######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.FatatGhassan.Hindawi59429042 #META# Tags: novels #META# ID: 59429042 #META# Title: فتاة غسَّان #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية فتاة غسان‏ # الجزء الأول‏ # 1 - ملوك غسان‏ # 2 - فتاة غسان‏ # 3 - السباق‏ # 4 - هند في غرفتها‏ # 5 - حماد‏ # 6 - مدينة بصرى‏ # 7 - دير بحيراء‏ # 8 - الراهب بحيراء‏ # 9 - لقاء الحبيبين‏ # 10 - النجاة‏ # 11 - مسبعة الزرقاء‏ # 12 - عبد الله في السجن‏ # 13 - هرقل‏ # 14 - دعوة الملوك إلى الاسلام‏ # 15 - أبو سفيان‏ # 16 - سيرة صاحب الشريعة الإسلامية‏ # 17 - عود عبد الله‏ # 18 - جواد حماد‏ # 19 - عمان‏ # 20 - غزوة مؤتة‏ # 21 - حماد وسلمان‏ # 22 - عوامل الغيرة‏ # 23 - هند وأمها‏ # 24 - منادي دير نجران‏ # 25 - التفتيش عن عبد الله‏ # 26 - الخطبة‏ # 27 - كشف السر‏ # 28 - موقف هائل‏ # 29 - الاستغراب‏ # 30 - اليأس من وجود عبد الله‏ # 31 - حماد في خيمته‏ # 32 - سلمان وأخباره‏ # 33 - وعند جهينة الخبر اليقين‏ # 34 - ثعلبة‏ # 35 - جبلة والحارث‏ # 36 - قرطا مارية‏ # 37 - حماد وآماله‏ # 38 - ساعة اللقاء‏ # 39 - الوداع‏ # 40 - السفر إلى الحجاز‏ # 41 - البحيرة‏ # 42 - آبار بدر‏ # 43 - سبب الغزوات‏ # 44 - غزوة بدر الكبرى‏ # 45 - بكر وخزاعة‏ # 46 - مكة المكرمة‏ # 47 - فتح مكة‏ # 48 - اليأس‏ # الجزء الثاني‏ # مقدمة الجزء الثاني من فتاة غسان‏ # 49 - المناجاة‏ # 50 - حسان بن ثابت الأنصاري‏ # 51 - اللقاء‏ # 52 - واقعة مؤتة‏ # 53 - يوم الشعانين‏ # 54 - هند في صرح الغدير‏ # 55 - هند والقمر‏ # 56 - البشارة‏ # 57 - حماد وهند‏ # 58 - جبلة‏ # 59 - قص الشعر‏ # 60 - كشف السر‏ # 61 - ملوك الحيرة‏ # 62 - مقتل النعمان بن المنذر‏ # 63 - السر‏ # 64 - وقعة ذي فار‏ # 65 - دولة الفرس‏ # 66 - المدائن‏ # 67 - إيوان كسرى‏ # 68 - انس أم جان‏ # 69 - ناسك حوران‏ # 70 - انذر القاتل بالقتل‏ # 71 - البرد والخاتم‏ # 72 - كل سر جاوز الاثنين شاع‏ # 73 - إن الله مع الصابرين‏ # 74 - حصون بصرى‏ # 75 - رومانوس وتراجان‏ # 76 - فتح بصرى‏ # 77 - فتح الحيرة‏ # 78 - وقعة اليرموك‏ # 79 - خبر مفاجئ‏ # 80 - هند في دمشق‏ # 81 - حصار دمشق‏ # 82 - داخلية دمشق وحال الروم فيها‏ # 83 - كنيسة ماري يوحنا‏ # 84 - باب الفرج‏ # 85 - صلح الشام‏ # 86 - خصام أبي عبيدة وخالد‏ # 87 - الاستطلاع‏ # 88 ms001 - مهمة خطرة‏ # 89 - خيبة المسعى‏ # 90 - سلمان‏ # 91 - حصار بيت المقدس‏ # 92 - صلح بيت المقدس‏ # 93 - الإمام عمر بن الخطاب‏ # 94 - جبلة بن الايهم‏ # 95 - مشورة وذكرى‏ # 96 - وقعة القادسية‏ # 97 - ويأتيك بالأخبار من لا تسائله‏ # 98 - هند في دير هند‏ # 99 - وادي الفرات‏ # 100 - الفشل‏ # 101 - فتح المدائن‏ # 102 - أين هند‏ # 103 - أين الشجي من الخلي‏ # 104 - المناجاة‏ # 105 - لقاء هائل‏ # 106 - دير هند الصغرى‏ # 107 - قران سعيد‏ # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية فتاة غسان‏ # الجزء الأول‏ # 1 - ملوك غسان‏ # 2 - فتاة غسان‏ # 3 - السباق‏ # 4 - هند في غرفتها‏ # 5 - حماد‏ # 6 - مدينة بصرى‏ # 7 - دير بحيراء‏ # 8 - الراهب بحيراء‏ # 9 - لقاء الحبيبين‏ # 10 - النجاة‏ # 11 - مسبعة الزرقاء‏ # 12 - عبد الله في السجن‏ # 13 - هرقل‏ # 14 - دعوة الملوك إلى الاسلام‏ # 15 - أبو سفيان‏ # 16 - سيرة صاحب الشريعة الإسلامية‏ # 17 - عود عبد الله‏ # 18 - جواد حماد‏ # 19 - عمان‏ # 20 - غزوة مؤتة‏ # 21 - حماد وسلمان‏ # 22 - عوامل الغيرة‏ # 23 - هند وأمها‏ # 24 - منادي دير نجران‏ # 25 - التفتيش عن عبد الله‏ # 26 - الخطبة‏ # 27 - كشف السر‏ # 28 - موقف هائل‏ # 29 - الاستغراب‏ # 30 - اليأس من وجود عبد الله‏ # 31 - حماد في خيمته‏ # 32 - سلمان وأخباره‏ # 33 - وعند جهينة الخبر اليقين‏ # 34 - ثعلبة‏ # 35 - جبلة والحارث‏ # 36 - قرطا مارية‏ # 37 - حماد وآماله‏ # 38 - ساعة اللقاء‏ # 39 - الوداع‏ # 40 - السفر إلى الحجاز‏ # 41 - البحيرة‏ # 42 - آبار بدر‏ # 43 - سبب الغزوات‏ # 44 - غزوة بدر الكبرى‏ # 45 - بكر وخزاعة‏ # 46 - مكة المكرمة‏ # 47 - فتح مكة‏ # 48 - اليأس‏ # الجزء الثاني‏ # مقدمة الجزء الثاني من فتاة غسان‏ # 49 - المناجاة‏ # 50 - حسان بن ثابت الأنصاري‏ # 51 - اللقاء‏ # 52 - واقعة مؤتة‏ # 53 - يوم الشعانين‏ # 54 - هند في صرح الغدير‏ # 55 - هند والقمر‏ # 56 - البشارة‏ # 57 - حماد وهند‏ # 58 - جبلة‏ # 59 - قص الشعر‏ # 60 - كشف السر‏ # 61 - ملوك الحيرة‏ # 62 - مقتل النعمان بن المنذر‏ # 63 - السر‏ # 64 - وقعة ذي فار‏ # 65 - دولة الفرس‏ # 66 - المدائن‏ # 67 - إيوان كسرى‏ # 68 - انس أم جان‏ # 69 ms002 - ناسك حوران‏ # 70 - انذر القاتل بالقتل‏ # 71 - البرد والخاتم‏ # 72 - كل سر جاوز الاثنين شاع‏ # 73 - إن الله مع الصابرين‏ # 74 - حصون بصرى‏ # 75 - رومانوس وتراجان‏ # 76 - فتح بصرى‏ # 77 - فتح الحيرة‏ # 78 - وقعة اليرموك‏ # 79 - خبر مفاجئ‏ # 80 - هند في دمشق‏ # 81 - حصار دمشق‏ # 82 - داخلية دمشق وحال الروم فيها‏ # 83 - كنيسة ماري يوحنا‏ # 84 - باب الفرج‏ # 85 - صلح الشام‏ # 86 - خصام أبي عبيدة وخالد‏ # 87 - الاستطلاع‏ # 88 - مهمة خطرة‏ # 89 - خيبة المسعى‏ # 90 - سلمان‏ # 91 - حصار بيت المقدس‏ # 92 - صلح بيت المقدس‏ # 93 - الإمام عمر بن الخطاب‏ # 94 - جبلة بن الايهم‏ # 95 - مشورة وذكرى‏ # 96 - وقعة القادسية‏ # 97 - ويأتيك بالأخبار من لا تسائله‏ # 98 - هند في دير هند‏ # 99 - وادي الفرات‏ # 100 - الفشل‏ # 101 - فتح المدائن‏ # 102 - أين هند‏ # 103 - أين الشجي من الخلي‏ # 104 - المناجاة‏ # 105 - لقاء هائل‏ # 106 - دير هند الصغرى‏ # 107 - قران سعيد‏ # | فتاة غسان # | فتاة غسان # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # جبلة بن الأيهم: # من ملوك غسان. # الحارث بن أبي شمر: # من ملوك غسان. # عبد الله: # من أمراء العراق. # هند: # ابنه جبلة. # ثعلبة: # ابن الحارث. # حماد: # ابن الأمير عبد الله. # سعدى: # أم هند. # سلمان: # خادم حماد. # خالد بن الوليد: # قائد جيش المسلمين في العراق. # أبو عبيدة الجراح: # قائد جيش المسلمين في الشام. # | مراجع رواية فتاة غسان # هذه هي المراجع التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الرواية ووقائعها التاريخية : # تاريخ الطبري - تاريخ أبي الفداء - تاريخ المقريزي - تاريخ ابن الأثير - ~~تاريخ المسعودي - تاريخ العرب لنويل ديفرجه - تاريخ الرومانيين - تاريخ ~~الإنشقاق - تاريخ ابن خلدون - تاريخ الأنبياء - تاريخ الواقدي. # نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب. # صموئيل شارب - إسحاق الكندي. # دائرة المعارف البريطانية. # الأغاني للأصفهاني. # كتاب ياقوت. # صناجة الطرب. # عن المؤرخين: جون مري، وملبطرن، وسيريل، ونوركهارت، وفوشيه، ومريل، ~~ووادنتن. # معجم الآثار الدينية. # السيرة الحلبية. # سيرة ابن هشام. # أديان العرب. # السيرة الشامية. # | الجزء الأول # الفصل الأول # | ملوك غسان # بنو غسان عرب منتصرة كانوا عمالا لقياصرة الروم في الشام وأصلهم يمنيون ms003 من بني ~~قحطان هاجروا اليمن بعد سيل العرم، والعرم سد كان بجوار مدينة مأرب باليمن يعرف بسد مأرب ~~تهدم في القرن الأول للميلاد وطافت مياهه على ما جاوره من البلاد والقرى فقل سبيل ~~الناس إلى الاستقاء فنزح أهلها إلتماسا للرزق ومنهم الغساسنة نزلوا ضواحي الشام بقرب ماء ~~اسمه غسان فنسبوا إليه واعتنقوا الديانة المسيحية ويسميهم مؤرخو الإسلام العرب المنتصرة ~~ويعرفون أيضا بملوك غسان. وأول من عرف منهم جفنة عاش في القرن الثاني للميلاد واتصل ~~الملك بعده بنسله فحكم منهم نحو 27 ملكا آخرهم جبلة بن الأيهم وفى أيامه ظهر الإسلام ~~وفتحت الشام على عهد الخليفة أبى بكر الصديق وانقرضت دولتهم كما سترى. ولكن منهم الآن بقية ~~متبعثرة في ضواحي البلقاء واليرموك وحمص. # ومن العرب المنتصرة ملوك الحيرة ويقال لهم المناذرة (جمع المنذر) أو الملوك اللخميون نسبة ~~إلى لخم بن عدي وهم من عرب اليمن نزحوا أيضا بعد السيل وأقاموا في العراق وكانوا عمالا ~~للفرس هناك ونسبتهم إلى ملوك الفرس كنسبة ملوك غسان إلى قياصرة الروم أي أن كلا من ~~الفريقين كانوا عمالا لإحدى هاتين الدولتين. # فالغسانيون كانوا يقيمون في حوران والبلقاء وما جاورهما وكانوا أشبه شيء بالولاة ~~المستقلين تحت رعاية الرومانيين فيمتازون عن ولاة الروم باستقلالهم في حكومتهم الداخلية ~~تحت شروط معلومة فيؤدون الجزية ويمدون الرومانيين بالجند من قبيلتهم عند الحاجة وخصوصا ~~في حروبهم مع الفرس. أو لعلهم كانوا من قبيل أصحاب الإقطاعات والمتعهدين. # وكان العالم قبيل الإسلام تتنازعه دولتان عظيمتان الفرس في الشرق والرومان في الغرب لا ~~يكاد يفتر النزاع بينهما فيستعين الفرس بالمناذرة ويستعين قياصرة الروم بالغساسنة فتولد ~~بين تينك القبيلتين العربيتين المسيحيتين ضغائن توارثها الأبناء عن الآباء وكثيرا ما كانت ~~تقوم الحرب بينهما حتى يكاد يبيد أحدهما الآخر. # والنزاع بين الفرس والروم قديم وكأنه طبيعي بين المشرق والمغرب فقد كانت الحروب ~~متواصلة قبلا بين الفرس واليونان ثم بين الفرس والرومان وكانت عاصمة الفرس المداين ~~بالعراق وعاصمة الرومان القسطنطينية فقضوا أجيالا متوالية وهم بين حرب وصلح تارة يجردون ms004 ~~الجند وطورا يعقدون الصلح. ففي النصف الثاني من القرن السادس للميلاد كان ملك الفرس كسرى ~~رويز وإمبراطور الروم موريسيوس (والعرب تسميه موريقى) فثارت في بلاد الفرس ثورة داخلية ~~آلت إلى خلع كسرى فالتجأ إلى موريسيوس فساعده وأعاده إلى ملكه وكان ذلك داعيا إلى مصالحة ~~وهدنة. وفي سنه 602م قتل موريسيوس هذا قتله فوكاس (فوقا) وتولى هو الملك مكانه وكان على ~~الفرس كسرى برويز المذكور وكان صهرا لموريسيوس قد تزوج ابنته ماريا فلما سمع بمقتل حميه ~~اعتبر معاهدة الصلح بينهما لاغية وحمل بجيشه على القسطنطينية متظاهرا بالانتقام من قاتل ~~حميه وهو يضمر الاستيلاء على مملكة الروم فظلت القسطنطينية أثناء حكم هذا الإمبراطور ~~في حصار دائم فمل الناس حكومته فثاروا عليه وأرادوا خلعه فاستدعوا هراكليوس (هرقل) ابن ~~والى القيروان عن الروم فجاء سنة 610م بعمارة بحرية ودخل القسطنطينية عنوة وقتل فوقا ~~وتولى مكانه والفرس قد قاموا على الروم قومة واحدة فكان كسرى محاصرا القسطنطينية بنفسه ~~وكان قائد من قواده محاصرا بيت المقدس وآخر محاصرا الإسكندرية والناس يفرون من وجه ~~الفرس من كل صوب فلم تأت السنة الخامسة من حكم هرقل حتى استولى الفرس على القدس وفى ~~الثامنة (سنة 618) دخلوا الإسكندرية واستولوا على مصر السفلى فلاقوا من أهل الشام ومصر ~~ترحابا وارتياحا لارتباطهم معهم ومع جندهم اللخميين برابطة الوطن الشرقي والعوائد الشرقية ~~فلبثوا تحت نيرهم عشر سنوات ثم اشتغل الفرس بعصيان بعض ولاياتهم فضعف أمرهم فاغتنم هرقل ~~تلك الفرصة وحمل عليهم بجنده فأخرجهم من الشام ومصر وأعاد المملكتين إلى حوزة الروم ولم ~~يكد يستريح هرقل من هذه الحروب حتى جاءه المسلمون في أوائل الهجرة مفتتحين وهو لا يزال في ~~سوريا وحصونه لا تزال متهدمة وجيوشه متبعثرة وسائر قواته متضعضعة. # وكان بنو غسان تحت سيطرة الوالي الروماني المقيم بدمشق بأمر إمبراطور المملكة ~~الرومانية الشرقية المقيم في القسطنطينية فترد الأوامر الإمبراطورية من الإمبراطور إلى والي ~~دمشق وهو يبلغها إلى ملك غسان. # وكان كرسي حكومة الغسانيين تارة في عمان بالبلقاء وطورا في تدمر وأحيانا في الجولان ms005 ~~وتارة في بصري عاصمة حوران في ذلك العهد. # ففي نحو السنة السابعة للهجرة (629) كان على الغسانيين في الشام ملكان في وقت واحد ~~أحدهما الحارث بن أبى شمر والآخر جبلة بن الايهم وكان الحارث يقيم في بصرى وفى مكانها الآن ~~قرية صغيرة اسمها اسكي شام أي الشام القديمة وسيأتي ذكرها وبجوار بصرى هذه دير بحيراء الذي ~~نزل عنده أبو طالب ومعه ابن أخيه صاحب الشريعة الإسلامية يوم قدموا الشام للتجارة قبل ~~ظهور الدعوة الإسلامية ببضع وعشرين سنة. # وأما جبلة فهو ابن عم الحارث المشار إليه وكان يقيم بالبلقاء. # الفصل الثاني # | فتاة غسان # وكان لجبلة هذا ابنة بارعة في الجمال مع تعقل ورزانة اسمها هند ربيت منذ حداثتها على ظهور ~~الخيل فشبت مولعة بركوبها ومجاراة أعاظم الفرسان في حلبة السباق حتى طار صيتها في القبائل ~~حديث القوم ومضرب أمثالهم قبل أن بلغت العشرين من عمرها. # وكانت تقيم غالبا في صرح الغدير وهو قصر بديع شاهق بناه ثعلبة بن عمرو أحد ملوك غسان ~~في القرن الرابع للميلاد في أطراف حوران مما يلي البلقاء من حجارة ضخمة فيه غرف واسعة تحدق ~~بها الحدائق والبساتين تجرى من تحتها الجداول والسواقي معظم أيام السنة. # وكان بجوار القصر سهل واسع الأرجاء خصصوه لسباق الخيل في مواقيت معينة من العام ينخرط في ~~سلكه أمهر فرسان البلقاء وحوران وقد يقصده أهل البلاد الأخرى وكانت هند تنزل السباق بنفسها ~~وكثيرا ما أحرزت قصب السبق. وكان ذلك السباق تحت رعاية والدها جبلة فيخلع على السابقين ~~خلعا يعينها قبل الشروع في السباق فمن نال قصب السبق احتفلوا بإلباسه الخلعة في مساء يوم ~~السباق احتفالا يحضره الشعراء ينظمون القصائد في مدح السابق ثم تحمل هند الخلعة بيدها ~~وتلبسها للسابق فإذا جاء يوم السباق تقاطر الفرسان من أنحاء الشام وحوران والبلقاء وغيرها ~~يتسابقون إلى إحراز تلك الجائزة. # ففي سنة 629م (سنة 7 للهجرة) بث جبلة المنادين ينبئون الناس بسباق ذلك الفصل وهو فصل ~~الربيع وعين له الجائزة درعا سليمانية كاملة وأمر بإعداد حاجيات الاحتفال ms006 بجوار صرح ~~الغدير حتى إذا دنا اليوم المعين تقاطر الفرسان إلى تلك الساحة زرافات ووحدانا بخيولهم ~~وسياسهم وفيهم جماعة كبيرة من الأمراء الغسانيين وغيرهم بعضهم بالعمامة وبعضهم بالكوفية ~~والعقال وبعضهم بالقلانس تشبها بالروم. # ففي صباح يوم الموعد كانت الخيول مصفوفة بجانب السهل صفوفا غير منتظمة والخيام منصوبة ~~ليأوي إليها الفرسان أثناء السباق في صدرها خيمة جبلة وهي فسطاط كبير مبطن بالحرير الأحمر ~~أرضه مكسوة بالبسط والسجاد وقد علقت تلك الدرع في بعض أعمدته ليراها الفرسان ويشتاقوا إلى ~~إحرازها. # فلما أشرقت الغزالة وأعدت الخيول شاعت أعين الفرسان نحو القصر في انتظار هند وأبيها فإذا ~~بالأبواب قد فتحت وخرج جبلة وكان قد جاء من مساء الأمس وبات في القصر استعدادا لحضور ~~السباق فلما أنبئ الناس بخروجه تأدبوا في موقفهم فمر بالحديقة ثم فتحت أبوابها فخرج جبلة ~~وحاشيته وعلى رأسه تاج مرصع تنعكس أشعة الشمس عن جواهره فتبهر الأبصار وكان طويل القامة ~~أصهب (أي يخالط بياض وجهه حمرة) ذو سبال وعثنون عليه أزار من الديباج المزركش يغطى ~~أثوابه ويديه ويجره وراءه. فمشى والخدم تقود أفراسه وراءه معقودة أذنابها وعليها ~~القلائد من الذهب والفضة حتى جاء فسطاطه فجلس في صدره على سرير من خشب العرعر محلى بالذهب ~~وساقوا خيله إلى مرابطها في خيمة خاصة بها ووقف في باب الفسطاط الحاجب وراءه جماعة من ~~الحاشية بعضهم يحمل سيف جبلة وآخر يحمل قوسه ولم يكد يستوي على سريره حتى استأذن الشعراء ~~بالدخول عليه فأذن لبعضهم فدخلوا وألقوا التحية وتربعوا على البساط في أرض الفسطاط فلما ~~رآهم جبلة تذكر حسان بن ثابت وكان يختلف إليه كثيرا ويمتدحه فيصله بالهبات الوافرة ~~ولكن حسانا لما اعتنق الإسلام أقام في المدينة وانقطع عن الغساسنة وغيرهم. # وبعد هنيهة خرجت هند بنت جبلة من قصرها تحف بها جواريها وقد يعرف الناس خروجها برائحة ~~طيبها قبل أن يروها فمرت بحديقة القصر حتى خرجت من بابها وأعين الفرسان شائعة نحوها ~~وأكثرهم إنما يأتي السباق ليتمتع بنظرة منها. فمشت من باب الحديقة مشية تدل على ms007 صحة ورزانة ~~وكانت ممشوقة القوام ممتلئة الجسم مستديرة الوجه قمحية اللون مشربة بالحمرة سوداء العينين ~~مع كحل طبيعي لا يكاد يصدق الناظر إليها إلا أنها مكحلة بالأثمد وكان شعرها أسود مضفورا قد ~~أرسلت ضفائره خصلة واحدة على ظهرها وفى أطراف الضفائر قطع من النقود الذهبية أو الحلي وفى ~~أذنيها قرطان في كل منهما لؤلؤة كبيرة وجعلت على رأسها تاجا صغيرا مرصعا وضعته مائلا ~~نحو اليمين وفى عنقها عقد من المرجان وفى أحد معصميها دملج من الذهب عريض مرصع بالياقوت وفى ~~أصابعها الخواتم من العقيق والزمرد وقد أرخت من كتفها رداء حريريا مخططا بألوان بديعة ~~يغطيها إلى الرسغ فلا يظهر من أثوابها إلا أسفل الحذاء. فتخلف بعض جواريها في الحديقة ~~ورافقتها اثنتان منهن إلى الفسطاط وعيون الناس شاخصة إليها عن بعد وهي تنظر إليهم بطرف ~~عينها حياء ورفعة حتى دخلت الفسطاط فرحب بها والدها وأجلسها إلى جانبه وكان كثير الولع بها ~~حتى تسلطت على عقله ورأيه وكثيرا ما كان يستشيرها في أموره ثم وقف الأتباع والخدم خارج ~~الفسطاط ومعهم خادمتاها وكان مقعد جبلة وهند هناك بحيث يشرفان على ساحة السباق ويريان ~~المتسابقين في أول الشوط. # ثم سمعوا جلبة وقيل أن ثعلبة بن الحارث بن أبى شمر صاحب بصرى قد جاء بحاشيته فلما سمعت ~~هند بقدومه غلب عليها الانقباض حتى كاد يظهر على وجهها. أما جبلة فنهض عن سريره إلى باب ~~الفسطاط لاستقبال ثعلبة وكان ثعلبة شابا قصير القامة خفيف العضل نحيف الوجه كبير العينين ~~والأذنين ليس عليه من مهابة الملوك إلا ملابسه الفاخرة فقد كان لابسا طيلسانا من الحرير ~~مزركشا يجر وراءه على عادة الرومان وسيفه أعقف مرصع يتدلى من حمائله إلى يساره وقد ~~أوقف طرفي شاربيه أنفة وكبرا واعتدادا بمنصب والده. # وكان الغسانيون يتحدثون بهند وثعلبة ويزعمون أنهما لا بد من تزوجهما نظرا لما بينهما ~~من النسبة والنسب ولكن ذلك لم يخرج إلى حيز الوجود ولا تخاطب الوالدان بشأنه على أن ثعلبة ~~كان كثير الاعتداد بنفسه وربما حدثته خيلاؤه أن ms008 يترفع عن هند لو خوطب بشأنها. أما هي ~~فكانت خالية الذهن من أمر الزواج ولكنها كانت تستنكف من أخلاق ابن عمها ولا تميل إليه ولولا ~~رابطة القرابة ما خاطبته ولا جالسته مطلقا. # فلما وصل ثعلبة استقبله جبلة وعانقه ورحب به وأدخله الفسطاط وأجلسه على سرير بجانب ~~سريره وأخذ يسأله عن والده وسبب تخلفه عن ذلك السباق فاعتذر عنه أنه في شاغل خصوصي حال ~~بينه وبين ما يريد وكان جبلة إنما يكرم ثعلبة إكراما لمنزلة والده ومراعاة لآداب الملوك ~~فيما بينهم. # أما هند فسلمت على ثعلبة سلاما اعتياديا وجلست تتشاغل بالتفرج بمنظر ذلك السهل الواسع ~~وما يتراءى وراءه من الجبال وتتظاهر أنها مهتمة بمنظر الخيول المتزاحمة هناك. # أما ثعلبة فكان يخاطب عمه وعيناه على هند لا لحبه لها بل رغبة في إعجابها به وهي كلما ~~التمس إعجابها زادته ازدراء فلما أتم حديثه مع عمه تحول نحوها فسألها عن عزمها هذه ~~المرة على النزول في ساحة السباق فأجابت وهي تنظر إلى الميدان أنها لا تنوى النزول الآن ~~ولكنها ربما نزلت إذا رأت ما يشوق إلى ذلك. # فلما اقترب الضحى خرج بعض أمراء جبلة وأخذوا يهيئون معدات السباق ويرتبوها فنصبوا حبلا ~~يقف الفرسان عنده إذا عزموا على السباق فيكونون صفا واحدا على استواء واحد ثم تناول أحدهم ~~قصبة طويلة أعدت لذلك اليوم وسار بها إلى آخر الساحة فنصبها هناك فمن سبق اقتلعها وأخذها ~~ليعلم الحاضرون أنه السابق من غير نزاع فيقال لمن اقتلع تلك القصبة أنه أحرز قصب السبق. # الفصل الثالث # | السباق # فلما تمت المعدات على هذه الصورة نودي في الفرسان أن يتهيأوا للسباق فركبوا جميعا ~~وجاؤوا واحدا واحدا يلقون التحية على ملكهم جبلة فإذا وصل أحدهم أمام الفسطاط ترجل ودخل ~~فقبل يد جبلة ويد ثعلبة وخرج وكانت هند أثناء ذلك تنظر في وجوه الداخلين كأنها تتوقع رؤية ~~فارس تعرفه وكانت تفعل ذلك وتحاذر أن يشعر بها أحد فوقع نظرها على أحدهم وكان أحسنهم وجها ~~في نحو العشرين من عمره يظهر من لباسه ms009 وملامح وجهه أنه ليس من بني غسان وكان ربع ~~القامة أسود العينين حادهما لابسا قباء عربيا وعلى رأسه كوفية من الحرير المزركش شد ~~فوقها العقال فحالما رأته ظهرت عليها البغتة وعلا وجهها بعض الاحمرار ولكنها تجاهلت ~~وتشاغلت ببعض الشؤون فتقدم الشاب إلى جبلة فقبل يده وخرج ولم ينتبه إلى ثعلبة أما سهوا أو ~~عمدا فعظم ذلك على ثعلبة ونظر إلى هند فإذا هي تشيع ذلك الشاب بنظرها حتى خرج من الفسطاط ~~فاستيقظت عوامل الغيرة في قلبه ولا داعي لتلك الغيرة غير ما فطر عليه من الحسد والكبرياء ~~لكنه لم يفه بكلمة. # ثم مر باقي الفرسان حتى تكامل عددهم وركبوا خيولهم واصطفوا إلى الحبل فلم تكن تسمع إلا ~~قرقعة اللجم وصهيل الخيل وأصوات حوافرها تفحص بها الأرض كأنها تلح في طلب السباق ليطلق لها ~~العنان فتجرى في ذلك السهل الواسع الأرجاء وفيها الأدهم والأشقر والمحجل والمجنب والمحبب ~~واليعبوب والكميت وغير ذلك من أصناف الخيل. # وفيما كان الفرسان يتهيأون للسباق كان جبلة وهند وثعلبة يتداولون في من عسى أن يكون ~~السابق في ذلك اليوم فقال جبلة: «ما ظنكما أن يكون السابق من هؤلاء الفرسان اليوم فيفوز ~~بهذه الدرع.» فلم يجب ثعلبة بشيء ولكنه اعتدل في مجلسه وأخذ يلاعب شاربيه ولسان حاله ~~يقول أنا هو السابق ولا أحد سواي وكان كثيرا ما يحرز قصب السبق في مثل هذا السباق ولكنه ~~قلما أحرزه عن استحقاق لان المتسابقين إذا عرفوه وعرفوا منزلته من جبلة تساهلوا في الجري ~~معه فيسبقهم ويظن أنه إنما سبق لمهارته وسرعة فرسه. فلما لم يجب ثعلبة قال جبلة: «ما ~~ظنك براكب ذلك الجواد المحجل أني أراه يكاد يطير عن ظهره وهو الذي نال الجائزة في السباق ~~الماضي.» # فخفق قلب هند عند ذكره أما ثعلبة فهز رأسه مستهزئا وقال: «هذا غلام غر يدعى الفروسية ~~وهي براء منه ولولا الصدفة العمياء ما استطاع نيل تلك الجائزة ولو كنت في مقام ملك ~~البلقاء (يريد جبلة) وكان هذا السباق تحت رعايتي ما أذنت بأن يكون ms010 بين فرسانه غريب لا نعرف ~~أصله ولا يليق بنا أن ندخله فسطاط الملك وابنته جالسة لأنه لا يعرف مقام الملوك.» ~~فأدركت هند أن كلام ثعلبة صادر عن غيرة لأنه لا يطيق أن يمدح أحد في مجلسه # أما جبلة فاتخذ كلامه مأخذ التوبيخ ولكنه حمله محمل الإجلال لمقامه مع ما تقتضيه حدة ~~الشباب وقلة اختبارهم فأجابه بلطف: «وما يمنع أن يكون غريبا ويدخل علينا ونحن بنو غسان ~~يضرب المثل بحسن وفادتنا وإكرامنا للغريب.» فخجل ثعلبة وسكت فاستأنف جبلة الحديث قائلا: ~~«ولكنى مع ذلك أستغرب أمر هذا الشاب لسكناه بيننا مسكن الغرباء وكثيرا ما شاهدته وقد خرج ~~للصيد ومعه حاشية كأنه من أبناء الأمراء فمن أي القبائل يمكن أن يكون على أني أراه ~~مبالغا في إخفاء أمره وقد سألت عنه بعض أمرائنا غير مرة فلم ينبئونى بشيء عن أصله ولا ~~يعلم أحد ما مقامه بيننا ولكنى سمعتهم ينادونه حمادا.» # فظن ثعلبة ذلك حجة للفوز في جداله فقال: «وهذا مما يحقره في عيني يا عماه فانه لا ~~يبعد أن يكون جاسوسا مرسلا من ملوك الحيرة فهم ما انفكوا يناوئوننا ويريدون بنا شرا ~~وخصوصا بعد أن نالهم ونال الفرس من حملات جنودنا وجنود الروم هذين العامين.» # فأغضى جبلة عن الجواب ثم جاءه مخبر أن الخيول معدة فكيف يرى الملك أن يكون سباقها قال: ~~«ينقسم الخيالة خمسات يتسابق كل خمسة منهم في شوط على حدة فمن سبق أفرد جانبا حتى لا يبقى ~~أحد لم يجر في حلبة السباق ثم يتسابق السابقون جميعا فمن أحرز قصب السبق منهم فهو صاحب ~~الجائزة.» فعاد المخبر وأبلغ الأمراء المنوط بهم أمر السباق وترتيبه فقسموا الخيالة خمسات ~~فجرت أول خمسة منهم حتى توارت عن النظر لأن مجال السباق يزيد على الميلين فعاد واحد منهم ~~يحمل القصبة فتناولها رجل خفيف العضل سريع الجري أعد لمثل ذلك فأسرع بها وغرسها مكانها ~~وأجلسوا السابق إلى جانب وهكذا كل خمسة على حدة # أما هند فكانت عيناها شائعتين نحو حماد فلما جاء دوره تبعته ببصرها ms011 حتى توارى ورفاقه ~~ولبثت تنتظر عودتهم فعادوا والقصبة في قبضته فافرد مع السابقين. فقال جبلة لثعلبة: «أرى ~~الرجل قد سبق.» فأجاب والحسد ملء صدره: «أيعد من يسبق هؤلاء الخمسة سابقا تمهل لنرى ~~سباقه مع السابقين.» فإلتفتت هند وقالت برزانة وهدوء كمن لا يهمه سبق حماد أو لم يسبق: ~~«وما يمنع أن يكون سابقا لهم جميعا كيف نحكم عليه ونحن لا نعلم شيئا من ضعفه أو قوته. ~~نعم يسوؤنا أن يكون السابق غريبا ولكن ما الحيلة إذا سبق أنقبل هذا العار على بني ~~غسان» # فكان لكلام هند وقع السهام على قلب ثعلبة وإتقدت الغيرة في صدره فتبسم كأنه يستخف بقولها ~~وقال: «لا يكون له مسابق سواي ولأعلمنه الفروسية من هذا اليوم.» قال ذلك وملامح الغدر ~~وسوء القصد ظاهرة على وجهه فخافت أن يكون قد نوى بالرجل سوءا فلا يزيده دفاعها إلا غضبا ~~وحقدا فسكتت # وعند الظهيرة أو نحوها انقضت الأشواط الصغيرة فاجتمع عشرون سابقا فأمر جبلة بالاستراحة ~~لتناول الطعام وعلف الخيل # وكانوا قد أعدوا الأسمطة في صرح الغدير وذبحوا الذبائح فجاءت الأخونة يحملها الرجال إلى ~~الخيم على كل خوان منها جفنات وفيها الألوان العربية والرومية وبعض الخمور. # وأمر جبلة أن يجلس الفرسان السابقون معه على خوانه وكان خوانه من ذهب خالص وجفناته من ~~فضة فجاءوا ومعهم حماد فلما وقع نظر ثعلبة عليه جعل يتأمله بعين النقد وحماد لا يلتفت ~~إليه فجلسوا على الأبسطة حول السماط ركعا على ركبة واحدة وأخذوا في الأكل وأراد جبلة أن ~~يقف في خدمتهم على عادة كرام العرب مع ضيوفهم فاستحلفوه أن لا يفعل أو يكفوا عن الطعام ~~فأطاع وجلس معهم والى يمينه ابنته هند والى يساره ابن عمه ثعلبة ولما أتموا الطعام ~~وتناولوا الحلوى وبعض الخمر تلا بعض الشعراء قصيدة ذكر فيها كرم الغسانيين وحسن ضيافتهم ~~فأطرق جبلة خجلا لأنه يستنكف من أن يسمع مدحه بأذنه فلما رأى الشعراء منه ذلك نهض أحدهم ~~وقال: «مهما بالغنا في مدح ملوك غسان لن يأتي بشيء مما قاله فيهم ms012 حسان بن ثابت القائل # لله در عصابة نادمتهم # يوما بجلق في الزمان الأول # أولاد جفنة عند قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضل # بيض الوجوه كريمة أحسابهم # شم الأنوف من الطراز الأول # يسقون من ورد البريص عليهم # كأسا يصفق بالرحيل السلسل # يغشون حتى ما نهر كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل» # فأمر جبلة حاجبه فأعطى كل شاعر صرة فيها مائتا دينار وخمسة أقمصة وكانت الشمس قد دنت من ~~الأصيل والخيل استراحت واستراح فرسانها فنودي في الناس أن هيا إلى السباق وكان حديث ~~القوم: «من يا ترى سينال قصب السبق من هؤلاء العشرين.» وكان حماد أقلهم كلاما وأكثرهم ~~تأملا كأن في نفسه شيئا يكتمه وقضت هند ساعة الغداء وما بعدها تتأمل وجهه خلسة فآنست ~~فيه جمالا وكمالا ورزانة ودعة وكان ثعلبة يراقب حركاتها ونظراتها وينظر إلى حماد نظر ~~الإزدراء وكان حديثه قاصرا على الإطناب بما فعله والده أو ما مر به هو من غرائب ~~الوقائع كقوله مثلا أنه ذهب للصيد فلقيه أسد فلم يفر منه بل هجم عليه وضربه فقتله ~~أو ما شاكل ذلك من الأحاديث الملفقة وكان الحضور يصغون إلى حديثه ويؤمنون أقواله إجلالا ~~لمقام والده وأكثرهم لا يصدقونه وهو يسرد الحكاية وينظر إلى هند يلتمس إعجابها أو ~~استغرابها وهي لا تكترث. أما حماد فلم يكن يظهر اكتراثا به ولا انتباها له لأنه كان ~~حرا لا يطيق التلفيق. # فلما نودي في العود إلى السباق خرج الفرسان العشرون فقال جبلة : «أرى أن ينقسموا إلى أربعة ~~أقسام فيتسابق كل خمسة منهم في شوط فمن سبق أفرد ثم يتسابق السابقون وهم أربعة فمن سبق فلة ~~الجائزة.» فتسابقوا خمسات فانفرد أربعة وحماد منهم. # كل ذلك وثعلبة لم يركب فرسه ولا نزل للسباق أنفة واستكبارا وهو يرجو أن لا يكون حماد من ~~السابقين فلما رآه منهم أوجس خيفة ولو علم أنه سيسبق ما عرض نفسه لمسابقته ولكنه كان لا ~~يزال آملا أن يسبقه مسابقوه فينجو هو من خطر الفشل. # ثم اصطف الأربعة بازاء الحبل ووقف ms013 الناس على جانبي الميدان ينتظرون نهاية هذا الشوط ~~فاعتدل الفرسان على صهوات أفراسهم ووقف جبلة وهند وثعلبة بباب الخيمة ينظرون إليهم وقلوبهم ~~تحلق في انتظار عاقبة ذلك السباق فأطلق الفرسان أعنة خيولهم والناس يتبعونهم بأنظارهم وكان ~~جواد حماد متأخرا عنهم فسر ثعلبة بتأخره ظانا أنه سيفشل ولكن هندا علمت أن تأخره لم ~~يكن إلا ضرابا من الفروسية فلما تواروا عن أبصارهم وقفوا ينتظرون رجوعهم فإذا بحماد قد عاد ~~يحمل القصبة حتى إذا دنا من خيمة جبلة سلمها إلى هند فصاح الناس صيحة التبشير بالسبق ~~فتناولت هند القصبة وترجل حماد وقبل جواده بين عينيه وكان عند باب الخيمة رجل يحمل وعاء ~~فيه صغ أحمر من دم الصيد ليحصب به صدر الفرس إشارة إلى سبقه فلما تقدم ليصبغه اعترضه ~~ثعلبة وقال: «تمهل أن السباق لم يتم بعد.» فعجب حماد وظهرت على وجهه ملامح الاستغراب فقال ~~جبلة: «قد وعدنا ابن عمنا ثعلبة أن ينازل السابق.» فلم يجب حماد بل عاد إلى صهوة فرسه ووقف ~~ينتظر ثعلبة فجيء إليه بفرسه وكان من أحاسن الخيل عليه قلادة من الذهب الخالص وسرح مرصع ~~بالحجارة الكريمة فركب وهو يكاد يتميز غيظا وكانت هند في أثناء تلك البرهة فرحة بفوز حماد ~~فشق عليها منازلة ابن عمها له ولكنها عللت نفسها بفشل الباغي وهي تزداد تعجبا بما تشاهده ~~من حقد ثعلبة على حماد وليس بينهما ما يستدعي ذلك ولكن كبير النفس لا يستطيع تصور هذه ~~الدنايا. ثم أمر جبلة فنودي في الناس أن السباق الآن بين حماد والأمير ثعلبة بن الحارث ~~فوقفوا ينتظرون نهاية هذا الشوط وكان بعض الذين فاز حماد عليهم يودون أن يكون ثعلبة السابق ~~وبعضهم يتمنون السبق لحماد ليكون لهم أسوة بابن الحارث صاحب بصرى. # فسار الفرسان في عرض ذلك السهل وقلب هند يخفق لعلمها أن فرس حماد قد تعب وفرس ثعلبة لا ~~يزال نشيطا فلم يمض القليل حتى عاد حماد وفي يده القصبة ووراءه ثعلبة قد ساق جواده إلى ~~الفسطاط وابتدر عمه قائلا: «إنه لم ms014 يسبقني هو بل فرسه فانه من خيل الجن أو هو من صلب ~~داحس فرس قيس بن زهير ولو ركبته أنا ما استطاع أحد سبقي.» فسمعه حماد يقول ذلك فنزل عن ~~فرسه وقال له: «إليك فرسي فاركبه وأعطني فرسك.» وكانت هند تنظر إليهما فخافت أن تعود ~~العائدة على حماد وقد شعرت أن حبه تمكن من قلبها في تلك الساعات القليلة ما لا يكاد يتأتى ~~بأعوام. # أما ثعلبة فقال: «ما قاله انتحالا لعذر يغطي به خجله.» وهو لا يظن حمادا يعطيه ~~فرسه فلما تنحى له عنه لم ير مندوحة عن الركوب فركبا ونزلا إلى ساحة السباق حتى تواريا ~~عن الأبصار فلبث الناس ينتظرون عودتهما وكأن على رؤوسهم الطير وكانت الشمس قد مالت نحو ~~المغيب فأرسلت بقية أشعتها الأرجوانية على تلك السهول وما وراءها من الجبال والأودية وقد ~~هدأت الطبيعة وسكن جأش النهار. # فلما أبطأ الفارسان شاعت أبصار الناس نحو حلبة السباق وملوا الانتظار حتى هم بعضهم ~~بأن يلحق بهما ليرى سبب ذلك التأخر وكثر الهرج والمرج وكان أكثر الناس قلقا هند فقد شاعت ~~عيناها وخافت غدر ثعلبة ثم ما لبثت أن شاهدت الغبار وبان من ورائه فارسان هما حماد وثعلبة ~~والقصبة في يد حماد فما صدقت أن رأته وقد كاد قلبها يطير من الفرح أما أبوها فشق عليه أن ~~يكون السابق رجلا غريبا يفوز عليهم جميعا ولكنه رحب به فترجل الفارسان ونزلا إلى ~~الخيمة فأراد حماد أن يعتذر عن ثعلبة فقال : «والله إني لم أسبق الأمير ثعلبة إلا بقضاء وقدر ~~لأنه فارس مبرز يحق لغسان الافتخار به ولو تعود ركوب فرسي قبل الآن لسبقني.» فلم يجب ~~ثعلبة ببنت شفة ثم ناول حماد القصبة إلى هند فرأتها قصيرة فتأملتها فإذا هي مقطوعة بنصال ~~يراها برى القلم فأرادت السؤال عن سبب ذلك فنظر حماد إليها نظرة خيفة كأنه يقول لها لا ~~تفعلي فسكتت وفى نفسها أن تعرف سبب بريها. # ثم تقدم حامل الصبغ الأحمر فخضب به صدر فرس حماد وكان الظلام قد أسدل نقابه ms015 أو كاد فأمر ~~جبلة أن يحتفلوا بإلباس الدرع في باحة القصر فأنيرت المشاعل، وسار الناس مشاة وقد غادروا ~~خيولهم مع سياسها بقرب الخيام، ودخلوا الحديقة وفيها الأزهار والرياحين، فنزلوا في بقعة ~~واسعة أعدت لمثل ذلك الاحتفال ضرب فيها سرادق كبير وفرشت أرضه بالبسط، فعلقوا الشموع في ~~جدرانه، وجلس جبلة في صدره على وسادة من الحرير الموشى وجلست ابنته إلى جانبه وثعلبة إلى ~~الجانب الآخر وأجلسوا الشاب على مرتفع ليراه الجميع. ثم أخذت الجواري ينشدن أناشيد التهنئة ~~وجاء بعض رجال جبلة يحمل الدرع ثم وقفت هند وأمارات السرور ظاهرة على وجهها فمشت