكن
~~نفس الكون في الحمام بمكروه ولا حزازة فيه أصلا، بل كان راجحا، كما لا
~~يخفى.
# وربما يحصل لها لاجل تخصصها بخصوصية شديدة الملاءمة معها مزية فيها كما
~~في الصلاة في المسجد والأمكنة الشريفة، وذلك لان الطبيعة المأمور بها في حد
~~نفسها، إذا كانت مع تشخص لا يكون له شدة الملاءمة، ولا عدم الملاءمة لها
~~مقدار من المصلحة والمزية، كالصلاة في الدار مثلا، وتزداد تلك المزية فيما
~~كان تشخصها بماله شدة الملاءمة، وتنقص فيما إذا لم تكن له ملاءمة، ولذلك
~~ينقص ثوابها تارة ويزيد أخرى، ويكون النهي فيه لحدوث نقصان في ms112 مزيتها فيه
~~إرشادا إلى ما لا نقصان فيه من سائر الافراد، ويكون أكثر ثوابا منه، وليكن
~~PageV00P164
# هذا مراد من قال: إن الكراهة في العبادة بمعنى أنها تكون أقل ثوابا، ولا
~~يرد عليه بلزوم اتصاف العبادة التي تكون أقل ثوابا من الأخرى بالكراهة،
~~ولزوم اتصاف ما لا مزيد فيه ولا منقصة بالاستحباب، لأنه أكثر ثوابا مما فيه
~~المنقصة، لما عرفت من أن المراد من كونه أقل ثوابا، إنما هو بقياسه إلى نفس
~~الطبيعة المتشخصة بما لا يحدث معه مزية لها، ولا منقصة من المشخصات، وكذا
~~كونه أكثر ثوابا، ولا يخفى أن النهي في هذا القسم لا يصح إلا للارشاد،
~~بخلاف القسم الأول، فإنه يكون فيه مولويا، وإن كان حمله على الارشاد بمكان
~~من الامكان.
# وأما القسم الثالث: فيمكن أن يكون النهي فيه عن العبادة المتحدة مع ذاك
~~العنوان أو الملازمة له بالعرض والمجاز، وكان المنهي عنه به حقيقة ذاك
~~العنوان، ويمكن أن يكون على الحقيقة إرشادا إلى غيرها من سائر الافراد، مما
~~لا يكون متحدا معه أو ملازما له، إذ المفروض التمكن من استيفاء مزية
~~العبادة، بلا ابتلاء بحزازة ذاك العنوان أصلا، هذا على القول بجواز
~~الاجتماع.
# وأما على الامتناع، فكذلك في صورة الملازمة، وأما في صورة الاتحاد وترجيح
~~جانب الامر - كما هو المفروض، حيث أنه صحة العبادة - فيكون حال النهي فيه
~~حاله في القسم الثاني، فيحمل على ما حمل عليه فيه، طابق النعل بالنعل، حيث
~~أنه بالدقة يرجع إليه، إذا على الامتناع، ليس الاتحاد مع العنوان الآخر إلا
~~من مخصصاته ومشخصاته التي تختلف الطبيعة المأمور بها في المزية زيادة
~~ونقيصة بحسب اختلافها في الملاءمة كما عرفت.
# وقد انقدح بما ذكرناه، أنه لا مجال أصلا لتفسير الكراهة في العبادة
~~بأقلية الثواب في القسم الأول مطلقا، وفي هذا القسم على القول بالجواز، كما
~~انقدح حال اجتماع الوجوب والاستحباب فيها، وأن الامر الاستحبابي يكون على
~~نحو PageV00P165
# الارشاد إلى أفضل الافراد مطلقا على نحو الحقيقة، ومولويا اقتضائيا كذلك،
~~وفعليا بالعرض والمجاز فيما كان ملاكه ms113 ملازمتها لما هو مستحب، أو متحدا (1)
~~معه على القول بالجواز.
# ولا يخفى أنه لا يكاد يأتي القسم الأول هاهنا، فإن انطباق عنوان راجح على
~~الفعل الواجب الذي لا بدل له إنما يؤكد إيجابه، لا أنه يوجب استحبابه أصلا،
~~ولو بالعرض والمجاز، إلا على القول بالجواز، وكذا فيما إذا لازم مثل هذا
~~العنوان، فإنه لو لم يؤكد الايجاب لما يصحح الاستحباب إلا اقتضائيا بالعرض
~~والمجاز، فتفطن.
# ومنها: إن أهل العرف يعدون من أتى بالمأمور به في ضمن الفرد المحرم،
~~مطيعا وعاصيا من وجهين (2)، فإذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن
~~الكون في مكان خاص، كما مثل به الحاجبي (3) والعضدي (4)، فلو خاطه في ذاك
~~المكان، عد مطيعا لامر الخياطة وعاصيا للنهي عن الكون في ذلك المكان.
# وفيه - مضافا إلى المناقشة في المثال، بأنه ليس من باب الاجتماع، ضرورة
~~أن الكون المنهي عنه غير متحد مع الخياطة وجودا أصلا، كما لا يخفى -
# PageV00P166
# المنع إلا عن صدق أحدهما، إما الإطاعة بمعنى الامتثال فيما غلب جانب
~~الامر، أو العصيان فيما غلب جانب النهي، لما عرفت من البرهان على الامتناع.
# نعم لا بأس بصدق الإطاعة بمعنى حصول الغرض والعصيان في التوصليات، وأما
~~في العبادات فلا يكاد يحصل الغرض منها، إلا فيما صدر من المكلف فعلا غير
~~محرم وغير مبغوض عليه، كما تقدم (1).
# بقي الكلام في حال التفصيل من بعض الاعلام (2)، والقول بالجواز عقلا
~~والامتناع عرفا.
# وفيه: إنه لا سبيل للعرف في الحكم بالجواز أو الامتناع، إلا طريق العقل،
~~فلا معنى لهذا التفصيل إلا ما أشرنا إليه من النظر المسامحي الغير المبتني
~~على التدقيق والتحقيق، وأنت خبير بعدم العبرة به، بعد الاطلاع على خلافه
~~بالنظر الدقيق، وقد عرفت فيما تقدم (3) أن النزاع ليس في خصوص مدلول صيغة
~~الأمر والنهي، بل في الأعم، فلا مجال لان يتوهم أن العرف هو المحكم في
~~تعيين المداليل، ولعله كان بين مدلوليهما حسب تعيينه (4) تناف، لا يجتمعان
~~في واحد ولو بعنوانين، وإن كان العقل يرى جواز اجتماع الوجوب والحرمة في
~~واحد ms114 بوجهين، فتدبر.
# وينبغي التنبيه على أمور:
# الأول: إن الاضطرار إلى ارتكاب الحرام، وإن كان يوجب ارتفاع حرمته،
~~والعقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه - لو كان - مؤثرا له، كما إذا لم يكن
# PageV00P167
# بحرام بلا كلام، إلا أنه إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، بأن
~~يختار ما يؤدي إليه لا محالة، فإن الخطاب بالزجر عنه حينئذ، وإن كان ساقطا،
~~إلا أنه حيث يصدر عنه مبغوضا عليه وعصيانا لذاك الخطاب ومستحقا عليه
~~العقاب، لا يصلح لان يتعلق بها الايجاب، وهذا في الجملة مما لا شبهة فيه
~~ولا ارتياب.
# وإنما الاشكال فيما إذا كان ما اضطر إليه بسوء اختياره، مما ينحصر به
~~التخلص عن محذور الحرام، كالخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسطها
~~بالاختيار في كونه منهيا عنه، أو مأمورا به، مع جريان حكم المعصية عليه، أو
~~بدونه، فيه أقوال، هذا على الامتناع.
# وأما على القول بالجواز، فعن أبي هاشم (1) أنه مأمور به ومنهي عنه،
~~واختاره الفاضل القمي (2)، ناسبا له إلى أكثر المتأخرين وظاهر الفقهاء.
# والحق أنه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه، وعصيان له
~~بسوء الاختيار، ولا يكاد يكون مأمورا به، كما إذا لم يكن هناك توقف (3)
~~عليه، أو بلا انحصار به، وذلك ضرورة أنه حيث كان قادرا على ترك
# PageV00P168
# الحرام رأسا، لا يكون عقلا معذورا في مخالفته فيما اضطر إلى ارتكابه بسوء
~~اختياره، ويكون معاقبا عليه، كما إذا كان ذلك بلا توقف عليه، أو مع عدم
~~الانحصار به، ولا يكاد يجدي توقف انحصار التخلص عن الحرام به، لكونه بسوء
~~الاختيار.
# إن قلت: كيف لا يجديه، ومقدمة الواجب واجبة؟
# قلت: إنما يجب المقدمة لو لم تكن محرمة، ولذا لا يترشح الوجوب من الواجب
~~إلا على ما هو المباح من المقدمات دون المحرمة مع اشتراكهما في المقدمية.
# وإطلاق الوجوب بحيث ربما يترشح منه الوجوب عليها مع انحصار المقدمة بها،
~~إنما هو فيما إذا كان الواجب أهم من ترك المقدمة المحرمة، والمفروض هاهنا
~~وإن كان ذلك إلا أنه كان بسوء الاختيار، ومعه ms115 لا يتغير عما هو عليه من
~~الحرمة والمبغوضية، وإلا لكانت الحرمة معلقة على إرادة المكلف واختياره
~~لغيره، وعدم حرمته مع اختياره له، وهو كما ترى، مع أنه خلاف الفرض، وأن
~~الاضطرار يكون بسوء الاختيار.
# إن قلت (1): إن التصرف في أرض الغير بدون إذنه بالدخول والبقاء حرام، بلا
~~إشكال ولا كلام، وأما التصرف بالخروج الذي يترتب عليه رفع الظلم، ويتوقف
~~عليه التخلص عن التصرف الحرام، فهو ليس بحرام في حال من الحالات، بل حاله
~~حال مثل شرب الخمر، المتوقف عليه النجاة من الهلاك في الاتصاف بالوجوب في
~~جميع الأوقات.
# PageV00P169
# ومنه ظهر المنع عن كون جميع انحاء التصرف في أرض الغير مثلا حراما قبل
~~الدخول، وأنه يتمكن من ترك الجميع حتى الخروج، وذلك لأنه لو لم يدخل لما
~~كان متمكنا من الخروج وتركه، وترك الخروج بترك الدخول رأسا ليس في الحقيقة
~~إلا ترك الدخول، فمن لم يشرب الخمر، لعدم وقوعه في المهلكة التي يعالجها به
~~مثلا، لم يصدق عليه إلا أنه لم يقع في المهلكة، لا أنه ما شرب الخمر فيها،
~~إلا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، كما لا يخفى.
# وبالجملة لا يكون الخروج - بملاحظة كونه مصداقا للتخلص عن الحرام أو سببا
~~له - إلا مطلوبا، ويستحيل أن يتصف بغير المحبوبية، ويحكم عليه بغير
~~المطلوبية.
# قلت: هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به
~~التخلص مأمورا به، وهو موافق لما أفاده شيخنا العلامة أعلى الله مقامه، على
~~ما في تقريرات بعض الاجلة (1)، لكنه لا يخفى أن ما به التخلص عن فعل الحرام
~~أو ترك الواجب، إنما يكون حسنا عقلا ومطلوبا شرعا بالفعل، وإن كان قبيحا
~~ذاتا إذا لم يتمكن المكلف من التخلص بدونه، ولم يقع بسوء اختياره، إما في
~~الاقتحام في ترك الواجب أو فعل الحرام، وإما في الاقدام على ما هو قبيح
~~وحرام، لولا [أن] (2) به التخلص بلا كلام كما هو المفروض في المقام، ضرورة
~~تمكنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره.
# وبالجملة كان قبل ms116 ذلك متمكنا من التصرف خروجا، كما يتمكن منه دخولا، غاية
~~الامر يتمكن منه بلا واسطة، ومنه بالواسطة، ومجرد عدم التمكن منه إلا
~~بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدورا، كما هو الحال في البقاء، فكما يكون تركه
~~مطلوبا في جميع الأوقات، فكذلك الخروج، مع أنه مثله في
# PageV00P170
# الفرعية على الدخول، فكما لا تكون الفرعية مانعة عن مطلوبيته قبله وبعده،
~~كذلك لم تكن مانعة عن مطلوبيته، وإن كان العقل يحكم بلزومه إرشادا إلى
~~اختيار أقل المحذورين وأخف القبيحين.
# ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا وتخلصا عن المهلكة، وأنه إنما يكون
~~مطلوبا على كل حال لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، وإلا فهو على ما
~~هو عليه من الحرمة، وإن كان العقل يلزمه إرشادا إلى ما هو أهم وأولى
~~بالرعاية من تركه، لكون الغرض فيه أعظم، [ف] (1) من ترك الاقتحام فيما يؤدي
~~إلى هلاك النفس، أو شرب الخمر، لئلا يقع في أشد المحذورين منهما، فيصدق أنه
~~تركهما، ولو بتركه ما لو فعله لأدى لا محالة إلى أحدهما، كسائر الأفعال
~~التوليدية، حيث يكون العمد إليها بالعمد إلى أسبابها، واختيار تركها بعدم
~~العمد إلى الأسباب، وهذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج، وإن كان
~~لازما عقلا للفرار عما هو أكثر عقوبة.
# ولو سلم عدم الصدق إلا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، فهو غير
~~ضائر بعد تمكنه من الترك، ولو على نحو هذه السالبة، ومن الفعل بواسطة تمكنه
~~مما هو من قبيل الموضوع في هذه السالبة، فيوقع نفسه بالاختيار في المهلكة،
~~أو يدخل الدار فيعالج بشرب الخمر ويتخلص بالخروج، أو يختار ترك الدخول
~~والوقوع فيهما (2)، لئلا يحتاج إلى التخلص والعلاج.
# إن قلت: كيف يقع مثل الخروج والشرب ممنوعا عنه شرعا ومعاقبا عليه عقلا؟
~~مع بقاء ما يتوقف عليه على وجوبه، و [وضوح] (3) سقوط الوجوب مع امتناع
~~المقدمة المنحصرة، ولو كان بسوء الاختيار، والعقل قد استقل بان
# PageV00P171
# الممنوع شرعا كالممتنع عادة أو عقلا.
# قلت: أولا: إنما كان الممنوع كالممتنع، إذا لم يحكم العقل بلزومه ms117 إرشادا
~~إلى ما هو أقل المحذورين، وقد عرفت لزومه بحكمه، فإنه مع لزوم الاتيان
~~بالمقدمة عقلا، لا بأس في بقاء ذي المقدمة على وجوبه، فإنه حينئذ ليس من
~~التكليف بالممتنع، كما إذا كانت المقدمة ممتنعة.
# وثانيا: لو سلم، فالساقط إنما هو الخطاب فعلا بالبعث والايجاب لا لزوم
~~إتيانه عقلا، خروجا عن عهدة ما تنجز عليه سابقا، ضرورة أنه لو لم يأت به
~~لوقع في المحذور الأشد ونقض الغرض الأهم، حيث أنه الآن كما كان عليه من
~~الملاك والمحبوبية، بلا حدوث قصور أو طروء فتور فيه أصلا، وإنما كان سقوط
~~الخطاب لاجل المانع، وإلزام العقل به لذلك إرشادا كاف، لا حاجة معه إلى
~~بقاء الخطاب بالبعث إليه والايجاب له فعلا، فتدبر جيدا.
# وقد ظهر مما حققناه فساد القول بكونه مأمورا به، مع إجراء حكم المعصية
~~عليه نظرا إلى النهي السابق، مع ما فيه من لزوم اتصاف فعل واحد بعنوان واحد
~~بالوجوب والحرمة، ولا يرتفع غائلته باختلاف زمان التحريم والايجاب، قبل
~~الدخول وبعده، كما في الفصول (1)، مع اتحاد زمان الفعل المتعلق لهما، وإنما
~~المفيد اختلاف زمانه ولو مع اتحاد زمانهما، وهذا أوضح من أن يخفى، كيف؟
~~ولازمه وقوع الخروج بعد الدخول، عصيانا للنهي السابق، وإطاعة للامر اللاحق
~~فعلا، ومبغوضا ومحبوبا كذلك بعنوان واحد، وهذا مما لا يرضى به القائل
~~بالجواز، فضلا عن القائل بالامتناع.
# كما لا يجدي في رفع هذه الغائلة، كون النهي مطلقا وعلى كل حال، وكون
~~الامر مشروطا بالدخول، ضرورة منافاة حرمة شئ كذلك، مع وجوبه
# PageV00P172
# في بعض الأحوال.
# وأما القول (1) بكونه مأمورا به ومنهيا عنه، ففيه - مضافا إلى ما عرفت من
~~امتناع الاجتماع فيما إذا كان بعنوانين، فضلا عما إذا كان بعنوان واحد كما
~~في المقام، حيث كان الخروج بعنوانه سببا للتخلص، وكان بغير إذن المالك،
~~وليس التخلص إلا منتزعا عن ترك الحرام المسبب (2) عن الخروج، لا عنوانا له
~~- أن الاجتماع ها هنا لو سلم أنه لا يكون بمحال، لتعدد العنوان، وكونه
~~مجديا في رفع غائلة التضاد، كان محالا ms118 لاجل كونه طلب المحال، حيث لا مندوحة
~~هنا، وذلك لضرورة عدم صحة تعلق الطلب والبعث حقيقة بما هو واجب أو ممتنع،
~~ولو كان الوجوب أو الامتناع بسوء الاختيار، وما قيل أن الامتناع أو الايجاب
~~بالاختيار لا ينافي الاختيار، إنما هو في قبال استدلال الأشاعرة للقول بأن
~~الأفعال غير اختيارية، بقضية أن الشئ ما لم يجب لم يوجد.
# فانقدح بذلك فساد الاستدلال لهذا القول، بأن الامر بالتخلص والنهي عن
~~الغصب دليلان يجب إعمالهما، ولا موجب للتقييد عقلا، لعدم استحالة كون
~~الخروج واجبا وحراما باعتبارين مختلفين، إذ منشأ الاستحالة: إما لزوم
~~اجتماع الضدين وهو غير لازم، مع تعدد الجهة، وإما لزوم التكليف بما لا يطاق
~~وهو ليس بمحال إذا كان مسببا عن سوء الاختيار، وذلك لما عرفت من
# PageV00P173
# ثبوت الموجب للتقييد عقلا ولو كانا بعنوانين، وأن اجتماع الضدين لازم ولو
~~مع تعدد الجهة، مع عدم تعددها هاهنا، والتكليف بما لا يطاق محال على كل
~~حال، نعم لو كان بسوء الاختيار لا يسقط العقاب بسقوط التكليف بالتحريم أو
~~الايجاب.
# ثم لا يخفى أنه لا إشكال في صحة الصلاة مطلقا في الدار المغصوبة على
~~القول بالاجتماع، وأما على القول بالامتناع، فكذلك، مع الاضطرار إلى الغصب،
~~لا بسوء الاختيار أو معه ولكنها وقعت في حال الخروج، على القول بكونه
~~مأمورا به بدون إجراء حكم المعصية (1) عليه، أو مع غلبة ملاك الامر على
~~النهي مع ضيق الوقت، أما مع السعة فالصحة وعدمها مبنيان على عدم اقتضاء
~~الامر بالشئ للنهي عن الضد واقتضائه، فإن الصلاة في الدار المغصوبة، وإن
~~كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة، إلا أنه لا شبهة في أن الصلاة
~~في غيرها تضادها، بناء على أنه لا يبقي مجال مع إحداهما للأخرى، مع كونها
~~أهم منها، لخلوها من المنقصة الناشئة من قبل اتحادها مع الغصب، لكنه عرفت
~~عدم الاقتضاء بما لا مزيد عليه، فالصلاة في الغصب اختيارا في سعة الوقت
~~صحيحة، وإن لم تكن مأمورا بها.
# الامر الثاني: قد مر (2) - في بعض المقدمات ms119 - أنه لا تعارض بين مثل خطاب
~~(صل) وخطاب (لا تغصب) على الامتناع، تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان،
~~كي يقدم الأقوى منهما دلالة أو سندا، بل إنما هو من باب
# PageV00P174
# تزاحم المؤثرين والمقتضيين، فيقدم الغالب منهما، وإن كان الدليل على
~~مقتضى الآخر أقوى من دليل مقتضاه، هذا فيما إذا أحرز الغالب منهما، وإلا
~~كان بين الخطابين تعارض، فيقدم الأقوى منهما دلالة أو سندا، وبطريق الآن
~~يحرز به أن مدلوله أقوى مقتضيا، هذا لو كان كل من الخطابين متكفلا لحكم
~~فعلي، وإلا فلا بد من الاخذ بالمتكفل لذلك منهما لو كان، وإلا فلا محيص عن
~~الانتهاء إلى ما تقتضيه الأصول العملية.
# ثم لا يخفى (1) أن ترجيح أحد الدليلين وتخصيص الآخر به في المسألة لا
~~يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر رأسا، كما هو قضية التقييد والتخصيص
~~في غيرها مما لا يحرز فيه المقتضي لكلا الحكمين، بل قضيته ليس إلا خروجه
~~فيما كان الحكم الذي هو مفاد الآخر فعليا، وذلك لثبوت المقتضي في كل واحد
~~من الحكمين فيها، فإذا لم يكن المقتضي لحرمة الغصب مؤثرا لها، لاضطرار أو
~~جهل أو نسيان، كان المقتضي لصحة الصلاة مؤثرا لها فعلا، كما إذا لم يكن
~~دليل الحرمة أقوى، أو لم يكن واحد من الدليلين دالا على الفعلية أصلا.
# فانقدح بذلك فساد الاشكال في صحة الصلاة في صورة الجهل أو النسيان
~~ونحوهما، فيما إذا قدم خطاب (لا تغصب) كما هو الحال فيما إذا كان الخطابان
~~من أول الامر متعارضين، ولم يكونا من باب الاجتماع أصلا، وذلك لثبوت
~~المقتضي في هذا الباب كما إذا لم يقع بينهما تعارض، ولم يكونا متكلفين
~~للحكم الفعلي، فيكون وزان التخصيص في مورد الاجتماع وزان التخصيص العقلي
~~الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين وتأثيره فعلا المختص بما إذا لم يمنع عن
# PageV00P175
# تأثيره مانع المقتضي، لصحة مورد الاجتماع مع الامر، أو بدونه فيما كان
~~هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له، أو عن فعليته، كما مر تفصيله.
# وكيف كان، فلا بد في ms120 ترجيح أحد الحكمين من مرجح، وقد ذكروا لترجيح النهي
~~وجوها:
# منها: إنه أقوى دلالة، لاستلزامه انتفاء جميع الافراد، بخلاف الامر.
# وقد أورد عليه بأن ذلك فيه من جهة إطلاق متعلقه بقرينة الحكمة، كدلالة
~~الامر على الاجتزاء بأي فرد كان.
# وقد أورد عليه بأنه لو كان العموم المستفاد من النهي بالاطلاق بمقدمات
~~الحكمة، وغير مستند إلى دلالته عليه بالالتزام، لكان استعمال مثل (لا تغصب)
~~في بعض أفراد الغصب حقيقة، وهذا واضح الفساد، فتكون دلالته على العموم من
~~جهة أن وقوع الطبيعة في حيز النفي أو النهي، يقتضي عقلا سريان الحكم إلى
~~جميع الافراد، ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها، إلا بالانتهاء عن
~~الجميع أو انتفائه.
# قلت: دلالتها على العموم والاستيعاب ظاهرا مما لا ينكر، لكنه من الواضح
~~أن العموم المستفاد منهما كذلك، إنما هو بحسب ما يراد من متعلقهما، فيختلف
~~سعة وضيقا، فلا يكاد يدل على استيعاب جميع الافراد، إلا إذا أريد منه
~~الطبيعة مطلقة وبلا قيد، ولا يكاد يستظهر ذلك مع عدم دلالته (1) عليه
~~بالخصوص، إلا بالاطلاق وقرينة الحكمة، بحيث لو لم يكن هناك قرينتها بأن
~~يكون الاطلاق في غير مقام البيان، لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة،
~~وذلك لا ينافي دلالتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلق، إذ الفرض
~~عدم الدلالة على أنه المقيد أو المطلق.
# PageV00P176
# اللهم إلا أن يقال: إن في دلالتهما على الاستيعاب كفاية ودلالة على أن
~~المراد من المتعلق هو المطلق، كما ربما يدعى ذلك في مثل (كل رجل)، وإن مثل
~~لفظة (كل) تدل على استيعاب جميع أفراد الرجل من غير حاجة إلى ملاحظة إطلاق
~~مدخوله وقرينة الحكمة، بل يكفي إرادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة ولا
~~بشرط في دلالته على الاستيعاب وإن كان لا يلزم مجاز أصلا، لو أريد منه خاص
~~بالقرينة، لا فيه لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول، ولا فيه
~~إذا كان بنحو تعدد الدال والمدلول، لعدم استعماله إلا فيما وضع له،
~~والخصوصية مستفادة من دال آخر، فتدبر.
# ومنها: ms121 إن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.
# وقد أورد عليه في القوانين (1)، بأنه مطلقا ممنوع، لان في ترك الواجب
~~أيضا مفسدة إذا تعين.
# ولا يخفى ما فيه، فإن الواجب ولو كان معينا، ليس إلا لاجل أن في فعله
~~مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة، كما أن الحرام ليس إلا
~~لاجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه.
# ولكن يرد عليه أن الأولوية مطلقا ممنوعة، بل ربما يكون العكس أولى، كما
~~يشهد به مقايسة فعل بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات، خصوصا مثل الصلاة
~~وما يتلو تلوها.
# ولو سلم فهو أجنبي عن المقام (2)، فإنه فيما إذا دار بين الواجب والحرام.
# PageV00P177
# ولو سلم فإنما يجدي فيما لو حصل به القطع.
# ولو سلم أنه يجدي ولو لم يحصل، فإنما يجري فيما لا يكون هناك مجال لأصالة
~~البراءة أو الاشتغال، كما في دوران الامر بين الوجوب والحرمة التعيينيين،
~~لا فيما تجري، كما في محل الاجتماع، لأصالة البراءة عن حرمته فيحكم بصحته،
~~ولو قيل بقاعدة الاشتغال في الشك في الأجزاء والشرائط فإنه لا مانع عقلا
~~إلا فعلية الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عنها عقلا ونقلا.
# نعم لو قيل (1) بأن المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة في المبغوضية ولو لم
~~يكن الغلبة بمحرزة، فأصالة البراءة غير جارية، بل كانت أصالة الاشتغال
~~بالواجب لو كان عبادة محكمة، ولو قيل بأصالة البراءة في الأجزاء والشرائط،
~~لعدم تأتي قصد القربة مع الشك في المبغوضية، فتأمل.
# ومنها: الاستقراء، فإنه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب، كحرمة
~~الصلاة في أيام الاستظهار، وعدم جواز الوضوء من الإناءين المشتبهين.
# PageV00P178
# وفيه: أنه لا دليل على اعتبار الاستقراء، ما لم يفد القطع.
# ولو سلم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار.
# ولو سلم فليس حرمة الصلاة في تلك الأيام، ولا عدم جواز الوضوء منهما
~~مربوطا بالمقام، لان حرمة الصلاة فيها إنما تكون لقاعدة الامكان والاستصحاب
~~المثبتين لكون الدم حيضا، فيحكم بجميع أحكامه، ومنها حرمة الصلاة عليها لا
~~لاجل تغليب جانب الحرمة كما هو المدعى، ms122 هذا لو قيل بحرمتها الذاتية في أيام
~~الحيض، وإلا فهو خارج عن محل الكلام.
# ومن هنا انقدح أنه ليس منه ترك الوضوء من الإناءين، فإن حرمة الوضوء من
~~الماء النجس ليس إلا تشريعيا، ولا تشريع فيما لو توضأ منهما احتياطا، فلا
~~حرمة في البين غلب جانبها، فعدم جواز الوضوء منهما ولو كذلك، بل إراقتهما
~~كما في النص (1)، ليس إلا من باب التعبد، أو من جهة الابتلاء بنجاسة البدن
~~ظاهرا بحكم الاستصحاب، للقطع بحصول النجاسة حال ملاقاة المتوضئ من الاناء
~~الثانية، إما بملاقاتها، أو بملاقاة الأولى، وعدم استعمال مطهر بعده، ولو
~~طهر بالثانية مواضع الملاقاة بالأولى.
# نعم لو طهرت على تقدير نجاستها بمجرد ملاقاتها، بلا حاجة إلى التعدد
~~وانفصال الغسالة لا يعلم تفصيلا بنجاستها، وإن علم بنجاستها حين ملاقاة
~~الأولى أو الثانية إجمالا، فلا مجال لاستصحابها بل كانت قاعدة الطهارة
~~محكمة.
# الامر الثالث: الظاهر لحوق تعدد الإضافات، بتعدد العنوانات والجهات، في
~~أنه لو كان تعدد الجهة والعنوان كافيا مع وحدة المعنون وجودا، في جواز
~~الاجتماع، كان تعدد الإضافات مجديا، ضرورة أنه يوجب أيضا
# PageV00P179
# اختلاف المضاف بها بحسب المصلحة والمفسدة والحسن والقبح عقلا، وبحسب
~~الوجوب والحرمة شرعا، فيكون مثل (أكرم العلماء ولا تكرم الفساق) من باب
~~الاجتماع (كصل ولا تغصب) لا من باب التعارض، إلا إذا لم يكن للحكم في أحد
~~الخطابين في مورد الاجتماع مقتض، كما هو الحال أيضا في تعدد العنوانين، فما
~~يتراءى منهم من المعاملة مع مثل (أكرم العلماء ولا تكرم الفساق) معاملة
~~تعارض العموم من وجه، إنما يكون بناء على الامتناع، أو عدم المقتضي لاحد
~~الحكمين في مورد الاجتماع.
# فصل في أن النهي عن الشئ، هل يقتضي فساده أم لا؟
# وليقدم أمور:
# الأول: إنه قد عرفت في المسألة السابقة الفرق بينها وبين هذه المسألة،
~~وإنه لا دخل للجهة المبحوث عنها في إحداهما، بما هو جهة البحث في الأخرى،
~~وإن البحث في هذه المسألة في دلالة النهي بوجه يأتي تفصيله على الفساد
~~بخلاف تلك المسألة، فإن البحث فيها في ms123 أن تعدد الجهة يجدي في رفع غائلة
~~اجتماع الأمر والنهي في مورد الاجتماع أم لا؟
# الثاني: إنه لا يخفى أن عد هذه المسألة من مباحث الألفاظ، إنما هو لاجل
~~أنه في الأقوال قول بدلالته على الفاسد في المعاملات، مع إنكار الملازمة
~~بينه وبين الحرمة التي هي مفاده فيها، ولا ينافي ذلك أن الملازمة على تقدير
~~ثبوتها في العبادة إنما تكون بينه وبين الحرمة ولو لم تكن مدلولة بالصيغة،
~~وعلى تقدير عدمها تكون منتفية بينهما، لامكان أن يكون البحث معه في دلالة
~~الصيغة، بما تعم دلالتها بالالتزام، فلا تقاس بتلك المسألة التي لا يكاد
~~يكون لدلالة اللفظ بها مساس، فتأمل جيدا. PageV00P180
# الثالث: ظاهر لفظ النهي وإن كان هو النهي التحريمي، إلا أن ملاك البحث
~~يعم التنزيهي، ومعه لا وجه لتخصيص العنوان (1)، واختصاص عموم ملاكه
~~بالعبادات لا يوجب التخصيص به، كما لا يخفى.
# كما لا وجه لتخصيصه بالنفسي، فيعم الغيري إذا كان أصليا، وأما إذا كان
~~تبعيا، فهو وإن كان خارجا عن محل البحث، لما عرفت أنه في دلالة النهي
~~والتبعي منه من مقولة المعنى، إلا أنه داخل فيما هو ملاكه، فإن دلالته على
~~الفساد على القول به فيما لم يكن للارشاد إليه، إنما يكون لدلالته على
~~الحرمة، من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته في ذلك، كما توهمه القمي
~~(2) (قدس سره) ويؤيد ذلك أنه جعل ثمرة النزاع في أن الامر بالشئ يقتضي
~~النهي عن ضده، فساده إذا كان عبادة، فتدبر جيدا.
# الرابع: ما يتعلق به النهي، إما أن يكون عبادة أو غيرها، والمراد
~~بالعبادة - هاهنا - ما يكون بنفسه وبعنوانه عبادة له تعالى، موجبا بذاته
~~للتقرب من حضرته لولا حرمته، كالسجود والخضوع والخشوع له وتسبيحه وتقديسه،
~~أو ما لو تعلق الامر به كان أمره أمرا عباديا، لا يكاد يسقط إلا إذا أتى به
~~بنحو قربى، كسائر أمثاله، نحو صوم العيدين والصلاة في أيام العادة، لا ما
~~أمر به
# PageV00P181
# لاجل التعبد به (1)، ولا ما يتوقف صحته على النية (2)، ولا ما لا يعلم
~~انحصار ms124 المصلحة فيها في شئ (3)، كما عرف بكل منها العبادة، ضرورة أنها
~~بواحد منها، لا يكاد يمكن أن يتعلق بها النهي، مع ا أورد عليها بالانتقاض
~~طردا أو عكسا، أو بغيره، كما يظهر من مراجعة المطولات (4)، وإن كان الاشكال
~~بذلك فيها في غير محله، لاجل كون مثلها من التعريفات، ليس بحد ولا برسم، بل
~~من قبيل شرح الاسم كما نبهنا عليه غير مرة، فلا وجه لإطالة الكلام بالنقض
~~والابرام في تعريف العبادة، ولا في تعريف غيرها كما هو العادة.
# الخامس: إنه لا يدخل في عنوان النزاع إلا ما كان قابلا للاتصاف بالصحة
~~والفساد، بأن يكون تارة تاما يترتب عليه ما يترقب عنه من الأثر، وأخرى لا
~~كذلك، لاختلال بعض ما يعتبر في ترتبه، أما ما لا أثر له شرعا، أو كان أثره
~~مما لا يكاد ينفك عنه، كبعض أسباب الضمان، فلا يدخل في عنوان النزاع لعدم
~~طروء الفساد عليه كي ينازع في أن النهي عنه يقتضيه أو لا، فالمراد بالشئ في
~~العنوان هو العبادة بالمعنى الذي تقدم، والمعاملة بالمعنى الأعم، مما يتصف
~~بالصحة والفساد، عقدا كان أو إيقاعا أو غيرهما، فافهم.
# السادس: إن الصحة والفساد وصفان إضافيان يختلفان بحسب الآثار والانظار،
~~فربما يكون شئ واحد صحيحا بحسب أثر أو نظر وفاسدا بحسب آخر، ومن هنا صح أن
~~يقال: إن الصحة في العبادة والمعاملة لا تختلف، بل فيهما بمعنى واحد وهو
~~التمامية، وإنما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار
# PageV00P182
# التي بالقياس عليها تتصف بالتمامية وعدمها، وهكذا الاختلاف بين الفقيه
~~والمتكلم في صحة العبادة، إنما يكون لاجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما
~~من الأثر، بعد الاتفاق ظاهرا على أنها بمعنى التمامية، كما هي معناها لغة
~~وعرفا.
# فلما كان غرض الفقيه، هو وجوب القضاء، أو الإعادة، أو عدم الوجوب، فسر
~~صحة العبادة بسقوطهما، وكان غرض المتكلم هو حصول الامتثال الموجب عقلا
~~لاستحقاق المثوبة، فسرها بما يوافق الامر تارة، وبما يوافق الشريعة أخرى.
# وحيث أن الامر في الشريعة يكون على أقسام: من الواقعي ms125 الأولى، والثانوي،
~~والظاهري، والانظار تختلف في أن الأخيرين يفيدان الاجزاء أو لا يفيدان، كان
~~الاتيان بعبادة موافقة لامر ومخالفة لاخر، أو مسقطا للقضاء والإعادة بنظر،
~~وغير مسقط لهما بنظر آخر، فالعبادة الموافقة للامر الظاهري، تكون صحيحة عند
~~المتكلم والفقيه، بناء على أن الامر في تفسير الصحة بموافقة الامر أعم من
~~الظاهري، مع اقتضائه للاجزاء، وعدم اتصافها بها عند الفقيه بموافقته، بناء
~~على عدم الاجزاء، وكونه مراعى بموافقة الامر الواقعي [و] (1) عند المتكلم،
~~بناء على كون الامر في تفسيرها خصوص الواقعي.
# تنبيه: وهو أنه لا شبهة في أن الصحة والفساد عند المتكلم، وصفان
~~اعتباريان ينتزعان من مطابقة المأتي به مع المأمور به وعدمها، وأما الصحة
~~بمعنى سقوط القضاء والإعادة عند الفقيه، فهي من لوازم الاتيان بالمأمور به
~~بالأمر الواقعي الأولي عقلا، حيث لا يكاد يعقل ثبوت الإعادة أو القضاء معه
~~جزما، فالصحة بهذا المعنى فيه، وإن كان ليس بحكم وضعي مجعول بنفسه أو بتبع
~~تكليف، إلا أنه ليس بأمر اعتباري ينتزع كما توهم (2)، بل مما يستقل به
# PageV00P183
# العقل، كما يستقل باستحقاق المثوبة به وفي غيره، فالسقوط ربما يكون
~~مجعولا، وكان الحكم به تخفيفا ومنة على العباد، مع ثبوت المقتضي لثبوتهما،
~~كما عرفت في مسألة الاجزاء، كما ربما يحكم بثبوتهما، فيكون الصحة والفساد
~~فيه حكمين مجعولين لا وصفين انتزاعيين.
# نعم، الصحة والفساد في الموارد الخاصة، لا يكاد يكونان مجعولين، بل إنما
~~هي تتصف بهما بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به، هذا في العبادات.
# وأما الصحة في المعاملات، فهي تكون مجعولة، حيث كان ترتب الأثر على
~~معاملة إنما هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاء، ضرورة أنه لولا جعله،
~~لما كان يترتب عليه، لأصالة الفساد.
# نعم صحة كل معاملة شخصية وفسادها، ليس إلا لاجل انطباقها مع ما هو
~~المجعول سببا وعدمه، كما هو الحال في التكليفية من الاحكام، ضرورة أن اتصاف
~~المأتي به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما، ليس إلا لانطباقه مع ما هو الواجب
~~أو الحرام.
# السابع: لا يخفى أنه لا ms126 أصل في المسألة يعول عليه، لو شك في دلالة النهي
~~على الفساد. نعم، كان الأصل في المسألة الفرعية الفساد، لو لم يكن هناك
~~إطلاق أو عموم يقتضي الصحة في المعاملة.
# وأما العبادة فكذلك، لعدم الامر بها مع النهي عنها، كما لا يخفى.
# الثامن: إن متعلق النهي إما أن يكون نفس العبادة، أو جزأها، أو شرطها
~~الخارج عنها، أو وصفها الملازم لها كالجهر والاخفات (1) للقراءة، أو وصفها
~~الغير الملازم كالغصبية لأكوان الصلاة المنفكة عنها.
# PageV00P184
# لا ريب في دخول القسم الأول في محل النزاع، وكذا القسم الثاني بلحاظ أن
~~جزء العبادة عبادة، إلا أن بطلان الجزء لا يوجب بطلانها، إلا مع الاقتصار
~~عليه، لا مع الاتيان بغيره مما لا نهي عنه، إلا أن يستلزم محذورا آخر.
# وأما القسم الثالث، فلا يكون حرمة الشرط والنهي عنه موجبا لفساد العبادة،
~~إلا فيما كان عبادة، كي تكون حرمته موجبة لفساده المستلزم لفساد المشروط
~~به.
# وبالجملة لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجبا لفساد العبادة المشروطة به،
~~لو لم يكن موجبا لفساده، كما إذا كانت عبادة.
# وأما القسم الرابع، فالنهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه، فيكون
~~النهي عن الجهر في القراءة مثلا مساوقا للنهي عنها، لاستحالة كون القراءة
~~التي يجهر بها مأمورا بها، مع كون الجهر بها منهيا عنه (1) فعلا، كما لا
~~يخفى.
# وهذا بخلاف ما إذا كان مفارقا، كما في القسم الخامس، فإن النهي عنه لا
~~يسري إلى الموصوف، إلا فيما إذا اتحد معه وجودا، بناء على امتناع الاجتماع،
~~وأما بناء على الجواز فلا يسري إليه، كما عرفت في المسألة السابقة، هذا حال
~~النهي المتعلق بالجزء أو الشرط أو الوصف.
# وأما النهي عن العبادة لاجل أحد هذه الأمور، فحاله حال النهي عن أحدها إن
~~كان من قبيل الوصف بحال المتعلق. وبعبارة أخرى: كان النهي عنها بالعرض، وإن
~~كان النهي عنها على نحو الحقيقة، والوصف بحاله، وإن كان بواسطة أحدها، إلا
~~أنه من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض، كان حاله حال النهي في ms127 القسم
~~الأول، فلا تغفل.
# PageV00P185
# ومما ذكرنا في بيان أقسام النهي في العبادة، يظهر حال الأقسام في
~~المعاملة، فلا يكون بيانها على حدة بمهم، كما أن تفصيل الأقوال في الدلالة
~~على الفساد وعدمها، التي ربما تزيد على العشرة - على ما قيل (1) - كذلك،
~~إنما المهم بيان ما هو الحق في المسألة، ولا بد في تحقيقه على نحو يظهر
~~الحال في الأقوال، من بسط المقال في مقامين:
# الأول في العبادات: فنقول وعلى الله الاتكال: إن النهي المتعلق بالعبادة
~~بنفسها، ولو كانت جزء عبادة بما هو عبادة - كما عرفت - مقتض (2) لفسادها،
~~لدلالته على حرمتها ذاتا، ولا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الامر
~~أو الشريعة مع الحرمة، وكذا بمعنى سقوط الإعادة، فإنه مترتب على إتيانها
~~بقصد القربة، وكانت مما يصلح لان يتقرب به (3)، ومع الحرمة لا تكاد تصلح
~~لذلك، ويتأتى قصدها من الملتفت إلى حرمتها، كما لا يخفى.
# لا يقال: هذا لو كان النهي عنها دالا على الحرمة الذاتية، ولا يكاد يتصف
~~بها العبادة، لعدم الحرمة بدون قصد القربة، وعدم القدرة عليها مع قصد
~~القربة بها إلا تشريعا، ومعه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة، ومعه
~~لا تتصف بحرمة أخرى، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين.
# فإنه يقال: لا ضير في اتصاف ما يقع عبادة - لو كان مأمورا به - بالحرمة
~~الذاتية، مثلا صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها، بمعنى أنه لو أمر به كان
~~عبادة، لا يسقط الامر به إلا إذا أتى به بقصد القربة، كصوم سائر الأيام،
~~هذا فيما إذا لم يكن ذاتا عبادة، كالسجود لله تعالى ونحوه، وإلا كان محرما
~~مع
# PageV00P186
# كونه فعلا عبادة، مثلا إذا نهي الجنب والحائض عن السجود له تبارك وتعالى،
~~كان عبادة محرمة ذاتا حينئذ، لما فيه من المفسدة والمبغوضية في هذا الحال،
~~مع أنه لا ضير في اتصافه بهذه الحرمة مع الحرمة التشريعية، بناء على أن
~~الفعل فيها لا يكون في الحقيقة متصفا بالحرمة، بل إنما يكون المتصف بها ما
~~هو من أفعال القلب، كما هو الحال في التجري ms128 والانقياد، فافهم.
# هذا مع أنه لو لم يكن النهي فيها دالا على الحرمة، لكان دالا على الفساد،
~~لدلالته على الحرمة التشريعية، فإنه لا أقل من دلالته على أنها ليست بمأمور
~~بها، وإن عمها إطلاق دليل الامر بها أو عمومه، نعم لو لم يكن النهي عنها
~~إلا عرضا، كما إذا نهى عنها فيما كانت ضد الواجب مثلا، لا يكون مقتضيا
~~للفساد، بناء على عدم اقتضاء الامر (1) بالشئ للنهي عن الضد الا كذلك أي
~~عرضا، فيخصص به أو يقيد.
# المقام الثاني في المعاملات: ونخبة القول، أن النهي الدال على حرمتها لا
~~يقتضي الفساد، لعدم الملازمة فيها - لغة ولا عرفا - بين حرمتها وفسادها
~~أصلا، كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة، أو بمضمونها
~~بما هو فعل بالتسبب بها إليه، وإن لم يكن السبب ولا المسبب بما هو فعل من
~~الأفعال بحرام، وإنما يقتضي الفساد فيما إذا كان دالا على حرمة ما لا يكاد
~~يحرم مع صحتها، مثل النهي عن أكل الثمن أو المثمن في بيع أو بيع شئ.
# نعم لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الارشاد إلى فسادها، كما أن
~~الامر بها يكون ظاهرا في الارشاد إلى صحتها من دون دلالته على إيجابها أو
~~استحبابها، كما لا يخفى، لكنه في المعاملات بمعنى العقود والايقاعات، لا
~~المعاملات بالمعنى الأعم المقابل للعبادات، فالمعول هو ملاحظة القرائن في .
# PageV00P187
# خصوص المقامات، ومع عدمها لا محيص عن الاخذ بما هو قضية صيغة النهي من
~~الحرمة، وقد عرفت أنها غير مستتبعة للفساد، لا لغة ولا عرفا.
# نعم ربما يتوهم استتباعها له شرعا، من جهة دلالة غير واحد من الاخبار
~~عليه، منها ما رواه في الكافي والفقيه، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام
~~(1):
# (سأله عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: ذلك إلى سيده، إن شاء أجازه
~~وإن شاء فرق بينهما، قلت: أصلحك الله تعالى، إن الحكم بن عتيبة (2)
~~وإبراهيم النخعي وأصحابهما، يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا يحل إجازة
~~السيد له، فقال أبو جعفر عليه ms129 السلام: إنه لم يعص الله، إنما عصى سيده،
~~فإذا أجاز فهو له جائز) حيث دل بظاهره ان النكاح لو كان مما حرمه الله
~~تعالى عليه كان فاسدا، ولا يخفى أن الظاهر أن يكون المراد بالمعصية المنفية
~~هاهنا، أن النكاح ليس مما لم يمضه الله ولم يشرعه كي يقع فاسدا، ومن
~~المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى للفساد كما لا يخفى، ولا بأس بإطلاق
~~المعصية على عمل لم يمضه الله ولم يأذن به، كما أطلق عليه (3) بمجرد عدم
~~إذن السيد فيه أنه معصية.
# وبالجملة: لو لم يكن ظاهرا في ذلك، لما كان ظاهرا فيما توهم، وهكذا
# PageV00P188
# حال سائر الأخبار الواردة في هذا الباب (1)، فراجع وتأمل.
# تذنيب: حكي عن أبي حنيفة (2) والشيباني (3) دلالة النهي على الصحة، وعن
~~الفخر (4) أنه وافقهما في ذلك، والتحقيق (5) انه في المعاملات كذلك إذا كان
~~عن المسبب أو التسبيب، لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالامر، ولا يكاد
~~يقدر عليهما إلا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة، وأما إذا كان عن السبب،
~~فلا، لكونه مقدورا وإن لم يكن صحيحا، نعم قد عرفت أن النهي عنه لا ينافيها.
# وأما العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود والركوع والخشوع والخضوع
~~له تبارك وتعالى، فمع النهي عنه يكون مقدورا، كما إذا كان مأمورا به، وما
~~كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأمورا به، فلا يكاد يقدر
~~عليه إلا إذا قيل باجتماع الأمر والنهي في شئ ولو بعنوان واحد، وهو محال،
~~وقد عرفت أن النهي في هذا القسم إنما يكون نهيا عن العبادة، بمعنى أنه لو
~~كان مأمورا به، كان الامر به أمر عبادة لا يسقط إلا بقصد القربة، فافهم.
# PageV00P189
# المقصد الثالث المفاهيم PageV00P191
# المقصد الثالث: في المفاهيم مقدمة وهي: إن المفهوم - كما يظهر من موارد
~~إطلاقه - هو عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي
~~أريد من اللفظ، بتلك الخصوصية ولو بقرينة الحكمة، وكان يلزمه لذلك، وافقه
~~في الايجاب والسلب أو خالفه، فمفهوم (إن جاءك زيد فأكرمه) مثلا - لو قيل ms130 به
~~- قضية شرطية سالبة بشرطها وجزائها، لازمة للقضية الشرطية التي تكون معنى
~~القضية اللفظية، وتكون لها خصوصية، بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها، فصح أن
~~يقال: إن المفهوم إنما هو حكم غير مذكور، لا أنه حكم لغير مذكور، كما فسر
~~(1) به، وقد وقع فيه النقض والابرام بين الاعلام (2)، مع أنه لا موقع له
~~كما أشرنا إليه في غير مقام، لأنه من قبيل شرح الاسم، كما في التفسير
~~اللغوي.
# ومنه قد انقدح حال غير هذا التفسير مما ذكر في المقام، فلا يهمنا التصدي
~~لذلك، كما لا يهمنا بيان أنه من صفات المدلول أو الدلالة وإن كان بصفات
# PageV00P193
# المدلول أشبه، وتوصيف الدلالة [به] (1) أحيانا كان من باب التوصيف بحال
~~المتعلق.
# وقد انقدح من ذلك أن النزاع في ثبوت المفهوم وعدمه في الحقيقة، إنما يكون
~~في أن القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما هل تدل بالوضع أو بالقرينة
~~العامة على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الأخرى، أم لا؟
# فصل الجملة الشرطية هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء، كما تدل على
~~الثبوت عند الثبوت بلا كلام، أم لا؟ فيه خلاف بين الاعلام.
# لا شبهة في استعمالها وإرادة الانتفاء عند الانتفاء في غير مقام، إنما
~~الاشكال والخلاف في أنه بالوضع أو بقرينة عامة، بحيث لا بد من الحمل عليه
~~لو لم يقم على خلافه قرينة من حال أو مقال، فلا بد للقائل بالدلالة من
~~إقامة الدليل على الدلالة، بأحد الوجهين على تلك الخصوصية المستتبعة لترتب
~~الجزاء على الشرط، نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة.
# وأما القائل بعدم الدلالة ففي فسحة، فإن له منع دلالتها على اللزوم، بل
~~على مجرد الثبوت عند الثبوت ولو من باب الاتفاق، أو منع دلالتها على
~~الترتب، أو على نحو الترتب على العلة، أو العلة المنحصرة بعد تسليم اللزوم
~~أو العلية.
# لكن منع دلالتها على اللزوم، ودعوى كونها اتفاقية، في غاية السقوط،
~~لانسباق اللزوم منها قطعا، وأما المنع عن أنه بنحو الترتب على العلة فضلا
~~عن كونها منحصرة، فله مجال واسع.
# ودعوى ms131 تبادر اللزوم والترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة - مع كثرة
# PageV00P194
# استعمالها في الترتب على نحو الترتب على الغير المنحصرة منها بل في مطلق
~~اللزوم - بعيدة، عهدتها على مدعيها، كيف؟ ولا يرى في استعمالها فيهما (1)
~~عناية، ورعاية علاقة، بل إنما تكون إرادته كإرادة الترتب على العلة
~~المنحصرة بلا عناية، كما يظهر على من أمعن النظر وأجال البصر (2) في موارد
~~الاستعمالات، وفي عدم الالزام والاخذ بالمفهوم في مقام المخاصمات
~~والاحتجاجات، وصحة الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم، وعدم صحته لو كان له
~~ظهور فيه معلوم.
# وأما دعوى الدلالة، بادعاء انصراف إطلاق العلاقة اللزومية إلى ما هو أكمل
~~افرادها، وهو اللزوم بين العلة المنحصرة ومعلولها، ففاسدة جدا، لعدم كون
~~الأكملية موجبة للانصراف إلى الأكمل، لا سيما مع كثرة الاستعمال في غيره،
~~كما لا يكاد يخفى.
# هذا مضافا إلى منع كون اللزوم بينهما أكمل مما إذا لم تكن العلة بمنحصرة،
~~فإن الانحصار لا يوجب أن يكون ذاك الربط الخاص الذي لا بد منه في تأثير
~~العلة في معلولها آكد وأقوى.
# إن قلت: نعم، ولكنه قضية الاطلاق بمقدمات الحكمة، كما أن قضية إطلاق صيغة
~~الامر هو الوجوب النفسي.
# قلت: أولا: هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة، ولا تكاد تتم فيما هو مفاد
~~الحرف كما هاهنا، وإلا لما كان معنى حرفيا، كما يظهر وجهه بالتأمل.
# وثانيا: تعينه من بين أنحائه بالاطلاق المسوق في مقام البيان بلا معين،
~~ومقايسته مع تعين الوجوب النفسي بإطلاق صيغة الامر مع الفارق، فإن النفسي
~~هو الواجب على كل حال بخلاف الغيري، فإنه واجب على تقدير دون
# PageV00P195
# تقدير، فيحتاج بيانه إلى مؤونة التقييد بما إذا وجب الغير، فيكون الاطلاق
~~في الصيغة مع مقدمات الحكمة محمولا عليه، وهذا بخلاف اللزوم والترتب بنحو
~~الترتب على العلة المنحصرة، ضرورة أن كل واحد من أنحاء اللزوم والترتب،
~~محتاج في تعينه إلى القرينة مثل الآخر، بلا تفاوت أصلا، كما لا يخفى.
# ثم إنه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم بإطلاق الشرط، بتقريب أنه لو لم
~~يكن بمنحصر يلزم ms132 تقييده، ضرورة أنه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده،
~~وقضية إطلاقه أنه يؤثر كذلك مطلقا.
# وفيه أنه لا تكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك، إلا أنه من
~~المعلوم ندرة تحققه، لو لم نقل بعدم اتفاقه.
# فتلخص بما ذكرناه، أنه لم ينهض دليل على وضع مثل (إن) على تلك الخصوصية
~~المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء، ولم تقم عليها قرينة عامة، أما قيامها
~~أحيانا كانت مقدمات الحكمة أو غيرها، مما لا يكاد ينكر، فلا يجدي القائل
~~بالمفهوم، انه قضية (1) الاطلاق في مقام من باب الاتفاق.
# وأما توهم أنه قضية (2) إطلاق الشرط، بتقريب أن مقتضاه تعينه، كما أن
~~مقتضى إطلاق الامر تعين الوجوب.
# ففيه: أن التعين ليس في الشرط نحوا يغاير نحوه فيما إذا كان متعددا، كما
~~كان في الوجوب كذلك، وكان الوجوب في كل منهما متعلقا بالواجب بنحو آخر،
~~لابد في التخييري منهما من العدل، وهذا بخلاف الشرط فإنه واحدا كان أو
~~متعددا، كان نحوه واحدا ودخله في المشروط بنحو واحد، لا تتفاوت الحال فيه
~~ثبوتا كي تتفاوت عند الاطلاق إثباتا، وكان الاطلاق مثبتا لنحو لا يكون له
~~عدل لاحتياج ما له العدل إلى زيادة مؤونة، وهو ذكره بمثل (أو كذا)
# PageV00P196
# واحتياج ما إذا كان الشرط متعددا إلى ذلك إنما يكون لبيان التعدد، لا
~~لبيان نحو الشرطية، فنسبة إطلاق الشرط إليه لا تختلف، كان هناك شرط آخر أم
~~لا، حيث كان مسوقا لبيان شرطيته بلا إهمال ولا إجمال.
# بخلاف إطلاق الامر، فإنه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني، فلا
~~محالة يكون في مقام الاهمال أو الاجمال، تأمل تعرف. هذا مع أنه لو سلم لا
~~يجدي القائل بالمفهوم، لما عرفت أنه لا يكاد ينكر فيما إذا كان مفاد
~~الاطلاق من باب الاتفاق.
# ثم إنه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه:
# أحدها: ما عزي إلى السيد (1) من أن تأثير الشرط، إنما هو تعليق الحكم به،
~~وليس بممتنع أن يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجري مجراه، ولا يخرج عن كونه
~~شرطا، فإن ms133 قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (2) يمنع من قبول
~~الشاهد الواحد، حتى ينضم إليه شاهد آخر، فانضمام الثاني إلى الأول شرط في
~~القبول، ثم علمنا أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول شرط في القبول، ثم علمنا
~~أن ضم اليمين يقوم مقامه أيضا، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى،
~~مثل الحرارة، فإن انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة، لاحتمال قيام النار
~~مقامها، والأمثلة لذلك كثيرة شرعا وعقلا.
# والجواب: أنه (قدس سره) إن كان بصدد إثبات إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض
~~في مقام الثبوت وفي الواقع، فهو مما لا يكاد ينكر، ضرورة أن الخصم يدعي عدم
~~وقوعه في مقام الاثبات، ودلالة القضية الشرطية عليه، وإن كان بصدد إبداء
~~احتمال وقوعه، فمجرد الاحتمال لا يضره، ما لم يكن
# PageV00P197
# بحسب القواعد اللفظية راجحا أو مساويا، وليس فيما أفاده ما يثبت ذلك
~~أصلا، كما لا يخفى.
# ثانيها: إنه لو دل لكان بإحدى الدلالات، والملازمة كبطلان التالي ظاهرة،
~~وقد أجيب عنه بمنع بطلان التالي، وأن الالتزام ثابت، وقد عرفت بما لا مزيد
~~عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه، فلا تغفل.
# ثالثها: قوله تبارك وتعالى (1): (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن
~~تحصنا).
# وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له
~~أحيانا وبالقرينة، لا يكاد ينكر، كما في الآية وغيرها، وإنما القائل به
~~إنما يدعي ظهورها فيما له المفهوم وضعا أو بقرينة عامة، كما عرفت.
# بقي هاهنا أمور:
# الامر الأول: إن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند
~~انتفائه، لا انتفاء شخصه، ضرورة انتفائه عقلا بانتفاء موضوعه ولو ببعض
~~قيوده، فلا (2) يتمشى الكلام - في أن للقضية الشرطية مفهوما أو ليس لها
~~مفهوم - إلا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء، وانتفاؤه عند
~~انتفاء الشرط ممكنا، وإنما وقع النزاع في أن النزاع في أن لها دلالة على
~~الانتفاء عند الانتفاء، أو لا يكون لها دلالة.
# ومن هنا انقدح أنه ليس ms134 من المفهوم دلالة القضية على الانتفاء عند
~~الانتفاء في الوصايا والأوقاف والنذور والايمان، كما توهم (3)، بل عن
~~الشهيد
# PageV00P198
# في تمهيد القواعد (1)، أنه لا إشكال في دلالتها على المفهوم، وذلك لان
~~انتفاءها عن غير ما هو المتعلق لها، من الاشخاص التي تكون بألقابها أو بوصف
~~شئ أو بشرطه، مأخوذة في العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو
~~اللقب عليه، بل لاجل أنه إذا صار شئ وقفا على أحد أو أوصى به أو نذر له،
~~إلى غير ذلك، لا يقبل أن يصير وقفا على غيره أو وصية أو نذرا له، وانتفاء
~~شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق، قد عرفت أنه عقلي مطلقا
~~ولو قيل بعدم المفهوم في مورد صالح له.
# إشكال ودفع: لعلك تقول: كيف يكون المناط في المفهوم هو سنخ الحكم؟ لا نفس
~~شخص الحكم في القضية، وكان الشرط في الشرطية إنما وقع شرطا بالنسبة إلى
~~الحكم الحاصل بإنشائه دون غيره، فغاية قضيتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء
~~شرطه، لا انتفاء سنخه، وهكذا الحال في سائر القضايا التي تكون مفيدة
~~للمفهوم.
# ولكنك غفلت عن أن المعلق على الشرط، إنما هو نفس الوجوب الذي هو مفاد
~~الصيغة ومعناها، وأما الشخص والخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فيه، لا
~~تكاد تكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه، كما لا يخفى، كما لا تكون
~~الخصوصية الحاصلة من قبل الاخبار به،، من خصوصيات ما أخبر به
# PageV00P199
# واستعمل فيه إخبارا لا إنشاء.
# وبالجملة: كما لا يكون المخبر به المعلق على الشرط خاصا بالخصوصيات
~~الناشئة من قبل الاخبار به، كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه، وقد عرفت بما
~~حققناه في معنى الحرف وشبهه، أن ما استعمل فيه الحرف عام كالموضوع له، وأن
~~خصوصية لحاظه بنحو الآلية والحالية لغيره من خصوصية الاستعمال، كما أن
~~خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك، فيكون اللحاظ الآلي
~~كالاستقلالي، من خصوصيات الاستعمال لا المستعمل فيه.
# وبذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات (1) في مقام التفصي عن هذا ms135
~~الاشكال، من التفرقة بين الوجوب الاخباري والانشائي، بأنه كلي في الأول،
~~وخاص في الثاني، حيث دفع الاشكال بأنه لا يتوجه في الأول، لكون الوجوب
~~كليا، وعلى الثاني بأن ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلية المستفادة
~~من الجملة الشرطية، حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستندا إلى ارتفاع العلة
~~المأخوذة فيها، فإنه يرتفع ولو لم يوجد في حيال أداة الشرط كما في اللقب
~~والوصف.
# وأورد (2) على ما تفصي به عن الاشكال بما ربما يرجع إلى ما ذكرناه، بما
~~حاصله: إن التفصي لا يبتني على كلية الوجوب، لما أفاده، وكون الموضوع له في
~~الانشاء عاما لم يقم عليه دليل، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه، حيث أن
~~الخصوصيات بأنفسها مستفادة من الألفاظ.
# وذلك لما عرفت من أن الخصوصيات في الانشاءات والاخبارات، إنما تكون ناشئة
~~من الاستعمالات بلا تفاوت أصلا بينهما، ولعمري - لا يكاد ينقضي تعجبي - كيف
~~تجعل خصوصيات الانشاء من خصوصيات المستعمل
# PageV00P200
# فيه؟ مع أنها كخصوصيات الاخبار، تكون ناشئة من الاستعمال، ولا يكاد يمكن
~~أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال، كما هو واضح لمن تأمل.
# الامر الثاني: إنه إذا تعدد الشرط، مثل (إذا خفي الأذان فقصر، وإذا خفي
~~الجدران فقصر)، فبناء على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم، لا بد من التصرف
~~ورفع اليد عن الظهور.
# إما بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر، فيقال بانتفاء وجوب القصر عند
~~انتفاء الشرطين.
# وإما برفع اليد عن المفهوم فيهما، فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شئ آخر
~~في الجزاء، بخلاف الوجه الأول، فإن فيهما الدلالة على ذلك.
# وإما بتقييد إطلاق الشرط في كل منهما بالآخر، فيكون الشرط هو خفاء الأذان
~~والجدران معا، فإذا خفيا وجب القصر، ولا يجب عند انتفاء خفائهما ولو خفي
~~أحدهما.
# وإما بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما، بأن يكون تعدد الشرط قرينة على
~~أن الشرط في كل منهما ليس بعنوانه الخاص، بل بما هو مصداق لما يعمهما من
~~العنوان.
# ولعل العرف يساعد على الوجه الثاني، كما ms136 أن العقل ربما يعين هذا الوجه،
~~بملاحظة أن الأمور المتعددة بما هي مختلفة، لا يمكن أن يكون كل منها مؤثرا
~~في واحد، فإنه لا بد من الربط الخاص بين العلة والمعلول، ولا يكاد يكون
~~الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين بما هما اثنان، ولذلك أيضا لا يصدر من
~~الواحد إلا الواحد، فلا بد من المصير إلى أن الشرط في الحقيقة واحد، وهو
~~المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم، وبقاء إطلاق
~~الشرط في كل منهما على حاله، وإن كان بناء العرف والأذهان العامية
~~PageV00P201
# على تعدد الشرط وتأثير كل شرط بعنوانه الخاص، فافهم.
# الامر الثالث: إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، فلا إشكال على الوجه الثالث،
~~وأما على سائر الوجوه، فهل اللازم لزوم الاتيان بالجزاء متعددا، حسب تعدد
~~الشروط؟ أو يتداخل، ويكتفى بإتيانه دفعة واحدة؟
# فيه أقوال: والمشهور عدم التداخل، وعن جماعة - منهم المحقق الخوانساري
~~(1) - التداخل، وعن الحلي (2) التفصيل بين اتحاد جنس الشروط وتعدده.
# والتحقيق: إنه لما كان ظاهر الجملة الشرطية، حدوث الجزاء عند حدوث الشرط
~~بسببه، أو بكشفه عن سببه، وكان قضيته تعدد الجزاء عند تعدد الشرط، كان
~~الاخذ بظاهرها إذا تعدد الشرط حقيقة أو وجودا محالا، ضرورة أن لازمه أن
~~يكون الحقيقة الواحدة - مثل الوضوء - بما هي واحدة، في مثل (إذا بلت فتوضأ،
~~وإذا نمت فتوضأ)، أو فيما إذا بال مكررا، أو نام (3) كذلك، محكوما بحكمين
~~متماثلين، وهو واضح الاستحالة كالمتضادين.
# فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه: إما بالالتزام بعدم دلالتها في
~~هذا الحال على الحدوث عند الحدوث، بل على مجرد الثبوت، أو الالتزام بكون
~~متعلق الجزاء وإن كان واحدا صورة، إلا أنه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط،
~~متصادقة على واحد، فالذمة وإن اشتغلت بتكاليف متعددة، حسب
# PageV00P202
# تعدد الشروط، إلا أن الاجتزاء بواحد لكونه مجمعا لها، كما في (أكرم
~~هاشميا وأضف عالما)، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة، ضرورة أنه بضيافته
~~بداعي الامرين، يصدق أنه امتثلهما، ولا محالة يسقط الامر بامتثاله
~~وموافقته، وإن كان له امتثال كل ms137 منهما على حدة، كما إذا أكرم الهاشمي بغير
~~الضيافة، وأضاف العالم الغير الهاشمي.
# إن قلت: كيف يمكن ذلك - أي الامتثال بما تصادق (1) عليه العنوانان - مع
~~استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه؟
# قلت: انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين، بل غايته
~~أن انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب وانتزاع صفته له، مع أنه -
~~على القول بجواز الاجتماع - لا محذور في اتصافه بهما، بخلاف ما إذا كان
~~بعنوان واحد، فافهم.
# أو الالتزام بحدوث الأثر عند وجود كل شرط، إلا أنه وجوب الوضوء في المثال
~~عند الشرط الأول، وتأكد وجوبه عند الآخر.
# ولا يخفى أنه لا وجه لان يصار إلى واحد منها، فإنه رفع اليد عن الظاهر
~~بلا وجه، مع ما في الأخيرين من الاحتياج إلى إثبات أن متعلق الجزاء متعدد
~~متصادق على واحد، وإن كان صورة واحدا سمي (2) باسم واحد، كالغسل، وإلى
~~إثبات أن الحادث بغير الشرط الأول تؤكد ما حدث بالأول، ومجرد الاحتمال لا
~~يجدي، ما لم يكن في البين ما يثبته.
# إن قلت: وجه ذلك هو لزوم التصرف في ظهور الجملة الشرطية، لعدم امكان
~~الاخذ بظهورها، حيث أن قضيته اجتماع الحكمين في الوضوء في
# PageV00P203
# المثال، كما مرت الإشارة إليه.
# قلت: نعم، إذا لم يكن المراد بالجملة - فيما إذا تعدد الشرط كما في
~~المثال - هو وجوب وضوء مثلا بكل شرط غير ما وجب بالآخر، ولا ضير في كون فرد
~~محكوما بحكم فرد آخر أصلا، كما لا يخفى.
# إن قلت: نعم، لو لم يكن تقدير تعدد الفرد على خلاف الاطلاق.
# قلت: نعم، لو لم يكن ظهور الجملة [الشرطية] (1) في كون الشرط سببا أو
~~كاشفا عن السبب، مقتضيا لذلك أي لتعدد الفرد، و (2) بيانا لما هو المراد من
~~الاطلاق.
# وبالجملة: لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء وظهور الاطلاق ضرورة
~~أن ظهور الاطلاق يكون معلقا على عدم البيان، وظهورها في ذلك صالح لان يكون
~~بيانا، فلا ظهور له مع ظهورها، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلا،
~~بخلاف ms138 القول بالتداخل كما لا يخفى (3).
# فتلخص بذلك، أن قضية ظاهر الجملة الشرطية، هو القول بعدم التداخل عند
~~تعدد الشرط.
# وقد انقدح مما ذكرناه، أن المجدي للقول بالتداخل هو أحد الوجوه
# PageV00P204
# التي ذكرناها، لا مجرد كون الأسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات، فلا وجه
~~لما عن الفخر (1) وغيره، من ابتناء المسألة على أنها معرفات أو مؤثرات (2)،
~~مع أن الأسباب الشرعية حالها حال غيرها، في كونها معرفات تارة ومؤثرات
~~أخرى، ضرورة أن الشرط للحكم الشرعي في الجمل (3) الشرطية، ربما يكون مما له
~~دخل في ترتب الحكم، بحيث لولاه لما وجدت له علة، كما أنه في الحكم الغير
~~الشرعي، قد يكون أمارة على حدوثه بسببه، وإن كان ظاهر التعليق أن له الدخل
~~فيهما، كما لا يخفى.
