######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.AbuMuslimKhurasani.Hindawi41728357 #META# Tags: novels #META# ID: 41728357 #META# Title: أبو مسلم الخراساني #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # مراجع هذه الرواية‏ # 1 - الأمويون والعباسيون‏ # 2 - دهقان مرو‏ # 3 - جلنار‏ # 4 - طارق‏ # 5 - الضحاك‏ # 6 - أبو مسلم الخراساني‏ # 7 - وصية الإمام‏ # 8 - الظل والسحاب‏ # 9 - الدهقان والدهقانة‏ # 10 - نسب أبي مسلم‏ # 11 - إبراهيم الخازن‏ # 12 - الضحاك والخازن‏ # 13 - على أحر من الجمر‏ # 14 - إبلاغ الرسالة‏ # 15 - الهدية‏ # 16 - أبو مسلم والضحاك‏ # 17 - صاحب الخبر‏ # 18 - الحارث بن سريج والكرماني‏ # 19 - الاستعداد‏ # 20 - الوساطة‏ # 21 - خدعة‏ # 22 - الوداع‏ # 23 - الدهاء المتبادل‏ # 24 - حقيقة الموقف‏ # 25 - الرحيل وإظهار الدعوة‏ # 26 - أين المحب من الخلي‏ # 27 - سياسة التقسيم‏ # 28 - الحرب‏ # 29 - العروس في بيت حميها‏ # 30 - العريس‏ # 31 - الضحاك‏ # 32 - أبو مسلم في خلوته‏ # 33 - ترقب وانتظار‏ # 34 - أمر شاق‏ # 35 - الرفض‏ # 36 - كشف المعمى‏ # 37 - القصاص ورفيقه‏ # 38 - شيبان وشبيب‏ # 39 - رد الخاتم‏ # 40 - سر جديد‏ # 41 - فتح مبين‏ # 42 - قصر الإمارة والبيعة‏ # 43 - أول الحيلة‏ # 44 - الدب الرقاص‏ # 45 - النبيذ‏ # 46 - أرسله إلى خوارزم‏ # 47 - الرحيل‏ # 48 - عريس جديد‏ # 49 - مجلس أبي مسلم‏ # 50 - الشفاعة‏ # 51 - الحديث‏ # 52 - الفرار‏ # 53 - البغتة‏ # 54 - الوسيلة‏ # 55 - الرحيل‏ # 56 - سليمان بن كثير‏ # 57 - أبو سلمة الخلال‏ # 58 - مروان بن محمد والناسك‏ # 59 - الرؤيا‏ # 60 - معسكر أبي سلمة‏ # 61 - المكاشفة‏ # 62 - الرحيل إلى الحميمة‏ # 63 - أبو جعفر المنصور‏ # 64 - اقتل ثم اقتل‏ # 65 - حاييم المنجم‏ # 66 - غدر وفتك‏ # 67 - الفشل‏ # 68 - استيقظ قلبها‏ # 69 - بنو العباس‏ # 70 - دير العذارى‏ # 71 - بيعة أبي العباس السفاح‏ # 72 - ذكرى الحبيب‏ # 73 - خلافة المنصور‏ # 74 - كشف السر‏ # 75 - المنصور وأبو مسلم‏ # 76 - من القلب إلى القلب‏ # 77 - مقتل أبي مسلم‏ # 78 - الخاتمة‏ # أبطال الرواية‏ # مراجع هذه الرواية‏ # 1 - الأمويون والعباسيون‏ # 2 - دهقان مرو‏ # 3 - جلنار‏ # 4 - طارق‏ # 5 - الضحاك‏ # 6 - أبو مسلم الخراساني‏ # 7 - وصية الإمام‏ # 8 - الظل والسحاب‏ # 9 - الدهقان والدهقانة‏ # 10 - نسب أبي مسلم‏ # 11 - إبراهيم الخازن‏ # 12 - الضحاك والخازن‏ # 13 - على أحر من الجمر‏ # 14 - إبلاغ الرسالة‏ # 15 - الهدية‏ # 16 - أبو مسلم والضحاك‏ ms001 # 17 - صاحب الخبر‏ # 18 - الحارث بن سريج والكرماني‏ # 19 - الاستعداد‏ # 20 - الوساطة‏ # 21 - خدعة‏ # 22 - الوداع‏ # 23 - الدهاء المتبادل‏ # 24 - حقيقة الموقف‏ # 25 - الرحيل وإظهار الدعوة‏ # 26 - أين المحب من الخلي‏ # 27 - سياسة التقسيم‏ # 28 - الحرب‏ # 29 - العروس في بيت حميها‏ # 30 - العريس‏ # 31 - الضحاك‏ # 32 - أبو مسلم في خلوته‏ # 33 - ترقب وانتظار‏ # 34 - أمر شاق‏ # 35 - الرفض‏ # 36 - كشف المعمى‏ # 37 - القصاص ورفيقه‏ # 38 - شيبان وشبيب‏ # 39 - رد الخاتم‏ # 40 - سر جديد‏ # 41 - فتح مبين‏ # 42 - قصر الإمارة والبيعة‏ # 43 - أول الحيلة‏ # 44 - الدب الرقاص‏ # 45 - النبيذ‏ # 46 - أرسله إلى خوارزم‏ # 47 - الرحيل‏ # 48 - عريس جديد‏ # 49 - مجلس أبي مسلم‏ # 50 - الشفاعة‏ # 51 - الحديث‏ # 52 - الفرار‏ # 53 - البغتة‏ # 54 - الوسيلة‏ # 55 - الرحيل‏ # 56 - سليمان بن كثير‏ # 57 - أبو سلمة الخلال‏ # 58 - مروان بن محمد والناسك‏ # 59 - الرؤيا‏ # 60 - معسكر أبي سلمة‏ # 61 - المكاشفة‏ # 62 - الرحيل إلى الحميمة‏ # 63 - أبو جعفر المنصور‏ # 64 - اقتل ثم اقتل‏ # 65 - حاييم المنجم‏ # 66 - غدر وفتك‏ # 67 - الفشل‏ # 68 - استيقظ قلبها‏ # 69 - بنو العباس‏ # 70 - دير العذارى‏ # 71 - بيعة أبي العباس السفاح‏ # 72 - ذكرى الحبيب‏ # 73 - خلافة المنصور‏ # 74 - كشف السر‏ # 75 - المنصور وأبو مسلم‏ # 76 - من القلب إلى القلب‏ # 77 - مقتل أبي مسلم‏ # 78 - الخاتمة‏ # | أبو مسلم الخرساني # | أبو مسلم الخرساني # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # إبراهيم الإمام: # صاحب الدعوة العباسية. # أبو مسلم الخراساني: # عبد الرحمن بن مسلم. # أبو العباس عبد الله بن محمد: # أول الخلفاء العباسيين. # أبو جعفر المنصور: # ثاني الخلفاء العباسيين. # نصر بن سيار: # أمير خراسان. # دهقان مرو: # أحد الأمراء الفرس. # جلنار: # ابنة دهقان مرو. # مروان بن محمد: # آخر الخلفاء الأمويين. # خالد بن برمك: # قائد عباسي. # أبو سلمة الخلال: # ممول الدعوة العباسية. # | مراجع هذه الرواية # هذه هي المراجع التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الرواية ووقائعها التاريخية: # تاريخ الطبري. # تاريخ ابن خلكان. # تاريخ التمدن الإسلامي. # معجم الأدباء، لياقوت. # تاريخ ابن الأثير. # تاريخ الإصطخري. # مروج الذهب، للمسعودي. # الأحكام السلطانية. # الفصل الأول # | الأمويون ms002 والعباسيون # تمتاز دولة بني أمية عن دولة الخلفاء الراشدين بأن السلطة تحولت فيها من الخلافة الدينية ~~إلى الملك السياسي، وتمتاز عن الدولة العباسية بأنها عربية بحتة شديدة التعصب للعرب، كثيرة ~~الاحتقار لسواهم؛ ولذلك فإن أهل الذمة وغيرهم من سكان البلاد الأصليين قاسوا من خلفاء بني ~~أمية ومن عمالهم الأمور الصعاب، حتى الذين أسلموا منهم؛ فإن العرب كانوا يعاملونهم ~~معاملة العبيد، وكانوا يسمونهم «الموالي»، ويعدون أنفسهم ذوي إحسان عليهم لأنهم أنقذوهم من ~~الكفر، وإذا صلوا خلفهم في المسجد حسبوا ذلك تواضعا لله. وكان بعض العرب إذا مرت به ~~جنازة مسلم قال: «من هذا؟» فإذا قالوا: «قرشي.» قال: «وا قوماه!» وإذا قالوا: «عربي.» قال: ~~«وا بلدتاه!» وإذا قالوا: «مولى.» قال: «هو مال الله يأخذ ما شاء ويدع ما شاء.» وكانوا ~~يحرمون الموالي من الكنى، ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب، ولا يمشون في الصف ~~معهم، وكانوا يسمونهم العلوج. وفي كتاب الموالي، للجاحظ، أن الحجاج لما قبض على الموالي ~~الذين حاربوا مع ابن الأشعث أراد أن يفرقهم حتى لا يجتمعوا ، فنقش على يد كل واحد اسم ~~البلدة التي وجهه إليها. وقد تولى ذلك النقش رجل من بني عجل، فقال الشاعر. # وأنت من نقش العجلي راحته # وفر شيخك حتى عاد بالحكم # 1 # فكان سكان المملكة الإسلامية غير العرب يقاسون مر العذاب من عمال بني أمية، ويودون التخلص ~~من دولتهم. وكانوا أول المجيبين لمن يدعو إلى غيرها أو يطلب إسقاطها. # ولولا دهاء بعض خلفائها وأمرائها لما طالت مدة حكمها، ولكنها قامت بدهاء معاوية وأنصاره؛ ~~كزياد ابن أبيه، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. والناس بايعوا معاوية رهبة من سيفه، أو ~~رغبة في عطائه، وهم يعتقدون أن أهل بيت النبي أولى بذلك الأمر. وقد تهيأت لهذه الدولة ظروف ~~كثيرة ساعدت على بقاء الخلافة في بني أمية نيفا وتسعين سنة. # وكان أهل بيت النبي في أثناء ذلك يطلبون الخلافة لأنفسهم ولا يفلحون، وهم فئتان كبيرتان: ~~فئة ترجع بأنسابها إلى الإمام علي ابن عم النبي؛ وهم العلويون، وفئة ترجع ms003 إلى العباس بن عبد ~~المطلب؛ عم النبي؛ وهم العباسيون. والعلويون فئتان: فئة تطالب بالخلافة لأبناء علي من ~~زوجته فاطمة بنت النبي؛ وهم: الحسن والحسين ومن تسلسل منهما، وفئة تطلبها لابنه محمد بن ~~الحنفية. وكان دعاة محمد هذا يقال لهم: الكيسانية، وأما العباسيون فتسمى شيعتهم: ~~الراوندية. # والعباسيون لم يطالبوا بالخلافة إلا في أواخر دولة بني أمية، وأما العلويون فما انفكوا من ~~زمن معاوية وهم يطالبون بها، فيرسلون الدعاة إلى أنحاء المملكة الإسلامية يدعون الناس ~~إليهم، وكثيرا ما اجتمع حول بعضهم ألوف من الأنصار والأشياع، ولكنهم لم يفلحوا، حتى إذا ~~انقضى القرن الأول وأخذ شأن بني أمية في الضعف، وأخذت دولتهم في الانحلال؛ كانت دعوة ~~الكيسانية قد وجدت صدى، وهم يدعون لأبي هاشم بن محمد بن الحنفية المذكور. وقد كثر دعاتهم ~~في العراق وخراسان. وكان أبو هاشم قد أوصاهم أنه سيحول الدعوة إلى آل العباس، فلما علمت ~~شيعة أبي هاشم بموته قدموا إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس المذكور وبايعوه، فبعث ~~الدعاة إلى الآفاق في السنة المائة للهجرة سرا. وكان أكثر الذين أجابوا الدعوة من الموالي ~~غير العرب، وخاصة في خراسان؛ لبعدها عن مركز الخلافة الأموية بدمشق. وفي سنة 124ه، توفي ~~محمد بن علي؛ صاحب الدعوة، فبايع الناس ابنه إبراهيم وكانوا يسمونه الإمام. وما زال أمر ~~العباسيين يقوى وأمر الأمويين يضعف حتى انقضت الدولة الأموية، وقامت الدولة العباسية سنة ~~132ه. وكان قائد شيعة العباسيين شابا فارسيا اسمه أبو مسلم الخراساني؛ هو بطل هذه ~~الرواية. # الفصل الثاني # | دهقان مرو # كانت بلاد فارس وخراسان وما وراء النهر قبل الفتح الإسلامي مؤلفة من المدن والقرى، وكان ~~رجال الحكومة يقيمون في المدن ويجعلون فيها كل قوتهم. وأما القرى فقد كانت في حوزة جماعة من ~~أشراف الفرس يعرفون بالدهاقين، على نحو ما كانت عليه حال قرى أوروبا في عصر الإقطاع؛ إذ ~~كانت البلاد في أيدي الأمراء الأشراف من الكونتية واللوردية، وكل أمير منهم يحكم مقاطعة ~~تعرف باسمه، يحرسها جنده، ويزرعها رجاله، وهو فيهم مكان ms004 الحاكم المطلق. وكان الدهقان ورجاله ~~يحكمون أهل القرى؛ سكان البلاد الأصليين، ويستخدمونهم استخدام الرق. وكان السكان خليطا ~~من الشعوب الآرية يمتازون بضخامة البدن وبروز الصدر. # كذلك كان الدهاقين في خراسان وغيرها حينما فتح العرب تلك البلاد، فهم إنما فتحوا المدن ~~وأقاموا فيها الحامية. أما القرى فأقروا فيها الدهاقين على نحو ما كانوا عليه في دولة ~~الفرس، واستعانوا بهم في كثير من الأحوال؛ وبخاصة في جمع الخراج، بما كان لأولئك الدهاقين ~~من النفوذ العظيم على أهل البلاد الأصليين. وكثيرا ما كانوا يتجسسون بهم على أحوال الحكام ~~وغيرهم. وكان الدهاقين من الجهة الأخرى ينتفعون بتقربهم من الفئة الحاكمة، ويجتزئون مما ~~كانوا يجمعونه من الخراج، فتضاعفت ثروتهم وزاد نفوذهم، على أنهم كانوا يتفاوتون ثروة ~~ونفوذا؛ فمن صاحب القرية الصغيرة أو المزرعة إلى صاحب الرساتيق العديدة والبلاد الواسعة. ~~وكثيرا ما كانوا يتولون الحكومة كالأمراء، لكن بني أمية كانوا يسيئون إلى أولئك الدهاقين ~~أحيانا في جملة إساءتهم إلى غير العرب. وكانت ديانة الدهاقين المجوسية ديانة الفرس ~~القدماء، وانقضت أيام بني أمية ولم يسلم منهم إلا القليلون. # وكان أعظم دهاقين خراسان في أوائل القرن الثاني للهجرة دهقانا كانت ضياعه أكثرها بجوار ~~مدينة مرو؛ عاصمة خراسان في ذلك العهد؛ ولذلك غلب عليه الانتساب إلى تلك المدينة، فكان يسمى ~~«دهقان مرو». وكان لهذا الدهقان ابنة اسمها جلنار غلبت شهرتها على شهرته بالجمال والعقل، ~~وقد ذاع ذكرها بين الناس حتى أصبحت مضرب أمثالهم بالأنفة والإمساك عن الزواج مع كثرة ~~الخطاب من كبار الدهاقين والأمراء. وكان إذا طلبها طالب عرض أبوها عليها أمره ورغبها ~~فيه، فإذا أبت جاراها في الرفض. # وكان الدهقان المذكور يقيم في مزرعة له على بضعة أميال جنوبي مرو في قصر فخم تأنق في ~~بنائه، وأنشأ حوله الحدائق غرس فيها الأشجار المثمرة، وأصناف الرياحين والأزهار، وسرح ~~فيها الطيور الداجنة، وفي جملتها الطاووس، والديك الهندي، وأصناف الدجاج. وقد ابتنى لها ~~أقفاصا في بعض جوانب الحديقة، وأقام حول القصر والحديقة سورا عاليا منيعا كأسوار ~~القلاع. وخارج السور منازل رجال ms005 الحاشية والأعوان، وبينها أعشاش يقيم فيها الحراثون ~~والخدم. # ولم يكن يقيم في القصر إلا الدهقان ونساؤه وخدمه وبنته، ولم يكن له أبناء سواها. والقصر ~~المذكور مبني على نمط خاص يحسبه المقبل عليه هيكلا من هياكل النار التي كان الفرس يصلون ~~فيها قبل الإسلام. والظاهر أن هذا القصر كان هيكلا لعبادة النار، فلما أسلم أصحابه حولوه ~~إلى قصر للسكن، وأنشئوا حوله الحديقة والسور؛ ولذلك كان المقبل على القصر يرى في صدره ~~أساطين من الرخام ضخمة، عليها نقوش فهلوية هي عبارة عن صور بعض الأبطال وبعض نصوص الأدعية ~~أو الصلوات على اصطلاحهم. وتحيط هذه الأساطين برحبة أرضها من الرخام مرتفعة عن أرضية ~~الحديقة وتشرف عليها، وفي سقفها نقوش ملونة تمثل بعض الخرافات القديمة عند المجوس، وفيها ~~مواقع حربية أو حوادث دينية. وكانوا يسمون تلك الرحبة قاعة الأساطين أو القاعة الكبرى. ~~ووراء تلك القاعة غرف كبيرة مفروشة بأثمن الأثاث من الديباج والإبريسم على النمط ~~الفارسي. # الفصل الثالث # | جلنار # وذات ليلة من ليالي رجب المقمرة من سنة 129ه، كان الدهقان جالسا في تلك القاعة بين تلك ~~الأعمدة، وقد فرشوا المكان بالسجاد وفوقه الوسائد المزركشة بالذهب، وفي وسط القاعة شبه ~~منضدة من خشب الصندل المرصع بالأصداف الملونة، وعلى المنضدة تمثال صغير من الذهب يشبه ~~فارسا فارسيا عليه الدرع، وعلى رأسه الخوذة، وإلى جنبه السيف. وعينا الفارس وعينا الجواد ~~من الحجارة الكريمة. وقد علقوا في سقف القاعة عدة مصابيح بينها مصباح كبير في وسطها، ~~فأضاءوا المصابيح في تلك الليلة كالعادة، ولكن القمر أغناهم عن نورها. # وكان الدهقان جالسا في صدر القاعة على وسادة من الحرير، وعليه قباء من الديباج الأحمر، ~~وعلى رأسه قلنسوة من الجلد الملون، وحول القلنسوة عمامة صغيرة من نسيج الكشمير يغلب فيها ~~اللون الأبيض. وكان القباء مبطنا بالفرو؛ لأنهم كانوا في فصل الربيع. وكانت تلك الليلة ~~باردة، فالتف الدهقان بقبائه وبالغ في الالتفاف حتى غطى الفرو عنقه ومعظم لحيته. وكان كبير ~~الوجه، جاحظ العينين، ضخم الأنف، أشقر الشعر، وقد خالطه الشيب قليلا، فيحسبه ms006 الناظر إليه ~~في الخمسين من عمره وهو فوق الستين. وبعد أن جلس هناك وحده ساعة، نهض بغتة ودخل يطلب غرفة ~~ابنته، فبغت الخدم لقيامه وتفرقوا من بين يديه، ثم وقفوا احتراما له. وكانت جلنار قد ذهبت ~~إلى غرفتها بعد العشاء وبعثت إلى ماشطتها الخاصة، فجاءتها وأعانتها على خلع ثيابها ونزع ~~حليها، ثم جلست إلى جانب فراشها لتحادثها ريثما تنام وقد آن وقت النوم، ولكن جلنار ~~احتالت في الذهاب إلى الفراش؛ لتخلو بماشطتها وتحدثها بما في نفسها. # وكانت جلنار على جانب عظيم من الجمال، مستديرة الوجه، ممتلئة الجسم، معتدلة القامة، بيضاء ~~البشرة مع حمرة تتلألأ تحت ذلك البياض، سوداء الشعر مسترسلته، نجلاء العينين كحلاءهما، مع ~~جاذبية وحلاوة يندران في البيض؛ لأن الجاذبية تغلب فى السمر. وكان لها في مقدم الذقن ~~فحصة، وإذا ابتسمت ظهر لها إلى جانب الفم فحصتان هما الغمازتان. # فلما فرغت الماشطة من تبديل ثيابها، ألبستها قميصا من الحرير الناعم وردي اللون، وحلت ~~شعرها وسرحته بمشط من العاج، فاسترسل إلى كتفيها، ثم ضفرته ضفيرة واحدة لئلا يضايقها ~~أثناء النوم . وكانت الماشطة من أهل الذكاء والعقل، وأصلها سرية ابتاعها الدهقان في ~~جملة جوار بيض من بعض تجار الرقيق الذين يتجرون بالمماليك من بلاد الترك والخز، ولكنها ~~تمكنت بذكائها وأسلوبها من اكتساب ثقة الدهقانة جلنار حتى جعلتها ماشطتها. والماشطة من ~~أصحاب النفوذ الأكبر في بيوت الدهاقين؛ لأن نساءهم يفضين بأسرارهن إلى الماشطة، ويعتمدن ~~عليها في المهام العظام. فإذا كانت من أهل الذكاء والدهاء ملكت زمام القصر، وسيطرت على ~~الدهقان والدهقانة. # وكانت ماشطة جلنار، واسمها ريحانة، قد ملكت ثقة سيدتها، وتمكنت من محبتها، ولا سيما بعد ~~وفاة والدتها، فأصبحت ريحانة مركز آمالها وخزانة أسرارها، فلما فرغت من تبديل الثياب استلقت ~~جلنار على فراش أنيق من ريش النعام، غطاؤه سماوي اللون، فغرقت فيه، واتكأت بذراعها ~~اليسرى على وسادة مزركشة، وأسندت خدها على كتفها، وتغطت باللحاف إلى أسفل الكتف، وأرسلت ~~يدها اليمنى فوقه. وقد نزعت من معصمها أكثر الحلي إلا الأساور، وانحسر الكم عن ms007 زندها فظهر ~~بضا أبيض. فتوسدت على تلك الصورة ووجهها نحو ريحانة. وكانت ريحانة قد لفت رأسها وحول ~~عنقها بخمار من نسيج الكشمير، ولبست دراعة مستطيلة تحتها سراويل منتفخة على نمط ملابس الفرس ~~في تلك الأيام، وليس عليها شيء من الحلي. # جلست ريحانة إلى جانب جلنار وقد تملكتها الدهشة لما آنسته من سكوتها وانقباضها أثناء ~~تبديل الثياب، وكانت عادتها أن تغتنم مثل تلك الساعة للممازحة والمضاحكة. فلما رأت ريحانة ~~سكوتها جارتها في السكوت تأدبا، وصبرت نفسها حتى تبدأ هي الحديث، مع علمها ببعض ما يجول ~~في خاطر سيدتها من الهواجس. فلما اتكأت جلنار أشارت إلى ريحانة أن تغلق باب الغرفة، ففعلت ~~وعادت إلى مكانها، ومدت يدها إلى شعر جلنار وجعلت تلاعبه بين أناملها، ثم مرت بيدها على ~~رأسها وهي تنظر إلى وجهها وتبتسم كأنها تستفسر منها عن سبب ذلك السكوت. فقالت جلنار باللغة ~~الفارسية - وكانت تعرف العربية مثل معظم أهل فارس في ذلك العصر؛ لأنها لغة الفئة الحاكمة، ~~لكنهم كانوا يتفاهمون فيما بينهم بالفارسية لغة آبائهم - فقالت جلنار: «ما قولك في أبي ~~...» # قالت ريحانة: «إنه يريد لك الخير.» # قالت: «صدقت، ولكني أراه شديد الرغبة في زواجي.» # فقالت ريحانة: «أتلومينه على ذلك؟ وأي أب لا يريد أن يزوج بناته؟ وأنت - من نعم ~~المولى - في رغد وسعادة، وأبوك أكبر دهاقين خراسان، وليس له سواك، وكلما جاءك طالب ~~رفضته، أفيلام أبوك إذا غضب.» # فتنهدت جلنار وكأنها أرادت السكوت، ولم يطاوعها قلبها فقالت وهي تتشاغل بإصلاح قميصها عند ~~العنق: «وهل تظنين أني أكره الزواج؟ لكني أرى أن والدي لا يهتم في زواجي إلى غير مصلحته. ~~وأنت تعلمين ذلك.» # فتجاهلت ريحانة وقالت: «لا أراه كما تقولين - يا مولاتي - لأنه إنما أراد زواجك بأكبر ~~أمراء العرب في خراسان. ولا يخفى عليك أن هذا الأمير لا يطلب فتاة إلا نالها؛ لأنه الحاكم ~~النافذ الكلمة، ومن تقرب منه اكتسب مثل هذا النفوذ.» # فقطعت جلنار كلامها قائلة: «وهذا ما أقوله. إن أبي يريد تزويجي بابن الكرماني؛ أمير هذا ~~الجند؛ ليكتسب ms008 النفوذ عنده، وليكثر دخله من جباية الخراج. ثم إن الكرماني هذا لم يتم له ~~الأمر؛ فهو ليس الأمير الحاكم، وإنما هو يطلب الحكم لنفسه، وما أدرانا أنه سوف ~~يناله؟!» # قالت ريحانة: «أما ظفره بالإمارة فإنني واثقة من ذلك لما علمته من قوة جنده؛ فهو الآن ~~يحاصر مرو؛ عاصمة خراسان، وقد ضيق على أميرها نصر بن سيار حتى فر نصر من بين يديه، ولا ~~يبعد أن يعود نصر إلى التسليم، فيصير الكرماني صاحب الأمر والنهي في خراسان، فتكونين حينئذ ~~أميرة خراسان.» # قالت: «أراك تخلطين وتتخبطين. أأتزوج ابن الكرماني على أمل أن أباه سيغلب أمير ~~خراسان ويقوم مقامه؟ وما أدرانا أن الخليفة في الشام سيرسل جندا ليحارب الكرماني هذا ~~ويقهره. فكيف تكون حالنا؟» # فابتسمت ريحانة وقالت: «أما من ناحية الخليفة في الشام، فكوني على يقين من أنه لن يحرك ~~ساكنا لاشتغاله بما حوله عما هو بعيد عنه؛ فقد علمت من خادمك الضحاك أنه لما تولى ~~الخليفة الحالي مروان بن محمد قامت الناس عليه، حتى أهله ورجاله، وقد قضى زمنا وهو يحارب ~~ويغالب في بلاد الشام، ولم يستطع إخضاع تلك البلاد إلا بشق الأنفس، فهو لا يطمع في استرجاع ~~خراسان إذا تغلب عليها رجل مثل الكرماني.» # قالت جلنار: «لقد ذكرتني بذلك المضحك. إنه خفيف الروح، وأراه - برغم أنه عربي - يعرف ~~اللغة الفارسية جيدا، ومع ما يظهر من بلهه وضحكه المتواصل، وخفة روحه، فإنه بعيد ~~النظر، ذو دهاء، ويمكن الاعتماد عليه. ومن الغريب أنه عربي وقد دخل في خدمتنا على هذه ~~الصورة. أين هو الآن؟ استدعيه لعلنا نستفيد شيئا من حديثه.» # الفصل الرابع # | طارق # فهمت ريحانة بالنهوض، فسمعت خفق نعال أمام باب الغرفة، فعرفت للحال أن الدهقان مار من ~~هناك، فلبثت ريثما يمر، فإذا هو قد وقف بالباب ثم فتحه ودخل وهو ملتف بالقباء، كما تقدم، ~~فأسرعت ريحانة وهرولت نحو الباب وخرجت احتراما لسيدها. وأما جلنار فإنها جلست في الفراش ~~وقد ظهرت البغتة على وجهها، ولكنها كانت رابطة الجأش فتجلدت ورحبت بوالدها، فأقبل حتى ms009 ~~وقف بجانب فراشها، ثم انحنى وأمسك ذقنها بين أنامله كأنه يلاعبها؛ استعطافا لها، واسترضاء ~~لخاطرها. أما هي فلم تجهل غرضه، فظلت صامتة حتى خاطبها قائلا: «أراك تلتمسين النوم في ساعة ~~مبكرة يا جلنار.» # قالت: «شعرت بالتعب فأحببت أن أستريح في الفراش، وأنا لا أشعر بالنعاس.» # قال: «هلم بنا إذن إلى القاعة الكبرى؛ فإن الجلوس فيها يشرح الصدر لما تطل عليه من ~~الأزهار والرياحين ونحن في إبان الربيع، فضلا عن نور القمر الساطع.» # فلم يسع جلنار إلا أن تنزل عند رأي والدها، فنهضت وتزملت بملاءة كبيرة من نسيج الكشمير ~~يغلب فيها اللون العنابي غطت ثيابها، ومشت معه حتى وصلا إلى القاعة، فجلسا على وسادتين ~~متحاذيتين وجلنار تتوقع من أبيها حديثا لا يرضيها، فلما استقر بهما الجلوس قال الدهقان: ~~«رأيتك يا جلنار في هذا المساء على غير ما تعودته من طاعتك، فما الذي حملك على ~~ذلك؟» # فقالت وهي مطرقة: «إني أطوع لك من بنانك يا مولاي.» # قال: «فما بالك لما ذكرت لك ما بعث به إلينا أمير العرب من خطبتك لابنه سكت وتجاهلت؟ ~~ألا تعلمين أن مصاهرة هذا الأمير ستكون من أكبر أسباب سعادتك؟» # قالت: «وأي أمير تعني يا أبتاه؟» # قال: «أعني ابن الكرماني؛ قائد قبائل اليمنية الذي يحاصر مدينة مرو الآن، أو هو فتحها على ~~ما بلغني. وقد فر نصر منها.» # قالت: «إني لا أفعل إلا ما تأمرني به، لكنني لا أثق بفوز هذا الأمير. وقد رأيتك لما بعث ~~نصر بن سيار؛ أمير تلك المدينة، يطلبني منك لابنه، لم تجبه مع أنه صاحب حكومة ~~خراسان.» # قال: «وهذا يدلك على إعزازي لك وسعيي في راحتك؛ لأن نصرا هذا لا يلبث أن يغلب على ما في ~~يده، ويخرج من هذه البلاد مدحورا؛ لضعف حاميته، وانحطاط دولة بني أمية على الإطلاق. وقد ~~أصبح أهل خراسان كافة ناقمين عليها بعد ما ظهر لهم من إيثارها العرب على الفرس، ومطالبتهم ~~بالضرائب الفادحة بغير حق، حتى طلب عمالها الجزية من المسلمين على غير القواعد المرعية في ~~الإسلام.» ms010 # قالت: «لا أجهل استبداد هذه الدولة، ولكنها لا تزال في اعتباري أقوى من رجال لا دولة لهم ~~ولا حكومة؛ كابن الكرماني؛ فإنه أشبه برجل ثائر على حكومته، وشأنه في ذلك شأن جماعة الخوارج ~~الذي يجتمعون على الدولة ثم يتفرقون ويقتلون، وآخرهم شيبان الذي رأيناه بالأمس محاصرا ~~لمرو. وزد على ذلك أن ابن الكرماني ليس معه من الأحزاب إلا القبائل اليمنية من العرب، وأما ~~سائر القبائل المضرية فهم مع نصر بن سيار - وربما كانوا في قوة اليمنية أو زادوا عليها - ~~وهل نسيت حزب الشيعة القائم الآن في بني العباس وإمامهم إبراهيم بن محمد. ألم نكن نحن في ~~جملة الفرس الذين عاهدوا دعاة العباسية على نصرتهم وأكثر أحزابهم من أهل خراسان؟» # قال: «صدقت، نحن عاهدنا الشيعة وساعدناهم، ولكن يظهر لي أنهم يقولون ولا يفعلون؛ فقد مضى ~~عليهم عدة أعوام منذ دعونا إلى نصرتهم سرا، فمددناهم بالأموال مرارا، ولكنهم لا يزالون ~~إلى الآن يتكتمون. وأما ابن الكرماني هذا، فإنه جمع الجند ولا يلبث أن يستولي على مرو، ~~وإذا هو فتحها أصبح أمير خراسان ، ثم يفتح سواها وتصير له دولة قوية تقوم مقام دولة بني ~~أمية. وأكبر شاهد على ذلك أنه تغلب بالأمس على الحارث بن سريج وقتله وشتت جنده، ثم انتصر ~~على مرو وفر نصر منها، وهو لا يزال فارا؛ فابن الكرماني صاحب الأمر والنهي الآن؛ ~~فأطيعيني وأنت الرابحة. وإذا كان الأمير صهرنا، فيكون لنا النفوذ الأعظم، وتكونين أنت أميرة ~~خراسان كلها. ومع ذلك، فإني قد وعدته بك من قبل، وبعث إلي بالمهر مع الرسول.» # فسكتت جلنار وأطرقت، فظن أبوها أن سكوتها دليل على الموافقة، وأراد أن يثبت ذلك فصفق، ~~فجاءه أحد الغلمان، فقال: «آتوني بالضحاك العربي.» # الفصل الخامس # | الضحاك # ولم يمض قليل حتى جاء الرجل؛ وكان طويل القامة، رقيق البدن، محدودب الظهر قليلا بسبب ~~طوله، وكان لا ينفك ضاحكا لغير سبب بما يشبه البله، وكان يعتم بعمامة كبيرة جدا ~~مع صغر وجهه، وغور عينيه وصغرهما، وخفة شعر لحيته وشاربه، فيصير منظره مضحكا، ms011 ولا يكلمه ~~أحد إلا أضحكه. وكان قد دخل في حوزة الدهقان على سبيل البيع فاشتراه من بعض تجار الرقيق. ~~وقد احتفظ به؛ لأنه عربي. وكان يندر أن يباع العرب بيع الرقيق في تلك الأيام. وقد أعجبه ما ~~كان فيه من خفة الروح، فكان كثيرا ما يدعوه ويسأله بعض الأسئلة عن العرب، فيجيبه عنها ~~إجابة خبير، ويخلط الجد بالهزل. فلما أنس الدهقان في ابنته الانقباض في تلك الليلة أراد ~~أن يفرج عنها فاستقدمه. فلما دخل ألقى التحية، ثم غمز عمامته فانحرفت إلى جانب رأسه، ~~فأصبحت بكبرها وانحرافها ذات منظر غريب، والضحاك مع ذلك يضحك ويقهقه بلا سبب ظاهر. # فلما رأته جلنار ضحكت؛ لأنها كانت تستأنس به كثيرا، وكانت تتوقع أن تستخدمه في بعض ~~مصالحها لما تحققته من جده في معرض المزاح، فقال الدهقان: «متى يثبت سلطان بني أمية في ~~خراسان؟» # فأجاب على الفور: «متى شاب الغراب يا مولاي!» # فالتفت الدهقان إلى ابنته وابتسم كأنه يقول لها: «ألم أقل لك ذلك؟» ثم التفت إلى الضحاك ~~وقال: «كيف تقول ذلك والأمويون لا يزالون أهل سلطان، وخليفتهم في الشام عنده الجند ~~والأعوان، ألا تظنه ينجد هذه المدينة وينقذها من أصحاب الكرماني؟» # فقهقه الضحاك قهقهة عظيمة وقال: «مسكين نصر بن سيار! لقد بح صوته وهو يستنجد بني أمية ~~وينذرهم بسوء المغبة، إن لم ينجدوه، وما من مجيب. وقد بلغني أنه استعان في إقناع الخليفة ~~بالشعر، فنظم له قصيدة قال له فيها. # أرى بين الرماد وميض نار # وأخشى أن يكون له ضرام # فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب مبدؤها كلام # فقلت من التعجب ليت شعري # أأيقاظ أمية أم نيام؟ ~~«أتدري بماذا أجابه الخليفة على ذلك؟» # قال الدهقان: «بماذا أجابه؟» # قال: «كتب إليه أن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب.» وضحك ضحكة طويلة «ولم يسعفه ~~بشيء.» # فنظر الدهقان إلى ابنته واكتفى بتلك النظرة تأييدا لقوله. وكانت هي في الحقيقة لم تقتنع. ~~ولم يكن تمنعها لسبب سياسي أو طمع في سلطان، ولكنها كانت ذات قلب يحب ويبغض، فإذا ms012 سلمت ~~قيادها إلى والدها لا تستطيع أن تسلم قلبها لابن الكرماني؛ لاشتغالها بحب رجل رأت أنه ~~يستحق محبتها، وكانت قد شاهدته في مجلس والدها مرة، فأعقبت تلك النظرة ألف حسرة، ولكنها لم ~~تكن تجرؤ على مخاطبة أبيها؛ لأنها لم تكن تعلم ما إذا كان عند الرجل مثلما عندها، فسكتت. ~~فأشار والدها إلى الضحاك فخرج مهرولا، فلما خلا الدهقان بابنته قال لها: «سأرد رسول ~~الكرماني في الغد بجواب الرضا، وتوكلي على الله.» فلم تجب، فلم يهمه سكوتها؛ لاعتقاده أنه ~~سكوت الحياء. # وكانت هي في أثناء صمتها قد شغل ذهنها سماع أجراس عن بعد لهدوء الطبيعة في تلك الليلة ~~المقمرة، ثم سمعت نباح الكلاب وهي لا تنبح إلا على طارق، فتشاغلت عن سؤال أبيها بالإصغاء ~~إلى رنات الأجراس، فانتبه أبوها لذلك، فقال لها: «يظهر أن قافلة تسير ليلا في ضوء ~~القمر.» ثم أخذت أصوات الأجراس تقترب، ونباح الكلاب يشتد، والدهقان وابنته صامتان، وكل ~~منهما في شغل. وقد فرح الدهقان بقبول ابنته؛ لاعتقاده بما سيكون من أمر الكرماني وسلطانه، ~~وما سينال من النفوذ والكسب على يده، ولعلمه أنه إذا لم يقبل طلبه طوعا، فسيضطر لقبوله ~~كرها. # الفصل السادس # | أبو مسلم الخراساني # ولم يمض قليل حتى سمع صوت الجمال وصهيل الخيل وضوضاء الناس، ثم جاء بعض الغلمان مهرولين ~~وهم يقولون: «إن قافلة كبيرة وقفت بجانب القرية تطلب النزول بدار الضيوف.» # فقال: «وهل هم كثيرون؟ ومن أين هم قادمون؟» # قالوا: «إنهم يزيدون على مائة نفس، ومعهم الجمال والخيل.» # فقال: «لا أظنهم يريدون الإقامة جميعا عندنا، ومع ذلك فادعوهم للنزول.» # فعاد الغلمان، وبعد قليل جاء أحدهم وهو يقول: «إن رجال القافلة يطلبون مقابلة ~~الدهقان.» # قال: «فليدخلوا.» # فوقفت جلنار تريد الرجوع إلى غرفتها، فأمسكها أبوها وقال: «لا بأس عليك. انتظري حتى نرى ~~من هم القادمون.» # وبعد قليل أقبل رجلان قد تزمل كل منهما بقباء أسود، وتلثم بلثام أسود، ووراءهما رجلان ~~يحملان حزمة طويلة يسندانها من طرفيها على أكتافهما. فلما وصلا إلى مكان الدهقان في القصر، ~~أنزلاها إلى ms013 الأرض ووقفا هناك. أما الاثنان الأولان فدخلا دخول الأمراء، وحييا الدهقان ~~بالفارسية. فلما سمع تحيتهما أجفل؛ لأنه سمع صوت رجل يعرفه، فتقدم ذلك الرجل إلى الدهقان - ~~ولم يلتفت إلى ابنته - وسلم. فلما دنا من المصباح صاح الدهقان: «عبد الرحمن.» # فلما سمعت جلنار اسمه اختلج قلبها في صدرها، ونظرت إلى وجهه وهو ملثم فلم تعرفه، ~~ولكنها توسمت خيرا من قصر قامته مع طول صدره وقصر ساقيه؛ فظلت جالسة وهي تنتظر أن يبعد ~~اللثام. فلما سمع الدهقان يرحب به نزع اللثام، فبان من تحته وجه أسمر جميل، نقي البشرة، ~~أحور العينين، عريض الجبهة، حسن اللحية وافرها، طويل الشعر. # 1 # فلما رأته جلنار علمت للحال أنه عبد الرحمن بن مسلم (وقد سمي بعد ذلك أبا مسلم ~~الخراساني، فنسميه بهذا الاسم منذ الآن) فامتقع لونها لما أصابها من البغتة عند رؤيته ~~على غير انتظار، مع ما في نفسها من حبه. # أما الدهقان، فحالما عرفه رحب به، ودعاه للجلوس فجلس، ثم دعا أبو مسلم رفيقه للجلوس ~~أيضا وهو يقول له بصوت خافت وجأش رابط: «اجلس يا خالد.» # فنظر الدهقان إلى الرجل كأنه لا يعرفه، فقال أبو مسلم: «هذا صديقنا خالد بن برمك.» فبغت ~~الدهقان وقال: «ابن صاحب النوبهار؟» # فأجاب خالد قائلا: «قد انقضت أيام النوبهار، وتخلصنا من عبادة النار؛ إذ هدانا الله ~~بالإسلام.» # قال الدهقان: «صدقت. أهلا بكما ومرحبا.» ثم صفق فجاء بعض الغلمان فأمرهم بإعداد الطعام ~~للضيوف، وتقديم ما تحتاج إليه القافلة من الزاد والعلف. # فاعترضه أبو مسلم بهدوء وسكينة قائلا: «لا تتعب نفسك ولا تشغل رجالك؛ فإننا لا نحتاج إلى ~~شيء من ذلك. ونحن نشكرك لحسن وفادتك.» # فقال الدهقان: «ومن أين أنتم قادمون؟» # قال: «من الحج.» وفي ملامح وجهه ما يدل على أنه يعني غير ما يقول، ففهم الدهقان أنه يريد ~~الكتمان كعادته من قبل؛ فقد كان أبو مسلم يفد على الدهاقين في طلب المدد من المال ونحوه ~~انتصارا للشيعة. وكان يفعل ذلك سرا؛ خوفا من عمال بني أمية، فسكت الدهقان، فأدرك ~~أبو ms014 مسلم ظنه فقال: «لا تظننا نريد التكتم؛ فقد انقضى زمن الأسرار، وآن لنا أن نظهر ~~دعوتنا، فهل أنتم على عهدكم معنا؟» # فتذكر الدهقان أنه وعد الكرماني بمصاهرته؛ وبذلك يكون قد خالف العهد، وقد كان في جملة من ~~عاهد على نصرة بني العباس، ولكنه لم يتوقع ثباتهم؛ لتكرار فشل الشيعة في نصرة أهل البيت، ~~ومع ذلك فقد ظن في كلام أبي مسلم مبالغة، فأراد أن يتحقق منه، على أن يكتم عنه أمر ~~الكرماني، ثم يكون بعدئذ مع الغالب فقال: «وماذا تعني بذهاب زمن الأسرار؟» # قال: «أعني أننا كنا نأتيكم سرا باسم إبراهيم الإمام، وننصركم على بني أمية ريثما يحين ~~الوقت للظهور وإخراج دعوتنا من القول إلى الفعل بالسيف، فنبشركم أن الإمام قد أمرنا بإظهار ~~الدعوة.» # فقال الدهقان: «هل جندتم الرجال؟» # قال: «لم نجند أحدا؛ لأننا لم نبدأ بإظهار الدعوة بعد، وأنت أول من عرف بعزمنا على ذلك، ~~ونرجو إذا أظهرناها أن يستجيب لنا كثيرون؛ لأن أنصار شيعتنا عديدون في خراسان، ومعظم ~~الدهاقين معنا.» # قال الدهقان: «هذا صحيح. ومن هم الذين معك في القافلة؟» # قال: «النقباء؛ وهم سبعون نقيبا اختارهم الإمام من شيعته ووجوههم لدعوة الناس إلى ~~اتباعه وحمل السلاح في نصرته. وسنفرقهم في خراسان قريبا.» # قال الدهقان: «وكيف استطعتم المرور بهذا العدد الكبير في البلاد دون أن يشك العرب في ~~أمركم وهم يسيئون الظن بكل فارسي؟» # الفصل السابع # | وصية الإمام # فلما سمع أبو مسلم سؤاله أحب أن يفيض في وصف حالهم تثبيتا للدهقان في نصرته؛ لعلمه أنه ~~إذا نصره هو اقتدى به دهاقين كثيرون، فقال: «أنت تعلم يا أعظم الدهاقين أن العرب يفاخروننا ~~بالنبوة؛ لأن النبي منهم، وقد احتقرونا وأذلونا وعاملونا معاملة الرق، ولو استطاعوا ألا ~~يبقوا منا أحدا لفعلوا، مع أن الفئة السائدة منهم الآن - وهم بنو أمية - ليسوا من ~~أقارب النبي، بل هم أعداء أهله، وقد اضطهدوهم وقتلوهم، وبخاصة آل علي بن أبي طالب؛ ابن ~~عمه، فإنهم ساموهم العذاب الشديد. ولا يخفى عليك أن آل بيت النبي لا يرون ms015 فرقا في الإسلام ~~بين العربي والأعجمي، بل هم يفضلون العجم على العرب؛ ولذلك كانت شيعتهم من الفرس، كما ~~تعلم، ثم سلم آل علي حقوق الخلافة إلى آل العباس؛ عم النبي. وكبيرهم الآن إبراهيم ~~الإمام، فتحولت شيعة بني علي في هذه البلاد إلى نصرة بني العباس؛ فالإمام مقيم في الحميمة ~~بالبلقاء قرب الشام يبث الدعاة ويخابر الأنصار، وقد عهد إلي في العام الماضي أن أتولى ~~الإشراف على هذا الأمر، وكتب إلى أصحابه أن يطيعوني، وجعلني أميرا على خراسان وما أفتحه من ~~البلاد، فاستصغرني بعض النقباء لصغر سني؛ لأني دون العشرين من العمر وهم شيوخ كبار، لكنهم ~~أذعنوا أخيرا. وقد أوصاني الإمام يوم وداعه في العام الماضي وصية ذات بال هي أساس كل عمل ~~عملته، أو سأعمله في سبيل هذه الدعوة.» # وكان الدهقان يسمع كلام أبي مسلم وهو مندهش من رزانته على صغر سنه، وقد أحس وهو يسمع ~~كلامه كأنه يخاطب شيخا كبيرا، أو ملكا جليلا؛ لما كان في وجهه من الهيبة والوقار، فلما ~~سمعه يشير إلى وصية الإمام أصاخ بسمعه ليفهم تلك الوصية جيدا. وكانت جلنار تتظاهر ~~بالانزواء وكلها عيون وآذان لترى وتسمع. ولا تسل عن حالها في تلك الجلسة؛ وهي المرة الثانية ~~التي قابلت فيها أبا مسلم، ولم تبق جارحة من جوارحها لم تتمثل صورة أبي مسلم ~~فيها. # أما هو فقد كان في غفلة عما يتقد في قلب تلك الفتاة، وإنما كان همه القيام بتلك ~~الدعوة على أكمل وجه. فلما ذكر الوصية مد يده إلى جيبه وقال: «ها أنا ذا أتلوها عليك كما ~~تلقنتها بالعربية حرفيا.» وأخرج ورقا ملفوفا، وأخذ يقرأ والحاضرون يسمعون: # يا عبد الرحمن، إنك رجل من أهل البيت فاحتفظ بوصيتي، وانظر إلى هذا الحي من اليمن ~~فأكرمهم وحل بين أظهرهم؛ فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ~~ربيعة فاتهمهم في أمرهم، وانظر هذا الحي من مضر؛ فإنهم العدو القريب الدار؛ فاقتل ~~من شككت في أمره، ومن كان في أمره شبهة، ومن وقع ms016 في نفسك منه شيء. وإن استطعت ألا ~~تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل؛ فأي غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله.» # 1 # فلما فرغ من تلاوة الرق لفه وأرجعه إلى جيبه وهو ينظر إلى الدهقان. وكان الدهقان حينما ~~سمع تلك الوصية قد ارتعدت فرائصه من شدتها وقوتها، وسره نقمة الإمام على العرب؛ لما في ~~نفسه منهم. ولم يكن رضاه بابن الكرماني صهرا إلا من قبيل الخوف، ولكنه كان لا يزال ضعيف ~~الثقة بشيعة بني العباس، على أنه كتم ذلك وتظاهر بالإعجاب وقال: «إنها وصية لا يقف عليها ~~حكيم. ويكفي من بواعث اجتماع الفرس عليها أنها تأمر بإذلال العرب وقتلهم، فلا أظن دهقانا ~~أو أي رجل فارسي يطلع على هذه الوصية إلا كان من المتشيعين لآل العباس. ألا ترى ذلك يا ~~خالد؟» # وكان خالد في نحو الأربعين من عمره، وهو ابن برمك (جد البرامكة؛ صاحب النوبهار) وهو بيت ~~نار كان للفرس في مدينة بلخ - وكان برمك مجوسيا، والغالب أنه مات ولم يسلم، فخلفه ابنه ~~خالد هذا، وهو من أكثر الرجال عقلا ودهاء وبطشا، وكان في جملة من أسلم من عظماء الفرس، ~~وتشيع لآل العباس انتقاما من بني أمية، والتماسا لما كانوا يتوقعونه من السلطان ~~لأنفسهم، والاجتزاء من النفوذ إذا قامت الدولة بهم. وكان برغم أنه كهل قد رضي برياسة أبي ~~مسلم وهو شاب لا تزيد سنه على العشرين إلا قليلا. ومثل خالد كهول وشيوخ كثيرون ممن ~~قاموا بدعوة العباسيين، وقد رضوا بأبي مسلم قائدا لهم؛ احتراما لأمر إبراهيم الإمام. وكان ~~أبو مسلم يحترم خالدا ويقدره حق قدره، ويستشيره فى أموره؛ ولذلك فإنه حينما أراد ~~مقابلة الدهقان اختصه بصحبته دون سائر الرفاق. # فلما خاطب الدهقان خالدا بشأن الوصية واستطلع رأيه، أجابه على الفور: «لا ريب عندي أن ~~الفرس يتفانون في نصرة العباسيين؛ لأنهم إنما يسعون في مصلحة أنفسهم، ويجب على كل فارسي أن ~~يقدم نفسه وماله لنصرة بيت النبي؛ لأن في نصرته رفع شأن الفرس.» # فأراد الدهقان أن يطري أبا مسلم؛ تقربا منه، وإيهاما ms017 له بأنه شديد التمسك بدعوته؛ إخفاء ~~لما سبق من وعده بمصاهرة ابن الكرماني، فقال: «ولا غرو إذا انتصر الشيعة وفيهم مثلكما من ~~رجال الحزم والبسالة والعقل.» # فقال خالد: «إن البسالة والقوة لا يكفيان للقيام بهذا العمل، يا حضرة الدهقان.» # فأدرك الدهقان أنه يلمح إلى المال فقال: «على كل منا أن يقدم مما عنده، وكما أننا لم ~~نقصر في الماضي والدعوة لا تزال سرية، فلا تظننا نبخل الآن بشيء.» # فعاد أبو مسلم لإتمام حديثه فقال: «فجئت إلى خراسان وقمنا بالدعوة سرا، كما تعلم، وأنا ~~أختلف إلى الإمام أحمل إليه ما يجتمع عندنا من المال وأتلقى أوامره، فلما كان هذا العام ~~بعث يستقدمني إليه، فسرت ومعي النقباء الذين ذكرتهم، فاشتبه الحكام في أمرنا أثناء ~~الطريق، فكنا إذا سألونا عن مقصدنا قلنا إلى الحج. ولما بلغنا قومس أتاني كتاب الإمام ~~باسمي واسم سليمان بن كثير؛ وهو من كبار النقباء، ومع الكتاب راية النصر (وأشار إلى الحزمة ~~المطروحة أمام القصر) وقد قال لي في ذلك الكتاب (وأخرج الكتاب من جيبه وقرأ): «قد بعثت ~~إليك براية النصر ؛ فارجع من حيث لقيك كتابي وأظهر الدعوة؛ فإن الله ناصركم».» # الفصل الثامن # | الظل والسحاب # فلما أشار أبو مسلم إلى الحزمة توجهت عينا الدهقان إليها، فأدرك أبو مسلم أنه يريد ~~رؤيتها، فنادى الرجلين اللذين كانا يحملانها فأسرعا إليها وحملاها، فلم تسعها القاعة ~~لطولها، فأدخلوها من أحد طرفيها، وظل الطرف الآخر خارجا، وكانت ملفوفة بقماش أسود ففكاه ~~وأخرجا منه لواء أسود وراية سوداء. واللواء معقود على رمح طوله 14 ذراعا، والراية على رمح ~~طوله 13 ذراعا، فوقف أبو مسلم احتراما للواء وقال: «إن هذا اللواء يسمى الظل، والراية ~~تسمى السحاب، ولونهما أسود. واللون الأسود هو الشعار الذي اختاره الإمام إبراهيم لشيعته، ~~فهم من اليوم يلبسون العمائم السود، والأقبية السوداء، وراياتهم أيضا سوداء، كما ~~ترى.» # وكان الدهقان قد وقف حالما رأى أبا مسلم واقفا، ووقف خالد أيضا، فهمت جلنار بالوقوف ~~فلم تساعدها ركبتاها لما غلب عليها من التأثر بعد ما شهدت ms018 من أبي مسلم وما سمعت، وأنه قائد ~~هذا الجند، فأصبح همها الاطلاع على مكنونات قلبه من جهتها؛ لعله ينتبه لها فيرمقها بنظرة ~~تفهم منها شيئا فيطمئن بالها، فوقفت وهي تستند إلى أحد الأعمدة، وتصدرت قليلا حتى انتبه ~~لها خالد، فنظر إلى وجهها نظرة الإعجاب والدهشة. أما أبو مسلم فبالغ في التجاهل والإغضاء ~~حتى كأنه لا يرى شيئا. # ولما فرغ أبو مسلم من كلامه قال الدهقان: «وما المراد باختيار السواد شعارا لبني العباس؟ ~~ألعلهم أرادوا الإشارة إلى الحداد على قتل أهل البيت العلويين، ومنهم علي والحسين وغيرهما ~~أم ماذا؟» # فجلس أبو مسلم وهو يشير إلى الرجلين أن يعيدا الحزمة كما كانت، وجلس خالد والدهقان، وظلت ~~جلنار واقفة، ثم قال أبو مسلم: «إن السواد شعار أهل بيت النبي؛ لأن راية النبي كانت سوداء؛ ~~وهي راية العقاب.» # أما الدهقان فقد وقر في نفسه ما علمه من أمر الشيعة، وخاف على نفسه من أبي مسلم إذا علم ~~ما في ضميره، فيشك فيه، والإمام قد أوصاه إذا شك في أحد أن يقتله، فتظاهر بالتحمس وقال: ~~«لقد أيقنت الآن بفوزكم وظهور الفرس، ولا بد من استنجاد سائر الدهاقين وترغيبهم في الإسلام؛ ~~لأن أكثرهم لا يزالون على المجوسية.» # فقال خالد: «إذا أسلم الدهاقين وأنجدونا بأموالهم ورجالهم فإنما ينجدون أنفسهم؛ لأنهم ~~ينشئون دولة فارسية ترفع شأن الفرس.» # فقال الدهقان: «إني ضامن لكم إسلام معظم الدهاقين في خراسان، والأموال كثيرة.» ثم صفق ~~فأتاه غلام، فأمره أن يستدعي خازنه. # فلما سمعه أبو مسلم يدعو خازنه أدرك أنه يريد أن يدفع إليه مالا على سبيل المساعدة، على ~~جاري عادته في مثل هذا الحال، فأشار أبو مسلم إلى أحد الرجلين صاحبي الحزمة إشارة فهم غرضه ~~منها، فخرج مهرولا ثم عاد ومعه رجلان قد تأبط أحدهما خريطة كبيرة كالكيس الكبير، لكنها ~~فارغة، ورفيقه رجل قصير القامة في سمن قليل، وعليه قباء واسع، وعمامة كبيرة. وكان لقصره ~~يكاد يجر قباءه جرا، ووراءه غلام يحمل دواة وقلما، فلما وصلوا إلى القاعة وقفوا في أحد ~~جوانبها، ms019 فنادى أبو مسلم صاحب القباء قائلا: «تقدم يا إبراهيم واستلم من الدهقان ما جادت ~~به نفسه في نصرة أهل البيت.» # وكان خازن الدهقان قد جاء وأسر إليه الدهقان كلاما، فرجع ثم جاء ومعه غلام يحمل ~~أكياسا من جلد قد أثقلت كاهله حتى وضعها بين يدي الدهقان، فلما أمر أبو مسلم خازنه إبراهيم ~~باستلام المال تقدم وأخذ في عد الأكياس وهي مختومة، وقد كتب على كل منها «ألف دينار ~~يوسفية»، فبلغت 20 كيسا، فأشار إلى رفيقه والغلام الآخر، فتقدما وتعاونا على نقل الأكياس ~~في الخريطة الكبرى، وتناول هو القلم والدواة وأخرج من تحت قبائه درجا كتب فيه عدد الأكياس ~~وما تحويه من الدنانير. # وكان أبو مسلم في أثناء ذلك مطرقا كأنه يفكر في أمر يهمه، وقد زاده التفكير هيبة وشغله ~~عما حوله. وكانت جلنار قد تعبت من الوقوف، فجلست على وسادة بجانب والدها وهي تختلس النظر ~~إلى أبي مسلم، وهو لا ينتبه لها. وكان خالد قد أدرك ذلك منها، وفطن لما يجيش في خاطرها من ~~أمر أبي مسلم، ولكنه كان يعلم زهد هذا الشاب البطل في النساء، وانشغال خاطره في المشروع ~~الخطير الذي انتدب له. # فلما فرغ الخازن من تدوين المال نهض واستأذن في الانصراف، ولحظ الدهقان في أبي مسلم ~~الرغبة في الانصراف أيضا فقال له: «إذا كنتم تريدون الذهاب للنوم، فهذه دار قد أمرنا ~~بإعدادها لنزولكم.» وأشار إلى أحد جوانب الحديقة. # فنهض أبو مسلم، فلم يسع الحضور غير النهوض تهيبا واحتراما، وقال: «ننصرف الآن إلى ~~النوم؛ فإن السفر قد أتعبنا هذين اليومين.» قال ذلك ومشى، فمشى الدهقان معه إلى آخر القاعة ~~حتى ودعه، وصفق فجاء بعض الغلمان، فأمرهم أن يمشوا بين يدي الأمير بالشموع إلى المنزل ~~المعد له، فمشوا، وعاد الدهقان إلى ابنته. وكانت واقفة بجانب العمود، ولم يبق هناك ~~سواهما. # الفصل التاسع # | الدهقان والدهقانة # وتوسم الدهقان مما شاهده من انقباضها أنها تفكر في أمر زواجها بابن الكرماني، وأنها ستحتج ~~على والدها لما أبداه في حديثه إلى أبي مسلم في ms020 تلك الليلة، بحيث أصبح شأن الكرماني ضعيفا، ~~فابتدرها أبوها قائلا وقد وضع يسراه على كتفها، ومشى نحو غرفتها وهي تمشي معه: «لا أظن أن ~~هؤلاء الدعاة سيفلحون، ولا أرى أمرهم هذه المرة إلا صائرا إلى الفشل كالمرات ~~الماضية.» # فلم يفتها غرض والدها من هذه المفاجأة بعد ما دار بينها وبينه في ذلك المساء، فقالت وهي ~~تجاريه في المشي: «إذا كنت تعتقد أنهم سيفشلون، فما بالك تعاهدهم على القيام بنصرتهم، وتبذل ~~الأموال لهم؟» # فضحك ووقف وقبض على لحيته بيمينه، وظلت يسراه على كتفها، وقال بصوت منخفض وهو يتلفت: «إني ~~أفعل ذلك من قبيل الاحتياط فقط؛ لأننا إذا أظهرنا له الجفاء كنا في خطر على حياتنا ~~وأموالنا، وخاصة بعد ما سمعنا من وصية إبراهيم الإمام؛ فإنه أمره أن يقتل كل من يشك فيه. ~~ومع ذلك، فنحن غير واثقين ثقة تامة بفشل هؤلاء، وإن كنت أرجح الفوز للكرماني للأسباب التي ~~ذكرتها لك قبلا. فتظاهرنا بالمسالمة أو المساعدة لا تضرنا، بل نحن نتوقع أن تنفعنا. ~~وليس ما نؤديه لهم بالشيء الذي يذكر بالنسبة إلى ما نتوقعه من الكسب إذا كنا في جانب ~~المنتصر من هذه الأحزاب.» وكان قد عاد إلى المسير حتى دنا من غرفة جلنار، وليس في الدار أحد ~~من الخدم؛ لأنهم تفرقوا حالما رأوا الدهقان والدهقانة يتساران. # فلما فرغ الدهقان من كلامه قالت جلنار: «لقد أصبت يا أبتاه. إنك تجامل أبا مسلم بالأموال ~~والوعود، وتجامل الكرماني بجلنار.» قالت ذلك وغصت بريقها، ودخلت الغرفة على عجل وألقت ~~نفسها على الفراش، فلحقها أبوها وهو يتجاهل وقال: «يظهر أنك متعبة يا جلنار. نامي وتوكلي ~~على الله، وأنا أعرف تعقلك وحسن تدبيرك، وأعتقد أنك إذا كنت عند الكرماني، وكنت أنا مع أبي ~~مسلم؛ بتنا في مأمن، وأصبح الفوز مضمونا لنا في كل حال. نامي يا حبيبتي واستريحي الآن.» ~~قال ذلك وخرج وهو يتظاهر بأنه لم يفهم مغزى كلامها. # أما هي، فلما خلت بنفسها عادت إلى هواجسها، وتصورت ما هي فيه من الارتباك، فلم تعد تدري ~~أتطيع ms021 والدها أم تطيع قلبها، على أنها لو تحققت من أن عند أبي مسلم مثلما عندها لهان عليها ~~إغضاب والدها، وإن كان ذلك مما لا يقدم عليه أمثالها، ولكنها لم تر من ذلك الحبيب إلا ~~الإغضاء، فأخذت تناجي نفسها، وتتذكر ما شاهدته منه في أثناء تلك الجلسة، فلم تر في شيء من ~~حركاته أو أقواله ما يفتح لها نافذة من الأمل، ولكن الحب كان يعترض عوامل اليأس عندها، ~~ويهون عليها ما ظهر من بروده، فأخذت تنسب ذلك إلى انشغال خاطره بتدبير شئونه، ثم تعود إلى ~~رشدها، فترى أنه لا عذر له، وأنه لو كان عنده بعض ما عندها لأحست به. # قضت مدة في تلك المناجاة وقد طار النوم من عينيها، واستوحشت من الوحدة، فتذكرت ماشطتها، ~~وكانت تأنس بها كثيرا، وودت لو أنها تأتيها تلك الليلة لتشكو لها حالها، وتستشيرها في ~~أمرها، ثم ما عتمت أن سمعت وقع خطوات بطيئة، فعلمت أنها خطوات الماشطة، فنهضت وفتحت لها، ~~فدخلت وأغلقت الباب وراءها، فأمرتها جلنار بالجلوس وهي تقول لها: «ما الذي جاء بك يا ريحانة ~~على غير انتظار؟» # قالت الماشطة: «علمت أنك في ارتباك فجئت لتسليتك.» # قالت: «وكيف علمت ذلك؟ ومن أنبأك به؟» # قالت وهي تحاول معانقتها وضمها إلى صدرها: «أتظنين يا مولاتي أني غافلة عن أحوالك، وما ~~طرأ عليك من الهواجس، وخصوصا بعد قدوم هؤلاء الضيوف؟» # فقالت جلنار: «وهل شهدتهم وسمعت أقوالهم؟» # قالت: «شهدت كل شيء، وسمعت كل كلمة خلسة من وراء الستار.» # فلم تتمالك جلنار أن تقول: «هل رأيت أبا مسلم؟» # قالت: «خفضي صوتك يا مولاتي؛ لأن لهذه الجدران آذانا. نعم شاهدته، وشاهدتك أيضا.» ~~قالت ذلك بنغمة خاصة. # فخجلت جلنار من تسرعها في إظهار عواطفها، ثم تذكرت ثقتها بريحانة فقالت: «وكيف رأيته يا ~~ريحانة؟» # قالت: «رأيته لائقا، ولكن تمهلي ولا تتعجلي. إن في العجلة الندامة، وفي التأني ~~السلامة.» # قالت: «أراك قد أدركت مكنونات قلبي ولم يخف عليك شيء!» # قالت الماشطة: «لم يخف علي شيء، ولكنني أرى المسألة تحتاج إلى الحكمة والتؤدة.» # فلم ms022 تعد جلنار تستطيع إخفاء عواطفها، فقالت: «وما العمل يا ريحانة؟ دبريني برأيك. لقد نفد ~~صبري، فإني لا ألبث أن أزف إلى ابن الكرماني، وأنا لا أريده ولا أحبه.» # قالت: «أتحبين أبا مسلم؟» وضحكت. # فأطرقت جلنار ولسان حالها يقول: «نعم، أحبه.» # فقالت ريحانة: «وهل هو يحبك؟» # فرفعت جلنار نظرها إلى ريحانة وفي عينيها دمعتان تترددان بين المآقي، وأرادت الكلام فشرقت ~~بريقها وسكتت. # فقالت ريحانة: «إنك لا تعلمين وأنا لا أعلم، فما علينا إلا التحري والاستفهام.» # قالت جلنار: «من يكشف لنا حقيقة ذلك؟» # قالت ريحانة: «ألا تعرفين الضحاك؟» # فقالت جلنار: «وهل تظنينه يستطيع خدمتنا في هذا الأمر؟» # قالت: «أظنه أقدر الناس على ذلك إذا أراد، ولا يغرنك ما يبدو من مجونه؛ فإنه داهية حازم ~~يعتمد عليه في الأمور العظام.» # فقالت جلنار: «ومن يخاطبه في الأمر؟ إنني أخشى أن يفشي سرنا، فيطلع والدي على أمرنا، ~~فتكون البلية الثانية شرا من الأولى.» # قالت: «كوني في سلام وطمأنينة وأنا أدبر الأمر معه. إنما نحتاج إلى بعض النقود.» # فقالت جلنار: «هل تعرفين أن للمال قيمة عندي! اطلبي من خازنتي ما تريدين ، وتصرفي كما ~~تشائين، وأنبئيني بنتيجة سعيك.» # قالت: «ينبغي لنا أن نسعى في الأمر الليلة؛ إذ لا نضمن بقاء هؤلاء الضيوف عندنا إلى غد ~~أو بعده.» # فنهضت جلنار من فراشها إلى صندوق صغير في أحد جوانب الغرفة أخرجت منه صرة من الحرير ~~ودفعتها إلى ريحانة وهي تقول: «هذه خمسمائة دينار؛ استخدميها فيما تشائين ولا تبطئي، وإذا ~~وفقت إلى ما أريد فلن أنسى تعبك.» # فتناولت ريحانة الصرة ونهضت وهي تقول: «اطمئني.» وخرجت وهي تسترق الخطى، وتركت جلنار على ~~مثل الجمر. # الفصل العاشر # | نسب أبي مسلم # لم تكد ريحانة تخرج من الغرفة حتى رأت الضحاك قادما كأنه كان على موعد معها، فلما رأته ~~بغتت، ولكنها تجلدت وأشارت إليه أن يتبعها عن بعد، وسارت إلى غرفتها في طرف القصر مما ~~يلي الحديقة، فدخل في أثرها، فأغلقت الباب وراءه وهي تنظر إليه وتضحك، وكان وهو داخل قد دق ~~رأسه في ms023 عتبة الباب لطوله، فوقعت العمامة على الأرض فإذا هو حليق الرأس، فدهشت لذلك وأرادت ~~أن تسأله عن السبب، لكنه أسرع إلى العمامة فوضعها على رأسه وتقدم إليها وهو يقول: «يظهر أنك ~~تحبينني يا ريحانة. بارك الله فيك.» وضحك وعض على شفته السفلى، وتشاغل بإصلاح عمامته، ثم ~~ضحك ضحكة البله وجعل يطرق بأطراف أنامله على أسنانه، فضحكت ريحانة من قوله وحركته، ثم ~~عبست في وجهه عبوسا يخالطه الابتسام وقالت: «إني أحبك لخفة روحك وعلو همتك، وخصوصا ~~إذا أطعتني فيما سأخاطبك بشأنه الآن. هل عندك للسر مكان؟» # فقال وهو يضحك «عندي لكل سر مكان، وللأسرار عندي منازل وطبقات، وإذا كنت تشكين في ذلك، ~~فأخبريني فأخرج حالا.» # فضحكت وقالت: «ألا تكف عن مجونك يا رجل؟ أعرني أذنك الآن، وأصغ لما أعرضه عليك بحياة ~~الدهقانة وحرمتها عندك.» # فتجلد الضحاك، وأظهر الجد، وتأدب في موقفه وقال: «قولي. إني طوع أمرك.» # قالت: «هل تعرف ضيوفنا الليلة؟» # قال: «أيهم تعنين؟ هل تعنين أبا مسلم الخراساني الذي لا يعرف أباه، أم خالد بن برمك ~~المجوسي؛ صاحب النوبهار، أم خازن أبي مسلم إبراهيم اليهودي ؟» # فضحكت ريحانة من توسعه في تلك المعرفة، ولكنها استغربت قوله إن أبا مسلم لا يعرف أباه، ~~فقالت: «وماذا تعني بقولك إن أبا مسلم لا يعرف أباه؟» # قال: «إذا كنت لا تصدقيني فاسأليه.» # قالت: «صدقتك، ولكنني أسألك عن كيفية ذلك.» # قال: «لو سألته هو عن نسبه ما عرفه. أما أنا فأخبرك أن والده فارسي؛ بعضهم يسميه مسلما، ~~وبعضهم يسميه عثمان، وهو يزعم أن نسبه يتصل ببزرجمهر؛ الحكيم الفارسي المشهور. وهذه عادة ~~كبار القوم عندنا؛ فمن كان منهم دنيء الأصل رفع جاهه إلى طبقات الأشراف، فإذا كان عربيا ~~أوصل نسبه إلى أبي بكر أو عمر أو الحسين، وإذا كان فارسيا جعل نسبه من نسل بزرجمهر أو ~~أزدشير أو كسرى أنوشروان. وأما الذي نعلمه من أمر أبي مسلم فهو أن أباه المذكور كان من أهل ~~قرية ماخوان، التي تبعد عن مرو ثلاثة فراسخ. وكانت هذه القرية له مع ms024 عدة قرى، وكان في بعض ~~الأحيان يجلب إلى الكوفة المواشي، ثم أنه ضمن خراج رستان فريدين على عادة الدهاقين في أيام ~~هذه الدولة (بني أمية) فإنهم يقاسمون الحكومة أموالها بنفوذهم. فلما حان وقت الوفاء عجز عن ~~تأدية ما عليه، فقبض عليه العامل وأرسل معه من يذهب به إلى الديوان في الكوفة. وكان عنده ~~جارية يحبها فأخذها معه وهي حامل، واحتال في الطريق وفر من الحرس نحو أذربيجان، وتوجهت ~~معه، فمرا برجل اسمه عيسى بن معقل، فتركها عنده وذهب إلى أذربيجان حيث مات بها. # ثم ولدت الجارية صاحبنا أبا مسلم هذا، فربي في بيت عيسى المذكور وهو يحسب نفسه من ~~أولاده. وكان عيسى هذا وأخوه إدريس في ضمان الخراج أيضا، كما تقدم، فأصابهما ما أصاب ذاك ~~من تأخير الخراج، فقبض عليهما عامل أصبهان وشكاهما إلى أمير العراقين يومئذ خالد القسري، ~~فبعث من حملهما إلى الكوفة وسجنهما فيها. وكانا قد أنفذا أبا مسلم قبل القبض عليهما في ~~مهمة، فلما رجع وعلم بسجنهما جاء إلى الكوفة وجعل يتردد عليهما في السجن. # واتفق في ذلك الحين أن جماعة من النقباء دعاة بني العباس جاءوا إلى الكوفة سرا يدعون ~~الناس إلى أهل هذا البيت، فلقوا أبا مسلم هناك فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه، وعرف هو أمرهم ~~وانضم إليهم، وخرج معهم إلى مكة فأهدوه إلى إبراهيم الإمام هناك، فأعجب به وتوسم فيه ~~الخير. وأقام عند الإمام يخدمه، ثم إن الدعاة عادوا مرة ثانية وطلبوا رجلا يقوم بأمر ~~خراسان، فدفع إليهم أبا مسلم هذا وهو صغير السن، كما ترين، وأوصاه بما أوصاه. # 1 # فهل يعرف أباه؟» # فاستغربت ريحانة هذه الحكاية، ولكنها عادت إلى المهمة التي هي فيها، فقالت للرجل: «آمنا ~~وصدقنا. والآن لا تخرج عما أحدثك فيه. انظر (ومدت يدها وأخرجت الصرة ودفعتها إليه) هذه ~~هدية من مولاتك جلنار (فتناولها وهو يضحك) وأنا أريد أن أكلفك بمهمة سياسية.» # فوضع الصرة في جيبه وهو يقول: «السمع والطاعة.» # قالت: «أنت تعلم أن مولاتنا الدهقانة مخطوبة لابن الكرماني؛ أمير الجند المحاصر ms025 لمرو، ~~وستزف إليه قريبا بإرادة والدها، ولكنني رأيت الليلة أن أجل الكرماني قصير؛ لأن هذا ~~الخراساني على ما يظهر سيغلبه. ولقد لحظت أنا منه أنه يميل إلى مولاتنا، وأظنه يريد أن ~~يتزوجها، ولكنه لم يصرح بذلك. فالمطلوب الآن أن تبحث عن صحة هذا الأمر بدهاء وحسن أسلوب، ~~بدون أن يشعر أحد بك، وأخبرني. ولا بد من معرفة ذلك الليلة.» # قال: «هذا أمر هين علي. وإذا فرضنا أنه لم يحبها بعد؛ فإني أجعله يحبها. فما ~~رأيك؟» # قالت: «إذا كان ذلك في إمكانك؛ فإن مكافأتك ستكون عظيمة جدا. وهذا سر عميق.» # فأطرق الضحاك برهة وقد بدا الجد في وجهه، ثم التفت إلى ريحانة وقال: «إني ذاهب الساعة؛ ~~فادعي لي بالتوفيق.» # قالت: «امض. وفقك الله.» # فقال: «أمهليني ريثما أصلح من شأني أمام مرآتك.» ووقف أمام مرآة من النحاس معلقة على ~~الحائط وحل عمامته وجعل يلفها على نظام مضحك، وعبث بشعر لحيته وشاربه حتى تشعث ~~وانتفش، وخلع جبته وقلبها، ولبسها بقفاها، ونزع نعليه وثبتهما في منطقته وسار حافيا وهو ~~يضحك كالأبله وخرج. # أما أبو مسلم فإنه سار مع خالد والخدم يسيرون أمامهما بالشموع بين الأشجار والرياحين حتى ~~وصلوا إلى بيت بجانب السور قد أضيء بالمصابيح، فدخلا وقد سبقهما الخدم فدلوهما على الأسرة ~~المعدة للنوم ورجعوا، فأسرع أبو مسلم بنزع ثيابه وسلاحه، وأخذ يتأهب للنوم وهو لا يتكلم. ~~وكان خالد في شغل من أمر جلنار وما شهده من جمالها، وما لحظه من نظرها إلى أبي مسلم، وما ~~كان من جمود أبي مسلم بشأنها، وكان يتوقع أن يسمع منه شيئا عنها، فإذا هو لم يفه بكلمة، ~~فظل خالد ساكتا وأخذ في خلع ثيابه وسلاحه، ولم يستغرب سكوت أبي مسلم؛ لعلمه أنه كثير ~~السكوت لا يتكلم إلا قليلا، ويندر أن يضحك. # الفصل الحادي عشر # | إبراهيم الخازن # أما إبراهيم الخازن فإنه رجع بالأكياس إلى غرفة من ذلك المنزل بعيدة عن غرفة أبي مسلم ~~وخالد. فلما دخل الغرفة أمر الغلمان أن يضعوا الأكياس وينصرفوا. وكان إبراهيم يهودي الأصل، ~~وقد ms026 أسلم أبوه لا رغبة في الإسلام، ولكن لأنه رأى في الإسلام سبيلا إلى الكسب، وشب ~~إبراهيم هذا وهو أطمع من أبيه، وتزلف وتملق حتى تقرب من النقباء رجال الدعوة. وكان ~~محاسبا ماهرا، فجعله أبو مسلم خازنا له، وكان يقبض الأموال ويقيدها رغبة في الكسب من ~~ذلك. ولم يكن كسبه من التلاعب في عد النقود أو سرقة شيء منها؛ لأنه لم يكن يستطيع ذلك إلا ~~نادرا، ولكنه كان يكسب باستبدالها؛ لأن النقود كانت في ذلك الحين أنواعا كثيرة، ومنها ~~ناقص الوزن وكامله باختلاف ضاربيها. # فالنقود التي ضربها الحجاج سنة 75ه كانت ناقصة، فلما تولى ابن هبيرة ضرب أجود منها، ~~ولما تولى خالد القسري شدد في تجويدها، وضرب بعده يوسف بن عمر فأفرط في التشديد والتجويد، ~~فكانت النقود الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، وسميت نقود الحجاج المكروهة. # 1 # فكان إبراهيم إذا قبض مالا من الدهاقين أو غيرهم من نصراء الشيعة قيدها في ~~دفاتره بعددها، ولكنه لا يذكر صنفها، فإذا كان فيها نقود هبيرية أو خالدية أو يوسفية ~~أبدلها بالنقود المكروهة، فيربح من ذلك شيئا كثيرا. وكان لا يخلو صندوقه الخاص من أكياس ~~من النقود المكروهة لأجل الاستبدال عند الحاجة. فلما خلا إلى نفسه تلك الليلة، أغلق باب ~~غرفته وأطفأ المصباح، واشتغل في إبدال تلك النقود خلسة وهو يحاذر أن يسمع رنينها. # وكان الضحاك يعرف إبراهيم هذا، ويعرف أباه من قبله، فلما كلفته ريحانة بتلك المهمة اعتزم ~~أن يستعين بإبراهيم في تيسيرها عن طريق إغرائه بالمال؛ لعلمه بأنه يتفانى في سبيله. أما ~~إبراهيم فلم يكن يعرف الضحاك، ولا فهم من أمره إلا أنه رجل مهذار خليع أو مجنون. # فمشى الضحاك في الحديقة والقمر قد تكبد السماء، وجعل يخطو الهوينى وهو يتطلع إلى النجوم ~~كأنه يعدها، أو كأنه يقرأ صحيفة مكتوبة فيها، حتى دنا من غرفة إبراهيم وهو حاف، فوقف ~~ببابها وتظاهر بالبله وأذناه مصغيتان، فتنسم حركة فأرهف سمعه، فسمع خشخشة ضعيفة. وكان ~~أبو مسلم وخالد قد ناما، وانصرف الخدم، ولم يبق ms027 في الحديقة أحد، ولم يعد يسمع غير صوت ~~الجمال خارج المحلة عن بعد. وظل الضحاك واقفا بباب إبراهيم حتى ظنه فرغ من عمليته، فطرح ~~كيس النقود الذي معه على بلاطة هناك، فكان لوقعه طنين وخشخشة ظهرا قويين لهدوء ~~الليل. # وكان إبراهيم يشتغل في إبدال النقود ويحاذر أن تسمع حركته أو احتكاك النقود، فأصبح لشدة ~~حذره يخاف أن يكون لتنفسه صوت. وكان يتوهم كل شيء ساكتا هادئا، فلما سمع وقع كيس الضحاك ~~على البلاط أجفل وبغت، وظل هنيهة جامدا ينصت لعله يسمع صوتا آخر، فلم يسمع، فأقبل إلى ~~الباب ففتحه رويدا رويدا؛ خوفا من صريره، وأخرج رأسه وتلفت فرأى الضحاك على بعد بضع ~~خطوات من غرفته واقفا مقنعسا ويداه على فخذيه، وقد ولى وجهه نحو السماء ينظر إلى غيوم ~~تتسابق إلى القمر، فتفرس إبراهيم في المكان الذي سمع منه الخشخشة، فرأى كيسا حريريا ~~ملونا، فحدثته نفسه أن يخرج لالتقاطه، ولكنه خشي أن ينتبه له الضحاك، ثم تذكر أنه ~~أبله لا يفقه شيئا، وأنه لو كان ممن ينتبهون لما سقط منه الكيس على تلك الصورة، فتقدم ~~خطوتين حتى تناول الكيس وهم بالرجوع، وإذا بذلك الأبله يقهقه بصوت عال، فارتعدت فرائص ~~إبراهيم وانتفض انتفاض الطير حتى كاد الكيس يسقط من يده، ولكنه تجلد وتظاهر بأنه خرج من ~~الغرفة لغرض له ونظر إلى الضحاك، فرآه يمشي نحوه وهو يخطر ويطيل خطاه كأنه يتخطى قنوات، ~~فابتدره إبراهيم بالكلام وهو يظهر أنه خالي الذهن من كل شيء وقال: «هل أنت تذرع الأرض أم ~~تعد نجوم السماء؟» # قال وهو ينظر إلى السماء: «بل أنا أفتش عن نقودي؛ فقد كان معي كيس وأظنه وقع هنا.» ~~وأشار إلى القمر. # فضحك إبراهيم وتأكد من بله الرجل، واعتزم أن يخفي الكيس وقال: «يحتمل ذلك.» وتحول إلى ~~غرفته. ولم يصل إلى الباب حتى أدركه الضحاك وقبض على رقبته بشدة ودخل به إلى الغرفة. وكان ~~إبراهيم لقصر قامته وجبنه لو أراد الضحاك أن يقبض عليه ويرمي به من فوق السور لفعل، على ~~أنه ms028 لو كان شجاعا ما استطاع غير السكوت خشية الفضيحة؛ لأنه لو صاح لأيقظ النائمين، وربما ~~استيقظ أبو مسلم أو خالد أو غيرهما ممن يخشى الفضيحة على يده؛ لأن الأكياس كانت لا تزال ~~مفتوحة، والنقود مبعثرة. وزد على ذلك أن الذنب يصغر النفس ويذلها، ويجعل السيد عبدا. ~~ولكن إبراهيم لم يكن ليفتح باب غرفته في تلك الساعة لو لم يسمع طنين الدراهم، فلما رأى ~~الكيس على الأرض بدا له أن يلتقطه ويرجع حالا، فلما رأى نفسه بين يدي الضحاك وقد دخل معه ~~الغرفة ارتبك في أمره، ولكنه فضل السكوت ثم أظهر الممازحة وقال له: «هذا كيسك قد سقط لي ~~من السماء فخذه!» # الفصل الثاني عشر # | الضحاك والخازن # فوقف الضحاك وتناول الكيس بأطراف أنامله، ثم تركه فسقط على الأرض فخشخش، فأسرع إبراهيم ~~فالتقطه وهو يقول: «أليس هذا كيسك؟» # قال وهو يضحك: «لا أعرفه إلا في النور. بالله ألا أضأت شمعة؟» # فقال: «تعال ننظر إليه في ضوء القمر.» قال ذلك وأمسكه بيده وأراد إخراجه، فإذا هو ثابت في ~~مكانه كالشجرة المغروسة لا يتزحزح، فقال له: «إذا كنت تظن أن نقودك قليلة فأنا أزيد ~~منها.» # فنظر إليه وهو يحني رأسه كالساجد وقال: «ولكنني لا آخذ إلا نقودا يوسفية.» # فلما سمع إبراهيم قوله خفق قلبه؛ لأن ضميره بكته وتصور أن ذلك الأبله مطلع على ~~أسراره - والمجرم يخاف من خياله ويحسب أن عناصر الطبيعة ترقب أعماله - ولكنه عاد إلى عقله ~~واستبعد اطلاع ذلك الأبله على سره، وقال: «هي نقود يوسفية. نعم.» # قال: «ألم تبدلها بعد؟» وضحك. # فتحقق إبراهيم من أن الضحاك مطلع على كل شيء من أمره، وربما كان قادما إليه بدسيسة، ~~ولكنه عمد إلى المغالطة وأراد إخراجه من الغرفة ليبعده عن مكان الشبهة فلم يستطع، فقال له: ~~«تفضل اجلس.» وهو يتوهم أنه سيخالفه فيخرج، فإذا هو قد جلس على الأرض وأمسك بيد إبراهيم ~~وأجلسه، فجلس وهو لا يدري ماذا يعمل، وقد خشي ذلك الأبله فأطاعه؛ ليرى ما يبدو منه. ~~والغرفة لم تكن في ظلمة حالكة؛ ms029 لأن ضوء القمر كان قد نفذ إليها من الباب، وكانت الأكياس ~~والنقود ظاهرة لأقل تأمل، فالتفت الضحاك نحوها وقال: «هل أساعدك في جمع هذه الأكياس؟ وهل ~~أمحو عنها لفظة «يوسفية»، وأكتب لك مكانها «حجاجية»؛ فإن ذلك أولى من ظهور الخيانة؟» # فاقشعر بدن إبراهيم عند ذلك التصريح وقال له: «قل لي بالله من أنت؟ وما غرضك؟ فإنك لست ~~أبله كما تتظاهر. من أنت؟» # فقال له: «أنا الضحاك. ألا تعرفني؟ وهذه عمامتي، وهذه جبتي، وهذه نعالي، ثم ~~ماذا؟» # فقال: «لا تخدعني بالمزاح. صرح لي بالحقيقة ولك مني ما تشاء.» # قال: «أنا الضاحك المبكي، وأرجو ألا تكون باكيا وأنت خازن هذه الحملة.» # قال: «قلت لك صرح وأخبرني بحقيقة أمرك وأنا طوع إرادتك.» # قال: «لا تهمك حقيقة أمري، فأنا ساتر ذنبك، ولي عندك حاجة. أتقضيها لي؟» # فسر إبراهيم بذلك السؤال وأحس بانفراج كربه وقال: «اطلب ما شئت؛ فإني فاعل ما ~~تريد.» # قال: «هل لك دالة على أبي مسلم؟» # فأطرق إبراهيم وقد ظهر عليه الارتباك وقال: «إن أبا مسلم ليس ممن تؤخذ الدالة عليه؛ لأنه ~~شديد غضوب يندر أن يضحك، ولا يتكلم إلا قليلا، وجلساؤه يخشون غضبه؛ لأنه يقتل لأقل شبهة، ~~وأظنك سمعت وصية الإمام، التي تلاها على مولاك الدهقان الليلة، وهو يوصيه فيها بأن يقتل كل ~~من يشك فيه. فمن كان هذا شأنه، فهل من سبيل إلى الدالة عليه؟ أما إذا كنت تسعى للحصول على ~~شيء منه؛ فإني أبذل ما في وسعي للوصول إليه.» # قال: «لقد نطقت بالصواب، ولو قلت لي غير ذلك لاتهمتك وشككت فيك، وعند ذلك يحق لي أن ~~أنفذ وصية الإمام فيك.» وضحك ثم قال: «وأريد أن أسألك سؤالا آخر: هل عندك للسر ~~مكان؟» # قال: «بئر عميقة. لا تخف.» # قال: «لا أخاف منك؛ لأن روحك في قبضة يدي، وليس أسهل علي من أن ألقي الشك في قلب ~~أبي مسلم. ويكفي أن أذكر له مسألة النقود اليوسفية.» ثم نهض بغتة ويده في منطقته، فأخرج ~~منها النعلين ولبسهما ووقف، فعجب إبراهيم لعمله وخشي ms030 أن يعاوده الجنون فتحدثه نفسه أن ~~يشكوه إلى الأمير في تلك الساعة، فنهض معه وأظهر الاهتمام به وقال: «ما بالك يا أخي؟ قل ما ~~هو ذلك السر.» # قال: «نسيته في البيت؛ فأنا ذاهب لاستدعائه.» وضحك، فضحك إبراهيم مجاملة له، ولكنه ازداد ~~خوفا من هذا الأبله، ولم يعلم كيف يسترضيه، فقال له: «بالله كف عن المزاح وأخبرني، وأنت ~~القابض على حياتي؛ فلا تخف وأنا إنما أريد قضاء حاجة لك.» # فمشى الضحاك، فتبعه إبراهيم حتى خرجا من الغرفة، فلما استقبلا ضوء القمر التفت إليه ~~الضحاك وقال: «هل يحمل أبو مسلم أهله معه إذا سافر.» # قال: «تعني هل يصحب امرأته في سفره. كلا، إنه ~~يتركها في منزلها وحولها الأرصاد والعيون؛ لأنه شديد الغيرة عليها حتى لا يدع لها سبيلا ~~للخروج من البيت، ولا يدع أحدا يدخل قصره غيره. وفي قصره كوى يطرح لنسائه منها ما يحتجن ~~إليه. وبلغني أنه يوم زفت إليه امرأته بالبرذون الذي ركبته فذبح، وأحرق السرج ~~لئلا يركبه بعدها أحد.» # فقطع الضحاك كلامه قائلا: «تقول (لنسائه) كأنه تزوج عدة نساء.» # قال: «كلا، إنه لم يتزوج اثنتين معا قط ، وهو يكره الزواج ويعده جنونا، ومن أقواله ~~المأثورة: «الزواج جنون، ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة.» # 1 # فمن كان هذا في اعتقاده كيف يهتم بالنساء؟! ولكنى أردت بنسائه: اللواتي في ~~قصره من الجواري والمرضعات ونحوهن مما تقتضيه مظاهر الإمارة.» # فلما سمع الضحاك قوله أطرق وكأنه ثاب إلى رشده، وأدرك إبراهيم أن ذلك السؤال لم يكن ~~عبثا، فاستأنس بهدوئه فقال له: «إن أمر هذا الرجل غريب جدا لم أسمع بمثله، ولعل هذه ~~الخلال من أسباب نجاحه؛ لأنه ينقطع عن كل شيء للقيام بدعوته، فتراه لا يضحك ولا يمزح ولا ~~يلهو بشيء قط.» # قال الضحاك: «وصلنا إلى السر. بلغني أنه لما شاهد مولاتي الدهقانة الليلة شغف بها، ~~وأراد أن يتزوجها. ولأن مولاتي المذكورة مخطوبة لأمير آخر، فإذا كان أبو مسلم يريدها لنفسه، ~~فإني قادر على تحويل الخطبة إليه. هذا سر بيني وبينك. فهمت؟» ms031 # قال إبراهيم: «لا تخف يا أخي؛ فقد أوسعتني تحذيرا. أما أنه رأى الدهقانة وأحبها، فهذا ~~أمر بعيد. وهو لا يرفع بصره إلى النساء قط؛ لأنه غيور ويعرف قدر الغيرة. أما إذا كان الأمر ~~بخلاف ذلك، فأرجو أن تصرح لي.» # فألقى الضحاك يده على كتف إبراهيم وهو يخفض بصره؛ ليراه؛ لقصره، وقال: «أظنك تعني أن ~~الدهقانة أحبته، وكأنها أحبت الزواج به. فهب أن هذا هو الواقع، فما قولك؟» # قال وهو يرفع بصره نحوه: «إن ذلك يحتاج إلى استرضاء أبي مسلم، واسترضاؤه ليس بالأمر ~~السهل، وخاصة في مثل هذا الأمر؛ لأنه يكره الزواج كما أخبرتك.» # قال: «إذن أنت لا تأمل أن يقبل ذلك؟» # قال: «لست أرجح الأمل أو اليأس، ولكن الأمر يحتاج إلى روية وسعي.» قال ذلك وأمسك بمنطقة ~~الضحاك وقال: «اسمع. إنك تجعل نفسك مهزارا وأنت أدهى مني. قد خطر ببالي سبيل أظنه يؤدي ~~إلى المطلوب. لا يستطيع أحد أن يفاتح هذا القائد بأمر الزواج، ولا سيما الآن، ولكنني أرى أن ~~تخاطبه بشأنها من حيث نستلفت انتباهه، فإذا قلنا له مثلا: إن الدهقانة شديدة الغيرة على ~~أهل الشيعة، متفانية في نصرتهم، وإنها تحب أن تخدمه فيما يؤيد دعوته، وينصره على أعدائه، ~~فمثل هذه الأقوال تستلفت أفكاره، فلعله إذا قابل الدهقانة مرة أو غير مرة بهذا الصدد، ثم ~~رأى منها ما يدل على نصرته حقيقة لا أظنه إلا ساعيا للزواج منها. هذا ما أراه، وقد أكون ~~مخطئا.» قال ذلك وهز منكبيه. # قال الضحاك: «لقد رأيت الصواب، ولعلك تكون واسطة في تمهيد السبيل لكي تقابله إذا اقتضى ~~الحال. إني أقول هذا من عند نفسي، وأخشى ألا تقبل هي.» # قال: «إني أكون لك كما تشاء جهد طاقتي.» # وكانت ملامح الضحاك قد اكتسبت في أثناء هذه المحادثة صورة الجد، وكاد المجون يذهب عنها، ~~فلما سمع قول إبراهيم عاد إلى مجونه فالتقط ذيل جبته وأدارها حول إبراهيم، فاختفى فيها ~~لقصره، فأجفل وانسحب من تحتها، فوقعت عمامته على الأرض فالتقطها وهو يضحك، فقال له ~~الضحاك: «والله إنك ms032 رجل لطيف ومتواضع؛ لأنك خازن الأمير، وتحتمل سفاهة خادم مهذار ~~مثلي.» # قال: «ما أظنك مهزارا يا أخي، ولا بد لك من شأن. والآن ألا تأخذ الكيس بما فيه؟» # قال الضحاك: «ليس هو لي، وإنما سقط من القمر وأنت التقطته؛ فاحتفظ به لنفسك، وإذا وفيت ~~لنا بوعدك، فلك عندنا من هذه الأكياس ما يغنيك عن استبدال الدرهم بالدرهم سرا حتى تخشى ~~خادما مهزارا. هل فهمت؟ السلام عليكم.» قال ذلك وتناول نعليه بيديه، وهرول مسرعا إلى ~~ريحانة وقد تغير الطقس، وتلبدت الغيوم بغتة، وهبت الرياح وفيها هواء الشتاء. وكانوا في ~~أوائل الربيع والطقس يتقلب فيه على غير انتظار. # الفصل الثالث عشر # | على أحر من الجمر # أما جلنار فإنها مكثت في الغرفة تنتظر في قلق، وقد اشتد اضطرابها لما تتوقعه من نتائج ~~المهمة التي أسندت إلى ريحانة، وأصبحت إذا سمعت حركة أو خربشة خفق قلبها، وحدثتها نفسها ~~أن تخرج من الغرفة لعلها تلهو بشيء، أو تسمع من ريحانة أو الضحاك ما يقوي قلبها، أو يطمئن ~~خاطرها. واستغرقت في الهواجس مدة ثم انتبهت لصوت جمل في الجهة الأخرى من القصر، فاستأنست ~~بصوته؛ لأنه من معسكر حبيبها، ثم تزايد الصوت فهمت بالخروج بهذه الحجة وهي إنما تريد ~~الخروج ضجرا من الانتظار، فوقفت وأصغت، فلم تعد تسمع صوتا، فعادت إلى الفراش وعاد السكوت، ~~فرجعت إلى الإصغاء والقلق، فسمعت بالباب وقع خطوات خفيفة كأنها خطوات حاف، فاستغربت ذلك، ~~ثم ما لبثت أن سمعت نقرا خفيفا على قفل الباب، فنهضت وفتحته وقلبها يدق دقا شديدا، ~~فإذا هي بريحانة، فانبسطت نفسها لرؤيتها. ودخلت ريحانة مسرعة وهي تتعثر بسراويلها المنتفخة، ~~والبغتة بادية في وجهها، فابتدرتها جلنار بالسؤال عما جرى، فضمت أناملها اليمنى إشارة ~~للانتظار، وقالت بصوت خفيض وهي تلهث وتتلفت: «تمهلي يا مولاتي.» ثم أصاخت بسمعها نحو ~~الدار. # فسكتت جلنار وأصغت فلم تسمع شيئا، فنظرت إلى ريحانة نظرة استفهام، فأجابتها وهي تبالغ ~~في خفض صوتها كأنها تتكلم همسا: «لقيت الضحاك وأرسلته في المهمة المعلومة، ومكثت في غرفتي ~~قليلا ثم خرجت ms033 إليك وأنا أحاذر أن يراني أحد. وقبل دخولي في هذا الرواق، سمعت مولاي ~~الدهقان يتنحنح على مقربة مني فذعرت وخفت أن يكون قد رآني، فوقفت هنيهة والضوء ضعيف فلم ~~أسمع شيئا، فخلعت نعلي ومشيت حافية على أطراف أناملي حتى جئت إليك، وأنا أخاف أن يكون ~~سيدي الدهقان في أثري، ولكن يظهر أني واهمة.» ~~«أما جلنار، فإنها مكثت في الغرفة تنتظر في قلق، وقد اشتد اضطرابها لما ~~تتوقعه من نتائج المهمة التي ذهبت من أجلها ريحانة ...» # فقالت: «أظنك واهمة؛ لأن والدي لا يبقى ساهرا إلى هذا الوقت. وهبي أنه رآك، فماذا يوجب ~~القلق في رؤيتك؟ أخبريني الآن عن الضحاك ومهمته.» # فقصت عليها أهم ما دار بينها وبينه إلى أن قالت: «وأنا في انتظار رجوعه لأرى ما يكون، ~~ولا ريب عندي أننا وضعنا ثقتنا في محلها؛ لأن هذا العربي - رغم ما يظهر من مجونه وبلهه ~~- ذو أريحية وحماسة، ولا أظن مجونه إلا تصنعا.» # قالت: «وما الذي يدعوه إلى التظاهر بالبله وهو عربي، والعرب أهل الدولة! فلو لم يكن ~~البله سجية فيه، مع ما تدركين من أريحيته، لكان من أكبر رجال الدولة ، وكان في غنى عن هذه ~~الخدمة.» # فأشارت ريحانة برأسها وعينيها أن صدقت مولاتي، ثم قالت: «ومهما يكن من شأنه، فإني واثقة ~~من حميته وصدق خدمته، وسترين، ولكن لا بد من الذهاب إلى غرفتي لأنتظره فيها كما ~~تواعدنا.» # فقالت: «أرى أن أخرج معك فألتقي به عندك، وذلك خير من أن نلتقي في غرفتي وأسلم ~~عاقبة.» # ففهمت ريحانة قصدها، وأومأت إيماءة الاستحسان والطاعة، ولبثت تنتظر خروجها معها، فإذا بها ~~تنهض من الفراش. وكان على اللحاف مطرف من خز أحمر مبطن بالفرو فالتحفت به، فغطاها كلها، ~~ولفت رأسها بشال من الكشمير موشى بالحرير، فلم يبق ظاهرا منها إلا مقدم وجهها. فمشت ~~الماشطة أمامها، وسارتا نحو غرفتها، ولم تخرجا من ذلك الرواق حتى سمعتا هبوب الزوابع، ~~وتنسمتا رائحة الشتاء، فانبسطت نفس جلنار لسبب لا تعلمه، وأرادت أن تخاطب ريحانة بشيء، ~~لكنها صبرت نفسها حتى وصلتا ms034 إلى الغرفة، فدخلتا وأغلقت ريحانة الباب وأسرعت في إعداد مقعد ~~لسيدتها، فجلست جلنار ووجهها تجاه المسرجة، ونور السراج يرقصه ما ينفذ إلى الغرفة من ~~بقايا تلك الزوابع. # ولما جلست نزعت الشال عن رأسها، فبان وجهها وقد زاده الدفء رونقا وجمالا، فتأملتها ~~ريحانة وهي في تلك الحالة، وابتسمت ابتسام منذهل بذلك الجمال، ولم تتمالك عن تقبيل رأسها، ~~ثم جثت بين يديها وأخذت في إصلاح بعض ما أفسده الخمار من شعرها وهي تقول: «سبحان الخالق! ~~كيف لا يسحر ذلك الخراساني بهذا الجمال الذي لا مثيل له في خراسان ولا ما وراء ~~النهر؟» # فتنهدت جلنار وسكتت هنيهة، ثم تذكرت شيئا خطر لها حين سمعت هبوب الرياح، واعتزمت أن ~~تصارح ماشطتها به، فقالت: «شعرت يا ريحانة ونحن قادمتان الآن براحة وطمأنينة لسبب لا ~~أعلمه.» # فابتسمت الماشطة وقالت: «جعل الله كل أيامك راحة وسعادة.» ثم نهضت وهي تقول: «وأنا أيضا ~~أحسست بنفس الشعور، وأظن أن السبب واحد؛ وهو هبوب الرياح وتوقع المطر؛ فإني كثيرا ما أكون ~~منقبضة النفس مغمومة، فإذا أمطرت السماء انبسطت نفسي وذهب عني الغم.» ثم وقفت هنيهة تجاه ~~المرآة لغير غرض مقصود، ثم تحولت بغتة إلى سيدتها وهي تقول: «ولكن لسرورنا سبب آخر. هل ~~أقوله؟» # قالت: «قولي.» # قالت وهي تضحك: «لأن الزوابع يعقبها المطر الشديد، وإذا اشتدت الأمطار كثرت الأوحال وسدت ~~الطرق، فيتأخر ضيوفنا عن السفر يوما أو بضعة أيام. وبقية الحديث عندك.» # فابتسمت جلنار بعد أن طال انقباضها وقلقها، وهمت بالكلام فسمعت ضحكة غلبت قهقهتها على ~~صفير الرياح، فعلمت أنه الضحاك، ولكنها لم تكن تتوقع أن يجعل لقدومه قرقعة وضوضاء وهم في ~~حال تدعو إلى التكتم، فنظرت إلى ريحانة فرأتها في مثل حيرتها وهي تقول: «صدقت يا مولاتي. ~~يبدو أنه أبله حقيقة.» # ولبثتا بعد تلك الضحكة تتوقعان وصوله، فإذا هو يقول بصوت عال: «صدقت يا مولاي الدهقان، ~~إن الطقس قد تغير، ولا يلبث المطر أن يتساقط؛ لأن مطر الربيع قد يكون جارفا، وأنا لا ~~أستطيع النوم في مثل هذه الليلة.» وضحك، ms035 فلما سمعتا ذلك علمتا أن الدهقان لا يزال ساهرا، ~~فخشيت ريحانة أن يشعر بهما، فتقدمت إلى السراج وغطته بحيث لا يبدو نوره من شقوق الباب ~~للخارج. فلما فعلت ذلك سمعتا ضحكة أخرى أبعد من تلك وقائل يقول: «ألم أقل لمولاي أن ما ظنه ~~نورا خارجا من الغرف إنما هو من أثر البرق؛ إذ ليس في هذا القصر ساهر سوى مولاي وأنا. أما ~~أنا فإني ذاهب إلى مخدعي بعد أن أكون في خدمة مولاي حتى يدخل فراشه؛ لأن سائر الخدم نيام، ~~وإذا أحب أن أؤنسه بقية هذا الليل فعلت.» # فخفق قلب جلنار عند سماعها ذلك؛ لأنها أدركت منه أن والدها أساء الظن بريحانة، وبحث عن ~~سبب النور الخارج من غرفتها، واستحسنت أسلوب الضحاك في إنقاذها من ذلك الخطر، على أنهما ~~مكثتا صامتتين لا تتحركان، وتكادان تمسكان عن التنفس التماسا للإصغاء. فلما مضت مدة ولم ~~تسمعا فيها صوتا أيقنتا أن الدهقان ذهب إلى فراشه، ولا يلبث الضحاك أن يعود إليهما، فأخذت ~~جلنار تتأهب لسماع صورة الحكم على عواطفها؛ فإما إلى النعيم، وإما إلى الجحيم. ولم تكن ~~تتوقع الإحساس بمجئ الضحاك أو سماع خطواته قبل وصوله للباب؛ لتعاظم هبوب الرياح، وحفيف ~~الشجر، وقصف الرعد. # الفصل الرابع عشر # | إبلاغ الرسالة # ولبثتا صامتتين كأن على رأسيهما الطير، حتى سمعتا قرع الباب قرعا خفيفا، فأجفلتا وأسرعت ~~ريحانة إلى فتحه، فإذا بالضحاك يدخل مسرعا وهو في ذلك القباء المقلوب، وعمامته مشوهة، ~~ونعلاه في منطقته، وشعر لحيته منتفش، وهيئته في غاية الغرابة. فلما وجد جلنار هناك أجفل ~~وتأدب، وقام بإصلاح شعره، وتسوية عمامته، وهو يضحك بلا قهقهة، وأخرج النعلين من منطقته ~~فوضعهما بالباب، ووقف متأدبا كأنه مارد لطوله. فابتسمت جلنار من منظره وحركاته، فقال لها: ~~«اعذريني يا مولاتي على هذا المنظر؛ فإني لم أكن أحسبك هنا. والحق على هذه الملعونة.» ~~وأشار بإحدى يديه إلى ريحانة، وباليد الأخرى إلى عمامته، فلم تتمالك جلنار عن الضحك لأسلوبه ~~في التخلص من غضب ريحانة. وأما ريحانة فغالطته وقالت: «إن الدهقانة مسرورة من ms036 همتك ~~ونشاطك.» # فقطع كلامها بصوت منخفض وقال: «وطبعا أنت زعلانة؛ لأن العريس ليس لك.» # فقالت: «دعنا من المجون، وأخبرنا ما الذي فعلته، وأظنك لا تلتزم الجد إلا إذا حلفتك ~~بمولاتنا الدهقانة؛ فبحياتها إلا تكلمت الجد.» # فلما سمع قولها وقف بين يدي جلنار متأدبا، فأشارت إليه أن يجلس، فجلس، فقالت له ريحانة: ~~«قص علينا ما جري.» # فأخذ في سرد ما حدث منذ خروجه من غرفتها إلى أن لقي إبراهيم الخازن، وكيف احتال عليه ~~وأخرجه من حجرته، وما دار بينهما، حتى انتهى إلى ما تم الاتفاق عليه بينهما، ولكنه لم يذكر ~~ما قاله الخازن عن كره أبي مسلم للنساء؛ لعلمه أن هذا يسيء إلى جلنار ويوقعها في اليأس، ~~وهو يريد أن ترجو الظفر به، على أنه أخبرها أن أبا مسلم ~~لا يستطيع أحد من خاصته أن يخاطبه في أمر الزواج تهيبا، وإنما إذا لقيته وخاطبته، ~~فلا ريب أن سيحبها ويتمنى الظفر بها، وخصوصا إذا أظهرت له غيرتها على الدعوة التي يقوم ~~بتأييدها. # وكانت جلنار ترهف السمع لذلك الحديث، فلما بلغت إلى ختامه انقبضت نفسها؛ لأنها كانت ترجو ~~أن تعرف شيئا عن شعور أبي مسلم نحوها، فسكتت وظهر الانقباض على وجهها، فأدركت ريحانة سبب ~~انقباضها، فأرادت إنعاش أملها فقالت: «بورك فيك يا ضحاك، ما ألطف أسلوبك! فقد فعلت ما لا ~~سبيل إلى سواه.» # فقال: «لا أحب التملق يا ريحانة، فإني لم أعمل شيئا، ولكنني مهدت السبيل للعمل، فإذا ~~رأت مولاتي أن أعرض عليها رأيي فيما ينبغي أن تعمله فعلت.» # فقالت جلنار: «قل يا ضحاك.» # قال: «أولا، ينبغي أن ندبر وسيلة لتجتمعي بأبي مسلم ويدور بينكما الحديث.» # فاحمر وجه جلنار خجلا إذ تصورت نفسها في خلوة مع أبي مسلم، على حين أنها قد شبت ولم ~~تخاطب من الرجال غير والدها وخدم قصرها، ثم تذكرت أنها لا تستطيع الوصول إلى تلك الجلسة إلا ~~بالتزلف والتذلل والنزول عن عرش أنفتها وعزة نفسها، ثم هي فوق ذلك ستخالف إرادة والدها، ~~فضلا عن تعرضها لغضبه إذا علم بذلك ms037 الاجتماع السري. فلما تصورت ذلك غلبت عليها عزة النفس ~~فتراجعت وهي جالسة، وهزت رأسها ولسان حالها يقول: «لا، لا أفعل ذلك.» # ففهم الضحاك ما يدور ذهنها، فرفع حاجبيه وقلب شفته السفلى، ثم قال: «لا أنكر يا مولاتي أن ~~ذهابك للاجتماع به لا يخلو من التنازل و...» # فخشيت ريحانة أن يذكر لها أصل أبي مسلم ومنشئه، فاعترضت حديثه قائلة: «لا أرى في ذلك ~~ضعة ولا تنازلا؛ لأنها إذا ذهبت إليه أو خاطبته فإنها تخاطب أعظم رجل في خراسان، وهو قائد ~~رجال الشيعة مع أنه شاب، وتحت أمره شيوخ من قواد الخراسانيين وأمرائهم. ويكفي أن الإمام ~~اختاره لهذا المنصب العظيم، وإذا نظرت إلى وجهه وهيبته علمت أن المستقبل له لا ~~محالة.» # فلما سمعت جلنار ذلك المديح تحركت فيها عوامل الحب، فهان عليها كل عسير في سبيله، ولكنها ~~ظلت ساكتة، وفهم الضحاك أن الغرض من ذلك الاعتراض ألا يذكر أصل أبي مسلم في حضرتها، فقال: ~~«لا أنكر منزلة هذا البطل الشاب، وإنما أردت بالتنازل ذهاب مولاتي الدهقانة إليه وهي فتاة، ~~إلا إذا كانت تحب (وبلع ريقه) فتلك مسألة أخرى هي أعلم بها .» قال ذلك وضحك وهو مطرق برأسه ~~وعيناه شاخصتان نحوها. # أما جلنار فإن الاهتمام ظهر في عينيها وسكتت، وتشاغلت بإرسال ضفائر من شعرها إلى ظهرها ~~كانت قد استرسلت إلى الأمام عند انحنائها، ثم أصلحت القرط في أذنها وهي مطرقة. وأدركت ~~ريحانة ولحظ الضحاك أنها تتردد في أمر ذلك الاجتماع، وظلوا صامتين هنيهة كأنهم يصغون ~~لاستماع قصف الرعد وسقوط المطر، ولو أصاخوا بسمعهم لسمعوا صوت الجمال عن بعد، ولكن تساقط ~~المطر وهبوب الرياح أضاعا صوتها. # وأخيرا استأنفت ريحانة الحديث قائلة: «تبصري يا مولاتي في الأمر على مهل؛ فإن القوم ~~باقون هنا بضعة أيام بسبب الأمطار.» # فظلت جلنار صامتة مطرقة، فأدرك الضحاك أنها لا تزال تتهيب أمر لقائها أبا مسلم، فقال لها: ~~«إذا أذنت مولاتي لمملوكها أن يصرح بما في ضميره فعل.» # قالت جلنار: «قل.» # قال: «يظهر لي أنك تتهيبين أمر ذلك الاجتماع، ولا ms038 لوم عليك، ونحن نعلم أنفتك وعزة نفسك، ~~وعندي رأي. هل أعرضه عليك؟» # فأشارت برأسها أن قل. # قال: «إن أبا مسلم - كما لا يخفى عليك - قد حصر قواه وعواطفه في أمر الدعوة التي يقوم ~~بها، وما من سبيل يوصلنا إلى قلبه غير هذه الدعوة؛ فالذي أراه أن مولاتي إذا شق عليها لقاؤه ~~وجها لوجه أن تبدأ الصلة بينها وبينه بشيء يدل على اشتراكها معه في هذا الأمر، ويكون ذلك ~~فاتحة العلاقات، ثم نرى ماذا يكون.» # فانبسط وجه جلنار. وكان انبساطه جوابا كافيا للضحاك. فتناولت ريحانة طرف الحديث عنها ~~وقالت: «لقد رأيت صوابا يا ضحاك، بورك فيك، فأفصح عن رأيك مفصلا.» # قال: «هذا رأيي واضح لا يحتمل شرحا كثيرا؛ فالمراد أن تبعث مولاتي إلى أبي مسلم بما يدل ~~على تأييدها لدعوته، ورغبتها في رضاه، واشتراكها في أمره، ونرى ما يكون منه.» # قالت ريحانة: «أظنك تعني أن ترسل المال إليه؟» # قال: «المال وغير المال. كما تشاء.» # فقطعت جلنار حديثهما قائلة: «فهمت، ولكن ...» ونظرت في وجه ريحانة كأنها تستطلع رأيها في ~~أمر واحد لا تريد التصريح به بين يدي الضحاك، فأدركت ريحانة شيئا في خاطرها فنهضت وهي ~~تقول: «أظنك يا مولاتي تعبت من السهر.» # ففهم الضحاك مرادها، فنهض وحنى رأسه ويداه على صدره كأنه يستأذن مولاته في الذهاب، وقال: ~~«إني رهين ما تأمرينني به ولو كان طريقي إلى مرضاتك على أسنة السيوف.» قال ذلك ~~وخرج. # الفصل الخامس عشر # | الهدية # فسرت جلنار بذلك ونهضت ومشت نحو غرفتها وهي تسترق الخطى مخافة أن يسمع وقع قدميها. ~~أما ريحانة فإنها أطفأت السراج وسارت في أثرها حتى وصلتا إلى غرفة جلنار، فدخلتا وتوسدت ~~جلنار فراشها وتغطت باللحاف والتفت بالمطرف؛ دفعا لما أحست به من البرد في أثناء مرورها في ~~الرواق، وجلست ريحانة بين يديها وقد لفت رأسها وحول عنقها بالشال. فلما استقر بهما المقام ~~قالت ريحانة: «قد فهمت اعتراضك يا مولاتي.» # قالت: «فما رأيك؟ ألا ترين أني أواجه مشكلة صعبة؟» # قالت ريحانة: «إذا كنت محقة في ظني، فالمشكلة ms039 على صعوبتها لا نعدم وسيلة لحلها.» # فقطعت جلنار كلامها قائلة: «وكيف نستطيع الحل؟ وأراني كحجر بين مطرقتين. إن والدي من جهة ~~قد وعد بزواجي من ابن الكرماني، وسأزف قريبا إليه، وأرى نفسي من جهة أخرى مقيدة القلب ~~(وتنحنحت وبلعت ريقها حياء) وأنا مع ذلك لا أدري إذا كانت المحبة متبادلة! فكيف أتخلص من ~~أمر والدي؟ وماذا يكون أمري إذا لم تكن المحبة متبادلة؟!» قالت ذلك وشرقت بريقها، واحمرت ~~وجنتاها، أو زادتا احمرارا؛ لأن وجهها كان قد تورد من الدفء وإعمال الفكرة. ولحظت ريحانة ~~في عينيها دمعتين تترددان بين المآقي، فتأثرت لحالها، وشعرت بخطر موقفها، فبادرت إلى ~~التخفيف عنها فقالت: «أما ابن الكرماني فليس أمره مهما؛ لأنك لو زففت إليه من الغد، ~~فبقاؤك عنده لا يكون إلا بانتصاره على أبي مسلم، فإذا انتصر عليه، فأبو مسلم لا يليق بك، ~~وأما إذا كانت الغلبة لأبي مسلم، فأنت له لا محالة؛ لأنه يستولي على كل ما هو للكرماني. ~~وإذا كنت تكرهين هذا العريس وترومين بعده؛ فلك من حكمتك وحسن أسلوبك ما يضمن بقاءك عنده ~~مدة طويلة وأنت مصونة كأنك في بيت أبيك .» # فأدركت جلنار ما تعنيه ريحانة، وقد أخجلها، لكن سرورها بهذا الحل هون عليها ذلك ~~التعريض، فابتسمت والانقباض ينازع الابتسام في وجهها، فعادت ريحانة إلى حديثها فقالت: «بقي ~~علينا النظر في الوسيلة إلى أبي مسلم، والحق يقال إن هذا العربي المهزار قد رأى رأيا ~~حسنا؛ فلا غرو إذا وقع لديك موقع الاستحسان؛ لأن زيارتك لأبي مسلم بدون علم أو مبادلة ~~سابقة لا تخلو من الابتذال؛ فالذي أراه أن ترسلي إليه مع الضحاك مبلغا من المال على سبيل ~~الإعانة، والضحاك يفهمه بأسلوب لطيف أنك بعثت بهذه الهدية حبا فيه وفي دعوته، ونرى ما ~~يكون من جوابه. وإذا رأيت أن ترسلي إليه هدية خاصة تؤكد محبتك فعلت.» # فأشرق وجه جلنار لهذا الرأي، وكانت متكئة فجلست وقالت: «لقد أعجبني يا ريحانة رأيك ~~الأخير؛ لأن إرسال الهدية الخاصة استطلاع لرأي أبي مسلم في. فما عسى أن ms040 تكون تلك ~~الهدية؟» # قالت: «أجمل هدية تهدى للقواد السيف، فإذا بعثت إليه بسيف مرصع، وبلغه الرسول أنه هدية ~~منك إليه؛ ازداد اعتقادا بسلامة نيتك في نصرته، وإذا كان في نفسه شيء ظهر.» # فقالت: «ومن أين آتي بهذا السيف؟» # قالت: «ذلك هين على من يبذل المال، فأعط الضحاك مالا وفوضيه أن يبتاع سيفا، فما هو إلا ~~أن يذهب ويعود إليك بالسيف في نحو ساعة.» # ففرحت جلنار بهذا التدبير وقالت: «إني أترك تدبير هذا الأمر إليك، وأما النقود فهي عند ~~الخازنة. خذي منها ما تريدين، واحذري أن يعلم والدي بشيء من هذا التدبير فنقع في مشكلة يصعب ~~حلها.» # قالت: «كوني مطمئنة يا مولاتي، فلا يكون إلا الخير، إن شاء الله. والآن خففي عنك ونامي، ~~وعلي تدبير كل شيء.» # ثم قبلت رأسها ويدها وخرجت حافية حتى عادت إلى غرفتها. ولا نظن أن جلنار نامت في تلك ~~الليلة إلا قليلا لعظم اضطرابها. # فلندع هؤلاء في تدبيرهم، ولنرجع إلى أبي مسلم؛ فقد تركناه في دار الضيافة ومعه خالد بن ~~برمك وقد ناما، وأبو مسلم قلما غمض جفنه وهو يفكر في مشروعه، وفيما عساه أن يحول دونه من ~~العقبات. وكان أبو مسلم شديد الحذر، متيقظ الخاطر، سيئ الظن في المستقبل، لا يأمن كوارث ~~الأحداث، فكان - وهو في فراشه - سابحا في بحار التأملات يفرض الممكنات، ويهيئ الأسباب، ~~حذرا من الفشل. وبعد أن نام هزيعا من الليل أفاق على هبات الرياح، وقصف الرعد، وسقوط ~~الأمطار، فشق عليه ذلك مخافة أن تحول الظروف دون مسيره، فلما استيقظ نهض من الفراش، وأطل ~~من نافذة غرفته إلى ما حوله - وكان المطر قد انقطع والصبح قد تبلج - فرأى المياه قد ملأت ~~الطرق وسالت في أخاديد الأرض، فتحول إلى غرفة خالد. ولم يكد يدخلها حتى رآه خارجا منها وقد ~~تزمل بعباءته وتخمر بعمامته، فصاح فيه أبو مسلم: «خالد.» # فقال: «لبيك أيها الأمير.» # قال: «ما رأيك في صاحب الخبر الذي بعثناه بالأمس، هل تظنه تمكن من التجسس؟» # قال: «لا أظنه إلا فعل، وإذا أبطأ ms041 علينا فلا يؤخره إلا المطر والوحال؛ لأنه من أهل النجدة ~~والهمة.» # قال: «إني في انتظاره على مثل الجمر؛ لنعلم حال أعدائنا في مرو، فنتدبر في حربهم.» # قال خالد: «ذلك هو الأمر الذي شغل خاطري الليلة وحرمني النوم، على أني واثق بالرجل ~~وإخلاصه؛ لأنه يخشى غضبك، وهو يكره نصر بن سيار كرها شديدا.» # قال أبو مسلم: «ليس في معسكرنا من يحب نصرا، ولكنني أخاف أن يخدعهم الكرماني؛ لأنه من ~~دهاة الرجال، وقد بلغني أنه أخرج نصرا من مرو وتملكها.» # وبينما هما في ذلك إذ سمعا حركة في داخل الدار، وإذا ببعض الغلمان قد أقبلوا وهم يحملون ~~موقدا فيه نار قد تجمرت وضعوه في أحد جوانب الغرفة للاستدفاء، وذروا فيه شيئا من ~~البخور، فانتشرت رائحته في الدار كلها، فاستأنس أبو مسلم بالدفء والبخور، وجلس على وسادة ~~فوق البساط، والتف بمعطف من خز أسود، ولف عمامته على رأسه بغير نظام، وأشار إلى خالد ~~فجلس إلى جانبه، ثم تذكر أنه لم يصل بعد، فنهض ونهض معه خالد وصليا الصبح، وجلسا ~~وكلاهما يفكر في أمر الرجل الذي أرسلاه ليتجسس أحوال مرو قبل وصولهم إلى تلك المحلة. وكانا ~~قد أوعزا إليه أن يوافيهما إلى هناك. # الفصل السادس عشر # | أبو مسلم والضحاك # وبعد هنيهة جاء الخدم بالطعام فأكلا وغسلا أيديهما ولم يتكلما إلا قليلا؛ لأن أبا مسلم ~~كان قليل الكلام جدا. وفي نحو الضحى، دخل أحد غلمان أبي مسلم وأومأ أنه ينقل رسالة، فقال ~~أبو مسلم: «ما وراءك؟» # قال: «إن في الباب رجلا يطلب مقابلة الأمير.» # قال أبو مسلم: «ألعله من رجالنا؟» # قال: «كلا، بل هو من رجال الدهقان.» # فقال أبو مسلم: «فليدخل.» # فدخل الضحاك وهو يحمل خريطة قد أثقلت كاهله، فوضعها بجانب الموقد وأغلق الباب ودخل وهو ~~يتأدب في مشيته حتى وقف بين يدي أبي مسلم. # فصاح به أبو مسلم: «من أنت؟ وما غرضك؟» # قال: «إني من موالي الدهقان، ولي مع الأمير شأن، إذا سمح بخلوة بثثته إياه.» # وكان الضحاك يتكلم وهو يحاول إخفاء أمارات المجون ms042 من وجهه، ولم يتم كلامه حتى نهض خالد ~~وخرج، فأشار أبو مسلم إلى الضحاك أن يجلس، فأكب على يد أبي مسلم يقبلها وهو يقول: «قد ~~أتيت مولاي الأمير بمهمة سرية أرجو أن يكتمها لوجه الله، وأنا رسول، وما على الرسول إلا ~~البلاغ.» # قال: «قل ولا خوف عليك.» # فمد الضحاك يده وأخرج من تحت عباءته سيفا مرصعا دفعه إلى أبي مسلم. ولما رأى أبو ~~مسلم السيف أجفل لأول وهلة؛ مخافة أن يكون في الأمر دسيسة أو اغتيال، فقطب وجهه ونظر في وجه ~~الضحاك وأمارات الغضب والحذر بادية في عينيه، فضحك الضحاك ضحكة يمازجها شيء من البله ~~وقال: «أيخاف صاحب هذا الجند من مهذار مثلي جاء بهدية؟ ومن يجرؤ على أن يقدم على الأمير ~~بغير الطاعة والخضوع. إني أرى الموت بين شفتيك، والقضاء المبرم في عينيك، فبالله إلا تبسمت ~~قبل أن أقع قتيلا.» # قال ذلك وهو يتظاهر بالذعر، أو هو ذعر فعلا؛ لأن أبا مسلم كان شديد الهيبة لا يستطيع أحد ~~التفرس في وجهه. # فتكلف أبو مسلم الابتسام وهو يتناول السيف بيده، وليس في ابتسامته ما يدعو إلى الاستئناس ~~أو السكينة . ولما تناول السيف تأمله وقلبه بين يديه، ثم نظر إلى الضحاك - وكان لا يزال ~~واقفا - وقال: «اجلس.» # فجلس متأدبا وهو يتلفت يمينا وشمالا، فقال له أبو مسلم: «ما شأنك يا رجل؟ إني أراك ~~عربيا.» # فتراجع الضحاك وأظهر الخوف وقال: «وهل علي بأس من وصية الإمام؟» # فلم يتمالك أبو مسلم عن الضحك من حركاته وهيئته - وكان يندر أن يضحك - ثم قال: «إن وصيته ~~لا تجري على كل عربي؛ لأن الإمام نفسه عربي؛ فكن مطمئنا وقل ما شأنك.» # فنظر الضحاك نحو الباب نظر الخائف المحاذر وقال: «أتوسل إلى مولاي أولا أن يكتم ما سيدور ~~بيني وبينه؛ فقد جئته بأمر أرجو أن ينفعه، وإذا ذاع أضرني.» # قال: «قل. لا بأس عليك. إننا كاتمون أمرك.» # قال: «اعلم يا سيدي أن مولاتي الدهقانة جلنار. هل تعرفها؟» # فوجم أبو مسلم لحظة ثم قال: «أليست هي ابنة الدهقان؛ ms043 صاحب هذه المحلة؟» # قال: «هي بعينها، أظنك تعرفها. فاعلم، يا مولاي، أنها شهدت مجلسك بالأمس، وقد سحرت بما ~~شهدته من حميتك، وأعجبها الأمر الذي أنت قائم به، وعلمت بما دفعه أبوها، وأحبت أن تخص نفسها ~~بمال تدفعه هي من جيبها الخاص، فبعثت بجانب منه في هذه الخريطة (وأومأ نحو الخريطة) على شرط ~~ألا يعلم أحد بذلك، وخاصة أباها، وهي لا تلتمس في مقابل ذلك إلا رضى الأمير - أعزه الله - ~~ثم إنها بعثت إليك بهذا السيف المرصع على سبيل التذكار، وهو قديم فيه سر عظيم، ولم يحمله ~~أحد إلا هزم عدوه.» # فأعاد أبو مسلم نظره في السيف، وتناوله واستله من قرابه وتأمل فرنده، فإذا هو يلمع ~~كالزجاج وفيه تموج بديع، فقال: «يظهر أنه مسموم؟» # قال: «أظنه كذلك؛ لأن مولاتي قالت لي إنه لم يصب به أحد إلا مات لساعته، ولو كان جرحه ~~خفيفا.» # فقال: «إنها هدية ثمينة، ثم ماذا؟» # قال: «عندي كلمة أخرى أحب كتمانها حتى عن الدهقانة نفسها، فإذا عاهدني الأمير بذلك بحت ~~له بها، وإلا لا يهمني لو قتلني بهذا السيف الساعة وأراحني من حياتي.» # فاستغرب أبو مسلم قوله وطريقة تعبيره، واستأنس بخفة روحه، فقال له: «قل ما تشاء ولا ~~تخف.» # قال: «وهل تعدني أنك لا تغضب من جسارتي؟» # قال: «قلت لك لا تخف.» # قال: «إن مولاتي الدهقانة أجمل أهل عصرها، وما من أمير ولا دهقان إلا ويتمنى رضاها، ~~ولكنها تمنع نفسها عن كل طالب، ولم يمل قلبها إلى أحد حتى الكرماني؛ أمير العرب المحاصرين ~~مرو، فإنه طلبها لابنه ورضي أبوها، وأما هي فقلبها نافر منه، وقد تطيع أباها وتذهب إلى ~~الكرماني، ولكنها إذا سارت إليه فقلبها لا يسير معها؛ لأنه متعلق برجل أعظم منه، وأعظم من ~~كل رجل في خراسان. هل يأذن لي مولاي أن أذكر اسم ذلك الرجل؟» # فأدرك أبو مسلم أنه يشير إلى حبها إياه، ولم يكن قد فاته ذلك من قبل. # فقال: «اذكر اسمه، إلا إذا كان داخل هذه الغرفة.» # فقال: «كأنك تأمرني ألا أذكره؛ ms044 لأنه داخل هذه الغرفة، ولكنه ليس أنا.» وضحك، فلم يتمالك ~~أبو مسلم عن الضحك ثم قال: «لقد أعجبني أسلوبك يا رجل؛ فإنك خفيف الروح.» # فقال: «وماذا ينفعني إعجابك، يا سيدي، وأنا أخاف أن أذكر اسمك؟» # قال: «قلت لك لا تخف، فما أنا ناقم على جسارتك؛ لأنك - على ما يظهر - لا تعرف عني ~~كثيرا..» # قال: «أنا أعلم عن مولاي الأمير أكثر مما يظن؛ ولذلك فإني لا أقصد برسالتي هذه أن أكلفه ~~ما لا يريده، ولكنني تعهدت لصاحبة هذه الهدية برضى أبي مسلم عنها، ويجوز أن يكون ذلك الرضى ~~ظاهريا فقط. ثم لا أخفي عن حامل علم الإمام أن نظرة منه تشف عن رضا أو ارتياح تجعل ~~هذه الفتاة المفتونة آلة في يده قد يستخدمها في أمور تنفعه، ولو كانت في فسطاط الكرماني ~~نفسه، أو في قصر نصر بن سيار؛ صاحب مرو؛ إذ تكون أقدر على خدمته وهي هناك، وإن كان ما ترجوه ~~من أبي مسلم أضغاث أحلام لا يصح منها شيء. وعهدي بالأمير لا يحتاج إلى تصريح.» # فأطرق أبو مسلم هنيهة وهو يعمل فكرته ويتدبر ما سمعه من الضحاك، فرأى قوله لا يخلو من ~~النصيحة، ولكنه أمسك عن الخوض معه في ذلك، ثم رفع السيف من بين يديه ووضعه وراء الوسادة، ~~ونظر نحو الباب فأدرك أنه يريد انصرافه، فوقف وهو يقول: «يأمر مولاي خازنه أن يستلم هذه ~~الأكياس.» ومشى نحو الخريطة بقرب الموقد. # فصفق أبو مسلم فدخل حاجبه فقال: «إلي بالخازن.» # فخرج الحاجب وعاد ومعه إبراهيم الخازن، فلما دخل إبراهيم ورأى الضحاك في خلوة مع أبي مسلم ~~أوجس خيفة، ولكنه ما لبث أن سمعه يقول: «خذ من هذا الرجل ما يعطيه لك وقيده في ~~دفاترك.» # فتحول نحو الضحاك، ففتح الضحاك الخريطة وأخرج منها عشرة أكياس مختومة وقال له: «هذه عشرة ~~أكياس، في كل منها ألف دينار يوسفية.» وأطال لفظ يوسفية. # فتناولها الخازن وقد فهم إشارته، ولكنه أدرك أنه يقول ذلك على سبيل المجون، فتناول ~~الأكياس وهو يقول: «ممن هي؟» # فقال أبو ms045 مسلم: «قل هي مني، وكفى!» # فحملها إبراهيم وخرج وهو لا يصدق أنه نجا من شراك الضحاك، وبعد خروج إبراهيم عاد الضحاك ~~نحو أبي مسلم وانحنى يقبل يديه ثم خرج. # الفصل السابع عشر # | صاحب الخبر # ولبث أبو مسلم هنيهة بعد خروج الضحاك وهو مطرق يفكر فيما سمعه منه، وقد توسم في هذا الرجل ~~غير ما يظهر من مجونه وبلهه، وقال في نفسه: «لا يخلو هذا العربي المهذار من دهاء مستور.» ~~وفكر في أمر جلنار وتعلقها به. وكان قد لحظ ميلها إليه من قبل ولم يعبأ به، فرأى بعد ما ~~سمعه من نصيحة الضحاك أن يغتنم شغفها به لإتمام مقاصده في مهمته. قضى ساعة في نحو ذلك وإذا ~~بالغلام يدخل وقد علق بعنقه جرابا فيه البخور والند، وذر شيئا في الموقد، فلما رآه ~~أبو مسلم تذكر خالدا فصاح فيه: «أين الأمير خالد؟» # فقال: «هو، يا سيدي، في الحديقة يكلم رجلا قادما من سفر.» # فقال: «ادعهما إلي معا.» وقد ترجح عنده أن القادم صاحب الخبر الذي ينتظرونه على مثل ~~الجمر. # وما عتم أن دخل خالد وهو يبتسم ويقول: «لقد جاء صاحب الخبر يا أمير. هل يدخل؟» # قال: «يدخل حالا.» ودعا خالدا للجلوس. وكان أبو مسلم يعتقد في خالد العقل والدهاء، ~~ويخصه بالمشورة، ولا يخفي عنه شيئا. فجلس خالد بجانب أبي مسلم، ثم دخل الرسول وهو لا ~~يزال بملابس السفر عليه العباءة، وعلى رأسه الكوفية فوق القلنسوة. وقد تجمدت العباءة مما ~~تعرضت له من الأمطار والعواصف خلال الليلة الماضية. فلما دخل ألقى التحية ووقف، فقال أبو ~~مسلم: «لعلك هنا من زمن طويل؟» # قال: «منذ ساعة أو ساعتين.» # قال أبو مسلم: «وما الذي أخرك عن الدخول علينا؟» # قال: «كنت في انتظار الإذن.» # قال أبو مسلم: «ليس على صاحب الخبر من حرج، ولا ينبغي أن يؤخر إذنه.» والتفت إلى خالد ~~كأنه يستطلع رأيه في ذلك، فأجاب خالد بإشارة من رأسه أن ذلك هو الصواب. ثم أمر حاجبه أن ~~يغلق الباب ويخرج، وأشار إلى الرسول أن يجلس، ms046 فجلس متأدبا، فقال له أبو مسلم: «ما خبرك؟ ~~وكيف فارقت مرو؟» # قال: «فارقتها والحصار شديد عليها، والأعداء محدقون بها.» # قال أبو مسلم: «أظنك تعني ابن الكرماني؟» # قال: «أعنيه وأعني شيبان الخارجي، فإنهما يقاتلان معا نصر بن سيار؛ صاحب مرو. وكل ~~منهما يضمر السوء لصاحبه.» # فقال خالد: «وكيف ذلك وعهدي بالكرماني أنه دخل مرو وأخرج نصرا منها؟» # قال الجاسوس: «نعم يا مولاي، قد كان ذلك، ولكنه لم يدم، ولكي يتضح لكم الواقع استأذن ~~الأمير ببعض التفصيل.» # قال أبو مسلم: «قل ولا توجز.» # قال: «لا يخفى على مولاي أن أمر بني أمية قد أخذ في الضعف منذ عدة سنين، وإنما بقي الحكم ~~في أيديهم تهيبا من اسم الخلافة واحتراما للدين، فلما أفضت الخلافة إلى مروان بن محمد، ~~واختلف أهله في بيعته، وانتقضوا عليه؛ تجرأ الناس على مخالفته. وبعد أن كانت الأحزاب نائمة ~~أو ساكنة هبت عليه دفعة واحدة؛ فقام الخوارج وغيرهم ممن يطمعون في السلطة لأنفسهم، ومنهم ~~الكرماني. وللكرماني - أيها الأمير - حديث طويل مع نصر بين سيار؛ أمير مرو. هل أقصه ~~عليكم؟» # قال: «لا بد من ذلك؛ لأن التفصيل يهدينا إلى مخارج الأمور ومداخلها.» # قال: «لما مات أسد بن عبد الله؛ والي خراسان، منذ عشر سنين، استشار هشام بن عبد الملك ~~(الخليفة يومئذ) بعض خاصته فيمن يوليه مكانه، فعرض عليه بعضهم أن يولي الكرماني - وهو من ~~رجال الدولة، وأهل النجدة والحزم - فأعرض عنه هشام وقال: «ما اسمه؟» قال: «جديع بن علي.» ~~فقال هشام: «لا حاجة لي به.» لأنه تطير من اسمه، فعرض عليه غيره وغيره حتى استقر الأمر ~~لنصر بن سيار؛ والي خراسان الآن. فكأن الكرماني أسر ذلك في نفسه. # فلما مات الوليد بن يزيد بن عبد الملك وخلا كرسي الخلافة، واختلف عليها بنو مروان، وحدثت ~~الفتنة، ونهض كل ذي سلطان يسعى إلى نفسه؛ اغتنم الكرماني هذه الفرصة، وأظهر الخلاف لنصر بن ~~سيار. ولا يخفى على مولاي أن الرجل إذا قام يطلب سلطة اعتمد على حزب من الأحزاب، والكرماني ~~وإن كان اسمه ms047 يدل على أنه فارسي من كرمان، إلا أنه لقب بذلك لأنه ولد في كرمان، ولكنه ~~عربي من بني أزد؛ وهم يمنية، فاستنصرهم فنصروه على ابن سيار؛ لأن رجاله كلهم مضرية من عرب ~~الحجاز، والخلاف بين العرب اليمنية والمضرية قديم، ولا يزال شديدا، وسيكون من أكبر أسباب ~~سقوط العرب على الإجمال. # وكان أهل خراسان أنفسهم منقسمين فيما بينهم؛ لأن بعضهم يمنية، والبعض الآخر مضرية (أو ~~نزارية)، فلما مات الخليفة، كما قدمت لكم، نهض من هذين الحزبين من يطلب الخلافة لبعض بني ~~مروان غير مروان بن محمد، وفي جملتهم عرب خراسان؛ فقد اختلفوا فيما بينهم لهذا السبب. فاهتم ~~نصر بن سيار بالتوفيق بينهم، فلما أعياه ذلك منع عنهم العطاء. فلما كان في بعض الأيام - وقد ~~وقف في المسجد يخطب - نهض الناس وطلبوا منه أعطياتهم، فصاح فيهم: «إياكم والمعصية، وعليكم ~~بالطاعة والجماعة.» فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، وثارت الأفكار، فغضب نصر فألقى عليهم ~~خطابا لا يزالون يتناقلونه إلى اليوم، قال في جملته: «ما لكم عندي من عطاء. كأني بكم وقد ~~نبع من تحت أرجلكم شر لا يطاق، وكأني بكم مطروحين في الأسواق كالجزر المنحورة. إنه لم ~~تطل ولاية رجل إلا ملوها، وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحور العدو؛ فإياكم أن يختلف فيكم ~~سيفان. إنكم ترشون أمرا تريدون به الفتنة، ولا أبقى الله عليكم. لقد نشرتكم وطويتكم فما ~~عندي منكم إلا عشرة، وإني وإياكم كما قيل: # استمسكوا أصحابنا بحذركم # فقد عرفنا خيركم وشركم # فاتقوا الله؛ فوالله لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنين أحدكم أنه ينخلع من ماله وولده. يا ~~أهل خراسان، إنكم قد غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة، ثم تمثل بقول النابغة ~~الذبياني: # فإن يغلب شقاؤكمو عليكم # فإني في صلاحكمو سعيت» # فعلم الكرماني بذلك الخلاف - وكان نصر قد عزله من منصب كان فيه من قبل - فشاور الكرماني ~~أصحابه في القيام فوافقوه على أن يكاتبوا من في مرو من اليمنية ويستنجدوهم. وقد أخبرني رجل ~~من خاصة ابن سيار أن المضرية أشاروا على نصر أن يقتل ms048 الكرماني، وقالوا له: «إن هذا الرجل ~~يفسد عليك أمرك، فأرسل إليه فاقتله أو احبسه.» فلم يصغ لرأيهم وقال: «لا، ولكن لي أولادا ~~ذكورا وإناثا، فأزوج بني من بناته، وبناتي من بنيه.» قالوا: «لا.» فقال: «فأبعث إليه ~~بمائة ألف درهم، وهو بخيل؛ فلا يعطي أصحابه منها فيتفرقون عنه.» قالوا: «لا، هذه قوة ~~له.» # وطال الجدال بينهم حتى قالوا له أخيرا: «إن الكرماني لو لم يقدر على السلطان والملك إلا ~~بالنصرانية واليهودية لاعتنقهما.» فلما رأى نصر إلحاحهم عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ~~ليأتيه به، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده، فمنعهم الكرماني من ذلك وسار مع صاحب الحرس إلى ~~نصر وهو يضحك، فلما دخل عليه قال نصر: «يا كرماني، ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر بقتلك ~~فراجعته، وقلت شيخ خراسان وفارسها، فحقنت دمك؟» قال: «بلى.» قال: «ألم أغرم عنك ما كان ~~لزمك من الغرم وقسمته في أعطيات الناس؟» قال: «بلى.» قال: «ألم أرتش ابنك عليا على كره ~~من قومك؟» قال: «بلى.» قال: «فبدلت ذلك إجماعا على الفتنة.» فقال الكرماني: «لم يقل ~~الأمير شيئا إلا وقد كان أكثر منه، وأنا لذلك شاكر، وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت، ~~فليتأن الأمير؛ فلست أحب الفتنة.» ثم أمر نصر بضربه وحبسه في القهندز (قلعة مرو) سنة ~~126ه. وتكلمت الأزد بشأنه فقال نصر: «إني حلفت أن أحبسه ولا يناله سوء، فإن خشيتم عليه ~~فاختاروا رجلا يكون معه.» فاختاروا رجلا اسمه يزيد النحوي أقام معه، ولكن ذلك الحبس لم ~~يطل وقته؛ فإن رجلا من أهل نسف فاوض أهل الكرماني على إخراجه بحيلة لطيفة. وذلك أنه أتى ~~مجرى الماء في القهندز فوسعه، وأدخل الكرماني في السرب فخرج بكل جهد وركب فرسه والقيد في ~~قدميه، فأصبح الكرماني بعد ذلك من ألد أعداء نصر، وندم هذا على استبقائه حيا. وتوسط الناس ~~بينهما، وطلبوا إلى نصر أن يؤمنه ولا يحبسه فأمنه، ولكنه لم يكن يأمنه، فكان يدخل ~~الكرماني الجامع للصلاة ومعه 1500 رجل وأكثر، فيصلي خارج المقصورة، ثم يدخل ms049 على نصر في ~~المقصورة فيسلم عليه ولا يجلس، ثم ترك زيارة نصر وأظهر الخلاف، فبعث إليه نصر من يستقدمه ~~ويعتذر إليه عن حبسه، فأبى وأظهر الجفاء، فأصبح وجوده بلية على نصر.» # الفصل الثامن عشر # | الحارث بن سريج والكرماني # وكان صاحب الخبر يتكلم وأبو مسلم صامت يحدق بعينيه، ويتفرس في الرجل كأنه يستنزل الكلام ~~من صدره، وهو يتأثر من مطاولة نصر للكرماني، وتصور نفسه في موضع نصر قبل الانتظار. فلما بلغ ~~الرجل إلى قوله: «وإن وجود الكرماني أصبح بلية على نصر.» صاح أبو مسلم: «ذلك جزاؤه على ضعفه ~~وتردده - قبحه الله - لماذا لم يقتله ويكفي نفسه مئونة الحذر منه؟ أطال الله بقاء الإمام، ~~وأيد دعوته. إن في وصيته ما يغنينا عن هذه المطاولة؛ من شككت فيه فاقتله، والسلام.» قال ~~ذلك وهو يعبث بشعرات من لحيته وخالد قد تهيب لما ظهر من تحمسه، ثم قال أبو مسلم للجاسوس: ~~«ثم ماذا؟» # قال: «وما زال الكرماني حتى حارب نصرا وأخرجه من مرو قهرا في العام الماضي، أو الذي ~~قبله، ولكنه أنقذه من الحارث بن سريج.» # فقطع خالد كلامه قائلا: «أنا أعرف الحارث هذا؛ فقد كان في بلاد الترك وأبلى بلاء حسنا، ~~وكان بينه وبين نصر خلاف، فخالفه واشتد الجدال، ورضي نصر أن يحكم بعض الوجهاء، ولم يتم ~~ذلك.» ثم التفت خالد نحو أبي مسلم وقال: «والحارث المذكور يزعم أنه صاحب الرايات ~~السود.» # فنظر أبو مسلم إليه نظرة استغراب، ثم تكلم الرسول قائلا: «ولكن نصرا لم يصدقه، فأرسل ~~إليه يقول: «إن كنت تزعم أنكم تهدمون سور دمشق وتزيلون ملك أمية؛ فخذ مني خمسمائة رأس ~~ومائتي بعير، واحمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب وسر. فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إني ~~لفي يدك، وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك.» فأجابه الحارث: «قد علمت أن هذا حق، ولكن لا ~~يبايعني عليه من صحبني.» فقال نصر: «فقد ظهر أنهم ليسوا على رأيك، فاذكر الله في عشرين ~~ألفا من ربيعة واليمن يهلكون فيما بينكم».» # فقطع أبو مسلم ms050 كلام محدثه وقال وهو يهز رأسه: «إنهم يخشون أصحاب الرايات السود، ~~ويسيرونهم، ويرون بلاءهم فيهم، فهؤلاء لا يترددون في حكم، ولا يصبرون على ضيم، بل يقتلون كل ~~من يشكون فيه.» وسكت. # فعاد الرجل إلى حديثه فقال: «ولم يكن ذلك ليثني الحارث عن عزمه.» فرأى نصر أن يضرب به ~~الكرماني فقال له: «إن كنت تزعم ما تقول فابدأ بالكرماني، فإن قتلته فأنا في طاعتك.» فلم ~~يفعل. # وبالاختصار، فإن الحارث تطاول على نصر حتى صاروا يقرءون سيرته في أسواق مرو، وفي المساجد ~~يدعون الناس إلى بيعته، حتى قرءوها مرة على باب نصر نفسه، فهاج الناس والتحم الفريقان. ~~وكانت معركة هائلة، فلم ير نصر إلا أن يستنجد بالكرماني، فبعث إليه فلم يجبه. وكانت معركة ~~معقدة؛ كل منهم يحارب الآخرين، وانتهت بفرار نصر من مرو، وتغلب الكرماني عليها. فلما رآه ~~الحارث قد فاز بعث إليه يطلب أن يكون الأمر شورى بينهماأ فلم يقبل الكرماني، فاقتتلا، فقتل ~~الحارث وتفرقت قواته، وصارت قبائل اليمن كلها مع الكرماني، وقد انتصروا على المضرية؛ أصحاب ~~نصر، فاستبدوا بهم، وانتقموا منهم، وهدموا منازلهم. وكان الحارث نفسه مضريا، فلما قتل ~~قال فيه نصر: # يا مدخل الذل على قومه # بعدا وسحقا لك من هالك # شؤمك أردى مضرا كلها # وخر من قومك بالحارك # ما كانت الأزد وأشياعها # تطمع في عمر ولا مالك # ولا بنو سعد إذا ألجموا # كل طمر لونه حالك # فقال أبو مسلم: «فالكرماني الآن صاحب مرو. وأين نصر؟» # قال: «لم تطل إقامة الكرماني في مرو؛ لأن المضرية اشتد ساعدهم بمقتل الحارث، وانضم إليهم ~~جماعة كبيرة من رجال الحارث، فعاد نصر إلى مرو وخرج الكرماني منها وعسكر خارجها.» # فقال أبو مسلم: «فالكرماني الآن محاصر مرو؟» # قال: «وليس وحده.» # فقال أبو مسلم: «ومن معه؟ أظنك تعني شيبان الحروري؟» # قال: «نعم يا مولاي، وليس شيبان بالشيء القليل؛ لأنه يرى رأي الخوارج، فهو مخالف لنصر؛ ~~لأنه من عمال مروان، والخوارج لا يعترفون بخلافة مروان. وقد اتفق مع الكرماني على قتال نصر؛ ~~لأن الكرماني يمني ونصر ms051 مضري - كما تعلمون - فاتفق الاثنان على نصر.» # فقطع خالد كلام الرجل وخاطب أبا مسلم بالفارسية بما معناه: «ولا يخفى عليك - أيها الأمير ~~- أن هذين لا يكرهان دعوتنا؛ لأننا ندعو إلى خلع مروان أيضا.» # فأجابه أبو مسلم: «سأذيقهم طعم الحزم والعزم، وسأريهم كيف تؤكل الكتف.» # ثم التفت إلى الرسول وقال: «فالآن مرو محاصرة بجند الكرماني وشيبان؟» # قال: «نعم يا مولاي، وهما على وفاق.» # قال أبو مسلم: «وهل تعرف عدد رجالهما؟» # قال: «لا أعرف ذلك تماما، ولكنهم يزيدون على بضعة آلاف.» # فتحرك أبو مسلم في مجلسه كأنه يتحفز للنهوض، ففهم الرسول أنه يريد خروجه، فنهض ~~وخرج. # الفصل التاسع عشر # | الاستعداد # وظل أبو مسلم وخالد في خلوة، فقال أبو مسلم: «علينا أن نحارب هؤلاء جميعا: الكرماني، ~~وشيبان، ونصر.» # فسكت خالد ولم يجب، فأدرك أبو مسلم غرضه فقال: «كأني بك تقول وكيف نحارب هؤلاء وليس معنا ~~من الرجال أحد. تمهل وسترى كيف يأتيك الناس مئات وألوفا. كيف حال الطقس يا ترى؟» قال ذلك ~~ونهض ليرى الجو، فمشي معه خالد إلى الباب، فأطلا على الحديقة، فرأى الشمس مشرقة وقد صفا ~~الجو، وأقبل الدفء، وأخذت المياه في الجفاف، فقال أبو مسلم: «نستطيع السفر الليلة إن ~~شئنا.» # فقال خالد: «إذا رأى الأمير أن نبيت الليلة هنا ونرحل في الصباح كان ذلك أقرب إلى ~~الصواب.» # قال: «لا بأس من ذلك، وأرى أن نبعث إلى كبار النقباء نخبرهم بعزمنا، ونشاورهم في أمرنا، ~~وفي الخطة التي يجب أن نعمل بها قبل الإقبال على مرو؛ لأننا في حاجة إلى الرجال والأموال ~~كما ذكرت، وإن كنت على يقين من نجدة كل دهاقين خراسان ومن يقول بقولهم. وهم ليسوا في خصام ~~بينهم مثل خصام العرب اليمنية والمضرية، بل هم متفقون على النقمة على العرب كافة لما ~~يسومونهم من الظلم والذل.» # فقال خالد: «رأيك هو الصواب. ألا ترى أن نكاتب الدهاقين ونستنجد بهم، ونبث الدعاة قبل ~~نهوضنا من هنا؛ حتى إذا نهضنا إلى مرو لا يطول انتظارنا للنجدة، ثم تتوالى علينا النجدات، ~~بإذن الله؟» ms052 # قال أبو مسلم: «سنكاتب الدهاقين ونبث الدعاة متى خرجنا من هذا المكان، وسننزل في أقرب ~~القرى إلينا لنقيم فيها حينا لهذا الغرض، ثم نرحل إلى سفيذنج ننزل فيها ضيوفا على صاحبنا ~~سليمان بن كثير ونكون تجاه مرو.» # فلما سمع خالد اسم ابن كثير تذكر ما في قلب أبي مسلم من هذا الرجل مع ما يظهره من ~~احترام له؛ لأن ابن كثير كان يدعو لأهل البيت قبل ظهور أبي مسلم، وقد أبلى في ذلك بلاء ~~حسنا، ونال مقاما رفيعا. فلما بعث إبراهيم الإمام أبا مسلم إلى خراسان وعهد برياسة ~~الدعاة إليه لم يقبله سليمان بن كثير؛ لصغر سنه، وقد كبر عليه أن يكون تحت أمره. وكان في ~~جملة الدعاة رجل اسمه أبو داود؛ أشار على الدعاة بقبول أبي مسلم رئيسا عليهم، وحاجهم بما ~~لا محل له هنا، فقبلوه. وكان قد بلغ أبا مسلم ما قاله ابن كثير فيه، فأسرها في نفسه وعرف ~~فضل أبي داود، فلما سمع خالد بن برمك أبا مسلم يذكر ابن كثير تذكر هذه الحادثة، ولكنه ~~تجاهل وأسرع إلى الجواب لئلا ينتبه أبو مسلم لما جال في خاطره؛ لأنه كان دقيق الفراسة، ~~فقال خالد: «حسنا رأيت أيها الأمير، فلنتأهب للمسير، وفي الغد نسافر إلى أقرب القرى ~~إلينا؛ وهي (فنين) على ما أظن.» # قال: «نعم، هي بعينها؛ فابعث إلى النقباء أن يكونوا على أهبة الرحيل في غد، ولا بد لنا ~~قبل الرحيل من وداع دهقاننا؛ لنوصيه بمخابرة أصدقائه من الدهاقين في مرو؛ ليمدوا لنا يد ~~المساعدة بالمال أو الرجال. والله الموفق.» # فأشار خالد إشارة الاستحسان وخرج. # وأما جلنار فقد تركناها بعد خروج ريحانة من عندها وهي مضطربة البال، فقضت تلك الليلة ~~قلقة، وكلما تصورت ذهاب الضحاك لمقابلة أبي مسلم وتقديم الهدية إليه يخفق قلبها، فلم تنم ~~إلا قليلا، فأصبحت منحرفة الصحة لعظم ما قاسته من القلق والاضطراب في الأمس من قلة ~~النوم، فظلت على فراشها تتناولها الأفكار المتضاربة، وتخشى أن يبكر والدها إليها ويخاطبها ~~في شأن خطبة ابن الكرماني ms053 وهي تحب الاطلاع على ما يكنه قلب أبي مسلم أولا. فلما تراكمت ~~عليها الأفكار شعرت بالحاجة إلى ريحانة واستبطأتها، فصبرت نفسها ومكثت في الفراش تارة ~~تجعل اللحاف فوق رأسها للدفء أو الاستغراق في التفكير، وتارة يضيق صدرها فتزيحه إلى أسفل ~~كتفها وتتنهد وهي تتوقع مجيء أحد ثلاثة: إما أن يأتي والدها بخبر الكرماني، أو تأتيها ~~ريحانة وحدها تنبئها بإرسال الهدية، أو تأتيها بالضحاك بعد الفراغ من المهمة. # الفصل العشرون # | الوساطة # قضت في ذلك عدة ساعات وإذا بريحانة تقرع الباب وتدخل، فلما رأتها جلنار جلست في الفراش ~~وتفرست في وجهها تستطلع ما يتجلى فيه من الأنباء، فلما رأتها تبتسم انشرح صدرها، ولكنها لم ~~تتمالك عن السؤال عما فعلته، فأجابت: «قد أرسلنا الهدية وهي جميلة و...» # قالت جلنار: «هل عاد الضحاك؟» # قالت: «كلا يا مولاتي لم يعد. ألا تريدين الطعام؟» # فقالت جلنار: «لا أشعر بحاجة إليه. دعينا من الأكل وأخبريني عما تتوقعينه من ~~أمرنا.» # قالت: «خيرا، إن شاء الله، ولكن.» وسكتت. # فانشغل خاطر جلنار وقالت: «ولكن ماذا؟» # قالت: «جئتك بأمر من والدك.» # فتصاعد الدم إلى وجهها بغتة وتسارع خفقان قلبها وقالت: «وما هو هذا الأمر؟» # قالت: «لا بأس عليك يا سيدتي. لا تخافي؛ فإني لا أدخر وسعا في كل ما يرضيك ويريحك. أما ~~مولاي الدهقان فقد استقدمني في هذا الصباح وأسر إلي أمرا أوصاني ألا أبوح به إليك، ~~ولكنني سأخالفه في ذلك. كوني في راحة، وسأقص عليك الخبر كما كان: بعث إلي في ساعة ~~مبكرة، فلما وقفت أمامه مد يده إلى خاتم كان أمامه ودفعه إلي. وهو هذا (وأرتها خاتما ~~من الذهب فيه حجر من الفيروز) وقال: «هذا هدية لك.» فتناولته وقبلت يده، ثم ذكر لي مقدار ~~حبه لك، ورغبته في هنائك، وسعيه في سعادتك، وأنه استغرب تمنعك في مسألة ابن الكرماني إلى ~~أن قال: «إنه نظرا لما يعلمه من دالتي عليك، عهد إلي أن أقنعك بقبوله؛ لأن الكرماني ~~أمير، وهو صاحب الأمر والنهي و... و... إلخ».» # فقطعت جلنار كلامها قائلة: «وماذا ms054 قلت له؟» # قالت: «طاوعته في بادئ الأمر، وأبديت إعجابي برأيه - ولا يمكنني غير ذلك - حتى إذا آنس ~~في الموافقة قلت له: ولكني لا أرى أن تعجل عليها في الذهاب إليه، فما لا يقضى اليوم إلا ~~بالعنف والضغط قد يقضى غدا بالرضى والقبول، فأرى ألا تخاطب مولاتي الدهقانة في هذا الشأن ~~إلا بعد بضعة أيام ريثما أكلمها وأقنعها. قلت له ذلك يا سيدتي لنرى ما يبدو من ضيفنا.» ~~وضحكت تخفيفا لما في قلب جلنار، فابتسمت هذه والانقباض يغشى الابتسام، ولكنها استحسنت ~~حيلة ريحانة. ثم قالت ريحانة: «وقد جاريت سيدي الدهقان في قوله حتى أجد سبيلا لخدمتك بقدر ~~الإمكان، وإلا فإنه فاعل ما يريد، ولا يحتاج إلى أكثر من أن يأمر؛ فلو قال لك اذهبي الآن ~~إلى الكرماني لا أظنك إلا ذاهبة.» # فقالت جلنار: «أذهب، ولكن.» # قالت: «تذهبين مكرهة، ولا يدفعك أدبك على مخالفة والدك، فضلا عن غضبه الذي ربما حمله ~~على إجبارك بالقوة.» # فصمتت جلنار وظلت مطرقة، وأرادت أن تعود إلى السؤال عن الضحاك، ولكن الحياء منعها من ~~تكرار السؤال في هذا الموضوع، ولم يفت ريحانة ذلك فوقفت وهي تقول: «هلم بنا إلى المائدة، ~~ومتى تناولت الطعام ننظر ماذا يكون.» # فنهضت، وأخذت ريحانة في تبديل ثيابها وتطييبها وتصفيف شعرها وجلنار لا تنتبه، حتى أتتها ~~بالمرآة وهي تقول: «انظري إلى هذا المحيا وقولي سبحان الخلاق.» # فحولت جلنار وجهها عن المرآة كأنها لا تريد أن ترى صورتها وقالت: «لا تخدعيني بهذا ~~الإطراء يا ريحانة. لو كان في وجهي جمال لما كنت في هذا الشقاء.» وغصت بريقها. # فابتدرتها ريحانة قائلة: «لا تيأسي يا مولاتي. هدئي من روعك، وهلم بنا إلى تناول ~~الطعام.» قالت ذلك وخرجتا معا، وجلنار تنظر نحو الرواق المؤدي إلى الحديقة لعلها تجد ~~الضحاك عائدا، فسمعت ريحانة تقول لها: «إذا كلمك مولاي الدهقان في أمر الكرماني أو ابنه ~~فلا تبدي تمنعا.» # فأشارت جلنار بهزة من رأسها أن نعم وهي لا تزال تنظر نحو الرواق. ومع كثرة من في تلك ~~الدار من الخدم ms055 والجواري بين ذاهب وغاد لم تنتبه لأحد منهم؛ لاتجاه جوارحها جميعا نحو ~~جبهة واحدة، فوصلت إلى غرفة الطعام ولم تر أحدا، فجلست إلى المائدة وعليها ألوان الأطعمة ~~الباردة والساخنة، والفاكهة، فتناولت القليل منها وهي لا تتكلم، وكلما سمعت صوتا يشبه وقع ~~أقدام الضحاك التفتت نحو الباب، وريحانة تلاحظ حركاتها وتتألم لقلقها، وتحاول عبثا أن ~~تشغلها بالحديث، ثم تناولت تفاحة وقدمتها إليها وهي تقول: «ما أشبه لون هذه التفاحة بلون ~~خديك.» ودفعتها إليها، فأخذت جلنار التفاحة وقضمت قطعة منها بغير انتباه، ثم سمعت نقرا على ~~الباب فأصاخت بسمعها والقطعة في فمها، وقد أمسكت عن المضغ ووقفت لتفتح الباب، فسبقتها ~~ريحانة إليه وفتحته، فسمعت جلنار ضحك الضحاك ولم تر وجهه، فاصطبغ وجهها بالاحمرار وكادت ~~تشرق بريقها، ولكنها تجلدت وأخذت في مضغ التفاحة وهي تتشاغل بذلك عما كاد يغلب عليها من ~~القلق، ونظرت إلى الضحاك وقد دخل وهو يتأدب في مشيته، فابتدرته ريحانة قائلة: «ما ~~وراءك؟» # فضحك وتباله وتكتف ووقف، فانتهرته ريحانة قائلة: «لا تتباله. أخبرنا عاجلا بما ~~فعلته.» # قال: «دعيني أضحك فإني مسرور.» # فأشرق وجه جلنار واستبشرت، ونظرت إليه وهي تبتسم ولسان حالها يقول: «أخبرنا بهذه ~~البشرى.» # فالتفت إلى جلنار وقال: «أبشرك يا مولاتي أن عند صاحبنا الخراساني أضعاف ما عندك من.» ~~وتنحنح. # فلم تتمالك جلنار من الضحك بغتة، ثم انتبهت لما في ذلك من الخفة فأمسكت نفسها، وقالت: ~~«بارك الله فيك. لقد أتعبناك كثيرا، ونرجو أن نكافئك. قص علينا خبرك؟» # الفصل الحادي والعشرون # | خدعة # قال وهو يلتفت يمينا وشمالا كأنه يحاذر أن يسمعه أحد: «ذهبت إلى أبي مسلم بالهدية ~~فقبلها وكأنه كان على موعد من مجيئي بها، ولم يشأ أن يخاطبني في حضرة رفيقه ابن برمك، فأشار ~~إليه فخرج، فلما خلوت به سألني عنك، وتلطف في السؤال عن حالك فكدت أطير من ~~الفرح.» # فلما سمعت جلنار قوله تسارعت ضربات قلبها وكاد السرور يخرج بها عن حدود الحشمة، وكادت ~~ترقص طربا لو لم تتذكر أنها أمام ذلك الخادم، فتجلدت ونظرت إلى ريحانة ms056 كأنها تقول لها ~~استزيديه بيانا، فقالت ريحانة: «ماذا قال لك؟ هل لمست فيه ميلا إلى مولاتنا؟» # قال: «قلت إني رأيت عنده أضعاف ما عندها، وقد شهدت له بسلامة الذوق؛ لأنه قدر هذا الجمال ~~حق قدره.» قال ذلك وهو ينظر إلى الأرض مطرقا من الحياء، فخجلت جلنار وقد غفرت له جرأته في ~~سبيل ما جاءها به من البشرى، وظلت ساكتة، فقالت ريحانة: «دعنا من التلميح وقل صريحا ما ~~الذي قال لك؟» # قال: «قال لي، قال لي. إني لا أذكر كلامه حرفيا، ولكني فهمت منه أن قلبه تعلق بمولاتي، ~~وكان يخشى ألا يكون عندها مثل ما عنده؛ ولهذا السبب كان يظهر الإعراض في أثناء تلك الجلسة ~~بالأمس، لكنه أوصاني وبالغ في التحذير في إظهار ذلك لمولاي الدهقان؛ لغرض في نفسه. وهو سر ~~عميق أزهق روحي قبل إطلاعي عليه.» # فقالت ريحانة: «وما هو ذلك السر؟» # فوجم الضحاك وقطب وجهه كأنه ندم على ما فرط منه، وتراجع نحو الباب، فابتدرته ريحانة ~~قائلة: «ما بالك تتراجع؟ لعلك ندمت على صدق خدمتك؟» # فوقف وتشاغل بإصلاح عمامته، وقد حول وجهه إلى جلنار وجعل ذراعه بين عينيه ووجه ريحانة ، ~~وأشار إلى جلنار بجفنيه وعض على شفته السفلى، ففهمت جلنار أنه لا يريد أن يقول ذلك لريحانة، ~~فابتدرتها قائلة: «دعيه. إني أريد أن أسأله ذلك سرا.» # فرجعت ريحانة إلى مقعدها وسكتت، وساد الصمت المكان لحظة، ثم أدركت ريحانة أن الظرف يستدعي ~~خروجها فخرجت. # فلما خلت جلنار بالضحاك نظرت إلى وجهه مستفهمة، فدنا منها ثم التفت إلى الباب الذي خرجت ~~منه ريحانة؛ ليتأكد من خروجها، وقال: «إني سأبوح لك بسر عاهدني أبو مسلم أن أنقله إليك، ~~وطلب إلي أن تعاهديه على كتمانه عن كل إنسان، فهل تعديني بذلك؟» # فقالت وقد مدت عنقها نحوه: «نعم أعاهدك. قل.» # قال: «هو يحبك يا سيدتي كثيرا، ولكنه عاهد نفسه على ألا يقرب النساء ولا يعقد عقدا ~~حتى يفرغ من مهمته، ويخرج من حربه فائزا بعد أن يهلك أعداءه. فهمت؟» # فأطرقت وهي تفكر فيما ينطوي ms057 عليه ذلك القول من مغزى، فلم تفهم مراده تماما فقالت: «أفصح ~~يا رجل. قل كلمة أخرى.» # قال: «أنت تعلمين أن أبا مسلم قائم بهذه الدعوة، وأعداؤه كثيرون، وأكبرهم ابن الكرماني ~~ونصر بن سيار، ولا يضمن الفوز إلا بعد قتلهما. وقد أخبرته أن الكرماني خطبك لابنه فسر ~~وابتهج.» قال ذلك وتشاغل بحك ذقنه وضحك. # فأطرقت وأعملت فكرتها، وقد دهشت لذلك التناقض: كيف أن أبا مسلم يحبها، وكيف أنه سر ~~بخطبتها لابن الكرماني؟ فرفعت بصرها إلى الضحاك وفي عينيها ما يشير إلى التساؤل، فضلا عن ~~مظاهر الاضطراب، ففهم سبب دهشتها فقال: «لم يسره أن تكوني للكرماني، بل سره أنك ذاهبة ~~إليه وأنت تريدين أبا مسلم، وتتمنين أن ينتصر على أعدائه.» # فأدركت جلنار أن أبا مسلم يرجو منها أن تساعده على تحقيق غرضه وهي عند الكرماني، ولا يكون ~~ذلك إلا بمساعدته على قتله وقتل ابن سيار، فأكبرت الطلب؛ لأنه لا يتم لها إلا بخيانة ~~الكرماني بعد أن تصير زوجته، فضلا عن الإقدام على القتل، وهي لم تتعوده، فوجمت ولبثت ~~صامتة وقد حارت في أمرها، وأعظمت أن تصرح للضحاك بما فهمته من كلامه، وأصبحت بين عاملين ~~قويين: أحدهما يدفعها إلى مرضاة حبيبها بأية وسيلة كانت، والآخر يمنعها من الاشتراك في قتل ~~رجل سيعد نفسه زوجها، ولا تستطيع الاشتراك في قتله إلا وهي في بيته، فشعرت للحال بأنها في ~~شدة وقلق لا تنجو منهما إلا باعتزام أحد الأمرين: إما أن تقبل الكرماني على أمل أن تنال ~~أبا مسلم بالاشتراك في قتله، أو تأبى ذلك الرأي فتخسر أبا مسلم. # قضت مدة وهي تتردد في الحكم بين الوجهين، فأتعبها التردد، وأحست بصداع شديد، وضاق صدرها، ~~فلم تصبر عن الوقوف بغتة والضحاك يرقب حركاتها، ويتوقع أن يسمع منها جوابا، فلما رآها تقف ~~علم أنها في حيرة شديدة فقال لها: «لا تتعجلي في الحكم يا سيدتي. تمهلي في التفكير؛ فإن ~~الطلب شاق. وعلى كل حال، لا سبيل إلى أبي مسلم إلا بما ذكرته لك؛ لأن الرجل شديد التمسك ~~بعزمه، ms058 ولا يرى العدول عنه إلى سواه.» # فأرادت أن تستزيده إيضاحا فقالت: «لم أفهم المراد تماما. لماذا لا تعيد علي قوله ~~حرفيا؟!» # قال: «لو أردت ذلك لطال بي المقام، غير أني أقول لك ما قد فهمته منه إجمالا؛ هو يحبك، ~~ولكنه عاهد نفسه ألا يكتب كتابا إلا بعد الفراغ من حربه وهو فائز، ولكنه لا يرجو الفوز إلا ~~بالتغلب على هذه الرجلين. وقد يمكن التغلب عليهما بدون قتلهما، وقد لا يكون إلا بقتلهما، ~~فإذا كنت أنت عند أحدهما كنت عونا له على ذلك إذا أردت، وإلا فالرأي لك. فكري في الأمر ~~على مهل.» # فأحست جلنار بعجزها عن اتخاذ قرار على الفور، ورأت تأجيله ريثما تحدث ريحانة في شأنه، ~~رغم ما وعدت به من كتمانه عنها. والإنسان إذا أعجزه الحكم في مسألة أحس بميل شديد إلى ~~مكاشفة بعض أخصائه بها، ولا عبرة بما وعد على الكتمان. وقد يكون الإلحاح عليه في كتمان السر ~~من بواعث ترغيبه في إفشائه، وخصوصا النساء؛ فإنهن أقل صبرا على حفظ الأسرار من الرجال بما ~~فطرن عليه من ضعف المزاج، ولا سيما فيما يتعلق بالحب وبأسبابه. ويغلب أن يكون إفشاؤهن للسر ~~على سبيل المسارة، فإذا عهدت إلى إحداهن بسر وأوصيتها بكتمانه، فإنها تخبر به صاحبتها ~~سرا، وهذه تنقله بالمسارة إلى صاحبة أخرى. ولا نبرئ الرجال من مثل ذلك، وإن كانوا ~~أصبر على الكتمان منهن، وقد قالوا: «كل سر جاوز الاثنين شاع.» والحقيقة «أن كل سر جاوز ~~الشفتين شاع.» يقال ذلك في الأسرار على العموم، بغض النظر عن مصلحة أصحابها في إفشائها. وقد ~~يعذر من يفشي سرا من أسراره التماسا للمشورة بعد أن يضيق صدره، ويعجز عن الحكم فيه، كما ~~أصاب عروس هذه الرواية، فإنها اتخذت ريحانة خزانة لأسرارها منذ أعوام، وهي شديدة الثقة ~~بإخلاصها وتعقلها، فلا لوم عليها إذا كاشفتها بما أضجرها من أمر أبي مسلم في طلبه، كما نقله ~~إليها الضحاك. # الفصل الثاني والعشرون # | الوداع # فلما ضاقت ذرعا عن أن تقطع الأمر برأي أشارت إلى الضحاك بالانصراف، ms059 ومضت إلى غرفتها ~~لتخلو بنفسها؛ لعلها تهتدي إلى حل تلك المشكلة، فأغلقت بابها واستلقت على الفراش وقد ~~استغرقت في الهواجس، فقضت في ذلك ساعة وهي تطوف في عالم الخيال، ثم تعود إلى حيث بدأت حتى ~~ضاق صدرها، فأحست بحاجتها إلى ريحانة وصارت تتوقع مجيئها على مثل الجمر، ثم غلب عليها التعب ~~والقلق وهي مستلقية على الفراش فأحست بالنعاس وشعرت بالبرد، فالتفت باللحاف ونامت، ~~واستغرقت في النوم وقد تركت الباب مغلقا ولم توصده، فجاءت ريحانة لتتفقدها فرأتها نائمة ~~فتركتها ومضت وهي أكثر قلقا منها لاستطلاع ما أسره إليها الضحاك. وكانت على يقين من أن ~~سيدتها لا تكتم عنها شيئا. # وظلت نائمة حتى استيقظت على ضوضاء الخدم عند الغروب، ففتحت عينيها وهي تحسب نفسها في ~~الصباح، فنهضت فرأت ريحانة جالسة بجانب فراشها، فمسحت عينيها وتلفتت حولها فانتبهت إلى ~~الوقت ساعة الغروب، فلما رأت ريحانة قالت لها: «لقد أبطأت وغلب علي النوم.» # قالت: «تخلفت عنك لتستوعبي سرك، ثم جئت فرأيتك نائمة.» # فقالت جلنار: «ما هذه الضوضاء التي أسمعها؟» # قالت ريحانة: «إن الضيوف في القاعة مع مولاى الدهقان، والخدم في خدمتهم.» # فلما سمعت ذلك أجفلت وأحست بميل شديد إلى رؤية أبي مسلم، وأدركت ريحانة غرضها فقالت: «إن ~~مولاي الدهقان سألني عنك، فأخبرته أنك نائمة، فهل تريدين الذهاب إلى القاعة؟» # قالت: «وماذا يفعلون هناك؟» # قالت ريحانة: «أظنهم جاءوا للوداع، وهم على أهبة السفر في صباح الغد.» # فوقفت ودنت من المرآة المعلقة بالحائط لتصلح من شأنها، ولم تصبر على ريحانة لتصلحها، ~~فأسرعت هذه إلى المشط فسرحت شعرها وضفرته، وأتتها بزجاجة الطيب فتطيبت، ولبست ثوبا سماوي ~~اللون، والتفت بشال موشى بالحرير وهي تضطرب من التأثر، وترتعد رعدة الحب، وتتظاهر ~~بأنها إنما ترتعد من البرد، فجاءتها ريحانة بمطرف من الخز التفت به فغطى معظم ~~ثيابها. # ومشت ريحانة بين يديها حتى دخلت القاعة من بابها السري وتنحت ريحانة، وأشرفت جلنار على ~~الجلوس بحيث تراهم ولا يرونها، فرأت والدها جالسا على وسادة في صدر القاعة وبين يديه محجن ~~فيه مسك، ms060 وهو يتشاغل بتفتيت المسك بين أنامله، وقد فاحت رائحته حتى تضوع المكان بها، ورأت ~~أبا مسلم جالسا وقد بدل ثياب السفر التي رأته بها بالأمس، فجعل على رأسه قلنسوة من خز ~~أسود، وفوق ملابسه قباء أسود، فتذكرت ما سمعته عن الشعار الأسود الخاص بأصحاب هذه الدعوة، ~~ورأت خالدا بجانب أبي مسلم بمثل لباسه، وقد جلسا على وسادتين مثنيتين دلالة على علو ~~منزلتهما عند صاحب الضيافة، فوقفت هنيهة وهي لا تمتلك نفسها من الرعدة، فانتبه لها والدها، ~~فناداها وأشار إليها أن تجلس إلى بعض الأساطين، فجلست ولم تتكلم، ولكنها كانت متوجهة بكل ~~جوارحها نحو أبي مسلم لترى ما يبدو منه بعد ما سمعته عنه، فلحظت منه التفاتا لم تعهده من ~~قبل، فانشرح صدرها. وكانوا قد أخذوا بأطراف الحديث قبل وصولها، فخاطبهم والدها بالفارسية ~~قائلا: «أراكم مسرعين في الرحيل عنا! لعلكم لم ترتاحوا إلى ضيافتنا!» # فقال أبو مسلم: «كلا يا حضرة الدهقان، بل نحن لا ننسى حسن وفادتكم، ونتمنى أن يكون سائر ~~الدهاقين مثلكم.» # قال: «لا ريب عندي أنكم ستلاقون من إخواننا الدهاقين كل رعاية، وسيكونون عونا لكم في هذه ~~الدعوة؛ لأنكم إنما تدعون إلى نصرتهم، بل أنتم تسعون في إنشاء دولة سيكون لآل خراسان نفوذ ~~عظيم فيها، فننسى تحكم العرب في شئوننا، واستئثارهم بالأموال دوننا؛ فقد كنا قبلهم - في ~~أوائل دولتهم - نحن أهل السطوة وأصحاب الحكومة، فما زالوا ينازعوننا عليها حتى كادوا يحكمون ~~فينا، ولا يمر يوم لا يأتوننا فيه بضريبة.» # فقال أبو مسلم: «وأظن هذا هو السبب في بقاء معظم الدهاقين على الزردشتية أو ~~المجوسية.» # قال الدهقان: «نعم هذا هو السبب، وأنا أعرف جماعة من هؤلاء لولا ظلم هذه الدولة ~~واستبدادها لاعتنقوا الإسلام، على أن بعضهم هم بالإسلام ثم عدل عنه. ولا ريب عندي أنهم ~~إذا آنسوا من حكامهم رفقا فلن يتخلف أحد منهم عن الإسلام، وأنا أضمن ذلك إذا شئتم.» # قال خالد: «يكفينا من حضرة الدهقان أن يبعث بعض أتباعه إلى من والاه من الدهاقين داعيا ~~لأن يحسنوا الظن ms061 بدعوتنا.» # الفصل الثالث والعشرون # | الدهاء المتبادل # وكان أبو مسلم في أثناء كلام خالد ينظر إلى جلنار من طرف خفي وهي تسارقه النظر، وقد كاد ~~قلبها يطير فرحا حين رأته يبتسم لها، وأصبحت لا تبالي بما قد يحول بينها وبينه من المشاق، ~~واستغربت ترددها في أمره في أثناء النهار. ولا غرابة في ذلك؛ لأن الإنسان إذا هاجت عواطفه ~~أصابه ضرب من الجنون لا يقدر معه عاقبة ولا يخاف خطرا. والحب سلطان مستبد إذا لم يعترضه ~~العقل ساق صاحبه إلى أكبر الكبائر وهو لا يدري. فكم من أديب عاقل تغافل عقله في ساعة تغلبت ~~فيها عواطفه، فارتكب أمرا جر عليه الخراب أو العار أبد الدهر! وقد كان في حل من ذلك ~~لو استطاع أن يقاوم عواطفه ساعة أو بعض الساعة. ولو أعملت الفكرة في أكثر الجرائم التي ~~يرتكبها البشر، ويشقون بسببها؛ لرأيتها إنما حدثت في مثل تلك الغفلة. فلا غرو إذا هان على ~~جلنار ركوب ذلك المركب الخشن في سبيل إرضاء حبيبها. ولم يدفعها إلى التفاني في ذلك إلا ~~ابتسامة خرقت أحشاءها، وأضاعت رشدها، وهي مع ذلك تتجلد وتتظاهر بخلو الذهن؛ مخافة أن يبدو ~~ذلك لأحد من الحاضرين. # أما أبو مسلم فلما سمع كلام خالد قال: «نعم، يكفينا أن يحسن الدهاقين الظن في دعوتنا. ~~وإذا رضي هؤلاء هان كل عسير، ولم يعد يهمنا جند العرب ولو كثروا، فإن دولتهم آخذة في ~~الزوال.» # فتذكر الدهقان أن هذا التعميم يشمل جند الكرماني؛ لأن جنده من العرب، ولكنهم من عرب اليمن ~~خلافا لجند نصر بن سيار؛ فإنهم من المضرية، فقال: «أظنك تعني عرب مضر؛ لأن عرب اليمن ~~مخالفون لبني أمية.» # فأدرك أبو مسلم أنه يعرض بالكرماني، وتذكر ما سمعه من الضحاك عن خطبة الكرماني لجلنار، ~~فقال: «إن اليمنية ينصرون دعوتنا، ويدعون لإبراهيم الإمام، فهم أعواننا ونحن أعوانهم، وأما ~~إذا وقفوا في سبيلنا ودعوا لأنفسهم أو لرجل آخر، فهم أعداؤنا والسيف بيننا وبينهم.» # فاختلج قلب جلنار لهذا التصريح، وتذكرت شأنها في ذلك فامتقع لونها، فبالغت بالالتفاف ms062 ~~بالشال، وتشاغلت بإصلاح المطرف حول منكبيها، وتنحنحت وهي تتظاهر بسعال داهمها، فأدرك أبو ~~مسلم أنها تخاطبه، فتبسم وتشاغل بحك ذقنه، ثم قال وهو يوجه خطابه إلى الدهقان: «إذا أصبحت ~~مرو فريسة بيننا وبين الكرماني، أو بيننا وبين شيبان، فهي للفائز منا بعد التنازع ~~عليها.» # وكان الدهقان منذ سمع قول أبي مسلم الأول بشأن عرب اليمن يفكر في مصير ابنته إذا تزوجها ~~ابن الكرماني، وهو يعتقد أن الكرماني أقوى وأمنع من أبي مسلم؛ لكثرة جنده واستعداده - وأبو ~~مسلم لم يجتمع عنده من الجند أحد بعد - فعول على أن يمسك الحبل من الطرفين، فإذا انتصر ~~الكرماني كانت ابنته عنده، ونال بالمصاهرة غرضه، وإذا غلب أبو مسلم اطمأن على حياته وأمواله ~~بما أبداه من مسايرته. ولم يكن عازما على نصرته حقيقة، وإنما وعده بالمساعدة خداعا، ~~فقال: «نعم، إن الكرماني مثلنا من حيث مقاومته لبني أمية، ورجاله من القبائل اليمنية، وهم ~~أعداء عرب مضر؛ أنصار بني أمية، ولكن الكرماني عربي الأصل، وإن كان اسمه يوهم غير ذلك، ~~فنخشى إذا فاز ألا يكون لنا في دولته مصلحة. وأما أنتم، فإنكم منا ونحن منكم، ودولتكم ~~دولتنا. نعم ، إن الدعوة باسم خليفة عربي، ولكنه سيكون نصيرنا؛ لأننا نصرناه في دعوته. وزد ~~على ذلك أنه أوصى بإبادة العرب من خراسان على ما سمعناه من وصيته التي بعث بها ~~إليك.» # فلما سمعت جلنار كلام والدها استبشرت، وخيل لها أنه غير رأيه في الكرماني، واختلج ~~قلبها فرحا، وظهر ذلك في وجهها. ولو دخلت في الحديث معهم لما خفي حالها على أبي مسلم، ~~ولكنها كانت صامتة منزوية لا تجرؤ على الكلام؛ لئلا يبدو شيء من عواطفها فيفتضح أمرها عند ~~والدها، فيفسد عليها تدبيرها. # وأما أبو مسلم فلم ينخدع بأقوال الدهقان كل الانخداع؛ لأنه كان أكثر دهاء منه، وهو يسيء ~~الظن بأقرب الناس إليه، ولا يأمن أحدا على أمره، ولا يسلم سره إلى أحد، بل كان يضمر ~~السوء لكل إنسان إذا لم ينفعه أو يؤيده، فكان يقيس الناس على ما يعلمه في ms063 نفسه. والناس ~~مفطورون على حب الذات قلما يعملون عملا إلا وينظرون من ورائه إلى مصلحتهم الخاصة، وإن ~~تظاهروا بغير ذلك، فلا يتحمس أحد لنصرة الوطنية إلا إذا توقع منها نفعا لنفسه، ولا ينصر ~~الحكومة الملكية المطلقة إلا لمصلحته، ولا يسعى في قيام الجمهورية إلا لما يرجوه من المصلحة ~~فيها. # فالإنسان لا يعمل عملا كبيرا ولا صغيرا إلا إذا توقع الانتفاع به عاجلا أو آجلا، حتى ~~الصلاة والعبادة وكل عمل أدبي أو مادي، وإذا أنكر أحد ذلك فإنه يخدع نفسه أو أهله، أو أنه ~~من العامة الذين يساقون سوق الأغنام في آرائهم ومذاهبهم، وإنما كلامنا عن خاصة الناس؛ قادة ~~الفكر؛ لأن الناس من هذا القبيل فئتان: فئة قائدة، وفئة تابعة؛ والفئة الأولى هم خيرة ~~الأنام، وأهل العقل، وأصحاب المطامع، فهؤلاء لا يقدمون على عمل إلا وهم يرجون منه النفع ~~لأنفسهم، ولكنهم يختلفون في حدود مطامعهم؛ ففيهم من يريد النفع لنفسه ويأبى الضرر لسواه؛ ~~وهم أهل الخير، وفئة لا يهمهم إلا الوصول إلى غرضهم ولو تخطوا إليها على جثث الناس، وفيهم ~~من لا يبالي أن يتخطى إلى غرضه على جثث أقرب الناس إليه ، وقد يضحي بأصدقائه، وخاصة أهله ~~في هذا السبيل. # وأمثال هؤلاء كثيرون في تلك العصور، وأكثرهم يعدون من عظماء الرجال، ومنهم أبو مسلم ~~الخراساني هذا؛ فقد كان واسع المطامع، كبير النفس، متصلب القلب، لا يهمه إلا بلوغ غايته؛ ~~وهي الفوز في دعوته، فإذا اعترضه ظل أخيه قتل أخاه، ولو توهم الخوف من أصدق أصدقائه ~~بادر إلى قتله؛ عملا بنص الوصية التي أوصاه بها الإمام: «من شككت فيه فاقتله.» فمن كان هذا ~~شأنه لا يحسن الظن بأحد. # فلما سمع مواعيد الدهقان تظاهر بأنه يصدقه تشجيعا له على الثبات فى قوله، وهو في ~~الواقع لا يؤمن بصدقه، ولا سيما بعد أن علم بخطبة ابن الكرماني لجلنار؛ فكيف يزوج ابنته ~~من رجل يثق في قرب هزيمته؟ ولم يكن أبو مسلم يجهل حقيقة حاله يومئذ، وليس عنده من الرجال ~~إلا القليل. فلما تصور ذلك ms064 هب من مقعده كأنه انتبه لشيء نسيه، ووقف فوقف الجميع، فقال ~~أبو مسلم للدهقان: «أستودعك الله؛ فإننا نبيت الليلة على أن نرحل في فجر الغد وأنتم نيام. ~~فلا تنس وعودك؛ فإننا نحارب في سبيل إخواننا الخراسانيين وسائر رجال فارس.» # فقال: «كن مطمئنا. إنني سأبذلك أقصى الجهد في جمع كلمة الدهاقين على نصرتكم.» # فقال خالد: «إذا فعلت ذلك فإنك فاعله لخيرك وخير أهلك.» وقبل أن يتحول أبو مسلم من ~~القاعة التفت إلى جلنار - وكانت ترقب كل حركة من حركاته، وتصغي لكل كلمة من أقواله - فلما ~~وقع نظرها على نظره توهمت أنه ابتسم لها، وأنه وعدها باللقاء القريب؛ اعتمادا على رسالته ~~إليها عن طريق الضحاك، فزاد هيامها به، وأحست وهو خارج كأنه انخلع قلبها، ولكنها عللت نفسها ~~بما سمعته من والدها من تحقير أمر الكرماني، وإعظام أمر أبي مسلم، وحدثتها نفسها أن ~~والدها قد غير رأيه في خطيبها. # الفصل الرابع والعشرون # | حقيقة الموقف # وخرج أبو مسلم وخالد، والغلمان بالشموع بين أيديهما، حتى بلغا البيت المخصص لهما، وظلت ~~جلنار في مكانها تنتظر الخلوة بوالدها لعله يبدي ما يطمئنها. فلما عاد من وداع الرجلين ~~ورآها ابتسم لها، ودنا منها حتى جعل يمناه على كتفها وهو يتبع أبا مسلم بنظره ويقول: ~~«طالما قلتم ولم تفعلوا.» # فلم يعجبها قوله؛ لأنه يدل على إنكاره أمر أبي مسلم، فتجاهلت وقالت: «ومن هؤلاء يا ~~أبي؟» # قال: «هؤلاء أهل بيت النبي، فإنهم ما زالوا منذ تولى بنو أمية زمام الملك وهم يبثون ~~الدعاة ويدعون الناس إلى أنفسهم، فيأتينا هؤلاء - كما أتانا أبو مسلم اليوم - فنحسن ~~وفادتهم، وندفع إليهم المال، وننصرهم جهدنا، ثم لا نلبث أن نسمع بذهاب دعوتهم، وأن الأمويين ~~قتلوا صاحب الدعوة أو صلبوه، فيقوم سواه وهكذا. وكانت الدعوة قبلا لأبناء بنت النبي، وأما ~~اليوم فإنهم يدعون لأبناء عمه. ولا ريب عندي أن هذه الدعوة ساقطة لسببين مهمين؛ الأول: لأن ~~نقل هذه الدعوة من آل أبي طالب إلى آل العباس يثير غضب الطالبيين كافة؛ وهم أصحاب هذه ~~الدعوة، وأهل ms065 خراسان لا يعرفونها لسواهم، والسبب الثاني: أن هذا الغلام مغرور بنفسه؛ يريد ~~أن يحارب هذه الدولة بسبعين رجلا أو مائة رجل.» # وكانت جلنار ترهف السمع لكلام والدها وتدهش له - ولو انتبه وهو واضع يده على كتفها لشعر ~~بقشعريرة اعترتها عند سماع قوله - وخشيت أن يدرك ذلك منها، فتظاهرت بإصلاح شعرها، وتخلصت من ~~يده وتجلدت وقالت: «سمعتك تطريه وتعده بالمساعدة وتؤمله بالنصر.» # قال وهو يضحك: «وما الذي خسرته؟! أليس ذلك أفضل من أن أعاديه أو أعترض على رأيه، وهو كما ~~علمت شديد الوطأة لا يبالي بالعواقب، وإذا عادانا لا نكون في مأمن من أذاه. وزيدي على ذلك ~~أني لا أقطع بفشل هذه الدعوة؛ إذ لا آمن أن ينقلب الأمر إلى عكس ما أراه، فيكون لنا عند ~~أبي مسلم شفاعة؛ لاعتقاده بأننا على دعوته، وإذا كانت الغلبة للكرماني كنت لنا شفيعا ~~عنده.» قال ذلك وتشاغل هنيهة بالسعال وتنحنح، ثم أتم كلامه قائلا: «أما نصر ابن سيار فإنه ~~مغلوب في كل حال؛ لأن سلطان بني أمية ذاهب لا محالة، وستنقسم مملكتهم الواسعة إلى دول صغيرة ~~يملكها أمراء مستقلون، كما حدث لمملكة الفرس بعد الإسكندر ؛ إذ ملكها ملوك الطوائف. وفي ~~اعتقادي أن خراسان ستكون إحدى تلك الممالك، وسيملكها الكرماني، كما قلت لك غير مرة. والعاقل ~~من اغتنم الفرص.» وكأنه تذكر وصية ريحانة ألا يلح على ابنته في شأن ابن الكرماني، وأن يترك ~~أمره إليها فقال: «هلم بنا إلى المائدة؛ فقد حان وقت العشاء.» # قال ذلك ومشى وهو يجر مطرفه ويخطر في مشيته، والخدم يقفون له إذا مر بهم، وجلنار تسير ~~في أثره، حتى وصلا غرفة المائدة، وقد أعد فيها الطعام على خوان فوق البساط وعليه أصناف ~~الطعام والشراب والفاكهة. وكان الدهاقين أهل ترف وتأنق شأن أهل الثروة والنفوذ في تلك ~~العصور. وكانت جلنار لا تتكلم في أثناء الطعام، وإنما تتلهى به عن غير قابلية، وأفكارها ~~تائهة في أبي مسلم وهي تتصوره خارجا من القاعة وعليه تلك الحلة السوداء، بعد أن نظر إليها ~~النظرة الأخيرة، ms066 فلما تذكرت أنه ذاهب في الفجر ولن تراه إلا إذا قدر لها لقاؤه - وهي تحسب ~~ذلك بعيدا صعبا - وقفت اللقمة في حلقها، ودمعت عيناها رغم إرادتها، فأشارت إلى أحد ~~الغلمان الواقفين للخدمة بالماء، فجاءها بكأس من الفضة فيه ماء، فشربت وهي تتظاهر بأن ~~عينيها دمعتا من الغصة، وودت الفراغ من الطعام والذهاب إلى غرفتها للاجتماع بريحانة؛ كي تبث ~~لها شكواها، وتتداول في أمرها. ولم تكن ريحانة تأكل معهما على مائدة واحدة، فتظاهرت جلنار ~~بأنها تألمت من تلك الغصة وانزعجت، والتمست الذهاب إلى فراشها قبل الفراغ من المائدة؛ لأن ~~التأنق يدعو إلى المطاولة في الطعام والشراب، فأذن لها، فأسرعت إلى غرفتها، فوجدت ريحانة ~~في انتظارها هناك، فجلستا للمداولة. # الفصل الخامس والعشرون # | الرحيل وإظهار الدعوة # فلنتركهما في حديثهما؛ لأنه يطول، ولنعد إلى ما كان من أمر أبي مسلم بعد خروجه من حضرة ~~الدهقان، فإنه استقدم كبار النقباء إليه؛ وهم اثنا عشر كان محمد بن علي؛ والد إبراهيم ~~الإمام، قد اختارهم في أول الدعوة نحو سنة 100ه، قبل ظهور أبي مسلم وتوليته عليهم، وأكثرهم ~~عرب يمانية، وكلهم من خيرة القواد، من جملتهم سليمان بن كثير - وكان يومئذ في سفيذنج، كما ~~تقدم - ومنهم أبو الحكم عيسى بن أعين، وهو في (فنين)، التي هم سائرون إليها. وكان في جملة ~~الذين حضروا ذلك الاجتماع قحطبة بن شبيب الطائي، ولاهز بن قريظ التميمي، وأبو داود؛ الذي ~~تقدم ذكره، ونصر بن صبيح التميمي، وشريك بن غضبى التميمي، وعبد الرحمن بن سليم. # 1 # وكان من جملة رجال تلك الدعوة من الفرس خالد بن برمك وأبو عون الخراساني. وكانا ~~بين الحضور في تلك الليلة، فتناولوا العشاء مما أعده خدم الدهقان كالعادة. فلما فرغوا من ~~الطعام قال لهم أبو مسلم: «اعلموا أننا ناهضون في صباح الغد إلى (فنين)؛ إذ ننزل فيها على ~~أخينا أبي الحكم عيسى بن أعين النقيب، وهناك ننظر في توجيه القواد إلى الشيعة في الأطراف، ~~فتأهبوا للنهوض باكرا، ومروا رجالكم بإعداد الأحمال اللازمة، حتى نقوم من هنا في ms067 الفجر ~~ونصل (فنين) في الضحى.» # فتحدثوا في ذلك مليا ثم نهضوا إلى خيامهم، وأصبحوا في الفجر وقد تأهبوا للرحيل. وكانت ~~مياه المطر قد جفت واعتدل الطقس، ولكنهم لم يستغنوا عن الالتفاف بالعباءات والفرو دفعا ~~للبرد. # وصلوا (فنين) في الضحى وقد أشرقت الشمس فأرسلت الدفء في الحياة، فنزلوا هناك على عيسى بن ~~أعين فنصبوا الخيام للرجال، ونزل أبو مسلم وخاصته الذين ذكرناهم في بيت عيسى المذكور في ~~شعبان سنة 129ه. وعند وصولهم عقدوا جلسة اتفقوا فيها على إنفاذ النقباء إلى الأطراف؛ لإظهار ~~الدعوة وجمع الرجال للحرب. # وكانت تلك الجلسة في قاعة كبيرة غصت بأصحاب اللحى من الشيوخ، وكلهم ينقادون لرأي أبي ~~مسلم - وهو شاب كأحد أولادهم - ولكنهم كانوا لا يرون مفرا من الامتثال لأمر الإمام؛ لأنهم ~~إنما قاموا يدعون له، ويؤمنون بصدقه، ويعملون برأيه. فلما اجتمعوا وتداولوا، أخذ أبو مسلم ~~في توجيههم، فوجه أبا داود النقيب ومعه عمر بن أعين؛ أخو عيسى، إلى طخارستان فما دون بلخ، ~~ووجه نصر بن صبيح وشريك بن غضبى التميميين إلى مرو الروذ (غير مرو المحاصرة) ووجه عبد ~~الرحمن بن سليم إلى الطالقان، ووجه الجهم بن عطية إلى خوارزم، وأرسل غيرهم أيضا، وأوصاهم ~~جميعا أن يظهروا الدعوة في رمضان لخمس بقين منه، إلا إذا أعجلهم عدوهم قبل ذلك بالأذى ~~والمكروه، فعندئذ يحل لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ويجردوا السيوف، ويجاهدوا أعداء الله، ومن ~~شغله منهم عدوهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت، وأوصاهم بالصبر والثبات، ~~فنهضوا. # وظل أبو مسلم في (فنين) إلى أول رمضان، ثم نهض بمن بقي من رجاله حتى نزل سفيذنج في اليوم ~~الثاني من رمضان، وفيها سليمان بن كثير الخزاعي؛ المتقدم ذكره، فأشرفوا على مرو عن بعد؛ ~~لأنها في سهل واسع مستو محاط بالجبال حتى لا يرى المقيم فيها جبلا، # 2 # وليس في شيء من حدودها جبل، وأرضها سبخة كثيرة الرمال. # فلما نزل أبو مسلم سفيذنج استقبله سليمان بن كثير ورحب به وبرفاقه، وأنزله هو وخالدا ~~عنده. ونزل الباقون في ms068 الخيام، ولبثوا ينتظرون اليوم المعين لإظهار الدعوة يوم 26 رمضان؛ ~~أي لخمس بقين منه، وهو اليوم الذي أمر قواده بإظهارها فيه. ~~«فدعا أبو مسلم الدعاة، وبث جماعة منهم في القرية المجاورة يدعون إلى ~~إبراهيم الإمام تحت ظل أبي مسلم الخراساني. فجاءهم في ليلة واحدة أهل ستين ~~قرية.» # وفي اليوم الثاني من وصوله هناك، وقف هو وسليمان وخالد في مكان يشرفون منه على مرو وما ~~حولها، فرءوها محاطة بسور من طين، وفي وسطها بناء هائل هو قهندزها؛ أي قلعتها، وهي في الكبر ~~مثل مدينة عالية يراها القادم عن بعد، فقال أبو مسلم: «إني لأستغرب أمر هذا القهندز؛ ~~لضخامته وكبره وعلوه.» # فقال سليمان: «وأغرب من ذلك أنهم ساقوا إليه الماء من النهر بقناة على قناطر، وقد دخلته ~~مرة فرأيتهم قد زرعوا على سطحه البطيخ والبقل وغير ذلك، فإذا مشيت هناك توهمت أنك في بستان ~~على قمة جبل.» # ورأى أبو مسلم خياما خارج السور برايات مختلفة الألوان والأشكال، فتذكر ما سمعه من صاحب ~~خبره عن الكرماني وشيبان، فقال لسليمان: «هذان المعسكران للكرماني وشيبان؟» # قال: «نعم، وهما يحاربان نصر بن سيار، ورجالهما كثيرون في المعسكرين.» # فقال أبو مسلم: «كأنك تخشى من قلة عددنا. سترى أننا كثيرون بإذن الله. ألا ترى أن نبث ~~دعاتنا في هذه القرى حول مرو؟» # قال: «تفعل حسنا أيها الأمير؛ لأن أهل هذه القرى ملوا اعتداء العرب على ما يزرعون، وهم ~~لا يفرقون بين اليمنية والمضرية، وإنما يعرفون أن العرب يظلمونهم، وأن الفرس خير منهم، فإذا ~~بثثنا الدعاة على هذه الصورة استجابوا لدعوتنا.» # فدعا أبو مسلم الدعاة وبث منهم في القرى المجاورة يدعون إلى إبراهيم الإمام تحت ظل أبي ~~مسلم الخراساني، فجاءهم في ليلة واحدة أهل ستين قرية، # 3 # وظلوا على نحو ذلك إلى ميعاد إظهار الدعوة. وكان أبو مسلم يقبلهم سرا ثم ~~يردهم إلى قراهم إلى أن يحين وقت إظهار الدعوة، فيدعوهم إليه بنيران يوقدها إشارة لهم ~~بالقدوم. # وفي ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان من سنة 129ه، احتفل أبو ms069 مسلم بذلك احتفالا رسميا، ~~فجمع كبار الدعاة في ساحة من ساحات سفيذنج. وكان أول علامات الإظهار أنه عقد اللواء الذي ~~جاءه من عند الإمام، واسمه «الظل»، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وغرسه أمام المنزل الذي ~~يقيم فيه، وجاء برمح آخر طوله 13 ذراعا عقد عليه الراية التي سماها السحاب. فعل ذلك في ~~مشهد موقر حضره النقباء وهو يتلو: # أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ~~. # ولما فرغ من تلاوة الآية التفت إلى النقباء وقال: «أتعلمون لماذا سمى مولانا الإمام هذه ~~الراية السحاب؟» # قالوا: «لا.» # قال: «إشارة إلى أن السحاب يطبق الأرض. وهل تعلمون لماذا سمى هذا اللواء بالظل؟» # قالوا: «لا.» # قال: «لأن الأرض لا تخلو من الظل، وكذلك الأرض لا تخلو من خليفة عباسي أبد الدهر.» # ثم جاءوا بالملابس السوداء - ويسمونها السواد - فلبسوها رسميا، وأول من لبسها أبو مسلم، ~~وسليمان بن كثير، وإخوة سليمان ومواليه، ومن كان قد أجاب الدعوة من أهل سفيذنج وسائر ~~الدعاة، ثم أوقدوا النيران على حسب الاتفاق مع الشيعة الذين بايعوا، فتجمعوا إليه حين ~~أصبحوا. وكان أول من قدم عليه أهل التقادم مع أبي الوضاح في تسعمائة راجل وأربعة فرسان، ~~ومن أهل هرمزفره جماعة. وقدم أهل التقادم مع أبي القاسم محرز بن القاسم الجوباني في ألف ~~وثلاثمائة راجل، وستة عشر فارسا، فيهم من الدعاة أبو العباس المروزي، فجعل أهل التقادم ~~يكبرون من ناحيتهم، ويجيبهم أهل التقادم بالتكبير، فدخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج بعد ~~ظهوره بيومين، وحصن أبو مسلم حصن سفيذنج ورمه، وسد دروب المحلة. # الفصل السادس والعشرون # | أين المحب من الخلي # فلما كان عيد الفطر، أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبرا ~~بالمعسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة. وكان بنو أمية يبدءون ~~بالخطبة قبل الصلاة وبالآذان وبالإقامة. وأمر أبو مسلم أيضا سليمان بن كثير بست تكبيرات ~~تباعا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا، ثم يقرأ ~~ويركع ms070 في السادسة، ويفتح الخطبة بالتكبير ثم يختمها بالقرآن. وكان بنو أمية يكبرون في ~~الأولى أربع تكبيرات يوم العيد، وفي الثانية ثلاث تكبيرات. فلما قضى سليمان الصلاة انصرف ~~أبو مسلم والشيعة إلى طعام أعد لهم. # 1 # وكانت المائدة التي أعدها سليمان في فسطاط كبير بجانب المعسكر، فجلسوا حولها مستبشرين، ~~وأبو مسلم في صدر المائدة ساكت يفكر كعادته، يتناول اللقمة في أثر اللقمة على مهل، وعيناه ~~تنظران إلى ما وراء الباب من السهل الواسع الذي لا يقف البصر في آخره على غير الأفق، وحوله ~~النقباء والأمراء، وكلهم يتهيب منظره، وفيهم من يفكر فيما يهددهم من الحرب ~~العظيمة. # وبعد الفراغ من الطعام، وقد مالت الشمس عن خط الهاجرة، نهضوا لتدبير شئونهم وكل في شاغل ~~من أمر نفسه أو أهله إلا أبا مسلم؛ فلم يكن همه إلا تدبير شئون من اجتمع إليه من الناس - ~~وهم كثيرون بالنظر إلى قصر المدة التي اجتمعوا فيها - ولكنهم قليلون بالنسبة إلى رجال نصر ~~في مرو، ورجال الكرماني وشيبان خارجها. وكان أبو مسلم لا يخلو إلا ومعه خالد بن برمك؛ فقد ~~كان موضع ثقته ومستودع أسراره. فلما خرجوا من فسطاط المائدة انصرفا معا إلى جانب من ~~المعسكر على مرتفع يشرفان منه على مرو وضواحيها، وعلى معسكرهما. # فلما رأى أبو مسلم قلة جنده بالنسبة إلى أولئك التفت إلى خالد - وهو يزيح عمامته إلى ~~الوراء - وتبسم - وذلك نادر منه - فأقبل خالد نحوه بجوارحه كأنه يتأهب لتنفيذ أمره، فقال ~~أبو مسلم: «ألا يخيفك قلة جندنا وكثرة عدونا؟» # فبش خالد وقال: «لا يخيفني شيء وأنت أميرنا، وإليك قيادنا. وقد استبشرت اليوم بكثرة من ~~جاءنا من الشيعة على قصر مدة ظهورنا.» # فقطع أبو مسلم كلامه وقال: «صدقت، ولكن الغلبة ليست بالكثرة، وإنما هي بالتدبير والاتحاد. ~~نعم إن أعداءنا كثيرون، ولكنهم أحزاب متفرقة قد يفني أحدها الآخر قبل خروجنا إليهم، وربما ~~كان لنا منهم عون عليهم. أليس اليمن مع الكرماني، ومضر مع ابن سيار، والخوارج على الاثنين؟ ~~سأريك مصير هؤلاء جميعا.» ثم رفع نظره وهو ms071 يتكلم على سواد قادم من عرض الأفق وغبار متصاعد، ~~فتفرس فيه واستبشر، فابتدره خالد قائلا: «أظن أن جماعة من شيعتنا قادمون ~~لنصرتنا.» # فلم يجبه أبو مسلم وظل متفرسا هنيهة ثم قال: «لا أرى أعلاما سوداء؛ ولذلك لا أظن أن ~~القادمين من أنصارنا.» ولبثا هنيهة أخرى فانكشف الغبار عن قبة على فيل أبيض كبير، وحول ~~القبة بضعة فرسان يسير في ركابهم جماعة من العبيد، ووراء الفيل جمال عليها أحمال الآنية ~~والفرش وغيرها، فاستغربا ذلك، وزادت دهشتهما حين رأيا الركب متجها نحوهما، فجعلا ينظران ~~إليه لعلهما يتبينان شيئا من أمره، فإذا بتلك القبة مصنوعة من الديباج الأحمر وقد تدلت ~~أستارها حتى لا يظهر شيء مما في داخلها، وحول عنق الفيل وعلى جبهته وفي مقدم صدره عقود ~~وأوسمة مرصعة بحجارة كريمة مختلفة الألوان تتلألأ بنور الشمس، وقد كسي ظهره وجوانبه ~~بالديباج الأصفر الزاهي. ويقود الفيل رجل طويل القامة عليه عباءة وعمامة ما لبث أبو مسلم أن ~~عرفه حين رآه؛ وهو الضحاك، فتذكر حكاية جلنار وخطبتها إلى ابن الكرماني، وما كان من حديثه ~~في أمرها، فأجفل لأول وهلة؛ لأنه ظنها قد زفت إليه، فإذا بالضحاك قد عهد بمقود الفيل إلى ~~عبد كان بجانبه وأسرع نحو أبي مسلم متأدبا، حتى إذا وقف بين يديه حياه تحية الأمراء وهم ~~بتقبيل يده، فمنعه أبو مسلم وابتدره قائلا: «ما شأنك؟» # فضحك الرجل وقال بصوت ضعيف: «لا تخف؛ ليست مزفوفة إليك.» ثم رفع صوته وقال: «أليس هذا ~~معسكر ابن الكرماني؟!» # فصاح فيه خالد: «قبحك الله! ألا ترى الأعلام السوداء؟» # فتظاهر الضحاك بالدهشة وقال: «لقد أخطأنا الطريق. أظن أن معسكر الكرماني ذاك!» وأشار بيده ~~إليه ثم تشاغل بحك قفاه، وظل واقفا مطرقا. # فقال خالد: «نعم.» # وأدرك أبو مسلم مما بينه وبين الضحاك في شأن جلنار أنه لم يأت إليه إلا لغرض، فمشى وتبعه ~~الضحاك، وظل خالد في مكانه، فلما انفردا قال الضحاك: «إن هذه المسكينة مزفوفة إلى ابن ~~الكرماني رغم إرادتها، وقد أوصتني أن أحتال لها في الدنو من معسكرك ms072 لكي تراك؛ لأن قلبها.» ~~وتنحنح ثم قال: «وإذا أرسلت نظرك إلى القبة رأيتها تنظر إليك من خلال الستائر خلسة؛ فانظر ~~إليها من باب العلم بالشيء.» وضحك. # فرفع أبو مسلم نظره إلى القبة، وكانت قد صارت على نحو خمسين خطوة منه، فرأى وجها مطلا ~~من خلال الستائر، إذا شبهناه بالقمر ظلمناه؛ لأن القمر صحيفة لا ماء فيها ولا حياة. ولو كان ~~لأبي مسلم قلب يهوى ما استخف بعواطف تلك الفتاة المستهامة، ولكنه خلق من عقل ودهاء وطمع ~~وكبرياء، وابتعد قلبه عن محبة النساء. ولا نظن أن قلبه قد عرف نوعا من أنواع المحبة، وإنما ~~هو قلب يهوى العلى، ويهون سفك الدماء، ولا يتحكم في نفسه إلا عقله من حيث الدهاء؛ ~~التماسا لما يتوقعه من الظفر القريب. # أما تلك الفتاة المفتونة فقد خلقت بقلب كبير، ولم تتحرك عواطفها قبل أن تعرف أبا مسلم. ~~والحب كله رجاء، والمحب واسع الأمل. وقد زادها الضحاك أملا بما نقله إليها من حب أبي مسلم، ~~فاستسهلت كل صعب في سبيل مرضاته، فقبلت أمر أبيها ورضيت بالزفاف إلى ابن الكرماني تقربا ~~من معسكر حبيبها، وعملا بإرادته، وأوصت الضحاك أن يحتال في الوقوف هناك ليعلم أبو مسلم ~~أنها جاءت إلى الكرماني صورة، وأن قلبها مع أبي مسلم. فلما رأته ينظر إلى قبتها اختلج قلبها ~~في صدرها، وتوهمت أنها رأت أبا مسلم يبتسم لها ويحييها، فدمعت عيناها وأرخت الستائر ~~وتحولت إلى الداخل، وريحانة معها ولم يخف عليها شيء من أمرها. # أما الضحاك فإنه أحنى رأسه بين يدي أبي مسلم وقال: «ثق بعبدك، وكن على يقين بأني سأخدمك ~~بما يسرك.» # الفصل السابع والعشرون # | سياسة التقسيم # ثم حياه وتحول وهو يقول بصوت عال: «فنحن إذن قد أخطأنا الطريق إلى معسكر الكرماني. ~~هلم بنا يا قوم إلى تلك الأعلام اليمنية؛ فإن الكرماني هناك.» # ولما وصل إلى الفيل تناول المقود وأشار إلى أحد العبيد فانطلق مسرعا يعدو نحو معسكر ~~الكرماني؛ كي يخبرهم بقدوم العروس ليستقبلوها. وكان الكرماني قد كتب الكتاب في منزل الدهقان ~~قبل ms073 ذلك اليوم ودفع المهر وأبرم الاتفاق. # أما خالد فإنه ترك أبا مسلم يخاطب الضحاك وانصرف نحو المعسكر، فرأى رجلا مسرعا نحوه وهو ~~يقول: «أين الأمير؟» # فقال: «وما الخبر؟» # فأشار بيده نحو مرو وقال: «إن الحرب قد نشبت بين الكرماني ونصر.» # فالتفت خالد إلى مرو، فرأى الفرسان قد خرجت من المدينة ومعها أعلام بني أمية، وخرج إليهم ~~رجال الكرماني بأعلامهم وقد تطايرت النبال واشتبك القتال. وكان أبو مسلم قد أقبل نحو خالد، ~~ورأى مثلما رأى خالد ففرح وصاح: «لقد حانت ساعة العمل.» # فقال خالد: «هل نستعد للهجوم أيها الأمير؟» # قال: «احذر أن تفعل. إنما شأننا اليوم الصبر لنرى عاقبة هذا القتال.» # قال: «ألا نغتنم فرصة انشغال نصر بالحرب ونهجم على المدينة؟» # قال: «إذا هجمنا لا نأمن أن يتحد العدوان علينا، ولكن نصبر إلى الغد.» قال ذلك ومضى ~~إلى منزل سليمان بن كثير، فرأى النقباء قد اجتمعوا هناك وهم يسألون عن أبي مسلم، وكلهم يرون ~~رأي خالد بالهجوم. فلما أقبل أبو مسلم عليهم استشاروه فقبح رأيهم وأمرهم بالانتظار، ~~فسكتوا وأطاعوا. # فلما غربت الشمس تراجع الجيشان وأمسكا عن القتال، ورجع كل منهما إلى مكانه، والنقباء ~~يرون أن أبا مسلم قد أخطأ لتقاعده عن اغتنام تلك الفرصة، وهو لا يقول شيئا. فلما أمسى ~~المساء طلب الخلوة بخالد وسليمان، وأمر سائر النقباء أن يبيتوا على حذر. # فلما خلا بخالد وسليمان، هم أن يكاشفهم بما في ضميره، فسمعوا طارقا يطرق الباب ففتحوا ~~له، وإذا بفارس ومعه رجل موثق بعمامته والفارس يقول: «قد قبضنا على هذا الرجل مارا في ~~معسكرنا وليس هو منا.» فحالما رآه أبو مسلم بنور المصباح عرفه، فصاح به: «الضحاك؟» # قال: «نعم يا مولاي.» # فأشار إلى الفارس فتركه وانصرف، ودخل الضحاك فحلوا وثاقه، وسأله عن أمره فقال: «هل أتكلم ~~أم تأذن لي بخلوة؟» # فأدرك أنه يريد الخلوة، فأشار إلى خالد وسليمان فذهبا إلى غرفة أخرى، وجلس أبو مسلم على ~~وسادة وأمره أن يجلس وقال: «قل. ما وراءك؟» # فجلس الضحاك جاثيا متأدبا وقال: «اسمح لي ms074 - يا مولاي - أن أثني على إرجائك الهجوم ~~الليلة، وكنت خائفا أن تأمر جندك بالهجوم.» # قال: «لا تخف. ثم ماذا؟» # قال: «هل أتقدم برأي أبديه؟» # قال: «قل. بارك الله فيك. ما أسرع ما اطلعت على الخفايا!» # قال وهو لا يضحك: «قد رأيت يا مولاي أمرا هالني وخشيت عاقبته على رجالك.» # قال أبو مسلم: «وما هو؟» # قال: «وصلنا بالعروس إلى فسطاط الكرماني، فإذا هو قد ركب لمحاربة نصر بن سيار؛ صاحب مرو، ~~وابنه علي معه؛ أعني العريس المبارك، (وضحك) فأنزلنا العروس في خبائها بين عبيدها ~~وجواريها، وخرجت لاستطلاع الأحوال، فرأيت جند الكرماني كبيرا، وكلهم من رجال اليمن ~~الأشداء، وفيهم العدة والنجدة، وربما زادوا عن خمسة أضعاف رجالك. ولما خرج رجال نصر لقتاله ~~رأيتهم أيضا كثيرين، فخفت أن يغرك ذلك فتخرج برجالك للحرب وأنا لا أضمن لك الفوز؛ ~~لعلمي أن الجندين وإن تباينت عصبيتهما بين اليمن ومضر فإنهم جميعا من العرب، فإذا رأوا ~~الخراسانيين يحاربونهم اتحدوا عليهم.» # قال أبو مسلم: «صحيح. إيه. قل.» # قال: «فرأيت أن خيرا ما تفعله الآن أن تمكن البغضاء بين هذين الجيشين.» # فاستغرب أبو مسلم قوله، وأعجب بسداد رأيه؛ لأن هذا هو الرأي الذي كان قد عزم عليه، وقال : ~~«ذلك هو الرأي الصواب يا رجل، وهو الذي عزمت عليه، ولكن ما هو الطريق إلى إلقاء الفتنة ~~الليلة حتى تتم لنا الحيلة في صباح الغد؟» # قال: «أتستشيرني يا مولاي؟» # قال: «لا بأس من المشورة؛ فإنها آمن عاقبة، فإذا لم يعجبني رأيك رجعت إلى رأيي.» # فأخد الضحاك يحك جانب رأسه بإحدى يديه، ويده الأخرى على عمامته يسندها لئلا تقع، ثم ضحك ~~وقال: «أكرم بك يا ضحاك! إن الأمير يستشيرك!» ثم عاد إلى هيئة الجد وقال: «الرأي - يا سيدي ~~- أن تكتب كتابا نجعل عنوانه إلى شيبان الحروري؛ صاحب الجند الآخر المعسكر وراء الكرماني، ~~وتقول في خطابك إلى شيبان المذكور ما معناه: «إن قبائل اليمن لا وفاء لهم، ولا خير فيهم؛ ~~فلا تثقن بهم، فإني أرجو أن يمكنك الله منهم، وإذا بقيت فلن ms075 أدع لأهل اليمن شعرا ولا ~~ظفرا.» أو نحو ذلك مما يدل على أنك تكره اليمنية، ولا ترجو خيرا منهم. وترسل هذا الكتاب ~~مع رسول تأمره أن يجعل طريقه إلى معسكر شيبان من جهة معسكر المضرية أصحاب نصر بن سيار. فهم ~~طبعا سيشكون في أمره، ويقبضون عليه، ويأخذون الكتاب منه فيفتحونه ويطلعون عليه، فيقوم في ~~نفوسهم أنك معهم قلبا وقالبا، فيميلون إليك وتقوى نفسهم على اليمنية. واكتب كتابا آخرا ~~إلى شيبان أيضا على نفس هذه الطريقة، ولكنك تطعن فيه المضرية، وتقول عنهم مثل الذي قلته عن ~~اليمنية بذلك الكتاب، وترسل هذا الكتاب مع رسول يجعل طريقه من جهة معسكر الكرماني؛ وهم ~~يمنية، فيشكون في أمر الرسول ويطلعون على الكتاب، فيرون أنك معهم على المضرية، وتقوى ~~نفوسهم بك، # 1 # فإذا نشب القتال في الغد وأردت النزول كان الفريقان معك.» وضحك ضحكة طويلة، فلم ~~يتمالك أبو مسلم عن مجاراته في الضحك ولو قليلا، وقد انبسطت نفسه بذلك الدهاء وقال: «إن لك ~~لشأنا يا رجل، وما أنت ضحاك كما تتظاهر. إني فاعل كما أشرت الساعة.» ثم نهض ليأمر ~~الكاتب بذلك، فتعلق الضحاك بذيله وقال: «وأنا؛ ماذا أعمل؟» # قال أبو مسلم: «تأخذ هدية جزاء صدق خدمتك .» # قال: «هدية؟ إني لا ألتمس على خدمتي أجرا، ومع ذلك فإني لم أفعل شيئا أستحق عليه أجرا، ~~ولعلي أستطيع ذلك بعد الآن. إني منصرف الساعة إلى مولاتي الدهقانة، وسأبلغها سلامك ~~وامتنانك، ليس لأنك تحبها، ولكن لأن ذلك يسرها ويخفف ألمها من رؤية عريسها ~~الأعور!» # قال أبو مسلم: «ومن تعني؟» # قال: «أعني علي بن الكرماني؛ فإنه نصف أعمى، فضلا عن غرابة شكله، وهو مع ذلك زوجها ~~بعقد مكتوب، ومهر مدفوع. وسترى كم ينفعنا هذا العقد. أنا منصرف الآن بأمرك، وسآتيك بالأخبار ~~عند الحاجة.» # ثم وقف فقبل يد أبي مسلم وخرج مهرولا. # الفصل الثامن والعشرون # | الحرب # أما أبو مسلم فصفق فجاءه خالد وسليمان، وأمر بالكاتب فجاء، فأخبرهم بما عزم عليه من ~~المخابرة على الكيفية التي تقدم بيانها، وأملى على الكاتب فكتب ms076 كتابين إلى شيبان الخارجي، ~~وسلمهما إلى رسولين من أصحاب الخبرة البارعين في الجاسوسية، وأمر أحدهما أن يمر بمعسكر ~~نصر بن سيار، والآخر بمعسكر الكرماني. ومتى قرئ الكتابان يرجعان بهما إليه، ولا يوصلانهما ~~إلى شيبان، فسار الرسولان وفعلا كما أمر. # فلما اطلع الكرماني على أحد الكتابين وفيه ما فيه من نقمة أبي مسلم على قبائل مضر توهم ~~أن أبا مسلم معه على المضرية، ولما اطلع نصر بن سيار على الكتاب الآخر توهم أن أبا مسلم معه ~~على اليمنية، فقويت نفس كل منهما على قتال صاحبه. وكان أبو مسلم في أثناء إقامته هناك قد ~~كتب إلى الكور بإظهار الأمر، فسود - لبس السواد - جماعة كبيرة في نسا، وأبيورد، ومرو ~~الروذ، وكثير من قرى مرو، وأقبلوا إليه تباعا. # وفي صباح الغد عاد الجيشان إلى الحرب بقلوب قوية، وهواهما مع أبي مسلم. ولإتمام الحيلة ~~كتب أبو مسلم إلى كل من نصر بن سيار والكرماني كتابا خاصا يقول فيه: «إن الإمام ~~إبراهيم (صاحب الدعوة) قد أوصاني بك وبرجالك خيرا، ولست أعدو رأيه فيكم.» فازداد الفريقان ~~رغبة فيه، ورهبة منه، وزادت نقمة كل منهما على صاحبه، فلما احتدم القتال ركب أبو مسلم بمن ~~معه من النقباء والأتباع وأقبل على المتحاربين، فلم يتعرض لهم أحد بسوء، فنزل بمن معه بين ~~خندق الكرماني وخندق نصر بن سيار، وهابه الفريقان. ورأى بدهائه أن يشجع الكرماني حتى ~~يعرضه للخطر، فبعث إليه: «إني معك.» فقبل الكرماني ذلك بسرور، فانضم أبو مسلم إليه ~~فعلا، فاشتد الكرماني به. # فلما رأى نصر ذلك أدرك حيلة أبي مسلم، فبعث إلى الكرماني يقول: «ويحك! لا تغتر؛ فوالله ~~إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه، فادخل مرو ونكتب كتابا بيننا بالصلح.» وكان غرض نصر ~~أيضا أن يفرق بين الكرماني وبين أبي مسلم. # فلما سمع الكرماني كلامه رجع إلى صوابه، وخشي أن يكون نصر مصيبا، فدخل الكرماني فسطاطه ~~وظل أبو مسلم في المعسكر. # ثم خرج الكرماني حتى وقف في الرحبة بين المعسكرين في مائة فارس وعليه قرطق - وهو قباء ذو ms077 ~~طاق واحد - وأرسل إلى نصر يقول: «اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب.» # فلما رآه أبو مسلم يقول ذلك خشي أن يخفق مسعاه. وكان أبو مسلم واقفا على جواده وعليه درع ~~كاملة تغطي جسمه وبعض الجواد، وهو لا يبالي بتساقط النبال عليه، فإنها كانت ترتد عنه خائبة. ~~وبينما هو في تلك الحيرة أبصر رجلا ملثما طويل القامة يتقدم بسرعة الجواد الجموح ~~نحو معسكر نصر وهو يتقي السهام بكفيه، فعرف من حركته وزيه أنه الضحاك، وما لبث أن رآه ~~تغلغل في ذلك المعسكر، ثم رأى كوكبة من الفرسان خرجت من معسكر نصر وفي مقدمتها فارس يصيح ~~بأعلى صوته: «أنا الرجل الموتور، أنا ابن الحارث بن سريج. جئتك يا كرماني يا ابن الفاعلة، ~~أنت قتلت أبي وأنا أقتلك.» قال ذلك وانقض انقضاض الصاعقة، والتقت الكوكبتان واشتبكتا. ~~واشتد أزر المضرية، ثم رأو فارسا خرج من مرو يحرض المضرية ويسوق فرسه أمامهم وقد ~~جلله الشيب، ولكن الشيخوخة لم تغير شيئا من نشاطه وحميته. ولما ساق جواده لعبت الريح ~~بلحيته - وهي بيضاء عريضة ملء صدره - وصاح في رجاله يستحثهم، فعلم أبو مسلم أنه نصر بن ~~سيار، فقال في نفسه: «لو ظهر في بني أمية مثل هذا الرجل قبل أن يتمكن الفساد فيهم لما كان ~~سقوطهم وشيكا، ولكنه لن يستطيع أمرا.» وهجم مع نصر كوكبة من الفرسان فتغلبوا على الكرماني ~~ووجهوا إليه طعنة فخر عن دابته، فأتموا قتله، وأمر نصر بحمل الجثة وصلبها، فصلبوه ~~ومعه سمكة! # فلما رأى أبو مسلم مصرع الكرماني تظاهر بالأسف، وتوقع فشل اليمنية، وإذا بعلي بن ~~الكرماني قد هجم يطالب بثأر أبيه، فهجم أبو مسلم معه، ونادى رجاله فهجموا جميعا على نصر ~~ورجاله فأرجعوهم عن مواقفهم، ثم تراجع الجيشان. # رجع أبو مسلم من المعركة وقد سره مقتل الكرماني، وأخذ في أثناء رجوعه يعمل فكرته في ~~تدبير الحيلة لمقتل ابنه علي، ولكنه رأى أن يستعين به على نصر أولا ثم يقتله ويقتل شيبان ~~الخارجي، فوصل معسكره واجتمع إليه النقباء، فنظر إليهم وهو يقول: «ألم يكن ms078 رأينا صوابا؟ ~~قتلنا الكرماني ولم نسفك نقطة من دماء رجالنا. والرأي فوق شجاعة الشجعان.» # فأعجبوا بدهائه، وعظم إيمانهم بفوزه في سياسته، فازدادوا تفانيا في طاعته وقالوا: «مر ~~بما تشاء؛ فإنك صاحب الرأي النافذ والقول الفصل.» واشتغلوا في مهامهم. # الفصل التاسع والعشرون # | العروس في بيت حميها # أما جلنار فقد تركناها في القبة ذاهبة إلى معسكر الكرماني، وقبل وصولها جاءها وفد من رجال ~~الكرماني استقبلوها وأنزلوها في خباء خاص نصبوه في مؤخر المعسكر، وأنزلوا فيه أحمال ~~الآنية والفرش، وأدخلوا جلنار غرفة من غرفه ليس فيها من النساء سواها، ومعها بعض الجواري ~~وريحانة. وقد زادت تعلقا بها في هذه الغربة، وأصبحت لا تصبر على فراقها لحظة. وكانت ~~ريحانة أكثر تعلقا بها للسبب نفسه، وأحست بأنها مسئولة عنها وحدها. وقد علمت بما يهددها ~~من الأخطار الجسام. فوطنت النفس على بذل كل ما في وسعها لراحتها وسلامتها. # فلما وصلت جلنار إلى الخباء سبقتها الجواري إلى تهيئة ما يلزم من أسباب الراحة، واشتغل ~~الضحاك في إنزال الأحمال ومعه العبيد والخدم. ثم جاءت ريحانة إلى جلنار فأدخلتها غرفتها، ~~وأخذت تنزع ما عليها من ثياب السفر وتلبسها ثوب البيت وهي صامتة لا تتكلم، ثم لاحت منها ~~التفاتة إلى جلنار فرأت عينيها تدمع، فانقبضت نفسها وابتدرتها قائلة: «ما الذي يبكيك يا ~~مولاتي؟» ولم تكد تلفظ هذه العبارة حتى اختنق صوتها وغصت بريقها، فاكتفت جلنار بما ~~شاهدته من ريحانة ولم تجبها، فتشاغلت ريحانة بتصفيف شعر سيدتها وتجلدت وأعادت السؤال وهي ~~تحذر أن يختنق صوتها وقالت: «ما بالك - يا مولاتي - لا تجيبين عن سؤالي؟» # فالتفتت جلنار إلى ريحانة والدمع يتلألأ في عينيها، وقالت بالفارسية: «أتسألينني عن السبب ~~وأنت أعلم به مني؟ أين نحن الآن؟ كيف خرجت من دار أبي وقد كنت فيها في حصن حصين، وجئت إلى ~~دار الحرب، والنبال تتساقط على فسطاطي، ثم إني لا أعرف إلى من أنا صائرة.» # فأحبت ريحانة أن تخفف عنها فقالت وهي تتظاهر بالابتسام: «أنت صائرة إلى الأمير علي بن ~~الكرماني، وكل هذا المعسكر رهن ms079 إشارتك.» # قالت: «وأين هو علي هذا؟ إني لم أره، ولو رأيته ما عرفته. سامحك الله يا أبتاه! لقد فرطت ~~في. بل اللوم علي؛ كيف أسلم نفسي لرجل لا أعرفه ولم أره؟ وقد وصلت إلى منزله ولم ~~أجده.» # فقالت ريحانة: «خففي عنك يا مولاتي. إنه لا يلبث أن يأتي؛ فقد اتفق وصولنا ساعة خروج ~~الأمير الكرماني لملاقاة جند مرو في حرب. ولا شك أن عليا ابنه معه، وسترينه عائدا وقد ~~تلطخ صدر جواده بدم الأعداء، وفي وجهه عز النصر. وهو عز لك. إن في ذلك لذة لم ~~تتعوديها، فإذا ذقتها مرة فإنك لن تنسي لذتها. إن لذة النصر عظيمة يا ~~مولاتي.» # فذعرت جلنار عند سماعها كلمة الحرب وقالت بالفارسية أيضا: «هو في حرب؟ ألم تقولوا لي إنه ~~صاحب مرو، وله الأمر والنهي، وبيده الحل والعقد.» # قالت: «قد كان كذلك على ما علمنا. فالظاهر أنه خرج منها، ولكنه لا يلبث أن يفتحها كما ~~فتحها قبلا.» # فصاحت وقد نسيت موقفها: «لا يهمني فتحها أم لم يفتحها. إني لا أريده. أخرجوني من ~~هذا المكان. يا ريحانة، أخرجيني إلى حيث شئت.» # فضحكت ريحانة في وجهها تخفيفا لغيظها، وأظهرت الاستخفاف بخوفها. وكانت قد فرغت من ~~تمشيطها وتبديل ثيابها، وألبستها في ذلك اليوم ثوبا عنابي اللون، وتمنطقت عليه بمنطقة ~~مرصعة، ولفت كتفيها بمطرف من الخز الموشى مبطن بالفرو الثمين، وقد احمر وجهها من أثر ~~السفر، وتوردت وجنتاها، وتكسرت عيناها من البكاء، وغشيهما ذبول القلق، وتجلى في جبينها ~~وبين عينيها هيبة الانقباض، وأحدق بفمها معنى يعبر عنه بالخوف أو الحذر، واسترسل شعرها ~~ضفيرة واحدة على ظهرها وقد تلألأ القرطان في أذنيها، وكل منهما جوهرة واحدة تضيء في ~~الظلام، فضلا عما في عنقها من العقود الثمينة، وما يحيط بمعصميها من الدمالج والأساور، ~~فأصبحت ملاكا في صورة إنسان. وكانت ريحانة لا ترتوي من النظر إليها، فلما فرغت من إلباسها ~~دعتها إلى الجلوس، فجلست وهي تقول: «وأين الضحاك يا ترى؟» # قالت: «لا يلبث أن يأتينا؛ فقد تركته يهتم بالأحمال ونحوها.» وصفقت ms080 فدخل خادم كان في ~~جملة الخدم خارجا، فقالت له: «أين الضحاك؟» # قال: «كان حول الخباء ثم ذهب. لا أدري إلى أين.» # فأجفلت جلنار من قوله ونظرت إلى ريحانة كأنها تستطلع رأيها في أمره، فقالت ريحانة: «هلم ~~بنا نطل من باب الخباء لنرى منظر هذا المعسكر؛ لعلنا نرى الضحاك.» # فنهضت ومشت على أثر ريحانة حتى أطلتا من باب الخباء، وإذا بسهم سقط بين يديهما عند الباب، ~~فذعرت جلنار وتراجعت، ولم تذعر ريحانة؛ لأنها كثيرا ما شهدت مثل هذه المعارك، فضلا عن ~~اضطرارها للتظاهر بالجلد تشجيعا لمولاتها، فقالت وهي تضحك: «ما الذي أجفلك يا ~~مولاتي؟» # قالت وهي ترتعد خوفا: «يظهر أنهم يحاربون على مقربة منا. بالله ما هذا؟ ما الذي جاء بي ~~إلى هذا المكان؟ كيف رضيت بالمجيء؟ آه يا أبا مسلم.» وكأنها نطقت باسمه سهوا، فخجلت ~~وتشاغلت بمسح دموعها بمنديل كان في منطقتها. # وكانت ريحانة أعلم منها بعظم المصيبة، ولكنها لم يسعها إلا التخفيف عنها، وشعرت أنها ~~أساءت إليها إذ لم تمنعها من المجيء فقالت: «الحرب بعيدة عنا. اخرجي وانظري المعركة؛ فإنها ~~وراء هذا المعسكر بينه وبين المدينة. وأما هذا السهم فقد أفلت وابتعد صدفة. اخرجي.» قالت ~~ذلك وأمسكت بيدها وأخرجتها من الخباء رغم إرادتها، فأطلت على المعركة عن بعد فرأت الفرسان ~~تجول، والنبال تتطاير، والسيوف تبرق في أيدي الفرسان، وبعضهم يحمل التروس، وبعضهم يشرعون ~~الرماح، وأكثر القتال بين الفرسان؛ ولذلك قلما كانوا يترامون بالنبال؛ لأن النبالة أكثرهم ~~من المشاة. فلم تستطع جلنار الصبر على ذلك المنظر فدخلت، ودخلت ريحانة في أثرها وهما ~~صامتتان، وقد شغل خاطرهما؛ لأنهما لم يشاهدا الضحاك، حتى إذا دنا المغيب - وهي الساعة التي ~~تنقبض فيها النفوس بلا سبب - زاد انقباض جلنار وتصورت قرب مجيء زوجها الذي لم تره عيناها، ~~ولا أحبه قلبها، ولا ترجو أن يحبه؛ لانشغاله بسواه، فأمسكت ريحانة بيدها، فأحست هذه ~~بارتعاشها، فقالت: «ما بالك ترتعدين يا مولاتي؟» # قالت: «إني أرتعد لقرب الساعة التي سألقى فيها ابن الكرماني أو كما تسمونه. بالله كيف ~~أقابله؟! ms081 أحقيقة هو زوجي؟! كلا. الموت أحب إلي من قربه.» ثم قبضت على يد ريحانة ~~بيديها جميعا وصاحت: «لا أعرف سبيلا لنجاتي إلا بك.» # قالت: «لا بأس عليك يا سيدتي. أنا أدبر كل شيء، ومن يوم إلى يوم يأتي الله بالفرج. وإنما ~~أتوسل إليك أن تتجلدي بين يديه، ولا تظهري نفورك منه. وقد يكون لا بأس به. كيف تبغضينه قبل ~~أن تنظري إليه؟» # فنظرت إليها جلنار بطرف عينيها ولسان حالها يقول: «ألا تعلمين ما يكنه قلبي من حب أبي ~~مسلم؟» # فأدركت ريحانة مرادها وتبسمت وهي تقول: «كوني على يقين من أنك ستنالين بغيتك، ولكن بالصبر ~~والحزم.» # الفصل الثلاثون # | العريس # ثم سمعتا صهيل الخيل وضوضاء الناس فأجفلتا معا، ولكن ريحانة تشجعت وقالت: «يظهر أن ~~الفرسان قد رجعوا من المعركة.» ثم خرجت حتى أطلت من باب الخباء وعادت وهي تقول: «لقد أتى ~~الأمير على فرسه وهو مخضب بالدماء، كما قلت لك، وسيأتي إليك؛ فلا تجزعي.» # فقالت: «والضحاك لم يأتي بعد. أين هو؟ لقد تركنا في ساعة الحاجة إليه.» # قالت: «لا تلومي الغائب حتى يحضر!» # ثم جاء بعض الخدم من رجال الكرماني يحملون الشموع مغروسة في أعواد نصبوها في جوانب ~~الخباء، فأضاء المكان وجلنار لا تستطيع الوقوف من شدة التأثر، فجلست وقد اصطكت ركبتاها، ~~وإذا هي بالضوضاء تقترب من الخباء، ثم سمعت رجلا يتكلم قرب الباب بصوت عال يقول: «أين ~~خباء عروسنا الدهقانة.» # فلما سمعت جلنار صوته تحققت أنه عريسها، فارتعدت فرائصها، وازداد اضطرابها، فتشاغلت ~~بمطرفها تلف به منكبيها، ويداها ترتعشان وقد بردتا، فخرجت ريحانة لاستقباله بالباب وقالت: ~~«أهلا بالأمير الجليل. إن مولاي الدهقان يوصيك بابنته خيرا، ويقول لك إنه قد عهد إليك ~~بفلذة كبده؛ فكن رفيقا بها.» # فقال: «لقد أوصى حريصا. إن الدهقانة تنزل عندنا في أرفع منزلة وأعز مكان.» ومشى نحو ~~الغرفة وهو يقول: «وأين هي؟» # فقالت: «هي جالسة في حجرتها، وقد أنهكها التعب على أثر السفر في أثناء النهار.» # فأدرك مرادها وقال: «إني إنما أطلب راحتها، ولكنني أحببت لقاءها والترحيب بها.» ms082 ودخل وقد ~~تنسم رائحة الطيب. # وكانت جلنار جالسة وقد سمعت قوله، فسكن روعها وأطرقت وهي ترقب دخوله بجوارحها، فلما دخل ~~حجرتها وأقبل عليها ورأى جمالها أخذت بمجامع قلبه، ولكنه هابها وقال: «مرحبا بعروسنا. لقد ~~أتيت أهلا ونزلت سهلا، وأرجو أن يكون مقامك عندنا أمتع من مقامك في بيت أبيك.» # فرفعت جلنار بصرها إليه لترى وجهه والحياء يغالبها، فرأت شابا في نحو الثلاثين من ~~عمره، قصير القامة، عريض المنكبين، وقد توشح بعباءة من الحرير، وتقلد السيف، وغرس الخنجر في ~~منطقته، وعلى رأسه عمامة حمراء، وكان مستدير الوجه واللحية، دقيق الشاربين، وقد ذهبت إحدى ~~عينيه. فلما دنا منها جلس على البساط أمامها ووضع السيف على حجره وقال: «لا بأس عليك يا ~~جلنار، أرجو أن يذهب عنك تعب السفر الليلة، وأن يكون مجيئك فأل خير على هذا المعسكر؛ فقد ~~وصلت والحرب قائمة بيننا وبين صاحب مرو، وعدنا من هذه المعركة ظافرين بعون الله؛ فعسى أن ~~يأتينا الفتح على يديك وببركة مجيئك.» # وكانت جلنار مطرقة حياء وتلعثما لا تدري بماذا تجيب. وفتح على ريحانة برأي توسمت من ~~ورائه فرجا، فأجابت عنها قائلة: «ذلك ما نرجوه أيها الأمير البطل؛ فقد قدمنا ونحن نتوقع أن ~~يكون مقامنا في مدينة مرو؛ فعسى ألا تطول إقامتنا في هذا المعسكر.» # فتحمس علي وقال: «لو تقدم مجيئكم يسيرا لنزلتم توا في مرو، وقد كانت في قبضتنا فخرجت ~~من أيدينا منذ أيام، ولكنها ستعود إلينا، بإذن الله.» # فأدركت جلنار غرض ريحانة من ذلك التعريض، فقالت والحياء يغالب منطقها: «فكان مجيئنا ~~شؤما عليكم؛ فكيف تتوقعون أن يكون بركة؟ ولو كان كذلك لما كان نزولنا في غير دار الإمارة ~~في مرو.» # قال: «عفوا أيتها الدهقانة. إن مجيئك بركة وفأل حسن، وأنا على يقين من ذلك، وسترين صدق ~~قولي.» # قالت: «أنت صادق، ولكنا علمنا شؤم مجيئنا من النبال التى رأيناها تتساقط حولنا منذ ~~أنيخت المطايا بنا.» # فازداد علي حماسة وأريحية، وهان عليه كل صعب في سبيل رضاها، وقال: «إنك ستبيتين غدا في ~~دار الإمارة، ms083 بإذن الله.» قال ذلك إرضاء لخاطرها، ولم يدر أنه قيد نفسه بوعد دون الوصول ~~إليه خرط القتاد، فلم تغفل ريحانة عن اغتنام تلك الهفوة، فنظرت إلى مولاتها وهي تظهر ~~الإعجاب بأريحية علي وقالت: «إن الأمير يا مولاتي قد قال - وقوله عهد - إنك لا تبيتين ~~غدا إلا في دار الإمارة.» # فقال علي وقد أخذ الهيام منه مأخذا عظيما واستسهل الصعب: «نعم. لا تبيتين إلا في دار ~~الإمارة.» ثم أدرك تسرعه فأراد أن يوسع على نفسه فقال: «وأعاهدك على الأقل أني لا أتمتع ~~بهذا الوجه الجميل إلا في تلك الدار.» # فأطرقت جلنار حياء وتشاغلت بالعبث بأهداب المطرف وسكتت، فأجابت ريحانة عنها قائلة: «بورك ~~فيك من شهم حر. والحر إذا عاهد وفى.» # فنهض وقد ثارت النخوة في رأسه وقال: «أستودعك الله، وسترين بلائي غدا؛ فاذهبي الآن إلى ~~فراشك واستريحي.» ثم خرج وهو يجر سيفه وراءه. # فلما توارى نظرت ريحانة إلى سيدتها وهي تبتسم، وقالت لها بالفارسية: «ما قولك في هذا ~~العهد؟» # قالت جلنار: «لا بأس به، ولكني أخشى أن يتمكن من دخول مرو غدا.» # قالت ريحانة: «لا أظنه يستطيع، وإذا تمكن من ذلك كان جديرا بك؛ إذ لا يكون لأبي مسلم ~~حينئذ شأن.» # فقطعت كلامها وقالت: «لا تقولي ذلك. إن أبا مسلم وهو مكبل بالأغلال أحب إلي من سواه ~~ولو كان يتربع على عرش كسرى.» # فتأثرت ريحانة من تعلقها بأبي مسلم إلى هذا الحد وقالت: «دعي ذلك إلى تدبير العزيز ~~الحكيم. وإن غدا لناظره قريب. ولكن غياب الضحاك قد شغل خاطري، وهو إنما جاء معنا ليكون في ~~خدمتك. قومي الآن لنتناول الطعام ثم ننظر ماذا يكون.» # الفصل الحادي والثلاثون # | الضحاك # فنهضتا إلى حجرة الطعام في ذلك الخباء - وكانت الجواري قد أعددن الطعام - فجلستا لتناوله ~~وإذا بأحد الخدم قد دخل مهرولا وهو يقول: «إن الضحاك بالباب.» # فانبسطت نفس جلنار وزهدت الطعام لرغبتها في مقابلة الضحاك، ولم تكن ريحانة أقل رغبة منها ~~في ذلك؛ لكي تطلعه على ما وفقتا إليه تلك الليلة، فقالت للخادم: «أدخله ms084 إلى الحجرة ~~الوسطى، واحمل إليه الطعام وقل له: إن الدهقانة قادمة إليه عاجلا.» # وأسرعتا في الأكل ثم نهضتا إلى تلك الحجرة، فوجدتا الضحاك قد فرغ من طعامه وجلس في ~~انتظارهما، فوقف لهما، فلما شاهدته جلنار انشرح صدرها وأحست بحمل ثقيل ينزاح عن كاهلها، ثم ~~صاحت فيه: «أين كنت يا رجل؟» # فتأدب في موقفه ويداه في منطقته، وعمامته مائلة على رأسه، وقد نبش شعر لحيته وشاربه حتى ~~تغيرت سحنته، فلم تتمالك جلنار عن الضحك، فأجابها بضحكة طويلة، فأشارت إليه أن يجلس، وجلست ~~وأجلست ريحانة بجانبها، فجثا الضحاك على ركبتيه وقال: «لقد أذنبت بخروجي بلا استئذان، ولكن ~~العفو أقرب للتقوى.» # فقالت ريحانة: «كيف تتركنا وحدنا وقد أوصاك الدهقان برعاية مولاتنا وألا ~~تفارقها؟!» # قال: «نعم. أخطأت بمخالفتي وصية مولاي الدهقان، ولكنني أصبت بمجاراة مولاتي الدهقانة.» ~~قال ذلك وأطرق في حياء. # فقالت: «دعنا من مجونك، وقل أين كنت؟» # قال: «إذا كنت لم تفهمي كلامي، فمولاتي الدهقانة قد فهمته.» ونظر إلى جلنار وقال: ~~«إيه.» # فقالت جلنار: «لعلك ذهبت إلى أبي مسلم؟» # فقهقه ثم قطع ضحكته بغتة وقال لريحانة: «أرأيت الفرق بين من يفهم ومن لا يفهم؟ نعم يا ~~مولاتي قد ذهبت إليه.» # فتطاولت جلنار بعنقها نحوه وقالت: «وماذا فعلت؟» # قال: «غدا تعلمين ماذا فعلت.» # فقالت ريحانة: «قل الآن، فنقول لك ماذا فعلنا نحن.» # قال: «أنا أقول لك ماذا فعلت يا ذكية؛ قد عاهدت صاحبنا ألا يتزوج إلا في دار ~~الإمارة.» # فبغتت جلنار لاطلاعه على ذلك، والتفتت إلى ريحانة لتشاركها في الدهشة، فالتفت الضحاك ~~إلى ريحانة وقال: «وهل من الغريب أن أعرف شيئا أنا فعلته؟» # فقالت ريحانة: «وكيف ذلك ونحن إنما جررناه إلى هذا الوعد خطوة خطوة؟!» # قال: «أنا وضعت الأساس، وقد فكرت في الأمر قبل خروجنا من بيت سيدي الدهقان، فلما وصلنا ~~كان قصارى همي ألا ألاقي العريس، فتركتكم وذهبت إلى جانب المعركة، حتى إذا عاد الأمير علي ~~منها بشرته بمجيء العروس، ثم ألقيت إليه كلاما أعددت به ذهنه إلى ذلك العهد.» # فأعجبتا بتيقظه وذكائه، ms085 وقالت ريحانة: «ثم إلى أين ذهبت؟» # قال: «ذهبت إلى العريس الآخر.» ورفع بصره إلى سقف الخباء وتظاهر بأنه يتفرس فيما نقش ~~عليه من الرسوم والأشكال الملونة ولم يضحك، ثم أرسل بصره إلى جدران الحجرة فابتدرته ريحانة ~~قائلة: «وما الذي فعلته هناك؟» # قال: «غدا تعرفينه.» # فقالت: «أقسمت عليك، وكرامة مولاتنا، أن تفصح وتترك المجون.» # فتظاهر بالجد ووجه خطابا إلى جلنار قائلا: «بحثت عن أبي مسلم في الطريق المؤدي إلى ~~بقائه وحده في هذا الميدان.» # فقالت جلنار: «وكيف ذلك؟ قل.» # فقص عليها ما دار بينه وبين أبي مسلم مختصرا إلى أن قال: «والحق يقال إن هذا الخراساني ~~ذكي عاقل، وبخاصة لأنه شهد لي بالذكاء!» وضحك. # فقالت ريحانة: «إن ذكاءك معروف لنا.» # قال: «أراك تمدحينني كأنك تطمعين في وقد قلت لك إني نذرت العفة ولست أفكر في ~~الزواج!» # فقطعت جلنار كلامه وقالت: «اكفف عن ريحانة ولا تعبث بها.» # قال وهو يحك ذقنه: «كأنك تظنينها تكره ذلك، ولكنني عملا بأمرك قد عفوت عنها؛ لأنني ~~أراها تحبك.» # فضحكت جلنار وقد انبسطت نفسها وخف ما بها، فلما رأت ريحانة سرور سيدتها شاركتها فيه، ~~وشعرت بمقدار فضل الضحاك في كل ذلك، وقالت في نفسها: «لا بد لهذا الرجل المهذار من شأن، وإن ~~أمره لعجيب!» # ثم التفتت ريحانة إلى سيدتها وقالت: «ألا تذهبين إلى الفراش يا مولاتي؟» # قالت: «نذهب.» ووقفت. # فوقف الضحاك وقال: «وأنا ذاهب، وربما لا أنام الليلة؛ فإذا طلبتماني في ساعة ولم تجداني ~~فلا تحسباني فررت.» # قالت جلنار: «افعل ما بدا لك. إننا لا ننسى لك جميلا تبذله في سبيل راحتنا. إذا وفقنا ~~إلى ما نريد كان لك ما ترضاه. انصرف إذا شئت.» # فخرج إلى المبيت في فسطاط الأعوان والحاشية. وكان الكرماني وابنه قد استأنسا به حين ~~لاقاهما في غروب ذلك اليوم، وآنسا فيه خفة الروح، وطيبة الخلق، وخاصة علي بن الكرماني؛ ~~فإنه ارتاح إلى رؤيته، واطمأنت نفسه إليه. # ولم تنقض تلك الليلة حتى علم أن رسول أبي مسلم مر بذلك المعسكر وقبضوا عليه، ورأى ~~الكرماني ms086 في فسطاطه يتلو كتاب أبي مسلم ومعه ابناه علي وعثمان. وكانا لا يفارقان مجلسه، ~~وهما عمدته في حروبه، وكان عثمان أصغر من علي. فلما تحقق الضحاك من نجاح تدبيره ذهب ~~للنوم مع الخدم والأعوان، ولم يخاطبه أحد منهم إلا استخف روحه واستلطفه. # فلما التحم الجيشان في صباح الغد، وقف الضحاك يرصد حركاتهما، فلما رأى الكرماني قد قبل ~~مصالحة نصر بن سيار، أسرع إلى معسكر نصر ملثما واستحث ابن الحارث أن يثأر لأبيه، فجاء ~~وقتل الكرماني، كما تقدم. # الفصل الثاني والثلاثون # | أبو مسلم في خلوته # تركنا أبا مسلم في معسكره فرحا بما أوتيه من نجاح حيلته بالكرماني، فلما تفرق عنه ~~النقباء إلى خيامهم بعد العشاء، ظل هو في غرفته وحده يعمل فكرته في إتمام مشروعه للتفريق ~~بين تلك الجيوش المحيطة بمرو. وكان إذا خلا إلى نفسه ربض كالأسد وأخذ في تدبير الأمور بدهاء ~~يندر مثاله بين الناس، فإذا مل الجلوس وقف وتمشى ذهابا وإيابا كأنه نمر كاسر حبس فى ~~قفص من حديد، وقد جاع وفريسته على مقربة منه، وهو يتحفز للوثوب عليها. ولو نظرت إلى أبي ~~مسلم في تلك الساعة لرأيته عابسا يكاد يزمجر غضبا، ويخيل لك أنه لو أراد الابتسام ~~لعصته غضون وجهه، ولو أمكنك الاطلاع على ما في نفسه تلك الليلة لرأيته يخوض بأفكاره في ~~بحور من الدم، فيقضي على هذا بالقتل وذاك بالأسر؛ لا يبالي إذا حال أحد دون غرضه أن يقتله ~~ولو كان أخاه أو أباه. وكان وهو يتنقل في تدابيره يرى شبح الضحاك نصب عينيه، ويتوقع أن ~~يراه قادما إليه بحيلة يظنها الضحاك فتحا جديدا، وهي عند أبي مسلم قديمة. وأبو مسلم ~~يظهر إعجابه بفطنته تشجيعا له على خدمة أخرى، والضحاك يتوهم أنه يخفي حقيقة مساعيه عن ~~أبي مسلم، وما علم أن هذا الخراساني يقرأ كل ما يجول في خاطره، وقد يدرك ما سيأتي به إليه، ~~أو يشير به عليه، وأنه إنما يظهر له استحسانه وإعجابه دهاء ومكرا، ولا يسايره إلا على ~~شك، وقد أضمر سوء ms087 الظن به؛ لأن الناس أعداء بعضهم لبعض، كل منهم يترصد من صاحبه غفلة ~~يغتاله، وبخاصة في ذلك العصر، وقد اختلفت العناصر، وتباينت المقاصد، وصدرت وصية الإمام ~~إبراهيم بالقتل لمجرد الشك. # وبينما كان أبو مسلم غارقا في عالم الخيال وهو يتمشى وبيده قضيب يلاعبه بين أنامله إذ ~~جاءه الحارس قائلا: «إن بالباب رجلا يطلب مقابلتك.» فأدرك أنه الضحاك، فأذن له فدخل وقد ~~تنكر بقلنسوة من قلانس الفرس فوقها عمامة صغيرة كأنه من كهنة المجوس. فلما أقبل عليه ~~رحب به وبش له؛ تخفيفا لرعبه، ولكن الضحاك قرأ في احمرار عينيه وتغضن جبينه ما دله ~~على أهمية الأمر الذي يفكر فيه، فوقف متأدبا، فخاطبه أبو مسلم قائلا: «أهلا بصديقنا ~~الضحاك.» # فأعظم الضحاك هذا التنازل من أبي مسلم، وبالغ في التأدب في موقفه وقال: «إني لا أستحق هذا ~~الإكرام - يا مولاي - وإنما أنا عبدك وأبتغي رضاك.» # قال أبو مسلم: «ومتى كان العربي يستعبد للفارسي؟» # فوجم الضحاك لحظة ثم قال: «إن المسلمين أخوة، وإنما يفضلون بالتقوى والجهاد. وقد ذهبت ~~الدولة التي تحسب أن للعرب مزيدا على غير العرب، وكانت عصبيتهم للعرب سببا في ذهاب ~~سلطانهم، وكيف لا أكون عبدا لبطل خراسان؛ صاحب دعوة الإمام؟!» # فضحك أبو مسلم وهو يجلس، ثم أشار إلى الضحاك فجلس جاثيا على ركبتيه وقد أطرق وسكت، ~~فابتدره أبو مسلم قائلا: «ما وراءك يا ضحاك؟» # قال الضحاك: «ما ورائي إلا الخير، وقد جئتك مهنئا بما أوتيت من الفوز الباهر. وإنني على ~~استعداد لتلقي الأوامر لعلي أنفذ لك أمرا.» # قال: «إنما نحن مدينون بهذا الفوز لتدبيرك وسعيك، وإذا تم لنا النصر جعلناك في منصب ~~يليق بأمثالك.» # قال الضحاك: «لا ألتمس إلا رضا مولاي الأمير؛ فمرني بما تشاء.» # قال: «قل ما الذي تراه الآن. لقد أعجبني سداد رأيك بالأمس.» فأطرق الضحاك هنيهة كأنه ~~يعمل فكرته ثم قال: «ألا ترى، بعد أن قتل الكرماني، أن تتخلص من ابنه فيخلو لك ~~الجو؟!» # قال: «وشيبان.» # فضحك الضحاك وهو يقول: «شيبان؟ وما شأن هذا الخارجي أمام سطوتك؟ إنه ms088 ليس ممن يحسب لهم ~~حساب.» # قال: «كيف لا وهو صاحب جند وعصبية مثل الكرماني.» # قال الضحاك: «إذا قتلت ابن الكرماني، فعلي تدبير أمر شيبان.» # وكان أبو مسلم في أثناء حديثه ينظر إلى قلنسوة الضحاك وفي نفسه أن يعلم ما تحتها، وقد لحظ ~~من وراء حافتها أن رأس الضحاك حليقا، فأومأ بقضيب إلى القلنسوة وقال: «ومن أتاك بهذه ~~القلنسوة؟» وأظهر أنه غمزها بالقضيب سهوا فسقطت، فبان رأسه حليقا، فوثب الضحاك وقد بغت ~~وتظاهر بالمجون، وبادر إلى القلنسوة فأعادها إلى رأسه حالا وهو يقول: «وقد انتظمت في سلك ~~المجوسية من عهد قريب.» # فتجاهل أبو مسلم ما استطلعه من حلق رأسه وتضاحك وقال: «إن الكهانة خليقة بالفرس وليس ~~بالعرب.» # فأصلح الضحاك قلنسوته وقد امتقع لونه من تلك المفاجأة، ولكنه صدق أن أبا مسلم إنما فعل ~~ذلك سهوا، فقال: «إن الرجل يغير زيه في سبيل تحقيق هدفه، ولو لم ألبسها ما استطعت الوصول ~~إلى خيمتك.» # فتظاهر أبو مسلم بتصديقه وقال: «إنك لتعجبني بجدك وهزلك! فلنعد إلى الجد. قل لي إذا ~~أردنا التخلص من ابن الكرماني؛ فما الحيلة؟» # قال: «إن قتل هذا الرجل هين وصعب في نفس الوقت.» # قال أبو مسلم: «وما معنى ذلك؟» # فقال الضحاك : «إذا أطعتني فيما أشير به كان قتله وقتل كل من في معسكره أهون من قطع ~~الخيط.» # قال أبو مسلم: «وكيف ذلك؟» # قال: «ألا تذكر - يا مولاي - جلستنا في منزل دهقان مرو؛ إذ قلت لك إن إظهارك الرضا لهذه ~~الفتاة المفتونة سيكون عونا لك في تنفيذ مأربك؟» # فأدرك أبو مسلم غرضه، ولكنه تجاهل وقال: «نعم أذكر ذلك، ولكنني لم أفهم مرادك.» # قال: «مرادي أنه يكون لك بها نصير في خيمة ابن الكرماني وعلى فراشه.» # قال: «أتظنها تساعدنا على قتله؟» # قال: «نعم - يا سيدي - أنا أضمن ذلك على شرط.» # قال: «وما هو ذلك الشرط.» # قال: «ذلك شرط هين؛ ترسل إلى هذه الفتاة علامة تؤكد لها رضاك عنها، وأن قتل ابن الكرماني ~~يرضيك، وأنا أتمم الباقي.» # قال: «وما هي العلامة التي تعنيها؟» ms089 # قال الضحاك: «علامة تعرف أنها منك.» # فنظر أبو مسلم إلى الضحاك نظرة كشف بها أسرار قلبه كما يكشف أصحاب أشعة «رونتجن» ما وراء ~~الجوامد وقال: «لا أظنها تقنع منك بغير خاتمي.» # قال: «تلك خير علامة نحقق بها ما نهدف إليه.» # فأطرق أبو مسلم كأنه يتردد في عزمه ثم قال: «أتعلم أهمية هذا الأمر؟ أتعلم أني إذا دفعت ~~إليك خاتمي أكون قد سلمت إليك أمري؟» # قال: «أعلم ذلك يا مولاي، ولو علمت أن الأمر يقضى بدونه لفعلته.» # فأخرج أبو مسلم الخاتم من إصبعه ودفعه إليه وهو يقول: «هذا هو. خذه وامض مسرعا، وعد ~~إلي به الليلة؛ فإني لا أبيت بدونه.» # فوقف الضحاك إجلالا، وتناول الخاتم وقبله ووضعه على رأسه وهو يقول: «ربما لا أستطيع ~~لقاء الدهقانة الليلة؛ فآتيك في الصباح ومعي الخاتم، بإذن الله.» # قال: «سر في حراسة الله.» # ثم استأنف الكلام قائلا: «انتظر هنا ريثما أعود إليك.» قال ذلك وخرج من باب سري في تلك ~~الغرفة، وظل الضحاك واقفا وقلبه يفيض سرورا لما توهمه من نجاح أمره، وأصاخ بسمعه لعله ~~يشعر بحركة أو يسمع صوتا يستدل به على شيء، فلم يسمع شيئا، ثم عاد أبو مسلم وهو يقول: ~~«سر يا ضحاك ، وإذا وفقت في خدمتنا كافأناك، ولكن (وخفض صوته) متى استوثقت من موافقة ~~الفتاة لك، دعها لا تتعجل الأمر، بل تنتظر منا إشارة أخرى. فهمت؟» # قال: «سمعا وطاعة.» وخرج واحتذى نعله في الخارج ومضى. # الفصل الثالث والثلاثون # | ترقب وانتظار # أما ما كان من أمر جلنار، فإنها أصبحت في ذلك اليوم وقد تهيأ الجيشان للنزال، وهي تخاف ~~أن ينتصر الكرماني، فإذا انتصر تعرقلت مساعيها وخابت آمالها، فوقفت مع ماشطتها بحيث ترى ~~المعركة عن بعد، فرأت ضعف جند الكرماني، ثم رأته عاد إلى معسكره ثم رجع وكاد ينتصر فخافت. ~~وأخيرا علمت بما كان من قتله، كما تقدم في وصف المعركة، ثم شاهدت ضعف عسكره وهجوم ابنه ~~علي واتحاده مع أبي مسلم، فاستغربت ذلك ولم تستطع تفسيره، فعادت إلى خبائها مع ريحانة وقد ms090 ~~انقبضت نفسها، وقالت لها بالفارسية: «ما الذي أراه يا ريحانة؟ أليس أبو مسلم ينصر ~~صاحبنا؟» # قالت: «لا يغرك ما تشاهدينه. إنها حيلة من أبي مسلم، ومتى جاء الضحاك يفسر لنا كل ~~ذلك.» # فدخلتا الخباء وهما صامتتان لا تدريان كيف تفسران ما شاهدتاه، ولكنهما صبرتا ريثما يأتي ~~الضحاك. فلما غربت الشمس ولم يأت، انقبضت نفس جلنار ولم تستطع طعاما ولا شرابا، وريحانة ~~تخفف عنها وتمنيها بالمواعيد، ثم سمعتا قرقعة اللجم وصهيل الأفراس بباب الخباء فأجفلتا ~~وعلمتا أن عليا قادم برجاله، فمكثتا صامتتين، وإذا بباب الخباء قد انفتح ودخل علي وثيابه ~~ملطخة بالدماء، وقد أخذ الغضب منه مأخذا عظيما، فخافت جلنار من منظره ولم تعلم بماذا ~~تخاطبه في تلك الحال وقد قتل أبوه، فرأت أن تتجاهل فلبثت صامتة. أما ريحانة فتجلدت ~~واستقبلت عليا وقالت: «أحسن الله عزاء الأمير. إن من يقتل في ساحة الوغى ويخلف مثلك لم ~~يمت؛ لأنك آخذ بثأره.» # فأعجبه قولها وقد سرى عنه، والتفت إلى جلنار وقال: «لنا ببقاء عروسنا الدهقانة أكبر ~~عزاء. أما والدي فسوف نأخذ بثأره من أولئك الأنذال، وما هي إلا أن تطلع الشمس ونعود إلى ~~القتال، فلا تغرب إلا ونحن في دار الإمارة، بإذن الله.» قال ذلك وهو يصلح خوذته على رأسه، ~~وأشار إلى جلنار أن تجلس وهو يحاول الابتسام، رغم ما جاش في صدره من الأسف على قتل والده، ~~وكأنه تسلى عن ذلك برؤية جلنار؛ لأنه أحبها كثيرا. والحب خير ما يسري عن الإنسان، وهو ~~أيضا أصل متاعبه؛ فلولا الحب لم تكبر النفوس، ولا اتسعت المطامع، وإذا كبرت نفس المرء ~~فإنما يؤثر البقاء من أجل محبوبه. ولو تدبرت أحوال الناس لرأيت الحب محور معاملاتهم، وسبب ~~ملذاتهم ومتاعبهم. # والإنسان إذا تجرد من الحب رأى الحياة من العبث، فتصغر نفسه وتنحصر مطامعه في الطعام ~~والشراب، فيشارك الحيوان في الاقتصار على لوازم الحياة، فإذا ملأ جوفه أخلد إلى الخمول، ولا ~~يتحرك حتى تنهضه لواعج الحب، فيطلب العلى، ويرى الحياة ثمينة فيتحمل المشاق في سبيل ~~البقاء. والحب ريحانة ms091 النفس ومهذبها، ورافعها من حضيض الحيوانية إلى أعلى مراتب السمو، ~~ولكنه لا تتمكن عراه إلا إذا تألفت القلوب، وتوافقت لغاتها، وتم التفاهم فيما بينها. وقد ~~تتفاهم في لحظة بلا لسان ولا بيان، فتنفتح للمحبين أبواب النعيم والشقاء معا. وإذا لم ~~تتفاهم القلوب بلسانها عجزت الألسنة وخابت المساعي في سبيل تآلفها؛ فلا لذة هناك ولا شقاء. ~~وينفرد بالشقاء دون اللذة محب تقيد قلبه وظل قلب حبيبه مطلقا؛ قلبه يتكلم وقلب حبيبه ~~أصم، مثل حال ابن الكرماني لو علم بنفور جلنار منه وتعلقها بسواه. وإنما أخر شقاءه جهله ~~بما في ضميرها، واعتقاده بأن الحب متبادل بينهما. ولو سمع مثل تلك التعزية من فمها لذهب ~~حزنه، ونسي مصيبته، على أنه حمل سكوت جلنار عن الحديث معه محمل الحياء، فعذرها واكتفى بما ~~سمعه من ريحانة. # أما جلنار فلم يسعها عند سماع ما قاله علي عنها إلا أن تجيبه قائلة: «إن العزاء ببقاء ~~مولاي الأمير، حفظه المولى وأعانه على الأخذ بالثأر.» # فلما سمع قولها انشرح صدره وقال: «إني سأثأر لأبي بما يسرك.» ثم صفق فجاءت قيمة الخباء، ~~فأمرها أن تحسن رعاية الدهقانة وتلبي مطالبها في كل ما تحتاج إليه، ثم تحول وخرج للاهتمام ~~بأمر الجند والاستعداد للحرب في الغد. # فلما خرج ظلت الدهقانة صامتة وقد تحرك خاطرها شفقة على ذلك الشاب لما تضمره له من ~~الشر، ثم خشيت أن يميل قلبها إليه فتمثلت صورة أبي مسلم في ذهنها، فهاجت عواطفها وذهب رسم ~~علي من ذهنها، ولم تتمالك عند انفرادها بريحانة أن قالت بالفارسية: «متى يأتي الضحاك ~~لنسأله عما شاهدناه في هذا النهار؟» # قالت ريحانة: «لا يلبث أن يأتي، وقد أوصانا بالأمس ألا نستبطئه إذا غاب.» # قالت: «إن لهذا الرجل لشأنا؛ فقد جاء ليكون في خدمتي وأراه يقضي معظم وقته ~~خارجا!» # فقالت ريحانة: «إذا غاب يا مولاتي، فإنما يغيب في خدمتك أيضا. هكذا فعل بالأمس؛ فلا ~~تلومي الغائب حتى يحضر.» # فقطعت جلنار كلامها قائلة: «إني - والحق يقال - لم أر مثل إخلاص هذا العربي في خدمتنا. ~~والغريب ms092 أنه عربي ولم يستنكف أن يكون من موالينا.» # فقالت ريحانة: «إن العرب ليسوا الآن كما كانوا من قبل؛ فقد انحلت عصبيتهم، وانقسموا فيما ~~بينهم، ودالت دولتهم. ألا تذهبين إلى المائدة؟» # فنهضت جلنار ومشت وهي تقول: «نذهب إلى المائدة نتلهى بالطعام ريثما يعود ذلك ~~المهذار.» # فمشت ريحانة في أثرها وهي تتمتم قائلة: «لا أظنه مهذارا.» # تناولتا الطعام وقضتا برهة تتشاغلان بالأحاديث، وكلما سمعتا وقع أقدام تظنان أن الضحاك ~~قادم، حتى طال انتظارهما وغلب عليهما النعاس، فذهبت جلنار إلى الفراش وتوسدت، وظلت ريحانة ~~جالسة بين يديها والنعاس يغالبها والقلق ينبهها، فانقضى هزيع من الليل ونام أهل المعسكر ~~وساد السكوت، وسكت القصاصون والقراء ولم يأت الضحاك، ثم غلب النعاس على جلنار فنامت، ~~وظلت ريحانة جالسة وعيناها مغمضتان من مقاومة النعاس، وقد ثقلت أجفانها وتطأطأ رأسها رغم ~~إرادتها، ونامت نوما متعبا وهي منتبهة الحواس إذا سمعت خربشة استيقظت مذعورة؛ لشدة قلقها ~~على غياب الضحاك. # الفصل الرابع والثلاثون # | أمر شاق # وفي إحدى غمضاتها توهمت أنها تسمع ضحكة الضحاك فذعرت وفتحت عينيها، فإذا هو واقف بإزاء ~~عمود الخباء وكأنهما عمودان، فهمت بأن تصيح فيه، ولكنها فطنت لنوم سيدتها، فخشيت أن ~~توقظها وترعبها، فاقتربت منه وقالت بصوت منخفض : «سامحك الله على هذا الغياب.» # فمشى وهو يشير إليها بيديه أن تتبعه، فتبعته حتى خرجا من تلك الغرفة إلى غرفة أخرى ليس ~~فيها نور. وكانت تبطئ في مشيتها، فأمسكها من يدها وشدها وهو يقول: «لا تخافي. لا بأس ~~عليك.» # قالت: «دعني أحمل إليك السراج؛ لأرى وجهك وأسمع حديثك معا.» # فضحك وقال وقد ترك يدها: «ما أشد شوقك لرؤية هذا الوجه! حسنا، هاتي السراج.» # فعادت وهي تمشي على أطراف أصابعها حتى حملت السراج من غرفة جلنار وجاءت به إلى تلك ~~الحجرة، فثبتته بجانب العمود وجلست، فجلس الضحاك - وكان قد أبدل القلنسوة بالعمامة التي ~~يعرفه بها أهل ذلك المعسكر - فابتدرته قائلة: «لقد طال غيابك الليلة، ونحن في قلق، ومولاتي ~~الدهقانة نامت منقبضة النفس على أثر ما رأته من نصرة أبي مسلم ms093 لجند الكرماني.» # فقطع الضحاك كلامها وقال: «ألم يقتل الكرماني؟ تلك هي نتيجة تأييده له، وإذا طالت ~~مساعدته لهذا البيت أجهز على أهله واحدا بعد واحد.» # فلم تفهم ريحانة ما قاله، فقالت: «بالله لا تكلمني بالألغاز؛ أفصح.» # قال: «قبحك الله ما أقل فهمك! إلى متى أفهمك وأنت لا تفهمين. إن هذا الخراساني ما ~~تقرب من قوم إلا أبادهم في سبيل مصلحته. لقد أظهر أنه نصير للكرماني حتى يستعين به على ~~صاحب مرو، ولم يكن قصده أن يقتل بسرعة، ولكن الأقدار عجلت به.» # قالت: «إن مولاتنا الدهقانة في قلق شديد بسبب غيابك بعد ما علمته من مقتل الكرماني، فهل ~~أوقظها لسماع حديثك؟» # قال: «سأوقظها بعد قليل، وإنما أريد أن أبوح إليك بأمر أرجو أن تساعديني عليه خدمة ~~لمولاتنا.» # فقالت: «ماذا تريد؟» # قال: «إن مقتل الكرماني إنما كان بمسعاي أنا توطئة لمقتل ابنه؛ كي يرضى علينا أبو مسلم، ~~فتنال مولاتنا ما تتمناه.» # قالت: «أنت سعيت في قتل الكرماني؟ لله ما أقدرك! والآن تريد أن تقتل ابنه! وكيف تستطيع ~~ذلك؟» # فضحك وقال: «لا أستطيع ذلك إلا بمساعدتك.» # فبغتت وقالت: «لعلي من أهل السيف؟» # قال: «إن القتل لا يكون بكثرة الجند يا ريحانة، وإنما ينال الإنسان ما يريد بالدهاء ~~والصبر، وأنا الآن آت من عند أبي مسلم، وقد وعدته بقتل ابن الكرماني؛ لأنه أصبح يتوقع ذلك ~~منا منذ لقيته للمرة الأولى وخاطبته بشأن مولاتنا الدهقانة؛ إذ أخبرته بأنها ستكون عونا ~~له في نجاح مهمته، وليس ثمة ما يسهل عليه تلك المهمة أكثر من قتل آل الكرماني؛ لينفرد هو ~~بالقوة ويتغلب على من بقي من جنود العرب. ولا يتم له ذلك إلا بهذه الطريقة.» # فأجفلت ريحانة لذلك الطلب، وسكتت ولم تحر جوابا. # فلما رآها ساكتة وقف وقال: «دعيني أذهب إلى مولاتي جلنار؛ فإنها أعلم منك بأهمية هذا ~~الطلب.» # فوقفت وهي تقول: «لا أظن أن الدهقانة توافق على قتل رجل يتفانى في حبها إلى حد العبادة ~~بلا ذنب اقترفه نحوها، ولا هي تعودت القتل. امكث هنا ريثما ms094 أوقظها ثم أدعوك.» وتركته ~~ومضت، ثم عادت ونادته فتبعها والسراج بيدها حتى دخلت ~~غرفة جلنار؛ وكانت قد جلست في الفراش والتفت بالمطرف، فدخلت ريحانة وكانت قد أخبرتها ~~بمجيء الضحاك، فلما دخلت سألتها عنه فنادته، فدخل ووقف متأدبا، فأمرته بالجلوس فجلس على ~~طنفسة صغيرة عليها رسوم فارسية ملونة، وجعل ركبتيه تحته؛ وهي جلسة التأدب عندهم. # الفصل الخامس والثلاثون # | الرفض # فلما استتب به المقام خاطبته جلنار قائلة: «لقد شغلت بالنا بغيابك وأنت تعلم أن والدي ~~إنما أذن بمجيئك لتكون معي؛ لأني لم أزل أعتبر نفسي غريبة بين هؤلاء القوم، وأنت منذ أتينا ~~إلى هذا المعسكر لم تمكث إلا قليلا، ونحن دائما على أحر من الجمر في انتظارك.» فأطرق ~~الضحاك ولم يجب، فاستأنفت جلنار الكلام وكأنها استدركت موقفها فقالت: «لا أنكر أنك لا ~~تغيب إلا في مهمة تهمني، وأنك من أشد الناس غيرة علي، وسعيا في راحتي، ولكنك أقلقتني في ~~هذا المساء حتى كادت تزهق روحي.» # فابتسم الضحاك ابتسامة اعتذار، وأجاب بسكون ورزانة واحترام: «يسوءني يا مولاتي أن أسبب ~~لك تعبا أو قلقا، ولكني أقسم برأس مولاي الدهقان أني إنما غبت في سبيل خدمتك، ومتى عرفت ~~من أين أنا آت الآن عذرتني.» # قالت: «من أين؟» # فالتفت إلى ريحانة كأنه يستشهدها فيما قاله لها في هذا الشأن وقال: «قصصت بعض حديثي على ~~ريحانة في أثناء نومك، ولا بأس من الإعادة: أتيت الآن من معسكر الخراسانيين بعد مداولتي مع ~~الأمير أبي مسلم.» # فلما سمعت الاسم بدا الاحمرار في وجهها، وظهرت علامات الحب في عينيها، وغلب عليها الحياء، ~~فأطرقت وهي تبدي عدم الاهتمام ثم قالت: «وما الذي حدث؟» # قال: «لم يحدث شيء بعد، وأخشى ألا يحدث شيء فيذهب سعينا هباء.» # قالت وقد أوجست من ذلك القول: «ما الذي تخشاه؟» # قال وهو يخفض صوته: «أخاف أن ينقلب سعينا علينا؛ فنحن إنما ركبنا هذا المركب الخشن وحملنا ~~دهقانة مرو إلى خيمة هذا الرجل، وحملناها ما حملناها من المشقة، وعرضناها للخطر على ~~شرط الوصول إلى ما تبتغيه من قائد ms095 جند الخراسانيين، وقد تنسمت من كلام ريحانة الآن أن الأمر ~~سيصير إلى غير المراد.» # فالتفتت إلى ريحانة وفي عينيها أمارات الاستفهام، فأجابتها بنظرة الاستغراب، فقال الضحاك: ~~«لا تستغربي يا مولاتي، فإني أفصح لك عن مرادي بعبارة وجيزة. قد رأيت اليوم ما كان من ~~تأييد أبي مسلم لابن الكرماني، ولا أظنك تجهلين معنى ذلك التأييد؛ فأبو مسلم لم ينصر عدوه ~~هذا إلا احتيالا حتى يتمكن من الفوز عليه في شيئين مهمين؛ الأول: أنت؛ وهو الأهم عنده، ~~والثاني: فتح مرو. ولا يغرنك ما يبديه ابن الكرماني من مسايرة أبي مسلم، فهو إنما يسايره ~~ريثما يحقق غرضه فيتزوج الدهقانة ويفتح مرو، وكل منهما لا ينال غرضه إلا بقتل صاحبه ~~لينفرد بالغنيمتين؛ فالكرماني يدبر الوسائل لقتل أبي مسلم، وهذا يدبرها لقتل ابن الكرماني، ~~وترجيح الفوز لأحد المتنافسين راجع إلى رأيك.» # فاستغربت جلنار هذا التفصيل، وأدركت بعض ما يهدف إليه الضحاك، وأشكل عليها البعض الآخر ~~فقالت: «وما أثر رأيي في ذلك؟» # فقال وهو يبالغ في خفض صوته وجلنار تطاول بعنقها نحوه: «إن ابن الكرماني يترقب غفلة من ~~أبي مسلم ليغتاله، ولا ندري متى يتأتى له ذلك، وقد أراد أبو مسلم أن يسبقه إلى اغتنام تلك ~~الغفلة منه فيقتله، وريحانة تأبى ذلك؛ فأرجو ألا يكون رأيك من رأيها.» # فقالت: «هل ترضى ريحانة بفوز ابن الكرماني؟ لا أظن.» # قال: «لم تقل ذلك صريحا، ولكنني ذكرت لها طريقة تسهل قتل هذا الرجل وتجمعك بأبي مسلم، ~~فعرقلت مساعي.» # فقطعت ريحانة كلامه ووجهت خطابها إلى جلنار قائلة: «ليس الأمر كذلك يا مولاتي، ولكنه ~~جاءني برأي لا أظنك ترضين به.» # فابتدرها الضحاك قائلا: «ألا ترضى مولاتنا بقتل هذا الرجل وفوزها بأبي مسلم؟» # قالت ريحانة: «ولكنك تريد أن يكون قتله على يدها!» # فلما سمعت جلنار قولها بدا الارتباك في وجهها، ونظرت إلى الضحاك فرأته يصعد كتفيه ويقلب ~~شفتيه ولسان حاله يقول: «ذلك لا يعنيني.» # فقالت جلنار: «أحقيقة أنت تعني ذلك؟ أتعني أن أقتل هذا الرجل؟ وكيف أقتله وهو لم يسئ ~~إلي بشيء؟» ms096 # قال: «تفعلين كما تشائين. كأنك ألفت الإقامة هنا ونسيت وعدك.» # قالت: «لم أنس وعدي، ولا أريد تغيير عزمي، وأنت تعلم ذلك.» # فمد يده إلى جيبه وأخرج الخاتم ودفعه إليها وقال: «وهل تعرفين صاحب هذا الخاتم؟» # فتناولته وقرأت ما عليه بقرب السراج، فإذا عليه اسم أبي مسلم، فاختلج قلبها في صدرها، ~~وهاجت عواطفها، وتنسمت منه رائحة حبيبها، ونظرت إلى الضحاك وقالت: «هذا خاتمه. ما الذي ~~جاء به إليك؟» # قال: «لم أسرقه، ولكن صاحبه دفعه إلي دليلا على صدق رسالتي، فهل تصدقين ما ~~أقوله؟» # قالت: «وهل كذبتك في شيء قبل الآن؟» # قال: «كلا.» # قالت: «وما الذي بعثك به إلي؟» # قال: «قصصت عليك غرضه، وخلاصة ذلك أننا إن لم نقتل صاحب هذه الخيمة فهو يقتل صاحب هذا ~~الخاتم؛ فإن أحدهما سيقتل الآخر لا محالة، فإذا لم نعمل على قتل هذا فكأننا سعينا في قتل ~~ذاك، ولا سبيل إلى ذلك إلا بك؛ فاختاري أحد الوجهين.» # فأدركت جلنار غرضه فأعظمت الطلب، ولكنها أعظمت أن تعرض حبيبها للخطر وهي تعتقد أنه ~~يحبها، وفي قتله ذهاب كل آمالها؛ فلبثت حائرة ساكتة، واستولى السكوت على تلك الجلسة السرية ~~لحظة، وكل من الحضور مطرق يفكر، ثم فتحت جلنار الكلام قائلة : «قد أوقعتني في حيرة لا ~~أعرف كيف أنجو منها. أما القتل فلا طاقة لي به، ولكنني أبذل جهدي في منع الأذى عن ~~ذاك.» # فضحك الرجل وقال: «تمنعين الأذى؟ إذن افعلي ما بدا لك؛ فأنا غير مسئول عن تبعة ما يحدث من ~~عاقبة هذا التردد.» # فخشيت تهديده وازدادت حيرة وعادت إلى السكوت، فقال الضحاك: «كيف تمنعين الأذى وأنت محبوسة ~~في هذه الخيمة، ولا يمكن خروجك منها إلا بقتل صاحبها، وإذا لم نعجل بمقتله سبقنا هو إلى قتل ~~صاحبنا، ونندم حين لا ينفعنا الندم. ومع ذلك فأنت صاحبة الشأن ونحن طوع أمرك، فإن الخسارة ~~إنما تعود عليك؛ فافعلي ما تشائين.» # فقالت: «أقتله بيدي؟ بالله كيف أستطيع ذلك؟ تبصر في الأمر يا ضحاك، واجعل نفسك في ~~موضعي، فما الذي تفعله؟» # قال: «أنا؟ ms097 لو كنت في مكانك لقضيت هذا الأمر بجرعة ماء أو لقمة طعام.» # فأطرقت هنيهة ثم قالت: «لا، لا أقدر على ذلك، ولكنني أبذل جهدي في منع الأذى عن ... وإذا ~~استطعت المساعدة في ...» وسكتت، ثم قالت: «دعني أتدبر هذه المسألة وأرى ما يفتح علي ~~به.» # فنهض الضحاك وقد اعتزم أن يقنع جلنار في جلسة أخرى، وقال لها: «ارجعي لي هذا الخاتم ~~لأرده إلى صاحبه، وأنا علي يقين أنك ستوافقين على رأيي.» # فقالت: «وهل ترده إليه الليلة؟» # قال: «لا بد من ذلك، ولم يعطني إياه إلا على هذا الشرط.» # فتثاقلت جلنار في دفع الخاتم إليه؛ لأنها استأنست به، وتنسمت منه ريح حبيبها، ثم انتبهت ~~لتثاقلها والضحاك واقف في انتظارها، فدفعته إليه رغم إرادتها، فتناوله وخرج، وترك الدهقانة ~~وماشطتها في بحور من الهواجس. # الفصل السادس والثلاثون # | كشف المعمى # أما هو فسار مسرعا حتى خرج من المعسكر وقد ذهب نصف الليل، وأطل القمر من وراء الجبال ~~عن بعد، فانفرد الضحاك في مكان نزع فيه جبته، وغير قيافته، وحل عمامته، ثم تعمم ~~تعميما خاصا ومشط لحيته وشد منطقته في وسطه، وأصلح من شأنه حتى ذهبت عنه هيئة المجون، ~~واتجه نحو معسكر شيبان الخارجي. # وكان معسكر الخوارج وراء معسكر الكرماني في منبسط من الأرض، والخوارج - كما لا يخفى - ~~يذهبون إلى نزع السلطة من كل مسلم، ويرون أن الحكم لله وحده. يقولون ذلك ويطلبون السلطة ~~لأنفسهم، فغرضهم مثل أغراض سائر طلاب الخلافة في ذلك العهد، ولو اختلفت الأسباب. وكان ~~زعيمهم شيبان قد جاء برجاله وحاصروا مرو قبل مجيء أبي مسلم - كما تقدم - وجاء الكرماني ~~فتنازعا على مرو. # وكان نصر بن سيار؛ صاحب مرو، من أهل الدهاء والحزم، فكان إذا خاف أحد العدوين استعان عليه ~~بالعدو الآخر، فلم يستطع أحد منهما أن يتغلب عليه. # وكان الضحاك من أمراء الخوارج، شديد التمسك بمذهبهم، فلما تحقق من امتناع مرو على أصحابه، ~~وبلغه سعي الكرماني في زواج ابنه من ابنة دهقان مرو منذ أشهر، رأى أن يحتال في قتل الكرماني ~~غيلة، ms098 وخطر له أن يتنكر ويدخل في خدمة ذلك الدهقان، ويحبب نفسه إلى الدهقانة حتى تستأنس ~~به، ويكون في جملة من يحمل معها من الخدم والعبيد إلى بيت زوجها، فيتقرب من الكرماني، ~~ويغتنم غفلته واطمئنانه ويقتله، فيشتد أزر الخوارج وينفردوا بمحاربة مرو؛ فيتم لهم النصر، ~~فاحتال حتى بيع للدهقان في جملة مماليك بيعوا له، وبذل جهده بالتقرب من الدهقانة بواسطة ~~ريحانة بما كان يبديه من المجون ونحوه، حتى وثقت الدهقانة به كل الثقة، وصارت تعهد بأسرارها ~~إليه. وكان يحرض ريحانة على تحبيب ابن الكرماني إلى سيدتها. # وبينما هو يسعى في ذلك جاء أبو مسلم إلى الدهقان ونزل عنده، فاطلع الضحاك على مقاصده، ~~وعرف قوته، فأعمل فكرته في تدبير الحيلة، ثم كلفته ريحانة مخابرة أبي مسلم بشأن زواجها به، ~~كما تقدم، فرأى أن يستعين بأبي مسلم على قتل الكرماني وابنه بواسطة جلنار، فشجعه على ~~الإفادة منها، ونقل إليها خبر رضاه بها من عند نفسه، وأراد أن يستخدم الدهقانة لقتل ~~الكرماني وابنه، وغيرهما إذا اقتضت الحال، ثم يتمكن من قتل أبي مسلم إذا ساعدته الأحوال، ~~وإلا فيكتفي بقتل ابن الكرماني فيبقى اليمنية بلا أمير، فيحضهم على الاتحاد مع شيبان؛ ~~لأنهم من العرب، وهم بالطبع يفضلون العرب على الخراسانيين، فينصرون شيبان، فينفرد أبو ~~مسلم برجاله الخراسانيين، وهم قليلون، فيغلبه الخوارج ويفتحون مرو لأنفسهم، ويتم لهم ما ~~كانوا يأملونه من إخراج بني أمية من خراسان والاستقلال بها. # فلما جاء أبو مسلم إلى مرو، وعلم الضحاك أن أبا مسلم لا بد له من الاستعانة بالكرماني على ~~شيبان ونصر، تظاهر بأنه على رأيه، وأشار عليه بالتفريق بين الأميرين، كما رأيت، وزعم أنه ~~استنبط هذا الرأي من نفسه ليكتسب ثقة أبي مسلم؛ توصلا إلى إغرائه بقتل ابن الكرماني بواسطة ~~جلنار. وكان في خلال إقامته عند دهقان مرو، وبعد مجيئه إلى معسكر الكرماني، يتردد سرا إلى ~~معسكر الخوارج، ويطلع شيبان على تدابيره؛ ولذلك ظل شيبان بعد قدوم أبي مسلم إلى مرو هادئا ~~لا يحارب؛ عملا بمشورة الضحاك بالانتظار؛ فإما ms099 أن يحارب أبو مسلم الكرماني فيفني أحدهما ~~الآخر، فيخلو الجو لشيبان، أو أن يحتال الضحاك في قتل ابن الكرماني. # وكان شيبان قد تواطأ هو والضحاك في مساء الأمس أن ~~يذهب الضحاك إلى أبي مسلم فيحرضه على قتل ابن الكرماني على يد جلنار، فإذا تحقق له ذلك ~~بعث دعاة الخوارج إلى اليمنية؛ رجال الكرماني، يحرضونهم على الاتحاد معهم؛ لأنهم عرب مثلهم، ~~ويطلعونهم على حيلة أبي مسلم في التفريق بينهم بالكتب التي أرسلها إليهم مع الرسول. وكان ~~شيبان عازما على مهاجمة مرو في صباح الغد حالما يعلم بقتل ابن الكرماني، فبعث أمراءه في ~~المعسكر يستحثون الرجال على التأهب، وأمر القصاصين أن يتلوا على الجيش أقوال عنترة وغيره من ~~أشعار الجاهليين في الحماسة والفخر؛ استنهاضا للهمم، وتحريضا على العصبية العربية؛ # 1 # تلك كانت عادة الجنود العربية في حروبها. # الفصل السابع والثلاثون # | القصاص ورفيقه # وجلس شيبان في خيمته ينتظر مجيء الضحاك، فلما استبطأ مجيئه وقد مضى هزيع من الليل ضجر، ~~وخشي أن يتغلب عليه النعاس وعلى أمرائه الساهرين معه لهذه الغاية، فأمر أحد غلمانه أن يأتيه ~~بقصاص يتلو عليه بعض الأشعار أو القصص على سبيل التسلية، فذهب الغلام ثم عاد وهو يقول: ~~«إنه سمع قصاصا ينشد أشعارا حماسية بصوت رخيم، ويضرب على الطنبور بأطرب ~~الأنغام.» # فقال شيبان: «وأين هو؟» # قال الغلام: «هو بجانب فسطاط الأمير. ألا تسمع صوته؟» # فأصاخ شيبان بأذنيه، فسمع نشيدا مطربا وصوتا عاليا يدوي في ذلك الليل الهادئ تتخلله ~~أنغام الطنبور، فأمر الغلام أن يأتي به حالا. # فخرج الغلام ثم عاد ووراءه شيخ طاعن في السن، طويل القامة، عريض المنكبين، عليه عمامة ~~صغيرة، واسع اللحية والصدر، أبيض الشعر، وقد غطت لحيته معظم صدره، وعليه عباءة حمراء قصيرة، ~~وبيده طنبور يضرب عليه بلباقة، ومعه رجل قصير القامة على رأسه عمامة كبيرة لها زائدتان ~~عريضتان؛ إحداهما مرسلة إلى الوراء، والأخرى مدلاة على جبينه فوق عينيه؛ كأنه يشكو رمدا ~~فأصبح مغمض العينين، وإذا مشي تعلق برفيقه القصاص يلتمس الطريق في أثره، وبيده دف صغير ms100 ~~ينقر عليه نقرا جميلا. # وكان شيبان في خيمة كبيرة قائمة على عدة أعمدة، في أرضها بساط كبير قد جلس هو في صدره على ~~وسادة، وبين يديه بضعة أمراء من خاصته، فلما رأى القصاص داخلا أمره بالجلوس والإنشاد ~~وأجلس رفيقه، فبدأ هذا بالنقر على الدف نقرا محكما، وأخذ القصاص في الإنشاد بما يطرب ~~الجماد، فأنشد بعض أشعار عنترة، ثم أمره شيبان أن ينشد أشعار غيره من الجاهليين، فتلا ~~أقوال زهير وطرفة وغيرهما وهو يضرب على الطنبور بما يثير الحماس في النفس. وكلما قال بيتا ~~حماسيا هاج الأمراء وتحمسوا واستعادوه، وطلب إليه بعضهم أن يقص أخبار حرب البسوس، ويوم ~~ذي قار؛ الذي انتصف فيه العرب من العجم، وغيرهما من مواقع الجاهلية المشهورة، فأجابهم في كل ~~ما يطلبون سواء كان قصة أو شعرا أو ضربا على الطنبور، ورفيقه ينقر على الدف نقرا حسنا، ~~ويساعد القصاص فى الإنشاد وهو مطرق إلى الأرض من ألم عينيه، فطرب الجميع ونسوا ما كانوا ~~فيه من ملل الانتظار، وتجمع رجال الحاشية والخدم في الخيمة وحولها حتى تكاثروا ~~واختلطوا. # وبينما هم في تلك الضوضاء دخل غلام تخطى رقاب الناس حتى وقف بين يدي شيبان وأسر إليه ~~قولا، فأشار شيبان إشارة تحرك لها كل من كان من الأمراء والحاشية، ووقفوا وعلت ضوضاؤهم ~~وهموا بالخروج، فوقف القصاص وتعلق به رفيقه وأرادا الخروج مع الخارجين، فجاءهما أحد ~~الغلمان وأمرهما بالانتقال من الفسطاط إلى خيمته الخاصة بجوار ذلك المكان، فخرج القصاص ~~ورفيقه ممسك بطرف ثوبه، فرأى القصاص وهو خارج رجلا طويلا دخل الفسطاط، فتنحى له الناس ~~واستقبله شيبان بالترحاب وأجلسه إلى جانبه وهو يقول: «أهلا بالأمير شبيب.» # ولم تمض بضع دقائق حتى خرج الناس من الفسطاط إلا الأمير شيبان والأمير شبيبا، وبضعة ~~أمراء آخرين، وتحول سائر الحاشية والأعوان إلى خيمة بالقرب من الفسطاط. وأراد القصاص أن ~~ينصرف، فأمسكه أحد الخدم وأمره أن يدخل تلك الخيمة وينشد لبعض رجال الحاشية هناك، فدخل مع ~~رفيقه وأخذا في الإنشاد والضرب والنقر، فبعث الأمير شيبان إليهم أن ms101 يسكتوا لئلا يشوشوا على ~~حديثهم، على أن يستبقوا القصاص إلى ما بعد الفراغ من الحديث، ففعلوا. # الفصل الثامن والثلاثون # | شيبان وشبيب # فلما خلا شيبان بشبيب ومن ظل في الفسطاط من خاصته، انطلق لسانه بالترحاب وهش له، ~~واستدناه حتى تماست ركبتاهما، وشيبان يقول: «بورك في الأمير شبيب. أرجو أن تكون قد نجحت ~~وآن لنا الظهور.» # قال: «النجاح لا ريب فيه، بإذن الله، وببركة الأمير شيبان.» قال ذلك وأخرج خاتم أبي مسلم ~~ودفعه إليه. # فبغت شيبان وتناول الخاتم وتفرس فيه، فلما عرفه تبسم والتفت إلى أمير بجانبه وقال: ~~«هذا خاتم الشاب الخراساني، فما قولكم فيمن تمكن من الحصول عليه؟» # فأجاب أحد الأمراء قائلا: «ما الذي ينفعنا من خاتمه وهو معسكر أمامنا وقد اتحد مع ~~هؤلاء اليمنية، وقبض على زمام أميرهم الكرماني بعد أن قتل أباه؟ فإذا اتحدا على صاحب مرو ~~غلباه ولا فائدة من مقامنا هنا.» # فضحك شبيب غير ضحكة الضحاك ووجه خطابه إلى الأمير شيبان وهو يتربع في مجلسه، ويده ~~اليمنى على ركبة شيبان، واليسرى يحك بها ذقنه، وقال: «لم أخط خطوة إلا وأنا حاسب لها ~~حسابا، وأظنني أحسنت التدبير، وسأوضح لكم رأيي، فإذا بدا لكم تعديله أطعتكم فيه.» ثم التفت ~~يمينا ويسارا كأنه يتأكد من خلو المكان من الغرباء أو الخدم، فابتدره شيبان قائلا: «قل. ~~إننا في مأمن من العيون، وليس حولنا أحد نخشى منه على إفشاء سرنا.» # فقال شبيب: «لا يهمنا هذا الخاتم إن لم نقتل به ابن الكرماني الليلة أو غدا!» # فقال شيبان وهو يظهر الإعجاب والدهشة: «الليلة؟» # قال شبيب: «كنت أتوقع قتله الليلة، ولكنه في حال لا يبقى بها إلى ما بعد الغد.» # فقال أحد الأمراء: «وكيف نقتله وهو محاط بالحرس والحاشية؟» # فاعترضه شيبان قائلا: «نقتله بالدهاء والذكاء، وإذا كنتم تعرفون دهاء الأمير شبيب فلا ~~تستغربوا ذلك منه.» ثم التفت إلى شبيب كأنه يلتمس منه إتمام الحديث، فقال شبيب: «إذا قتل ~~ابن الكرماني فإن رجاله يكونون معنا على أبي مسلم؛ لأنهم عرب مثلنا، وكلهم يمنية، وهم طبعا ms102 ~~يكرهون عرب خراسان ومضر ومرو، ولم يجمع كلمتهم علينا الآن إلا أميرهم المذكور، فمتى قتل ~~فعلي (وأشار بإصبعه إلى صدره) أن أجمع كلمتهم تحت قدم الأمير شيبان، فإذا فعلنا ذلك ~~تكاتفنا أولا على قتل أبي مسلم وتشتيت جمعه. ولا ريب في أن نصرا؛ صاحب مرو، يساعدنا على ~~ذلك أو يلزم الحياد على الأقل.» # فقطع شيبان الحديث بقوله: «بل هو يساعدنا؛ لأنه بعث إلي في صباح هذا اليوم يطلب ~~محالفتي.» # فقال شبيب: «ولو لم يطلب هو نصرتنا لطلبنا نصرته، وإنما الغرض الأول أن تتخلص من ابن ~~الكرماني، ولا تحسبن التخلص منه هينا، بل هو يستحيل على سواي؛ ولذلك حديث يطول شرحه، ~~والأمير شيبان يعرف معظمه.» # فأجاب شيبان بإحناء رأسه وإطباق جفنه أن نعم. # فقال شبيب وهو ويوجه حديثه إلى شيبان: «لقد زهقت روحها قبل الوصول إلى الغرض المنشود؛ ~~فالفتاة المفتونة بحب ذلك الخراساني جعلتها تعتقد أنه مفتون بها، وأنه لا سبيل لها إليه إلا ~~بقتل خطيبها ابن الكرماني؛ وهذا أكثر تفانيا في حب هذه الفتاة من تفانيها في حب أبي مسلم، ~~وأرجو أن يهلكوا جميعا نتيجة لهذا الحب. وقد بذلت كل ما في وسعي لتحريضها على قتل ابن ~~الكرماني، أو مساعدتي في قتله بالسم أو نحوه؛ إرضاء لحبيبها، وهو - في الحقيقة - لا ~~يحبها، ولكنه مالأني على إظهار الحب لتحقيق غرضه، كما خدعته باستماتتي في سبيل دعوته ~~لتحقيق غرضي، وهو يحسب نفسه يخادعني ويسايرني ويظنني مخدوعا مغرورا، وهو المخدوع ~~المغرور. والخلاصة أني خدعته حتى دفع إلي خاتمه علامة منه لتلك الدهقانة أنه يحبها، وأنه ~~يريد منها أن تفتك بخطيبها. وأعترف لكم أني آنست منها مقاومة في بادئ الأمر، ولكني سأعيد ~~الكرة في الغد، بحيث لا ينقضي اليوم إلا وقد نفذت الحيلة.» # فظهرت أمارات الإعجاب على وجوه السامعين وهم يتطاولون بأعناقهم نحوه، ويرقبون حركات شفتيه ~~وعينيه لاستيعاب أقواله، فلما رأى منهم ذلك تنحنح وسكت وهو مطرق كأنه يفكر في أمر خطير، ~~فسكتوا وأصبحوا يتوقعون منه قولا، فإذا هو يقطب حاجبيه ويرفعهما كما يفعل ms103 الحائر، ثم التفت ~~إلى شيبان وقال: «بقي أمر لا بد من الرجوع فيه إليكم، والاعتماد عليكم.» # فتجمعت أنظارهم عليه وقال شيبان: «وما الذي تريده؟» # قال: «لا بد لنا من تمهيد السبيل لجمع كلمة هؤلاء اليمنية معنا؛ بحيث إذا قتل أميرهم ~~انحازوا إلينا، وتم الأمر لنا.» # فقال شيبان: «وهل تفعل ذلك قبل مقتل الرجل أو بعده؟» # قال: «يجب أن نمهد السبيل قبلا؛ خوفا من الفشل، وأرى أن يكون ذلك بمخاطبة كبار الأمراء ~~سرا. ولولا انشغالي فيما هو أهم من ذلك لما تكلفت المشقة في تبغيض أبي مسلم إلى اليمنية ~~أكثر من إطلاعهم على حيلته في إلقاء الفتنة بينهم وبين المضرية. وهو الرأي الذي أشرت به ~~وعرضته عليه يوم وصوله، كما تعلمون، فإذا اطلعوا على هذا السر مع ما في قلوبهم من الكره ~~الطبيعي للفرس اتحدوا معنا لا محالة، فما قولكم؟» # فلم يتمالكوا أن صاحوا بصوت واحد: «هذا هو الرأي الصائب.» # فوقف شبيب وهو يتوكأ على كتف الأمير شيبان ويقول: «دعوني أذهب الآن.» # فصاح شيبان: «إلى أين؟» # قال: «إلى أبي مسلم.» # قال: «إلى أبي مسلم؟ ولماذا؟» # قال: «لأعيد إليه خاتمه؛ فقد وعدته بذلك، وينبغي أن أفي بالوعد لتتم لنا الحيلة، ولكي ~~أستمهله ريثما أقتل ذلك المغرور.» # الفصل التاسع والثلاثون # | رد الخاتم # فوقف شبيب ووقف سائر الأمراء، فلم يمهلهم إلا لحظة وخرج مسرعا ولم يقل شيئا، فلما خرج ~~عادوا إلى مجلسهم وهم معجبون بتدبيره ودهائه، ولبثوا هنيهة يتداولون في ذلك الموضوع وقد ~~انشرحت صدورهم، واطمأنت نفوسهم، وأيقنوا بنجاح مسعاهم، ثم انتبهوا لما كانوا فيه من سماع ~~القصاص ونقره، فصفق الأمير شيبان، فدخل أحد الغلمان، فصاح فيه: «إلي بالقصاص. أين ~~هو؟» # قال الغلام: «تركته مع رفيقه الضرير في خيمة الأعوان، وهما في الانتظار ريثما يؤذن لهما ~~بالإنشاد.» # قال شيبان: «إلي بهما.» # فخرج الغلام ثم عاد وهو يقول: «لم أجدهما يا مولاي. يظهر أنهما ذهبا للنوم؛ لآني آنست ~~فيهما نعاسا شديدا بعد أن أمرا بالسكوت، حتى رأيتهما ناما والناس جلوس، فتركوهما نائمين ~~وخرجوا، فذهبت إليهما ms104 الآن فلم أجدهما. فالظاهر أنهما استبطآ الأمير في دعوتهما ~~فانصرفا.» # فقال: «لا أظنهما ينصرفان قبل أن يأخذا المكافأة! ابحث عنهما جيدا حول هذا المكان؛ فقد ~~أطربانا ويجب علينا أن نكرمهما.» # فخرج الغلام وعاد بعد برهة ولم يعثر عليهما، فأسف الأمير لذهابهما بغير مكافأة، وأوصى ~~الغلام أن يتحرى شأنهما في غد لئلا ينسبا إلى الأمير البخل، ثم اختتمت الجلسة وذهب ~~الأمراء إلى أماكن النوم، وظل الأمير شيبان وحده يدبر الوسائل للاتصال بالأمراء اليمنية في ~~غد. # أما شبيب، فلما بعد عن معسكر الخوارج اختلى في مكان بدل فيه ثيابه حتى عاد إلى ما ~~كان عليه من مظهر المجون، وسار توا إلى معسكر أبي مسلم، فوصل إلى المعسكر وقد مضى معظم ~~الليل، ثم أقبل على المنزل الذي فارق أبا مسلم فيه، ولم يدهش لوجوده مستيقظا إلى تلك ~~الساعة؛ لعلمه بسهره على مصلحته، وتيقظه في مراعاة مشروعه. ولم يلق الضحاك معارضة من أحد. ~~فلما وقف بالباب دخل به الحارس على أبي مسلم، فإذا هو لا يزال بملابس النهار، فلما دخل ~~احتفل أبو مسلم بدخوله وبش له وناداه قائلا: «أهلا بالضحاك. أرجو أن تكون قد وفيت ~~بالوعد.» # فمد الضحاك يده وتقدم نحو أبي مسلم باحترام والخاتم بين إبهامه والسبابة، وقال: «هذا هو ~~الخاتم يا مولاي؛ فقد أدى مهمته. شكرا له ولصاحبه.» # فمد أبو مسلم يده وتناول الخاتم وهو يقول: «بل الشكر لك أيها الهمام. هل أرسلت الرجل إلى ~~خوارزم؟» وكانت عادته إذا أراد قتل رجل قال: «أرسلوه إلى خوارزم.» وهو يعني بخوارزم ~~الموت. # قال: «لم أستطع إرساله الليلة؛ لأني وجدت الدهقانة مترددة في تنفيذ الحكم؛ لأنها لم تتعود ~~مثل هذه الأوامر المستعجلة.» وضحك. # فسايره أبو مسلم في الضحك وقال: «لا بأس من الانتظار، ولكن هل استوثقت من قيامها بالأمر ~~غدا أو بعد غد؟» # قال: «نعم؛ لأنها حينما شاهدت هذا الخاتم هان عليها كل صعب في سبيل مرضاة صاحبه.» # فأظهر أبو مسلم الاستحسان والإعجاب، وأشار إلى الضحاك أن يجلس وقال: «إذا وفقت إلى ما ~~تقول وفتحنا ms105 مرو، كان لك عندنا مقام رفيع ورتبة عالية.» # فأثنى الضحاك على ذلك التلطف ولم يجلس، وقال: «إن أسمى ما تتوق إليه نفسي من الرتب أن ~~أكون حائزا على رضا مولاي. وإذا أذنت لي بالانصراف الآن ذهبت لإتمام ما اتفقنا ~~عليه.» # قال: «لا ينبغي أن تتعجل في الأمر على هذه الصورة لئلا يفسد علينا تدبيرنا، ولا أظن أن ~~الدهقانة توفق إلى تنفيذ ذلك قبل جلسة أخرى تقنعها فيها بلباقة ومهارة. وهي الآن لا شك ~~نائمة؛ فالأفضل أن تبيت الليلة عندي، فإذا طلع النهار ذهبت في هذه المهمة.» # فأظهر الطاعة وهو يفضل الذهاب لإتمام ما أبرمه مع شيبان، فوقف ولم يحر جوابا، وسكت ~~أبو مسلم وأخذ يخطر في الغرفة ذهابا وإيابا، فعلم الضحاك أنه يفكر في أمر هام، فظل ساكتا ~~لعل أبا مسلم يعدل عن استبقائه عنده. وبعد برهة وقف أبو مسلم بجانب الضحاك بغتة، وألقى يده ~~على كتفه بلطف، فاستأنس الضحاك بهذا التحبب، وأصاخ بسمعه لما سيقوله أبو مسلم، فإذا هو ~~يتفرس في عينيه تفرس المستطلع، ثم قال بعبارة رقيقة ناعمة: «هل أنت تشعر حقيقة بمنزلتك ~~عندي وعظم ثقتي بك؟» # وكان الضحاك قد خشي ذلك التفرس لما يعتقده من سوء قصده، ولما يعلمه من صدق فراسة أبي ~~مسلم - ويكاد المريب يقول خذوني - فلما سمع منه ذلك التلطف سري عنه وأجاب: «كيف لا أشعر ~~بذلك وقد سلمتني خاتمك وعهدت إلي بأسرارك؟» # قال أبو مسلم: «لا يزال عندي سر آخر. هل أكاشفك به؟» # قال الضحاك: «لك الأمر فيما تريد. أما أنا فإني طوع إرادتك.» # قال أبو مسلم: «اجلس إذن وأصغ.» قال ذلك وأجلسه ويده على كتفه، فجلس الضحاك وهو يتطاول ~~بعنقه ليسمع ذلك السر الجديد؛ لعله يساعده على بلوغ مأربه. # الفصل الأربعون # | سر جديد # فلما جلسا قال أبو مسلم بصوت منخفض: «أنت تعلم كم معي من رجال خراسان وهم طوع إرادتي، ~~ولكنني لا أثق إلا ببعضهم، ولا أسلم سري إلى أحد منهم، وقد خطر لي في هذه الساعة خاطر ~~أردت أن أستشيرك فيه؛ ms106 لما آنسته من إخلاصك وصدق خدمتك ودهائك، وإن كنت تتظاهر بالبله ~~والمجون، فأنت أهل للمناصب العالية. فاعلم أن تواطؤنا على قتل ابن الكرماني لا يعلم به ~~أحد من رجالي، حتى ولا خالد بن برمك ولا سليمان بن كثير؛ مخافة أن يطرأ ما يفسد علينا ~~تدبيرنا، وقد خطر لي الآن أمر زادني خوفا من الفشل.» # قال الضحاك: «وما هو يا مولاي؟» # قال: «إذا نحن قتلنا ابن الكرماني، فمن يضمن لنا انصياع رجاله إلينا وهم عرب ونحن فرس؟ ~~ألا تظنهم ينحازون إلى غيرنا؟» # فتجاهل الضحاك وقال: «وإلى من تعني يا مولاي؟ أما انحيازهم إلى نصر فأمر بعيد؛ لأنه ~~قتل أميرهم الكبير.» # فقطع أبو مسلم كلامه قائلا: «أنا أعلم أنهم لا يحبون نصرا، ولكنهم قد ينحازون إلى جند ~~الخوارج المعسكرين هنا. اصدقني لأنك عربي وتعرف ميول العرب؛ ألا تظن أمراء اليمنية يفضلون ~~أولئك العرب علينا؟» # فأطرق الضحاك وقد وقع في حيرة لا يدري بماذا يجيب، واستغرب هذا السؤال، ولكنه تجلد ~~وتظاهر بالسذاجة وقال: «أظنهم يفضلون العرب طبعا.» # قال أبو مسلم: «يخطر لي خاطر أنصحك به؛ فإما أن توافقني عليه، أو ندفنه هنا ولا يعلم به ~~أحد.» # قال الضحاك: «إني طوع أمرك يا مولاي.» # قال: «قد علمت من أصحاب الخبر الذين بثثتهم في معسكر الخوارج منذ مجيئي إلى هذا المكان ~~أنهم ينوون محالفة نصر بن سيار؛ صاحب مرو، على حربنا وحرب ابن الكرماني، فيخطر لي الآن أن ~~أحالف هؤلاء الخوارج على نصر وابن الكرماني، فإذا قتلنا هذا جعلنا قيادة العرب اليمنية ~~كافة على الأمير شيبان، بشرط أن يكون حليفنا على نصر؛ لأن الغرض الأصلي الذي قمنا من أجله ~~بدعوة الإمام إنما هو إخراج الخلافة من بني أمية، وليس الغرض أن نفتح مرو أو غيرها من مدن ~~خراسان. وهذا سر عميق لو علمت أن طائرا تنسم ريحه قتلتك، وأنت تعلم أني أقتل لمجرد ~~الاتهام بأمر الإمام.» # فتوسم الضحاك من وراء هذا السر خيرا كبيرا لمشروعه الأصلي، فأقبل نحو أبي مسلم ~~بكليته، وهش له وقال: «إني ms107 أستغرب تهديدك إياي، وسوء ظنك بي، وقد أوتيت فراسة تخترق ~~بها الصدور، وتكشف أسرار القلوب، فإذا كنت ترتاب في صدق نيتي فاقتلني حالا!» # فابتسم أبو مسلم وقال: «قد علمت مكنونات قلبك، ولكنني أزداد اختبارا، فاعلم أننا لو ~~فتحنا مرو في هذه الساعة، فإنما نهدف من فتحها إخراجها من سلطان بني أمية، ثم لا يهمنا من ~~يتولاها بعدهم. وأعترف لك أني أخشى أولئك الخوارج واتحادهم مع رجال ابن الكرماني - بعد قتل ~~الكرماني نفسه - فإذا كانوا ضدنا أتعبونا، لا سيما إذا حالفوا نصرا؛ صاحب مرو، فهل من سبيل ~~إلى أميرهم شيبان؟ هل تعرفه أو تعرف أحدا يستطيع التوسط بيننا وبينه؛ لنبرم اتفاقا يقينا ~~شر ما نخافه؟» # فلما سمع الضحاك قوله استبشر بالفوز وأيقن بنجاح مسعاه على أهون سبيل، فقال: «أما الأمير ~~شيبان فإني أعرفه، وهب أني لا أعرفه فلا أعدم وسيلة في الاتصال به.» # قال: «صدقت. إن من كان في مثل تعقلك ودهائك لا يعدم وسيلة لذلك؛ لكنني أستشيرك حين ~~أخشى أن أكون واهما في تصوري، وقد استودعتك سري وجعلتك موضع ثقتي؛ فانصحني.» # قال الضحاك: «إذا جاز لمثلي أن يبدي رأيا لصاحب دعوة الإمام إبراهيم، فإني أهنئك على هذا ~~الرأي السديد، وبخاصة بعد أن علمت الغرض الأصلي من القيام بهذه الدعوة؛ لأن هؤلاء الخوارج ~~لا يطمعون في أكثر من الاستيلاء على مرو، وإذا كان استيلاؤهم عليها برضاك كانوا عونا ~~كبيرا لك في سائر الفتوح. ولا يخفى عليك أنهم يكرهون المضرية أكثر من كرههم للفرس، فإذا ~~حالفتهم خدموك ونصروك.» # فأظهر أبو مسلم الارتياح إلى نصيحة الضحاك وقال: «فعلينا إذن أن نتصل بالأمير شيبان، ولست ~~أثق في أحد سواك؛ فهل أعهد بهذا الأمر إليك؟» # قال الضحاك: «إذا كنت تثق في قولي فإني أطوع لك من بنانك.» # قال: «لا أثق بسواك؛ فامكث عندنا الليلة فأزودك في غد برسالة تذهب بها إلى الأمير شيبان، ~~وأترك إلى فطنتك أسلوب إبلاغها بحيث يكون النجاح مضمونا.» # فقال الضحاك: «كن مطمئنا من هذه الناحية.» # قال: «فاذهب الآن إلى مخدعك في ms108 هذه الغرفة (وأشار إلى غرفة بالقرب من المكان)، وفي صباح ~~غد أعد لك الكتاب.» # فأشار مطيعا وذهب إلى فراشه وهو لا يصدق ما وفق إليه من أسباب السعادة، ولم يستطع ~~النوم من شدة الفرح إلا قبيل الفجر، فإن النعاس غلب عليه فنام. واستيقظ في الصباح فنهض ~~وتهيأ للذهاب وهو يخشى أن يعدل أبو مسلم عن عزمه، فإذا بأحد الغلمان يدعوه إليه، فهرول ~~حتى وقف بين يديه، فدفع إليه كتابا مختوما وقال له: «ضع هذا الكتاب في مكان سري؛ فإني لا ~~أريد أن يطلع عليه أحد من رجالي، واذهب من هذا الطريق (وأشار إلى طريق غير الذي تعود المجيء ~~منه)، وإذا علمت أن أحدا من رجالي اطلع عليه أو علم به فأنت تعرف جزاءك.» # الفصل الحادي والأربعون # | فتح مبين # فتناول الكتاب وخبأه في جبيه وودع أبا مسلم وخرج وهو في ملابس المجون؛ الجبة والعمامة ~~المنحرفة، والنعل في قدميه، ومشى من وراء الخيام حتى توارى عن أبي مسلم، ثم عرج ليدور من ~~وراء المعسكر وهو يسرع في خطواته، فرأى بضعة فرسان عرف من ملابسهم أنهم من رجال أبي مسلم، ~~فتحول ليبتعد مخافة أن يسألوه عما يحمله، فإذا هم يركضون جيادهم نحوه، فظل مسرعا، فأسرعوا ~~نحوه حتى أحدقوا به، وأشار أحدهم إلى رفاقه فانقضوا عليه وضايقوه، فوقف وسألهم عما يريدون، ~~فابتدره رجل ملثم منهم قائلا: «من الرجل؟» # فتحير ولم يدر بماذا يجيب ثم قال: «إني عابر سبيل.» # فقال له: «ليس هذا سبيلا للعبور. قل لنا: من أنت؟ وما غرضك؟» # قال: «لا شأن لكم بغرضي فإني سائر في مهمة.» ولم يجسر أن يخبرهم عن مهمته. # فتحول بضعة منهم وفي أيديهم الحبال وأوثقوه وقيدوه وهم يقولون: «إما أن تخبرنا عن غرضك أو ~~تبقى أسيرا عندنا.» # قال الضحاك: «سيروا بي إلى الإمام أبي مسلم، فتعلمون من أنا.» # قالوا: «لا نسير بك إليه ما لم تخبرنا.» # فصاح فيهم: «إذا لم تسرعوا بي إليه فإنكم نادمون.» # فقالوا: «إذا كنت رسولا فأين الكتاب الذي أنت ذاهب به؟ وإلا فأنت ms109 عدونا.» # فطال الجدال بينه وبينهم، وهو لا يجسر على أن يخبرهم بالكتاب الذي يحمله، فأطاعهم خوفا ~~على حياته، وهو يهددهم بما سيلاقونه من غضب أبي مسلم إذا لم يطلقوا سراحه، فأجابه الفارس ~~الملثم قائلا: «سأرسل فارسا يخبر الأمير بأمرك، فإذا أمر بإطلاق سراحك أطلقناك.» # فرضي الضحاك بذلك وأذعن لهم، فساقوه إلى خيمة على أكمة تشرف على معسكر أبي مسلم، فوقفوا ~~به هناك حينا وهو يتوقع رجوع الرسول حالا، فشاعت عيناه وهو ينظر إلى المعسكر وقد توارى ~~الرسول عن بصره وراء التلال والخيام، وإذا هو يرى حركة في معسكر الخراسانيين، ثم سمع قرع ~~الطبول ونفخ الأبواق، فتطلع فرأى الخراسانيين على خيولهم وقد شرعوا الأسنة وساروا، والأعلام ~~السود تتقدمهم يعلوها لواء الإمام ورايته (وكانا بارزين صعدا بضعة أذرع فوق سائر الأعلام) ~~فأيقن أن الخراسانيين سائرون لمهاجمة مرو، ثم وقفوا تجاه المدينة فاستغرب وقوفهم وأرسل بصره ~~حول مرو، فرأى أعلام ابن الكرماني تخفق بين يدي الفرسان اليمنية، وقد ركب رجال الكرماني ~~وقرعوا طبولهم، وشرعوا أسنتهم، وأقبلوا على مرو من جانب آخر، فظن لأول وهلة أن رجال ~~الكرماني قادمون لصد الخراسانيين، ثم ما لبث أن رآهم يسيرون نحو المدينة بعزم ثابت والسهام ~~تتطاير فوق رءوسهم. ولم تمض ساعة حتى دخلوها من أحد جوانبها، وإذا بأبي مسلم ورجاله قد ~~دخلوها من الجانب الآخر، فاستغرب الضحاك ذلك، وزاد استغرابه لما رأى اللواء والراية قد ~~غرسا بباب قصر الإمارة في وسط مرو، فعلم أن أبا مسلم قد دخلها، ثم رأى حامية المدينة ~~يخرجون منها خروج الفارين، وقد عرف من أعلامهم البيض أنهم جند بني أمية، ورأى في جملة ~~الهاربين جماعة من الفرسان عرف من قيافتهم أنهم من كبار القوم، وإذا بأحد الفرسان الواقفين ~~بجانبه يهتف قائلا: «هذا نصر بن سيار قد خرج هاربا.» # فالتفت الضحاك فرأى شيخا جليلا، عليه عمامة بيضاء كبيرة، وقد انبسطت لحيته البيضاء على ~~صدره، وهو يهمز جواده طلبا للفرار، وحوله بضعة من فرسانه، فتذكر أنه يعرفه، ثم تحقق أنه ~~نصر بن سيار ومعه ms110 أولاده وأهله - ولم يفر نصر إلا وهو لا يرى حيلة في استبقاء المدينة - ~~فلما رأى الضحاك ذلك كله دهش ونسي أسره، وأعمل فكرته فيما كان يتوقعه من اتحاد اليمنية ~~والخوارج على أبي مسلم، واستغرب عجلة أبي مسلم في الفتح على حين أنهما كانا على موعد من ~~مقتل ابن الكرماني قبل الفتح، فظل الضحاك واقفا وهو مشرف على مرو كأنها بين يديه يراعي ~~حركات الجند، فما لبث أن رأى رجال الكرماني يخرجون من مرو إلى معسكرهم ومعهم ابن الكرماني ~~نفسه، عرفه من رايته، فاستغرب رجوعه بعد تمام الفتح، وتذكر جلنار للحال، وعلم أنها في خوف ~~ليس على حياتها، ولكنها تخاف أن يفي ابن الكرماني بوعده ألا يتزوجها إلا بعد فتح مرو، وقد ~~فتحت ودخلها ابن الكرماني وهان الأمر، ثم تذكر ما تواطأ هو وأبو مسلم عليه من مقتل ابن ~~الكرماني، وضم رجاله إلى رجال شيبان، وتبادر إلى ذهنه سوء الظن في أبي مسلم، وخاف أن يكون ~~قد خدعه بذلك الوعد، على أنه لم ير مسوغا لسوء الظن. # وهم في ذلك إذ رأوا فارسا مقبلا على عجل من جهة مرو، فعرف الضحاك أنه الرسول الذي كان ~~قد أرسله لمخابرة أبي مسلم بشأنه عند القبض عليه، وحال وصوله ترجل عن فرسه وتقدم نحو ~~الضحاك مهرولا وهو يقول: «لقد أخطأنا إليك وإلى الأمير.» وأخذ في حل وثاقه وهو يخاطب رفاقه ~~الفرسان قائلا: «إن الأمير لما علم بالقبض على هذا العربي غضب غضبا شديدا؛ لأنه كان قد ~~أنفذه في مهمة ذات بال، وهو يقول لكم أكرموه وسيروا به إليه الآن في قصر الإمارة.» # الفصل الثاني والأربعون # | قصر الإمارة والبيعة # فاطمأن الضحاك وعلم أنهم قبضوا عليه خطأ، فأركبوه فرسا وساروا به إلى مرو، فدخلوها من ~~باب بالين، فشاهدوا الناس في حركة وأكثرهم فرحون بذلك الفتح؛ لأن جمهور أهلها من الفرس ~~وكانوا يقاسون العذاب في سلطة العرب المضرية. وكان نصر قد أراد إصلاح ما أفسده أسلافه فلم ~~يستطع، وذهب سعيه عبثا، وخرجت مرو من يده رغم إرادته. ms111 وكان الخراسانيون قد ملوا حكومة ~~العرب منذ تولاهم بنو أمية؛ لأنهم كانوا يسومونهم سوء العذاب؛ يولون عليهم العمال ~~ويوصونهم بجمع المال بأي وسيلة كانت. وكان أهل مرو قبل الإسلام مجوسا وعليهم الجزية، ~~فرغبوا في الإسلام غير مرة، وأسلم كثيرون منهم، فكان بعض العمال يعدون إسلامهم حيلة للتخلص ~~من الجزية، فلا يرفعونها عنهم، فيطالبونهم بالجزية وهم مسلمون، فيرجعون عن الإسلام. وقد ~~فعلوا ذلك غير مرة حتى تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز - وكان مسلما حقا - فبعث إلى ~~عماله أن يضعوا الجزية عمن أسلم. ومن أقواله من كتاب كتبه إلى الجراح؛ عامله على خراسان، ~~وقد شكوه أنه يأخذ الجزية ممن أسلم: «انظر من صلى قبلك فضع عنه الجزية.» فسارع الناس ~~إلى الإسلام فقلت الجزية، فكتب الجراح إلى عمر بذلك، فأجابه: «إن الله بعث نبيه محمدا ~~داعيا ولم يرسله جابيا.» # على أن هذه النعمة لم تدم على أهل خراسان؛ لقصر خلافة عمر، فلما قتلوه وولوا من خلفه ~~عادت الأحوال إلى ما كانت عليه. وأهل خراسان، وخصوصا مرو، يودون التخلص من حكومتهم؛ ولذلك ~~كان فرحهم بأبي مسلم عظيما، وتهافتوا إليه يهنئونه ويبايعونه. # فوصل الضحاك إلى قصر الإمارة والناس قد تزاحموا عند بابه، وفيهم الدهاقين والتجار ~~والمشائخ والعلماء والصناع وغيرهم، وقد تزاحمت الأفراس وعلت الضوضاء. فلما رأوا فرسان أبي ~~مسلم عرفوهم من قيافتهم فوسعوا لهم، فترجلوا ودخل اثنان ومعهما الضحاك حتى قطعوا صحن الدار ~~إلى الباب الداخلي الكبير، فرأوا الناس يتسابقون إليه والحرس يوقفونهم، وبالباب حرسي من ~~رجال أبي مسلم، فحالما رأى الرجلين وسع لهما وأدخلهما ومعهما الضحاك. # فلما وقف الضحاك بالباب إذا هو في قاعة واسعة جلس في صدرها أبو مسلم وفوق رأسه راية ~~سوداء، وعليه عمامة سوداء، وثياب سود، وإلى جانبه خالد بن برمك في مثل لباسه وبين يديه اثنا ~~عشر أميرا باللباس الأسود، عرف منهم سليمان بن كثير وطلحة بن رزيق، وعلم أنهم النقباء ~~الاثنا عشر الذين اختارهم الإمام من السبعين نقيبا الذين قاموا بالدعوة العباسية في ~~أوائلها. فلما دخل الضحاك وقع ms112 نظر أبي مسلم عليه، فابتسم له وأشار إليه أن يدخل ويجلس على ~~كرسي في بعض جوانب القاعة، فدخل وحده وانصرف الحرسيان، فشاهد في بعض جوانب القاعة وهو داخل ~~ركاما من البرابط والعيدان وآنية الخمر والمزامير؛ تركها الأمويون في ذلك القصر عند ~~فرارهم، فقال الضحاك في نفسه: «تلك آثار الترف الذي يذهب بأهله إلى الدمار.» # وكان أبو مسلم في مفاوضة مع نقبائه، ثم أشار إليهم فتنحوا وجلسوا إلى جانب إلا واحدا هو ~~طلحة بن رزيق النقيب، فظل واقفا بين يدي أبي مسلم وعليه قباء أسود وعمامة سوداء، وأشار إلى ~~صاحب الباب أن يدخل الناس لأخذ البيعة أزواجا، فدخل أولا الفقهاء والعلماء، ثم القواد ~~والكتاب والأعيان والدهاقين وغيرهم، فرآهم الضحاك يدخل أحدهم حتى يقف بين يدي أبي مسلم ~~فيسلم عليه بالإمارة قائلا: «السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.» ثم ينادي ~~بأعلى صوته ويقول وطلحة يقول معه - وهو نص البيعة: «أبايعكم على كتاب الله، وسنة رسوله محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله، وعليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق ~~والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى ألا تسألوا رزقا ولا طعما حتى يبتدئكم به ولاتكم.» # 1 # فإذا فرغ من نص البيعة وقالها معه طلحة رجع وتقدم سواه. وكانوا يتسابقون إلى ~~ذلك وأمارات البشر على وجوههم، فتعجب الضحاك من ذلك وتنغص في سره لما رآه من ترحاب أهل ~~مرو بالخراسانيين، وأصبح على يقين أن صاحبه شيبان لا يستطيع دخولها بعد ذلك إلا باتحاده مع ~~أبي مسلم، وهذا لا يكون إلا بقتل ابن الكرماني. # مضى معظم النهار في أخذ البيعة ثم وقف أبو مسلم وأشار إلى طلحة أن يأخذ البيعة عنه بين ~~يدي خالد بن برمك، وتنحى إلى بعض الغرف وأومأ إلى الضحاك فتبعه. فلما خلوا قال أبو مسلم: ~~«لقد ساءني ما أصابك من التأخير بسبب جهل أحد رجالي، وقد كنت عازما على الانتقام منه بين ~~يديك لو لم يتفق لنا ما يسرنا في هذا النهار على غير انتظار ms113 ... ولعلك تستغرب فتح هذه ~~المدينة بمثل هذه السرعة على حين أنني كنت عازما على التأجيل بضعة أيام؛ ريثما نتم اتفاقنا ~~مع الأمير شيبان كما افترقنا بالأمس، ولكن سنحت لي في هذا الصباح فرصة خفت ضياعها ~~فاغتنمتها، وقد نجحت فيها.» قال ذلك وتنحنح وتشاغل بقبض ذقنه. # وكان الضحاك جالسا على ركبتيه احتراما لأبي مسلم، ومع ما آنسه من انعطافه وإقباله نحوه ~~في أثناء الحديث، فإن هيبته ما زالت غالبة عليه، ولكنه كان يظهر إصغاءه واهتمامه بمراعاة ~~حركة فمه؛ لأنه لم يكن يستطيع التفرس في عينيه لحدتهما، ولما ينبعث من نورهما الباهر ~~وقوتهما الغالبة على الأبصار والعقول. فلما تشاغل أبو مسلم بالنحنحة أظهر الضحاك رغبته في ~~استتمام الحديث، فقال أبو مسلم: «أما سبب هذه العجلة، فإن ابن الكرماني بعث إلي في صباح ~~هذا اليوم بعد ذهابك مع رسول مستعجل يقول لي: «لقد آن فتح مرو فادخل أنت ورجالك من ناحية، ~~وأدخل أنا ورجالي من ناحية أخرى، فنستلم المدينة على أهون سبيل.» فظننته يقول ذلك مخادعة، ~~فبعثت إليه: «لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر بن سيار على محاربتي، ولكن ادخل أنت فانشب الحرب ~~مع أصحاب نصر، ثم أدخل أنا.» وقلت في نفسي: «إذا كان قد فعل ذلك حيلة فلا يطيعني، وإلا ~~فليكن الخطر عليه.» فنهض برجاله وأنشب الحرب، فأرسلت أنا بعض رجالي دخلوا المدينة من ناحية ~~أخرى، ففتح علينا، فدخلت هذا القصر وأمرت ابن الكرماني ورجاله بالخروج منها إلى معسكرهم؛ ~~لكي نتمكن من مشروعنا الذي تعلمه.» # فذهل الضحاك لشدة ذلك الرجل ودهائه، ونسي ما كان يتكلفه من الضحك في أثناء تماجنه، ثم ~~انتبه لذلك وخاف أن يشك أبو مسلم في شأنه فتضاحك وقال: «إن المشروع - يا مولاي - عظيم ~~الأهمية، فهل أنت مصر عليه؟» # قال: «أين كتابي إلى شيبان؟» # فمد يده واستخرجه ودفعه إليه، فقال أبو مسلم: «إني لا أزال مصرا على ذلك، وربما زاد ~~إصراري الآن بعد فتح مرو على يد ابن الكرماني؛ لأنه ارتفع في عيني نفسه، فربما توهم له ~~الفضل ms114 علينا، فتحدثه نفسه أن يغلبنا؛ ولذلك فإني لا آمنه، ولا بد من قتله؛ لئلا يكون حجر ~~عثرة لنا. وقتله هين عليك بواسطة تلك الفتاة المفتونة. فإذا قتلته خلسة سعينا في ضم ~~رجاله إلى رجال الأمير شيبان، ثم أسلم إليه قيادة هذه المدينة وأمضي في عملي، إلا إذا كنت ~~لا تثق بهذا الحروري وتخاف أن يخوننا إذا سلمنا الأمر إليه.» # قال: «لا خوف منه؛ فإذا عاهد وفى، وخصوصا بعد أن ملكت ناصية الأمر وبايعك ~~الناس.» # فقطع أبو مسلم كلامه وقال: «وهل لحظت أن البيعة لأهل بيت النبي عامة، وليست لبني العباس؛ ~~لأن الناس لم يعرفوا لبني العباس الحق في الخلافة بعد، وإنما هم يعرفونه لآل أبي طالب؛ ~~ولذلك جعلنا البيعة مشتركة، فمن فاز من الرهطين كانت الخلافة لهم. فلا أظن ذلك يؤخر الأمير ~~شيبان عن القبول بمحالفتنا.» # قال: «كلا يا مولاي.» # فقال: «فعلينا إذن أن نبدأ بقتل ذلك الأعور كما وعدتني، ولا تظن أحدا ينال من المقام في ~~أمرنا ما ستناله أنت، وسأطلع الإمام على فضلك.» # قال: «إني لم أفعل غير ما يجب علي، ولا أتوقع منك جزاء غير رضاك.» # قال: «هل تقتله الليلة؟» # قال: «أبذل جهدي في ذلك.» # قال: «أنت تعلم طبعا أن قتله يجب أن يكون سرا، فلا يدري رجاله إلا أنه مات موتا ~~طبيعيا.» # قال: «كن مطمئنا يا مولاي.» قال ذلك ونهض وحيا أبا مسلم متأدبا وهم بالخروج، فوقف ~~أبو مسلم لوداعه وقال له: «عرج بإبراهيم الخازن لعله ينفعك في هذه المهمة.» فلما سمع اسمه ~~تذكر الليلة التي لقيه بها في بيت الدهقان، وهو يعلم مكره وضعف ذمامه، فقال: «أين هو؟» ~~فأشار إلى مكانه في غرفة أخرى، فسار الضحاك إليه على أن يتعاونا في الأمر. # الفصل الثالث والأربعون # | أول الحيلة # فلنرجع إلى جلنار، فقد تركناها مع ريحانة - بعد ذهاب الضحاك في مساء الأمس - وهي جالسة في ~~فراشها ملتفة بالمطرف، غارقة في لجج الهواجس، فلما خرج الضحاك ظلت برهة ساكتة مطرقة تفكر ~~بما سمعته منه، وكلما تصورت إقدامها على ms115 قتل خطيبها ترتعد فرائصها، ويقشعر بدنها. وكانت ~~ريحانة تلاحظ اضطرابها ولا تلومها؛ لعلمها بعظم ذلك الأمر على فتاة لم تتعود مثله. وبعد أن ~~تعبت من التفكير توسدت الفراش تلتمس الرقاد، فظلت ريحانة جالسة بقربها حتى تحققت أنها ~~نامت فذهبت إلى الرقاد. # وما أفاقت جلنار في الصباح إلا على قرع الطبول ونفخ الأبواق فذعرت ونادت ريحانة فاستفهمت ~~عما تسمعه، فقالت: «رأيت الجند يتأهبون للهجوم على مرو.» فخفق قلبها وتوكأت على ريحانة ~~حتى أطلت من باب الخباء فشاهدت مثل ما شاهدته المرة الماضية. وكانت قد ألفت هذا المنظر فلم ~~يكن خوفها مثله في تلك المرة. ثم ما لبثت أن رأت خطيبها يسوق جواده نحوها وهو مدجج بالسلاح، ~~وسيفه مجرد بيده، فلما رأته مقبلا توارت حياء، فناداها فأطلت فصاح والسيف مشهر بيمينه: ~~«أبشري أيتها الدهقانة، إننا فاتحون مرو اليوم، وسنبيت الليلة في قصر الإمارة، إن شاء ~~الله.» # فخجلت من قوله وساءتها تلك البشارة فتراجعت واستترت وراء ريحانة، فأجابته ريحانة عنها ~~قائلة: «نصرك الله على أعدائك وبلغك مرادك.» # فاكتفى علي بذلك وهجم ورجاله في أثره، فلما بعدوا قالت ريحانة لسيدتها بالفارسية: «إني ~~أرى الخراسانيين أيضا هاجمين.» فأطربها ذكر الخراسانيين؛ لأن أبا مسلم فيهم، وتقدمت بحيث ~~ترى ذلك الجند، فإذا هم يزحفون على مرو من الجهة الأخرى، فقالت: «إذا فتحوا مرو فإنما ~~يفتحونها ببسالة أبي مسلم. أين هو يا ترى؟» # فتطاولت ريحانة وجعلت تتفرس في الفرسان حتى وقع بصرها على الراية واللواء وهما يناطحان ~~السحاب بارتفاعهما فقالت: «ينبغي أن يكون أبو مسلم هناك.» فحدقت جلنار ببصرها في تلك ~~الناحية فرأت أبا مسلم، وقد عرفته من طوله ولون فرسه ولباسه الأسود، فتهلل وجهها فرحا ~~برؤيته، ولكنها ما لبثت أن أوجست خيفة عليه من النبال المتساقطة وسلمت أمرها إلى ~~الله. # ثم رأت عليا دخل مرو من تلك الناحية، ودخل أبو مسلم من الناحية الأخرى، فتحققت فوزهم ~~فلم تدر أتفرح بذلك الفتح أم تحزن؛ لأنها تذكرت وعد ابن الكرماني أنه لا يتزوج بها إلا إذا ~~فتح المدينة، وتذكرت ms116 قول ريحانة أنه لا يستطيع فتحها، فالتفتت إليها وقالت: «كم قلت إنه لا ~~يقوى على فتح هذه المدينة، وها قد فتحها. ويلاه! لقد دنا أوان الخطر.» قالت ذلك ورجعت إلى ~~غرفتها وجلست على الفراش وغلب عليها البكاء، وتبعتها ريحانة وأخذت تخفف عنها عبثا، فقالت ~~جلنار: «أين هو الضحاك يا ترى؟ لعله يقدر على تخفيف ما بنا.» # فقالت ريحانة: «لا يلبث أن يأتي وعنده الدواء الناجع لهذه المصيبة.» # فأدركت جلنار تعريضها بقتل ابن الكرماني، فقالت: «ولكنه دواء أمر من العلقم، ولا يمكني ~~شربه. كيف أقتل رجلا يحبني وإن كنت لا أحبه؟» # وآن وقت الغداء فتناولتاه وهما تتوقعان أن يبعث علي إليهما بالانتقال إلى قصر الإمارة، ~~وإذا هما تسمعان دبدبة وصهيلا وضوضاء، ثم علمتا أن جند الكرماني رجع عن مرو بعد فتحها، ~~وظلت لأبي مسلم وحده، ولم تفهما السر في ذلك، فمكثنا تنتظران ما يكون وجلنار خائفة من ذلك ~~الفتح، ثم نهضتا معا، وجلنار لم تعد تصبر عن ريحانة لاستئناسها بها في تلك الشدة، حتى ~~جلستا في غرفة الرقاد وجلنار تشكو وتتخوف. فلما رأت ريحانة قلقها قالت: «لا أدري لماذا ~~تكرهين ابن الكرماني وهو يستهلك في هواك، ويجل مقامك ويحترمك، وخصوصا بعد الذي أوتيه من ~~النصر بفتح هذه المدينة، وقد انتقم لأبيه؟!» # فأسرعت جلنار ووضعت يدها على فم ريحانة كأنها تمنعها من الكلام اشمئزازا من الحديث، ~~واكتفت بذلك جوابا، فأدركت ريحانة أنها لا تود الخوض في هذا الموضوع، فسكتت وقد أخذتها ~~الحيرة لا تدري كيف تنقذ سيدتها من ذلك المشكل، فتركتها في الغرفة وخرجت لتستطلع حال ~~المعسكر بعد فتح مرو، فوجدت الخيام لا تزال في أماكنها، وقد أعيدت الخيول إلى مرابطها، ~~وغرست الأعلام في مغارسها، وتطلعت إلى فسطاط الأمير علي فإذا هو لا يزال كما كان، والراية ~~منصوبة ببابه وقد تزاحم وفود المهنئين والمنشدين، وسرها عود ابن الكرماني؛ لأنها كانت ~~تظنه يبقى مع أبي مسلم في قصر الإمارة، فاطمأن بالها من هذا القبيل. وكانت الشمس قد مالت ~~نحو المغيب فالتفتت نحو مرو، ms117 فرأت جماعات من الباعة خرجوا منها، وفيهم من يحمل فاكهة أو ~~طعاما أو ألعابا ليتكسبوا ببيعها في ذلك المعسكر، بعد أن زال الحصار عن المدينة وكفت ~~الحرب، وشاهدت في جملة الخارجين رجلا طويلا قادما نحو الخباء، فما لبثت أن عرفت أنه ~~الضحاك، فاستبشرت بقدومه وأرادت أن تسرع إلى سيدتها، فأشار إليها أن تقف فوقفت، حتى إذا دنا ~~منها أومأ إليها فدخلت معه الخباء بحيث لا يراهما أحد، فقالت: «ما وراءك؟» # قال: «هل من حيلة لنا في النجاة من ابن الكرماني غير قتله وقد فتح مرو وحق له الزواج؟ إلا ~~إذا كانت مولاتنا تفضل الاقتران به. وهذا يرجع إلى خاطرها.» # قالت: «قد عرفت في هذه الساعة أنها لا تستطيع ذكر الاقتران به.» # قال: «فإذن؟» # قالت: «ولا تتصور الإقدام على قتله.» # قال: «وأنت أيضا جبانة مثلها؟» # قالت: «أتريد أن أقدم أنا على قتله؟ وكيف أقتله؟» # فضحك وتماجن وقال: «وهل القتل صياغة أو تطريز؟ ليس أهون منه على الإنسان، ولا يخيل لك أن ~~المراد قتله بالمبارزة أو المطاعنة، وإنما هي حسوة أو لقمة وقضي الأمر.» # فسكتت ريحانة ولم تدر بماذا تجيبه، ولكنها صعدت كتفيها كأنها تقول: «لا يعنيني.» # فقال الضحاك والاهتمام باد في وجهه: «لا ينبغي لنا أن نطاوع مولاتنا الدهقانة في ضعفها؛ ~~فإنها لا تعلم شيئا من أمور هذه الدنيا، وهي مع ذلك تريد الوصول إلى أبي مسلم، والوصول ~~إليه لا يكون إلا بالخلاص من ابن الكرماني، وقد أتيتها بخاتمه شهادة على إرادته، فهي الآن ~~أحوج من أبي مسلم إلى قتله؛ لأنه خطيبها، وكنا قيدناه بعهده ألا يقربها إلا بعد فتح مرو، ~~وقد فتحت وهو الذي فتحها، وتوافد عليه الشعراء والمهنئون، وبلغ قمة مجده؛ فهل من سبيل إلى ~~دفعه بغير الموت؟ ولا يتم لنا ذلك إلا بقتله سرا.» ثم سكت وحك ذقنه بسبابته، ثم حك وراء ~~أذنه وقال: «طيب. أنا لا أكلفك ولا أكلف الدهقانة أن تتوليا هذا الأمر مباشرة؛ فأنا أدبر ~~الحيلة، ولكن ينبغي أن يكون ذلك بوجودكما، وأنا أسقيه ذلك ms118 الكأس بأسلوب لطيف، والأحسن ألا ~~تطلعي الدهقانة على هذا العزم. إنما أطلب إليك أن تسهلي الوصول إليه بحيث لا يعلم أحد من ~~العالمين بقصدي. إيه؟» # فظلت ساكتة ولم تعلم بماذا تجيبه، ولكنها كانت في كل حال أصبر على هذا الأمر من جلنار وقد ~~عاشرت الدنيا طويلا، على أنها ما زالت مرتبكة لا تدري هل توافق الضحاك بغير استئذان ~~سيدتها. فلما رآها الضحاك ساكتة علم أنها مرتبكة فقال لها: «قد فهمت ما يجول في خاطرك. لا ~~تخافي سيجري كل شيء ولا يشعر به أحد؛ فاكتمي هذا الأمر عن الدهقانة، وسترين كيف أعمل عملي ~~بلباقة وخفة.» قال ذلك وتحول وهو يقول: «سأعود إليكم قريبا، واحذري أن تبيحي بذلك إلى ~~أحد.» # فعادت ريحانة إلى سيدتها وهي تفكر في ماذا عسى أن تكون حيلة الضحاك وأسلوبه، فدخلت على ~~سيدتها فسألتها عما كانت تعمله، فأخبرتها بما شاهدته من بقاء معسكر ابن الكرماني على حاله ~~بمرابطه وفساطيطه وسائر أحواله، وأن عليا في فسطاطه كالعادة، وحدثتها نفسها أن تبيح لها ~~بما قاله الضحاك، فتمالكت وسكتت لترى ما يكون. # الفصل الرابع والأربعون # | الدب الرقاص # أما ابن الكرماني، فبعد أن فتحت مرو عاد إلى معسكره بإشارة أبي مسلم، وعاد معه الأمراء ~~اليمنية وقد سرهم الفتح بعد أن أبلوا بلاء حسنا، وعاد ابن الكرماني توا إلى فسطاطه؛ ~~ليبدل ثيابه ويستقبل المهنئين. وكان في خاطره أن يذهب حالا إلى جلنار ليريها نفسه ~~عائدا من ذلك الفتح، ويخبرها أنه انتقم لوالده كما وعدها بالأمس، ولكنه أجل ذهابه إلى ما ~~بعد استقبال المهنئين والمنشدين في فسطاطه؛ لئلا يتبعوه إلى هناك، فجلس في صدر الخيمة وجلس ~~أمراؤه بين يديه وهم يطنبون ببسالته، وكل منهم يذكر ما لاقاه في أثناء المعركة من ~~الوقائع الغريبة، ثم أذن للشعراء فدخلوا وأنشد كل منهم ما جادت به قريحته، فإذا فرغ أحدهم ~~من الإنشاد يشير الأمير إلى كاتبه أن يدفع إليه الجائزة على جاري العادة. وفيهم من ينشد ~~قصيدته على الأنغام الموقعة على الطنبور أو العود أو الدف. قضوا ms119 في ذلك بقية يومهم إلى قبل ~~الغروب، وقد طربوا جميعا إلا عليا؛ فقد نغصه غياب جلنار عن تلك الجلسة، وود لو أنها هناك ~~لتسمع ما قيل فيه من المدائح. # وهو في ذلك إذ سمع ضجيجا يتخلله دف ينقرون عليه نقرا خاصا بالرقص، ثم دخل غلام ~~يستأذن الأمير في راقص مضحك معه دب غريب الشكل. وكان الغلام يستأذن الأمير ولا يتمالك عن ~~الضحك. كان أخرجه الإعجاب عن حد الاحتشام في حضرة الأمراء، فقال الأمير: «يدخل.» # فدخل رجل طويل القامة عرف الأمراء كلهم أنه الضحاك؛ خادم الدهقانة، وكانوا يستخفون دمه ~~ويضحكون من مجرد رؤيته، فلما دخل ألقى التحية وتماجن، فلم يتمالك الأمير عن الضحك وصاح ~~فيه: «ويلك! أي متى صرت رقاصا؟» # قال: «حالما فتح مولاي الأمير مرو؛ عاصمة خراسان؛ فقد نذرت منذ صرت من أتباعه أن أرقص يوم ~~الفتح، وقد جئت لأفي نذري.» # فضحك الأمير وقد سره أن يسمع ذلك الإطناب من رجل ينتمي إلى الدهقانة؛ لأنه إنما يهمه ~~إعجابها هي؛ فكم من بطل خاض المعامع، واستقبل النبال، وعرض نفسه لأشد الأهوال؛ التماسا ~~لابتسامة حبيب يحبه! تلك هي لذة النصر في أعلى درجاتها. وأراد علي أن يسأل عن الدهقانة ~~فاحتشم بين يدي الأمراء، ولكنه استأنس بالضحاك كثيرا وقال له: «هل أنت الرقاص ~~حقيقة؟» # قال: «كلا يا مولاي، ولكن معي دبا يرقص رقصا غريبا.» # قال: «أين هو؟» # قال: «هو بالباب.» وصاح: «أدخل يا مبارك.» # فتوجهت أنظار الجميع نحو الباب، فسمعوا خشخشة الجلاجل والأجراس، ثم دخل الغلام وهو يقود ~~رجلا بحبل في عنقه، وعلى الرجل جلد دب يكسو صدره وظهره وساقيه إلى القدمين، ويغطي ساعديه ~~إلى الكتفين، وقد ستر وجهه بوجه دب حتى لا يشك الناظر إليه أنه دب حقيقي، وشد برجليه ~~ويديه أجراسا، وجعل حول عنقه جلاجل. # فلما دخل الغلام سلم المقود إلى الضحاك، فتناوله وجر ذلك الدب بعنف، فدخل وأخذ في الرقص ~~وهو يزمجر ويثب كما يفعل الدب تماما، فلم يبق أحد من الجلوس إلا أغرب في الضحك، والضحاك ~~يتفنن في أساليب ms120 المجون. فلما تمكن الطرب من الأمير احتال الضحاك في الدنو منه وقال بحيث ~~لا يسمعه سواه: «إن هذا المجلس لا ينقصه غير الدهقانة.» # فلم يتمالك الأمير عند سماعه ذلك أن صاح: «يا ضحاك، خذ هذا الدب وأرقصه في الخباء وأنا ~~قادم إليكم.» قال ذلك ووقف وقد استخفه السرور، وهاجت عواطفه، وأسكره النصر، فوقف سائر ~~الأمراء احتراما له، فمشى حتى خرج من الفسطاط والضحاك يسير بالدب أمامه، وقد أقبل الظلام ~~ولم يجسر أحد من رجال ابن الكرماني أن يتبعه إلى الخباء، فمشى وحده وقد التف بعباءة من ~~حرير وعلى رأسه عمامة صغيرة مزركشة زركشة جميلة، وسار هو يتبختر بمشيته تيها حتى إذا أقبل ~~على الخباء تنحى الضحاك ودبه لمرور الأمير، فدخل وهو يقول: «أين عروسنا ~~الدهقانة؟» # فتقدمت ريحانة وجلنار إلى جانبها وعليها مطرفها، وقد غطت رأسها بخمار من نسيج كشمير وردي ~~اللون، وعيناها تتلألآن من خلال الخمار، والحياء يغالبها ويزيدها رونقا، فلما وقع بصره ~~عليها حياها بالانحناء وهو يقول: «لقد جئتك ضاحكا لأني انتقمت لأبي، وغلبت صاحب مرو على ~~مدينته، ففر فرار الأنذال، وسوف أقتله، بإذن الله.» # فأجابته ريحانة وهي تبتسم قائلة: «لقد كنا على يقين من فوز الأمير على عدوه؛ لما نعلمه من ~~بسالته وشدة بطشه، فنحمد الله على فوزه.» # ثم أشار الأمير إلى الدهقانة بالجلوس وهو يقول: «وغدا ندخل قصر الإمارة حسب ~~الوعد.» # الفصل الخامس والأربعون # | النبيذ # فجلست جلنار وهي مطرقة ولم تتكلم، فكان سكوتها أفصح من الكلام، وظلت ريحانة واقفة فجلس ~~الأمير وأشار إليها أن تجلس، فتنحت وأرادت الجلوس في بعض جوانب الغرفة، فأمرها أن تجلس ~~بالقرب من سيدتها، ثم صفق ونادى الضحاك فدخل وهو يقود الدب وراءه، فلما رأت ريحانة الدب لم ~~تتمالك عن الضحك؛ لغرابة منظره، فوقف الضحاك والدب إلى جانبه، فأمره علي أن يرقصه، فجره ~~بالمقود فلم ينتقل من مكانه، فصاح فيه: «أرقص ولا تخجلنا بين يدي الأمير.» فلم ~~يتحرك. # فضحك الضحاك حتى كاد يستلقي، ولما فرغ من ضحكه التفت إلى الدب وهو يقول له: ms121 «كأنك تستحيي ~~أن ترقص أمام النساء.» # فلم يبق أحد هناك لم يغرب في الضحك، وخصوصا ابن الكرماني، فإنه قهقه قهقهة عظيمة، ~~فتظاهر الضحاك بالغضب من الدب، وشده ثانية فظل واقفا كأنه صخر، فتقدم نحوه ووضع أذنه ~~على فمه كأنه يتلقى أوامره سرا، وصبر هنيهة ثم تراجع وهو يضحك ويقول: «لم أكن أعلم أن ~~الدب يشرب الخمر قبل الآن.» # فالتفت ابن الكرماني إلى الضحاك وقال: «يظهر أنه تعود المسكر من عشرة رجال بني أمية ~~في مرو؛ فقد رأينا في قصورهم مئات من آنية الخمر على أنواعها، وأما نحن فلا نشرب غير ~~النبيذ، فاسأله هل يريد نبيذا؟» # فعاد الضحاك إلى مسارة الدب، ثم عاد عنه وقال: «لقد رضي بالنبيذ. أليس ذلك غريبا؟ ~~وأغرب منه أنه لم يطلب النبيذ إلا وهو في الخباء.» وضحك. # فقال ابن الكرماني: «يظهر أن دبك ألطف ذوقا منك، وليس النبيذ محرما، وخصوصا في مثل هذا ~~المجلس. هات النبيذ يا غلام.» # ولم تمض هنيهة حتى جاء الغلمان وهم يحملون مائدة عليها أصناف من نبيذ التمر والتفاح ~~وغيرهما في أباريق الرصاص، وحولها الأقداح من الزجاج الصافي الملون، وأوعز ابن الكرماني إلى ~~الساقي أن يدير الأقداح على الحضور، فجاء غلام ممنطق بمئزر من حرير وتناول قدحا أراق فيه ~~نبيذا وقدمه إلى الأمير، فتناوله وقدمه إلى الدهقانة فاعتذرت عن شربه، فعزم عليها ~~فشربت بعضه وأعادته إليه، فشربه وأمر الساقي أن يصب ويسقي الضحاك ودبه، ففعل. ولما ~~تقدم بالقدح نحو الدب أعرض الدب عنه، فتقدم الضحاك وهو يقول: «لقد بالغ دبنا بالدلال ~~الليلة. هات القدح.» فأخذه من الساقي وقدمه إلى الدب، فتناوله بكفه الغليظة وشربه، وأعاد ~~القدح إلى المائدة بيده وهو يخطو بخطوات الدب المعروفة والجميع يضحكون، ثم عاد إلى مكانه ~~وأخذ في الرقص من تلقاء نفسه، وأجاد وأبدع والضحاك يطاوعه في تنقله كأنه يرقص معه، ثم وقف ~~الدب بغتة فقال الضحاك: «لا ينبغي لنا أن نغفل عن مراد صاحبنا.» وأسرع إلى قدح ملأه نبيذا ~~وقدمه إليه فتراجع ولم يمد يده، فصاح الضحاك ms122 فيه: «ما الذي تريده؟ لقد أتعبتنا ~~بدلالك.» # فتقدم الدب نحو المائدة ومد يده إلى الإبريق فقبض عليه، وجعل يصب في الأقداح حتى ملأها ~~والناس ينظرون إليه، وقلوبهم تدق خوفا على المائدة وما فوقها من «لياقة» الدب، فإذا هو قد ~~ملأ الأقداح ولم يخطئ بواحد منها، ثم أخذها قدحا قدحا وقدمها إلى الحضور، فشربوا وهم ~~مسرورون وشرب هو أيضا، واستحسنوا لياقة هذا الساقي، فصاروا يطلبون منه أن يسقيهم فسقاهم ~~مرارا وجلنار لا تشرب إلا قليلا، ثم أمسكت عن الشرب فظل الشرب قاصرا على الأمير والضحاك ~~والدب، فانقضى هزيع من الليل وهم في ذلك، وقد أخذ الطرب من الأمير مأخذا عظيما. وعند ذلك ~~تظاهر الدب بالسكر وأفلت من يد الضحاك، وخرج من الخباء والقدح بيده، فتبعه الضحاك وتظاهر ~~بمغاضبته وأرجعه إلى الخباء والقدح لا يزال في يده، وتقدم نحو الأمير فدفعه إليه وأخذ في ~~الرقص، فتناول الأمير القدح وشربه كالعادة، ثم صب الدب قدحا وقدمه إلى الضحاك فتناوله ~~وشربه، ثم صاح فيه: «ويلك! لقد أكثرت من الشرب وأصبحت خائفا على نفسي منك، وأخاف ألا يكون ~~الأمير متعودا الشرب الكثير فيضره؛ لأني مع تعودي ~~النبيذ أعواما أراني أشعر بدوار شديد.» قال ذلك وتظاهر بالسقوط إلى الأرض ، وأن الدوار غلب ~~عليه، وأحس بالميل إلى القيء، فتنحى وخرج من الخباء وتقايأ، ثم تقيقأ كل ما في جوفه عنوة ~~والأمير يضحك منه ويقول: «إني لا أشعر بالدوار مطلقا.» # وكان الضحاك قد ترك المقود عند خروجه، فأفلت الدب وخرج من الخباء وطلب الفرار، فازداد ~~الأمير ضحكا وقهقهة، ثم دخل الضحاك دخول المبغوت وصاح: «أين ذلك الدب الملعون؟ يظهر أنه ~~فر. فوالله لأدركنه وأذيقه العذاب.» قال ذلك وقهقه وأشار إلى ريحانة إشارة خفية ~~وخرج. # فأدركت ريحانة أن الضحاك قد أنفذ حيلته وسقى الأمير سما، فنهضت وتظاهرت بالدوار وقالت ~~للأمير: «أرى مولاتي الدهقانة قد تأذت من الشرب أيضا.» وأمسكتها بيدها وهي تقول: «الأفضل ~~لها أن تذهب إلى الفراش. هل يأمر لها مولاي بالانصراف؟» # فنهض وهو مشعر بالدوار أيضا، ولكنه ms123 تجلد وتظاهر بالقوة ووقف وهو يقول: «فلننصرف ~~جميعا.» # وصفق فجاءه الغلمان وأسندوه وخرجوا به من الخباء يطلبون فسطاطه، وذهبت ريحانة بالدهقانة ~~إلى غرفة الرقاد، واشتغل الخدم في نقل آنية النبيذ من الخباء، فلم تمض ساعة حتى خلا الخباء ~~من الأمير وغلمانه. # فلما خلت ريحانة بسيدتها ظهر عليها الاضطراب، فاستغربت جلنار ذلك منها فقالت وهي تتوسد ~~الفراش: «ما لي أراك مضطربة يا ريحانة؟» # قالت بالفارسية وهي ترتعد من التأثر وتحاول خفض صوتها: «أظنهم سموه يا مولاتي.» # فبغتت جلنار وجلست وهي تقول: «سموه؛ قتلوه؟» # قالت: «نعم. ألم تري الدب خرج بحيلة السكر إلى خارج الخباء ثم عاد والقدح في ~~يده؟» # قالت: «بلى.» # قالت: «أظنه خرج ليضع السم في ذلك القدح. وفي صباح الغد يظهر فعله ونسمع بموت ابن ~~الكرماني.» # فاقشعر بدن جلنار وصارت ترتجف من البغتة والخوف، ووقعت في حيرة، فابتدرتها ريحانة قائلة: ~~«لا ينبغي أن تستسلمي إلى الضعف؛ فإن هذا أوان التعقل والدهاء، وقد قضي الأمر الذي كنا ~~نخافه.» # فارتبكت جلنار في أمرها، وأعظمت الجريمة، على أنها كانت (وهي في معظم الاضطراب) تشعر بفرح ~~داخلي عميق لتخلصها من ابن الكرماني وتقربها من حبيبها. # فأخذت ريحانة تخفف عنها وتمنيها بقرب الاجتماع بحبيبها حتى سكن روعها ، وتظاهرت بالرقاد ~~ولكنها لم تستطع نوما. # 1 # الفصل السادس والأربعون # | أرسله إلى خوارزم # أما أبو مسلم، فكان ساهرا في قصر الإمارة ينتظر نتيجة ما دبره على ابن الكرماني ~~والضحاك معا بواسطة إبراهيم الخازن؛ فقد رأيت أنه أوعز إلى الضحاك أن يستعين بإبراهيم ~~المذكور على قتل ابن الكرماني، فسار إليه واتفقا على أن يلبس إبراهيم جلد دب ليتمكن من دس ~~السم في القدح، على ما تقدم، ولكن أبا مسلم أوصى إبراهيم أن يقتل الضحاك أيضا بالسم. ~~وكان قد كلفه قبلا كشف حقيقة الضحاك ليلة ذهابه إلى شيبان، فرافق ذلك القصاص، وحمل ~~الطنبور، وتظاهر بالرمد، وأسدل طرف العمامة على عينيه لئلا يفطن له أحد. ولما كان شيبان ~~وشبيب يتساران كان إبراهيم وراء خيمة شيبان يتظاهر بالنعاس، وقد سمع كل ms124 ما دار بينهما ~~ونقله إلى أبي مسلم في تلك الليلة. فلما عاد الضحاك ليلتئذ خادعه أبو مسلم برغبته في ~~محالفة شيبان ريثما يتمكن من قتل ابن الكرماني على يده ثم يقتله. ولما وصاه باصطحاب ~~إبراهيم تلك الليلة أمر إبراهيم بقتله، كما تقدم، فسقاه السم في قدحه كما فعل بابن ~~الكرماني، ولكن الضحاك ساقه طول أجله إلى استفراغ معدته، وهو إنما فعل ذلك لتنطلي حيلته على ~~ابن الكرماني، ويدفع التهمة عنه، فنفعه ذلك؛ إذ أخرج السم من جوفه قبل أن يؤثر في معدته. ~~أما إبراهيم فظن أنه قام بمهمته وأمات الاثنين، فهرول مسرعا وطرح عنه جلد الدب وجاء أبا ~~مسلم ليبشره بذلك، فوجده ساهرا في انتظاره، فأخبره بما كان، فسر أبو مسلم وأثنى عليه ~~ووعده خيرا. # وأما الضحاك فقد كان متفقا مع إبراهيم على دس السم في قدح ابن الكرماني، وأن يخرجا ~~فيلتقيان في طرف المعسكر، ثم يذهبان معا إلى أبي مسلم، فلما رأى إبراهيم أفلت ظنه فعل ~~ذلك عمدا على أن ينتظره في الموعد، فأسرع في أثره، فشعر في أثناء الطريق بطعم غريب في فيه، ~~وأحس بانحطاط في قواه، فنسب ذلك إلى تأثير الشرب، وخطر له أنه ربما أصابه شيء من السم ~~غلطا، فعول على الاستفهام من إبراهيم، فوصل في الموعد فلم يجده، فساء الظن فيه، ووقف ~~هناك وأطرق مفكرا فيما مر به في هذين اليومين، فانتبه لنفسه، فترجح عنده أن أبا مسلم ~~خدعه وسايره حتى نال مراده بقتل ابن الكرماني، ثم أراد قتله هو ليتخلص منه، لكنه لم ير ~~سببا يدعو إلى ذلك؛ لزعمه أن أبا مسلم لا يعلم أنه من أمراء الخوارج، فرأى أن يذهب إلى ~~أبي مسلم ويلاقيه على حذر، فسار إلى قصر الإمارة، حتى إذا أقبل على باب القاعة سأل الحارس ~~عن الأمير، فقيل له إنه في غرفته، فأراد أن يستأذن في الدخول عليه ثم توقف ليعمل فكرته. ~~وكان الحارس قد عرفه من الأمس، ورأى ما كان من احتفاء أبي مسلم به، فجلس الضحاك إليه وأخذ ms125 ~~يضاحكه ويسايره حتى اطمأن إليه، فسأله عن الأمير ومن عنده، قال: «عنده خازنه ~~اليهودي.» # قال: «وهل هو يهودي حتى الآن؟» # قال: «يتظاهر بالإسلام والإسلام بريء منه؛ فإن هؤلاء اليهود قد فرحوا بالإسلام لأنه نجاهم ~~من ظلم الأكاسرة والقياصرة، وأكسبهم الأموال من دولة العرب؛ لأنهم يعدون أنفسهم من ~~أقاربهم.» # قال: «وهل إبراهيم مع أبي مسلم الآن أم خرج من عنده؟» # قال: «أظنه لا يزال عنده؛ إذ لم يمض على دخوله زمن طويل.» # قال: «فإذن هو مشغول الآن.» # قال: «وهل تريد مقابلته؟» # قال: «كلا، ولكنني لما جئت لمقابلته في أثناء النهار، فبعد أن جلست في القاعة حينا دخل ~~بي إلى غرفة أخرى، ثم أخرجني من باب آخر، كما علمت، وقد نسيت في القاعة كتابا كان معي، ~~فوضعته قرب مجلسي، ولما نهضت نسيته؛ فهل تظنه لا يزال مكانه؟» # قال: «ينبغي أن يبقى هناك. هل أبحث لك عنه؟» # قال: «لا يجوز لك وأنت حارس أن تترك هذا الباب. أما إذا أذنت لي دخلت وبحثت عنه لحظة ثم ~~أعود؛ لأني أعلم بمكانه منك.» # قال: «تفضل، واحذر أن تحدث صوتا يشعر به الأمير؛ لئلا يغضب.» # قال: «كن مطمئنا.» وخلع نعليه فتأبطهما ودخل القاعة وهي مظلمة، فمشى وهو يتلمس الحائط ~~نحو الغرفة التي علم أن أبا مسلم فيها مع إبراهيم، فلما دنا من بابها سمع أبا مسلم يقول: ~~«هل أنت على يقين من إرسالهما إلى خوارزم.» # قال إبراهيم: «قد أرسلتهما حسب أمر الأمير، وأظنهما الآن في عالم الأموات.» # قال: «أخشى أن تكون أخطأت الرسالة ونسيت ذلك الحروري الذي يزعم أنه يخادعنا - عليه لعنة ~~الله - بقي علي أن أعهد إليك بأمر يهمني ولك منه نفع كبير، وكسب كثير.» # وكان الضحاك واقفا بالباب يمسك أنفاسه؛ لئلا يسمع صوت تنفسه، ويوشك لعظم اضطرابه أن ~~يسمع دقات قلبه في أذنه، فتجلد، وأحس بارتعاش قدميه فقعد القرفصاء، وأصاخ بسمعه فإذا ~~إبراهيم يقول: «يأمر مولاي بما يريد.» # فقال: «بقي علي أن أتخلص من شيبان؛ أمير الخوارج، فإذا قتلناه تبعثر جند العرب وخلصت ~~الدولة ms126 لنا.» # قال: «رأيك هو الصواب. هل تريد أن أرسله إلى خوارزم كما أرسلت ابن الكرماني وشبيبا ~~الملعون؟» # قال: «أخاف ألا تنطلي عليه الحيلة؛ إذ ليس لنا في داره فتاة مثل الدهقانة تهون علينا ~~العمل، والأحسن أن نستقدم شيبان إلينا بحيلة المحالفة أو المخابرة ونقتله، ويخلو لنا ~~الجو.» # قال: «ذلك هين علي إذ شئت فعلته.» # وساد السكون لحظة، فخاف الضحاك أن يكون أبو مسلم عازما على الخروج، فأصاخ بأذنيه فلم ~~يسمع حركة، فعلم أنه يفكر، ثم سمعه يقول: «امض الآن، وسأخبرك ماذا ينبغي أن تفعل.» # فعلم الضحاك أنهما سيخرجان، فهرول القهقرى وودع الحاجب وهو يثني عليه - وما صدق أنه ~~نجا - وسار مسرعا حتى خرج من مرو، ومشى نحو معسكر الخوارج وهو يلعن ذلك اليهودي الذي كان ~~سببا في فشله، فمر في طريقه بمعسكر ابن الكرماني، فخطر بباله خاطر انشرح له صدره؛ لما ~~توهمه فيه من السداد؛ ذلك أنه قال في نفسه: «لأذهبن إلى أمراء اليمنية أصحاب الكرماني ~~وأطلعهم على مكيدة أبي مسلم، وأنه قتل أميرهم غيلة، وأحرضهم على الاتحاد معنا.» فلما ~~خطر له ذلك اختلج قلبه فرحا، فبدل ثيابه وأسرع يطلب فسطاط أمير من اليمنية كان يعرفه، فلما ~~وصل الفسطاط اعترضه أحد الخفراء، فسأله عن الأمير، فقال: «إنه دخل مرو منذ ساعة.» # قال: «ولماذا؟» # قال: «لأن أبا مسلم دعا أمراء اليمنية جميعهم إليه.» # قال: «وهل ذهبوا جميعا؟» # قال: «نعم.» # فبهت الضحاك لذلك الدهاء، وتحقق أن أبا مسلم بعث إليهم ليكونوا في قبضته، فإذا أصبح ~~الصباح وعلموا بموت ابن الكرماني كان هو في مأمن من عصيانهم، فأحس بعظم دهاء ذلك الخراساني ~~وسهره على مصلحته، ووقف برهة يفكر في ماذا يجب أن يفعله، فلم ير له حيلة غير الفرار ~~بالخوارج ريثما يجد سبيلا للانتقام، فأسرع نحو معسكرهم وهو يخاف أن يكون أبو مسلم قد دبر ~~عليهم حيلة، وقد غلب على وهمه أن هذا الرجل قادر على كل شيء، فسار إلى شيبان حتى إذا أقبل ~~على فسطاطه دخل عليه وقص عليه ما وقع، وقال ms127 له: «لم يبق لنا فائدة من البقاء هنا؛ فانصرف ~~برجالك إلى مكان نتربص فيه ريثما ندبر حيلة أخرى.» # فتردد شيبان في الأمر مدة، ثم اقتنع بوجوب التنحي فأمر بالإقلاع، وطلب من الضحاك أن ~~يصحبه، فقال: «دعني أتدبر الأمر؛ فإني غير تارك هذا الخراساني حتى أنتقم منه شر انتقام.» ~~قال ذلك وخرج، وأخذ شيبان في الاستعداد للرحيل. # الفصل السابع والأربعون # | الرحيل # أما جلنار فقد تركناها في غرفتها تحاول الرقاد ولا تستطيعه؛ لهول ما شاهدته تلك الليلة من ~~الأمر العظيم، وريحانة إلى جانبها تخفف عنها، وتفكر في الورطة التي وقعتا فيها، وتبحث عن ~~حيلة تنجوان بها من ذلك المعسكر قبل أن يصبح الأمراء ويعلموا بموت ابن الكرماني فلا تدري ~~كيف تتخلص منهم، فتذكرت الضحاك، فقالت لسيدتها: «الآن وقت الضحاك - قبحه الله - إنه لا ~~يغيب عنا إلا في وقت الحاجة إليه.» # فقالت جلنار «وأين هو يا ترى؟ لا أظنه يتركنا الليلة وهو يعلم حالنا وما نحن فيه، ولا بد ~~من مجيئه عاجلا.» # فقالت ريحانة: «وإذا لم يأت؟» # قالت: «إذا لم يأت. ألا ترين أن نحتال في الذهاب إلى أبي مسلم في مرو؟» # فأطرقت ريحانة هنيهة ثم قالت: «وما قولك بالرجوع إلى بيت سيدي الدهقان فنقص عليه ما وقع، ~~وهو لا شك إذا علم بفوز أبي مسلم وموت ابن الكرماني يرضى به بعلا لك، فتزفين إليه مكرمة ~~معززة.» # فشق على جلنار أن تعود إلى بيت والدها وتبعد عن مقر حبيبها، فقالت: «ولماذا ذلك؟ ألسنا ~~على مقربة من مرو؟ وقد كان أبو مسلم يؤجل أمرنا حتى يقتل ابن الكرماني ويفتح مرو، وقد تم له ~~ما أراد؛ فهل تظنين عنده سببا آخر يدعو إلى التأخير؟» # قالت: «لا أعلم يا سيدتي، ولكن لو كان هذا هو قصده وهو يعلم بمقتل ابن الكرماني؛ لوجب أن ~~يرسل إليك من يحملك إليه الآن.» قالت ذلك وأطرقت. # فرفعت جلنار نظرها إلى ريحانة وتفرست في وجهها؛ لعلها تفهم شيئا مستترا وراء تلك ~~العبارة، فرأت ريحانة مطرقة وفي وجهها ملامح الارتياب، فقالت لها: ms128 «وماذا تعنين ~~بذلك؟» # قالت: «لا أعني شيئا، ولكني أقول ما يجول في خاطري، وأنت تعلمين أني أرغب الناس في حفظ ~~كرامتك. وعلى كل حال، فإن زفاف الفتاة من بيت أبيها أحفظ لكرامتها، غير أني لا أشك في ~~مقاصد أبي مسلم في شأنك، ولكنني أحسبه مشتغلا الآن بتدبير شئونه بعد هذا الفتح؛ فذهابك إلى ~~بيت أبيك والانتظار ريثما يفرغ أبو مسلم من مهام الدولة لا يقلل شيئا من حبه لك، أو رغبته ~~فيك.» # وبينما هما في ذلك إذ سمعتا نحنحة في وسط الخباء فأجفلتا، ثم عرفتا أنها نحنحة الضحاك، ~~فهرولت ريحانة وهي تتعثر في أذيالها من البغتة والفرح، وظلت جلنار جالسة في الفراش وقلبها ~~يكاد يطير من شدة الخفقان، ثم رأت ريحانة عائدة ورجل يتبعها بقيافة غير قيافة الضحاك وقد ~~تنكر في ثوب آخر - هو عبارة عن قلنسوة طويلة بدون عمامة، وجبة سوداء طويلة مثل زي أهل ~~خراسان، وقد قص لحيته وأطراف حاجبيه وقطبهما، فذهبت من وجهه أمارات المجون وأبطل ~~التضاحك بحيث لا يراه أحد إلا أنكره. فلما عرفته جلنار هشت له - كما تهش لأقرب الناس ~~إليها - وابتسمت وهي تقول: «لقد صدق ظني. إنك لا تتركنا في هذه الحالة. ما الذي أصاب ذلك ~~الرجل؟ هل تظنه يموت؟» # قال: «أظنه قد مات؛ لأني رأيت أهل فسطاطه في هرج واضطراب.» # قالت: «فما العمل الآن؟» # قال: «أرى أن ترجعي إلى بيت سيدي الدهقان.» # فلما سمعت ريحانة قوله التفتت إلى سيدتها ولسان حالها يقول: «ألم أقل لك ذلك؟» # فقالت جلنار: «وكيف نذهب؟» # قال: «نذهب بأخف ما عندنا وأنا أدبر ذلك، ولكني أتوسل إليك منذ الآن أن تكتمي أمري عن ~~كل إنسان.» # فاستغربت طلبه وقالت: «وماذا تعني؟» # قال: «أعني أني رهين إشارتك، ولا أزال عبدك وخادمك بكل ما تأمرين، ولكنني لا أحب أن يعلم ~~أحد في الدنيا أني لا أزال حيا، ولا تسأليني عن السبب الآن. أما اسمي الجديد فهو ~~صالح.» # فقالت: «سأفعل ذلك. فما العمل يا صالح؟» # قال: «سأعد كل شيء حتى نتمكن من الرحيل ms129 في الصباح باكرا والناس في شاغل عنا.» # قالت: «ألا ترى أن ننتظر إلى غد لعل أبا مسلم يبعث بمن يحملنا إليه؟» # قال: «الأمر راجع إليك؛ إذا شئت بقينا، ولكنني لا أرى أبا مسلم يبعث إليك غدا ولا بعد ~~غد.» # فلم تستغرب قوله؛ لأنها سمعت مثله من ريحانة، ولكنه لم يعجبها فقالت: «وكيف لا يبعث إلي ~~وأنت قلت لي إنه إنما أجل اجتماعنا ريثما يفرغ من الحرب، ويقتل هذا المسكين على يدنا؛ ~~فأطعناه؟! فهل من سبب آخر للتأجيل؟» # فقال: «لا، ولكن أبا مسلم اليوم في شغل عظيم من أمر هؤلاء اليمنية بعد مقتل أميرهم، فإذا ~~لم يتدبر أمرهم خشي عصيانهم أو انحيازهم إلى الخوارج. ومهما يكن من الأمر، فإن الذهاب إلى ~~بيت أبيك أحفظ لكرامتك، وليس ثمة ما يمنع أبا مسلم من أن يطلبك من مولاي الدهقان، ~~فتزفين إليه معززة مكرمة.» # فلم تر جلنار بدا من طاعته، فأذعنت وأشارت إليه أن يفعل ما يشاء. # فقال: «مري الخدم أن يطيعوني ولا تقولي لهم إني الضحاك.» # فأشارت إلى ريحانة أن تفعل ما قاله، فخرجت ريحانة وقالت لقيمة الخباء: «إن هذا الرجل ~~بعث به مولانا الدهقان الليلة ليرجع بنا إليه في الصباح؛ فاعملوا بإشارته.» فأخذ الضحاك في ~~تدبير ما يلزم استعدادا للمسير. # الفصل الثامن والأربعون # | عريس جديد # أما الدهقان، فقد عرف أنه زوج ابنته بابن الكرماني طمعا في الكسب على يده؛ ليقينه ~~بقوة الكرماني وكثرة رجاله، ولاستخفافه بأبي مسلم؛ لقلة رجاله وصغر سنه، وأضمر في نفسه ~~أنه إذا انقلبت الآية ورجحت كفة أبي مسلم تقرب إليه بالأموال والرجال، فكان لا يغفل ~~عن استطلاع أحوال الجنود المعسكرة حول مرو - وكانت الأخبار تأتيه تباعا، وكلها تدل على ~~نجاح الخراسانيين وتغلبهم - حتى إذا جاءه الخبر بدخول أبي مسلم مرو، بمساعدة ابن الكرماني ~~مع بقاء هذا في معسكره، تحقق من فوز الخراسانيين، ولبث يتوقع فرصة يتقرب بها من أبي مسلم ~~وهو يظنه غير عالم بزفاف جلنار إلى ابن الكرماني، فلما وصله نبأ دخول أبي مسلم إلى مرو ~~بعث ms130 إليه بالهدايا والأموال، وكتب إليه يهنئه بالنصر، وأنه بذل جهده في جمع كلمة الدهاقين ~~على نصرته. # كل ذلك وهو لا يعلم بموت ابن الكرماني، ثم جاءه الخبر بمجيء ابنته، فخرج لاستقبالها ~~وقبلها، ورحب بها وبالغ في الترحاب وهو يعجب لمجيئها. ولما سألها عن سبب مجيئها لم ~~تتماسك عن البكاء، فأجابت ريحانة أنها ستخبره عن السبب في خلوة، فأخرج من في حضرته من ~~الناس فقالت ريحانة: «إن مولاتي الدهقانة تبكي حرقة على سوء حظها.» # قال: «ولماذا؟ ماذا جرى؟» # قالت: «إن خطيبها توفي في هذا الصباح فجأة.» # قال: «علي بن الكرماني مات؟» # قالت: «نعم يا سيدي. مات فجأة على غير انتظار.» # فأطرق وهو يحك ذقنه، وأعمل فكرته وقد تأكد من انتصار الخراسانيين وفشل العرب، فذهبت ~~بقية آماله، ونظر إلى جلنار فإذا هي مطرقة تبكي، فظنها تبكي على عريسها، وهي إنما تبكي ~~شوقا لحبيبها، وخوفا من ضياع آمالها؛ لأنها كانت تتوقع أن ترى منه اهتماما بأمرها، ولم ~~تكن تنتظر انشغاله عنها إلى هذا الحد، فلما رآها الدهقان تبكي حن لها وقال: «لا تبكي يا ~~جلنار ولا بأس عليك.» ثم وجه خطابه إلى ريحانة وقال: «سمعتك تسمين ابن الكرماني خطيبا، ~~وأنت تعلمين أننا عقدنا له عليها وزففناها إليه .» # قالت: «نعم، ولكنه لم يتزوجها بعد.» وقصت له ما كان من اشتراطه على نفسه فتح مرو قبل ~~الاقتران، وأنه مات في الغد بغتة. # فلما علم بذلك تبدد إحساسه بالفشل والندم، ورأى في عودة جلنار إليه على تلك الصورة ~~بابا جديدا للتقرب إلى أبي مسلم؛ لاعتقاده أن أبا مسلم يرغب في مصاهرته، فنظر إلى جلنار ~~وهو يبتسم ليزيل عنها اضطرابها وقال: «لا بأس عليك يا بنتاه، إني سأعوض عليك من ابن ~~الكرماني من هو خير منه، وأقرب إلينا وطنا ولغة ومشربا.» # فأدركت جلنار أنه يشير إلى أبي مسلم فانشرح صدرها، وعادت آمالها إلى الانتعاش؛ لأن أباها ~~صار عونا لها في الوصول إلى حبيبها، وأمنت من الجهة الأخرى أنها إن تزوجت أبا مسلم بغير ~~علمه فقد يغضب، ويعد ms131 عملها خروجا عن طاعته. فلما سمعت قوله قالت: «إنك تعزيتي الوحيدة يا ~~والدي، ومن كانت لها أب مثلك لا بأس عليها، وأنت تعلم أني طوع إرادتك في كل ما ~~تريد.» # فأشار إليها أن تذهب إلى غرفتها للراحة من تعب السفر، فنهضت وريحانة تسير بجانبها، فإذا ~~بوالدها يقول: «وأين الضحاك؟ إني لا أراه معكم.» # قالت ريحانة: «لا ندري ماذا أصابه، فقد ذهب بالأمس ونحن في معسكر الكرماني ثم لم ~~نره.» # قال: «لقد رأيت معكم رجلا عليه القلنسوة والجبة؛ فمن هو هذا؟» # قالت: «هو رجل من أهل مرو اسمه صالح جاءنا به ابن الكرماني يوم الفتح وأضافه إلى الخدم ~~بدلا من الضحاك، ولا بأس به.» # وأخذ الدهقان يفكر في السبيل المؤدي إلى نيل الحظوة في عيني أبي مسلم، بعد أن أصبح له ~~الأمر والنهي في خراسان، فصمم بعد طول تفكير أن يهديه الهدايا ويزوجه ابنته، ولكنه رأى أن ~~ينتظر جوابه على تهنئته التي أرسلها إليه يوم الفتح. # لبث في الانتظار يومين، وفي اليوم الثالث جاءه رسول أبي مسلم ومعه كتاب يثني فيه عليه ~~ويستقدمه إليه ليقيم بين يديه، فلما تلا الكتاب لم يتمالك أن أسرع إلى جلنار وأطلعها عليه، ~~فكان سرورها أعظم من سروره، ولكنها أحبت أن تثق من أمر مسيرها معه فقالت: «وهل أنت عازم على ~~السفر إلى مرو؟» # قال الدهقان: «وهل أستطيع غير ذلك؟» # قالت جلنار: «ومتى تذهب؟» # قال الدهقان: «ربما ذهبت غدا.» # قالت جلنار: «ألا تحمل إليه الهدايا والأموال؟» # قال: «لا بد من ذلك؛ لأن الرجل أصبح ملك خراسان، وأظن أن دعوته ناجحة لا محالة، فيجب أن ~~نبذل كل جهدنا في التقرب منه. وأرجو أن تساعديني على ذلك.» # قالت جلنار: «إذا كنت أستطيع مساعدة فإني فتاتك ورهن إشارتك.» # قال: «وأبو مسلم إذا أطعتني فيه لم يبق شك في فوزنا على يده؛ لأن النصر قد تقرر له. وقد ~~أخبرني الرسول حامل الكتاب أن الخوارج أجلوا عن مرو، ورجال الكرماني الذين بقوا أحياء بعد ~~موت قائدهم انضموا إلى جند أبي مسلم، ms132 وهو الآن زعيم القوم وأمير مرو، ولا يلبث أن تذعن له ~~سائر بلاد خراسان وما وراءها؛ لأن رجاله لم ينفكوا وهو محاصر مرو يفتحون البلاد، ويضمون ~~إليهم العباد، يبايعون لأهل البيت ويلبسون السواد؛ فالتقرب منه مفيد، ولا أظنك تخالفينني ~~فيه؟» # فأدركت أنه يشير إلى أمر زواجها به، فقالت وقد أشرق وجهها سرورا، رغم ما تكلفته من ~~السذاجة: «إذا كنت لم أخالفك في ابن الكرماني وهو بعيد عنا جنسا ولغة، فكيف برجل خراساني ~~وهو كما وصفته؟! فإذا أمرتني أطعتك.» # قال: «بورك فيك من ابنة مطيعة حكيمة.» وضمها إلى صدره وقبلها ثم قال: «سأذهب إليه في ~~الغد، وسأغتنم أول فرصة لمخاطبته في شأنك. ثم أبعث إليك فتأتي في موكب يليق ~~بمقامنا.» # فعلمت أنه لا ينوي اصطحابها، فرضيت بما أراده، وانتعشت آمالها، فأظهرت الارتياح إلى رأيه، ~~ولكنها كانت تفضل الذهاب معه فقالت: «وماذا يحدث لو أنني سرت معك فأدخل مرو وأتفرج على ~~مناظرها ريثما يتم لك ما تريد؟» # فأطرق لحظة ثم قال: «لا بأس من ذهابك معي، فأنزلك عند صديق لي من دهاقين مرو أعرف أنه ~~يقيم في قصره بجوار دار الإمارة.» # ففرحت جلنار بذلك وظهر الفرح على وجهها، فأمر الدهقان خازنه أن يعد الأموال ليحملها معه ~~إلى مرو، وأن يعدوا الهدايا من الرقيق والثياب وغير ذلك. # الفصل التاسع والأربعون # | مجلس أبي مسلم # وفي صباح اليوم التالي، ركب في كوكبة من الفرسان، وجعل الهدايا في حملة تسير في أثره ~~ومعها هودج جلنار وريحانة، ومشى صالح مع الخدم. وفي الضحى وصل الموكب إلى مرو يتقدمه رسول ~~أبي مسلم، فدخلوا المدينة وساروا حتى أقبلوا على دار الإمارة، فأمر الدهقان أن ينزلوا ~~جلنار في قصر صديقه بقرب تلك الدار، فأنزلوها، وترجل هو ورجال حاشيته يمشون بين يديه ~~وعليهم الملابس الفاخرة، وبمناطقهم السيوف المحلاة بالذهب كأنهم بين يدي ملك، فمشوا على هذه ~~الصورة في فناء الدار، والناس يوسعون لهم، حتى أقبلوا إلى باب القصر وعليه الحراس، ~~فاستأذنوا للدهقان بالدخول، فأذن له أن يدخل وحده، وأن ينصرف رجال ms133 حاشيته إلى دار الضيوف، ~~فدخل الدهقان وعليه قلنسوة حولها عمامة موشاة بالذهب، وقد تزمل بجبة من الخز فوقها مطرف ~~من الحرير المزركش يساوي مالا كثيرا. وكان قد نزع سيفه وسلمه إلى أحد الخدم السائرين ~~بين يديه. # دخل القصر ومشى في الصحن الداخلي حتى وصل إلى القاعة التي ينعقد فيها مجلس أبي مسلم ومعه ~~نقباؤه وقواده، فدخل الدهقان القاعة وفي صدرها أبو مسلم على كرسي، وإلى جانبه خالد بن برمك ~~وسليمان بن كثير وجماعة من النقباء، فلما أقبل على أبي مسلم رحب به فحياه وتقدم، فأمر ~~له بالجلوس بين يديه، فجلس متصدرا وأعاد التحية، فقال له أبو مسلم بالفارسية: «نشكرك على ~~هداياك أيها الدهقان.» # قال: «إني لم أهد شيئا، وإنما قدمت ما يجب علي؛ لأن المصلحة واحدة.» # قال أبو مسلم: «بل أنت تفضلت، ولا ننسى ضيافتك يوم نزلنا عندك.» # فانشرح صدر الدهقان لذلك الثناء وقال: «كل ذلك واجب، وقد فعلته لأن الدعوة التي قمتم بها ~~ينبغي على كل خراساني أو فارسي أن ينصرها؛ لأنها هي نقمة الفرس على العرب.» # فنظر أبو مسلم إلى خالد فرآه ينظر إليه، ثم حولا نظرهما إلى الدهقان فإذا هو يزداد ~~تصدرا ويده في لحيته يمشطها بأنامله، فقال له أبو مسلم : «هل كنت تعلم بذلك قبل ~~الآن؟» # فاستغرب الدهقان هذا السؤال وأوجس منه خيفة؛ لعلمه أن أبا مسلم قليل الكلام، كثير ~~المعاني، فقال: «كيف لم أكن أعرفه؟ ألا تذكر مجلسنا تلك الليلة يوم تلوت علينا وصية الإمام، ~~وتعاقدنا على نصرة هذه الدعوة؛ لأنها دعوة يجب على كل فارسي نصرتها؟» # قال أبو مسلم: «أتذكر نص تلك الوصية؟» # قال: «أذكر فحواها.» # قال أبو مسلم: «وما فحواها؟» # فتعجب الدهقان من تدقيقه، وازداد خوفا مما وراء ذلك، ولكنه تظاهر بالاستخفاف وقال: «أذكر ~~أنه يوصيك ألا تبقي في خراسان لسانا عربيا، وأن تقتل كل من شككت فيه.» # فنظر أبو مسلم إلى الدهقان نظر المتفرس، فلم يطق الدهقان صبرا على تلك النظرة خوفا من ~~عواقبها فأطرق، فقال له أبو مسلم: «وهل عملت بهذه ms134 الوصية؟ هل سعيت معنا على العرب ~~أعدائنا؟» قال ذلك بنغمة المرتاب وتجاهل العارف. # فتجلد الدهقان وقال: «كيف لا وأنا لم أدخر وسعا في بذل الأموال واستنهاض الدهاقين لنصرة ~~هذه الدعوة؟!» وكان الدهقان يظن أن أبا مسلم لا يعلم بزفاف جلنار على ابن الكرماني، كما ~~تقدم. # فقال أبو مسلم: «أمن نصرة العجم على العرب أن تزف ابنتك إلى ابن الكرماني ومعها الهدايا ~~من الرقيق والمال؟» # فوقع الرعب في قلب الدهقان ولم يعلم بماذا يجيب، وبدت البغتة في وجهه، ورقصت لحيته، ~~وارتعشت أنامله، ولكنه تجلد وقال وهو يضحك: «إن زفاف ابنتي إلى ذلك العربي إنما كان قبل ~~الاجتماع المذكور.» # فقال: «ألا تذكر أن الفتاة كانت في بيتك ليلة ذلك الاجتماع وقد جالستنا؟» # فارتبك الدهقان في أمره وأخذ يتشاغل بإصلاح قلنسوته ومطرفه، ويبلع ريقه ويتنحنح وقد امتقع ~~لونه، ولم يسعه السكوت فقال: «أعني أننا عقدنا قبل تلك الليلة، ورأيت من الفتاة رغبة إلى ~~ابن الكرماني، فسايرتها فيما ترضاه؛ لأنها وحيدتي.» # فقال أبو مسلم: «أصحيح ما تقوله.» # قال: «هذا هو الصحيح ورأس الأمير.» # فقال أبو مسلم: «وإذا كنت كاذبا؟» # فلما سمع الدهقان ذلك زاد رعدة حتى صار ينتفض، والتفت إلى من حوله من القواد والنقباء ~~لعله يجد بينهم من ينصره، فرآهم مطرقين لا يستطيع أحد منهم أن يتفوه بكلمة، فلم ير بدا من ~~الجواب؛ لأن السكوت إقرار بالكذب - ولم يكن يخطر له أن أبا مسلم مطلع على سر ابنته - فقال: ~~«حاشا لي أن أكذب بين يدي الأمير.» # فقال أبو مسلم: «إن العقد لم يتم إلا بعد زيارتنا، وابنتك لم تكن راضية بذلك العربي، ~~وإنما أنت رضيته لها؛ استخفافا منك بدعوتنا، وتزلفا إلى العرب، وقد جادلتك هي في شأنه ~~في الليلة التي كنا فيها عندك وأنت عازم على زواجها منه.» # فلم يبق أحد من الحضور حتى خالد بن برمك إلا وقد دهش لاطلاع أبي مسلم على هذه التفاصيل مع ~~اشتغاله بمهام القيادة العامة، وتدبير شئون تلك الدعوة، وجعلوا يتلفتون بعضهم إلى بعض ~~والدهقان يكاد يموت ms135 خوفا، وقد جمد الدم في عروقه، وود لو خسفت الأرض وابتلعته في تلك ~~اللحظة ولم يحر جوابا. # وساد الصمت على تلك الجلسة هنيهة والجميع هادئون لا يتحركون كأن على رءوسهم الطير، لو ~~داهم أحدهم السعال لبلع ريقه تسكينا لما يحتك في أعلى الصدر، ثم قطع أبو مسلم السكوت وقال ~~وقد وجه خطابه إلى النقباء: «فما قولكم في هذا الخراساني الذي سمع وصية الإمام بإبادة العرب ~~فنصرهم وصاهرهم، ثم يقول إنه ينصرنا؟» # فلم يجب أحد منهم بكلمة؛ لعلمهم أنه لا يستشيرهم، وإنما هو يهدد الدهقان، ثم قال له: ~~«فأنت إذن لم تحفظ وصية الإمام، فبدلا من أن تنصر الخراسانيين نصرت العرب، وقد نصرتهم وهم ~~أعداؤنا. أما أنا فلا يمكنني إلا حفظ تلك الوصية، وخاصة آخر فقرة منها. أتعلم ما ~~هي؟» # فأدرك الجميع مراد أبي مسلم حتى الدهقان نفسه، وفهموا أنه يشير إلى قول الإمام: «من شككت ~~فيه فاقتله.» فنظر الدهقان إلى أبي مسلم نظر المستغيث، فقال أبو مسلم: «إن طاعة الإمام أولى ~~من طاعة كل إنسان، وهو أوصاني أن أقتل كل من أشك فيه، وقد شككت فيك؛ فلا يمكنني سوى قتلك.» ~~ثم نظر نحو الباب فدخل أربعة، على كل منهم درع من الجلد إلى أسفل الركبة عليها رشاش من ~~الدم، وعلى رأسه قلنسوة طويلة ذات شعبتين عليها شيء من آثار الدماء، وحول الدرع منطقة من ~~جلد علق فيها سيف. # فلما دخلوا علم الدهقان أنهم الجلادون، وسمع أبا مسلم يقول لهم: «خذوا هذا الخائن إلى ~~خوارزم.» # فعلم الدهقان أنه يأمر بقتله، فنهض وترامى على قدمي أبي مسلم، وجعل يتضرع ويتوسل وهو يبكي ~~ويقول: «اصفح يا مولاي عن ذنبي فأعطيك كل ما أملك.» # فأجابه أبو مسلم وهو ينظر إلى سقف القاعة، وقال بصوت ضعيف: «إن مالك لنا، سواء قتلت أو ~~بقيت حيا.» فلما لم ير الدهقان إصغاء من أبي مسلم تحول إلى خالد بن برمك وترامى عند ~~قدميه واستشفعه، فرق خالد له، ولم يكن أحد يجرؤ على مراجعة أبي مسلم في شيء غيره، ms136 فهمس ~~في أذنه كلاما، فقال أبو مسلم: «قد أجلنا قتله الآن. خذوه إلى السجن لننظر في ~~أمره.» # فتقدم الأربعة وساقوا الدهقان بين أيديهم حتى خرجوا من باب سري يؤدي إلى غرفة مظلمة جعلوه ~~فيها ولا سبيل لأحد إليه. # الفصل الخمسون # | الشفاعة # أما جلنار فإنها نزلت في قصر ذلك الدهقان بجوار دار الإمارة وقد استأنست بقرب الحبيب، ~~فأنزلها صاحب القصر بين نسائه، فلقيت عندهن كل إكرام وترحيب، وخاصة من الدهقانة صاحبة ~~المنزل؛ لأنها كانت تعرفها وتعرف والدتها قبلها، على أن جلنار كانت لا تستأنس بأحد؛ لاشتغال ~~خاطرها بأبي مسلم وما عسى أن يدور بينه وبين والدها بشأنها، وكانت تنتهز الفرص لتخلو ~~بريحانة وتحدثها فيما يهمها من الشئون ريثما يعود والدها من تلك الزيارة. وحان موعد الظهر ~~وأهل البيت ينتظرون مجيء الدهقان ليتناولوا الطعام معا، فلما أبطأ ظنوه تناول طعامه على ~~مائدة الأمير، فتناولوا طعامهم. وكانت جلنار أكثرهم قلقا على غيابه، ليس خوفا على حياته؛ ~~لأن ذلك لم يخطر ببالها، بل حبا في معرفة ما يدور من الحديث بصددها. # قضت بقية ذلك النهار وهي على مثل الجمر، وريحانة تعدها وتمنيها حتى أمسى المساء، ~~فلاحظت على أهل القصر تغيرا، ورأتهم يجتمعون ويتسارون، وإذا رأوها تظاهروا بالمجاملة ~~والمحاسنة ، فاشتغل خاطرها وشكت ذلك إلى ريحانة، فقالت لها: «وأنا لاحظت ذلك عليهم.» # فقالت جلنار: «لا بد من أمر حدث لوالدي.» # وما أتمت كلامها حتى جاء أحد الخدم يقول لجلنار: «إن أحد خدمكم بالباب.» # فنهضت ريحانة وتبعتها جلنار حتى أقبلتا على الباب، فإذا هناك صالح (أي الضحاك) وفي وجهه ~~أثر البغتة، فقالت ريحانة: «ما وراءك؟» # قال: «أدخلاني إلى مكان لا يسمعني فيه أحد سواكما.» # فدخلتا به إلى غرفة وأقفلتا الباب، فجلس وجلنار في قلق، وقلبها يخفق خفقانا شديدا حتى ~~بدأ صالح بالكلام فقال لها: «هل سمعت بما حدث اليوم في مجلس أبي مسلم؟» # قالت: «كلا.» # فقص عليها ما دار بين أبي مسلم ووالدها كأنه كان حاضرا، حتى بلغ إلى أمر أبي مسلم بقتل ~~والدها، فاقشعر بدنها وامتقع ms137 لونها، ثم أخبرها بتوسط خالد بالعفو عنه، وأنهم أجلوا قتله ~~وحبسوه. فلما سمعت ذلك استغربته وظنت نفسها في حلم وقالت: «حكم على والدي بالقتل. ~~ولماذا؟» # قال: «لأنه زوجك إلى ابن الكرماني ورغب في مصاهرته وهو عربي. وكان مولاي الدهقان يتظاهر ~~بتأييده لحزبه الفارسي، وأبو مسلم يقتل على الشك كما لا يخفى عليك.» # فأطرقت ثم التفتت إلى ريحانة كأنها تستطلع رأيها، فرأتها أشد حيرة منها، فنظرت إلى صالح ~~وقالت: «هذا وقت المروءة وصدق الخدمة.» وترقرق الدمع في عينيها. # فوقف صالح وقال: «إني رهن أمرك يا مولاتي، والذي أراه.» وسكت، فازدادت جلنار قلقا لتردده ~~فقالت: «قل ما الذي تراه؟» # قال: «لا أرى أحدا يقدر على التوسط في ذلك سواك.» # فجاء قوله موافقا لما في خاطرها؛ لأنها طالما تمنت مقابلة ذلك الحبيب، وقد جرى ما جرى ~~بينه وبينها ولم يتخاطبا ولا تشاكيا مع اعتقادها أنه يحبها. وكانت عند سماعها بالحكم على ~~والدها قد عزمت على الذهاب بنفسها لمخاطبته في شأنه؛ إذ لا بد من أن يتشعب الحديث إلى ~~التشاكي، فيطمئن خاطرها، وتثق من حبه، فلما أشار صالح بذهابها انبسطت نفسها، وبان البشر على ~~وجهها، ووقفت بغتة بدون إرادتها، فقال لها صالح: «أتذهبين الآن؟» # قالت: «لا بد من ذلك؛ لأن الفرصة قصيرة، وأخشى أن يتسرع الأمير بقتل والدي قبل ~~غد.» # فقال: «حسنا تفعلين، وأنا أستأذن لك بالدخول على يد الحاجب؛ فقد عرفته، وهو الذي قص ~~علي الحديث اليوم. انهضي غير مأمورة وتخمري ريثما أعود إليك بالإذن.» وخرج. # فتحولت جلنار إلى مكان هناك يصلح أهل القصر شعورهن فيه، وأصلحت من شأنها إصلاحا بسيطا، ~~والتفت بالمطرف المزركش، ولفت رأسها بشال موشى، فقالت ريحانة: «هل أذهب معك يا ~~مولاتي؟» # قالت: «لا أظن أن ذهابك يجدي؛ فربما لا يأذن لنا بالدخول معا وأنا أحب أن أخاطبه على ~~انفراد.» # ثم جاء صالح وهو يقول: «قومي يا مولاتي. لقد أذن الأمير بمقابلتك.» # فنهضت جلنار وقد اشتد خفقان قلبها، وتصاعد الدم إلى وجهها، ومشت مع صالح والليل قد أسدل ~~ستاره، فخرجت ms138 من باب القصر، ولم تمش بضع خطوات قليلة حتى أطلت على باب القاعة وصالح يمشي ~~بجانبها، فلما دخلت إلى هناك قال: «لا يخلو دخولك على هذا الأمير من باعث على الحذر، فكوني ~~على يقين - إذا شعرت بضيق - إني آتيك كما تأتي المردة، ولكن احذري أن تناديني باسمي ~~القديم.» # فأوجست من هذا التحذير خوفا، ولكنها شغلت عن التفكير به لما هاج في خاطرها من مقابلة ~~أبي مسلم، وهي أول مرة ستخاطبه في خلوة، مع ما في قلبها من لواعج الحب وعوامل الإعجاب به. ~~فأوصلها صالح إلى الباب وأشار إلى الحاجب، فوقف لها وأدخلها القاعة وقد أزاح لها ستر الباب ~~بيده، فرأت قاعة كبيرة في أحد أركانها شمعدان عليه شموع منيرة. وفي صدر القاعة رجل متكئ على ~~وسادة وعليه ثياب الإمارة كأنه في مجلس الحكم، فسبقها الحاجب حتى وقف بين يدي الرجل وقال: ~~«قد أتت الفتاة التي استأذنت في الدخول على الأمير.» # فقال أبو مسلم: «أين هي؟» وأشار بيده إلى الحاجب، فخرج ومشت جلنار وهي تخطو الهوينى ~~وقدماها لا تساعدانها على السرعة لما داهمها من الرعشة؛ لدخولها وحدها على أبي مسلم، ~~والرجال الأشداء يرتعدون في حضرته، فكيف بفتاة مفتونة وقد قاست الصعاب في سبيل الحصول على ~~رضاه؟! والفتاة ترتعد بين يدي حبيبها وهو مندفع إليها، فكيف بمن يخشى الناس غضبه، وإذا شك ~~قتل؟! # الفصل الحادي والخمسون # | الحديث # وكان أبو مسلم متكئا على وسادة، فلما أقبلت جلنار جلس وقد ارتدى الجبة السوداء والعمامة ~~السوداء وقال باللغة العربية: «أهلا بالدهقانة.» # فأجابته بالفارسية: «لست دهقانة، وإنما أنا جاريتك.» # فأشار إليها أن تجلس، فجلست على وسادة بين يديه وقد أحست بالخلوة المطلقة مع رجل تحبه، ~~وتعتقد أنه يحبها، فغلب عليها الحياء تمازجه رعشة الحب، ثم تذكرت والدها وأنها أتت من أجله، ~~فلبثت تنتظر ما يقوله أبو مسلم، فقال لها بالفارسية: «أراكم لا تحبون من الفرس إلا لغتهم، ~~وأما فيما خلا ذلك فأنتم عرب!» # فأدركت أنه يعرض بالسبب الذي حكم على والدها من أجله، فرفعت بصرها إليه ms139 فلم تستطع ~~التفرس في وجهه، وأحست كأن سهاما تنطلق من عينيه إلى عينيها، وكأن نورا باهرا يسطع ~~من حدقتيه فيبهر الناظر إليهما، فقالت وهي تنظر في البساط: «وكيف نكون عربا وقد بذلنا ~~النفس والنفيس في سبيل الفرس؟! على أننا لو أردنا أن نكون عربا ما استطعنا إلى ذلك ~~سبيلا!» # قال: «وأنت أيضا تتعمدين خداعي؟» # فلما سمعت ما في كلامه من الجفاء رأت غير ما غرسه الضحاك في ذهنها من حبه لها، على أنها ~~حملت ذلك منه على شدة غضبه من والدها، فقالت: «حاشا لله أن أخادعك، وما أنت ممن يخدعون؛ ~~لأنك تخترق أعماق القلوب بعينيك، وتكشف غوامض الأسرار بذكائك، فكيف تتجرأ فتاة حقيرة مثلي ~~على خداعك؟! ولكنني أقول لك الواقع.» # فقطع أبو مسلم كلامها وقال: «الواقع أن أباك قد خدعنا، فأظهر التقرب منا والنصرة لنا، على ~~حين أنه كان يخابر ابن الكرماني؛ ليصاهره، وقد زف ابنته إليه. هل تنكرين ذلك؟» # فلم تستطع جلنار ردا على هذا القول، فرأت أن تأتيه من باب العطف بالحب فقالت: «لا ريب ~~أن والدي ارتكب خطأ كبيرا بزفافي إلى ذلك العربي، ولو علم ما في قلبي (قالت ذلك وتنهدت) ~~لما رضي به، ومع ذلك فإن ذلك العربي المسكين لم ينل من آماله غير الفشل.» # فقال: «يكفي أن أباك خادعنا وأوجب الشك، فحل لنا قتله عملا بوصية الإمام صاحب هذه ~~الدعوة.» # فصاحت: «العفو يا مولاي. اعف عن والدي وإن كان ذنبه كبيرا، اعف عنه؛ لأن تلك المصاهرة ~~كانت سببا في تعجيل أمر العرب بمقتل أميرهم، وهب أن والدي فعل ذلك رغبة عن أبي مسلم، فإن ~~في هذا القلب (وأشارت إلى صدرها) من الحب له ما لو تفرق في عشيرة لكان كل منهم عاشقا.» ~~وشعرت بعد الفراغ من قولها أنها تسرعت، ولكنها لم تستطع صبرا وقد أرادت أن تستطلع ما في ~~قلبه ليطمئن بالها.» # أما هو فلما سمع تصريحها بحبه دهش له وظنه تهورا، فأغضى عنه وقال: «إني أشكرك على حبك ~~أيتها الدهقانة، ولا أنكر أنك خدمت ms140 مصلحة الخراسانيين، غير أن ذلك لا يبرئ والدك من ~~ذنبه.» # فاستغربت جوابه الجاف على خطابها الحار وقالت: «ألا تزال تذكر ذنب والدي في جانب اندفاعي ~~في حبك؟» # قال: «لا تقولي حبي، بل قولي حب دعوتي ومصلحة خراسان.» # فزاد استغرابها لتنصله من الحب إلى هذا الحد، وشعرت أنها تتكلم في واد وهو في واد ~~آخر فقالت: «بل في حبك أيها الأمير.» # قال: «وما الباعث إلى ذلك والحب في مثل هذه الحال ينتهي بالزواج؟ وأنا لا مأرب لي في ~~النساء على الإطلاق، بل أنا أعتبر الزواج جنونا، وقد تزوجت امرأة. ويكفي للإنسان أن يجن في ~~زمانه مرة واحدة. واعلمي - يا جلنار - أني لو كنت ممن يتفرغون للنساء ما استطعت القيام ~~بالدعوة التي أنا قائم بها.» # 1 # وكانت جلنار تسمع كلامه وقلبها يكاد يتمزق من الغيظ وخيبة الأمل، ولكنها تجلدت وقالت ~~وصوتها يرتجف: «ألم تكن تحبني من قبل؟» # قال: «لم أحبك، ولا أحببت سواك من النساء، ولا أريد أن أحب امرأة ما.» # قالت: «ألم تقل لرسولي أنك أحببتني عندما رأيتني، وأنك تؤجل الزواج إلى ما بعد الفراغ من ~~الحرب؟» # قال: «أظنك تعنين ذلك المهزار المنافق؟ لقد قتلته جزاء خيانته. وهل تصدقين قوله؟» # فتذكرت جلنار وصية الضحاك أنه لا يريد أن يعلم أحد ببقائه حيا، فسكتت عن ذكره، ولكنها ~~ظلت مقتنعة بصدقه لاختبارها إياه من قبل، ولأنها رأت غيرته عليها وتفانيه في خدمتها، ~~فترجح عندها غدر أبي مسلم، وأنه استخدمها واستخدم الضحاك في تنفيذ غرضه لقتل ابن الكرماني ~~ثم قتل الضحاك، فخشيت إذا جادلته أن يغضب ويأمر بقتلها، وليس أهون عليه من القتل، فاستجمعت ~~رشدها وعمدت إلى الملاينة ريثما تنقذ والدها، فقالت: «لا تغضب أيها الأمير، فإني لم أحبك من ~~أجل الزواج، ولكنني أحببت مناقبك وسجاياك.» # فأدرك أبو مسلم أنها تخدعه خوفا من غضبه، فخدعها وقال لها: «وأنا أحببت مناقبك وشكرت ~~غيرتك ونصرتك.» # فلما سمعت تلك المجاملة منه وتحققت أنه لا يحبها أخذت تشعر بانقلاب حبها إلى بغض، ولكنها ~~لم تر بدا من استعطافه ms141 لإنقاذ والدها، فقالت: «فأتوسل إليك أن تعفو عن ذنب والدي وأن ~~تبقيه.» # قال: «ذنب والدك لا يغتفر؛ لأنه يعد خيانة.» # فقالت: «هب أنه خيانة، فاجعله في مقابل خيانتي ابن الكرماني في سبيل نصرتك وهو ~~زوجي.» # قال: «إنك لم تقتليه في سبيل دعوتي، بل قتلته رغبة في زواجي!» # قالت: «وهل تعد ذلك ذنبا لي؟ وعلى كل حال فقد ساعدتكم على قتل الرجل مع أنه زوجي؛ أفلا ~~تكافئني على قتله بالعفو عن والدي؟» # قال: «أتعدين ذلك فضيلة فيك، وهي خيانة، ثم تتوقعين أن أتزوجك؟ ومن يضمن لي أنك لا ~~تقتلينني؟ أما والدك فلا تتعبي نفسك في أمره، ولو أردت أن أطاوعك في العفو عنه فلا سبيل ~~إلى ذلك وقد سبق السيف العذل.» # فنهضت ثم جثت بين يديه وهمت بتقبيل ركبتيه، وذرفت الدمع وهي تقول: «أستحلفك بالإمام ~~إبراهيم؛ صاحب هذه الدعوة، أن تعفو عن والدي؛ لأني أصبحت بعد جفائك لا سبيل لي سواه.» قالت ~~ذلك وصوتها يتقطع وتكاد تشرق بدموعها. # فدفعها بيده وحول وجهه عنها وهو يقول: «قلت لك قد سبق السيف العذل، ولا سبيل إلى ~~إبقاء والدك على قيد الحياة.» # فأجفلت وتراجعت وقالت: «ماذا تعني لا سبيل إلى إبقائه على قيد الحياة؟ هل قتلته؟» # قال: «نعم.» # فصاحت : «قتلته. لا لم تقتله؛ لأنك أجلت النظر في أمره إلى الغد. بالله ألا رثيت ~~لحالي؟ ألا أشفقت على شبابي وأبقيت على والدي؟ أنا مسكينة.» وأغرقت في البكاء حتى كاد يغمى ~~عليها. # ولم يكن ذلك ليغير شيئا من قلب ذلك الرجل الشديد، ولم يجبها على بكائها إلا بقوله: «قلت ~~لك أنه قد سبق السيف العذل، وإذا كنت لا تصدقين فإنني أريك أباك رأي العين.» ثم صفق ~~فدخل غلام فقال له: «ائتني بالدهقان.» # فلما سمعته يقول ذلك انتعشت آمالها، وتوهمت أنه لا يزال حيا فتابعت الغلام بنظرها، ~~فرأته دخل دهليزا في جانب القاعة ثم عاد وفي يده وعاء كبير فوقه غطاء، وتقدم به حتى وضعه ~~بين يديها، وكشف الغطاء فرأت رأس أبيها في قاع الوعاء وقد جمد ms142 الدم حوله، وتلطخت لحيته ~~وشاربه، واشتبك شعر رأسه وتلوث بالدم، وعيناه لا تزالان مفتوحتين. واتفق اتجاههما نحوها ~~كأنهما تنظران إليها. فلما وقع نظرها عليه لم تتمالك أن صاحت: «وا والداه!» والتفتت إلى ~~أبي مسلم وقد غاب رشدها ولم تعد تفقه ما تقول، ولطمت خديها وصاحت: «قتلته يا ظالم. ويلاه ~~والداه!» وأخذت في البكاء حتى دوت القاعة بصوت نواحها. # فقال لها أبو مسلم: «اسكتي أو أرسلك إلى خوارزم حالا.» # فأدركت أنه يهددها بالقتل، ولكنها لم تكن تبالي بالموت لفرط حزنها فقالت: «أرسلني إلى حيث ~~شئت. لم يبق للحياة عندي قيمة بعد خيانة حبيبي وقتل والدي.» وعادت إلى البكاء بصوت ~~عال. # فصاح أبو مسلم بالحاجب فجاءه، فقال: «خذ هذه الفتاة إلى سجن النساء. ولولا خوفي أن يقال ~~أني قتلت امرأة لقتلتها.» # الفصل الثاني والخمسون # | الفرار # فمشت جلنار مع الحاجب وهي تصيح: «وا والداه!» وتبكي، حتى إذا دنت من باب القاعة سمعت ~~الحاجب يكلمها همسا وهو يقول: «لا تخافي يا سيدتي لا بأس عليك.» # فعرفت أنه صوت صالح، فنظرت في ثيابه فإذا هي ثياب الحاجب، فاستغربت وصوله إلى تلك الحيلة، ~~ولكنها كانت لا تزال في شغل من أمر والدها، ولا تزال صورة رأسه الملطخ بالدم نصب عينيها. ~~فلما خرج بها من الباب، رأت في الدهليز شبحا نائما وبقربه ثياب، فالتقط صالح الثياب بخفة ~~ودفعها إلى جلنار وقال لها: «البسي.» فإذا هي جبته وقلنسوته، فلبستها بسرعة ومرا في ~~الدهليز وليس فيه أحد حتى بلغا إلى الباب الخارجي، فخرجا ولم يعترضهما الحراس؛ لاعتقادهم ~~أنهما الحاجب وأحد الخدم، فلما خرجا من دار الإمارة مشى بها صالح فنزلا في حجرة يصعد إليها ~~بسلم وقد قطعا الطريق ولم يفه أحدهما بكلمة. # فلما نزلا الخان ودخلا تلك الحجرة أخذ صالح في تخفيف الأمر على جلنار فقال لها: «ألم ~~ألمح لك غير مرة أنه خائن غادر. قد سمعته ينكر ما قاله لي عن حبه لك وافتتانه بجمالك، ~~ولكن أنى لي أن أكذبه وهو صاحب السيف، ولا شفقة عنده ولا عهد ms143 له، ولم أكن أعلم أنه فعل ~~ذلك خداعا حتى يستخدمنا في قتل ذلك الرجل المسكين ثم يقتلنا. وقد أراد قتلي معه، فأوصى ~~الرجل الذي أرسله معي لقتل ابن الكرماني أن يدس السم في قدحي أيضا، ولو لم تساعدني الأقدار ~~ويغلب علي القيء سريعا لكنت الآن في عالم الأموات، وهو يعتقد أني قتلت، وقد قال لك ذلك ~~الليلة، على أنني لم أكن أظنه يتعمد أذاك أو أذى مولاي الدهقان. ولو علمت أنه سيرتكب هذه ~~الجريمة وينكر حبك لمنعتك من الذهاب إليه، وإن كنت لا أظنك تقبلين مشورتي بالامتناع عن ~~زيارته؛ لما غرس في قلبك من الحب له وحسن الظن به، ومع ذلك فقد أوجست خيفة وهيئت ما يلزم ~~للفرار بك عند الحاجة، فأغريت الحاجب حتى أسكرته، ولبست ثيابه، وتزييت بزيه؛ لأتمكن من ~~إنقاذك، وقد وفقت إلى ذلك بعون الله.» # وكانت جلنار تسمع كلامه كأنها في حلم لما مر بها تلك الليلة من الغرائب. رأت رأس أبيها ~~في وعاء وقد تلطخ بالدماء، وسمعت جفاء حبيبها فانقطع رجاؤها في الحب، وذهبت آمالها أدراج ~~الرياح، فاستغرقت في التأمل وصالح جالس بين يديها، ثم قال لها: «أتأذنين لي أن أذهب ~~لاستقدام ريحانة؟» # فانتبهت وقالت: «لا بد من ذلك. اذهب حفظك الله.» # فقال لها: «أعطني جبتي وقلنسوتي.» # فخلعتهما، فلبسهما وهو يقول: «امكثي في هذه الحجرة ولا تخرجي منها حتى أعود.» وخرج وأغلق ~~الباب وراءه. # فجلست وقد خلت بنفسها في تلك الحجرة الحقيرة، فتلفتت فلم تجد حولها إلا جدرانا عارية ~~عليها رفوف من الخشب قد سمرت فيها، وعلى الأرض حصير بال فوقه فراش قذر، والمكان موحش ~~يزيده رهبة ضعف نور المصباح. وتصورت قصر والدها وما كانت فيه من النعيم، وما كانت قد بنته ~~من قصور الآمال، وكيف ضاعت تلك النعم وتهدمت تلك القصور فى ساعة، فقتل والدها، وخانها ~~حبيبها، وخرجت هاربة تائهة لا تعرف مقرها. وفكرت في أسباب ذلك الشقاء، فلم تجد اللوم يقع ~~على غير أبي مسلم، وتصورت ما كان له من الحب في قلبها، وكيف ms144 قابلها بالجفاء وهددها بالقتل ~~بعد أن فتك بوالدها، فانقلب حبها إلى بغض شديد، وأصبحت لا تستطيع تصوره. تلك هي العادة في ~~مثل هذا الحال، فإن المحب إذا رأى من حبيبه غدرا أو خيانة انقلب حبه بغضا شديدا، وأصبح ~~من أشد الناس كراهية له، فكيف بجلنار وقد انتهرها حبيبها وخانها وقتل والدها؟! وإن كان في ~~الحقيقة لم يخن حبها؛ لأنه لم يعاهدها، ولا أظهر لها الحب، ولكنها كانت تعتقد ذلك بناء على ~~شهادة الضحاك. وإن كنا لا نبرئ أبا مسلم من الشدة والقسوة، ولعل عذره أنه كان يكره ~~النساء، ويعد الزواج جنونا، بل هو لا يعرف عواطف المحبين؛ لأنه لم يكن يحب ولا يشعر بالحب؛ ~~وذلك نادر في الناس - والحمد لله - لأن الحب يدمث الأخلاق، ويلطف الطباع، وهو أبو ~~الشفقة وشقيق الحنان، ولولاه لأكل الناس بعضهم بعضا؛ لأن الذي لا يحب لا يرحم ولا يشفق، ~~فيذهب الضعفاء ضياعا لتسلط القوة الحيوانية. وإنما تصلح هذه الخصلة في رجل الحرب، وخاصة ~~في ذلك العصر؛ عصر الشدة والبطش. وقد كانت في أبي مسلم بأعلى درجاتها؛ لأن كان لا يبالي أن ~~يقتل أباه أو أخاه إذا وقف في سبيل مقاصده، فلما علم بتلاعب الدهقان بادر إلى قتله؛ ليتخلص ~~مما قد يخطر له من الخيانة ونحوها. ولو كان في صدر أبي مسلم قلب يحب ما أصم أذنه عن ~~استغاثة جلنار، ولا خطر له أن يكافئها على حبها له بعرض رأس والدها في وعاء بين ~~يديها. # قضت جلنار في مثل هذه الهواجس حينا، واستغرقت في ذلك حتى نسيت نفسها، ثم انتبهت لوحدتها ~~في تلك الحجرة لا تسمع إلا شخير الخيل أو صهيلها وضرب الأرض بالحوافر، وقد غلبت رائحة ~~الدواب على كل طيب - وكفى برائحة الخان مثلا للقذارة والنتن - وتذكرت بيت أبيها ومقتل ~~والدها فغلب عليها الحزن، فعادت إلى البكاء ولم تر ما يفرج كربها سواه، فبكت حتى بلت ~~ثيابها وهي تحذر أن يعلو صوتها لئلا يسمعها أحد فيأتي إليها وهي منفردة على هذه الصورة، ~~فتعاظم أمرها عندها. ms145 والمصيبة العظمى تظهر ساعة وقوعها صغيرة في عيني صاحبها، ثم تنجلي له ~~فتتعاظم عنده حتى تبدو كما هي، فإذا طال صبره عليها تصاغرت حتى تزول. وكذلك جلنار، فإنها لم ~~تدرك عظم مصيبتها لأول وهلة، فلما خلت بنفسها وأطلقت العنان لتصوراتها أخذت مصيبتها تنجلي ~~لها وتتعاظم عندها، وأبو مسلم السبب الرئيسي في كل ذلك. وكانت إلى تلك الساعة إذا ذكرته ~~أحست بشيء من العطف هو بقية الحب الصادق، على أن ذلك الشعور لم يكن يمكث إلا كلمح البصر ثم ~~يزول ويخلفه الغضب وحب الانتقام. # الفصل الثالث والخمسون # | البغتة # على أن جلنار تعبت من تلك الهواجس، مع ما كانت فيه، على أثر تلك الصدمة، فغلب عليها ~~النعاس، فأغمضت عينيها لحظات قليلة رأت في أثنائها حلما طويلا ظهر فيه أبو مسلم بصورة ~~الحبيب، كما شاهدته للمرة الأولى في بيت والدها، وأنه جاملها ولاطفها فتشاكيا وتعاتبا، ~~وتذكرت وهو يلاطفها ما كان من جفائه بقتل والدها وخيانة عهدها، فتوهمت أن ذلك الجفاء كان في ~~الحلم، وأنها عادت إلى اليقظة فرأت حبيبها على عهده، ثم ما لبثت أن استيقظت فرأت حلمها يقظة ~~ويقظتها حلما، ولكن شبح أبي مسلم كان لا يزال مرسوما أمامها بصورة الحبيب، فجعلت تخاطبه ~~وتعاتبه قائلة: «أهذه شروط المحبة عندك يا قاسي القلب؟ تقتل أبي وتخون عهدي، ثم تهددني ~~بالقتل حتى أقنع بالفرار؟!» # وبينما هي تناجي نفسها على تلك الصورة إذ سمعت خشخشة وصوتا، ورأت شيئا يمر من بين يديها ~~مرور السهم، فأجفلت ووقفت رغم إرادتها، ونظرت فإذا هو جرذ دخل الحجرة من ثقب في الحائط تحت ~~الباب، وانصرف إلى ثقب تحت بعض الجدران، فوقف شعرها وأصبحت تخشى الجلوس على ذلك الحصير، ~~فوقفت - وكان لوقوفها حركة عظيمة؛ لأنها أفزعت جرذا كان كامنا وراء الفرش، فنفر وكان ~~لعدوه على الحصير خشخشة عظيمة شغلت جلنار عن هواجسها ومصائبها، وأصبح همها تجنب ~~الجرذان وغيرها؛ مخافة أن تمس يدها أو قدمها - وحدثتها نفسها أن تخرج من الحجرة، ولكنها ~~لم تتجرأ على ذلك لأنها لا تعرف أحدا في ms146 الخان، فاستبطأت صالحا وخشيت أن يكون لذلك سبب ~~يبعث على القلق، فضاقت الدنيا في عينيها، وإذا هي بنحنحة صالح في فناء الدار، فخفق قلبها ~~سرورا وتهيأت للقائه، وأصغت لتسمع وقع قدميه على السلم، وتتبع وصوله إلى تلك الحجرة، فلم ~~تسمع شيئا فاستغربت ذلك، وتوهمت أنها سمعت هتاف بعض الأرواح من الجان، فاقشعر بدنها، وجمد ~~الدم في عروقها، وظلت واقفة في مكانها لا تجرؤ على المشي ولا على الجلوس، وقد حبست تنفسها ~~مبالغة في الإصغاء، فمضت بضع دقائق وهي لا تسمع غير صوت حوافر الدواب وأصوات شخيرها، ثم ~~سمعت صوتا لم تظن أنه صوت صالح وهو يقول: «هيئ كل شيء ريثما أعود.» ثم سمعت خفق نعاله على ~~السلم فاطمأن خاطرها وأسرعت نحو الباب وفتحته، فرأت صالحا وحده والبغتة ظاهرة على وجهه، ~~فقالت: «أين ريحانة؟» # قال: «هي هنا. هيا بنا نسرع بالخروج من هذه المدينة قبل إغلاق أبوابها علينا، وهذه الخيول ~~معدة في فناء الخان.» قال ذلك وأخذ يبحث عن جبة الحاجب وقلنسوته - وكان قد تركهما هناك ~~عند ذهابه - فخلع قلنسوته وجبته ولبس تلك بأسرع من لمح البصر ثم مشي بين يدي جلنار. # فتبعته على السلم وهي تتعثر بأذيالها من البغتة، فضلا عن اختلال الدرجات وليس فيها درجة ~~مثل الأخرى، ولما وصلا إلى فناء الخان رأت جلنار ثلاثة جياد مسرجة، وريحانة واقفة بجانب ~~واحد منها، فقال صالح: «اركبي يا مولاتي هذا الجواد.» وأشار إلى ريحانة فركبت جوادا، وركب ~~هو جواده، وأشار إلى صاحب الخان فأمر رجلا أن يسير في ركابهم ليعود بالخيول، فساق صالح ~~فرسه أولا وهو يقول لجلنار: «اثبتي على فرسك يا مولاتي وأتبعينا.» وأوصى الرجل أن يبقى إلى ~~جانبها ليساعدها عند الحاجة. # مشى الركب على هذه الصورة وكلهم سكوت، وجلنار تصبر نفسها عن استطلاع السبب الذي أوجب ~~هذه العجلة. وبعد قليل، وصلوا إلى باب المدينة، فوجدوه موصدا على جاري العادة من إيصاده ~~عند الغروب، فصاح صالح بالبواب صيحة رجل له سلطان: «ما بال بابك لا يزال مغلقا؟ لعلك كنت ~~نائما ms147 عندما جاءتك الأوامر بفتحه منذ ساعة؟» # فلما رآه البواب يخاطبه بهذه الجرأة، وعليه ثياب الحجاب صدقه وخشي شكواه؛ لأنه - ~~حقا - كان عند العشاء غائبا - وقد ذهب لتناول الطعام في منزله - ولم يخطر له أن الأمير ~~سيرسل من يأمر بفتح الباب. فلما هدده صالح ظن أن الأمر جاءه في أثناء غيابه، فخشي الشكوى؛ ~~لعلمه بشدة أبي مسلم، فهم بالاعتذار، فقطع صالح كلامه قائلا: «لا بأس الآن. أسرع وافتح ~~الباب؛ مهمتنا عاجلة جدا، ولا وقت لنا لاستماع الأعذار.» # فأسرع الرجل وفتح الباب، وحين أصبحوا خارج المدينة ساقوا خيولهم وصالح دليلهم، وكلما ~~قطع مسافة تفقد جلنار وريحانة والليل مظلم، ولكنه كان خبيرا بتلك الجهات يعرف الطرق السهلة ~~والصعبة، والجهات المأهولة وغير المأهولة، فلما بعدوا عن مرو أمسك عنان جواده حتى حاذى جواد ~~جلنار وسألها: «هل أحسست بالتعب؟» فقالت: «نعم، تعبت ولكنني لم أفهم سبب هذه ~~العجلة.» # قال: «سأخبرك عند وصولنا إلى القصر.» # قالت: «وأي قصر؟» # قال: «قصر مولاي الدهقان؛ فإننا على مقربة منه.» # فاطمأن بالها لقربها من بيت أبيها، وبعد قليل أطلوا على القصر، فأسرع حتى بلغ الباب فطرقه ~~وصاح بالبواب: «افتح؛ إن الدهقانة قادمة.» فبغت البواب ولم يصدق، ولكنه سمع صوتها وهي ~~تناديه ففتح لهم، فدخلوا بالجياد وترجلوا في الحديقة، ومد صالح يده وأعطى الغلام كيسا ~~وأمره بالرجوع، فركب أحد الأفراس وساق الفرسين ورجع إلى مرو. # وكان أهل القصر نياما، فأمرت الدهقانة البواب ألا يوقظ أحدا منهم إلى الصباح، ودخلت ~~وصالح وريحانة معها إلى قاعة والدها وهي على مثل الجمر لاستطلاع الخبر، فلما دخلوا قالت: ~~«قل ما وراءك يا صالح؛ لقد شغلت بالي!» # قال: «إن الذي ستسمعينه أعظم من ذلك؛ إذ لا ينبغي لنا أن نبيت هنا؛ ولذلك اسمحي لي أن آمر ~~بإعداد الخيول من مرابط والدك للسفر بأسرع ما يمكن.» # قالت: «افعل.» وهو يعرف مرابط الخيل فأيقظ الخدم وأمرهم أن يعدوا ثلاثة من جياد الخيل ~~السهلة القياد، وعاد إلى القاعة وجلنار وريحانة في انتظاره على مثل الجمر، فلما دخل جلس ~~جاثيا ms148 وقال: «اعلمي يا مولاتي أني لما رجعت لإحضار ريحانة مررت بدار الإمارة، فرأيت الناس ~~في هرج ومرج، ثم علمت أن أبا مسلم علم بفرارك فأمر بالبحث عنك في غرف الدار وما يجاورها، ~~وأنهم إذ لم يجدوك بعثوا من يأمر بوابي المدينة بمنع الناس من المرور إلا من عرفوه أو أتاهم ~~بجواز، فهرولت مسرعا إلى قصر صاحبكم الدهقان وناديت ريحانة، وأتيت بها من طرق خفية حتى ~~وصلت إلى الخان، فتنحنحت حتى تشعري بمجيئي، ثم أمرت صاحب الخان بإسراج الأفراس وذهبت ~~لإحضارك، فركبنا وجئنا إلى هنا كما ترين.» # فأعجبت بدهائه وغيرته وقالت: «وما هو الباعث على سرعة خروجنا من هذا القصر؟» # قال: «السبب - يا سيدتي - أن أبا مسلم سيبعث في صباح الغد من يستولي على هذا القصر ومن ~~فيه، وقد سمعته يقول ذلك وهو يهدد المرحوم والدك بالقتل، وخصوصا بعد أن يعلم بفرارك ولا ~~يجدك بمرو؛ فلا بد أن يبحث عنك في هذا القصر. وهل في وسعك الوقوف في وجهه وهو صاحب السلطان، ~~وليس في قلبه شفقة ولا حنان؟» # فزادت مصيبتها بذلك الخبر ضخامة؛ لأنها كانت تظن نفسها إذا يئست من الدنيا أوت إلى بيت ~~أبيها، فتقيم فيه وتعيش كما يعيش الملوك، وتتناسى مقتل والدها بالزواج من أحد الدهاقين، ~~فلما سمعت كلام صالح غصت بريقها، ولم تتمالك عن البكاء وقالت: «ألا يكفي هذا الظالم قتل ~~والدي وخيانة عهدي حتى يضع يده على أموالنا وضياعنا؟!» # قالت ذلك واستغرقت في البكاء، وشاركتها ريحانة في ذلك، فقال صالح: «إن البكاء لا ينفعنا - ~~يا مولاتي - بل هو يزيد المصيبة ضخامة، وليست هذه الحطام مما يطمع فيه بعد ذهاب صاحبها. ~~دعي أبا مسلم يفعل ما يريد. سينال جزاءه، بإذن الله؛ سوف ننتقم منه انتقاما ينسيك كل هذا ~~العذاب.» # فلما سمعت الوعد بالانتقام ارتاحت نفسها إليها - ولا يشفي قلب الموتور إلا الانتقام - وقد ~~سرها أن صالحا بدأ يذكر الانتقام ووعدها به فقالت: «أتنتقم لي منه؟» # قال: «أنتقم لي ولك. ألم يأمر بقتلي؟ ولولا يد القدر لذهبت مع ابن ms149 الكرماني في ساعة ~~واحدة، ولكن الله أبقاني لأنتقم لك.» # فقطعت جلنار كلامه وقالت: «إن الأقدار دبرت ذلك - لحسن حظي - لأني لولاك ما عرفت كيف ~~يكون مصيري. والآن ما العمل؟» # قال: «ينبغي لنا قبل كل شيء أن نحمل ما في هذا القصر مما خف حمله وغلا ثمنه. اعهدي ~~إلي بذلك وأنا أهتم بتدبيره.» # فالتفتت جلنار إلى ريحانة وقالت: «ريحانة تعرف كل شيء.» # فقال لها: «أخبريني عن أماكن النقود والحلي، واذهبي وآتيني بها، وأنا باق هنا في ~~انتظارك.» # فنهضت ونظرت إلى جلنار، فقالت لها: «لا تتركي شيئا من الحلي ولا النقود، ولا تنسي ثيابي، ~~واختاري منها أحسنها، وأمري الخازن أن يعطيك مفتاح خزانة والدي؛ لعله أبقى فيها شيئا لم ~~يحمله إلى ذلك الخائن.» # فقالت ريحانة: «إن هذه الأموال تحتاج إلى دابة أو دابتين لحملها.» # قالت: «مري الخدم أن يعدوا بغلين مع التي أمرتهم بإعدادها.» # الفصل الرابع والخمسون # | الوسيلة # فخرجت ريحانة، وظل صالح مع جلنار فقال لها: «أريد منك - يا مولاتي - أن تتحلي بأخلاق ~~الرجال، وتخلعي عنك ضعف النساء؛ فإننا مقبلون على عمل عظيم يتطلب الصبر والدهاء، فإذا كنت ~~لا تصبرين على التعب أو لا تريدين الانتقام؛ فأخبريني منذ الآن ولا تتعبي نفسك ~~بالأسفار.» # فقالت: «إذا كنت لا أريد الانتقام؛ فما الحيلة وأنا لا أستطيع الإقامة في هذه الديار؟ ~~وكيف لا أحب الانتقام من رجل سلبني أهلي ومالي، وأخرجني من بيت أبي طريدة شريدة، وخان عهدي ~~وهددني بالقتل؟ فإذا كنت أنت تريد الانتقام لأنه أراد قتلك، فكيف بي وأنا موتورة بقتل ~~والدي؟! ولا تحسب خيانة العهد أخف وقعا في نفسي من اليتم. ولا لوم علي إذا أردت قتله ~~وأنا فتاة؛ فهو الذي علمني قتل الرجال، وأنت تعلم كم ترددت يوم أن اقترح علينا قتل ابن ~~الكرماني! وكم استفظعت تلك الجريمة! ثم ارتكبتها التماسا لقربه، وتضحية لحبه، فكافأني ~~بالخيانة والغدر؛ فلا غرو إذا انقلبت عاقبة سعيه عليه.» # قال: «إذا كنت مصممة على ذلك، فأنا طوع إرادتك في كل ما ترين، وسنتباحث في الطرق اللازمة، ms150 ~~وأما الآن فلا بد لنا من معرفة الخطة التي يجب أن نسلكها في العمل؛ لأننا لا نستطيع أن ~~نتغلب على هذا الرجل بالسيف وهو صاحب القوة، ولا نستطيع ذلك بالدهاء والبطش وهو أدهى الناس ~~وأشدهم بطشا؛ فلا بد من حيلة نحتالها عليه.» # فأحست جلنار بقصر باعها في هذا الشأن، وظهر الارتباك في وجهها. # فابتسم صالح وقال: «لا تيأسي يا مولاتي، ولا تظني أني أسألك لقلة الوسائل عندي، ولكنني ~~أستطلع رأيك.» # فانبسطت نفسها وقالت: «كيف أعرف الوسائل وأنا لم أخرج من بيت والدي قبل تلك المرة ~~المشئومة؟! فدبر أنت ما تراه وأنا أسير معك.» # قال: «ذلك ما كنت أرجوه من تعقلك وحزمك؛ فاعلمي - يا مولاتي - أننا لا نقدر على الكيد ~~لأبي مسلم إلا في الشام عند الأمويين؛ فهم أعداؤه الألداء، وهم الذين ينتقمون لنا ~~منه.» # قالت: «وكيف ينتقمون لنا؟ هل يجردون عسكرا لمحاربته؟ وهب أنهم يفعلون ذلك، فهل تضمن ~~أنهم يفلحون والرجل محصن في مرو؟» # قال: «لا أعني أن يجردوا لذلك جيشا؛ لأنهم كما قلت لا يفعلون ذلك من أجلنا، وإذا فعلوه ~~لا يفلحون، ولكنني أهديهم إلى جذر الشجرة، فإذا قطعوه سقطت الشجرة ميتة.» # فلم تفهم جلنار ماذا يعني فقالت: «وأية شجرة تقصد؟» # قال: «أعني صاحب هذه الدعوة الذي قام أبو مسلم وأصحابه يدعون الناس إليها باسمه.» # قالت: «أظنك تعني إبراهيم الإمام؟» # قال: «إياه أعني.» # قالت: «وكيف تصل إلى ذلك الجذر؟ وأين هو؟» # قال: «هو في جهات الشام؛ في مكان لا يعرفه إلا نفر قليلون.» # قالت: «وهل تعرفه أنت؟ وأين هو؟» # قال: «نعم، إنه في الحميمة في أرض البلقاء بالشام.» # قالت: «وما الذي ذهب به إلى هناك؟ وما قصته؟» # فقال: «إن الوقت قصير لا يأذن لي بسرد القصة مطولة، ولكنني أقول باختصار: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # لما مات لم يوص بالخلافة إلى أحد، فاختلف أصحابه عليها، وكانوا فئتين: المهاجرين ~~والأنصار؛ فالمهاجرون هم الذين هاجروا معه من مكة إلى المدينة يوم هاجر فرارا من ظلم ~~أهلها، والأنصار هم الذين نصروه ms151 لما جاء المدينة. وبعد جدال طويل أقروا على أن الحق في ~~الخلافة للمهاجرين، فتولاها واحد منهم، ثم الثاني، والثالث بالانتخاب فيما بينهم، ولم ~~يكونوا يعرفون توريث الملك، كما كان الفرس يفعلون، ولكن أهل النبي الأقربين كانوا يرون ~~التوريث، ويعدون خروج الخلافة من بين أيديهم حيفا وظلما. # وأقرب الأقربين من النبي عمه العباس وابن عمه علي بن أبي طالب، فبعد الخلفاء الثلاثة ~~تولاها علي ابن عمه، لكنها لم تستمر في نسله، فأخذها منهم بنو أمية بالدهاء والعصبية، ~~وتوارثوها نحو مائة سنة إلى مروان بن محمد الذي يحاربه أبو مسلم الآن. وكان أولاد العباس في ~~أثناء هذه المدة يسعون في إرجاع الخلافة لهم، وهم الذين يعبرون عنهم بأهل البيت، وكل منهم ~~يطلبها لنفسه. ~~«آل علي يريدونها لأنفسهم، وآل العباس يزعمون أنهم أحق بها من سواهم. ثم إن آل علي الذين ~~يطالبون بالخلافة فئتان: إحداهما نسل ولده من امرأته فاطمة بنت النبي، والثانية نسل ابنه من ~~امرأة أخرى، واسمه محمد بن الحنفية. وكان كل من هؤلاء أيضا يطلبها لنفسه، فاتفق أن ابن ~~محمد بن الحنفية هذا، واسمه هاشم، جاء دمشق وافدا على سليمان بن عبد الملك الأموي، فرأى ~~سليمان منه فصاحة وقوة فخافه، فأوعز إلى رجل سمه بلبن ، فأحس أبو هشام بقرب الوفاة وهو ~~راجع إلى المدينة، فخاف أن يموت قبل أن يعهد بالخلافة لأحد من أهله، ولم يكن أحد منهم معه ~~لكي يبايع له، فعرج إلى بلد في البلقاء يقال لها الحميمة. كان بنو العباس يقيمون فيها، ~~ويدعون الناس إلى أنفسهم سرا، وكان صاحب الدعوة منهم يومئذ محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. فنزل عنده أبو هشام وأوصى إليه، وكان معه جماعة من شيعته سلمهم إليه، وأوصاه بهم، ~~ثم مات، فأخذ محمد المذكور في بث الدعاة، ثم مات وخلف أولادا كثيرين من جملتهم إبراهيم ~~الذي يسمونه الإمام، فأقام إبراهيم بعد أبيه بالأمر واستكثر من بث الدعاة إلى الأطراف، ~~وخصوصا خراسان؛ لأن الشيعة كانوا أشد وثوقا بأهل خراسان من غيرهم.» # فقطعت ms152 جلنار كلامه وقالت: «لماذا لم يسعوا في غير هذه البلاد؟» # قال: «لأن أهل الشام ومصر متفقون مع بني أمية وفيهما أهل الدولة، وأما الحجاز فأهله ~~قليلون لا يستطيعون القيام بالدعوة، وأما أهل البصرة والكوفة فكان أهل البيت مذعورين منهم؛ ~~لأنهم خانوهم غير مرة. وفضلا عن ذلك، فإن أهل خراسان كانوا ناقمين على بني أمية؛ لاحتقارهم ~~إياهم، وعسفهم فيهم، كما تعلمين، فرأوا منهم أذنا صاغية. وكان أهل خراسان من قبل يبايعون ~~لآل علي ضد بني أمية، ووفق إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم هذا، فبعثه قائدا لدعاته ~~ونقبائه، فتمكن بدهائه وشدته وقسوته من فتح مرو كما رأيت، وهو يتظاهر بالمبايعة لأهل البيت ~~على العموم - أي أهل بيت النبي - فالناس يبايعون الآن لإبراهيم الإمام باسم أهل بيت النبي، ~~على أن يتناوبها العباسيون والعلويون، ولكنني لا أظن العباسيين إلا سيخرجونها من أيديهم. ~~والخلاصة أن إبراهيم الإمام هو مركز الدائرة التي تدور عليها هذه الدعوة، وهو مقيم في ~~الحميمة، ولا يعلم به مروان بن محمد؛ صاحب دولة بني أمية. فالذي أراه أن نسعى في كشف هذا ~~السر لمروان، فيبعث من يقبض عليه بسهولة، ومتى حبسه أو قتله ذهبت مساعي أبي مسلم هباء، ~~فيشتد أمر بني أمية. وهذا أشد انتقام نقدر عليه.» # فلما سمعت جلنار قوله أحست بارتياح لرأيه وقالت: «إنه رأي صواب. والآن ماذا نعمل؟» # قال: «لا بد لنا من مغادرة هذا المكان سريعا بما خف حمله، وغلا ثمنه، ثم نسافر إلى ~~العراق فالشام ونسعى في الأمر.» # فقالت: «ولمن نترك هذا القصر وهذه الجنات؟» # قال: «نتركها لذلك الظالم الذي بيده السلطة الآن وهو يطلب حياتنا، فإذا نجونا بها غلبناه، ~~ولا يغنيه البنيان ولا الأشجار شيئا عما سندبره لهلاكه، بإذن الله.» # الفصل الخامس والخمسون # | الرحيل # وبينما هما في الحديث جاءت ريحانة مسرعة وهي تقول: «قد أعددت ما يلزم وجمعت كل الحلي ~~والنقود والثياب، وهي كثيرة تحتاج إلى عدة بغال لحملها، وأوصيت الخادم أن يعد الأفراس ~~والبغال.» # فقال صالح: «هلم بنا يا مولاتي.» # فنهضت وخرجت من القاعة ms153 حتى أطلت على الحديقة فسمعت صهيل الأفراس، ورأت البغال وعليها ~~الأحمال، وتصورت أنها خارجة من البيت الذي ولدت فيه، وربيت بين أشجاره وجدرانه في عز ~~ونعيم، وحولها الجواري والحشم كأنها سلطانة في مملكة، فكيف تخرج منه هاربة إلى دار غريبة لم ~~تطأها قدمها من قبل، وفي مشروع عظيم يعجز عنه كبار الرجال، فغلب عليها ضعف النساء فدمعت ~~عيناها. وكان صالح يرقب حركاتها ويخشى ضعفها، فلما لاحظ ذلك عليها ابتدرها قائلا: «لا بد ~~لنا من السرعة قبل أن يدركنا ذلك الظالم برجاله ويقبض علينا جميعا فينال منا ما يريد، ~~وتذهب مساعينا هباء، فاختاري من خدمك اثنين أو ثلاثة تثقين بهم يكونون معنا لخدمتك، أو ~~لمهام أخرى.» # فلما سمعت تهديده هان عليها الخروج، وقنعت بالنجاة، والتفتت إلى ريحانة وقالت: «من ترين ~~أن نصطحب من الخدم الأمناء؟» # فأجابتها على الفور: «نصطحب سعيدا الصقلبي؛ فإنه أمين ويقظ، فيكون في خدمتك خاصة، ونأخذ ~~معنا أبا العينين؛ لأن أصله من العراق ويعرف عادات البلاد وطرقها، فيكون عونا لنا ودليلا، ~~وهو إلى ذلك نشط أمين. وإذا شئت خادما ثالثا، فسليمان الحلبي لا بأس به؛ لأن أصله من ~~الشام.» # فاستصوبت جلنار رأيها وقالت لها: «ابعثي إليهم وأتينا بهم سريعا.» # فذهبت ريحانة كما أمرتها ، ووقفت جلنار في انتظارها وهي تفكر في أمرها، ومصير ذلك القصر ~~وأهله، فقالت في نفسها: «إن أهل هذا القصر لا يزالون سعداء؛ لأنهم لم يعلموا بما أصاب ~~مولاهم، ولا بما يهددهم من الخطر في الغد.» ثم نظرت إلى صالح وقالت له: «هل تترك أهل هذا ~~القصر معرضين للقتل والأسر ونحن نعلم بما يهددهم؟ ألا ترى أن نخبرهم بما أصاب والدي ~~ونحذرهم؟» # قال: «لا بد من ذلك، ولكن بعد خروجنا ونجاتنا بما معنا.» # فعلمت أنه لم يفته شيء من التدبير فسكتت، ثم جاءت ريحانة وجاء الخدم الثلاثة: سعيد ~~الصقلبي؛ أصله من سبي الأندلس لما فتحها موسى بن نصير سنة 92ه؛ إذ جمع من السبي كثيرا، ~~وفيهم الغلمان والنساء. وكان سعيد يومئذ في الخامسة من عمره، فوقع ms154 في نصيب أحد الجند فباعه ~~لأحد النخاسين الذين يتجرون بالخصيان البيض، فخصاه وضمه إلى من كان عنده وسماه ~~سعيدا، ثم انتقل سعيد بالبيع إلى دهقان مرو، وعاش في منزله مدة طويلة، وكان يتكلم العربية ~~والفارسية، ونسي لغة بلده. وقد سموه صقلبيا لبياضه. وكان طويل القامة، طويل الساقين، صغير ~~العينين، صوته كصوت النساء، ووجهه قليل الشعر. # وأما أبو العينين، فقد لقب بذلك لكبر عينيه وجحوظهما، وأصله من أنباط العراق، دخل في خدمة ~~الدهقان منذ صغر سنه بلا شراء، وانقطع إليه وهو يعد نفسه من رقيقه. # وأما سليمان الحلبي، فسمي بذلك لأنه حضر من جهات حلب، وهو ليس حلبي الأصل، ولكنه رومي ~~وقع أسيرا في بعض المواقع بين الروم والعرب، وبيع كما تباع الأسرى في تلك الأيام، ولم ~~يوفق لمن يفتديه حتى دخل في حوزة الدهقان وصار من عبيده، فأعجب الدهقان بحسن خلقه، ورأى ~~فيه مروءة فأعتقه، فأصبح من مواليه، فأطلق سراحه وخيره بين البقاء عنده كبعض أولاده، أو ~~الذهاب إلى بلده، ففضل البقاء عنده لأنه ألف المكان ولم يعد يعرف مصير أهله. وكان الدهقان ~~يحبه ويثق به. # فريحانة قد وفقت في اختيارها، وقد جاء هؤلاء الثلاثة، واستعدوا للرحيل وهم لا يعرفون ~~الغرض من ذلك. وجاءوهم بالدواب لركوبهم ، ودبروا كل شيء. وكان الفجر قد دنا، فأشار صالح ~~بالركوب فركبوا وركب في مقدمتهم، وقال للحارس وغيره من أهل القصر: إنه عائد إليهم بعد قليل. ~~فأطاعوا وهم يستغربون ما رأوه؛ لأنهم لم يعلموا بمقتل دهقانهم، ولا ما ينويه أبو مسلم من ~~الفتك بهم. # سار الركب والليل يكاد ينقضي، وقد أقبل الفجر مبشرا بطلوع الشمس سلطانة النهار. ولما ~~بعدوا عن المحلة أوقفهم صالح في خلوة وأخبرهم أنهم ذاهبون في خدمة الدهقانة جلنار إلى ~~الحج، وأن ذهابها سري فلا ينبغي أن يعلم به أحد، فإذا سئلوا عن المكان الذي جاءوا منه، ~~فليقولوا إنهم من مدينة بلخ، وقد خرجوا يريدون اللحاق بقافلة تقدمتهم منذ يومين قاصدة بيت ~~الله الحرام، وأوصاهم ألا يذكروا اسم الدهقانة ولا الدهقان، وأنه ms155 سيخبرهم بالسبب بعد قليل. ~~ثم تقدم إلى الدهقانة وقال لها: «إني راجع إلى القصر لأخبر الخدم والحراس بالواقع وأعود، ~~فامكثوا في انتظاري.» # قالت: «سر في رعاية الله، وافعل ما تشاء.» # قال: «أعطيني رجلا من أتباعك يزكي شهادتي أو يؤيد قولي.» # فأمرت سعيدا الصقلبي أن يرافقه، فسار معه ولم يفهم القصد، ولكنه سار تلبية لأمر مولاته، ~~فأسر له صالح حقيقة الأمر، وأوصاه أن يساعده في تلك المهمة، وساقا جواديهما نحو القصر، ~~فلما وصلا إليه، رأيا أهله في هرج وقد استيقظوا من نومهم وعلموا بمسير مولاتهم على تلك ~~الصورة، فدعا صالح قيم الدار وأخبره على انفراد بمقتل الدهقان، وأن أبا مسلم سيرسل من ~~يستولي على القصر بما فيه، وأوصاه أن يتدبر الأمر، وأن الدهقان قبل أن يموت أعتق عبيده ~~وجواريه جميعا، وأن القصر بما فيه صار ملكا حلالا لهم، إلى أن قال: «فتدبر أنت بحكمتك ~~حتى لا يظفر ذلك القاتل بكم، وأسرع؛ لأنه لا يلبث أن يبعث بمن يقبض عليكم.» # فسأله عن الدهقانة فقال: «إنها انتقلت إلى بعض أهلها في نيسابور، وإنها هي التي بعثت إلى ~~أهل القصر بالعتق والحرية ووهبتهم كل ما فيه.» إلى أن قال: «وهذا سعيد رسولها ~~إليكم.» # فأيد سعيد قوله، وأكد أن الدهقانة توصيه بأهل القصر خيرا، وأن ينقذهم بحكمته وبحسن ~~تدبيره، ويوافيها بعد ذلك إلى نيسابور؛ لأنها سوف تكون هناك بعد بضعة أيام، فصدقهما وأخذ في ~~التدبير. # الفصل السادس والخمسون # | سليمان بن كثير # أما صالح فإنه عاد مع سعيد إلى الدهقانة وخدمها - وكانوا في انتظارهما - ثم أخذوا في ~~السير حتى انتصف النهار، وقد بعدوا عن مرو، فترجلوا ونصبوا خيامهم بجانب عين ماء في ظل ~~الأشجار، ومكثوا للاستراحة، فاغتنم صالح تلك الفرصة وذهب إلى الدهقانة - وعندها ريحانة - ~~وقال لها: «ينبغي أن نطلع خدمك الخصوصيين على الحقيقة، ونكتم الأمر عن الخدم الآخرين الذين ~~هم في خدمة الدواب؛ كالسياس ونحوهم.» # قالت: «افعل ما تراه؛ فإني لا أدري ماذا أعمل.» # فخشي ضعفها فقال لها: «أراك قد ضجرت ونحن لا نزال في ms156 أول الطريق!» # قالت: «لم أضجر، ولكنني لا أزال أحسب نفسي في حلم من هول ما رأيته بالأمس، وأنا لم أذق ~~نوما.» # قال: «نحن هنا في مأمن؛ فنامي واستريحي؛ لأن سفرنا طويل، وأما أنا فلا أنام حتى أدبر ~~الأمر الآخر.» # قالت: «وأي أمر تعني؟» # قال: «أتظنين صالحا يغفل عن فرصة يغتنمها في سبيل ذلك؟» ثم حك لحيته وأصلح قلنسوته ~~وقال: «نحن ساعون في قطع الشجرة من جذرها، ولكنني سأدبر حيلة ألقي بها الشقاق بين فروعها؛ ~~أي بين أبي مسلم ونقبائه.» # قالت: «وكيف ذلك؟ وأي النقباء تعني؟» # قال: «أتعرفين سليمان بن كثير؟» # قالت: «أنت أخبرتني أنه كبير النقباء، وأنه قديم في هذه الدعوة.» # قال: «هو أقدم من أبي مسلم فيها، ولكنه كان يدعو أهل خراسان لولد علي بن أبي طالب، وكان ~~هو زعيم هذه الدعوة، فلما توفي صاحب الدعوة العلوية وتحولت إلى بني العباس كما ذكرت لك، ~~أرسل الإمام إبراهيم أبا مسلم من قبله وجعله رئيسا على سائر النقباء، وفي جملتهم سليمان ~~بن كثير، وهو شيخ جليل، وأبو مسلم - كما تعلمين - شاب، فشق ذلك على سليمان في بادئ الأمر، ~~ولم يقبل أن يكون تحت قيادته، ثم قبل رغم إرادته، على أن أبا مسلم غير صورة الدعوة فجعلها ~~باسم «آل محمد»؛ أي أهل النبي، وهو اسم يشمل العباسيين والعلويين؛ لأن الأولين من نسل ~~العباس عم النبي، والآخرين من نسل علي ابن عمه. والذي أراه أن أبا مسلم فعل ذلك استعدادا ~~لنقل الدعوة إلى آل العباس، وإنى أعلم أن سليمان بن كثير لا يريد ذلك، بل هو يفضل بقاءها ~~لآل علي؛ لأن هذا هو مشروعه الأصلي وبه فخره. وفي نيتي أن أكتب إلى سليمان كتابا أستحثه ~~فيه على حفظ البيعة لأولاد علي، وأبين له طمع أبي مسلم ونحو ذلك مما يهيج الضغائن بين ~~هذين الرجلين، وهما دعامة الدعوة، فإذا اختلفا اختل نظامها.» # فأعجبت جلنار بسهره على هذا الأمر، وتجددت قواها وآمالها، وازدادت تسليما له وقالت: ~~«بورك فيك. افعل ما تراه موافقا. وهل بعد هذا ms157 السهر والاهتمام من حاجة إلى اهتمامي، ومع ~~ذلك فإن السهر والتعب قد أثرا في كثيرا وأنا لم أتعود ذلك.» # فنهض وحيا ووجه كلامه إلى ريحانة قائلا: «وأنت أيضا في حاجة للنوم، على ما أظن؛ ~~فاذهبي إلى فراشك ودعي مولاتنا، وإني ذاهب إلى شأني.» قال ذلك ومضى إلى خلوة وقد أعد ورقا ~~ومدادا، وكتب كتابا هذا نصه: # من دهقان يخاف أن يذكر اسمه إلى سليمان بن كثير # أما بعد، فإنك جئتنا منذ بضع سنين تدعونا إلى بيعة أهل النبي؛ لأنهم أقرب للتقوى ~~والعدل - ولا يكون آل النبي إلا كذلك - فأطعنا وبايعناك؛ لنتخلص من ظلم بني أمية؛ ~~لأنهم يكلفوننا دفع الأموال بغير حق، ويعاملون غير العرب باحتقار، فحمدنا الله على ~~قرب نجاتنا من ذلك الظلم على يدك وأنت شيخ عاقل حكيم، ثم ما لبثنا أن رأينا الأمر ~~قد تحول وأصبحت أنت وسائر النقباء في قبضة غلام لا يعرف له أصل ولا نسب، فاستبد ~~بكم وتطاول عليكم، ونحن نحسب طاعتكم له عن حكمة أو حسن سياسة؛ لأن المسلمين إنما ~~يفضلون بالتقوى، ثم علمنا أنه لا يمتاز عنكم إلا بسفك الدماء والقسوة وحب الأثرة، ~~وأنه إنما يستخدمكم لمطامعه، ولا يبالي أن يقتل أيا كان التماسا للسلطة، فيستخدم ~~الناس لغرضه ثم يقتلهم، كما فعل بالكرماني وكما فعل بدهقان مرو، بعد أن بذل ما بذله ~~من المال، فقتله شر قتلة. # وهو يزعم أنه يفعل ذلك بأمر الإمام، وأي إمام يأمر بالقتل على الشك؟ فقد عرفنا ~~الأئمة يحاسبون أنفسهم على حشرة يقتلونها، فكيف بقتل الناس؟! بل كيف بقتل كبار ~~المسلمين الذين نصروا الدين بأموالهم وأنفسهم، ولا سيما الدهاقين الذين هم عمدكم ~~في هذه النهضة؟ لأن خراسان في قبضتهم، وقد نصروكم وأيدوا دعوتكم. فكيف يقتلهم هذا ~~الظالم بلا سبب غير الشك؟ فأصبح سائر الدهاقين في خراسان مهددين بالقتل، وأنا ~~منهم؛ ولذلك لم أجرؤ على ذكر اسمي، على أن الخطر يشمل كل من ينصر هذا الغلام من ~~النقباء، وأنت في مقدمتهم؛ فلا بد من أن يأتي يوم يقتلك فيه ms158 وهو لا يحتاج في تحليل ~~قتلك إلى أكثر من الشك فيك - وما أسرع الشك إلى قلب الإنسان - ولا جناح على أحد ~~سواك؛ لأنك جررت البلاء على نفسك بيدك. كنت رئيسا على أهل الهدى تدعو الناس إلى ~~بيعة خليفة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يقتل المسلمين ولا يظلمهم، فجعلت ~~نفسك عبدا لغلام يزعم أن إمامه أمره بقتل الناس على الشك. وأراه يتلاعب بكم ~~جميعا، فبعد أن كانت البيعة باسم أبناء علي جعلها باسم أهل البيت إجمالا ~~تمهيدا لإخراجها من العلويين لبني العباس؛ ليستقل بها صاحبه ومولاه الإمام ~~إبراهيم، وتذهب مساعي العلويين ونقبائهم هباء منثورا، فإذا كنتم لا تزال فيكم بقية ~~عقل وحمية، فاستدركوا الأمر قبل استفحاله، وأرجعوا البيعة لأصحابها الأتقياء، ~~واعلموا أنكم إذا فعلتم ذلك، كان كل الدهاقين في خراسان وسائر أهل فارس من أنصاركم؛ ~~فبادر يا ابن كثير إلى استدراك ما فات، وأرجع البيعة لأصحابها، وأنقذ المسلمين من ~~أناس يقتلون على الشك لا يستثنون مسلما ولو كان نصيرا أو نقيبا أو إماما، ~~وإلا فإن العاقبة تعود عليك، وأنت أول من تقع النقمة على رأسه. وهذا إنذار لك ~~ولسائر النقباء الذين استسلموا لذلك الغلام، والسلام. # ولما فرغ من كتابة الكتاب لفه وجعله في أنبوب من القصب الفارسي وأقفل عليه، وحمل ~~الأنبوب وخرج إلى خيمة الخدم، فلقي سعيدا في الطريق عائدا من خيمة جلنار، فناداه فوقف، ~~فقال صالح: «كيف فارقت الدهقانة؟» # قال سعيد: «تركتها مستغرقة في النوم من شدة التعب.» # قال صالح: «عندي كتاب أريد إرساله إلى مرو، فهل تثق بأحد من أولئك السياس نبعثه في هذه ~~المهمة على أن يحفظ ذلك سرا؟» # قال سعيد: «عندنا سائس أبكم سريع الفهم.» # قال: «إن البكم يلزم في هذه المهمة، ولكن الأبكم يكون أصم أيضا؛ فكيف يفهم ~~مرادنا؟» # قال سعيد: «إن هذا الأبكم غير أصم؛ فهو يسمع ولكنه لا يستطيع الكلام؛ لقد أصيب بالبكم ~~نتيجة عقدة لسانه.» # قال صالح: «وهل اختبرت أمانته؟» # قال سعيد: «أنا على يقين من أمانته.» # قال صالح: «أين هو؟» # فصاح ms159 سعيد مناديا أحد السياس وأشار إليه فأتى نحوه، وإذا هو قصير القامة، أسمر اللون، ~~ممتلئ الجسم ودلائل الصحة بادية في استدارة وجهه، وغلظ عنقه، واتساع صدره، وكان جذعه عاريا ~~إلى الحقوين، فبان الشعر كثيفا على صدره وكتفيه، وذراعاه مستديرتان ممتلئتان، وكذلك ساقاه ~~وقدماه. وليس عليه من الكساء إلا سراويل قصيرة تغطي فخذيه إلى أعلى الركبة، فوقف وأشار ~~برأسه إشارة التحية، فقال له صالح: «أتعرف مرو؟» # فأشار برأسه أن: «نعم.» # قال: «أتعرف أميرا اسمه سليمان بن كثير؟» # فأشار بيديه وأصابعه أنه عرفه منذ نزل أبو مسلم عند الدهقان المرة الأخيرة، وتحقق صالح من ~~إشارات أخرى أنه عرف الرجل حقيقة، فقال له: «خذ هذه القصبة (وأخرج له الأنبوب) وامض سريعا ~~إلى مرو، واذهب توا إلى دار الإمارة، فتجد الرجل هناك؛ فادفع إليه هذه القصبة وأسرع ~~راجعا، وإذا سألك سائل لا تجبه. والأفضل أن تدفعها إليه وتنجو بنفسك سريعا، وتعود إلينا ~~فتجدنا في انتظارك هنا أو في المحطة التالية. خذ الدابة واركب عليها إلى مرو.» # فضحك السائس وأشار إلى قدميه الغليظتين وقبض يده بشدة كما يعبر الخرس عن القوة؛ يريد ~~أن يقول إن قدميه أسرع من الدابة، فربت صالح على كتفه تحببا وثناء، فلامست أنامله ~~الجلد فابتلت من العرق . # أما السائس فتناول القصبة وأشار برأسه إشارة الوداع، وتحول نحو مرو مسرعا سرعة الغزال، ~~وصالح وسعيد ينظران إليه ويعجبان من سرعته حتى توارى عن أبصارهما، فتحولا للاستراحة، فمضى ~~صالح إلى خيمته واستلقى وأخذ يفكر فيما ينبغي له من السعي في مشروعه. # الفصل السابع والخمسون # | أبو سلمة الخلال # وكانت الشمس قد مالت نحو الأصيل، وتذكر أنهم لا يزالون على مقربة من مرو بحيث تكاد ~~تمسهم يد أبي مسلم، وتصور أن أبا مسلم علم بمكانهم، فبعث من يتبعهم، فاقشعر بدنه لاعتقاده ~~في دهاء ذلك الرجل، وقدرته العجيبة على كشف المخبآت، وشدة بطشه، فإذا عثر عليهم لا يبقي على ~~أحد منهم. ويا لها من خيبة! ولكنه رأى نفسه عاجزا عن مواصلة السير في تلك الساعة؛ نظرا ~~لما ms160 تشكوه جلنار من التعب بعد الجهد الذي بذلته، وشدة حاجتها إلى النوم، فعزم على السفر ~~حالما تستيقظ ولو في نصف الليل. # وبينما هو في تلك الهواجس سمع أجراسا تدق عن بعد، فاختلج قلبه ونهض مذعورا؛ لعلمه أنها ~~أجراس قافلة مارة من هناك، وأصاخ بسمعه ليتبين جهة المسير، فأدرك أنها قادمة من الشمال ~~فترجح عنده أنها من القوافل التي تتردد بين العراق وخراسان، فخرج من خيمته لعله يراها عن ~~بعد من جهة الصوت، ولكنه لم ير القافلة؛ لأنها كانت لا تزال متوارية وراء التلال، فأسرع إلى ~~ثيابه وتنكر بملابس حاجب أبي مسلم وقلنسوته، وأصلح من شأنه وذهب إلى سعيد وأبي العينين ~~وسليمان وأخبرهم بمجيء القافلة، وأنه عازم على استطلاع الأخبار منها، وأوصاهم أن يكونوا على ~~حذر لئلا تبدر منهم كلمة أو إشارة تدل على حقيقة أمرهم. # ثم ركب فرسا وساقه نحو الجهة التي سمع منها دق الأجراس، وبعد قليل أطل على القافلة فإذا ~~هي سرب من الجمال يقودها حمار عليه شيخ كأنه الدليل، وإلى جانبي القافلة فرسان مدججون ~~بالسلاح لحراسة القافلة، فعلم أنهم يحملون أموالا لأبي مسلم، فضلا عن المئونة ونحوها، ~~فوقف يعترض القافلة كأنه صاحب الأمر والنهي، فأسرع إليه أحد الفرسان، فابتدره صالح قائلا: ~~«لماذا هذا التباطؤ في المسير؟» # فلما سمعه الفارس يخاطبه بسلطان، ورأى عليه ثياب حجاب أبي مسلم، ظنه قادما من عنده ~~لاستعجالهم فقال: «أتعدون مسيرنا بطيئا وقد جئنا من الكوفة إلى مرو في عشرين يوما ومعنا ~~هذه الأثقال. هل أنت قادم لاستعجالنا؟» # قال: «إني ذاهب ببشارة لشيعتنا في الكوفة، ولكنني سمعت الأمير يذكر إبطاءكم، فأسرعوا ~~حفظكم الله.» # فلما سمع الفارس قوله إنه ذاهب ببشارة تشوق للاطلاع على البشارة فقال: «وما هي تلك ~~البشارة؟» # قال: «ألم تعلموها بعد؟ ألم تروا نصر بن سيار؛ صاحب مرو، تائها في هذه الأودية؟» # قال الفارس: «كلا. وهل فتحتم مرو؟» # قال: «فتحناها منذ بضعة أيام وأعلام الحق تخفق الآن فوق دار الإمارة، ولو عجلتم قليلا ~~لشهدتم الفتح واشتركتم في الغنيمة. كيف فارقتم شيعتنا ms161 في الكوفة؟» # قال الفارس: «هم في خير، وستشتد عزيمتهم بخبر الفتح، ولا سيما أبو سلمة، رعاه ~~الله.» # قال صالح: «وكيف أبو سلمة؟» # قال: «هو عمدتنا وذخرنا، وهذه الأموال كلها من عنده، وهو - كما تعلم - لا يدخر وسعا في ~~نصرة هذه الدعوة، والحق يقال إن هذه الدعوة إنما تقوم بسيف أبي مسلم ومال أبي سلمة الخلال.» # 1 # فتذكر صالح حال أبي سلمة هذا، وأنه من كبار الأغنياء، وقد بذل ماله في سبيل نصرة الشيعة، ~~وأنه كان قبل ظهور أبي مسلم يفعل ذلك في نصرة شيعة علي، كما كان يفعل سليمان بن كثير، ~~فلما تحولت الدعوة إلى العباسيين ورأسها أبو مسلم أذعن كما أذعن ابن كثير، وصار يبذل أمواله ~~في نصرتهم. ومرت القافلة وهما واقفان يتكلمان، وصالح ينظر إلى الأحمال فإذا هي كثيرة، وفيها ~~صناديق الأموال، فلما خطر له أمر أبي سلمة الخلال تظاهر بالإسراع، وودع الفارس وأوصاه ~~بالإسراع وقال له: «واصلوا السير إلى مرو، ولا تقفوا في هذه المحطة؛ فتصلوا إلى مرو في ~~العشاء.» # فأشار الفارس إشارة الطاعة وافترقا، فأظهر صالح أنه يسير نحو الكوفة حتى إذا توارت ~~القافلة عن بصره، رجع الهوينى في أثرها بحيث يرى أطرافها، ولا يراه أحد من أهلها، فرآها عند ~~وصولها إلى المحطة لم تقف إلا قليلا ثم أقلعت، فسره ذلك وسار إلى خيمة الدهقانة فرآها ~~لا تزال جالسة عندها، فسأل الخدم عن القافلة فقالوا: «أنهم مشوا مسرعين ولم يقولوا شيئا.» ~~فذهب إلى خيمته وبدل ثيابه وهو يفكر في أبي سلمة الخلال والسبيل إلى تحويله عن نصرة أبي ~~مسلم، وإذا بسعيد الصقلبي قد جاءه مسرعا وناداه بلهفة فقال له: «ما وراءك؟» # قال: «أدرك مولاتي الدهقانة، فإنها استيقظت من نومها وهي تبكي وتنتحب، ولا نعلم ما ~~بها.» # فعلم أنها تبكي لأنها يتيمة وغريبة، وقد أخذت تحس بمصيبتها وتتبين ضخامتها، فأسرع إلى ~~خيمتها فلقي ريحانة بالباب وهي تشير إليه أن يسرع، فدخل الخيمة فرأى جلنار جالسة في الفراش، ~~وشعرها مرسل على كتفيها، وقد احمرت عيناها، وتكسرت أهدابها من ms162 كثرة البكاء، فلما أطل صالح ~~صاحت به: «آه يا صالح، بل يا ضحاك؛ لأني هكذا كنت أناديك في أيام سعادتي، وأنا الآن يتيمة ~~مقهورة شاردة هاربة.» # فجثا صالح عند فراشها وقال: «ما الذي جرى يا مولاتي؟ هل حدث شيء جديد؟» # قالت وهي لا تستطيع أن تمسك نفسها عن البكاء: «آه يا صالح! كنت نائمة فرأيت في منامي أن ~~ذلك القاسي جاءني وفي يده خنجر، وكأنه يهم بقتلي، فصحت فيه: ويلك يا ظالم! أهذا جزاء ~~المحبة؟! ووبخته وعنفته وعاتبته عتابا شديدا وهو واقف لا يتكلم، وكان غيظي يتعاظم عليه، ~~وحنقي يشتد، وأشعر رغم ذلك بشيء يتحرك في قلبي وينعطف نحوه، وكأن بين ناظريه وعروق قلبي ~~رباط لا أدري ما هو، فقلت له: لا يغرنك ضعف هذا القلب؛ فإني سأغلبه وأغلبك، وأنتقم لقتل ~~والدي شر انتقام.» # فقطع صالح كلامها بلهجة المجون وقال: «احذري أن تذكري اسمي، أو تخبريه إني مشجعك على هذا ~~الانتقام؛ لئلا يرسلني إلى خوارزم.» قال ذلك وضحك كما كان يفعل في أيام مجونه. # فلم يسع جلنار إلا الضحك رغم ما بها، ثم أمسكت نفسها ونظرت إليه شزرا، فابتدرها قائلا: ~~«لا ذنب لي في ذلك، فإنك ناديتني باسمي القديم وتمنيت أن أتسمى به، فتقمصت شخصيته؛ لأن ~~الضحك على كل حال خير من البكاء. ومع ذلك لم أكن أحسبك تهتمين بأضغاث الأحلام، وتستسلمين ~~للضعف النسائي. وقد طلبت إليك منذ أول خطوة خطوناها أن تخلعي عنك هذا الضعف، وتتخلقي بأخلاق ~~الرجال؛ لأن الأمر الذي نحن بسبيله يحتاج إلى دهاء وتعقل وسعة صدر.» # قالت: «لا أزال غير قادرة على فكر أو عمل.» # قال: «لا أكلفك أن تقومي بعمل؛ فقد شرعت في العمل منذ الآن، فكتبت كتابا إلى سليمان ~~بن كثير (وأخبرها فحواه)، وإنما أطلب إليك الصبر والدعاء وأنا ضامن أنك ستنسين كل هذه ~~المتاعب. اصبري؛ إن الله مع الصابرين.» # فأحست جلنار بثقل أزيح عن صدرها وقالت: «صدقت؛ لا حيلة لي غير الصبر.» ثم مسحت عينيها ~~والتفتت إلى ريحانة، فرأتها تذرف الدموع بلا بكاء ms163 ولا شهيق حتى كادت تختنق من ضيق صدرها، ~~وحبس عواطفها. فلما رأت مولاتها تنظر إليها ووجهها منبسط، ابتسمت والدمع ملء عينيها وقالت: ~~«تجلدي يا مولاتي. ولا بد من الصبر، والفرج قريب، بإذن الله.» # فرأى صالح أن من الحكمة أن يشغلهما عن ذلك الحديث النسائي فقال: «أخبريني يا مولاتي: هل ~~تعرفين أبا سلمة الخلال؟» # فظلت جلنار صامتة مطرقة كأنها تستحث ذاكرتها وهي تتذكر أنها سمعت هذا الاسم قبل الآن، ~~فبادرت ريحانة إلى الجواب قائلة: «أظن مولاتي لا تذكره، ولكنني أعرف هذا الاسم جيدا؛ فإنه ~~لرجل فارسي من أكبر أرباب الثروة في العراق وفارس، وكان بينه وبين مولاي - رحمه الله - ~~علاقات قديمة، وكثيرا ما كان يزوره وينزل في داره أياما، وكانت مولاتي الدهقانة لا تزال ~~صغيرة.» # فابتسم صالح وبدا السرور في وجهه وقال: «إن هذا الرجل من أكبر دعائم هذه الدعوة؛ فهو ~~يؤيدها بماله كما يؤيدها أبو مسلم بسيفه ودهائه، وحكايته مع أبي مسلم مثل حكاية ابن كثير، ~~فإن أبا سلمة كان مع ابن كثير يدعوان للعلويين، ثم أطاع أبو مسلم في الدعوة الجديدة رغم ~~إرادته، فإذا استطعنا تحويل أبي سلمة عن تأييد هذا المشروع، غلت أيديهم عن العمل، ولا ~~سيما بعد القبض على إبراهيم نزيل الحميمة.» # فقالت جلنار : «تذكرت هذا الاسم الآن، وأذكر أيضا أنه جاءنا مرة ومعه الهدايا والأحمال، ~~وفيها الحلي والجواهر. وكان والدي - رحمه الله - يحبه.» # فقالت ريحانة: «وأنا أعرف امرأة من نسائه أصلها من مرو، بينها وبين والدة مولاتي الدهقانة ~~- رحمها الله - قرابة، وسيدي الدهقان والدك زوجه إياها، وكنت واسطة بينهما.» # فقال صالح: «لقد هان الأمر الآن. فالذي أراه أن نحمل مولاتنا إلى الكوفة ننزلها في مكان ~~تقيم فيه في أمان ريثما أذهب لقضاء المهمة الأولى في الشام، ثم آتيكم إلى الكوفة ظافرا ~~غانما.» ثم التفت إلى الدهقانة كأنه يستطلع رأيها، فرآها صامتة وفي وجهها ملامح الاستسلام، ~~فقال لها: «كوني مطمئنة؛ فإني لا أتركك حتى أتحقق من راحتك وسلامتك، وأترك عندك ريحانة ~~وسعيدا وأبا العينين، واصطحب الحلبي فقط؛ ms164 لأنه يعرف الشام؛ لعلي أحتاج إليه في شيء. ~~والآن لا بد لنا من الإسراع في الرحيل؛ لئلا يعرف أبو مسلم مكاننا، فيذهب كل سعينا هباء، ~~ولا غرابة في اطلاعه على سرنا وهو يكاد يطلع على خفايا القلوب.» # فتنهدت جلنار ولم تجب، فأدرك صالح أنها تتأسف على خيبة أملها في أبي مسلم، لكنه تجاهل ~~ووقف لتدبير أمر السفر إلى الكوفة. # الفصل الثامن والخمسون # | مروان بن محمد والناسك # فلنتركهم في تدبير شئونهم، ولنذهب بالقارئ إلى دمشق الفيحاء؛ دار الخلافة الأموية؛ فإن ~~الأمويين اغتصبوا الخلافة من أهل البيت، كما تقدم، ونقلوا عاصمة المسلمين من المدينة إلى ~~دمشق؛ لأن أهل الحجاز متفقون مع علي وأولاده، ودمشق من المدن العظمى التي كان لها شأن ~~كبير في التاريخ القديم، فجعلها الأمويون مقرا للخلافة، ومركزا لقوة المسلمين، حتى ~~حدثتهم أنفسهم أن ينقلوا منبر النبي # صلى الله عليه وسلم # من المدينة إليها؛ ليضيفوا إلى عصبيتهم ~~العربية أعظم أثر إسلامي يفاخرهم به أعداؤهم المقيمون في الحجاز، فلم يتيسر لهم ذلك، ~~واكتفوا بالعصبية، فحكموا المسلمين نحو مائة سنة، وامتد سلطانهم إلى معظم العالم المعمور في ~~ذلك الوقت. وفي أيامهم بلغ العرب أسمى درجات العز. # والدولة الأموية أقوى دول العرب وأشدها بطشا، وهي وحدها (بعد الخلفاء الراشدين) دولة ~~عربية خالية من شوائب العجمة؛ لأن أمراءها عرب، وعمالها عرب، وكتابها عرب، وهي التي نقلت ~~دواوين الحكومة إلى اللغة العربية، ونصرت العصبية العربية، لكنها بالغت في ذلك واحتقرت غير ~~العرب، واستبدت بالفرس وغيرهم ممن دان لسلطانها حتى نقموا منها وساعدوا أهل البيت على ~~حربها؛ لإخراج البلاد من أيديها. # وكان على رأس الخلافة في عصر روايتنا هذه مروان بن محمد؛ وهو من أحسن الخلفاء، وأكثرهم ~~حمية وحزما وغيرة على الإصلاح، ولكنه جاء متأخرا وقد تمكن الفساد من جسم الدولة ~~الأموية، وتغلغل الفساد إلى أعضائها الحيوية، حتى انقسمت على نفسها، وقام من بني أمية غير ~~واحد ادعوا الخلافة لأنفسهم، فتمكن مروان ببسالته ~~وعقله من التغلب عليهم. وكان الخلفاء الذين تقدموه قد انغمسوا في الترف واللهو، ms165 وأكثرهم ~~شربوا الخمر واستكثروا من النساء. فلما تولى مروان الخلافة ورأى حالها من الاضطراب عزم على ~~الحزم والتعفف، فحرم الخمر على مجالسه، وابتعد عن النساء، # 1 # واهتم بشئونه اهتمام الرجال. # ولكن ذلك لم ينفعه شيئا؛ لأن الدعوة العباسية كانت قد استفحلت في أيامه، ورسخت أقدامها ~~في خراسان، وانتشر دعاتها في أنحاء فارس والعراق، فارتبك في أمره وبذل غاية جهده في دفع ~~أعدائه، وكانت ثقته بنصر بن سيار عظيمة. ونصر شيخ جليل بلغ الخامسة والثمانين من عمره، وقد ~~حنكته الأيام، وفي طبعه ميل إلى الإصلاح. فألقى إليه مقاليد خراسان، وأوصاه بحمايتها ~~وحفظها من الشيعة، ولم يكن يخطر له الخوف عليها؛ لعلمه بقلة الشيعة وتسترهم، حتى جاءه الخبر ~~بسقوط مرو وفرار نصر بن سيار منها بأهله وأولاده، فأسقط في يده، وأيقن بخروج خراسان وما ~~وراءها من سلطانه، وأصبح خائفا على سائر مملكته. # وكان مروان في تلك السنة قد بلغ الثالثة والستين من عمره، وأمه كردية الأصل. وذلك نادر في ~~الخلفاء على عهد بني أمية؛ لمحافظتهم على العصبية العربية، خلافا لما صارت إليه الحال في ~~أيام بني العباس، فإن معظم خلفائهم من الهجناء. والهجين أبوه عربي وأمه غير عربية. وكان ~~مروان قوي البدن شجاعا، فلقبوه بالحمار. وكان ربع القامة، أبيض اللون ، أشهل شديد الشهلة، ~~ضخم الهامة، كث اللحية أبيضها، # 2 # وشيبه أكبر من سنه؛ لهول ما لاقاه من الأمور العظام، وبخاصة بعد أن جاءه ~~النبأ بسقوط مرو وفرار نصر، فإنه ما فتئ يجمع رجاله وقواده ويشاورهم في أمره، ويتداول معهم ~~فيما صارت إليه حال الدولة من الاضطراب. وقد أخذ في إعداد الجنود وهم أن ينهض بنفسه؛ لأنه ~~رأى أنه من الحزم ألا يثق بأحد من رجاله في مثل تلك الحال، فكان يقضي نهاره مشاورا، ومعظم ~~ليله مفكرا، وربما مضى الليل وهو يضرب في أرجاء غرفته منفردا عن الأهل والجواري ~~والسراري. # فاتفق في إحدى الليالي وهو ساهر على تلك الصورة وقد جاءه الخبر باستفحال أمر الشيعة، أن ~~جاءه الحاجب مهرولا، فظنه جاءه برسول أو ms166 رسالة. وكان من عادتهم ألا يردوا عن باب الخليفة ~~صاحب خبر في أية ساعة جاء، ولو في نصف الليل أو بعده. فلما دخل الحاجب على مروان صاح فيه: ~~«ما وراءك؟» # قال: «إن بالباب رجلا غريب الشكل يطلب أن يخاطب أمير المؤمنين.» # قال مروان: «لعله صاحب خبر، أو رسول، أو من هو؟» # قال: «كلا، ولست أدري من هو، ولما أردت تأجيل أمره إلى غد قال: إنه يريد مخاطبة أمير ~~المؤمنين في شأن لا يجوز تأجيله لحظة.» # فاهتم مروان بالأمر وقال: «أدخله.» # وكان مروان جالسا على سريره فنهض والتف بالعباءة وتمشى في الغرفة، وظله يتنقل شمالا ~~أو يمينا حسب موقعه من المشمعة القائمة في جانب الغرفة. ولم تمض لحظات قليلة حتى عاد ~~الحاجب وهو يقول: «الرجل بالباب يا مولاي.» # قال: «ليدخل.» # فدخل رجل طويل القامة حاسر الرأس، وقد تجعد شعر رأسه ولحيته وتلبد من الوسخ والإهمال، ~~وعليه قميص طويل يكسوه إلى الركبة، وهو حافي القدمين، عاري الساقين والزندين، والقذارة ~~ظاهرة على يديه وأنامله، وفي وجهه ولحيته، وعلى قميصه، وعلى كل شيء فيه، مع بله يظهر من ~~خلال قذارته. وحين رآه مروان ابتدره بالسؤال عما في نفسه، فقال بلغة التهديد: «ألا تدعوني ~~للجلوس؟ كأنك تخاف على الطنافس من جلدي! أو غرك ما رأيته من زهدي. إن أولياء الله لا ~~يلبسون الحرير والديباج، ولا يهتمون بالمشط والطيب.» # فلما سمع مروان كلامه هابه، ولم يكن شديد الاعتقاد بالولاية؛ لأنه كان قد تعلم من الجعد ~~بن أدهم مذهبه في خلق القرآن والقدر # 3 # وغير ذلك، ولكن شدة افتقار المرء إلى الشيء تهون عليه تصديق المستحيل، ~~وتساعده على التصديق رغبته في الحصول على ذلك الشيء، فكان مروان في حاجة إلى من يشير عليه ~~أو يرشده إلى الصواب، فاحتمل جسارة ذلك الرجل ورحب به وأمره بالجلوس، فجلس على طنفسة، ~~وجلس مروان على وسادة تجاهه وأصاخ بسمعه، فرأى الرجل يتمتم بكلام لم يظهر منه لمروان إلا ~~حركة الشفتين، فظنه يصلي فصبر نفسه وهو على أحر من الجمر، فطال جلوس ms167 الرجل وطالت صلاته ~~ومروان صابر حتى كاد يضجر، وإذا بالشيخ قد مسح وجهه بيديه واعتدل في مجلسه وقال: «اعلم يا ~~مروان أني جئتك برسالة من عالم الغيب جاءتني في المنام الليلة، وقد أوصاني صاحب الرؤيا أن ~~أبادر بإبلاغك إياها حالا، وأوصيك وصية؛ فهل أنت مصدق لما أقوله لك؟» # قال مروان: «نعم. قل.» # الفصل التاسع والخمسون # | الرؤيا # قال الشيخ: «بدأت رؤياي بصوت أيقظني وإذا برجل ينادي: «الحميمة، الحميمة، الحميمة!» فقلت: ~~«وما الحميمة؟» قال: «في الحميمة أصل الشر ومنبع العداوة.» فقلت: «وأية عداوة؟» فزجرني ~~الصوت وقال: «اذهب إلى إمامكم مروان بن محمد في هذه الساعة، وقل له إن عدوه الأكبر إبراهيم ~~في الحميمة، وهو أصل متاعبه، فإذا قبض عليه وقتله فقد قطع رأس الحية؛ فاذهب إليه حالا.» ~~وأردت أن أستزيده بيانا فاستيقظت من منامي وجئت إليك فبلغت الرسالة، وها أنا ذا راجع ~~إلى مغارتي.» قال ذلك وهم بالنهوض، فأقعده مروان وسأله عما يظنه من أمر هذه الرؤيا، فقال: ~~«نحن لا نفسر الرؤيا، وإنما ننقلها كما أتتنا؛ فعليك الآن أن تسأل عن الحميمة، فإذا كانت ~~بلدا فابعث إليه من يبحث عن رجل اسمه إبراهيم.» # ففطن مروان للحال أن هذا الاسم هو اسم صاحب الدعوة العباسية، ولم يكن يعرف مكانه، فأدرك ~~أن المراد بالرؤيا التنبيه إلى مكان صاحب تلك الدعوة للقبض عليه، وآمن بولاية الشيخ لأنها ~~وافقت غرضه. والإنسان وإن أنكر السحر وكذب أقوال السحرة، فإنه إذا رأى في أقوال أحدهم قولا ~~يوافق ما في نفسه مال إلى تصديق السحر، حتى الطبيب إذا لم يطمئن أهل المريض ويؤكد لهم شفاء ~~مريضهم اتهموه بالجهل بلا برهان، وإنما يدفعهم إلى تلك التهمة كرههم لما يعتقده. وتذكر ~~مروان أنه يعرف بلدا بالبلقاء اسمها الحميمة، فعزم على إرسال جند يبحثون عن رجل اسمه ~~إبراهيم؛ فإذا كان من نسل العباس كان هو المراد، فيقبضون عليه ويزجون به في السجن. أما ~~الشيخ فظل متحفزا للخروج، فقال له مروان: «امكث أيها الشيخ عندنا على الرحب ~~والسعة.» # فقال الشيخ وهو ينفض يديه: ms168 «أعوذ بالله من هذا الشر! أتريد يا مروان أن تحجب عني وجه ~~الخالق، وتفصل بيني وبين أهل الغيب؟» # فقال مروان: «أخبرني إذن ما هو اسمك، وأين مقامك؛ حتى أبعث إليك عند الحاجة.» # قال: «لا أقدر على ذلك الآن، ولا حاجة لك بي؛ إذ لا أقدر على شيء غير ما أراه في الرؤيا ~~أو أسمعه من الهاتف، فلو سألتني سؤالا من عندك فلا جواب عندي، فإذا شئت أن تنتفع بي دعني ~~أنصرف إلى مغارتي ولا تسألني عن اسمي، فإذا أتتني رؤيا أخرى أو خطر لي شيء يقال؛ أتيتك على ~~عجل. وأرجو أن تأمر حاجبك ألا يؤخرني عنك، واحذر أن تطلع أحدا على أمري؛ فإن حفظ هذا السر ~~يحفظ خدمتي لك.» # فرأى مروان في كلام الرجل قوة، وكان يود إبقاءه عنده، فلما سمع عذره لم يشأ أن يرغمه على ~~البقاء، فقال له: «فاصبر إذن لنأمر لك بالجائزة.» # فصاح: «الجائزة! الجائزة! ولماذا؟ إننا لا نأكل من طعامكم، ولا نشرب من شرابكم، ولا نمس ~~أموالكم. هكذا أمرنا، فأطلق سراحي يا مروان أو اقتلني، فإني بين يديك، ولا أرى سببا ~~لتأخيري سوى أنك تريد نفسي فخذها.» قال ذلك بلهجة شديدة، فاستغرب مروان غضبه بلا سبب، وقال ~~في نفسه: «يظهر أن هذه أخلاق الأولياء وأهل الصلاح .» # فأخذ يخفف من غضب الشيخ ويسايره وقال له: «افعل ما بدا لك. وإذا شئت أرسلت من يحرسك حتى ~~تصل مكانك.» # فقال الشيخ والغضب باد على وجهه وفي صوته: «الذي أريد منك يا ابن الكردية أن تطلق سراحي ~~قبل أن تزهق روحي.» # فحمل مروان قوله هذا أيضا على البله؛ لاعتزال أولئك الزهاد عن الناس، وانقطاعهم ~~للعبادة آناء الليل وأطراف النهار في مغارة لا يرون فيها أنيسا ولا يعاشرون غير الدواب، ~~فقال له: «اذهب في حراسة الله، واعلم أن بابنا لا يغلق عنك ليلا ولا نهارا، فإذا رأيت ~~رؤيا فتقدم بها إلينا.» وأمر الحاجب أن يطلق سبيله، وأوصاه ألا يذكر خبره لأحد. فخرج ~~مهرولا وخطواته واسعة وهو ينظر إلى السماء، وعاد مروان ms169 إلى مجلسه وقد اشتغل خاطره بما سمعه ~~من قول ذلك الناسك، ولم يتمالك أن بعث إلى أحد الخاصة من أهل ثقته، وزعم أنه رأى رؤيا ~~دلته على محل الإمام إبراهيم، وروى له ما قال الشيخ، فقال الرجل: «لا ريب إنها رؤيا ~~صحيحة؛ لأن الحميمة في البلقاء، وفيها أناس من الشيعة، فابعث إليها من يقبض على الرجل الذي ~~اسمه إبراهيم، فإنه الإمام المطلوب.» # فكتب مروان إلى عامله على البلقاء أن يذهب إلى الحميمة، فيقبض على رجل من العباسيين اسمه ~~إبراهيم، وذكر له صفته. # الفصل الستون # | معسكر أبي سلمة # وأما الناسك، وهو صالح أو الضحاك، فكان قد رافق جلنار ورفاقها إلى الكوفة وسأل عن منزل ~~أبي سلمة الخلال، فأخبروه أن له معسكرا خاصا في محلة حمام أعين خارج الكوفة، وهو هناك ~~بحاشيته ورجال بطانته كأنه دولة قائمة بنفسها، وأهل الكوفة يراعون خاطره ويخشون نفوذه، ~~وبخاصة بعد قيامه بالدعوة العلوية، فإنه كان يبذل الأموال الطائلة في سبيلها، فلما تحولت ~~إلى العباسيين وقام بها أبو مسلم لم ير بدا من مسايرته، فظل على البذل والعطاء وفي خاطره ~~شيء لم يبح به لأحد؛ خوفا على نفسه من غائلة القتل، ولا سيما بعد أن بلغته وصية الإمام: ~~«من اتهمته فاقتله.» وكأنه كان يتوقع فشل أبي مسلم في دعوة إبراهيم، فيعود هو إلى الدعوة ~~العلوية؛ إذ تكون السبل قد مهدت لها على أهون سبيل. على أن تظاهره بدعوة بني العباس لم ~~يكن ليخفي ما في نفسه على دهاة القواد والشيعة من أهل الكوفة، ولكنهم كانوا يسايرونه أيضا ~~ليستدروا أمواله في سبيل نصرتهم. # فلما وصل صالح بمن معه إلى الكوفة وعلم أن أبا سلمة معسكر في حمام أعين جاء بهم إليه، ~~وحطوا رحالهم ونصبوا خيامهم خارج المحلة يظهرون الإقامة مؤقتا للاستراحة، وذهب صالح ~~وريحانة حتى أتيا المعسكر فطلبا مقابلة أبي سلمة، فأدخلوهما إلى فسطاط كبير مبطن بالحرير ~~الأحمر ببابه الحراس، ومظاهر الثروة بادية على رياشه وأساطينه. وكان صالح بملابس أهل خراسان ~~فدخل وحيا، ولم يكن في مجلس أبي ms170 سلمة وقتئذ أحد سواه، فرحب به وسأله عن غرضه، فاغتنم ~~تلك الخلوة وقال: «هل يعيرني مولاي إصغاء قليلا؟» # فال: «نعم.» # قال صالح: «برفقتي جارية، فهل تأذن بدخولها؟» # قال أبو سلمة: «تدخل.» وصفق، فجاء غلام فأمره أن يدخل الجارية الواقفة بالباب، فدخلت ~~ريحانة وقد غطت وجهها بالخمار على عادة النساء عندهم، ووقفت متأدبة فدعاها للجلوس فأبت، ~~ولكنها قالت: «أيذكر مولاي أنه رأى هذا الوجه؟» وكشفت عن وجهها. # فلما وقع نظره عليها تذكرها وقال: «ريحانة؟» # قالت: «نعم يا مولاي.» # قال أبو سلمة: «وأين مولاك الدهقان؟ هل تركته؟» # قالت ريحانة وصوتها مختنق: «لا يا سيدي، بل هو تركنا.» ولم تتمالك أن تمسك نفسها عن ~~البكاء. # فلم يستغرب أبو سلمة بكاءها؛ لظنه أن مولاها طردها، فهي تبكي على فراقه، فقال لها: ~~«وكيف تركك؟» # فسكتت ولم تجب. # فأجابه صالح قائلا: «إذا أراد مولاي أن نقص عليه الخبر، فليأمر أن تذهب جاريته إلى دار ~~النساء، ويأذن بذهاب الدهقانة جلنار؛ ابنة صديقك دهقان مرو، معها؛ لأنها مقيمة خارج هذا ~~المعسكر.» # فبغت أبو سلمة وقال: «جلنار أيضا هنا! وأين والدها؟» # قال صالح: «إذا أمرت بدخولها دار النساء قصصت عليك خبرها.» # قال أبو سلمة: «لتدخل حالا؛ فإن شيرين (يقصد امرأته) تفرح كثيرا لرؤيتها.» # ثم نهض هو وأشار إلى صالح أن يلاقيه من الخارج، ودخل من باب سري في الفسطاط إلى دار ~~بجانبه، ثم خرج من باب الدار وبين يديه الخدم، فلقيه صالح وريحانة هناك، فأشار أبو سلمة إلى ~~ريحانة قائلا: «ادخلي على مولاتك شيرين.» والتفت إلى صالح وقال: «هؤلاء هم الخدم، فمرهم ~~بالذهاب إلى الدهقانة لينقلوها بما معها إلى هذه الدار.» # فأثنى صالح عليه ومشى والخدم في أثره إلى خيمة جلنار وأخبرها بما فعله، وطلب منها أن تسير ~~معه إلى الدار، وأن يبقى الخدم هناك حتى ينقلوا الأمتعة. # فمشت وصالح يشجعها ويمنيها بتحقيق بغيتها على يد أبي سلمة حتى دخل بها الدار، ~~فاستقبلتها الجواري وذهبن بها إلى خالتها، فلما رأتها شيرين ألقت بنفسها عليها وراحت تقبلها ~~وتستنشق ريحها؛ لأنها ms171 كانت تحبها كأولادها، فأهاجت تلك القبلات ما في خاطرها من أمر والدها ~~وفرارها، فغلب عليها البكاء ولم تعد تستطيع أن تمسك نفسها حتى خافوا عليها، فجاءت ريحانة ~~وشاركتها البكاء، ولكنها جعلت تخفف عنها بعبارات استدلت منها شيرين على وقوع الفتاة في ~~مصيبة اليتم، فأجلستها إلى جانبها وجعلت تمسح دموعها وتقبلها. وكان أبو سلمة قد سمع ~~الضوضاء وهو مع صالح في غرفة الرجال فتركه ودخل دار النساء، فرأى جلنار على تلك الحال فتأثر ~~قلبه من بكائها، وقد توردت وجنتاها، واحمرت عيناها، وتكسرت أهدابهما، فنادى ريحانة فأتته ~~أيضا وهي تبكي، فسألها عن سبب بكائها، فقالت: «ستسمع ذلك من صالح؛ فإنه هو سبب بقائنا ~~أحياء، ولولاه لكنا مع الأموات.» # فرجع أبو سلمة إلى صالح وعلامات التأثر بادية على وجهه، فأدرك صالح أنه قد آن أن يكاشفه ~~بالأمر، ولكنه كان يخشى أن يكون ظنه في أبي سلمة في غير محله من حيث رغبته في العلويين ~~ونقمته على أبي مسلم، فعزم على استطلاع سره بالحيلة، فلما أقبل أبو سلمة عليه وسأله عن ~~سبب ما شاهده من بكاء تلك الفتاة، قال: «إنها تبكي والدها.» # قال أبو سلمة: «تبكي والدها الدهقان! وما الذي أصابه؟» # قال صالح: «قتلوه.» # قال أبو سلمة: «ومن الذي قتله؟» # قال صالح وهو يتظاهر بالتهيب: «قتله، قتله قائد رجالكم وصاحب دعوتكم.» # قال أبو سلمة: «أبو مسلم؟!» # قال صالح: «نعم يا سيدي.» # فهز رأسه وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله. ولماذا قتله؟» # قال صالح: «قتله لأنه نصره بالمال والرجال، ولأنه بذل كل ما في وسعه لنصرته.» # فضحك أبو سلمة ضحكة يمازجها غضب شديد وقال: «كيف يقتله لهذا السبب؟ قل الحقيقة.» # قال صالح: «هذه هي الحقيقة يا سيدي. إنه كان يعطيه الأموال بغير حساب، وقد خاطب سائر ~~الدهاقين في خراسان لينصروه.» # فقال أبو سلمة: «لا يعقل أن يكون على هذه الصورة ويقتله بلا سبب.» # فاعتدل صالح في مجلسه وتأدب في جلسته حسب عادتهم في الجلوس وقال: «هل تدهش لذلك من رجل ~~يقتل على الشك؟ ألم ms172 تسمع بوصية الإمام إبراهيم؟» # فأمسك أبو سلمة لحيته بيده وحك ذقنه وهو يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون.» وكأن في ~~خاطره شيئا يضمره أو يخشى إظهاره، فتظاهر صالح بالحزن والبكاء وقال بصوت ضعيف: «أتستغرب ~~ذلك من رجل يقتل على التهمة عملا بوصية إمام يدعون باسمه ليلا ونهارا، وقد عهدنا الأئمة ~~من قبل يحاسبون أنفسهم على نملة إن قتلوها بغير حق!» # فلم يتمالك أبو سلمة أن قال: «أولئك أئمة الهدى أبناء بنت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، أولئك أبناء ~~الإمام علي، كرم الله وجهه.» قال ذلك وغص بريقه. # الفصل الحادي والستون # | المكاشفة # فاغتنم صالح تلك الفرصة وقال: «فلماذا حولتم الدعوة إذن إلى هؤلاء وأنتم أصحاب هذا الأمر، ~~أم هي لا تزال في الحقيقة لأبناء الإمام علي وإنما تظهرون البيعة لإبراهيم ~~تمويها؟» # فسكت أبو سلمة ولم يجبه، وكان الجواب يحشرج في صدره، ولا يأمن التصريح به، فابتدره صالح ~~قائلا: «يظهر لي أن أولئك الناس خدعوك وتملقوك طمعا في أموالك، وأنا أعلم يقينا أنك غير ~~راض عن إمامهم هذا، ولكنك لا ترى أن تفسد عليهم أمرهم؛ لأن تظاهرك ضدهم يؤذيهم.» # فلم يعد أبو سلمة يستطيع صبرا عن الكلام فقال: «كلا، ولكنني أعلم أنني لو قلت ما في نفسي ~~لم أجد من ينصرني، ولا أدري كيف تغيروا جميعا وقبلوا هذا الإمام؛ وهو صاحب هذه ~~الوصية؟» # ففرح صالح بهذا التصريح وقال: «وماذا عسى أن يكون من أمر هذا الإمام وهو كأحد الناس، ~~وأنتم جعلتم له هذه المنزلة، وجمعتم له قلوب أهل فارس وخراسان.» # وكان أبو سلمة جالسا يصغي لكلام صالح، فلما سمع قوله هذا هب من مجلسه بغتة، وجعل يضرب ~~في الغرفة ذهابا وإيابا، ومطرفه يجر وراءه، وصالح يرقب حركاته وتقلبات عواطفه، فأدرك أنه ~~يكتم كرهه لهذه الدعوة، فنهض معه ووقف في أحد جوانب الغرفة وأطرق تهيبا مما جاش في خاطر ~~أبي سلمة. ثم وقف أبو سلمة أمام صالح وهو يصلح قلنسوته الموشاة وقال: «قد جمعنا له قلوب أهل ~~خراسان وفارس، ومكناه من سيوفهم وأيديهم ms173 وألسنتهم، فأصبح هو المالك ولا حيلة لنا.» # فقال صالح: «الحيلة سهلة يا مولاي.» # فضحك مستهزئا وقال: «كيف تستسهل ما لا سبيل إليه؟ إن مئات الألوف من الفرس وغيرهم يدعون ~~باسم إبراهيم الإمام، فكيف نستطيع تغيير قلوبهم؟» # فقال صالح: «قلت لمولاي إن ذلك هين علي، فهل تصغي لقولي؟ وهل أنا في خطر على ~~حياتي؟» # قال أبو سلمة: «قل ما بدا لك ولا تخف؛ إنك في أمان.» # قال صالح: «ما قولك في قطع الشجرة من جذرها، ومحاكمة الرجل بقانونه؟» # وكان أبو سلمة يخاطب صالحا وهو يتمشى، فلما سمع قوله وقف وأطرق وسبابته بين شفتيه ينقر ~~بها قواطعه، ويده الأخرى في منطقته، ثم رفع بصره إلى صالح وقال: «ماذا تعني يا ~~صالح؟» # فقال صالح: «أعني أن نقتل ذلك الرجل.» # فقال أبو سلمة: «ومن الذي يجرؤ على قتله؟» # فقال صالح: «علي تدبير ذلك. أنا أقتله ولا يشعر بي أحد. فهل إذا فعلت ذلك يهون عليك ~~تحويل هذه الدعوة ومقاومة أبي مسلم. إنه بدونك لا يستطيع عملا، ولا سيما إذا علم الناس ~~بمقتل صاحب الوصية؛ فلا شك عندي أنهم سيفرحون لقتله، وأول من يفرح هذه المسكينة التي قتل ~~أبو مسلم أباها، ونهب قصره، وجعلها شريدة طريدة. وأخشى أن يصل خبرها إلى أبي مسلم فيبعث ~~إليها ؛ لأنه يفتش عنها لكي يقتلها. فتأمل واعتبر هذه المعاملة. ولا غرو؛ فإن هذه هي قاعدة ~~العمل عند أبي مسلم، يتقرب إلى الرجل وهو في حاجة إليه، فإذا فرغ من حاجته قتله، فيجب أن ~~يكون كل منكم ساهرا على حياته. أقول ذلك بكامل الحرية ولك الخيار.» # فأدرك أبو سلمة أنه يعرض بالخطر على حياته هو، فتجاهل وعاد إلى إتمام الحديث فقال: «وهل ~~أنت واثق من قدرتك على ما وعدت به؟» # قال صالح: «لك علي ذلك في مدة لا تتجاوز مسافة الطريق وبضعة أيام. أليس صاحبكم في ~~الحميمة؟» # فقال أبو سلمة: «بلى.» # قال صالح: «لا تمضي أربعة أسابيع أو نحوها حتى يقضى عليه، وسأذهب في هذه المهمة وأترك ~~عندك مولاتي الدهقانة وخدمها، ms174 وربما أخذت معي واحدا منهم، فأوصيك بها خيرا.» # قال أبو سلمة: «لا توصيني ببنت دهقان مرو؛ فإنه كان صديقي، فضلا عن صلة النسب بيننا، فإن ~~شيرين خالة جلنار، وقد احتضنتها احتضان الوالدة لولدها؛ فكن مطمئنا لهذا الأمر.» # وكان أبو سلمة قد استبشر بما سمعه من صالح، وتوسم في الرجل قوة وعزما، وجاء كلامه ~~مطابقا لما في خاطره، فعزم على استخدامه لتحقيق مصلحته، فأظهر له الارتياح وأثنى عليه، ولم ~~يعلم أن صالحا إنما فعل ذلك خدمة لمصلحته هو، لا يهمه من تلك الأحزاب غير الخوارج، وإنما ~~يهمه فضلا عن ذلك أن ينتقم لنفسه من أبي مسلم؛ لأنه تعمد قتله بالسم، وأبو مسلم يحسبه في ~~عداد الأموات. # فلما بلغ بهما الحديث إلى هذا الحد، أشار أبو سلمة إلى صالح أن ينزل للاستراحة في دار ~~الضيوف على أن يعود إلى الكلام في هذا الموضوع، فمضى ليقضي بقية يومه في الراحة وتدبير بعض ~~الشئون، وسار إلى ريحانة فاجتمع بها وأطلعها على ما دار بينه وبين أبي سلمة، وأفهمها أمورا ~~تقولها لجلنار، وأوصاها بالبقاء هناك ريثما يعود من مهمته إلى الشام، وأنه سيصطحب معه ~~سليمان الحلبي؛ لأنه يعرف تلك البلاد، ثم دعا سعيدا وأبا العينين فأوصاهما بكتمان كل شيء ~~عن أهل الدار فوق وصيته لأبي سلمة بذلك. وفي اليوم التالي استأذن أبا سلمة في الذهاب، فعرض ~~عليه مالا، فأبى وقال: «إني أقوم بهذا الأمر خدمة لمصلحة المسلمين لا أطلب عليها ~~أجرا.» # الفصل الثاني والستون # | الرحيل إلى الحميمة # فركب صالح جملا سريعا، وكذلك سليمان، وحملا ما يحتاجان إليه من الطعام والماء، وأسرعا ~~نحو الشام. وكان صالح في أثناء تلك المدة يبحث عن أحوال شيبان ورجال الخوارج سرا ~~بالاستفهام وغيره. وقد تقدم أن شيبان نزح عن مرو بعد أن أيقن بوقوعها في يدي أبي مسلم. ~~فلما استتب الأمر لأبي مسلم هناك بعث إلى شيبان يدعوه إلى البيعة، فأجابه شيبان: «أنا أدعوك ~~إلى بيعتي.» فكتب إليه أبو مسلم: «إن لم تدخل في أمرنا؛ فارحل عن منزلك الذي أنت ms175 فيه.» فسار ~~شيبان إلى سرخس واجتمع إليه جمع كثير من بكر بن وائل، فخشي بأسه أبو مسلم، فبعث إليه رسلا ~~لمخابرته فسجن الرسل، فبعث إليه جندا حاربوه وغلبوه، فهرب إلى بلد آخر وآخر حتى دخل ~~المدينة فقتل فيها وذهب أمر الخوارج. # 1 # وقد وصل خبر مقتل شيبان إلى صالح وهو سائر في طريقه إلى الشام، فشق ذلك عليه ~~وكاد يذهب بنشاطه وسعيه، ولكنه تذكر إساءة أبي مسلم إليه، ورأى أنه مطالب أيضا بالانتقام ~~لشيبان وسائر الخوارج؛ وهم يرون السلطة لا تجوز لأحد، فإذا تمكن من إفساد أمر بني العباس ~~فقد خدم المبدأ الأصلي عندهم، وعلى هذا يحل له قتل كل ذي سلطان يدعي الخلافة، ومهما أكثر من ~~قتل هؤلاء، فذلك معدود عنده من الحسنات! ووجد نفسه بين جماعات، كل منهم يدعي الخلافة ~~لنفسه: الأمويون والعباسيون والعلويون، وكلهم في اعتبار الخوارج لا يليقون للخلافة؛ فأيهم ~~استطاع قتله أو أفسد أمره فقد خدم به مصلحة أصحابه. ~~«وما زال صالح يواصل السير هو وسليمان حتى وصلا إلى دمشق، فنزلا خارجها ... ~~وقضى صالح أياما وهو يدرس أحوالها.» # وما زالا سائرين مسرعين حتى وصلا إلى دمشق فنزلا خارجها، وقضى صالح أياما وهو يدرس ~~أحوالها، وترك سليمان هناك وسار إلى الحميمة، فتحقق من وجود بني العباس وفيهم إبراهيم ~~الإمام، ثم عاد واحتال الحيلة التي ذكرناها لتنطلي حيلته على مروان بغير أن يعرفه، أو يبحث ~~عن قبيلته أو اسمه أو غير ذلك، فلما خرج من عند مروان في تلك الليلة سار توا إلى خارج ~~المدينة؛ حيث التقى بسليمان الحلبي، وبدل ثيابه فلبس العمامة والجبة مثل سائر أهل الشام ~~وتظاهر بالتقوى، وأمر سليمان أن يسير في أثره كأنه خادم له، وأوصاه وصايا تنفعه في المهمة ~~التي يهمان بالقيام بها. وذلك أنه قصد البلقاء مسرعا حتى وصل إلى الحميمة على جمله، ~~وسليمان على جمل آخر في أثره، فلما وصل إلى الحميمة نزل في خان وتظاهر بالتقوى والولاية، ~~وأشاع خادمه سليمان أنهما قادمان من الحجاز في مهمة لرجل سيكون له ms176 شأن عظيم اسمه إبراهيم، ~~فلما سمع أهل الحميمة ذلك خشي الذين يعرفون صاحب الدعوة من صالح؛ لئلا يكون قادما بدسيسة، ~~فأنكروا وجود هذا الاسم. وكان بعضهم يجتمعون إليه في الخان يتجسسون ما في نفسه بغير أن ~~يخبروه عن منزل الإمام، فكان صالح يتظاهر بالبله ويقول: «تكبدت مشقة السفر من الحجاز إلى ~~الشام لأرى الإمام وتمنعونني عنه، وأنا إنما جئت لأنبئه بهاتف أخبرني أن حياته في خطر ~~قريب حتى يحترس.» ولم يقل صالح ذلك إلا حينما تحقق قرب وصول رجال مروان بحيث لم يعد في ~~إمكانهم الفرار من أيديهم، فلما بلغ الإمام قوله أرسل إليه أخاه أبا العباس متنكرا كأنه ~~أحد أهل المحلة، فقدم إلى الخان وسمع أقوال صالح من فمه، فلم يهتم بها؛ إذ لم يثبت عندهم ~~أنه من أهل الكرامة. # ولم يمض على ذلك يومان حتى جاءت جنود مروان بغتة، فأحاطوا بالمحلة حتى دلهم بعض أهلها ~~على دار بني العباس، وهم كثيرون، فقاوموا الجند حتى كادت تكون مذبحة، فقال رئيس تلك ~~الشرذمة: «إن أمير المؤمنين يطلب أحدكم الذى يسمى إبراهيم، ولا خوف عليه ولا بأس عليكم ~~جميعا، فسلموه إلينا بلا قتال. أما إذا اضطررتمونا للقتال، حل لنا أخذكم ~~جميعا.» # فتذكر أبو العباس كلام صالح وتبين له صدقه، ولكن لم يعد عندهم حيلة للنجاة، فتشاوروا ~~فيما بينهم سرا، فاستقر رأيهم على تسليم الإمام إبراهيم فسلموه. وكان إخوته ثلاثة: أبا ~~العباس، وأبا جعفر المنصور، وعبد الوهاب، فتحقق إبراهيم أنه مقتول، فأوصى بالخلافة بعده إلى ~~أبي العباس، وأمرهم أن ينتقلوا إلى الكوفة وفيها شيعتهم. # الفصل الثالث والستون # | أبو جعفر المنصور # وكان صالح قد علم بالقبض على إبراهيم ففرح لنجاح مسعاه، وتربص إلى الغد ليسرع إلى أبي ~~سلمة ليخبره بما حدث، فلما أمسى المساء جلس للعشاء وهو لا يزال بملابس أهل الشام، وقد تنكر ~~وصبغ لحيته بالحناء وجعدها بعد أن حشاها بالشعر؛ لتذهب خفتها، وتظاهر بالبله، وجلس بعد ~~العشاء في حجرته يتوقع أن يأتيه بعض أهل الإمام للاستشارة، بعد أن تحققوا من صدق ms177 نبوءته، ~~وإذا بخادمه سليمان قد دخل وهو يقول: «إن بالباب رجلا شريفا يطلب مقابلتك.» فتظاهر بعدم ~~رغبته في المقابلات في تلك الساعة؛ لانشغاله بالصلاة، ثم أذن للقادم، فدخل عليه شاب أسمر ~~اللون، نحيف البدن، عليه قباء أصفر وعمامة سوداء، والهيبة تتجلى في وجهه مع صغر ~~سنه. # فلما دخل علم صالح أنه أبو جعفر المنصور - وكان قد عرفه من قبل، والمنصور لا يعلم - فقال ~~صالح في نفسه: «إنما جاء الرجل لأمر هام.» فأعمل فكرته لإتمام الحيلة، فوقف له ورحب به ~~قائلا: «مرحبا بصاحب القباء الأصفر.» # فلما سمع المنصور قوله بغت وتحقق من كرامته واطلاعه على الغيب، فأسرع إليه واستأذنه في ~~الجلوس، فجلسا وصالح يبتسم كأنه يضمر شيئا، فقال له المنصور: «لقد جئتك في مهمة سرية؛ لأني ~~تحققت من كرامتك، فهل أبوح لك بما في نفسي؟» # قال: «سواء عندي أبحت أم كتمت، فإني عالم بما في نفسك؛ فإذا أحببت أن أطلعك على ما في ~~ضميرك فعلت، وإذا شئت أن تقول فإني سامع.» # فازداد المنصور إعجابا بالرجل وقال: «قد تحققت من صدق كرامتك من أول كلمة سمعتها منك، ~~وإنما أطلب إليك أن تخرج خادمك لنخلو برهة.» # فأشار صالح إلى الخادم فخرج، وأخذ صالح يعبث بلحيته وهو مطرق يجيل عينيه في جوانب الحجرة ~~كأنه يفتش عن ضائع، ثم تمتم ليوهم جليسه أنه يصلي، فابتدره المنصور قائلا: «أتعلم لماذا ~~جئتك؟» # وكان صالح يعلم أن هؤلاء لا يهجسون بغير الخلافة، وكل منهم يطمع فيها لنفسه، فقال له: ~~«جئتني لأمر يتعلق بالخلافة.» # قال: «نعم. لذلك جئتك؛ فاصغ لي وأشر علي، ولكن أخبرني قبل كل شيء هل أنت تستطلع ~~الغيب بالولاية أو بالتنجيم؟» وكان المنصور شديد الاعتقاد بالتنجيم وصدق المنجمين. # فقال صالح: «بكليهما؛ لأني أمارس التنجيم الروحاني فأطلع على المخبآت بمراقبة النجوم، ~~ولكنني لا أستخدم الأسطرلاب. تفضل قل ما تريد فإني سامع.» # قال: «قد عرفت صدقك من إنذارك إيانا في صباح هذا اليوم، ولم يسعدنا الحظ بالاطلاع على ~~الحقيقة إلا بعد فوات الفرصة، فأخذوا أخي الإمام إبراهيم أسيرا، ms178 ولا ندري ماذا يكون مصيره، ~~غير أننا لا نرجو بقاءه. وقد أنبأنا هو بذلك، وأوصانا وصية تتعلق بالبيعة.» # فقطع صالح كلامه وقال: «البيعة لك.» لعلمه أن تلك البشارة أفضل ما يتقرب به الناس من ~~هؤلاء الأشراف. # فقال: «وما أدراك أنها لي؟ فقد بويع بها أخي أبو العباس الليلة.» # قال صالح: «بل هي لك، إن لم يكن عاجلا فآجلا.» قال ذلك خداعا للمنصور؛ لعلمه أن قوله ~~يجتذب قلبه نحوه، وما ضره لو لم تصح نبوءته وقد أجل وقوعها لوقت لم يحدده؟! # وكان المنصور من أهل الذكاء والدهاء، ولكنه سبق إلى اعتقاده صدق صالح من أول نبوءة، وتوسم ~~الولاية في وجهه بما شاهده من بلاهته، فقال له: «إنما جئتك لهذه الغاية، وقد تحققت من صدقك ~~منذ ناديتني بصاحب القباء الأصفر.» # ولم يكن صالح قد قال ذلك لغرض، ولكن اتفق أن لهذه العبارة حكاية أخذ المنصور يقصها ~~عليه؛ فقال وهو يشير إلى قبائه: «إن هذا القباء يشهد بصدقك؛ فقد اجتمع بنو هاشم منذ مدة في ~~المدينة وأنا معهم للنظر في أمر البيعة لمن تكون بعد ذهاب دولة بني أمية، وكان الإمام جعفر ~~الصادق حاضرا فقال: «لا ينال الخلافة إلا صاحب القباء الأصفر.» وكنت لابسا هذا القباء، ~~فوعدت نفسي بهذا الأمر، ورتبت العمال من تلك الساعة.» # 1 # ففرح صالح لهذه المصادفة وأخذ يستخدم دهاءه لإتمام الحيلة فقال: «ألم أقل لك ذلك؟» # قال: «نعم، ولكن الواقع خلاف ما ذكرت؛ فقد بايعوا قبلي لأخي إبراهيم، ولما ساقوه اليوم ~~إلى السجن بايع لأخي أبي العباس، وأوصانا أن نذهب إلى شيعتنا في الكوفة.» # فقطع صالح كلامه كأنه لا يريد أن يسمع قوله وقال: «لا، لا، بل أنت الخليفة. هذا الذي ~~أعرفه ولو بويع بها كل أهلك، فإنها صائرة إليك. أبشر بها من الآن، وسترى ونرى إن شاء الله.» ~~قال ذلك ووقف كأنه يريد أن يصرف جليسه، فلم يعبأ المنصور بتدلله؛ لعلمه أن أهل الكرامة ~~يغلب فيهم غرابة الطباع، فوقف وهو يقول: «ما بالك؟» # قال صالح: «لقد آن وقت ms179 رجوعي إلى بيتي.» # فقال المنصور: «ألا تمكث معنا فنذهب سويا إلى الكوفة، فإذا صح قولك كافأناك؟» # فقال صالح: «يا حبذا ذلك! ولكنني مضطر للذهاب إلى المدينة بجوار قبر الرسول، وأما الكوفة ~~فلا أعرفها، ولا أريد الذهاب إليها.» # قال المنصور: «أتشير علينا بالذهاب إليها؟» # قال صالح: «كيف لا وفيها أبو سلمة؟» # فاستغرب معرفته اسم أبي سلمة بعد أن قال إنه لا يعرف الكوفة، فقال له: «أما من سبيل إلى ~~استبقائك معنا؟» # قال صالح: «إن بقائي أو ذهابي ليس بإرادتي؛ فقد كنت مقيما في المدينة، ولا أعرف هذا ~~البلد من قبل، فسمعت الهاتف يأمرني بالمجيء بهذه المهمة، ووصف لي البلد فجئت كما علمت، ~~ولكنكم لم تصدقوني فأصابكم ما رأيت، وربما يأتيني هاتف آخر بأمر يتعلق بك فآتيك حيثما تكون. ~~أما الآن فأطلب إليك أن تأذن في انصرافي.» # وكان المنصور مع اعتقاده بالولاية والتنجيم صاحب دهاء ومكر، فلما رأى صالحا يبالغ في ~~التباعد عنه بعد أن طلب إليه البقاء معه، تحقق أن الرجل لا غرض له غير الصدق؛ إذ لو كان من ~~أهل النفاق لاغتنم تلك الفرصة للبقاء معه، ولا سيما بعد اعتقاده أنه سيكون خليفة، فغلب في ~~ظنه صدقه، وود لو يرافقه ليستعين به في الاطلاع على المخبآت؛ لأن المنصور شديد الاعتقاد في ~~التنجيم ، كثير الاعتماد على المنجمين، # 2 # فلما لم ير حيلة في إبقائه قال له: «ما اسمك؟ وأين مقامك؟ حتى إذا وفقت إلى ~~الخلافة قربتك واستعنت بعلمك؟» # فقال صالح: «لا تفيدك معرفة اسمي ولا مكاني. دعني أنصرف الآن وسآتيك عند الحاجة، وربما ~~جئت عاجلا؛ لأني أشعر بظلمة تحدق بخلافتك إذا انقشعت ظهرت الحقيقة. أما الآن فإني ~~منصرف.» قال ذلك ونادى غلامه، فقال المنصور: «إذا كنت مصمما على الذهاب فأستودعك الله.» ~~وخرج. # الفصل الرابع والستون # | اقتل ثم اقتل # وكان صالح لما علم بعزم أبي العباس وإخوته على الذهاب إلى أبي سلمة أحب أن يستعجل إليه؛ ~~ليخبره بما كان فيدبر حيلة لإتمام ما ينويانه على آل العباس، فأصلح لحيته وبدل ثيابه، ~~فرجع ms180 إلى حاله الأول، وأمر خادمه سليمان أن يهيئ الجملين، وأغلق باب الحجرة على نفسه، ومكث ~~يدبر بعض الأشياء، فلما فرغ سليمان من إعداد الجملين ذهب إلى صاحب الخان، فدفع إليه أجرة ~~الحجرة وثمن العلف، ولبث ينتظر خروج صالح وهو منذهل من دهائه واحتياله حتى أصبح لا يجرؤ على ~~مخاطبته، فطال انتظاره وقد أمسى المساء وهو لا يعلم ما يعمله مولاه داخل الحجرة، ثم خشي أن ~~يكون احتباسه لسوء أصابه، فتقدم نحو الحجرة وهو يخطو خطوا خفيفا، ويتطاول بعنقه، ويصيخ ~~بأذنيه؛ لعله يسمع حركة أو صوتا يستدل به على شيء، فوصل إلى الباب فرأى من بعض شقوقه نورا ~~ضعيفا، ولكنه لم يسمع صوتا فوقف يتسمع وهو يتردد بين أن يقرع الباب أو ينتظر وهو صامت، ~~فإذا هو بالنور قد انطفأ، وسمع وقع أقدام فعلم أن صالحا خارج، ثم ما لبث أن رأى الباب قد ~~فتح وأطل منه رجل طويل القامة، حاسر الرأس، حافي القدمين، عاري الزندين، وقد تجعد شعر رأسه ~~ولحيته، وتلبد من الوسخ والإهمال، وعليه قميص طويل يكسوه إلى الركبة، والقذارة ظاهرة على ~~كل شيء فيه، فبغت سليمان لأول وهلة، ثم تذكر أنه رآه في هذه الصورة منذ بضعة ~~أيام. # أما صالح فإنه أسرع إلى عباءته والتف بها، وغطى رأسه ولحيته، وأشار إلى سليمان فخرج معه ~~إلى الجملين، فركبا وخرجا من الخان حتى أمسيا خارج المحلة وهما صامتان لا ينطق أحدهما ~~بكلمة، ثم قال صالح: «يا سليمان، أتعلم إلى أين نحن ذاهبان؟» # قال سليمان: «أظننا ذاهبين إلى دمشق.» # قال صالح: «نعم، إننا ذاهبان إليها كالمرة الماضية، فتبقى أنت في انتظاري خارج المدينة ~~ريثما أعود إليك.» # فقال سليمان: «سمعا وطاعة.» # وساقا الجملين طول ذلك الليل واليوم التالي وما بعده من غير أن يستريحا إلا قليلا، وما ~~زالا حتى اخترقا الغوطة وأشرفا على دمشق نحو الغروب، فإذا بغبار يتطاير قرب باب المدينة ~~فوقفا، وقال صالح: «أسرع يا سليمان وأتني بخبر هذا الغبار؛ فإني في انتظارك هنا، واحذر ~~أن يعلم أحد بحقيقة حالنا.» ms181 # فهز سليمان رأسه استنكارا لذلك التحذير، واتجه بجمله نحو المدينة. وظل صالح في انتظاره ~~وهو على جمله، وقد التف بالعباءة. ولم تمض برهة حتى رآه عائدا، فلما أقبل عليه قال: «ماذا ~~رأيت؟» # فقال سليمان: «رأيت معسكر الخليفة مروان بن محمد.» # فقال صالح: «والخليفة معهم؟» # فقال سليمان: «نعم.» # فقال صالح: «هل علمت سبب خروجهم؟» # فقال سليمان: «علمت أنهم عسكروا هنا تأهبا للسفر في صباح الغد.» # فقال صالح: «إلى أين؟» # فقال سليمان: «أظنهم ذاهبين إلى حرب في بلاد بعيدة؛ لكثرة ما أعدوه من الأحمال ~~والأثقال.» # فأطرق صالح وقد أدرك أن مروان خارج لقتال شيعة العباسيين في العراق، بعد أن تحقق من ~~استفحال أمرهم على أثر دخولهم مرو، وزحفهم نحو العراق، فترجل وأشار إلى سليمان فنزل وجلس ~~في ظل شجرة والليل قد أسدل نقابه، وقدم سليمان طعاما كان قد حمله من الخان، فأكلا حتى ~~إذا فرغا من الطعام قال صالح: «إني ذاهب في مهمة إلى هذا المعسكر، فامكث أنت هنا ريثما ~~أعود إليك، وأطعم الجملين، وكن مستعدا للرحيل.» # فقال سليمان: «سمعا وطاعة.» # ونهض صالح فخلع العباءة، فظهر بزيه الجديد، وشعره المجعد، وقميصه القصير وقذارته، ثم ~~تمرغ في تراب ناعم هناك حتى كساه الغبار كأنه قادم من سفر طويل، ومشى نحو خيمة ~~الخليفة. # وكان مروان في شغل مما بلغه من أمر الشيعة واستفحالها في فارس والعراق حتى خشي على ~~سلطانه، وقد أجل سفره حتى جاءه الخبر بالقبض على الإمام إبراهيم في صباح ذلك اليوم، فأمر ~~أن يحبسوه في حران، وخرج بجيشه ليبيتوا تلك الليلة في الغوطة ثم يبكرون في صباح الغد. فلما ~~فرغ من العشاء صرف أمراءه وجلس في فسطاطه يدبر شئونه، وكان مشتغل الخاطر كثير القلق لما ~~أحاط به من المشاغل، فلم يستطع نوما. وبينما هو في ذلك إذ جاءه الحاجب يخبره بمجيء الناسك ~~المعروف، فبغت مروان لأول وهلة، ثم شعر براحة واطمئنان عند ذكر اسمه وقال: «ليدخل ~~حالا.» # وما لبث أن دخل صالح في الحالة التي ذكرناها، فرحب به مروان ولم يجرؤ ms182 أن يدعوه للجلوس، ~~فابتدره صالح قائلا: «لقد كابدت مشقة كبرى وسفرا طويلا حتى تمكنت من الوصول إليك قبل ~~سفرك.» # فقال مروان: «لعلك جئتني ببشرى جديدة؟» # فقال صالح: «ليست هي بشرى جديدة يا ابن محمد، ولكنني علمت أنهم قبضوا على ذلك الرجل، وأنك ~~حبسته في حران، فإذا أبقيت عليه فإنك لم تفعل شيئا. اقتل، ثم اقتل، ثم اقتل.» # فأطرق مروان ولم يستغرب الرأي ثم قال: «طب نفسا واعلم أنه مقتول.» # فلما سمع قوله تحول يريد الخروج، فأراد أن يدعوه للجلوس، فتذكر ما كان من إنكاره ذلك في ~~المرة الماضية، فلبث صامتا وهو يرى صالحا يسير نحو باب الفسطاط في خطوات طويلة، ورأسه ~~متجه نحو السقف حتى خرج من الباب، ولم يلتفت إلى الوراء. # فعاد مروان إلى هواجسه وقد اطمأن خاطره من بعض الوجوه، وارتاح إلى رأي الناسك، ومال إلى ~~الاعتقاد في كرامته، مع أنه كان من أهل الشكوك في الدين، ولكن الإنسان مفطور على الضعف وحب ~~الذات، فإذا رأى حادثا وافق غرضه - وإن كان مخالفا لاعتقاده - يغلب عليه ضعفه فيصدق ~~المستحيل. # الفصل الخامس والستون # | حاييم المنجم # رجع صالح وقد تحقق أن إبراهيم مقتول بعد قليل، وأخذ يفكر في أمر إخوته وذهابهم إلى ~~الكوفة، وما يكون من أمر أبي سلمة، حتى إذا عاد إلى خادمه سليمان وجده في انتظاره وقد أعد ~~الجملين، فركبا وسارا مسرعين. وقبل خروجهما من الغوطة، ترجل صالح عند بحيرة هناك اغتسل ~~فيها، وأصلح شعره، ولبس ثيابه، وتلثم بالكوفية، والتف بالعباءة، وسار يطلب العراق وهو يكاد ~~يواصل السير ليلا ونهارا حتى لا يسبقه العباسيون إلى أبي سلمة. وبعد مسيرة أيام، أشرف في ~~الصباح على الكوفة فأطل على حمام أعين، فرأى قصورها وحدائقها وفساطيطها، وتذكر المهمة التي ~~جاء من أجلها، فأيقن أنه فائز بتحقيق هدفه في إخفاق أمر العباسيين؛ لمقتل إبراهيم ومجيء ~~إخوته وسائر أهله إلى أبي سلمة، فيهون عليه إغراؤه بقتلهم أو حبسهم، فتذهب دولتهم، ويقوى ~~الشيعة على أبي مسلم فيفشل، ويسهل عليه الانتقام منه. # فاستراح في ظل شجرة ms183 هنيهة، ثم ركب مسرعا إلى حمام أعين، وأمر سليمان أن يذهب إلى جلنار ~~ليخبرها بمجيئه، وسار توا إلى منزل أبي سلمة وهو لا يزال ملثما بالكوفية وملتفا ~~بالعباءة، فلما وصل إلى الباب ترجل وأراد الدخول، فاعترضه الحراس ومنعوه من التقدم، ~~فاستخف باعتراضهم وقال لهم: «أخبروه أني رسول أحمل إليه كتابا.» # فقال أحدهم: «لا يستطيع أحد أن يخاطبه في شيء الآن.» # فقال صالح: «ولكنني رسول جئت بخبر هام لا ينبغي تأجيله.» # قال: «مهما يكن من أمر رسالتك، فنحن مأمورون بمنع أي إنسان من الدخول عليه؛ لانشغاله ~~بمقابلة سرية.» # فاضطرب خاطر صالح بتلك المقابلة مع هذا التشديد في منع الداخلين عليه، ولم ير بدا من ~~الطاعة، فتحول إلى مقعد بجانب الباب وحل عقال كوفيته تخفيفا من وطأة الحر، وجلس يفكر ~~فيما سمعه، ثم سمع تصفيقا ورأى الحراس على أثره في حركة واهتمام، وقد دخل أحدهم ثم عاد ~~يتقدمه رجل قصير القامة، غريب الملبس، عليه عمامة كبيرة جدا، وقد كحل عينيه بكحل ~~كثير، وأرسل سالفيه على صدغيه، وجعل لحيته شطرين، أرسل كل شطر منهما إلى جانب من صدره، ~~وعليه جبة من الخز واسعة، وبيده عكاز يتوكأ عليه، ووراءه غلام، وقد علق على إحدى كتفيه ~~جرابا مزركشا، وحمل أسطرلابا كبيرا، وتأبط كتابا ضخما، فلما رآه صالح اختلج قلبه في ~~صدره من البغتة؛ لأنه يشبه صاحبه إبراهيم اليهودي خازن أبي مسلم، فتفرس فيه وقد دهش، وكاد ~~الدم يجمد في عروقه؛ إذ تحقق أنه إبراهيم بعينه، وندم على حل لثامه مخافة أن يراه ~~فيعرفه وينكشف أمره. # أما إبراهيم فإنه خرج وهو يمشي الخيلاء يضرب الأرض بعكازه ويلتفت يمينا وشمالا، والحرس ~~وقوف بين يديه هيبة واحتراما، فوقع بصره على صالح، فتفرس فيه حينا وقد امتقع لونه عند ~~رؤيته، ولكنه تجاهل وظل سائرا إلى بغلة عليها عدة موشاة بالديباج أسرع بعض الغلمان في ~~تقديمها إليه، وساعده غلامه في الوثوب على ظهرها، ولم تكن إلا لحظة حتى ركبها وسار. # وظل صالح واقفا وقد تولته الدهشة، ثم انتبه لحاله وقال ms184 في نفسه: «ما الذي جاء بهذا ~~الخبيث إلى هنا؟ لا بد أنه قادم بدسيسة؟» ثم التفت إلى الحاجب وقال: «هل تظن مولانا يأذن ~~بدخولي عليه الآن؟» # فدخل الحاجب ثم عاد فدعا صالحا، فدخل حتى أقبل على أبي سلمة في قاعة كبيرة - كان جالسا ~~وحده على وسادة في صدرها - وقد ظهر الاهتمام على وجهه، فلما رأى صالحا مقبلا ابتسم له، ~~ورحب به، ودعاه للجلوس إلى جانبه، فهم أولا بتقبيل يده احتراما ثم جلس، فابتدره ~~بالسؤال عن حاله وسلامته، فأجابه بالدعاء، فقال أبو سلمة: «أرجو أن تكون قد فزت في مهمتك ~~ليتم سرورنا في هذا اليوم.» # فقال صالح: «لقد نجحت في مهمتي أحسن نجاح بفضل بركتك ودعائك، فهل نحن في مأمن من ~~الرقباء؟» # فقال أبو سلمة: «نحن في مأمن. قل ما بدا لك.» # فقال صالح: «أتقدم إلى مولاي بسؤال أرجو ألا يضجر منه.» # فقال أبو سلمة: «اسأل؛ فإنك مطاع.» # فقال صالح: «العفو يا مولاي. إنك أنت الآمر الناهي، ولكنني رأيتك منبسط الوجه على غير ما ~~تعودته من ظهور الاهتمام والقلق في محياك منذ تشرفت بالمثول بين يديك في المرة الماضية، فهل ~~من خبر جديد يدعو إلى السرور؟» # فضحك أبو سلمة وقال: «ليس ثمة خبر جديد، ولكن عرافا باهرا جاءني في هذا الصباح رأيت منه ~~العجائب ، وتحققت أنه من أمهر العرافين إلى حد بعيد.» # فقال صالح: «أظنه الرجل الذي خرج من عندك الساعة؟» # فقال أبو سلمة: «هل رأيته خارجا؟ نعم هو هذا بعينه. إنه العراف حاييم؛ من يهود حران، ~~وله مهارة عجيبة في علم التنجيم.» # فقال صالح: «وكيف عرفت ذلك؟» # فقال أبو سلمة: «عرفته مما شاهدته من كشفه الأسرار؛ فقد أخبرني عن أمور خفية لم يكن ~~يعلمها أحد غيري، حتى ذكر لي مجيئك إلي، وتلا علي بعض ما حدثتني به.» # فلما سمع صالح قوله أجفل، وتحقق أن ذلك اليهودي قادم للبحث عنه، ولكنه استغرب اطلاعه ~~على وجوده هناك، وعلى ما دار بينه وبين أبي سلمة، وخشي أن يبدو ذلك في وجهه، فتجاهل وأظهر ms185 ~~الاستخفاف وقال وهو يضحك: «وما الذي قاله لك؟» # قال أبو سلمة: «أخبرني قبل كل شيء عما يكنه ضميري من أمر هؤلاء العباسيين وتعديهم على ~~الخلافة، فأنكرت ذلك عليه لئلا يكون قادما بدسيسة من أحدهم، فاستخف بإنكاري وظل على ~~قوله، وبرهن على صدقه بأقوال لم يكن أحد يعلم بها سواي، وبعضها لم يطلع عليه أحد سواك، ومن ~~جملة ذلك أنه ذكر مجيئك إلينا ومعك ابنتنا جلنار، وقص ما أصابها من الأذى على يد أبي ~~مسلم، ورأيته ناقما على هذا الخائن؛ لغدره بها، مع أنه لم يعرف الفتاة ولا أبا مسلم ولا ~~رآهما، وأنك أخبرتني أن حديث جلنار ووالدها المسكين لم يطلع عليه أحد، وقد أوصيتني بحفظه ~~مكتوما. وكان لا يقول شيئا إلا بعد مراجعة كتابه، واستعمال أسطرلابه. فلما رأيت منه صدق ~~هذه الأقوال وثقت به، وسألته عما يراه من مستقبل هذه الأحداث، فطمأنني وبشرني.» # فلم يتمالك صالح عن قطع كلام أبي سلمة قائلا: «هل أخبرته عن المهمة التي ذهبت بها إلى ~~الشام؟» # فقال أبو سلمة: «لم يترك لي بابا لأخبره عن شيء، بل هو كان يخبرني عما في نفسي حتى قال ~~لي: إن المهمة التي سار بها صاحبك (يعني أنت) لا ريب في نجاحها.» # فاستعاذ صالح بالله وأيقن أن إبراهيم إنما أتى بدسيسة من أبي مسلم للبحث عنه وعن جلنار، ~~ولكنه استغرب اطلاعه على تلك التفاصيل، فانقبضت نفسه، وأسقط في يده، ونسي فرحه بقتل ~~الإمام إبراهيم، وأطرق مبهوتا ولم يحر جوابا، فأنكر أبو سلمة حاله فقال له: «ما لي أراك ~~صامتا لا تتكلم؟ أخبرني عما فعلته في سفرك.» # فقال صالح بصوت ضعيف يكاد يكون مختنقا: «ما الفائدة من نجاحي في مهمتي بعد ما سمعته ~~منك؟» # فبغت أبو سلمة ولم يفهم مراده فقال: «وما الذي سمعته مني؟ إنه ليزيدنا سرورا ويطمئننا ~~على حسن العاقبة.» # فقال صالح وقد ترقرقت الدموع في عينيه من شدة الغيظ: «كلا يا مولاي، وإنما هو يذهب ~~بمساعينا أدراج الرياح، ويجعل حياتنا في خطر.» # فازداد أبو سلمة دهشة لما ms186 سمعه ولم يفهمه، وصاح في صالح: «ولماذا؟ قل يا صالح؛ فقد شغلت ~~خاطري بما لم أفهم.» # فقال صالح: «إن العراف الذي ذكرته يا سيدي سينقل كلامك إلى أبي مسلم، وربما زاد من عنده ~~ما يضاعف ذنوبنا، وأنت تعلم عاقبة الشكوك عند ذلك الرجل.» # فتطاول أبو سلمة بعنقه، وحملق بعينيه، وتحفز كأنه يهم بالوثوب وقال: «إلى أبي مسلم؟ ~~وما شأنه مع يهودي من أهل حران؟ أظنك واهما؟» # فقال صالح: «لست واهما - يا مولاي - فإني أعرف الرجل معرفة جيدة، وهو من أتباع أبي ~~مسلم، بل هو من أكبر ثقاته، ومن أمضى أدوات القتل عنده.» # فقال أبو سلمة وقد تلعثم لسانه من شدة التأثر: «أفصح؛ لقد شغلت بالي.» # فقال صالح: «قد عرفت هذا اليهودي خازنا عند أبي مسلم، وعلمت من دهائه ومكره ما أكد لي ~~أن أبا مسلم يعول عليه في التجسس على الأمراء بالاحتيال. لا ريب عندي في ذلك ~~مطلقا.» # فقال أبو سلمة: «وما العمل الآن؟» # فقال صالح: «لا بد من القبض عليه أو قتله حتى لا يستطيع إبلاغ خبرنا إلى أبى ~~مسلم.» # فقال أبو سلمة: «نعم الرأي ما رأيت.» ثم صفق فدخل حاجبه، فقال له: «هل تعلم المكان ~~الذي سار إليه العراف الحراني؟» # فقال الحاجب: «كلا يا مولاي، ولكنني رأيته ركب نحو الكوفة، وقد ساق بغلته بسرعة ~~كبيرة.» # فنظر أبو سلمة إلى صالح كأنه يستطلع رأيه، فقال صالح: «أظنه نازلا في بعض الحانات هناك، ~~أو في بعض منازل اليهود أو معابدهم.» # فالتفت أبو سلمة إلى الحاجب وقال: «ادع لي أبا ضرغام العيار.» # فخرج الحاجب وقد استغرب صالح طلب أبي سلمة فقال له: «وهل تنوي إرسال العيار في طلب ~~اليهودي؟» # فقال أبو سلمة: «نعم، فإن هذا العيار وجماعة تحت أمره من نخبة العيارين قد ادخرتهم لمثل ~~هذه المهمة؛ لسرعة حركاتهم واطلاعهم على خفايا الناس.» ولم يتم كلامه حتى عاد الحاجب ~~ووراءه رجل عاري الصدر والظهر، مكشوف الرأس، حافي القدمين، وليس عليه من الثياب إلا سراويل ~~قصيرة من الخيش المتين كالجلد، وقد علق ms187 بكتفه مخلاة مملوءة بالحصى، وفي يده اليمنى مقلاع، ~~وفي يده اليسرى قطعة من الخبز، وهو يمضغ كأنه دعي وهو على المائدة فنهض وبقية الطعام في ~~يده، فوقف بين يدي أبي سلمة بغير احترام كأنه واقف مع بعض رفاقه على ضفة الفرات، فابتسم له ~~أبو سلمة وقال: «هل تعرف الكوفة يا أبا ضرغام؟» # فضحك أبو ضرغام وقال: «وكيف لا أعرفها؟!» # فقال له أبو سلمة: «أرأيت العراف الذي جاءنا في هذا الصباح وخرج من عندنا الآن؟» # قال أبو ضرغام: «هل تعني اليهودي المكحل صاحب العكاز؟ لقد رأيته خارجا ووراءه غلامه، وقد ~~أعجبني الجراب الذي كان يحمله؛ فإنه يصلح لحمل الحصى!» # قال أبو سلمة: «هل تستطيع أن تأتيني به ولك جرابه، وملء جرابه مما تشتهي. لقد ذهب الرجل ~~إلى الكوفة، وهو إما في بعض الحانات أو عند بعض اليهود.» # فقال أبو ضرغام: «إني أسوقه إليك كما تساق الغنم للذبح؛ فاذبح، أو ضح، أو اعف؛ فإنك ~~صاحب الشأن، ولكن هب أني لم أستطع إحضاره حيا، فماذا أفعل؟» # فقال أبو سلمة: «أحب أن أراه وأخاطبه؛ فالأفضل أن يكون حيا. وهل يعسر عليك ذلك؟» # فهز العيار رأسه وضحك ثم قال: «يعسر علي؟! كلا، فإني أحضره إليك ولو كان في الجحيم. ~~وهب أنه طار في الهواء، فإني أرسل إليه حجرا بهذا المقلاع أصيب ما شئت من مقاتله فيسقط، ~~فآتيك به صيدا حلالا.» قال ذلك وأشار إلى المقلاع الذي بيده. # فضحك أبو سلمة وقال: «فاذهب سريعا، واحذر أن يفوتك، واذكر أن جرابه لك وفيه ما شئت من ~~مال أو تحف.» # فمشى أبو ضرغام وهو يقول: «لا يهمني ملؤه من المال، وإنما يهمني أن أملأه من الحصى ~~الملساء المناسبة لمقلاعي.» # الفصل السادس والستون # | غدر وفتك # فلما خرج العيار، عاد أبو سلمة إلى مخاطبة صالح وقد انشرح صدره بعد ذلك الانقباض؛ لأنه لم ~~يخامره شك في نجاح أبي ضرغام، فقال: «لا يلبث هذا اليهودي أن يأتيك صاغرا؛ فافعل به ما ~~تشاء. أخبرني الآن عما فعلته في الشام؟» # وكان صالح قد ms188 اطمأن خاطره أيضا وسري عنه، فقص على أبي سلمة حديث سفره من أوله إلى ~~آخره، فأعجب بدهائه ومكره غاية الإعجاب، وعادت إليه آماله باسترجاع ما كاد يذهب من أمر ~~العلويين، وقال: «هل أنت واثق من مقتل إمامهم إبراهيم؟» # قال صالح: «لا شك أنه قتل الآن، ولكن البيعة انتقلت إلى أخيه أبي العباس، فيهمنا أن نقضي ~~على بقية أهله، فتذهب البيعة ولا يبقى من يبايعونه من العباسيين، فتفضي الخلافة طبعا ~~إلى العلويين. وهذا محمد بن عبد الله الحسني مقيم في المدينة، وقد بايعه سائر بني هاشم من ~~العباسيين والعلويين، على أن يكون هو خليفة المسلمين بعد ذهاب دولة بني أمية. وهذه البيعة ~~ثابتة ولا ريب فيها.» # 1 # فقطع أبو سلمة كلامه وقال: «لا شك عندي في صحة هذه البيعة، وأنا على يقين أن العباس هذا ~~وأخاه المنصور وسائر بني هاشم بايعوا محمدا المذكور، ولكنهم ينكرون هذه البيعة الآن، ولولا ~~ذلك لما كان ثمة باعث على هذا الاختلاف.» # فقال صالح: «مهما يكن من الأمر، فإن العباس وأخوته وأعمامه وسائر أهله قادمون إليك بعد ~~قليل، وسينزلون عندك فيكونون في قبضتك، فأرسلهم إلى خوارزم.» قال ذلك وضحك. # فلم يفهم أبو سلمة مراده فقال: «ولماذا نرسلهم إلى هناك؟» # فقال صالح: «إنما أعني أن تقتلهم. وهذا تعبير تعلمناه من كبير القتلة ورئيس أهل الغدر ~~أبي مسلم، فإنه يكني بخوارزم عن القتل، فإذا قال خذوا فلانا إلى خوارزم، علموا أنه ~~يريد قتله.» # فضحك أبو سلمة لهذا التعبير ثم قال: «وهل تعني أن أقتل آل العباس؟» # فقال صالح: «سواء عنيته أو لم أعنه، فإن الأمر لا يتم للعلويين إلا بقتل هؤلاء، وإذا لم ~~تقتلوهم قتلوكم.» # فأطرق أبو سلمة وهو ينظر في بساط بين يديه عليه رسوم بعض ملوك الفرس، وصالح صامت يرقب ما ~~يبدو منه، ويرجو أن يوافقه على قتلهم؛ لاعتقاده أنها فرصة ثمينة إذا لم يغتنموها ذهب أمرهم ~~ضياعا، مع علمه أن أبا مسلم لو سنحت له فرصة مثل هذه لاغتنمها، ولا يبالي بمن يقتل في ~~سبيل ms189 غرضه. # ظل أبو سلمة مطرقا حينا، ثم رفع بصره إلى صالح وقال وهو يشير بسبابته إشارة النفي: «لا، ~~لا، لا أقدم على هذا العمل الفظيع، فإني إذا أقدمت عليه ارتكبت منكرين كبيرين؛ الأول: أني ~~أقتل جماعة من أبناء عم النبي لا ذنب لهم، والثاني: أني لا أراعي الشرف وأغدر بجيراني، بل ~~هم ضيوفي، فكيف أقتلهم؟! كلا.» # فهز صالح كتفيه وقلب شفته السفلى، وأشار بعينيه وحاجبيه إشارة التبرؤ كأنه يقول: «افعل ~~ما بدا لك؛ إن هذا الأمر لا يعنيني.» ثم تحفز للقيام وهو يقول: «لا أنكر عليك فظاعة هذا ~~العمل، ولكن الدول لا تقوم إلا بمثل ذلك، وهذه وصية الإمام، لو عاملناهم بمقتضاها لجاز لنا ~~قتلهم، فهو يقول: «من شككت فيه فاقتله.» وكم قتلوا من الناس الأبرياء ولا ذنب لهم سوى أنهم ~~وجدوا في طريق تلك المطامع عرضا وهم لا يعلمون! # وأنا على يقين أن أبا مسلم لو كان في مكانك لم يضع هذه الفرصة؛ لأن الفوز مضمون؛ فالناس ~~قد بايعوا آل محمد، وأكثرهم يعتقدون أن البيعة لأبناء علي، ولكن أبا مسلم يموه عليهم ~~ويدعوهم إلى بيعة آل العباس، فإذا لم يبق أحد منهم فالبيعة تنحصر بالطبع في آل علي. وهذا ~~محمد بن عبد الله في المدينة وبيعته في أعناق أولئك العباسيين، وأبو مسلم نفسه متى علم بموت ~~أبناء العباس لا يرى بدا من مبايعة أبناء علي، وإلا فإن حروبه وفتوحه تذهب هباء، ولا ~~يقدر هو أن ينتفع بها؛ لعلمه أن الناس لا يخضعون إلا لخليفة قرشي.» # وكان أبو سلمة قد نهض أيضا وهو يسمع كلام صالح ولا يستطيع دفعه، فقال: «لا أخفي عليك أن ~~حجتك في هذا البحث قوية، ولكني لا أستطيع ارتكاب هذين المنكرين، ولا أقدر أن أتصور سيفا ~~مسلولا لقتل جماعة من أبناء عم النبي. ويكفي ما دبرناه لقتل أحدهم.» # فضحك صالح وقال: «كأنك فهمت أني أريد قتلهم بالسيف جهارا كما يقتل المجرمون؟ كلا، وإنما ~~نقتلهم بلا ضوضاء ولا بكاء، ولا يشعر أحد بفعلك. نقتلهم بالسم في اللبن ms190 أو العسل كما كان ~~يفعل بنو أمية بأعدائهم، وإذا أكبرت أن تقتل كل القادمين عليك من بني العباس، فاقتل إخوة ~~إبراهيم الإمام الذين يخشى نقل البيعة إليهم؛ وهم ثلاثة، أو اقتل أبا العباس الذي انتقلت ~~البيعة إليه على الأقل، وإذا شق عليك ذلك بنفسك، فاعهد به إلي؛ فأنا أقضيه لك على أسهل ~~السبل.» # وكانا يتكلمان وهما واقفان، وظن صالح هذه المرة أنه تغلب على رأي أبي سلمة، ولكنه ما ~~لبث أن رآه ينكر ذلك ويستعظمه إلى أن قال: «لا أراني قادرا على ارتكاب هذه الجريمة، سواء ~~على يدك أو يد سواك؛ فالقاتل في جميع الأحوال هو أنا، والذنب يكون ذنبي، فإذا كان عندك حيلة ~~غير هذه فاذكرها.» # قال: «لا أرى فرصة سانحة مثل هذه، فإذا لم تغتنمها ذهب سعيك في نصرة العلويين عبثا؛ لأن ~~أهل الفتك والغدر لا ينبغي أن يعاملوا بغير ذلك، وإلا فهم الفائزون، ولا أظنك تجهل أن ~~عليا وأولاده وأحفاده إنما فشلوا فيما يطلبونه من أمر الخلافة لأنهم لا يستعينون في تأييد ~~حقوقهم بغير الحق والتقوى والعدل والأريحية، وبنو أمية يطلبونها بالدهاء والفتك. وكم من ~~فرصة مثل هذه سنحت لدعاة العلويين فعدوا اغتنامها منكرا، فذهبت هباء، وأضاعوا بذلك حقوقهم، ~~وبعكس ذلك الأمويون، فإنهم كانوا ينقبون عن مثل هذه الفرص، ويبذلون في سبيلها المال ~~والرجال. فإذا أطعتني نلت ما تبتغيه وأقمت الدولة العلوية، ولم يضع أمر العلويين هذه ~~المرة كما أضاعوه من قبل بضعف رأيهم وجبنهم، وأنت بعد ذلك مخير، وإذا خالفتني ~~أطعتك.» # فقال أبو سلمة: «لي أسوة بالإمام علي وأهله، وأنا لا أطمع في أن أكون أحسن منهم حزما ~~وأصوب رأيا.» # فلم ير صالح حيلة في إقناعه، فسكت وعمد إلى تغيير الحديث، وتذكر أمر إبراهيم اليهودي ~~الخازن فعاد إليه وقال: «وهل تظن أن العيار عثر على العراف؟» # فقال أبو سلمة: «إذا كان العراف المذكور على سطح الأرض، فإنه لن يستطيع الفرار من يدي ~~العيارين.» ثم صفق فدخل الحاجب فقال له: «هل علمت شيئا عن أبي ضرغام؟» # فقال ms191 الحاجب: «علمت أنه حينما خرج من حضرتك أشار إلى رجاله فتبعوه، وكل منهم في مثل ملبسه ~~وسلاحه، وتلا عليهم ما أمرته به، وفرقهم في أطراف المدينة، وذهب هو إلى وسطها، ولم يعد ~~بعد.» # فهز رأسه أن «فهمت»، وهي إشارة الإذن بالانصراف عندهم، فخرج الحاجب. وتذكر صالح جلنار ~~فرأى أنه أبطأ عليها بعد أن بعث خادمه ليخبرها بمجيئه، فاستأذن في الانصراف، فدعاه أبو سلمة ~~إلى البقاء ريثما يعود العيارون، فقال: «سأكون - بفضل مولاي - في أحد منازله؛ لأني لم أر ~~جلنار بعد، ولا بد أن تكون في انتظاري على مثل الجمر.» # فقال أبو سلمة: «صدقت، وقد كنت أحسب أنك لقيتها قبل مجيئك إلي؛ فاذهب إليها وطمئنها ~~وعزها على يتمها وشقائها.» # قال ذلك وترقرقت الدموع في عينيه، فخرج صالح من بين يديه وقد لاحظ إجهاشه بالبكاء، فقال ~~في نفسه: «إن من كان فيه حنان النساء وضعف الغلمان لا يصلح لإقامة الدول، وإنما تقام الدول ~~بالدهاء والحزم والفتك.» # الفصل السابع والستون # | الفشل # وظل سائرا حتى وصل إلى دار النساء - وهي على مقربة من قصر أبي سلمة - فالتقى بسليمان، ~~وكان واقفا بالباب ينتظر مجيئه، فسأله عن جلنار فقال: «هي في خير، ولكنها قلقة لطول غيابك، ~~وكانت تتوقع سرعة مجيئك إليها.» # فقال صالح: «إنما تأخرت لأمر هام. أين هي الآن ؟» # قال سليمان: «هي في هذه القاعة ومعها ريحانة.» وأشار إلى قاعة داخلية. # فقال صالح: «ادع لي أحد الخصيان.» # فذهب وعاد بخصي أبيض، فوقف بين يديه متأدبا، فقال له صالح: «أخبر ضيفتكم الخراسانية أني ~~أريد مقابلتها.» ولم يذكر اسمها لرغبته في كتمان أمرها لأسباب تقدم بيانها. ولم يكن أحد ~~يعلم بحقيقتها غير أبي سلمة وزوجته وبعض الجواري. فذهب الخصي ثم عاد ودعاه إلى قاعة تؤدي ~~على الخارج بباب خاص لمثل هذه المقابلة، فدخل صالح واستقبلته جلنار باسمة - وكانت لم تبتسم ~~منذ أن انتابتها تلك المصائب - فانشرح صدر صالح برؤيتها. ولعله أظهر الانشراح لأنه يضمر ~~أمورا هي أكبر شأنا عنده مما يظهره من رغبته في قيام الدعوة العلوية ms192 وسقوط العباسيين ~~والأمويين، ولو خيروه لاختار ذهابهم جميعا؛ لأن الخوارج لا يرون الحكم لأحد من هؤلاء، ~~وهو من كبار أمراء الخوارج، كما علمت، ولكن الأحوال ساقته إلى الاهتمام بشأن هذه الفتاة ~~والانتقام لها من أبي مسلم، بل هو انتقام لنفسه؛ لأن أبا مسلم تعمد قتله، على أنه لا يبالي ~~أن يضحي بجلنار في سبيل ذلك. # فلما دخل صالح إلى القاعة حيا تحية مشتاق، فابتدرته ريحانة بالترحاب والسؤال عن حاله ~~إلى أن قالت: «لقد شغلت بالنا بتأخرك إلى الآن. وقد أخبرنا سليمان أنك أتيت منذ عدة ~~ساعات.» قالت ذلك وفي صوتها نغمة العتاب. # فقال صالح: «كان ينبغي لي أن أسرع بالمثول بين يدي مولاتنا الدهقانة على عجل، ولكنني ~~أحببت أن أفاوض أبا سلمة في بعض الشئون الهامة لتدبير ما يساعدنا على إتمام ما ~~نبتغي.» # فقالت جلنار: «قد بلغني من سليمان ما بذلته من المشقة والجهد في سبيل غرضنا، وأنك جعلت ~~مروان الأموي يقبض على إبراهيم الإمام ويحبسه، إلى غير ذلك؛ فبورك فيك، وكنت أحب أن أسمع ~~تفصيل هذا الخبر منك.» # فأشار برأسه إشارة الطاعة وقال: «إن سليمان لم يعرف من أعمالي إلا بعض ظواهرها. هل أخبرك ~~بأننا قتلنا ذلك الإمام؟» # قالت جلنار: «كلا. هل قتلتموه؟» # فقال صالح: «نعم.» وقص عليها قصة سفره وما دبره من الحيل وانتحله من الأسباب حتى نجح ~~في مهمته، فأحست بانفراج كربتها كأنها انتقمت لوالدها، وشعرت بعظم دينها لصالح حتى غدت ~~لا تعرف كيف تبدي شكرها له؛ لاعتقادها أنه يفعل ذلك في سبيل مصلحتها. وقد سره ما بدا من ~~سرورها، وساءه تذكر ما لا يزال يضمره من أمر إبراهيم الخازن واطلاعه على مقرهم هناك. ~~فإذا لم يقبض العيار عليه تمكن من الرجوع إلى خراسان، وكانت المصيبة كبيرة عليها وعلى ~~أبي سلمة. ولما تذكر خراسان خطر بباله ابن كثير، وتذكر الرسالة التي بعث بها إليه مع ذلك ~~السائس الأبكم، والتفت إلى ريحانة وقال لها: «ألم يعد ذلك السائس من مهمته؟» # فضحكت ريحانة وقالت: «عاد منذ بضعة أيام.» # فاستغرب ms193 ضحكها، ورأى جلنار تضحك معها، كأنهما تكتمان خبرا مضحكا، فقال لها: «ما بالك ~~تضحكين؟ ألم يبلغ رسولنا الرسالة كما يجب؟» # قالت ريحانة: «لا أضحك على ذلك، فإنه بلغها كما ينبغي، ولكنني تذكرت حاييم العراف ~~الذي جاء معه.» # فخفق قلبه عند سماع ذلك الاسم واضطربت جوارحه وقال: «أي عراف؟ ومن هو حاييم ~~هذا؟» # قالت ريحانة: «هو عراف يهودي من أهل حران التقى به سائسنا أثناء رجوعه من مهمته.» # فعلم صالح أنها تعني إبراهيم الخازن، فخشي أن يكون قد اطلع منها على شيء، فقال: «وما ~~الذي أضحكك من هذا العراف؟» # قالت ريحانة: «أضحكني منه أنه خفيف الروح، كثير المجون، فضلا عن مهارته في استطلاع ~~الخفايا بالتنجيم. إني لا أنسى حركاته في استخدام الأسطرلاب؛ فقد أضحكنا كثيرا، ولولا ~~السائس لم يتيسر لنا الاجتماع به. وقد كان لمولاتي الدهقانة تسلية كبرى في أثناء انتظارها ~~رجوعك. ومع خفة روحه، فإنه نادر المثال في استطلاع الخفايا، وقد رأينا منه ~~المعجزات.» # فازداد خوف صالح وقال لها: «ما الذي كشفه لكم من الخفايا؟» # قالت ريحانة: «كشف لنا عن أشياء كثيرة، وأغرب ما في مهارته أنه كان يطلعنا على أسرارنا ~~بالإشارة، ولا ينطق لفظا.» # فتحقق صالح أن ذلك العراف لم يكشف لهم سرا، ولكنه ساقهم إلى كشف أسرارهم بالإشارات ~~المبهمة على عادة أولئك المشعوذين في مثل هذه الحال، فإنهم يستخدمون إشارات تنطبق على عدة ~~معان، فإذا كان السائل يعتقد صدق العراف فسر إشارته وأولها حتى توافق ما في نفسه، ~~فيبوح بسره وهو يحسب أن المنجم قد كشفه بمهارته، فأيقن صالح أن ذلك اليهودي اطلع على ~~أخبارهم بالتنجيم على هذه الصورة، فاستعاذ بالله وهز رأسه، وظهر الارتباك في عينيه، ~~فظنته ريحانة لم يصدقها فقالت: «يظهر أنك لم تصدقني، فاسأل مولاتي كيف قص عليها حديث ~~والدها ومقتله، وفرارها معك إلى هنا حتى ذهابك إلى الشام.» # فلم يتمالك صالح أن صفق تصفيق الخاسر، ووثب من مجلسه وهو يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم.» # فبهتت جلنار وريحانة ولم تفهما سبب ms194 وثوبه وبغتته، فقالت جلنار: «ما بالك يا صالح؟ لماذا ~~فعلت ذلك؟» # فوقف بين يديها والغيظ يكاد يتقطر من شفتيه وقال: «لم يبق لنا مقام هنا؛ فقد افتضح أمرنا. ~~خدعكم ذلك اليهودي الخبيث واستطلع أسراركم. لعنك الله يا إبراهيم، ولعن الساعة التي رأيتك ~~فيها.» # فابتدرته ريحانة قائلة: «ليس هو إبراهيم، وإنما هو حاييم.» # فقال صالح: «بل هو إبراهيم اليهودي؛ خازن أبي مسلم الذي سقاني السم كما سقى ابن الكرماني ~~وهو يرقص بجلد الدب. هذا هو بعينه، وقد رأيته في هذا الصباح خارجا من عند أبي سلمة، بعد أن ~~كشف له عن سره أيضا، ولولاكما لم يستطع ذلك؛ لأنكما ساعدتماه على استطلاع حقيقة خبري، ~~فساعده ذلك على خداع أبي سلمة حتى توهم فيه القدرة على معرفة الغيب، فباح له ~~بأسراره.» # قال ذلك وهو يخطر في الغرفة جيئة وذهابا، وجلنار وريحانة تتشاوران كأنهما تندمان على ~~الثقة بذلك العراف، وقد تولتهما الدهشة وجمد الدم في عروقهما، وغلب الخوف على جلنار حتى ~~ترقرقت الدموع في عينيها، وساءها أن تكون هى السبب في كشف ذلك السر، فتتحمل تبعة ما يترتب ~~على كشفه من الأذى - وليس على الإنسان أثقل وطأة من تلك التبعة ولو تحملها من نفسه على نفسه ~~- فلما رآها صالح في ذلك الاضطراب، أراد أن يخفف عنها فقال: «ولكنني سأدبر تدبيرا حسنا ~~وأقتله أفظع قتلة، وكل آت قريب.» # فقالت ريحانة: «وكيف تقتله؟» # قال صالح: «قد أطلعت أبا سلمة على حقيقة أمره فأنفذ بعض العيارين للقبض عليه حيا أو ~~ميتا.» # الفصل الثامن والستون # | استيقظ قلبها # فلما قال صالح ذلك لاحظ أن جلنار تنظر إلى ريحانة نظرة استحثاث كأنها تدعوها إلى التصريح ~~بشيء تخجل هي من ذكره، فاستغرب ذلك منها وقد كان يتوقع فرحها بما ترجوه من القبض على ~~العراف أو قتله، فنظر إلى ريحانة وقال: «ما بالي أراكما تترددان؟ هل أخطأت في رأيي في ~~سرعة القبض على هذا الخبيث؟» # فقالت ريحانة: «كلا، فإنك فعلت الواجب، ولكن.» ونظرت إلى مولاتها فإذا هي مطرقة خجلا، ~~فرفعت عينيها إلى ms195 صالح وقالت: «ولكن ألا يمكن تأجيل قتله يوما؟» # فاستغرب صالح هذا الاقتراح وقال: «وما معنى هذا التأجيل؟» # فالتفتت إلى مولاتها وسكتت، فازداد صالح استغرابا ووجه كلامه إلى جلنار وقال: «ما الذي ~~تكتمانه عني؟ لعلكما تسيئان الظن بي؟» # فقال ريحانة: «حاشا لنا أن نسيء الظن بك بعد ما رأيناه من جهادك في سبيل مصلحتنا، ولكن ~~مولاتي تود تأجيل مقتل العراف لأنه شغل بالها بكلمة قالها، ووعد بتفصيلها في ~~غد.» # فقال صالح: «وأية كلمة؟ هل يجوز أن أعرفها؟» # قالت ريحانة: «نعم، بل يجب أن تعرفها؛ وذلك أنه لما جاءنا المرة الأخيرة وعرض ذكر أبي ~~مسلم في حديثه نظر إلى مولاتي نظرة اهتمام وقال لها: «سآتيك غدا بخبر يسر قلبك؛ لمجيئه ~~على غير انتظار منك، وأنا إنما أتيت هذه البلاد من أجله، ولا أحب أن يعرفه أحد.» وأحببنا ~~أن نستزيده بيانا فأتاه خادم أبي سلمة يستدعيه إليه عاجلا، فمضى.» # فلما سمع صالح قولها، ورأى تعلق آمال جلنار بما سيقوله اليهودي لها عن أبي مسلم، ارتبك في ~~أمره، ولم يفهم القصد منه، ولكنه خشي أن يكون أبو مسلم قد ندم على مجافاته جلنار، فأحب أن ~~يسترضيها، فبعث بإبراهيم متنكرا لهذه الغاية. ولعله أوصاه أن يفعل ذلك خفية، وربما كان في ~~جملة مهمته أن يستطلع مساعيه، ويتجسس أحوال العلويين ونحو ذلك. مرت هذه الخواطر في ذهنه وهو ~~ساكت، وجلنار تنظر إليه خلسة وهي تخشى أن يجيب بالنفي، وهي تود الانتظار؛ لأنها ما برحت منذ ~~سمعت وعد إبراهيم وهي تنتظر ساعة الموعد، وقد تحرك قلبها، وتحولت مجاري آمالها. # أما صالح فرأى من الدهاء أن يجزم بكذب إبراهيم، ويشكك في حسن نيته؛ مخافة أن يكون وراء ~~أقواله ما يعرقل مساعيه أو يعرضه للخطر، فقال: «إني لأستغرب من مولاتي الدهقانة مع ما أعلمه ~~من عقلها وذكائها أن تعلق أهمية على كلمة قالها هذا المنافق، وهو لا يريد بها غير التمويه ~~ليستطلع ما بقي من أسرارنا، أو يوقعنا في الفخ. ألا تعلمين دهاء هؤلاء القوم؟ وكم غدروا ~~بالناس على ms196 هذه الصورة؟!» # فقالت ريحانة: «صدقت، ولكننا إذا سمعنا قوله فليس من الضروري أن نعمل به. وعلى كل حال ~~فنحن لا نخطو خطوة إلا برأيك وتدبيرك، فإذا أمكن استبقاء الرجل يوما أو يومين كان في ~~استبقائه وسيلة لذهاب قلق مولاتي باطلاعها على ما وعدت نفسها به.» # فقال صالح: «لا بأس من استبقائه، ولكن لا حيلة لنا في ذلك وقد ذهب العيارون للبحث عنه، ~~والقبض عليه حيا أو ميتا، فإذا جاءوا به حيا بعثنا به إلى الدهقانة، وأما إذا قتلوه ~~فلا سبيل إلى إحيائه، على أني لا أراه إلا منافقا يريد التمويه. وإذا أطعتماني وجاءكما ~~فانبذاه وابصقا في وجهه. ومع ذلك، فافعلا ما بدا لكما.» قال ذلك وفي صوته وملامح وجهه ~~أمارات العتاب، فأدركت ريحانة أنه استاء من إلحاحها، وقد سبق إلى ذهنها حسن الظن به، ورأت ~~أن مجاراته في رأيه قد تخفف قلق سيدتها فقالت: «وأنا أرى مثل رأيك، فإن هذا الرجل لا يأتي ~~على يده غير الأذى، والأحسن أن نحذره ونسعى في القبض عليه وقتله؛ لنتخلص من شره.» # فلما سمعت جلنار اتفاق ريحانة وصالح في الرأي وافقتهما، وقد اقتنع عقلها بصواب رأيهما، ~~ولكن قلبها ظل يتحرك فعمدت إلى السيطرة عليه بالتعقل فقالت: «دعوا المقادير تفعل ما تشاء. ~~فإذا جاءنا حيا سألناه ونظرنا فيما يقوله ، وإذا قتل فلا حيلة لنا فيه. وعلى كل حال فأنا ~~لا أظنه يستطيع الفرار إذا أراده؛ لأن هؤلاء العيارين صنف من الأبالسة لا يفلت منهم طائر ~~ولا هارب.» # وعاد صالح إلى هواجسه، وأراد أن يعرف كيف جاء إبراهيم إلى الكوفة؛ لعله يستطيع بذلك معرفة ~~الغرض الذي يهدف إليه، فقال لريحانة: «كأني سمعتك تذكرين السائس الأبكم مع هذا ~~اليهودي.» # قالت ريحانة: «نعم، قلت لك إنه جاء به معه في عودته من مرو.» # فقال صالح: «وأين هو؟ أحب أن أراه.» # فخرجت ريحانة مسرعة ثم عادت والسائس معها وهو على حاله الذي وصفناه به قبلا، فلما دخل ~~حيا ووقف، فسأله صالح عما تم له في سفره، فأشار بيديه وعينيه ms197 أنه وصل إلى مرو ودفع ~~الكتاب إلى سليمان بن كثير، فسأله كيف عرف منزله، فأجاب بأن رجلا يعرفه من قبل دله ~~عليه، فسأله عن شكل ذلك الرجل، وأين عرفه، فأشار أنه قصير القامة، وأنه عرفه للمرة الأولى ~~في بيت مولاه الدهقان يوم نزل أبو مسلم عندهم، فترجح عند صالح أنه إبراهيم بعينه، وأنه لما ~~رأى ذلك السائس يسأل عن ابن كثير، وتذكر أن شاهده في منزل الدهقان، ظنه قادما بمهمة من ~~الدهقانة أو منه، فخشي صالح أن يكون قد اطلع على فحوى الكتاب، فيقع ابن كثير في هوة الشك ~~فيتعرض للقتل، فسأله كيف دفعت الكتاب إلى صاحبه، فأشار أنه دفعه إليه سرا، وكان منفردا ~~في حجرته، فقال: «وماذا فعلت بعد ذلك؟» فأشار إلى خروجه من مرو في صباح اليوم التالي، ~~فلاقاه في أثناء الطريق عراف يهودي صحبه إلى الكوفة ومعه خادمه، وكان يسايره ويركبه ~~أحيانا على بغلته، ويطعمه من طعامه، ونحو ذلك، حتى وصل إلى الكوفة. # فتحقق صالح عند ذلك أنه إبراهيم، وأنه قادم في مهمة سرية من عند أبي مسلم، نبهه إليها ~~مجيء ذلك السائس الجاهل بالكتاب إلى ابن كثير، وأيقن أنه إذا نجا وأبلغ إلى أبي مسلم خبرهم ~~فإنه سيقتلهم ويقتل أبي سلمة لا محالة، فأصبح همه البحث عما أفضت إليه مساعي العيارين في ~~القبض عليه، وقد نفر من رؤية السائس وندم على إنفاذه بتلك الرسالة، فأشار إليه أن يخرج، ~~فلما خرج تقدم صالح إلى جلنار وخاطبها بصوت منخفض كأنه يحاذر أن تسمعه جدران الغرفة وقال: ~~«يظهر أننا أخطأنا في الاعتماد على الخدم والأعوان في شئوننا، فينبغي لنا ألا نثق بأحد، ~~واعلمي يا مولاتي أن العيارين إذا لم يظفروا بذلك اليهودي، فإننا نكون معرضين لخطر ~~شديد.» # فبغتت جلنار، وبدت البغتة في عينيها وقالت: «وكيف ذلك؟» # فقال صالح: «ذلك لأن إبراهيم هذا إنما جاء في مهمة سرية للبحث عنا وعن مقاصدنا، وقد نجح ~~في مهمته نجاحا تاما، فعرف كل شيء عنا وعن هذا المسكين أبي سلمة، وعرف أننا سعينا ms198 في ~~مقتل الإمام إبراهيم، فإذا نجا من العيارين ووصل إلى أبي مسلم، فإنه لا يدخر وسعا في السعي ~~في قتلنا، وهو اليوم في ذروة سلطانه، ولا عبرة فيما موه به عليك من الوعد.» # فلم تستطع واحدة منهما أن تعارض هذا الرأي؛ لأنه صحيح لا ريب فيه، فارتبكتا وشعرت جلنار ~~بقلق وخوف وقالت: «لم يكن لنا ملجأ فيما مضى سواك، وأنت اليوم ملجأنا وعوننا؛ فأشر علينا ~~بما تراه.» # فقال صالح: «أرى أولا، وقبل كل شيء، أن نستغني عمن معنا من الخدم، فإذا انتقلنا في مكان ~~كنا وحدنا فقط - أي نحن الثلاثة - فالآن أنا ذاهب للاستفهام عن العيارين وما فعلوه، فإذا ~~تحققت من فشهم عدت إليكما وأخبرتكما بما ينبغي عمله، وإنما أتوسل إليكما أن تكتما ما دار ~~بيننا، وأرغب منك يا ريحانة أن تجمعي ما خف حمله وغلا ثمنه من الأموال، وتهيئي كل شيء ~~حتى نكون على أهبة السفر في أية لحظة أردنا. هل فهمت؟» # ثم نهض وودعهما وخرج، ودخلتا تتأهبان للرحيل وهما مضطربتان، ولا سيما جلنار، فقد أصبحت ~~كلما تذكرت ذلك اليهودي ترتعد فرائصها وتتألم من انطلاء حيلته عليها حتى كشف أسرارها، ثم ~~تتذكر ذهاب العيارين في أثره فيطمئن خاطرها، وريحانة مشتغلة عنها بتدبير الثياب والحلي، ~~وانتقاء ما خف حمله. # الفصل التاسع والستون # | بنو العباس # أما صالح، فإنه خرج يلتمس قصر أبي سلمة ليسأله عما فعله أبو ضرغام ورفاقه، وقد عزم على ~~أنه إذا رآهم قد أتوا به حيا أن يحرض أبا سلمة على قتله حالا، ويخفي ذلك عن جلنار. ~~وكانت الشمس قد مالت إلى الأصيل. وقبل وصوله إلى القصر سمع ضوضاء وقرقعة وصليلا وراء بعض ~~البيوت مما يلي طريق الشام، فالتفت إليها فرأى قافلة من الجمال يقودها حمار عليه عبد أسود، ~~وحول القافلة بغال بسروج، عليها رجال بملابس حسنة كلهم ملتفون بالعباءات، ويكاد يزيد عددهم ~~على العشرين غير المشاة في ركابهم من الخدم والعبيد، وفي مؤخرة القافلة بغال عليها الهوادج ~~لحمل النساء والأطفال، ويتقدم الجميع فارس بملابس أهل الكوفة يظهر ms199 من شكله أنه خرج من ~~الكوفة للقائهم، فتفرس في الرجل فعرف أنه من حرس أبي سلمة. # وقد فكر صالح قليلا فبدا له أنهم بنو العباس القادمون من الحميمة بعد القبض على إبراهيم ~~الإمام، فتقدم حتى وقف بحيث يراهم وهم يمرون - والناس لا يهتمون بهم؛ لأنهم لا يعرفونهم، ~~وقد تعودوا أمثال هذه القافلة من الضيوف ينزلون في دور لأبي سلمة خاصة بالضيوف - فأخذ ~~صالح يتفرس في الراكبين على البغال فرأى المنصور بينهم، فتحقق أنهم بنو العباس، وتذكر ما ~~دار بينه وبين أبي سلمة بشأنهم في هذا الصباح. وقد وقع نظر المنصور على صالح، ولكنه لم ~~يعرفه ولا فطن له؛ لاختلاف سحنته عما كانت عليه يوم أن قابله. وكان صالح يتوسم في المنصور ~~قوة ودهاء، ويتوقع له الخلافة بعد أبي العباس إذا ثبتت الخلافة في العباسيين. ولما بشره ~~بالخلافة يوم مقابلته في الحميمة لم يقل ذلك عن روية ونظر، وإنما قاله لمجرد استرضائه؛ ~~لعلمه أن كل واحد من أبناء الخلفاء وأخوتهم يعتقد أنه أحق بالخلافة، وقد يوفق إليها غير ~~أهلها، فقال له ذلك كي يسره، فإذا صدق قوله وتولى المنصور الخلافة كانت له يد عنده، ~~فلعله ينفعه في أمر من الأمور. # على أن صالحا كان في أثناء تلك المقابلة لا يزال يعتقد في قدرته على نقل الخلافة إلى ~~العلويين، فلما رأى ما رآه من ضعف أبي سلمة، وعجزه عن الفتك، وتحريمه الغدر، أصبح لا يرجو ~~للعلويين فوزا، وفترت همته في نقل الخلافة، وحصر همه في مقتل أبي مسلم انتقاما منه، ~~وثاراته كثيرة عليه، وفي جملتها أن سقوط الخوارج إنما كان بسببه، فإذا قتله فإنه ينتقم ~~لشيبان؛ أمير الخوارج، وسائر رجاله. # وظل واقفا حتى مرت القافلة، ولما اقتربت من دار الضيوف تقدم إليها أحد أهل القصر ~~ليحولها إلى قصر أعده لهم في بعض أطراف المحلة، فأدرك صالح أن أبا سلمة ينوي كتمان أمرهم عن ~~الناس، وعلم أنه لا يلبث أن ينزل لملاقاتهم أو زيارتهم للترحيب بهم، فأسرع لمقابلته قبل ~~خروجه ليسأله عن نتيجة ms200 سعي العيارين، فسار ماشيا حتى دخل القصر وطلب مقابلة أبي سلمة ~~فأدخلوه إليه، فرآه جالسا وقد زاد غضبه وظهر الارتباك على وجهه، فلما دخل عليه صالح لم ~~يتمالك عن القيام بغتة، ومشى نحوه مشية مستنجد وقال: «كأننا سعينا بقتل أحد هؤلاء العباسيين ~~أن نتحمل أثقال سائرهم. هل رأيتهم قادمين؟» # فلما أدرك صالح استياءه استبشر لعله يستطيع إغراءه على قتلهم فقال: «ولو علمت يا مولاي ~~أنك تقف في نصرتك للشيعة العلوية عند هذا الحد، فيذهب سعيك بذلك وجهدي هباء، وتعرض حياتك ~~وحياة سائر أهلك وأصحابك للخطر ما أقدمت على ما أقدمت عليه، مع أنك قادر في هذه الساعة أن ~~تنقل الخلافة إلى العلويين كما أخبرتك في هذا الصباح، ولا يكلفك ذلك إلا كلمة. قل هذه ~~الكلمة وأنا أقضي الأمر، فإنها فرصة لا ينبغي ضياعها. ووالله لو ظفر أبو مسلم بمثلها ما ~~أغفلها، وزد على ذلك أن حياتك أصبحت في خطر إذا استبقيتهم.» # فقال أبو سلمة: «وأي خطر؟» # فقال صالح: «إذا لم يظفر عياروك بذلك العراف، وتمكن من الفرار إلى أبي مسلم، وأطلعه ~~على خبرك، فهل تظنه يعفو عنك؟» # فقال أبو سلمة: «وهل تحسبه يقتلني؟ لا، لا، إنه لا يفعل ذلك لما يعلمه من مساعدتي له ~~بالمال والرجال، والشيعة كلهم يعلمون أنه لولا أموالي ونفوذ كلمتي على الدهاقين وبيوت الفرس ~~لم تقم لهم قائمة، فهل يجرؤ أحد منهم على أن يمسسني بسوء؟» # فابتسم صالح وهز رأسه قائلا: «أما أبو مسلم فيفعل، وقد فعل ذلك غير مرة. أتظنه يرقب ~~ضميره أو يتقي المحاسبة، وقد زاده استبدادا وظلما وصية الإمام إبراهيم بأن يقتل كل من يشك ~~فيه؟» # فاستخف أبو سلمة بنصيحة صالح وحول وجهه عنه، وسار نحو مشمعة من الذهب قائمة في وسط ~~القاعة على كرسي من الأبنوس المطعم، وتشاغل بنزع الغبار عن قاعدتها بإصبعه وهو يقول: «لا ~~أظن أن ذلك الغلام يبلغ طموحه إلى هذا الحد.» وهم بتغيير الحديث فقال: «هل علمت ما فعله ~~أبو ضرغام؟» # قال: «كلا، وماذا فعل؟ فقد جئت لأسألك ms201 عن ذلك.» # قال: «عاد إلي منذ ساعتين وأخبرني أنه قلب الكوفة رأسا على عقب هو ورجاله، ولم ~~يغادروا خانا ولا منزلا ولا كنيسة ولا حانوتا إلا دخلوه وفتشوا فيه، فلم يقفوا للرجل على ~~أثر، ولا رأوا أحدا يعرفه، حتى حراس أبواب المدينة سألوهم عن رجل هذه صفته، فقالوا إنهم لم ~~يشهدوا أحدا بهذه الصفة أو ما يقربها، مع أنه أكد لي أنه مقيم في الكوفة، فأمرت أبا ~~ضرغام أن يبحث عنه في ضواحي المدينة وأرباضها، ولا يترك منزلا حتى منزلي إلا ويفتش فيه، ~~ويسأله عن خبر ذلك العراف المنافق، ولست أدري ماذا تكون النتيجة.» # الفصل السبعون # | دير العذارى # فأيقن صالح عند ذلك بإفلات إبراهيم، وأنه أسرع سرعة البرق ليبشر أبا مسلم بنجاح مهمته، ~~ولن يتيسر لأحد اللحاق به، ولكنه تظاهر بأنه لا يزال يرجو العثور عليه فقال: «لا يبعد أن ~~يكون هذا الخبيث قد اختبأ في بعض هذه الأرباض، فأطلب إلى الله أن يمكنك من الظفر به.» ~~قال ذلك وودعه وخرج يبحث عن مكان يذهب إليه مع جلنار وريحانة، فرارا من فتك أبي مسلم، ~~ريثما تتبدل الأمور، فتذكر أنه أثناء ذهابه إلى دمشق وعودته منها، مر بدير على مقربة من ~~الكوفة يقال له دير هند؛ أقامته هند بنت النعمان قبل الإسلام، # 1 # وقد عرج عليه واستراح عند بابه، وشرب من سبيل قائم بجانبه، وعلم من حارسه أنه ~~عامر يقيم فيه الرهبان ينذرون العفة ابتغاء مرضاة الله، فخطر لصالح أن يذهب بجلنار ~~وحاضنتها كي تقيما هناك، وهو يتردد عليهما أو يقيم في بعض الأماكن بجوار الدير متنكرا. ~~وذلك يسير عليه. فعزم على أن يتخذ قرارا في الغد بعد أن يذهب إلى الدير ويسأل عن كيفية ~~الدخول إليه والإقامة فيه. # فبات تلك الليلة ولم يغمض له جفن؛ لشدة ما هاج في خاطره من الغضب على إبراهيم الخازن، ~~وكيف تمكن من كشف أمرهم، وعرقلة مساعيهم. # وفي صباح اليوم التالي، بادر إلى دير هند فوجده آهلا بالرهبان، فسألهم: هل يضيفون ~~النساء؟ فأجابه أحدهم: «في ms202 الدير مكان للضيافة ينزل فيه من شاء على الرحب والسعة.» # فأحب أن يسأل عن الإقامة في مكان خفي لا يراهم فيه أحد إلا من أرادوه، فخشي أن يؤدي ~~استفهامه إلى شيوع السر، وتذكر الاعتراف الشائع عند النصارى لقسسهم، وأنه سر مقدس لا ~~يبوحون به ولو هددوا بالقتل، فرأى أن يجعل حديثه مع رئيس الدير على سبيل الاعتراف، فسأل ~~عنه، فأخذوه إليه، فإذا هو شيخ جليل عليه ملامح الاحترام والوقار، فسلم عليه وأكب على يده ~~كأنه يقبلها، فقبله الرئيس ودعاه إلى الجلوس، وأمر له بالطعام وبعض الفاكهة والشراب، ~~فقال صالح: «أشكرك يا حضرة الأب المحترم على تفضلك؛ فإني لا أحتاج إلى طعام ولا شراب، وأنا ~~جئتك بسر أريد أن أبوح به إليك، وأستشيرك فيه. وقد علمت أنكم معشر القسس من رجال الله، ~~ومستودع أسرار خلقه.» # فانشرح صدر الرئيس لهذا المديح وقال: «مرحبا بك. قل ما تريد ولا تخف.» # فقال صالح: «معي فتاة من أهل البيوت أصابتها نكبة أدت إلى فرارها من وجه الظلم، فلم تر ~~خيرا من التجائها إلى بيت من بيوت العبادة، وقد دلنا بعضهم على هذا الدير، فهل يجوز ~~ذلك؟» # فقال الرئيس: «كيف لا وعندنا دار خاصة بالضيوف؟! أما إذا استشرتني، فأخبرك أن دار الضيوف ~~عندنا لا تخلو من المارة، ولا يمكننا أن نمنع أحدا من النزول بها، فلا يكون سركم في أمان ~~تام، ولكنني أدلكم على دير للعذارى الراهبات على مرحلة من هذا المكان، وهو أجدر بإقامة ~~النساء فيه؛ لأنه خاص ولا يقيم به الرجال، فإذا شئت أوصيت رئيسته بك، فتهيئ لها غرفة ~~خاصة، وأما أنت فإذا اخترت أن تقيم عندنا فمرحبا بك.» # ففرح صالح بهذا التوفيق من الجانبين، وهو يعلم أن الأديرة تقوم بهبات المحسنين، فلو دفعت ~~جلنار إلى رئيسة الدير بضع مئات من الدنانير؛ فإنها تملك قلبها، وتكون آمنة عندها، فارتاح ~~باله لهذا التدبير وعاد إلى حمام أعين، وأراد قبل انتقاله إلى الدير أن يكمل بحثه عما فعله ~~العيار، فسار إلى قصر أبي سلمة واستفسر منه ms203 عن ذلك، فأخبره أنهم لم يقفوا للرجل على أثر، ~~فتحقق صالح من أن أبا سلمة وبطانته أصبحوا في خطر، فرأى أن يبعد عنه بالحيلة، فذهب إلى ~~جلنار وأخبرها بما دبره وقال لها: «فالآن ينبغي أن نخرج من هذه المحلة خلسة بحيث لا يشعر ~~أهلها بنا، ولا يعلم أحد بقصدنا.» # فقالت جلنار: «وخالتي لا تعلم أيضا؟» # فقال صالح: «وخالتك قبل الجميع.» # فقالت جلنار: «والخدم؟» # فقال صالح: «نعم، وكل إنسان سواك وسوى ريحانة. والسبيل إلى ذلك أن نأمر الخدم فيسرجوا ~~الخيول، ونظهر أننا ذاهبون للتنزه على ضفاف الفرات، ونشغل الخدم والسياس بما يلهيهم عن ~~مرافقتنا أو اللحاق بنا، ونحتج بأننا نحب التنزه على انفراد. ومتى بعدنا عن المحلة ~~عرجنا نحو الدير، فنقيم هناك حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.» # فأحست جلنار كأن حبلا غليظا التف حول عنقها، وكاد يخنقها؛ لشدة ما هاج في نفسها من ~~أسباب اليأس؛ لاضطرارها بعد أن أقامت في منزل أبي سلمة واستأنست بخالتها وأحبها نساء القصر، ~~أن تفر إلى دير تنقطع فيه عن الناس، ولم تر ما يخفف من همها إلا البكاء، وبكت معها ~~ريحانة، وحتى صالح - مع ما علمته من جمود قلبه - أوشك أن يبكي معها، على أنه أخذ يخفف عنها ~~ويقول لجلنار: «لا تيأسي يا مولاتي؛ لا بد من الأخذ بالثأر ولو بعد حين، فإن العاقل من صبر ~~على مضض الحياة، وتربص لاغتنام الفرص. وكل آت قريب.» # فتذكرت أبا مسلم حبيبها القديم، وكيف كانت تحبه، وكيف أصبحت لا تصبر عن قتله مع ما جدده ~~وعد اليهودي من تحريك قلبها، فهاجت عواطفها، وبكت مرة ثانية لسبب غير سبب بكائها الأول، ~~وصالح لا يعبأ بذلك، أو هو لا يفهمه، وإنما كان همه أن يستعجل في إعداد ما يحملونه معهم ~~إلى الدير، فقال لها: «مري الخدم أن يسرجوا لنا الأفراس.» فأمرتهم. وفي أصيل ذلك اليوم، خرج ~~الثلاثة من المحلة يتظاهرون بالتنزه على ضفاف الفرات، وليس معهم أحد من الخدم، ولا يعرف ~~أحد مقصدهم، حتى إذا تواروا عن الناس تحولوا ms204 نحو الدير، فذهبوا أولا إلى دير هند. وقد أعد ~~صالح صرة فيها مائة دينار دفعها إلى رئيسه هبة للدير. وكان الليل قد أسدل ستاره، فدعاهم ~~إلى المبيت هناك على أن يبكروا في الذهاب إلى دير العذارى فأطاعوه، فقدموا لهم من أطعمة ~~الدير وفاكهته، فأكلوا وشربوا وباتوا تلك الليلة. # وفي الصباح التالي، كتب لهم الرئيس كتابا إلى رئيسة دير العذارى أوصاها فيه بالفتاة ومن ~~معها، ودفع الكتاب إلى صالح، فحمله وذهب بجلنار وريحانة، وأرسل الرئيس معهم دليلا يوصلهم ~~إلى الدير المذكور، فبلغوه نحو الظهر، فاستقبلتهم رئيسته أحسن استقبال، وأنزلتهم على الرحب ~~والسعة، ولا سيما بعد ما رأت من لطف جلنار وكرمها؛ لأنها حالما وصلت إلى هناك أمرت ريحانة ~~فدفعت إلى الرئيسة هبة من المال، فخصصت لهما غرفة فسيحة نظيفة الأثاث، وأوصت بعض الراهبات ~~بأن تعنى بهما. # الفصل الحادي والسبعون # | بيعة أبي العباس السفاح # فاطمأن صالح على جلنار، وتفرغ للنظر في شئونه، فأقام في دير هند، وكان يتردد على دير ~~العذارى حينا بعد حين يتعهد جلنار بما تحتاج إليه، وينزل الكوفة متنكرا يتجسس الأخبار ~~الشائعة ليتعرف على مصير الأمور، ويترقب فرصة يتمكن بها من بلوغ غايته، فعلم أن بني ~~العباس نزلوا عند أبي سلمة، وأنه كتم أمرهم، وأهل الكوفة لا يعلمون بمجيئهم. وكان ~~الخراسانيون قد علموا بانتقالهم إلى هناك، فجاء جماعة منهم وعسكروا خارج الكوفة عند حمام ~~أعين، وقوادهم يبحثون عنهم. وكان أبو سلمة بعد أن أنكر على صالح الفتك بهم، عاد فنظر في ~~أمرهم، فرأى أن السداد في رأيه، ولكنه أعظم الإقدام على قتلهم فحبسهم، وكتم أمرهم، ~~وتوقع أن يرجع إليه صالح فيفاوضه في شأنهم؛ لعله يصمم على الفتك بهم أو ببعضهم. # وأما صالح فلم يعد يظهر لأحد قط، وكان يمر بحمام أعين وهو متنكر، فيسمع أهل أبي سلمة وخدم ~~جلنار يذكرون فقدانها منذ خرجت مع خادمتها على ضفاف الفرات، وقد رجحوا غرقها فيه. وكان ~~يتنكر أحيانا في ملابس الفقهاء، فيقضي يومه في المسجد يسمع أحاديث القوم، ويلبس أحيانا ~~ملابس الجنود ms205 أو الشحاذين أو العيارين أو غيرهم، فعلم أن الناس عرفوا بمقتل الإمام إبراهيم، ~~وضجوا في السؤال عن إخوته وأهله، ثم علم بعد أربعين يوما من مجيء العباسيين أن الخراسانيين ~~المعسكرين بظاهر الكوفة عرفوا بوجودهم في دار الوليد بن سعد؛ مولى بني هاشم، وهي الدار التي ~~أنزلهم فيها أبو سلمة، وأن إبراهيم أوصى بالخلافة لأخيه أبي العباس، فاتهموا أبا سلمة بأنه ~~حبسهم هناك لرغبته في نقل الخلافة إلى العلويين. # فلما علم شيعة العباسيين بوجودهم في تلك الدار، انطلق إليهم كبير منهم اسمه أبو حميد ~~الحيري، فلما أقبل رأى جماعة لم يعلم أيهم الخليفة فسأل: «من الخليفة منكم؟» فتقدم داود ~~بن علي؛ أحد أعمام أبي العباس، وقال: «هذا إمامكم وخليفتكم.» وأشار إلى أبي العباس، فسلم ~~أبو حميد عليه بالخلافة قائلا: «السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله.» وقبل يديه ~~وقدميه وقال له: «مرنا بأمرك.» وعزاه في إبراهيم الإمام، ثم رجع وأخبر جميع القواد ~~وكبار الشيعة، فجاء معه منهم جماعة حتى دخلوا على أبي العباس وقالوا: «أيكم عبد الله بن ~~محمد بن الحارثية؟» فقالوا: «هذا.» وأشاروا إلى أبي العباس، فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في ~~إبراهيم. فلما علم أبو سلمة بانكشاف أمر القوم، أراد أن يدخل فيبايع أبا العباس مثل سائر ~~الناس، فمنعوه إلا أن يدخل وحده؛ لأنهم أساءوا الظن به، فدخل وسلم عليه بالخلافة. # وكان صالح يسمع في أثناء ذلك أنهم سيخرجون بالخليفة ليبايعوه في المسجد يوم الجمعة في 12 ~~ربيع أول سنة 132ه، # 1 # فتنكر بملابس الفقهاء ووقف في أحد الشوارع الكبرى، فرأى أهل الكوفة قد حملوا ~~السلاح واصطفوا في الطريق لخروج أبي العباس. # ثم رآه مارا على برذون أبلق وحوله أهل بيته على الخيول أو البراذين، والناس يتزاحمون ~~ويتطاولون لمشاهدة الخليفة ابن عم النبي # صلى الله عليه وسلم # ويتبركون برؤيته. وما زال الموكب سائرا ~~وصالح في جملة المارة حتى وصلوا دار الإمارة، ثم رأى رجلا صعد المنبر فأنصت الناس وهم ~~يتهامسون قائلين: «هذا هو الخليفة. اسمعوا خطابه.» فنظر صالح إلى ابن ms206 العباس، فإذا هو طويل ~~القامة، أبيض اللون، جعد الشعر أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية، ثم رأى رجلا أكبر منه سنا ~~صعد المنبر في أثره، ولكنه قام دونه، فعلم أنه داود بن علي، ثم أطل أبو العباس على الناس ~~والتأثر باد على وجهه، ولو رآه أحدهم عن قرب لتبين فيه ارتعاشا من الوهن والضعف، على ~~أنه لم يكن ثمة بد من الخطبة، فقال والناس يسمعون: # الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، وكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا، فأيده ~~بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوام به، والذابين عنه، والناصرين له، فألزمنا ~~كلمة التقوى، وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصنا برحم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقرابته، ~~وأنشأنا من آبائنا، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا، عزيزا ~~عليه ما عنتنا، حريصا علينا، بالمؤمنين رءوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله ~~بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم، فقال تبارك وتعالى ~~فيما أنزل من محكم كتابه: # إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~، وقال ~~تعالى: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى ~~، وقال: # وأنذر ~~عشيرتك الأقربين ~~، وقال: # وما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى ~~، وقال: # واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل ~~. # فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة ~~نصيبنا؛ تكرمة لنا، وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم. # وزعمت الشامية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت ~~وجوههم. ولم أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، ~~وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق ودحض الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ~~ورفع بنا الخسيسة، وأتم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل ~~التعاطف والبر والمواساة في دنياهم، وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم؟! فتح ~~الله ذلك منة وبهجة لمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # فلما قبضه الله إليه وقام بالأمر ms207 من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، حووا مواريث ~~الأمم، فعدلوا فيها ووضعوها موضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها، ثم وثب بنو ~~حرب وبنو مروان فانتبذوها وتداولوها، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها بما ~~ملأ الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، ~~وتدارك بنا أمتنا، وولي نصره، والقيام بأمرنا؛ ليمن بنا على الذين استضعفوا في ~~الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا. وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ~~ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. # يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ~~ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، ~~فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، ~~فاستعدوا؛ فأنا السفاح المبيح.» # ولما بلغ أبو العباس إلى هنا غلب عليه الضعف، واشتدت عليه الوعكة، فجلس على المنبر وقام ~~عمه داود فأتم الخطبة عنه بنحو هذا المعنى، وطعن طعنا قبيحا في بني أمية، وسوء سيرتهم، ~~وامتدح أهل خراسان؛ لأنهم نصروا الحق، ثم نزل أبو العباس وعمه عن المنبر وذهبا إلى دار ~~الإمارة. وظل أبو جعفر المنصور في المسجد يأخذ البيعة على الناس، فلم يزل يأخذها حتى صلى ~~بهم العصر، ثم المغرب ، وهجم الليل فدخل وصالح منزو يتأمل فيما جرى بين يديه، ويكاد يتميز ~~غيظا لفشل مسعاه في إبطال البيعة العباسية، ولكنه توسم الفرج من جهة أخرى، فإنه رأى في ~~أبي العباس ضعفا لا يأذن ببقائه طويلا، وتحقق أنه إذا مات فالخليفة بعده صاحبه أبو جعفر؛ ~~لأنه أفضل إخوته، وخاصة لأنه تولى أخذ البيعة على الناس. # الفصل الثاني والسبعون # | ذكرى الحبيب # وخرج صالح من المسجد وهو منقبض الصدر، وذهب إلى جلنار وأخبرها بما شاهده، وأن الأمر استتب ~~لبني العباس ولا حيلة في ذلك، فبكت، فقال لها: «لا تبكي، ونحن في الحقيقة لا يهمنا قيام هذه ~~الدولة أو سقوطها، وإنما يهمنا أن نقتل ذلك الرجل، ms208 وإنما سعينا في إفساد أمرها لإفساد أمره، ~~فإذا لم يتيسر لنا ذلك من هذا الطريق، فلنا طرق أخرى.» # فسكتت وتنهدت، وفي نفسها سر تحرص على كتمانه، وتخجل من إظهاره حتى لريحانة؛ لما فيه من ~~صغار النفس، وضعف الطبع، فإنها كانت مع كل ما أصابها من أبي مسلم لا تزال تشعر بالرغبة فيه، ~~وكلما تذكرته أحست بشيء يحسنه في عينيها، وكأن طول المدة أذهب ما في نفسها من الحقد ~~عليه، ولكنه لم يؤثر على ما في قلبها من الميل إليه، فكانت تشعر بذلك الميل وتغالط نفسها ~~لتسير مع التيار الذي دفعها غضبها فيه لطلب الانتقام، وصالح يحرضها على الثبات، ويحبب إليها ~~الأخذ بالثأر، فلما طال جهاده وتوالى الفشل عليها، أخذت نقمتها تتقلص وتصغر، وحبها ينجلي ~~ويظهر، ولا سيما بعد ما قاله لها إبراهيم، حتى جاءها صالح بخبر استتباب الأمر للعباسيين، ~~وإخفاق مساعيه في إبدال دعوتهم، فأحست بانقشاع سحابة الحقد عن قلبها، وتجلت لها صورة أبي ~~مسلم كما كانت على عهد شغفها به، وهون الحب عليها كل عسير حتى أراها القصور مبنية في ~~الهواء، فخيل لها أن أبا مسلم لم يفعل ما فعله بوالدها أو بها إلا جريا على سياسته في ~~نصرة العباسيين، وليس كرها لها؛ فلعله - وقد تم له ما أراده من تأييد دولتهم - يصغي ~~لنداء قلبه، أو يشفق على انكسار قلبها - والمحب كثير الشكوك واسع الآمال - إذا أسعده الزمان ~~بما يبتغيه، ووفق إلى الاجتماع بحبيبه، توالت عليه المخاوف لئلا يطرأ عليه ما يبعده عنه، ~~وتكاثرت شكوكه في صدق محبته، وإذا جافاه حبيبه وعاداه، فيشعر كأن قلبه يتقد نقمة وحقدا، ~~ولكن ثمة أملا يظلل ذلك الحقد.. والحب أمره عجيب! # فكانت جلنار تتنازعها الآمال وهي تغالط نفسها ولا تبوح لأحد بسرها، فلما جاءها صالح بذلك ~~الخبر تأرجحت عواطفها بين الأمل والفشل، فلم تتمالك عن البكاء، ولم يكن وعد صالح ليخفف عنها ~~كثيرا؛ لتوالي عدم تحقيق وعوده، ولكنها أظهرت الارتياح لوعده وقالت: «وأي طريق تتوقع أن ~~نصل به إلى مقصدنا؟» # فقال صالح: «تمهلي ms209 يا مولاتي، وعلي تدبير ذلك، وقد صبرت؛ فاصبري أيضا. إن الله مع ~~الصابرين.» فسكتت وأطرقت وتنهدت، فشعر أنها تضمر شيئا، وخشي أن يكون الفشل قد أضعف عزمها، ~~وهو يحتاج إليها في تنفيذ رغبته بقتل أبي مسلم، فقال لها: «يظهر لي يا مولاتي أن فشل سعينا ~~هذه المرة قد أثر في عزمك؛ فلا تيأسي من الفوز وأنا عبدك ورهن إشارتك؛ أبذل نفسي في سبيل ~~مصلحتك. وأنت تعلمين أنني تركت الناس وانقطعت إلى خدمتك، وعاديت أشد الناس وأدهاهم من أجل ~~رضاك. وقد سعينا في معاكسة ذلك الرجل ولم ننجح، وقد بلغه سعينا وعرف مقصدنا بواسطة خازنه ~~اليهودي على يدك، فلو أردنا الرجوع عن عزمنا فهو لا يلبث حتى يعثر علينا ويقتلنا، ولو عرفت ~~أنه يكتفي بقتلي ويستبقيك لهان علي ذلك؛ لأني أرغب اللحاق بوالدك - رحمه الله - فإن ما ~~عنده خير مما عندنا وأبقى.» # قال ذلك وتظاهر بالإجهاش للبكاء، فأوهم جلنار أنه متفان في خدمتها، وذكرها بمقتل ~~والدها، فحرك عواطفها عليه، فندمت على ما مر بذهنها من الميل إلى مسالمة أبي مسلم أو ~~استعطافه، وبخاصة بعد ما سمعته من تلميح صالح من أن كشف أمرهم لأبي مسلم إنما كان على يدها، ~~فأصبحوا مهددين بالقتل، فكيف يخطر ببالها الرجوع عن عزمها؟ فلم تر بدا من مسايرة صالح في ~~قوله، فأنكرت ما توهمه فيها من ضعف العزيمة، وأكدت له أنها باقية على قصدها، وأنها لا يمكن ~~أن تتنازل عن الانتقام لوالدها، ولكن يشق عليها ما يقاسيه هو من العذاب في سبيل ذلك، ~~فأجابها بأنه يفعله راضيا مسرورا لما له من الرغبة في الثأر أيضا. # قضت جلنار في ذلك الدير زمنا وصالح يتردد عليها بالأخبار، وأهمها في تلك السنة هزيمة ~~مروان بن محمد؛ آخر خلفاء بني أمية. وكان قد جاء بجيشه لمحاربة العباسيين في العراق، فهزموه ~~في بلد يقال لها الزاب، فهرب إلى مصر، واغتيل ببلدة بوصير. وجاءها بعد أيام بنبأ قتل بني ~~أمية وهو يستغربه، فقالت: «لا غرابة في قتلهم بالحرب.» # فقال صالح: «وأي حرب؟ ms210 إنهم قتلوهم غدرا بعد أن أمنوهم وسمحوا بدخولهم إلى مجالسهم ~~والجلوس بين أيديهم.» # فقالت جلنار: «قتلوهم بلا سبب؟» # فقال صالح: «نعم، بلا سبب ظاهر، ولكنني أظن أن أبا سلمة حرضهم على قتلهم، فدس شاعرا ~~قال بيتا حرض به أبا العباس على قتلهم، فقتلهم دفعة واحدة. وعددهم نحو تسعين ~~رجلا.» # فقالت جلنار: «وما هذا الشعر الذي كان له قوة هذا التأثير؟» # فقال صالح: «ليس هو تأثير الشعر، ولكن النفوس مستعدة، والقلوب ملآنة، والشعر حركها؛ ~~لأن الشعر ذكر السفاح بمن قتله الأمويون في أيام دولتهم من الهاشميين. قال ذلك في حضرة ~~السفاح، وبنو أمية على مائدته يأكلون، فأمر بهم فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم ~~الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا.» # 1 # فلما سمعت جلنار ذلك قطعت كلام صالح، ولم تتمالك عن الصياح قائلة: «أعوذ بالله! يا ~~للفظاعة! يغدرون بضيوفهم ثم يأكلون الطعام فوق جثثهم وهم يسمعون أنينهم! إن ذلك لم يسمع ~~بمثله. لقد اقشعر بدني، ووقف شعر رأسي، قبحهم الله من أناس قساة القلوب.» # فقال صالح يعرض بما خطر ببال جلنار من هذا القبيل: «أمثل هؤلاء يركن إليهم أو يرجى ~~الصفح عنهم؟» فسكتت. # ولا تسل عن حال جلنار لما جاءها صالح بخبر مقتل أبي سلمة، فقد عظم مصابه عندها مثل مصاب ~~والدها؛ لأنه كان يحبها ويكرمها، فسألت صالحا عن سبب قتله، فقال: «وهل تجهلين السبب؟ إن ~~القوم قد شكوا فيه فقتلوه، ونسوا ما كان يبذله من الأموال في سبيل نصرتهم. وهبي أنه كان ~~ضدهم، ألم يكن الصفح أولى بهم لرجل بذل ماله ونفسه في سبيل دعوتهم، بعد أن ملكوا قياد ~~الدولة وصارت الأموال إليهم؟» # فقالت جلنار: «عجبا! إني لم أسمع بمثل هذا البطش والفتك، ولا أظن بني أمية كانوا أشد ~~فتكا من هؤلاء. وكيف قتلوه؟» ~~«فقال صالح بعد أن سمع ما قالته جلنار، يعرض بما خطر ببالها من هذا ~~القبيل: أمثل هؤلاء يركن إليهم أو يرجى الصفح عنهم؟ ...» # فقال صالح: «قد علمت أنهم شكوا في إخلاصه ms211 لهم، ولكنه حينما رأى الأمر قد انقضى، بايع ~~في جملة الذين بايعوا، فقدمه أبو العباس وجعله وزيرا - كأنه فعل ذلك ليبتز بقية أمواله - ~~ثم عاد إلى ظنه، فحل قتله عنده، ولم يجرؤ على القيام بذلك بنفسه، فكتب إلى أبي مسلم وهو ~~في خراسان يستشيره في شأنه، فأجابه: «إنه أوجب الشك، واستحق القتل، فاقتلوه.» فلم يجرؤ على ~~قتله خوفا من الخراسانيين الذين معه، فبعث إلى أبي مسلم كي يرسل من يقتله، فأرسل رجلا ~~قتله سرا، وأشاعوا أن بعض الخوارج قتلوه. وهذا هو اعتقاد أهل الكوفة الآن، ولكنني عرفت ~~الحقيقة.» # فبكت جلنار وقالت: «قبحهم الله، ما أقسى قلوبهم! إن أبا سلمة رجل ليس فيهم ~~مثله.» # فقطع صالح كلامها وقال: «وأغرب من ذلك قتلهم سليمان بن كثير، فإن أبا سلمة - كما نعلم - ~~كان ينوي الغدر بالعباسيين، وأما ابن كثير، فأشهد عند الله أنه لم يخطر بباله ~~الغدر.» # فبغتت جلنار وقالت: «قتلوه أيضا؟ وكيف ذلك؟» # فقال صالح: «لما قتلوا أبا سلمة، كما أخبرتك، اتفق أن ابن كثير قال كلمة نقلها بعضهم إلى ~~أبي مسلم، فشك فيه فقتله جهارا بلا تحقيق ولا نظر! فهل يؤمن جانب أناس مثل هؤلاء؟ فكل من ~~عرفوا عنه انحرافا ولو أظهر الطاعة فإنهم يفتكون به سرا أو جهرا.» وقد أراد صالح أن ~~يعرض مرة أخرى بما دار بينه وبينها في المرة الماضية؛ ليثبتها على عزمها ضد أبي مسلم، فرآها ~~أصبحت تخشى ذكره؛ لأنه سبب تلك الفظائع كلها. وقد ارتكبها في أقل من عام. # الفصل الثالث والسبعون # | خلافة المنصور # فلما أيقن صالح بثبات جلنار على عزمها، أخذ في تدبير الوسائل للفتك بأبي مسلم بنفس ~~الطريقة التي قتلوا بها أبا سلمة، وأخذ ينتهز الفرص لذلك. فلما مات أبو العباس السفاح سنة ~~136ه، أفضت الخلافة إلى أخيه المنصور، فأيقن بوصوله إلى الغرض المطلوب بعد ما قدمه من ~~التمهيد في هذا السبيل منذ لقيه في الحميمة وبشره بالخلافة، فلما علم بموت السفاح وخلافة ~~المنصور ذهب إلى جلنار وأمارات السرور بادية على وجهه. وكانت جلنار ms212 تنتظر مجيئه بفارغ ~~الصبر، فإذا رأته قادما خفق قلبها توقعا لما عساه أن ينقله إليها من الأخبار، ثم تتفرس ~~في وجهه وتستطلع ما في نفسه من سرور أو انقباض. فلما جاء في ذلك اليوم، رأت السرور باديا ~~على وجهه، فاستبشرت وفرحت، وكذلك ريحانة، فإنها كانت تقرأ عواطف مولاتها، فابتدرته قائلة: ~~«هل من بشرى طيبة؟» # فقال صالح: «قد دنا وقت النجاح الأكيد؛ فمات أبو العباس وأفضت الخلافة إلى أخيه المنصور ~~صاحبي. وهذا يؤمن بكرامتي، وقد بشرته بالخلافة منذ بضعة أعوام، وأرجو أن يكون تحقيق هدفنا ~~على يده، وخاصة لأن في نفسه حقدا على أبي مسلم من قبل الخلافة.» # فقالت جلنار: «وأي حقد في نفسه وأبو مسلم هو الذي سلم إليه الخلافة، ولو أراد تحويلها إلى ~~سواهم ما لقي معارضا؟» # فاستغرب صالح تصدي جلنار للدفاع عن أبي مسلم، وقد فاته أن الحب إذا تأصل في قلب الكريم ~~لم تنزعه الكوارث، ولكنها تضغط عليه فتخفيه، فإذا أزيحت عنه عاد إلى رونقه بأحسن مما كان، ~~فلما سمع صالح قولها تجاهل وغالطها وقال: «لا يخفى على مولاتي الدهقانة أن طلاب السيادة هذا ~~شأنهم، فإنهم لا ينفكون عن المحاسدة والمفاخرة والمحاذرة؛ فأرى الآن أن أذهب إلى المنصور، ~~فهو لا شك سوف يستقبلني بترحاب ويقدمني ويستبقيني عنده. وأحب البقاء هناك؛ للسعي في ~~أمرنا. فهل تبقيان هنا، أم تذهبان معي إلى الأنبار؛ لأن مقر الخلافة انتقل إليها؟» # فقالت جلنار: «كيف نبقى هنا وأنت بعيد عنا؟ إنني أرى أن ننتقل إلى الأنبار نقيم في بعض ~~بيوتها، ولا خوف علينا؛ فإن الناس قد نسوا أمرنا، وكفانا هذا الحبس.» # ففرحت ريحانة برأي سيدتها؛ لأنها كانت قد سئمت الحبس في ذلك الدير، فقال صالح: «اسمحي لي ~~بالذهاب أولا وحدي؛ لأتجسس الأمور ثم أعود إليكما فأنقلكما إليه.» فوافقته على ذلك، لكنها ~~ألحت عليه بسرعة الرجوع وقالت: «إذا أبطأت علينا سرنا إليك وبحثنا عنك في بلاط الخليفة.» ~~قال: «حسنا.» وخرج يتأهب لمقابلة المنصور، فصبغ لحيته وبدل ثيابه، كما كان حين قابله في ~~الحميمة منذ ms213 بضع سنوات، وزاد على ذلك أن تظاهر بإصابته بالرمد، وغطى عينيه بعصابة مبالغة في ~~التنكر؛ لعلمه أن في دار المنصور أناسا يعرفونه، ولا سيما خالد بن برمك. وكان قد رآه مرة ~~في بيت دهقان مرو، والعينان أظهر ملامح الوجه، وأدل على صاحبهما من سائر الأعضاء. # أما المنصور فحالما أفضت الخلافة إليه تذكر منجم الحميمة وقال في نفسه: «لو جاءني ~~لقربته مكافأة لبشارته.» فما لبث - وهو ذات يوم في داره بالأنبار - أن دخل عليه حاجبه ~~الربيع وأنبأه بأن رجلا كفيف البصر يطلب المثول بين يديه على انفراد، فأشار المنصور إلى ~~من في حضرته من القواد فخرجوا، وأذن بدخوله، فدخل وهو مطرق يتوكأ على عكازه، وقد شد ~~عينيه بعصابة، وبدت عليه مظاهر الضعف، فلما أقبل على الخليفة سلم تسليم الخلافة ثم قال: ~~«أشكر الله الذي أراني صاحب القباء الأصفر على كرسي الخلافة وإن كنت أرمد.» # فانتبه المنصور للرجل، فوقف له وأخذ بيده حتى أجلسه على وسادة بين يديه وهو يقول: «مرحبا ~~بالصديق القديم. إني ما برحت منذ جلوسي هذا المجلس وأنا أفكر فيك وأرجو حضورك؛ فاطلب ما ~~تريد.» # قال: «لا أريد شيئا يا أمير المؤمنين سوى تأييد دولتك، وطول بقائك، وقد أخبرتك يوم ~~التقينا في الحميمة أني سآتيك على غير انتظار، وها أنا قد جئتك.» # فقطع المنصور كلامه قائلا: «وما الذي أصاب بصرك؟» # قال صالح: «لست أدري ماذا أصابه، ولعلي ابتليت بهذه المصيبة لأني لم أتمم المهمة التي ~~جئتكم بها هناك كما ينبغي، فلم أستطع تبليغ الرسالة قبل نفاذ الحيلة في نجاة الإمام - رحمه ~~الله - ولكنني لم أتعمد ذلك، كما تعلم. وعلى كل حال، فما أنا في حاجة إلى البصر لولا رغبتي ~~في رؤية أمير المؤمنين.» # فقال المنصور: «هل أدعو لك طبيبا يصف لك دواء؟» # فقال صالح: «كلا يا مولاي، فإننا - معشر الزهاد - لا نستعين على الأمراض بالعقاقير، وإنما ~~ندفعها بالأدعية.» # فقال المنصور: «فعسى أن يكون حضورك للإقامة عندنا هذه المرة.» # فقال صالح: «دعيت إليك لأكون في خدمتك إلى أن تستغني عني ms214 أو أموت؛ فإني لا أرجو البقاء ~~طويلا، ومثلي لا يليق بمقابلة الخلفاء أو مخاطبتهم، ولكنني علمت بما يحيق بدولتك من ~~الأخطار لكثرة أعدائك وحسادك؛ فأحببت أن يكون لي يد في تأييدها، على عجزي وقصر ~~باعي.» # فقال المنصور: «بل أنت صاحب الفضل الأكبر؛ لأنك بشرتني بالخلافة وأنت لم تعرفني، فأحب ~~أن تكون عندي الآن. فإذا شئت جعلتك رئيس العرافين.» # فقال صالح: «عفوك يا مولاي، فإني فضلا عن عدم استحقاقي لهذا المنصب لا أريد أن أسمي نفسي ~~عرافا؛ لأني لا أحمل أدوات التنجيم، وإنما أقول ما يلقيه إلي الهاتف أو يلهمنيه الله، ~~وقد كنت أستعين بالنجوم، فلما كف بصري اكتفيت بالإلهام، فإذا شئت أن أكون في خدمتك ضعني في ~~حجرة من حجرات دارك، أو في مكان آخر لا يراني فيه أحد؛ لأني لا أرى أحدا.» # فقال المنصور: «بل تقيم في داري لتكون قريبا مني.» وصفق فجاء حاجبه الربيع، فأمره أن ~~يأخذ ذلك الزاهد إلى حجرة منفردة في داره، ففعل وأمر بعض الخدم أن يقوموا بخدمته. # أما المنصور فلما خلا بنفسه عاد إلى دهائه وذكائه، وطلاب السيادة يومئذ يسيئون الظن حتى ~~في أولادهم، وبخاصة المنصور؛ لفرط حذره وحزمه، فلما رأى ذلك الزاهد يطلب الإقامة في داره ~~أساء الظن به، وأحب أن يختبر صدق كرامته وولايته؛ لئلا يكون دسيسة من أحد أعدائه، فجعل يفكر ~~في رجل عاقل يختاره لامتحانه، ولم يكن عنده أعقل من خالد بن برمك - وكان مفضلا عنده - ~~والمنصور كثير الاعتماد على آرائه، فبعث إليه فجاءه، فأخبره بأمر الرجل الزاهد، على أن يكون ~~ذلك سرا؛ لأنه اختاره على سائر العرافين ليستعين بآرائه عند الحاجة، إلى أن قال: ~~«ولكنني أخشى أن يتعمد خداعي، فلا يكون عنده علم ولا ولاية، فادخل عليه وامتحنه.» وأمر ~~الربيع أن يأخذه إلى حجرته. # الفصل الرابع والسبعون # | كشف السر # فمشيا والمنصور معهما حتى أقبلا على الحجرة، فدخل خالد وظل المنصور والربيع بالباب بحيث ~~يسمعان ما يدور بداخلها، فلما سمع صالح وقع الأقدام داخل الحجرة تظاهر بإعمال الفكرة. أما ~~خالد ms215 فلم يزد على أن قال: «السلام عليك.» فعرفه صالح من صوته، فأجابه على الفور: «وعليك ~~السلام يا ابن برمك. إنك خير الوزراء لخير الخلفاء.» # فدهش خالد لمعرفة اسمه، وفرح لتسميته وزيرا، فأصبح يتمنى أن يعتقد المنصور في كرامته؛ ~~فيعمل برأيه، ويجعله وزيرا، فالتفت خالد إلى المنصور فرآه يشير إليه أن يغالطه، فقال ~~خالد: «وما ذنبي عندك حتى جعلت والدي مجوسيا، فإذا كنت لم تعرفني فقد كان ينبغي أن ~~تصمت.» # فضحك صالح وقال: «إذا كنت خالدا، وقد ولدك برمك المجوسي، فما هو ذنبي عندك؟ على أن ~~خروجك من صلب رجل غير مسلم لا يمنع فضلك، فإن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يكن أبوه مسلما، وإذا كنت ~~تقصد اختباري، فاسألني فأكشف لك ما يجول في خاطرك حتى لا يبقى عندك شك في إخلاصي.» # فأعجب خالد بذلك الجواب وسره وجود مثل هذا الرجل في بلاط الخليفة؛ لعله يحتاج إليه في ~~شيء. وكان ميالا إلى الاعتقاد بمهارته؛ لأنه تنبأ له بمنصب الوزارة، ولكنه خشي إذا طلب ~~إليه قراءة ما في ضميره أن يصرح بأمور لا يرضاها المنصور، والفرس لم تكن تخلو أفكارهم يومئذ ~~من شيء على آل العباس، فأحب تأجيل ذلك لخلوة يخلو بها معه. والتفت خالد إلى المنصور فرآه ~~يشير بالانصراف، فرجعوا وقد رسخ في أذهانهم صدق ذلك الزاهد في أقواله، وكرامته في استطلاع ~~الخفايا، وأوصى المنصور الربيع ألا يأذن لأحد بمقابلته. وظل صالح وحده وهو يظهر من الضعف ~~قوة، وقد سره أن يكون الممتحن خالد بن برمك؛ لأنه مطلع على كثير من أحواله، ويعرف صوته، ~~وخالد لم يخطر بباله أنه الضحاك الذي رآه في منزل دهقان مرو منذ بضع سنين؛ لاعتقاده أنه ~~قتل مع ابن الكرماني. # أما خالد فاشتغل خاطره بالزاهد، وأراد مقابلته على انفراد لحاجة في نفسه يريد أن يسأله ~~عنها، فلما سمع الخليفة يوصي الربيع بمنع الناس عنه تقدم إليه أن يأذن له بمقابلته، فقال ~~للربيع: «امنع الناس كافة إلا خالدا.» لأنه كان يحبه، ويثق به، ويعتمد على آرائه. ms216 # فسر خالد بهذا الإذن، وبادر في صباح الغد فدخل على صالح فحياه، فرحب به صالح وأثنى ~~عليه، وبشره ومناه استجلابا لرضاه عنه، واستدناه لاعتقاده به، فجلس خالد بين يديه ~~وقال: «لقد جئت إليك في أمر يهمني الاطلاع عليه، فإذا كشفته فرجت كربة كثيرين.» # فقال صالح: «قل؛ لعلي أستطيع ذلك، بإذن الله.» # فقال خالد: «لي صديق وقع في مشكلة لا دخل لها في السياسة أو الحرب، وإنما هي تتعلق بشخصه ~~وشخص آخر يحبه، ولكنه لم يعد يعرف مكانه، وهو يحب أن يعرفه.» # فمد صالح يده حتى قبض على يد خالد وقال: «صرح لي أو أعطني أثرا من آثار ذلك الحبيب ~~فأعرفه.» # فقال خالد: «لا سبيل لي إلى شيء من آثاره، ولكنني أزيدك تصريحا. أتعرف أبا مسلم ~~الخراساني؟» # فاستبشر بذكر اسمه لعله يستفيد من حديث خالد عنه بما يعينه على الفتك به، فقال: «ومن لا ~~يعرف صديقك أبا مسلم؟!» # فقطع خالد كلامه قائلا: «لا تقل صديقك؛ لأن الخليفة ثائر عليه وقد اتهمه، وأرجو ألا ~~تكون لي يد في هذه التهمة؛ ولذلك قلت إنه سؤال لا علاقة له بالسياسة ولا بالحرب، وإنما ~~مسألة أبي مسلم خاصة، تتعلق بفتاة أحبته ولم يحبها، فأساء إليها، ثم ندم فأحب أن ~~يقربها فلم يعثر لها على أثر، ولا يزال يبحث عنها. فهل تعرف مكانها؟» # فلما سمع كلامه تذكر ما قالته جلنار عن موعد إبراهيم الخازن، فعلم أنه إنما جاء للبحث ~~عنها، وتذكر ما لاحظه من عودة آمالها وتحرك قلبها، وأيقن أن أبا مسلم ينوي قتله وأخذ ~~جلنار منه، وإلا لما كان ثمة باعث على فراره منه، وقال في نفسه: «لقد آن وقت العمل.» # فلما فرغ خالد من كلامه كان صالح لا يزال قابضا على يده، فأطرق كأنه يفكر في أمر هام، ثم ~~رفع رأسه وقال: «مسكينة جلنار! كم أحبت هذا الخراساني وخدمته! وكم أساء إليها وعذبها! فما ~~الذي غير شعوره نحوها؟» # فدهش خالد لذكره اسم الفتاة وملخص حديثها، واقشعر بدنه وقال: «إن الذي غير شعوره هو ~~أنا؛ ms217 لأني كنت على علم بحبها له، وتفانيها في خدمته حتى قتلت زوجها لأجله، ثم اتهم ~~أبو مسلم والدها بالخيانة وقتله، فجاءت لتعاتبه على انفراد - ولم أكن حاضرا - وفي صباح ~~اليوم التالي أخبرني بما كان من غضبه عليها وسجنها، ورأيت في كلامه ضعفا، وتوسمت فيه ندما ~~على ما فرط منه على غير عادته، فأخذت في تأنيبه، وحببت إليه تقريبها والزواج بها، فرضي وبعث ~~يستقدمها من السجن، فقيل له إنها ليست هناك، فبحث عنها في دار الإمارة، وبث الناس في أطراف ~~المدينة فلم يقفوا لها على خبر، فتحققنا أنها هربت إلى مكان بعيد. # وكنت شديد الرغبة في معرفة أخبارها؛ لاعتقادي أنها مظلومة، وأحببت أن تنصف، فحرضت أبا ~~مسلم على البحث عنها في الأطراف البعيدة، فكلف رجلا يهوديا عنده أن يفتش عنها، ووعده إذا ~~جاء بها أن يعطيه مالا كثيرا، فتنكر اليهودي وأخذ في البحث حتى عثر عليها في الكوفة بمنزل ~~أبي سلمة، وأوشك أن يظفر بها، ولكنها غيرت مكانها وكأنها طارت بين السماء والأرض، فعاد ~~إلينا بهذا الخبر، فغضب أبو مسلم عليه وأرجعه للتفتيش عنها ثانية. وقد جاءني منذ بضعة أيام ~~وأخبرني أنه لم يعثر عليها، فهل هي على قيد الحياة؟ وهل تعرف مكانها؟» # وكان خالد يتكلم وصالح يتابعه في الحديث كأنه مطلع على القصة، فإذا توقف خالد أعانه بكلمة ~~مما يعلمه ، وخالد لا يستغرب ذلك لما سبق إلى ذهنه من الاعتقاد في كرامته. # فعلم صالح من سياق الحديث أنهم لم يكونوا يعلمون ببقائه حيا، ولا أخبرهم إبراهيم بذلك؛ ~~خوفا من ضياع فضله في قتله، مع أنه ينبغي أن يكون قد علم هو ببقائه حيا في اليوم الثاني ~~لمقتل ابن الكرماني؛ إذ لم يجدوا جثته هناك، وعلم أيضا أن إبراهيم قريب من ذلك البلد، أو ~~ربما كان في بلاط الخليفة، فأحب أن يتحقق من ذلك فقال: «إنها على قيد الحياة، ولا يصعب ~~علي معرفة مكانها. إنما يحتاج ذلك إلى مهلة قليلة، ويلوح لي أنها ليست في مكان بعيد من ~~هنا. ألم تسأل ms218 العرافين عن ذلك؟» # فقال خالد: «سألت غير واحد، فاختلفوا وتناقضت أقوالهم، وليس فيهم من يعتمد عليه برغم ~~رغبة أمير المؤمنين في الاستكثار منهم للاستعانة بهم، ولم أجد بينهم أحدا مثلك.» # فقال صالح: «إن أكثر عرافي هذا الزمان ينتحلون الصناعة لابتزاز الأموال، ويخبطون في ~~أقوالهم خبط عشواء، وإنما هي موهبة يختص الله بها أناسا، وقلما يستطيعها أحد بالاجتهاد، ~~على أن بعضهم يتخذها وسيلة لغرض خاص، كما يفعل العراف حاييم.» # فضحك خالد لمعرفة صالح ذلك الاسم الجديد وقال: «مسكين حاييم. أين هو من التنجيم؟ ومع ذلك ~~فهو منخرط في جملة عرافي المنصور يقبض مرتبا مثل مرتباتهم.» # فعلم صالح أن صاحبه في بلاط الخليفة من جملة العرافين، فسكت وتزحزح من مكانه، فأدرك ~~خالد أنه قد حان انصرافه، فنهض وودعه وأوصاه أن يكتم ما دار بينهما، فوعده بذلك، وأنه ~~سيخبره عن مكان جلنار بعد بضعة أيام، فخرج خالد وقد تولته الدهشة؛ إذ لم يكن يظن أن مثل هذا ~~الرجل يوجد فى الأرض، فذهب توا إلى داره وبعث إلى إبراهيم اليهودي، فلما جاء سأله: «هل ~~وجدت الفتاة؟» فأجاب: «كلا.» # فقال خالد: «قد وجدت عرافا يستطيع الوقوف على مكانها.» # فقال إبراهيم اليهودي: «ومن هو؟ أريد أن أراه.» # فقال خالد: «لا سبيل لأحد إليه؛ فإن أمير المؤمنين لا يأذن في الدخول عليه لأحد. وقد طلبت ~~مقابلته من أجل هذا الأمر، فلمست فيه مهارة غريبة، ولم أكد أسأله عن الفتاة حتى تلا علي ~~خبرها، وعرف مساعيك، وأنك انتحلت صناعة العرافين لهذه الغاية، وأن اسمك كعراف حاييم، ~~ونحو ذلك مما أدهشني، وكنت أود أن تلقاه لولا ما ذكرته لك من تشديد الخليفة في منع ~~مقابلته.» # وكان إبراهيم يسمع كلام خالد وهو يفكر فيمن عساه أن يكون هذا العراف، فلما سمع ما قصه ~~عليه من معجزاته تبادر إلى ذهنه أنه عراف كاذب مثله، ولم يستبعد أن يكون هو صاحبه الضحاك، ~~وقد تحقق من بقائه حيا في الكوفة يوم أن التقيا بباب أبي سلمة وتناكرا، فسأل خالدا عن ~~شكل الرجل وملبسه، ms219 فأخبره أن على عينيه عصابة، وأن لحيته محناة، فسأله عن قامته فقال: «لم ~~أره واقفا، ولكن يظهر أنه طويل.» فلم يشك إبراهيم أنه صاحبه بعينه، وبخاصة لتنكره ~~بالرمد، فإنها حيلة تعلمها الضحاك منه يوم أن التقوا ومعهم القصاص في معسكر شيبان بضواحي ~~مرو، فتجاهل ولم يبد أية ملاحظة، ولكنه عزم على الحذر، فصرفه خالد وعاد وهو متعلق الذهن ~~بذلك الزاهد، وأحب أن يلقاه ثانية فبكر إليه في الغد، وأخبره أنه التقى بإبراهيم، وأنه أطنب ~~له فيما شاهده من كرامته ومهارته. # فلم يفرح صالح بما سمعه من هذا الإطناب، وساءه ما قاله عنه لإبراهيم؛ خشية أن يدعوه ذلك ~~إلى الشك فيه؛ لعلمه أنه لم يطلع أحدا على تلك الحقائق غيره، على أنه كتم استياءه، وأثنى ~~على خالد، وعمد إلى اجتذاب قلبه إليه كما اجتذب قلب المنصور قبله بتبشيره بما تتوق إليه ~~نفسه. وكان خالد يطمع فى الوزارة، وهو أكفأ حاشية الخليفة لها، فقال له صالح: «إن الله ~~سيكافئك على سعيك في التوفيق بين هذين المحبين بأكبر منصب تطمح إليه الأبصار بعد الخلافة.» ~~فأدرك خالد أنه يبشره بالوزارة فانشرح صدره، ولكنه تذكر ما يحول دون ذلك من انشغال ~~المنصور بأبي مسلم؛ إذ خشي أن ينتقم المنصور بسببه على سائر رفاقه القواد، فيلحقه نصيب من ~~تلك النقمة، فأراد أن يستفتي الزاهد في ذلك ، فقال له: «أحب أن أستفتيك في مسألة أخرى تهمني، ~~وقد شغلت بالي، وبالطبع أرجو أن يكون ذلك سرا بيني وبينك.» # فقال صالح: «قل. لا تخف.» # فقص عليه خالد سبب غضب المنصور على أبي مسلم، وأنه ينوي القبض عليه خوفا منه، وأطلعه على ~~تفاصيل لم يكن يعرفها، ثم سأله: «هل تظن أن المنصور يجعل نقمته عامة على سائر ~~أنصاره؟» # فأطرق وهو يعمل فكرته، ثم قال: «كلا؛ لأن المنصور لم يتغير على أبي مسلم لأنه قام بدعوته، ~~بل لأنه طمع في الملك لنفسه، وهب أنه نقم على سائر الخراسانيين، فلن ينقم عليك.» # فاطمأن باله وخرج مسرعا؛ خشية أن يأتي المنصور فيراه هناك. ms220 # الفصل الخامس والسبعون # | المنصور وأبو مسلم # وظل صالح ينتظر مجيء المنصور، فما لبث أن جاءه وحده ودخل عليه خلسة حتى دنا منه وقبض على ~~يده ليبغته، فلم يبغت؛ لعلمه أنه لا يجرؤ أحد على ذلك غير الخليفة، وكان قد سمع صوته من عهد ~~قريب بجوار حجرته، فقال: «السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله.» # فقال: «وعليك السلام. كيف ترى حالك؟» # قال: «أراني في نعيم - والحمد لله - لصدق بشارتي، ويسرني أن أرى أمور المسلمين في قبضة ~~أمير المؤمنين - أيده الله - ولكن هل تذكر عبارة قلتها لك يوم تلك البشارة؟» # قال المنصور: «أذكر كلامك كله، ولم أنس منه حرفا. أظنك تعني الظلمة التي تحدق ~~بخلافتي؟» # قال: «نعم. هذا ما أعنيه، وقد عرفته قبل وقوعه، وأظنه وقع، فلماذا تكتمه عني؟» # قال المنصور: «لم أكتمه، وقد جئت الآن بشأنه، ولكن ما هي الظلمة التي تعنيها؟» # قال: «أتمتحنني يا أبا جعفر؟ إن الظلمة التي أعنيها إنما هي مطامع الناس في خلافتك، ~~وبعضهم في الحجاز، والبعض الآخر في خراسان، وآخرون في هذه المدينة، بل في قصرك يؤاكلونك ~~ويشاربونك.» # فجاء كلام صالح مطابقا لما في نفس المنصور كل المطابقة؛ لأنه كان يخشى العلويين في ~~الحجاز بعد أن بايعهم على أن تكون الخلافة بعد بني أمية لمحمد بن عبد الله الحسني، وأراد ~~المنصور نكث البيعة وحصر الخلافة في بني العباس. وكان يخشى أبا مسلم إذا أقام بخراسان؛ لأنه ~~قادر على نقل الخلافة، والناس يطيعونه، وكان يخاف بعض أهله على الخلافة، وفيهم أعمامه ~~وأبناء عمه، وهم مقيمون معه يؤاكلونه. فلما سمع ذلك من صالح زاد يقينا بكرامته ومهارته ~~فقال: «صدقت. إني أخافهم الأقرب فالأقرب.» يعني بعض أعمامه. # قال صالح: «ليس أدعي للخوف من ذلك الخراساني الفتاك.» # قال المنصور: «تعني أبا مسلم؟» # قال صالح: «إياه أعني؛ فإن نجمه في أسمى المطالع، ولو استنهض الحجارة لنهضت معه، ولو حارب ~~الأبالسة لغلبهم. هذا الذي يخشى بأسه، ولكنني أرى نجمك أسمى من نجمه، وسعدك أبقى من ~~سعده.» # قال المنصور: «ولا أخفي عنك ما ms221 في نفسي من هذا الخراساني؛ فقد كنت أخشاه من أيام أخي ~~السفاح - رحمه الله - فأشرت عليه أن يحبسه فلم يطعني، ولما أفضت الخلافة إلي رأيت منه ~~انحرافا، وبلغني عنه أمور أغضبتني وخوفتني، فاستخدمته في محاربة عمي عبد الله الطامع في ~~الخلافة، وضربت أحدهما بالآخر فمن قتل منهما نجاني الله منه، ففر عمي وفاز أبو مسلم ~~بما في عسكره من الغنائم، فبعثت إليه أطلب الغنائم فغضب وقال: «إني خونته.» وأخبرني ~~الرسول أنه شتمني، فلما رأيت هذه الجرأة خشيت إذا سار إلى خراسان أن يعصاني، فبعثت إليه وهو ~~في الجزيرة أني وليته الشام ومصر، وطلبت إليه أن يأتيني فأجابني جوابا يدل على خوفه مني. ~~وهذا نصه: # لم يبق لأمير المؤمنين - أكرمه الله - عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ~~ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون عن قربك، ~~حريصون على الوفاء لك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها ~~السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها ~~نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي. ~~«فلما قرأت كتابه كتبت إليه وأظهرت له أنه مخطئ، فأصر على الامتناع ومضى إلى حلوان، ~~وجاءني منه كتاب جمع بين الاحتجاج والاعتذار هذا نصه: # أما بعد، فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في ~~محلة العلم نازلا، وفي قرابته من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قريبا، فاستجهلني بالقرآن ~~فحرفه عن موضعه طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه، فكان كالذي ولاني بغرور، ~~وأمرني أن أجرد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقيل العثرة، ففعلت ~~توطئة لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان يحملكم، ثم أنقذني الله بالتوبة، فإن يعفو ~~عني فقد فعل ما عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي، وما الله بظلام ~~للعبيد.» فأشكل علي أمر هذا الكتاب، فجمعت العرافين منذ بضعة أيام، وطلبت إليهم ~~استطلاع ما في نفس الرجل، ms222 فأحسنوا الثناء عليه وقالوا: «إنه تاب عما كان فيه، وإذا ~~أحسنت الظن به وقربته نفعك.» فأمسيت في حيرة من الأمر؛ هل أصدق هؤلاء، أو أظل ~~على عزمي في القبض عليه؟ وكنت أنا في حيرتي هذه أفكر فيك، وأطلب إلى الله أن ~~يرسلك إلي لعلك تطلعني على الصواب. # وكان صالح يسمع كلام المنصور وهو جالس متكئ بكوعيه على فخذيه، ووجهه نحو الأرض كأنه ينظر ~~فيها، فلما فرغ المنصور من كلامه رفع صالح رأسه وقال: «أي العرافين يقول إن الرجل تاب وأن ~~بقاءه ينفعك؟ إن صوت قلبك - يا أمير المؤمنين - أصدق من تكهن العرافين، وخاصة إذا كان ~~فيهم عراف يهودي اسمه حاييم.» # فاستغرب المنصور معرفته ذلك الرجل وقال: «قد لاحظت من حاييم هذا رغبة شديدة في تبرئة أبي ~~مسلم، وإثبات حسن نيته أكثر من سائر العرافين.» # فقال: «لأنه صنيعته، وهو عين له عليك.» # فدهش المنصور لصدق ذلك الزاهد في كل ما قاله، كأن الغيب كتاب مفتوح بين يديه يقرأ منه ما ~~شاء. وكان المنصور قد أساء الظن بذلك اليهودي؛ لأنه لمس فيه الرياء والمكر، فقال: «أظنك على ~~صواب فيما قلت، وسينال هذا اليهودي عاقبة سعيه. فماذا ترى أنت في نية أبي مسلم؟» # قال: «كما ترى أنت يا أمير المؤمنين؛ فإني أرى في بقائه خطرا عليك وعلى دولتك، ولا تعبأ ~~بما جاء في كتابه من عبارات الاعتذار؛ فإنه يلقي التبعة على أخيك الإمام - رحمه الله - أو ~~هي حيلة يحتالها عليك ريثما يتمكن منك فيقاتلك، وتندم حيث لا ينفع الندم، وكأنني فهمت من ~~كلامك أنك إذا قبضت على أبي مسلم تنوي استبقاءه محبوسا، وقد قلت لك إن بقاءه خطر عليك ~~وعلى دولتك؛ لأن الرجل لا تقتصر مطامعه على ولاية خراسان، وإنما هو طامع في ~~الخلافة.» # فضحك المنصور وقال وهو يظهر الاستخفاف: «لا أظنه يبلغ به جنونه إلى هذا الحد؛ لعلمه أن ~~نسبه أقصر من أن يتطاول إلى هذا المنصب، وهو مولى أعجمي، والخلافة لا تكون في غير ~~قريش.» # قال: «أتوسل إلى مولاي أمير المؤمنين ms223 إذا قلت قولا ألا يكذبني لأني لا أقول شيئا من ~~عند نفسي، فأبو مسلم طامع في الخلافة، ولم يغفل عن حصرها في قريش؛ ولذلك فهو ينتحل لنفسه ~~نسبا فيهم، فيزعم أنه من نسل سليط بن عبد الله بن العباس جدكم.» # فلما سمع المنصور قوله وثب من مكانه وثوب الأسد، وقد غلب عليه الغضب، ولم يتمالك أن قال: ~~«يا للجرأة والوقاحة! صدقت. يظهر أنه طامع في الخلافة، وهو يستخف بي؛ فقد كتب إلي يخطب ~~عمتي، وجعل اسمه في ذلك الكتاب قبل اسمي؛ فبقاؤه حجر عثرة في طريق دولتنا ولا بد من قتله، ~~ولكنني قد يئست من استقدامه بالحسنى، وهو مقيم في حلوان، وينوي الانتقال إلى ~~خراسان.» # قال: «أهديك إلى وسيلة لاستقدامه على أهون سبيل؛ ذلك أن تكتب إليه كتابا مع رجل لين ~~اللسان يخاطبه بلطف، ويرغبه في الحضور إليك، ويؤكد له حسن قصدك، وأنك تنوي ترقيته وجعله ~~وزيرا لك، وتوصي رسولك إذا لم يفلح منه بالحسنى أن يهدده بأنك ستحمل عليه حالا وهو بحلوان ~~بعيدا عن رجاله الخراسانيين.» # فقطع المنصور كلامه قائلا: «هذا الذي كنت عازما عليه.» # فقال صالح: «بقي عندي رأي؛ وهو أن تستكتب حاييم اليهودي كتابا إلى أبي مسلم يختمه بخاتمه ~~يدعوه فيه إلى المجيء ويطمئنه، ويؤكد له حسن قصدك، وأنك تنوي ترقيته. اكتب أنت ما تراه من ~~هذا القبيل على لسان هذا اليهودي إلى أبي مسلم، وأحضر الرجل واجعله يختم عليه بخاتمه - ~~وسترى اسمه على خاتمه «إبراهيم»، فلا تستغرب؛ لأن هذا هو اسمه الحقيقي - وتبعث هذا الكتاب ~~مع رسول آخر يدفعه إلى أبي مسلم على حدة كأنه مرسل من صاحبه هذا. وبعد أن تدبر هذا ~~التدبير انتقل إلى بلد آخر، وابق جندك الخراسانيين هنا، وأوص رسولك أن يأتي بأبي مسلم إلى ~~ذلك البلد، فإذا سار إليك أسرع في قتله، واحذر أن تبقي عليه. هذه وصيتي، وليست هي من ~~عندي، وإنما أقول ما يلقى إلي!» # قال: «حسنا، ولكن لا بد من ذهابك معي؛ فقد أصبحت لا أستغني عنك.» # قال: ms224 «سمعا وطاعة، ولكنك تأذن لي أن أعرج في أثناء ذهابي إلى مكان مبارك لي فيه نذر، ~~ثم آتيك إلى حيث شئت.» # قال المنصور: «لا بأس من ذهابك. وما رأيك في المكان الذي سأنتقل إليه؟» # قال صالح: «أرى أن تنتقل إلى المدائن؛ لتوسطها بين البلدين، ولأنها المدينة التي هزم ~~فيها الفرس في أول الإسلام، وسيهزم فيها هذا الفارسي أيضا، بإذن الله.» # فأعجب المنصور بهذا التعليل وتفاءل به وقال: «سأفعل. ومتى عدت وافني إلى هناك.» # ثم ندم المنصور على الإذن بذهاب الزاهد لئلا يفلت منه ثم لا يراه، أو أنه يطلب الفرار ~~خلسة، فقال: «ولكنك كفيف البصر، فينبغي أن أرسل معك من يتولى خدمتك في الطريق.» فلم يسع ~~صالحا إلا القبول، وأخذ في التأهب، فخرج المنصور من عنده، وأمر الحاجب أن يعد له فرسا ~~ويرسل معه رجلين من الخدم يكونان في ركابه حتى يعود. # الفصل السادس والسبعون # | من القلب إلى القلب # وكان صالح ينوي الذهاب إلى جلنار؛ ليطمئنها وينصحها بالبقاء في الدير ريثما تهدأ الأحوال؛ ~~لأنه تذكر قلقها ورغبتها في مرافقته، حتى إنها هددته إذا أبطأ عليها أن تلحق به كأن قلبها ~~قد دلها على أن أبا مسلم قد بدأ يحبها، فأحست بما يجتذبها نحوه. وهذا هو الذي يخشاه صالح ~~على نفسه؛ لأنها إذا أتت إلى دار الخلافة وعلم بها خالد أو إبراهيم أخبروها برسالة أبي ~~مسلم، فتسعى في إنقاذه، فإذا نجحت بقي أبو مسلم حيا فيقتله، فضلا عما في ذلك من إخفاق ~~مسعاه. # وخرج المنصور فكتب الكتابين كما أشار صالح، وبعث إلى العراف حاييم «إبراهيم الخازن»، ~~فلما دخل عليه دعاه إلى الجلوس، فجلس وهو خائف من تلك الدعوة - ويكاد المريب أن يقول: ~~«خذوني.» - وخاصة بعد علمه بوجود الزاهد «صالح» في دار الخلافة، فلما دعاه الخليفة خشي أن ~~يكون صالح قد وشى به، فيقتله المنصور على التهمة. فلما جلس بين يديه لاحظ المنصور خوفه ~~فقال له: «لا تخف يا حاييم؛ لأني دعوتك لتساعدني على إقناع أمير بني العباس (أبي مسلم) أننا ~~لا ms225 نريد به شرا؛ لأننا كاتبناه غير مرة ندعوه إلينا وهو يأبى، مع أنك تعلم حسن ظننا به، ~~كما تعلم صدق توبته ورجوعه إلى الصواب؛ فاكتب إليه كتابا اذكر فيه صدق نيتنا في ترقيته، ~~وأن ليس له عندنا ما يكرهه.» # فعلم إبراهيم أن المنصور لم يكلفه بذلك إلا لعلمه بصداقة أخبره بها صالح، فقال: «وما ~~الفائدة من كتابي إلى جانب كتاب أمير المؤمنين؟» # فقال: «إنه نافع، بإذن الله.» وكان المنصور قد أمر الكاتب فأعد كتابا يرغب أبا مسلم ~~فيه بالحضور، ويؤكد له حسن ظن الخليفة، فدفعه إلى إبراهيم وقال له: «هات خاتمك.» # فارتبك إبراهيم في أمره، ولم ير مندوحة عن الطاعة، فمد يده إلى منطقته وأخرج كيسا صغيرا ~~من جانب الدواة دفعه إلى الكاتب، فأخرج الكاتب من الكيس خاتما طلاه بالمداد وختم به الكتاب ~~ودفعه إلى المنصور، فقرأه فإذا هو «إبراهيم»، فلم يبد ملاحظة، ولكنه ضحك وقال: «يظهر أنك ~~ذو اسمين: اسم داخلي، واسم خارجي. لا بأس عليك.» وتلطف المنصور معه لعله يحتاج إليه في كتاب ~~آخر، ولكنه أبقى الخاتم عنده، وأقام الأرصاد على إبراهيم لئلا يخرج من الأنبار. وذهب ~~المنصور في اليوم التالي إلى المدائن مع جماعة من خاصته، وترك سائر الجند في الأنبار، ولم ~~يظهر غرضه لأحد، واصطحب بعض العرافين، ولبث ينتظر مجيء الجواب من أبي مسلم، ويود مجيء ~~الزاهد قبلا ليستعين برأيه إذا دعت الحاجة إلى ذلك. # أما الزاهد «صالح» فإنه ركب إلى دير العذارى، فلما وصله أبقى الخادمين مع الفرس خارجا، ~~ودخل وقد رفع العصابة عن عينيه وتشدد، وسار حتى لقي جلنار في غرفتها، فوجدها في حالة يرثى ~~لها من البكاء، وريحانة إلى جانبها تخفف عنها. ولما وقع نظرها عليه صاحت فيه: «آه يا صالح! ~~لقد طال سجني في هذا الدير، ونفد صبري، وقلبي يحدثني بخير عند خروجي منه، وتراكمت علي ~~الأحلام على غير المعتاد. ولا أظن أبا مسلم باقيا كما كان؛ فقد رأيته في منامي جاثيا بين ~~يدي يلتمس العفو عما اقترفه نحوي وهو يبكي ويتوسل. ms226 تأمل يا صالح. رأيت أبا مسلم ~~الخراساني؛ بطل المسلمين، يبكي بين يدي، فهممت أن أقبله فاستيقظت، وذهب خياله من أمام ~~عيني، ولا أزال أبكي إلى الآن.» قالت ذلك وهي تكاد تشرق بدموعها. # فاستغرب صالح مطابقة حلمها للواقع، وكاد يبكي لبكائها لولا فظاظة قلبه؛ لأنه لم يسمع منها ~~مثل هذا التصريح قبل تلك الساعة، كأن عواطفها طفحت فلم تعد تملك نفسها، فاستسلمت لرغبة ~~قلبها وباحت بسرها. فلما رآها صالح على تلك الحال لم ير خيرا من تسكين ما بها بالكلام ~~اللين، وتكذيب الأحلام وطمأنتها؛ لتبقى في الدير بضعة أيام أخر، ريثما يتم ما بدأ به من ~~مقتل أبي مسلم، فقال لها: «ما لي أراك على غير ما أعهده فيك من التعقل والرزانة؟ أمن أجل ~~حلم لا معنى له تبكين وتنتحبين وتصدقين المستحيل؟ ومتى كانت أضغاث الأحلام مما يعول ~~عليها في تصاريف الزمان؟ دعي الأوهام وارجعي إلى رشدك. إذا كنت تتوقعين من أبي مسلم حبا؛ ~~فإنك تطلبين من النار ماء؛ لأنه رجل لا قلب له يحب به أحدا، حتى ولا امرأته؛ فكيف تأملين ~~أن يندم على مجافاتك، بل كيف تتوقعين حبه؟!» # فلما سمعت كلامه لم تتمالك أن صاحت فيه: «ألم تكن أنت أول من نقل إلي خبر حبه؟ وأسررت ~~إلي ما في نفسه من الشغف بي، وأنه إنما يمنعه من التصريح به خوفه من ألا يكون عندي مثل ما ~~عنده؛ فكيف تقول الآن إنه لا قلب له يحب به، وتستغرب بكائي شوقا إليه، وتستبعد أن أخطر ~~بباله؟ لقد رأيته الليلة رأي العين كأني في يقظة، أو كأن روحه ناجت روحي. لا شك أنه يحبني. ~~هل يمكن أن يكون قلبي مخدوعا إلى هذا الحد؟ كيف يمكن أن يبلغ مني حبه هذا المبلغ حتى أراه ~~في المنام كاليقظة، وأتلقى عذابه كالراحة، وأنسى سيئاته وإن كثرت، وأموت أو أحيا بكلمة ~~منه، ويكون هو بلا قلب ولا عقل؟ فإن لم يلتفت إلي حبا، فإنه يرق لي شفقة.» قالت ذلك ~~وقد بح صوتها، وخنقتها العبرات، وتكسرت أهدابها، ms227 واحمرت عيناها من البكاء، وريحانة ~~تضمها وتقبلها وتخفف عنها، ودموعها تتساقط بلا صوت كأنها تبكي همسا. # فتعجب صالح لتفاهم القلوب، ومطابقة تلك الرؤيا للحقيقة، وحدثته نفسه أن يبوح لها بحب ~~أبي مسلم وندمه، ثم توقف؛ لعلمه أنها إذا علمت بذلك فسدت خطته، فتماسك وقال وهو يظهر ~~العتاب: «لا بأس يا مولاتي، إني أحتمل هذه الإهانات إكراما لمحبة والدك - رحمه الله - ولا ~~أعتب عليك؛ لأنك فتاة لم تعرفي أمور الدنيا. أهذه عاقبة سعيي في خدمتك طول هذه ~~المدة؟» # فخجلت جلنار لهذا التوبيخ، وتقدمت ريحانة وهي تقول: «لا عتب على مولاتي مهما قالت وهي ~~فيما تراه من التأثر. لست أدرى ما الذي أصابها منذ ألقى إليها ذلك اليهودي هذه العبارة. ~~ليته مات قبل ذلك الحين.» # فقال صالح: «وهل إذا أذنب اليهودي أعاقب أنا؟ لقد تحملت المشاق في هذه البراري لأطمئن ~~عليكما، وأبشركما بقرب النجاح، فبدلا من أن تلقياني بالترحاب، وتسألاني عما جرى، تسمعانني ~~هذا التوبيخ؟ لا بأس يا سيدتي. هل عندكما طعام؟ فإني لم أتناول طعاما منذ أمس.» # فخجلت جلنار، وأسرعت ريحانة وأتته بما عندها من الطعام، فأكل وهم سكوت، وقد هدأ روع ~~جلنار فندمت على ما أظهرته من الحدة، ولكنها استنكفت الاعتذار، وشعرت بتغيير قلبها، وأحست ~~لسبب لا تعلمه بما ينفرها من صالح، وأصبحت إذا نظرت في عينيه اعتراها نفور، فلم تعد تستطيع ~~الاقتراب منه، فنهضت إلى غرفة أخرى واستلقت على الفراش وهي تتظاهر بالتعب والنعاس. ~~وظلت ريحانة بين يدي صالح تعتذر عما فرط من سيدتها، ~~وسألته عما جرى، فأظهر أنه متأثر مما سمعه وقال: «سأخبرك عن ذلك في المرة القادمة، فإني ~~أسعى جهدي في مصلحتها، ولا أبالي بغضبها أو رضاها، فاسمحي لي أن أنصرف الآن، ومتى أفاقت ~~مولاتك أهديها سلامي.» قال ذلك وخرج فأصلح عصابة عينيه وعاد إلى ما كان عليه، فوجد الخادمين ~~في انتظاره بالجواد، فركب وعاد. # الفصل السابع والسبعون # | مقتل أبي مسلم # أما المنصور فنزل في قصره بالمدائن ومكث ينتظر مجيء أبي مسلم أو جوابه، وبعد بضعة أيام ms228 ~~وصل صالح (الزاهد) وقد سمع ما سمعه من جلنار، وصمم على تعجيل قتل أبي مسلم جهد الطاقة؛ لئلا ~~يعترضه معترض، وهو يعلم أنه إذا لم يقتله قتل هو؛ إذ ليس من يعرف حقيقة حاله إلا هو ~~وخازنه إبراهيم. واستبطأ المنصور أبا مسلم فسأل صالحا عن سبب الإبطاء، فقال: «لا بد من ~~حضوره، وإذا لم تنجح معه هذه الحيلة، فعندي حيلة أخرى لا شك في نجاحها.» وهو يهدف إلى تزوير ~~كتاب عن لسان جلنار جوابا على كتابه إليها، فهذا لا شك يحمله على الحضور. # على أنه لم يجد حاجة إلى ذلك؛ فبعد بضعة أيام أخر، جاء البشير أن أبا مسلم قادم، فبعث ~~المنصور من يستقبله ويرحب به، ويبلغه سلامه وشوقه، فاطمأن أبو مسلم - وكان لا يزال حزينا ~~كئيبا لارتيابه في هذه الدعوة - فسار في موكبه حتى أقبل على قصر المنصور، فأذن بدخوله ~~فدخل. وكان صالح عنده على وسادة في أحد جوانب القاعة، فتقدم أبو مسلم وقبل يد المنصور، ~~فأظهر ارتياحه وأمره أن ينصرف ويفرج عن نفسه ثلاثة أيام، ويدخل الحمام، فانصرف. وشق هذا ~~التأجيل على صالح مخافة أن يحدث ما يمنعه من قتله، فقال للمنصور: «أرى مولاي يؤجل فيما ~~يدعو إلى المبادرة؟» # فقال: «تركناه ليطمئن قلبه، ثم نرى.» # فلما سمع قوله خشي أن يكون في نيته غير القتل، فقال: «ثم ترى ماذا؟ اقتل، ثم اقتل، ثم ~~اقتل، وإذا لم تقتله قتلك.» # فضحك المنصور وقال: «لا تخف؛ لا يلتقي فحلان في أجمة إلا قتل أحدهما صاحبه.» فاطمأن ~~صالح. # أما أبو مسلم، فمكث ثلاثة أيام لم ير في أثنائها خازنه إبراهيم ولا خالد بن برمك، فاستوحش ~~من غيابهما وانقطاعهما، وعاد إلى هواجسه. وفي اليوم الثالث، جاءه رسول من المنصور، فركب ~~ومعه بعض رجاله. وكان المنصور قد أعد خمسة من حراسه خبأهم خلف الرواق بالسلاح وقال لهم: ~~«إذا صفقت فاهجموا عليه جميعا واقتلوه.» فلما وصل أبو مسلم عند الباب ترجل ودخل منفردا ~~حتى مر بالرواق إلى القاعة، وفي صدرها سرير قد جلس عليه المنصور ms229 وحده، وليس في القاعة إلا ~~ذلك الزاهد، وقد جلس جاثيا وأطرق، فلما دخل أبو مسلم حيا، ووقف وقد تقلد سيفه، وعلى ~~رأسه قلنسوة طويلة، فلم يدعه المنصور للجلوس فزاد استيحاشا، فاحتال المنصور قبل كل شيء في ~~أخذ سلاحه منه، فقال له: «أخبرني عن نصلين أصبتهما مع عمي عبد الله.» # فمد أبو مسلم يده إلى سيفه وقال: «هذا أحدهما.» # قال: «أرني إياه.» # فدفعه إليه، فوضعه المنصور تحت فراشه، ثم أقبل يعاتبه عن أمور كثيرة كان قد أساء فيها، ~~وهو يرد ردا جميلا، حتى قال المنصور: «ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك وتخطب عمتي آمنة بنت ~~علي، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس؟ لقد ارتقيت - لا أم لك - مرتقى صعبا.» فكانت ~~هذه العبارة أول ما حرك غضب أبي مسلم، ولكنه كظم غضبه وظل ساكتا وقد تشاغل بإصلاح ردائه ~~على كتفيه، فقال له المنصور: «ما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير برغم مناصرته لدعوتنا؛ ~~فإنه أحد فتياننا، وهو الذي أدخلك في هذا الأمر؟» # قال: «أراد الخلاف وعصاني فقتلته.» ولما طال العتاب على هذه الصورة لم يعد أبو مسلم يطيق ~~صبرا فقال: «لا يقال هذا لمثلي بعد بلائي ونصرتي وما كان مني.» يشير بذلك إلى نصرته ~~لدعوتهم. فقال المنصور: «يا ابن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لفعلت مثل ما فعلت . ~~إنما عملت ما عملته في دولتنا بريحنا وجاهنا، فلو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا.» # فأحس أبو مسلم بدلائل الغدر في المنصور، ورأى نفسه منفردا هناك، فتقدم إلى المنصور وأخذ ~~بيده يقبلها ويعتذر، فقال المنصور: «ما رأيت كاليوم! والله ما زدتني إلا غضبا.» # فعادت الأنفة إلى أبي مسلم فقال وصوته يرتجف من الغضب: «دع هذا. لقد أصبحت لا أخاف سوى ~~الله.» فغضب المنصور وصفق بيده على الأخرى، فخرج عليه الحرس فضربه أحدهم فقطع حمائل سيفه، ~~فصاح أبو مسلم: «أبقني لعدوك يا أمير المؤمنين.» فقال: «لا أبقاني الله إذن؛ أي عدو أعدى ~~منك لي؟» فصاح: «العفو، العفو، يا أمير المؤمنين.» وما ms230 من مجيب، فتساقطت السيوف عليه، فخر ~~على الأرض صريعا. # 1 # فنهض المنصور ليتحقق من موته، فرآه لا يزال يتخبط في دمه ويزأر كالأسد الجريح، فحول ~~بصره وهو يتجلد، وسمع غوغاء في غرفة مؤدية إلى تلك القاعة، ثم رأى بابها قد دفع بقوة، ~~ودخلت منه فتاة مكشوفة الرأس، محلولة الشعر، سافرة الوجه، يتدفق وجهها جمالا وهيبة، وقد ~~هرعت ويداها ممدودتان وصاحت: «العفو، يا أمير المؤمنين، العفو عني وعنه أو اقتلني معه.» وفي ~~أثرها خادمتها تصيح مثل صياحها. فلما سمع صالح الصوتين عرف أنهما صوتا جلنار وريحانة، ~~فأسقط في يده، واستغرب مجيئهما في تلك الساعة، وجمد الدم في عروقه، ولكنه تجلد ووقف، ~~وأراد أن يزوغ في أثناء الغوغاء، فإذا برجل قد دخل على أثر المرأتين وأمسك بطوقه وصاح: ~~«امكث هنا يا خائن. لقد خدعت أمير المؤمنين وحملته على قتل كبير قواده وتطلب ~~الفرار؟» # فبغت المنصور لتلك الضوضاء، واستغرب جرأة الداخلين عليه بغير استئذان، وأراد أن ينادي ~~الحرس ليسألهم عن ذلك، فاستوقف انتباهه منظر تتقطع له الأكباد؛ إذ رأى جلنار أقبلت على أبي ~~مسلم وهو مطروح على أرض القاعة والدم يسيل من جوانبه، وقد توسط البساط معارضا ووجهه نحو ~~المنصور كأنه يتوعده، وقد انتثرت قلنسوته عن رأسه، فظهر شعره وتلوث بالدم. فلما رأته جلنار ~~على تلك الحال صاحت: «أبا مسلم!» فالتفت ونظر إليها بعينين تكادان تجمدان من الاحتضار، وقال ~~بصوت مختنق: «سامحيني يا جلنار.» ثم ارتج عليه وأخذ يبكي بكاء الطفل، فسقطت وقد أغمي ~~عليها، فتجمع الحضور حولها ورشوها بالماء، فلما أفاقت لم يكن همها إلا أن تنظر إلى أبي ~~مسلم. وكان قد فارق الحياة وشخصت عيناه وجمدتا وهما متجهتان إليها، والدمع لا يزال فيهما، ~~فرمت بنفسها عليه، وراحت تتمرغ في ردائه، وتغمس كفيها في دمه، وتمسح وجهها، ثم همت بيديه ~~وصدره، وأخذت تقبل ثوبه، وتستنشق ريحه، وتبكي وتلطم حتى لم يبق في الغرفة إلا من تقطع قلبه ~~عليها. فلما رأى المنصور ذلك أمر الحراس أن يلفوا جثة أبي مسلم بالبساط ويخرجوها من ms231 القاعة، ~~فلفوه وهي تحاول دفعهم عنه، وخرجوا جميعا، ولم يبق هناك إلا جلنار وخادمتها، استبقاهما ~~المنصور ليعرف سبب إقدامهما على ذلك العمل، ثم تقدم إلى الفتاة وأنهضها وهو يقول لها: «ما ~~بالك يا بنية؟ ما الذي أصابك؟» # فانتبهت والتفتت إلى ما حولها، فلم تجد جثة أبي مسلم فقالت: «أين هو؟ دعوني أودعه أو ~~خذوني معه.» # فقال لها المنصور: «اعلمي يا صبية أن أمير المؤمنين يخاطبك.» # فوقفت وتأدبت، ثم التفتت وهي تبحث عن ريحانة، فرأتها ممسكة بثوب صالح، وإبراهيم قابض على ~~طوقه وهو يحاول الفرار، فصاحت فيه: «أهذا جزاء الثقة يا صالح؟ يأتيك كتاب أبي مسلم بالتوبة ~~والمصالحة، وأخبرك أن قلبي يحدثني بذلك وأنت تخفي عني حبه، كأنك خفت أن يفلت هذا الأسد من ~~القتل فيقتلك. وما كفاك ذلك، بل حرضت أمير المؤمنين على قتله، وأقنعته أن كتابه ينطوي على ~~الخداع، وأن التوبة التي تحدث عنها إليه كاذبة. وهذا كتابه إلي - كتبه منذ بضع سنوات - ~~يشهد بصدق توبته عن كل شيء.» قالت ذلك وأخرجت من جيبها منديلا من الحرير الأحمر فيه كتاب ~~من رق دفعته إلى المنصور، فتناوله وهو في حيرة مما يشاهده. وقد دهش على الخصوص لما رآه ~~من قبض إبراهيم اليهودي على طوق الزاهد. وكان المنصور لا يزال ممسكا بيد جلنار، فأجلسها ~~على السرير وجلس إلى جانبها، وصاح بإبراهيم: «ويحك ! ما هذه الجرأة؟ كيف تقبض على هذا الرجل ~~الصالح في حضرتي.» # قال: «لا تدعه صالحا يا أمير المؤمنين، فإنه من أشر خلق الله. إنه شرير يستوجب القتل ~~الشنيع؛ لأنه حرضك على قتل أبي مسلم، وأنكر توبته، وخدعك بما يظهره من التقوى والزهد، وهو ~~من أكبر أعداء أمير المؤمنين.» # فبهت المنصور حتى ظن نفسه في حلم، فقال: «دعه وأخبرني بما تعرفه عنه.» # قال: «لا أتركه حتى تأمر بالقبض عليه.» # فقالت ريحانة: «أتركه؛ فإني قابضة عليه، وسوف يعجز عن الفرار مني.» # الفصل الثامن والسبعون # | الخاتمة # فتركه إبراهيم ووقف بين يدي الخليفة وقال: «إن هذا الذي يتظاهر بالزهد ويسمي نفسه تارة ~~صالحا، ms232 وطورا الضحاك، وآونة الزاهد؛ رجل من الخوارج الأشرار كان في جملة رجال شيبان بقرب ~~مرو في أثناء محاصرة أبي مسلم إياها، وقد قام في نفسه أن يساعد حزبه بالمكائد والحيل، ~~فالتصق بوالد هذه الفتاة؛ وهو من الدهاقين في خراسان، فجعل نفسه خادما عنده، واحتال حيلا ~~استخدم فيها هذه الفتاة لقتل أعدائه، وهي تطيعه عن سذاجة وسلامة نية؛ طمعا في مساعدته في ~~الفوز بأبي مسلم. وقد كان أقنعها أن أبا مسلم يحبها، وزعم أنه شكا إليه حبها، ولم يكن هذا ~~القتيل يعلم ذلك، ثم ظهر لها أن أبا مسلم لا يحبها، فحملت ذلك محمل الخيانة منه، وحرضها هذا ~~الشرير على الانتقام منه لوالدها. وكان أبو مسلم قد قتله بدسيسة بعضهم، فحمل هذه الفتاة ~~وطار بها في الآفاق يترقب الفرص لإتمام غرضه. والخوارج - كما لا يخفى على أمير المؤمنين - ~~لا يرون السلطة جائزة لأحد. ثم ندم أبو مسلم على جفائه، ورأى أن هذه المسكينة مظلومة، ~~فبعثني بكتاب منه هو هذا الذي بيد أمير المؤمنين، وكلفني أن أطوف البلاد للبحث عنها، ~~فوجدتها في الكوفة وهممت أن أخبرها بالأمر، فحال هذا اللعين بيننا؛ لأنه لما علم بمجيئي ~~هرب بها إلى دير خارج الكوفة، وأسرع للاحتيال على أمير المؤمنين حتى أقام في قصره، وأظهر ~~أنه يشير عليه ويطلعه على الغيب، ثم بلغه أنني أبحث عن هذه الفتاة لأبلغها هذه الرسالة، ~~فكتم ذلك عنها مع أنه شاهدها بالأمس، وشكت إليه غربتها وأن نفسها تحدثها برضى حبيبها، وهو ~~ينكر ذلك مخافة أن يكون في اطلاعها على فحوى الكتاب ما يخفف ذنب ذلك المسكين عند أمير ~~المؤمنين. ولا شك عندي أن أمير المؤمنين لو اطلع على هذا الكتاب قبل فتكه بهذا القائد ~~العظيم لحفظ له حياته؛ إذ يتحقق من توبته وتعلقه بالخلافة العباسية. # وقد عرفت بوجود هذا الخارجي في دار أمير المؤمنين منذ أمرتني بكتابة ذلك الكتاب الذي كان ~~سببا في مقتل هذا الرجل، وعلمت أنه ما من أحد يعرف مكان جلنار سواه، فما زلت أترقب خروجه ~~إليها ms233 حتى المرة الأخيرة، فأرسلت غلاما عرف مكانها، وعاد إلي قبل رجوعه، وأنا مع أمير ~~المؤمنين في هذه المدينة. فلما جاء أبو مسلم منذ ثلاثة أيام فرحت بمجيئه، وأحببت أن ~~أفاجئه بمجىء حبيبته، فلم أذهب للسلام عليه، بل أسرعت إلى الدهقانة ودفعت الكتاب إليها، ~~فجاءت معي وقلبها يكاد يطير من الفرح، فسرني أن يتم لقاء هذين الحبيبين تحت ظل أمير ~~المؤمنين، فلما وصلنا إلى هذا القصر قيل لنا إن أبا مسلم في مجلس الخليفة، فالتمسنا من ~~قيم الدار أن يدخلنا لنقيم ريثما يفرغ من المقابلة، فأدخلونا إلى هذه الحجرة المؤدية إلى ~~هنا، فجلسنا ننتظر خروج هذا المسكين، ثم سمعنا صوته واستغاثته، وعلمنا أنه يقتل، فهجمت هذه ~~الفتاة وهي لا تعي ولم أستطع ردها، وفعلت ما رأيتموه. وإذا شاء أمير المؤمنين أن يتلى ~~هذا الكتاب بحضرته، تحقق من صدق قولي.» # فأخفى المنصور الكتاب لئلا يكون فيه ما يثبت توبة أبي مسلم، فيذاع أنه قتل ~~مظلوما. # فلما فرغ إبراهيم من كلامه صاحت جلنار بصالح: «ويلك يا خائن! أنت من الخوارج، وقد خدعتني ~~طوال هذه المدة، وأنا أضعك في منزلة أبي؟» وصرت على أسنانها وأطرقت وهي تبكي. # فقالت ريحانة وهي لا تزال ممسكة بثوب صالح: «اعلم يا أمير المؤمنين أن هذا الرجل هو الذي ~~سعى في مقتل الإمام إبراهيم عند مروان، ثم جعل نفسه زاهدا ، فجاءكم في الحميمة وخدعكم، ولا ~~يزال يخدعكم إلى الآن. وإذا كنت لا تصدق قولي؛ فاطلب منه أن يزيل هذه العصابة عن عينيه، ~~فيظهر لك أنه سليم البصر وهو يتظاهر بالعمى.» قالت ذلك ومدت يدها، فحلت العصابة فبانت ~~عيناه، فأجال نظره في الحضور وهو ثابت الجنان، رابط الجأش، كأنه واقف على ضفاف دجلة ~~للنزهة. # فلما سمع المنصور ذلك انفطر قلبه على تلك الفتاة، ولكنه لم يندم على قتل أبي مسلم، ثم ~~التفت إلى صالح فرآه واقفا لا يتكلم ولا يرتعد، ولم تظهر عليه البغتة، فأراد أن يسأله عما ~~سمعه فقال له: «ماذا تقول عما سمعته؟» # فقال صالح: «كل ما قالوه ms234 صحيح.» # فقال المنصور: «تقول ذلك ولا تخشى غضبي؟» # فقال صالح: «لست أخشى غضبك. فهل تستطيع أن تفعل بي شيئا أشد من القتل؟ وأنا لا أبالي ~~بالذي يصيبني بعد أن حققت هدفي بقتل هذا الظالم، غير أني أنصحك أن تقتل هذا اليهودي أيضا؛ ~~لأنه من أكبر المنافقين.» # فقال المنصور: «أما القتل، فإنه قليل على ذنوبك؛ لأنها كثيرة، وكل واحد منها تستحق عليه ~~القتل.» ثم نظر إلى جلنار فرآها مطرقة وقد استغرقت في أحزانها، فأراد أن يشفي غليلها، فقال ~~لها: «إن هذا الجاني لك؛ فاختاري الطريقة التي تريدينها لقتله مما يشفي غليلك.» # فرفعت بصرها إلى الخليفة والدمع ملء عينيها وقالت: «هل إذا بالغت في عذابه يحيا حبيبي؟ لا ~~يهمني بأية طريقة يقتل.» قالت ذلك وقد خنقتها العبرات. وكانت قد هدأ روعها من البغتة وعاد ~~إليها رشدها. # فأعجب المنصور بتعقلها والتفت إلى صالح وقال: «كل ضروب القتل قليلة على ذنوبك، ولكنني ~~سأقتلك كما قتل الحجاج فيروز.» وصفق فدخل الحراس، فأمرهم أن يشقوا القصب الفارسي ويخلعوا ~~ملابس الرجل، ويشدوا القصب المشقوق على جسده، ثم يسلوه قصبة قصبة فيجرحه، ثم يصبون عليه ~~الخل والملح حتى يموت من الألم، فأخذوه وفعلوا به ما أمرهم به الخليفة. # فلما سمعت جلنار ذلك الوصف اقشعر بدنها، والتفت المنصور إليها وقال: «وأنت يا بنية، ~~عظم الله أجرك في والدك وحبيبك، وقد نفد القدر، ولا راد لما نزل، فإذا شئت أن تنزلي في ~~دار أمير المؤمنين مثل سائر أهله نزلت مكرمة معززة، أو اخترت الإقامة في مكان آخر؛ كان لك ~~ما تريدين.» # فأثنت على فضل المنصور وقالت: «إذا أحب أمير المؤمنين أن يسعدني فليلحقني بهذا.» وأشارت ~~إلى مكان أبي مسلم وعادت إلى البكاء. # فقال المنصور: «إن البكاء لا ينفعك؛ فاذهبي الآن مع حاضنتك إلى دار النساء للاستراحة؛ ~~فإننا في شغل.» # فنهضت وأخذت تبحث عن جثة أبي مسلم في أقصى القاعة فلم تجدها؛ لأنهم كانوا قد لفوها في ~~البساط، ثم التفتت إلى المنصور ووجهها ملوث بالدم وقالت: «أوصيك بهذه الجثة خيرا.» وخرجت ms235 ~~وهي تبكي وكفاها على عينيها، وقد جمد الدم عليهما، وريحانة تتبعها. # أما إبراهيم فإن وصية صالح بقتله أثرت على المنصور، وأوجبت الشك فيه على الأقل، فأمر ~~بقتله سرا. والتكتم وحفظ الأسرار من شئون الدولة العباسية. # وأما جلنار فقضت تلك الليلة هناك وهي تندب حظها، وتبكي حبيبها، وأصبح أهل الدار في اليوم ~~التالي فلم يجدوها بينهم، ولا عرفوا مكانها؛ لأنها كرهت معاشرة الأحياء، واختارت الإقامة في ~~الدير الذي كانت فيه مع حاضنتها، وانقطعت عن الناس ولم نعلم مصيرها! ms236