إلى مقعد ~~حماد فوقف لها وركبتاه ترتعشان إذ رآها قادمة لتلبسه الدرع، فنزع عن رأسه الكوفية والعقال ~~فبانت ملامح وجهه جيدا فازدادت هياما به ولكنها استغربت فيه أمرا استغربه كل من شهد ~~الاحتفال ذلك أن حمادا لما نزع كوفيته ظهر شعر رأسه طويلا حتى غطى ظهره فلم يفهموا معنى ~~إرسال شعره على هذه الصورة. # فتناولت هند الخوذة أولا فوضعتها على رأسه ثم تناولت بقية أجزاء الدرع فألبسته إياها ~~والشعراء ينشدون والجواري يرتلن، وكلهم فرحون إلا ثعلبة فإنه لبث صامتا مقطب الوجه ولا ~~سيما لما رأى ابنة عمه تلبس تلك الدرع لحماد بيديها وهي فرحة بفوزه. أما هي فانتهزت فرصة ~~انشغال الناس بالتفرج وهمست في أذن حماد قائلة: «نلتقي غدا في دير بحيراء.» # فلما تم إلباس الدرع عادت هند إلى مجلسها والناس وقوف، وبعد قليل جاءت الأسمطة ومدت ~~الموائد وجلس الناس للطعام. وبعد انتهاء العشاء تفرقوا فذهب كل إلى سبيله وهم يتحدثون بسباق ~~ذلك اليوم وما كان من حماد. وبقي ثعلبة عند عمه وقد أعمل فكره في مخرج ينجيه مما وقع فيه من ~~الفشل. # أما هند فتظاهرت بالتعب واستأذنت في الذهاب إلى غرفتها. # ولما بقي جبلة وثعلبة على انفراد، قال ثعلبة: «لم يسؤني أن سبق الرجل وإنما ساءني أن يأخذ ~~الجائزة غريب لا يعرف له نسب ويحرم منها أمراء غسان وفرسانهم.» # فقال جبلة: «أما أنا فلم يسؤني أنه نال الجائزة ms016 فقد ينالها سواه في سباق آخر، ولكننى أعجب ~~لتستره وقد فاتني أن أسأله عن أصله على أنني سأرسل إليه وأسأله في فرصة أخرى.» # فقال ثعلبة: «لا بد من البحث عنه لئلا يكون جاسوسا أو عينا علينا من قبل اللخميين ملوك ~~الحيرة وكأنني أرى في لهجته ما يدل على ذلك.» # قال جبلة: «ولكن ملك العراق قد خرج من أيدي اللخميين لما علمت من مقتل النعمان بن المنذر ~~وولاية إياس بن قبيصة من قبيلة طي وزد على ذلك أن هذا الشاب لا يظهر في هيئته وشكله ما ~~يدل على جاسوسيته فهو أقرب إلى أولاد الأمراء منه إلى السوقة فإذا كان من أهل الحيرة فهو ~~من أمرائهم لأن الهيبة ظاهرة على وجهه.» فشق ذلك المدح على ثعلبة فعمد إلى الروغان فقال: ~~«وهل يؤخذ الناس بمظاهرهم فكم من رجل تظنه ملاكا فإذا خبرته ظهرت لك عيوبه فتجده من ~~أسافل السوقة فأرى أن نحمله على الإقرار بحقيقة حاله قسرا فإذا كان من أهل الحيرة ~~أخرجناه إلى بلاده وإذا كنت تستنكف من إخراجه فوالدي يخرجه لأنه مقيم بقرب بصرى.» # قال: «سننظر في ذلك غدا.» فلا نحرم وسيلة نستريح بها وقضيا بقية تلك الليلة بالأحاديث ~~المتنوعة ثم ذهب كل منهما إلى منامه في غرفة خاصة بالقصر. # الفصل الرابع # | هند في غرفتها # أما هند فدخلت القصر فلاقتها والدتها وكانت شديدة الولع بها لأنها رزقت أولادا كثيرين لم ~~تهنأ منهم بسواها فقبلتها وصعدت بها إلى طابق علوي ودخلت بها الغرفة وأمرت الخدم فأعدوا لها ~~الفراش ثم جاءتها الماشطة بثياب النوم فنزعت حليها وألبستها جلبابا واسعا من الحرير ~~الناعم الشفاف ثم حلت خصلة شعرها ونزعت ما في ضفائرها وعلى صدرها وفى أذنيها ومعصميها من ~~الحلي واستخرجت خلاخلها واعدت لها السرير وهو من خشب الأرز في أجمل ما صنع الصانعون عليه ~~الوسائد الحريرية الملونة غطاؤها من أبدع أنواع النسيج صنع القسطنطينية وكان في الغرفة ~~مشمعة فيها بضع عشرة شمعة تفوح منها رائحة العنبر فقد كان من ضروب البذخ عندهم أن يمزجوا ms017 ~~الشمع بشيء من الأطياب فإذا أنير تصاعدت عند إحراقه رائحة الطيب وكان في جدران الغرفة صور ~~جميلة أكثرها من رسوم القديسين صنع بيت المقدس كصورة ولادة المسيح وصلبه وصعوده وكلها ~~متقنة التصوير ملونة بألوان طبيعية وفى بعض جدران الغرفة مرآة هي عبارة عن صفيحة مستديرة ~~من الفضة مصقولة صقلا خصوصيا حتى صارت كالزجاج تعكس النور وترى الأشباح كمرآة هذه الأيام ~~لأن الناس لم يكونوا يعرفون المرآة الزجاجية بعد. # فبعد أن لبست هند جلبابها وقفت أمام المرآة فأصلحت شعرها وثوبها وذهبت إلى السرير فجلست ~~عليه وهي إلى تلك الساعة لم تنبس ببنت شفة وكانت والدتها منذ دخلتا الغرفة جالسة على وسادة ~~تتأمل بجمال ابنتها وقوامها وبما وهبتها العناية من الصحة والعقل وفي نفسها شيء تنتظر فرصة ~~لتبوح به وكانت هند أثناء تبديلها ثيابها غارقة في بحار الأفكار تراجع ما مر بها في ذلك ~~النهار من الغرائب وكلما تذكرت حمادا وسبقه لثعلبة وما أظهره هذا من الحسد وما أدعاه من ~~الفروسية وكيف أنه عاد فشلا ازدادت احتقارا له ونفورا منه وحبا لحماد ولكنها كانت مع ~~ذلك شديدة الحرص على منزلة والدها وشرف قبيلتها وخافت أن يتعلق قلبها بحماد ثم تجد أنه من ~~أصل دنيء فيحول ذلك دون إرضاء والدها وسائر أهلها فتقع في الشقاء وكانت كلما تصورت ذلك ~~اقشعر جسمها فتعلل نفسها بأن من كان في مثل هذه الشهامة وهذه الأخلاق مع ما يتجلى في ~~وجهه من الهيبة والوقار لا يمكن أن يكون دنيء الأصل ثم تعد نفسها بكشف حقيقة حاله عندما ~~يلتقيان في دير بحيراء. # وكانت والدتها واسمها سعدى في الخامسة والأربعين من عمرها لا يزال الجمال ظاهرا في وجهها ~~فقد كانت من أجمل بنات غسان وكثيرا ما تغزل بها شعراؤهم ولما تزوجها جبلة حسده كل أهل ~~عشيرته عليها. # ثم جلست هند إلى السرير بجلبابها وقد أرخت شعرها وحسرت عن زنديها وكانا مستديرين ممتلئتين ~~مشرقين يزينهما الوشم على اليمين منهما صورة الصليب وعليه السيد المسيح مصلوبا وعلى ~~اليسار صورة مريم العذراء ms018 تحمل طفلها. ولو رآها حماد في تلك الحال لنطق بقول الشاعر: # نالت على يدها ما لم تنله يدي # نقشا على معصم أوهت به جلدي # كأنه طرق نمل في أناملها # أو روضة رصعتها السحب بالبرد # خافت على يدها من نبل مقلتها # فألبست زندها درعا من الزرد # فاتكأت إلى وسادة من ريش النعام أهدتها إياها إمرأة والي دمشق وألقت رأسها على كفها ~~إلتماسا للراحة وقد ضايقها الجلوس معتدلة بين الرجال طول ذلك النهار فلبثت صامتة لا تتكلم ~~وأفكارها تائهة فتذكرت القصبة التي سلمها إليها حماد عند سبقه الأخير وكيف أنها مبرية مع ~~ما لحظت على وجه ثعلبة من دلائل السوء والحقد فارتابت في أمره وودت السؤال عن سبب ذلك ~~فمنعها حماد كما تقدم. # ثم ابتدأت والدتها بالحديث قائلة: «لماذا لم تنزلي اليوم للسباق يا هند.» # قالت: «لم أر مسوغا لأن الفرسان كانوا كثيرين وطال الجدال بين المتسابقين حتى غابت ~~الشمس فلم يبق وقت لركوبي.» # قالت: «وما الذي دعا إلى هذا الجدال.» # قالت: «بعد أن تم السباق أراد ثعلبة مسابقة السابق فعاد فشلا فزادنا خجلا.» # فتبسمت سعدى تبسما خفيا وقالت: «رأيت الفرسان عديدين فمن نال قصب السبق منهم.» قالت ~~وقد أبرقت أسرتها رغما عنها: «ناله شاب غريب اسمه حماد لا يعرف أحد حسبه فشق ذلك على ~~والدي وابن عمي إذ لا يليق أن يكون السباق في حمانا ويفوز بقصب السبق غريب.» # قالت: «ومن هما الفارسان اللذان تسابقا آخر النهار.» # قالت: «هما ابن عمي ثعلبة وحماد.» # قالت: «رأيتهما عادا مرتين.» # قالت: «تسابقا أولا فسبق حماد فأنكر ثعلبة ذلك على نفسه ونسب السبق إلى الفرس فتنازل ~~له حماد عن فرسه وركب هو فرس ثعلبة ويا ليتنا بقينا على العار الأول لأن ثعلبة عاد ~~مخزولا هذه المرة أيضا ومما استغربته أن حمادا جاء بالقصبة مبتورة كأنها ضربت ~~بسيف.» # فضحكت سعدى وقالت: «ألم يخبركم بسبب بريها» قالت: «لا وكنت عازمة على البحث عن سبب ذلك ~~فرأيت حمادا لا يريد فكففت.» # فقالت: «بورك فيه انه بالحقيقة شهم كريم ms019 الأخلاق ولا ريب عندي في أنه رفيع ~~النسب.» # فطربت هند لامتداح والدتها حمادا وقالت: «ما معنى ذلك يا أماه هل تعلمين من أمر هذه ~~القصبة شيئا.» # فهمست في أذنها قائلة: «نعم أعلم يا هند أن تلك القصبة قد قطعت بسيف ابن عمك ثعلبة.» ~~فبغتت هند واشتاقت إلى معرفة تفصيل الخبر فاعتدلت على سريرها وقالت: «كيف وقع ذلك.» # قالت: «إن ابن عمك كان عازما على الفتك بذلك الشاب سامحه الله ووالله لو فعل ذلك ~~لألبسنا عارا لا تمحوه الأيام.» # فازدادت هند استغرابا وقالت لها: «وما أدراك بذلك يا أماه.» # قالت: «رأيتهما رأى العين.» # فقالت: «وكيف تيسر لك رؤيتهما ونحن أقرب إليهما منك ولم نرهما.» # قالت: «تمهلي لأقص عليك الواقع.» فأصغت هند بكل جوارحها فنهضت سعدى إلى الباب فأغلقته ~~وجلست تقص الخبر وتحاذر أن يسمعها أحد فقالت: «لما خرجتم جميعا إلى الخيام وخرج أكثر من في ~~القصر إليكم بقيت أنا وسليمة المولدة وبعض الخدم وكنا نرى المتسابقين يبدأون بالشوط ولكننا ~~لا نرى آخره فخرجنا وفى نفسي أن أرى حلبة السباق وكيف يقتلع السابق القصبة فانه منظر يفرح ~~القلب إذ ليس ألذ من النصر. فخرجنا من بعض أبواب الحديقة إلى البساتين المجاورة ومررنا ~~بضفة الغدير لا يرانا أحد حتى وصلنا إلى مكان تحت شجرة أشرفنا منه على حلبة السباق ونحن ~~على مرمى حجر منها نرى ولا نرى فلما كان السباق الأخير شاهدت ابن عمك متأخرا عن حماد لا ~~لعجز فرسه لأننا رأينا الفرس يستحث فارسه ليطلق له العنان وهو يمسكه كأنه خاف الوقوع ~~عن ظهره ولولا ذلك لكان هو السابق والسبق في الميدان للأفراس إذا أحسن فرسانها ركوبها ~~واستطاعوا الثبات على ظهورها فخوف ثعلبة الوقوع عن فرس حماد أكثر عارا عليه من تأخره عنه ~~أما حماد فأطلق لفرسه العنان وكان يستقبل عرض الفلاة كما تستقبل الأم رضيعها حتى وصل إلى ~~القصبة وفيما هو يقتلعها رأينا ثعلبة هاجما عليه وقد شهر سيفه وهم بقتله فاستلقى ~~حماد السيف بالقصبة فقطعت ثم رأينا حمادا اقتلع ثعلبة ms020 من صهوة جواده ورمى به الأرض وجثا ~~على صدره فخفنا أن يقتله ثم سمعنا ثعلبة يستجير به ويستعطفه فنهض عنه وتصافحا وتعانقا ~~وعادا.» # فما أتمت سعدى حديثها حتى اختلج قلب هند إعجابا بشهامة حماد وازدادت احتقارا لثعلبة ~~وقالت لوالدتها: «أهذا هو ثعلبة بن الحارث أيليق بغسان أن يكون ابن ملكها خسيسا إلى هذا ~~الحد أيليق به أن يغدر بشاب في ريعان الشباب ولا ذنب له إلا أنه أفرس منه وزد على ~~ذلك أنه نزيل في بلادنا وله علينا حق الجوار.» # فرأت والدتها في كلامها حقا ولكنها لم تشأ أن تمكن البغض في قلبها وحسبت بنفسها ألف حساب ~~من جملتها أن ثعلبة أرفع بني غسان مقاما وليس أقرب منه للزواج بهند ولعل جبلة يرغب في ~~ذلك فإذا نفرت منه كان نفورها سببا لتنغيص عيش ابنتها فقالت لها: «لا بد لنا من تأنيبه ~~ولومه حتى يرجع إلى الأخلق به وبمن كان في مقامه ونسبه.» # فسكتت هند لا عن اقتناع ولكنها صبرت نفسها لترى ما يكون من أمر حماد غدا وهي تعلم أن ~~ذهابها إلى الدير قد لا يتيسر بغير والدتها فلا يخلو أن تلحظ أم اجتماعها بحماد فماذا تقول ~~لها لو سألتها عنه وتعلم أيضا أن والدتها حادة الذهن سريعة الخاطر دقيقة الملاحظة ففكرت ~~في الأمر قليلا فرأت أن لا بد لها من استطلاع والدتها والاستعانة بها على نيل حماد وقد ~~ارتاحت إلى هذا الرأي لما عاينت من إنصاف والدتها وامتداحها شهامته ولكنها ودت قبل كل ~~شيء أن تجتمع به على انفراد لتطلع منه على حقيقة حاله وتستطلع أفكاره ثم تطلع والدتها ~~على الأمر بالأسلوب الذي تختاره. # فقالت لها: «مضت على مدة طويلة يا أماه وقد نذرت نذرا لدير بحيراء لم أفه بعد ويلوح لي ~~أن ما رأيناه في هذا النهار من السوء إنما كان لتأخرنا عن وفاء النذر.» # قالت: «لعله كذلك فإن لهذا الدير كرامات كثيرة ولا صبر له على تأجيل النذور فأسرعي في ~~إيفائه.» قالت: «أرى أن أذهب إليه غدا ms021 إن شاء الله.» # قالت: «ولكننى لا أستطيع الذهاب معك في الغد لأني ذاهبة مع والدك إلى البلقاء فإذا أجلت ~~الذهاب إلى بضعة أيام سرنا معا.» # فسرت هند لهذا الحل الذي جاء من تلقاء نفسه فقالت: «لا أراني قادرة على التأجيل ~~وأخشى أن يزيد غضب الله علينا وأنا لا أرى موجبا لذهابك معي فقد أذهب مع بعض الخدم متنكرة ~~أقضى نهارا هناك ثم أعود.» # قالت: «افعلي ما بدالك.» ثم ذهب كل إلى فراشه أما هند فلم يكد يغمض لها جفن وهي تتذكر ما ~~مر بها بالأمس وتفكر في ماذا تكلم حمادا إذا اجتمعت به في الغد. # الفصل الخامس # | حماد # أما حماد فإنه عاد من صرح الغدير تلك الليلة وهو يكاد يعثر بأذياله لانشغال باله بهند ~~وما برحت ألفاظها ترن في أذنيه وهي قولها (سنلتقي غدا في دير بحيراء). # فلما خرج من الصرح لقيه خادمه وكان ينتظره والفرس بقرب الخيام فنزع الدرع عنه وجعلها ~~في خرج على الفرس وركب وسار يطلب منزله وكان مقيما في قرية غربي مدينة بصرى وعلى ستة ~~أميال يقال لها غسام ولم يأت حماد الشام إلا منذ بضعة أشهر جاءها لأمر لا يعلمه إلا ~~واحد. فأقام في منزله المشار إليه يقضي بعض نهاره في البيت وبعضه في الصيد فيصطحب رجلا ~~يظنه والده ومعه بعض الخدم فيخرجون للصيد في ضواحي البلقاء فيعودون وقد اصطادوا بعض ~~الغزلان أو غيرها. # وكان قد تعود ركوب الخيل منذ صباه ومارس الفروسية وفرسه من أجود خيول العرب. وكان قد ~~سمع بهند وقرأ شعرا في وصفها قبل خروجه من بلاده فعلق بها عن بعد ثم دعاه والده أن يصحبه ~~إلى الشام فعول في باطن سره على السعي في التقرب منها لأنه يظن نفسه دونها مقاما. ~~فأخذ منذ قدومه الشام يتردد إلى جهات صرح الغدير راكبا أو ماشيا يتعلل بالمرور هناك ~~لعله يشاهدها وكان ينزل الغدير أحيانا فتراه ويراها وهي لا تفقه لمراده وكلما سمع باحتفال ~~عمومي جاءته هند في الكنائس أو غيرها أسرع إليه وسعى ms022 في استلفات انتباهها فكانت إذا رأته ~~ارتاحت إلى رؤيته لجماله وهيبته ورزانته. فلما كان السباق الماضي حضره لأول مرة ~~فأظهر من الفروسية والشهامة وكرم الأخلاق ما زادها ارتياحا إلى مشاهدته واتفق أنها نزلت ~~ذلك السباق هي نفسها فتخاطبا وتبادلا رموزا لا غنى عنها في أوائل الحب فنزل من قلبها ~~منزلا رفيعا وصارت تشعر بشوق إلى رؤيته إذا غاب عنها على أن ميلها هذا لم يكن تجاوز حد ~~الارتياح ولا خطر ببالها أمر الاقتران به على أنها فهمت من إشاراته وحركاته وسائر أحواله ~~أنه طامع بها ولكنها كانت تجهل الحب وسلطانه فلم يذق قلبها طعمه على أنها آنست في حماد ~~أخلاقا وأطوارا تنطبق على أخلاقها وأطوارها من حيث التعقل والرزانة والميل إلى الشهامة ~~والحرية. # فلما شاهدت ما شاهدته في السباق الأخير من شهامته وحريته تقرر في ذهنها أنها خلقت ~~وخلق لها وهذه أول مرة خطر ببالها أمر الاقتران به وساعدها على ذلك ما آنست من ارتياح ~~والدتها إليه وامتداحها شهامته والثناء على مروءته ولكن أمرا واحدا كان يعترضها فيوقفها ~~عن عزمها وهو تستر حماد وكتمان أصله فخافت أن لا يكون ذا حسب يضاهى حسبها أو يقرب منه أو ~~أن يكون على مذهب غير مذهبها فإن العرب كانوا إذ ذاك على مذاهب شتى وفيهم النصارى واليهود ~~والوثنيون والمجوس وظهر في أثناء ذلك الإسلام لكنه لم يكن قد أدرك الشام بعد. على أن ~~الوثنية والمجوسية واليهودية كانت محصورة في جزيرة العرب فكانت المجوسية في بني تميم ~~واليهودية في نمير وبني كنانة وكندة وغيرهم وكان كثير من اليهود في يثرب ناهيك عن خيبر ~~والأوس والخزرج الذين قدموا يثرب بعد سيل العرم وفيهم بنو قريظة والنضير وبنو قينقاع وما هم ~~بالحقيقة من العرب بل هم حلفاؤهم وكانت عرب تلك الجزيرة يقدمون الشام وبصرى وفيهم الوثني ~~والمجوسي واليهودي والنصراني وغيرهم وهم إنما يقدمون للتجارة فيمكثون ببصرى أو في دمشق ~~الشام أو غيرهما بضعة أسابيع أو بضعة أشهر ويعودون. # فخافت هند أن يكون حماد وثنيا أو مجوسيا ms023 فيمتنع الاقتران بينهما فطلبت الاجتماع به في ~~الدير لتتحرى ذلك كله. # فلنعد إلى حماد ليلة خروجه من القصر فإنه ساق جواده زميلا وخادمه يجرى إلى جانبه وهو ~~يريد أن يدرك منزله قبل أن يقلق والده لغيابه لأنه فارقه من فجر ذلك اليوم ولم يعد ~~يراه. # وبينما هو في ذلك سمع وقع أقدام جواد مسرع نحوه وصوتا يناديه: «حماد» فقال: «نعم يا ~~أبتي ألعلكم خرجتم للتفتيش عني.» # قال: «كيف لا نخرج وقد أبطأت علينا في العود وها قد مضى هزيع من الليل ونحن كما تعلم في ~~ديار الغربة.» # فسكت حماد وسارا معا على فرسيهما حتى مرا ببساتين القرية بين أشجارها والناس نيام ~~فوصلا المنزل في أطراف تلك القرية فدخلاه وقد أنير غرفه بالمصابيح فأسرع حماد إلى غرفته ~~فجاؤوه بالماء والثياب فغسل وجهه ويديه ورجليه وبدل ثيابه واتكأ إلى وسادة ووالده إلى ~~جانبيه واسمه عبد الله وهو أمير من أمراء العراق اللخميين ذوي اليسار وقد بلغ الخامسة ~~والأربعين من عمره قضى معظمها في الأسفار والحروب في الشام ومصر والحجاز واليمن والعراق ~~فحنكته التجارب وعلمته الأيام ولكنه انقطع في ذلك العام إلى حماد لقضاء مهمة جاء من ~~أجلها إلى بلاد الشام. # فلما جلسا قال عبد الله: «ما الذي أخر مجيئك إلى الآن يا ولدي.» # قال: «ألم أقل لك في مساء الأمس أني سائر في هذا الصباح إلى صرح الغدير.» # قال: «بلى ولكن هل طال مقامكم في السباق إلى الآن وهل كان المتسابقون كثيرين.» # قال: «نعم يا أبتاه أن السباق لم ينته إلى الغروب ثم احتفلوا بإلباس الدرع للسابق أما ~~المتسابقون فكانوا كثيرين وفيهم جماعة كبيرة من أمراء غسان وفى مقدمتهم ثعلبة ابن الحارث ~~صاحب بصرى.» # فقال: «ومن هو السابق يا ترى.» # قال: «ولدك حماد.» # فقال: «لا شلت يمينك هكذا تكون الفروسية فقد سبقت أمراء غسان وأنت غريب بينهم فهل لبست ~~الدرع وأين هي.» # قال: «وقد نلت قصب السبق ولبست الدرع بعد جدال طويل ولكنني عاينت من كرم أخلاق جبلة ~~ورجاله ما حقق لنا ms024 ما نسمعه عن حسن وفادة الغسانيين أما الدرع فهي في الخرج.» # فقال عبد الله: «وهل نزلت فتاة غسان للسباق هذه المرة فقد أخبرتني المرة الماضية وسمعت ~~من كثيرين أنها تحسن الفروسية وكثيرا ما تنزل ميدان السباق لمسابقة الفرسان.» # فلما ذكرت هند خفق قلب حماد وظهرت عليه ملامح البغتة ولبث برهة يفكر. # فأدرك عبد الله أنه يفكر في أمر هام. # قال: «ما بالك لا تجيب يا ولدي.» # فانتبه حماد وخجل لما ظهر عليه فقال: «لم أفهم مرادك.» # قال: «سألتك عن هند بنت الملك جبلة هل نزلت للسباق هذه المرة.» # قال: «لا يا أبتاه لم تنزل ولكنها شهدت السباق وختمته بإلباس الدرع للسابق.» قال ذلك ~~وأمارات السرور والهيام ظاهرة على وجهه. # فلحظ عبد الله أن حمادا يحوم حول الشراك فأراد تحقق ذلك فقال له: «وكيف رأيت فتاة ~~غسان هل هي كما نسمع عنها من الجمال واللطف.» # فأبرقت أسرة حماد وطفق يصف جمالها ولطفها وصفا يدل على تعلقه بها فكان يتكلم وعيناه ~~مشرقتان وقلبه يخفق وكثيرا ما كانت تخونه الألفاظ في التعبير عن أوصافها. # فخاف عبد الله على حماد أن يقع في الشراك فأطرق وظهرت عليه مظاهر الانقباض والأسف معا ~~فأتم حماد كلامه وعبد الله مطرق كأن أمرا ذا بال اعترضه. # فنظر حماد إليه وقد عجب لحاله وما طرأ عليه من التغيير بغتة فقال له: «ما بالك يا ~~أبتاه أراك قد وقعت فيما أنبتنى عليه فهل ساءك من أمري شيء.» # قال: «حاشا يا ولدي ولكنني أفكر في هذه الفتاة وما خصها الله به من المواهب والخصال ~~وكذلك تكون بنات ملوك.» # فسر حماد لاستحسان عبد الله لها ولكنه خاف التصريح بأكثر من ذلك لئلا ينكر عليه الأمل ~~بالحصول عليها وهي من بنات الملوك وهو لا يعرف عن نفسه إلا أنه من أولاد بعض الأمراء. # وكان عبد الله من الجهة الثانية راغبا في تحقق ما إذا كانت هند تحب حمادا مثل حبه لها ~~فقال: «أرى هندا قد وقعت من قلبك موقعا عظيما فهل هي عالمة ms025 بذلك وهل خطر حماد ~~ببالها.» # فأثر هذا الكلام في قلبه تأثير السهام وعده إهانة له حتى كاد يصرح بكل ما في قلبه ~~ولكنه عاد إلى تعقله وحكمته فقال: «لا أعلم منزلتي عندها ولكنني رأيت منها ميلا ~~وارتياحا لي.» # فقال: «يظهر أن قلبك خدعك فاتخذت لطفها الاعتيادي الذي تظهر به لدى سائر الناس دليلا ~~على حب خصوصي لك.» # قال: «لا أظن قلبي يخونني أو يخدعني فقد علمت من قرائن عديدة أنها تحبني.» # فقال: «وكيف تحبك وأنت غريب ولا نسب ولا نسبة بينك وبينها.» # قال: «أعلم أنها تحبني ...» وسكت. # فقال عبد الله: «أفصح يا ولدى ولا تخف عنى شيئا فأنت تعلم أني منقطع عن العالم كله من ~~أجلك فاشرح ما يخطر ببالك ولا تخف فإن ما يسرك يسرني.» # فقال: «قلت لك أنها تحبني.» # قال: «إذا أنت طامع بها.» # قال: «لا أدري وكل شيء بقضاء وقدر.» # فتحقق عبد الله وقوع حماد في شرك الهوى فبغت وصمت وجعل يتلاهى بنتف عثنونه وقد همه ذلك ~~الأمر كثيرا # فلما عاين حماد منه ذلك ظنه استعظم عليه الطمع ببنت ملك غسان فقال له: «ما بالك لا ~~تتكلم هل ساءك ما ظهر لك مني.» # فابتدره عبد الله قائلا: «لا يا ولدي لم يسئني ذلك ولكنني أفكر في أمر عظيم يهمني كما ~~يهمك وقد قطعنا الصحارى والقفار من أجله وأراك قد شغلت عنه بأمر آخر.» # فقال: «وما تعنى بذلك الأمر العظيم وما الذي شغلني عنه لم أفهم مرادك .» # فقال: «ألم تأت من العراق إلى بصرى لتفي نذرا نذرناه لك منذ 21سنة ولم يبق من أجل ~~الانتظار إلا بضعة أيام.» # قال: «بلى.» فقال: «ما بالى أراك قد شغلت عنه بالحب والغرام.» # فخجل حماد عند سماع ذلك التوبيخ من والده فقال: «وهل يؤخذ من كلامي أني مشتغل بالحب ~~والغرام.» فقال عبد الله: «أوتظن أنني غافل أو تحسب دلائل الحب تخفى على البصير.» # فتحير حماد ولم يدر كيف يدفع قول أبيه ولكنه رأى الأفضل أن يبوح له إذ لا غنى عنه في ms026 ~~إتمام قصده فقال: «وهب أني أحببتها وأحبتني فما علاقة ذلك بالنذر ونحن إنما جئنا لقص شعر ~~رأسي في دير بحيراء فما يمنع أن نفعل ذلك ولن نفعل شيئا آخر.» # قال عبد الله: «إن هناك علاقة كبرى لا يمكنني التصريح بها إلا في اليوم الذي تقص شعرك ~~فيه وستعلم إذ ذاك أمورا أنت غافل عنها الآن فلا تلومني على ترددي في أمر حبك لبنت ملك ~~غسان. أنا أعلم أن حبك لها شرف وخصوصا إذا كانت هي تحبك ولكنني لا أستطيع التصريح بشيء ~~إلا في اليوم المعين لوفاء النذر وهو يوم أحد الشعانين فنحن الآن في أواسط الصوم الكبير ولم ~~يبق للموعد إلا بضعة أيام فتتم السنة الحادية والعشرون من ولادتك فنقص لك شعرك ونكشف حقيقة ~~أمرك فتدخل عالما جديدا وتطلع على أسرار ربما كان فيها ما يحول بينك وبين هند.» # فعجب حماد لذلك واشتاق إلى مجيء يوم الشعانين شوقا زائدا وأخذ يفكر في كلام عبد الله ~~ولكنه قال له: «وماذا عسى أن يحول بيني وبينها.» # قال: «قلت لك أني لا أقدر على التصريح بأكثر من ذلك فأرى أن تتبصر وتتأنى ففي التأني ~~السلامة.» # وكان في عزم حماد أن يطلعه على ما تواعدا عليه من الإلتقاء في دير بحيراء فلما رأى منه ~~هذا التهويل كتم أمره وسكت ليرى ما يكون بعد اجتماعه بها ثم يكاشف والده بكل شيء على أنه ~~حسب تهويل والده حيلة في ترغيبه عن هند. # وكان قد مر نصف الليل وغلب التعب والنعاس على حماد ولحظ عبد الله منه ذلك فقال: «هلم ~~بنا إلى الفراش يا ولدي إلى أن يقضي الله بما يشاء ولكنني أوصيك أن لا تقطع أمرا أو تصله ~~إلا بعد يوم الشعانين فإنك إذا فعلت شيئا بعد ذلك إنما تفعله عن بصيرة.» # فسار حماد إلى فراشه وقد همه يوم الشعانين حتى كاد ينسيه هندا وموعدها وود أن يفعل ~~ما أمره به والده ولكن عواطفه غلبت عليه فبات ينتظر صباح الغد انتظار الظمآن للماء فقضى ~~معظم الليل ms027 ولم يغمض له جفن وهو يتردد بين حديث الشعانين وحديث هند حتى كان آخر الليل فنام ~~قليلا. # الفصل السادس # | مدينة بصرى # وأصبح حمادا في الفجر فهرول إلى ثيابه فلبسها وعبد الله لا يزال نائما فأراد أن يوقظه ~~ليستأذنه في الذهاب إلى بصرى على سبيل التفرج فخاف أن يطلب الذهاب معه فعول على ~~الذهاب بنفسه خفية. # فركب جواده وقد لبس الكوفية والعقال وجعل عليه القباء كالعباء وسار شرقا قاصدا مدينة ~~بصرى ولم يصطحب أحدا من الخدم إخفاء لما سار من أجله وكانت الطريق بين غسام وبصرى على ~~استقامة واحدة كأنها هدمت بالمسطرة والفادن والبركار مرصفة بالحجارة الصلدة على نظام سائر ~~طرق الرومان وقد تأكلت الحجارة من مسير عجلات مركباتهم يحدها من الجانبين حائطان ضخمان ~~ارتفاع كل منهما ذراع. ولم يسر ساعة حتى أطل على بصرى وأول ما شاهده منها حوضها الكبير ~~الغربي الواقع خارج السور وهو عبارة عن خزان للمياه كبير طوله 1250 قدما وعرضه 650 ~~قدما وكان لبصرى أحواض أخرى في الشرق والشمال لخزن الماء خوفا من الجدب لبعدها عن الأنهر ~~والغدران. # فلما دنا من ذلك الحوض عرج نحوه وتأمل إتساعه حتى كاد يحسبه بحيرة كبيرة لأنه كان على ~~معظم امتلائه في أوائل الربيع ثم تحول عنه إلى مرتفع من الأرض ليرى بصرى منه وهو لم ~~يدخلها بعد ولكنه قرأ عنها في كتب الفرس والكلدان وعرف أنها واقعة في جنوبي حوران شرقي نهر ~~الأردن تبعد 90 كيلومترا عن دمشق جنوبا شرقيا و120 كيلومترا من بيت المقدس شمالا ~~شرقيا وأنها قديمة العهد عاصرت دول اليهود ثم اليونان والرومان فلما دنا منها صعد إلى ~~مرتفع فأشرف عليها وقد أشرقت الشمس فإذا هي مربعة الشكل تقريبا مالئة بقعة كبيرة من الأرض ~~المنبسطة وحولها سور يزيد محيطه على أربعة أميال وشاهد خارج السور البساتين والأشجار ~~والكروم وسائر أصناف الغرس ورأى من وراء ذلك سلاسل جبال حوران في عرض الأفق وقد أعجبه ~~منظر المياه في الأحواض حول المدينة تتلألأ بانكسار الأشعة عنها وشاهد في المدينة ms028 بنايات ~~هائلة كان منظرها بوجه الإجمال مغبرا لأن حجرها من الصنف الحورانى الأسمر المشهور فاشتاقت ~~نفسه إلى مشاهدة أسواقها فسار نحو بابها الغربي فرأى عنده القوافل وفيها الجمال والبغال ~~والحمير بعضها قادم من العراق يحمل الأقمشة الفارسية وبعضها من اليمن يحمل الأطياب والمر ~~واللبان وشاهد قوافل أخرى تحمل البضائع الرومانية وسائر مصنوعات الشام وتأمل الباب فإذا ~~هو مرتفع هائل الكبر مصنوع على النمط الروماني وفيه العضائد والأعمدة والنقوش على عتبته ~~من الأعلى نقش باللغة اللاتينية لم يستطع قراءته فهم بالدخول من ذلك الباب فرأى الشارع ~~مرصفا بالحجارة والناس يتزاحمون ذهابا وإيابا ففضل الترجل والمسير ماشيا فدخل وقاد ~~الجواد وراءه في شارع المدينة الأكبر وهو يقطعها من الغرب إلى الشرق ويقطعه شارع آخر ~~مثله من الشمال إلى الجنوب وهما أكبر شوارع المدينة ومنهما تتفرع الشوارع الصغيرة والدروب ~~والأزقة والحارات على زوايا قائمة فعجب لانتظام تلك الشوارع وحسن هندامها لأنه لم يشاهد ~~على نظامها ولا في المداين عاصمة الفرس في ذلك العهد. # ولم يكد يخطو في ذلك الشارع بضع خطوات حتى ترأى له عن بعد قنطرة قائمة في عرض الطريق ~~فعلم أنها قوس نصر اعتاد الرومانيون بناءها تذكارا للنصر أو لاحتفال يحق به الفخر فلما ~~دنا من القنطرة رآها مؤلفة من ثلاث أقواس قوس متوسطة كبيرة وقوسين جانبيتين صغيرتين وعلو ~~القنطرة أربعون قدما وعرضها أربعون وسماكتها عشرون وكلها مبنية بأحجار ضخمة قائمة على ~~عضائد مهندمة وفى أعلى القوس كتابة باللاتينية تشوق حماد إلى استطلاع معناها فإلتفت إلى ~~أحد أصحاب الحوانيت وقد عرف من شكل أنفه أنه روماني وكلمه باللغة الكلدانية الممزوجة ~~بالعبرانية فأشار إلى رجل جالس بالقرب منه كأنه يطلب إليه أن يترجم له فجاء فسأله حماد ~~عن تلك الكتابة فقال: «معناها أن يوليوس يوليانوس قائد الفرقة الأولى البرطية بناها.» فأعجب ~~ببذخ الرومان وأيقن أنهم أقرب إلى العظمة والترف من ملوك فارس وقال في نفسه (إذا كانت هذه ~~حالهم وهم في دور الانحطاط فما هو مقدار عظمتهم وبذخهم في أبان مجدهم) فمر ms029 من تحت تلك ~~القوس وسار في جهة واحدة فوصل إلى مزدحم من الناس عظيم فإذا هو في متصالب الطرق حيث يلتقي ~~الشارعان الكبيران وهناك الحوانيت الكبيرة وباعة الأقمشة الثمينة ولكنه رأى على أحد أركان ~~ذلك المتصالب بناء شاهقا ذا أروقة ونوافذ وأعمدة ونقوش بديعة فسأل عنه فقيل له: «أنه ~~هيكل بناه الرومان لعبادة الأوثان قبل تنصر قياصرتهم وأما الآن فقد اتخذوا بعضه معبدا ~~والبعض الآخر يسكنه كبار حامية الروم في بصرى.» ووقف في ذلك المكان وإلتفت إلى ما حوله ~~فإذا هو في منتصف المدينة ومن هناك تمتد أربعة شوارع كبيرة تنتهي عند السور بأربعة أبواب ~~غربي وشرقي وشمالي وجنوبي ثم تحول إلى الشوارع الأخرى ليتعهدها ثم يخرج من الباب الشرقي ~~ومنه يصل إلى الدير فشاهد بين أبنية بصرى قصورا شاهقة معظمها من الكنائس وبعضها من ~~الهياكل الوثنية بنيت على عهد الروم قبل تنصرهم وفى جملتها مرسح بديع كانوا يلعبون فيه ~~ألعاب السباق والمصارعة. # وشاهد على تلك الأبنية كتابة بعضها نقوش وبعضها أصبغة وأكثرها مكتوب باللغة اليونانية ~~واللاتينية وبعضها باللغة النبطية. # وأخذ يتأمل ما هنالك من الرساتيق والأسواق وفيها التجار وأكثرهم من الغرباء وبينهم ~~الدمشقي والحلبي والبدوي والرومي والفارسي والعراقي ثم وصل سوق الصناع فوجد أكثر الصاغة من ~~الفرس والروم وصناع الأقمشة الحريرية من الدمشقيين ومر بسوق الأسلحة وفيها صناع السيوف ~~الدمشقية الشهيرة وأكثرهم من أهل دمشق ولاحظ أن أبنية بصرى على اختلاف أشكالها مسقوفة ~~بالحجر عقدا على شكل القبو ورأى الناس تتزاحم في الأسواق رجالا ونساء وفيهم الوطنيون ~~ولغتهم الآرامية أو النبطية وبينهم الروم ولغتهم اللاتينية وبعضهم يتكلم اليونانية وشاهد ~~جماعة كبيرة من العرب الغساسنة لا يزالون على بدواتهم لأنهم يقيمون خارج المدينة ولا ~~يدخلونها إلا لحاجة فعرفهم من لباسهم البدوي وأعجب لما رآه هناك حتى كاد ينسى موعده مع هند ~~ثم انتبه فإذا بالشمس قد كادت تبلغ الضحى فهرول حتى خرج من الباب الشرقي قاصدا الدير وقد ~~عادت إليه هواجسه وشواغله. # الفصل السابع # | دير بحيراء # فركب جواده وما سار ms030 قليلا حتى وصل إلى مرتفع أشرف منه على بناء كبير شاهده عن بعد ~~وحوله الأشجار والبساتين وشاهد رجلا على حمار يظهر من لباسه أنه من أهل بصرى فسأله عن ~~ذلك البناء فقال: «هو دير بحيراء يا سيدي.» # فساق جواده حتى دنا من الدير وهو يخاف أن تكون هند قد سبقته إليه على أنه يعلم أن ~~المسافة بين الدير وقصر الغدير لا يتيسر قطعها بأقل من بضع ساعات فلا يتيسر لها المجيء قبل ~~الظهر فأخذ يتأمل الدير فإذا هو بناءان أحدهما كبير وفيه قبة فوقها صليب علم أنها كنيسة ~~والآخر صومعة على رابية فترجل وشد جواده إلى شجرة ولو تركه مطلقا ما خاف فراره لأنه ~~أصيل ومشى نحو الكنيسة فإذا هي مبنية على النمط الروماني واسمها كنيسة بحيراء فدخل صحنها ~~حتى جاء البيعة فرأى المكان ديرا وفيه كنيسة وشاهد الرهبان والقسس وكلهم من الروم ~~يتكلمون اللغة اللاتينية وبعضهم يتكلم اللغة السريانية الممزوجة بالعبرانية وهي لغة أهل تلك ~~البلاد بعد السبي وشاهد بعضا آخر يتكلم لغات أخرى فسأل عن سبب هذا الإختلاط فقال له ~~بعضهم: «أن مدينة بصرى مركز أسقفية بلاد العرب الكبرى وفيها يقيم رئيس الأساقفة ومنها يرسل ~~الأساقفة إلى ما تحتها من الأسقفيات.» فدخل البيعة فزار هيكلها وقبل صورها ثم سأل عن دير ~~بحيراء فقيل له: «هو صومعة بالقرب من هذا الدير.» # فسار إليه فإذا هو على رابية ولكنه عجب لنوع بنائه ولم يكد يصدق أنه بيت لأنه عبارة ~~عن خمسة أحجار ضخمة أربعة منها للجدران وواحد للسقف والباب حجر واحد مرتكز على مصراع ورأى ~~الناس يفتحونه ويغلقونه بكل سهولة فسأل رجلا واقفا إلى جانبه يظهر من هيأته ولباسه ~~أنه من أهل دمشق فقال له: «ما هذا البناء وكيف يصنعون الأبواب من الحجارة.» فأجابه: «أن ~~هذا النمط من البناء كثير في بلاد حوران لأن أرضهم صخرية والأخشاب فيها قليلة فيصنعون ~~مصاريع أبوابهم ونوافذ بيوتهم من الحجر وقد يبنون منزلا كثير الغرف وفيه النوافذ والأبواب ~~والأروقة والسقوف ولا يدخلون في بنائه ms031 شيئا من الخشب قط.» # فوقف هناك ينظر إلى ذلك البناء الغريب ولم يكد يعرف الباب لو لم ير الناس يخرجون منه ~~فصعد إلى الصومعة حتى وقف عند بابها فإذا هي غرفة مظلمة أشبه شيء بالمغارة لخلوها من ~~النوافذ إلا نافذة ضيقة في بعض جوانبها فدخل فرأى أرض الغرفة حجرا واحدا أيضا وفى ~~جدرانها صور أمام كل صورة مصباح ضعيف النور وفى بعض جوانب المكان راهب هرم قد أرسل لحيته ~~على صدره وتجعد جلد وجهه إلا أنفه فإنه ما زال بارزا كبيرا وقد تناول بيده سبحة طويلة ~~وجلس الأربعاء على حجر منحوت كالمقعد ملتفا بثوبه الرهباني والسبحة في يده والناس يدخلون ~~إليه يتبركون بتقبيل كفه وهو يحرك شفتيه كأنه يدعو لهم فمن زاره سار إلى الدير لزيارة ~~الكنيسة وبجوار الكنيسة غرف لمن أراد الاستراحة أو الإقامة. # فتأثر حماد لمنظر ذلك الراهب الهرم إذ تمثلت له فيه مظاهر الشيخوخة واضحة وضوحا تاما ~~ولكنه لاحظ أمرا واحدا استلفت أنظاره وذلك أنه رأى لباس هذا الراهب كلباس رهبان ~~النساطرة في العراق وكان قد شاهد كثيرين منهم هناك فتقدم نحوه وقبل يديه فنظر إليه ~~الراهب وتأمله كأنه