# نعم، لو كان المراد بالمعرفية في الأسباب الشرعية أنها ليست بدواعي
~~الاحكام التي هي في الحقيقة علل لها، وإن كان لها دخل في تحقق موضوعاتها،
~~بخلاف الأسباب الغير الشرعية، فهو وإن كان له وجه، إلا أنه مما لا يكاد
~~يتوهم أنه يجدي فيما هم وأراد.
# ثم إنه لا وجه للتفصيل (4) بين اختلاف الشروط بحسب الأجناس وعدمه،
~~واختيار عدم التداخل في الأول، والتداخل في الثاني، إلا توهم عدم صحة
~~التعلق بعموم اللفظ في الثاني، لأنه من أسماء الأجناس، فمع تعدد أفراد شرط
~~واحد لم يوجد إلا السبب الواحد، بخلاف الأول، لكون كل منها سببا، فلا وجه
~~لتداخلها، وهو فاسد.
# PageV00P205
# فإن قضية اطلاق الشرط في مثل (إذا بلت فتوضأ) هو حدوث الوجوب عند كل مرة
~~لو بال مرات، وإلا فالأجناس المختلفة لا بد من رجوعها إلى واحد، فيما جعلت
~~شروطا وأسبابا لواحد، لما مرت إليه الإشارة، من أن الأشياء المختلفة بما هي
~~مختلفة لا تكون أسبابا لواحد، هذا كله فيما إذا كان موضوع الحكم في الجزاء
~~قابلا للتعدد.
# وأما ما لا يكون قابلا لذلك، فلا بد من تداخل الأسباب، فيما لا يتأكد
~~المسبب، ومن التداخل فيه فيما يتأكد.
# فصل الظاهر أنه لا مفهوم للوصف وما بحكمه مطلقا، لعدم ثبوت الوضع، ms139 وعدم
~~لزوم اللغوية بدونه، لعدم انحصار الفائدة به، وعدم قرينة أخرى ملازمة له،
~~وعليته فيما إذا استفيدت غير مقتضية له، كما لا يخفى، ومع كونها بنحو
~~الانحصار وإن كانت مقتضية له، إلا أنه لم يكن من مفهوم الوصف، ضرورة أنه
~~قضية العلة الكذائية المستفادة من القرينة عليها في خصوص مقام، وهو مما لا
~~إشكال فيه ولا كلام، فلا وجه لجعله تفصيلا في محل النزاع، وموردا للنقض
~~والابرام.
# ولا ينافي ذلك ما قيل من أن الأصل في القيد أن يكون احترازيا، لان
~~الاحترازية لا توجب إلا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضية، مثل ما إذا كان
~~بهذا الضيق بلفظ واحد، فلا فرق أن يقال: جئني بإنسان أو بحيوان ناطق، كما
~~أنه لا يلزم في حمل المطلق على المقيد، فيما وجد شرائطه إلا ذلك، من دون
~~حاجة فيه إلى دلالته على المفهوم، فإنه من المعلوم أن قضية الحمل ليس إلا
~~أن المراد بالمطلق هو المقيد، وكأنه لا يكون في البين غيره، بل ربما قيل
~~(1):
# PageV00P206
# إنه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ المفهوم، فإن ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور
~~المطلق في الاطلاق، كي يحمل عليه، لو لم نقل بأنه الأقوى، لكونه بالمنطوق،
~~كما لا يخفى.
# وأما الاستدلال على ذلك - أي عدم الدلالة على المفهوم - بآية (وربائبكم
~~اللاتي في حجوركم) (1) ففيه أن الاستعمال في غيره أحيانا مع القرينة مما لا
~~يكاد ينكر، كما في الآية قطعا، مع أنه يعتبر في دلالته عليه عند القائل
~~بالدلالة، أن لا يكون واردا مورد الغالب كما في الآية، ووجه الاعتبار واضح،
~~لعدم دلالته معه على الاختصاص، وبدونها لا يكاد يتوهم دلالته على المفهوم،
~~فافهم.
# تذنيب: لا يخفى أنه لا شبهة في جريان النزاع، فيما إذا كان الوصف أخص من
~~موصوفه ولو من وجه، في مورد الافتراق من جانب الموصوف، وأما في غيره، ففي
~~جريانه إشكال أظهره عدم جريانه، وإن كان يظهر مما عن بعض الشافعية (2)، حيث
~~قال: (قولنا في الغنم السائمة زكاة، يدل على عدم الزكاة في ms140 معلوفة الإبل)
~~جريانه فيه، ولعل وجهه استفادة العلية المنحصرة منه.
# وعليه فيجري فيما كان الوصف مساويا أو أعم مطلقا أيضا، فيدل على انتفاء
~~سنخ الحكم عند انتفائه، فلا وجه في التفصيل بينهما وبين ما إذا كان أخص من
~~وجه (3)، فيما إذا كان الافتراق من جانب الوصف، بأنه لا وجه للنزاع فيهما،
~~معللا بعدم الموضوع، واستظهار جريانه من بعض الشافعية فيه، كما لا يخفى،
~~فتأمل جيدا.
# PageV00P207
# فصل هل الغاية في القضية تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية، بناء على
~~دخول الغاية في المغيى، أو عنها وبعدها، بناء على خروجها، أو لا؟
# فيه خلاف، وقد نسب (1) إلى المشهور الدلالة على الارتفاع، وإلى جماعة
~~منهم السيد (2) والشيخ (3)، عدم الدلالة عليه.
# والتحقيق: إنه إذا كانت الغاية بحسب القواعد العربية قيدا للحكم، كما في
~~قوله: (كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام) (4)، و (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه
~~قذر) (5)، كانت دالة على ارتفاعه عند حصولها، لانسباق ذلك منها، كما لا
~~يخفى، وكونه قضية تقييده بها، وإلا لما كان ما جعل غاية له بغاية، وهو واضح
~~إلى النهاية.
# وأما إذا كانت بحسبها قيدا للموضوع، مثل (سر من البصرة إلى
# PageV00P208
# الكوفة)، فحالها حال الوصف في عدم الدلالة، وإن كان تحديده بها بملاحظة
~~حكمه وتعلق الطلب به، وقضيته ليس إلا عدم الحكم فيها إلا بالمغيى، من دون
~~دلالة لها أصلا على انتفاء سنخه عن غيره، لعدم ثبوت وضع لذلك، وعدم قرينة
~~ملازمة لها ولو غالبا، دلت على اختصاص الحكم به، وفائدة التحديد بها كسائر
~~أنحاء التقييد، غير منحصرة بإفادته كما مر في الوصف.
# ثم إنه في الغاية خلاف آخر، كما أشرنا إليه، وهو أنها هل هي داخلة في
~~المغيى بحسب الحكم؟ أو خارجة عنه؟ والأظهر خروجها، لكونها من حدوده، فلا
~~تكون محكومة بحكمه، ودخوله فيه في بعض الموارد إنما يكون بالقرينة، وعليه
~~تكون كما بعدها بالنسبة إلى الخلاف الأول، كما أنه على القول الآخر تكون
~~محكومة بالحكم منطوقا، ثم لا يخفى أن هذا الخلاف لا يكاد ms141 يعقل جريانه فيما
~~إذا كان قيدا للحكم، فلا تغفل (1).
# فصل لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم - سلبا أو إيجابا -
~~بالمستثنى منه ولا يعم المستثنى، ولذلك يكون الاستثناء من النفي إثباتا،
~~ومن الاثبات نفيا، وذلك للانسباق عند الاطلاق قطعا، فلا يعبأ بما عن أبي
~~حنيفة (2) من عدم الإفادة، محتجا بمثل (لا صلاة إلا بطهور) ضرورة ضعف
~~احتجاجه:
# PageV00P209
# أولا: يكون المراد من مثله (1) أنه لا تكون الصلاة التي كانت واجدة
~~لاجزائها وشرائطها المعتبرة فيها صلاة، إلا إذا كانت واجدة للطهارة،
~~وبدونها لا تكون صلاة على وجه، وصلاة تامة مأمورا بها على آخر.
# وثانيا: بأن الاستعمال مع القرينة، كما في مثل التركيب، مما علم فيه
~~الحال لا دلالة له على مدعاه أصلا، كما لا يخفى.
# ومنه قد انقدح (2) أنه لا موقع للاستدلال على المدعى، بقبول رسول الله
~~صلى الله عليه وآله إسلام من قال كلمة التوحيد، لامكان دعوى أن دلالتها على
~~التوحيد كان بقرينة الحال أو المقال.
# والاشكال في دلالتها عليه - بأن خبر (لا) اما يقدر (ممكن) أو (موجود)
~~وعلى كل تقدير لا دلالة لها عليه، أما على الأول: فإنه (3) حينئذ لا دلالة
~~لها إلا على إثبات إمكان وجوده تبارك وتعالى، لا وجوده، وأما على الثاني:
~~فلانها وإن دلت على وجوده تعالى، إلا أنه لا دلالة لها على عدم إمكان إله
~~آخر - مندفع، بأن المراد من الاله هو واجب الوجود، ونفي ثبوته ووجوده في
~~الخارج، وإثبات فرد منه فيه - وهو الله - يدل بالملازمة البينة على امتناع
~~تحققه في ضمن غيره تبارك وتعالى، ضرورة أنه لو لم يكن ممتنعا لوجد، لكونه
~~من أفراد الواجب.
# PageV00P210
# ثم إن الظاهر أن دلالة الاستثناء على الحكم في طرف المستثنى بالمفهوم،
~~وأنه لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التي دلت عليها الجملة
~~الاستثنائية، نعم لو كانت الدلالة في طرفه بنفس الاستثناء لا بتلك الجملة،
~~كانت بالمنطوق، كما هو ليس ببعيد، وإن كان تعيين ذلك لا يكاد يفيد.
# ومما يدل على الحصر والاختصاص (إنما) وذلك لتصريح أهل ms142 اللغة بذلك،
~~وتبادره منها قطعا عند أهل العرف والمحاورة.
# ودعوى - أن الانصاف (1) أنه لا سبيل لنا إلى ذلك، فإن موارد استعمال هذه
~~اللفظة مختلفة، ولا يعلم بما هو مرادف لها في عرفنا، حتى يستكشف منها (2)
~~ما هو المتبادر منها - غير مسموعة، فإن السبيل إلى التبادر لا ينحصر
~~بالانسباق إلى أذهاننا، فإن الانسباق إلى أذهان أهل العرف أيضا سبيل.
# وربما يعد مما دل على الحصر، كلمة (بل) الاضرابية، والتحقيق أن الاضراب
~~على أنحاء:
# منها: ما كان لاجل أن المضرب عنه، إنما أتى به غفلة أو سبقه به لسانه،
~~فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه، فلا دلالة له على الحصر أصلا، فكأنه أتى
~~بالمضرب إليه ابتداء، كما لا يخفى.
# ومنها: ما كان لاجل التأكيد، فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة والتمهيد
~~لذكر المضرب إليه، فلا دلالة له عليه أيضا.
# ومنها: ما كان في مقام الردع، وإبطال ما أثبت أولا، فيدل عليه (3) وهو
# PageV00P211
# واضح.
# ومما يفيد الحصر - على ما قيل - تعريف المسند إليه باللام، والتحقيق أنه
~~لا يفيده إلا فيما اقتضاه المقام، لان الأصل في اللام أن تكون لتعريف
~~الجنس، كما أن الأصل في الحمل في القضايا المتعارفة، هو الحمل المتعارف
~~الذي ملاكه مجرد الاتحاد في الوجود، فإنه الشائع فيها، لا الحمل الذاتي
~~الذي ملاكه الاتحاد بحسب المفهوم، كما لا يخفى، وحمل شئ على جنس وماهية
~~كذلك، لا يقتضي اختصاص تلك الماهية به وحصرها عليه، نعم، لو قامت قرينة على
~~أن اللام للاستغراق، أو أن مدخوله أخذ بنحو الارسال والاطلاق، أو على أن
~~الحمل عليه كان ذاتيا لأفيد حصر مدخوله على محموله واختصاصه به.
# وقد انقدح بذلك الخلل في كثير من كلمات الاعلام في المقام، وما وقع منهم
~~من النقض والابرام، ولا نطيل بذكرها فإنه بلا طائل، كما يظهر للمتأمل،
~~فتأمل جيدا.
# فصل لا دلالة للقب ولا للعدد على المفهوم، وانتفاء سنخ الحكم عن غير
~~موردهما أصلا، وقد عرفت أن انتفاء شخصه ليس بمفهوم، كما أن قضية التقييد
~~بالعدد منطوقا عدم جواز الاقتصار ms143 على ما دونه، لأنه ليس بذاك الخاص
~~والمقيد، وأما الزيادة فكالنقيصة إذا كان التقييد به للتحديد بالإضافة إلى
~~كلا طرفيه، نعم لو كان لمجرد التحديد بالنظر إلى طرفه الأقل لما كان في
~~الزيادة ضير أصلا، بل ربما كان فيها فضيلة وزيادة، كما لا يخفى، وكيف كان،
~~فليس عدم الاجتزاء بغيره من جهة دلالته على المفهوم، بل إنما يكون لاجل عدم
~~الموافقة مع ما أخذ في المنطوق، كما هو معلوم. PageV00P212
# المقصد الرابع العام والخاص PageV00P213
# المقصد الرابع: في العام والخاص فصل قد عرف (1) العام بتعاريف، وقد وقع
~~من الاعلام فيها النقض بعدم الاطراد تارة والانعكاس أخرى بما لا يليق
~~بالمقام، فإنها تعاريف لفظية، تقع في جواب السؤال عنه ب (ما) (2) الشارحة،
~~لا واقعة في جواب السؤال عنه ب (ما) (3) الحقيقية، كيف؟ وكان المعنى
~~المركوز منه في الأذهان أوضح مما عرف به مفهوما ومصداقا، ولذا يجعل صدق ذاك
~~المعنى على فرد وعدم صدقه، المقياس في الاشكال عليها بعدم الاطراد أو
~~الانعكاس بلا ريب فيه ولا شبهة يعتريه من أحد، والتعريف لابد أن يكون
~~بالأجلى، كما هو أوضح من أن يخفى.
# فالظاهر أن الغرض من تعريفه، إنما هو بيان ما يكون بمفهومه جامعا بين ما
~~لا شبهة في أنها أفراد العام، ليشار به إليه في مقام إثبات ما له من
~~الاحكام، لا بيان ما هو حقيقته (4) وماهيته، لعدم تعلق غرض به بعد وضوح ما
~~هو محل الكلام بحسب الاحكام من أفراده ومصاديقه، حيث لا يكون بمفهومه العام
~~محلا لحكم من الاحكام.
# PageV00P215
# ثم الظاهر أن ما ذكر له من الأقسام: من الاستغراقي (1) والمجموعي والبدلي
~~إنما هو باختلاف كيفية تعلق الاحكام به، وإلا فالعموم في الجميع بمعنى
~~واحد، وهو شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه، غاية الامر أن تعلق
~~الحكم به تارة بنحو يكون كل فرد موضوعا على حدة للحكم، وأخرى بنحو يكون
~~الجميع موضوعا واحدا، بحيث لو أخل بإكرام واحد في (أكرم كل فقيه) مثلا، لما
~~امتثل أصلا، بخلاف الصورة الأولى، فإنه أطاع ms144 وعصى، وثالثة بنحو يكون كل
~~واحد موضوعا على البدل، بحيث لو أكرم واحدا منهم، لقد أطاع وامتثل، كما
~~يظهر لمن أمعن النظر وتأمل.
# وقد انقدح أن مثل شمول عشرة وغيرها لآحادها المندرجة تحتها ليس من
~~العموم، لعدم صلاحيتها بمفهومها للانطباق على كل واحد منها، فافهم.
# فصل لا شبهة في أن للعموم صيغة تخصه - لغة وشرعا - كالخصوص كما يكون ما
~~يشترك بينهما ويعمهما، ضرورة أن مثل لفظ (كل) وما يرادفه في أي لغة كان
~~تخصه، ولا يخص الخصوص ولا يعمه، ولا ينافي اختصاصه به استعماله في الخصوص
~~عناية، بادعاء أنه العموم، أو بعلاقة العموم والخصوص.
# ومعه لا يصغى إلى أن إرادة الخصوص متيقنة، ولو في ضمنه بخلافه، وجعل
~~اللفظ حقيقة في المتيقن أولى، ولا إلى أن التخصيص قد اشتهر وشاع، حتى قيل:
~~(ما من عام إلا وقد خص)، والظاهر يقتضي كونه حقيقة، لما هو الغالب تقليلا
~~للمجاز، مع أن تيقن إرادته لا يوجب اختصاص الوضع به، مع
# PageV00P216
# كون العموم كثيرا ما يراد، واشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز، لعدم
~~الملازمة بين التخصيص والمجازية، كما يأتي توضيحه، ولو سلم فلا محذور فيه
~~أصلا إذا كان بالقرينة، كما لا يخفى.
# فصل ربما عد من الألفاظ الدالة على العموم، النكرة في سياق النفي أو
~~النهي، ودلالتها عليه لا ينبغي أن تنكر عقلا، لضرورة أنه لا يكاد يكون
~~طبيعة معدومة، إلا إذا لم يكن فرد منها بموجود، وإلا كانت موجودة، لكن لا
~~يخفى أنها تفيده إذا أخذت مرسلة (1) لا مبهمة قابلة للتقيد، وإلا فسلبها لا
~~يقتضي إلا استيعاب السلب، لما أريد منها يقينا، لا استيعاب ما يصلح
~~انطباقها عليه من أفرادها، وهذا لا ينافي كون دلالتها عليه عقلية، فإنها
~~بالإضافة إلى أفراد ما يراد منها، لا الافراد التي يصلح لانطباقها عليها،
~~كما لا ينافي دلالة مثل لفظ (كل) على العموم وضعا كون عمومه بحسب ما يراد
~~من مدخوله، ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بقيود كثيرة.
# نعم لا يبعد أن يكون ظاهرا عند إطلاقها في استيعاب ms145 جميع أفرادها، وهذا هو
~~الحال في المحلى باللام جمعا كان أو مفردا - بناء على إفادته للعموم - ولذا
~~لا ينافيه تقييد المدخول بالوصف وغيره، وإطلاق التخصيص على تقييده، ليس إلا
~~من قبيل (ضيق فم الركية)، لكن دلالته على العموم وضعا محل منع، بل إنما
~~يفيده فيما إذا اقتضته الحكمة أو قرينة أخرى، وذلك لعدم اقتضائه وضع اللام
~~ولا مدخوله ولا وضع آخر للمركب منهما، كما لا يخفى، وربما يأتي في المطلق
~~والمقيد بعض الكلام مما يناسب المقام.
# PageV00P217
# فصل لا شبهة في أن العام المخصص بالمتصل أو المنفصل حجة فيما بقي فيما
~~علم عدم دخوله في المخصص مطلقا ولو كان متصلا، وما احتمل دخوله فيه أيضا
~~إذا كان منفصلا، كما هو المشهور (1) بين الأصحاب، بل لا ينسب الخلاف إلا
~~إلى بعض (2) أهل الخلاف.
# وربما فصل (3) بين المخصص المتصل فقيل بحجيته فيه، وبين المنفصل فقيل
~~بعدم حجيته، واحتج النافي بالاجمال، لتعدد المجازات حسب مراتب الخصوصيات،
~~وتعيين (4) الباقي من بينها بلا معين ترجيح بلا مرجح.
# والتحقيق في الجواب أن يقال: إنه لا يلزم من التخصيص كون العام مجازا،
~~أما في التخصيص بالمتصل، فلما عرفت من أنه لا تخصيص أصلا، وإن أدوات العموم
~~قد استعملت فيه، وإن كان دائرته سعة وضيقا تختلف باختلاف ذوي الأدوات،
~~فلفظة (كل) في مثل (كل رجل) و (كل رجل عالم) قد استعملت في العموم، وإن كان
~~أفراد أحدهما بالإضافة إلى الآخر بل في نفسها في غاية القلة.
# واما في المنفصل، فلان إرادة الخصوص واقعا لا تستلزم استعماله فيه وكون
~~الخاص قرينة عليه، بل من الممكن قطعا استعماله معه في العموم قاعدة، وكون
~~الخاص مانعا عن حجية ظهوره تحكيما للنص، أو الأظهر على الظاهر، لا مصادما
~~لأصل ظهوره، ومعه لا مجال للمصير إلى أنه قد استعمل فيه مجازا، كي يلزم
~~الاجمال.
# PageV00P218
# لا يقال: هذا مجرد احتمال، ولا يرتفع به الاجمال، لاحتمال الاستعمال في
~~خصوص مرتبة من مراتبه.
# فإنه يقال: مجرد احتمال استعماله فيه لا يوجب إجماله بعد استقرار ظهوره
~~في العموم، ms146 والثابت من مزاحمته بالخاص أنما هو بحسب الحجية تحكيما لما هو
~~الأقوى، كما أشرنا إليه آنفا.
# وبالجملة: الفرق بين المتصل والمنفصل، وإن كان بعدم انعقاد الظهور في
~~الأول إلا في الخصوص، وفي الثاني إلا في العموم، إلا أنه لا وجه لتوهم
~~استعماله مجازا في واحد منهما أصلا، وإنما اللازم الالتزام بحجية الظهور في
~~الخصوص في الأول، وعدم حجية ظهوره في خصوص ما كان الخاص حجة فيه في الثاني،
~~فتفطن.
# وقد أجيب عن الاحتجاج (1)، بأن الباقي أقرب المجازات.
# وفيه: لا اعتبار في الأقربية بحسب المقدار، وإنما المدار على الأقربية
~~بحسب زيادة الانس الناشئة من كثرة الاستعمال، وفي تقريرات بحث شيخنا
~~الأستاذ (2) (قدس سره) في مقام الجواب عن الاحتجاج، ما هذا لفظه:
# والأولى أن يجاب بعد تسليم مجازية الباقي، بأن دلالة العام على كل فرد من
~~أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده، ولو كانت دلالة مجازية،
~~إذ هي بواسطة عدم شموله للافراد المخصوصة، لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله،
~~فالمقتضي للحمل على الباقي موجود والمانع مفقود، لان المانع في مثل المقام
~~إنما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله، والمفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي
~~لاختصاص المخصص بغيره، فلو شك فالأصل عدمه، انتهى موضع الحاجة.
# PageV00P219
# قلت: لا يخفى أن دلالته على كل فرد إنما كانت لاجل دلالته على العموم
~~والشمول، فإذا لم يستعمل فيه واستعمل في الخصوص - كما هو المفروض - مجازا،
~~وكان إرادة كل واحد من مراتب الخصوصيات مما جاز انتهاء التخصيص إليه،
~~واستعمال العام فيه مجازا ممكنا، كان تعين (1) بعضها بلا معين ترجيحا بلا
~~مرجح، ولا مقتضي لظهوره فيه، ضرورة أن الظهور إما بالوضع وإما بالقرينة،
~~والمفروض أنه ليس بموضوع له، ولم يكن هناك قرينة، وليس له موجب آخر،
~~ودلالته على كل فرد على حدة حيث كانت في ضمن دلالته على العموم، لا يوجب
~~ظهوره في تمام الباقي بعد عدم استعماله في العموم، إذا لم تكن هناك قرينة
~~على تعيينه، فالمانع عنه وإن كان مدفوعا بالأصل، إلا أنه لا ms147 مقتضي له بعد
~~رفع اليد عن الوضع، نعم إنما يجدي إذا لم يكن مستعملا إلا في العموم، كما
~~فيما حققناه في الجواب، فتأمل جيدا.
# فصل إذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملا، بأن كان دائرا بين الأقل والأكثر
~~وكان منفصلا، فلا يسري إجماله إلى العام، لا حقيقة ولا حكما، بل كان العام
~~متبعا فيما لا يتبع فيه الخاص، لوضوح أنه حجة فيه بلا مزاحم أصلا، ضرورة أن
~~الخاص إنما يزاحمه فيما هو حجة على خلافه، تحكيما للنص أو الأظهر على
~~الظاهر، لا فيما لا يكون كذلك، كما لا يخفى.
# وإن لم يكن كذلك بأن كان دائرا بين المتباينين مطلقا، أو بين الأقل
~~والأكثر فيما كان متصلا، فيسري إجماله إليه حكما في المنفصل المردد بين
~~المتباينين، وحقيقة في غيره:
# PageV00P220
# أما الأول: فلان العام - على ما حققناه (1) - كان ظاهرا في عمومه، إلا
~~أنه يتبع ظهوره في واحد من المتباينين اللذين علم تخصيصه بأحدهما.
# وأما الثاني: فلعدم (2) انعقاد ظهور من رأس للعام، لاحتفاف الكلام بما
~~يوجب احتماله لكل واحد من الأقل والأكثر، أو لكل واحد من المتباينين، لكنه
~~حجة في الأقل، لأنه المتيقن في البين.
# فانقدح بذلك الفرق بين المتصل والمنفصل، وكذا في المجمل بين المتباينين
~~والأكثر والأقل، فلا تغفل.
# وأما إذا كان مجملا بحسب المصداق، بأن اشتبه فرد وتردد بين أن يكون فردا
~~له أو باقيا تحت العام، فلا كلام في عدم جواز التمسك بالعام لو كان متصلا
~~به، ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلا في الخصوص، كما عرفت.
# وأما إذا كان منفصلا عنه، ففي جواز التمسك به خلاف، والتحقيق عدم جوازه،
~~إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه، أن الخاص إنما يزاحم العام فيما كان
~~فعلا حجة، ولا يكون حجة فيما اشتبه أنه من أفراده، فخطاب (لا تكرم فساق
~~العلماء) لا يكون دليلا على حرمة إكرام من شك في فسقه من العلماء، فلا
~~يزاحم مثل (أكرم العلماء) ولا يعارضه، فإنه يكون من قبيل مزاحمة الحجة بغير
~~الحجة، وهو في غاية ms148 الفساد، فإن الخاص وإن لم يكن دليلا في الفرد المشتبه
~~فعلا، إلا أنه يوجب اختصاص حجية العام في غير عنوانه من الافراد، فيكون
~~(أكرم العلماء) دليلا وحجة في العالم الغير الفاسق، فالمصداق المشتبه وإن
~~كان مصداقا للعام بلا كلام، إلا أنه لم يعلم أنه من مصاديقه بما هو حجة،
~~لاختصاص حجيته بغير الفاسق.
# وبالجملة العام المخصص بالمنفصل، وإن كان ظهوره في العموم، كما إذا
# PageV00P221
# لم يكن مخصصا، بخلاف المخصص بالمتصل كما عرفت، إلا أنه في عدم الحجية إلا
~~في غير عنوان الخاص مثله، فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج
~~تحت إحدى الحجتين، فلا بد من الرجوع إلى ما هو الأصل في البين، هذا إذا كان
~~المخصص لفظيا.
# وأما إذا كان لبيا، فإن كان مما يصح أن يتكل عليه المتكلم، إذا كان بصدد
~~البيان في مقام التخاطب، فهو كالمتصل، حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام
~~إلا في الخصوص، وإن لم يكن كذلك، فالظاهر بقاء العام في المصداق المشتبه
~~على حجيته كظهوره فيه.
# والسر في ذلك، أن الكلام الملقى من السيد حجة، ليس إلا ما اشتمل على
~~العام الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم، فلا بد من اتباعه ما لم يقطع
~~بخلافه، مثلا إذا قال المولى: (أكرم جيراني) وقطع بأنه لا يريد إكرام من
~~كان عدوا له منهم، كان أصالة العموم باقية على الحجية بالنسبة إلى من لم
~~يعلم بخروجه عن عموم الكلام، للعلم بعداوته، لعدم حجة أخرى بدون ذلك على
~~خلافه، بخلاف ما إذا كان المخصص لفظيا، فإن قضية تقديمه عليه، هو كون
~~الملقى إليه كأنه كان من رأس لا يعم الخاص، كما كان كذلك حقيقة فيما كان
~~الخاص متصلا، والقطع بعدم إرادة العدو لا يوجب انقطاع حجيته، إلا فيما قطع
~~أنه عدوه، لا فيما شك فيه، كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى له لو لم
~~يكرم واحدا من جيرانه لاحتمال عداوته له، وحسن عقوبته على مخالفته، وعدم
~~صحة الاعتذار عنه بمجرد احتمال العداوة، كما لا يخفى على ms149 من راجع الطريقة
~~المعروفة، والسيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء التي هي ملاك حجية أصالة
~~الظهور.
# وبالجملة كان بناء العقلاء على حجيتها بالنسبة إلى المشتبه هاهنا بخلاف
~~هناك، ولعله لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما، بإلقاء حجتين هناك، تكون
~~قضيتهما بعد تحكيم الخاص وتقديمه على العام، كأنه لم يعمه حكما من رأس،
~~PageV00P222
# وكأنه لم يكن بعام، بخلاف هاهنا، فإن الحجة الملقاة ليست إلا واحدة،
~~والقطع بعدم إرادة إكرام العدو في (أكرم جيراني) مثلا، لا يوجب رفع اليد عن
~~عمومه إلا فيما قطع بخروجه من تحته، فإنه على الحكيم إلقاء كلامه على وفق
~~غرضه ومرامه، فلا بد من اتباعه ما لم تقم حجة أقوى على خلافه.
# بل يمكن أن يقال: إن قضية عمومه للمشكوك، أنه ليس فردا لما علم بخروجه من
~~حكمه بمفهومه، فيقال في مثل (لعن الله بني أمية قاطبة) (1): إن فلانا وإن
~~شك في إيمانه يجوز لعنه لمكان العموم، وكل من جاز لعنه لا يكون مؤمنا،
~~فينتج أنه ليس بمؤمن، فتأمل جيدا.
# إيقاظ: لا يخفى أن الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء
~~من المتصل، لما كان غير معنون بعنوان خاص، بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان
~~الخاص، كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعي في غالب الموارد - إلا ما شذ
~~- ممكنا، فبذلك يحكم عليه بحكم العام وإن لم يجز التمسك به بلا كلام، ضرورة
~~أنه قلما لا يوجد (2) عنوان يجري فيه أصل ينقح به أنه مما بقي تحته، مثلا
~~إذا شك أن امرأة تكون قرشية، فهي وإن كانت وجدت اما قرشية أو غيرها، فلا
~~أصل يحرز أنها قرشية أو غيرها، إلا أن أصالة عدم تحقق الانتساب بينها وبين
~~قريش (3) تجدي في تنقيح أنها ممن لا تحيض إلا إلى خمسين، لان المرأة التي
~~لا يكون بينها وبين قريش (4) انتساب أيضا باقية تحت ما دل على أن المرأة
~~إنما ترى الحمرة إلى خمسين، والخارج عن تحته هي القرشية، فتأمل تعرف.
# وهم وإزاحة: ربما يظهر عن بعضهم التمسك بالعمومات فيما إذا ms150 شك
# PageV00P223
# في فرد، لا من جهة احتمال التخصيص، بل من جهة أخرى، كما إذا شك في صحة
~~الوضوء أو الغسل بمائع مضاف، فيستكشف صحته بعموم مثل (أوفوا بالنذور) فيما
~~إذا وقع متعلقا للنذر، بأن يقال: وجب الاتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر
~~للعموم، وكل ما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحا، للقطع بأنه لولا صحته
~~لما وجب الوفاء به، وربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الاحرام والصيام قبل
~~الميقات (1) وفي السفر (2) إذا تعلق بهما النذر كذلك.
# والتحقيق أن يقال: إنه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكلفة
~~لاحكام العناوين الثانوية فيما شك من غير جهة تخصيصها، إذا أخذ في
~~موضوعاتها أحد الاحكام المتعلقة بالأفعال بعناوينها الأولية (3)، كما هو
~~الحال في وجوب إطاعة الوالد، والوفاء بالنذر وشبهه في الأمور المباحة أو
~~الراجحة، ضرورة أنه معه لا يكاد يتوهم عاقل أنه إذا شك في رجحان شئ أو
~~حليته جواز التمسك بعموم دليل وجوب الإطاعة أو الوفاء في رجحانه أو حليته.
# نعم لا بأس بالتمسك به في جوازه بعد إحراز التمكن منه والقدرة عليه، فيما
~~لم يؤخذ في موضوعاتها حكم أصلا، فإذا شك في جوازه صح (4) التمسك بعموم
~~دليلها في الحكم بجوازها، وإذا كانت محكومة بعناوينها الأولية بغير حكمها
~~بعناوينها الثانوية، وقع (5) المزاحمة بين المقتضيين، ويؤثر الأقوى منهما
~~لو
# PageV00P224
# كان في البين، وإلا لم يؤثر أحدهما، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، فليحكم
~~عليه حينئذ بحكم آخر، كالإباحة إذا كان أحدهما مقتضيا للوجوب والآخر للحرمة
~~مثلا.
# وأما صحة الصوم في السفر بنذره فيه - بناء على عدم صحته فيه بدونه - وكذا
~~الاحرام قبل الميقات، فإنما هو لدليل خاص، كاشف عن رجحانهما ذاتا في السفر
~~وقبل الميقات، وإنما لم يأمر بهما استحبابا أو وجوبا لمانع يرتفع مع النذر،
~~وإما لصيرورتهما راجحين بتعلق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك، كما ربما
~~يدل عليه ما في الخبر من كون الاحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت (1).
# لا يقال: لا يجدي صيرورتهما راجحين بذلك في عباديتهما، ضرورة كون وجوب ms151
~~الوفاء توصليا لا يعتبر في سقوطه إلا الاتيان بالمنذور بأي داع كان.
# فإنه يقال: عباديتهما إنما تكون لاجل كشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح
~~عليهما، ملازم لتعلق النذر بهما، هذا لو لم نقل بتخصيص عموم دليل اعتبار
~~الرجحان في متعلق النذر بهذا الدليل، وإلا أمكن أن يقال بكفاية الرجحان
~~الطارئ عليهما من قبل النذر في عباديتهما، بعد تعلق النذر بإتيانهما عباديا
~~ومتقربا بهما منه تعالى، فإنه وإن لم يتمكن من إتيانهما كذلك قبله، إلا أنه
~~يتمكن منه بعده، ولا يعتبر في حصة النذر إلا التمكن من الوفاء ولو بسببه،
~~فتأمل جيدا.
# بقي شئ، وهو أنه هل يجوز التمسك بأصالة عدم التخصيص؟ في إحراز عدم كون ما
~~شك في أنه من مصاديق العام، مع العلم بعدم كونه محكوما
# PageV00P225
# بحكمه، مصداقا له، مثل ما إذا علم أن زيدا يحرم إكرامه، وشك في أنه عالم،
~~فيحكم عليه بأصالة عدم تخصيص (أكرم العلماء) أنه ليس بعالم، بحيث يحكم عليه
~~بسائر ما لغير العالم من الاحكام.
# فيه إشكال، لاحتمال اختصاص حجيتها بما إذا شك في كون فرد العام محكوما
~~بحكمه، كما هو قضية عمومه، والمثبت من الأصول اللفظية وإن كان حجة، إلا أنه
~~لا بد من الاقتصار على ما يساعد عليه الدليل، ولا دليل هاهنا إلا السيرة
~~وبناء العقلاء، ولم يعلم استقرار بنائهم على ذلك، فلا تغفل.
# فصل هل يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص؟ فيه خلاف، وربما نفي (1)
~~الخلاف عن عدم جوازه، بل ادعي الاجماع (2) عليه، والذي ينبغي أن يكون محل
~~الكلام في المقام، أنه هل يكون أصالة العموم متبعة مطلقا؟ أو بعد الفحص عن
~~المخصص واليأس عن الظفر به؟ بعد الفراغ عن (3) اعتبارها بالخصوص في الجملة،
~~من باب الظن النوعي للمشافه وغيره، ما لم يعلم بتخصيصه تفصيلا، ولم يكن من
~~أطراف ما علم تخصيصه إجمالا، وعليه فلا مجال لغير واحد مما استدل به على
~~عدم جواز العمل به قبل الفحص والياس.
# فالتحقيق عدم جواز التمسك به قبل الفحص، فيما إذا كان ms152 في معرض التخصيص
~~كما هو الحال في عمومات الكتاب والسنة، وذلك لاجل أنه لولا القطع باستقرار
~~سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله، فلا أقل من الشك،
# PageV00P226
# كيف؟ وقد ادعي الاجماع على عدم جوازه، فضلا عن نفي الخلاف عنه، وهو كاف
~~في عدم الجواز، كما لا يخفى.
# وأما إذا لم يكن العام كذلك، كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في
~~السنة أهل المحاورات، فلا شبهة في أن السيرة على العمل به بلا فحص عن مخصص،
~~وقد ظهر لك بذلك أن مقدار الفحص اللازم ما به يخرج عن المعرضية له، كما أن
~~مقداره اللازم منه بحسب سائر الوجوه التي استدل بها من العلم الاجمالي به
~~(1) أو حصول الظن بما هو التكليف (2)، أو غير ذلك رعايتها، فتختلف مقداره
~~بحسبها، كما لا يخفى.
# ثم إن الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصص المتصل، باحتمال أنه كان ولم يصل،
~~بل حاله حال احتمال قرينة المجاز، وقد اتفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به
~~مطلقا، ولو قبل الفحص عنها، كما لا يخفى.
# إيقاظ: لا يذهب عليك الفرق بين الفحص هاهنا، وبينه في الأصول العملية،
~~حيث أنه هاهنا عما يزاحم الحجة (3)، بخلافه هناك، فإنه بدونه لا حجة، ضرورة
~~أن العقل بدونه يستقل باستحقاق المؤاخذة على المخالفة، فلا يكون العقاب
~~بدونه بلا بيان والمؤاخذة عليها من غير برهان، والنقل وإن دل على البراءة
~~أو الاستصحاب في موردهما مطلقا، إلا أن الاجماع بقسميه على تقييده به،
~~فافهم.
# فصل هل الخطابات الشفاهية مثل: (يا أيها المؤمنون) تختص بالحاضر مجلس
~~التخاطب، أو تعم غيره من الغائبين، بل المعدومين؟
# PageV00P227
# فيه خلاف، ولابد قبل الخوض في تحقيق المقام، من بيان ما يمكن أن يكون
~~محلا للنقض والابرام بين الاعلام.
# فاعلم أنه يمكن أن يكون النزاع في أن التكليف المتكفل له الخطاب هل يصح
~~تعلقه بالمعدومين، كما صح تعلقه بالموجودين، أم لا؟ أو في صحة المخاطبة
~~معهم، بل مع الغائبين عن مجلس الخطاب بالألفاظ الموضوعة للخطاب، أو بنفس
~~توجيه الكلام إليهم، وعدم صحتها، أو ms153 في عموم الألفاظ الواقعة عقيب أداة
~~الخطاب، للغائبين بل المعدومين، وعدم عمومها لهما، بقرينة تلك الأداة.
# ولا يخفى أن النزاع على الوجهين الأولين يكون عقليا، وعلى الوجه الأخير
~~لغويا.
# إذا عرفت هذا، فلا ريب في عدم صحة تكليف المعدوم عقلا، بمعنى بعثه أو
~~زجره فعلا، ضرورة أنه بهذا المعنى يستلزم الطلب منه حقيقة، ولا يكاد يكون
~~الطلب كذلك إلا من الموجود ضرورة، نعم هو بمعنى إنشاء الطلب بلا بعث ولا
~~زجر، لا استحالة فيه أصلا، فإن الانشاء خفيف المؤونة، فالحكيم تبارك وتعالى
~~ينشئ على وفق الحكمة والمصلحة، طلب شئ قانونا من الموجود والمعدوم حين
~~الخطاب، ليصير فعليا بعد ما وجد الشرائط وفقد الموانع بلا حاجة إلى إنشاء
~~آخر، فتدبر.
# ونظيره من غير الطلب إنشاء التمليك في الوقف على البطون، فإن المعدوم
~~منهم يصير مالكا للعين الموقوفة، بعد وجوده بإنشائه، ويتلقى لها من الواقف
~~بعقده، فيؤثر في حق الموجود منهم الملكية الفعلية، ولا يؤثر في حق المعدوم
~~فعلا، إلا استعدادها لان تصير ملكا له بعد وجوده، هذا إذا أنشئ الطلب
~~مطلقا.
# وأما إذا أنشئ مقيدا بوجود المكلف ووجد انه الشرائط، فإمكانه بمكان
~~PageV00P228
# من الامكان.
# وكذلك لا ريب في عدم صحة خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة، وعدم إمكانه،
~~ضرورة عدم تحقق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة إلا إذا كان موجودا، وكان
~~بحيث يتوجه إلى الكلام، ويلتفت إليه.
# ومنه قد انقدح أن ما وضع للخطاب، مثل أدوات النداء، لو كان موضوعا للخطاب
~~الحقيقي، لأوجب استعماله فيه تخصيص ما يقع في تلوه بالحاضرين، كما أن قضية
~~إرادة العموم منه لغيرهم استعماله في غيره، لكن الظاهر أن مثل أدوات النداء
~~لم يكن موضوعا لذلك، بل للخطاب الايقاعي الانشائي، فالمتكلم ربما يوقع
~~الخطاب بها تحسرا وتأسفا وحزنا مثل:
# يا كوكبا ما كان أقصر عمره (1).......
# أو شوقا، ونحو ذلك، كما يوقعه مخاطبا لمن يناديه حقيقة، فلا يوجب
~~استعماله في معناه الحقيقي - حينئذ - التخصيص بمن يصح مخاطبته، نعم لا يبعد
~~دعوى الظهور، انصرافا في الخطاب الحقيقي، كما هو ms154 الحال في حروف الاستفهام
~~والترجي والتمني وغيرها، على ما حققناه في بعض المباحث السابقة (2)، من
~~كونها موضوعة للايقاعي منها بدواع مختلفة مع ظهورها في
# PageV00P229
# الواقعي منها انصرافا، إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه، كما يمكن دعوى وجوده
~~غالبا في كلام الشارع، ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل:
# (يا أيها الناس اتقوا) و (يا أيها المؤمنون) بمن حضر مجلس الخطاب، بلا
~~شبهة ولا ارتياب.
# ويشهد لما ذكرنا صحة النداء بالأدوات، مع إرادة العموم من العام الواقع
~~تلوها بلا عناية، ولا للتنزيل والعلاقة رعاية.
# وتوهم كونه ارتكازيا، يدفعه عدم العلم به مع الالتفات إليه، والتفتيش عن
~~حاله مع حصوله بذلك لو كان مرتكزا، وإلا فمن أين يعلم بثبوته كذلك؟
# كما هو واضح.
# وإن أبيت إلا عن وضع الأدوات للخطاب الحقيقي، فلا مناص عن التزام اختصاص
~~الخطابات الإلهية بأداة الخطاب، أو بنفس توجيه الكلام بدون الأداة كغيرها
~~بالمشافهين، فيما لم يكن هناك قرينة على التعميم.
# وتوهم صحة التزام التعميم في خطاباته تعالى لغير الموجودين، فضلا عن
~~الغائبين، لاحاطته بالموجود في الحال والموجود في الاستقبال، فاسد، ضرورة
~~أن إحاطته لا توجب صلاحية المعدوم بل الغائب للخطاب، وعدم صحة المخاطبة
~~معهما لقصورهما لا يوجب نقصا في ناحيته تعالى، كما لا يخفى، كما أن خطابه
~~اللفظي لكونه تدريجيا ومتصرم الوجود، كان قاصرا عن أن يكون موجها نحو غير
~~من كان بمسمع منه ضرورة، هذا لو قلنا بأن الخطاب بمثل يا أيها الناس اتقوا
~~في الكتاب حقيقة إلى غير النبي صلى الله عليه وآله بلسانه.
# وأما إذا قيل بأنه المخاطب والموجه إليه الكلام حقيقة وحيا أو إلهاما،
~~فلا محيص إلا عن كون الأداة في مثله للخطاب الايقاعي ولو مجازا، وعليه لا
~~مجال لتوهم اختصاص الحكم المتكفل له الخطاب بالحاضرين، بل يعم المعدومين،
~~فضلا عن الغائبين. PageV00P230
# فصل ربما قيل: إنه يظهر لعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين ثمرتان:
# الأولى (1): حجية ظهور خطابات (2) الكتاب لهم كالمشافهين.
# وفيه: إنه مبني على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالافهام، وقد حقق
~~عدم الاختصاص ms155 بهم. ولو سلم، فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك ممنوع،
~~بل الظاهر أن الناس كلهم إلى يوم القيامة يكونون كذلك، وإن لم يعمهم
~~الخطاب، كما يومئ إليه غير واحد من الاخبار.
# الثانية (3): صحة التمسك بإطلاقات الخطابات القرآنية بناء على التعميم،
~~لثبوت الاحكام لمن وجد وبلغ من المعدومين، وإن لم يكن متحدا مع المشافهين
~~في الصنف، وعدم صحته على عدمه، لعدم كونها حينئذ متكفلة لاحكام غير
~~المشافهين، فلا بد من إثبات اتحاده معهم في الصنف، حتى يحكم بالاشتراك مع
~~المشافهين في الاحكام، وحيث لا دليل عليه حينئذ إلا الاجماع، ولا إجماع
~~عليه إلا فيما اتحد الصنف، كما لا يخفى.
# ولا يذهب عليك، أنه يمكن إثبات الاتحاد، وعدم دخل ما كان البالغ الآن
~~فاقدا له مما كان المشافهون واجدين له، بإطلاق الخطاب إليهم من دون التقييد
~~به، وكونهم كذلك لا يوجب صحة الاطلاق، مع إرادة المقيد معه فيما يمكن أن
~~يتطرق الفقدان، وإن صح فيما لا يتطرق إليه ذلك. وليس المراد بالاتحاد في
~~الصنف إلا الاتحاد فيما اعتبر قيدا في الاحكام، لا الاتحاد فيما كثر
# PageV00P231
# الاختلاف بحسبه، والتفاوت بسببه بين الأنام، بل في شخص واحد بمرور الدهور
~~والأيام، وإلا لما ثبت بقاعدة الاشتراك للغائبين - فضلا عن المعدومين - حكم
~~من الاحكام.
# ودليل الاشتراك إنما يجدي في عدم اختصاص التكاليف بأشخاص المشافهين، فيما
~~لم يكونوا مختصين بخصوص عنوان، لو [لم] (١) يكونوا معنونين به لشك في
~~شمولها لهم أيضا، فلولا الاطلاق وإثبات عدم دخل ذاك العنوان في الحكم، لما
~~أفاد دليل الاشتراك، ومعه كان الحكم يعم غير المشافهين ولو قيل باختصاص
~~الخطابات بهم، فتأمل جيدا.
# فتلخص: أنه لا يكاد تظهر الثمرة إلا على القول باختصاص حجية الظواهر لمن
~~قصد إفهامه، مع كون غير المشافهين غير مقصودين بالافهام، وقد حقق عدم
~~الاختصاص به في غير المقام، وأشير (٢) إلى منع كونهم غير مقصودين به في
~~خطاباته تبارك وتعالى في المقام.
# فصل هل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده، يوجب تخصيصه به أو لا؟
# فيه خلاف بين الاعلام ms156 وليكن محل الخلاف ما إذا وقعا في كلامين، أو في
~~كلام واحد مع استقلال العام بما حكم عليه في الكلام، كما في قوله تبارك
~~وتعالى: (والمطلقات يتربصن) إلى قوله ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ (3) وأما ما إذا كان مثل:
~~والمطلقات أزواجهن أحق بردهن، فلا شبهة في تخصيصه به.
# PageV00P232
# والتحقيق أن يقال: إنه حيث دار الامر بين التصرف في العام، بإرادة خصوص
~~ما أريد من الضمير الراجع إليه، أو التصرف في ناحية الضمير: إما بإرجاعه
~~إلى بعض ما هو المراد من مرجعه، أو إلى تمامه مع التوسع في الاسناد، بإسناد
~~الحكم المسند إلى البعض حقيقة إلى الكل توسعا وتجوزا، كانت أصالة الظهور في
~~طرف العام سالمة عنها في جانب الضمير، وذلك لان المتيقن من بناء العقلاء هو
~~اتباع الظهور في تعيين المراد، لا في تعيين كيفية الاستعمال، وإنه على نحو
~~الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو الاسناد مع القطع بما يراد، كما هو الحال
~~في ناحية الضمير.
# وبالجملة: أصالة الظهور إنما يكون حجة فيما إذا شك فيما أريد، لا فيما
~~إذا شك في أنه كيف أريد، فافهم، لكنه إذا انعقد للكلام ظهور في العموم، بأن
~~لا يعد ما اشتمل على الضمير مما يكتنف به عرفا، وإلا فيحكم عليه بالاجمال،
~~ويرجع إلى ما يقتضيه الأصول، إلا أن يقال باعتبار أصالة الحقيقة تعبدا، حتى
~~فيما إذا احتف بالكلام ما لا يكون ظاهرا معه في معناه الحقيقي كما عن بعض
~~الفحول.
# فصل قد اختلفوا في جواز التخصيص بالمفهوم المخالف، مع الاتفاق على الجواز
~~بالمفهوم الموافق، على قولين، وقد استدل لكل منهما بما لا يخلو عن قصور.
# وتحقيق المقام: أنه إذا ورد العام وما له المفهوم في كلام أو كلامين،
~~ولكن على نحو يصلح أن يكون كل منهما قرينة متصلة للتصرف في الآخر، ودار
~~الامر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم، فالدلالة على كل منهما إن كانت
~~PageV00P233
# بالاطلاق بمعونة مقدمات الحكمة، أو بالوضع، فلا يكون هناك عموم، ولا
~~مفهوم، لعدم تمامية مقدمات ms157 الحكمة في واحد منهما لاجل المزاحمة، كما في
~~مزاحمة ظهور أحدهما وضعا لظهور الآخر كذلك، فلا بد من العمل بالأصول
~~العملية فيما دار فيه بين العموم والمفهوم، إذا لم يكن مع ذلك أحدهما أظهر،
~~وإلا كان مانعا عن انعقاد الظهور، أو استقراره في الآخر.
# ومنه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن بين ما دل على العموم وما له
~~المفهوم، ذاك الارتباط والاتصال، وأنه لا بد أن يعامل مع كل منهما معاملة
~~المجمل، لو لم يكن في البين أظهر، والا فهو المعول، والقرينة على التصرف في
~~الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل.
# فصل الاستثناء المتعقب لجمل متعددة، هل الظاهر هو رجوعه إلى الكل (1) أو
~~خصوص الأخيرة (2)، أو لا ظهور له في واحد منهما (3)، بل لابد في التعيين من
~~قرينة؟ أقوال.
# والظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة على أي حال، ضرورة
~~أن رجوعه إلى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة، وكذا في صحة
~~رجوعه إلى الكل، وإن كان المتراءى من كلام صاحب المعالم (4) (رحمه الله)
~~حيث مهد مقدمة لصحة رجوعه إليه، أنه محل الاشكال والتأمل.
# PageV00P234
# وذلك ضرورة أن تعدد المستثنى منه، كتعدد المستثنى، لا يوجب تفاوتا أصلا
~~في ناحية الأداة بحسب المعنى، كان الموضوع له في الحروف عاما أو خاصا، وكان
~~المستعمل فيه الأداة فيما كان المستثنى منه متعددا هو المستعمل فيه فيما
~~كان واحدا، كما هو الحال في المستثنى بلا ريب ولا إشكال، وتعدد المخرج أو
~~المخرج عنه خارجا لا يوجب تعدد ما استعمل فيه أداة الاخراج مفهوما، وبذلك
~~يظهر أنه لا ظهور لها في الرجوع إلى الجميع، أو خصوص الأخيرة، وإن كان
~~الرجوع إليها متيقنا على كل تقدير، نعم غير الأخيرة أيضا من الجمل لا يكون
~~ظاهرا في العموم لاكتنافه بما لا يكون معه ظاهرا فيه، فلا بد في مورد
~~الاستثناء فيه من الرجوع إلى الأصول.
# اللهم إلا أن يقال بحجية أصالة الحقيقة تعبدا، لا من باب الظهور، فيكون
~~المرجع (1) عليه أصالة العموم ms158 إذا كان وضعيا، لا ما إذا كان بالاطلاق
~~ومقدمات الحكمة، فإنه لا يكاد يتم تلك المقدمات مع صلوح الاستثناء للرجوع
~~إلى الجميع، فتأمل (2).
# فصل الحق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر بالخصوص كما جاز
~~بالكتاب، أو بالخبر المتواتر، أو المحفوف بالقرينة القطعية من خبر الواحد،
~~بلا ارتياب، لما هو الواضح من سيرة الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في
~~قبال عمومات الكتاب إلى زمن الأئمة عليهم السلام، واحتمال أن يكون ذلك
# PageV00P235
# بواسطة القرينة واضح البطلان.
# مع أنه لولاه لزم إلغاء الخبر بالمرة أو ما بحكمه، ضرورة ندرة خبر لم يكن
~~على خلافه عموم الكتاب، لو سلم وجود ما لم يكن كذلك.
# وكون العام الكتابي قطعيا صدورا، وخبر الواحد ظنيا سندا (1)، لا يمنع عن
~~التصرف في دلالته الغير القطعية قطعا، وإلا لما جاز تخصيص المتواتر به
~~أيضا، مع أنه جائز جزما.
# والسر: أن الدوران في الحقيقة بين أصالة العموم ودليل سند الخبر، مع أن
~~الخبر بدلالته وسنده صالح للقرينية (2) على التصرف فيها، بخلافها، فإنها
~~غير صالحة لرفع اليد عن دليل اعتباره، ولا ينحصر (3) الدليل على الخبر
~~بالاجماع، كي يقال بأنه فيما لا يوجد على خلافه دلالة، ومع وجود الدلالة
~~القرآنية (4) يسقط وجوب العمل به.
# كيف؟ وقد عرفت أن سيرتهم مستمرة على العمل به في قبال العمومات الكتابية،
~~والاخبار الدالة على أن الاخبار المخالفة للقرآن يجب طرحها (5) أو ضربها
~~على الجدار، أو أنها زخرف (6)، أو أنها مما لم يقل به الإمام عليه السلام
~~(7)، وإن كانت كثيرة جدا، وصريحة الدلالة على طرح المخالف، إلا
# PageV00P236
# أنه لا محيص عن أن يكون المراد من المخالفة في هذه الأخبار غير مخالفة
~~العموم، إن لم نقل بأنها ليست من المخالفة عرفا، كيف؟ وصدور الاخبار
~~المخالفة للكتاب بهذه المخالفة منهم عليهم السلام كثيرة جدا، مع قوة احتمال
~~أن يكون المراد أنهم لا يقولون بغير ما هو قول الله تبارك وتعالى واقعا -
~~وإن كان هو على خلافه ظاهرا - شرحا لمرامه تعالى وبيانا لمراده من كلامه،
~~فافهم.
# والملازمة بين جواز التخصيص ms159 وجواز النسخ به ممنوعة، وإن كان مقتضى
~~القاعدة جوازهما، لاختصاص النسخ بالاجماع على المنع، مع وضوح الفرق بتوافر
~~الدواعي إلى ضبطه، ولذا قل الخلاف في تعيين موارده، بخلاف التخصيص.
# فصل لا يخفى أن الخاص والعام المتخالفين، يختلف حالهما ناسخا ومخصصا
~~ومنسوخا، فيكون الخاص: مخصصا تارة، وناسخا مرة، ومنسوخا أخرى، وذلك لان
~~الخاص إن كان مقارنا مع العام، أو واردا بعده قبل حضور وقت العمل به، فلا
~~محيص عن كونه مخصصا وبيانا له.
# وإن كان بعد حضوره كان ناسخا لا مخصصا، لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت
~~الحاجة فيما إذا كان العام واردا لبيان الحكم الواقعي، وإلا لكان الخاص
~~أيضا مخصصا له، كما هو الحال في غالب العمومات والخصوصات في الآيات
~~والروايات.
# وإن كان العام واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص، فكما يحتمل أن يكون
~~الخاص مخصصا للعام، يحتمل أن يكون العام ناسخا له، وإن كان الأظهر أن يكون
~~الخاص مخصصا، كثرة التخصيص، حتى اشتهر (ما من عام الا وقد خص) مع قلة النسخ
~~في الاحكام جدا، وبذلك يصير ظهور الخاص في PageV00P237
# الدوام - ولو كان بالاطلاق - أقوى من ظهور العام ولو كان بالوضع، كما لا
~~يخفى، هذا فيما علم تاريخهما.
# وأما لو جهل وتردد بين أن يكون الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام وقبل
~~حضوره، فالوجه هو الرجوع إلى الأصول العملية.
# وكثرة التخصيص وندرة النسخ هاهنا، وإن كانا يوجبان الظن بالتخصيص أيضا،
~~وأنه واجد لشرطه إلحاقا له بالغالب، إلا أنه لا دليل على اعتباره، وإنما
~~يوجبان الحمل عليه فيما إذا ورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص، لصيرورة
~~الخاص لذلك في الدوام أظهر من العام، كما أشير إليه، فتدبر جيدا.
# ثم إن تعين الخاص للتخصيص، إذا ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، أو ورد
~~العام قبل حضور وقت العمل به، إنما يكون مبنيا على عدم جواز النسخ قبل حضور
~~وقت العمل، وإلا فلا يتعين له، بل يدور بين كونه مخصصا (1) وناسخا في
~~الأول، ومخصصا ومنسوخا في الثاني، إلا أن الأظهر كونه ms160 مخصصا، وإن كان ظهور
~~العام في عموم الافراد أقوى من ظهوره وظهور الخاص في الدوام (2)، لما أشير
~~إليه من تعارف التخصيص وشيوعه، وندرة النسخ جدا في الاحكام.
# ولا بأس بصرف (3) الكلام إلى ما هو نخبة القول في النسخ، فاعلم أن
# PageV00P238
# النسخ وإن كان رفع الحكم الثابت إثباتا، إلا أنه في الحقيقة دفع الحكم
~~ثبوتا، وإنما اقتضت الحكمة إظهار دوام الحكم واستمراره، أو أصل إنشائه
~~وإقراره، مع أنه بحسب الواقع ليس له قرار، أو ليس له دوام واستمرار، وذلك
~~لان النبي صلى الله عليه وآله الصادع للشرع، ربما يلهم أو يوحى إليه أن
~~يظهر الحكم أو استمراره مع اطلاعه على حقيقة الحال، وأنه ينسخ في
~~الاستقبال، أو مع عدم اطلاعه على ذلك، لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه
~~تبارك وتعالى، ومن هذا القبيل لعله يكون أمر إبراهيم بذبح إسماعيل.
# وحيث عرفت أن النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعا، وإن كان بحسب الظاهر رفعا،
~~فلا بأس به مطلقا ولو كان قبل حضور وقت العلم، لعدم لزوم البداء المحال في
~~حقه تبارك وتعالى، بالمعنى المستلزم لتغير إرادته تعالى مع اتحاد الفعل
~~ذاتا وجهة، ولا لزوم (1) امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ، فإن الفعل إن كان
~~مشتملا على مصلحة موجبة للامر به امتنع النهي عنه، وإلا امتنع الامر به،
~~وذلك لان الفعل أو دوامه لم يكن متعلقا لإرادته، فلا يستلزم نسخ أمره
~~بالنهي تغيير إرادته، ولم يكن الامر بالفعل من جهة كونه مشتملا على مصلحة،
~~وإنما كان إنشاء الامر به أو إظهار دوامه عن حكمة ومصلحة.
# وأما البداء في التكوينيات (2) بغى ذاك المعنى، فهو مما دل عليه الروايات
~~المتواترات (3)، كما لا يخفى، ومجمله أن الله تبارك وتعالى إذا تعلقت مشيته
~~تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه، لحكمة داعية إلى إظهاره، ألهم أو أوحى إلى
~~نبيه أو وليه أن يخبر به، مع علمه بأنه يمحوه، أو مع عدم علمه به، لما أشير
~~إليه من عدم الإحاطة بتمام ما جرى في علمه، وإنما يخبر به لأنه حال الوحي ms161
~~أو الالهام لارتقاء نفسه الزكية، واتصاله بعالم لوح المحو والاثبات اطلع
~~على
# PageV00P239
# ثبوته، ولم يطلع على كونه معلقا على [أمر] (١) غير واقع، أو عدم الموانع،
~~قال الله تبارك وتعالى: ﴿يمحو الله ما
~~يشاء ويثبت﴾ (2) الآية، نعم من شملته العناية الإلهية، واتصلت نفسه
~~الزكية بعالم اللوح المحفوظ الذي [هو] من أعظم العوالم الربوبية، وهو أم
~~الكتاب، يكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها، كما ربما يتفق لخاتم
~~الأنبياء، ولبعض الأوصياء، كان عارفا بالكائنات (3) كما كانت وتكون.
# نعم مع ذلك، ربما يوحى إليه حكم من الاحكام، تارة بما يكون ظاهرا في
~~الاستمرار والدوام، معه أنه في الواقع له غاية وأمد يعينها (4) بخطاب آخر،
~~وأخرى بما يكون ظاهرا في الجد، مع أنه لا يكون واقعا بجد، بل لمجرد
~~الابتلاء والاختبار، كما أنه يؤمر وحيا أو الهاما بالاخبار بوقوع عذاب أو
~~غيره مما لا يقع، لاجل حكمة في هذا الاخبار أو ذاك الاظهار، فبدا له تعالى
~~بمعنى أنه يظهر ما أمر نبيه أو وليه بعدم إظهاره أولا، ويبدي ما خفي ثانيا.
# وإنما نسب إليه تعالى البداء، مع إنه في الحقيقة الابداء، لكمال شباهة
~~إبدائه تعالى كذلك بالبداء في غيره، وفيما ذكرنا كفاية فيما هو المهم في
~~باب النسخ، ولا داعي بذكر تمام ما ذكروه في ذاك الباب كما لا يخفى على أولي
~~الألباب.
# ثم لا يخفى ثبوت الثمرة بين التخصيص والنسخ، ضرورة أنه على التخصيص يبنى
~~على خروج الخاص عن حكم العام رأسا، وعلى النسخ، على ارتفاع حكمه عنه من
~~حينه، فيما دار الامر بينهما في المخصص، وأما إذا دار بينهما في الخاص
~~والعام، فالخاص على التخصيص غير محكوم بحكم العام أصلا، وعلى النسخ كان
~~محكوما به من حين صدور دليله، كما لا يخفى.
# PageV00P240
# المقصد الخامس المطلق والمقيد PageV00P241
# المقصد الخامس: في المطلق والمقيد والمجمل والمبين فصل عرف (1) المطلق
~~بأنه: ما دل على شائع في جنسه، وقد أشكل عليه بعض الاعلام (2)، بعدم
~~الاطراد أو الانعكاس، وأطال الكلام في النقض ms162 والابرام، وقد نبهنا في غير
~~مقام على أن مثله شرح الاسم، وهو مما يجوز أن لا يكون بمطرد ولا بمنعكس،
~~فالأولى الاعراض عن ذلك، ببيان ما وضع له بعض الألفاظ التي يطلق عليها
~~المطلق، أو من غيرها مما يناسب المقام.
# فمنها: اسم الجنس، كإنسان ورجل وفرس وحيوان وسواد وبياض إلى غير ذلك من
~~أسماء الكليات من الجواهر والاعراض بل العرضيات، ولا ريب أنها موضوعة
~~لمفاهيمها بما هي هي مبهمة مهملة، بلا شرط أصلا ملحوظا معها، حتى لحاظ أنها
~~كذلك.
# وبالجملة: الموضوع له اسم الجنس هو نفس المعنى، وصرف المفهوم الغير
~~الملحوظ معه شئ أصلا الذي هو المعنى بشرط شئ، ولو كان ذاك الشئ هو الارسال
~~والعموم البدلي، ولا الملحوظ معه عدم لحاظ شئ معه الذي هو
# PageV00P243
# الماهية اللابشرط القسمي، وذلك لوضوح صدقها بما لها من المعنى، بلا عناية
~~التجريد عما هو قضية الاشتراط والتقييد فيها، كما لا يخفى، مع بداهة عدم
~~صدق المفهوم بشرط العموم على فرد من الافراد، وإن كان يعم كل واحد منها
~~بدلا أو استيعابا، وكذا المفهوم اللابشرط (1) القسمي، فإنه كلي عقلي لا
~~موطن له إلا الذهن لا يكاد يمكن صدقه وانطباقه عليها، بداهة أن مناطه
~~الاتحاد بحسب الوجود خارجا، فكيف يمكن أن يتحد معها ما لا وجود له إلا
~~ذهنا؟
# ومنها: علم الجنس (2) كأسامة، والمشهور بين أهل العربية أنه موضوع
~~للطبيعة لا بما هي هي، بل بما هي متعينة بالتعين (3) الذهني ولذا يعامل معه
~~معاملة المعرفة بدون أداة التعريف.
# لكن التحقيق أنه موضوع لصرف المعنى بلا لحاظ شئ معه أصلا كاسم الجنس،
~~والتعريف فيه لفظي، كما هو الحال في التأنيث اللفظي، وإلا لما صح حمله على
~~الافراد بلا تصرف وتأويل، لأنه على المشهور كلي عقلي، وقد عرفت أنه لا يكاد
~~صدقه عليها مع صحة حمله عليها بدون ذلك، كما لا يخفى، ضرورة أن التصرف في
~~المحمول بإرادة نفس المعنى بدون قيده تعسف، لا يكاد يكون بناء القضايا
~~المتعارفة عليه، مع أن وضعه لخصوص معنى يحتاج إلى ms163 تجريده عن خصوصيته عند
~~الاستعمال، لا يكاد يصدر عن جاهل، فضلا عن الواضع الحكيم.
# ومنها: المفرد المعرف باللام، والمشهور أنه على أقسام: المعرف بلام
~~الجنس، أو الاستغراق، أو العهد بأقسامه، على نحو الاشتراك بينها لفظا أو
~~معنى، والظاهر أن الخصوصية في كل واحد من الأقسام من قبل خصوص
# PageV00P244
# اللام، أو من قبل قرائن المقام، من باب تعدد الدال والمدلول، لا باستعمال
~~المدخول ليلزم فيه المجاز أو الاشتراك، فكان المدخول على كل حال مستعملا
~~فيما يستعمل فيه الغير المدخول.
# والمعروف أن اللام تكون موضوعة للتعريف، ومفيدة للتعيين في غير العهد
~~الذهني، وأنت خبير بأنه لا تعين في تعريف الجنس إلا الإشارة إلى المعنى
~~المتميز بنفسه من بين المعاني ذهنا، ولازمه أن لا يصح حمل المعرف باللام
~~بما هو معرف على الافراد، لما عرفت من امتناع الاتحاد مع ما لا موطن له إلا
~~الذهن إلا بالتجريد، ومعه لا فائدة في التقييد، مع أن التأويل والتصرف في
~~القضايا المتداولة في العرف غير خال عن التعسف.
# هذا مضافا إلى أن الوضع لما لا حاجة إليه، بل لا بد من التجريد عنه
~~وإلغائه في الاستعمالات المتعارفة المشتملة على حمل المعرف باللام أو الحمل
~~عليه، كان لغوا، كما أشرنا إليه، فالظاهر أن اللام مطلقا يكون للتزيين، كما
~~في الحسن والحسين، واستفادة الخصوصيات إنما تكون بالقرائن التي لابد منها
~~لتعينها على كل حال، ولو قيل بإفادة اللام للإشارة إلى المعنى، ومع الدلالة
~~عليه بتلك الخصوصيات لا حاجة إلى تلك الإشارة، لو لم تكن مخلة، وقد عرفت
~~إخلالها، فتأمل جيدا.
# وأما دلالة الجمع (1) المعرف باللام على العموم مع عدم دلالة المدخول
~~عليه، فلا دلالة فيها على أنها تكون لاجل دلالة اللام على التعين (2)، حيث
~~لا تعين إلا للمرتبة المستغرقة لجميع الافراد، وذلك لتعين المرتبة الأخرى،
~~وهي أقل مراتب الجمع، كما لا يخفى.
# فلا بد أن يكون دلالته عليه مستندة إلى وضعه كذلك لذلك، لا إلى دلالة
# PageV00P245
# اللام على الإشارة إلى المعين، ليكون به التعريف، وإن أبيت إلا عن ms164 استناد
~~الدلالة عليه إليه، فلا محيص عن دلالته على الاستغراق بلا توسيط الدلالة
~~على التعيين، فلا يكون بسببه تعريف إلا لفظا، فتأمل جيدا.
# ومنها: النكرة مثل (رجل) في (وجاء رجل من أقصى المدينة) أو في (جئني
~~برجل) ولا إشكال أن المفهوم منها في الأول، ولو بنحو تعدد الدال والمدلول،
~~هو الفرد المعين في الواقع المجهول عند المخاطب المحتمل الانطباق على غير
~~واحد من أفراد الرجل.
# كما أنه في الثاني، هي الطبيعة المأخوذة مع قيد الوحدة، فيكون حصة من
~~الرجل، ويكون كليا ينطبق على كثيرين، لا فردا مرددا بين الافراد (1).
# وبالجملة: النكرة - أي [ما] بالحمل الشائع يكون نكرة عندهم - إما هو فرد
~~معين في الواقع غير معين للمخاطب، أو حصة كلية، لا الفرد المردد بين
~~الافراد، وذلك لبداهة كون لفظ (رجل) في (جئني برجل) نكرة، مع أنه يصدق على
~~كل من جئ به من الافراد ولا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره، كما هو قضية
~~الفرد المردد، لو كان هو المراد منها، ضرورة أن كل واحد هو هو، لا هو أو
~~غيره، فلا بد أن تكون النكرة الواقعة في متعلق الامر، هو الطبيعي المقيد
~~بمثل مفهوم الوحدة، فيكون كليا قابلا للانطباق، فتأمل جيدا.
