######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.AminWaMamun.Hindawi75919582 #META# Tags: novels #META# ID: 75919582 #META# Title: الأمين والمأمون #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # مراجع هذه الرواية‏ # في خان سمعان‏ # القصر المأموني‏ # زينب ودنانير‏ # دنانير وأم جعفر‏ # ابن ماهان صاحب الشرطة‏ # خلافة الأمين‏ # ميمونة وابن الفضل‏ # موكب ابن الفضل‏ # الأمين والفضل بن الربيع‏ # إلى المدائن‏ # في إيوان كسرى‏ # بين ميمونة وبهزاد‏ # العودة إلى زينب‏ # مجلس الفضل‏ # ميمونة والأمين‏ # بين زبيدة وعبادة‏ # الفضل بن سهل‏ # المأمون‏ # ساحة الحرب‏ # خلع المأمون‏ # مقتل الأمين‏ # بهزاد وميمونة‏ # الخائن لا صديق له‏ # أبطال الرواية‏ # مراجع هذه الرواية‏ # في خان سمعان‏ # القصر المأموني‏ # زينب ودنانير‏ # دنانير وأم جعفر‏ # ابن ماهان صاحب الشرطة‏ # خلافة الأمين‏ # ميمونة وابن الفضل‏ # موكب ابن الفضل‏ # الأمين والفضل بن الربيع‏ # إلى المدائن‏ # في إيوان كسرى‏ # بين ميمونة وبهزاد‏ # العودة إلى زينب‏ # مجلس الفضل‏ # ميمونة والأمين‏ # بين زبيدة وعبادة‏ # الفضل بن سهل‏ # المأمون‏ # ساحة الحرب‏ # خلع المأمون‏ # مقتل الأمين‏ # بهزاد وميمونة‏ # الخائن لا صديق له‏ # | الأمين والمأمون # | الأمين والمأمون # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # الأمين: # ابن هارون الرشيد. # المأمون: # ابن هارون الرشيد. # الفضل بن الربيع: # وزير الأمين. # الفضل بن سهل: # وزير المأمون. # زبيدة: # زوجة الرشيد. # زينب: # بنت المأمون. # دنانير: # مربية زينب. # عبادة بنت محمد: # أم جعفر البرمكي. # ميمونة: # بنت جعفر البرمكي. # بهزاد: # حفيد أبي مسلم الخراساني. # طاهر بن الحسين: # قائد المأمون. # | مراجع هذه الرواية # هذه هي المراجع التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الرواية ووقائعها التاريخية: # تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان. # العقد الفريد. # تاريخ ابن الاثير. # أبو الفداء. # سير الملوك. # معجم ياقوت. # كتاب البلدان لليعقوبي. # الأغاني لأبي الفرج. # تاريخ المسعودي. # | في خان سمعان # كان المنصور قد بنى مدينة بغداد باسمه سنة 145ه، وجعلها معقلا له ولجنده ورجال دولته، ~~وشيد في وسطها قصرا له سماه قصر الذهب وأقام بجانبه مسجدا عرف باسمه، كما أنشأ الأبنية ~~فيما بقي من المدينة لأعمال حكومته، ولرجال خاصته، وأحاط المدينة بسور مثلث الجدران، فتح ~~فيه أربعة أبواب سماها بأسماء الجهات التي تؤدي إليها؛ فسمى الشرقي الشمالي باب خراسان، ~~والشمالي الغربي باب الشام، والشرقي الجنوبي باب البصرة، والغربي الجنوبي باب الكوفة. وأقطع ms001 ~~رجاله ما يحيط بالمدينة من الأرباض فابتنوا فيها القصور وعرفت تلك الأرباض بأسمائهم. ولم ~~يمض زمن حتى تكونت حول المدينة أحياء عرفت بأسماء خاصة بها، أشهرها الحربية في الشمال، ~~والكرخ في الجنوب. وقامت الأبنية شرق دجلة ونشأت هناك أحياء الشماسية والرصافة والمحرم ~~وغيرها. وبنى خارج باب خراسان قصرا كبيرا عرف بقصر الخلد، وجعل بينه وبين ذلك الباب ~~ميدانا كبيرا يمتد منه طريق يتجه نحو الشمال الشرقي إلى الجسر الأوسط القائم على دجلة، ثم ~~يعرج شمالا ثم شرقا حتى يمر بين الرصافة والمحرم، ويعرف بطريق خراسان. ويتخلل تلك الأحياء ~~كثير من القصور والحدائق والأنهار (أو الترع) المتفرعة من دجلة إلى كل الجهات. # وكان من بينها نهر يجري من دجلة شرقا حتى يخترق الرصافة والشماسية، عرف بنهر جعفر. وعلى ~~جانبي هذا النهر أو الترعة وراء الرصافة بساتين فيها الأغراس والأشجار وبعض الأبنية، وهناك ~~بستان واقع على طريق خراسان من جهة وعلى ذلك النهر من جهة أخرى، اتخذه بعض الخمارين من ~~أنباط السواد خانا ينزل به القادمون إلى بغداد من الغرباء. وجعل فيه مما يلي الطريق بيتا ~~يبيع فيه الخمور والأنبذة ويصنع فيه الأطعمة لمن شاء من الغرباء أو البغداديين. # وكان لبعده عن العمارة ووقوعه على قارعة الطريق يقصده الراغبون في ترويح النفس أو تناول ~~الخمر من طبقات العامة لرخص الأثمان وقرب التناول، ومن بعض الخاصة الراغبين في شرب الخمر ~~خفية خشية الرقيب أو فرارا من العار. # أما صاحب هذه الحانة فكان في حدود الستين، عركه الدهر، ولانت نفسه حتى كادت تسيل رقة. وقد ~~عاصر ثلاثة من خلفاء بني العباس، هم: المهدي، والهادي، والرشيد. وشهد كثيرا من الأهوال ~~آخرها نكبة البرامكة منذ ستة أعوام، ظل ثلاثة منها يشاهد جثة جعفر منصوبة على جسر ~~بغداد. # والخمارون يعتادون دماثة الخلق بما يعرض لهم من مخالطة الناس في أحوال سكرهم ولهوهم، ~~ولاضطرارهم إلى مجاراتهم في طباعهم؛ فيهون عليهم احتمال الضيم والصبر على الأذى مرضاة ~~«لزبائنهم»؛ فلا عجب أن كان ذلك الخمار من ألين الناس عريكة وأطولهم ms002 بالا وأكثرهم اطلاعا ~~على نقائص البشر وأكتمهم لأسرارهم. وكانت حرفته هذه تكاد تكون خاصة بأهل الذمة من اليهود أو ~~الأنباط سكان البلاد الأصليين؛ وذلك لتحريم شرب الخمر وبيعها على المسلمين. # وكانت حانة ذلك النبطي غرفة من ذلك البيت، في أرضها حصير عليه وسائد من الخيش محشوة ~~بالقش، وفي جدرانها كوى فيها دنان الأنبذة والخمور مما صنع من العنب أو التمر أو التفاح أو ~~غيرها من الثمار، وفوق الكوى رفوف عليها زجاجات أو أباريق وأقداح من الزجاج أو الخشب يكيل ~~بها الخمر أو النبيذ، ومن بينها ما يسع رطلا أو نصفه أو ربعه. وعلق على صدر الغرفة بربط، ~~وعود، ودف. ترغيبا للمترددين عليه في أسباب السرور. ويغلب أن يكون الخمار رخيم الصوت يحسن ~~الضرب على بعض هذه الآلات أو كلها. وكان بعض الخمارين في بغداد يجعلون في حانتهم قينة رخيمة ~~الصوت حسنة الصنعة جميلة الطلعة يشرب الطلاب على صوتها. # ففي يوم من أيام سنة 193ه، مضى النهار على ذلك الخمار دون أن يقصد حانته أحد؛ لبعدها عن ~~مركز المدينة. وكان أكثر ارتزاقه من المارة الغرباء، وهو يؤثرهم على أهل المدينة لأنهم ~~يجهلون الأسعار، ولا يميلون إلى المساومة كأهل البلد؛ فلا يبالي أحدهم أن يؤدي ثمن الرطل من ~~النبيذ خمسة دراهم على حين أن ثمنه لا يزيد على درهمين. فلما انقضى النهار ولم يأته أحد ~~أوقد في بعض جوانب البستان نارا ليشوي سمكة أعدها لعشائه. وفيما هو ينفخ في الوقود، ~~والدخان يتصاعد على وجهه حتى يتخلل لحيته ويغشى عمامته، وقد استوفز وشمر قفطانه وشكه من ~~أطرافه بزنارة. سمع صوتا من قبل باب الحانة يناديه: «يا معلم سمعان.» فخفق قلبه سرورا ~~وأسرع ليرى مناديه فوجده من العيارين، وهم كثيرون يومئذ في بغداد، ومعظمهم من أهل البطالة ~~الذين يعيشون من الدعارة والنهب. وكان معه رفيق له، فلما رآهما استعاذ بالله، ولكنه كان قد ~~تعود الكظم في مثل هذا الموقف، وعلم ألا مفر من استقبالهما حتى لا يصيبه أذى فتجلد وتقدم ~~باسما مرحبا. # وكان العيار ms003 لابسا خوذة من الخوص، وعلى صدره دراعة من الجلد المدبوغ عليها نقوش ملونة، ~~وهو عاري الذراعين، قد علق بكتفه اليمين مخلاة فيها حصى، وعلى حقويه سراويل من الخيش الثخين ~~تكسوه إلى الركبتين، والمقلاع معلق بكوعه، وهو سلاح العيارين. وكان مكشوف الساقين حافي ~~القدمين، يمسك بإحدى يديه عصا غليظة، وبالأخرى رغيفا أكل بعضه وفي فمه لقمة يمضغها وهو ~~يقول: «اسقنا يا معلم.» # فرحب به الخمار وعمد إلى رطل صب فيه نبيذا وأعطاه إياه، ثم نظر إلى رفيقه فإذا هو بملابس ~~الجند، وهي الدراعة على ظهرها طراز الدولة «فسيكفيهم الله وهو السميع العليم»، وعلى رأسه ~~قلنسوة مستطيلة مدعمة بالعيدان. وقد علق السيف بمنطقته فوق قباء أسود. فتوسم الخمار منه ~~خيرا لعلمه أن الجنود يؤدون ثمن ما يأخذونه إذا أخذوا رواتبهم. وطلب منه الجندي أن يعطيه ~~رطلا؛ فبادر إلى إجابة طلبه ورحب به، فشرب الجندي واقفا، ثم تجشأ ومشى متبخترا. أما ~~العيار فأخذ القدح وأدناه من فيه وهو يقول: «بورك فيك يا معلم سمعان، والله لأجعلنك عيارا ~~عندي متى صرت عريفا أو مقدما.» # فقهقه الجندي وتقدم إلى سمعان فوضع يده على كتفه، وقال وفي لهجته عجمة، لأنه فرغاني الأصل ~~من أبناء الجنود الذين استقدمهم المنصور في أيامه: «وأنا أعاهدك إذا حدث الانقلاب القريب ~~وأخذنا مخصصاتنا على أن أعطيك ثمن هذه الأرطال مضاعفا. وأظنني مدينا لك بشيء من قبل، ولكن ~~ما العمل؟ لا بد من الصبر!» # فقطع العيار كلامه وقال: «وأنتم أيضا تشكون القلة والفقر؟ ألستم من أصحاب ~~الرواتب؟» # قال: «صدقت يا صاحبي، إننا نأخذ رواتبنا ولكنها لا تفي بنفقاتنا ومن نعول. وهل يقوم ~~بالجندي غير الغنائم في الحرب أو ...» وتوقف وأخذ يهمس حذر سامع؛ فسبقه العيار وقال: «أو ~~عند وقوع تغيير أو انقلاب في قصر الخلافة؛ إذ تنالون أجوركم أضعافا مضاعفة، ناهيك بحق ~~البيعة ... طب نفسا فإن ذلك قريب.» # فوضع الجندي يده على فم صاحبه يريد إسكاته حذرا من الفضيحة. وكان سمعان يسمع كلامهما ولا ~~يهمه مما يسمعه إلا ما يتوسم من ورائه ms004 استيفاء دينه ؛ فلما رآهما يحاذران الكلام وهما بالباب ~~تقدم إليهما وقال: «تفضلا وادخلا.» وأشار إلى الحصير كأنه يدعوهما إلى الجلوس، فدخلا ومد ~~العيار يده إلى البربط المعلق على الحائط فتناوله ودفعه إلى الخمار، ثم جلس وقال: «علمت أنك ~~تحسن الغناء والضرب على البربط لقرابة بينك وبين برصوما الزمار، فأسمعنا.» # فتناول سمعان البربط وهم بإصلاحه وهو يقول: «يا ليتني كنت من أقارب برصوما؛ فإنه من ~~المقربين إلى مولانا أمير المؤمنين يستمتع برفده وجوائزه.» # فقال الجندي: «لو كنت تحسن النفخ في المزمار لكنت أصبت مثل حظه، أو حظ إبراهيم الموصلي ~~المغني، أو ... ولكن اشكر الله على حالك؛ فإن التقرب من القصر لا يخلو من الخطر؛ فمهما تصادف ~~من نعيم فلن يكون خيرا من نعيم البرامكة، وأنت تعلم مصيرهم!» # فقطع العيار كلامه قائلا: «أراك يا صاحبي من الفلاسفة ورجال الزهد، أما أنا فأدخلني قصر ~~الخلد واجعلني مغني الخليفة أو زامره أو شاعره، ثم ليكن بعد ذلك ما يكون، أو اجعلني جنديا ~~مثلك على الأقل؛ تأخذ أجرك وأنت قاعد، وإذا ذهبت في حرب عدت بالغنائم والأسلاب والسبايا من ~~النساء الجميلات!» # فابتدره قائلا وهو يهز رأسه: «إذا عدت حيا!» # فقال له العيار: «ولماذا لم تذهب في الحملة التي سار فيها أمير المؤمنين إلى سمرقند منذ ~~بضعة أشهر لمحاربة رافع بن الليث، ألا تتوقع منها فوزا؟» # قال: «علم المستقبل عند الله، وليس لنا رأي في تجنيدنا، وإنما الأمر لقوادنا. ولقد خرج ~~الرشيد في هذه الحملة يشكو مرضا وأناب عنه ابنه الأمين في بغداد. والأمين كريم الخلق جواد ~~لا يخشى بأسه مثل أبيه. وهذا من حسن حظكم أيضا؛ لأني أرى كبيركم الحسن الهرش مقربا من ~~البلاط كأنه صار من رجال الدولة.» # فقال العيار: «يظهر ذلك، ولكن حظنا لا يتم إلا ...» وتلفت يمينا وشمالا، ثم واصل كلامه ~~وقد خفض صوته فقال: «إلا متى صار الأمين خليفة؛ فقد تحسدني عندئذ على العيارة، كما أحسدك ~~الآن على الجندية.» ثم حول وجهه فجأة نحو البستان وقال: «إني أشم سمكا يشوى.» # وكان ms005 الخمار أثناء هذا الحديث قد انهمك في إصلاح البربط، والليل قد أسدل نقابه فظهرت ~~النار الموقدة والدخان يتصاعد عنها، فلما سمع العيار يذكر رائحة السمك المشوي توقف ووضع ~~البربط من يده وصاح: «نسيت السمكة على النار.» ثم تقدم نحو سراج من الخزف موضوع على مسرجة ~~مسمرة بالحائط، فأصلح فتيلتها بسبابته، وأخذ في إنارتها، فأتى بالقداحة والصوانة والعطبة أو ~~الصوفانة، فوضع الصوفانة على طرف الصوانة، وضرب عليها بالقداحة فخرجت شرارة أشعلت الصوفانة، ~~فأتى بعود رأسه مغموس في الكبريت وأدناه من رأس الصوفانة فاشتعل الكبريت وأشعل العود، فقربه ~~من الفتيلة فأوقدها فأضاء السراج. واغتنم العيار فرصة اشتغال الخمار بعمله وأسرع إلى السمكة ~~فتناولها من النار بيده لا يبالي حرارتها، وهرول إلى الجندي فوضعها على رغيف بين يديه وصاح ~~بالخمار: «إلي بقدحين من النبيذ القطربلي.» # فقال: «ليس عندي شيء من نبيذ قطربل، ولكنني أسقيكما نبيذا مصنوعا من الذوشاب البستاني ~~مع العسل.» وجاءهما بخمر قوية مظهرا الترحيب بهما، بينما هو يستعيذ منهما وهما يضحكان لا ~~يباليان، فلا يسعه إلا أن يشاركهما الضحك. # وفيما هم كذلك سمعوا رجلا ينادي في الطريق: «السمك الطري أربعة أرطال عند بيطار حيان.» ~~وهي مناداتهم على السمك في ذلك العهد؛ فوثب العيار يقول: «لقد سنحت لنا الفرصة لنكافئك يا ~~معلم سمعان.» ثم تناول حصاة من المخلاة وضعها في المقلاع، وخرج من باب الخمارة وقال: «أسرع ~~والتقط السمك من الأرض.» فعلم سمعان أن العيار سيرمي ذلك البائع المسكين بالمقلاع، فأخذته ~~الشفقة به، وأمسك العيار بيده فأوقفه عن الرمي، ثم تفرس في البائع وهو لا يكاد يراه في ~~العتمة فوجده فقيرا عاري الساقين والذراعين لا يستره غير ثوب خلق وعلى رأسه فوق العمامة ~~طبق من القش ظهر فوقه السمك. فجذب العيار يده من يد الخمار وقال: «دعني أعوضك عن سمكتك ~~سمكتين.» # فقال: «أخاف أن تقتل الرجل، لا حاجة لي بالسمك.» # فضحك العيار وقال: «لا تخف، إني أرمي السمك فقط ولا أمس الرجل ولا طبقه، وسترى!» قال ذلك ~~وأطلق الحجر من المقلاع فأصاب ms006 أعلى السمك فقط، فسقط بعضه والرجل ماش لم يشعر. وللعيارين ~~مهارة عظيمة في رمي الحجارة. وكان بيد السماك رغيف فقال العيار للخمار: «وأرمي لك الرغيف ~~إذا شئت.» فوقعت كلمته في أذني البائع فالتفت إليه، وما كاد يراه حتى ذعر ورمى الرغيف إلى ~~الأرض وقال: «هذا هو الرغيف خذه ودعني.» ثم ولى هاربا؛ فأشار العيار للخمار أن يأخذ ~~السمكتين والرغيف، ففعل وهو يعجب من مهارة رميه، ودخل ليشوي السمكتين وهو يدعو الله من قلبه ~~عسى أن ينقذه من هذه الورطة. # وكأن الله استجاب دعاءه، فما عتم أن سمع وقع حوافر دابة عند باب بستانه، فالتفت نحو الباب ~~وعيناه تدمعان ويكاد الدخان يحجب بصره، فرأى رجلا طويل القامة مع انحناء قليل تدل هيئته ~~على السكينة والوقار، وعلى رأسه عمامة سوداء كبيرة الحجم، وقد ارتدى جبة طويلة تحتها ثوب ~~عسلي اللون حوله زنار مشدود، وهو لباس أهل الذمة في ذلك العصر، وقد شك في الزنار دواة من ~~الفضة. وكان وجهه صبوحا مع رقة ونحافة حتى كاد جلده يلصق بالعظم مع بروز الوجنتين، وعيناه ~~سوداوان براقتان تدلان على الذكاء، وأنفه كبير منحن قليلا، وله لحية كثيفة مسترسلة قد دب ~~فيها الشيب تتصل من الجانبين بسالفين كثين. # ودخل الرجل يتوكأ على عكاز بيمينه وقد تأبط بالأخرى شيئا تحت الجبة، فلما رآه الخمار ~~أدرك أنه من وجهاء الصابئة أو أحد علمائهم، فاستغرب مجيئه إذ ليس للحانات نصيب من زيارة ~~أمثال هذه الطبقة من الناس. وتنحى العيار والجندي للرجل بينما تقدم الخمار وانحنى كأنه ~~يسأله ما يريد، فقال الرجل بصوت خشن هادئ: «أليس هذا خان المعلم سمعان؟» # فسر الخمار لاشتهار اسمه عند كرام القوم وقال: «بلى يا سيدي.» # قال: «وهل في بستانك مكان للاستراحة؟» # قال: «نعم يا مولاي، تفضل.» # ودخل الخمار مهرولا فتبعه الرجل وقال: «إذا سألك مقدم العيارين الليلة عن «الملفان» ~~سعدون فقل له إني في انتظاره هنا.» والملفان رتبة علمية عند السريان تقابل رتبة دكتور أو ~~علامة اليوم. # وكان العيار والجندي واقفين ينظران إلى الرجل، ms007 فتذكر العيار أنه رآه من قبل، ولما سمعه ~~يذكر مقدم العيارين أجفل وتذكر أنه شاهده معه غير مرة؛ فرأى من الحكمة أن يخرج من ذلك ~~المكان قبل مجيء مقدمه، فتحول وخرج. وأما الجندي فأحب البقاء ليطلع على ما عساه أن يكون من ~~أمر هذا الاجتماع الذي يندر في مثل هذا المكان خارج المدينة؛ فجلس على وسادة فوق الحصير ~~بقرب الحائط وجعل سيفه في حجره والحائط بينه وبين البستان. # أما الخمار فسره قدوم الملفان سعدون وما يتوقعه من قدوم الهرش مقدم العيارين؛ فقد يتعشيان ~~أو يشربان فينال منهما ما يعوض به خسارته ذلك المساء؛ فمشى بين يدي الرجل، وكان هذا لطول ~~قامته يخاف أن تعلق عمامته ببعض الأغصان فمشى مطأطئ الرأس حتى وصل إلى مصطبة مطلة على نهر ~~جعفر تظللها شجرة كبيرة، وفوق المصطبة حصير عليه وسادتان، فأجلسه الخمار هناك، ثم تركه ريثما ~~عاد بالسراج الذي كان في الحانة فوضعه على أرومة شجرة بجانب المصطبة، وسأله هل يحتاج إلى ~~شيء من طعام أو شراب، فقال: «لا.» ثم اتكأ على إحدى الوسادتين ووضع العصا بجانبه وأخرج من ~~كمه جرابا صغيرا وضعه بين يديه، وتشاغل بتمشيط لحيته بأنامله، منصتا إلى صوت ساقية تدور ~~في بستان قريب. فتركه الخمار إلى الحانة فأتى بسراج آخر أضاءه، والتفت إلى الجندي فوجده ~~وحده هناك، فسأله عن رفيقه فقال: «فر خوفا من قدوم «الهرش» أميره.» ثم سعل وقال: «عسى هذا ~~الصابئ أن يعوضك ما خسرته علينا!» فقال: «إن شاء الله!» # وساد الصمت لحظة، ثم عاد الجندي إلى الكلام فقال: «لأمر ما تواعد هذا الصابئ على اللقاء ~~هنا مع الهرش مقدم العيارين؟» # فقال سمعان: «هؤلاء الصابئة أهل سحر ونجامة لا تخفى عليهم خافية، ولعل الهرش يستعين به على ~~كشف المخبآت.» # فهز الجندي رأسه موافقا، وأوجس خيفة من أن يطلع سعدون بسحره على دخيلة أمره؛ فسكت واشتغل ~~الخمار عنه بالتقاط ما وقع على أرض الحانة من آثار الأكل والشرب استعدادا لمجيء الهرش. # ثم سمعا جواد الصابئ يصهل صهيلا قويا، وكان ms008 مربوطا بجانب الطريق يحرسه غلام، فأجابه ~~صهيل مثله عن بعد، فاستبشر الخمار بأن أناسا من أهل الوجاهة قادمون إليه، ثم اقتربت ~~الأصوات واشتد وقع الحوافر وظهر على الباب فارس وبين يديه غلام بلباس العيارين ما لبث أن ~~صاح مناديا: «يا معلم سمعان.» # فخف الخمار إلى استقباله مرحبا، وأخذ يتأمل في لباسه الفاخر وقلنسوته القصيرة كسراويله، ~~وإلى سيفه المدلى على ساقيه اللتين يحيط بهما لفائف من الجلد حتى الكعب فوق النعال، ثم سأله ~~الغلام: «هل جاءك الملفان سعدون؟» # فقال: «نعم، هو في البستان.» وأيقن أن الفارس هو الهرش مقدم العيارين، فتقدم وأمسك بلجام ~~الجواد والركاب حتى ترجل الهرش. وكان هذا قصير القامة ممتلئ الجسم قويه لا يزال سريع الحركة ~~رغم كهولته، إذا مشى تبختر تيها وخيلاء، غليظ الشفتين خفيف اللحية والشاربين أشيبهما، وعلى ~~جبهته ندبة غائرة من أثر جرح أصابه في قتال كاد يقضي عليه في صباه، وهو يفاخر أقرانه بهذا ~~الأثر. وكان كبير العينين لا يبرح الاحمرار ظاهرا فيهما كأنه صحا من رقاد عميق. فإذا علمت ~~أن الرجل أمير العيارين سهل عليك الحكم على أخلاقه. والعيارون يرتزقون بالسرقة والاعتداء ~~ونحوهما، ولا رقيب عليهم ولا حسيب، وكثيرا ما كانت الحكومة تستعين بهم، فإذا أخلصوا لها ~~نفعوها؛ لأنهم أقدر الناس على كشف أخبار الدعارة وتتبع اللصوص. وكانت الحكومة يومئذ تستعين ~~حتى باللصوص أنفسهم، وعندها طائفة منهم تابوا عن اللصوصية فسمتهم التوابين وأجرت عليهم ~~الأرزاق لتستخدمهم في كشف السرقات على أنهم ندر أن أخلصوا لها الخدمة ولم يكونوا مع اللصوص ~~عليها. وإنما تكثر أمثال هذه المفاسد في عهود الحكومات الاستبدادية إذا ضعف صاحبها وطمع ~~رجاله في الأموال وفسدت النيات وأصبح الناس عيونا بعضهم على بعض. # دخل الهرش مقدم العيارين بستان سمعان، في حين وقف غلامه بالجواد في منعطف الطريق، وأسرع ~~الخمار في أثر الهرش حتى أوصله إلى المصطبة، فوقف له الملفان ورحب به، فجلس إلى جانبه وأشار ~~إلى الخمار ألا حاجة بهما إلى شيء؛ ففهم أنهما يريدان الخلوة، فرجع إلى الجندي وأشار عليه ms009 ~~بأن ينصرف لئلا يكون وجوده باعثا على شك، فانصرف أسفا. # أما الهرش فنظر إلى رفيقه وتبسم قائلا: «أظنني أبطأت عليك.» # قال: «لم أنتظر إلا قليلا.» # قال: «إني في شوق إلى رؤيتك ولولا ذلك ما استطعت المجيء إليك ولا سيما اليوم لغياب أمير ~~المؤمنين الرشيد عن بغداد.» # فقال: «أليس ابنه الأمين مكانه؟» # قال: «بلى ولكن هذا الغلام - وأنت أعلم به مني - لا خبرة له بسياسة الدولة، ولعله أدرى ~~بسياسة الجواري والغلمان والكأس والطاس؛ فتراني لا أخرج من منزلي إلا قليلا، وترى رسول ~~صاحب الشرطة ذاهبا جائيا إلي يحمل إلي الأسئلة عما غمض عليهم كأني الملفان سعدون الصابئ ~~الحراني أضرب المندل وأستطلع الغيب بالنجوم!» قال ذلك وضحك؛ فأدرك سعدون غرضه وتجاهل وقال: ~~«العفو أيها الأمير، إن ما يستطيعه مقدم العيارين يعجز عنه مثلي، وأنا إذا عرفت شيئا فإنما ~~يدلني عليه الكتاب والحساب، أما أنت فتعرفه بفراستك وشجاعتك.» # فسر بهذا الإطراء وقال: «قد أكون أعرف كل شيء، ولكنني أقر بعجزي عن معرفة مقرك؛ لأني ما ~~بحثت عنك مرة واستطعت لقياك، اللهم إلا إذا ضربت لي موعدا.» # قال: «ليس هذا دليلا على عجزك، بل هو من سوء حظي؛ لأن اشتغالي بالكيمياء فضلا عن المندل ~~والنجامة يقضي علي بالانزواء معظم الأيام؛ ولذا تراني تركت أهلي وهجرت حران لئلا يشغلوني عن ~~عملي، وقد طال بعدي عنهم حتى أصبحوا لا يعرفونني ولا يدرون مقري، ولو سألتهم لأنكروا أمري.» # ففرح الهرش بتطرق الرجل إلى ذكر الكيمياء ليسأله عما فعله بقطعة من النحاس دفعها إليه منذ ~~أيام ليحولها إلى ذهب، فقال له: «أظنك طبعا نسيت صديقك الهرش ولم ...» # فقطع سعدون كلامه قائلا: «كلا، إني لا أنسى مولاي المقدم، وأبشره بأن حظه في أسمى ~~الطوالع؛ لأني وفقت في طبخ نحاسه توفيقا غريبا يندر مثله!» # فطرب الهرش إذ توقع الغنى القريب، وسأله: «هل صحت الطبخة؟» # فتبسم سعدون ومد يده إلى جرابه، فحل عقدته وأخرج منه سبيكة من الذهب الإبريز وقال: «نعم ~~يا سيدي، وهذه هي القطعة التي جربتها، ومتى نضج الباقي ms010 دفعته إليك .» ثم قال له همسا وهو ~~يناوله السبيكة: «وأظنني لا أحتاج إلى أن أوصيك بتكتم الأمر عن سائر الناس؛ فإني لا أحب أن ... ~~وأنت تعلم السبب.» # فأخذ الهرش السبيكة وأدناها من لهيب السراج وتفرس فيها فإذا هي ذهب لا ريب فيه، على أنه ~~خاف أن يكون في الأمر خداع وهو قد اعتاد بحكم منصبه أن يسيء الظن بالناس وأن يرى الغش حيث ~~تطلع وأين مشى؛ فجعل يزن السبيكة بيده ليمتحن وزنها، فلما رأى سعدون شكه قال بهدوء ورزانة ~~وفي صوته لهجة العتاب: «لا تشك يا سيدي، وتستطيع أن تبيعها في سوق الصياغ غدا فتعلم صدق ~~قولي. ولا ألومك على الشك؛ لأن الناس لم يتعودوا الصدق ولا علموا نجاح الكيمياء إلا قليلا، ~~ويغلب فيمن يصح طبخه أن يستأثر بالذهب لنفسه.» # فخجل الهرش من هذا التوبيخ اللطيف وازداد احتراما للملفان سعدون وثقة به؛ فبادر يعتذر ~~وقال: «حاشا لي أن أرتاب في صدقك، ولست حديث العهد بمعرفتك؛ فكم كشفت لي من المخبآت، ~~وأعلمتني من الأسرار حتى صرت أعدك أخي، بل أعز من أخي!» # فقال: «أتكون مسلما ويكون أخوك صابئا؟ هل ترضى ذلك لنفسك؟» وضحك وهو يلف درجا كان ~~يقلبه في أثناء الحديث وجعله في الجراب الذي أخرج السبيكة منه. # أما الهرش فأدرك أنه يمازحه فقال: «إذا كان الصابئة كلهم مثل الملفان سعدون فإنهم إخوتي ~~جميعا، وأكرم بها من طائفة عندها علم النجوم و...» وسكت مصغيا كأنه يسمع صوتا ثم قال: ~~«كأنني أسمع قرقعة لجم البريد.» # وكان الصابئ قد ربط الجراب وتأبطه وتحفز للنهوض فقال: «هذا بريد خراسان يحمل خبرا ~~مهما. ألا تراني أتهيأ للنهوض من قبل؟» # فازداد الهرش إعجابا بمقدرة سعدون في فنه حتى علم أن البريد قادم من خراسان بخبر مهم؛ ~~فنهض يصلح قلنسوته وينقل سيفه وقال: «صدق من قال إن لقرقعة لجم البريد رهبة. دعني أذهب ~~لملاقاة صاحب البريد لعلي أستطلع منه خبرا، إني أسمع الصوت يقترب منا.» # ومشى مسرعا وسعدون يتبعه على مهل، وقبل أن يصل الهرش إلى باب ms011 الخان رأى بغل البريد وقف ~~بالباب، وراكبه بجانبه ملثما وقد شد وسطه بهميان عريض، والبغل يلهث من التعب وقد تصبب ~~العرق عن صدره وأرغى بعضه تحت اللجام، ثم سمعه يقول للخمار: «اسقني يا سمعان.» فأسرع الرجل ~~إلى كوب ملأها ماء ودفعها إليه. # وكان الهرش قد وصل إلى الباب، فلما وقعت عينا حامل البريد عليه ترجل قبل أن يشرب وهم ~~بتقبيل يده، فأومأ إليه أن يشرب ففعل ودفع الكوب إلى الخمار، ثم اقترب من الهرش فأسر إليه ~~كلمة وجعلا يتهامسان، وسعدون واقف على عتبة الحانة مما يلي البستان لا يسمع شيئا، ولكنه ~~لحظ مما بدا على الهرش عند إصغائه للرجل أن الخبر الذي يحمله من خراسان عظيم الأهمية. ولم ~~يطل تهامسهما فاعتذر صاحب البريد وركب البغل وأطلق له العنان؛ فتحقق سعدون عند ذاك أن صاحب ~~البريد يحمل خبرا ذا بال منعه من إطالة الحديث مع مقدم العيارين؛ فدخل سعدون الحانة فرأى ~~الهرش مقبلا عليه والدهشة ظاهرة في وجهه يمازجها ارتياح، وآنس ابتسامة حول فمه تنفي انقباض ~~أسرته، فأدرك بفراسته أن الخبر ذو صلة بالرشيد؛ لأنه في خراسان، وقد ذهب إليها مريضا. وشاع ~~أن المرض اشتد عليه ولا يرجى شفاؤه. فلما سمع قرقعة لجم البريد ترجح عنده خبر موت الرشيد، ~~فلما رأى الهرش مقبلا عليه تبسم وهز رأسه وقال: «لكل أجل كتاب!» # فبغت الهرش لقوله وعده نبوءة وأمسك بيده وانتحى به مكانا منفردا وهمس يقول: «هل عرفت ~~بموته؟ وكيف ذلك؟» # قال: «رحم الله الرشيد، إنه مات غريبا وقد كنت أتوقع موته يوم خرج في هذه الحملة. عرفت ~~ذلك من طالعه، وأراك سررت بموته، ويحق لك السرور كما يحق لسائر الأمراء والأجناد؛ لأنكم ~~ستأخذون رواتب جديدة خصوصا أنت؛ فإنك أوفر حظا من سائر الأمراء؛ لأن الأمين إذا تولى ~~الخلافة زاد في تقريبك.» وتنحنح وتظاهر بأن السعال شغله عن إتمام كلامه. # فتناول الهرش الحديث عنه وقال: «ولكن حامل البريد مع ثقته بي ورغبته في إرضائي كتم عني ~~خبرا آخر قال إنه على جانب عظيم ms012 من الخطورة ، واكتفى بأن ذكر أنني سأعرفه قريبا.» # فقطع سعدون كلامه وقال: «لا شك أنك ستعرفه؛ لأنه سينشر على رءوس الملأ، ولو كان كتاب ~~المندل معي لاستطلعته في هذه الدقيقة ولكن ...» وتحفز للخروج وكأنه يهم بالذهاب لعمل المندل، ~~ونادى غلامه أن يأتيه بالفرس فاستوقفه الهرش قائلا: «أراك مسرعا وأنا في حاجة إليك.» # قال: «إني رهين أمرك، ولكنني أحب الاطلاع على بقية الخبر.» # فقال: «ولكننا تواعدنا على الاجتماع هنا لنتكلم فلم يطل مقامنا، ثم إن أخانا علي بن عيسى ~~بن ماهان صاحب الشرطة يجب أن يراك؛ لأنني كثيرا ما ذكرتك بين يديه وحكيت له عن معجزاتك.» # فقطع كلامه قائلا: «أخاف أن تكون ذكرت الكيمياء.» # فضحك الهرش وهو يتشاغل برفع حمائل سيفه وقال: «الكيمياء؟ كلا، ولكنني قصصت ما أنت عليه من ~~المهارة في النجامة والمندل فرأيت منه ميلا لرؤيتك، وأوصاني بأن آتيه بك. وأظنه ينفعك؛ ~~لأنه صاحب شرطة بغداد وله شأن كبير، ولا سيما بعد هذا الخبر؛ فإن مولانا الأمين يعول عليه ~~ويحبه. وهذه فرصة لي أيضا لأكافئك على حسن صنيعك.» # فأطرق سعدون هنيهة وهو ينتف عثنونه وينكت الأرض بعكازه ثم قال: «دعني أذهب الآن على أن ~~أعود إليك بالخبر الليلة.» # قال: «إذا كنت تعود إلي الليلة فلا بأس من ذهابك الآن، وأتني في أي هزيع من الليل تجدني ~~في قاعة العيارين بالحربية وأنت تعرفها. ومتى جئت نذهب معا إلى دار صاحب الشرطة فسيكون ~~ساهرا، ولا أظنهم ينامون الليلة إذا بلغهم ما بلغنا من أمر الرشيد؛ لأن موته سيحدث تغييرا ~~خطيرا أرجو أن يكون منه نفع لي ولك.» قال ذلك ومد يده إلى يد سعدون كأنه يحييه، ثم نادى ~~غلامه فجاء يحمل صندوقا صغيرا وعصا وملاءة مما قد يحتاج إليه في أثناء الطريق، فأشار إليه ~~أن يعطي للخمار بعض المال، فدفع إليه صرة صغيرة بها دراهم فأخذها الخمار شاكرا وأكب على يد ~~الهرش يهم بتقبيلها فمنعه، فالتفت سعدون إليه وقال: «هل جاء الأمير الهرش إليك الليلة؟» # فأدرك الخمار أنه يعرض برغبته في ms013 كتمان ذلك ؛ فأجابه: «كلا يا مولاي، ولا الملفان سعدون. كن ~~مطمئنا.» # فالتفت الهرش إلى سعدون ضاحكا، فقال هذا: «اركب أنت قبلي، ثم أركب أنا حتى لا نترك أثرا ~~لاجتماعنا.» # فقال الهرش: «أراك تبالغ في الكتمان يا صديقي وليس فيما أتيناه ما يوجب هذا التستر، لم ~~يكن ثمة باعث على خروجنا إلى هنا لهذا الاجتماع.» # فقال وهو يخفض صوته: «يهمني كتم أمر الكيمياء فقط، وإني أرى للجدران آذانا وللطرق ألسنة ~~فاعذرني!» # وركب الهرش ومشى الغلام في ركابه في طريق خراسان غربا نحو الجسر، ثم غربا جنوبيا نحو ~~الحربية. # فلما تحقق سعدون ذهابه ركب وأدار شكيمة جواده جنوبا ثم شرقا نحو المحرم يلتمس قصر ~~المأمون. # | القصر المأموني # كان قصر المأمون على عهد قصتنا هذه في جنوبي القسم الشرقي من بغداد بعد قصر الأمين. وكان ~~يسمى قبلا القصر الجعفري نسبة إلى جعفر البرمكي وزير الرشيد. والسبب في بنائه أن جعفرا ~~كان شديد الشغف بالشرب والغناء، وكان أبوه يحيى رجلا جليلا ذا رأي وعقل يخاف على ابنه ~~عاقبة هذا التهتك؛ فنهاه فلم ينته، وأوصاه بأن يستتر عملا بالحديث المأثور فأبى. فلما ~~أعيته الحيلة فيه قال له: «إن كنت تأبى التستر فاتخذ لنفسك قصرا بالجانب الشرقي من بغداد ~~لأنه قليل العمارة، واجمع فيه ندماءك وقيانك، لتكون بعيدا من عيون من يكره ذلك منك.» # فقبل جعفر النصيحة وأمر ببناء قصره بالجانب الشرقي وبذل في بنائه مالا كثيرا. فلما تم ~~بناؤه سار إليه في جماعة من أصحابه فيهم صديق حكيم مخلص له اسمه مؤنس بن عمران، فطافوا ~~القصر واستحسنوه، ولم يبق منهم أحد لم يقرظه بما يبلغ إليه إمكانه إلا ابن عمران؛ فإنه ظل ~~ساكتا، فقال له جعفر: «مالك ساكتا لا تتكلم وتدخل معنا في حديثنا؟» # فقال: «حسبي ما قالوا.» # فأدرك جعفر أن هناك شيئا يكتمه فقال: «أقسمت لتقولن.» # فقال: «أما إذا أبيت إلا أن أقول فلك علي ذلك.» # قال: «نعم واختصر.» # فقال: «أسألك بالله إن مررت بدار بعض أصحابك ورأيتها خيرا من دارك فما كنت صانعا؟» ms014 يشير ~~إلى ما كان في نفس الرشيد من جعفر من إكبار ما بلغ إليه من الثروة والنفوذ. # ففهم جعفر مراده فقال: «حسبك قد فهمت، فما الرأي؟» # قال: «أرى إذا صرت إلى أمير المؤمنين وسألك عن تأخرك، فقل إنك كنت في القصر الذي بنيته ~~لمولانا المأمون، واجعل أنك بنيته له.» # فأعجبه رأيه وأقام بالقصر بقية ذلك اليوم ثم ذهب إلى قصر الخلد ودخل على الرشيد. وكان ~~الجواسيس قد نقلوا إليه خبر بناء هذا القصر، ولم يكن في قصور الخلفاء مثله، فقال له: «من أين ~~أتيت وما الذي أخرك إلى الآن؟» # قال: «كنت في القصر الذي بنيته لمولاي المأمون شرقي دجلة.» # فقال الرشيد: «أللمأمون بنيته؟» # قال: «نعم يا أمير المؤمنين؛ لأنه ليلة ولادته جعل في حجري قبل أن يجعل في حجرك، واستخدمني ~~أبي له فدعاني ذلك إلى أن اتخذت له بالجانب الشرقي قصرا لما بلغني من طيب هوائه ليصح مزاجه ~~ويقوى ذهنه ويصفو.» # فلما سمع الرشيد قوله سري عنه وأسفر وجهه ووقع عنده موقع القبول وقال: «والله لا يسكنه ~~أحد سواك، ولا أتمم ما يعوزه من الفرش إلا من خزائننا.» وزال من نفس الرشيد ما كان يخامره. # فلما أوقع الرشيد بالبرامكة سنة 187ه واستباح قصورهم وأموالهم، انتقل القصر إلى المأمون ~~بن الرشيد، وهو ولي عهد المسلمين بعد الأمين، فأحبه المأمون وهو يومئذ في ريعان الشباب، ~~وصار أحب الأمكنة وأشهاها لديه، وأخذ في توسيعه من جهة البرية، فأضاف إليه قطعة من الأرض ~~جعلها ميدانا لركض الخيل والحلبة في أيام السباق واللعب بالكرة والصولجان، وبنى في جوانب ~~القصر حظائر حبس فيها أصناف الوحوش من السباع وغيرها، وفتح له بابا شرقيا يشرف على البرية، ~~وأجرى فيه نهرا ساقه من نهر المعلى، وابتنى قريبا منه منازل لخاصته وأصحابه وسمي القصر من ~~ذلك الحين «القصر المأموني»، وعرفت تلك الجهة بجهة المأمونية، وصار فيها بعد ذلك طريق اشتهر ~~بهذا الاسم في بغداد. # وكان المأمون وهو ببغداد أثناء ولاية العهد حتى سنة 192ه قد أسكن فيه الفضل بن سهل ms015 وأخاه ~~الحسن، ولهذين الرجلين شأن في تاريخه. فلما طلب الرشيد خراسان لمحاربة رافع بن الليث فيما ~~وراء النهر، وكان قد ثار على الدولة وعجز العمال والقواد عن إذلاله، حمل الرشيد عليه بنفسه ~~واستخلف على بغداد ابنه الأمين واليا عليها، وأمر المأمون أن يبقى فيها وكان قد أوصى له ~~بخراسان يتولاها بعد موته. # وكان الفضل بن سهل فارسيا من سرخس، ذا مطامع في السلطان، وفي نفسه نقمة على الرشيد ~~لغدره بجعفر البرمكي، كما نقم عليه سائر رجال الفرس وأجمعوا أمرهم فيما بينهم على الأخذ ~~بالثأر؛ فتوجهت آمالهم إلى المأمون لأن أمه فارسية وقد شب في حجر جعفر البرمكي على الميل ~~إلى الشيعة العلوية وهي جامعة الفرس. وكان يحيى أبو جعفر قد اختار الفضل بن سهل لخدمة ~~المأمون، وكان مجوسيا فأسلم على يده طمعا في نصرة الفرس، وكان المأمون يجله ويقدمه. # فلما أزمع الرشيد الخروج إلى خراسان في تلك السنة وطلب إلى المأمون البقاء في بغداد، خاف ~~الفضل أن يموت الرشيد في الطريق فيذهب سعيه سدى؛ فجاء إلى المأمون وقال: «لست تدري ما يحدث ~~للرشيد، وخراسان ولايتك، ومحمد الأمين مقدم عليك في ولاية العهد. وأخشى أن يخلعك وهو ابن ~~زبيدة وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها كما تعلم، فاطلب إلى أمير المؤمنين أن تسير معه.» ~~فطلب المأمون ذلك من أبيه فامتنع أولا ثم قبل، وذهب الفضل وأخوه الحسن معهما، وخلف المأمون ~~بعض أهله في ذلك القصر ومعهم الخدم والعبيد وعليهم قيم يتولى شئون بيت المأمون وأمواله وضياعه. # وكان القصر المأموني نفسه على شاطئ دجلة الشرقي، تشرف واجهته على النهر ولها شرفات ~~ورواشن، وفي قاعات القصر أنواع الفرش المذهبة والنمارق المقصبة المحمولة من الأنحاء ~~البعيدة، وقد زخرفت أبوابه بالستائر وملئت خزائنه بأنواع الطرف مع ما تحتاج إليه القصور من ~~الجواري والخدم والخصيان، وهم يعدون يومئذ من أدوات المنزل التي لا بد منها. # وكان للقصر مما يلي دجلة مسناة من رخام ترسو عندها السفن يعدون إليها من الماء بدرجات من ~~الرخام عريضة يحدها من الجانبين ms016 جدران من أساطين غليظة (درابزون) يظهر مما عليها من النقوش ~~الفارسية أنها كانت لبعض الأبنية الكسروية وحملت إلى هناك، والمسناة عريضة تمتد من حافة ~~الشاطئ إلى سور القصر عند بابه الغربي. وعند الباب ردهة فسيحة ربما فرشوها بالطنافس ونصبوا ~~في جوانبها المقاعد للجلوس إذا أرادوا مشاهدة مجرى دجلة وفيه السفن تمر صاعدة أو نازلة. # وكان المأمون قد خلف في القصر ابنته زينب لما سافر مع أبيه في ذلك العام، وتكنى أم حبيبة، ~~وهي يومئذ في الثانية عشرة من العمر، وكانت مثل أبيها ذكاء ونباهة واستقلالا في الفكر، ~~ومثل جدها الرشيد أنفة وتعصبا لبني هاشم، وكانت مع صغر سنها قوية الإرادة مستبدة برأيها، ~~وقد عرف أبوها ذلك فيها، وهو لا يريد تلك العصبية لرغبته في اصطناع الفرس؛ فعهد في تربيتها ~~إلى الجارية التي ربته هو، وأصلها من جواري البرامكة في إبان مجدها، واسمها دنانير. وذلك أن ~~المأمون لما جعل في حجر جعفر عهد هذا في تربيته إلى تلك الجارية وأوحى إليها أن تنشئه على ~~حب الفرس، فنشأ المأمون على ذراعيها وشب يحترمها ويراعي جانبها. ولما ترعرع أخذها إليه ~~وجعلها في جملة جواريه. فلما رزق بابنته عهد إليها في تربيتها وأوصاها بأن تعودها حرية ~~الفكر وحب الفرس، فبذلت جهدها في ذلك. وكان الرشيد مولعا بحفيدته هذه وهو الذي سماها ~~زينب وكناها أم حبيبة، وكثيرا ما كان يستقدمها إليه في ساعات الفراغ ويداعبها ويهديها العقود ~~والأساور، فكانت تشهد مجالسه الخاصة مع امرأته زبيدة، وهي كثيرة المفاخرة بنسبها الهاشمي، ~~فكانت زينب تسمع ما يدور بينهما من إعظام بني هاشم فيغرس ذلك في ذهنها عفوا، فنشأت شديدة ~~التعصب لهم رغم ما كانت دنانير تحاوله على خلاف ذلك. على أن زينب كانت تحب مربيتها وتحترمها ~~وترتاح إلى حديثها، ولم تكن تكتمها أمرا يخالج ضميرها. # | زينب ودنانير # كانت زينب سريعة النمو جسما وعقلا، يحسبها الناظر إليها تناهز السادسة عشرة وهي لم تدرك ~~الثانية عشرة. وكانت صبيحة الوجه سوداء العينين براقتهما، صغيرة الأنف غائرة الشفتين بارزة ~~الذقن، يدل ms017 مبسمها على الثبات ورباطة الجأش وقوة العزيمة، وعيناها تدلان على الذكاء وسرعة ~~الخاطر. وكانت دنانير قد ربتها على سذاجة المعيشة، ونزهتها عما كانت الرغبة منصرفة إليه ~~يومئذ من التبرج والبذخ؛ فكانت تقضي النهار وليس عليها من الثياب إلا رداء ساذج وقد ضفرت ~~شعرها ضفيرة واحدة ترسلها على ظهرها. # أما دنانير فنشأت في منزل يحيى بن خالد البرمكي، وكانت صفراء صادقة الملاحة، أصلها لرجل من ~~أهل البصرة خرجها وأدبها ورواها الشعر، ثم اتصلت بيحيى البرمكي وهي فتاة فربيت في منزله. ~~وهي غير دنانير المغنية التي اشتهرت بالغناء وحفظ الشعر. أما هذه فكانت ميالة إلى المسائل ~~العقلية. وكان مجلس يحيى لا يخلو من بحث أو مناظرة في علم أو أدب، وكذلك كان سائر البرامكة؛ ~~فإنهم أول من نشط العلم في العصر العباسي. ولما هم يحيى بترجمة المجسطي إلى العربية استقدم ~~المترجمين إليه، وكانت دنانير تسترق الاجتماع بهم، وكثيرا ما كانوا يرونها مصغية لتستمع ما ~~يتذاكرون فيه من المسائل الفلكية وأحكام النجوم في أثناء الترجمة، ورفيقاتها الجواري يضحكن ~~منها ويعيرنها برغبتها في علوم هي من قبيل الرموز الغامضة التي لا يقدم على حلها إلا قهارمة ~~العلم من أهل الذمة. وكانت المسائل الفلسفية حديثة العهد يومئذ في العربية؛ إذ لم يكن قد ~~ترجم منها غير علم النجوم وبعض كتب الطب في زمن المنصور والمهدي والرشيد. على أنها كانت تلم ~~بتلك المسائل قبل نقلها إلى العربية مما يدور بين جلساء يحيى، واشتهرت بين جواري البرامكة ~~بحب العلم والتعقل؛ ولذلك لما صار المأمون في حجر جعفر وعهد في تربيته إليها، كانت وهي ~~تلاعبه في الحديقة تحمل معها قرطاسا أو ورقا عليه رسوم فلكية أو مسائل طبية تراجعها، وأول ~~ما فتح عينيه وصار في سن الاستغراب والاستفهام لم يكن يسألها عن شيء إلا فسرته له بتعقل. ثم ~~أخذت في تلقينه المسائل على قدر ما يتحمله سنه. لم تكن تفعل ذلك رغبة في تعليمه، بل تلذذا ~~بالعلم؛ فإن محب العلم يلتذ بإلقاء الحقائق كما يلتذ بتلقيها. # ولما ترعرع ms018 المأمون وآن تسليمه إلى المعلمين، كان قد تولد فيه الميل إلى البحث عن الأسباب ~~والتماس البرهان على كل شيء؛ فجره ذلك إلى الاعتزال والتشيع والرغبة في العلم والفلسفة حتى ~~كان ما كان من نقله كتب الأقدمين على ما هو مشهور. # ونشأ المأمون على احترام دنانير احترام الولد لأمه، وكثيرا ما كان يجالسها في ساعات ~~الفراغ ويباحثها في بعض المسائل ويسر من تعقلها؛ فلما رزق بابنته زينب سلمها إليها وهو على ~~ثقة من أنها تربيها كما يحب. وكانت زينب كثيرة الشبه بأبيها من حيث الرغبة في البحث ~~واستطلاع الأسباب؛ فلم تكن دنانير تدخر وسعا في ترقية مداركها، فشبت وهي تدعوها أمها، ~~نظرا إلى أن أمها كانت متوفاة. وربما أحبتها أكثر من حبها لأبيها لاشتغال المأمون عنها ~~بأموره. على أن الآباء قلما كانوا يعاشرون أبناءهم وإنما يعهدون في تربيتهم إلى الجواري، ~~فربيت زينب تربية فلسفية ونشأت لا تبالي إلا بحقائق الأمور، وطرحت ما كان يتسابق إليه ~~أترابها من اللعب والقصف. وبلاط الخلفاء مسرح واسع لأسباب اللهو يومئذ حتى في القصر ~~المأموني نفسه؛ فقد كان فيه كثير من وسائل اللعب يتمتع بها الجواري والخدم، وزينب لا تميل ~~إلى ذلك ولا تخالط من الخدم غير مربيتها؛ فكانت ألزم لها من ظلها تصاحبها حيثما توجهت؛ ~~فتخرج معها إلى الحديقة لقطف الأزهار، وتعرج إلى بيوت السباع لتشاهدها في أقفاصها والسباعون ~~يقدمون لها الطعام من قطع اللحم الكبيرة. فإذا أعوزها اللهو تشاغلت بالشطرنج، وكانت هذه ~~اللعبة حديثة العهد في بلاط الخلفاء؛ لأن الرشيد أول من لعبها منهم، وكانت دنانير تجيد ~~اللعب بها وربما شغلت بها زينب أحيانا، أو خرجت بها إلى الباب الغربي عند المسناة لتجلسا ~~في روشن أو شرفة تتفرجان من بين الستور على السفن المارة في دجلة. وكثيرا ما يكون الجلوس ~~هناك مطربا لكثرة من يمر من أهل القصف والطرب ومعهم المغنون والعوادون. # فاتفق في اليوم الذي بدأنا فيه روايتنا أن كانت زينب جالسة مع مربيتها في شرفة فوق ~~المسناة تطل على دجلة، وعليها رداء ms019 وردي اللون، وفي عنقها عقد من اللؤلؤ أهداه إليها جدها ~~الرشيد قبل سفره. ودار بينهما الحديث في مسألة تتعلق بالطوالع والأبراج، وأشكل فهمها حتى على ~~دنانير فقالت: «إن هذه المسألة من المسائل العويصة، فمتى جاء طبيبنا سألناه عنها.» # فقالت زينب: «وهل يفهم الأطباء النجوم؟» # قالت: «يغلب في الطبيب أن يعرف كل علم، ولا سيما أطباء الفرس، وطبيبنا على الأخص؛ فإنه من ~~نوابغ الفلاسفة وقهارمة الأطباء، و... و...» # فضحكت زينب ملء فيها ضحكة فتاة لا تعرف من الدنيا غير أسباب المسرات، وقالت والاستغراب ~~باد في عينيها: «إذن هو أعلم منك؟» قالت ذلك لاعتقادها أن مربيتها أعلم أهل الأرض. وذلك شأن ~~الناس فيمن يشبون في حجره أو يتلقون العلم عنه؛ فالأولاد يعتقدون الكمال في آبائهم أو ~~مربيتهم، ويتوهمون أن معلميهم من كبار الفلاسفة ولو كانوا أجهل من قاضي جبل. فيروون عنهم ~~ويستشهدون بأقوالهم ويعظمون من أمرهم، فإذا كان المعلم صغير العقل صدق تلميذه وظن في نفسه ~~التفوق على العلماء والحكماء، وقد يكون علمه محصورا في مبادئ الصرف والنحو فيتوهم أنه لا ~~يشق له غبار فيزداد غرورا. # وكانت دنانير تعلم حقيقة منزلتها، فلما سمعت زينب تطري علمها ابتسمت وقالت: «إني يا ~~سيدتي لا أعرف شيئا، وإنما التقطت بعض المسائل من أفواه العلماء. وأما هذا الطبيب فقد تفقه في ~~الطب والفلسفة في مدرسة «جندي سابور» المشهورة التي تخرج فيها ابن بختيشوع طبيب أمير ~~المؤمنين. ولكنه أعلم منه بأمور كثيرة، ولا سيما بالكيمياء والنجامة، ولولا ذلك لم يهتم ~~الفضل بن سهل بأمره حتى وصى مولاي المأمون به.» # فقطعت زينب كلامها وقالت: «الفضل بن سهل أوصى به؟ ومتى كان ذلك؟ أليس الفضل مع ~~أبي الآن في خراسان.» # قالت: «بلى، هما معا هناك، ولكن هذا الطبيب جاءنا منذ بضع سنين بتوصية من الفضل بن سهل ~~ذكر فيها أنه نابغة خراسان في الطب والعلم، حتى إنك لترين ذلك ظاهرا في وجهه.» # فقالت: «فلماذا لا يقيم عندنا دائما؟ هل منعه أبي من ذلك؟» # قالت: «كلا، ولكنه اعتذر لمولاي المأمون ms020 يوم مجيئه من أنه لا يستطيع الإقامة عندنا لأسباب ~~ذكرها له.» # فقالت: «وأين يقيم إذن؟» # قالت: «بلغني أنه يقيم بالمدائن كأنه استأنس بجوار إيوان كسرى أعظم ملوك الفرس وأعدلهم. ~~وطبيبنا فارسي ...» # قالت: «عرفت أنه فارسي من كلامه؛ فإنه لا يحسن النطق بالعربية حتى الآن، ولو أقام هنا ~~لاعتاد النطق بمخالطة البغداديين.» # قالت: «والمدائن قريبة منا؛ فهي على بضع ساعات من هنا جنوبا.» # قالت: «وقد كان ينبغي له أن يسكن هنا بعد ذهاب أبي وانتقالنا إلى هذا القصر البعيد عن ~~المدينة لنتقوى به؛ لأنه من الجبابرة كما يظهر من كبر هامته. ومع كثرة ترداده علينا لا أزال ~~إلى اليوم أتهيبه لما يقبض على يدي ليجس نبضي.» # قالت: «صدقت، إنه طويل القامة ولباسه المستطيل يزيده طولا، على أنه لطيف اللسان حسن ~~الأسلوب قريب من القلب. ولكنه يغيب عنا أحيانا بضعة أيام متوالية، ربما احتجنا إليه في ~~أثنائها فلا نجده، والأطباء كثيرون ولكنني شديدة الثقة بعلمه.» # فقطعت زينب كلامها ووضعت يدها على كتفيها تدل بمحبتها وقالت: «قولي له أن يسكن ~~في أحد القصور هنا.» # قالت: «سأطلب منه ذلك وعسى أن يجيب طلبي. إني أرى سفينة صاعدة من الجنوب لعله قادم فيها.» # وكانت زينب في أثناء الحديث تنظر إلى مجرى دجلة وعيناها تتأملان ما على الشاطئ الآخر من ~~النخيل القائم كالأصنام الهائلة، يتراءى من خلالها في عرض الأفق بر فسيح تغشاه الأشجار ~~والأعشاب، تتخللها أبنية متفرقة كأنها أحجار كريمة نثرت على ديباجة خضراء، وكانت الشمس قد ~~مالت إلى الأصيل فوقعت ظلال النخيل على الماء واستطالت وتراءت في قاع النهر معكوسة كأنها ~~نبتت جذورها عند الشاطئ وسعفها غائصة في الماء، وجذوعها بين ذلك تتموج بتموج سطح الماء ~~وتظهر متعرجة كأنها مؤلفة من قطع مرصوصة بعضها فوق بعض على غير انتظام، فيتوهم من يرى ~~تموجها أن الحياة قد دبت فيها فتلوت كالأفاعي تحاول الإفلات ممن قبض على أذنابها، أو أنها ~~على وشك أن تتملص جذورها من الشاطئ لتنساب في الماء. # كانت زينب لاهية بهذا المنظر أثناء ms021 الحديث، فلما لفتت دنانير انتباهها إلى السفينة التفتت ~~وقالت: «وهل يأتينا الطبيب في الماء أم في البر؟ إني أعهده يجيئنا على فرس.» # قالت: «من هنا إلى المدائن طريقان أحدهما في البر والآخر على الماء.» # وكانتا تتكلمان وهما تنظران إلى السفينة من خلال الستر فلم تعرفا من فيها. ثم توارت أثناء ~~مجراها ببعض تعرجات النهر فاشتغلتا عنها قليلا. ثم ملت زينب الجلوس وهمت بالنهوض فإذا بها ~~تسمع صوت ارتطام الماء على مقربة من القصر يتخلله نقر الهواء على الشراع فالتفتت فرأت ~~قاربا صاعدا بجانب المسناة وفيه نوتيان قد أخذا في حل الشراع، وفي صدر القارب امرأتان ~~التفت إحداهما برداء قديم قد غير الزمان لونه، وسترت رأسها بخمار، وظهر محياها وعليه ملامح ~~الشيخوخة. والثانية عليها ثوب أسود فوقه خمار في لونه قد تلثمت به حتى لا يظهر من وجهها إلا ~~العينان. وبعد هنيهة شد النوتيان القارب بحلقة من حلقات المسناة وألقيا خشبة بينها وبين ~~القارب، ونهضت المرأتان ومشتا وهما تتساندان حتى عبرتا إلى المسناة ووقفتا في أسفل السلم، ~~والعجوز تنظر إلى القصر وتجيل بصرها فيه كأنها تبحث عمن تريد أن تكلمه، فقال لها أحد ~~النوتيين: «هذا هو القصر المأموني يا خالة.» # فنهضت دنانير لساعتها وتقدمت حتى وقفت بالباب وأطلت على القارب وتفرست في المرأتين وظلت ~~زينب جالسة تنتظر ما يبدو منها، فما لبثت أن رأتها انحدرت على السلم مسرعة حتى دنت من ~~العجوز واستقبلتها بين ذراعيها وأكبت على يدها وقبلتها بلهفة، ثم أعانتها على الصعود ~~والفتاة في أثرهما. وكانت زينب تتوقع كلمة تسمعها من دنانير فتعرف القادمتين فلم تسمع ~~شيئا، فظلت صامتة حتى أقبلت والعجوز تمشي معها تتوكأ على عكازها، ولما دنت منها تطاولت ~~دنانير بعنقها وقالت بصوت ضعيف: «هلمي بنا يا مولاتي.» # فنهضت زينب ودخلن جميعا في دهليز بين الباب الغربي والقصر حتى وصلن إلى قاعة أمرت ~~الجواري بالخروج منها، وأشارت إلى العجوز ورفيقتها بالدخول فدخلتا، وأجلستهما على طنفسة ~~هناك، بينما جلست زينب على وسادة وأخذت تنظر إليهما وتتفرس فيهما وقد ms022 أزاحتا الخمار فظهر ~~شعر العجوز وقد اشتعل شيبا، أما الفتاة فبان محياها فإذا هي في إبان الشباب كأنها ملاك في ~~صورة إنسان، وكانت رشيقة القوام جميلة الطلعة قمحية اللون متناسبة الملامح تدل خلقتها على ~~كرم المحتد والوجاهة، ويشف لباسها عن سذاجة وفقر زادا جمالها وضوحا، رغم ما يتجلى في وجهها ~~من الكآبة والحزن ورغم ثوبها الأسود وما يتلألأ في عينيها من الدمع. وكانت في دخولها تمشي ~~مطرقة كأنها تحاول كتمان ما في نفسها، فلما جلست رفعت عينيها وفيهما دعج وسحر فوقع بصرها ~~على زينب، وكانت هذه تتفرس فيها متلهفة، فلما التقى بصراهما أحست زينب بجاذب إليها لم تعهد ~~مثله في أحد تعرفه مع أنها فتاة مثلها، وشعرت بميل إليها وانعطاف، وظنت أنها قد تكون رأتها ~~من قبل. # أما العجوز فكانت مع ما يبدو عليها من مظاهر الذل والحزن، ينم محياها عن الأنفة والعز. ~~فلما استقر بهما الجلوس التفتت دنانير إلى زينب وقالت وهي تشير إلى العجوز: «ألم تعرفيها يا ~~مولاتي؟» # فأجابت الفتاة بعينيها وشفتيها أن لا. # فقالت دنانير وهي تهز رأسها متحسرة: «إنها مولاتي أم جعفر.» # فتبادر إلى ذهن الفتاة لأول وهلة أنها تعني زبيدة زوج الرشيد؛ فدهشت لما تعهده في زبيدة من ~~شباب باق وهي ترى بين يديها عجوزا طاعنة في السن فضلا عن فارق الملامح؛ فأدركت دنانير سبب ~~دهشتها فقالت: «إنما أعني مولاتي أم جعفر الوزير، وهي عبادة بنت محمد بن الحسين بن قحطبة.» # وكانت زينب قد علمت أن جدها الرشيد اغتال وزيره جعفرا هذا وأباح منازله، ولم تسمع بأمه ~~فكانت تحسبها ماتت. وغلبت العصبية الهاشمية على زينب فانقبضت نفسها وتراجعت، فابتدرتها ~~دنانير قائلة: «إن لأم جعفر دالة على سيدي المأمون؛ لأنه ربي في حجرها، وكانت تخدمه وتحبه، ~~وهو يحترمها، وكثيرا ما كان يذكرها بعد نكبة ابنها ويود أن يراها ليكرمها. ولو علم بوجودها ~~على قيد الحياة لاستقدمها إليه وأكرم وفادتها وعزاها على ثكلها.» # وكانت أم جعفر في أثناء ذلك تمسح دموعها وتتجلد حتى تخفي بكاءها. أما زينب ms023 فلما سمعت قول ~~مربيتها وشاهدت بكاء تلك العجوز رق قلبها وكادت تشاركها في البكاء لولا رباطة جأشها وما سبق ~~إلى فؤادها من كره البرامكة. وكانت دنانير تعلم ما في نفس زينب، فأحبت أن تبالغ في استعطافها ~~فقالت: «حتى أمير المؤمنين الرشيد، مع ما تعلمينه من أمره مع ابنها، يحترمها ويعلي قدرها ~~لأنها أرضعته وربته بعد أن ماتت أمه وهو في المهد. وكان يشاورها ويكرمها ويتبرك برأيها، ~~وطالما سمعته يناديها يا أم الرشيد!» # فلما سمعت الفتاة ذلك قالت: «هي إذن جدتي؟» # فقطعت عبادة كلامها قائلة: «بل أنا أمتك يا سيدتي، وإنما أكرمني أمير المؤمنين بذلك ~~تفضلا منه. ولم يصبنا ما أصابنا بعدئذ إلا بتقدير العزيز الحكيم.» قالت ذلك وشرقت ~~بدموعها. # فرق قلب زينب لحالها وقالت: «مسكينة يا أم جعفر! لماذا لم يرع جدي زمامك ويعف عن ~~ابنك؟» # فقالت: «إن مولانا الرشيد فعل ما فعله بوشاية الأعداء؛ لأن بعض الحساد وشى بولدي وحسن ~~له قتله، والرشيد حفظه الله إذا عزم على أمر بادر إلى إنفاذه لا يسمع فيه رجاء ولا استرحاما. ~~ولكن كل ما يفعله أمير المؤمنين مقبول مطاع.» ثم التفتت إلى دنانير وقالت: «وقد تمكن ~~الأعداء من إغراء الرشيد بزوجي يحيى وبابني الفضل فأخذهما وحبسهما، فشفعت إليه بحرمة اللبن ~~أن يعفو عنهما ويأمر بإطلاقهما أو تسريح أحدهما فلم يفعل.» # فقالت دنانير: «وماذا فعلت؟» ~~••• # مدت أم جعفر يدها إلى جيبها وأخرجت حقا من زمردة واحدة خضراء ونظرت إلى دنانير وقالت ~~وهي تفتح الحق بمفتاح من الذهب: «قد تشفعت إليه بما في هذا الحق من آثاره.» وأخرجت من الحق ~~خصلة شعر وبضع أسنان، ففاحت رائحة المسك حتى تضوعت القاعة، وقالت: «تشفعت إليه بهذا الشعر ~~لأنه شعره، وبهذه الأسنان فإنها ثناياه. وقد حفظتهما منذ طفولته، ولكنه لم يقبل شفاعتي.» # فقالت دنانير: «وكيف ذلك يا مولاتي؟» # فبدا الاهتمام في وجه أم جعفر وعادت إليها أنفتها واعتدلت في مقعدها وقالت: «لما علمت بما ~~أصاب ولدي جعفرا - وا حسرتاه عليه! - وأن الرشيد قبض على يحيى، قلت في ms024 نفسي لأذهبن إلى ~~الرشيد أستعطفه ليعفو عن زوجي، لعلمي بما كان من إكرامه إياي وأنه كان لا يرد لي شفاعة في ~~أحد؛ فكم أسير فككت وكم مستغلق فتحت وكم ...» قالت ذلك وغصت بريقها، ولكنها تجلدت ~~وأتمت الحديث فقالت: «ذهبت إلى الرشيد وكنت أدخل عليه بلا إذن فاستأذنت فلم يأذن لي، وفشلت ~~محاولاتي العديدة للمثول بين يديه، فلما يئست ذهبت إلى بابه ماشية حافية كاشفة عن وجهي، ~~فلما رآني الحاجب على تلك الحال دخل عليه وقال له: «إن مرضع أمير المؤمنين بالباب في حالة ~~تقلب شماتة الحاسد إلى شفقة.» ووصف له حالتي، فسمعته يقول له: «ويحك أجاءت ماشية؟» قال: ~~«نعم يا أمير المؤمنين، وحافية.» فصاح فيه: «أدخلها؛ فرب كبد غذتها، وكربة فرجتها، وعورة ~~سترتها.» # فلما سمعت قوله استبشرت بنيل مرادي، فعاد الحاجب وأشار إلي فدخلت، فقام الرشيد وتلقاني ~~محتفيا بي، وأكب على تقبيل رأسي ثم أجلسني معه فقلت: «أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفا ~~منك الأعوان، ويحرضك علينا أبناء البهتان، وقد ربيتك في حجري، وأخذت برضاعتك الأمان من عدوي ~~ودهري؟» # فقال لي: «وما ذلك يا أم الرشيد؟» # قلت: «جئتك في أمر يحيى ولا أصفه بأكثر مما علم أمير المؤمنين من نصيحته وإشفاقه وتعرضه ~~للتلف في شأن موسى الهادي.» # فقطب الرشيد حاجبيه وقال: «يا أم الرشيد، ذلك أمر سبق، وقضاء حم، وغضب من الله نفذ.» # فقلت: «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب». # قال: «صدقت، ولكن هذا مما لم يمحه الله.» # فقلت: «الغيب محجوب عن النبيين فكيف، عنك يا أمير المؤمنين؟» # فأطرق مليا ثم قال: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # فقلت على الفور: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قيل: # وإذا افتقرت إلى ذخائر لم تجد # ذخرا يكون كصالح الأعمال # هذا بعد قول الله عز وجل: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ~~. # فتشاغل هنيهة بقضيب كان بيده ثم قال: يا أم الرشيد، # إذا صرفت نفسي عن الشيء لم تكد # إليه بوجه آخر الدهر تقبل ms025 # فلما رأيته مصرا على عزمه قلت: # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني # يمينك، فانظر أي كف تبدل؟ # فقال لي: «رضيت.» # فقلت: «هبه لي يا أمير المؤمنين؛ فقد قيل من ترك شيئا لله لم يفقده.» # فأطرق مليا ثم رفع رأسه وهو يقول: «لله الأمر من قبل ومن بعد». # قلت: «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو ~~العزيز الرحيم ... واذكر يا مولاي أليتك ما استشفعت إلا شفعتني.» # فقال: «اذكري يا أم الرشيد أليتك ألا شفعت لمقترف ذنبا.» # فلما رأيته صرح بمنعي، ولاذ عن مطلبي، أخرجت هذا الحق من جيبي وفتحت قفله وأخرجت هذه ~~الذوائب وهذه الثنايا وقلت: «يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك وأستعين بالله عليك وبما صار معي ~~من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحيى عبدك.» # فأخذ الحق مني ولثمه، واستعبر وبكى بكاء شديدا، وبكى أهل المجلس؛ فما شككت أنه مجيبي، ~~ولكنه لما أفاق ألقى الحق وما فيه إلي وقال: «لحسن ما حفظت الوديعة.» # فقلت: «وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين.» # فسكت وأقفل الحق ودفعه إلي وقال: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~. # قلت: # وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~. ويقول: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~. # فنظر إلي فعلمت من عينيه أنه يستفهمني عن مرادي، وكنت قد تعودت فهم مراده من النظر في ~~عينيه، فقلت: «أما أقسمت لي ألا تحجبني ولا تمتهنني؟» # فلما تذكر عهده قال: «أحب يا أم الرشيد أن تشتريه محكمة فيه.» # فقلت: «أنصف يا أمير المؤمنين، وقد فعلت غير مستقيلة ولا راجعة عنك.» # قال: «بكم تشترينه؟» # قلت: «برضاك عمن لم يسخطك.» # فظهر الملل في وجهه وقال: «يا أم الرشيد، أما لي من الحق مثل الذي لهم؟» # قلت: «بلى يا أمير المؤمنين، أنت أعز علي وهم أحب إلي.» # قال وهو يتزحزح من مقعده: «فتحكمي في غير هذا.» # فلما تحققت أنه غير مجيبي نهضت وأنا أقول له: «قد وهبته وجعلتك في حل منه.» وخرجت ونسيت ~~مصيبتي وجففت دمعتي، وأنت ترين دمعي الآن وكيف أني أكاد أختنق به، ms026 أما في ذلك اليوم فلم تسقط ~~لي دمعة.» # ولما فرغت أم جعفر من حديثها أقفلت الحق على ما فيه وجعلته في جيبها وقالت: «لم يبق لي ~~مأرب الآن في الرجاء؛ فإن الذي كنت ألتمس رضى الرشيد عنه ارتاح من شقاء هذه الحياة فمات في ~~حبسه، ومات بعده ابني الفضل بالأمس في سجنه بالرقة.» وصمتت هنيهة وهي تمسح عينيها، وأطرقت ثم ~~قالت: «ولكن موته لا بد أن يعقبه أمر عظيم؛ لأني كثيرا ما كنت أسمعه يقول: «إن أمري قريب ~~من أمر الرشيد.» ولكنني أطلب من الله أن يطيل عمر أمير المؤمنين.» # فخفق قلب زينب خوفا على جدها، ولكنها استحسنت استدراك أم جعفر بالدعاء له ~~بطول البقاء، وعادت إلى التفكير في غرابة حديثها. ~~••• # كانت عبادة أم جعفر تقص حكايتها بلهفة وفصاحة، وأم حبيبة مقبلة عليها بكل جوارحها وعيناها ~~شاخصتان تراعي حركات شفتيها، وغلب عليها التأثر غير مرة وأحست كأنها تجهش بالبكاء. ولما أتت ~~أم جعفر على آخر الحديث انقلب إشفاقها إلى إعجاب وإكبار، لما عاينته من أنفتها وعزة نفسها. ~~وأحست بانعطاف إليها وشاركتها تألمها بما أصابها من الثكل والفشل، وإن كان مثلها لا يدرك ~~كنه المصائب، ولكنها كانت كبيرة العقل والقلب تفهم وتحس أكثر مما تقتضيه سنها. # وكانت قد نسيت لهفتها لمعرفة رفيقة أم جعفر لاشتغالها بسماع الحديث، فلما انتهى أجالت ~~نظرها في الفتاة وجعلت تتفرس فيها والحشمة تمنعها من الاستفهام، فأدركت دنانير ذلك وهي أشد ~~لهفة منها لاستطلاع أمرها، وكانت أثناء الحديث تسترق اللحظ إلى الفتاة لعلها تستطلع شيئا ~~من أمرها فلم تستطع، فصبرت نفسها إلى آخر الحديث. وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب فأمرت ~~الخدم أن يضيئوا الشموع القائمة على المنابر في جوانب القاعة، وهي شموع ضخمة كانوا يتأنقون ~~في اصطناعها ويمزجونها بالعود، فإذا أضيئت فاحت رائحة العود وتضوع المكان بها. وعادت دنانير ~~إلى التفكير في الغرض الذي جاءت أم جعفر لأجله ذلك اليوم بعد طول احتجابها، فأرادت أن تسوقها ~~إلى التصريح بذلك عفوا فقالت لها: «إن حكايتك يا مولاتي ms027 غريبة، وأغرب منها احتجابك عنا كل ~~هذه السنين والناس لا يعرفون مقرك؛ فأين كنت تقيمين؟» # فتنهدت وقالت: «كنت محتجبة لأن مثلي خليقة أن تدفن نفسها حية، ويا ليتني مت منذ عشر ~~سنوات ولم أكابد ما كابدته من مرارة القهر والذل، أنت تعلمين يا دنانير حالي في بيت جعفر.» ~~وغصت بريقها وأطرقت، فتناولت دنانير الحديث نيابة عنها وقالت لزينب: «نعم يا سيدتي، إني أعلم ~~الناس بما كانت عليه في أيام عزها، وأذكر في عيد النحر من بعض السنين أن مولاتي عبادة هذه ~~كانت في بيت ابنها الوزير وعلى رأسها 400 جارية!» # فقطعت عبادة كلامها قائلة: «وكنت مع ذلك أعد ولدي عاقا، وقد مرت علي في محنتي هذه أيام ~~لا أجد جلدي شاتين أفترش واحدا وألتحف الآخر، على أني لم أكترث لهذا كله اكتراثي للأمر ~~الذي جئتكم لأجله الليلة، وأظنني ثقلت على مولاتي أم حبيبة.» # وكانت زينب قد أحبت عبادة واحترمتها، ونسيت ما يكسوها من الأثواب البالية - على عادة ~~الناس في الحكم على جلسائهم لأول وهلة، فإنهم يقدرونهم أولا بما يظهر من لباسهم وحلاهم، فإذا ~~اختبروهم قدروهم بمواهبهم وقواهم - فخاطبتها باحترام وقالت لها: «معاذ الله يا سيدتي، فإنك ~~تنزلين عندنا على الرحب والسعة ولك كل ما تحتاجين إليه.» ثم التفتت إلى دنانير وقالت: ~~«أعطيها كل ما تحتاج إليه!» # فوقفت عبادة وقبلت رأس زينب وقالت: «شكرا لك على إحسانك يا سيدتي، ولكن الأمر الذي جئت به ~~إليك أهم عندي مما تفضلت به وإن كنت لا أستحق هذا ولا ذاك.» فبادرت إليها دنانير قائلة: ~~«قولي فإن لك كل ما تريدين، هذا ما أمرت به مولاتنا حفظها الله.» # قالت: «سألتني يا دنانير عن احتجابي كل هذه السنين عن بغداد ... كيف أقيم في مدينة أرى فيها ~~جثة ولدي معلقة على جسورها وقد شطروا الجثة شطرين، صلبوا شطرا على أحد الجسور والشطر الآخر ~~على الجسر الثاني وعلقوا الرأس على الجسر الثالث ليراها المارة صباح مساء، ألم تبق جثة جعفر ~~معلقة على هذه الجسور سنتين وبعض السنة حتى ms028 عاد الرشيد من الري سنة 189ه فأمر بإحراقها؟ ~~وكأنه شعر بفظاعة الأمر فهجر بغداد من يومه وسكن الرقة وما زال فيها حتى خرج هذا العام إلى ~~خراسان، وهبي أني رضيت المقام، فعيون الرقباء ساهرة وأمر الخليفة مشدد بالنقمة على كل من ~~يذكر البرامكة بخير، فكيف لو عرفوا بوجودي، ألا يسرعون إلى تقطيعي إربا إربا. وما أنا ~~بخائفة من الموت فإنه أيسر ما أقاسيه، ولكنني رغبت في الحياة من أجل هذه الفتاة.» وأشارت إلى ~~رفيقتها وتحولت الأنظار إليها. # فخجلت الفتاة وتوردت وجنتاها وتلألأت عيناها الدعجاوان وظهر فيهما الدمع وأطرقت، فاغتنمت ~~دنانير هذه الفرصة وقالت: «كنت منذ دخولك علينا أفكر في هذه الفتاة الجميلة وأتفرس فيها فلم ~~أعرفها.» # قالت: «إنها بنت الشقاء ونتاج المصائب، وليس في بغداد من يعرف حقيقتها غيري، وقد كتمت ~~أمرها عن كل إنسان خوفا على حياتها، وإنما أردت البقاء على قيد الحياة لأجلها. وهذه أول ~~مرة أبوح باسمها فهل أقول ذلك وعلي الأمان؟» # فقالت دنانير: «لم يبق داع للحذر بعد ما شاهدته من انعطاف سيدتي الحبيبة إليك، ومن ذا ~~يسمع حديثك ولا يشعر بشعورك؟ قولي لا تخافي واطلبي ما تحتاجين إليه فإنك نائلة ما تريدين.» # فتنهدت وهي تصلح نقابها على رأسها وقالت: «إن هذه الفتاة ربيبة التعاسة، إنها بنت الوزير ~~المقتول ... ابني جعفر.» # فبغتت دنانير وأعادت نظرها إلى الفتاة لعلها تتذكرها، ثم قالت: «لا أذكر أني أعرفها.» # فقالت: «نعم، إنك لا تعرفينها؛ لأنها ولدت بعد خروجك من بيتنا إلى بيت مولانا المأمون. ~~وكان هذا من حسن حظك؛ لأن البيت الذي كان مقصد السائلين ومقر الوافدين وملاذ الخائفين أصبح ~~بلاء على أهله؛ فغدا ذكرهم تعسا على الأقرباء والمريدين.» وغلب عليها البكاء فسكتت ريثما ~~تسترجع رشدها، ثم قالت: «إن حفيدتي هذه ولدت بعد خروجك، ولما نكب أبوها كانت لا تزال صغيرة، ~~واتفق أنها كانت قد خرجت ذلك اليوم مع إحدى الجواري إلى بعض ضياعنا في ضواحي بغداد، فلما ~~صادر الرشيد ضياعنا فرت بها جاريتها إلى قرية بعيدة عن أعين الرقباء، ms029 وظلت هناك حتى علمت ~~بأمرها فاحتضنتها وخرجت بها هائمة على وجهي بعيدا عن بغداد، وأقمنا بالمدائن عند جماعة لا ~~يعرفوننا وإنما آوونا إكراما لوجه الله؛ فقضيت هناك عدة أعوام في مأمن من وشاية الواشين. ~~وسخر لنا الله رجلا لا نعرفه، فكان أحن علينا من الوالد وأشفق من الأخ، وكان يقيم ببيت ~~مجاور لمنزلنا في المدائن. وهو غريب لا نعرف أصله ولا فصله، ولكن العناية ساقته إلينا من حيث ~~لا ندري، فكان يتردد علينا ينظر حوائجنا ويأتينا بما نحتاج إليه عفوا لا يلتمس على ذلك ~~أجرا ولا شكورا. وقضى هذه الأعوام في إعالتنا ونحن لا نعرف من هو؛ فخيل إلينا أنه رسول من ~~السماء بعثه الله رحمة منه بنا.» # وكانت دنانير في أثناء الحديث ترمي ببصرها إلى الفتاة إعجابا بجمالها، فلما بلغت جدتها ~~إلى ذكر ذلك الرجل تشاغلت الفتاة بإصلاح خمارها لتخفي ما كاد يبدو في محياها من الاحمرار. ~~ولو انتبهت دنانير إلى تورد وجنتيها لأدركت ما تكنه جوارحها وتحاول إخفاءه، ولكنها كانت في ~~شاغل عنها بغرابة الحديث. # فلما بلغت في حديثها إلى ذكر ذلك الغريب غلب الإعجاب به على دنانير فقالت: «إن الدنيا لا ~~تخلو من المحسنين، وقد سمعنا عن مثل هذه الشمائل في البرامكة ولم نعهد مثلها في سواهم. ألم ~~تعرفي من هو ذلك المحسن؟» # قالت: «لم نعرف من هو، ولكن يظهر أنه فارسي الأصل، وقد جاء المدائن منذ بضعة أعوام وهو ~~يتكتم أمره، فإذا دخل أغلق بابه وقضى يوما أو بضعة أيام لا يراه أحد، حتى كثرت أحاديث الناس ~~بشأنه؛ فمن قائل إنه يشتغل بالكيمياء، وقائل إنه ساحر، وزعم آخرون أنه من كبار أهل الثروة ~~وقد جمع ثروته من كنز عثر عليه في منزله؛ لأنه يقيم ببيت مبني على أنقاض إيوان سابور الذي ~~كان الخليفة المنصور يقيم به قبل بناء بغداد.» # فقالت دنانير: «وما اسمه؟» # قالت: «يسمونه بهزاد الجند يسابوري.» # فتذكرت زينب طبيبهم الخراساني، لأنها تظنه يقيم بالمدائن، فقالت: «لعل طبيبنا يعرفه؛ لأنه ~~يتردد على المدائن، فإذا أتى ms030 الليلة سألناه عنه.» # فقالت: «ما أظن أحدا يعرفه، ومهما يكن من أمره فإنه جدير بكل ثناء، فعسى الله أن يقدرنا ~~على مكافأته. ولكن الأقدار لا تصفو لأحد، أو لعلها عملت على مطاردتنا منذ أفل نجمنا، فهي لا ~~تدعنا نتنسم الراحة حتى تخلق لنا بلاء جديدا.» # فقالت دنانير: «وكيف ذلك؟» # قالت: «ما كدنا نظن الناس نسونا وأغفلوا أمرنا حتى رأيناهم عادوا إلى النكاية بنا.» # قالت دنانير: «ومن هؤلاء الذين أرادوا النكاية بكم؟» ~~••• # فالتفتت عبادة إلى حفيدتها ثم حولت وجهها عنها، فاحمر وجه الفتاة. وأدركت دنانير أن ~~الحديث يتعلق بها، وظنت أن أم جعفر تتحاشى التصريح بذلك أمامها، فأحبت أن تشغل الفتاة بشيء ~~يصرف انتباهها عن الحديث فقالت لها: «أظننا أبطأنا عليكما بالعشاء، فهل تأمر مولاتي بأن ~~تتناول الطعام؟» # ففهمت عبادة غرضها من هذه الدعوة فقالت: «إني لا أشعر بالجوع الآن، ولكن أظن أن ميمونة في ~~حاجة إلى الطعام الآن.» # فلم يفت الفتاة الغرض من ذلك وسكتت، فنهضت دنانير وهي تقول لمولاتها أم حبيبة: «هلمي يا ~~مولاتي إلى المائدة مع هذه الضيفة الكريمة.» فأطاعتها كعادتها وخرجت الفتاتان للطعام وقد ~~استأنست ميمونة ببنت المأمون وأحبتها لجمالها وذكائها. وكفى بالإحسان باعثا على المحبة، فقد ~~قيل: «أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم.» # أما دنانير فرافقت الفتاتين إلى حيث أمرت الخدم بإعداد الطعام وعادت إلى عبادة وقد اشتد ~~شوقها لسماع الحديث. # وكانت عبادة جالسة مطرقة، فدخلت دنانير وأغلقت باب القاعة وراءها وجلست إلى أم جعفر تهش ~~لها وترحب بها وقد سرها أن تواسيها وتخدمها قياما بما تشعر به من فضلها عليها، فضلا عما ~~تبعث عليه حالها من الشفقة لما أصابها من الذل بعد ذلك العز. والإقرار بالإحسان فرض يسر أهل ~~الفضل أن يأتوه وأن يكرموا صاحبه إلا طائفة من الناس ساءت سريرتهم وسفلت طباعهم وصغرت ~~نفوسهم؛ فهؤلاء ينكرون فضل الفضلاء وقد تحملهم الكبرياء على إيقاع الأذى بالمحسنين إليهم، ~~ولا سيما الذين ولدوا في الفاقة وخفض العيش ثم ساعدتهم الأقدار على الارتقاء؛ فإن أنفسهم ~~الأمارة بالسوء ربما سولت ms031 لهم قتل من يحسن إليهم. أما دنانير فكانت كبيرة النفس صافية ~~السريرة؛ فسرها أن تخدم مولاتها اعترافا بفضلها. فلما خلت إليها تنهدت عبادة تنهدا ~~عميقا، ونظرت إلى دنانير والدمع يتلألأ في عينيها وقالت: «آه يا دنانير! إن النظر إليك ~~يذكرني أيام عزي، وإني لأشكرك على ما لقيته من مواساتك وتلطفك في حين أن أقرب الناس إلينا ~~نسونا أو تناسونا. ولكن ما لنا وذاك، إن الأمر الذي جاء بي إليكم الليلة لجد خطير.» # فقطعت دنانير كلامها ووضعت يدها على كتفيها وهي تنظر إليها مبتسمة وتقول: «قولي ما عندك ~~يا سيدتي، إنك صاحبة الأمر وعلينا الطاعة.» # فتنهدت وقالت: «أنت طبعا تعرفين الفضل بن الربيع.» # فلما سمعت دنانير الاسم أدركت عظم الأمر لعلمها أن هذا الوزير هو الذي عظم ذنب جعفر لدى ~~الرشيد حتى قتله وتولى هو الوزارة مكانه، فقالت: «نعم يا سيدتي أعرفه، فما خطبه بعد الذي أتاه؟» # قالت: «ليس الخطب خطبه الآن، وإنما نشكو من ابنه!» # قالت: «وماذا صنع ابنه؟» # قالت: «لا أدري كيف بلغه خبر ميمونة ولا أعلم أين رآها حتى فتن بجمالها، أو لعله لم يفتن ~~بها وإنما أراد النكاية بنا، فبعث إلي منذ بضعة أسابيع قهرمانة دار أبيه يوسطها في خطبة ~~ميمونة لنفسه، وقد تلطفت القهرمانة في الطلب ووعدتنا خيرا. فماطلته لأني أخاف إذا رفضت ~~طلبه بتاتا أن يؤذينا، فلم يرجع عن طلبه وبالغ في المحاسنة وكرر الوعد بما ينويه لنا من ~~الخير إكراما لميمونة لأنه مفتون بها. وقد أكدت لنا القهرمانة أنه يحب الفتاة حبا ~~مبرحا، وأنه لا يريد لنا إلا السعادة إذا أجبته إلى بغيته. فاعتذرت من الإجابة أعذارا ~~مختلفة، وتقدمت إليها أن تساعدني في دفعه فوعدتني، وظلت أياما لم ترجع إلينا. فظننتها أفلحت ~~واطمأن قلبي، فلما كان مساء الأمس جاءتني بنبأ ذهب بصوابي وقطع حبل رجائي!» قالت ذلك وشرقت ~~بدموعها فسكتت واشتغلت بمسح عينيها. # وكانت دنانير تسمع حديثها وهي تتطاول نحوها بعنقها، فلما رأتها تبكي قالت: «خففي عنك يا ~~سيدتي. وماذا جرى بعد ذلك؟» # قالت: ms032 «جاءت القهرمانة هذه المرة تهددني بالسوء إذا لم أجب طلب ابن الفضل، وذكرت لي أنه ~~أوصل أمري إلى علي بن ماهان صاحب الشرطة ووسطه في الخطبة، وأن عليا هذا يلح علي في إجابة ~~الطلب على أن يضمن لي ما أريده من الخير، فإذا لم أفعل كانت العاقبة وخيمة علي وعلى ميمونة. ~~فوعدت القهرمانة بأن أنظر في طلبها وأجيبها. وأنت تعلمين موقفنا من هؤلاء ولا سيما الفضل بن ~~الربيع الذي كان سبب قتل ابني، فكيف أزوج ابنة ابني من ابنه وأنا لا أطيق سماع اسمه؟» قالت ~~ذلك وأطلقت لدموعها العنان، فتفطر لها قلب دنانير وأدركت عظم ما يتهدد أم جعفر وحفيدتها ~~لعلمها أن هؤلاء إذا قالوا فعلوا. فأطرقت وأعملت فكرتها حينا ثم قالت: «لا أنكر على مولاتي ~~ما قالته من كرهها لذلك الرجل وابنه، ولكن ...» ورفعت كتفيها وقلبت شفتيها وسكتت. # فقالت عبادة: «لا أستطيع قبول زواج ابن الفضل بابنة جعفر. وهبي أني قبلت، فهل تظنين ميمونة ~~تقبل وهي تعرف أن الفضل بن الربيع أصل بلائنا ومصدر مصائبنا؟ كلا، هذا لا يكون.» # فقالت دنانير: «إذا كنت مصرة على الرفض فأنا طوع إرادتك، وهذا القصر وأهله في خدمتك، فإذا ~~شئت الإقامة به أقمت على الرحب والسعة. ولا أظن أحدا يجسر على إخراجك منه. وقد أفرحني ما ~~آنسته من ارتياح مولاتي زينب إليك، وأنت تعلمين نفوذها عند أمير المؤمنين الرشيد، فمتى عاد ~~وسطناها لديه وهو لا يرد لها طلبا؛ فانعمي بالا.» # فتنهدت عبادة وسكتت هنيهة ثم قالت: «أخشى يا دنانير أن يكون في إقامتنا هنا بأس على أهل ~~هذا القصر؛ لأن النحس ملازم لنا، فلا أحب أن يلحقكم شيء منه.» # فتأثرت دنانير من قولها وأخذت تخفف عنها. # | دنانير وأم جعفر # سمعت دنانير وقع خطوات مسرعة في الدهليز فنهضت إلى الباب وفتحته فرأت أحد الغلمان واقفا ~~بالباب يقول: «جاء الطبيب يا سيدتي.» # فأبرقت أسرتها ولم تتمالك أن قالت: «الطبيب جاء؟ لقد أبطأ، دعه يدخل.» قالت ذلك ورجعت إلى ~~عبادة وهي تبتسم وتقول: «جاء طبيبنا الخراساني ms033 الذي ذكرت لك أنه يتردد على المدائن، فعسى أن ~~ينفعنا في معرفة صاحبكم الذي ذكرت أنه واساكم هناك.» # ففرحت عبادة بالبشرى، ولبثت تنتظر مجيء القادم بفارغ الصبر ولم تمض دقائق قليلة حتى سمعتا ~~حركة ووقع أقدام، فرجعت دنانير إلى الباب لتستقبل القادم. فلما رأته مقبلا قالت: «لقد ~~أبطأت علينا أيها الطبيب هذه المرة، جعل الله المانع خيرا.» # وكانت عينا عبادة على الباب وقد أصلحت خمارها، فسمعت الطبيب يقول: «لقد أبطأت عليكم لعذر ~~قاهر، فهل أنتم في حاجة إلي؟» قال ذلك وفي كلامه عجمة، فلما سمعت عبادة صوته خفق قلبها لأنها ~~عرفت فيه صوت جارهم بهزاد. ثم دخل الطبيب، فلما وقعت عيناها عليه تحققت أنه هو بعينه صاحبهم، ~~فقالت: «هذا بهزاد!» أما هو فحالما رآها خلع نعاله وأسرع نحوها فصافحها وتلطف في السلام ~~عليها وقال: «أنت هنا يا خالة؟» # فقالت: «نعم يا سيدي، وقد جئت لزيارة دنانير.» فبغتت دنانير لذلك الاتفاق وقالت: «إذن ~~بهزاد صاحبكم هو طبيبنا؟ ما أجمل هذا الاتفاق. تفضل يا سيدي.» وأشارت إلى كرسي فمشى بهزاد ~~بقدم ثابتة وخطى واسعة حتى جلس عليه، وكان طويل القامة عريض ما بين المنكبين كبير الجمجمة ~~واسع الجبهة أبيض الوجه أسود العينين غائرهما، مع حدة وذكاء، خفيف اللحية صغير الشاربين. ~~وكان في نحو الخامسة والعشرين من عمره، وقد تزمل بعباءة سوداء، وعلى رأسه قلنسوة قصيرة ليس ~~حولها عمامة. وكان لطوله وعرض منكبيه إذا مشى تقلع كأنه ينحط من صبب، وإذا أقبل عليك حسبته ~~من الجبابرة الذين يتحدثون بعظم هاماتهم، ورأيت في عينيه رقة ونفوذا يدلان على قوة الإرادة ~~وصدق الطوية. وكان لا يرى إلا مقطبا والاهتمام باد في محياه، في غير جفاء أو خشونة. ويندر ~~أن يضحك، كما أنه قليل الكلام كثير التفكير، يستأنس به جليسه ولكنه يهابه ويشعر بقوة سلطانه ~~عليه. # فلما جلس ابتدرته دنانير قائلة: «لقد كنا نتحدث عنك ساعة الغروب ثم ذكرناك في عرض حديث ~~جرى لي مع سيدتي أم جعفر. وأنا أحسبك غير بهزاد الذي ذكرته لي؛ لأني ms034 لا أعرفك بهذا الاسم. ~~فأحمد الله على أنك أنت صاحب الجميل عليها!» # ولاحت من دنانير التفاتة إلى أم جعفر فرأتها تشير إليها برفع حاجبيها والعض على شفتها ألا ~~تفعل، كأنها تنهاها عن التصريح باسمها. # فأدركت دنانير غرضها. أما بهزاد فإنه تجاهل مرادها وقال: «إن أهل المدائن لا يعرفونني إلا ~~بهذا الاسم؛ لأنهم رأوني فارسي السحنة، فسموني بهزاد. وأما اسمي فهو عبد الله.» ثم حول نظره ~~إلى أم جعفر بانعطاف واحترام وقال: «لا جميل لي يا خالة في شيء فعلته، ولا أعرف أني أتيت ~~شيئا يستحق الثناء.» ثم التفت إلى دنانير وقال: «كيف مولاتنا أم حبيبة؟ عسى أن تكون في خير ~~وعافية!» # قالت: «هي بخير، وتتناول العشاء مع ضيفة لها في غرفة المائدة، وقد كنت عازمة على الذهاب ~~بها إلى الفراش كالعادة.» # فأظهر أنه لم ينتبه لعزمها، وقال وهو يخفي ما يخالج ضميره من الاهتمام ويتشاغل بإصلاح بند ~~سيفه في منطقته: «هل أتى غلامي سلمان؟» # قالت: «كلا يا سيدي، لم أعلم أنه جاء. وهل أنت على موعد معه هنا؟» # قال: «نعم، كنت أتوقع أن يأتي نحو الغروب، وشغلت عن المجيء إليكم حتى الآن وأنا أحسبه في ~~انتظاري هنا.» قال ذلك وهم بالنهوض وهو ينظر إلى الباب كأنه يريد الخروج، فقالت دنانير: ~~«هل تحتاج إلى شيء يا مولاي؟» # قال: «كلا، ولكنني أحب أن أتحقق مجيء سلمان إلى القصر، فقد يكون أتى ودخل بعض غرف ~~الغلمان.» # فمشت دنانير وهي تقول: «أنا أذهب للبحث عنه، تفضل واجلس.» وهمت بالخروج. # لكنها لم تدرك الباب حتى سمعت جلبة وقهقهة في الدهليز فعرفت أن زينب قادمة وهي تقهقه لأمر ~~أضحكها؛ فضحكت دنانير سرورا بها وأطلت على الدهليز وهي تقول: «مولاتي! أنت هنا؟ ألم تذهبي ~~إلى فراشك بعد؟» # ولم تتم كلامها حتى كانت زينب قد لحقت بميمونة فأمسكت بثوبها وراحت تشدها نحو الباب ~~تداعبها، وميمونة تطاوعها إرضاء لها واستئناسا بها. فابتدرتها دنانير قائلة: «ما الذي أضحكك ~~يا حبيبتي؟» # فصاحت الفتاة وهي تلتفت وراءها التفات مذعور مطمئن قائلة: «أضحكني ms035 غلام الطبيب، تعالي ~~انظريه.» وأشارت بأصبعها إلى الدهليز، فخرجت دنانير فرأت رجلا في لباس وقيافة لا عهد ~~لسلمان بهما، ثم عرفت أنه هو بعينه، ولكنه قد اتخذ لنفسه عمامة كبيرة، ولحية طويلة قد دب ~~فيها الشيب، وعليه جبة مثل جبة أحبار اليهود؛ فلم تتمالك عن الضحك وقالت له: «ويلك، ماذا ~~أصابك؟» # فانزوى سلمان في بعض منعطفات الدهليز، حيث اختفى لحظة ثم ظهر وقد عاد إلى هيئته العادية، ~~بقبائه وسراويله وطاقيته، وعادت لحيته صغيرة لا شيب فيها؛ فزادها تغيره استغرابا، وذهبت إلى ~~القاعة لتروي للطبيب ما شاهدته وتبشره بقدوم غلامه، فرأته قد خرج ليراه لأنه سمع ما دار ~~بشأنه. ولكنه لم يكد يدرك الباب حتى رأى زينب داخلة تجر ميمونة وراءها وتضحك ولا تعلم أن ~~الطبيب هناك. فلما وقع نظرها عليه تهيبت واستحيت وأطرقت وأسرعت للاستتار وراء ميمونة. # فلما رأى الطبيب استحياءها تبسم واقترب منها وقال: «كيف حالك يا أم حبيبة؟» ومد يده ~~ليتناول يدها فازدادت حياء وتراجعت حتى اختفت وراء ميمونة. أما هذه فلما وقع نظرها على ~~الطبيب بغتت وصبغ الحياء وجهها لسبب غير السبب الذي أخجل زينب، وتلعثم لسانها واصطكت ~~ركبتاها وتحيرت بين الإطراق خجلا وبين أن تحيي ولي نعمتها والمحسن إليها. أما هو فلما رأى ~~دهشتها وارتباكها تجاهل وحياها وتحول إلى زينب يتلطف في تشجيعها لترد عليه السلام. # ولحظت أم جعفر ارتباك حفيدتها فحسبته من لقائها بهزاد على غير انتظار، فإنها لم تكن تعلم ~~ما يضمر قلبها ولم يتفق أن لحظت منها شيئا يدل على أن شعور قلبها نحو بهزاد يجاوز الشعور ~~بفضله عليهما؛ فنهضت واقتربت من ميمونة وقالت: «هذا مولانا وصاحب الفضل علينا، ما بالك لا ~~تسلمين عليه يا لمياء.» # فلما سمعتها دنانير تسمي حفيدتها لمياء، أدركت أنها تريد إخفاء حقيقة حالهما على الطبيب. ~~أما ميمونة فلما سمعت جدتها تدعوها إلى السلام على الطبيب تجلدت ومدت يدها، فتناولها وشعر ~~بارتعاشها وبرودتها، ولم تخف عليه حالها، ولكنه ظل على تجاهله وابتسم لها كعادته ابتسام تلطف ~~وإكرام وقال: «وأنت ms036 هنا يا لمياء أيضا؟» وعاد إلى مداعبة زينب. # فأطرقت ميمونة وقد توردت وجنتاها، ولو رفعت بصرها لرأى بريق عينيها وشعر بما ترميه من ~~حاجبيها من السهام. ولكنه تغافل وحول نظره إلى دنانير، فرآها تراقب حركات الفتاة ولم يفتها ~~ما كان يتجلى في وجهها من دلائل الحياء، وأدركت بفراستها وتمرسها بالحياة أن هناك شيئا وراء ~~ذلك، واستغربت ما أبداه الطبيب من الفتور كأنه خالي الذهن مما يجول في خاطرها؛ فتحيرت وتمنت ~~لو تمكنها الفرصة من تحقيق ظنها، فما لبثت أن سمعت الطبيب يقول: «أين سلمان؟ سمعتكم تتحدثون ~~عنه.» # فأشارت دنانير إلى الدهليز وقالت: «إنه هنا. هل أدعوه إليك؟» # قال: «بل أنا ذاهب إليه.» وصاح: «سلمان!» وخرج من القاعة وترك أهلها على ما ذكرناه من ~~الاضطراب والارتباك. فأجابه الغلام: «لبيك يا مولاي، أنت هنا؟» # فقال وهو يحتذي نعاله ويهم بالمسير نحوه: «قد استبطأتك وقلقت لغيابك.» ومشى نحوه وقال ~~لدنانير: «سأعود إليكم بعد قليل.» فعلمت أنه ذاهب إلى المنزل الذي اعتاد الإقامة فيه أو ~~المبيت فيه إذا جاء القصر المأموني، وهو من جملة أبنية القصر الكبير. فظل ماشيا وسلمان ~~يتقدم نحوه حتى التقيا وخرجا من الدهليز إلى البستان ومنه إلى ذلك المنزل. ~~••• # كان الطبيب يمشي مطرقا وسلمان يسير في أثره مهرولا، ولكنه رغم هرولته وطوله لا يستطيع ~~اللحاق به وهو يمشي الهوينى لسعة خطواته. فلما وصلا إلى المنزل تقدم سلمان وفتحه، ثم خلعا ~~حذاءيهما ودخلا، وهم سلمان بسراج على مسرجة فأشعله وأغلق الباب وراءه، ووقف حتى جلس الطبيب ~~على وسادة في صدر الغرفة فوق البساط وأمره بالجلوس بين يديه فجلس منتظرا أمره، فلما استتب ~~بهما الجلوس قال الطبيب: «ما وراءك يا ملفان سعدون؟» # فقال: «وأنت أيضا تدعوني ملفانا؟» وضحك. # فقال: «إنك تبقى ملفانا حتى تنتهي مهمتنا من هذه الديار ونبلغ غايتنا. قل ما وراءك؟» # قال: «جئتك بخبر مهم لم يطلع عليه أحد في هذه المدينة، ولو عرفه أهلها لقاموا وقعدوا وتغيرت ~~أحوالهم، فضحك قوم وبكى آخرون.» # فتنحنح الطبيب ونظر إلى سلمان بعينين حادتين، ms037 كأنه يخترق أحشاءه ويستطلع خفايا قلبه ، وقال: ~~«هل عندك غير خبر موت الرشيد؟» # فأجفل وقال: «وهل عرفت ذلك؟ يا ألله! كيف عرفته وقد جاء الساعة ولم يعلم به أحد إلا صاحب ~~البريد. ولو لم أشاهد اللوح النحاسي الذي يحمله سعاة البريد معلقا بالشرابة على صدره لما ~~صدقته. فكيف عرفته؟» # قال: «عرفته ولم أر اللوح النحاسي ولا تحققت صدق الساعي. إن الرشيد مات يا سلمان، فهل عرفت ~~خبرا غير هذا؟» # قال: «وهل هناك ما هو أهم من هذا الخبر؟ لقد أذهبت سعيي عبثا وكنت أحسبني جئتك بخبر ~~تغبطني عليه، وأنا إنما عرفته اتفاقا وقد كلفني سبيكة من الذهب! إني لا أزال قليل النفع لك.» # قال الطبيب: «بل أنت كثير النفع لا يستغنى عن ذكائك ونشاطك، ويكفينا أنك تكشف لنا عن أغراض ~~العامة وأقوالهم والعيارين ومقارفتهم.» # فقال: «ليس هذا مما يؤبه له، وأظنك عالما بالغيب فقل ما عندك مما يفوق موت الرشيد ~~خطرا.» # قال: «أخطر منه ما أتاه أصحابه؛ فقد خلعوا المأمون ونكثوا البيعة له بعد أخيه. وسترى ~~عاقبة ذلك عليهم.» # فدهش سلمان وقال: «نكثوا بيعة المأمون؟ يا لهم من قوم خائنين! لكن من فعل هذا أو أشار ~~به؟» # قال: «الفضل بن الربيع.» # فقال سلمان وقد ذعر: «الفضل وزير الرشيد الذي سافر معه في حملته الأخيرة؟» # قال: «نعم، هو بعينه. إن هذا الرجل أقدم على أمر سيودي بهذه الدولة كما فعل بقتل الوزير ~~المظلوم، وكل من الفعلين يسقط دولة، فكيف إذا اجتمعا؟» قال ذلك وقد بدا الغضب في عينيه. # فتهيب سلمان من غضبه وقال: «وكيف كان ذلك يا سيدي؟» # قال الطبيب: «لما سافر الرشيد في هذه الحملة اصطحب ابنه المأمون وأخذ له البيعة من جميع ~~من في معسكره من القواد والأمراء ومن إليهم، وأقر له بجميع ما معه من الأموال وغيرها. وكان ~~ذلك بسعي الفضل بن سهل صاحب الهمة الشماء.» # قال: «نعم يا مولاي إن الفضل بن سهل لجدير بهذا الوصف. ثم ماذا؟» # فقال: «وسار المأمون مع أبيه ليقيم بخراسان. ولا يخفى ms038 عليك أن الرشيد بايع بالخلافة بعده ~~لولده الأمين المقيم في بغداد الآن، ثم للمأمون الذي رافقه في هذا السفر، على أن يتولى ~~خراسان أثناء خلافة الأمين، وكان الرشيد مريضا يوم سفره ولكنه أخفى مرضه. وقد روى لي الصباح ~~الطبري - ومكانته من الرشيد ما تعلم - أنه ذهب لوداعه يوم خروجه من بغداد، فقال الرشيد له: ~~«ما أظنك تراني يا صباح أبدا.» فلما أعظم قوله وأنكر عليه ما يخافه، قال: «ما أظنك تدري ما ~~أجد في صحتي.» قال الصباح: «لا والله.» فعند ذلك مال الرشيد إلى ظل شجرة في الطريق وأمر ~~خواصه بالابتعاد. فلما خلا إلى الصباح كشف عن بطنه فإذا عليه عصابة حرير وقال: «هذه علة ~~أكتمها عن الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي علي رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبرائيل بن ~~بختيشوع رقيب الأمين. وما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي ويستطيل دهري. وإن أردت أن تعلم ذلك ~~فالساعة أدعو بدابة فيأتوني بدابة عجفاء قطوف لتزيد علتي، فاكتم علي ذلك.» فدعا له الصباح، ~~ثم طلب الرشيد دابة فجاءوا بها كما وصف، فنظر إلى الصباح وركبها وعاد الصباح من وداعه ولم ~~يكتم ذلك عني.» # فاستغرب سلمان اطلاع مولاه على كل هذا وكيف كتمه عنه إلى تلك الساعة، وأحب أن يعرف خبر ~~الفضل بن الربيع فقال: «وماذا فعل ابن الربيع؟» # قال: «سافر الرشيد ومعه الفضل، فأخذ هذا يراسل الأمين مخبرا إياه بكل ما يحدث، فلما كتب ~~إليه بأن الرشيد اشتد مرضه، أعد الأمين كتبا وأمر أن يجعلوها في قوائم صناديق المطبخ ~~المنقورة بعد تغطيتها بجلود البقر، ثم عهد إلى رجل من خاصته اسمه بكر بن معمر في إيصالها ~~إلى أصحابها، وقال له: «احذر أن تطلع أمير المؤمنين أو غيره عليها، بل انتظر حتى تعلم بنبأ ~~موته، ثم ادفع إلى كل إنسان كتابه.» # فلما وصل بكر هذا إلى مدينة طوس، حيث كان الرشيد مريضا، بلغ الرشيد قدومه فدعا به إليه ~~وسأله: «ما جاء بك؟» فقال: «بعثني مولاي الأمين.» فسأله: «هل معك كتاب؟» فقال: «لا.» ms039 فلم ~~يصدقه لعلمه بتكتمهم وأنهم شديدو الرغبة في موته؛ فأمر أن يفتشوا ما معه فلم يصيبوا شيئا، ~~فلم يقتنع فأمر بضربه لعله يعترف، فضربوه ضربا مبرحا حتى خاف الموت، فقال للفضل: «عندي ~~أنباء مهمة فاتركوني لأفضي بها إليكم.» ولكن الرشيد أمر بقتله، ثم اتفق لحسن حظ بكر أن أغمي ~~على الرشيد فاشتغل الناس به، وما لبث أن مات فبعث الفضل إلى بكر بمن أخبره بموت الرشيد ~~وسأله عن الكتب التي معه من الأمين فدفعها إليه، وهي كتاب إلى أخيه المأمون يأمره بترك ~~الجزع وأخذ البيعة على الناس لهما، وكان المأمون يومئذ بمرو؛ وكتاب إلى أخيه صالح يأمره ~~بتسيير العسكر، وأن يعمل هو ومن معه برأي الفضل؛ وكتاب إلى الفضل يأمره بالمحافظة على ما ~~معه من الحرم والأموال وغير ذلك، وأقر كل من كان هناك على عمله. فلما قرءوا الكتب تشاوروا ~~مع القواد فيما يفعلون بالعهود التي عليهم للمأمون في بغداد؛ فكان من رأي الفضل أن يلحقوا ~~بالأمين وقال: «لا أترك ملكا حاضرا لآخر ما أدري ما يكون من أمره.» وأمر الناس بالرحيل ~~إلى بغداد، ولن يلبثوا غير أيام حتى يصلوا إلينا وقد خلعوا المأمون وما خلعوه إلا لأن أمه ~~فارسية وهم عصبة يزعمون أنهم ينصرون العرب، وما ينصرون إلا مطامعهم، وسيعلمون ما ينالهم من ~~أخواله.» قال ذلك وقد تعاظم غضبه فازداد سلمان تهيبا من منظره رغم طول صحبته وما ألفه من ~~أحواله، وظل مطرقا لا يجرؤ على النظر إليه مخافة غضبه، ثم أحب أن يكلمه فرآه يتحفز للنهوض ~~ويقول: «لا بأس على ابن أختنا؛ فهو في خراسان بين أخواله، وفيهم الفضل بن سهل.» # ونهض بهزاد فنهض سلمان معه وقال: «ما الذي نفعله الآن يا مولاي؟» # فأطرق وهو يحك جبينه بسبابته وإبهامه ثم قال: «لا بد من ذهابي لأمر خطر لي لا يحسن ~~تأجيله.» # فقال سلمان: «وهل أذهب معك؟» # قال: «كلا، بل أرى الذهاب وحدي لسبب ستعلمه!» # فقال وهو يهز رأسه إعجابا واستغرابا: «لقد أدهشتني بما تكتمه وما تظهره كأنك تستخدم ms040 ~~الجان!» # قال: «لم أفعل شيئا غريبا .» وأخذ يصلح قلنسوته ويعدل بند سيفه استعدادا للمسير، ~~فابتدره سلمان قائلا: «إذا كنت لا ترى حاجة إلي فإني أذهب لإتمام مهمتي التي بدأتها في ~~غروب اليوم، ولولا تعجلي لاطلاعي على خبر الرشيد لأتممتها قبل مجيئي ولو علمت أنك تعلم ~~الغيب و...» # فقطع بهزاد كلامه قائلا: «لا دخل للغيب فيما تراه، وستعلم أنه طبيعي، ولكنني تعودت ألا ~~أقول شيئا قبل التثبت منه. وإنما يقدم على كثرة الكلام أهل الطيش فيجعجعون ويطنطنون ثم لا ~~يأتون غير الكلام، وعندي أن إذاعة ما ينويه المرء من الأعمال يذهب بالعزم على إتمامه. وما ~~أجمل ما قيل: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».» # وكان سلمان يصغي إلى كلامه، فلما فرغ قال: «إنها عظة بالغة؛ ولذلك فإني ذاهب الآن لقضاء ~~المهمة التي بدأتها، ومتى انتهت أطلعتك عليها، وأرجو أن تحسن في عينيك وألا تكون قد سبقتني ~~إليها!» # فقال الطبيب: «اذهب في حراسة الله، وسنلتقي هنا غدا، وإذا لم آت فلا تستبطئني.» قال ذلك ~~وترك سلمان ومشى نحو القاعة التي ترك القوم فيها. ~~••• # كانت دنانير بعد ذهاب الطبيب قد أدخلت زينب إلى الفراش وسألت ميمونة إذا كانت تريد الرقاد ~~أيضا فأجابت بأنها تؤثر البقاء للاستئناس بها وبجدتها، فأمرت الخدم بأن يعدوا لها ولعبادة ~~طعاما فأكلتا، ولا حديث لهما غير بهزاد، وكل منهما تقص على رفيقتها ما تعرفه من غريب أطواره ~~وأحواله، ولا سيما عبادة؛ فإنها أخذت تطري شهامته وأنفته وكرم أخلاقه، وكيف أن أهل المدائن ~~يعدونه من الأولياء ويستغربون تكتمه. على أن التكتم زاده رفعة في أعينهم وزادهم تهيبا منه؛ ~~لأنك لا تزال تخاف المجهول حتى تعلمه. وعلى هذا القياس ترى الصمت يرفع منزلة صاحبه وكثرة ~~الكلام تقلل من هيبته، فإذا جهلت ما في خاطر المرء حسبت ما يكتمه شيئا عظيما، فإذا تكلم ~~انكشف لك عن شيء تافه. والعقلاء يزين أقوالهم احتفاظهم بالكلام إلى حين الحاجة، مع تدبير ~~ما يقولون فلا يلقون الكلام على عواهنه. # وكانت ميمونة تسمع حديثهما عن بهزاد وقلبها يرقص ms041 طربا تشعر به ولا تستطيع التعبير عنه؛ ~~فقد عرفت هذا الشاب منذ عام وبعض العام، ورأت منه انعطاف المحسنين وغيرة الأقربين، فاحترمته ~~وأعجبت به. ثم ألفت رؤيته حينا بعد آخر فأصبح إذا غاب استبطأته وشعرت بحاجة إلى رؤيته، ولا ~~يطمئن قلبها إلا إذا رأته ولو مارا في الطريق. وقد زاد في ارتياحها إليه ما كانت تسمعه من ~~إطراء جدتها له وامتداحها خصاله؛ فأصبحت إذا شاهدته أو سمعت صوته يخفق قلبها، وإذا كلمها ~~صعد الدم إلى محياها واستولى الخجل عليها. ثم أصبح قلبها يخفق لسماع اسمه، وصارت تلتذ ~~الحديث عنه، وإذا سمعت أحدا ينتقده أو يقبح أعماله شق عليها قوله وأخذت تدفع عنه بحماسة ~~وغيرة. # كانت تفعل ذلك وهي لا تعلم أنها تحبه، ولو سئلت في ذلك لاستغربت السؤال وأنكرته. لا تفعل ~~ذلك نفاقا أو رياء لكنها لم تكن تعلم أنها تحبه، خصوصا أنها لم تكن تسمع منه كلمة تدل على ~~حبه لها. وكان إذا جاء المنزل كلم جدتها، فإذا عرضت له حياها وهو ينظر إلى شيء آخر، وربما ~~سألها عن حالها سؤالا لا مبالاة فيه أو اكتراث، فلم يمنعها ذلك من الاسترسال في حبه؛ لأنها ~~لم تفكر في هل تحبه أم لا، ولو فعلت ذلك لاحترست من التورط؛ لأنها لم تكن ترى منه ميلا ~~ولكنها أحبته عفوا، وهي لا تعرف دلائل الحب. # وما زالت على ذلك حتى التقت به تلك الليلة فجأة ثم رأته يلاطف زينب ويداعبها؛ فتحركت ~~الغيرة في قلبها مع علمها أنه فعل ذلك تلطفا ومجاملة، وأحست كأن سهما أصابها في قلبها. على أنها ~~تراجعت وحاولت أن تقنع نفسها بأن ليس ثمة داع للغيرة فاقتنع عقلها، وأما قلبها فما زال في اضطراب. ~~وأخذت من تلك الساعة تتساءل عن سبب هذا الشعور، فاغتنمت اشتغال جدتها ودنانير بالطعام والحديث، ~~وطفقت تفكر في سبب هذا الشعور، وكلما همت بأن تسأل نفسها هل تحبه غلب عليها الحياء وأنكرت ~~ذلك؛ لأنها لا ترى من أعماله ما يجرئها عليه؛ فتعللت بأنها إنما تحبه إقرارا ms042 بفضله وإحسانه. # ثم رأت ذلك لا يغني فتيلا؛ لأنها تحس بانعطاف إليه غير انعطافها إلى جدتها مثلا وهي ~~أكثر الناس إحسانا إليها؛ فتحققت أنها تحبه لغير الإحسان. ولما تصورت ذلك ولم تر مندوحة ~~عنه انقبضت نفسها؛ لأنها لم تلحظ منه شيئا من غير هذا القبيل نحوها. وعادت إلى ذكرى الماضي ~~فراجعت تاريخ معرفتها به وما كان يبدو من حركاته وأقواله؛ فلم تر دليلا على أن عنده مثل ما ~~عندها. على أنها حملت ذلك منه على رغبته في التكتم. # وهكذا كانت عبادة ودنانير تتناولان الطعام وتتحادثان، وميمونة غارقة في هذه الأفكار. وبعد ~~الفراغ من الطعام قالت دنانير: «هل تريدان الذهاب إلى الفراش فإننا في أواسط الليل؟» # فقالت عبادة: «أما أنا فلا أشعر بالنعاس، ولكن ميمونة تنام.» # فلما سمعت ميمونة قولها تذكرت أن بهزاد وعد بألا يبطئ في العودة، وشعرت بميل إلى أن تراه ~~قبل الرقاد، ولا سيما بعد ما ناجت به نفسها من حبه لعلها تؤانس منه إشارة أو تسمع كلمة ~~تستدل منها على ميله إليها. فلما سمعت قول جدتها حدثتها نفسها أن تعصيها ولكنها لم تجرؤ؛ إذ ~~لم تألف مخالفتها، فوقعت في حيرة وارتبكت في أمرها. ولحظت دنانير ارتباكها وأدركت سببه دون ~~عبادة؛ إذ كانت لا تعلم شيئا عن عواطف حفيدتها، فلم تكن تتوقع منها غير النهوض، ثم سمعت ~~دنانير تقول: «ما لنا وللرقاد الآن؟ دعي ميمونة معنا فإن هذه الليلة عندي من ليالي العمر ~~لشدة فرحي بكما.» ثم مدت ذراعيها إلى ميمونة وضمتها إلى صدرها وقالت: «ولا سيما حبيبتي ~~ميمونة؛ فإنها كنز لقيته؛ فدعيني أتمتع برؤيتها.» # فأشرق وجه ميمونة، ولما ضمتها دنانير وقبلتها أجابتها بقبلات حارة وضحكت من شدة الفرح. # فأثنت عبادة على عطف دنانير ومجاملتها. ولم يستتب بهن المقام حتى سمعن وقع أقدام الطبيب؛ ~~فخفق قلب ميمونة ولكنها تجلدت. ونهضت دنانير لاستقباله فإذا به لا يزال بلباسه وزاد عليه ~~كوفية اعتم بها وأرخى أطرافها حول رأسه كأنه على سفر، فابتدرته دنانير قائلة: «ما لي أرى ~~الطبيب يهم بالسفر؟» ms043 # قال: «لا بد من ذهابي الآن لأمر ذي بال، وكنت أود البقاء عندكم لولا الضرورة، ولكنني سأعود ~~في الغد إن شاء الله.» # وكانت عبادة قد وقفت لاستقباله وميمونة بجانبها، فلما سمعتا قوله تقدمت عبادة حتى التقت ~~به وهو داخل من الباب فقالت: «سر في حراسة الله يا ولدي، وأرجو أن تعود سريعا ولا تنسانا.» # فتقدم نحو عبادة ومد يده فصافحها باحترام وقال: «حاش لله أن أنساك.» والتفت إلى دنانير ~~وقال: «إني أوصيك بهذه الخالة يا دنانير، وإن كنت لا أرى حاجة إلى ذلك لما آنسته من حبك ~~لها.» # وكانت ميمونة أثناء ذلك واقفة وركبتاها ترتعدان وقد تولاها الخجل. وقد أعدت عبارة تقولها ~~في وداعة فلما رأته نسيتها وتلعثم لسانها. # أما هو فلما فرغ من وداع عبادة تحول نحو ميمونة ومد يده فقبض على يدها وأحس برعشتها ~~وبرودتها فضغط عليها ووجه كلامه إلى دنانير وقال: «وهل أوصيك بلمياء؟ كان يجب أن أوصي أم ~~حبيبة بها، على أنني لا أرى حاجة إلى ذلك وقد رأيت من تحابهما ما لا حاجة معه إلى توصية، بل ~~يجدر بي الآن أن أوسط لمياء لدى مولاتنا من أجلي.» ثم وجه خطابه إلى ميمونة وهو يضغط على ~~يدها ضغطا ترافقه رعدة متبادلة وقال: «هل تتوسطين لي عندها؟ ما أسرع تسلطك على قلب مولاتنا ~~حتى استأنست بك كأنها تعرفك منذ أعوام.» قال ذلك وابتسم وأبرقت عيناه وكادتا تبوحان بما في ~~قلبه. # وأما هي فلا تسل عن حالها وما كان يتجاذبها من الخجل والامتنان والفرح، لما آنسته من ~~تلطفه وما توسمته في خلال حديثه من الدلائل على حبه، فسكتت وأطرقت، وهذا أبلغ جواب من فتاة ~~في مثل هذه الحال، لكنها لم تتمالك عن الابتسام وبان السرور في وجهها. # أما هو فكأنه انتبه إلى نفسه وندم على ما فرط منه فأفلت يدها وعاد إلى كتم عواطفه؛ فتحول ~~عن ميمونة إلى دنانير فحياها وقال: «أستودعكم الله إلى الغد.» وخرج مسرعا. # وكانت دنانير قد لحظت ما بدا من اهتمام الطبيب بميمونة، وسرها ms044 ذلك بعد أن استاءت من ~~فتوره ، للمرة الأولى، فودعته وعادت إلى ضيفتها فقالت: «ما أكثر ما يهتم له هذا الطبيب، وما ~~أكثر شواغله؛ فإنه لا يلبث أن يكون جالسا حتى ينهض، إني لم أفهم سره.» # فقطعت عبادة حديثها قائلة: «هذا هو حاله معنا منذ عرفناه، فمع توالي إحسانه لا أذكر أنه ~~جالسنا ساعة أو بعض ساعة؛ فلا أراه إلا مهتما مقطبا، وهذه أول مرة رأيته يبتسم ولم يطل ~~ابتسامه فعاد إلى حاله.» # أما ميمونة فبعد أن اطمأن قلبها وفرحت بما لمحته من بهزاد، عادت إلى هواجسها عندما أفلت ~~يدها بسرعة وتغير وجهه فجأة، ثم اشتغلن بالحديث حتى حان موعد الرقاد فذهبت كل واحدة إلى ~~فراشها. ~~••• # كان سلمان هو الذي تنكر باسم الملفان سعدون واختلط بالعامة وصاحب رئيس العيارين خدمة ~~لمولاه بهزاد، وقد ترك الهرش على أن يعود إليه في تلك الليلة مهما يطل غيابه ليلقاه في قاعة ~~العيارين. وكان قد أسرع إلى القصر ليخبر الطبيب بموت الرشيد، فلما رآه يعلم ما لم يعلمه هو ~~من أمر البيعة وما تبعها رأى أن يعود بهذه الأخبار إلى الهرش لعله يدهشه فيزداد اعتقادا ~~بصدق مندله. # فلما ودع مولاه الحكيم أبدل ثيابه وعاد إلى العمامة والجبة والسالفين واللحية، وأسرع إلى ~~بغلته فركبها وسار قاصدا قاعة العيارين. وكان الليل قد انتصف وأغلقت المنازل وطاف الحراس ~~يتنادون فإذا رأوا غريبا أوقفوه. أما سعدون فكان له من لباسه وقيافته شافع حتى بلغ جسر ~~بغداد، ولم يكن له بد من المرور عليه إلى البر الغربي والحراس قائمون على طرفيه وقاعة ~~العيارين بالحربية وراءه، فمر على الجسر ولم يعترضه أحد حتى دخل البر الغربي، وهو بغداد ~~الأصلية مدينة المنصور وحولها الأرباض القديمة وفيها الطرق الضيقة علقت المصابيح في ~~مداخلها، ووقف الحراس فيها بأسلحتهم، فأوجس خيفة منهم، ونادى أحدهم فأسرع إليه فقال ~~له: «سر أمامي إلى قاعة العيارين.» # فلما سمعه الحارس يتكلم كمن له سلطان، ورأى لباسه ظنه أحد رجال أهل الذمة المقربين من ~~الخليفة للطبابة أو النجامة أو نحوهما؛ ms045 فمشى بين يديه حتى أقبل على بناء فخم من ناحية ~~الحربية ببابه عياران عليهما المئزر وعمامة من الخوص، فلما رأيا الملفان على بغلته عرفاه ~~فتقدما إليه وأعاناه على النزول وقالا له: «إن مولانا الهرش ذهب إلى مكان قريب ولا يلبث أن ~~يعود، وقد أوصانا بأن نرحب بك وندخلك القاعة تنتظره فيها.» # فترجل ومشى العياران بين يديه وسلمان يخطو وراءهما بعكازه، حتى استطرق من الدهليز إلى ~~ميدان تطرق منه إلى قاعة كبيرة فيها عدة مصابيح مدلاة من سقفها كالثريا، وفي أرضها بساط ~~عليه نقوش ووسائد ومقاعد، فدعاه العياران إلى الجلوس على مقعد إلى اليمين فجلس، وكانت هذه ~~أول مرة دخل فيها قاعة العيارين، لكنه لم يدهش لما هناك من الأثاث الثمين، بل دهش لما رآه ~~معلقا في جدرانها من ضروب الأسلحة وأدوات الحرب من مختلف أنواع السيوف والأقواس والرماح، ~~ومن المقاليع بين مصنوع من الجلد أو مجدول من الشعر أو من الحرير، وإلى جانب كل مقلاع ~~مخلاته والمخالي على أنواع. ورأى في بعض جوانب القاعة عصيا طويلة من خشب الشوم وغيره يثب ~~عليها العيارون لقطع الأنهر، وبجانبها سلالم مصنوعة من الحبال تنتهي من أطرافها بكلاليب ~~يرمونها على السطوح إذا أرادوا الوثوب عليها، ويقال لها سلالم التسليك. غير ما رآه من أدوات ~~النفط التي يشعلون بها الخرق المبتلة بالنفط ويرمونها بالمجانيق. ولم ير هناك إلا منجنيقا ~~واحدا صغير الحجم لرمي النبال أو النفط وليس مما ترمى به الحجارة الضخمة. هذا إلى ما رآه ~~معلقا في صدر القاعة من الدبابيس وهي العصي وفيها المسامير من الحديد، وبعضها مساميره من ~~الفضة أو الذهب. وهذا الدبوس لا يحمله إلا الرؤساء، وبينها دبابيس مصنوعة من الحديد. ورأى ~~على رف هناك أرغفة من الرصاص يرميها العيارون على أعدائهم فتذهب بقوة عظيمة، وقد تقتل عدة ~~أشخاص في رمية واحدة. ورأى كثيرا من أدوات القتل والكسر والنقب وضروبا من الحبال وغيرها ~~مما يحتاج إليه العيارون. # | ابن ماهان صاحب الشرطة # قضى سلمان نصف ساعة ظنها عدة ساعات لفرط قلقه وهو ms046 يراجع ما مر به تلك الليلة من الغرائب، ~~ثم سمع ضوضاء بباب القاعة فعلم أن الهرش قدم فتحفز للقائه، وإذا بالهرش قد دخل مسرعا وفي ~~أثره شاب جميل الصورة عليه قباء وسراويل وقلنسوة، وقد نبت عارضاه وبان عذاره، يلوح أنه من ~~الرقيق الأبيض، فوقف الغلام بالباب وأسرع الهرش إلى سلمان، وكان قد وقف له فحياه وابتدره ~~قائلا: «أبطأت عليك مرغما؛ فإن حامد (وأشار إلى الغلام) له حاجة عند صاحب الشرطة وأبى إلا ~~أن أصطحبه الليلة إليه، فهل تأتي معنا؟» # قال: «إنما جئت عملا بإشارتك فقد ألححت علي بالرجوع. فإذا كنت لا ترى أن أذهب معك رجعت.» # فقطع الهرش كلامه قائلا: «بل أنا شديد الرغبة في الذهاب برغم أننا في آخر الليل. هيا بنا ~~فإن الركائب معدة.» ثم التفت إلى الغلام وقال: «نحن ذاهبون مع الملفان سعدون إلى صاحب ~~الشرطة، وسأوصيه بأن يخرطك في سلك الشاكرية؛ فذلك خير لك من أن تكون عيارا.» # ففهم سلمان أن الهرش وعد الغلام بإدخاله في ذلك السلك، وتبينه عن قرب فرأى فيه ذكاء ~~وأنفة، فضلا عن الجمال، ولم يستغرب ذلك؛ فقد كان بين الرقيق المجلوب إلى بغداد أو المولودين ~~فيها جماعة من أجمل خلق الله وأذكاهم ينخرطون في الجندية أو الحراسة، أو ينتظمون مع الشاكرية ~~الذين يتولون نقل المراسلات في قصر الخليفة. فخرج الهرش وقد أمسك بيد سلمان احتفاء به، وفي ~~خاطره أن يسأله عما لديه من الأخبار ولكنه استنكف من التعجيل. # فلما خرجا من القاعة ركب سلمان بغلته وامتطى الهرش فرسه ومشى في ركابيهما عياران، وركب ~~الغلام حمارا وسار في أثرهما وهو يستغرب ما يراه من احتفاء الهرش بذلك الملفان. وكان كل ~~همه أن يوفق إلى الالتحاق بالشاكرية عملا بإشارة مولاه؛ فقد ربي في كنفه ولم يكن يعرف وليا ~~سواه. وكان يخلص في طاعته لما كان يلقاه من عطفه عليه، وكان الهرش يعامله معاملة الأب لابنه، ~~وقد عني بتعليمه وتثقيفه على غير ما تعود العيارون. # ولم يكن منزل صاحب الشرطة بعيدا عن قاعة العيارين ms047 فما عتموا أن وصلوا إليه، فترجلوا ~~بجانب باب كبير غلب النعاس على حارسيه، فلما سمعا قرقعة اللجم نهضا فرأيا الهرش فوسعا، فدخل ~~الهرش والملفان سعدون إلى جانبه يتوكأ على عكازه، ومشى أحد الحراس بين يديهما بالمصباح في ~~رواق مستطيل إلى قاعة عليها ستر مسدول. وعلى بابها حاجب خف إلى استقبال الهرش مرحبا، ~~فابتدره قائلا: «هل مولاك هنا؟» # قال: «أظنكم على موعد من لقائه؛ لأني لا أعلم أنه يسهر إلى مثل هذه الساعة.» # فلم يجبه الهرش وظل سائرا حتى رفع الستر وأشار إلى الملفان سعدون أن يدخل، وأومأ إلى ~~حامد أن يمكث في الرواق ريثما يستقدمه، أما الحاجب فأعلن قدوم الزائرين بقوله: «إن الهرش ~~داخل يا مولاي.» # فدخل سلمان وهو فيما وصفناه من قيافته الملفانية بعد أن نزع حذاءه وترك عكازه بجانب ~~الباب، فرأى ابن ماهان في صدر القاعة على وسادة وبجانبه رجلان مال أحدهما عليه كأنه يقص ~~عليه حديثا مهما؛ فعرفه سلمان أنه سلام صاحب البريد جاء ليسر إليه خبر موت الرشيد، وكان ~~ابن ماهان يتطاول بعنقه لسماعه وقد بدت الدهشة في عينيه. # وكان الرجل الآخر شابا في نحو الخامسة والعشرين من عمره، جميل الطلعة حسن البزة، وجهه ~~مشرب حمرة، ويتلألأ في عينيه ماء الشبيبة، وعليه ثوب ثمين وحول قلنسوته عمامة مزركشة، وقد ~~تربع وأخفى قدميه تحت سراويل من الخز الثمين. وقد تضوعت القاعة من طيبه. ولم يكن هذا الشاب ~~أقل إصغاء لحديث صاحب البريد من ابن ماهان؛ فعرف سلمان أنه ابن الفضل بن الربيع، ولم يكن أحد ~~من هؤلاء يعرف الملفان سعدون إلا بما سمعوه عنه من الهرش. # وكان ابن ماهان شيخا تقدمت به السنون ولكن مطامعه ما زالت في إبانها، وله لحية واسعة ~~يخضبها بالحناء، وقد تغضن جبينه واتضحت الشيخوخة في وجهه، ولكن الكبرياء والغرور ما زالا ~~ظاهرين في جلسته ولفتته وأسلوب خطابه. وقد زاده كبرا ما اختص به من الدالة على رجال الدولة ~~لسبقه في خدمتها منذ أيام المنصور. فإنه لما توفي هذا الخليفة سنة 158ه، وأبى ms048 عيسى بن موسى ~~أن يبايع لابنه المهدي ، كان ابن ماهان حاضرا فوضع يده على قبضة حسامه وقال له: «والله ~~لتبايعن أو لأضربن عنقك.» فبايع فارتفعت منزلة ابن ماهان لدى الخلفاء العباسيين من ذلك ~~الحين. وتولى عرش الخلافة في أيامه أربعة خلفاء آخرهم الرشيد. وكان قد حسد البرامكة ووالى ~~الفضل بن الربيع واتفقا على معاداة الفرس ومن قال بقولهم؛ ولذا قربه الأمين وجعله صاحب ~~شرطته فأصبح همه تأييد سلطانه. # وكان شديد القلق على مستقبل الخلافة بعد سفر الرشيد، وكاشف الهرش بذلك فأخبره بمقدرة ~~الملفان سعدون على استطلاع الغيب ووعده بأن يأتيه به في تلك الليلة؛ فلبث ابن ماهان في ~~انتظاره على مثل الجمر، فجاءه صاحب البريد أثناء ذلك وأسر إليه نعي الرشيد وجلسا يتباحثان ~~فيما عساه أن يحدث من التغيير. أما ابن الفضل فكان يتردد على ابن ماهان ويجالسه بلا كلفة، ~~فاشترك في سماع الخبر. فلما سمع ابن ماهان الحاجب ينبئه بقدوم الهرش التفت نحو الباب فرآه ~~داخلا وسلمان إلى جانبه، فرحب بهما واصطنع ضحكة يتلاطف بها كما يفعل بعض المتغطرسين ~~إذا أحب التظاهر بالتواضع. ~~••• # لم يحفل سلمان (أو الملفان سعدون) بما بدا؛ فظل داخلا وسلم، ثم قال الهرش: «هذا الملفان ~~سعدون قد جاء معي.» # فابتسم ابن ماهان وهو يمشط لحيته بأنامله ولم يتزحزح من مكانه وقال: «مرحبا بالملفان ~~العالم المنجم.» وأومأ إليهما أن يجلسا، ثم التفت إلى صاحب البريد وقال: «قد كنت في قلق ~~لاستطلاع الخبر الذي قصصته علي فأحببت أن أستعين على كشفه بعلم هذا المنجم، ولم يعد بنا حاجة ~~إلى ذلك الآن.» ثم اعتدل في جلسته وقال: «ولكني سررت بلقائه، لعلي أحتاج إليه في فرصة ~~أخرى.» # فأدرك الهرش أن صاحب الشرطة يحسب خبر صاحب البريد سرا عليهما، فنظر إلى الملفان سعدون ~~نظرة فهم مراده منها، فالتفت إلى ابن ماهان وقال: «أرى صاحب الشرطة في شاغل مع صاحب البريد ~~ومع مولانا ابن الفضل، وأخشى أن نكون قد ثقلنا بمجيئنا.» # فضحك والاهتمام باد في عينيه وقال: «لا يستغنى عن المنجمين ms049 في مثل هذه الحال، لا سيما إذا ~~صدقوا في تنبئهم.» ثم وجه خطابه إلى سلمان وقال: «هل كشف لك شيء يهمنا أمره يا ملفان؟» # فقال مستخفا: «ربما كان ذلك.» # فتدخل الهرش وقال: «إن الخبر الذي تتسارون به كشف لنا منذ ساعات!» # فتجاهل ابن ماهان وقال: «أي خبر تعني؟» # فأشار الهرش إلى سلمان ففهم مراده فقال: «ليس موت الرشيد جديدا عندي، ولا أقنع ~~به وحده؛ فلو أني عملت المندل هذه الليلة لرأيت ...» # فبغت ابن ماهان ونظر إلى صاحب البريد كأنه يستعينه، فتصدى ابن الفضل للسؤال وقال: ~~«وهل من خبر غير موت الرشيد؟» # قال: «إن الرشيد رحمه الله كان مريضا قبل سفره، وكنا كلنا نتوقع موته، لكن المندل كشف لي ~~أمورا إذا وعدتموني بكتمانها عن مولانا الأمين حتى يعرفها من غيري قلتها لكم.» قال ذلك وهو ~~يرمي إلى أن يجعلهم يفشونها؛ وكذلك يفعل أهل الدهاء إذا أحبوا نشر مأثرة لهم فإنهم يتظاهرون ~~بكتمانها ويبالغون في الحذر من نشرها بغية إذاعتها. # فلما أحس ابن الفضل تكتمه ازداد رغبة في الاطلاع على ما عنده وقال: «إذا كنت تعرف شيئا ~~جديرا بالاهتمام فإن اطلاع مولانا الأمين عليه يدعو إلى رفع مقامك. وماذا عسى أن يكون ~~لديك؟» # فقال: «اطلعت على سر يهم ابن الفضل أكثر من غيره.» فزحف ابن الفضل نحوه وقال: «وما ~~ذلك؟ وكيف يهم ابن الفضل خاصة؟» قال ذلك وهو يظن أن الملفان لا يعرفه. # فقال سلمان: «إن الخبر يهم ابن الفضل لأنه يمس أباه الوزير؛ أي أباك.» # فعجب ابن الفضل لمعرفته إياه، ولكنه شغل عن ذلك برغبته في الاطلاع على الخبر، ونظر إلى ~~ابن ماهان فالتفت هذا إلى الملفان وقال: «أرى دعواك عريضة، فقل ما عندك لنرى؛ فإذا صدقت ضمنا ~~لك التقرب من مولانا.» # فقال: «إن التقرب من أمير المؤمنين نعمة وما نحن إلا عبيده.» # فاستغرب قوله: «أمير المؤمنين.» فقال: «كيف تدعوه أمير المؤمنين وغاية علمنا أنه ولي ~~العهد؛ فهب أن الرشيد مات، فهل تصير الخلافة إليه؟» # قال: «بل قد صارت له وحده ms050 وقضي الأمر!» # فعلم إذ ذاك أنه يعرف شيئا جديدا فقال: «له وحده؟ وكيف ذلك؟» # فأشار بأصبعه إلى ابن الفضل وقال: «بسعي مولانا الفضل الوزير.» # فتطاولت أعناقهم لسماع الخبر، والهرش على رأسهم وابتدره قائلا: «ذلك شيء جديد علي ~~فاقصص علينا ما علمت.» # فاعتدل في مجلسه وأخذ يقص عليهم ما سمعه من بهزاد وكأنه يقرأ في صحيفة بين يديه، والكل ~~صامتون وقلوبهم تخفق دهشة واستغرابا، ولا سيما ابن الفضل؛ فإنه ازداد افتخارا بما أتاه أبوه ~~للأمين، وكان قد اطلع على مقدمات من قبل، فلما سمع النتائج التي رواها سلمان تحقق صدقها، ~~ودهش ولم يتمالك أن دنا منه وربت على كتفه استحسانا وإعجابا وقال: «بورك فيك، إنك منجم ~~عجيب!» # أما ابن ماهان فأمسك عن الإعجاب، وقال: «هل أنت واثق مما تقول؟» # فقال: «هذا ما كشفه لي المندل ولم أعهده يخدعني من قبل.» # فصغر صاحب البريد في عيني نفسه واحتقر الخبر الذي جاء به فسكت، أما ابن ماهان فالتفت إلى ~~الهرش وقال: «إذا صح ما جاءنا به الملفان فإن الأمر جد خطير، وإني أبشره برياسة المنجمين في ~~دار الخلافة، فاكتموا الآن ما سمعتم لنرى ما يكون.» وتناول من تحت وسادته صرة من النقود ~~دفعها إلى المنجم وقال: «هذا أجر طريقك وثمن البخور.» # فتباعد سلمان ويداه وراء ظهره مستنكرا، ويد ابن ماهان ممدودة بالصرة، فالتفت إلى الهرش ~~مستغربا، فضحك هذا وتناول الصرة وأعادها إلى مكانها وقال: «إن منجمنا لا يتعاطى هذه ~~الصناعة رغبة في أجر، وإنما يبذل علمه في سبيل صداقتنا.» # فازداد الجميع إعجابا به وقال صاحب الشرطة: «لا بأس، سينال أضعاف هذا بما أرجوه له من ~~التقرب إلى الخليفة.» # وعند ذلك تحفز سلمان للوقوف وقال: «اعذرونا فقد أطلنا سهركم.» # فلم يتمالك ابن ماهان عن النهوض احتراما له، وقد ذهب كبرياؤه وأحس بافتقاره إلى علم ~~الرجل، وذلك شأن الناس مع أهل المعرفة؛ فإنهم يبدءون باحترام الظواهر حتى تظهر المعرفة فتكون ~~العاقبة لها، وقد تجالس رجلا لا تعجبك بزته فتحتقره، ثم يتكلم فإذا رأيت منه علما ms051 انقلب ~~احتقارك احتراما، وربما دخل عليك فلا تأبه له فإذا عرفت فضله خرجت لوداعه وزودته بالثناء ~~والإعجاب. كذلك فعل ابن ماهان بالملفان سعدون؛ فقد استقبله استقبالا فاترا ظنا منه أنه ~~جاء يتزلف إليه، فلما رأى علمه وترفعه عن الإنعام احترمه ووقف لوداعه وشيعه إلى باب المجلس ~~راجيا إليه أن يأتيه في الغد. # ولما ودع ابن ماهان الهرش بالغ في الثناء عليه؛ لأنه كان وسيط معرفته بالمنجم؛ فتذكر ~~الهرش غلامه حامدا وكان لا يزال في انتظاره بالباب فقال: «إني لم أفعل ما يستحق الثناء وإن ~~نعمتك متوالية علينا.» ثم نادى حامدا وقدمه إلى ابن ماهان وقال له: «هذا غلام أضن به، وأحب ~~أن يكون في رجال الشاكرية في قصر الخليفة، فرجائي منك أن تدخله في جملتهم.» # فتقدم الغلام وأكب على يد ابن ماهان فقبلها ووقف متأدبا، فقال له: «ادخل الآن إلى دار ~~الغلمان وفي الغد تكون في جملة الشاكرية.» والتفت إلى الهرش وقال: «كن مطمئنا؛ فسيكون على ~~ما تحب.» فأثنى وخرج. # أما ابن الفضل فكان أكثرهم إعجابا وارتياحا، وتوسم في الرجل نفعا فرافقه حتى خرجا من ~~الباب ولم يبق معهما غير الهرش فأسر إليه بأنه يود أن يكلفه أمرا لا شأن للخلافة فيه، ~~وألح عليه أن يجيئه في فرصة أخرى. # فأشار مطيعا وخرج مع الهرش، ثم ودعه وركب بغلته وسار ولم يبق من الليل إلا القليل. # | خلافة الأمين # كان أهل بغداد غافلين عما جرى، فأصبحوا في اليوم التالي وإذا بالمنادين يطوفون بالأسواق ~~ينعون الرشيد ويترحمون عليه ويعلنون خلافة الأمين. واهتم الهاشميون ورجال الدولة بأخذ ~~البيعة على عادتهم. # وبكر سعدون في الصباح التالي (19 جمادى الآخرة سنة 193ه) إلى دار الشرطة، فرحب به ابن ~~ماهان وأركبه في حاشيته ليشهد الاحتفال بالبيعة. حتى إذا وصلوا إلى قصر الخلد ترجلوا ودخلوا ~~في جملة الداخلين بين تزاحم الأجناد والأعيان. ولما أتوا دار العامة أذن لهم فدخلوا وسعدون ~~وسلمان بجانب ابن ماهان. # وحضر البيعة شيوخ بني هاشم الذين كانوا في بغداد، والقواد وأكابر رجال الدولة، حتى ms052 غصت ~~بهم الدار. وجلس الأمين على سرير الخلافة وكان قد بلغ الثالثة والعشرين من عمره وتخشن عضله ~~واسترسلت لحيته واستطال عارضاه وبانت رجولته. وكان طويل القامة قوي العضل يلقى الأسد فلا ~~يبالي، وكان مع ذلك جميل الصورة أبيض اللون صغير العينين أقنى الأنف سبط الشعر، وفي وجهه ~~أثر الجدري. وكانوا قد ألبسوه حلة الخلافة فجعلوا العمامة المرصعة على رأسه والبردة على ~~كتفه، وقد جاءه بها رجاء الخادم من عند أخيه صالح من طوس، وجاءه أيضا بقضيب الخلافة ~~والخاتم، فتختم بالخاتم وحمل القضيب بيده فازداد جلالا وجمالا، والناس جلوس بين يديه: بنو ~~هاشم على الكراسي، وسائر الناس على الوسائد أو على البساط وبعضهم وقوف. والكل ~~منصتون مطرقون حزنا على الرشيد وإجلالا للأمين. # وكان أول من تقدم للأمين سلام صاحب البريد، فإنه أقبل فعزاه في أبيه وهنأه بالخلافة، ثم ~~تقدم بنو هاشم فعزوه وبايعوه، ووكل سليمان بن المنصور شيخ بني هاشم بأخذ البيعة من القواد ~~وكبار رجال الدولة، وفي جملتهم ابن ماهان وابن الفضل. # وكان الملفان واقفا في الجمع لم ينتبه له أحد، فلما فرغ الناس من المبايعة وقف الأمين ~~فيهم خطيبا فأصغوا وتطاولوا بأعناقهم، فحمد الله ثم قال: «يا أيها الناس، ويا بني العباس، ~~إن المنون بمرصد لذوي الأنفاس. حتم من الله لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله؛ فارتجعوا قلوبكم ~~من الحزن على الماضي، إلى السرور بالباقي، تحوزوا ثواب الصابرين، وتعطوا أجر الشاكرين.» # ولم يكن الناس يتوقعون هذه الجرأة منه فاستغربوا ذلك، ثم أمر أن يفرق في الجند رزق أربعة ~~وعشرين شهرا، وكانت قد جرت العادة إذا تولى الخليفة أن ينعم على الجند بأرزاقهم ليكتسب ~~ثقتهم. # ولما فرغ من مبايعة الناس تقدم الحسن بن هانئ (أبو نواس) شاعره، فهنأه بالخلافة وعزاه في ~~أبيه فقال: # جرت جوار بالسعد والنحس # فنحن في وحشة وفي أنس # العين تبكي والسن ضاحكة # فنحن في مأتم وفي عرس # يضحكها القائم الأمين ويب # كيها وفاة الرشيد بالأمس # بدران بدر أضحى ببغداد في ال # خلد وبدر بطوس في الرمس ms053 # وكان ابن الفضل أثناء ذلك لا يشغله شاغل عن الأمر الذي يريد أن يسره إلى الملفان سعدون، ~~فما كاد يفرغ من مشاهدة المبايعة حتى تلفت فرأى الملفان يتأهب للخروج، فاعترضه وسأله القدوم ~~معه، فاعتذر إليه ووعده بأن يعود إليه في المساء. وكان عازما على البحث عن مولاه بهزاد ~~ليرى ما يكون. # فقال له ابن الفضل: «عد إلينا في المساء إلى منزلنا بالرصافة.» فودعه ومضى يلتمس القصر ~~المأموني. ~~••• # كان أهل القصر قد علموا بموت الرشيد، فشق نعيه عليهم، ولا سيما زينب بنت المأمون، فلما ~~سمعت الخبر بكت كثيرا. وتوقعت دنانير الانقلاب الذي يخشى حدوثه بعد موت الرشيد لاطلاعها ~~على كثير من دسائس أهل البلاط وإن كانت لم تعرف بعد ما عرفه بهزاد من نكث بيعة المأمون. ~~وأصبحت تنتظر خبرا من مولاها؛ لأنه إن كان سيتولى خراسان تنفيذا للعهد، فقد يبعث إلى ابنته ~~وسائر أهله بالشخوص إليه. وشعرت وهي في اضطرابها بحاجتها إلى الطبيب بهزاد تستشيره أو ~~يساعدها في التخفيف عن زينب؛ فإنها على صغر سنها اشتد حزنها على موت جدها وانقبض ~~صدرها ولم تعد تفرح لشيء بعد أن كانت تضحك لأي شيء، فلازمت غرفتها ودنانير لا تفارقها. ~~وأمسكت زينب عن الطعام حتى أثر الحزن في صحتها وأصابها دوار وامتقع لونها وعجزت دنانير عن ~~تعزيتها. ولما شغل بالها على صحتها استأذنتها في استشارة بعض أطباء القصر فأبت. ولما ألحت عليها ~~قالت: «وأين طبيبنا الخراساني؟» فمكثت تنتظر مجيئه بفارغ الصبر. # أما عبادة أم جعفر فساءها موت الرشيد؛ لأنه بمنزلة ولدها، فضلا عن ذهاب آمالها في وساطة ~~زينب لديه في شأنها. ولكنها فكرت من الجهة الأخرى فيما عساه أن يكون من الانقلاب في أمر ~~الخلافة مما قد يعود عليها بالخير. على أنها كانت ضعيفة الأمل لعلمها بما يسعى فيه أعداء ~~المأمون، وهم أعداء الفرس وأعداؤها طبعا، ورأت حتما عليها أن تساعد دنانير في التخفيف عن ~~زينب، فإذا خلت بها تباحثتا فيما سيكون. # وأما ميمونة فقد شغلت عن ذلك كله بما هاج في قلبها من ms054 الشوق إلى حبيبها. والحب يشغل صاحبه ~~عما حوله من الشئون، فإذا غاب حبيبه طارت نفسه شعاعا وأصبح همه في أن يعود إليه، لا شيء ~~ينسيه شوقه أو يعزيه على وجده. وإذا اشتغل بشيء فإلى أجل، وإذا اجتمع بالحبيب قام بينه وبين ~~الحوادث سد منيع فيصبح أصم إلا عن سماع حديثه، وأبكم إلا في جوابه، وأعمى إلا عن رؤيته، وقد ~~يسمع أو يرى ولكن كالسامع من وراء جدار أو الناظر في ديجور الظلام، وإذا وقعت حوله الطوارئ ~~فإنما يهمه منها ما يقربه من الحبيب أو يبعده عنه. فلم يكن موت الرشيد ليهم ميمونة إلا من ~~هذا القبيل، ولأنها كانت لا تزال في ريب مما في نفس بهزاد بعد أن ودعها بالأمس وخرج مسرعا ~~على تلك الصورة ومضى معظم ذلك النهار ولم يرجع ولا جاء خادمه. # قضت النهار كله في قلق لا تبالي انهماك أهل القصر في الحزن، ولا ما أقام بغداد وأقعدها ~~احتفالا بالبيعة، على أنها كانت تلهو بالجلوس إلى زينب وتخفف عنها بما يحضرها من عبارات ~~التعزية وعيناها إلى باب الدار تترقبان بشرى بقدوم بهزاد، وأذناها مصغيتان لعلها تسمع وقع ~~قدميه. ثم سمعت دنانير تكلم جدتها عنه وتستبطئه وتتمنى قدومه، فخفق قلبها ولكنها ظلت ساكتة. # ومالت الشمس عن خط الهاجرة وهي لم تذق طعاما وأهل القصر في شاغل عنها بشئونهم وأحزانهم. ~~وفيما هي في ذلك رأت غلاما قادما وفي وجهه خبر، فتحفزت لملاقاته ثم أمسكت نفسها حياء لئلا ~~يكون الغلام قادما إلى دنانير، فتظاهرت بأنها نهضت لبعض شئونها وتمشت على مهل حتى صارت ~~بالباب، فرأت الغلام وقف وحيا دنانير وقال لها: «إن سلمان غلام الطبيب بالباب.» # فخفق قلب ميمونة وكادت الدهشة تظهر في محياها لسماع اسمه. أما دنانير فقالت للغلام: ~~«يدخل سلمان وعساه أن يكون مبشرا بقدوم مولاه؛ فإننا في حاجة إليه اليوم.» # وبعد هنيهة أقبل سلمان بلباسه العادي يمشي متثاقلا متظاهرا بالحزن والانقباض، وميمونة ~~تراعي حركاته. فلما أطل على القاعة حيا ووقف حتى يؤذن له، فابتدرته دنانير قائلة: «ما ms055 وراءك ~~يا سلمان؟ أرأيت ما أصابنا؟» وخنقتها العبرات. # فأطرق ودخل حتى دنا من مجلس زينب وانحنى كأنه يريد تقبيل يدها وأجهش بالبكاء، ثم التفت ~~إلى دنانير مظهرا الكآبة وقال: «إن المصاب جلل يا مولاتي. إن وفاة أمير المؤمنين ضربة ~~كبيرة. أطال الله بقاء مولاي المأمون وأنجاله وجعله خير خلف لخير سلف.» وغص بريقه وتراجع ~~حتى وقف في بعض جوانب الغرفة. # فأشارت إليه دنانير أن يقعد وقالت له: «أرأيت طبيبنا اليوم؟» # قال: «كلا يا سيدتي، لم أره منذ افترقنا بالأمس، وكنت أحسبه رجع إلى هنا.» # قالت: «لم يجئ يا سلمان. وكنا نتوقع مجيئه، وقد مرضت مولاتنا ولا ترضى طبيبا سواه.» قالت ~~ذلك وفي كلامها غنة العتاب. # فقال سلمان: «عذر الغائب معه حتى يحضر، وأعتقد أنه لا يلبث أن يأتي ولا يغيب إلى الغد، أو ...» # فقطعت عبادة كلامها قائلة: «ألا تعلم أين ذهب؟» # قال: «كلا، وهل يعلم أحد بذهابه أو مجيئه؟» # فقالت دنانير: «لقد عودنا التخلف عنا يوما أو بضعة أيام ثم يعود إلينا على غير موعد، ~~ولكن ...» # فقالت عبادة: «أتراه ذهب إلى بيته في المدائن؟» # فرفع حاجبيه وكتفيه وشخص بعينه كأنه يتنصل من تبعة علمه بمكانه. # وكانت ميمونة تسمع ما يدور من الحديث والحياء يمنعها من الدخول فيه، ثم غلب عليها حب ~~الاطلاع فقالت وهي تتظاهر بالسذاجة وقلة الاكتراث: «أظنه الآن في بيته بالمدائن وقد أغلق ~~بابه ليشتغل بالكيمياء أو إخراج الكنوز كما يقولون.» ومع ما حاولته من التجلد ما لبثت أن ~~توردت وجنتاها، ولما وقع نظرها على دنانير رأتها تتفرس في وجهها وتبتسم، فازدادت خجلا ~~وأطرقت وتحولت إلى وسادة في بعض جوانب الغرفة فقعدت عليها وتشاغلت بإصلاح خمارها. # فتجاهل سلمان ذلك كله وقال وهو يوجه كلامه إلى عبادة: «إن الناس يتهمون مولاي بأمور كثيرة ~~هو بريء منها، وما انزواؤه في بيته أحيانا إلا للمطالعة في بعض كتب الطب أو الفلسفة. ولو ~~وثقت بأنه هناك الآن لذهبت إليه واستقدمته. على أني ما أظنه يبطئ كثيرا؛ فإذا لم يأت هذه ~~الليلة أو ms056 في صباح الغد عمدنا إلى البحث عنه في المدائن أو غيرها.» # وكانت دنانير تبالغ في إظهار القلق لغياب بهزاد إرضاء لزينب ومراعاة لإحساس ميمونة، ~~لعلمها أن الحياء يمنعها من إظهار قلقها، فقالت هي عنها وتكلمت بلسانها، فلما سمعت قول سلمان ~~قالت: «لا بد من البحث عنه الليلة.» # فتراجع وأطرق وقال: «إن أمرك مطاع يا سيدتي، وسأفعل ما تشائين وربما آتيكم به الليلة أو ~~صباح الغد.» # فأثنت دنانير عليه وسكتت وهي تنظر إلى ميمونة فرأتها ترنو إليها ودلائل الشكر بادية في ~~محياها، فابتسمت وحولت وجهها إلى عبادة وقالت: «ألا ترين ذلك؟» # فأجابت على الفور: «بلى، وإذا كان هناك ما يمنع سلمان من البحث فأنا أذهب للتفتيش عليه في ~~المدائن؛ فإننا نعرف منزله حق المعرفة ومسيرنا إلى هناك سهل. وإذا رأيت أن يبحث سلمان في ~~مكان آخر ونحن نذهب للبحث عنه في المدائن فعلنا.» # فلما سمعت ميمونة اقتراح جدتها أشرق وجهها ارتياحا لهذا الرأي؛ لأنه عبر عن إحساسها، ~~كأنها نابت عنها في قول ما لا تستطيع هي التصريح به. # أما سلمان فإنما وعد بالبحث عن بهزاد حياء من دنانير؛ لأنه كان يرغب في الرجوع إلى ابن ~~الفضل قياما بوعده ليغتنم فرصة ذلك الانقلاب عسى أن ينفعه فيما هو فيه. على أنه كان لا يرى ~~موجبا للقلق لغياب مولاه لعلمه بكثرة شواغله. فاستأنف الكلام وقال: «ها أنا ذا ذاهب للبحث ~~عن الطبيب والاتكال على الله.» وخرج. # | ميمونة وابن الفضل # خرج سلمان من القصر المأموني بعد أن بدل ثيابه، وركب بغلته وسار إلى قصر الفضل بن الربيع. ~~والقصر يومئذ في الرصافة بالجانب الشرقي من بغداد يشرف على سوق الميدان، وكان في الأصل ~~إقطاعا أقطعه الرشيد لعباد بن الخصيب، فصار كله للفضل بن الربيع يقيم به مع أهله، وهو على ~~مسافة بعيدة من القصر المأموني وإن كان كلاهما على الجانب الشرقي من بغداد. فقطع سلمان ~~المخرم حتى دخل طريق الميدان، وهو يبتدئ من سوق الثلاثاء وينتهي بالشماسية ويعرف هناك بطريق ~~الخضير. وكانت تحمل إليه المصنوعات ms057 الصينية وغيرها من الأواني الثمينة وتباع فيه. # فلما وصل إلى باب القصر عند الغروب، وجد ابن الفضل في انتظاره وقد أوصى الحرس بأن يدخلوه ~~إليه، فلم يمهله الحارس حتى يترجل بل سارع إليه فابتدره قائلا: «الملفان سعدون؟» فقال: ~~«نعم.» # قال: «إن مولانا في انتظارك ... اتبعني.» # فترجل سلمان ومشى في طريق الحديقة يضرب الأرض بعكازه ويتباطأ في مشيته مطرقا متمتما ~~كأنه يتلو آية أو يقرأ تعويذة، وأسرع حارس آخر فسبقهما وأنبأ ابن الفضل بقدومه. فقطعا ~~البستان حتى وصلا إلى باب القصر الداخلي فإذا بابن الفضل قد خرج لملاقاته والترحيب به، ~~وصافحه ومشى بجانبه حتى اتصلا من الدهليز إلى قاعة استطرقا منها إلى غرفة لا يدخلها غير ابن ~~الفضل وبعض خاصته، وفيها سرير بجانبه كرسيان، وفي أرضها بساط ثمين، وفي إحدى زواياها منارة ~~عليها عدة شموع أناروها فجلس ابن الفضل على السرير ودعا سلمان إلى الجلوس على كرسي بجانبه ~~قائلا: «مرحبا بالملفان سعدون.» # فجلس سلمان وما زال يتمتم وقد ألصق ذراعه بجنبه كأنه يتأبط شيئا يحرص عليه، فلما استقر ~~به الجلوس أخرج من تحت إبطه منديلا من الحرير فيه كتاب هو درج من الرق قديم العهد تخرق من ~~بعض جوانبه، وتمهل في حل الصرة وأخرج الدرج مبالغة في الحرص عليه، ووضعه في حجره فبانت من ~~خلال الخروق كتابة بحرف لا يقرؤه الإنس ولا الجان. ثم رفع رأسه كأنه فرغ من القراءة أو ~~التعزيم، ومسح وجهه من جبهته إلى لحيته، والتفت إلى ابن الفضل وأخذ يثني عليه لحسن وفادته ~~فأجابه: «لقد أتيت أهلا ونزلت سهلا.» وبش له يستأنس به استعدادا لما ينوي كشفه له من ~~أسرار. # فابتسم الملفان وقال: «لقد بالغت في إكرامي أيها الوزير.» # فغلب على وهمه أن الملفان إنما يدعوه وزيرا لما تبين له من علم الغيب في مستقبله، لكنه ~~تجاهل وأحب أن يحقق ظنه فقال: «إنك تدعوني وزيرا والوزير أبي.» # فقال: «إن ابن الوزير وزير يا سيدي، مر بما تشاء.» # قال: «دعوتني وزيرا وأنا أدعوك رئيس المنجمين في دار أمير ms058 المؤمنين.» فأدرك سلمان أنه ~~يعده بهذا المنصب وهو يستطيعه لعظم نفوذ أبيه ورضى الأمين عنهما؛ فأحب أن يثبته في وعده، ~~فقال: «بورك في ابن الفضل؛ فإنه يقول ويفعل، وأنا سامع مطيع.» # فأطرق ابن الفضل وأعمل فكرته ثم قال: «دعوتك لأسر إليك أمرا أنا شديد الحرص على كتمانه ~~وطيد الأمل في الحصول عليه.» # قال: «أما ما يشير إليه مولاي فهو سر عن كل الناس إلا علي؛ فالملفان سعدون لا يقال له ~~ذلك.» # فاستغرب ابن الفضل دعواه وأحب أن يمتحنه فقال: «وهل تعلم سري؟» # وكان سلمان قد سمع بعض خدم القصر المأموني يذكرون حب ابن الفضل لميمونة، كما سمعه من ~~عبادة عندما كانت تقصه على دنانير، وكان الخدم يومئذ من أكثر الناس اطلاعا على أسرار ~~مواليهم؛ لأنهم كانوا لا يحذرون التكلم أمامهم استخفافا بهم؛ فقال: «أظنني أعرف سرك إلا ~~إذا كنت تعني غير حبك لتلك الفتاة التي تظن نفسها مجهولة النسب.» # فدهش ابن الفضل عندما فاجأه بهذا التصريح وبانت الدهشة في وجهه، وسهل عليه أن يكاشفه بما ~~يكنه ضميره فقال: «أما وقد علمت سري فلا أخفي عليك أني أحب تلك الفتاة حبا مبرحا، أحبها ~~من كل قلبي، وأتعشقها بكل جوارحي!» قال ذلك ودلائل الحب ظاهرة في وجهه، فأبرقت عيناه واحمر ~~وجهه. # فضحك وهز رأسه وقال: «إن الحب سلطان. أأنت تحبها؟» # فقال: «نعم أحبها، فهل تحبني هي؟» # قال: «لا أدري، لو كانت معنا الآن لعرفت مكنونات قلبها، غير أن ذلك يحتاج إلى مندل.» # قال: «هب أنها لا تحبني، بل يظهر لي أنها لا تحبني الآن، فما الحيلة؟ إني إنما دعوتك ~~لأستعين بك على ذلك؛ فما قولك؟» # فتناول سلمان الدرج من حجره وفتحه وأخذ يقلبه بين يديه ويتظاهر بأنه يقرأ شيئا منه ويعيد ~~القراءة ويطرق، ثم يرفع بصره إلى السقف ويعيده إلى الكتاب، ثم ينظر إلى وجه ابن الفضل ويتفرس ~~فيه، وأخيرا أطرق ويده على لحيته كأنه يفكر ويأسف، ثم قال: «إن حبيبتك انتقلت من مكانها.» # فأجفل ابن الفضل وقال: «أين كانت وأين صارت؟» ms059 # قال: «ألم تكن في المدائن؟» قال: «بلى.» # قال: «ليست هناك الآن.» قال: «وأين هي؟ أين ذهبت؟» # فقال: «إني أعلم أنها خرجت من المدائن، ولا أدري أين تقيم الآن. إن ذلك يحتاج إلى بحث.» # قال: «لعلها في الطريق الآن؟» قال ذلك لاعتقاده أنها لو كانت في مكان معين لما خفي ذلك ~~على علم الملفان سعدون. # فقال سلمان: «ربما كانت في الطريق، ولكن هذا ليس بأمر ذي بال. هب أنها في السماء أو في ~~الأرض أو ما بينهما؛ فهي لا تنجو من يدي.» # فأبرقت أسرة الفضل واطمأن خاطره وقال: «جزاك الله خيرا. افعل ما بدا لك ولا تبخل ~~بالإنفاق على إتمام هذا العمل؛ فإني أبذل ما أملكه في سبيل الحصول عليها، إنما أريد أن آخذها ~~بشرع الله؛ لأني أحبها حبا صادقا ولا أدري ما الذي يحملها على مجافاتي.» # فابتسم سلمان وقال مستخفا: «أظنك تدري السبب؛ إن عداوة الآباء تتصل بالبنين.» # فازداد ابن الفضل استغرابا لكشف هذا السر وقال: «صدقت، ذلك هو السبب، ولكنها لو علمت خطر ~~حبي لها وأني سأنسيها ما فعله أبي بأبيها لرضيت.» # قال: «علمت ذلك ولم ترض، ولكن هذا لا يهمنا فإنها سترضى. إن هذا القلم يجعل الصخر ماء ~~والماء صخرا، أفلا يلين قلب فتاة؟» وأشار إلى دواة مغروسة في منطقته. # قال: «افعل ما تراه ولا تسل عما تبذله في هذا السبيل.» # فنظر إليه شزرا وقال: «ألم تكن حاضرا بالأمس عند صاحب الشرطة؟ إنكم لا تزالون تهينون ~~الأصدقاء، ولكنكم تعودتم عشرة المتملقين والمتزلفين؛ فلا لوم عليكم!» # فابتدره ابن الفضل معتذرا وقال: «عفوا يا سيدي، فإني أقبل منك هذا الجميل، وأرجو أن تقبل ~~وساطتي مع صاحب الشرطة في أن تكون رئيس المنجمين عند أمير المؤمنين. وإننا إذ نفعل ذلك ~~فإنما نؤدي خدمة عظمى للخليفة؛ لأن وجود مثلك في بلاطه نعمة من نعم الله. فماذا أنت فاعل ~~الآن؟» # قال: «دعني أبحث عن مقرها، وسأكتب لك كتابا إذا استطعت توصيله على ما سأصف لك أتتك مذعنة ~~مطيعة.» # فلم يتمالك ابن الفضل عن ms060 النهوض بغتة وقال: «أصحيح ما تقول؟ إني لا أعرف كيف أشكرك. ومتى ~~تكتب هذا الكتاب؟» # قال: «أكتبه متى انتهيت من بحثي، لا تضجر، ولا تستعجل.» # قال: «افعل ما يتراءى لك إلا أمرا واحدا أرجو منك أن تطيعني فيه.» # قال: «وما هو؟» قال: «أن تبيت عندي الليلة وتصحبني غدا إلى دار الخلافة فأقدمك إلى أمير ~~المؤمنين ليجعلك رئيس المنجمين.» # قال: «الأمر لك، ولكنني لا أبيت عندك وإنما آتيك غدا إذا شئت.» # قال: «بل تبيت عندي؛ فإن القصر واسع تختار منه مخدعا لا يزعجك فيه أحد، وقد أرسلت إلى ~~صاحب الشرطة أن يوافينا غدا إلى قصر الخلافة في مدينة المنصور؛ لأن دار الخلافة انتقلت بعد ~~مبايعة الأمين من قصر الخلد الذي نعرفه خارج باب خراسان إلى داخل المدينة.» قال ذلك وصفق ~~فدخل غلامه فقال له: «أعد لنا المائدة للعشاء، وقل لقيم الدار أن يعد لنا مخدعا ليبيت فيه ~~الملفان.» قال ذلك مصمما؛ فلما رأى تصميمه خاف أن يخالفه فيفسد عليه تدبيره، فأطاع وبعد ~~هنيهة نهض للعشاء، ثم بات ليلته هناك. # | موكب ابن الفضل # في صباح اليوم التالي ركب ابن الفضل في موكبه وعليه الجبة السوداء التي يقابل بها الخلفاء ~~العباسيين، وامتطى سلمان بغلته وهو في قيافته المعهودة، وخرجا من الرصافة غربا نحو الجسر ~~حتى إذا قطعاه جاءا الطريق المؤدي إلى قصر الخلد فتجاوزاه إلى قصر المنصور، المعروف بباب ~~الذهب حيث أقام الأمين بعد البيعة. # وكانت مدينة المنصور مستديرة الشكل حولها سور ضخم طوله عشرون ألف ذراع وعرض أساسه تسعون ~~ذراعا، ثم ينحط حتى يصير في أعلاه خمسا وعشرين ذراعا وارتفاعه ستون ذراعا. وهو السور ~~الأعظم، ويحيط به من الخارج فراغ عرضه مثل عرضه، وحول الفراغ المذكور سور آخر يقال له ~~الفصيل، له أبراج عظام وعليه الشرفات المدورة وخارج الفصيل وحوله، كما يدور مسناة بالآجر ~~والصاروج متقنة محكمة. وخارج المسناة وحولها خندق أجري فيه الماء، ووراء الخندق طرق للمارة ~~والباعة ووراءها الأرباض. # وفي داخل السور الأعظم سور آخر أصغر منه، وبين السورين فراغ ms061 فيه أبنية لأهل الأسواق، ~~ينتهى إلى كل من السورين بطريق مرصف بالحجارة، فسور المدينة ثلاثة أسوار أعظمها أوسطها. # وللسور أبواب سميت باسم المدن التي تتجه نحوها، وهي: باب خراسان، وباب الشام، وباب الكوفة، ~~وباب البصرة. وكل منها مؤلف من عدة أبواب عليها الأبراج ولها الشرفات والكوى. ولكل باب ~~أربعة دهاليز عظام طول كل دهليز ثمانون ذراعا كلها معقودة بالآجر والجص. فإذا دخل أحد في ~~الدهليز الذي على الفصيل، أو السور الخارجي، وافى رحبة مفروشة بالصخر، ثم دهليز السور الأعظم ~~وعليه بابان عظيمان من الحديد لا يغلق الواحد منهما إلا جماعة من الرجال، وهما عظيما ~~الارتفاع يدخل الفارس فيهما بالعلم، والرامح بالرمح الطويل من غير أن يميل العلم أو يثني ~~الرمح، فإذا مر الراكب من دهليز السور الأعظم سار في رحبة إلى طاقات معقودة بالآجر والجص ~~فيها كوى رومية مصنوعة صنعا خاصا بحيث تدخل منها أشعة الشمس أو الضوء ولا يدخل منها ~~المطر، وفيها منازل الغلمان. # وفوق كل باب من أبواب السور الأعظم قبة معقودة عظيمة مذهبة، حولها مجالس ومرتفعات يجلس ~~فيها المرء فيشرف على ما دونه. ويصعد إلى هذه القباب على عقود مبنية بعضها بالجص والآجر ~~وبعضها باللبن، وقد جعل بعضها أعلى من بعض، بشكل عجيب رهيب. # فأطل ابن الفضل بموكبه على باب خراسان، وبجانبه الملفان سعدون على بغلته، فلما رآهما ~~الحرس وسعوا إجلالا لابن الوزير، فتقدما وهما راكبان والخدم في ركابهما، فدخلا من الدهليز ~~إلى الفصيل أو السور الخارجي. ثم سمعوا قرقعة حوافر الجياد على الرحبة المفروشة بالصخر ~~المؤدية إلى دهليز السور الأعظم، وكان البوابون لما علموا بقدوم ابن الفضل قد تعاونوا على ~~فتح أحد البابين العظيمين، فسمع لفتحه صرير هائل لثقل حديده وعلوه، فدخلا بموكبهما فيه، حيث ~~بدت العتبة العليا أعلى كثيرا من رءوس الراكبين. وكان سعدون أثناء ذلك ينظر إلى ما وراء ~~تلك الرحبة من الطاقات المعقودة، وإلى شكل كواها الرومية وقد أطل منها الغلمان لمشاهدة ~~الموكب، فلما خرجوا من الباب المذكور إلى الرحبة التي بينه وبين ms062 الطاقات، حول سعدون بصره ~~إلى القبة العظمى المعقودة فوق الباب وما يغشاها من الزينة المذهبة ويتعلق بها من المجالس ~~والمرتفعات المشرفة على كل ما حولها، وأخذ يتأمل فيما عليها من المصاعد المبنية بالجص بعضها ~~فوق بعض، وقد امتلأت نفسه إعجابا وعجبا من عظمتها ورهبتها. # تجاوز موكب ابن الفضل تلك الطاقات ودخل إلى باب آخر غير أبواب السور المذكور ورقوا منه ~~إلى الرحبة الكبرى في منتصف المدينة، وكان قصر المنصور في وسط الرحبة، يسمونه قصر الذهب ~~نسبة إلى بابه المذهب، وبجانب القصر المسجد الجامع المعروف بجامع المنصور. ومشى الموكب في ~~الرحبة مسافة كبيرة في خلاء لا بناء فيه حتى أقبل على القصر والجامع وسط الرحبة، وحولهما ~~فناء ليس به من الأبنية غير دار من جهة الشارع المؤدي إلى باب الشام يقيم بها الحراس، ~~وسقيفتين ممتدتين على عمد مبنية بالآجر والجص، يجلس في إحداهما صاحب الشرطة وفي الأخرى صاحب ~~الحرس. وكانت حول الرحبة منازل بناها لأبناء العم الأصاغر ولمن يقربهم من خدمه وعبيده، ~~وأبنية لبيت المال، وخزانة السلاح، وديوان الرسائل، وديوان الخراج، وديوان الخاتم، وديوان ~~الجند، وغيرها. وبين الطاقات مسالك ودروب أعدها المنصور لقواده ومواليه. # وكان ابن الفضل كلما أقبل على باب وقف له حراسه، فلما دخل الرحبة الكبرى لفت انتباهه ~~الصهيل والحمحمة والنهيق وغير ذلك من أصوات الدواب؛ لأن الرحبة كانت غاصة بالخيل والبغال ~~والحمير فضلا عما أدخل منها إلى الإصطبلات، ومعها العبيد والخدم في انتظار من جاءوا عليها ~~من الأمراء والقواد لتهنئة الأمين بالخلافة، أو جاءوا لغرض آخر. # وكان سعدون (أو سلمان) ينظر إلى ذلك ويراقبه ولا يبتعد ببغلته عن ابن الفضل، حتى إذا دنوا من ~~القصر تحول ابن الفضل نحو السقيفة التي يقيم بها صاحب الشرطة لمقابلة ابن ماهان قبل الدخول على ~~الخليفة، فأرسل بعض من في ركابه من الخدم ليتقدمه بالسؤال عنه في السقيفة، فعاد يقول إنه في ~~حضرة أمير المؤمنين بعث إليه من بضع دقائق. # فلم يتعجب ابن الفضل لذلك، ولكنه كان يرجو أن يراه قبل دخوله ms063 على الأمين ليتفق معه على ~~تقديم الملفان سعدون إليه ، ولكنه لم ير بدا من النزول عن جواده، فنزل ونزل سعدون عن ~~بغلته، ومشيا إلى باب القصر فوقف لهما الحراس وهم ينظرون إلى الملفان ويستغربون شكله ~~وقيافته ومشيه بعكازه والدواة في منطقته، وما زال يمشي بجانب ابن الفضل حتى بلغا باب القصر ~~الداخلي، مارين في الباحة بجماعات من القادمين على الخليفة فيهم الأمراء والقواد والشعراء ~~وغيرهم من الوفود. # وكان الأمين كريما جوادا، يغدق على الجند رغبة في استنصارهم لما يعلمه من حرج مركزه؛ ~~ولذلك أعطاهم رزق 24 شهرا يوم مبايعته، ففرحوا وفرح معهم أهل بغداد كافة؛ لأن هذه الأموال ~~تنفق في المدينة فيدفع الجند منها ما عليهم ويبتاعون ما يحتاجون إليه من الآنية أو الطعام ~~أو اللباس؛ فلا غرو إذا سر البغداديون بتبديل الخلفاء بعد أن جرت العادة بأن يأمروا بمثل ~~هذا العطاء عند مبايعتهم. # وعرف ابن الفضل كثيرون من الواقفين هناك فخف بعضهم لتحيته، وتزلف إليه آخرون؛ لأنه ابن ~~الوزير، والوزير يومئذ صاحب الحل والعقد. فسأل بعضهم عن سبب وقوفهم هناك فقالوا: «إن ~~الخليفة في شاغل مع صاحب الشرطة بعد أن جاءه هذا الرسول.» وأشار إلى رجل واقف في بعض جوانب ~~الباحة؛ فعرف ابن الفضل أنه من موالي أبيه، وكان الرجل قد رأى ابن الفضل مارا فلم يجرؤ على ~~مبادأته بالحديث، فلما رآه ينظر إليه ويبتسم هرول نحوه وقبل يده فقال له: «ما وراءك؟ وما ~~الذي جاء بك؟» # قال: «أرسلني مولاي الوزير برسالة إلى أمير المؤمنين.» # قال: «وأين أبي الآن؟» # قال: «قريب من بغداد، وقد أرسلني لأبشر بقدومه.» # قال: «وهل جئت بكتاب منه؟» # قال: «جئت بكتاب دفعته إلى أمير المؤمنين، ولعله السبب في تأخير الإذن للناس كما ترى، ~~وإنما دخل عليه صاحب الشرطة.» # فاشتد ميل ابن الفضل للدخول على الأمين وإن لم يؤذن لسواه فيفاخر أهل البلاط بدالته على ~~صاحب الخلافة، فظل ماشيا وابن سعدون بجانبه حتى أقبل على باب القصر والحرس الشاكرية وقوف ~~بالأسلحة، فتأدبوا عند مشاهدته، ثم خرج ms064 الحاجب لملاقاته وتلطف في الترحيب به وفي غنة صوته ~~وملامح وجهه شبه اعتذار عن عدم إدخاله؛ فأدرك ابن الفضل غرضه فابتدره قائلا: «استأذن أمير ~~المؤمنين في دخولي ودخول رفيقي هذا.» وأشار إلى سعدون. # فتردد الحاجب حينا ولم يجسر على التصريح بأن أمير المؤمنين لا يأذن لأحد، ثم غلب عليه ~~الخوف فدخل على الأمين، وظل ابن الفضل في انتظاره والناس ينظرون إليه ويتوقعون أن يرد طلبه ~~فيفشل ما أراده من التقدم عليهم جميعا. أما هو فكان يتوقع الإذن له، رعاية لمنزلة أبيه. ~~وبعد هنيهة عاد الحاجب وهو يبتسم وقال: «ادخل إذا شئت.» # فدخل إلى مكان تخلع فيه الأحذية فخلع حذاءه، وفعل سلمان مثل فعله، وتقدم بعض الخدم ~~فتناولوا الحذاءين ووضعوهما على أماكن معدة لذلك. ومشيا على الأبسطة المفروشة في الدهليز، ~~وتطرقا من قاعة إلى قاعة والحاجب يمشي بين يديهما حتى وصلا إلى مجلس الأمين، وكان على بابه ~~ستر من الديباج المطرز فتقدم الحاجب وأزاح الستر وصاح: «مولاي ابن الفضل ورفيقه بالباب.» # | الأمين والفضل بن الربيع # كان الأمين جالسا في صدر القاعة على سرير من الآبنوس المنزل بالعاج بلا ترصيع ولا تذهيب؛ ~~لأنه السرير الذي كان يجلس عليه المنصور قبل أن يغرق العباسيون في الحضارة والترف واستخدام ~~الذهب والجوهر في آنيتهم ومجالسهم، وكانت على أرض القاعة طنافس ثمينة قليلة الزينة عليها ~~الوسائد والكراسي. وقد ارتدى الأمين مثل ملابسه يوم المبايعة لأنه ما زال يستقبل المهنئين ~~والمبايعين، فدخل ابن الفضل ورفيقه فرأيا بين يدي الأمين ماهان صاحب الشرطة، وقد قعد على ~~وسادة قعود أهل الدولة بلا كبير تهيب؛ لأن الأمين لم يكن في مثل هيبة أبيه، ولا سيما مع من ~~تعود مجالستهم من خاصته في مجالس الشراب أو الطرب، ومع أمثال ابن ماهان وغيره من ذوي شوراه ~~الذين يحتاج إلى رأيهم أو مساعدتهم. # وكان الأمين شديد الثقة بابن ماهان والفضل بن الربيع، يستشيرهما في مهامه. فلما جاءه كتاب ~~الفضل في ذلك الصباح ينبئه بقدومه ومعه الأحمال ومن بقي من رجال الرشيد وأنه لا ms065 يلبث أن يصل ~~إلى بغداد ليقص عليه تفصيل ما فعله ، اهتم الأمين بذلك الكتاب وبعث إلى ابن ماهان ليطلعه ~~عليه، وأمر بألا يدخلوا عليهما أحدا من الزوار. فجاء ابن ماهان فدفع إليه الأمين كتاب ~~الفضل، ثم لم يكد يتم قراءته حتى جاء الحاجب يستأذن لابن الفضل ورفيقه، فسأل الأمين عن ذلك ~~الرفيق فقال الحاجب: «هو رجل من علماء حران كأنه حاخام أو ملفان.» # فقال: «وما شأنه؟» # فعلم ابن ماهان أنه الملفان سعدون، فتبسم وقال: «أظنه الملفان سعدون الحراني. إن لهذا ~~الرجل شأنا عظيما، وله قوة غريبة على استطلاع الغيب.» فالتفت الأمين إلى ابن ماهان وقال: ~~«هل تعرفه؟» # قال: «إذا كان هو الملفان سعدون فقد عرفته؛ لأني اجتمعت به في جلسة ورأيت منه المعجزات.» # فهز الأمين رأسه وقال: «إني قليل الثقة بهؤلاء الدجالين.» # قال: «ليس الرجل دجالا يا مولاي، بل هو منجم.» # قال: «المنجمون كثيرون عندنا وقلما يصدقون!» # قال: «سترى فيه ما لم تعهده في سواه إذا أذنت في دخوله، وعند الامتحان يكرم المرء أو ~~يهان.» # فأشار الأمين إلى الحاجب أن يدخلهما ففعل. # ولما أقبل ابن الفضل على الأمين حياه بتحية الخلافة ووقف حتى أشار إليه بالجلوس، ثم التفت ~~إلى الملفان فابتدره هذا بالسلام أيضا، فقال له: «اجلس يا ملفان.» # فجلس على البساط جاثيا وتأدب في مجلسه مطرقا ساكتا، فقال له الأمين: «أخبرنا صاحب ~~شرطتنا أنك من المنجمين.» # فأجاب سلمان: «إني من عبيد أمير المؤمنين.» # قال: «وهل أنت صادق في تنجيمك؟» # قال: «على أن أصدق في إبلاغ أمير المؤمنين ما أراه وأقرؤه طبقا لقواعد العلم، وله الرأي ~~في تصديقه أو تكذيبه!» # فحول الأمين نظره إلى صاحب الشرطة كأنه يستشيره فيما يمتحنه به، فقال: «هذا كتاب الوزير ~~يقول فيه إنه سيقص على أمير المؤمنين ما فعله في طوس، فليمتحن الملفان به.» # فاستحسن الأمين ذلك، والتفت إلى سعدون وقال: «جاءنا كتاب وزيرنا الساعة بأنه قادم إلينا، ~~فهل لك أن تخبرنا بما سيتلوه علينا؟» # فأحنى الملفان رأسه احتراما، ثم مد يده إلى جيبه وأخرج ms066 الدرج المعهود، وحل المنديل وأخذ ~~يقلبه بين يديه، ويتمتم مظهرا أنه يقرأ ويتفهم ويتفطن، ثم رفع بصره إلى الأمين وقال: «إن ~~الوزير حفظه الله يحمل إليك خبرا مهما خاصا بالخلافة.» # فضحك الأمين مستخفا وقال: «طبعا، إنه يعلم بمبايعتي وليس في ذلك شيء من الغيب!» # قال الملفان: «صدق أمير المؤمنين، ولكن الوزير سينقل إليك شيئا جديدا عن أخيك المأمون، ~~ولعله أخرجه من البيعة!» # فبغت الأمين وقال: «هل أخرجه منها؟» # فهز الملفان كتفيه وقال: «يظهر لي مما أقرؤه في هذه الأوراق أنه فعل ذلك، ولم يجد في ~~سبيله مشقة؛ فإذا كان فيه ما يسوء أمير المؤمنين فلا ذنب لي.» # فتظاهر الأمين باستيائه لإخراج أخيه من البيعة وقال: «هل فعلها الفضل؟ ما أظنه فعلها! ~~فاحذر مما تقول واعلم أنك تقول قولا تقطع فيه الرقاب.» # فقال بجأش رابط: «قلت لمولاي إني لا أقول شيئا من عندي وإنما أنا أقرؤه فيما بين يدي، ~~وإذا طويت الكتاب نسيت ما قلته.» # فقال الأمين وهو يظهر الغضب: «إنها وشاية تعاقب عليها!» # قال وهو ساكن الجأش: «العفو يا مولاي، لا ذنب لي فيما قلته؛ فإني أقول ما أراه، ولم يخدعني ~~هذا العلم من قبل.» # فبالغ الأمين في إظهار التهديد، ثم قال: «يكفي هذا.» والتفت إلى ابن الفضل وقال: «هل جاءك ~~من أبيك شيء من هذا القبيل؟» # قال: «كلا يا مولاي، إنه لم يكتب إلي بشيء.» ولم يجسر أن يخبره بما قصه عليهم الملفان ~~بالأمس.» # ثم التفت إلى ابن ماهان وقال: «ألم أقل لكم إن هؤلاء المنجمين يتقربون إلينا بكذبهم؟» # فابتسم ابن ماهان ابتسام المستعطف وهمس للأمين قائلا: «إنني أعرف صدق أخبار الملفان ~~سعدون، وإذا شاء مولاي أن يختبر صدقه فعل، إن الوزير لا يلبث أن يصل إلى بغداد الليلة أو ~~صباح غد، وسيعلم مولاي ما فعله، والرأي بعد ذلك لأمير المؤمنين!» # وكان الملفان أثناء ذلك يتشاغل بتقليب الدرج بين يديه يتمتم كأنه لا يسمع ما يقولون حتى ~~سمع الأمين ينادي: «يا غلام.» # فدخل الحاجب وتأدب فقال له: «قل لصاحب ms067 الإنزال أن يأخذ هذا الملفان إلى دار الأضياف، يقيم ~~هناك في كرامة ورعاية حتى أطلبه.» والتفت إلى الملفان وقال: «تفضل إن شئت وكن مطمئنا حتى ~~ندعوك.» # فنهض سلمان واستعاذ بالله من الانتظار مخافة أن يبطئ على أهل القصر المأموني وهم في قلق ~~على تأخر الطبيب بهزاد، لكنه لم ير بدا من الطاعة؛ فخرج وسار مكرما إلى منزل بجانب مطبخ ~~العامة، جاءوه فيه بما يحتاج من الطعام والشراب. # ومكث هناك كأنه على الجمر بقية يومه، وفي ضحى اليوم التالي جاءه رسول الخليفة يستقدمه إلى ~~المجلس الخاص، فسار بعد أن أصلح هندامه وأتقن تنكره وهو يتظاهر بالسذاجة وصفاء النية وخلوص ~~السريرة، فلما دخل على الخليفة وجد عنده ابن ماهان وابن الفضل، فأمره الأمين بالجلوس وقال ~~له: «إن وزيرنا الفضل آت عما قريب، وسنسأله عن أمره بحضورك ثم نرى ما يكون.» # فحنى رأسه مطيعا ووقف، فأمر له الأمين بالجلوس فجلس. # ثم جاء الحاجب يقول: «الوزير الفضل بالباب يا مولاي.» # فأبرقت أسرة الأمين وصاح: «يدخل وزيرنا الفضل.» # وما عتم أن عاد الحاجب ووسع الستر، فدخل الفضل وآثار السفر بادية في وجهه، فحيا بتحية ~~الخلافة وقال: «يعذرني أمير المؤمنين أن أدخل عليه قبل إصلاح شأني.» # وكان الفضل يومئذ في أواسط الكهولة وقد وخط الشيب لحيته وتغضن جبينه وظهر تغضنه مع أن ~~أكثره مخبأ تحت القلنسوة، وقد تردى بالقباء الأسود على عادة الداخلين على الخلفاء العباسيين. # فهش له الأمين وأجلسه على كرسي بجانبه، فأخذ الفضل يعزيه في الرشيد، ثم هنأه بالخلافة ~~ودعا له بطول البقاء، وسكت وهو يجيل نظره في الجالسين كأنه يلتمس الخلوة ليقص على الأمين ما ~~جاء به، فابتدره الأمين قائلا: «إذا كنت قد جئتنا بخبر فاقصصه علينا.» # فقال: «هل أقصه الآن؟» قال: «نعم، قل ما عندك، إن هذا المنجم يزعم أنه عرف ما فعلته، وقد ~~أردت أن أمتحن معرفته، فإذا كان مصيبا أنعمنا عليه وإلا كان عقابه شديدا.» # فقال ابن ماهان: «هل يأذن أمير المؤمنين في كلمة.» قال: «قل.» # قال: «إذا كان القتل ms068 جزاء هذا الملفان إذا ظهر كذبه، فما جزاؤه إذا صدق ؟ هل يأمر مولاي ~~حينئذ بأن يجعله كبير المنجمين في قصره لعله ينفعنا بعلمه؟» # قال: «سأفعل.» والتفت إلى الفضل وقال: «قل ما الذي فعلته بأخينا عبد الله المأمون ~~والخلافة؟» # فاستغرب الفضل السؤال على هذه الصورة وقال: «فعلت ما أراه عائدا على الدولة بالخير؛ فليس ~~يخفى على أمير المؤمنين أن مولانا الرشيد كان عند سفره قد استمع لإغراء بعض ذوي الأغراض، ~~فبايع للمأمون وأوصى له بجميع ما في عسكره، مع أن البيعة سبقت لمولانا الأمين صاحب هذا ~~العرش، فلما قبض الرشيد رأيت أن في بقاء بيعة المأمون ما قد يؤدي إلى انقسام الخلافة ~~واستفحال الفتنة، فاستشرت أصحابي وأجمعنا على الرجوع إلى الصواب، فأبطلنا بيعة المأمون ~~وجعلنا الخلافة مستقلة لمولانا أمير المؤمنين.» # قال: «والمأمون ماذا فعلتم به؟» # قال: «لم نفعل به شيئا؛ فإنه باق على خراسان كما كانت الوصية من قبل، على أن يكون وليا ~~للعهد.» # فما أتم كلامه حتى بانت الدهشة في وجه الأمين، ونظر إلى الملفان سعدون، فرآه مطرقا ~~هادئا لا يخامره خوف ولا اضطراب، فلم يتمالك الأمين أن صاح به: «ويلك من أين أتاك علم ~~الغيب؟» # فرفع بصره إلى الأمين وقال: «لا فضل لي يا مولاي، إن هذا العلم معروف عند المنجمين، ولكن ~~الذين يصدقون في استخدامه قليلون.» # فقال: «إنما أعجبني صدقك من غير ادعاء، قد جعلناك رئيس المنجمين.» # فوقف سلمان وانحنى بين يدي الأمين ودعا له بطول البقاء ثم قال: «إن هذه نعمة لا أستحقها!» # قال: «بل أنت أهل لذلك وهذا جزاء الصادقين.» وصفق فجاء الحاجب فقال له: «قل لقيم الدار أن ~~يعد للملفان منزلا يقيم به وأن يفرض له العطاء؛ فقد صار رئيس المنجمين.» ثم أشار إلى ~~الملفان أن يجلس فانحنى ثانية وكرر الدعاء وجلس وهو يقول: «إن منازل أمير المؤمنين واسعة ~~وحيثما أقمت فإنما أكون في حياطته غارقا في نعمائه، وإذا سمح لي أن أقيم حيث شئت كان ذلك ~~أدعى لمرضاته؛ لأني لا أستغني عن الانفراد في ms069 منزلي أحيانا لعمل المندل أو مطالعة كتب ~~التنجيم، على أن أكون بين يدي أمير المؤمنين متى شاء، ولو جاز أن ترد هبته لتقدمت إليه أن ~~يجعلني خادما رقيقا بلا أجر؛ فإن من تعاطى هذه الصناعة على حقها وجب عليه إنكار نفسه ~~والبعد عن ملاذ الدنيا وعن التوسع في أسباب العيش، ولكن نعم أمير المؤمنين لا ترد.» # فاستغرب الأمين هذا التعفف ولم يخطر له سماعه من مثل هذا الرجل وهو يعلم أن أمثاله إنما ~~يتقربون إلى دار الخليفة طمعا في المال؛ فالتفت إلى ابن ماهان والاستغراب باد في وجهه كأنه ~~يستطلع رأيه فقال ابن ماهان: «إن الملفان سعدون هذا طبعه، والأمر لأمير المؤمنين.» # فقال: «ولكنا قد نحتاج إليه في ساعة لا نجده فيها.» # فقال الملفان: «إني أقيم بدار أمير المؤمنين على أن يؤذن لي في الخروج إلى منزلي متى رأيت ~~في الخروج فائدة فلا يعترضني أحد، ولا أظن الحاجة تمس إلى دعوتي فلا يجدوني.» # فقال الأمين: «لك ذلك.» # وكان الفضل أثناء الحديث ينظر إلى الملفان سعدون ويتفرس فيه، وقد دهش لما سمعه وكأنه ~~ارتاب في أمره. # أما الأمين فكان شديد الرغبة في سماع تفصيل الخبر من الفضل، فألقى قضيب الخلافة على ~~السرير بجانبه وتزحزح من مكانه، فأدرك الحضور أنه يريد أن ينصرفوا، فوقفوا وخرجوا، بينما ~~أشار الأمين إلى الفضل أن يبقى. أما سلمان فمشى حتى بلغ مكان بغلته فركبها ومضى إلى القصر ~~المأموني. # | إلى المدائن # تركنا القصر المأموني في انتظار عودة سلمان بعد أن ذهب يبحث عن بهزاد. فلما انقضى النهار ~~ولم يعد باتوا على أحر من الجمر، ثم أصبحوا في اليوم التالي وهم يتوقعون قدوم بهزاد أو قدوم ~~سلمان بخبر عنه، فمضى أكثر النهار أيضا ولم يعد أحدهما؛ فأخذ القلق منهم مأخذا عظيما. ~~ومما زاد في قلقهم أن زينب بنت المأمون أصيبت بحمى شديدة صباح هذا اليوم، على أثر ما ~~انتابها من الحزن. ولا تسل عن حال دنانير عند ذلك؛ فقد اشتد بها القلق ورجت منها أن تقبل ~~دعوة أحد ms070 أطباء القصر الكثيرين، وفيهم المهرة من كل طبقة، فلم ترض إلا بهزاد، فأرسلوا ~~الغلمان يستشرفونه من الطرق أو على الشاطئ فطال انتظارهم. وكانت ميمونة أشد قلقا منهم ~~جميعا، وقد حرصت على ألا تظهر ذلك حتى لا تكشف أسرار قلبها. # على أنها لما رأت زينب مريضة هان عليها إظهار قلقها محتجة بالقلق على صحة بنت المأمون، ~~فأخذت تطل ساعة من الشرفات على الطرق وأخرى من الأبواب إلى دجلة، لعلها تراه قادما على فرس ~~أو في قارب. ولما أعياها البحث جلست في غرفة منامها وقد كل دماغها من الاهتمام وبان التعب ~~في محياها فعلاه شحوب وتقطب، فاستلقت على الفراش وهي تحسب لتأخر بهزاد ألف حساب، وتراجع ما ~~دار بينها وبينه في ساعة الفراق فلا تزداد إلا رغبة في لقائه. # وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب فأظلمت الدنيا في عينيها وفارقها صبرها؛ فخرجت راجية أن ~~تلقى من يخبرها بقدومه أو تسمع صوته في الدهليز، وإنما توقعت ذلك لأن رغبة الإنسان في ~~الأمر تصور له سهولة الإدراك ولو كان مستحيلا، فكيف ومجيء بهزاد من أقرب الأمور لأنهم على ~~موعد معه؟ # ومشت في الدهليز إلى الباب المطل على دجلة، وجعلت تتفرس في السفن الصاعدة والنازلة متمنية ~~أن يكون بهزاد في واحدة منها، وتوهمت غير مرة أنه هناك فلما تكررت خيبتها يئست من مجيئه، ثم ~~جلست إلى مقعد بجانب نافذة تطل على دجلة وأخذت تفكر في أسباب تأخر بهزاد، موزعة النفس بين ~~التفاؤل والتطير؛ فصارت إذا رأت طيرا يسبح في الفضاء قالت في نفسها: «إذا حط هذا الطائر ~~على هذه الشجرة كان بهزاد قادما الليلة، وكذلك إذا تحول الطائر يمينا فإن هذا يكون فألا ~~يبشر بقدومه، فإذا تحول إلى اليسار، فهذا مما يدعو إلى التشاؤم والتطير.» # وقضت في ذلك حينا، فلما أظلمت الدنيا انتبهت، وظنت أنها تسمع خفق نعال على المسناة قرب ~~الباب؛ فخفق قلبها وأطلت فلم تجد أحدا، فنهضت وأسرعت إلى غرفة زينب فرأت جدتها بجانب سرير ~~الفتاة ودنانير جالسة على السرير قربها، وقد توردت ms071 وجنتا زينب من شدة الحمى وكلهم سكوت. ~~فلما أطلت ميمونة ابتدرتها دنانير قائلة بصوت مختنق: «أرأيت ما فعله الطبيب؟» # فقالت ميمونة: «إنه أبطأ علينا ولا بد من شاغل شغله عنا.» # فقالت عبادة: «وأغرب من ذلك غياب سلمان بعد أن وعدنا بالبحث عنه. لا إخال بهزاد إلا في ~~المدائن الآن، وكم أنا نادمة على تقاعدي عن الذهاب للبحث عنه منذ الصباح.» # فقالت دنانير: «إذا لم يأت غدا أرسلنا في طلبه من المدائن.» # فقالت ميمونة: «غدا أذهب إليها مع جدتي وأرجو أن نجده في منزله.» # قالت دنانير: «ستتحملان المشقة في هذا الأمر، و...» # فقطعت عبادة كلامها قائلة: «لا مشقة علينا في ذلك، ولا نظن أحدا يعرف مكانه مثلنا؛ لأننا ~~نعرف البلدة ونعرف بيته فيها، فإذا لم يأت الليلة أو صباح غد، ولم يأت سلمان بخبر عنه، ذهبت ~~أنا وميمونة للبحث عنه هناك.» # قالت دنانير: «بارك الله فيكما، سننتظر إلى غد والاتكال على الله، فإذا لم يكن بد من ~~ذهابكما فليكن ذلك في بعض سفن القصر ومعكما النوتية والخدم. ولولا إصرار مولاتنا على ~~الاستشفاء بدواء هذا الطبيب لكان لنا غنى عن هذه المشقة ببعض أطباء القصر.» # وأصبحوا في اليوم التالي وزينب أحسن حالا، أما ميمونة فألحت على جدتها أن تصر على الذهاب ~~إلى المدائن قياما بخدمة أهل القصر لقاء حسن وفادتهم، فأطاعتها جدتها وألحت على دنانير أن ~~تأمر بإعداد حراقة تسيران بها إلى المدائن، فأمرت قيم القصر بإعدادها فأعدت عند الظهيرة ~~وفيها النوتية وبضعة من غلمان القصر، فركبتاها وأشارت عبادة إلى الربان أن يسير جنوبا ~~فأدار الدفة ونشر شراع الحراقة فسارت وميمونة جالسة في مقعد تشرف منه على الشاطئ الأيسر ~~لعلها ترى بهزاد مارا على جواده في البر، بينما وجهت عبادة التفاتها إلى النهر لعلها تراه في سفينة. # وظلت الحراقة سائرة بهم يساعدها مجرى النهر أكثر مما يساعدها الشراع على الإسراع. # على أن ميمونة كانت تستبطئها وتكاد تحسبها واقفة لفرط رغبتها في الوصول. وكانت عبادة ~~جالسة بالقرب منها صامتة، وكل من في الحراقة ms072 سكوت لا يسمعون غير صوت ارتطام الماء بمقدم ~~السفينة. ثم سمعوا ضوضاء وجلبة وراءهم فالتفتت ميمونة فرأت حراقة تسير في أثرهم مسرعة، ~~فتفرست فيها فرأتها جميلة الصنعة عليها نقوش مذهبة ومقدمتها على شكل الفيل بخرطومه ونابيه، ~~فاستغربت منظرها ولفتت نظر جدتها إليها، فقالت هذه: «إنها حراقة الخليفة الأمين. وللأمين ~~خمس حراقات على صورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس أنفق فيها مالا كثيرا.» # فخفق قلب ميمونة وتصاعد الدم إلى وجهها فتوردت وجنتاها ثم ذهب الاحمرار فجأة وامتقع لونها ~~وصاحت: «ويلاه ... إني أرى أصحاب الحراقة سائرين في أثرنا، ماذا يريدون منا؟» # فأشارت عليها جدتها أن تستتر بالسارية، وأسرعت إلى ربان حراقتهم فأمرته أن يحل الشراع ~~ويسير على مهل متجها إلى الشاطئ ويفسح الطريق للحراقة التي خلفهم. فأدار الرجل الدفة ~~والتفت عبادة بنقابها وانزوت بجانب ميمونة. وكانت حراقة الأمين قد دنت منهم فعرفتا أنها ~~تحمل جندا وعيارين، وسمعت رجلا يقهقه قهقهة السكارى ويقول: «هذه غنيمة باردة!» # فأجابه آخر: «ما لكم وللغنائم؟ ألم يكفكم ما نلتموه من رزق 24 شهرا، فنال راجلكم 480 ~~درهما مرة واحدة، فضلا عن حصتكم من الغنائم؟ إنكم لا تشبعون، أما نحن العيارين فلا رزق ~~لنا إلا من الغنائم؛ إذ لا مرتبات لنا.» # فضحك الأول وقال: «إنكم معشر العيارين أكثر منا رزقا؛ فقد تنتدبون لمثل هذه المهمة تنالون ~~منها مرة واحدة ما لا يتيسر لنا في مرات. فإذا وفقتم إلى القبض على ذلك الخراساني أصبتم ~~رزقا كثيرا.» # فنفر الآخر منه وقال: «لا أظن أمير المؤمنين يعطينا شيئا كثيرا إذا قبضنا عليه؛ فقد ~~طالما قبضنا على أمثاله ولم ننل إلا دراهم معدودة.» # فضحك الجندي مقهقها وقال: «العطاء على قدر العمل، أتريد أن يعطوكم على لص تأخذونه كما ~~يعطونكم على مثل هذا الرجل؟» # فقال: «وما الذي يميزه من سواه؟ دعنا من هذه الآمال الفارغة.» # قال: «إن لهذا الخراساني شأنا عظيما عند أمير المؤمنين لم نكن نعلمه قبل مجيء الوزير.» # وكانت ميمونة منزوية وراء السارية تسترق السمع، فلما سمعت ما قالوه عن الخراساني ms073 اختلج ~~قلبها في صدرها خوفا من أن يكون حبيبها؛ فأصاخت بسمعها فسمعت رجلا آخر يقول: «ما لكم ~~ولهذا الهذيان؟ لئن سمعكم مولانا الهرش لأسمعكم ما تكرهون. وما نحن في معرض جدال وإنما جئنا ~~للقبض على ذلك الرجل، فإذا ظفرنا به كان هذا ربحا عظيما لنا جميعا.» # وكانت الحراقة قد حاذت حراقة المأمون، فنهضت ميمونة والتفتت إلى المتكلمين، فرأت عددا ~~كبيرا من الجند والعيارين في جلبة وضحك وصياح كأنهم سكارى يعربدون، ورأت على مقعد في طرف ~~السفينة رجلا قصيرا سمينا عليه قيافة الرياسة، فسألت جدتها هل تعرف هؤلاء فرفعت عبادة ~~بصرها وحالما رأت الرجل همست قائلة: «إنه الهرش رئيس العيارين.» # ووقع بصر أحد العيارين أثناء ذلك على ميمونة وقد زادها الخوف والقلق رونقا، فصاح: «إني ~~أرى جارية حسناء، لعلها من القيان. اربط يا ريس. لنسمع غناءها.» # فارتعدت ميمونة خوفا وجمد الدم في عروقها، وأدركت جدتها خوفها فنهضت تحث صاحب الدفة على ~~الفرار أو الدفاع، فسمعت رجلا من تلك الحراقة يقول بصوت منخفض: «دع الفضول، ألا ترى ~~الراية؟» # فتجمهر جماعة ونظروا إلى راية منصوبة في مقدم الحراقة فقالوا: «إنها راية المأمون.» وقال ~~أحدهم: «دعونا منها.» ثم ما لبثوا أن مروا بها مسرعين، فسري عن ميمونة لزوال الخطر عنها، ~~ولكنها أصبحت في قلق عظيم على حبيبها، ورجح عندها أنهم يجدون في طلبه، فالتفتت إلى جدتها ~~والدمع يترقرق في عينيها وقالت: «إنهم يطلبون بهزاد؟ ويلاه!» قالت ذلك وقد نسيت أنها تكتم ~~حبها عن جدتها. # فقالت عبادة وقد حملت خوفها محملا آخر: «لا تخافي يا حبيبتي، لا أظنهم يطلبونه. وعلى كل ~~حال سنسبقهم إليه وننبهه.» # ونهضت إلى صاحب الدفة وأمرته أن ينشر الشراع في أثر تلك الحراقة، ففعل وسارت الحراقة ساعة ~~أخرى وميمونة واقفة حائرة لا تدري ما تعمل، فابتدرتها جدتها قائلة: «لا تخافي يا بنية، إننا ~~سنصل إلى بهزاد قبلهم وإن سبقونا بحراقتهم، وأسرعت إلى مقدم السفينة وجعلت تتفرس في الشاطئ ~~على اليسار وتنظر إلى أبعد ما يقع عليه بصرها في عرض الأفق، وميمونة ms074 واقفة إلى جانبها تستند ~~إلى كتفها خوفا من السقوط والسفينة تشق الماء والريح تنقر على الشراع، فسارت الحراقتان ~~ساعتين متقاربتين وعبادة واقفة وبصرها شاخص إلى الأفق حتى أشرفت على بناء شامخ تراءى لها عن ~~بعد فصاحت: «هذا هو الإيوان. إننا على مقربة من المدائن.» # ثم تحولت إلى الربان وقالت: «أترى هذه الناعورة (الساقية) أمامك؟» # قال: «نعم، أراها يا مولاتي.» # قالت: «قف بالحراقة عندها.» ثم التفتت إلى ميمونة وهمست في أذنها قائلة: «إذا نزلنا من ~~هنا ويممنا منزل بهزاد وصلنا إليه قبل أولئك بوقت طويل!» # فحلوا الشراع وأدار الربان الدفة، وبعد هنيهة رست بهم الحراقة عند الساقية، فأمسكت عبادة ~~يد ميمونة ونزلتا إلى الشاطئ وقالت عبادة للربان: «امكث هنا حتى نعود إليك.» فقال: «ألا ~~يسير أحد منا في خدمتكما؟» # قالت: «كلا.» فقال: «سمعا وطاعة.» # وهرولت عبادة مسرعة وميمونة تعدو في أثرها، وقد مالت الشمس نحو المغيب، وعبادة تعرف الطريق ~~جيدا وتعرف حناياها ومختصراتها، فسارتا على هذه الصورة نصف ساعة، فتعبت العجوز وكادت تخور ~~قواها وتسقط، وميمونة تركض لا تبالي من شدة لهفتها، ناسية ضعف جدتها وشيخوختها. فما لبثت أن ~~رأتها تلهث من التعب والعرق يتصبب من جبينها وأنفها وسالفيها ولم تعد تقوى على السير، فوقفت ~~ثم قعدت على حجر وأخذت تمسح عرقها وتلهث؛ فاستاءت ميمونة من قعودها وودت لو كانت لها أجنحة ~~لتطير بها إلى منزل بهزاد. وتحيرت فلم تدر أتترك جدتها هناك وتسير وحدها وهي لا تعرف الطريق ~~ولا يطاوعها قلبها على ترك جدتها وحدها في ذلك المكان؟ أم تصبر ريثما تستريح فتضيع الفرصة؟ ~~فجعلت تمسح لها عرقها وتنشطها وتخفف عنها، وعبادة لا تستطيع الكلام من شدة التعب. وبعد بضع ~~دقائق قالت: «إننا على مقربة من البيت. ألا ترين هذه النخلة الباسقة؟» # وكانت الشمس قد توارت بين النخيل على الشاطئ الغربي وراءهما، فنظرت ميمونة شرقا نحو الأفق ~~فرأت تلك النخلة فصاحت: «أليست هي النخلة التي ألفنا الاستظلال بها عندما كنا نخرج من منزلنا؟» # قالت: «بلى، هي بعينها.» # فقالت: «نحن إذن ms075 على مقربة من بيت بهزاد، هلمي بنا نكمل مسيرنا، ولو أتعبك ذلك فإني أخاف ~~أن يسبقنا أولئك الرعاع إليه.» # قالت: «لا تخافي، إنهم لا يزالون يمخرون في دجلة.» ونهضت وهي تتشدد وتتجلد، ومشت وميمونة ~~في أثرها مستبطئة مشيتها حتى وصلتا إلى أسواق تلك البلدة فقطعتاها. وأقبلتا على منزل بهزاد ~~والشمس تكاد تغيب، فوجدتا الباب مغلقا وليس عنده أحد، فمشتا وهما تلتفتان والشاطئ بعيد ~~عنهما فلم تجدا أحدا قادما، فتحققت ميمونة أن الأعداء لم يدركوا البيت بعد. وبعد هنيهة ~~وصلتا إلى الباب فوجدتاه مغلقا فقرعتاه قرعا عنيفا فلم يجبهما أحد. # فلما أبطأ عليهما الجواب، فحصت عبادة الباب فرأته مغلقا من الخارج، فتحققت أن بهزاد ليس ~~داخله؛ فانشرح صدرها وأنبأت ميمونة بذلك فتنفست الصعداء وقالت: «الحمد لله أنه ليس هنا ولا ~~سبيل لهؤلاء إليه، ولكن أين هو يا ترى؟» # فقالت جدتها: «ربما كان في بغداد أو في بلد آخر.» قالت ذلك وقعدت على حجر عند الباب ~~لتستريح. # فقالت ميمونة: «أخاف أن يكون عائدا إلى بيته الآن فيظفرون به. ألا يحسن أن ننتظره بالقرب ~~من هذا المكان فإذا رأيناه أعلمناه بما يهدده؟» # قالت: «وهل نكون في أمن على أنفسنا؟» # فتحيرت ميمونة في أمرها وقالت: «ماذا نعمل إذن؟ أخاف أن يكون بهزاد آتيا الساعة وهو لا ~~يعلم بما أعدوه له فيقع غنيمة باردة في أيديهم. يجب أن نتمم سعينا في إنقاذه.» وكأنها أدركت ~~كثرة ما أظهرته من اللهفة عليه فخافت ظهور حبها له فاستدركت قائلة: «يجب علينا أن نكافئه ~~على فضله ولا ندخر وسعا في إنقاذه ولو تعرضنا للخطر.» # فاستحسنت عبادة كرم أخلاقها وقالت: «صدقت، يجب علينا أن نبذل ما في وسعنا في سبيله، ولكن ~~ما العمل؟ ها أنا ذا أسمع ضوضاء القوم من جهة الشاطئ، اسمعي، إنهم يجرون؛ هلمي بنا نذهب من ~~قبل أن يدركونا.» قالت ذلك ونهضت فأمسكت بثوب ميمونة ومشت بها مسرعة نحو الشرق، فمرتا بتلال ~~وأحجار من أنقاض قصر كبير فقالت ميمونة: «أرى أنقاضا لعلها من بقايا دولة الفرس؛ فهي ms076 تشبه ~~أنقاض إيوان.» # فقالت عبادة وهي تسرع في مشيتها جهد طاقتها مع ما يحول دون ذلك من شيخوختها: «صدقت يا ~~حبيبتي، إن هذه التلال والأحجار من أنقاض إيوان كان هنا غير إيوان كسرى، يعرف بإيوان سابور؛ ~~وهو القصر الذي كان يقيم فيه المنصور قبل بناء بغداد وتهدم بعده.» # فقالت ميمونة: «يلوح لي أن بهزاد اختار السكن بجوار هذه الأنقاض استئناسا بآثار ~~أجدادنا.» قالت ذلك وهي تسرع أمام جدتها وقد نبهها ذكر هذا الإيوان إلى شيء خطر لها، فلما ~~توارتا عن المنزل قالت ميمونة: «أذكر أني سمعته يذكر أنه يتردد إلى إيوان كسرى للبحث عن بعض ~~العقاقير الطبية والحشائش التي تنبت على أنقاضه، فلعله هناك الآن؟» # فقالت عبادة: «ربما كان هناك. اتبعيني لنبحث عنه قبل أن تغرب الشمس.» # | في إيوان كسرى # صعدت عبادة وميمونة إلى الإيوان وهو في ظاهر المدائن من جهة الشرق، فخرجتا من البلدة وهما ~~تحاذران أن يشعر أهلها بهما، وبالغتا في التقنع، فلما بلغتاه إذا هو قائم كالجبل العظيم وقد ~~زاده الخراب وحشة. وكانت الشمس قد توارت وراء الأفق وتلاحمت الظلال وأخذت تتحول إلى ظلام. # وساعة الغروب من أوحش الساعات على الإنسان لقرب خروجه إلى الظلمة فيشق عليه فراق النور ~~فتنقبض نفسه ويستوحش حتى إذا كان في قصره بين أهله وذويه، فكيف إذا كان في برية يغشاها ~~الخراب وينعق فيها البوم؟ وقد كان هذا البناء رهيبا في إبان عمرانه فكيف به في خرابه؟ ~~وللخراب وحشة في إبان النهار فكيف في الليل؟ # على أن ميمونة شغلت عن الخوف بلهفة المشتاق، ولولا ذلك لكان لها في منظر ذلك القصر عبرة ~~أي عبرة! # كانت خرائبه توحي بأن مصير الإنسان إلى الزوال، كما باد أهلوه وقد كان فيهم الأكاسرة ~~والمرازبة والدهاقنة والأساورة ممن كان أحدهم لا تكاد الأرض تسع مطامعه؛ فكم ربطت خيولهم في ~~باحة ذلك القصر! وكم دخلوه وعليهم الخز والديباج وعلى رءوسهم التيجان وفي أيديهم الصوالجة! ~~وكم جاء الملوك والأمراء يلتمسون الهدنة أو يتقربون بالهدايا؟ وكم خضع لهم القواد وسيقوا ms077 ~~إليهم بالأغلال والأصفاد يوم كان القصر آهلا بالنساء والأولاد وألوف من العبيد والجواري ~~مما حمل إليهم أسرا أو هدية، وفيهم غلمان من أبناء الملوك وفتيات من بنات الأمراء ... وكلهم ~~يرفلون في ألبسة الحرير، ويتوسدون الرياش الوثير بين مزركش ومطرز بألوان تبهج النظر وبين ~~أنغام تطرب السمع. # وكم كان على شرفات الإيوان من الستائر الموشاة، يطل من ورائها الجواري الحسان يتطلعن إلى ~~ما كان يقام في باحة القصر من الألعاب على الخيول كالسباق أو لعب الصوالجة. والناس كلهم ~~فرحون يحسبون الحياة نعيما دائما! # فلو رآهم راء ثم جاء مع ميمونة في ذلك المساء ورأى الإيوان قد أصبح مقرا للحشرات، رياشه ~~التراب وما نبت عليه من الحشائش والطحالب، ونمارقه الأشواك والأحجار، وقد تهدمت جدرانه ~~وسقطت أساطينه وتصدعت أركانه، لاعتبر وتهيب وغلبت عليه الوحشة والرهبة ولو كان من الأبطال، ~~فكيف إذا كان فتاة ربيت في مهاد الرخاء مثل ميمونة؟ # فالتفتت إلى ما حولها فلم تر إلا خلاء قد تولاه الخراب، فاستوحشت وندمت على مجيئها، ولكن ~~رغبتها في لقاء حبيبها شجعتها وثقتها بجدتها هونت الأمر عليها. # أما عبادة فكانت في شاغل بما نالها من التعب وكانت أقل خوفا من ميمونة؛ فأسندت نفسها إلى ~~أسطوانة ملقاة هناك من أنقاض الإيوان وقالت لميمونة: «هل ترين أحدا أم تسمعين ~~صوتا؟» # فأصاخت بسمعها وقالت: «إني لا أسمع صوتا ولا أرى شيئا، لكن ذلك لا يمنع أن يكون بهزاد ~~في داخل هذا البناء يبحث عن عشب أو عقار، وبما أننا وصلنا إلى هنا فلندخل الطاق فإذا لم نر ~~أحدا رجعنا سريعا قبل أن يشتد الظلام. هل ندخل؟» # فلم تشأ عبادة مخالفتها، فمشتا وهما تجسان الأرض جسا بأقدامهما وتحاذران العثور بالأحجار ~~أو الأشواك، وقد سكنت الطبيعة وأوت الطيور إلى أوكارها. ولما أقبلتا على باب الإيوان هابتا ~~سعته وارتفاعه؛ فقد كان عرض فتحته 34 ذراعا وارتفاعه 32 ذراعا، ولما مرتا تحت قنطرته سمعتا ~~هبوب النسيم وأحستا ببرده، فأجفلت ميمونة وتراجعت وشعرت كأن يدا باردة لمست وجهها فتلفتت ~~فلم تر أحدا فابتدرتها ms078 جدتها قائلة: «ما لك يا بنية؟» # قالت: «ماذا أسمع؟ هل أسمع هبوب النسيم وأشعر ببرده؟ أم هي أنفاس الجن؟ قد كنا منذ لحظة ~~خارج الإيوان وكل شيء هادئ، فما بالي أسمع هبوبا وأشعر بالبرد؟» # قالت: «كأنك لم تدخلي هذا الإيوان قبل الآن؟» # قالت: «كلا، وهل فيه جن؟» # قالت: «لا تخافي يا بنية، ليس في المكان جن ولا إنس، وأما ما تسمعينه فهو أصوات مجاري ~~الهواء الخارج من جدران الطاق.» # قالت: «قد كنا بقربه الآن ولم يكن ثمة ريح، فكيف هبت سريعا على هذه الصورة؟» # قالت: «إن في بناء هذا الإيوان سرا لم ينكشف لأهل هذا العصر بعد؛ إنه مبني على هندسة ~~تجعل الهواء يلعب في قاعته ولو كان الناس خارجه في حر شديد، فيخرج من منافذ في جدرانه مصنوعة ~~على نمط عجيب حير مهندسي هذا الزمان. وقد تأنق الذين بنوه في صنعه على هذه الصورة حتى لا ~~يفارق النسيم مجالس الأكاسرة في أشد الأيام حرا؛ فلا تخافي، هل نرجع؟» # وكانتا قد دخلتا الباب وأقبلتا على القاعة الكبرى التي يسمونها الطاق، ويسمون الإيوان بها ~~فيقولون طاق كسرى كما يقولون إيوان كسرى. وكانت مساحة هذا الطاق في أيام عمارته ستين ذراعا ~~في ستين، وقيل مائة في خمسين، وكانوا يفرشون أرضه ببساط واحد مزركش ومرصع. # وكان في صدر الطاق على عهد الأكاسرة عرش من ذهب مرصع بالحجارة الكريمة يجلس عليه كسرى، ~~تعلوه قبة مرصعة في داخلها مروحة من ريش النعام، وإلى جانبي العرش مجالس الأعوان والمرازبة. ~~وقد ذهب ذلك كله أثناء الفتح غنيمة للمسلمين وهم يومئذ أهل بادية حفاة عراة لا يفرقون بين ~~الكافور والملح ولا بين الجوهر والحصى، فاقتسموا الآنية وقطعوا الأبسطة ومزقوا الستائر، ~~وكان نصرهم من آيات تغلب البداوة على الحضارة؛ فلم يبق هناك إلا الأحجار وبعض الأساطين وقد ~~تشوهت وتكسرت. # ونظرت ميمونة إلى ما حولها من الجدران الهائلة فرأت عليها صورا ملونة منعها الظلام من ~~تحققها. ولما سمعت جدتها تستخيرها في الرجوع وهي لا ترى في ذلك المكان إلا ما ms079 يبعث على ~~الوحشة، ناهيك بما كانت تخافه من الحشرات التي تكثر في مثل تلك الخربة، عزمت على الرجوع ~~وأرادت أن تجيبها بالإيجاب فإذا بها تسمع دبدبة خارج الإيوان ولا تسمع كلاما؛ فاختلج قلبها ~~في صدرها وأرادت أن تصيح فأرتج عليها ولصق لسانها بحلقها، وأدركت جدتها ذلك ولم تكن أقل ~~خوفا منها، فأمسكت بيدها وأومأت إليها أن تتبعها إلى الداخل وهي تهمس في أذنها: «لعل أولئك ~~العيارين أتوا للبحث عن بهزاد في الإيوان مثلنا، وهو والحمد لله ليس هنا، على أني أخشى أن ~~يبصرونا؛ فتعالي نختبئ وراء هذه الأساطين حتى إذا أطلوا ولم يجدوا أحدا رجعوا.» قالت ذلك ~~وصوتها يرتجف وهي تجر ميمونة بيدها، فأسرعتا فوق الحجارة وما يتخللها من الأعشاب والأشواك، ~~فسمع لخطواتهما خشخشة وطقطقة رغم ما أرادتاه من التستر، ولم تنتبها لهول ما اعتراهما إلى ما ~~كان يسرح بين أقدامهما من الجرذان والأورال وغيرها من الحشرات، حتى وصلتا إلى كوة واسعة ~~لعلها كانت موضع العرش في إبان صولة الفرس. وعند الكوة أساطين متفرقة إذا دخل الطاق داخل لا ~~يفطن لمن يقيم وراءها. فدخلتا الكوة وانزوتا فيها وهما تمسكان أنفاسهما من الخوف، وأصغتا ~~وعيونهما محملقة تنظران إلى الباب بلهفة وجزع، وقد ندمتا على تلك المخاطرة. # ولم تمض لحظة حتى كفت الدبدبة وسمعت ميمونة همسا عند الباب كأن المتكلم يحاذر أن يسمعه ~~أحد، ثم سمعت صوت قدح زناد، ورأت أشعة النور اندفعت إلى الطاق من سراج يحمله شخص طويل ~~القامة ملثم بلثام أسود، وقد التف بعباءة سوداء فلم يبد منه غير يده التي يحمل بها السراج. ~~وما لبث أن دخل صامتا وفي أثره بضعة رجال في مثل هيئته، فخفق قلب ميمونة وازداد اضطرابها ~~حتى كاد الدم يجمد في عروقها، مخافة أن يتقدم الرجل بسراجه إلى مكانهما، فبالغت في الانزواء ~~وهي ما زالت معانقة جدتها. # أما حامل السراج فلما توسط الطاق التفت يمنة ويسرة وقال: «ليس هنا أي أحد، وهل يعقل أن ~~يأتي هنا أحد في مثل هذا الوقت؟ فليس ما سمعناه ms080 إلا خشخشة بعض الحشرات التي فرت حين أحست ~~بقدومنا.» ثم نظر إلى ما بين يديه كأنه يبحث عن مكان يضع السراج عليه، فرأى بقية أسطوانة قد ~~ذهب معظمها وظلت قاعدتها قائمة، فوضع السراج عليها، وأخرج يده الأخرى من تحت العباءة وفيها ~~صندوق أسود فوضعه بجانب السراج والتفت إلى رفاقه وهم ستة، وقال بصوت ضعيف: «هل نبدأ ~~الحديث؟» # فقال أحدهم: «نعم، قل ما بدا لك.» # فلما سمعت ميمونة صوت الرجل الأول استأنست به، وخيل إليها أنه يشبه صوت حبيبها، فاختلج ~~قلبها وشاعت عيناها. ثم رأت الرجل الطويل ورفاقه قد خلعوا عباءاتهم فافترشوها وقعدوا عليها ~~ما عدا أولهم فظل واقفا، وبدت ثيابهم من تحت العباءات على غير المألوف في بغداد؛ إذ كان على ~~كل منهم قباء أخضر وعلى رأسه قلنسوة حولها عمامة خضراء، وقد تمنطقوا بالسيوف وتقلدوا ~~الأقواس كأنهم يتأهبون للحرب. # واسترعى انتباهها طول الرجل الأول وكان قد ولاها ظهره، فرجحت أنه بهزاد، وحدقت فيه، وكادت ~~تناديه ولكنها أمسكت وأشارت إلى جدتها أن تنظر إليه فعرفته على ضعف بصرها، وأومأت إلى ميمونة ~~أن تصبر وتبقى صامتة، وأخذت تتفرس في القوم، وعرفت من وجوههم ولحاهم أنهم من الفرس ولكنها ~~لم تعرف أحدا منهم. ثم رأت بهزاد قد تحول نحو قاعدة الأسطوانة وأخذ الصندوق فوضعه بين يدي ~~الجماعة وقعد القرفصاء وقال: «أقسموا على ما في الصندوق أنكم تكتمون ما يدور بيننا.» # فتصدى رجل منهم رقيق البدن خفيف العضل تدل سحنته على مزاجه العصبي وحدة ذهنه وجرأته فقال: ~~«ولكنك لم تخبرنا بما فيه، وقد وعدتنا أن تطلعنا على ذلك قبل كل شيء.» # فتناول بهزاد مفتاحا من جيبه وفتح الصندوق وقال: «انظروا ولا تتكلموا.» # فنظروا في الصندوق وتراجعوا وقد تولتهم الدهشة وقالوا: «إنا لله وإنا إليه راجعون. ما ~~هذا؟» # فقال: «هذا شعارنا منذ اليوم؛ هذا رأس القتيل المظلوم، فهيا أقسموا أن نكتم أمرنا، وأن ~~ننتقم له ولمن قتل قبله.» # قال ذلك وأغلق الصندوق وهو جاث، فقرءوا الفاتحة معا، ثم أقسم كل منهم ليبذلن ماله ودمه ~~للانتقام. ms081 # وقف بهزاد عقب الانتهاء من القسم، فأعاد الصندوق إلى موضعه وحمل المصباح وتقدم نحو جدران ~~الطاق والسراج مرفوع بيده ليبدو ما على الحائط وقال: «أترون ما على هذا الجدار من ~~الرسوم؟» # قالوا: «نرى كسرى أنو شروان يحاصر بجنده أنطاكية.» # فقال: «ألم يفتحها؟» قالوا: «بلى.» # قال: «ألم يكن أنو شروان عادلا؟» قالوا: «بلى.» # قال: «ألستم خلفاءه وأبناءه؟» قالوا: «بلى.» # قال: «ألم تنصروا هؤلاء العرب وتملكوهم رقاب الناس؟» # قالوا: «بلى.» # قال: «ألم يبذل أجدادكم أرواحهم ودماءهم وأبلوا بلاء الرجال في طاعة إمامهم الأول، فقتلوا ~~على الشك وغدروا وخانوا رغبة في رفع منار تلك الدولة، فكيف كان جزاؤهم؟» فقالوا جميعا: ~~«لقد جوزينا جزاء سنمار. رحم الله أبا مسلم.» # قال: «ليس أبو مسلم أول شهيد قتله العرب غدرا بعد أن أيد سلطانهم، وسلم الدولة إليهم؟ ~~أترضون أن يذهب دمه هدرا فضلا عن دماء آبائكم؟» # فقال رجل منهم كبير السن جليل الطلعة: «إنك تدعونا إلى أمر عظيم، ولكنك لم تخبرنا من أنت؛ ~~نعم إنك فارسي مثلنا وشريك لنا في هذا الأمر، غير أننا نحب أن نعرف الغرض من مجيئنا إلى هذه ~~الخرائب وقد كنا في غنى عن ذلك بالاجتماع في بيت أحدنا.» # فقال بهزاد: «يعد الناس هذا المكان خرابا وما هو كذلك؛ إنه أثر حي لعظمة دولتنا، وقد عجز ~~المنصور بعد أن غدر بأبي مسلم عن هدمه. إن بقاء هذا الإيوان رمز على بقاء دولة أصحابه؛ ~~فأحببت أن نتعاهد على الانتقام بين جدرانه، وهذا أنو شروان العادل كأنما يرانا ويسمعنا، ~~فإذا تعاهدنا أمام صورته كان عهدنا وثيقا.» # ثم رفع السراج إلى رأس كسرى في الصورة وقال: «انظروا، إنه ينظر إليكم بعينيه نظرة عاتب ~~كأنه يقول: «لقد تقاعدتم عن نصرة أمتكم ورضيتم بالرضوخ لقوم استخدموكم وأذلوكم وقتلوكم ~~غدرا، فكيف تصبرون على الذل وفيكم العظماء والحكماء والقواد، ومنكم رستم وقورش ودارا ~~وسابور وبرويز وأنو شروان وبزر جمهر، وقد حاربتم الإغريق والرومان والهند والصغد وفتحتم ~~بلادهم. كيف يغلبكم على أمركم أعراب كانوا يفدون علينا للاستجداء فننعم عليهم بالطعام ms082 ~~واللباس، وكان أحاسنهم من جندنا وموالينا، فتسلطوا عليكم بالسيف، ثم نصرتموهم فقتلوا كباركم ~~غدرا وملكوا رقابكم وأنتم صابرون، ولو لم تصبروا لكنتم الملوك وهم عبيد لكم. ومع هذا أليست ~~مقاليد الأحكام في أيديكم، ومنكم وزراؤهم وقوادهم ورجال العلم والسياسة فيهم؟ فكيف تحنون ~~رقابكم لرجال ما فيهم إلا الضعيف، وإنما غلبوكم بالحيلة والمداجاة. إن الصبر إذا طال أصبح ~~مذلة وعجزا.» هذا خطاب أنو شروان، ولأجله جئت بكم إلى هذا المكان. أما أنا فإذا كنتم من ~~الناقمين لأبي مسلم فاعرفوني؛ إني رسول إخوانكم في خراسان، فما قولكم؟» # وكان بهزاد قد ارتفع صوته ونسي التكتم والتستر وأشرق وجهه حماسة وشهامة؛ فرقص قلب ميمونة ~~فرحا لرؤيته وسماع خطبته، ولكنها ظلت متشوقة لمعرفة ما في الصندوق، وقد فهمت من حديثهم أن ~~فيه رأس رجل مظلوم، فتلهفت لمعرفته. # ولما انتهى بهزاد من كلامه وهو ينظر إلى القوم والسراج في يده، نهض أحدهم وقال: «هل أنت ~~رسول إلينا من إخواننا الخرمية في خراسان؟» # فقال: «إني رسول إليكم منذ بضعة أعوام.» # قالوا: «وما الذي عاقك إلى الآن؟» # قال: «تربصت حتى جاءت الساعة وسنحت الفرصة؛ لأن الأمور مرهونة بأوقاتها؛ فالآن مات ~~الرشيد.؛ ذلك الذي غلبنا بمبادرته وكيده، فقتل كبيرنا وعمدتنا وعرقل مساعينا، أما خليفته ~~فغلام غر همه أكله وشربه و...» # فقطع الرجل كلامه قائلا: «ولكننا أقمنا دولة فارسية أساسها الآن في خراسان، وهذا أخوه ~~المأمون ولي العهد لا يلبث أن يتولى العرش بعده، وهو آلة في يد الفضل بن سهل، وهذا إنما ~~أسلم وتقرب منه رغبة في نصرة الفرس وتطلعا إلى هذه الفرصة؛ فإذا أفضت الخلافة إلى المأمون ~~بلغنا الغرض المطلوب على أيسر سبيل؟» # فقال بهزاد: «ألم أقل لكم إنكم غافلون عن منافعكم؟ إن مساعي الفضل أوشكت أن تذهب أدراج ~~الرياح بما هيأه هذا الغلام وأنصاره من أسباب الغدر؛ فكما أسس المنصور دولته بقتل أبي مسلم ~~غدرا، وأنقذها الرشيد بقتل جعفر غدرا، فإن هذا الغلام عرقل مساعي الفضل بن سهل بخلع ~~المأمون غدرا!» # فصاح الرجل: «هل خلعه؟» # قال: «نعم، ms083 خلعه ولا يلبث أن يقتل أنصاره وأنتم نيام. إن مساعي الفضل مؤسسة على الدهاء ~~والسياسة، فإذا لم تبادروا إلى تأييدها ذهبت عبثا، فلا ينفعنا إسلامه ولا تقربه من المأمون.» # فقال الرجل: «هل أنت واثق من خلع المأمون؟» # قال: «لست نائما مثلكم، ولكني ساهر على صوالحكم منذ بضعة أعوام، وقد بثثت العيون ~~والأرصاد حتى في بلاط الخليفة، وأعرف كل حركة تجري في بيت الأمين، وأعرف أهواء العامة ~~وأغراض الخاصة، وقد علمت يقينا أن الأمين خلع أخاه المأمون، ولا ندري ما يفعله بعد ذلك. ~~أما العامة فقوم طغام يباعون ويشرون وهم لا يعلمون، وأما الخاصة فأنتم عمدتهم؛ فبادروا إلى ~~العمل؛ فقد بلغ السيل الزبى.» # فأطرق القوم هنيهة ثم وقف الرجل الجليل وقال بصوت هادئ: «أما وقد ثبت خلع المأمون، ~~فالأمر خطير، ولكننا لا نفوز إلا بالتؤدة؛ فإن هؤلاء العامة لا يقادون إلا بالدين، وهذا أمر كان ~~أوله في خراسان ولا يقوم إلا من هناك.» # قال: «إن تدبير ذلك سهل علينا، وخراسان سيفنا وذخيرتنا. وأما الدين فهو الوسيلة لجمع كلمة ~~العامة، وهذا في أيدينا وسندبر ذلك في خراسان. إن هذه الأقبية الخضراء ستملك أمر الدين بإذن ~~الله؟» # ففهم الرجل مراده من اتخاذه مذهب الشيعة سلاحا لنقل الخلافة فقال: «متى صارت الخضرة ~~شعار الخلافة وذهب سواد العباسيين نلنا المراد، ولكن أنى لنا ذلك؟» # قال: «يكون لنا ذلك إن شاء الله في خراسان، ولا بد من إعمال السيف، فكونوا أنتم في يقظة ~~من أمر شيعتنا في بغداد. وإذا أتت الساعة يحاسب كل منا على عمله.» ثم أشار إلى الصندوق ~~وقال: «وأما شعارنا الحقيقي فهو ما رأيتموه في هذا الصندوق، وسأضيف إليه رأسا آخر إذا ~~رأيتموه علمتم أنكم إذا بذلتم أموالكم وأنفسكم فإنما تبذلونهما في سبيل قويم. إذا كنتم من ~~الخرمية فإنكم تنتقمون لإمام قديم ورجل عظيم؛ تنتقمون لأبي مسلم صاحب الرايات السود مؤسس ~~الدولة العباسية، وهو يناديكم من أعماق قبره أن تقلبوا هذه الدولة وتعيدوا دولة الفرس ~~وتؤيدوها بالشيعة العلوية أصحاب الدعوة الأصلية التي أضاعها ms084 المنصور بغدره ودهائه. وسيعلم ~~الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون.» ~~••• # كان بهزاد يتكلم والعرق يتصبب من جبينه، وقد أخذت منه الحمية مأخذا عظيما، فاستنهض عزائم ~~رفاقه وسحرهم بحماسته وبلاغته حتى تراءى لهم أن الإيوان عاد سيرته الأولى آهلا بالجيوش ~~يزجيها كسرى أنو شروان. وكانوا يعرفون بهزاد طبيبا فارسيا ناقما على العباسيين، ولم يكن ~~يخطر لهم أنه رسول «الخرمية» - من الأحزاب السرية القائمة في خراسان - وهم طائفة ظاهرها ~~ديني واختلفت الأقوال في حقيقة مذهبها، ولكنها كانت حزبا سياسيا يستخدمها ذوو المطامع في ~~طلب السيادة، ومنهم أصحاب أبي مسلم وأهله ولا سيما ابنته فاطمة؛ فإن الخرمية كانوا يقدسونها ~~ويذكرونها في أدعيتهم. وللخرمية أثر كبير في تاريخ الإسلام، وكانوا إذا اشتدوا ظهروا وإذا ~~ضعفوا اختفوا، وكانت لهم مخابرات سرية في المدن الإسلامية، يتعاونون ويتكاتفون، وفيهم ~~المسلمون والزرادشتيون والمجوس، وإنما تجمعهم العصبية الفارسية. # ولا بدع إذا كان منهم جماعة في بغداد كالذين جاءوا مع بهزاد، وهم من وجهاء القوم وأصحاب ~~الثروة والنفوذ، وفي نفوسهم أشياء على الخلفاء كقتل أبي مسلم وجعفر البرمكي وغيرهما. وكانوا ~~يتحدثون بذلك سرا وينتظرون تبدل الأحوال وآمالهم عالقة بالمأمون إذا تولى الخلافة، ولم ~~يكونوا يعلمون أن الأمين قد خلعه؛ فلما أنبأهم بهزاد بذلك ثارت الغيرة في نفوسهم وتحمسوا ~~ونهض أحدهم وقال: «إننا على ما أقسمنا عليه، لا ندخر مالا ولا رجالا، ولكن لا بد لنا من ~~التؤدة.» # فقال: «ذلك ما عزمنا عليه، فأقيموا أنتم على أعمالكم حتى تأتي الساعة، وأنا أعرف أماكنكم ~~فكونوا على استعداد، وقد آن لنا أن ننصرف، وهذا آخر اجتماع لنا على هذه الصورة. وسنجتمع في ~~غير كلفة أو حذر قريبا إن شاء الله!» # فنهض رفاقه وأخذوا يتأهبون للخروج، فالتفوا بعباءاتهم وهموا بالانصراف، وتناول بهزاد ~~عباءته فالتف بها وانطفأ السراج وتركه في مكانه وخرج. فلما أظلم الطاق لم تعد ميمونة تستطيع ~~ضبط نفسها والصبر على التستر فهمت بأن تنادي بهزاد، فأمسكت جدتها بيدها وطلبت إليها أن تصمت ~~ريثما يتفرق القوم، ونهضت وأشارت إليها أن تتبعها بخفة وهدوء، فأطاعتها ms085 ومشت وركبتاها ~~تتلاطمان ولا تكادان تحملانها، وكذلك اصطكت أسنانها كأنها أصيبت بتشنج. # ولم تتوسطا الطاق حتى رأتا القوم قد امتطوا خيولهم بعد أن صافحوا بهزاد وودعوه وانصرفوا، ~~وبقي هو وحده فاتجه إلى مربط جواده ليركبه، ولكنه سمع وقع خطوات تتبعه، فالتفت فرأى شبحين ~~بلباس النساء، فاتجه إليهما بهدوء ورباطة جأش وقال: «من أرى؟» # فركضت ميمونة نحوه وأمسكت بذراعه وصاحت: «أنا ميمونة، وهذه جدتي عبادة.» # فشعر بهزاد برعدتها فتجلد وقال: «وما الذي جاء بكما إلى هذا المكان؟» # فقالت عبادة: «جئنا للبحث عنك؛ فقد بلبلت خاطرنا بغيابك، وقد أصيبت مولاتنا بنت المأمون ~~بحمى ولا تقبل آسيا غيرك، فلما أبطأت لم نر أحدا أولى منا بالبحث عنك؛ لأننا نعرف منزلك ~~وطرقك.» # فأطرق وهو ممسك لجام الفرس بيده والصندوق باليد الأخرى ثم قال: «وما الذي جاء بكما إلى ~~هذا المكان بالذات؟ وكيف عرفتما أني أجيء إليه؟» # فقالت ميمونة: «قد ساقتنا إليه العناية، والحديث في ذلك يطول، وأنت الآن في حاجة إلى ~~الراحة ونحن كذلك.» # فقال: «هلم إلى المنزل.» ثم التفت إلى عبادة وقال: «أظنك أكثرنا تعبا فاركبي الفرس ونحن ~~نمشي بجانبه.» # فقالت: «لا يركب فرسك سواك، لكن إلى أين نذهب؟» # قال: «إلى المنزل.» # فقالت: «إلى المنزل في المدائن؟» قال: «نعم.» # فأمسكت يده بكلتا يديها وقالت: «لا بالله، لا تذهب إلى هناك.» # قال: «ولماذا؟» قالت: «لأن في الذهاب خطرا عليك.» # فأجابها وهو لا يزال ماشيا: «وأي خطر؟» # قالت: «رأينا الجند والعيارين قادمين للبحث عنك في منزلك.» وقصت عليه ما شهدتاه إلى أن ~~قالت: «فأخاف أن يصيبك سوء.» # فقال: «أنت تخافين، وأما أنا فلا أخاف!» # فقالت: «بالله أطعنا، وتعال نذهب معا نحو الشاطئ فإن الحراقة في انتظارنا هناك.» # فقال: «لا بد لي من الذهاب إلى منزلي يا خالة.» # وهمت ميمونة بأن تتوسل إليه أيضا ليرجع عن عزمه، فإذا بهم يسمعون وقع أقدام مسرعة، ~~فالتفتوا جميعا فرأوا شبحا قادما نحوهم من جهة المدائن، فأجفلت ميمونة وصاحت: «ويلاه، ~~أظنه واحدا من العيارين.» # فسمعت الرجل يقول: «كلا، لست منهم.» ms086 # فعرفوا صوت سلمان فدهشوا، وصاح بهزاد: «سلمان؟» # قال: «نعم يا مولاي.» وكان قد وصل إليهم وهو يلهث من سرعة الركض فابتدره بهزاد قائلا: ~~«ما وراءك؟» # فقال بصوت متقطع: «إن المنزل يا مولاي محاط بالجند والعيارين وهم جماعة كبيرة أرسلهم ~~الأمين ليأخذوك.» # قال: «وكيف أتيت المدائن ورأيت ذلك، وعهدي بك في بغداد.» # قال: «علمت بهذا العزم من مصدره، فاحتلت في الخروج بأسرع ما يستطيع الناس حتى أدركت ~~المنزل وقد سبقوني إليه، ورأيتهم محيطين به يتشاورون في فتحه، فعلمت أنك لست في داخله، ~~وتذكرت أنك تأتي الإيوان في بعض الأحيان فأتيت لعلي أراك وأنذرك بالخطر.» # قال: «وهل أفر؟» # قال: «وهل تلقي بنفسك إلى التهلكة؟» # قال: «هذا لا يكون، فاذهب أنت بهذه الخالة وميمونة إلى الحراقة. أما أنا فلا بد من ذهابي ~~إلى المنزل لأمر مهم، فإذا لقيت فيه جندا فالله يحكم بيني وبينهم.» # فلم تعد ميمونة تقوى على السكوت وكتمان ما في خاطرها فقالت: «وهل نحن خائفون على حياتنا؟ ~~وحياتك هي العزيزة. إن حياتك عزيزة يا سيدي ... أتظننا لم نسمع حديثك؟ لقد عرفنا مهمتك وفي ~~نفسي من هذا الصندوق شيء أحب الاطلاع عليه.» # فقال: «ربما أطلعتك فيما بعد، وأما الآن فلا بد من الذهاب إلى البيت، إني لم أتعود ~~الفرار.» # فازدادت ميمونة إعجابا به، ولم يروا بدا من إطاعته فقالوا: «نسير جميعا حيثما تشاء ~~ويصيبنا ما يصيبك.» # فمشى وسلم زمام الفرس إلى سلمان، وأراد هذا أن يحمل الصندوق عنه فأبى، ومشت عبادة تتثاقل ~~في خطاها وتبالغ في إظهار عجزها وكذلك سلمان وميمونة، كأنهم مساقون إلى القتل مكرهين، وبهزاد ~~يجاريهم ويتأنى في خطاه. # | بين ميمونة وبهزاد # مشت ميمونة مع جدتها وبهزاد وسلمان، وهي سابحة في بحار من الهواجس تراجع ما سمعته ورأته ~~في الطاق، وكلما تصورت مساعي حبيبها في نصرة الفرس اختلج قلبها فرحا، ثم يعترض فرحها ما ~~تخلل أقواله من تلميحه بالذهاب إلى خراسان فتنقبض نفسها، وهي مع ذلك لا تعلم محلها من قلبه. # وقطعوا مسافة الطريق والظلام شامل وهم سكوت يمشون ms087 الهوينى، وكل منهم يفكر في أمره ويتشاغل ~~بتحسس الطريق؛ لأن أكثرها وعر. وكلما اقتربوا من البلدة تطلعوا إلى ما عساه أن يكون من أمر ~~أولئك الجند. فلما دخلوا الأسواق استأذن سلمان في المسير أمامهم ليستطلع حال المنزل، فمضى ثم ~~عاد وقال: «لقد جلا الجند عن البيت بعد أن كسروا أبوابه ونهبوا ما فيه.» # فقال بهزاد: «لا يهمني مما في البيت إلا شيء واحد أرجو أن يكونوا قد أبقوه.» # فظنه سلمان يعني كتبه وأوراقه فقال: «إنهم أخذوا الكتب ومزقوا الأوراق.» # فقال: «وهذا لا يهمني.» وظل ماشيا وهم يتبعونه حتى وصلوا إلى المنزل، فرأوا الباب ~~مكسورا فدخلوا منه، وسبقهم سلمان إلى غرفة يعهد فيها مسرجة، فأضاء السراج وعاد ليضيء ~~طريقهم، فرأوا آثار النهب، وظل بهزاد يسير والصندوق بيده وهو يتفرس في الأرض، فمروا في باحة ~~كبيرة فيها كثير من الآثار الدالة على أن البيت بني على أنقاض إيوان سابور، حيث كان المنصور ~~يقيم قبل بناء بغداد، ثم استطرقوا من الباحة إلى باب البيت الداخلي فرأوه مفتوحا فدخلوا ~~وبهزاد يمعن في إظهار عدم اكتراثه بما أصاب بيته من النهب. وبينما هم يسيرون في الدهليز ~~رأوا بهزاد تحول عنهم إلى كوة في جداره الأيمن فتناول منها معولا كان هناك فدفعه إلى سلمان ~~وقال: «احتفظ بهذا.» وبدا البشر في محياه ومشى لا يلتفت إلى شيء حتى دخل غرفة كبيرة في وسط ~~المنزل، في أرضها بساط عليه تراب من أثر المشي وأوراق مبعثرة من أثر النهب، وعلى جوانبها ~~وسائد، فأشار إلى عبادة وميمونة بالجلوس، وأمر سلمان أن يتبعه ودخلا من باب في صدر الغرفة ~~إلى حجرة وأغلقا الباب وتركا السراج في الغرفة. # فلما خلت ميمونة إلى جدتها نظرت إليها فرأتها تلهث من التعب، والعرق قد بلل خمارها، وهي ~~في حاجة إلى الاستراحة؛ فتمنت أن تنام فتغتنم الفرصة لمحادثة بهزاد. فتشاغلت عنها ولم ~~تخاطبها في شيء فرأتها تكبو وتتثاءب من النعاس فقالت لها: «توسدي يا سيدتي واستريحي.» ونهضت ~~فأتتها بوسادتين فاستلقت عليهما وقالت: «إذا خرج بهزاد فأيقظيني.» ms088 فوعدتها بذلك. ~~••• # ولم تمض دقائق قليلة حتى نامت عبادة، وظلت ميمونة وحدها وكأنها في بحر تتقاذفها أمواجه ~~لاستغراقها في البحث عن سبب تنتحله لمخاطبة بهزاد. وفيما هي في ذلك فتح باب الغرفة فأجفلت ~~والتفتت فرأت بهزاد خارجا وقد بدل ثيابه فالتف برداء خفيف واعتم بعمامة صغيرة، وخرج سلمان ~~في أثره والمعول بيده فأشار إليه بالخروج بمعوله فخرج، وظل بهزاد واقفا، فوقفت ميمونة ~~احتراما له وهي مطرقة حياء وهياما، فألقى يده على كتفها وقال: «اجلسي يا ميمونة يا بقية ~~البرامكة.» # فلما سمعته يذكرها بأهلها ويظهر لأول مرة أنه يعرف نسبها، خجلت وجلست وقد أرتج عليها؛ ~~فبادر إلى وسادة ثناها وأشار إليها أن تجلس عليها وقال: «اقعدي على هذه الوسادة يا ابنة ~~جعفر.» # فازدادت ميمونة استغرابا من هذا التصريح، وتجلدت حتى لا تضيع هذه الفرصة منها وقالت وهي ~~مطرقة وقد توردت وجنتاها: «أراك تخاطبني بكنية جديدة؟» # فقال وهو يتناول وسادة أخرى ليقعد عليها: «إني أخاطبك باسمك الحقيقي وإن كنت تحسبينني ~~أجهله، رحم الله جعفرا وأحياه.» # فرفعت بصرها إليه وقد أبرقت عيناها بما غشيهما من ماء الحب وقالت وصوتها يتقطع من شدة ~~تأثرها وهي تحاول إخفاء ذلك بالابتسام: «هل ترجو قيامة الأموات في هذه الدنيا؟» # قال: «إن لم يحي جسده فسيحيا بذكره. إن جعفرا لم يمت يا ميمونة؛ لأن الرشيد قتل جسده ~~ولا سلطان له على ما خلفه من الذكر الحميد!» # فقالت وقد انقبضت نفسها عند ذكر مقتل أبيها: «إني أشكر إحسانك ومجاملتك يا سيدي؛ ~~فإنك طالما أحسنت إلينا وسترت فقرنا.» قالت ذلك وشرقت بدموعها. # فلما رآها تبكي تفطر قلبه وكاد يبوح بما في نفسه، ولكنه لم يكن يرى التصريح بحبه في ذلك ~~الحين فغالطها وقال: «إن فضل جعفر وإحسانه شمل الملأ كافة، وما من مسلم أو غير مسلم إلا هو ~~مدين له، فإذا وفينا بعض الدين فلا فضل لنا في ذلك.» # فلم يعجبها هذا الجواب؛ لأنها كانت تتوقع أن يقول كلمة غير هذه؛ كانت ترجو أن تسمع منه ~~كلمة الحب، فخافت أن ms089 يكون ضميرها خانها فتنهدت وسكتت وأرسلت يدها إلى وجهها وأخذت تمسح ~~عينيها بأناملها؛ فأمسك معصمها ورفع يدها عن وجهها وقال وصوته يكاد يختنق: «ما بالك تبكين؟» # فقالت وهي لا تزال مطرقة وقد أحست بمجرى كهربائي يجري من يده إلى كل عروقها: «إني ~~حزينة يا سيدي، دعني أفرج كربتي!» # فقال: «وما سبب حزنك؟» # قالت: «أتسألني عن حزني وأنت تعلم سببه؟ وهل هناك أتعس من فتاة يتيمة الأبوين، تخاف أن ~~يعرفها الناس؟ إن انتسابي إلى جعفر بن يحيى وبقائي حية بين هؤلاء الأقوام من أكبر أسباب ~~شقائي.» قالت ذلك وجذبت يدها من يده وغصت بريقها. # فأخذ يدها بين يديه وهو يغالب حبه وقال: «معاذ الله أن تكوني تعسة.» # فحاولت إخراج يدها من بين يديه وهي تقول: «بل أنا تعسة، وكيف لا أكون كذلك وقد عرفت ~~الليلة أن ...» وأمسكت عن الكلام ونظرت إليه فإذا هو يتفرس في عينيها ويتجاهل غرضها والهوى ~~يكاد يشف عن سريرته، ومخاطبة العيون أفصح من مخاطبة الألسن. # العين تبدي الذي في قلب صاحبها # من الشناءة أو حب إذا كانا # إن البغيض له عين يصدقها # لا يستطيع لما في القلب كتمانا # فالعين تنطق والأفواه صامتة # حتى ترى من صميم القلب تبيانا # فأدركت ميمونة من تلك النظرة أن بهزاد يحبها، ولكنها أحبت أن تسمع ذلك من فيه فحولت نظرها ~~عنه إلى جدتها، وكانت قد استغرقت في النوم وقد علا صوت غطيطها، ثم أطرقت وسكتت، فابتدرها ~~قائلا: «أكملي حديثك، قولي ما هو الذي عرفته الليلة يا ميمونة؟» # قالت: «إن ذكره يؤلمني، دعني وشأني، لا أحب أن تهتم بي؛ فإنك في شغل شاغل عن مثلي بما أنت ~~فيه من المطالب الخطيرة؛ فلا أريد أن أشغلك بما تحدثني به نفسي من أحلام الصبا.» # فقال: «لعلي مشتغل بمثل هذه الأحلام!» # فرفعت بصرها ونظرت إليه نظرة عتاب وهيام وابتسمت والدمع يترقرق في عينيها وقالت: «اعذرني ~~يا سيدي على تطفلي وصغر نفسي. إني على يقين من خيبة أملي، وحاشا لبهزاد القائد العظيم أن ~~يقع فيما وقعت فيه، ms090 فإن اشتغاله بجمع الأحزاب لقلب الدول واستنهاض الأمم ينزهه عن الالتفات ~~لفتاة مثلي. قد تقتضي مساعيه أن يدوس الجماجم ويقتل المئات، فهل يبالي قلب فتاة يتيمة مسكينة ~~مثلي؟» وكانت يدها لا تزال بين يديه فاجتذبتها وغطت بها وجهها وأخذت في البكاء. # فلما سمع قولها ورأى بكاءها غلب عليه الهيام ولكنه تجلد وقال: «وهل تريدين أن أمسك عن ~~السفر؟» # فتنهدت وقالت: «آه! حبذا ذلك، ولكن ما الفائدة لي من بقائك؟ سأكون سعيدة بإرجائك ~~السفر ولكن ...» وسكتت. فقال لها: «ولكن ماذا؟» # فعظم عليها صغر نفسها والتجاؤها إلى الحيلة في استطلاع حبه، فغلبت عليها الأنفة ونقمت ~~على نفسها، فاسترجعت رشدها وحدثتها نفسها بأن تجافيه، فنهضت وهمت بالخروج فأمسكها بطرف ~~ثوبها وقد استغرب نفورها فجأة وجذبها نحوه وهو يقول معاتبا: «إلى أين يا ميمونة؟» # فقالت وهي لا تلتفت إليه: «دعني يا بهزاد.» قالت ذلك وهي تحاول التملص منه. # فقال: «اقعدي يا ميمونة، لا سبيل إلى الذهاب الآن؛ فإنك غريبة هنا ولا منزل لك تلجئين ~~إليه.» # فأثر قوله في نفسها وتذكرت مصائبها فوقفت وغطت عينيها بكفيها وأطلقت لنفسها عنان البكاء. # فرق لها قلبه وسكت وقد كاد يختنق، ووقع في حيرة وهو يتجلد في كتمان إحساسه وقال: «كنت ~~تريدين أن تقولي شيئا؛ فما هو؟» # فظلت واقفة وهي تغالب عواطفها وتحاول كتمان هيامها ولا تجد إلى ذلك سبيلا، وشعرت بأنها ~~مغلوبة على أمرها فاصطكت ركبتاها ولم تعد تستطيع الوقوف، فقعدت وهي تتشاغل بمسح عينيها ~~بطرف كمها، ثم نظرت إلى عينيه فرأت فيهما شيئا يكاد ينطق بمكنونات قلبه، فهمت بأن تصرح بما ~~ترجوه منه فغلب عليها الحياء، فإذا هو يبتسم لها وعيناه تبرقان وجدا وهياما فبقيت ساكتة. # أما هو فاستأنف الكلام قائلا: «قولي يا ميمونة ... قولي.» # واختنق صوته، فنظرت إليه وقد احمرت عيناها وذبلت أجفانها فازدادتا سحرا وفتنة وقالت: ~~«أراك تبالغ في المجاملة، كفى يا سيدي، كفى استخفافا بي. قل إنك لا يهمك أمري وهذا يكفيك ~~مئونة الاهتمام بي!» # فقال: «بل أمرك يهمني كثيرا؛ ألا يشعر قلبك بذلك؟ ms091 أراك تتجاهلين أكثر من تجاهلي أم أنت ~~لا قلب لك؟» واخشوشن صوته. # فأبرقت أسرتها وحدقت في عينيه كأنها تستطلع حقيقة ما يعنيه، ثم ابتسمت والدمع يجول في ~~عينيها، وتجلدت والحياء يغالبها وقالت: «أيهمك أمري كثيرا؟ إذن قل إنك ...» وسكتت ففهم ~~مرادها وتظاهر بأنه لم يفهم فقال: «ماذا أقول يا ميمونة؟ قولي أنت أولا!» # فقالت: «وهل تحتاج حالي إلى قول وهذه دموعي تقول عني، فقل أنت، قل بالله إنك تحبني، أو ~~دعني وشأني!» قالت ذلك وحولت وجهها عنه وهي تكاد تختنق من تضارب الحب والخجل وخوف الفشل. # فلم يعد بهزاد يستطيع إمساك هواه ولكنه فكر فيما هو فيه من مهام الأمور، فخاف أن يحول ~~التصريح دون مشروعه فقال: «إن ذلك لا يحتاج إلى تصريح؛ نعم إني أحبك!» # فلما سمعت تصريحه غلب عليها السرور حتى كادت تضحك فغصت بالضحك كما كانت تغص بالبكاء، ~~وتساقطت دموعها ولم تتمالك أن صاحت: «أنت تحبني يا بهزاد؟ تحبني؟ أحقيقة ما أسمعه أم وهم؟ ~~وهل أنا في يقظة أم في منام؟ حبيبي بهزاد أنت تحبني؟» # فلما رأى لهفتها تذكر مهامه، فبدا الاهتمام في وجهه وقال: «نعم إني ...» وبلع ريقه وحك ~~ذقنه وسكت. # فخافت أن يكون قد ندم على ما قاله، فنظرت إليه وقد امتزجت في عينيها ملامح ~~الخوف والرجاء وقالت: «ما لك؟ أراك تتردد. ماذا جرى؟ ألا تحبني؟» # قال: «بل أحبك، ولكن ...» قالت: «ولكن ماذا؟» # قال: «ولكن اسمحي لي أن أقول شيئا آخر.» # قالت وقد بان الوجل في محياها: «أما وقد قلت إنك تحبني فقل بعد ذلك ما شئت، ولكن لا، ~~تمهل، لا تقل، أخاف أن تهددني بالفراق!» # قال: «لا أهددك به، ولكنه شرط من شروط حبك.» # فنظرت إليه شزرا وقلبها يختلج وفي عينيها أمارات العتاب وقالت بصوت خافت: «أراك ~~تشترط في الحب، وأنا أحبك بلا شرط.» # فأطرق خجلا من توبيخها اللطيف ثم رفع بصره إليها وقال: «صدقت، لا خير في الحب ~~إذا تقيد بشرط، ولكني أشترط أمرا فيه نفع لك، فأذني لي في ذكره وأطيعيني فيه.» ms092 # قالت: «إني أحببتك بلا شرط، ومن مقتضيات هذا الحب المطلق ألا أضع عائقا في ~~طريق حبك، فاشترط ما شئت.» # فقال: «لقد علمت الآن أني مسافر، فإذا سافرت فإنما أسافر في خدمتك. وقد تحسبين أنك عرفت ~~أمري وسهل عليك الحكم على مستقبلي؛ سمعت أني رسول من جماعة الخرمية، إني لم أكذب ولكنني ~~أكثر من ذلك. وأقول والأسف ملء فؤادي لا أستطيع التمتع بهذا الحب إلا بعد الانتقام، فإذا ~~بقيت حيا وعدت ظافرا فتلك هي السعادة؛ إذ أكون انتقمت لأبيك وللقتيل قبله، وإلا فلا حيلة ~~لي في دفع الأقدار. ولا أجهل أن الشرط صعب عليك، بل هو ظلم مني، ولكن لا خيرة في الواقع.» # قال ذلك ونهض وهو يقول: «انهضي الآن إلى فراشك.» # فنهضت وقلبها يرقص طربا، وإن كان قد ساءها خبر فراقه، ولكنها سرت لسعيه في الانتقام ~~لأبيها، وشغل ذهنها بما قاله عن نفسه من أنه أكثر مما عرفت عنه، فقالت في نفسها: «من عساه ~~أن يكون؟» ولكنها لم تجسر على سؤاله، فأطاعته وهمت بالذهاب إلى الفراش. فأشار بهزاد إلى حجرة ~~وحمل المصباح بيده ومشى بين يديها وهي تتبعه وأفكارها تائهة، فدخلت الحجرة وفيها سرير عليه ~~فراش من جلد فوقه وسادة وغطاء فقال: «هذا هو فراشك الليلة.» ورجع والمصباح في يده ولم تمض ~~هنيهة حتى توارت أشعة ذلك المصباح عنها فنزعت الخمار ونامت. ~~••• # توسدت ميمونة الفراش واستولى السكوت على البيت وخيم الظلام، فلما خلت إلى نفسها تذكرت ما ~~مر بها منذ أن اختبأت في الإيوان إلى أن اطمأن قلبها ووثقت من محبة بهزاد، ثم تنبهت للصندوق ~~الذي رأته بيد بهزاد فازدادت رغبتها في معرفة ما فيه. # فقضت ساعة أو ساعتين وهي تتقلب على الفراش وأجفانها لا تغمض، وطال أرقها حتى ملت ~~الوساد وحدثتها نفسها أن تنهض فأقعدتها الظلمة. # وفيما هي على هذه الحال من الأرق والقلق وقد زادها السكوت وحشة، سمعت حركة وراء الحائط ~~فأصغت فسمعت ضرب معول في الأرض فخفق قلبها وظنت أنها واهمة، ثم سمعت همسا فنهضت مذعورة ~~والتفتت ms093 إلى جدران الحجرة فرأت فوق سريرها نافذة صغيرة يبدو منها بصيص نور ضعيف؛ فأخرجت ~~رأسها من النافذة فرأت خلاء بين البيت والسور على أرضه مصباح عرفت أنه مصباح بهزاد، ورأت ~~رجلا طويلا قد حسر عن ساعديه وشمر عن ساقيه وكشف رأسه وبيده معول وأمامه حفرة وقد أخذ ~~ينبش بمعوله، وأمامه رجل آخر عرفت أنه بهزاد، وتفرست في صاحب المعول فإذا هو سلمان؛ فازدادت ~~دقات قلبها وارتعدت حتى كادت تسقط، فتجلدت وأسندت نفسها إلى النافذة وهي تحاول أن تختبئ ~~لئلا يراها بهزاد. وتربصت فسمعت بهزاد يقول: «لا بد أن يكون هنا، احفر أيضا.» # فقال سلمان: «أخاف أن تكون مخطئا يا سيدي؛ فقد أخرجنا ترابا كثيرا ولم أجد أثرا ~~للجثة.» # فقال: «لا، لست مخطئا؛ ألم يكن هنا إيوان سابور؟» قال: «بلى.» # قال: «قد أكد لي ذلك الشيخ الهرم أن المنصور كان يجلس في قاعة الإيوان حيث هذا البيت ~~الآن، وأنهم دفنوا الجثة في بستان الإيوان، ولا يمكن أن يكون البستان في غير هذا الخلاء، ~~وقد نبشنا كل بقعة منه ولم يبق غير هذه؛ فاحفر.» # قال: «ليت الشيخ كان معنا الليلة فيهدينا إلى مكان الجثة.» # قال: «ألم أقل لك إنه مات؟ ولكنه والحمد لله بقي حيا حتى دلنا على المكان، وهو على ثقة ~~من قوله لأنه عاش في عهد المنصور شابا وأصابه مما رأى جزع بقي أثره في ذهنه لم ينسه طول ~~عمره. احفر، إننا على هدى.» # فعاد سلمان إلى الضرب بمعوله وجرف التراب إلى الخارج وهو يقول: «إني لا أرى أثرا للجثة ~~يا مولاي.» # وكان بهزاد في أثناء ذلك يحدق فيما يخرج من التراب، ثم انحنى وقبض على قطعة من نسيج نفض ~~التراب عنها وقال: «أليست هذه قطعة من ذلك البساط؟» # فأمسك سلمان عن الحفر وتناول النسيج وقد تهرأ وتقطع وقال: «بلى، بلى، إنها جزء منه.» ~~وعاد إلى الحفر بهمة ونشاط وميمونة تنظر إليه وتستغرب حركاته. # وبعد أن حفر برهة تعب وتصبب العرق عن ساعديه ووجهه، فوقف وأسند يده على المعول ~~وتنهد ms094 تنهدا شديدا، فابتدره بهزاد قائلا: «لقد تعبت، ولكن لا بد لنا من إتمام عملنا في هذه ~~الليلة، هات المعول.» ومد يده فتناول المعول وأخذ يحفر بسرعة ونشاط، ثم سمعت ميمونة صوت ~~ارتطام المعول بجسم صلب كأنه أصاب حجرا، ورأت بهزاد توقف عن الحفر ومد يده فأخرج ~~قطعة عظم مستطيلة وصاح: «هذه ساقه أو فخذه، أبشر يا سلمان.» # فتقدم سلمان ونزل إلى الحفرة بنفسه وجعل يجرف التراب ويبحث فيه حتى عثر على شيء تناوله ~~بين السبابة والإبهام ودفعه إلى بهزاد وقال: «هذا خاتم.» # فأخذ بهزاد الخاتم وتقدم إلى المصباح وتفرس فيه وقال: «إنه خاتمه بعينه.» # قال: «وكيف عرفت ذلك يا سيدي؟» # قال: «ألا تذكر أنه لما استقدمه المنصور من خراسان أوصى كاتبه بأنه إذا جاءه كتابه وعليه ~~خاتمه كاملا لا يعمل به، وإنما يعمل بالكتاب إذا كان عليه نصف الخاتم فقط؟» قال: «بلى.» # قال: «انظر، إن اسمه على الخاتم ممحو من أحد جانبيه؛ فهو خاتمه وهذه هي ساقه، فابحث عن ~~الجمجمة.» # فأخذ سلمان يحفر بيده ويخرج قطعا من أقمشة متهرئة أو من عظام نخرة، وأخيرا أخرج الجمجمة ~~وناولها إلى بهزاد، فنفض التراب عنها وقد بدا البشر في وجهه يتخلله انقباض، ثم امتقع لونه ~~وقال: «هذا هو رأسه. هذا هو رأس المقتول ظلما! إن عثورنا عليه يساوي نصف الخلافة، وإذا ~~انتقمنا له فقد نلنا الخلافة كلها.» وما تمالك أن قبله وأكب سلمان عليه فقبله وأخذ يمسح ~~التراب عنه بطرف ثوبه بلطف واحترام، وبهزاد واقف ينظر إلى الرأس وقد تغيرت سحنته وتجلى ~~الغضب في عينيه، فابتدره سلمان وقال: «أهنئك يا سيدي بما توفقت إليه؛ فقد وقعت على ضالتك ~~وكفى الآن. فإذا شئت رجعنا إلى المنزل، فقد كان هذا الليل شاقا عليك.» قال ذلك وتحول إلى ~~المصباح فحمله بإحدى يديه والجمجمة باليد الأخرى، ومشى بهزاد في أثره وقد تولاه السكوت ~~والغضب كأنه أصيب بجمود. # أما ميمونة فلما رأتهما يتحولان إلى المنزل قعدت على فراشها وقد أنهكها التعب وازدادت ~~هواجسها وتهيبت من الخروج إلى بهزاد ms095 في تلك الساعة للاستفهام عن سر ما شاهدته وصبرت نفسها ~~إلى الصباح. # وقضت بقية ذلك الليل كأنها في بحر هائج، ولم تغمض عينها إلا قبيل الفجر فغرقت في النوم ~~ولم تستيقظ حتى أيقظتها جدتها، ففتحت عينيها فرأتها واقفة عند رأسها تقول لها: «قومي يا ~~ميمونة، إننا على أهبة المسير.» # | العودة إلى زينب # نهضت ميمونة مذعورة تلوم نفسها على التأخر، وتلثمت بخمارها واحتذت نعالها ومشت في أثر ~~جدتها حتى خرجتا من الدهليز، فسمعت صهيلا فالتفتت فرأت بهزاد على جواده وقد تزمل بعباءته ~~وجعل الصندوق بين يديه على القربوس، والتفت إلى ميمونة وعبادة وأشار إليهما إشارة الوداع ~~وأومأ إلى سلمان قائلا: «اذهبا مع سلمان.» وهمز جواده. # فأحست ميمونة كأن قلبها قد نزع من مكانه، وهمت بأن تستوقف بهزاد فإذا به قد ساق جواده ~~مسرعا، فبهتت وكاد الدم يجمد في عروقها، ونسيت موقفها وبكت، فأمسكت جدتها بيدها وقالت: ~~«هلم بنا فالقارب في انتظارنا على الشاطئ. وأما الطبيب فإنه سيوافينا إلى قصر المأمون.» # فمشت وقد تولتها الدهشة وعيناها شائعتان نحو بهزاد حتى توارى، وجدتها لا تعلم ما يكنه ~~قلبها، أو لعلها علمت بعضه وتجاهلت رفقا بعواطفها، وترفعا عن الميل إلى الاستطلاع والسؤال ~~كما يفعل العجائز اللاتي يجدن في الحديث عن الآخرين لذة. أما عبادة فقد ربيت في بيت رجل ~~كبير وتعودت معاناة العظائم ومشاهدة الغرائب، وانقطعت لتربية ميمونة وتولت كفالتها ولازمتها ~~ملازمة الظل فلا تخاف عليها أن تأتي أمرا لا ترضاه لها، ناهيك بإعجابها ببهزاد وإيثاره على ~~الجميع. # فسارتا الهوينى إلى الشاطئ وسلمان بلباسه الأصلي وقد التف بعباءته، حتى أقبلوا على دجلة ~~فرأوا الحراقة في انتظارهم فركبوها وأمروا الربان فأدار الدفة نحو بغداد وأرخى الشراع. ~~وجلست عبادة بجانب حفيدتها على مقعد في صدر الحراقة وكل منهما في هاجس، وجلس سلمان بالقرب ~~من الربان يتلفت نحو الشاطئ على الجانبين كأنه يراقب أمرا يتوقع حدوثه. # وما جرت السفينة ساعة حتى ظهرت حراقة قادمة من بغداد تشق عباب الماء وعليها علم عرفه ~~سلمان أنه علم الفضل بن ms096 الربيع، وأن السفينة من سفنه، فأوجس في نفسه خيفة وأسرع إلى ميمونة ~~وعبادة، وأشار إليهما أن تنزلا عن المقعد وتستترا. فلما رأت ميمونة إشارته ولهفته خافت ~~ونزلت وجدتها وعيناهما تراعيان الحراقة الأخرى، وكانت قد فرشت بالسجاد والوسائد. ووقف فيها ~~جماعة من الخدم، بينما تصدر المجلس شاب جميل الخلقة عرفت عبادة أنه ابن الفضل، والتفتت إلى ~~ميمونة فرأتها تنظر إليه فلما تحققته انقبضت نفسها وضاقت وامتقع لونها وأغضت بصرها. # أما عبادة فنظرت إلى سلمان كأنها تستوضحه، فابتسم تشجيعا لها وقال بصوت منخفض: «لا تخافي ~~يا مولاتي إن هذا الغلام لا يجرؤ على أمر ونحن في حراقة مولاي المأمون.» # فقالت: «وماذا يفعل لو كنا في سواها؟» # قال: «ربما أوقفها واستفهم عمن فيها؛ لأنه ذاهب إلى المدائن للبحث عن ...» وأومأ بعينيه إلى ~~ميمونة. # فقالت: «قبحه الله! ألا يزال على عزمه؟» # فقال: «وقد استشار المنجمين واستكتبهم الأرصاد التماسا لمحبتها، فقالوا له إنها خرجت من ~~المدائن، فكأنه لم يصدق قولهم فذهب ليتحقق ذلك بنفسه.» # وسمعت ميمونة سلمان وتجاهلت حياء وأنفة، ولكنها عجبت لاطلاع سلمان على خبرها مع ابن الفضل ~~وتركت الكلام لجدتها فقالت هذه: «خسئ النذل، إنه لا ينال قلامة من ظفرها ما دمت على قيد ~~الحياة.» # وكانت حراقة ابن الفضل قد حاذت حراقتهم ووقف بعض الخدم على حافتها يتفرسون في ركابها، فلم ~~يقع نظرهم على غير سلمان، وميمونة ترتعد خوفا وكرها، فلما تجاوزتهم أراد سلمان أن يعبث ~~بالفتاة ليخفف عنها فقال: «أرى مولاتي تنفر من ابن الوزير وهو يكاد يموت شغفا بها!» # فرفعت نظرها إليه لترى ما يرمي إليه، فرأته يبتسم فقالت جدتها: «إننا لا نريد النظر إلى ~~هذا الشاب.» # فقطع كلامها وقال: «ولا إلى أبيه.» # وكانت عبادة تظن سلمان يجهل حقيقة حالهما، فلما سمعت ما قاله استغربته ورنت إليه كأنها ~~تنكر عليه قوله، فابتدرها قائلا: «يحق لك يا مولاتي أن تكرهيه وتكرهي أباه، ولا تعجبي ~~لاطلاعي على سبب هذا الكره؛ فإني خليفة مولاي الطبيب في نصرتكما؛ فاركنا إلي وثقا بي فإني ~~خادم لكما!» ms097 # فلما سمعت عبادة قوله توسمت الصدق في لهجته فاطمأن بالها. وأما ميمونة فلما سمعت ذكر ~~حبيبها، سألته وهي تظهر السذاجة: «لعل الطبيب مسافر؟» # قال: «نعم إنه مسافر للبحث عن بعض العقاقير الطبية.» وضحك. # فأدركت ميمونة أنه يمازحها، وأنه لا شك عارف بأسرار مولاه، فابتسمت وقد استأنست به ~~وارتاحت إلى خفة روحه وقالت: «هل تظنه يعود قريبا؟» # فأجابها وهو يضحك: «إنك تسألين هذا السؤال قلقا على مولاتنا بنت المأمون لأنها لا ترضى ~~علاجا إلا من يده. بارك الله فيك! أظنه سيسافر عما قريب، ولا أجزم لأن الطبيب يعمل ولا ~~يطلع أحدا على ما اعتزم.» # فقالت عبادة: «يلوح لي أنك تتجاهل يا سلمان، فإن الطبيب لا يخفي عليك شيئا، وأنت تقول ~~إنك لا تعلم موعد سفره.» # فلما رآها تجد في قولها أراد أن يغالطها لئلا تعتمد على قوله فيكون قد باح بما يعلمه وإن ~~كان لا يخاف عاقبة اطلاعهما عليه فقال: «إن مولاي الطبيب حريص على مقاصده ضنين بما يكنه ~~ضميره، وإذا كان ينوي سفرا فإنه لا يكاشفني به، فلعله كاشفك بذلك يا مولاتي؟» قال ذلك ووجه ~~كلامه إلى ميمونة. # أما هذه فاحترست كما احترس هو، ومنعها الحياء من الخوض في هذا الشأن، فأطرقت وتصاعد الدم ~~إلى وجهها فتوردت وجنتاها، فاكتفى سلمان بذلك وأراد تغيير الحديث فتحول إلى الربان وقال له: ~~«لعلنا قربنا من بغداد؟» # فأجابه وهو يشير بأصبعه إلى الأمام: «أليست هذه قصور كلواذة؟» # فالتفت سلمان وتفرس في الأفق وقال: «بلى، إني أرى أبنية البلدة عن بعد، إذن نحن على مقربة ~~من دار السلام.» # قال: «نعم، نحن على مقربة منها، ولا نلبث أن نرى مئذنة جامع المنصور ثم نشرف على قصر ~~مولانا.» # ولما سمعت ميمونة ذكر القصر تذكرت دنانير وزينب وكيف ذهبت مهمتها في استقدام بهزاد ~~الطبيب عبثا. وأخذت تفكر فيما تقوله لدنانير؛ هل تخبرها بالأمر أم تكتم ما اطلعت عليه. ~~وفيما هي تفكر في ذلك دنا منها سلمان وقال موجها خطابه إلى عبادة: «لا يخفى على مولاتي أن ~~ما شاهدناه ms098 الليلة من حال مولانا بهزاد يجب أن يبقى مكتوما.» # فقالت عبادة: «وماذا نقول لدنانير إذا سألتنا عنه؟» # قال: «نقول إننا لم نجده في بيته.» فقالت: «حسنا.» ~~••• # كانت دنانير صباح اليوم السابق بعد ذهاب عبادة وميمونة قلقة على زينب تنتظر رجوعهما ~~بالطبيب، فانقضى النهار وهي في انتظارهما على أحر من الجمر. على أن الفتاة ما لبثت أن تحسن ~~حالها وبرحت الفراش كأنها لم تكن تشكو مرضا، وانتظرتا رجوع عبادة وميمونة في الصباح، فلما ~~مضى نصف اليوم التالي ولم يأت أحد قلقت دنانير وحسبت لذلك التأخير غير حساب. وفي الأصيل جاء ~~بعض الخدم ينبئها بقدوم الحراقة، فخرجت لاستقبالها على المسناة، فلم تر الطبيب فيها، وبعد ~~أن رحبت بعبادة وميمونة ورأت سلمان معهما، سألتهم عن الطبيب، فقال سلمان: «إننا لم نقف له ~~على خبر، ألم يأت إليكم؟» # قالت: «كلا، إن أمره لعجيب، أين ذهب يا ترى؟» # فقال: «لا أدري، وهذه عادته في غيابه كأنه مشغول بأمور خاصة لا يعرفها أحد، وسأبحث ~~عنه في بغداد.» # وكانوا في أثناء الحديث قد دخلوا القصر فأتتهم زينب ووجهها مشرق لا بأس عليها، فقبلتها ~~عبادة وميمونة وشغلاها عن الطبيب والسؤال عنه ... وبعد أن استقر بهم المقام، أظهر سلمان أنه ~~ذاهب للبحث عن مولاه في بغداد، وخرج ومكث أهل القصر في انتظاره. # وعاد في اليوم التالي وهو يظهر الاهتمام، وطلب مقابلة دنانير وكانت مع عبادة وميمونة في ~~الحديقة، فجاءها أحد الغلمان يقول: «إن سلمان يرجو مقابلتك الآن إذا شئت.» # فأسرعت وتركت رفيقتيها في حيرة من أمر تلك الدعوة، ولا سيما ميمونة؛ فقد اضطرب بالها لما ~~عساه أن يكون المراد من هذه الدعوة. # أما دنانير فلما لقيت سلمان تقدم إليها سرا وقال: «إني وجدت مولاي الطبيب على الجسر ~~وكان عازما على المجيء إليك، فلما رآني عهد إلي برسالة أبلغك إياها.» # فقالت: «وما هي؟» # قال: «أخبرني أنه جاءه كتاب من مولانا المأمون يستقدمه إليه حالا ...» # فقطعت كلامه قائلة: «من ولي العهد، وهل به بأس؟» # قال: «كلا، ولكنه أمره بالحضور إلى مرو ms099 بلا سبب يعلمه، فأنابني في إبلاغ ذلك إليكم، ~~وأمرني أن أبقى هنا تحت أمرك .» # قالت: «وهل يطول غيابه؟» # قال: «لم يخبرني عن مدة الغياب.» # فأطرقت حينا وقد ساءها ذلك السفر السريع؛ لأنها كانت تستأنس ببهزاد وتعتمد عليه، وعلى ~~الخصوص في شأن زينب كما علمت؛ فقالت: «سامحه الله، ولكن لعل له عذرا، ما الذي حمل مولانا ~~المأمون على استقدامه إليه بهذه العجلة؟» قالت وتحولت تطلب الرجوع إلى الحديقة وهي تقول: ~~«فأنت تقيم عندنا الآن؟» # قال: «لا أستطيع الإقامة هنا، ولكنني أتردد عليكم وقت الحاجة، كوني مطمئنة.» # وعادت دنانير إلى الحديقة فرأت ميمونة قد تركت جدتها جالسة في مكانها وتقدمت لتلقى ~~دنانير، وقد بدت اللهفة على محياها، فلما رأتها تذكرت ما لاحظته فيها من الميل إلى بهزاد ~~وعلمت أن خبر سفره يسوءها ... فأرادت التظاهر بعدم الاكتراث وكتمان خبر سفره، فرأتها تنظر ~~إليها والحياء يمنعها من الاستفهام، فأدركت مرادها فابتدرتها قائلة: «ما بالك يا بنية؟ ~~لماذا تركت جدتك وحدها؟» قالت ذلك وألقت ذراعها على كتفها في رفق، فأحست بارتعاشها فقالت: ~~«كأني أشعر بارتعاشك.» # فرفعت ميمونة نظرها إليها كأنها تستعطفها وقالت: «ما الذي أتانا به سلمان؟» # قالت: «أتانا برسالة من الطبيب؟» # قالت: «وما هي؟ هل سافر؟» # فأرادت دنانير أن تداعبها فقالت: «وهل دلك قلبك على سفره؟ لقد قيل: من القلب إلى ~~القلب دليل!» # فخجلت من هذا التلميح واحمر وجهها، ولم تكن تشعر بأن دنانير تعلم شيئا مما يكنه قلبها ~~فقالت: «لماذا تقولين هذا يا خالة؟ إنني أسأل اهتماما بأمر مولاتنا بنت ولي العهد لعلمي ~~بتعلقها به!» # فقالت دنانير وهي تبتسم: «بارك الله في مروءتك. وإذا علمت أنه سافر فهل يسوءك سفره ~~إكراما لمولاتنا؟» # قالت وهي تظهر السذاجة وقلة الاكتراث: «هل سافر حقيقة؟» # قالت: «نعم سافر.» ثم تفرست في وجهها فرأت البغتة ظاهرة فيه وقد تحول احمرار الخجل إلى ~~صفرة الوجل؛ فاستدركت بقولها: «ولكنه يعود قريبا؛ لأن قلبه لا يطاوعه على الفراق.» # فخافت ميمونة أن ينفضح أمرها إذا ظلت مع دنانير، فانصرفت تطلب غرفتها لتخلو ms100 ~~إلى نفسها، فلقيها سلمان في الدهليز، فلما وقع نظرها عليه ابتدرته قائلة: «هل سافر بهزاد ~~حقيقة؟» # قال: «نعم يا مولاتي.» قالت: «إلى أين؟» # قال: «إلى مرو في خراسان حيث مولانا المأمون.» # فقالت: «كيف سافر وتركنا؟» وغصت بريقها. # فقال: «تركنا جميعا إلا أنت، وهذا كتابه إليك.» قال ذلك ودفع إليها منديلا ملفوفا ~~فتناولته، وعلمت من ملمسه أن في جوفه كتابا فأشرق محياها وخبأت المنديل في جيبها، وذهبت ~~إلى غرفتها فاستوقفها سلمان قائلا: «هل تحتاجين إلى شيء آخر؟» # فأجابته بقولها: «شكرا يا سلمان، إني لا أنسى جميلك ولا غنى لي عن مروءتك.» # فقال: «إني رهين إشارتك.» ومضى. # وما كادت ميمونة تصل إلى غرفتها وتخلو إلى نفسها حتى جلست على البساط، ثم فتحت المنديل ~~وأخرجت منه لفافة من الكاغد - وكان الكاغد قريب العهد بالاستعمال في التراسل، والفضل في ذلك ~~لأبيها جعفر؛ فإنه أول من استخدمه في الدواوين بدل الجلود - ففضت الكتاب وقرأته فإذا فيه: # من المحب الذي تسمونه بهزاد إلى ميمونة بنت جعفر بن يحيى المقتول ظلما ... # أما بعد، فقد كنت أود أن أكتب إليك بلسان أجدادنا العظام لو كنت تفهمينه، ولكن ~~قضت صروف الزمان أن نتفاهم بلسان أمة ظلمتنا وغلبتنا على أمرنا فقتلت رؤساءنا، ~~واستخدمت قوادنا وحكامنا، واستبدت في شئوننا. وسيأتي يوم نقلب لهم فيه ظهر المجن ~~ونأخذ بالثأر؛ فيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون. وكنت أحب أن أراك قبل سفري وأودعك ~~وجها لوجه لولا خوفي أن يغلبني قلبي كما غلبني أثناء ذلك الاجتماع ففضح سرا ~~كتمته عدة أعوام وكنت عازما على كتمانه حتى يأتي وقته فأبوح به في يوم آتي به ~~عملا يؤهلني لحبك. ولكنك أبيت إلا أن أقول لك إني أحبك فقلت، وأقول: إني أحبك، إني ~~أحبك يا ميمونة، أحبك حبا مبرحا ... أقول ذلك الآن وأنا لا أحاذر أن يحول قولي دون ~~ما عقدت النية عليه منذ عرفتك وقبل أن أعرفك. ولو كنت بين يديك ما قلت ذلك مخافة أن ~~يغلب علي الغرام فأطيعك، بل أطيع قلبي، فأضيع سعيا قضيت العمر ms101 في إعداده. أما وأنا ~~في مأمن من ذلك فلا أبالي أن أبوح لك بمكنونات قلبي؛ فاعلمي يا منيتي أني أوقفت ~~حياتي عليك وعلى الانتقام لأبيك. وما أنا بهزاد ولا أنا طبيب ولا كيميائي ولا أنا ~~رسول من جماعة أو جماعات، وإنما أنا من ستعرفينه وتفتخرين بحبه. ولا أقول من أنا ~~حتى تأتي الساعة، ودون الوصول إليها قطع الرقاب والاستهداف للحراب. إني ذاهب إلى ~~خراسان لا بدعوة من المأمون ولا بأمر أحد من الناس، وإنما أنا ذاهب لإتمام أمر بدأت ~~به ولا بد من إتمامه، إني ذاهب طوعا لصراخ صاعد من أعماق القبور ينادي أهل النجدة ~~أن ينتقموا للمظلوم من الظالم. وأما الصندوق فقد كنت أحب أن أريك ما يحويه ولكنني ~~أشفقت على قلبك. وسأفتح لك الصندوق كما فتحت لك قلبي ولكل أجل كتاب. أقيمي ببغداد ~~في حراسة الله، وقد أوصيت غلامي سلمان أن يقوم على خدمتك، وهو أمين صادق فاعتمدي ~~عليه وثقي به واحتفظي بما اطلعت عليه حتى يأتيك النبأ الصحيح من خراسان يوم تنقلب ~~الأحوال وينتصر الحق على الباطل. وإذا لم يسعدني الزمان بما أرجوه فإني أموت ناعم ~~البال وقد فعلت فعل الرجال. وغاية ما يستطيعه الإنسان أن يجود بنفسه في نصرة الحق. ~~والله من وراء ذلك وهو على كل شيء قدير. # وما أتت على آخر الكتاب حتى امتقع لونها وتغيرت سحنتها وكادت تسمع نبضات قلبها بأذنها ~~وخارت عزيمتها، وظنت نفسها في حلم. ولما تحققت من يقظتها طوت الكتاب وخبأته في جيبها، ~~واستلقت على البساط واستغرقت في بحار الهواجس، فراجعت في مخيلتها خلاصة علاقتها ببهزاد منذ ~~عرفته بالمدائن، وما كان من عنايته بها وبجدتها، وكانت تحسبه يفعل ذلك رغبة في الإحسان وأنه ~~لا يعرف حقيقتها، وقد ظهر لها من ذلك الكتاب أنه كان مشغوفا بها عالقا بحبها؛ فندمت على ما ~~أضاعته من فرصة البوح بالغرام. # على أنها تذكرت ما جاء في كتابه من الوعد والإشارة فاشتاقت إلى تلاوته فأخرجته وأعادت ~~قراءته ثانية وثالثة وهي تحاذر أن يدهمها قادم أو ms102 يراها راء. ثم سمعت خطوات قريبة فأخفت ~~الكتاب واستلقت وهي تتناعس ثم تباعدت الخطى وعاد السكوت فعادت إلى هواجسها، فراجعت ما ارتسم ~~في ذهنها من عبارات حبيبها، فرأت أنه يعرض نفسه لخطر الموت فاختلج قلبها خوفا عليه وفضلت ~~رجوعه عن عزمه وبقاءه معها تتمتع برؤيته. وتصورت عزمه على الانتقام لأبيها فسهل عليها ~~الفراق، وخيل إليها أنه سيعود ظافرا منصورا فتفاخر به وتعوض عما قاسته من الذل ~~والتستر. # على أنها تحيرت في أمره ومن عساه أن يكون إذا لم يكن بهزاد الطبيب ولا رسول الخرمية. ولما ~~أعياها التفكير استسلمت إلى المقادير، وصبرت لترى ما تأتي به الأيام، ثم غلب عليها النعاس ~~وكادت تنام وإذا بقارع يقرع الباب، فنهضت وفتحته فرأت دنانير وحدها فرحبت بها، فدخلت ضاحكة ~~وقالت: «ما لي أراك وحدك يا بنية؟» # قالت: «استلقيت على هذا البساط لأستريح فغلب علي النعاس.» # فأظهرت أنها صدقت قولها وهمت بالخروج وقالت: «نامي يا حبيبتي تريه في الحلم.» # فاستغربت تعريضها وقالت: «ماذا تعنين؟» # قالت: «لا تخافي يا ميمونة، إن جدتك غائبة الآن فلا تكتمي. على أن تكتمك لا ينفعك، وأنا ~~قهرمانة خبرت الزمان وقرأت الكتاب من عنوانه.» # فتوهمت ميمونة أنها تشير إلى ذلك الكتاب، فقالت: «وأي كتاب تعنين؟» وبدا الارتباك في ~~وجهها. # فقالت: «لا أعني كتابا مرقوما.» وتحولت إليها بجملتها وقالت: «إنما أعني أن دلائل الحب ~~لا تخفى على أحد، وقد عرفت حبك بهزاد من أول نظرة، ويسوءني أنه سافر قبل أن ...» وأومأت ~~بجفنها. # فخجلت ميمونة من ذلك الإيماء ولكنها سرت لبقاء أمر الكتاب مكتوما عنها، وهان عليها ~~مكاشفة دنانير بحبها - وفي المكاشفة راحة للمحبين إذا وثقوا من كتمان حبهم - فابتسمت ~~وأطرقت. # فاستبشرت دنانير وهي إنما تلتمس ذلك منها لتشاركها السعي في نيل مطلوبها، فألقت يدها على ~~كتفها وأشارت إليها أن تقعد، فقعدت وهي تلاطفها وتهش لها لتجرئها على أن تبوح، ثم قالت: «سامح ~~الله طبيبنا، كيف سافر قبل أن يتم العقد؟ لا تخجلي يا ميمونة؛ فإنك تحبينه حبا طاهرا ولا ~~شك أنه يحبك ms103 أيضا، وهو من خيرة الشبان، لا حرمك الله منه.» # فتجرأت ميمونة على الكلام وقالت : «وهل الحب عيب يا خالة؟» # قالت: «معاذ الله! لم أقل ذلك. فلا يصعب عليك فراقه؛ فإنه لا يلبث أن يعود فلا ~~تجزعي.» # فتنهدت وسكتت وسرورها باد ثم قالت: «إني يتيمة مسكينة، فلعل الله نظر إلى ذلي فأراد رفعي، ~~ولا غنى لي عن عونك لأني في حماك.» # قالت: «إنك مولاتي وبنت مولاتي، ولا أنسى فضل أبيك رحمه الله، فأيقني أني عون لك على كل ~~ما تريدين. وهذه مولاتنا زينب قد أحبتك واستأنست بك.» # ولم تتم كلامها حتى سمعت خطوات مسرعة نحو الحجرة وصوتا مرتجفا ينادي: «أين مولاتنا ~~القهرمانة؟» # فعلمت دنانير أن بعض الغلمان جاء في مهمة، فصفقت فجاء الغلام حتى وقف بالباب وصاح: ~~«أأدخل؟» فقالت: «ادخل.» # فدخل وحيا، فصاحت به: «ما وراءك؟» # قال: «إن شاكريا بباب القصر يقول إنه يحمل كتابا إليك.» # فقالت: «شاكري؟ وما شأن الشاكرية عندنا. إنهم رسل الخليفة وليس في القصر رجال. ~~لعله ضل السبيل.» # قال: «سألته في ذلك فذكر أنه يحمل رسالة إلى قيمة القصر، وسماك باسمك.» # قالت: «اذهب وهات الرسالة لنرى فحواها.» فخرج. واستغربت هي الخبر، أما ميمونة فارتبكت ~~وخافت أن تكون الرسالة بشأنها أو لأمر يسوءها. ومن تتوالى عليه النوائب يسبق إلى ذهنه ما ~~يسوءه ويغلب أن يصدق ضميره فيه. # وبعد قليل عاد الغلام وفي يده كتاب مختوم ودفعه إلى دنانير وخرج، فنظرت في الختم فرأته ~~خاتم الفضل بن الربيع وزير الأمين، فتشاءمت من رؤيته وأخذت في فضه ويدها ترتجف، وأدركت ~~ميمونة بغتتها فاختلج قلبها، ولبثت تنتظر ما يبدو منها؛ ففضت دنانير الكتاب وأخذت تقرؤه ~~والدهشة بادية في عينيها، وميمونة تراقب حركاتها وتكاد تخطف الكتاب من يدها لتطلع على ما ~~فيه، ولكنها تجلدت وصبرت نفسها فرأت دنانير تعيد قراءته وقد ظهر الارتباك عليها، ثم تحفزت ~~للوقوف فأخذت ميمونة بيدها وصاحت وصوتها يرتجف: «إلى أين؟ قولي لي أليس هذا الكتاب ~~عني؟ إني أرى عليه خاتم الفضل بن الربيع، لا ريب أنه يمسني.» ms104 # قالت: «وما شأنك أنت؟ إنه يخاطبني أنا!» # قالت: «أشعر أن له علاقة بي، قولي ماذا يريد مني؟ ويلاه! قولي!» # فابتعدت دنانير منها ونهضت وهي تقول: «لا علاقة له بك!» # فتبعتها وأمسكت بيدها وترامت عليها وقالت: «أتوسل إليك أن تصدقيني، بالله قولي ولا تخفي ~~علي واعذري لهفتي.» # فبدا الغضب على دنانير وقالت: «لقد أوغل هذا الرجل في القحة وتجاسر كثيرا! وكأنه اغتنم ~~فرصة غياب سيدي وحسب أننا نخاف سطوته ونطيع أوامره. قبحه الله!» # فتأكدت ميمونة أن الكتاب يتعلق بها فصاحت: «مهما يكن من فحوى هذا الكتاب فإني أحب الاطلاع ~~عليه، والأمر لك في كل حال. أطلعيني عليه ولو كان فيه قتلي، بالله أطلعيني عليه.» # فلم تر دنانير بدا من مسايرتها، فدفعت الكتاب إليها فتناولته بيدها وهي ترتجف وقرأته، ~~وهاك نصه: # من الفضل بن الربيع وزير أمير المؤمنين إلى القهرمانة دنانير. # وقع إلى أمير المؤمنين أن في قصر مولانا المأمون فتاة اسمها ميمونة جاءت من عهد ~~قريب، ويجب أن يراها ويسألها عن بعض الشئون، ويطلب إرسالها مع الشاكري حامل هذا ~~الكتاب. # وما أتمت ميمونة تلاوة الكتاب حتى غشي الدمع عينيها وكاد الكتاب يقع من أناملها لفرط ~~دهشتها، وصاحت: «ويلاه! إن حبل تعاستي لا يزال متصلا. ويلاه! ماذا أفعل؟ دعيني أخرج من هذا ~~القصر.» # فأخذت دنانير تخفف عنها وقالت: «لا بأس عليك، لن تخرجي من هنا، ولن نسلمك لأحد؛ إنك في ~~ضيافتنا، كوني مطمئنة.» قالت ذلك وخرجت وظلت ميمونة وحدها. ولما صارت دنانير في الدهليز ~~صفقت فجاء الغلام فقالت: «قل للشاكري أن يذهب ولا جواب له عندنا.» # ورجعت إلى ميمونة وهي ترتجف من الغضب، فوقعت ميمونة في حيرة وأخذت تندب حظها، ودنانير ~~تطمئنها وتخفف عنها. وفيما هما في ذلك أتت عبادة وهي خالية الذهن من الأمر، فلما رأتهما ~~قالت: «ما بالكما؟» # قالت ميمونة: «إن وزير السوء كتب في طلبي، وزعم أن أمير المؤمنين يحب أن يسألني عن بعض ~~الشئون!» # فأطرقت عبادة وفكرت هنيهة وقالت: «قد علمت السبب في ذلك، إن الكتاب ليس من ms105 أمير ~~المؤمنين وإنما كتبه الفضل لغرض في نفسه أنا أعلمه، وأظنكما تعلمانه أيضا. والأجدر أن نخرج من هذا ~~القصر قبل أن يتفاقم الخطب ويحدث ما لا تحمد عقباه بسببنا.» # فصاحت دنانير: «إنكما في ضيافتنا ولا تخرجان مطلقا. أيجسر هذا الوغد على أضياف ولي ~~العهد؟ كلا، لن تخرجا على هذه الصورة، ومتى جاء سلمان شاورناه في الأمر فإنه خبير. ونرى ما ~~يكون.» # | مجلس الفضل # كان سلمان قد رجع من قصر المأمون في ذلك الصباح إلى مخدعه فغير هندامه وتقمص شخصية ~~الملفان سعدون، وسار حتى دخل مدينة المنصور وقصد إلى قصر باب الذهب يتوكأ على عكازه ويسرح ~~لحيته وقد تأبط كتابه ومشى يلتمس المنزل الذي أعد له بأمر الأمين أثناء إقامته هناك. فدخل ~~حجرته وأخذ يطالع في كتاب كأنه يكشف أمرا أهمه. وظل في ذلك إلى العصر وهو يتوقع أن يأتيه ~~أحد في استفتاء أو استطلاع لعلمه أن الجواسيس والعيون مبثوثة بالأبواب ينقلون خبر القادمين ~~والذاهبين إلى صاحب الشرطة. # وفيما هو في ذلك، سمع وقع حوافر جواد يقترب من حجرته، فأصاخ بأذنيه فسمع الراكب ينزل ~~ويخطو نحو بابه مسرعا، فأدرك من رائحة الطيب التي فاحت أنه ابن الفضل، وعلم من سرعة خطوه ~~أنه جاء متلهفا؛ فظل جالسا حتى قرع الباب فنهض وفتح له واستقبله بفتور واستخفاف على غير ~~عادته؛ فتهيب ابن الفضل من رؤيته لما سبق إلى ذهنه من اقتداره على استطلاع الغيب، فحياه وهو ~~يبتسم وقال: «كيف حال الملفان سعدون اليوم؟» # فأجابه بالإشارة أن يدخل ويجلس وظل ساكتا. # فابتدره ابن الفضل قائلا: «ما بالك يا ملفان؟ ما لي أراك غاضبا؟» # قال: «تفضل يا ابن الوزير واجلس. من أنا وما هو غضبي؟ ولكني رأيت أهل هذا الجيل لا يليق ~~بهم غير الخداع والكذب.» قال ذلك وأشار إلى ابن الفضل أن يجلس. # فقال ابن الفضل: «لا حاجة بي إلى الجلوس. إني لم آتك لأمر يهمني وإنما لأدعوك إلى ~~أبي.» # قال: «إذا كان أبوك يسيء الظن بي ولا يصدق قولي كما فعلت أنت، فلا ms106 فائدة من سماع ~~كلامي.» # فاستغرب ابن الفضل تعريضه به وعلم أنه يشير إلى ذهابه للبحث عن ميمونة في المدائن بعد أن ~~أكد له سعدون أنها خرجت منها، ولكنه تجاهل وقال: ما هذا التعريض والتلميح؟ متى أسأت الظن ~~بك؟» # قال: «أظنك تحملت المشقة في الذهاب إلى المدائن لأنك ما صدقت قولي إنها خرجت منها؟ هل ~~وجدتها هناك؟» # فخجل ابن الفضل وغلب على حجته، ولكنه غير الحديث وقال: «سنعود إلى هذا الشأن في فرصة أخرى، ~~والآن تعال إلى أبي فإنه سيسألك عن أمر مهم يتعلق بالدولة والخلافة.» # ففهم من هذه العبارة على سذاجة قائلها ما يغنيه عن بحث طويل وقال: «إني رهين إشارة ~~الوزير، أين هو الآن؟» # قال: «هو في قاعة صاحب الشرطة بهذا القصر.» # فمشى سعدون إلى نعاله وشدها بقدميه وتأبط كتابه وقبض على عكازه وخرج في أثر الفضل وهو ~~يفكر فيما عساه أن يسمع من الأسئلة، وإن كان قد أدرك أن الغرض الأول هو السؤال عن بهزاد؛ ~~استنتاجا من قرائن الأحوال ومما سمعه من ابن الفضل من أن أباه سيسأله عن أمر يتعلق ~~بالدولة. وكان سلمان يحذر الفضل ويخاف فراسته ودهاءه، ولا سيما بعد أن رآه مطلعا على أمر ~~بهزاد ومجيئه إلى بغداد، وبعد أمره بالقبض عليه وإن فشل في ذلك. فسار في أثر ابن الفضل ~~مطرقا يتمتم. ولم يكن يخاف ابن ماهان صاحب الشرطة لعلمه بضعفه وغروره. # فلما وصلا إلى مجلس صاحب الشرطة دخل ابن الفضل بلا استئذان، وظل الملفان سعدون واقفا حتى ~~ناداه ابن الفضل، فلما دخل رأى الفضل متكئا في صدر القاعة على وسادة كبيرة وقد قطب حاجبيه ~~وظهر الاهتمام في وجهه، وبيده مذبة يذب بها الهواء عن وجهه وكتفيه؛ إذ لم يكن هناك ما يذبه، ~~ولكنه كان يتشاغل بذلك لما تزاحم في خاطره من الأفكار. ووجد ابن ماهان جالسا بجانبه على وسادة ~~وقد أرسل لحيته على صدره وبالغ في صبغها بالحناء فبدت شديدة الحمرة، وكان مع وهن عظمه ما ~~زال يغالب الشيخوخة، فجلس القرفصاء مع أن ms107 في وسعه أن يتكئ بين يدي الفضل في غير كلفة، وإنما ~~خاف أن يعد ذلك عجزا وهرما. ~~••• # فلما دخل ابن الفضل لم يتحرك أبوه من متكئه، وإنما وجه بصره إلى سلمان وقال: «هذا هو ~~الملفان سعدون! أظنني رأيته بالأمس هنا؟» # فقال ابنه: «نعم يا أبت، وهو رئيس المنجمين في دار مولانا الأمين.» # فأشار الفضل إلى سلمان أن يقعد، فأطرق هذا متظاهرا بالسذاجة وقلبه يخفق تهيبا من الفضل ~~بعد تلك المقابلة (ويكاد المريب يقول خذوني). على أنه تجلد وهدأ روعه وتشاغل بتسوية المنديل ~~الحريري حول كتابه المعهود. وما كاد يأخذ مجلسه حتى سأله الفضل: «أأنت رئيس المنجمين؟» # فقال: «هكذا يقولون يا مولاي، ولكني لا أستحق هذا اللقب.» # قال: «يظهر أنك أهل لأكثر من ذلك، فقد سمعت الكثير من صاحب الشرطة وابني هذا عن مقدرتك ~~العجيبة في استطلاع المخبآت!» # قال: «إن الفضل في هذا يرجع إلى هذا الكتاب، وإلى ما تلقيته من القواعد التي يستعان بها ~~في كشف الغوامض؛ فأنا أقول ما يظهر لي أو يلقى إلي، وقد أتلو العبارة وأنا لا أفهم معناها.» # فالتفت الفضل إلى ابن ماهان كأنه يستطلع رأيه في ذلك، فأجابه هذا بإشارة من حاجبيه مصدقا ~~لما قيل كل التصديق؛ فابتسم الفضل ابتسامة تشف عن ارتياب وقال: «عند الامتحان يكرم المرء أو ~~يهان. هل تجيب عما أسألك عنه؟» # فرفع الملفان رأسه نحو الفضل وبصره متجه إلى المذبة يتحرك بحركتها كأنه يظهر التهيب من ~~النظر إلى وجهه وقال: «اسأل ما تريد، وما العلم إلا من عند الله، فإذا فتح علي بشيء قلته، ~~وإلا اعترفت بعجزي؛ فهذه هي عادتي.» # فلما قال ذلك هز ابن ماهان وابن الفضل رأسيهما موافقين؛ لأنهما خبرا ذلك فيه. فاعتدل في ~~مقعده وقال: «إني أسألك عن أمر مهم يتعلق بالخلافة فاصدقني خبره كما تراه، ولا تظنني أسألك ~~عن أمر أجهله؛ فإني إنما أختبر معرفتك!» # فابتسم سلمان ابتسام الاستعطاف وقال: «إذا كنت في ريب من صدقي فالأولى إطلاق سبيلي؛ فإني ~~...» # فقال الفضل مقاطعا: «لا، لا أطلق سبيلك ms108 قبل أن أختبر صدقك أو خداعك، فإذا كنت من أهل ~~العلم الصحيح فقل لي عما أضمره.» # فلما أدرك سلمان جفاءه عمد إلى الملاينة وقال: «الأمر لمولاي في ذلك، وله أن يطلق سراحي ~~أو يقيدني أو يقتلني أو يفعل بي ما يشاء بلا اختبار.» # وشعر ابن ماهان بأن سعدون قد استاء من تلك العبارة فقال: «لا يريد الوزير بك إلا خيرا، ~~ولكنه تعود أن يرى في بلاط الخليفة جماعة من المنجمين الدجالين، ولما ذكر له عملك وفضلك أحب ~~اختبارك؛ فقل ما يبدو لك من أمر الخلافة.» # ففتح سلمان الكتاب وأخذ يقلب فيه ويتمتم مطرقا وهم سكوت ينتظرون ما يبدو منه، ثم وجه ~~خطابه إلى ابن ماهان فقال: «ألم أخبرك عن أمر الخلافة قبل أن يعرف أحد بخبرها؟» # قال: «بلى، ولكن المراد أن نعرف أعداءنا وما عساه أن يكون من أمرهم؟» # فعاد إلى التفتيش في الكتاب وهو يقرأ حتى بدا التعب في وجهه وتصبب العرق من جبينه؛ فأخرج ~~من كمه قطعة بخور مضغها في فيه وطلب قدحا فيه ماء ووعاء فيه نار، فأتوه بموقد صغير من ~~النحاس كالمبخرة وضعوه بين يديه، فألقى قطعة البخور في النار وتناول القدح وأخذ يتفرس في ~~الماء تفرس الخائف من أمر يفاجئه، ثم صاح بغتة قائلا: «إلى المدائن. في قصر سابور؟» # وكرر التفرس في الماء جيدا وهو يقول: «أليس هذا قصر سابور؟ ومن سكن فيه؟» وسكت وهو يسترق ~~النظر إلى سامعيه ليرى هل يضمرون السؤال عن بهزاد كما استنتج، فرأى ابن ماهان يشير ~~بالإعجاب، فعلم أنه أصاب، ولكنه تظاهر بالتعب فألقى القدح من يده وتناول منديله وأخذ يمسح ~~العرق من جبينه وهو ساكت، فقال له الفضل: «ماذا جرى في ذلك القصر؟» # فألقى في النار بخورا ثم أعاد النظر في القدح وقال: «إني أرى جندا وعيارين نزلوا من ~~المراكب إلى البر مسرعين، ودخلوا ذلك القصر.» # فقال الفضل: «ثم ماذا؟» # قال: «ذهب سعيهم سدى يا مولاي لأنهم لم يجدوه في البيت!» # فأبرقت أسرة الفضل ولكنه بقي يظهر الجد وقال: ms109 «بارك الله فيك، قد عرفت ما في نفسي، فاعلم ~~أني أطلب الرجل الذي كان يقيم بذلك القصر، هل تعرف اسمه؟» # فأطرق وتمتم كأنه يتلو شيئا ألقي إليه، ثم قال: «يسمونه بهزاد الطبيب الخراساني.» # فأظهر الفضل إعجابه وقال: «هذا طلبتي، فأين هو الآن؟ ابحث لنا عن مكانه!» # فعاد سلمان إلى الكتاب وقلبه، ونظر في القدح قليلا، ثم وضع القدح وصفق وقال وهو يشير ~~بيده إلى خارج بغداد: «هو خارج بغداد على جواده في صحراء بعيدة وعليه لباس السفر.» # فصاح الفضل: «هرب؟! هرب الخراساني الملعون؟ هل رأيت خادمه؟» # فأعاد نظره إلى القدح وقال: «لا أرى معه أحدا.» # فقال: «وهل عرفت بالتنجيم شيئا عن خادمه أو رفيقه؟» # فعلم سلمان أنه يعنيه هو؛ لأن الذي أطلع الفضل على خبر بهزاد ذكر أن معه رفيقا وأنهما ~~جاءا معا لمهمة سرية من خراسان، فلما عادا إلى بغداد أمر بالقبض عليهما فلم يظفر بهما. وقد ~~علم سلمان باطلاع الفضل على خبرهما وإرساله الجند للقبض عليهما فسارع إلى إنقاذ بهزاد كما ~~تقدم، فلما سأله الفضل عن رفيق بهزاد تجاهل وقال: «علمت أن له رفيقا يسمونه سلمان؟» # قال: «نعم سلمان. أين هو الآن؟» # فاضطربت جوارحه ولكنه تجلد وقال وهو ينظر في القدح ثم يتلفت يمنة ويسرة: «إنه في بغداد، ~~وأظنه في مدينة المنصور، ولكنني أراه مستترا وقد أقام بينه وبين المنجمين سترا كثيفا، وقد ~~أتغلب عليه وأكشفه في فرصة أخرى.» # فقال الفضل: «إن بقاء سلمان هذا في بغداد غنيمة كبرى تعوضنا عن فرار رفيقه، وقد بلغني أن ~~سلمان هذا يتزيا كل يوم بزي جديد.» # فقال: «ولهذا ظهر لي في المندل مستترا، ولكنه لا يخفى على الملفان سعدون ولو تمنطق ~~بالنجوم وتعمم بالشمس وانتعل القمر. والأمور مرهونة بأوقاتها.» # ثم رأى أن يغتنم هذه الفرصة لنيل البغية التي يسعى إليها أعداء العباسيين فقال: «وهل يظن ~~مولاي أن فرار بهزاد خير له من بقائه هنا؟» # قال: «إن فراره ينجيه من أيدينا، هل ترى غير ذلك؟» # ففتح الكتاب وقلب صفحتين وقرأ ثم قال: ms110 «لكنه ذاهب لنصرة رجل كبير في خراسان.» # فأدرك الفضل أنه يعني المأمون فقال: «لا فائدة من نصرته وهو بعيد.» # قال: «أرى ذلك الرجل الكبير صاحب سلطان خوله إياه أمير المؤمنين، وقد يحاربه إن لم يتلاف ~~أمره ويقص جناحيه.» وقد أراد سلمان أن يحرض الفضل على خلع المأمون من ولايته على خراسان ~~ليتسع الخرق بين الأخوين فتسنح الفرصة للطامعين. ~~••• # والتفت الفضل إلى ابن ماهان فرآه ينظر إليه مستفهما، وفي نظرته دليل الموافقة على تحريض ~~الأمين على خلع أخيه، وكان الفضل أكثر رغبة في ذلك لما يعلمه من حقد المأمون عليه لمساعيه ~~ضده، ولكنه تجاهل وأراد تغيير الحديث فقال: «بورك فيك يا ملفان.» ثم التفت إلى ابنه وقال: ~~«لقد أسأنا إلى رئيس المنجمين إذ أسأنا الظن به، وأخشى أن نكون قد فرطنا في الأمر!» # فقال ابن الفضل: «كنت واثقا بالملفان، ولكنك حملتني على الشك فيه حتى فعلنا ما ~~فعلناه.» # ولم يكن الملفان عالما بما فعله الفضل من إرساله إلى دنانير يطلب ميمونة فنظر إلى الفضل ~~وقال: «أرجو ألا يكون فيما فعلتموه ضرر.» # فقال ابن الفضل: «إنما أسأت بك الظن لما رأيته من إنكارك المكان الذي تقيم فيه الفتاة، ثم ~~علمنا من جواسيسنا أنها في قصر المأمون فكتبت إلى قهرمانته أطلب إرسالها إلينا فأساءت ~~الجواب وردت الرسول خائبا، فأرسلنا إليها جندا يأتون بها قهرا!» # فشق على سلمان ما قد يصيب الفتاة من الأذى، ولكنه تجاهل وقال: «إنني لم أخف على مولانا ~~(وأشار إلى ابن الفضل) مكانها، ولكنني ذكرت له أنها خرجت من المدائن، ولم تكن نزلت بالقصر ~~المأموني بعد، ولو سألني بعد نزولها لأخبرته بمكانها. وكنت عازما على أن أحملها إليه ~~بالحسنى مستعينا بهذا الكتاب، فليته لم يعجل بالأمر.» قال ذلك وقد ساءه ما تصوره من الغلظة ~~التي يأتونها في هذا السبيل. # فقال الفضل: «إن قهرمانة القصر أساءت الأدب في رد الشاكري، ولعلها لا تعلم أن الفتاة ~~مغضوب عليها وعلى كل أهلها، وإنما أردنا تشريفها واستبقاء حياتها لأنها وقعت من ولدي هذا ~~موقع ms111 الاستحسان.» # | ميمونة والأمين # وفيما هم في ذلك جاء الحاجب وقال: «إن رسول الوزير بالباب .» # فقال: «يدخل.» والتفت إلى الحضور وقال: «هذا رسولنا مع الجند إلى قصر المأمون، فلنسمع ما ~~جاء به.» # ثم دخل الغلام، وهو من الشاكرية، فألقى التحية وتأدب، فقال له الفضل: «ما وراءك.» قال: ~~«هل أقول؟» قال: «قل ... هل أتيتم بالفتاة؟» # قال: «نعم، ولكنها لم تأت وحدها.» قال: «ومن جاء معها؟» # قال: «جاءت معها مولاتنا أم حبيبة بنت ولي العهد.» # فأجفل الفضل وقال: «أعوذ بالله! وكيف أتيتم بها؟ ومن قال لكم ذلك؟» # قال: «لم يقل أحد ولا نحن رضينا بمجيئها، ولكنها جاءت رغم إرادتنا؛ إذ تعلقت بالفتاة وأبت ~~إلا أن نأخذها معها!» # قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون! ألم يكن في وسعكم اجتناب مجيئها؟» # قال: «كلا يا مولاي؛ لأنها تعلقت بالفتاة ولم تبال أقوالنا وتهديدنا، حتى لقد حدثتنا ~~أنفسنا أن نتركهما معا، وقد جاءت معهما أيضا القهرمانة دنانير؛ إذ عرضت نفسها للقتل وذكرت ~~أنها تؤثر الموت على تسليم الفتاة، فأتينا بالثلاث معا.» # فقال: «وأين هن الآن؟» # قال: «هنا في دار النساء، وأم حبيبة تطلب أن ترى عمها الخليفة.» # فاكفهر وجه الفضل عند ذلك لبلوغ المسألة إلى هذا الحد، ولكنه كان واثقا بسلطانه على ~~الأمين، ولا سيما إذا أطلعه على سر الفتاة وأنها بنت جعفر البرمكي، وأنه إنما أراد القبض ~~عليها ليقدمها له فيرى رأيه فيها. فنهض وهم بالخروج، ثم التفت إلى ابن ماهان وقال: «صدق من ~~قال: «إن في العجلة ندامة.» فلو أطعنا الملفان ما وصلنا إلى هذه المشكلة، ولكن لا بأس.» ثم ~~التفت إلى سلمان وأشار مودعا وكان هذا قد وقف وحيا شاكرا، وقد اطمأن على ميمونة لمجيء أم ~~حبيبة معها وطلبها مقابلة الأمين؛ فلا شك في أنه يحتفظ بالفتاة إكراما لبنت أخيه فتنجو من ~~ابن الفضل. # ثم خرج من المجلس وقد غابت الشمس وأضيئت الشموع الكبيرة المشهورة بشموع الأمين. # وكان الأمين ساعتئذ في مجلس غناء أمر بإعداده، وحشد له المغنين والندماء. فأعد في إيوان ~~كبير بين ms112 قاعات القصر، في وسطه بركة يتدفق فيها الماء من أنابيب على هيئة رءوس الثعابين ، ~~وحولها أغراس الرياحين ومقاعد الجلساء والمغنين. وكان الوصفاء من الخصيان يقومون بخدمته ~~هناك وفيهم السقاة عليهم الألبسة الثمينة الباهرة وهم في زي الجواري، وقد أرسلوا شعورهم ~~جدائل مفردة ومزدوجة، وفي أيدي بعضهم الدفوف أو المزاهر أو العيدان يدقون ويغنون، وإلى ~~جوانبهم الجواري الحسان في زي الغلمان وهن هدية إلى الأمين من أمه زبيدة. # وكان الأمين يغالي في اقتناء الجواري من أقاصي البلاد وينفق في استجلابهن الأموال. وقد ~~ارتدى في ذلك المجلس لباس المنادمة، وهو غلالة صفراء مصقولة صقلا شديدا، وعلى رأسه عمامة ~~خفيفة، وجلس على سرير من الآبنوس المنزل بالعاج، وبين يديه مائدة عليها أنواع الأطعمة ~~والأشربة والرياحين، وقد فاحت رائحة المسك وغيره من الأطياب حتى ملأت الفضاء. # وبينما هو في مجلسه هذا جاءه الحاجب وقال: «مولاتي زينب أم حبيبة بالباب.» فبغت الأمين ~~وظن مخبره واهما فاستفهمه قائلا: «ابنة أخي؟» # قال: «نعم يا مولاي.» # فتحير في أمره ولم يدر بماذا يجيب؛ إذ أكبر أن تقابله ابنة أخيه وهو في مجلس الشراب على ~~تلك الصورة. ولم يكن سلطانه وقوة بطشه ليمنعا خجله من فتاة صغيرة يسترضيها الناس بتفاحة أو ~~لعبة؛ لأن سلطان الأدب والحشمة أغلب في النفس من سلطان السياسة والشدة؛ ولذلك كان الأدب ~~قوة، ولأدب النفس هيبة يجلها العقلاء وغير العقلاء، وصاحب الرذيلة مهما يعظم سلطانه وإن ~~استغرق في المنكرات لا يزال في ضميره بقية من احترام الفضيلة وأهلها. ألا ترى أرباب المعاصي ~~وإن تساهلوا في ارتكابها يستنكفون من أن ينتسبوا إليها أو يقال إنهم من أهلها؛ فهم أذلاء وإن ~~عزوا، ويغلب عليهم الجبن في مواقف الإنسانية وإن كانوا أبطالا في مواقف القتال. إن مرتكب ~~المعصية محكوم عليه بالمذلة والضعة من عند نفسه لاعتقاده أنه يخالف السنن الأدبية فضلا عن ~~الدينية، وقد يكون سيدا مطلقا لا سلطان عليه ولا يخشى حكما ولا قصاصا، وربما كان معطلا ~~لا يخاف عقابا ولا يرجو ثوابا، ولكنه يخاف شيئا لا ms113 صورة له في الوجود، ويخاف ما قيل عنه ~~وما يقال له. وقد لا يضره ذلك ولا ينفعه، ولكنه فطر على التماس حسن الأحدوثة أو «الشهرة». ~~ولولا هذا لكان الناس كالبهائم يأكلون وينامون. # فهذا الأمين، مع تهتكه وسكره وعلمه بانتهاكه حرمة الشرع والعرف وصمه الأذن عن النصح، لم ~~يسعه إلا أن خجل أن يقابل في مجلس لهوه فتاة صغيرة؛ وما ذلك إلا حرصا على كرامته، ولعلمه ~~بطهارة قلبها وصفاء سريرتها. # فلما أنبئ باستئذانها عليه تردد في الإذن وأكبر أن يظهر خجله من مجلسه هذا فينهض ~~لمقابلتها في غرفة أخرى وهو الخليفة صاحب السلطان الأكبر مالك رقاب العباد، ولم يستطع ردها ~~إذ لا عذر له في ذلك؛ فغلب عليه اعتزازه بالإثم فقال: «تدخل ابنة أخينا.» # وكان القدح بيده فوضعه على المائدة، واصطنع الوقار على قدر ما يستطيع، فلما رأى جلاسه ذلك ~~جنحوا إلى التهيب وتولاهم السكوت، وألقوا أدوات الشراب من أيديهم. وأشار الأمين إلى الغلمان ~~والجواري فتباعدوا، واستولت الحشمة على الجلسة، وسكت القوم كأن على رءوسهم الطير. # فدخلت زينب وعليها مطرف من خز قد التفت به، وخمار مزركش يكسو رأسها إلا بعض وجهها. وقد ~~أشرق ذلك الوجه حياة وتجلت فيه الطهارة وسلامة القلب. وفي طهارة الأطفال رونق للناظر وهيبة ~~للمتأمل وعظة للعاقل، ويستدل علماء الأخلاق من ذلك على ما فطر عليه الإنسان من الميل إلى ~~الخير، وأنه إنما يساق إلى الشر بما يعرض له من أسباب المطامع أو يمارسه من اختلاف المشارب، ~~وإذا أتى شرا فإنما يأتيه للدفاع عن نفسه أو ماله، وقد يظهر أنه مهاجم متعد ولو فحصت ضميره ~~واستطلعت خبايا قلبه لرأيت أساس ذلك التهجم هو الدفاع عن نفسه. # فالأطفال مثال للفطرة الساذجة، لا يعرفون الكذب أو التملق أو الخداع. يقولون ما يعتقدون ~~لا يخافون ولا يحاذرون، ولا سيما إذا ربوا كما ربيت زينب على أيدي دنانير؛ حيث تثقفت ~~واستنار عقلها على قدر ما تسمح به سنها، واعتادت ألا ترد كلمتها. فلما رأت الجند يخالفونها ~~ويلحون في أخذ ميمونة شق ms114 عليها الأمر وأكبرته، ولما زجرت إرادتها بكت وجاءت معهم كما تقدم، ~~فدخلت لساعتها على عمها وقد أبرقت عيناها وفيهما أثر البكاء. # فلما رآها الأمين رحب بها ونهض لاستقبالها، فلم يبق أحد من الحضور إلا وقف تهيبا. ولم ~~يروا بدا من إخلاء المجلس للخليفة وابنة أخيه، فخرجوا وغادروا المائدة وأباريقها وأقداحها ~~وزهورها ورياحينها، وقد تبعثرت الفاكهة وأقداح الشراب ومنثور الأزهار وأضاءت منائر الشمع في ~~جوانب الإيوان، وود الأمين لو تنطفئ لتخفي تهتكه. # فلما دنت زينب من عمها ترامت على ذراعيه وغلب عليها البكاء، فضمها إلى صدره وقبلها وقال: ~~«لا بأس عليك يا ابنة أخي، ماذا أصابك؟» # أما هي فلما شمت رائحة الخمر في فيه نظرت إلى ما حولها مستغربة، فأراد أن يلهيها عن ~~الاستفهام فقال: «ما بالك يا أم حبيبة ماذا تريدين؟ لماذا لم تدخلي دار النساء؟» # فقالت: «قد كنت هناك وأحببت أن أراك ولم أكن أعلم أنك على مائدة الطعام.» # فسره أنها تحسبه على مائدة الطعام فقال: «هل من حاجة نقضيها لك؟» # قالت: «نعم لي حاجة ...» والتفتت إلى الباب وقالت: «نعم لي حاجة، أين دنانير؟ هي تقص عليك ~~خبري.» # فتجلد الأمين وهو يحسب لهذا المجيء ألف حساب، لما يعلمه من إساءته إلى أبيها. ولكنه ~~استبعد أن تطلع هي على شيء من ذلك فتجاهل وقال: «هل القهرمانة معك؟» # قالت: «نعم، كانت معي في دار النساء، وقد أرادت ألا تفاجئك في هذا المجلس.» ثم نظرت فيما ~~على الأرض من الأدوات وقالت: «أرى مائدتك يا عماه تختلف عن مائدتنا، لعل مائدة الخلفاء ~~هكذا.» قالت ذلك بسذاجة وإخلاص فأصاب قولها قلب الأمين لما حواه من التوبيخ الصريح عفوا، ~~فقال: «إنها مائدة بعض الأضياف كانوا عندنا الليلة. هلمي بنا إلى دار النساء.» قال ذلك ولم ~~يعد يصبر على البقاء هناك، فنهض وأخذ بيدها وهي تتوكأ عليه حتى دخلا قاعة في دار النساء ~~مفروشة بالبسط والنمارق ليس فيها أحد، وأجلسها بجانبه وهو مشتاق إلى سماع شكواها ليطلع على ~~جلية الخبر، ثم صفق فجاءه غلام فقال: «ادع ms115 القهرمانة دنانير.» # وبعد قليل دخلت دنانير وهي مطرقة وقد غطت رأسها بالنقاب وهمت بتقبيل يده ثم وقفت متأدبة، ~~فقال: «ما الذي جاء بكما يا دنانير؟» # قالت: «يسوءنا أننا أزعجنا أمير المؤمنين وكدرنا عليه مجلسه، ولكن سيدتي أم حبيبة أبت إلا ~~أن تجيء الليلة ولم أستطع منعها.» # فقال: «وما الخبر؟» قالت: «ألم ترسل إلينا في طلب ضيفتنا؟» # قال: «وأي ضيفة تعنين؟» قالت: «ضيفتنا ميمونة.» # قال: «لم أفهم مرادك، أفصحي.» # فأدركت دنانير أن الفضل فعل ذلك من عند نفسه فقالت: «نزلت عندنا منذ يومين فتاة غريبة ~~اسمها ميمونة، ألفتها سيدتي زينب وأحبتها، فجاءني كتاب من الفضل وزيرك يطلبها باسمك، ~~فاعتذرت من تسليمها لأنها ضيفة ولها حق الجوار، فأرسل إلينا جندا ليأخذوها قسرا، فلما ~~رأت مولاتي إصرارهم على أخذها تعلقت بها وأبت إلا أن تأتي معها، فلم أستطع التخلي عنها فجئت ~~معها.» # فأطرق الأمين وقد أكبر انتحال الفضل اسمه بغير إذنه، ولكنه تجلد وقال: «من هي ميمونة هذه؟ ~~لعلها من موالينا؟» # قالت: «هي فتاة يتيمة لا ملجأ لها ولا معين، وقد يكون في قصر أمير المؤمنين عشرات أو مئات ~~مثلها.» # قال: «وأين هي الآن؟» # قالت: «في هذه الدار يا مولاي.» # قال: «علي بها لأراها.» # فلما خرجت دنانير وضع الأمين يده على كتف زينب وضمها إليه تحببا وقال: «تحملت المشقة ~~لأجل هذه الجارية؟» # قالت: «إني أحبها يا عماه لأنها لطيفة وحلوة، وستراها الآن، وقد قلت للجند أن يتركوها ~~فأبوا، ألا تريد أن تعطيني إياها؟» # فاستلطف الأمين سذاجتها ولطف تعبيرها وقال: «سأفعل ما تريدين. طيبي نفسا.» وبعد قليل ~~عادت دنانير وميمونة تتبعها مطأطئة رأسها تذللا، وقد توردت وجنتاها وتكسرت أهداب عينيها من ~~البكاء. # فلما أقبلت عليه ترامت على قدميه وصاحت: «إني جارية أمير المؤمنين.» # فلما رأى الأمين جمالها أعجب بها ورق لبكائها، فأمرها بالنهوض وقال: «لا بأس عليك يا بنية ~~طالما كنت في ضيافة بنت أخينا ولك هذه المنزلة عندها، قومي.» والتفت إلى دنانير وقال: ~~«خذيها إلى دار النساء وامكثا الليلة عندنا ريثما أنظر في ms116 أمرها. وأنت يا زينب ضيفتنا ~~الليلة. واطمئني أننا لا نرد لك طلبا.» # فاستأنست الفتاة بعمها وهي في معزل عن السياسة لا تعلم شيئا مما جرى بعد وفاة جدها بين ~~ابنيه، ولما رأت عمها يضمها ويبش لها تذكرت أباها فقالت: «متى يأتي أبي يا عماه؟» # فلما سمع سؤالها انقبضت نفسه وقال: «قريبا إن شاء الله.» ولم يزد وكأنها شعرت برغبته عن ~~التوسع في هذا الموضوع، فأمسكت ونظرت في الأرض وهي لا تستطيع التعبير عن شعورها؛ وهو شأن ~~النساء في أحكامهن، فإنها مبنية على الإحساس بقطع النظر عن الحكم العقلي، فإن المرأة إذا ~~سألتها عن عمل أنت عازم على الشروع فيه هل هي تتوسم فيه النجاح أو تخاف الفشل أجابتك عن ~~رأيها، وإذا طالبتها بالدليل على صحته ذكرت أنها لا تستطيع ذلك ولكنها تشعر به شعورا ~~قويا. ويغلب أن يصدق شعور المرأة كما يصدق عقل الرجل، على تفاوت في شعور النساء وعقول ~~الرجال. فكما تتفاوت عقول الرجال من حيث قوة الاستنتاج واستنباط الأحكام وتمييز الصحيح من ~~الفاسد، يتفاوت شعور النساء باختلاف ما فطرت عليه كل منهن من دقة الإحساس وسلامة الذوق. ولا ~~يكون هذا الشعور مستقلا عن العقل، ولكنه يغلب في المرأة كما يغلب العقل في الرجل. والرجل ~~إذا جرد من ذلك الشعور كان ضربة على الإنسانية؛ لأن الإنسان يعامل عملاءه بالعقل ويعاشر ~~أصدقائه وأهله بالإحساس. ويتفاوت الإحساس في الناس؛ فمن قل إحساسه ساءت عشرته واستثقل الناس ~~روحه وإن كان راجح العقل قوي الإرادة؛ ولذلك ترى بين جماعة من الأذكياء المجتهدين من ~~يستثقلهم الناس ويتجنبون معاشرتهم، فيكون ذلك عثرة في سبيل نجاحهم؛ لأن الإنسان يحتاج في ~~اكتساب ثقة الناس إلى شعور حي يجتذب قلوبهم بحسن العشرة ووضع الشيء موضعه. # وكانت زينب بنت المأمون - على صغر سنها - كبيرة العقل رقيقة الشعور، فما إن سمعت تلك ~~الإجابة الجافة من عمها الأمين حتى شعرت بانقباض وامتنعت عن الخوض في ذلك الحديث. وكأنما ~~أدرك هو ذلك فصفق يدعو غلامه، فلما جاءه قال له: «ادع لنا قيمة ms117 الجواري.» ولما جاءت هذه قال ~~لها: «خذي ابنة أخينا إلى قصرنا، وأكرمي مثواها واحتفظي بالجارية ميمونة وعامليها معاملة ~~جوارينا.» ثم التفت إلى زينب وقال لها: «أظنك تحتاجين إلى الراحة والطعام، ولن يكون إلا ما ~~تريدين، فاطمئني.» وربت على كتفها ووقف، فوقفت ومضت مع القهرمانة إلى دار النساء. # فلما خلا الأمين إلى نفسه عاد إلى التفكير فيما سمعه عن الفضل وكتابه إلى بنت أخيه وفي ~~شأن تلك الفتاة، وأحب أن يستقدمه ليسأله عن حقيقة الخبر، على أنه تذكر ما كان فيه من الأنس ~~قبل مجيء زينب، فعاد إلى مجلسه. ولم يكد يستقر فيه حتى عاد إليه من كانوا فيه واستأنفوا ~~الغناء والشرب والمنادمة، والغلمان والجواري في خدمتهم كما كانوا. ~~••• # تركنا الفضل خارجا من مجلسه وهو يستعيذ بالله مما آل إليه أمر تسرعه في طلب ميمونة، وأخذ ~~يهيئ الأعذار للدفاع عن نفسه، معتمدا على ما له من النفوذ والدالة لدى الأمين، ولبث ينتظر ~~أن يدعوه إليه. # أما سعدون أو سلمان، فإنه مع أسفه لوقوع ميمونة في يد الأمين، سر لنجاحه في إغراء الفضل ~~وابن ماهان بتوسيع الخرق بين الأمين وأخيه. وأصحاب المطامع السياسية لا يفهمون لغة القلوب ~~ولا يبالون حركاتها، وإنما يهمهم الوصول إلى الغرض الذي يسعون إليه، فإذا اعترض طريقهم رأس ~~أو قلب داسوه، على أن سلمان كان يعرف منزلة الفتاة عند بهزاد، وقد أوصاه هذا بها خيرا، فلم ~~يسعه إلا أن يهتم لأمرها ويعمل على سلامتها. # وفي صباح اليوم التالي بعث الأمين إلى الفضل، فلما وافاه في داره الخاصة أجلسه إلى جانبه، ~~ثم تلطف في الاستفهام عن أمر الفتاة. فقال الفضل: «لعل أمير المؤمنين أكبر إقدامي على طلب ~~هذه الفتاة باسمه من بيت أخيه، ولكن لم أفعل ذلك إلا اضطرارا وإخلاصا في خدمة الدولة. هل ~~عرف أمير المؤمنين من هي هذه الفتاة؟» # فقال: «لم أعرف إلا أنها غريبة وفدت على بيت أخي المأمون.» # قال: «لو أن مولاي تأملها لرأى صورة أبيها فيها. إنها بنت جعفر بن يحيى الذي قتله أمير ms118 ~~المؤمنين الرشيد جزاء خيانته!» # فبغت الأمين ونظر إلى الفضل مشدوها وقال: «ابنة جعفر بن يحيى؟ أظنك واهما.» # قال: «كلا يا مولاي، ولو سألتها لاعترفت. وقد علمت بنزولها بيت مولانا المأمون صباح أمس، ~~فكتبت إلى قهرمانة القصر أن ترسلها لأن أمير المؤمنين يريد أن يراها، فأجابت رسولي الشاكري ~~جوابا شديدا. ولم يسعني غيرة على كرامة مولاي إلا أن شددت في طلبها، ولم أكن أحسب العلائق ~~وطيدة إلى هذا الحد بين طرائد أمير المؤمنين وبين بيت أخيه؛ فالأجدر بأهل هذا البيت أن ~~يكونوا عونا لنا على أمثال هؤلاء. نعم إنها فتاة لا خوف منها، ولكن ما ضر أن نستفهمها ~~وهناك أسباب للظن، ولكن ...» وسكت كأنه يكتم شيئا يخشى إبداءه، فابتدره الأمين قائلا: ~~«ولكن ماذا؟ قل.» # فقال: «إن أمير المؤمنين أدرى مني بما يحاك في الخفاء، ولا أحب أن أدخل بينه وبين أخيه، ~~ولكنني لا أستطيع السكوت عما يمس الدولة وحقوق المسلمين؛ فما معنى أن تأوي إلى بيت مولانا ~~المأمون بنت جعفر عدو الخلافة الذي قتل جزاء دسه وخيانته وإطماعه المأمون في ولاية العهد ~~بعد أن كانت لأمير المؤمنين وحده، وهل لم يقنع المأمون بولاية العهد فامتد طمعه إلى ~~الخلافة؟» # فلما سمع الأمين ذلك أجفل وحدق في الفضل تحديقا شديدا، ولو لم يكن الفضل قد تعوده لهاب ~~منظره؛ لأنه كان شديد الهيبة قوي البدن يلقى الأسد ولا يبالي؛ فاستدرك الفضل قائلا: «لا ~~أعني أن مولانا المأمون يطلب الخلافة لنفسه، ولكنني أخشى إذا طال حلم أمير المؤمنين عليه أن ~~يغريه بعض خاصته بطلبها.» # فانصرف ذهن الأمين عن ميمونة إلى الخلافة وأخيه، وإنما جره الفضل إلى ذلك عمدا ليشغله عن ~~لومه في طلبها باسمه، وليتدرج إلى إغرائه بخلع المأمون تأمينا لنفسه؛ لعلمه أن المأمون إذا ~~أفضت الخلافة إليه فلن يبقي عليه ولا على أهله وربما نكل بهم، فلا نجاة له ولهم إلا بخلعه ~~عن خراسان ليتفرق مريدوه عنه ويضعف أمره. # فقال الأمين: «إن هؤلاء الفرس أصل بلائنا؛ فإنهم ما زالوا من زمن أبي مسلم يناوئوننا ms119 ~~ويمنون علينا بأنهم ساعدونا في نيل الخلافة مع أنهم لم ينالوا شيئا إلا باسمنا ، وهم الآن ~~يغرون أخي بأن يستأثر بها دوني.» # فقال الفضل: «إذا كان أمير المؤمنين في شك مما أقول، فهذا رئيس المنجمين، فليسأله عن الرجل ~~الخراساني الذي أشرت بالقبض عليه يوم وصولي، إن هذا الرجل رسول حزب الخراسانيين أنصار ~~المأمون، وقد أرسلوه ليدس الدسائس ويوقظ الفتنة، وعلمت بأمره يوم كنت في طوس، فلما قدمت إلى ~~بغداد أرسلت في طلبه فلم يجده العيارون في منزله، ثم لقيت الملفان سعدون رئيس المنجمين أمس، ~~وتحدثت معه في ذلك، وكان صاحب الشرطة معنا، فعرف الملفان الرجل وقال: «إنه هرب من بغداد إلى ~~أحزابه الطامعين في إرجاع الأمر إلى الفرس.» ولا ريب في أنهم يتخذون اسم مولانا المأمون ~~وسيلة إلى تحقيق مطامعهم، فإذا بلغوا مأربهم فما أظنهم يستبقون أحدا ولا المأمون نفسه. لا ~~تغضب يا مولاي إذا صرحت بما يجول بخاطري؛ فإن صالح الدولة يقتضي ذلك، وها هو ذا ابن ماهان ~~صاحب الشرطة يؤيد قولي. والرأي لأمير المؤمنين.» # وكان الفضل يتكلم منفعلا متظاهرا بالغيرة على الدولة، والأمين يصغي له بكل جوارحه. وقد ~~أهمه الأمر فأمسك عن التصريح برأيه حتى يشاور ابن ماهان، وعاد إلى الكلام عن ميمونة فقال: ~~«سننظر في ذلك، وأما ميمونة التي ذكرت أنها ابنة جعفر البرمكي، فإنها في قصرنا بين جوارينا، ~~ولا أرى أن نسيء إليها إلا إذا ظهر لنا ما يوجب ذلك، وقد ترفقت بها لأجل بنت أخي.» # فقال الفضل: «الرأي لأمير المؤمنين.» ولم يهمه أمر الفتاة مثلما أهمه خلع المأمون، وإن ~~كان ابنه يؤثر ميمونة على كل الدولة لأنه شاب ربي في مهد الرخاء ولم يعان السياسة، وقضى ما ~~مر من عمره متكلا على أبيه، وقد علق بميمونة وما كان يريد بها إلا خيرا، ولولا ما سبق ~~من حبها بهزاد وحقدها على الفضل، لما كان ثمة ما يمنعها من قبوله. # ورأى الفضل أن الأمين يشير بفض الجلسة، فنهض وخرج وظل الأمين وحده يفكر حائرا فيما وعد ~~به ms120 ابنة أخيه من إطلاق سراح ميمونة، ويرى في إطلاقها خطرا خوفه الفضل منه. ثم نهض وسار إلى ~~دار النساء، وسأل عن مقر بنت أخيه فدلوه عليه. # وكانت ميمونة قد شعرت عند دخولها قصر الخلافة بانقباض شديد، وقام بذهنها أنها أضاعت ~~آمالها، لعلمها بما ينويه حبيبها من الكيد للأمين، فلم تجف لها دمعة رغم ما حاولته دنانير ~~من التخفيف عنها. وكانت زينب تزداد شفقة عليها ورغبة في إنقاذها، وقد بشرتها بما وعدها به ~~عمها من إطلاق سراحها. فانقضت الليلة وميمونة يائسة لعلمها بأن الفضل لا يسكت عن كشف ~~حقيقتها للأمين حتى ينجو من اللوم. # وفي صباح اليوم التالي جاءتها دنانير وزينب، وأدارتا الحديث معها للترفيه عنها، ولكنها ~~ظلت منقبضة النفس لا يفرج كربتها غير البكاء، ولا سيما أن جدتها ليست معها، وأنها لا تعرف ~~أين سلمان؛ فمكثت صامتة ودموعها تتساقط على خديها وقد ظهر عليها الذل والانكسار. وزاد هذا ~~زينب انعطافا نحوها، وكانت واثقة من وعد عمها. وبينما هن في ذلك سمعن حركة وهرجا بين خدم ~~القصر، ثم جاءت بعض الجواري تقول: «إن أمير المؤمنين قادم ليرى ابنة أخيه.» # فنهضت زينب للقائه بالباب، ووقفت دنانير وميمونة احتراما. ثم دخل الأمين وقعد على وسادة ~~هناك، وأجلس زينب إلى جانبه وسألها: «أفي شوق أنت إلى قصرك يا زينب؟» # فقالت: «كما يشاء أمير المؤمنين.» # فاستحسن تأدبها على صغر سنها وقال: «لقد أمرت القهرمانة بإعداد هودج يحملك وحاضنتك إلى ~~دجلة، ثم تركبان الحراقة إلى القصر.» # فنظرت إليه زينب نظر المدل الطامع وقالت: «وميمونة؟» # فقال وهو يضاحكها: «تبقى في ضيافتنا يوما أو يومين، ثم نبعث بها معززة مكرمة.» قالت: ~~«ألست وعدتني بأن ترسلها معي؟» # قال: «بلى، ولكني رأيت أن تبقى عندنا ضيفة كما كانت عندك. وما أظنها ترفض الضيافة في قصر ~~الخلافة.» # ورفعت زينب بصرها إلى دنانير كأنها تستغيث بها، فنظر الأمين إلى دنانير وقال: «قولي ~~لمولاتك إن ميمونة ستبقى عندنا ضيفة مكرمة ثم نرسلها.» # فعلمت دنانير أنه مصر على استبقائها عنده، وأدركت سبب إبقائها لأنها ms121 تنسمت من أخبار ~~القصر أنه اجتمع في الصباح بالفضل؛ فوقعت في حيرة وقالت: «إن أمير المؤمنين لا يرد أمره، ~~وبقاء جاريته في قصره شرف لها.» # فلما تحققت ميمونة أنها باقية سكتت والدمع ينحدر على خديها، فوقع نظر الأمين عليها فرق ~~لها وكاد يأمر بإطلاق سبيلها، ولكنه تذكر كلام الفضل فأمسك ونهض قائلا لزينب: «سيري في ~~حراسة الله يا ابنة أخي.» ثم أوصى بها دنانير خيرا، والتفت إلى ميمونة وقال: «لا بأس عليك ~~يا بنية.» وخرج فأمر قيمة الدار أن تعد ما يلزم لنقل زينب وحاضنتها إلى قصر المأمون. فأرادت ~~زينب أن تتعلق بميمونة وتمتنع عن الذهاب، فأمسكتها دنانير وأفهمتها أن أمر الخليفة لا يرد ~~ولا بأس على ميمونة. فلما خلت ميمونة إلى زينب ودنانير بعد خروج الأمين أطلقت لنفسها عنان ~~البكاء حتى كاد يغمى عليها، فأخذت دنانير تهون عليها ووعدتها بأن تخبر سلمان بخبرها ليسعى ~~في إنقاذها، كما وعدت بتوسيط سواه إذا اقتضى الأمر ذلك. # | بين زبيدة وعبادة # عادت دنانير إلى قصر المأمون فرأت عبادة أم جعفر في انتظارها على المسناة، وكانت قد شاهدت ~~ما أصاب حفيدتها من القسوة والإهانة حين أخذها إلى الأمين، وحدثتها نفسها بأن تصحبها إلى ~~هناك لكنها خافت أن يكون ذهابها سببا لزيادة النقمة عليها؛ فامتثلت لمشورة دنانير عليها ~~بالبقاء في القصر واعدة بإرجاع ميمونة معها، فقضت بقية ذلك اليوم وطول ليله ساهرة وقد أخذ ~~القلق منها مأخذا عظيما وأصبحت في اليوم التالي فجلست على المسناة ترقب السفن النازلة حتى ~~رأت حراقة عرفت من شكلها أنها من سفن الأمين. فلما وصلت ولم تر ميمونة فيها صاحت: «أين ~~ميمونة؟» # فأخذت دنانير بيدها وقصت عليها الخبر، ومنتها بقرب رجوعها، فقالت: «لا، لن ترجع. إن الأمين ~~إذا عرفها لا بد أن يوقع الأذى بها. ويلي! لماذا لم أذهب معها فيصيبني ما يصيبها؟ لقد أضعت ~~تعبي في خدمتها!» # وجعلت تندب سوء حظها وتبكي بكاء الثكلى، فأخذت دنانير تهون عليها حتى سكن روعها، ففكرت ~~فيما تستطيعه في سبيل إنقاذ حفيدتها، ووقعت ms122 يدها على حق الزمرد الذي تحمله، فخطر لها أن ~~تستخدمه في هذا السبيل. وكان الناس يتحدثون منذ أيام بمجيء زبيدة أم جعفر والدة الأمين من ~~الرقة ومعها خزائن الرشيد، فقالت في نفسها: «لعلي إذا سرت إليها واستعطفتها باسم زوجها أن ~~أثير عاطفتها بما في هذا الحق من آثار الرشيد فتتوسط عند ابنها لإطلاق سراح حفيدتي.» ولما ~~خطر لها ذلك شعرت براحة وطمأنينة، واستشارت دنانير في الأمر فاستحسنت رأيها وقالت: «لم يبق ~~لنا باب نطرقه غير هذا، ولعل هذه المرأة إذا رأت آثار زوجها وسمعت ما أصابك من البلاء تنسى ~~حقدها. سيري على بركة الله.» # فخرجت عبادة في ظهر ذلك اليوم تقصد إلى دار القرار قصر زبيدة، وكان الأمر صعبا عليها ~~ولكنها استسهلت كل صعب في سبيل إنقاذ ميمونة. # وركبت من قصر المأمون حراقة أوصلتها إلى قرب دار القرار، فهبطت هناك ومشت بثوبها الأسود ~~تتوكأ على عكازها وقد بدا الانكسار في محياها، والانكسار يبدو في الشيوخ مضاعفا. # وبلغت باب القصر عند الأصيل، فرأت عنده جماعة من الشاكرية وقوفا بأسلحتهم، فوقفت وحيتهم ~~فلم ينتبه إليها أحد، فاقتربت من أحدهم وقالت: «لعل مولاتنا أم جعفر في القصر؟» # فأجابها بقوله: «ماذا تريدين منها؟» # قالت: «أريد أن أراها وأتبرك بلثم ثوبها.» # قال: «إنها لا تأذن لأحد الآن، وإذا كنت تلتمسين إحسانا فليس اليوم موعده.» # قالت: «كلا يا ولدي، لا أريد شيئا من ذلك ولكن لدي حديثا أريد أن أقصه عليها.» # قال: «وما هو حديثك يا خالة؟» # قالت: «إنه حديث خاص بها، فأدخلني عليها إذا شئت.» # فاستخف الرجل بقولها والتفت إلى رفقائه وكانوا وقوفا يسمعون ما دار بينهما، فتقدم شاكري ~~آخر وقال لها: «أتريدين المثول بين يدي مولاتنا أم الخليفة نفسها؟» # قالت: «نعم أطلب الدخول على أم الخليفة السيدة زبيدة. وأرجو أن تستأذن لي في ذلك ولا ~~تماطلني؛ فقد أتعبني طول الطريق ولا صبر لي على الوقوف!» # فقال: «أراك مسكينة وسأطلب لك إحسانا من قيمة القصر وأكفيك مئونة الدخول على مولاتنا أم ~~جعفر؛ لأنها يندر أن ms123 ترى أحدا.» # فأثر كلامه في نفسها، وتذكرت سابق أيامها وكيف أصبح حالها لا يدل على غير الاستجداء، فقالت ~~وهي تكاد تشرق بدموعها: «لست أطلب إحسانا يا بني، ولكن لدي أمرا يهم مولاتنا أم جعفر أريد ~~عرضه عليها، فاستأذن لي ولك الفضل.» # فلما رأى الشاكري بكاءها رق لها ودخل للاستئذان، وظلت هي بالباب وقد تعبت فقعدت على حجر. ~~وبعد هنيهة عاد الشاكري وهو يقول: «سألتني عن اسمك.» # فتحيرت بماذا تجيب وفكرت قليلا ثم قالت: «اسمي أم الرشيد.» # فأجفل الجميع وأخذوا يتفرسون فيها وهم لا يعرفونها، واستغربوا هذا الاسم فقال أحدهم: ~~«اسمك أم الرشيد؟ وأي رشيد تعنين؟» # قالت: «ألم تسألني عن اسمي؟ قل لها إن أم الرشيد بالباب تلتمس الدخول.» # فعاد الشاكري ومكثت هي في انتظاره وقد سرها أن تتقدم إلى زبيدة بهذا الاسم فلعله يكون فألا ~~حسنا. وما عتم الشاكري أن عاد وهو يقول: «تفضلي يا خالة، ادخلي.» # فدخلت في أثر الشاكري وهي تتوكأ على عكازها حتى تجاوزت الحديقة إلى باب القصر، ونزعت ~~نعالها ودخلت في الدهليز فانتهت منه إلى غرف يستطرق بعضها إلى بعض، والجواري المقدودات ~~يخطرن بين يديها وهن ينظرن إليها ويعجبن من حالها. أما هي فظلت تمشي مطرقة حتى وصلت إلى ~~قاعة كبيرة فاحت منها رائحة الطيب، فلما أطلت على القاعة رأت سقفها قبة مصنوعة من خشب ~~الصندل، مكسوة بالوشي والسمور وأنواع الحرير بألوانه الزاهية، ويتدلى على جدرانها ستائر ~~مطرزة بأبيات من الشعر، معلقة بكلاليب من الذهب. وفي أرض الغرفة بساط واحد من السجاد الثمين ~~عليه من الوسائد والكراسي ما يبهر النظر ولكنه لم يبهر عبادة؛ لأنها ألفت مثله في قصر ابنها ~~أيام نعيمها وإقبال سعدها، وإنما كان همها اليوم أن تنال رضى زبيدة لتنقذ حفيدتها. # فلما وصلت إلى الباب رأت زبيدة في صدر القاعة متكئة على وسادة من الحرير الموشى فوق سرير ~~من الآبنوس المرصع، فتركت عصاها خارجا وألقت التحية باحترام ونظرت إلى زبيدة ووقفت تنتظر ~~أمرها بالدخول أو الجلوس. وكانت زبيدة مرتدية ثوبا سماوي اللون يأخذ ms124 بالأبصار، وقد تعصبت ~~بعصابة مرصعة بشكل الطاوس من الحجارة الكريمة على غير عادتها، كأنها فعلت ذلك لتزيد في ~~النكاية بعبادة المسكينة. فظلت هذه واقفة وزبيدة تلهو بجام من العاج فيه فتات المسك، وتساقط ~~بعضه فأخذت في التقاطه فظنت عبادة أنها لم تنتبه إليها وسعلت، فرفعت زبيدة بصرها إليها ~~شزرا وقالت: «من هذا؟» # فاستأنست بالسؤال ومشت نحوها وقالت: «أمتك عبادة.» ولما وصلت إلى وسط القاعة نظرت إليها ~~زبيدة وقلبت شفتها السفلى ورفعت حاجبيها استخفافا وقالت: «عبادة؟ قيل لي إن أم الرشيد تطلب ~~الدخول علي؟» # قالت: «هي نفسها جاريتك يا مولاتي. انظري إلى وجهي فعسى شحوبه لا ينسيك صاحبته.» # فضحكت زبيدة وقالت: «عرفتك يا عبادة! ألا تزالين على قيد الحياة؟» # فاستغلظت عبادة هذا السؤال لما فيه من الاحتقار، ولكنها كظمت وقالت: «نعم، لا أزال حية ~~لسوء حظي.» # فقهقهت زبيدة وقالت: «ذلك جزاء العقوق يا عبادة، اجلسي.» # فجلست وهي ترتجف من الغيظ وندمت على مجيئها، ولكنها تذكرت ميمونة وأنها جاءت لإنقاذها ~~فهان عليها الأمر وقالت: «لم أنكر جميلا يا مولاتي، ولكن لله الأمر، يفعل ما يشاء.» # قالت: «صدقت، لله الأمر، وهو يجزي كل نفس بما قدمت. أرأيت عاقبة سعيك وسعي زوجك وأولادك ~~في نزع الخلافة منا؟ أرأيت عاقبة الغدر؟ أرأيت عاقبة الجرأة على مولاكم؟ أرأيت كيف رد الله ~~كيدكم في نحركم؟ لقد كنت أحسبك قضيت كمدا من الثكل، فإذا أنت حية تسعين!» # وكانت عبادة تسمع كلام زبيدة مطرقة، فلما انتهت قالت لها: «إنما جئت الآن يا مولاتي ~~مستعطفة، فإنك والدة وتعرفين انعطاف الوالدات، وقد صرت جدة وتعرفين انعطاف الجدات.» # فقطعت كلامها وقالت: «لشد ما أبطأ حنو الوالدة والجدة؟ أين كان ذلك الحنو لما أراد ابنك ~~المقتول أن يخلع ابني من ولاية العهد ليجعلها لابن مراجل.» تعني المأمون. # فقالت وقد جاشت أحزانها في صدرها وكاد الكظم يخنقها: «قلت لك يا مولاتي إنما جئتك ~~مستعطفة، ولا أستعطفك بحسنة أتيتها وإنما أتقدم إليك مستشفعة بصاحب هذه الآثار.» وأخرجت حق ~~الزمرد ومفتاحه الذهب من جيبها، ونهضت ومدت ms125 يدها نحوها لتعطيها إياه. فتباطأت زبيدة في ~~تناوله مبالغة في الازدراء، تاركة يد عبادة ممدودة كأنها سائل يستعطي. وأخيرا قالت لها ~~زبيدة: «وما الذي يحويه من الآثار؟» # فأخذت عبادة تعالجه بالمفتاح ويداها ترتعشان من ضعف الشيخوخة وشدة التأثر، وتقدمت به إلى ~~زبيدة، فإذا في الحق خصلة من شعر زوجها وبضع أسنان من أسنانه وقد فاحت منها رائحة المسك، ~~فقالت: «ما هذا الشعر والأسنان؟» # قالت: «إنها شعر مولانا الرشيد وأسنان طفولته. ألم أكن ظئره؟ ألم أرضعه؟ ألم يكن يدعوني ~~أم الرشيد؟ بهذه الآثار أتوسل إليك أن تسمعي شكواي وترحمي ضعفي، ليس من أجلي أنا، بل من أجل ~~فتاة بريئة من كل ذنب، وكانت في عهد تلك الأحداث طفلة ناشئة في مهاد الرغد والرخاء، وهي ~~الآن يتيمة طريدة لا ملجأ لها ولا نصير، وحياتها أو موتها بين شفتيك. بالله اعطفي عليها ~~بكلمة تنقذها من الموت.» قالت ذلك وشرقت بدموعها وناهيك بعجوز تبكي وتستعطف. # فلما سمعت زبيدة كلامها ورأت ثنايا زوجها وشعره كاد الحنو يغلب على عواطفها، فسكتت هنيهة ~~وعبادة تراقب حركاتها ولم تشك في أنها أصغت إلى ندائها. # على أن زبيدة أغلقت الحق وقالت لها: «ألم تتقدمي بهذه الآثار إلى الرشيد في ~~حياته؟» # قالت: «بلى، فعلت.» # قالت: «ولماذا تقدمت بها إليه؟» # قالت: «تقدمت إليه بها ليعفو عن زوجي يحيى.» # قالت: «وماذا كان جوابه؟» # فحارت في الجواب ولكنها لم تر بدا من الصدق فقالت: «إنه ردني خائبة يا مولاتي.» # قالت: «وهل ينبغي أن أكون أنا أعرف منه لحقك يا عبادة؟» # قالت: «إني تقدمت إلى الرشيد أطلب حقا كنت أحسبه لي عليه، وأما الآن فإني أستعطفك ~~وألتمس رحمتك ولا حق لي. أطلب إحسانك على فتاة لا شأن لها في أمرنا. أما أنا فإذا ظننت أني ~~أذنبت إليك فهذا عنقي بين يديك ولا آسف على حياتي.» # فقالت: «وأي فتاة تعنين؟» # فاستبشرت بسؤالها وقالت: «أعني فتاة هي بقية ذلك القتيل السيئ الطالع، ساقها شقاؤها إلى ~~الفرار مما أصاب أباها وأعمامها وجدها فبقيت على قيد الحياة وظللت ms126 أنا حية لأعولها وأتولى ~~تربيتها، فقضينا السنين ونحن نتستر ونعيش عيش المتسولين وقبلنا حكم القضاء فينا، فساقت لنا ~~الأقدار أناسا وشوا بنا إلى أمير المؤمنين وحملوا الفتاة المسكينة إلى قصره، فخفت أن يغروه ~~بقتلها ولم أجد لي بابا أطلب الفرج منه سواك؛ فأتيتك بهذه الآثار لعلها تعطفك على تلك ~~المسكينة، وعسى كلمة يكون لها فيها الحياة فيأمر أمير المؤمنين بإخراجها فأذهب بها وأقضي ~~بقية الحياة معها في كوخ حقير أو أغادر هذه البلاد إلى حيث تأمرين. بالله ترفقي. أسألك برأس ~~ابنك وبحنوك عليه إلا أصغيت لتذللي. وأنت تعلمين أني لم أستعطف أحدا في عمري حتى ولا ~~الرشيد رحمه الله.» ولم تعد تستطيع إمساك نفسها عن البكاء. # وكانت عبادة تتوقع أن تسمع منها كلمة عطف فإذا هي تسألها: «وما اسم الفتاة؟» # قالت: «ميمونة يا مولاتي.» # فابتسمت وحول مبسمها هالة من الحقد والنقمة وقالت: «ميمونة؟! جئت تطلبين النجاة لميمونة؟ ~~لماذا لم ينجها حبيبها الخراساني شاهر سيف النقمة على آل عباس؟ هذا الذي لو أتيح له أن يشرب ~~دمنا لشربه!» # فلما سمعت قولها أرتج عليها ودهشت لاطلاعها على سر كانت تحسبه مكتوما عن كل إنسان، وقد ~~فاتها تفشي الجاسوسية في ذلك العصر، وأن لكل إنسان جاسوسا على صاحبه، حتى الأب يتجسس على ~~ابنه والابن يتجسس على أبيه. وكان لزبيدة عيون في بيت المأمون يأتونها بالأخبار عن كل حركة ~~فيه، وقد علمت بخبر الخراساني بالأمس، وعزمت على أن تخبر ابنها به ولم تعلم أنه غادر بغداد ~~ونجا من حبائلها. # أما عبادة فجمد الدم في عروقها ولم تحر جوابا؛ فظلت ساكتة ثم خافت أن يعد سكوتها موضعا ~~للتهمة فأرادت التنصل منها على قدر الإمكان فقالت: «لم أفهم مرادك يا مولاتي. من هو ذلك ~~الخراساني؟ وما شأننا والدسائس ونحن لا نكاد نملأ جوفنا طعاما؟ بالله اقبلي رجائي فقد صغرت ~~نفسي وهانت علي، وكل ما أطلب منك إخراج هذه الفتاة من قصر أمير المؤمنين، ومهما تأمري بعد ~~ذلك أفعل.» # فحولت زبيدة وجهها عنها ومدت يدها بالحق إليها ms127 وقالت: «كفى يا عبادة. خذي هذا الحق لعله ~~ينفعك في غير هذا السبيل. وإذا كنت في حاجة إلى عطاء من مال أو طعام أعطيناك.» # فأيقنت عبادة ألا خير يرجى من زبيدة وأنها تريد أن تصرفها، فتناولت الحق وقالت: «كنت أقبل ~~عطيتك يا سيدتي لو كان لي مطمع في الحياة، فأستغفر لذنبي على ما بدا من جسارتي، وأرجو أن ~~يديم الله سعدك ويؤيد عرش ابنك.» قالت ذلك وتحولت تهم بالخروج وهي تتوقع أن يلين قلب زبيدة ~~بما سمعته، فوصلت إلى باب القاعة ولم تسمع صوتها ولا رأتها تحركت من مكانها؛ فأكبرت أن تخرج ~~من بين يديها ذليلة مغلوبة على أمرها؛ فعادت إليها أنفتها وتذكرت حالها على عهد ابنها وما ~~أصابها من المصائب بسبب زبيدة، وما رأته من قساوة قلبها وشماتتها بذلها؛ فالتفتت إليها فإذا ~~هي لا تزال جالسة على السرير وعيناها على الوسادة تتشاغل بالتقاط فتات المسك عنها وحول ~~شفتيها ابتسامة تغني عن شرح عواطفها؛ إذ جمعت بين الاستخفاف وعز الانتصار وأنفة الكبراء ~~وشماتة الحاقدين. # وكانت زبيدة تريد رجوع عبادة لأنها لم تشف كل غليلها منها، ولم تجبها ساعة الوداع رغبة في ~~رجوعها، وقد لذ لها الحديث مع امرأة ساعدتها الأقدار عليها حتى سحقتها سحقا بعد أن قتلت ~~ابنها وأذلت زوجها وسائر أهلها وشتتت شملهم واستباحت أموالهم وضياعهم وأصبح اسمهم فزعة ~~يخافها المنتمون إليهم. وكان الرشيد قد نكب البرامكة برأي زبيدة وتحريضها، فلذ لها النصر، ~~وليس ألذ لقلب الإنسان من النصر. ولو حللت أسباب السعادة تحليلا دقيقا لرأيتها ترجع إلى ~~النصر أو ما في معناه؛ فالمنتصر في الحرب يتمتع بالنصر على أبسط معانيه، وناهيك بلذة القائد ~~عندما يرى جيشه ظافرا وجيش عدوه مدحورا. وطلاب المال لا يجمعونه خوف الجوع؛ فإن الإنسان ~~يشبعه ما لا يعجز أفقر الفقراء عن الحصول عليه، وإنما يجمع المال ليستعين به في تنفيذ ~~أغراضه أو تقوية نفوذه في الدولة أو الهيئة الاجتماعية، وذلك هو النصر أو الفوز. وطلاب ~~الشهرة على اختلاف وجوهها إنما يطلبونها التماسا لمثل هذه ms128 اللذة؛ فطالب الشهرة من طريق ~~السياسة يشعر إذا مدحه الناس على عمل أعجبوا به أنه تغلب على آرائهم بقوة عقله، وأن إعجابهم ~~به إنما هو إقرار بتقصيرهم عنه في ذلك السبيل؛ وطالبها من طريق العلم أو الشعر أو غيرهما من ~~المهن القلمية يلذ له إعجاب الناس بنفثات يراعه أو بنات أفكاره مثل شعور القائد بانتصاره ~~على أعدائه؛ فلا عجب إذا لذ لزبيدة انتصارها الكبير على البرامكة، وخاب رجاء عبادة وتذللها ~~لديها لاستغراقها في تلك اللذة حتى نسيت عاطفة الشفقة أو تناستها، أو لعلها أبعدت تلك ~~العاطفة عمدا. # فلما التفتت عبادة إليها ظلت هي مشتغلة بالتقاط المسك عن الوسادة وقلبها يخفق توقعا لما ~~عساه يبدو من تلك الوالدة المقهورة المغلوبة على أمرها؛ فإذا هي تقول لها: «أأخرج من بين ~~يديك ولم أنل جوابا منك غير الشماتة والاستخفاف، وقد تقدمت إليك بحرمة زوجك المدفون في طوس ~~فاكتفيت بقولك إن الله إنما أوصلنا إلى هذه الحال جزاء ما جنته أيدينا؟ وقد سرني أنك تعرفين ~~ذلك، وأن الله قادر على مثله في كل زمان ومكان.» # فنظرت زبيدة إليها فإذا هي قد تغيرت سحنتها من الاستعطاف والتذلل إلى الغضب والنفور، ~~واحمرت عيناها وجف دمعهما وارتجفت شفتاها وارتعشت يداها ورجلاها حتى كادت تقع على الأرض ~~لولا تجلدها. وكانت قد تناولت عكازتها فتوكأت عليها ولم تزد على ما قالته وأخذت تبحث عن ~~نعلها لتلبسها وتخرج، فصاحت بها زبيدة: «عبادة!» فتغافلت وظلت سائرة في الدهليز، فصاحت بها ~~ثانية: «عبادة يا أم الرشيد!» # فلما سمعتها تناديها بهذه الكنية استبشرت وتراجعت وكظمت ما في نفسها لعلها تستطيع أن تنفع ~~ميمونة، فالتفتت وإحدى يديها على العكازة والأخرى على خصرها كأنه تتماسك من الضعف، فوقعت ~~عيناها على عيني زبيدة وهي ترجو أن تقرأ شيئا جديدا يشف عن انعطاف أو حنو، فرأتها لا تزال ~~تبتسم ابتسامتها المعهودة وقد زادها رهبة ما بدا من عينيها من دلائل الغضب، فظلت عبادة بضع ~~لحظات تتفرس في عيني زبيدة وتقرأ الغضب فيهما، ولكنها غالطت نفسها رغبة في ms129 إنقاذ ميمونة، ~~وإذا بزبيدة تقول بصوت مختنق: «أتدعين على ابني بالقتل؟» # قالت: «معاذ الله يا سيدتي! أطلب إليه تعالى ألا يريك مكروها فيه، بل أتوسل إليه أن يحفظ ~~كل أبناء الناس لعل حفيدتي المسكينة أن تصيب طرفا من عنايته.» ثم تغير صوتها واختنق. # فقطعت زبيدة كلامها وقالت: «أكنت تطلبين ذلك من قبل؟» # فأدركت عبادة أنها تشير إلى أيام عزها قبل مقتل ابنها فقالت: «كنت أرجو ذلك ليبقى ابني، ~~ولكنني لم أكن أقوله بحرارة قلب ولهفة كما أفعل الآن لأني لم أكن جربت الذل بعد. كنت مثلك ~~يا مولاتي لا أعرف من الدنيا إلا نعيمها وراحتها، وكنت أحسب الدهر يدوم لي، فإذا هو قد ~~أذاقني ما لم يسمع بمثله في الأرض.» # فأدركت زبيدة أنها تعرض بما تخافه عليها من النكبة، فكرهت أن تسمع شيئا يكدرها إذا هي ~~أطالت الحديث معها، فوقفت وأخذت تتشاغل بإصلاح عقدها والعصابة التي حول رأسها كأنها تتأهب ~~للخروج؛ فاكتفت عبادة بما قالته وتحولت وخرجت إلى قصر المأمون. # | الفضل بن سهل # فلنترك أهل بغداد على ما هم عليه لنرى ما كان من أمر بهزاد بعد رحيله؛ فقد ذكر في كتابه ~~إلى ميمونة أنه مسافر إلى خراسان، وأنه أوصى سلمان بما عليه أن يصنعه في أثناء غيابه. فغادر ~~بغداد على فرسه وقد شد ذلك الصندوق إلى السرج، وسلك أقرب الطرق، وكان إذا بات في خان أو نزل ~~به ادعى أنه طبيب معه صندوق العقاقير. وبعد أيام قطع في أثنائها جبالا وسهولا وأودية ~~وأنهارا، أشرف على مدينة «مرو الشاهجان» عاصمة خراسان في ذلك العهد، وهي في منبسط من ~~الأرض، حولها سور مربع الشكل، وفي وسطها قلعة ضخمة يقال لها في اصطلاحهم «القهندز»، تظهر ~~للمطل على مرو من بعيد فيحسبها بلدا، وكانوا يغرسون على سطحها الأشجار والمباقل كأنها ~~بستان على رأس جبل. ولم يكن ذلك المنظر ليثير بهزاد؛ فإنه نشأ في هذه المدينة وشب فيها، فدخل ~~توا يلتمس منزل الفضل بن سهل. # وكان الفضل بن سهل من سرخس، وقد نشأ مجوسيا ms130 ودرس علم النجوم ثم أدخله يحيى البرمكي في ~~خدمة الدولة في أيام الرشيد ولم يسلم إلا سنة 190ه على مذهب الشيعة. وإنما أسلم رغبة في ~~نصرة الفرس بخراسان. وتعهده يحيى برعايته حتى صار من خاصته ثم جعله قهرمانا له. ثم توسم ~~الفضل في المأمون نجابة وتعقلا فتوقع أن تصير الخلافة إليه فلزمه وخدمه وتقرب منه. وكان ~~المأمون يجله ويقدمه؛ فأصبح الفضل لا يطمع في أقل من الوزارة. # ويحكى أن مؤدب المأمون قبل الخلافة لما رأى جميل رأيه في الفضل وإكرامه إياه نقل ذلك إلى ~~الفضل وقال له: «لا أستبعد أن يحصل لك منه ألف ألف درهم.» فاغتاظ الفضل وقال: «والله ما ~~صحبته لأكتسب منه مالا قل أو جل، ولكني صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق ~~والغرب!» # وكان الرشيد لما بايع لولديه بولاية العهد جعل للأمين العراق والشام إلى آخر المغرب على ~~أن يكون الخليفة بعده، وجعل للمأمون خراسان وسائر المشرق على أن يتولى الخلافة بعد أخيه ~~الأمين. وكل ذلك بتدبير جعفر وغيره من أحزاب الشيعة، وفي جملتهم الفضل بن سهل. ولما أراد ~~الرشيد سنة 192ه أن يسير إلى خراسان، أمر ابنه المأمون أن يبقى في بغداد حتى يعود. وكان ~~الرشيد مريضا فخاف الفضل أن يموت الرشيد في الطريق فيذهب سعيه سدى؛ فجاء إلى المأمون وقال ~~له: «لست تدري ما يحدث للرشيد، وخراسان ولايتك، ومحمد الأمين مقدم عليك، وليس مستبعدا أن ~~يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها كما تعلم؛ فاطلب إلى أمير المؤمنين ~~أن تسير معه.» فطلب المأمون ذلك من أبيه فامتنع أولا ثم أجاب. فسار المأمون مع أبيه ومعهما ~~الفضل، وكان اهتمام الفضل منصرفا أثناء الطريق إلى تأييد أمر المأمون، فأخذ له البيعة على ~~كل من في عسكر الرشيد من القواد وغيرهم، وأقر له الرشيد بجميع ما معه من الأموال. ثم نزل ~~المأمون «مرو» قصبة خراسان، واشتد المرض على الرشيد وهو في «طوس» والأمين في بغداد وله عيون ~~مع الرشيد أشدهم غيرة عليه الفضل بن الربيع ms131 وزير الرشيد بعد البرامكة. فلما بلغ الأمين ~~اشتداد المرض على أبيه بعث إلى ابن الربيع وغيره يحثهم على بيعته. فلما مات الرشيد هناك سنة ~~193ه، احتال ابن الربيع على من كان في ذلك العسكر وحرضهم على اللحاق بالأمين فأطاعوه رغبة ~~في الرجوع إلى أهلهم في بغداد، وأغفلوا العهود التي أخذت عليهم للمأمون، وحملوا ما كان في ~~عسكر الرشيد إلى الأمين وتمت له البيعة. # فلما بلغ المأمون موت أبيه ورجوع رجاله إلى أخيه بالأحمال والأموال وقد نكثوا عهده، خاف ~~على نفسه فجمع خاصته بمرو وشاورهم في الأمر مظهرا لهم ضعفه وأنه لا يقوى على أخيه، فنشطوه ~~ووعدوه خيرا. ولبث الفضل يترقب الفرص لنيل بغيته التي أسلم لأجلها. وكان من جملة مساعيه ~~قبل موت الرشيد أنه أنفذ بهزاد طبيبا إلى بيت المأمون، ومعه سلمان خادما له وهو من رجال ~~الخرمية أيضا. وكانت المراسلات السرية دائرة بين بهزاد والفضل، فلما مات الرشيد واستأثر ~~الأمين بالخلافة وآن العمل في خراسان ركب بهزاد إليها ليكون مع الفضل. # وكان الفضل يوم وصول بهزاد إلى مرو جالسا في قصره مع أخيه الحسن، فجاءه الحاجب بأن بهزاد ~~بالباب فأمر بإدخاله، فدخل وهو لا يزال بلباس السفر وفي يده الصندوق، فوضعه بالباب وسلم، ~~فرحب به الفضل والحسن وأجلساه في صدر القاعة. وكان الفضل صفراوي المزاج رقيق البدن أصفر ~~الوجه مع صحة ونشاط، وهو يومئذ في حدود الكهولة إذا نظرت إلى عينيه رأيتهما تنطقان بما في ~~صدره من المطامع وما يضمره من المكايد وما يفكر في نصبه من الحبائل بهدوء ورباطة جأش. ولم ~~يكن أخوه الحسن في مثل مزاجه ودهائه وكان أقرب إلى إظهار ما في نفسه وتجلي أغراضه في وجهه. ~~فلما جلس بهزاد أخذ الفضل وأخوه يسألانه عما وراءه، فقص عليهما ما جرى؛ فأعجبا بشجاعته ~~وغيرته، ثم سأله الفضل رأيه في حزب الخرمية ببغداد فأجابه بقوله: «إنهم على دعوتنا لا ~~يدخرون في سبيلها مالا ولا نفسا.» # قال: «وكيف فارقت ذلك الغلام؟» يريد محمدا الأمين. # قال: «فارقته بين الكأس والطاس ms132 والجواري والغلمان.» # فقال الحسن: «إن دولته ذاهبة لا محالة، ولكن ...» # فقال بهزاد على الفور: «ولكن ذلك لا ينفعنا إلا إذا أذهبناها نحن.» # فضحك الفضل ضحك الظافر وقال: «وإنا لفاعلون إن شاء الله، إنما ينقصنا أن يستحكم الخلاف ~~بين الأخوين حتى يستنصرنا هذا على ذاك فنشترط شرطنا.» # فقال بهزاد: «لا تلبثون أن تسمعوا بذلك قريبا بفضل صاحبنا سلمان. وإلا ذهب إسلامك ~~عبثا!» # فشق هذا التصريح على الفضل؛ لأنه مع اشتهار ذلك عنه واشتراك بهزاد معه فيه، لم يكن يرضى ~~أن يقال عنه إنه أسلم رغبة في الدنيا، أو لعله بعد أن أسلم احتيالا أصبح يرى الإسلام ~~حقا. ولكنه سكت لأنه كان يريد أن يثبت قدم بهزاد في العمل معه لما أظهره من الكفاءة، ثم ~~نظر إلى أخيه الحسن كأنه يكتم أمرا يتردد في التصريح به، ففهم غرضه وابتسم ونظر إلى بهزاد ~~وبقي ساكتا، فابتدره الحسن بالكلام قائلا: «إننا نرى لك فضلا كبيرا في نصرة الفرس، ~~وسيأتي يوم تنال فيه نصيبك من الفوز.» # فقطع الفضل كلامه قائلا: «بل يناله اليوم؛ فهل نجد أكفأ منه لبوران.» يعني بوران بنت ~~الحسن بن سهل، وكانت بارعة الجمال يتحدث أهل خراسان بجمالها وتعقلها. # فلما سمع بهزاد اسمها أجفل؛ لأنه مقيد القلب، ولكنه لم يكن يستطيع رفضا. وكاد الاضطراب ~~يظهر في وجهه ولكنه تجلد وحنى رأسه شاكرا وقال: «إنها نعمة لا أستحقها، ولم أعمل عملا ~~يخولني هذا الإنعام، ونحن لا نزال في أوائل الطريق!» # فاستحسن الفضل عذره ولم يخطر له ببال أنه يتجنب الزواج ببوران وليس في كبراء خراسان واحد ~~لا يتمنى رضاها وقال: «وتكون قد تدرجت في مناصب الدولة.» # فقال بهزاد: «اعذرني يا سيدي وأعفني من المناصب؛ فأنا أخدم أمتي من طريق آخر.» ثم تحفز ~~للوقوف وقال: «وأستأذن الآن في الذهاب إلى منزلي.» قال ذلك ومشى إلى الباب وتناول الصندوق ~~وهم بالخروج، فاستوقفه الفضل قائلا: «ما هذا الصندوق؟» # قال: «إنه صندوق العقاقير يا مولاي.» # وخرج من القصر فركب فرسه وأوغل في المدينة مخترقا أزقتها الضيقة حتى ms133 بلغ إلى بعض أطرافها ~~وهو غارق في بحار التأمل، وقد ساءه ما ذكره الفضل عن بوران لعلمه بأن الفضل يعني تزويجه ~~بها، وقد فاته أنه إنما قال ذلك ترغيبا له في مناهضة العباسيين، ولو علم الفضل حقيقة بهزاد ~~لرآه أرغب أهل الفرس في مناهضتهم. # فهاجت أشجانه، وتذكر ميمونة وكيف تركها في بغداد والعداء لا يلبث أن يستحكم بين الأخوين ~~وتنشب الحرب بين البلدين، ولكنه اطمأن لإقامتها بقصر المأمون. وأنسته هذه الهواجس طريقه ~~فانتبه فإذا به قد جاوز المكان الذي يقصد إليه، فدار حتى أتى زقاقا انتهى منه إلى باب ترجل ~~عنده، ووقف والصندوق بيده وقرع الباب قرعا خاصا ولبث واقفا، ففتح الباب وخرج منه عبد ~~طويل جاوز مراحل الشباب، فلما وقع نظره على بهزاد ترامى على يديه وأخذ يقبلهما ويقول: ~~«سيدي، سيدي، أنت جئت؟ لقد طال غيابك!» قال ذلك وأراد أن يأخذ الصندوق منه فأباه عليه ومشى، ~~فأدخل العبد الفرس الإسطبل وأقفل الباب وسار بين يدي بهزاد مهرولا فرحا حتى وصلا في آخر ~~الدهليز إلى فناء واسع، فتحولا من بعض جوانبه إلى غرفة في صدرها عجوز طاعنة في السن قد شاب ~~شعرها وتضنى جبينها وطال حاجباها حتى غطيا عينيها وقد تزملت بمطرف وجلست الأربعاء، فلما أطل ~~العبد عليها صاح: «مولاتي، جاء سيدي، جاء سيدي.» # فبغتت وصاحت: «جاء؟ أين هو؟» وكان بهزاد قد وصل إليها فجثا عند قدميها وقبل يدها، فرفعت ~~بصرها إليه وعانقته وضمته إلى صدرها وأخذت تقبله وهي تبكي وتقول بصوت مختنق: «أهلا بولدي ~~وحبيبي، أهلا بك. أنت جئت يا كيفر، لقد طال انتظاري يا بني وخفت أن أموت قبل أن أراك وأفي ~~بنذري.» قالت ذلك وخنقتها العبرات. # أما هو فتجلد وقال: «ما الذي يبكيك يا سيدتي؟ فلنحمد الله على اللقاء.» # فتراجعت وأمسكت عن البكاء وقالت: «إني أحمد الله حمدا كثيرا يا بني على رجوعك سالما. ~~من أين أنت آت الآن؟» قال: «من بغداد.» # قالت: «وهل وفقت إلى ما تريد؟» قال: «وفقت وجئت بما تطلبين.» # قالت وقد دهشت: «جئت ms134 برأسه؟» قال: «نعم يا سيدتي.» # قالت: «أين هو؟» فأشار إلى الصندوق وقال: «هنا.» # فمدت يدها لتتناول الصندوق وقد نشطت كأنها استعادت شبابها وقالت: «في هذا الصندوق؟ افتحه. ~~أرني رأس مولاي. أرني إياه لأتمتع برؤيته قبل انقضاء أجلى!» # فاعتدل في مجلسه، والتفت إلى العبد فانصرف من الغرفة. فلما خلا إلى العجوز أخذ يعالج ~~الصندوق حتى فتحه وأخرج جمجمة وضعها بين يديها وقد فاحت منها رائحة التراب المتعفن، فنظرت ~~إلى الجمجمة بعينين محملقتين وصاحت: «هذا هو رأس أبي مسلم. هذا هو رأس أبي. إنك أحييته يا ~~بني.» وأخذت تقبل الرأس وقد شرقت بدموعها. # أما هو فكاد يبكي معها ولكنه تجلد وقال: «وستفرحين يا سيدتي متى انتقمت له!» # قالت وقد ملكت أمرها رغم ما بدا من ارتعاش أناملها: «نعم، يجب أن تنتقم له، وأنا إنما ~~دعوتك «كيفر» رغبة في ذلك. إن اسمك يا بني معناه الانتقام. إنك ستنتقم لهذا المقتول ظلما. ~~وكيف عثرت عليه وقد بلغنا أنهم رموه في دجلة؟» # قال: «كنت أظن ذلك، ولكنني عرفت شيخا كان حاضرا مصرعه فدلني على مدفنه في المدائن ~~وأعانني على إخراجه. هذا هو رأس أبي مسلم بلا ريب، تفرسي فيه جيدا.» # فأعادت النظر إلى الرأس وعيناها تغشاهما الدموع وقالت: «نعم، هو بعينه، يدلني على ذلك ~~خفقان قلبي. وهل يخفى علي رأس أبي؟ نعم الرجل أنت يا كيفر! إنك ستنتقم له ... هل آن وقت ~~الانتقام؟» # قال: «قد آن يا سيدتي. وآن أن تقصي علي خبر نسبي وتمنحيني الوديعة التي وعدتني بأن ~~أستخدمها في الانتقام.» # قالت: «إنها حاضرة يا ولداه، تمهل قليلا. لا بد من أن أقص عليك خبرها أولا ... اجلس، ألا ~~تتناول طعاما!» # قال: «كلا يا سيدتي.» ~~••• # نهضت العجوز من مكانها منتصبة القامة كأنها في عنفوان الشباب وضغطت كتف بهزاد لتمنعه من ~~النهوض معها، ثم مشت إلى خزانة في جانب الغرفة وأخرجت من جيبها مفتاحا عالجت الخزانة به ~~حتى فتحتها وهو ينظر إليها بلهفة، فأخرجت لفافة مستطيلة من الخز ورجعت بها فوضعتها بين يدي ~~بهزاد وقعدت وقالت: ms135 «أنت تعلم أني فاطمة بنت أبي مسلم الخراساني؟» قال: «نعم.» # قالت: «ويعتقد الناس وأنت منهم أنك ربيت في حجري. لا تعرف أبويك ولا يعرفهما أحد ~~سواي.» # قال: «صدقت.» # قالت: «إن جماعة الخرمية يكرمونني لأني من دم أبي مسلم، ولكنهم لا يعلمون أنك أنت من دمه ~~أيضا.» # فصاح قائلا: «أنا من دم أبي مسلم؟ وكيف ذلك؟» # قالت وهي تبتسم: «لأنك ابني.» # قال وقد أخذته الدهشة: «ابنك؟ أنا ابنك؟» # قالت: «نعم يا ولدي. إنك حشاشة كبدي.» وضمته إلى صدرها وقبلته. # فقبل يدها وقال: «وكيف؟» # قالت: «لأني تزوجت ولا يعلم الناس أني وضعت ولدا من أبيك فيزعمون أنك غلام فقير احتضنتك ~~وربيتك.» # فاضطرب بهزاد والتبس عليه الأمر فقال: «وكيف إذن؟ كيف أنا ابنك؟» # قالت: «لا تعجب. إن أباك محرز بن إبراهيم توفاه الله وأنا فيما يقرب من سن اليأس وظننتني ~~عاقرا، ولكنني لما توفي كنت حاملا بك، وعند الوضع أخفيت خبرك حينا ثم أظهرت أني احتضنتك ~~وربيتك. ولما كبرت غرست حب جدك أبي مسلم في قلبك وسميتك «كيفر» أي الانتقام؛ لأن أولئك ~~الظالمين حرقوا قلبي بقتل جدك غدرا تلك القتلة الشنعاء. وما زلت منذ تزوجت وأنا أعد نفسي ~~بولد أكرس حياته للانتقام لأبي؛ إذ إنه لم يخلف ابنا ينتقم له، وطال انتظاري كما سمعت، ثم ~~جئت أنت فنذرتك لهذا الغرض، وقد حفظت من أثر جدك خنجرا لم يخنه قط، وكان النصر مصباحا له ~~طالما تقلده.» قالت ذلك وحلت اللفافة وأخرجت منها خنجرا استلته فلمع فرنده كالبرق، ودفعته ~~إليه وقالت: «انتقم لأبي مسلم بهذا الخنجر.» # فتناول بهزاد الخنجر وقلبه بين يديه ثم قبله وأغمده وخبأه في جيبه وقال وهو يحسب نفسه في ~~منام: «إني إذن حفيد أبي مسلم الخراساني. قد كنت أسعى للانتقام منه متأثرا بما ربيتني ~~عليه، أما الآن فأنتقم له لأنه جدي!» ولما قال ذلك أبرقت عيناه وثارت الحمية في رأسه وتذكر ~~ميمونة، كما تذكر رأسا آخر فمد يده إلى الصندوق وهو يقول: «وهنا رأس آخر نحن ناقمون على ~~قاتله.» وأخرج يده ms136 وهو قابض على ذلك الرأس من شعرات في ناصيته يبس الدم عليها وقد جف جلد ~~الوجه واسود والتصق بالعظم حتى يحسبه الناظر إليه عظما أسود. # فنظرت فاطمة إلى ذلك الرأس فلم تعرفه فقالت: «رأس من هذا؟» # قال: «تفرسي فيه. ألم تعرفيه؟» # فتفرست فيه وقالت: «لا، لم أعرفه.» # قال: «رأس جعفر القتيل الثاني.» # فصاحت: «رأس جعفر؟ جعفر بن يحيى؟» # قال: «نعم يا أماه، إنه رأس جعفر المقتول غدرا.» وحدثته نفسه أن يبوح لأمه بحبه لميمونة، ~~ثم أطرق وهو يراجع في ذهنه ما سمعه من الغرائب في تلك الساعة. # قالت: «وكيف عثرت عليه يا بني؟» # قال: «ألم تعلمي أن الرشيد غدر به وقتله ولم يكتف بقتله، بل قطع بدنه قطعتين نصب كلا ~~منهما على جسر من جسور بغداد ونصب الرأس على جسر ثالث. معرضة للحر والبرد والشمس والمطر ~~سنتين حتى سافر الرشيد إلى الري، وعند رجوعه عزم على الإقامة بالرقة فمر ببغداد وأمر أن ~~تنزل جثة جعفر وتحرق وكنت أثناء نصب الجثة قد وكلت إلى سلمان أن يسعى في الحصول على الرأس ~~فلما أنزلوا الجثة احتال على الموكل بالإحراق وأخذ منه الرأس، فحفظته في هذا الصندوق حتى ~~جمعت إليه رأس جدي.» # فأعجبت فاطمة بما أتاه ولدها، فقبلته وقالت: «ضع هذين الرأسين في الصندوق، وضع الخنجر ~~معهما، حتى يأتي وقت تجريده فتتقلده وأنت فائز بإذن الله. ولكن اكتم ما ذكرته لك عن كل ~~إنسان، وسيأتي يوم تتقلد فيه هذا الخنجر وتقتل به عدوك، تقتل به بعض أبناء قاتل جدك، ولكن ~~احذر يا بني أن تظهر للملأ ما تعمله، فإذا دعيت إلى الحرب فلا تكن قائدا أو أميرا.» # فقال: «ذلك ما عزمت عليه؛ فإنه لا أرب لي إلا في الانتقام.» # فتنهدت وقالت: «هل أرى ذلك اليوم وأشفي غليلي؟» # قال: «أرجو أن تريه وتفرحي بي.» # قالت: «وستجتمع بالخرمية؛ فكن لديهم على ما يحبون؛ فهم يعدونك زعيمهم لأنك ربيبي، فابق ~~معهم على هذه الحال لئلا يفسد عليك تدبيرك.» # وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب وأعد الطعام ms137 فنهضا وأكلا. وبات بهزاد (أو كيفر) ليله وقد ~~أحس بنشاط جديد كأن روح أبي مسلم دبت فيه ، وتذكر ما يعلمه عن حال الخلافة في بغداد وضعف ~~أمرها، فتوقع أن تسنح الفرصة للانتقام عندما يخلع الأمين أخاه، وكان واثقا من ذلك وعالما ~~بما دبره سلمان في هذا الشأن. # ونهض في اليوم التالي فسار إلى حيث اجتمع ببعض كبار الخرمية في خلوتهم السرية؛ فشجعهم ~~وأبلغهم ما شاهده من استعداد أنصارهم في بغداد لنصرتهم بما يملكون، وتباحثوا في تدبير ~~الأمور والتربص ريثما يأتي الوقت للانتقام. وكان ينتظر ما يأتيه من أخبار سلمان ببغداد. # قضى في ذلك أياما دون أن يجتمع بالفضل، ثم أصبح ذات يوم فإذا بهجان جاءه بكتاب خبأه في ~~نعاله حذرا من أن يراه أحد، فتناول الكتاب وعلم من خاتمه أنه من سلمان، ففضه وقرأه فإذا ~~فيه: # من سلمان خادم الخرمية إلى رئيسهم ومقدامهم بهزاد # أما بعد، فقد علمت ما نحن ساعون فيه وقد وفقت إلى ذلك بالأمس؛ فإن الفضل بن الربيع ~~لما قدم من العراق بعد أن نكث بعهد المأمون، أصبح خائفا على نفسه منه إذا ولي ~~الخلافة، وراح يعمل على تجنب هذا الخطر، وقد حثه رئيس المنجمين على إغراء الخليفة ~~بخلع أخيه من ولاية العهد ليختص بها موسى بن الأمين، وشاور الأمين في ذلك ابن ~~ماهان، وهو كثير الثقة بهذا الشيخ المغرور، فأشار عليه بالمبادرة إلى تنفيذه، فقبل ~~مشورته، وجعله شيخ الدعوة ونائب الدولة، ولا يبعد أن يوليه قيادة الجيش، ولئن نشبت ~~الحرب لتكونن قيادته شؤما على الخليفة، فابن ماهان مغرور لا ينفع. وقد علمت هذا ~~الصباح أن الأمين كتب إلى عماله بالدعاء لابنه موسى بالإمارة، وأظنه يبعث إلى ~~المأمون في خراسان يطلب إليه أن يخلع نفسه. فافعلوا ما ترونه، ونحن هنا في خير، ~~والسلام. # فلما أتى على آخر الكتاب انشرح صدره وشعر أنه تقدم خطوة كبرى نحو الغرض المطلوب، وكان ~~وقتئذ في منزل أمه، فأطلعها على الكتاب فاستبشرت وقالت: «قد دنا الوقت يا بني ولا أظن الفضل ~~بن ms138 سهل يجهل ما يجب عليه في مثل هذه الحال، وإذا جهله فهل تجهله أنت أيضا؟» # قال: «أرشديني برأيك يا أماه.» # قالت: «إذا استفحل الأمر بين الأخوين فعلى الفرس أن ينصروا المأمون فينصرهم ويرعى حقهم، ~~ولكنهم إذا أرادوا بعد ذلك أن يتخلصوا من المأمون، ليستأثروا بالسلطان لأنفسهم بلا خلافة، ~~فلا شك في أن سعيهم يذهب عبثا؛ لأن العامة لا يحكمون إلا بالدين.» # قال: «ولكن معنا خليفة هو المأمون نحكم الناس به.» # قالت: «وهل يخلد المأمون؟ إنه إذا مات انتقل الأمر إلى بعض أهله، وقد يكون خليفته راضيا ~~عنا وقد يكون ناقما علينا، كما كان الرشيد، فينتقم منا شر انتقام!» # فوقع قولها من نفسه موقعا عظيما، وأعجب بدهائها وتذكر ما دار بينه وبين كبار الخرمية ~~ليلة الإيوان في المدائن وقال: «وما الرأي إذن؟» # قالت: «الرأي أن تهيئوا منذ الآن مستقبلا ثابتا لأعقابكم. فإذا لم يكن بد من وجود خليفة ~~عربي، فالعلويون أقرب مودة لنا من سائر العرب؛ فاشترطوا على المأمون إذا نصرتموه أن يجعل ~~الخلافة بعده لبعض العلويين (الشيعة) فيتم لكم ما تريدون. فاعرض هذا الرأي على الفضل بن ~~سهل، وانظر ماذا يرى.» # فلما سمع نصيحتها هم بيدها فقبلها، واستأذنها في الذهاب إلى الفضل ليطلعه على كتاب سلمان ~~ويباحثه في الأمر. ثم خرج وتوجه إلى القصر فبلغه عند الضحى، ودخل دون أن يعترضه الحاجب ~~لعلمه بمنزلته عند مولاه، فمر في الحديقة وسار توا إلى مجلس الفضل وأخيه وكانا يقيمان ~~معا بذلك القصر فرأى في طريقه قبة وسط الحديقة، يقف ببابها غلام، فأيقن أن الفضل جالس ~~تحتها، واتجه إليها محاولا الدخول، فإذا بفتاة خارجة منها في غير كلفة؛ لأنه لا تعلم بوجود ~~أحد غريب هناك، فوقف بهزاد ذاهلا ووقع نظرها عليه فأجفلت وبدت البغتة في محياها وتوردت ~~وجنتاها خجلا، ووقفت لحظة كأنها صنم لا يتحرك، وارتبكت في أمرها لا تدري؛ أترجع إلى القبة ~~وفي رجوعها ضعف؟ أو تقابل القادم وتحييه؟ # وكانت بملابس البيت، وعلى رأسها نقاب خفيف إذا أسدلته على وجهها لم يغط ms139 إلا بعضه، فلما ~~وقع نظر بهزاد عليها أعجب برونق جمالها وإشراق محياها وبريق عينيها بما يتجلى فيهما من ~~الذكاء والحياء؛ فخجل لما سببه لها عفوا من الانزعاج، وابتدرها قائلا: «العفو يا مولاتي، ~~أظنني أزعجتك؟ وإنني أريد مولانا الفضل وقد حسبته في هذه القبة على عادته.» # فقالت وهي تنظر إليه نظر السذاجة وصفاء النية: «إن عمي الفضل خرج مع أبي هذا الصباح ~~للاجتماع بالمأمون، وليس في قدومك أي إزعاج، وإذا صدق ظني فأنت صديقهما بهزاد!» وسكتت كأنها ~~تنتظر جوابه فابتدرها قائلا: «نعم يا سيدتي، يسمونني بهزاد.» # فقالت: «إن والدي وعمي معجبان بك، ولو كانا هنا لفرحا بقدومك. اجلس إذا شئت.» # فأعجب بهزاد بظرف الفتاة وذكائها على صغر سنها، وعلم أنها بوران بنت الحسن بن سهل، وتذكر ~~تلميح عمها في شأنها فرأى أنها جديرة بأفضل الرجال، ولو لم يكن قلبه مشغولا لكانت نصيبا ~~حسنا. فأجابها بقوله: «أشكرك يا سيدتي على تلطفك، وكنت أود البقاء هنا ولكني أراني مضطرا ~~إلى الذهاب إلى مجلس المأمون أيضا.» قال ذلك وتحول يطلب قصر المأمون، وهو قصر الإمارة؛ لأن ~~المأمون كان يومئذ أميرا على خراسان. # | المأمون # كان المأمون في خراسان حينما مات أبوه الرشيد، فلما بلغه ما فعله الفضل بن الربيع من نقض ~~بيعته والعودة بالأموال من طوس إلى بغداد، جمع أصحابه من الفرس في مرو - وكبيرهم يومئذ ~~الفضل بن سهل - واستشارهم، فأشار أكثرهم عليه بأن يدرك ابن الربيع وأصحابه «بجريدة» فيردهم. ~~ولكن الفضل بن سهل حذره من أن يترك خراسان وقال له: «إن فعلت ذلك جعلوك هدية لأخيك، والرأي ~~أن تكتب إليهم كتابا وتوجه رسولا يذكرهم بالبيعة ويسألهم الوفاء.» # فعمل المأمون برأيه ولم يجد في ذلك نفعا أول الأمر؛ فقلق وخاف العاقبة، ولكن الفضل أخذ ~~يطمئنه وقال له: «أنت نازل في أخوالك، وبيعتك في أعناقهم؛ فاصبر وأنا أضمن لك الخلافة.» ~~وأشار عليه بأن يلزم التقوى؛ لأن العامة لا تحكم بشيء حكمها بالدين. وكان المأمون عاقلا ~~حكيما لطيفا وديعا رقيق الجانب يحب العلم، وقد تفرغ له لما ms140 أقام بخراسان وفيها جماعة من ~~العلماء، فكان يقضي نهاره في مجالستهم ومباحثتهم حتى اطلع على علوم القدماء ، ولا سيما ~~الفلسفة. وكان ربعة في الرجال، أبيض جميلا، طويل اللحية خفيف الشعر، ضيق ما بين الحاجبين، ~~في خده خال أسود، وفي عينيه ذكاء ولطف اشتهر بهما حتى ضرب به المثل، وقد تربى على مذهب ~~الشيعة وأحبهم؛ لأنه شب في حجر البرامكة ثم الفضل بن سهل. # ولبث المأمون في خراسان ينتظر ما يكون من أخيه الأمين، حتى جاءه منه يوما وفد يكلفه أن ~~يبايع لموسى بن الأمين ويقدم اسمه في الخطبة، ويدعوه إلى بغداد بحجة أنه قد استوحش لبعده؛ ~~فارتاب المأمون وبعث إلى الفضل يستشيره في الأمر، فجاءه هذا إلى قصر الإمارة وخلا إليه في ~~مجلس خاص لم يحضره إلا خواص الأمراء وفي مقدمتهم أخوه الحسن. # فقال المأمون: «جاءنا من أخينا وفد يطلبون إلي أن أقدم ابنه موسى علي ويدعونني أن أذهب ~~إليه.» فقال الفضل: «أما تقديم ابنه ففيه نكث للبيعة، والله على الباغي. وأما خروجك من ~~خراسان فإن عزمت عليه فأنت صاحب الأمر، ولكنك تفقد كل أمل في الدفاع عنك. وليس هذا قولي فقط، ~~بل هو قول الخراسانيين جميعا. وهذا هشام كبير وجهاء خراسان فليسأله مولاي.» # وبعث المأمون إلى هشام، فلما جاءه واستشاره قال: «إنما بايعناك على ألا تخرج من خراسان؛ ~~فإذا خرجت منها فلا بيعة لك في أعناقنا. ومتى هممت بالمسير تعلقت بك بيميني، فإذا قطعت ~~تعلقت بيساري، فإذا قطعت تعلقت بلساني، فإذا ضربت عنقي كنت قد أديت ما علي!» # فلما سمع المأمون قوله تشجع، والتفت إلى الفضل فقال له: «ذلك ما يراه كل الخراسانيين وهم ~~أخوالك.» ثم أشار عليه بإسقاط اسم الأمين من الخطبة والطراز، وقطع البريد عنه؛ ففعل وولاه ~~الوزارة في حالي الحرب والسلم وسماه ذا الرياستين. # وفيما هم في مجلسهم دخل الغلام يستأذن لبهزاد الطبيب، فسأل المأمون عنه فقال الفضل: «هو ~~طبيب قصركم في بغداد.» فتذكره وقال: «يدخل.» # فدخل بهزاد وحيا، فأشار إليه المأمون بالجلوس فجلس، ثم سأله ms141 المأمون: «كيف فارقت بغداد؟» ~~فقال: «فارقتها وهي تندب أهل الصلاح، على أن أهل أمير المؤمنين والحمد لله في خير وعافية، ~~ولكن ...» وسكت. # فقال المأمون «ولكن ماذا؟» # قال: «ولكن لا أعلم كيف يكون حالهم بعد أن استفحل أمر أصحاب المطامع حتى نكثوا البيعة، ~~فإذا رأى أمير المؤمنين أن يستقدم أهله إليه فعل!» # فقال: «أصبت أيها الطبيب، إني فاعل ذلك إن شاء الله.» # وإنما أشار بهزاد بذلك على المأمون رغبة في استقدام ميمونة ونجاتها من أعدائها، ولم يكن ~~سلمان قد أخبره بشيء مما أصابها في بيت الأمين. # وسأله المأمون: «وكيف فارقت أم حبيبة؟» # فقال: «فارقتها بعافية وشوق إلى أبيها.» # فابتسم المأمون عند ذكر ابنته لأنه كان يحبها كثيرا ويعجب بذكائها وتعقلها على صغر سنها، ~~وتحقق أن بقاء أهل بيته في بغداد لا يخلو من الخطر فعزم على استقدامهم، فالتفت إلى الفضل ~~الجالس بجانبه وقال: «كيف ترى الطالع اليوم؟ هل يستحسن أن نرسل فيه من يحمل إلينا ~~أهلنا؟» # فأخرج الفضل من جيبه أسطرلابا صغيرا من الذهب كان لا يفارقه، وأطل من بعض نوافذ القصر ~~ونظر فيه وعاد فقال: «لا بأس بالذهاب اليوم يا سيدي، ولكن الذهاب غدا أفضل.» # فعهد المأمون إلى خادمه نوفل في السفر إلى بغداد لاستقدام أهل بيته، ثم التفت إلى الفضل ~~وسأله: «وبماذا نجيب وفد الأمين؟» # قال: «الرأي لأمير المؤمنين، وإذا أذن في إبداء رأيي فأرى أن ترد الوفد خائبا؛ فإنك بين ~~أخوالك أمنع عليه منك في بغداد بين رجاله وكلهم يداجونه ويتملقونه، كما أرى أن تلاينه وتكتب ~~إليه كتابا رقيقا لا تظهر فيه عزمك على مناوأته، بل تتلطف في استعطافه، فإن ذلك أقرب إلى ~~الدهاء في السياسة!» # فاستحسن المأمون وكتب إلى أخيه الأمين كتابا قال فيه: «أما بعد، فقد وصل إلي كتاب أمير ~~المؤمنين، وإنما أنا عامل من عماله، وعون من أعوانه، وقد أمرني الرشيد بلزوم الثغر، ولعمري ~~إن مقامي به لأعود بالفائدة على سلطان أمير المؤمنين، وأعظم غناء للمسلمين. وإن يكن في ~~شخوصي إلى بغداد ما يحقق أملي ms142 في قرب أمير المؤمنين والاغتباط بمشاهدة نعم الله عنده، فإن ~~رأى أن يقرني على عملي ويعفيني من الشخوص فعل إن شاء الله.» ودفع الكتاب إلى رئيس ~~الوفد. # ثم تحرك المأمون، فعلم أهل المجلس أن قد آن لهم أن ينصرفوا، فنهضوا وبهزاد أكثرهم رغبة في ~~القيام ليبلغ الفضل رأي أمه في البيعة لأحد العلويين على أن يجعل ذلك شرطا من شروط نصرة ~~المأمون. # فصبر بهزاد حتى رجع الفضل إلى منزله فتعقبه وطلب الخلوة به، فلما خلوا بدأ بهزاد في ~~الثناء على ما أبداه الفضل من الرأي الصائب في المجلس، ثم مد يده ودفع إليه كتاب سلمان ~~وقال: «اقرأ هذا الكتاب.» # فقرأه ولم يأت على آخره حتى غلب عليه الضحك وقال: «إذا صح ظن سلمان، وعهد الأمين بقيادة ~~جنده إلى ابن ماهان، كان ذلك غاية توفيقنا، وهذا ما كنت أتمناه وأسعى إليه؛ لأن ابن ماهان - ~~فضلا عن غروره وضعفه - تولى خراسان أيام الرشيد وأساء السيرة في أهلها وظلمهم؛ فعزله ~~الرشيد لذلك ونفر أهل هذه البلاد منه وأبغضوه، فإذا حاربوه يحاربونه وهم ناقمون عليه. وهو ~~يظن أهل خراسان يحبونه لأن بعضهم خدعه بكتب بعثوا بها إليه يعدونه إذا جاءهم بأن يستسلموا ~~إليه. وهذا ما كنت أتمناه منذ بدأ الخلاف بين الأخوين.» # فقال بهزاد: «ماذا تعني بتوفيقنا يا مولاي؟» # قال: «أعني أن ننتصر على الأمين ونخلعه ونولي المأمون مكانه.» # قال: «وما نفعنا من ذلك، أليس كلاهما عباسيا عربيا، وكلاهما ابن الرشيد قاتل جعفر ~~وحفيد المنصور قاتل أبي مسلم؟» # قال: «ولكن المأمون ابن أختنا وعلى مذهب الشيعة مثلنا، وهو صنيعتنا يعمل برأينا فيكون ~~النفوذ لنا.» # قال: «هل تضمن بقاءه على ولائنا؟ وإذا ضمنت ذلك فهل تضمن أن يكون خليفته مثله إذا توفي، ~~هل تأمن لبني العباس بعد ما ظهر من غدرهم بنا وبغيرنا غير مرة؟» # وكان الفضل يسمع مطرقا كأنه أفاق من رقاد، فلما بلغ إلى هنا رفع الفضل بصره إليه وقال: ~~«صدقت يا بهزاد، وقد فهمت مرادك، إنك أصبت كبد الحقيقة، ولا بد أن ms143 نتدارك ذلك من اليوم.» ~~وعاد إلى الإطراق وهو يحك عثنونه ثم قال: «إن الخلافة لا بد منها للسيادة، وهي لا تكون إلا ~~في آل النبي من بني هاشم. وأقربهم مودة إلينا العلويون، وبين ظهرانينا منهم اليوم علي موسى ~~الرضا من أعقاب الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو عاقل حكيم، والمأمون يحبه ويقدمه، فأرى أن ~~نشترط على المأمون من الآن أن يجعله ولي عهده فتنتقل الخلافة بعد موت المأمون من العباسيين ~~إلى العلويين.» قال ذلك وأشرق وجهه فقال بهزاد: «إنه الرأي الصواب يا سيدي، ونهض للخروج ~~فقال له الفضل: «إذا أتتك رسالة مثل هذه من سلمان فأطلعني عليها.» # ورجع بهزاد إلى منزل أمه وما زال قلقا على ميمونة. ولبث ينتظر وصول أهل المأمون بفارغ ~~الصبر، لاعتقاده أنها ستكون معهم. ~~••• # دخلت سنة 195ه وفيها جاهر الأمين بخلع أخيه، وأسقط نقودا كان قد ضربها المأمون بخراسان ~~باسمه وليس عليها اسم الأمين، وأمر فدعي لابنه موسى على المنابر، ولقبه بالناطق بالحق، وقطع ~~ذكر المأمون وبايع لابنه الآخر عبد الله، ولقبه بالقائم بالحق. # فاستشار المأمون الفضل في أمر التجنيد، فاغتنم الفضل الفرصة واشترط عليه مبايعة «علي ~~الرضا» - زعيم الشيعة في خراسان بعده - فعظم ذلك على المأمون ولكنه لم ير بدا من أن ~~يطاوعه؛ فوعده إن هو نجح في حربه وفاز على أخيه ونال الخلافة بأن يبايع لعلي الرضا بولاية ~~العهد؛ فأخذ الفضل - ذو الرياستين - في التأهب للحرب والتجنيد، وأعد جندا بقيادة طاهر بن ~~الحسين - ذي اليمينين - وأنفذه إلى «الري» لملاقاة جند الأمين إذا جاءوا قاصدين خراسان. ~~وكان طاهر قائدا باسلا على صغر سنه إذا قيست بسن ابن ماهان. # أما بهزاد فقد كان يترقب رجوع أهل المأمون أو خبرا من سلمان. وعرض عليه الفضل أن يتولى ~~قيادة الجند فأبى، ثم جاءه كتاب من سلمان قال فيه: # لقد صدق ظني ونجح سعيي وتقلد ابن ماهان رياسة الجند الخارج لقتالكم، وكتابي هذا ~~إليك وهو يغادر بغداد وقد شيعه الأمين نفسه. وذكر مشايخ بغداد أنهم لم يروا عسكرا ms144 ~~أكثر رجالا وأوفر كراعا وأتم عدة وسلاحا من عسكره، وهو يعتقد أن أهل خراسان ~~يحبونه وقد أتته كتب يعدونه فيها بالطاعة إذا جاءهم. ولما علم أن طاهر بن الحسين ~~ولي قيادة جند المأمون استخف به وقال: «إنما طاهر شوكة من أغصاني، وما مثل طاهر ~~يتولى الجيوش.» ثم قال لأصحابه: «ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح ~~العاصفة إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، فإن السخال لا تقوى على النطاح، والبغال ~~لا صبر لها على لقاء الأسد، وإن أقام تعرض لحد السيف وأسنة الرماح. وإذا قاربنا ~~الري ودنونا منهم فت ذلك في أعضادهم.» وقد أقطعه الأمين بعد أن ولاه إمرة الجند كور ~~الجبل كلها، وولاه جزيتها وخراجها، وأعطاه الأموال وحكمه في الخزائن، وجهز معه ~~خمسين ألف فارس. وكتب إلى أبي دلف العجلي وهلال الحضرمي بالانضمام إليه، وأمده ~~بالأموال والرجال شيئا بعد شيء. وقد خرج ابن ماهان بحملته من هنا والناس يتوهمون ~~أنه ظافر لا محالة لكبر سنه. ولما ذهب لوداع زبيدة أم الأمين على العادة المتبعة ~~أوصته بأن يرفق بالمأمون إذا قبض عليه فقالت له: «إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي، ~~وإليه انتهت شفقتي، فإني على عبد الله المأمون لمتعطفة، مشفقة مما يحدث له من مكروه ~~وأذى، وإنما ابني ملك نافسه أخوه في سلطانه الكريم فاضطر إلى أن يأكل لحمه، فاعرف ~~لعبد الله حق ولادته وأخوته، ولا تجبهه بالكلام فإنك لست بنظيره، ولا تقتسره اقتسار ~~العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غل، ولا تمنع عنه جارية ولا خادما، ولا تعنف عليه في ~~السير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه، وإن شتمك فاحمل منه.» ثم ~~دفعت إليه قيدا من فضة وقالت: «إن صار إليك فقيده بهذا القيد.» فوعدها بذلك، وأوصاه ~~الأمين أيضا بمثل هذه الوصية. وقد علمت أن مولانا المأمون بعث في استقدام أهل بيته ~~إليه ولا يلبثون أن يصلوا إليكم، وأنت تتوقع أن ترى ميمونة معهم فلا يشق عليك ألا ~~تراها فإنها باقية هنا، ولم أخبرك بذلك ms145 من قبل حتى لا تقلق. وأما الآن فلا سبيل إلى ~~كتمان ذلك عنك؛ لأنك ستعلمه من دنانير أو غيرها؛ فهي مقيمة ببيت الخليفة ولا خوف ~~عليها؛ ولهذا قصة طويلة ستقصها عليك دنانير، فلا يزعجك ذلك ما دمت في منصبي حريصا ~~على سلامتها، والسلام. # فلما قرأ بهزاد الكتاب، اسودت الدنيا في عينيه رغم ما حواه من الأخبار المبشرة بالنجاح؛ ~~لما جاش في صدره من الغيرة على ميمونة، ونقم على سلمان كتمان أمرها عنه. ووقع في حيرة لا ~~يدري أيخرج من «مرو الشاهجان» لملاقاة ابن ماهان في الري؟ أم يمكث حتى تأتي دنانير فيسمع ~~منها خبر ميمونة، فغلب عليه هواه - والمحب مغلوب على أمره - ومكث ينتظر مجيء أهل المأمون ~~ليطمئن على ميمونة قبل خروجه للقتال، وعلمت أمه بذهاب الجند إلى الري وعجبت لبقائه عندها ~~فقالت له: «إن الخنجر في الصندوق، فمتى أنت ذاهب؟» # فخجل وتناول الصندوق وقال: «إني ذاهب الساعة وقد جئت لوداعك.» # فكشفت عن صدرها وولت وجهها شطر السماء وبسطت ذراعيها وقالت: «إن الله عونك على القوم ~~الظالمين الذين قتلوا جدك غدرا وسلبونا حقنا وحرمونا ثمار تعبنا.» ونهضت وضمته إلى صدرها ~~وقبلت عنقه، وطال عناقها له وأحس بدموعها تنحدر على عنقه فأثر فيه ذلك كثيرا وكاد يبكي ~~معها، ولكنه تجلد وقال: «لماذا تبكين يا أماه؟» # فرفعت رأسها وقد تكسرت أهدابها من البكاء وبان الحزن والكآبة في وجهها وقالت: «أبكي يا ~~ولدي لأني لا أدري أأراك ثانية أم لا؟» # قال: «أرجو أن أعود سالما ظافرا وأراك في صحة وعافية وتفرحي بما أصبناه من الانتقام ~~لجدي.» # قال ذلك وقبل يديها، ثم تناول الصندوق فأخرج الخنجر منه فتقلده، ولبس ثياب السفر والتف ~~بالعباءة فوق القباء والسراويل، وتلثم بالكوفية فوق القلنسوة، وجيء إليه بفرسه فركبه وأراد ~~أن يأخذ الصندوق معه فأمسكت به أمه وقالت: «دع هذا الصندوق هنا وفيه رأسان عزيزان، فإما أن ~~تشفعهما برأس أو أكثر من رءوس أعدائنا قتلة جدك، وإما أن يبقى الرأسان هنا فنستأنف البكاء ~~حتى نموت.» # فأثر قولها في نفسه ms146 وقال: «بل أرجو ألا تستأنفوا البكاء يا أماه.» وترك الصندوق عندها، ~~وحول شكيمة جواده ومضى. ولم يسر إلا قليلا حتى انتبه لنفسه ورأى أنه سيق إلى ذلك الرحيل ~~خجلا من أمه بينما قلبه لا يطاوعه على ترك مرو قبل مشاهدة دنانير واستطلاع حال ميمونة، ~~ونقم على سلمان لأنه لم يبسط خبرها في كتابه. وما زال سائرا في أسواق مرو والجواد دليله ~~حتى خرج من المدينة، فلما صار خارجها أخذ يعلل نفسه بملاقاة أهل بيت المأمون قادمين ~~بقافلتهم في طريقه. # وقضى في ذلك أياما، وكلما رأى قافلة أو جماعة أو فارسا ظن أهل بيت المأمون قادمين، حتى ~~صار على بضع مراحل من مدينة الري حيث يقيم عسكر طاهر بن الحسين. # وأصبح ذات يوم فرأى قافلة عرف عن بعد أنها تحمل نساء من أهل البيوتات، لما فيها من ~~الهوادج وأحمال الثياب والخيام، وما في خدمتها من الغلمان والعبيد، فدنا منها وسأل مقدمها ~~فأخبره أنها تحمل بعض أهل المأمون. فطلب مشاهدة دنانير فأخذوه إليها. فلما رأته أمرت القوم ~~بإناخة الأحمال قليلا فأناخوها، وقصت على بهزاد خبر ميمونة كما وقع منذ جاءها الشاكري إلى ~~أن عادت هي وزينب من عند الأمين دونها. فقال «وماذا جرى لها بعد ذاك؟» فقالت: «لا بأس عليها ~~في بيت الخليفة، فقد وعد مولاتي أم حبيبة بألا يمسها ضر، وسلمان خادمك حريص على راحتها.» ~~فقال: «وهل تعلمين أين سلمان؟» # قالت: «لا أدري من أمر هذا الرجل شيئا؛ فهو يغيب أشهرا ثم يظهر بغتة، وقد رأيته قبل ~~سفرنا وأوصاني بأن أطمئنك على ميمونة، ولعله كتب إليك فوصل كتابه قبلنا؛ لأن الكتاب يرسل ~~على هجين ونحن نسير بالأحمال والأثقال.» # فقال: «وهل رأيتم جنود الأمين؟» # قالت: «رأيناها ورافقناها في معظم الطريق.» # قال: «وأين هي الآن؟» # قالت: «على عشرة فراسخ من الري، وبلغني أن قائدها ابن ماهان مغرور بقوته معتز بكثرة جنده، ~~وإذا كان ما بلغني صحيحا كان طاهر في خطر.» # قال: «وما ذلك؟» # قالت: «بلغني أن جند ابن ماهان يزيد على خمسين ألف ms147 مقاتل، بينما لا يزيد جند طاهر على ~~أربعة آلاف.» # فأطرق بهزاد ثم قال: «ليست الغلبة للكثرة وإنما هي للشجاعة والصبر.» # قالت: «مع أن الغلبة للشجاعة، ولكن كيف يقف أربعة آلاف في وجه خمسين ألفا؟ وعلمت أيضا أن ~~طاهرا خرج بجنده القليل من مدينة الري وعسكر على خمسة فراسخ منها، ولو بقي في المدينة لكان ~~له في حصونها ما يعصمه من الهزيمة.» # قال: «قد أحسن ابن الحسين؛ لأنه يخاف أهل الري إذا انهزم مثل خوفه جنود الأمين، وإذا أحسن ~~الرأي بادر إلى الحرب قبل أن تعرف قلة جنده.» # فقالت: «يلوح لي أنه عازم على ذلك، وكنت أحسب عمله خطأ فلم أصدق الخبر؛ وذلك أن بعض ~~أصحابه قال له: «إن جندك القليل قد هابوا هذا الجيش الكثير، فلو أخرت القتال إلى أن يعجم أصحابك ~~عودهم، ويعرفوا وجه المأخذ من قتالهم.» فقال: «إني لا أوتى من قلة تجربة وحزم. إن أصحابي قليل ~~والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم، فإن أخرت القتال اطلعوا على قلتنا واستمالوا من معي برغبة ~~ورهبة فيخذلني أهل الصبر والحفاظ، ولكني ألف الرجال بالرجال وأقحم الخيل على الخيل وأعتمد ~~على الطاعة والوفاء وأصبر صبر محتسب للخير حريص على الفوز بالشهادة، فإن نصرنا الله فذلك ~~الذي نريده ونرجوه، وإن تكن الأخرى فلست بأول من قاتل وقتل، وما عند الله أجزل وأفضل ...» # فأعجب بهزاد ببسالة طاهر وحزمه وأحب أن ينهي الحديث فقال: «كنت أود لولا العجلة أن أرى ~~أم حبيبة فأهديها سلامي.» وودعها ومضى. # | ساحة الحرب # سار بهزاد على فرسه وقد التف بالعباءة وتلثم بالكوفية وتقلد الخنجر تحت العباءة بجانب ~~السيف، ومر بالري في الضحى فعلم من أحاديث القوم أن طاهرا ينوي المبادرة إلى القتال قبل أن ~~يطلع عدوه على قلة رجاله. وما لبث أن سمع قرع الطبول للحرب وقد علت الضوضاء وتصاعد الغبار، ~~فصعد إلى أكمة أشرف منها على سهل، فرأى الجيشان يتأهبان للقتال والفرق بينهما كبير، فأوجس ~~خيفة على جند طاهر، وصمم على ألا يبرح المكان حتى يرى النصر لجند المأمون ms148 ولو كلفه ذلك ~~حياته. # وكان ابن ماهان قد عبأ جنده ميمنة وميسرة وقلبا، وعبأ عشر رايات مع كل راية مائة رجل، وقدمها ~~راية راية، وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وأمر أمراءها إذا قاتلت الراية الأولى وطال قتالها ~~أن يتقدموا برايتهم ليحلوا محلها حتى تستريح. ثم وقف بنفسه يشرف على القتال. # أما طاهر فإنه عبأ أصحابه كراديس، كل كردوس كتيبة بصفوفها، وجعل كردوسه في الوسط، ومشى ~~بجنده على هذا النظام وهو يحرضهم على الثبات والصبر. ولحظ بهزاد أن جماعة من رجال طاهر فروا ~~إلى ابن ماهان فشق ذلك عليه، ولكنه ما لبث أن علم أن ابن ماهان - بدلا من أن يكرم أولئك ~~الفارين ليرغب غيرهم في المسير إليه - أمر بجلدهم وإهانتهم وتعذيبهم مما أغضب الباقين عليه. ~~وظل بهزاد واقفا وعيناه شائعتان وقلبه يخفق رغبة في الاشتراك في تلك المعركة ولكنه لبث ~~يترقب الفرصة السانحة. # وبينا هو هكذا إذا بطاهر بن الحسين قد خرج من جنده على فرسه حتى أشرف على جند ابن ماهان ~~وبيده رمح أشرعه، وفي رأس الرمح رق علم أنه صورة بيعة المأمون. فوقف طاهر بين الصفين وطلب ~~الأمان من ابن ماهان حتى يتكلم، فلما أمنه رفع الرمح بيده والبيعة معلقة به وقال: «ألا تتقي ~~الله عز وجل؟ إن هذه البيعة قد أخذتها أنت بنفسك؛ فاتق الله فقد بلغت باب قبرك.» # فغضب ابن ماهان لهذه الإهانة وأمر بالقبض على طاهر فلم يستطع أحد ذلك. ولم يسمع بهزاد ~~شيئا من كلام طاهر لبعده عنه ولكنه فهم فحواه. وما عتم أن رأى الجيشين يتحركان للالتحام، ~~فهجمت ميمنة ابن ماهان على ميسرة طاهر فانهزمت هذه هزيمة منكرة، وفعلت ميسرة ابن ماهان مثل ~~هذا في ميمنة طاهر فأزالوها عن مكانها؛ فخاف بهزاد وتحركت حميته وأوشك أن يسوق جواده إلى وسط ~~المعركة لينصر طاهرا، ولكنه تجلد ليرى له مدخلا نافعا. وما فتئ يستجمع الهاربين ويردهم ~~ويحرضهم على القتال وهو يجول على جواده ملثما ويخاطب الفارين بالفارسية يعيرهم بالفرار ~~ويحقر ابن ماهان ورجاله في ms149 أعينهم، فكان لكلامه وقع شديد على نفوسهم فأخذوا يرتدون إلى ~~صفوفهم. # وكان طاهر من الجهة الأخرى يحرضهم على الثبات والصبر، فاجتمعت قلوبهم وحملوا على عدوهم ~~حملة شديدة في القلب فهزموهم، وأكثروا فيهم القتل، ورجعت الرايات بعضها إلى بعض فانتقضت ~~ميمنة ابن ماهان، وكانت ميمنة طاهر وميسرته قد عادتا إلى المعركة فتشدد قلب طاهر وقوي جنده ~~كأن بهزاد بث فيهم روحا جديدة، فتقهقر جند ابن ماهان بغير انتظام. # فلما رأى ابن ماهان تقهقر جنده أخذه الرعب وخاف الفشل فنهض بنفسه، وأقبل يحرض رجاله على ~~الثبات ويعدهم بالمال ويقبح عمل طاهر ورجاله؛ فرأى بهزاد الفرصة قد آنت للعمل، وأن هذا ~~الانكسار لا يكون قاضيا إلا إذا قتل القائد الكبير، فكر بنفسه كالصاعقة ويده على خنجره لا ~~يبالي بما يتساقط حوله من النبال أو يتكسر من الحراب، حتى دنا من ابن ماهان وصاح فيه: «قف ~~أيها القائد ولا تقل إني أخذتك غدرا.» # فتحول ابن ماهان إلى بهزاد ولم يعرفه من تحت اللثام، لكنه استل سيفه وضربه فخلا بهزاد من ~~الضربة، واستل خنجره كالبرق الخاطف وطعنه في صدره فخر قتيلا، ورجع بهزاد من المعركة وقد ~~اكتفى بما فعله ولم يعد يراه أحد. وشاع في المعسكر أن ابن ماهان قتله أحد رجال طاهر بسهم، ~~ثم احتز بعضهم رأسه وحمله إلى طاهر، وشدت يداه إلى رجليه كما يفعلون بالدواب، وحمل على خشبة ~~إلى طاهر، فأمر به فألقي في بئر، وأعتق طاهر من كان عنده من غلمانه شكرا لله تعالى. وتمت ~~الهزيمة على جند الأمين ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف وتبعوهم فرسخين واقعوهم فيها اثنتي ~~عشرة مرة انهزم فيها عسكر الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال الليل بينهم وغنموا ~~غنيمة عظيمة. ونادى طاهر: «من ألقى سلاحه فهو آمن.» فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابهم ورجع ~~طاهر إلى الري وكتب إلى المأمون وذي الرياستين: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتابي إلى أمير ~~المؤمنين ورأس علي بن عيسى بن ماهان بين يدي وخاتمه في أصبعي وجنده مصرفون تحت أمري، ~~والسلام.» ms150 فورد الكتاب مع البريد في ثلاثة أيام وبينهما نحو من خمسين ومائتي فرسخ. فدخل ~~الفضل على المأمون فهنأه بالفتح، وأمر الناس فدخلوا وسلموا عليه بالخلافة، ثم وصل الرأس بعد ~~الكتاب بيومين فطيف به في خراسان. # | خلع المأمون # تركنا ميمونة في بيت الأمين ببغداد كأنها على الجمر لفرط حزنها ويأسها، ولا سيما أنها لم ~~تر سلمان ولا عرفت مقره حتى ظنته مات أو لحق بحبيبها بهزاد، وكذلك اشتد شوقها إلى جدتها ~~واستوحشت لبعدها وجهلها مكانها. فكانت تقضي نهارها وحيدة تتظاهر بانحراف صحتها أو دوار في ~~رأسها، فإذا خلت إلى نفسها أخرجت كتاب حبيبها وقبلته وكررت قراءته استئناسا بصاحبه. وكلما ~~كررت ما قاله من عبارات النقمة على العباسيين وتهديده بالانتقام يختلج قلبها في صدرها حذرا ~~من وقوع ذلك الكتاب في يد بعض أعدائها، ولكنها كانت حريصة على إخفائه لا تثق بأحد ممن حولها ~~من الجواري أو الوصائف، ما عدا فريدة قهرمانة القصر؛ لأنها من صديقات دنانير المعجبات ~~بتعقلها وحكمتها، وقد أوصتها هذه بها خيرا. على أنها مع ارتياحها لها كانت تخافها أيضا ~~على سرها؛ وذلك لعلمها بتفشي الجاسوسية، فلم تطلعها على شيء من أمر الكتاب أو أمر بهزاد الذي ~~انقطعت أخباره عنها كما انقطعت أخبار سلمان، ولم تكن تعلم أنه في القصر على قاب قوسين منها ~~ولكنه متنكر، لا يعرف أحد ممن في القصر عنه شيئا إلا أنه الملفان سعدون رئيس المنجمين! # قضت في ذلك أياما لا تدري ما يصير إليه أمرها، ولا تبالي ما تراه من اشتغال جواري القصر ~~ونسائه باللهو والضحك، أو سماع الغناء أو الضرب بالآلات، أو غير ذلك، فإذا رأتهم في مجلس ~~أنس انفردت في غرفتها وأخرجت كتاب بهزاد وأخذت تقرؤه، فإذا سمعت وقع خطوات أو صوت متكلم ~~أخفت الكتاب في جيبها. واتفق مرة أنها أحست بالوحشة وأرادت الاستئناس بذلك الكتاب فأرادت أن ~~تخرجه من جيبها فلم تجده، فأحست كأن قلبها سقط من مكانه، وأعادت البحث جيدا فلم تقف له على ~~أثر، فخافت خوفا شديدا وزادت وحشتها من ms151 الانفراد هناك. وأحست بافتقارها إلى رفيق يؤنسها ~~فلم تجد خيرا من أن تدعو جدتها إليها، فكتبت إلى دنانير بطاقة شكت فيها استيحاشها وسألتها ~~عن جدتها ثم عهدت إلى القهرمانة في توصيل البطاقة إلى دنانير في قصر المأمون، وكانت فريدة ~~تتمنى القيام لدنانير بمثل هذه الخدمة، فأسرعت في إرسال البطاقة إليها في الخفاء. # فلما وصلت البطاقة إلى دنانير، سارعت إلى أم جعفر وأطلعتها عليها فقالت هذه لها: «أرسليني ~~إليها ودعيني أمت عندها؛ فقد كنت أظنهم سيطلقون سراحها بعد أيام فإذا هي باقية إلى أجل غير ~~مسمى.» # فقالت دنانير: «هل تذهبين إليها متنكرة؟» # قالت: «أخاف إذا عرفوني أن يزيدوا في التضييق على ميمونة.» # فقالت: «أرسلك إلى صديقتي فريدة على أنك مربية ميمونة، وأوصيها بأن تقيمك معها، ولا أظنها ~~إلا فاعلة.» # فأثنت عبادة على غيرتها ولبست ثيابها وودعتها، وركبت حمارا توجهت به إلى مدينة المنصور، ~~ومعها رسول من دنانير إلى القهرمانة، فلما وصلا إلى قصر المنصور بعث الرسول بكتاب دنانير ~~إلى القهرمانة، فأدخلت عبادة القصر، ولم تخف عليها حقيقة حالها، كما أنها لم تكن تجهل أمر ~~ميمونة، لكنها تجاهلت في الحالين رغبة في إخفاء ذلك عن أهل القصر؛ لأنها كانت من جملة الذين ~~غمرتهم نعم البرامكة وأجبروا على كتمان شكرهم، ولا تسل عن سرور ميمونة بجدتها حتى أصبحت لا ~~يهمها أن يطول احتباسها هناك. ولم تجد بدا من إطلاعها على ما دار بينها وبين بهزاد وما ~~تبادلاه من عواطف المحبة حتى بلغت إلى الكتاب فأخبرتها بضياعه. ولم تكن عبادة غافلة عما بين ~~الحبيبين ولكنها كانت تتجاهل أحيانا، وقد ساءها ضياع الكتاب في القصر، وأصبحت تخاف العقبى. # أما سلمان فكان أثناء ذلك يغري الأمين بخلع أخيه، وكان يستعين على ذلك بالفضل بن الربيع ~~وابن ماهان، وظل الفضل يلح على الأمين في ذلك مدفوعا بخوفه من انتقام المأمون منه إذا أفضت ~~الخلافة إليه. وكان الأمين يتردد في الأمر إن لم يكن خوفا من العواقب فحفظا للعهد أو ~~عملا برابطة الإخاء. فلما كثر إلحاح الفضل عليه ms152 زايله التردد وبقي عليه أن يشاور أمه ~~زبيدة؛ لأنه كان يؤمن بسداد رأيها، وكانت تقيم يومئذ بقصرها «دار القرار» بقرب قصر الخلد، ~~فتردد بين أن يركب إليها وبين أن يستقدمها إليه في قصر المنصور، وظل يفكر في ذلك حينا ثم ~~غلب عليه حب اللهو فشغل بصيد السمك من بركة كبيرة في حديقة القصر فيها سمك مجلوب إليها فحمل ~~قصبه وجعل يصطاد السمك من تلك البركة وحوله جماعات من الوصفاء الخصيان بألبسة النساء، يجرون ~~بين يديه في تهيئة الصنارة أو تنفير السمك من بعض أطراف البركة إلى حيث يلقي صنارته، وبعضهم ~~يحملون شباكا وآخرون يعدون القصب أو الصنانير أو غير ذلك. وهو مشتغل بلهوه معجب بنشاطه ~~يداعب الوصفاء إظهارا لقوة عضله، فيلتقط أحدهم بيده ويرفعه حتى يلقيه في الماء، فيطري ~~الحاضرون قوته الخارقة ويعربون عن عجزهم عن الإتيان بمثل ذلك. وكان الأمين فيما يقال قوي ~~العضل بحيث يصارع الأسد فيصرعه. # وفيما هو في لهوه جاء بعض الغلمان يقول: «إن موكب مولاتنا أم أمير المؤمنين قادم.» # فسر بقدومها لرغبته في استشارتها، فأمر قيم القصر بالاستعداد لاستقبالها، وأمر قيمة القصر ~~بترتيب الوصائف والوصفاء صفوفا وفي جملتهم فرقة من الجواري المقدودات الحسان كانت أمه ~~زبيدة قد أهدتهن إليه لما رأت اشتغاله بالخدم والغلمان عن النساء، فاتخذت هؤلاء الجواري ~~وألبستهن لباس الغلمان فعممت رءوسهن وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقفية، وألبستهن القراطق ~~والمناطق فبانت قدودهن وبرزت أردافهن، وبعثت بهن إليه فاستحسنهن واجتذبن قلبه وأبرزهن للناس ~~من الخاصة والعامة، فقلده بعضهم في ذلك. فلما سمع بقدوم أمه رأى أن يسرها بإشراك هؤلاء ~~الجواري في استقبالها فأمر القيم بترتيب الغلمان صفوفا يرأسها كوثر الذي اشتهر بافتتانه ~~به، فصفت فرق الخصيان والجواري، وفرق الغلمان الجرادية، والحبشان الغرابية، وكل فرقة في زي ~~خاص وأشكال وألوان خاصة؛ فهناك القصير من الملابس والطويل، وهناك الأحمر والأزرق والسماوي ~~والوردي والأصفر. وفيهم الغلمان بألبسة النساء، والنساء بألبسة الغلمان، يتخللهم العوادون ~~وأصحاب الطنابير والمزاهر. # واصطفوا هكذا من باب القاعة إلى باب القصر الخارجي، وبين الصفوف ms153 غلمان بعضهم يحرق البخور ~~وبعضهم يحملون الأزهار وآخرون ينشدون الأشعار، ومشى الأمين بين الصفين لاستقبال أمه بباب ~~القصر ، وكانت في قبة من خشب الصندل منزلة بالفضة، والقبة قائمة على هودج يحمله بغلان عليهما ~~سرجان من الفضة، يقودهما غلمان عليهم أقبية من الديباج المزركش، وقد نقشت عليها شارة ~~الدولة لأنهم من الجند، وفاحت رائحة المسك عن بعد. # فلما وقف الهودج بباب القصر تنحى الواقفون إلا كبير الخصيان فأعان السيدة زبيدة على ~~نزولها، ثم تقدم الأمين وقبل صدرها فقبلت رأسه، ومشت بخفين مرصعين بالجوهر وعلى رأسها نقاب ~~محاك بالذهب في حاشيته صور مرصعة بالحجارة الكريمة، ويلوح من خلال النقاب عصابتها المرصعة ~~وعقود الجوهر في عنقها والقراطق في أذنيها، وعلى كتفها مطرف ذهبي اللون التفت به فغطى ~~منكبيها وجنبيها، وظهر تحته ثوبها الحريري الوردي يغطي قدميها من الخلف ولا يغطيهما من ~~الأمام لتظهر خفافها المرصعة. وهي أول من رصع الخفاف بعد الإسلام. على أن من يلقى زبيدة لا ~~يشغله لباسها الفاخر الثمين عما في محياها من الجمال الجاذب، وما يتجلى فوق ذلك من ملامح ~~السيادة ودلائل الأبهة والجلال. # ولم تطأ قدماها باب القصر حتى انتشر خبر قدومها، فبلغ عبادة فارتعدت فرائصها، وخفق قلبها، ~~وأحبت الانزواء لئلا يظهر ذلك عليها. أما ميمونة فكانت كثيرة الشوق لمشاهدة موكب أم الخليفة، ~~وقد طالما سمعت عنها وعن عظمتها فأطلت من كوى القصر الخفية فأعجبت بجمال زبيدة وجلالها. ~~••• # ظل الأمين وأمه سائرين إلى قاعة خاصة عملا بإشارتها؛ لأنها كانت تريد أن تسر إليه أمرا. ~~وقبل جلوسها جاءت المواشط فنزعن عنها بعض ما يثقلها من الألبسة، ووقف بعض الوصائف والغلمان ~~بالمراوح والمذاب بين يديها، واشتغل آخرون بإعداد الشراب والطعام، ولكنها قالت للأمين: «أحب ~~أن أراك يا محمد على انفراد، ولا أرب لي في الطعام.» # فأشار الأمين فخرج الجميع ولم يبق غيرهما، فجلست على السرير وأشارت إليه أن يجلس بجانبها، ~~فجلس وقال: «ما أسعد هذه الساعة يا أماه. كأنك جئت على موعد؛ فقد كنت هذا الصباح أهم ~~بالذهاب إليك أو ms154 استقدامك لأستشيرك في بعض الشئون، فإذا بك تفاجئينني فتفاءلت خيرا.» # فابتسمت والغضب باد في عينيها وقالت: «خيرا إن شاء الله! ولكني جئتك لأمر آخر يهمني ~~ويهمك!» # فاهتم الأمين وقال: «وما ذلك يا أماه؟» # قالت: «ألا تزال تلك الفتاة الضالة عندك؟» # فقال: «أية فتاة؟» قالت: «أعني ابنة عدونا الذي تعمد خلعك من ولاية العهد، وأغرى أباك ~~الرشيد بمبايعة ابن مراجل.» # فأدرك أنها تعني ميمونة بنت جعفر فقال: «نعم يا سيدتي، لا تزال بين جواري القصر.» # قالت: «وكيف أبقيتها ولم تخف شرها؟» # قال: «لأني وجدتها يتيمة مسكينة لا ضرر منها، وقد أوصتني ابنة أخي بها خيرا بعد أن أبيت ~~إطلاق سبيلها لأبقيها هنا اتقاء ما نخشاه منها.» # قالت: «يتيمة مسكينة؟! تبا لها من خائنة غادرة! وأغرب من ذلك أن تقبل شفاعة ابنة أخيك، ~~وأخوك أشد عداء لك من أعدائك! ألم يستعن عليك بالخراسانيين؟ وإذا أتيح له أن يخلعك عن هذا ~~العرش ألا تظنه يفعل؟ ومن أوجد هذا الغرور في نفسه، أليس هو جعفر بن يحيى أبا هذه الفتاة؟ ~~لقد كان أبوك رحمه الله أدرى منك بأقدار الرجال فقتله شر قتلة، ولو لم يبادر إلى قتله ما ~~جلست أنت هذا المجلس، فكيف تقول بعد ذلك إنها يتيمة مسكينة وإن ابنة أخيك أوصتك بها خيرا؟ ~~إن أخاك قد غلب فيه دم الفرس على دم الهاشميين فأخذ من أمه مراجل أكثر مما أخذ من أبيه ~~الرشيد؛ فتراه يستعين بأخواله علينا.» # قالت ذلك وقد حمي غضبها وامتقع لونها وذهب احمرار شفتيها وتورد وجنتيها، ووافق ذلك ما ~~يجول في خاطره من خلع أخيه فأراد أن يجعل ذلك برأيها فقال: «ألم يكن أبي قد بايع لي ولأخي ~~عبد الله بالخلافة بعهد علقه على الكعبة؟» # فقطعت كلامه وقالت وصوتها يخنقه الحنق: «لا قيمة لذلك العهد لأنه كتب بإغراء الوزير ~~الخائن رغبة في إخراج الخلافة من بني هاشم عن طريق أخيك هذا، وهل يصلح أبناء الجواري ~~للخلافة إذا وجد أبناء الأحرار؟ أيقاس ابن الجارية مراجل بابن زبيدة بنت جعفر؟ أتعلم ms155 من هي ~~مراجل وكيف اتصلت بأبيك حتى ولدت عبد الله؟» # قال: «لا.» قالت: «أنا أقص عليك خبرها. كانت مراجل من جملة جواري مثل مارية وقاربة ~~وغيرهما، فرأيت أباك مشتغلا عني بمغنية ليحيى وزيره اسمها دنانير، وصار يقضي كثيرا من وقته ~~عندها، فشكوته إلى أعمامه فأشاروا علي بأن أشغله عنها بجوار أهديهن إليه، فأهديته عشر جوار ~~منهن مراجل هذه وهي فارسية. فلما ولدت له عبد الله رباه جعفر من صغره على حب الفرس حتى جرى ~~ما نعلمه؛ فكيف يكون هذا صنوك. أما العهد الذي أشرت إلى أنه معلق في الكعبة فابعث من يأتي ~~به ومزقه لأنه كتب خداعا.» # فسري عن محمد وقال: «إذن أنت ترين أن أخلع أخي عبد الله من ولاية العهد؟» # قالت: «أولم تخلعه بعد؟ اخلعه قبل أن يخلعك.» # فاعتدل في مجلسه وقال: «قد كنت عازما على استطلاع رأيك في هذا؛ فالحمد لله على أن وافق ~~رأيك رأي الفضل.» # فقالت: «اخلعه وبايع لابنك موسى وإن كان صغيرا، فتكون الخلافة أعرق في بني هاشم؛ لأنه لم ~~يولد لبني العباس خليفة والداه هاشميان إلا أنت، فأولادك أعرق في النسب الهاشمي من سائر ~~العباسيين.» # فانبسطت سرائر الأمين وسكت وأطرق فابتدرته قائلة: «ولنعد إلى تلك الفتاة الخائنة، فما ~~أجدرك أن تقتلها وتتخلص منها.» # قال: «أقتلها؟ وأي ذنب أتت؟ وما الذي نخافه من بقائها حية؟» # قالت: «إنك غافل يا محمد عما يجري حولك، وقد شغلك اللهو عن دسائس المملقين. أما أنا ~~فساهرة على شئونك وأعلم ما يجري في قصرك. وقد تبينت أن بقاء هذه الفتاة في قصرك أشد خطرا ~~عليك من بقاء ولاية العهد لأخيك، فاقتلها!» فاستغرب الأمين تشديدها وهو لم ير في الفتاة ما ~~يوجب ذلك فقال: «لا شيء علي إذا قتلتها، ومثلها مئات بل ألوف في قصري، ولكنني وعدت أم حبيبة ~~بأن أحافظ عليها.» # فأفلت جأش زبيدة من يدها عند سماعها قوله، ونهضت وقالت: «إنك لا تزال ساذجا تجوز عليك ~~الألاعيب، وإلا لأدركت من شفاعة بنت عبد الله فيها أن هناك ما ms156 يبعث على الشك. اعلم أن ~~ميمونة هذه مخطوبة لأكبر أعداء العباسيين، وبينها وبينه مراسلة تشف عن تعمده الانتقام لأبي ~~مسلم الخراساني وجعفر بن يحيى، وهو يعد العباسيين خائنين غادرين، وإذا كنت في شك مما أقول ~~فاقرأ هذا الكتاب.» قالت ذلك وأعطته لفافة فيها كتاب بهزاد، فأخذ الأمين الكتاب وطفق يقرؤه ~~ولم يصل إلى آخره حتى ارتجفت يداه وارتعشت أنامله لما حواه من الطعن في العباسيين والنقمة ~~عليهم وتهديدهم؛ فنظر إلى أمه وكانت قد قعدت واتكأت على الوسادة وأخذ الغضب منها مأخذا ~~عظيما، فالتفتت إليه وقالت: «أرأيت هذه اليتيمة المسكينة؟ هذا خطيبها يزعم أننا غلبنا ~~بالغدر والخيانة، وأنه سينتقم لأبيها وذاهب إلى خراسان لهذا، فكيف تبقيها في قصرك وبين ~~جواريك تطلع على أحوالك ومساعيك وأسرارك؟» # فدهش الأمين لسهر أمه على شئونه وقال: «كيف وصلت إلى هذا الكتاب ومن أتاك به؟» # قالت: «أتيت به من وسط قصرك لأني ساهرة وأنت نائم!» # فأخذته العزة بالإثم وقال: «سآمر بإلقائها في قاع دجلة الساعة.» # قالت: «أتلقيها في دجلة بلا سؤال ولا جواب؟» # قال: «أليس الغرض أن نتخلص منها؟» # قالت: «ما أقل دهاءك! قبل أن تقتلها استطلعها ما تعلمه من أحوال أعدائنا؛ فلا ريب أنها ~~تعرف أسرارهم، ومتى نلت مرادك منها فاقتلها أو أغرقها كما تشاء.» # قال: «أدعوها إليك الساعة ونسألها معا؟» قالت: «افعل.» # فصفق فجاءه أحد الغلمان فقال له: «إلي بالجارية ميمونة.» # وكانت ميمونة منزوية مع جدتها في أبعد غرف القصر خوفا من أن تراهما زبيدة. وعبادة تتوسل ~~إلى الله أن ترجع زبيدة قبل أن تراها، وإذا بالغلام قد جاء يدعو ميمونة إلى أمير المؤمنين. ~~فلما سمعت عبادة قوله أسقط في يدها، وتحققت أن زبيدة أتت لتحرض ابنها على الإيقاع بها بعد ~~مقابلتها تلك؛ فندمت على ذهابها إليها. ولم تجد ميمونة بدا من الطاعة، فتبعت الغلام حتى ~~أتى القاعة، فدخل وقال: «الجارية بالباب يا مولاي.» قال: «تدخل.» # فدخلت مطرقة خجلا وركبتاها تصطكان من الخوف؛ فوقع نظرها على زبيدة وهي متكئة وقد زادها ~~الغضب هيبة ورهبة، ms157 والأمين جالس بجانبها كأنه بعض غلمانها. فوقفت وحيت فابتدرها الأمين ~~قائلا: «تقدمي يا ميمونة.» # فمشت نحوه وهي تنظر إلى الأرض وقد أخذتها الرعدة من الخوف، فمد يده وفيها الكتاب وقال: ~~«أتعلمين لمن هذا الكتاب؟» # فلما وقع نظرها على الكتاب عرفته وأيقنت بافتضاح سرها، فلم تعد يدها تطاوعها على تسلمه من ~~شدة الارتعاش، فتناولته وأناملها ترتعد فسقط من يدها فانحنت لالتقاطه عن البساط فسقطت واهنة ~~القوى ولم تعد تستطيع الوقوف وانحدرت دموعها على خديها، وحاولت أن تنظر إلى الكتاب فلم ~~تستطع وغلب عليها البكاء فتربعت عند قدمي الأمين تقبلهما وتبكي ولا تفوه بكلمة. # فصاحت زبيدة فيها قائلة: «ويلك ما يبكيك؟ أتظنين البكاء ينجيك؟ من هو بهزاد هذا؟ أليس ~~حبيبك حامل سيف النقمة على العباسيين؟» ثم رأت أنها يجب أن تحتال في كشف سرها فعمدت إلى ~~الملاينة فقالت: «لا تخافي، إنما ينجيك الصدق. قولي لنا أين حبيبك الآن؟ وما الذي تعرفينه من ~~أحوال الخراسانيين. فإذا صدقتنا القول أطلقنا سراحك وأبقينا عليك، وإلا فإنك مقتولة لا ~~محالة.» # فقالت وصوتها يتقطع من البكاء: «ثقي يا سيدتي بأني لا أعلم شيئا غير ما في هذا الكتاب، ~~وقد تفهمين من تلاوته أنني لم أكن قبله أعرف هذا الشاب، وأقسم برأس أمير المؤمنين أني لم ~~أعد أعرف شيئا عنه بعد تلاوته.» # فضحكت زبيدة مستخفة وقالت: «وتقسمين برأس أمير المؤمنين؟» # قالت: «أقسم به لأني صادقة في قسمي.» # فقال الأمين: «اصدقينا يا بنية ولا خوف عليك. وإذا لم تقولي الصدق أتينا برئيس المنجمين ~~في هذه الساعة فيكشف مكنونات صدرك؛ فإذا أطلعنا على شيء تنكرينه كان جزاؤك العذاب الأليم.» # قالت: «الأمر لأمير المؤمنين، وليس عندي غير الذي قلته.» # فصفق الأمين وأمر الغلام بأن يدعو رئيس المنجمين، فذهب الغلام، وكانت ميمونة قد وقفت ~~فأمرها الأمين بالجلوس فجلست، ولم تكن تعلم أن رئيس المنجمين هو سلمان نفسه، وكانت تظن ~~سلمان هرب أو مات لطول غيابه عنها، وبعد قليل أقبل الملفان سعدون بعمامته الكبيرة السوداء ~~وجبته الطويلة وتحتها الثوب العسلي وقد تمنطق بزنار ms158 غرس فيه الدواة، واصطنع لحية كثيفة ~~مسترسلة دب فيها الشيب تتصل من الجانبين بسالفين كثيفين، وغير ذلك من قيافة الحرانيين أهل ~~الذمة، وهي تخالف ما تعرفه عن سلمان ولو خامرها شك فيه لعرفته من عينيه وأنفه. # ودخل سعدون وحيا ووقف متأدبا وقد تأبط الكتاب وعيناه تختلسان النظر إلى أهل ذلك المجلس، ~~فرأى ميمونة وزبيدة، ووقع بصره على كتاب بهزاد بين يدي الأمين؛ فعرفه لأنه هو الذي حمله إلى ~~ميمونة، فأدرك لأول وهلة سبب استقدامه، ثم أمره الأمين بالقعود بلا حجاب أو ستر بينهما، ~~فقعد جاثيا وعيناه لا تتحولان عن الأرض، فابتدره الأمين قائلا: «دعوناك يا ملفان سعدون ~~نطلب إليك أن تستطلع سر هذه الجارية؛ فقد سألناها فأنكرت وهددناها باستطلاع سرها على يدك، ~~فاصدقنا.» # وكانت زبيدة جالسة تنظر إلى المنجم ولا تتكلم حتى ترى علمه، وكانت قليلة الإيمان ~~بالمنجمين، وإنما رضيت باستدعاء المنجم ساعتئذ إرهابا لميمونة لعلها تعترف خوفا من العقاب. ~~أما سعدون فأخرج كتابه والتمس أن يؤتى إليه بكانون فيه نار من خشب الزيتون زاعما أن المندل ~~لا يتم إلا إذا كانت النار من ذلك الخشب، فأتوه بالنار في شبه مبخرة من الفضة وضعوها على ~~طبق بين يديه، وهو ماض في القراءة والتمتمة، ثم أخرج من جيبه قطعة بخور ألقاها في النار، ~~وطلب قدحا فيه ماء فأتوه به فأخذه بيساره بين الإبهام والسبابة وتفرس في الماء حينا ثم ~~استأذن الخليفة في أن تتقدم ميمونة نحوه وتضع يدها على كتابه فتقدمت وهي ترتعد خوفا ووضعت ~~كفها على ذلك الكتاب. وتناول سعدون يدها الأخرى وقرأ أساريرها ثم رفع يدها عن الكتاب ~~وأجلسها وفتح الكتاب وقرأ همسا وهو يبتسم ابتسام الفائز ويهز رأسه، ثم نظر إلى الأمين ~~قائلا: «إن لهذه الفتاة حديثا طويلا وإن لها لشأنا.» # فضحكت زبيدة استخفافا بهذه النبوءة؛ لأنها لا تدل على معرفة، فأدرك سعدون غرضها فنظر ~~إليها وهو يتحاشى التفرس في وجهها تأدبا وقال: «لا أقول ذلك تعمية أو إبهاما، ولكنني أعني ~~أنها ليست من عامة الناس، بل من ms159 أصل عريق في الكرامة والوجاهة وإن كانت اليوم في جملة ~~الجواري.» # فقطعت زبيدة كلامه قائلة: «إذا كنت على ثقة مما تقول فأنبئنا عن حقيقة حالها بصراحة.» # قال: «وأقول ذلك أمامها؟» فقالت: «قل.» # فأعاد النظر إلى القدح ثم نظر في وجهها وقال: «إنها بنت وزير مات مقتولا.» # فلما قال ذلك اقشعر بدن الفتاة وامتقع لونها، والتفت الأمين إلى أمه لفتة ظافر فرآها لا ~~تقل دهشة عنه ولكنها تجاهلت وقالت: «ربما كنت مصيبا فيما قلته.» ومدت يدها إلى كتاب بهزاد ~~وقبضت عليه بكفها وقالت: «وما الذي بيدي؟» قال: «كتاب.» # فقهقهت وقالت: «بورك في مهارتك، إن الأطفال يعرفون ذلك. فإذا كنت رئيس المنجمين كما ~~يسمونك فقل ماذا في هذا الكتاب.» # قال: «يسوءني يا سيدتي استخفافك بعلمي، وقد يجدر بي بعد ما سمعته أن أسكت عما أعلمه، ~~ولكنني أقول لك إنك تقبضين على كتاب من نار، بل النار أخف وطأة على هذه اليد اللطيفة مما في ~~هذا الكتاب. إن بيدك كتابا من رجل فارسي إلى هذه الفتاة وفيه من نصرة الفرس والغض من مقام ~~العباسيين ما يسوءك ويسوء مولاي أمير المؤمنين. وإذا لم يقنعك هذا الإجمال فصلته تفصيلا. ~~إن هذا العلم لم يكذبني من قبل، ولا أدري إذا كان قد صدقني الآن.» # فبغتت زبيدة ولم تعد تستطيع إخفاء الإعجاب فقالت: «صدقت أيها الملفان، وإذ قد علمت ~~سر الكتاب فأعلمنا عن صاحبه أين هو الآن؟» # قال: «هو بعيد يا سيدتي. إنه في خراسان.» # قالت: «وما علاقة هذه الفتاة به؟» # قال: «إنها علاقة قريبة العهد، وإذا ادعت غير ذلك فإنها كاذبة، ولا تسأل عما حواه الكتاب ~~من كلام التهديد أو الانتقام؛ لأنها كانت خالية الذهن منه حين وصوله إليها، ثم لم تعد تعلم ~~عن صاحبه شيئا.» # وكانت ميمونة أكثر السامعين استغرابا؛ لأن الرجل قرأ ما في ضميرها، ولو أرادت هي أن ~~تترجم إحساسها لم تستطع تبيانه بأوضح من ذلك، فأشرق وجهها وبانت الطمأنينة في محياها، ونظرت ~~إلى الأمين نظر الاسترحام وظلت ساكتة. # أما زبيدة فخفت نقمتها ms160 على ميمونة ولم يخف كرهها فقالت لسعدون: «هل تعتقد أن هذه ~~الجارية بريئة؟» # قال: «هذا ما أظهره لي المندل، وعهدي به لا يكذبني. وعند أمير المؤمنين الخبر اليقين ~~عنه.» # فأشارت إلى ميمونة أن تخرج فخرجت وهي لا تصدق أنها نجت. ثم التفتت زبيدة إلى الملفان ~~سعدون وقالت: «إني واثقة من علمك أيها الملفان، ولكن قلبي لا يحدثني عنها خيرا.» # قال: «لأنك تكرهينها، ولا عجب فإن أباها أساء إليك وإلى سيدي أمير المؤمنين، وإذا رأيت أن ~~أعيد المندل في فرصة أخرى فعلت. وإذا أذن أمير المؤمنين أن أجالسها مرة أخرى على انفراد ~~زدته تفصيلا عن أحوالها.» # فقال الأمين: «لك ذلك أيها الملفان.» ونظر إلى أمه نظرة فهمت غرضه منها بينما سعدون ~~يتشاغل بجمع ما تفرق بين يديه من ورق كتابه استعدادا للخروج. فابتدرته زبيدة قائلة: «أما ~~وقد بدا لنا منك هذا العلم الواسع في استطلاع الغيب فأخبرنا عما يجول في خاطري وخاطر أمير ~~المؤمنين.» # فأدرك أن المأمون أهم ما يمكن أن يجول في خاطرهما وقتئذ فقال: «يجول في خاطركما أشياء ~~كثيرة أهمها يمس رجلا في خراسان تحذرونه ويحذركم، وقد تخافونه وهو أشد خوفا منكم.» # فوافق قوله ما في نفسها فقالت: «صدقت، وماذا ترى بعد ذلك؟» فأعاد النظر في الكتاب ~~طويلا حتى ظهر الاهتمام في جبينه وتصبب العرق منه، ثم رفع نظره إليها وقال: «لا أرى مناصا من ~~تجريد السيوف.» # قالت: «ومن يجردها؟» قال: «إنما يظفر السابق وعلم المستقبل عند الله.» # فالتفتت إلى الأمين ولسان حالها يقول: «ألم أقل لك بادر إلى خلعه قبل أن يخلعك؟» # فقال الأمين: «وقد أشار وزيرنا الفضل بخلع عبد الله، فإذا لم يذعن حملنا عليه بالجيوش، ~~فهل نغلب؟» # فتناول الكتاب ثانية وقلب عدة صفحات ثم قرأ ونظر إلى السماء من نافذة في تلك القاعة، ~~وأخرج قلما من منطقته وغطسه في المداد وكتب وحسب ثم قال: «قلت لمولاي إن علم المستقبل عند ~~الله وليس لي. ولكن يظهر لي من هذا الحساب أن الفئة التي فيها الفضل هي الغالبة ms161 بإذن الله.» # فازداد الأمين اعتقادا بضرورة الخلع، فأثنى خيرا على الملفان سعدون وأمر له بجائزة، ~~فعلم هذا أن قد آن له أن ينصرف فجمع أوراقه وأدواته واستأذن وخرج. # ثم نهضت زبيدة للذهاب، فأتتها المواشط فألبسنها ما خلعته عند وصولها. ولما ودعت ابنها ~~نصحت له بأن يأتي للإقامة بقصر الخلد قريبا منها؛ فوعدها بذلك فعادت بموكبها إلى دار ~~القرار. # وأقر الأمين بعد ذهابها خلع أخيه وتولية ابنه موسى، وبعث إلى خراسان بذلك كما تقدم. ثم ~~جند جندا أراد أن يجعل الفضل قائدا عليه. ولكن هذا رغبه في ابن ماهان ففعل، وخرج الجند ~~لمقاتلة طاهر بن الحسين في الري، وبعد إرسال الجند انتقل الأمين إلى قصر الخلد ونقل معه ~~بطانته. أما ميمونة وسعدون فأبقاهما وأمر بالاحتفاظ بهما. ~~••• # كانت ميمونة قد خرجت من حضرة الأمين وهي ترقص فرحا ودهشة حتى أتت جدتها وكانت تنتظرها ~~على مثل الجمر، فقصت عليها ما جرى وأثنت على مهارة رئيس المنجمين، فاستغربت عبادة ما سمعته ~~وقالت: «جزاه الله خيرا، إن الله سخره لإنقاذنا من هذا الخطر العظيم، ولولاه ما رضيت تلك ~~الملكة الظالمة بغير قتلنا.» # فقالت ميمونة: «وقد تخلى سلمان عنا فأرسل الله لنا من يأخذ بيدنا، إنه سبحانه لا يترك ~~المظلوم حتى ينصره.» # ومكثتا في ذلك القصر بعد انتقال الأمين إلى قصر الخلد لا يعلمان شيئا مما يجري من شئون ~~السياسة، وفقدت ميمونة تسليتها بفقدها كتاب بهزاد، ولما طال غياب سلمان عنها كادت تنساه ~~لولا ارتباط ذكره بذكر بهزاد. وكيف تنساه وهو خليفة بهزاد عليها وقد حمل إليها كتابه؟ وكانت ~~في شوق كثير لمعرفة مكان حبيبها لتطلعه على حالها لعله يسعى في إنقاذها. وأنى لها ذلك وهي ~~محبوسة بين أربعة جدران لا تسمع خبرا ولا ترى رجلا. وكانت عبادة تحاول التخفيف عنها جهد ~~طاقتها. # وفيما هما جالستان ذات يوم جاءتهما قهرمانة القصر تقول: «إن رئيس المنجمين يطلب مشاهدة ~~ميمونة.» فبغتت الفتاة وصعد الدم إلى وجهها وقالت: «ما شأننا معه؟» # قالت: «إن أمير المؤمنين أوصى بألا يؤذن لأحد ms162 في مشاهدتك غير رئيس المنجمين متى ~~شاء، ولا بأس عليك منه.» # فتحولت بغتتها إلى سرور وقالت في نفسها : «سأسأله عن سلمان أو بهزاد إذا آنست منه عطفا ~~لعله يهديني إلى مكانهما.» ثم قالت للقهرمانة: «هل يأتي إلينا أم نذهب نحن إليه؟» # قالت: «طلب أن يراك على انفراد في غرفته.» # فأجفلت وقالت: «أنفرد به في غرفته، وهو رجل غريب؟» # فقالت عبادة للقهرمانة: «هل تأذنين أن أكون أنا معها في تلك المقابلة؟» # قالت: «لا بأس.» # فنهضتا وتنقبتا، وأرسلت القهرمانة معهما غلاما أوصلهما إلى غرفة الملفان سعدون في بعض ~~أطراف القصر، وقرع الغلام باب الحجرة وأنبأ بوصول ميمونة ورجع؛ ففتح سلمان الباب وهو ~~بقيافته المعهودة ورحب بالفتاة وجدتها وأدخلهما الحجرة وأقفل الباب وراءهما. فلما وجدت ~~ميمونة نفسها في ذلك المكان استوحشت وتلفتت فلم تجد حولها إلا أدوات وأشياء لا تفهم لها ~~معنى، من أنابيب وأقداح مختلفة الأشكال والألوان، وألواح عليها رسوم وخطوط بعضها يقرأ ~~وبعضها طلاسم لا يقرأ. وكان قبل دخولهما قد نزع جبته وبقي بالإزار (القفطان) العسلي وحوله ~~الزنار وعلى رأسه عمامة صغيرة، فأشار إلى ميمونة وجدتها بالقعود على طنفسة بجانب طراحته ~~فقعدتا وهما لا تتكلمان. فقعد هو بين يديهما وخاطب ميمونة قائلا: «هل تعلمين يا ميمونة أني ~~أنقذتك من القتل؟» # فدهشت لما سمعته يذكر اسمها وقالت: «نعم يا سيدي، وإني لا أنسى لك هذا الجميل، جزاك الله ~~خيرا.» # قال: «إني لا أسألك على ذلك أجرا، وأتقدم إليك أن تصدقيني في سؤال ألقيه عليك: هل ~~تفعلين؟» # قالت: «نعم، وهل أستطيع غير ذلك وأنت تكشف مكنونات القلوب؟» # قال: «هل تحبين بهزاد كثيرا؟» # فتوردت وجنتاها فجأة، وأطرقت حياء فابتدرها قائلا: «لا ينبغي أن تستحيي مني، قولي.» # فتنهدت وظلت مطرقة ولم تجب. فأجابت عبادة عنها وقالت: «أظن رئيس المنجمين فهم ~~جوابها دون أن تنطق به؟» # فوجه خطابه إلى العجوز وقال: «وهل أنت لا تزالين تعرفين الحب ودلائله رغم ما مر بك من ~~الأهوال؟» # فلم تستغرب عبادة إشارته إلى حالها بعد ما بلغها من إعجازه في ms163 كشف الضمائر فسكتت؛ ~~فالتفت إلى ميمونة ويده على لحيته يمشطها بأنامله وقال: «قد علمت أنك تحبين بهزاد، ولكن هل هو ~~يحبك؟» # فرفعت كتفيها وهي مطرقة كأنها تقول: «لا أعلم.» # فابتدرها قائلا: «لو كان يحبك لم يتركك في هذا القصر ويذهب، وقد تبقين فيه العمر. وقد ~~دبرت لك سبيلا للنجاة، فإذا أطعتني أفلحت.» # قالت: «إني رهن أمرك يا سيدي.» # قال: «إني أعرف شابا هو خير شبان بغداد وأكبر وجيه فيهم، يحبك حبا مبرحا وأنت لا ~~تحبينه.» وتوقف عن الكلام، فأدركت أنه يشير إلى ابن الفضل، فأظهرت الاشمئزاز والتفتت إلى ~~جدتها كأنها تكلفها أن تجيب عنها، فهمت عبادة بالكلام، فقطع سعدون كلامها قائلا: «إني أعرف ~~الجواب، ولكن رفضك لا ينفعك؛ لأن الرجل صاحب النفوذ الأكبر، وإذا طلب من أمير المؤمنين دفعك ~~إليه فأجدر بك أن تقبلي راضية. وهذه نصيحتي؛ فإن بهزاد بعيد، ومن يدري فقد لا ترينه بعد.» # فضاق صدر ميمونة عند ذلك وانحبست عواطفها ولم تستطع أن تمسك عن البكاء، فنهضت عبادة وقالت ~~كمن يستغيث: «أما وقد اطلعت على سرنا وعرفت حقيقة حالنا، فأتوسل إليك أن تكون عونا لنا لا ~~علينا.» # فأشار إليها أن تقعد وقال: «ماذا تريدين؟» # قالت: «لا نصيب فينا للفتى الذي تشير إليه، وأنت تعرف السبب، والموت أيسر علينا من إجابة ~~طلبه. وإنما أتقدم إليك أن ترشدنا بعلمك إلى أمر يهمنا.» قال: «وما ذلك؟» # قالت: «أضعنا عونا كبيرا خلفه لنا بهزاد عند سفره، وهو الذي أوصل كتابه إلى ميمونة، ثم ~~لم نعد نراه ولا نعرف مكانه، فهل تكشف لنا خبره بالمندل؟» # فضحك وقال: «أظنك تبحثين عن سلمان؟» قالت: «نعم.» # قال: «إن الوزير سألني عنه أيضا.» # فقالت عبادة: «وهل هو في بغداد؟» قال: «نعم، إنه في هذا القصر.» # فبغتت ميمونة وقالت: «في هذا القصر؟» قال: «وفي هذه الغرفة.» # وأحست عبادة عند ذلك كأن غشاوة انكشفت عن عينيها وتذكرت ميمونة صوت سلمان ~~فصاحت: «سلمان؟ سلمان؟» # فقال: «لا ترفعي صوتك، نعم أنا سلمان، أنا رئيس المنجمين!» # ولم تستطع الإمساك عن الضحك ms164 وبان البشر في وجهها وخفق قلبها وأحست كأنها لقيت حبيبها ~~بهزاد لأملها في الاطلاع على أخباره، فلم تعد تعرف كيف تسأل سلمان وتستفهمه، وأرادت التكلم ~~فتلجلجت فسبقها إلى الكلام قائلا: «ستلومينني على اختفائي كل هذه المدة، ولكنني لم أختف ~~إلا رغبة في خدمتك، فلما رأيت منفعة لك في الظهور ظهرت، وأظنني أفدتك.» # فقالت عبادة: «إنك أنقذتنا من الموت، جزاك الله خيرا و...» # وقطعت ميمونة كلام جدتها فقالت: «وأين بهزاد الآن؟» # قال: «في بغداد أو حولها.» # فصاحت: «في بغداد؟ ألا يأتي إلينا؟» # قال: «وهل تظنين أن ظهوره سهل؟ إنه لا يظهر إلا إذا آن الأوان. وقد تغيرت أحوال بغداد منذ ~~وطئ ترابها؛ لأن الأحزاب السرية عادت إلى عملها بإرشاده، فكثرت العثرات في طريق هذا الغلام ~~القابض على قضيب الخلافة.» # فقالت: «بورك فيك يا سلمان، لله ما أكرم نفسك! بهزاد أتى من خراسان؟ هل رأيته؟» قال: ~~«نعم، رأيته وحادثته.» # قالت: «وأين شاهدته وكيف؟» قال: «لنا مكان نلتقي فيه لا يعرفه أحد سوانا.» # قالت وقد أشرق وجهها: «إذن هو هنا وسنراه؟ ومتى يكون ذلك؟» # قال: «لكل شيء وقت، لا تكوني لجوجة.» # قالت: «حسنا، كما تشاء، والآن ما الذي ترى أن نصنع؟» # قال: «تبقيان كما كنتما، وتكتمان ما رأيتما عن كل إنسان، حتى يأتي الوقت الموافق وأظنكما ~~تثقان بما أقوله.» # فقالت عبادة: «مضى علينا زمن لم نسمع فيه خبرا عن المأمون ولا عن الأمين ولا عن الحال ~~بينهما.» # قال: «أبشرك يا سيدتي بأن الله سينتقم لك ولنا. إن الأمين خلع أخاه المأمون من ولاية ~~العهد، فخلعه هذا أيضا، وقام الفرس لنصرة المأمون لأنهم أخواله، وجردوا جيشا بقيادة طاهر ~~بن الحسين، وجرد الأمين جيشا بقيادة ابن ماهان صاحب الشرطة، فالتقى الجيشان في الري فانتصر ~~جيش المأمون وقتل ابن ماهان وتشتت جيشه، ولما وصلت هذه الأخبار إلى الأمين وقع في حيرة وبعث ~~إلي فذهبت إليه في قصر الخلد واستشارني، فأشرت عليه بأن يرسل الفضل بن الربيع في الحملة ~~الثانية، وأنا أعلم أن الفضل لا يذهب، وجعلت ms165 نجاحه في الحرب مشروطا بإرسال الفضل وابنه، ~~فآل ذلك إلى اختفاء الفضل، ولم تفلح الحملة الثانية فضعف حال الأمين واستخف به رجال دولته ~~حتى هموا بخلعه، ولكنهم لم يستطيعوا لأن سلمان لم يكن معهم، ولو شئت لخلعوه ولكنني أردت ~~إضعافه فقط.» # فأعجبت ميمونة بدهاء سلمان، وسرت بما دبره للفضل وابنه. ثم قال سلمان: «فامكثا في قصر ~~المنصور هذا برعاية قهرمانته، وربما ذهبت أنا إلى الخليفة ومكثت في قصر الخلد أياما.» وصفق ~~فأتى غلامه فقال له: «اذهب بهما إلى القصر، وقل للقهرمانة فريدة أني أحب أن أراها.» # فمضى بهما. وهم سلمان بلبس ثيابه وأمر الغلام أن يعد له بغلته ليركب إلى قصر الخلد ويمر ~~في طريقه على القهرمانة ويوصيها بهما. ثم ركب ومر بالقهرمانة وأوصاها بأن تحتفظ بهما، ~~فأشارت مطيعة، فتحول يطلب قصر الخلد والغلام في ركابه، والناس ينظرون إليه ويوسعون له ~~إعجابا بما اشتهر عنه من معجزات التنجيم. # وصل سلمان إلى قصر الخلد فوجد بالباب جماعة من العيارين يحرسونه بدلا من الجند، وعرفه ~~أحدهم فنهض وحياه ووسع له فدخل على بغلته إلى ردهة القصر، ولقي الهرش رئيس العيارين خارجا ~~على فرسه، فلما وقع نظر هذا على الملفان سعدون أوقف فرسه وسلم عليه. فسأله عن سبب وجود ~~رجاله بالباب بدلا من الجند فقال: «إن الجند غاضبون على أمير المؤمنين.» # قال: «لماذا؟» قال: «إن خبره يطول ولا أستطيع بسطه ونحن راكبان، ولا أظنه يخفى عليك ~~ولكنني أقول موجزا: إن طاهرا وأصحابه لما أفلحوا في وقعة الري وقتل ابن ماهان ضعفت عزائم ~~جنده وهربوا وتقدم طاهر فاستولى على أعمال الجبال، فجند الأمين حملة أخرى فعادت خائبة، ~~وضعفت سطوة الخليفة حتى حاول قواده خلعه ثم رجعوا عن ذلك، وظل طاهر يتقدم في جنده حتى ~~أتى الأهواز ثم استولى على واسط فالمدائن، ونزل أخيرا إلى صرصر وهي على مقربة منا. وكان أمير ~~المؤمنين يخرج الأموال ويفرقها في رجاله. وبلغ ذلك رجال طاهر فطمعوا في الأموال، فجاء منهم ~~جماعة إلى الأمين فأعطاهم وغلف لحاهم بالغالية وأكرمهم ms166 كثيرا؛ فغضب جنده لأنه لم يكرمهم ~~مثل هذا الإكرام فتفرقوا عنه غاضبين، فبعث إلي أن آتي برجالي لنصرته .» # فضحك سعدون وقطع كلام الهرش قائلا: «رب مصيبة أتت بنعمة، لا بد أن يكون الأمين قد ~~بذل لكم الأموال فغنمتم، وأنت تعلم أن ما يسرك يسرني وأنك أهل للعطاء أكثر من أولئك القواد ~~الخائنين ومن الوزراء؛ فهذا الفضل بن الربيع لما رأى الأمر استفحل ترك مولاه واختفى وهو سبب ~~هذا البلاء كله.» قال ذلك وودع الهرش وساق بغلته فاستوقفه الهرش قائلا: «إنك داخل على ~~الخليفة، ومتى رأيته يزول عجبك مما بلغ إليه أمرك.» # فلم يفهم سلمان قصده، فلما نزل عن بغلته عند الباب الثالث من أبواب القصر ودخل الحديقة ~~أدرك السر. # وذلك أنه سلم البغلة لغلامه ومشى في الحديقة يتوكأ على عصاه وينظر ذات اليمين وذات ~~الشمال، فلا يرى إلا غلمانا يركضون وبعضهم حفاة مكشوفو الرءوس، فأوجس خيفة من هذا المنظر. ~~وظل ماشيا في بعض طرق الحديقة حتى أشرف على بركة كبيرة في وسط الحديقة وقد تكأكأ حولها ~~الغلمان ونزع بعضهم ثيابه وغطس فيها، وآخرون واقفون يحدقون في مائها، ثم رأى الأمين نفسه ~~مقبلا كالواله وعليه ثياب المنادمة وقد ذهبت القلنسوة عن رأسه، فظن سلمان أن دسيسة كشفت في ~~القصر يراد بها قتل الأمين وأن الغلمان يفتشون عن صاحبها وتوهموا أنه نزل البركة التماسا ~~للفرار إلى دجلة؛ لأن البركة متصلة بقناة تمر من تحت السور، فإذا أغلقت الأبواب على الهارب ~~وكان يحسن السباحة استطاع الخروج من القناة إلى دجلة لا يعترضه إلا شبكة كالمصفاة منصوبة ~~عند مخترق القناة من السور لا يصعب عليه نزعها. # ثم سمع الأمين يصيح قائلا: «أين مقرطتي؟ أين ذهبت؟ من أخذها؟ يا سعيد، يا جوهر، يا كوثر، ~~يا ... تعالوا، أظنها وقعت في البركة، ابحثوا عنها، ألقوا الشباك.» # فلما سمع كلامه تذكر ما سمعه من الهرش، وعرف ما يعنيه؛ فقد كانت هذه الضجة كلها لأن ~~الأمين أضاع مقرطته، وهي سمكة كانت قد صيدت له صغيرة فقرطها حلقتين من ذهب ms167 فيهما حبتا در، ~~وكثيرا ما كان يلهو بها، فاتفق أن تفقدها في هذه الساعة فلم يجدها، وشغل أهل القصر ~~بالتفتيش عنها. فلما رأى سعدون ذلك تنحى جانبا حتى يفرغ الأمين من لهوه أو يجد مقرطته، وقال ~~في نفسه: «كيف تستقيم أمور دولة هذا شأن خليفتها؛ فلا عجب إذا فاز أخوه الساهر على أمره، ~~ومعه جند يتفانون في نصرته؟ وهذا إنما يحيط به المتملقون طمعا في رفده.» # وفيما هو كذلك رأى الأمين ينظر إليه وقد تحول مجونه وتهتكه إلى جد واهتمام، وأشار إليه أن ~~يتبعه؛ فمشى سعدون في أثره حتى اجتاز باب القصر الداخلي واتصل منه إلى دهليز ينتهي بقبة ~~يسمونها «طارمة» مصنوعة من خشب الصندل والعود، مساحتها عشر أذرع في مثلها، اتخذ لها فراشا ~~مبطنا بأنواع الحرير والديباج المنسوج بالذهب الأحمر وغير ذلك من أنواع الإبريسم، ورأى ~~رجالا وقوفا ببابها عليهم سيماء الوجاهة، وقد وسعوا للأمين عند دخوله، ومنهم: إبراهيم بن ~~المهدي عم الخليفة، وسليمان بن جعفر المنصور من شيوخ بني هاشم. فلما دخل الأمين أشار إلى ~~سعدون بالدخول وصرف الباقين، فترك سعدون عكازه ونعاله بالباب ودخل. فجلس الأمين على دكة في ~~صدر القبة وأشار إليه أن يقعد، فقعد وهو يعجب لتغير حاله. ووقع نظره على آثار لمجلس شراب ~~وغناء كان منعقدا هناك قبل مجيئه، فرأى الأقداح مبعثرة والأباريق متفرقة بين فارغ ومملوء ~~وأطباق الفاكهة مصفوفة، ورأى بين يدي الأمين قدحا من بلور يسع شرابا يزن خمسة أرطال وقد ~~قلب وانكسر. ورأى قدحين مثله بين وسادتين كان عليهما اثنان من خاصة الجلاس لعلهما سليمان بن ~~المنصور وإبراهيم بن المهدي، وهما أرفع مقاما من سائر جلاسه. # فأدرك سعدون أن الأمين كان في مجلس طرب وعلم بضياع مقرطته فأسرع للبحث عنها، ولكنه ~~استغرب انقلابه من اللهو إلى الاهتمام، فلبث ساكتا حتى يبدأ الأمين بالكلام. أما هذا فإنه أزاح ~~بقايا القدح المكسور بين يديه ونظر إلى سعدون وتنهد وقال: «لم يبق لي صديق أودعه سرى إلاك؛ ~~فرجالي تفرقوا عني ولم أجد بينهم مخلصا؛ ms168 لأنهم إنما يطلبون مالي، أما أنت فقد أعجبت بعلمك ~~واطلاعك على الخفايا فأحببت أن أستشيرك، ويسوءني أنك جئتني ورأيت اشتغالي بعبث الغلمان، ثم ~~دخلت هذا المجلس ورأيت ما فيه من آثار الندمان، على ما نحن فيه من أسباب القلق وبواعث ~~الاهتمام.» ثم تنهد تنهدا عميقا وقال: «ولكنني أفعل ذلك لأذهب ما بي من اليأس، فبعثت إلى ~~بعض أعمامي، فجاءوا إلي بالمغنيات والشراب فشربنا وسمعنا، ولم يذهب شيء مما في نفسي، بل زدت ~~يأسا وكدرا لما سمعت الجواري ينشدن من أبيات الشؤم، ولا أدري أفعلن ذلك عمدا أم اتفاقا ~~كقول إحداهن: # وهم قتلوه كي يكونوا مكانه # كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # وإني لأخشى ممن حولي وهم مثل مرازبة كسرى ليس فيهم من يهمه أمري، حتى الفضل وزيري ~~تخلى عني وتركني واختفى، وزادني تشاؤما أن إحدى المغنيات قامت لحاجة لها فعثرت بهذا القدح ~~فكسرته، وهو قدحي ما برحت أشرب به منذ أعوام لم يصبه عطب. فهل ألام إذا تطيرت؟» قال ذلك ~~وصوته يكاد يختنق. # فقال سعدون: «لا بأس عليك يا مولاي.» # فقطع الأمين كلامه قائلا: «حتى أنت لم تصدقني هذه المرة أو أن تنجيمك لم يصدق.» # قال: «وكيف ذلك؟» # قال: «أتذكر حديثك في قصر المنصور لما سألتك عن القتال بيني وبين أخي فبشرتني ~~بالنجاح؟» # فأطرق كأنه يفكر ثم قال: «لو راجع مولاي ما قلته يومئذ لتحقق صدق قولي؛ فقد قلت إن ~~العلم يدلني على أن الفئة التي فيها الفضل هي الغالبة، فهل ذهب الفضل في تلك الحملة؟» # فانتبه الأمين لذلك وقال: «نعم لم يذهب، وقد أردت أن أرسله مع الحملة الثانية فتنصل، ولما ~~ألححت عليه خاف التبعة فاختفى ولم أعد أراه ولا أعلم أين هو.» # فهز سلمان رأسه متعجبا، ثم أطرق هنيهة وهو يحك جبينه بسبابته وقال: «بل أرى المندل قد ~~صدقني أيضا؛ فإن وزير أخيك في خراسان اسمه الفضل، وهو أقوم على نصرته من قيام هذا الفضل على ~~نصرة أمير المؤمنين. إني واثق من صحة ما أعلمه، وإذا ظهر خطأ فإنما ms169 يكون في فهم ما يظهر لنا ~~من النتائج.» # فصدق الأمين قوله وزادت ثقته به وقال له: «والآن لا أخفي عليك أني قد فرغت يدي من ~~الرجال وخزانتي من الأموال، حتى ضربت ما في قصوري من آنية الذهب والفضة نقودا وأعطيتها لرجالي، ~~وبعت الآنية الثمينة وفرقتها فيهم، وجمعت ما استطعت جمعه من أموال التجار لأسترضي جندي، ولكن ~~هذا كله لم يفدني شيئا وأصبحت كما ترى.» قال ذلك وغص بريقه. ورأى سعدون دمعتين تتلألآن في ~~عينيه فلم تتحرك شفقته أو حنوه، وإن أظهر ذلك احتيالا للوصول إلى غرضه. وكان يود استفحال ~~الأمر بين الأخوين حتى لا تذهب مساعي الفرس عبثا، فأبدى أسفه لما سمعه من حال الأمين وقال: ~~«ألم تبحث عن المال في قصر أخيك، فقد علمت بمال حفظه نوفل خادم القصر من أيام مولانا ~~الرشيد؟» # فقطع الأمين كلامه قائلا: «كان عند نوفل هذا ألف ألف درهم أخذناها مع الضياع والغلات.» # فأطرق سعدون وقد سره تضعضع الأمين، ثم قال: «أنت تطلب المال لإرضاء الجند، وفي ~~بغداد جند يحارب بلا عطاء ويأخذ عطاءه مما يغنمه.» # قال: «أظنك تعني العيارين والشطار؟» # قال: «نعم، فهؤلاء يحاربون عراة وسلاحهم المقاليع ومخالي الخوص يحملون بها الحصى يرمون بها ~~الناس فتؤذيهم أكثر مما تؤذيهم السيوف والرماح. وفي بغداد اليوم من هؤلاء نحو خمسين ألفا ~~فأمر زعيمهم أن يجندهم.» # قال: «أتظنني غافلا عن ذلك؟ كان الهرش عندي الساعة وقد أمرته بإعدادهم فوعدني بأن يفعل، ~~وأظنه سيجمع من تصل إليهم يده من باعة الطريق وأهل السجون والأوباش والطرارين وأهل السوق. ~~وهؤلاء إذا قاموا خربت المدينة، ولكن ...» وسكت. # فأدرك سعدون أنه يكتم شيئا يخاف التصريح به، فظل ساكتا ينتظر ما يبدو، فعاد الأمين إلى ~~الكلام فقال: «أشار علي بعض خاصتي الباقين على ولائي بأن أخرج من بغداد بمن بقي من رجالي، ~~وهم سبعة آلاف فارس فأمر ليلا من أحد أبواب المدينة حتى آتي الجزيرة أو الشام، فيفرضون ~~الفروض ويجبون الخراج ويكون لي مملكة واسعة هناك، وأترك بغداد لأصحابها حتى يقضي الله ms170 بما ~~يشاء؛ فما رأيك؟» # فلما سمع سعدون ذلك تحقق أنه الرأي الصواب، وخاف إذا عمل الأمين به أن يعرقل مساعي ~~الفرس؛ لأن بقاء الأمين حيا في مملكة أخرى يفسد عليهم سعيهم، فقال: «هل يرى أمير المؤمنين فائدة ~~من الفرار؟ ومن أي باب يخرج بسبعة آلاف فارس وبغداد محاطة بالأعداء من كل جانب شرقا وغربا ~~وشمالا وجنوبا؛ فإذا وقع في يد أعدائه - لا قدر الله - فإنهم يستحلون منه ما لا يستحلونه ~~في حال أخرى.» # فقال الأمين: «ألا نجد لنا مخرجا من بغداد؟» # قال: «إذا شاء أمير المؤمنين صعدنا إلى إحدى المنائر العالية، وأشرفنا على بغداد وأرباضها ~~فنرى أماكن العدو رأي العين والأمر بعد ذلك له.» ~~••• # استحسن الأمين رأي سلمان، ونهض وقال: «في هذا القصر منارة عالية هلم بنا إليها.» فنهض ~~سعدون في أثره حتى صعدا المنارة وأطلا منها على بغداد وقصورها، فالتفتا أولا نحو الشرق ~~وقال سعدون: «انظر يا مولاي، هذه مضارب هرثمة بن أعين وراء دجلة؟ وهذه مضارب عبيد الله بن ~~وضاح في الشماسية ومعه جند عظيم وقد حفظ الجسر الأعظم. وجند هرثمة يحرسون طريق خراسان؛ فلا ~~سبيل إلى الفرار من هذه الجهة، وأما جهة الغرب فهذا طاهر وجنده في البستان قرب باب الأنبار ~~وكأني أراهم يقتربون بأعلامهم. أراهم دخلوا محلة الكرخ حول باب الكوفة وما يليها وسائر ~~الأرباض الغربية الجنوبية، وكادوا يحصروننا والعيارون يدفعونهم بالمقاليع، ألا ترى الحصى ~~يتطاير فوق البيوت؟» # وكان الأمين ينظر إلى ذلك وقلبه يختلج وامتقع لونه، وتحقق ضياع أمره، فلم يجب ولكنه وجه ~~نظره نحو الحربية في الشمال فرأى النار قد لعبت فيها فصاح: «ويلاه! ما هذا؟» # فقال سعدون: «أظن أوشاب السكان وأهل السجون اغتنموا فرصة اشتغال الناس بالقتال فألقوا ~~النار في البيوت ليتمكنوا من السرقة والنهب. انزل يا سيدي إلى قصرك فإنك آمن فيه وهو حصن ~~منيع.» # فنزل الأمين وسعدون وراءه حتى بلغا الدار فرأيا أهلها في هرج ومرج يركضون ذات اليمين وذات ~~الشمال كأنهم يفتشون عن ضائع، وحالما وقع بصرهم على الأمين أجفلوا ms171 وصاحوا: «هذا مولانا أمير ~~المؤمنين. هو هنا.» وما عتم أن رأى أمه زبيدة تعدو نحوه حتى ضمته إلى صدرها ودموعها تتساقط ~~وهي تقول: «ولداه، أين كنت؟ لقد بلبلت بالي لغيابك هذه الساعة. وقيل لي إنك كنت جالسا هنا ~~ثم لم يجدوك وذكروا أنك لم تخرج فطار صوابي لتغيبك في مثل هذا الوقت.» # فأثرت لهفة أمه تأثيرا شديدا في نفسه ولم يتمالك عن البكاء، ثم تجلد وأظهر رباطة الجأش ~~وقال: «وما الذي يخيفك يا أماه؟ إننا في خير إن شاء الله. وإنما كنت مع رئيس المنجمين. ما ~~الذي جاء بك الآن؟» # فأمسكت بالأمين ودخلت به غرفة ودخل سعدون في أثرهما وأقفلوا الباب وقالت: «جئت لأمر ~~مهم؛ أنت تعلم أني لا أغفل عن التفكير في أمرك، وقلبي يدلني على خطر يهددنا من يد ذلك الخراساني ~~بهزاد. وما زلت أبث العيون للبحث عنه حتى قيل لي إنه في بغداد، ولكنني لم أقف على مسكنه، ~~وبينما أنا أتوقع الوقوف عليه حلمت حلما مزعجا لا أقصه على أحد، بل أنا أريد نسيانه. على ~~أنني لم أعد أستطيع صبرا على بهزاد هذا، وإذا استطعنا القبض عليه فكأننا هزمنا نصف الجيش؛ ~~لأنه منذ وطئ هذه الديار تغيرت حالنا وقوي جند طاهر؛ وذلك لأن بهزاد زعيم كبير وله نفوذ على ~~كبار البغداديين، وقد ذكرت لك مرارا أنه رئيس عصابات سرية أعضاؤها من أكبر تجار بغداد وأهل ~~النفوذ فيها.» قالت ذلك وقعدت. # فقعد الأمين وهو يشير إلى سعدون أن يقعد، وقال لأمه: «وأين هو؟» # قالت: «لا أدرى أين هو، ولكنني سأبعث إلى هذه الفتاة أستقدمها إلي لعلها تعترف بمكانه ~~فيسهل علينا القبض عليه.» # فالتفت الأمين إلى سعدون كأنه يستطلع رأيه ثم قال: «ما لنا ولتلك الفتاة؟ هذا رئيس ~~المنجمين عندنا.» # فقالت وهي تعتدل في مجلسها على الوسادة بجانب ابنها: «أخبرنا أيها الملفان عما يدلك عليه ~~علمك عن ذلك الخراساني.» # فأخرج كتابه وقرأ فيه على عجل ووضع قطعة من البخور في فمه ومضغها قليلا ثم قال: «إنه في ~~بغداد يا ms172 سيدتي.» قالت: «هل تعرف مكانه؟» # قال: «يلوح لي أنه بين ماءين، ولكن ليس في النهر، على أن تحقيق ذلك يحتاج إلى وقت أوسع ~~وجو أصفى، أما تلك الفتاة فلا تعلم مكانه. وكيف يتأتى ذلك وهي محبوسة في قصر أمير المؤمنين ~~لا يراها أحد ولا ترى أحدا؟» # فأطرقت زبيدة هنيهة وقالت: «علمت أن ابن الفضل يهواها وهي لا تريده، ولولا اختفاء ابنه ~~لزوجته بها برغم أنفها.» وسكتت ثم قالت: «والفضل هذا خاننا عند الحاجة إليه. إنه أصل هذه ~~المصائب وهو الذي حرض محمدا على خلع أخيه والتجريد عليه. لعنه الله من خائن!» # وغصت زبيدة بريقها كأنها شعرت بالخطر المحدق بابنها، ثم استأنفت الكلام وبدا على وجهها ~~الاهتمام وقالت: «ولكنني حسنة الظن بالفضل.» وأحس الأمين بما تضمره من الخوف عليه فأحب أن ~~يصرف ذهنها عن هذا فتجلد وتكلف الابتسام وقال: «سوف يلقى الخائن جزاءه، اذهبي يا أماه إلى ~~قصرك الآن واطمئني وادعي لنا بالنصر، ولا يغرنك ما ترين من كثرة جند الأعداء فإننا غالبون ~~بإذن الله، ولنا من العيارين أكبر معين.» # فعلمت أنه يريدها أن تنصرف، فنهضت وهمت بالخروج فأحست بما يحبب إليها البقاء، ولم يطاوعها ~~قلبها على فراق ابنها كأنه أنذرها بالخطر عليه، فأرادت أن تعود إلى مقعدها فخافت أن تكدر ~~ابنها فوقفت هنيهة تتردد ثم أكبت على الأمين وقبلته في عنقه قبلات حارة، فأحس بسخونة الدمع ~~فدفعها بلطف وقبل صدرها وهو يغالب عواطفه ويخاف أن تخونه دموعه. أما هي فأسرعت في الخروج ~~وشعرت بأن قلبها خلع من صدرها وانصرفت في موكبها إلى قصرها. # وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب فقال سعدون: «هل يأمر لي مولاي بالانصراف؟» # فقال: «امكث، لا تفارقني. إني سأحتاج إليك الليلة.» # فتوقع سعدون من وراء ذلك نبأ جديدا، فنظر إلى وجه الأمين فرأى اضطرابا لم يعهده فيه من ~~قبل، فهم بالخروج إلى بعض غرف الأضياف فأشار إليه الأمين أن يمكث، ثم صفق فجاءه غلام فقال: ~~«إلي بالشراب وأنر الشموع.» فلما خرج الغلام نزع الأمين عمامته عن رأسه ms173 وزفر زفرة سمع لها ~~دوي وقال: «يلومونني على الشراب، وماذا يفعل اليائس في مثل هذه الحال؟ إن الشراب ينفس الكرب ~~ويذهب الغم حتى يقضي الله بما يشاء.» # أما سعدون فجلس متأدبا محتشما، ثم جاء الغلمان بمائدة الشراب والفاكهة وأناروا الشموع ~~الكبيرة المعروفة باسم الأمين، فصاح الأمين بالغلام قائلا: «هل عمي إبراهيم هنا؟» يريد ~~إبراهيم بن المهدي المغني. # قال: «كلا يا مولاي.» # فأشار إليه أن يملأ له قدحا، ثم أخذه وأشار إليه أن يملأ قدحا آخر وقال لسعدون: «ألا ~~تشرب يا ملفان؟» # قال: «إذا أمرني أمير المؤمنين أطعته، ولكنني لم أذقها قبل الآن والشراب لا يتفق ~~وصناعتي.» # فقال الأمين للساقي: «دعه لا تسقه؛ إننا في حاجة إلى علمه وصناعته الليلة، وإذا جاءنا رسول ~~فأوص صاحب بابنا أن يوصله إلينا حالا ولو في نصف الليل.» # فازداد سلمان رغبة في استطلاع ما يضمره الأمين، ولبث ينتظر ما يبدو منه، فشرب الأمين ~~بضعة أقداح وسري عنه، فالتفت إلى سعدون وقال: «أتدري لماذا استبقيتك هنا دون سواك؟» قال: ~~«كلا يا سيدي.» # قال: «لو أردت لكشفت سري لبعض خاصتي، ولكنني أصبحت لا أثق بأحد من أهل بطانتي بعد أن ~~تكشفوا لي عن أعداء في ثياب الأصدقاء، وما منهم إلا من يطمع في مالي، ويكفيك مثلا منهم ~~وزيري سبب هذا الخصام بيني وبين أخي؛ فإنه لما رأى اشتداد الأزمة خاف على حياته واختفى ولم ~~يبال ما يهددني، وهكذا فعل كل رجال دولتي؛ فإنهم بقوا معي حتى أنفقت أموالي وبعت جواهري ~~وآنيتي، فلما فرغت يدي تخلوا عني. وشدد الأعداء الحصار علينا فمنعوا الأقوات عنا.» وكأنه ~~خاف أن تبدو جهشة بكائه فتناول قدحا وفاكهة يتشاغل بهما، وأعطى سعدون بعض الفاكهة وهو يقول: ~~«ومن كان هذا شأنه مع رجال بطانته كيف يرجى فلاحه؟» # فاستبشر سعدون من شكواه وتحقق سقوط دولته، ولكنه تظاهر بالاستغراب وقال: «لا ييأس أمير ~~المؤمنين، إن الله ناصره فليتوكل عليه.» # فقال: «طالما خدعتني الآمال، وصدقت المتملقين أهل الفساد حتى نزغ الشيطان بيني وبين أخي، ~~فرأيت رجاله أثبت ms174 من رجالي وقواده أكفأ من قوادي ورجعت إلى رشدي، فإذا أحببت أن أصالحه لا ~~أجد من يتوسط بيني وبينه، فها أنا ذا أطلعتك على سر ضننت به على أهل دولتي. وعلى أمي.» # فقال سعدون: «إني عند ثقة مولاي.» فقال الأمين: «لا أخفي عليك أني لما فرغت يدي من ~~الرجال والمال وامتنع علي الخروج بعثت إلى هرثمة في البر الشرقي أطلب الأمان وأنا في انتظار ~~الجواب، فهل أحسنت؟» # | مقتل الأمين # أظهر سعدون الأسف للأمين، ثم رفع حاجبيه، وقال: «حسنا فعلت، وما في الأمان عار لا سيما ~~أنك ستكون في أمان أخيك، والدم لا يتغير ولا يخون، ولكن ...» وسكت. # وكان الأمين يصغي لكلام سعدون وبيده تفاحة يقشرها، فلما رآه توقف قال: «ولكن ~~ماذا؟» # قال: «لا أدري الحكمة في الاتصال بهرثمة دون طاهر، وهو صاحب الجند المحاصر لهذا الشطر من ~~بغداد.» # فتنهد الأمين ورمى التفاحة من يده وقال: «لا، لا أتصل بطاهر؛ فإني أتطير منه وأكرهه، وقد ~~رأيت في منامي كأني واقف على حائط من آجر شاهق عريض الأساس لم أر مثله في الطول والعرض، ~~وعلي سوادي ومنطقتي وسيفي، وكان طاهر عند أساس الحائط فما زال يضربه حتى سقط وسقطت ~~قلنسوتي عن رأسي فتشاءمت منه. أما هرثمة فإنه من موالينا وهو بمثابة الأب لي.» # فرقص قلب سعدون طربا لهذه البشرى وقال: «الأمر لمولانا.» # وفيما هما في الحديث جاء الغلام يقول: «إن رسول أمير المؤمنين بالباب.» # فقال الأمين: «يدخل حالا.» # فدخل الرجل متخفيا بثياب التجار، فوقف الأمين وقال له: «قل ما وراءك؟» # قال: «أأقول كل شيء؟» قال: «قل ولا تخش شيئا.» # قال: «لقيت هرثمة وعرضت عليه ما أمرتني به فقال: «السمع والطاعة.» ولكنه يرى أن يكون ~~نزول أمير المؤمنين عنده في الليلة القادمة وليس في هذه الليلة و...» # وكان الأمين مقبلا على سماع الرسول، فلما سمع قوله أشار إليه أن يقعد وقال: «وماذا بعد ~~ذلك؟ قل ولا تخف، ما الذي بعثه على تأجيل الذهاب؟» # فقعد الرجل وقال: «لأنه على ثقة من أن ذهاب أمير ms175 المؤمنين إليه يسوء طاهر بن الحسين، وهو ~~قريب من هذا القصر، وإنما شدد الحصار رجاء أن يختار أمير المؤمنين الخروج بأمانه إليه فيفتخر ~~بالفوز على يديه وله عيون مبثوثة في هذه الأطراف. وأخبرني هرثمة أنه شاهد على الشاطئ أمرا ~~رابه؛ فهو حريص على حياة أمير المؤمنين.» # فأدرك الأمين أن طاهرا يهدده فقال: «بل أذهب إلى هرثمة. ولا بد من الذهاب الليلة لأني ~~أصبحت وحيدا وقد تفرق عني الناس والموالي والحرس وغيرهم، ولا آمن أن ينتهي الخبر إلى طاهر ~~فيدخل علي فيأخذني.» # ونهض وقد بان الانقباض في محياه، وأمر فجيء إليه بثياب بيض وطيلسان أسود فلبسها واعتم ~~بعمامة خفيفة ثم أمر الغلام أن يأتيه بولديه، فوقف سعدون وسكت تهيبا واحتراما وقال ~~للأمين: «أيأمر مولاي بخدمة أقضيها، فإن نفسي فداؤه.» # قال: «لا تفارقني حتى أخرج، إني أرى وحشة.» ثم جاءوه بولديه فضمهما إليه وودعهما وبكى ~~وقال: «أستودعكما الله عز وجل.» ومسح عينيه بكمه ومشى إلى بغلة أعدوها له فركبها، وسعدون ~~واقف إلى جانبه، فأشار إليه مودعا فقبل سعدون ركابه وقال: «سر في حراسة الله.» فأوصاه ~~بأهله خيرا وخرج راكبا إلى الشاطئ، وكانت حراقة هرثمة في انتظاره هناك فنزل فيها فحول ~~ربانها الدفة نحو الشاطئ. وكان في الحراقة هرثمة نفسه وجماعة من رجاله. فلما دخل الأمين ~~قاموا له وجثا هرثمة على ركبتيه واعتذر إليه من نقرس في رجله، واحتضنه وضمه إليه وجعله في ~~حجره ليؤنسه. وكانت ليلة باردة - لأنه خرج في مساء الأحد لخمس بقين من المحرم سنة 198ه، وهي ~~توافق 28 سبتمبر سنة 863 - وأمر هرثمة النوتية أن يسرعوا في التجذيف فقد شاهد حركة على ~~الشاطئ. وإذا بزوارق لطاهر كانت راسية هناك قد أسرعت إلى حراقة هرثمة ونقبوها ورموا فيها ~~بالآجر والنشاب فدخل الماء إلى الحراقة فغرقت وسقط هرثمة والأمين إلى الماء فشق الأمين ~~ثيابه وخرج إلى الشاطئ ونجا هو وهرثمة، فأركبوا الأمين حمارا وساروا به يطلبون مخبأ وهم لا ~~يصدقون أنهم نجوا. ~~••• # كان سلمان بعد ذهاب الأمين قد جعل همه أن ms176 يقتله؛ لأن في بقائه على قيد الحياة ما يجعل ~~سبيلا إلى الصلح مع أخيه فلا يستفيد الفرس شيئا. فنزع عنه ثياب التنجيم وسبق الأمين إلى ~~الشاطئ، وأخبر رجال طاهر بأن الأمين خارج الساعة إلى حراقة هرثمة فترقبوا قدومه، ولما رأوا ~~الحراقة تتحرك أغرقوها كما تقدم، وكان سلمان معهم فنزل في جملة من نزل للبحث عن الأمين ~~فرافق الذين فروا به إلى المكان الذي خبئوه فيه ثم رجع إلى بهزاد. # وكان بهزاد منذ وصوله إلى بغداد يحرض رجال الشيعة على الأخذ بناصر إخوانهم وفيهم جماعة ~~الخرمية، ولكنه لم يظهر لطاهر، ولم يعلم طاهر به، على أنه كان يغتنم الفرص لمساعدة الجند ~~كما فعل في واقعة الري، وكان نفوذه على الخرمية ببغداد عونا كبيرا لرجال المأمون حتى ~~تضعضعت أحزاب الأمين وضعف أمره واضطر للتسليم. ولم يكن بهزاد يرى أن يأخذ الأمين أسيرا، ~~وإنما كان همه أن يلتقي به في ساحة قتال ويبارزه ويقتله بخنجره ليتم وعده لأمه فيرجع إليها ~~برأسه ظافرا غانما. وكان في أثناء إقامته ببغداد أو ضواحيها يجتمع بسلمان ويسأله عن ~~ميمونة، فيطمئنه هذا لئلا يشغله داعي الغرام عن إتمام مشروعه. وإتمام هذا المشروع يهم سلمان ~~كما يهم بهزاد، ولكن غرضه ومطمح أمله في خراسان وليس في بغداد. # قضى بهزاد مدة طويلة على هذه الحال حتى اشتد الحصار وبلغه حديث الناس عن الأمين، فتوقع ~~قرب استسلامه. وفيما هو ذات ليلة في منزل أحد الخرمية بالكرخ وقد انتصف الليل ونزع ثيابه ~~وعلق سلاحه فوق رأسه ونام، جاءه أحد الغلمان ينبئه بقدوم سلمان، فعلم أنه لا يأتيه في مثل ~~ذلك الوقت إلا لأمر مهم، فنهض وأمر بإدخاله، فدخل سلمان وعليه ثياب لا هي لرئيس المنجمين ~~ولا للخادم سلمان، ودلائل التعب بادية في وجهه، فصاح فيه: «ما وراءك يا سلمان.» # قال: «أبشر بالنصر.» # قال: «إني مستبشر به وواثق من الحصول عليه، ولكن ماذا حدث؟» # فقص عليه الحديث كله إلى أن قال: «فالأمين الآن مختبئ في بيت لبعض الناس على الجانب ~~الشرقي، وقد تركته ms177 عريان وليس عليه من الثياب إلا السراويل والعمامة وعلى كتفيه خرقة خلقة، ~~ومعه أحمد بن سلام صاحب المظالم لأنه لقيه في فراره عرضا. وسمعت الأمين يسأله عن اسمه، ~~فلما عرفه استأنس به وقال له: «ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة.» فضمه إليه وكانت عنده مبطنة ~~ألقاها عليه، ثم سمعته يقول له: «يا أحمد ما فعل أخي؟» فقال له: «هو حي.» فقال: «قبح الله ~~بريدهم، كان يقول قد مات.» وأنا واثق بعلمه أنه حي، ولكنه ما قال هذا إلا استرضاء واعتذارا. ~~فأجابه ابن سلام: «قبح الله وزراءك.» وسمعته يقول: «وما تراهم يصنعون بي، أيقتلونني أم يفون ~~لي بأمانهم؟» فقال له: «بل يفون لك.» وقد كذب فأله.» وتنحنح سلمان، فأدرك بهزاد غرضه من ذلك ~~فقال: «ماذا تعني يا سلمان؟ أترى أن ننكث عهد الأمان؟» # قال: «وهل تريد أن يبقى هذا الرجل حيا؟ فإذا حمل إلى أخيه وقع الصلح فيذهب سعينا عبثا؟ ~~لماذا حملت هذا الخنجر معك من خراسان؟ ألم تذكر أنك نذرت أن تنتقم به لأبي مسلم وجعفر؟ فكيف ~~تنتقم لهما؟ ها قد سنحت لك الفرصة والرجل في قبضة يدنا وفي قتله ختام فوزنا. أنتركه يفلت ~~منا؟» # قال بهزاد: «أنت تعلم أني أول ناقم على هذه الدولة، وقد كرست حياتي لمناهضتها ونجحت في ~~مسعاي والحمد لله. وأقصى رغبتي أن أقتل هذا الخليفة بيدي وبخنجري لأضيف رأسه إلى الرأسين ~~اللذين تركتهما في مرو. نعم أريد أن أقتله في ساحة الوغى، أقتله متقلدا سلاحه بالمبارزة ~~وليس غدرا وخلسة وهو أعزل خائف دخل في أماننا. أننكث ونحن إنما نقمنا على هذه الدولة ~~لأنها نكثت العهود وغدرت ببعض رجالنا؟ والغادر تعود عاقبة غدره عليه.» قال ذلك وبانت ~~الحماسة في عينيه. فتكدر سلمان من هذه الأريحية لأنه لم يكن يفهم مغزاها، وإنما هو رجل ماكر ~~داهية يهمه تنفيذ مآربه لا يبالي ما يعترضه ولا يهمه ما يأتيه في سبيل ذلك من أساليب الكذب ~~والمكر والغدر، لا يخاف ضميرا ولا يرعى ذماما؛ ولذلك اختاره صاحب الأمر بخراسان للعمل ms178 ~~الذي تقتضيه هذه الخصال، على خلاف بهزاد؛ فإنه رئيس شريف وكل أعماله تؤيد ما طبع عليه من ~~الأريحية وصدق اللهجة والبسالة . # فلما سمع سلمان إباءه لم يستغربه، ولكنه ندم على تكليفه ذلك وتظاهر بأنه اقتنع وقال: «صدقت ~~يا بهزاد، بورك في بطن حملك.» وتناعس فنام ونام بهزاد وهو يفكر فيما انتهت إليه هذه المهمة ~~وما عساه أن ينجم عنها. وبينا هو في رقاده في أواخر الليل إذ سمع خربشة فاستيقظ وفتح عينيه ~~فرأى شبحا واقفا بجانب فراشه وهو يتطاول إلى الحائط، فنهض والتفت ولم يذعره ذلك وقال: «من ~~هذا؟» # فرأى شيئا وقع من يد الرجل على الفراش فتوسمه فإذا هو خنجره والرجل سلمان، فقال: «ماذا ~~تفعل يا سلمان؟» # قال: «لا أفعل شيئا، وقد فعلت ما أريده، وهذا خنجرك خذه.» # فمد يده إلى الخنجر فرأى عليه أثر الدم فقال: «ماذا فعلت؟ هل قتلت الرجل؟» # قال: «قتلناه لا أقامه الله، أكنت تريد أن يبقى عثرة في طريقنا؟ لقد مات واسترحنا منه.» # فصاح به: «ويلك! قتلته؟ وبخنجري؟» # قال: «لأن خنجرك موجود لهذا الأمر كما قلت، فأحببت أن أتحمل أنا ذنب القتل وأترك لك فضل ~~الإباء والنزاهة والأريحية وكبر النفس.» وهز رأسه استخفافا وقال: «تريدون إنشاء دول لا نكث ~~فيها ولا غدر، ولم نر صاحب دولة استغنى عن ذلك، ولولا أن غدر أبو مسلم الخراساني ما غلب، ~~والمنصور لو لم يغدر به لم تثبت دولته، والرشيد لو لم يغدر بجعفر لكان في خطر على خلافته. ~~بل ارجع إلى صدر الإسلام تر عليا وأبناءه لم يفشلوا في سياستهم إلا لأنهم توخوا الحق ~~والوفاء وبالغوا في البعد عن الغدر والدهاء. ولو لم يمكر معاوية ويغدر لما استطاع أن ينشئ ~~دولة ولا أقام سلطانا. وقد توارث العلويون حب الحق والتدقيق في الوفاء من علي فكان حظهم ~~الفشل مثل حظه. ما أحوجنا نحن إلى الغدر الآن، على أني لم أكلفك ارتكاب هذه الجريمة فتحملت ~~الذنب وحدي.» # فأعجبه اعتذاره وقال: «ومع ذلك، فإن الغادر تعود عاقبة غدره عليه، والتاريخ ms179 أصدق شاهد.» ~~وسكت وقد سره التخلص من الأمين على يده ودون أن يتحمل وزر دمه فقال: «وكيف فعلتم؟ كيف ~~قتلتموه؟ قبحكم الله!» # قال: «سرقت خنجرك وتزييت بزي جند الفرس، وأسرعت إلى المكان الذي تركت الأمين فيه وقد مضى ~~نصف الليل والظلام شديد، فلقيت ببابه بضعة رجال من العجم وسيوفهم مسلولة، فاختلطت بهم ودخلت ~~معهم على الأمين فوجدته قاعدا، ولما رآنا نهض قائما وقد أخذ الرعب منه مأخذا عظيما وقال: ~~«إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت والله نفسي في سبيل الله، أما من مغيث أما من أحد من ~~الأبناء؟» أما نحن فظللنا داخلين عليه وكان بيده وسادة تترس بها وهو يقول: «ويحكم! أنا ابن ~~عم رسول الله، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي!» فخفت أن تدرك القوم رأفة ~~فيفسد علينا أمرنا؛ فألححت على رجل أمامي كان سيفه مسلولا بيده وقلت: «عليك به.» فضربه ~~بالسيف على رأسه فرماه الأمين بالوسادة فتقدمت أنا وطعنته بهذا الخنجر في خاصرته فكانت ~~القاضية فصاح: «قتلني، قتلني.» فدخل بقية القوم فذبحوه من قفاه وأخذوا رأسه ومضوا به إلى ~~طاهر وجئت أنا بالخنجر إليك. فإن كنت ترى أني أستوجب القصاص فاحكم علي.» # قال: «يظهر أن الرجل كان مقتولا لا محالة، ولكنك جعلت لخنجري أثرا في القتل حتى يصح ~~النذر. رحم الله الأمين، وهنيئا لنا فقد انتهت مهمتنا.» # قال سلمان: «ونحن راجعون إلى خراسان غدا إذا شئت.» # قال: «ولماذا هذه العجلة؟» # فقال وهو ينظر إليه شزرا: «فرغت أنت من عملك وضمنت مستقبلك، وهذه ميمونة تحت أمرك لو ~~مكثتما هنا أو في غير هنا فأنت مطمئن. أما أنا فلي مأرب في خراسان لم أتوثق منه بعد؛ لذلك ~~أحببت الرجوع.» # قال بهزاد: «وميمونة؟ ألا تخرجها من المكان الذي حبستها فيه؟» # فضحك وقال: «صدقت، هي في قصر المنصور، وفي الغد أحملها إليك مع جدتها. ألا يكفيك ~~ذلك؟» # قال: «بلى، وإني شاكر لك معروفك، وقد آن لنا أن نكون كالإخوة؛ فأنت أخي وصديقي منذ الآن، ~~وقد انقضى زمن الخدمة ms180 بانتهاء هذه المهمة.» # فأثنى سلمان عليه، وباتا بقية ذلك الليل ونهضا مبكرين، فقال سلمان: «إني ذاهب لساعتي بلباس ~~رئيس المنجمين حتى يسهل علي الدخول إلى قصر المنصور لإحضار ميمونة، وأنت ماذا تفعل؟» # قال: «أسير في ظلك أو أنت تسير في ظلي حتى لا نضيع فرصة.» قال: «حسنا.» ~~••• # تزيا سلمان بزي رئيس المنجمين وركب بغلته، وركب بهزاد جواده وعليه القباء والقلنسوة ~~والسراويل كأنه أحد كبراء الفرس. فمرا بأسواق الكرخ وقد لاح الفجر، وتحولا من ناحية باب ~~الكوفة فهالهما ما شاهداه من ازدحام الأقدام، واستغربا كثرة ما يتساقط عليهما من الحصى التي ~~كان العيارون يرمونها من الأسوار. وقبل وصولهما إلى الباب رأيا جماعات من الناس وفيهم أهل ~~الأسواق فضلا عن الجند الخراساني يستبقون إلى البستان الذي كان طاهر معسكرا فيه، وإذا ~~برأس مرفوع على قناة فعلم سلمان أنه رأس الأمين جاء به طاهر وغرسه على برج فوق حائط ~~البستان. ولما رآه الناس سقط في أيديهم وهلعت قلوبهم، أو لعلهم فرحوا لانتهاء الحرب. ولما ~~وقع نظر بهزاد على الرأس كبر واستعاذ بالله وقال: «سبحان الحي الباقي، اليوم سقطت دولة ~~وقامت دولة أخرى. إذا عرف الفضل بن سهل الانتفاع بهذا النصر.» # فقال سلمان: «ماذا ترى طاهرا يفعل بهذا الرأس؟» # قال: «أظنه يرسله إلى المأمون في خراسان ومعه البردة والخاتم والقضيب، لتطمئن القلوب ~~ويتحققوا النصر، ولينال طاهر جائزة كبيرة ويصبح المأمون الخليفة الوحيد.» # أما قصر المنصور فكان سلمان قد غادره بالأمس وأهله غافلون عما يجري في قصر الخلد، وكانت ~~القهرمانة فريدة مشتغلة بشئونها فجاءها الحاجب يقول: «إن ابن الفضل بن الربيع بالباب يطلب ~~أن يراك.» وكانت تعرف الفضل ومنزلته عند الأمين، فظنت ابنه قادما بأمر مهم فأذنت في دخوله. ~~وكان قد مضى عليه وقت طويل وهو مختف مع أبيه، لكنهما لم يفارقا بغداد فكانا على بينة مما ~~يجري فيها، فلما علم في ذلك المساء أن الأمر قد استفحل ولا تلبث بغداد أن تسقط في أيدي ~~الخراسانيين، وكان يراقب حركات ميمونة ويعرف أمرها، أخذ يسعى جهده ms181 في الحصول عليها حتى ذهب ~~إلى زبيدة في صباح الأمس وأقنعها بأنه يستطيع أن يستعلم منها عن محل بهزاد ولمح أنه يحبها، ~~فقالت: «إذا استطعت معرفة مكان الرجل فإنها لك.» فطلب منها أمرا للقهرمانة أن تأذن في ~~مقابلتها. ولما رأى اضطراب الحال أتى ببعض العيارين واستأجرهم لاختطاف ميمونة إذا لم تأذن ~~القهرمانة بتسليمها وجاء إلى قصر المنصور. # فلما دخل على القهرمانة قابلته أحسن مقابلة، وسألته عما يريده فدفع إليها كتاب زبيدة، ~~فتذكرت أن سعدون كان قد أوصاها بألا تأذن لأحد في إخراجها، فلم تر بأسا من أن يقابلها ابن ~~الفضل فدخلت عليها وأخبرتها أن ابن الفضل يريد مقابلتها، وكانت جدتها عبادة معها فقالت: «لا ~~حاجة لنا به.» # فقالت: «ولكنه جاءني بأمر من مولاتنا زبيدة.» # فلما سمعت عبادة ذلك الاسم اضطربت جوارحها وتشاءمت، وتوسلت إلى القهرمانة أن ترد عنهما ~~هذا الشاب فلم تفعل. # فأقبل ابن الفضل على الغرفة وقد أنيرت بها الشموع وجلست ميمونة بثوبها الأسود وقد تغير ~~لونها من توالي المصائب وأصابه شحوب زاده رقة، فدخل وهو يبتسم ابتسامة الاستعطاف وفي وجهه ~~أمارات الحب؛ فحالما رأته اقشعر بدنها وظلت جالسة مطرقة فتقدم نحوها وحياها وقال: «ألا ~~تعرفينني يا ميمونة؟» # قالت بنفور وجفاء وهي تحول وجهها عنه: «كلا.» # قال: «ألا تعرفين شابا يهواك إلى حد التلف؟ ألا تعرفين ابن الفضل؟» # قالت: «سمعت بهذا الاسم وذكره يؤلمني لأن أباه ألبسني هذا الثوب.» # فقال متلطفا: «وأنا أتكفل أن أعوضك منه ثوبا أبيض ومن أيامك السود أياما بيضاء ~~كالثلج!» # قالت وهي تنظر إليه شزرا: «قد تعودت السواد ولم أعد أشتهي سواه.» # قال: «البسي ما تشائين وافعلي ما تشتهين، ولكن تعطفي على فتى يحبك حبا مبرحا. إني أحبك ~~يا ميمونة ومن سوء الطالع أنك لا تحبينني.» قال ذلك وجثا بين يديها وأراد لمس يدها فجذبتها ~~منه كأن عقربا همت بلدغها! # فوقف وقد شق عليه جفاؤها وقال: «جئت يا ميمونة أتوسل إليك باسم الحب، فإذا لم تشفقي على ~~تذللي جئتك من سبيل آخر.» # فقالت: «لا أعرف ms182 لك سبيلا إلي، دعني وشأني وابحث عن سواي فإن النساء كثيرات.» # قال: «لم يقع اختياري على سواك، ويدلك على ذلك ثباتي في حبك رغم ما تظهرين من النفور. ألم ~~يأن أن تتعطفي؟» # فتحولت عنه وقالت: «دعني يا رجل.» # فنهض وقال مهددا: «قلت لك إذا ظللت على هذا الجفاء عاملتك بالقسوة ولو شق علي ذلك.» # قالت وهي لا تنظر إليه: «لا تستطيع شيئا ونحن في قصر أمير المؤمنين.» # قال: «إني أستطيع حملك بالقوة؛ فإن معي فرقة من الجند وبيدي أمر من أم الخليفة.» # وكانت جدتها جالسة تسمع ما يدور بينهما فصاحت قائلة: «كنت أحسبك شهما يؤثر فيك الكلام. ~~أما كفاك ما سمعته؟ دع الفتاة وشأنها. ولو كنت مكانك وعلمت أنها لا تحبني لتركتها وشأنها.» # قال: «يشق علي أن أفشل بعد الصبر الطويل؛ فإني أريد الآن أن أعلمها من أنا وأن مثلي لا ~~يعامل هكذا وفي بغداد مئات من بنات الأمراء والقواد يتمنين رضاي.» والتفت إلى ميمونة وقال: ~~«ارجعي إلى صوابك وثقي بأني أنصح لك فلا تلجئيني إلى القوة، إن فرقة من العيارين في انتظار ~~أمري خارجا.» # فضاقت نفسها وتململت وصاحت: «ويلاه! أين الجند؟ أين الحرس؟» فنهضت جدتها وقالت لابن الفضل: ~~«اكفنا أيها الشاب شرك ودعنا وشأننا. إذا كنت تعرف من نحن فاشفق علينا وكفانا ما قاسيناه من ~~البلاء.» # وفيما هم في ذلك سمعوا جلبة في الدار، فظنت ميمونة أن العيارين دخلوا للقبض عليها فصاحت: ~~«ويلاه يا ربي! إذا لم يكن قد انتهى حبل مصائبي فخذ روحي.» وطفقت تبكي ولم تتمالك لاضطرابها ~~ولهفتها أن صاحت: «أين سلمان؟ أين بهزاد؟ أواه ما أشقاني!» وكانت جدتها في أثناء ذلك واقفة ~~إلى جانبها تهون عليها والدموع تتساقط من عينيها. # أما ابن الفضل فعلم أن الضوضاء ليست من العيارين، فخرج ليرى سببها فسمع الخدم يقولون: ~~«السيدة زبيدة أتت.» # فاستغرب الجميع مجيئها في تلك الساعة وقد مضى معظم الليل. # والسبب في مجيئها أنها بعد أن خرجت من قصر الخلد في ذلك المساء وهي على ما وصفنا من ms183 الخوف ~~على ابنها، ذهبت إلى قصرها مبلبلة البال، وكأن قلبها دلها على الخطر القريب، فذهبت إلى ~~الفراش ولم تنم. وبعد منتصف الليل أيقظتها قهرمانة قصرها فنهضت مذعورة وسألت عن الخبر فقالت ~~القهرمانة: «إن بعض شاكرية قصر الخلد يسأل عن أمير المؤمنين.» # فصاحت: «يسأل عن ابني؟ يسأل عنه هنا، أين هو؟ إني تركته في قصر الخلد منذ ساعتين! أين ~~الشاكري؟» # فأدخلوه إليها فقالت: «أين أمير المؤمنين؟» # قال: «لا نعلم يا سيدتي، وقد بحثنا عنه في كل مظانه بالقصر فلم نجده ولا نعلم أين ~~هو.» # فنهضت والتفت بمطرفها وركبت إلى قصر الخلد وفتشت عنه هناك فلم تجده؛ فخطر لها أنه قد يكون ~~ذهب في أمر وسيعود، فمكثت على مثل الجمر حتى كاد الفجر يلوح فحدثتها نفسها أنه دخل مدينة ~~المنصور للامتناع في قصرها، فركبت إلى هناك وسألت عنه القهرمانة فذكرت أنها لم تره.» # فقالت زبيدة: «رأيت بالباب بعض العيارين، فمن أتى بهم إلى هنا؟» # قالت: «ابن الفضل، وقد جاءني بكتاب منك ليكلم الجارية ميمونة.» فلما سمعت اسمها اشتد غضبها ~~وصاحت: «أين هي؟» # قالت: «هي في هذه الغرفة.» ولم تصبر زبيدة لتستقدمها إليها فتوجهت إلى الغرفة ودخلت فجأة ~~وقد أخذ الغضب منها مأخذا عظيما، فلقيها ابن الفضل بالباب فتنحى، ودخلت فرأت ميمونة واقفة ~~وجدتها عبادة إلى جانبها فلما رأت عبادة هناك لم تتمالك أن صاحت: «وأنت هنا أيضا؟ تبا لك ~~من عجوز شقية. إنك سبب متاعبي وأصل بلائي، ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟» # فأطرقت عبادة وسكتت لأنها لم تجد وجها للكلام ولا عذرا للمجيء؛ فوجهت زبيدة خطابها إلى ~~ميمونة وقالت: «والآن ألم يئن لك أن تقولي لنا عن مكان ذلك الشقي الخائن الذي تسمونه بهزاد، ~~وقد علمت أنه في بغداد، وكل بلائنا منه؛ أين هو؟» # فقالت وصوتها يختنق من الخوف: «لا أعلم يا سيدتي؛ فأنا سجينة هنا لا يصل إلي خبر ولا أعرف ~~من حوادث الدنيا شيئا.» # قالت: «أتكذبين والعلاقة بينك وبينه على يد خادم اسمه سلمان؟» # فقالت: «اسألي القهرمانة، إني ms184 لا أرى خادما ولا أميرا، بالله أشفقي علي يا سيدتي وكفاني ~~ما أقاسيه.» وأغرقت في البكاء. # قالت: «أشفق عليك؟ لماذا؟ لو استطعت خنقك بيدي ما ترددت.» ثم التفتت إلى الخارج فرأت ابن ~~الفضل واقفا فصاحت به: «خذ هذه الجارية فقد ملكتك إياها، افعل بها ما تشاء، وهذه العجوز ~~النحس سوف أذيقها ما تستحقه.» # فلما سمعت عبادة قولها جثت بين يديها وقالت: «افعلي بي ما تشائين، وارفقي بهذه الفتاة ~~فإنها بريئة من كل ذنب، قد تضرعت إليك في شأنها قبل الآن فرددتني، والآن أتوسل إليك - وأنت ~~والدة وتعرفين حنو الأمهات - أن تترفقي بهذه الفتاة. وأما أنا فلا آسف على حياتي.» # فلما سمعتها تذكر حنو الوالدات أحست بشيء أوهن عزمها، لعلمها بما يهدد ابنها من الخطر ولا ~~سيما في تلك الساعة؛ فقد أضاعته ولا تعلم أحي هو أم ميت.، ولكنها تجلدت لئلا يظهر الضعف ~~عليها، فنهضت وتظاهرت بالغضب وقالت: «قلت لك إنه لا سبيل إلى خلاصها إلا إذا اعترفت بمكان ~~بهزاد، وإلا فهي ملك لابن الفضل.» وأشارت إليه أن يأخذها. # | بهزاد وميمونة # خرج ابن الفضل لينادي العيارين ليقبضوا على ميمونة ويحملوها قهرا، فسمع الخدم يقولون: ~~«أتى رئيس المنجمين.» فأراد أن يراه ويخاطبه لعله يقنعها بالحسنى، فقيل له: «إنه عند السيدة ~~زبيدة.» وكانت قد انفردت في القاعة الكبرى وأخذت تفكر فيما أحاط بها وما يهددها وقلبها خائف ~~على ابنها. فدخلت القهرمانة وأخبرتها بقدوم رئيس المنجمين فقالت: «ادعيه إلي.» # وكان سلمان قد وصل إلى القصر مع بهزاد منذ هنيهة والمدينة قد سقطت وأهل قصر المنصور لا ~~يعلمون. فلما أتيا وجدا في ساحته جماعة من العيارين فلم يبال سلمان وتقدم إلى الباب فرآه ~~موصدا وسمع ضوضاء من الداخل، فقرعه فلم يجبه أحد، فبالغ في القرع فأطل عليه خادم من كوة فوق ~~الباب وقال: «من الطارق؟» # فرفع سلمان بصره فرأى غلاما عرفه فصاح به: «افتح حالا.» # فعرف الغلام أنه رئيس المنجمين فأسرع وفتح الباب، فدخل ببغلته ودخل بهزاد في أثره إلى فناء ~~القصر وترجلا وسلما الدابتين ms185 إلى الغلام، فرأيا أهل القصر في هرج والخدم يدخلون ويخرجون من ~~باب القصر الداخلي، فقال رئيس المنجمين للغلام: «أين القهرمانة؟» # قال : «هي بين يدي مولاتنا زبيدة.» # فلما سمع ذلك تشاءم من وجودها فقال: «ادع لي القهرمانة الساعة. قل لها رئيس المنجمين ~~يطلبك لأمر مهم.» # فمضى وعاد وهو يقول: «ادخل فإن السيدة زبيدة تطلبك.» # فالتفت إلى بهزاد وقال له: «لا شك أنها ستسألني عن ابنها وعن مكانه، وربما تسألني عنك، فهل ~~أذهب إليها وحدي؟» # قال: «دعني أذهب معك.» # فقال سلمان للغلام: «قل للقهرمانة إن مع رئيس المنجمين رفيقا لا يدخل إلا معه.» # فعاد وقال: «ادخلا إلى القاعة.» فدخلا والغلام يمشي أمامهما إلى القاعة. فدخل أولا سعدون ~~وحيا، ثم دخل بهزاد ولم تنتبه له زبيدة لاشتغالها عنه بهواجسها، وكانت قد تربعت ووضعت على ~~حجرها وسادة أسندت إليها كوعيها وألقت رأسها بين كفيها. فحالما دخل سعدون رفعت رأسها وصاحت ~~به: «ويلك؟ أين كنت وكيف أتيت في إبان الحاجة إليك؟» # ثم أشارت له بالقعود فقعد، وقعد بهزاد وهي لا تراه. # فقال سلمان: «كنت مجدا في البحث عن بهزاد حتى وجدته.» # فأبرقت أسرتها وصاحت: «وجدته؟ أين هو؟» # فأشار إلى بهزاد وقال: «هذا هو يا سيدتي.» # فدهشت وأجفلت وصعد الدم إلى وجهها، ونظرت إلى بهزاد وحدقت فرأت فيه جمالا وهيبة ووقارا، ~~فلم تتمالك أن صاحت فيه: «أنت بهزاد؟» # قال: «نعم، أنا هو.» # قالت: «كيف تجرأت على المجيء إلينا؟ ألم تخف بطش أمير المؤمنين؟» # فقال بهدوء ورزانة: «لم أخفه حيا، فكيف أخافه ميتا؟» # فذعرت واقشعر بدنها ولطمت خديها وصاحت: «أمير المؤمنين مات؟ ابني محمد ... ماذا تقول؟ أتهزأ ~~بي يا نذل؟» # قال: «كلا يا سيدتي، إني أقول الحق، ويسوءني أن يؤلمك هذا، ولكنك سألتني فلم أكذبك.» # فالتفتت إلى سلمان وهي تحسب نفسها في منام وقالت: «سعدون، قل الصحيح، قل أين أمير ~~المؤمنين؟ أظن الرجل يهذي، أين ابني محمد؟ ولدي حبيبي، أين هو؟ قل.» # فأجابها بفتور: «رأيت رأسه معلقا على حائط البستان يا سيدتي، وقد قضي الأمر.» قال ذلك ms186 ~~ونهض فلطمت زبيدة خديها بكفيها وصاحت وولولت. وسمع بهزاد في تلك اللحظة صوت ميمونة تستغيث ~~وتقول: «آه، أين أنت يا بهزاد ؟ أنجدني، أنقذني.» # فوثب من القاعة ويده على خنجره وهو يقول: «لبيك يا حبيبة.» # فرأى جماعة من العيارين قد أمسكوا بشعرها وأخذوا يجرونها وابن الفضل واقف يقول: «خذوا هذه ~~الخائنة.» # فما كان من بهزاد إلا أن استل خنجره وطعن ابن الفضل طعنة قضت عليه، وتحول إلى العيارين ~~وصاح فيهم: «اخسئوا يا أنذال جاءكم بهزاد.» فلما سمعوا صوته ورأوا ابن الفضل مجندلا فروا ~~هاربين. ولم تكن ميمونة تعلم بوجود بهزاد هناك، ولكنها لما يئست من النجاة ورأت ابن الفضل ~~يأمر العيارين بجرها استغاثت على غير هدى، فلما رأت بهزاد ترامت عليه وأغمي عليها وأسرعت ~~جدتها إليه وقالت: «من أين أتيت إلينا أيها الملاك؟ إني أخاف عليك من هؤلاء الأنذال.» # فقال: «لا تخافي يا سيدتي، إن بغداد في قبضتنا ورأس الأمين معلق على الحائط يراه الناس.» # فلما سمع أهل القصر ذلك ذعروا وأخذوا يتراكضون إلى زبيدة فرأوها في القاعة وقد حلت شعرها ~~وأخذت في النحيب وهي تقول: «وا ولداه! قتلك البغاة الظالمون!» # فسمعتها عبادة تقول ذلك، فأثر قولها في نفسها فدخلت إليها، ولما رأتها في تلك الحال غلب ~~عليها الحزن ورقت لحالها، فأكبت على يديها تقبلهما وتقول: «ارفقي بنفسك يا سيدتي، هذه إرادة ~~المولى.» وتذكرت مصيبتها بابنها فشاركتها في البكاء. # وكانت زبيدة تتوقع أن تشمت عبادة بها، فلما رأت مجاملتها وسمعت بكاءها خجلت ونظرت إليها ~~نظر الانكسار والذل، ولا يذل مثل الموت، وقالت: «صدقت يا أم الفضل (عبادة) لا يعرف قيمة ~~الثكل إلا الذي ذاقه، أواه! يا ولداه! رحم الله جعفرا والرشيد ورحم الله محمدا ... مات؟ مات ~~حقيقة؟ قتلوه؟ علقوا رأس ابني؟ بالله ارفقوا ببدنه الغض، إنه لم يتعود الشقاء، لا طاقة له ~~بحر الشمس، كيف علقتموه؟ إنه لم يتعود غير الرفاه والنوم في الحرير، حرام عليكم، إنه شاب في ~~مقتبل العمر، ألم يكن الأولى أن أقتل أنا ويبقى هو حيا، أنزلوه ms187 وعلقوني مكانه. صدقت يا أم ~~الفضل، إنني لم أصغ لتضرعك لأني لم أكن قد ذقت الثكل ...» وأخذت في البكاء والنحيب، وطفقت ~~تلطم وجهها وتخطر في القاعة ذهابا وإيابا على غير هدى حتى لم يبق أحد هناك إلا بكى، ثم ~~اشتغل كل بنفسه. # أما بهزاد فلم يكن همه إلا ميمونة فحملها من بين الغوغاء وخفف عنها وهي تحسب نفسها في ~~منام؛ تنظر إلى بهزاد ولا تصدق أنها تراه وقد جاءها في إبان الحاجة إليه فأنقذها من القتل. ~~وبينما هي تمشي بالدار متكئة على ذراعه انتبهت إلى جثة ابن الفضل ملقاة على الأرض، فقالت ~~لبهزاد: «إني آسفة لمقتل هذا الشاب، فقد كان يريد خيرا، ولكنه كلفني ما لا طاقة لي به، إن ~~قلبي لا يحب غير بهزاد؟» # فقال بهزاد: «ولكنني رأيته ينتهرك ويهددك فلم أطق صبرا فقتلته. ما لنا وللناس، قد قضي ~~الأمر، هلمي بنا، أين سلمان؟ هيا بنا.» # فجاء سلمان وأخذ بيد عبادة وأخذ بهزاد ميمونة، وخرجوا فركبوا دوابهم وانصرفوا وتركوا أهل ~~قصر المنصور في مأتمهم. # وانتهى بمقتل الأمين ما كان من النزاع بين المتخاصمين، ودخلت بغداد في حوزة المأمون ~~وأصبحت الخلافة له، ولكنه بقي في خراسان وأناب عنه في بغداد وغيرها الحسن بن سهل أخا الفضل، ~~وكتب إلى طاهر بن الحسين بذلك. # أما بهزاد فلم يبق له عمل في بغداد، وأصبح راغبا في الرجوع إلى أمه بمرو ليبشرها بالفتح ~~ويخبرها بحبه ميمونة لتباركه وتزوجه بها. وفي أصيل اليوم الذي خرج فيه من قصر المنصور ركب ~~هو وميمونة وعبادة وسلمان يقصدون إلى خراسان، وميمونة لا تصدق أنها مع حبيبها، ولا ترتوي من ~~النظر إليه، وكثيرا ما اشتاقت لمعرفة حقيقة حاله، وما هو نسبه، وماذا كان يحمل في ذلك ~~الصندوق من أسرار، وهمت بأن تسأله أثناء الطريق فمنعها الحياء ووجود جدتها، على أنها عللت ~~النفس بمعرفة ذلك عند وصولها إلى خراسان. # وكانت فاطمة والدة بهزاد وسائر أهل خراسان ينتظرون خاتمة الأحداث بفارغ الصبر، وقد قضوا ~~في ذلك منذ توفي الرشيد بطوس نحو ms188 خمس سنوات، والفضل بن سهل وزير المأمون في خراسان يشير ~~عليه ويدير شئونه وسماه المأمون ذا الرياستين. # فلما جاءهم البريد بمقتل الأمين وتسليم بغداد فرحوا واستبشروا، ثم أرسل طاهر رأس الأمين ~~إلى المأمون ومعه البردة والقضيب والخاتم، فوصل الرأس إلى الفضل فأدخله للمأمون على ترس ~~فلما رآه سجد. وقد تمكن الفضل مما أراده من تمهيد الأمور لإرجاع سلطة الفرس بظل الشيعة؛ إذ ~~بايع المأمون بالخلافة بعده لعلي الرضا زعيم حزب الشيعة، وأمر الناس بترك السواد شعار ~~العباسيين والاستعاضة عنه بلباس الخضرة؛ فكان لذلك وقع سيئ لدى العباسيين في بغداد وكاتبوا ~~المأمون يعاتبونه ويهددونه. وكان الفضل يأخذ كتبهم ولا يطلع المأمون عليها لفرط دالته ونفوذ ~~كلمته. ~~••• # وصل بهزاد إلى مرو وقد نال ما يرجوه من ثمار سعيه وخطيبته معه، أما سلمان فقد قام بما ~~عليه ولكنه لم ينل جزاءه بعد. فلما وصل بهزاد إلى مرو واستأذن سلمان بالذهاب إلى بيته مع ~~عروسه، قال له سلمان: «أما أنت فقد فرغت من مهمتك، وأنا لا أزال أتوقع الجزاء.» # فقال بهزاد: «ستكون رئيسا لجماعة الخرمية، وقد أوصيت لك بذلك من قبل، ألا يقنعك هذا ~~الجزاء؟» # قال: «كلا، وإنما أرجو شيئا آخر هو أهم عندي من الرياسة، فكن ساعدي فيه كما كنت ساعدك في ~~مثله.» قال: «وما ذاك؟» # قال: «ألم أكن نصيرك في الحصول على ميمونة؟ فأنا أطلب الزواج ببوران بنت الحسن بن سهل، ~~وإذا شاء عمها الفضل، فالأمر سهل، وأظنني أهلا لها بعد ما أتيته من المعجزات في نصرة هذه ~~الدعوة.» # فأطرق بهزاد وأعمل فكرته في هذا الطلب، فلم يجده بعيد المنال، وتذكر ما دار بينه وبين ~~الفضل في شأن بوران قبل عودته إلى بغداد، فرأى في تزويجها من سلمان فضا للمشكلة، فقال: ~~«غدا ننظر في ذلك، ولكنني أطلب منك أمرا هو خاتمة أفضالك علي.» # قال: «وما هو؟» قال: «إني أحتاج إلى رأس الأمين. هل تحتال في إخراجه إلي من مدفنه سرا ~~كما أخرجنا رأس جعفر ورأس أبي مسلم؟» # فأدرك سلمان غرضه، فقال: «ذلك ms189 شيء يسير، فانتظرني إلى الغد فآتيك بالرأس إلى منزلك.» ~~وافترقا. # وسار بهزاد توا إلى بيت أمه فاطمة ومعه عبادة وميمونة وهو يخاف أن يكون قد دهمها الموت ~~أثناء غيابه، فقرع الباب وهو مصيخ بسمعه فلم يجبه أحد، فخفق قلبه، فقرع ثانية فسمع وقع ~~أقدام في الداخل، ثم فتح الباب وأطل الخادم الذي فتحه له في المرة الماضية وأنس في وجهه ~~تغيرا وانقباضا، فابتدره قائلا: «كيف الوالدة؟» # فرحب به وقال: «في خير، ولكنها تشكو ضعفا من شدة شوقها إليك.» # فأوصى الخادم بأن يدخل الضيفتين إلى غرفة ترتاحان فيها، وأسرع ودخل على والدته فوجدها ~~ملقاة على سريرها وقد غارت عيناها وبرزت وجنتاها وبان فيها الهرم المتناهي، فوقف بإزائها ~~وحياها بصوت ضعيف وهو يخشى أن تكون قد ماتت. # فلما سمعت صوته أفاقت وفتحت عينيها وأدارت رأسها ببطء لشده الضعف وتبسمت تبسما لا رونق ~~فيه، فجثا بجانب سريرها وأكب على يدها وقبلها، فأشارت إليه أن يدنو منها، فقبلت جبينه ونظرت ~~إليه نظرة مستفهم، فقال: «قد جئتك يا سيدتي بما تريدين، فغلبنا القوم الظالمين، وقتلنا ~~خليفتهم الغلام الغر، وأصبح ابن أختنا المأمون خليفة المسلمين، وغدا يكون الخليفة علي ~~الرضا صاحب الشيعة، ثم تعود الدولة إلينا؛ فها أنا ذا انتقمت لجدي بخنجره كما أمرت.» ومد ~~يده فأخرج الخنجر وأراها أثر الدم على نصاله وقال: «وانتقمت لجعفر بن يحيى.» # فبان السرور في وجهها وتنهدت تنهد مرتاح، وقالت بصوت متقطع: «بورك فيك يا بني، لقد نزعت ~~العار عن قومك، وجبرت قلب أمك.» ثم تنهدت وتململت وهي تتجلد وتغالب الضعف، وقالت: «أين ~~الرأس الثالث؟» # قال: «يكون هنا في صباح الغد وتدفن الرءوس الثلاثة معا.» # فرفعت يدها نحو السماء كأنها تدعو له، ثم لمست وجهه لتباركه فأحس ببردها وجفافها، كأن ~~أصابعها من حديد بارد. وأومأت إليه فانحنى عليها فقبلته ثانية وهمست في أذنه بصوت لا يكاد ~~يبين: «ادفنه معي غدا.» # فنظر إلى وجهها الشاحب الضئيل، فرأى في عينيها دمعتين تحاولان الانحدار، ولا تجدان مخرجا ~~من المقلتين لشدة غورهما وهي مستلقية ms190 فتحقق قرب أجلها، فابتدرها قائلا: «لقد باركتني يا ~~أماه، فأتوسل إليك أن تباركي فتاة ستكون شريكة حياتي كما كانت شريكتي في المصائب.» والتفت ~~فأشار إلى الخادم أن ينادي ميمونة وعبادة. # وكانت ميمونة قد سمعت بهزاد يسأل الخادم عن أمه ساعة وصولهم فعلمت أنها في المنزل وأصبحت ~~مشوقة إلى معرفة نسبه، فلما جاءت لمشاهدة أمه ذعرت لما رأته فيها من الضعف والشيخوخة، وبان ~~ذلك عليها وأدرك بهزاد ذعرها، فابتدرها قائلا: «طالما أحببت أن تعرفي نسبي، فاعلمي الآن أن ~~هذه الراقدة أمي، وهي بنت أبي مسلم صاحب الدعوة، مؤسس الدولة العباسية الذي قتل غدرا، كما ~~قتل أبوك، وليس في خراسان من يعلم أني حفيد ذلك البطل إلا سلمان الخادم وأمي، والناس ~~يحسبونني ربيبها لأني ولدت بعد وفاة أبي، وادعت هي أني ربيبها وأوقفتني على الانتقام ~~لأبيها وسمتني كيفر. وقد آن لي أن أخبرك أيضا عما في ذلك الصندوق، فاعلمي أن فيه رأس جدي ~~ورأس أبيك.» # فلما سمعت ميمونة ذلك أجفلت وتغير لونها، فشغلها عن دهشتها بإتمام حديثه فقال: «وقد ~~حفظتهما في الصندوق حتى أتيت برأس الأمين وهو ثالثهما، وسيؤتى به إلينا غدا ويدفن الثلاثة ~~معا؛ فأكون قد وفيت نذر والدتي وزدت على ذلك أني أتيتها بابنة جعفر حبيبنا.» # وكانت فاطمة في أثناء ذلك مستغرقة في النوم لشدة ضعفها، فلما فرغ بهزاد من حديثه أمسك ~~ميمونة بيدها وأدناها من سريرها وهو يقول: «هذه ميمونة بنت جعفر بن يحيى قتيل الرشيد، قد ~~أسعدني الحظ بلقياها، وأحببتها وأحبتني، وقاست العذاب معي، وقد فرحنا معا، وهي ستكون زوجتي ~~فباركيها.» # فرفعت يدها وأشارت إليها أن تدنو منها، فدنت فقبلتها ومسحت وجهها بكفها وتمتمت وأشارت إلى ~~ثوبها الأسود وشفعت ذلك بإشارة النهي، ففهمت أنها تأمرها بنزع الحداد فأشارت مطيعة، ثم ~~استقدم عبادة وكانت بجانبه، وقال لها: «وهذه أم الفضل والدة جعفر.» # فحدقت فيها مع شخوص بصرها وجموده وتكلفت الابتسام، كأنها تقول: «عرفتها.» فقالت عبادة: ~~«نعم، إني أعرفك منذ صباي.» وانحنت عليها وقبلتها فلمستها فاطمة بشفتيها وقد أخذ منها ms191 الضعف ~~مأخذا عظيما وأحست بضيق صدرها وسرعة تنفسها، فعلم القوم أنها في حالة النزع، ولكنها ما ~~زالت مبتسمة ابتسام الفوز حتى فاضت روحها وهم ينظرون. # | الخائن لا صديق له # وبعد أيام عقد لبهزاد على ميمونة، ثم بعث إلى سلمان فولاه رياسة الخرمية، فذكره سلمان ~~بوعده بالتوسط لدى الفضل فأشار مطيعا. وفي اليوم التالي ركبا إلى بيت الفضل بن سهل، وكان ~~الفضل قد بلغ أوج سعده بما أوتيه من التوفيق باستقلال المأمون بالخلافة، وبالوصية بها بعده ~~لعلي الرضا، فأصبح الفضل الآمر الناهي تجري إرادته حتى على المأمون. فلما أنبأه الحاجب أن ~~بهزاد وسلمان بالباب أمر بإدخالهما، وكان مجلسه غاصا بأصحاب الحاجات وفيهم الوجهاء والقواد ~~إلا أخوه الحسن لأنه سار إلى بغداد. فلما دخل بهزاد رحب به الفضل ودعاه للجلوس إلى جانبه ~~على السرير، وأشار إلى سلمان فجلس على كرسي بين الخاصة، فأخذ الفضل يسأل بهزاد عن سفره وما ~~شاهده فأخبره أنه قادم من بغداد بعد أن شهد سقوطها فقال له: «وهل كنت فيها يوم مقتل ~~الأمين؟» # قال: «نعم، كنت مع صديقي سلمان وشاهدنا رأس الأمين منصوبا على حائط البستان.» فضحك ضحكة ~~الظافر وقال: «على الباغي تدور الدوائر.» # ثم شغل بقضاء مصالح الناس وسكت بهزاد ريثما ينفض المجلس، ولم يتم ذلك إلا بعد أذان الظهر، ~~فانصرف الناس ولم يبق غير بهزاد وسلمان والفضل. # فنظر بهزاد إلى الفضل وقال: «يسرني أن أروي لك ما أتاه صديقي سلمان من المعجزات في أثناء ~~هذه الوقائع؛ فإنه كان من أكبر العاملين في تنفيذ رغبات ذي الرياستين بعقله وسيفه.» فابتسم ~~الفضل وقال: «سنكافئه بولاية عمل من الأعمال المهمة، أم تراه مثلك لا يرغب في المناصب؟» # فضحك بهزاد وقال: «إذا قلدته عملا فقد أسبغت عليه نعمك، ولكنني أحب أن ينال حظوة أخرى في ~~عينيك يتشرف بها بين الأقران.» # فقال: «وما ذلك؟» قال: «أن تزوجه بابنة أخيك.» # فوجم الفضل ثم قال: «وأي بنات أخي تعني؟» قال: «بوران.» # فتراجع وتغير وجهه وهز رأسه وقال: «أيطلب هو ذلك؟» # قال: «بل أنا ms192 أطلبه له إذا شئت؛ فإنه من خير الرجال.» # قال: «يعز علي رد طلبك يا بهزاد؛ فإن بوران مخطوبة.» # فظن بهزاد لأول وهلة أنه يعني خطبتها له فأراد الاستفهام، فسبقه سلمان إلى الكلام وقال: ~~«لمن؟» # فنظر الفضل إليه وقد امتعض من اعتراضه وقال: «مخطوبة لأعظم رجل في الإسلام اليوم.» فأدرك ~~سلمان أنه يعني المأمون، وتحقق ذهاب العروس من يده فانقبضت نفسه وهاج غضبه وقال: «يلوح لي أن ~~ذا الرياستين نسي وعده.» # قال: «أي وعد؟» قال: «ألم نتواعد على شيء؟» # قال وفي صوته جفاء وانتهار: «متى تواعدنا؟» # قال: «هل أقول ذلك الآن؟» قال: «قل ما تشاء.» # قال: «تواعدنا عليه لما كفرت بالمجوسية واعتنقت الإسلام رغبة في المناصب وتواطأنا على ~~السعي في هذا السبيل، وأنت يومئذ لا تملك شيئا، وكانت بوران طفلة. أما الآن فقد تغيرت ~~الأحوال وأصبحت ذا الرياستين وصاحب الأمر والنهي، فاذكر ما تعاقدنا عليه وأني قمت بما علي، ~~فهلا قمت بما عليك؟» فظهر الغضب في وجه الفضل لما يتخلل كلام سلمان من التعريض والتلميح ~~وقال: «لا أذكر شيئا من ذلك. ولكن ما رأيك، هل نرد خطيبها خائبا ونزفها إليك؟ وعلى كل حال ~~فالأمر لوالدها وهو غائب.» # فوقع قوله في قلب سلمان وقوع السهم وامتقع لونه ورقص شارباه في وجهه وتحفز للنهوض، فرأى ~~بهزاد تغيره فوقع في حيرة وأراد أن يستأنف الكلام فرأى الفضل يتناول مذبته ويتزحزح في ~~مجلسه فعلم أنه يفض المجلس، فوقف بهزاد وسلمان وانصرفا بعد أن حياهما الفضل تحية فاترة. ~~فلما خرجا أراد بهزاد أن يخفف من غضب سلمان فلم يدعه هذا يقول شيئا وهم بوداعه فقال بهزاد: ~~«لا تغضب يا أخي، لعل للرجل عذرا مقبولا.» فأجابه وفي صوته خشونة الغضب: «لا عذر له، ولكنه ~~دنيء الأصل لا يعرف قدر الرجال وسأريه عاقبة أمره.» ومشى مهرولا. وظل بهزاد واقفا حتى ~~توارى سلمان عنه وهو يحسب لهذا التهديد ألف حساب. لعلمه أن صاحبه ذو كيد ومكر لا يثنيه عن ~~الأذى ضمير أو عهد ولا يرعى ذمة أو جوارا. # أما ms193 سلمان فسار توا إلى قصر المأمون واستأذن في مقابلته فأذن له، فلما اختليا قال ~~سلمان: «إني من موالي أمير المؤمنين، ويفرحني أن ما بذلناه في سبيل نصرته لم يذهب عبثا فمن ~~الله علينا ببقائه وبالخلافة وهو خليق بها.» # فتوقع المأمون من وراء ذلك خبرا جديدا ولم يكن غافلا فاغتنم هذه الفرصة وقال: «إني ~~شاكر لأخوالي الخراسانيين فإنهم أصحاب الفضل.» # فتظاهر سلمان بالتردد كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى فقال له المأمون: «قل ما بدا لك ولا ~~تخف.» # قال: «أنا أعلم أني أستهدف للموت بما سأقوله، ولكنني أقوله رغبة في حفظ حياة أمير المؤمنين ~~ودوام دولته، وأرجو أن يبقى قولي سرا عن كل إنسان.» فاهتم المأمون وقال: «أتوصيني بحفظ ~~السر وقد قامت دولتنا به؟ قل سريعا. لا تخف.» # قال: «إن وزيرك الفضل بن سهل يوهمك أنه رد السلطة إليك وهو يدبرها لنفسه.» فخاف المأمون ~~أن يكون الرجل مدسوسا من الفضل عليه فقال: «إن مثل الفضل أهل للتمتع بنفوذ الكلمة بعد الذي ~~بذله في سبيلي.» # قال: «أرى مولاي يحاذر أن يظهر ما يجول في خاطره ورأيه الأعلى، ولكنني أقول إن الفضل إنما ~~أراد السلطة لنفسه ليس لنفوذ كلمته فحسب، ولكنه يسعى في نقل الخلافة من العباسيين إلى ~~العلويين لترجع إلى الفرس؛ ولذلك اشترط البيعة لعلي الرضا بعد أمير المؤمنين.» # فانتبه المأمون لمساعي الفضل في هذا الشأن، ولم يكن غافلا عنها من قبل، ولعله اضطر إليها ~~رغبة في التغلب على أخيه، فقال: «ولكنني بايعت لعلي الرضا مختارا لأني لم أجد في بني ~~العباس من هو أهل للخلافة.» # قال: «وهل تضمن أن يكون بنو علي أهلا لها ... وهب أنك فعلت ذلك مختارا، فهل تضمن أن يصبر ~~الفضل على نقلها حتى يستوفي أمير المؤمنين حظه منها؟ اعذر صراحتي يا أمير المؤمنين، وأنا ~~واثق من بقاء هذا سرا، ولا أطلب إلا الحذر من هذا الرجل على حياتك ثم على دولتك.» # فأطرق المأمون وقد جالت في خاطره خواطر كثيرة وحدثته نفسه بأمور سكت عنها واكتفى بقوله: ~~«وما الحيلة؟» ms194 # فاستبشر سلمان بهذا السؤال وقال: «إذا عهد أمير المؤمنين في ذلك إلي فإني أنقذه بجرعة عسل ~~أو شربة ماء.» # فأعظم المأمون جسارة هذا الرجل وقال في نفسه: «إن وجود مثل هذا الغادر خطر على أعدائه ~~وأصدقائه؛ لأنه بعد أن بذل نفسه في خدمة الفضل أصبح يسعى في قتله؛ فلا بد لذلك من سبب حمله ~~على التغير، ولا يبعد أن يحدث ما يغيره على سواه.» لكنه رأى فيه عونا على التخلص من الفضل، ~~فسكت هنيهة ثم قال: «سننظر في ذلك.» واكتفى سلمان بهذا الجواب لعلمه أنه لا يجيبه على ~~اقتراحه جوابا صريحا لأسباب يعرفها مثله. # وتحرك المأمون فخرج سلمان ولبث المأمون بعد خروجه يفكر فيما سمعه وهو يخاف أن يكون قد جاء ~~جاسوسا من قبل الفضل، فعزم على استطلاع رأي الفضل خلسة. # وفي ذلك المساء جاء الفضل إلى المأمون على عادته وقد أنبأه جواسيسه بدخول سلمان على ~~المأمون في ذلك اليوم، فظنه جاء ليوسطه في شأن بوران ولم يخطر بباله أنه يجيء للوشاية به في ~~أصل مشروعه لما في ذلك من الإيقاع بالفرس كافة. وتعمد المأمون الخلوة بالفضل وتبادلا ~~الأحاديث المتنوعة حتى ذكر سلمان فقال المأمون: «قد بلغني عن هذا الرجل أعمال أتاها في ~~بغداد يمدح عليها.» # فقال الفضل: «نعم يا سيدي، قد أعان حزبنا بمساع أساسها المكر والخيانة وقد أفادتنا، ولكنه ~~كبير المطامع.» قال: «لا بأس من تقليده منصبا.» # فابتسم الفضل وقال: «عرضت عليه ذلك فرأيته طامعا فيما يقصر أمثاله عن نيله. ولو علم أمير ~~المؤمنين بمطمعه لاستغربه.» قال: «وما هو؟» # قال: «إنه طامع في بوران ابنة أخي، ولما قلت له إنها مخطوبة غضب كأنه أولى بها من أمير ~~المؤمنين.» وكان المأمون قد خطب بوران من أبيها سرا. # فأدرك المأمون سر الخلاف وعلم أن الرجل لم يبح بسر الجماعة إلا انتقاما، ولم يفت المأمون ~~إطلاع الفضل على مجيء سلمان، فأحب أن يذهب خوفه من تلك الزيارة فهز رأسه احتقارا لسلمان ~~وسكت، وترك المسألة وأظهر الاستغراب لما سمعه وغير الحديث، فانصرف ms195 الفضل وهو مقتنع بأنه ~~أوغر قلب المأمون على سلمان. ~~••• # ولبث المأمون بعد ذلك يراقب ما يبدو من الفضل ليتحقق ما بلغه حتى جاء علي الرضا ذات يوم ~~لزيارته وهو ولي عهده على الخلافة، فرحب به وجرى الحديث بينهما فقال علي: «إنما جئتك لأنبئك ~~بما يخفيه وزيرك الفضل عليك.» # قال: «وما ذاك؟» قال: «إن أهلك في بغداد لما علموا أنك بايعتني بعدك نقموا عليك أشياء ~~وقالوا عنك إنك مسحور مجنون، وبايعوا إبراهيم ابن عمك المهدي مكانك وخلعوا بيعتك لاعتقادهم ~~أنها ستئول بعدك لي.» # فاستغرب المأمون ذلك لأنه لم يكن بلغه فقال: «لم يبلغني شيء من ذلك.» # قال: «لأن وزيرك الفضل يتناول أخبار البريد ويخفيها عليك رغبة في منافعه.» فشكر المأمون ~~لعلي حرية ضميره وقال: «أذكر أن الفضل قال لي إن أهل بغداد أقاموا إبراهيم بن المهدي أميرا ~~عليهم لا خليفة.» # قال: «إن الفضل قد كذبك. والخلاف قائم الآن بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم، والناس ينقمون ~~عليك مكانه ومكان أخيه الفضل، ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك.» فقال المأمون: «ومن يعلم ~~هذا؟» # فسمى له رجالا اطلعوا على ذلك فاستقدمهم المأمون، وسألهم بعد أن أعطاهم الأمان من الفضل ~~وكتب لهم خطه به، فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي، وأن أهل بغداد قد سموه الخليفة ~~السني، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان علي منه. فلما سمع المأمون ذلك أثنى على علي ~~وصرفه، ولما خلا بنفسه أخذ يفكر في أمره فصمم على قتل الفضل، ولكنه خاف من بقاء علي الرضا ~~وليا للعهد، وأنه إذا لم يقتل ظل موقفه حرجا. # وبلغ سلمان ما كان من علي وما قصه على المأمون، فعلم أن التمرة قد نضجت، فدخل على المأمون ~~في خلوة فلمح له المأمون تلميحا فهم مراده منه، وانصرف يعد المكائد ويغتنم الفرص. # وسافر المأمون إلى بغداد سنة 202ه، فلما وصل إلى سرخس وثب قوم على الفضل في الحمام فقتلوه، ~~وكان ذلك بمساعي سلمان، فحاكم المأمون الذين وثبوا عليه وقتلهم، وبعد أن وصل المأمون إلى ~~بغداد بقليل شاع ms196 مقتل علي الرضا بأكلة عنب مسموم، وتحدث الناس أن المأمون دس له ذلك العنب، ~~وإنما دسه سلمان. # فنجا المأمون بذلك وظلت الخلافة في أهله، ولكنه ظل خائفا من سلمان فدس إليه من قتله ~~خوفا من انقلابه عليه، فمات جزاء غدره فصح فيه قول بهزاد: «إن الغادر تعود عليه عاقبة غدره.» # أما بهزاد فلم يعد يرى سلمان منذ افترقا يوم خروجهما من عند الفضل، ثم بلغه مقتل الفضل بن ~~سهل وعلي الرضا فأسف لضياع مساعيه في نقل السلطة إلى الفرس، ولكنه تعزى بما وفق إليه من ~~الانتقام لجده وحميه، وعاش مع عروسه في راحة والناس لا يعرفون أنه حفيد أبي مسلم وأنها ابنة ~~جعفر البرمكي. ثم بحث عن سلمان فعلم أن المأمون قتله خوفا من غدره، فقال في نفسه: «ذلك جزاء ~~الخيانة وعاقبة الغدر.» # أما المأمون، فبعد أن جاء بغداد تزوج ببوران بنت الحسن بن سهل ترضية لأبيها عما لحق بأخيه؛ ~~فإن سبب قتله لم يخف عليه. ولزفاف بوران احتفال محفوظ في بطون التاريخ. ms197