عرفه وأمر بالجلوس فجلس وهو أكثر رغبة منه في مجالسته لأنه ود ~~كثيرا أن يعرف قصة ذلك البناء وكان حماد قد تعلم كل علوم تلك الأيام في مدرسة الرهبان ~~الشهيرة بالعراق فتثقف عقله وصار محبا للاطلاع فلما رأى في ذلك الراهب ارتياحا إلى ~~مجالسته سر سرورا عظيما وتربع حالا فقال له الراهب : «ألعلك من عرب العراق يا ~~ولدي.» # فتعجب حماد لسؤاله فقال: «نعم يا سيدي وكيف عرفت ذلك.» قال: «عرفته من ملامح وجهك لأني ~~عاشرت عرب العراق زمنا. وهل أنت مقيم هنا أم جئت مسافرا.» # قال: «جئت لأفي نذرا علي لهذا الدير.» # قال: «وما هو نذرك.» # قال: «نذرني والدي أن لا يقص شعري أولا إلا في هذا الدير وأنه لا يقصه إلا بعد مضي ~~السنة الحادية والعشرين من عمري وسيكون ذلك في أحد الشعانين القادم فجئت اليوم لنيل ms032 البركة ~~والتمتع بمنظر هذه الصومعة إذ كثيرا ما حدثنا أهل بصرى عن الراهب بحيراء. ألعلك أنت هو يا ~~سيدي.» # قال: «لا يا ولدي إن الذي تطلبه قد قتله بعض الأشرار غيلة.» # قال: «كيف قتلوه ولماذا فإني كثير الميل إلى استطلاع خبره.» وقد أراد حماد الانشغال ~~بالحديث لتمضية الوقت ريثما تأتى هند لأن الانتظار صعب. # الفصل الثامن # | الراهب بحيراء # فتنهد الشيخ تنهدا عميقا وحملق عينيه وقد نسي شيخوخته وكأن شبابه عاد إليه وأخذ يمشط ~~لحيته بأصابعه وقال: «أما بحيراء فهو من نعم الله على بني الإنسان ولا أظن الأرض تجود ~~بعده بمثله أما حكايته فقد وقعت على خبير فاعلم أن اسمه الحقيقي ليس بحيراء بل يوحنا ~~وأما بحيراء فهو لفظ كلدانى معناه العالم المدقق أو المحقق لقبوه به لطول باعه في سائر ~~العلوم.» # فقال حماد: «وهل عرفته قداستكم معرفة شخصية.» قال: «إني أحد تلامذته وقد تتلمذ له ~~كثيرون غيري من جملتهم سلمان الفارسي أما أنا فقد رافقته من أول ظهوره إلى أواخر ~~أيامه.» # فازداد حماد ميلا إلى معرفة حقيقة بحيراء فقال: «وما هي حكايته فقد شوقتني إلى ~~معرفتها.» # فقال: «اعلم يا ولدي أن المرحوم يوحنا بحيراء كان راهبا نسطوريا على مذهب آريوس ونسطور ~~ولا أظنك تجهل هذا المذهب وإن يكن أتباعه قليلين لمخالفته مذهب القياصرة.» # قال حماد: «نعم أعرف كل شيء عنه وقد اطلعت على دقائقه في المدرسة على أحسن ~~عارفيه.» # فقال الراهب: «فلا حاجة بنا إلى شرحه إذا فأنت تعلم أن أساس هذا المذهب إنكار إلوهية ~~السيد المسيح وإن تسميته إلها غير جائزة وأنهم انتحلوا له اسما فقالوا يجب أن يسمى كلمة ~~الله وإن والدته مريم يجب أن تدعى مظهر الناسوت لا والدة الله قلت لك أني تلميذ بحيراء ~~وأعترف لك أني تلميذه في كل شيء ما خلا هذا المذهب فقد قضيت أكثر أيام صحبتي له وأنا في ~~جدال دائم معه فلم يقنع أحدنا الآخر أما في العلوم الأخرى فله علي الفضل الأكبر فقد ~~أخذت عنه علم الفلك والحساب وعلم ms033 الطوالع وسائر علوم هذه الأيام وكان لفراسته وحسن نظره ~~يظنه الناس ساحرا. وكان يقيم أولا بدير في ما بين النهرين بالعراق وكنت أختلف إليه هناك ~~أتلقى بعض العلوم ولم أكن أعرف ما يذهب إليه. فلما أطلع رئيس الدير على انتحاله الاريوسية ~~غضب عليه وأخرجه من الدير فسار قاصدا دير طور سيناء في العقبة على حدود مصر فسرت أنا معه ~~للانتفاع بعلمه وحبا في خيره لعلي أقنعه وأرده إلى مذهب الكنيسة فرحب بنا رهبان طور ~~سيناء وأعجبوا بعلمه وفضله فأقمنا هناك مدة ثم ورد كتاب من ديره الأول إلى رئيس دير ~~طور سيناء أن يخرجه من ديره فأمر بذلك أو يتحول عن مذهبه فخرج وخرجت أنا معه وأتينا ~~هذا الدير وأقمنا في هذه الصومعة معا إلى أمد غير بعيد فانه ذهب إلى مكان في جزيرة العرب ~~لم يسمه ولم أعد أراه من ذلك الحين ثم علمت أن بعض اليهود قتلوه غيلة.» # فقال حماد: «ألا تعلم اسم المكان الذي ذهب إليه.» # قال: «كلا ولكنني ظننته سار إلى الحجاز لحادثة جرت معه على مشهد مني منذ نيف وأربعين ~~سنة.» # قال حماد: «وما هي.» # قال: «جرت عادة القوافل القادمة من بلاد العرب أو غيرها أن تقف هنا للاستراحة من حر ~~الصحراء والاستقاء فيجلس بحيراء بينهم وخصوصا إذا كانوا من الوثنيين أو المجوس وقد أجلس ~~أنا معه أيضا فيأخذ في تعليمهم عبادة الله ولا يريد بهم إلا خيرا وكان يعتقد أن الله ظهر ~~له في الرؤيا وأنبأه أنه سيكون واسطة لهداية بني إسماعيل سكان جزيرة العرب لأن هؤلاء ~~العرب كانوا يعبدون الكواكب أو الأوثان إلا جماعة منهم كانوا نصارى أو يهودا وجماعة أخرى ~~كانت تقر بالخالق وتصدق بالبعث والنشور والثواب والعقاب وفئة قليلة كانت تقر بالخالق ~~وتنكر البعث فكان بحيرا يفكر ليلا ونهارا في مصير تلك الجزيرة وأهلها فرأى مرة رؤيا قصها ~~علينا قال: «رأيت فتى جميل المنظر شهما مولده ببرج الثور والزهرة مع قران المشترى وزحل ~~علمت أنه هو الذي سيهدي أبناء جلدته بني ms034 إسماعيل إلى معرفة الله وإن به يقوى أمرهم ~~ويشتد أزرهم وتجتمع كلمتهم فيذللون أبناء عمهم بني إسحاق ويتسلطون عليهم مدة توافق ما أشار ~~إليه دانيال في نبوته وأنه يخرج من العرب اثنتا عشرة دولة.» # فاتفق منذ نيف وأربعين سنة أي في نحو سنة 480 بصروية أن قافلة من قوافل الحجاز وصلت هذه ~~الساحة وفيها جماعة كبيرة من عرب قريش الذين يقيمون في مكة وعندهم مقام شهير يأمه الناس من ~~سائر أنحاء جزيرة العرب وغيرها يسمى الكعبة وعرب قريش هؤلاء كانوا حجاب الكعبة ولهم نسب ~~وشرف يتصل بإسماعيل فنزلت القافلة تحت تلك الشجرة الكبيرة التي تراها شرقي هذه الصومعة ~~فظللتهم جميعا وعقلوا جمالهم وربطوا حميرهم وأنزلوا الأحمال إلتماسا للراحة ثم قدموا ~~للاستقاء فخرج بحيرا لمخاطبتهم وتعليمهم فشاهد بينهم غلاما جميلا تلوح عليه ملامح ~~المهابة والنجابة والذكاء فحالما رآه بغت وإلتفت فقال لي: «أنظر إلى هذا الغلام فانه مولود ~~في البرج الذي قلت لكم عنه وهو الذي سيهدي بني إسماعيل.» ثم سأل كبير التجار عنه فتقدم ~~رجل كهل تتجلى في وجهه دلائل الجلال والوقار فخاطبه بشأنه فقال: «من يكون هذا الغلام» ~~فقال: «هو ابن أخي» فأنبأه بحيراء بمستقبله وقال له: «احذر عليه من اليهود فإنهم إذا ~~عرفوه كادوا له كيدا.» وسأله عن اسمه فقال: «اسمه محمد واسم عمه أبو طالب.» وأقام ~~أولئك الركب عندنا مدة وقد آنست ببحيرا إكراما لهم وترحابا بهم لم أعهده به مع غيرهم ثم ~~ساروا إلى بصرى فالشام وعادوا بعد ذلك إلى مكة ثم كانوا كلما مروا بنا أقاموا عندنا ~~كالعادة.» # فقال حماد: «وهل صحت نبوة بحيرا.» # قال: «نعم لأن ذلك الغلام القريشي أصبح نبيا كبيرا تسمى ديانته الإسلام وقد انتشرت ~~سطوته في كل جزيرة العرب ويسمى أتباعه المسلمين ويحدثنا التجار القادمون من الحجاز عن ~~أعماله وحروبه وانتصاره ما يفوق طور التصديق فسكان جزيرة العرب بعد أن كانوا قبائل متشتتة ~~يغزو بعضها بعضا اتحدت كلها قلبا وقالبا تحت لوائه ولا يبعد أن يحمل بهم على الشام ~~والعراق.» # فقال ms035 حماد: «وأظنني سمعت شيئا عن هذا النبي يوم كنت في العراق فما رأيك إذا حمل على ~~الشام والعراق.» # فبهت الشيخ وفكر برهة ثم أغرورقت عيناه بالدموع وقال: «آه يا ولدي لا أظنه إلا يستولي ~~عليهما جميعا لما نعلمه من اختلال الأحوال، فإن قيصر الروم لم يكد يتم حروبه مع الفرس ~~وهذه قلاعنا وحصوننا لا تزال متهدمة وحكامنا في شاغل عن ترميمها بالانقسامات الدينية التي ~~هي أصل هذا الشقاء ألا ترى بطاركتنا في جدال دائم على أمور ما أنزل الله بها من سلطان ~~فبطريرك الإسكندرية يقاوم بطريرك القسطنطينية ويخالفهما بطريرك انطاكية. وقد كانت ديانتنا ~~واحدة لأن السيد المسيح واحد علم تعليما واحدا فأبت مطامع بني الإنسان إلا الانقسام ~~فتعددت الفرق المسيحية وأشهرها ثلاث الآن وهي: (1) الملكية القائلون بقول مركيانوس الملك ~~على عهد الشقاق الواقع بين نسطوريوس وكرللس وهم الروم (2) اليعقوبية القائلون بمقالة ~~كيرللس الإسكندراني ويعقوب البردعانى وساورس صاحب كرسي انطاكية (3) النسطورية القائلون بقول ~~نسطوريوس وترى الشعوب منقسمة أيضا مثل هذا الانقسام حتى تمكن العداء بينها حمانا الله من ~~عواقب الغرور.» # وما أتم الراهب الشيخ كلامه حتى أنهكه التعب لما أثر فيه من حال الروم وما خافه ~~عليهم من سطوة العرب فتململ وتنفس الصعداء وتزحزح من مكانه كأنه يطلب الاتكاء فنهض حماد ~~وقد علم أمورا لم يكن عالما بها قبلا ومال ميلا كثيرا إلى معرفة التفصيل ولكنه خاف ~~التثقيل على الشيخ بعد ما آنس من تعبه وملله وشغل عن ذلك باستبطاء هند عن المجيء فودع ~~الراهب وقبل يده وطلب رضاه وخرج فإذا بالشمس قد مالت عن خط الهاجرة فجلس على حجر منحوت ~~قائم تحت شجرة كبيرة لعب النسيم في أوراقها وتطايرت الطيور بين أغصانها فألقى ظهره على ~~جزعها وأخذ يفكر بما سمعه من ذلك الراهب فغلب عليه الملل وهو لم ينم بالأمس إلا قليلا ~~فغمضت عيناه لحظة رأى فيها حلما من قبيل ما سمعه من الراهب فخيل له أنه سار إلى ~~المدينة بالحجاز وشاهد المسلمين عاكفين على صلواتهم وإن نبيهم قال له: ms036 «أنت لست حمادا ~~وستلاقى عذابا ولكنك تجد بعد العسر يسرا.» # ثم أفاق من صوت صهيل الخيل فإلتفت فإذا بفارسين بلباس أميرات البلقاء وراءهما خادمان وقد ~~وقف الفارسان تحت شجرة بالقرب منه فنهض للحال فرآهما تتلثمان ولكنه عرف من الفرسين أنهما ~~هند وإحدى خادماتها فتشاغل ببعض الشؤون لئلا ينتبه أحد لحاله ولبث ينتظر إشارتها وقلبه ~~يخفق فمشت نحو الصومعة وهو واقف لا يبدى حراكا حتى صعدت إليها ودخلت الباب فانتظر هنيهة ~~فلم تعد فمشى نحو الصومعة يتردد بين الصعود والبقاء فإذا بإحدى الملثمتين قد عادت نحوه فعرف ~~من مشيتها أنها ليست هندا فلما دنت منه قالت له: «أتعرف تاجرا يبيع الحلي كان واقفا ~~هنا.» فأدرك أن هندا تسأل عنه باسم أحد باعة الحلي لتخفي أمره عن الخادمة فأجاب على ~~الفور: «أنا هو ذلك التاجر فما غرضك.» # فقالت: «إن سيدتي تفتش عنك.» # قال: «وهل تريد ابتياع شيء الآن.» # قالت: «نعم فأين بضاعتك.» # قال: «هي في مخزني على مقربة من هذا المكان ولكن الحلي التي أبيعها غالية الثمن لا يستطيع ~~اقتناءها إلا الأغنياء فإذ كانت سيدتك من أهل اليسار أتيتها بما تريد.» # فتبسمت المرأة تبسم الاستخفاف وقالت: «نعم أنها أقدر نساء حوران والبلقاء على ~~ذلك.» # فقال: «أين هي.» # قالت: «في الصومعة فتفضل.» # فصعد وركبتاه ترتجفان حتى دخل الصومعة فرأى هندا جالسة على مقعد من الحجر فألقى التحية ~~وتجاهل قائلا: «أين التي تريد الحلي.» # فقالت هند: «هي أنا فأين حلاك.» # قال: «هي في المخزن على مقربة من هذا المكان هل أذهب لاستجلابها.» # قالت: «لا ندري ما نحتاج إليه منها فربما أتيت بما لا حاجة لنا به وتركت ما كانت إليه ~~حاجتنا.» # فقال: «قولي ما هي أنواع الحلي التي تحتاجين إليها فآتيك بأحسن ضروبها وأعود حالا ولا ~~سبيل لنا غير ذلك.» # قالت: «حسنا تفعل فنحن نحتاج إلى أقراط من اللؤلؤ وأساور من الذهب المرصع فأت بما تصل ~~إليه من أحسن أنواعها.» # الفصل التاسع # | لقاء الحبيبين # فقال: «سمعا وطاعة» وعاد فركب فرسه وسار بأسرع من لمح ms037 البصر حتى دخل بصرى وهرول إلى سوق ~~الصاغة وكان لا يخلو جيبه من بدرة لما قد يحتاج إليه في غربته فابتاع بضعة أساور وبضعة ~~أقراط من أجمل الأزياء الشائعة إذ ذاك وعاد حالا فلما دخل الصومعة لاقاه بعض الخدم وقال ~~له: «ألعلك بائع الحلي» قال: «نعم» قال: «إن مولاتنا تنتظرك في بعض غرف دير بصرى» فعاد إلى ~~الدير فلاقته الخادمة ودخلت به على سيدتها وهي في الغرفة على إنفراد وكانت قبل مجيئه ~~مضطربة استعدادا لساعة اللقاء فلا تسل عن خفقان قلبها واصطكاك ركبتاها ولكنها تجلدت لئلا ~~تلحظ خادمتها منها شيئا يكشف حقيقة أمرها فلما دخل استقبلته استقبالها رجلا غريبا فأمرت ~~له بوسادة جلس عليها وجلست هي على وسادة أخرى. # فجعل حماد الأساور والأقراط بين يديها فقلبت شيئا منها وتظاهرت أنها أعجبت بإحدها فقالت: ~~«ما رأيك بهذه الأساور» قال: «هي من صنع القسطنطينية وصناعتها دقيقة يفضلها العارفون على ~~هذا النوع فانه صنع خراسان.» # فقالت له: «بأى ثمن تبيعها؟» قال: «أنها غالية الثمن يا مولاتي فهي تساوى خمسمئة دينار ~~(ولم تكن تساوى حقيقة إلا عشرة دنانير).» # قالت: «لا بأس من غلائها ولكنني لا أستطيع ابتياعها ما لم أرها لوالدتي.» # فقال حماد: «حسنا تفعلين وأين هي والدتك.» # قالت: «في منزلنا على بعض غلوات من هذا المكان ولكنك لا تعرف من نحن فلا تأمن أن نسير بها ~~جميعا فسأرسلها مع هذه المرأة وأبقى أنا هنا ريثما تعود فإذا استحسنتها والدتي أرسلت ~~الثمن معها فاشتريتها ودفعت الثمن وإلا فإني أعيدها إليك كما هي.» # فقال: «ولكنني لا أستطيع البقاء هنا طويلا.» # قالت: «لا تخف فإن هذه المرأة ستسير على جواد سريع الجري وإذا أبطأت عوضنا عليك ~~الخسارة كن مطمئنا.» # فقال: «أرجو إذن أن تحتفظ بالأساور لئلا يقع شيء من أحجارها أثناء التقليب.» # قالت: «لا تخف إنني أحرص منك عليها ولولا ذلك لأرسلتها مع سواها من الخدمة وهي أيضا متى ~~عادت نابت حظها من بضاعتك.» قال: «حسنا.» # فتناولت الأساور ولفتها في منديل وناولتها إلى الخادمة وقالت لها: ms038 «اركبي الفرس وخذي معك ~~الخادمين وأسرعي إلى والدتي واعرضي هذه الأساور عليها وأخبريها عن الثمن كما سمعت وعودي ~~بالجواب حالا.» # قالت: «سمعا وطاعة» وركبت وسارت وقد أملت أن تحظى من مولاتها بهدية من تلك ~~الحلي. # أما هند وحماد فبقيا في الغرفة على إنفراد فقضيا برهة صامتين مطرقين والهوى يتكلم ثم ~~خاطبته هي قائلة: «لقد أحسنت فهم مرادي يا حماد.» # فنظر إليها وتنهد وقال: «كيف لا أفهم مرادك وأنت إذا نطقت إنما تنطقين بلساني أو افتكرت ~~إنما تفتكرين بجناني.» فأطرقت حياء برهة تفتش بين الحلي الملقاة أمامها كأنها تريد التكلم ~~ويمنعها الحياء ولبث هو ينظر إلى وجهها وقد هام بحسنها وانبهر لما يتجلى في محياها من نضارة ~~الشباب وما ينبعث من عينيها من أشعة الذكاء وما زال صامتا يرجى أن تفوه بكلمة تجر الحديث ~~ليشكو ما في فؤاده. # فقالت: «أظنك تستخف بي وتحسب جسارتي هذه وقاحة.» # فتنهد وقال: «حاشا لي أن أبخس فتاة غسان حقها أو أن أجحد النعمة التي أولتني إياها بهذا ~~الاجتماع وكيف أحظى بمشاهدة بنت ملك غسان ولا أعد نفسي أسعد خلق الله.» # قالت: «أن هذه الملكة أصبحت أسيرة بكماء لا تعرف ما تقول فقل أنت لعلك تعبر عن بعض ما ~~بي.» # قال: «إذا سمحت مولاتي أقول أني أسيرها وعبدها ولا أحسب تنازلها إلا منة ~~وكرما.» # قالت: «أتعلم يا حماد لماذا اجتمعنا في هذا البيت وهو من بيوت الله.» # قال: «لا أدري يا سيدتي فلعلك أمرت باجتماعنا لتوبيخي على جسارتي لأني تطاولت على مقام ~~الملوك.» # قالت: «كلا فانك لم تفهم مرادي ولا أنت تتكلم بلساني ولا تفتكر بجناني.» # قال: «ماذا إذن.» # قالت وقد توردت وجنتاها: «جئت لأهنئك بتلك الدرع التي دلت على سبقك فأنت السابق وفى ~~الإشارة غني.» # قال: «أما تلك الدرع فإنها أثمن ما نلت وسأنال من خيرات هذا العالم فهي واقيتي من نوائب ~~الزمان وتعويذة أتقى بها حبائل الشيطان ولكن من أين لي أن أكون السابق وأنا رجل غريب لا ~~تعرفون من أمري شيئا والمقام مقام ms039 الملوك.» # فنظرت إليه بطرف عينها وقد ذبل جفناها وأبرقت حدقتاها وقالت: «ولكن لكل مجتهد نصيب وما ~~الملك يا حماد إلا من ملك القلوب وتسلط على العواطف لا من جمع الأموال وحاز على حطام الدنيا ~~الفانية وما السابق الفائز إلا من حاز جائزة السباق ولبس الدرع على مشهد من الناس.» # فإلتفت إليها وقد تحقق رسوخها في حبه وقال: «ذلك سخاء عهدناه ببني غسان فهل تتعطفين ~~على عبدك بكلمة تشفى غليله وتبرد لظاه.» # فتنهددت وقد اشتد بها الهيام وقالت: «ماذا أقول وكل جارحة من جوارحي تنطق بما في هذا ~~القلب (وأشارت إلى قلبها) ولكنني مالي أرى حمادا يبخل علينا بكلمة.» # قال: «بماذا يبخل حماد ولم يبق له ما يجود به ولا يرى حاجة إلى القول وليس جارحة من ~~جوارحه إلا وقد كتب عليها أنه أسير هواك.» # فنظرت إليه وقد أخذ الحياء منها مأخذا عظيما وقالت: «أعذرني يا حماد على ضعفي فجنس ~~النساء مهما بلغت قوته فهو ضعيف فأشفق وقل كلمة.» # فمد يده إلى يدها فإذا هي باردة كالثلج وخيل له أنها ذائبة بين أنامله وما لمسها حتى ~~شعر بقشعريرة أشبه بمجرى كهربائي سرى في سائر أعضائه ولا ريب أنها شعرت هي بمثل ذلك أيضا ~~فجعل يدها بين يديه وقال: «أقول كلمة وأرجو أن لا تكون ثقيلة عليك.» # فأطرقت ثم قالت: «قل قل لقد نفد صبري وأخشى أن يخوننا الوقت.» # قال: «اعلمي أني أسير حبك ولا أبغى من هذا العالم إلا رضاك فماذا تقولين.» # قالت: «انك تعبر عن عواطفي.» # فأدرك حماد أنها تحبه وتميل إليه ولكنه ما زال خائفا من أن يسبقه ثعلبة إليها مع ~~علمه أنها غير مخطوبة له ولا هي تحبه ولكنه خاف أن تحلو في عينيه حسدا فيطلبها ~~ويتراضى والدهما جبلة والحارث ويتغلبا على رأيها فأراد اختبارها من هذا القبيل فقال لها: ~~«وما شأن ابن الحارث.» # قالت: «لا شأن له فهو حارث غير حاصد.» فقال: «وما شأن من لم يحرث أو يغرس.» # قالت: «أن الغرس غرس الله وإذا لم يبن ms040 رب البيت باطلا يتعب البناؤون.» # فضغط على أناملها وهم بتقبيل يدها فمنعه الحياء فأعادها وهو يرنو إليها وقال: «ولكن كيف ~~ترضين بمن لا تعرفين نسبه فلا نأمن أن يطالبنا ابن الحارث غدا بحقوق القرابة.» # قالت: «أن من القلب إلى القلب دليل ولا نعرف لنا قرابة توجب مطالبة ولا نحن نرضى بالتقرب ~~منه بعد ما عرفناه من خساسته.» # فقال: «وما الذي دلك على خساسته.» # قالت: «لقد دلتني تلك القصبة فإنها جماد ناطق.» # فعجب لإشارتها إلى القصبة وظهر له أنها عالمة بأمر ثعلبة بالأمس فأراد تحقق ظنه فقال: ~~«وماذا قالت لك القصبة.» # قالت: «لقد نطقت نطقا صريحا أن ابن الحارث جبان دنيء.» # فقال: «وقد مل الألغاز فما قولك بمن لا تعرفين حسبه ولا نسبه.» # قالت: «فمن كان قلبه دليله لا يخش العطب فحماد لا يمكن أن يكون من السوقة لأن أخلاقه ~~جديرة بالملوك فإذا لم يكن ملكا فهو أمير جليل.» # قال: «ولعله كان من قوم بينهم وبين والدك عداوة.» # فجذبت يدها من بين يديه بلطف وتنفست الصعداء ولسان حالها يقول: # أحبك ما لو كان بين عشائر # وقد كانوا أعداء لجر التصافيا # فلم يبقى عنده ريب بصدق حبها له فاعتدل في مجلسه وقال لها: «أن أسيرك يا حبيبتي ليس من ~~طبقات الملوك ولا هو من السوقة بل هو أمير ابن أمير ولكنه دون مقام جبلة ابن الأيهم ملك ~~غسان.» # فاطمأن بالها بأنه ليس من السوقة فأرادت أن تعرف من أي القبائل هو وكانت قد لحظت من ~~لهجته أنه من أمراء العراق فقالت: «ألعلك من أمراء العراق.» # قال: «نعم يا سيدتي فهل غير ذلك شيئا من شعورك.» # قالت: «كلا بل أنت فوق ما تمنيت فإنكم بنو لخم أصحاب نسب وحسب ومنكم بنو ماء ~~السماء.» # فإلتفت إليها وقال: «أما وقد تنازلت إلى حبي فإني طوع إشارتك فهل ترين لهذا الأسير حظا ~~من قربك» # قالت: «لقد أبنت لك مرادي وكشفت لك عواطفي وأنت على ما رأيته فيك من الحزم والدراية ~~فلا تعدم وسيلة في استرضاء والدي.» ms041 # فعظم عليه الأمر لعلمه أن استرضاء والدها من أصعب الأمور عليه وهو يعلم منزلته منها ~~فضلا عن الضغائن بين لخم وغسان فبهت برهة ولم يتكلم. # فابتدرته قائلة: «ما بالك تتردد فهل خفت الطريق.» # قال: «لا أخاف شيئا في سبيل قربك ولكنني أرى الطريق وعرا لما أسسه أجدادنا من الضغائن ~~بين لخم وغسان.» فتبسمت وقالت: «لا تخف يا حماد أن ما يصعب عليك يهون علي فكن مطمئنا إني ~~معك وهذا يكفي.» # قال: «قد رضيت بذلك فإن رضاك من رضى المولى وها أني قد كرست حياتي في خدمتك.» # وكانت الشمس قد توارت وراء الحجاب وأظلمت الدنيا ولم تعد تتعارف الوجوه فهما بالخروج من ~~الغرفة وفيما هما يودعان والقلبان يخفقان ويودان البقاء هناك طول العمر إذ سمعا صهيل الخيل ~~خارج الدير ورأيا الرهبان في جلبة فوقفت هند بغتة. فقال حماد: «ما الذي راعك يا ~~حبيبتي.» # قالت: «أظن ثعلبة قادما للدير فلعله علم باجتماعنا فجاء يريد بنا سوءا فالأولى أن ~~نفترق لئلا نفتح بابا للكلام.» # وما أتمت كلامها حتى دخل عليهما رجل عليه ملابس الباعة ببصرى ومد يده فألقى قطعة من ~~الحلي في جيب حماد ثم استخرجها مدعيا أنها كانت في جيبه وإن حمادا كان قد سرقها فتناولها ~~الرجل وقال: «هذه الأساور لي فمن أين جئت بها أنها مسروقة من مخزني.» فلم يجبه حماد ولكنه ~~صفعه على وجهه فقلبه على قفاه خارج الغرفة وإذا بجماعة من جند بصرى قد هموا بحماد فأمسكه ~~أحدهم بذراعه وقال له: «انك سارق» فنفر حماد منه وصاح به قائلا: «اخسأ يا كلب العرب» ~~وصاحت بهم هند: «دعوه» فهمس هو في أذنها: «احذري أن تخبريهم من أنت لئلا يفتضح أمرنا» ~~فتجمهروا حوله وهموا بالقبض عليه ثم سمعوا صوتا يقول: «امسكوا هذا اللص وائتوني به ~~حيا أو ميتا إنه جاسوس ذميم.» فعرف حماد صوت ثعلبة فخرج نحو الصوت والجند يفرون من ~~أمامه ويتفرقون حوله ولم يستطع أحد القبض عليه فصاح به: «تقدم أنت يا جبان لنرى من هو ~~الخائن.» واستل حماد ms042 خنجره وهجم على الجموع يبحث عن ثعلبة فلم يعرفه بينهم فاعترضه أحدهم ~~وهم بالقبض عليه فطعنه حماد طعنة أصابت كتفه فصاح من شدة الألم فتفرق الناس فأراد ~~حماد الفرار خوف الفضيحة فتذكر هندا فخاف أن يفتك بها ذلك الخائن فعاد إليها وقال لها: ~~«انجي بنفسك لئلا نقع كلانا وفى وقوعك عار علينا.» فقالت: «حاشا لي أن أتركك بين أيدي ~~هؤلاء اللئام والله لن يظفروا منك بطائل.» وهمت بأحدهم فاستلت حسامه وهجمت على الجند ~~وكانوا عديدين فتفرقوا أيدي سبا فقالت: «خسئ الأنذال هلم إلى.» وخرجا معا والليل قد سدل ~~نقابه فأسرعا إلى فرسيهما فركباهما وسارا. # وكان ثعلبة قد بات تلك الليلة في صرح الغدير كما قدمنا فقضى ليلته هاجسا في أمر حماد ~~وما ناله من السبق في ذلك اليوم وكيف تظاهرت ابنة عمه بميلها إليه واستخفافها بثعلبة وكان ~~كلما تصور هندا تلبس حمادا الدرع والناس يرتلون وينشدون انقدت نيران الغيرة والحسد في ~~صدره وهاجت فيه حاسة الغدر وشعر بميل نحو هند حتى أصبح شديد الرغبة في خطبتها بعد أن كان ~~يترفع عنها وكل ذلك من عوامل الحسد فإن الرجل قد يرى فتاة فلا يعتد بها ولا يظن بها نفعا ~~فإذا سابقه إليها أحد وآنس منها ميلا إلى هذا واستخفافا به حسنت في عينيه وخصوصا إذا ~~وقع بينهما تناظر أو تسابق فكان ثعلبة يتوقع من خطبته هندا انتقاما من حماد وتشفيا من ~~هند لأنه لحظ منها شماتة به ففي حرمانها من حبيبها شفاء لما ثار في قلبه من عوامل ~~الغيرة. فبات ليلته تلك في قصر الغدير يفكر في ذلك فلما أصبح أخذ يتجسس لعله يعلم شيئا ~~من أخبار هند فسار إلى المطابخ وتظاهر بالتفرج بمناظر الأطعمة وكيفية ذبح الذبائح فسمع بعض ~~الخدم يتحدثون بعزم هند إلى دير بحيراء في ذلك اليوم. # أما هند فلم تستطع الخروج قبل ذهاب ثعلبة فلما علمت أنه سار مع والدها ووالدتها تنكرت ~~وسارت كما قدمنا. # أما هو فاضطر لمرافقة جبلة وامرأته إلى قرب البلقاء استجلابا لإعجابهما ثم ms043 عرج إلى ~~بصرى فلم يصلها إلا عند الغروب فدبر حيلة للقبض على حماد بتهمة اللصوصية والجاسوسية حتى إذا ~~نفيت الواحدة ثبتت الأخرى فجاء بأحد خماري بصرى وأوعز إليه أن ينتحل حيلة يتهم بها حمادا ~~بالسرقة ليكون له بذلك ذريعة للقبض عليه فإذا قبض عليه اتهمه بالجاسوسية أو فتك به بلا ~~تهمة. ولتمام حيلته كان أبوه الحارث قد سار إلى بيت المقدس في عصارى الأمس أثناء غياب ~~ثعلبة في السباق وسبب ذهابه أن هرقل إمبراطور الرومان ويسميه العرب قيصر الروم كان قد ~~تغلب على الفرس وأخرجهم من الشام وانتهى من حروبه معهم في تلك السنة وكان قد نذر أنه ~~إذا كشف الله عنه جنود الفرس سار ماشيا على قدميه من حمص إلى بيت المقدس فلما نصره الله ~~بعث إلى الحارث بن أبى شمر أن يوافيه إلى بيت المقدس ليعد له الإنزال ويرمم ما تهدم من ~~الأسوار والحصون في أثناء الفتح. فاستغنم ثعلبة غياب والده واستخدم الجند كما شاء فجاء ~~بشرذمة منهم إلى الدير وفعل ما فعله كما قدمنا. # فلما سمع صوت حماد ورأى السيف بيد هند فر هو ورجاله على أن يكمنوا لهم في بعض الطريق. # الفصل العاشر # | النجاة # أما حماد وهند فساقا جواديهما نحو صرح الغدير ولكنهما سارا في طريق غير الذي ظنا ~~الخادمة تعود منه لئلا تلتقي بهما فيكشف أمرهما فلما خلوا في الصحراء وأمنا من العيون ~~قال حماد: «تبا لذلك الخائن والله لوددت أن تكون تلك الطعنة في صدره فنتخلص من ~~شره.» # فقالت : «يا ليتها كانت كذلك ولكن هذا الخائن سينال جزاء فعلته هذه على أننى أخشى أن يكون ~~قد كمن لنا في بعض الطريق.» # فقال حماد: «طيبي نفسا يا حبيبتي فإن جنود غسان كلها وجنود قيصر وكسرى لا تستطيع أن ~~تمس شعرة منك ما دمت حيا مقيما إلى جانبك ولقد شهدت منك اليوم شجاعة حقرتني في عيني ~~نفسي فسبحان من جمع فيك شجاعة الرجال ورقة النساء وأراني ساعة وقنت وذلك الحسام بيدك حسبت ~~الجنود تفر من أمامك ms044 وشعرت بقوة فوق العادة ولو اجتمعت حولي جيوش مجيشة ما حسبت لها ~~حسابا.» # قالت: «تلك دوافع المحبة قد تذهب برشد صاحبها فيقتحم الأهوال ولا يبالي بحياته ولعلي ~~أتيت بما أواخذ عليه ولكنني فعلت ذلك مدفوعة بحب حماد.» # فقال: «لا تكرهوا أمرا لعله خير لكم فقد شعرت بعد هذه الواقعة أن ربط المحبة بيننا قد ~~زادت متانة ولا أرى في السماء أو الأرض ما يمكن أن يحول بيني وبينك.» # فأوقفت هند فرسها كأنها تريد التصريح بأمر ذي بال فأوقف حماد فرسه فمدت يدها إليه فمد ~~يده وتصافحا وقالت: «أعاهدك عهدا مقدسا أني باقية على حبك إلى آخر نسمة من حياتي ولو حال ~~دون ذلك كل مصاعب بني الإنسان.» # فنسي حماد موقفه لعظم غرامه بها وسروره بما شاهده من حبها وقال لها: «أن هذا العهد يا ~~هند لينسيني كل أسباب الشقاء ووالله لاقتحمن أعظم الأخطار وأجوب الفيافى والقفار في سبيل ~~حبك يشهد علينا سهيل والميزان وسائر نجوم السماء والله أكبر الشاهدين.» # فأطرقت هند وقد غلب عليها الحياء ولسان حالها يقول: «وأنا أعاهدك بذلك أيضا.» # فقال لها حماد: «أما وقد تعاهدنا على الحب فلتكن تلك الأساور عربون المحبة وقد قدمتهما لك ~~عن غير قصد وهي تقدمة حقيرة بجانب مقام بنت ملك غسان فهل تقبلين بها تذكارا.» # فنظرت إليه وفرسها يشاغلها بالأقدام والأحجام كأنه شعر بما يتقد فوقه من لواعج الغرام ~~وقالت: «ذلك يدلك على أن حبنا مقدر منذ الأزل وقد أراد الله أن تكون هذه الأساور عربونا ~~لذلك الحب فسأحافظ عليها ما بقيت ولكن أتعلم ما هو تذكاري عندك.» قال: «كيف لا أعلم وصلصلة ~~تلك الدرع لا تزال ترن في أذني فهي تسقيني غائلات الزمان بإذن الله.» # قالت: «لقد أحسنت فهم المراد حرسك الله ووقاك.» # فلما تبادلا العهد وخزا الفرسين ولم تمض برهة حتى صارا على مقربة من صرح الغدير وقد عرفاه ~~من النيران الموقدة بالقرب منه وهي نار القرى كان يوقدها الغسانيون لإهداء المارة ممن ~~يريدون طعاما أو مبيتا. # فوقف حماد وقال: ms045 «هذا قصرك فسيرى إليه فإني عائد إلى منزلي.» # فقالت: «أخاف عليك ذلك الخائن وأخشى أن يكون كامنا برجاله في بعض المكامن والليل بهيم ~~فربما أراد بك سوءا.» # فهز رأسه استخفافا وقال: «ذريه وكل جند أبيه ولا تخافي علي بأسا بإذن الله ~~فألحت عليه أن يدخل القصر بحيلة الضيافة منفردا.» فقال: «إنك لتزيدينني رغبة في المسير ~~منفردا وإني لأستحيي من نفسي أن أخاف ابن الحارث ورجاله ولو كانوا ألوفا.» فلما لم تجد ~~سبيلا إلى إقناعه ودعته فقبض على يدها وضغط عليها وجددا الوعد وعدا طاهرا وقالت: «سر ~~بحراسة المولى وكلاءته.» وسارت هي نحو القصر فلبث هو واقفا حتى تحقق دخولها الحديقة ~~فتحول نحو منزله وهو على مسافة بعيدة عنه فوخز جواده وجد في المسير زميلا وقد ترك ~~قلبه في صرح الغدير ونسي نفسه فلم يشعر إلا وهو في مكان لم يعرفه فأوقف جواده ونظر إلى ~~ما حوله فإذا هو في أرض قفر لم يعهدها قبلا ففكر برهة لعله يفقه أين هو فلم يستطع فنظر ~~إلى النجوم وأبراجها وكان خبيرا بعلم الفلك فرأى أنه أخطأ الطريق وإن منزله في جهة غير ~~التي كان سائرا فيها فشكر علم الفلك لأنه كان وسيلة في اهدائه إلى سواء السبيل وحول ~~عنان جواده نحو الجهة التي ظن أنها تؤديه إلى منزله حتى وصل إلى البساتين والمغارس. # وفيما هو سائر زميلا بين الأشجار والطريق كثيرة الحصى إذ سمع وقع حوافر جواد مسرع نحوه ~~فأصاخ بسمعه وأحدق بعينيه لجهة الصوت فإذا به يقترب نحوه فأمسك بعنان جواده حتى مشي ~~خببا ينظر إلى جهة الصوت والظلام حالك فإذا بالفارس يدنو منه ثم سمع صوتا يناديه: ~~«حماد.» فعرف أنه صوت أحد خدمته فأجابه: «سلمان» وهو اسم ذلك الخادم قال: «نعم يا سيدي ~~قف عندك» فوقف حتى تقابلا فقال حماد: «ما الذي جاء بك الآن.» # قال: «أدر عنان جوادك واتبعنى لأخبرك الخبر.» وأسرع فتبعه وسارا اهجاما وهما لا ~~يتكلمان وقد انشغل بال حماد لذلك حتى بعدا عن مساكن الناس وانفردا في ms046 الصحراء فأمسكا عنانى ~~الفرسين فقال حماد: «قل يا سلمان ما سبب هذا العدو وما الذي جئت من أجله.» # قال: «جئت بأمر من سيدي والدك أن تفر من غسام إلى عمان.» # قال: «ولماذا؟» قال: «لأن صاحب بصرى بعث شرذمة من رجاله فقبض على سيدي والدك واستولى على ~~كل ما في البيت.» # فبغت حماد وقد علم السبب ولكنه تجاهل وقال: «ولماذا فعلوا ذلك.» # قال: «زعموا أنه جاسوس من ملك العراق فساقوه مجبورا إلى بصرى وسمعت الرجال يسألون عنك ~~في بادئ الرأي فلما لم يروك قبضوا على سيدي والدك ونهبوا المنزل ولم يغادروا شيئا فأسر ~~إلي والدك أن أقتفي أثرك وأفر بك إلى عمان ننتظره هناك شهرا فإن أبطأ علينا بحثنا عنه ~~في بصرى.» # قال: «وهل أصابوه بسوء.» # قال: «كلا يا سيدي ولكنهم أوثقوه وساقوه إلى بصرى ولا بد من أن يقصوا أثرك للقبض عليك ~~وهذا ما حمل سيدي على تحذيرك فنحن ذاهبون إلى جهات عمان نقيم فيها متنكرين شهرا ثم يقضي ~~الله بما يشاء.» # فانقبضت نفس حماد عند ذلك وكادت تخنقه العبرات وعلم أن الذين قبضوا على والده هم ثعلبة ~~ورجاله فحدثته نفسه أن يثنى عنان جواده إلى بصرى وقد كبر عليه الفرار ولكنه أطاع والده ~~وسار مع سلمان صامتا يفكر في حاله مع هند وكيف ساقه الحب إلى هذه العاقبة فبعد أن مشيا ~~مدة صامتين قال حماد: «أتعرف هذه الطرق يا سلمان.» # قال: «نعم يا سيدي أعرفها جيدا فقد طرقتها مرارا مع سيدي والدك منذ بضعة أعوام.» وكان ~~سلمان شابا في الثلاثين من عمره رافق عبد الله في أكثر أسفاره حتى حنكته التجارب وعلمته ~~الأيام وكان نبيها فطنا يستهلك في خدمة مولاه وكان عبد الله يركن إليه في مهماته ويثق ~~به في معظم أعماله فلما تحقق وقوعه في الأسر عهد إليه العناية بحماد وهو يؤمل أن يتخلص ~~من أسره فيجتمع به فأمره أن يسير به إلى عمان وهي مدينة قديمة واقعة على نحو ستين ميلا ~~من بصرى جنوبا مع انحراف نحو ms047 العرب كانت تسمى في عصر الإسرائيليين (ربان عمون) وكانت عاصمة ~~العمونيين الذين تضافروا هم الموابيون وأخرجوا سكان شرقي البحر الميت والأردن واحتلوا ~~مكانهم ولهذه المدينة ذكر كثير في التوراة وقد تخربت مرارا حتى بناها بطليموس فيلاذلفوس ~~ملك الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد وسماها فيلاذلفيا ثم صارت في أوائل الميلاد ~~أسقفية ذات أهمية كبرى يقيم بها أسقف تحت إدارة أسقف بصرى الأكبر فيها كثير من الأبنية ~~الرومانية كالقلاع والهياكل والكنائس. # وما زال حماد وسلمان يسيران زميلا حتى انتصف الليل وبعدا عن بصرى كثيرا فوقفا وقد تعبا ~~وتعب الجوادان وطلع القمر وكان في ربعه الأخير فأرسل أشعته على تلك السهول والجبال والأرض ~~خالية لا أثر للآدميين فيها ولكنها مكسوة بالغابات وأكثرها من شجر الزيتون والجوز فسارا ~~حثيثا وحماد غارق في بحار التأمل تتقاذفه الهواجس وقلبه يخفق تارة حنوا لهند وطورا ~~خوفا على والده فإذا تصور ثعلبة إتقدت نيران الانتقام في جسمه وود لو يلقاه ليقطعه ~~إربا إربا ولكنه كظم ما في نفسه وعاد إلى الحديث مع سلمان والجوادان يجريان على الرمل ~~لا يسمع لحوافرهما صوت والجو هادئ وضوء القمر ضعيف. فقال حماد: «أخبرني يا سلمان كيف فعل ~~هؤلاء الطغام بوالدي وبالمنزل.» # قال: «كنا في غفلة ومولاي في قلق لغيابك من الصباح وهو لا يدري إلى أين سرت فلما غابت ~~الشمس ولم تأت أزداد قلقه فهم بالركوب للتفتيش عنك وفيما نحن في ذلك وقد أسرجت جوادي ~~لأرافقه إذ سمعنا صهيل الخيول ووقع حوافرها وتقاطر الرجال عشرات فأحاطوا بالمنزل ~~فسألناهم عن الخبر فقالوا: «أين الأمير حماد» وأغلظوا بالمقال فسألنا عن أمرهم فلم ~~يجيبونا إلا بالشتم والسباب فأجبناهم بمثل مقالهم فهموا بسلاحهم وخيلهم وقبضوا على سيدي ~~الأمير بعد أن دافع دفاعا حسنا وكان أعزل فأوثقوه وسقطوا على المنزل فنهبوه فاغتنمت فرصة ~~اشتغالهم بالنهب ودنوت من سيدي فأوصاني أن أقتفي أثرك وأحذرك من المجيء كما أخبرتك ولولا ~~التقادير لقبضوا علي ولكنني بحمد الله تمكنت من الفرار وجئت إليك.» # فقال: «وهل أخذوا متاعنا وأموالنا.» # قال: «أنت ms048 تعلم يا سيدي أن المثمنات من الذهب والفضة مكنوزة في مكان لا يعرفه أحد سوانا ~~ولكنهم أخذوا ما عثروا عليه من الأثاث.» # فتذكر حماد الدرع فقال: «وهل أخذوا الدرع التي جئت بها الأمس.» # قال: «كلا فإنها في هذا الخرج على فرسي وقد حفظها الله صدفة لوجودها في هذا ~~الخرج.» # فسر حماد لبقاء الدرع لأنها تذكار من حبيبته هند. # وفيما هما في الحديث آنسا نارا عن بعد فقال حماد: «وما هذه النار ألعلنا على مقربة من ~~القرى.» # فوقف سلمان ونظر إلى ما حوله وفكر قليلا ثم قال: «إن النور الذي تراه هو في بلدة ~~يسمونها بيت الجمال أو أم الجمال فإذا شئت أن نتحول إليها فعلنا وإلا فإننا سنشرف على ~~جدول فيه ماء نشرب منه ونسقى جوادينا ونبيت فيه بقية ليلتنا.» # قال: «دعنا من البيوت لئلا ينكشف أمرنا.» # الفصل الحادي عشر # | مسبعة الزرقاء # وسارا حتى أشرفا على واد فيه ماء جار من الشرق إلى الغرب وقد غطته الأشجار من الجانبين ~~فوقفا في أعلاه ونظرا إلى أسفله فهالهما منظره لسكون الطبيعة وهدوء الليل وضعف الأظلال لا ~~يسمعان سوى نقيق الضفادع وقرقرة حبل القر وحفيف الشجر حفيفا بمرور النسيم وشعرا ببرد خفيف ~~فترجلا ونزلا الوادي يقودان الجوادين وراءهما وضوء القمر لضعفه لم يكن يريهما الطريق إلا ~~بصيصا وكانا يسمعان لوقع حوافر الخيل دويا يردده الصدى من جوانب الوادي حتى يخال لهما أن ~~فرسانا آخرين قادمون إليهما ثم لا يلبثان أن ينتبها إلى الصدى على أن هيئة المكان كانت ~~مستطلة عليهما وخصوصا سلمان فقد كان أكثر وجلا من حماد ليس لضعف فيه بل لعلمه أنهما على ~~مقربة من الزرقاء وهي مسبعة مشهورة بالضراوة وفيها السباع ولكنه كتم ذلك على حماد لئلا ~~يثير هواجسه واتخذ التدابير اللازمة للدفاع عند الحاجة فظلا سائرين حتى اقتربا من الماء ~~ونظرا إلى موقفهما فإذا هما في واد بين جبلين والوادي تكسوه النباتات وبينها أشجار هائلة. # فشد سلمان الفرسين إلى شجرة على مسافة من الماء ريثما يستريحان قبل الشرب وسار ms049 مع حماد ~~إلى الماء فغسلا وشربا فنزع حماد كوفيته وعقص شعره لئلا يرف على كتفيه ووجهه ثم افترش ~~سلمان عباءته على منبسط من الأرض تحت شجرة جلسا عليها والجوادان يصهلان ويفحصان الأرض في ~~طلب الماء. # ثم اتكأ حماد وجلس سلمان إلى جانبه يحادثه وحماد ساكت وذهنه مشتغل بنقيق الضفادع ~~ونعيق الغربان على تلك الأشجار وحفيف الورق والأغصان وخرير الماء ولولا شواغله بهواجسه في ~~والده وهند وثعلبة لخاف منظر ذلك الوادي ولكنه كان لا يزال متهيجا تتقاذفه الشواغل فلبث ~~صامتا لا يتكلم فتركه سلمان وسار إلى الجوادين فحلهما وجاء بهما إلى الماء ووقف بهما على ~~منحدر بالقرب من مجلس حماد وضم العنانين وربطهما ووقف بجانبهما يتلاهى ببند حسامه وعيناه ~~شاخصتان إلى قمم تلك الجبال كأنه يتوقع محذورا وحماد غافل عن كل ذلك بهواجسه فلما روى ~~الفرسان أعادهما إلى مربطهما وجاء إلى مجلس سيده وأسند ظهره إلى جزع الشجرة وكان التعب قد ~~أخذ من حماد مأخذا عظيما فالتف بعباءته وغلب النعاس عليه فنام أما سلمان فلم يستطع ~~رقادا خوفا من غائلة السباع وجعل يتوسل إلى الله أن يمضي ذلك الليل بسلام فما زال كذلك ~~إلى قبيل الفجر فذبلت عيناه وهو جالس ولم يكد يغمضهما حتى سمع صهيل الجوادين معا وقرقعة ~~اللجامين فانتبه ونظر إليهما فإذا بهما قد أجفلا فخفق قلبه واستعاذ بالله ونهض لساعته ~~وإلتفت يمنة ويسرة فلم ير شيئا ثم سمع قرقعة حجارة تتدحرج من قمة الجبل المقابل لهما حتى ~~وصل بعضها إلى الماء على مقربة منه وأجفل الجوادان وأكثرا من الصهيل فانتبه حماد وصاح: «ما ~~هذا يا سلمان.» # فقال: «انهض يا سيدي اننا في خطر.» فنهض حماد وأسرع سلمان إليه قائلا: «نحن على مقربة من ~~الزرقاء فلعل بعض السباع جاءت ترد الماء ولا خوف علينا منها لأن الماء يفصل بيننا وبينها ~~فهلم إلى جوادك ولنعد من حيث جئنا.» فهما بالجوادين وما كادا يركبان حتى رأيا أسدا ~~منحدرا نحو الماء يتمايل عجبا بمشيته المعهودة والأحجار تتدحرج أمامه وعيناه تتلألآن ~~كأنهما سراجان ms050 متقدان فاثنيا العنانين نحو الجبل فسمعا صوتا كالرعد القاصف ارتجت له ~~جوانب الوادي فقال سلمان: «هذا هو زئير الأسد يا سيدي فأسرع بنا ولا تخف فإن الماء حائل ~~بيننا وبينه.» # فوخزا الجوادين وصعدا حتى وصلا إلى مرتفع والأسد يزأر عن بعد وهما يحسبانه وراءهما ~~لهول صوته ومجاوبة الصدى فلما وصلا قمة الجبل إلتفتا إلى الوادي وكان النور قد لاح فشاهدا ~~الأسد عند الماء يشرب. # فقال حماد: «ما فعلت بنا يا سلمان وكيف جئت بنا إلى هذا المكان.» # قال: «جئته مضطرا وعهدي به بعيدا عن مسبعة الزرقاء والظاهر أن هذا الأسد قد بعد عن ~~عرينه كثيرا فورد الماء ولا يلبث أن يعود ولا خوف علينا بإذن الله.» فوقفا برهة ينظران ~~إلى مجرى الغدير في أسفل الوادي فإذا بالأسد بعد أن شرب إلتفت يمينا وشمالا وزأر زأرة ~~اصطكت لها مسامعهما وكان ذلك أول عهد حماد بالزئير أما سلمان فكان قد شاهد الأسد وسمع ~~زئيره في بعض حدائق كسرى بالمداين ورآها تتغالب وتتصارع. # أما حماد فما زال يراعى الأسد في صعوده الجبل وهو يتمايل بمشيته تيها وقد أرسل ذنبه ~~فوق ظهره حتى توارى عن نظرهما وكانت الشمس قد أشرقت أو كادت وأحس حماد بالجوع فضلا عن ~~التعب فقال: «ما عهدك بالطعام هنا.» قال: «خل عنك الاهتمام به فإني كافل كل أسباب الراحة ~~فسر بنا قليلا فإننا لا نلبث أن نصل إلى دير على مقربة منا نقيم فيه يومنا ضيوفا ونبيت ~~ليلتنا ثم نصبح مسافرين.» قال: «حسنا» ومشيا برهة فأشرفا على بناء فوقه قبة عليها صليب ~~فعلما أنه دير وفيه كنيسة فنزلا هناك فاستقبلهما الرهبان بالترحاب وأنزلوهما على الرحب ~~والسعة فقضيا ذلك النهار في الراحة والطعام وكان طعامهما قاصرا على ألوان بسيطة لكنها ~~لذيذة وفى جملتها أنواع من الجبن والقشدة واللبن واللحم المقلي مع البيض وأنواع التين ~~المجفف والزبيب والجوز والمشمش المجفف فضلا عن الخمر المعتقة فإن خمر الديور مشهورة ~~بجودتها ولاقيا من حسن وفادة أهل الدير ما شغلهما عن هواجسهما على أن حمادا ms051 لم يهدأ له ~~بال ولا برحت صورة هند من مخيلته كما كانت لما فارقها المرة الأخيرة ليلا راكبة إلى قصر ~~الغدير وهو ينتظر وصولها إليه. # فباتا تلك الليلة في الأحاديث المتنوعة وأكثرها مما جر إليه حديثهما عن ذلك الأسد فعلما ~~أن المسبعة بعيدة عن الدير ولكنها في طريقهما إلى عمان ولا بد للسائر إلى عمان من ~~المرور فيها إلا إذا دار في طريق طويل بعيد. # ولما أصبحا تزودا وصليا وسارا على بركة الله وسلمان يفضل المسير في الطريق البعيد ~~خوفا من السباع وحماد يأنف من خوفه ويثنيه عن عزمه. # الفصل الثاني عشر # | عبد الله في السجن # فلنتركهما سائرين إلى عمان ولنعد إلى عبد الله وما كان من أمره فقد تقدم أنه سار ~~إلى بصرى بتهمة الجاسوسية مخفورا وهو يعجب للعنف الذي اتخذه الرجال في القبض عليه ونظرا ~~لعلمه ببراءة ساحته تحقق أنه لا يلبث أن يقف أمام الحارث حتى يثبت براءته فيفرج عنه ~~فيذهب إلى عمان حيث يلتقي بحماد ثم يأتيان لوفاء النذر بدير بحيراء وهذا ما حمله على ضرب ~~الأجل شهرا وقد فاته السبب الحقيقي للقبض عليه. # أما الجند فساروا به إلى بصرى وحجروا عليه في غرفة من غرف قلعتها جنوبي السور فبات ~~بقية ليلته قلق البال على حماد لئلا يأتي المنزل وهو لم يلتق بسلمان فيقع في الفخ فلما ~~مضى الليل ولم يأتوا به ترجح عنده نجاته. وفى الضحى جاءه رجلان عليهما لباس الجند ~~الروماني وهو الخوذة من النحاس الأصفر يتدلى منها خصل من شعر أذناب الخيل والأدراع من ~~الفولاذ تحتها أثواب حمراء لا تتجاوز الركبة وكان هذان الجنديان يحمل كل منهما حربة صغيرة ~~وترسا من الفولاذ وعلى صدر كل منهما شرائط من الحرير مزركشة بالذهب على شكل حرفين أحدهما # II # عرف أنه الحرف الأول من اسم الإمبراطور هرقل ~~والثاني لم يعرف تفسيره ولكنه الحرف الأول من اسم الفرقة التي ينتمى إليها الجنديان ولكن ~~هذه العلامة قلما كان يتقلدها غير الخيالة منهم وكان مع الجنديين رجلان من جند ms052 ثعلبة ~~بلباسهما العربي فأشاروا إلى عبد الله فتقدم وصعدوا به إلى طابق علوي في القلعة حتى وصلوا ~~قاعة مفروشة بأحسن الأثاث الروماني وفى صدرها عظيم روماني علم من لباسه ومقعده أنه رئيس ~~الحامية الرومانية كان جالسا في صدر القاعة على كرسي مذهب يصعد إليه بدرجتين متشحا بقميص ~~مدرع بحراشف من نحاس محلاة بالذهب تحته ثوب ضيق لا يتجاوز الساقين إلا قليلا وكان ~~ضخما كثير العضل والدهن وشاهد بين يديه رجالا أكثرهم في مثل لباسه وهم أهل مجلسه من ~~الروم إلا رجلا جالسا بالقرب منه عليه لباس العرب عرف أنه ثعلبة بن الحارث فتحقق عبد ~~الله أنهم يسوقونه إلى قائد جند الروم ببصرى فدخلوا به إليه فوقف متأدبا وهو موثق ~~فخاطبه القائد وكان اسمه رومانوس بواسطة الترجمان قائلا: «ما اسمك.» # قال: «عبد الله.» # قال: «من أي البلاد أنت» # قال: «من العراق.» ~~«وما هي مهنتك» ~~«أني من أمراء العراق أعيش من ريع أملاكي أو أتجر ببعض أصناف التجارة.» ~~«وما الذي جاء بك إلى هذه الديار» ~~«جئت لأفي نذرا نذرته لدير بحيراء.» ~~«وما هو نذرك» ~~«أن أقص شعر ولدي في العشرين من عمره.» # فإلتفت رومانوس إلى ثعلبة وتخاطبا سرا ثم نظر ثعلبة إلى عبد الله واستقدمه حتى دنا منه ~~فقال له: «كيف تدعى أنك جئت لقص شعر ابنك وأنت مقيم هنا منذ أشهر ولم تقصه.» # قال: «لأني نذرت أن لا أقصه إلا في يوم أحد الشعانين القادم.» # فضحك استخفافا بتلك الحجة وقال: «تلك حجج واهية لا ترد عنكم تهمة فأنتم جواسيس من قبل ~~ملوك الحيرة ولولا ذلك ما أقمتم في قرية بعيدة وتسترتم عنا وحاولتم إخفاء أمركم فمن كان في ~~مثل ما أنتم فيه من اليسار لا يترك مدينة بصرى بمنتزهاتها وشوارعها ومراسحها وملاعبها ~~ويقيم في قرية حقيرة مثل قرية غسام فاعترف بالحقيقة لئلا يزداد العقاب عليك.» # قال: «قد قلت لكم الصدق كل الصدق.» # فقال: «ليس للصدق نصيب من مقالك وزد على ذلك أنكم تدعون بالانتساب إلى أمراء العراق وقد ~~أمسكنا غلامك أمس ms053 بسرقة.» # فلم يفهم عبد الله معنى هذا القول وظنه يقوله ليستطلع شيئا جديدا عنه فقال: «لعلكم ~~أسأتم الفهم فإننا لا نعرف مثل هذه الأعمال ولدينا من نعم الله ما يكفينا مؤونة السرقة أو ~~غيرها.» # فهز ثعلبة رأسه استهزاء ثم أخذ يلاعب شاربيه عجبا وقال: «قد تحققت الآن جاسوسيتك ~~وسنكشف ذلك عيانا.» ثم قام إليه وأخذ يفتش أثوابه وجيوبه بدعوى البحث عن أوراق أو أشياء ~~أخرى تؤيد تهمته فوجد في بعضها حقا فتحه فإذا فيه خاتم فيه فص كبير من العقيق الأحمر ~~فتأمله ثعلبة فإذا عليه كتابة بالحرف السطرنجيلى وهو من الأقلام التي كانت مستعملة في ~~العراق فحالما قبض ثعلبة على الخاتم ظهرت البغتة على عبد الله ولكنه تجلد. # فجعل ثعلبة يقلب الخاتم بين يديه ويتأمله فلم يستطع قراءته فإلتفت إلى رجل من ~~التراجمة حوله وقال له: «هل تستطيع قراءة ما على هذا الخاتم.» # فأخذه وقرأه وجعل ينظر إلى عبد الله تارة والى الخاتم أخرى ظهرت على وجه عبد الله ملامح ~~الخوف والحضور ينتظرون ما يقوله الترجمان حتى مل ثعلبة الانتظار فقال له: «قل ماذا ~~قرأت.» # قال: «أن على هذا الفص اسم «النعمان بن المنذر.» وعليه شارة الملك» فبهت الجميع وجعلوا ~~يتأملون ذلك الخاتم واحدا واحدا وينظرون إلى عبد الله وأخيرا خاطبه رومانوس قائلا: ~~«كيف اتصل هذا الخاتم إليك.» # فأجاب وهو يحاول أن لا يتلجلج وقال: «ابتعته من بعض الصاغة.» # فانتهره ثعلبة قائلا: «أتقول بعد هذا أنك لست جاسوسا وأنت تدعي أنك ابتعت خاتم النعمان ~~بن المنذر ملك العراق من بعض الصاغة. متى كانت خواتم الملوك تباع في الأسواق قل ما الذي ~~أوصل هذا الخاتم إليك.» فلم يجب. # فأعاد السؤال عليه ثانية وثالثة فأصر على الصمت. # فتفاوض ثعلبة ورومانوس سرا ثم قال لعبد الله: «أن وجود هذا الخاتم معك مما يزيد الشبهة ~~بخيانتك إلا إذا أخبرتنا كيف وصل إليك وما هي حكايته.» # فسكت ولم يجب. فازداد حنق ثعلبة وقال له: «قل أجب.» # فقال عبد الله: «قلت لك أني لا أعرف عنه ms054 غير ما قلته لك وهو أنه وصل إلي بالعرض في ~~سوق الصاغة فالظاهر أن حضرة المترجم لم يحسن القراءة أو لعل ما قرأه اسم رجل يشبه اسم ~~الملك النعمان.» # فضحك ثعلبة وقال: «هذه دعوى فاسدة ولو كان والدي الحارث هنا الآن لأثبت نسبة هذا الخاتم ~~إلى النعمان ملك العراق لأنه شاهد ختمه على كتبه مرارا وعلى كل فإنك ستبقى في السجن ~~حتى تعترف بالحقيقة وإلا فأنت مقتول شر قتلة.» # قال عبد الله: «افعل ما بدا لك فما أنا ممن يخافون القتل لأني برئ.» # قال: «سترى عاقبة وقاحتك هذه عندما يأتى بابنك الغلام الغر ونريك خيانته رأى ~~العين.» # ثم إلتفت ثعلبة إلى الحراس الأربعة وكانوا لا يزالون وقوفا على الباب وقال: «خذوه بعد ~~أمر البطريق (القائد رومانوس) إلى برج القلعة وأبقوه مخفورا ريثما ننظر في أمره.» # وكان لقلعة بصرى برج متشامخ يستحيل الفرار منه لأن المسجون إذا حاول الفرار لا طريق له ~~إلا النافذة فإذا وثب منها لا يدرك الأرض إلا ميتا. # فصعدوا به طابقين آخرين وأدخلوه البرج وهو غرفة صغيرة ذات نافذتين وباب صغير فاقفلوا ~~الباب عليه وتركوه وشأنه فلما خلا بنفسه أخذ يتأمل في ما مر به في الليل الماضي وذاك ~~الصباح ويراجع ما سمعه عن ابنه فلم يفهم معنى اتهامه باللصوصية ولكنه شكر الله لوقوعه ~~هو ونجاة حماد لأنه ما زال متحققا تخلصه من تلك الشراك على أن ظهور ذلك الخاتم عرقل ~~مساعيه ولبث برهة يفكر ثم نهض إلى نافذة البرج الشرقية فأشرف منها على مدينة بصرى كلها ~~بناياتها وشوارعها وأسوارها وحولها الأحواض المائية الكبيرة وأشعة الشمس تنعكس عن أسطحتها ~~وكان الجو صافيا فنظر إلى ما وراء ذلك فشاهد في عرض الأفق جبلا عليه بناء يكاد البعد ~~يحجبه عن نظره ولكنه عرف أنه قلعة سرخد (صلخد) الشهيرة وبينها وبين بصرى طريق حجري على ~~استقامة واحدة مرصف بالحجارة الضخمة كسائر الشوارع الرومانية الكبرى وخيل له أن بصرى ~~وضواحيها حديقة يانعة في وسط صحراء قاحلة لأن بلاد حوران جبلية جرداء ms055 غبراء اللون. # وتحول من هناك إلى نافذة جنوبية فأشرف على أرض أكثر خصبا من تلك يتراءى فيها عن بعد ~~قرية أم الجمال لا يتميز شيء من أبنيتها لبعدها فتذكر حمادا ومسيره إلى عمان فقال في ~~نفسه (لعله الآن يقرب ذلك المكان مع سلمان). ثم هاجت به هواجسه وتذكر ما مر به منذ ~~شبوبته وخاف أن يقتل قبل أن يبوح لحماد بسره وقد كتمه عنه وعن سائر أهل الأرض نيفا ~~وعشرين سنة فتراكمت عليه الهواجس حتى نسي موقفه وما هو فيه من الخطر الشديد. # فقضى نهاره في مثل ذلك فجاؤوه ببعض الطعام فلم يتناول منه شيئا وبات تلك الليلة وعاد ~~في صباح اليوم التالي إلى النافذة فحدثته نفسه أن يثب من ذلك البرج لعله ينجو فنظر إلى ~~أسفله فإذا هناك هوة عميقة لا يمكن أن يصل إلى قاعها حيا فصبر نفسه ينتظر ما يجيء به ~~القدر. # وفى اليوم الثالث أفاق على أصوات النواقيس من الأديرة والكنائس فأطل من النافذة المشرفة ~~على المدينة فرأى الناس في هرج ومرج وقد زينت الشوارع بسعف النخل وأغصان الزيتون وخرج الناس ~~زرافات ووحدانا يحملون الشموع وأغصان الزيتون يأمون الديور والكنائس وفيهم الرجال والنساء ~~وأولادهم بين أيديهم يحملون الأزهار والشموع وقد تربوا بأحسن ما لديهم من اللباس وأنواع ~~الزينة فعرف أنه يوم أحد الشعانين والناس يحتفلون به على جاري العادة فهاجت هواجسه وتذكر ~~حمادا وموعده بنذره فعظم عليه الأمر واشتد به ذلك حتى بكى ولكنه ما لبث أن عاد إلى ~~صوابه وتجلد تجلد الرجال المحنكين الذين خبروا الدهر وعرفوا تقلبات الزمان فقال في نفسه ~~(إن الدهر لا يستقر على حال فلا بد لهذه الأزمة من إنفراج). # فقضى ذلك اليوم وبضعة أيام أخرى لا يأكل إلا قليلا وقد هدأ روعه وجعل يفكر في وسيلة ~~ينجو بها من تلك الورطة وهو في كل ذلك يحمد الله لنجاة حماد من ذلك لأنه لا يصبر على الأذى ~~ولا تعود مشاق الزمان وكوارث الحدثان. ففي ذات صباح جاءه الحراس وأمروه بالنزول إلى ms056 ~~المجلس فنزل وقد استعد للدفاع فلما وقف بين يدي رومانوس وثعلبة قال له هذا: «كيف ترى ~~نفسك.» # قال: «أرى أني أسير بين يدي حضرة البطريق.» ~~«لماذا لا تعترف بحقيقة أمرك ونحن نعدك بالإفراج.» ~~«قلت لكم الحقيقة فلم تصدقوني.» ~~«انبئنا أين هو ابنك فنعفو عنك.» ~~«من أين لي أن أعلم ذلك وقد أخذتموني على غرة وهو خارج البيت فلا أعلم مقره.» # ثم ناداه رومانوس قائلا: «أنظر يا هذا إذا أنت أصررت على الإنكار لا نرى بدا من إرسالك ~~إلى مولانا الإمبراطور في حمص فهو أولى بالاقتصاص منك وإذا وصلت إليه لا ينجيك من بين يديه ~~حيلة فالأفضل لك أن تعترف بالحقيقة هنا وتنجو بنفسك.» # قال: «قلت لكم الحقيقة فلم تصدقوني فافعلوا ما بدا لكم.» # فأمر رومانوس بإعداد خفر يسير بعبد الله والخاتم إلى حمص فيدفعهما إلى الإمبراطور هرقل ~~فقال عبد الله بنفسه: «لعل في ذلك بابا للفرج فإن الإمبراطور أكثر رأفة وتعقلا من ~~هؤلاء.» فاركبوه فرسا وهو موثق وحوله عشرة خفراء بينهم خمسة من جند الروم بلباسهم ~~المتقدم ذكره وقد ركبوا الخيل بلا ركاب على جارى عادتهم. # الفصل الثالث عشر # | هرقل # وكان هرقل إذ ذاك في حمص جاءها على أثر انتصاره على الفرس انتصارا لم يكن يتوقعه فنذر ~~أن يسير إلى بيت المقدس ماشيا فوصل عبد الله إلى حمص وقد خرج هرقل منها على قدميه وفاء ~~لنذره والحارث بن أبى شمر الغساني قد جاء حمص ليتولى تدبير ما يلزم لذلك المسير فكان ~~هرقل يسير ماشيا والبطاركة والأساقفة بين يديه وقد لبس التاج وتوكأ على الصولجان متزملا ~~بوشاح ارجواني مزركش وأمامه الحارث ورجاله يفرشون له البسط في الطرق ليمشى عليها فسار ~~عبد الله مخفورا وراء الموكب من حمص إلى بيت المقدس ورأى الجند يحف بالموكب وكلهم مشاة ~~يتقدم كل فرقة منهم علم في أعلاه نسر من الفضة أو صليب إلا سرية صليبها من الذهب مرصع ~~بالياقوت والألماس كانت تحيط بالموكب عن قرب. وكان الناس في أثناء الطريق يخرجون من القرى ~~والمدن لمشاهدة ms057 الإمبراطور ماشيا وحاشيته حوله يسيرون جميعا على البسط والسجاد والناس ~~يلقون الأزهار على الطرق وبعضهم ينثرها على الإمبراطور ورجاله وآخرون يرشون الطرق والمارة ~~بالأرواح العطرية على أنواعها حتى وصلوا بيت المقدس وقد زينها أهلها وخرج البطريرك ~~والأساقفة بالصلبان والمباخر يحرقون فيها البخور والند والعنبر ويسيرون بالمشاعل أمامهم ~~فاستقبلوا الإمبراطور على مسافة خارج المدينة وعادوا به بالتراتيل والأناشيد والصلوات ~~والناس يزاحم بعضهم بعضا يتسابقون لمشاهدة الإمبراطور وكانت شوارع بيت المقدس تعج عجيجا ~~بالمارة فضلا عن المطلين من النوافذ والشرفات والأسطحة حتى وصل الموكب إلى كنيسة القيامة ~~والنواقيس تدق والقسس يرتلون ويسبحون ثم أقيمت الصلاة شكرا لله على ما أولاهم من النصر على ~~أعدائهم الفرس. # كل ذلك وعبد الله وحراسه يرافقون الجماهير فلاحظ عند إشرافهم على أسوار المدينة أنها ~~متهدمة وآثار منجنيق الفرس والروم لا تزال ظاهرة فيها حتى لحق معظمها بالأرض وما زالوا ~~سائرين حتى أتوا دار الحكومة فساقوا عبد الله إلى السجن فلما أصبحوا ساروا إلى الحارث بن ~~أبى شمر فبلغوه الرسالة وسلموا إليه عبد الله وحكوا له حكايته ودفعوا إليه الخاتم فحفظه ~~حتى يعرضه على هرقل فبقي عبد الله في محبسه شهرا لم يتمكنوا في أثنائه من تقديمه إلى ~~هرقل لتزاحم الوفود من سائر الأنحاء يهنئون الإمبراطور بما أوتيه من النصر. # فلما تمت مهمة الحارث وهم بالرجوع إلى بصرى تذكر عبد الله فاستأذن هرقل أن يدخل به ~~عليه فأذن له فساقوه مخفورا إلى قاعة كبيرة بالقرب من الكنيسة أعدت لجلوس الإمبراطور ~~ورجال دولته قد أحدق بها الخفر بأسلحتهم وملابسهم الرسمية وقوفا إجلالا للإمبراطور فدخل ~~أولا الحارث ثم استدعى عبد الله فدخل القاعة وقد هاله ما فيها من مظاهر الأبهة والعظمة ~~فشاهد الإمبراطور جالسا في صدر القاعة على سرير من الذهب الخالص يكاد لمعانه يبهر ~~الناظرين وعلى رأسه تاج مرصع يتلألأ كالمصابيح وعلى منكبيه وشاح من الخز سماوي اللون ~~مزركش بالذهب وفى يده صولجان الملك وهي عصا طويلة من الذهب المرصع في أعلاها رسم النسر ~~الروماني مرصع بالحجارة الكريمة. وكان ms058 هرقل كبير الجثة عظيم الهيبة زاد المشهد وقارا وإلى ~~يمينه بطريرك أورشليم بملابسه الرسمية وعصاه وإلى يساره سرجيوس بطريرك القسطنطينية وإلى ~~كل من الجانبين القواد والأساقفة وسائر رجال الدولة على كراس من الذهب وكانت أرض القاعة ~~مكسوة بالسجاد المزركش والأبسطة الثمينة. # ورأى بين الأساقفة أسقفا شاهده مرة في الحيرة وهو كيروس أسقف فاسيس في بلاد الأكراد وكان ~~يسمع بسعة علمه ودهائه فعجب لوجوده هناك وازداد عجبا لما رآه جالسا بجانب البطريرك ~~الأورشليمى في منزلة البطاركة ورأى بجانب البطريرك القسطنطيني بطريركا لم يعرفه. # فلما دخل عبد الله هاله الموقف ولكنه تجلد وقد علمته الأيام أن ما يراه من مظاهر ~~الأبهة ليس إلا أعراضا زائلة وأن الحق سلطان يعلو ولا يعلى عليه. ولم يكن من شأن ~~الإمبراطور النظر في مثل هذه الدعوى الجزئية لولا ما همه من أمر الخاتم فأحب استطلاع أمره ~~بنفسه فلما مثل عبد الله بين يديه خاطبه والحارث يترجم بينهما فتناول الإمبراطور الخاتم ~~بيده وقال لعبد الله: «من أين أتيت بهذا الخاتم.» # فأجابه عبد الله مطرقا: «قد جاءني بطريق العرض يا مولاي فاشتريته بالثمن.» # قال: «لا يعقل أن مثل هذا الخاتم يباع بالأسواق أو يلقى على الطرق وهب أنك وجدته على ~~قارعة الطريق ألم يكن الأجدر بك تسليمه إلى صاحبه.» # فقال عبد الله: «مولاي يعلم أن صاحب هذا الخاتم إذا صح أنه النعمان بن المنذر عامل كسرى ~~على الحيرة فهو في عداد الأموات منذ نيف وعشرين سنة.» # قال الإمبراطور: «أليس من أبنائه أحد حيا تسلمه إليه.» # فسكت عبد الله. # فقال الإمبراطور: «ما بالك لا تجيب أجب ولا تخف وهب أنك جاسوس أو شبه جاسوس فنحن لا نخاف ~~الجاسوسية بعد أن منحتنا العناية الصمدانية أكاليل النصر على أكاسرتكم.» # فقال عبد الله: «لقد نطق مولاي ببراءتى من الجاسوسية من تلقاء نفسه والحمد لله إذا لم ~~يبق ثم حاجة إليها والصلح قد عقد بين جلالته وكسرى ملك الفرس بعد أن كان ما كان من ظهوره ~~عليه.» # قال هرقل: «نعلم ذلك ولكننا شديدو ms059 الرغبة في معرفة كيفية وصول هذا الخاتم إليك وسبب ~~إقامتك بجوار بصرى كل هذه المدة متنكرا على ما علمت من عاملنا هناك.» # فظل عبد الله مطرقا ولم يجب. # فقال الإمبراطور: «قل يا رجل قل فإن هرقل امبراطور الروم يخاطبك.» # فجثا عبد الله عند قدمي الإمبراطور كأنه يحاول تقبيلهما وقال: «أنا أعلم ذلك يا سيدي ~~ولكنني لا أستطيع التصريح بأكثر مما فهت به بين يديك.» # قال: «إذن أنت تكتم أمرا تحاذر أن تبوح به.» # قال: «أجل لقد صدق مولاي.» # قال: «أتكتم ذلك عن إمبراطور الرومانيين ألا تخاف بطشه أو تخشى الحكم عليك ~~بالإعدام.» # قال: «لا أظن أحدا يخاف الموت ولكنني أفضله على التصريح بهذا السر وها أني بين يديك ~~فأمر بما تشاء.» # فعجب هرقل لهذا الإصرار وقال: «يا للعجب أتقول ذلك ولا تخاف.» # قال: «أني على يقين يا مولاي بأن موتى وحياتى بين شفتيك ولكنني لا أستطيع غير ~~ذلك.» # فإلتفت هرقل إلى من حوله من البطاركة والأساقفة والقواد وقال: «ما قولكم بهذه الجسارة ~~فإني أراني أزداد ميلا لمعرفة سر هذا الخاتم.» فإلتفت البطريرك الأورشليمى إلى عبد الله ~~وحرضه على الإقرار عبثا وفعل مثل ذلك أيضا البطريرك الأنطاكى وغيرهما بلا جدوى. # فأراد هرقل تهديده فأمر بالجلاد فجاء والسيف بيمينه فقال له: «ائتني برأس هذا الرجل» ~~فقاده إلى باحة الكنيسة وعبد الله يسرع أمامه لا يتردد لحظة فربط عينيه وأركعه على نطع ~~ودار حوله دورة والإمبراطور يراه من داخل فلما دار الدورة الثانية استقدمه هرقل وأمر بحل ~~رباط عينيه وقال له: «ألا تزال مصرا على الكتمان.» # فقال عبد الله: «أقسم برأس مولانا الإمبراطور وسر التثليث المقدس أن ليس في أمر هذا ~~الخاتم ما يمس جلالتكم بوجه من الوجوه ولكن كتمانه فرض علي واجب لا أستطيع التحول ~~عنه.» # فازداد الإمبراطور استغرابا وقال لمن حوله: «وكيف العمل إذا.» # فقال عبد الله: «إذا أذن مولاي في أمر يكون فيه راحة لخاطره فعلته.» # قال: «وما هو.» # قال: «إننا معشر النصارى نحترم سر الاعتراف فإذا شئتم أن أبوح ms060 بسر هذا لغبطة البطريرك ~~الأورشليمى على شرط أن يشير إلى جلالتكم في علاقة هذا السر بكم أو عدمها بغير أن يصرح ~~بتفاصيل قصتى فإذا قال لكم أن لا علاقة لها بكم تحققتم صدق قولي وعذرتمونى على ~~كتمانه.» # قال: «لا بأس من ذلك.» وأشار إلى البطريرك فخلا بعبد الله في الكنيسة ساعة أطلعه فيها ~~على سر ذلك الخاتم. # ولما هما بالرجوع إلى القاعة قال عبد الله: «أرجو من مولاي البطريرك أن يخبرنى عن ~~البطريرك الجالس بجانب البطريرك سرجيوس من هو.» # قال: «هو اثناسيوس بطريرك اليعاقبة ومقامه في الأسكندرية وقد جاء لمقابلة الإمبراطور ~~ولعله يغتنم الفرصة للمداولة معه بما هو جار من الاختلاف المذهبى بين الملكية واليعاقبة ~~في القطر المصري.» # فقال: «وهل ذلك الاختلاف لا يزال متمكنا فقد بلغنا أنه كاد يزول.» # فتنهد البطريرك وقال: «ظنناه كاد يزول ولكنه لم يزل فإن مولانا الإمبراطور رجل حازم ذو ~~رأى سديد وقد علم بعاقبة هذا الانقسام فلاح له أن يختلق وسيلة للتوفيق بين القائلين ~~بالطبيعتين والمشيئتين والطبيعة والمشيئة فاستعان بالبطريرك سرجيوس القسطنطينى فاستنبط منذ ~~بضع سنوات عقيدة متوسطة وهي الاعتراف بطبيعتين في المسيح لهما مشيئة واحدة وفعل واحد وعرض ~~عقيدته هذه على البطاركة والأساقفة فقبلها أكثرهم. وفى عزمه أن ينقل البطريرك اثناسيوس ~~إلى كرسي أنطاكية ويرسل الأسقف كيرلس إلى الأسكندرية فيجعله بطريركا ووليا عليها ولعله ~~يقصد بذلك التوفيق بين الكرسيين الأنطاكي والاسكندري ولكنني لا أظنهما يتفقان فإن التعصب ~~متمكن من الجانبين وليست هذه الاختلافات في اعتقادى إلا مماحكات لفظية يتمسك بها بطاركتنا ~~إلتماسا للسلطة الدنيوية ولكن هذه إرادة الله فما أجمل المملكة المسيحية إن تكون مذهبا ~~واحدا نقول قولا واحدا تأييدا لدولة الروم العظمى فقد كفانا ما نجم عن هذه الاختلافات ~~من الأحن والمصائب ولا نزال نتوقع ما هو فوق ذلك فنطلب إلى الله أن يلطف بعباده.» # فعجب عبد الله لهذه الاختلافات وأعجب برغبة هرقل في جمع كلمة رعيته وتحقق ما سمعه عن ~~تأنيه وحزمه ولكنه لم يكن يرجو له الفوز ببغيته لما يعلمه ms061 من تمكن الشحناء بين ~~الأحزاب ثم قبل يد البطريرك وخرجا. # وفيما هما عائدان نحو القاعة شاهد الحرس في هرج وبينهم رجل غريب بلباس أهل البادية ليس ~~عليه غير الشملة والعمامة تقلد حساما أعقف وحمل رمحا وحربة وقد علاه الغبار ولوحته ~~الشمس وظهرت على وجهه آثار الأسفار وكان عبد الله خبيرا بقبائل العرب لكثرة اختلاطه بهم ~~فلاح له أن الرجل من أهل الحجاز فعجب لمجيئه وليس في بيت المقدس كله أحد في مثل لباسه ~~وشكله ولولا اشتغاله بأمر نفسه لخلا به وسأله عن حاله ولكنه اضطر لمرافقة البطريرك ~~إلى قاعة الإمبراطور فدخلا وجلس البطريرك في مجلسه ووقف عبد الله في موقفه. # فقال هرقل للبطريرك: «كيف رأيت الرجل؟» قال: «رأيته صادقا وفى لهجته وهو معذور في ~~كتمان أمره وأمر هذا الخاتم وقد أطلعنى على خلاصة حكايته فإذا هي مستقلة عن جلالتكم ولا ~~علاقة لها بالروم قاطبة ولكنه سر مقدس أقسم على كتمانه فلا يستطيع التصريح به إلا في ~~حينه.» # الفصل الرابع عشر # | دعوة الملوك إلى الاسلام # فاقتنع هرقل وإلتفت إلى عبد الله وعبد الله مطرق إجلالا ووقارا وقال: «قد أخبرنا غبطة ~~البطريرك بعذرك في الكتمان فصفحنا عنك فكن مطمئنا آمنا.» وناوله الخاتم بيده ونادى ~~الحارث فوقف بين يديه فبلغه عفوه وأمره أن يدفع إليه كتاب الأمان فتقدم عبد الله وجثا ~~أمام الإمبراطور وشكر نعمته وتقهقر يريد الخروج فرافقه الحارث إلى باب القاعة ثم رأى ذلك ~~البدوي قد أذن له بالدخول وفى يده رق من جلد يريد تقديمه إلى الإمبراطور فاعترضه الحارث ~~فقال البدوي: «بيدي كتاب إلى جلالة الإمبراطور أريد تسليمه إليه.» فأخذ الحارث الكتاب فإذا ~~هو مختوم بالطين فقدمه إلى هرقل فاغتنم عبد الله انشغال الحارث وانزوى في بعض جهات القاعة ~~بين الجميع ووقف ينظر إلى ما يكون من أمر ذلك الكتاب. # فرأى هرقل قد فضه وتأمله فلم يستطيع قراءته فناوله إلى ترجمانه فنظر إليه ثم قال: ~~«انه مكتوب بالحرف الكوفي باللغة العربية.» # فقال هرقل: «أتله علينا.» فقرأه فإذا فيه # بسم الله ms062 الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم والسلام على من ~~اتبع الهدى أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن أثم الأكابر عليك ~~(الختم) # محمد رسول الله # فلما أتم قراءته ترجمه فبغت كل من في الجلسة لشدة لهجته فإلتفت هرقل إلى من حوله ~~كأنه يستشيرهم في شأنه وهو لم يفهم المراد منه لأنه لم يكن يسمع بتلك الدعوة إلا همسا ~~فقال: «ومن ينبئني بحكاية هذا الرجل؟» فلم يستطع أحد إيضاحا كافيا فنظر إلى أطراف القاعة ~~فشاهد عبد الله فأشار إليه فهرول نحوه متأدبا فقال له: «هل سمعت شيئا عن صاحب هذا ~~الكتاب؟» وأمر بالكتاب فدفع إليه فقرأه وقال: «نعم يا مولاي أن صاحبه نبي ظهر في مكة في ~~بلاد الحجاز من قبيلة يقال لها قريش دعا الناس إلى عبادة الله وكان أكثر العرب يعبدون ~~الأوثان فأجابه جماعة كبيرة منهم بعد أن قاسى مشقات جسيمة من اضطهاد بعض أقاربه وأعمامه ~~وأهل وطنه فهاجر إلى يثرب فنصره أهلها وشدوا أزره وانتشرت دعوته في أقاصي بلاد العرب ~~ويظهر من كتابه هذا أنه يدعو مولاي الإمبراطور إلى التصديق به.» # فلما سمع أرباب المجلس قوله كثر اللغظ فيما بينهم وأظهروا الاستخفاف فإلتفت هرقل إليهم ~~كأنه يستطلع رأيهم فقالوا له: «أن في كتاب هذا الرجل جرأة كبيرة إذ لا نرى مسوغا أن ~~يحتقر الإمبراطور إلى هذا الحد.» فأشار هرقل إشارة فهم الحاضرون منها أنه يلتمس سكوتهم ~~فسكتوا وإلتفت إلى البطريرك عن يمينه فاستخصه بالسؤال. # فقال البطريرك: «أني أرى في هذا الكتاب جرأة لم يسبق لها مثيل لأن كتابه يبدأ في خطابه ~~بذكر اسمه ثم يذكر اسم جلالتكم فقد قال: «من محمد رسول الله إلى عظيم الروم» والعادة في ~~خطاب الإمبراطور أن يكون الاستهلال باسمه ثم اسم مخاطبه فأرى بعد أمركم أن لا تعيروا هذا ~~الكتاب التفاتا.» # فقال هرقل: «ولكن علينا أن نبحث عن سيرة هذا النبي وصفاته ثم نحن مخيرون في ما نفعله ~~فهل تعرفون أحدا من قريش نسأله عنه.» # فقال الحارث: ms063 «أعرف أميرا من أمراء مكة عظيما اسمه أبو سفيان قدم في هذه الأثناء ~~لتجارة في غزة وهو أقدر من يخبرنا عن صفات هذا النبي.» # فقال هرقل: «إلي به.» # فقال الحارث: «سمعا وطاعة فسيكون هذا الرجل هنا بعد بضعة أيام أن شاء الله.» # قال الإمبراطور: «فلنعقد مجلسا إذ ذاك يحضره هذا العراقى لأنه يعرف العربية فلعله ~~يفيدنا شيئا.» # الفصل الخامس عشر # | أبو سفيان # فقبل الحارث الأرض بين يدي هرقل ووقف متأدبا ثم ارفضت الجلسة. # فخرج عبد الله في جملة من خرج وقد أسف لتأخره هناك وود الإسراع إلى حماد وقد داهمه ~~الوقت ولكنه كان قد شاهد أبا سفيان في بعض أسفاره إلى مكة ولم يكلمه فأحب أن يراه ثانية ~~ويسمع حديثه عن صاحب هذه الدعوة فسار توا إلى دار الضيافة بالدير فأقام على الرحب والسعة ~~وخرج في أثناء ذلك إلى المدينة فطاف أحياءها وتفرج بمشاهدها فرأى فيها اخلاطا من إليهود ~~ولغتهم جميعا العبرانية المشوهة بالألفاظ الكلدانية وفيهم جماعة من السريان ورأى جماعة ~~كبيرة من الروم وفى أيديهم أعظم متاجر البلاد وأرفع مناصبها وما منزلة الوطنيين بينهم إلا ~~منزلة الخدمة ولم يسمع في أحاديث الناس إلا الجدال بين القائلين بالطبيعة والقائلين ~~بالطبيعتين فتيقن أن ذلك الخصام سيكون سببا لسقوط هذه الدولة. # فلما كان الوقت المعين للاجتماع اجتمع بالحارث وسارا معا إلى كنيسة القيامة فدخلا صحنها ~~فشاهدا جماعة من البدو عرف عبد الله من لباسهم أنهم من عرب الحجاز ففطن أنهم رجال أبى سفيان ~~ونظر فيما بينهم فرأى رجلا يمتاز عنهم جميعا بحسن