# إذا عرفت ذلك، فالظاهر صحة اطلاق المطلق عندهم حقيقة على اسم الجنس
~~والنكرة بالمعنى الثاني، كما يصح لغة. وغير بعيد أن يكون جريهم في هذا
~~الاطلاق على وفق اللغة، من دون أن يكون لهم فيه اصطلاح على خلافها، كما لا
~~يخفى.
# نعم لو صح ما نسب إلى المشهور، من كون المطلق عندهم موضوعا لما
# PageV00P246
# قيد بالارسال والشمول البدلي، لما كان ما أريد منه الجنس أو الحصة عندهم
~~بمطلق، إلا أن الكلام في صدق النسبة، ولا يخفى أن المطلق بهذا المعنى لطروء
~~القيد غير قابل، فإن ماله من الخصوصية ينافيه ويعانده، بل (1) وهذا بخلافه
~~بالمعنيين، فإن كلا منهما له قابل، لعدم انثلامهما بسببه أصلا، كما لا
~~يخفى.
# وعليه لا يستلزم التقييد تجوزا في المطلق، لامكان إرادة معنى لفظه ms165 منه،
~~وإرادة قيده من قرينة حال أو مقال، وإنما استلزمه لو كان بذاك المعنى، نعم
~~لو أريد من لفظه المعنى المقيد، كان مجازا مطلقا، كان التقييد بمتصل أو
~~منفصل.
# فصل قد ظهر (2) لك أنه لا دلالة لمثل (رجل) إلا على الماهية المبهمة
~~وضعا، وأن الشياع والسريان كسائر الطوارئ يكون خارجا عما وضع له، فلا بد في
~~الدلالة عليه من قرينة حال أو مقال أو حكمة، وهي تتوقف على مقدمات:
# إحداها: كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، لا الاهمال أو الاجمال.
# ثانيتها: انتفاء ما يوجب التعيين.
# ثالثتها: انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب، ولو كان المتيقن بملاحظة
~~الخارج عن ذاك المقام في البين، فإنه غير مؤثر في رفع الاخلال بالغرض، لو
~~كان بصدد البيان، كما هو الفرض، فإنه فيما تحققت لو لم يرد الشياع لأخل
~~بغرضه، حيث أنه لم ينبه مع أنه بصدده، وبدونها لا يكاد يكون هناك إخلال به،
~~حيث لم يكن مع انتفاء الأولى، إلا في مقام الاهمال أو الاجمال، ومع انتفاء
~~الثانية، كان البيان بالقرينة، ومع انتفاء الثالثة،
# PageV00P247
# لا إخلال بالغرض لو كان المتيقن تمام مراده، فإن الفرض أنه بصدد بيان
~~تمامه، وقد بينه، لا بصدد بيان أنه تمامه، كي أخل ببيانه، فافهم (1).
# ثم لا يخفى عليك أن المراد بكونه في مقام بيان تمام مراده، مجرد بيان ذلك
~~وإظهاره وإفهامه، ولو لم يكن عن جد، بل قاعدة وقانونا، لتكون حجة فيما لم
~~تكن حجة أقوى على خلافه، لا البيان في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت
~~الحاجة، فلا يكون الظفر بالمقيد - ولو كان مخالفا - كاشفا عن عدم كون
~~المتكلم في مقام البيان، ولذا لا ينثلم به إطلاقه وصحة التمسك به أصلا،
~~فتأمل جيدا.
# وقد انقدح بما ذكرنا (2) أن النكرة في دلالتها على الشياع والسريان -
~~أيضا - تحتاج فيما لا يكون هناك دلالة حال أو مقال من مقدمات الحكمة، فلا
~~تغفل.
# بقي شئ: وهو أنه لا يبعد أن يكون الأصل فيما إذا شك في كون المتكلم في
~~مقام بيان ms166 تمام المراد، هو كونه بصدد بيانه، وذلك لما جرت عليه سيرة أهل
~~المحاورات من التمسك بالاطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها
~~إلى جهة خاصة، ولذا ترى أن المشهور لا يزالون يتمسكون بها، مع عدم إحراز
~~كون مطلقها بصدد البيان، وبعد كونه لاجل ذهابهم إلى أنها موضوعة للشياع
~~والسريان، وإن كان ربما نسب ذلك إليهم، ولعل وجه النسبة ملاحظة أنه لا وجه
~~للتمسك بها بدون الاحراز والغفلة عن وجهه، فتأمل جيدا.
# PageV00P248
# ثم إنه قد انقدح بما عرفت - من توقف حمل المطلق على الاطلاق، فيما لم يكن
~~هناك قرينة حالية أو مقالية على قرينة الحكمة المتوقفة على المقدمات
~~المذكورة - أنه لا إطلاق له فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الافراد أو
~~الأصناف، لظهوره فيه، أو كونه متيقنا منه، ولو لم يكن ظاهرا فيه بخصوصه،
~~حسب اختلاف مراتب الانصراف، كما أنه منها ما لا يوجب ذا ولا ذاك، بل يكون
~~بدويا زائلا بالتأمل، كما أنه منها ما يوجب الاشتراك أو النقل.
# لا يقال: كيف يكون ذلك وقد تقدم أن التقييد لا يوجب التجوز في المطلق
~~أصلا.
# فإنه يقال: مضافا إلى أنه إنما قيل لعدم استلزامه له، لا عدم إمكانه، فإن
~~استعمال المطلق في المقيد بمكان من الامكان، إن كثرة إرادة المقيد لدى
~~إطلاق المطلق ولو بدال آخر ربما تبلغ بمثابة توجب له مزية أنس، كما في
~~المجاز المشهور، أو تعينا (1) واختصاصا به، كما في المنقول بالغلبة، فافهم.
# تنبيه: وهو أنه يمكن أن يكون للمطلق جهات عديدة، كان واردا في مقام
~~البيان من جهة منها، وفي مقام الاهمال أو الاجمال من أخرى، فلا بد في حمله
~~على الاطلاق بالنسبة إلى جهة من كونه بصدد البيان من تلك الجهة، ولا يكفي
~~كونه بصدده من جهة أخرى، إلا إذا كان بينهما ملازمة عقلا أو شرعا أو عادة،
~~كما لا يخفى.
# فصل إذا ورد مطلق ومقيد متنافيين، فإما يكونان مختلفين في الاثبات
~~والنفي، وإما يكونان متوافقين، فإن كانا مختلفين مثل (أعتق رقبة) ms167 و (لا
# PageV00P249
# تعتق رقبة كافرة) فلا إشكال في التقييد، وإن كانا متوافقين، فالمشهور
~~فيهما الحمل والتقييد، وقد استدل بأنه جمع بين الدليلين وهو أولى.
# وقد أورد عليه بإمكان الجمع على وجه آخر، مثل حمل الامر في المقيد على
~~الاستحباب.
# وأورد عليه بأن التقييد ليس تصرفا في معنى اللفظ، وإنما هو تصرف في وجه
~~من وجوه المعنى، اقتضاه تجرده عن القيد، مع تخيل وروده في مقام بيان تمام
~~المراد، وبعد الاطلاع على ما يصلح للتقييد نعلم وجوده على وجه الاجمال، فلا
~~إطلاق فيه حتى يستلزم تصرفا، فلا يعارض ذلك بالتصرف في المقيد، بحمل أمره
~~على الاستحباب.
# وأنت (1) خبير بأن التقييد أيضا يكون تصرفا في المطلق، لما عرفت من أن
~~الظفر بالمقيد لا يكون كاشفا عن عدم ورود المطلق في مقام البيان، بل عن عدم
~~كون الاطلاق الذي هو ظاهره بمعونة الحكمة، بمراد جدي، غاية الامر أن التصرف
~~فيه بذلك لا يوجب التجوز فيه، مع أن حمل الامر في المقيد على الاستحباب لا
~~يوجب تجوزا فيه، فإنه في الحقيقة مستعمل في الايجاب، فإن المقيد إذا كان
~~فيه ملاك الاستحباب، كان من أفضل أفراد الواجب، لا مستحبا فعلا، ضرورة أن
~~ملاكه لا يقتضي استحبابه إذا اجتمع مع ما يقتضي وجوبه.
# نعم، فيما إذا كان إحراز كون المطلق في مقام البيان بالأصل، كان من
~~التوفيق بينهما، حمله على أنه سيق في مقام الاهمال على خلاف مقتضى الأصل،
~~فافهم. ولعل وجه التقييد كون ظهور إطلاق الصيغة في الايجاب التعييني أقوى
~~من ظهور المطلق في الاطلاق.
# PageV00P250
# وربما يشكل بأنه يقتضي التقييد في باب المستحبات، مع أن بناء المشهور على
~~حمل الامر بالمقيد فيها على تأكد الاستحباب، اللهم إلا أن يكون الغالب في
~~هذا الباب هو تفاوت الافراد بحسب مراتب (1) المحبوبية، فتأمل.
# أو أنه كان بملاحظة التسامح في أدلة المستحبات، وكان عدم رفع اليد من
~~دليل استحباب المطلق بعد مجئ دليل المقيد، وحمله على تأكد استحبابه، من
~~التسامح (2) فيها.
# ثم إن الظاهر أنه لا يتفاوت فيما ذكرنا ms168 بين المثبتين والمنفيين بعد فرض
~~كونهما متنافيين، كما لا يتفاوتان في استظهار التنافي بينهما من استظهار
~~اتحاد التكليف، من وحدة السبب وغيره (3)، من قرينة حال أو مقال حسبما
~~يقتضيه النظر، فليتدبر.
# تنبيه: لا فرق فيما ذكر من الحمل في المتنافيين، بين كونهما في بيان
~~الحكم التكليفي، وفي بيان الحكم الوضعي، فإذا ورد مثلا: إن البيع سبب، وإن
~~البيع الكذائي سبب، وعلم أن مراده إما البيع على إطلاقه، أو البيع الخاص،
~~فلا بد من التقييد لو كان ظهور دليله في دخل القيد أقوى من ظهور دليل
~~الاطلاق فيه، كما هو ليس ببعيد، ضرورة تعارف ذكر المطلق وإرادة المقيد -
~~بخلاف العكس - بإلغاء القيد، وحمله على أنه غالبي، أو على وجه آخر، فإنه
~~على خلاف المتعارف.
# PageV00P251
# تبصرة لا تخلو من تذكرة، وهي: إن قضية مقدمات الحكمة في المطلقات تختلف
~~حسب اختلاف المقامات، فإنها تارة يكون حملها على العموم البدلي، وأخرى على
~~العموم الاستيعابي، وثالثة على نوع خاص مما ينطبق عليه حسب اقتضاء خصوص
~~المقام، واختلاف الآثار والاحكام، كما هو الحال في سائر القرائن بلا كلام.
# فالحكمة في إطلاق صيغة الامر تقتضي أن يكون المراد خصوص الوجوب التعييني
~~العيني النفسي، فإن إرادة غيره تحتاج إلى مزيد بيان، ولا معنى لإرادة
~~الشياع فيه، فلا محيص عن الحمل عليه فيما إذا كان بصدد البيان، كما أنها قد
~~تقتضي العموم الاستيعابي، كما في (أحل الله البيع) إذ إرادة البيع مهملا أو
~~مجملا، ينافي ما هو المفروض من كونه بصدد البيان، وإرادة العموم البدلي لا
~~يناسب المقام، ولا مجال لاحتمال إرادة بيع اختاره المكلف، أي بيع كان، مع
~~أنها تحتاج إلى نصب دلالة عليها، لا يكاد يفهم بدونها من الاطلاق، ولا يصح
~~قياسه على ما إذا أخذ في متعلق الامر، فإن العموم الاستيعابي لا يكاد يمكن
~~إرادته، وإرادة غير العموم البدلي، وإن كانت ممكنة، إلا أنها منافية
~~للحكمة، وكون المطلق بصدد البيان.
# فصل في المجمل والمبين والظاهر أن المراد من المبين في موارد إطلاقه،
~~الكلام الذي له ظاهر، ms169 ويكون بحسب متفاهم العرف قالبا لخصوص معنى، والمجمل
~~بخلافه، فما ليس له ظهور مجمل وإن علم بقرينة خارجية ما أريد منه، كما أن
~~ماله الظهور مبين وإن علم بالقرينة الخارجية أنه ما أريد ظهوره وأنه مؤول،
~~ولكل منهما في الآيات والروايات، وإن كان أفراد كثيرة لا تكاد تخفى، إلا أن
~~لهما أفراد مشتبهة وقعت محل البحث والكلام للاعلام، في أنها من أفراد
~~أيهما؟ كآية PageV00P252
# السرقة (1)، ومثل (حرمت عليكم أمهاتكم) (2) و (أحلت لكم بهيمة الانعام)
~~(3) مما أضيف التحليل إلى الأعيان ومثل (لا صلاة إلا بطهور) (4).
# ولا يذهب عليك أن إثبات الاجمال أو البيان لا يكاد يكون بالبرهان، لما
~~عرفت من أن ملاكهما أن يكون للكلام ظهور، ويكون قالبا لمعنى، وهو مما يظهر
~~بمراجعة الوجدان، فتأمل.
# ثم لا يخفى أنهما وصفان إضافيان، ربما يكون مجملا عند واحد، لعدم معرفته
~~بالوضع، أو لتصادم ظهوره بما حف به لديه، ومبينا لدى الآخر، لمعرفته وعدم
~~التصادم بنظره، فلا يهمنا التعرض لموارد الخلاف والكلام والنقض والابرام في
~~المقام، وعلى الله التوكل وبه الاعتصام.
# PageV00P253
# المقصد السادس الامارات PageV00P255
# المقصد السادس:
# في بيان الامارات المعتبرة شرعا أو عقلا وقبل الخوض في ذلك، لا بأس بصرف
~~الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الاحكام، وإن كان خارجا من مسائل الفن،
~~وكان أشبه بمسائل الكلام، لشدة مناسبته مع المقام.
# فاعلم: أن البالغ الذي وضع عليه القلم، إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو
~~ظاهري، متعلق به أو بمقلديه، فإما أن يحصل له القطع به، أولا، وعلى الثاني،
~~لا بد من انتهائه إلى ما استقل به العقل، من اتباع الظن لو حصل له، وقد تمت
~~مقدمات الانسداد - على تقدير الحكومة - وإلا فالرجوع إلى الأصول العقلية:
# من البراءة والاشتغال والتخيير، على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله
~~تعالى.
# وإنما عممنا متعلق القطع، لعدم اختصاصه أحكامه بما إذا كان متعلقا
~~بالأحكام الواقعية، وخصصنا بالفعلي، لاختصاصها بما إذا كان متعلقا به - على
~~ما ستطلع عليه - ولذلك عدلنا عما في رسالة (1) شيخنا العلامة - أعلى الله ms170
~~مقامه - من تثليث الأقسام.
# وإن أبيت إلا عن ذلك، فالأولى أن يقال: إن المكلف إما أن يحصل له
# PageV00P257
# القطع أولا، وعلى الثاني إما أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا، لئلا تتداخل
~~الأقسام فيما يذكر لها من الاحكام، ومرجعه على الأخير إلى القواعد المقررة
~~عقلا أو نقلا لغير القاطع، ومن يقوم عنده الطريق، على تفصيل يأتي في محله -
~~إن شاء الله تعالى - حسبما يقتضي دليلها.
# وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه، يستدعي رسم أمور:
# الامر الأول: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا، ولزوم الحركة
~~على طبقه جزما، وكونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذم
~~والعقاب على مخالفته، وعذرا فيما أخطأ قصورا، وتأثيره في ذلك لازم، وصريح
~~الوجدان به شاهد وحاكم، فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان.
# ولا يخفى أن ذلك لا يكون بجعل جاعل، لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشئ
~~ولوازمه، بل عرضا بتبع جعله بسيطا.
# وبذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا، مع أنه يلزم منه اجتماع الضدين
~~اعتقادا مطلقا، وحقيقة في صورة الإصابة، كما لا يخفى.
# ثم لا يذهب عليك أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعليا،
~~وما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز، واستحقاق العقوبة على
~~المخالفة، وإن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة، وذلك لان الحكم ما
~~لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر ولا نهي، ولا مخالفته عن عمد
~~بعصيان، بل كان مما سكت الله عنه، كما في الخبر (1)، فلاحظ وتدبر.
# نعم، في كونه بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل إشكال لزوم
~~اجتماع الضدين أو المثلين، على ما يأتي (2) تفصيله إن شاء الله تعالى، مع
~~ما هو
# PageV00P258
# التحقيق في دفعه، في التوفيق بين الحكم الواقعي والظاهري، فانتظر.
# الامر الثاني: قد عرفت أنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على
~~المخالفة، والمثوبة على الموافقة في صورة الإصابة، فهل يوجب استحقاقها في
~~صورة عدم الإصابة على التجري بمخالفته، واستحقاق المثوبة على ms171 الانقياد
~~بموافقته، أو لا يوجب شيئا؟
# الحق أنه يوجبه، لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته، وذمه على تجريه، وهتكه
~~لحرمة مولاه (1) وخروجه عن رسوم عبوديته، وكونه بصدد الطغيان، وعزمه على
~~العصيان، وصحة مثوبته، ومدحه على قيامه (2) بما هو قضية عبوديته، من العزم
~~على موافقته والبناء على إطاعته، وإن قلنا بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة،
~~ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة، بمجرد سوء سريرته أو حسنها، وإن كان
~~مستحقا للوم (3) أو المدح بما يستتبعانه، كسائر الصفات والاخلاق الذميمة أو
~~الحسنة.
# وبالجملة: ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحا أو لوما، وإنما
~~يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافا إلى أحدهما، إذا صار بصدد الجري
~~على طبقها والعمل على وفقها وجزم وعزم، وذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء
~~سريرته من دون ذلك، وحسنها معه، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم
~~بالاستقلال في مثل باب الإطاعة والعصيان، وما يستتبعان من استحقاق النيران
~~أو الجنان.
# ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري [به] أو المنقاد به على ما هو عليه من
~~الحسن
# PageV00P259
# أو القبح، والوجوب أو الحرمة واقعا، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع
~~بغير ما هو عليه من الحكم والصفة، ولا يغير جهة حسنه أو قبحه بجهته (1)
~~أصلا، ضرورة أن القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي
~~بها يكون الحسن والقبح عقلا ولا ملاكا للمحبوبية والمبغوضية شرعا، ضرورة
~~عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية والمحبوبية للمولى، بسبب قطع
~~العبد بكونه محبوبا أو مبغوضا له. فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه
~~مبغوضا له، ولو اعتقد العبد بأنه عدوه، وكذا قتل عدوه، مع القطع بأنه ابنه،
~~لا يخرج عن كونه محبوبا أبدا.
# هذا مع أن الفعل المتجرئ به أو المنقاد به، بما هو مقطوع الحرمة أو
~~الوجوب لا يكون اختياريا، فإن القاطع لا يقصده إلا بما قطع أنه عليه من
~~عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآلي، بل لا يكون غالبا بهذا
~~العنوان مما يلتفت إليه، ms172 فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا؟ ومن
~~مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلا إذا كانت
~~اختيارية.
# إن قلت: إذا لم يكن الفعل كذلك، فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة
~~القطع، وهل كان العقاب عليها إلا عقابا على ما ليس بالاختيار؟
# قلت: العقاب إنما يكون على قصد العصيان والعزم على الطغيان، لا على الفعل
~~الصادر بهذا العنوان بلا اختيار.
# إن قلت: إن القصد والعزم إنما يكون من مبادئ الاختيار، وهي ليست
~~باختيارية، وإلا لتسلسل.
# قلت: - مضافا إلى أن الاختيار وإن لم يكن بالاختيار، إلا أن بعض مباديه
~~غالبا يكون وجوده بالاختيار، للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم
~~عليه
# PageV00P260
# من تبعة العقوبة واللوم والمذمة - يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذة
~~والعقوبة إنما يكون من تبعة بعده عن سيده بتجريه عليه، كما كان من تبعته
~~بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنه يوجب البعد عنه، كذلك لا غرو في أن
~~يوجب حسن العقوبة، وإن لم يكن باختياره (1) إلا أنه بسوء سريرته وخبث
~~باطنه، بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتا وإمكانه (2)، وإذا انتهى الامر
~~إليه يرتفع الاشكال وينقطع السؤال ب (لم) فإن الذاتيات ضروري الثبوت
~~للذات.
# وبذلك أيضا ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان؟
~~والمطيع والمؤمن الإطاعة والايمان؟ فإنه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون
~~ناهقا؟ والانسان لم يكون ناطقا؟
# وبالجملة: تفاوت أفراد الانسان في القرب منه تعالى (3) والبعد عنه، سبب
~~لاختلافها في استحقاق الجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، [وموجب لتفاوتها في
~~نيل الشفاعة وعدم نيلها]، وتفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيا، والذاتي لا
~~يعلل.
# إن قلت: على هذا، فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والانذار.
# قلت: ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته، لتكمل به نفسه، ويخلص مع
~~ربه أنسه، ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، قال الله تبارك وتعالى:
# PageV00P261
# ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾
~~(1) وليكون حجة على من ساءت ms173 سريرته وخبثت طينته، ليهلك من هلك عن بينة
~~ويحيى من حي عن بينة، كيلا يكون للناس على الله حجة، بل كان له حجة بالغة.
# ولا يخفى أن في الآيات (2) والروايات (3)، شهادة على صحة ما حكم به
~~الوجدان الحاكم على الاطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة والمثوبة، ومعه لا
~~حاجة إلى ما استدل (4) على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله: إنه لولاه مع
~~استحقاق العاصي له يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار، من
~~مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته واختياره، مع بطلانه وفساده، إذ للخصم أن
~~يقول بأن استحقاق العاصي دونه، إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه، وهو
~~مخالفته عن عمد واختيار، وعدم تحققه فيه لعدم مخالفته أصلا، ولو بلا
~~اختيار، بل عدم صدور فعل منه في بعض افراده بالاختيار، كما في التجري
~~بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام، كما إذا قطع مثلا بأن مائعا خمر، مع
~~أنه لم يكن بالخمر، فيحتاج إلى إثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية
~~الاختيارية، كما عرفت بما لا مزيد عليه.
# ثم لا يذهب عليك: إنه ليس في المعصية الحقيقية إلا منشأ واحد لاستحقاق
~~العقوبة، وهو هتك واحد، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم (5)، مع
~~ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب إلا عقوبة واحدة، كما لا وجه لتداخلهما
~~على تقدير استحقاقهما، كما لا يخفى.
# PageV00P262
# ولا منشأ لتوهمه، إلا بداهة أنه ليس في معصية واحدة إلا عقوبة واحدة، مع
~~الغفلة عن أن وحدة المسبب تكشف بنحو الآن عن وحدة السبب.
# الامر الثالث: إنه قد عرفت (1) أن القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب، يوجب
~~عقلا استحقاق المدح والثواب، أو الذم والعقاب، من دون أن يؤخذ شرعا في
~~خطاب، وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه، لا يماثله ولا يضاده، كما
~~إذا ورد مثلا في الخطاب أنه (إذا قطعت بوجوب شئ يجب عليك التصدق بكذا) تارة
~~بنحو يكون تمام الموضوع، بأن يكون القطع بالوجوب مطلقا ولو أخطأ موجبا
~~لذلك، وأخرى بنحو يكون جزؤه وقيده، بأن يكون ms174 القطع به في خصوص ما أصاب
~~موجبا له، وفي كل منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف وحاك عن متعلقه، وآخر بما هو
~~صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به، وذلك لان القطع لما كان من الصفات الحقيقية
~~ذات الإضافة - ولذا كان العلم نورا لنفسه ونورا لغيره - صح أن يؤخذ فيه بما
~~هو صفة خاصة وحالة مخصوصة، بإلغاء جهة كشفه، أو اعتبار خصوصية أخرى فيه
~~معها، كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه وحاك عنه، فتكون أقسامه أربعة،
~~مضافا إلى ما هو طريق محض عقلا غير مأخوذ في الموضوع شرعا.
# ثم لا ريب في قيام الطرق والامارات المعتبرة - بدليل حجيتها واعتبارها -
~~مقام هذا القسم، كما لا ريب في عدم قيامها بمجرد ذلك الدليل مقام ما أخذ في
~~الموضوع على نحو الصفتية من تلك الأقسام، بل لا بد من دليل آخر على
~~التنزيل، فإن قضية الحجية والاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار،
~~لا له بما هو صفة وموضوع، ضرورة أنه كذلك يكون كسائر الموضوعات والصفات.
# ومنه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو
# PageV00P263
# الكشف، فإن القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعا، كسائر مالها (1)
~~دخل في الموضوعات أيضا، فلا يقوم مقامه شئ بمجرد حجيته، وقيام (2) دليل على
~~اعتباره، ما لم يقم دليل على تنزيله، ودخله في الموضوع كدخله، وتوهم (3)
~~كفاية دليل الاعتبار الدال على إلغاء احتمال خلافه وجعله بمنزلة القطع، من
~~جهة كونه موضوعا ومن جهة كونه طريقا فيقوم مقامه طريقا كان أو موضوعا، فاسد
~~جدا.
# فإن الدليل الدال على إلغاء الاحتمال، لا يكاد يكفي إلا بأحد التنزيلين،
~~حيث لا بد في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزل والمنزل عليه، ولحاظهما في
~~أحدهما آلي، وفي الآخر استقلالي، بداهة أن النظر في حجيته وتنزيله منزلة
~~القطع في طريقيته في الحقيقة إلى الواقع ومؤدى الطريق، وفي كونه بمنزلته في
~~دخله في الموضوع إلى أنفسهما، ولا يكاد يمكن الجمع بينهما.
# نعم لو كان في البين ms175 ما بمفهومه جامع بينهما، يمكن أن يكون دليلا على
~~التنزيلين، والمفروض أنه ليس، فلا يكون دليلا على التنزيل إلا بذاك اللحاظ
~~الآلي، فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه، وصحة العقوبة على مخالفته في صورتي
~~إصابته وخطئه بناء على استحقاق المتجري، أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي،
~~فيكون مثله في دخله في الموضوع، وترتيب ما له عليه من الحكم الشرعي.
# لا يقال: على هذا لا يكون دليلا على أحد التنزيلين، ما لم يكن هناك قرينة
~~في البين.
# فإنه يقال: لا إشكال في كونه دليلا على حجيته، فإن ظهوره في أنه بحسب
~~اللحاظ الآلي مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، وإنما يحتاج تنزيله بحسب
~~اللحاظ الآخر الاستقلالي من نصب دلالة عليه، فتأمل في المقام فإنه دقيق
~~ومزال الاقدام
# PageV00P264
# للاعلام.
# ولا يخفى أنه لولا ذلك، لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد - دال على إلغاء
~~احتمال خلافه - مقام القطع بتمام أقسامه، ولو فيما (1) أخذ في الموضوع على
~~نحو الصفتية، كان تمامه أو قيده وبه قوامه.
# فتلخص مما ذكرنا: إن الامارة لا تقوم بدليل اعتبارها إلا مقام ما ليس
~~بمأخوذ (2) في الموضوع أصلا.
# وأما الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلتها - أيضا - غير الاستصحاب،
~~لوضوح أن المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار والاحكام، من تنجز
~~التكليف وغيره - كما مرت (3) إليه الإشارة - وهي ليست إلا وظائف مقررة
~~للجاهل في مقام العمل شرعا أو عقلا.
# لا يقال: إن الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو
~~كان.
# فإنه يقال: أما الاحتياط العقلي، فليس إلا لاجل حكم العقل بتنجز التكليف،
~~وصحة العقوبة على مخالفته، لا شئ يقوم مقامه في هذا الحكم.
# وأما النقلي، فإلزام الشارع به، وإن كان مما يوجب التنجز وصحة العقوبة
~~على المخالفة كالقطع، إلا أنه لا نقول به في الشبهة البدوية، ولا يكون
~~بنقلي في المقرونة بالعلم الاجمالي، فافهم.
# ثم لا يخفى إن دليل الاستصحاب أيضا لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ
# PageV00P265
# في الموضوع مطلقا، وإن مثل (لا تنقض اليقين) لا بد ms176 من أن يكون مسوقا إما
~~بلحاظ المتيقن، أو بلحاظ نفس اليقين.
# وما ذكرنا في الحاشية (1) - في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة
~~الواقع والقطع، وأن دليل الاعتبار إنما يوجب تنزيل المستصحب والمؤدى منزلة
~~الواقع، وإنما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين
~~تنزيلهما، وتنزيل القطع بالواقع تنزيلا وتعبدا منزلة القطع بالواقع حقيقة -
~~لا يخلو من تكلف بل تعسف.
# فإنه لا يكاد يصح تنزيل جزء الموضوع أو قيده، بما هو كذلك بلحاظ أثره،
~~إلا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزا بالوجدان، أو تنزيله في عرضه، فلا
~~يكاد يكون دليل الامارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع، ما لم
~~يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر، فيما لم يكن محرزا حقيقة، وفيما لم
~~يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة، كما في ما نحن فيه - على ما عرفت (2) -
~~لم يكن دليل الامارة دليلا عليه أصلا، فإن دلالته على تنزيل المؤدى تتوقف
~~على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة، ولا دلالة له كذلك إلا بعد دلالته
~~على تنزيل المؤدى، فإن الملازمة (3) إنما تكون بين تنزيل القطع به منزلة
~~القطع بالموضوع الحقيقي، وتنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى، فتأمل
~~جيدا، فإنه لا يخلو عن دقة.
# ثم لا يذهب عليك أن (4) هذا لو تم لعم، ولا اختصاص له بما إذا كان القطع
~~مأخوذا على نحو الكشف.
# الامر الرابع: لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا
# PageV00P266
# الحكم للزوم الدور، ولا مثله للزوم اجتماع المثلين، ولا ضده للزوم اجتماع
~~الضدين، نعم يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو
~~ضده.
# وأما الظن بالحكم، فهو وإن كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك
~~الحكم المظنون، إلا أنه لما كان معه مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، كان جعل
~~حكم آخر في مورده - مثل الحكم المظنون أو ضده - بمكان من الامكان.
# إن قلت: إن كان الحكم المتعلق به الظن فعليا أيضا، بأن يكون الظن متعلقا ms177
~~بالحكم الفعلي، لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعلي آخر مثله ضده، لاستلزامه
~~الظن باجتماع الضدين أو المثلين، وإنما يصح أخذه في موضوع حكم آخر، كما في
~~القطع، طابق النعل بالنعل.
# قلت: يمكن أن يكون الحكم فعليا، بمعنى أنه لو تعلق به القطع - على ما هو
~~عليه من الحال - لتنجز واستحق على مخالفته العقوبة، ومع ذلك لا يجب على
~~الحاكم رفع عذر المكلف، برفع جهله لو أمكن، أو بجعل لزوم الاحتياط عليه
~~فيما أمكن، بل يجوز جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة، وإلى ضده أخرى، ولا
~~يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضده، كما لا يخفى، فافهم.
# إن قلت: كيف يمكن ذلك؟ وهل هو إلا أنه يكون مستلزما لاجتماع المثلين أو
~~الضدين؟.
# قلت: لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذاك المعنى - أي لو قطع به من
~~باب الاتفاق لتنجز - مع حكم آخر فعلي في مورده بمقتضى الأصل أو الامارة، أو
~~دليل أخذ في موضوعه الظن بالحكم بالخصوص، على ما سيأتي (1) من التحقيق في
~~التوفيق بين الحكم الظاهري والواقعي.
# PageV00P267
# الامر الخامس: هل تنجز التكليف بالقطع - كما يقتضي موافقته عملا - يقتضي
~~موافقته التزاما، والتسليم له اعتقادا وانقيادا؟ كما هو اللازم في الأصول
~~الدينية والأمور الاعتقادية، بحيث كان له امتثالان وطاعتان، إحداهما بحسب
~~القلب والجنان، والأخرى بحسب العمل بالأركان، فيستحق العقوبة على عدم
~~الموافقة التزاما ولو مع الموافقة عملا، أو لا يقتضي؟ فلا يستحق العقوبة
~~عليه، بل إنما يستحقها على المخالفة العملية.
# الحق هو الثاني، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان بذلك،
~~واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لامر سيده إلا المثوبة دون
~~العقوبة، ولو لم يكن متسلما وملتزما به ومعتقدا ومنقادا له، وإن كان ذلك
~~يوجب تنقيصه وانحطاط درجته لدى سيده، لعدم اتصافه بما يليق أن يتصف العبد
~~به من الاعتقاد بأحكام مولاه والانقياد لها، وهذا غير استحقاق العقوبة على
~~مخالفته لامره أو نهيه التزاما مع موافقته عملا، كما لا يخفى.
# ثم لا يذهب عليك، إنه ms178 على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية، لو كان المكلف
~~متمكنا منها لوجب، ولو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعية عملا، ولا يحرم
~~المخالفة القطعية عليه كذلك أيضا لامتناعهما، كما إذا علم إجمالا بوجوب شئ
~~أو حرمته، للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعا، والانقياد له والاعتقاد
~~به بما هو الواقع والثابت، وإن لم يعلم أنه الوجوب أو الحرمة.
# وإن أبيت إلا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه، لما كانت موافقته
~~القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة، ولما وجب عليه الالتزام بواحد قطعا، فإن
~~محذور الالتزام بضد التكليف عقلا ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به بداهة،
~~مع ضرورة أن التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام لم يكد يقتضي إلا الالتزام
~~بنفسه عينا، لا الالتزام به أو بضده تخييرا.
# ومن هنا قد انقدح أنه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأصول
~~PageV00P268
# الحكمية أو الموضوعية في أطراف العلم لو كانت جارية، مع قطع النظر عنه،
~~كما لا يدفع (1) بها محذور عدم الالتزام به (2).
# إلا أن يقال: إن استقلال العقل بالمحذور فيه إنما يكون فيما إذا لم يكن
~~هناك ترخيص في الاقدام والاقتحام في الأطراف، ومعه لا محذور فيه، بل ولا في
~~الالتزام بحكم آخر.
# إلا أن الشأن حينئذ في جواز جريان الأصول في أطراف العلم الاجمالي، مع
~~عدم ترتب أثر علمي عليها، مع أنها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية،
~~مضافا إلى عدم شمول أدلتها لأطرافه، للزوم التناقض في مدلولها على تقدير
~~شمولها، كما ادعاه (3) شيخنا العلامة أعلى الله مقامه، وإن كان محل تأمل
~~ونظر، فتدبر جيدا.
# الامر السادس: لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما يترتب على القطع من
~~الآثار عقلا، بين أن يكون حاصلا بنحو متعارف، ومن سبب ينبغي حصوله منه، أو
~~غير متعارف لا ينبغي حصوله منه، كما هو الحال غالبا في القطاع، ضرورة أن
~~العقل يرى تنجز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغي حصوله، وصحة مؤاخذة
~~قاطعه على مخالفته، وعدم صحة الاعتذار عنها بأنه حصل كذلك، وعدم صحة
~~المؤاخذة مع ms179 القطع بخلافه، وعدم حسن الاحتجاج عليه بذلك، ولو مع التفاته
~~إلى كيفية حصوله.
# نعم (4) ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعا، والمتبع في
~~عمومه وخصوصه دلالة دليله في كل مورد، فربما يدل على اختصاصه بقسم في
# PageV00P269
# مورد، وعدم اختصاصه به في آخر، على اختلاف الأدلة واختلاف المقامات، بحسب
~~مناسبات الاحكام والموضوعات، وغيرها من الامارات.
# وبالجملة القطع فيما كان موضوعا عقلا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع، ولا
~~من حيث المورد، ولا من حيث السبب، لا عقلا - وهو واضح - ولا شرعا، لما عرفت
~~(1) من أنه لا تناله يد الجعل نفيا ولا إثباتا، وإن نسب إلى بعض الأخباريين
~~أنه لا اعتبار بما إذا كان بمقدمات عقلية، إلا أن مراجعة كلماتهم لا تساعد
~~على هذه النسبة، بل تشهد بكذبها، وأنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة
~~بين حكم العقل بوجوب شئ وحكم الشرع بوجوبه، كما ينادي به بأعلى صوته ما حكي
~~(2) عن السيد الصدر (3) في باب الملازمة، فراجع.
# وإما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية، لأنها لا تفيد إلا
~~الظن، كما هو صريح الشيخ المحدث الأمين الاسترآبادي - رحمه الله - حيث قال
~~- في جملة ما استدل به في فوائده (4) على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات
~~الدين في السماع عن الصادقين (عليهم السلام).
# الرابع: إن كل مسلك غير ذلك المسلك - يعني التمسك بكلامهم (عليهم الصلاة
~~والسلام) - إنما يعتبر من حيث إفادته الظن بحكم الله تعالى، وقد أثبتنا
# PageV00P270
# سابقا أنه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها) وقال
~~في جملتها أيضا - بعد ذكر ما تفطن بزعمه من الدقيقة - ما هذا لفظه (1):
# (وإذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسكنا بكلامهم
~~عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ، وإن تمسكنا بغيره لم يعصم عنه، ومن
~~المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعا وعقلا، ألا ترى أن
~~الامامية استدلوا على وجوب العصمة بأنه لولا العصمة للزم أمره تعالى عباده
~~باتباع الخطأ، وذلك الامر محل، لأنه ms180 قبيح، وأنت إذا تأملت في هذا الدليل
~~علمت أن مقتضاه أنه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى)،
~~انتهى موضع الحاجة من كلامه.
# وما مهده من الدقيقة هو الذي نقله شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - في
~~الرسالة (2).
# وقال في فهرست فصولها (3) أيضا:
# (الأول: في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى
~~شأنه، ووجوب التوقف عند فقد القطع بحكم الله، أو بحكم ورد عنهم عليهم
~~السلام)، انتهى.
# وأنت ترى أن محل كلامه ومورد نقضه وإبرامه، هو العقلي الغير المفيد
~~للقطع، وإنما همه إثبات عدم جواز اتباع غير النقل فيما لا قطع.
# وكيف كان، فلزوم اتباع القطع مطلقا، وصحة المؤاخذة على مخالفته عند
~~إصابته، وكذا ترتب سائر آثاره عليه عقلا، مما لا يكاد يخفى على عاقل فضلا
~~عن
# PageV00P271
# فاضل، فلا بد فيما يوهم (1) خلاف ذلك في الشريعة من المنع عن حصول العلم
~~التفصيلي بالحكم الفعلي (2) لاجل منع بعض مقدماته الموجبة له، ولو إجمالا،
~~فتدبر جيدا.
# الامر السابع: إنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة
~~لتنجزه، لا تكاد تناله يد الجعل إثباتا أو نفيا، فهل القطع الاجمالي كذلك؟
# فيه إشكال، ربما يقال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف، وكانت
~~مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة، جاز الاذن من الشارع بمخالفته احتمالا بل
~~قطعا، وليس محذور مناقضته مع المقطوع إجمالا [إلا] (3) محذور مناقضة الحكم
~~الظاهري مع الواقعي في الشبهة الغير المحصورة، بل الشبهة البدوية (4)،
~~ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي والاذن بالاقتحام في
~~مخالفته بين الشبهات أصلا، فما به التفصي عن المحذور فيهما كان به التفصي
~~عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضا، كما لا يخفى، [وقد أشرنا إليه
~~سابقا، ويأتي (5) إن شاء الله مفصلا] (6).
# نعم كان العلم الاجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء، لا في العلية التامة
~~(7)، فيوجب تنجز التكليف أيضا لو لم يمنع عنه مانع عقلا، كما كان في أطراف
~~كثيرة غير
# PageV00P272
# محصورة، أو شرعا كما في ما أذن الشارع في الاقتحام ms181 فيها، كما هو ظاهر (كل
~~شئ فيه حلال وحرام، فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه) (1).
# وبالجملة: قضية صحة المؤاخذة على مخالفته، مع القطع به بين أطراف محصورة
~~وعدم صحتها مع عدم حصرها، أو مع الاذن في الاقتحام فيها، هو كون القطع
~~الاجمالي مقتضيا للتنجز لا علة تامة.
# وأما احتمال (2) أنه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعية،
~~وبنحو العلية بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية،
~~فضعيف جدا.
# ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة، فلا يكون
~~عدم القطع بذلك معها موجبا لجواز الاذن في الاقتحام، بل لو صح الاذن في
~~المخالفة الاحتمالية صح في القطعية أيضا، فافهم.
# ولا يخفى أن المناسب للمقام هو البحث عن ذلك، كما أن المناسب في باب
~~البراءة والاشتغال - بعد الفراغ هاهنا عن أن تأثيره في التنجز بنحو
~~الاقتضاء لا العلية - هو البحث عن ثبوت المانع شرعا أو عقلا وعدم ثبوته،
~~كما لا مجال بعد
# PageV00P273
# البناء على أنه بنحو العلية للبحث عنه هناك أصلا، كما لا يخفى.
# هذا بالنسبة إلى إثبات التكليف وتنجزه به، وأما سقوطه به بأن يوافقه
~~إجمالا، فلا إشكال فيه في التوصليات. وأما [في] (1) العباديات فكذلك فيما
~~لا يحتاج إلى التكرار، كما إذا تردد أمر عبادة بين الأقل والأكثر، لعدم
~~الاخلال بشئ مما يعتبر أو يحتمل اعتباره في حصول الغرض منها، مما لا يمكن
~~أن يؤخذ فيها، فإنه نشأ من قبل الامر بها، كقصد الإطاعة والوجه والتمييز
~~فيما إذا أتى بالأكثر، ولا يكون إخلال حينئذ إلا بعدم إتيان ما احتمل
~~جزئيته على تقديرها بقصدها، واحتمال دخل قصدها في حصول الغرض ضعيف في
~~الغاية وسخيف إلى النهاية.
# وأما فيما احتاج إلى التكرار، فربما يشكل (2) من جهة الاخلال بالوجه
~~تارة، وبالتمييز أخرى، وكونه لعبا وعبثا ثالثة.
# وأنت خبير بعدم الاخلال بالوجه بوجه في الاتيان مثلا بالصلاتين
~~المشتملتين على الواجب لوجوبه، غاية الامر أنه لا تعيين له ولا تمييز
~~فالاخلال إنما يكون به، واحتمال اعتباره أيضا في غاية الضعف، لعدم عين ms182 منه
~~ولا أثر في الاخبار، مع أنه مما يغفل عنه غالبا، وفي مثله لا بد من التنبيه
~~على اعتباره ودخله في الغرض، وإلا لأخل بالغرض، كما نبهنا عليه سابقا (3).
# وأما كون التكرار لعبا وعبثا، فمع أنه ربما يكون لداع عقلائي، إنما يضر
~~إذا كان لعبا بأمر المولى، لا في كيفية إطاعته بعد حصول الداعي إليها، كما
~~لا يخفى، هذا كله في قبال ما إذا تمكن من القطع تفصيلا بالامتثال.
# وأما إذا لم يتمكن الا من الظن به كذلك، فلا إشكال في تقديمه على
~~الامتثال الظني لو لم يقم دليل على اعتباره، إلا فيما إذا لم يتمكن منه،
~~وأما لو قام على اعتباره
# PageV00P274
# مطلقا، فلا إشكال في الاجتزاء بالظني، كما لا إشكال في الاجتزاء
~~بالامتثال الاجمالي في قبال الظني، بالظن المطلق المعتبر بدليل الانسداد،
~~بناء على أن يكون من مقدماته عدم وجوب الاحتياط، وأما لو كان من مقدماته
~~بطلانه لاستلزامه العسر المخل بالنظام، أو لأنه ليس من وجوه الطاعة
~~والعبادة، بل هو نحو لعب وعبث بأمر المولى فيما إذا كان بالتكرار، كما
~~توهم، فالمتعين هو التنزل عن القطع تفصيلا إلى الظن كذلك.
# وعليه: فلا مناص عن الذهاب إلى بطلان عبادة تارك طريقي التقليد
~~والاجتهاد، وإن احتاط فيها، كما لا يخفى.
# هذا بعض الكلام في القطع مما يناسب المقام، ويأتي بعضه الآخر في مبحث
~~البراءة والاشتغال، فيقع المقام فيما هو المهم من عقد هذا المقصد، وهو بيان
~~ما قيل باعتباره من الامارات، أو صح أن يقال، وقبل الخوض في ذلك ينبغي
~~تقديم أمور:
# أحدها: إنه لا ريب في أن الامارة الغير العلمية، ليس كالقطع في كون
~~الحجية من لوازمها ومقتضياتها بنحو العلية، بل مطلقا، وأن ثبوتها لها محتاج
~~إلى جعل أو ثبوت مقدمات وطروء حالات موجبة لاقتضائها الحجية عقلا، بناء على
~~تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة، وذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع
~~للحجية بدون ذلك ثبوتا بلا خلاف، ولا سقوطا وإن كان ربما يظهر فيه من بعض
~~المحققين (1) الخلاف والاكتفاء بالظن بالفراغ، ms183 ولعله لاجل عدم لزوم دفع
~~الضرر المحتمل، فتأمل.
# ثانيها: في بيان إمكان التعبد بالامارة الغير العلمية شرعا، وعدم لزوم
# PageV00P275
# محال منه عقلا، في قبال دعوى استحالته للزومه، وليس (1) الامكان بهذا
~~المعنى، بل مطلقا أصلا متبعا (2) عند العقلاء، في مقام احتمال ما يقابله من
~~الامتناع، لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الامكان عند الشك فيه، ومنع
~~حجيتها - لو سلم ثبوتها - لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها، والظن به لو
~~كان فالكلام الآن في إمكان التعبد بها وامتناعه، فما ظنك به؟ لكن دليل وقوع
~~التعبد بها من طرق إثبات إمكانه، حيث يستكشف به عدم ترتب محال من تال باطل
~~فيمتنع مطلقا، أو على الحكيم تعالى، فلا حاجة معه في دعوى الوقوع إلى إثبات
~~الامكان، وبدونه لا فائدة في إثباته، كما هو واضح.
# وقد انقدح بذلك ما في دعوى شيخنا العلامة (3) - أعلى الله مقامه - من كون
~~الامكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع أصلا، والامكان في كلام الشيخ
~~الرئيس (4): (كلما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الامكان، ما لم يذدك
~~عنه واضح البرهان)، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع والايقان، ومن الواضح أن
~~لا موطن له إلا الوجدان، فهو المرجع فيه بلا بينة وبرهان.
# وكيف كان، فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبد بغير العلم من
~~المحال، أو الباطل ولو لم يكن بمحال أمور:
# أحدها: اجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين مثلا فيما أصاب، أو ضدين من
~~إيجاب وتحريم ومن إرادة وكراهة ومصلحة ومفسدة ملزمتين بلا كسر وانكسار في
~~البين فيما أخطأ، أو التصويب وأن لا يكون هناك غير مؤديات الامارات أحكام.
# PageV00P276
# ثانيها: طلب الضدين فيما إذا أخطأ وأدى إلى وجوب ضد الواجب.
# ثالثها: تفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة فيما أدى إلى عدم وجوب ما
~~هو واجب، أو عدم حرمة ما هو حرام، وكونه محكوما بسائر الاحكام.
# والجواب: إن ما ادعي لزومه، إما غير لازم، أو غير باطل، وذلك لان التعبد
~~بطريق غير علمي إنما هو بجعل حجيته، والحجية المجعولة ms184 غير مستتبعة لانشاء
~~أحكام تكليفية بحسب ما أدى إليه الطريق، بل إنما تكون موجبة لتنجز التكليف
~~به إذا أصاب، وصحته الاعتذار به إذا أخطأ، ولكون مخالفته وموافقته تجريا
~~وانقيادا مع عدم إصابته، كما هو شأن الحجة الغير المجعولة، فلا يلزم اجتماع
~~حكمين مثلين أو ضدين، ولا طلب الضدين ولا اجتماع المفسدة والمصلحة ولا
~~الكراهة والإرادة، كما لا يخفى.
# وأما تفويت مصلحة الواقع، أو الالقاء في مفسدته فلا محذور فيه أصلا، إذا
~~كانت في التعبد به مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الالقاء.
# نعم لو قيل باستتباع جعل الحجية للأحكام التكليفية، أو بأنه لا معنى
~~لجعلها إلا جعل تلك الأحكام، فاجتماع حكمين وإن كان يلزم، إلا أنهما ليسا
~~بمثلين أو ضدين، لان أحدهما طريقي عن مصلحة في نفسه موجبة لانشائه الموجب
~~للتنجز، أو لصحة الاعتذار بمجرده من دون إرادة نفسانية أو كراهة كذلك
~~متعلقة بمتعلقه فيما يمكن هناك انقداحهما، حيث إنه مع المصلحة أو المفسدة
~~الملزمتين في فعل، وإن لم يحدث بسببها إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى،
~~إلا أنه إذا أوحى بالحكم الناشئ (1) من قبل تلك المصلحة أو المفسدة إلى
~~النبي، أو ألهم به الولي، فلا محالة ينقدح في نفسه الشريفة بسببهما (2)،
~~الإرادة أو الكراهة الموجبة للانشاء بعثا أو زجرا، بخلاف ما ليس هناك مصلحة
~~أو مفسدة في المتعلق، بل إنما كانت في نفس
# PageV00P277
# إنشاء الامر به طريقيا.
# والآخر واقعي حقيقي عن مصلحة أو مفسدة في متعلقه، موجبة لإرادته أو
~~كراهته، الموجبة لانشائه بعثا أو زجرا في بعض المبادئ العالية، وإن لم يكن
~~في المبدأ الأعلى إلا العلم بالمصلحة أو المفسدة - كما أشرنا - فلا يلزم
~~أيضا اجتماع إرادة وكراهة، وإنما لزم إنشاء حكم واقعي حقيقي بعثا وزجرا،
~~وإنشاء حكم آخر طريقي، ولا مضادة بين الانشاءين فيما إذا اختلفا، ولا يكون
~~من اجتماع المثلين فيما اتفقا، ولا إرادة ولا كراهة أصلا إلا بالنسبة إلى
~~متعلق الحكم الواقعي، فافهم.
# نعم يشكل الامر في بعض الأصول العملية، كأصالة الإباحة الشرعية، فإن
~~الاذن في ms185 الاقدام والاقتحام ينافي المنع فعلا، كما فيما صادف الحرام، وإن
~~كان الاذن فيه لاجل مصلحة فيه، لا لاجل عدم مصلحة ومفسدة ملزمة في المأذون
~~فيه، فلا محيص في مثله إلا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في
~~بعض المبادئ العالية أيضا، كما في المبدأ الأعلى، لكنه لا يوجب الالتزام
~~بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي، بمعنى كونه على صفة ونحو لو علم به المكلف
~~لتنجز عليه، كسائر التكاليف الفعلية التي تتنجز بسبب القطع بها، وكونه
~~فعليا إنما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبوية أو الولوية، فيما إذا لم
~~ينقدح فيها الاذن لاجل مصلحة فيه.
# فانقدح بما ذكرنا أنه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعي في مورد
~~الأصول والامارات فعليا، كي يشكل تارة بعدم لزوم الاتيان حينئذ بما قامت
~~الامارة على وجوبه، ضرورة عدم لزوم امتثال الاحكام الانشائية ما لم تصر
~~فعلية ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر، ولزوم الاتيان به مما لا يحتاج إلى
~~مزيد بيان أو إقامة برهان.
# لا يقال: لا مجال لهذا الاشكال، لو قيل بأنها كانت قبل أداء الامارة
~~إليها إنشائية، لأنها بذلك تصير فعلية، تبلغ تلك المرتبة.
# فإنه يقال: لا يكاد يحرز بسبب قيام الامارة المعتبرة على حكم إنشائي لا
~~حقيقة ولا تعبدا، إلا حكم إنشائي تعبدا، لا حكم إنشائي أدت إليه الامارة،
~~أما PageV00P278
# حقيقة فواضح، وأما تعبدا فلان قصارى ما هو قضية حجية الامارة كون مؤداها
~~(1) هو الواقع تعبدا، لا الواقع الذي أدت إليه الامارة، فافهم.
# اللهم إلا أن يقال: إن الدليل على تنزيل المؤدى منزلة الواقع - الذي صار
~~مؤدى لها - هو دليل الحجية بدلالة الاقتضاء، لكنه لا يكاد يتم إلا إذا لم
~~يكن للاحكام بمرتبتها الانشائية أثر أصلا، وإلا لم تكن لتلك الدلالة مجال،
~~كما لا يخفى.
# وأخرى بأنه كيف يكون التوفيق بذلك؟ مع احتمال أحكام فعلية بعثية أو زجرية
~~في موارد الطرق والأصول العملية المتكلفة لاحكام فعلية، ضرورة أنه كما لا
~~يمكن القطع بثبوت المتنافيين، كذلك لا يمكن احتماله.
# فلا يصح التوفيق ms186 بين الحكمين، بالتزام كون الحكم الواقعي - الذي يكون
~~مورد الطرق - إنشائيا غير فعلي، كما لا يصح بأن الحكمين ليسا في مرتبة
~~واحدة بل في مرتبتين، ضرورة تأخر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين، وذلك
~~لا يكاد يجدي، فإن الظاهري وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعي، إلا أنه يكون
~~في مرتبته أيضا.
# وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة، فتأمل فيما
~~ذكرنا من التحقيق في التوفيق، فإنه دقيق وبالتأمل حقيق.
# ثالثها: إن الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعا ولا يحرز التعبد به
~~واقعا، عدم حجيته جزما، بمعنى عدم ترتب الآثار المرغوبة من الحجة عليه
~~قطعا، فإنها لا تكاد تترتب إلا على ما اتصف بالحجية فعلا، ولا يكاد يكون
~~الاتصاف بها، إلا إذا أحرز التعبد به وجعله طريقا متبعا، ضرورة أنه بدونه
~~لا يصح المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرد إصابته، ولا يكون عذرا لدى
~~مخالفته مع عدمها، ولا يكون
# PageV00P279
# مخالفته تجريا، ولا يكون موافقته بما هي موافقة انقيادا، وإن كانت بما هي
~~محتملة لموافقة الواقع كذلك إذا وقعت برجاء إصابته، فمع الشك في التعبد به
~~يقطع بعدم حجيته وعدم ترتيب شئ من الآثار عليه، للقطع بانتفاء الموضوع معه،
~~ولعمري هذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.
# وأما صحة الالتزام (1) بما أدى إليه من الاحكام، وصحة نسبته إليه تعالى،
~~فليسا من آثارها، ضرورة أن حجية الظن عقلا - على تقرير الحكومة في حال
~~الانسداد - لا توجب صحتهما، فلو فرض صحتهما شرعا مع الشك في التعبد به لما
~~كان يجدي في الحجية شيئا ما لم يترتب عليه ما ذكر من آثارها، ومعه لما كان
~~يضر عدم صحتهما أصلا، كما أشرنا إليه آنفا.
# فبيان عدم صحة الالتزام مع الشك في التعبد، وعدم جواز إسناده (2) إليه
~~تعالى غير مرتبط بالمقام، فلا يكون الاستدلال عليه بمهم، كما أتعب به شيخنا
~~العلامة (3) - أعلى الله مقامه - نفسه الزكية، بما أطنب من النقض والابرام،
~~فراجعه بما علقناه (4) عليه، وتأمل.
# وقد انقدح - بما ذكرنا - أن الصواب ms187 فيما هو المهم في الباب ما ذكرنا في
~~تقرير الأصل، فتدبر جيدا.
# إذا عرفت ذلك، فما خرج موضوعا عن تحت هذا الأصل أو قيل بخروجه يذكر في
~~ذيل فصول.
# PageV00P280
# فصل لا شبهة في لزوم اتباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة،
~~لاستقرار طريقة العقلاء على اتباع الظهورات في تعيين المرادات، مع القطع
~~بعدم الردع عنها، لوضوح عدم اختراع طريقة أخرى في مقام الإفادة لمرامه من
~~كلامه، كما هو واضح.
# والظاهر (1) أن سيرتهم على اتباعها، من غير تقييد بإفادتها للظن فعلا،
~~ولا بعدم الظن كذلك على خلافها قطعا، ضرورة أنه لا مجال عندهم للاعتذار عن
~~مخالفتها، بعدم إفادتها للظن بالوفاق، ولا بوجود الظن بالخلاف.
# كما أن الظاهر عدم اختصاص ذلك بمن قصد إفهامه، ولذا لا يسمع اعتذار من لا
~~يقصد إفهامه إذا خالف ما تضمنه ظاهر كلام المولى، من تكليف يعمه أو يخصه،
~~ويصح به الاحتجاج لدى المخاصمة واللجاج، كما تشهد به صحة الشهادة بالاقرار
~~من كل من سمعه ولو قصد عدم إفهامه، فضلا عما إذا لم يكن بصدد إفهامه، ولا
~~فرق في ذلك بين الكتاب المبين وأحاديث سيد المرسلين والأئمة الطاهرين.
# وإن ذهب بعض الأصحاب إلى عدم حجية ظاهر الكتاب، إما بدعوى
# PageV00P281
# اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله ومن خوطب به، كما يشهد به ما (1) ورد في
~~ردع أبي حنيفة وقتادة (2) عن الفتوى به.
# أو بدعوى (3) أنه لاجل احتوائه على مضامين شامخة ومطالب غامضة عالية، لا
~~يكاد تصل إليه أيدي أفكار أولي الانظار الغير الراسخين العالمين بتأويله،
~~كيف؟
# ولا يكاد يصل إلى فهم كلمات الأوائل إلا الأوحدي من الأفاضل، فما ظنك
~~بكلامه تعالى مع اشتماله على علم ما كان وما يكون وحكم كل شئ.
# أو بدعوى (4) شمول المتشابه الممنوع عن اتباعه للظاهر، لا أقل من احتمال
~~شموله لتشابه المتشابه وإجماله.
# أو بدعوى أنه وإن لم يكن منه ذاتا، إلا أنه صار منه عرضا، للعلم الاجمالي
~~بطروء التخصيص والتقييد والتجوز في غير واحد من ظواهره، كما هو الظاهر.
# أو بدعوى ms188 شمول الاخبار الناهية (5) عن تفسير القرآن بالرأي، لحمل الكلام
~~الظاهر في معنى على إرادة هذا المعنى.
# ولا يخفى أن النزاع يختلف صغرويا وكبرويا بحسب الوجوه، فبحسب غير الوجه
~~الأخير والثالث يكون صغرويا، وأما بحسبهما فالظاهر أنه كبروي، ويكون
# PageV00P282
# المنع عن الظاهر، إما لأنه من المتشابه قطعا أو احتمالا، أو لكون حمل
~~الظاهر على ظاهره من التفسير بالرأي، وكل هذه الدعاوي فاسدة:
# أما الأولى، فإنما المراد مما دل على اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله
~~اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته ومحكماته، بداهة أن فيه ما لا يختص به، كما
~~لا يخفى.
# وردع أبي حنيفة وقتادة عن الفتوى به إنما هو لاجل الاستقلال في الفتوى
~~بالرجوع إليه من دون مراجعة أهله، لا عن الاستدلال بظاهره مطلقا ولو مع
~~الرجوع إلى رواياتهم والفحص عما ينافيه، والفتوى به مع اليأس عن الظفر به،
~~كيف؟ وقد وقع في غير واحد من الروايات (1) الارجاع إلى الكتاب والاستدلال
~~بغير واحد من آياته (2).
# وأما الثانية، فلان احتواءه على المضامين العالية الغامضة لا يمنع عن فهم
~~ظواهره المتضمنة للاحكام وحجيتها، كما هو محل الكلام.
# وأما الثالثة، فللمنع عن كون الظاهر من المتشابه، فإن الظاهر كون
~~المتشابه هو خصوص المجمل، وليس بمتشابه ومجمل.
# وأما الرابعة، فلان العلم إجمالا بطروء إرادة خلاف الظاهر، إنما يوجب
~~الاجمال فيما إذا لم ينحل بالظفر في الروايات بموارد إرادة خلاف الظاهر
~~بمقدار المعلوم بالاجمال.
# مع أن دعوى اختصاص أطرافه بما إذا تفحص عما يخالفه لظفر به، غير بعيدة،
~~فتأمل جيدا.
# PageV00P283
# وأما الخامسة، فيمنع كون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير، فإنه كشف
~~القناع ولا قناع للظاهر، ولو سلم، فليس من التفسير بالرأي، إذ الظاهر أن
~~المراد بالرأي هو الاعتبار الظني الذي لا اعتبار به، وإنما كان منه حمل
~~اللفظ على خلاف ظاهره، لرجحانه بنظره، أو حمل المجمل على محتمله بمجرد
~~مساعدته ذاك الاعتبار، من دون السؤال عن الأوصياء، وفي بعض الاخبار (1)
~~(إنما هلك الناس في المتشابه، لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا
~~حقيقته، فوضعوا له تأويلا ms189 من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة
~~الأوصياء فيعرفونهم).
# هذا مع أنه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك،
~~ولو سلم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره، ضرورة أنه قضية التوفيق بينها وبين
~~ما دل على جواز التمسك بالقرآن، مثل خبر الثقلين (2)، وما دل على التمسك
~~به، والعمل بما فيه (3)، وعرض الاخبار المتعارضة عليه (4)، ورد الشروط
~~المخالفة له (5)، وغير ذلك (6)، مما لا محيص عن إرادة الارجاع إلى ظواهره
~~لا خصوص نصوصه، ضرورة أن الآيات التي يمكن أن تكون مرجعا في باب تعارض
~~الروايات أو الشروط، أو يمكن أن يتمسك بها ويعمل بما فيها، ليست إلا ظاهرة
~~في معانيها، ليس فيها ما كان نصا، كما لا يخفى.
# ودعوى العلم الاجمالي بوقوع التحريف فيه بنحو: إما بإسقاط، أو
# PageV00P284
# تصحيف (1)، وإن كانت غير بعيدة، كما يشهد به بعض الاخبار (2) ويساعده
~~الاعتبار، إلا أنه لا يمنع عن حجية ظواهره، لعدم العلم بوقوع خلل (3) فيها
~~بذلك أصلا.
# ولو سلم، فلا علم بوقوعه في آيات الاحكام، والعلم بوقوعه فيها أو في
~~غيرها من الآيات غير ضائر بحجية آياتها، لعدم حجية ظاهر سائر الآيات،
~~والعلم الاجمالي بوقوع الخلل في الظواهر إنما يمنع عن حجيتها إذا كانت كلها
~~حجة، وإلا لا يكاد ينفك ظاهر عن ذلك، كما لا يخفى، فافهم.
# نعم لو كان الخلل المحتمل فيه أو في غيره بما اتصل به، لأخل بحجيته، لعدم
~~انعقاد ظهور له حينئذ، وإن انعقد له الظهور لولا اتصاله.
# ثم إن التحقيق أن الاختلاف في القراءة بما يوجب الاختلاف في الظهور مثل
~~(يطهرن) بالتشديد والتخفيف، يوجب الاخلال بجواز التمسك والاستدلال، لعدم
~~إحراز ما هو القرآن، ولم يثبت تواتر القراءات، ولا جواز الاستدلال بها، وإن
~~نسب (4) إلى المشهور تواترها، لكنه مما لا أصل له، وإنما الثابت جواز
~~القراءة بها، ولا ملازمة بينهما، كما لا يخفى.
# ولو فرض جواز الاستدلال بها، فلا وجه لملاحظة الترجيح بينها بعد كون
~~الأصل في تعارض الامارات هو سقوطها عن الحجية في خصوص المؤدى، ms190 بناء على
~~اعتبارها من باب الطريقية، والتخيير بينها بناء على السببية، مع عدم دليل
~~على الترجيح في غير الروايات من سائر الامارات، فلا بد من الرجوع حينئذ إلى
~~الأصل أو العموم، حسب اختلاف المقامات.
# PageV00P285
# فصل قد عرفت حجية ظهور الكلام في تعيين المرام: فإن أحرز بالقطع وأن
~~المفهوم منه جزما - بحسب متفاهم أهل العرف - هو ذا فلا كلام، وإلا فإن كان
~~لاجل احتمال وجود قرينة فلا خلاف في أن الأصل عدمها، لكن الظاهر أنه معه
~~يبنى على المعنى الذي لولاها كان اللفظ ظاهرا فيه ابتداء، لا أنه يبنى عليه
~~بعد البناء على عدمها، كما لا يخفى، فافهم.
# وإن كان لاحتمال قرينية الموجود فهو، وإن لم يكن بخال عن الاشكال - بناء
~~على حجية أصالة الحقيقة من باب التعبد - إلا أن الظاهر أن يعامل معه معاملة
~~المجمل، وإن كان لاجل الشك فيما هو الموضوع له لغة أو المفهوم منه عرفا،
~~فالأصل يقتضي عدم حجية الظن فيه، فإنه ظن في أنه ظاهر، ولا دليل إلا على
~~حجية الظواهر.
# نعم نسب (1) إلى المشهور حجية قول اللغوي بالخصوص في تعيين الأوضاع،
~~واستدل لهم باتفاق العلماء بل العقلاء على ذلك، حيث لا يزالون يستشهدون
~~بقوله في مقام الاحتجاج بلا إنكار من أحد، ولو مع المخاصمة واللجاج، وعن
~~بعض (2) دعوى الاجماع على ذلك.
# وفيه: أن الاتفاق - لو سلم اتفاقه - فغير مفيد، مع أن المتيقن منه هو
~~الرجوع إليه مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة.
# والاجماع المحصل غير حاصل، والمنقول منه غير مقبول، خصوصا في مثل
# PageV00P286
# المسألة مما احتمل قريبا أن يكون وجه ذهاب الجل لولا الكل، هو اعتقاد أنه
~~مما اتفق عليه العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة من كل صنعة فيما اختص بها.
# والمتيقن من ذلك إنما هو فيما إذا كان الرجوع يوجب الوثوق (1)
~~والاطمئنان، ولا يكاد يحصل من قول اللغوي وثوق بالأوضاع، بل لا يكون اللغوي
~~من أهل خبرة ذلك، بل إنما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال، بداهة أن همه
~~ضبط موارده، لا ms191 تعيين أن أيا منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازا، وإلا
~~لوضعوا لذلك علامة، وليس ذكره أولا علامة كون اللفظ حقيقة فيه، للانتقاض
~~بالمشترك.
# وكون موارد الحاجة إلى قول اللغوي أكثر من أن يحصى، لانسداد باب العلم
~~بتفاصيل المعاني غالبا، بحيث يعلم بدخول الفرد المشكوك أو خروجه، وإن كان
~~المعنى معلوما في الجملة لا يوجب اعتبار قوله، ما دام انفتاح باب العلم
~~بالاحكام، كما لا يخفى، ومع الانسداد كان قوله معتبرا إذا أفاد الظن، من
~~باب حجية مطلق الظن، وإن فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا
~~المورد.
# نعم لو كان هناك دليل على اعتباره، لا يبعد أن يكون انسداد باب العلم
~~بتفاصيل اللغات موجبا له على نحو الحكمة لا العلة.
# لا يقال: على هذا لا فائدة في الرجوع إلى اللغة.
# فإنه يقال: مع هذا لا تكاد تخفى الفائدة في المراجعة إليها، فإنه ربما
~~يوجب القطع بالمعنى، وربما يوجب القطع بأن اللفظ في المورد ظاهر في معنى -
~~بعد الظفر به وبغيره في اللغة - وإن لم يقطع بأنه حقيقة فيه أو مجاز، كما
~~اتفق كثيرا، وهو يكفي في الفتوى.
# PageV00P287
# فصل الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة عند كثير ممن قال باعتبار الخبر
~~بالخصوص، من جهة أنه من أفراده، من دون أن يكون عليه دليل بالخصوص، فلا بد
~~في اعتباره من شمول أدلة اعتباره له، بعمومها أو إطلاقها.
# وتحقيق القول فيه يستدعي رسم أمور:
# الأول: إن وجه اعتبار الاجماع، هو القطع برأي الإمام (عليه السلام)،
~~ومستند القطع به لحاكيه - على ما يظهر من كلماتهم - هو علمه بدخوله (عليه
~~السلام) في المجمعين شخصا، ولم يعرف عينا، أو قطعه باستلزام ما يحكيه لرأيه
~~(عليه السلام) عقلا من باب اللطف، أو عادة أو اتفاقا من جهة حدس رأيه، وإن
~~لم تكن ملازمة بينهما عقلا ولا عادة، كما هو طريقة المتأخرين في دعوى
~~الاجماع، حيث إنهم مع عدم الاعتقاد بالملازمة العقلية ولا الملازمة العادية
~~غالبا وعدم العلم بدخول جنابه (عليه السلام) في المجمعين عادة، يحكون
~~الاجماع ms192 كثيرا، كما أنه يظهر ممن اعتذر عن وجود المخالف بأنه معلوم النسب،
~~أنه استند في دعوى الاجماع إلى العلم بدخوله (عليه السلام) وممن اعتذر عنه
~~بانقراض عصره، أنه استند إلى قاعدة اللطف.
# هذا مضافا إلى تصريحاتهم بذلك، على ما يشهد به مراجعة كلماتهم، وربما
~~PageV00P288
# يتفق لبعض الأوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيته (عليه السلام) وأخذه الفتوى
~~من جنابه، وإنما لم ينقل عنه، بل يحكي الاجماع لبعض دواعي الاخفاء.
