######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.ArmanusaMisriyya.Hindawi71858151 #META# Tags: novels #META# ID: 71858151 #META# Title: أرمانوسة المصرية #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية أرمانوسة المصرية‏ # 1 - فذلكة تاريخية‏ # 2 - أرمانوسة بنت المقوقس‏ # 3 - أركاديوس‏ # 4 - المسيحيون ومظالم الرومان‏ # 5 - الاحتفال بضحية النيل1‏ # 6 - أرمانوسة في بلبيس‏ # 7 - عمرو بن العاص‏ # 8 - يوقنا وأرمانوسة‏ # 9 - أركاديوس يبحث عن أرمانوسة‏ # 10 - لقاء الحبيبين‏ # 11 - العرب في بلبيس‏ # 12 - فتح الحصن‏ # 13 - عقد الصلح‏ # 14 - فسطاط عمرو‏ # 15 - فتح الإسكندرية‏ # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية أرمانوسة المصرية‏ # 1 - فذلكة تاريخية‏ # 2 - أرمانوسة بنت المقوقس‏ # 3 - أركاديوس‏ # 4 - المسيحيون ومظالم الرومان‏ # 5 - الاحتفال بضحية النيل1‏ # 6 - أرمانوسة في بلبيس‏ # 7 - عمرو بن العاص‏ # 8 - يوقنا وأرمانوسة‏ # 9 - أركاديوس يبحث عن أرمانوسة‏ # 10 - لقاء الحبيبين‏ # 11 - العرب في بلبيس‏ # 12 - فتح الحصن‏ # 13 - عقد الصلح‏ # 14 - فسطاط عمرو‏ # 15 - فتح الإسكندرية‏ # | أرمانوسة المصرية # | أرمانوسة المصرية # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # هرقل: # إمبراطور الرومانيين. # عمرو بن العاص: # فاتح مصر. # المقوقس: # والي مصر عندما فتحها العرب. # أرمانوسة: # ابنة المقوقس. # قسطنطين: # ابن هرقل وخاطب أرمانوسة. # بربارة المصرية: # مربية أرمانوسة. # أركاديوس: # ابن الأعيرج القائد الروماني. # أرسطوليس: # ابن المقوقس. # زياد العربي: # صاحب يحيى النحوي. # وردان: # مولى عمرو بن العاص. # عبادة بن الصامت: # أحد قواد العرب. # المندقور الأعيرج: # قائد جند الروم. # | مراجع رواية أرمانوسة المصرية # هذه المراجع هي التي اعتمد عليها المؤلف في سرد حوادث الرواية: # الخطط للمقريزي. # تاريخ الطبري. # تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان. # تاريخ الواقدي. # تاريخ ابن هشام. # تاريخ ابن الأثير. # تاريخ ابن خلدون. # حسن المحاضرة للأسيوطي. # تاريخ عبد اللطيف البغدادي. # مؤلفات: شامبليون، ومارسيل، وماريت، وولكنسن، وشارب. # العقد الفريد. # الفصل الأول # | فذلكة تاريخية # فتح الرومانيون وادي النيل، وأقاموا به قرونا ظهر في أثنائها الدين المسيحي وانتشر في ~~العالم، ودخل الديار المصرية فاعتنقه المصريون، وهم الأقباط، ثم اتخذته الدولة الرومانية ~~دينا لها بدلا من الوثنية، وهدمت تماثيلها. # ولكن ما كادت تستقر الأمور حتى حدث نزاع ديني بين كهنة القسطنطينية عاصمة المملكة ~~الرومانية الشرقية، وكهنة الإسكندرية عاصمة الديار المصرية، واشتد هذا النزاع حتى تسكنت ~~الضغائن بين الرومانيين، وهم الفئة الحاكمة، وبين ms001 الأقباط وهم الشعب المحكوم، وعرف المذهب ~~الروماني بالملكي، والمذهب المصري باليعقوبي، فآل ذلك إلى نفور الأقباط من الرومانيين ~~واستبدادهم، وإلى رغبتهم في التخلص من نيرهم بأية وسيلة. # وفي أوائل القرن السابع الميلادي ، كان يحكم مصر وال يوناني الأصل. اسمه المقوقس حنا بن ~~قرقت، وقد يدعونه بأسماء أخرى، وكان متشيعا لأهلها ومذهبهم وتقاليدهم، وأقام بالإسكندرية ~~شأن ولاة الرومانيين إلى ذلك العهد؛ لأنها كانت عاصمة الديار المصرية ومقر الإمارة فيها. ~~ولم تكن القاهرة قد وجدت بعد، بل كان في مكانها بساتين وغياض يتخللها بعض الأديرة والكنائس، ~~وقليل من البيوت مبعثرة بين جبل المقطم والنيل، وإلى جنوبها بلدة صغيرة اسمها بابل، بناها ~~الفرس حين قدموا مصر قبل الميلاد ودعوها باسم عاصمة دولتهم، وكان موقعها فيما هو الآن دير ~~مار جرجس وما جاوره من البيوت، وجامع عمرو بن العاص، وبعض مصر القديمة. ~~••• # وكان في وسط تلك البلدة حصن كبير يدعى حصن بابل، أو قصر الشمع، مبني على الطراز الروماني، ~~هو الذي يقوم في مكانه الآن دير مار جرجس، وكان النيل يجري أمامه، وتلاطم أمواجه بابا ~~كبيرا من أبوابه، ما زال رسمه باقيا في سوره الغربي حتى الآن، وقد طمرت الأتربة أسفله حتى ~~لم يعد ظاهرا منه إلا عتبته العليا، إلى أن أزالت الحكومة تلك الأتربة، فظهر الباب كله. ~~وهو قائم بين برجين كبيرين مستديري الشكل، في أحدهما كنيسة المعلقة حتى الآن ولكن بناءها ~~تهدم. ~~••• # أما مصر القديمة - ما بين هذا الحصن إلى النيل - فلم يكن لها أثر البتة؛ لأن النيل كان ~~يجري في موضعها بجانب الحصن كما قدمنا، وكان بين هذا الحصن وجزيرة الروضة جسر من السفن، يمر ~~عليه الناس من البر الشرقي إلى الجزيرة، وجسر آخر من الجزيرة إلى البر الغربي يمرون عليه ~~إلى الجزيرة ومنها يذهبون إلى منف - عاصمة مصر القديمة - حيث كان المقوقس يقيم بعض أشهر ~~الشتاء. برغم أنها في عهده كانت قد انحطت وكادت تئول إلى الخراب. # ولم يكن للأقباط هم في تلك الأيام إلا التخلص من الرومانيين والتحدث بفظائع ms002 أعمالهم ~~وظلمهم واستبدادهم، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون المجاهرة بعداوتهم، خوفا من سخطهم وزيادة ~~الضغط عليهم. # الفصل الثاني # | أرمانوسة بنت المقوقس # كان للمقوقس ابنة في ريعان الشباب، جمعت بين الجمال الروماني واللطف المصري اسمها ~~«أرمانوسة»، وقد خصها الله بلين الجانب وحسن الخلق حتى ضرب المثل بجمالها وذكائها، وكان ~~والدها يحبها حبا جما؛ لأنه لم يكن له إلا هي وابن اسمه أرسطوليس، فأباح لها التصرف في ~~بيته وجعل لها الأمر والنهي في خدمه وحاشيته، وكان هرقل إمبراطور الرومانيين قد سمع بها ~~فخطبها لابنه قسطنطين، وشاع ذلك وذاع حتى تحدث به الخاص والعام وحسدها الناس عليه، لكنها لم ~~تكن راضية بهذا الزواج وإن لم تظهر شعورها لئلا يصيبها أو يصيب والدها سوء، بل كظمت غيظها ~~وصبرت على مضض، حتى يأتي الله بأمر من عنده. # وفي سنة 640 للميلاد كان المقوقس مقيما بالإسكندرية على عادته ومعه حاشيته، وكلها من ~~المصريين والمصريات وبعض الأحباش، وليس فيها أحد من الروم، وكانت أرمانوسة في قصره بمنف، في ~~البر الغربي من النيل وراء الجيزة، وكان ذلك القصر فخما عظيما أقيم بأنقاض بعض هياكل ~~المصريين القدماء ويشرف على النيل، وتحف به حديقة غناء، وفيها من أغراس الكرم والنخيل ~~والشجر ذي الثمر والرياحين ما يبهج النظر، وبينا هي في قصرها ذات ليلة صافية الجو إذ أحبت ~~الخروج للتنزه في النيل، فكلفت خادمتها الخاصة - واسمها بربارة - أن تكلف بعض الخدم بإعداد ~~قارب تنزل فيه، فأعدوه لها، ونزلت وقد لبست ثوبا سماوي اللون يجر ذيله وراءها، وضفرت شعرها ~~من أعلاه ضفيرة واحدة بإكليل صغير من الحجارة الثمينة مصنوع على شكل رأس الحية مثلما صنع ~~قدماء المصريين، وأرخت الضفيرة على كتفيها، والجواري محدقات بها، وخادمتها الخاصة تحمل طرف ~~ثوبها من ورائها لئلا يمس الأرض، ولو أنه مسها لا خوف عليه؛ لأنها مرصفة بالرخام النقي، ولأن ~~طرق الحديقة مرصوصة بالفسيفساء، فتجاوزت الحديقة إلى بابها الشرقي، وكان شاهقا قد نقش على ~~عتبته العليا رسم أوزيريس باسطا جناحيه، ومصراعاه من خشب الجميز الصلب، وعليه من النقوش ms003 ~~البديعة ما يشغل النظر، وأمامه من الناحيتين تمثالان كبيران لأبي الهول، وسارت بين صفين من ~~شجر الجميز حتى أتت الشاطئ، فنزلت إلى القارب على رصيف قديم البناء عليه نقوش هيروغليفية، ~~وكان القارب مفروشا بالبسط المزركشة، فجلست في صدره وبين يديها جواريها، وقد أرخى النوتية ~~الشراع فسار القارب الهوينى يخترق عباب النيل، والجو صاف وأشعة القمر تنعكس على سطح الماء ~~وتتكسر وتتلألأ، وإلى كل من جانبي النيل غياض ومغارس للنخيل والدوم، ومن ورائها كروم العنب ~~وغيرها، تتخللها قرى صغيرة وأبنية فخمة معظمها من الهياكل والتماثيل، وأعظمها قصور منف ~~تتخللها الهياكل والأصنام العظيمة؛ لأن هذه المدينة برغم عوامل الحدثان كانت ما زالت أبنيتها ~~شامخة تناطح السحاب، وبخاصة أهرامها المعروفة الآن بأهرام سقارة. # وسار القارب بأرمانوسة وجواريها بين يديها، وقد أخذن يعزفن على الآلات، وعلى ضفة النيل ~~شجر البردي متكاثف يتمايل كالسكارى، ولم يكن يسمع عند مسير القارب إلا صوت الموسيقى يتخلله ~~حفيف ورق البردي ونقيق الضفادع بين أغصانه، وقد اختفى بين هذا وذاك صوت القارب في اختراقه ~~عباب الماء، والطبيعة هادئة والنسيم لطيف، وبربارة لا تفتر لحظة عن تسلية سيدتها بطريف ~~حديثها وغريب قصصها. أما أرمانوسة فكانت مضطربة البال لا تبتسم إلا تكلفا، كأنها تريد ~~نسيان ما يخامرها من الهواجس، وتود الانشغال عنها بمناظر الطبيعة، فلما أدركت وصيفتها ذلك ~~جعلت تبالغ في تسليتها، تارة بالأحاديث المضحكة، وطورا بالإطناب في جمالها، وقد لحظت ~~انقباضها من قبل وحاولت استطلاع كنهه فلم تستطع. # وبعد أن سار القارب مسافة، رأت أرمانوسة أنها قد بعدت عن المدينة فخافت أن يهاجم التمساح ~~القارب فأمرت النوتية بالرجوع، فأداروا الدفة وعادوا، وكفت العازفات عن العزف فاستولى ~~السكون على الجمع كأنهن شاركن الطبيعة صمتها، وكل منهن تنظر إلى ما حولها من الماء والشاطئ، ~~تتأمل ذلك المنظر وتستأنس بنقيق الضفادع، وعلى وجوههن أمارات السرور إلا أرمانوسة، فإنها ما ~~برحت منقبضة النفس، ثابتة النظر إلى جهة من جهات الشاطئ عن بعد، وبربارة تسارقها اللحظ ~~وتراقب حركاتها وسكناتها، فإذا بها قد أخرجت منديلا من ms004 جيبها مسحت به عينيها وهي تحذر أن ~~يراها أحد، فأمعنت بربارة النظر في تينك العينين المكحلتين بالسواد فإذا بهما تتلألآن وقد ~~تناثرت الدموع منهما بغتة، فاضطرب قلبها وأرادت الاستفهام منها عن السبب، ولكنها أمسكت حتى ~~لا تحرجها، وعولت على استطلاع الحقيقة عند عودتهن إلى القصر، على أنها أخذت تتقاذفها ~~الهواجس؛ إذ لم تدر موجبا لبكاء سيدتها وقد توافرت لها كل أسباب السعادة، وليس في وادي ~~النيل فتاة أحسن حالا ولا أسعد حظا منها؛ فإنها ابنة الحاكم الآمرة الناهية، وكل أهل ~~البلاد في خدمتها، وقد خصتها العناية الإلهية بجمال وصحة وسعة عيش حتى نالت حظوة في عيني ~~إمبراطور الرومان فخطبها لابنه، فخافت بربارة أن يكون أمرا ذا بال. ~~••• # عاد القارب إلى منف ورسا بهن إلى جانب القصر، فنهض الجميع ونزلت أرمانوسة وسارت بين شجر ~~الجميز، والخدم بالمصابيح أمامها حتى أتت باب الحديقة فوقفت لحظة مسندة يدها إلى أحد ~~التمثالين، والتفتت إلى النيل كأنها لم تشبع بعد من منظره، ثم دخلت الحديقة وتحولت إلى بعض ~~طرقها ففهمت الجوار أنها تريد التجوال بين الأزهار والرياحين قبل دخول القصر، فتحولن كل إلى ~~مخدعها، إلا بربارة فقد رافقت سيدتها وهي لا تزال تراقب حركاتها وسكناتها، فرأتها قد مشت في ~~الحديقة لا تدري إلى أين تسير، ولا يلفتها صوت النعام السارح ببعض جوانب الحديقة، ولا أصوات ~~الكراكي وغيرها من الطيور هناك، ثم تحولتا إلى القصر فدخلتاه وسارتا توا إلى غرفة النوم، ~~وكانت الجواري قد أضأنها بالشموع والمصابيح، وجعلن إكليلا من الزهور في إناء على مائدة ~~فاخرة في وسط الغرفة مصنوعة في سوريا، من خشب الأرز، تفوح منها رائحة ذكية، كان قد أهداها ~~إلى أبيها بعض أصدقائه الرومانيين في صيدا. # لكن أرمانوسة ما لبثت أن انسلت من الغرفة إلى شرفة مطلة على الحديقة والنيل وراءها، ~~ورائحة الأزهار قد ملأت الجو، وهناك كرسي مجلل بالحرير جلست عليه، ووقفت بربارة تنتظر أمرها ~~وتسترق النظر إليها فلاحظت أنها لا زالت مضطربة، لم تزدها تلك النزهة إلا انقباضا، وبعد ~~قليل قامت ms005 أرمانوسة إلى سريرها، ونزعت حليها بمعاونة بربارة ثم استلقت تبغي الراحة لا النوم، ~~فلبثت بربارة واقفة، تهم بسؤال سيدتها عن سبب اضطرابها فيمنعها التأدب، ثم نظرت إليها فإذا ~~هي تتلهى بالنظر إلى ما على جدران الغرفة من الصور الملونة، وفيها رسوم الطير والحيوان، ثم ~~رأتها أطرقت تنظر إلى أرض الغرفة كأنها تتأمل أشكال الرسوم الجميلة المطرزة على الأبسطة، ~~وهي تردد الزفرات وتتنهد خفية وقد أعياها الانقباض، فلم تستطع بربارة مغالبة البكاء لفرط ~~حبها لسيدتها وغيرتها عليها، فجعلت تمسح عينيها حتى أدركت أرمانوسة ذلك، وخافت افتضاح أمرها ~~فخاطبت بربارة قائلة: «ما بالك يا بربارة؟ هل تبكين؟» # فتقدمت بربارة إلى جانبها تحاول مغالطتها وقالت: «ليس هناك يا سيدتي ما يبكيني وأنت بنعمة ~~الله في صحة تامة وعيش رغيد، إني سعيدة ما دمت أنت كذلك.» # قالت: «ولكنني أراك تبكين.» # قالت: «كلا يا سيدتي، وإذا رأيت في عيني دموعا فإن هي إلا دموع الفرح؛ إذ كل ما من الله ~~به عليك من أنعامه وبركاته إنما هو مدعاة لفرحي، ألا تعلمين أن أصدقاءك يغبطونك وأعداءك ~~يحسدونك على ما قدر الله من وقوعك موقع الاستحسان لدى مولانا الإمبراطور حتى خطبك لابنه؟ ~~ولا ريب عندي أنك أهل له وهو أهل لك؛ فإن قسطنطين من أحسن الناس جاها، وكفاه فخرا أنه ابن ~~الإمبراطور هرقل، وعما قليل يعود من حروبه مع العرب فتتم سعادتك بالاقتران به.» # فتنهدت أرمانوسة تنهدا خفيا كأنها تذكرت مصائبها، وأسفت لما هي فيه من الكدر مع ما ~~خصتها به العناية من أسباب الرفاهية، ومالت إلى مكاشفة وصيفتها بمكنونات قلبها عساها أن ~~تفرج كربتها، وكانت تثق بها كل الوثوق لأنها ربتها منذ نعومة أظفارها، وقد اختبرت صداقتها ~~وإخلاصها، ولكن الحياء غلب عليها فأمسكت عن التكلم لحظة وهي شاخصة إلى نافذة غرفتها المشرفة ~~على النيل، وقد امتلأ بضوء القمر، ولكنها ما لبثت أن أجهشت بالبكاء على غير إرادتها. # فتقدمت بربارة إلى جانب السرير وجثت على ركبتيها، وأمسكت يد أرمانوسة بين يديها وجعلت ~~تقبلها تكرارا ودموعها تتساقط عليها ms006 وهي تقول: «من منا الباكية يا حبيبتي؟ أتسألينني عن ~~سبب بكائي وأنت تبكين؟ أستحلفك بالله أن تطلعيني على سبب اضطرابك، فقد ضاق صدري وأنا ممسكة ~~نفسي عن الاستفهام حتى عيل صبري.» قالت ذلك ونظرت إلى سيدتها فإذا بها قد أغرقت في البكاء، ~~وجعلت المنديل على عينيها لتخفي ذلك عليها، فأمسكت بيدها الثانية وألحت عليها وقبلت يديها، ~~ثم قبلتها بين عينيها وترامت على قدميها وقالت لها: «أستحلفك بحياة سيدي أبيك أن تخبريني عن ~~سبب بكائك ولا تخفي علي شيئا، وأنت تعلمين تعلقي بك وإخلاصي لك، لعلي أستطيع تفريج كربتك. ~~أم أنت لا تثقين بي؟» # قالت: «إني واثقة بك كل الوثوق يا بربارة، وأنت تعلمين ذلك، ولكن ليس ثمة ما أخفيه عليك ~~وما أنا باكية ولا ...» # فقطعت عليها الكلام قائلة: «كفى إخفاء ومغالطة، رأيت منك هذا الانقباض منذ أيام، وكنت ~~أخشى أن أثقل عليك بالاستفهام، أما الآن وقد عيل صبري وصرت أخاف عليك فلن أسكت حتى تخبريني ~~أو تطرديني من هذه الغرفة.» # فأمسكت أرمانوسة بيدها وهمت بالجلوس قائلة: «حاشا لي أن أهينك بمثل ما تقولين؛ فإنك ~~بمنزلة الأم عندي؛ فقد ربيتني منذ طفولتي، ولكن ليس عندي ما أخبرك به، أو لعلي إذا أطلعتك ~~عليه تضحكين مني أو تهزئين بي.» فوقفت بربارة قائلة: «معاذ الله أن يصدر مني ذلك وأنت ~~سيدتي ومصدر نعمتي، بل أنت روحي وحياتي، فلا تخشي بأسا من مكاشفتي بما في قلبك، وسأكون ~~مفرجة لكربك بإذن الله، فثقي بي، واكشفي لي عن سر هذا الاضطراب؛ فقد نفد صبري.» # فصمتت أرمانوسة لحظة ثم وقفت ودنت من المنضدة وجعلت تتشاغل بتقليب ما كان عليها من ~~التماثيل الصغيرة، وفيها أشباه أبي الهول والجعلان من الذهب والفضة، ثم عادت إلى السرير ~~مرتبكة تتلهى بتثنية منديلها بين أناملها، وهي تنظر إليه وتحاول التكلم ويمنعها الحياء. ~~فنهضت بربارة وقبلتها وقالت لها: «تكلمي يا حبيبتي لا تخفي علي شيئا، وأنا أقسم لك بمريم ~~العذراء صاحبة هذه الكنيسة (وأشارت إلى جهة حصن بابل حيث كنيسة المعلقة) أن أحفظ ms007 سرك في ~~قلبي، وأكون لك عونا في كل ما تريدين.» # فنظرت أرمانوسة إليها من طرف عينها، وهمت بالكلام فأرتج عليها ثم قالت: «انظري هل لا يزال ~~أحد من الخدم مستيقظا؟» # قالت: «لا تخافي فليس من يتجرأ على الدنو من غرفتك، وسأذهب لأستطلع الأمر.» وخرجت ~~والمصباح في يدها تاركة سيدتها وحدها في الغرفة. # لبثت أرمانوسة تنتظر عودتها، فلما رأتها أبطأت شغل بالها واستولى عليها القلق، ولما ملت ~~الانتظار نهضت من السرير ودنت من الشرفة، وأطلت على الحديقة فسمعت ضوضاء الناس عند الضفة ~~فازداد اضطرابها، فأصغت فإذا بأصوات رجال، ولمحت عند الشاطئ قوارب عديدة وقد خرج منها نفر ~~يسرعون نحو القصر، وأرادت أن تنادي أحدا تستطلع منه الخبر، فإذا ببربارة قد عادت وعلى ~~وجهها أمارات الدهشة، فابتدرتها أرمانوسة قائلة: «ما سبب هذه الجلبة، ومن هم هؤلاء الرجال ~~يا بربارة؟ أخبريني.» # قالت: «طيبي نفسا يا سيدتي ولا تضطربي؛ فليس ثم غير الخير إن شاء الله.» # قالت: «قولي ما الخبر، وما الداعي لهذه الجلبة؟» # فقالت: «إنها من دواعي سروري وسرورك؛ فإن سيدي أباك قد بعث بجماعة من خاصته بمعدات ~~الاحتفال، ليذهبوا بك إلى عين شمس حيث يوافيهم أبوك لكي تسيروا جميعا إلى بلبيس، فتقيمي في ~~انتظار خطيبك ريثما يسير بك إلى القسطنطينية.» ~~••• # اضطربت أرمانوسة عند سماعها الخبر، واشتد بها اليأس حتى تناثرت الدموع من عينيها وغلبها ~~البكاء، فازداد تعجب بربارة وهي لا تفهم لهذا البكاء سببا، فتقدمت إليها وقبلتها وضمتها ~~إلى صدرها، وجعلت تتوسل إليها أن تخبرها بكنه الأمر إلى أن قالت: «لعلك شعرت بالوحشة عندما ~~علمت بالسفر ومفارقة أبيك ومنزلك، ألا تعلمين يا سيدتي أنك ستنتقلين من قصر إلى قصر أعظم ~~منه، ومن بيت مجد إلى بيت مجد أرفع منه؟» # وكانت أرمانوسة تمسح دموعها بيدها، فلما سمعت كلام بربارة مدت إليها يدها وقبضت على ذراعها ~~وقالت: «لا تذكري القصور والمنازل؛ فإن السعادة ليست في الأبنية ولا في العواصم، ولكنها في ~~القلوب والعواطف. دعيني يا بربارة من هذه الأوهام وعزيني بغيرها.» # فعجبت بربارة من ms008 هذا الكلام واستغربته ولم تفهم ما وراءه، وقالت: «بالله يا سيدتي أفصحي ~~عن حقيقة أمرك، فقد أشكل علي فهم الواقع، هل تكرهين الأسفار أم ...» # فقطعت أرمانوسة الكلام قائلة: «ليس ذلك ما يكدرني، ولكنني لا أريد السفر إلى ~~بلبيس.» # قالت: «وهل تكرهينها؟ قولي لأبيك فلا يبعث بك إليها، ويكتب إلى الإمبراطور أن تنتقلي ~~رأسا من هنا إلى القسطنطينية.» # فصاحت أرمانوسة: «لا، ولا أحب القسطنطينية ولا ساكنيها ولا من تسمى باسمها، ولا أحب ~~البقاء في الدنيا من أجلها.» # فأدركت بربارة أن سيدتها لا تريد الاقتران بقسطنطين، ولكنها تجاهلت وأعادت السؤال بإلحاح ~~قائلة لها: «إلى هذا الحد تخفين مقاصدك علي؟ أم لعلك لا تريدين قسطنطين؟» # فأجابتها على الفور: «نعم لا أريده. لا أريده.» # فبهتت بربارة عند سماعها ذلك وقالت: «ولماذا يا مولاتي؟» # فابتدرتها أرمانوسة قائلة: «لا تسأليني، فإني لا أريده، ولن أريده.» # وأجهشت في البكاء حتى علا صوتها، فجعلت بربارة تخفف عنها وتهون عليها إلى أن قالت: «إذا ~~كنت لا تريدينه فدعيه وشأنه، ولا تحزني ولا تكدري نفسك.» # فتنفست أرمانوسة الصعداء وقالت: «نعم لا أريده، ولكنني لا أستطيع التخلص منه، وأبي قد ~~اتفق مع أبيه على أن يلقيني بين يديه، ولست أفقه غرضه من ذلك.» # فقالت بربارة: «إذا أصر أبوك على عزمه، ولم تري سبيلا للخلاص فأرى أن تطيعيه، وأنا واثقة ~~كل الوثوق أنه لم يقبل زفافك إلى قسطنطين إلا وهو يرى ذلك سببا لسعادتك، ولا أظن تمنعك إلا ~~خوفا من الاغتراب والابتعاد عن البيت الذي ربيت فيه، وهذا ما تشعر به كل فتاة تنتقل من بيت ~~إلى آخر، أو من مدينة إلى أخرى عند الزواج. أما إذا تم الأمر وصرت كنة الإمبراطور، فسيذهب ~~عنك هذا الخوف ويسكن روعك.» # فتنهدت أرمانوسة وقالت: «كيف يسكن هذا القلب وهو ليس معي؟! فإذا سافرت إلى القسطنطينية فإني ~~أسافر بلا قلب.» # فأدركت بربارة أنها عالقة بغير قسطنطين، وأن هذا سبب عزوفها عن الاقتران به، وأرادت ~~استطلاع مكنونات قلبها فأمسكتها بيدها وخرجت إلى الشرفة لتلهيها عن هواجسها، ثم ms009 تعود ~~فتستطلعها حقيقة أمرها. # وكان النيل قد انعكس نور القمر على صفحته حتى تلألأت كالبلور، وظلال شجر البردي والنخيل ~~قائمة على الشاطئ كأنها سابحة في الماء، فلبثت أرمانوسة صامتة مأخوذة، غارقة في بحار ~~الهواجس، لم يشغلها شاغل، ولا انتبهت لحركة القوارب الراسية هناك، ولا إلى لغط الذين جاءوا ~~لحملها إلى بلبيس. أما بربارة فصمتت هي الأخرى ولبثت تنتظر ما يظهر من سيدتها وهي تتأمل ~~حالها وتجول بأفكارها، وتراجع سيرة حياتها لعلها تتذكر حكاية تكشف لها عن هذا اللغز فلم ~~تهتد، فعادت إلى حديثها فقالت وقد أرادت أن تمازحها: «ولكنني لم أفهم مرادك من قولك أنك ~~تسافرين بلا قلب، فأين تتركين قلبك؟ ألا تخافين عليه العدو ونحن في حرب؟» # فقالت: «لا أخاف عليه الحرب، ومهما يكن من أمره فإنه يصبح في حال آمن له من حاله في ~~القسطنطينية.» # فأرادت مداعبتها ثانية فقالت: «ولكن القسطنطينية آمن لك؛ فالبلاد هنا بين خطرين عظيمين، ~~إذا سلمت من أحدهما لا تسلم من الآخر.» # فوقع قول بربارة من أرمانوسة موقعا غريبا فأحبت معرفة حقيقة الواقع، وسألتها: «وكيف ~~ذلك؟» # قالت: «هل يخفى على سيدتي حالنا مع الروم واضطهادهم إيانا، وما بين أبيك وبينهم من ~~الضغائن، وكم سامونا نحن الوطنيين أنواع العذاب، لما بيننا وبينهم من اختلاف في المذهب؟ ~~إنهم يقتلون كهنتنا وينفون بطاركتنا ونحن كاظمون الغيظ، صابرون على البلوى، حتى لقد سمعت ~~سيدي والدك يتمنى أن يأتينا من يخلصنا من جور هؤلاء الحكام.» فقطعت عليها أرمانوسة الكلام ~~وقالت: «إنني أعجب لشكوانا وشكواكم، وأنت المصريون أهل البلاد أكثر عددا من هؤلاء الروم ~~وهم غرباء قليلون، فلماذا لا تخرجونهم من بلادكم؟» # فتبسمت بربارة وقالت: «صدقت يا حبيبتي إننا أكثر عددا ولكنهم أصحاب السلطة، وفي أيديهم ~~الحصون والمعاقل، وهم الحاكمون ومنهم العساكر والقواد، ولا تظني أن المصريين لم يحاولوا هذا ~~الاستقلال، ولكن دولة الروم كبيرة فكانت تبعث إلينا بجنود لا قبل لنا بهم، وأنت تعلمين أن ~~أباك يوناني الأصل ولكنه يحب أبناء البلاد ويميل إلى الأحزاب الوطنية لأنه يراهم على ms010 حق. ~~وخلاصة القول إننا أبناء وادي النيل لا نحب هؤلاء الرومانيين مهما يبالغوا في إكرامنا، فقد ~~كرهتهم نفوسنا؛ وبخاصة لأنهم أهانوا بطاركتنا، ولا يزال بطريركنا بنيامين فارا من وجوههم ~~لا يعرف مقره إلا القليلون، وكلنا نشكو جور البطريق الروماني المقيم بالإسكندرية مع رجاله ~~وجنده، على أني سمعت سيدي والدك مرارا يتحدث عن قرب الفرج والتخلص من نير هؤلاء، ومما حكاه ~~مرة لرجال مجلسه - وقد سمعته خفية - أنه جاءه منذ سنين رجل من بلاد العرب الذين يسكنون ~~جنوبي هذه البلاد يحمل رسالة مكتوبة باللغة العربية ترجمها الترجمان إلى لغتنا القبطية فإذا ~~هي من كبير العرب، وهو رجل عظيم سن دينا جديدا وتبعه جمع غفير، وكل رجاله أشداء أقوياء، ~~وقد طلب منه في ذلك الكتاب أن يترك ديانة السيد المسيح ويتبع ديانته، وبينما كان سيدي يروي ~~قصته أخرج الكتاب من جيبه فإذا هو جلد جاف مكتوب بلغة القوم، وقد سر سيدي بمجيء هذا الكتاب ~~ولكنه لم يرد أن يغير دينه، فبعث إلى ذلك العربي الكبير هدايا من بينها ثلاث جوار إحداهن ~~مارية، التي كانت عندك وكنت تحبينها، ومعهن أيضا مقدار من العسل الذي يحمل إلينا كل سنة من ~~مدينة بنها، وأرسل إليه يقول إنه لا يستطيع أن يسلمه البلاد بلا أمر من صاحبها هرقل ملك ~~الرومانيين وهو في القسطنطينية. وبعد أن أتم سيدي قصته، ذكر أنه يفضل أن يستولي العرب على ~~هذه البلاد لينجو من هؤلاء الظالمين، وسمعت جميع الحاضرين يصوبون رأيه، ولكنهم أصروا جميعا ~~على أن يبقوا على دينهم. # وقد مضى على ذلك عدة سنوات، إلى أن حدث منذ بضعة أشهر أن جاء قارب فيه رسول من البدو قد ~~التف بالشملة وعلى رأسه ثوب مطوي، وطلب مقابلة سيدي فأذن له، فدخل وأعطاه كتابا، ولا أدري ~~ما دار بينهما، ولكنني رأيت سيدي قد سافر إلى الإسكندرية في اليوم التالي وطلب إلى كل من ~~رأى ذلك البدوي ألا يذكر عنه شيئا، ولبثت من يوم ذهابه أفكر في سبب قدومه، وظننته جاء في ~~مهمة ms011 خاصة، وقد فهمت من بعض هؤلاء القادمين أن العرب قد قاموا من بر الشام ولعلهم قادمون ~~إلى مصر، ولكننا لا نعلم من أي طريق يأتون، وفهمت من هؤلاء الرجال أيضا أن مولاي أمر الجند ~~الذي تحت إمرته أن يذهبوا مع قائدهم الرومي (المندقور الأعيرج) ويقيموا في حصن بابل مقابل ~~الجيزة، ولعله يريد بذلك أن يمنع العرب إذا قدموا من دخول عاصمة البلاد.» # وكانت أرمانوسة أثناء كلام خادمتها مصغية كل الإصغاء وعلى وجهها أمارات الوجل، فلما وصلت ~~إلى قولها: «وأمر الجند أن يذهبوا مع قائدهم الرومي الأعيرج ...» علا وجهها الاحمرار بغتة، ~~ولكنها أخفت ذلك وقالت: «كيف تقولين إن أبي يريد أن يسلمهم البلاد ليخلص من الروم، ثم ~~تقولين إنه يستعد لقتالهم ودفعهم؟» فقالت بربارة: «نعم إنه يود ذلك، ولكنه لا يصرح به، بل ~~يسره في ضميره؛ لأن القوة الظاهرة هنا كلها للروم، وكل جند القطر المصري منهم، فإذا علموا ~~قصده فلا شك أنهم يقتلونه ويقتلوننا كلنا.» # فلما سمعت أرمانوسة ذلك صمتت لا تبدي حراكا وكانت قد جفت دموعها وزالت هواجسها، ولكنها ~~عندما ذكرت بربارة الحصن والأعيرج عاودتها تلك الهواجس وعاد الانقباض إلى وجهها، وقالت ~~بلهفة: «وهل أتى الأعيرج الآن إلى الحصن؟» # قالت: «نعم أظنه قدم ومعه كل رجاله.» قالت: «وهل جاء معه أولاده أيضا؟» # قالت: «لا أعلم، وفي كل حال، ماذا يهمنا من أولاده؟! لا أبقاه الله ولا أبقى أولاده؛ فإنهم ~~يستوجبون النار.» # فأمسكتها أرمانوسة من يدها وقالت: «لا تلعني ولا تسخطي.» # وترقرقت الدموع في عينيها، فعجبت بربارة لهذه المظاهر ولكنها حملتها على محمل الخوف، وأنها ~~أبت اللعن تورعا لكيلا يصاب والدها بسوء فقالت لها: «ألا تجوز اللعنة على القوم الظالمين ~~يا بنيتي؟» # قالت: «هبي أنها تجوز ولكن ...» وصمتت وراحت تبكي. # فقالت بربارة: «ما بالك تبكين يا سيدتي؟ وما الذي حملك على البكاء ونحن لم نكد نصدق أنك ~~كففت عنه؟» # فتنهدت تنهدا عميقا وألقت بنفسها على صدر بربارة، وقد خارت قواها وأخذ منها الهيام ~~مأخذا عظيما، ثم تحولت إلى الغرفة وهي ms012 تقول: «إني أنشد نصحك يا خالتي فدبريني برأيك، ~~واكتمي أمري، وساعديني في مصيبتي، فإن كانت حالتي تستحق البكاء قبل أن رويت لي حكايتك هذه، ~~فإنها الآن تستوجب النوح والندب. آه من هذا القلب ، آه يا أركاديوس!» # فنهضت بربارة وضمتها إلى صدرها وقبلتها، ومسحت دموعها وعرقها المتساقط من جبينها، وأخذت ~~تهون عليها، وفهمت من حديثها أنها مولعة بأركاديوس بن الأعيرج الروماني، وهو شاب جميل شجاع ~~يحبه كل من عرفه، وكان يأتي أحيانا لزيارة المقوقس مع ما بين هذا والرومانيين من التنافر، ~~وكان إذا التقى بأرمانوسة تسارقا اللحظ وتراسلا بالرموز وقلما تكلما. لكن بربارة تجاهلت ~~فضمت أرمانوسة إلى صدرها قائلة: «مرحبا بك يا سيدتي وحبيبتي، إني رهينة أمرك، قولي ما بدا ~~لك، واشرحي حالك، لا تخافي على سرك، فقد قلت لك مرارا إن هذا الصدر خزانة أسرارك، وهذه ~~الحواس كلها تقوم على خدمتك، لا أراك الله ضيما.» # فجلست أرمانوسة على مقعد وتناولت المنديل بيدها ومسحت عينيها ووجهها، وأرسلت شعرها إلى ~~الوراء، وكان قد استرسل على خديها عندما ترامت على مربيتها، وأجلست بربارة إلى جانبها ونظرت ~~إليها بطرف ذابل قد تكسرت أهدابه من البكاء وغلب عليها الحياء وقالت: «ماذا أقول لك وحالي ~~ظاهرة مع مبالغتي في إخفاء حقيقتها عنك، آه من الحب ما أحلاه وما أمره!» # فأمسكتها بربارة بيدها وأخذت تقبلها قائلة: «قولي يا حبيبتي، ليس في الحب عار، ألم أقل ~~لك إنك بمنزلة ابنتي، وقد ربيتك وعقدت النية على خدمتك إلى آخر حياتي؟» # فتنهدت أرمانوسة وأسندت رأسها إلى كتف بربارة برهة في صمت، ثم عادت فقالت لها: «إني قد ~~وقعت في الحب، ولكن لا سبيل إلى بلوغ مرامي؛ لأني أحب عدوا لوالدي كما نطقت أنت، إني أحب ~~أركاديوس بن الأعيرج، فكيف لا أندب حظي؟!» # فقبلتها بربارة وجعلت تخفف عنها قائلة: «لا تيأسي يا بنيتي من نعمة الله، فأنا نصيرة لك ~~ولحبيبك إلى الممات. أما أنت فإنك بالغة المراد بإذن الله فلا تخافي، وعلي تدبير هذا الأمر، ~~طيبي نفسا ولا تجزعي.» # فانتعشت أرمانوسة ms013 وصاحت قائلة: «أصحيح ما تقولين؟ هل تسمح الأيام بذلك؟ آه، إني إن نلت ~~مرامي أكن أسعد فتاة على وجه هذه البسيطة، وإلا فأنا أشقى خلق الله.» # فقالت لها: «لا سمح الله بما يضرك . قري عينا واعتصمي بالصبر الجميل، وعلي ضمان ما ~~تريدين، ولكن أخبريني كيف عرفت هذا الشاب وكيف علقت به؟ وهل هو يحبك مثل حبك له؟» # فتأوهت أرمانوسة وقالت: «لا تسألي عما جرى كيف جرى، فهذا هو الواقع. أما حبه لي فلا أشك ~~فيه، وربما كان عنده ضعف ما عندي، وقد عرفت ذلك جيدا، فدبري الأمر بحكمتك.» # فقالت بربارة: «سكني روعك الآن، ولنعمل الفكرة في وسيلة توصلنا إلى المرام، فاتركي هذه ~~المخاوف، وهلمي الآن إلى الفراش فقد آن وقت الرقاد، وفي الغد نرى ما يكون.» # فقالت أرمانوسة: «من أين يأتيني الرقاد وأنا على هذه الحال؟! ولكنني سأذهب إلى فراشي ~~التماسا للراحة، وأرجو أن تتحققي أكان أركاديوس في جملة من دخلوا الحصن مع المدافعين أم هو ~~باق في الإسكندرية أو في مكان آخر؛ لنرى ماذا يكون من أمره وأمر أبي وذلك الخطيب، آه منه!» # فقالت: «طيبي نفسا وقري عينا وتوكلي على الله. أما أبوك فلا تعارضيه واذهبي إلى بلبيس ~~كما أراد، وسنرى كيف ينتهي الأمر، ولا تظهري شيئا من نفورك لئلا يزداد الخرق اتساعا.» # فقالت أرمانوسة: «كيف أستطيع الرضا بهذا الحكم الجائر؟! وكيف أذهب وأنا أخشى ألا أعود؟!» ~~قالت ذلك وأخذت في البكاء، فضمتها بربارة إلى صدرها وأخذت تطمئن بالها وتعدها بإنقاذها من ~~كل شر تخافه وأن تدبر ذلك بنفسها، وكانت أرمانوسة شديدة الاعتماد عليها فأجابت طلبها وذهبت ~~إلى فراشها، ولكنها لما خلت بنفسها عادت إليها هواجسها ولم تستطع الرقاد تلك الليلة قبيل ~~الفجر. # أما بربارة فذهبت إلى غرفتها وهي تعجب لما وقفت عليه من أمر أرمانوسة، وقد خافت عليها من ~~وطأة الحب، ولا سيما أن حبيبها من أعداء أبيها، والبلاد في حالة حرب لا تتيح لها السعي فيما ~~تريد، ولكنها وطنت النفس على ما في وسعها خدمة لسيدتها. # وكانت ms014 بربارة ذات رأي صائب وحيلة محكمة، وسيطرة على من في القصر من الخدم؛ لأنها من أكثر ~~الناس تقربا من المقوقس الذي كان يحترمها ويصغي إلى مقالها، وكانت هي تحب أرمانوسة كثيرا، ~~فلما أقبل الصباح جاءت إلى سيدتها وقد استيقظت من رقادها فأعدت لها ثيابها وأمرت الخدم أن ~~يهيئوا معدات السفر فأعدوا المراكب وأنزلوا فيها المؤن، وجاءوا بقارب خاص لأرمانوسة ~~وحاشيتها، ومضى ذلك اليوم في الاستعداد وأرمانوسة لم تذق طعاما، فلما جن الليل أظلمت ~~الدنيا في عينيها، وهاج بلبالها لعلمها أنها تاركة قصر والدها في الصباح وقد لا تعود له، ~~فقضت الليل في البكاء خفية، وأهل القصر فرحون بسفرها لملاقاة خطيبها، وهم لا يعلمون ~~بمكنونات قلبها إلا بربارة فإنها سألتها قائلة: «أأذهب معك أم أبقى هنا لأستطلع أمر ~~أركاديوس؟» قالت: «إن ذهابي وحدي يشق علي كثيرا؛ إذ ليس بين هؤلاء من أركن إليه فأبثه ~~شكاتي، ولكنني كذلك أود ذهابك إلى الحصن لتري أركاديوس. لعله إذا علم بما سيحل بي شاركك في ~~تدبير وسيلة لإنقاذي، وأنا أعلم أنه باسل، إذا أراد أمرا لم يرجع حتى يناله، وها إني ذاهبة ~~إلى عين شمس لأرافق أبي إلى بلبيس، وسأنتظر خبرا منك قبل وصول ذاك الذي لا أحبه ولا أريده. ~~فإذا أبطأ الفرج فقد تسمعين ما لا يسرك.» قالت ذلك وترقرقت الدموع في عينيها، فبكت بربارة ~~لبكائها وهونت عليها قائلة: «لا، لا سمح الله بأن يحدث غير ما يسرك، فاذهبي على بركة الله ~~وعلي تدبير الأمر ...» # وفي صباح اليوم التالي ارتدت أرمانوسة أفخر ثيابها، وأحاط بها الخدم والجواري، وأنزلوها ~~إلى زورقها الخاص بين الألحان والأنغام، وهي تجر ذيل ثوبها المزركش بألوان تبهج الناظرين، ~~وقد ضفرت شعرها وزينته، وتقلدت حليها الفاخرة وفيها رأس الثعبان المرصع على رأسها، والأقراط ~~في أذنيها، وجعلت على صدرها قلادة من الذهب تتدلى منها زوائد من الذهب، وفي يدها سواران من ~~الذهب الخالص كذلك على شكل ثعبانين ملتفين على معصميها، وفي موضع عيونها حجارة من الزمرد ~~الثمين، وتمنطقت بمنطقة من الحرير المزركش ms015 بالقصب النقي، وأرخت طرفيه إلى جنبيها. # فلما وصلت إلى الزورق أجلسها البحارة في مكانها، وجواريها بين يديها فيهن الحبشيات ~~والنوبيات وبعض الروميات، ونزل الرجال في زوارقهم وقد نشرت الشراع وتحركت المجاديف، حتى إذا ~~مرت الزوارق بالقرب من حصن بابل وقفت برهة ريثما يفتح لها الجسر الموصل بين الحصن وجزيرة ~~الروضة، وهو مصنوع من قوارب مشدود بعضها إلى بعض، تغطيها ألواح غليظة من الخشب، فتلفتت ~~أرمانوسة نحو باب الحصن الجنوبي لعلها ترى حبيبها مارا أو واقفا ولكن القوارب مرت دون أن ~~تراه. # الفصل الثالث # | أركاديوس # مكثت بربارة بقية ذلك اليوم في القصر، وهمت في اليوم التالي بالمسير إلى الحصن قبل قدوم ~~الجيش، فركبت سفينة حتى أتت الجسر الممتد بين الجيزة والروضة فقطعته على قدميها إلى ~~الجزيرة، ثم عبرت الجسر الآخر الممتد بين الجزيرة والحصن، فدخلت من بابه الجنوبي الكبير فلم ~~يعترضها الحرس لأنهم يعرفونها، فصعدت إلى كنيسة المعلقة، فلاقتها الراهبات هناك واحتفين ~~بقدومها لما يعلمن من منزلتها عند المقوقس، فتظاهرت برغبتها في زيارة الكنيسة وتقبيل ~~الأيقونات، ثم أخذت تفكر في طريقة توصلها إلى مرامها، فلما كانت الظهيرة انتشر خبر قدوم ~~الجنود في الحصن، وأخذت الراهبات يتساءلن عن سبب ذلك، فلما علمن بحقيقة الحال جعلن يصلين ~~ويتضرعن إلى الله تعالى أن يلطف بهن ويهيئ ما فيه الخير، ورأت بربارة أن تمكث هناك تلك ~~الليلة تنتظر ما يكون، فلما كان المساء وصل الجنود مدججين بالسلاح، وفي مقدمتهم موكب يرأسه ~~أركاديوس بن الأعيرج وعليه لباس قواد الرومانيين، فلما رأته خفق قلبها قلقا على سيدتها ~~ومكثت تلك الليلة ساهرة تدبر الحيلة، بينما الجند يعدون معدات الدفاع من هدم وبناء، ~~والراهبات يتضرعن إلى الله أن ينجيهن من عاقبة تلك الحرب. # ولما خيم الغسق، سمعن طرقا عنيفا على باب الدير، وجلبة وقرقعة نصال، ففرغت الراهبات، ~~وذهبت أحداهن لفتح الباب وفرائصها ترتعد، فلم تكد تفتحه حتى دخل منه جماعة من الجند الرومان ~~يتقدمهم شاب في لباس فاخر على رأسه الخوذة الرومانية وإلى جانبه السيف الصقيل، وقد تقلد ~~الخنجر ms016 في منطقته وارتدى طيلسانا يجر ذيله وراءه، فلما رأته بربارة عرفت أنه أركاديوس، ~~وسمعتهم يكلمونها بلسانهم فلم تفهم مرادهم، ثم تقدم واحد منهم وكلمها بالقبطية قائلا: «إن ~~القائد يأمركن بإخلاء هذا المكان ليجعله معقلا لفرقة من الجند؛ لأنه واقع فوق باب الحصن.» ~~فنادت بربارة رئيسة الدير وأفهمتها الأمر، فتضرعت هذه إليهم أن يختاروا مكانا غير الدير ~~لأنهن لا يعرفن مكانا يلتجئن إليه سواه، ولكنهم أصروا على عزمهم، ولم ينتظروا رضاءهن بل ~~جعلوا ينتهرونهن ويصيحون بهن، فخرجن يولولن ويصحن باكيات، وخرجت بربارة معهن، ولم يكن أحد من ~~هؤلاء الرومانيين يعرفها، ولو عرفها أركاديوس أو عرف ما جاءت من أجله لأذعن لما أرادت، ~~فذهبت الراهبات وبربارة معهن إلى مأوى تحت الكنيسة كن يدخرن فيه مئونتهن من الطعام والشراب. ~~فجلسن هناك وقد علا صياحهن وعويلهن، فدنت بربارة من الرئيسة وخاطبتها على انفراد، ووعدتها ~~بإعداد وسيلة تنجيهن من تلك الحال. # فقالت الرئيسة: «وما الوسيلة وقد أصبح هؤلاء الجند أبغض إلينا من عدو يغتالنا؟! أما كفانا ~~ما يسوموننا من الخسف والجور وإهانة رجالنا وقتل بطاركتنا، حتى جاءوا يخرجوننا من هذه ~~الكنيسة ليجعلوا أماكن العبادة معاقل وحصونا؟!» # فقالت بربارة: «طيبي نفسا، ولا بد من أن يقتص الله من أهل الجور والفجور، ولا بد لحكمهم من ~~نهاية، وأرجو أن يكون ذلك بخروج هذه البلاد من أيديهم، وما على الله عسير.» # فوقفت الرئيسة وقد خنقتها العبرات، وقالت وهي تمسح دموعها بمنديلها: «أطلب من الله بكرامة ~~العذراء مريم صاحبة هذا الدير أن يسقط في أيديهم ويخرجوا من هذه البلاد على أعقابهم؛ فإن أية ~~أمة تحكمنا بعدهم أخف وطأة علينا منهم.» فقالت بربارة: «آمين، وكل آت قريب.» # وكن أثناء ذلك يسمعن جلبة الجند فوقهن، ينقلون العدة والذخيرة وأدوات الحرب، أما بربارة ~~فما فتئت تفكر في وسيلة تضمن لها الفوز بقضاء مهمتها، وتذكرت سيدتها والحالة التي فارقتها ~~عليها فانفطر لها قلبها، وجعلت تبحث عن طريقة توصلها إلى أركاديوس، ثم رأت أنها إن وصلت ~~إليه فلن تستطع مخاطبته؛ لأنها لا تعرف اللغة ms017 اللاتينية، ثم تذكرت أنه ربي في مصر وتعلم ~~لغتها وهو يفهمها ويحسن التكلم بها، خلافا لبقية أبناء جلدته فقد كانوا يحتقرون لغة ~~الوطنيين وينفرون ممن تعلمها، أما هو فكان ميالا إلى معرفة تاريخ البلاد، كما كان يحب ~~أهلها إكراما لحبيبته، ولكن كيف تصل إليه وهو فيما هو فيه من الانهماك والتأهب للحرب؟ # وقضت معظم الليل في هذه الهواجس لا تستطيع رقادا. # أما أركاديوس فقد دخل الكنيسة مع رجاله ليجعلوها معقلا لهم وتركهم ينزعون الأيقونات، ~~ويحطمون كل ما في طريقهم من الآنية أيا كان نوعها، وأخذ هو يهيئ منازل رجاله ويرتب فرقهم، ~~فجعل كلا منهم في موقفه بسلاحه، ثم نزل إلى الأماكن الأخرى يرقب الجند بالنيابة عن أبيه إلى ~~منتصف الليل، فلما انتهى من مهمته هذه عاد إلى كنيسة المعلقة، وكان الجند قد أعدوا فيها ~~غرفة مشرفة على النيل من نافذة صغيرة، فدخل الغرفة ونزع خوذته وسلاحه، وجلس بجانب النافذة ~~وأطل على النيل وهو يجري بجانب الحصن من غربيه، ويحيط به من الجهات الأخرى البساتين ~~والغياض، وفيها شجر النخيل والكرم، وقد امتد شجر الدوم على ضفاف النيل يتخلله البردي، ومد ~~بصره إلى البر الثاني عن بعد فأشرف على ضفته الغربية، بر الجيزة وما وراءها، وكانت الليلة ~~مقمرة كما قدمنا فوقع نظره على الهرم المدرج في جهات سقارة بقرب منف فاستأنس به لقربه من ~~مقام حبيبته، فتذكر حاله معها وحبه لها، فهاجت عواطفه، وود لو كانت له أجنحة تحمله إليها، ~~وهو على يقين أنها تحبه مثل حبه لها، ولولا ما بين أبيه وأبيها، وبين طائفته وطائفتها من ~~النفور لهان عليه الأمر، ولكن المركب خشن ودون بلوغ المنى خرط القتاد. ~~••• # لبث أركاديوس على تلك الحال حينا لا يتحرك، وقد هدأ الجو ورق النسيم، واستولى السكون على ~~الحصن فلم يكن يسمع فيه صوت غير خرير الماء وملاطمة مجراه لجدار الحصن من جهة، وحفيف سعف ~~النخل على ضفاف النيل من جهة أخرى، ثم هب من غفلته بغتة فتذكر صديقه أرسطوليس شقيق أرمانوسة ~~وما بينهما من ms018 الود والألفة، فقال في نفسه: «لماذا لا أكاشف هذا الصديق بما في قلبي من ~~لواعج الغرام؛ لعله يفرج كربتي أو يرفع عني أثقال هذا الكتمان، فإذا عرف قوة حبي لأخته فقد ~~يأخذ بيدي وينصرني.» وفيما هو في تلك الهواجس إذ سمع وقع أقدام قرب الغرفة، وإذا القادم واحد ~~من رجاله جاء ليخبره بأن القائد أرسطوليس بالباب، فعجب لهذه المصادفة وأذن بدخوله، فلما ~~دخل تصافحا وتعانقا، ثم سأل أركاديوس صديقه أرسطوليس عن سبب مجيئه في ذلك الوقت، فقال: ~~«إنما جئت أيها الصديق ملتمسا منك أمرا لا يصعب قضاؤه.» # قال: «قل ما شئت، إني فاعل ما تريد.» # قال: «جاءني بعض من كن في هذا الدير من الراهبات يشتكين مما قاسينه من الإهانة بإخراجهن ~~من بيتهن، وأنت تعلم أنهن محترمات لانقطاعهن للعبادة والتقشف، وقد كان في إمكانكم حفظ ~~كرامتهن، فأرجو أن تخلي لهن مكانا يقمن فيه أو يخرجن من هذا الدير بإكرام.» # فقال أركاديوس: «ولكننا لم نخرجهن إلا لنتخذ هذا المكان حصنا ندفع به الأعداء عنا وعنهن، ~~وهن إذا بقين فيه لا يعملن عملنا أو يدفعن مهاجما.» # قال: «لا يدفعن مهاجما ولكن كدرهن ونقمتهن على الجند لما لاقينه من الإهانة، ودعائهن على ~~المسيء إليهن، يقف عثرة في سبيل دفاعنا؛ فإننا نعتقد أن دعاءهن مجاب.» # قال: «نحن لا نرى ذلك، ولكني على استعداد للقيام بما تشير به، على شرط ألا يكون في ذلك ~~ضرر على الجند. أما هذا المكان الحصين فلا نتخلى عنه لأحد، فإذا رأيت أن يخترن لهن مكانا ~~غيره فإني أساعدهن في الحصول عليه.» # قال: «سأستخيرهن في مكان يخترنه غير هذا المكان، وإذا رأين الخروج من الحصن فإني أرسل ~~معهن من يوصلهن إلى حيث شئن.» # ثم أمر أركاديوس بإخلاء مكان لهن بالقرب من الدير أقمن فيه، وعاد إلى صديقه فقال: «وأنت ~~ماذا فعلت؟ هل أعددت العدة لجندك؟» # قال: «أعددت كل شيء تقريبا، ومتى جاء والدانا فإننا نتم تدبير الأمر، فمتى يأتيان؟» # فقال أركاديوس: «أما أبي فأظنه يصل إلى الحصن غدا، وأما أبوك ms019 فلا أدري يوم مجيئه، ولا ~~ريب أنك أعلم مني بأمره، ولا أراه إلا مترددا في شأن هذه الحرب، ولم يغرني منه التظاهر ~~بالاستعداد وإدخالك في هذه الحملة، ولا أنه يوناني الأصل، فإن ماضي أعماله يخالف كل ذلك؛ ~~فهو قبطي المشرب قائم بدعوة الوطنيين، لا يريد سلطانا عليهم.» # فوقف أرسطوليس بغتة وهو يحاول دفع هذه التهمة عن أبيه فقال: «كيف تقول ذلك وأبي أول مدافع ~~عن دولتنا، فحالما سمع بقدوم العدو أخذ في التأهب للدفاع، ووجودي في جندكم أكبر دليل على ~~رغبته هذه؟» # فتبسم أركاديوس مستخفا بتلك الحجة، وقال له: «مهلا أيها الصديق، فأنت تعلم حبي لك، ولا ~~تجهل أني أحترم قدر أبيك، ولا أنكر عليك تحامل رجالنا ودولتنا على جماعة الأقباط، وما أنا ~~بناس نفورهم؛ لأن نفور أصحاب البلاد من فاتحيها أمر طبيعي لا مفر منه، وبخاصة إذا لقوا منهم ~~ما لقي أهل مصر من تحامل بعض حكامنا، وما سبب ذلك إلا الاختلاف في المذهب الديني الذي ~~تعلمه، ولكنني لا أسلم بأن والدك المقوقس غير قائل بقولهم، وأنه يود من صميم فؤاده خروج هذه ~~البلاد من حوزتنا ودخولها في حوزة غيرنا مهما يكن جنسهم. أما دخولك في جندنا فلا تتخذه حجة ~~لدفع هذه التهمة عنه، بل قد يكون مؤيدا لها، ولكن ما لنا ولذلك الآن؟ فسوف يظهر الحق ويزهق ~~الباطل. أما نحن فسندافع عن هذه البلاد جهد طاقتنا إلى آخر نسمة من حياتنا، وفي أيدينا ~~أوامر مشددة بالمحافظة على هذا الحصن ودفع العرب عنه، وأظنهم يحسبون الظروف تساعدهم هنا كما ~~ساعدتهم في بلاد الشام وبيت المقدس، ولو كان في رءوس حامية تلك البلاد الشهامة الرومانية ما ~~سلموا منها حجرا، ولكنهم فسدوا وغدروا، ولم يكن عندهم مثل هذا الحصن المنيع ولا رجال مثل ~~رجالنا.» قال ذلك وكأنه شعر بما يتخلل عبارته هذه من الحدة فصمت برهة ريثما خفت حدته، ثم ~~عاد فخاطب أرسطوليس قائلا: «أخبرني الآن هل أنفذت الرجال لعمل التحصينات كما ~~أخبرتك؟» # قال أرسطوليس: «وقد بدءوا بعملها منذ وصولنا، ولكنهم ms020 ناموا الآن التماسا للراحة، ولا يقبل ~~الصباح إلا وهم قيام على إتمامها، وقد جئت بكل معدات التحصين وفي جملتها حسك الحديد لنبذره ~~في قنوات الخندق فلا يستطيع البدوي عبوره قبل أن تدمى قدماه ويعجز عن المشي، هذا إذا لم ~~نقتله بسهامنا عند الأسوار قبل وصوله إلى الخندق.» # فقال أركاديوس: «وأين هم الأعداء الآن؟» # قال: «أنبأنا الجواسيس أنهم قاموا من العريش بعدتهم ورجالهم، ولكن دون وصولهم إلى هذا ~~الحصن خرط القتاد.» # وكان أرسطوليس عالما بمقاصد أبيه حق العلم، وقد تحقق أن الحامية لا يمكنها دفع العرب، ~~وكان يحب أركاديوس كثيرا فأراد أن يكاشفه بذلك لئلا يكون في جملة من تقع عليهم المكيدة، ~~ولكنه خاف افتضاح الأمر قبل أوانه فتضيع أعمال والده سدى فأبقاه مكتوما إلى حين، ونهض فودع ~~صديقه وخرج يلتمس الرقاد بقية ذلك الليل فودعه أركاديوس وعاد إلى مقعده فعادت إليه هواجسه. # أما أرسطوليس فتحول عن الغرفة إلى السلم وهو يفكر في شأن أبيه مع الرومانيين، وقد حمل ~~سيفه بيده لئلا يصطدم بجدران السلم فيوقظ أحدا من الجند، فلما بلغ آخر درجة سار في زقاق ~~ضيق مظلم قاصدا إلى غرفته، فسمع صوتا منخفضا يناديه من جانب الزقاق، فنظر فإذا شبح قادم ~~إليه أمسك بيده وهو يقول: «لعلك سيدي أرسطوليس؟» فجذب أرسطوليس يده قائلا: «نعم، ومن ~~أنت؟» فسمع صاحب الصوت يقول: «أنا خادمتك بربارة يا سيدي.» وعرف صوتها فقال لها: «وما ~~الذي جاء بك إلى هنا؟ وكيف تركت البيت؟» قالت: «جئت لأمر ذي بال سأطلعك عليه إذا أذنت لي ~~بخلوة.» قال: «تعالي معي إلى غرفتي.» # وسارا حتى دخلا بعض جوانب الحصن وأرسطوليس يحاذر أن يراها أحد خوفا من وقوع الشبهة عليه، ~~فلما دخلا الغرفة وأضاء المصباح تأمل في وجهها فإذا هي بعينها فقال لها: «ما خبرك؟» # قالت: «جئت بالأمس لزيارة كنيسة المعلقة كعادتي ففوجئت بالجنود يدخلون الحصن ويخرجون من ~~في الكنيسة من الراهبات فخرجت معهن يا سيدي، وكان من أمرنا ما قد علمت، فلبثت في ذلك الممر ~~أنتظر الصباح لأعود إلى ms021 منف، وفيما أنا أخاطب رئيسة الدير أخبرتني أن راهبا جاء في صباح ~~الأمس يسأل عن سيدي المقوقس ومعه كتاب، فسألتها عن ذلك الراهب فذكرت أنه خرج من الكنيسة في ~~ضحى هذا اليوم ولم تعد تراه ولا تعلم أين هو، ولكنه من رهبان دير في برية تيبايس يحمل ~~كتابا من البطريق بنيامين الذي فر من بطريق الإسكندرية إلى هناك، ولما علم بقدوم الجند ~~الرومانيين إلى الحصن خاف أن يفتضح أمر الكتاب، فدفعه إلى الرئيسة لتخفيه ريثما يستطيع حمله ~~إلى أبيك، فأخفته في صندوقها بين ثيابها ولم تكن تعلم أنهم سيخرجونها مع الرهبان، فلما ~~جاءوا الدير وأخرجوهن منه لم تستطع لسرعتها ودهشتها أن تخرجه، فبقي في الصندوق، وأخاف أن يصل ~~إلى أيديهم، وربما كان فيه ما يؤاخذ سيدي عليه.» # فلما سمع أرسطوليس كلامها سكت لحظة وهز رأسه كأنه أدرك المراد من قدوم الراهب بذلك ~~الكتاب، ولكنه خاف سوء العاقبة فاختلط عليه أمره وقال لبربارة: «وما السبيل إلى الحصول على ~~الكتاب الآن وأنا لا أستطيع أن أطلبه من أركاديوس صريحا؟» # قالت: «إذن أعطني كتابا إلى أركاديوس تقول فيه إن رئيسة الدير تود أخذ أيقونة من صندوقها ~~للصلاة، وتطلب منه أن يأذن لي في الدخول إلى الكنيسة لإخراج تلك الأيقونة فقد تنفع هذه ~~الحيلة.» # فسر أرسطوليس بحيلتها وأخرج قطعة من ورق البردي كانت معه ثم ناولها إياها بعد أن كتب ~~عليها ما أشارت به عليه، وقال لها: «لا تطيلي الغيبة فإني في انتظار رجوعك.» فقالت: «طب ~~نفسا؛ إن غيابي لا يتجاوز فجر الغد.» # وهنا تذكر أرسطوليس شقيقته، فاستوقف بربارة وقال لها: «هل سافرت سيدتك أرمانوسة إلى ~~بلبيس؟» قالت: «نعم يا سيدي.» # قال: «ولماذا لم تذهبي معها؟» قالت: «استأذنتها في البقاء بضعة أيام لأفي نذرا علي ثم ~~ألحق بها.» وودعته وذهبت مسرعة. # ولبث أرسطوليس بعد ذهابها وحده، فنزع خوذته وسلاحه وتوسد مقعدا يلتمس الراحة بعد ما ~~قاساه من التعب في تصفيف الجند أثناء النهار، وأخذ يفكر في أمر الراهب وكتابه فأدرك أن ~~الكتاب مرسل من ms022 بنيامين بطريرك الأقباط إلى والده، يحثه فيه على مسالمة العرب وبذل الجهد في ~~التخلص من نير الرومانيين. # أما بربارة فسارت توا إلى الرئيسة فتناولت منها مفتاح صندوقها ومضت إلى كنيسة المعلقة، ~~فاعترضها الحراس فأرتهم كتاب أرسطوليس إلى أركاديوس فأذنوا لها في المرور. # وكان أركاديوس لا يزال غارقا في هواجسه وقد أطل من النافذة على النيل يفكر في محبوبته ~~ويبحث عن وسيلة توصله إليها، وظل مترددا بين اليأس والأمل لا يدري كيف يبلغها قصده، وكان ~~أكبر همه أن يطلعها على شدة حبه لها، ويقنعها أن ما بين أبيه وأبيها لا يحول دون اقترانهما ~~إذا بادلته هي حبه. على أنه كان يخشى عاقبة أمره إذا أطلع أباه على ذلك؛ لعلمه بما في قلبه ~~من الضغائن على المقوقس، وما بين الأمتين من النفور، ولكن الحب سهل عليه كل عسير حتى إنه ~~أحب أمة الأقباط كلها من أجل محبوبته، ومال إلى التشيع لهم رغبة في مرضاتها، ونقم على ~~الساعة التي ولد فيها رومانيا، وعلى الأحوال التي جعلت أباها يتشيع للأقباط؛ لأن كلا ~~الأمرين حائل بينه وبينها. # وفيما هو في ذلك إذ دخل عليه أحد رجاله يخبره بأمر بربارة وكتابها، فعجب لأمرها وقال: «هات ~~الكتاب منها» فقال: «إنها لا تريد أن تسلمه إلا بيدها.» قال: «فلتدخل.» فدخلت وحدها وقبلت ~~يد أركاديوس، فحالما رآها استأنس بمنظرها، وخيل إليه أنه رآها مرة من قبل، ولكنه لم يتذكر ~~اسمها ولا الموضع الذي رآها فيه، على أنه ابتسم لها وتناول الكتاب منها وسألها عن أمرها ~~فقالت: «نسينا الأيقونة يا سيدي في الصندوق، وهذا هو المفتاح، فهل تأذن لي بفتحه ~~وإخراجها؟» فلما سمع أركاديوس كلامها ازداد استئناسا بها، وأحب استطلاع حقيقة حالها فقال ~~لها: «كيف تدخلين وحدك بين الجنود وهم يملئون الغرف؟» # قالت: «وماذا يخيفني إذا كنت قادمة إلى سيدي أركاديوس؟» # وكانا يتخاطبان باللغة القبطية، فقال لها: «لعلك من أهل هذا الدير، ولكني لا أرى عليك ~~لباس الراهبات.» # قالت: «إنما أنا نزيلة جئت للصلاة ووفاء بعض النذور، فلما جاء الجنود ms023 خرجت مع الراهبات، ~~وقد كلفتني رئيسة الدير أن آتيها بالأيقونة.» # فقال: «ولماذا لم تأت بنفسها أو ترسل إحدى راهباتها؟» # قالت: «إنها لا تجرؤ على مخاطبة سيدي أرسطوليس في شأنها، فبعثت بي لأكلمه في شأنها، ~~فأعطاني هذه التوصية.» # فقال: «وكيف تجرأت أنت على ذلك؟» # قالت: «لأني من بعض خدم قصره.» # فلما سمع أركاديوس ذلك خفق قلبه، وتوسم الخير من حديثها، فعول على تنسم أخبار محبوبته ~~منها فقال: «وأي قصر تعنين؟» # قالت: «قصره بمنف، لأني وصيفة لشقيقته سيدتي أرمانوسة.» # فلما سمع اسم محبوبته هشت لها جوارحه، لكنه تجلد وقال: «لعلك خادمتها الخاصة؟» # قالت: «نعم يا سيدي، بل أنا مربيتها، وإذا شئت فقل إني بمنزلة والدتها.» # فتنهد حينئذ أركاديوس ودعا بربارة إلى الجلوس فجلست وأخذ يخاطبها همسا لئلا يسمعه أحد، ~~وهي تناجي نفسها: «ها قد قربت من بلوغ المرام.» # فقال أركاديوس: «قد أصابت أرمانوسة باتكالها عليك، لأني قرأت صورة الإخلاص على محياك. ~~فهل عندك للسر مكان؟» # قالت: «إني جعبة أسرار عميقة، فقل ما بدا لك ولا تخف.» # قال: «هل تعلمين من تخاطبين؟» # قالت: «نعم يا سيدي إني أخاطب أركاديوس بن الأعيرج قائد الجيوش الرومانية في مصر.» # قال: «وهل تعلمين ما بين الرومانيين والأقباط في مصر؟» # قالت: «إذا كنت تعني غير النفور بينهما فربما لا أعلم.» # قال: «بل إياه أعني، ويظهر لي أنك تعلمين من الأسرار ما لا يعلمه أعاظم رجالنا، فهل ~~تعلمين بما في قلب أرمانوسة؟» # قالت: «نعم أعلم أنها تحب أباها ووطنها.» # قال: «لا تخيبي ظني فيك، فأنا لم أسألك عما يخالج صدر كل قبطي، ولكني أسألك سؤالا أرجو ~~أن تجيبيني عنه جوابا يفسح لي مجالا للكلام معك فيما لم أكلم به أحدا بعد.» # قالت: «وما الداعي للتحفظ في الكلام؟ قل وأفصح ولا تخف فإن نفسي في قبضة يدك، وأقسم لك ~~بحبيبتي أرمانوسة أن سرك لا يتجاوز هاتين الشفتين إلا بإذنك.» # قال: «قد أحسنت الجواب، فاعلمي أن لي مأربا عند سيدتك أرمانوسة، وقد أحببتها حبا ~~شديدا، فهل تعلمين شيئا من ذلك قبلا؟» ms024 # قالت: «وأي شيء تعني؟» # قال: «ألم تخبرك بأمر هذا الحب، أو لمحت من حديثها أنها تحبني؟» # قالت: «يجدر بي أن أكون السائلة هذا السؤال.» # قال: «وماذا تعنين؟» # قالت: «أعني أنك أعلم مني بذلك ، فهل تشعر أنت أنها تحبك؟» # قال: «أراك تحاولين إخفاء الحقيقة، فأنا لم أسألك إذا كنت أنا أحبها ولكني سألتك إذا كانت ~~هي تحبني.» # قالت: «وهذا ما أردته من سؤالي؛ لأن قلب المحب دليله كما يقال، فإذا كنت تحبها حبا ~~حقيقيا، فلا شك في أنها هي أيضا تحبك.» # قال: «إني أحبها وعلى هذا فهي تحبني، وهذا ما كنت أظنه، وقد أحسنت الدفاع عنها وكتم حبها ~~خوفا مما يخافه أهل الهوى في مثل هذه الحال. أما وقد تحقق ظني فأنا أعترف لك اعترافا ~~قلبيا أني أحب أرمانوسة حبا جما يهون علي كل صعب.» # فقالت: «ما الفائدة من حبك لها وأنت تعلم ما يحول دون الوصول إليها، ولا أظن أن أباك ~~يرضاها لك لما قدمت من الأسباب، فما الفائدة من هذا الحب؟!» # فهز رأسه وتنهد ثم قال: «لا أرى دون الوصول إلى أرمانوسة صعبا لا يذلله حد هذا السيف.» ~~وأشار إلى سيفه. # فقالت: «أنا أعلم أن عزائم الرجال تذلل الصعاب، ولكن الأمر أمر حقوق قد تكون أرهف حدا من ~~الصوارم، فهل تعصي أباك يا سيدي؟! أرى ألا تعرض نفسك لغضبه، فإنك أدرى بما ينجم عن ذلك، ولكن ~~هب أنك ذللت كل هذه المصاعب فماذا تصنع بقسطنطين؟» # فأدرك مرادها وكان قد سمع بخطبتها له ولم يصدق، فقال: «وأي قسطنطين؟» # قالت: «قسطنطين بن هرقل الإمبراطور.» # قال: «وما علاقته بهذا الأمر؟» # قالت: «يا للعجب كيف تتجاهل شيئا لا يجهله أحد من أهل مصر؟» # قال: «وما هو؟ قولي.» # قالت: «ألا تعلم أنها مخطوبة له؟» # قال: «مخطوبة؟! هذا شيء عجيب، وهل قبلت هي؟!» # قالت: «لا أدري، ولكنني أعلم أنها سارت في صباح الأمس من قصرها تصحبها الحاشية مع أبيها ~~إلى بلبيس لتكون في انتظار خطيبها.» # فلما سمع أركاديوس ذلك نهض عن كرسيه بغتة وصاح بها: ms025 «ويحك، ماذا تقولين؟» # قالت: «أقول الصدق يا سيدي، فإنها برحت القصر قبل أن أبرحه أنا، وهي الآن في طريقها إلى ~~بلبيس.» # فاشتد غضبه وجعل يخطر في الغرفة ينظر تارة إلى بربارة وطورا إلى النافذة، ثم يتشاغل بفتل ~~شاربيه وأخيرا وقف بغتة وقال لها: «يلوح لي أنها قبلت قسطنطين، فكيف تقولين إنها تحبني؟ ~~لعل قسطنطين أقرب إلى قلبها مني!» # فقالت: «لم أقل يا سيدي إنها أحبته أو آثرته عليك، ولكنني قلت أنها سارت مع والدها إلى ~~بلبيس، وأظنها فعلت ذلك إذعانا لأمره، وهو لا يستطيع مخالفة الإمبراطور، ومهما يكن من أمر ~~فإنها الآن في طريقها إلى بلبيس، ولا تدري متى يأتي خطيبها للاقتران بها. ها إني أخبرتك ~~بالأمر كما وقع، وأما قلبها فاسأل قلبك عنه.» # فنظر إليها مغضبا وقال: «أما قلبي فيحدثني بأنها لا تميل إلى سواي ولو أدى ذلك إلى عصيان ~~أبيها.» # فقالت: كيف تتوقع منها ذلك وهي فتاة، وقد رأيتك وأنت شاب باسل تتردد في مخالفة أبيك إذا ~~منعك منها.» # فحملق وقد احمرت عيناه وقال: «كيف تقولين إني أتردد وأنا أقول لك إنه لا شيء يمنعني من ~~نيلها إلا الموت.» ووضع يده على قبضة حسامه وقال: «مادام هذا الحسام إلى جانبي فلن يحولني ~~شيء عن ودها ولو قاومني قسطنطين، بل لو قامت علي جنود أبيه برمتها، فما أنا براجع عن عزمي ~~إلا إذا كانت هي راضية به، ولكن من يخبرني بما في ضميرها.» # فأدركت بربارة أنه مصمم على الاقتران بها ولو حالت دونه المصاعب فقالت: «إن في معرفته ~~حلا لهذه المشكلة.» # قالت: «هب أنها لا ترضاه وأنها باقية على حبك، فما عقبى ذلك؟» # فالتفت إليها وقد استل حسامه وهزه قائلا: «أما إذا تحققت بقاءها على ودي فإني أحارب في ~~سبيل الوصول إليها جنود هرقل كلها، ولا أنفك حتى أنالها أو أقتل.» # قالت: «خفف عنك، واعلم أن ليس دون ذلك جنود هرقل فقط، ولكن دونه أيضا غضب أبيك وأبيها.» # فقال: «ولكن إذا كان قلبها مثل قلبي فإننا لا نخشى شيئا، ms026 ولو قامت علينا جيوش الدنيا ~~كلها، فأخبريني عن كنه نيتها، وليكن في كلامك هذا القول الفصل، فإما أن أوطن النفس على ~~أرمانوسة وأناضل عنها بحد هذا السيف، وإما أن أقول عليها وعلى الدنيا السلام. قولي ولا ~~تطيلي الكلام.» # فلما رأت ما هو فيه من الغضب نظرت إليه مبتسمة وقالت: «إذا كنت تحب أرمانوسة فتفضل واجلس ~~لأنبئك بمكنون قلبها.» # فأجابها وقد هدأ غضبه: «نعم إني أحبها. قولي إذن.» وجلس. # فقالت: «اعلم يا سيدي أن أرمانوسة تحبك حبا ليس بعده غاية لمستزيد، أما قسطنطين فهي لا ~~تعرفه، ولكن قلبها عالق بأركاديوس البطل الهمام، ولم آت هذا الدير إلا لأستطلع مكنونات قلبك ~~وأعلم مقدار حبك لها. أما وقد عرفت ذلك فقد هان الصعب وخاب قسطنطين، ولن يدرك شعرة من ~~رأسها، وها أنا ذا قد أخبرتك الحقيقة فتدبر الأمر، ولا ريب عندي أنها ثابتة في حبك ولا ترضى ~~عنك بديلا، مهما يكلفها ذلك من المشاق، وبخاصة إذا علمت بما دار بيننا قبل مجيئي إليك، وقد ~~فارقتها على أن أقابلك ونتواطأ على وسيلة تنقذها من مخالب ذلك الرجل.» # فأبرقت أسرة أركاديوس ونظر إلى بربارة وقد فرح قلبه وأشرق وجهه وقال: «أما والحال على ما ~~تقولين فلا نخاف أحدا، وأنا لها وهي لي، ولا عبرة بما يسعى فيه الناس، فهم إنما يضربون في ~~حديد بارد. أما قسطنطين فإذا لم يؤخذ بسيوف العرب في حرب الشام فإني قاتله بحد هذا الحسام، ~~ولكنني أحب أن تعلم أرمانوسة ذلك لتزداد ثباتا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وما عليك ~~الآن إلا أن تذهبي إليها وتخبريها بعزمي وتقولي لها إن أركاديوس حبيب ثابت في محبتك ثبات ~~الجبال، فاثبتي أنت وانتظري الفرج من عند الله ومن سيف أركاديوس.» # فقالت: «أما إخبارها بهذا فعلي أنا العاجزة التي تتعهد ببذل نفسها في سبيلكما، فطيبا ~~نفسا وقرا عينا، وغدا إن شاء الله أدبر حيلة في الذهاب إليها وأطلعها على ما دار بيننا ~~وأعلمك بما سيكون، فقد سرني كثيرا ارتباط قلبيكما.» # ثم فكرت قليلا وقلبها ms027 فرح بما علمت فرأت أن تثبت قوله بالعمل وتعود إلى سيدتها بما يحقق ~~أملها فقالت: «ولكن يا سيدي ما الذي يثبت قولي لها ويوطد علاقة المحبة بينكما وأنتما إلى ~~الآن لم تتشافها صريحا ؟» # فلبث أركاديوس يفكر ثم قال: «صدقت، ولكن ماذا عساي أن أرسل إليها، وما أنا على استعداد ~~لذلك؟» ثم مد يده إلى خاتم في بنصره يريد إخراجه ولكنه توقف هنيهة ممسكا بالخاتم كأنه يهم ~~بسحبه ويعترضه خاطر فيمنعه، وأخيرا نزعه وقدمه إلى بربارة وقال: «خذي هذا الخاتم فإنه ~~خاتمي، وقد نقش عليه النسر الروماني واسمي، وسلميه إليها يدا بيد، واحذري أن يعلم أحد ~~بذلك، واعلمي أني قد سلمتك شرفي، ووضعت فيك ثقتي، وهذه هي أول مرة خاطبتك فيها فلا تخيبي ~~أملي، وأطلب إليك أن تحفظي ما دار بيننا، واحذري أن تفوهي به أمام أحد، فإنك إذا أصغيت إلى ~~مقالي وسلكت مسلكا يرضيني نلت خير الجزاء. أما إذا بحت بالأمر أو خالفت وصيتي فأنت تعلمين ~~جزاءك.» # فتناولت الخاتم وقبلته وقالت: «طب نفسا وقر عينا، فإني الخادمة الأمينة لك ولسيدتي التي ~~هي أعز لدي من روحي.» ~~••• # ثم نهضت فقبلت يده وطلبت إليه أن يأمر بمن يوصلها إلى صندوق رئيسة الدير، وألا يتعرض لها ~~أحد بشيء، فنادى خادمه الخاص وأوصاه أن يرافقها إلى حيث تريد، فسارت وأخرجت الكتاب خلسة ~~وتظاهرت بحمل الأيقونة، ونزلت حتى أتت مقام الرئيسة والراهبات فأعطتها الأيقونة، وأخبرتها ~~أنها أطالت المكث هناك حتى تمكنت من تدبير الحيلة لإخراج الكتاب وكانت قد خبأته في جيبها، ~~وأرادت الذهاب به لتوها إلى سيدها أرسطوليس، ولكنها خافت أن تقع في أيدي الحراس فيفتضح ~~الأمر، فلبثت بقية ذلك الليل حتى إذا أقبل الصباح ذهبت بالكتاب إليه، فإذا هو في انتظارها ~~على مثل الجمر، فلما رآها مقبلة نهض لملاقاتها وأدخلها غرفته وسألها عن الكتاب، فمدت يدها ~~إلى ثوبها وأخرجت أسطوانة من القصب الفارسي دفعتها إليه، فتناولها وقد علم أن الكتاب في ~~داخلها، ففتحها من أحد طرفيها وأخرج الكتاب فإذا هو رق من جلد مطوي؛ ms028 إذ كان أكثر استخدام ~~الرق للكتابة في بلاد العرب وعند سائر أهل البادية، أما المصريون فكانوا يكتبون على البردي، ~~ففض الكتاب وقرأه فإذا هو مكتوب بالقبطية من البطريرك بنيامين إلى المقوقس وهاك ترجمته : # ولدنا بالرب يوحنا قرقت حاكم مصر # قضي علي بالانزواء في هذا الدير، وأنت تعلم أني إنما أبعدت إليه ظلما وعدوانا ~~بأمر أعدائنا دينا ووطنا ورئيسهم البطريق الإسكندري؛ لأنهم ضلوا سواء السبيل ~~وحرفوا كلام الله عن مواضعه، ولست أنا أول من صبر على هذا الاضطهاد، فأنت تعلم أن ~~كثيرين من البطاركة ذهبوا ضحية هذا الضلال، وأنا لا أطلب لهم إلا الهداية إلى الحق، ~~ولا أدينهم ولكن الله يدينهم، وأما ما أوجب كتابة هذا إليك فهو أنني علمت عن ثقة أن ~~العرب الذين قد ظهروا بالدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيله قد حاربوا الروم في ~~العراق وفارس وسورية وفلسطين وتغلبوا عليهم، وأخذوا البلاد من أيديهم، والنصر من ~~عند الله يؤتيه من يشاء من عباده، وقد علمت أنهم قادمون إلى مصر لانتزاعها من أيدي ~~أعدائنا، وأنا أعلم أنك لا تستطيع المخاطرة بالانحياز إليهم كما أخبرتني غير مرة؛ ~~لئلا يعود ذلك علينا بالوبال، وقد أعجبني ذلك منك؛ لأنه دليل على الحزم والدراية، ~~ولكنني واثق بثباتك مع سائر أولادنا جماعة الأقباط الذين أثقل الدهر كاهلهم ~~بالاستبداد والعنف، وقد مضت عليهم قرون وهم يئنون من وطأة هذا الظلم ولا مجير ~~لهم. # وقد رأيت في ليلتي هذه حلما تفاءلت منه خيرا، وعلمت أن هؤلاء العرب أرسلهم الله ~~لإنقاذنا من أيدي الروم. على أننا لو أردنا دفعهم ما استطعنا إليه سبيلا؛ لأن الله ~~منحهم النصر فيما قاموا به، فلم يهاجموا حصنا إلا فتحوه، ولا نازلوا جندا إلا ~~هزموه، ولا يخفى عليك أن الروم قد دالت دولتهم، ولو أراد الله نصرهم ما خرجت بلاد ~~الشام من أيديهم، واعلم أيضا أن هؤلاء العرب قد قاموا يدعون الناس إلى دينهم، فإما ~~أن يقبلوا الدعوة أو يحاربوا إلى آخر نسمة من حياتهم أو يستسلموا ويدفعوا الجزية. ~~أما أنا فلا ms029 أرى أن تخرجوا من دينكم الذي ولدتم عليه، ولكن الاستسلام ودفع الجزية ~~لهؤلاء العرب أولى بنا وأقرب إلى خلاصنا من الظلم، فإذا كنت لا تزال على ما أعلم ~~فافعل وأنقذ البلاد من الشر ، واحذر أن تتحول عن عزمك، وها إني أصلي ليلا ونهارا ~~وأدعو الله أن يأخذ بيدك ويلهمك ما فيه خيرك وخير البلاد. # وأخيرا أهديك البركة وأدعو لك ولسائر أبنائنا وإخواننا بالروح، والرب ~~يحفظكم. # البطريرك بنيامين # فما جاء على آخر الكتاب حتى كلل العرق جبينه، وتذكر ما قام بين القبط والروم من الضغائن ~~وما قاساه الأولون من الاستبداد والجور، ثم لف الكتاب وخبأه في مأمن وقال لبربارة: «اذهبي ~~بسلام، وإذا رأيت أبي فأخبريه بأن له معي كتابا أريد إطلاعه عليه.» فقبلت يده وعادت تريد ~~الخروج فناداها فرجعت فقال: «إلى أين تذهبين الآن؟» قالت: «إلى الدير» فقال: «لا تطيلي ~~مقامك هنا لئلا تستبطئك سيدتك فيضطرب بالها لما نحن فيه، فأسرعي بالرجوع وأخبريها أننا في ~~خير.» # قالت: «ولكنني أخشى ألا أدركها في عين شمس فيصعب علي المسير وحدي إلى بلبيس.» # فقال: «وما العمل إذن؟» # قالت: «الرأي رأيك يا مولاي، وحبذا لو أذنت أن يرافقني اثنان من رجالك إلى عين شمس، فإذا ~~كان الركب لا يزالون هناك انضممت إليهم وعاد الرجلان، وإلا رافقاني إلى بلبيس، والأمر ~~أمرك.» # فقال: «هل علمت أن أبي سار برفقة أرمانوسة؟» # قالت: «بعث إلينا ونحن في منف أن نسير بسيدتي إلى عين شمس حيث يكون هو في انتظارنا ~~فيرافقنا إلى بلبيس.» # قال: «الأرجح أنك ستشاهدين سيدك في عين شمس، فإليك هذا الكتاب وادفعيه إليه يدا بيد ~~واحذري أن يراه أحد غيره.» ومد يده وأعطاها الأسطوانة وفيها الرق المعهود. # فتناولته وقالت: «وأين أخبئه؟ فإني أخاف إذا رآه أحد من الروم أن يأخذه مني وينكشف ~~الأمر.» # قال: «اجعليه في ثيابك، وهم لا يفتشونك لأنك امرأة، فضلا عن أنك من خدم أبي.» # ثم أمر باثنين من رجاله، فأتيا، فأوصاهما بأن يرافقاها إلى عين شمس وهي على مسيرة ساعتين ~~أو ثلاث من ms030 الحصن، فإذا ظفرا بركب والده هناك تركاها وعادا، وإذا كان الركب قد أقلع رافقاها ~~إلى بلبيس، وأعطاهما كتابا إلى أركاديوس ليأذن لهما بالخروج من الحصن، وأمر لهما بمركبة ~~يجرها ثوران قويان، فأخذا الكتاب وسارا إلى دير المعلقة، وكان أركاديوس هناك يفكر في بربارة ~~وأرمانوسة، فلما جاءه الجنديان بكتاب أرسطوليس أذن لهما، ونظر إلى بربارة بطرف خفي كأنه ~~يوصيها بإتمام الأمر مع أرمانوسة والعودة إليه بالجواب حالا، فأشارت إليه بعينيها مجيبة. ~~••• # خرج الثلاثة من الحصن وقد مالت الشمس إلى المغيب وليس في طريقهم إلى عين شمس إلا الغياض ~~والبساتين من الكرم والجميز والنخيل وبعض الأبنية، ومعظمها كنائس وأديرة، وفي بعض هذه ~~البقعة مما يلي جبل المقطم بنيت بعد ذلك الفسطاط والقاهرة. # وركبت بربارة المركبة وتناوب الجنديان الركوب على الثورين فمروا بتلك الحقول، وما زالوا ~~يجدون السير حتى دنوا من عين شمس وكانوا قد عرفوا مكانها من مسلتها التي تشاهد عن بعد، ~~والمدينة إذ ذاك قد تداعت إلى الخراب وتهدم سورها سوى جزء صغير منه، أما هيكلها الذائع ~~الصيت فبعد أن كان مدرسة تتسابق إليها الأمم من سائر أقطار العالم لاقتباس علوم المصريين ~~وفلسفتهم وكهانتهم أصبح خرابا بلقعا ينعق فيه البوم، ولم يبق منه إلا بعض الجدران ~~والأعمدة، وأما المسلتان العظيمتان عند بابه فكانتا لا تزالان قائمتين شامختين تناطحان ~~السحاب، يكلل رأس كل منهما تاج من النحاس قد صدئ واخضر، فلما نزل عليه المطر سال الصدأ على ~~ما تحته، أما الأصنام الهائلة التي كان المصريون القدماء يعبدونها إبان دولتهم فكانت لا ~~تزال قائمة، وقد غشاها الذل وغطاها التراب، على أن ضخامتها ما برحت داعية إلى ~~الرهبة. # فلما بلغوا المدينة ترجلوا واجتازوا السور فإذا بالمدينة خالية خاوية، فأرادوا الاستفهام ~~عن أمرها فشاهدوا بيوتا حقيرة قائمة على أنقاض السور من الخارج، فتقدم الرجلان إلى بيت منها ~~وهما في لباس الجند، فلما رآهما أهل البيت ذعروا وفروا وتركوا البيوت وشأنها، ثم سمع ~~الجنديان نباح الكلاب وشاهدوا كلبين كبيرين هجما عليهما ينبحان نباحا شديدا فناديا أهل ms031 ~~المنزل فلم يظهر أحد، ثم سمعا خوار الثورين فالتفتا فإذا بهما قد ذعرا لنباح الكلاب، فخافا ~~أن يفرا بالمركبة ويتيها بين الأشجار، فرجع أحدهما وأمسك الثورين وشدهما إلى شجرة بحبل من ~~ألياف النخيل ، وعاد إلى رفيقه وبربارة وكانا قد مشيا وهما يحاذران أن يعضهما كلب، حتى بلغا ~~بيتا منها فإذا بالباب مغلق، فطرقاه فلم يجبهما أحد فعجبا لذلك، وخافا أن يكون في الأمر ~~خطر، فمضيا إلى بيت آخر والكلاب تنبح، فلاقاهما رجل شيخ يتوكأ على عصاه وقد حناه الكبر ~~وكلله الشيب، وأرسل شعر حاجبيه على عينيه وتدلت لحيته على صدره، فتقدما إليه وسلما فحياهما ~~وجلس إلى حجر يلتمس الراحة، فسألوه عن سبب ما شاهدوه من نفور الفلاحين وفرارهم فقال: «وهل ~~أنتم من جند الروم؟» قالا: «بل نحن من جنود مولانا المقوقس، وما سبب سؤالك؟» # قال: «إن على سؤالي هذا يتوقف جوابي، أما وقد علمت أنكم من إخواننا القبط وتحققت ذلك من ~~لهجتكم فأخبركم أن سبب نفور هؤلاء الناس منكم أنهم رأوكم بلباس الجند فظنوكم من جنود الروم. ~~ولا يخفى عليكم ما آلت إليه حالنا من معاملتهم لنا بالقسوة والجفاء، وكم مروا بنا مثل ~~مروركم هذا وكلفونا ما لا طاقة لنا به من الأثقال، حتى كانوا إذا رأوا عندنا متاعا أخذوه، ~~أو حيوانا ساقوه، أو طعاما أكلوه، وآخر ما لاقيناه منهم منذ بضعة أيام إذ مر جماعة منهم ~~يريدون قصر الشمع فلم يغادروا شيئا في طريقهم إلا أفسدوه، فداسوا الزرع، وساقوا الماشية، ~~ونهبوا البيوت، ولما كلمهم ابني وتضرع إليهم أن يشفقوا على حالنا أوسعوه ضربا ولكما؛ فلا ~~لوم على قومنا في الفرار، وأنا والله لولا عجزي عن الركض ما وقفت أمامكم، فالحمد لله على ما ~~حصل، واعلموا أننا رهن إشارتكم في كل ما تريدون، فانزلوا على الرحب والسعة.» # قال أحد الجنديين واسمه مرقس: «أإلى هذا الحد تخافون رجال حكومتكم؟» فتأوه الشيخ تأوها ~~عميقا ورفع نظره إليهما وقد بل الدمع عينيه، وقال: «كأني بكما لغضاضة شبابكما وحداثة سنكما ~~لم تذوقا ما ذاقته ms032 هذه الشيبة، ولا قاسيتما ما قاساه هذه الشيخ، الحق أن حالنا مع هؤلاء ~~الروم يتفتت لها الصخر، وقد مضى علي ثمانون عاما لم أذق فيها الراحة يوما، ولا سمعت خبرا ~~مفرحا، وقد وقعت في الخطر مرارا، وذقت العذاب ألوانا، وكم تمنيت أن يملك بلادنا هذه أهل ~~البجة أو أهل الحبشة؛ فإنهم أقرب إلى الشفقة والرحمة من هؤلاء، ويلوح لي أن الزمن المنتظر ~~قد اقترب.» وكان يكلمهما وهو مطرق لانحناء ظهره وهما مصغيان لكلامه حتى شغلا عن سيدهما ~~والسؤال عنه، ولكن بربارة ذكرتهما بما جاءوا من أجله، فقال مرقس للشيخ: «لقد سرنا حديثك ولذ ~~لنا كلامك الذي هذبته الأيام وحنكته السنون، ولكننا نسألك قبل إتمام الحديث عن ركب مولانا ~~المقوقس، هل مر بكم من هنا؟» # قال: «نعم إنهم باتوا البارحة هنا وأصبحوا فجر هذا اليوم وأقلعوا شرقا، وهم الذين بشرونا ~~بقرب الفرج.» # فلما رأى الجنديان ألا بد لهما من الذهاب إلى بلبيس مع بربارة، وأن الشمس قد مالت إلى ~~المغيب، عولا على المبيت حيث هم، فإذا أصبحوا ساروا إلى بلبيس، فمكثوا وقد طاب لهم حديث ~~ذلك الشيخ، وقال له مرقس: «هل تأذنون لنا بالمبيت عندكم الليلة؟» # قال: «على الرحب والسعة يا ولدي.» ونادى أولاده فظهروا من وراء الجدران حيث كانوا ~~مختبئين، وأسرعوا مهرولين، بعضهم قد ركب على ثور ويجر خلفه حمارا يحمل بعض البرسيم، وآخر ~~يسوق أمامه الماشية، وفيهم شاب قد ربط يده إلى عنقه، وكان مع ذلك يحمل بيده الأخرى عصا ~~طويلة يسوق بها سربا من الإوز، فالتفت الشيخ إلى مرقس وقال: «هذا هو أصغر أولادي الذي ~~أشبعوه ضربا كما أخبرتك.» فتقدم الأولاد وهموا بتقبيل يدي الجنديين وهم يرتجفون خوفا، ~~فابتدرهم والدهم قائلا: «إنهما يا أولادي من رجال المقوقس، فلا تخافوا.» وأمرهم بأن يعدوا ~~لهما طعاما ومقاما للمبيت، وأن يقدموا علفا للثورين ويربطوهما بعمود بالقرب من البيت. # فقال الجنديان: «هلم بنا يا شيخنا ندخل هذا الهيكل فنتم حديثنا هناك، وإذا تعبت أسندناك.» ~~فنهض على عكازه وأعانه بعض أولاده فدخلوا جميعا ms033 من ثغرة في السور حتى بلغا الهيكل فإذا ~~بآثار وطعام وأقدام، فعلموا أنها آثار المقوقس وحاشيته، ثم جلسوا على أحجار ملقاة هناك ~~وكانت من أحجار الهيكل فسقطت وفي جملتها قطعة من مسلة، وقد قام في صحن الهيكل شجرة من ~~الجميز هائلة تظلل ذلك المكان، فجلس كل منهم على حجر وأخذوا بأطراف الحديث والشمس قد آذنت ~~بالزوال، وأخذ الشفق في الظهور واستولى السكون على تلك الخرائب حتى يكاد الرجل يخشى رهبة ~~المكان، وإذا التفت حوله فلا يرى إلا أنصابا عظيمة تناطح السحاب، وأصناما ترعب قلوب ~~الأبطال، ولولا ذلك ما دان لها الفراعنة العظام. # فلما استتب بهم المقام قال مرقس للشيخ: «رأيناك تبشرنا بقرب الفرج، فماذا عنيت؟» # قال: «قلت يظهر أن الفرج قد اقترب؛ وأعني أن الله قد أراد إنقاذنا من هؤلاء الظالمين. ~~ولكنني أتكلم الآن وأخاف أن يسمعني واحد منهم.» فقال الجنديان: «قل ولا تخف، ليس منهم أحد ~~هنا.» # فقال الشيخ: «سمعت من بعض جالية الشام أنه ظهر في بلاد العرب رجل عظيم دعا الناس إلى دين ~~جديد، والتفت حوله عصابة قوية من الرجال الأشداء، حاربوا الروم في بلاد الشام وغلبوهم، ~~ويلوح لي أنهم لا يقعدون عن طلب مصر؛ فإنها أخصب بلاد الروم وأكثرها نتاجا، ولا أظنهم ~~يلاقون في فتحها مشقة، وقد سمعت بالأمس من بعض رجال مولانا المقوقس أن هؤلاء العرب قد عولوا ~~على القدوم إلينا، والظاهر أنهم لا يزالون بعيدين.» # فقال مرقس - وكان أفصح من رفيقه جرجس وأكثر منه جرأة: «ما الموجب لظنك بعدهم؟» # قال: «لأني أرى سيدي المقوقس ذاهبا بموكبه يهتم بتزويج ابنته أرمانوسة بقسطنطين بن هرقل، ~~وهذا ما علمته أيضا من هؤلاء، فلو كان العدو على الأبواب ما حمل ابنته إلى بلبيس وهي في ~~طريق العدو إذا جاء من ناحية الشام.» # فقال مرقس: «إن المصائب قد كتبت علينا ولا ندري عاقبة هذه الحروب، ولكنا نرجو النصر لنا؛ ~~لأن حصوننا ومعاقلنا منيعة، وليس هؤلاء العرب إلا فئة قليلة من البدو يركبون الجمال ويرعون ~~الماشية، وأما جنود الروم فرجال ms034 محنكون، وأما هرقل فإنه شديد البطش، وقد حدثني أبي أنه هو ~~الذي أخرج الفرس من مصر بعد أن ملكوها ورسخت أقدامهم فيها.» # فهز الشيخ رأسه ومشط لحيته بأصابعه كأنه تذكر أمرا ساءه، ونظر إلى مرقس وقال: «لقد ~~ذكرتني يا ولدي أمورا كادت تذهب من ذاكرتي. نعم إن هرقل أخرج الفرس من مصر بالقوة، ولكنه ~~لا يستطيع دفع العرب عن بلاده، والظاهر لنا من حاله وحالهم أن دولته قد دنا أجلها؛ لأن النصر ~~مرافق لهؤلاء القوم، فلم يهاجموا مدينة إلا فتحوها، حتى ملكوا الشام والقدس والعراق واليمن ~~وغيرها، ولم تستطع جنود الروم الوقوف أمامهم، وما ذلك إلا لما أراده الله من انقسامنا وقيام ~~بعضنا على بعض، وإلا ما كان العرب ولا غيرهم يقوون على جندنا، وكيف يستطيع هرقل دفع هذا ~~العدو عن بلاده وهو على ما تعلم من حاله معنا؟! أتظن القبط إذا جاءهم العرب محاربين يقاومون ~~حبا للروم؟! بل أقول لك وأنا أحد الأقباط إني أفضل أية دولة تحكم هذه البلاد على دولة ~~الروم لما قاسيناه من جورهم واستبدادهم؛ نعم إنهم مسيحيون مثلنا ولكن الوثني خير منهم، ~~اسألوا هذه الشيبة فتنبئكم بما قاسيناه من ذلك؛ فكم هدموا من كنائسنا، وأهلكوا من بطاركتنا، ~~وجردونا من أملاكنا، أهذه أعمال مسيحيين؟! انظروا إلى هذه البساتين؛ فإني أعمل في فلاحتها مع ~~أولادي وأحفادي فنزرعها كرما ونخيلا فلا يبقى لنا من النخيل إلا بعض القطع نجعلها سقوفا ~~لبيوتنا، وقليل من التمر نأكله، ولا يكاد يبقى لنا من الكرم إلا بعض العنب نصطنع منه شيئا ~~من الخمر، وأما الباقي فيأكله المارون من جند الروم ويغتصبه الجباة وغيرهم، فضلا عما ~~يسوموننا من الخسف والذل. أما ماشيتنا فنصيبها مثل نصيب الزرع أيضا، وبعد أن كانت ثيراننا ~~عشرة نستخدمها للركوب أو لجر الأثقال لم يبق لنا منها إلا هذا الثور، وقد سمعت من رجل قدم ~~من الشام حديثا أن العرب بعد أن فتحوا الشام أمنوا النصارى على أموالهم وأعراضهم، وأباحوا ~~لهم الصلاة في معابدهم لا يعارضهم أحد في ذلك، ms035 أليسوا إذن خير من الروم؟! # ولكن آه من حظنا نحن المصريين؛ فإن الشقاء قد كتب علينا، وأذكر يوم جاء الفرس بلادنا منذ ~~أربعين سنة - وقد كنت كهلا، وكان مقامي في الإسكندرية أتجر في الغلال والذرة، وكنت في سعة ~~من العيش - أننا سمعنا أن دولة الفرس قامت على الروم، وكان ملك الروم إذ ذاك يدعى «قوقا»، ~~وكان ضعيفا فحاربوه وفتحوا الشام وقدموا مصر، وكان ملك الفرس يدعى كسرى، وقد اشتهر بشدة ~~البأس، فلما سمعنا بقدوم جنده إلى مصر قلنا في أنفسنا عساهم أن يكونوا خيرا لنا من الروم ~~فننجو من جورهم، ولكن وا أسفاه، لم يمض زمن حتى علمنا بدخولهم بلادنا، وكانوا كلما دخلوا ~~بلدة قتلوا أهلها وخربوا كنائسها، وكسروا نخيلها، وقد أحصي عدد ما أحرقوه من الأديار فبلغ ~~ستمائة، فأسقط في يدنا وخفنا عاقبة أمرهم، إلى أن وصلوا إلى الإسكندرية وأخذوها، فأظهروا لنا ~~في بادئ الأمر أنهم يريدون بنا خيرا، ولكنهم عاملونا بعدئذ معاملة لم يعاملنا بمثلها ~~الروم؛ وذلك أنهم دعوا أهل المدينة إلى الاجتماع زاعمين أنهم يريدون الإنعام عليهم ~~وإكرامهم، فتقاطر الناس أفواجا إلى مكان الاجتماع، ولم أستطع الذهاب إليه لبعده وانشغالي ~~بعملي، وكان اجتماعهم في قاعة كبيرة منيعة السور، في المكان الذي كان أجدادنا المصريون ~~يعبدون فيه الصنم سيرابيس، وحكاية هذا الصنم تذكرني بما أتاه أباطرة الرومان القدماء من ~~الخير لبلادنا، وما جاء به هؤلاء المتأخرون من الشر.» # الفصل الرابع # | المسيحيون ومظالم الرومان # قال مرقس للشيخ وقد حلا له حديثه؛ لكثرة ما أفاد منه: «وما حكاية الصنم سيرابيس يا سيدي؟» ~~فقال الشيخ: «لا يخفى عليكم يا أولادي أن أجدادنا المصريين كانوا يعبدون الأصنام التي ترون ~~بعضها أمامكم، وأمثالها كثير في أنحاء القطر، وبعد أن ظهرت الديانة المسيحية ودخلت هذه ~~الديار تنصر أجدادنا الأقباط وبقي حكامنا الروم على اعتقادهم الوثني، وأذاقونا العذاب ~~والاضطهاد ألوانا، وأشد تلك الاضطهادات ما هو معلوم بيننا من أمر الإمبراطور دقلديانوس ~~المشهور بظلمه، وهو الذي قتل الشهداء منذ ثلاثة قرون أو أكثر، فكان ذلك شر ms036 ما جناه الروم ~~علينا، حتى إذا ما تولى قسطنطين الأكبر اعتنق الديانة المسيحية وحمى المسيحيين، وكانت أمه ~~القديسة هيلانة التي ذهبت وعثرت على صليب المسيح كما تسمعون. # غير أننا ما زلنا نقاسي الاضطهاد ممن خلفوه إلى أن تولى العرش الإمبراطور الطيب الذكر ~~ثيودوسيوس الأعظم منذ قرنين ونصف قرن، وكان حسن الإيمان فأفرج عن الأقباط، وبعث إلى مصر ~~بهدم الهياكل الوثنية وبناء الكنائس على رغم الشعب الروماني، وكان في الإسكندرية هيكل اسمه ~~هيكل سيرابيس فيه صنم هائل كسروا فكه بالفئوس فتراكضت منه أسراب من الفيران كانت تعيش فيه ~~فسقطت منزلته لدى الوثنيين أنفسهم، ومن عهد ثيودوسيوس هذا ثبتت الديانة المسيحية وأخذت ~~تنتشر، وعمد المصريون إلى إقامة الكنائس حتى قام ما قام من الانشقاق بين لاهوتيي الإسكندرية ~~ولاهوتيي القسطنطينية بسبب مسألة الطبيعة والطبيعتين، مما جر علينا هذا البلاء، والبقية ~~تعرفونها.» # قال مرقس: «وماذا كان من أمر الفرس وإخواننا الأقباط بعد أن جمعوهم في مكان واحد؟» قال ~~الشيخ: «سمعنا أنهم قتلوا الآلاف منهم صبرا، فلما سمعت بالواقعة حملت أولادي وأهلي وما خف ~~حمله من المال، وخرجت حتى جئت هذا الموضوع وأقمت به، وقد خسرت كل ما ملكت يداي، ورضيت ~~بالفقر والمسكنة تخلصا من الموت. أما الفرس فإنهم تمكنوا من دخول القسطنطينية وهي عاصمة ~~الروم كما تعلمون، ثم علمت أن الروم لما رأوا ضعف ملكهم «فوقا» عزلوه ونصبوا «هرقل» هذا، ~~وكان قبلا واليا على أفريقية، فجاء القسطنطينية وقتل فوقا وإخوته، وحارب الفرس مرارا، ثم ~~يئس من الفوز، فعزم على أن ينقل مقر ملكه إلى تونس، ولكن ذلك عظم على الروم، وقام البطريرك ~~إذ ذاك وشد أزره، فرجع إلى محاربة الفرس، فمكنه الله منهم حتى دفعهم عن بلاده، وعادت مصر ~~إلى حوزته، ولكنه عاد إلى ما كان عليه أسلافه من الاستبداد بنا واضطهاد بطاركتنا، وكان على ~~الإسكندرية البطريرك بنيامين التقي الورع فاضطهده واستبدل به بطريركا اسمه قورش، وأراد هذا ~~القبض على بنيامين ففر من الإسكندرية إلى برية أسقيط، وأقام في «تيبايس» حيث يكثر نصراؤه، ~~وهو ms037 هناك إلى الآن. # على أن هرقل لم يكتف بهذا العمل، فلما فاته القبض على البطريرك قبض على أخيه مينا، وكان ~~لا يزال في الإسكندرية، وأرسله مغلولا إلى القسطنطينية، وقد سمعت أن هرقل تملقه استجلابا ~~له حتى يسلم برأيه وهو التعليم بالمشيئة الواحدة والطبيعتين، فلم يذعن له، فأمر به فطرح في ~~النار حتى كاد يحترق، ثم أخرجه منها وجعل يلكمه على فكيه حتى سقطت أسنانه، وأمر بكيس فملئ ~~رملا ثم وضعه فيه وأمر بإلقائه في البحر حيث مات شهيدا.» # وسكت الشيخ قليلا، ثم استأنف حديثه فقال: «هذه حكايتنا يا ولدي حكيتها لكم كما شاهدتها، وتحدثني النفس أحيانا أن هؤلاء ~~العرب يعاملوننا معاملة الفرس والرومان فتكون البلية الثانية شرا من الأولى، ثم ~~تخطر ببالي معاملاتهم للبلاد التي افتتحوها إلى الآن فأراهم أفضل لنا من الروم.» # ولم يستطع الشيخ أن يتم حديثه لشيخوخته وضعفه، وكان الجنديان وبربارة وسائر الحضور مصغين ~~إليه وقد ارتاحوا إلى حديثه واستأنسوا به، فالتفت مرقس إليه وقال: «قد سرنا حديثك أيها ~~الشيخ، ولك شكرنا على ما جئتنا به من الفوائد، وقد صدقت في قولك بأننا خلقنا لنشقى، ولكننا ~~نتوسم في قدوم هؤلاء العرب خيرا. أما إذا غلبتهم الروم فإننا في حوزة الروم نحارب بسيفهم، ~~لنا ما لهم وعلينا ما عليهم، وإلا فإننا نكون مع الغالب.» # ثم نهض من مجلسه ودنا من الشيخ وهمس في أذنه قائلا: «إن مولانا المقوقس مصمم على ما ~~ذكرت، فإذا رأى الغلبة للعرب انحاز إليهم، وهو سيدنا ووالينا، ولولا الحامية الرومية ~~المراقبة لأعماله لفتح للعرب صدر بلاده ولم يرم عليهم نبلا.» # فقال جرجس - الجندي الآخر - وكان يسمع حديثهما: «ولكن كيف يكون هذا عزمه ويزوج ابنته ~~لقسطنطين بن هرقل ويحملها بنفسه إلى بلبيس؟!» # فقطع الشيخ عليه الكلام قائلا: «لا تتجاهل يا ولدي الحقيقة. كيف تستغرب ذلك وأنت تعلم أن ~~تمنعه يجر وبالا على جميع الأقباط، وهو يود كتمان هذا الأمر عن كل إنسان إلى أن يقضي الله ~~ما يشاء.» # أما بربارة فكانت مستأنسة بالحديث فلما ذكرت ms038 حكاية أرمانوسة وقسطنطين تذكرت سيدتها وما ~~تحمله إليها من الأخبار المهمة، وخافت أن يسبق السيف العذل فيأتي قسطنطين ويأخذ سيدتها قبل ~~وصولها إليها بخبر أركاديوس، فقالت للشيخ: «اسمح لي أن أتطفل عليك بالسؤال عن أمر يهمني، ~~سمعتك تقول خلال كلامك أنك عرفت رجلا قادما من الشام، وهو الذي أخبرك عن معاملة العرب ~~لأهلها، فهل أخبرك بشيء عن مجيء قسطنطين.» # قال الشيخ: «أظنه قال لي إن قسطنطين قتل في بعض المواقع، ولكنني لم أتحقق الخبر.» # فلما سمعت بربارة ذلك اختلج قلبها في صدرها من الفرح، وأحبت أن ترى المخبر فقالت: «إن ~~الخبر إذا تحقق كان من الأهمية بمكان؛ إذ يترتب عليه عودة سيدتي أرمانوسة إلى منف.» # فقال جرجس: «هل تظنين أنها تحزن إذا مات قسطنطين؟» # قالت: «لا أدري يا سيدي، فقد تحزن لأن اقترانها بابن إمبراطور الرومان شرف عظيم، ولكن ~~الله يفعل ما يشاء، وأود كثيرا أن أعرف الحقيقة؛ لأن أرمانوسة سيدتي وأنا وصيفتها، ويهمني ~~هذا الخبر كما يهمها، فهل أستطيع لقاء هذا الرجل؟ وأين هو؟» # فقال الشيخ: «لا أعرف، ولكنه كان هنا منذ بضعة أيام وقد سافر لزيارة بعض الأديرة، ولا ~~أدري أين هو الآن، على أن الخبر كان صحيحا فلا أظنه يخفى على مولانا المقوقس والمواصلات ~~جارية بينه وبينهم، والجواسيس منبثة في سائر الأنحاء، ويغلب على ظني أن العرب أشاعوا هذا ~~الخبر تثبيطا لعزائم الروم، وعلى كل حال فلا خفي إلا سيظهر.» # وبينما هم في الأحاديث إذ جاء أحد أبناء الشيخ حاملا علبة من الخشب قدمها إلى الشيخ ~~وفيها شيء من الخمر المصنوعة من التمر، فتناولها الشيخ وأعطى الجنديين إياها قائلا: ~~«إليكما قليلا من الخمر فإنها من بقايا غلة نخيلنا هذا العام، وهي لذيذة.» فتناولا العلبة ~~وشربا قليلا وأعطيا الشيخ فشرب. # ثم قال الغلام: «إن الطعام قد حضر، فهل تتفضلون بتناوله؟» فنهض الجميع وكان الجوع قد أخذ ~~منهم مأخذا عظيما، وعادوا إلى البيت فإذا بمصطبة صغيرة قد مد عليها سماط بسيط عليه بعض ~~الأطعمة في آنية من خشب الجميز ms039 وأقداح من الخزف وبعضها من الخشب أيضا فيها بعض الخمر، ~~والمصطبة مصنوعة من الخزف الملون، وقد مد فوقها سقف من جذوع النخل وسعفه، قائم على دعائم من ~~خشب السنط. # وجعل الشيخ يعتذر لضيوفه عن تقصيره في ضيافتهم، فتناولوا ما حضر وقضوا هزيعا من الليل في ~~الأحاديث إلى أن جاءهم النعاس فناموا. ~~••• # فلنتركهم نياما ولنذهب بالقارئ في رفقة موكب المقوقس إلى بلبيس. أما الموكب فكان مؤلفا ~~من عربة المقوقس وهودج أرمانوسة، ورجال الحاشية وفيهم الراكب والراجل، وكان يحمل الهودج ستة ~~من العبيد: أربعة من الوراء واثنان من الأمام، ووراء المركبة رجل يحمل مظلة من ريش النعام. ~~ومركبة المقوقس يجرها فرسان من جياد الخيل عليهما السروج الفضية يقودهما سائسان في زي خاص ~~بهما، وكلما مر الموكب بقرية أو بلدة خرج أهلها لاستقباله بالزهور والرياحين، وكانوا قد ~~برحوا عين شمس في الفجر على أن يدركوا بلبيس مساء ذلك اليوم، فمالت الشمس نحو المغيب وقد ~~أشرفوا على بلبيس، وهي قائمة على أرض مرتفعة قليلا، وفي منتصفها قصر شامخ أعدوه لاستقبال ~~العروس، وما دنوا من المدينة حتى خرج حاكمها وجندها ورجال حكومتها بالأزهار والموسيقى ~~فاستقبلوا الموكب، وتقدمت جماعة من الجواري تتقدمهن نساء الحاكم بأكاليل الأزهار إلى خارج ~~السور، فرافقته حتى اقترب من القصر فأنزلن العروس من هودجها، ودخلن الحديقة بين عزف ~~الموسيقى وترتيل المرتلين، حتى وصلن إلى القاعة المعدة لاستقبالها، وهي مفروشة بأحسن الأثاث ~~من الخز والديباج، ومزينة بأحسن الرسوم، ثم جاءت جواريها يعددن لها ملابسها لتغيير ثياب ~~السفر بعد أن قدمن لها المرطبات والمنعشات، وكانت امرأة الحاكم تعد نفسها سعيدة لنزول تلك ~~الضيفة عليها. # أما الحاكم فاستقبل المقوقس وحاشيته وأنزلهم على الرحب والسعة، وقد أووا إلى الفراش ~~مبكرين التماسا للراحة من وعثاء السفر، وفي الصباح أوصى المقوقس حاكم بلبيس خيرا بابنته ~~وودعها على أمل اللقاء قريبا، فبكت هي لفراقه بكاء مرا، خوفا من أن يكون الوداع الأخير ~~لعلمها ما هي فيه وما أعد لها من الشقاء، وجلست بعد سفره وحيدة تفكر في حالها، وقد ms040 هاج ~~بلبالها، وهي لا تستطيع بث شكواها لأحد وشعرت بافتقارها إلى بربارة خادمتها الأمينة إذ كانت ~~لا تعلم بما جرى لها بعد دخولها الحصن، ولما تصورت الحصن تذكرت أمرها مع أركاديوس وقسطنطين، ~~فاشتد عليها الحزن حتى بكت وهي تحاذر أن يراها أحد. # قضت سحابة ذلك اليوم في تلك الهواجس لا يهدأ لها بال، ولا تنفك مطلة تارة من هذه النافذة ~~وطورا من تلك، تنتظر مجيء بربارة، وتحسب شجر النخيل عن بعد أشباحا آدمية لفرط ~~قلقها. # أما بربارة فقد باتت والجنديين في عين شمس على نية التبكير إلى بلبيس، فلما أصبحوا أعدوا ~~المركبة وأطعموا الثورين علفا كافيا، ولكنهم خافوا ألا يكونوا على بينة من طريقهم، فسألوا ~~الشيخ هل يعرف أحد أولاده الطريق؟ فقال: «إن ولدي هذا يعرفها جيدا، وكثيرا ما ذهب ~~لابتياع بعض الأقمشة وبيع ما يفيض عندنا من غلة أرضنا.» ثم ناداه فحضر فقال: «عليك يا ولدي ~~بمرافقة أصحابنا إلى بلبيس راكبا الثور أبيس فتصل بهم إليها ثم تعود بلا إبطاء لئلا نقلق ~~عليك.» # فلما سمع مرقس اسم أبيس تذكر اسم العجل الذي كان المصريون يعبدونه قديما فقال: «أراك ~~دعوت ثورك باسم إله المصريين القدماء.» فضحك الشيخ ثم قال: «إنما دعوناه بذلك لحكاية غريبة ~~اتفقت لنا وكانت سببا لنفع عظيم.» # قال: «وما هي حكايته؟» فقال: «إن هذا الثور قوي العضل، قد عودناه المناطحة ففاق جميع ~~الثيران، ولا يخفى عليكم أن مناطحة الثيران عادة قديمة في هذه البلاد ولكنها نادرة اليوم، ~~أما هذا الثور فقد حافظ على تقاليد أجداده من إتقان هذا الفن، فاتفق أن بعض الناس ممن ~~يأتوننا للمبادلة على الغلة بالكرم كان عندهم ثور مناطح، وكانوا معجبين ببطشه، فطلبوا إلينا ~~أن نراهنهم على مناطحته ثورنا فراهناهم على بقرة نأخذها منهم إذا غلب ثورنا أو نعطيهم غلة ~~نخيلنا هذا العام كلها إذا غلب ثورهم، فقبلنا الشروط، وتناطح الثوران، وكانت الغلبة لهذا ~~الثور؛ إذ كسر قرن ثورهم، واستولينا على البقرة، ودعوناه من ذلك الحين «أبيس» إشارة إلى ~~براعته في المناطحة مثل ms041 أجداده ثيران المصريين القدماء.» # فعجب الجنديان لهذه الحكاية، ثم أسرع المسافرون بالرحيل بعد أن تناولوا شيئا من الطعام، ~~وحملوا معهم التمر الجاف يتناولونه في أثناء الطريق إذا جاعوا؛ لئلا يمتنع عليهم الطعام في ~~طريقهم، وملئوا قربتين من الماء، وساروا يتقدمهم ابن الشيخ راكبا الثور أبيس وقد كممه لئلا ~~تخطر له المناطحة في الطريق مع الثورين الآخرين، وودعوا الشيخ والقرية وساروا. # وما انفك الجندي مرقس منذ برحوا الحصن في شغل شاغل، وكان قد تمنى عند خروجه من الحصن ألا ~~يجد المقوقس في عين شمس رغبة منه في الشخوص إلى بلبيس لحاجة في نفسه بالقرب منها، ولكنه ~~أسرها ولم يخبر بها أحدا، فلما جاءوا عين شمس وعلموا بإقلاع المقوقس سر كثيرا، وعند ~~ركوبهم في الصباح عزم على أن يمر بالبلدة التي له فيها ذلك الغرض دون أن يعلم رفيقه. # فساروا سحابة يومهم، وبربارة قلقة خوفا من تأخر الرسالة، فلما كانت الظهيرة وقفوا ~~للاستراحة والغداء بالقرب من مزرعة لبعض الفلاحين، فيها ساقية تظللها جميزة كبيرة، ثم نهضوا ~~وواصلوا سيرهم حتى أدركهم المساء وهم على مسافة طويلة من بلبيس، فأرادت بربارة أن يواصلوا ~~السير حتى يصلوا إليها ولو ليلا، فقال مرقس: «الأفضل أن نبيت الليلة في هذه البلدة ونصبح ~~بلبيس في الغد؛ لأن الطريق لا يخلو من الخطر.» فاستحسن الرفاق رأيه وعرجوا على بلدة بالقرب ~~منهم، وطلبوا مبيتا في منزل قسيسها فرحب بهم وبخاصة لما عرف أنهم من جند المقوقس، فنزلوا ~~عنده، وأقامت بربارة في دار النساء فبالغن في إكرامها وهن لا يعرفنها، أما صاحب أبيس ~~فاستأذنهم في العودة لاستغنائهم عنه فأذنوا له وحملوه السلام لوالده. ~~••• # سر مرقس كثيرا لنجاحه في مأربه، وما كادوا يصلون إلى بيت القمص حتى ترك رفيقه هناك وسار ~~إلى طرف البلدة الآخر، حتى بلغ منزلا على ترعة صغيرة، وقد خيم الغسق، ووجد الباب مقفلا ~~وعليه بعض الجند، فلم يعبأ بهم بل طرق الباب طرقا خفيفا فناداه مناد من الداخل: «من ~~الطارق؟» فأجاب: «أنا مرقس، افتحوا!» وكان ينتظر منهم أنهم ms042 حالما يسمعون صوته يتهللون ~~فرحا، ويبادرون إلى الباب يرحبون بالقادم، ولكنهم تباطئوا وسمع لغطا وبكاء، ثم فتح الباب ~~وإذا بصاحب البيت وهو رجل شيخ يخرج وفي يده مصباح، فلما رآه مرقس سلم عليه وهم بتقبيل يديه، ~~فقبله الشيخ في عنقه، فشعر مرقس بدموعه تتساقط فبغت ونظر إليه وسأله عن سبب ذلك فقال: «ادخل ~~يا ولدي لأنبئك بما جرى.» فدخلا إلى غرفة الاستقبال وأقفلا الباب وراءهما، فإذا بامرأة ~~جالسة حزينة، ومنديلها بيدها تمسح به دموعها، فازداد ذهوله وألح في السؤال عن السبب وقال: ~~«ما بالك يا خالة؟ ماذا جرى لكم؟ وأين هي مارية؟» فقالت المرأة وقد علا بكاؤها: «وأية ~~مارية تعني يا ولدي؟» فأجاب وقد بغت: «أية مارية؟ أين هي مارية؟ قولي لي.» قالت وقد خنقتها ~~العبرات: «إن مارية يا ولدي سيأخذونها بعد يومين، ولن تراها عيوننا. آه منهم.» قالت ذلك ~~وشرقت بدموعها. # فصاح مرقس وقد ثارت فيه الحمية: «وإلى أين يأخذونها؟ ومن هم؟» # قالت: «سيأخذونها منا ويقدمونها ضحية للنيل يا ولداه.» # فعلم مرقس أن الاختيار قد وقع عليها في هذه السنة لتلقى في النيل كما هي العادة عند ~~المصريين؛ إذ كانوا يلقون كل سنة في النيل فتاة بحلاها استدرارا للغيث ورغبة في الفيضان، ~~وتحقق لديه أن حبه لها وخطبته إياها قد ذهبا أدراج الرياح، ولكن الحب غلب عليه فنادى بأعلى ~~صوته: «إنهم لن يأخذوها، وإني لأفتديها بروحي ومالي. أريد أن أراها الآن.» # قالت: «وأين تذهب بها؟ ألم تر الشرطة واقفين بجوار البيت يترقبون حركاتنا وسكناتنا؟ فإذا ~~أتينا أمرا فإنما نجني على أنفسنا.» # فقال: «ولكن العادة ألا يأتوا هذا الأمر إلا برضاء أبيها، فهل رضي عمي بذلك؟» # فقطع عمه عليه الكلام قائلا: «كيف أرضى بهذا الأمر؟ لقد حاولوا إرضائي فأبيت، فأرادوا ~~أخذها بالعنف بدعوى أنهم ينفذون قضاء الله وأن القرعة في السنة الماضية وقعت على فتاة ~~إسرائيلية، وفي هذه السنة وقعت على مارية.» # فصاح مرقس: «لا فاض النيل ولا ارتوت الأرض إذا لم يكن ذلك إلا بهذه الطريقة، اطمئنوا ~~وألقوا الأمر ms043 علي وأنا أنقذها. أين هي لأراها؟» # فقالت أمها: «هي في غرفتها تندب وتبكي يا ولداه وتأبى أن تكلم أحدا أو ترى أحدا.» # قال: «أريد أن أراها فلعلي أستطيع تعزيتها، وأنا أعلم أني قادر على إنقاذها.» وكان قد ~~تذكر بربارة، وأنها مقربة إلى المقوقس، فبدا له أن يستنجدها، فتذكر أمر مارية للمقوقس أو ~~ابنته فيصدر الأمر باستبدال أخرى بها، فقال: «أروني إياها ولا تيأسوا من رحمة الله.» # فأمسكته امرأة عمه وقادته إلى غرفتها وهي ترعش كيدا وحزنا، ولما سمعت الفتاة وقع ~~أقدامها نادت بصوت ضعيف كالأنين من فرط ما ناحت وبكت وقالت: «آه أنقذوني من مخالب الموت، أو ~~أروني مرقس قبل مماتي.» ثم خنقتها العبرات فأجابها مرقس قائلا: «لا تخافي يا مارية ها أنا ذا ~~قد جئتك، جاءك الفرج من عند الله.» # فلما سمعت صوته نهضت مسرعة لساعتها، وارتمت على قدميه قائلة: «آه إن مارية لم يبق لها في ~~هذه الحياة إلا يوم وليلة، فأشفق على ضعفي وأنقذني إذا كان ثم أمل في الحياة. يا أبتاه ويا ~~أماه، انتشلاني من مخالب الموت، أشفقا على صباي. آه من الحياة، ما أحلاها وما ~~أمرها!» # فلم يتمالك مرقس نفسه عند سماع كلامها عن البكاء، ثم تجلد وأخذ بيدها، فإذا هي باردة ~~كالثلج، وكانت الفتاة قد أغمي عليها فرشوها بالماء حتى أفاقت فأجلسوها، وعينا مرقس لا ~~تفارقانها وقلبه يكاد ينفطر، ثم نظر إليها وقال: «لا تخافي يا مارية، فإني قد دبرت وسيلة ~~لإنقاذك، وأنا واثق بأن الله لا يحرمني من قربك.» # فلما سمعت الفتاة كلامه عادت إليها قواها وتجلدت، وجلست وهي تنظر إليه بعينين مملوءتين ~~بالدمع، وقد ذبلت جفونهما وتكسرت أهدابهما، وامتقع لون وجهها، ولكن الجمال بقي متجليا فيه، ~~فازداد هيام مرقس بها حتى هان عليه الموت في سبيل إنقاذها، ثم رأى الوقت يكاد ينفد، ولم يبق ~~لميعاد أخذها إلا يوم وبضع ساعات، فوقف ونظر إلى الفتاة وقال: «قلت لا تخافي يا مارية، فإن ~~الذي أنقذ يوسف من البئر ودانيال من جب الأسود، قادر على ms044 أن ينقذك من مخالب الموت، وها أنا ذا ~~ذاهب لأنظر في الأمر وأرجع إليكم في الغد إن شاء الله.» # قال ذلك وهم بالخروج فأمسكت الفتاة بثوبه وقالت: «لا، لا تذهب؛ لأني لا أرى حيلة تستطيعها ~~لإنقاذي، وقد قدر الله أن أذهب فريسة العادات والطقوس، فدعني أتمتع برؤيتك هذه الساعات ~~القليلة.» # فازداد هيام مرقس، وثارت المروءة في صدره، واستسهل كل صعب وقال: «تشجعي يا عزيزتي وخففي ~~عنك، فقد قلت لك إني قادر على إنقاذك إذا ذهبت الساعة، أما إذا بقيت هنا فالوقت يذهب وتضيع ~~الفرصة من يدنا، فأستودعك الله إلى الغد؛ لأن الميعاد الذي ضربوه لك لا ينتهي قبل صباح بعد ~~غد، وأنا أعود إليكم في ظهيرة الغد.» # وخرج فأحست مارية أن قلبها يتبعه، وأما أبوها فرافقه إلى الباب وقال له: «احذر يا ولداه ~~أن يشعر الحرس بما أنت عازم عليه فيشددوا النكير علينا، فإذا كان لنا بقية أمل في النجاة ~~قطعوها.» قال ذلك وتنهد، ولحقته امرأة عمه وهي تقبله وتقول: «اذهب يا ولدي في حراسة الله، ~~وهو يكون معك ويبارك عملك.» فودعهما وخرج لا يكاد يرى طريقه لفرط ما ألم به، وسار قاصدا ~~بيت قسيس البلدة على أمل أن يكلم بربارة تلك الليلة ويتضرع إليها أن تخاطب سيدتها أرمانوسة ~~في الأمر، وهذه تسأل أباها أن يفرج عن الفتاة إما بالعفو، وإما بالاستبدال. # وبينما هو في طريقه رأى الحرس وقوفا بالسلاح، وكان لم يعرهم التفاتا حين مجيئه، وأما ~~الآن فكان يرتاب في كل أحد؛ لفرط ما انتابه من الجزع، ولم يبلغ بيت القسيس إلا بعد العشاء، ~~ولم يكن قد ذاق طعاما، فطرق الباب فإذا القسيس قد أعد طعاما لضيوفه واستبطأ مرقس، فلما رآه ~~عائدا رحب به واستقبله وقال: «لقد أبطأت علينا يا ولدي، وها نحن في انتظارك على المائدة.» ~~فشكر له ودخل، وأمارات الكدر والكآبة تلوح في وجهه وهو يحاول إخفاءها، فلحظ القسيس فيه ذلك ~~فسأله عن سبب كدره فغالطه ودخل معه إلى المائدة، وكان رفيقه جرجس في انتظاره، وقد قلق ms045 ~~لغيابه، فسلم عليه وسأله عن سبب غيابه، فذكر أنه ذهب لزيارة بعض أقاربه وعاد. # وأما مرقس لم يكن يستطيع الأكل، وأراد أن يكلم بربارة، فعلم أنها مع زوجة القسيس في ~~الغرفة الأخرى تتناولان العشاء، ولا يستطيع مقابلتها إلا في الصباح، فصبر على مضض وجلس إلى ~~المائدة، وتظاهر بأنه يؤاكلهم ولكنه كان مشغول البال لا يفوه بكلمة حتى كلمه القسيس سائلا: ~~«هل عرفت على من وقعت القرعة هذه السنة لتكون ضحية النيل؟» # فخفق قلب مرقس وارتعدت فرائصه عند سماع كلمة ضحية النيل، ولكنه تجلد وقال: «لا يا سيدي لم ~~أعلم.» وغلب عليه الكدر حتى غص بالطعام، ولكنه أراد سماع تتمة الحديث فقال: «ولكنك لم تقل ~~لي على من وقعت؟» # قال القسيس: «وقعت على مارية بنت المعلم اسطفانوس العسال، وهي فتاة على جانب عظيم من ~~التهذيب والتقوى والجمال، وقد جاء والدها إلي بالأمس وطلب أن أعاونه على إنقاذها فتفطر ~~قلبي لما شاهدته من لهفته على ابنته، ولكن أنى لي أن أعينه؟!» # فقال مرقس وهو يحاول التجلد وتكاد عواطفه تقتله: «ولكن ما هذه العادة القبيحة؟! وهل تظن أن ~~النيل يعقل حتى يكون لهذه الضحية تأثير في مجراه؟!» # قال: «لا يا ولدي، إنها من العادات الوثنية التي تنفر منها أذواقنا ويأباها الطبع ولا ~~تسلم بها الديانة، بل تنهى عنها؛ لأنها قتل للنفس.» # فقال جرجس: «وا أسفاه على هذه الفتاة، كيف تكون حالها الليلة؟ وكيف يأتيها الرقاد؟ بل كيف ~~حال أبويها، وماذا يصيبهما إذا نفذ الأمر! فإنها وحيدتهما» # فقال القسيس: «وإني لأعجب أيضا كيف يحكمون باختيارها، وينفذون الحكم فيها بغير رضاء ~~أبيها، والعادة أنهم إذا اختاروا فتاة أرضوا أباها بمال أو شيء آخر حتى يسمح لهم بابنته، ~~وأنا أعلم يقينا أن المعلم اسطفانوس لا يرضى ببيع ابنته، فإن ذلك عارا مبينا.» # فقال جرجس: «أي شيء يجري بيننا يا سيدي على سنة العدل، ونحن نقاسي كل يوم من الأمور ما ~~تنهى عنه الديانة والطبيعة؟!» # فقال القسيس: «قلت لكم إني أعجب للحكم عليها بدون إرضاء والدها، ولكنني ms046 أعترف لكم بأمر ~~عرفته سرا وهو الذي جر عليها هذا الحكم، فهل تعدونني بكتمانه إذا أخبرتكم به؟» # فتوسم مرقس بابا للخير، وكان غارقا في بحار الهواجس، فقال: «نعم نكتمه.» # فقال القسيس: «علمت أن شيخ البلدة طلب هذه الفتاة زوجة لابنه، فرفض أبوها، فحقد عليها ~~ووشى بها إلى حاكم بلبيس وحمله على قتلها على هذه الصورة.» # فقال جرجس: «ولماذا لا يرضى أبوها بابن الشيخ، وهو خير أهل هذه القرية؟» # قال القسيس: «سمعت أن هذه الفتاة عالقة القلب بفتى تحبه هي ويحبه أبوها كثيرا، وقد عقد ~~النية على تزويجها به، وهما يعلمان الآن أن سبب هذا الشر رفضهما ابن الشيخ، وقد سمعت ~~الرواية ولا أضمن صحتها.» # فلما سمع مرقس هذا الكلام اقشعر جسمه وهبت الغيرة فيه، وخنقته العبرات، فأمسك عن الطعام ~~متظاهرا بانحراف صحته، ونهض عن المائدة ملتمسا قضاء حاجة له في حديقة البيت، فلم يعترضه ~~أحد، فخرج حتى خلا إلى نفسه، فمسح دموعه واحتار في أمره هل يطلع القسيس على حقيقة شأنه، أو ~~يبقيه سرا مكتوما، ولكنه تجلد وعاد يريد سماع تتمة الحديث إلى آخره، فإذا رأى فائدة من ~~الكلام تكلم. # فلما دخل الغرفة عاد القسيس إلى كلامه فقال: «ومن الغريب أن هذه المسألة لم تجر العادة ~~بالقطع بها إلا بعد البحث والتدقيق وموافقة مولانا المقوقس عليها، ولكنني عرفت أنه لم يعلم ~~بها هذه المرة، ولعل ذلك ناتج عن انهماكه في أمر ابنته وزواجها وبالأخبار التي تواترت عن ~~قدوم العرب على ما بلغنا، ولذلك فهو لن يحضر الاحتفال بضحية النيل هذا العام، ولن يحضره ~~الأعيرج ولا رجاله؛ لأنهم في شغل شاغل كما قدمنا، ولكن شيخ هذه البلدة سيذهب هو وبعض رجاله، ~~وهي فرصة انتهزها لانهماك المقوقس، ونراه مسرعا في تنفيذها خوفا من فواتها.» # ثم أظهر القسيس الملل من هذا الحديث وأراد تحويله فقال: «هل سمعتم شيئا عن العرب؟» # فقال جرجس: «أما العرب فقد تحققنا قدومهم لحربنا، ونرى جنودنا في استعداد لملاقاتهم، ~~ولكنهم لم يبلغوا الحدود بعد، وقد أرسل مولانا المقوقس جانبا ms047 من الحامية إلى الحدود، وأقام ~~جانبا آخر في حصن بابل ليدفع بهم الأعداء عن مدينة منف.» # فتبسم القسيس متهكما ولم يجب، فقال له جرجس: «وما الذي أوجب تبسمك أيها الأب المحترم؟» # قال: «أبتسم لقولك أن المقوقس يعد رجاله لدفع العرب، والظاهر أنكم على كونكم من رجاله لا ~~تعرفون حقيقة مقصده!» # فتجاهل جرجس خفة أن يكون في مجاهرته ضرر عليه لأنه من الجند، فقال: «وما الذي يعلمنا؟ وهل ~~لمثلنا أن يعلم بمقاصد رئيسه السرية؟ نحن نعلم أننا نتهيأ للدفاع عن بلادنا ومحاربة العرب ~~إذا جاءونا، هذا ما يظهر لنا من غرضه.» # فقال القسيس: «أما مقاصده الحقيقية يا أولادي فهي أن يسلم هذه البلاد لأي فاتح كان تخلصا ~~من جور الروم وسوء معاملتهم لنا معاشر الأقباط.» فبالغ جرجس في التجاهل لكي يتحقق ما سمعه ~~فقال: «ربما كان قولك مبنيا على الحدس؛ لأن الظواهر الحالية تنفي هذا القول، فإن المندقور ~~الأعيرج بعدته ورجاله الروم ورجالنا الوطنيين قد تحصنوا جميعا في حصن بابل، فكيف تكون مقاصده كما ~~تقول؟» # فهز القسيس رأسه مستهزئا وقال: «يظهر يا ولدي أنك لم تختبر الدنيا، أتحسب هذه الظواهر ~~دليلا على حب المقوقس الدفاع؟ ألا تعلم أنه إنما يفعل ذلك خوفا من الأعيرج قائد الحامية ~~الرومانية؟ وقد قلت لي في أثناء حديثك أن جنود الرومان في الحصن مع الوطنيين، وهل من ~~الوطنيين جند في مصر؟!» # قال: «أريد حاشية مولانا المقوقس.» # قال: «أما حاشية المقوقس فشرذمة لا يعتد بها، إنما العمدة على الجند الرومان، فهم حامية ~~البلاد، فإذا علموا بسريرة المقوقس قتلوه لا محالة، وأنا أخبرك اليقين وأؤيد قولي بالبرهان، ~~ولكنني أطلب منكم حفظ ذلك سرا.» ثم خفت صوته وتطاول بعنقه نحوهما وقال: «إن المقوقس جمعنا ~~نحن القسس الأقباط في اجتماع سري لم يعلم به أحد، وأطلعنا على مقاصده الحقيقية وأوصانا ~~بالكتمان، ودربنا على الطريقة التي نتصرف بها عند الاقتضاء، فما رأيك بعد ذلك؟» فقال جرجس: ~~«أما وقد قلت هذا فأنت أعلم بالحقيقة.» # وكان مرقس في أثناء تلك المحادثة غارقا في ms048 بحار الهواجس، وأفكاره مشتغلة بأمر حبيبته ~~ووالديها والطريقة المثلى لإنقاذها من هذا الشرك، فأدرك القسيس ارتباكه فقال له: «مالي أراك ~~صامتا يا ولدي؟» فقال وقد أفاق من هواجسه: «إني أفكر في تلك الفتاة وما وقع عليها من ~~الظلم، وأراني شديد الميل لنصرتها، وأعلم أني إذا فعلت ذلك أنقذت نفسا من القتل.» # قال: «نعم يا ولدي وحبذا لو كان ذلك بيدي فلا أتوقف لحظة عن إغاثتها، ولكنني إذا أظهرت ~~هذا الميل وقعت في شر مثل شرها؛ لأن حاكمنا ينتمي إلى الروم، وهم يصغون إلى ما يقوله ويعملون ~~برأيه، وزد على ذلك أن الوقت قد فات، ولا وسيلة لإنقاذ الفتاة إلا بأمر من المقوقس نفسه ~~وتصديق الأعيرج عليه، أما المقوقس فبعيد منا الآن؛ لأنه كان في بلبيس، ورأيناه عائدا منها في هذا ~~المساء جنوبا، وأظنه يريد منف ولا حيلة في الأمر.» # فعظمت المصيبة على مرقس، ثم تذكر بربارة ودالتها على أرمانوسة، فأمل أن ينال بغيته على ~~يدها، وتمنى لو استطاع أن يكلمها في تلك الساعة، ولكنه خاف مغبة الأمر فأعمل فكره، ثم قال ~~للقسيس: «هل تسمح لي بكلمة على انفراد؟» فقال: «تعال يا ولدي.» فخلا به وقص عليه الخبر كما ~~وقع، وأخبره أنه هو خطيب الفتاة، وأنه تعهد بإنقاذها من مخالب الموت، وأن الموت أهون عليه ~~من التقاعد عن ذلك، ثم أنبأه بأمر بربارة وأنها خادمة أرمانوسة الخاصة، ولعلها تتوسط له عند ~~سيدتها. # فقال القسيس: «ولكنني لا أرى أن في استطاعة أرمانوسة أن تعينك، فحاكم هذه البلدة ينتمي ~~إلى الروم ولا يصدع إلا بأمرهم، ولا سيما أن له مأربا في قتل الفتاة، ولكني سأدعو لك بربارة ~~لعلها تعرف وسيلة أخرى.» ثم بعث إليها فحضرت، فقص مرقس حكايته من أولها إلى آخرها، وتوسل ~~إليها أن تبذل جهدها في الغد لإنقاذ الفتاة. # فقالت بربارة: «إني أشارككما في الشفقة عليها، وسأبذل ما في وسعي لإنقاذها، والاتكال على ~~الله، أما سيدتي أرمانوسة فإنها تعمل بكل ما أقوله لها، فإذا كان الأمر في يدها فثقوا أن ~~الفتاة ms049 ناجية بإذن الله، وإلا فالأمر له يفعل ما يشاء.» ثم فكرت قليلا كأنها تذكرت بابا ~~للفرج فقالت: «إني أضمن إنقاذها، إننا سنكون في بلبيس صباح الغد، وهم لن يأخذوا الفتاة إلى ~~النهر إلا بعد غد، وسأجتمع بمولاتي قبل ذلك فتدبر الأمر.» # ولما انتهوا من حديثهم ذهب كل إلى منامه. أما مرقس فلم يغمض له جفن تلك الليلة، فبات ~~تتقاذفه الهواجس بين اليأس والأمل والخوف والرجاء، وبكر في الصباح إلى بربارة فأعد المركبة ~~هو ورفيقه وودعوا القسيس وساروا قاصدين بلبيس. # الفصل الخامس # | الاحتفال بضحية النيل1 # كان حاكم تلك البلدة قد هم بقتل مارية انتقاما منها، فاتخذ أمر ضحية النيل ذريعة لتنفيذ ~~مآربه وسعى جهده لدى حاكم بلبيس حتى أذن له بالنيابة عن المقوقس أن تلقى الفتاة في النيل ~~بعد غد ذلك اليوم، وجعل الحرس حول منزلها حرصا على تنفيذ مأربه، لعلمه أنهم إذا تمكنوا من ~~الوصول إلى المقوقس عرقلوا مساعيه. # وكان الحراس يقضون الليل ساهرين فلما جاء مرقس ودخل المنزل جعلوا يتجسسون ويتسمعون لما ~~يدور من الحديث فسمعوا توعده وعزمه على إنقاذها، فلما خرج من البيت ذهب بعضهم إلى الحاكم ~~وأخبره بما سمع، فخاف أن تذهب مساعيه عبثا إذا أبطأ، فبكر في الصباح التالي وبعث إلى أهل ~~الفتاة أن يعدوا عدتهم لأخذها إلى النيل في ذلك اليوم؛ زاعما أن دواعي خاصة ألجأته إلى ~~الإسراع، وأمر بعض النساء المعدات لمثل ذلك الاحتفال أن يذهبن إلى الفتاة فيلبسنها أفخر ~~اللباس، ويجعلن عليها أحسن ما لديها من الحلي والمجوهرات، ويهيئنها كما هي العادة مع ضحية ~~النيل، وبعث إلى قسس تلك البلدة أن يسيروا معها بالملابس الرسمية. # على أن العادة كانت أن يحضر هذا الاحتفال البطاركة والأساقفة والخدم والأعيان والوجهاء، ~~ولكنه أراد الإسراع في الأمر لئلا تفشل مكيدته، وبعث إلى صاحب القارب المعد لحمل الضحية أن ~~يكون على أهبة الرحيل، وكان قد أحضر قاربه بقرب تلك القرية إلى ترعة متصلة بالنيل، ثم زينوا ~~القارب بأحسن أنواع الزينة كالأعلام والصور الملونة، وعلقوا فيه أكاليل الأزهار والرياحين، ms050 ~~وجاءوا إلى جوار بيت الفتاة، وفيه الحرس والجند بسلاحهم من الرماح والنبال والسيوف. # ولا تسل عما حل بأهل الفتاة عندما جاءتهم النساء ليلبسنها الثياب الفاخرة، فإنهم وقعوا في ~~وهدة اليأس، ولم يعد لديهم باب يتوقعون منه فرجا، ومما زاد في مصيبتهم أنهم لم يكونوا ~~يستطيعون البكاء ولا الندب؛ لئلا يقال إنهم استكثروا الهدية على النيل فيغضب ويمسك عنهم ~~ماءه. # دخلت النساء وألبسن الفتاة أحسن رداء عندها من الحرير الأحمر النقي، وجعلن على رأسها ~~وكتفها إكليلا من الأزهار تتدلى منه فروع على ذراعيها، وعلقن على رأسها وصدرها كل ما كان ~~عندها من الحلي الثمينة، وغللن يديها ورجليها بسلاسل من الحديد علقن فيها أشياء ثمينة، ~~وجللنها بإزار من النسيج الأبيض الرقيق غطاها من رأسها إلى قدميها، وأنزلنها إلى القارب، ~~ونزل معها القسس بالملابس الرسمية يصلون وينشدون، ونشروا الشراع، فمضى القارب جنوبا قاصدا ~~رأس الدلتا عند التقاء فرعي النيل، وقد غادروا أبويها في حالة يرثى لها، على أنهما لم ~~يستطيعا البكاء إلا بعد أن مضى القارب وأمنا سماع نحيبهما. # أما القارب فسار يخترق عباب الماء، وقد علقوا على صدر الفتاة صكا ادعوا أنه صك الرضاء ~~من والدها، ومعه الأمر الصادر بوقوع الاختيار عليها أن تكون غنيمة باردة لماء النيل، ولما ~~وصلوا في الماء إلى ضفة النيل رسا القارب عند رصيف مبني من حجارة ضخمة عليه نقوش ~~هيروغليفية، فأنزلوا الفتاة إلى البر، وقد نصبوا خياما لمبيتهم على نية التبكير في الصباح ~~التالي لتقديم ضحيتهم. # وكانت مارية في أثناء ذلك بين الذهول والدهشة، فلما أنزلوها إلى البر قدم لها بعضهم ~~طعاما فأبته، وكانت لفرط ما بها كلما رأت شبحا ظنته مرقس قادما لإنقاذها، وباتت تلك ~~الليلة والناس يتأهبون للاحتفال بتضحيتها. # وكان ابن الحاكم لا يفتر لحظة عن التشفي منها، فأوسعها لكزا بمباخرهم وصلواتهم يتوسلون ~~إلى الله أن تكون ضحيتهم مقبولة لدى النيل، وكان في نية الحاكم أن يلقيها بغير احتفال ولا ~~صلاة، فدار وفي الليل أتى إليها وتهددها قائلا: «أين مرقس الآن؟ ها أنت ذي ms051 في قبضة يدي، ~~وغدا تذهبين ضحية النيل.» فصمتت ولم تجبه. # وفي الصباح التالي بكروا وحملوها وأوقفوها على حافة الرصيف، وعلقوا بأغلال قدميها ثقلا ~~من حديد للإسراع في إغراقها، ووقف القسس حولها دورة يصلون وينشدون ويبخرون، ثم داروا الدورة ~~الثانية، وقد أحاط الجند والحرس بالناس وكانوا قد تقاطروا ألوفا، والحاكم يستحث القسس على ~~إتمام الصلاة، حتى إذا كانوا في الدورة الثالثة سمعوا صوت نفير عسكري يأمر بوقف الاحتفال، ~~فالتفت الحاكم وإذا بمركبة مسرعة عليها جنديان يحملان علما عليه صورة المقوقس وكتابة ~~يونانية وقبطية، فاخترقت المركبة صفوف الجماهير التي كانت تفسح لها الطريق حتى دنت من الحرس، ~~فنزل أحد الجنديين بأسرع من البرق، وأخرج رقا من البردي من صندوق صغير من خشب الصندل ودفعه ~~إلى الحاكم. أما الجميع فلما شاهدوا المركبة بهتوا وتطاولت أعناقهم ليروا ما جاء به ~~الرجلان. أما الحاكم فتناول الكتاب وفضه ونظر إلى التوقيع فإذا هو خاتم أركاديوس ابن ~~الأعيرج فبغت وعلا وجهه الاصفرار، وجعل يقرأ الكتاب ويداه ترتعشان، فرآه مكتوبا باللغة ~~اللاتينية وهاك ترجمته: # من أركاديوس بن المندقور الأعيرج، إلى حاكم بلدة ... # آمرك باسم والدي المندقور قائد جند الروم بمصر، أن تكف عن الاحتفال الذي أقمته لضحية ~~النيل فور وصول هذا الكتاب إليك، وعليك أن تحل عقال الفتاة وترجع بها إلى بيت أبيها ~~ريثما يصدر إليك أمر آخر، وإن أبطأت في تنفيذ أمرنا وقعت تحت طائلة العقاب، وقد أمرت ~~حامل كتابي هذا، وهو من خاصتي، أن يراقب عملك وينبئني بما تعمل. ~~«كتبه أركاديوس بن الأعيرج، في حصن بابل سنة ... لحكم الإمبراطور هرقل.» # فلما قرأ الحاكم الكتاب أصبح الضياء في عينيه ظلاما، وأخذ يتأمل الخاتم ويكرر تلاوته، ~~فلم ير مندوحة عن العمل به خوف العقاب، فأمر بحل عقال الفتاة والرجوع بها وبمن معه إلى ~~بلدته كاسف البال وقد أسقط في يده. # أما مارية فلما أخذوا يحلون قيودها ظنتهم يريدون إلقاءها في النيل وأن الساعة قد دنت، ~~فجعلت تتوسل إليهم أن يتمهلوا، فأخبروها أنهم يحلون القيود للرجوع بها إلى بيت ms052 أبيها فلم ~~تصدق وحملت ذلك منهم على محمل الخداع، فازدادت في البكاء، ولم تتحقق الأمر إلا لما رفعوا ~~عنها الأزهار، فالتفتت إلى الجمع فرأت حبيبها مرقس بالقرب منها ينظر إليها والمركبة إلى ~~جانبه وعليها علم المقوقس، فرجع صوابها إليها، وأيقنت بالنجاة، وهدأ روعها، فأنزلوها إلى ~~القارب ونزلوا جميعا ومرقس واقف إزاء المركبة ينظر إلى مارية مبتسما وعيناه تدمعان من ~~الفرح، وهي تنظر إليه وتود أن يرافقها بالقارب، ولكنها أدركت أنها ستلاقيه في بيت ~~أبيها. # وركب مرقس المركبة مع رفيقه جرجس وعاد توا إلى بلدة مارية، وأخبر والديها وأهل منزلها ~~بما كان فطاروا من الفرح، وشكروا الله على ذلك، وخرجوا لملاقاتها على مسافة غير بعيدة من ~~البلد، ولا تسل عن ساعة اللقاء ما كان أحلاها، وكم بكى الجميع بدموع الفرح. # أما الحاكم وابنه فقد ظلا حاقدين ومؤملين تنفيذ مأربهما في فرصة أخرى، على أن الحاكم كان ~~عالما بأنه تجاوز حده فأصبح خائفا. # ولما نزلت الفتاة في بيتها أخذت تبحث عن طريقة نجاتها وعيناها لا تتحولان عن الباب في ~~انتظار قدوم خطيبها لتشكره على مساعيه، وهي تستغرب حدوث ذلك منه، وتعجب بشهامته، وكان قد ~~خرج في حاجة وما لبث أن عاد والتقى بمارية وجلسا يتشاكيان الغرام. # الفصل السادس # | أرمانوسة في بلبيس # تركنا أرمانوسة في قصر حاكم بلبيس على مثل الجمر في انتظار بربارة لتعلم ما جرى أو ما كان ~~من أمر حبيبها، وكانت جالسة إلى النافذة تفكر في حالها وما هي فيه من الخطر بين أن تذهب ~~ضحية عواطفها أو تسلم نفسها إلى من لا تحبه، فأخذت تتلهى بما يقع عليه نظرها من بلبيس ~~وضواحيها، فرأت القصر الذي فيه أرفع مكان في المدينة، ورأت الناس يتزاحمون في بعض الأسواق. ~~والجند يهتمون في بناء الأسوار أو ترميمها، وشاهدت على الأسوار أبراجا عليها الأعلام ~~الرومانية، ووراء الأسوار سهول بعضها رملي وبعضها غياض فيها الأغراس من النخيل والكرم، ~~تتخللها أبنية قديمة أكثرها قد تداعى إلى الخراب فهجرها الناس. # وبينما هي في ذلك، وقد خيم الغسق، ms053 جاءتها إحدى الجواري فوقفت بين يديها فقالت: «ما ~~وراءك؟» قالت: «امرأة الحاكم تسأل عن حضرتك وتريد المثول بين يديك.» فتكدرت أرمانوسة من ~~تلك الزيارة لرغبتها إذ ذاك في الخلوة لتفكر في حالها، ولكنها رأت أن تأذن لها لئلا تستنكر ~~أمرها أو تحسب ذلك خشونة منها، فقالت: «لتدخل.» فدخلت وقد تزينت بأحسن ما لديها من اللباس ~~احتفاء بنزيلتها، وكان لباسها رومانيا مع أنها غير رومانية ولا مصرية، ولكنها من عائلة ~~فارسية قديمة قد شاركت المصريين في معتقدهم وعاداتهم، وهي تناهز الأربعين من العمر، فوقفت ~~لها أرمانوسة ورحبت بها وأجلستها إلى جانبها وأخذت تبش لها وتحادثها، فقالت المرأة: «لقد ~~نزلت أهلا ووطئت سهلا، ونحن نعد أنفسنا سعداء بنزولك بيننا، ونطلب إليه تعالى أن يتمم ~~أسباب سعادتك باقترانك بابن إمبراطورنا المفخم.» قالت ذلك وهي تظن أنها تسرها به، فاضطربت ~~أرمانوسة عند سماعها أمر الاقتران، فتجلدت وأظهرت ارتياحها لذلك التلطف بغير أن تجيبها ~~حياء، ولكنها غيرت الحديث قائلة: «إني أعد نفسي سعيدة أيتها السيدة الفاضلة.» # فقالت المرأة: «وأرجو أن تكوني مسرورة من إقامتك في بلبيس، وأن تتمتعي بما تريدينه، ~~وتأمرينا بكل ما ترتاحين إليه، فإننا أوقفنا أنفسنا لخدمتك.» # قالت أرمانوسة: «أشكرك جزيلا فقد استأنست بك كثيرا، وأشعر بارتياح كبير إلى لطيف ~~حديثك.» # فقالت المرأة: «وإن أكن يا سيدتي فارسية الأصل فإني أعد نفسي وطنية؛ إذ قد ولدت في هذه ~~البلاد وربيت فيها، وآنست من أهلها رقة ودعة تنسي الغريب بلاده، وبخاصة ما نلاقيه من مولانا ~~والدك من الأنس واللطف والاهتمام بشئوننا، وقد سمعت زوجي يقول إنه مسرور سرورا عظيما ~~لاختيارك بلبيس موطئا لقدميك، فإنه يزداد فخرا بقدوم مولانا قسطنطين إمبراطور الرومان ~~إليها، وهذا شرف قلما تحصل عليه مدينة، فنطلب إليه تعالى أن يعجل بمجيئه لنفرح بك ونراك ~~عروسا لابن الإمبراطور.» # فوقعت هذه الكلمات في أذني أرمانوسة وقع الصاعقة حتى كادت الدموع تتناثر من عينيها لعظم ~~تأثرها، فحولت وجهها إلى النافذة ولم تبد جوابا، فحملت المرأة ذلك منها على الحياء من ~~التكلم في أمر الزواج، ms054 وأرادت أن تبالغ في ملاطفتها فقالت: «يظهر أنك غير مرتاحة أيتها ~~السيدة إلى حديث العجائز، فهل أدعو لك ابنتي قسطنطينية لتجالسك؛ فإنها فتاة في سنك ترتاحين ~~إلى حديثها، ولا سيما أن اسمها يشابه اسم خطيبك؟» # فازدادت أرمانوسة كدرا لتلك الملاطفة وودت أن ترفض ذلك الاقتراح، ولكنها لم تستطع إلا ~~إظهار الارتياح، فصفقت المرأة وإذا بجارية حبشية قد حضرت، فأمرتها باستدعاء السيدة ~~قسطنطينية، فجاءت تجر ذيل ثوبها الأرجواني، وكانت قد خاطته خصيصا لتلبسه يوم مقابلة ~~أرمانوسة عندما سمعت بقدومها إلى بلبيس، وجعلت عليها كل حليها، فحيتها أرمانوسة وبشت في ~~وجهها وأظهرت الائتناس بحضورها، فجلست الفتاة متأدبة تعد نفسها سعيدة بالمثول بين يدي ابنة ~~المقوقس، وكانت قد سمعت بجمالها وتعقلها، وأخذت تتأملها وتنظر إلى ملابسها وحليها، وكانت ~~تسمع بحسن زي أهل منف ولا سيما ابنة حاكم البلاد. # أما أرمانوسة فحالما رأت الفتاة وتذكرت أن اسمها مثل اسم من تكرهه نفر قلبها منها، ~~وتشاءمت من رؤيتها، وندمت على قبولها دخولها عليها، ولكنها تجلدت وأخذت تحادثها وتلاطفها، ~~وأفكارها مشغولة بأمر بربارة وأركاديوس، ثم بدأت قسطنطينية حديثها وقد وجهته إلى والدتها ~~قائلة: «هل سمعت يا أماه على من يقع الاختيار هذه السنة لتكون ضحية النيل؟» # قالت أمها: «سمعتهم يتحدثون في ذلك، وقد فهمت من أبيك أنهم اختاروا المعلم اسطفانوس من ~~قرية ... وقد قضي الأمر على عجل بغير استعداد.» # فقالت أرمانوسة: «وما هذه العادة القبيحة التي جرينا عليها في هذه البلاد؟! هل يحسبون ~~النيل ذا عقل يغضب ويرضى حتى يقتلوا بنات الناس من أجله؟! إني لم أنفك أكلم أبي في أمر هذه ~~العادة وحثه على إبطالها، وهو يعتذر بأنها عادة متمكنة من أهل هذه البلاد فلا يستطيع نزعها، ~~على أني حينما أتصور ذلك العمل الفظيع يقشعر بدني.» # قالت الفتاة: «الحقيقة يا سيدتي أنه عمل فظيع وبخاصة لأن هذه الفتاة مخطوبة وكانت تتأهب ~~للاقتران، فكيف يكون حال خطيبها إذا علم بأمرها؟» # فلما سمعت أرمانوسة ذلك انفطر قلبها على تلك الضحية، وودت لو تستطيع إنقاذها من ذلك ~~المهلك، ms055 ولكنها عادت إلى هواجسها، وأرادت قطع الحديث لتخلو إلى نفسها وتفكر في حبيبها على ~~انفراد، فقضت برهة في مثل تلك الأحاديث حتى آن وقت الرقاد، فذهبوا بها إلى غرفة أعدوا لها ~~فيها سريرا مجللا بالأغطية الثمينة، فأوت إليه وهي تخاف ألا تستطيع رقادا تلك الليلة؛ لفرط ~~ما بها من القلق وما يتقاذفها من الهواجس، ولكن تعب الطريق سهل عليها النوم فنامت حتى ~~الصباح، ولم تفق إلا على صوت أهل القصر وهم يرحبون ببربارة، فنهضت من فراشها مذعورة وأخذ ~~قلبها يخفق مسرعا شوقا إلى معرفة ما تم من أمر أركاديوس، ثم سمعت قارعا يقرع الباب ~~فأذنت، فإذا ببربارة تدخل عليها وهي لا تزال بثياب السفر، فقالت لها أرمانوسة: «أغلقي الباب ~~وراءك وتعالي.» فأغلقت الباب وأخذت تقبل سيدتها والدموع تسيل من عينيها، وبشائر الخير على ~~وجهها. # فقالت أرمانوسة: «أخبريني يا بربارة عما فعلته فإني قد قلقت لغيابك.» # قالت: «لا تقلقي يا مولاتي فإني جئت بالأخبار الطيبة، وأبشري بنجاتك ونيل مرامك، فإن ~~البطل أركاديوس حبيبك أمين في حبك ثابت على ودك لا يستصعب أمرا في سبيل قربك.» # قالت: «اصدقيني الخبر يا بربارة، واشرحي الحكاية كما هي.» فمدت بربارة يدها إلى جيبها ~~وأخرجت الخاتم وقالت: «خذي هذه الأمانة أولا.» # فتناولته أرمانوسة، ولما قرأت اسم أركاديوس عليه جعلت تقبله وهي تقول: «اعذريني يا بربارة ~~إذا استسلمت إلى عواطفي، وهذا خاتم حبيبي فكيف لا أقبله؟! ولكن كيف سلمه إليك وهو خاتم لا ~~غنى له عنه في أعماله؟» # قالت: «دفعه إلي على عجل، ولم يفكر في العاقبة، وقد أراد أن تتخذيه دليلا على ثقته فيك.» ~~وقصت عليها الحكاية من أولها إلى آخرها، وأرمانوسة مصغية كل الإصغاء حتى نهاية الحديث، فسرت ~~لثبات حبيبها وعزمه على التفاني في سبيل إنقاذها وقالت: «أشكرك يا بربارة على هذه الخدمة ~~فإنها ثمينة لدي وسأكافئك عليها أحسن مكافأة.» # فقالت بربارة: «هل تشعرين بأني عملت عملا يستحق رضاك؟» # قالت: «كيف لا وقد غمرتني بفضلك؟» # قالت: «إذا كنت تشعرين بذلك وتحبينني فأرجو أن تساعديني في ms056 إنقاذ فتاة النيل، مسكينة!» # قالت: «ومن تعنين بفتاة النيل؟» # قالت: «أعني الفتاة التي سيلقونها في النيل غدا ظلما وعدوانا، وحكايتها تشبه حكايتك ~~على ما سمعت.» # قالت: «كنا في حديثها أمس، ولكن كيف تشبه حكايتي ؟» # فحكت لها كل مل سمعته عن حال مرقس، وأخذت تطنب في شهامته وتبالغ في شرح ظلم الفتاة إلى أن ~~قالت: «فإذا أنقذتها من يد هذا الظالم ينقذك الله من مصيبتك.» # فقالت: «وكيف العمل يا بربارة هل أكتب إلى أبي ليأمر بإنقاذها؟» # قالت: «إن الوقت لا يساعدنا على ذلك لأنهم سيحتفلون بإخراجها غدا صباحا، وسيدي أبوك قد ~~سافر إلى منف على ما علمت فلا نستطيع الوصول إليه والرجوع بأمره قبل فوات الفرصة، وزيدي على ~~ذلك أن الحاكم روماني، وقد لا يكتفي بأمر والدك وحده بل يطلب أمرا من الأعيرج.» # فقالت: «وما العمل إذن لإنقاذ هذه الفتاة؟ دبري الحيلة وأنا أفعل كما تقولين.» # قالت: «أليس خاتم سيدي أركاديوس واسمه عليه؟» # قالت: «بلى، هل أبعث به إلى الحاكم؟» قالت: «لا، ولكننا نكتب أمرا على لسانه نأمره ~~بإيقاف العمل إلى وقت آخر ونختمه بهذا الخاتم، فأنت تعرفين اللغة الرومانية، وأنا آتيك بورق ~~تكتبين عليه الأمر، وأنا الضامنة لنجاح الحيلة، ولا أظن سيدي أركاديوس يعاتبك على استعمال ~~خاتمه في إنقاذ هذه البريئة من القتل.» ~~••• # سرت أرمانوسة لهذه الحيلة، وكتبت الورقة وختمتها وسلمتها إلى بربارة، فتركت سيدتها في ~~الغرفة ونزلت إلى الحديقة، وكان مرقس في انتظارها عند الباب وقلبه يتقد قلقا وخوفا لئلا ~~يذهب سعيه عبثا، فلما جاءته بربارة بالكتاب سر كثيرا وتناوله وشكرها وخرج يريد القرية، ~~وبينما هو خارج من بلبيس سمع الناس يتحدثون بخروج القس وبالاحتفال للذهاب بفتاة النيل في ~~ذلك اليوم، فعاد إلى بربارة وأنبأها الخبر فاستأذنت سيدتها أن يركب مرقس ورفيقه مركبتها ~~الخاصة ليدركا القوم قبل فوات الفرصة، فأذنت لهما في ذلك، فركبا المركبة وسارا حتى أدركا ~~الفتاة كما تقدم. # وتذكرت بربارة ما سمعته من الشيخ الريفي عن قتل قسطنطين فهرولت إلى سيدتها وعلى وجهها ~~أمارات البشر وقالت: ms057 «تذكرت أمرا ذا شأن كان يجب أن أطلعك عليه قبل كل شيء، ولا أدري ما ~~أنسانيه؟! قالت: «وما هو؟» قالت: «سمعت أن قسطنطين قتل في حربه مع العرب في الشام.» # فلما سمعت أرمانوسة الخبر خفق قلبها سرورا وقالت: «ماذا تقولين يا بربارة؟» قالت: «سمعت ~~ذلك يا سيدتي من الشيخ الذي بتنا عنده في عين شمس، ولكنه قال إنه لم يتحقق الخبر.» # فرفعت أرمانوسة يديها إلى السماء قائلة: «لا أريد بأحد سوءا يا رباه، ولكن لا بد لأحدنا من ~~الموت حتى لا نجتمع، فإن كنت قد قضيت على قسطنطين فلتكن إرادتك.» ثم التفتت إلى بربارة ~~وقالت لها: «وهل يمكننا أن نتحقق ذلك فإن تحققه يهمنا كثيرا.» # قالت: «ليس لنا يا مولاتي إلا أن نبعث رسولا إلى الشام يتجسس الخبر وينبئنا.» # قالت: «هلم نبعث أحدا، ومن تظنينه أهلا لذلك؟» فأطرقت بربارة برهة ثم قالت: «أرى أن ~~نبعث إلى مرقس، فإنه شهم مقدام، ولنا عليه أننا أنقذنا له خطيبته من القتل، فإذا عاد وقد نال ~~مرامه بعثنا به يستطلع الحقيقة، وأظنه أفضل رجل يمكننا الاعتماد عليه في هذه المهمة.» # قالت: «قد أصبت المرمى، ولكن متى يعود؟» قالت: «أظنه يعود غدا.» قالت: «إذا عاد فكلفيه ~~بذلك لعله يزيل هذا العناء، فتكون خدمته لنا مثل خدمتنا له.» # قالت: «حسنا.» ثم تذكرت كتاب البطريق بنيامين إلى المقوقس وأنه لا يزال معها فقالت: «وقد ~~نسيت شيئا آخر لا أدري ما ذهب به عن ذاكرتي.» # قالت: «وما ذلك؟» قالت: «هذا الكتاب.» وأخرجته من جيبها، فتناولته أرمانوسة وفضته وقرأت ~~ما فيه، وقالت: «هذا يجب إيصاله إلى والدي سريعا، فما العمل؟» فقالت: «نبعثه مع جرجس، ~~فإني قد اختبرت صداقته أيضا، ولكنه ذهب مع صديقه لإنقاذ مارية.» # قالت: «أرسليه بالجواب حالما يعود ولا تبطئي.» # قالت: «حسنا» وباتتا تلك الليلة تفكران في هذه الأمور، فلما أصبح الصباح من نافذة القصر ~~المشرفة على الطريق، كانت بربارة وسيدتها مطلتين من نافذة القصر المشرفة على الطريق، ~~فشاهدتا المركبة وعليها الرجلان والعلم، وبعد قليل وقفت المركبة ms058 بإزاء القصر، فنزلت بربارة ~~واستقبلتهما وسألتهما عما كان فأخبراها بنجاة الفتاة من مخالب الموت، وقال مرقس: «إني غريق ~~فضلك وفضل مولاتنا أرمانوسة، ولا أدري كيف أكافئها على هذه المنة، فلا أكاد أصدق أني رأيت ~~مارية حية.» # فقالت بربارة: «هل أنت عازم على المكافأة؟» قال: «نعم.» # قالت: «تمهل قليلا فأخبرك، وأنت يا جرجس تعال معي» فتبعها حتى خلت به في غرفة من غرف ~~القصر وقالت له: «أتحب مولانا المقوقس؟» قال: «نعم، والله يشهد بذلك وأنت تعلمين.» # قالت: «هل عندك للسر مكان؟» قال: «هذا أمر لا تجهلينه أيضا.» # قالت: خذ هذا الكتاب واعلم أنه كتاب سري عليك الاحتفاظ به جيدا، وتطلب إليك مولاتي ~~أرمانوسة أن تخفيه بين أثوابك وتحمله إلى والدها في حصن بابل وتدفعه إليه بغير أن يشعر بك ~~أحد، فهل تستطيع ذلك؟» # فأمسك جرجس الكتاب فقبله وقال: «علي القيام بأمرك، وليكن قلبك مطمئنا، فإن الكتاب سيكون ~~بين يدي سيدي المقوقس غدا إن شاء الله.» # فقالت: «احذر أن ينكشف أمره؛ فإن انكشافه يكون سببا لهلاكنا جميعا. أفهمت ما أقوله لك؟» # قال: «نعم يا سيدتي، قد فهمته جيدا، وهل أذهب الآن؟» قالت: «خير البر عاجله، ولكن احذر ~~يا جرجس أن يطلع أحد على السر.» # فطمأنها وخرج وقد أخفى الكتاب تحت خوذته وتقلد سيفه وقوسه وسار يريد مقر المقوقس. # أما بربارة فنادت مرقس وأجلسته في غرفة بالقرب من غرفة مولاتها، ثم دخلت إلى مولاتها ~~أخبرتها بما فعلت بشأن الكتاب ثم قالت: «وهذا مرقس ينتظر أمرك.» # قالت: «أريد أن يذهب حالا إلى الشام فإذا لاقى في طريقه أحدا فليستطلعه الخبر، وليعد ~~إلينا حالا، وإلا فليصل إلى بيت المقدس، فإن العرب الآن في طريقهم من بيت المقدس إلى هنا، ~~فلعله يعثر بهم في الطريق، أو يواصل السير إلى هناك.» # فخرجت بربارة ونادت مرقس فأسرع إليها، فدخلت به على أرمانوسة، فقبل الأرض بين يديها، ~~وتأدب في الوقوف، فأذنت له بالجلوس، فجلس مطرقا، فقالت له بربارة: «أتذكر يا مرقس أن شيخ ~~عين شمس أخبرنا بمقتل قسطنطين بن ms059 هرقل؟» # قال: «نعم يا مولاتي، وأذكر أنه لم يتحقق الخبر.» # قالت: «صدقت، ومرادنا الآن تحقيق الخبر على يدك؛ لأنه يهمنا كثيرا.» # فوقف مرقس وحنى رأسه مطيعا وهم بخوذته ليضعها على رأسه ويخرج، فقالت بربارة : «ماذا ~~تفعل؟» قال: «إني ذاهب لاستطلاع هذا الخبر ومعرفة حقيقته.» # قالت: «بورك فيك أيها الشاب، وقد أعجبتني مبادرتك، ولك علي أن أحمي مارية من عدوها في ~~أثناء غيابك، فسر في حراسة الله، ولكن احذر أن يطلع أحد على ما أنت ذاهب من أجله؛ فإنك إذا ~~أطلعت أحدا عليه وقع عليك غضب مولاتنا، وأنت تعلم ماذا تكون النتيجة.» # قال: «سمعا وطاعة»، وخرج يدبر وسيلة يسير بها، غير أنه ما لبث أن أدرك خطر تلك المهمة ~~لأنه سيسير منفردا في أرض عدوهم، وهو لا يعرف لغة العرب ولا يفهم كلامهم ولا شيئا من ~~أحوالهم، ولكنه صمم على تنفيذ الأمر قياما بواجب الخدمة نحو من كانت السبب في إنقاذ حبيبته ~~من القتل، فمكث بقية ذلك اليوم في بلبيس يفكر في الأمر حتى أمسى المساء، فذهب لوداع بربارة، ~~فحالما رأته بشت له وسألته عما فعله فقال: «ها أنا ذا ذاهب الليلة.» # قالت: «لا أرى أن تسير ليلا خوفا عليك من خطر الطريق، ولكنني قد تذكرت شيئا أقوله لك ~~وأظنه يساعدك كثيرا في إتمام هذه المهمة.» # قال: «وما هو؟» قالت: «أرى أن تستحضر ثوبا مثل أثواب العرب، لأنك إذا التقيت بهم وأنت ~~بهذا اللباس قتلوك.» # فقال: «ولكنني لا أعرف لباسهم، ولا أذكر أني شاهدت أحدا منهم.» # قالت: «أنا أعرف لباسهم لأني شاهدت عربيا جاء مرة إلى سيدي المقوقس بكتاب، وكان ملتحفا ~~شملة بيضاء وعلى رأسه عمامة من نسيج تلك الشملة، فعليك بثوب من نسيج القطن الأبيض أو من ~~القباطي وهو كثير عندنا، وأنا أصنعه لك ثوبا وأعلمك كيف تلف العمامة.» # قال: «فأذني لي بالذهاب الآن لإحضاره.» فأذنت له فخرج وقد ازداد تهيبه لذلك السفر، وخاف ~~أن يقتل أو لا يرجع إلى حبيبته ولا يراها، فرأى أن يغتنم تلك الفرصة لوداعها فسار ms060 مسرعا ~~إلى القرية، وكان قد ترك مارية رغما عنه ليلاقي بربارة ويشكرها على صنيعها ويسلم المركبة ~~إليها، وكانت مارية تنتظر عودته سريعا، فلما أبطأ انشغل بالها عليه، وقلق والدها لغيابه، ~~فلما جاء المساء انقبضت نفس الفتاة، وجعلت تتردد إلى باب الدار، وتطل على الطريق تتفرس في ~~المارة لعلها تراه قادما، وكلما رأت شبحا ظنته هو، وبينما هي كذلك رأت رجلا مسرعا نحو ~~الباب فعرفت من حركاته أنه مرقس، فدخلت وأخبرت والديها ففرحا كثيرا وخف الجميع لاستقباله، ~~ورحب به والداها وقبلاه. أما الفتاة فبقيت واقفة مطرقة وقلبها يختلج فرحا فحول وجهه نحوها ~~وحياها فمدت يدها تسلم عليه فأحس بيدها باردة كالثلج، فشعر كل منهما بقشعريرة الحب، أما هو ~~فتذكر ما جاء من أجله واضطراره إلى الرجوع حالا فانقبضت نفسه، ولكنه تجلد وأظهر الانبساط، ~~فدخل الجميع إلى غرفة الاستقبال وهم يرحبون بمرقس ويبالغون في مدحه والثناء على شهامته لما ~~أتاه من الهمة في إنقاذ مارية، وهو لا يجيبهم خجلا، فلما أكثروا من المدح التفت إليهم ~~قائلا: «يجب علينا جميعا أن نشكر الذي كان السبب الحقيقي في هذا الخير.» # فقالوا: «ومن هو حتى نذهب إليه ونشكره ونقدم أنفسنا عبيدا له؟» # قال: «وماذا يستحق هذا الفاعل عندكم؟» # فأجابوا جميعا بصوت واحد: «يستحق كل خير، وأمره علينا لا مرد له.» # قال: «إن السبب في ذلك الخير كله مولاتنا أرمانوسة ابنة مولانا المقوقس، فما قولكم؟» # فصاحوا بصوت واحد: «لتعش أرمانوسة، ولكننا لا يمكننا مكافأتها لأنها لا تحتاج إلينا في ~~شيء، وعندها من الخدم مئات مثلنا.» # فقال: «ولكن هبوا أنها احتاجت إلى أحدنا في خدمة فهل نقضيها لها؟» # قال الوالد: «نعم هذا فرض واجب حتى لو أدى إلى الموت.» # فقال: «إذن لا تستعظموا الخبر، فقد كلفتني قضاء حاجة بعيدة الشقة، وأنا على يقين أن كثيرين ~~غيري يودون أن تكلفهم أية خدمة يؤدونها ابتغاء مرضاتها؛ لأنها ابنة الوالي الأكبر وزمام ~~والدها بين يديها، واقتراحها عنده لا يرد، فإذا قضيت لها هذه الخدمة فإنها تسعى عنده في ~~ترقيتي، وربما ms061 أنعمت علي إنعاما يريحني من شقاء الخدمة العسكرية.» # وقد أراد بذلك أن يهون عليهم أمر ذهابه ويرغبهم فيه، ولكنهم بهتوا، وامتقع لون مارية ~~خوفا على حبيبها من طول الغياب، بعد أن كانت ترجو بقاءه عندهم هذه المرة أياما بل أن يبقى ~~دائما، فأرادت منعه عن السفر ولكنها رأت في ذلك جرأة غير محمودة فضلا عما عاينته من ~~استحسان والديها للقيام بخدمة أرمانوسة فصمتت. # أما الوالد فقال: «وما هي هذه المهمة؟» قال: «إلى مكان بعيد لا أقدر أن أذكره لكم، لأني ~~عاهدت أرمانوسة ألا أبوح به إلى أحد، ولكنكم ستعرفونه بعد عودتي إن شاء الله تعالى، فأطلب ~~إليكم أن تصلوا وتسألوا الله أن يأخذ بيدي.» # فجعل كل منهم ينذر نذرا لدير من الأديار دون أن يعرف أحدهم ما نذره الآخر، وبقي مرقس ~~برهة هناك وقد نسي ما جاء من أجله، ثم هب بغتة وودعهم جميعا وبخاصة مارية، فإنه شد على ~~يدها عند الوداع كثيرا، فتناثرت الدموع من عينيها، وأما هو فتجلد وقبل أيدي والديها وخرج ~~وعيونهم تتبعه، ولكن الظلام حال بينهم وبينه، فسار توا إلى مكان يعرفه، فابتاع قطعة من ~~القباطي وقصد بلبيس ماشيا، وكانت بربارة قد استبطأته وشغل بالها عليه، فخافت أن يذهب قبل ~~الاستعداد، ولكن بينما هي جالسة إلى سيدتها وقد مضى هزيع من الليل إذ جاءها بعض خدم القصر ~~ينبئونها بقدومه، فنزلت واستطلعته الخبر، فأراد التظاهر بحيلة، ثم حدثته نفسه ألا يلوث ~~ضميره بالكذب وهو سائر إلى غربة وخطر، فأخبرها بجلية الخبر فعذرته، ولكنها قالت له: «اعلم ~~أن نيل خطيبتك معقود بتنفيذ هذه المهمة.» وأخذت الثوب منه فقصت منه قطعة جعلتها مثل ~~العمامة، وقطعت القطعة الأخرى على مثال الشملة، وألبسته إياها وقالت: «فلتكن هذه الثياب معك ~~مطوية حتى تدرك مكان العرب، فتخلع لباسك هذا وتلبسها، أما إذا لبستها منذ الآن فستكون في ~~خطر من جندنا، وربما انكشف أمرك.» # قال: «ولكن ربما سئلت في الطريق عن سبب سفري وعلي لباس الجند، فبماذا أجيب؟» قالت: «قل ~~إنك ذاهب بأمر من ms062 السيدة أرمانوسة إلى حاكم الفرما في حدود مصر شرقا، فإذا تجاوزت الفرما ~~قليلا دخلت حدود الشام، فإذا التقيت بالعرب وتمكنت من طريقة لاستطلاع حالهم فافعل. أما خبر ~~قسطنطين فأنفذه إلينا حالا.» ~~••• # بات مرقس تلك الليلة في مكان قريب من بلبيس استعدادا للسفر باكرا، فلما طلع الفجر نهض ~~وسار حاملا ثياب البدو وبعض الزاد ليتغذى به إذا جاع، وفيه تمر جاف وبعض الخبز، فقضى سحابة ~~النهار وبعض ليلة سائرا، وبات في إحدى القرى، وبكر في الغداة، وما زال حتى أمسى عليه ~~المساء وقد علم أنه على مقربة من الفرما، فتردد بين أن يبيت تلك الليلة حيث هو ثم يصابح ~~البلدة، أو أن يواصل السير حتى يصل إليها ليلا، فجلس في ظل نخلة يتناول بعض التمر من ~~جرابه، فلاحت منه التفاتة في عرض تلك الصحراء، فإذا بنار تضيء، فجعل يفكر في أمرها فخيل له ~~أنها نيران بعض أهل هذه الناحية، فقال لعلي إذا ذهبت إليهم أسمع منهم خبرا أو أبيت عندهم ~~الليلة، فنهض، وسار طويلا قاصدا النار وهو يحسبها قريبة، وقد خيم الليل وهدأ الجو واستولى ~~السكون على تلك الأنحاء، فخاف أن يعترضه حيوان مفترس في ذلك الخلاء، ولكنه تشجع وواصل السير ~~حتى سمع صوتا استغربه، فأصاخ بسمعه فإذا هو صوت حيوان لم يذكر أنه سمعه من قبل، فخاف أن ~~يكون وحشا ضاريا، فوقف صامتا، والتجأ إلى شجرة من السنط فإذا بالصوت قد انقطع، ثم عاد ~~فسمعه، فأخذ يتفرس في الأفق من جهة الصوت لعله يعرف نوع الحيوان فلم يفلح، وفيما هو ينظر في ~~عرض الصحراء لاح له شبح هائل عند بعد، فدنا مرقس من الشجرة واستلقى على الرمال، وجعل يحدق ~~بعينيه في الأفق، فرأى فارسا راكبا حيوانا غير الجواد طويل العنق لا يسمع لوقع أقدامه ~~صوت، فكان أول وهلة يظنه زرافة لأنه رآها في حديقة المقوقس في منف، ولكنه لا يعهدها تصلح ~~للركوب، فتربص برهة وإذا بالفارس يقترب من تلك الناحية وظهر له من جهة قدومه أنه آت من مكان ~~النار، ms063 وكان سيره حثيثا، فما عتم أن وصل إلى الشجرة، ومرقس لا يزال منبطحا على الرمال، ولم ~~يكن يريد النهوض ظنا منه أن الفارس يمر ولا يراه، فإذا به قد ناداه عن بعد بلسان الروم ~~قائلا: «من الرجل؟» # فلم ير مرقس بدا من الإجابة، وبخاصة لما سمعه يخاطبه باللغة اليونانية، وكان مرقس يعرفها ~~جيدا، فنهض وقال: «جندي، ومن أنت؟» قال: «وأنا كذلك.» ثم سمعه ينيخ مركبه بصوت كالشخير، ~~وإذا بالحيوان قد توسد الأرض جثوا وأخذ بالجعير، فتأمله فإذا هو الهجين، ولم يكن رآه، لأن ~~الهجن والجمال لم يكن يعرفها المصريون ولا رأوها إلا مع العرب إذا جاءوا مصر في قوافلهم. ~~وكان قدوم القوافل إلى منف نادرا، ولكن مرقس شاهد الهجين مرة، وقد جاء عليه رسول بكتاب من ~~بلاد العرب إلى المقوقس، فلما رأى ذلك الرجل قادما على الهجين علم أنه آت من معسكر العرب، ~~ولكنه عجب لتكلمه اللغة الرومية، فأوجس خيفة وأعد خنجره للدفاع إذا اقتضت الحال، ثم رأى ~~الرجل قد شد حبلا عند ثني ركبة الهجين ومشى نحوه، فناداه: «قف عندك من أنت قبل أن تقرب.» ~~فقال: «إذا كنت من جند الروم بمصر فلا تخف فإني من جندهم في بلاد الشام.» وأقسم له بالمسيح ~~والقديسين أنه لا يؤذيه، فدنا منه مرقس وهو لا يزال يحاذر، فإذا الغريب بلباس الجند ~~الروماني، ولكنه ما برح مرتابا في أمره لركوبه الهجين، فقال له: «كيف تقول إنك روماني ~~وأراك راكبا هجينا؟» قال: «سأقص عليك خبري متى جلسنا.» فدنا منه، ولم يستطع تمييزه جيدا ~~لشدة الظلام، ولكنه تحقق من ملامحه أنه روماني، وبخاصة لما رأى لباسه وسمع كلامه. # فلما اقتربا سلما فسأله مرقس: «ما اسمك وما خبرك؟ إني لا أزال مستغربا ركوبك الهجين وهو ~~خاص بالعرب، ولم يدخل إلى بلادنا إلا قليلا، وأنت من جند الروم ولسانك يشهد عليك.» # فأمسكه بيده وجلسا على حجر وقال له: «أما اسمي فهو بروفس، وأنا جندي من جنود البطريق ~~يوقنا عامل الروم على حلب الشهباء، وأما ركوبي الجمال فله ms064 أسباب سأقصها عليك متى أخبرتني من ~~أنت.» # قال: «إني رسول من مولاي المقوقس، ذاهب إلى الفرما بمهمة خاصة.» # قال: «لعلك جاسوس؟» # قال: «لا، ولكنني رسول كما أخبرتك.» # قال: «لا فرق عندي مهما تكن مهمتك ، ويكفيني أنك من جند الروم، وأشكر الله لأني التقيت بك ~~هنا فأستفيد منك أمورا ربما كفتني مئونة المسير إلى بلبيس.» # قال: «لعلك كنت ذاهبا إليها؟» # قال: «نعم كنت ذاهبا إليها برسالة إلى أرمانوسة بنت المقوقس.» # فلما سمع اسم أرمانوسة استأنس بالرجل واستبشر خيرا فقال: «ومن أرسلك بهذه الرسالة؟ فإنك ~~قد وقعت على خبير؛ لأن أرمانوسة سيدتي، وقد كنت عندها أول البارحة، فما غرضك منها؟» # قال: «أما مرسلي فالبطريق يوقنا صاحب حلب، وهو الآن في هذا المعسكر عند هذه النار، وأما ~~رسالتي فهي لا علاقة لها بالحرب.» # قال: «وما الذي جاء بكم إلى هنا وأنتم من حامية حلب؟» # قال: «لما استولى العرب على حلب أخرجونا منها، فالتقى سيدي بقسطنطين ابن الإمبراطور وهو ~~في قيسارية، فبعث به مع جماعة من جنده ليحمل إليه خطيبته أرمانوسة.» # فقال: «وأين قسطنطين الآن؟» قال: «هو قادم في بحر الروم بمراكبه التي سترسو عند دمياط، ~~حيث يكون في انتظارنا ليحمل خطيبته إلى القسطنطينية.» # فاتضح الأمر لمرقس وعلم أنه أصاب ضالته عفوا فقال: «إذا كانت الحال كما ذكرت فأخبرك ~~بالحقيقة إني رسول مولاتي أرمانوسة لا مولاي المقوقس، وكل ما تريد أن تعلمه عنها أطلعك عليه ~~لأني عالم بكل شيء.» # قال: «هل هي في خير، ومستعدة للمسير إلى مولانا؟» # قال: «نعم إنها كذلك، وقد جاءت بلبيس منذ أيام في انتظاره، ولكنك لم تخبرني عن سبب ركوبك ~~هذا الجمل وأنت روماني.» # قال: «أراك تدقق السؤال، ولكنني قد استأنست بحديثك وتوسمت فيك الصدق، فأخبرك أنه لما فتح ~~العرب حلب أمسكوا مولاي يوقنا وجماعة من رجاله، وفي جملتهم أنا، فبقينا نؤاكلهم ونشاربهم ~~ونرافقهم في أسفارهم، فتعودنا ركوب الجمال والهجن، لأننا رأيناها أسرع عدوا من الخيل، ~~فعولنا عليها في السفر السريع.» # فقال مرقس: «وهل في معسكركم هذا جند من ms065 العرب؟» قال: «لا.» # فقال: «وهل علمتم شيئا عن عزمهم على غزو مصر؟» # قال: «علمنا أنهم قادمون إليها بحملة، ولعلهم الآن في العريش.» # فبهت مرقس وأخذ يتأمل ما سمعه من بروفس، فلم يره منطبقا على أحكام العقل، ولم يفهم كيف ~~أنهم خالطوا العرب وآكلوهم وعاشروهم حتى تعلموا ركوب الجمال، وكيف أنهم قادمون لحمل ~~أرمانوسة إلى قسطنطين، فقال له: «وهل اعتنق مولاكم يوقنا ديانة هؤلاء العرب؟» # فتوقف بروفس عن الجواب برهة ثم قال: «قد اتهمه بعضهم بذلك، ولكنه بريء منه.» # فأدرك مرقس أن الحكاية ليست بالحال التي تصورها، وأساء الظن فيما سمعه من الرجل، ولكنه ~~خاف إذا أظهر الارتياب أن يغدر به، فتظاهر بتصديق كلامه ثم قال: «ولكننا سمعنا خبرا كدرنا ~~كثيرا عن قسطنطين.» وأراد إتمام الكلام فابتدره بروفس قائلا: «أما إذا أردت ما أشاعه ~~العرب عن قتله فهو عار عن الصحة؛ لأن مولانا قسطنطين في خير وسلامة ينتظر وصول عروسه.» # فقال مرقس: «ألا تخافون أن يلقاكم العرب في عودتكم من بلبيس، وأنتم تقولون إنهم قادمون ~~وقد وصلوا إلى العريش فلا يلبثون أن يكونوا هناك قريبا؟» # فقال بروفس وقد ارتبك في الجواب: «لا، لا أرى علينا بأسا؛ لأنهم يعتقدون فينا الإخلاص ~~لهم.» # فقال مرقس في نفسه: «قد تحققت بقاء قسطنطين حيا، فهل أرجع بالخبر أو أواصل الاستقصاء عن ~~حال العرب وقوتهم لعلي أعود بشيء مفيد لسيدي المقوقس فأنال حظوة في عينيه؟» فرأى أن يواصل ~~السير في الحديث فقال لبروفس: «إنك إذا قدمت إلى سيدتي أرمانوسة، وأنبأتها ببقاء قسطنطين ~~حيا، تسر بك كثيرا، فعجل بالمسير، وأخبرها بأنني قد علمت ذلك منك، وأني ذاهب لإتمام مهمتي ~~في الفرما.» وقد أراد أن يتمم استقصاء أخبار العرب، ولكنه رأى أن يغتنم تلك الفرصة لكي يدخل ~~إلى معسكر يوقنا فيستفيد منهم شيئا يساعده على مرامه فقال لبروفس: «هل لك أن ترافقني إلى ~~مولاك يوقنا لعله يريد أن يستخبرني، أو يسألني شيئا؟» # فقال: «لا أستطيع العودة معك، ولكنني أعطيك شعار الليل، فإذا وصلت إلى المعسكر وسألك أحد ~~من ms066 أنت؟ قل له: «السلام عليكم» وأفهمه نطق هذه اللفظة بالعربية، وهو لا يفهم معناها، فظنها ~~اسما لرجل أو بلد، ولو فهم معناها لأدرك أنها كلمة تدل على إسلام قائلها أو انتمائه ~~للمسلمين، فكررها مرارا على سمعه حتى حفظها، ثم تأمل مرقس في ثياب بروفس فإذا هي تختلف عن ~~ثيابه، فخاف إذا دخل معسكر يوقنا بثيابه أن ينكشف أمره، فأراد أن يحتال على بروفس ليأخذ ~~ثيابه فقال: «ألا تخاف يا أخي إذا مررت بثيابك هذه أن يرتاب فيك المصريون؟» قال له: ~~«ولماذا؟» قال: «إنهم يرونك غريبا، فربما أوقعوا بك شرا، وبخاصة وأنت لابس هذا اللباس. ~~وبما أنك سائر إلى سيدتي أرمانوسة أرى أن أخلع لك ثيابي هذه فتلبسها، وهي لباس جند مصر، ~~فإذا مررت في البلاد لا يستغربك أحد.» # قال: «وأنت ماذا تلبس؟» قال: «أعطني ثيابك فألبسها.» # فاستحسن بروفس الرأي، وتبادلا الثياب، وقد فرح مرقس فرحا لا مزيد عليه بنجاح حيلته، ثم ~~نهض بروفس وركب هجينه وودع مرقس، وأخبره أن فسطاط يوقنا بالقرب من تلك النار، وسار قاصدا ~~بلبيس. # أما مرقس فظل ناظرا إليه حتى توارى عنه، فجعل يفكر في حاله وما سمعه منه ويقيسه ويطبقه ~~بعضه على بعض، فأدرك أن في الأمر خداعا أو مكيدة، فقال في نفسه: «فلأذهب إلى معسكر يوقنا ~~لعلي أعلم دخيلة الأمر.» # وسار قاصدا تلك النار حتى كاد يقترب منها، فسمع هدير الجمال عن بعد فخيل له أنه ذاهب إلى ~~معسكر العرب لا معسكر الروم، ولكنه توكل على الله ومشى، وإذا بفارس قد اعترضه قائلا: «من ~~أنت؟» فأجابه مرقس: «السلام عليكم.» فأخلى سبيله، وقال له: «أين كنت؟» قال: «خرجت من ~~المعسكر لأمر وعدت.» # قال: «ادخل.» وقد ظنه من معسكرهم وبخاصة أن لباسه كلباسهم فمشى مرقس وهو يتأمل المعسكر، ~~فإذا هو مؤلف من عشرات من الخيام بعضها بدوي وبعضها روماني، فجعل يخطر بينها ينظر في حال ~~الجند، فإذا هم من الروم وفيهم بعض البدو، فاستغرب ذلك واختلط بهم وتظاهر أنه واحد منهم كان ~~قد تخلف في الطريق ms067 ثم لحق بهم، وما زال سائرا حتى أتى خيمة البطريق، فرأى الحراس محيطين ~~بها بسلاحهم، وكانت فسطاطا كبيرا يتسع لجماعة، فقال: «لأنتظرن إلى الغد لأرى ماذا عسى أن ~~يكون.» # ثم عرج إلى خيمة فيها جمع كبير، فدخل بينهم وتناول الطعام معهم، فظنوه من جندهم ولا عبرة ~~بلونه وملامحه المصرية، فقد كان ذلك الجند خليطا من الروم وأهل حلب وما جاورها، وربما كان ~~فيه بعض المصريين؛ لأن هرقل استنجد المقوقس في أثناء حروبه مع العرب في الشام، فأرسل ~~المقوقس إليه مددا وفيهم بعض القبط. # فبات تلك الليلة وهو يسمع الأحاديث ويحفظها، فاستنتج منهم أن يوقنا في حلف مع العرب، وأن ~~العرب قد أصبحوا على مقربة من هناك. # ولما أقبل الصباح بكر مرقس إلى فسطاط يوقنا، فإذا بالحراس وقوف عند بابه ويوقنا جالس في ~~صدره وعليه رداء غير رداء الرومان، فتأمل الرداء فإذا هو يقرب شكله من الملابس التي جلبها ~~معه، ولكنها أحسن حالا، وفوق الرداء جبة، وعلى رأسه عمامة، وسمع الناس إذا ذكروه سموه بغير ~~اسمه الأصلي، فرجح لديه أن الرجل قد اعتنق الإسلام، أو هو في خدمة المسلمين، وأيد ظنه هذا ~~خلو المعسكر من شعائر النصرانية، وأهمها الصلبان التي كان الروم يتخذونها شعارا لهم في ~~الحروب، فيحملونها مع الأعلام في مقدمة الجند، فإذا عسكروا نصبوها بجانب الأعلام. # ثم تحول عن الخيمة وجعل يطوف المعسكر يتفقد حاله لعله يقف على شيء من أمر العرب، فوصل إلى ~~أطراف الخيام فشاهد رجلا جالسا على ربوة بالقرب من المعسكر ينكت الأرض بعصا بيده كأنه ~~يفكر في أمر أقلقه، وقد قبض في إحدى يديه على شيء يشبه الرق، فوقف مرقس عن بعد يتأمل في ~~حركاته وسكناته، فإذا بالرجل في لباس جند يوقنا، ينكت الأرض تارة وينظر إلى ذلك الرق طورا، ~~وهو يحاذر أن يراه أحد، ثم التفت إلى جهة المعسكر فرأى مرقس فعجل بإخفاء الرق وتظاهر بأمر ~~يتشاغل به. # وأمعن مرقس النظر في وجهه فإذا هو ليس رومانيا ولا مصريا، فعجب لأمره، وأراد الدنو منه ms068 ~~لعله يقف على خبر جديد فخاف أن تحول جرأته هذه بينه وبين ما يريد، فتجاهل وتحول عن المكان، ~~ودخل المعسكر على أن يغتنم فرصة أخرى ليجتمع به ويستطلعه حاله، وما برح يراقبه حتى رجع إلى ~~المعسكر في المساء واختلط بالجند، فلما أمسى المساء التقى به في بعض الخيام يتناول العشاء ~~مع الجند، فتأمل وجهه فتذكر أنه يعرفه، ولكنه لم يذكر أين شاهده، ولا ما اسمه، فبقي صامتا ~~ينظر إليه تارة ويتشاغل عنه تارة أخرى لئلا يلحظ منه ذلك، ثم رآه ينظر إليه كأنه يريد ~~التعرف به، فتجاهل مرقس هذه النظرة خيفة انكشاف أمره ولكنه كان كثير التشوق إلى معرفة حاله ~~وما هو قادم من أجله، فلبث ريثما مضى وقت العشاء، وأخذ الناس يتفرقون، فإذا بذلك الغريب قد ~~خرج من تلك الخيمة ومشى إلى خيمة من خيام العرب ودخلها وجلس إلى بعض من فيها وجعل يكلمهم ~~بلسانهم، فعجب مرقس لمعرفته اللغة العربية فضلا عن اليونانية، وازداد تشوقا لمعرفة ~~حكايته، ولم يعلم كيف يبادئه الكلام، فصبر ينتظر الليل فقال في نفسه: «لننتظر إلى صباح ~~الغد.» ثم ذهب إلى منامه. # الفصل السابع # | عمرو بن العاص # وكان اليوم التالي، فاستيقظ مرقس على ضوضاء الجند، ونهض مذعورا، وإذا به يراهم قد تجهزوا ~~وخرجوا من المعسكر ينظرون إلى جهة الصحراء، ثم رأى غبارا يتصاعد والناس يتطاولون بأعناقهم، ~~وقد علا ضجيجهم، وفي مقدمتهم «يوقنا» يجر حسامه وراءه تيها، وقد أحاطت به حاشيته، وكلهم ~~ينظر إلى جهة الغبار، فسأل مرقس عن ذلك، فقيل له: «إن العرب قادمون.» فأظهر أنه عالم ~~بقدومهم لئلا يسيئوا الظن به، ثم علم أن القادمين هم جند عمرو بن العاص القادم لفتح مصر ~~فلبث واقفا في جملة الواقفين، وقد نسي رجل الأمس، على أنه حاول أن يراه فيمن حوله من الناس، ~~فلما لم يره عول على أن يستطلع مكانه بعد ذلك. # ونظر إلى موكب البطريق يوقنا فإذا هو مؤلف من حاشيته، وكلهم في اللباس الروماني إلا هو، ~~فقد لبس العمامة وتقلد الحسام، وسمع الناس ms069 ينادونه باسم عبد الله، فتحقق لديه إذ ذاك أنه ~~اعتنق الإسلام لا محالة، وبخاصة لما رآه مستبشرا بقدوم جيش العرب. # ثم جيء إلى يوقنا بجواد ركبه وركب معه بعض رجاله، وخرجوا للقاء العرب، فلبث مرقس واقفا ~~ينظر إلى موكب يوقنا ذاهبا، وجند العرب يتقدم حتى انكشف الغبار عن جند عظيم يتقدمهم ~~الفرسان على خيول عربية تسابق الرياح، والأعلام تخفق فوق رءوسهم يحملها القواد، وفي المقدمة ~~رجلان على هجينين فعلم أنهما الدليلان يقودان الجند، ومن ورائهما الفرسان، وفي مقدمتهم فارس ~~على جواد من خيل اليمن، وعليه العدة والسلاح، وفي ركاب الفرسان جماعة من العبيد يسوسون ~~الخيل، فلما التقى الفريقان ترجل يوقنا، وترجل فرسان العرب، وتقدم يوقنا إلى كبيرهم وتصافحا ~~وتعانقا، ثم سلم على الآخرين وعاد معهم وقد أخذ كبيرهم بيده، فسأل مرقس عن اسمه فعلم أنه ~~البطل الشهير عمرو بن العاص، وكان قد سمع به كثيرا، فتفرس فيه جيدا، فإذا هو قصير القامة ~~وافر الهامة أدعج أبلج عليه ثياب موشاة كأن بها الذهب يأتلق، ومنها حلة وعمامة وجبة، وقد ~~أحاط به وبيوقنا رجال من كبار العرب يهللون ويكبرون، فتنحى مرقس جانبا ليرى مقدار الجند، ~~فإذا بهم يملئون الصحراء، وفيهم الفرسان والهجانة والمشاة وحملة الأعلام، وقد لبس كبارهم ~~العمائم الخضر، وتقلدوا السيوف والخناجر، وأما المشاة ففيهم نقلة الرماح والنبال، ثم أخذوا ~~يتفرقون كل جماعة إلى ناحية يتقدمهم علم خاص بهم، ينصبون الخيام ويضربونها، وأول خيمة ضربت ~~فسطاط الأمير، وهو خيمة كبيرة مبطنة بالحرير الأحمر نصبوها على أعمدة من القصب الهندي، ~~وضربوا أطنابها وفرشوا أرضها بالبسط والطنافس وهيئوها لاستقبال الأمير. أما عمرو فسار مع ~~يوقنا حتى دخلا خيمته للاستراحة، فلبث مرقس ليشاهد بقية الجند، وقد أراد أن يعرف مقدارهم ~~فعلم أنهم يزيدون على أربعة آلاف، وبعد أن تفرق الجند فرقا ونصبوا الخيام جماعات، وصلت ~~جمال الساقة ومعهم الهوادج والأحمال، وفي الهوادج النساء والأولاد، وهم يصيحون. # وتحول مرقس إلى خيمة الأمير فرآها قد شغلت بقعة كبيرة من الأرض، ولكنه لم يشاهد في فرشها ~~كرسيا ms070 ولا مقعدا كما كانت الحال بخيام الروم إذا نزلوا، وشاهد أمام الخيمة علما هائلا ~~عليه رسوم كأنها كتابة باللسان العربي لم يفهمها. أما جند الروم فكانوا يهللون ويرحبون بجند ~~العرب كأنهم كانوا على موعد ، ففهم من ذلك أنهم كانوا في انتظار وصولهم. # ثم تحول نحو خيمة يوقنا فرأى عمرو بن العاص قد خرج منها وسار نحو خيمته يصحبه كبار قواده، ~~فاقترب منها جهده فإذا بعمرو قد جلس في صدرها على وسادة من الحرير، وقد وضع السيف على فخذه، ~~وإلى كل من جانبيه رجال من العرب في مثل لباسه، ويوقنا بين يديه يرحب به، وبينهما ترجمان ~~كان قد شاهده مع عمرو يحمل العلم، ثم علم أن اسمه «وردان» إذ سمع عمرا يدعوه به. # وبعد هنيهة سمع قراءة باللسان العربي وترتيلا، فنظر فرأى رجلا عربيا جالسا في بعض ~~جوانب الخيمة يقرأ عن ظهر قلبه بنغم مطرب، والناس جلوس ووقوف يصغون ويطربون لسماع ذلك ~~النغم، ثم التفت بغتة إلى من حوله فإذا بالرجل الذي كان قد شاهده بالأمس واقفا إلى جانبه، ~~فأراد أن يخاطبه، فسأله عن اسم الرجل الجالس في صدر المكان فقال باليونانية: «هو الأمير عمرو ~~بن العاص.» فأدرك مرقس من لهجته أنه دخيل على اللسان الرومي، فخاطبه بالقبطية وسأله عن ~~ذلك الترتيل فقال: «إنهم يتلون كتابا عندهم اسمه القرآن، وهي عادة يتبركون بها.» فأدرك مرقس ~~أن اللسان القبطي أيضا ليس لسانه، فرغب في الاستفهام عن حاله فقال له: «وبأي لسان ~~يقرءون؟» قال: «باللسان العربي» فقال: «وهل تفهم لسانهم؟» قال: «نعم أفهمه جيدا، وهو ~~لساني، وأنت ما لسانك؟» فقال: «إني من جند الروم.» # قال: «ولكنني أراك تتكلم القبطية، وملامحك قبطية، فهل أنت من أهل مصر؟» فاضطرب مرقس عند ~~ذلك وخاف أن ينكشف أمره فقال: «قلت لك إني من جند الروم وفيه من سائر الملل.» # فتبسم الرجل وقال بالقبطية همسا: «ولكن قل ولا تخف الحقيقة، إني لا أريد بك سوءا، ولعلك ~~إن صدقتني تنال خيرا» # فتحير مرقس ولم يعلم بماذا يجيبه وسكت لا ms071 يتكلم. # فأدرك الرجل أنه يراوغه ويريد إخفاء أمره، فأعاد سؤاله قائلا: «قل ولا تخف، فإنني أعرفك، ~~ولو أخفيت حقيقة حالك ما خفيت علي.» # فقال مرقس: «وأظنني أعرفك أيضا وكأنني رأيتك قبل هذا اليوم في الإسكندرية.» # فقال الرجل: «أنت إذن مرقس تابع المقوقس.» فاختلج قلب مرقس في صدره وخاف عاقبة الأمر، ~~فقال له الرجل: «لا تخف، إني لك نصير، فهل عرفتك أم أنا مخطئ؟» # قال: «أصدقك الخبر، إنني أنا مرقس، ولكن أين رأيتني؟» # قال: «رأيتك وقد جئت بيت يحيى النحوي الإسكندري بعد انحيازه لجماعة اليعاقبة مع سيدك ~~المقوقس، ألا تذكر ذلك؟» # قال: «نعم أذكر ذلك جيدا، فأنت إذن زياد العربي.» # قال: «نعم أنا هو زياد فلا تخف، هل جئت هذا المعسكر تتجسس حال العرب؟» # قال: «لا والله، إنما ساقتني إليه الأقدار عن غير قصد مني، وأنت ما الذي جاء بك إلى هذا ~~المكان؟ هل تأذن لي بالسؤال عن ذلك.» # قال: «أما مجيئي إلى هذا المكان فقد كان لمهمة لا أخفيها عليك؛ فإني لا أخافك؛ فقد آنست ~~فيك إخلاصا.» # قال: «لقد أصبت، وإني أعد نفسي سعيدا لاجتماعي بك، وقد رأيتك بالأمس وآنست فيك خيرا، ~~وكنت مهتما باستطلاع حالك مذ كنت جالسا على الأكمة خارج المعسكر مساء الأمس وبيدك الرق، ~~فأفصح ولا تخف.» # قال زياد: «ليس يخفى عليك أن وجودي في الإسكندرية كان محض اتفاق؛ إذ يندر أن ترى عربيا في ~~بلادكم، وأما قصتي فسأقصها عليك على انفراد لئلا يسمعنا جند الروم نتكلم بالقبطية فيشوا ~~بنا، والأفضل تأجيل حكايتي إلى المساء.» # قال: «حسنا فلنتكلم الآن بالرومية، فإني أريد الاستفهام عن بعض ما أشاهده في هذا الجيش، ~~وقد عجبت لحال هذا الأمير وسرني ما أرى في وجهه من الصباحة وما يتجلى في محياه من الشجاعة ~~والشهامة، لا عجب إذا ساد العرب الدنيا بأجمعها إذا كانت هذه حالهم، وهل عرفت شيئا عن حال ~~يوقنا؛ فإني أراه روميا ولكنه يلبس العمامة ويتزيا بزي العرب، وهذا جنده في لباس الروم!» # فتبسم زياد كأنه يفتخر بجنس العرب وقال: ms072 «إن العرب أهل شهامة وإقدام وشجاعة، ولا غرو إذا ~~فتحوا الأمصار وأخضعوا الملوك؛ انظر إلى ابن العاص فإنه من خاصة رجالهم، وأنا أعرفه منذ كان ~~جاهليا، وهو يعرفني جيدا، ولعله إذا رآني الآن يناديني باسمي ويرحب بي ويجلسني إلى جانبه، ~~ولكني لا أريد أن يكون ذلك بمشهد من الناس؛ إكراما لمن أرسلني؛ لأنه يود أن تكون رسالته ~~سرية.» # فقال: «ومن هو هذا الترجمان الذي ينقل الكلام بين يوقنا وعمرو؟» # قال: «هو وردان مولى عمرو، ويعرف اليونانية جيدا، ويعرف القبطية أيضا، وأنا لا أعرفه من ~~قبل، ولكنني فهمت ذلك من كلامه، وسأعرف الليلة حكايته وحكاية هذا الجند وأطلعك عليها.» # فقال مرقس: «أحب كثيرا أن أعرف حقيقة حالك وما جئت من أجله؛ لكي يكون كلامنا أكثر ~~إيضاحا.» # قال: «تعال ننفرد جانبا.» وأخذ بيده وخرجا من المعسكر والجند مشغول بشئونه، ولم يلتفت ~~إليهما أحد حتى وصلا إلى مأمن فجلسا. # فقال زياد: «اسمع يا مرقس، أقص عليك خبري على شرط أن تحكي لي حكايتك وما جئت لأجله.» قال: ~~«أقسم برأس سيدي المقوقس وحرمة الصليب أني أصدقك القول.» ومضى زياد يروي حكايته كما ~~يلي: ~~«كان سبب دخولي إلى الإسكندرية وتمصري واعتناقي النصرانية أني كنت من رفقاء عمرو بن العاص ~~مذ كان في الجاهلية؛ أعني قبل أن يظهر الإسلام وينتشر، وكانت ديانتنا الوثنية مثل أكثر عرب ~~الجاهلية، وكنت أصحب عمرا حيثما توجه، وكنا نحمل تجارة على جمالنا إلى بيت المقدس في ~~جماعة من قريش، فمررنا بضواحي تلك المدينة فإذا بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية ~~قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج إلى بعض جبالها يسيح، وكنا وعمرو نرعى إبلنا، تناوبا ~~بيننا، فبينما عمرو يرعى إبله إذ مر به الشماس وقد أصابه عطش في يوم شديد الحر، فوقف ~~واستسقاه، فسقاه من قربة له، فشرب حتى روي، ونام حيث هو، وكانت إلى جنبه حفرة خرجت منها أفعى ~~كبيرة فبصر بها عمرو فرماها بسهم فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى الحية التي أنجاه الله ~~منها وقال لعمرو: «ما ms073 هذه؟» فأخبره خبرها، فأقبل على عمرو يقبل رأسه ويقول: «قد أحياني ~~الله بك مرتين: مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟» قال: «قدمت ~~مع صحبي نطلب الربح في تجارتنا .» فقال له الشماس: «وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك؟» قال: ~~«أرجو أن أصيب ما أشتري به بعيرا، فإني لا أملك إلا بعيرين، فلعلي أصيب بعيرا ثالثا.» # فقال له الشماس: «أرأيت دية أحدكم بينكم كم هي؟» قال: «مائة من الإبل.» فقال له الشماس: ~~«لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير.» قال: «تكون ألف دينار.» فقال له الشماس: «إني رجل ~~غريب في هذه البلاد، وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس وأسيح في هذه الجبال شهرا، وكنت ~~قد جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيته، وأنا أريد الرجوع إلى بلادي، فهل لك أن تتبعني ~~إليها، ولك علي عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين؛ لأن الله عز وجل أحياني بك مرتين.» فقال له ~~عمرو: «أين بلادك؟» قال: «مصر - في مدينة يقال لها الإسكندرية.» فقال له عمرو: «لا أعرفها ~~ولم أدخلها قط.» فقال الشماس: «لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل مثلها.» فقال له عمرو: «وتفي لي ~~بما تقول، ولي عليك العهد والميثاق؟» فقال له الشماس: «نعم لك علي العهد والميثاق أن أفي ~~لك وأردك إلى أصحابك.» فقال له عمرو: «وكم يكون مكثي في ذلك؟» قال: «شهرا، تنطلق معي ~~ذاهبا عشرا، وتقيم عندنا عشرا، وترجع في عشر، ولك علي أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث من يحفظك ~~راجعا.» فقال له عمرو: «أمهلني حتى أشاور أصحابي في هذا.» وجاء فشاورنا فيما عاهده عليه ~~الشماس، وقال لنا: «تقيمون هنا حتى أرجع إليكم، ولكم علي العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن ~~يصحبني رجل منكم آنس به.» فقلنا: «نعم.» وبعثوني معه، فانطلقنا مع الشماس حتى انتهينا إلى ~~مصر فرأينا عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير، فقال عمرو للشماس: «ما رأيت مثل ~~ذلك.» ومضينا إلى الإسكندرية فنظرنا إلى كثرة ما فيها من الأموال ms074 والعمارة وزخرف بنائها ~~وكثرة أهلها فازددنا عجبا، ووافق دخولنا الإسكندرية عيدا عظيما يجتمع فيه ملوكهم ~~وأشرافهم، ولهم كرة من ذهب يترامى بها ملوكهم، وهم يتلقونها بأكمامهم، وفيما أخبروا عن تلك ~~الكرة، وفيما وصفها من مضى منهم، أنها إذا وقعت في كم رجل واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم. ~~وأكرمنا الشماس الإكرام كله، وكسا عمرا ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس عمرو والشماس مع الناس ~~في ذلك المجلس حيث يترامون بالكرة، وهم يتلقونها بأكمامهم، وأنا جالس على حدة، فرمى بها رجل ~~فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو، فعجبوا من ذلك وقالوا: «ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه ~~المرة، أترى هذا الأعرابي يملكنا، هذا ما لا يكون أبدا.» ثم مشى الشماس في أهل الإسكندرية، ~~وأعلمهم أن عمرا أحياه مرتين، وأنه قد ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما ~~بينهم، ففعلوا ودفعها إلى عمرو فانطلق ومعه دليل يريه الطريق. أما أنا فلما رأيت الإسكندرية ~~وما هي عليه من العظمة وأسباب الرفاه آثرت البقاء فيها، فاستأذنت عمرا في ذلك فأنكر علي ~~الأمر فقلت: «أبقى فإن لم أر خيرا عدت إليك.» فتركني ومضى وبقيت أنا، وكان في جملة من ~~لقينا من رجال الإسكندرية عالم كبير هو يحيى النحوي، وكان يعرف شيئا يسيرا من اللسان ~~العربي، فأمسكني عنده لأعلمه لساننا هذا، أو لعل له غرضا آخر لم أعلمه، فسررت ببقائي عنده، ~~وأعجبت بزينة الإسكندرية وبذخها وعمارتها، ولم يمض علي زمن طويل في بيت هذا الرجل حتى تعلمت ~~اللسان الرومي وأحببت ديانة النصارى، وفضلتها على ما كنت فيه من وثنية الجاهلية، فعمدت وصرت ~~نصرانيا، وبقيت في بيت يحيى هذا؛ لأني علقت به لعظم ما لقيته من حسن سريرته وتقواه وعلمه، ~~ثم حدث ما حدث بينه وبين جماعة الروم من الاختلاف المذهبي، وانحاز إلى حزب الأقباط ~~اليعاقبة، فاضطهده الروم اضطهادا شديدا وجردوه من رتبه وأملاكه، فانزوى بنفسه كما تعلم، ~~وقال لي: «اسمع يا زياد، ها أنا ذا قد أصبحت مضطهدا، وربما لا أستطيع القيام ms075 بما فيه راحتك ~~أو لعل في وجودك عندي ضررا عليك من جماعة الروم، فإذا رأيت أن تذهب إليهم فافعل.» فثارت في ~~نفسي الحمية العربية وقلت: «والله لأبقين على ولائك، فإنا نحن العرب إذا آكلنا إنسانا أو ~~آخيناه كان لنا ما له وعلينا ما عليه، فأنا باق على ولائك أقوم بخدمتك ما استطعت إلى أن ~~يقضي الله ما يشاء.» فبقيت عنده أقوم بخدمته إلى أن سمعنا بظهور الإسلام وانتشاره ونهوض ~~رجاله للفتح، وما فتح الله على أيديهم من الأمصار كالشام وغيرها، وعظمت شوكتهم وتوطدت ~~دولتهم، ونحن في الإسكندرية نقاسي العذاب ألوانا من جراء الاضطهاد الذي يسومنا إياه الروم، ~~لأننا على غير مذهبهم كما تعلم، وكنت قد علقت بيحيى هذا وعلق بي، وصار يأتمنني على أسراره ~~ويركن إلي في كل شئونه، فبعث إلي ذات يوم فجئته فقال لي: «ما رأيك يا زياد؟» قلت: «فيم يا ~~سيدي؟» قال: «إني أرى من ظلم هؤلاء الروم وعسفهم ما تكاد تزهق له روحي، وقد سمعت بما قام ~~به عرب الحجاز هذه الأيام وما فتحوه من الأمصار حتى أخرجوا الروم من الشام والعراق وغيرهما، ~~وقد علمت أنهم قادمون إلى مصر وأميرهم صاحبك عمرو، ويلوح لي أنهم سيفتحونها عنوة كما فتحوا ~~غيرها من الأمصار، وقد أخبرني بعض الرهبان الذين فروا من وجوههم من دمشق وغيرها أنهم أقوام ~~أشداء يصبرون على الحرب صبر الأسود، لا يهابون الموت ولا يخافون السيوف، وأنهم مع ذلك أهل ~~مروءة وذمام، فإذا جاءوا مصر فلا شك أنهم يفتحونها، ولا يخفى عليك أن جماعة القبط يكرهون ~~الروم لما بينهما من الاختلاف المذهبي المشهور، والمقوقس رئيس القبط، وهو حاكم البلاد، وقد ~~أسر إلي أنه يفضل العرب على الروم إذا ضمنوا له حياته وعاهدوه على الدفاع عن القبط، ولكن ~~المقوقس لا يستطيع المجاهرة برأيه هذا، ولا يرى وسيلة لإبلاغه العرب، وقد وكل إلي أن أفعل ~~ذلك، ولا أرى رجلا أثق به وأركن إليه غيرك، ولا سيما أنك تفهم لسانهم وتعرف قائد حملتهم ~~نفسه، فأنت أفضل من ننتدبه ms076 لهذه المهمة، فهل لك أن تقوم بها؟ وهل تظن العرب إذا عاهدوا على ~~أمر قاموا بعهدهم؟» قلت: «نعم يا سيدي، إن العرب أكرم الناس أخلاقا وأوفاهم عهودا، ولك ~~في خادمك هذا دليل واضح، وأنا واثق أن العرب إذا عاهدوكم على أمر قاموا بعهدهم.» فدفع إلي ~~كتابا مكتوبا على ورق البردي باللسان القبطي، وهو الذي رأيته بيدي أمس، وقال لي: «خذ هذا ~~الكتاب، واذهب به إلى معسكر العرب حتى تلتقي بهم فادفعه إلى عمرو بن العاص بعد أن تشرح له ~~الحالة شفاها.» فحملت الكتاب وخرجت من الإسكندرية أبحث عن العرب ومقامهم حتى علمت أنهم ~~قادمون إلينا وسينزلون هذا المكان، فوصلت صباح أمس إلى هذا المعسكر فرأيته للروم، وفيه بعض ~~العرب، فاختلطت بهم، وتظاهرت بأني من عرب غزة، وأني رافقتهم، وأن ثيابي هذه سلبتها من عساكر ~~الروم هناك ولبستها، فعلمت منهم أن عمرا سيصل قريبا إلى هذا المكان، فقلت: لأصبرن حتى ~~يجيء وأقضي مهمتي.» ~~••• # فلما سمع مرقس قصة زياد وثق به وركن إليه، وعلم أنه على دعوته، وأنهما شريكان في الأمر، ~~ولكنه استغرب حكاية عمرو، واستبشر بوقوع الكرة في كمه وقال: «يلوح لي يا زياد أن الكرة لم ~~تخطئ موضعها.» ثم عاد إلى ما شغل باله من أمر يوقنا فقال: «وهل علمت أمر البطريق يوقنا وسبب ~~إسلامه؟» # قال: «علمت من بعض رجاله العرب هنا أنه كان حاكما على مدينة حلب من بلاد الشام، وأنه لما ~~رأى فوز العرب وشدة بطشهم وأنهم فتحوا مدينته انحاز إليهم واعتنق ديانتهم، وأما رجاله فهم ~~مطيعون له في حربه، ولكنهم في الغالب باقون على ديانتهم.» # فتذكر مرقس حينئذ ما قاله رسول يوقنا الذاهب إلى أرمانوسة، فقال في نفسه: «إن الرجل مخادع ~~ممارق، وأظنه يريد بسيدتي أرمانوسة سوءا، فهو يتظاهر بأنه قادم بأمر قسطنطين بن هرقل، بينما ~~يريد حملها لنفسه، والله لأكيدن له كيدا.» # ثم قال زياد: «ها أنا ذا قد أطلعتك على حقيقة أمري، فما هي حقيقة أمرك؟» # قال مرقس: «أرى يا أخي أن بين حكايتي وحكايتك ms077 مشابهة، وما يهم أحدنا يهم الآخر.» وحكى له ~~ما جاء من أجله، ثم قال: «ولكنني في شغل شاغل الآن بسيدتي أرمانوسة، ولا أدري كيف أنقذها، ~~فقد علمنا الآن أنه إنما جاء نصيرا للعرب على فتح مصر، فما العلاقة بين الأمرين؟ إني لأراه ~~يريد شرا بسيدتي، وقد أصبحت في قلق عليها، فما رأيك؟» # ففكر زياد قليلا ثم قال: «لا تبال بهذا الخائن، فإني على يقين من حسن ذمام العرب، وإذا ~~أخبرنا عمرا بحقيقة الأمر وعاهدناه على صيانتها وحفظها فإنه يقوم بعهده، وغدا إن شاء ~~الله أدخل عليه وأطلعه على جلية الخبر، وإذا شئت أن تكون معي فإنك ترى بعينيك وتسمع بأذنيك ~~ما قلته لك عن شهامة العرب وكرم أخلاقهم، ولكنني أود أن أدخل عليه بلباس البدو لكي يعرفني ~~حالما يراني.» # فتذكر مرقس ثياب البدو التي حملها من بلبيس فقال: «إن عندي ثوبا بدويا حملته من بلبيس، ~~فهل تريد أن تلبسه؟» ففرح زياد به وقال: «أود كثيرا أن أدخل عليه به، فأين هو؟» قال: «قد ~~خبأته في مكان ما، وسأعطيكه الليلة.» # ثم رجع الاثنان وقد سر كل منهما بالآخر، وقضيا بقية ذلك اليوم في المعسكر يتفرجان. ثم ~~غادراه فرأيا عبيد العرب قد خرجوا يجمعون الحطب، ولما أمسى المساء ظهرت النيران، فرأيا ~~الأسمطة أمام خيمة كل أمير والذبائح قد ذبحت وجلس الناس للطعام. # ولما غابت الشمس سمعا المؤذن يؤذن، وقد قام المسلمون للوضوء والصلاة، وبعد تناول الطعام ~~اجتمع الأمراء إلى خيمة عمرو، وبين أيديهم قراء القرآن يتلون الآيات، والناس يذكرون ويكبرون ~~ويشكرون الله على ما آتاهم من النعم ويسألونه النصر على الأعداء، فقضيا تلك الليلة في عسكر ~~يوقنا، لأنهما كانا في لباس الروم مثل عسكره، وفي الغداة لبس زياد لباس البدو، فالتحف ~~الشملة وتعمم بالعمامة، وسار هو ومرقس من معسكر يوقنا حتى وصلا إلى معسكر عمرو، فدخلا بين ~~الخيام فإذا بالعرب قد قاموا للصلاة وكلهم ركع يصلون، وشاهدوا على كثير منهم ثيابا رومانية ~~ودروعا وأسلحة وأدوات يستعملها الروم في قضاء حوائجهم، فقال زياد: ms078 «انظر يا مرقس إلى آثار ~~النصر وبقايا الفتح، إن هؤلاء العرب لم يرتدوا في حياتهم مثل هذه الألبسة، ولا رأوا مثل هذه ~~الأدوات التي غنموها من الروم في حروبهم بالشام.» # وكانا قد شاهدا بين أيدي هؤلاء البدو كثيرا من الأثاث الروماني كالأبسطة والطنافس وعليها ~~رسوم رومانية، وفيها صور بعض القديسين والأبطال، قد فرشها العرب على التراب يجلسون عليها أو ~~يلتحفونها، وبين أيديهم طسوت من الفضة، وصحف من أبدع الصنائع، وكلها أسلاب من مدن ~~الشام. ~~••• # سار مرقس وزياد حتى وصلا إلى فسطاط الأمير فإذا هو قائم على عمد متشامخة، والفسطاط أبيض ~~من الخارج، وداخله مبطن بالحرير المزركش، وفي أرضه البسط والطنافس، وعرفا خيمة عمرو من ~~العلم الأسود والكتابة التي عليه، وكانا قد شاهداه بيد وردان ساعة وصول الجند، فلما اقتربا ~~من الفسطاط استقبلهما وردان عند الباب، وقد عجب لاجتماع هذين الرجلين على تناقض لباسهما، ~~فسألهما عن غرضهما فقال زياد بلسان عربي فصيح: «نريد مقابلة الأمير.» فقال وردان: «ومن ~~الرجلان؟» قال زياد: «رسولان يريدان الدخول على الأمير.» # فدخل وردان ثم عاد ففتح لهما الباب، فدخل زياد بعد أن خلع نعليه كعادة العرب، وعمرو جالس ~~في صدر الخيمة جلوس العرب في خيامهم؛ لأنها لخلوها من الجدران الصلبة لا يستطاع الاستناد ~~إليها، فكانوا يجلسون الأربعاء، أو يجثون قعودا ويلقون أيديهم على الركبتين أو يعقدونها ~~عليها فيستريحون، ويقوم ذلك عندهم مقام الاستناد. أما عمرو فكان على ركبتيه سيف طويل صنع ~~اليمن، وأمراؤه بين يديه وفي مثل جلوسه، وفي بعض جوانب الفسطاط رجل جالس الأربعاء يتلو ~~القرآن والكل يصغون إليه يرددون ما يقوله بين شفاههم، فلما دخل زياد أراد أن يبغت عمرا ~~بتحية الجاهلية لينبهه إلى حاله فقال: «أبيت اللعن أيها الأمير.» # فبغت عمرو ومن في مجلسه من هذه التحية، وقد كادوا ينسونها لاستبدالهم بها بعد الإسلام ~~تحيته: «السلام عليكم»، فأجابه عمرو على الفور: «أعوذ بالله من كفر الجاهلية، ما بالك ~~تحيينا بتحية الجاهلية يا أخا العرب؟» قال ذلك ونظر إلى الرجل، فتذكر أنه يعرفه، ولكنه ms079 نسي ~~اسمه؛ لأنه قد فارقه منذ عشرين سنة أو تزيد، وقد كان شابا فأصبح كهلا، فأمعن النظر فيه ~~وزياد لا يزال واقفا ينتظر الأمر بالجلوس، وكان القادم على الأمير عندهم لا يجلس إلا بعد ~~أن يدعوه الأمير إلى ذلك ثلاث مرات، فقال عمرو: «من الرجل؟» # فأجاب زياد: «إن الرجل أخوك في الجاهلية، ورفيقك إلى الإسكندرية.» # فتذكره عمرو، فنهض له قائلا: «أهلا بزياد.» وعانقه، وبعد أن تصافحا أمسكه بيده وأجلسه إلى ~~جانبه وهو يقول: «مرحبا برفيق الصبا، أهلا بالقادم، أين كنت؟ وما طلبتك؟ وما الذي جئت ~~به؟» # قال: «هل يأذن لي الأمير بخلوة؟» # قال: «أجل.» ثم أشار إلى أهل مجلسه فخرجوا، وبقيا وحدهما. # فقال زياد: «لي رفيق لا يزال بالباب، فهل يأمر الأمير بإدخاله؟» فأمر عمرو وردان فجاء ~~بمرقس، وفعل مرقس مثل ما فعل زياد، فخلع نعليه وقبل يد الأمير، فأذن له بالجلوس فجلس وقد ~~هاله الموقف. # فقال عمرو: «ومن الرفيق؟» قال زياد: «رسول من رسل القبط، وسأشرح لك حاله يا مولاي.» # قال: «قل يا زياد، إني والله قد أنست بلقائك بعد طول الفراق، ولكنني آسف لبقائك على ~~جاهليتك، وقد من الله على خلقه بالإسلام، وهو الدين الحق الذي سيظهر على الدين كله.» # قال زياد: «لست جاهليا، ولكني من أهل الكتاب.» # قال: «وأي كتاب؟» قال: «النصرانية.» # قال: «إن النصارى أهل كتاب حقا، وقد أوصانا بهم النبي # صلى الله عليه وسلم # خيرا. قص علينا خبرك ~~يا زياد، إني والله في لهفة لمعرفة حالك وما كان من أمرك بعد أن فارقناك بالإسكندرية. ألا ~~يزال ذلك القسيس حيا؟» # فقال: «لا يا سيدي، إنه مات، وطالما أثنى على شهامتك وذكرك بالخير.» # فقال: «وكيف قضيت هذه السنين بالإسكندرية؟» # فقص عليه حكايته من أولها إلى آخرها حتى وصل إلى الكتاب الذي يحمله فأخرجه من جيبه ودفعه ~~إليه فإذا هو مكتوب بالقبطية، فقال عمرو: «هل أدعو المترجم ليقرأه لنا؟» # قال: «لا، بل أنا أترجمه.» # قال: «وهل تعلمت لسانهم وحفظت لهجتهم؟» قال: «نعم يا مولاي.» # قال: «اقرأه.» فترجم الكتاب ms080 وإذا فيه: # من المقوقس حاكم مصر إلى الأمير عمرو بن العاص قائد جند ~~العرب # سلام # أما بعد، فإننا معشر الأقباط قد علمنا مجيئكم إلى بلادنا ووقع إلينا ما أوتيتم من ~~النصر في بلاد الشام وغيرها، وعلمنا ما قدر الله لكم من الغلبة على جماعة الروم حيث ~~حللتم؛ وما ذلك إلا لما أحبوا من دنياهم وما أحببتم من آخرتكم، وقد كان نبيكم قد بعث ~~إلينا منذ بضع عشرة سنة يدعونا إلى الإسلام وأن نسلم إليه البلاد، وهذا كتابه مرسل مع ~~حامل هذا الكتاب لتقرءوه، فأجبناه بأن ذلك ليس في طاقتنا؛ لأننا محكومون وأن الأمر راجع ~~إلى ملكنا هرقل. أما وقد رأينا ما عززكم الله به من النصر، وقد جئتم إلى هذه البلاد ~~تريدون فتحها، فقد بعثت إليكم بهذا الكتاب لأعلمكم أننا نحن الأقباط لسنا أعداءكم ولا ~~نريد محاربتكم، وإنما أعداؤكم هم الروم وجندهم، فإذا قدر لكم النصر - والنصر من عند الله ~~يؤتيه من يشاء - فاذكروا أننا في ذمتكم وأوصوا رجالكم ألا يؤذونا، وألا يسيئوا إلى ~~رهباننا، أو يهدموا أديرتنا؛ فإنها بيوت الله، وأهلها لا يقومون بأي حرب، ولو كان الأمر ~~عائدا إلينا ما رميناكم بنبل، ولا جردنا عليكم سيفا، وجماعة القبط باقون على قولي هذا ~~إلى أن يقضي الله بما يشاء. # كتبه المقوقس حنا بن قرقت حاكم مصر # وكان زياد يقرأ وعمرو مصغ إليه ينظر إلى الأرض، ويمشط لحيته بأصابعه، فلما أتم قراءة ~~الكتاب رفع عمرو رأسه وقال: «وأين كتاب نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~؟» فمد زياد يده فأخرجه. ~~وكان محفوظا في صندوق صغير من العاج، ففتحه وأخرج الكتاب منه، وإذا هو من جلد، فتناوله ~~عمرو ونشره وتأمل موضع الخاتم فإذا هو مكتوب فيه «محمد رسول الله» على ثلاثة أسطر. # فعرف فيه خاتم النبي، ونظر إلى الخط فإذا هو خط الإمام علي بن أبي طالب، وهو أول من تولى ~~الكتابة في الإسلام، وكان كاتب النبي، وتولى الكتابة غيره أيضا، وكان عمرو بن العاص في ~~جملتهم، ولما تحقق أنه كتاب النبي، استأنس ms081 به وقبله بكل احترام، وجعله على رأسه ثم قرأه ~~فإذا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط. سلام على ~~من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. ~~فإن توليت فعليك إثم كل القبط. يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. ويلي ذلك خاتم كما يلي: # الله # رسول # محمد # فقال عمرو: «صدق رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. أما ما يلتمسه المقوقس من رعاية طائفته ~~وحماية الأديرة والرهبان فذلك مما لا نحتاج فيه إلى وصاية؛ لأننا أوصينا به من قبل، فقد ~~حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر ~~فاستوصوا بقبطها خيرا؛ فإن لكم فيهم صهرا وذمة.» وقد أوصانا الله خيرا بالرهبان والقسيسين ~~إذ قال في كتابه العزيز: # ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ~~، ومن وصايا أبي بكر رضي الله عنه قوله يوصي ~~المسلمين وقد ساروا للجهاد: «وستمرون على قوم في الصوامع رهبان فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم.» ~~فليطمئن القبط أنهم في ذمتنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإنما جئنا لمحاربة الروم، فإذا ~~منعونا حصونهم وأبوا الإسلام أو الجزية وضعنا فيهم السيف حتى يقضي الله ما يشاء وهو خير ~~الحاكمين، فإن الرجل منا ينتظر شهادته، فإذا نالها أقام في النعيم وهو خير له وأبقى، وسأكتب ~~إلى المقوقس كتابا في ذلك.» ~~••• # فقال زياد: «إني لأعجب لحال الإنسان وتقلبات الزمان يا عمرو، ألا تذكر يوم كنا في ~~الجاهلية لا نعرف الدين؟ إني أذكر أياما كنا نعظم فيها أصنام الكعبة ونستخير هبل الأكبر ~~ونذبح الذبائح وعيوننا مغمضة من جهلنا.» فتنهد عمرو وقال: «إن الجاهلية عمى، وإني لأحزن على ~~أيام مرت قبل الإسلام، وأشعر ms082 بعظيم ما ربحت بالهداية التي اهتديتها، وأود لكل امرئ مثل ما ~~كسبت.» فقال زياد: «وكيف كان إسلامك؟» قال: «أما إسلامي فجاء متأخرا، وقد كنت من أعداء ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإنه لما قام يدعو الناس إلى التوحيد اضطهدته قريش، وشددوا ~~النكير عليه حتى اضطر أصحابه أن يهاجروا إلى النجاشي ملك الحبشة فأمنهم، ثم أرسلتني قريش ~~ورفيقا لي بهدية إلى النجاشي ليسلم لنا المهاجرين، فأبى وكان عونا لهم علينا، فعظم عندي ~~أمر صاحب الدعوة، ووقعت في نفسي رهبة منه، لكني بقيت على دين الجاهلية إلى السنة الثامنة ~~للهجرة، وكنت في أثناء ذلك أفكر في أمره # صلى الله عليه وسلم ~~، فوجدت أعماله ناطقة بصدق ~~دعوته، فاجتمعت يوما بخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة العبودي، وهما لم يسلما بعد، فقلت ~~لخالد: «أين يا أبا سلمان؟» قال: «والله لقد استقام الميسم، إن الرجل لنبي. اذهب والله ~~فحتى متى؟» فقلت: «ما جئت إلا للإسلام»، فقدمنا على النبي # صلى الله عليه وسلم # فتقدم خالد فأسلم، ثم ~~تقدمت أنا، وكانت أول مرة لقيته فيها وجها لوجه، فملكتني الهيبة لمنظره ولما جمع الله فيه ~~من المحاسن.» # فاشتاق زياد لمعرفة أوصاف النبي فقال: «وما الذي أرهبك منه؟ وما هي أوصافه؟» # فقال عمرو: «والله يا زياد، إني لا أنسى ساعة لقيته فيها، فإن صورته لا تزال مرسومة على ~~لوح صدري منذ رأيته يوم جئت ألتمس الإسلام، وأما صفاته فهو ليس بالطويل ولا بالقصير، ضخم ~~الرأس واللحية، شثن الكفين والقدمين، مشرب بالحمرة، وكان لما لقيته واقفا، فمشى فإذا هو ~~يتكفأ كأنما ينحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله، وكان أدعج العينين، سبط الشعر، سهل ~~الخدين، إذا التفت التفت جميعا، ولعله كان إذ ذاك قائما من الصلاة، وقد تحدر العرق على ~~وجهه كاللؤلؤ الرطب، وفوق كل ذلك فإن الهيبة كانت تجلله فلم أستطع النظر إليه طويلا، فوقفت ~~بين يديه فقال لي: «ما جاء بك يا عمرو؟» قلت: «جئت أطلب الهداية يا رسول الله»، قال: ~~«أتريد الإسلام؟ إذن قل: أشهد ms083 أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله»، ~~ثم دخل عثمان بن طلحة فقال مثل قولي، وصلينا جميعا، وقد شعرت والله يا زياد بغشاوة انقشعت ~~عن عيني ساعة الشهادة .» # وكان عمرو يكلم زيادا وعواطفه تتكلم معه وقلبه يتهلل فرحا، ثم قال: «وأخذت من ذلك الحين ~~أجاهد في سبيل الله، وآخر مرة فعلته فتح بيت المقدس، وأتيت منها إلى مصر كما علمت، وترانا ~~لا نقدم بلدا إلا فتحناه عنوة أو صلحا، وكل ذلك ببركة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولأن يقاتل ~~أحدنا العدو رغبة في الآخرة ويستشهد في سبيل ذلك، خير له من الذل، بل هو خير من الحياة ~~الدنيا؛ لأن الدنيا دار فناء والآخرة دار قرار.» وكان عمرو يتحدث والعرق يتصبب منه لتهيج ~~عواطفه وشدة رغبته في الجهاد. # فقال زياد: «لا عجب يا عمرو إذا نصرتم في حروبكم وقد عقدتم الخناصر وأخلصتم النية في ~~الجهاد، وأما جماعة الروم فإنما همهم التفاضل فيما بينهم، وفي قيام بعضهم على بعض ما يحول ~~بينهم وبين النصر، وكأني بدولتهم قد دالت والشمس قد مالت.» # وكان مرقس في أثناء ذلك صامتا لا يفهم ما دار بينهما، ولكنه كان معجبا بملامح عمرو، وما ~~يلوح في وجهه من البسالة، وما ينبعث من عينيه من أشعة الذكاء، وكان يود الدخول فيما جاء من ~~أجله؛ لأنه خاف أن يصل رسول يوقنا إلى أرمانوسة فتنطلي الحيلة عليها فيصيبها شر، على أنه لم ~~يكن يجسر على الدخول في الحديث من تلقاء نفسه. # ثم التفت عمرو إلى زياد قائلا: «ومن هو صاحبك يا زياد؟» قال: «هو من قبط مصر أيها ~~الأمير، من جند المقوقس، وقد جاء ليقص عليك حكايته، ويسألك أمرا لا شأن للحرب فيه، ولكننا ~~قد أطلنا الحديث الآن وأنت قادم من سفر تحتاج إلى الراحة، فلا نثقل عليك أكثر من ذلك.» # قال: «إن التعب لا يقعدنا عن حاجات الناس، فإن نبينا # صلى الله عليه وسلم # إنما أرسل رحمة ~~للعالمين.» # فقال زياد وقد شعر أنه ms084 أطال الحديث: «بارك الله فيك أيها الأمير، لا زلت ملاذا للطالبين. ~~أما أمر صاحبنا فليس مما يسرع إليه، وإذا رأى مولاي أن نعود في الغد فعلنا، وأما الآن فإننا ~~نستأذنه في الانصراف.» # قال ذلك وهم بالوقوف، فوقف مرقس وهو لم يفهم ما قيل، فوقف عمرو وقد أجاب زيادا إلى طلبه، ~~ونادى وردان فحضر فقال: «هذان ضيفان علينا، وقد شعرت باستيحاش هذا القبطي لحديثنا لأنه لا ~~يفهمه، فعليك بمحادثته بلسانه الليلة حتى لا يقول إنه رأى في ضيافتنا وحشة.» # فقال وردان: «لبيك»، واصطحب الرجلين وخرج بهما ولما أفهم مرقس ما دار بشأنه وهم خارجون ~~أسف لتأجيل لأمر، ولكنه لم ير مندوحة عن الإذعان. # وسار بهما وردان إلى خيمته، وأنزلهما على الرحب والسعة، وقضوا بعض ذلك الليل في الحديث عن ~~الإسلام وأخبار الصحابة والفتوحات، وما عرف به الخليفة عمر بن الخطاب من المناقب الحسان، ~~وما يروى عن النبي من الأحاديث، فسحر زياد ومرقس بما سمعاه وقالا معا: «والله إن من كانت ~~هذه مناقبهم وخلالهم لا غرو إذا دوخوا البلاد وفتحوا الأمصار.» وقد أعجبا بنوع خاص بما ~~سمعاه عن عمر بن الخطاب حين جاء عرفجة بن مازن رسولا بكتاب من أبي عبيدة بما فتح الله على ~~المسلمين، فوصل عرفجة إلى المدينة وعليه قباء فاخر من الديباج، وعلى رأسه مطرف خز مذهب، ~~وهما من أسلاب الروم، فترجل عن ناقته، وسلم الكتاب إلى عمر وهو في المسجد يصلي، فنظر إلى ~~عرفجة شزرا وقال: «من الرجل؟» قال: «عرفجة بن مازن» فقال: «يا ابن مازن أما كان لك في رسول ~~الله أسوة حسنة؟ إن هذه ثياب الجبارين ومن جعل الله لهم الدنيا جنة، وهذا الديباج حرام على ~~الرجال منا؛ لأنه لا يصلح إلا للنساء، وهذا الذي عليك تصدق به على فقراء المدينة. أما والله ~~لقد دخلت يوما على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو نائم على سرير مزمل بشريط، وليس بين ~~جلده وبين الشريط شيء، وقد أثر الشريط في جلده، فلما رأيت ذلك بكيت فقال: «يا ms085 عمر ما الذي ~~أبكاك؟» فقلت: «يا رسول الله إن كسرى وقيصر يعبثان في ملك الدنيا وأنت رسول الله بهذه ~~المثابة.» فقال: «يا عمر ما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» فناوله عرفجة الكتاب ~~وسار من ساعته وخلع الديباج وأهداه إلى خالته.» # وحكى لهما وردان حكايات أخرى كثيرة مثل هذه فازداد إعجابهما، وكان يخاطبهما بالقبطية، وود ~~مرقس لو كان المقوقس معهم ليرى أمر العرب وحالهم، ويزداد كرها للروم ورغبة في التخلص منهم، ~~ثم رأى أن يستطلع من وردان أمر يوقنا وعلاقته بقسطنطين أو المسلمين، فقال: «وكيف ترون ~~يوقنا؟» فالتفت وردان إلى مرقس وهز رأسه قائلا: «إنه يدعي الإسلام والقيام بنصرته، وقد ~~وثق به أميرنا، ولكنني والله لا أظن به خيرا، ولا أعتقد صدق ما يدعي، وقد جاء أمام جيشنا ~~ليحاربكم، ونحن لا نبالي إذا كان معنا أو علينا فإن سيوفنا تنصرنا حيثما حللنا.» # قال مرقس: «وهل قسطنطين بن هرقل يحبه؟» # قال وردان: «وكيف يحبه؟ إنه لو استطاع قتله ما تأخر لحظة عن إذاقته الموت الزؤام لأنه ~~يحارب قومه.» ففهم مرقس أنه جاء بدسيسة للإيقاع بسيدته، فصبر ليرى ماذا يكون من ~~أمره. # وباتوا ليلتهم، وأفاقوا في الصباح على أصوات المؤذن والمسلمون قيام للصلاة، وإذا بيوقنا ~~قد جاء إلى خيمة عمرو، وخلا به برهة ووردان معهما، ثم خرج وردان فنادى الأمراء ليحضروا، ~~فدخلوا خيمة عمرو، ولبثوا يتفاوضون، وجاء في أثناء ذلك وردان وأخبر زيادا ومرقس أن الأمير ~~قد عزم على المسير إلى الفرما في ذلك اليوم. # فعظم الأمر على مرقس لأنه كان يود مخاطبة عمرو في أمر يوقنا حتى إذا كان قد جاء بدسيسة ~~فعليه أن يحبط حيلته ويدبر وسيلة لإنقاذ سيدته أرمانوسة بواسطة عمرو، فبهت برهة ثم قال: ~~«وما الذي حمله على سرعة المسير إلى الفرما، وقد كان في ظننا أنه يستريح بضعة أيام قبل ~~مهاجمتنا؟» # قال: «ألم تر يوقنا قد اختلى به في هذا الصباح؟ فالظاهر أنه علم أن المقوقس مرسل نجدة ~~إليها فأرادوا معالجتها قبل وصول المدد.» # فتحير مرقس ms086 وظهر الارتباك على وجهه وأدرك زياد فيه ذلك فقال له: «لا ترتبك، لعلنا نخاطبه ~~بشأن ما تريد غدا بعد وصولنا إلى ظاهر المدينة، فإن الجند يصل إلى الفرما عند الظهيرة، ~~ولا بد قبل المهاجمة من الاستعداد.» # فصبر مرقس على مضض، ثم تركهما وردان وذهب إلى خيمة عمرو للتأهب، فخلا زياد بمرقس وقال له: ~~«مالي أراك مضطربا؟» # قال: «إني والله خائف على سيدتي بعد ما علمت أن يوقنا هذا أراد بها الغدر، وأنه ليس رسول ~~قسطنطين إليها، فلعله يريد اختطافها لنفسه، وقد أرسل رسله لهذه الغاية.» # وفيما هما في ذلك شاهدا هجانا قادما من بلبيس، فحقق مرقس النظر فيه فإذا هو بروفس رسول ~~يوقنا فقال: «هذا يا زياد رسول يوقنا قد عاد من بلبيس، هلم بنا نسأله عن نتيجة مخابرته.» ~~فأسرعا إليه خارج المعسكر حتى لقياه فناداه مرقس، وقد أظهر ارتياحه لرؤيته، وسأله عن جواب ~~أرمانوسة فتبسم قائلا: «إنها في خير، وقد سرت سرورا عظيما بما أخبرتها به، وأخذت في ~~التأهب وإعداد عدتها للمسير، وأمرتني أن أستعجلك الرجوع إليها، وقد أهدتني هدية نفيسة مقابل ~~بشارتي.» # قال ذلك وساق هجينه إلى خيمة يوقنا. أما مرقس فقال لزياد: «ها إن الحيلة قد انطلت على ~~سيدتي، ولا أدري كيف أفعل؟ وقد طلبت الإسراع في ذهابي إليها، ولكنني لا أرى أن أذهب قبل أن ~~آخذ موثقا من عمرو ليدفعن عنها كل سوء.» # قال: «أما أنا فأرى أن تنتظر إلى ظهر اليوم بعد وصول المعسكر إلى ظاهر الفرما، وأنا أبذل ~~الجهد في مقابلة عمرو وعمل المستطاع، فلنقف الآن على هذه الأكمة لنشهد نظام الجند العربي ~~وتأهبه للحرب، وسترى أنهم سيتركون خيامهم وأثقالهم هنا، ويذهبون بأنفسهم وعدتهم فقط.» # فصعدا إلى ربوة ووقفا ينظران إلى الجند وانتظامه، فإذا بالأعلام قد تفرقت كل علم إلى جهة، ~~فحمل وردان علم عمرو بن العاص ومشى في المقدمة، وحمل أميران آخران علميهما، ووقف أحدهما على ~~الميمنة والآخر على الميسرة، فاجتمعت الجنود إلى هذه الأعلام كل إلى أميره، ثم سمعا أصوات ~~المنادين يقولون: ms087 «النفير النفير، يا خيل الله اركبي.» فقال مرقس: «وما هذه المناداة؟» ~~قال: «إنهم يدعون الجند، وهذا شعار لهم يقولونه إذا أرادوا الركوب للحرب.» فقال مرقس: «وكيف ~~تعرف هؤلاء الأقوام، وهل هم من قبيلة واحدة ، فإني أرى تشابها في ملابسهم.» # قال: «إن الفرق في لباسهم لا يظهر لك لأنه طفيف، ولكنهم ليسوا قبيلة واحدة، فانظر إلى ~~الذين يحملون النشاب، وهم خفاف سراع، إنهم من رجال اليمن، وهم مشهورون برمي النشاب.» # فقال مرقس: «أرى تنظيم جندهم يشبه نظام جندنا، فهذه المقدمة والجناحان والقلب والساقة، ~~ولكني أعجب لاختلاف ألوان راياتهم خلافا لنا، فإن راياتنا متشابهة.» قال: «علمت أمس من بعض ~~العرب أن الراية الصفراء هي في الغالب راية المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة مع النبي، ~~وهم أول القائمين بنصرة الإسلام، وترى أنهم قد وقفوا في قلب الجند.» فقال مرقس: «ولكنني أرى ~~راية عمرو سوداء.» قال: «إنه ليس من المهاجرين، فقد أخبرني أمس أنه أسلم بعد الهجرة.» # ثم رأيا الخيالة قد تفرقوا على الميمنة والميسرة وفي المقدمة، وهم على خيل من الخيول ~~العربية المشهورة، فقال مرقس: «أرى خيولهم ضئيلة ضامرة، وقد كنت أسمع بجودة خيل العرب.» ~~فضحك زياد وقال: «إن خيل العرب أجود، وهي موصوفة بالرقة والسرعة، ولا عبرة بكثرة اللحم.» # ثم نظر مرقس إلى مؤخر الحملة فإذا بالهوادج محمولة على الجمال فقال: «تقول يا أخي إنهم ~~يسيرون برجالهم للحرب وتبقى الخيام هنا، ولكن ها أنا ذا أرى الهوادج محمولة وفيها النساء ~~والأولاد!» # قال: «إن العرب إذا ساروا إلى الحرب حملوا نساءهم معهم، فإنهن يحرضن الرجال على الحرب ~~ويحثثنهم فيستحيون منهن إذا أحسوا بضعف أو مالوا إلى الفرار.» # وفيما هما ينظران إلى تنظيم الجند إذا بعمرو قد جاء على فرسه ووردان راكب إلى جانبه يحمل ~~العلم، وعمرو يخترق الجند، فينتقل من فرقة إلى أخرى، فقال زياد: «تعال نقترب من الجند لنسمع ~~ماذا يقول عمرو في طوافه.» # فنزلا حتى دنوا من المعسكر فإذا بعمرو يطوف في الرجال يرتب صفوفهم ويحرضهم على الثبات، ~~فيذكرهم بما نالوه ms088 من النصر في الشام وبيت المقدس ويقول: «يا أهل الإسلام والإيمان، يا حملة ~~القرآن، يا أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، إننا ذاهبون لمقابلة الروم، فاصبروا صبر الرجال، ~~وثبتوا أقدامكم، ولا تزايلوا صفوفكم، ولا تنقضوا نيتكم، ولا تخطوا خطوة إلا وأنتم تذكرون ~~الله، ولا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، وألزموا الصمت ~~إلا من ذكر الله، ولا تحدثوا حدثا حتى آمركم.» ثم تحول إلى مكان آخر من الجند وقال: «معاشر ~~العرب، إنكم في بلاد العدو بعيدون عن الأوطان، ولا ينجيكم إلا الطعن والثبات في الحرب، فإذا ~~صبرتم وجاهدتم ملكتم الرقاب، وإن وليتم فليس وراءكم إلا المفاوز والبراري، وعين الله ~~ترقبكم.» # ثم سار إلى مكان الهوادج وخاطب النساء قائلا: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إن ~~النساء ناقصات عقل ودين»، فكن ممن حافظن على دينهن، وقدمن في ذلك النية، وحرضن أزواجكن على ~~القتال، ومن رجع منهم منهزما فأحصبن وجهه بالحجارة، واضربن جواده بالعمد، وأظهرن أولادكن ~~لأزواجكن، وقلن لهم: «قبح الله وجه رجل يفر عن حليلته، فلستم بعولتنا إذا لم تمنعونا»، حتى ~~يرجعوا.» فلما سمعت النساء ذلك وقفن متنمرات مرتجزات يقلن الشعر. # كل ذلك والناس يوحدون ويهللون ويكبرون، ثم انتظمت الحملة ومشى الجند، فجعل مرقس ينظر إلى ~~خيام يوقنا فإذا هي في مكانها، ولم يخرج يوقنا مع الجند، ولم يخرج أحد من رجاله. # فخاف أن يكون قد اعتزم الذهاب إلى بلبيس وتنفيذ مكيدته على حين غفلة، فجعل يفكر في أمره، ~~ويتردد بين أن يسير إلى بلبيس فيطلع سيدته على ما علمه من أمر يوقنا، أو أن ينتظر حتى يرى ~~عمرا، وفيما هو في تفكيره التفت زياد إليه وقال: «مالي أراك حائرا في أمرك؟» قال: «إني ~~خائف من يوقنا ومكيدته، وأخشى أن يسير إلى بلبيس وينفذ مكيدته على غرة.» فقال: «إذا كنت ترى ~~ذهابك الآن فافعل، وعلي أنا أن أرى عمرا وآخذ العهد منه، وأبعث به إليك إما كتابة أو ~~شفاها.» # فارتاحت نفس مرقس إلى هذا الرأي وقال: «بورك ms089 فيك يا زياد، إني والله لا أنسى لك هذا ~~الصنيع، وأرى أن أبادر بالذهاب حالا، ولكنني أتيت ماشيا، فإذا عدت كذلك أخاف الإبطاء، ~~وربما سبقني يوقنا إليها على خيله، فلا فائدة من ذهابي.» فقال زياد: «أما الخيل فلا يجود ~~العرب بها، فإن العربي يضحي بنفسه لأجل فرسه، ولكننا ربما استطعنا الحصول على جمل، والجمل ~~أسرع من الفرس أحيانا، فهل تعودت ركوب الجمال؟» قال: «لا والله، لم أركبها عمري، ولكني ~~أركبها الآن ركوب المضطر، والاتكال على الله.» ففكر زياد كيف يحصل على جمل، والجند قد ساروا ~~بخيلهم وجمالهم، فنظر إلى الركب الباقي فإذا فيهم بعض الجمال عليها الزاد والخيام، فقال ~~لمرقس: «البث هنا ريثما أعود إليك بالجمل.» ثم تركه وذهب إلى الخيام يجول بينها لعله يرى ~~أحدا يعرفه فلم يعثر على أحد، فأوغل في المضارب، فلاح له عن بعد جمل سائب في البرية، فعلم ~~أنه يطلب المرعى، فحدثته نفسه أن يقبض عليه ويأتي به إلى مرقس خلسة، ولكنه خاف سوء العاقبة، ~~فوقف برهة يفكر في ذلك فلم يجرؤ على السرقة، ثم نظر إلى الجمل فإذا به يوغل في الصحراء ولا ~~يطلبه أحد، فعلم أنه منسي، فعول على اللحاق به، فإذا اعترضه أحد تظاهر بإمساكه وإرجاعه إلى ~~المعسكر، فسار في أثره حتى توارى عن الناس، فأمسكه وعقله، وعاد إلى مرقس وأخبره أن الجمل ~~معقول هناك، وسارا وهما لا يراهما أحد حتى وصلا إلى مكان الجمل، فحلاه وقال زياد لمرقس: ~~«اصعد إلى ظهره وتثبت، فإنك إذا لم تتثبت جيدا سقطت.» وساعده على الركوب، وأوصاه أن يمسك ~~بالرجل جيدا، ولم يكد زياد يرفع رجله عن ساعد الجمل حتى وقف الجمل بغتة، ومرقس لا ينتظر ~~مثل هذا النهوض السريع فهوى على ظهره ووقع على الأرض فشج رأسه وسال دمه. # فصاح: «آه. قد قتلت.» أما الجمل ففر راجعا يطلب المعسكر، فأمسك زياد مرقس وأسنده إلى ~~صدره، وقد خارت قواه وغاب صوابه، فحار زياد وأسقط في يده، وخاف على صديقه الموت، وجعل يمسح ~~له دمه. # وبينما هو ms090 على تلك الحال شاهد فارسا عن بعد، علم من لباسه أنه عربي فناداه، فتحول الفارس ~~نحوه مسرعا، وأخرج قطعة من قماش شد بها رأس مرقس، ورفعه عن الأرض، وقال لزياد: أسنده، ثم ~~ركب فرسه وحمل مرقس أمامه وقد تدلى رأسه على صدره، وساق الجواد قاصدا المعسكر، وزياد يتبعه ~~وقلبه يخفق حزنا على ما أصاب صديقه. # الفصل الثامن # | يوقنا وأرمانوسة # فلنتركهم ذاهبين لمداواة مرقس، ولنرجع إلى أرمانوسة وما كان من أمرها، فإنها لبثت في بلبيس بعد ~~مسير مرقس تنتظر عودته بصبر نافد لتعلم حقيقة خبر قسطنطين، فمضى يوم وثان وهي في لهفة ~~وتحرق، لا يهنأ لها طعام ولا شراب، فلما كان مساء اليوم الثاني بعثت إلى بربارة فجاءتها ~~مهرولة، فقالت لها: «ألم يكن من الحكمة يا بربارة أن أبعث بك من قبل إلى أركاديوس لإبلاغه ~~ما نحن فيه، فلعله إذا علم أننا متفقان قلبا وقالبا أسرع إلى إنقاذي من قسطنطين؟ إني أخاف ~~إذا أبطأت عليه الجواب أن يظن بي تغييرا فيتغير، أو يظن بي سوءا فيغضب، فما رأيك؟» # فقالت بربارة: «لا أظنه يستبطئنا إذا تأخر جوابنا أسبوعا؛ لعلمه بصعوبة المراسلات، وأظن ~~أن انتظارنا عودة مرقس أولى حتى نعلم اليقين، لأننا إذا تحققنا قتل قسطنطين أغنانا ذلك عن ~~مشقات جسيمة، ويكون فيه القول الفصل، وإذا ثبت أنه لا يزال حيا باقيا على عزمه عمدنا إلى ~~وسيلة للنجاة، وعلى كلتا الحالين فالرأي لسيدتي، مريني أفعل ما ترين.» # فصمتت أرمانوسة مدة، وكانت متكئة على سريرها فتنفست الصعداء وقالت: «لا أراني قادرة على ~~الفصل في الأمر، فأشيري علي بما ترين.» # فقالت بربارة: «ننتظر إلى الغد، فإذا لم يأتنا مرقس تدبرنا أمرنا، والله يلهمنا ما فيه ~~خيرنا.» فباتتا تلك الليلة وقد صلت بربارة صلاة حارة، ونذرت نذرا لكنيسة المعلقة رجاء ~~إنقاذ سيدتها. أما أرمانوسة فكانت لا تفكر إلا في أركاديوس وقسطنطين، وتقابل بينهما، فيخيل ~~إليها أنهما ملاك وشيطان يمران أمام عينيها. وفي الصباح جاء حاكم بلبيس يطلب مقابلة ~~أرمانوسة في غرفتها، فأذنت له وقد استغربت مجيئه، ms091 وهو قلما طلب مقابلتها. # فلما دخل حياها باحترام فردت التحية، وهي لفرط ما قاسته من الوجد والهيام قد هزل جسمها ~~وامتقع لونها، ونظرت إلى الحاكم فإذا هو ممتقع اللون أيضا فازداد قلقها فقالت: «ما وراءك ~~أيها الحاكم؟» # قال: «قد أتتنا الجواسيس بنبأ دخول العرب حدود مصر، وأن فرقة منهم وصلت إلى الفرما، فهل ~~أرسل إلى سيدي المقوقس بذلك؟ فإنه أوصاني عندما كان هنا في زيارته الأخيرة أن أستشيرك في ~~مثل هذه الأمور لما يعهده فيك من الحكمة والدراية.» # فلما سمعت أرمانوسة قوله خفق قلبها، ولم تعلم بماذا تجيبه، وبعد التأمل برهة قالت: «لا بد ~~من إبلاغه الخبر حالا واستنجاده، فإن العرب لا يلبثون أن يصلوا إلينا، ولا أظن حامية بلبيس ~~كافية لدفعهم.» فقال: «إذا أمرت مولاتي أنفذت من يطلب المدد.» فقالت: «لا بد من ذلك فافعل.» ~~فخرج مهرولا. # ولما خلت بربارة بسيدتها قالت لها: «ربما ذعرت يا سيدتي لهذا الخبر ولكني أحسبه بابا ~~للفرج.» قالت: «وكيف ذلك يا بربارة؟» # قالت: «لأن سيدي المقوقس في الحصن الآن، وإذا جاءه الخبر أبلغه الأعيرج فيعلم به سيدي ~~أركاديوس، فإذا كان محبا لأرمانوسة حقيقة جاء بنفسه مددا لحامية بلبيس، وهذا ما نتمناه.» # قالت أرمانوسة: «صدقت يا بربارة، فافعلي ما تريدين لأني لا أعي شيئا، وسأنتظر عودة مرقس ~~لأرى ما حدث لذلك الرجل (تريد قسطنطين).» ولحظت بربارة عظم ارتباك سيدتها وقلقها فقالت لها: ~~«هلم بنا يا مولاتي ننزل إلى الحديقة فتنزهين طرفك في الرياحين والأزهار، ولنترك المقادير ~~تجري في أعنتها، والله يدبر الأمر كيف يشاء.» # فقالت أرمانوسة: «إني أفضل الانزواء على التنزه؛ لأن قلبي لا يسر لشيء، ولا يرتاح لي بال ~~قبل الوقوف على حقيقة الخبر.» # فقالت: «دعي التدبير لله.» # قالت ذلك وأمسكتها بيدها وأنهضتها، وجاءتها برداء أرجواني ثمين ألبستها إياه، وزينتها ~~بحليها وجعلت على رأسها شبكة ثمينة من اللؤلؤ، وضفرت شعرها، ومشت أمامها إلى الباب، فخرجت ~~أرمانوسة في أثرها، ولما علمت نساء القصر بخروج أرمانوسة أطللن من النوافذ ليشاهدن حسن ~~زيها، فقد كن معجبات ms092 بجمالها وهندامها. # فسارت في الحديقة تخطر بين الأشجار وهي لا ترتاح إلى شيء لتعاظم هواجسها، فجعلت بربارة ~~تسليها بالحديث وهي لا تنطق ببنت شفة. # وكانت الحديقة مشرفة على سهل خارج البلدة، فلاحت من بربارة التفاتة فإذا بفارس قادم عن ~~بعد، وعليه لباس مرقس فظنته هو، فالتفتت إلى سيدتها بلهفة وقالت: «هذا هو مرقس يا سيدتي، ~~فلعله جاءنا بخبر يسر.» فالتفتت أرمانوسة إلى القادم ثم قالت: «ولكني أراه راكبا جملا من ~~جمال العرب، فهل ذهب راكبا.» فنظرت بربارة إلى الرجل وهو يقترب من البلدة ثم قالت: «لا، ليس ~~للجمال عندنا وجود، ولكن يظهر أنه مرقس، ولا أعلم من أين أتى بالجمل؟» # وما كادتا تتمان الحديث حتى وصل الهجان إلى سور المدينة، فحط رحله إلى جذع شجرة، فخرج بعض ~~حامية بلبيس لاستقباله وسؤاله عن مراده، وجاء أحدهم يقول: «إن القادم رسول من قسطنطين بن ~~هرقل إلى المقوقس.» ثم تقدم إلى أرمانوسة يسألها هل تريد مقابلته؟ # فلما سمعت أرمانوسة ذكر قسطنطين أجفلت وانقبضت نفسها، وقالت: «لا، لا أريد مقابلته.» ~~فسارت بربارة إلى باب الحديقة، وأشارت إلى الحراس أن يأذنوا له بالدخول، فدخل فإذا هو جندي ~~من جنود الروم بلباس جند مصر، وهو لباس مرقس بعينه فقلقت بربارة على مرقس وقالت للرجل: «من ~~أنت؟» # قال: «رسول من مولاي يوقنا، صاحب جند حلب، أرسلني بمهمة إلى المقوقس من الأمير قسطنطين.» # قالت: «وأين صاحب هذه الثياب؟ لعلك قد لقيت رسولنا؟» # قال: «نعم يا سيدتي، وهو في خير، وقد تركته بالمعسكر معتزما الذهاب إلى الفرما بمهمة من ~~السيدة أرمانوسة، وأوصاني أن أطمئنكم عليه.» قالت: «وأين كتاب الأمير قسطنطين؟» فمد يده ~~إلى جعبة معلقة بكتفه وأخرج حقا من الفضة، وقدمه إلى بربارة فتناولته، وقالت للرسول: «امكث ~~هنا ريثما أعود إليك بالجواب.» # ثم تركته، ودخلت بسيدتها إلى غرفتها، وهي لعظم كدرها لا تلوي على شيء، فلما دخلتا الغرفة ~~فتحت بربارة الحق ففاحت منه رائحة العطر، وأخرجت الكتاب فإذا هو من ورق ناعم حسن الصنعة، ~~فتناولته أرمانوسة لتقرأه لأنها لم ms093 تكن تعرف اللاتينية، فأخذت أرمانوسة الكتاب ويداها ~~ترتجفان، ونظرت إلى مكان الإمضاء، فرأت إمضاء قسطنطين باسمه، فاختلج قلبها واغرورقت عيناها ~~بالدموع، وصاحت: «تبا له ألا يزال حيا؟» فقالت لها بربارة: «اقرئيه يا سيدتي لنفهم ما ~~فيه، فلعل فيه خيرا، ولو كنت أحسن القراءة لما كلفتك قراءته.» # فأخذت أرمانوسة تقرؤه فإذا فيه ما ترجمته: # من قسطنطين بن هرقل ملك الروم إلى المحترم المقوقس والي ~~مصر # بسم الآب والابن والروح ~~القدس # أما بعد: فإني عزمت على الشخوص إلى القسطنطينية بعون الله، فبعثت محبنا البطريق ~~يوقنا حاكم حلب إليكم لكي تعتمدوا عليه في إرسال خطيبتنا أرمانوسة ليأتي بها إلينا، ~~ونحن ننتظر وصوله عند سواحل دمياط، وقد عهدنا إليه بهذه المهمة لاعتقادنا فيه ~~الإخلاص، فلا تترددوا في تسليمه أرمانوسة، والسلام. # فلما قرأته أرمانوسة خارت قواها، وألقت بنفسها على السرير، وأجهشت بالبكاء وهي تقول: «لا، ~~لا أذهب معه، ولا أخرج من هذه الغرفة قبل أن تخرج روحي من جسدي.» # فجعلت بربارة تخفف عنها وتقول لها: «لا تجزعي يا سيدتي، فلست بذاهبة بإذن الله إلا مع ~~سيدي أركاديوس، ولكن علينا أن نستعين في الأمر بالحيلة، فبماذا نجيبه الآن؟» # فقالت أرمانوسة، وقد أظلمت الدنيا في عينيها: «لا تسأليني أمرا؛ فإني لا أفهم ما تقولين ~~ولا أعلم بماذا أجيب، ولكنني أقول لك إني لا أريد الخروج من هذا المكان أبدا، وافعلي ما ~~يبدو لك.» # فتركها في الغرفة وخرجت، وبعثت إلى حاكم المدينة فهرول مسرعا؛ لأنه كان يود أن يخدم ~~أرمانوسة إرضاء لوالدها، لعلمه بما لها من المنزلة عنده، فلاقته بربارة وانفردت به، وأطلعته ~~على كتاب قسطنطين وقالت: «إن هذا الكتاب باسم المقوقس، ونحن لا نستطيع إجراء شيء إلا بأمره، ~~فابعث أحد رجالك بهذا الكتاب إليه حتى يأتينا بالجواب.» # قال: «سمعا وطاعة.» وهم بالخروج فقالت: «قف قليلا.» فوقف فقالت: «هات الكتاب.» فسلمه ~~إليها، فقالت: «ابعث إلي رجلا تثق به لأسلمه وأوصيه بشيء آخر.» # فخرج وعاد بشاب كان يثق فيه كل الوثوق وقال: «هذا هو الرسول، فأوصيه بما تشائين.» فنادت ms094 ~~الشاب وقالت له: «امكث هنا قليلا حتى أعود إليك.» ثم خرجت إلى الحديقة وبعثت إلى الرسول ~~القادم من يوقنا فدخل فقالت له: «لقد سرت سيدتي أرمانوسة من هذه البشارة، فأين هو سيدك ~~يوقنا الآن ؟» # قال: «هو عند الفرما برجاله ينتظر عودتي حتى يأتي ليذهب بالسيدة أرمانوسة حالا، لأن ~~الوقت قصير، وقد أعد لها كل معدات الاحتفال والزينة.» فقالت: «هل جاء في جند كبير؟» # قال: «نعم، إنه جاء في خمسمائة من خاصة رجال سيدي قسطنطين حراسا للسيدة أرمانوسة في ~~مسيرها.» # قالت: «بارك الله فيه، اذهب إليه وأخبره أن السيدة أرمانوسة تهديه السلام، وتشكر حسن ~~صنيعه، وأنها تتأهب للمسير معه حالما يأتيها الجواب من سيدي المقوقس.» ومدت يدها ونقدته ~~مالا وقالت: «وستنال تمام المكافأة فيما بعد، فاذهب بسلام.» فودعها وعاد إلى هجينه فركبه، ~~وسار يطوي البيداء. # أما هي فدخلت على سيدتها فإذا بها لا تزال مستلقية على السرير وعيناها تذرفان الدموع، ~~فدنت منها وقبلتها مبتسمة وقالت: «تجلدي يا سيدتي وتبصري فيما سأقوله، فإن الأمر يحتاج إلى ~~الحزم، وثقي جيدا أن قسطنطين لن ينال منك شعرة بهمة سيدي أركاديوس، إنما علينا أن نعلم ~~أركاديوس بما تم حتى يأتي لنجدتك، ولا شك عندي أنه يجيء مسرعا إلينا، وقد يكون مجيئه في ~~النجدة التي سيرسلها أبوه إلى بلبيس، فكيف نعلمه بذلك؟» # قالت: «قلت لك يا بربارة إني لا أملك حواسي، فافعلي ما تشائين، ولكنني خائفة من سوء ~~العاقبة.» # فقالت بربارة: «لا تخافي يا سيدتي، بل تجلدي، وأصغي لما أقوله لك.» قالت: «قولي ما بدا ~~لك، وافعلي ما ترتئينه.» # فقالت: «أين هو خاتم سيدي أركاديوس؟» قالت: «هو في جيبي.» فأخرجته، وجاءت بقطعة من ~~البردي، وختمتها به، وكتبت اسم أرمانوسة بالقبطية إلى جانب الختم، وأحاطت الاسم بدائرة ~~سوداء، ولفت الورقة وجعلتها في حق صغير، وخرجت بالحقين إلى الرسول وخلت به، وأعطته قطعة من ~~الذهب وقالت: «هذه هدية من السيدة أرمانوسة.» فأثنى عليها، فقالت: «خذ هذين الحقين، فادفع ~~هذا إلى سيدك المقوقس حيثما وجدته، وهذا ادفعه إلى أركاديوس ms095 بن الأعيرج يدا بيد. أفهمت ما ~~أقول؟ واحذر أن يراك أحد، فإن سيدتي أوصت والدها بأن يزيد في عطائك إذا قمت بما أقوله لك.» ~~فقبل الحقين وخبأهما في جيبه، وخرج إلى جواده فركبه وسار قاصدا حصن بابل فرحا بما ~~نال. # وعادت بربارة إلى سيدتها، وجعلت تطمئن قلبها، وتخفف عنها، فقالت أرمانوسة: «لا شيء يعزيني ~~يا بربارة أبدا، فإن يوقنا اللعين سيأتينا قريبا فبماذا نجيبه؟» # قالت: «نقول له أننا لا نستطيع إجابة طلبه قبل وصول الجواب من سيدي المقوقس.» # قالت: «وما الفائدة من ذلك؟ فلعل أبي يجيبه إلى طلبه، أليس هو الذي ألقاني في هذا المأزق؟! ~~سامحه الله.» # قالت: «أراك لا تنظرين إلى الحوادث إلا من وجهها المظلم، خلي عنك الظنون؛ لأننا لا ندري ما ~~يكنه القضاء لنا، وأراني شديدة الأمل في سيدي أركاديوس، فإنه سيدفع عنك كل غائلة بسيفه، ~~وأنا أقول لك إننا لا نسلم أرمانوسة قبل وصول أركاديوس، مهما يكن الأمر، ومتى وصل كان الأمر ~~إليه، وهو أكثر ميلا للدفاع عنك من كل إنسان.» # فأحست أرمانوسة عند ذكر أركاديوس براحة، وسكن روعها، وهانت عليها المشكلات، ثم نظرت إلى ~~بربارة وقالت: «هل عاد رسولنا مرقس من مهمته؟» # قالت: «لا، لم يعد يا سيدتي، وأنا في انشغال بال عليه، وبالأمس جاءني والد خطيبته يسألني ~~عنه؛ لأنهم ينتظرون مجيئه بفارغ الصبر، ولا يخفى عليك انتظار الخطيبة لخطيبها إذا كانت ~~تحبه.» # فتنهدت أرمانوسة تنهدا عميقا وسكتت، ثم قالت: «ولكني أخاف أن يصيبه سوء لأجلنا؛ إذ قد ~~انتهت مهمته ولم يعد.» # فقالت: «ولكني كنت أوعزت إليه إذا لقي العرب أن يجتهد في تجسس أحوالهم، فلعله تأخر لهذا ~~السبب.» # ومضى عليهما يومان في انتظار ما يكون، وفي صباح اليوم الثالث أفاقت أرمانوسة على صوت ~~الناس وضوضائهم، فأرسلت بربارة تستطلع الخبر، فعادت تقول: «إن أهل بلبيس في قلق من أمر ~~العرب؛ لأنهم هاجموا الفرما، وقد وصل إلى هنا بعض أهلها فارين من ساحة الحرب، واستقدم الحاكم ~~بعضهم إلى منزله يستطلعهم أخبار العرب سرا؛ لأنهم شهدوا حربهم ms096 واختبروا قوتهم.» # فارتبكت أرمانوسة وزادت هواجسها وقالت: «هذه مصيبة أخرى يا بربارة، فقد أصبحت بين أربعة ~~عوامل تتسابق إلى القضاء علي، أولها وأشدها وطأة علي ذلك الرجل الذي لا أحبه، وهذا هو ~~رسوله ربما جاءنا غدا لكي يحملني إليه، بل إلى جنهم أعوذ بالله، وثانيها أبي الذي وافقه ~~على هذه الفعلة، وهو عون له على شقائي، وثالثها هؤلاء العرب الذين جاءونا محاربين، وهم ~~أشداء على ما يظهر، وربما ملكوا رقابنا عنوة، ورابعها، آه من رابعها!» وسكتت، فقالت ~~بربارة: «أكملي العدد يا سيدتي، ما هو رابعها؟ ربما كنت أنا هو ذلك الرابع.» قالت: «لا يا ~~بربارة، حاشاك، إنك وحدك تعزيتي في كل هذه النكبات، أما الرابع فهو قلبي، هذا الذي قد علق ~~بأركاديوس وعصاني في هواه، وأنا بعيدة عنه يائسة من لقائه، وقد كان لي بقية أمل في رؤيته من ~~قبل، أما الآن فأراني يئست من حبه.» # قالت ذلك وشرقت بدموعها، فقالت بربارة وقد انفطر قلبها: «دعي عنك الأوهام وتجلدي، فقد قلت ~~لك: ألقي حملك علي، فإني ناصرتك بإذن الله، وعلي الضمان أن قسطنطين لن ينال منك شعرة، وأنك ~~ستنالين من تحبينه رغم الناس كافة، فاصبري وتدبري الأمر بالحزم، واجلسي حتى أذهب إلى الحاكم ~~وأسمع كلام الفارين لعلي آتيك منهم بقبس من نور.» # وتركتهما في الغرفة وذهبت توا إلى منزل الحاكم بجوار القصر، وكان الحراس يعرفونها فلم ~~يمنعوها، فلما رآها الحاكم وقف لها واستقبلها، وأراد أن يدخلها غرفة الاستقبال فقالت له: ~~«لا حاجة إلى ذلك، فإني جئت لأسمع كلام الفارين.» فدخل بها إلى غرفة فيها رجل عرفت من لباسه ~~أنه من ضباط الجند، ولكنه ليس رومانيا، وإنما أصله من جند أنطاكية، فلما رأته علمت ما ~~قاساه من أنواع العذاب قبل وصوله إلى بلبيس، وكان لا يزال في ثياب الحرب، وعليه الدرع، وقد ~~تلطخت بالدماء، وفي كفه جرح أصابه من نبال كادت تخترق عنقه لو لم يستقبلها بكفه، فجلست على ~~مقعد من الحرير المزركش، وجلس الحاكم إلى جانبها، ونادى الضابط فدنا منه ms097 فقال: «ارو لنا ما ~~رأيت بلا زيادة أو نقصان.» # فقال وهو يتنفس الصعداء: «إني لا أكاد أصدق يا سيدي أني على قيد الحياة؛ لفرط ما قاسيته من ~~التعرض للخطر، فإن هؤلاء العرب أشداء أقوياء ، ولا أظن جندنا يقوى على حربهم.» # فابتدره الحاكم قائلا: «اخفض صوتك لئلا يسمعك أحد فيقع الرعب في الناس، واشرح لنا حالك.» ~~••• # قال الضابط: «علمنا منذ ثلاثة أيام بوصول العرب إلى ضواحي الفرما بعدتهم وخيلهم، فأخذنا ~~في التأهب، فملأنا الأسوار بالجند، ورفعنا الأعلام، وأقمنا الصلوات في الكنائس، ونصبنا ~~الصلبان على الأسوار، وظننا أنهم يتريثون قبل منازلتنا التماسا للراحة من وعثاء السفر، ~~ولكننا لم نكد نتم التأهب حتى رأينا غبارهم يتصاعد، وجموعهم تزحف نحو المدينة، ثم انكشف ذلك ~~الغبار عن جيش جرار تتقدمه الأعلام والفرسان، وما زالوا حتى عسكروا أمام المدينة، ولكننا لم ~~نشاهد معهم خياما ولا أثقالا، فعلمنا أنهم تركوا الخيام بعيدا، فلبثنا ننتظر ما يكون ~~منهم، وكنت أنا في حاشية حاكم الفرما نتشاور في أمرهم، وبعد الظهيرة بقليل رأينا واحدا ~~منهم يتقدم نحو الأسوار حاملا علما أبيض، إشارة إلى أنه رسول، فلم نتعرض له، فلما وصل إلى ~~السور أشار بيده أن معه كتابا يريد رفعه إلى كبيرنا، فأمرني الحاكم فنزلت إلى باب السور ~~ففتحته، وأردت تناول الكتاب منه فأعرض عني، كأنه لا يريد أن يعطينيه، وفهمت منه أنه يريد ~~تسليمه للحاكم يدا بيد، فاستأذنت في دخوله، فدخل بقدم ثابتة، كأنما هو داخل منزله، وكنت في ~~أول الأمر مستخفا به لرثاثة لباسه؛ لأنه كان لابسا شملة ملتحفا بها كأنه متسول، ولكن ~~تحول احتقاري إلى احترام حين أراد الدخول على الحاكم ويده على قبضة حسامه، فلما أردنا أن ~~ننزع سلاحه أبى، فأتينا بالترجمان وحاولنا إقناعه بأن العادة عندنا أن يتجرد الرسول، فقال: ~~«لا أنزع السلاح أبدا، فإذا لم تقبلوني كذلك عدت من حيث أتيت»، فارتفعت منزلته عندنا، وأذن ~~الحاكم بدخوله كما يشاء. # فدخل ودفع إلى الحاكم كتابا مكتوبا على ورق من جلد الشياه وليس من البردي مثل رقوقنا، ms098 ~~فتناوله الترجمان وفسره، فإذا هو من أمير العرب يطلب إلينا الاستسلام العاجل حالا، أو ~~الدخول في دينهم، أو تأدية الجزية، أو القتال. # فعظم ذلك علينا، وقال له الحاكم: «ليس عندنا إلا الحرب»، فتحول العربي ، ويده لا تفارق ~~حسامه، وعيناه تراعيان حركاتنا وسكناتنا كأنه يخاف غدرنا به، وعاد إلى معسكره، فصعدت إلى ~~مرمى النبال على السور ونظرت إلى معسكر العرب فإذا هم قد وقفوا صفوفا، والفرسان متفرقون ~~بينهم، فعلمت أن هؤلاء الفرسان إنما هم قوادهم، ولم تمض مدة يسيرة حتى انبرى منهم فارس مدجج ~~بالسلاح وعليه درع يمانية، وكنت قد شاهدت مثلها عند بعض قوادنا، يوم كنت في أنطاكية، وأغار ~~بجواده حتى دنا من السور مشهرا حسامه، فخاطبه الترجمان من أعلى السور يسأله عن مراده فقال: ~~«إذا كان لا بد لكم من الحرب فاخرجوا إلينا، أو ليخرج منكم فارس تعتمدون عليه نبارزه، فإما ~~أن تكون الغلبة لكم إذا غلب، أو لنا إذا غلبنا، ومبارزة الأفراد خير من سفك الدماء». # فالتفت الحاكم إلي وقال: «ما الرأي؟» فقلت له: «إن في المبارزة حقنا للدماء.» # فقال: «ومن يخرج منكم إلى هذا الفارس؟» فانبرى قائد كبير منا، وكان ممن حنكته الأيام ~~وتمرس بالحروب، وعليه الخوذة، والدروع على الصدر والكتفين والذراعين، وقد غطاها كلها برداء ~~من الحرير المزركش، وتقلد الحسام والخنجر، وحمل الترس، وجاء القسيس فصلى له ورشه بماء ~~المعمودية تبركا وتيمنا، وعلق على صدره صليبا من الذهب نعتقد فيه الحماية من الضر، فقبل ~~الصليب والإنجيل، وجاء إلى باب السور فركب جوادا سمينا مكسوا بالدروع أيضا، وبرز إلى ~~العربي، وليس فيه ولا في الجواد مكان للسيف إلا غطته الدروع. # أما العربي فكانت الدروع على رأسه وصدره فقط، والجواد عار، وكنت ظننته فرسا ضئيلا لفرط ~~ضعفه وقلة لحمه، ولكنني شاهدت من خفته في الجري ما ذكرني بما كنت أسمعه عن خيول العرب من ~~الخفة والشدة على قلة لحمها. # وأخذ الفارسان يتبارزان، وأبصار الجيشين شاخصة إليهما، وكل يصلي ويطلب النصر لفارسه، ثم ~~رأيت الفارس العربي يتقهقر كأنه اندحر، ms099 فلحق به فارسنا، ثم ما عتم أن رجع فكر عليه، ~~فتقهقرت قلوبنا معه، ثم عاد إلى المبارزة، واشتد الضرب حتى كدنا نسمع وقع السيوف على ~~الدروع. كل ذلك والأساقفة يصلون ويتضرعون إلى الله استمدادا للنصر حتى أمسى ولم يظهر أحد ~~منهما على رفيقه، فافترقا على أن يعودا إلى المبارزة في الصباح. # فلما رجع فارسنا سألناه عما لاقاه من ذلك العربي، فاعترف بأنه لو لم يدركه الظلام لذهب ~~فريسة له، قال ذلك سرا فيما بيننا، وكان يظهر خلاف ذلك لدى الآخرين، فاجتمعنا تلك الليلة ~~وتشاورنا في أمر أولئك العرب، فأجمع الرأي على أن نأخذهم بالحيلة، فنخرج إليهم في الصباح ~~مظهرين الوقوف صفوفا لمشاهدة المتبارزين، ونجعل فرقة من جندنا في كمين على يسار الجند عن ~~بعد، ثم نشغلهم في حربنا، ويدور الكمين من ورائهم، ونهاجمهم من كل الجهات فنضايقهم، وكنت ~~أنا في جملة من سار للكمين، وجعلنا علامة الهجوم دق الأجراس، فنزلت مع الكمين ليلا ~~واختبأنا وراء أكمة على مسافة من المعسكر، وفي الصباح نزل باقي الجند أمام الفرما، واصطفوا ~~هناك وقد رفعت الأعلام والصلبان فوق رءوسهم، ونزل المتبارزان، وبعد هنيهة سمعنا دق الأجراس ~~فهجمنا على العرب من روائهم، وكان باقي جندنا قد هاجموهم من الأمام، وعلا الصياح من ~~الجانبين وحمي الوطيس. # أما نحن فهجمنا عليهم من الوراء، فما شعرنا إلا وقد أغار علينا ساقتهم - وفيهم كثير من ~~النساء - بالعمد والعصي، وكانت الواحدة منهن تهجم على العشرة والعشرين وفي يدها عصا طويلة ~~تضرب بها ذات اليمين وذات اليسار، فلاقينا من شدة أولئك النساء أضعاف ما لاقيناه من الرجال. ~~وما زلنا في ذلك حتى انتصف النهار وخارت قوانا فلم نستطع الثبات، ثم رأيت نبلة ساقطة علي ~~تكاد تصيب نحري، فاستقبلتها بيدي فجرحتني، وكان الترس قد وقع من يدي، فخفت على نفسي، فطلبت ~~الفرار في عرض الصحراء حتى بعدت عن المعسكر، وفرت معي جماعة كبيرة، فالتفت إلى الفرما فإذا ~~بالعرب يتسلقون أسوارها، ولا ريب أنهم دخلوها واستولوا عليها، وقد واصلت السير ليلا ~~ونهارا حتى ms100 وصلت إليكم وأنا لا أصدق أني نجوت من الموت.» # وكان الحاكم وبربارة في أثناء ذلك يتطاولان بعنقيهما يصغيان إلى ما يقول وقلباهما يخفقان. ~~فلما أتم حديثه امتقع لون الحاكم، ووقع الرعب في قلبه، ولكنه أظهر الاستخفاف وقال: «إنكم ~~أخطأتم الحيلة، وكان يجب أن تبارزوهم وجها لوجه، فما هم إلا شرذمة قليلة، وليس لديهم من ~~العدة والسلاح مثل ما لنا، فلئن جاءوا بلبيس لأذيقنهم العذاب ألوانا.» ثم قال للرجل: «احذر ~~أن تطلع أحدا من حامية بلبيس على جلية الخبر لئلا يستولي عليهم الخوف، وهذا هو شأن الحرب؛ ~~يوم لك ويوم عليك.» # أما بربارة فعادت إلى سيدتها وقد استولى عليها الخوف، فرأتها واقفة إلى النافذة، وقد ~~أسندت رأسها إليها تنظر إلى الحديقة كأنها تتشاغل بها عن هواجسها لعلها تنسى ما هي فيه من ~~الارتباك، فلم تشعر بدخول بربارة حتى نادتها، فتحولت إليها وسألتها جلية الخبر فقصت عليها ~~الخبر كما سمعته إلى أن قالت: «وهذا ما كنا نخشاه في أول الأمر، وهو الذي حمل سيدي على ~~مسالمة العرب؛ فإنه تنبأ بظهورهم على الروم حيثما نازلوهم، ولا يبعد أن يكون قد خابرهم ~~سرا، وعقد معهم عهدا ألا يؤذوا أحدا من القبط، وعلى كل لن تقوم للروم قائمة.» # فقالت أرمانوسة: «وما الرأي يا بربارة؟» قالت: «الرأي أن نتربص لنرى ما يأتي به القدر، ~~ولا بد من أن يأتينا الفرج إما من أركاديوس وإما من مرقس، إلا أن يكون هذا المسكين قد أصيب ~~بسوء.» # فقالت أرمانوسة: «لا سمح الله بذلك، فإني على شدة هواجسي لم تبرح حكايته بالي، وأراني في ~~وجل على خطيبته لئلا يكون قد أصيب بسوء نحن السبب فيه.» ~~••• # وقضيتا بقية اليوم في مثل هذه الأحاديث، وفي الصباح خرجت بربارة تتنسم الأخبار لعلها تسمع ~~شيئا عن مجيء مرقس، فرأت الحاكم يسير مسرعا فسألته عن الخبر فقال: «أما رأيت الغبار ~~المتصاعد في عرض الأفق؟» # قالت: «لا، وما ذلك؟» # قال: «أخبرنا الجواسيس أن يوقنا قادم مع رجاله لحمل سيدتي أرمانوسة، وقد جئت لأبشرها.» # فقالت: «أشكرك نائبة ms101 عنها، وسأبلغها هذه البشارة عنك.» # ثم تركته وصعدت إلى نافذة أطلت منها على ضواحي المدينة، فرأت الغبار يتصاعد، وقد دنا ~~القادمون، فهرولت إلى سيدتها وأخبرتها، ولكنها مزجت الخبر بأمارات الاطمئنان خوفا عليها. ~~أما أرمانوسة فلم تعبأ إلا بالحقيقة، فلطمت وجهها، وأخذت تفرك يديها كأنها وقعت في مصيبة، ~~وبربارة لا تستطيع تخفيف اضطرابها، ولكنها قالت لها أخيرا: «إننا على موعد مع يوقنا في ~~انتظار جواب والدك.» # فقطعت أرمانوسة كلامها قائلة: «وما خوفي إلا من ذلك الجواب، سامح الله والدي؛ فإنه هو ~~الذي جلب علي كل هذه المتاعب.» # فقالت بربارة: «ألا تريدين أن تطلي من النافذة لمشاهدة القادمين؟» # قالت: «دعيني من النوافذ فإني مقيمة بهذه الغرفة لا أبرحها أبدا.» # وبينما هما في ذلك سمعتا قارعا يقرع الباب، فخرجت بربارة لاستقباله، فإذا هو الحاكم يحمل ~~حقا وعلى وجهه أمارات البشر، فسألته عن أمره فقال: «إن الحق مرسل من البطريق يوقنا إلى ~~السيدة أرمانوسة.» فهمست في أذنه: «إن سيدتي الآن في الفراش، ولا شك أنها ستشكر لك هذه ~~الهمة، وسأبلغها الرسالة متى أفاقت، وربما دعوتك لمقابلتها.» # فشكر لها ومضى. أما هي فأخذت الحق، وهو صندوق رأت فيه قطعة ثمينة من الحلي على مثال ~~النسر، مرصعة بالحجارة الكريمة من الماس والزمرد والياقوت، بديعة الصنعة، وإلى جانب النسر ~~رق محلى بالذهب مكتوب باللاتينية، وفي صدره صورة النسر الروماني، فعلمت أنه من قسطنطين، ~~فدخلت على سيدتها والنسر بيد والرق باليد الأخرى، وكانت أرمانوسة جالسة على مقعد في صدر ~~الغرفة وقد أطرقت إلى الأرض تنتظر عودة بربارة، فلما رأتها داخلة والرق في يدها ظنتها تحمل ~~كتابا من أركاديوس، فنهضت وهمت بتناول الكتاب منها في لهفة، ولكنها ما لبثت أن رمت به إلى ~~الأرض وقد استحالت لهفتها إلى انقباض وقالت: «ما الذي جئت به؟ وما هذا الذي بيدك؟» قالت: ~~«ألم تقرئي الكتاب يا سيدتي؟» # قالت: «لم أقرأه، ولا أريد أن أقرأه؛ لأنه مذيل باسم الذي تكرهه نفسي.» # قالت: «اقرئيه لعل فيه خيرا.» قالت ذلك وتناولت الرق ودفعته إليها، فأخذت ms102 أرمانوسة تقرؤه ~~فإذا ترجمته: # بسم الآب والابن والروح القدس # من قسطنطين ابن الإمبراطور هرقل ملك الملوك إلى عروسنا أرمانوسة الحبيبة # قد أرسلنا إليك مع عزيزنا يوقنا نسرا رومانيا مرصعا، ووكلت إليه أن يأتي بك إلينا، ~~وكتبت أيضا إلى أبيك عاملنا على الديار المصرية، ونحن في انتظارك بمراكبنا عند بحر ~~دمياط، فأسرعي في المجيء، والسلام. # قسطنطين # وما أتمت قراءته حتى صاحت بأعلى صوتها: «لا، لا، لا أريد أن أذهب إليك ولو كنت ابن رب ~~الأرباب.» ورمت الكتاب إلى الأرض، وعادت إلى المقعد. # فوقفت بربارة صامتة لا تدري كيف تسلي سيدتها، وقد ازداد الأمر إشكالا، ثم تركتها وذهبت ~~إلى الحاكم وقالت له: «قد أطلعت سيدتي على الكتاب، وهي في انتظار الجواب من سيدي المقوقس؛ ~~لأنها لا تقدر أن تبرح المكان قبل وصول جوابه.» # فقال: «إن رسول سيدي المقوقس عاد الآن يحمل كتابا إلى يوقنا وآخر لمولاتنا أرمانوسة، ~~فدفع هذا إلي وسار لإيصال كتاب يوقنا إليه.» وقدم لها كتابا كان على مائدة أمامه، فتناولته ~~وفضته فإذا هو بالقبطية يحرض المقوقس فيه ابنته على التأهب للمسير مع يوقنا، ويعتذر من عدم ~~حضوره بنفسه لاشتغاله في الحصن بإعداد الجند لدفع العرب، فتغير لون وجهها وخرجت، فخبأت ~~الكتاب في مكان ما، ولم تطلع سيدتها عليه لئلا يزيد يأسها، ولكنها لبثت تنتظر عودة ذلك ~~الرسول من عند يوقنا، لتسأله عما فعله بالعلامة التي أرسلتها إلى أركاديوس، فخرجت إلى ~~الحديقة وجعلت تتطاول إلى الطريق لعلها تشاهد الرجل قادما فتستطلعه الخبر، فما لبث أن جاء، ~~ومعه رسول آخر عرفت من لباسه أنه بروفس الذي جاء في المرة الأولى برسالة من يوقنا، فاستعاذت ~~بالله منه. # فلما وصلا إلى باب الحديقة استأذناها في الدخول، فأذنت أولا لرسول أركاديوس فدخل، فسألته ~~عن كتاب أركاديوس فقال: «وصلت إلى الحصن يا سيدتي مساء، فسألت عن القائد أركاديوس فقيل لي ~~إنه ذهب في جماعة من رجاله إلى خارج الحصن ليقطعوا الجسر المنصوب بين الحصن وجزيرة الروضة، ~~وهو جسر مصنوع من المراكب يعبرون عليه من الحصن ms103 إلى الجزيرة، ومثله الجسر الموصل بين ~~الجزيرة والجسر الغربي.» # فقالت: «ولماذا يقطعونهما؟» # قال: «أرادوا ذلك عندما جاءهم الخبر بنزول العرب بالفرما وعزمهم على الهجوم على الحصن، ~~فأمروا بقطع هذين الجسرين ليمنعوهم عن منف وسائر البر الغربي.» # قالت: «وماذا فعلت عند ذلك؟» # قال: «سرت إلى سيدي المقوقس فدفعت إليه كتابه فقرأه، وكان في شاغل بالاستعداد وتقوية ~~الحصون، فكتب إلي كتابين، وأوصاني أن أوصل أحدهما إلى سيدتي والآخر إلى يوقنا، وأمرني بسرعة ~~الرجوع بهما، فلم أعلم كيف أوصل كتابك إلى أركاديوس، وخفت إذا تأخرت هناك وعلم سيدي المقوقس ~~بتأخيري أن تنكشف حقيقة أمري، وربما كان في ذلك ما يغضبك أو يغضب سيدتي أرمانوسة، فرأيت ~~هناك جنديا كنت أعرفه منذ صباي، وهو صديق لي، فدفعت الكتاب إليه وأوصيته أن يدفعه إلى ~~القائد أركاديوس حالما يعود من مهمته، فوعدني أن يقوم بذلك، وجئت بالرسالتين كما قدمت.» # فقالت وقد ذعرت وكادت تيأس من نجاة سيدتها: «إذن لم تشاهد أركاديوس؟» # قال: «لا يا سيدتي، وقد بينت لك السبب.» وخاف أن يشتد غضبها عليه فسكت. # فقالت: «ومن هو هذا القادم معك؟» # قال: «هو رسول يوقنا إلى سيدتي أرمانوسة، أرسله يوقنا على أثر تلاوة كتاب سيدي المقوقس.» # فعلمت أنه أرسل يطلب ذهابها إليه وقد وقعت الواقعة وانقطع الرجاء، فاشتد بها الأسى، ~~وترقرقت الدموع في عينيها، ولكنها تجلدت وأرادت تحقق الخبر فقالت: «ادع الرسول إلي.» ~~فدعاه، فلما دخل تحققت أنه الرسول الأول بروفس، فقالت: «ما وراءك؟» فسلم ودفع إليها ~~كتابين، فتناولتهما فعلمت أن أحدهما من المقوقس إلى يوقنا والآخر من يوقنا إلى أرمانوسة، ~~فأخذتهما ودخلت على سيدتها فرأتها لا تزال غارقة في بحار الهواجس، فلما دخلت بربارة ذعرت ~~والتفتت إليها كأنها تسألها ما خبرها؟ وكانت بربارة مرتبكة، والدموع ملء عينيها، وهي تحاول ~~إخفاء الكتب، فأدركت أرمانوسة ارتباكها فعاجلتها بالسؤال عما في يدها، فقالت وقد شرقت ~~بدموعها: «ليس في يدي شيء يا مولاتي.» # قالت: «قولي يا بربارة ماذا في يدك؟ أفصحي. هل انقطع الرجاء؟» قالت: «لا، لم ينقطع الأمل ~~يا ms104 سيدتي بعد، فإن اتكالنا على الله وحده، وهو قادر على إنقاذنا من مخالب الموت.» # قالت: «ما هذه الكتب؟ هل جاء الجواب من أبي؟ قولي، ولا تظني أني كنت أنتظر فرجا منه.» ~~قالت: «نعم هو جواب والدك.» # قالت: «وأين كتاب أركاديوس؟» فأطرقت ولم تجب، فازداد ارتباك أرمانوسة وعظم قلقها، وألحت ~~على بربارة قائلة: «ألم يرسل أركاديوس كتابا؟» # قالت: «لا يا سيدتي، ولكنه سيبعث قريبا.» # فلم تفهم مرادها فأمسكتها بيدها وقالت: «كيف لم يجب؟ هل هجرني وتخلى عني؟» # قالت: «كلا يا سيدتي، ولكن الرسول لم يره في الحصن، وسلم الكتاب إلى صديق له ليسلمه إليه ~~حال رجوعه.» # فاستلقت أرمانوسة إذ ذاك على المقعد، وأجهشت بالبكاء، فخافت بربارة أن تطلعها على كتاب ~~يوقنا لئلا يزيد يأسها، فوقفت ساكتة لا تبدي حراكا، ولكنها جعلت تفكر في حيلة تخفف بها عن ~~سيدتها، فلم تر وسيلة فجثت إلى جانب سريرها، وأخذت تقبل يديها وتقول لها: «تجلدي يا سيدتي؛ ~~فإن الله قادر على أن يأتينا بالفرج القريب.» # ولبثتا برهة في ذلك فإذا بقارع يقرع الباب، وقدم خادم ينادي بربارة من الخارج، فنهضت ~~ومسحت دموعها، وأبلغها الخادم أن الحاكم يطلب مقابلتها، فذهبت إليه فوقف لها وقال: «قد ~~علمنا أمر مولانا المقوقس بتسليم السيدة أرمانوسة ليوقنا صاحب هذا الجند، وقد بعث إلي الآن ~~ليستعجلني، وهو لا يستطيع إلا الإذعان لأمر مولانا قسطنطين كما تعلمين، فهل تأهبت السيدة ~~أرمانوسة للذهاب؟» # فقالت بربارة على الفور: «إنها سرت بما علمت، ولكنها لا تستطيع الخروج؛ لتعب ألم بها. ~~فاستمهل الرسول إلى الغد.» # قال: «حسنا، وقد أمرت الجند بالتأهب للاحتفال اللائق بمقامها، فزينا القصر والطريق ~~قياما بواجب الطاعة لسيدي المقوقس.» # قالت: «بارك الله فيك، ونطلب إليه تعالى أن يعافيها لتستطيع الخروج غدا.» # ثم عادت بربارة وهي لا تدري كيف تبلغ الخبر إلى سيدتها، وكانت أرمانوسة كلما سمعت صوتا ~~أو طرقا اضطربت حواسها لشدة تأثرها، فلما طرق الباب وخرجت بربارة ابتدرتها - حين عادت - ~~بالسؤال عما حدث، فحاولت مغالطتها ولكنها لم تقتنع بغير الحق، فلما رأت ms105 إصرارها على معرفة ~~الحقيقة قالت لها: «اجلسي يا سيدتي لأطلعك على جلية الخبر، ولكني أرجو منك أن تتمسكي ~~بالحزم، وتتعلقي بأذيال الصبر كما هو دأبك، فإن أهل مصر ما برحوا يتحدثون بتعقلك وثباتك ~~ودرايتك ، فلا تطلقي لعواطفك العنان لئلا تزيدي الخرق اتساعا، فنكون في شر فنقع في أعظم ~~منه.» # فقالت أرمانوسة: «لا تذكري التعقل والحزم، فإن عواطفي غلبت على كل تعقل وحزم، ولا أراني ~~قادرة على ضبطها، ولكن أكملي، ماذا تريدين مني؟» # قالت: «أريد منك أن تتجملي بالحزم وتتمسكي بالصبر وتصغي لما أقول.» # قالت: «قولي.» # قالت: «اعلمي يا مولاتي أن سيدي والدك قد أمر بأن تذهبي مع يوقنا، وهذا أرسل رسوله إلى ~~الحاكم، فأعد معدات الاحتفال بخروجك إليه اليوم، ولكنني أمهلته إلى الغد بدعوى توعك صحتك. ~~وسيدي أركاديوس لا بد أن يكون قد بلغه كتابي، وإذا لم يصل إليه فسيسمع خبر يوقنا من أبيك أو ~~أحد أتباعه أو من سيدي أرسطوليس لأنه صديق له، ولا شك أنه حالما يسمع الخبر يأتينا على جناح ~~السرعة، وهو كفيل بإنقاذك، والأمر عند ذلك في يده، فإذا لم يستطع إنقاذك فالأمير قسطنطين ~~أبقى لك.» # فلما سمعت أرمانوسة اسم قسطنطين ارتعدت فرائصها وقالت لها: «لا، لا تذكري اسمه. إن النار ~~أحسن عندي من جواره.» # قالت: «لا أقول لك أن تؤثريه على البطل أركاديوس، ولكنني أريد أن تمسكي الحبل من الطرفين، ~~وأخشى أنك إذا صرحت بعدم رضائك بقسطنطين، وأمسكت عن العمل برأيه، أن يغضب عليك، وربما أخذك ~~بالعنف، وقد يتفق أن لا يأتينا أركاديوس على عجل، أو يأتي ولا يستطيع الدفاع عنك، فماذا ~~تكون النتيجة؟ أما إذا أظهرت القبول وسرت إلى معسكر يوقنا فإننا نطاوله ونطلب إليه الانتظار ~~هنا مدة، ونبعث رسولا مستعجلا إلى سيدي أركاديوس بصريح الخبر، فلا يمضي يومان أو ثلاثة ~~حتى يأتي لإنقاذك. هذا ما أراه والأمر لسيدتي.» # فبهتت أرمانوسة وأخذت تفكر فيما سمعته من بربارة، فإذا هو عين الصواب، ولكن العواطف كانت ~~تسيطر عليها فلم تجب. # فقالت بربارة: «ما بال سيدتي لا ms106 تجيبني؟» # قالت: «انظري يا بربارة، إني أثق بدرايتك وإخلاصك وثوقا تاما، وهذا أمر لا تجهلينه، ~~ولكني غير قادرة على العمل بذلك، وهل تحسبينني إذا عجز أركاديوس عن إنقاذي أرضى بقسطنطين؟! ~~إني وحب أركاديوس وماله من المنزلة في هذا القلب، إذا تحققت وقوعي بيد قسطنطين وقنطت من ~~أركاديوس فلا شيء يشفي غليلي إلا الطعن بهذا الخنجر.» قالت ذلك واستلت خنجرا مرصعا كانت ~~قد خبأته بين أثوابها، فذعرت بربارة عند رؤيتها الخنجر وقالت: «ما هذا يا مولاتي؟ أتقولين ~~الصدق؟» # قالت: «هذا هو الصدق بعينه يا بربارة، ولكني أعدك أني لا أقدم عليه إلا إذا تحققت وقوع ~~القدر، وأظنك عند ذلك تكونين أكبر مساعد على قتلي؛ لأن فيه خلاصي من عذاب دائم.» # فحاولت بربارة أن تأخذ الخنجر منها فلم تستطع، غير أن أرمانوسة أعطتها عهدا ألا تعمد إلى ~~الإضرار بنفسها إلا بعد فشل كل حيلة، فوافقتها بربارة على نية أن تسرق الخنجر منها في فرصة ~~مناسبة. ~~••• # عرفنا أن البطريق يوقنا كان حاكما على حلب من قبل هرقل إمبراطور الرومانيين، فلما فتح ~~المسلمون الشام تظاهر بالإسلام وسمى نفسه عبد الله وقام لنصرتهم، وهم بين مؤمن بإخلاصه وبين ~~مرتاب فيه، فلما عزم عمرو بن العاص على فتح مصر سار في ركابه متظاهرا بنصرته، وكان عالما ~~بخطبة قسطنطين لأرمانوسة، فحدثته نفسه أن تكون أرمانوسة عند فتح مصر غنيمة له، وكان قد سمع ~~بجمالها، وأسرها في نفسه حتى أتى الفرما، وهو واثق أن عمرا فاتح البلاد لا محالة، ولا بد ~~من وقوع أرمانوسة في الغنائم، ولكنه خاف أن يسبقه إليها أحد فعمد إلى الحيلة، فزور كتابا ~~على لسان قسطنطين يطلبها كما قدمنا، ثم جاء بنفسه إلى بلبيس، وترك جند عمرو مشتغلا بحرب ~~الفرما، معتقدا أنه يتمكن بحيلته هذه من الذهاب بأرمانوسة بعد القبض عليها، قبل وصول عمرو ~~إلى بلبيس، وكان يظن أن عمرا سيمكث في الفرما زمنا طويلا، فلما جاءه كتاب المقوقس ~~يوافقه على حمل أرمانوسة، بعث برسول يطلب مجيئها إليه، وبعث إلى حاكم المدينة ليسرع في ms107 ذلك، ~~فأجابه أن السيدة أرمانوسة مريضة، فعزم على أن ينتظر شفاءها، ولكنه علم تلك الليلة أن ~~عمرا قد فتح الفرما، ولا يلبث أن يأتي بلبيس فخاف إذا أبطأ هو في أخذ أرمانوسة أن تذهب ~~حيلته ضياعا، فأرسل في صباح الغد كتابا إلى الحاكم شديد اللهجة يطلب منه سرعة الخروج ~~بأرمانوسة في ذلك اليوم، وأنه إذا أبطأ في إجابة طلبه عمد إلى القوة. # فبعث الحاكم إلى أرمانوسة وأطلعها على طلب يوقنا، فاتفق رأي بربارة وأرمانوسة على أن ~~تخرجا إلى معسكر يوقنا، وأن تستمهلاه بضعة أيام قبل السفر، ولم تعلما بما عزم عليه من ~~الإسراع، فأقيم الاحتفال، وخرج الحاكم بأرمانوسة من قصره بالشموع والصلبان، واصطفت الجنود ~~على الطرق، وصدحت الموسيقى، ورتل المرتلون، وأخرجوها كما يخرجون العروس في موكب العرس، ~~فسارت أرمانوسة تجر ذيل ثوبها، وبربارة إلى جانبها، والقسيسون أمامها بالملابس الرسمية ~~والمباخر والصلبان، حتى خرجوا من المدينة، فإذا بيوقنا قد خرج من معسكره برجاله محتفيا ~~بها، حتى اقترب منها فأخذ بيدها وأدخلها خيمة خاصة بها، فدخلت وتظاهرت بالتعب والضعف، ~~فتركوها في الخيمة مع جواريها وبربارة، وتركها الحاكم بعد أن ودعها وعاد برجاله، ومكثت هي ~~في الخيمة، وانفردت ببربارة وقد اسودت الدنيا في عينيها، وعظم الأمر عليها، وخيل إليها أنها ~~أصبحت في القفص، ولم يعد لها مفر منه، وكانت بربارة تعزيها بأنها أرسلت رسولا مستعجلا إلى ~~أركاديوس، سيصل بعد يومين، ثم لم تمض برهة حتى سمعت ضوضاء فخرجت فرأت يوقنا قادما بنفسه، ~~وقد لبس الثياب الرومانية وتظاهر برومانيته، وطلب مقابلة أرمانوسة فأذنت له، فدخل، فحالما ~~رأته تشاءمت من منظره، ولا سيما لأنه رسول قسطنطين، لكنها تجلدت وتظاهرت بالضعف والتعب، ~~وكانت مستلقية فجلست، فجلس بين يديها يتلطف ويواسي وقال: «بماذا تشعر سيدتي؟ أرجو أن تكون ~~في خير.» قالت: «لا أزال أشعر بالضعف.» # قال: «وقاك الله من كل شر يا سيدتي، ها أنا ذا أحمل سلاما إليك وإكراما من مولانا ابن ~~الإمبراطور.» فلم تجبه، فحمل ذلك منها محمل الحياء، وهو لا يعلم ما تضمره وقال ms108 لها: «أرجو ~~أن تتحسن صحتك قريبا بإذن الله، ولا سيما عندما تخرجين من هذه المدينة.» # قالت: «ولكنني لا أستطيع الركوب والسفر قبل بضعة أيام.» # فقال: «أرى الإسراع في المسير أولى؛ لأن سيدي ابن الإمبراطور ينتظر قدومك بفروغ صبر على ~~سفنه، وقد أعد لك كل ما تقر به عيناك.» # فأمسكت عن الجواب وهي لا تدري بماذا تجيب، فلاحظت بربارة التغير في وجهها فابتدرته قائلة: ~~«ألا ترى أن سيدتي خائرة القوى لا تستطيع الركوب؟» # قال: «نعم، أرى ذلك، ولكنها ستحمل في الهودج على أكتاف الرجال، فلا تشعر بشيء من التعب.» ~~قالت: «ألا تظن أن حر الطريق يضر بصحتها؟» # فقال: «وهل تظنين أننا فاتنا تدارك ذلك؟ لقد أعددنا للسيدة أرمانوسة هودجا تظلله ~~المظلات من ريش النعام على أفخر زينة. تعالي انظريه.» # ثم نهض وخرج بها من الخيمة، فرأت الهودج يحمله الرجال، والجند آخذين في تقويض الخيام ~~والتأهب للرحيل، فتحققت حبوط مسعاها، وضياع أملها، فاغرورقت عيناها بالدموع، ولكنها أمسكت ~~نفسها خيفة أن يظهر ذلك عليها، وعادت إلى الخيمة مع يوقنا صامتة، فأتم هو حديثه قائلا: «إن ~~وصيفتك قد شاهدت الهودج بنفسها معدا لحملك، فإذا أذنت مولاتي فلنتأهب للسفر أصيل هذا ~~اليوم.» # فلما سمعت أرمانوسة ذلك رجفت وقالت: «لا أستطيع السفر في هذا اليوم.» # قال: «قلت لك أن كل شيء معد لسفرك المريح، وقد أمر مولانا قسطنطين أن أسرع بك إليه، ولا ~~أستطيع مخالفته.» # فقالت: «لا أستطيع السفر وأنا مريضة، فأمهلني يوما أو يومين، وأجرك على الله.» قال: «لا ~~أستطيع الانتظار ساعة واحدة، ولا فائدة من الأخذ والرد في هذا الشأن.» # فتحققت أرمانوسة أن الساعة قد أتت وآن وقت الانتحار، وحالما صممت عليه شعرت بأنها يجب أن ~~تبذل كل ما في وسعها قبل الشروع فيه، فتجلدت وقالت: «لا أرى موجبا لهذا الإصرار، وأنا بين ~~يديك مريضة كما ترى، أيحل لك أن تعجل علي؟» # فحملق يوقنا وقال: «قلت لك لا فائدة من الكلام، وها أنا ذا ذاهب تأهبا، وسأعود إليك بعد ~~قليل لنحملك، والسلام.» # قال ذلك ms109 وخرج وتركهما في الخيمة منفردتين، فالتفتت أرمانوسة وقالت: «ما رأيك الآن يا ~~بربارة؟ ألم يحن وقت الانتحار؟» قالت ذلك ومدت يدها إلى خنجرها، ولم تكن بربارة قد سرقته ~~بعد، فارتمت عليها وأمسكت يدها قائلة : «لا أصدق يا مولاتي أن يدك اللطيفة تستطيع الإقدام ~~على القتل. ألا تعلمين أنك بهذا ترتكبين جريمة؟» # فقالت: «إن موتي وهلاكي في أسفل الدركات خير لي من أن أستبدل رجلا آخر بأركاديوس حبيبي.» ~~قالت ذلك وخنقتها العبرات ثم أغمي عليها، فأسرعت بربارة إلى الخنجر فأخفته، وخرجت لتنادي ~~بعض الجواري ليساعدنها برش الماء، فأسرع يوقنا إلى الخيمة ليرى ماذا حدث، فجاءوها بالماء ~~ورشوها، فأفاقت ورأت يوقنا أمامها وقد تأثر لما شاهده من جمالها وقد ذبلت عيناها وتكسرت ~~أهدابها من كثرة البكاء، ولكنه ما زال يهددها، مصرا على الذهاب بها في ذلك اليوم. # ضاقت فلما استحكمت حلقاتها # فرجت وكنت أظنها لا تفرج # وبينما هم في ذلك إذ دخل أحد رجال يوقنا يستأذنه بدخول رسول من الأمير عمرو بن العاص، ~~فبغت يوقنا وبهت، ولكنه أذن له بالدخول، فدخل فإذا هو بلباس السفر، وقد علاه الغبار، وعلى ~~رأسه العقال، فحيا يوقنا ودفع إليه كتابا ففضه وقرأه، وأرمانوسة وبربارة تنظران إلى الرسول ~~وتتأملانه وترجوان خيرا من قدومه، فنظر هو إليهما وحياهما، وهم بيد أرمانوسة كأنه يحاول ~~تقبيلها، وسلم على بربارة، فتفرست فيه فإذا هو مرقس، فأشارت إلى سيدتها، وهمست في أذنها إنه ~~مرقس رسولها، فالتفتت إليه أرمانوسة فآنست في وجهه أمارات البشر، ونظرتا إلى يوقنا وهو يقرأ ~~الكتاب فرأتا لونه يتغير، والرق يرتجف بيده من شدة التأثر، وما أتم قراءته حتى ظهر عليه ~~الارتباك، ووقف برهة صامتا ينظر إلى الكتاب كأنه يقرؤه، ولكنه كان غارقا في بحار ~~الهواجس. # ثم تظاهر بالتجلد وقال لمرقس: «كيف فارقت الأمير؟» قال: «فارقته وقد ترك الفرما قادما ~~إلى بلبيس.» فأسرع يوقنا في الخروج ولم يلتفت إلى أرمانوسة ولا إلى غيرها. # أما أرمانوسة فإنها توسمت في مجيء مرقس خيرا وقالت: «بم جئت يا مرقس؟ وما الذي أوجب ms110 ~~غيابك؟» فتقدم وقبل الأرض بين يديها قائلا: «لقد جئت بالفرج يا مولاتي، وأما تأخري فقد ~~كان بقضاء منه تعالى.» ثم أراد أن يقص حكايته فخاف أن يسمعه يوقنا، فكلمها بالقبطية قائلا: ~~«علمت بخيانة هذا الرجل، وأنه قادم بدسيسة متظاهرا بأنه رسول قسطنطين وما هو بمرسل منه، ~~ولكنه غادر خائن يسعى لخير نفسه، أما الكتاب الذي جئت به الآن فهو من عمرو بن العاص أمير ~~العرب القادمين لفتح هذه البلاد، يهدده فيه ويأمره ألا يتعرض لك بسوء.» # فرفعت بربارة يديها إلى السماء قائلة: «نحمد الله على ما أتانا من الخير على يدك يا مرقس. ~~إنك أهل لأعظم مكافأة على هذه الخدمة، والمستقبل بيننا.» # أما أرمانوسة فلم تعلم كيف تشكره، على أن علو مكانتها أمسكها عن كثرة الإطناب فيه، ولكن ~~ظواهر الشكر كانت تتجلى على وجهها. # فقالت بربارة: «أخاف أن يحمله غيظه على الإسراع في أذيتنا انتقاما منا.» قال: «لا أظنه ~~يجسر على الإتيان بحركة بعد هذا الكتاب، فإنه يهدده تهديدا شديدا إذا مسكما بسوء، ولا ~~أظنه إلا مبادرا إلى الفرار حالا، وها أنا ذا ذاهب لاستطلاع الخبر، لتكونا في اطمئنان ~~وراحة، والاتكال على الله.» قال ذلك وخرج، فتقدمت بربارة إلى سيدتها وقبلتها قائلة: «الحمد ~~لله يا سيدتي، إن باب الفرج قد فتح.» # فقالت أرمانوسة: «لا أزال خائفة يا بربارة، وما أدرانا أن العرب يحسنون معاملتنا، فقد ~~نكون خلصنا من شر لنقع في شر أعظم.» # قالت: «ثقي بالعرب؛ لأنهم إذا أمنوك فأنت في أمان، مع ما نعلمه من مخابرة سيدي والدك لهم، ~~وعلى كل حال فإن الأمر لله، فخففي الآن ما بك واتكلي عليه.» # أما مرقس فخرج من الخيمة فرأى يوقنا ورجاله يحملون أحمالهم، وقد ركب يوقنا جواده وكان ~~رجاله راكبين مستعدين للرحيل قبل مجيء مرقس كما قدمنا، فعاد بلهفة ينبئ أرمانوسة بفرار ~~يوقنا، برجاله، وهم جماعة كبيرة فقالت: «إلى جهنم.» # ثم خرجت بربارة فرأت المكان قفرا، وليس حولهم إلا بعض الأحمال التي تركوها سهوا للهفتهم ~~واستعجالهم، وقد أمعنوا في الهرب حتى ms111 كادوا يتوارون عن النظر، فنادت بربارة سيدتها فخرجت ~~وهي لا تصدق أنهم فروا، فرأت المكان خاليا إلا من خيمتها وخيمة جواريها. # فقالت: «يا مرقس أرى رجلا بلباس عربي على تلك الأكمة فمن هو؟» قال : «هو يا سيدتي رسول ~~من الأمير عمرو إلى سيدي أبيك، وسأحكي لك حكايته بعد أن يهدأ روعك.» # فأنفذته إلى حاكم بلبيس ليبعث من يحملها إلى منزلها، فأسرع الحاكم وجاء بجماعة من رجاله ~~حملوا السيدة أرمانوسة وحاشيتها إلى قصرها وهم يعجبون لما تم، فقصت بربارة على الحاكم خيانة ~~يوقنا، فحمد الله على نجاة أرمانوسة من الشرك. # وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب، وأراد مرقس الذهاب إلى القرية لتفقد خطيبته، فقالت له ~~بربارة: «ثق يا مرقس أن سيدتي كثيرة الثناء على غيرتك. أتقص علينا قصتك أم تذهب لمشاهدة ~~خطيبتك؟» قال: «لك الأمر، ولكني أحكي الحكاية باختصار.» وأخذ يسردها عليهما كما وقعت حتى ~~وصل إلى سقوطه عن الجمل وكيف حمله ذلك العربي الطويل الأسود إلى المعسكر وضمد جراحه، وأنه ~~انتظر أول فرصة قابل فيها عمرا وأطلعه على حكاية يوقنا، فأعطاه ذلك الكتاب يهدده فيه ~~ويأمره بألا يمس أرمانوسة إلى أن قال: «والعربي الذي شاهدتماه معي إنما هو زياد خادم يحيى ~~النحوي.» وحكى لهما حكايته، وأنه يحمل كتابا سريا إلى المقوقس وفيه الأمان للقبط كافة. ~~وبينما هم في الأحاديث، وقد خيم الغسق، إذا بخادم يقول: «بالباب رجل يستجير.» قالت: «دعوه ~~يدخل.» وإذا هو كهل ينوح ويندب ويقول: «قد أخذوها يا سيدتي، قد ظلمونا يا مولاتي.» فعرف ~~مرقس أن الباكي عمه المعلم اسطفانوس، فهب من مجلسه وناداه: «ما الخبر يا عماه؟» ~~«فذعر الرجل وقال: «أأنت هنا يا مرقس وقد أخذوا مارية منك؟ آه يا ولداه.» # فصاح مرقس: «ومن أخذها يا عماه؟ أخبرني.» # قال: «أخذها ذلك الخائن الذي كان قد سعى في قتلها وإلقائها في النيل، فإنه لما رأى الجند ~~قد حملوا على بلبيس، والحال حال حرب، جاءنا في هذا الصباح ببعض رجال أبيه وأوسعونا ضربا ~~ولكما وحملوا مارية وفروا بها.» # فاشتد ms112 غضب مرقس واسودت الدنيا في عينيه فحملق وقال: «إلى أين أخذوها؟» وهم بالوقوف، ~~وقبض على حسامه، فقال: «قد مضوا بها إلى حيث لا أعلم، ولكنهم ساروا غربا، وربما قصدوا جهة ~~عين شمس.» # فأراد الخروج وهو في أشد حالات الارتباك، فأمسكته بربارة قائلة: «تمهل يا مرقس، فإنك ربما ~~سرت إلى جهة غير التي ساروا فيها.» # ثم بعثت إلى الحاكم فحضر فقالت له: «إن سيدتي أرمانوسة توصيك بمساعدة هذا الشاب، فإن ابن ~~حاكم القرية قد اختطف خطيبته وفر بها، فابعث شرذمة من رجالك بثها في الطريق التي قد يسير ~~فيها ذلك الغادر، وليبحثوا عنه ويأتوا به وبالفتاة حيثما وجدوهما.» فبعث الحاكم رجاله ~~فرسانا ومشاة في كل الجهات. أما مرقس فإنه أخذ شرذمة من الرجال وخرج بهم، فلقيه زياد فسأله ~~الخبر فأطلعه عليه فقال: «أنا أسير معك يا صديقي، ولا تخف فسآتيك بمارية في خير.» # فتفرقت السرايا على هذه الحال، وبقيت أرمانوسة وبربارة تنتظران النتيجة بفارغ الصبر، وقد ~~شغلهما أمر مرقس كثيرا؛ لأن ذهاب خطيبته كان - إلى حد ما - بسببها. # الفصل التاسع # | أركاديوس يبحث عن أرمانوسة # فلندعهم يفتشون عن مارية، ولنرجع إلى أركاديوس، فقد فارقناه في الحصن بعد مسير بربارة وهو ~~على موعد معها لتطلعه على ما يحدث لأرمانوسة، فقضى بضعة أيام على مثل الجمر إلى أن استبطأ ~~عودتها فقلق، وخاف أن يكون في الأمر خديعة، وندم على إعطائه خاتمه لامرأة لم يرها إلا مرة، ~~ففكر في ذلك طويلا فلم يهتد إلى حل، وأراد أن يرسل رسولا إلى بلبيس يستطلع الحقيقة فخاف ~~انكشاف السر، فجلس ذات ليلة إلى النافذة التي خاطب بربارة إلى جانبها فتذكر ما مر به، ~~وتقاذفته الهواجس، ثم دخل عليه جندي وقال: «إن سيدي الأعيرج يدعوك إليه حالا.» فأسرع إليه ~~فإذا هو يتمشى في أرض الغرفة ذهابا وإيابا وقد أخذ منه الغضب مأخذا عظيما، فلما دخل ~~أركاديوس سلم عليه وسأله عن أمره فقال: «خذ يا أركاديوس هذا الكتاب واقرأه.» فتناوله فإذا ~~هو مكتوب باللغة القبطية وعليه توقيع البطريرك بنيامين. # فقال: ms113 «وما هذا يا سيدي؟» قال: «أنا لا أحسن قراءة القبطية، لكني فهمت من هذا الكتاب أنه ~~مرسل من البطريرك عدو الرومان، وقد فسره لي حالا.» # فقرأه أركاديوس فإذا هو حقا كما قال أبوه، وكان هو الكتاب الذي أرسله جرجس من بلبيس ~~ليعطيه للمقوقس، فعلم أركاديوس أن أباه إذا عرف ما فيه قبض على المقوقس للتو والساعة، ~~وتعاظم الشر بينهما، فيكون ذلك سببا ليأسه من نيل أرمانوسة، فحرف الترجمة وقال: «إن فيه ~~تحريضا للمقوقس على الروم، وربما كان ذلك على غير رضى المقوقس أو علمه؛ لأن الكتاب مرسل من ~~بنيامين كما ترى.» فأدرك الأعيرج أن أركاديوس يريد إخفاء شيء من الحقيقة فقال: «أراك تمالئ ~~الأقباط على أمرهم يا أركاديوس وتتجاهل الحقيقة، وما أدراك أن ذلك بغير رضى المقوقس، وقد ~~ثبت لنا أن هؤلاء القبط لا يحبوننا؟» # فقال أركاديوس: «وما الداعي لانحيازي إليهم وأنا أول نصير للروم كما تعلم، ولا أحب أحدا ~~غير الرومان؟» # قال: «لا أنكر صدق انتصارك للروم، ولكنني شممت من كلامك رائحة الدفاع عن القبط، ونفسي ~~تحدثني بأن أبعث إلى المقوقس، وهو الآن في الحصن، فأقبض عليه وأجعله في القيود.» # فحار أركاديوس في أمره، وخاف تفاقم الخطب وذهاب آماله أدراج الرياح فقال: «تمهل يا أبي، ~~إني أعهد فيك التروي والحزم. ألا تعلم أن ظهورنا بعداوة القبط يضر بنا؛ لأنهم يرون في ذلك ~~بابا للخروج عن طاعتنا، والعدو على الأبواب، فيكونون عونا لهم علينا، فأرى من الحزم أن ~~نتغافل عن أعمالهم، ونظهر لهم الإخلاص إلى أن نرى ما يكون من حربنا مع العرب.» # فتبصر الأعيرج برهة ثم قال: «صدقت يا بني، وقد عزمت على العمل بما رأيت فأبق هذا الأمر ~~سرا، أما المقوقس فأقسم بشرف الروم وكرسي القسطنطينية لأنتقمن منه، فقد نسي هذا الخائن ~~أصله وخان دولته، وتحدثني نفسي أن أكتب إلى الإمبراطور ليعلم خيانته فلا يصاهره، ولكن ~~صبرا، فإن لحمه ولحم ابنته وسائر أهل بيته سيكون طعاما للسمك، فإن غدره سينكشف قريبا، ~~وعلى الباغي تدور الدوائر.» # قال ذلك وأخذ ms114 ينزع ثيابه للرقاد، فودعه أركاديوس وخرج، وقد ازداد بلباله وعظم عليه غضب ~~أبيه مما زاد العراقيل في سبيل حصوله على أرمانوسة، ولما سمع والده يهدد المقوقس ويذكر ~~ابنته تقطع قلبه حزنا عليها، ولكنه كظم الغيظ ليتدبر الأمر بالحيلة، فقام إلى غرفته، وهو ~~لا يكاد يرى طريقه لشدة التأثر، وبات ليله لا يستطيع رقادا فأخذ يفكر في أمر أرمانوسة ~~وقسطنطين وأبيه، وقد علم أنها إذا نجت من مخالب قسطنطين فلا يأذن له والده بالاقتران ~~بها. # وفي صباح اليوم التالي جاءتهم الجواسيس ينبئونهم بنزول العرب بالفرما فبعث الأعيرج ابنه ~~أركاديوس يتولى النظر في قطع الجسرين الموصلين بين الحصن والجزيرة أي بينهم وبين البر ~~الغربي كما قدمنا، فلما عاد من مهمته أخذ كتاب أرمانوسة وأخذ في تلاوته، ففهم أنها في ضيق ~~وتستنجد به، ولكنه لم يفهم سبب ذلك الضيق. # فخطر له أن يستطلع ذلك بالحيلة من صديقه أرسطوليس، فذهب إليه في المكان الذي اعتاد أن ~~يكون فيه فلم يجده، فسأل عنه فقيل له إنه ذهب إلى أبيه بالأمس ولا يزال عنده في بعض جهات ~~الحصن، والحصن بقرية كبيرة، فأخذ يسأل الخدم عنه حتى رآه قادما فاستقبله مسلما، وقال له: ~~«لقد أطلت الغيبة علي يا أرسطوليس، وقد عودتني أن نلتقي كل يوم.» # قال: «كنت في شاغل مع سيدي الوالد بشأن أرمانوسة في هذين اليومين.» # فلما سمع اسم أرمانوسة كاد يتجلى الاحمرار في وجهه فاعتراه الارتباك والتعجب لسبب ~~الاشتغال بها، فقال: «وما هو ذلك الاشتغال؟ لعله خير؟!» # قال: «هو خير إن شاء الله، فإن مولانا قسطنطين بن هرقل قد بعث وفدا ليحمل أرمانوسة إليه، ~~وسيكون في انتظارها عند بحر الروم ليسير بها إلى القسطنطينية.» # فخفق قلب أركاديوس خوفا على أرمانوسة أن يفقدها، ولكنه تجلد وقال: «ثم ماذا حدث؟» # قال: «جاء لوالدي كتاب من قسطنطين في ذلك، فبعث إلى حاكم بلبيس أن يسلمها إلى الوفد، وكان ~~بودنا أن يذهب أحدنا ليشيعها، ولكن اشتغالنا بالتأهب للحرب حال بيننا وبين ذلك.» # فلما سمع أركاديوس الخبر لم يعد يتمالك ms115 نفسه من الاضطراب والتأثر، وتعاظم الأمر عليه. ~~وتحقق أن أرمانوسة قد استنجدته، فكيف لا يذهب لنجدتها، فتظاهر بأنه تذكر أمرا يستدعي سرعة ~~ذهابه إلى غرفته، فودع أرسطوليس وخرج وهو يفكر في أمره وأمر أبيه ، فوصل إلى غرفته وقد شعر ~~كأنما صب على جسمه ماء حار تارة وبارد تارة أخرى، ووقف في الغرفة صامتا تتقاذفه هذه ~~العوامل، ثم هب بغتة إلى خوذته فلبسها وتقلد حسامه وهم بالخروج من الغرفة يريد الركوب إلى ~~بلبيس، فرأى في عمله هذا خطرا ظاهرا، فأمسك وعاد إلى الغرفة ووقف إلى النافذة وغرق في ~~بحار الهواجس لا يدري أيطيع عواطفه أم عقله، وبقي كذلك إلى المساء وقد نسي نفسه، فدخل عليه ~~أحد الجند قائلا: إن رسولا بالباب، قال: «فليدخل.» ولما رآه علم أنه قادم من بلبيس، لما ~~شاهد من أثر الغبار على وجهه وعلم أنه جاهد في سوق دابته في أثناء الطريق، وناوله الرسول ~~كتابا فإذا هو من أرمانوسة تقول فيه: # إذا كنت تحب أرمانوسة فأسرع إلى بلبيس لإنقاذها؛ لأنها أصبحت بين مخالب الموت. # فلما قرأ الكتاب اتقدت نيران الغيرة والنخوة في عروقه، فنسي أباه وكل دولة الروم، وأسرع ~~إلى جواده، فركبه وخرج من باب الحصن لا يلتفت يمنة ولا يسرة، وأطلق لجواده العنان، وكان من ~~خير خيل العرب العتاق حمله إليه صديق له من ضباط الروم في الشام. # وكان الليل حالكا والطريق وعرا، ولكنه لم يبال شيئا، فمضى هزيع من الليل وهو على ~~جواده، والجو هادئ وقد ساد الظلام والسكون ولم يكن يسمع إلا صوت وقع أقدام الجواد خفيفا ~~لنعومة تربة مصر وقلة الحصباء فيها، وبعد منتصف الليل بقليل تعب الجواد فجعل سيره خفيفا، ~~وأخذ يلتفت إلى ما حوله فلم يشاهد إلا أشباح الأشجار القريبة تمر كأنها أصنام سابحة في ~~الماء. # وفيما هو سائر تتقاذفه الهواجس سمع صوتا خفيفا عرف من رنته أنه صوت امرأة تستجير، ثم ~~انقطع الصوت بغتة، وكان لشدة هواجسه في أرمانوسة وما عرفه من الضيق المحيق بها كأنه في حلم ~~يسمع صوتها ms116 تستجير، فلما سمع ذلك الصوت خيل إليه أنها في يد العدو وتستجير به، فوقف وأصاخ ~~بسمعه جهة الصوت فلم يسمع شيئا، فظن ما سمعه وهما، فهم بالسير فسمع الصوت ثانية وقد ~~اقترب، وإذا بالمستجير يتكلم بالقبطية ويقول: «أشفقوا على صباي. خافوا من الله إذا كنتم لا ~~تخافون المقوقس.» فخيل إليه أن أرمانوسة بين أيدي أناس يريدون بها شرا، فهبت الحماسة فيه ~~ونسي نفسه، ولكز جواده، فسار به إلى جهة الصوت، وكان قد سمعه بعيدا، وبينه بين الصوت غابة ~~من شجر الجميز، فسار بجواده بين الأشجار يحملق ويتطاول بعنقه لشدة الظلام لعله يلمح أشباحا ~~أو يرى أحدا، وكانت قرقعة درعه وسيفه أعلى صوتا من وقع أقدام جواده، حتى إذا اقترب من جهة ~~الصوت سمع قائلا يقول: «أستنجدك يا قادم وأستحلفك بالله وبالشرف أن تنقذني من هؤلاء ~~اللصوص.» # فأرسل نظره إلى مخرج ذلك الصوت، فرأى ثلاثة أشباح وقوفا تحت شجرة، ولكنه لم يميز أحدا ~~منهم لشدة الظلام، فأغار بجوده وناداهم بصوت كأنه الرعد القاصف: «أين هم اللصوص؟ اتركوا ~~الفتاة وإلا أذقتكم المنون بحد هذا السيف.» وجرد حسامه، وكان بينه وبينهم نحو عشرين ذراعا. ~~فركنوا إلى الفرار فتبعهم، فسار كل منهم في ناحية واختفوا بين الأشجار، فخاف أن يبعد عن ~~مخرج الصوت فيخطئ مكان الفتاة، فعاد إلى الشجرة التي شاهد الأشباح تحتها، فرأى شبحا يتلوى ~~عند أقدام جواده وهو يقول: «حماك الله يا فارس وأنقذك من غوائل الزمان، فقد أنقذتني من ~~مخالب الموت والعار.» فترجل أركاديوس وأمسك المتكلمة وهو في شك من أن تكون أرمانوسة، فإذا ~~بالصوت غير صوتها، لكنه كان مختنقا من شدة البكاء، فأمسك بيد الفتاة وخاطبها باللغة ~~القبطية قائلا: «لا تخافي يا فتاة. إنك في مأمن من شر أولاد الحرام.» # وأحس أركاديوس عندما قبض على يدها أنها باردة كالثلج، وهي ترتجف وترتعد، فقال لها: «لا ~~تخافي يا فتاة، قولي لي من أنت؟» # قالت: «إني فتاة مسكينة، قد اختطفني بعض أولاد الحرام يريدون بي سوءا، فجزاك الله خيرا ~~على إنقاذي، ولكن ms117 احذر أن يغدروا بك وأنت واقف هنا، فإنهم لا يخافون الله، وكأني أرى واحدا ~~منهم وراء تلك الشجرة.» # وما أتمت كلامها حتى شعر أركاديوس بنبلة مرت بفخذه، ولكنها لم تصبه فتحول عن الفتاة وأسرع ~~إلى الجهة التي جاءت منها النبلة وصاح: «ويلك يا خائن، إني والله قاتلك لا محالة، ولا أبالي ~~إذا كنتم مئات أو ألوفا.» وكان الحسام لا يزال مجردا، فوثب كأنه الليث الكاسر، وخاف ~~الرجل، فأراد الفرار فأدركه بضربة جندلته وقد صاح قائلا: «آه قتلتني.» فإذا هو يتكلم ~~الرومانية، فأجابه باللغة الرومانية قائلا: «أمن جماعة الروم هذه الخيانة؟ تبا لكم.» ~~والتفت إلى ما حوله فلم ير أحدا، فتحقق أن القوم فروا، فعاد إلى الفتاة فإذا بها قد خارت ~~قواها ووقعت على الأرض من شدة الخوف وهي تقول: «قتل الخائن فالحمد لله.» فأمسكها أركاديوس ~~وأجلسها، وهو يود أن يعرف من هي، ثم تذكر حبيبته وتصور أنها في مثل هذا الضيق، فاقشعر جسمه ~~وقال للفتاة: «أين بلدك؟» قالت: «بالقرب من بلبيس يا سيدي.» # قال: «هل تعرفين هذا الخائن الذي يتخبط في دمه؟» قالت: «نعم يا سيدي، هو ابن حاكم ~~القرية.» # قال: «وما الذي يريده منك؟» قالت: «يريد اختطافي من حجر والدي، وقد قضى زمنا طويلا ~~يترقب الفرصة للإيقاع بي، حتى تمكن والده الحاكم أن يجعلني ضحية النيل، فأنقذني الله على يد ~~سيدتي أرمانوسة بنت المقوقس، وهي ببلبيس، فلما سمع بذهابها إلى خطيبها قسطنطين صباح أمس، ~~انتهز الفرصة، وجاء في زمرة من رجاله، واختطفني قهرا بعد أن أوسع بي ضربا، وفر بي إلى هذه ~~البساتين، وقد كاد يفتك بي، لو لم تأت أنت لإنقاذي.» # فلما سمع اسم أرمانوسة خفق قلبه، وازداد الخفقان لما سمع أنها سارت إلى قسطنطين، وأراد ~~تحقق الخبر فقال: «وهل سارت أرمانوسة إلى خطيبها؟ وكيف سارت؟» # قالت: «علمنا ونحن في قريتنا، أن سرية من الجند الروماني جاءت من أنحاء الشام بأمر من ~~الإمبراطور ليحملوها إليه، وسمعنا أنها خرجت من المدينة وسارت برفقتهم.» # قال: «هل رأيتها أنت سائرة معهم؟» ms118 # قالت: «لم أرها يا سيدي، لأنني لم أكد أسمع بخروجها للمسير حتى جاءني هؤلاء الخائنون، ولم ~~أعد أعي شيئا، ولكنني بينما كنت معهم، وهم يعذبونني، وقد حملني بعضهم على جواده، رأيت خيل ~~الروم تسير شرقا، وأظن سيدتي أرمانوسة معهم.» # فلما سمع ذلك نفذ صبره فقال للفتاة: «وأين الخيل التي جئتم عليها؟» قالت: «لا أدري أين ~~تركوها؟ لأني لم أكن أعي ماذا يفعلون لعظم اضطرابي.» # قال: «وهل نحن بعيدون عن بلبيس؟» قالت: «لا أظننا بعيدين.» # ففكر في خير الطرق للإسراع إلى بلبيس، وماذا يعمل بالفتاة ليأخذها معه، وليس عنده إلا ~~جواده، وخاف إن هو تردد في الأمر أن تذهب أرمانوسة منه فقال: «إني أخشى عليك أن لا تحسني ~~الركوب، فهل تركبين خلفي؟» قالت: «افعل ما بدا لك، فإني حية بفضلك.» # فركب وأردفها، فتمسكت بأطراف ثوبه، وساق جواده قاصدا بلبيس، وهو يكاد لا يرى الطريق لعظم ~~غيظه. # وفيما هو سائر شاهد أشباحا عن بعد، وقد أسرعوا إليه على خيول، وصاحوا به: «من القادم؟» ~~فلم يجبهم لعظم ما به، فلما اقتربوا منه ورأوا الفتاة رموه بالنبال وصاحوا به: «تخل عن ~~الفتاة وإلا قتلناك.» فعرفت مارية صوت مرقس فصاحت: «لا ترم النبال يا مرقس، إنه من ~~الأصدقاء.» وكان أركاديوس قد هم بأن يضربهم، فلما سمعها تناديهم بالاسم وقف وقال: «من ~~تنادين؟» قالت: «أنادي ابن عمي، وهو قادم للبحث عني فيما أظن.» ولم يتما الكلام حتى وصل ~~مرقس، وترجل ودنا من الفرس فأمسك بالزمام، وهو في ريب من أمر الراكب، وركوب مارية وراءه، ~~وأحاط رجال مرقس بالفرس وهم يصيحون: «من أنت؟» وأركاديوس لا يريد أن يعرف أحد منهم أنه ابن ~~الأعيرج فقال: «لست السارق يا قوم.» وقالت مارية: «إنه شهم كريم، أنقذني من مخالب الموت.» # فترجل أركاديوس والدرع تغشاه، والخوذة تغطي معظم رأسه، حتى لا يستطيع أحد معرفته، فقال ~~للجميع: «هذه فتاتكم فاحملوها.» فأمسكوا بجواده قائلين: «من أنت؟ قل لنا حتى نكافئك خيرا.» # قال: «لا حاجة بكم إلى معرفتي، واستحث جواده وسار يخترق الصحراء قاصدا ms119 بلبيس.» # وكان أولئك القوم: مرقس ورجاله ومعهم والد الفتاة، وقد أنهكهم التعب؛ لأنهم قضوا طول ~~ليلهم يهزعون من مكان إلى آخر يفتشون عن مارية. # فحالما سار الركب قبل المعلم اسطفانوس ابنته وقال لها: «الحمد لله على سلامتك يا بنيتي.» ~~وسلم مرقس عليها، ثم حملوها على فرس من أفراسهم، وساروا بها إلى القرية فرحين، وقد عجبوا ~~لأمر ذلك الفارس وتنكره مع ما صنعه معهم من الجميل، فسألوها عن حكايتها فحكتها لهم كما ~~وقعت، فازداد إعجابهم بشهامته. # أما أركاديوس فسار على جواده، والليل لا يزال حالكا، حتى دنا من بلبيس، والسور محيط بها، ~~والأبواب مقفلة، والحامية على الأسوار حذرا من قدوم العرب، فخاف إن هو دنا من السور أن ~~يصيبه شر؛ لأنهم لا يعرفونه، وتحير هل ينتظر النهار فيدخل المدينة بحيلة، أو يسير في أثر ~~الجند الذين قيل له إنهم حملوا أرمانوسة، وفيما هو يسير قرب المعسكر عثر جواده حتى كاد ~~يكبو، فنظر إلى ما عثر به فإذا هي حبال وأوتاد، فترجل وتأمل ذلك المكان، فعلم أنه أثر مضارب ~~خيام، وقد بقيت آثارها هناك، فتأمل وضع الخيام على قدر ما سمحت له شدة الظلام، فعلم أنها ~~خيام رومانية، وشاهد مع ذلك آثار آنية وثيابا رومانية فتحقق أنها الخيام التي أقلع أهلها ~~في صباح الأمس، وما زال يفتش في تلك الآثار متحيرا حتى دنا الفجر، وأخذت تلك الآثار تنجلي ~~له، فشاهد خيمة لا تزال مضروبة في آخر ذلك المعسكر، فسار وقاد جواده وراءه لعله يجد فيها ~~خيرا، فسمع صوتا يناديه من داخل الخيمة: «من القادم؟» فعرف أن الذي يخاطبه من جند الروم ~~فقال: «بل من أنت؟ أعدو أم صديق؟» فقال: «أنا من جند الروم.» # قال أركاديوس: «لا بأس عليك، لأنك من جندنا.» وتظاهر بأنه من قواد الروم جاء بمهمة، فخرج ~~إليه الرجل من الخيمة فإذا هو جندي كما ظن، ونظر الجندي إلى أركاديوس ولباسه فظنه من كبار ~~القواد، ولم يكن أركاديوس لابسا خوذته، وقد فعل ذلك إخفاء لحقيقة حاله؛ لأنه لو لبسها ~~لعرفه ms120 كل من رآه. # فقال أركاديوس: «ما بالكم تقيمون في هذه الصحراء؟ ولماذا لم تقيموا داخل الأسوار؟» # قال: «قد أقمت أنا وجماعتي الليلة هنا بأمر مولانا الحاكم بعد فرار يوقنا أمس من هنا.» # فقال: «وكيف فر وقد جاء لحمل أرمانوسة؟» # قال: «اكتشفوا أنه جاء بدسيسة، ولم يكن مرسلا من مولانا قسطنطين كما ادعى، وبعد أن خرجت ~~السيدة أرمانوسة إلى هذا المكان، ومكثت في هذه الخيمة مدة، وقد أعدوا الأحمال، وهموا ~~بالمسير، جاءهم رسول بكتاب من كبير العرب القادمين إلى هذه الديار، فخاف يوقنا وتركها وفر ~~برجاله.» # فأحس أركاديوس عند ذلك كأن ثقلا كبيرا تحول عن صدره وقال للرجل: «إذن لم يأخذ أرمانوسة ~~معه؟» قال: «لا.» قال: «وإلى أين ذهبت هي؟» قال: «عادت إلى قصر الحاكم في بلبيس.» # فتحقق أركاديوس عند ذلك أن أرمانوسة لا تزال في خير، ولم يأخذها أحد، فاطمأن قلبه، ولكنه ~~أراد أن يقابلها ويكلمها ويشفي أوار شوقه إليها، ولم يكن قد جلس إليها بعد، ونظر إلى ~~هندامه، وتحير كيف يدخل المدينة صباحا، مخافة انكشاف أمره، فتذكر أن جواده معروف عند معظم ~~جند الروم، ولا بد لمن يراه نهارا من أن يعرفه، فإذا أخفى نفسه لا يستطيع أن يخفي جواده. ثم ~~نظر إلى ثيابه وقد انفلق الصبح فرأى السيف ملطخا بالدماء، وعلى درعه نقط منها لطختها ساعة ~~قتل اللص، وبقي برهة يفكر، فتذكر الفتاة التي أنقذها من القتل، وقال في نفسه: «لعلي أستطيع ~~أن أبعث معها كتابي إلى أرمانوسة؛ لأنها فتاة مثلها، ولا شك أنها تخلص لي الخدمة، لأني ~~أنقذتها من الموت، ولكن من أين لي الوصول إليها الآن.» # وبينما هو يفكر في ذلك، وقد تحول عن الخيمة لئلا يرتاب فيه أحد؛ إذ حانت منه التفاتة فرأى ~~رجلا ينظر إليه من بعد ويتأمله، ولا يجسر أن يدنو منه، فبقي أركاديوس ماشيا، وقد أخذ ~~بزمام جواده، وقاده وراءه، فرأى الرجل يدنو منه، فخاف أن يكون قد جاء مخادعا فناداه: «من ~~أنت؟» # فارتمى الرجل على قدميه وقال: «أطلب إليك يا سيدي ms121 أن تقول لي من أنت؟ فإني أشعر بوطأة ~~فضلك علي وأحب أن أعرفك؟» # فقال: «ومن أنت؟» قال: «أنا مرقس القبطي، وأنت الذي أنقذت ابنة عمي من القتل، فإنها بعد ~~أن وصلنا إلى البيت وحكت لنا حكاية نجاتها لم أستطع صبرا على جهلي من أنت، فتعقبتك لكي ~~أراك على نور النهار، فإذا أنت ملثم فلم أعرفك، ولكني أتهيب لباسك، وأخاف هذا الجواد.» قال: ~~«وهل تعرف جواد من هذا؟» قال: «نعم أعرف، إنه جواد البطل أركاديوس بن الأعيرج.» # فقال: «فاعلم إذن أني من أصحاب أركاديوس، وكفى.» # قال: «نعم يا سيدي، ولكني أشعر بعظيم فضلك علي، ولا أدري كيف أكافئك؟» # قال: «لم أعمل ما عملت التماسا للمكافأة؛ لأن لي من فضل سيدي أركاديوس ما يغنيني عن ~~ذلك.» # قال: «نعم يا سيدي إن فضله علينا وعلي أنا بالتخصيص.» قال: «وكيف اختصصت نفسك بفضله.» ~~قال: «إنه أنقذ خطيبتي من القتل مرة قبل هذه يوم ساقوها إلى النيل.» # قال: «وكيف تقول خطيبتك أن أرمانوسة هي التي أنقذتها؟» قال: «نعم هي التي أنقذتها ولكن ~~بوساطته.» قال: «لم أفهم مرادك، فأفهمني كيف أنقذتها هي بعون أركاديوس ولا وصول لها إليه؟» # فارتبك مرقس في أمره، وندم على ما فرط منه، وخاف أن يكون فيما قاله ما تؤاخذ عليه ~~أرمانوسة، وكان قد تعجب يوم تناول الأمر من أرمانوسة مختوما بخاتم أركاديوس، ولم يعلم كيف ~~توصلت هي إليه بتلك السرعة، مع علمه أن أركاديوس كان في الحصن إذ ذاك، وكان يظن أن أرمانوسة ~~اصطنعت خاتم أركاديوس تزويرا، فلاح له أن في التصريح بأمر ذلك الكتاب خطرا، فلم ~~يجب. # فقال له أركاديوس: «ما بالك لا تجيب، وقد قلت إنك تشعر بفضلي عليك؟» فظهر عليه الارتباك ~~ولم يجب. # فقال له أركاديوس: «أتدعي الإخلاص وأنت تتردد في إطلاعي على الحقيقة؟ أهذا جزاء الخير؟» # فوقع مرقس على قدمي أركاديوس وقال: «إن في المسألة سرا لم أفهمه، وأخاف إذا قلت أن يجيء ~~منه ضرر، إن تسترك تحت هذا اللثام مما يزيد خوفي، فهل لك أن تعلمني ms122 من أنت حتى أبوح ~~بالحقيقة، أرجو أن لا يترتب على قولي شر لأحد الناس، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.» # فمال أركاديوس كل الميل إلى معرفة سر الأمر، وتوسم بمرقس خيرا، وعزم على أن يستخدمه في ~~توصيل كتابه إلى أرمانوسة، أو أن يتوصل إليها بوساطته إذا أخلص له الخدمة لأنه قبطي، وتذكر ~~بعد الأخذ والرد معه أنه رآه غير مرة مع رجال أرسطوليس في الحصن. # فقال له: «تعال معي على انفراد.» فانفردا بعيدين عن بلبيس في منزل خرب. يظهر من أنقاضه ~~أنه كان معصرة يصطنعون فيها الخمر، وليس حولها إلا الصحراء وبعض الأشجار، فجلسا تحت شجرة، ~~فرفع أركاديوس اللثام عن وجهه، فحالما رآه مرقس وقف مبهوتا، وهم بتقبيل يديه، وقد ذعر ~~وقال: «العفو يا سيدي، أأنت مولانا أركاديوس وأنا لا أعلم؟» # قال له: «إني بإزاحة هذا اللثام قد أطلعتك على سر لم يطلع عليه أحد، فاحذر أن تفوه بكلمة ~~أمام أحد، أو أن تذكرني، فإني جئت متنكرا حتى لا يعرفني أحد. هل فهمت؟» # قال: «نعم يا سيدي، وإني أقسم لك بالصليب والمعمودية أني أخلص القول والعمل في كل ما ~~تريد، إلا ما يخشى منه الضرر بالسيدة أرمانوسة؛ لأن لها علي فضلا مثل فضلك، فإذا عاهدتني ~~أن لا تؤذيها في شيء أطلعتك على الحقيقة، وإلا فإنني مصر على الكتمان ولو قتلتني.» # فازداد أركاديوس شوقا إلى معرفة الحكاية، وعاهده على عدم التعرض بأذى لأرمانوسة مهما يكن ~~من أمرها. # فقص مرقس عليه حكايته من يوم أن خرج من الحصن مع بربارة إلى أن حكم على خطيبته بالغرق، ~~وكيف أنقذها بكتاب سلمته إليه أرمانوسة، وعليه خاتم أركاديوس، ثم شرح له ذهابه إلى الفرما ~~للتحقق من موت خطيبها، وما وقع من أمر يوقنا، إلى آخر الحكاية، فانجلت المسألة لأركاديوس ~~جيدا، وسر كثيرا لنجاة أرمانوسة، وأعجب بشهامة ذلك الشاب؛ لأنه كان وسيلة في إنقاذها، ~~ورأى من نفسه ميلا إلى مكاشفته بأمره توسما للخير فيه، فقال له: «أما وقد رأيت هذه ~~المروءة، وعلمت ما تكنه من الإخلاص لأرمانوسة ms123 فسأطلعك على أمر لم يطلع عليه أحد سواك، وإني ~~آمل فيك أن تكتمه وتبقى على مروءتك.» # فابتدره مرقس قائلا: «إني مطيع في كل ما تأمرني به إلا إذا كان فيه ما يلحق الضرر بسيدتي ~~أرمانوسة.» # فقال أركاديوس: «حاش لي أن أريد بأرمانوسة سوءا، بل أطلب إليك أن لا تطيع أحدا في أمر ~~يمسها بشر، فإنها - ولا أخفي عليك - أعز الناس عندي.» # فتعجب مرقس لذلك وقال: «يكفيني أنك لا تريد بها سوءا.» # قال: «انظر يا مرقس وافهم ما أقوله لك، أنت تعلم منزلتي ونسبي، ولا تعجب لمكاشفتي إياك ~~واستسلامي لك، فقد آنست منك شهامة ومروءة سهلا علي ذلك، وأنت خطيب مارية وتعرف قلوب ~~المحبين، فاعلم أني أحب أرمانوسة حبا شديدا، ولم يعرف بهذا الحب أحد سواها وخادمتها ~~بربارة، وأما أمر خاتمي فهو بيدها، وقد دفعته إليها عربونا للمحبة، وأما قسطنطين فهي لا ~~تحبه، وقد أرسلتك للتثبت من موته لعلها تنجو منه.» وأوضح له حكايته على قدر ما تسمح له ~~منزلته ثم قال: «وقد جئت الآن خفية عن كل من في الحصن لإنقاذها؛ إذ بلغني أن قسطنطين بعث ~~يستقدمها إليه مع يوقنا، وسأنيط بك أمرا أرجو أن تقوم به بالحزم والدراية بحيث لا يلحظ أحد ~~شيئا منك فأنا أريد مقابلة أرمانوسة قبل عودتي إلى الحصن، ولكني لا أستطيع الدخول إلى ~~بلبيس لئلا يعرفني أحد، فما الرأي؟» # قال: «الأمر لسيدي، فهل تريد أن توافيك إلى مكان خارج المدينة؟» # قال: «نعم أريد، ولكن كيف السبيل إلى ذلك بغير أن ينكشف أمرنا؟» # ففكر مرقس قليلا ثم قال: «أرى أن أكاشف سيدتي أرمانوسة بما دار بيننا، وأدعوها إلى منزل ~~خطيبتي بدعوى أنها تريد أن تقوم بواجب الخضوع والشكر لها.» # فقال أركاديوس: «ولكنني لا أظنها تذهب؛ لأن المسافة طويلة.» # قال: «إذا لم تستطع الخروج إلينا فإننا ندبر حيلة أخرى.» # فقال أركاديوس: «أرى أن أتنكر بلباس مثل لباسك، وأسير كأني رسول إليها، فتأخذ أنت هذا ~~الجواد وتذهب به إلى القرية وتبقيه هناك حتى أعود، فتكون أنت في انتظاري ms124 على الطريق فأركب ~~وأسير في طريقي.» # فقال مرقس: «حسنا، فهل أعطيك ثيابي الآن؟» قال: «هات خوذتك وردائك وسيفك، وخذ هذه الدرع ~~وهذا الحسام وهذا الجواد، واذهب إلى القرية واحذر أن تخبر أحدا بأنك رأيتني أو عرفت شيئا ~~عني.» # فتبادلا الثياب، وأخذ مرقس الجواد والدرع والحسام، وسار قاصدا القرية، وسار أركاديوس ~~كأنه أحد جند الروم قاصدا بلبيس، فلما اقترب من الأسوار كانت الأبواب قد فتحت وأخذ أهل تلك ~~الخيمة في تقويضها وحملها، فدخل هو في جملة الداخلين، ولم ينتبه له أحد. # الفصل العاشر # | لقاء الحبيبين # باتت أرمانوسة تلك الليلة تفكر تارة في مرقس وخطيبته، وطورا في تأخر أركاديوس عن المجيء ~~لنجدتها بعد أن بعثت إليه مرتين، وكاشفت بربارة بذلك، فقالت: «أظنه لا يستطيع الخروج من ~~الحصن خلسة خوف الفضيحة، أو لعله يأتي في صباح الغد.» # وأصبحت وهي تنتظر رجوع مرقس، أو من ينبئها بخبره أو خبر خطيبته؛ لأنها كانت في قلق عليها، ~~فجاءتها بربارة تنبئها أن الحراس عادوا وأخبروها بظفره بمارية، وتمنت أن تظفر هي بأركاديوس ~~أيضا، فقالت أرمانوسة: «وكيف ظفروا بها؟ وماذا فعلوا بذلك الخائن؟» قالت: «قتله فارس لم ~~يعرفوه بعد.» # وفيما هما في الحديث جاء بعض الخدم يقول: «إن رجلا يريد السيدة أرمانوسة.» # فسألت بربارة عن الرجل، فقيل لها إنه من الجند، ولعله رسول، فهرولت وهي تحسب أنه رسول من ~~أركاديوس، فإذا هو بلباس مرقس، أو مثل لباسه فظنت لأول وهلة أنه هو، ولكنها لما تأملته علمت ~~أنه غيره، فقالت له: «ماذا تريد؟» فقال: «أريد السيدة أرمانوسة، فإني رسول إليها من صديقي ~~مرقس، وقد جئت لأشكرها بالنيابة عنه.» فقالت بربارة: «إنها لا تزال في الفراش الآن، ~~وسأعلمها بقدومك، ولا شك أنها تسر كثيرا بنجاة مارية، وقد يتيسر لك رؤيتها إذا عدت بعد ~~قليل.» # فقال: «لا، بل أريد مقابلتها الآن، وكان يكلمها باللغة القبطية.» # فعجبت لهذه الجرأة، وتأملت وجه الرجل فإذا هو روماني، فلاح لها أنها تعرفه لما رأت بينه ~~وبين أركاديوس من الشبه، ولكنها لم تكن تتوقع أن يكون ms125 أركاديوس نفسه لما رأت من لباسه ~~وحاله. # فقالت: «قد لا تريد أن تقابل أحدا الآن.» # فأمسك بيدها وقال: «أظنها إذا عرفت من أنا لا تمتنع عن مقابلتي، فإني رسول جئتها ببشارة ~~من أركاديوس بن الأعيرج، فهل تعرفينه يا بربارة؟» # فلما سمعت لهجته رجح لديها أنه هو، فالتفتت إلى ما حولها فلم تر أحدا من الخدم فقالت له: ~~«لعلك سيدي أركاديوس؟» قال: «ربما كنت هو (وتبسم) فأين سيدتك يا بربارة؟» # فبغتت، وخفق قلبها فرحا، وقالت: «تمهل قليلا؛ لأن في دخولك الآن بغتة خطرا عليها، ~~فاصبر قليلا غير مأمور لأمهد السبيل لملاقاتكما.» # ثم دخلت على سيدتها، وعلى وجهها أمارات البشر، وهي تضحك، فلما رأتها أرمانوسة عجبت ~~لسرورها فقالت: «ما وراءك يا بربارة؟» قالت: «ما ورائي إلا الخير.» # قالت: «ومن القادم؟» قالت: يقول إنه صديق مرقس، وقد جاء لينبئك بنجاة عروسه من يد ~~اللصوص.» قالت: «قد سررت كثيرا بنجاتها، ولكنني لا أرى ذلك داعيا لما يظهر من سرورك.» # قالت: «وما عسى أن يكون سبب سروري إذن؟ وهل يكون سروري برسول قادم من عند أركاديوس أكثر ~~من ذلك؟ كلا، لأن هذا إنما يسرك أنت، وأما أنا فلا ناقة لي فيه ولا جمل.» # فبغتت أرمانوسة ونهضت قائلة: «هل هو رسول من أركاديوس يا بربارة؟ أخبريني ما هي رسالته؟» # قالت: «لا أعلم إذا كان رسولا من أركاديوس أو هو أركاديوس عينه؟» وتبسمت، فقالت ~~أرمانوسة: «ما بالك تخلطين؟! أفصحي. أتهزئين بعواطفي وتسخرين من قلبي؟!» # قالت: «حاش لله يا سيدتي، كيف تقولين ذلك وأنت تعلمين حرمتك عندي؟ إن الواقف بالباب الآن ~~إما أن يكون أركاديوس أو رسولا من عنده، وقد تركت أمر تمييزه حتى أستشيرك، فهل تريدين أن ~~يكون أركاديوس أو رسولا من عنده؟» # قالت: «لا أعلم، سلي قلبك، ولكن أرجو أن تسرعي في الإفصاح فقد نفد صبري، هل هو أركاديوس ~~أو رسوله؟ قولي.» # قالت: «إذا كنت لا تغضبين مني فهو سيدي وحبيبك أركاديوس، فهل تأذنين له بالدخول؟» فخفق ~~قلبها فرحا، وعلا وجهها الاحمرار، ثم تلاه الاصفرار، وقالت ms126 وصوتها يرتجف: «فليدخل.» ثم ~~استأنفت فقالت: «ولكن تمهلي يا بربارة. إني أرى قلبي يخفق كثيرا، ولا أدري ماذا يحل بي عند ~~مقابلته؟» # فقالت لها: «تجلدي، وإلا فإني أقول له إن سيدتي ليست هنا، أو أنها لا تريد مقابلتك. ~~وليهدأ قلبك فإنه لابس لباس الجند حتى إنك ربما لا تعرفينه، فهل يدخل.» # قالت: «كيف لا أعرفه؟! فليدخل.» # فخرجت بربارة وعينا أرمانوسة تشيعانها، وقد أحست بارتعاش جسدها وبرود أطرافها، ولم تصدق ~~أن أركاديوس على بضع خطوات منها، ولما وقع نظره عليها نزع خوذته عن رأسه، واقترب منها وهي ~~جالسة تحاول الوقوف فيقعدها الحياء والرعشة. أما هو فمد يده يصافحها فأحس ببرد أناملها ~~وارتعاشها، ونظر إلى وجهها فرأى الحياء يعلوه، وقد أطرقت لا تستطيع النظر إليه لشدة ~~انفعالها. # ولكنها ظلت ممسكة بيده، وهو ينظر إلى تلك اليد الجميلة البضة تزيد جمالها الخواتم الثمينة ~~المرصعة، وبقيا لحظة صامتين والهوى يتكلم، ثم بدأ هو فقال: «كيف حال ذلك الخاتم يا ~~أرمانوسة؟» # فرفعت رأسها ونظرت إليه والحياء يمنعها عن الجواب، ثم أطرقت وقد ازداد خفقان قلبها حتى ~~كاد يغمى عليها، فشعر أركاديوس بذلك فأراد مداعبتها، فقال وهو يضغط بأنامله على يدها: «أين ~~وضعت ذلك الخاتم؟» # فنظرت إليه وهي تبتسم، وتنهدت وأشارت بيدها الأخرى إلى قلبها، تريد أن الخاتم في قلبها، ~~وازداد وجهها احمرارا. # فقال: «وماذا فعلت بقسطنطين؟» # فجذبت يدها من يده والتفتت إليه شبه مغضبة، كأنها تقول له: «لا تذكرني بمصائبي.» فقال: ~~«ولم لم تذهبي مع رسوله وهو ينتظرك عند بحر دمياط؟» # فلم تتمالك نفسها عند ذلك وقالت: «دعني ومصائبي يا أركاديوس. كفاني ما قاسيته.» # فتناول كرسيا كان إلى جانبه وجلس، وقد أخذ منه الهيام مأخذا عظيما، فأمسك بيدها وضغط ~~عليها قائلا: «بل كفاني توبيخا يا أرمانوسة.» # قالت: «ومن قال لك أني أوبخك؟» قال: «عيناك.» # قالت: «لقد أخطأت الظن، وأنا المستحقة للتوبيخ لأني لم أصرح على رءوس الأشهاد بأني لا ~~أريد ذلك الرجل، ولكنك تعلم حالي.» # فقال: «قلت لك يكفيني توبيخا، وأنت تبالغين في توبيخي، فإذا ms127 كنت ترين في كتمانك قصورا. ~~فكم يكون قصوري؟ ولكنك لا تجهلين أمري أيضا.» # قالت وهي مطرقة، وقد ازداد تورد وجنتيها وتلألأ العرق على جبينها: «إني أعلم أنك رهن ~~مشيئة والدك، فلا لوم عليك إذا غادرتني مراعاة له، ولكنني أود قبل مماتي أن تتحقق مما لك في ~~هذا القلب من ...» قالت ذلك وشرقت بدموعها. # فازداد هيام أركاديوس، ورأى أنها توبخه لإمساكه عن التصريح بحبه لها، فأخرج منديلا ومسح ~~به جبينها ثم مسح به وجهه، فانتعش من ريحها، والتفت إليها فازدادت خجلا، وبالغت في ~~الإطراق، فقال لها: «هل تظنين إرادة أبي تحول بيني وبينك، وقد سلمتك خاتمي وقلبي؟! وما الذي ~~ساقني إليك الآن مخاطرا بحياتي، وأنا لا أدري ما يسوقني إليه غضب أبي إذا علم أني غادرت ~~الحصن على حين غفلة، ونحن في حال حرب؟ وكم يكون غضبه إذا علم أني جئت لأجلك؟» # فجذبت يدها من يده وهي لا تزال مطرقة وقالت: «قلت لك إنك مقيد بإرادة أبيك فكذبتني.» ~~فقال: «وهل أبي يحول بيننا؟!» # قالت: «وقد نظرت إليه نظر العاتب: «وماذا إذن؟! وأنا لا ألومك، فإن إطاعة الوالدين واجبة، ~~لأنها من وصايا الله العشر.» # فشعر أركاديوس بثقل العبارة عليه، وما تتضمنه من التوبيخ، وثارت فيه الحمية الرومانية، ~~واعتدل في مجلسه وقال لها: «اعلمي يا أرمانوسة أن أركاديوس لا يطيع أحدا في سبيل إغضابك، ~~ولا يثنيه عنك أمر في السماء أو الأرض، وهيهات أن ينال منك ابن الإمبراطور شعرة قبل أن تجري ~~الدماء، ولا يحول بيني وبينك شيء إلا إذا أردت أنت التقرب من البلاط الملكي، وفضلت ~~القسطنطينية وقصورها على هذا الأسير المفتون.» # فتنهدت تنهدا عميقا، والتفتت إليه قائلة: «أراك تستهزئ بعواطفي أو لعلك تستضعف النساء ~~فلا تؤمن بثباتهن في الحب، ولا يعلم مقدار ما أنا فيه إلا هذه الرفيقة العزيزة التي هي ~~بمنزلة والدتي، وإن في هذا الخنجر الذي لم يفارقني لأكبر شاهد على صدق محبتي لأركاديوس.» ~~قالت ذلك وأشارت إلى الخنجر في بعض جهات الغرفة. # فخفق قلبه عندما ذكرت الخنجر وقال: ms128 «ماذا تعنين بالخنجر؟» # فتقدمت بربارة عند ذلك، وكانت مصغية إلى ما يتبادلان من عبارات الوداد، وقلبها يكاد ~~ينفطر، ودموعها تتساقط على خديها من التأثر، وقالت: «إنها كانت تخفي علي أمر هذا الخنجر، ثم ~~علمت أنها كانت تريد الانتحار إن تحققت وقوعها في يدي قسطنطين، وقد كادت توقع بنفسها ضررا ~~عند قدوم يوقنا لو لم يصل مرقس الخادم الأمين بالبشرى.» # فأعجب أركاديوس بثباتها وشهامتها، وازداد تدلها بها فقال: «أتكونين في مثل هذا الثبات ~~وتشكين في ثباتي؟! ثقي يا أرمانوسة أن هرقل وجنوده، وأهل الأرض قاطبة، لا يستطيعون مس شعرة ~~من شعرك وأركاديوس حي يرزق، ولو علمت أن جهري بحبك الآن لا يأتيك بضرر لوقفت على قارعة ~~الطرق وأشهرت غرامي، ولكنني رأيت من الحزم أن نصبر حتى يأتي الله بالفرج، فهل تبقين على ~~العهد؟» # قالت: «أتسألني يا أركاديوس بعد ما رأيت وسمعت؟! أتسألني عن البقاء على العهد وقد خالفت ~~الشرع والعرف من أجلك؟! أتسألني إذا كنت أصون عهدك؟!» # قال: «ليجمع الله بيننا، وهو على كل شيء قدير، فلنأخذ الأمر بالحزم والتروي، فإن قسطنطين ~~لن يطمع فيك، والحالة لا تسمح بذهابك إليه ولو أراد أبوك ذلك، فإن العرب قد قطعوا السبيل ~~على المارة، ولا بد من أن تنقضي هذه الحرب إما لنا وإما علينا، وستسمعين عن حبيبك أركاديوس ~~ما يسرك، والله لأحاربن الروم والعرب في سبيل رضاك؟» # فأمسكت بيده قائلة: «لا تذكر الحرب ولا المحاربة، إني أخاف عليك النسيم، فكيف بالنبال ~~والسيوف؟ وكيف تقول إنك تحارب عني؟» # قالت: «دعنا من الحرب، وهلم بنا نرحل عن هذه البلاد، بلاد المخاطر والقلاقل.» # فوقف بغتة ويده على حسامه وقال: «أتريدين أن يفر أركاديوس من وجه العدو؟! وهل ترضين به ~~جبانا يخاف الموت؟! ولماذا هذا الحسام إذن؟!» # قالت: «لا وحبك، لا أحب الجبان، ولا أرضى أن يكون أركاديوس جبانا، ولكن قلبي لا يحتمل أن ~~أرى أو أسمع أن الناس يرمون النبال عليك.» # فقال: «دعيني إذن وشأني والوغى، فإذا سلمت بعدها كنت أهلا لرضاك فلا تندمين على استبدالي ms129 ~~بقسطنطين.» # فصمتت وهي تتردد بين الشهامة والحب، ولم تجب، فنهض أركاديوس عند ذلك وهو يقول: «لا بد لي ~~يا أرمانوسة من العودة إلى أبي الآن؛ لئلا يمسني عار لتخلفي عن الحصن خلسة ونحن في حرب؛ فقد ~~خرجت منه ولا يعلم بي أحد، ولقيت في طريقي مارية، خطيبة خادمك مرقس، وقد اختطفها اللصوص. ~~وسمعت صوتها تستنجد المارين، فخيل إلي أن أرمانوسة في يد العدو، فأنقذتها وسرت وأنا ملثم ~~أخاف أن يراني أحد فيعرفني، حتى جئت إلى ظاهر بلبيس، ولقيت مرقس وتعارفنا سرا، فلبست ثيابه ~~متنكرا، وتركت جوادي وثيابي معه، وقد توسمت فيه الخير، وهو الذي أخبرني بجلية الخبر عنك، ~~وسنعتمد عليه في المخابرة حين الابتعاد، والآن لا بد لي من الذهاب.» # فنهضت أرمانوسة ونظرت إليه وهي حزينة ولا تريد فراقه، ولكنها قالت له: «سر بحراسة الله، ~~وها أنا ذا باقية في بلبيس لا أدري ما يكون من أمرنا والعرب قادمون إلينا.» # قال: «سأحث أباك أن يستقدمك من بلبيس عندما يتحقق خيانة يوقنا.» # قالت: «افعل ذلك يا أركاديوس، فأنا على العهد إلى أن يقضي الله بما يشاء.» # فهم بالخروج ولكنه عاد فقال لها: «فاتني أن أذكر لك سروري بالوسيلة التي أنقذت بها مارية ~~من الإغراق في النيل.» # قالت: «لعلك تذكرني بجرأتي عليك واستعمالي خاتمك يا أركاديوس؟» # قال: «حاش لله، إني سلمتك قلبي أفلا أسلمك خاتمي؟! فاصنعي ما بدا لك، ولكن ألا ترين أن ~~تنعمي على أركاديوس بتذكار منك؟» # قالت: «وما عسى أن أقدم لك وقد ملكت كل عواطفي؟ إن لدي تذكارا ثمينا أخذته من أمي لم ~~يفارق عنقي منذ صباي، وهو أثمن ما عندي من الحلي، وهو هذا الصليب.» ومدت يدها إلى عنقها ~~وأخرجت سلسلة ذهبية علق بها صليب ذهبي مرصع، قد نقش عليه اسمها بالقبطية، وناولته إياه ~~فتناوله وقبله قائلا: «لا ريب عندي أن هذا الصليب سيدفع عني كل غائلة ويقيني من كل شر.» ~~قال ذلك وعلقه في عنقه وخبأه بين أثوابه، ثم أمسك يدها وودعها وهو يقول: «اذكري أركاديوس ~~ولا ms130 تنسيه؛ فأنه سيذكرك ما بقي حيا، ويستعيذ باسمك في حومة الوغى يوم تتقارع السيوف، ~~وتتصادم النبال.» # ثم خرج بعد أن ودع بربارة، فأحست أرمانوسة أن قلبها قد انخلع من مكانه، وظلت تنظر إليه ~~وهو يمشي في أرض الغرفة حتى خرج من الباب، فتحولت إلى النافذة تشيعه بنظرها وهو يتلفت ~~لوداعها حتى توارى. ~~••• # أسرع أركاديوس يطلب مرقس ليركب إلى الحصن، وقد أوجس خيفة من غضب أبيه، وكأنه كان في سكرة ~~وصحا بغتة، فهرول يطلب مكان مرقس، فوصل إلى القرية ونظر يمنة ويسرة فلم ير أحدا، فدخل ~~القرية وجعل يبحث عنه لعله يراه فلم يظفر به، فشغل باله، وهو لا يعلم أين يفتش عنه، ولا ~~يعرف من يسأله عن أمره، ولا يعرف منزله، فجعل يطوف كالتائه، ولما لم يره خرج من القرية ~~حائرا لا يدري إلى أين يذهب، فحدثته نفسه أن يسير إلى مكان المعصرة حيث فارقه لعله بقي ~~هناك مختبئا، وبينما هو في سبيله رأى غبارا يتصاعد عن بعد، فوقف ينظر إلى ما وراء ذلك ~~الغبار، فإذا به قد انكشف عن جيش جرار تتقدمه الأعلام والفرسان، فعلم أن جيش العرب قدم إلى ~~بلبيس، فوقف متحيرا يحرق أسنانه لما أصابه في ذلك اليوم من فقد فرسه وسلاحه، ولبث يفكر في ~~أمره، والجند يقترب نحوه، فخاف عاقبة وقوفه هناك وهو راجل لا يستطيع النجاة لو أدركه فارس ~~من أولئك الفرسان، ولم يكد يفكر في ذلك حتى رأى فارسا يعدو نحوه بأسرع من لمح البصر، فلم ~~تطاوعه أنفته وشهامته على الفرار، فبقي واقفا وقد تهيأ للدفاع، فإذا بالفارس أحد فرسان ~~العرب، وعليه العمامة والشملة، وقد دنا منه وناداه بالعربية، فلم يفهم أركاديوس مراده، ورآه ~~يهوي عليه بالرمح، فاستل هو الحسام وهجم عليه، وقد أدرك مقدار الخطر المحدق به، ولكنه نسي ~~نفسه وموقفه في سبيل شجاعته، وضرب الفارس ضربة أصابت رجل جواده، فنزل الفارس إليه وجعلا ~~يتقارعان، فأعجب الفارس بشجاعة أركاديوس وأكبر أمره، وأراد أن يسوقه أسيرا، ثم جاء فارس ~~آخر، وتعاون الاثنان على أركاديوس، ms131 فطعنه أحدهما بالرمح فأصاب زنده، فسقط الحسام من يده. ~~فهم به الاثنان وأوثقاه، وسارا به إلى المعسكر، وكان جند العرب قد وصلوا إذ ذاك وأخذ العبيد ~~في ضرب الخيام وإنزال الأحمال، ونصبوا خيمة الأمير في ميمنة المعسكر، وأنزلوا الهوادج، ~~وجعلوا يشتغلون بتدبير شئونهم. # فحملوا أركاديوس إلى الأمير، وكان قد أوى إلى خيمته، وجلس أمراؤه بين يديه، ونصبوا علمه ~~أمام الخيمة، وأركاديوس لا يفهم لسانهم، وقد عظم عليه الأمر كثيرا، ولعن الساعة التي خرج ~~فيها من الحصن، ورأى أنه في موقف حرج قد لا ينجو منه. # فأدخلوه خيمة الأمير، فوقف بين يديه موثقا، وتقدم إليه وردان وسأله بلسان الروم قائلا: ~~«أمن جند الروم أنت أم من رجال المقوقس؟» # قال: «بل أنا من جند الروم، وكلنا جند واحد روما وأقباطا.» # فقال له مترجم كلام عمرو: «وما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟» # قال: «خرجت من المدينة في حاجة فظفر بي رجالكم منفردا فأمسكوني، وليست هذه عادة الأبطال، ~~ونحن نسمع أن العرب لا يغدرون.» # قال: «نعم إن العرب أصدق الناس عهودا، وأحفظهم لمقام الرجال ولكن حال الحرب تقضي بالقبض ~~عليك، فأخبرنا بما عليه جندكم، ولا تخف شيئا فإنك أسير بين أيدينا ولا ينقذك إلا الصدق.» # قال: «ونحن لا نعرف غير الصدق شعارا، ولولا ذلك ما امتدت سطوتنا على الخافقين، وأنا لا ~~أخاف من الموت إذا هددتموني به. أما جندنا فأبطال لا يهابون الموت ولا يخافون العدو.» فقال ~~عمرو لوردان: «دعه يجلس.» # فقال: «لا حاجة بي إلى الجلوس، وما نحن ممن يمل الوقوف.» # فعجب عمرو لرباطة جأشه، وما يتجلى في وجهه من الشجاعة، وما ينبعث من حدقتيه من الذكاء، ~~فقال له: «أنت من أفراد الجند أم أنت من كبارهم؟» # قال: «بل أنا من أفراد الجند، وأما قوادنا فستلقونهم في ساحة الحرب.» # فازداد عمرو إعجابا بشجاعته وأحبه. لأنه كان محبا للشجعان. # أما جلساء عمرو فاستنكفوا جرأته فقالوا لعمرو: «ألا أمرت بقتل هذا العلج، فإنه قد تجاوز ~~الحد في جوابه؟» # فأسكتهم وقال لأركاديوس: «إني لأعجب بشجاعتك، ms132 ولم ألق بين جند الروم مثل هذه الجرأة. ~~ولذلك فإني أبقي عليك بشرط أن تخلص لنا الخدمة.» # فقال أركاديوس: «أما ما ترجوه من خيانتي فبعيد المنال، فتعجيلك بقتلي أجمل بك وبي.» # فمال عمرو إلى معرفة حقيقة حاله، فأجل الأمر إلى فرصة أخرى، وقال لوردان: «خذوه إلى مكان ~~أمين، وليكن هناك حتى أطلبه.» فساقوه إلى بعض الخيام موثقا، فصار يفكر في حاله، وما أحدق ~~به من الخطر. ~~••• # أما أرمانوسة فإنها روضت نفسها على الصبر، وارتاح بالها، وسرت بمقابلة أركاديوس، وأعجبت ~~بشهامته وبسالته، ولما توارى عن نظرها عادت على بربارة وتنفست الصعداء قائلة: «نحمد الله ~~تعالى على ما أولانا من النعم، فقد تخلصنا من الموت، وشاهدت حبيبي وكلمته وتحققت ثباته، أما ~~قسطنطين، فلا أظنه يجسر على دخول هذه البلاد ولو كان حيا، وقد دخلها العرب، هي في حرب ~~معهم، فأطلب إليه تعالى أن يطيل إقامتهم بيننا منعا لذلك الرجل من دخول هذه البلاد إلى أن ~~يقضي الله بما يشاء.» # فتبسمت بربارة وقالت لها: «ألم أقل لك يا سيدتي إن أركاديوس شهم باسل حازم أمين، وكم ~~تقدمت إليك أن تلقي حملك على الله، وهو ينقذك من مخالب الموت كما أنقذ مارية لخطيبها، فإنها ~~كادت تذوق كأس المنون مرتين، والفضل في إنقاذها بعد الله لحبيبك أركاديوس. متعك الله به! ~~هلم بنا ننزل إلى الحديقة ترويحا للنفس بعد أن اطمأن بالك وسكن روعك.» # فنزعت أرمانوسة ثيابها، ولبست رداء سماوي اللون، وجعلت على رأسها شبكة من اللؤلؤ، وفي ~~صدرها عروة من الذهب المرصع، وبيدها الأساور، وتطيبت، وأرخت ذوائبها على كتفيها، ومشت تجر ~~ذيل ردائها ورائها، وبربارة تمشي إلى يسارها، فخرجت من الغرفة، ونزلت إلى رحبة الدار، ومنها ~~إلى الحديقة، وبعثت إلى الجواري ألا يبرحن مكانهن؛ لأنها تفضل النزهة على انفراد، فدخلت ~~الحديقة وجعلت تخطر بين الرياحين والأزهار، فلم تكد تمشي خطوتين حتى علت الضوضاء في المدينة، ~~وهرول الحاكم مسرعا يطلب مقابلتها، فأذنت له، فدخل وعلى وجهه أمارات الانقباض والبغتة، ~~وحياها وهو مرتبك، فسألته فقال: «يسوءني أن ms133 أبلغك خبر مجيء العرب إلينا بعدتهم ورجالهم ~~وخيلهم، وقد تصاعد غبارهم حتى بلغ عنان السماء.» # فلما سمعت أرمانوسة ذلك اضطرب قلبها، ولكنها حمدت الله على ذهاب أركاديوس فقالت: «وهل ~~وصل الجند؟» # قال: «نعم يا سيدتي، وقد جاءني رسول منهم ومعه كتاب من أميرهم، يطلب إلينا أن نسلم ~~المدينة.» فقالت: «وبم أجبته؟» قال: «أنتظر أمرك يا مولاتي؛ لأن مولاي المقوقس أوصاني بألا ~~آتي أمرا إلا بعد استشارتك، وها أنا ذا بين يديك.» # فقالت: «وكيف نسلم لهم وعندنا العدة والرجال؟! وهل بعثت إلى أبي في شأنهم؟» # قال: «قد بعثت إليه غير مرة منذ وصلوا إلى الفرما، وهو عالم بقدومهم، ولا أدري ماذا أعد ~~لدفعهم؟» # فتغير لون أرمانوسة وجلا، لعلمها بقوة العرب، ولكنها تذكرت ما قاله لها مرقس من أمر ~~الأمان الذي كتبه عمرو لوالدها بشأن المحافظة على القبط خاصة، فسكن روعها، فقالت للحاكم: ~~«عليك بالتأهب للدفاع، وبث رجالك على الأسوار والحصون حتى نرى ما يكون.» فعاد وأخذ يعد ~~المعدات، ويبث رجاله في الحصون، وأجاب العرب بأنه لا يسلم. # وعادت أرمانوسة إلى قصرها مضطربة، تارة تحمد الله على ذهاب أركاديوس، وطورا تقول: «ليته ~~بقي ليدافع عنا إذا مست الحاجة.» وبينما هي تفكر في ذلك قالت بربارة: «ألم يكن من التعقل يا ~~مولاتي أن نخرج من هذه المدينة قبل وصول العرب؟» # قالت: «قد خطر لي ذلك من قبل، ولكنني وثقت بعهد عمرو، وهو لا شك يوفي بالعهد، ولا يريد بنا ~~شرا، وليتنا نبعث إليه مرقس نطلعه على أمرنا.» # قالت: «مرقس ليس هنا، ولم يعد منذ خرج للبحث عن خطيبته.» # قالت: «ولكنه ظفر بها، ألا تظنينه يعود إلينا اليوم؟» # قالت: «أخبرني سيدي أركاديوس أنه أبقاه ليحرس له جواده وثيابه حين جاء إلينا، ولعله يعود ~~عندما يرجع إليه سيدي فنرسله إلى عمرو.» # ومضى ذلك اليوم في التأهب ولم تقع حرب. ~~••• # قضى أركاديوس سحابة يومه في حبسه لم يذق طعاما، تتقاذفه الهواجس، فيفكر تارة في أبيه وفي ~~إبطائه في الرجوع إليه، وتارة أخرى في جواده وفي مرقس، ms134 ثم يفكر في أرمانوسة وكيف أنها في ~~بلبيس والعرب يهمون بفتحها، وكان إذا تذكر هذا ود لو أنه ظل قريبا منها لعله يستطيع الدفاع ~~عنها، ثم ينظر إلى يديه فيرى أنه مكبل لا يستطيع حراكا، فتصغر نفسه في عينيه ويسأم الحياة. ~~وبات ليلة لم تذق عيناه الكرى، حتى إذا لاح الفجر أغمض جفنيه، وما عتم أن سمع صوت المؤذن ~~يدعو المؤمنين إلى الصلاة، فانتفض وعادت إليه هواجسه، وجاءه رجل بالطعام فأبى، ولما علم ~~عمرو بذلك بعث إليه وردان يرغبه في الطعام ويستطلع حقيقة أمره، ولكنه لم ينثن عن عزمه ولم ~~يذق طعاما ولا شرابا، فقال له وردان: «ألا تزال مصرا على عنادك، ترجو النجاة من هذا ~~الأسر؟!» # فقال أركاديوس: «قلت لك إني لا أهاب الموت، وليس من شيم الروم أن يهابوه.» قال وردان: ~~«والله لولا رحمة أميرنا لقتلناك.» # قال: «لا حاجة بي إلى رحمتكم فاصنعوا ما شئتم وكفى.» # فازداد وردان إعجابا به، وأيقن أنه من خاصة الروم، وجعل ينظر إلى لباسه ويتأمله، فرأى في ~~عنقه سلسة ثمينة من الذهب، لا يتأتى لمن كان في مثل لباسه أن يتقلدها، وقام في نفسه أنه من ~~كبار القواد، فأراد التحقق وهم بانتزاع السلسلة، فمنعه أركاديوس وقال له: «لا تمد يدك إلى ~~ثيابي، فإنما أنتم تطلبون نفسي وهي في أيديكم.» # فأخذ وردان من جرأته، وازداد رغبة في أخذ السلسلة، وقال له: «اخسأ ولا تكثر من الهذر ~~والهذيان وأنت مقيد في الأغلال، ولئن لم تنته عن الإسراف في القول لأضربن عنقك بهذا ~~الحسام.» # فجحظت عينا أركاديوس، وعض على شفتيه من الغيظ وقال: «كفى تهديدا وثرثرة، إن الشجاعة لا ~~تكون بقتل الأعزل، فأبلغ أميركم عني هذا، وإنني على استعداد لمبارزة أي شجاع من رجالكم.» # فهابه وردان، وتذكر أن عمرا حظر قتله، فتركه وسار إلى عمرو ليخبره بما دار بينهما ~~ويحرضه عليه. أما أركاديوس فظل الغيظ يشتد به حتى دمعت عيناه. لكنه تذكر أنه في الأسر ولا ~~يليق به البكاء، فتجلد وانتظر ما يأتي به القضاء، وفيما ms135 هو في ذلك جاءه وردان يدعوه إلى ~~الأمير، فسار معه يجر قيوده وهو لفرط غيظه لا يكاد يبصر أحدا من الجنود العرب الذين خرجوا ~~من خيامهم ليشاهدوه. حتى وصل إلى خيمة عمرو فوجده جالسا في صدرها وبين يديه أمراء جنده، ~~وبجانبه رجل في زي غير عربي، وابتدره عمرو قائلا: «علمنا أنك لا تزال تطاول وتتحدى رغم ما ~~أنت فيه من الأغلال.» # فقال أركاديوس: «ليس الأسر عارا على الرجال، وإنما العار أن تقيدوني وأنا واحد وأنتم ~~ألوف.» # فقال عمرو: «حلوا قيوده لنرى ما يكون من أمره.» ولما حلوها قال له عمرو: «ها قد حللنا ~~قيودك فما شأنك؟» قال: «إن أنصفتم فلينهض إلى مبارزتي أحد رجالكم، فإن غلبني فدمي حلال ~~له.» # فهم أركاديوس بأن يفصح عن أمره، ولكنه أمسك، وقال: «إن ساحة الحرب تميز الوضيع من ~~الرفيع.» # فازدادت رغبة عمرو في معرفته وقال: «أصدقنا الخبر يا رجل، ولك منا الإنصاف.» قال: «وماذا ~~تريدون مني؟» قال: «قل من أنت، فإنا نراك فوق عامة جندكم شجاعة.» # قال: «إن بين عامة جندنا رجالا أصعب مني مراسا وأشجع، أم حسبتم أننا مثل من لقيتم من ~~جند الشام؟» # فأمر عمرو بتقييده ثانية وقال له: «حسبنا فك قيودك سيحملك على ترك التطاول والعناد، ولكنك ~~أخلفت ظننا بك.» # وبينما هم يعيدون تقييد أركاديوس، تقدم وردان إلى عمرو وهمس في أذنه مشيرا إلى السلسلة ~~الذهبية التي في عنقه وقال: «لعل هذه السلسلة تنبئنا بشيء من خبره.» فأمر عمرو وردان أن ~~يأتي بها إليه، ولم تجد مقاومة أركاديوس؛ إذ كان وثاقه قد شد، ودفعوا بالسلسلة إلى عمرو، ~~فأمر بحمل أركاديوس إلى محبسه، وكان هذا لا يكاد يعي شيئا لفرط تأثره؛ إذ كان يؤثر قطع ~~عنقه على أن تؤخذ منه السلسلة، فما ذهبوا به، أخذ عمرو يتأمل في الصليب المرصع الذي في ~~السلسلة ثم قال: «إنه شبيه بما وجدناه في أسلاب الروم بالشام وبيت المقدس، ولكنه أثمن فيما ~~يلوح لي.» # فقال وردان: «ذلك حملني على الشك في أمر الرجل، وجعلني أظن أنه ms136 من كبار القواد قد جاء ~~متنكرا.» # فالتفت عمرو إلى الرجل الذي بجانبه وقال له: «ماذا ترى في هذا الصليب يا زياد، فإنك أخبر ~~بأحوال الروم ولباسهم؟» # وكان زياد حين ذهب إلى المقوقس في الحصن برسالة عمرو التي ضمنها الأمان للقبط، قد سمعهم ~~هناك يتحدثون بغياب أركاديوس المفاجئ، وكان قد رآه قبل ذلك في الإسكندرية، ولكن أمره التبس ~~عليه حين رآه في حضرة عمرو، فتناول السلسلة من يد عمرو، وأخذ يقلب الصليب بين يديه، فقرأ ~~اسم أرمانوسة مكتوبا على ظهره باللغة القبطية، ولكنه كتم ذلك، وقال: «هل يأذن لي الأمير في ~~أن أستطلع سر الرجل بيني وبينه؛ فإني على رأي وردان فيه؟» # فقال عمرو: «افعل ما بدا لك.» فأخذ زياد السلسلة وسار توا إلى المكان الذي حبس فيه ~~أركاديوس، فوجده غارقا في بحار الهواجس، وقد أخذ الغضب منه مأخذا عظيما، وأجفل حينما رآه ~~داخلا عليه، غير أنه تجلد ليرى ما يبدو منه، ثم جلس زياد أمامه وقال: «بعثني الأمير عمرو ~~بن العاص لأسألك في أمر، وأرجو أن تجيبني عنه.» # فقال أركاديوس: «وما ذلك؟» قال: «من أين لك هذه السلسلة؟» وأراه إياها، فما كادت عيناه ~~تقعان عليها حتى اقشعر جسمه وارتعدت فرائصه وترقرقت الدموع في عينيه. لكنه تجلد وقال: ~~«جاءتني اتفاقا.» # فقال زياد: «هذا بعيد الاحتمال؛ لأن مثلها لا يحوزه من كان من العامة.» # قال: «ليكن ذلك حقا، ولكني حصلت عليها اتفاقا، والسلام.» # فقال: «وكيف كان ذلك؟» قال: «وجدتها في الطريق.» # قال: «قل لي ما اسمك؟» فكاد أركاديوس أن يبوح باسمه ولكنه أحجم حذر الموت وقال: «وماذا ~~تريد من اسمي؟» # قال: «هذا ما يريد الأمير أن يعرفه.» قال: «اسمي طيطوس.» # قال: «أمن جند الروم أنت أم من الأقباط؟» قال: «بل من جند الروم.» # قال: «ومن أي سلاح؟» قال: «وما أدراك بجند الروم وتعدادها وأسلحتها؟» قال: «أعرفها ~~جيدا، فهل أنت من جنود الإسكندرية أم منف، أم من جنود النجدات التي جاءت أخيرا من ~~القسطنطينية؟» # فلحظ أركاديوس في أسئلته معرفة بأحوال الجند الروماني، رغم ms137 قيافته العربية، ولكنه مع ذلك ~~يحسن الكلام باليونانية، فقال: «بل أنا من جند الإسكندرية.» قال: «ولعلك من فرقة القائد ~~أركاديوس.» فبغت وقال: «ربما كنت منهم، ولكن ما أدراك بجنود الروم؟ لعلك ممن سكن هذه ~~البلاد؟» # قال: «كنت مقيما هنا بضع سنين، وما شأنك أنت وهذا؟ قل: هل تعرف أركاديوس؟» # فعجب أركاديوس من إلحاحه، وخاف أن يكون قد عرفه فيقع في الخطر العظيم فقال: «أعرفه، ~~ولكنني أسألك أمرا واحدا فهل تجيبني إليه؟» قال: «وما هو؟» # قال: «أعطني هذه السلسلة وافعل بي بعد ذلك ما تريد، واسألني مهما شئت فأجيبك.» # فقال زياد: «لم يؤذن لي بذلك، ويهمني أمر هذه السلسلة أكثر مما يهمك، فإنها على ما يظهر ~~لأرمانوسة بنت المقوقس، وأنت تقول إنك من بعض الجند فكيف وصلت إليك؟» # فأنكر أركاديوس عليه ذلك قائلا: «لا أظنها لها، ولكنها وقعت إلي محض اتفاق.» # فقال زياد: «عجبا لاضطراب كلامك، فبينما تقول أعطني هذه السلسلة واسألني مهما شئت، مما ~~يدل على إعظامك لها، تعود فتقول إنها وقعت إليك اتفاقا، فكيف هذا؟» # فارتبك أركاديوس، ولم يعد يستطيع التخلص من هذه الورطة فسكت، فاستنتج زياد من سكوته أمرا ~~حمله على زيادة التدقيق في السؤال، فعاد يستجوبه فلم يجبه، فألح عليه فأصر على السكوت، فقال ~~له أخيرا: «إنك إن أصررت على السكوت فلن يصبك إلا الأذى فأفصح.» فلم يجب، فعجب زياد لسكوته ~~وقال له: «لماذا لا تفصح؟ قل. أجب.» فرفع أركاديوس نظره إليه، وقد أخذ منه الغضب مأخذا ~~عظيما، وقال: «لا أجيبك إلا إذا أخبرتني أنت عن حقيقة حالك ومن أنت؟ فإني أرى أنك لست ~~عربيا، وما الذي تخشاه وأنا مقيد اليدين بين يديك؟» # قال: «وما ينفعك تصريحي وما يضرك، هذا ليس من شأنك، وإنما أنت أسير بين أيدينا، ولا تظن ~~تكتمك يخفي حقيقتك فقد عرفناك، وأنا أول من عرفك.» # قال متجاهلا: «وكيف لا تعرفني وقد تسميت وانتسبت.» # فضحك زياد وقال: «أتريد أن أصدق أنك طيطوس، وأنت أعظم من ذلك بكثير. إذا أصررت على ~~الإنكار فإن ذنبك يزداد ms138 ثقلا.» # فقال أركاديوس: «قل من أنا إذن.» # قال: «أنت أركاديوس بن الأعيرج.» # فبغت أركاديوس، وخاف العاقبة، ولكنه ابتسم مظهرا الاستخفاف، وقال: «من أين لسيدي ~~أركاديوس أن يأتي إلى هنا وهو محاط بالأبطال، لا يخرج من معسكره إلا في المئات والألوف من ~~الجند، ليتني كنت إياه، ولو آل ذلك إلى أن تفتكوا بي الآن.» # فانقلب شك زياد يقينا لما ظهر على وجه أركاديوس من الاضطراب وقال: «دع عنك هذا، واعلم أن ~~أركاديوس الذي لا يخرج من معسكره إلا محاطا بالمئات والألوف قد خرج من حصن بابل وحده، وترك ~~القوم هناك يفتشون عنه.» # فازدادت حيرة أركاديوس وخفق قلبه، وتراكمت عليه الهموم من كل ناحية، وقال في نفسه: «وما ~~الذي أوصل هذا الرجل إلى الحصن، وهو من جند العرب؟ وكيف نجا منه؟» ثم فكر في الأمر قليلا ~~وقال: «أستحلفك يا أخا العرب بمن تعبد أن تخبرني من أنت؟ ومن تعبد حتى أستحلفك به؟» قال: ~~«مالك ومن أعبد؟» # قال: «أسمع أن العرب أهل عهد وذمام، وإني أبوح لك بحقيقة أمري إذا وعدتني بأن تنجز أمرا ~~أطلبه منك.» # قال: «قد أعدك ولا أستطيع الوفاء؛ فليس أمري بيدي.» # قال: «أعلم ذلك، وأنا لن أعاهدك على ما لا يريده أميرك، فإنه إذا عرف من أنا قد يطمع في ~~قتلي، وما أنا بخائف من الموت.» # قال: «ماذا إذن؟» # قال: «عدني، وأقسم أنك ستفعل ما أقوله لك، ولو بعد مماتي.» # فارتاب زياد في الأمر، وعجب لطلبه هذا، وقال في نفسه: «إن للرجل سرا عميقا لا بد من ~~معرفته.» فقال: «أعاهدك على شرف العرب وشهامتهم أني أفعل ما تريده إلا نجاتك من الموت. قل ما ~~بدا لك.» # فقال أركاديوس: «أما وقد وعدتني فإني أعترف لك بأني أركاديوس بن الأعيرج، وليفعل بي ~~أميركم ما يشاء، وقد فهمت من حديثك أنك دخلت الحصن، وظهر لي أنك تستطيع الدخول بين جند ~~الروم بغير أن ينكشف أمرك، فرجائي إليك أن تحتفظ بهذه السلسلة وهذا الصليب، حتى إذا قضي علي ~~تدفعهما إلى صاحبتهما أرمانوسة سرا، ms139 وتقول لها أن أركاديوس مات شهيدا.» # فعندما سمع زياد كلامه تعجب عجبا لا مزيد عليه، ولم يفهم معنى هذه الرسالة لعلمه بما بين ~~القبط والروم من عداوة شديدة، فكيف يصل هذا الصليب إليه وهو لأرمانوسة، فأراد أن يستطلع ~~جلية الخبر فقال له: «وما العلاقة بينك وبينها؟» # قال: «هذا ليس لك، ولا هو من شأنك، فقد عاهدتني أن تفعل ما أطلبه منك، وهذا ما أرجوه، ~~فإما أن تفي بالوعد أو تخلفه.» # قال: «أما الخلف فحاش لي أن أرتكبه، ولكنني أريد الإفصاح لعلي أستطيع أن أنقذك من الموت.» # قال: «قلت إنك لا تستطيع ذلك، ثم تقول الآن أنك تفعله! أتهزأ بي؟! دع عنك الوعود وافعل ما ~~أقوله لك.» # قال: «أترضى بالموت ولا ترضى إفشاء سرك.» # قال: «إن الموت أسهل علي من الإفشاء.» # فقال زياد: «أستحلفك بحياة صاحبة هذا الصليب، إذا كنت تحبها، أن تقول الحق ولا تخف، فإن ~~تصريحك بالحقيقة أنفع لك.» # فأجفل أركاديوس عند ذلك وقال: «أراك شديد الميل إلى معرفة علاقتي بأرمانوسة، وتستحلفني ~~باسمها كأنك تظن أني أحبها.» # قال: «وهل في الحب عار؟! فإذا كنت لا تريد الإفشاء خوفا من غضب أبيك فثق أني أكتم عنه وعن ~~سواه أمرك فقل ولا تخف.» # فقال: «أما وقد بلغ الأمر بيننا هذا الحد فقل لي من أنت؟» # فقال: «لست من جند العرب، وكفى، فقل ولا تخف.» # ففكر أركاديوس قليلا فلاح له أن الرجل قد يكون من جواسيس المقوقس إلى العرب، أو ربما كان ~~من جواسيس أرمانوسة، فاستبشر به وقال: «أما والحال كذلك، وقد أردت بي خيرا فأبوح لك بأني ~~أحب أرمانوسة وهي تحبني، وقد أخذت هذا الصليب تذكارا منها لا يعلم به أحد سواك الآن، وحبي ~~لها سر لا يعلم به أبي ولا أحد من جند الروم، وهذه حكايتي والسلام، فأفصح أنت الآن وقل لي ~~من أنت؟» # قال: «أنا من بعض موالي أرمانوسة، وقد جئت هذا المعسكر فلم يسيئوا الظن بي لأن أصلي عربي. ~~أما وقد علمت الآن حقيقة أمرك فثق بالنجاة على ms140 يدي بإذن الله، وها أنا ذا عائد إلى الأمير.» # قال أركاديوس، وقد توسم فيه الخير: «لقد وثقت بك وثوقا تاما، وأنت تعلم أني أستطيع أن ~~أكافئك خيرا، فابذل جهدك وصن سري.» # فعاد زياد إلى الأمير عمرو، وقد صمم على بذل الجهد في إنقاذه، ولكنه لم يصل إلا وقد ركب ~~عمرو، وصاح في الناس: «النفير النفير.» وأخذ الجند في التأهب لمهاجمة المدينة، فلم يملك ~~فرصة لمخاطبته في شأن أركاديوس، ولاح له أنه ربما استطاع إطلاق سراحه، والناس في شاغل عنه ~~بالحرب. # الفصل الحادي عشر # | العرب في بلبيس # كانت أرمانوسة في اطمئنان على أركاديوس، لظنها أنه سار إلى الحصن كما قدمنا، ولكنها أصبحت ~~في خوف على نفسها من العرب، لم يكن يخفف من وقعه إلا ما علمته من اتصال أبيها بهم. # أما حاكم بلبيس فأخذ في الاستعداد للدفاع، فأعد الجند وفرقهم على الأسوار فرقا، فلما ~~أصبح ورأى العرب تأهبوا للهجوم على المدينة، نادى الجند وجاء الأساقفة والقسيسون فصلوا ~~فيهم، وحرضوهم على الثبات، وقرءوا الأناجيل، وحملوا الصلبان والأعلام، ورشوا الجند بماء ~~المعمودية، وكان عندهم زجاجة منه جاءتهم من القدس، فاحتفظوا بها من أزمان طويلة، فلما اجتمع ~~الجند في ساحة المدينة للصلاة جاءوا بالزجاجة وصبوا منها شيئا في وعاء كبير فيه ماء، ~~وأخذوا من ذلك الماء ورشوا به الجند، وحملوا الشموع والمباخر، وتفرقوا على الأسوار تأهبا ~~للقتال. # وأطل الحاكم من أعلى السور ينظر إلى العرب، فرآهم قد ركبوا خيولهم واصطفوا صفوفا، ~~والأعلام تخفق فوق رءوسهم، وتقدم فارس منهم يطلب المبارزة، وأخذ يجول على جواده مناديا: ~~«البراز البراز» حتى الظهيرة، فلم يخرج إليه أحد ممن على السور، فعاد إلى معسكره، فاجتمع ~~الأمراء وتشاوروا فرأى عمرو أن يسرع القوم باقتحام الأسوار قبل أن تأتي المدينة نجدة من حصن ~~بابل، وسرعان ما تقدم العرب إلى الأسوار وأخذوا يتسلقونها. # وكانت أرمانوسة تنظر من نافذة قصرها إلى العرب وحربهم، فلما رأتهم يتسلقون الأسوار اضطربت ~~وخافت خوفا عظيما، ونادت بربارة فجاءت تجري وهي تقول: «لا تخافي يا سيدتي، إن لنا ms141 على ~~أمير العرب عهدا كما تعلمين.» # ثم سمعتا ضجيج أهل المدينة وصراخهم فأيقنتا أن العرب دخلوا بلبيس، فصاحت أرمانوسة: «ويلاه ~~يا بربارة قد قتلنا، وأمرت الحراس بإقفال أبواب القصر والتحصين فيه خوفا من الفاتحين .» ~~وجعلت تسترق النظر من النافذة فإذا بجيش الروم قد فر، وأهل المدينة في هرج لا يلوون على ~~شيء، والعرب قد انتشروا في الحديقة، وجاء أحدهم يطرق باب القصر، فلم يجسر أحد من الخدم أن ~~يفتح خوفا على أرمانوسة، فسمعوه يقول: «افتحوا. لا تخافوا. إني رسول من الأمير عمرو إلى ~~السيدة أرمانوسة.» # فلم يصدقوه، ولما ألح في القول أطلت بربارة من النافذة فوق الباب تستوضح أمره، فأجابها ~~بالقبطية أنه رسول إليها من عمرو، فعجبت للباسه العربي، وكلامه القبطي، فقالت: «ماذا ~~تريد؟» قال: «افتحوا. إني أريد أن أكلم السيدة أرمانوسة في أمر ذي بال من الأمير عمرو.» ~~فلم تصدقه فأخرج من جيبه السلسلة وفيها الصليب، وأشار بها إليها، فلما رأت بربارة السلسلة ~~عرفتها، وأسرعت إلى سيدتها تقص الخبر فصعقت له ونادت في خدمها أن يفتحوا له الباب، فدخل ~~مسرعا إلى أرمانوسة، وهي في خوف شديد، فلما رأته عرفت أنه الرجل الذي كان مع مرقس يوم ~~جاءها إلى الخيمة وهي عند يوقنا، فقال لها: «لا تخافي يا مولاتي. إن الأمير عمرا قد ~~أرسلني لأدخل السكينة على قلبك؛ فإنك في أمان من هول ما ترين أنت وكل من يأوي إليك.» فأسرعت ~~إليه، وأخذت السلسلة من يده وقالت: «من أين هذه؟» وحدقت فيها فإذا هي سلسلتها وصليبها، ~~فاضطرب قلبها وجزعت وصاحت به قائلة: «وكيف وصلت إليك؟ وأين صاحبها؟» # قال: «لا تجزعي يا سيدتي إن صاحبها في خير، وهو أركاديوس بن الأعيرج، وقد عرفت قصته، ~~وسأقص عليك خبره، فلا تخافي.» # فقالت: «قل حالا، فإني لا أستطيع صبرا. أين هو؟ وكيف وصل إليكم؟» فهمس في أذنها: «إنه ~~أسير في معسكر العرب، ولا خوف عليه لأنهم لم يعرفوه، ومتى انقضت الحرب أسعى في إطلاق ~~سراحه.» # قالت وقد اشتد قلقها، واضطربت جوارحها: «قل الآن وأفصح، ms142 كيف وصل إلى المعسكر؟! يا ويلاه! ~~أسر أركاديوس يا بربارة.» # فهمت بربارة بسؤال زياد عن أمره فقال: «ولكن قبل أن أقص الخبر خذوا هذا العلم وانصبوه على ~~باب القصر، ليعلم الجند أنكم في ذمتنا .» # فنادت الخدم، فأخذوا العلم ونصبوه على الباب، وجلس زياد يقص عليهما حكاية أركاديوس كما ~~علمها منه، وأرمانوسة كلها آذان، وقد امتقع لونها وخفق قلبها واصطكت ركبتاها وما صدقت أن ~~جاء على آخر الحكاية فقالت: «وهل هو أسير عند العرب الآن؟ قد يكونون أصابوه بسوء وبخاصة إذا ~~عرفوا أنه ابن الأعيرج.» # قال: «إنهم لم يعرفوه، وهم لا يفتكون بأسراهم غدرا، فلا تخافي، وها أنا ذا ذاهب لاستجلاء ~~خبره وأعود إليكم.» وخرج زياد وقد ترك أرمانوسة على مثل الجمر تلطم كفيها باكية وتصيح: «يا ~~ويلاه، أأركاديوس حي؟ آه من الدهر، كم يعمل على كيدي، وحتى متى؟» # فجعلت بربارة تخفف عنها وتعزيها ولو أنها لم تكن أقل قلقا منها، وذهب زياد توا إلى ~~معسكر العرب فرآه يكاد يكون خاليا لاشتغال الرجال بالفتح، وقصد إلى محبس أركاديوس، فذهل ~~ذهولا عظيما لما دخله ولم ير به أحدا، فخرج يطوف المعسكر يبحث عنه فلم يقف له على أثر، ~~فعاد إلى الخيمة يفحص ما فيها لعلع يستطلع شيئا عنه، فرأى أمراسا من الشعر مقطعة بغير آلة ~~حادة، وعلى بعضها أثر الدم، فظن أن الغزاة فكوا وثاقه وضربوه أو قتلوه ولكنه لم ير جثته، ~~فوقع في حيرة وحزن شديدين، ورثى لحال أرمانوسة عندما تعلم ذلك، فوقف لا يدري ماذا ~~يعمل. # فلنتركه في حيرته على أركاديوس، ولنعد إلى حصن بابل لنرى ماذا كان من أمر أبيه وأهل الحصن ~~بعد خروجه. ~~••• # تركنا الأعيرج في غرفته بعد ذهاب أركاديوس، وقد حمي غضبه لما تخيله من خيانة المقوقس وهم ~~بأن يدعوه ويؤنبه، ولكنه آثر السكوت إلى أن تنقضي الحرب، وقد أضمر الشر. # وفي صباح اليوم التالي جاءته رسله ينبئونه بوصول العرب إلى بلبيس بعد أن فتحوا الفرما، ~~فاضطرب، وبعث إلى أركاديوس ليشاروه في الأمر، فقيل له إن أركاديوس ms143 ليس في قلعته، فاستقصى ~~خبره، فعلم أنه خرج مساء أمس ولم يعد بعد، فقلق، وعجب لذهابه بغير استئذان، في إبان الحرب، ~~فأرسل إلى المقوقس، فجاءه وأخذا يتدارسان ما جاء من الأنباء، وسأله عن أركاديوس فأجاب بأنه ~~لم يره، وما عتم أن شاع خبر غياب أركاديوس في أنحاء الحصن، وأخذ الجند والقواد والناس ~~يتساءلون، فلم ينبئهم بخبره منبئ، فعظم ذلك على الأعيرج، وخارت قواه؛ لأنه كان يعتمد على ~~أركاديوس في أمر الحصن والاستحكامات وما يتعلق بها، فبعث من يفتش عنه في ضواحي الحصن لعله ~~يكون قد ذهب في حاجة فلم يقفوا له على أثر أو خبر، فخامرته الشكوك، فكان يتهم المقوقس ~~باغتياله، ثم يراجع نفسه فيظنه ذهب على جواده لتفقد الحصون فكبا به الجواد فمات، فشغل بهذه ~~الهواجس عن إعداد المعدات وتحصين الحصون، ولاح له بعد لأي أن ينفذ جماعة من خاصته يبحثون ~~عنه في الأماكن المجاورة، وأمرهم أن يستقصوا خبره ما استطاعوا، فتفرقوا في ضواحي الحصن، ~~وأوغل بعضهم شرقا إلى جوار بلبيس، فعثروا بمرقس واقفا ومعه جواد أركاديوس وسيفه ودرعه، ~~وقد فارقناه هناك ينتظر عودة أركاديوس، فأمسكوه وسألوه عن أمره وعن أركاديوس، فقال إنه لا ~~يعلم شيئا، فجاءوا به إلى الأعيرج، فلما رآه الأعيرج ومعه جواد ابنه وعدته وسلاحه وثيابه ~~صاح به: «ويلك، أين أركاديوس؟» وهدده بالقتل أو يصدقه القول، فلم يزد على قوله إنه كان ~~مارا بجوار بلبيس فرأى الجود والعدة، ولا يعرف شيئا عن صاحبهما، فقال له: «ومن أين أتيت ~~بهذا الثوب؟ إنه ثوب أركاديوس. لعلك قتلته وأخذت أسلابه؟» قال ذلك وبعث إلى المقوقس، فلما ~~جاء سأل عن الرجل فصرح أنه من خدم ابنه أرسطوليس، وسأله فأصر على الإنكار، ولكنهم رجحوا ~~الشبهة عليه، وارتابوا في أمره، ولا سيما عند رؤيتهم سيف أركاديوس ملوثا بالدم وكان هذا على ~~أثر مقتل خاطف مارية ليلا، فاشتد غضب الأعيرج، وتراكمت عليه الظنون، وقال للمقوقس: «لا ~~أعرف قاتل ولدي إلا منك، فإن مرقس هذا من رجالك، وقد وجدنا جواد ابني وسلاحه وثيابه معه، ms144 ~~فأنت مطالب بدمه، وإذا كان قد قتله فدم الأقباط كلهم لا يكفيني دية له.» فعجب المقوقس لذلك ~~الحادث الغريب، واستأذن الأعيرج في استجواب الشاب، فخلا به هو وأرسطوليس، وبذلا الجهد في ~~استنطاقه فلم يفيدا منه شيئا عن أركاديوس، فهدداه بالقتل فقال: «اقتلاني أو افعلا بي ما ~~شئتما.» # فأمسكه أرسطوليس وقال له: «أما أرسلتك بكتاب البطريرك إلى أبي؟ فقص علينا ما فعلت بعد ~~ذلك.» فحكى لهما من الحكاية ما لا يلقي شبهة على أركاديوس، وقد اعتزم أن يحافظ على سر ~~أركاديوس جهده، ولو آل الأمر إلى قتله؛ لأنه كان عالما خوفه من أبيه إذا علم بما بينه وبين ~~أرمانوسة، وكان يشعر بفضل أركاديوس عليه، فأبت عليه شهامته إلا الإنكار خوف الإيقاع به، ~~فبقي مصرا، وعبثا حاول المقوقس وأرسطوليس استجوابه. # وأخيرا قال له المقوقس: «اعلم يا مرقس أنك بإنكارك هذا تجر ويلا عاما على الأقباط ~~كلهم، وأنت تعلم أمرنا مع هؤلاء الروم، وما بيننا وبينهم من الضغائن، ونحن لا نكاد نستطيع ~~دفع الشبهة، فإذا كنت أنت القاتل فقل وعلينا إنقاذك من القصاص، وإذا كنت تعرف القاتل فبح ~~ونج نفسك ونجنا؟» # فقال مرقس: «لا أعرف شيئا عنه، ولا أعلم أن هذا الجواد وتلك الثياب له، ولكني لا أرى ما ~~يدعوكم إلى الظن بأنه قتل.» # فقال المقوقس: «وما أدراك أنه لم يقتل؟ وكيف يكون حيا وتسلب منه ثيابه ودروعه؟» # قال: «لا أعلم، ولكني أقول إنه لم يقتل.» # قال: «وهل أنت واثق أنه لم يقتل.» # قال: «نعم إني واثق من ذلك، وأطلب إليك أن لا تلح في السؤال إلى ما وراء هذا الحد، فإني ~~لا أجيبك ولو قطعت رأسي.» # فقال المقوقس: «كيف تقول إنك لا تعلم عنه شيئا، ثم تقول إنك واثق من حياته؟» # قال: «قلت لك يا سيدي إني لا أجيب عن سؤال آخر ولو قطعت رأسي، وهذه هي حياتي بين يديك ~~فافعل ما تشاء.» # فأمر به فأخرجوه مغلولا إلى المخفر، وانفرد المقوقس بابنه فقال: «ما قولك يا أرسطوليس؟» # قال: «أرى في الأمر سرا ms145 لا يعلمه إلا الله، ويلوح أن مرقس آل على نفسه ليكتمن السر، ولو ~~كان هناك فائدة من قتله لقتلناه، ولكن قتله يزيد المشكلة تعقيدا، فلنحبسه إلى حين، وما دام ~~قد أكد أن أركاديوس حي ، فلنتعهد للأعيرج بأننا مطالبون بدم ابنه أو نجده.» # وفيما هما في الحديث إذ جاءهما رسول الأعيرج يدعوهما إليه، فذهبا فرأياه يتقد غيظا، فلما ~~دخلا صاح وهو لا يدري ماذا يقول: «اعلم يا ابن قرقت (لقب المقوقس) أني لا أطلب دم ابني إلا ~~منك، والقطرة الواحدة منه تساوي أهل مصر جميعا.» # فجعل المقوقس يهدئ من غضبه ويقول: «لا تعجل بالأمر، فإن الرجل لا يجزم بموته، وأنا الكفيل ~~لك بحياة أركاديوس، وها أنا ذا وابني بين يديك. لا نخرج من الحصن إلا عند عودته سالما، وما ~~أدرانا؟ فلعله عند العرب؟ أو لعله غائب في مهمة؟ على أني لن أفتأ أستدرج الرجل حتى نعلم منه ~~الحقيقة، والفرج يأتي من حيث لا ندري.» # ففكر الأعيرج برهة ثم نظر إلى المقوقس: «اعلم أيها الحاكم أني ملق تبعة فقد ابني عليك ~~وعلى ابنك، وكفاكما خداعا، وأقسم بشرف الروم ورأس الإمبراطور هرقل لأمزجن دماءكم بمياه ~~النيل إذا لم تأتوا بولدي أركاديوس حيا.» # فاضطرب المقوقس، وخشي العاقبة، لعلمه أنه حقا يخادع الروم، وأسر لنفسه قائلا: «إن العرب ~~لا يلبثون أن يأتوا ظافرين لا محالة، فإذا غلبوا يرفعون عنا هذه التبعة. إنما الحيلة في ~~إقناع الأعيرج بالصبر.» ثم خاطب الأعيرج قائلا: «إني أشاركك القلق على أركاديوس، وإن ضياعه ~~ليعز علينا جميعا؛ لأنه من نخبة رجالنا، بل هو عمدتنا في حربنا مع هؤلاء العرب، وهذا فضلا ~~عن أننا في حال لا تأذن لنا بالانقسام فيما بيننا، ولا خفي إلا سيظهر، وقد قلت لك إننا ~~مطالبون بدمه، فاصبر إن الله مع الصابرين.» فقال: «سأصبر بضعة أيام، وأنتما في الحصن لا ~~تخرجان منه، فبثا العيون والأرصاد للبحث عنه.» # ثم تركهما وخرج إلى الحصون، وأوصى قواده أن يمنعوا المقوقس وابنه من الخروج مهما يكن ~~السبب. # أما مرقس فلبث في ms146 سجنه يفكر في حاله وقد تحير في أمره، لا يدري أيبقى على الكتمان فيعرض ~~نفسه للخطر، أم يبوح بحقيقة الحال فيعرض أركاديوس لغضب أبيه؟ وفيما هو في ذلك إذ جاءه ~~أرسطوليس وعلى وجهه أمارات الكآبة، فلما رآه مرقس ازداد بلباله، وشعر أن كتمانه هو السبب في ~~هذه المصائب، فقال أرسطوليس: «أهكذا فعلت بنا يا مرقس؟» # قال: «وماذا فعلت يا سيدي؟» قال: «بينما أنت تؤكد لنا بقاء أركاديوس حيا، إذا بك تكتم ~~عنا حقيقة حاله، والأعيرج مصر على طلب ابنه منا، وقد اتهمنا بقتله، وأنت تعلم أمرنا مع ~~هؤلاء الروم، وقد بذلنا الجهد حتى لا تظهر لهم دخيلتنا، أفتفتح هذا الباب للإيقاع بنا؟!» # ففكر مرقس برهة ثم قال: «وكيف يتهمكم بقتله وقد خرج وأنتم لا تعلمون؟! وما شأنكم أنتم ~~وشأني؟!» # قال: «ومن يصدق كلامنا هذا، والأعيرج لو عرض شكواه هذه على ديوان القسطنطينية لصادف أذنا ~~صاغية، وعادت العاقبة وبالا علينا.» # فصمت مرقس قليلا ثم قال: «وما رأيك إذا جاءهم كتاب منه يمهره بخاتمه ينبئهم بأنه على قيد ~~الحياة؟» # فقال أرسطوليس: «ومن أين لنا ذلك؟» قال: «هب أنه جاءهم مثل هذا الكتاب، فهل يكفون عن ~~اتهامكم؟» # قال: «لا شك أنهم يكفون، ولكن أنى لنا هذا؟» قال: «إذا أذنتم لي بالخروج من الحصن أتيتكم ~~بالكتاب.» # فعجب أرسطوليس لهذا السر الغريب، ولم يفهم كيف يستطيع مرقس هذا الأمر، وكيف يقوله كأنه ~~واثق من عمله؟ # فقال: «أتستطيع هذا حقا يا مرقس؟» # فقال: «نعم يا سيدي، على أن لا تسألوني كيف آتي بالكتاب، ولا تقولوا للأعيرج أني ذهبت ~~لآتي به، بل قولوا إني ذاهب للبحث عنه أسوة بما يفعل الآخرون.» # فبهت أرسطوليس ثم قال: «مهلا حتى أطلع أبي على ما تقول.» # وخرج إلى أبيه فإذا هو مبلبل الفكر لا يستطيع الكلام لفرط ما ألم به، فلما دخل عليه حياه ~~فقال له: «ما وراءك يا أرسطوليس؟» فقص عليه الخبر. # فقال: «ما بال هذا الرجل يعرض علينا من المعجزات أنواعا؟ ولماذا هذا التكتم؟ إن في ~~المسألة سرا عميقا، ms147 ولكنني أخاف يا أرسطوليس أن يتخذ خروجه من الحصن ذريعة للفرار، ومن ~~يضمن لنا عودته؟» # قال: «لا حيلة لنا فيه، وهو مصر على كتمان أمره، فأرى أن نتحمل التبعة في إرساله لعله ~~ينفعنا، أما بقاؤه مسجونا فلا نفع لنا منه، وهب أنه فر فالتبعة علينا لا تزيد ولا تنقص! ~~لأن غاية الأمر أن نتهم بقتل أركاديوس، وهذا واقع فعلا. هذا وإني أستشف من كلام مرقس ~~الصدق، ولا أظنه يخوننا، وقد عرفناه من زمن، وعلمنا بلاءه في خدمتنا.» فأطرق المقوقس برهة ~~ثم قال: «أترى أن نثق به ونستأذن الأعيرج في إرساله؟» # قال: «هذا ما أراه، فلعله يأتينا بالخبر اليقين، أو لعل أركاديوس يعود من تلقاء نفسه.» # ثم ذهبا إلى الأعيرج وقالا له: «إن مرقس هذا أقدر الناس على البحث عن ابنك، فلنرسله عسى ~~أن يقف على كنه الأمر.» # فقال: «وكيف نطلق سراحه وهو الذي قتله أو علم بقتله، وقد قبضنا عليه وجواد أركاديوس وعدته ~~وثيابه معه؟» # فقال المقوقس: «يلوح لي أن الرجل برئ من القتل، ونحن نعرفه منذ أمد بعيد، ولا نراه محلا ~~للتهمة: فأرى أن نرسله في هذه المهمة كما أرسلنا سواه، فلعله يعود بالخبر اليقين.» # فقال الأعيرج: «فليذهب، وعليكما عبء ما يفعل.» # فأذعنا وجاءا إلى مرقس فأطلقا سراحه، وأوصياه بالعودة على عجل، فودعهما وخرج. ~~••• # أما زياد فإنه لما افتقد أركاديوس في محبسه ولم يجده، ولم يعثر عليه في ناحية من نواحي ~~المعسكر، عاد إلى بلبيس ليطلع أرمانوسة على الأمر، وكانت أرمانوسة في قصرها ومعها بربارة ~~والخدم، وهي على مثل الجمر في انتظار زياد، فلما أبطأ عليها أخذت تندب سوء حظها، وتقول: «يا ~~بربارة، ويلي قتلوا أركاديوس، أين أنت يا أركاديوس؟ آه من جبروت الدهر!» وفيما هي في ذلك ~~إذ سمعت غوغاء في الدار، وجاء خادم يقول لها أن رجلا رومانيا بالباب، فخرجت بربارة إليه ~~فإذا به أركاديوس يقرع الباب وعلى وجهه أمارة الرعب، وعلى زنده آثار الدم، فلما رآها صاح ~~بها: «أين أرمانوسة؟ هل هي في خير؟» # قالت: «نعم ms148 في خير.» فدخل مسرعا وهو لا يكاد يصدق أنه يراها على قيد الحياة، فلما وقع ~~نظره عليها لم يزد على قوله: «الحمد لله. أنت حية!» فدهشت وقالت: «ما خبرك يا حبيبي؟ وكيف ~~أتيت؟ هل رأيت زيادا؟» # قال: «لا، لم أره.» # قالت: «كيف نجوت من الأسر؟» # قال: «نجوت منه بالرغم من الحبال التي شدوا بها وثاقي، وما ساعدني على تمزيقها إلا خوفي ~~عليك، فقد كنت في الخيمة بعد ذهاب زياد بالصليب الذي أرسلته إليك، فسمعت قرع الطبول ونفخ ~~الأبواق والعرب يهمون بالهجوم على بلبيس، فوقفت أرى ما يكون من أمرهم، فإذا بهم قد تسلقوا ~~الأسوار ودخلوا المدينة، فأيقنت أنهم سيصيبونك بسوء، فهبت عواطفي واتقد دمي حتى غاب رشدي، ~~وهممت بالمجيء للدفاع عنك عسى أن أموت دونك أو أنقذك، فحاولت قطع الوثاق فلم أستطع، لأنه ~~كان أمراسا مجدولة من الشعر، فأصبحت كالمجنون، وأخيرا أسندت ظهري إلى عمود الخيمة، وجعلت ~~أحك بالحبل به ذهابا وإيابا، فشعرت بنتوء حاد بارز من العمود فجعلت أمرر الحبل عليه كأني ~~أحزه به حزا، وقد شعرت بقوة غريبة، فكنت أحك ظهري بالعمود صعودا ونزولا، وأحاول التملص ~~من الوثاق وأضغط ذراعي بعنف، حتى غرز الحبل في لحمي وأنا لا أشعر، فانقطع الحبل بعون الله، ~~فأسرعت إلى الأسوار لا ألوي على شيء، وجئت مسرعا وأنا لا أكاد أصدق أني ألقاك، فالحمد لله ~~على سلامتك.» # فأعجبت أرمانوسة بشهامته، وتناثرت الدموع من عينيها لعظم تأثرها، وقالت: «حماك الله من كل ~~سوء، أنا في خير، وقد من الله علينا باللقاء.» # فقال: «لمن هذا العلم الذي على باب القصر؟» قالت: «هو علم عربي بعثوه إلينا لحمايتنا من ~~السلب، وكأني بهم لا يريدون بنا سوءا.» وغسلت له جرحه فإذا هو طفيف نتج عن شدة العنف في ~~محاولته قطع الوثاق، فضمده ولبس الثياب، وأطل من النافذة فرأى العرب قد أمعنوا في المدينة ~~قتلا ونهبا، فثارت حميته الرومانية، وجعل يتململ ويحزن على ما أصابه العرب منهم، فقالت ~~أرمانوسة: «ما بالك تتململ؟» قال: «أتململ أسفا على ما حل ms149 بجندنا، ألا ترين العرب ينهبون ~~المدينة ويقتلون حاميتنا؟ مهلا سوف يلقون منا في حصن بابل ما يردهم على أعقابهم.» # ولم تشأ أرمانوسة أن تحبره بما دار بين أبيها وبين العرب من الأخذ والعطاء خوفا من ~~الفضيحة عند الروم، فقالت: «حماك الله يا أركاديوس من نوائب الزمان، فلو كان في جند الروم ~~مثلك لما مكن للعرب في هذه البلاد، فاجلس الآن واسترح لنرى ما يأتي به الغد.» # قال: «آه يا أرمانوسة، لا أستطيع البقاء على هذا الذل، ولا أطيق أن أرى الروم يذبحون ذبح ~~الأغنام، وإن نفسي تحدثني بأن أتقلد الحسام وأهجم على العرب لأروي غليلي من دمائهم.» # قالت: «لا تلق بنفسك إلى التهلكة، وسوف تلقاهم في الحصن، وما لنا وللحرب يا أركاديوس؟ ~~فأنا لا أطيق فراقك.» # فعاد صوابه إليه وقال: «أما رأيت مرقس يا أرمانوسة؟» قالت: «لا لم أره، ولماذا؟ وكيف ~~وقعت في الأسر؟ قل لي.» # قال: «خرجت من عندك إلى المكان الذي واعدت مرقس فيه، فلم أقف له على أثر، وفيما أنا أبحث ~~عنه وصل العرب بخيولهم وقبضوا علي، فوالله لو كنت على ظهر جوادي ما استطاعوا إلي سبيلا.» ~~ثم تذكر جواده وثيابه فقال: «ولا أدري كيف ذهب مرقس بثيابي والجواد، وأخشى أن يكون رجالنا ~~قد قبضوا عليه وساقوه إلى الحصن واتهموه بقتلي، وربما قتلوه ظنا منهم أنه قتلني.» # فقلقت أرمانوسة على مرقس وقالت: «مسكين مرقس! إنه لا يستحق ذلك، وعسى أن يكون في مأمن، ~~وسننظر في أمره. أما أنت فابق هنا ريثما ينجلي الأمر.» # فتنهد تنهدا عميقا وقال: «أتعلمين إنه لا أشهى إلى قلبي من جوارك، ولكن النجدة والمروءة ~~يقتضيان اللحاق بالجند، وهم في حالة حربهم مع العرب، وإني لا أدري ماذا أبدي لوالدي عندما ~~أعود، ولا أظنه يصدق قولي مهما بالغت في الاعتذار.» # قالت: «غدا نرى ما يكون.» وقضوا بقية اليوم وباب القصر موصد. # وباتوا ليلتهم، فلما جاء الصباح أقبل بعض رجال العرب يقودون رجلا موثقا، فلما دخلوا به ~~القصر إذا به مرقس، فسألوا أرمانوسة عنه؛ لأنهم ms150 قبضوا عليه عند الأسوار فادعى أنه من خدم ~~السيدة أرمانوسة، فقالت: «نعم هو من خدمي.» ورحبوا به، ولما رأى أركاديوس فرح فرحا عظيما، ~~وقص عليه قصته، وقال له إن المقوقس وابنه متهمان بقتله، وأنه إذا لم يعجل بالمسير سعى ~~الأعيرج وسجنهما وقد يقتلهما. # فصاحت أرمانوسة: «ويلاه يا أركاديوس إن أبي وأخي في خطر الهلاك وحياتهما في يدك.» # فقال: «لا تخافي يا أرمانوسة، علي إنقاذهما والذود عن كل من تحبين. لا تخافي، ولولا خوفي ~~عليك لأسرعت إلى الحصن، ودفعت هذه التهمة عنهما، إنما يجب أن أبقى هنا لأرى ما يئول إليه ~~أمرك.» # قالت: «أنا لا أريد أن تذهب إلى الحصن الآن، ولا أن تحضر المعارك، ولكني لا أريد أن يهلك ~~أبي وأخي، فإن الروم ظلمة، لم يخرج منهم شهم غير أركاديوس.» # فقال أركاديوس لمرقس: «وكيف حالهم في الحصن؟» قال: «فارقت أباك قلقا عليك، وقد بث ~~العيون والأرصاد، وبعث الرسل للبحث عنك، ولما لم يعثروا عليك شدد النكير على سيدي المقوقس ~~وابنه أرسطوليس، وهو ينوي الإيقاع بهما إذا لم يعلم خبرك، وأنا الآن أعترف لك أني جئت على ~~نية أن أزور كتابا عن لسانك وأختمه بخاتمك الذي عرفت منك أنه مع سيدتي أرمانوسة، وأذهب ~~بالكتاب إلى أبيك بأنك حي وأنك آت عما قليل.» # فقال أركاديوس: «أصبت يا مرقس، ونعم الرأي رأيك. إلي بقطعة من البردي لأكتب الكتاب.» فلم ~~يجد شيئا من البردي هناك فقطع قطعة من قماش كان غطاء للفراش، وهو نسيج كتاني يعرف بالقباطي ~~من صنع مصر، كانوا يستعملونه للكتابة، وعليه كتبت المعلقات السبع وعلقت في الكعبة فكتب إلى ~~أبيه يقول ما معناه: # أبي العزيز المحترم # لا ألومكم على قلقكم علي لخروجي من الحصن وأنت لا تعلمون، وسأطلعكم على ما حملني ~~على ذلك فيما بعد، وأما الآن فإني أكتب إليكم لتطمئن قلوبكم، فأنا حي مقيم ببلبيس، ~~بعد أن أسرني العرب فنجوت من الأسر، وعرفت من أحوال هؤلاء العرب ما سأقصه عليكم، ~~وفيه قوة لنا، ولولا جراح أصابتني في ذراعي لجئت إليكم ms151 بدل هذا الكتاب، ولكني سأسرع ~~حالما أستطيع الركوب، وذلك قريبا إن شاء الله. # كتبه ولدكم أركاديوس # فحمل مرقس الكتاب، وتقدم إلى أرمانوسة وسجد أمامها وقال: «أرجو منك يا سيدتي أن تشفقي على ~~عبدتك مارية .» # قالت: «وما خبرها؟» قال: «مررت بالقرية في طريقي إليك وأردت الدخول إليها فأمسكني العرب ~~وجاءوا بي إليك، وأخشى أن يكونوا قد أصابوا مارية بسوء، فأستحلفك بسيدي أركاديوس هذا أن ~~تنظري في أمر إنقاذها.» # فأجابه أركاديوس قائلا: «إن لك علينا أفضالا تقضي بأن نذود عنك وعن مارية جهدنا، لا ~~تخف، كن براحة بال.» # قال: «ولكنني لا أستطيع السفر قبل أن أعلم ما آل إليه أمرها في هذه الحرب.» # فالتفتت أرمانوسة إلى بربارة كأنها تستشيرها، فقالت: «الرأي يا سيدتي أن نبعث إلى الأمير ~~عمرو فنخبره أن أهل مارية ممن ينتسبون إلينا، ونأتي بهم جميعا ليكونوا معنا.» فقالت: ~~«أحسنت يا بربارة، ومن يذهب؟» قالت: «زياد وهو لا يزال هنا.» # ثم خرجت فأتت به، فلما رأى مرقس سلم عليه وصافحه وسأله عن أمره، فقصت بربارة القصة عليه، ~~فقال: «لا تخف يا مرقس، فإن أهلكم في ذمتي وها أنا ذا ذاهب لأنظر في شأنهم.» وخرج. # ولبث الجميع في انتظاره، ثم دق باب القصر وعلت الضوضاء وإذا بالخدم يقولون إن أمير العرب ~~قد جاء يريد الدخول، فقالت أرمانوسة لأركاديوس: «الأولى أن تختبئ لئلا يراك فيعرفك.» فاختبأ ~~في بعض غرف القصر، وخرجت بربارة لاستقبال الأمير، وهي أول مرة شاهدت فيها مثل هذا الرجل، ~~فرأته كما تقدم وصفه، وقد أحاط به جماعة من قواده، وفي مقدمتهم وردان المترجم، فأسرعت ~~بربارة إلى بهو كبير جلسوا فيه، فقال وردان: «إن الأمير جاء بنفسه ليطمئن أرمانوسة بألا خوف ~~عليها ولا على أحد ممن في منزلها.» فقالت بربارة: «إننا نعجز أيها الأمير عن إيفاء الشكر ~~حقه؛ فقد أمنتنا وجنبتنا الحرب وأوزارها.» # ثم خرجت وعادت بسيدتها، وقد لبست أحسن ما يكون من الثياب الفاخرة، وعلا وجهها احمرار ~~الحياء فزادها جمالا، فجلست وخاطبت عمرا قائلة: «إن ما أوليتنا من الفضل ms152 لا يسعنا القيام ~~بشكره.» # فأجابها عمرو وهو مطرق: «إن هذا في سليقتنا، وقد عاهدنا أباك على حمايتك، وساءني كثيرا ما ~~ارتكبه ذلك الخائن يوقنا من خداعك، ولو أدركناه لعاقبناه شر عقاب. أما الآن فاعلمي أنك في ~~ذمتنا، وأنا لا نغدر في أعمالنا، فإذا شئت البقاء هنا بقيت، وإذا أردت المسير إلى أبيك ~~بعثنا معك من يوصلك إلى حيث تريدين، فاختاري.» # فأطرقت أرمانوسة ثم قالت: «أؤثر الذهاب إلى أبي إذا أذن الأمير.» # قال: «لك ذلك.» وكان وردان يترجم بينهما، فقال له عمرو: «هيئ لها من يكون في ركابها إلى ~~حيث تريد، وكن أنت حارسا لهم.» # قال: «سمعا وطاعة.» # وأرادت بربارة أن تقدم لضيوفها شيئا من الخمر على عاداتهم، فقال لها وردان: «احذري أن ~~تفعلي ذلك لأن الخمر محرم في ديننا، وليس عليكم إلا التأهب للمسير، وفي صباح الغد نبعث ~~إليكم رجالا يسيرون في حراستكم.» # فشكرته، ثم قام عمرو مودعا وخرج، وخفت أرمانوسة إلى أركاديوس وأخبرته بما كان فقال: «إذن ~~أسير أنا أيضا معكم إلى قرب الحصن، ثم أنفرد وأدخله وحدي، وأنت تذهبين إلى منف.» # وعند الظهيرة جاء زياد ومعه مارية ووالدها، فطار مرقس فرحا، وأوصى أرمانوسة بهم خيرا، ~~وقال لها: «فليذهبوا معكم إلى منف؛ لأنهم يكونون في مأمن هناك»، فوعدته خيرا، ثم ودعهم وخرج ~~يحمل كتاب أركاديوس إلى أبيه. ~~••• # لبث أهل الحصن في انتظار مرقس، ثم سمعوا بسقوط بلبيس، فتكدر المقوقس كثيرا وخاف على ~~ابنته، ولكنه كان مطمئنا لما لديه من العهود، وفي اليوم التالي وصل مرقس بكتاب أركاديوس، ~~فدفعه إلى أبيه فقرأه، واطمأن قلبه على ابنه، ولكنه بقي في حيرة لا يدري لخروجه سببا، ولما ~~خلا مرقس بالمقوقس أطلعه على ما أتاه عمرو من الجميل مع ابنته وأنها ستكون في منف بعد قليل، ~~فبعث بعض رجاله لاستقبالها وتشييعها إلى قصرها. # ولبث الأعيرج يوما آخر في انتظار أركاديوس حتى جاء ودخل عليه فقبله ورحب به وسأله عن سبب ~~غيابه فقال: «أنت تعلم يا سيدي غيرتي على شرف الروم، وقد رأيت الجواسيس ms153 يأتوننا بالأخبار ~~المتناقضة، فلم نفهم حقيقة قوة العرب، فحدثتني نفسي أن أذهب لاستطلاع حالهم، وأنا أعلم أنك ~~لا تأذن لي خوفا علي، فخرجت على حين غفلة من الحراس، على ألا أغيب إلا يوما واحدا واثقا ~~من أني إذا عدت وأخبرتك بما استطلعته تعفو عن عملي. # فلما وصلت إلى جوار بلبيس خشيت أن يكون جوادي ولباسي الفاخر حائلين بيني وبين ما أريد، ~~فرأيت رجلا من جندنا خارج المدينة، فتبادلنا الثياب وتركت جوادي عنده، وسرت إلى معسكر ~~العرب، وكانوا مخيمين أمام المدينة، وما كدت أن أخرج من المعسكر حتى قبضوا علي وسجنوني، ~~وبقيت إلى أن اقتحموا بلبيس، فغافلتهم وقطعت الوثاق، ودخلت المدينة وعلمت ما استطعت علمه، ~~فإذا عددهم لا يزيد على أربعة آلاف مقاتل، ولكنهم، والحق يقال، يهجمون على الأسوار هجوم ~~الأسود، ويزأرون كأنهم ذاهبون إلى مغنم، ولكننا بحول الله سنبدد شملهم أمام هذا الحصن، فإن ~~بلبيس ليست مدينة حرب.» # فقال الأعيرج: «بورك فيك.» وهم به وقبله وقال: «إنها شجاعة فائقة الحد يا ولدي لأنك عرضت ~~نفسك للخطر الشديد.» # فقال: «ولا ينجح إلا المخاطر المجازف.» # فقال: «ولكني رأيت على سيفك أثر الدماء.» فأجاب في غير اكتراث: «لعله كان ملوثا من قبل ~~وهذه هي جلية الخبر، وما علينا إلا الاستعداد والتحصين، فإن العرب لا يلبثون أن يقدموا ~~علينا.» # فأمر الأعيرج بالتأهب للقاء العرب، وبعث إلى كبار قواده، وخطب فيهم حاثا على الثبات ~~والدفاع ناسبا ما لقيه العرب من النصر في طريقهم إلى الحصن إلى ضعف جنود الفرما وبلبيس، ثم ~~فرقهم في القلاع على السور، وأوصى ابنه بتعهدهم وتفقد الأسوار، فبعث أركاديوس رجالا إلى ~~خارج الحصن يتفقدون الخندق المحيط به، وأوصاهم أن يبذروا فيه حسك الحديد بذرا، أي أن يغرسوا ~~الحسك في قاعه وجدرانه، فإذا هجم العرب على الأسوار حال الخندق بينهم وبينه، فإذا نزلوا ~~الخندق دخل الحسك في أقدامهم، وأكثرهم عراة فتعوق تقدمهم. # أما أرمانوسة فإنها وصلت إلى ضفة النيل بموكبها، وكان أبوها وأخوها قد علما بقدومها فخرجا ~~لملاقاتها، ورحبا بها وسألاها عن ms154 العرب، فروت ما حدث لها معهم، وأثنت على شهامة عمرو ~~فاستبشروا بنجاح حيلتهما، وكانت القوارب معدة لاستقبالها فركبت ومن معها إلى منف، وأجالت ~~نظرها في الحصن لعلها ترى أركاديوس فتتزود منه بنظرة، فإذا هو يرقبها من أعلى السور عند ~~كنيسة المعلقة، فجرى قاربها وهي تسترق النظر إليه كأنها تودعه وتدعو له بالسلامة، وقلبها ~~يخفق وجلا لئلا يصيبه سوء، فقد خيل إليها لما عاينته من شجاعة العرب وبطشهم أنه في خطر، ~~فتناثرت الدموع من عينيها، وكان القارب قد جرى بعيدا، وبربارة معها تنظر إليها وتراقب ~~حركاتها، فأدركت ما هي فيه فخاطبتها قائلة: «سلمي أمرك إلى الله، وهو يحرسك يا مولاتي.» # وكانت مارية وأهلها قد ركبوا قاربا آخر، وسارت القوارب تمخر عباب الماء، والوقت أصيل، ~~فلما أشرفوا على ضواحي منف تذكرت أرمانوسة ما كان من أمرها مع أركاديوس وقسطنطين، وشكرت ~~الله على نجاتها، ولكنها ما زالت توجس خوفا على حبيبها، فأدركت بربارة ذلك فقالت لها: «ما ~~لي أراك غارقة في بحار الهواجس؟ ثقي بالله وتوكلي عليه، فإن الذي أنقذك وأنقذ أركاديوس من ~~مخالب الموت حتى الآن سيحرسكما إلى يوم اللقاء، وهو قريب إن شاء الله.» # فلما دنوا من شاطئ منف، ورسا القارب عند الرصيف، تذكرت أرمانوسة تلك الليلة المقمرة التي ~~باحت فيها بسرها لبربارة، فانقبضت نفسها وغلب عليها الجزع، فطفرت الدموع من عينيها، وكان ~~الخدم والحاشية في انتظارها على الرصيف، فاستقبلوها بالأزهار والرياحين، وجاءت الجواري ~~واستقبلنها باسمات الثغور، يحمدن الله على سلامتها، وكن قد سمعن بما أحدق بها من الخطر في ~~بلبيس، ورافقنها من الرصيف إلى الحديقة. كل ذلك وهي في شاغل عنهم جميعا بهواجسها وخفقان ~~قلبها، وما صدقت أن وصلت إلى قصرها حتى دخلت غرفتها، وكانت بربارة قد تركتها وذهبت لتعد ~~مكانا لنزول خطيبة مرقس وأهلها، وأوصت الخدم بهم خيرا، ولم تكن مارية المسكينة أقل قلقا ~~من أرمانوسة لأجل مرقس، ثم عادت بربارة إلى غرفة سيدتها، وكانت الغرفة مزينة بأنواع ~~الرياحين والأثاث الثمين، فرأتها قد استلقت على السرير، وأوغلت في البكاء ms155 والنحيب، فأخذت ~~تخفف عنها وتؤملها بالفرج القريب. # فتنهدت أرمانوسة وقد خنقتها العبرات، ولما سكن روعها قالت: «دعيني يا بربارة من الآمال ~~الباطلة، فنحن قد عدنا إلى حيث كنا، وعادت مخاوفنا إلينا، وكان ما مر بي في أثناء هذه ~~الغيبة أضغاث أحلام.» فأمسكت بربارة بيدها، وجلست إلى جانبها وهي تبتسم لتخفف قلقها وقالت: ~~«كيف تقولين إنها أضغاث أحلام، وقد نلت ما كنت تتمنين؟! ألم تكوني في ريب من محبة أركاديوس، ~~وقد رأيته وكلمته غير مرة، وتبادلتما عربون المحبة، ووثقت بحبه لك؟ ألم يكفك ما رأيت من ~~غيرته عليك وشغفه بك؟ ألم تكوني في ريب من أمر قسطنطين، وقد تحققت الآن نجاتك من قبضته؟ ~~أليس هذا بالشيء الكافي الآن؟ فكيف تقولين إنها أضغاث أحلام؟» # فأجابتها أرمانوسة: «أجل، إنها أضغاث أحلام لأني قد عدت إلى هذه الغرفة كما خرجت منها؟ ~~ولم أنل شيئا غير الآمال، وما أحسب ما مر بي من رؤية أركاديوس وسماع كلامه إلا حلما مر ~~وزال، بل أراني أكثر قلقا عليه من ذي قبل، فقد كنت في ريب من حبه، ولم أكن أشعر بمثل ما ~~أنا فيه من القلق عليه، فهل تجود لي الأيام به، وأرى ذلك الوجه الباسم، وتينك العينين ~~البراقتين؟» وشرقت بدموعها، فأخذت بربارة تخفف عنها وتشغلها بالآمال والوعود، وكانت الشمس ~~قد مالت إلى المغيب، فأخذت بيدها وخرجت بها إلى شرفة القصر، فأطلت على الحديقة، وبربارة ~~تمنيها بالأحاديث، وتذكرها بما مر بها لتصرفها عن هواجسها، وهي صامتة تنظر إلى البر الثاني ~~من النيل تستأنس بقربه من الحصن، فأمرت بربارة الخدم فجاءوا بالوسائد وفرشوها في الشرفة، ~~وجلستا تارة تتشاكيان، وطورا تتأملان، وأرمانوسة لا يرضيها إلا الحديث عن أركاديوس، ~~وبربارة تلهيها تارة به وطورا بسواه. # حديثه، أو حديث عنه يطربني # هذا إذا غاب، أو ذياك إن حضرا # كلاهما حسن عندي أسر به # لكن أحلاهما ما وافق النظرا # أما أركاديوس فلبث ينظر إلى أرمانوسة حتى توارى قاربها عن نظره، فوقف برهة كاسف البال ~~يتأمل فيما يتهدده من الخطر، وما يحول بينه ms156 وبين حبيبته من العوائق، وبقي برهة على هذه ~~الحالة حتى دعاه أحد جنود الحامية أن يذهب إلى أبيه لأمر يريده فيه، فسار حتى دخل على أبيه، ~~فإذا هو جالس وحوله أرباب مجلسه يتداولون فيما هم فيه، فلما دخل حيا والده وجلس إلى جانبه، ~~فآنس والده شيئا من الارتباك في وجهه فابتدره قائلا: «ما لي أرى أثر الانقباض في وجهك يا ~~أركاديوس؟ هل داخلك خوف من أمر العرب؟» قال ذلك وهو يبتسم كأنه يمازحه. # فانتبه أركاديوس لحاله، وأظهر الاستغراب قائلا: «أنت تعلم يا أبتاه أني لا أخاف الموت، ~~ولا أحسب للحرب حسابا، فكيف تقول إني خائف؟ وما الذي يخيفني وأنا تحت جناحك؟ لا سيما أني ~~رأيت هؤلاء العرب، وعلمت من ضعفهم وقلتهم ما لا تعلمون، وأما ما ظننته في من الارتباك ~~فإنما هو شدة اهتمامي بالاستعداد وتهيئة الوسائل لدفع الأعداء، ولا شك في فوزنا عليهم بإذن ~~الله وهمة أبطال الروم.» # وأشار إلى الحضور، فأجابوه جميعا: «إننا بين يديك متفانون في سبيل الرومان، ضاربون بسيف ~~جلالة الإمبراطور إلى آخر نسمة من حياتنا.» # فأثنى الأعيرج على غيرتهم وصرفهم، فخرجوا يجرون سيوفهم وطيالسهم، فلما خلا الأعيرج بابنه ~~أوصد الباب ودعاه إلى القرب منه وقال له: «أطلعني يا أركاديوس على ما خبرته من أمر هؤلاء ~~العرب وقوتهم مما عاينته وشهدته، ودع الاستخفاف والبسالة جانبا، وقل كيف استطاع هؤلاء ~~البدو فتح حصون الفرما وبلبيس مع ما ذكرته من ضعفهم وقلتهم، ونحن نعلم أن حامية بلبيس قوية ~~وحصونها منيعة؟» # فصمت أركاديوس برهة يفكر ولم يبد جوابا لعلمه أن العرب لم يستطيعوا ما استطاعوه إلا بما ~~أعارهم القبط من العون سرا وجهرا، وتذكر أمر أرمانوسة وحماية عمرو لها، وما لاقته من ~~الحفاوة والإكرام، وأيقن أن ذلك لم يكن نتيجة خلق العرب فقط، وحدثته نفسه أن يصرح بما خامره ~~من الشك، ولكنه خاف أن يزيد الخرق اتساعا، فتزداد الهوة الحائلة بينه وبين أرمانوسة، وكان ~~أبوه يرقب ارتباكه، وينتظر جوابه بفارغ الصبر، فلما أبطأ في الجواب أعاد السؤال قائلا: ~~«مالي ms157 أراك صامتا لا تجيب؟ أفصح وقل الصدق ولو كان علينا، فإن ذلك أول معدات الدفاع، لأننا ~~إذا عرفنا قوة عدونا وثقل وطأته عرفنا السبيل الصواب إلى دفعه.» # فلم يدر أركاديوس بم يجيب؟ وخاف أن يسيء أبوه الظن به فتبسم وأظهر الاستخفاف وقال: «لم ~~يكن سكوتي لشيء مما خامر ذهنك، ولكنني كنت أفكر في السبب الحقيقي فلم أهتد إليه، على أني ~~أعلم أن الحرب سجال يوم لنا ويوم علينا، فلا عجب إذا انتصر العرب على بعض حصوننا الضعيفة، ~~فلعل الله قدر أن يكون دفعهم على أيدينا فننال الفخر دون جند الروم بمصر.» # فقال الأعيرج: «بورك فيك يا ولداه، فأوص رجالك بالثبات، وشجعهم، وتفقد مراميهم وأسلحتهم. ~~والاتكال على الله، ولا تنس الجسر بين الحصن والجزيرة فإننا كنا قد نزعناه ثم أعدناه لحاجة ~~اقتضت إعادته، فأمر بنزعه لئلا يكون للعرب سبيلا للوصول إلى منف، وكذلك الجسر بين الجزيرة ~~والبر الغربي، اعمل على إعادته لكي نتمكن من جلب المئونة والذخيرة من منف عند الحاجة، وبث ~~العيون في جهات بلبيس لينبئونا بقدوم العرب، فنكون على بينة من أمر مسيرهم، فلا يأتوننا على ~~غرة، وأوصيك وصية أخرى أرجو ألا تنساها ولا أظنك تجهلها، وهي أن تحذر المقوقس ورجاله، فإنهم ~~يمالئون العرب علينا.» # ثم افترقا، وسار أركاديوس إلى قلعته، فأوصى الجند بنزع الجسر، وإعادة الجسر الآخر الموصل ~~إلى منف، وبعث الجواسيس إلى بلبيس، وأوصاهم باليقظة ليراقبوا حركات العرب، فإذا علموا ~~بمسيرهم نحو الحصن عادوا إليه بالخبر، ثم تحول إلى غرفته، وكان الليل قد أسدل نقابه، فنزع ~~خوذته وسلاحه وجلس إلى النافذة المطلة على النيل، وقد هدأ الجو، وأوت الطيور إلى أوكارها، ~~وهب النسيم عليلا، وجرى النيل بإزاء الحصن هادئا، وأطل البدر من وراء الأفق فأرسل أشعته ~~على سطح الماء تتلألأ تلألؤا ضعيفا، فأرسل نظره إلى جهة منف، حيث تقيم أرمانوسة، وتصور ~~حاله معها وما هو فيه، فغلبت عليه الهواجس، وتراكمت عليه الهموم، فانقبضت نفسه، وأظلمت ~~الدنيا في عينيه، وتحير في أمره، فخيل له أن العرب سيغلبون بما ms158 نالوه من عون القبط، فارتعدت ~~فرائصه، وثقل عليه عار الانكسار، فقال في نفسه: «إني لأوثر الموت على الفرار، ولكن أرمانوسة ~~جعلت الحياة عزيزة علي.» ثم عاد فتصور أنهم تغلبوا على العرب وأعادوهم القهقرى، وأخذ يفكر ~~فرأى أن ذلك أيضا لا ينيله بغيته من أرمانوسة، لما يعلمه مما بين أبويهما من الضغائن ~~والأحقاد، فلبث يفكر في ذلك حتى شعر بالتعب والنعاس، فذهب إلى فراشه ينتظر ما يأتي به ~~القدر، وقضى معظم اليوم الثاني في التأهب. # وفي مساء ذلك اليوم جاءهم الجواسيس ينبئونهم بإقلاع العرب عن بلبيس، وقدومهم نحو الحصن. ~~فهاج الناس وماجوا، وأخذوا يطلون من المنافذ والمرامي ليشاهدوا العرب قادمين، فقضوا ليلتهم ~~ساهرين بعدتهم وسلاحهم، والعرب لم يصلوا، وفي صباح الغد شاهدوا الغبار يتطاير من وراء ~~المقطم، فتحولوا إلى شمالي الحصن يراقبون وصول العرب، فلما كان الضحى تكاثر الغبار وبانت من ~~ورائه الأعلام والفرسان والهجانة، ثم وصلت الساقة، وعسكر الجميع في البقعة التي بين الحصن ~~والمقطم، وكانت كلها بساتين وغياضا لا شيء من العمارة فيها إلا بعض الأديار القائمة مبعثرة هنا ~~وهناك، فنصبوا خيامهم فيما هو الآن جامع عمرو وما يحيط به، فشاهدهم الروم يضربون خيامهم، ~~وينصبون أعلامهم، وكان أركاديوس في جملة الناظرين، فتذكر أيام بلبيس وما كان من أمره ~~هناك. # أما المقوقس فتظاهر بالاهتمام والرغبة في دفع العرب، وذهب إلى الأعيرج وكلمه في شأن معدات ~~الدفاع، وكان الأعيرج يكتم ما يعلمه عن المقوقس والعرب، فأجاب: «إننا لا نلبث أن نعيدهم على ~~أعقابهم، وهم إنما غرهم ما لاقوه من ضعف حامية بلبيس.» # فقال المقوقس: «وإني لأعجب من فتحهم بلبيس وهم في مثل هذا العدد القليل، فإنك لو أشرفت ~~على معسكرهم لرأيتهم شرذمة قليلة لا تلبث أن ترتد خاسرة إذا خرج جندنا إليها.» # فقال الأعيرج مستهزئا بقول المقوقس الدال على الجهل بضروب الحرب: «ليس من الحزم أن نترك ~~حصننا ونخرج إليهم طالما كانت المئونة ملء مخازننا وطريقنا إلى منف مفتوحة، ولكننا نتركهم ~~وشأنهم حتى يملوا الانتظار، فإذا هاجموا الحصن رددناهم بالنبال والحجارة، ms159 فإن الحصن يمتنع ~~على أضعاف أضعافهم؛ لما تعلم من مناعته، وبخاصة بعد حفر الخندق المحيط به، فإن هؤلاء العرب ~~إذا هاجمونا واحتملوا نبالنا منعهم الخندق من الوصول إلى السور، فإذا نزلوا الخندق انغرست ~~أشواك الحديد في أقدامهم وهم حفاة. كل ذلك والنبال تتساقط عليهم من مرامي السور.» # وقضوا ذلك اليوم في مراقبة العدو، والنظر إلى ملابسهم وخيامهم وأعلامهم عن بعد، لأنها ~~تخالف ما عند الروم. # وكان أركاديوس قد راعه كل ذلك عن قرب، فوقف إلى جانب أبيه، وأطلا على بعض المرامي، وأخذ ~~أركاديوس يصف لوالده خيام العرب، فدله على خيمة عمرو، وحظيرة الجمال، وخيام النساء والأولاد، ~~ومواقع الرايات، والأعيرج يعجب ويستغرب لاختلاف ما عندهم عما عند العرب، فلما كان الأصيل ~~رأى أركاديوس رجلا قادما عن بعد ومعه علم أبيض يتبعه رجلان آخران، والكل مشاة، فعلم من ~~لباسه أنه عربي، فأدرك أنه قادم لشأن من الشئون فأنبأ والده، فنادى الرسل من أعلى السور، ~~وأمر بالترجمان فجاء، فلما دنا الثلاثة من الحصن تقدم أحدهم وخاطب الحامية بالقبطية، بلغة ~~دلت على أنه ليس دخيلا فيها، فأغناهم عمن يترجم كلامه، وكان مرقس في جملة الوقوف على ~~السور، فعرف أن المتكلم زياد العربي صاحب يحيى النحوي، ومعه وردان ورجل آخر لم يعرفه، قالوا ~~إنهم جاءوا بكتاب من أميرهم إلى المقوقس، ففتحوا باب الحصن وأدخلوهم، وقد تكأكأ الجند لرؤية ~~لباسهم وهيئتهم، أما هم فساروا بأقدام ثابتة كأنهم دخلوا الحصن فاتحين، فرافقهم بعض الحراس ~~حتى وصلوا إلى غرفة المقوقس، وكان جالسا بجانب الأعيرج، وبجانبه ابنه، وبجانب الأعيرج ~~أركاديوس، وبين أيديهم أرباب المجلس، ومعظمهم من الروم، فدخل وردان وقدم ملفا مكتوبا ~~بالعربية، فأمر المقوقس الترجمان، فتلاه عليهم وإذا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن العاص أمير جند العرب القادم لفتح مصر إلى ~~المقوقس حاكم مصر. أما بعد، فإن الله قد كتب لنا النصر منذ دخلنا هذه الديار، ففتحنا ~~الفرما وبلبيس عنوة، ولا بد لنا من فتح هذا الحصن إن عنوة وإن صلحا، ولا نبالي بمن ~~يقتل ms160 منا في سبيل فتحه، فإن أحدنا ينتظر ساعة الشهادة ليلقى وجه ربه، وها أنا ذا أعرض ~~عليكم واحدة من ثلاث: فإما أن تدخلوا في ديننا فيكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا، ~~وإما أن تؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما السيف، فاختاروا لأنفسكم. # كتبه عمرو بن العاص # فلما أتم الترجمان تلاوة الكتاب تكدر الأعيرج، واشتد به الغضب، ونظر إلى المقوقس كأنه ~~يستشيره في الجواب، فأمر بإخراج الرسل والاحتفاظ بهم حتى يعودوا بالجواب، وأخذ أهل المجلس ~~يتفاوضون، فأظهر المقوقس أن التسليم لا يليق بهم، وهم لم يغلبوا على أمرهم بعد، فأقروا ~~الرأي وأجمعوا على أنهم يختارون السيف، وكتبوا الجواب ومهره المقوقس باسمه؛ لأنه الوالي ~~الذي تصدر الرسائل عنه، وأعطوه إلى مرقس وكان بين يديه، ليوصله إلى رسل العرب، وأمرهم أن ~~يشيعوا الرسل إلى باب الحصن، فلما ذهبوا خاف المقوقس أن يظن عمرو فيه سوءا عندما يقرأ ~~الكتاب، وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب، فذهب إلى غرفته فخلا بابنه، وبحثا الأمر، فقال ~~أرسطوليس: «أرى أن نبعث إلى العرب نستمهلهم الفتح، ونفهمهم أننا على عهدنا معهم.» فقال: ~~«بأي لغة نكتب الكتاب؟ ومن يوصله؟» قال: «يوصله مرقس فإنه يعرف العرب، وأما كتابته فتكون ~~بالقبطية، وترجمانهم يترجمه إلى لسانهم.» # فكتب أرسطوليس كتابا بالقبطية أبان فيه أن الكتاب الذي بعثه أبوه ردا على خطابهم إنما ~~كتبه ليموه به على من معه من الروم، وليريهم أنه يريد دفع العرب، ولكن الحقيقة أنه باق على ~~عهده معهم، ولا يلبث أن يسلم الحصن إليهم ويتفق معهم على شروط الصلح، ولكنه استمهلهم قضاء ~~ذلك حتى سنوح الفرصة. # وجيء بمرقس إلى المقوقس والليل قد أرخى سدوله، فدفع إليه الكتاب، وأوصاه أن يحتفظ به، ~~وسأله: «كيف توصله إلى معسكر العرب؟» # فقال مرقس: «أما الخروج إلى العرب فلا يخلو من الخطر، وهؤلاء الروم قد أساءوا الظن بنا، ~~فهم يراقبون خطواتنا مثل خطوات عدوهم، فإذا اشتبهوا في أحدنا دققوا في استطلاع حاله، فكيف ~~إذا رأوني سائرا ليلا نحو معسكر العرب؟ فالرأي أن أحتفظ ms161 بهذا الكتاب إلى فرصة أذهب فيها ~~إلى منف لغرض ما، ثم أتحول من هناك إلى طريق آخر يؤدي إلى معسكر العرب، فلا يراني أحد.» ~~فاستحسن المقوقس وأرسطوليس رأي مرقس وأبقيا الكتاب معه تلك الليلة ، فذهب إلى مبيته فوق ~~السور، وتذكر طريقة أركاديوس وأرمانوسة، وما لهما عليه من الفضل، أيقن أن مساعي المقوقس هذه ~~تضر أركاديوس، وربما أذاقته حتفه إذا دخل العرب الحصن على غرة، وأن أركاديوس إذا أصيب بسوء ~~عاد ذلك بالوبال على أرمانوسة، وفي هذا ما يسيء والدها وأخاها، كما أن شرا يصيب أركاديوس ~~يسيء والده. # فوقع في حيرة من أمره، فبينما حبه لأركاديوس ولأرمانوسة يدفعه إلى إطلاع أركاديوس على ~~الأمر لينجو هو وخطيبته. تراه يأنف من خيانة المقوقس وهو مولاه ويذهب مذهبه في كره الروم، ~~ثم بدا له في الصباح التالي أن خير سبيل لبلوغ الغايتين في آن واحد إنما يكون في إبعاد ~~أركاديوس عن الحصن عندما يقتحمه العرب، ولا سبيل لإبعاده إلا إذا جاء على يد أرمانوسة لدالة ~~الحب بينهما، وأما أن يترك أركاديوس الحصن فرارا من العرب فهذا مستحيل لما هو عليه من ~~الشجاعة والنخوة. # فلما وضح له الرأي زال قلقه وسكن روعه، وذهب توا إلى مولاه المقوقس، فإذا هو في مجلس ~~الأعيرج وابنه وجميع كبار القواد يتفاوضون، فانتظره حتى خرج، فأومأ المقوقس إليه أن يتبعه. ~~فتبعه حتى وصل إلى غرفته فقال له: «لقد قررنا في جلستنا هذه أن نبقى متأهبين لا نفاجئ العرب ~~بحرب، فربما طال حصارهم وقد نحتاج إلى مئونة، ولذلك رأينا أن نبعث فريقا منا إلى منف، ~~فتطمئن أرمانوسة علينا، فإذا ذهب الناس بأحمالهم فاسلك أنت طريقا آخر إلى معسكر العرب ~~وادفع الكتاب إلى أميرهم.» فقال مرقس: «حسنا يا سيدي، وهل ترى يوم نجاتنا من هؤلاء الروم ~~قريبا؟» وقد أراد مرقس أن يستطلع رأي سيده ليكون على بصيرة من ساعة الخطر، فيسعى في إنقاذ ~~أركاديوس، فقال المقوقس: «إن يوم النجاة قريب، قد يكون بعد بضعة أشهر، ولا يخفى عليك يا ~~ولدي أن استسلامنا ms162 للعرب، أو تسهيل الفتح عليهم، يجب أن يبقى سرا، فإذا استعجلنا الأمر ظهر ~~تواطؤنا على الروم وأننا نحن الذين ساعدناهم، أما إذا طال الحصار فإن الشبهة ترتفع عنا بعض ~~الشيء، فاحذر أن يطلع أحد على شيء مما ذكرته لك.» # فخرج مرقس وفعل ما أوصاه به المقوقس، واطمأن على أركاديوس، فسار مع من ساروا إلى منف، ~~فلقي خطيبته ووالديها، ففرحوا لرؤيته أيما فرح، واستطلعوه الخبر فطمأنهم وبشرهم بالفرج ~~القريب، ومكث عندهم برهة يتمتع بحديث مارية ورؤيتها، وهي لا تدري أتبكي أم تفرح وقد تعاقبت ~~الحوادث من كل جانب. # ثم لقي بربارة فذهب معها إلى أرمانوسة فلما رأته استبشرت، لعلمها بأنه مطلع على أسرار ~~قلبها، عالم بما بينها وبين أركاديوس، وبأحوال والدها وشقيقها في الحصن، فاستطلعته الخبر ~~فقال: «إن العرب نزلوا خارج الحصن، وقد كتبوا إلينا أن نسلم، فأجبناهم بأننا مصرون على ~~الدفاع إلى آخر نسمة من حياتنا.» # فضحكت بربارة وقالت: دعنا من المزاح وقل الحقيقة، فقد علمنا أن مولانا المقوقس أخذ عهدا ~~على أمير العرب؟ أفلا يزالان على العهد؟» # قال: «نعم يا سيدتي، إنهما باقيان على العهد، هذا كتاب من سيدي المقوقس إلى الأمير عمرو ~~بهذا الشأن.» ومد يده وأخرج الكتاب ودفعه إلى أرمانوسة، فقرأته، فلما جاءت على آخره شعرت ~~بانقباض، ولكنها صمتت برهة ثم قالت: «وماذا تكون عاقبة هذا التواطؤ على أركاديوس؟ ألا تظنه ~~يصبح في خطر، وهو شجاع إذا لقي الموت لا يفر منه؟ فما هذا يا مرقس؟ إن العاقبة وخيمة علينا ~~جميعا على ما أرى.» # فابتسم وقال: «طيبي نفسا يا سيدتي، فقد قضيت يوما كاملا أفكر كيف أنقذ سيدي أركاديوس ~~من الخطر، فبدت لي حيلة إذا أطلعتك عليها استصوبتها لا محالة.» # قالت: «وما هي؟» # فأطلعها على ما دبر، فقالت: «بورك فيك، هذا هو الرأي الصواب واحذر أن تبطيء في إخباره، ~~وإني أترك لك ملء الحرية في دعوتك إياه إلي عن قولي، وقد ألقيت الحمل عليك، ولك بعد ذلك ~~الأجر من الله ومني.» # فجثا مرقس أمامها وقال: «إني عبدك ms163 وخادمك، وإذا سفكت دمي في خدمتك لا أفي جزءا من فضلك.» ~~فأنهضته وقالت: «بورك فيك من شهم غيور.» فقبل يدها وقال: «أرجو أن تأمري بإعداد قارب أركبه ~~هذا المساء، وأنزل منه بعيدا عن الحصن ، حتى أصل إلى قبالة معسكر العرب، فأصعد إليهم ~~وأبلغهم الرسالة.» فأمرت بربارة بذلك. أما هو فذهب إلى بيت خطيبته وقضى بقية ذلك ~~اليوم. # الفصل الثاني عشر # | فتح الحصن # بقي الحصن محاصرا والعرب معسكرون حوله سبعة أشهر، جاءهم في أثنائها مدد من الخليفة عمر ~~بن الخطاب مؤلف من أربعة آلاف رجل، فصارت قوة العرب ثمانية آلاف، وفيهم جماعة من نخبة قواد ~~الإسلام. # وقد مضت الأشهر السبعة وأركاديوس على مثل الجمر تشوقا لأرمانوسة. لأن الاتصال كاد أن ~~يكون منقطعا بينهما، فمل الاصطبار، وتاقت نفسه إلى لقياها، وطارت روحه شعاعا إلى مقرها. # ففي ليلة من ليالي الشهر السابع كان أركاديوس في حجرته، وقد أعد فراشه التماسا للرقاد، ~~لعله يرى طيف حبيبته في منامه، وتوسد الفراش، ولم يكد يفعل حتى جاءه أحد الحرس ينبئه بمجيء ~~مرقس فاختلج قلبه في صدره، توقعا لأن يكون قادما برسالة من أرمانوسة، فأذن له، فدخل وسلم، ~~فقال له: «ما وراءك يا مرقس؟» فقال: «ما ورائي إلا الخير.» قال: «قل.» فدفع إليه رقا ~~ففضه، فإذا هو من أرمانوسة تقول فيه: # من أرمانوسة إلى حبيبها أركاديوس. أما بعد فإذا كانت أرمانوسة لا تزال تخطر في ~~خاطرك، أو ما برحت حياتها تهمك، فأسرع إليها بمنف عند وصول هذا إليك، والسلام. # فلم يكد يتلو الكتاب حتى تغير لونه، وانقبضت نفسه خوفا على أرمانوسة، وقال لمرقس: «هل ~~جئت بهذا الكتاب منها، أم هي أرسلته إليك مع رسول؟» قال: «بل أرسلته مع رسول دفعه إلي وكر ~~راجعا.» # فقال: «إنها تدعوني فيه لأذهب على جناح السرعة، ولكنها لم تذكر سبب هذه الدعوة.» # قال: «خيرا إن شاء الله، فهل أزمعت الذهاب؟» # قال: «لا بد من ذلك، ولكن كيف أترك الحصن ونحن محاصرون، والعرب محدقون بنا من كل جانب؟» # قال: «تذهب متنكرا، فتقضي ساعات ms164 عندها ثم تعود ولا يعلم بك أحد.» # قال: «نذهب إذن بعد نصف الليل متنكرين كأننا من جواسيس أركاديوس، فإذا ظنوا بنا سوءا قلنا ~~لهم شعار الجند المتفق عليه الليلة، فهل تذكره؟» # قال: «نعم، إن الشعار الليلة لفظ هرقل.» فاتفقا على ساعة من الليل يجتمعان بها في ناحية ~~من الحصن، ثم التقيا وجاءا إلى الباب بلباس جند المقوقس، فحاولا فتحه فنهض الحراس ومنعوهما ~~من الخروج، فذكرا شعار الليل، فأطلقوا سراحهما فخرجا، وكان مرقس قد أعد قاربا عند الضفة ~~فركباه، وأوصى النوتية أن يسرعوا ما استطاعوا ليصلوا إلى منف عند الضحى، فسار القارب والكل ~~سكوت، وأركاديوس يستحث النوتية، ويحسب لخروجه هذا ألف حساب خوفا من غضب أبيه. حتى وصل إلى ~~منف، وأطل على قصورها، فكان أول ما شاهده قصر أرمانوسة؛ لأنه أعلاها كلها، ولم يكن قد دخله ~~من قبل، فأخذ يستعد لمقابلة حبيبته بعد طول الغيبة. # أما هي فكانت تتوقع قدومه، وقد أرسلت بعض الخدم مع بربارة لاستقباله خوفا من انكشاف ~~الأمر، ولبثت هي في الحديقة تنتظر قدومه وقلبها يخفق وركبتاها ترتعشان، وكلما آنست صوتا أو ~~رأت شبحا ظنته أركاديوس، فأخذت تتمشى في طرقات الحديقة تتلهى بمشاهدة الأزهار وتقف طورا ~~عند أقفاص الحيوان تتشاغل بمراقبة حركاتها، حتى سمعت وقع أقدام، ثم دخل اثنان بلباس جند ~~القبط ومعهما بربارة، فعرفت أنهما أركاديوس ومرقس، فتقدمت إليهما، فأشارت بربارة إليهم ~~جميعا أن يصعدوا إلى القصر، فصعدوا، ثم استأذن مرقس وسار إلى خطيبته، ودخل أركاديوس ~~وأرمانوسة غرفتهما، وبربارة معهما، ولم يصدقا أنهما مجتمعان حتى سلما وتصافحا، فقبض ~~أركاديوس على يدها فأحس بكهربية ارتعش منها جسمه، ونسي الحصن وأهله والعرب والروم، ولكنه ما ~~برح في قلق لمعرفة سبب استقدامها إياه على هذه الصورة، فوقفا برهة لا يتكلمان، ولحظ ~~أركاديوس في وجه أرمانوسة نحولا وذبولا فانفطر قلبه، وكانت بربارة قد أعدت لهما مائدة ~~عليها أنواع الأطعمة والأشربة، فلما جلسا قالت أرمانوسة: «مرحبا بالقادم، بعد طول الغياب، ~~قد كنا نحسب الحصار على الجند في الحصن فقط، فإذا هو حصار ms165 علينا أيضا.» # فقال: «لا تبدئي بالعتاب قبل أن تخبريني عن سبب استقدامك إياي بعبارة مبهمة شغلت بالي ~~وأكثرت عندي الظنون.» # قالت: «ما دعوتك إلا لأراك، فقد قضيت سبعة أشهر منذ ودعتك المرة الأخيرة، وأنت تنظر إلي ~~من نافذة الحصن، وأنا لا يرتاح لي بال ولا أذوق رقادا حتى صرت إلى ما تراه من الضعف، وخشيت ~~أن يكون ذلك الوداع آخر عهدنا باللقاء، لا سيما أننا في حال توجب الاضطراب والخوف. ألا تزال ~~على عزمك تخوض معامع القتال غير مبال بما يقاسيه هذا القلب؟» # قال: «إنما أحب الحرب يا أرمانوسة من أجلك؛ لأدافع عنك، وأستقبل السيوف والنبال تعزيزا ~~لمقام خطيبك عندك.» # فقطعت عليه الكلام قائلة: «إن كنت تحبني وتبغي رضاي فأقلع عن القتال، ودع الحصون، وابق ~~إلى جانبي، فإني لا أستطيع صبرا على بعدك.» # فتنهد وقال: «نعم إني أحبك، وأنت تعلمين ذلك، ولكنني أحب شرفي، وأحب وطني أيضا، أتريدين ~~مني أن نترك حصوننا غنيمة لهؤلاء العرب القادمين إلينا من أقصى بادية الحجاز، ونحن الروم ~~أرباب المجد والسطوة، وقد رفعت أعلامنا على هام الأمم، ودانت لنا الملوك والقياصرة؟! أنفر من ~~البدو رعاة الإبل؟! أترضين لي ذلك؟!» وكان يكلمها والعرق يتصبب من جبينه لعظم تأثره. # قالت: «كلا، فما قصدت إلى الحط من مقامك، فإني أفاخر الناس ببطولتك وبسالتك، ولكنني ~~اعتزمت ألا أفترق عنك بعد اليوم أبدا، وهذا هو سبب استقدامي إياك.» # فنهض مذعورا وقال: «أصحيح ما تقولين يا أرمانوسة. هل تريدين لي هذه الخيانة؟ ألا تخجلين ~~إذا ذكر أركاديوس أن يقال إنه جبان يفر من الحرب؟ لا أظنك ترضين بذلك.» # قالت: «قلت لك إني لا أرضى لك حطة، ولكنني لا أرضى أن تعرض نفسك لحرب لا أمل بالفوز ~~فيها.» # فعجب لقولها هذا وقال لها: «وما أدراك؟! أتحسبين جند هذا الحصن كجند بلبيس والفرما؟! أما ~~الفرما فلم يكن فيها أحد من الروم على ما أعلم، أم أنت تستخفين بي؟!» # قالت: «رأيت فيما يرى النائم أن الحصن أخذ، وخفت أن يصيبك شر، فاستقدمتك إلي على ms166 ألا يفرق ~~بيننا إلا الموت، فإذا سرت سرت معك، أو قعدت قعدنا معا. هذا قولي، والسلام.» # فتلطف بالجواب تخفيفا لما ثار في قلبه، وقال: «تعقلي يا حبيبتي، فقد صبرت أشهرا فاصبري ~~أياما، وسترين العاقبة كيف تكون، ولو تركني أبي أفعل ما أريد لخرجت إلى جند العرب المعسكر ~~حول الحصن بشرذمة من رجالي فقط، وبددتهم أيدي سبا، ولكنني أعمل برأيه مكرها. أما إذا نشبت ~~الحرب واحتدم الوطيس فالفوز لنا لا ريب فيه بإذن الله.» # فتبسمت ثم قالت: «وهب أنكم حاربتم العرب في هذا الحصن ثم خرجتم منه إلى غيره فإنك تحاصر ~~في ذاك أيضا، ثم تذهب إلى حصن آخر، وهكذا، وتترك أرمانوسة في زوايا النسيان لا تنام الليل ~~خوفا عليك. أيرضيك هذا؟» # قال: «حاش لي أن أنسى أرمانوسة، أو أغفل عن راحتها، وأعدك وعدا شافيا أن واقعة هذا ~~الحصن ستكون الحد الفاصل، فإذا بقيت بعدها لم أفارقك أبدا.» # قالت: «أتقسم لتفعلن هذا؟» فأقسم بشرفه وبمحبتها أنه إذا انقضى أمر هذا الحصن سواء لهم ~~أم عليهم فلن يعود إلى حرب أو إلى فراق. # وطال بهما الحديث حتى صارت الشمس في الأصيل، فقال أركاديوس: «أراني قد نسيت واجبي، فتركت ~~معقلي وجندي على حين غفلة وجئت، وقد طال بي المقام. هلا أذنت لي بالذهاب، وموعدنا قريب إن ~~شاء الله.» # فأمسكته تريد إقناعه بالبقاء قليلا وهو يعتذر، وإذا ببعض الخدم داخل وعلى وجهه إمارة ~~البغتة. # فقالت بربارة: «ما الخبر؟» فقال: «رأيت سفنا قادمة من الحصن.» فأطلت أرمانوسة من شرفة ~~القصر، وأطل أركاديوس، فإذا السفن سفنهم، وفيها بعض رجالهم، فاختلج قلبه في صدره، وما لبث ~~أن جاء قارب عليه بضعة من رجال المقوقس. # فاستقدمتهم بربارة إلى القصر، فصعدوا وهم يتأففون، وعلى وجوههم ملامح البغتة والخوف. ~~فتقدمت أرمانوسة وكلمتهم وأركاديوس منزو يسمع، فقالت لهم: «ما وراءكم؟» فتقدم أحدهم وقال: ~~«إن المقوقس بعثنا إليك لتكوني على أهبة السفر إذا اقتضت الحال.» # فوقف أركاديوس مذهولا، ولكنه لم يتكلم، فقالت أرمانوسة: «وما الداعي لهذا التأهب؟» قال: ~~«لأن العرب دخلوا الحصن ms167 في هذا الصباح على حين غفلة، وخرج سيدي المقوقس ومن بقي من الجند ~~إلى جزيرة الروضة على الجسر الذي كانوا قد نزعوه، فأعادوه ومروا عليه، ونحن نتوقع أن ~~يتعقبهم العرب ويضطروهم إلى المجيء إلى هنا.» # فلما سمع أركاديوس بسقوط الحصن ترقرقت الدموع في عينيه، فتوارى وراء حائط الشرفة لئلا ~~يلحظ أحد منه ذلك، وجعل يحرق أسنانه ويتأوه. أما أرمانوسة فرأته بهذه الحال، ولم يكن سقوط ~~الحصن شيئا غير متوقع عندها، ولكنها تظاهرت بالاستغراب أمام أركاديوس لكي تنطلي الحيلة ~~عليه، فلما رأته على هذه الحال تركت الجندي يتكلم مع بربارة، ودنت منه على الشرفة بحيث لا ~~يراها أحد، وأمسكت بيده فإذا بدموعه تتساقط على خديه وهو لا يبدي حراكا، فقالت له: ~~«أأركاديوس يبكي؟! لقد صدق القائل: «لا تذكر الحزن إلا إذا رأيت دموع الأبطال!» مالك يا ~~حبيبي؟» فلم يجب لأن العبرات خنقته، فقالت: «ما بالك لا تجيب؟» فحرق أسنانه وتنهد، وهو ~~يتميز غيظا، ولم يجب، فأمسكت بيده فإذا هي باردة ترتجف، وأراد جذبها منها فضغطت عليها ~~وقالت: «لماذا لا تجيب يا أركاديوس؟» # فالتفت إليها والدمع ملء عينيه وقال: «كيف لا أبكي يا أرمانوسة وقد خرج الحصن من أيدينا، ~~وأنا محبوس هنا لا أستطيع حراكا؟ ومن الغريب أن هؤلاء الرعاة لم يفعلوا ما فعلوه إلا ~~وأركاديوس بعيد عنهم. ولكن آه يا أرمانوسة! آه من الحب! ما أعظم سلطانه، إن الحب وحده كان ~~سبب سقوط هذا الحصن، فقد كان في وسعي ملاقاة الشر قبل وقوعه، ولكن حبي لأرمانوسة حملني على ~~التجاهل، فالعرب لم يغلبونا، ولكنها خيانة أنا شريك فيها على غير قصد، والحب يعمي ويصم. آه ~~منه!» # فأدركت أرمانوسة مراده، فعمدت إلى مغالطته لئلا يزداد غضبه فقالت: «اجلس يا حبيبي ريثما ~~نسأل هذا الرسول عن كيفية سقوط الحصن لعلنا نكشف أمرا جديدا.» # قال: «وماذا عسى أن تكشفي؟! فقد كشفت الحقيقة، وعرفت سر الأمر، فهل أستطيع بعد هذا كله أن ~~أواجه أبي وأنا لا أدري ما يكون ظنه في، ألا يعدني شريكا في الخيانة؟» ms168 قال ذلك وهو يحاذر ~~أن يسمعه الرسول أو يعلم به، وقد شاقه أن يعرف كيف سقط الحصن، فقال لأرمانوسة: «اسأليه عن ~~الحصن كيف سقط؟» # فعادت إلى الجندي، وكان في انتظارها مع بربارة، فقالت: «احك لنا كيف دخل العرب الحصن؟» ~~فقال: «لا نعلم كيف دخلوه، ولكننا أصبحنا فإذا هم يتسلقون الأسوار، وكان سيدي المقوقس قد ~~أمرنا بالخروج إلى جزيرة الروضة فعبرنا على الجسر وأقمنا هناك.» # فقالت: «ألم تدفعوا العرب عند دخولهم؟» قال: «فعلنا، ولكن جند الروم دافعوا قليلا، ولم ~~يترك العرب لنا فرصة للدفاع.» # فقالت: «هل جاء أبي إلى جزيرة الروضة؟» # قال: «نعم يا سيدتي، ومعه رجال حكومته وسائر جنده.» # فقالت: «وماذا جرى للأعيرج ورجاله؟» # قال: «أظنهم ساروا إلى الإسكندرية ليتحصنوا فيها.» # فقالت: «أذهب وحده أم سارت معه حاشيته؟» # قال: «أظنهم ساروا جميعا على غير نظام؛ لأنهم إنما خرجوا من الحصن فارين، ولكنني لم أر ~~ابنه أركاديوس معهم، ولم أره أبدا، والناس يتحدثون بشأنه، ويزعمون أنه قتل أو فر قبل دخول ~~العرب الحصن.» # فقالت وهي تصرفه: «سنتأهب للرحيل طوعا لأمر أبي.» ودعت بربارة وقالت: «يجب أن نتأهب. ~~ولكنني في قلق على أبي، فلنرسل إليه من يأتينا بتفصيل الواقعة، فقد لا يكون هناك داع ~~للسفر.» # أجابت بربارة: «ليس لهذه المهمة أليق من مرقس، وهو الآن عند خطيبته.» فبعثوا إليه فجاء ~~مسرعا، ولما أخبرته بربارة خبر الحصن لم يستغرب. لأنه كان على بينة من قرب سقوطه، فقالت ~~له: «أين مارية؟» قال: «في البيت مع أبويها.» قالت: «فليأتوا إلينا جميعا، وليقيموا في ~~القصر، وأما أنت فإذا رأيت ثم حاجة إلى فرارنا فعد إلينا مسرعا.» # قال: «سمعا وطاعة.» وخرج فجاء بخطيبته ووالديها، وودعهم جميعا، وسأل عن أركاديوس فدلوه ~~على مكانه، فذهب إليه وقبل يده، فإذا بأثر الدمع يبدو في عينيه، وأمارات اليأس ظاهرة على ~~وجهه، فتناثرت الدموع من عيني مرقس، ووقف أمام أركاديوس وقال: «ما بال سيدي يبكي وهو البطل ~~المجرب الذي لا تهزه الحوادث؟ فهل يبكيك الفشل مرة، وأنت تعلم أن الحرب سجال؟! وأمد ms169 الحرب لا ~~يزال طويلا.» # فتنهد أركاديوس وقال: «دعني يا مرقس، إن كلامك هذا لا يعزيني، فما أنا ممن ييأسون من ~~النصر، والانكسار في الحرب لا يوجب يأسا؛ لأن القتال سجال كما قلت، ولكنني حزين لأني ~~تعاميت عن حقائق كنت أراها رأي العين، وأحسب أنني لم أرها، وأكذب نفسي، لا لجهل أو سذاجة، ~~بل لغشاء غطى عيني وأعمى بصيرتي، وشاغل شغلني عن أبي ووطني، ألا وهو الحب، وأظنك خبرت شيئا ~~منه وعرفت سلطانه، ولولا تلك الغشاوة لاستطعت إنقاذ الحصن ومن فيه، وإرجاع هؤلاء العرب على ~~أعقابهم إلى مراعي إبلهم وماشيتهم. إنما لقد سبق السيف العذل، فأنا شريك في الخيانة، وعون ~~على تسليم الحصن للعرب، أفلا يحق أن أبكي وأندب سوء حظي، ألا أرثي حياتي، وقد أضعت رشدي، ~~وأصبحت آلة لا إرادة لها؟ أرى اللص ينقب بيتي فأتغافل عنه، فإذا أتم النقب تركت البيت له ~~يفعل به ما يشاء.» # فأدرك مرقس أن أركاديوس لم يكن غافلا عن تواطؤ المقوقس مع العرب، فتجاهل وقال: «إني لا ~~أرى أن سيدي أركاديوس قد أتى أمرا يلام عليه؛ فإنك عمدة جند الروم وخير أبطالهم، ولم تخرج ~~من الحصن فارا، والعناية قدرت لك النجاة من عار الفرار، ولو أراد الله سلامة الحصن ما خرجت ~~أنت منه ولا دخله العرب، ولكنها مشيئته، فخفف عنك، وها أنا ذا ذاهب للبحث عن تفصيل الواقعة، ~~وسأعود إليكم بالخبر اليقين.» وودعه وخرج، فناداه أركاديوس فعاد فقال له: «تفهم جيدا، ~~وأخبرني ما عدد الجند، وقل للمقوقس إن علينا أن نعيد الكرة على هؤلاء العرب من الجزيرة، فإن ~~آنست منه قبولا فأخبرني، فإني لأبلون فيهم بلاء حسنا، ولا أقعد حتى أعيدهم على أعقابهم أو ~~أقتل، ولا تنس أن تبحث عن أبي أين هو الآن، واحذر أن يعلم أحد أني هنا.» قال: «سمعا ~~وطاعة.» # الفصل الثالث عشر # | عقد الصلح # ساء أرمانوسة كثيرا كدر أركاديوس، ولكن سرها نجاح حيلتها، ولم تكن تخشى بأس العرب لعلمها ~~أن أباها ضالع معهم، فانصرف همها إلى تخفيف وقع المصيبة على ms170 أركاديوس وحمله على التسليم بما ~~حدث، فلما ذهب مرقس أمرت بطعام فأعد لهم، والشمس قد مالت إلى المغيب، فجلسوا إلى المائدة ~~وأركاديوس يحسب أنه في حلم، ولا يكاد يصدق خبر سقوط الحصن وفرار حاميته ، فقال لأرمانوسة: ~~«أراني في حلم، ولا أستطيع تصديق الخبر. أيدخل هؤلاء العرب الحفاة العراة حصوننا ونحن جنود ~~الروم لنا العدة والسلاح وهم شرذمة قليلة، إنها لخيانة أو لعله سحر أو لعله غضب من الله!» ~~فقالت أرمانوسة: «لعله الأخير»، وتبسمت تريد مداعبته، فاستمر قائلا: «ولنفرض أنهم أخذوا ~~الحصن، فلسوف يخرجون قهرا؛ فإنه سهل علينا أن نحصرهم فيه، ونقطع عنهم المئونة برا وبحرا ~~حتى يسلموا أو يهلكوا جوعا؛ إذ لا سبيل لهم إلى المئونة لأن بينهم وبين بلادهم شقة بعيدة ~~وجنودنا تملأ القطر.» # فقالت أرمانوسة: «سوف نرى.» وقد آلت ألا تدعه يبتعد عنها مهما يحدث، وبعد أن تناولا شيئا ~~قليلا من الطعام نهض الجميع وذهب كل واحد إلى حجرة نومه، فلما أصبحوا وجدوا أهل منف في قلق ~~يتأهبون للفرار، وأما أرمانوسة فلبثت يومها تنتظر عودة مرقس، فقضوا نهارهم في الانتظار ~~والقلق، وكان أركاديوس قد خف يأسه وعادت إليه آماله في استرجاع الحصن، وفي اليوم الثالث، ~~أطلوا من شرفة القصر فرأوا قارب مرقس فعرفوه، فدنا وصعد إليهم وجلس يقص عليهم رحلته، وكلهم ~~آذان وأعين، وليس في الغرفة إلا هو وأرمانوسة وأركاديوس وبربارة، وهذا ما حكاه: # وصلت إلى الجزيرة مساء أمس الأول فوجدت جندنا معسكرا فيها، فذهبت إلى سيدي ~~المقوقس فقبلت يده ويد سيدي أرسطوليس وطمأنتهما على سيدتي أرمانوسة، وقضينا الليل ~~في حديث الحصن، فعلمت أنه أخذ مفاجأة وأن العرب مقيمون به الآن، وأما جند الروم ~~فساروا إلى الإسكندرية، وفيهم مولاي الأعيرج، وقد فهمت من حديث سيدي المقوقس أن ~~الناس في ريب من أمر سيدي أركاديوس، فمن قائل إنه قتل قبل فتح الحصن وقائل إنه فر ~~بعد الفتح، وظن بعضهم أنه قتل وضاعت جثته - حرسه الله - وعلمت أيضا أن سيدي ~~المقوقس بعث إلى أمير العرب يعرض عليه صلحا على أمر ms171 فيه خير للفريقين، وأرسل إليهم ~~قاربا يركبه وفدهم إلينا، فبتنا ليلتنا وأصبحنا ننتظر مجيء الوفد، فلما كان الضحى ~~جاءنا نبأ بأنهم وصلوا إلى الجزيرة، فبعث سيدي وفدا استقبلهم عند الشاطئ وجاءوا ~~بهم إليه، وكان في مجلسه، وأنا بين يديه، فما لبثنا أن رأينا الوفد قادمين، وكانوا ~~عشرة من البدو، وقد رأيت أزياءهم في بلبيس، وتقدم واحد منهم لم أر أفظع منه منظرا، ~~أسود فارع الطول، ضخم الجثة، قالوا إنه زعيمهم وخطيبهم، واسمه عبادة بن الصامت، وقد ~~رأيت منه جرأة لم أعهدها في أحد من الناس حتى اليوم، ولحظت أن سيدي وأهل مجلسه ~~هابوا منظره، وكأني سمعت سيدي يطلب منهم أن يستبدلوا به غيره فقالوا: «هو كبيرنا ~~المقدم فينا.» فقال له سيدي والترجمان ينقل كلامه: «تقدم يا أسود وكلمني برفق، فإني ~~أهاب سوادك.» فتقدم وقال: «فهمت قولك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم ~~أشد سوادا وأفظع منظرا، وأشد هيبة مني، وقد وليت وأدبر شبابي، ولكني بحمد الله لا ~~أهاب مائة رجل، وذلك لرغبتنا في الجهاد واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب ~~الله لرغبة في الدنيا، ولا زيادة فيها، إلا أن الله عز وجل قد أحل لنا ذلك، وجعل ما ~~غنمنا منه حلالا، وما يبالي أحدنا إن كان له قنطار ذهب أو درهم واحد؛ لأن غاية ~~أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها ليسد بها جوعه ليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان لا ~~يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في سبيل الله، واقتصر على هذا ~~الذي في يده؛ لأن نعيم الدنيا ليس نعيما، ورخاءها ليس رخاء، إنما النعيم والرخاء ~~في الآخرة، وبذلك أمرنا الله وأمر به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا الدنيا ~~إلا ما يمسك به جوعه ويستر به عورته، وأن تكون همته وشغله في رضوانه وجهاد عدوه.» # فلما سمع سيدي هذا الكلام قال لنا بالقبطية: «هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط، لقد هبت ~~منظره، وإن قوله لأهيب. إن الله أخرج هذا ms172 وأصحابه لخراب الأرض، وما أظنهم إلا الغالبين.» ثم ~~التفت إلى عبادة وقال له: «أيها الرجل الصالح قد سمعت قولك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ~~إنكم لم تبلغوا ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليهم إلا لحبهم الدنيا ~~ورغبتهم فيها، وقد توجه منا لقتالكم جمع من الروم لا يحصى عددهم، عرفوا بالنجدة والشدة، ما ~~يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقدروا عليهم ولن تطيقوهم لضعفكم ~~وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم في ضيق وشدة ومسغبة، وها نحن أولاء نعرض عليكم ~~الصلح على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين ولأميركم مائة دينار، ولخلفيتكم ألف دينار تأخذونها ~~وتنتقلون إلى دياركم قبل أن يغشاكم ما لا طاقة لكم به.» فأجابه عبادة: «لا تغرن نفسك ولا ~~أصحابك، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا ~~مما يخيفنا، ولا الذي يثنينا عما نحن فيه، وإن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في ~~قتالهم، وأشد لحرصنا عليه؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه وقد قتلنا عن آخرنا، ~~فهذا أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما شيء أقر لأعيننا ولا أحب لنا من ذلك، وإننا منكم حينئذ ~~لعلى إحدى الحسنيين، فإما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ~~ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله عز وجل قال في كتابه: «كم ~~من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين»، وما منا إلا من يدعو ربه ~~صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلاده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، ~~وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل منا ربه أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا، وأما ~~قولك إننا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا فنحن في أوسع السعة، ولو كانت الدنيا كلها لنا ما ~~أردنا منها لأنفسنا أكثر ms173 مما نحن عليه، فانظر الذي تريده فبينه، فليس بيننا وبينك خصلة ~~نقبلها منك ونجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث خصال، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك بالباطل. ~~بذلك أمرني الأمير، وبه أمر أمير المؤمنين ، وهو عهد رسول الله من قبل إلينا، أما إن أجبتم ~~إلى الإسلام دين الله القيم الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، والذي ~~أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا ~~وكان أخانا في دين الله، أما إن أجبت إلى هذا وقبلته أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا ~~والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم، وإن أبيتم فأدوا إلينا الجزية ~~عن يد وأنتم صاغرون، على أن نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا ~~وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم ~~إن كنتم في ذمتنا وكان لكم به عهد علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا السيف حتى نموت ~~عن آخرنا أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذي ندين الله تعالى به ولا يجوز لنا فيما بيننا ~~وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم.» # فعجبنا لجرأته وقوة جأشه، فأجابه سيدي: «هذا ما لا يكون أبدا. ما تريدون إلا أن تتخذونا ~~عبيدا ما كانت الدنيا.» فقال عبادة: «هو ذاك، فاختر لنفسك ما شئت.» فقال سيدي: «أفلا ~~تجيبوننا إلى غير هذه الخصال الثلاث؟» فرفع عبادة يده إلى السماء حتى كادت تدرك سقف الغرفة ~~لطولها وقال: «ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، ورب كل شيء، مالكم عندنا خصلة غيرها، ~~فاختاروا لأنفسكم.» # فالتفت سيدي إذ ذاك إلى أرباب مجلسه وقال: «قد فرغ القوم، فما ترون؟» فقالوا: «أيرضى أحد ~~بهذا الذل؟! أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح ابن ~~مريم وندخل في دين لا نعرفه، وأما أن يسبونا ويجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ms174 ذلك، فلو رضوا ~~أن نضاعف لهم ما أعطينا مرارا كان أهون علينا.» فقال سيدي لعبادة: «أبى القوم فما ترى؟ ~~فراجع أصحابك على أن نعطيهم في مدتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.» # فقال عبادة وأصحابه: «لا .» فقال سيدي لأرباب مجلسه: «أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من ~~هذه الثلاث، فوالله مالكم بهم طاقة، ولئن لم نجبهم إليها طائعين لنجيبنهم إلى ما هو أعظم ~~كارهين.» # فقالوا: «وأي خصلة نجيبهم إليها؟» قال: «أما دخولكم في غير دينكم فلا يسلم أحدكم به، ~~وأما قتالكم فأنا أسلم أنكم لن تقدروا عليهم ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة.» قالوا: ~~«فنكون لهم عبيدا أبدا؟!» قال: «نعم، تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم ~~وأموالكم وذراريكم، فأطيعوني قبل أن تندموا.» فرضوا بالجزية على صلح يكون بينهم يعرفونه. ~~فقال سيدي للأسود: «قل للأمير أن يجتمع بنا لنكتب عهد الصلح.» # ثم خرج الوفد وأهل الجزيرة يشيعونهم بأنظارهم، وقد بهروا لما شاهدوا من جرأتهم، ولبثنا ~~ننتظر مجيء أميرهم عمرو، فلما كان أصيل أمس علمنا بمجيئه، فخرج سيدي لمقابلته على الضفة، ~~ولا أزيدكم علما على ما تعلمونه من هيبة عمرو بن العاص، فقد رأيتموه في بلبيس، فلما التقيا ~~تصافحا ودخل الجميع القاعة، فصارت تعج عجيجا لاختلاط القبط بالعرب، لأول مرة، ولم يأت ~~المساء حتى كتبوا الصلح بينهما في اللغتين، وأمضاها الفريقان، وقد تمكنت من استنساخها وهذا ~~هو ذا نصها: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على ~~أنفسهم ودمهم وأموالهم وكافتهم وصاعهم ومددهم وعددهم، لا يزيد شيء في ذلك ولا ينقص، ~~ولا يساكنهم النوبة، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية، إذا اجتمعوا على هذا الصلح، ~~وانتهت زيادة نهرهم، خمسين ألف ألف، وعليه ممن جنى نصرتهم، فإن أبى أحد منهم أن ~~يجيب رفع عنهم من الجزية بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم عن غايته إذا ~~انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة فله ما لهم وعليه ما ~~عليهم، ومن ms175 أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ويخرج من سلطاننا، وعليهم ما ~~عليهم أثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم. على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته ~~وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا ~~وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا، على ألا يغزوا، ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا ~~واردة. شهد الزبير، وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر. # ولما كتب على هذه الصورة قرئ على الحضور من القبط والعرب باللغتين، فتصافح الفريقان ~~وصاروا جميعا يدا واحدة، ثم كتب سيدي إلى البطريق حاكم الإسكندرية يخبره بالأمر، ولا ندري ~~ما يكون جوابه. # وفيما كان مرقس يتكلم كانت أرمانوسة وبربارة ترقبان أركاديوس وما يبدو منه. أما هو فكان ~~مصغيا إلى مرقس وقلبه يتقطع، ويكاد يتميز غيظا، حتى سمع شروط الصلح، وأن العرب والقبط ~~تصافحوا بعد كلام المقوقس وتثبيط عزائم رجاله، فوثب بغتة ونادى: «يا للعار، قد قضي الأمر يا ~~أرمانوسة، لم يبق لي مقام بهذه البلاد، فها هو ذا والدك قد أتم ما كان يبغيه من صلح العرب، ~~ولم تبق لنا حيلة في دفعهم عنا، وليس في طاقتي أن أنظر إلى أبيك، وقد تحققت الآن أنه هو ~~الذي ساعد العرب على فتح الحصن وإخراج جندنا منه، فالإقامة هنا لا أستطيعها، وقد عاهدتك ~~وأقسمت لك الأيمان المعظمة أن لا أفارقك بعد واقعة الحصن، فها قد انتهت الواقعة، فنحن - أنا ~~وأنت - روح واحد، وبقاؤنا هنا تحت سلطة هؤلاء البدو مستحيل، وإذا ذهبنا إلى الإسكندرية فلا ~~آمن غضب أبي لأنه علم بمساعي أبيك، فلا يرضى ببقائنا معا، فما الحيلة إذن؟» قالت: «إني ~~رهينة أمرك.» # قال: «اعلمي يا أرمانوسة أن أباك قد ارتكب خيانة لن تمحو ذكرها الأيام؛ لأنها ستؤدي إلى ~~خروج وادي النيل من أيدينا إلى أيدي العرب، فإذا عرف هؤلاء المحافظة عليه طالت إقامتهم به ~~قرونا. لأنه من خير بلاد الله تربة وأكثرها خصبا، فجعله أبوك غنيمة باردة للعرب، وأصبحت ~~الروم ومنازلهم وما ملكت أيمانهم في ms176 قبضة هؤلاء العرب. إنها خيانة لا أستطيع عليها صبرا، ~~فإقامتي معه ضرب من المستحيل، ولولا حبك الراسخ في هذا القلب لسعيت إلى قتله بهذا الحسام.» # وكانت أرمانوسة أثناء كلامه مطرقة خجلا لما أتاه والدها ، وكأنها استيقظت من سبات فأدركت ~~كنه الجريمة فلم تحر جوابا. # فأتم هو كلامه وقال: «ولكنني لا أمسه بسوء إكراما لعيني أرمانوسة، وطالما دافعت عنه عند ~~أبي، وكثيرا ما غالطته، مع علمي بالخيانة، فكأني شاركته فيها، وأنا لا أصبر على جواره، ~~فإذا أطعتني هجرنا هذه البلاد، وأقمنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد إلى أن يقضي الله بما ~~يشاء.» # فقالت: «إني معك حيثما توجهت؟» # فقال: «أما والحالة هذه فلنترو ولنتعقل، فنحن الآن متحدان قلبا، فلندع قسيسا يتم عقد ~~اتحادنا الجسدي.» # وكان مرقس وبربارة يصغيان ليعلما عاقبة الحديث، واستحسنا الرأي، فأسرع مرقس فجاء بقسيس من ~~منف فصلى وبارك قرانهما، فلما تمت صلاة الإكليل قال مرقس: «وأنا لا إقامة لي هنا بعدكما، فهل ~~تسمحان بأن أكون في خدمتكما أنا ومارية؟» # فنصحا له بألا يلقي بنفسه فيما هو في غنى عنه، فأصر، وبعث إلى مارية ووالدها فحضرا ~~فأنبأهما بقصده، فقالا: «نحن نسير معكم أيضا، ثم صلى القسيس وعقد قران مرقس بمارية. ~~••• # خلا أركاديوس بأرمانوسة يتشاوران، فقر رأيهما على الذهاب إلى بلد لا يعرفهما فيه أحد، ~~أما أرمانوسة فإنها لما تحققت أنها أصبحت زوجة أركاديوس، وسكن قلقها عليه، انتبهت وكأنها ~~أفاقت من سبات: كيف تعقد قرانا لا يعرفه أبوها؟ وشعرت أنها أثمت في حق أبيها، وبأنها خرجت ~~من بيته في غيابه، ثم تخيلته وقد جاء منف على أثر ما قاساه في أمر الحرب ولم يجدها في منزله، ~~ولم يعرف أين هي، وقد كانت منذ حداثتها تسليته الوحيدة بعد وفاة والدتها، ولم يكن يهمه شيء ~~لا يهمها، ولولا اشتغاله بالحرب ومعداتها لما فارقها يوما واحدا، فقد كان ينتظر عودته إلى ~~منف بفارغ الصبر ليقضي بقية أيامه بجانبها، فكيف يأتي ولا يجدها، وهي تعلم منزلتها عنده؟ ~~فجعلت هذه الهواجس تجول في خاطرها، وتتجاذبها وهي ms177 صامتة، وأركاديوس يفكر في مثل ذلك، لأن ~~حاله تشبه حالها من هذا القبيل، وبعد أن صمتا برهة هب أركاديوس فجأة ورفع يده إلى صدره، ~~وجعل يبحث بين أثوابه كأنه أضاع شيئا، فنظرت أرمانوسة إليه فرأت البغتة والقلق باديين عليه ~~فقالت: «ما بالك يا حبيبي؟ ما الذي جرى؟» # قال: «لقد أضعت شيئا لا تقل خسارته عن خسارة هذا الحصن.» # قالت: «وماذا عساه أن يكون ذلك؟» # قال: «أضعت الصليب الذي أهديتنيه، وقد كان معلقا في صدري تحت ثوبي حتى ليلة مجيئي إليك، ~~وكنت أخرجه لأقبله وأنا أنزع ثيابي للرقاد، ووضعته أمامي، ثم جاءني رسولك على عجل، فاضطررت ~~إلى المجيء عملا بأمرك، فلبست ثيابي ونسيته هناك، وإني لأتشاءم أن نجتمع ويضيع الصليب؟» # قالت: «وكيف تستطيع الوصول إليه، وفي دخولك الحصن بعد احتلال العرب ما فيه من الخطر؟» # قال: «أرى أن أصطحب مرقس إلى الدير؛ فهم يعرفون أنه من أتباعك فلا يسيئون الظن به، وألبس ~~أنا لباسا مثل لباسه فندخل معا للبحث عن الصليب.» # قالت: «وماذا بعد ذلك؟» # قال: «نضرب موعدا نلتقي فيه في موضع نسير منه إلى حيث نريد.» # قالت: «كيف الفراق بعد الاجتماع؟» # قال: «لا بد من خروج كل منا على حدة لئلا ينكشف أمرنا، فأذهب أنا أولا، وغدا أو بعد غد ~~تلحقين بي، وأكون بانتظارك في عين شمس ومعي كل المعدات اللازمة، فأرسل مرقس ليأتي بك ~~وبأهله، فنسير معا إلى حيث نريد، وليكن خروجك متنكرة.» # فعظم عليها الفراق وما وراءه من الفرار فبهتت ولم تجب، فحمل ذلك منها على محمل الحياء، ~~ودعا مرقس، ثم ودعا أرمانوسة وخرجا، وظلت هلي في حجرتها وحيدة، وقد عظم عليها الأمر، كأنها ~~في حلم، وعادت إليها هواجسها، وشعرت بحال والدها وما بينهما من الرابطة، وبحبه لها، فكيف ~~تتزوج بلا علمه؟ وكيف تهجره إلى الأبد؟ وتصورت حاله بعدها، ثم تحول ذهنها إلى أركاديوس ~~وحبها له، وما قاسته لأجله، فانشرح صدرها انشراحا أشبه بلهيب أضاء بغتة في ليل دامس ثم ~~انطفأ، فأخذت في البكاء، وكانت بربارة في شاغل ms178 من أمر البيت، تعد معدات السفر وتجمع المتاع ~~اللازم مما خف حمله وغلا ثمنه، فعادت إلى الغرفة لتسألها عن شيء أشكل عليها فرأتها تشرق ~~بدموعها، فهمت بها وقالت: «ما بالك يا سيدتي تعودين إلى البكاء وقد تم لك فوق ما كنت ~~تتمنين، فأركاديوس زوجك، وقد قيل: «ما يجمعه الله لا يفرقه إنسان»، ولم يبق لهرقل ولا ابنه ~~سلطان عليك، لخروج البلاد من قبضته؟» # فتنهدت أرمانوسة وقالت: «آه يا بربارة! لا أدري أين هي السعادة؟! فقد كنت أحسبها في لقاء ~~الحبيبين فقط، فلما ظفرت به، نقصتني فيه السعادة، فما أنا بسعيدة يا بربارة.» # قالت: «ولماذا؟» قالت: «أتسألينني وأنت أعلم الناس بحال أبي الذي لو فتشت قلبه وبحثت بين ~~جوارحه لم تجدي غير أرمانوسة؛ فأنا تعزيته في أواخر أيامه. كيف يعود من تكاليف حياته غدا ~~ولا يراني في البيت؟! ما الذي يخطر في خاطره؟ وإذا عرف بعد ذلك سر غيابي ألا يعيش بقية عمره ~~حزينا كئيبا؟! أأرضى له ذلك؟! أليس هذا عقوقا مني؟! قد كنت يا بربارة تائهة وعلى عيني ~~غشاوة. كان لهفي على أركاديوس وشوقي إلى لقياه قد شغلاني عن بري بأبي، ولم أكن أتوقع الخروج ~~من بيته هربا على هذه الصورة.» # وكانت أرمانوسة تتكلم وهي تبكي، وبربارة مصغية لا تبدي حراكا وكأنها أفاقت هي الأخرى من ~~غفلة، ولسان حالها يقول: «لقد صدقت.» فلما أتمت أرمانوسة كلامها ظلتا صامتتين برهة، ثم قالت ~~بربارة: «وما العمل يا مولاتي؟ إن أركاديوس لا يرضى الإقامة مع أبيك بعدما ظهر له من أمر ~~الحصن وتسليمه.» # قالت: «لا أدري يا بربارة، انجديني برأيك، فإني لا أعي شيئا.» # قالت: «دعيني أفكر في الأمر، وقومي إلى الحديقة روحي عن نفسك ونزهي طرفك، وإن غدا لناظره ~~قريب.» # فنزلت أرمانوسة إلى الحديقة، واشتغلت بربارة بتهيئة المعدات، وهي لا ترى بدا من السفر، ~~لعلمها أن تأخيره يحبط كل مساعيهم، وقد عولت على استرضاء المقوقس واستعطافه بعد انقضاء ~~الحرب. ~~••• # لم يغمض لأرمانوسة جفن في تلك الليلة لما تقاذفها من الهواجس وما تولاها ms179 من التردد، وفي ~~صباح اليوم التالي نهضت لصلاتها المعتادة فسمعت لغطا ووقع خطوات عرفت أنها خطوات بربارة. ~~فتوقعت دخولها عليها، وهي تدخل بلا استئذان، فلم تدخل حتى أتمت أرمانوسة الصلاة، فقالت لها: ~~«ما وراءك يا بربارة؟» قالت: «ما ورائي إلا الخير، لقد جاء المبشرون بقدوم سيدي المقوقس ~~الآن.» # فبغتت أرمانوسة، وكانت لا تزال جاثية تصلي، وصاحت: «جاء؟ أواه! ما الذي جاء به؟! ما العمل ~~يا بربارة؟ إني أرتعش خوفا وازداد خفقان قلبي، وكنت قد ارتحت قليلا وأنا أصلي. لأني توسلت ~~إلى الله وألقيت حملي عليه.» قالت ذلك واستلقت على السرير، وهي لا تدري كيف تقابل والدها. ~~فقالت لها بربارة: «لعل الله قد هيأ لنا الخير، سكني روعك.» # فما لبثت أن سمعت وقد أقدامه وقرع عصاه وصوت سعاله في الدار، فازداد خفقان قلبها، وتحفزت ~~للقيام وركبتاها ترتجفان، وإذا به قد دخل، وأسرع إليها وضمها إلى صدره وقبلها. أما هي فألقت ~~نفسها على صدره، وتذكرت حنانه فهاجت شجونها وتذكرت ما هي فيه مما لا يعلمه، فغلب عليها ~~البكاء، فجعلت تبكي وتنتحب، فبكى والدها وهو يعجب لحالها، وكان يحسبها تبكي بكاء الفرح، ~~فلما طال بكاؤها سألها عما يدعوها إلى ذلك فلم تجب. # أما بربارة فهمت بيدي المقوقس فقبلتهما وقلبها يخفق مخافة أن تبوح أرمانوسة بسرها، فيقع ~~الجميع في مأزق حرج، فجعلت تلتمس الأعذار عن بكاء أرمانوسة، وتحذرها خلسة أن تقول شيئا. ~~وقالت للمقوقس: «إن طول غيابك يا سيدي سبب هذا البكاء، فقد تركتنا والبلاد في حرب، وسيدتي ~~أرمانوسة وحيدة هنا، فهي لا تكاد تصدق أنها تراك، فغلب عليها البكاء وهو بكاء الفرح.» # قال: «ولكنكم تعلمون ألا خوف علينا من هذه الحرب؟» # قالت: «لم نخف الخطر، ولكننا استوحشنا، فالحمد لله على سلامتك.» # قال: «وهذا ما أشكو منه أنا أيضا، ولذلك فإني إذا سرت إلى مكان يطول غيابي فيه اصطحبتها ~~معي.» # قالت: «عسى ألا يحدث بعد اليوم سفر طويل.» فتبسم وقال: «لا بد من السفر، وإني إنما أتيت ~~لنذهب معا إلى الإسكندرية.» # فخفق قلب أرمانوسة، ms180 وعلا وجهها الاحمرار، ثم امتقع لونها حيرة ووجلا، وأدركت بربارة ذلك، ~~فقالت للمقوقس: «وما الذي يدعو إلى هذا السفر يا مولاي؟» # قال: «إن العرب الذين دخلنا في ذمتهم، وأنقذونا من ظلم الروم، ذاهبون غدا إلى الإسكندرية ~~لفتحها، وقد طلبوا إلي أن أصحبهم إليها لنعد لهم المئونة بعد طول الغياب ونسهل وسائل النقل. ~~ولما كان شوقي قد اشتد إلى أرمانوسة فقد جئت لأصطحبها، ولا خوف علينا لأننا سنكون بعيدين عن ~~مواقع الحرب.» # فلما سمعت أرمانوسة ذلك ازدادت حيرتها، ولبثت صامتة، وذكرت دعاءها ربها في صلاتها في ~~الصباح: «لعل الله قد فعل ذلك لأجلي.» ولكنها لم تدرك الخير في بعدها عن أركاديوس، فسلمت ~~أمرها لله وقالت لأبيها: «أذهب معك إلى حيث شئت.» # قال: «هلمي يا بربارة مري الخدم بإعداد ما تحتاج إليه سيدتك من معدات الأسفار، فإذا أحبت ~~الركوب على فرس أو هودج أو عربة فليهيئوا لها كل ما تريد، وليحملوه في القوارب إلى الضفة ~~الشرقية، ونحن نلتقي بهم أمام الحصن بالقرب من معسكر العرب، ليركبوا ونحن في مقدمتهم، ~~وحولنا حرس منهم حتى نأتي الإسكندرية.» قال ذلك وخرج فنادى الحراس وأمرهم بإعداد القوارب. ~~فلما خرج قالت أرمانوسة: «ماذا نعمل يا بربارة لأركاديوس؟» قالت: «نترك له خبرا مع مارية ~~ليوافينا إلى الإسكندرية، فإن العرب لا يلبثون أن يفتحوها، وبعد ذلك نتدبر سبيلا ينجيك من ~~هذه القلاقل.» وسارت بربارة للتأهب فأخذت كل ما خف حمله وغلا ثمنه، وأطلعت مارية على ما وقع ~~وأوصتها بما تفعله، ثم عادت وقد تم كل شيء، فركبوا جميعا وجرت بهم السفن نحو الحصن، ~~فالتفتت أرمانوسة إلى منف تودعها وهي تخاف ألا تراها بعد اليوم. كانت تظن أن والدها يعرج ~~على الحصن، فلما دنت منه أخذت تنظر إلى مراميه وأبوابه وأسواره فلم تر أحدا، وتجاوزته ~~السفن إلى معسكر العرب حتى رست عند الضفة، وكان رجال القبط في انتظار مولاهم، فنقلوا ~~الأمتعة إلى مكان أعدوه لها، وكانت أرمانوسة قد اختارت العربة لركوبها فأعدوها لها هناك، ~~ولكنها عدلت عنها إلى السفر في ms181 النيل، ونزلت أولا في خيمة ومعها أبوها وبربارة، وكان عمرو ~~يهم بالسفر، وقد أمر بتقويض الخيام وتحميل الأحمال إلى الإسكندرية، فلما علم بمجيء المقوقس ~~مر بخيمته فحياه، ورحب به وبمن معه، وجلس إليه يستشيره في الطريق الذي يختاره في الذهاب إلى ~~الإسكندرية، ودار بينهما الحديث في شتى الشئون، والمقوقس يصف له بواسطة الترجمان الطرق ~~وقوات الروم والأماكن الحصينة عندهم، وبربارة مشغولة بالحديث مع أرمانوسة، ورجال عمرو ~~مشتغلون بالتقويض والتحميل. # وفي الصباح التالي أرسل المقوقس أرمانوسة وبربارة، ومعهما بعض الحاشية والخدم، في سفن ~~تسير في النيل، على أن يوافيهم إلى مريوط، وفي الضحى أقلع العرب والمقوقس وحاشيته قاصدين ~~الإسكندرية، وكان المقوقس يتقدم العرب مسافة يوم أو نحوه ليصلح الجسور ويسهل الطرق ويهيئ ما ~~يحتاجون إليه من المئونة ووسائل الحمل، والروم يفرون أمامهم إلى الإسكندرية، وهي آخر ملجأ ~~يلجئون إليه، فإذا أخرجوا منها لم يبق لهم مقر. ~~••• # أما أركاديوس فتنكر بلباس جند القبط، واصطحب مرقس إلى حجرته التي كان ينام فيها بالقرب من ~~كنيسة المعلقة، فمرا بالكنيسة، وكان أركاديوس يتوقع أن يراها خرابا محطمة الأيقونات متهدمة ~~المذابح، ولكنه بغت لما رآها لا تزال سليمة، والمسلمون والأقباط يدخلونها ويخرجون منها ~~باحترام ووقار، فعظم أمر المسلمين في نفسه، ولم يكن مرقس أقل استغرابا منه؛ لأنه لم ينس ما ~~فعله جند الروم في تلك الكنيسة يوم جاءوا لاحتلال الحصن منذ بضعة أشهر، وأركاديوس معهم، ~~فحدثته نفسه أن يذكر أركاديوس بذلك، ومشيا في الكنيسة لا يعترضهما أحد؛ لأن أكثر الناس هناك ~~يعرفون مرقس لعلاقته بالمقوقس ولدخوله معسكرهم مرارا، وفيما هما ماشيان لقيتهما الراهبة ~~التي كانت قد حفظت كتاب البطريرك بنيامين للمقوقس حتى أخذته بربارة لتوصيله إليه، فلما رأت ~~مرقس هشت له واستقبلته محيية وهي تبتسم مستبشرة، فسلم عليها وسألها عن حال الراهبات، فقالت: ~~«نشكر الله على نجاتنا من الروم (ولم تكن تعلم أن رفيقه رومي) وأبشرك يا بني بأن البطريرك ~~بنيامين حبيبنا التقي الورع سيأتي عما قليل.» فتجاهل مرقس قولها إخفاء لقصة البطريرك، فقال ~~لها: «كيف ms182 هؤلاء العرب معكن؟» قالت: «إنهم من خيرة الناس وقد كنت أخشى أن يفعلوا بنا في ~~هذه الكنيسة ما فعل الروم يوم دخلوها، فما شعرت إلا والأمير نفسه قادم إلينا يطمئننا ويخفف ~~عنا، ويقول: «لا بأس عليكن»، فلما آنست فيه هذا اللطف دعوت له وطلبت إليه أن يستقدم إلينا ~~البطريرك بنيامين، فوعدني خيرا، حفظه الله وأدام سلطة العادلين.» # وكان أركاديوس يسمع كلامها وهو يتقد غضبا، ولكنه علم أن إطلاعها على أمره لا يخلو من ~~الخطر الشديد فسكت، وقد شعر بما كان يقاسيه الأقباط من العنف والاستبداد في أيام دولتهم. ~~وظلا سائرين حتى دخلا الغرفة، وبحثا فيما بقي من الأثاث، فوجدا السلسلة والصليب في بعض ~~أركان الحجرة، لم يمسهما الفاتحون، فتناولهما أركاديوس وقفل راجعا، وكان الليل قد أسدل ~~نقابه، وفي اليوم التالي أنفذ مرقس إلى أرمانوسة، وكانت قد خرجت من منف، فلا تسل عن حاله ~~لما عاد مرقس وأنبأه بالخبر، فإنه استعاذ بالله، واسودت الدنيا في عينيه، فقال له مرقس: «لا ~~تجزع؛ إن سيدتي أرمانوسة في حفظ وأمان، لا خوف عليها في صحبتها والدها، فإذا رأيت أن تسير ~~إلى الإسكندرية فتلقى أباك وتخبره بما أنت عازم عليه فافعل، فلعل القلوب تصفو، وأنا ذاهب ~~إلى سيدتي أرمانوسة لأكون بمعيتها حيثما توجهت، وآتيك بأخبارها وآتيها بأخبارك، حتى ينقضي ~~أمر الإسكندرية، فتكون مصر إما للروم وإما للعرب، وفي الحالين أنت لأرمانوسة وهي لك، فهي لا ~~تلام على ذهابها مع أبيها، وهو لا يعلم شيئا من أمركما، فأرجو أن تتدبر الأمر حتى يرتاح ~~ضميرها.» # فقال أركاديوس: «لا لوم عليها ولا تثريب.» ثم فكر قليلا وقال: «إني أعهد في أمر أرمانوسة ~~إليك، وما دمت الواسطة بيني وبينها، فإنك لا شك تقوم بما فيه نفعنا.» # قال: «إني عبدكما، وكل ما أتيته فهو منكما وإليكما، ولم يكن لي في الدنيا مأرب غير ~~اجتماعكما على سكينة وطمأنينة.» # فقال أركاديوس: «بورك فيك، وها أنا ذا ذاهب إلى الإسكندرية لعلي ألقى أبي هناك، أو ألقاه قد ~~يئس من حياتي وسافر إلى القسطنطينية، ms183 وعلى كل حال فإني سأقيم في معسكر الروم لعلي أشفي ~~غليلي من العرب، وأما أنت فجئني بخبرها ومكانها بعد أن يصل العرب إلى الإسكندرية.» # فقال مرقس: «ولكن كيف أستطيع الوصول إليك، والأقباط الآن أعداء للروم؟ على أن في ~~استطاعتك أن تحل هذه المشكلة، ومشكلة غيابك عن الحصن معا، فتذكر لهم أني جاسوس على ~~المقوقس، وأني أنبأتك بخيانته فلم تصدق وخرجت معي متنكرا لتتحقق الأمر، فسقط الحصن خلال ~~ذلك.» فوافقه أركاديوس على هذا الرأي. # الفصل الرابع عشر # | فسطاط عمرو # امتطى أركاديوس جواده وسار قاصدا الإسكندرية في غير طريق الجند، وقد امتلأ بالفوز على ~~العرب والأخذ بالثأر، وكلما تخيل ذلك انتعشت آماله، وآثر أن يرى أرمانوسة وقد كلله الظفر، ~~على أن يفر بها خلسة إلى حيث لا يعلم. # أما مرقس فيمم معسكر العرب بالقرب من بابل، في المكان الذي فيه جامع عمرو الآن، فرأى ~~الأرض مقفرة ليس فيها إلا بقايا الأطناب وما تركه الجند من الألبسة والأسلاب، ورأى فسطاط ~~عمرو لا يزال منصوبا في مكانه لا يخفره أحد، فعجب لذلك ومشى حتى دنا منه فإذا هو خال ليس ~~فيه إلا بعض اليمام المعشش في سقفه أو في بعض ثنايا الجدران، فوقف ينظر يمنة ويسرة، فرأى ~~عبدا يقترب منه عرف أنه من عبيد العرب الذين يقومون بخدمة الجند من احتطاب وسقاية ونحو ~~ذلك، وقبل أن يصل العبد صاح في مرقس أن يخرج من الفسطاط على عجل، فعجب لذلك وخرج ينتظر ~~وصوله، فلما وصل سأله بالعربية، وكان قد حفظ بعضها: «ما أمر هذه الطيور وهذا الفسطاط؟» # قال: «إن مولانا الأمير أمر ببقاء الفسطاط منصوبا محافظة على حياة هذه الطيور لأنها كانت ~~معششة فيه يوم عزمنا على الرحيل، فلم يشأ الأمير عمرو تقويض هذه الخيمة رفقا بصغارها، وبعد ~~أن أقلع الجند وساروا، خاف أن يعتدي أحد المارة على هذا الفسطاط لجهله سبب بقائه، فأمرني ~~بالرجوع والإقامة هنا ريثما يعود هو من الإسكندرية ظافرا حامدا إن شاء الله.» # فأعجب مرقس بالمسلمين وازداد ميلا إلى الرضوخ لسلطانهم، ms184 ثم سأل العبد عن مسير الجند ~~فقال: «إنهم سائرون على رأي المقوقس.» قال: «وهل سار المقوقس معهم؟» قال: «إنه في مقدمتهم، ~~بل هو يتقدمهم عدة أميال يهيئ لهم وسائل النقل والطعام، ويمهد لهم الطريق ، وينشئ الجسور ~~وغير ذلك مما يحتاج إليه الجند في مسيرهم.» قال: «ومتى أقلع المقوقس؟» قال: «بعث أهله في ~~الصباح باكرا، ثم أقلع الجند في الضحى وهو معهم ولكنه تقدمهم كما أخبرتك.» # قال: «ألا تعلم أين سار أهله؟» قال: «لا أدري، وما يهمك من أهله؟» قال: «أنا من أهل ~~قصره.» قال: «إذا أسرعت أدركت المقوقس والجند لأنهم سائرون ببطء.» # فودعه وسار مسرعا على جواده، فأدرك العرب قبل أن تغرب الشمس وقد حطوا رحالهم للمبيت، ~~فوجه انتباهه نحو خيمة سيده فلم يرها، فسأل عنه فقيل له إنه على بضعة أميال في المقدمة، ~~فأسرع حتى بلغ مضربه، وقد خيم الغسق، فلم ير أحدا غير الحاشية، فسأل عن المقوقس وأهله ~~فأجابوه بأنه تحول إلى بعض القرى يخابر شيوخها ليعدوا الرجال لخدمة العرب فيما يحتاجون إليه ~~في أثناء مسيرهم؛ لأن رجاله وحدهم لا يكفون، وقد أرسل بعضهم إلى شيوخ القرى في بعض المهام. # فقال: «وأين السيدة أرمانوسة؟» قالوا: «أرسلها وخادمتها في سفينة إلى بلدة في ضواحي ~~الإسكندرية تقيم مع بعض أهلها ريثما تنتهي الحرب.» # قال: «ما اسم تلك البلدة؟» قالوا: «مريوط.» # فعرفها وأراد الخروج توا قبل أن يأتي المقوقس ويستبقيه معه، ولكن الظلام منعه، فتنحى ~~للمبيت في قرية قريبة يعرف فيها صديقا، فبات عنده وبكر قاصدا مريوط. # أما أرمانوسة فكان أبوها قد أرسلها إلى مريوط وقاية لها من غوائل الحرب فسارت في مياه ~~النيل المبارك، وقد أعد لها الملاحون سفينتها وجهزوها بكل ما تحتاج إليه من أسباب الراحة، ~~فجلست في صدر السفينة وبربارة بين يديها، ثم تذكرت حالها وأخت تفكر في أركاديوس وما قد يبدو ~~منه بعد علمه بسفرها، وتوقعت أن يأتيها مرقس بالخبر، وكانت تخاف أن يكون مكدرا، وكلما فكرت ~~فيه تقلب شعورها بين الخوف والاضطراب والارتياح والبغتة، وما زالوا ms185 سائرين يرسون ليلا ~~ويقلعون نهارا حتى أدركوا مريوط بعد بضعة أيام، وكان مرقس قد سبقهم، ووقف في انتظارهم عند ~~مرسى السفن، فرأى أهل المدينة يتأهبون لاستقبال ابنة حاكمهم، وقد وقفوا عند الضفة فوقف ~~معهم . ~~••• # فلما رسا القارب تقدم بعض النسوة من أعيان البلدة، فاستقبلن أرمانوسة، وبربارة تصحبها، ~~واشتغل الرجال بنقل الأمتعة، وأرمانوسة تسلم سلاما رقيقا، والكل ينظرون إليها ويعجبون ~~بهيئتها وجمالها. أما مرقس فلم يرد الظهور أمامها حينئذ لئلا يضرها الاضطراب أو البغتة، ~~وكانوا قد أعدوا لها مركبة ذهبت فيها إلى منزل شيخ البلد، فسار مرقس في أثرها حتى إذا دخلت ~~استأذن عليها فأذنت له، واستقبلته بربارة أولا وسألته، فقص الخبر عليها فدخلت به إلى ~~أرمانوسة، فحالما رأته خفق قلبها واستطلعته الخبر فطمأنها، وروى لها ما تم عليه الاتفاق مع ~~أركاديوس، ففكرت قليلا ثم قالت: «أذهب أركاديوس إلى الإسكندرية للحرب ثانية؟» # قال مرقس: «نعم يا مولاتي، ولكنه حريص على حياته، والله حارس له.» # فنظرت إلى بربارة وقالت لها: «ألم يقسم لي أنه لن يشهد حربا؟» # فقال مرقس: «العفو يا سيدتي، وما الذي يفعله وقد رأى نفسه وحيدا وأنت مع سيدي المقوقس؟» # فقالت والدمع يكاد يتناثر من عينيها: «نعم إن الذنب ذنبي. نعم أنا تركته وهو لم يتركني.» ~~وحولت وجهها فأدرك مرقس أنها تريد الاختلاء ببربارة فخرج من الغرفة، فما كاد يخرج حتى أطلقت ~~سراح دموعها وقالت: «لقد ارتكبت ذنبا كبيرا، ولكن ما العمل؟! آه ماذا أفعل؟ أكنت أترك ~~أبي وأهجر بيته، وقد رباني وكفلني وأحبني وترك كل شيء من أجلي؟ آه! آه ...» وأجهشت في ~~البكاء ثم قالت: «ولكن أركاديوس. أركاديوس حبيبي ...» وكانت بربارة مطرقة تفكر صامتة، فلما ~~قالت أرمانوسة: «حبيبي» رفعت رأسها وقالت: «بل هو الآن أقرب حبيب.» فأدركت أنها تذكرها ~~باقترانهما، وأنه أصبح زوجها، فقالت: «نعم إنه أقرب من الحبيب وألصق من الأخ وأعز من ~~الروح.» # فقالت بربارة بصوت منخفض: «بل هو أقرب من الأب، تذكري قول الكتاب المقدس.» فعلمت أنها ~~تذكرها بأمر الكتاب القائل: «يترك الرجل أباه وأمه ms186 ويلتصق بامرأته.» فقالت لها: «ولكنك لا ~~تجهلين يا بربارة أن إكرام الوالدين من وصايا الله العشر.» فأفحمت بربارة وصمتت، ثم قالت: ~~«هلم يا سيدتي إلى الاغتسال وتبديل الثياب والاستراحة من وعثاء السفر، وأنا أضمن لك الراحة، ~~وهي لا تكون إلا بالوفاق بين والدك وعريسك، وعلى الله التوفيق.» فلما سمعت أرمانوسة قولها ~~أشرق وجهها، ولكنها استبعدت ذلك الوفاق وظلت صامتة، ثم تحولت إلى حجرتها وخدم المنزل ينتظرون ~~أوامرها. # أما مرقس فظل في حديقة المنزل ينتظر إشارة أرمانوسة حتى خرجت بربارة وأوصته بأن يذهب إلى ~~الإسكندرية ويحتال في الدخول على أركاديوس ويطمئنه على أرمانوسة ثم يعود فيطمئنها ~~عليه. # فاستراح بقية ذلك اليوم، وأصبح في اليوم التالي فلبس لباس الروم وحمل بيده علما أحمر كان ~~أركاديوس قد أوصاه بحمله ليعرفه به عن بعد فيدعوه إليه، فلما أطل على أسوار الإسكندرية وقف ~~على مرتفع فأشرف على المدينة وقصورها، ووراءها بحر الروم يرغي ويزبد، وقد علا هديره، ووقف ~~الجند على الأسوار في مراميهم وأبراجهم، وخفقت الأعلام فوق رءوسهم، فهاله منظرهم، وخاف أن ~~يرميه أحدهم بنبل أو سهم، فسار مبتعدا على حذر حتى أتى الموضع الذي عينه له أركاديوس، ولم ~~يكد يقف هناك هنيهة حتى رأى رجلا خارجا من المدينة يناديه، فأسرع إليه فإذا هو رسول ~~أركاديوس في انتظاره ليأتي به إليه فدخلا المدينة، ولم تكن هذه أول مرة دخل فيها ~~الإسكندرية، ولكنه رأى فيها هذه المرة غير ما عهده، فقد تزاحمت الأقدام، لما تقاطر إليها من ~~جالية الروم من سكان وادي النيل بعد فتح الحصن، فازدحمت أسواقها بهم ولا سيما سوق المأكولات ~~والمشروبات، ومشى يتأمل المساكن وحال الناس من الاضطراب، فوصل إلى منزل عرف أنه منزل يحيى ~~النحوي وكان قد سمع حديثه من زياد العربي، فأحب أن يراه لأنه على رأي المقوقس فسأل رفيقه ~~قائلا: «أليس هذا بيت يحيى النحوي؟» # قال: «بلى، هذا هو بعينه، ولكنه ليس هنا الآن، فقد هجر الإسكندرية منذ اضطهده القوم أكثر ~~من ذي قبل.» فقال: «وإلى أين ذهب؟» قال: «لا ms187 أدري، لعله يقيم في بعض الأديار أو بعض ~~المكتبات.» # ثم مل مرقس السير فقال: «إلى أين نحن ذاهبان؟» قال: «نذهب إلى القائد أركاديوس.» # قال: «وأين هو؟» قال: «هو في الملعب مع سائر القواد يلعبون بالأكر ترويضا لأجسامهم، ~~وكذلك يفعلون في كل صباح.» # قال: «وما أدراك أني آت إليه؟» قال: «علمك الأحمر؛ لأن مولاي القائد أركاديوس أوقفني عند ~~باب الحصن، وقال: إذا رأيت رجلا حاملا علما أحمر مارا بجانب السور فجئني به، وقد أوصاني ~~ألا أكلمك أثناء الطريق، وهذا شأننا في مثل هذه الحال، فالأولى السكوت لئلا يرانا أحد فيشي ~~بنا فأعاقب.» # فسكتا وسارا حتى أتيا الملعب في أطراف المدينة من جهة البحر، فدخل الرسول أولا، ثم دخل ~~مرقس إلى ساحة كبيرة، فرأى أركاديوس قادما نحوه، وقد ترك رفاقه القواد جلوسا على كراسيهم ~~وعلى دكة من الرخام قائمة على أعمدة منقوشة، وفيهم بطريق كبير على كرسي ضخم مموه بالذهب ~~الخالص، فلما التقى بأركاديوس هم بتقبيل يده، فدعاه أركاديوس إلى السير معه، حتى دخلا غرفة ~~من غرف الملعب، وسأله عن أرمانوسة، فقص عليه خبرها وخبر الجند، فقال أركاديوس: «الذي أعلمه ~~أن العرب حاربوا جندنا في مريوط.» # قال مرقس: «تلك مدينة، وهذه قرية، والاسمان متشابهان.» # فسر لوجودها في مكان أمين بعيدا عن المعسكر، وأوصاه أن يعود إليها بالتحية ~~ويطمئنها. # وكان البطريق وقواده قد علموا بقدوم مرقس جاسوس أركاديوس، وأنه أتاه بأخبار العرب ~~وحركاتهم، فلما خرج أنصتوا لسماع ما سيقصه عليهم أركاديوس، فأطلعهم على ما علمه وزاد فيه ~~وهذب. # فقال البطريق: «يلوح لي أن جاسوسك عالم بدخائلهم.» # قال: «إنه يا مولاي واحد منهم، وهو أقرب القبط إلى المقوقس، ولكنه لا يرى رأيه في خيانة ~~الدولة، وسيأتينا بالأخبار ويبين عدد جند العرب وكل حركاتهم ومقاصدهم.» # فضحك البطريق ضحكة ارتج لها بطنه وأجفل سامعوه وقال: «ما عسى أن يكون أمر هؤلاء البدو ~~الحفاة؟! ألمثل هؤلاء أقمنا المتاريس ونصبنا المجانيق وأعددنا الرجال؟!» قال ذلك وأغرق في ~~الضحك، وفي ضحكه معنى لم يدركه من الحضور غير أركاديوس، فاستشاط ms188 غيظا لعلمه أنه يوبخه ~~لخروج الحصن من أيديهم إلى تلك الشرذمة من العرب الحفاة، وكان البطريق قد وبخ أباه الأعيرج ~~عند عودته من الحصن، وهدده ولامه على انكساره وفراره بمن معه من الرجال، وأرسله إلى ~~القسطنطينية ليرى الإمبراطور هرقل رأيه فيه، وكان أركاديوس عند وصوله إلى الإسكندرية، ~~وإظهاره العذر الذي تم الاتفاق عليه مع مرقس لم يؤانس ارتياحا من البطريق؛ لأن هذا لا يريد ~~أن يكون لغيره يد في قهر ذلك العدو، ولم يصرح بذلك، لكن عبارته نمت على ما في ضميره. # أما أركاديوس فلم يكن يجهل شيئا من سر البطريق، ولكنه تجاهل التماسا لنيل بغيته. # وبعد بضعة أيام جاء العرب وعسكروا عند أسوار الإسكندرية وحاصروها، ومرقس يتردد سرا بين ~~أركاديوس وأرمانوسة. # واستمر الحصار وأركاديوس لا يدري ما الذي يصيبه من عواقب تلك الحرب، فإن كانت الغلبة ~~للروم، وهذا ما يتمناه قلبه، خاف أن ينتقم الروم من المقوقس، فيفتكوا به وبأهله، فيصيب ~~أرمانوسة سوء لا يستطيع دفعه، وإذا كانت الغلبة للعرب وتصور دخولهم الإسكندرية واستيلاءهم على ~~قصورها وخزائنها وأسواقها وخيراتها اسودت الدنيا في عينيه، ولكنه كان يرى من خلال تلك ~~الظلمات سلامة أرمانوسة تشرق كالقبس في الديجور، فلبث ينتظر ما يجيء به القضاء. # وطال الحصار أشهرا، ومل العرب الانتظار فأجمعوا على الهجوم وتسلق الأسوار، وجاء من أبلغ ~~أرمانوسة الخبر فخافت على أركاديوس، فأرسلت من جاءها بمرقس فقالت له: «هل أتاك خبر العرب؟» # قال: «قد علمت، ثم ماذا؟» # قالت: «ماذا علينا أن نعمل وأركاديوس في المدينة في خطر القتل؟» # قال: «أيحتاج مرقس إلى تنبيه وقد وقف حياته وسخر عواطفه وقواه وجوارحه لخدمتك؟! إني محتاط ~~محاذر، فألقي عنك القلق واتكلي على الله.» ثم ودعها وقصد إلى معسكر العرب وتفهم خططهم، فعلم ~~أنهم مهاجمون المدينة في الصباح الباكر من جانبها الغربي، ففتقت له وسيلة ينقذ بها أركاديوس ~~من الخطر، فذهب إلى الإسكندرية على عادته، ووقع ذلك في عيد مريم العذراء، فلقيه أركاديوس ~~وسأله: «ما خبرك؟» # قال: «كانت سيدتي قد نذرت يوم حصار الحصن ms189 أن تجعلك توقد شموعا للعذراء مريم بيدك لكي ~~ينقذك الله من الخطر فنجوت، وشغلتم بالأسفار والنذر باق لم يوف، وقد رأت سيدتي بالأمس مريم ~~العذراء كما يرى النائم، فعتبت عليها هذا الإهمال، فأفاقت مذعورة للإخلاف في وفاء النذر ~~وأنت في خطر، ولما كانت ذكرى سيدتنا مريم تقع غدا فأستحلفك بمحبتها أن تأتي معي إلى كنيسة ~~العذراء في الصباح لتفي بالنذر.» # قال: «وأين الكنيسة؟ وكيف أفارق حصني؟» # قال: «أما الكنيسة ففي طرف المدينة بالقرب من الرابية التي كانت المكتبة عليها قبل ~~احتراقها، فلنذهب معا، ونعود قبل الضحى، أما حصنك فقد مضى أشهر والعرب ساكنون لا يبدون ~~حراكا، فهل يتفق أن يهجموا اليوم وأنت غائب؟ فهب أنك لا تزال نائما.» فأذعن أركاديوس. ~~وفي فجر الغد أيقظه مرقس واخترقا المدينة حتى انتهيا إلى كنيسة العذراء، فقرع مرقس الباب ~~وطلب القسيس، فاستغرب هذا لأن الكنيسة للأقباط اليعاقبة، والذين أرسلوا يدعونه من الروم ~~الملكيين، ففتح الباب بمفتاح ضخم ويداه ترتجفان ضعفا وخوفا، ودخلا من باب ضيق، فكلمه مرقس ~~بالقبطية وطمأنه، فرحب بهما، فأفهمه مرقس أنهما آتيان لوفاء نذر للعذراء والصلاة وإضاءة ~~الشموع، وأوعز إليه أن يطيل الصلاة إجابة لرغبة الطالب، فوقفا وأركاديوس قلق على معقله، ~~وخاف أن يراه أحد من الروم هناك فيشي به إلى البطريق، وكان مرقس يحتال في أثناء الصلاة ~~فيخرج من الكنيسة ويتسلق الأكمة فوق أنقاض المكتبة فيشرف على الأسوار، فعلم من حركات الجند ~~هناك أن العرب قد هاجموا المدينة باكرا جدا، ولم يأذن بانتهاء القداس حتى انقضى الهجوم ~~ورجع العرب عن الأسوار، فما كاد القسيس يفرغ من صلاته حتى خرج أركاديوس مسرعا يلتمس السور، ~~وكان الوقت ضحى، ومرقس معه فما وصلا إلى الطرق العامة حتى رأيا الناس في هرج يهرعون إلى قصر ~~الحكومة فبغت أركاديوس واستفهم، فأخبروه الخبر، فأسرع يلتمس معقله، ومرقس في أثره فمرا بدار ~~البطريق فرأيا الناس يتزاحمون بالمناكب رجالا ونساء كأنهم يتطلعون إلى شيء غريب هناك، ~~فسأل مرقس عن السبب فعلم أن ثلاثة من العرب دخلوا المدينة فقبضوا ms190 عليهم وسيقوا إلى ~~الحاكم. # فقال أركاديوس: «وهل دخل العرب الإسكندرية؟» # قالوا: «كلا، ولكن هؤلاء الثلاثة دخلوها من ثغرة في السور، ثم أقفلت الثغرة فظلوا أسرى، ~~وتقهقر رفاقهم وانتهى الهجوم.» ~~••• # نظر أركاديوس إلى مرقس نظرة استفهام، ولسان حاله يقول: «ما قولك في هذا الاتفاق الغريب؟» # فقال مرقس: «هلم بنا يا سيدي ندخل الدار لعلنا نعرف أحدا منهم.» # فقال أركاديوس: «كيف أدخل؟» قد يراني البطريق، وعهده بي أني مقيم في حصني؟ لا أقول هذا ~~خوفا منه، ولكني لا أريد أن يظن بي الجبن أو الخيانة.» # فقال مرقس: «إن الهجوم لم يكن من جانب حصنك، وما أنت بمقصر فضلا عن أن الواقعة انقضت، ~~ورجع العرب إلى معسكرهم، وانظر إلى قوادكم كيف تجمعوا في الدار لمشاهدة الأسرى. ألست واحدا ~~منهم؟ فاجعل أنك جئت فيمن جاء منهم، وثق يا مولاي أن صلاتنا في هذا الصباح هي التي ساعدت ~~على رد العرب وحفظ أسوار المدينة، فإن للسيدة العذراء كرامة.» # فسكت أركاديوس وتحول إلى الباب المعد لكبار الضباط فوسعوا له، فدخل ودخل مرقس معه، فرأيا ~~صحن الدار غاصا بالناس من الأعيان والوجهاء والقواد، فانخرطا في سلكهم وتطلعا فرأيا ثلاثة ~~من العرب في لباس متشابه جيء بهم إلى القاعة التي فيها البطريق، وتفرس مرقس فيهم عن بعد فلم ~~ير غير أقفيتهم، فلما وصل الناس إلى باب القاعة لم يأذن الحجاب لغير كبار القواد، فدخل ~~أركاديوس، ودخل مرقس معه، وجلس الجميع على كراسيهم بين يدي البطريق، وأوقفوا الأسرى في ~~الوسط، وكان مقعد البطريق على دكة في الصدر، ومجالس القواد على كراسيهم إلى يمينه ويساره، ~~وأرض القاعة مرصوفة بالرخام الملون، والجدران مزينة بالرسوم الجميلة على أبدع ما رسم ~~الرسامون. # وما كاد نظر مرقس يقع على الأسرى حتى عرف أنهم عمرو بن العاص، ووردان، ومسلمة بن مخلد. ~~فنظر أركاديوس فرآه يرنو إليه كأنه يستقدمه فتقدم، فهمس في أذنه: «أليس هذا هو الأمير عمرو ~~ابن العاص؟» قال: «بلى.» # فسر أركاديوس بأسره، ثم ذكر يوم رآه للمرة الأولى في بلبيس، وما كان من ms191 حمايته أرمانوسة ~~وتأمينها، وكيف أرسلها إلى أبيها سليمة آمنة، فلبث صامتا يترقب. # أما عمرو فكان ينظر إلى البطريق، ويلتفت يمنة ويسرة لا يعبأ بما يبرق أمامه من السيوف، ~~وما يتلألأ على رءوس الجماعة من القلنسوات المزخرفة، أو الخوذ اللامعة، أو الثياب الموشاة ~~بالألوان الزاهية، ووقف رابط الجأش ورفيقاه إلى جانبيه، وتطلع بهدوء وسكينة في وجوه ~~الجالسين، فعرف مرقس، وتأمل وجه أركاديوس فخيل إليه أنه يعرفه، ولكنه لم يذكر أين رآه، ولم ~~يعجب من لقاء مرقس هناك لأنه كثيرا ما سمع بخروجه إلى الإسكندرية ليتجسس للمقوقس. # فصاح البطريق يطلب الترجمان قائلا: «أين الترجمان؟ أين زياد العربي؟» # فدخل زياد، فعرفه عمرو، وكان قد عاد إلى مولاه يحيى النحوي بإيعاز من عمرو بعد فتح الحصن، ~~ليكون عينا له عند الحاجة، فوجد الروم قد زادوا في اضطهاد يحيى حتى لم يعد يستطيع الظهور، ~~فاختبأ، والروم يعتقدون أنه فر من الإسكندرية، فتظاهر زياد بنصرة الروم، وكانوا في حاجة ~~لمعرفة اللسان العربي، فصار في جملة المترجمين، ونظر زياد في الجالسين فرأى أركاديوس ومرقس، ~~فتذكر ما مر بهم جميعا أمام حصون بلبيس، وأن عمرا أحسن إليهم جميعا. # وخاطب البطريق الأسرى بلسان زياد قائلا: «ها أنتم أولاء أسرى في أيدينا، فقولوا: ما الذي ~~جاء بكم إلى بلادنا وحملكم على قتالنا؟» # فأجابه عمرو بقلب لا يهاب الموت: «أتينا ندعوكم إلى الإسلام فيكون لكم ما لنا، أو أن ~~تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فلا مفر عن قتالكم، فإن الله يأمرنا بجهاد عدونا ~~إلا إذا أجبتمونا إلى أحد الأمرين.» # فلما فهم البطريق قوله عجب لأنفته وشهامته، وقد كان يتوقع أن يراه يتذلل ويستعطف، فارتاب ~~في أمره، والتفت إلى أعضاء مجلسه، فإذا هم في مثل حاله، فقال لهم باليونانية: «يظهر من أنفة ~~هذا الرجل وكبر نفسه أنه من وجوه العرب، وقد يكون من كبار قوادهم، فلا بد لنا من قتله.» ودار ~~الحديث بين القواد في مثل هذا المعنى، فخاف مرقس أن يقتل عمرو فيفشل جند العرب ويتغلب ~~الروم، فتعود العائدة ms192 على المقوقس وأرمانوسة، فمال إلى إنقاذ عمرو. أما أركاديوس فقد هم بأن ~~يصرح بما يعلمه عن عمرو. غير أن مرقس تقدم إليه وقال: «أذكر يا مولاي أنه لولا هذا الرجل ~~لكانت سيدتي أرمانوسة ترابا أو في قبضة يوقنا الخائن، فلولاه لقبض عليها وسافر بها إلى ~~القسطنطينية غنيمة باردة، فأنقذها منه وحفظ حياتها، وأنا كنت الوسيط في ذلك كما تعلم، فهي ~~مدينة له. أفيليق بنا أن نساعد على قتله؟ وهب أنهم قتلوه، فعند العرب كثيرون غيره.» فسكت ~~أركاديوس، ولكنه لم يستطع البقاء في القاعة، فخرج، وظل مرقس وفي قلبه وجل على حياة عمرو. ~~وأما زياد فكان ينظر إلى عمرو بطرف خفي كأنه يلومه على مجازفته، وكان وردان يعلم اليونانية ~~فلما فهم ما قاله البطريق أحب أن يفهمه عمرا فلم ير خيرا من أن يلكمه منتهرا، فلكمه وصاح ~~فيه: «ما بالك تهذي يا رجل؟ ومن أنت حتى تنسب إلى سادتك ما قد نسبت؟ ومن أقامك متكلما ~~عنهم؟ وما أدراك بأغراضهم؟ ولست إلا من صعاليكهم.» # فسأل البطريق زيادا عما يقول وردان، فترجمه للبطريق وفخمه وزاد فيه ما يرفع الشبهة عن ~~عمرو، فازداد البطريق تعجبا لصدور تلك الجرأة من صعلوك، فقال لوردان: «وما غرضكم الآن؟» # قال: «اعلم يا سيدي أن أميرنا أعزه الله أقرب الناس إلى المسالمة، ولكنه يود قبل النكوص ~~أن يعقد مجلسا من كبار الجيشين يتفقون على شروط الهدنة، فإذا أذنت برجوعنا إليه أخبرناه بما ~~لقينا من حسن الوفادة وكرم الأخلاق.» # فضحك البطريق وقال: «شروط الهدنة؟ أي شروط تريدون؟ سوف نعيدكم على أعقابكم القهقرى. قولوا ~~لأميركم أن حامية الإسكندرية ليس فيها أحد من القبط، وإنما هي كلها من أبطال الروم، وليعلم ~~أنه لولا خيانة المقوقس ما استطاع البقاء في وادي النيل يوما واحدا، وسيلقى ذلك الخائن ~~منا ما يشيب لهوله الأطفال، ووالله ومريم العذراء لأجعلن لحمه ولحم أهله طعاما للأسماك. ~~عودوا إلى أميركم بذلك.» # فهاج غضب عمرو لتلك اللهجة، ولكن زيادا ووردان ومرقس كانوا ينظرون إليه خلسة يخففون عليه ~~مخافة أن يصيبه ms193 الأذى، فصمت ولم يجب، وأشار البطريق أن يخرجوهم، فعادوا بهم إلى باب المدينة ~~وأطلقوا سراحهم، فنجوا. # أما أركاديوس فقال لمرقس بعد خروج عمرو: «لقد ارتكبت عارا كبيرا يا مرقس لأني كنت ~~أستطيع قتل أمير العرب ولم أفعل.» # فقال مرقس: «كيف تقتله وكنت أسيرا عنده ولم يقتلك؟» قال: «ولكنه لم يطلق سراحي.» # قال: «ألم يطلق سراح سيدتي أرمانوسة؟! ألم ينقذها من خيانة يوقنا اللعين؟! ألم يكن مجيء ~~العرب إلى هذه البلاد سببا لنجاتها من قسطنطين بن هرقل؟! لا تندم يا سيدي على خير فعلته ~~جزاء لخير نلته، وزد على ذلك أن مثلك يفتخر بقتل الأمراء في ساحة الوغى وليس في أغلال ~~الحديد.» # فأفحم أركاديوس وسكت، ثم تحول مرقس إلى زياد فسلم عليه وأطنب في حسن ترجمته، ثم ودع ~~وانصرف، ولم يكن أركاديوس قد رأى زيادا في الإسكندرية منذ رجوعه إليها، فلما لقيه دعاه ~~إليه وقال له: «عهدتك في جند العرب، فما الذي جاء بك؟» قال: «عدت إلى بلدي، فقد كنت في جند ~~العرب لمهمة ورجعت.» فلم يشأ أركاديوس أن يطيل الحديث لعلمه باطلاع زياد على كثير من سرائره ~~في حب أرمانوسة. # وخرج عمرو من السور ومعه رفيقاه وكأنه في حلم لا يكاد يصدق أنهم نجوا ثم التفت إلى وردان ~~وقال له: «ألم تر يا وردان رجلا قبطيا كنت أعهده في خدمة المقوقس، وأخالني رأيته ~~مرارا؟» # فقال رودان: «نعم رأيته وعرفته فهو مرقس الذي جاءنا مع زياد العربي يوم وصلنا الفرما. ~~ورأيت زيادا وهو يترجم كلامك للبطريق، لقد سررت والله بترجمته، لأني رأيته يترجم ويفسر على ~~هوانا، ولكنني رأيت رجلا بالقرب من مرقس لا أظنك عرفته، أما أنا فأراني عرفته من قبل، ~~ولعله الرجل الذي قبضنا عليه خارج بلبيس ولم نعرف حقيقته، ثم فر منا أثناء الهجوم، ويلوح لي ~~أنه من كبار القواد، ويستدل على كبر نفسه من كتمانه أمرك، ولا ريب في أنه عرف أنك الأمير، ~~وتلك مروءة أهل الوفاء.» ووصلوا إلى المعسكر والجند يبحث عنهم، فسروا بقدومهم، فجلسوا يقصون ~~الخبر ms194 عليهم وهم فرحون. ~~••• # وكان بعض أهالي الإسكندرية قد ملوا الحصار، فأخذوا في الفرار بالسفن والزوارق، ولم يكن ~~أركاديوس غافلا عن حال الإسكندريين وضعفهم وخوفهم وهجرتهم، ولكنه بقي ثابت الجأش صابرا ~~على أداء واجبه، مع علمه بأنه لا يستطيع فرارا، ولا هو يبغيه؛ لأن قلبه عالق بمصر، فقضى ~~الشهر الأخير من الحصار في قلق شديد، ظل ليلته ساهرا يفكر في حاله وحال الإسكندرية، فإذا ~~خيل إليه أن العرب فتحوها تحير في أمره وعز عليه أن يقابل أرمانوسة مغلوبا على أمره، كما ~~يعز عليه أن يرى أباها وهو الذي خانهم ونصر عدوهم، وفي ليلة من الليالي المقمرة طال الليل ~~على أركاديوس، وعز نومه، فخرج إلى السور، واتجه إلى الشاطئ يصرف هواجسه باستنشاق نسائمه لعل ~~النعاس يأتيه، فمر في الأسواق، وأهلها نيام، لم يسمع غير نداء الحراس ينبه بعضهم بعضا ~~بشعار الليل، حتى انتهى إلى الشاطئ فأحس برودة الهواء، وتنسم رائحة البحر، والتف بعباءته ~~وجلس على صخرة ناتئة، ونظر إلى البر ونور القمر ينعكس على سطحه فينكسر بتحرك الأمواج وينتقل ~~بريقه من موجة إلى أخرى، وحركة الموج تبدأ ضعيفة خافتة فإذا دنت من الشاطئ تعاظم صوتها ~~وأزبدت وتصاعدت منها فقاعات صغيرة تزداد بها رائحة البحر حرافة، فإذا لطمت الصخور وعادت ~~متقهقرة وقد تحول إرعادها إلى دمدمة، كجيش ضعيف هاجم جيشا قويا، فلما دنا منه أطلق قنابله ~~وكر راجعا وعدوه ثابت لا يكترث به، وقد سرى هذا عنه برهة ثم عادت إليه همومه، وظل يفكر في ~~أمره وفي الحرب وأرمانوسة حتى شعر بالبرد القارس وبالنعاس فنهض وعاد يلتمس حجرته فوق ~~السور. # فلما وصل إلى الحجرة وقف له الحراس فسلم وهم بالدخول، فاقترب منه أحدهم فعلم أنه يبغي ~~أمرا فوقف مصغيا، فقال الحارس: «إن رجلا أظنه من أعيان الإسكندرية افتقدك، وهو في ~~انتظارك.» # قال: «وأين هو؟» قال: «هو في غرفة الحراس.» قال: «ادعه.» # ودخل حجرته وقد أضاءها بالشمع، ولم يكد ينزع القباء والخوذة حتى عاد الحارس ومعه رجل قصير ~~الهامة نحيل الجسم متجعد الوجه طويل ms195 شعر اللحية عريضها وقد وخطها الشيب، غائر العينين، وعلى ~~رأسه قلنسوة العلماء وفي وجهه ملامح الرومانيين، تدل قيافته على الزهد والتقشف، فلما دخل ~~تهيبه أركاديوس فوقف وتلقاه بالتحية ورحب به، وأجلسه، وتأمل في وجهه فلم يعرفه، فعجب لقدومه ~~إليه في الليل، واشتدت رغبته في استطلاع حقيقة أمره، ولبث برهة والرجل يردد أنفاسه يلتمس ~~الراحة من تعب الطريق، ويتهيأ للكلام، ثم نظر إلى وجه أركاديوس وقال: «أأنت أركاديوس بن ~~الأعيرج؟» قال: «نعم، ومن أنت؟» قال: «سوف تعلم، ولكنني أستحلفك بشرفك وبمن تحب أن تسمع ~~حديثي إلى آخره، فإذا لم تر العمل به أطلقت سراحي فأعود من حيث أتيت، فهل تعدني بذلك؟» قال ~~أركاديوس: «فمن أنت؟» قال: «لا شك أنك إذا عرفتني استغربت جرأتي في القدوم إليك، ولكنني جئت ~~ناصحا، فإذا لم تنتصح عدت وما علي بأس.» # فقال أركاديوس: «قل ما تريد، ولكن ما اسمك؟» قال: «قلت لك يا ولدي أني سأطلعك على اسمي، ~~وغاية ما أرجوه منك أن تجيبني عن بعض الأسئلة قبل أن أبوح لك باسمي، وأنا على الحالين بين ~~يديك.» قال: «اسأل.» # فتنحنح الشيخ ومسح وجهه بيده إلى أسفل لحيته، وهو يتفرس في أركاديوس ويبتسم ابتساما ~~مقرونا بالحزن، وقال: «ألست القائد أركاديوس بن الأعيرج قائد حامية الروم في مصر؟» قال: ~~«قلت لك إني هو.» قال: «ولماذا؟» # قال: «لا أدري، ولعله ذهب إليها ليسأل عن سبب سقوط الحصن في أيدي العرب وهو قائد حاميته.» # قال: «وما ظنك بالإسكندرية؟» # فأطرق أركاديوس برهة يفكر، وهو يحاذر أن يبوح بضعف أمله لئلا يكون الرجل جاسوسا، ثم قال: ~~«لو اجتمعت قلوب القواد واتحدت كلمتهم وثبتت أقدامهم فإنها تمتنع عن جند العرب، ولو كانوا ~~ألوف الألوف.» # قال: «ذلك ما نشكو منه، ولكنني أسألك عن رأيك؟ هل تقوى على دفع العرب؟» فقال: «أظنها ~~تقوى.» # فقال الشيخ: «وما دليلك على ذلك وأنت ترى الناس يهجرونها؟ وقد تفرقت كلمتهم وضعف أمرهم، ~~وما ضعفهم إلا من اختلال حكومتهم وانقسام حكامهم.» # قال وقد تجاهل حقيقة الواقع: «وأي انقسام تعني؟» # قال: ms196 «أعني الانقسام الذي وقع بعد وفاة الإمبراطور هرقل في هذه الأثناء وكثرة من ادعوا ~~الحق في الملك وقاموا يطالبون به، فأفضى الأمر إلى قسطنطين بن هرقل، فقتلوه بالسم بعد مائة ~~يوم، سقته إياه مارتين امرأة أبيه.» # فلما سمع أركاديوس اسم قسطنطين، وأنه مات، تذكر أنه مناظره القديم على أرمانوسة، وأتم ~~الشيخ كلامه قائلا: «وعقد الملك بعده لهرقلينة ابنة مارتين هذه، ولم تمض مدة حتى نصب قسطان ~~بن قسطنطين، وهم مع ذلك في نزاع دائم؛ فقد تولى كرسي القسطنطينية ثلاثة أباطرة في وقت واحد. ~~أليس ذلك مضعفا للعزيمة موهنا للقوى؟! ما الذي ترجوه من جند هذه حال دولته؟ كيف يثبت في ~~ساحة القتال؟ وكيف يقاوم العدة والرجال؟ إن الخلل تمكن من هذه الدولة حتى كاد يذهب بها. ~~أقول ذلك والأسى ملء فؤادي لأني ولدت رومانيا، والدم الروماني في عروقي، والحمية الرومانية ~~في كل جوارحي، ولكنني أرى المستقبل أمامي رأي العين، وهذا شأن الدول منذ أول العمران وهب أن ~~الإسكندرية دافعت العرب ولم يفتحوها، فهل يستطيعون إخراجهم من مصر والأقباط عون لهم؟» # وكان أركاديوس مطرقا يسمع حديث الشيخ ولا يرى ما يدفع به حجته، فلما وصل إلى ذكر القبط ~~خفق قلبه لتذكره أرمانوسة فقال: «لا تذكر القبط، فإني لا أحب ذكرهم؛ لأنهم هم الذين أخرجوا ~~البلاد من أيدينا إلى أيدي العرب، وهم الذين باعوا دولتهم ووطنهم للغرباء، ولولا ذلك ما ~~استطاع العرب سبيلا إلى وادي النيل. تبا لك يا مرقس.» قال ذلك وحرق أسنانه. # فتبسم الشيخ والتفت إلى أركاديوس كأنه يستمهله إتمام حديثه ثم قال: «نعم يا ولدي، إن ~~المقوقس خان دولته وسلم البلاد لعدوها، ولكنك لو أنصفته لالتمست له عذرا.» # فقال: «وأي عذر ألتمسه وقد خان البلاد خيانة صريحة؟!» # قال: «إنه خان البلاد ولكنه لم يبعها بثمن، إن المقوقس خان دولة الروم مضطرا، وهو رومي ~~الأصل مثلنا، فما الذي حمله على الخيانة؟ أطمع في مال أو سلطان؟! أم رغبة في التقرب من عظيم ~~أو زعيم؟! كلا، إن المقوقس خان الروم فرارا ms197 من الظلم وتخلصا من جور دولتنا واستبداد حكامنا، ~~ما الذي ترجوه من حاكم يسمع كلامهم في تحقيره بأذنه، ويرى قومه يهانون وتهضم حقوقهم أمام ~~عينيه، ويرى كنائسه تقفل وأيقوناتها تكسر وبطاركتها ينفون ويقتلون، وكهنتها يزجون في ~~السجون؟ وما الذي ترجوه من طائفة ذاقت عذاب الموت وقاست الذل والخسف قرونا متوالية؟ أترجو ~~منها الإخلاص والطاعة؟ أم تخاف عصيانها وتمردها؟ فالقبط إذا ابتاعوا حريتهم وراحتهم بتسهيل ~~الفتح على الفاتحين، ونحن لا ننكر خيانتهم وإنما أعقل الناس من عذر الناس. هب أن القبط ~~حاربوا مع الروم فهل كنت تتوقع الفوز؟!» # فرفع أركاديوس رأسه وقال: «نعم كنت أرجوه ولا أشك فيه.» # قال: «أراك مخطئا، وقد رأيت ما حل بالشام وفلسطين والعراق من قبل. إن هؤلاء العرب تألفوا ~~يدا واحدة على عمل ففازوا وفتحوا البلاد، وأخرجوا الروم من الشام، والفرس من العراق، ولا ~~ريب أنها دولة أرسلها الله لاكتساح بقايا الدول الفاسدة من الروم والفرس، فلا بد من فوزها ~~إن عاجلا أو آجلا، فلا يلام القبط على استبدالهم بنير الرومانيين نير العرب، وقد وقع إلي ~~أن جندكم لما دخلوا الحصن لحمايته ووصلوا إلى كنيسة المعلقة أخرجوا راهباتها مهانات وهن ~~مسيحيات وكسروا الأيقونات والكنيسة مسيحية مثل كنيستهم.» # فخجل أركاديوس لأن رجاله هم الذين فعلوا ذلك، ولكنه تجاهل وظل صامتا، فأتم الشيخ كلامه ~~فقال: «أتدري ما فعل العرب عند دخولهم الحصن وقد فتحوه وحل لهم نهبه؟» # قال: «ماذا فعلوا؟» # قال: «دخلوا الكنيسة دخولهم معبدا من معابدهم، فطمأنوا الراهبات وخففوا عنهن، وأقروهن في ~~ديرهن، وكن قد أخرجن منه يوم دخولكم، وزد على ذلك أنكم نفيتم بنيامين بطريرك القبط، أما ~~العرب فبعثوا يستقدمونه مكرما معززا، وإن عجبت لشيء فاعجب لأنهم يرفقون بالحيوان فلا ~~يمسونه بسوء، فقد ترك أميرهم عمرو فسطاطه منصوبا بقرب الحصن لأن تقويضه يقضي على يمام عشش ~~فيه، فهل يلام المقوقس لنفوره من الروم وميله إلى العرب؟! ما الذي يرجوه من هؤلاء الفاتحين ~~لنفسه؟! إنه لا يرجو مالا ولا متاعا ولا جاها ولا شيئا آخر، ولكنه سيق ms198 إلى ذلك مكرها. ~~قد يعد عمله خيانة، ولكن فاعله لا يعد خائنا بل منتقما.» # وكان الشيخ يتكلم وشفتاه ترتجفان، ولحيته تنتفض، وأنامله ترتعش، وقد أخذ منه الغضب كل ~~مأخذ، وأركاديوس مطرق يصغي يفكر في أمر هذا الرجل، على أنه أنزله من نفسه منزلة رفيعة لما ~~سمعه من حديثه، وعظم عليه حال الروم لعلمه أن كلام الشيخ حق لا ريب فيه، فنهض وأخذ يمشي في ~~أرض الحجرة ذهابا وإيابا صامتا يفكر، والشيخ جالس كأنه ينتظر ما يبدو من أركاديوس، فوقف ~~أركاديوس وقال: «وما العمل يا مولاي؟» # قال الشيخ: «العمل ألا تلقي بنفسك إلى التهلكة بعد أن علمت ما علمته من ضعف الروم ~~وفرارهم، أما أنت فكلنا يعرف فيك من عزة النفس والبسالة ما يجعلك بمنأى عن إساءة الظن بك، ~~فأنت لا تفر من ساحة الحرب ولا تسلم للعدو سلاحك، ولكن الرأي قبل شجاعة الشجعان.» # قال: «وماذا أفعل إذن؟» قال: «أرى أن تتنحى عن الحرب إلى مكان تأمن فيه على نفسك، فإذا ~~وضعت أوزارها بعث أمير العرب يستقدمك إليه معززا مكرما، فالإسكندرية مفتوحة لا محالة، ولا ~~يمضي يومان حتى تكون في قبضة العرب عنوة.» قال ذلك وتأوه، ثم عاد إلى الحديث فقال: «تصور يا ~~بني أن الإسكندرية أم العلوم ومحور التجارة ومثال العمران بما فيها من المدارس العالية ~~والمكتبات الشهيرة والكنائس العظيمة والطرق العامرة والأحياء الآهلة والقصور الفخمة ~~والحمامات الكثيرة والمصارف والحوانيت وغير ذلك. تصور أنها ستصير كلها إلى أيدي هؤلاء البدو ~~الخارجين من بلاد قاحلة ليست بذي زرع.» # فقال أركاديوس: «معاذ الله أن تصير إليهم.» فقال الشيخ: «هب أنها لم تصر إليهم الآن ~~فستصير إليهم غدا، وعندها لا يتيسر لك الفرار والاختباء.» # فابتدره أركاديوس قائلا: «ولماذا التستر؟! وما الفائدة من الحياة بعد الذل؟! إن ذلك عار ~~على الرجال.» فتبسم الشيخ وقال: «إنك لا تزال في إبان الشباب، ويلوح لي أنك لا أهل لك ولا ~~زوج يهمك أمرها، وهب أنك وحيد في العالم لا تحب أحدا ولا يحبك أحد، فإني لا أرى ms199 في اجتنابك ~~هذه الحرب عارا، إنما العار أن تلقي بنفسك إلى الموت، وفي الدنيا من يموت لموتك ويعيش ~~لأجلك. عمن تدافع؟! وماذا ترجو؟! وقد قلت لك وأنا شيخ عركني الدهر وعركته إن دولة الروم لم ~~يبق لها ظل على مصر والشام، فقد خرجت البلدان من حوزتها لفسادها وانقسام رؤسائها فيما بينهم ~~على خزعبلات دينية ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يكن هذا رأيي اليوم فقط بل هو قول قلته ~~منذ أعوام، فغضب علي حكامنا واضطهدوني ونفوني.» # فاشتاق أركاديوس إلى معرفة الشيخ فقال: «ألم يأن لك أن تصرح لي باسمك؟» فوقف الشيخ وقال: ~~«لقد عاهدتني عهدا صادقا ألا تلحق بي سوءا، والوعد على الحر دين، فهل أنت على وعدك؟» # قال: «قل ولا تخف، فإنك شيخ جليل، لا بأس عليك.» # قال: «إني يحيى النحوي.» # فعرفه لأنه كان معروفا في الإسكندرية ومعدودا من علمائها، وقد اضطهده الروم لأنه يعقوبي ~~المذهب كالأقباط، فازداد احترام أركاديوس له وتقديره. # ونهض الشيخ وودع أركاديوس فأذن له، وأوصى بعض الحراس بأن يوصله إلى مأمنه، وعاد إلى حجرته ~~وكلام الشيخ يقرع رأسه ويرن في أذنيه، ولا سيما ما ذكره له عن حياته وأحبائه، فهاج به الغرام ~~فأقفل بابه وجلس إلى نافذة تطل على ساحة وراء السور تنتهي إلى معسكر العرب، فأخذ يفكر في ~~أمر دولة الروم وخروج مصر والإسكندرية من يدها وتقلص ظلها عن مصر والشام، وما هي فيه من ~~الفوضى حتى حكم العقلاء بقرب انقضائها، فأسف أسفا شديدا واشتد به الأسى، ثم تذكر أرمانوسة ~~وأنها زوجه، وأنه إذا أصابه سوء مسها هي الضر، فوقع في حيرة، وآثر أن يحافظ على حياته، ~~لشعوره بعظم التبعة التي ألقاها عليه زواجه بها، ولكنه استصعب ترك الإسكندرية والتقاعد عن ~~الدفاع فقضى بقية ليله مترددا لا يقر له قرار، وفي مساء اليوم التالي جاء مرقس، فحالما رآه ~~خفق قلبه وتذكر مجيئه إليه في حصار الحصن، فتوقع أن يسمع منه خبرا، فلما دخل ~~وحياه. قال أركاديوس: «ما وراءك؟» قال: «ما ورائي إلا الخير.» ms200 وسكت. # قال: «ما بالك لا تتكلم؟ قل ما وراءك؟ إني أراك قلقا.» قال: «ليس ما يوجب القلق يا ~~سيدي.» # قال: «وهل من بأس على أرمانوسة؟» قال: «لا بأس عليها، ولكني آنست منها اليوم شوقا ~~عظيما إليك، وقد مضى الصوم الكبير، ونحن في أسبوع الآلام، وهي تصلي وتتضرع إلى الله أن ~~يحرسك، فلما أصبحت اليوم - وهو يوم خميس العهد - أفاقت مذعورة وفي نفسها شوق شديد لرؤيتك وتود ~~أن تؤديا فريضة الصلاة غدا معا في الكنيسة لأنه يوم الجمعة الكبيرة.» # فابتدره أركاديوس قائلا: «وأي كنيسة؟» قال: «كنيسة القديس بولس.» قال: «وأين هي؟» قال: ~~«في مريوط.» # قال مغضبا: «أتريد مني يا مرقس أن أخرج من السور كما فعلت بي يوم حصار الحصن؟ ذلك لا ~~يكون أبدا.» # فأجفل مرقس لما رأى من غضب أركاديوس ولم يبد جوابا. # فأخذ أركاديوس يذرع الحجرة ذهابا وإيابا والاستياء باد عليه، ومرقس واقف، وبعد برهة قال ~~مرقس: «أيأذن لي مولاي في كلمة أقولها؟» # فوقف أركاديوس وقال: «قل يا مرقس، واذكر أني ارتكبت في خروجي من حصن بابل عارا لا أريد ~~أن أرتكبه هنا.» # قال: «حاش لك يا مولاي أن ترتكب عارا، ولكنني أذكرك بشخص عاهدت الله أن تحبه وتحافظ على ~~حياته، فإذا تذكرته فافعل ما يبدو لك.» # فلما سمع أركاديوس ذلك التعنيف اللطيف أطرق برهة ثم قال: «تظنني ناسيا أرمانوسة أو أنني ~~أتخلى عنها، ولكن الشرف والمروءة يا مرقس ... ولا أظن أرمانوسة نفسها ترضى أن يكون زوجها ~~جبانا يفر من ساحة الوغى.» # قال: «كيف يكون حالها إذا أصاب الإسكندرية سوء؟ ولا أخفي عليك أننا نتوقع سقوطها قريبا، ~~لأن العرب يتهيئون للهجوم عليها، والروم يفرون منها، ولا أنكر على سيدي البطل أن الشهامة ~~تقتضيه الثبات إلى آخر نسمة من حياته، ولكن أرمانوسة، اذكر أرمانوسة وما يحل بها.» # فضاق أركاديوس ذرعا بالتردد ورفس الأرض وعاد يذهب ويجيء ومرقس يتضرع إلى الله أن يغير ما ~~بقلبه ويلهمه أن يأتي معه. # فعاد أركاديوس وأشار إلى سيفه وقال: «أتريد يا مرقس أن أفر من ms201 الحصن ولا أستحيي من حسامي ~~هذا؟ كيف لا أخجل؟! بل كيف لا أذوب خجلا إذا قيل إني فعلت ذلك وأنا أركاديوس بن الأعيرج زوج ~~أرمانوسة؟! فاعلم أني إذا خرجت من هذا الحصن وسقطت الإسكندرية في أثناء غيابي فأنا مائت لا ~~محالة، فدعني أدافع عن دولتي ووطني وشرفي، فإذا عشت عشت شريفا، وإذا قتلت مت شريفا وفاخرت ~~أرمانوسة بأن زوجها كان شهما مات في سبيل الدفاع عن وطنه وشرفه. ذلك خير لها من الخجل كلما ~~ذكرت الإسكندرية أو دولة الروم.» # فترقرقت الدموع في عيني مرقس لعلمه بقرب الخطر، وبأن العرب يهاجمون المدينة في صباح الغد، ~~فلما رآه أركاديوس يبكي رق لغيرته وحنانه، وتقدم منه فأمسكه بيده وقال: «لماذا تبكي يا ~~مرقس؟ هل خفت على أركاديوس من الموت؟ ليس الموت يا صاحبي بالأمر الذي يخافه العاقل، وإنما ~~خوف العاقل من العار، وإني وأيم الله شاكر شعورك ومحبتك وغيرتك علي وعلى أرمانوسة، وإن ذلك ~~لما يطمئن له قلبي فتكون لأرمانوسة نعم العون إذا مسني سوء.» قال ذلك وشرق بدموعه، ثم تجلد ~~ونأى بوجهه عن مرقس إلى النافذة فأطل منها على معسكر العرب، وكان البدر قد طلع فأرسل أشعته ~~على تلك الغياض، وأكثرها من النخيل إلا سهلا رحبا عسكر العرب فيه، فوقف أركاديوس برهة ~~ينظر إلى تلك الضاحية وهو لا يرى شيئا لعظم قلقه واضطرابه ومرقس واقف يجهش في البكاء، ~~فانتبه أركاديوس لصوت بكائه والتفت إليه وقال: «إنك يا مرقس شديد الغيرة صادق الود، وما أنا ~~بناس مودتك ما عشت، وإذا مت فاذهب إلى أرمانوسة وخفف عنها، واذكر لها أن أركاديوس أبى أن ~~يكون جبانا لئلا يقال إنه ليس أهلا لها. قم يا مرقس واذهب إليها الآن، واحتفظ بها، وما ~~أنت في حاجة إلى من يوصيك بأرمانوسة، وأرجو أن أراكم ظافرا وإلا ...» وسكت وأمال وجهه، ~~ومرقس لا يزال يبكي، ثم مسح مرقس دموعه وتجلد وقال: «كيف أخرج من عندك وأنا أرى الخطر ~~قريبا؟! أسأل الله أن يبعده عنك.» # قال: «إن الأعمار بيد الله، فرب ms202 رجل يموت في إبان نعيمه وراحته، وآخر يخوض المعامع ~~ويستقبل النبال والرماح بصدره ويعمر طويلا، والعمر يا مرقس طال أم قصر لا بد من انقضائه، ~~وأما العار فإنه باق لا يمحى، وأرى الآن أن تذهب إلى أرمانوسة، وكن أنت معها في ساعة ~~الرهبة، وساعداني بالصلاة، وقل لها إن صليبها في عنقي، وهو يدفع عني كل شر.» # فعلم مرقس انه لا مناص من رجوعه، فتقدم من أركاديوس وهو يمسح دموعه وقال: «أما وقد أصررت ~~على البقاء فإني أبوح لك بأن العرب سيهاجمون الإسكندرية غدا في الصباح الباكر فكن على ~~حذر.» قال ذلك وودعه وخرج كاسف البال حزينا لا يدري كيف يقابل أرمانوسة. # وكانت أرمانوسة قد مكثت يوما كاملا بعد ذهاب مرقس وهي تنتظر عودته، فلما انقضى بعض ~~الليل ولم يأت قلقت، وكانت بربارة أشد قلقا منها لعلمها بعزم العرب على الهجوم في صباح ~~اليوم التالي كما أنبأها مرقس، فانتهزت فرصة وخرجت من الغرفة إلى الحديقة لعلها ترى مرقس ~~قادما، وما لبثت أن رأت شبحا عن بعد، أخذ يقترب منها حتى تبينت أنه هو مرقس فسارعت إليه، ~~وخفق قلبها حين استقبلها باكيا، وسألته: «ما الخبر؟» # فأنبأها بما كان من أمره مع أركاديوس، وإصرار هذا على البقاء في الإسكندرية، فدقت يدا ~~بيد، وقالت: «الأفضل ألا تدخل على أرمانوسة الآن، وألا تطلعها على شيء من هذا حتى لا يقتلها ~~الحزن.» # ولم تشرق الشمس حتى كان العرب قد اقتحموا أسوار الإسكندرية، وجاءت رسل المقوقس إلى ~~أرمانوسة يبشرونها بذلك، وليمكثوا عندها لحراستها حتى يلحق بهم إليها، فاشتد بها الجزع على ~~أركاديوس، وأخذت في البكاء والنحيب. # الفصل الخامس عشر # | فتح الإسكندرية # بقي أركاديوس بعد ذهاب مرقس وحيدا في غرفته، وقد أخذت الحمية منه مأخذا عظيما، وصمم ~~على الدفاع عن وطنه ودولته إلى آخر نسمة من حياته، فخرج لينبئ البطريق بما نواه العرب في ~~الصباح التالي، فوصل إلى قصره فلم يجده هناك ولم يهده أحد إلى مقره، فألح في طلبه، وأرسل ~~الرسل في البحث عنه، فلم يقفوا له ms203 على خبر، فعرف من ذلك، ومن قرائن أخرى، أنه فر من ~~الإسكندرية لما رأى أهلها يفرون، فشق الأمر عليه وقال: «لقد صدق يحيى النحوي، والله إن ~~الدفاع عن هذه الدولة حرام. إن الله قضى عليها فماذا يجدي الدفاع؟» وحدثته نفسه أن يخرج هو ~~أيضا، ولكنه خشي أن يقولوا عنه كما قال هو عن البطريق، فعاد إلى حصنه وتهيأ للدفاع جهده، ~~وبات بقية ليلته على حذر. # فلما طلع الفجر أفاق وأطل من مرامي السور، فرأى المسلمين بفرقهم ورماحهم ونبالهم وتروسهم ~~قد تفرقوا، وأمامهم الفرسان يحملون الأعلام ويتأهبون للهجوم، فأمر رجاله بالاستعداد والوقوف ~~عند مراميهم، ولبس درعه ولأمته وتقلد حسامه وخنجره ووقف يرقب تقدمهم، فرأى كل فرقة منهم قد ~~سارت وعلمها أمامها إلى ناحية من السور، وظلت فرقة صغيرة متجهة نحو حصنه، فأمر رجاله فرموها ~~بالنبال فلم تجبهم، وبقيت تتقدم حتى صارت على مقربة من السور، وأمامها بضعة فرسان بالدرق ~~والسيوف، فلما دنوا من السور أمرهم أميرهم فتحولوا إلى جانب من السور يبعد عن معقل ~~أركاديوس، وأخذوا يتسلقونه متزاحمين كأنهم يتسابقون على وليمة، فلما سمع أركاديوس صوت ~~القائد تنسم منه صوت عمرو بن العاص فقال: «هذا قائدهم، ها قد التقينا في حومة الوغى، وجاز ~~لي قتاله كما قال مرقس، وليس في أغلال الحديد.» ولكنه لم يتثبته لأنه لم ير وجهه المغطى ~~بالخوذة والدرع، فأطل من المرمى فلم يره، ولكنه رأى العرب قد دخلوا المدينة وعلا الصياح في ~~أنحائها، ثم سمع ضجة في معقله من الداخل فاستل حسامه، وتحول نحو الصوت فلقيه بعض رجاله ~~فأنبئوه بدخول العرب المدينة وسقوطها فلم يبال، وظل سائرا حتى رأى أصحاب الصيحة فإذا هم ~~بعض العرب قد دخلوا معقله فصاح فيهم والسيف مشهر في يمينه: «أين هو أميركم؟ فليبارزني. أنا ~~أركاديوس بن الأعيرج.» فما أتم كلامه حتى رأى بدويا مدرعا تقدم نحوه وسيفه مغمد ويداه ~~فارغتان، فنكس أركاديوس سيفه، وقد عجب لذلك الرجل، وما لبث أن جاء العربي وحسر الدرع عن ~~وجهه، فإذا هو عمرو بن العاص يبتسم، ms204 فاستغرب أركاديوس مجيئه في تلك الحال، وقال له: «جرد ~~حسامك وعليك بالبراز.» فلم يفهم عمرو، وكلمه بالعربية فلم يفهم أركاديوس وإن تبين من ملامح ~~وجهه أنه جاء مسالما لا محاربا، والتفت عمرو خلفه فإذا بزياد قد دخل ومعه مرقس، فخاطب ~~عمرو أركاديوس بوساطة زياد قائلا: «إني لم آت لأقاتل أركاديوس البطل الشهير. إن مثلك لا ~~يقاتل، وقد جئتك وسيفي مغمد لعلمي أن الخيانة ليست من شيمتك.» # فعجب أركاديوس من مروءته وقال: «لماذا لم تأتني محاربا؟ هيا نتبارز!» # قال: «لأني أشعر بجميل لك علي يوم ضمنا وإياك مجلس البطريق، واختلفوا في أمري، وكنت ~~عالما بي فأغضيت، وهو جميل ذكرته لك، وما زلت أتوقع أن أكافئك عليه، فأنت صاحب الفضل ~~السابق.» # وكان أركاديوس كثيرا ما سمع بوفاء العرب وكرم أخلاقهم، فلما اختبر ذلك بنفسه، نظر إلى ~~مرقس فإذا هو واقف مع زياد، وكل منهما ينظر إليه ويبتسم سرورا بنجاته من الموت، فأدرك ~~أركاديوس أن ذلك كله إنما كان بمساعي مرقس، فوقف يتردد بين الفرج بالنجاة شريفا عزيزا ~~وبين الحزن لسقوط الإسكندرية ودخولها في حوزة المسلمين. أما عمرو فهم بأركاديوس وصافحه ~~قائلا: «ها أنا ذا أصافحك وأؤاخيك منذ الآن، واعلم أنك صديقنا، ولا تحسبنا أخذناك في الحرب، ~~فإننا جئناك زائرين لنشكرك على جميل سبق لك علينا، وها أنا ذا تارك عند معقلك جنودا يمنعون ~~رجالنا من دخوله.» # فازداد أركاديوس إعجابا بتلك المروءة وقال: «بورك فيك من شهم، فأوصيك بالإسكندريين ~~خيرا. لا تدع رجالك يفتكون بهم، فقد كفاهم الأسر.» # فلما خلا أركاديوس بمرقس قال: «ماذا فعلت يا مرقس؟ وكيف حال أرمانوسة؟» # فهم مرقس بيده يقبلها ويقبل الأرض كأنه لا يصدق نجاته من الموت، وقال: «الحمد لله على ~~سلامتك يا سيدي، ها قد رأيت ما تشتهيه نفسي، ولا فضل لي في ذلك؛ لأن عمرا شعر بفضلك عليه ~~فعزم على أن يوافيك، وها قد نجوت من الخطر شريفا بعد أن طلبته للمبارزة فلم يبارزك. أما ~~أرمانوسة فإنها في قلق عظيم، ولا أدري ما حل بها، فأذن ms205 لي بالذهاب إليها لأبشرها بسلامتك، ~~وأعود إليك فنسير معا إليها.» # قال ذلك وخرج، وبقي أركاديوس وزياد، فدخلا الحجرة فقال أركاديوس: «ما علاقتك يا زياد ~~بالعرب والروم؟» # قال: «إني خادم يحيى النحوي، ولكنني في الأصل صديق عمرو، وكنا نرعى الإبل معا في ~~الجاهلية، ثم افترقنا، فأقمت أنا في الإسكندرية، ودخل هو في الإسلام وصار من أمراء ~~المسلمين، ولكنني أعرفه شهما غيورا، فلما وقع في الأسر أحضروه إلي في مجلس البطريق، وكنت ~~حاضرا، فعرفك وخاف أن تذيع أمره، فلما رأى منك الكتمان عد ذلك فضلا لك عليه، وود إنقاذك. ~~وقد كنا أمس عنده في المعسكر، فجاءه مرقس بعد نصف الليل، فسأله هو عنك وعن معقلك حتى يحميه، ~~فأخبره، وجئنا في هذا الصباح معه كما رأيت.» # فقال أركاديوس: «وأين سيدك يحيى؟» قال: «مختبئ في مأمن.» # فقال أركاديوس في نفسه: «هذا هو الفساد وهذه هي الفوضى، وكيف يفوز قوم في حرب وقوادهم ~~منقسمون، وعلماؤهم ناقمون؟! إنا لله وإنا إليه راجعون.» وعاد إليه رأيه في معاشرة المقوقس. ~~ولكنه أصبح أكثر اتساعا. ~~••• # وبعد بضع ساعات عاد عمرو ومرقس، فقال عمرو لأركاديوس: «إذا شئت الخروج إلى أهلك فإننا ~~مشيعوك إلى حيث تشاء.» فعجب أركاديوس لعلم عمرو بعلاقته بأرمانوسة، ولحظ عمرو ذلك فقال: «لا ~~تعجب، فقد علمت خبرك مع أرمانوسة، ويسرني أن أراكما الآن في وئام، ولا تظلم حماك المقوقس؛ ~~فإنه معذور، وإذا أردت الخروج إلى عروسك فذلك إليك.» # فسأل أركاديوس زيادا: «هل تعرف مقر يحيى النحوي؟» قال: «نعم.» فركبا وسارا، فلما أطلا ~~على مريوط، وأشرفا على بيت الشيخ حيث تقيم أرمانوسة خفق قلب أركاديوس، فلقيهم مرقس فجرى ~~ليبشر أرمانوسة، ولما دخل أركاديوس القاعة لقي فيها جمهورا من الرجال، وفي صدرها يحيى ~~النحوي، وبجانبه المقوقس، فلما رآهما اضطرب وتردد، فنهض يحيى إليه وقبله وأمسكه بيده وقدمه ~~إلى المقوقس، فوقف المقوقس وضم أركاديوس إلى صدره وقبله قبلة الأب لابنه، فخجل أركاديوس ~~وشعر بزوال حقده على حميه، وهم به فقبل يده وجلس إلى يمينه ويحيى بين أيديهما. # فقال يحيى: «لا ms206 تعجب يا بني من اجتماعنا في منزل أرمانوسة، فإننا عالمون بما في نفسك على ~~حميك، وما كان في نفسه هو على جماعة الروم، وكلاكما معذور، وقد علمنا بما عقده الله بينك ~~وبين أرمانوسة من الروابط المقدسة فأردنا التوسط بينك وبين حميك ليفهم كل منكما الآخر، فأنت ~~الآن بمنزلة ابنه وهو بمنزلة أبيك.» # فقال المقوقس: «يعلم الله يا ولدي أنني أطلت البال، وصبرت صبر الرجال، وأنا رومي الأصل ~~مثلك، ولكنني رأيت ذل القبط فأغثتهم فلم تصغ الدولة لصراخنا ولا سمعت بكاءنا، وهذا أخي يحيى ~~العالم شاهد على ما أقول. أما أنت فما برحت منذ عرفتك أشهد بشهامتك ومروءتك لأنك لم تأت ~~عملا تلام عليه.» # فقال أركاديوس، وقد صفا قلبه: «نعم يا عماه، إني مثل ولدك، ويكفيك شفيعا عندي أنك والد ~~أرمانوسة، وأنا وهي الآن واحد.» # فقال مرقس: «ما بالكم حجبتم أرمانوسة عنه وحجبتموه عنها؟» # ولم يتم كلامه حتى دخلت بربارة وهمت بيدي أركاديوس تقبلهما، ودخلت أرمانوسة على استحياء ~~وعيناها ذابلتان لما قاسته في صباح ذلك اليوم، ولم تستطع إظهار عواطفها، فسلمت فنهض يحيى ~~وأمسك بيد أركاديوس وأمسك المقوقس بيد أرمانوسة وجعلا يد كل من العروسين بيد الآخر وقال ~~يحيى: «ما جمعه الله لا يفرقه إنسان.» # وفي صباح الغد هنأهم عمرو بن العاص، وخير أركاديوس بين الإقامة في الإسكندرية أو بأي ~~مدينة أخرى، فاستمهله حتى يكتب إلى أبيه، فكتب إليه مع رسول أنفذه إلى القسطنطينية، فعاد ~~الرسول بنبأ موت أبيه في السجن ظلما بلا محاكمة، فبكاه وكره القسطنطينية وأهلها وفضل ~~البقاء بالإسكندرية. # وكان عمرو قد كتب إلى الخليفة عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، وسأل عن المكان الذي يقيم ~~به، فكتب إليه: «إني لا أحب أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم شتاء ولا ~~صيفا، فمتى أردت القدوم إليكم فإني أركب راحلتي حتى أقدم إليكم.» # وكان بين الإسكندرية والحجاز نهر النيل، فانتقل عمرو إلى حصن بابل، وكان الفسطاط الذي ~~تركه هناك لا يزال باقيا وقد عشش فيه اليمام، فخيم حوله ونصب الأعلام ms207 وبنى هناك مدينة ~~سماها الفسطاط، وهي أول عاصمة للمسلمين في مصر. أما أركاديوس فاختار الإقامة بالإسكندرية، ~~وعاش مع عروسه في رغد، ومعهما بربارة ومرقس وأهله. ms208