زيه وكبر عمامته وإتساع عينيه عليه ~~العباءة المزركشة وقد تقلد الحسام بخلاف سائر رجاله فقد كانوا يتقلدون الرماح ومعظمهم ~~مكشوفو الرؤوس وفيهم من قد شد رباطا حول شعره من الأعلى. # فلم يتكلم عبد الله ولكن الحارث تقدم إلى أبي سفيان فوقف له هذا وقد عرفه أنه الحارث ~~بن أبى شمر فألقى إليه التحية وأخبره أنه جاء انقيادا لأمر الإمبراطور فقال له: «تربص ~~ريثما ندخل على مولانا ثم نبعث إليك.» # ثم ms064 وصل الحارث وعبد الله إلى القاعة فعلما من وقوف الحرس عند الباب أن الإمبراطور هناك ~~فدخلا وتأدبا فأمر هرقل باستقدام ذلك القرشي فخرج الحارث ثم عاد وحده وأخبر الإمبراطور أن ~~الرجل أبى الدخول إلا بحسامه. قال هرقل: «فليدخل» ولم تمض لحظة حتى دخل أبو سفيان ومعه ~~بعض رجاله فبهرهم ما في القاعة من أنواع الزينة ودلائل البذخ فوقف أبو سفيان أمام ~~الإمبراطور ثم قبل الأرض بين يديه وحياه قائلا: «أبيت اللعن» وهي تحية الملوك في ~~الجاهلية فتلطف معه وأمره بالجلوس فتربع على الأرض وجعل سيفه عرضا على فخديه وجلس ~~رجاله وراءه فعلم هرقل أنها عادتهم في الجلوس فلم يعترضه ثم خاطبه بواسطة الترجمان ~~قائلا: «من أي القبائل أنت.» # قال: «من قريش حماة الكعبة.» ~~«وما تعني بالكعبة.» ~~«هي حج إلى الآلهة.» ~~«أتعرف رجلا اسمه محمد ظهر فيكم يدعو الناس إلى دين جديد.» ~~«نعم أعرفه وهو من ذوي قرابتي لكنني لست على دعوته فقد جاءنا بدعوة جديدة ونحن على دين ~~آبائنا وطالما نهيناه عن ذلك فلم ينته» # قال هرقل: «لقد همني أمر هذا الرجل وأود أن أعرف حقيقة حاله فهل تنبئني عنه وعن دعوته ~~وما يدعو الناس إليه» # فأصلح أبو سفيان مجلسه في تربعه كأنه يعد نفسه لجلوس طويل ومشط لحيته بأصابعه وأطرق ~~قليلا يفكر في أمر ذى بال. # فابتدره هرقل قائلا: «ما بالك لا تجيب وقد اقترحنا عليك أمرا يهمنا الإطلاع عليه ألعلك ~~تجهله.» # قال: «كلا يا سيدي ولكنني تذكرت بدء أمر محمد هذا وتذكرت والده ثم ما كان من دعوته ~~وانتشارها فتجدد استغرابي له فإذا أذنت بأن أقص عليك خبره فعلته.» # قال: «ذلك ما أقترحته عليك فقل.» # الفصل السادس عشر # | سيرة صاحب الشريعة الإسلامية # فأسند أبو سفيان كوعيه على ركبتيه ليستريح في جلوسه وإلتفت إلى من حوله فإذا هو محاط ~~بجماعة كبيرة من البطاركة والأمراء والقواد فعلم أنه يقص حكايته على أعظم رجال الروم ~~والترجمان يترجم كلامه للحضور إلا من كان عارفا العربية منهم كالحارث وعبد الله فقال: ~~«اعلم أيها ms065 الملك أبيت اللعن أن محمدا صاحب هذه الدعوة الذي توصل إلى مخاطبة جلالتكم قد ~~ربي يتيم الأبوين صفر اليدين على أنه من أصل عريق في الشرف والسؤدد من قبيلة قريش التي أنا ~~منها ويتصل نسبنا بعدنان ونسب عدنان يتصل بإسماعيل بن إبراهيم فنحن من أشرف العرب نسبا ~~وأطيبهم طينة. وكان جدنا إسماعيل قد بني لنا بيتا تحج إليه الناس من أقطار العالم اسمه ~~الكعبة بناه في مكة بالحجاز وهي مسقط رأسي ومحل إقامتي ومركز تجارتي ومقام أهلي. # وكانت ولاية هذا البيت تارة في قريش وطورا في سواهم حتى اغتصبها منهم منذ قرنين أو أكثر ~~بنو خزاعة وهم قبيلة من عرب اليمن القحطانية إذ لا يخفى على مولاي القيصر أن العرب كافة ~~يرجعون في أنسابهم إلى أبوين هما: (1) اسماعيل الذي قدمت ذكره ومنه قبيلتنا وسائر قبائل ~~الحجاز (2) قحطان ومنه بنو حمير وسائر قبائل اليمن. ولم تستطع خزاعة الاستبداد بولاية ~~الكعبة إلا لما كان من تفرق أمر قريش وضعفهم حتى ظهر جدنا قصي فبذل الدم والمال حتى ظهر على ~~خزاعة واسترجع ولاية البيت إلى قريش وتولى هو كل أعمال الكعبة وهي الحجابة والسقاية ~~والرفادة والندوة واللواء.» # فلم يستطع الترجمان فهم هذه الألفاظ وأشكل عليه تفسيرها فقال هرقل: «أفهمنا ما معنى هذه ~~الأعمال.» # فقال أبو سفيان: «أعلم يا سيدي أن مكة لا حكومة فيها مستقلة كحكومة جلالتكم بل هي مكان ~~عبادة لأن الكعبة حج يزوره الناس كما يزور النصارى ديرا من الديور ولكنها أعظم من ذلك ~~كثيرا فمن تولى أعمالها كانت إليه حكومة مكة وولاية أمرها على نسبة ما يتولى من تلك ~~الأعمال فمن تولى الحجابة كانت له حجابة الكعبة أي أن مفاتيحها تكون بيده يفتحها لمن أراد ~~ويمنعها ممن أراد وأما السقاية فهي أن في داخل الكعبة بئرا قديمة يقال لها بئر زمزم ~~احتفرها جدنا اسماعيل فمن يتولى السقاية تكون تلك البئر في عهدته يسقي الحجاج منها. أما ~~الرفادة فهي خرج أو مال تدفعه قريش إلى من يتولى الرفادة فيصنع منه طعاما ms066 للحجاج الذين ~~يزورون الكعبة من أقطار الأرض لأنهم ضيوف عليه وأما اللواء فهو العلم الذي يعقدونه للحرب ~~وصاحب اللواء يعقد الألوية للجند الذاهبين إلى القتال وهو بمنزلة قائد الجند عندكم. أما ~~الندوة فهي مجلس القضاء ولها بيت في الكعبة يجتمع فيه رجال قريش للمشورة والمداولة وصاحب ~~هذه الدار هو صاحب الشورى والرأى وإليه يرجع الأمر. ففي الأمور الخمسة تجتمع السلطة ~~المطلقة لمن يتولاها للدين والدنيا فيكون القضاء والجند والكعبة والمال في قبضته فقد حاز ~~جدنا قصي شرف مكة كله وقطع مكة أربعا بين قومه وبه اجتمعت كلمة قبيلتنا وعادت إليها ~~سطوتها وعلا نجم سعدها فتيمنت بأمره حتى صارت لا تزوج امرأة لرجل من قريش إلا في داره ولا ~~يتشاورن في أمر نزل بهم أو يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره يعقدها لهم بعض ولده ~~ولا تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع إلا في داره يشق عليها فيها درعها. وجملة القول كان أمره ~~في قومه من قريش في حياته ومن بعد موته كالدين المتبع لا يعمل بغيره. # وكان لقصي هذا أربعة أولاد وهم عبد الدار وعبد مناف جدنا وعبد العزى وعبد فلما شاخ قصي ~~كان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وعظم أمره وكذلك عبد العزى وعبد فأراد قصي أن يشرف عبد ~~الدار وكان بكره فدعاه إليه وأوصى له بمناصب الكعبة الخمسة المتقدم ذكرها فصار شرف مكة ~~كله إلى عبد الدار وبنيه من بعده. # فخلف عبد الدار أولادا وخلف عبد مناف أولادا آخرين وهم عبد شمس وهاشم وعبد المطلب ونوفل ~~وكانوا رجالا أشداء وعبد شمس هو جدي فغبط بنو عبد مناف بني عمهم عبد الدار على ما في ~~أيديهم من أمر الكعبة ونازعوهم عليه حتى كاد يفضي أمرهم إلى الحرب ثم تداعوا إلى الصلح ~~واقتسموا ذلك الشرف فيما بينهم فأعطيت السقاية والرفادة إلى بني عبد مناف وأعطيت الحجابة ~~واللواء والندوة إلى بني عبد الدار وتم الصلح على ذلك وانحسم الخلاف. ولا تظنوا أني أطلت ~~الكلام على غير ms067 طائل أو أني دخلت فيما لم أسأل عنه فإن لما قلته علاقة كبرى فيما سألتمونى ~~عنه. # فتولى السقاية والرفادة أولا عبد شمس ولكنه كان كثير الأسفار لا يقيم في مكة إلا قليلا ~~فعهد بهما إلى أخيه هاشم وهاشم هو جد محمد الذي تسألونني عنه أي أبو جده ثم مات هاشم ~~فوليهما أخوه المطلب وكان سمحا سمته قريش الفيض لسماحته. # وولد لهاشم ولد سماه شيبة ثم سمى عبد المطلب لحكاية طويلة لا محل لها هنا وهو جد محمد أبو ~~أبيه فلما مات المطلب تولى الرفادة والسقاية ابن أخيه هذا أي عبد المطلب وولد لعبد المطلب ~~عشرة أولاد ذكور منهم عبد الله والد محمد. # وكان عبد المطلب قد أراد حفر بئر زمزم فمنعه أقاربه من ذلك فلاقى منهم أمورا صعابا ~~ولكنه فاز أخيرا بحفرها فنذر أنه إذا ولد له عشرة أولاد ثم بلغوا منه حتى يمنعوه من ~~مثل ذلك لينحرن أحدهم عند الكعبة فلما بلغوا ومنعوه جاء الكعبة ليفي نذره ولم يكن يدري ~~من ينحر من أولاده فاستخار هبل الصنم الأكبر القائم في الكعبة بواسطة القداح.» # فأشكل أمر هذه الأقداح على الترجمان ولم يستطع تفسيرها فاستفسره عنها. # فقال أبو سفيان: «أن لنا في الكعبة أصناما كثيرة اتخذناها وسيلة بيننا وبين من نعبد ~~وأعظمها صنم اسمه هبل عنده سبعة قداح (أي أسهم بلا ريش) كل قدح عليه كتابة بمعنى قدح قد ~~كتب عليه (العقل) وقدح عليه (نعم) وقدح عليه (لا) فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح ~~فإذا خرج (نعم) فعلوا ما جاؤا من أجله أو (لا) لم يفعلوه وقدح فيه (منكم) وقدح فيه ~~(ملصق) وقدح فيه (من غيركم) وقدح فيه (المياه) إذا ارادوا أن يحفروا للماء ضربوا القداح ~~وفيها ذلك القدح فحيثما خرج علموا به. # فجاء عبد المطلب إلى هبل وقال لصاحب القداح إضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره ~~فاصطنع لأولاده عشرة أقداح وأعطى كل رجل منهم قدحه وقد كتب عليه اسمه وكان عبد الله والد ~~محمد الذي نحن في ms068 صدده أصغر بني عبد المطلب وكان أحبهم إليه فلما ضربت القداح طلع القدح أن ~~يذبح هو فهم عبد المطلب بذبحه فمنعته قريش من ذلك وقالوا: «لا بل يجب أن تعذر فيه» ~~فانطلق به إلى عرافة في المدينة (يثرب) فوجدوها بخيبر فجاؤها فسألوها عذرا فسألتهم: «كم ~~دية الرجل عندكم؟» قالوا: «عشرة من الإبل.» قالت: «فخذوا الغلام وعشرة من الإبل وإضربوا ~~عليه وعليها بالقداح فإن خرجت عليه فزيدوا من الإبل عشرة فعشرة حتى يرض إليكم وتخرج ~~القداح عليها فتنحروها.» فخرجوا وضربوا بالقداح فما زالت تخرج على عبد الله حتى بلغ عدد ~~الإبل مائة فخرجت عليها فذبحوها ونجا عبد الله وبقي حيا وتزوج فولد له محمد. # ولم أطل عليكم الكلام إلا لتعلموا مقدار ما نحن فيه من تعظيم الكعبة وأصنامها فإنها ~~ضالتنا وغايتنا نستشيرها ونستخيرها وإليها تحج الناس من سائر أقطار الأرض ولنا بها منفعة من ~~حيث الاتجار لما يأتينا بواسطتها من أصناف الناس عربها وعجمها وقد ذكرت لكم كم سفكنا من ~~الدماء في سبيل استبقائها فهي مصدر نعمتنا ومنبع أقواتنا ومرجع آمالنا وقد مضى عليها القرون ~~الطوال قائمة والناس يكرمونها ويعظمونها ويذبحون عند أصنامها الذبائح ويقدمون إليها ~~بالهدايا إلى اليوم فهذه كلها قام صاحب هذا الكتاب (وأشار إلى الرق أمام هرقل) يدعو الناس ~~إلى إزالتها وهدم ما بناه أجداده فيها.» # فلما بلغ أبو سفيان من كلامه إلى هذا الحد ظهرت على وجه هرقل مظاهر الاستغراب وخاطب ~~البطريرك إلى يمينه باليونانية قائلا: «أرى هذا الرجل يشكو ممن يريد هداية قومه عن عبادة ~~الأصنام فإذا كانت هذه هي غاية هذا النبي فنعمت الغاية.» فتداول الحضور هذا الحديث برهة على ~~نحو ما قال الإمبراطور وازداد شوقهم لمعرفة بقية الحكاية وكيف استطاع القيام بهذا المشروع ~~على خطارته مع ما ذكر أبو سفيان من يتمه وضعفه فإلتفت هرقل إلى أبى سفيان وقال له: «لقد ~~أفصحت فيما قلت فهل لك أن تحكي لنا حكاية هذا النبي وكيف توصل إلى أن يدعوكم إلى ~~ذلك.» # فقال أبو سفيان: «قد رأيت ms069 أبيت اللعن كيف نجا عبد الله بن عبد المطلب من الموت وكان ~~أبوه يحبه فزوجه امرأة من قريش اسمها أمينة ولم يمكث عبد الله مع إمرأته إلا برهة يسيرة ~~ثم قضت عليه الأحوال بالسفر إلى غزة التي أنا آت منها الآن ولكنه مرض في سفرته هذه ~~فعادوا به إلى مكة فمات قبل أن يدركها وهو بجوار يثرب فدفن هناك وإمرأته لم تره. # وكانت أمينة حين مات عبد الله حاملا ولم يترك لها إلا أربعة من الإبل وقطيعا من الماشية ~~وجارية اسمها بركة. وكانت أمينة تقيم في بيت بضواحي مكة عند جبل شرقي مكة اسمه جبل أبي ~~قبيس وهناك ولدت ابنها هذا في عام الفيل الذي جاء به أبرهة الأشرم من قبل الحبشة لفتح مكة ~~(سنة 570م) فلما ولدته كان جده عبد المطلب في الكعبة فحملوه إليه فباركه وسماه محمدا ومن ~~عادتنا أيها الملك أن نرضع أولادنا من المراضع ويندر أن يعيش لنا ولد على لبن أمه ونختار ~~المراضع من أهل البادية لصحة أجسامهن فاختارت له أمه مرضعا من أهل الطائف اسمها حليمة ~~فأرضعته حولين قضاهما في سهول الطائف وأوديته فنشأ نشيطا وسمعت الناس يتحدثون عن ~~طفوليته أخبارا غريبة لم نسمع بمثلها من ذي قبل منها أن مرضعه تركته يلعب مع ولدها ذات ~~يوم خلف البيوت فإذا بولدها قد جاء يقول: «أن أخي القرشي أخذه رجلان عليهما ثياب بيض ~~فشقا بطنه.» فخرجت هي تلتمسه فوجدته منفردا فسألته عن أمره فقال: «جاءني رجلان ~~عليهما ثياب بيض فاضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو وغسلاه بالثلج.» ~~فخافت حليمة على الغلام فحملته إلى أمه بمكة فقضى فيها مدة يرعى الغنم ويطوف الأحياء مع ~~الأولاد وكان كل من رآه أعجب بذكائه وجماله ونور محياه ولكنه لم يكد يبلغ السادسة من ~~عمره حتى توفيت والدته في الأبواء بين مكة والمدينة فدفنت هناك فأصبح الغلام يتيم الأبوين ~~فاحتاطه جده عبد المطلب وأحبه أكثر من حبه أولاده فكان الناس يكرمونه من أجل جده وكان ~~على ms070 صغر سنه يجالس الحجاج القادمين لزيارة الكعبة وفيهم العلماء والشيوخ ويحادثهم بما ~~يجتذب به قلوبهم وعواطفهم وبعد سنتين توفي عبد المطلب فولى السقاية ابنه العباس أما ~~الرفادة فانيطت ببني نوفل من ولد عبد شمس جدنا فأصبح محمد يتيما غريبا فكفله أبو طالب ~~أحد أعمامه وكان أبو طالب أقل من العباس مالا ولكنه كان وجيها مقدما في قريش فاحتضن ~~الغلام وتولى تربيته والسبب في احتضانه إياه دون سائر أعمامه أن أبا طالب وعبد الله والد ~~محمد كانا أخوين من أم واحدة. # وأعترف لك أيها الملك العظيم أن كفالة أبى طالب هذه كانت سببا عظيما في نجاح دعوة محمد ~~وبقائه حيا لأن أبا طالب كان وجيها في قريش محترما مكرما فأقام محمد في بيته كأحد ~~أولاده. وكان أبو طالب إذا خرج إلى تجارة أو سفر اصطحب محمدا فينزل الديور ويجالس الرهبان ~~والعلماء وأشهر حادثة سمعتها عنه نزوله في دير بحيراء قرب بصرى فقد أخبرنا بعض الذين ~~رافقوه في رحلته تلك أن الراهب بحيراء أنبأه بأمور كثيرة من مستقبل حياته وأوصى عمه أبا ~~طالب أن يعتني به ويخاف عليه اليهود. وكان محمد إذا عاد من سفر قضى معظم ساعات نهاره في ~~الكعبة يحادث الناس ويجادلهم ويطارحهم وهم يعجبون لذكائه وقوة برهانه فقد كان على صغر ~~سنه ذكى الفؤاد فصيحا واسع الاطلاع بما اكتسبه من مجالسة عمه ومخالطة الناس في أسفاره ~~مع أنه كان أميا لا يعرف القراءة وهو لا يزال كذلك إلى الآن وكان مع ذلك مخلصا حسن ~~الطوية حتى لقبوه بالأمين فإذا جاء أو ذهب قالوا جاء الأمين أو ذهب الأمين. # وأهل مكة أيها الملك أهل تجارة يحملون الأموال من مشارف الشام واليمن وفارس والعراق إلى ~~مكة وغيرها وهم مشهورون بالتجارة كثيرا حتى أن نساءهم كن يتعاطينها وكان في مكة امرأة ~~مشهورة بالغنى اسمها خديجة بنت خويلد من سلالة عبد العزى بن قصي الذي قدمت ذكره وكانت ~~لشرفها وغناها تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم فسمعت بمحمد وكان قد ms071 ~~بلغ الخامسة والعشرين من عمره واشتهر بالاستقامة والنشاط فعرضت عليه أن يخرج في مال لها ~~إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره فسار في تجارتها مع غلام لها اسمه ميسرة ~~وعاد وقد اكسبها مالا طائلا فأحبته وعرضت عليه أن يتزوجها ففعل فولدت له أولادا وهم ~~القاسم وهو يكنى به (فيقال أبو القاسم) والطاهر والطيب وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة أما ~~القاسم والطاهر فماتا قبل أن ظهر بدعوته # واتفق إذ بلغ الخامسة والثلاثين من عمره ونحن لا نعرف من أمره غير ما عرفناه من حسن ~~خصاله ومهارته واستقامته أن قريشا اجتمعت لبناء الكعبة وكنت في جملتهم وسبب اهتمامنا ~~بذلك أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة كان في بئر في جوفها ووجدنا تلك السرقة عند رجل من خزاعة ~~فقطعنا يده وعمدنا إلى بناء الكعبة وتسقيفها وكان البحر قد رمى بسفينة عند جدة لرجل من تجار ~~الروم فتحطمت فأخذنا خشبها وأعددناه لتسقيفها وكان بمكة رجل قبطي يحسن صناعة النجارة ~~فاغتنمنا هذه الفرصة لبنائها واقتسمنا العمل فيها لكيلا يحوز أحدنا من الشرف في ذلك أكثر ~~مما يحوزه الآخر فجئنا بالحجارة والأخشاب حتى تم البناء ولم يبق إلا الركن فاختصم الناس في ~~من يرفعه منهم وكانت كل قبيلة تدعي الأحقية في رفعه حتى تعاظم الخصام وهموا بالقتال فاتفق ~~رأى عقلائنا أخيرا أن يحكموا فيما بينهم أول داخل من باب المسجد في ذلك اليوم فكان أول ~~داخل محمدا فقالوا: «هذا هو الأمين قد رضينا بحكمه.» فأخبروه الخبر فرأى رأيا حسنا لم ~~يخطر على قلب أحد منا وذلك أنه أتى بثوب واسع جعل ذلك الركن فيه وقال: «لتأخذ كل قبيلة ~~بناحية منه.» فرفعناه جميعا حتى بلغنا به موضعه فوضعه هو بيده وانحسم الخلاف وقد حدث ~~هذا بعد حرب الفجار بخمس عشرة سنة وحدث حرب الفجار بعد عام الفيل بعشرين سنة وكان لعمله ~~هذا أثر حسن جدا في أذهاننا فخرج الناس من الكعبة وهم يتحدثون بفطنته وتعقله وكنت في ~~جملة المعجبين به ولا أزال أعترف بفضله لولا ms072 ما أراد من تحقير آلهتنا وتعييب أصنامنا كما ~~سأقصه عليكم. # وفيما نحن نتحدث بحسناته ونعجب بأخلاقه حتى بلغ الأربعين من عمره فسمعنا بانقطاعه عن ~~الناس واعتزاله في الشعاب والجبال حتى صار يأوي إلى الكهوف ويقول أن الملاك جبريل ظهر له ~~وعلمه الصلاة فعلمها لامرأته خديجة ولزيد بن حارثة مولاه ولعلي بن عمه أبي طالب وكان ~~علي غلاما صغيرا وعلمها أيضا لعبد الله بن أبي قحافة الذي يسمونه الآن أبا بكر وتبعه ~~آخرون وهو يتلو عليهم آيات يقول أن ربه علمه إياها ونحن لا نعبأ بذلك لأنه لم يمس آلهتنا ~~بعيب ولكنه ما لبث أن جمع عمومته وأهل عشيرته الأقربين إلى وليمة ودعاهم إلى ترك الآلهة ~~فأجابه عمه عبد العزى (أبو لهب) منكرا عليه جرأته هذه ونصح له أن يرجع عن ذلك فأبى ~~ولم يزدد إلا تمسكا ثم بلغنا أنه سب آلهتنا وعاب أصنامنا فشق ذلك علينا فاجتمعنا وفينا ~~نخبة من أشراف قريش وتداولنا في أمره وما جاء به فتهيأ لبعضنا أن نقتله فقال البعض ~~الآخر: «إننا إذا قتلناه إنما نسيء عمه أبا طالب وهو رجل جليل القدر فالأفضل لنا أن ~~نخاطبه بشأن ابن أخيه وخصوصا أن أبا طالب هذا ظل على دين آبائنا حتى مات ولم يؤمن بدعوة ~~ابن أخيه.» فسرنا جميعا إلى أبي طالب في منزله فتلقانا على الرحب والسعة وأكرم وفادتنا ~~على جاري عادته فلما استقر بنا المقام قلنا: «يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ~~ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا أو أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ~~ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه.» فأجابنا أبو طالب جوابا لطيفا ووعدنا وعدا حسنا ~~وردنا ردا جميلا فانصرفنا عنه على أمل أن يدع ابن أخيه عن عمله فإذا هو باق على ما ~~كان عليه وما زلنا نسمع مثل ما كنا نسمعه عنه قبلا وكان ممن أيد دعوته من قريش ابن عم ~~إمرأته خديجة وكان اسمه ورقة بن نوفل وكان نصرانيا مثلكم فاشتد ms073 غضبنا وهممنا بأن نفتك به ~~ثم رجعنا إلى مجاملة عمه فاجتمعنا إليه مرة أخرى وقلنا له: «يا أبا طالب إن لك سنا ~~وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإننا لا نصبر على هذا ~~من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى نكفه عنا أو ننازله واياك في ذلك حتى يهلك ~~أحد الفريقين.» فآنسنا هذه المرة من أبي طالب انصياعا وكأنه عول على إجابة سؤلنا إذ ~~لا طاقة له على فراق قومه وعشيرته ومعاداتهم وبلغني أنه لما خرجنا من منزله بعث إلى ~~ابن أخيه فقال له: «يا ابن أخي إن قومك قد جاؤا إلي فقالوا كذا وكذا فابق علي وعلى ~~نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.» فآنس من إهاصراره على معتقده وبقائه على عزمه ما ~~كاد أن يغضبه لولا أن محمدا قال له: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في ~~يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهر أو أهلك فيه ما تركته.» ثم بكى فرق له قلب عمه ~~وتذكر أن ابن أخيه في منزله وله عليه حق الجوار فعاد إلى نصرته وطمأن قلبه ووعده أن ~~لن يسلمه أبدا. # ثم علمنا ذات يوم أن محمدا ذكر آلهتنا فيما نزل عليه من كتابه فقال: «أفرأيتم اللات ~~والعزى ومنات الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى أن شفاعتهن لترتضي.» وذلك ما كنا نعتقده ~~فسررنا سرورا لا مزيد عليه وقلنا ها قد تم الوفاق ثم ما لبث أن رجع عن ذلك وأبدل هذه ~~الفقرة بفقرة تزيدنا نفرة منه فقال أن تلك إنما ألقاها الشيطان على لسانه ثم ذكر آلهتنا ~~بكل سوء فقال: «إنها أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم.» إلى غير ذلك مما زادنا نفورا ~~وبعدا. # فحرنا في أمرنا مع هذا الرجل ولبثنا نتوقع فرصة نتخلص بها منه ونرجو رجوعه فإذا هو باق ~~على عزمه وكثيرا ما كان بعض رجالنا إذا إلتقوا به تهددوه وهو لا يبالى وفيما نحن في ذلك ~~إذ سمعنا أن عمه حمزة بن ms074 عبد المطلب قد آمن بدعوته وأخذ يناصره وحمزة هذا رجل شديد تهابه ~~قريش فإشتد به أزره وإزداد ثباتا في دعوته فقلنا: «لندعون محمدا الينا نكلمه ~~ونخاصمه حتى نعذر فيه.» فاجتمعنا في الكعبة وفينا كل أشراف قريش واستقدمناه فجاء فقلنا ~~له: «قد بعثنا إليك لنكلمك فإننا لا نعرف رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على ~~قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي أمر ~~قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا ~~لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا ~~وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك ~~(والرئي التابع من الجن) بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر ~~فيك.» # فأجابنا بقلب لا يهاب الموت قائلا: «ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ~~ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرنى أن ~~أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو ~~حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لحكم الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.» فأردنا ~~أن نمتحن اعتقاده فقلنا له: «إن كنت غير قابل شيئا مما عرضناه عليك فانك قد علمت أنه ليس ~~من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك ~~به فيسير عنا هذه الحال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهارا ~~كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ~~فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ~~وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولا ms075 كما تقول.» فأجابنا وهو لا يتلجلج ولا يتردد ~~قائلا: «ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر إن الله تعالى يحكم بيني ~~وبينكم.» وطال الجدال بيننا في مثل ذلك وهو باق على قوله حتى خرج ونحن لا نرى سبيلا إلى ~~الإيقاع به.» # وكان أبو سفيان يتكلم والجميع صامتون يتطاولون بأعناقهم فلما وصل إلى هذا الحد جعلوا ~~ينظرون بعضهم إلى بعض وهم يعجبون لما سمعوه فقال بطريرك القسطنطينية لهرقل: «أني لا أرى ~~هذا الرجل إلا قد جاءهم بالحق وهم إنما يشكون من دعوته إياهم إلى دين الله.» ثم عادوا ~~إلى استماع بقية الحديث فقال هرقل: «وما جرى بعد ذلك.» # قال أبو سفيان: «وما زال أمر هذا الرجل يستفحل حتى كثر أنصاره ومن غريب ما رأينا منهم ~~أنهم كانوا يحتملون منا الأمور الصعاب والاضطهاد الشديد على أن يكفروا به فلم يفعلوا حتى ~~إذا ضيقنا عليهم فر جماعة منهم إلى بلاد الحبشة فحماهم ملكها وأخذ يناصرهم أما محمد ~~فبقي في مكة يدعو الناس بالحسنى والصبر ونحن غافلون حتى سمعنا بإسلام عمر بن الخطاب وهو ~~من أعظم رجال قريش فتأيدت دعوته به كما تأيدت بحمزة فعظم أمره واشتد أزره فصار دعاته ~~يتكاثرون يوما بعد يوم بما ينضم إليهم من القبائل فخفنا عاقبة ذلك فاجتمعنا وائتمرنا على ~~أن نكتب كتابا نتعاقد فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا ننكح إليهم ولا ننكحهم ولا ~~نبيعهم شيئا ولا يبتاعوا منا شيئا فكتبنا صحيفة تعاهدنا عليها وتواثقنا وعلقناها في جوف ~~الكعبة ولكنها ما لبثت أن نقضت لأننا تعهدناها يوما فإذا هي قد أكلتها الأرضة فتشاءمنا ~~بذلك وأسقط في يدنا فلبثنا ننتظر ما يأتي به الزمان. # فمنذ عشر سنوات تقريبا توفي أبو طالب وخديجة فذهب الذي كنا نهابه ونجل مقامه فنلنا من ~~محمد ما لم ننله قبلا فسمناه أنواع العذاب والاضطهاد حتى كثيرا ما كنا ننثر التراب ms076 على ~~رأسه فخرج من مكة إلى الطائف يلتمس النصر من قبيلة ثقيف التي قضى زمن رضاعته بينهم فلم ~~ينل خيرا بل كانوا يسبونه ويؤذونه ويعترضون له في الطريق ويسومونه ألوان العذاب حتى ~~ظنناه يرتجع ويترك دعوته ولكنه لم يزدد إلا ثباتا وكان يذهب إلى المواسم حيث تجتمع ~~القبائل للبيع والشراء كموسم عكاظ وغيره ويعرض نفسه عليهم ويدعوهم إلى دينه فكان أكثرهم ~~إقبالا عليه قبائل الخزرج من أهل المدينة (يثرب) فإنهم بايعوه بيعات تعرف ببيعات العقبة ~~لوقوعها في مكان اسمه العقبة بقرب مكة.» # فقال الترجمان عند ذلك: «وما معنى المبايعة عندكم؟» قال: «هي أن يتراضى الفريقان على أمر ~~كالبيع والشراء وسمعت أن لهذا الرجل مبايعة يؤخذ منها تعهد المبايعين أن يكونوا على دعوته ~~ومن أمثلة ذلك قولهم له: «بايعناك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل ~~أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.» وقد كانت ~~بيعة العقبة هذه أول أمر الأنصار وهم أهل المدينة وقد سماهم الأنصار لأن أمره ضعف بعد وفاة ~~عمه وخديجة كما قدمت فجاء الخزرج وبايعوه ونصروه فسماهم الأنصار وهؤلاء ساروا إلى ~~المدينة ونشروا دعوته بين أهلها فتبعه منهم كثيرون فلما رأى تضييقنا عليه بمكة أمر ~~أصحابه بالمهاجرة إلى المدينة وسماهم المهاجرين تمييزا لهم عن الأنصار المتقدم ~~ذكرهم. # فلما علمنا بذلك وتبين لنا أنه إذا سار هو إلى المدينة سيمتنع بأنصاره وأصحابه وربما ~~عادوا إلى مناوأتنا فاجتمعنا في دار الندوة التي ذكرت لكم أن قصيا جعلها في الكعبة ~~للمشورة وتفاوضنا في ماذا نفعل بهذا الرجل فقال بعضنا: «ننفيه» وقال آخرون: «إن نفيه لا ~~يمنع اجتماعه بأصحابه وأنصاره.» # فقال آخرون: «فلنقتله ونجعل دمه متفرقا بين القبائل لئلا يجتمع أعمامه بنو عبد مناف ~~على المطالبة بدمه.» فجئنا برجال من كل القبائل وسرنا جميعا خلسة حتى أتينا منزله ~~وتربصنا له ريثما ينام فلما ظنناه نام وقد شاهدنا رجلا ملتفا ببردة حسبناه هو ثم خرج هو ~~إلينا ونحن نظنه سواه فكلمنا ms077 وحثا التراب على عيوننا وفر من أمامنا فتركناه ودخلنا على ~~النائم فإذا هو على ابن عمه ففر الآخر من أمامنا ونجا الجميع وتبعه من بقي من أتباعه ~~في مكة إلى المدينة وهناك نصره المهاجرون والأنصار وهم جنده إلى هذا اليوم مع ما انضم إليهم ~~من القبائل على أثر الحروب التي حاربها والغزوات التي غزاها فانه لم يدع قافلة لنا تمر ~~بالمدينة إلا غزاها وفرق أسلابها وأموالها بين رجاله حتى كانت بيننا وبينه واقعة بدر ~~الكبرى والصغرى وواقعة أحد وغير ذلك مما يطول شرحه.» # فعجب هرقل لحديث أبي سفيان ورآه لم يفرغ من حديثه حتى علا وجهه الاكتئاب والأسف فقال ~~له: «وكيف حال صاحبك اليوم.» # قال: «قد انتشر أمره بين القبائل في سائر بلاد العرب إلا مكة فإنها لا تزال ممتنعة عليه ~~ونظنها ستمتنع برجالها وقد بلغني أنه سيقدم لفتحها ولكنه سيلقى منا غير ما لاقاه في ~~وقائعه الأخرى ومما يدلك على اغتراره بنفسه أنه خاطب الإمبراطور هرقل قيصر الروم بمثل ~~هذا الخطاب على أننا ما برحنا نسمعه من بدء دعوته يقول أن كنوز كسرى وقيصر ستفتح ~~له.» # فقال هرقل: «يؤخذ من كلامك أن الرجل جاءكم بالقول الحق فإن عبادة الله أولى من عبادة ~~الأصنام وأنتم إنما قاومتموه ظلما.» # فقال أبو سفيان: «أن أكثرنا أيها القيصر يعتقد بالله ولكننا نتخذ الأصنام «ليقربونا إلى ~~الله زلفى» ونعترف بالبعث والإعادة ولكننا لا نؤمن بالرسل.» # فاعترضه أحد البطاركة قائلا: «فلا نظنكم قاومتموه إلا خوفا على تجارتكم أن تبور إذا ~~هدمت كعبتكم وقل توارد الناس إليها فهي مصالح دنيوية آثرتموها على مصلحة الآخرة.» # ثم أشار هرقل إشارة فهم الحضور منا أنه اكتفى من حديث أبي سفيان فتقدم الحارث إلى أبي ~~سفيان وأومأ إليه فوقف وقبل الأرض بين يدي هرقل فقال له الإمبراطور: «لقد سرنا لقاؤك ~~واستفدنا من حديثك ولكنك تكبدت المشقة بالقدوم إلينا جزاك الله خيرا.» فقبل أبو سفيان ~~الأرض ثانية وقال: «أبيت اللعن أيها الملك العظيم فإني بالمثول بين يديكم أفاخر أهل الحجاز ~~كافة ms078 إذ قلما تيسر لأحد منهم أن يخاطب قيصر الروم.» قال ذلك وخرج ورجاله معه فأمر له ~~هرقل بخلعة من الحرير المزركش. # ثم إلتفت هرقل وتناول الكتاب وهو من الرق وأمر أن يحفظ في قصبة من ذهب وأمر بهدية إلى ~~دحية حامل الكتاب وسلم إليه الكتاب وصرفه. # الفصل السابع عشر # | عود عبد الله # أما عبد الله فما صدق أن فرغ أبو سفيان من حديثه وخرج حتى خرج هو معه فلما إلتقيا في ~~صحن الدار سلما وكان أبو سفيان لا يذكر وجه عبد الله ولكن عبد الله رآه بمكة في بعض السنين ~~على أنهما تعارفا وتصافحا حالا لما بينهما من رابطة اللغة في أرض قل فيها العرب فسأله ~~أبو سفيان عن مسيره أو إقامته فقال: «إني مسافر إلى عمان.» فقال أبو سفيان: «لكن في طريقك ~~إليها أودية وعقبات فهل أنت معتاد السفر فيها.» # قال: «قد سرت إليها من غير هذه الطريق منذ بضعة أعوام.» # فقال أبو سفيان: «أما وقد تعارفنا وترابطنا فلنسر معا لأننا عازمون على الحجاز وقد يسهل ~~علينا المرور بعمان فإذا أقمت هناك ودعناك وسرنا في سبيلنا ولكن قافلتنا لا تزال في غزة ~~وفيها جمالنا وأثقالنا وخيولنا فلنقم هنا يوما أو يومين ريثما نستقدم القافلة ونسير ~~جميعا.» # قال عبد الله: «حسنا تفعل فها أني ذاهب لوداع الحارث ثم أقضى بعض المهام ونلتقي الليلة ~~في الساحة بقرب الكنيسة.» # قال أبو سفيان: «نعم الرأي رأيت.» # وافترقا فعاد عبد الله إلى القاعة وكانت الجلسة قد أرفضت فإلتقى بالحارث خارجا يبحث عنه ~~فلما لقيه سأله الحارث عن غيابه فإعتذر بأنه كان في شاغل. # فقال له: «هل تسير إلى بصرى فتكون بمعيتي.» # فتحير عبد الله بماذا يجيبه وخاف إذا أبى الذهاب معه أن يحمل ذلك محملا سيئا وهو ~~بالحقيقة لا يريد الذهاب إلى بصرى قبل أن يلتقي بحماد وخاف أن يخبره عن عزمه على عمان مع ~~أبي سفيان لئلا يستغشه فوقع في حيرة ولكنه أثنى على تلطفه في استصحابه وشكر عنايته ~~في إنقاذه وقال له: ms079 «إن مجيئي إلى بيت المقدس قد حبب إلي الإقامة فيها مدة قبل أن أسير ~~إلى بصرى على أني حيثما كنت إنما أكون في ظل حمايتكم وحماية مولانا الإمبراطور.» # فوافقه على ذلك وسلم إليه كتاب الأمان وودعه فسار عبد الله حتى التقى بأبي سفيان فقضيا ~~بضعة أيام في القدس حتى جاءت القافلة فتهيأوا للسفر وكانت القافلة تنتظرهم خارج المدينة ~~وفى صباح اليوم الثالث أعدت الخيول لركوب أبي سفيان وحاشيته. # فقال أبو سفيان لعبد الله: «هل عندك جواد لركوبك.» # قال: «كلا لأني تركت فرسي في بصرى.» # فأمر أن يعطى له فرس من أفراس حاشيته وقال له: «اركب هذا الجواد الآن فإذا وصلنا ~~القافلة أعطيناك فرسا يليق بك.» # الفصل الثامن عشر # | جواد حماد # فركبوا حتى جاؤوا القافلة خارج المدينة فجلسوا للاستراحة قليلا وعبد الله لا يرتحاح إلا ~~إلى السفر استعجالا لملاقاة حماد ولكنه أطاعهم فجاؤوه بفرس عليه سرج ثمين فلما وقع نظره ~~عليه اختلج قلبه في صدره لأنه يشبه فرس حماد ثم تأمله جيدا فإذا هو هو بعينه فأعاد ~~نظره على السرج فإذا هو سرج فرس حماد فدنا منه ولمسه بين عينيه فآنس بالفرس حنوا إليه ~~وارتياحا إلى لمسه فتحقق أنه هو فرس حماد بعينه فبغت وكان أبو سفيان واقفا على مقربة ~~منه يراعيه فلما رأى ذلك منه سأله عن أمره. # فقال: «أني في ريب من أمر هذا الفرس لأنه فرس ولدي.» # فقال أبو سفيان: «وكيف عرفته.» # قال: «عرفته من لونه وقده وسرجه وقد ربيته منذ كان مهرا رضيعا وأعرف أمه ~~قبله.» # فعجب أبو سفيان لهذا الإتفاق الغريب وقال له: «وأين كان ولدك.» # قال: «كان راكبا من بصرى إلى عمان فأين ظفرتم بهذا الفرس.» # قال: «ظفرنا به تائها بالقرب من الزرقاء.» # فخاف عبد الله أن يكون لضياع هذا الفرس سبب يوجب قلقا فأعاد السؤال ثانية عن كيفية ~~عثورهم عليه. # فقال أبو سفيان: «كنا قادمين من الحجاز إلى الشام منذ بضعة أسابيع وفيما نحن بالقرب من ~~الزرقاء نحاذر أن نقترب من مسبعتها إذ شاهدنا ms080 هذا الفرس تائها في الصحراء فأرسلت بعض رجالي ~~في أثره وبعد العناء والمشقة قبض عليه فجاء به إلي فسقناه معنا إلى غزة ثم جئنا به ~~إلى هنا كما ترى.» # فبهت عبد الله ولبث صامتا لا يتكلم وقد غلبت الهواجس عليه مخافة أن يكون حماد قد ذهب ~~فريسة السباع وفر جواده منه وهو يعلم أن الفرس أصيل لا يترك صاحبه إلا إذا مات أو ~~أسر أو غاب عنه فترقرقت الدموع في عينيه رغما