# الامر الثاني: إنه لا يخفى اختلاف نقل الاجماع، فتارة ينقل رأيه (عليه
~~السلام) في ضمن نقله حدسا كما هو الغالب، أو حسا وهو نادر جدا، وأخرى لا
~~ينقل إلا ما هو السبب عند ناقله، عقلا أو عادة أو اتفاقا، واختلاف ألفاظ
~~النقل أيضا صراحة وظهورا وإجمالا في ذلك، أي في أنه نقل السبب أو نقل السبب
~~والمسبب.
# الامر الثالث: إنه لا إشكال في حجية الاجماع المنقول بأدلة حجية الخبر،
~~إذا كان نقله متضمنا لنقل السبب والمسبب عن حس، لو لم نقل بأن نقله كذلك في
~~زمان الغيبة موهون جدا، وكذا إذا لم يكن متضمنا له، بل كان ممحضا لنقل
~~السبب عن حس، إلا أنه كان سببا بنظر المنقول إليه أيضا عقلا أو عادة أو
~~اتفاقا، فيعامل حينئذ مع المنقول معاملة المحصل في الالتزام بمسببه بأحكامه
~~وآثاره.
# وأما إذا كان نقله للمسبب لا عن حس، بل بملازمة ثابتة عند الناقل بوجه
~~دون المنقول إليه ففيه إشكال، أظهره عدم نهوض تلك الأدلة على حجيته، إذ
~~المتيقن من بناء العقلاء غير ذلك، كما أن المنصرف من الآيات والروايات ذلك
~~(1)، على تقدير دلالتهما، خصوصا فيما إذا رأى المنقول إليه خطأ الناقل في
~~اعتقاد الملازمة، هذا فيما انكشف الحال.
# وأما فيما اشتبه، فلا يبعد أن يقال بالاعتبار، فإن عمدة أدلة حجية
~~الاخبار هو بناء العقلاء، وهم كما يعملون بخبر الثقة إذا علم أنه عن حس،
~~يعملون به فيما يحتمل كونه عن حدس، حيث إنه ليس بناؤهم إذا أخبروا بشئ على
~~التوقف والتفتيش، عن أنه عن حدس أو ms193 حس، بل العمل على (2) طبقه والجري على
# PageV00P289
# وفقه بدون ذلك، نعم لا يبعد أن يكون بناؤهم على ذلك، فيما لا يكون هناك
~~أمارة على الحدس، أو اعتقاد الملازمة فيما لا يرون هناك ملازمة.
# هذا لكن الاجماعات المنقولة في ألسنة الأصحاب غالبا مبنية على حدس الناقل
~~أو اعتقاد الملازمة عقلا، فلا اعتبار لها ما لم ينكشف أن نقل السبب كان
~~مستندا إلى الحس، فلا بد في الاجماعات المنقولة بألفاظها المختلفة من
~~استظهار مقدار دلالة ألفاظها، ولو بملاحظة حال الناقل وخصوص موضع النقل،
~~فيؤخذ بذاك المقدار ويعامل معه كأنه المحصل، فإن كان بمقدار تمام السبب،
~~وإلا فلا يجدي ما لم يضم إليه مما حصله أو نقل له من سائر الأقوال أو سائر
~~الامارات ما به (1) تم، فافهم.
# فتلخص بما ذكرنا: أن الاجماع المنقول بخبر الواحد، من جهة حكايته رأي
~~الإمام (عليه السلام) بالتضمن أو الالتزام، كخبر الواحد في الاعتبار إذا
~~كان من نقل إليه ممن يرى الملازمة بين رأيه (عليه السلام) وما نقله من
~~الأقوال، بنحو الجملة والاجمال، وتعمه أدلة اعتباره، وينقسم بأقسامه،
~~ويشاركه في أحكامه، وإلا لم يكن مثله في الاعتبار من جهة الحكاية.
# وأما من جهة نقل السبب، فهو في الاعتبار بالنسبة إلى مقدار من الأقوال
~~التي نقلت إليه على الاجمال بألفاظ نقل الاجماع، مثل ما إذا نقلت على
~~التفصيل، فلو ضم إليه مما حصله أو نقل له (2) - من أقوال السائرين أو سائر
~~الامارات - مقدار كان المجموع منه وما نقل بلفظ الاجماع بمقدار السبب
~~التام، كان المجموع كالمحصل، ويكون حاله كما إذا كان كله منقولا، ولا تفاوت
~~في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمامه، أو ما له دخل فيه وبه
~~قوامه، كما يشهد به حجيته بلا ريب في تعيين حال السائل، وخصوصية القضية
~~الواقعة المسؤول عنها، وغير ذلك مما له دخل في تعيين
# PageV00P290
# مرامه (عليه السلام) من كلامه.
# وينبغي التنبيه على أمور:
# الأول: إنه قد مر أن مبنى دعوى الاجماع غالبا، هو اعتقاد الملازمة عقلا،
~~لقاعدة اللطف، ms194 وهي باطلة، أو اتفاقا بحدس رأيه (عليه السلام) من فتوى
~~جماعة، وهي غالبا غير مسلمة، وأما كون المبنى العلم بدخول الامام بشخصه في
~~الجماعة، أو العلم برأيه للاطلاع بما يلازمه عادة من الفتاوى، فقليل جدا في
~~الاجماعات المتداولة في السنة الأصحاب، كما لا يخفى، بل لا يكاد يتفق العلم
~~بدخوله (عليه السلام) على نحو الاجمال في الجماعة في زمان الغيبة، وإن
~~احتمل تشرف بعض الأوحدي بخدمته ومعرفته أحيانا، فلا يكاد يجدي نقل الاجماع
~~إلا من باب نقل السبب بالمقدار الذي أحرز من لفظه، بما اكتنف به من حال أو
~~مقال، ويعامل معه معاملة المحصل.
# الثاني: إنه لا يخفى أن الاجماعات المنقولة، إذا تعرض اثنان منها أو
~~أكثر، فلا يكون التعرض إلا بحسب المسبب، وأما بحسب السبب فلا تعارض في
~~البين، لاحتمال صدق الكل، لكن نقل الفتاوى على الاجمال بلفظ الاجماع حينئذ،
~~لا يصلح لان يكون سببا، ولا جزء سبب، لثبوت الخلاف فيها، إلا إذا كان في
~~أحد المتعارضين خصوصية موجبة لقطع المنقول إليه برأيه (عليه السلام) لو
~~اطلع عليها، ولو مع اطلاعه على الخلاف، وهو وإن لم يكن مع الاطلاع على
~~الفتاوى على اختلافها مفصلا ببعيد، إلا أنه مع عدم الاطلاع عليها كذلك إلا
~~مجملا بعيد، فافهم.
# الثالث: إنه ينقدح مما ذكرنا في نقل الاجماع حال نقل التواتر، وأنه من
~~حيث المسبب لا بد في اعتباره من كون الاخبار به إخبارا على الاجمال بمقدار
~~يوجب قطع المنقول إليه بما أخبر به لو علم به، ومن حيث السبب يثبت به كل
~~مقدار كان اخباره بالتواتر دالا عليه، كما إذا أخبر به على التفصيل، فربما
~~لا يكون إلا دون حد PageV00P291
# التواتر، فلا بد في معاملته معه معاملته من لحوق مقدار آخر من الاخبار،
~~يبلغ المجموع ذاك الحد.
# نعم، لو كان هناك أثر للخبر المتواتر في الجملة - ولو عند المخبر - لوجب
~~ترتيبه عليه، ولو لم يدل على ما بحد التواتر من المقدار.
# فصل مما قيل باعتباره بالخصوص الشهرة في الفتوى، ولا يساعده دليل، ms195 وتوهم
~~(1) دلالة أدلة حجية خبر الواحد عليه بالفحوى، لكون الظن الذي تفيده أقوى
~~مما يفيده الخبر، فيه مالا يخفى، ضرورة عدم دلالتها على كون مناط اعتباره
~~إفادته الظن، غايته تنقيح ذلك بالظن، وهو لا يوجب إلا الظن بأنها أولى
~~بالاعتبار، ولا اعتبار به، مع أن دعوى القطع بأنه ليس بمناط غير مجازفة.
# وأضعف منه، توهم دلالة المشهورة (2) والمقبولة (3) عليه، لوضوح أن المراد
~~بالموصول في قوله في الأولى: (خذ بما اشتهر بين أصحابك) وفي الثانية: (ينظر
~~إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك،
~~فيؤخذ به) هو الرواية، لا ما يعم الفتوى، كما هو أوضح من أن يخفى.
# نعم بناء على حجية الخبر ببناء العقلاء، لا يبعد دعوى عدم اختصاص بنائهم
~~على حجيته، بل على حجية (4) كل أمارة مفيدة للظن أو الاطمئنان، لكن دون
~~إثبات ذلك خرط القتاد.
# PageV00P292
# فصل المشهور بين الأصحاب حجية خبر الواحد في الجملة بالخصوص، ولا يخفى أن
~~هذه المسألة من أهم المسائل الأصولية، وقد عرفت في أول الكتاب (1) أن
~~الملاك في الأصولية صحة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط، ولو لم يكن
~~البحث فيها عن الأدلة الأربعة، وإن اشتهر في ألسنة الفحول كون الموضوع في
~~علم الأصول هي الأدلة، وعليه لا يكاد يفيد في ذلك - أي كون هذه المسألة
~~أصولية - تجشم دعوى (2) أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل،
~~ضرورة أن البحث في المسألة ليس عن دليلية الأدلة، بل عن حجية الخبر الحاكي
~~عنها، كما لا يكاد يفيد عليه تجشم دعوى (3) أن مرجع هذه المسألة إلى أن
~~السنة - وهي قول الحجة أو فعله أو تقريره - هل تثبت بخبر الواحد، أو لا
~~تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة؟ فإن التعبد بثبوتها مع
~~الشك فيها لدى الاخبار بها ليس من عوارضها، بل من عوارض مشكوكها، كما لا
~~يخفى، مع أنه لازم لما يبحث عنه في المسألة من حجية الخبر، والمبحوث عنه في
~~المسائل إنما هو الملاك في ms196 أنها من المباحث أو من غيره، لا ما هو لازمه،
~~كما هو واضح.
# PageV00P293
# وكيف كان، فالمحكي عن السيد (1) والقاضي (2) وابن زهرة (3) والطبرسي (4)
~~وابن إدريس (5) عدم حجية الخبر، واستدل (6) لهم بالآيات الناهية (7) عن
~~اتباع غير العلم، والروايات (8) الدالة على رد ما لم يعلم أنه قولهم (عليهم
# PageV00P294
# السلام)، أو لم يكن عليه شاهد من كتاب الله أو شاهدان (1)، أو لم يكن
~~موافقا للقرآن إليهم (2)، أو على بطلان ما لا يصدقه كتاب الله (3)، أو على
~~أن ما لا يوافق كتاب الله زخرف (4)، أو على النهي عن قبول حديث إلا ما وافق
~~الكتاب أو السنة (5)، إلى غير ذلك (6).
# والاجماع المحكي (7) عن السيد في مواضع من كلامه، بل حكي (8) عنه أنه
~~جعله بمنزلة القياس، في كون تركه معروفا من مذهب الشيعة.
# والجواب: أما عن الآيات، فبأن الظاهر منها أو المتيقن من إطلاقاتها هو
~~اتباع غير العلم في الأصول الاعتقادية، لا ما يعم الفروع الشرعية، ولو سلم
~~عمومها لها، فهي مخصصة بالأدلة الآتية على اعتبار الاخبار.
# وأما عن الروايات، فبأن الاستدلال بها خال عن السداد، فإنها أخبار آحاد.
# لا يقال: إنها وإن لم تكن متواترة لفظا ولا معنى، إلا أنها متواترة
~~إجمالا، للعلم الاجمالي بصدور بعضها لا محالة.
# فإنه يقال: إنها وإن كانت كذلك، إلا أنها لا تفيد إلا فيما توافقت عليه،
~~وهو غير مفيد في إثبات السلب كليا، كما هو محل الكلام ومورد النقض
~~والابرام، وإنما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب والسنة، والالتزام به
~~ليس بضائر، بل
# PageV00P295
# لا محيص عنه في مقام المعارضة.
# وأما عن الاجماع، فبأن المحصل منه غير حاصل، والمنقول منه للاستدلال به
~~غير قابل، خصوصا في المسألة، كما يظهر وجهه للمتأمل، مع أنه معارض بمثله،
~~وموهون بذهاب المشهور إلى خلافه.
# وقد استدل للمشهور بالأدلة الأربعة:
# فصل في الآيات التي استدل بها:
# فمنها: آية النبأ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إن جاء كم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (1). ويمكن تقريب
~~الاستدلال بها من وجوه (2): أظهرها أنه من جهة مفهوم الشرط، ms197 وأن تعليق
~~الحكم بإيجاب التبين عن النبأ الذي جئ به على كون الجائي به الفاسق (3)،
~~يقتضي انتفاءه عند انتفائه.
# ولا يخفى أنه على هذا التقرير لا يرد: أن الشرط في القضية لبيان تحقق
~~الموضوع فلا مفهوم له، أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع، فافهم.
# نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبأ ومجئ الفاسق به، كانت القضية الشرطية
~~مسوقة لبيان تحقق الموضوع، مع أنه يمكن أن يقال: إن القضية ولو كانت مسوقة
~~لذلك، إلا أنها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبين في النبأ الذي جاء به
~~الفاسق، فيقتضي انتفاء وجوب التبين عند انتفائه ووجود موضوع آخر، فتدبر.
# ولكنه يشكل (4) بأنه ليس لها هاهنا مفهوم، ولو سلم أن أمثالها ظاهرة في
# PageV00P296
# المفهوم، لان التعليل بإصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم
~~والمنطوق، يكون قرينة على أنه ليس لها مفهوم.
# ولا يخفى أن الاشكال إنما يبتني على كون الجهالة بمعنى عدم العلم، مع أن
~~دعوى أنها بمعنى السفاهة وفعل مالا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة.
# ثم إنه لو سلم تمامية دلالة الآية على حجية خبر العدل، ربما أشكل شمول
~~مثلها للروايات الحاكية لقول الإمام (عليه السلام) بواسطة أو وسائط، فإنه
~~كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذي ليس إلا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به
~~من الأثر الشرعي بلحاظ نفس هذا الوجوب، فيما كان المخبر به خبر العدل أو
~~عدالة المخبر، لأنه وإن كان أثرا شرعيا لهما، إلا أنه بنفس الحكم في مثل
~~الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض.
# نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانيا، فلا بأس في أن يكون بلحاظه أيضا، حيث إنه
~~صار أثرا بجعل آخر، فلا يلزم اتحاد الحكم والموضوع، بخلاف ما إذا لم يكن
~~هناك إلا جعل واحد، فتدبر.
# ويمكن ذب الاشكال (1)، بأنه إنما يلزم إذا لم يكن القضية طبيعية، والحكم
~~فيها بلحاظ طبيعة الأثر، بل بلحاظ أفراده، وإلا فالحكم بوجوب التصديق يسري
~~إليه سراية حكم الطبيعة إلى أفراده، بلا محذور لزوم اتحاد الحكم والموضوع.
# هذا مضافا إلى القطع ms198 بتحقق ما هو المناط في سائر الآثار في هذا الأثر -
~~أي وجوب التصديق - بعد تحققه بهذا الخطاب، وإن كان لا يمكن أن يكون ملحوظا
~~(2) لاجل المحذور، وإلى عدم القول بالفصل بينه وبين سائر الآثار، في وجوب
~~الترتيب لدى الاخبار بموضوع، صار أثره الشرعي وجوب التصديق، وهو خبر العدل،
~~ولو بنفس الحكم في الآية به، فافهم.
# PageV00P297
# ولا يخفى أنه لا مجال بعد اندفاع الاشكال بذلك للاشكال في خصوص الوسائط
~~من الاخبار، كخبر الصفار المحكي بخبر المفيد مثلا، بأنه لا يكاد يكون خبرا
~~تعبدا إلا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد، فكيف يكون هذا
~~الحكم المحقق لخبر الصفار تعبدا مثلا حكما له أيضا، وذلك لأنه إذا كان خبر
~~العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند إخبار العدل
~~به، كسائر ذوات الآثار من الموضوعات، لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر
~~الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية، أو لشمول الحكم فيها له مناطا، وإن لم
~~يشمله لفظا، أو لعدم القول بالفصل، فتأمل جيدا.
# ومنها: آية النفر، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ (1) الآية،
~~وربما يستدل بها من وجوه:
# أحدها: إن كلمة (لعل) وإن كانت مستعملة على التحقيق في معناه الحقيقي،
~~وهو الترجي الايقاعي الانشائي، إلا أن الداعي إليه حيث يستحيل في حقه تعالى
~~أن يكون هو الترجي الحقيقي، كان هو محبوبية التحذر عند الانذار، وإذا ثبت
~~محبوبيته ثبت وجوبه شرعا، لعدم الفصل، وعقلا لوجوبه مع وجود ما يقتضيه،
~~وعدم حسنه، بل عدم إمكانه بدونه.
# ثانيها: إنه لما وجب الانذار لكونه غاية للنفر الواجب، كما هو قضية كلمة
~~(لولا) التحضيضية، وجب التحذر، وإلا لغى وجوبه.
# ثالثها: إنه جعل غاية للانذار الواجب، وغاية الواجب واجب.
# ويشكل الوجه الأول، بأن التحذر لرجاء إدراك الواقع وعدم الوقوع في محذور
~~مخالفته، من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة، حسن، وليس بواجب فيما لم
~~يكن هناك حجة على التكليف، ولم يثبت ها هنا ms199 عدم الفصل، غايته عدم
# PageV00P298
# القول بالفصل.
# والوجه الثاني والثالث بعدم انحصار فائدة الانذار ب [إيجاب] (١) التحذر
~~تعبدا، لعدم إطلاق يقتضي وجوبه على الاطلاق، ضرورة أن الآية مسوقة لبيان
~~وجوب النفر، لا لبيان غايتية التحذر، ولعل وجوبه كان مشروطا بما إذا أفاد
~~العلم لو لم نقل بكونه مشروطا به، فإن النفر إنما يكون لاجل التفقه وتعلم
~~معالم الدين، ومعرفة ما جاء به سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله)، كي
~~ينذروا بها المتخلفين أو النافرين، على الوجهين في تفسير الآية، لكي يحذروا
~~إذا أنذروا بها، وقضيته إنما هو وجوب الحذر عند إحراز أن الانذار بها، كما
~~لا يخفى.
# ثم إنه أشكل أيضا، بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقا فلا
~~دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر، حيث إنه ليس شأن الراوي إلا الاخبار
~~بما تحمله، لا التخويف والانذار، وإنما هو شأن المرشد أو المجتهد بالنسبة
~~إلى المسترشد أو المقلد.
# قلت: لا يذهب عليك أنه ليس حال الرواة في الصدر الأول في نقل ما تحملوا
~~من النبي (صلى الله عليه وعلى أهل بيته الكرام) أو الإمام (عليه السلام) من
~~الاحكام إلى الأنام، إلا كحال نقلة الفتاوى إلى العوام.
# ولا شبهة في أنه يصح منهم التخويف في مقام الابلاغ والانذار والتحذير
~~بالبلاغ، فكذا من الرواة، فالآية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوي إذا
~~كان مع التخويف، كان نقله حجة بدونه أيضا، لعدم الفصل بينهما جزما، فافهم.
# ومنها: آية الكتمان، ﴿إن الذين
~~يكتمون ما أنزلنا﴾ (2) الآية.
# وتقريب الاستدلال بها: إن حرمة الكتمان تستلزم وجوب (3) القبول عقلا،
# PageV00P299
# للزوم لغويته بدونه، ولا يخفى أنه لو سلمت هذه الملازمة لا مجال (١)
~~للايراد على هذه الآية بما أورد على آية النفر، من دعوى الاهمال أو استظهار
~~الاختصاص بما إذا أفاد العلم، فإنها تنافيهما، كما لا يخفى، لكنها ممنوعة،
~~فإن اللغوية غير لازمة، لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبدا، وإمكان أن تكون
~~حرمة الكتمان لاجل وضوح الحق بسبب كثرة من ms200 أفشاه وبينه، لئلا يكون للناس
~~على الله حجة، بل كان له عليهم الحجة البالغة.
# ومنها: آية السؤال عن أهل الذكر ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (2). وتقريب
~~الاستدلال بها ما في آية الكتمان.
# وفيه: إن الظاهر منها إيجاب السؤال لتحصيل العلم، لا للتعبد بالجواب.
# وقد أورد (3) عليها: بأنه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر،
~~فلا دلالة لها على التعبد بما يروي الراوي، فإنه بما هو راو لا يكون من أهل
~~الذكر والعلم، فالمناسب إنما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية.
# وفيه: إن كثيرا من الرواة يصدق عليهم أنهم أهل الذكر والاطلاع على رأي
~~الإمام (عليه السلام) كزرارة ومحمد بن مسلم ومثلهما، ويصدق على السؤال عنهم
~~أنه السؤال عن [أهل] (4) الذكر والعلم، ولو كان السائل من أضرابهم، فإذا
~~وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية، وجب قبول روايتهم
~~ورواية غيرهم من العدول مطلقا، لعدم الفصل جزما في وجوب القبول بين المبتدئ
~~والمسبوق بالسؤال، ولا بين أضراب زرارة وغيرهم ممن لا يكون من أهل
# PageV00P300
# الذكر، وإنما يروي ما سمعه أو رآه، فافهم.
# ومنها: آية الاذن ﴿ومنهم الذين
~~يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾
~~(1) فإنه تبارك وتعالى مدح نبيه بأنه يصدق المؤمنين، وقرنه بتصديقه تعالى.
# وفيه: أولا: إنه إنما مدحه بأنه أذن، وهو سريع القطع، لا الاخذ بقول
~~الغير تعبدا.
# وثانيا: إنه إنما المراد بتصديقه للمؤمنين، هو ترتيب خصوص الآثار التي
~~تنفعهم ولا تضر غيرهم، لا التصديق بترتيب جميع الآثار، كما هو المطلوب في
~~باب حجية الخبر، ويظهر ذلك من تصديقه للنمام بأنه ما نمه، وتصديقه لله
~~تعالى بأنه نمه، كما هو المراد من التصديق في قوله (عليه السلام): (فصدقه
~~وكذبهم)، حيث قال - على ما في الخبر (2) -: (يا محمد (3) كذب سمعك وبصرك عن
~~أخيك:
# فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال قولا، وقال: لم أقله، فصدقه وكذبهم) ms201
~~فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرهم، وتكذيبهم فيما يضره ولا ينفعهم،
~~وإلا فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين؟ وهكذا المراد بتصديق المؤمنين
~~في قصة إسماعيل (4)، فتأمل جيدا.
# فصل في الاخبار التي دلت على اعتبار أخبار الآحاد.
# وهي وإن كانت طوائف كثيرة، كما يظهر من مراجعة الوسائل (5) وغيرها،
# PageV00P301
# إلا أنه يشكل الاستدلال بها على حجية أخبار الآحاد بأنها أخبار آحاد،
~~فإنها غير متفقة على لفظ ولا على معنى، فتكون متواترة لفظا أو معنى.
# ولكنه مندفع بأنها وإن كانت كذلك، إلا أنها متواترة إجمالا، ضرورة أنه
~~يعلم إجمالا بصدور بعضها منهم (عليهم السلام)، وقضيته وإن كان حجية خبر دل
~~على حجيته أخصها مضمونا (1) إلا أنه يتعدى عنه فيما إذا كان بينها ما كان
~~بهذه الخصوصية، وقد دل على حجية ما كان أعم، فافهم.
# فصل في الاجماع على حجية الخبر.
# وتقريره من وجوه:
# أحدها: دعوى الاجماع من تتبع فتاوى الأصحاب على الحجية من زماننا إلى
~~زمان الشيخ، فيكشف رضاه (عليه السلام) بذلك، ويقطع به، أو من تتبع
~~الاجماعات المنقولة على الحجية، ولا يخفى مجازفة هذه الدعوى، لاختلاف
~~الفتاوى فيما أخذ في اعتباره من الخصوصيات، ومعه لا مجال لتحصيل القطع
~~برضاه (عليه السلام) من تتبعها، وهكذا حال تتبع الاجماعات المنقولة، اللهم
~~إلا أن يدعى تواطؤها على الحجية في الجملة، وإنما الاختلاف في الخصوصيات
~~المعتبرة فيها، ولكن دون إثباته خرط القتاد.
# ثانيها: دعوى اتفاق العلماء عملا - بل كافة المسلمين - على العمل بخبر
~~الواحد في أمورهم الشرعية، كما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين
~~لها.
# PageV00P302
# وفيه: مضافا إلى ما عرفت مما يرد على الوجه الأول، أنه لو سلم اتفاقهم
~~على ذلك، لم يحرز أنهم اتفقوا بما هم مسلمون ومتدينون بهذا الدين، أو بما
~~هم عقلاء ولو لم يلتزموا بدين، كما هو لا يزالون يعملون بها في غير الأمور
~~الدينية من الأمور العادية، فيرجع إلى ثالث الوجوه، وهو دعوى استقرار سيرة
~~العقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على العمل بخبر الثقة، واستمرت إلى زماننا،
~~ولم يردع ms202 عنه نبي ولا وصي نبي، ضرورة أنه لو كان لاشتهر وبان، ومن الواضح
~~أنه يكشف عن رضى الشارع به في الشرعيات أيضا.
# إن قلت: يكفي في الردع الآيات الناهية، والروايات المانعة عن اتباع غير
~~العلم، وناهيك قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (١)، وقوله تعالى:
~~﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾
~~(2).
# قلت: لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك، فإنه - مضافا إلى أنها وردت إرشادا
~~إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين، ولو سلم فإنما المتيقن لولا أنه المنصرف
~~إليه إطلاقها هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة - لا يكاد يكون
~~الردع بها إلا على وجه دائر، وذلك لان الردع بها يتوقف على عدم تخصيص
~~عمومها، أو تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة، وهو يتوقف على
~~الردع عنها بها، وإلا لكانت مخصصة أو مقيدة لها، كما لا يخفى.
# لا يقال: على هذا لا يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضا، إلا على وجه
~~دائر، فإن اعتباره بها فعلا يتوقف على عدم الردع بها عنها، وهو يتوقف على
~~تخصيصها بها، وهو يتوقف على عدم الردع بها عنها.
# فإنه يقال: إنما يكفي في حجيته بها عدم ثبوت الردع عنها، لعدم نهوض ما
~~يصلح لردعها، كما يكفي في تخصيصها لها ذلك، كما لا يخفى، ضرورة أن ما
# PageV00P303
# جرت عليه السيرة المستمرة في مقام الإطاعة والمعصية، وفي استحقاق العقوبة
~~بالمخالفة، وعدم استحقاقها مع الموافقة، ولو في صورة المخالفة عن الواقع
~~(1)، يكون عقلا في الشرع متبعا ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه في
~~الشرعيات، فافهم وتأمل.
# فصل في الوجوه العقلية التي أقيمت على حجية الخبر (3) الواحد.
# أحدها: إنه يعلم إجمالا بصدور كثير مما بأيدينا من الاخبار من الأئمة
~~الأطهار (عليهم السلام) بمقدار واف بمعظم الفقه، بحيث لو علم تفصيلا ذاك
~~المقدار لا نحل علمنا الاجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات وسائر الامارات
~~إلى
# PageV00P304
# العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الاخبار الصادرة المعلومة تفصيلا،
~~والشك البدوي ms203 في ثبوت التكليف في مورد سائر الامارات الغير المعتبرة، ولازم
~~ذلك لزوم العمل على وفق جميع الاخبار المثبتة، وجواز العمل على طبق النافي
~~منها فيما إذا لم يكن في المسألة أصل مثبت له، من قاعدة الاشتغال أو
~~الاستصحاب، بناء على جريانه في أطراف [ما] (1) علم إجمالا بانتقاض الحالة
~~السابقة في بعضها، أو قيام أمارة معتبرة على انتقاضها فيه، وإلا لاختص عدم
~~جواز العمل على وفق النافي بما إذا كان على خلاف قاعدة الاشتغال.
# وفيه: إنه لا يكاد ينهض على حجية الخبر، بحيث يقدم تخصيصا أو تقييدا أو
~~ترجيحا على غيره، من عموم أو إطلاق أو مثل مفهوم، وإن كان يسلم عما أورد
~~عليه (2) من أن لازمه الاحتياط في سائر الامارات، لا في خصوص الروايات، لما
~~عرفت من انحلال العلم الاجمالي بينهما بما علم بين الاخبار بالخصوص ولو
~~بالاجمال فتأمل جيدا.
# ثانيها: ما ذكره في الوافية (3)، مستدلا على حجية الاخبار الموجودة في
~~الكتب المعتمدة للشيعة، كالكتب الأربعة، مع عمل جمع به من غير رد ظاهر،
~~وهو:
# (إنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة، سيما بالأصول الضرورية،
~~كالصلاة والزكاة والصوم والحج والمتاجر والأنكحة ونحوها، مع أن جل أجزائها
~~وشرائطها وموانعها إنما يثبت بالخبر الغير القطعي، بحيث نقطع بخروج حقائق
~~هذه الأمور عن كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد، ومن أنكر فإنما
~~ينكره باللسان وقلبه مطمئن بالايمان). انتهى.
# وأورد (4) عليه: أولا: بأن العلم الاجمالي حاصل بوجود الأجزاء والشرائط
# PageV00P305
# بين جميع الاخبار، لا خصوص الاخبار المشروطة بما ذكره، فاللازم حينئذ:
~~إما الاحتياط، أو العمل بكل ما دل على جزئية شئ أو شرطيته (1).
# قلت: يمكن أن يقال: إن العلم الاجمالي وإن كان حاصلا بين جميع الاخبار،
~~إلا أن العلم بوجود الاخبار الصادرة عنهم (عليهم السلام) بقدر الكفاية بين
~~تلك الطائفة، أو العلم باعتبار طائفة كذلك بينها، يوجب انحلال ذاك العلم
~~الاجمالي، وصيرورة غيره خارجا عن طرف العلم، كما مرت إليه الإشارة في تقريب
~~الوجه الأول، اللهم إلا أن يمنع عن ذلك، وادعي (2) عدم ms204 الكفاية فيما علم
~~بصدوره أو اعتباره، أو ادعي (3) العلم بصدور أخبار أخر بين غيرها، فتأمل.
# وثانيا: بأن قضيته إنما هو العمل بالاخبار المثبتة للجزئية أو الشرطية،
~~دون الاخبار النافية لهما.
# والأولى أن يورد عليه: بأن قضيته إنما هو الاحتياط بالاخبار المثبتة فيما
~~لم تقم حجة معتبرة على نفيهما، من عموم دليل أو إطلاقه، لا الحجية بحيث
~~يخصص أو يقيد بالمثبت منهما، أو يعمل بالنافي في قبال حجة على الثبوت ولو
~~كان أصلا، كما لا يخفى.
# ثالثها: ما أفاده بعض المحققين (4) بما ملخصه: إنا نعلم بكوننا مكلفين
~~بالرجوع إلى الكتاب والسنة إلى يوم القيامة، فإن تمكنا من الرجوع إليهما
~~على نحو يحصل العلم بالحكم أو ما بحكمه، فلا بد من الرجوع إليهما كذلك،
~~وإلا فلا
# PageV00P306
# محيص عن الرجوع على نحو يحصل الظن به في الخروج عن عهدة هذا التكليف، فلو
~~لم يتمكن من القطع بالصدور أو الاعتبار، فلا بد من التنزل إلى الظن
~~بأحدهما.
# وفيه: إن قضية بقاء التكليف فعلا بالرجوع إلى الاخبار الحاكية للسنة، كما
~~صرح بأنها المراد منها في ذيل كلامه - زيد في علو مقامه - إنما هي الاقتصار
~~في الرجوع إلى الاخبار المتيقن الاعتبار، فإن وفى، وإلا أضيف إليه الرجوع
~~إلى ما هو المتيقن اعتباره بالإضافة لو كان، وإلا فالاحتياط بنحو عرفت، لا
~~الرجوع إلى ما ظن اعتباره، وذلك للتمكن من الرجوع علما تفصيلا أو إجمالا،
~~فلا وجه معه من الاكتفاء بالرجوع إلى ما ظن اعتباره.
# هذا مع أن مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع إلى السنة - بذاك المعنى -
~~فيما لم يعلم بالصدور ولا بالاعتبار بالخصوص واسع.
# وأما الايراد (1) عليه: برجوعه إما إلى دليل الانسداد لو كان ملاكه دعوى
~~العلم الاجمالي بتكاليف واقعية، وإما إلى الدليل الأول، لو كان ملاكه دعوى
~~العلم بصدور أخبار كثيرة بين ما بأيدينا من الاخبار.
# ففيه: إن ملاكه إنما هو دعوى العلم بالتكليف، بالرجوع إلى الروايات في
~~الجملة إلى يوم القيامة، فراجع تمام كلامه تعرف حقيقة مرامه.
# PageV00P307
# فصل في الوجوه (1) التي أقاموها على حجية ms205 الظن، وهي أربعة:
# الأول: إن في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنة
~~للضرر، ودفع الضرر المظنون لازم.
# أما الصغرى، فلان الظن بوجوب شئ أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة على
~~مخالفته أو الظن بالمفسدة فيها، بناء على تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد.
# وأما الكبرى، فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون، ولو لم نقل بالتحسين
~~والتقبيح (2)، لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما، بل يكون التزامه بدفع
~~الضرر المظنون بل المحتمل بما هو كذلك ولو لم يستقل بالتحسين والتقبيح، مثل
~~الالتزام بفعل ما استقل بحسنه، إذا قيل باستقلاله، ولذا أطبق العقلاء عليه،
~~مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح، فتدبر جيدا.
# والصواب في الجواب: هو منع الصغرى، أما العقوبة فلضرورة عدم الملازمة بين
~~الظن بالتكليف والظن بالعقوبة على مخالفته، لعدم الملازمة بينه والعقوبة
~~على مخالفته، وإنما الملازمة بين خصوص معصيته واستحقاق العقوبة عليها، لا
~~بين
# PageV00P308
# مطلق المخالفة والعقوبة بنفسها، وبمجرد (1) الظن به بدون دليل على
~~اعتباره لا يتنجز به، كي يكون مخالفته عصيانه.
# إلا أن يقال: إن العقل وإن لم يستقل بتنجزه بمجرده، بحيث يحكم باستحقاق
~~العقوبة على مخالفته، إلا أنه لا يستقل أيضا بعدم استحقاقها معه، فيحتمل
~~العقوبة حينئذ على المخالفة، ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون
~~قريبة جدا، لا سيما إذا كان هو العقوبة الأخروية، كما لا يخفى.
# وأما المفسدة فلانها وإن كان الظن بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو
~~خالفه، إلا أنها ليست بضرر على كل حال، ضرورة أن كل ما يوجب قبح الفعل من
~~المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله، بل ربما يوجب حزازة ومنقصة في
~~الفعل، بحيث يذم عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلا، كما لا يخفى.
# وأما تفويت المصلحة، فلا شبهة في أنه ليس فيه مضرة، بل ربما يكون في
~~استيفائها المضرة، كما في الاحسان بالمال.
# هذا مع منع كون الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد في المأمور به (2)
~~والمنهي عنه (3)، بل إنما هي تابعة لمصالح فيها، كما حققناه في بعض فوائدنا
~~(4).
# وبالجملة: ليست المفسدة ms206 ولا المنفعة الفائتة اللتان في الأفعال وأنيط
~~بهما الاحكام بمضرة، وليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما
~~فيه المصلحة من الأفعال على القول باستقلاله بذلك، هو كونه ذا ضرر وارد على
~~فاعله أو نفع عائد إليه، ولعمري هذا أوضح من أن يخفى، فلا مجال لقاعدة رفع
# PageV00P309
# الضرر المظنون ها هنا أصلا، ولا استقلال للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال
~~المفسدة أو ترك ما فيه احتمال المصلحة، فافهم.
# الثاني: إنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح.
# وفيه: إنه لا يكاد يلزم منه ذلك إلا فيما إذا كان الاخذ بالظن أو بطرفه
~~لازما، مع عدم إمكان الجمع بينهما عقلا، أو عدم وجوبه شرعا، ليدور الامر
~~بين ترجيحه وترجيح طرفه، ولا يكاد يدور الامر بينهما إلا بمقدمات دليل
~~الانسداد، وإلا كان اللازم هو الرجوع إلى العلم أو العلمي أو الاحتياط أو
~~البراءة أو غيرهما على حسب اختلاف الاشخاص أو الأحوال في اختلاف المقدمات،
~~على ما ستطلع على حقيقة الحال.
# الثالث: ما عن السيد الطباطبائي (1) (قدس سره)، من:
# إنه لا ريب في وجود واجبات ومحرمات كثيرة بين المشتبهات، ومقتضى ذلك وجوب
~~الاحتياط بالاتيان بكل ما يحتمل الوجوب ولو موهوما، وترك ما يحتمل الحرمة
~~كذلك، ولكن مقتضى قاعدة نفي الحرج عدم وجوب ذلك كله، لأنه عسر أكيد وحرج
~~شديد، فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط وانتفاء الحرج العمل بالاحتياط في
~~المظنونات دون المشكوكات والموهومات، لان الجمع على غير هذا الوجه باخراج
~~بعض المظنونات وإدخال بعض المشكوكات والموهومات باطل
# PageV00P310
# إجماعا (1).
# ولا يخفى ما فيه من القدح والفساد، فإنه بعض مقدمات دليل الانسداد، ولا
~~يكاد ينتج بدون سائر مقدماته، ومعه لا يكون دليل آخر، بل ذاك الدليل.
# الرابع: دليل الانسداد، وهو مؤلف من مقدمات، يستقل العقل مع تحققها
~~بكفاية الإطاعة الظنية حكومة أو كشفا على ما تعرف، ولا يكاد يستقل بها
~~بدونها، وهي خمس (2).
# أولها: إنه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة.
# ثانيها: إنه قد انسد علينا ms207 باب العلم والعلمي إلى كثير منها.
# ثالثها: إنه لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرض لامتثالها أصلا.
# رابعها: إنه لا يجب علينا الاحتياط في أطراف علمنا، بل لا يجوز في
~~الجملة، كما لا يجوز الرجوع إلى الأصل في المسألة، من استصحاب وتخيير
~~وبراءة واحتياط، ولا إلى فتوى العالم بحكمها.
# خامسها: إنه كان ترجيح المرجوح على الراجح قبيحا، فيستقل العقل حينئذ
~~بلزوم الإطاعة الظنية لتلك التكاليف المعلومة، وإلا لزم - بعد انسداد باب
~~العلم والعلمي بها - إما إهمالها، وإما لزوم الاحتياط في أطرافها، وإما
~~الرجوع إلى الأصل الجاري في كل مسألة، مع قطع النظر عن العلم بها، أو
~~التقليد فيها، أو الاكتفاء بالإطاعة الشكية أو الوهمية مع التمكن من
~~الظنية.
# PageV00P311
# والفرض بطلان كل واحد منها:
# أما المقدمة الأولى: فهي وإن كانت بديهية إلا أنه قد عرفت انحلال العلم
~~الاجمالي بما في الاخبار الصادرة عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) التي
~~تكون فيما بأيدينا، من الروايات في الكتب المعتبرة، ومعه لا موجب للاحتياط
~~إلا في خصوص ما في الروايات، وهو غير مستلزم للعسر فضلا عما يوجب الاختلال،
~~ولا إجماع على عدم وجوبه، ولو سلم الاجماع على عدم وجوبه لو لم يكن هناك
~~انحلال.
# وأما المقدمة الثانية: أما بالنسبة إلى العلم، فهي بالنسبة إلى أمثال
~~زماننا بينة وجدانية، يعرف الانسداد كل من تعرض للاستنباط والاجتهاد.
# وأما بالنسبة إلى العلمي، فالظاهر أنها غير ثابتة، لما عرفت من نهوض
~~الأدلة على حجية خبر يوثق بصدقه، وهو بحمد الله واف بمعظم الفقه، لا سيما
~~بضميمة ما علم تفصيلا منها، كما لا يخفى.
# وأما الثالثة: فهي قطعية، ولو لم نقل بكون العلم الاجمالي منجزا مطلقا أو
~~فيما جاز، أو وجب الاقتحام في بعض أطرافه، كما في المقام حسب ما يأتي، وذلك
~~لان إهمال معظم الاحكام وعدم الاجتناب كثيرا عن الحرام، مما يقطع بأنه
~~مرغوب عنه شرعا ومما يلزم تركه إجماعا.
# إن قلت: إذا لم يكن العلم بها منجزا لها للزوم الاقتحام في بعض الأطراف -
~~كما أشير إليه - فهل كان العقاب ms208 على المخالفة في سائر الأطراف - حينئذ -
~~على تقدير المصادفة إلا عقابا بلا بيان؟ والمؤاخذة عليها إلا مؤاخذة بلا
~~برهان؟!
# قلت: هذا إنما يلزم، لو لم يعلم بإيجاب الاحتياط، وقد علم به بنحو اللم،
~~حيث علم اهتمام الشارع بمراعاة تكاليفه، بحيث ينافيه عدم إيجابه الاحتياط
~~الموجب للزوم المراعاة، ولو كان بالالتزام ببعض المحتملات، مع صحة دعوى
~~الاجماع على عدم جواز الاهمال في هذا الحال، وأنه مرغوب عنه شرعا قطعا،
~~[وأما PageV00P312
# مع استكشافه] (1) فلا يكون المؤاخذة والعقاب حينئذ بلا بيان وبلا برهان،
~~كما حققناه في البحث وغيره.
# وأما المقدمة الرابعة: فهي بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التام بلا
~~كلام، فيما يوجب عسره اختلال النظام، وأما فيما لا يوجب، فمحل نظر بل منع،
~~لعدم حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على قاعدة الاحتياط، وذلك لما حققناه
~~(2) في معنى ما دل على نفي الضرر والعسر، من أن التوفيق بين دليلهما ودليل
~~التكليف أو الوضع المتعلقين بما يعمهما، هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما، فلا
~~يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل، لعدم العسر في متعلق
~~التكليف، وإنما هو في الجمع بين محتملاته احتياطا.
# نعم، لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر - كما قيل (3) - لكانت
~~قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط، لان العسر حينئذ يكون من قبل
~~التكاليف المجهولة، فتكون منفية بنفيه.
# ولا يخفى أنه على هذا لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعض
~~الأطراف بعد رفع اليد عن الاحتياط في تمامها، بل لا بد من دعوى وجوبه شرعا،
~~كما أشرنا إليه في بيان المقدمة الثالثة، فافهم وتأمل جيدا.
# وأما الرجوع إلى الأصول، فبالنسبة إلى الأصول المثبتة من احتياط أو
~~استصحاب مثبت للتكليف، فلا مانع عن إجرائها عقلا مع حكم العقل وعموم النقل.
~~هذا، ولو قيل بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي،
# PageV00P313
# لاستلزام شمول دليله لها التناقض في مدلوله، بداهة تناقض حرمة النقض في
~~كل منها بمقتضى (لا تنقض) لوجوبه في البعض، كما هو قضية (ولكن تنقضه بيقين
~~آخر) ms209 وذلك لأنه إنما يلزم فيما إذا كان الشك في أطرافه فعليا.
# وأما إذا لم يكن كذلك، بل لم يكن الشك فعلا إلا في بعض أطرافه، وكان بعض
~~أطرافه الآخر غير ملتفت إليه فعلا أصلا، كما هو حال المجتهد في مقام
~~استنباط الاحكام، كما لا يخفى، فلا يكاد يلزم ذلك، فإن قضية (لا تنقض) ليس
~~حينئذ إلا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك، وليس فيه علم بالانتقاض كي
~~يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له، فافهم.
# ومنه قد انقدح ثبوت حكم العقل وعموم النقل بالنسبة إلى الأصول النافية
~~أيضا، وأنه لا يلزم محذور لزوم التناقض من شمول الدليل لها لو لم يكن هناك
~~مانع عقلا أو شرعا من إجرائها، ولا مانع كذلك لو كانت موارد الأصول المثبتة
~~بضميمة ما علم تفصيلا، أو نهض عليه علمي بمقدار المعلوم إجمالا، بل بمقدار
~~لم يكن معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط، وإن لم يكن بذاك المقدار، ومن
~~الواضح أنه يختلف باختلاف الاشخاص والأحوال.
# وقد ظهر بذلك أن العلم الاجمالي بالتكاليف ربما ينحل ببركة جريان الأصول
~~المثبتة وتلك الضميمة، فلا موجب حينئذ للاحتياط عقلا ولا شرعا أصلا، كما لا
~~يخفى.
# كما ظهر أنه لو لم ينحل بذلك، كان خصوص موارد أصول النافية مطلقا - ولو
~~من مظنونات [عدم] (1) التكليف - محلا للاحتياط فعلا، ويرفع اليد عنه فيها
~~كلا أو بعضا، بمقدار رفع الاختلال أو رفع العسر - على ما عرفت - لا محتملات
~~التكليف مطلقا.
# PageV00P314
# وأما الرجوع إلى فتوى العالم فلا يكاد يجوز، ضرورة أنه لا يجوز إلا
~~للجاهل لا للفاضل الذي يرى خطأ من يدعي انفتاح باب العلم أو العلمي، فهل
~~يكون رجوعه إليه بنظره إلا من قبيل رجوع الفاضل إلى الجاهل؟
# وأما المقدمة الخامسة: فلاستقلال العقل بها، وأنه لا يجوز التنزل - بعد
~~عدم التمكن من الإطاعة العلمية أو عدم وجوبها - إلا إلى الإطاعة الظنية دون
~~الشكية أو الوهمية، لبداهة مرجوحيتها بالإضافة إليها، وقبح ترجيح المرجوح
~~على الراجح، لكنك عرفت عدم وصول النوبة إلى الإطاعة الاحتمالية، مع دوران ms210
~~الامر بين الظنية والشكية أو الوهمية، من جهة ما أوردناه على المقدمة
~~الأولى من انحلال العلم الاجمالي بما في أخبار الكتب المعتبرة، وقضيته
~~الاحتياط بالالزام عملا بما فيها من التكاليف، ولا بأس به حيث لا يلزم منه
~~عسر فضلا عما يوجب اختلال النظام.
# وما أوردنا على المقدمة الرابعة من جواز الرجوع إلى الأصول مطلقا، ولو
~~كانت نافية، لوجود المقتضي وفقد المانع لو كان التكليف في موارد الأصول
~~المثبتة وما علم منه تفصيلا، أو نهض عليه دليل معتبر بمقدار المعلوم
~~بالاجمال، وإلا فإلى الأصول المثبتة وحدها، وحينئذ كان خصوص موارد الأصول
~~النافية محلا لحكومة العقل، وترجيح مظنونات التكليف فيها على غيرها، ولو
~~بعد استكشاف وجوب الاحتياط في الجملة شرعا، بعد عدم وجوب الاحتياط التام
~~شرعا أو عقلا - على ما عرفت تفصيله - هذا هو التحقيق على ما يساعد عليه
~~النظر الدقيق، فافهم وتدبر جيدا.
# فصل هل قضية المقدمات على تقدير سلامتها هي حجية الظن بالواقع، أو
~~بالطريق، أو بهما؟ أقوال:
# والتحقيق أن يقال: إنه لا شبهة في أن هم العقل في كل حال إنما هو
~~PageV00P315
# تحصيل الامن من تبعة التكاليف المعلومة، من العقوبة على مخالفتها، كما لا
~~شبهة في استقلاله في تعيين ما هو المؤمن منها، وفي أن كلما كان القطع به
~~مؤمنا في حال الانفتاح كان الظن به مؤمنا حال الانسداد جزما، وإن المؤمن في
~~حال الانفتاح هو القطع بإتيان المكلف به الواقعي بما هو كذلك، لا بما هو
~~معلوم ومؤدى الطريق ومتعلق العلم، وهو طريق شرعا وعقلا، أو بإتيانه الجعلي،
~~وذلك لان العقل قد استقل بأن الاتيان بالمكلف به الحقيقي بما هو هو، لا بما
~~هو مؤدى الطريق مبرئ للذمة قطعا.
# كيف؟ وقد عرفت أن القطع بنفسه طريق لا يكاد تناله يد الجعل إحداثا
~~وإمضاء، إثباتا ونفيا، ولا يخفى أن قضية ذلك هو التنزل إلى الظن بكل واحد
~~من الواقع والطريق، ولا منشأ لتوهم الاختصاص بالظن بالواقع إلا توهم أنه
~~قضية اختصاص المقدمات بالفروع، لعدم انسداد باب العلم في الأصول، ms211 وعدم
~~إلجاء في التنزل إلى الظن فيها، والغفلة عن أن جريانها في الفروع موجب
~~لكفاية الظن بالطريق في مقام يحصل الامن من عقوبة التكاليف، وإن كان باب
~~العلم في غالب الأصول مفتوحا، وذلك لعدم التفاوت في نظر العقل في ذلك بين
~~الظنين، كما أن منشأ توهم الاختصاص بالظن بالطريق وجهان:
# أحدهما: ما أفاده بعض الفحول (1) وتبعه في الفصول (2)، قال فيها:
# إنا كما نقطع بأنا مكلفون في زماننا هذا تكليفا فعليا بأحكام فرعية
~~كثيرة، لا سبيل لنا بحكم العيان وشهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها
~~بالقطع، ولا بطريق معين يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه، أو قيام طريقه
~~مقام القطع ولو عند تعذره، كذلك نقطع بأن الشارع قد جعل لنا إلى تلك
~~الأحكام طريقا مخصوصا،
# PageV00P316
# وكلفنا تكليفا فعليا بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة، وحيث أنه لا سبيل غالبا
~~إلى تعيينها بالقطع، ولا بطريق يقطع من السمع بقيامه بالخصوص، أو قيام
~~طريقه كذلك مقام القطع ولو بعد تعذره، فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم
~~العقل إنما هو الرجوع في تعيين ذلك الطريق إلى الظن الفعلي الذي لا دليل
~~على [عدم] (1) حجيته، لأنه أقرب إلى العلم، وإلى إصابة الواقع مما عداه.
# وفيه: أولا - بعد تسليم العلم بنصب طرق خاصة باقية فيما بأيدينا من الطرق
~~الغير العلمية، وعدم وجود المتيقن بينها أصلا - أن قضية ذلك هو الاحتياط في
~~أطراف هذه الطرق المعلومة بالاجمال لا تعيينها بالظن.
# لا يقال (2): الفرض هو عدم وجوب الاحتياط، بل عدم جوازه، لان الفرض إنما
~~هو عدم وجوب الاحتياط التام في أطراف الاحكام، مما يوجب العسر المخل
~~بالنظام، لا الاحتياط في خصوص ما بأيدينا من الطرق.
# فإن قضية هذا الاحتياط هو جواز رفع اليد عنه في غير مواردها، والرجوع إلى
~~الأصل فيها ولو كان نافيا للتكليف، وكذا فيما إذا نهض الكل على نفيه، وكذا
~~فيما إذا تعارض فردان من بعض الأطراف فيه نفيا وإثباتا مع ثبوت المرجح
~~للنافي، بل مع عدم رجحان المثبت في خصوص الخبر منها، ومطلقا في ms212 غيره بناء
~~على عدم ثبوت الترجيح على تقدير الاعتبار في غير الاخبار، وكذا لو تعارض
~~اثنان منها في الوجوب والتحريم، فإن المرجع في جميع ما ذكر من موارد
~~التعارض هو الأصل الجاري فيها ولو كان نافيا، لعدم نهوض طريق معتبر ولا ما
~~هو من أطراف العلم به على خلافه، فافهم.
# وكذا كل مورد لم يجر فيه الأصل المثبت، للعمل بانتقاض الحالة السابقة فيه
# PageV00P317
# إجمالا بسبب العلم به، أو بقيام أمارة معتبرة عليه في بعض أطرافه، بناء
~~على عدم جريانه بذلك.
# وثانيا: لو سلم أن قضيته (1) لزوم التنزل إلى الظن، فتوهم أن الوظيفة
~~حينئذ هو خصوص الظن بالطريق فاسد قطعا، وذلك لعدم كونه أقرب إلى العلم
~~وإصابة الواقع من الظن، بكونه مؤدى طريق معتبر من دون الظن بحجية طريق
~~أصلا، ومن الظن بالواقع، كما لا يخفى.
# لا يقال: إنما لا يكون أقرب من الظن بالواقع، إذا لم يصرف التكليف الفعلي
~~عنه إلى مؤديات الطرق ولو بنحو التقييد، فإن الالتزام به بعيد، إذ الصرف لو
~~لم يكن تصويبا محالا، فلا أقل من كونه مجمعا على بطلانه، ضرورة أن القطع
~~بالواقع يجدي في الاجزاء بما هو واقع، لا بما هو مؤدى طريق القطع، كما
~~عرفت.
# ومن هنا انقدح أن التقييد أيضا غير سديد، مع أن الالتزام بذلك غير مفيد،
~~فإن الظن بالواقع فيما ابتلي به من التكاليف لا يكاد ينفك عن الظن بأنه
~~مؤدى طريق معتبر، والظن بالطريق ما لم يظن بإصابته (2) الواقع غير مجد بناء
~~على التقييد، لعدم استلزامه الظن بالواقع المقيد به بدونه.
# هذا مع عدم مساعدة نصب الطريق على الصرف ولا على التقييد، غايته أن العلم
~~الاجمالي بنصب طرق وافية يوجب انحلال العلم بالتكاليف الواقعية إلى العلم
~~بما هو مضامين الطرق المنصوبة من التكاليف الفعلية، والانحلال وإن كان يوجب
~~عدم تنجز ما لم يؤد إليه الطريق من التكاليف الواقعية، إلا أنه إذا كان
~~رعاية العلم بالنصب لازما، والفرض عدم اللزوم، بل عدم الجواز.
# وعليه يكون التكاليف الواقعية، كما إذا لم ms213 يكن هناك علم بالنصب في كفاية
# PageV00P318
# الظن بها حال انسداد باب العلم، كما لا يخفى، ولابد حينئذ من عناية أخرى
~~(1) في لزوم رعاية الواقعيات بنحو من الإطاعة، وعدم إهمالها رأسا كما أشرنا
~~إليه (2)، ولا شبهة في أن الظن بالواقع لو لم يكن أولى حينئذ لكونه أقرب في
~~التوسل به إلى ما به الاهتمام من فعل الواجب وترك الحرام، من الظن بالطريق،
~~فلا أقل من كونه مساويا فيما يهم العقل من تحصيل الامن من العقوبة في كل
~~حال، هذا مع ما عرفت من أنه عادة يلازم الظن بأنه مؤدى طريق، وهو بلا شبهة
~~يكفي، ولو لم يكن هناك ظن بالطريق، فافهم فإنه دقيق.
# ثانيهما: ما اختص به بعض المحققين (3)، قال:
# (لا ريب في كوننا مكلفين بالأحكام الشرعية، ولم يسقط عنا التكليف
~~بالأحكام الشرعية، وأن الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في
~~حكم المكلف، بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به، وسقوط تكليفنا
~~عنا، سواء حصل العلم معه بأداء الواقع أو لا، حسبما مر تفصيل القول فيه.
# فحينئذ نقول: إن صح لنا تحصيل العلم بتفريغ ذمتنا في حكم الشارع، فلا
~~إشكال في وجوبه وحصول البراءة به، وإن انسد علينا سبيل العلم كان الواجب
# PageV00P319
# علينا تحصيل الظن بالبراءة في حكمه، إذ هو الأقرب إلى العلم به، فيتعين
~~الاخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل، بعد انسداد سبيل العلم والقطع
~~ببقاء التكليف، دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع، كما يدعيه القائل
~~بأصالة حجية الظن). انتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو مقامه.
# وفيه أولا: إن الحاكم على الاستقلال في باب تفريغ الذمة بالإطاعة
~~والامتثال إنما هو العقل، وليس للشاعر في هذا الباب حكم مولوي يتبعه حكم
~~العقل، ولو حكم في هذا الباب كان بتبع حكمه إرشادا إليه، وقد عرفت استقلاله
~~بكون الواقع بما هو [هو] (1) مفرغ، وأن القطع به حقيقة أو تعبدا مؤمن جزما،
~~وأن المؤمن في حال الانسداد هو الظن بما كان القطع به مؤمنا ms214 حال الانفتاح،
~~فيكون الظن بالواقع أيضا مؤمنا حال الانسداد.
# وثانيا: سلمنا ذلك، لكن حكمه بتفريغ الذمة - فيما إذا أتى المكلف بمؤدى
~~الطريق المنصوب - ليس إلا بدعوى أن النصب يستلزمه، مع أن دعوى أن التكليف
~~بالواقع يستلزم حكمه بالتفريغ فيما إذا أتى به أولى، كما لا يخفى، فيكون
~~الظن به ظنا بالحكم بالتفريغ أيضا.
# إن قلت: كيف يستلزمه (2) الظن بالواقع؟ مع أنه ربما يقطع بعدم حكمه به
~~معه، كما إذا كان من القياس، وهذا بخلاف الظن بالطريق، فإنه يستلزمه ولو
~~كان من القياس.
# قلت: الظن بالواقع أيضا يستلزم (3) الظن بحكمه بالتفريغ (4)، ولا ينافي
# PageV00P320
# القطع بعدم حجيته لدى الشارع، وعدم كون المكلف معذورا - إذا عمل به فيهما
~~- فيما أخطأ، بل كان مستحقا للعقاب - ولو فيما أصاب - لو بنى على حجيته
~~والاقتصار عليه لتجريه، فافهم.
# وثالثا: سلمنا أن الظن بالواقع لا يستلزم الظن به، لكن قضيته ليس إلا
~~التنزل إلى الظن بأنه مؤدى طريق معتبر، لا خصوص الظن بالطريق، وقد عرفت أن
~~الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بأنه مؤدى الطريق غالبا.
# فصل لا يخفى عدم مساعدة مقدمات الانسداد على الدلالة على كون الظن طريقا
~~منصوبا شرعا، ضرورة أنه معها لا يجب عقلا على الشارع أن ينصب طريقا، لجواز
~~اجتزائه بما استقل به العقل في هذا الحال، ولا مجال لاستكشاف نصب الشارع من
~~حكم العقل، لقاعدة الملازمة، ضرورة أنها إنما تكون في مورد قابل للحكم
~~الشرعي، والمورد هاهنا غير قابل له، فإن الإطاعة الظنية التي يستقل العقل
~~بكفايتها في حال الانسداد إنما هي بمعنى عدم جواز مؤاخذة الشارع بأزيد
~~منها، وعدم جواز اقتصار المكلف بدونها، ومؤاخذة الشارع غير قابلة لحكمه،
~~وهو واضح.
# واقتصار المكلف بما دونها، لما كان بنفسه موجبا للعقاب مطلقا، أو فيما
~~أصاب الظن، كما أنها بنفسها موجبة للثواب أخطأ أو أصاب من دون حاجة إلى أمر
~~بها أو نهي عن مخالفتها، كان حكم الشارع فيه مولويا بلا ملاك يوجبه، كما لا
~~يخفى، ولا بأس به إرشاديا، كما هو شأنه ms215 في حكمه بوجوب الإطاعة وحرمة
~~المعصية.
# وصحة نصبه الطريق وجعله في كل حال بملاك يوجب نصبه وحكمة داعية إليه، لا
~~تنافي استقلال العقل بلزوم الإطاعة بنحو حال الانسداد، كما يحكم بلزومها
~~بنحو آخر حال الانفتاح، من دون استكشاف حكم الشارع بلزومها PageV00P321
# مولويا، لما عرفت.
# فانقدح بذلك عدم صحة تقرير المقدمات إلا على نحو الحكومة دون الكشف،
~~وعليها فلا إهمال في النتيجة أصلا، سببا وموردا ومرتبة، لعدم تطرق الاهمال
~~والاجمال في حكم العقل، كما لا يخفى.
# أما بحسب الأسباب فلا تفاوت بنظره فيها.
# وأما بحسب الموارد، فيمكن أن يقال بعدم استقلاله بكفاية الإطاعة الظنية،
~~إلا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه بفعل الواجب وترك الحرام، واستقلاله
~~بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد الاهتمام، كما في الفروج والدماء بل وسائر
~~حقوق الناس مما لا يلزم من الاحتياط فيها العسر.
# وأما بحسب المرتبة، فكذلك لا يستقل إلا بلزوم التنزل إلى مرتبة الاطمئنان
~~من الظن بعدم التكليف (1)، إلا على تقدير عدم كفايتها في دفع محذور العسر.
# وأما على تقرير الكشف، فلو قيل بكون النتيجة هو نصب الطريق الواصل بنفسه،
~~فلا إهمال فيها أيضا بحسب الأسباب، بل يستكشف حينئذ أن الكل حجة لو لم يكن
~~بينها ما هو المتيقن، وإلا فلا مجال لاستكشاف حجية (2) غيره، ولا بحسب
~~الموارد، بل يحكم بحجيته في جميعها، وإلا لزم عدم وصول الحجة، ولو لاجل
~~التردد في مواردها، كما لا يخفى.
# ودعوى الاجماع (3) على التعميم بحسبها في مثل هذه المسألة المستحدثة
~~مجازفة جدا.
# PageV00P322
# وأما بحسب المرتبة، ففيها إهمال، لاجل احتمال حجية خصوص الاطمئناني منه
~~إذا كان وافيا، فلا بد من الاقتصار عليه، ولو قيل بأن النتيجة هو نصب
~~الطريق الواصل ولو بطريقه، فلا إهمال فيها بحسب الأسباب، لو لم يكن فيها
~~تفاوت أصلا، أو لم يكن بينها إلا واحد، وإلا فلا بد من الاقتصار على متيقن
~~الاعتبار منها أو مظنونه، بإجراء مقدمات دليل الانسداد حينئذ مرة أو مرات
~~في تعيين الطريق المنصوب، حتى ينتهي إلى ظن واحد أو إلى ظنون متعددة ms216 لا
~~تفاوت بينها، فيحكم بحجية كلها، أو متفاوتة يكون بعضها الوافي متيقن
~~الاعتبار، فيقتصر عليه.
# وأما بحسب الموارد والمرتبة، فكما إذا كانت النتيجة هي الطريق الواصل
~~بنفسه، فتدبر جيدا.
# ولو قيل بأن النتيجة هو الطريق ولو لم يصل أصلا، فالاهمال فيها يكون من
~~الجهات، ولا محيص حينئذ إلا من الاحتياط في الطريق بمراعاة أطراف الاحتمال
~~لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار، لو لم يلزم منه محذور، وإلا لزم التنزل
~~إلى حكومة العقل بالاستقلال، فتأمل فإن المقام من مزال الاقدام.
# وهم ودفع: لعلك تقول: إن القدر المتيقن الوافي لو كان في البين لما كان
~~مجال لدليل الانسداد، ضرورة أنه من مقدماته انسداد باب العلمي أيضا.
# لكنك غفلت عن أن المراد ما إذا كان اليقين بالاعتبار من قبله، لاجل
~~اليقين بأنه لو كان شئ حجة شرعا كان هذا الشئ حجة قطعا، بداهة أن الدليل
~~على أحد المتلازمين إنما هو الدليل على الآخر، لا الدليل على الملازمة.
# ثم لا يخفى أن الظن باعتبار ظن (1) بالخصوص، يوجب اليقين باعتباره من باب
~~دليل الانسداد على تقرير الكشف بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل
# PageV00P323
# بنفسه، فإنه حينئذ يقطع بكونه حجة، كان غيره حجة أو لا، واحتمال عدم
~~حجيته بالخصوص لا ينافي القطع بحجيته بملاحظة الانسداد، ضرورة أنه على
~~الفرض لا يحتمل أن يكون غيره حجة بلا نصب قرينة، ولكنه من المحتمل أن يكون
~~هو الحجة دون غيره، لما فيه من خصوصية الظن بالاعتبار، وبالجملة الامر يدور
~~بين حجية الكل وحجيته، فيكون مقطوع الاعتبار.
# ومن هنا ظهر حال القوة، ولعل نظر من رجح بها إلى هذا الفرض، وكان منع
~~شيخنا العلامة (1) - أعلى الله مقامه - عن الترجيح بهما (2)، بناء على كون
~~النتيجة هو الطريق الواصل ولو بطريقه، أو الطريق ولو لم يصل أصلا، وبذلك
~~ربما يوفق بين كلمات الاعلام في المقام، وعليك بالتأمل التام.
# ثم لا يذهب عليك أن الترجيح بهما (3) إنما هو على تقدير كفاية الراجح،
~~وإلا فلا بد من التعدي إلى غيره بمقدار الكفاية، فيختلف ms217 الحال باختلاف
~~الانظار بل الأحوال.
# وأما تعميم النتيجة (4) بأن قضية العلم الاجمالي بالطريق هو الاحتياط في
~~أطرافه، فهو لا يكاد يتم إلا على تقدير كون النتيجة هو نصب الطريق ولو لم
~~يصل أصلا، مع أن التعميم بذلك لا يوجب العمل إلا على وفق المثبتات من
~~الأطراف دون النافيات، إلا فيما إذا كان هناك ناف من جميع الأصناف، ضرورة
~~أن الاحتياط فيها يقتضي رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية إذا لزم،
~~حيث لا ينافيه، كيف؟ ويجوز الاحتياط فيها مع قيام الحجة النافية، كما لا
~~يخفى، فما ظنك بما لا يجب الاخذ بموجبه إلا من باب الاحتياط؟ فافهم.
# PageV00P324
# فصل قد اشتهر الاشكال بالقطع بخروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد
~~بتقرير الحكومة، وتقريره على ما في الرسائل (1) أنه:
# (كيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطا للإطاعة والمعصية، ويقبح
~~على الآمر والمأمور التعدي عنه، ومع ذلك يحصل الظن أو خصوص الاطمئنان من
~~القياس، ولا يجوز الشارع العمل به؟ فإن المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من
~~الظن، أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكنا، جرى في غير القياس، فلا يكون العقل
~~مستقلا، إذ لعله نهى عن أمارة مثل ما نهى عن القياس [بل وأزيد] (2) واختفى
~~علينا، ولا دافع لهذا الاحتمال إلا قبح ذلك على الشارع، إذ احتمال صدور
~~ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلا بقبحه، وهذا من أفراد ما اشتهر من أن
~~الدليل العقلي لا يقبل التخصيص). انتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو
~~مقامه.
# وأنت خبير بأنه لا وقع لهذا الاشكال، بعد وضوح كون حكم العقل بذلك معلقا
~~على عدم نصب الشارع طريقا واصلا، وعدم حكمه به فيما كان هناك منصوب ولو كان
~~أصلا، بداهة أن من مقدمات حكمه عدم وجود علم ولا علمي، فلا موضوع لحكمه مع
~~أحدهما، والنهي عن ظن حاصل من سبب ليس إلا كنصب شئ، بل هو يستلزمه فيما كان
~~في مورده أصل شرعي، فلا يكون نهيه عنه رفعا لحكمه عن موضوعه، بل به يرتفع ms218
~~موضوعه، وليس حال النهي عن سبب مفيد للظن إلا كالامر بما لا يفيده، وكما لا
~~حكومة معه للعقل لا حكومة له معه، وكما لا يصح بلحاظ حكمه الاشكال فيه، لا
~~يصح الاشكال فيه بلحاظه.
# PageV00P325
# نعم لا بأس بالاشكال فيه في نفسه، كما أشكل فيه برأسه بملاحظة توهم
~~استلزام النصب لمحاذير، تقدم الكلام في تقريرها وما هو التحقيق في جوابها
~~في جعل الطرق.
# غاية الامر تلك المحاذير - التي تكون فيما إذا أخطأ الطريق المنصوب -
~~كانت في الطريق المنهي عنه في مورد الإصابة، ولكن من الواضح أنه لا دخل
~~لذلك في الاشكال على دليل الانسداد بخروج القياس، ضرورة أنه بعد الفراغ عن
~~صحة النهي عنه في الجملة، قد أشكل في عموم النهي لحال الانسداد بملاحظة حكم
~~العقل، وقد عرفت أنه بمكان من الفساد.
# واستلزام إمكان المنع عنه، لاحتمال المنع عن أمارة أخرى وقد اختفى علينا،
~~وإن كان موجبا لعدم استقلال العقل، إلا أنه إنما يكون بالإضافة إلى تلك
~~الامارة، لو كان غيرها مما لا يحتمل فيه المنع بمقدار الكفاية، وإلا فلا
~~مجال لاحتمال المنع فيها مع فرض استقلال العقل، ضرورة عدم استقلاله بحكم مع
~~احتمال وجود مانعه، على ما يأتي تحقيقه في الظن المانع والممنوع (1).
# وقياس حكم العقل (2) بكون الظن مناطا للإطاعة في هذا الحال على حكمه بكون
~~العلم مناطا لها في حال الانفتاح، لا يكاد يخفى على أحد فساده، لوضوح أنه
~~مع الفارق، ضرورة أن حكمه في العلم على نحو التنجز، وفيه على نحو التعليق.
# ثم لا يكاد ينقضي تعجبي لم خصصوا الاشكال بالنهي عن القياس، مع جريانه في
~~الامر بطريق غير مفيد للظن، بداهة انتفاء حكمه في مورد الطريق قطعا، مع أنه
~~لا يظن بأحد أن يستشكل بذلك، وليس إلا لاجل أن حكمه به معلق على عدم النصب،
~~ومعه لا حكم له، كما هو كذلك مع النهي عن بعض أفراد الظن، فتدبر جيدا.
# PageV00P326
# وقد انقدح بذلك أنه لا وقع للجواب عن الاشكال: تارة (1) بأن المنع عن
~~القياس لاجل كونه غالب ms219 المخالفة، وأخرى (2) بأن العمل به يكون ذا مفسدة
~~غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الإصابة، وذلك لبداهة أنه إنما يشكل
~~بخروجه بعد الفراغ عن صحة المنع عنه في نفسه، بملاحظة حكم العقل بحجية
~~الظن، ولا يكاد يجدي صحته كذلك في ذب الاشكال في صحته بهذا اللحاظ، فافهم
~~فإنه لا يخلو عن دقة.
# وأما ما قيل في جوابه (3)، من منع عموم المنع عنه بحال الانسداد، أو منع
~~حصول الظن منه بعد انكشاف حاله، وأن ما يفسده أكثر مما يصلحه، ففي غاية
~~الفساد، فإنه مضافا إلى كون كل واحد من المنعين غير سديد - لدعوى الاجماع
~~على عموم المنع مع إطلاق أدلته وعموم علته، وشهادة الوجدان بحصول الظن منه
~~في بعض الأحيان - لا يكاد يكون في دفع الاشكال بالقطع بخروج الظن الناشئ
~~منه بمفيد، غاية الامر أنه لا إشكال مع فرض أحد المنعين، لكنه غير فرض
~~الاشكال، فتدبر جيدا.
# فصل إذا قام ظن على عدم حجية ظن بالخصوص، فالتحقيق أن يقال بعد تصور
~~المنع عن بعض الظنون في حال الانسداد: إنه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل
~~المنع عنه، فضلا عما إذا ظن، كما أشرنا إليه في الفصل السابق، فلا بد من
~~الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه بالخصوص، فإن كفى، وإلا فبضميمة ما لم
~~يظن المنع عنه وإن احتمل، مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد، وإن انسد باب
~~هذا الاحتمال معها، كما لا يخفى، وذلك ضرورة أنه لا احتمال مع الاستقلال
# PageV00P327
# حسب الفرض ومنه قد انقدح أنه لا تتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هي
~~حجية الظن في الأصول أو في الفروع أو فيهما، فافهم.
# فصل لا فرق في نتيجة دليل الانسداد، بين الظن بالحكم من أمارة عليه، وبين
~~الظن به من أمارة متعلقة بألفاظ الآية أو الرواية، كقول اللغوي فيما يورث
~~الظن بمراد الشارع من لفظه، وهو واضح، ولا يخفى أن اعتبار ما يورثه لا محيص
~~عنه فيما إذا كان مما ينسد فيه باب العلم، فقول أهل اللغة حجة فيما ms220 يورث
~~الظن بالحكم مع الانسداد، ولو انفتح باب العلم باللغة في غير المورد.
# نعم لا يكاد يترتب عليه أثر آخر من تعيين المراد في وصية أو إقرار أو
~~غيرهما من الموضوعات الخارجية، إلا فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن بالخصوص،
~~أو ذاك المخصوص، ومثله الظن الحاصل بحكم شرعي كلي من الظن بموضوع خارجي،
~~كالظن بأن راوي الخبر هو زرارة بن أعين مثلا، لا آخر.
# فانقدح أن الظنون الرجالية مجدية في حال الانسداد، ولو لم يقم دليل على
~~اعتبار قول الرجالي، لا من باب الشهادة ولا من باب الرواية.
# تنبيه: لا يبعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات المتطرقة إلى مثل
~~السند أو الدلالة أو جهة الصدور، مهما أمكن في الرواية، وعدم الاقتصار على
~~(1) الظن الحاصل منها بلا سد بابه فيه بالحجة من علم أو علمي، وذلك لعدم
~~جواز التنزل في صورة الانسداد إلى الضعيف مع التمكن من القوي أو ما بحكمه
~~عقلا، فتأمل جيدا.
# فصل إنما الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الاحكام هو حجية الظن فيها، لا
# PageV00P328
# حجيته في تطبيق المأتي به في الخارج معها، فيتبع مثلا في وجوب صلاة
~~الجمعة يومها، لا في إتيانها، بل لا بد من علم أو علمي بإتيانها، كما لا
~~يخفى.
# نعم ربما يجري نظير مقدمات الانسداد في الاحكام في بعض الموضوعات
~~الخارجية، من انسداد باب العلم به غالبا، واهتمام الشارع به بحيث علم بعدم
~~الرضا بمخالفة (1) الواقع بإجراء الأصول فيه مهما أمكن، وعدم وجوب الاحتياط
~~شرعا أو عدم إمكانه عقلا، كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب
~~والحرمة مثلا، فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ أيضا، فافهم.
# خاتمة: يذكر فيها أمران استطرادا:
# الأول: هل الظن كما يتبع عند الانسداد عقلا في الفروع العملية، المطلوب
~~فيها أولا العمل بالجوارح، يتبع في الأصول الاعتقادية المطلوب فيها عمل
~~الجوانح من الاعتقاد به وعقد القلب عليه وتحمله والانقياد له، أو لا؟.
# الظاهر لا، فإن الامر الاعتقادي وإن انسد باب القطع به، إلا أن باب
~~الاعتقاد إجمالا - بما هو ms221 واقعه والانقياد له وتحمله - غير منسد، بخلاف
~~العمل بالجوارح، فإنه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالاحتياط،
~~والمفروض عدم وجوبه شرعا، أو عدم جوازه عقلا، ولا أقرب من العمل على وفق
~~الظن.
# وبالجملة: لا موجب مع انسداد باب العلم في الاعتقاديات لترتيب الاعمال
~~الجوانحية على الظن فيها، مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها، فلا
~~يتحمل إلا لما هو الواقع، ولا ينقاد إلا له، لا لما هو مظنونه، وهذا بخلاف
~~العمليات، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الانسداد.
# نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن، من باب وجوب المعرفة
~~لنفسها، كمعرفة الواجب تعالى وصفاته أداء لشكر بعض نعمائه، ومعرفة
# PageV00P329
# أنبيائه، فإنهم وسائط نعمه وآلائه، بل وكذا معرفة الإمام (عليه السلام)
~~على وجه صحيح (١)، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك، ولاحتمال
~~الضرر في تركه، ولا يجب عقلا معرفة غير ما ذكر، إلا ما وجب شرعا معرفته،
~~كمعرفة الإمام (عليه السلام) على وجه آخر غير صحيح، أو أمر آخر مما دل
~~الشرع على وجوب معرفته، وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص، لا من العقل
~~ولا من النقل، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة (٢).
# ولا دلالة لمثل قوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس﴾ (3) الآية، ولا لقوله
~~(صلى الله عليه وآله): (وما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات
~~الخمس) (4) ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على
~~وجوب معرفته بالعموم، ضرورة أن المراد من (ليعبدون) هو خصوص عبادة الله
~~ومعرفته، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة،
~~فلا إطلاق فيه أصلا، ومثل آية النفر (5)، إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل
~~به إلى التفقه الواجب، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته، كما لا يخفى، وكذا ما
~~دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه، لا بصدد بيان ما يجب
~~العلم به.
# ثم إنه لا يجوز ms222 الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلا أو شرعا، حيث أنه
~~ليس بمعرفة قطعا، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن، ومع العجز عنه كان معذورا
~~إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة (6) المطلب مع قلة الاستعداد، كما هو
~~المشاهد في
# PageV00P330
# كثير من النساء بل الرجال، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد، ولو
~~لاجل حب طريقة الآباء والأجداد واتباع سيرة السلف، فإنه كالجبلي للخلف،
~~وقلما عنه تخلف (1).
# والمراد من المجاهدة في قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
~~(2) هو المجاهدة مع النفس، بتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل، وهي
~~التي كانت أكبر من الجهاد، لا النظر والاجتهاد، وإلا لادى إلى الهداية، مع
~~أنه يؤدي إلى الجهالة والضلالة، إلا إذا كانت هناك منه - تعالى - عناية،
~~فإنه غالبا بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق، لا بصدد الحق، فيكون
~~مقصرا مع اجتهاده، ومؤاخذا إذا أخطأ على قطعه واعتقاده.
# ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم، فيما يجب
~~تحصيله عقلا لو أمكن، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه، بل بعدم جوازه، لما
~~أشرنا إليه (3) من أن الأمور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد
~~بما هو واقعها والانقياد لها، فلا إلجاء فيها أصلا إلى التنزل إلى الظن
~~فيما انسد فيه باب العلم، بخلاف الفروع العملية، كما لا يخفى.
# وكذلك لا دلالة من النقل على وجوبه، فيما يجب معرفته مع الامكان شرعا، بل
~~الأدلة الدالة على النهي عن اتباع الظن، دليل على عدم جوازه أيضا.
# وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا، أن القاصر يكون في الاعتقاديات للغفلة، أو
~~عدم الاستعداد للاجتهاد فيها، لعدم وضوح الامر فيها بمثابة لا يكون الجهل
~~بها إلا عن تقصير، كما لا يخفى، فيكون (4) معذورا عقلا.
# PageV00P331
# ولا يصغى إلى ما ربما قيل: بعدم وجود القاصر فيها، لكنه إنما يكون معذورا
~~غير معاقب على عدم معرفة الحق، إذا لم يكن يعانده، بل كان ينقاد له على
~~إجماله لو احتمله.
# هذا بعض الكلام مما يناسب ms223 المقام، وأما بيان حكم الجاهل من حيث الكفر
~~والإسلام، فهو مع عدم مناسبته خارج عن وضع الرسالة.
# الثاني: الظن الذي لم يقم على حجيته دليل، هل يجبر به ضعف السند أو
~~الدلالة بحيث صار حجة ما لولاه لما كان بحجة، أو يوهن به ما لولاه على
~~خلافه لكان حجة، أو يرجح به أحد المتعارضين، بحيث لولاه على وفقه لما كان
~~ترجيح لأحدهما، أو كان للآخر منهما، أم لا؟
# ومجمل القول في ذلك: إن العبرة في حصول الجبران أو الرجحان بموافقته، هو
~~الدخول بذلك تحت دليل الحجية، أو المرجحية الراجعة إلى دليل الحجية، كما أن
~~العبرة في الوهن إنما هو الخروج بالمخالفة عن تحت دليل الحجية، فلا يبعد
~~جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره أو بصحة مضمونه، ودخوله بذلك تحت ما
~~دل على حجية ما يوثق به، فراجع أدلة اعتبارها.
# وعدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد لاختصاص دليل الحجية بحجية الظهور في
~~تعيين المراد، والظن من أمارة خارجية به لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو
~~ظاهر، إلا فيما أوجب القطع ولو إجمالا باحتفافه بما كان موجبا لظهوره فيه
~~لولا عروض انتفائه، وعدم وهن السند بالظن بعدم صدوره، وكذا عدم وهن دلالته
~~مع ظهوره، إلا فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل في سنده، أو وجود قرينة
~~مانعة
# PageV00P332
# عن انعقاد ظهوره فيما فيه ظاهر لولا تلك القرينة، لعدم اختصاص دليل
~~اعتبار خبر الثقة ولا دليل اعتبار الظهور بما إذا لم يكن ظن بعدم صدوره، أو
~~ظن بعدم إرادة ظهوره.
# وأما الترجيح بالظن، فهو فرع دليل على الترجيح به، بعد سقوط الامارتين
~~بالتعارض من البين، وعدم حجية واحد منهما بخصوصه وعنوانه، وإن بقي أحدهما
~~بلا عنوان على حجيته، ولم يقم دليل بالخصوص على الترجيح به.
# وإن ادعى شيخنا (1) العلامة - أعلى الله مقامه - استفادته من الاخبار
~~الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصة، على ما في (2) تفصيله في التعادل
~~والترجيح (3).
# ومقدمات الانسداد في الاحكام إنما توجب حجية الظن بالحكم أو بالحجة، لا
~~الترجيح به ms224 ما لم يوجب ظن بأحدهما، ومقدماته في خصوص الترجيح لو جرت إنما
~~توجب حجية الظن في تعيين المرجح، لا أنه مرجح إلا إذا ظن أنه - أيضا -
~~مرجح، فتأمل جيدا، هذا فيما لم يقم على المنع عن العمل به بخصوصه دليل.
# وأما ما قام الدليل على المنع عنه كذلك كالقياس، فلا يكاد يكون به جبر أو
~~وهن أو ترجيح، فيما لا يكون لغيره أيضا، وكذا فيما يكون به أحدهما، لوضوح
~~أن الظن القياسي إذا كان على خلاف ما لولاه لكان حجة - بعد المنع عنه - لا
~~يوجب خروجه عن تحت دليل حجيته (4)، وإذا كان على وفق ما لولاه لما كان حجة
~~لا يوجب دخوله تحت دليل الحجية، وهكذا لا يوجب ترجيح أحد المتعارضين، وذلك
~~لدلالة دليل المنع على إلغائه الشارع رأسا، وعدم جواز استعماله في الشرعيات
~~قطعا، ودخله في واحد منها نحو استعمال له فيها، كما لا يخفى، فتأمل جيدا.
# PageV00P333
# المقصد السابع الأصول العملية PageV00P335
# المقصد السابع: في الأصول العملية.
# وهي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل، مما دل
~~عليه حكم العقل أو عموم النقل، والمهم منها أربعة، فإن مثل قاعدة الطهارة
~~فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية (1)، وإن كان مما ينتهي إليه فيما لا
~~حجة على طهارته ولا على نجاسته، إلا أن البحث عنها ليس بمهم، حيث إنها
~~ثابتة بلا كلام، من دون حاجة إلى نقض وإبرام، بخلاف الأربعة، وهي: البراءة
~~والاحتياط، والتخيير والاستصحاب: فإنها محل الخلاف بين الأصحاب، ويحتاج
~~تنقيح مجاريها وتوضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد
~~بحث وبيان ومؤونة حجة وبرهان، هذا مع جريانها في كل الأبواب، واختصاص تلك
~~القاعدة ببعضها، فافهم.
# PageV00P337
# فصل لو شك في وجوب (1) شئ أو حرمته، ولم تنهض عليه حجة جاز شرعا وعقلا
~~ترك الأول وفعل الثاني، وكان مأمونا من عقوبة مخالفته، كان عدم نهوض الحجة
~~لاجل فقدان النص أو إجماله، واحتماله الكراهة أو الاستحباب، أو تعارضه فيما
~~لم يثبت بينهما ترجيح، بناء على التوقف في مسألة ms225 تعارض النصين فيما لم يكن
~~ترجيح في البين.
# وأما بناء على التخيير - كما هو المشهور - فلا مجال لأصالة البراءة
~~وغيرها، لمكان وجود الحجة المعتبرة، وهو أحد النصين فيها، كما لا يخفى، وقد
~~استدل على ذلك بالأدلة الأربعة:
# PageV00P338
# أما الكتاب: فبآيات أظهرها قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)
~~(1).
# وفيه: إن نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منة منه تعالى
~~على عباده، مع استحقاقهم لذلك، ولو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين
~~الاستحقاق والفعلية، لما صح الاستدلال بها إلا جدلا، مع وضوح منعه، ضرورة
~~أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم بحكمه، وليس حال الوعيد
~~بالعذاب فيه إلا كالوعيد به فيه، فافهم.
# وأما السنة: فبروايات (2) منها: حديث الرفع (3)، حيث عد (ما لا يعلمون)
~~من التسعة المرفوعة فيه، فالالزام المجهول مما لا يعلمون، فهو مرفوع فعلا
~~وإن كان ثابتا واقعا، فلا مؤاخذة عليه قطعا.
# لا يقال: ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية، كي ترتفع بارتفاع التكليف
~~المجهول ظاهرا، فلا دلالة له على ارتفاعها (4).
# فإنه يقال: إنها وإن لم تكن بنفسها أثرا شرعيا، إلا أنها مما يترتب عليه
~~بتوسيط ما هو أثره وباقتضائه، من إيجاب الاحتياط شرعا، فالدليل على رفعه
~~دليل على عدم إيجابه المستتبع لعدم استحقاقه العقوبة على مخالفته.
# لا يقال: لا يكاد يكون إيجابه مستتبعا لاستحقاقها على مخالفة التكليف
# PageV00P339
# المجهول، بل على مخالفة (1) نفسه، كما هو قضية إيجاب غيره.
# فإنه يقال: هذا إذا لم يكن إيجابه طريقيا، وإلا فهو موجب لاستحقاق
~~العقوبة على المجهول، كما هو الحال في غيره من الايجاب والتحريم الطريقيين،
~~ضرورة أنه كما يصح أن يحتج بهما صح أن يحتج به، ويقال لم أقدمت مع إيجابه؟
# ويخرج به عن العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان، كما يخرج بهما.
# وقد انقدح بذلك، أن رفع التكليف المجهول كان منة على الأمة، حيث كان له
~~تعالى وضعه بما هو قضيته (2) من إيجاب الاحتياط، فرفعه، فافهم.
# ثم لا يخفى (3) عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة ولا ms226 غيرها من الآثار
~~الشرعية في (ما لا يعلمون)، فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقا كان في الشبهة
~~الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع والوضع شرعا، وإن كان في غيره لا بد
~~من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه، فإنه ليس ما اضطروا وما
~~استكرهوا... إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة.
# نعم لو كان المراد من الموصول في (ما لا يعلمون) ما اشتبه حاله ولم يعلم
~~عنوانه، لكان أحد الامرين مما لا بد منه أيضا. ثم لا وجه (4) لتقدير خصوص
~~المؤاخذة بعد وضوح أن المقدر في غير واحد غيرها، فلا محيص عن أن يكون
~~المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها، أو تمام آثارها التي تقتضي المنة
~~رفعها، كما أن ما يكون بلحاظه الاسناد إليها مجازا، هو هذا، كما لا يخفى.
# فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان في رفعه منة على الأمة، كما
# PageV00P340
# استشهد الإمام (عليه السلام) بمثل (1) هذا الخبر في رفع ما استكره عليه
~~من الطلاق والصدقة والعتاق.
# ثم لا يذهب عليك أن المرفوع فيما اضطر إليه وغيره، مما أخذ بعنوانه
~~الثانوي، إنما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الأولي، ضرورة أن الظاهر أن
~~هذه العناوين صارت موجبة للرفع، والموضوع للأثر مستدع لوضعه، فكيف يكون
~~موجبا لرفعه؟
# لا يقال كيف؟ وإيجاب الاحتياط فيما لا يعلم وإيجاب التحفظ في الخطأ
~~والنسيان، يكون أثرا لهذه العناوين بعينها وباقتضاء نفسها.
# فإنه يقال: بل إنما تكون باقتضاء الواقع في موردها، ضرورة أن الاهتمام به
~~يوجب إيجابهما، لئلا يفوت على المكلف، كما لا يخفى.
# ومنها: حديث الحجب (2)، وقد انقدح تقريب الاستدلال به مما ذكرنا في حديث
~~الرفع، إلا أنه ربما يشكل (3) بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف،
~~بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه، لعدم
~~أمر رسله بتبليغه، حيث إنه بدونه لما صح إسناد الحجب إليه تعالى.
# ومنها: قوله (عليه السلام) (4) (كل شئ لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه)
~~الحديث، حيث ms227 دل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقا، ولو كان من جهة عدم
~~الدليل على حرمته، وبعدم الفصل قطعا بين إباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه
~~وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية، يتم المطلوب.
# PageV00P341
# مع إمكان أن يقال: ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته، فهو حلال،
~~تأمل.
# ومنها: قوله (عليه السلام) (1) (الناس في سعة ما لا يعلمون) فهم في سعة
~~ما لم يعلم، أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته، ومن الواضح أنه لو كان
~~الاحتياط واجبا لما كانوا في سعة أصلا، فيعارض به ما دل على وجوبه، كما لا
~~يخفى.
# لا يقال: قد علم به وجوب الاحتياط.
# فإنه يقال: لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد، فكيف يقع في ضيق الاحتياط من
~~أجله؟ نعم لو كان الاحتياط واجب نفسيا كان وقوعهم في ضيقه بعد العلم
~~بوجوبه، لكنه عرفت أن وجوبه كان طريقيا، لاجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب
~~أو الحرام أحيانا، فافهم.
# ومنها: قوله (عليه السلام) (2) (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي) ودلالته
~~يتوقف على عدم صدق الورود إلا بعد العلم أو ما بحكمه، بالنهي عنه وإن صدر
~~عن الشارع ووصل إلى غير واحد، مع أنه ممنوع لوضوح صدقه على صدوره عنه سيما
~~بعد بلوغه إلى غير واحد، وقد خفي على من لم يعلم بصدوره.
# لا يقال: نعم، ولكن بضميمة أصالة العدم صح الاستدلال به وتم.
# فإنه يقال: وإن تم الاستدلال به بضميمتها، ويحكم بإباحة مجهول الحرمة
~~وإطلاقه، إلا أنه لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعا، بل بعنوان أنه مما لم
~~يرد عنه النهي واقعا.
# لا يقال: نعم، ولكنه لا يتفاوت فيما هو المهم من الحكم بالإباحة في مجهول
~~الحرمة، كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان.
# PageV00P342
# فإنه يقال: حيث أنه بذاك العنوان لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلا،
~~ولا يكاد يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان، وإباحته (1) في آخر، واشتبها
~~من حيث التقدم والتأخر.
# لا يقال: هذا لولا عدم الفصل بين ms228 أفراد ما اشتبهت حرمته.
# فإنه يقال: وإن لم يكن بينها الفصل، إلا أنه إنما يجدي فيما كان المثبت
~~للحكم بالإباحة في بعضها الدليل، لا الأصل، فافهم.
# وأما الاجماع: فقد نقل (2) على البراءة، إلا أنه موهون، ولو قيل باعتبار
~~الاجماع المنقولة في الجملة، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه
~~سبيل، ومن واضح النقل عليه دليل، بعيد جدا.
# وأما العقل: فإنه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف
~~المجهول، بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه، فإنهما بدونهما عقاب
~~بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان، وهما قبيحان بشهادة الوجدان.
# ولا يخفى أنه مع استقلاله بذلك، لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا
~~يكون مجال ها هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، كي يتوهم أنها تكون
~~بيانا، كما أنه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة، بل في صورة المصادفة استحق
~~العقوبة على المخالفة ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل.
# وأما ضرر غير العقوبة، فهو وإن كان محتملا، إلا أن المتيقن منه فضلا عن
~~محتمله ليس بواجب الدفع شرعا ولا عقلا، ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار
~~ببعض الدواعي عقلا وجوازه شرعا، مع أن احتمال الحرمة أو الوجوب لا
# PageV00P343
# يلازم احتمال المضرة، وإن كان ملازما لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة،
~~لوضوح أن المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الاحكام، وقد استقل العقل بحسن
~~الأفعال التي تكون ذات المصالح وقبح ما كان ذات المفاسد، ليست براجعة إلى
~~المنافع والمضار، وكثيرا ما يكون محتمل التكليف مأمون الضرر، نعم ربما تكون
~~المنفعة أو المضرة مناطا للحكم شرعا وعقلا.
# إن قلت: نعم، ولكن العقل يستقل بقبح الاقدام على ما لا تؤمن مفسدته، وأنه
~~كالاقدام على ما علم مفسدته، كما استدل به شيخ الطائفة (1) (قدس سره)، على
~~أن الأشياء على الحظر أو الوقف.
# قلت: استقلاله بذلك ممنوع، والسند شهادة الوجدان ومراجعة ديدن العقلاء من
~~أهل الملل والأديان، حيث إنهم لا يحترزون مما لا تؤمن مفسدته، ولا يعاملون
~~معه معاملة ما علم مفسدته، كيف؟ ms229 وقد أذن الشارع بالاقدام عليه، ولا يكاد
~~يأذن بارتكاب القبيح، فتأمل.
# واحتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة، بالأدلة الثلاثة:
# أما الكتاب: فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم (2)، وعن الالقاء في
~~التهلكة (3)، والآمرة بالتقوى (4).
# والجواب: إن القول بالإباحة شرعا وبالأمن من العقوبة عقلا، ليس قولا بغير
~~علم، لما دل على الإباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل، ومعهما لا
~~مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا، ولا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى.
# PageV00P344
# وأما الاخبار: فبما (1) دل على وجوب التوقف عند الشبهة، معللا في بعضها
~~بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة، من الاخبار الكثيرة
~~الدالة عليه مطابقة أو التزاما، وبما (2) دل على وجوب الاحتياط من الأخبار
~~الواردة بألسنة مختلفة.
# والجواب: إنه لا مهلكة في الشبهة البدوية، مع دلالة النقل على [الإباحة]
~~(3) وحكم العقل بالبراءة كما عرفت.
# وما دل على وجوب الاحتياط لو سلم، وإن كان واردا على حكم العقل، فإنه كفى
~~بيانا على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول.
# ولا يصغى إلى ما قيل (4): من أن إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن
~~عقاب الواقع المجهول فهو قبيح، وإن كان نفسيا فالعقاب على مخالفته لا على
~~مخالفة الواقع، وذلك لما عرفت من أن إيجابه يكون طريقيا، وهو عقلا مما يصح
~~أن يحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة، كما هو الحال في أوامر الطرق
~~والامارات والأصول العملية.
# إلا أنها تعارض بما هو أخص وأظهر، ضرورة أن ما دل على حلية المشتبه أخص،
~~بل هو في الدلالة على الحلية نص، وما دل على الاحتياط غايته أنه ظاهر في
~~وجوب الاحتياط، مع أن هناك قرائن دالة على أنه للارشاد، فيختلف إيجابا
~~واستحبابا حسب اختلاف ما يرشد إليه.
# PageV00P345
# ويؤيده أنه لو لم يكن للارشاد يوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات إجماعا،
~~مع أنه آب عن التخصيص قطعا، كيف لا يكون قوله: (قف عند الشبهة فإن الوقوف
~~عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) للارشاد؟ مع أن المهلكة ظاهرة في
~~العقوبة، ms230 ولا عقوبة في الشبهة البدوية قبل إيجاب الوقوف والاحتياط، فكيف
~~يعلل إيجابه بأنه خير من الاقتحام في الهلكة؟
# لا يقال: نعم، ولكنه يستكشف منه (1) على نحو الآن إيجاب الاحتياط من قبل،
~~ليصح به العقوبة على المخالفة.
# فإنه يقال: إن مجرد إيجابه واقعا ما لم يعلم لا يصحح العقوبة، ولا يخرجها
~~عن أنها بلا بيان ولا برهان، فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه
~~المشتبه لو كان كالشبهة قبل الفحص مطلقا، أو الشبهة المقرونة بالعلم
~~الاجمالي، فتأمل جيدا.
# وأما العقل: فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته،
~~حيث علم إجمالا بوجود واجبات ومحرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته، مما
~~لم يكن هناك حجة على حكمه، تفريغا للذمة بعد اشتغالها، ولا خلاف في لزوم
~~الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي إلا من بعض الأصحاب.
# والجواب: إن العقل وإن استقل بذلك، إلا أنه إذا لم ينحل العلم الاجمالي
~~إلى علم تفصيلي وشك بدوي، وقد انحل هاهنا، فإنه كما علم بوجود تكاليف
~~إجمالا، كذلك علم إجمالا بثبوت طرق وأصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك
~~التكاليف المعلومة أو أزيد، وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف
~~الفعلية في الموارد المثبتة من الطرق والأصول العملية.
# PageV00P346
# إن قلت: نعم، لكنه إذا لم يكن العلم بها مسبوقا بالعلم بالتكاليف (1).
# قلت: إنما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثا، وأما إذا لم يكن كذلك
~~بل مما ينطبق عليه ما علم أولا، فلا محالة قد انحل العلم الاجمالي إلى
~~التفصيلي والشك البدوي.
# إن قلت: إنما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالاجمال
~~ذلك إذا كان قضية قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا، وأما بناء على
~~أن قضية حجيته واعتباره شرعا ليس إلا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا، وهو
~~تنجز ما أصابه والعذر عما أخطأ عنه، فلا انحلال لما علم بالاجمال أولا، كما
~~لا يخفى.
# قلت: قضية الاعتبار شرعا - على اختلاف ألسنة أدلته - وإن كان ذلك على ما
~~قوينا في البحث، إلا أن نهوض ms231 الحجة على ما ينطبق عليه المعلوم بالاجمال في
~~بعض الأطراف يكون عقلا بحكم الانحلال، وصرف تنجزه إلى ما إذا كان في ذاك
~~الطرف والعذر عما إذا كان في سائر الأطراف، مثلا إذا علم إجمالا بحرمة إناء
~~زيد بين الإناءين وقامت البينة على أن هذا إناؤه، فلا ينبغي الشك في أنه
~~كما إذا علم أنه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلا عن خصوصه دون الآخر، ولولا
~~ذلك لما كان يجدي القول بأن قضية اعتبار الامارات هو كون المؤديات أحكاما
~~شرعية فعلية، ضرورة أنها تكون كذلك بسبب حادث، وهو كونها مؤديات الامارات
~~الشرعية.
# هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق المثبتة بمقدار
~~المعلوم بالاجمال، وإلا فالانحلال إلى العلم بما في الموارد وانحصار أطرافه
~~بموارد تلك الطرق بلا إشكال. كما لا يخفى.
# وربما استدل بما قيل (2): من استقلال العقل بالحظر في الأفعال الغير
~~الضرورية قبل الشرع، ولا أقل من الوقف وعدم استقلاله، لا به ولا بالإباحة،
# PageV00P347
# ولم يثبت شرعا إباحة ما اشتبه حرمته، فإن ما دل على الإباحة معارض بما دل
~~على وجوب التوقف أو الاحتياط.
# وفيه أولا: إنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف والاشكال، وإلا لصح
~~الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإباحة.
# وثانيا: إنه ثبت الإباحة شرعا، لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف
~~أو الاحتياط، للمعارضة لما دل عليها.
# وثالثا: أنه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة، للقول بالاحتياط في
~~هذه المسألة، لاحتمال أن يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان،
~~وما قيل (1) - من أن الاقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالاقدام على ما
~~يعلم فيه المفسدة - ممنوع، ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإن المفسدة
~~المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالبا، ضرورة أن المصالح والمفاسد التي هي
~~مناطات الاحكام ليست براجعة إلى المنافع والمضار، بل ربما يكون المصلحة
~~فيما فيه الضرر، والمفسدة فيما فيه المنفعة، واحتمال أن يكون في المشتبه
~~ضرر ضعيف غالبا لا يعتنى ms232 به قطعا، مع أن الضرر ليس دائما مما يجب التحرز
~~عنه عقلا، بل يجب ارتكابه أحيانا فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في
~~الاحتراز عن ضرره، مع القطع به فضلا عن احتماله.
# بقي أمور مهمة لا بأس بالإشارة إليها:
# الأول: إنه إنما تجري أصالة البراءة شرعا وعقلا فيما لم يكن هناك أصل
~~موضوعي مطلقا ولو كان موافقا لها، فإنه معه لا مجال لها أصلا، لوروده عليها
~~كما يأتي تحقيقه (2) فلا تجري - مثلا - أصالة الإباحة في حيوان شك في حليته
~~مع الشك في
# PageV00P348
# قبوله التذكية، فإنه إذا ذبح مع سائر الشرائط المعتبرة في التذكية،
~~فأصالة عدم التذكية تدرجه (1) فيما لم يذك وهو حرام إجماعا، كما إذا مات
~~حتف أنفه، فلا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعم غير المذكى شرعا، ضرورة كفاية
~~كونه مثله حكما، وذلك بأن التذكية إنما هي عبارة عن فري الأوداج [الأربعة]
~~(2) مع سائر شرائطها، عن خصوصية في الحيوان التي بها يؤثر فيه الطهارة
~~وحدها أو مع الحلية، ومع الشك في تلك الخصوصية فالأصل عدم تحقق التذكية
~~بمجرد الفري بسائر شرائطها، كما لا يخفى.
# نعم لو شك بقبوله التذكية وشك في الحلية، فأصالة الإباحة فيه محكمة، فإنه
~~حينئذ إنما يشك في أن هذا الحيوان المذكى حلال أو حرام، ولا أصل فيه إلا
~~أصالة الإباحة، كسائر ما شك في أنه من الحلال أو الحرام.
# هذا إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر مثبت لقبوله التذكية، كما إذا شك -
~~مثلا - في أن الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليته لها، أم لا؟ فأصالة
~~قبوله لها معه محكمة، ومعها لا مجال لأصالة عدم تحققها، فهو قبل الجلل كان
~~يطهر ويحل بالفري بسائر شرائطها، فالأصل أنه كذلك بعده.
# ومما ذكرنا ظهر الحال فيما اشتبهت حليته وحرمته بالشبهة الموضوعية من
~~الحيوان، وأن أصالة عدم التذكية محكمة فيما شك فيها لاجل الشك في تحقق ما
~~اعتبر في التذكية شرعا، كما أن أصالة قبول التذكية محكمة إذا شك في طروء ما
~~يمنع عنه، فيحكم ms233 بها فيما أحرز الفري بسائر شرائطها عداه، كما لا يخفى،
~~فتأمل جيدا.
# الثاني: إنه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعا وعقلا في الشبهة الوجوبية أو
~~(3) التحريمية في العبادات وغيرها، كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق
~~الثواب فيما
# PageV00P349
# إذا احتاط وأتى أو ترك بداعي احتمال الامر أو النهي.
# وربما يشكل (1) في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الامر بين
~~الوجوب وغير الاستحباب، من جهة أن العبادة لابد فيها من نية القربة
~~المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا.
# وحسن الاحتياط عقلا لا يكاد يجدي في رفع الاشكال، ولو قيل بكونه موجبا
~~لتعلق الامر به شرعا، بداهة توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه، فكيف
~~يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته؟
# وانقدح بذلك أنه لا يكاد يجدي في رفعه أيضا القول بتعلق الامر به من جهة
~~ترتب الثواب عليه، ضرورة أنه فرع إمكانه، فكيف يكون من مبادئ جريانه؟
# هذا مع أن حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلق الامر به بنحو اللم، ولا
~~ترتب الثواب عليه بكاشف عنه بنحو الآن، بل يكون حاله في ذلك حال الإطاعة،
~~بإنه نحو من الانقياد والطاعة.
# وما قيل (2) في دفعه: من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرد الفعل
~~المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة.
# فيه: مضافا إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها، بداهة
~~أنه ليس باحتياط حقيقة، بل هو أمر لو دل عليه دليل كان مطلوبا مولويا نفسيا
~~عباديا، والعقل لا يستقل إلا بحسن الاحتياط، والنقل لا يكاد يرشد إلا إليه.
# نعم، لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة، لما
# PageV00P350
# كان محيص عن دلالته اقتضاء على أن المراد به ذاك المعنى، بناء على عدم
~~إمكانه فيها بمعناه حقيقة، كما لا يخفى أنه التزام بالاشكال وعدم جريانه
~~فيها، وهو كما ترى.
# قلت: لا يخفى أن منشأ الاشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة
~~مثل سائر الشروط المعتبرة فيها، مما يتعلق بها الامر المتعلق بها، ms234 فيشكل
~~جريانه حينئذ، لعدم التمكن من قصد القربة المعتبر فيها (1)، وقد عرفت أنه
~~فاسد (2)، وإنما اعتبر قصد القربة فيها عقلا لاجل أن الغرض منها لا يكاد
~~يحصل بدونه.
# وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الامكان، ضرورة التمكن من الاتيان
~~بما احتمل وجوبه بتمامه وكماله، غاية الامر أنه لابد أن يؤتى به على نحو لو
~~كان مأمورا به لكان مقربا، بأن يؤتى به بداعي احتمال الامر أو احتمال كونه
~~محبوبا له تعالى، فيقع حينئذ على تقدير الامر به امتثالا لامره تعالى، وعلى
~~تقدير عدمه انقيادا لجنابه تبارك وتعالى، ويستحق الثواب على كل حال إما على
~~الطاعة أو الانقياد.
# وقد انقدح بذلك أنه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلق أمر بها (3)،
# PageV00P351
# بل لو فرض تعلقه بها لما كان من الاحتياط بشئ، بل كسائر ما علم وجوبه أو
~~استحبابه منها، كما لا يخفى.
# فظهر أنه لو قيل (1) بدلالة أخبار (2) (من بلغه ثواب) على استحباب العمل
~~الذي بلغ عليه الثواب ولو بخبر ضعيف، لما كان يجدي في جريانه في خصوص ما دل
~~على وجوبه أو استحبابه خبر ضعيف، بل كان عليه مستحبا كسائر ما دل الدليل
~~على استحبابه.
# لا يقال: هذا لو قيل بدلالتها على استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه
~~الثواب بعنوانه، وأما لو دل على استحبابه لا بهذا العنوان، بل بعنوان أنه
~~محتمل الثواب، لكانت دالة على استحباب الاتيان به بعنوان الاحتياط، كأوامر
~~الاحتياط، لو قيل بأنها للطلب المولوي لا الارشادي.
# فإنه يقال: إن الامر بعنوان الاحتياط ولو كان مولويا لكان توصليا، مع أنه
~~لو كان عباديا لما كان مصححا للاحتياط، ومجديا في جريانه في العبادات كما
~~أشرنا إليه آنفا.
# ثم إنه لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب،
~~فإن صحيحة (3) هشام بن سالم المحكية عن المحاسن، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: (من بلغه عن النبي - صلى الله عليه وآله - شئ من الثواب
~~فعمله، كان أجر ذلك له، وإن كان رسول الله ms235 - صلى الله عليه وآله وسلم - لم
~~يقله) ظاهرة في أن الاجر كان مترتبا على نفس العمل الذي بلغه عنه صلى الله
~~عليه وآله وسلم) أنه ذو ثواب، وكون العمل متفرعا على البلوغ، وكونه الداعي
~~إلى
# PageV00P352
# العمل غير موجب (1) لان يكون الثواب إنما يكون مترتبا عليه، فيما إذا أتى
~~برجاء أنه مأمور به وبعنوان الاحتياط، بداهة أن الداعي إلى العمل لا يوجب
~~له وجها وعنوانا يؤتى به بذاك الوجه والعنوان.
# وإتيان (2) العمل بداعي طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قيد
~~به في بعض الاخبار (3)، وإن كان انقيادا، إلا أن الثواب في الصحيحة انما
~~رتب على نفس العمل، ولا موجب لتقييدها به، لعدم المنافاة بينهما، بل لو أتى
~~به كذلك أو إلتماسا للثواب الموعود، كما قيد به في بعضها الآخر (4)، لأوتي
~~الاجر والثواب على نفس العمل، لا بما هو احتياط وانقياد، فيكشف عن كونه
~~بنفسه مطلوبا وإطاعة، فيكون وزانه وزان (من سرح لحيته) (5) أو (من صلى أو
~~صام فله كذا) ولعله لذلك أفتى المشهور بالاستحباب، فافهم وتأمل.
# الثالث: إنه لا يخفى أن النهي عن شئ، إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو
~~مكان، بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان ولو دفعة لما امتثل أصلا، كان
~~اللازم على المكلف إحراز أنه تركه بالمرة ولو بالأصل، فلا يجوز الاتيان بشئ
~~يشك معه في تركه، إلا إذا كان مسبوقا به ليستصحب مع الاتيان به.
# نعم، لو كان بمعنى طلب تركه كل فرد منه على حدة، لما وجب إلا ترك ما علم
~~أنه فرد، وحيث لم يعلم تعلق النهي إلا بما علم أنه مصداقه، فأصالة البراءة
~~في المصاديق المشتبهة محكمة.
# فانقدح بذلك أن مجرد العلم بتحريم شئ لا يوجب لزوم الاجتناب عن أفراده
~~المشتبهة، فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كل فرد على حدة، أو كان
# PageV00P353
# الشئ مسبوقا بالترك، وإلا لوجب الاجتناب عنها عقلا لتحصيل الفراغ قطعا،
~~فكما يجب فيما علم وجوب شئ إحراز إتيانه إطاعة لامره، فكذلك يجب فيما ms236 علم
~~حرمته إحراز تركه وعدم إتيانه امتثالا لنهيه.
# غاية الامر كما يحرز وجود الواجب بالأصل، كذلك يحرز ترك الحرام به،
~~والفرد المشتبه وإن كان مقتضى أصالة البراءة جواز الاقتحام فيه، إلا أن
~~قضية لزوم إحراز الترك اللازم وجوب التحرز عنه، ولا يكاد يحرز إلا بترك
~~المشتبه أيضا، فتفطن.
# الرابع: إنه قد عرفت حسن الاحتياط عقلا ونقلا، ولا يخفى أنه مطلقا كذلك،
~~حتى فيما كان هناك حجة على عدم الوجوب أو الحرمة، أو أمارة معتبرة على أنه
~~ليس فردا للواجب أو الحرام، ما لم يخل بالنظام فعلا، فالاحتياط قبل ذلك
~~مطلقا يقع حسنا، كان في الأمور المهمة كالدماء والفروج أو غيرها، وكان
~~احتمال التكليف قويا أو ضعيفا، كانت الحجة على خلافه أو لا، كما أن
~~الاحتياط الموجب لذلك لا يكون حسنا كذلك، وإن كان الراجح لمن التفت إلى ذلك
~~من أول الامر ترجيح بعض الاحتياطات احتمالا أو محتملا، فافهم. PageV00P354
# فصل إذا دار الامر بين وجوب شئ وحرمته، لعدم نهوض حجة على أحدهما تفصيلا
~~بعد نهوضها عليه إجمالا، ففيه وجوه:
# الحكم بالبراءة عقلا ونقلا لعموم النقل، وحكم العقل بقبح المؤاخذة على
~~خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به، ووجوب الاخذ بأحدهما تعيينا أو تخييرا،
~~والتخيير بين الترك والفعل عقلا، مع التوقف عن الحكم به رأسا، أو مع الحكم
~~عليه بالإباحة شرعا، أوجهها الأخير، لعدم الترجيح بين الفعل والترك، وشمول
~~مثل (كل شئ لك حلال حتى تعرف أنه حرام) له، ولا مانع عنه عقلا ولا نقلا.
# وقد عرفت أنه لا يجب موافقة الاحكام التزاما، ولو وجب لكان الالتزام
~~إجمالا بما هو الواقع معه ممكنا، والالتزام التفصيلي بأحدهما لو لم يكن
~~تشريعا محرما لما نهض على وجوبه دليل قطعا، وقياسه بتعارض الخبرين - الدال
~~أحدهما على الحرمة والآخر على الوجوب - باطل، فإن التخيير بينهما على تقدير
~~كون الاخبار حجة من باب السببية يكون على القاعدة، ومن جهة التخيير بين
~~الواجبين المتزاحمين، وعلى تقدير أنها من باب الطريقية فإنه وإن كان على
~~خلاف القاعدة، إلا أن أحدهما ms237 - تعيينا أو تخييرا - حيث كان واجدا لما هو
~~المناط للطريقية من احتمال الإصابة مع PageV00P355
# اجتماع سائر الشرائط، صار (1) حجة في هذه الصورة بأدلة الترجيح تعيينا،
~~أو التخيير تخييرا، وأين ذلك مما إذا لم يكن المطلوب إلا الاخذ بخصوص ما
~~صدر واقعا؟ وهو حاصل، والاخذ بخصوص أحدهما ربما لا يكون إليه بموصل.
# نعم، لو كان التخيير بين الخبرين لاجل إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة،
~~وإحداثهما الترديد بينهما، لكان القياس في محله، لدلالة الدليل على التخيير
~~بينهما على التخيير ها هنا، فتأمل جيدا.
# ولا مجال - ها هنا - لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنه لا قصور فيه - ها
~~هنا - وإنما يكون عدم تنجز التكليف لعدم التمكن من الموافقة القطعية
~~كمخالفتها، والموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة، كما لا يخفى.
# ثم إن مورد هذه الوجوه، وإن كان ما [إذا] (2) لم يكن واحدا من الوجوب
~~والحرمة على التعيين تعبديا، إذ لو كانا تعبديين أو كان أحدهما المعين
~~كذلك، لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما والرجوع إلى الإباحة، لأنها مخالفة
~~عملية قطعية على ما أفاد شيخنا الأستاذ (3) (قدس سره)، إلا أن الحكم أيضا
~~فيهما إذا كانا كذلك هو التخيير عقلا بين إتيانه على وجه قربي، بأن يؤتى به
~~بداعي احتمال طلبه، وتركه كذلك، لعدم الترجيح وقبحه بلا مرجح.
# فانقدح أنه لا وجه لتخصيص المورد بالتوصليين بالنسبة إلى ما هو المهم في
~~المقام، وإن اختص بعض الوجوه بهما، كما لا يخفى.
# ولا يذهب عليك أن استقلال العقل بالتخيير إنما هو فيما لا يحتمل الترجيح
~~في أحدهما على التعيين، ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعيينه (4) كما
~~هو الحال
# PageV00P356
# في دوران الامر بين التخيير والتعيين في غير المقام، ولكن الترجيح إنما
~~يكون لشدة الطلب في أحدهما، وزيادته على الطلب في الآخر بما لا يجوز
~~الاخلال بها في صورة المزاحمة، ووجب الترجيح بها، وكذا وجب ترجيح احتمال ذي
~~المزية في صورة الدوران.
# ولا وجه لترجيح احتمال الحرمة مطلقا، لاجل أن دفع المفسدة أولى من ترك
~~المصلحة، ضرورة أنه رب واجب ms238 يكون مقدما على الحرام في صورة المزاحمة بلا
~~كلام، فكيف يقدم على احتماله احتماله في صورة الدوران بين مثليهما؟ فافهم.
~~PageV00P357
# فصل لو شك في المكلف به مع العلم بالتكليف من الايجاب أو التحريم، فتارة
~~لتردده بين المتابينين، وأخرى بين الأقل والأكثر الارتباطيين، فيقع الكلام
~~في مقامين:
# المقام الأول: في دوران الامر بين المتابينين.
# لا يخفى أن التكليف المعلوم بينهما مطلقا - ولو كانا فعل أمر وترك آخر -
~~إن كان فعليا من جميع الجهات، بأن يكون واجدا لما هو العلة التامة للبعث أو
~~الزجر الفعلي، مع ما هو [عليه] (1) من الاجمال والتردد والاحتمال، فلا محيص
~~عن تنجزه وصحة العقوبة على مخالفته، وحينئذ لا محالة يكون ما دل بعمومه على
~~الرفع أو الوضع أو السعة أو الإباحة مما يعم أطراف العلم مخصصا عقلا، لاجل
~~مناقضتها معه.
# وإن لم يكن فعليا كذلك، ولو كان بحيث لو علم تفصيلا لوجب امتثاله وصح
~~العقاب على مخالفته، لم يكن هناك مانع عقلا ولا شرعا عن شمول أدلة البراءة
~~الشرعية للأطراف.
# ومن هنا انقدح أنه لا فرق بين العلم التفصيلي والاجمالي، إلا أنه لا مجال
# PageV00P358
# للحكم الظاهري مع التفصيلي، فإذا كان الحكم الواقعي فعليا من سائر
~~الجهات، لا محالة يصير فعليا معه من جميع الجهات، وله مجال مع الاجمالي،
~~فيمكن أن لا يصير فعليا معه، لامكان جعل الظاهري في أطرافه، وإن كان فعليا
~~من غير هذه الجهة، فافهم.
# ثم إن الظاهر أنه لو فرض أن المعلوم بالاجمال كان فعليا من جميع الجهات
~~لوجب عقلا موافقته مطلقا ولو كانت أطرافه غير محصورة، وإنما التفاوت بين
~~المحصورة وغيرها هو أن عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع عن فعلية المعلوم، مع
~~كونه فعليا لولاه من سائر الجهات.
# وبالجملة لا يكاد يرى العقل تفاوتا بين المحصورة وغيرها، في التنجز
~~وعدمه، فيما كان المعلوم إجمالا فعليا، يبعث المولى نحوه فعلا أو يزجر عنه
~~كذلك مع ما هو عليه من كثرة أطرافه.
# والحاصل أن اختلاف الأطراف في الحصر وعدمه لا يوجب تفاوتا في ناحية ms239
~~العلم، ولو أوجب تفاوتا فإنما هو في ناحية المعلوم في فعلية البعث أو الزجر
~~مع الحصر، وعدمها مع عدمه، فلا يكاد يختلف العلم الاجمالي باختلاف الأطراف
~~قلة وكثرة في التنجيز وعدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعلية وعدمها بذلك،
~~وقد عرفت آنفا أنه لا تفاوت بين التفصيلي والاجمالي في ذلك، ما لم يكن
~~تفاوت في طرف المعلوم أيضا، فتأمل تعرف.
# وقد انقدح أنه لا وجه لاحتمال عدم وجوب الموافقة القطعية مع حرمة
~~مخالفتها، ضرورة أن التكليف المعلوم إجمالا لو كان فعليا لوجب موافقته
~~قطعا، وإلا لم يحرم مخالفته كذلك أيضا.
# ومنه ظهر أنه لو لم يعلم فعلية التكليف مع العلم به إجمالا، إما من جهة
~~عدم الابتلاء ببعض أطرافه، أو من جهة الاضطرار إلى بعضها معينا أو مرددا،
~~أو من جهة تعلقه بموضوع يقطع بتحققه إجمالا في هذا الشهر، كأيام حيض
~~المستحاضة PageV00P359
# مثلا، لما وجب موافقته بل جاز مخالفته، وأنه لو علم فعليته ولو كان بين
~~أطراف تدريجية، لكان منجزا ووجب موافقته. فإن التدرج لا يمنع عن الفعلية،
~~ضرورة أنه كما يصح التكليف بأمر حالي كذلك يصح بأمر استقبالي، كالحج في
~~الموسم للمستطيع، فافهم.
# تنبيهات الأول: إن الاضطرار كما يكون مانعا عن العلم بفعلية التكليف لو
~~كان إلى واحد معين، كذلك يكون مانعا لو كان إلى غير معين، ضرورة أنه مطلقا
~~موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف أو تركه، تعيينا أو تخييرا، وهو ينافي العلم
~~بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا، وكذلك لا فرق بين أن يكون الاضطرار
~~كذلك سابقا على حدوث العلم أو لاحقا، وذلك لان (1) التكليف المعلوم بينها
~~من أول الامر كان محدودا بعدم عروض الاضطرار إلى متعلقة، فلو عرض على بعض
~~أطرافه لما كان التكليف به معلوما، لاحتمال أن يكون هو المضطر إليه فيما
~~كان الاضطرار إلى المعين، أو يكون هو المختار فيما كان إلى بعض الأطراف بلا
~~تعيين.
# لا يقال: الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلا كفقد بعضها، فكما لا إشكال في
~~لزوم رعاية الاحتياط في الباقي ms240 مع الفقدان، كذلك لا ينبغي الاشكال في لزوم
~~رعايته مع الاضطرار، فيجب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه خروجا عن
# PageV00P360
# عهدة ما تنجز عليه قبل عروضه.
# فإنه يقال: حيث أن فقد المكلف به ليس من حدود التكليف به وقيوده، كان
~~التكليف المتعلق به مطلقا، فإذا اشتغلت الذمة به، كان قضية الاشتغال به
~~يقينا الفراغ عنه كذلك، وهذا بخلاف الاضطرار إلى تركه، فإنه من حدود
~~التكليف به وقيوده، ولا يكون الاشتغال به من الأول إلا مقيدا بعدم عروضه،
~~فلا يقين باشتغال الذمة بالتكليف به إلا إلى هذا الحد، فلا يجب رعايته فيما
~~بعده، ولا يكون إلا من باب الاحتياط في الشبهة البدوية، فافهم وتأمل فإنه
~~دقيق جدا.
# الثاني: إنه لما كان النهي عن الشئ (1) إنما هو لاجل أن يصير داعيا
~~للمكلف نحو تركه، لو لم يكن له داع آخر - ولا يكاد يكون ذلك إلا فيما يمكن
~~عادة ابتلاؤه به، وأما ما لا ابتلاء به بحسبها، فليس للنهي عنه موقع أصلا،
~~ضرورة أنه بلا فائدة ولا طائل، بل يكون من قبيل طلب الحاصل - كان الابتلاء
~~بجميع الأطراف مما لابد منه في تأثير العلم، فإنه بدونه لا علم بتكليف
~~فعلي، لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء به.
# ومنه قد انقدح أن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر وانقداح طلب
~~تركه في نفس المولى فعلا، هو ما إذا صح انقداح الداعي إلى فعله في نفس
~~العبد مع اطلاعه على ما هو عليه من الحال، ولو شك في ذلك كان المرجع هو
~~البراءة، لعدم القطع بالاشتغال، لا إطلاق الخطاب (2)، ضرورة أنه لا مجال
~~للتشبث به إلا فيما إذا شك في التقييد بشئ (3) بعد الفراغ عن صحة الاطلاق
~~بدونه، لا فيما شك في اعتباره في صحته، تأمل (4) لعلك تعرف إن شاء الله
~~تعالى.
# PageV00P361
# الثالث: إنه قد عرفت أنه مع فعلية التكليف المعلوم، لا تفاوت بين أن تكون
~~أطرافه محصورة وأن تكون غير محصورة.
# نعم ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر موافقته القطعية باجتناب
~~كلها أو ms241 ارتكابه، أو ضرر فيها أو غيرهما مما لا يكون معه التكليف فعليا
~~بعثا أو زجرا فعلا، وليس بموجبة لذلك في غيره، كما أن نفسها ربما يكون
~~موجبة لذلك ولو كانت قليلة في مورد آخر، فلا بد من ملاحظة ذاك الموجب لرفع
~~فعلية التكليف المعلوم بالاجمال أنه يكون أو لا يكون في هذا المورد، أو
~~يكون مع كثرة أطرافه وملاحظة أنه مع أية مرتبة من كثرتها كما لا يخفى.
# ولو شك في عروض الموجب، فالمتبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان، وإلا
~~فالبراءة لاجل الشك في التكليف الفعلي، هذا هو حق القول في المقام، وما قيل
~~(1) في ضبط المحصور وغيره لا يخلو من الجزاف.
# الرابع: إنه إنما يجب عقلا رعاية الاحتياط في خصوص الأطراف، مما يتوقف
~~على اجتنابه أو ارتكابه حصول العلم بإتيان الواجب أو ترك الحرام المعلومين
~~في البين دون غيرها، وإن كان حاله حال بعضها في كونه محكوما بحكمه واقعا.
# ومنه ينقدح الحال في المسألة ملاقاة شئ مع أحد أطراف النجس المعلوم
~~بالاجمال، وأنه تارة يجب الاجتناب عن الملاقي دون ملاقيه، فيما كانت
~~الملاقاة بعد العلم إجمالا بالنجس بينها، فإنه إذا اجتنب عنه وطرفه اجتنب
~~عن النجس في البين قطعا، ولو لم يجتنب عما يلاقيه، فإنه على تقدير نجاسته
~~لنجاسته كان فردا آخر من النجس، قد شك في وجوده، كشئ آخر شك في نجاسته بسبب
~~آخر.
# PageV00P362
# ومنه ظهر أنه لا مجال لتوهم (1) أن قضية الاجتناب عن المعلوم هو الاجتناب
~~عنه أيضا، ضرورة أن العلم به إنما يوجب تنجز الاجتناب عنه، لا تنجز
~~الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه وإن احتمل.
# وأخرى يجب الاجتناب عما لاقاه دونه، فيما لو علم إجمالا نجاسته أو نجاسة
~~شئ آخر ثم حدث (العلم ب) (2) الملاقاة والعلم بنجاسة الملاقي أو ذاك الشئ
~~أيضا، فإن حال (3) الملاقي في هذه الصورة بعينها حال ما لاقاه في الصورة
~~السابقة في عدم كونه طرفا للعلم الاجمالي، وأنه فرد آخر على تقدير نجاسته
~~واقعا غير معلوم النجاسة أصلا، لا ms242 إجمالا ولا تفصيلا، وكذا لو علم
~~بالملاقاة ثم حدث العلم الاجمالي، ولكن كان الملاقي خارجا عن محل الابتلاء
~~في حال حدوثه وصار مبتلى به بعده.
# وثالثة يجب الاجتناب عنهما، فيما لو حصل العلم الاجمالي بعد العلم
~~بالملاقاة، ضرورة أنه حينئذ نعلم إجمالا: إما بنجاسة الملاقي والملاقى أو
~~بنجاسة الآخر كما لا يخفى، فيتنجز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين،
~~وهو الواحد أو الاثنان (4).
# المقام الثاني: (في دوران الامر بين الأقل والأكثر الارتباطيين).
# والحق أن العلم الاجمالي بثبوت التكليف بينهما - أيضا - يوجب الاحتياط
~~عقلا بإتيان الأكثر، لتنجزه به حيث تعلق بثبوته فعلا.
# PageV00P363
# وتوهم (1) انحلاله إلى العلم بوجوب الأقل تفصيلا والشك في وجوب الأكثر
~~بدوا - ضرورة لزوم الاتيان بالأقل لنفسه شرعا، أو لغيره كذلك أو عقلا، ومعه
~~لا يوجب تنجزه لو كان متعلقا بالأكثر - فاسد قطعا، لاستلزام الانحلال
~~المحال، بداهة توقف لزوم الأقل فعلا إما لنفسه أو لغيره على تنجزه إلا إذا
~~كان متعلقا بالأقل كان خلفا، مع أنه يلزم من وجوده عدمه، لاستلزامه عدم
~~تنجز التكليف على كل حال المستلزم لعدم لزوم الأقل مطلقا، المستلزم لعدم
~~الانحلال، وما يلزم من وجوده عدمه محال.
# نعم إنما ينحل إذا كان الأقل ذا مصلحة ملزمة، فإن وجوبه حينئذ يكون
~~معلوما له، وإنما كان الترديد لاحتمال أن يكون الأكثر ذا مصلحتين، أو مصلحة
~~أقوى من مصلحة الأقل، فالعقل في مثله وإن استقل بالبراءة بلا كلام، إلا أنه
~~خارج عما هو محل النقض والابرام في المقام.
# هذا مع أن الغرض الداعي إلى الامر لا يكاد يحرز إلا بالأكثر، بناء على ما
~~ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد
~~في المأمور به والمنهي عنه، وكون الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات
~~العقلية، وقد مر (2) اعتبار موافقة الغرض وحصوله عقلا في إطاعة الامر
~~وسقوطه، فلا بد من إحرازه في إحرازها، كما لا يخفى.
# ولا وجه للتفصي عنه (3): تارة بعدم ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على
~~ما ذهب إليه مشهور العدلية، وجريانها على ما ذهب إليه الأشاعرة ms243 المنكرين
~~لذلك، أو
# PageV00P364
# بعض العدلية المكتفين بكون المصلحة في نفس الامر دون المأمور به.
# وأخرى بأن حصول المصلحة واللطف في العبادات لا يكاد يكون إلا بإتيانها
~~على وجه الامتثال، وحينئذ كان لاحتمال اعتبار معرفة أجزائها تفصيلا - ليؤتى
~~بها مع قصد الوجه - مجال، ومعه لا يكاد يقطع بحصول اللطف والمصلحة الداعية
~~إلى الامر، فلم يبق إلا التخلص عن تبعة مخالفته بإتيان ما علم تعلقه به،
~~فإنه واجب عقلا وإن لم يكن في المأمور به مصلحة ولطف رأسا، لتنجزه بالعلم
~~به إجمالا.
# وأما الزائد عليه لو كان فلا تبعة على مخالفته من جهته، فإن العقوبة عليه
~~بلا بيان.
# وذلك ضرورة أن حكم العقل بالبراءة - على مذهب الأشعري - لا يجدي من ذهب
~~إلى ما عليه المشهور من العدلية، بل من ذهب إلى ما عليه غير المشهور،
~~لاحتمال أن يكون الداعي إلى الامر ومصلحته - على هذا المذهب أيضا - هو ما
~~في الواجبات من المصلحة وكونها ألطافا، فافهم.
# وحصول اللطف والمصلحة في العبادة، وإن كان يتوقف على الاتيان بها على وجه
~~الامتثال، إلا أنه لا مجال لاحتمال اعتبار معرفة الاجزاء وإتيانها على
~~وجهها، كيف؟ ولا إشكال في إمكان الاحتياط هاهنا كما في المتباينين، ولا
~~يكاد يمكن مع اعتباره. هذا مع وضوح بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه كذلك،
~~والمراد بالوجه في كلام من صرح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب اقترانه
~~به، هو وجه نفسه من وجوبه النفسي، لا وجه أجزائه من وجوبها الغيري أو
~~وجوبها العرضي، وإتيان الواجب مقترنا بوجهه غاية ووصفا بإتيان الأكثر بمكان
~~من الامكان، لانطباق الواجب عليه ولو كان هو الأقل، فيتأتى من المكلف معه
~~قصد الوجه، واحتمال اشتماله على ما ليس من أجزائه ليس بضائر، إذا قصد وجوب
~~المأتي على إجماله، بلا تمييز ماله دخل في الواجب من أجزائه، لا سيما إذا
~~دار الزائد بين كونه جزءا لماهيته وجزءا لفرده، حيث ينطبق الواجب على
~~المأتي حينئذ بتمامه وكماله، لان الطبيعي PageV00P365
# يصدق على الفرد بمشخصاته.
# نعم، لو دار بين كونه جزءا أو ms244 مقارنا لما كان منطبقا عليه بتمامه لو لم
~~يكن جزءا، لكنه غير ضائر لانطباقه عليه أيضا فيما لم يكن ذاك الزائد جزء
~~غايته، لا بتمامه بل بسائر أجزائه.
# هذا مضافا إلى أن اعتبار قصد الوجه من رأس مما يقطع بخلافه، مع أن الكلام
~~في هذه المسألة لا يختص بما لابد أن يؤتى به على وجه الامتثال من العبادات،
~~مع أنه لو قيل باعتبار قصد الوجه في الامتثال فيها على وجه ينافيه التردد
~~والاحتمال، فلا وجه معه للزوم مراعاة الامر المعلوم أصلا، ولو بإتيان الأقل
~~لو لم يحصل الغرض، وللزم الاحتياط بإتيان الأكثر مع حصوله، ليحصل القطع
~~بالفراغ بعد القطع بالاشتغال، لاحتمال بقائه مع الأقل بسبب بقاء غرضه،
~~فافهم.
# هذا بحسب حكم العقل.
# وأما النقل (1) فالظاهر أن عموم مثل حديث الرفع قاض برفع جزئية ما شك في
~~جزئيته، فبمثله يرتفع الاجمال والتردد عما تردد أمره بين الأقل والأكثر،
~~ويعينه في الأول.
# لا يقال (2): إن جزئية السورة المجهولة (3) - مثلا - ليست بمجعولة وليس
~~لها أثر مجعول، والمرفوع بحديث رافع إنما هو المجعول بنفسه أو أثره، ووجوب
~~الإعادة
# PageV00P366
# إنما هو أثر بقاء الامر الأول بعد العلم (1) مع أنه عقلي، وليس إلا من
~~باب وجوب الإطاعة عقلا.
# لأنه يقال: إن الجزئية وإن كانت غير مجعولة بنفسها، إلا أنها مجعولة
~~بمنشأ انتزاعها، وهذا كاف في صحة رفعها.
# لا يقال: إنما يكون ارتفاع الامر الانتزاعي برفع منشأ انتزاعه، إلا أن
~~نسبة حديث الرفع - الناظر إلى الأدلة الدالة على بيان الاجزاء - إليها نسبة
~~الاستثناء، وهو معها يكون دالة على جزئيتها إلا مع الجهل بها، كما لا يخفى،
~~فتدبر جيدا.
# وينبغي التنبيه على أمور:
# الأول: إنه ظهر مما مر حال دوران الامر بين المشروط بشئ ومطلقه، وبين
~~الخاص كالانسان وعامه كالحيوان، وأنه لا مجال ها هنا للبراءة عقلا، بل كان
~~الامر فيهما أظهر، فإن الانحلال المتوهم في الأقل والأكثر لا يكاد يتوهم
~~هاهنا، بداهة أن الاجزاء التحليلية لا يكاد يتصف باللزوم من باب المقدمة
~~عقلا، فالصلاة - مثلا - في ضمن ms245 الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين
~~وجودها، وفي ضمن صلاة أخرى فاقدة لشرطها وخصوصيتها تكون متباينة للمأمور
~~بها، كما لا يخفى.
# نعم لا بأس بجريان البراءة النقلية في خصوص دوران الامر بين المشروط
~~وغيره، دون دوران الامر (2) بين الخاص وغيره، لدلالة مثل حديث الرفع على
~~عدم شرطية ما شك في شرطيته، وليس كذلك خصوصية الخاص، فإنها إنما تكون
~~منتزعة عن نفس الخاص، فيكون الدوران بينه و (بين) غيره من قبيل الدوران بين
# PageV00P367
# المتباينين، فتأمل جيدا.
# الثاني: إنه لا يخفى أن الأصل فيما إذا شك في جزئية شئ أو شرطيته في حال
~~نسيانه عقلا ونقلا، ما ذكر في الشك في أصل الجزئية أو الشرطية، فلولا مثل
~~حديث الرفع (1) مطلقا ولا تعاد (2) في الصلاة لحكم (3) عقلا بلزوم إعادة ما
~~أخل بجزئه أو شرطه نسيانا، كما هو الحال فيما ثبت شرعا جزئيته أو شرطيته
~~مطلقا نصا أو إجماعا.
# ثم لا يذهب عليك أنه كما يمكن رفع الجزئية أو الشرطية في هذا الحال بمثل
~~حديث الرفع، كذلك يمكن تخصيصهما (4) بهذا الحال بحسب الأدلة الاجتهادية،
~~كما إذا وجه الخطاب على نحو يعم الذاكر والناسي بالخالي عما شك في دخله
~~مطلقا، وقد دل دليل آخر على دخله في حق الذاكر، أو وجه إلى الناسي خطاب
~~يخصه بوجوب الخالي بعنوان آخر عام أو خاص، لا بعنوان الناسي كي يلزم
~~استحالة إيجاب ذلك عليه بهذا العنوان، لخروجه عنه بتوجيه الخطاب إليه لا
~~محالة، كما توهم (5) لذلك استحالة تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر
~~وإيجاب العمل الخالي عن المنسي على الناسي، فلا تغفل.
# الثالث: إنه ظهر - مما مر - حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطا
~~أو شطرا في الواجب - مع عدم اعتباره في جزئيته، وإلا لم يكن من زيادته بل
~~من نقصانه - وذلك لاندراجه في الشك في دخل شئ فيه جزءا أو شرطا، فيصح لو
~~أتى به مع الزيادة عمدا تشريعا أو جهلا قصورا أو تقصيرا أو سهوا، وإن استقل
~~العقل
# PageV00P368
# لولا النقل بلزوم الاحتياط، لقاعدة الاشتغال. ms246
# نعم لو كان عبادة وأتى به كذلك، على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما
~~يدعو إليه وجوبه، لكان باطلا مطلقا أو في صورة عدم دخله فيه، لعدم قصد
~~الامتثال في هذه الصورة، مع استقلال العقل بلزوم الإعادة مع اشتباه الحال
~~لقاعدة الاشتغال.
# وأما لو أتى به على نحو يدعوه إليه على أي حال كان صحيحا، ولو كان مشرعا
~~في دخله الزائد فيه بنحو، مع عدم علمه بدخله، فإن تشريعه في تطبيق المأتي
~~مع المأمور به، وهو لا ينافي قصده الامتثال والتقرب به على كل حال.
# ثم إنه ربما تمسك لصحة ما أتى به مع الزيادة باستصحاب الصحة، وهو لا يخلو
~~من كلام ونقض وإبرام خارج عما هو المهم في المقام، ويأتي (1) تحقيقه في
~~مبحث الاستصحاب، إن شاء الله تعالى.
# الرابع: إنه لو علم بجزئية شئ أو شرطيته في الجملة، ودار (الامر) بين أن
~~يكون جزءا أو شرطا مطلقا ولو في حال العجز عنه، وبين أن يكون جزءا أو شرطا
~~في خصوص حال التمكن منه، فيسقط الامر بالعجز عنه على الأول، لعدم القدرة
~~حينئذ على المأمور به، لا على الثاني فيبقى متعلقا بالباقي، ولم يكن هناك
~~ما يعين أحد الامرين، من إطلاق دليل اعتباره جزءا أو شرطا، أو إطلاق دليل
~~المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله، لاستقل العقل بالبراءة عن
~~الباقي، فإن العقاب على تركه بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان.
# لا يقال: نعم ولكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلا في
~~حال التمكن منه.
# فإنه يقال: إنه لا مجال ها هنا لمثله، بداهة أنه ورد في مقام الامتنان،
# PageV00P369
# فيختص بما يوجب نفي التكليف لا إثباته.
# نعم ربما يقال (1): بأن قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي في حال
~~التعذر أيضا.
# ولكنه لا يكاد يصح إلا بناء على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلي، أو
~~على المسامحة في تعيين الموضوع في الاستصحاب، وكان ما تعذر مما يسامح به
~~عرفا، بحيث يصدق مع تعذره بقاء ms247 الوجوب لو قيل بوجوب الباقي، وارتفاعه لو
~~قيل بعدم وجوبه، ويأتي تحقيق الكلام فيه في غير المقام (2).