عنه ولكنه تجلد وقال: «أراني كثير القلق ~~على ولدي ولا يهدأ لي بال حتى أتفقد المكان الذي وجدتم الفرس فيه.» # فقال أبو سفيان: «هو قريب من طريقنا إلى عمان فإذا شئت عرجنا إليه وبحثنا معك عما تريد ~~فإن أمر ولدك يهمنا كما يهمك.» # ثم ركبوا أما عبد الله فلم يشأ أن يركب فرس ابنه بعد ما رأيه من أمره فأركبوه غيره ~~وساروا وهو لا ينبس ببنت شفة لاشتغاله بالهواجس فقضوا يومين سائرين وعبد الله لا يأكل ولا ~~ينام إلا قليلا حتى صاروا على مقربة من الزرقاء فقال أبو سفيان: «ها أننا بقرب المسبعة ~~فلنترك القافلة وجمالها وأحمالها ولنصطحب بعض الفرسان إلى ذلك السهل حيث عثرنا على الفرس ~~يركض فيه.» # فعرجوا وهم عشرة رجال وفيهم أبو سفيان وعبد الله وساروا يحاذرون أن يلقاهم أسد أو وحش آخر ~~على أنهم لم يكونوا يخافون ذلك والوقت نهار وهم كثاره فلم يسيروا إلا قليلا حتى وقف أبو ~~سفيان وقال: «هذا هو المكان الذي عثرنا فيه على الفرس فقد رأيته يركض في هذا ~~السهل.» # فقال عبد الله: «وأين هي المسبعة.» # قال: «هي إلى يميننا فإذا رأيت أن نعرج نحوها فعلنا.» # فقال عبد الله: «لا أراني قادرا على العود قبل أن أقتفي أثر حوافر الجواد لعلي أقف على ~~أثر ولدي فإني أخاف أن يكون قد ذهب فريسة الوحوش والعياذ بالله.» فقال أبو سفيان: «مر بما ~~تشاء فإننا بين يديك.» وأمر رجاله فتفرقوا بين التلال يبحثون عن آثار الآدميين وبعد برهة ~~عاد أحدهم يسوق جواده ms081 زميلا حتى دنا منهم فقال: «رأيت آثار أناس بالقرب من شجرة ~~هناك.» # فهمز عبد الله جواده وتبعه أبو سفيان في أثر الرجل حتى دنوا من المكان فإذا هناك شجرة ~~كبيرة تحتها آثار جواد مقتول لم يبق منه إلا جمجمته وسرجه وبعض عظامه فعرف عبد الله من ~~السرج أنه جواد سلمان خادمه فصاح قائلا: «هذا هو جواد سلمان فأين حماد وسلمان.» وأخذ ~~يبحث حول الشجرة وبالقرب منها فرأى آثار نسيج عرف بالتأمل فيه أنها عباءة فظنها عباءة ~~حماد قد مزقتها أنياب الوحوش فلطم كفا بكف وقال: «وهذه هي عباءته فأين بقاياه ألعل ~~الأسود أكلته كله.» قال ذلك وتناول قطع العباءة وجعل يقبلها ويذرف الدموع ويصيح: «وا ~~ولداه قد أكلتك السباع آه أين أنت.» ولم يعد يستطيع الوقوف. # فتأثر أبو سفيان وكل من حضر من حاله ولولا خشونة البداوة وتعودهم القتل والنهب لبكوا ~~معه أما أبو سفيان فقال له: «هون عليك يا أخا لخم فإننا لم نتحقق موت الغلام بعد وأنت لم ~~تعثر بأثر من أثار جثته.» وأخذ يخفف عنه ويطمئنه بمثل هذا الكلام وهو لا يهدأ له بال ~~ولا ينفك عن البكاء بل جعل يلطم كفا بكف ويقول: «أهذه هي آخرة حياتك يا حماد آه من لي ~~بالأنياب التي نهشت جلدك الناعم فأحطمها وأين تلك المخالب التي غرست أظافرها في لحمك ~~فأمزقها كما مزقته آه وا ولداه أهذا هو وفاء النذر أهذه عاقبة الاصطبار عشرين عاما ~~لنقص لك شعرك.» # فلما رأى أبو سفيان شدة اضطراب عبد الله وعظم بكائه رق له وخاف عليه فجلس إلى جانبه ~~وأمسكه بيده وأخذ يخفف عنه بما يؤمله ببقاء ابنه حيا وقال له: «إن ما رأيناه من ~~الآثار لا يدل على شيء مما خفته فلو كان الأسد فتك بالغلام لرأيت شيئا من بقاياه وهب أن ~~الأسد أكل ثيابه فهو لا يستطيع أن يزدرد سيفه ورمحه فلو كان ما تظنه صحيحا لرأيت ~~سلاحه باقية هنا على الأقل فلعله فر ونجا ولم يفتك الأسد بغير هذا الفرس إرجع ms082 إلى صوابك ~~وتبصر في الأمر فإنك رجل عاقل خبير وزد على ذلك أن البكاء لا يجديك نفعا هلم بنا نبحث في ~~هذا الجوار لعلنا نقف على ما يكشف لنا الغامض.» # فقال عبد الله: «صدقت يا أخا قريش أن البكاء لا يجديني نفعا ولكنني أخاف إذا بحثت أن لا ~~أزداد إلا فشلا ويأسا فدعني أبكي ولدي وأقبل عباءته في هذه الصحراء حتى يلقاني ~~الأسد الذي افترسه فإما أن أنتقم له منه أو أن يفترسني فنموت جميعا فإن ذلك خير لي ~~وأبقى.» # فما زال أبو سفيان يدافعه حتى سكن روعه فنهض وسار ماشيا بين التلال والصخور وأبو سفيان ~~يصحبه ورجاله منبثون في أنحاء السهل يساعدونهما في إلتفتيش فوصل عبد الله وأبو سفيان إلى ~~غدير صغير أشرفا عليه من أكمة فآنس عبد الله عند الغدير شبحا فهرول نحوه فإذا به ثياب ~~وسلاح فتأملها فإذا هي عباءة حماد ورمحه وسيفه فضم السيف إلى صدره وصاح: «هذا هو سلاحه ~~وهذه هي عباءته لا تلك فأين هو؟» فأخذوا يبحثون في ذلك الجوار حتى ملوا إلتفتيش وكادت ~~الشمس تميل إلى الأصيل ولم يجدوا شيئا فتحقق عبد الله أن حمادا قد ذهب فريسة الأسد فعاد ~~إلى البكاء والنوح حتى انفطر قلب أبي سفيان له وأشفق عليه فأخذ يعزيه ويخفف أحزانه وهو ~~لا يزداد إلا بكاء. # فقال أبو سفيان: «ما يجدينا البكاء يا أخا العرب إننا لا نستطيع رد الضائع ووالله لو كان ~~ابنك أسيرا في إيوان كسرى أو قصر قيصر لبذلنا أنفسنا في سبيل إنقاذه لأن لك علينا حق ~~الجوار وزد على ذلك أنك رجل قد وقعت من نفسي موقعا عظيما فسررت بلقائك وها أنني بين يديك ~~فافعل ما تراه فإني أطوع لك من بنانك.» # فسكت عبد الله ولم يجب ولبث برهة غارقا في بحار الهواجس يراجع في ذهنه تاريخ حياته وما ~~جاء من أجله إلى بصرى وما كان من أمر النذر ثم رجع إلى صوابه وتجلد تجلد الرجال ~~المدربين فعلم أن البكاء لا يجد به نفعا فرأى ms083 من الحزم أن يتدبر الأمر بالصبر والتروي ~~فلاح له أن يسير إلى عمان يفتش فيها عن حماد فلعل أحدا ينبئه بحاله ونظر إلى الشمس ~~وقد قاربت الزوال وبينهم وبين الطريق بضعة أميال ورأى أبا سفيان ورجاله واقفين في خدمته ~~ينتظرون أمرا يطيعونه فيه فخاف أن يسبب لهم البقاء هناك أذية فقال لأبى سفيان: «إني يا ~~أخا قريش شاكر لحسن صنيعك وأخشى أن أكون سببا لضرر ينالك على يدي ونحن في هذه الصحراء التي ~~شربت دم ولدي فسيروا إلى مقصدكم بحراسة الله ودعوني أسير في طريقي.» # فأجابه أبو سفيان قائلا: «دع عنك الهواجس واعلم أننا لا نبرح هذا المكان إلا وأنت في ~~مقدمتنا فلسنا بتاركيك وحدك فإذا رافقتنا فإننا في خدمتك حتى تصل مأمنك وإذا شئت المسير ~~معنا إلى مكة فإنك تنزل في بيتنا على الرحب والسعة فاختر لنفسك.» # فهم عبد الله بأبي سفيان وضمه وبكى لما آنسه من تعزيته وقال: «لقد وفيتم الكيل ~~وأجزلتم الجميل أما المسير معكم فغير مستطاع ولا بد لي من النظر في الأمر فإما أن أسير إلى ~~عمان أو أعود إلى منزلي بقرب بصرى حتى يحكم الله بما يشاء.» # قال: «إننا إذن في ركابك إلى عمان ثم إلى حيث تشاء.» قال ذلك وأمسك بيده وسار به فمشى ~~عبد الله وسيف حماد بيده يتنسم منه رائحته وعادوا جميعا إلى القافلة. # وكان عبد الله في أثناء عودته صامتا يفكر في حاله ويتردد بين أن يسير إلى عمان وهو لا ~~يدري ما يلقى هناك بعد ما داخله من الريب في أمر حماد وهو يرجح موته على أنه لما نظر في ~~الأمر طويلا وراجع ما مر به من أهوال ذلك اليوم اعترضه أمل رأى من خلاله بصيصا هيأ ~~له حمادا حيا وذلك أنه فكر في أمر ما عثر عليه من بقاياه فلم يجد دليلا قاطعا بموته ~~وهو لم يعثر بشيء من جثته فقال في نفسه (لو أكلته السباع لبقيت منه بقية مثل بقية ذلك ~~الجواد من جمجمة أو عظام أخرى ms084 أو قطع من ثوبه ممزقة) ثم فكر في ما وجده من السلاح فإذا به ~~لم يره في الموضع الذي رأى فيه بقايا الجواد فقضى مدة يتردد بين اليأس والرجاء حتى وصلوا ~~القافلة. # فقال أبو سفيان: «ما ترى يا أخا لخم هل تسير معنا إلى الحجاز أو تزمع إلى مكان نوصلك إليه ~~في أنحاء الشام أم تريد أمرا نقضيه لك.» # فقال عبد الله: «إني والله لا أدري ماذا أقول ولا أعلم ماذا أعمل فأرى أن تتركوني في ~~هذا المكان أفكر في أمري حتى ألهم أمرا أعمله فإني لا أفقه من أمري شيئا.» # فقال أبو سفيان: «لسنا تاركيك وأنت في هذه الحال.» # فقال عبد الله: «لقد غمرتوني بفضلكم وأنسيتموني حزني بتعزيتكم أما وقد أصررتم على ذلك ~~فإني أود الذهاب إلى عمان لعلي أستطلع خبرا جديدا.» # وكانت الشمس قد آذنت بالزوال فباتوا ليلتهم هناك وأصبحوا باكرا يريدون عمان فدنوا منها ~~والشمس قد دنت من مغيبها فقال عبد الله: «أستودعكم الله فإني معرج إلى عمان أنتظر ما يأتي ~~به القضاء.» # الفصل التاسع عشر # | عمان # فودعوه وانصرفوا وقد تركوا عنده فرس حماد وبعض الزاد فلما انفرد عبد الله بنفسه نظر إلى ~~عمان وقد أشرف عليها من مرتفع فإذا هي مدينة خربة لم يبق من أبنيتها الرومانية إلا بضعة ~~متهدمة أعظمها هيكل خرب على تل بالقرب من غدير كاد ماءه أن يجف ورأى على مقربة من ذلك ~~المكان بيوتا حقيرة يسكنها بعض الفقراء لا تكاد تزيد على قرية حقيرة فسار نحو الهيكل وقطع ~~إليه على جسر يظهر من منظره أنه كان عظيما وتهدم فوصل الهيكل ماشيا يقود الفرس وراءه ~~وهو يحرص عليه حرصه على ابنه لأنه من آثاره. # فما وصل ذلك البناء حتى غابت الشمس وأغبر وجه الأفق فجلس على حجر من أحجار الهيكل ملقى ~~عند بابه وأمسك بزمام الفرس ونظر إليه فرآه هادئا كئيبا كأنه شعر بما يخامر قلب عبد ~~الله من الهواجس فشاركه في الأسف على فقيده ثم نظر عبد الله إلى ما حوله ms085 فإذا هو في أرض ~~خالية من أنفاس الناس لا يسمع فيها صوت ولا يرى فيها إلا أشباح بعض التلال أو الأحجار أو ~~الأشجار وإلتفت إلى ذلك البناء على عظمه فرأى الذلة والمسكنة قد ضربتا عليه لما يتجلى ~~فيه من آثار الخراب فكان له بذلك عبرة عن مصير الإنسان فتذكر حاله مع حماد وما مر به ~~في ذلك اليوم من الأهوال فغلب عليه القلق واشتد به الحزن حتى ترقرقت الدموع في عينيه ثم ~~حانت منه إلتفاتة فرأى بيوت القرية عن بعد فحدثته هواجسه أنه سيجد حمادا بين أهلها ~~فنهض بغتة يريد الذهاب إليها ثم عاد إلى صوابه فقال في نفسه (لا أراني إلا في أضغاث أحلام ~~أن حمادا قد أصبح في عداد الأموات) فعادت إليه أحزانه فجلس على ذلك الحجر وعاد إلى ~~البكاء. # وقضى مدة في مثل هذه الحال يتردد بين اليأس والرجاء والليل قد سدل نقابه وعلا نعيق ~~الغربان وضجت أصوات الضفادع في ذلك الغدير القليل الماء فخاف أن يكون في بقائه هناك خطر ~~على حياته من وحش يفترسه أو لصوص تسطو عليه فيقضي نحبه قبل أن يتحقق أمر حماد فعاد إلى ~~ذكرى أحزانه فأمسك بحسامه وقبله وأجهش في البكاء. # وما زال في مثل ذلك حتى شعر بالبرد والنعاس على أثر ما قاساه من تعب المشي فأسند رأسه ~~إلى جدار الهيكل وهو بين اليقظة والمنام وعنان الفرس في يمينه فما شعر إلا والجواد يصهل ~~ويفحص الأرض بحوافره فعلم أن هناك أمرا ذا بال فوقف وأصاخ بسمعه وحدق بعينيه فلم ير ~~شيئا ولا سمع صوتا فعاد إلى متكأه وهو لا يستطيع الرقاد لشدة هواجسه فألقى بأذنه إلى ~~الأرض ليستطلع سبب اضطراب الجواد لعله يسمع أصواتا أو يستنبئ نبأ جديدا فسمع وقع أقدام ~~كثيرة فعلم أن الجواد لم يجفل عبثا وإن جماعة قادمون إلى ذلك المكان فهيأ نفسه للدفاع ~~وصعد إلى ربوة بالقرب منه لعله يرى أشباحا عن بعد فلم ير شيئا لأن الظلام كان شديدا ~~فعاد إلى مكانه وهو يتوقع أمرا ms086 خطيرا فشغله ذلك عن هواجسه برهة فقضى بقية ذلك الليل في ~~مثل هذه الحال حتى دنا الفجر وكان قد غمض جفنه قليلا فأفاق على صهيل الجواد فرأى بالقرب ~~منه جماعة كبيرة من الرجال في لباس البدو فظنهم لأول وهلة من رجال أبى سفيان لأنهم في ~~مثل زيهم وقيافتهم ولكنه ما لبث أن سمع بعضهم يناديه منتهرا ثم هموا به يريدون القبض ~~عليه فهم بالركوب على الجواد للدفاع عن نفسه فتجمهروا حوله وهم كثار فلم يستطع دفاعا ~~فقبضوا عليه وأوثقوه وساقوه وهو يكاد يتمزق غيظا فقال لهم: «ما تريدون مني ولا ثأر بيني ~~وبينكم.» فناداه أحدهم قائلا: «كيف لا ترى ثأرا بيننا وبينك وأنت من رجال غسان وقد ~~قتلتم رسولنا وأهنتم نبينا.» # فقال: «لقد أخطأتم المرمى فما أنا من غسان وإنما أنا غريب في هذه الديار.» # فقالوا: «إذا كنت صادقا فيما تقول فبرئ نفسك أمام أميرنا.» قالوا ذلك وساقوه موثقا ~~وأخذوا سلاحه وفرسه فمشى معهم برهة فأشرف على خيام مضروبة ورأى جموعا كثيرة من عرب ~~الحجاز ومعهم الأحمال والأثقال والخيول والجمال فساروا به إلى فسطاط كبير علم من العلم ~~المنصوب أمامه أنه فسطاط الأمير وكان العلم أبيض ولم يكد يدنو من الخيمة حتى تقاطر ~~الرجال زرافات ووحدانا وكلهم من أهل البادية مكشوفو الرؤوس تغطى أبدانهم شملات يلتحفونها ~~إلا قليلين منهم وقد لوحت وجوههم الشمس وظهرت عليهم آثار الأسفار ومعظم سلاحهم من الرماح ~~والنبال. # فلما وصل الفسطاط أوقفوه خارجا ودخل بعضهم ثم عاد فقاده إلى داخل فرأى في صدر المجلس ~~رجلا بعمامة وجبة جالسا على بساط وبين يديه بضعة من رجال في مثل لباسه فعرف أنهم أمراء ~~ذلك الجيش فاستعاذ بالله مما هو مساق إليه فخاطبه الأمير قائلا: «من أنت يا أخا العرب ~~ألعلك من رجال الحارث بن أبي شمر.» # قال: «لست من أهل هذه الديار.» # فقال: «ألست من غسان.» # قال: «كلا.» # قال: «وممن أنت.» # قال: «من لخم.» # قال: «وما جاء بك إلى هذا المكان ولخم تقيم في العراق. ألعلك ممن جاؤوا ms087 لنجدة الروم ~~من لخم وجذام وبلقين فقد علمنا أن هرقل قد جند جندا فيه أخلاط من العرب المنتصرة.» # قال: «لست من أولئك بل جئت في حاجة ولا ألبث أن أعود.» # قال: «أصدقنا الخبر فإنك أسير بين أيدينا.» # قال: «قلت لكم الصدق.» # قال: «وما دليلك على ذلك.» # وكان عبد الله قد عرف من لغتهم ولباسهم أنهم من قريش فتذكر أبا سفيان فظن استشهاده به ~~ينجيه من الخطر فقال: «ودليلي أنني كنت في الأمس مع أبي سفيان أمير قريش وهو صديق لي حميم ~~فإذا كان بينكم اسألوه.» # فما أتم كلامه حتى قطب الأمير وجهه وقال له: «أأنت صديق لذلك الكافر فإنك لم تزدنا ~~في شأنك إلا شكا وما الذي جرك إلى صداقة هذا الزميم.» # فارتبك عبد الله في أمره ولم يدر كيف يخلص نفسه من ذلك الإقرار ولكنه تجلد وقال: ~~«عرفته منذ بضعة أيام فقط وقد جاء لتجارة إلى هذه الأنحاء فاصطحبته زمنا يسيرا ثم ~~افترقنا بالأمس.» # قال ذلك وقد تذكر حكاية أبي سفيان وعدواته لصاحب دعوة الإسلام فأدرك أنه بين يدي رجال ~~صاحب الدعوة الإسلامية فلم يزد شيئا. # فقال له الأمير: «لو اقتصرت على كونك من لخم لكان سهلا ولكنك أقررت بأنك صديق لعدونا ~~فأنت مقيم في أسرنا حتى نرى ما يكون من أمرك.» ثم أمر فأخرجوه مخفورا إلى خيمة منفردة ~~جعلوه فيها. # الفصل العشرون # | غزوة مؤتة # ولو كان عبد الله ممن لم يتعودوا الأخطار لاستعظم الأمر كثيرا ولكنه لعلمه ببراءته ~~صبر نفسه حتى يتمكن من إظهار حقيقة حاله على أنه ما زال في ريب من أمر هذا الجيش ومجيئه ~~من الحجاز إلى الشام فأحب الإطلاع على مهمته حتى يعرف كيف يخلص نفسه فلما وصل الخيمة ~~جاءه بعض الخفر وأخذ يسأله عن أبي سفيان وكيف لقيه وأين فارقه فاغتنم تلك الفرصة فقال ~~للرجل: «إلى أين تقصدون بهذا الجند.» # قال: «نقصد مشارف الشام لحرب الروم.» # قال: «وما الذي دعاكم إلى حربهم.» # قال: «دعانا إلى حربهم ما رأيناه من وقاحتهم.» # فقال: «وما أوجب ms088 ذلك وأنتم من قريش على ما يظهر ومقامكم في الحجاز وليس بينكم وبينهم ~~علاقة.» # فقال: «أن نبينا محمدا الذي أرسله الله نذيرا للناس كافة أنذرهم بكتاب يدعوهم فيه إلى ~~الإسلام فما وصل الكتاب إلى الغسانى أمير العرب المتنصرة حتى مزقه وقتل رسولنا فاشتد ~~الأمر على نبينا فبعث مولاه زيد بن حارثة في هذا الجند لقتال الروم.» # فقال عبد الله: «قد رأيت رسولكم إلى هرقل بمثل هذا الكتاب فلم يفعل به مثل ذلك.» # قال: «ذلك كتاب غير الذي ذكرته لك أرسله قبله أما قولك أن هرقل لم يفعل مثل فعل ~~الغساني فلأنه هاب ملكنا وأما الغساني فقد غره جهله وسوف يلقى منا ما لقيه عرب ~~الحجاز واليمن ممن أبوا الإسلام.» # فقال عبد الله: «ومن هو الأمير الجالس في صدر الخيمة ومن هم الأمراء الذين حوله.» # قال: «هو زيد بن حارثة مولى رسول الله أما الأمراء الآخرون فالجالس منهم عن يمينه هو ~~جعفر بن أبى طالب ابن عم نبينا والجالس عن يساره عبد الله بن رواحة وقد أوصى لهما بالإمارة ~~على هذا الجيش لكل منهما عند الحاجة وقد أمرنا نبينا أن نأتي المكان الذي قتل فيه رسولنا ~~وهي قرية يقال لها مؤتة فندعوا أهله إلى الإسلام فإن أبوا قاتلناهم حتى نفنيهم عن آخرهم أو ~~يحكم الله بيننا وبينهم.» # فأدرك عبد الله سر الأمر. فقال للرجل: «وما الذي جنيته أنا حتى سقتموني أسيرا وما أنا ~~من الروم ولا من غسان.» # قال: «لا أظن عليك بأسا من هذا الأمر ولو لم تتظاهر بصداقتك لأبى سفيان لكان ذنبك خفيفا ~~ولكنك ستبقى في أسرنا لعلنا نحتاج إليك في أثناء الحرب.» # فسكت عبد الله وقد هان عليه ما خافه ولبث ينتظر ما يأتي به القدر ولكنه ما لبث أن ~~هدأ روعه من قبيل الخطر عليه حتى عاد إلى هواجسه بشأن حماد وكلما ترجح له موته تمنى أن ~~يقتل فيلحق به. # وبعد يومين من دخوله في الأسر تهيأت تلك الحملة للمسير إلى مؤتة فلنتركهم في طريقهم ~~ولنعد إلى ms089 حماد وما تم له مع سلمان. # الفصل الحادي والعشرون # | حماد وسلمان # تركنا حمادا وسلمان وقد خرجا من الدير وسلمان يفضل العدول عن ذلك الطريق لما خافه من ~~مسبعة الزرقاء وحماد يحبب إليه المسير فيه خوفا من طول المسافة إذا عدلا عنه. # فلما رأى سلمان إصرار حماد أطاعه وسارا في أقرب الطرق ولكنه ما لبث خائفا غائلة ذلك ~~السبيل فعول على الاحتراس وإتخاذ وسائل الوقاية فأوعز إلى حماد فلبس درعه تحت أثوابه ~~وسارا حتى أمسيا بالقرب من غدير نزلا على ضفته فما لبثا أن تناولا شيئا من الزاد حتى ~~تعاظمت هواجس سلمان وكأن نفسه حدثته بخطر قريب فهم يتجسس المكان قبل اشتداد الظلام. ~~وكان حماد قد نزع عباءته وسلاحه وجعلهما إلى جانبه على ضفة الغدير فلما نهض سلمان نهض ~~حماد معه وقادا فرسيهما وراءهما وصعد إلى أكمة أطلا منها على السهل المحدق بهما وجعلا ~~ينظران إلى ما حولهما من السهول وفيها بعض الآكام تتراءى كأنها جماعات من الناس أو أسراب ~~من الوحوش فهالهما ذلك المنظر ثم سمعا زئيرا عن بعد فأجفل الجوادان وأخذا يفحصان الأرض ~~بحوافرهما. # فقال سلمان: «ها قد أحدق الخطر بنا وهذا ما كنت أتخوفه يا سيدي فهلم بنا إلى النجاة.» ~~فقال حماد: «وماذا ينجينا؟» فإلتفت سلمان فرأى شجرة فقال: «عليك بهذه الشجرة نتسلق أغصانها ~~فإن الأسد لا يقوى على الوثوب إليها.» فأسرعا وقد نسي حماد سلاحه وعباءته فشدا الجوادين ~~إليها وتسلقا أغصانها والجوادان لا ينفكان عن الصهيل. # ثم سمعا صوت الزئير يدنو منهما فتمسكا بالأغصان وهما يحاذران أن يراهما الأسد مع علمهما ~~بامتناعهما عليه ثم ما لبثا أن رأياه واثبا عن أكمة بالقرب منهما أما الجوادان فإنهما ~~أجفلا وصهلا صهيلا طويلا ونفرا يريدان الفرار فانقطع زمام فرس حماد فطلب عرض الصحراء وأما ~~فرس سلمان فلم يستطع التخلص قبل أن ظفر به الأسد فقبض على صدره بمخالبه فوقع الفرس إلى ~~الأرض فهم به الأسد فمزق عنقه بأنيابه فسال دمه فأخذ ينهش في لحمه. # ثم وقف الأسد ونظر إلى ما ms090 حوله فرأى عباءة سلمان فهم بها كأنه ظنها رجلا فمزقها ~~بين أنيابه ومخالبه أي ممزق وأخذ يتمايل بمشيته المعهودة حول الشجرة وقد تنسم رائحة ~~الرجلين في أعلاها مع عجزه عن إدراكهما فجعل يحك جلده بجذعها ويزأر أي زئير حتى مالت الشجرة ~~بهما وخافا السقوط فتماسكا بالأغصان وتثبتا في مكانيهما وقلباهما يخفقان خوفا وحذرا ~~والأسد لا ينفك عن الزئير والمسير ذهابا وإيابا وعيناه تتلألآن في الظلام كأنهما سراجان ~~منيران والفرس يخور خوار الثور حتى مل الأسد فزأر زأرة دوى لها ذلك السهل الواسع ورددت ~~صداها تلك الآكام وأرسل ذنبه فوق ظهره وعاد من حيث أتى فلبثا يراعيانه في مسيره وهو يخطر ~~الهوينا متبخترا تهيا وعجبا حتى واراه الظلام عنهما ولكنهما ما زالا يسمعان زئيره عن بعد ~~وهما صامتان لا ينبسان ببنت شفة فلما تحققا النجاة منه وهما لا يصدقان أنهما نجوا قال ~~سلمان: «أرأيت يا سيدي ما كنت أخافه فشكرا لله الذي أنبت هذه الشجرة في هذه الصحراء ~~لتكون سببا لنجاتنا من الموت بين مخالب الأسد.» # فتحقق حماد عظم الخطر الذي نجوا منه ولكنه أسف لذهاب فرسه. فقضيا معظم الليل مستترين ~~في تلك الشجرة يخافان الانحدار منها حتى انبلج الصبح فنزلا ونظرا إلى فرس سلمان فإذا هو ~~مضرج بدمائه ولا حياة فيه فقال سلمان: «هلم بنا نطلب عمان على أقدامنا وقد كان في ~~طاقتنا أن نذهب إليها راكبين ولكن هذه إرادة المولى فنشكره لنجاتنا من مخالب الأسد وما ~~خسرناه إنما هو متاع يسهل التعويض منه.» # فقال حماد: «إن الفرس عزيز عندي كما تعلم فهل تظننا نظفر به بعد.» # فقال: «دعنا والأفراس فإن منها شيئا كثيرا حيثما حللنا فسر بنا حالا لنقطع هذه المسبعة ~~قبل أن يدركنا الظلام.» # فقال: «ولكنني أعزل وقد تركت السيف والرمح والعباءة على الغدير فعد بنا للبحث ~~عنها.» # فقال: «لا أراني قادرا على تعيين المكان الذي كنا فيه لأن الطرق تشابهت علي وأخشى إذا ~~أطلنا البحث أن تفوتنا الفرصة للنجاة وقد نجونا من الأسد مرتين فلا نأمن أن ms091 ننجو منه في ~~المرة الثالثة ونحن على أقدامنا فهلم بنا.» # فأطاعه حماد وسارا إلى عمان فوصلاها وأقاما فيها بقية الشهر المعين فلم يأت عبد الله ~~فقضيا أسبوعا آخر وهما على أحر من الجمر فلم يأت أحد فابتاعا جوادين آخرين عادا عليهما ~~نحو بصرى عن طريق غير التي جاءا بها خوفا من غائلة الأسود وهما في هاجس على عبد الله ~~وغيابه وأخذا يدبران وسيلة يدخلان بها المدينة أو ما جاورها ولا يعلم بهما ثعلبة أو أحد من ~~رجاله. # أما حماد فكان بين هاجسين عظيمين هند من جهة وعبد الله من جهة أخرى ولكنه شكر الله لبقاء ~~الدرع لأنها تذكار ثمين عنده. # فلندعهما في حيرتهما ولنذهب بالقارئ إلى بصرى وما كان من أمر ثعلبة بعد أن تم له ~~القبض على عبد الله وإرساله مخفورا إلى بيت المقدس كما قد رأيت. # الفصل الثاني والعشرون # | عوامل الغيرة # تركنا ثعلبة بعد ذهاب عبد الله في بصرى وفي نفسه غل على هند لا يهدأ له بال إلا ~~بالإيقاع بحماد فبث رجاله في ضواحي المدينة للبحث عنه فلم يقف له على خبر فأنفذ نفرا ~~من خاصته سرا يتجسسون حال عبد الله بعد ذهابه إلى هرقل فأنبأوه بما كان من عفو ~~الإمبراطور عنه ومسيره مع أبى سفيان ولكنهم لم يعرفوا عنه شيئا بعد ذلك لأنهم لم يتجرأوا ~~على مرافقة القافلة خوفا من انكشاف أمرهم. # أما ثعلبة فإنه اندفع بعوامل الغيرة على الإنتقام من حماد وإيقاع الأذى بهند وشعر ~~بانعطاف إليها لا حبا بها بل رغبة منه في أن يحرمها من حبيبها وقد تكون تلك الغيرة سببا ~~للحب الحقيقي على ما نراه عادة في الناس فقد يعاشر الشاب فتاة أعواما لا يهمه من أمرها ~~شيئا ولا يخطر له الاقتران بها وربما كان في نفسه ترفع عنها وقد يزعم أنها لو عرضت عليه ~~لا يرضاها فإذا آنس منها ميلا إلى غيره أو رأى غيره ميالا إليها وخصوصا إذا كان الحب ~~متبادلا بينهما فإن عوامل الغيرة تثور في قلبه ويتحول حبه ms092 الفاتر إلى شغف شديد ولا يرتاح ~~له بال إلا بنيلها ولا يقتصر ذلك على هذا النوع من الحب ولكنه يتناول سائر أنواعه فقد ~~ترى عقارا أو متاعا معروضا للبيع ولا يهمك إبتياعه فإذا رأيت الناس يقبلون عليه آنست ~~في نفسك ميلا إلى شرائه والظاهر أن ذلك غريزي في الناس على إختلاف أدوار حياتهم فإذا أردت ~~أن تطعم الطفل شيئا لا يحبه نفر منه فإذا تظاهرت بإعطاء ذلك الشيء إلى سواه رأيته ~~يطلبه بلجاجة ويتناوله بلذة. # فثعلبة لم يكن يهمه أمر الزواج بهند ولا هو أحبها حب الزواج إلا بعد ما آنس من ميلها ~~إلى حماد فدفعته عوامل الغيرة إلى الإقتران بها ولكن خبث فطرته جعل ذلك الميل مقرونا ~~بالإنتقام ولما لم يجد سبيلا إلى ذلك بالقوة عمد إلى الحيلة فحدثته نفسه أن يشكوها إلى ~~والديها ويكشف لهما ما كان من إنفرادها بحماد في الدير ولكنه خاف أن تكون تلك الوشاية ~~سببا لغضب عمه حتى ينقلب عليه لعلمه بمنزلة هند عنده فربما صدقها وكذبه ورغب في حماد ~~عنه. فلم ير سبيلا إلى شفاء غله إلا بخطبتها من أبيها وهو يعلم أن والدها لا يرده ~~فلما عاد أبوه من بيت المقدس بسط له عزمه على الإقتران بها لما بينهما من رابطة القرابة ~~فسر أبوه بذلك ووعده أن يخاطب جبلة في الأمر. # فركب ذات يوم إلى البلقاء في موكبه وحاشيته فاستقبله جبلة بالتجلة والإكرام وإن يكن في ~~نفسه منه غيرة لإحرازه الوجاهة عليه لدى هرقل فلما إلتقيا ودار الحديث بينهما ذكر الحارث ~~رغبته بمصاهرته فأبدى له ارتياحا ووعده بتمام الأمر قريبا وهو غافل عما تضمره هند من ~~البغض لثعلبة والاشتغال بحب حماد. # فلما رجع الحارث إلى بصرى خلا جبلة بإمرأته تلك الليلة وذكر لها حديث الحارث فلم يسمع ~~منها إيجابا ولا سلبا لعلمها بما في نفس ابنتها من الاحتقار لثعلبة ولكنها استمهلته ~~ريثما تطارح الفتاة وتطلع على رأيها وإن تكن عوائدهم لا تبيح للبنات حق الإختيار في مثل هذا ~~الشأن ولكن هندا كانت ms093 متغلبة على عواطف والدها حائزة على نفوذ يؤذن بمراجعتها ~~واستشاراتها. # الفصل الثالث والعشرون # | هند وأمها # أما هند فقد تركناها ليلة الدير عائدة إلى القصر وقد تمكنت من حب حماد والإعجاب بشهامته ~~إلى درجة لم تعد تراعي معها حقوق الوالدية وخصوصا بعد ما عاينته من غيرة ثعلبة وغدره ~~ولكنها وصلت القصر وقلبها لا يزال مشيعا حمادا في عودته وهي تدبر حيلة تتخلص بها من لوم ~~والدتها على غيابها فلما دخلت القصر رأت والدتها في قلق لغيابها فبادأتها بالعتب على تأخير ~~الخادمة بالأساور فقالت الوالدة: «إننا استحسنا الأساور وأعدنا الخادمة بها لتعجيل ~~حضورك.» فأدعت هند أنها انتظرت رجوعها حتى حلك الظلام فلما أبطأت استصحبت بعض خدمة الدير ~~حتى أوصلها إلى ذلك المكان فاستغربت والدتها ذلك الإتفاق وجعلت تعتذر لها عما حملتها من ~~المشقة وقالت: «لعل الخادمة سارت إليك من طريق غير الذي جئت به ولا تلبث أن تعود.» # فتظاهرت هند بالتعب وسارت إلى غرفتها وهي غارقة في بحار الهواجس وقلبها واجس على حماد من ~~غدر ثعلبة لما تعلمه من لؤمه وخيانته. # فقضت تلك الليلة بمثل هذه الهواجس لم يغمض لها جفن إلى قبيل الصباح فنامت قليلا فلما ~~أصبحت جعلت تتنسم الأخبار ممن يذهب من خدمة صرح الغدير إلى بصرى لابتياع حاجيات ~~القصر. # فما لبثت أن علمت بالقبض على عبد الله وفرار حماد فشكرت الله على نجاته ولكنها ظلت في ~~خوف عليه وهي لا تستطيع سبيلا إلى الوقوف على خبره فقضت بضعة أيام منقبضة النفس لا يلذ ~~لها طعام ولا يهنأ لها عيش حتى ظهر أثر ذلك على وجهها ووالدتها تبالغ في تسليتها وتستغرب ~~ما ألم بها وهند تعتذر بإنحراف صحتها على أثر التعب من ليلة الدير. # فجعلت تصطحبها في أثناء النهار إلى ضواحي القصر تقضيان الساعات معا في البساتين على ~~ضفاف الغدير وهند لا تزداد إلا انقباضا وضعفا حتى إمتقع لونها وقل طعامها فارتابت ~~والدتها في أمرها وازدادت حنوا لها وميلا لاستطلاع حقيقة حالها فلم تجد إلى ذلك سبيلا. ~~وقد قدمنا أن ms094 سعدى كانت من الذكاء والفطنة على جانب عظيم فأساءت في ابنتها ظنا وخيل لها ~~أن لذلك التغيير سببا مهما فعولت على إغتنام الفرص لكشف ذلك السبب فلما خاطبها زوجها ~~بأمر ثعلبة ورغبته في هند إتخذت ذلك الأمر وسيلة لاستطلاع ما في ضميرها فدعتها ذات يوم ~~للخروج معا إلى الغدير على حدة فأمرت بعض الخدم فأعدوا لهما وسائل الراحة فخرجتا حتى ~~أتتا ضفة الغدير وكان الجو صافيا والنسيم عليلا والماء يجرى أمامهما وكانت هند بلباس ~~البيت وقد ضفرت شعرها ضفيرة واحدة أرسلتها على ظهرها وشدت عصابة حول رأسها كمن يشكو الصداع ~~فقضت مسافة الطريق من القصر إلى المكان المقصود تسير الهوينا صامة تجر ذيل ردائها وراءها ~~وتتشاغل تارة في رفعه عن الأرض لئلا يعلق ببعض الأشواك النابتة في ذلك البستان وطورا ~~تلهو بالتأمل في ما يتطاير عن أشجاره من الطيور فلما وصلت المكان إتكأت على وسادة من ~~الحرير المزركش صنع دمشق فوق بساط ثمين تحت شجرة ظللتهما ساعة العصر وكانت والدتها قد جمعت ~~بعض الأزهار في ضمة واحدة جاءت بها إليها فتناولتها هند وهي لا تتكلم فهمت بممازحتها ~~فقالت: «إليك هذه الأزهار فإن لتقديمها معنى هل تفهمينه.» # فتناولت هند الأزهار وهي لا تفهم المراد. # فقالت لها والدتها: «ما بالك لا تجيبينني على سؤالي.» # قالت: «إسأليني فأجيبك.» # قالت: «قد سألتك فأجبت.» # قالت: «لم تسأليني ولا أجبتك.» # قالت: «بلى قد أجبت.» # قالت: «كيف ذلك وأنا لم أفه بكلمة.» # قالت: «أن تناولك هذه الأزهار من يدي جواب على سؤالي.» # قالت: «لم أفهم مرادك يا أماه فأفصحي.» # قالت: «أضمرت في باطن سري وأنا أقدم هذه الأزهار إليك أنك إذا قبلتها من يدي كان أخذها ~~جوابا على ما في نفسي.» # قالت: «ما لي أراك تخاطبينني بالرموز فإني لم أقل شيئا.» # قالت: «ما لنا ولهذا فإني أسألك سؤلا آخر فهل تصدقينني فيه.» # قالت: «قولي فإني طوع أمرك.» # قالت: «أتحبين ابن عمك ثعلبة.» # فلما سمعت اسمه بغتت وعلا وجهها الاحمرار ثم عقبه الاصفرار بغتة وظهر الانقباض عليه ~~ولم ms095 تجب. # فقالت والدتها: «قد وعدت بالجواب ولا أراك تجيبين.» # قالت: «لأني لم أر مسوغا لهذا السؤال ولم أفهم مرادك منه وأنت تعلمين منزلة هذا الشاب ~~عندي.» # قالت: «ما لنا وللمزاح فإني أسألك سؤالا صريحا فأرجو الجواب عليه صريحا فهل تحبين ~~ثعلبة.» فتجلدت هند وتجاهلت قائلة: «أليس هو ابن عمي فأحبه محبة الأعمام وإن يكن لا يستحق ~~هذه المحبة.» # قالت: «ولكنني أسألك هل تحبينه محبة غير هذه.» فأدركت هند مغمز كلام والدتها فنفرت ولم ~~تجب. # فاقتربت سعدى منها حتى احتك جنباهما وقالت: «ما بالك لا تجبينني فإن والدك كلفني بالسؤال ~~عن ذلك فماذا أجيبه.» # فسكتت هند ولبثت برهة تفكر في مراد أمها فتوسمت من وراء هذا الكلام شيئا قرأته على ~~ملامح وجهها ولكنها تجاهلت وأظهرت عدم الإكتراث فظلت متكئة تنظر إلى والدتها شذرا كأنها ~~تقول لها كفي المزاح في هذا الموضوع. # فكررت والدتها السؤال بهذا المعنى فاعتدلت هند في مجلسها ونظرت إلى والدتها والاستغراب ~~ظاهر على وجهها وقالت: «أفصحي يا أماه فإن لسؤالك معنى انقبضت له نفسي فما تعنين بحبي ~~لهذا النذل السافل غير الحب الذي أوجدته القرابة رغما عني.» # ففهمت والدتها ما في قلب هند من الحقد على ثعلبة وكانت قد لاحظت منها ذلك قبلا فأرادت ~~المبالغة في التجاهل حتى تستطلع أفكارها فقالت: «لا تسارعي إلى الطعن في ابن عمك فإنه ~~سيكون أقرب إليك من ذلك.» # فنفرت هند حتى وقعت الأزهار من يدها ونظرت إلى والدتها نظرة العتب وقالت لها: «أرجو أن لا ~~أسمع منك يا أماه ما يكدر عواطفي فإني لا أرى مسوغا لتكديري بهذه الألغاز فليس لثعلبة ~~وطر عندي ولا هو ممن يطمع بقرابة فوق هذه فوحبك لو استطعت التبرؤ منه لفعلت وأنت أعلم ~~الناس بمنزلته عندي وأظنك أقدر مني على الجواب عن هذا السؤال أم أنت تمازحيني.» # قالت: «بل أقول الجد فإن عمك الحارث خاطب والدك بشأنك فماذا نجيبه.» # فإلتفتت هند إلى والدتها باستخفاف كأنها تقول لا أصدق ما تقولين. # فأجابتها بملامح عينيها وابتسامها أنها تريد الجد ms096 وقالت: «لا بل أسألك سؤلا صريحا هل ~~تحبين ثعلبة.» # فنهضت هند عند ذلك وتظاهرت بجمع الأزهار التي كانت قد وقعت من يدها وازداد وجهها امتقاعا ~~وظنت سكوتها جوابا كافيا وظنها في محله ولكن سعدى كانت تبالغ في التجاهل لعل الحديث ~~يجرها إلى معرفة سبب انقباض ابنتها بعد ليلة الدير فقالت لها: «ما بالى أخاطبك فتتشاغلين عن ~~جوابي ألعل خطابي لا يستحق الجواب عندك.» # فترامت هند على صدر والدتها بدالة الوالدية وقبلت يدها وقد خجلت لهذا التوبيخ وقالت: ~~«حاشاي أن أفعل ذلك يا أماه ولكنني أعجب لسؤالك وإصرارك على طلب الجواب وأنت تعلمين أني ~~أريد التبرئ من القرابة القديمة فهل أجر علي عيبا آخر فليس لثعلبة وطر عندي.» # فقالت: «أظنك شغلت عنه بغيره.» قالت ذلك وتظاهرت بالمزاح ولكنها آنست في وجه هند ~~تغيرا سريعا فعلاه الاحمرار بغتة وسكتت. # فقالت سعدى: «ما بالك لا تجيبينني وأرى وجهك يتكلم وعيناك تعترفان فما بال لسانك لا ~~ينطق.» # فتذكرت هند حبيبها واشتغالها به عن كل شيء وتصورت ما أتاه ثعلبة من الأذى له فاشتد ~~بها الأمر حتى ترقرقت الدموع في عينيها فحولت وجهها عن والدتها إخفاء لما كاد يظهر من ~~عواطفها وتشاغلت بمراقبة غزال نافر رأته يثب على التلال عن بعد وظلت صامتة ويكاد الدمع ~~يتناثر من عينيها. # فازدادت والدتها إرتيابا في شأنها فقالت في نفسها (هذه هي الفرصة المناسبة لكشف المخبأ) ~~فقالت لها: «ما بالك تحولين وجهك عني يا هند ألعلك تخفين شيئا.» # فظلت هند متلفتة وتمنت أن تكون في خلوة لتطلق لدموعها العنان. # فأمسكتها والدتها بيدها وحاولت تحويل وجهها نحوها فأفلتت هند وغطت وجهها بكمها لئلا ~~يظهر بكاؤها فتحققت سعدى أن هندا تبكى فكاد قلبها