# كما أن وجوب الباقي في الجملة ربما قيل (3) بكونه مقتضى ما يستفاد من
~~قوله (صلى الله عليه وآله): (إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم) (4)
~~وقوله: (الميسور لا يسقط بالمعسور) (5) وقوله: (ما لا يدرك كله لا يترك
~~كله) (6) ودلالة الأول مبنية على كون كلمة (من) تبعيضية، لا بيانية، ولا
~~بمعنى الباء، وظهورها في التبعيض وإن كان مما لا يكاد يخفى، إلا أن كونه
~~بحسب الاجزاء غير واضح، لاحتمال أن يكون بلحاظ الافراد، ولو سلم فلا محيص
~~عن أنه - هاهنا - بهذا اللحاظ يراد، حديث ورد جوابا عن السؤال عن تكرار
~~الحج بعد أمره به، فقد روي أنه خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7)،
~~فقال: (إن الله كتب
# PageV00P370
# عليكم الحج، فقام عكاشة (1) - ويروى سراقة بن مالك (2) - فقال: في كل عام
~~يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى أعاد مرتين أو ثلاثا، فقال: ويحك، وما يؤمنك
~~أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم، لوجب، ولو وجب ما استطعتم، ولو تركتم
~~لكفرتم، فاتركوني ما تركتم، وإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم،
~~واختلافهم إلى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا
~~نهيتكم عن شئ فاجتنبوه).
# هذا مضافا إلى عدم دلالته على عدم السقوط لزوما، لعدم اختصاصه بالواجب،
~~ولا مجال لتوهم دلالته على أنه بنحو اللزوم، إلا أن يكون المراد عدم سقوطه
~~بماله من الحكم وجوبا كان أو ندبا، بسبب سقوطه عن المعسور، بأن يكون قضية
~~الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه، حيث إن الظاهر من مثله هو ذلك، كما أن
~~الظاهر من مثل (لا ضرر ولا ضرار) (3) هو نفي ماله من تكليف أو وضع، لا أنها
~~عبارة عن عدم سقوطه بنفسه وبقائه على عهدة المكلف كي لا يكون له دلالة
# PageV00P371
# على جريان القاعدة في المستحبات على وجه، أو لا يكون له دلالة على وجوب
~~الميسور في الواجبات على آخر، فافهم.
# وأما الثالث، فبعد تسليم ظهور ms248 كون الكل في المجموعي لا الافرادي، لا
~~دلالة له إلا على رجحان الاتيان بباقي الفعل المأمور به - واجبا كان أو
~~مستحبا - عند تعذر بعض أجزائه، لظهور الموصول فيما يعمهما، وليس ظهور (لا
~~يترك) في الوجوب - لو سلم - موجبا لتخصيصه بالواجب، لو لم يكن ظهوره في
~~الأعم قرينة على إرادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية من النفي، وكيف كان
~~فليس ظاهرا في اللزوم هاهنا، ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام.
# ثم إنه حيث كان الملاك في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفا،
~~كانت القاعدة جارية مع تعذر الشرط أيضا، لصدقه حقيقة عليه مع تعذره عرفا،
~~كصدقه عليه كذلك مع تعذر الجزء في الجملة، وإن كان فاقد الشرط مباينا
~~للواجد عقلا، ولأجل ذلك ربما لا يكون الباقي - الفاقد لمعظم الاجزاء أو
~~لركنها - موردا لها فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفا، وإن كان غير مباين
~~للواجد عقلا.
# نعم ربما يلحق به شرعا مالا يعد بميسور عرفا بتخطئة للعرف، وإن عدم العد
~~كان لعدم الاطلاع على ما هو عليه الفاقد، من قيامه في هذا الحال بتمام ما
~~قام عليه الواجد، أو بمعظمه في غير الحال، وإلا عد أنه ميسوره، كما ربما
~~يقوم الدليل على سقوط ميسور عرفي لذلك - أي للتخطئة - وأنه لا يقوم بشئ من
~~ذلك.
# وبالجملة: ما لم يكن دليل على الاخراج أو الالحاق كان المرجع هو الاطلاق،
~~ويستكشف منه أن الباقي قائم بما يكون الأمور به قائما بتمامه، أو بمقدار
~~يوجب إيجابه في الواجب واستحبابه في المستحب، وإذا قام دليل على أحدهما
~~فيخرج أو يدرج تخطئة أو تخصيصا في الأول، وتشريكا في الحكم، من دون
~~الاندراج في الموضوع في الثاني، فافهم.
# تذنيب: لا يخفى أنه إذا دار الامر بين جزئية شئ أو شرطيته، وبين مانعيته
~~PageV00P372
# أو قاطعيته، لكان من قبيل المتباينين، ولا يكاد يكون من الدوران بين
~~المحذورين، لامكان الاحتياط بإتيان العمل مرتين، مع ذاك الشئ مرة وبدونه
~~أخرى، كما هو أوضح من أن يخفى. PageV00P373
# خاتمة: في شرائط ms249 الأصول أما الاحتياط: فلا يعتبر في حسنه شئ أصلا، بل
~~يحسن على كل حال، إلا إذا كان موجبا لاختلال النظام، ولا تفاوت فيه بين
~~المعاملات والعبادات مطلقا ولو كان موجبا للتكرار فيها، وتوهم (1) كون
~~التكرار عبثا ولعبا بأمر المولى - وهو ينافي قصد الامتثال المعتبر في
~~العبادة - فاسد، لوضوح أن التكرار ربما يكون بداع صحيح عقلائي، مع أنه لو
~~لم يكن بهذا الداعي وكان أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داع له سواه لما
~~ينافي قصد الامتثال، وإن كان لاغيا في كيفية امتثاله، فافهم.
# بل يحسن أيضا فيما قامت الحجة على البراءة عن التكليف لئلا يقع فيما كان
~~في مخالفته على تقدير ثبوته، من المفسدة وفوت المصلحة.
# وأما البراءة العقلية: فلا يجوز إجراؤها إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر
~~بالحجة على التكليف، لما مرت (2) الإشارة إليه من عدم استقلال العقل بها
~~إلا بعدهما.
# وأما البراءة النقلية: فقضية إطلاق أدلتها وإن كان هو عدم اعتبار
# PageV00P374
# الفحص في جريانها، كما هو حالها في الشبهات الموضوعية، إلا أنه استدل (1)
~~على اعتباره بالاجماع وبالعقل، فإنه لا مجال لها بدونه، حيث يعلم إجمالا
~~بثبوت التكليف بين موارد الشبهات، بحيث لو تفحص عنه لظفر به.
# ولا يخفى أن الاجماع هاهنا غير حاصل، ونقله لوهنه بلا طائل، فإن تحصيله
~~في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل صعب لو لم يكن عادة بمستحيل، لقوة
~~احتمال أن يكون المستند للجل - لولا الكل - هو ما ذكر من حكم العقل، وأن
~~الكلام في البراءة فيما لم يكن هناك علم موجب للتنجز، إما لانحلال العلم
~~الاجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال، أو لعدم الابتلاء إلا بما لا
~~يكون بينها علم بالتكليف من موارد الشبهات، ولو لعدم الالتفات إليها (2).
# فالأولى الاستدلال للوجوب بما دل من الآيات (3) والاخبار (4) على وجوب
~~التفقه والتعلم، والمؤاخذة على ترك التعلم في مقام الاعتذار عن عدم العمل
~~بعدم العلم، بقوله تعالى كما في الخبر (5): (هلا تعلمت) فيقيد بها أخبار
~~البراءة، لقوة ظهورها في أن المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلم فيما لم ms250 يعلم،
~~لا بترك العمل فيما علم وجوبه ولو إجمالا، فلا مجال للتوفيق بحمل هذه
~~الأخبار على ما إذا علم إجمالا، فافهم.
# ولا يخفى اعتبار الفحص في التخيير العقلي أيضا بعين ما ذكر في البراءة،
~~فلا تغفل.
# ولا بأس بصرف الكلام في بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من
# PageV00P375
# التبعة والاحكام.
# أما التبعة، فلا شبهة في استحقاق العقوبة على المخالفة فيما إذا كان ترك
~~التعلم والفحص مؤديا إليها، فإنها وإن كانت مغفولة حينها وبلا اختيار، إلا
~~أنها منتهية إلى الاختيار، وهو كاف في صحة العقوبة، بل مجرد تركهما كاف في
~~صحتها، وإن لم يكن مؤديا إلى المخالفة، مع احتماله، لاجل التجري وعدم
~~المبالاة بها.
# نعم يشكل في الواجب المشروط والمؤقت، لو أدى تركهما قبل الشرط والوقت إلى
~~المخالفة بعدهما، فضلا عما إذا لم يؤد إليها، حيث لا يكون حينئذ تكليف فعلي
~~أصلا، لا قبلهما وهو واضح، ولا بعدهما وهو كذلك، لعدم التمكن (1) منه بسبب
~~الغفلة، ولذا التجأ المحقق الأردبيلي (2) وصاحب المدارك (3) (قدس سرهما)
~~إلى الالتزام بوجوب التفقه والتعلم نفسيا تهيئيا، فتكون العقوبة على ترك
~~التعلم نفسه لا على ما أدى إليه من المخالفة.
# فلا إشكال حينئذ في المشروط والمؤقت، ويسهل بذلك الامر في غيرهما لو صعب
~~على أحد، ولم تصدق كفاية الانتهاء إلى الاختيار في استحقاق العقوبة على ما
~~كان فعلا مغفولا عنه وليس بالاختيار، ولا يخفى أنه لا يكاد ينحل هذا
~~الاشكال إلا بذلك، أو الالتزام بكون المشروط أو المؤقت مطلقا معلقا، لكنه
~~قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته الوجودية عقلا بالوجوب قبل الشرط أو
~~الوقت غير التعلم،
# PageV00P376
# فيكون الايجاب حاليا، وإن كان الواجب استقباليا قد أخذ على نحو لا يكاد
~~يتصف بالوجوب شرطه، ولا غير التعلم من مقدماته قبل شرطه أو وقته.
# وأما لو قيل بعدم الايجاب إلا بعد الشرط والوقت، كما هو ظاهر الأدلة
~~وفتاوى المشهور، فلا محيص عن الالتزام يكون وجوب التعلم نفسيا، لتكون
~~العقوبة - لو قيل بها - على تركه لا على ما أدى إليه ms251 من المخالفة، ولا بأس
~~به كما لا يخفى، ولا ينافيه ما يظهر من الاخبار من كون وجوب التعلم إنما هو
~~لغيره لا لنفسه، حيث أن وجوبه لغيره لا يوجب كونه واجبا غيريا يترشح وجوبه
~~من وجوب غيره فيكون مقدميا، بل للتهيؤ لايجابه، فافهم.
# وأما الاحكام، فلا إشكال في وجوب الإعادة في صورة المخالفة، بل في صورة
~~الموافقة أيضا في العبادة، فيما لا يتأتى منه قصد القربة وذلك لعدم الاتيان
~~بالمأمور به مع عدم دليل على الصحة والاجزاء، إلا في الاتمام في موضع القصر
~~أو الاجهار أو الاخفات في موضع الآخر، فورد في الصحيح (1) - وقد أفتى به
~~المشهور - صحة الصلاة وتماميتها في الموضعين مع الجهل مطلقا، ولو كان عن
~~تقصير موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الصلاة المأمور بها، لان ما أتى بها
~~وإن صحت وتمت إلا أنها ليست بمأمور بها.
# إن قلت: كيف يحكم بصحتها مع عدم الامر بها؟ وكيف يصح الحكم باستحقاق
~~العقوبة على ترك الصلاة التي أمر بها، حتى فيما إذا تمكن مما أمر بها؟ كما
~~هو ظاهر إطلاقاتهم، بأن علم بوجوب القصر أو الجهر بعد الاتمام والاخفات وقد
~~بقي من الوقت مقدار إعادتها قصرا أو جهرا، ضرورة أنه لا تقصير هاهنا يوجب
# PageV00P377
# استحقاق العقوبة، وبالجملة كيف يحكم بالصحة بدون الامر؟ وكيف يحكم
~~باستحقاق العقوبة مع التمكن من الإعادة؟ لولا الحكم شرعا بسقوطها وصحة ما
~~أتى بها.
# قلت: إنما حكم بالصحة لاجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء في
~~نفسها مهمة في حد ذاتها، وإن كانت دون مصلحة الجهر والقصر، وإنما لم يؤمر
~~بها لاجل أنه أمر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الأكمل والأتم.
# وأما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الإعادة فإنها بلا فائدة، إذ
~~مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في
~~المأمور بها، ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلا - مع تمكنه من التعلم -
~~فقد قصر، ولو علم بعده وقد وسع الوقت.
# فربما يقال بأنه قضية استصحاب الاحكام التي ms252 قلده فيها، فإن رأيه وإن كان
~~فانقدح أنه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الاتمام، ولا من
~~الجهر كذلك بعد فعل صلاة الاخفات، وإن كان الوقت باقيا.
# إن قلت: على هذا يكون كل منهما في موضع الآخر سببا لتفويت الواجب فعلا،
~~وما هو سبب لتفويت الواجب كذلك حرام، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا
~~كلام.
# قلت: ليس سببا لذلك، غايته أنه يكون مضادا له، وقد حققنا في محله (1) أن
~~الضد وعدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف أصلا.
# لا يقال: على هذا فلو صلى تماما أو صلى إخفاتا - في موضع القصر والجهر مع
~~العلم بوجوبهما في موضعهما - لكانت صلاته صحيحة، وإن عوقب على مخالفة الامر
~~بالقصر أو الجهر.
# فإنه يقال: لا بأس بالقول به لو دل دليل على أنها تكون مشتملة على
~~المصلحة
# PageV00P378
# ولو مع العلم، لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل، ولا بعد أصلا
~~في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شئ والجهل به، كما لا
~~يخفى. وقد صار بعض الفحول (1) بصدد بيان إمكان كون المأتي به في غير موضعه
~~مأمورا به بنحو الترتب، وقد حققناه في مبحث الضد امتناع الامر بالضدين
~~مطلقا، ولو بنحو الترتب، بما لا مزيد عليه فلا نعيد.
# ثم إنه ذكر (2) لأصل البراءة شرطان آخران:
# أحدهما: أن لا يكون موجبا لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى.
# ثانيهما: أن لا يكون موجبا للضرر على آخر.
# ولا يخفى أن أصالة البراءة عقلا ونقلا في الشبهة البدوية بعد الفحص لا
~~محالة تكون جارية، وعدم استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية والإباحة
~~أو رفع التكليف الثابت بالبراءة النقلية، لو كان موضوعا لحكم شرعي أو
~~ملازما له فلا محيص عن ترتبه عليه بعد إحرازه، فإن لم يكن مترتبا عليه بل
~~على نفي التكليف واقعا، فهي وإن كانت جارية إلا أن ذاك الحكم لا يترتب،
~~لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها، وهذا ليس بالاشتراط.
# وأما اعتبار أن لا يكون موجبا للضرر، فكل مقام تعمه قاعدة نفي الضرر وإن ms253
~~لم يكن مجال فيه لأصالة البراءة، كما هو حالها مع سائر القواعد الثابتة
~~بالأدلة الاجتهادية، إلا أنه حقيقة لا يبقى لها مورد، بداهة أن الدليل
~~الاجتهادي يكون بيانا وموجبا للعلم بالتكليف ولو ظاهرا، فإن كان المراد من
~~الاشتراط ذلك، فلا بد من اشتراط أن لا يكون على خلافها دليل اجتهادي، لا
~~خصوص قاعدة الضرر، فتدبر، والحمد لله على كل حال.
# PageV00P379
# ثم إنه لا بأس بصرف الكلام إلى بيان قاعدة الضرر والضرار على نحو
~~الاقتصار، وتوضيح مدركها وشرح مفادها، وإيضاح نسبتها مع الأدلة المثبتة
~~للاحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية أو الثانوية، وإن كانت أجنبية
~~عن مقاصد الرسالة، إجابة لالتماس بعض الأحبة، فأقول وبه أستعين:
# إنه قد استدل عليها بأخبار كثيرة:
# منها: موثقة زرارة (1)، عن أبي جعفر عليه السلام: (إن سمرة بن جندب كان
~~له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، وكان
~~سمرة يمر إلى نخلته ولا يستأذن، فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى
~~سمرة، فجاء الأنصاري إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكى إليه، فأخبر
~~بالخبر، فأرسل رسول الله وأخبره بقول الأنصاري وما شكاه، فقال: إذا أردت
~~الدخول فاستأذن، فأبى، فلما أبى فساومه حتى بلغ من الثمن ما شاء الله، فأبى
~~أن يبيعه، فقال: لك بها عذق في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله للأنصاري:
# اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار).
# وفي رواية الحذاء (2) عن أبي جعفر عليه السلام مثل ذلك، ألا أنه فيها بعد
~~الاباء (ما أراك يا سمرة إلا مضارا، إذهب يا فلان فاقلعها وارم بها وجهه)
~~إلى غير ذلك من الروايات الواردة في قصة سمرة وغيرها (3). وهي كثيرة وقد
~~ادعي (4) تواترها، مع اختلافها لفظا وموردا، فليكن المراد به تواترها
~~إجمالا، بمعنى
# PageV00P380
# القطع بصدور بعضها، والانصاف أنه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف، وهذا مع
~~استناد المشهور إليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها، مع أن بعضها
~~موثقة، فلا مجال للاشكال فيها من جهة ms254 سندها، كما لا يخفى.
# وأما دلالتها، فالظاهر أن الضرر هو ما يقابل النفع، من النقص في النفس أو
~~الطرف أو العرض أو المال، تقابل العدم والملكة، كما أن الأظهر أن يكون
~~الضرار معنى الضرر جئ به تأكيدا، كما يشهد به إطلاق المضار على سمرة، وحكي
~~عن النهاية (1) لا فعل الاثنين، وإن كان هو الأصل في باب المفاعلة، ولا
~~الجزاء على الضرر لعدم تعاهده من باب المفاعلة، وبالجملة لم يثبت له معنى
~~آخر غير الضرر.
# كما أن الظاهر أن يكون (لا) لنفي الحقيقة، كما هو الأصل في هذا التركيب
~~حقيقة أو ادعاء، كناية عن نفي الآثار، كما هو الظاهر من مثل: (لا صلاة لجار
~~المسجد إلا في المسجد) (2) و (يا أشباه الرجال ولا رجال) (3) فإن قضية
~~البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاء، لا نفي الحكم أو الصفة، كما
~~لا يخفى.
# ونفي الحقيقة ادعاء بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداء مجازا في
~~التقدير أو في الكلمة، مما لا يخفى على من له معرفة بالبلاغة.
# وقد انقدح بذلك بعد إرادة نفي الحكم الضرري (4)، أو الضرر الغير المتدارك
~~(5)، أو إرادة النهي من النفي جدا (6)، ضرورة بشاعة استعمال الضرر
# PageV00P381
# وإرادة خصوص سبب من أسبابه، أو خصوص الغير المتدارك منه، ومثله لو أريد
~~ذاك بنحو التقييد، فإنه وإن لم يكن ببعيد، إلا أنه بلا دلالة عليه غير
~~سديد، وإرادة النهي من النفي وإن كان ليس بعزيز، إلا أنه لم يعهد من مثل
~~هذا التركيب، وعدم إمكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة لا يكاد يكون قرينة على
~~إرادة واحد منها، بعد إمكان حمله على نفيها إدعاء، بل كان هو الغالب في
~~موارد استعماله.
# ثم الحكم الذي أريد نفيه بنفي الضرر هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها،
~~أو المتوهم ثبوته لها كذلك في حال الضرر لا الثابت له بعنوانه، لوضوح أنه
~~العلة للنفي، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه بل يثبته ويقتضيه.
# ومن هنا لا يلاحظ النسبة بين أدلة نفيه وأدلة الاحكام، وتقدم أدلته ms255 على
~~أدلتها - مع أنها عموم من وجه - حيث أنه يوفق بينهما عرفا، بأن الثابت
~~للعناوين الأولية اقتضائي، يمنع عنه فعلا ما عرض عليها من عنوان الضرر
~~بأدلته، كما هو الحال في التوفيق بين سائر الأدلة المثبتة أو النافية لحكم
~~الأفعال بعناوينها الثانوية، والأدلة المتكفلة لحكمها بعناوينها الأولية.
# نعم ربما يعكس الامر فيما أحرز بوجه معتبر أن الحكم في المورد ليس بنحو
~~الاقتضاء، بل بنحو العلية التامة.
# وبالجملة الحكم الثابت بعنوان أولي:
# تارة يكون بنحو الفعلية مطلقا، أو بالإضافة إلى عارض دون عارض، بدلالة لا
~~يجوز الاغماض عنها بسبب دليل حكم العارض المخالف له، فيقدم دليل ذاك
~~العنوان على دليله.
# وأخرى يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الاغماض عنها بسببه عرفا،
~~حيث كان اجتماعهما قرينة على أنه بمجرد المقتضي، وأن العارض مانع فعلي، هذا
# PageV00P382
# ولو لم نقل بحكومة دليله على دليله، لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله، كما قيل
~~(1).
# ثم انقدح بذلك حال توارد دليلي العارضين، كدليل نفي العسر ودليل نفي
~~الضرر مثلا، فيعامل معهما معاملة المتعارضين لو لم يكن من باب تزاحم
~~المقتضيين، وإلا فيقدم ما كان مقتضيه أقوى وإن كان دليل الآخر أرجح وأولى،
~~ولا يبعد أن الغالب في توارد العارضين أن يكون من ذاك الباب، بثبوت المقتضي
~~فيهما مع تواردهما، لا من باب التعارض، لعدم ثبوته إلا في أحدهما، كما لا
~~يخفى، هذا حال تعارض الضرر مع عنوان أولي أو ثانوي آخر.
# وأما لو تعارض مع ضرر آخر، فمجمل القول فيه أن الدوران إن كان بين ضرري
~~شخص واحد أو اثنين، فلا مسرح إلا لاختيار أقلهما لو كان، وإلا فهو مختار.
# وأما لو كان بين ضرر نفسه وضرر غيره، فالأظهر عدم لزوم تحمله الضرر، ولو
~~كان ضرر الآخر أكثر، فإن نفيه يكون للمنة على الأمة، ولا منة على تحمل
~~الضرر، لدفعه عن الآخر وإن كان أكثر.
# نعم لو كان الضرر متوجها إليه، ليس له دفعه عن نفسه بإيراده على الآخر،
~~اللهم إلا أن يقال: إن نفي الضرر ms256 وإن كان للمنة، إلا أنه بلحاظ نوع الأمة،
~~واختيار الأقل بلحاظ النوع منة، فتأمل.
# PageV00P383
# فصل في الاستصحاب: وفي حجيته إثباتا ونفيا أقوال للأصحاب.
# ولا يخفى أن عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتى، إلا أنه تشير إلى مفهوم
~~واحد ومعنى فارد، وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه:
# إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقا، أو في الجملة
~~تعبدا، أو للظن به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقا.
# وإما من جهة دلالة النص أو دعوى الاجماع عليه كذلك، حسبما تأتي الإشارة
~~إلى ذلك مفصلا.
# ولا يخفى أن هذا المعنى هو القابل لان يقع فيه النزاع والخلاف في نفيه
~~وإثباته مطلقا أو في الجملة، وفي وجه ثبوته، على أقوال.
# ضرورة أنه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو الظن به
~~الناشئ مع العلم بثبوته، لما تقابل فيه الأقوال، ولما كان النفي والاثبات
~~واردين على مورد واحد بل موردين، وتعريفه بما ينطبق على بعضها، وإن كان
~~ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه، إلا أنه حيث لم يكن
~~بحد ولا برسم بل من قبيل شرح الاسم، كما هو الحال في التعريفات غالبا، لم
~~يكن له دلالة على أنه نفس PageV00P384
# الوجه، بل للإشارة إليه من هذا الوجه، ولذا لا وقع للاشكال على ما ذكر في
~~تعريفه بعدم الطرد أو العكس، فإنه لم يكن به إذا لم يكن بالحد أو الرسم
~~بأس.
# فانقدح أن ذكر تعريفات القوم له، وما ذكر فيها من الاشكال، بلا حاصل وطول
~~بلا طائل.
# ثم لا يخفى أن البحث في حجيته (1) مسألة أصولية، حيث يبحث فيها لتمهيد
~~قاعدة تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعية، وليس مفادها حكم العقل بلا
~~واسطة، وإن كان ينتهي إليه، كيف؟ وربما لا يكون مجرى الاستصحاب إلا حكما
~~أصوليا كالحجية مثلا، هذا لو كان الاستصحاب عبارة عما ذكرنا.
# وأما لو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته، أو الظن به ms257
~~الناشئ من ملاحظة ثبوته، فلا إشكال في كونه مسألة أصولية.
# وكيف كان، فقد ظهر مما ذكرنا في تعريف اعتبار أمرين في مورده: القطع
~~بثبوت شئ، والشك في بقائه، ولا يكاد يكون الشك في البقاء إلا مع اتحاد
~~القضية المشكوكة والمتيقنة بحسب الموضوع والمحمول، وهذا مما لا غبار عليه
~~في الموضوعات الخارجية في الجملة.
# وأما الأحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل أم النقل، فيشكل حصوله فيها،
~~لأنه لا يكاد يشك في بقاء الحكم إلا من جهة الشك في بقاء موضوعه، بسبب تغير
~~بعض ما هو عليه مما احتمل دخله فيه حدوثا أو بقاء، وإلا لما تخلف (2) الحكم
~~عن موضوعه إلا بنحو البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى، ولذا كان النسخ
~~بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا.
# PageV00P385
# ويندفع هذا الاشكال، بأن الاتحاد في القضيتين بحسبهما، وإن كان مما لا
~~محيص عنه في جريانه، إلا أنه لما كان الاتحاد بحسب نظر العرف كافيا في
~~تحققه وفي صدق الحكم ببقاء ما شك في بقائه، وكان بعض ما عليه الموضوع من
~~الخصوصيات التي يقطع معها بثبوت الحكم له، مما يعد بالنظر العرفي من حالاته
~~- وإن كان واقعا من قيوده ومقوماته - كان جريان الاستصحاب في الأحكام
~~الشرعية الثابتة لموضوعاتها عند الشك فيها - لاجل طروء انتفاء بعض ما احتمل
~~دخله فيها، مما عد من حالاتها لا من مقوماتها، بمكان من الامكان، ضرورة
~~[صحة] (1) إمكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبدا، أو لكونه مظنونا ولو
~~نوعا، أو دعوى دلالة النص أو قيام الاجماع عليه قطعا، بلا تفاوت (2) في ذلك
~~بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا.
# أما الأول فواضح، وأما الثاني، فلان الحكم الشرعي المستكشف به عند طروء
~~انتفاء ما احتمل دخله في موضوعه، مما لا يرى مقوما له، كان مشكوك البقاء
~~عرفا، لاحتمال عدم دخله فيه واقعا، وإن كان لا حكم للعقل بدونه قطعا.
# إن قلت: كيف هذا؟ مع الملازمة بين الحكمين.
# قلت: ذلك لان الملازمة إنما تكون في مقام الاثبات والاستكشاف لا في مقام
~~الثبوت، فعدم استقلال ms258 العقل إلا في حال غير ملازم لعدم حكم الشرع في غير
~~تلك الحال، وذلك لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة أو
~~المفسدة التي هي ملاك حكم العقل، كان على حاله في كلتا الحالتين، وإن لم
~~يدركه إلا في إحداهما، لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه، أو احتمال أن يكون
~~معه ملاك آخر بلا دخل لها فيه أصلا، وإن كان لها دخل فيما اطلع عليه من
~~الملاك.
# وبالجملة: حكم الشرع إنما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعا، لا ما هو
# PageV00P386
# مناط حكمه فعلا، وموضوع حكمه كذلك مما لا يكاد يتطرق إليه الاهمال
~~والاجمال، مع تطرقه إلى ما هو موضوع حكمه شأنا، وهو ما قام به ملاك حكمه
~~واقعا، فرب خصوصية لها دخل في استقلاله مع احتمال عدم دخله، فبدونها لا
~~استقلال له بشئ قطعا، مع احتمال بقاء ملاكه واقعا. ومعه يحتمل بقاء حكم
~~الشرع جدا لدورانه معه وجودا وعدما، فافهم وتأمل جيدا.
# ثم إنه لا يخفى اختلاف آراء الأصحاب في حجية الاستصحاب مطلقا، وعدم حجيته
~~كذلك، والتفصيل بين الموضوعات والاحكام، أو بين ما كان الشك في الرافع وما
~~كان في المقتضي، إلى غير ذلك من التفاصيل الكثيرة، على أقوال شتى لا يهمنا
~~نقلها ونقل ما ذكر من الاستدلال عليها، وإنما المهم الاستدلال على ما هو
~~المختار منها، وهو الحجية مطلقا، على نحو يظهر بطلان سائرها، فقد استدل
~~عليه بوجوه:
# الوجه الأول: استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوي الشعور من كافة
~~أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة، وحيث لم يردع عنه الشارع
~~كان ماضيا.
# وفيه: أولا منع استقرار بنائهم على ذلك تعبدا، بل إما رجاء واحتياطا، أو
~~اطمئنانا بالبقاء، أو ظنا ولو نوعا، أو غفلة كما هو الحال في سائر
~~الحيوانات دائما وفي الانسان أحيانا.
# وثانيا: سلمنا ذلك، لكنه لم يعلم أن الشارع به راض وهو عنده ماض، ويكفي
~~في الردع عن مثله ما دل من الكتاب والسنة على النهي عن اتباع غير العلم، ms259
~~وما دل على البراءة أو الاحتياط في الشبهات، فلا وجه لاتباع هذا البناء
~~فيما لابد في اتباعه من الدلالة على إمضائه، فتأمل جيدا. PageV00P387
# الوجه الثاني (1): إن الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق.
# وفيه: منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلا ولا نوعا، فإنه لا وجه
~~له أصلا إلا كون الغالب فيما ثبت أن يدوم مع إمكان أن لا يدوم، وهو غير
~~معلوم، ولو سلم، فلا دليل على اعتباره بالخصوص، مع نهوض الحجة على عدم
~~اعتباره بالعموم.
# الوجه الثالث: دعوى الاجماع عليه، كما عن المبادئ (2) حيث قال:
# الاستصحاب حجة، لاجماع الفقهاء على أنه متى حصل حكم، ثم وقع الشك في أنه
~~طرأ ما يزيله أم لا؟ وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا، ولولا القول بأن
~~الاستصحاب حجة، لكان ترجيحا لاحد طرفي الممكن من غير مرجح، انتهى. وقد نقل
~~عن غيره (3) أيضا.
# وفيه: إن تحصيل الاجماع في مثل هذه المسألة مما له مبان مختلفة في غاية
~~الاشكال، ولو مع الاتفاق، فضلا عما إذا لم يكن وكان مع الخلاف من المعظم،
~~حيث ذهبوا إلى عدم حجيته مطلقا أو في الجملة، ونقله موهون جدا لذلك، ولو
~~قيل بحجيته لولا ذلك.
# الوجه الرابع: وهو العمدة في الباب، الأخبار المستفيضة.
# منها: صحيحة زرارة (4) (قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء،
# PageV00P388
# أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ قال: يا زرارة، قد تنام العين ولا
~~ينام القلب والاذن، وإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء، قلت:
~~فإن حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم، قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ
~~من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك،
~~ولكنه ينقضه بيقين آخر).
# وهذه الرواية وإن كانت مضمرة إلا أن إضمارها لا يضر باعتبارها، حيث كان
~~مضمرها مثل زرارة، وهو ممن لا يكاد يستفتي من غير الامام - عليه السلام -
~~لا سيما مع هذا الاهتمام.
# وتقريب الاستدلال بها أنه لا ريب في ظهور قوله عليه السلام: ms260 (وإلا فإنه
~~على يقين.. إلى آخره) عرفا في النهي عن نقض اليقين بشئ بالشك فيه، وأنه
~~عليه السلام بصدد بيان ما هو علة الجزاء المستفاد من قوله عليه السلام:
~~(لا) في جواب: (فإن حرك في جنبه... إلى آخره)، وهو اندراج اليقين والشك في
~~مورد السؤال في القضية الكلية الارتكازية الغير المختصة بباب دون باب،
~~واحتمال أن يكون الجزاء هو قوله: (فإنه على يقين... إلى آخره) غير سديد،
~~فإنه لا يصح إلا بإرادة لزوم العمل على طبق يقينه، وهو إلى الغاية بعيد،
~~وأبعد منه كون الجزاء قوله: (لا ينقض.. إلى آخره) وقد ذكر: (فإنه على يقين)
~~للتمهيد.
# وقد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضية: (لا تنقض... إلى آخره)
~~باليقين والشك بباب الوضوء جدا، فإنه ينافيه ظهور التعليل في أنه بأمر
~~ارتكازي لا تعبدي قطعا، ويؤيده تعليل الحكم بالمضي مع الشك في غير الوضوء
~~في غير هذه الرواية بهذه القضية أو ما يرادفها، فتأمل جيدا.
# هذا مع أنه لا موجب لاحتماله إلا احتمال كون اللام في اليقين للعهد،
~~إشارة إلى اليقين في (فإنه على يقين من وضوئه) مع أن الظاهر أنه للجنس، كما
~~هو PageV00P389
# الأصل فيه، وسبق: (فإنه على يقين... إلى آخره) لا يكون قرينة عليه، مع
~~كمال الملاءمة مع الجنس أيضا، فافهم.
# مع أنه غير ظاهر في اليقين بالوضوء، لقوة احتمال أن يكون (من وضوئه)
~~متعلقا بالظرف لا ب (يقين)، وكان المعنى: فإنه كان من طرف وضوئه على يقين،
~~وعليه لا يكون الأوسط (1) إلا اليقين، لا اليقين بالوضوء، كما لا يخفى على
~~المتأمل.
# وبالجملة: لا يكاد يشك في ظهور القضية في عموم اليقين والشك، خصوصا بعد
~~ملاحظة تطبيقها في الاخبار على غير الوضوء أيضا.
# ثم لا يخفى حسن اسناد النقض - وهو ضد الابرام - إلى اليقين، ولو كان
~~متعلقا بما ليس فيه اقتضاء للبقاء والاستمرار، لما يتخيل فيه من الاستحكام
~~بخلاف الظن، فإنه يظن أنه ليس فيه إبرام واستحكام وإن كان متعلقا بما فيه
~~اقتضاء ذلك، وإلا لصح أن يسند إلى ms261 نفس ما فيه المقتضي له، مع ركاكة مثل
~~(نقضت الحجر من مكانه) ولما صح أن يقال: (انتقض اليقين باشتعال السراج)
~~فيما إذا شك في بقائه للشك في استعداده، مع بداهة صحته وحسنه.
# وبالجملة: لا يكاد يشك في أن اليقين كالبيعة والعهد إنما يكون حسن إسناد
~~النقض إليه بملاحظته لا بملاحظة متعلقة، فلا موجب لإرادة ما هو أقرب إلى
~~الامر المبرم، أو أشبه بالمتين المستحكم مما فيه اقتضاء البقاء لقاعدة (إذا
~~تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات) بعد تعذر إرادة مثل ذاك الامر مما يصح إسناد
~~النقض إليه حقيقة.
# فإن قلت: نعم، ولكنه حيث لا انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة، فلو
~~لم يكن هناك اقتضاء البقاء في المتيقن لما صح إسناد الانتقاض إليه بوجه
# PageV00P390
# ولو مجازا، بخلاف ما إذا كان هناك، فإنه وإن لم يكن معه أيضا انتقاض
~~حقيقة إلا أنه صح إسناده إليه مجازا، فإن اليقين معه كأنه تعلق بأمر مستمر
~~مستحكم قد انحل وانفصم بسبب الشك فيه، من جهة الشك في رافعه.
# قلت: الظاهر أن وجه الاسناد هو لحاظ اتحاد متعلقي اليقين والشك ذاتا،
~~وعدم ملاحظة تعددهما زمانا، وهو كاف عرفا في صحة إسناد النقض إليه
~~واستعارته له، بلا تفاوت في ذلك أصلا في نظر أهل العرف، بين ما كان هناك
~~اقتضاء البقاء وما لم يكن، وكونه مع المقتضي أقرب بالانتقاض وأشبه لا يقتضي
~~تعيينه لاجل قاعدة (إذا تعذرت الحقيقة)، فإن الاعتبار في الأقربية إنما هو
~~بنظر العرف لا الاعتبار، وقد عرفت عدم التفاوت بحسب نظر أهله، هذا كله في
~~المادة.
# وأما الهيئة، فلا محالة يكون المراد منها النهي عن الانتقاض بحسب البناء
~~والعمل لا الحقيقة، لعدم كون الانتقاض بحسبها تحت الاختيار، سواء كان
~~متعلقا باليقين - كما هو ظاهر القضية - أو بالمتيقن، أو بآثار اليقين بناء
~~على التصرف فيها بالتجوز أو الاضمار، بداهة أنه كما لا يتعلق النقض
~~الاختياري القابل لورود النهي عليه بنفس اليقين، كذلك لا يتعلق بما كان على
~~يقين منه أو أحكام اليقين، فلا يكاد (1) يجدي التصرف ms262 بذلك في بقاء الصيغة
~~على حقيقتها، فلا مجوز له فضلا عن الملزم، كما توهم.
# لا يقال: لا محيص عنه، فإن النهي عن النقض بحسب العمل لا يكاد يراد
~~بالنسبة إلى اليقين وآثاره، لمنافاته مع المورد.
# فإنه يقال: إنما يلزم لو كان اليقين ملحوظا بنفسه وبالنظر الاستقلالي،
# PageV00P391
# لا ما إذا كان ملحوظا بنحو المرآتية بالنظر الآلي، كما هو الظاهر في مثل
~~قضية (لا تنقض اليقين) حيث تكون ظاهرة عرفا في أنها كناية عن لزوم البناء
~~والعمل، بالتزام حكم مماثل للمتيقن تعبدا إذا كان حكما، ولحكمه إذا كان
~~موضوعا، لا عبارة عن لزوم العمل بآثار نفس اليقين بالالتزام بحكم مماثل
~~لحكمه شرعا، وذلك لسراية الآلية والمرآتية من اليقين الخارجي إلى مفهومه
~~الكلي، فيؤخذ في موضوع الحكم في مقام بيان حكمه، مع عدم دخله فيه أصلا، كما
~~ربما يؤخذ فيما له دخل فيه، أو تمام الدخل، فافهم.
# ثم إنه حيث كان كل من الحكم الشرعي وموضوعه مع الشك قابلا للتنزيل بلا
~~تصرف وتأويل، غاية الامر تنزيل الموضوع بجعل مماثل حكمه، وتنزيل الحكم بجعل
~~مثله - كما أشير إليه آنفا - كان قضية (لا تنقض) ظاهرة في اعتبار الاستصحاب
~~في الشبهات الحكمية والموضوعية، واختصاص المورد بالأخيرة لا يوجب تخصيصها
~~بها، خصوصا بعد ملاحظة أنها قضية كلية ارتكازية، قد أتي بها في غير مورد
~~لاجل الاستدلال بها على حكم المورد، فتأمل.
# ومنها: صحيحة أخرى لزرارة (1): (قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره
~~أو شئ من المني، فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فحضرت الصلاة، ونسيت أن
~~بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة وتغسله، قلت: فإن
~~لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنه قد أصابه، فطلبته ولم أقدر عليه، فلما صليت
~~وجدته، قال عليه السلام:
# تغسله وتعيد، قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر
~~شيئا فصليت، فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك؟
# PageV00P392
# قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت، فليس ينبغي ms263 لك أن تنقض اليقين
~~بالشك أبدا، قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه، ولم أدر أين هو، فأغسله؟ قال:
~~تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها، حتى تكون على يقين من
~~طهارتك، قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا ولكنك
~~إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك، قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في
~~الصلاة، قال: تنقض الصلاة وتعيد، إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم
~~تشك ثم رأيته رطبا، قطعت الصلاة وغسلته، ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري
~~لعله شئ أوقع عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك.
# وقد ظهر مما ذكرنا في الصحيحة الأولى تقريب الاستدلال بقوله: (فليس ينبغي
~~أن تنقض اليقين بالشك) في كلا الموردين، ولا نعيد.
# نعم دلالته في المورد الأول على الاستصحاب مبني على أن يكون المراد من
~~اليقين في قوله عليه السلام: (لأنك كنت على يقين من طهارتك) اليقين
~~بالطهارة قبل ظن الإصابة كما هو الظاهر، فإنه لو كان المراد منه اليقين
~~الحاصل بالنظر والفحص بعده الزائل بالرؤية بعد الصلاة، كان مفاد قاعدة
~~اليقين، كما لا يخفى.
# ثم إنه أشكل على الرواية، بأن الإعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة [في
~~النجاسة] (1) ليست نقضا لليقين بالطهارة بالشك فيها، بل باليقين بارتفاعها،
~~فكيف يصح أن يعلل عدم الإعادة بأنها نقض اليقين بالشك؟
# نعم إنما يصح أن يعلل به جواز الدخول في الصلاة، كما لا يخفى، ولا يكاد
~~يمكن التفصي عن هذا الاشكال إلا بأن يقال: إن الشرط في الصلاة فعلا
# PageV00P393
# حين الالتفات إلى الطهارة هو إحرازها، ولو بأصل أو قاعدة لا نفسها، فيكون
~~قضية استصحاب الطهارة حال الصلاة عدم إعادتها ولو انكشف وقوعها في النجاسة
~~بعدها، كما أن إعادتها بعد الكشف يكشف عن جواز النقض وعدم حجية الاستصحاب
~~حالها، كما لا يخفى، فتأمل جيدا.
# لا يقال: لا مجال حينئذ لاستصحاب الطهارة فإنها إذا لم تكن شرطا لم تكن
~~موضوعة لحكم مع أنها ms264 ليست بحكم (1)، ولا محيص في الاستصحاب عن كون المستصحب
~~حكما أو موضوعا لحكم.
# فإنه يقال: إن الطهارة وإن لم تكن شرطا فعلا، إلا أنه غير منعزلة عن
~~الشرطية رأسا، بل هي شرط واقعي اقتضائي، كما هو قضية التوفيق بين بعض
~~الاطلاقات ومثل هذا الخطاب، هذا مع كفاية كونها من قيود الشرط، حيث أنه كان
~~إحرازها بخصوصها لا غيرها شرطا.
# لا يقال: سلمنا ذلك، لكن قضيته أن يكون علة عدم الإعادة حينئذ، بعد
~~انكشاف وقوع الصلاة في النجاسة، هو إحراز الطهارة حالها باستصحابها، لا
~~الطهارة المحرزة بالاستصحاب، مع أن قضية التعليل أن تكون العلة له هي نفسها
~~لا إحرازها، ضرورة أن نتيجة قوله: (لأنك كنت على يقين... إلى آخره)، أنه
~~على الطهارة لا أنه مستصحبها، كما لا يخفى.
# فإنه يقال: نعم، ولكن التعليل إنما هو بلحاظ حال قبل انكشاف الحال، لنكتة
~~التنبيه على حجية الاستصحاب، وأنه كان هناك استصحاب مع وضوح استلزام ذلك
~~لان يكون المجدي بعد الانكشاف، هو ذاك الاستصحاب لا الطهارة، وإلا لما كانت
~~الإعادة نقضا، كما عرفت في الاشكال.
# PageV00P394
# ثم إنه لا يكاد يصح التعليل، لو قيل باقتضاء الامر الظاهري للاجزاء، كما
~~قيل (1)، ضرورة أن العلة عليه إنما هو اقتضاء ذاك الخطاب الظاهري حال
~~الصلاة للاجزاء وعدم إعادتها، لا لزوم النقض من الإعادة كما لا يخفى، اللهم
~~إلا أن يقال: إن التعليل به إنما هو بملاحظة ضميمة اقتضاء الامر الظاهري
~~للاجزاء، بتقريب أن الإعادة لو قيل بوجوبها كانت موجبة لنقض اليقين بالشك
~~في الطهارة قبل الانكشاف وعدم حرمته شرعا، وإلا للزم عدم اقتضاء ذاك الامر
~~له، كما لا يخفى، مع اقتضائه شرعا أو عقلا، فتأمل (2).
# ولعل ذلك مراد من قال (3) بدلالة الرواية على إجزاء الامر الظاهري.
# هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه التعليل، مع أنه لا يكاد يوجب الاشكال
~~فيه - والعجز عن التفصي عنه - إشكالا في دلالة الرواية على الاستصحاب، فإن
~~لازم على كل حال، كان مفاده قاعدته أو قاعدة اليقين، مع بداهة عدم خروجه
~~منهما، ms265 فتأمل جيدا.
# ومنها: صحيحة ثالثة لزرارة (4): (وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، وقد
~~أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أخرى ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين بالشك،
~~ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنه ينقض الشك
~~باليقين، ويتم على اليقين فيبنى عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات).
# والاستدلال بها على الاستصحاب مبني على إرادة اليقين بعدم الاتيان
# PageV00P395
# بالركعة الرابعة سابقا والشك في إتيانها.
# وقد أشكل (1) بعدم إمكان إرادة ذلك على مذهب الخاصة، ضرورة أن قضيته
~~إضافة ركعة أخرى موصولة، والمذهب قد استقر على إضافة ركعة بعد التسليم
~~مفصولة، وعلى هذا يكون المراد باليقين اليقين بالفراغ، بما علمه الإمام
~~عليه السلام من الاحتياط بالبناء على الأكثر، والاتيان بالمشكوك بعد
~~التسليم مفصولة.
# ويمكن ذبه (2) بأن الاحتياط كذلك لا يأبى عن إرادة اليقين بعدم الركعة
~~المشكوكة، بل كان أصل الاتيان بها باقتضائه، غاية الامر إتيانها مفصولة
~~ينافي إطلاق النقض، وقد قام الدليل على التقييد في الشك في الرابعة وغيره،
~~وأن المشكوكة لا بد أن يؤتى بها مفصولة، فافهم.
# وربما أشكل أيضا، بأنه لو سلم دلالتها على الاستصحاب كانت من الاخبار
~~الخاصة الدالة عليه في خصوص المورد، لا العامة لغير مورد، ضرورة ظهور
~~الفقرات في كونها مبنية للفاعل، ومرجع الضمير فيها هو المصلي الشاك.
# وإلغاء خصوصية المورد ليس بذاك الوضوح، وإن كان يؤيده تطبيق قضية (لا
~~تنقض اليقين) وما يقاربها على غير مورد.
# بل دعوى أن الظاهر من نفس القضية هو أن مناط حرمة النقض إنما يكون لاجل
~~ما في اليقين والشك، لا لما في المورد من الخصوصية، وإن مثل اليقين لا ينقض
~~بمثل الشك، غير بعيدة.
# ومنها قوله (3): (من كان على يقين فأصابه شك فليمض على
# PageV00P396
# يقينه، فإن الشك لا ينقض اليقين) أو (فإن اليقين لا يدفع بالشك) (1) وهو
~~وإن كان يحتمل قاعدة اليقين لظهوره في اختلاف زمان الوصفين، وإنما يكون ذلك
~~في القاعدة دون الاستصحاب ضرورة إمكان اتحاد زمانهما، إلا أن المتداول في
~~التعبير عن ms266 مورده هو مثل هذه العبارة، ولعله بملاحظة اختلاف زمان الموصوفين
~~وسرايته إلى الوصفين، لما بين اليقين والمتيقن من نحو من الاتحاد، فافهم.
# هذا مع وضوح أن قوله: (فإن الشك لا ينقض... إلى آخره). هي القضية
~~المرتكزة الواردة مورد الاستصحاب في غير واحد من أخبار الباب (2).
# ومنها: خبر الصفار (3)، عن علي بن محمد القاساني، (قال: كتبت إليه - وأنا
~~بالمدينة - عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟
# فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وافطر للرؤية) حيث دل على أن
~~اليقين ب (شعبان) (4) لا يكون مدخولا بالشك في بقائه وزواله بدخول شهر
~~رمضان، ويتفرع [عليه] (5) عدم وجوب الصوم إلا بدخول شهر رمضان.
# وربما يقال: إن مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشك يشرف القطع بأن
~~المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان، وأنه لابد في وجوب الصوم ووجوب
~~الافطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه، وأين هذا من الاستصحاب؟ فراجع
~~ما عقد في الوسائل (6) لذلك من الباب تجده شاهدا
# PageV00P397
# عليه.
# ومنها: قوله عليه السلام: (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر) (1) وقوله عليه
~~السلام: (الماء كله طاهر حتى تعلم أنه نجس) (2) وقوله عليه السلام: (كل شئ
~~حلال حتى تعرف أنه حرام) (3) وتقريب دلالة مثل هذه الأخبار على الاستصحاب
~~أن يقال: إن الغاية فيها إنما هو لبيان استمرار ما حكم على الموضوع واقعا
~~من الطهارة والحلية ظاهرا، ما لم يعلم بطروء ضده أو نقيضه، لا لتحديد
~~الموضوع، كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شك في طهارته أو حليته، وذلك
~~لظهور المغيى فيها في بيان الحكم للأشياء بعناوينها، لا بما هي مشكوكة
~~الحكم، كما لا يخفى.
# فهو وإن لم يكن له بنفسه مساس بذيل القاعدة ولا الاستصحاب إلا أنه بغايته
~~دل على الاستصحاب، حيث أنها ظاهرة في استمرار ذاك الحكم الواقعي ظاهرا ما
~~لم يعلم (4) بطروء ضده أو نقيضه، كما أنه لو صار مغيى لغاية، مثل الملاقاة
~~بالنجاسة أو ما يوجب الحرمة، لدل على استمرار ذاك الحكم واقعا، ولم ms267 يكن له
~~حينئذ بنفسه ولا بغايته دلالة على الاستصحاب، ولا يخفى أنه لا يلزم على ذلك
~~استعمال اللفظ في معنيين أصلا، وإنما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود
~~الموضوع وقيوده غاية لاستمرار حكمه، ليدل على القاعدة والاستصحاب من غير
~~تعرض لبيان الحكم الواقعي للأشياء أصلا، مع وضوح ظهور مثل (كل شئ حلال، أو
~~طاهر) في أنه لبيان حكم الأشياء بعناوينها الأولية، وهكذا (الماء كله
~~طاهر)، وظهور الغاية في كونها حدا للحكم لا لموضوعه، كما لا يخفى، فتأمل
~~جيدا.
# PageV00P398
# ولا يذهب عليك انه بضميمة عدم القول بالفصل قطعا بين الحلية والطهارة
~~وبين سائر الاحكام، لعم الدليل وتم.
# ثم لا يخفى أن ذيل موثقة عمار (1): (فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس
~~عليك) يؤيد ما استظهرنا منها، من كون الحكم المغيى واقعيا ثابتا للشئ
~~بعنوانه، لا ظاهريا ثابتا له بما هو مشتبه، لظهوره في أنه متفرع على الغاية
~~وحدها، وأنه بيان لها وحدها، منطوقها ومفهومها، لا لها مع المغيى، كما لا
~~يخفى على المتأمل.
# ثم إنك إذا حققت ما تلونا عليك مما هو مفاد الاخبار، فلا حاجة في إطالة
~~الكلام في بيان سائر الأقوال، والنقض والابرام فيما ذكر لها من الاستدلال.
# ولا بأس بصرفه إلى تحقيق حال الوضع، وأنه حكم مستقل بالجعل كالتكليف، أو
~~منتزع عنه وتابع له في الجعل، أو فيه تفصيل، حتى يظهر حال ما ذكر ها هنا
~~بين التكليف والوضع من التفصيل.
# فنقول وبالله الاستعانة:
# لا خلاف كما لا إشكال في اختلاف التكليف والوضع مفهوما، واختلافهما في
~~الجملة موردا، لبداهة ما بين مفهوم السببية أو الشرطية ومفهوم مثل الايجاب
~~أو الاستحباب من المخالفة والمباينة.
# كما لا ينبغي النزاع في صحة تقسيم الحكم الشرعي إلى التكليفي والوضعي،
~~بداهة أن الحكم وإن لم يصح تقسيمه إليهما ببعض معانيه ولم يكد يصح إطلاقه
~~على الوضع، إلا أن صحة تقسيمه بالبعض الآخر إليهما وصحة إطلاقه عليه بهذا
~~المعنى، مما (2) لا يكاد ينكر، كما لا يخفى، ويشهد به كثرة
# PageV00P399
# إطلاق الحكم ms268 عليه في كلماتهم، والالتزام بالتجوز فيه، كما ترى.
# وكذا لا وقع للنزاع في أنه محصور في أمور مخصوصة، كالشرطية والسببية
~~والمانعية - كما هو المحكي عن العلامة - أو مع زيادة العلية والعلامية، أو
~~مع زيادة الصحة والبطلان، والعزيمة والرخصة، أو زيادة غير ذلك - كما هو
~~المحكي عن غيره (1) - أو ليس بمحصور، بل كلما ليس بتكليف مما له دخل فيه أو
~~في متعلقه وموضوعه، أو لم يكن له دخل مما أطلق عليه الحكم في كلماتهم،
~~ضرورة أنه لا وجه للتخصيص بها بعد كثرة إطلاق الحكم في الكلمات على غيرها،
~~مع أنه لا تكاد تظهر ثمرة مهمة علمية أو عملية للنزاع في ذلك، وإنما المهم
~~في النزاع هو أن الوضع كالتكليف في أنه مجعول تشريعا بحيث يصح انتزاعه
~~بمجرد إنشائه، أو غير مجعول كذلك، بل إنما هو منتزع عن التكليف ومجعول
~~بتبعه وبجعله.
# والتحقيق أن ما عد من الوضع على أنحاء.
# منها: ما لا يكاد يتطرق إليه الجعل تشريعا أصلا، لا استقلالا ولا تبعا،
~~وإن كان مجعولا تكوينا عرضا بعين جعل موضوعه كذلك.
# ومنها: ما لا يكاد يتطرق إليه الجعل التشريعي إلا تبعا للتكليف.
# ومنها: ما يمكن فيه الجعل استقلالا بإنشائه، وتبعا للتكليف بكونه منشأ
~~لانتزاعه، وإن كان الصحيح انتزاعه من إنشائه وجعله، وكون التكليف من آثاره
~~وأحكامه، على ما يأتي الإشارة إليه.
# أما النحو الأول: فهو كالسببية والشرطية والمانعية والرافعية لما هو
# PageV00P400
# سبب التكليف وشرطه ومانعه ورافعه، حيث أنه لا يكاد يعقل انتزاع هذه
~~العناوين لها من التكليف المتأخر عنها ذاتا، حدوثا أو ارتفاعا، كما أن
~~اتصافها بها ليس إلا لاجل ما عليها من الخصوصية المستدعية لذلك تكوينا،
~~للزوم أن يكون في العلة بأجزائها من ربط خاص، به كانت مؤثرة (1) في
~~معلولها، لا في غيره، ولا غيرها فيه، وإلا لزم أن يكون كل شئ مؤثرا في كل
~~شئ، وتلك الخصوصية لا يكاد يوجد فيها بمجرد إنشاء مفاهيم العناوين، ومثل
~~قول: دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة إنشاء لا إخبارا، ضرورة بقاء الدلوك على ms269
~~ما هو عليه قبل إنشاء السببية له، من كونه واجدا لخصوصية مقتضية لوجوبها أو
~~فاقدا لها، وإن الصلاة لا تكاد تكون واجبة عند الدلوك ما لم يكن هناك ما
~~يدعو إلى وجوبها، ومعه تكون واجبة لا محالة وإن لم ينشأ السببية للدلوك
~~أصلا.
# ومنه انقدح أيضا، عدم صحة انتزاع السببية له حقيقة من إيجاب الصلاة عنده،
~~لعدم اتصافه بها بذلك ضرورة.
# نعم لا بأس باتصافه بها عناية، واطلاق السبب عليه مجازا، كما لا بأس بأن
~~يعبر عن إنشاء وجوب الصلاة عند الدلوك - مثلا - بأنه سبب لوجوبها فكني به
~~عن الوجوب عنده.
# فظهر بذلك أنه لا منشأ لانتزاع السببية وسائر ما لاجزاء العلة للتكليف،
~~إلا ما هي عليها من الخصوصية الموجبة لدخل كل فيه على نحو غير دخل الآخر،
~~فتدبر جيدا.
# وأما النحو الثاني: فهو كالجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية، لما هو
~~جزء المكلف به وشرطه ومانعه وقاطعه، حيث أن اتصاف شئ بجزئية المأمور به أو
~~شرطيته أو غيرهما لا يكاد يكون إلا بالأمر بجملة أمور مقيدة بأمر وجودي أو
~~عدمي، ولا يكاد يتصف شئ بذلك - أي كونه جزء أو شرطا
# PageV00P401
# للمأمور به - إلا بتبع ملاحظة الامر بما يشتمل عليه مقيدا بأمر آخر، وما
~~لم يتعلق بها الامر كذلك لما كاد اتصف بالجزئية أو الشرطية، وإن أنشأ
~~الشارع له الجزئية أو الشرطية، وجعل الماهية واختراعها ليس إلا تصوير ما
~~فيه المصلحة المهمة الموجبة للامر بها، فتصورها بأجزائها وقيودها لا يوجب
~~اتصاف شئ منها بجزئية المأمور به أو شرطه قبل الامر بها، فالجزئية للمأمور
~~به أو الشرطية له إنما ينتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الامر به، بلا حاجة إلى
~~جعلها له، وبدون الامر به لا اتصاف بها أصلا، وإن اتصف بالجزئية أو الشرطية
~~للمتصور أو لذي المصلحة، كما لا يخفى.
# وأما النحو الثالث: فهو كالحجية والقضاوة والولاية والنيابة والحرية
~~والرقية والزوجية والملكية إلى غير ذلك، حيث أنها وإن كان من الممكن
~~انتزاعها من الأحكام التكليفية التي تكون في مواردها - كما قيل - ومن جعلها ms270
~~بإنشاء أنفسها، إلا أنه لا يكاد يشك في صحة انتزاعها من مجرد جعله تعالى،
~~أو من بيده الامر من قبله - جل وعلا - لها بإنشائها، بحيث يترتب عليها
~~آثارها، كما يشهد به ضرورة صحة انتزاع الملكية والزوجية والطلاق والعتاق
~~بمجرد العقد أو الايقاع ممن بيده الاختيار بلا ملاحظة التكاليف والآثار،
~~ولو كانت منتزعة عنها لما كاد يصح اعتبارها إلا بملاحظتها، وللزم أن لا يقع
~~ما قصد، ووقع ما لم يقصد.
# كما لا ينبغي أن يشك في عدم صحة انتزاعها عن مجرد التكليف في موردها، فلا
~~ينتزع الملكية عن إباحة التصرفات، ولا الزوجية من جواز الوطئ، وهكذا سائر
~~الاعتبارات في أبواب العقود والايقاعات.
# فانقدح بذلك أن مثل هذه الاعتبارات إنما تكون مجعولة بنفسها، يصح
~~انتزاعها بمجرد إنشائها كالتكليف، لا مجعولة بتبعه ومنتزعة عنه.
# وهم ودفع: أما الوهم (1): فهو أن الملكية كيف جعلت من الاعتبارات
# PageV00P402
# الحاصلة بمجرد الجعل والانشاء التي تكون من خارج المحمول، حيث ليس
~~بحذائها في الخارج شئ، وهي إحدى المقولات المحمولات بالضميمة التي لا تكاد
~~تكون بهذا السبب، بل بأسباب أخر كالتعمم والتقمص والتنعل، فالحالة الحاصلة
~~منها للانسان هو الملك، وأين هذه من الاعتبار الحاصل بمجرد إنشائه؟
# وأما الدفع: فهو أن الملك يقال بالاشتراك على ذلك، ويسمى بالجدة أيضا،
~~واختصاص شئ بشئ خاص، وهو ناشئ إما من جهة إسناد وجوده إليه، ككون العالم
~~ملكا للباري جل ذكره، أو من جهة الاستعمال والتصرف فيه، ككون الفرس لزيد
~~بركوبه له وسائر تصرفاته فيه، أو من جهة إنشائه والعقد مع من اختياره بيده،
~~كملك الأراضي والعقار البعيدة للمشتري بمجرد عقد البيع شرعا وعرفا.
# فالملك الذي يسمى بالجدة أيضا، غير الملك الذي هو اختصاص خاص ناشئ من سبب
~~اختياري كالعقد، أو غير اختياري كالإرث، ونحوهما من الأسباب الاختيارية
~~وغيرها، فالتوهم إنما نشأ من إطلاق الملك على مقولة الجدة أيضا، والغفلة عن
~~أنه بالاشتراك بينه وبين الاختصاص الخاص والإضافة الخاصة الاشراقية كملكه
~~تعالى للعالم، أو المقولية كملك غيره لشئ بسبب من تصرف واستعمال أو إرث ms271 أو
~~عقد أو غيرها (1) من الاعمال، فيكون شئ ملكا لاحد بمعنى، ولآخر بالمعنى
~~الآخر، فتدبر.
# إذا عرفت اختلاف الوضع في الجعل، فقد عرفت أنه لا مجال لاستصحاب دخل ماله
~~الدخل في التكليف إذا شك في بقائه على ما كان عليه من الدخل، لعدم كونه
~~حكما شرعيا، ولا يترتب عليه أثر شرعي، والتكليف وإن كان مترتبا عليه إلا
~~أنه ليس بترتب شرعي، فافهم.
# PageV00P403
# وإنه لا إشكال في جريان الاستصحاب في الوضع المستقل بالجعل، حيث أنه
~~كالتكليف، وكذا ما كان مجعولا بالتبع، فإن أمر وضعه ورفعه بيد الشارع ولو
~~بتبع منشأ انتزاعه، وعدم تسميته حكما شرعيا لو سلم غير ضائر بعد كونه مما
~~تناله يد التصرف شرعا، نعم لا مجال لاستصحابه، لاستصحاب سببه ومنشأ
~~انتزاعه، فافهم.
# ثم إن هاهنا تنبيهات:
# الأول: إنه يعتبر في الاستصحاب فعلية الشك واليقين، فلا استصحاب مع
~~الغفلة، لعدم الشك فعلا ولو فرض أنه يشك لو التفت، ضرورة أن الاستصحاب
~~وظيفة الشاك، ولا شك مع الغفلة أصلا، فيحكم بصحة صلاة من أحدث ثم غفل وصلى
~~ثم شك في أنه تطهر قبل الصلاة، لقاعدة الفراغ، بخلاف من ألتفت قبلها وشك ثم
~~غفل وصلى، فيحكم بفساد صلاته فيما إذا قطع بعدم تطهيره بعد الشك، لكونه
~~محدثا قبلها بحكم الاستصحاب، مع القطع بعدم رفع حدثه الاستصحابي.
# لا يقال: نعم، ولكن استصحاب الحدث في حال الصلاة بعد ما ألتفت بعدها
~~يقتضي أيضا فسادها.
# فإنه يقال: نعم، لولا قاعدة الفراغ المقتضية لصحتها المقدمة على أصالة
~~فسادها.
# الثاني: إنه هل يكفي في صحة الاستصحاب الشك في بقاء شئ على تقدير ثبوته،
~~وإن لم يحرز ثبوته فيما رتب عليه أثر شرعا أو عقلا؟ إشكال من عدم إحراز
~~الثبوت فلا يقين، ولابد منه، بل ولا شك، فإنه على تقدير لم يثبت، ومن أن
~~اعتبار اليقين إنما هو لاجل أن التعبد والتنزيل شرعا إنما هو في
~~PageV00P404
# البقاء لا في الحدوث، فيكفي الشك فيه على تقدير الثبوت، فيتعبد به على
~~هذا التقدير، فيترتب عليه الأثر فعلا فيما كان ms272 هناك أثر، وهذا هو الأظهر،
~~وبه يمكن أن يذب عما في استصحاب الاحكام التي قامت الامارات المعتبرة على
~~مجرد ثبوتها، وقد شك في بقائها على تقدير ثبوتها، من الاشكال بأنه لا يقين
~~بالحكم الواقعي، ولا يكون هناك حكم آخر فعلي، بناء على ما هو التحقيق (1)،
~~من أن قضية حجية الامارة ليست إلا تنجز التكاليف مع الإصابة والعذر مع
~~المخالفة، كما هو قضية الحجة المعتبرة عقلا، كالقطع والظن في حال الانسداد
~~على الحكومة، لا إنشاء أحكام فعلية شرعية ظاهرية، كما هو ظاهر الأصحاب.
# ووجه الذب بذلك، إن الحكم الواقعي الذي هو مؤدى الطريق حينئذ محكوم
~~بالبقاء، فتكون الحجة على ثبوت حجة على بقائه تعبدا، للملازمة بينه وبين
~~ثبوته واقعا.
# إن قلت: كيف؟ وقد أخذ اليقين بالشئ في التعبد ببقائه في الاخبار، ولا
~~يقين في فرض تقدير الثبوت.
# قلت: نعم، ولكن الظاهر أنه أخذ كشفا عنه ومرآة لثبوته ليكون التعبد في
~~بقائه، والتعبد مع فرض ثبوته إنما يكون في بقائه، فافهم.
# الثالث: إنه لا فرق في المتيقن السابق بين أن يكون خصوص أحد
# PageV00P405
# الاحكام، أو ما يشترك بين الاثنين منها، أو الأزيد من أمر عام فإن كان
~~الشك في بقاء ذاك العام من جهة الشك في بقاء الخاص الذي كان في ضمنه
~~وارتفاعه، كان استصحابه كاستصحابه بلا كلام، وإن كان الشك فيه من جهة تردد
~~الخاص الذي في ضمنه، بين ما هو باق أو مرتفع قطعا، فكذا لا إشكال في
~~استصحابه، فيترتب عليه كافة ما يترتب عليه عقلا أو شرعا من أحكامه ولوازمه،
~~وتردد ذاك الخاص - الذي يكون الكلي موجودا في ضمنه ويكون وجوده بعين وجوده
~~- بين متيقن الارتفاع ومشكوك الحدوث المحكوم بعدم حدوثه، غير ضائر باستصحاب
~~الكلي المتحقق في ضمنه، مع عدم إخلاله باليقين والشك في حدوثه وبقائه،
~~وإنما كان التردد بين الفردين ضائرا باستصحاب أحد الخاصين اللذين كان أمره
~~مرددا بينهما، لاخلاله باليقين الذي هو أحد ركني الاستصحاب، كما لا يخفى.
# نعم، يجب رعاية التكاليف المعلومة إجمالا المترتبة على الخاصين، ms273 فيما علم
~~تكليف في البين، وتوهم كون الشك في بقاء الكلي الذي في ضمن ذاك المردد
~~مسببا عن الشك في حدوث الخاص المشكوك حدوثه المحكوم بعدم الحدوث بأصالة
~~عدمه فاسد قطعا، لعدم كون بقائه وارتفاعه من لوازم حدوثه وعدم حدوثه، بل من
~~لوازم كون الحادث المتيقن ذاك المتيقن الارتفاع أو البقاء، مع أن بقاء
~~القدر المشترك إنما هو بعين بقاء الخاص الذي في ضمنه لا أنه من لوازمه، على
~~أنه لو سلم أنه من لوازم حدوث المشكوك فلا شبهة في كون اللزوم عقليا، ولا
~~يكاد يترتب بأصالة عدم الحدوث إلا ما هو من لوازمه وأحكامه شرعا.
# وأما إذا كان الشك في بقائه، من جهة الشك في قيام خاص آخر في مقام ذاك
~~الخاص الذي كان في ضمنه بعد القطع بارتفاعه، ففي استصحابه إشكال، أظهره عدم
~~جريانه، فإن وجود الطبيعي وإن كان بوجود فرده، إلا PageV00P406
# أن وجوده في ضمن المتعدد من أفراده ليس من نحو وجود واحد له، بل متعدد
~~حسب تعددها، فلو قطع بارتفاع ما علم وجوده منها، لقطع بارتفاع وجوده، وإن
~~شك في وجود فرد آخر مقارن لوجود ذاك الفرد، أو لارتفاعه بنفسه أو بملاكه،
~~كما إذا شك في الاستحباب بعد القطع بارتفاع الايجاب بملاك مقارن أو حادث.
# لا يقال: الامر وإن كان كما ذكر، إلا أنه حيث كان التفاوت بين الايجاب
~~والاستحباب وهكذا بين الكراهة والحرمة، ليس إلا بشدة الطلب بينهما وضعفه،
~~كان تبدل أحدهما بالآخر مع عدم تخلل العدم غير موجب لتعدد وجود الطبيعي
~~بينهما، لمساوقة الاتصال مع الوحدة، فالشك في التبدل حقيقة شك في بقاء
~~الطلب وارتفاعه، لا في حدوث وجود آخر.
# فإنه يقال: الامر وإن كان كذلك، إلا أن العرف حيث يرى الايجاب والاستحباب
~~المتبادلين فردين متباينين، لا واحد مختلف الوصف في زمانين، لم يكن مجال
~~للاستصحاب، لما مرت (1) الإشارة إليه وتأتي (2)، من أن قضية إطلاق أخبار
~~الباب، أن العبرة فيه بما يكون رفع اليد عنه مع الشك بنظر العرف نقضا، وإن
~~لم يكن بنقض ms274 بحسب الدقة، ولذا لو انعكس الامر ولم يكن نقض عرفا، لم يكن
~~الاستصحاب جاريا وإن كان هناك نقض عقلا.
# ومما ذكرنا في المقام، يظهر - أيضا - حال الاستصحاب في متعلقات الاحكام
~~في الشبهات الحكمية والموضوعية، فلا تغفل.
# الرابع: إنه لا فرق في المتيقن بين أن يكون من الأمور القارة أو
~~التدريجية الغير القارة، فإن الأمور الغير القارة وإن كان وجودها ينصرم ولا
~~يتحقق
# PageV00P407
# منه جزء إلا بعد ما انصرم منه جزء وانعدم، إلا أنه ما لم يتخلل في البين
~~العدم، بل وإن تخلل بما لا يخل بالاتصال عرفا وإن انفصل حقيقة، كانت باقية
~~مطلقا أو عرفا، ويكون رفع اليد عنها - مع الشك في استمرارها وانقطاعها -
~~نقضا.
# ولا يعتبر في الاستصحاب - بحسب تعريفه وأخبار الباب وغيرها من أدلته -
~~غير صدق النقض والبقاء كذلك قطعا، هذا مع أن الانصرام والتدرج في الوجود في
~~الحركة - في الأين وغيره - إنما هو في الحركة القطعية، وهي كون الشئ في كل
~~آن في حد أو مكان، لا التوسطية وهي كونه بين المبدأ والمنتهى، فإنه بهذا
~~المعنى يكون قارا مستمرا.
# فانقدح بذلك أنه لا مجال للاشكال في استصحاب مثل الليل أو النهار وترتيب
~~مالهما من الآثار، وكذا كلما إذا كان الشك في الامر التدريجي من جهة الشك
~~في انتهاء حركته ووصوله إلى المنتهى، أو أنه بعد في البين، وأما إذا كان من
~~جهة الشك في كميته ومقداره، كما في نبع الماء وجريانه، وخروج الدم وسيلانه،
~~فيما كان سبب الشك في الجريان والسيلان الشك في أنه بقي في المنبع والرحم
~~فعلا شئ من الماء والدم غير ما سال وجرى منهما، فربما يشكل في استصحابهما
~~حينئذ، فإن الشك ليس في بقاء جريان شخص ما كان جاريا، بل في حدوث جريان جزء
~~آخر شك في جريانه من جهة الشك في حدوثه، ولكنه يتخيل بأنه لا يختل به ما هو
~~الملاك في الاستصحاب، بحسب تعريفه ودليله حسبما عرفت.
# ثم إنه لا يخفى أن استصحاب بقاء الامر التدريجي، إما يكون من قبيل
~~استصحاب ms275 الشخص، أو من قبيل استصحاب الكلي بأقسامه، فإذا شك في أن السورة
~~المعلومة التي شرع فيها تمت أو بقي شئ منها، صح فيه استصحاب الشخص والكلي،
~~وإذا شك فيه من جهة ترددها بين القصيرة والطويلة، كان PageV00P408
# من القسم الثاني، وإذا شك في أنه شرع في أخرى مع القطع بأنه قد تمت
~~الأولى كان من القسم الثالث، كما لا يخفى.
# هذا في الزمان ونحوه من سائر التدريجيات.
# وأما الفعل المقيد بالزمان، فتارة يكون الشك في حكمه من جهة الشك في بقاء
~~قيده، وطورا مع القطع بانقطاعه وانتفائه من جهة أخرى، كما إذا احتمل أن
~~يكون التعبد به إنما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله، فإن كان من جهة الشك
~~في بقاء القيد، فلا بأس باستصحاب قيده من الزمان، كالنهار الذي قيد به
~~الصوم مثلا، فيترتب عليه وجوب الامساك وعدم جواز الافطار ما لم يقطع
~~بزواله، كما لا بأس باستصحاب نفس المقيد، فيقال: إن الامساك كان قبل هذا
~~الآن في النهار، والآن كما كان فيجب، فتأمل.
# وإن كان من الجهة الأخرى، فلا مجال إلا لاستصحاب الحكم في خصوص ما لم
~~يؤخذ الزمان فيه إلا ظرفا لثبوته لا قيدا مقوما لموضوعه، وإلا فلا مجال إلا
~~لاستصحاب عدمه فيما بعد ذاك الزمان، فإنه غير ما علم ثبوته له، فيكون الشك
~~في ثبوته له - أيضا - شكا في أصل ثبوته بعد القطع بعدمه، لا في بقائه.
# لا يقال: إن الزمان لا محالة يكون من قيود الموضوع وإن أخذ ظرفا لثبوت
~~الحكم في دليله، ضرورة دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته، فلا مجال إلا
~~لاستصحاب عدمه.
# فإنه يقال: نعم، لو كانت العبرة في تعيين الموضوع بالدقة ونظر العقل،
~~وأما إذا كانت العبرة بنظر العرف فلا شبهة في أن الفعل بهذا النظر موضوع
~~واحد في الزمانين، قطع بثبوت الحكم له في الزمان الأول، وشك في بقاء هذا
~~الحكم له وارتفاعه في الزمان الثاني، فلا يكون مجال إلا لاستصحاب ثبوته.
~~PageV00P409
# لا يقال: فاستصحاب كل واحد من الثبوت والعدم ms276 يجري لثبوت كلا النظرين،
~~ويقع التعارض بين الاستصحابين، كما قيل.
# فإنه يقال: إنما يكون ذلك لو كان في الدليل ما بمفهومه يعم النظرين، وإلا
~~فلا يكاد يصح إلا إذا سبق بأحدهما، لعدم إمكان الجمع بينهما لكمال المنافاة
~~بينهما، ولا يكون في أخبار الباب ما بمفهومه يعمهما، فلا يكون هناك إلا
~~استصحاب واحد، وهو استصحاب الثبوت فيما إذا أخذ الزمان ظرفا، واستصحاب
~~العدم فيما إذا أخذ قيدا، لما عرفت من أن العبرة في هذا الباب بالنظر
~~العرفي، ولا شبهة في أن الفعل فيما بعد ذاك الوقت مع ما قبله متحد في الأول
~~ومتعدد في الثاني بحسبه، ضرورة أن الفعل المقيد بزمان خاص غير الفعل في
~~زمان آخر، ولو بالنظر المسامحي العرفي.
# نعم، لا يبعد أن يكون بحسبه - أيضا - متحدا فيما إذا كان الشك في بقاء
~~حكمه، من جهة الشك في أنه بنحو التعدد المطلوبي، وأن حكمه بتلك المرتبة
~~التي كان مع ذاك الوقت وإن لم يكن باقيا بعده قطعا، إلا أنه يحتمل بقاؤه
~~بما دون تلك المرتبة من مراتبه فيستصحب، فتأمل جيدا.
# إزاحة وهم: لا يخفى أن الطهارة الحدثية والخبثية وما يقابلها يكون مما
~~إذا وجدت بأسبابها، لا يكاد يشك في بقائها إلا من قبل الشك في الرافع لها،
~~لا من قبل الشك في مقدار تأثير أسبابها، ضرورة أنها إذا وجدت بها كانت تبقى
~~ما لم يحدث رافع لها، كانت من الأمور الخارجية أو الأمور الاعتبارية التي
~~كانت لها آثار شرعية، فلا أصل لأصالة عدم جعل الوضوء سببا للطهارة بعد
~~المذي، وأصالة عدم جعل الملاقاة سببا للنجاسة بعد الغسل مرة، كما حكي عن
~~بعض الأفاضل (1)، ولا يكون ها هنا أصل إلا أصالة الطهارة أو
# PageV00P410
# النجاسة.
# الخامس: إنه كما لا إشكال فيما إذا كان المتيقن حكما فعليا مطلقا، لا
~~ينبغي الاشكال فيما إذا كان مشروطا معلقا، فلو شك في مورد لاجل طروء بعض
~~الحالات عليه في بقاء أحكامه، ففيما صح استصحاب أحكامه المطلقة صح استصحاب
~~أحكامه المعلقة، لعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر ms277 في قوام الاستصحاب من
~~اليقين ثبوتا والشك بقاء.
# وتوهم (1) أنه لا وجود للمعلق قبل وجود ما علق عليه فاختل أحد ركنيه
~~فاسد، فإن المعلق قبله إنما لا يكون موجودا فعلا، لا أنه لا يكون موجودا
~~أصلا، ولو بنحو التعليق، كيف؟ والمفروض أنه مورد فعلا للخطاب بالتحريم -
~~مثلا - أو الايجاب، فكان على يقين منه قبل طروء الحالة فيشك فيه بعده، ولا
~~يعتبر في الاستصحاب إلا الشك في بقاء شئ كان على يقين من ثبوته، واختلاف
~~نحو ثبوته لا يكاد يوجب تفاوتا في ذلك.
# وبالجملة: يكون الاستصحاب متمما لدلالة الدليل على الحكم فيما أهمل أو
~~أجمل، كان الحكم مطلقا أو معلقا، فببركته يعم الحكم للحالة الطارئة اللاحقة
~~كالحالة السابقة، فيحكم - مثلا - بأن العصير الزبيبي يكون على ما كان عليه
~~سابقا في حال عنبيته، من أحكامه المطلقة والمعلقة لو شك فيها، فكما يحكم
~~ببقاء ملكيته يحكم بحرمته على تقدير غليانه.
# إن قلت: نعم، ولكنه لا مجال لاستصحاب المعلق لمعارضته باستصحاب ضده
~~المطلق، فيعارض استصحاب الحرمة المعلقة للعصير
# PageV00P411
# باستصحاب حليته المطلقة.
# قلت: لا يكاد يضر استصحابه على نحو كان قبل عروض الحالة التي شك في بقاء
~~حكم المعلق بعده، ضرورة أنه كان مغيى بعدم ما علق عليه المعلق، وما كان
~~كذلك لا يكاد يضر ثبوته بعده بالقطع فضلا عن الاستصحاب، لعدم المضادة
~~بينهما، فيكونان بعد عروضها بالاستصحاب كما كانا معا بالقطع قبل بلا منافاة
~~أصلا، وقضية ذلك انتفاء الحكم (1) المطلق بمجرد ثبوت ما علق عليه المعلق،
~~فالغليان في المثال كما كان شرطا للحرمة كان غاية للحلية، فإذا شك في حرمته
~~المعلقة بعد عروض حالة عليه، شك في حليته المغياة لا محالة أيضا، فيكون
~~الشك في حليته أو حرمته فعلا بعد عروضها متحدا خارجا مع الشك في بقائه على
~~ما كان عليه من الحلية والحرمة بنحو كانتا عليه، فقضية استصحاب حرمته
~~المعلقة بعد عروضها الملازم لاستصحاب حليته المغياة حرمته فعلا بعد غليانه
~~وانتفاء حليته، فإنه قضية نحو ثبوتهما كان بدليلهما أو بدليل الاستصحاب،
~~كما لا ms278 يخفى بأدنى التفات على ذوي الألباب، فالتفت ولا تغفل (2).
# السادس: لا فرق أيضا بين أن يكون المتيقن من أحكام هذه الشريعة أو
~~الشريعة السابقة، إذا شك في بقائه وارتفاعه بنسخه في هذه الشريعة، لعموم
~~أدلة الاستصحاب، وفساد توهم اختلال أركانه فيما كان
# PageV00P412
# المتيقن من أحكام الشريعة السابقة لا محالة، إما لعدم اليقين بثبوتها في
~~حقهم، وإن علم بثبوتها سابقا في حق آخرين، فلا شك في بقائها أيضا، بل في
~~ثبوت مثلها، كما لا يخفى، وإما لليقين بارتفاعها بنسخ الشريعة السابقة بهذه
~~الشريعة، فلا شك في بقائها حينئذ، ولو سلم اليقين بثبوتها في حقهم، وذلك
~~لان الحكم الثابت في الشريعة السابقة حيث كان ثابتا لافراد المكلف، كانت
~~محققة وجودا أو مقدرة، كما هو قضية القضايا المتعارفة المتداولة، وهي قضايا
~~حقيقية، لا خصوص الافراد الخارجية، كما هو قضية القضايا الخارجية، وإلا لما
~~صح الاستصحاب في الأحكام الثابتة في هذه الشريعة، ولا النسخ بالنسبة إلى
~~غير الموجود في زمان ثبوتها، كان الحكم في الشريعة السابقة ثابتا لعامة
~~أفراد المكلف ممن وجد أو يوجد، وكان (1) الشك فيه كالشك في بقاء الحكم
~~الثابت في هذه الشريعة لغير من وجد في زمان ثبوته، والشريعة السابقة وإن
~~كانت منسوخة بهذه الشريعة يقينا، إلا أنه لا يوجب اليقين بارتفاع أحكامها
~~بتمامها، ضرورة أن قضية نسخ الشريعة ليس ارتفاعها كذلك، بل عدم بقائها
~~بتمامها، والعلم إجمالا بارتفاع بعضها إنما يمنع عن استصحاب ما شك في بقائه
~~منها، فيما إذا كان من أطراف ما علم ارتفاعه إجمالا، لا فيما إذا لم يكن من
~~أطرافه، كما إذا علم بمقداره تفصيلا، أو في موارد ليس المشكوك منها، وقد
~~علم بارتفاع ما في موارد الأحكام الثابتة في هذه الشريعة.
# ثم لا يخفى أنه يمكن إرجاع ما أفاده شيخنا العلامة (2) - أعلى الله في
~~الجنان
# PageV00P413
# مقامه - في ذب اشكال (1) تغاير الموضوع في هذا الاستصحاب من الوجه الثاني
~~إلى ما ذكرنا، لا ما يوهمه ظاهر كلامه، من أن الحكم ثابت للكلي، كما أن
~~الملكية له في ms279 مثل باب الزكاة والوقف العام، حيث لا مدخل للاشخاص فيها،
~~ضرورة أن التكليف والبعث أو الزجر لا يكاد يتعلق به كذلك، بل لا بد من
~~تعلقه بالاشخاص، وكذلك الثواب أو العقاب المترتب على الطاعة أو المعصية،
~~وكان غرضه من عدم دخل الاشخاص عدم أشخاص خاصة، فافهم.
# وأما ما أفاده من الوجه الأول (2)، فهو وإن كان وجيها بالنسبة إلى جريان
~~الاستصحاب في حق خصوص المدرك للشريعتين، إلا أنه غير مجد في حق غيره من
~~المعدومين، ولا يكاد يتم الحكم فيهم، بضرورة اشتراك أهل الشريعة الواحدة
~~أيضا، ضرورة أن قضية الاشتراك ليس إلا أن الاستصحاب حكم كل من كان على يقين
~~فشك، لا أنه حكم الكل ولو من لم يكن كذلك بلا شك، وهذا واضح.
# السابع: لا شبهة في أن قضية أخبار الباب هو إنشاء حكم مماثل للمستصحب في
~~استصحاب الاحكام، ولأحكامه في استصحاب الموضوعات، كما لا شبهة في ترتيب ما
~~للحكم المنشأ بالاستصحاب من الآثار الشرعية والعقلية، وإنما الاشكال في
~~ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة غير شرعية عادية كانت
~~أو عقلية، ومنشؤه أن مفاد الاخبار: هل هو تنزيل المستصحب والتعبد به وحده؟
~~بلحاظ خصوص ما له من الأثر بلا واسطة، أو تنزيله بلوازمه العقلية أو
~~العادية؟ كما هو الحال في تنزيل مؤديات الطرق والامارات، أو بلحاظ مطلق ما
~~له من الأثر ولو بالواسطة؟ بناء على
# PageV00P414
# صحة التنزيل (1) بلحاظ أثر الواسطة أيضا لاجل أن أثر الأثر أثر.
# وذلك لان مفادها لو كان هو تنزيل الشئ وحده بلحاظ أثر نفسه، لم يترتب
~~عليه ما كان مترتبا عليها، لعدم إحرازها حقيقة ولا تعبدا، ولا يكون تنزيله
~~بلحاظه، بخلاف ما لو كان تنزيله بلوازمه، أو بلحاظ ما يعم آثارها، فإنه
~~يترتب باستصحابه ما كان بوساطتها.
# والتحقيق أن الاخبار إنما تدل على التعبد بما كان على يقين منه فشك،
~~بلحاظ ما لنفسه من آثاره وأحكامه، ولا دلالة لها بوجه على تنزيله بلوازمه
~~التي لا يكون كذلك، كما هي محل ثمرة الخلاف، ولا على تنزيله ms280 بلحاظ ماله
~~مطلقا ولو بالواسطة، فإن المتيقن إنما هو لحاظ آثار نفسه، وأما آثار لوازمه
~~فلا دلالة هناك على لحاظها أصلا، وما لم يثبت لحاظها بوجه أيضا لما كان وجه
~~لترتيبها عليه باستصحابه، كما لا يخفى.
# نعم لا يبعد ترتيب خصوص ما كان محسوبا بنظر العرف من آثار نفسه لخفاء ما
~~بوساطته، بدعوى أن مفاد الاخبار عرفا ما يعمه أيضا حقيقة، فافهم.
# كما لا يبعد ترتيب ما كان بوساطة ما لا يمكن التفكيك عرفا بينه وبين
~~المستصحب تنزيلا، كما لا تفكيك بينهما واقعا، أو بوساطة ما لاجل وضوح
# PageV00P415
# لزومه له، أو ملازمته معه بمثابة عد اثره اثرا لهما، فإن عدم ترتيب مثل
~~هذا الأثر عليه يكون نقضا ليقينه بالشك أيضا، بحسب ما يفهم من النهي عن
~~نقضه عرفا، فافهم.
# ثم لا يخفى وضوح الفرق بين الاستصحاب وسائر الأصول التعبدية وبين الطرق
~~والامارات، فإن الطريق والامارة حيث أنه كما يحكي عن المؤدى ويشير إليه،
~~كذا يحكي عن أطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته ويشير إليها، كان مقتضى
~~إطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها، وقضيته حجية المثبت منها كما
~~لا يخفى، بخلاف مثل دليل الاستصحاب، فإنه لا بد من الاقتصار مما فيه من
~~الدلالة على التعبد بثبوته، ولا دلالة له إلا على التعبد بثبوت المشكوك
~~بلحاظ أثره، حسبما عرفت فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه، كسائر الأصول
~~التعبدية، إلا فيما عد أثر الواسطة أثرا له لخفائها، أو لشدة وضوحها
~~وجلائها، حسبما حققناه.
# الثامن: إنه لا تفاوت في الأثر المترتب على المستصحب، بين أن يكون مترتبا
~~عليه بلا وساطة شئ، أو بوساطة عنوان كلي ينطبق ويحمل عليه بالحمل الشائع
~~ويتحد معه وجودا، كان منتزعا عن مرتبة ذاته، أو بملاحظة بعض عوارضه مما هو
~~خارج المحمول لا بالضميمة، فإن الأثر في الصورتين إنما يكون له حقيقة، حيث
~~لا يكون بحذاء ذلك الكلي في الخارج سواه،.
# لغيره مما كان مباينا معه، أو من أعراضه مما كان محمولا عليه بالضميمة
~~كسواده مثلا أو بياضه، وذلك ms281 لان الطبيعي إنما يوجد بعين وجود فرده، كما أن
~~العرضي كالملكية والغصبية ونحوهما لا وجود له إلا بمعنى وجود منشأ انتزاعه،
~~فالفرد أو منشأ الانتزاع في الخارج هو عين ما رتب عليه الأثر، لا شئ آخر،
~~فاستصحابه لترتيبه لا يكون بمثبت كما توهم (1)، وكذا لا تفاوت في الأثر
# PageV00P416
# المستصحب أو المترتب عليه، بين أن يكون مجعولا شرعا بنفسه كالتكليف وبعض
~~أنحاء الوضع، أو بمنشأ انتزاعه كبعض أنحائه كالجزئية والشرطية والمانعية،
~~فإنه أيضا مما تناله يد الجعل شرعا ويكون أمره بيد الشارع وضعا ورفعا ولو
~~بوضع منشأ انتزاعه ورفعه.
# ولا وجه لاعتبار أن يكون المترتب أو المستصحب مجعولا مستقلا كما لا يخفى،
~~فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطية أو المانعية بمثبت، كما ربما
~~توهم (1) بتخيل أن الشرطية أو المانعية ليست من الآثار الشرعية، بل من
~~الأمور الانتزاعية، فافهم.
# وكذا لا تفاوت في المستصحب أو المترتب بين أن يكون ثبوت الأثر ووجوده، أو
~~نفيه وعدمه، ضرورة أن أمر نفيه بيد الشارع كثبوته، وعدم إطلاق الحكم على
~~عدمه غير ضائر، إذ ليس هناك ما دل على اعتباره بعد صدق نقض اليقين بالشك
~~برفع اليد عنه كصدقه برفعها من طرف ثبوته كما هو واضح، فلا وجه للاشكال في
~~الاستدلال على البراءة باستصحاب البراءة من التكليف، وعدم المنع عن الفعل
~~بما في الرسالة (2)، من أن عدم استحقاق العقاب في الآخرة ليس من اللوازم
~~المجعولة الشرعية، فإن عدم استحقاق العقوبة وإن كان غير مجعول، إلا أنه لا
~~حاجة إلى ترتيب أثر مجعول في استصحاب عدم المنع، وترتب عدم الاستحقاق مع
~~كونه عقليا على استصحابه، إنما هو لكونه لازم مطلق عدم المنع ولو في
~~الظاهر، فتأمل.
# التاسع: إنه لا يذهب عليك أن عدم ترتب الأثر الغير الشرعي ولا
# PageV00P417
# الشرعي بوساطة غيره من العادي أو العقلي بالاستصحاب، إنما هو بالنسبة إلى
~~ما للمستصحب واقعا، فلا يكاد يثبت به من آثاره إلا أثره الشرعي الذي كان له
~~بلا واسطة، أو بوساطة أثر شرعي آخر، حسبما عرفت فيما مر ms282 (1)، لا بالنسبة
~~إلى ما كان للأثر الشرعي مطلقا، كان بخطاب الاستصحاب أو بغيره من أنحاء
~~الخطاب، فإن آثاره الشرعية كانت أو غيرها يترتب عليه إذا ثبت ولو بأن
~~يستصحب، أو كان من آثار المستصحب، وذلك لتحقق موضوعها حينئذ حقيقة، فما
~~للوجوب عقلا يترتب على الوجوب الثابت شرعا باستصحابه أو استصحاب موضوعه، من
~~وجوب الموافقة وحرمة المخالفة واستحقاق العقوبة إلى غير ذلك، كما يترتب على
~~الثابت بغير الاستصحاب، بلا شبهة ولا ارتياب، فلا تغفل.
# العاشر: إنه قد ظهر مما مر (2) لزوم أن يكون المستصحب حكما شرعيا أو ذا
~~حكم كذلك، لكنه لا يخفى أنه لابد أن يكون كذلك بقاء ولو لم يكن كذلك ثبوتا
~~فلو لم يكن المستصحب في زمان ثبوته حكما ولا له أثر شرعا وكان في زمان
~~استصحابه كذلك - أي حكما أو ذا حكم - يصح استصحابه كما في استصحاب عدم
~~التكليف، فإنه وإن لم يكن بحكم مجعول في الأزل ولا ذا حكم، إلا أنه حكم
~~مجعول فيما لا يزال، لما عرفت من أن نفيه كثبوته في الحال مجعول شرعا، وكذا
~~استصحاب موضوع لم يكن له حكم ثبوتا، أو كان ولم يكن حكمه فعليا وله حكم
~~كذلك بقاء، وذلك لصدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عنه والعمل، كما إذا
~~قطع بارتفاعه يقينا، ووضوح عدم دخل أثر الحالة السابقة ثبوتا فيه وفي
~~تنزيلها بقاء، فتوهم اعتبار الأثر سابقا - كما ربما يتوهمه الغافل من
~~اعتبار كون المستصحب حكما أو ذا حكم - فاسد قطعا، فتدبر جيدا.
# PageV00P418
# الحادي عشر: لا إشكال في الاستصحاب فيما كان الشك في أصل تحقق حكم أو
~~موضوع.
# وأما إذا كان الشك في تقدمه وتأخره بعد القطع بتحققه وحدوثه في زمان:
# فإن لوحظا بالإضافة إلى أجزاء الزمان، فكذا لا إشكال في استصحاب عدم
~~تحققه في الزمان الأول، وترتيب آثاره لا آثار تأخره عنه، لكونه بالنسبة
~~إليه مثبتا إلا بدعوى خفاء الواسطة، أو عدم التفكيك في التنزيل بين عدم
~~تحققه إلى زمان وتأخره عنه عرفا، كما لا تفكيك بينهما واقعا، ms283 ولا آثار
~~حدوثه في الزمان الثاني، فإنه نحو وجود خاص، نعم لا بأس بترتيبها بذا ك
~~الاستصحاب، بناء على أنه عبارة عن أمر مركب من الوجود في الزمان اللاحق
~~وعدم الوجود في السابق.
# وإن لوحظا بالإضافة إلى حادث آخر علم بحدوثه أيضا، وشك في تقدم ذاك عليه
~~وتأخره عنه، كما إذا علم بعروض حكمين أو موت متوارثين، وشك في المتقدم
~~والمتأخر منهما، فإن كانا مجهولي التاريخ:
# فتارة كان الأثر الشرعي لوجود أحدهما بنحو خاص من التقدم أو التأخر أو
~~التقارن، لا للآخر ولا له بنحو آخر، فاستصحاب عدمه صار بلا معارض، بخلاف ما
~~إذا كان الأثر لوجود كل منهما كذلك، أو لكل من أنحاء وجوده، فإنه حينئذ
~~يعارض، فلا مجال لاستصحاب العدم في واحد، للمعارضة باستصحاب العدم في آخر،
~~لتحقق أركانه في كل منهما. هذا إذا كان الأثر المهم مترتبا على وجوده الخاص
~~الذي كان مفاد كان التامة.
# وأما إن كان مترتبا على ما إذا كان متصفا بالتقدم، أو بأحد ضديه الذي كان
~~مفاد كان الناقصة، فلا مورد ها هنا للاستصحاب، لعدم اليقين السابق فيه، بلا
~~ارتياب.
# وأخرى كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر، فالتحقيق أنه أيضا ليس
~~PageV00P419
# بمورد للاستصحاب، فيما كان الأثر المهم مترتبا على ثبوته [للحادث، بأن
~~يكون الأثر الحادث] (1) المتصف بالعدم في زمان حدوث الآخر لعدم اليقين
~~بحدوثه كذلك في زمان، [بل قضية الاستصحاب عدم حدوثه كذلك، كما لا يخفى]
~~(2).
# وكذا فيما كان مترتبا على نفس عدمه في زمان الآخر واقعا، وإن كان على
~~يقين منه في آن قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما، لعدم إحراز اتصال زمان شكه
~~وهو زمان حدوث الآخر بزمان يقينه، لاحتمال انفصاله عنه باتصال حدوثه به.
# وبالجملة (3) كان بعد ذاك الآن الذي قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما
~~زمانان: أحدهما زمان حدوثه، والآخر زمان حدوث الآخر وثبوته الذي يكون طرفا
~~للشك في أنه فيه أو قبله، وحيث شك في أن أيهما مقدم وأيهما مؤخر لم يحرز
~~اتصال زمان الشك بزمان اليقين، ومعه لا ms284 مجال للاستصحاب حيث لم يحرز معه كون
~~رفع اليد عن اليقين بعدم حدوثه بهذا الشك من نقض اليقين بالشك.
# لا يقال: لا شبهة في اتصال مجموع الزمانين بذاك الآن، وهو بتمامه زمان
~~الشك في حدوثه لاحتمال تأخره على الآخر، مثلا إذا كان على يقين من عدم حدوث
~~واحد منهما في ساعة، وصار على يقين من حدوث أحدهما بلا تعيين في ساعة أخرى
~~بعدها، وحدوث الآخر في ساعة ثالثة، كان زمان الشك في حدوث كل منهما تمام
~~الساعتين لا خصوص أحدهما، كما لا يخفى.
# PageV00P420
# فإنه يقال: نعم، ولكنه إذا كان بلحاظ إضافته إلى أجزاء الزمان، والمفروض
~~إنه لحاظ إضافته إلى الآخر، وأنه حدث في زمان حدوثه وثبوته أو قبله، ولا
~~شبهة أن زمان شكه بهذا اللحاظ إنما هو خصوص ساعة ثبوت الآخر وحدوثه لا
~~الساعتين.
# فانقدح أنه لا مورد ها هنا للاستصحاب لاختلال أركانه لا أنه مورده، وعدم
~~جريانه إنما هو بالمعارضة، كي يختص بما كان الأثر لعدم كل في زمان الآخر،
~~وإلا كان الاستصحاب فيما له الأثر جاريا.
# وأما لو علم بتاريخ أحدهما، فلا يخلو أيضا إما يكون الأثر المهم مترتبا
~~على الوجود الخاص من المقدم أو المؤخر أو المقارن، فلا إشكال في استصحاب
~~عدمه، لولا المعارضة باستصحاب العدم في طرف الآخر أو طرفه، كما تقدم.
# وإما يكون مترتبا على ما إذا كان متصفا بكذا، فلا مورد للاستصحاب أصلا،
~~لا في مجهول التاريخ ولا في معلومه كما لا يخفى، لعدم اليقين بالاتصاف به
~~سابقا فيهما.
# وإما يكون مترتبا على عدمه الذي هو مفاد ليس التامة في زمان الآخر،
~~فاستصحاب العدم في مجهول التاريخ منهما كان جاريا، لاتصال زمان شكه بزمان
~~يقينه، دون معلومه لانتفاء الشك فيه في زمان، وإنما الشك فيه بإضافة زمانه
~~إلى الآخر، وقد عرفت جريانه فيهما تارة وعدم جريانه كذلك أخرى.
# فانقدح أنه لا فرق بينهما، كان الحادثان مجهولي التاريخ أو كانا مختلفين،
~~ولا بين مجهوله ومعلومه في المختلفين، فيما اعتبر في الموضوع خصوصية ناشئة
~~من إضافة ms285 أحدهما إلى الآخر بحسب الزمان من التقدم، أو أحد ضديه وشك فيها،
~~كما لا يخفى.
# كما انقدح أنه لا مورد للاستصحاب أيضا فيما تعاقب حالتان متضادتان
~~PageV00P421
# كالطهارة والنجاسة، وشك في ثبوتهما وانتفائهما، للشك في المقدم والمؤخر
~~منهما، وذلك لعدم إحراز الحالة السابقة المتيقنة المتصلة بزمان الشك في
~~ثبوتهما، وترددها بين الحالتين، وأنه ليس من تعارض الاستصحابين، فافهم
~~وتأمل في المقام فإنه دقيق.
# الثاني عشر: إنه قد عرفت (1) أن مورد الاستصحاب لابد أن يكون حكما شرعيا
~~أو موضوعا لحكم كذلك، فلا إشكال فيما كان المستصحب من الأحكام الفرعية ، أو
~~الموضوعات الصرفة الخارجية، أو اللغوية إذا كانت ذات احكام شرعية.
# وأما الأمور الاعتقادية التي كان المهم فيها شرعا هو الانقياد والتسليم
~~والاعتقاد بمعنى عقد القلب عليها من الاعمال القلبية الاختيارية، فكذا لا
~~إشكال في الاستصحاب فيها حكما وكذا موضوعا، فيما كان هناك يقين سابق وشك
~~لاحق، لصحة التنزيل وعموم الدليل، وكونه أصلا عمليا إنما هو بمعنى أنه
~~وظيفة الشك تعبدا، قبالا للامارات الحاكية عن الواقعيات، فيعم العمل
~~بالجوانح كالجوارح، وأما التي كان المهم فيها شرعا وعقلا هو القطع بها
~~ومعرفتها، فلا مجال له موضوعا ويجري حكما، فلو كان متيقنا بوجوب تحصيل
~~القطع بشئ - كتفاصيل القيامة - في زمان وشك في بقاء وجوبه، يستصحب.
# وأما لو شك في حياة إمام زمان مثلا فلا يستصحب، لاجل ترتيب لزوم معرفة
~~إمام زمانه، بل يجب تحصيل اليقين بموته أو حياته مع امكانه، ولا يكاد يجدي
~~في مثل وجوب المعرفة عقلا أو شرعا، إلا إذا كان حجة من باب إفادته الظن
~~وكان المورد مما يكتفى به أيضا، فالاعتقاديات كسائر الموضوعات لابد في
~~جريانه فيها من أن يكون في المورد أثر شرعي، يتمكن من موافقته مع بقاء الشك
~~فيه، كان ذاك متعلقا بعمل الجوارح أو الجوانح.
# PageV00P422
# وقد انقدح بذلك أنه لا مجال له في نفس النبوة، إذا كانت ناشئة من كمال
~~النفس بمثابة يوحى إليها، وكانت لازمة لبعض مراتب كمالها، إما لعدم الشك
~~فيها بعد اتصاف النفس بها، أو ms286 لعدم كونها مجعولة بل من الصفات الخارجية
~~التكوينية، ولو فرض الشك في بقائها باحتمال انحطاط النفس عن تلك المرتبة
~~وعدم بقائها بتلك المثابة، كما هو الشأن في سائر الصفات والملكات الحسنة
~~الحاصلة بالرياضات والمجاهدات، وعدم أثر شرعي مهم لها يترتب عليها
~~باستصحابها.
# نعم لو كانت النبوة من المناصب المجعولة وكانت كالولاية، وإن كان لابد في
~~إعطائها من أهلية وخصوصية يستحق بها لها، لكانت موردا للاستصحاب بنفسها،
~~فيترتب عليها آثارها ولو كانت عقلية بعد استصحابها، لكنه يحتاج إلى دليل
~~كان هناك غير منوط بها، وإلا لدار، كما لا يخفى.
# وأما استصحابها بمعنى استصحاب بعض أحكام شريعة من اتصف بها، فلا إشكال
~~فيها كما مر (1).
# ثم لا يخفى أن الاستصحاب لا يكاد يلزم به الخصم، إلا إذا اعترف بأنه على
~~يقين فشك، فيما صح هناك التعبد والتنزيل ودل عليه الدليل، كما لا يصح أن
~~يقنع به إلا مع اليقين والشك والدليل على التنزيل.
# ومنه انقدح أنه لا موقع لتشبث الكتابي باستصحاب نبوة موسى أصلا، لا
~~إلزاما للمسلم، لعدم الشك في بقائها قائمة بنفسه المقدسة، واليقين بنسخ
~~شريعته، وإلا لم يكن بمسلم، مع أنه لا يكاد يلزم به ما لم يعترف بأنه على
~~يقين وشك، ولا اقناعا مع الشك، للزوم معرفة النبي بالنظر إلى حالاته
~~ومعجزاته عقلا، وعدم الدليل على التعبد بشريعته لا عقلا ولا شرعا، والاتكال
~~على قيامه في شريعتنا لا يكاد يجديه إلا على نحو محال، ووجوب العمل
~~بالاحتياط عقلا في حال
# PageV00P423
# عدم المعرفة بمراعاة الشريعتين ما لم يلزم منه الاختلال، للعلم بثبوت
~~إحداهما على الاجمال، إلا إذا علم بلزوم البناء على الشريعة السابقة ما لم
~~يعلم الحال.
# الثالث عشر: إنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب في مقام مع دلالة مثل
~~العام، لكنه ربما يقع الاشكال والكلام فيما إذا خصص في زمان في أن المورد
~~بعد هذا الزمان مورد الاستصحاب أو التمسك بالعام.
# والتحقيق أن يقال: إن مفاد العام، تارة يكون - بملاحظة الزمان - ثبوت
~~حكمه لموضوعه على نحو الاستمرار والدوام، ms287 وأخرى على نحو جعل كل يوم من
~~الأيام فردا لموضوع ذاك العام. وكذلك مفاد مخصصه، تارة يكون على نحو أخذ
~~الزمان ظرف استمرار حكمه ودوامه، وأخرى على نحو يكون مفردا ومأخوذا في
~~موضوعه.
# فإن كان مفاد كل من العام والخاص على النحو الأول، فلا محيص عن استصحاب
~~حكم الخاص في غير مورد دلالته، لعدم دلالة للعام على حكمه، لعدم دخوله على
~~حدة في موضوعه، وانقطاع الاستمرار بالخاص الدال على ثبوت الحكم له في
~~الزمان السابق، من دون دلالته على ثبوته في الزمان اللاحق، فلا مجال إلا
~~لاستصحابه.
# نعم لو كان الخاص غير قاطع لحكمه، كما إذا كان مخصصا له من الأول، لما ضر
~~به في غير مورد دلالته، فيكون أول زمان استمرار حكمه بعد زمان دلالته، فيصح
~~التمسك ب (أوفوا بالعقود) (1) ولو خصص بخيار المجلس ونحوه، ولا يصح التمسك
~~به فيما إذا خصص بخيار لا في أوله، فافهم.
# وإن كان مفادهما على النحو الثاني، فلا بد من التمسك بالعام بلا كلام،
# PageV00P424
# لكون موضوع الحكم بلحاظ هذا الزمان من أفراده، فله الدلالة على حكمه،
~~والمفروض عدم دلالة الخاص على خلافه.
# وإن كان مفاد العام على النحو الأول والخاص على النحو الثاني، فلا مورد
~~للاستصحاب، فإنه وإن لم يكن هناك دلالة أصلا، إلا أن انسحاب الحكم الخاص
~~إلى غير مورد دلالته من إسراء حكم موضوع إلى آخر، لا استصحاب حكم الموضوع،
~~ولا مجال أيضا للتمسك بالعام لما مر آنفا، فلا بد من الرجوع إلى سائر
~~الأصول.
# وإن كان مفادهما على العكس كان المرجع هو العام، للاقتصار في تخصيصه
~~بمقدار دلالة الخاص، ولكنه لولا دلالته لكان الاستصحاب مرجعا، لما عرفت من
~~أن الحكم في طرف الخاص قد أخذ على نحو صح استصحابه، فتأمل تعرف أن اطلاق
~~كلام (1) شيخنا العلامة (أعلى الله مقامه) في المقام نفيا وإثباتا في غير
~~محله.
# الرابع عشر: الظاهر أن الشك في أخبار الباب وكلمات الأصحاب هو خلاف
~~اليقين، فمع الظن بالخلاف فضلا عن الظن بالوفاق يجري الاستصحاب، ويدل عليه ms288
~~- مضافا إلى أنه كذلك لغة كما في الصحاح، وتعارف استعماله فيه في الاخبار
~~في غير باب - قوله عليه السلام في أخبار الباب: (ولكن تنقصه بيقين آخر) حيث
~~أن ظاهره أنه في بيان تحديد ما ينقض به اليقين وأنه ليس إلا اليقين، وقوله
~~أيضا: (لا حتى يستيقن أنه قد نام) بعد السؤال عنه عليه السلام عما (إذا حرك
~~في جنبه شئ وهو لا يعلم) حيث دل بإطلاقه مع ترك الاستفصال بين ما إذا أفادت
~~هذه الامارة الظن، وما إذا لم تفد، بداهة أنها لو لم تكن مفيدة له دائما
~~لكانت مفيدة له أحيانا، على عموم النفي لصورة الإفادة، وقوله عليه السلام
~~بعده: (ولا تنقض اليقين بالشك) أن الحكم في المغيى مطلقا هو عدم نقض اليقين
~~بالشك، كما لا
# PageV00P425
# يخفى.
# وقد استدل عليه أيضا بوجهين آخرين:
# الأول (1): الاجماع القطعي على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف على
~~تقدير اعتباره من باب الاخبار.
# وفيه: إنه لا وجه لدعواه ولو سلم اتفاق الأصحاب على الاعتبار، لاحتمال أن
~~يكون ذلك من جهة ظهور دلالة الاخبار عليه.
# الثاني (2): إن الظن الغير المعتبر، إن علم بعدم اعتباره بالدليل، فمعناه
~~أن وجوده كعدمه عند الشارع، وأن كلما يترتب شرعا على تقدير عدمه فهو
~~المترتب على تقدير وجوده، وإن كان مما شك في اعتباره، فمرجع رفع اليد عن
~~اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه إلى نقض اليقين بالشك، فتأمل جيدا.
# وفيه: إن قضية عدم اعتباره لالغائه أو لعدم الدليل على اعتباره لا يكاد
~~يكون إلا عدم إثبات مظنونه به تعبدا، ليترتب عليه آثاره شرعا، لا ترتيب
~~آثار الشك مع عدمه، بل لابد حينئذ في تعيين أن الوظيفة أي أصل من الأصول
~~العملية من الدليل، فلو فرض عدم دلالة الاخبار معه على اعتبار الاستصحاب
~~فلا بد من الانتهاء إلى سائر الأصول بلا شبهة ولا ارتياب، ولعله أشير إليه
~~بالأمر بالتأمل (3)، فتأمل جيدا.
# تتمة: لا يذهب عليك أنه لا بد في الاستصحاب من بقاء الموضوع، وعدم
# PageV00P426
# أمارة معتبرة هناك ولو على وفاقه، فها ms289 هنا مقامان:
# المقام الأول: إنه لا إشكال في اعتبار بقاء الموضوع بمعنى اتحاد القضية
~~المشكوكة مع المتيقنة موضوعا، كاتحادهما حكما، ضرورة أنه بدونه لا يكون
~~الشك في البقاء بل في الحدوث، ولا رفع اليد عن اليقين في محل الشك نقض
~~اليقين بالشك، فاعتبار البقاء بهذا المعنى لا يحتاج إلى زيادة بيان وإقامة
~~برهان، والاستدلال (1) عليه باستحالة انتقال العرض إلى موضوع آخر لتقومه
~~بالموضوع وتشخصه به غريب، بداهة أن استحالته حقيقة غير مستلزم لاستحالته
~~تعبدا، والالتزام بآثاره شرعا.
# وأما بمعنى إحراز وجود الموضوع خارجا، فلا يعتبر قطعا في جريانه لتحقق
~~أركانه بدونه، نعم ربما يكون مما لابد منه في ترتيب بعض الآثار، ففي
~~استصحاب عدالة زيد لا يحتاج إلى إحراز حياته لجواز تقليده، وإن كان محتاجا
~~إليه في جواز الاقتداء به أو وجوب إكرامه أو الانفاق عليه.
# وإنما الاشكال كله في أن هذا الاتحاد هل هو بنظر العرف؟ أو بحسب دليل
~~الحكم؟ أو بنظر العقل؟ فلو كان مناط الاتحاد هو نظر العقل فلا مجال
~~للاستصحاب في الاحكام، لقيام احتمال تغير الموضوع في كل مقام شك في الحكم
~~بزوال بعض خصوصيات موضوعه، لاحتمال دخله فيه، ويختص بالموضوعات، بداهة أنه
~~إذا شك في حياة زيد شك في نفس ما كان على يقين منه حقيقة بخلاف ما لو كان
~~بنظر العرف أو بحسب لسان الدليل، ضرورة أن انتفاء بعض الخصوصيات وإن كان
~~موجبا للشك في بقاء الحكم لاحتمال دخله في موضوعه، إلا أنه ربما لا يكون
~~بنظر العرف ولا في لسان الدليل من مقوماته.
# كما أنه ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه موضوعا، مثلا
# PageV00P427
# إذا ورد (العنب إذا غلى يحرم) كان العنب بحسب ما هو المفهوم عرفا هو خصوص
~~العنب، ولكن العرف بحسب ما يرتكز في أذهانهم ويتخيلونه من المناسبات بين
~~الحكم وموضوعه، يجعلون الموضوع للحرمة ما يعم الزبيب ويرون العنبية
~~والزبيبية من حالاته المتبادلة، بحيث لو لم يكن الزبيب محكوما بما حكم به
~~العنب، كان عندهم من ارتفاع الحكم عن موضوعه، ms290 ولو كان محكوما به كان من
~~بقائه، ولا ضير في أن يكون الدليل بحسب فهمهم على خلاف ما ارتكز في أذهانهم
~~بسبب ما تخيلوه من الجهات والمناسبات فيما إذا لم تكن بمثابة تصلح قرينة
~~على صرفه عما هو ظاهر فيه.
# ولا يخفى أن النقض وعدمه حقيقة يختلف بحسب الملحوظ من الموضوع، فيكون
~~نقضا بلحاظ موضوع، ولا يكون بلحاظ موضوع آخر، فلا بد في تعيين أن المناط في
~~الاتحاد هو الموضوع العرفي أو غيره، من بيان أن خطاب (لا تنقض) قد سيق بأي
~~لحاظ؟.
# فالتحقيق أن يقال: إن قضية إطلاق خطاب (لا تنقض) هو أن يكون بلحاظ
~~الموضوع العرفي، لأنه المنساق من الاطلاق في المحاورات العرفية ومنها
~~الخطابات الشرعية، فما لم يكن هناك دلالة على أن النهي فيه بنظر آخر غير ما
~~هو الملحوظ في محاوراتهم، لا محيص عن الحمل على أنه بذاك اللحاظ، فيكون
~~المناط في بقاء الموضوع هو الاتحاد بحسب نظر العرف، وإن لم يحرز بحسب العقل
~~أو لم يساعده النقل، فيستصحب مثلا ما يثبت بالدليل للعنب إذا صار زبيبا،
~~لبقاء الموضوع واتحاد القضيتين عرفا، ولا يستصحب فيما لا اتحاد كذلك وإن
~~كان هناك اتحاد عقلا، كما مرت الإشارة إليه في القسم الثالث من أقسام
~~استصحاب الكلي (1)، فراجع.
# المقام الثاني: إنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع الامارة المعتبرة
# PageV00P428
# في مورد، وإنما الكلام في أنه للورود أو الحكومة أو التوفيق بين دليل
~~اعتبارها وخطابه.
# والتحقيق أنه للورود، فإن رفع اليد عن اليقين السابق بسبب أمارة معتبرة
~~على خلافه ليس من نقض اليقين بالشك بل باليقين، وعدم رفع اليد عنه مع
~~الامارة على وفقه ليس لاجل أن لا يلزم نقضه به، بل من جهة لزوم العمل
~~بالحجة.
# لا يقال: نعم، هذا لو أخذ بدليل الامارة في مورده، ولكنه لم لا يؤخذ
~~بدليله ويلزم الاخذ بدليلها؟
# فإنه يقال: ذلك إنما هو لاجل أنه لا محذور في الاخذ بدليلها بخلاف الاخذ
~~بدليله، فإنه يستلزم تخصيص دليلها بلا مخصص إلا على وجه ms291 دائر، إذ التخصيص
~~به يتوقف على اعتباره معها، واعتباره كذلك يتوقف على التخصيص به، إذ لولاه
~~لا مورد له معها، كما عرفت آنفا.
# وأما حديث الحكومة (1) فلا أصل له أصلا، فإنه لا نظر لدليلها إلى مدلول
~~دليله إثباتا وبما هو مدلول الدليل، وإن كان دالا على إلغائه معها ثبوتا
~~وواقعا، لمنافاة لزوم العمل بها مع العمل به لو كان على خلافها، كما أن
~~قضية دليله إلغائها كذلك، فإن كلا من الدليلين بصدد بيان ما هو الوظيفة
~~للجاهل، فيطرد كل منهما الآخر مع المخالفة، هذا مع لزوم اعتباره معها في
~~صورة الموافقة، ولا أظن أن يلتزم به القائل بالحكومة، فافهم فإن المقام لا
~~يخلو من دقة.
# وأما التوفيق، فإن كان بما ذكرنا فنعم الاتفاق، وإن كان بتخصيص دليله
~~بدليلها فلا وجه له، لما عرفت من أنه لا يكون مع الاخذ به نقض يقين بشك، لا
~~أنه غير منهي عنه مع كونه من نقض اليقين بالشك.
# PageV00P429
# خاتمة لا بأس ببيان النسبة بين الاستصحاب وسائر الأصول العملية، وبيان
~~التعارض بين الاستصحابين.
# أما الأول: فالنسبة بينه وبينها هي بعينها النسبة بين الامارة وبينه،
~~فيقدم عليها ولا مورد معه لها، للزوم محذور التخصيص إلا بوجه دائر في العكس
~~وعدم محذور فيه أصلا، هذا في النقلية منها.
# وأما العقلية فلا يكاد يشتبه وجه تقديمه عليها، بداهة عدم الموضوع معه
~~لها، ضرورة أنه إتمام حجة وبيان ومؤمن من العقوبة وبه الأمان، ولا شبهة في
~~أن الترجيح به عقلا صحيح.
# وأما الثاني: فالتعارض بين الاستصحابين، إن إن لعدم إمكان العمل بهما
~~بدون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، كاستصحاب وجوب أمرين حدث
~~بينهما التضاد في زمان الاستصحاب، فهو من باب تزاحم (1) الواجبين.
# PageV00P430
# وإن كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، فتارة يكون المستصحب
~~في أحدهما من الآثار الشرعية لمستصحب الآخر، فيكون الشك فيه مسببا عن الشك
~~فيه، كالشك في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة وقد كان طاهرا،
~~وأخرى لا يكون كذلك.
# فإن كان أحدهما أثرا للآخر، ms292 فلا مورد إلا للاستصحاب في طرف السبب، فإن
~~الاستصحاب في طرف المسبب موجب لتخصيص الخطاب، وجواز نقض اليقين بالشك في
~~طرف السبب بعدم ترتيب أثره الشرعي، فإن من آثار طهارة الماء طهارة الثوب
~~المغسول به ورفع نجاسته، فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته، بخلاف
~~استصحاب طهارته، إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الثوب بالشك، بل باليقين
~~بما هو رافع لنجاسته، وهو غسله بالماء المحكوم شرعا بطهارته.
# وبالجملة فكل من السبب والمسبب وإن كان موردا للاستصحاب، إلا أن
~~الاستصحاب في الأول بلا محذور (1)، بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص
~~بلا وجه إلا بنحو محال، فاللازم الاخذ بالاستصحاب السببي، نعم لو لم يجر
~~هذا
# PageV00P431
# الاستصحاب بوجه لكان الاستصحاب المسببي جاريا، فإنه لا محذور فيه حينئذ
~~مع وجود أركانه وعموم خطابه.
# وإن لم يكن المستصحب في أحدهما من الآثار للآخر، فالأظهر جريانهما فيما
~~لم يلزم منه محذور المخالفة القطعية للتكليف الفعلي المعلوم إجمالا، لوجود
~~المقتضي إثباتا وفقد المانع عقلا.
# أما وجود المقتضي، فلاطلاق الخطاب وشموله للاستصحاب في أطراف المعلوم
~~بالاجمال، فإن قوله عليه السلام في ذيل بعض أخبار الباب: (ولكن تنقض اليقين
~~باليقين) (1) لو سلم أنه يمنع (2) عن شمول قوله عليه السلام في صدره: (لا
~~تنقض اليقين بالشك) لليقين والشك في أطرافه، للزوم المناقضة في مدلوله،
~~ضرورة المناقضة بين السلب الكلي والايجاب الجزئي، إلا أنه لا يمنع عن عموم
~~النهي في سائر الاخبار مما ليس فيه الذيل، وشموله لما في أطرافه، فإن إجمال
~~ذاك الخطاب لذلك لا يكاد يسري إلى غيره مما ليس فيه ذلك.
# وأما فقد المانع، فلأجل أن جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلا
~~المخالفة الالتزامية، وهو ليس بمحذور لا شرعا ولا عقلا.
# ومنه قد انقدح عدم جريانه في أطراف العلم بالتكليف فعلا أصلا ولو في
~~بعضها، لوجوب الموافقة القطعية له عقلا، ففي جريانه لا محالة يكون محذور
~~المخالفة القطعية أو الاحتمالية، كما لا يخفى.
# تذنيب لا يخفى أن مثل قاعدة التجاوز في حال الاشتغال بالعمل، وقاعدة
~~الفراغ
# PageV00P432
# بعد ms293 الفراغ عنه، وأصالة صحة عمل الغير إلى غير ذلك من القواعد المقررة في
~~الشبهات الموضوعية إلا القرعة تكون مقدمة على استصحاباتها المقتضية لفساد
~~ما شك فيه من الموضوعات، لتخصيص دليلها بأدلتها، وكون النسبة بينه وبين
~~بعضها عموما من وجه لا يمنع عن تخصيصه بها بعد الاجماع على عدم التفصيل بين
~~مواردها، مع لزوم قلة المورد لها جدا لو قيل بتخصيصها بدليلها، إذ قل مورد
~~منها لم يكن هناك استصحاب على خلافها، كما لا يخفى.
# وأما القرعة فالاستصحاب في موردها يقدم عليها، لأخصية دليله من دليلها،
~~لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه دونها، واختصاصها بغير الاحكام إجماعا لا
~~يوجب الخصوصية في دليلها بعد عموم لفظها لها، هذا مضافا إلى وهن دليلها
~~بكثرة تخصيصه، حتى صار العمل به في مورد محتاجا إلى الجبر بعمل المعظم، كما
~~قيل، وقوة دليله بقلة تخصيصه بخصوص دليل.
# لا يقال: كيف يجور تخصيص دليلها بدليله؟ وقد كان دليلها رافعا لموضوع
~~دليله لا لحكمه، وموجبا لكون نقض اليقين باليقين بالحجة على خلافه، كما هو
~~الحال بينه وبين أدلة سائر الامارات، فيكون - هاهنا أيضا - من دوران الامر
~~بين التخصيص بلا وجه غير دائر والتخصص.
# فإنه يقال: ليس الامر كذلك، فإن المشكوك مما كانت له حالة سابقة وإن كان
~~من المشكل والمجهول والمشتبه بعنوانه الواقعي، إلا أنه ليس منها بعنوان ما
~~طرأ عليه من نقض اليقين بالشك، والظاهر من دليل القرعة أن يكون منها بقول
~~مطلق لا في الجملة، فدليل الاستصحاب الدال على حرمة النقض الصادق عليه
~~حقيقة، رافع لموضوعه أيضا، فافهم.
# فلا بأس برفع اليد عن دليلها عند دوران الامر بينه وبين رفع اليد عن
~~دليله، لوهن عمومها وقوة عمومه، كما أشرنا إليه آنفا، والحمد لله أولا
~~وآخرا، وصلى الله على محمد وآله باطنا وظاهرا. PageV00P433
# المقصد الثامن التعادل والترجيح PageV00P435
# المقصد الثامن في تعارض الأدلة والامارات فصل التعارض هو تنافي الدليلين
~~أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الاثبات على وجه التناقض أو التضاد حقيقة أو
~~عرضا، بأن علم بكذب أحدهما إجمالا مع ms294 عدم امتناع اجتماعهما أصلا، وعليه فلا
~~تعارض بينهما بمجرد تنافي مدلولهما، إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض
~~والخصومة، بأن يكون أحدهما قد سيق ناظرا إلى بيان كمية ما أريد من الآخر،
~~مقدما (1) كان أو مؤخرا، أو كانا على نحو إذا عرضنا على العرف وفق بينهما
~~بالتصرف في خصوص أحدهما، كما هو مطرد في مثل الأدلة المتكفلة لبيان أحكام
~~الموضوعات بعناوينها الأولية، مع مثل الأدلة النافية للعسر والحرج والضرر
~~والاكراه والاضطرار، مما يتكفل لاحكامها بعناوينها الثانوية، حيث يقدم في
~~مثلهما الأدلة النافية، ولا تلاحظ النسبة بينهما أصلا ويتفق في غيرهما، كما
~~لا يخفى.
# PageV00P437
# أو بالتصرف فيهما، فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما، أو في أحدهما
~~المعين ولو كان الآخر أظهر، ولذلك تقدم الامارات المعتبرة على الأصول
~~الشرعية، فإنه لا يكاد يتحير أهل العرف في تقديمها عليه بعد ملاحظتهما، حيث
~~لا يلزم منه محذور تخصيص أصلا، بخلاف العكس فإنه يلزم منه محذور التخصيص
~~بلا وجه أو بوجه دائر، كما أشرنا إليه (1) في أواخر الاستصحاب.
# وليس (2) وجه تقديمها حكومتها على أدلتها بعدم كونها ناظرة إلى أدلتها
~~بوجه، وتعرضها لبيان حكم موردها لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلتها وشارحة
~~لها، وإلا كانت أدلتها أيضا دالة - ولو بالالتزام - على أن حكم مورد
~~الاجتماع فعلا هو مقتضى الأصل لا الامارة، وهو مستلزم عقلا نفي ما هو قضية
~~الامارة، بل ليس مقتضى حجيتها إلا نفي ما قضيته عقلا من دون دلالة عليه
~~لفظا، ضرورة أن نفس الامارة لا دلالة له إلا على الحكم الواقعي، وقضية
~~حجيتها ليست إلا لزوم العمل على وفقها شرعا المنافي عقلا للزوم العمل على
~~خلافه وهو قضية الأصل، هذا مع احتمال أن يقال: إنه ليس قضية الحجية شرعا
~~إلا لزوم العمل على وفق الحجة عقلا وتنجز الواقع مع المصادفة، وعدم تنجزه
~~في صورة المخالفة.
# وكيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبدا، كي
~~يختلف الحال ويكون مفاده في الامارة نفي حكم الأصل، حيث أنه حكم الاحتمال
~~بخلاف مفاده فيه، ms295 لاجل أن الحكم الواقعي ليس حكم احتمال خلافه، كيف؟ وهو
~~حكم الشك فيه واحتماله، فافهم وتأمل جيدا.
# فانقدح بذلك أنه لا تكاد ترتفع غائلة المطاردة والمعارضة بين الأصل
~~والامارة، إلا بما أشرنا سابقا وآنفا، فلا تغفل، هذا ولا تعارض أيضا إذا
~~كان أحدهما قرينة على التصرف في الآخر، كما في الظاهر مع النص أو الأظهر،
~~مثل
# PageV00P438
# العام والخاص والمطلق والمقيد، أو مثلهما مما كان أحدهما نصا أو أظهر،
~~حيث أن بناء العرف على كون النص أو الأظهر قرينة على التصرف في الآخر.
# وبالجملة: الأدلة في هذه الصور وإن كانت متنافية بحسب مدلولاتها، إلا
~~أنها غير متعارضة، لعدم تنافيها في الدلالة وفي مقام الاثبات، بحيث تبقى
~~أبناء المحاورة متحيرة، بل بملاحظة المجموع أو خصوص بعضها يتصرف في الجميع
~~أو في البعض عرفا، بما ترتفع به المنافاة التي تكون في البين، ولا فرق فيها
~~بين أن يكون السند فيها قطعيا أو ظنيا أو مختلفا، فيقدم النص أو الأظهر -
~~وإن كان بحسب السند ظنيا - على الظاهر ولو كان بحسبه قطعيا. وإنما يكون
~~التعارض في غير هذه الصور مما كان التنافي فيه بين الأدلة بحسب الدلالة
~~ومرحلة الاثبات، وإنما يكون التعارض بحسب السند فيما إذا كان كل واحد منها
~~قطعيا دلالة وجهة، أو ظنيا فيما إذا لم يكن التوفيق بينها بالتصرف في البعض
~~أو الكل، فإنه حينئذ لا معنى للتعبد بالسند في الكل، إما للعمل بكذب
~~أحدهما، أو لاجل أنه لا معنى للتعبد بصدورها مع إجمالها، فيقع التعارض بين
~~أدلة السند حينئذ، كما لا يخفى.
# فصل التعارض وإن كان لا يوجب إلا سقوط أحد المتعارضين عن الحجية رأسا،
~~حيث لا يوجب إلا العلم بكذب أحدهما، فلا يكون هناك مانع عن حجية الآخر، إلا
~~أنه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعا - فإنه لم يعلم كذبه إلا كذلك،
~~واحتمال كون كل منهما كاذبا - لم يكن واحد منهما بحجة في خصوص مؤداه، لعدم
~~التعيين (1) في الحجة أصلا، كما لا يخفى.
# نعم يكون نفي الثالث بأحدهما لبقائه ms296 على الحجية، وصلاحيته على ما هو عليه
~~من عدم التعين لذلك لا بهما، هذا بناء على حجية الامارات من باب
# PageV00P439
# الطريقية، كما هو كذلك حيث لا يكاد يكون حجة طريقا إلا ما احتمل إصابته،
~~فلا محالة كان العلم بكذب أحدهما مانعا عن حجيته، وأما بناء على حجيتها من
~~باب السببية فكذلك لو كان الحجة هو خصوص ما لم يعلم كذبه، بأن لا يكون
~~المقتضي للسببية فيها إلا فيه، كما هو المتيقن من دليل اعتبار غير السند
~~منها، وهو بناء العقلاء على أصالتي الظهور والصدور، لا للتقية ونحوها، وكذا
~~السند لو كان دليل اعتباره هو بناؤهم أيضا، وظهوره فيه لو كان هو الآيات
~~والاخبار، ضرورة ظهورها فيه، لو لم نقل بظهورها في خصوص ما إذا حصل الظن
~~منه أو الاطمئنان.
# وأما لو كان المقتضي للحجية في كل واحد من المتعارضين لكان التعارض
~~بينهما من تزاحم الواجبين، فيما إذا كانا مؤديين إلى وجوب الضدين أو لزوم
~~المتناقضين، لا فيما إذا كان مؤدى أحدهما حكما غير إلزامي، فإنه حينئذ لا
~~يزاحم الآخر، ضرورة عدم صلاحية ما لا اقتضاء فيه أن يزاحم به ما فيه
~~الاقتضاء، إلا أن يقال بأن قضية اعتبار دليل الغير الالزامي أن يكون عن
~~اقتضاء، فيزاحم به حينئذ ما يقتضي الالزامي، ويحكم فعلا بغير الالزامي، ولا
~~يزاحم بمقتضاه ما يقتضي الغير الالزامي، لكفاية عدم تمامية علة الالزامي في
~~الحكم بغيره.
# نعم يكون باب التعارض من باب التزاحم مطلقا لو كان قضية الاعتبار هو لزوم
~~البناء والالتزام بما يؤدي إليه من الاحكام، لا مجرد العمل على وفقه بلا
~~لزوم الالتزام به، وكونهما من تزاحم الواجبين حينئذ وإن كان واضحا، ضرورة
~~عدم إمكان الالتزام بحكمين في موضوع واحد من الاحكام، إلا أنه لا دليل نقلا
~~ولا عقلا على الموافقة الالتزامية للاحكام الواقعية فضلا عن الظاهرية، كما
~~مر تحقيقه (1).
# وحكم التعارض بناء على السببية فيما كان من باب التزاحم هو التخيير لو لم
# PageV00P440
# يكن أحدهما معلوم الأهمية أو محتملها في الجملة، حسبما فصلناه ms297 (1) في
~~مسألة الضد، وإلا فالتعيين، وفيما لم يكن من باب التزاحم هو لزوم الاخذ بما
~~دل على الحكم الالزامي، لو لم يكن في الآخر مقتضيا لغير الالزامي، وإلا فلا
~~بأس بأخذه والعمل عليه، لما أشرنا إليه من وجهه آنفا، فافهم.
# هذا هو قضية القاعدة في تعارض الامارات، لا الجمع بينها بالتصرف في أحد
~~المتعارضين أو في كليهما، كما هو قضية ما يتراءى مما قيل من أن الجمع مهما
~~أمكن أولى من الطرح، إذ لا دليل عليه فيما لا يساعد عليه العرف مما كان
~~المجموع أو أحدهما قرينة عرفية على التصرف في أحدهما بعينه أو فيهما، كما
~~عرفته في الصور السابقة، مع أن في الجمع كذلك أيضا طرحا للامارة أو
~~الامارتين، ضرورة سقوط أصالة الظهور في أحدهما أو كليهما معه، وقد عرفت أن
~~التعارض بين الظهورين فيما كان سنديهما قطعيين، وفي السندين إذا كانا
~~ظنيين، وقد عرفت أن قضية التعارض إنما هو سقوط المتعارضين في خصوص كل ما
~~يؤديان إليه من الحكمين، لا بقاؤهما على الحجية بما يتصرف فيهما أو في
~~أحدهما، أو بقاء سنديهما عليها كذلك بلا دليل يساعد عليه من عقل أو نقل،
~~فلا يبعد أن يكون المراد من إمكان الجمع هو إمكانه عرفا، ولا ينافيه الحكم
~~بأنه أولى مع لزومه حينئذ وتعينه، فإن أولويته من قبيل الأولوية في أولي
~~الأرحام، وعليه لا إشكال فيه ولا كلام.
# فصل لا يخفى أن ما ذكر من قضية التعارض بين الامارات، إنما هو بملاحظة
~~القاعدة في تعارضها، وإلا فربما يدعى الاجماع على عدم سقوط كلا المتعارضين
~~في الاخبار، كما اتفقت عليه كلمة غير واحد من الاخبار، ولا يخفى أن اللازم
~~فيما إذا لم
# PageV00P441
# تنهض حجة على التعيين أو التخيير بينهما هو الاقتصار على الراجح منهما،
~~للقطع بحجيته تخييرا أو تعيينا، بخلاف الآخر لعدم القطع بحجيته، والأصل عدم
~~حجية ما لم يقطع بحجيته، بل ربما ادعي الاجماع (1) أيضا على حجية خصوص
~~الراجح، واستدل عليه بوجوه أخر أحسنها الاخبار، وهي على طوائف:
# منها: ما ms298 دل على التخيير على الاطلاق، كخبر (2) الحسن بن الجهم، عن الرضا
~~- عليه السلام -: (قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا
~~يعلم أيهما الحق، قال: فإذا لم يعلم فموسع عليك بأيهما أخذت).
# وخبر (3) الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إذا سمعت من
~~أصحابك الحديث وكلهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم فترد عليه).
# ومكاتبة (4) عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام (اختلف أصحابنا
~~في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه السلام، في ركعتي الفجر، فروى بعضهم: صل
~~في المحمل، وروى بعضهم: لا تصلها إلا في الأرض، فوقع عليه السلام: موسع
~~عليك بأية عملت) ومكاتبة الحميري (5) إلى الحجة عليه السلام - إلى أن قال
~~في الجواب عن ذلك حديثان... إلى أن قال عليه السلام - (وبأيهما أخذت من باب
~~التسليم كان صوابا) إلى غير ذلك من الاطلاقات.
# ومنها: ما (6) دل على التوقف مطلقا.
# ومنها: ما (7) دل على ما هو الحائط منها.
# PageV00P442
# ومنها: ما دل (1) على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة، من مخالفة
~~القوم وموافقة الكتاب والسنة، والأعدلية، والأصدقية، والأفقهية والأورعية،
~~والأوثقية، والشهرة على اختلافها في الاقتصار على بعضها وفي الترتيب بينها.
# ولأجل اختلاف الاخبار اختلفت الانظار.
# فمنهم من أوجب الترجيح بها، مقيدين بأخباره إطلاقات التخيير، وهم بين من
~~اقتصر على الترجيح بها، ومن تعدى منها إلى سائر المزايا الموجبة لأقوائية
~~ذي المزية وأقربيته، كما صار إليه شيخنا العلامة أعلى الله مقامه (2)، أو
~~المفيدة للظن، كما ربما يظهر من غيره (3).
# فالتحقيق أن يقال: إن أجمع خبر للمزايا المنصوصة في الاخبار هو المقبولة
~~(4) والمرفوعة (5)، مع اختلافهما وضعف سند المرفوعة جدا، والاحتجاج بهما
~~على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن إشكال، لقوة احتمال اختصاص
~~الترجيح بها بمورد الحكومة لرفع المنازعة وفصل الخصومة كما هو موردهما، ولا
~~وجه معه للتعدي منه إلى غيره، كما لا يخفى.
# ولا وجه لدعوى تنقيح المناط، مع ملاحظة أن رفع الخصومة بالحكومة في صورة
~~تعارض الحكمين، وتعارض ما استندا إليه من الروايتين لا يكاد يكون ms299 إلا
~~بالترجيح ولذا أمر عليه السلام بإرجاء الواقعة إلى لقائه عليه السلام في
~~صورة
# PageV00P443
# تساويهما فيما ذكر من المزايا، بخلاف مقام الفتوى ومجرد مناسبة الترجيح
~~لمقامها أيضا لا يوجب ظهور الرواية في وجوبه مطلقا ولو في غير مورد
~~الحكومة، كما لا يخفى.
# وإن أبيت إلا عن ظهورهما في الترجيح في كلا المقامين، فلا مجال لتقييد
~~إطلاقات التخيير في مثل زماننا مما لا يتمكن من لقاء الإمام عليه السلام
~~بهما، لقصور المرفوعة سندا وقصور المقبولة دلالة، لاختصاصها بزمان التمكن
~~من لقائه عليه السلام، ولذا ما أرجع إلى التخيير بعد فقد الترجيح، مع أن
~~تقييد الاطلاقات الواردة في مقام الجواب عن سؤال حكم المتعارضين - بلا
~~استفصال عن كونهما متعادلين أو متفاضلين، مع ندرة كونهما متساويين جدا -
~~بعيد قطعا، بحيث لو لم يكن ظهور المقبولة في ذاك الاختصاص لوجب حملها عليه
~~أو على ما لا ينافيها من الحمل على الاستحباب، كما فعله بعض الأصحاب (1)،
~~ويشهد به الاختلاف الكثير بين ما دل على الترجيح من الاخبار.