ينفطر عليها فقالت: «ما بالك يا هند ما ~~الذي يبكيك ألعلي أصبت ظني وهل أنت تخفين شيئا عني.» # فأوغلت هند في البكاء وهي تحاذر أن تسمع والدتها شهيقها حتى بللت كمها ولم تستطع ~~التسلط على عواطفها فتحققت سعدى أن هندا قد وقعت في الشراك وأن قلبها في شاغل ms097 ولكنها لم ~~تفقه لحقيقة الحال فحاولت استطلاع السر فقالت: «إذن أنت في شاغل عن ثعلبة.» # فظلت هند صامتة خجلا وقد سترت وجهها بكمها بين يديها. # فسكتت سعدى وأخذت تفكر في من عسى أن يكون ذلك الشاغل وخافت أن تلح على ابنتها بالسؤال ~~فتزيدها خجلا فلا تعترف لها بالواقع. # فمضت بضع دقائق وهما صامتتان وأخيرا تظاهرت سعدى بالجد ونادت هند قائلة: «أما وقد ظهر ~~منك ما ظهر فلم يعد ثم داع إلى الإخفاء فقد تحقق لدي أنك في شاغل ذي بال فأفصحي يا ~~ابنتي وقولي ما في ضميرك فإني والدتك وأنت تعلمين حبي لك فإجعليني مكان سرك وإتخذيني صديقة ~~لا والدة وأطلعيني على مكنونات قلبك فنحن الآن في خلوة لا يرانا أحد وقد قضيت أياما أفكر ~~في ما غيرك وقبض نفسك وأنت تخفين عنى حقيقة حالك. أما ابن عمك ثعلبة فإنه لن ينال منك ~~شعرة وأنا أعلم الناس به وهبي أن والدك رضي به فأنا لا أرضاه لك.» # ثم همت بها وضمتها إلى صدرها وقبلتها وهند تبالغ في تغطية وجهها حياء فقالت لها سعدى: ~~«أفصحي يا ابنتي وأخبرينى فقد نفد صبري قولي ما في نفسك فإني معينة لك على مرادك.» # فلما سمعت هند كلام والدتها رفعت رأسها من بين يديها فنظرت إلى والدتها بعينين قد ~~أذبلتهما الدموع وغيرهما الهيام وحاولت الكلام فمنعها الحياء فأعادت وجهها إلى ما بين يديها ~~وألقت نفسها على صدر والدتها وقد أخذ الهيام منها مأخذا عظيما. # فرفعت سعدى رأس هند بين ذراعيها وقالت: «قولي يا ولداه لا تخافي فإننا في خلوة لا يرانا ~~أحد هل تحبين أحدا.» # فتنهدت هند تنهدا عميقا ولم تجب فإتخذت والدتها التنهد جوابا شافيا فقالت: «ومن ذا ~~الذي تمكن حبه منك حتى تسلط على قلبك ونحن نحسبك أثبت جأشا من الرجال وما عهدي بك مسترسلة ~~لعواطفك إلى هذا الحد.» # فأطرقت هند وقالت: «لا بأس بي ولا أنا أحب أحدا ولكنني أحب التخلص من هذا العالم فإني ~~تعيسة قد كتب علي العذاب من يوم ms098 ولدت.» قالت ذلك وعادت إلى البكاء. # فانصدع قلب والدتها لذلك وجعلت تقبلها وتضمها إلى صدرها وتقول: «ما هذا الكلام يا هند ~~ألعلك يئسة ممن تحبين.» # فنبذت هند الحياء عند ذلك وقالت: «نعم يا أماه إني يئسة فإبكي على ابنتك واندبيها فإنها ~~تعيسة شقية.» فتحققت سعدى ظنها فأرادت معرفة الباقي. # فقالت: «وما سبب تعاستك وأنت فتاة غسان وزهرة هذه البلاد والناس يتحدثون بتعقلك ويحسدك ~~أترابك على مقامك.» # فقالت: «على أي شيء يحسدونني # هم يحسدوني على موتى فوا أسفي # حتى على الموت لا أخلو من الحسد» # فازدادت سعدى تحرقا وتساقط الدمع من عينيها وهي تحاول التجلد خوفا على هند وقد أدركت ~~أنها عالقة بحب رجل لا سبيل لها إليه فقالت لها: «لا تذكري التعاسة وأنت الآمرة الناهية ~~ولا تخشي بأسا وأنا الآخذة بيدك العاملة على رضاك فأفصحي عن ضميرك فقد كفانا بكاء واعلمي ~~أن ثعلبة سيرتد خائبا ولو كان مستهلكا في هواك.» # فحرقت هند أسنانها عند ذكر ثعلبة وقالت: «إن الشر كله من هذا الخائن وهو وحده سبب هذا ~~الشقاء وهل تظنين رغبته في خطبتي من عظم حبه لي.» # قالت: «وكيف إذن؟» # قالت: «إنه فعل ذلك إنتقاما من ذلك الشهم الذي أبقى على حياته كرما وأنفة.» # فتذكرت سعدى حكاية السباق وما كان من شهامة حماد وأحست كأن غشاوة انقشعت عن عينيها فأيقنت ~~أن الفتاة مغرمة بحماد فبغتت ولم تبد جوابا لعلمها أن الرجل غريب في تلك الديار وكانت قد ~~سمعت بفراره والقبض على والده بتهمة الجاسوسية فوقعت في حيرة على أنها لم تنفر من ذكر هذا ~~الشاب في عرض الحديث بل كانت ترتاح إلى ذكره والتحدث عنه لما ظهر لها من شهامته وكرم ~~أخلاقه ولكنها استغربت وقوع هند في هواه مع أنفتها وعلمها بغموض حسبه وعدم سنوح الفرصة ~~لها للاجتماع به وحسبت وقوع ذلك من قبيل التقادير الإلهية. # فنظرت هند إليها لتستطلع ما يظهر منها بعد هذا التلميح فلما رأتها صامتة قالت: «ألم أقل ~~لك أني تعيسة فها أن مجرد الإشارة إلى ms099 سبب بلائي أضاع حنوك وألقاك في حيرة.» # فقالت: «كلا يا ولدي فقد وعدتك بالإنتصار لك ولا أزال على الوعد ولكن الخبر جاءني على ~~حين غفلة فبغت له فهل أنت تحبين ذلك الشاب إنه بالحقيقة شهم كريم النفس وأنت تعلمين ~~منزلته عندي من يوم السباق.» # فسكتت هند وكان سكوتها جوابا صريحا. # فعادت سعدى إلى استغرابها واستعظمت زفاف ابنتها إلى رجل لا يعرف له حسب ولا نسب فضلا عن ~~إتهامه بالجاسوسية والقبض على والده وغضب الحارث وثعلبة عليه فلاح لها أن بقاء هند على ~~عزمها سيكون سببا لنفور بين زوجها وابن عمه ولكنها لم تستطع مكاشفة هند بذلك خوفا عليها ~~من سلطان الغرام بعد ما عاينت من شغفها وشدة تعلقها بحماد فعمدت إلى الملاينة فسايرتها في ~~مجرى عواطفها ريثما ترى ما يكون من أمر ثعلبة وقبضه على حماد فقالت لابنتها: «أن حمادا ~~أهل لحبك ولكن كيف بلغت هذه الدرجة من الحب والرجل غريب عنا.» # فقطعت هند الكلام وقالت: «ألم أقل لك أني صائرة إلى الهلاك لأني علمت بما يخامر ذهنك ~~ولكن ما الفائدة من كل ذلك وحماد في مكان لا نعرفه ولعله ذهب فريسة غدر ذلك اللئيم.» قالت ~~ذلك وعادت إلى البكاء. # فقالت والدتها: «لا تجزعي يا هند إن الله على الباغي ولكني أستغرب تعمد ثعلبة الإيقاع ~~بهذا الشاب وليس بينهما علاقة.» # قالت: «هو الحسد والغيرة ولؤم الطمع فوالله أن هذا الخائن لا يساوي قدة من نعل حماد» قالت ~~ذلك وهي تشرق بدموعها. # فأخذت سعدى تخفف عنها وتطيب قلبها حتى سكن روعها فأحبت الإطلاع على تاريخ ذلك الحب ~~وكيفية وقوعه فقالت لها: «كيف تسلمين قلبك إلى رجل لا تعرفين حسبه ولا نسبه وأنت في ما ~~يعلمه من تعقلك ودقة نظرك وحسن رويتك.» # قالت: «إنه حسيب نسيب وسيماه في وجهه.» # فقالت: «إن الوجوه لا تدل على الإحساب يا ولدي.» # فقالت: «قد علمت أنه من أمراء العراق وهذا يكفي وهبي أنه أقل من ذلك فقد تسلط على ~~عواطفي بقوة من الله تمجد اسمه فها ms100 قد أطلعتك على مكنونات قلبي.» قالت ذلك وأطرقت حياء ~~وقلبها يرقص فرحا لما آنسته من مجاراة والدتها ووعدها بالمساعدة. # فقالت سعدى: «وكيف عرفت حسبه؟» # فانتبهت هند لما ارتكبته من الكذب في ذهابها إلى دير بحيراء فهمت بيدي والدتها وجعلت ~~تقبلهما وتقول: «اصفحي عن زلتي فقد ارتكبت ذنبا يوجب غضبك.» # فقالت: «وماذا تعنين؟» # فأحكت لها حكاية دير بحيراء واعترفت بكل ما دار بينها وبين حماد باختصار وحشمة وهي تطرق ~~تارة وتبتسم أخرى ووالدتها مصغية تتطاول بعنقها حتى أتت على آخر الحكاية فأحست كأنها ~~أفاقت من غفلة فسايرتها وطمأنت قلبها ولكنها صبرتها لتدبير وسيلة لا تشين شرفها أو شرف ~~عائلتها. # فإطمأن بال هند من قبيل رضاء والدتها ولكنها ما زالت قلقة لفرار حماد بل صارت بعد ما ~~آنسته من تلك الملاطفة أكثر قلقا عليه كأن خوفها من المعارضة كان شاغلا لها عن التفكر ~~بما وقع فيه حماد من الخطر فلما فرغت من ذلك الخوف تعاظم قلقها. وكانت الشمس قد مالت نحو ~~المغيب وهما لا تعلمان لو لم تريا الرعاة عائدين بالماشية من المراعي إلى الزرائب بالقرب من ~~الصرح فهمتا بالنهوض ومشتا الهوينا وكل منهما في شاغل فكانت هند في هاجس عظيم على حماد وما ~~هو فيه وهمها كثيرا البحث عنه فرأت أن تغتنم تلك الفرصة للاستعانة بوالدتها على ذلك ~~فدنت منها وأسندت يدها على كتفها وهما ماشيتان وخاطبتها بدالة البنوة قائلة: «ما الحيلة ~~يا أماه لكف سعاية ثعلبة عن حماد أيحل في شرع الله أن يذهب هذا الشهم فريسة الحسد ~~والغدر.» # قالت: «خففي عنك يا ولدي وكوني مطمئنة فإني كافلة نجاته بإذن الله ولا بد من الصبر ~~والتؤدة لنرى ماذا تم من أمر حماد وفراره.» # قالت ذلك وهي ترتاب ببقائه حيا وكانت تحدثها نفسها بأعظام عمل ابنتها وتنازلها إلى حب ~~رجل غريب وعدت نفسها مخطئة بمسايرتها في ذلك ولكن ضعف أملها ببقاء حماد في قيد الحياة كان ~~يهون عليها ذلك فبالغت في طمأنتها حتى وصلت إلى صرح الغدير وقضتا بعض تلك الليلة ms101 في مثل هذه ~~الأحاديث وفى الصباح التالى بدأت سعدى تشتغل باستطلاع خبر حماد فعلمت بعد أيام أن هرقل عفا ~~عن عبد الله وأمر له بكتاب الأمان فأخبرت هندا بذلك فاطمأن بالها لعلمها أنه إنما فر ~~خوفا من ثعلبة واتهامه بالجاسوسية فغدت تترقب من يعلمها بمقر حماد لتبلغه ذلك فلم تجد ~~إليه سبيلا فلما طال غيابه زاد قلقها عليه فصبرت نفسها تنتظر ما يأتي به القدر وهي تنذر ~~النذور سرا لدير بحيرا. # الفصل الرابع والعشرون # | منادي دير نجران # ففيما هي ذات يوم جالسة في غرفتها تفكر في أمره سمعت مناديا بجوار القصر يقول: «من نذر ~~نذرا لنجران المبارك.» فأطلت من النافذة فرأت فارسا متزملا بعباءة وعلى رأسه قلنسوة ~~الرهبان وفى يده صليب من الفضة فعلمت أنه منادي دير بحيراء يطوف البلاد والقرى يجمع النذور ~~على جاري عادته في كل عام. # فلما سمعت اسم ذلك الدير هاجت عواطفها وتذكرت حبيبها وما دار بينها وبينه هناك فتوسمت في ~~ذلك المنادي خيرا لعلمها أنه كثير التجوال فأحبت محادثته لعلها تستطلع منه خبرا سمعه ~~عن حماد أثناء تجواله فأمرت بعض الخدم أن يستقدمه ففعل فتحول الرجل ودخل القصر حاملا ~~خرجا فجاء به إلى هند فحياها تحية الملوك وناولها الصليب فقبلته وقبلت يده وقدمت له ~~وسادة جلس عليها ووضع الخرج إلى جانبه. # وكانت أمها في شاغل ببعض مهام القصر وليس في الغرفة سوى هند فتأملت وجه الرجل فإذا هو ~~غير الراهب الذي كان يمر بهم عادة فخافت أن يكون قد جاء بحيلة للسرقة أو نحوها فسألته ~~إذا كان يريد الذهاب إلى قاعة الطعام فأثنى على كرم الغسانيين واعتذر بأنه لا يحتاج إلى ~~طعام. # فقالت: «من أين أتيت يا حضرة الأب.» # قال: «أتيت من تجوالي في جهات البلقاء أجمع النذور.» # فقالت: «هل جمعت شيئا كثيرا.» # قال: «نعم يا سيدتي أن المسيحيين في هذا العام أكثروا من النذور حتى ملأت خرجي هذا من ~~خيراتهم.» وتناول الخرج بيده وهزه فسمعت له صوتا يشبه صليل الحديد. # فقالت: «ما هي أنواع ms102 النذور التي جمعتها هذا العام أني أسمع لها صليلا.» # قال: «أن في خرجي هذا نذورا كثيرة لم يدخل دير بحيراء مثلها منذ عمر حتى العام.» قال ذلك ~~وتبسم فارتابت هند بقوله وأدركت أن وراء تبسمه معنى خفيا. # فقالت: «وكيف تأتى لك ذلك والنذور تحمل إلى هذا الدير ذهبا وفضة وحجارة كريمة من اقاصي ~~البلاد.» # قال: «لم اخرج لهذه المهمة إلا في هذا العام فجئت بالعجائب الغرائب.» # فرأت في كلامه لهجة غريبة فلم تستغرب ذلك لعلمها أن الرهبان في دير بحيراء أخلاط من أمم ~~كثيرة ولغات شتى ولكنها ازدادت شبهه في مغزى كلامه. # فقالت: «وما هي الغرائب التي اتفقت لك دون سواك.» # قال: «جئت الدير بنذر لم يسق له مثيل لا لغلاء ثمنه بل لغرابته.» قال ذلك وحل رباط ~~الخرج ومد يده إليه وحاول إخراج ما فيه فسمعت صليلا كصليل الدرع فتذكرت درع حماد فاختلج ~~قلبها في صدرها وعلا وجهها الاحمرار فقالت: «هات ما عندك.» فاستخرج يده وفيها قطعة من درع ~~لم يقع نظر هند عليها حتى امتقع لونها وغلبت عليها البغتة لما آنست من المشابهة بينها وبين ~~درع حماد فتناولتها وتأملتها فإذا هي هي بعينها فإلتفتت إلى الراهب فرأته يتغافل عنها ~~ولكنها قرأت على وجهه سرا يحاول إخفاءه والابتسام يكاد يظهره فابتدرته قائلة: «من أين ~~أتتك هذه الدرع ومن الذي أعطاكها.» # قال: «أعطانيها صاحبها.» # فقالت: «هل تعرف مكانه فإنها مسروقة من عندنا.» # فإلتفت إليها قائلا: «لا أظن صاحبها سارقا بل هو رجل أمين وقد ابتاعها بثمن غال ~~جدا.» # فقالت: «ربما كان ذلك كما تقول ولكنني اعلم أن هذه الدرع كانت عندنا فلابد لي من رؤية ~~الذي أعطاكها فهل هو قريب من هذا المكان.» # قال: «هو قريب جدا وإذا صدق ظني فهو في اقرب مكان منك وأنت تعلمين انه ليس ~~سارقا.» # فأدركت انه يلغز بحماد وانه عالم بشيء مما بينهما فتجاهلت ولكن الحياء والبغتة غلبا ~~عليها فقالت: «ما تعنى بهذا الكلام أراك تقول جزافا.» # قال: «كلا يا سيدتي أني أتكلم عن ms103 ثقة ولكنك تتجاهلين والحقيقة ظاهرة على وجهك.» # فتحققت عند ذلك انه رسول من حماد ولكن سوء الظن سبق إلى ذهنها مخافة أن يكون قادما ~~بدسيسة من ثعلبة فتجاهلت أيضا وقالت: «أراك تقول كلاما لا افهمه أو لعلك مخطئ في ~~ظنك.» # قال: «لست مخطئا لأني أتكلم عن ثقة وان شككت بمقالي سلي الأساور تصدقك الخبر.» # فقالت: «وأي الأساور تعني.» # قال: «الأساور التي بيعت هذه الدرع بها وإذا بالغت في التجاهل جئتك بتاجر الحلي ~~عينه.» # فأيقنت عند ذلك انه رسول حماد إليها وحدثتها نفسها أن تسأله عنه صريحا ولكنها تجلدت ~~ريثما تخبر والدتها بذلك فنهضت للحال ولم تفه بكلمة وسارت إلى غرفة والدتها وخلت بها ~~وأخبرتها بما كان فقالت والدتها: «أخشى أن يكون الرجل جاسوسا من ثعلبة فلا تبوحي له بشيء ~~قبل أن نتحقق رسالته.» # فجاءت سعدى وهند تتبعها فلما دنت من الراهب وقف لها وحياها فتظاهرت بالجفاء قائلة: ~~«ألعلك قادم من دير بحيراء الآن.» # قال: «كلا يا سيدتي بل أنا آت من البلقاء.» # قالت: «أرني الدرع.» فأراها إياها فتحققت أنها الدرع التي نالها حماد جائزة سبقه يوم ~~السباق فتناولتها من يده وقالت له: «أن هذه الدرع مأخوذة من عندنا ولعلها مسروقة فهل تعرف ~~الذي أعطاك إياها.» # فتبسم الراهب تبسما يمازحه ريب وقال: «أظنني اعرفه.» # فقالت: «وأين تركته.» # قال: «تركته في بعض قرى البلقاء على بضع ساعات من هذا القصر.» # قالت: «هل هو مقيم هناك أم راحل.» # قال: «هو مقيم ينتظر عودتي.» # قالت (وقد استغربت ذلك): «وماذا يتوقع من رجوعك وأنت تقول انه دفع إليك هذه الدرع نذرا ~~نذره إلى الدير فما معنى رجوعك إليه أني أرى في كلامك تناقضا.» # قال: «لا مناقضة في ما أقول لان صاحب هذه الدرع شرط في نذره أنها لا يكون نذرا إلا بعد ~~أن أعود إليه بخبر عن أمر يهمه.» قال ذلك وهو ينظر إلى هند بطرف عينه كأنه ينتظر إشارة ~~منها فآنس في وجهها إشراقا فتبسم وأومأ بجفنيه نحو والدتها كأنه يقول لها هل أبوح ms104 بالسر ~~أمامها. # فتحققت هند أن الرجل مرسل من حماد إليها ولكنها تجلدت ولم تجبه. # فجلس والدرع في يده ينتظر ما تأمر به هند. # أما هي فأومأت إلى والدتها وخرجتا معا وتركتا الراهب في الغرفة فلما خلتا قالت هند ~~وقلبها يرقص فرحا: «لا ريب عندي يا أماه أن الرجل رسول من حماد ويظهر من أساليب كلامه ~~انه آت ببشرى خير ولكنه لم يتجرأ على التصريح بذلك أمامك لظنه انك لا تعلمين بما بيني ~~وبين حماد ولا ريب عندي بإخلاصه فاسمحي لي بمخاطبته صريحا فنسمع منه الخبر الصحيح» ~~فأجابتها والدتها إلى ما أرادت فجلستا في غرفة منفردة وأرسلتا إلى الراهب فجاءهما والخرج ~~على ذراعه فلما جلس قالت له سعدى: «عزمت عليك أن تخبرنا بحقيقة حالك ومن هو صاحب هذه الدرع ~~وكان لعزمة الأمراء عند العرب حق أن تطاع.» فنظر الراهب إلى هند كأنه يستشيرها في الجواب ~~فقالت له: «قل ولا تخف.» # فمد يده إلى الخرج واستخرج الخوذة وقال: «إذا كنت لا تعلمين الذي ألبسته هذه الخوذة بيدك ~~فمن العبث أن أخبرك عنه.» # فخفق قلب هند وعلا وجهها الاحمرار وقالت: «نعم نعرفه فقل أنت ما اسمه.» قال: «اسمه ~~حماد يا سيدتي.» فأبرقت اسرة الفتاة أي إبراق ولولا حجاب التعقل والرزانة لرقصت طربا لذكره ~~ولكنها أمسكت نفسها فاكتفى الرجل بما قرأه في عينيها من آيات البشر فشاركها في ذلك وانتظر ~~جوابها. # فقالت له: «صدقت هو حماد فأين هو الآن.» # قال: «هو في خلوة لا يجسر على القدوم إلى هذه الديار لأسباب لا يجهلها عامة غسان فضلا ~~عن خاصتهم.» # فقالت سعدى: «قل لنا إذن من أنت فإني لا أظنك راهبا.» فرفع القلنسوة عن رأسه وقال: «لا ~~أظنكما تعرفانني ولكنني أعرفكما بنفسي فإني عبدكما سلمان خادم سيدي الأمير حماد.» # فاستأنستا به كثيرا وأخذت هند تسأله عن حال حماد وما مر به فقص عليها الخبر منذ ~~خروجهما فرار من غسان إلى أن نجوا من الأسد وسارا إلى عمان وعادا منها إلى أن قال: «وقد ~~جئت متنكرا بهذا ms105 اللباس وتركت سيدي حمادا في بعض القرى في قلق شديد على والده وفي شوق ~~ولهفة لمولاتي.» (وأشار إلى هند). # فقالت سعدى: «ألم يبلغكما خبر سيدك الأمير عبد الله بعد.» # قال(وقد حملق عينيه ومال بكليته لاستماع خبره): «كلا يا سيدتي فما هو خبره.» # قالت: «قد علمنا أن الإمبراطور هرقل عفا عنه وأمر بصرفه مصحوبا بكتاب الأمان.» فانبسط ~~وجه سلمان عند سماعه الخبر وود لو يكون طيرا فيسرع إلى حماد يبشره بذلك ولكنه استشار سعدى ~~في الأمر فقالت: «أرى أن تسرع إلى مولاك بالخبر وطمئنه عن هند وقل له أن والدتها تهديك ~~السلام ولكن احذر أن يعلم احد في الأرض انك جئت هذا المكان أو نطقت بهذا الكلام فليبحث هو ~~عن والده وستتصل الأخبار بيننا عند الحاجة على مقتضى الأحوال وليكن هو مطمئن البال والأيام ~~بيننا.» وكانت هند تسمع كلام والدتها فلا تبدي ملاحظة ولم تكتف بهذه المواعيد البعيدة بل ~~كانت تود أن تضرب أجلا للقاء ولكن الحشمة أمسكتها عن الكلام. أما سلمان فسر كثيرا لما ~~آنسه في سعدى من الرضاء عن حماد ولكنه رأى قولها مختصرا مقتضبا لا يشفى غليلا على انه ~~اقتنع بما لقيه وما سمعه فلبس قلنسوته وودعهما وخرج إلى فرسه وسار قاصدا حمادا. أما ~~سعدى فلما تحققت بقاء حماد حيا ورأت هندا قد انتعشت قواها وزال امتقاع لونها الذي كان ~~السبب الأول في تحريك حنوها حتى سايرتها في ما دار بينهما بشأن حماد مع ما كانت تظنه من ~~موته أو انقطاع خبره فلما تحققت بقاؤه تمثل لها الأمر مجسما وندمت على ما فرط منها من ~~مجاراة هند بشأن حبها حمادا على غموض حسبه مع ما تخشاه من إيقاظ الفتنة بين زوجها ~~والحارث إذا منعت ثعلبة من ابنتها ثم تذكرت غدر ثعلبة وكره هند له فصوبت ردها طلبه ولكنها ~~أحست بصعوبة ذلك فلبثت برهة صامتة تفكر في الأمر وهند تتأمل في ملامح وجهها وتنتظر ما يبدو ~~منها فلما طال سكوتها توسمت فيها التردد فانقبضت نفسها وعادت هواجسها إليها فتركت ms106 والدتها ~~وسارت إلى غرفتها وألقت نفسها على السرير حزينة لتراجع في ذهنها حكاية سلمان وما قالت ~~والدتها له فلم تر في قولها ما يشفى غليلا فأحست أن والدتها إنما كانت تسايرها ظاهرا ~~فعظم عليها الأمر. # وفيما هند في ذلك جاءت والدتها وكانت لا تزال منقبضة النفس فرأت الدموع تتلألأ في عيني ~~ابنتها فهاج حنوها ونسيت هواجسها ودنت منها وهي تبتسم وأخفت ما في نفسها وهند تنظر إلى ~~وجهها لعلها تستطلع شيئا جديدا فلما رأتها تبتسم اطمأن بالها ولكنها أدركت أنها إنما ~~فعلت ذلك حنوا فعمدت إلى إثارة شفقتها إلتماسا لمساعدتها فتظاهرت بالغضب دلالا وتيها ~~وأطرقت هنيهة لا تتكلم. # فقالت سعدى: «مالي أرى الهواجس قد عادت إليك ألم يكفيك ما سمعته عن حماد؟» فلم ~~تجب. # فازدادت سعدى حنوا والفت يدها على كتف ابنتها وقالت لها: «ما بالك ساكتة يا هند ألم ~~تشكري الله على أنعامه.» # قالت: «شكرته كثيرا ولكنني أراه لم يأذن بانقضاء زمن تعاستي لأني لم أكد اسمع ما سرني ~~حتى رأيت ما كدرني.» # قالت: «وما الذي يكدرك بعد ذلك.» # قالت: «يكدرني أن أرى حبل المساعدة كاد ينقطع.» # قالت: «وماذا تعنين بذلك.» # قالت: «أعنى ما أقرأه على وجهك من آيات التردد ولا لوم عليك فقد عاملتني بما استحقه.» ~~قالت ذلك وقد وقفت تتشاغل بحل ضفيرتها وعقصها أمام المرآة فرافقتها سعدى وهي تنظر إليها ~~وتتوقع منها ابتساما فرأتها لا تزال منقبضة فخافت أن تعود إلى حالها من الضعف فهان عليها ~~كل ما تريده وصممت على مساعدتها فعلا فتظاهرت بالاستغراب وهمت بها فقبلتها وضمتها إلى ~~صدرها قائلة: «انزعي عنك الظنون يا هند فإني على ما تريدين ولسوف ترين مني ما ~~يسرك.» # فانتعشت هند لما سمعته ولكنها تظاهرت بإنكار ذلك وقالت: «يكفيني أملا بلا عمل فإني أراك ~~تسخرين بي.» # فضحكت سعدى حتى قهقهت وأظهرت المزاح قائلة: «ذلك خلق المحبين فإنهم لا يستقرون على ~~حال.» # فنظرت هند إليها شذرا وشعرها لا يزال محلولا وأصابعها تتخلله فلما رأت والدتها تضحك ~~انبسط وجهها وعادت إليها الآمال ms107 فتبسمت ولكنها حولت وجهها نحو المرآة وتشاغلت بضفر ~~شعرها. # فمدت سعدى يدها إلى الضفيرة وتناولتها وقالت وهي تتم ضفرها: «دعينا من ضفر الشعور فإننا ~~في ما هو ادعى إلى الاهتمام.» # فقالت هند: «لا أرى الاهتمام بشيء آخر إلا عبثا.» # فقالت: «أمن العبث أن نتخلص من مطالب ثعلبة.» # فلما سمعت اسمه نفرت وانقبض قلبها ولكنها توسمت بابا للفرج فقالت: «يا حبذا ذلك لو ~~صح.» # وكانت سعدى قد فرغت من ضفر الشعر فأمسكتها بيدها وأجلستها إلى السرير ونظرت إليها نظرة ~~فهمت هند منها أنها تريد الجد فأصغت إليها فقالت: «دعينا من الهواجس يا هند ولنبحث في الأمر ~~بالتروي.» # فقالت: «قولي ما تريدين واذكري وعدك.» # قالت: «لا أقول إلا ما يرضيك ولكنني اعلم انك عاقلة رزينة ولا أظنك ترتابين من حبي لك ~~وانعطاف والدك نحوك وإذا أتينا أمرا ساءك أو سرك إنما نأتيه إلتماسا لراحتك.» # فخافت هند أن يكون وراء هذه المقدمات نصيحة تمنعها من حماد فلبثت صامتة وقلبها يخفق في ~~انتظار إتمام الحديث. # فقالت سعدى: «لا يسعني الإغضاء عن إهمالك البحث عن أصل حماد وفصله فان الحب يعمى ويصم ~~فأتقدم إليك أن تستجمعي رشدك وتسألي عقلك هل هو مساعد لك على ما رضيه قلبك.» # قالت: «نعم يا أماه أني في كمال عقلي ولا أرى في عملي هذا خطأ ولا ريب عندي إذا خاطبت ~~حمادا واستطلعت أخلاقه وأطواره انك ترين فيه مثل ما رأيته أنا فهو شاب كامل الصفات كريم ~~الأخلاق ولا بد من أن يكون ذا حسب ونسب فإذا لم يكون ملكا ارضيا فهو ملاك سماوي ولا اقل ~~من أن يكون اميرا وزد على ذلك أن ما شهدناه من شهامته وكرم أخلاقه يؤهله لمصاهرة والدي ~~وقد قيل المرء بأصغريه لا ببرديه فهي انه غير حسيب فهو لا ريب شهم كريم.» قالت ذلك ~~وعلامات الهيام ظاهرة على وجهها تخالطها ملامح الخجل. # فقالت سعدى: «إذا كان الأمر على ما تقولين فإني أهنئك بهذا النصيب ولكننا يجب أن نتدبر ~~الأمر بالحكمة حتى لا ينجم عن ms108 عملنا ما يضر بمصلحة والدك أو يأول إلى حرب وأنت تعلمين ~~علاقته بابن عمه الحارث وما بينهما من المنافسة المموهة بالمجاملة فنخشى أن يأول عمان هذا ~~إلى حرب تتقد نارها وتسفك الدماء من اجلها.» # فقالت: «أتريدين إذن أن أرضى ثعلبة و ....» # فقطعت سعدى كلامها قائلة: «كلا لا أريد ذلك ولا أرضاه ولكنني أريد أن لا تستعجلي في ~~الأمر فان في العجلة ندامة.» # قالت: «وماذا افعل إذن.» # قالت: «أتركي تدبير ذلك إلي على ما تقتضيه الأحوال ولا ريب عندي انك ستنالين مناك على ~~أهون سبيل.» # قالت: «ها أني قد ألقيت حملي عليك وجعلت قيادي في يديك فافعلي ما تريدين.» # فقبلتها سعدى وطمأنتها ثم تركتها وسارت إلى غرفتها. # الفصل الخامس والعشرون # | التفتيش عن عبد الله # أما سلمان فعاد إلى حماد وكان في مأمن خفي ينتظر عودته بفارغ الصبر فلما لقيه استطلعه ~~الخبر فأجابه وأمارات الانبساط ظاهرة على وجهه وبشره بالعفو عن والده وبقاء هند على حبها ~~ورضاء والدتها بذلك فلم يكن يوم اسعد على حماد من ذلك اليوم فأبرقت أسرته وتمثلت له ~~السعادة خادما مطيعا وقضى بقيه يومه يردد حديث سلمان عن هند وما ينطوي تحت كلام والدتها ~~لكنه ما لبث أن عاد إلى ذكرى والده وقد خاف عليه طول الغياب فاستشار حمادا في أمره فقال: ~~«أرى أن نبحث أولا عنه فإذا التقيا به تركنا تدبير ذلك إليه.» # فقال حماد: «أنسير إلى بصرى متنكرين.» # قال: «لا خوف علينا بعد ما صدر من العفو ولكن ثعلبة ثعلب لا يركن إليه فامكث أنت هنا ~~ودعني أسير بنفسي إلى منزلنا في غسام ومتى وصلت المكان علمت حقيقية الخبر.» # فقال: «وكيف تعلمه.» # قال: «أني ذاهب للبحث عن المخبأة التي تركناها بجوار منزلنا لا يعلم بها احد سوانا فإذا ~~لم أجدها علمت أن سيدي أخذها فنعلم انه عاد من سفرته فنبحث عنه في بصرى وجوارها وإلا ~~فنعلم انه لم يعد بعد فأسير إلى بيت المقدس للتفتيش عنه.» # فاستحسن حماد الرأي فباتوا ليلتهم ولما أصبحوا ركب سلمان بلباس ms109 الرهبان وترك حمادا في ~~منزل رجل من بقايا الأنباط الذين كانوا يقيمون في جنوبي البلقاء. وكان الأنباط في الزمن ~~القديم أمة عظيمة ذات عز ومجد وكانوا واسطة عقد التجارة بين مصر والشام والعراق وبلاد ~~العرب يقيمون شرقي العقبة بين مصر والشام وبلاد العرب ولا تزال بعض آثارهم باقية حتى الآن ~~في ما يسمى باترا أو بطرة ويغلب على الظن أن أصلهم من أنباط ما بين النهرين. وما زالت ~~دولتهم قائمة حتى غلبهم الرومانيون في أوائل القرن الثاني للميلاد فتشتت شملهم وتفرقوا في ~~البلاد واختلطوا بقبائل العرب الأخرى. ومن طرق معائشهم التنجيم وقد حملوه معهم بين ~~النهرين. # وكان صاحب المنزل المشار إليه طاعنا في السن لم يرزق أولادا يعيش من زراعة بقعة من ~~الأرض الصغيرة ولم يكن يحب الغسانيين لأنهم على زعمه احدث نعمة من الأنباط وان الأنباط ~~أولى منهم بالسيادة وسبب بغضه لهم الحسد وذلك طبيعي في من كان من سلالة الحكام ثم رأى ~~السيادة في غير أهله فانه لا يستطيع حبهم أو الإذعان لهم إلا قهرا فإذا خلا بنفسه ندد ~~في حكومتهم وعدد معائبهم وهو من أدلة الضعف في بني الإنسان. # وكان سلمان لما عاد بحماد من عمان قد عثر على هذا الرجل واستطلع حاله فعلم أنه أحسن ~~ملجاء يلجأ سيده إليه ريثما يعود إليه بخبر هند فلما عاد بخبرها كما تقدم واتفقا على ~~ذهابه إلى غسام سار إليها وهو مطمئن البال ولكنه غادر حمادا على مثل الجمر في انتظار ~~رجوعه. # فلم يمض يومان حتى عاد سلمان ومعه التحف والنقود التي كانوا قد خبأوها بجوار منزلهم ~~فدفعها إلى حماد وهو منقبض النفس كاسف البال فسأله عن أمره. # قال: «أني خائف على سيدي من دسيسة ابن الحارث وأخاف أن يكون قد غضب لما ناله من العفو ~~فأنفذ إليه رجالا اغتالوه.» # قال: «وما الذي حملك على هذا الظن.» # قال: «أني تدبرت الأمر واستطلعت الخبر من أهل بصرى سرا فعلمت أن الخبر بالعفو وصلهم من ~~عشرة أيام وان سيدي خرج من بيت ms110 المقدس مع قافلة سارت إلى الحجاز رأسا فهل تظنه سار ~~معها.» # فقال حماد: «وكيف يعقل أن يسير إلى الحجاز ونحن على موعد من لقائه في عمان فلا يبعد أن ~~يكون قد رافق القافلة إلى جوار عمان ثم عرج إليها.» # فقال سلمان: «ولكنه يعلم أن موعدنا فرغ إذ قد مضى الشهران أو أكثر منذ افترقنا.» # فقال حماد: «لعله أراد المرور بعمان ليتحقق عودتنا منها فلا يلبث أن يعلم بذلك حتى يعود ~~فلنصبر قليلا نتنسم أخباره.» # فصمت سلمان وهو لا يزال خائفا على سيده ولكنه تظاهر بالاقتناع تخفيفا عن حماد وكان لا ~~يزال بزي الرهبان وقد غشيه الغبار فنزع ثيابه وغسل وجهه وكان صاحب المنزل قد خرج في بعض ~~المهام وترك كلبه يحرس المضارب ريثما يعود. # فاغتنما تلك الفرصة واخفيا ما جاء به سلمان من الأموال فجعلا بعضه في جيوبهما وبعضه ~~بين الثياب. # الفصل السادس والعشرون # | الخطبة # تركنا هندا في صرح الغدير وقد أملت الحصول على حماد ولكنها كانت ترى إظلالا من الريب ~~تعترض آمالها لان ذكاءها ودقة نظرها أوحيا إليها شكا في رضاء والدتها عن حماد أما هذه ~~فكانت تحاول إقناع نفسها في صلاح ما وعدت هندا به ولكنها مازالت ترى في ضميرها ما يعترض ~~مقاصدها على أنها كانت تتغلب على ذلك الضمير إرضاء لابنتها وتنتظر ما يأتي به ~~القدر. # وفيما هي جالسة ذات يوم في الصرح جاءها بعض الخدم ينبئها بقادم من البلقاء فهرولت إليه ~~لعله جاء بخبر من جبلة وقد طال أمد غيابه فرأت فارسا ترجل وقبل يدها فعرفت انه من ~~رجال زوجها فاستطلعته الخبر فقال: «أن الأمير جبلة قادم إليكم في صباح الغد وهو يقرئك ~~السلام.» # فقالت: «أهلا ومرحبا فإننا نستعد لاستقباله.» ثم دخلت وقد علمت انه آت ليسألها بشأن ~~هند وثعلبة. # فانقبضت نفسها وشعرت بحرج المقام وجعلت تفكر في حل ذلك المشكل وفيما هي غارقة في بحار ~~الهواجس جاءت هند وكانت قد رأت الفارس وعلمت سبب مجيئه فخفق قلبها لما يعترض آمالها من ~~الشكوك وتوقعت أن ترى ms111 والدتها في ارتباك فلما علمت بخلوتها دخلت بغتة فرأتها في ما تقدم من ~~الانقباض فحيتها فانتبهت سعدى لحالها فحاولت الابتسام لتخفي ما يخامر قلبها فابتدرتها هند ~~بصوت مختنق قائلة: «لا يشغلك شاغل يا أماه فما في الأمر ما يدعو إلى هذا الاهتمام.» # فقالت سعدى: «لست في اهتمام يا ولدي ولكنني اشعر بانحراف في صحتي.» # فقالت: «صدقت ولكن سببه هند هذه.» # قالت: «حاشا وكلا فانك تسليتي ومنشأ سعادتي ألا ترينني حالما وقع نظري عليك انشرح ~~صدري وانبسط وجهي.» # قالت: «أرى ذلك ولكنني أرى عليه صبغة التكلف فلا ترتبكي ولا تقهر نفسك فان كل حال ~~تزول.» وأرادت هند أن تختبر والدتها وتستعيد وعدها لها قبل قدوم والدها لان على اجتماعهما ~~هذا يتوقف مستقبلها. # فقالت سعدى: «ما بالك تكلمينني بالرموز ألم تتحققي حتى الآن أني على ما وعدت.» # قالت: «قد تحققت ذلك ولكنني أراني سببت لك تعبا وارتباكا.» # قالت: «أن تعبك راحة فاقلعي عن هذه الظنون وهلم بنا نتدبر الأمر فنتفق على خطة نسير ~~عليها لأن والدك قادم غدا ولا أظنه إلا فاتحا حديث ثعلبة فما ظنك فيما نجيبه ~~به.» # قالت: «أنت تعلمين ما في قلبي فأجيبيه بمقتضى حكمتك أما أنا إذا سئلت فلا جواب عندي غير ~~السلب ولومهما كلفني ذلك.» # فقالت: «هبي انه سألنا عن سبب هذا الرفض فهل اذكر له حكاية حماد.» # قالت: «لا أدري ما تقولين ولكنني أخبرتك بمكنونات قلبي وقد وعدتني بتدبير الأمر فافعلي ما ~~تشائين.» # فسكتت سعدى وقد وطنت نفسها على مجاراة ابنتها وخرجت من الغرفة وأمرت أهل القصر بضرب ~~المضارب وإعداد الذبائح لاستقبال جبلة وحاشيته في صباح الغد. # فأصبح الصباح وقام الخدم لإعداد ما يلزم ففرشوا البسط ونصبوا الخيام وذبحوا الذبائح ~~وأوقدوا النيران ولبست سعدى وهند أحسن ما لديهما وتهيأ للاستقبال فلما كان الضحى ظهر ~~الغبار من جهة البلقاء فعلم أهل القصر بمجيء جبلة ورجاله فخرجوا لملاقاتهم وأطلت سعدى من ~~بعض النوافذ المشرفة على ذلك السهل أما هند فتسلقت على سريرها وفرائصها ترتعد لهول ما ~~تصورته من ms112 غضب والدها إذا علم بما في نفسها ثم ما لبثت أن سمعت قرقعة اللجم وصهيل الخيل ~~بجوار القصر فعلمت بوصول والدها وفرسانه فخفق قلبها ولكنها تجلدت وأطلت من الشرفة فرأت ~~الفرسان قد تحولوا إلى الخيام المضروبة لهم هناك وترجل والدها أمام الحديقة ودخل بلباسه ~~الفاخر وقد لف رأسه بكوفية والعقال حولها والتف بالعباءة فوق الطيلسان فاستقبلته سعدى ~~بوجه باش يخامره بعض الانقباض ثم جاءت هند فقبلت يده فضمها وقبلها واستغرب ما رآه في وجهها ~~من النحول فسألها عن سبب ذلك فأجابته والدتها بأنها تشكو من ألم عارض فساروا جميعا إلى ~~قاعة مفروشة بالبسط والسجاد والوسائد فدخل ثعلبة ممسكا هندا بيدها حتى جلس في صدر القاعة ~~وأجلسها إلى جانبه وقد تنبهت فيه عواطف الشفقة لما آنسه فيها من الضعف فما صدق انه خلا ~~بها وبوالدتها حتى سألهما عن شكوى هند منه فطمأنتاه وألحتا عليه أن يبدل ثياب السفر ~~ويستريح ففعل وقد أوصى الخدم بإصلاح ما يحتاج إليه رجاله من الزاد. # أما سعدى فآنست في وجه زوجها انقباضا لم تعهده فيه وخصوصا عند مقابلته هندا بعد ~~غياب طويل فعولت على استطلاع السبب بعد الغداء والاستراحة ولكنها لم تستطيع ذلك ~~لانشغاله بمشاهدة غرف القصر ونزوله إلى الإسطبل يتفقد أفراسا له كان قد تركها هناك ~~ولكنها لاحظت انه إنما كان يتلاهى بذلك تخلصا من سؤالها واستفهامها. # فلما كان المساء جلسوا للطعام وكل منهم في هاجس فلم يدر بينهم حديث غير ما لا بد منه ~~كالتماس الآنية أو استبدال بعض أنواع الطعام أو الشراب ونحو ذلك. # فلما فرغوا من العشاء تفرق الخدم يهتمون بشؤونهم وبقي جبلة وزوجته وابنته في القاعة ~~على حدة وكان جبلة متكئا على وسادة وهند إلى جانبه ووالدتها بين يديه. # فنظر إلى هند وتأمل وجهها ثم إلتفت إلى سعدى وقال لها: «لقد اطلنا الغيبة عليكم هذه المرة ~~لشواغل انتابتني وكنت أعد النفس بالقدوم إليكم منذ أيام فلم استطعه إلا اليوم وكنت احسب ~~مجيئي هذا يفرج كربتي فلم أر إلا ما يزيدني انقباضا.» ms113 # فتطاولت سعدى بعنقها نحوه قائلة: «ليس في هند ما يدعو إلى الانقباض فقد يمر على الإنسان ~~أيام يتوعك بها مزاجه لغير سبب يعرفه ولكنني توسمت في وجهك انقباضا منذ قدومك هذا الصباح ~~وكنت أغالط نفسي وأحسبني مخطئة أما وقد أقررت به من فيك فأرجو أن تفصح عن السبب.» # قال: «ليس في ما تشاهدينه