# ومنه قد انقدح حال سائر أخباره، مع أن في كون أخبار موافقة الكتاب أو
~~مخالفة القوم من أخبار الباب نظرا، وجهه قوة احتمال أن يكون الخبر المخالف
~~للكتاب في نفسه غير حجة، بشهادة ما (2) ورد في أنه زخرف، وباطل، وليس بشئ،
~~أو أنه لم نقله، أو أمر بطرحه على الجدار، وكذا الخبر الموافق للقوم، ضرورة
~~أن أصالة عدم صدوره تقية - بملاحظة الخبر المخالف لهم مع الوثوق بصدوره
~~لولا القطع به - غير جارية، للوثوق حينئذ بصدوره كذلك، وكذا الصدور أو
# PageV00P444
# الظهور في الخبر المخالف للكتاب يكون موهونا بحيث لا يعمه أدلة اعتبار
~~السند ولا الظهور، كما لا يخفى، فتكون هذه الأخبار في مقام تميز الحجة عن
~~اللا حجة لا ترجيح الحجة على الحجة، فافهم.
# وإن أبيت عن ذلك، فلا محيص عن حملها توفيقا بينها وبين الاطلاقات، إما
~~على ذلك أو على الاستحباب كما أشرنا إليه آنفا، هذا ثم إنه لولا التوفيق
~~بذلك للزم التقييد أيضا في أخبار المرجحات، وهي ms300 آبية عنه، كيف يمكن تقييد
~~مثل: (ما خالف قول ربنا لم أقله، أو زخرف، أو باطل)؟ كما لا يخفى.
# فتلخص - مما ذكرنا - أن اطلاقات التخيير محكمة، وليس في الاخبار ما يصلح
~~لتقييدها.
# نعم قد استدل على تقييدها، ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه أخر:
# منها: دعوى (1) الاجماع على الاخذ بأقوى الدليلين.
# وفيه أن دعوى الاجماع - مع مصير مثل الكليني إلى التخيير، وهو في عهد
~~الغيبة الصغرى ويخالط النواب والسفراء، قال في ديباجة الكافي: ولا نجد شيئا
~~أوسع ولا أحوط من التخيير - مجازفة.
# ومنها (2): أنه لو لم يجب ترجيح ذي المزية، لزم ترجيح المرجوح على الراجح
~~وهو قبيح عقلا، بل ممتنع قطعا. وفيه أنه إنما يجب الترجيح لو كانت المزية
~~موجبة لتأكد ملاك الحجية في نظر الشارع، ضرورة إمكان أن تكون تلك المزية
~~بالإضافة إلى ملاكها من قبيل الحجر في جنب الانسان، وكان الترجيح بها بلا
~~مرجح، وهو قبيح كما هو واضح، هذا مضافا إلى ما هو في الاضراب من الحكم
~~بالقبح إلى الامتناع، من أن الترجيح بلا مرجح في الأفعال الاختيارية ومنها
~~الاحكام
# PageV00P445
# الشرعية، لا يكون إلا قبيحا، ولا يستحيل وقوعه إلا على الحكيم تعالى،
~~وإلا فهو بمكان من الامكان، لكفاية إرادة المختار علة لفعله، وإنما الممتنع
~~هو وجود الممكن بلا علة، فلا استحالة في ترجيحه تعالى للمرجوح، إلا من باب
~~امتناع صدوره منه تعالى، وأما غيره فلا استحالة في ترجيحه لما هو المرجوح
~~مما باختياره.
# وبالجملة: الترجيح بلا مرجح بمعنى بلا علة محال، وبمعنى بلا داع عقلائي
~~قبيح ليس بمحال، فلا تشتبه.
# ومنها: غير ذلك (1) مما لا يكاد يفيد الظن، فالصفح عنه أولى وأحسن.
# ثم إنه لا إشكال في الافتاء بما اختاره من الخبرين، في عمل نفسه وعمل
~~مقلديه، ولا وجه للافتاء بالتخيير في المسألة الفرعية، لعدم الدليل عليه
~~فيها.
# نعم له الافتاء به في المسألة الأصولية، فلا بأس حينئذ باختيار المقلد
~~غير ما اختاره المفتي، فيعمل بما يفهم منه بصريحه أو بظهوره الذي لا شبهة
~~فيه.
# وهل التخيير بدوي ms301 أم استمراري؟ قضية الاستصحاب لو لم نقل بأنه قضية
~~الاطلاقات أيضا كونه استمراريا. وتوهم (2) أن المتحير كان محكوما بالتخيير،
~~ولا تحير له بعد الاختيار، فلا يكون الاطلاق ولا الاستصحاب مقتضيا
~~للاستمرار، لاختلاف الموضوع فيهما، فاسد، فإن التحير بمعنى تعارض الخبرين
~~باق على حاله، وبمعنى آخر لم يقع في خطاب موضوعا للتخيير أصلا، كما لا
~~يخفى.
# فصل هل على القول بالترجيح، يقتصر فيه على المرجحات المخصوصة المنصوصة،
~~أو يتعدى إلى غيرها؟ قيل (3) بالتعدي، لما في الترجيح بمثل الأصدقية
# PageV00P446
# والأوثقية ونحوهما، مما فيه من الدلالة على أن المناط في الترجيح بها هو
~~كونها موجبة للأقربية إلى الواقع، ولما في التعليل بأن المشهور مما لا ريب
~~فيه، من استظهار أن العلة هو عدم الريب فيه بالإضافة إلى الخبر الآخر ولو
~~كان فيه ألف ريب، ولما في التعليل بأن الرشد في خلافهم.
# ولا يخفى ما في الاستدلال بها:
# أما الأول: فإن جعل خصوص شئ فيه جهة الإراءة والطريقية حجة أو مرجحا لا
~~دلالة فيه على أن الملاك فيه بتمامه جهة إراءته، بل لا إشعار فيه كما لا
~~يخفى، لاحتمال دخل خصوصيته في مرجحيته أو حجيته، لا سيما قد ذكر فيها ما لا
~~يحتمل الترجيح به إلا تعبدا، فافهم.
# وأما الثاني: فلتوقفه على عدم كون الرواية المشهورة في نفسها مما لا ريب
~~فيها، مع أن الشهرة في الصدر الأول بين الرواة وأصحاب الأئمة - عليهم
~~السلام - موجبة لكون الرواية مما يطمأن بصدورها، بحيث يصح أن يقال عرفا:
~~إنها مما لا ريب فيها، كما لا يخفى. ولا بأس بالتعدي منه إلى مثله مما يوجب
~~الوثوق والاطمئنان بالصدور، لا إلى كل مزية ولو لم يوجب إلا أقربية ذي
~~المزية إلى الواقع، من المعارض الفاقد لها.
# وأما الثالث: فلاحتمال أن يكون الرشد في نفس المخالفة، لحسنها، ولو سلم
~~أنه لغلبة الحق في طرف الخبر المخالف، فلا شبهة في حصول الوثوق بأن الخبر
~~الموافق المعارض بالمخالف لا يخلو من الخلل صدورا أو جهة، ولا بأس بالتعدي
~~منه إلى مثله، كما ms302 مر آنفا.
# ومنه انقدح حال ما إذا كان التعليل لاجل انفتاح باب التقية فيه، ضرورة
~~كمال الوثوق بصدوره كذلك، مع الوثوق بصدورهما، لولا القطع به في الصدر
~~الأول، لقلة الوسائط ومعرفتها، هذا مع ما في عدم بيان الامام - عليه السلام
~~- للكلية كي لا يحتاج السائل إلى إعادة السؤال مرارا، وما في أمره - عليه
~~السلام - PageV00P447
# بالارجاء بعد فرض التساوي فيما ذكره من المزايا المنصوصة، من الظهور في
~~أن المدار في الترجيح على المزايا المخصوصة، كما لا يخفى.
# ثم إنه بناء على التعدي حيث كان في المزايا المنصوصة مالا يوجب الظن بذي
~~المزية ولا أقربيته، كبعض صفات الراوي مثل الأورعية أو الأفقهية، إذا كان
~~موجبهما مما لا يوجب الظن أو الأقربية، كالتورع من الشبهات، والجهد في
~~العبادات، وكثرة التتبع في المسائل الفقهية أو المهارة في القواعد
~~الأصولية، فلا وجه للاقتصار على التعدي إلى خصوص ما يوجب الظن أو الأقربية،
~~بل إلى كل مزية، ولو لم تكن بموجبة (1) لأحدهما، كما لا يخفى.
# وتوهم أن ما يوجب الظن بصدق أحد الخبرين لا يكون بمرجح، بل موجب لسقوط
~~الآخر عن الحجية للظن بكذبه حينئذ، فاسد. فإن الظن بالكذب لا يضر بحجية ما
~~اعتبر من باب الظن نوعا، وإنما يضر فيما أخذ في اعتباره عدم الظن بخلافه،
~~ولم يؤخذ في اعتبار الاخبار صدورا ولا ظهورا ولا جهة ذلك، هذا مضافا إلى
~~اختصاص حصول الظن بالكذب بما إذا علم بكذب أحدهما صدورا، وإلا فلا يوجبه
~~الظن بصدور أحدهما لامكان صدورهما مع عدم إرادة الظهور في أحدهما أو فيهما،
~~أو إرادته تقية، كما لا يخفى.
# نعم لو كان وجه التعدي اندراج ذي المزية في أقوى الدليلين لوجب الاقتصار
~~على ما يوجب القوة في دليليته وفي جهة إثباته وطريقيته، من دون التعدي إلى
~~ما لا يوجب ذلك، وإن كان موجب لقوة مضمون ذيه ثبوتا، كالشهرة الفتوائية أو
~~الأولوية الظنية ونحوهما، فإن المنساق من قاعدة أقوى الدليلين أو المتيقن
~~منها، إنما هو الأقوى دلالة، كما لا يخفى، فافهم (2).
# PageV00P448
# فصل قد ms303 عرفت سابقا أنه لا تعارض في موارد الجمع والتوفيق العرفي، ولا
~~يعمها ما يقتضيه الأصل في المتعارضين، من سقوط أحدهما رأسا وسقوط كل منهما
~~في خصوص مضمونه، كما إذا لم يكونا في البين، فهل التخيير أو الترجيح يختص
~~أيضا بغير مواردها أو يعمها؟ قولان: أولهما المشهور، وقصارى ما يقال في
~~وجهه: إن الظاهر من الاخبار العلاجية - سؤالا وجوابا - هو التخيير أو
~~الترجيح في موارد التحير، مما لا يكاد يستفاد المراد هناك عرفا، لا فيما
~~يستفاد ولو بالتوفيق، فإنه من أنحاء طرق الاستفادة عند أبناء المحاورة.
# ويشكل بأن مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه
~~وثيق، لا يوجب اختصاص السؤالات بغير موارد الجمع، لصحة السؤال بملاحظة
~~التحير في الحال لاجل ما يتراءى من المعارضة وإن كان يزول عرفا بحسب المآل،
~~أو للتحير في الحكم واقعا وإن لم يتحير فيه ظاهرا، وهو كاف في صحته قطعا،
~~مع إمكان أن يكون لاحتمال الردع شرعا عن هذه الطريقة المتعارفة بين أبناء
~~المحاورة، وجل العناوين المأخوذة في الأسئلة لولا كلها يعمها، كما لا يخفى.
# ودعوى أن المتيقن منها غيرها مجازفة، غايته أنه كان كذلك خارجا لا بحسب
~~مقام التخاطب، وبذلك ينقدح وجه القول الثاني، اللهم إلا أن يقال: إن
~~التوفيق في مثل الخاص والعام والمقيد والمطلق، كان عليه السيرة القطعية من
~~لدن زمان الأئمة عليهم السلام، وهي كاشفة إجمالا عما يوجب تخصيص أخبار
~~العلاج بغير موارد التوفيق العرفي، لولا دعوى اختصاصها به، وأنها سؤالا
~~وجوابا بصدد الاستعلاج والعلاج في موارد التحير والاحتياج، أو دعوى الاجمال
~~وتساوي احتمال العموم مع احتمال الاختصاص، ولا ينافيها مجرد صحة السؤال لما
~~لا ينافي العموم ما لم يكن هناك ظهور أنه لذلك، فلم يثبت بأخبار العلاج ردع
~~عما هو عليه بناء PageV00P449
# العقلاء وسيرة العلماء، من التوفيق وحمل الظاهر على الأظهر، والتصرف فيما
~~يكون صدورهما قرينة عليه، فتأمل.
# فصل قد عرفت حكم تعارض الظاهر والأظهر وحمل الأول على الآخر، فلا إشكال
~~فيما إذا ظهر أن أيهما ظاهر وأيهما ms304 أظهر، وقد ذكر فيما أشتبه الحال لتمييز
~~ذلك ما لا عبرة به أصلا، فلا بأس بالإشارة إلى جملة منها وبيان ضعفها:
# منها: ما قيل (1) في ترجيح ظهور العموم على الاطلاق، وتقديم التقييد على
~~التخصيص فيما دار الامر بينهما، من كون ظهور العام في العموم تنجيزيا،
~~بخلاف ظهور المطلق في الاطلاق، فإنه معلق على عدم البيان، والعام يصلح
~~بيانا، فتقديم العام حينئذ لعدم تمامية مقتضى الاطلاق معه، بخلاف العكس،
~~فإنه موجب لتخصيصه بلا وجه إلا على نحو دائر. ومن أن التقييد أغلب من
~~التخصيص.
# وفيه: إن عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة، إنما هو عدم
~~البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد، وأغلبية التقييد مع كثرة التخصيص
~~بمثابة قد قيل: مامن عام إلا وقد خص، غير مفيد، فلا بد (2) في كل قضية من
~~ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الآخر، فتدبر.
# ومنها: ما قيل فيما إذا دار بين التخصيص والنسخ - كما إذا ورد عام بعد
~~حضور وقت العمل بالخاص، حيث يدور بين أن يكون الخاص مخصصا أو يكون العام
~~ناسخا، أو ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، حيث يدور بين أن يكون
~~الخاص مخصصا للعام، أو ناسخا له ورافعا لاستمراره ودوامه - في وجه تقديم
~~التخصيص على النسخ، من غلبة التخصيص وندرة النسخ.
# PageV00P450
# ولا يخفى أن دلالة الخاص أو العام على الاستمرار والدوام إنما هو
~~بالاطلاق لا بالوضع، فعلى الوجه العقلي في تقديم التقييد على التخصيص كان
~~اللازم في هذا الدوران تقديم النسخ على التخصيص أيضا، وإن غلبة التخصيص
~~إنما توجب أقوائية ظهور الكلام في الاستمرار والدوام من ظهور العام في
~~العموم إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعد من القرائن
~~المكتنفة بالكلام، وإلا فهي وإن كانت مفيدة للظن بالتخصيص، إلا أنها غير
~~موجبة لها، كما لا يخفى.
# ثم إنه بناء على اعتبار عدم حضور وقت العمل في التخصيص، لئلا يلزم تأخير
~~البيان عن وقت الحاجة، يشكل الامر في تخصيص الكتاب أو السنة بالخصوصات
~~الصادرة عن ms305 الأئمة عليهم السلام، فإنها صادرة بعد حضور وقت العمل
~~بعموماتهما، والتزام نسخهما بها ولو قيل بجواز نسخهما بالرواية عنهم عليهم
~~السلام كما ترى، فلا محيص في حله من أن يقال: إن اعتبار ذلك حيث كان لاجل
~~قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكان من الواضح أن ذلك فيما إذا لم يكن
~~هناك مصلحة في إخفاء الخصوصات أو مفسدة في إبدائها، كإخفاء غير واحد من
~~التكاليف في الصدر الأول، لم يكن بأس بتخصيص عموماتهما بها، واستكشاف أن
~~موردها كان خارجا عن حكم العام واقعا وإن كان داخلا فيه ظاهرا، ولأجله لا
~~بأس بالالتزام بالنسخ بمعنى رفع اليد بها عن ظهور تلك العمومات بإطلاقها في
~~الاستمرار والدوام أيضا، فتفطن.
# فصل لا إشكال في تعيين الأظهر لو كان في البين إذا كان التعارض بين
~~الاثنين، وأما إذا كان بين الزائد عليهما فتعينه ربما لا يخلو عن خفاء،
~~ولذا وقع بعض (1) الاعلام في اشتباه وخطأ، حيث توهم أنه إذا كان هناك عام
~~وخصوصات وقد خصص ببعضها، كان اللازم ملاحظة النسبة بينه وبين سائر الخصوصات
~~بعد
# PageV00P451
# تخصيصه به، فربما تنقلب النسبة إلى عموم وخصوص من وجه، فلا بد من رعاية
~~هذه النسبة وتقديم الراجح منه ومنها، أو التخيير بينه وبينها لو لم يكن
~~هناك راجح، لا تقديمها عليه، إلا إذا كانت النسبة بعده على حالها.
# وفيه: إن النسبة إنما هي بملاحظة الظهورات، وتخصيص العام بمخصص منفصل ولو
~~كان قطعيا لا ينثلم به ظهوره، وإن انثلم به حجيته، ولذلك يكون بعد التخصيص
~~حجة في الباقي، لأصالة عمومه بالنسبة إليه.
# لا يقال: إن العام بعد تخصيصه بالقطعي لا يكون مستعملا في العموم قطعا،
~~فكيف يكون ظاهرا فيه؟
# فإنه يقال: إن المعلوم عدم إرادة العموم، لا عدم استعماله فيه لإفادة
~~القاعدة الكلية، فيعمل بعمومها ما لم يعلم بتخصيصها، وإلا لم يكن وجه في
~~حجيته في تمام الباقي، لجواز استعماله حينئذ فيه وفي غيره من المراتب التي
~~يجوز أن ينتهي إليها التخصيص، وأصالة عدم مخصص آخر لا يوجب انعقاد ms306 ظهور له،
~~لا فيه ولا في غيره من المراتب، لعدم الوضع ولا القرينة المعينة لمرتبة
~~منها، كما لا يخفى، لجواز إرادتها وعدم نصب قرينة عليها.
# نعم ربما يكون عدم نصب قرينة مع كون العام في مقام البيان قرينة على
~~إرادة التمام، وهو غير ظهور العام فيه في كل مقام.
# فانقدح بذلك أنه لا بد من تخصيص العام بكل واحد من الخصوصات مطلقا، ولو
~~كان بعضها مقدما أو قطعيا، ما لم يلزم منه محذور انتهائه إلى ما لا يجوز
~~الانتهاء إليه عرفا، ولو لم يكن مستوعبة لافراده، فضلا عما إذا كانت
~~مستوعبة لها، فلا بد حينئذ من معاملة التباين بينه وبين مجموعها ومن ملاحظة
~~الترجيح بينهما وعدمه، فلو رجح جانبها أو اختير فيما لم يكن هناك ترجيح فلا
~~مجال للعمل به أصلا، بخلاف ما لو رجح طرفه أو قدم تخييرا، فلا يطرح منها
~~إلا خصوص ما لا يلزم مع طرحة المحذور من التخصيص بغيره، فإن التباين إنما
~~كان بينه وبين PageV00P452
# مجموعها لا جميعها، وحينئذ فربما يقع التعارض بين الخصوصات فيخصص ببعضها
~~ترجيحا أو تخييرا، فلا تغفل.
# هذا فيما كانت النسبة بين المتعارضات متحدة، وقد ظهر منه حالها فيما كانت
~~النسبة بينها متعددة، كما إذا ورد هناك عامان من وجه مع ما هو أخص مطلقا من
~~أحدهما، وأنه لا بد من تقديم الخاص على العام ومعاملة العموم من وجه بين
~~العامين من الترجيح والتخيير بينهما، وإن انقلبت النسبة بينهما إلى العموم
~~المطلق بعد تخصيص أحدهما، لما عرفت من أنه لا وجه إلا لملاحظة النسبة قبل
~~العلاج.
# نعم لو لم يكن الباقي تحته بعد تخصيصه إلا ما لا يجوز أن يجوز عنه
~~التخصيص أو كان بعيدا جدا، لقدم على العام الآخر، لا لانقلاب النسبة
~~بينهما، بل لكونه كالنص فيه، فيقدم على الآخر الظاهر فيه بعمومه، كما لا
~~يخفى.
# فصل لا يخفى أن المزايا المرجحة لاحد المتعارضين الموجبة للاخذ به وطرح
~~الآخر - بناء على وجوب الترجيح - وإن كانت على أنحاء مختلفة ومواردها
~~متعددة، من ms307 راوي الخبر ونفسه ووجه صدوره ومتنه ومضمونه مثل: الوثاقة
~~والفقاهة والشهرة ومخالفة العامة والفصاحة وموافقة الكتاب والموافقة لفتوى
~~الأصحاب، إلى غير ذلك مما يوجب مزية في طرف من أطرافه، خصوصا لو قيل
~~بالتعدي من المزايا المنصوصة، إلا أنها موجبة لتقديم أحد السندين وترجيحه
~~وطرح الآخر، فإن أخبار العلاج دلت على تقديم رواية ذات مزية في أحد أطرافها
~~ونواحيها فجميع هذه من مرجحات السند حتى موافقة الخبر للتقية، فإنها أيضا
~~مما يوجب ترجيح أحد السندين وحجيته فعلا وطرح الآخر رأسا، وكونها في مقطوعي
~~الصدور متمحضة في ترجيح الجهة لا يوجب كونها كذلك في غيرهما، ضرورة أنه لا
~~معنى للتعبد بسند ما يتعين حمله على التقية، فكيف يقاس على ما لا تعبد فيه
~~للقطع بصدوره؟.
# ثم إنه لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات لو قيل بالتعدي وإناطة
~~الترجيح PageV00P453
# بالظن أو بالأقربية إلى الواقع، ضرورة أن قضية ذلك تقديم الخبر الذي ظن
~~صدقه أو كان أقرب إلى الواقع منهما، والتخيير بينهما إذا تساويا، فلا وجه
~~لاتعاب النفس في بيان أن أيها يقدم أو يؤخر إلا تعيين أن أيها يكون فيه
~~المناط في صورة مزاحمة بعضها مع الآخر.
# وأما لو قيل بالاقتصار على المزايا المنصوصة فله وجه لما يتراءى من ذكرها
~~مرتبا في المقبولة (1) والمرفوعة (2)، مع إمكان أن يقال: إن الظاهر كونهما
~~كسائر أخبار الترجيح بصدد بيان أن هذا مرجح وذاك مرجح، ولذا اقتصر في غير
~~واحد منها على ذكر مرجح واحد، وإلا لزم تقييد جميعها على كثرتها بما في
~~المقبولة، وهو بعيد جدا، وعليه فمتى وجد في أحدهما مرجح وفي الآخر آخر
~~منها، كان المرجع هو إطلاقات التخيير، ولا كذلك على الأول بل لا بد من
~~ملاحظة الترتيب، إلا إذا كانا في عرض واحد.
# وانقدح بذلك أن حال المرجح الجهتي حال سائر المرجحات، في أنه لابد في
~~صورة مزاحمته مع بعضها من ملاحظة أن أيهما فعلا موجب للظن بصدق ذيه
~~بمضمونه، أو الأقربية كذلك إلى الواقع، فيوجب ترجيحه وطرح الآخر، أو أنه لا ms308
~~مزية لأحدهما على الآخر، كما إذا كان الخبر الموافق للتقية بماله من المزية
~~مساويا للخبر المخالف لها بحسب المناطين، فلا بد حينئذ من التخيير بين
~~الخبرين، فلا وجه لتقديمه على غيره، كما عن الوحيد البهبهاني (3) - قدس سره
~~- وبالغ فيه
# PageV00P454
# بعض (1) أعاظم المعاصرين - أعلى الله درجته - ولا لتقديم غيره عليه، كما
~~يظهر من شيخنا العلامة (2) - أعلى الله مقامه - قال:
# أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور، بأن كان الأرجح
~~صدورا موافقا للعامة، فالظاهر تقديمه على غيره وإن كان مخالفا للعامة، بناء
~~على تعليل الترجيح بمخالفة العامة باحتمال التقية في الموافق، لان هذا
~~الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا كما في المتواترين، أو
~~تعبدا كما في الخبرين بعد عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما وترك التعبد بصدور
~~الآخر، وفيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى أدلة الترجيح من حيث الصدور.
# إن قلت: إن الأصل في الخبرين الصدور، فإذا تعبدنا بصدورهما اقتضى ذلك
~~الحكم بصدور الموافق تقية، كما يقتضي ذلك الحكم بإرادة خلاف الظاهر في
~~أضعفهما، فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدما على الترجيح
~~بحسب الصدور.
# قلت: لا معنى للتعبد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية،
~~لأنه إلغاء لأحدهما في الحقيقة.
# وقال بعد جملة من الكلام:
# فمورد هذا الترجيح تساوي الخبرين من حيث الصدور، إما علما كما في
~~المتواترين، أو تعبدا كما في المتكافئين من الاخبار، وأما ما وجب فيه
~~التعبد بصدور أحدهما المعين دون الآخر فلا وجه لاعمال هذا المرجح فيه، لان
~~جهة الصدور متفرع على أصل الصدور، إنتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو
~~مقامه.
# وفيه - مضافا إلى ما عرفت - أن حديث فرعية جهة الصدور على أصله إنما يفيد
# PageV00P455
# إذا لم يكن المرجح الجهتي من مرجحات أصل الصدور بل من مرجحاتها، وأما إذا
~~كان من مرجحاته بأحد المناطين، فأي فرق بينه وبين سائر المرجحات؟ ولم يقم
~~دليل بعد في الخبرين المتعارضين على وجوب التعبد بصدور الراجح منهما من حيث
~~غير الجهة، مع كون ms309 الآخر راجحا بحسبها، بل هو أول الكلام، كما لا يخفى، فلا
~~محيص من ملاحظة الراجح من المرجحين بحسب أحد المناطين، أو من دلالة أخبار
~~العلاج، على الترجيح بينهما مع المزاحمة، ومع عدم الدلالة ولو لعدم التعرض
~~لهذه الصورة فالمحكم هو إطلاق التخيير، فلا تغفل.
# وقد أورد بعض أعاظم تلاميذه (1) عليه بانتقاضه بالمتكافئين من حيث
~~الصدور، فإنه لو لم يعقل التعبد بصدور المتخالفين من حيث الصدور، مع حمل
~~أحدهما على التقية، لم يعقل التعبد بصدورهما مع حمل أحدهما عليها، لأنه
~~إلغاء لأحدهما أيضا في الحقيقة.
# وفيه ما لا يخفى من الغفلة، وحسبان أنه التزم - قدس سره - في مورد
~~الترجيح بحسب الجهة باعتبار تساويهما من حيث الصدور، إما للعلم بصدورهما،
~~وإما للتعبد به فعلا، مع بداهة أن غرضه من التساوي من حيث الصدور تعبدا
~~تساويهما بحسب دليل التعبد بالصدور قطعا، ضرورة أن دليل حجية الخبر لا
~~يقتضي التعبد فعلا بالمتعارضين، بل ولا بأحدهما، وقضية دليل العلاج ليس إلا
~~التعبد بأحدهما تخييرا أو ترجيحا.
# والعجب كل العجب أنه رحمه الله لم يكتف بما أورده من النقض، حتى ادعى
~~استحالة تقديم الترجيح بغير هذا المرجح على الترجيح به، وبرهن عليه بما
~~حاصله امتناع التعبد بصدور الموافق، لدوران أمره بين عدم صدوره من أصله،
~~وبين صدوره تقية، ولا يعقل التعبد به على التقديرين بداهة، كما أنه لا يعقل
~~التعبد بالقطعي الصدور الموافق، بل الامر في الظني الصدور أهون، لاحتمال
~~عدم
# PageV00P456
# صدوره، بخلافه.
# ثم قال: فاحتمال تقديم المرجحات السندية على مخالفة العامة، مع نص الامام
~~- عليه السلام - على طرح موافقهم، من العجائب والغرائب التي لم يعهد صدورها
~~من ذي مسكة، فضلا عمن هو تالي العصمة علما وعملا.
# ثم قال: وليت شعري، إن هذه الغفلة الواضحة كيف صدرت منه؟ مع أنه في جودة
~~النظر يأتي بما يقرب من شق القمر.
# وأنت خبير بوضوح فساد برهانه، ضرورة عدم دوران أمر الموافق بين الصدور
~~تقية وعدم الصدور رأسا، لاحتمال صدوره لبيان حكم الله واقعا، وعدم صدور
~~المخالف المعارض له ms310 أصلا، ولا يكاد يحتاج في التعبد إلى أزيد من احتمال
~~صدور الخبر لبيان ذلك بداهة، وإنما دار احتمال الموافق بين الاثنين إذا كان
~~المخالف قطعيا صدورا وجهة ودلالة، ضرورة دوران معارضه حينئذ بين عدم صدوره
~~وصدوره تقية، وفي غير هذه الصورة كان دوران أمره بين الثلاثة لا محالة،
~~لاحتمال صدوره لبيان الحكم الواقعي حينئذ أيضا.
# ومنه قد انقدح إمكان التعبد بصدور الموافق القطعي لبيان الحكم الواقعي
~~أيضا، وإنما لم يكن التعبد بصدوره لذلك إذا كان معارضه المخالف قطعيا بحسب
~~السند والدلالة، لتعيين حمله على التقية حينئذ لا محالة، ولعمري إن ما
~~ذكرنا أوضح من أن يخفى على مثله، إلا أن الخطأ والنسيان كالطبيعة الثانية
~~للانسان، عصمنا الله من زلل الاقدام والأقلام في كل ورطة ومقام.
# ثم إن هذا كله إنما هو بملاحظة أن هذا المرجح مرجح من حيث الجهة، وأما
~~بما هو موجب لأقوائية دلالة ذيه من معارضه، لاحتمال التورية في المعارض
~~المحتمل فيه التقية دونه، فهو مقدم على جميع مرجحات الصدور، بناء على ما هو
~~المشهور من تقدم التوفيق - بحمل الظاهر على الأظهر - على الترجيح بها،
~~اللهم إلا أن يقال: أن باب احتمال التورية وإن كان مفتوحا فيما احتمل فيه
~~التقية، إلا أنه PageV00P457
# حيث كان بالتأمل والنظر لم يوجب أن يكون معارضه أظهر، بحيث يكون قرينة
~~على التصرف عرفا في الآخر، فتدبر.
# فصل موافقة الخبر لما يوجب الظن بمضمونه ولو نوعا من المرجحات في الجملة
~~- بناء على لزوم الترجيح - لو قيل بالتعدي من المرجحات المنصوصة، أو قيل
~~بدخوله في القاعدة المجمع عليها كما ادعي (1)، وهي لزوم العمل بأقوى
~~الدليلين، وقد عرفت أن التعدي محل نظر بل منع، وأن الظاهر من القاعدة هو ما
~~كان الأقوائية من حيث الدليلية والكشفية، ومضمون أحدهما مظنونا، لاجل
~~مساعدة أمارة ظنية عليه، لا يوجب قوة فيه من هذه الحيثية، بل هو على ما هو
~~عليه من القوة لولا مساعدتها، كما لا يخفى، ومطابقة أحد الخبرين لها لا
~~يكون لازمه الطن بوجود خلل في الآخر، ms311 إما من حيث الصدور، أو من حيث جهته،
~~كيف؟ وقد اجتمع مع القطع بوجود جميع ما اعتبر في حجية المخالف لولا معارضة
~~الموافق، والصدق واقعا لا يكاد يعتبر في الحجية، كما لا يكاد يضر بها الكذب
~~كذلك، فافهم. هذا حال الامارة الغير المعتبرة لعدم الدليل على اعتبارها.
# أما ما ليس بمعتبر بالخصوص لاجل الدليل على عدم اعتباره بالخصوص كالقياس،
~~فهو وإن كان كالغير المعتبر لعدم الدليل، بحسب ما يقتضي الترجيح به من
~~الاخبار بناء على التعدي، والقاعدة بناء على دخول مظنون المضمون في أقوى
~~الدليلين، إلا أن الاخبار الناهية عن القياس (2 وأن السنة إذا قيست محق
~~الدين (3)، مانعة عن الترجيح به، ضرورة أن استعماله في ترجيح أحد الخبرين
# PageV00P458
# استعمال له في المسألة الشرعية الأصولية، وخطره ليس بأقل من استعماله في
~~المسألة الفرعية.
# وتوهم أن حال القياس ها هنا ليس في تحقق الأقوائية به إلا كحاله فيما
~~ينقح به موضوع آخر ذو حكم، من دون اعتماد عليه في مسألة أصولية (1) ولا
~~فرعية، قياس مع الفارق، لوضوح الفرق بين المقام والقياس في الموضوعات
~~الخارجية الصرفة، فإن القياس المعمول فيها ليس في الدين، فيكون إفساده أكثر
~~من إصلاحه، وهذا بخلاف المعمول في المقام، فإنه نحو إعمال له في الدين،
~~ضرورة أنه لولاه لما تعين الخبر الموافق له للحجية بعد سقوطه عن الحجية
~~بمقتضى أدلة الاعتبار، والتخيير بينه وبين معارضه بمقتضى أدلة العلاج،
~~فتأمل جيدا.
# وأما ما إذا اعتضد بما كان دليلا مستقلا في نفسه، كالكتاب والسنة
~~القطعية، فالمعارض المخالف لأحدهما إن كانت مخالفته بالمباينة الكلية، فهذه
~~الصورة خارجة عن مورد الترجيح، لعدم حجية الخبر المخالف كذلك من أصله، ولو
~~مع عدم المعارض، فإنه المتيقن من الاخبار الدالة على أنه زخرف أو باطل، أو
~~أنه: لم نقله، أو غير ذلك (2).
# وإن كانت مخالفته بالعموم والخصوص المطلق، فقضية القاعدة فيها، وإن كانت
~~ملاحظة المرجحات بينه وبين الموافق وتخصيص الكتاب به تعيينا أو تخييرا، لو
~~لم يكن الترجيح في الموافق، بناء على جواز تخصيص الكتاب ms312 بخبر الواحد، إلا
~~أن الاخبار الدالة على أخذ الموافق من المتعارضين غير قاصرة عن العموم لهذه
~~الصورة، لو قيل بأنها في مقام ترجيح أحدهما لا تعيين الحجة عن اللا حجة،
~~كما نزلناها عليه، ويؤيده أخبار (3) العرض على الكتاب الدالة على عدم حجية
~~المخالف من
# PageV00P459
# أصله، فإنهما تفرغان عن لسان واحد، فلا وجه لحمل المخالفة في أحدهما على
~~خلاف المخالفة في الأخرى، كما لا يخفى.
# اللهم إلا أن يقال: نعم، إلا أن دعوى اختصاص هذه الطائفة بما إذا كانت
~~المخالفة بالمباينة - بقرينة القطع بصدور المخالف الغير المباين عنهم عليهم
~~السلام كثيرا، وإباء مثل: ما خالف قول ربنا لم أقله، أو زخرف أو باطل عن
~~التخصيص - غير بعيدة، وإن كانت المخالفة بالعموم والخصوص من وجه، فالظاهر
~~أنها كالمخالفة في الصورة الأولى كما لا يخفى، وأما الترجيح بمثل
~~الاستصحاب، كما وقع في كلام غير واحد من الأصحاب، فالظاهر أنه لاجل اعتباره
~~من باب الظن والطريقية عندهم، وأما بناء على اعتباره تعبدا من باب الاخبار
~~وظيفة للشاك، كما هو المختار، كسائر الأصول العملية التي يكون كذلك عقلا أو
~~نقلا، فلا وجه للترجيح به أصلا، لعدم تقوية مضمون الخبر بموافقته، ولو
~~بملاحظة دليل اعتباره كما لا يخفى.
# هذا آخر ما أردنا إيراده، والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا.
# PageV00P460
# الخاتمة الاجتهاد والتقليد PageV00P461
# أما الخاتمة: فهي فيما يتعلق بالاجتهاد والتقليد فصل الاجتهاد لغة: تحمل
~~المشقة، واصطلاحا كما عن الحاجبي (1) والعلامة (2):
# استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، وعن غيرهما (3): ملكة يقتدر
~~بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا أو قوة قريبة.
# ولا يخفى أن اختلاف عباراتهم في بيان معناه اصطلاحا، ليس من جهة الاختلاف
~~في حقيقته وماهيته، لوضوح أنهم ليسوا في مقام بيان حده أو رسمه، بل إنما
~~كانوا في مقام شرح اسمه والإشارة إليه بلفظ آخر وإن لم يكن مساويا له بحسب
~~مفهومه، كاللغوي في بيان معاني الألفاظ بتبديل لفظ بلفظ آخر، ولو كان أخص
~~منه مفهوما أو أعم.
# ومن هنا انقدح أنه لا ms313 وقع للايراد على تعريفاته بعدم الانعكاس أو
~~الاطراد، كما هو الحال في تعريف جل الأشياء لولا الكل، ضرورة عدم الإحاطة
~~بها بكنهها، أو بخواصها الموجبة لامتيازها عما عداها، لغير علام الغيوب،
~~فافهم.
# PageV00P463
# وكيف كان، فالأولى تبديل الظن بالحكم بالحجة عليه، فإن المناط فيه هو
~~تحصيلها قوة أو فعلا لا الظن حتى عند العامة القائلين بحجيته مطلقا، أو بعض
~~الخاصة القائل بها عند انسداد باب العلم بالاحكام، فإنه مطلقا عندهم، أو
~~عند الانسداد عنده من أفراد الحجة، ولذا لا شبهة في كون استفراغ الوسع في
~~تحصيل غيره من أفرادها - من العلم بالحكم أو غيره مما اعتبر من الطرق
~~التعبدية الغير المفيدة للظن ولو نوعا - اجتهادا أيضا.
# ومنه قد انقدح أنه لا وجه لتأبي الاخباري عن الاجتهاد بهذا المعنى، فإنه
~~لا محيص عنه كما لا يخفى، غاية الامر له أن ينازع في حجية بعض ما يقول
~~الأصولي باعتباره ويمنع عنها، وهو غير ضائر بالاتفاق على صحة الاجتهاد بذاك
~~المعنى، ضرورة أنه ربما يقع بين الأخباريين، كما وقع بينهم وبين الأصوليين.
# فصل ينقسم الاجتهاد إلى مطلق وتجز، فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به على
~~استنباط الاحكام الفعلية من أمارة معتبرة، أو أصل معتبر عقلا أو نقلا في
~~الموارد التي لم يظفر فيها بها، والتجزي هو ما يقتدر به على استنباط بعض
~~الاحكام.
# ثم إنه لا إشكال في إمكان المطلق وحصوله للاعلام، وعدم التمكن من الترجيح
~~في المسألة وتعيين حكمها والتردد منهم في بعض المسائل إنما هو بالنسبة إلى
~~حكمها الواقعي، لاجل عدم دليل مساعد في كل مسألة عليه، أو عدم الظفر به بعد
~~الفحص عنه بالمقدار اللازم، لا لقلة الاطلاع أو قصور الباع.
# وأما بالنسبة إلى حكمها الفعلي، فلا تردد لهم أصلا، كما لا إشكال في جواز
~~العمل بهذا الاجتهاد لمن اتصف به، وأما لغيره فكذا لا إشكال فيه، إذا كان
~~المجتهد ممن كان باب العلم أو العلمي بالاحكام مفتوحا له - على ما يأتي من
~~الأدلة على جواز التقليد - بخلاف ما إذا انسد ms314 عليه بابهما، فجواز تقليد
~~الغير عنه في غاية الاشكال، فإن رجوعه إليه ليس من رجوع الجاهل إلى العالم
~~بل إلى الجاهل، وأدلة PageV00P464
# جواز التقليد إنما دلت على جواز رجوع غير العالم إلى العالم كما لا يخفى،
~~وقضية مقدمات الانسداد ليست إلا حجية الظن عليه لا على غيره، فلا بد في
~~حجية اجتهاد مثله على غيره من التماس دليل آخر غير دليل التقليد وغير دليل
~~الانسداد الجاري في حق المجتهد، من إجماع أو جريان مقدمات دليل الانسداد في
~~حقه، بحيث تكون منتجة لحجية الظن الثابت حجيته بمقدماته له أيضا، ولا مجال
~~لدعوى الاجماع، ومقدماته كذلك غير جارية في حقه، لعدم انحصار المجتهد به،
~~أو عدم لزوم محذور عقلي من عمله بالاحتياط وان لزم منه العسر، إذا لم يكن
~~له سبيل إلى إثبات عدم وجوبه مع عسره.
# نعم، لو جرت المقدمات كذلك، بأن انحصر المجتهد، ولزم من الاحتياط
~~المحذور، أو لزم منه العسر مع التمكن من إبطال وجوبه حينئذ، كانت منتجة
~~لحجيته في حقه أيضا، لكن دونه خرط القتاد، هذا على تقدير الحكومة.
# وأما على تقدير الكشف وصحته، فجواز الرجوع إليه في غاية الاشكال لعدم
~~مساعدة أدلة التقليد على جواز الرجوع إلى من اختص حجية ظنه به، وقضية
~~مقدمات الانسداد اختصاص حجية الظن بمن جرت في حقه دون غيره، ولو سلم أن
~~قضيتها كون الظن المطلق معتبرا شرعا، كالظنون الخاصة التي دل الدليل على
~~اعتبارها بالخصوص، فتأمل.
# إن قلت: حجية الشئ شرعا مطلقا لا يوجب القطع بما أدى إليه من الحكم ولو
~~ظاهرا، كما مر تحقيقه (1)، وأنه ليس أثره إلا تنجز الواقع مع الإصابة،
~~والعذر مع عدمها، فيكون رجوعه إليه مع انفتاح باب العلمي عليه أيضا رجوعا
~~إلى الجاهل، فضلا عما إذا انسد عليه.
# قلت: نعم، إلا أنه عالم بموارد قيام الحجة الشرعية على الاحكام، فيكون من
~~رجوع الجاهل إلى العالم.
# PageV00P465
# إن قلت: رجوعه إليه في موارد فقد الامارة المعتبرة عنده التي يكون المرجع
~~فيها الأصول العقلية، ليس إلا الرجوع إلى الجاهل. ms315
# قلت: رجوعه إليه فيها إنما هو لاجل اطلاعه على عدم الامارة الشرعية فيها،
~~وهو عاجز عن الاطلاع على ذلك، وأما تعيين ما هو حكم العقل وأنه مع عدمها هو
~~البراءة أو الاحتياط، فهو إنما يرجع إليه، فالمتبع ما استقل به عقله ولو
~~على خلاف ما ذهب إليه مجتهده، فافهم.
# وكذلك لا خلاف ولا إشكال في نفوذ حكم المجتهد المطلق إذا كان باب العلم
~~أو العلمي له مفتوحا، وأما إذا انسد عليه بابهما ففيه إشكال على الصحيح من
~~تقرير المقدمات على نحو الحكومة، فإن مثله - كما أشرت آنفا - ليس ممن يعرف
~~الاحكام، مع أن معرفتها معتبرة في الحاكم، كما في المقبولة، إلا أن يدعى
~~عدم القول بالفصل، وهو وإن كان غير بعيد، إلا أنه ليس بمثابة يكون حجة على
~~عدم الفصل، إلا أن يقال بكفاية انفتاح باب العلم في موارد الاجماعات
~~والضروريات من الدين أو المذهب، والمتواترات إذا كانت جملة يعتد بها، وإن
~~انسد باب العلم بمعظم الفقه، فإنه يصدق عليه حينئذ أنه ممن روى حديثهم
~~(عليهم السلام) ونظر في حلالهم (عليهم السلام) وحرامهم عليهم السلام: وعرف
~~أحكامهم عرفا حقيقة. وأما قوله (عليه السلام) في المقبولة (فإذا حكم
~~بحكمنا) فالمراد أن مثله إذا حكم كان بحكمهم حكم، حيث كان منصوبا منهم، كيف
~~وحكمه غالبا يكون في الموضوعات الخارجية، وليس مثل ملكية دار لزيد أو زوجية
~~امرأة له من أحكامهم (عليهم السلام) فصحة إسناد حكمه إليهم (عليهم السلام)
~~إنما هو لاجل كونه من المنصوب من قبلهم.
# وأما التجزي في الاجتهاد ففيه مواضع من الكلام:
# الأول: في إمكانه، وهو وإن كان محل الخلاف بين الاعلام إلا أنه لا ينبغي
~~الارتياب فيه، حيث كانت أبواب الفقه مختلفة مدركا، والمدارك متفاوتة سهولة
~~PageV00P466
# وصعوبة، عقلية ونقلية، مع اختلاف الاشخاص في الاطلاع عليها، وفي طول
~~الباع وقصوره بالنسبة إليها، فرب شخص كثير الاطلاع وطويل الباع في مدرك باب
~~بمهارته في النقليات أو العقليات، وليس كذلك في آخر لعدم مهارته فيها
~~وابتنائه عليها، وهذا بالضرورة ربما يوجب حصول ms316 القدرة على الاستنباط في
~~بعضها لسهولة مدركه أو لمهارة الشخص فيه مع صعوبته، مع عدم القدرة على ما
~~ليس كذلك، بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزي، للزوم
~~الطفرة. وبساطة الملكة وعدم قبولها التجزئة، لا تمنع من حصولها بالنسبة إلى
~~بعض الأبواب، بحيث يتمكن بها من الإحاطة بمداركه، كما إذا كانت هناك ملكة
~~الاستنباط في جميعها، ويقطع بعدم دخل ما في سائرها به أصلا، أو لا يعتني
~~باحتماله لاجل الفحص بالمقدار اللازم الموجب للاطمئنان بعدم دخله، كما في
~~الملكة المطلقة، بداهة أنه لا يعتبر في استنباط مسألة معها من الاطلاع فعلا
~~على مدارك جميع المسائل، كما لا يخفى.
# الثاني: في حجية ما يؤدي إليه على المتصف به، وهو أيضا محل الخلاف، إلا
~~أن قضية أدلة المدارك حجيته، لعدم اختصاصها بالمتصف بالاجتهاد المطلق،
~~ضرورة أن بناء العقلاء على حجية الظواهر مطلقا، وكذا ما دل على حجية خبر
~~الواحد، غايته تقييده بما إذا تمكن من دفع معارضاته كما هو المفروض.
# الثالث: في جواز رجوع غير المتصف به إليه في كل مسألة اجتهد فيها، وهو
~~أيضا محل الاشكال، من أنه من رجوع الجاهل إلى العالم، فتعمه أدلة جواز
~~التقليد، ومن دعوى عدم إطلاق فيها، وعدم إحراز أن بناء العقلاء أو سيرة
~~المتشرعة على الرجوع إلى مثله أيضا، وستعرف إن شاء الله تعالى ما هو قضية
~~الأدلة.
# وأما جواز حكومته ونفوذ فصل خصومته فأشكل، نعم لا يبعد نفوذه فيما إذا
~~عرف جملة معتدة بها واجتهد فيها، بحيث يصح أن يقال في حقه عرفا أنه ممن عرف
~~PageV00P467
# أحكامهم، كما مر في المجتهد المطلق المنسد عليه باب العلم والعلمي في
~~معظم الاحكام.
# فصل لا يخفى احتياج الاجتهاد إلى معرفة العلوم العربية في الجملة ولو بأن
~~يقدر على معرفة ما يبتني عليه الاجتهاد في المسألة، بالرجوع إلى ما دون
~~فيه، ومعرفة التفسير كذلك.
# وعمدة ما يحتاج إليه هو علم الأصول، ضرورة أنه ما من مسألة الا ويحتاج في
~~استنباط حكمها إلى قاعدة أو قواعد برهن ms317 عليها في الأصول، أو برهن عليها
~~مقدمة في نفس المسألة الفرعية، كما هو طريقة الاخباري، وتدوين تلك القواعد
~~المحتاج إليها على حدة لا يوجب كونها بدعة، وعدم تدوينها في زمانهم (عليهم
~~السلام) لا يوجب ذلك، وإلا كان تدوين الفقه والنحو والصرف بدعة.
# وبالجملة لا محيص لاحد في استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها إلا الرجوع
~~إلى ما بنى عليه في المسائل الأصولية، وبدونه لا يكاد يتمكن من استنباط
~~واجتهاد، مجتهدا كان أو أخباريا. نعم يختلف الاحتياج إليها بحسب اختلاف
~~المسائل والأزمنة والاشخاص، ضرورة خفة مؤونة الاجتهاد في الصدر الأول، وعدم
~~حاجته إلى كثير مما يحتاج إليه في الأزمنة اللاحقة، مما لا يكاد يحقق
~~ويختار عادة إلا بالرجوع إلى ما دون فيه من الكتب الأصولية.
# فصل اتفقت الكلمة على التخطئة في العقليات، واختلفت في الشرعيات، فقال
~~أصحابنا بالتخطئة فيها أيضا، وأن له تبارك وتعالى في كل مسألة حكم يؤدي
~~إليه الاجتهاد تارة وإلى غيره أخرى.
# وقال مخالفونا بالتصويب، وأن له تعالى أحكاما بعدد آراء المجتهدين، فما
~~PageV00P468
# يؤدي إليه الاجتهاد هو حكمه تبارك وتعالى، ولا يخفى أنه لا يكاد يعقل
~~الاجتهاد في حكم المسألة إلا إذا كان لها حكم واقعا، حتى صار المجتهد بصدد
~~استنباطه من أدلته، وتعيينه بحسبها ظاهرا، فلو كان غرضهم من التصويب هو
~~الالتزام بإنشاء أحكام في الواقع بعدد الآراء - بأن تكون الاحكام المؤدي
~~إليها الاجتهادات أحكاما واقعية كما هي ظاهرية - فهو وإن كان خطأ من جهة
~~تواتر الاخبار، وإجماع أصحابنا الأخيار على أن له تبارك وتعالى في كل واقعة
~~حكما يشترك فيه الكل، إلا أنه غير محال، ولو كان غرضهم منه الالتزام بإنشاء
~~الاحكام على وفق آراء الاعلام بعد الاجتهاد، فهو مما لا يكاد يعقل، فكيف
~~يتفحص عما لا يكون له عين ولا أثر، أو يستظهر من الآية أو الخبر، إلا أن
~~يراد التصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي، وأن المجتهد وإن كان يتفحص عما هو
~~الحكم واقعا وإنشاء، إلا أن ما أدى إليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي
~~حقيقة، ms318 وهو مما يختلف باختلاف الآراء ضرورة، ولا يشترك فيه الجاهل والعالم
~~بداهة، وما يشتركان فيه ليس بحكم حقيقة بل إنشاء، فلا استحالة في التصويب
~~بهذا المعنى، بل لا محيص عنه في الجملة بناء على اعتبار الاخبار من باب
~~السببية والموضوعية كما لا يخفى، وربما يشير إليه ما اشتهرت بيننا أن ظنية
~~الطريق لا ينافي قطعية الحكم.
# نعم بناء على اعتبارها من باب الطريقية، كما هو كذلك، فمؤديات الطرق
~~والامارات المعتبرة ليست بأحكام حقيقية نفسية، ولو قيل بكونها أحكاما
~~طريقية، وقد مر (1) غير مرة إمكان منع كونها أحكاما كذلك أيضا، وأن قضية
~~حجيتها ليس إلا تنجز [تنجيز] مؤدياتها عند إصابتها، والعذر عند خطئها، فلا
~~يكون حكم أصلا إلا الحكم الواقعي، فيصير منجزا فيما قام عليه حجة من علم أو
~~طريق معتبر، ويكون غير منجز بل غير فعلي فيما لم تكن هناك حجة مصيبة، فتأمل
~~جيدا.
# PageV00P469
# فصل إذا اضمحل الاجتهاد السابق بتبدل الرأي الأول بالآخر أو بزواله
~~بدونه، فلا شبهة في عدم العبرة به في الاعمال اللاحقة، ولزوم اتباع اجتهاد
~~اللاحق مطلقا أو الاحتياط فيها، وأما الاعمال السابقة الواقعة على وفقه
~~المختل فيها ما اعتبر في صحتها بحسب هذا الاجتهاد، فلا بد من معاملة
~~البطلان معها فيما لم ينهض دليل على صحة العمل فيما إذا اختل فيه لعذر، كما
~~نهض في الصلاة وغيرها، مثل: لا تعاد (1)، وحديث الرفع (2)، بل الاجماع على
~~الاجزاء في العبادات على ما ادعي.
# وذلك فيما كان بحسب الاجتهاد الأول قد حصل القطع بالحكم وقد اضمحل واضح،
~~بداهة أنه لا حكم معه شرعا، غايته المعذورية في المخالفة عقلا، وكذلك فيما
~~كان هناك طريق معتبر شرعا عليه بحسبه، وقد ظهر خلافه بالظفر بالمقيد أو
~~المخصص أو قرينة المجاز أو المعارض، بناء على ما هو التحقيق من اعتبار
~~الامارات من باب الطريقية، قيل بأن قضية اعتبارها إنشاء أحكام طريقية، أم
~~لا على ما مر منا غير مرة، من غير فرق بين تعلقه بالاحكام أو بمتعلقاتها،
~~ضرورة أن كيفية اعتبارها فيهما على ms319 نهج واحد، ولم يعلم وجه للتفصيل بينهما،
~~كما في الفصول (3)، وأن المتعلقات لا تتحمل اجتهادين بخلاف الاحكام، إلا
~~حسبان أن الاحكام قابلة للتغير والتبدل، بخلاف المتعلقات والموضوعات، وأنت
~~خبير بأن الواقع واحد فيهما، وقد عين أولا بما ظهر خطؤه ثانيا، ولزوم العسر
~~والحرج والهرج والمرج المخل بالنظام والموجب للمخاصمة بين الأنام، لو قيل
~~بعدم صحة العقود والايقاعات والعبادات الواقعة على طبق الاجتهاد الأول
~~الفاسدة بحسب الاجتهاد الثاني،
# PageV00P470
# ووجوب العمل على طبق الثاني، من عدم ترتيب الأثر على المعاملة وإعادة
~~العبادة، لا يكون إلا أحيانا، وأدلة نفي العسر لا ينفي إلا خصوص ما لزم منه
~~العسر فعلا، مع عدم اختصاص ذلك بالمتعلقات، ولزوم العسر في الاحكام كذلك
~~أيضا لو قيل بلزوم ترتيب الأثر على طبق الاجتهاد الثاني في الاعمال
~~السابقة، وباب الهرج والمرج ينسد بالحكومة وفصل الخصومة.
# وبالجملة لا يكون التفاوت بين الاحكام ومتعلقاتها، بتحمل الاجتهادين وعدم
~~التحمل بينا ولا مبينا، بما يرجع إلى محصل في كلامه - زيد في علو مقامه -
~~فراجع وتأمل.
# وأما بناء على اعتبارها من باب السببية والموضوعية، فلا محيص عن القول
~~بصحة العمل على طبق الاجتهاد الأول، عبادة كان أو معاملة، وكون مؤداه - ما
~~لم يضمحل - حكما حقيقة، وكذلك الحال إذا كان بحسب الاجتهاد الأول مجرى
~~الاستصحاب أو البراءة النقلية، وقد ظفر في الاجتهاد الثاني بدليل على
~~الخلاف، فإنه عمل بما هو وظيفته على تلك الحال، وقد مر في مبحث الاجزاء
~~تحقيق المقال، فراجع هناك. PageV00P471
# فصل في التقليد وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات، أو
~~للالتزام به في الاعتقاديات تعبدا، بلا مطالبة دليل على رأيه، ولا يخفى أنه
~~لا وجه لتفسيره بنفس العمل، ضرورة سبقه عليه، وإلا كان بلا تقليد، فافهم.
# ثم إنه لا يذهب عليك أن جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة،
~~يكون بديهيا جبليا فطريا لا يحتاج إلى دليل، وإلا لزم سد باب العلم به على
~~العامي مطلقا غالبا، لعجزه عن معرفة ما دل عليه كتابا وسنة، ولا يجوز
~~التقليد ms320 فيه أيضا، وإلا لدار أو تسلسل، بل هذه هي العمدة في أدلته، وأغلب
~~ما عداه قابل للمناقشة، لبعد تحصيل الاجماع في مثل هذه المسألة، مما يمكن
~~أن يكون القول فيه لاجل كونه من الأمور الفطرية الارتكازية، والمنقول منه
~~غير حجة في مثلها، ولو قيل بحجيتها في غيرها، لوهنه بذلك.
# ومنه قد انقدح إمكان القدح في دعوى كونه من ضروريات الدين، لاحتمال أن
~~يكون من ضروريات العقل وفطرياته لا من ضرورياته، وكذا القدح في دعوى (1)
~~سيرة المتدينين.
# PageV00P472
# وأما الآيات، فلعدم دلالة آية النفر (1) والسؤال (2) على جوازه، لقوة
~~احتمال أن يكون الارجاع لتحصيل العلم لا للاخذ تعبدا، مع أن المسؤول في آية
~~السؤال هم أهل الكتاب كما هو ظاهرها، أو أهل بيت العصمة الأطهار كما فسر به
~~في الاخبار (3).
# نعم لا بأس بدلالة الاخبار عليه بالمطابقة أو الملازمة، حيث دل بعضها (4)
~~على وجوب اتباع قول العلماء، وبعضها (5) على أن للعوام تقليد العلماء،
~~وبعضها (6) على جواز الافتاء مفهوما مثل ما دل على المنع عن الفتوى بغير
~~علم، أو منطوقا مثل (7) ما دل على إظهاره (عليه السلام) المحبة لان يرى في
~~أصحابه من يفتي الناس بالحلال والحرام.
# لا يقال: إن مجرد إظهار الفتوى للغير لا يدل على جواز أخذه واتباعه.
# فإنه يقال: إن الملازمة العرفية بين جواز الافتاء وجواز اتباعه واضحة،
~~وهذا غير وجوب إظهار الحق والواقع، حيث لا ملازمة بينه وبين وجوب أخذه
~~تعبدا، فافهم وتأمل.
# وهذه الأخبار على اختلاف مضامينها وتعدد أسانيدها، لا يبعد دعوى القطع
~~بصدور بعضها، فيكون دليلا قاطعا على جواز التقليد، وإن لم يكن كل واحد
# PageV00P473
# بحجة، فيكون مخصصا لما دل على عدم جواز اتباع غير العلم والذم على
~~التقليد، من الآيات والروايات.
# قال الله تبارك وتعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (١) وقوله تعالى:
# ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على
~~آثارهم مقتدون﴾ (2) مع احتمال أن الذم إنما كان على تقليدهم للجاهل، أو
~~في الأصول الاعتقادية التي لابد فيها من اليقين، وأما ms321 قياس المسائل الفرعية
~~على الأصول الاعتقادية، في أنه كما لا يجوز التقليد فيها مع الغموض فيها
~~كذلك لا يجوز فيها بالطريق الأولى لسهولتها، فباطل، مع أنه مع الفارق،
~~ضرورة أن الأصول الاعتقادية مسائل معدودة، بخلافها فإنه مما لا تعد ولا
~~تحصى، ولا يكاد يتيسر من الاجتهاد فيها فعلا طول العمر إلا للأوحدي في
~~كلياتها، كما لا يخفى.
# فصل إذا علم المقلد اختلاف الاحياء في الفتوى مع اختلافهم في العلم
~~والفقاهة، فلا بد من الرجوع إلى الأفضل إذا احتمل تعينه، للقطع بحجيته
~~والشك في حجية غيره، ولا وجه لرجوعه إلى الغير في تقليده، إلا على نحو
~~دائر.
# نعم لا بأس برجوعه إليه إذا استقل عقله بالتساوي، وجواز الرجوع إليه
~~أيضا، أو جوز له الأفضل بعد رجوعه إليه، هذا حال العاجز عن الاجتهاد في
~~تعيين ما هو قضية الأدلة في هذه المسألة.
# وأما غيره، فقد اختلفوا في جواز تقليد (3) المفضول وعدم جوازه، ذهب بعضهم
~~إلى الجواز، والمعروف بين الأصحاب - على ما قيل - عدمه وهو الأقوى،
# PageV00P474
# للأصل، وعدم دليل على خلافه، ولا إطلاق في أدلة التقليد بعد الغض عن
~~نهوضها على مشروعية أصله، لوضوح أنها إنما تكون بصدد بيان أصل جواز الاخذ
~~بقول العالم لا في كل حال، من غير تعرض أصلا لصورة معارضته بقول الفاضل،
~~كما هو شأن سائر الطرق والامارات على ما لا يخفى.
# ودعوى (1) السيرة على الاخذ بفتوى أحد المخالفين في الفتوى من دون فحص عن
~~أعلميته مع العلم بأعلمية أحدهما، ممنوعة.
# ولا عسر في تقليد الأعلم، لا عليه لاخذ فتاواه من رسائله وكتبه، ولا
~~لمقلديه لذلك أيضا، وليس تشخيص الأعلمية بأشكل من تشخيص أصل الاجتهاد، مع
~~أن قضية نفي العسر الاقتصار على موضع العسر، فيجب فيما لا يلزم منه عسر،
~~فتأمل جيدا.
# وقد استدل للمنع أيضا بوجوه:
# أحدها (2): نقل الاجماع على تعين تقليد الأفضل.
# ثانيها (3): الاخبار الدالة على ترجيحه مع المعارضة، كما في المقبولة (4)
~~وغيرها (5)، أو على اختياره للحكم بين الناس، كما دل عليه المنقول (6) عن
~~أمير المؤمنين (عليه ms322 السلام): (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك).
# ثالثها (7): إن قول الأفضل أقرب من غيره جزما، فيجب الاخذ به عند
# PageV00P475
# المعارضة عقلا.
# ولا يخفى ضعفها:
# أما الأول: فلقوة احتمال أن يكون وجه القول بالتعيين للكل أو الجل هو
~~الأصل، فلا مجال لتحصيل الاجماع مع الظفر بالاتفاق، فيكون نقله موهونا، مع
~~عدم حجية نقله ولو مع عدم وهنه.
# وأما الثاني: فلان الترجيح مع المعارضة في مقام الحكومة، لاجل رفع
~~الخصومة التي لا تكاد ترتفع إلا به، لا يستلزم الترجيح في مقام الفتوى، كما
~~لا يخفى.
# وأما الثالث: فممنوع صغرى وكبرى، أما الصغرى فلأجل أن فتوى غير الأفضل
~~ربما يكون أقرب من فتواه، لموافقته لفتوى من هو أفضل منه ممن مات، ولا يصغى
~~إلى أن فتوى الأفضل أقرب في نفسه، فإنه لو سلم أنه كذلك إلا أنه ليس بصغرى
~~لما ادعى عقلا من الكبرى، بداهة أن العقل لا يرى تفاوتا بين أن تكون
~~الأقربية في الامارة لنفسها، أو لاجل موافقتها لامارة أخرى، كما لا يخفى.
# وأما الكبرى فلان ملاك حجية قول الغير تعبدا ولو على نحو الطريقية، لم
~~يعلم أنه القرب من الواقع، فلعله يكون ما هو في الأفضل وغيره سيان، ولم يكن
~~لزيادة القرب في أحدهما دخل أصلا.
# نعم لو كان تمام الملاك هو القرب، كما إذا كان حجة بنظر العقل، لتعين
~~الأقرب قطعا، فافهم.
# فصل اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتي، والمعروف بين الأصحاب (1)
~~الاشتراط
# PageV00P476
# وبين العامة (1) عدمه، وهو خيرة الأخباريين (2)، وبعض المجتهدين (3) من
~~أصحابنا، وربما نقل تفاصيل:
# منها (4): التفصيل بين البدوي فيشترط، والاستمراري فلا يشترط، والمختار
~~ما هو المعروف بين الأصحاب، للشك في جواز تقليد الميت، والأصل عدم جوازه،
~~ولا مخرج عن هذا الأصل، إلا ما استدل به المجوز على الجواز من وجوه ضعيفة.
# منها (5): استصحاب جواز تقليده في حال حياته، ولا يذهب عليك أنه لا مجال
~~له، لعدم بقاء موضوعه عرفا، لعدم بقاء الرأي معه، فإنه متقوم بالحياة بنظر
~~العرف، وإن لم يكن كذلك واقعا، حيث أن الموت عند ms323 أهله موجب لانعدام الميت
~~ورأيه، ولا ينافي ذلك صحة استصحاب بعض أحكام حال حياته، كطهارته ونجاسته
~~وجواز نظر زوجته إليه، فإن ذلك إنما يكون فيما لا يتقوم بحياته عرفا بحسبان
~~بقائه ببدنه الباقي بعد موته، وإن احتمل أن يكون للحياة دخل في عروضه
~~واقعا، وبقاء الرأي لابد منه في جواز التقليد قطعا، ولذا لا يجوز التقليد
~~فيما إذا تبدل الرأي أو ارتفع، لمرض أو هرم إجماعا.
# وبالجملة يكو انتفاء الرأي بالموت بنظر العرف بانعدام موضوعه، ويكون حشره
~~في القيامة إنما هو من باب إعادة المعدوم، وإن لم يكن كذلك حقيقة، لبقاء
~~موضوعه، وهو النفس الناطقة الباقية حال الموت لتجرده، وقد عرفت في باب
~~الاستصحاب أن المدار في بقاء الموضوع وعدمه هو العرف، فلا يجدي بقاء النفس
# PageV00P477
# عقلا في صحة الاستصحاب مع عدم مساعدة العرف عليه، وحسبان أهله أنها غير
~~باقية وإنما تعاد يوم القيامة بعد انعدامها، فتأمل جيدا.
# لا يقال: نعم، الاعتقاد والرأي وإن كان يزول بالموت لانعدام موضوعه، إلا
~~أن حدوثه في حال حياته كاف في جواز تقليده في حال موته، كما هو الحال في
~~الرواية.
# فإنه يقال: لا شبهة في أنه لا بد في جوازه من بقاء الرأي والاعتقاد، ولذا
~~لو زال بجنون أو تبدل ونحوهما لما جاز قطعا، كما أشير إليه آنفا. هذا
~~بالنسبة إلى التقليد الابتدائي.
# وأما الاستمراري، فربما يقال بأنه قضية استصحاب الاحكام التي قلده فيها،
~~فإن رأيه وإن كان مناطا لعروضها وحدوثها، إلا أنه عرفا من أسباب العروض لا
~~من مقومات الموضوع والمعروض، ولكنه لا يخفى أنه لا يقين بالحكم شرعا سابقا،
~~فإن جواز التقليد إن كان بحكم العقل وقضية الفطرة كما عرفت فواضح، فإنه لا
~~يقتضي أزيد من تنجز ما أصابه من التكليف والعذر فيما أخطأ، وهو واضح. وإن
~~كان بالنقل فكذلك، على ما هو التحقيق من أن قضية الحجية شرعا ليس إلا ذلك،
~~لانشاء أحكام شرعية على طبق مؤداها، فلا مجال لاستصحاب ما قلده، لعدم القطع
~~به سابقا، إلا على ما تكلفنا ms324 في بعض تنبيهات الاستصحاب (1)، فراجع، ولا
~~دليل على حجية رأيه السابق في اللاحق.
# وأما بناء على ما هو المعروف بينهم، من كون قضية الحجية الشرعية جعل مثل
~~ما أدت إليه من الأحكام الواقعية التكليفية أو الوضعية شرعا في الظاهر،
~~فلاستصحاب ما قلده من الاحكام وإن كان مجال، بدعوى بقاء الموضوع عرفا، لاجل
~~كون الرأي عند أهل العرف من أسباب العروض لا من مقومات المعروض، إلا أن
~~الانصاف عدم كون الدعوى خالية عن الجزاف، فإنه من المحتمل - لولا
# PageV00P478
# المقطوع - أن الاحكام التقليدية عندهم أيضا ليست أحكاما لموضوعاتها بقول
~~مطلق، بحيث عد من ارتفاع الحكم عندهم من موضوعه، بسبب تبدل الرأي ونحوه، بل
~~إنما كانت أحكاما لها بحسب رأيه، بحيث عد من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه
~~عند التبدل، ومجرد احتمال ذلك يكفي في عدم صحة استصحابها، لاعتبار إحراز
~~بقاء الموضوع ولو عرفا، فتأمل جيدا.
# هذا كله مع إمكان دعوى أنه إذا لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال
~~الرأي، بسبب الهرم أو المرض إجماعا، لم يجز في حال الموت بنحو أولى قطعا،
~~فتأمل.
# ومنها: إطلاق الآيات (1) الدالة على التقليد.
# وفيه - مضافا إلى ما أشرنا إليه من عدم دلالتها عليه - منع إطلاقها على
~~تقدير دلالتها، وإنما هو مسوق لبيان أصل تشريعه كما لا يخفى. ومنه انقدح
~~حال إطلاق ما دل من الروايات على التقليد (2)، مع إمكان دعوى الانسياق إلى
~~حال الحياة فيها.
# ومنها: دعوى (3) أنه لا دليل على التقليد إلا دليل الانسداد، وقضيته جواز
~~تقليد الميت كالحي بلا تفاوت بينهما أصلا، كما لا يخفى.
# وفيه أنه لا يكاد تصل النوبة إليه، لما عرفت من دليل العقل والنقل عليه.
# ومنها 4): دعوى السيرة على البقاء، فإن المعلوم من أصحاب الأئمة
# PageV00P479
# (عليهم السلام) عدم رجوعهم عما أخذوه تقليدا بعد موت المفتي.
# وفيه منع السيرة فيما هو محل الكلام، وأصحابهم (عليهم السلام) إنما لم
~~يرجعوا عما أخذوه من الاحكام لاجل أنهم غالبا إنما كانوا يأخذونها ممن
~~ينقلها عنهم (عليهم السلام) بلا واسطة أحد، أو معها من دون ms325 دخل رأي الناقل
~~فيه أصلا، وهو ليس بتقليد كما لا يخفى، ولم يعلم إلى الآن حال من تعبد بقول
~~غيره ورأيه، أنه كان قد رجع أو لم يرجع بعد موته.
# [ومنها (1): غير ذلك مما لا يليق بأن يسطر أو يذكر] (2).
# PageV00P480 ms326