من الانقباض ما يهمك الاطلاع على أسبابه فهو أمر عارض لا يدعو ~~إلى البحث.» # فقالت: «لا أظن أمرا يهمك لا يهمنا ومهما كان من شأنه فان بالنا لا يهدأ إلا ~~بمعرفته.» # فقال: «دعينا من الخوض فيه وقد يكون سحابة صيف تنقشع ولا تمطر.» # فاشتاقت سعدى إلى استطلاع الخبر وعلمت انه منقبض من خبر سمعه ولم يتحقق صدقه. فقالت: ~~«هب انك لم تتحقق ما سمعته فاطلعنا عليه.» # قال: «جاءنا قادم من الحجاز يخبرنا بقدوم جند من العرب لمحاربتنا.» # فبغتت سعدى وقالت: «وما سبب قدومهم ولا نعرف بيننا وبينهم ما يوجب حربا.» # فهز رأسه واعتدل في مجلسه وجعل يمشط لحيته بإصابعه وقال: «أن هؤلاء العرب عصابة ~~قوية برئاسة نبي ظهر بينهم يدعو الناس إلى دين جديد وقد بعث كتابا يدعونا فيه إلى دينه ~~فوصل كتابه إلى الحارث فمزقه وامتهن حامله فشق ذلك على صاحب الدعوة فأنفذ جندا من رجاله ~~لمحاربتنا فبثثنا العيون والأرصاد لمراقبة مسيرهم ولا نعلم متى يصلون.» # فبغتت هند عند ذكر الحارث وقالت في نفسها (قد كتب علينا الشقاء على يد الحارث وابنه فلا ~~حول ولا) ولكنها نظرت إلى والدها وقد ثارت فيها الحمية وقالت: «وما يخيفنا من قدوم هؤلاء ~~العدنانيين ونحن بني غسان رجال أشداء لا نرهب القتال.» # فانشرح صدر جبلة لما أظهرته هند من الشهامة وقال: «نعم إننا لا نخاف حربهم ولكننا كنا في ~~غنى عن حشد الرجال وإعداد معدات الدفاع وحصوننا لا تزال مهدمه على اثر حروبنا مع الفرس سامح ~~الله الحارث لما جره علينا من البلاء.» # فقالت سعدى: «يظهر أن هؤلاء العدنانيين إنما يريدون قتال الحارث لا قتالنا.» # قال: «نعم ولكننا جميعا تحت ms114 سيطرة الروم فإذا احتاجوا إلى دفاع استنجدونا جميعا ولا ~~يسعنا إلا الإذعان.» فقالت هند: «أيخطئ الحارث ونحن نحارب عنه.» # قال: «ذلك ما لا بد منه إذا دعت الحالة إليه وسنرى ما يكون من أمر هذا الجند ولكن ~~الحارث جاءني بالأمس وتداولنا في الأمر مليا وأخذنا في حشد الرجال وإعداد معدات القتال ~~وعلى الله الاتكال.» # فلما سمعت سعدى باجتماع الحارث بزوجها أيقنت أنهما تداولا في شأن هند وتوقعت أن تسمع ~~حديثه من جبلة ولكنها علمت انه لا يذكر ذلك وهند حاضرة تظاهرت بالملل وقالت: «أظنك تعبا ~~من جراء السفر في هذا الصباح فهل تريد الذهاب إلى الفراش.» فأدرك مرادها فأجاب دعوتها ونهض ~~ونهضت هند ولم يفتها المراد من ذلك فانصرفت إلى غرفتها بدعوى الرقاد وقد نظرت إلى والدتها ~~بطرف خفي كأنها تذكرها بوعدها فافترقوا وخلت سعدى بزوجها في غرفة الرقاد وقد أعد له ~~الخدم ثياب النوم فبدل ثيابه وبدلت هي ثيابها وكلاهما صامت يفكر في جهة والموضوع ~~واحد. # الفصل السابع والعشرون # | كشف السر # فاتكأ كل منهما على سريره والسريران متقابلان وفي الغرفة شمعات مضيئة على مائدة وقد هدأ ~~الليل واستولى السكوت على ذلك الصرح لذهاب الناس إلى منامهم إلا ما كانوا يسمعونه من ~~صهيل خيول في معسكر حاشية جبلة عن بعد. # فبدأ جبلة بالكلام قائلا: «عهدت إليك مهمة منذ أيام وكنت أتوقع قدومك إلينا بخبر إتمامها ~~فأبطأت حتى استبطأ الحارث جوابي فجاء يستعجلني فيه وقد آنست منه تغيرا لما كان يتوقعه ~~من سرعة الإجابة خصوصا بعد ما سمعه من قدوم هؤلاء العدنانيين فانه يرى التعجيل في ~~الاقتران قبل وصولهم.» # فأحست سعدى بما جرته على نفسها من المشاق بما أكدت لهند من الوعود فترددت برهة في ~~الجواب. # فابتدرها جبلة قائلا: «ما بالك لا تجيبينني ألعل في الأمر مندوحة للتردد.» # قالت: «لا أعلم ذلك ولكنني اعلم أن هندا لم ترصحة منذ ذكرت لها هذا الأمر.» # فقال: «وماذا كان جوابها.» # قالت: «لا سلبا ولا إيجابا.» # قال: «إذن هي راضية.» # قالت: «لا يدل السكوت على ms115 الرضاء في كل حال.» # قال: «وقد بغت وماذا إذن العلك فهمت ما يدل على الرفض.» # قالت: «لا أدري ... ولعلي مخطئة في ظني.» # فقال وقد استغرب جوابها: «قولي أفصحي فإني أرى وراء توقفك ما يأول إلى خطر جسيم.» # فقالت: «وأي خطر تخافه.» # قال: «ألا تعلمين أن رفض هذا الأمر يأول إلى نفور بيننا وبين الحارث.» # فقالت: «وهي تتجاهل مراده وأي علاقة بين الأمرين أيكون الزواج قسرا.» # فهب من مجلسه وقد زاد استغرابا وقال: «أبلغ من هند أن ترفض ما اختاره لها ~~والداها.» # قالت: «لا تقل (والداها) بل قل (والدها) فقط.» # فحملق وقال وقد علا صوته: «العلك مجارية لها على قحتها يا سعدى.» # فأجابته بصوت خافت قائلة: «لا لم أجارها في شيء ولكنني خفت عليها الموت فإذا كنت ترى أن ~~تجود بهند فريسة لذلك الرجل زوجها به.» قالت ذلك وأطرقت وقد شرقت بدموعها. # فبهت جبلة عند سماع تلك العبارة ولبث برهة يحسب نفسه في منام ثم قال: «وماذا تعنين يا ~~سعدى ألعلك تتكلمين عن ثقة.» # قالت: «لم اذكر لك إلا ما تحققته بعد جدال طويل وإذا كنت لا تصدق مقالي فهذه هند ادعها ~~إليك وخاطبها وجها لوجه فقد نفذت حيلتي فيها.» # فرجع جبلة إلى صوابه وتذكر حبه هندا وما يعجب به من شهامتها وتعقلها ولكنه ما زال ~~على ما يخافه من عواقب ذلك الرفض فقال لها: «ادعيها إلي لأخاطبها واسمع ~~اعتراضها.» # فوقفت سعدى وهمت بالخروج إلى غرفة هند ولكنها علمت أن مجيئها وجبلة في حال غضبه قد ينتهي ~~إلى عاقبة وخيمة فرأت من الحكمة أن تخفف من غضبه وتهدئ روعه قبل مجيئها فتقدمت منه ~~والدموع ملء عينيها وقالت: «ها أني ذاهبة لاستقدامها ولكنني أنبهك إلى أمر أرجو أن لا يبرح ~~من بالك.» # قال: «وما ذلك.» # قالت: «أنت تعلم شهامة هند ورقة إحساسها وخصوصا بعد ما عانته من الضعف على أثر حديثي ~~معها بشأن ثعلبة وتعلم أيضا أن ثعلبة كما نعرفه نحن ليس كفوءا لها مع ما خبرناه من ~~خساسته وغدره ولا تظنه ms116 يحبها بل هو يريد قتلها فإذا علمت ذلك تدبر الأمر بالحكمة وخاطبها ~~بالحسنى ولا تطمع في إكراهها لئلا تسوقها إلى حتفها فنندم حين لا ينفعنا الندم فمن الحكمة ~~أن نأخذها بالين والمطل ريثما نتغلب على عواطفها.» # فقال جبلة: «لقد نطقت بالصواب ولكنني لا أراني قادرا على التخلص من شر أتوقعه بسبب ~~ذلك على أني لم أفهم سبب رفضها إياه وهو ابن عمها ولا اعرف في غسان من هو اقرب نسبا منه ~~ولا أليق بمقامها فما سبب هذا البغض.» # قالت: «أما كرهها له فسببه دناءته وخساسته فقد عاشرته أعواما طوالا فلم تجد فيه ~~شيئا من أنفة الرجال وكرم أخلاق بني غسان وطالما حدثتني بذلك عنه منذ أعوام وكثيرا ما ~~كنا نذكر سيئاته بحضورها فلا يسعنا بعد ذلك إقناعها بنزاهته وكرم أخلاقه.» # فقال جبلة: «لا أنكر عليك ذلك يا سعدى ولكنك تعلمين ما بيننا وبين ابن عمنا الحارث من ~~المنافسة المستترة برداء القرابة تحت ظل المجاملة ولا ريب عندي أن رفض طلبه يجرنا إلى ~~حرب ونحن في حال تدع إلى اجتماع الكلمة لما سمعنا من أخبار الحجاز.» # فقالت: «أني موافقة لك على ما تقول ولكنني على ثقة مما قلته لك وأقوله أيضا وهو أن ~~إصرارنا على اقترانها بثعلبة يقودنا إلى ما نندم عليه ساعة لا ينفعنا الندم فهي لا تحبه ~~ولا ترضاه ولا يمكن أن ترضاه فهل يهون علينا أن نخسر هندا وهي ثمرة حياتنا ومرجع آمالنا ~~أنضعها بين يدي ذلك الجبان الخسيس وهو لا يحبها.» قالت ذلك والدموع تتناثر من ~~عينيها. # قال: «أراك واثقة بعدم حبه لها ولو كان كذلك لم يطلبها.» # قالت: «أنا متحققة ذلك مما سأقصه عليك في فرصة أخرى اما الآن فإني داعية هندا إليك ~~لتسمع كلامها شفة لشفة والتمس منك أن ترفق بعواطفها ما استطعت لأن العنف لا يجدينا ~~نفعا.» # قالت ذلك وخرجت والمصباح بيدها حتى أتت غرفة هند فرأت الباب موصدا وآنست في الغرفة ~~صوتا فأصاخت بسمعها فسمعت بكاء يتخلله شهيق فعلمت أن هندا تبكى فطرقت ms117 الباب ونادتها ~~باسمها فأبطأت قليلا ثم فتحته فأدنت سعدى المصباح من وجه هند ونظرت إليها فإذا هي ذابلة ~~الأجفان محمرة العينين كاسفة البال فانفطر قلبها لذلك المنظر المريع فوضعت المصباح على ~~الأرض وهمت بها وجعلت تقبلها ودموعها تتساقط حنوا وشفقة وهي تقول: «لا تبكى يا ابنتي لا ~~تبكى ولا تحزني فلا يكون إلا ما يسرك.» # فقالت: «كفاني يا أماه تعزية ومسايرة فقد سمعت غضب والدي بأذني.» # قالت: «وما الذي أسمعك كلامه وأنت هنا.» # قالت: «مررت بالباب فسمعته ينهرك وهو مصر على قوله وما ذلك إلا لتعاستي فإذا كان لا ~~يزال على عزمه فاستودعك الله.» قالت ذلك وعادت إلى البكاء. # فقبلتها سعدى وقالت: «لقد أخطأ ظنك يا هند فان والدك يكاد يسلم معي برفض ثعلبة وهو إنما ~~ينتظر مخاطبتك في شأنه ليسمع الجواب من فيك فهيا بنا إليه فإنه ينتظرنا في الغرفة.» ~~وأرادت سعدى أن تدخل على زوجها بهند وهي باكية لعله يرق لها فيجاريها على مرامها. # الفصل الثامن والعشرون # | موقف هائل # فأحبت هند الانتظار برهة ريثما تجف دموعها فلم تمهلها فسارتا حتى وصلتا الغرفة وجبلة ~~متكئ على فراشه وقد استبطأ إمرأته وأحب البقاء متكئا إظهارا لما في نفسه من العتب ~~على هند أما هي فدخلت مطرقة وقد تكسرت أهدابها وذبلت أجفانها واحمرت عيناها وتوردت وجنتاها ~~واسترسل شعرها على ظهرها ومشت حتى اقتربت من سرير والدتها فوقفت وأسندت كتفها إلى الحائط ~~ذليلة كئيبة ولبثت مطرقة. # فلما رآها جبلة على تلك الحال حن لها ونسي غضبه ولكنه ما زال مكبرا عملها فخاطبها ~~قائلا: «ما رأيك يا هند.» # فظلت صامته تتشاغل بأهداب ضفيرتها بين أناملها. # فقال: «ما رأيك بابن عمك ثعلبة.» # فلما سمعت اسمه ارتعدت فرائصها وعاد البكاء إليها فأمسكت نفسها عن الشهيق ولكنها لم ~~تستطع امساك دمعها عن الانحدار فلما شاهد جبلة تلك الدموع تتقطر عن خديها شعر كأن قلبه ~~يتقطر دما عليها. # فقال: «ما بالك لا تجيبينني ونحن إنما بعثنا إليك لنسمع الجواب من فيك قولي ما جوابك على ~~طلب ثعلبة.» ms118 # فلم تعد تتمالك عن الشهيق فتحولت من الغرفة وأرادت الخروج فأمسكتها سعدى بيدها وهمت ~~بإرجاعه فألقت بنفسها إلى الأرض وأخذت في البكاء حتى كاد يغمى عليها. # فجعلت سعدى تخفف عنها وأومأت إلى زوجها أن يكف عن السؤال وجاءتها بماء رشتها به وسقتها ~~منه قطرة حتى هدأ روعها وجبلة صامت ينظر إليها وقلبه يكاد يتقطع وقد هان عليه كل صعب ~~فقال لها: «قد فهمت يا هند انك لا تحبين ثعلبة فهل تحبين والدك وعشيرتك.» # قالت وهي تشرق بدموعها: «نعم احبك وأحبها وان كنت ترى في تسليمي لذلك الخائن راحة لك ~~ولعشيرتك فإني راضية بالموت فداء عنك وعنها وهذه روحي بين يديك فافعل بي ما تشاء.» # قالت ذلك وترامت على والدها فضمها إلى صدره والدموع تتساقط من عينيه رغما عنه وجعل ~~يقبلها ويخفف عنها وهو يقول: «لا تجزعي يا هند أني على ما تريدين فهوني عليك واستجمعي ~~حواسك.» قال ذلك وأجلسها إلى جانبه فجلست وهي تجمع شعرها وترسله إلى ظهرها وكان قد مال ~~إلى الأمام عند استلقائها على والدها ولما رأت في والدها هذا الانعطاف تذكرت ما لا يزال في ~~طريقها من العقبات بشأن حماد لعلمها أن والدها سيعظم أمر حماد أكثر ما أعظم أمر ثعلبة ~~فعولت على اغتنام تلك الفرصة وهو في حال الإنعطاف لنيل رضاه عنها فعادت إلى البكاء. # فعجب لبكائها بعد مجاراته لها في العدول عن ثعلبة وكان يظن ذلك كافيا لزوال كل أحزانها ~~فلما رآها تبكى ظنها لم تفهم مراده فقال: «كفى البكاء فقد أغفلنا ثعلبة وطلبه فهدئي روعك.» ~~فلم تزدد إلا بكاء فأدركت والدتها ما في نفسها فأومأت إلى والدها أن يكف عن السؤال ~~هنيهة ودنت من هند وجعلت تمسح دموعها بمنديلها وتقبلها ثم أمسكتها بيدها وخرجت بها إلى ~~غرفتها فلما خلت بها سألتها عن مرادها بذلك فقالت: «دعيني يا أماه دعيني أبكى على صباي فقد ~~أدركت ما جررته على نفسي من البلاء.» # فعلمت أنها تشير إلى أمر حماد وما تخافه من غضب والدها إذا علم بحبها ms119 له فقالت: «اشكري ~~الله يا هند إننا قطعنا نصف الطريق بأمان والله يساعدنا على الباقي.» # فقالت هند: «لم نقطع إلا السهل منها وقد بقي الوعر يا أماه.» # قالت: «أن الذي نجانا من ثعلبة لا يبخل علينا بحماد طيبي نفسا وقرى عينا.» # قالت: «لا يطيب لي عيش فقد زهقت روحي قبل أن اقطع السهل الهين وكيف وقد وصلنا إلى العقبة ~~التي أرجو اجتيازها فقد رأيت ما أعظمه والدي من أمر ثعلبة وهو يعلم خساسته ويعتقد بأنه ~~ليس أهلا لي فمن يتجرأ على ذكر حماد أمامه وهو رجل غريب يقول انه لا يعرف أصله ولا ~~فصله آه يا لتعاستي وسوء حظي.» # وكانت سعدى تعتقد مثل اعتقادها وربما خافت أكثر من خوفها ولكنها لما رأت حال ابنتها هان ~~عليها ركوب ذلك المركب الخشن فجعلت تخفف عنها وتنشط آمالها وهند تبالغ في إظهار ~~يأسها. # فقالت سعدى: «خففي عنك وانهضي إلى فراشك وعلي تدبير ما تريدينه ولك علي أن لا يصبح ~~الصباح إلا وقد رضي والدك بكل ما تريدين.» # فلما سمعت هند ذلك شعرت بانتعاش وأحست كأن قلبها انفتح وقد انفرجت الأزمة ولكنها استبعدت ~~ذلك كثيرا فإلتفتت إلى والتها شذرا وتبسمت تبسم طفل نال أمرا كان يتطلبه باكيا فقبض ~~عليه وهو لا يصدق انه ناله فلما رأتها سعدى في تلك الحال زادت انعطافا إليها وابتسمت ~~لها والدموع ملء عينيها وقالت: «هوني عليك فقد قلت لك أني ضامنة لك ما تريدين ألا يكفيك ~~ذلك.» # قالت: «يكفيني يا أماه ولكنني أرى والدي صعب المراس فلا أظنه يشفق على قلبي.» # قالت: «لا تستعظمي أمرا تريدينه والله قادر على كل شيء فاذهبي إلى فراشك وها أني ذاهبة ~~إلى السعي في مرامك والله يفعل ما يشاء.» # الفصل التاسع والعشرون # | الاستغراب # فسكن روعها وعادت إليها آمالها وألقت حملها على والدتها وسكتت ثم نهضت ومشت إلى الفراش ~~وقد أنهكها التعب وخارت قواها من هول ما قاسته تلك الليلة ولما رأت والدتها تهم بالخروج ~~استحلفتها أن تبذل جهدها في إقناع والدها فأكدت لها ms120 الوعد وخرجت حتى أتت غرفة زوجها فإذا هو ~~في انتظارها ليستطلعها سبب ما شاهده من هند فلما ابتدرها بالسؤال قائلا: «أتظنين هندا ~~تبقى على عزمها من رفض ثعلبة فقد رأيت أني جاريتها في أمر ربما آل إلى حرب دموية بيني وبين ~~الحارث ولكنني فعلت ذلك مدفوعا بشفقتي على الفتاة وأنا أرجو أن أعود إلى إقناعها في فرصة ~~أخرى ألا تساعدينني على ذلك.» # فابتسمت وأظهرت الاستغراب قائلة: «أتظنني جاريت هندا في عملها هذا عبثا ألم أقل لك أني ~~إنما فعلت ذلك رغما عني وقد خفت على حياة ابنتنا ولو علمت أن الإصرار ينفعنا شيئا ولو بعد ~~حين ما سمعت منها قولا ولكنني رأيت ذلك لا يجدينا غير خسارة لا تعوض. أليست هند ثمرة ~~حياتنا ومرجع آمالنا وزهرة عمرنا أليست تعزيتنا في شيخوختنا ألم نفاخر بها ملوك العرب ~~ونفضلها على خيرة البنين أليست هي فتاة غسان ومضرب أمثالهم أليست هي أفرس فرسانهم وأكرم ~~كرامهم أنسيت وقد رأيتها تبكى كالطفل أنها تجاري فرسان غسان في حومة الميدان وإذا ركبت ~~جوادها تطاولت إليها الأعناق وحامت حولها القلوب ألم تكن هند إذا وقفت في حومة الوغى ~~واستحثت الرجال على دفاع الأعداء أنهضت هممهم وأثارت حميتهم أغرك منها ذلها وانكسارها ~~الليلة فنسيت هندا وما هي امثل هذه الفتاة يسهل التسليم بها لرجل لا يساوى قدة من نعلها. ~~ثعلبة وما ثعلبة أليس هو ذلك الجبان الغر الذي رأيناه يحقد كالفيل ويحتال كالثعلب ويغدر ~~كالعقرب أنسيت يوم السباق وما كان شأنه مع ذلك الشاب الغريب يوم سبقه مرتين حتى إذا ~~سابقه ثالثة عاد من حلبة السباق وفى يده قصبة السبق مبرية بري القلم ألا تذكر انك رأيت ~~القصبة مبرية.» # وكان جبلة في أثناء ذلك صامتا وقد أعجب بفصاحة سعدى وانسجام حديثها فلما ذكرت القصبة ~~تذكر انه رآها مبرية فقال: «نعم اذكر ذلك.» # قالت: «أتدرى سبب بريها فوالله وشرف بني غسان لو أطلعتك على سر الأمر للعنت الساعة التي ~~ولد فيها ثعلبة ببني غسان ولوددت لو أن حمادا مكانه ms121 لأنه أشبه بشهامتهم وكرم ~~أخلاقهم.» # فمال جبلة استطلاع السبب فقال: «وما سبب بريها؟» فسرت سعدى لإصغاء زوجها إلى حديثها فقصت ~~له حكاية القصبة وبالغت بما أظهره حماد من الشهامة وكرم الأخلاق وما كان من دناءة ثعلبة ~~وخساسته فلم تكد تفرغ من حديثها حتى انقبض وجه جبلة لما جره ثعلبة من العار على ~~الغسانيين وأحس بارتياح إلى حماد فقال: «تبا لثعلبة ورعيا لذلك الشاب فيا ليته قتله ~~ولم يسمعنا هذا الحديث عنه.» # فتنسمت سعدى من جبلة إصغاء لحديثها فقالت: «أما وقد فتح الحديث وجرنا الكلام إلى هذا ~~الحد فأسألك مسألة ستكون جوابا لسؤال سألتنيه الليلة.» # فقال: «وما ذلك.» # قالت: «أتدرى ما الذي حمل ثعلبة على خطبة هند بعد ما علمته من تباعده عنها.» # قال: «وما تعنين بتباعده.» # قالت: «ألم تكن هند ابنة عمه منذ ولدت.» # قال: «بلى.» # قالت: «ألم يكن يجدر به أن يخطبها لنفسه منذ أعوام وقد يخطب أبناء العم ~~أطفالا.» # قال: «بلى.» # قالت: «أتدرى ما الذي امسكه عن خطبتها حتى الآن.» # قال وقد بهره قولها وتطاول بعنقه لاستكمال حديثها: «لا أدري وما ظنك بذلك.» # قالت: «لأنه يحسب نفسه ارفع منها مقاما أو لعله كان يتوقع أن نعرضها عليه فإذا ~~قبلها إذ ذاك إنما يقبلها كرما ومنة.» # قال جبلة وقد أقطب وجهه وتعاظم غضبه: «خسئ النذل وخسئ أبوه قبله.» # قالت: «بل خسئ كل من يقول قوله فقد علمت أن ثعلبة لم يكن عازما على خطبة هند لو لم ~~يحدث ما حرك غيرته وهاجه على الانتقام وإذا أذنت أن اكشف لك الغطاء فعلت.» # قال وقد مال بكليته إلى استطلاع السر: «نعم أني شديد الميل إلى معرفة ذلك قولي.» # قالت: «ولكنني استحلفك بحبك هندا أن تبقى على حبها وتشفق على صباها وتعذرها في ما ~~رأيته أو تراه من حالها.» # قال: «لقد عذرناها من قبل فلا حاجة إلى الاستحلاف.» # قالت: «إنما استحلفك على أمر لم تعلمه بعد.» # فازداد شوقا وقال: «قولي لقد نفد صبري.» # قالت: «قد علمت حسد ثعلبة حمادا على أثر ما ms122 ناله من قصب السبق عليه وقد تعاظم حسده ~~لما رأى هندا تلبسه تلك الدرع وهي إنما فعلت ذلك بأمرك.» # قال: «نعم.» # قالت: «وقد رأيتك وأنت رجل معجبا بشهامة ذلك الشاب ولا يخفى عليك أن النساء أكثر ~~إعجابا بشهامة الرجال وخصوصا من كانت مثل هند في مقتبل العمر وريعان الشباب.» قالت ذلك ~~وهي تراعي ما يبدو من جبلة ولم تكن تتوقع إلا استغرابه فحملق جبلة ونظر إليها والشرر ~~يكاد يتطاير من عينيه وقال: «وماذا تعنين.» # قالت وهي تتردد بين أن تصرح له أو تبقى على الكتمان: «أعني انه لما رأى هندا معجبة ~~بحماد ثارت في قلبه نيران الغيرة والحسد والانتقام و ....» # فقطع عليها الكلام قائلا: «أظنك تعنين أكثر من ذلك.» # فرأت سعدى أن تصرح بالحقيقة لترى ما يكون فقالت: «ربما أعنى انه ظنها تحب حمادا فأراد ~~خطبتها ليحرمها منه فينتقم منهما جميعا.» # فبهت جبلة وقد ارتاب من كلام سعدى بعد ما آنس من ترددها ولكنه استزادها إيضاحا فقال: ~~«هل كان ذلك منه على سبيل الظن فقط.» # قالت: «لا أدري إذا كان يتجاوز الظن.» # فقال: «أراك تدافعينني وتكتمين شيئا آخر فأفصحي عما في ضميرك.» # فسكتت وقد خافت التصريح. # فالح عليها وهو في ريب من أمرها وقال: «أفصحي.» # فقالت: «وهب أني اكتم شيئا آخر فما الفائدة من الإفصاح.» # فأدرك أن في ضميرها سرا تخاف إفشاءه فرارا من غضبه فقال وقد اشتد قلقه وحمي غضبه: ~~«قولي أفصحي فهل علمت يقينا أن هندا تحب ذلك الشاب.» # فأطرقت ولم تجب ولكنها أشارت بكتفها وحاجبيها أنها لا تعلم. # فقال: «ما بالك لا تجيبين ألعلها تحبه.» # فنظرت إليه وقد عولت على التصريح فلما رأت تقطب حاجبيه وحملقة عينيه خافت اشتداد غضبه ~~فنهضت وتظاهرت بتأجيل الحديث إلى وقت آخر وقالت وهي تهم بالخروج: «لا اعلم وسأبحث عن ذلك ~~وأخبرك.» # فامسكها بيدها وأقعدها وقال لها: «يكفى مدافعة فإنك تعلمين فقولي ولا حاجة إلى التسويف ~~بعد أن فهمت ما فهمته من خلال حديثك.» # فقالت: «فإذا كنت قد فهمت فلماذا تستعيدني ما ms123 قلته.» # قال: «إذن هي تحبه وتريد الاقتران به.» # قالت: «ربما كان ذلك.» وأعرضت عن جبلة متشاغلة بإصلاح فراشها وأظهرت عدم الاكتراث. # فحمي غضبه وأمسكها بيدها وجذبها إليه بعنف وقال: «ما بالك تستخفين بغضبي كأنك لا ترين ~~في الأمر ما يستحق الاهتمام إلا يهمك أن تقترن ابنتك برجل غريب لا نعرف أصله لا فصله وقد ~~يكون من السوقة.» # فنظرت إليه عاتبة لما أظهره من العنف وقالت بصوت منخفض: «وهذا الذي حملني على الكتمان ~~لعلمي أنك ستتلقى الخبر بما اعمله من تعلقك بشرف الغسانيين وإنكارهم مثل ذلك على بنات ~~ملوكهم على أن حمادا ليس من السوقة بل هو من أمراء العراق بني لخم.» # فخجل لما كان من خشونته في خطابها والغضب يمنعه من الاعتذار ولكنه أمسكها بلطف وقال ~~لها: «ألا تنكرين أنت ذلك أيضا. وهي انه أمير فبيننا وبين العراقيين عداوة لا تؤذن ~~بالمصاهرة.» # قالت: «لا أخفي عليك أني استعظمت الأمر عند سماعه لأول وهلة ولكنني تلقيته بالحكمة ~~والصبر لأرى حيلة في تدبيره ولو علمت أنت حال هند كما علمتها أنا لفعلت مثل فعلي ولكن ما ~~الفائدة من الكلام وقد نسيت حنوك وشفقتك فافعل ما تشاء وإذا ماتت هند فاللوم لاحق بك.» ~~قالت ذلك وهي تنظر إليه والدموع ملء عينيها. # فلما شاهد ذلك منها سكن غضبه وصبر نفسه ونظر إليها بطرف يكاد يدمع وقال: «وما الحيلة ~~التي ترينها والحال كما قلت.» # قالت: «إذا أذنت أن ننظر في الأمر بعين الحكمة دبرت لك حيلة ينصرف بها هذا المشكل على ~~أهون سبيل وإلا فالأمر لك.» # فبهت وقال: «ما الرأي قولي.» # فجلست إلى جانبه وخاطبته باهتمام قائلة: «أما الرأي فهو أن نتظاهر بالرضاء عما أرادته ~~هند ثم ندبر حيلة نتخلص بها من حماد لا يكون فيها ضغط على عواطفها.» # فقال: «وكيف ذلك.» # قالت: «سأخبرها غدا أن حمادا إذا طلبها منك لا تمنعه منها ثم أبين لها ترفع مثلها عن ~~الاقتران برجل غريب لم يثبت لنا نسبه وهي لا تنكر ذلك ثم احبب إليها أن يعمل ms124 عملا نقترحه ~~عليه يكون له فخر يغنيه عن النسب فإذا قبلت ولا أظنها إلا قابلة لعلمي بعزة نفسها ~~اقترحنا على حماد أمرا يقرب من المستحيل فإذا استطاعه كان اقترانه بهند أمرا مقضيا من ~~الله سبحانه وتعالى فلا مندوحة لنا عن القبول به.» # فارتاح جبلة إلى هذا الرأي وسألها عما تنوى اقتراحه فقالت: «سننظر فيه ونقر عليه ~~ريثما يئين الوقت.» # فسر لتعقلها واثنى على ما أظهرته من الروية والحكمة فقالت له عند ذلك: «دعنى اذهب إلى ~~هند وأطمئنها لئلا تقضي الليلة ساهرة فتعود إلى الضعف.» قالت ذلك وخرجت فرأت هندا في ~~انتظارها على مثل الجمر. # أما هند فلما رأت والدتها قادمة نهضت لملاقاتها وهي تنظر إلى وجهها تتفاءل بما تقرأه ~~عليه من آيات البشر فرأتها تبتسم فسكن بلبالها فاستطلعتها الخبر فطمأنتها وأكدت لها أن ~~والدها لا يمانعها في ما تريده فلم تصدقها حتى أقسمت بحبها لها فانبسط وجهها ولم تتمالك عن ~~الابتسام وكان سرور والدتها أكثر من سرورها ولكنها ما زالت تفكر في الحيلة ثم ودعت ابنتها ~~وخرجت ولم تنم هند تلك الليلة من شدة الفرح. # الفصل الثلاثون # | اليأس من وجود عبد الله # تركنا حمادا في انتظار خبر والده وسلمان يتردد إلى بصرى وضواحيها يسأل عنه حتى يئسا من ~~العثور عليه هناك فقلق حماد لذلك كثيرا وخاف من سوء يصيبه وكان سلمان في مثل قلقه فعاد ~~ذات يوم من بصرى وكان قد ذهب إليها للبحث عن سيده ولم يقف له على خبر فوصل خيمة حماد فرآه ~~غارقا في بحار الهواجس فلما دخل ناداه حماد: «ما وراءك يا سلمان.» # قال: «ما زلت على ما فارقتني ولا أراني قادرا على الصبر بعد هذا الانتظار فأذن لي ~~بالمسير إلى بيت المقدس أو عمان للتفتيش عن سيدي فقد مللت الانتظار.» # فقال حماد: «ألا ترى أن أسير أنا معك.» # قال: «لا حاجة إلى ذهابك فامكث هنا ريثما اعود.» # فقال: «هل تسير إلى بيت المقدس أم إلى عمان.» # قال: «أرى أن أسير إلى بيت المقدس أتتبع خطوات ms125 سيدي منها حتى أقف على خبره فضلا عما في ~~الطريق من هنا إلى عمان من الأخطار التي لم ننسها بعد.» # قال: «سر بحراسة الله ولا تطل الغياب فإني في انتظارك وأنت تعلم حالي من القلق.» # فودعه وخرج على جواده وقد لبس ثياب السفر وسار قاصدا بيت المقدس فوصلها بعد أيام فجال في ~~شوارعها حتى انتهى إلى خان علم من قيافة صاحبه انه عربي فدخل والتمس مبيتا عنده فأعد له ~~غرفة نزل فيها وأرسل جواده إلى الإسطبل ثم بدل ثيابه وجاء إلى صاحب الخان فجلس إليه وجعل ~~يحادثه في مواضيع مختلفة حتى تطرق إلى حكاية هرقل وما كان من مجيئه إلى هناك فآنس في ~~الرجل علما ببعض الحكاية فقال له: «وهل رأيت القيصر يوم مجيئه.» # قال: «رأيته مارا بموكبه يوم وصوله ثم تراكمت علينا الأشغال لتقاطر أهل القرى ~~والبلاد إلى بيت المقدس لمشاهدته.» # فقال: «وهل يرد عليكم كثير من العرب أم كل زائريكم من الروم والسريان واليهود من أهل هذه ~~البلاد.» # قال: «قلما يرد علينا قوافل من العرب أما في هذا العام فقد جاءنا كثير منهم.» # فقال: «وما سبب ذلك.» # قال: «لان قيصر بعث إلى أمير من أمراء الحجاز يقال له أبو سفيان فجاء برجاله وحاشيته ~~وقافلته فنزلوا جميعا في هذا الخان ومكثوا مدة بيننا فانتفعت المدينة بقدومهم لما ~~يبتاعونه من الطعام لهم والعلف لخيولهم ويظهر أنهم من أهل الرخاء خلافا لما تعودناه من ~~فقر أهل الحجاز وقلة أموالهم كما هو مشهور من جدب أرضهم.» # فقال سلمان : «كثيرا ما سمعت بأبي سفيان هذا وعهدي به من أعظم أمراء مكة وانه كثيرا ما ~~يقدم برجاله إلى الشام وضواحيها للاتجار.» # فقال: «ولكنه قلما يأتي بيت المقدس أما في هذا العام فقد جاء بأمر من ~~الإمبراطور.» # قال: «وما الذي دعا الإمبراطور إلى استقدمه ومن يكون أبو سفيان حتى يهتم إمبراطور الروم ~~باستدعائه.» # فأحكى له حكاية الكتاب الذي ورد على هرقل وما كان من أمره حتى انتهى إلى سفره من بيت ~~المقدس. # فأراد سلمان أن ms126 يستطلع خبر سيده فقال: «أظن العرب الذين يأتونكم كلهم أو أكثرهم من الحجاز ~~ويندر أن يأتيكم أحد من أهل العراق.» # وكان الخاناتي قد علم من لهجة سلمان انه عراقي فقال: «كثيرا ما يأتينا تجار من العراق ~~أيضا ولكن قدومهم يكون غالبا في أزمنة المواسم والأعياد عندما يكثر الواردون إلى القبر ~~المقدس لان الناس يحجون إلى أورشليم من جميع أقطار العالم فيأتي الباعة والتجار من سائر ~~البلدان أيضا لعرض سلعهم وبضائعهم وأهل العراق يحملون إلينا مصنوعات الفرس كالسجاد ونحوه ~~وشيئا من محصولات العراق كالتمر وغيره.» # فقال: «هل جاءكم أحد منهم في هذه الأثناء.» # قال: «رأيت كثيرين ولكن لم ينزل منهم احد عندي إلا أميرا جاءنا يوم سفر أبي سفيان ~~وسار معه.» # فتوسم سلمان من ذلك خيرا فقال: «وهل عرفت اسم ذلك الأمير.» # قال: «أظنني سمعتهم ينادونه عبد الله.» # فتحقق سلمان انه سيده بعينه فقال: «هل تعرف شيئا عن هذا الأمير بعد سفره.» # فأطرق الخاناتى هنيهة ثم قال: «لقد أذكرتني من شأن هذا الأمير ما يتفطر له ~~القلب.» # فاقشعر بدن سلمان عند سماعه ذلك حتى ظهر الارتباك على وجهه وتطاول بعنقه نحو الخاناتى ~~وقال: «لقد شغلت بالي يا أخا العرب بما أشرت إليه فهل أصيب الأمير عبد الله بسوء.» # قال: «كلا لم اسمع عنه شيئا من هذا القبيل ولكنني علمت انه أصيب بفقد ولد له أكلته ~~السباع في مسبعة الزرقاء.» # فعجب سلمان وإلتفت إلى الخاناتى باهتمام وقال: «اعترف لك يا سيدى أن أمر هذا الأمير يهمني ~~كثيرا لأنه سيدي وأنا إنما جئت للتفتيش عنه فهل تتفضل بتفصيل حكايته وما تم له ومن ~~أنبأه بمقتل ابنه.» # قال: «لا أخفي عليك شيئا اعرفه من هذا القبيل فقد جاءنا هذا الأمير يوم سفر أبى ~~سفيان ولحظت انه سار في ضيافته فلما خرجت القافلة أرسلت معها بعض خدمة الخان ليشيعوها ~~لعلها تحتاج إلى إرشاد في اختيار بعض الطرق دون غيرها وكان مع القافلة جواد عثر عليه ~~شاردا في بعض السهول أثناء مجيئهم إلى الشام فلما همت ms127 القافلة بالمسير قدم أبو سفيان ~~ذلك الجواد للأمير عبد الله ليركبه فلما رآه هذا عرفه انه جواد ولد له كان قد فارقه ~~في بعض جهات الزرقاء فالتبس عليه أمر الجواد وفراره واحكي حكايته هذه لأبي سفيان فرافقه ~~هذا مع بعض رجاله إلى المكان الذي رأوا الفرس فيه وبلغني أنهم عثروا على بقايا فرس آخر ~~تحت شجرة وأشياء أخرى استدلوا منها على ذهاب الغلام فريسة السباع فبكى ذلك المسكين بكاء ~~مرا وندب ابنه وبالغ أبو سفيان بتعزيته فلم يتعز.» # وكان سلمان أثناء هذه الحكاية مصغيا وقلبه يخفق فلما وصل الخاناتي إلى هذا الحد أحس ~~سلمان بقشعريرة وقف لها شعره وقال للرجل: «وماذا تم له بعد ذلك.» # قال: «سمعت انه لما تحقق موت ابنه لم يعد يحلو له الذهاب إلى منزله في بصرى فسار مع ~~القافلة إلى الحجاز.» # فقال سلمان: «وهل تحققت انه سار إلى الحجاز.» # قال: «هذا ما سمعته ولا أدري إذا كان قد عدل عنها بعد ذلك.» # فقال سلمان وقد ظهرت البغتة على وجهه: «أني اعترفت لك بأهمية هذه الحكاية عندي واشكر ~~الله لنزولي عليك حتى سمعت هذا الحديث منك ولكنني أرجو أن تزيدني إيضاحا ما ~~استطعت.» # فقال الخاناتى: «لقد رأيت من اهتمامك وظهور البغتة على وجهك ما حرك في الاهتمام لمعرفة ~~مصير هذا الأمير فلندع المكاري الذي قص الخبر علي بعد عودته لعله يزيدنا إيضاحا.» قال ~~ذلك ونادى المكاري وكان مشتغلا ببعض شؤون الخان فجاء فسأله عما يعلمه من تفاصيل حكاية ~~عبد الله. # فاحكى القصة كما قالها الخاناتى مع بعض التفصيل حتى انتهى إلى مسير القافلة بعد الرجوع من ~~مسبعة الزرقاء فقال: «رأيت ذلك الأمير عائدا على قدميه يحمل سيف ابنه وعباءته وكان قد ~~عثر عليهما عند ضفة غدير هناك فاستأنس بهما واشتم رائحة ابنه منهما وأما الجواد فكان ~~مسوقا وراءه كئيبا كأنه عام بمصير صاحبه فلما وصلوا إلى الطريق دعاه أبو سفيان ~~للمسير معه إلى الحجاز أو أن يوصله إلى منزله في بصرى فقال انه يريد العود إلى ms128 بصرى ثم ~~تردد في الذهاب إلى الحجاز ولكنه رافقه وساروا جميعا وعدنا نحن ولا نعلم ما تم له بعد ~~ذلك.» # فقال سلمان: «ألم تسمعه يذكر عمان وعزمه المسير إليها.» # قال: «لا أذكر أني سمعته يقول شيئا من هذا القبيل.» # فبهت سلمان برهة يفكر في ما سمعه وقد علم أن سيده لا يصبر على ما ظنه من ذهاب حماد ~~فريسة للسباع وخاف أن يكون قد حمله ذلك على مهاجرة الشام والمسير إلى الحجاز مع أبي سفيان ~~ولكنه رأى ذلك إذا فعله سيده لا يخلو من المسارعة وهو يعلم أن عبد الله عاقل لا يأخذ ~~الأمور بمظاهرها فلبث برهة يفكر ثم استأذن الخاناتي في الذهاب إلى غرفته ليتبصر في الآمر ~~بعد أن شكره لما قصه عليه. # فلما خلا في غرفته أخذت تتقاذفه الهواجس وهو يفكر في الأمر وقد انقبضت نفسه خوفا مما ~~قد يصيب سيده من عواقب اليأس وعظم عليه الرجوع إلى حماد بهذا الخبر المشئوم فضلا عن انه ~~لا يفيده شيئا فقضى بقية ذلك النهار وطول الليل في مثل هذه الهواجس فلاح له بعد إعمال ~~الفكرة أن يتبع خطوات سيده بنفسه فيسير إلى عمان لعله يقف على ما يحلو له ~~الحقيقة. # فلما أصبح سار إلى الخاناتى وأطلعه على عزمه واستأذنه في مسير ذلك المكاري معه فأطاعه ~~فركب سلمان والمكاري في ركابه وكلما مرا بمكان احكي له المكاري واقعة حاله حتى تجاوزا ~~طريق المسبعة ووصلا إلى النقطة التي عاد المكاري منها فقال سلمان: «ألا تسير معي إلى عمان ~~لعلنا نسمع هناك خبرا جديدا.» # قال: «أني في ركابك إلى حيثما تريد ولكنني سمعت منذ أيام أن بالقرب من عمان جماعة من قريش ~~جاؤوا لمحاربتنا فلا نأمن إذا رأونا أن نقع في أيديهم غنيمة باردة.» # فتذكر سلمان انه سمع مثل ذلك قبل خروجه من بصرى أيضا فتردد في الأمر ولكن نفسه لم ~~تطاوعه على الرجوع قبل الوصول إلى عمان فقر رأيه على الذهاب إليها من طرق مجهولة لا ~~يطرقها إلا القليل من الناس والمكاري ms129 يعرفها فسارا حتى انتهيا إلى عمان فلم يجدا فيها ~~أثرا ولا خبرا. # فعاد سلمان يئسا حزينا لا يدري كيف يقابل حمادا بهذا الخبر الابتر على انه كان يتوهم ~~أن سيده ولو أطاع عواطفه في حال تأثرها وسار إلى الحجاز لا يلبث أن يهدأ روعه ويعود إلى ~~البلقاء للبحث عن ابنه ولا اقل من يرجع إلى بصرى بعد أن عفي عنه فيتفقد ما ادخروه من ~~المال والمثمنات في منزلهم بغسام. # فقضى سلمان طول الطريق في عودته وهو يفكر في ذلك وكثيرا ما حدثته نفسه أن يتأثر سيده ~~إلى الحجاز لو لم يعترضه الشك في مسيره إليها وعول أخيرا على الرجوع إلى حماد والمداولة ~~معه في هذه الشؤون فإذا تحقق ذهابه إلى الحجاز سار للتفتيش عنه فيها. # فلما وصلا إلى منعطف من الطرق يؤدي إلى البلقاء رأسا أثنى على المكاري وأكرمه وودعه ~~وسار قاصدا حمادا. # الفصل الحادي والثلاثون # | حماد في خيمته # لم يكد يتوارى سلمان عن حماد يوم خروجه إلى بيت المقدس حتى أحس حماد بالوحشة لإنفراده ~~في تلك الخيمة بعيدا عن حبيبته قلقا على والده فجلس يفكر في ما مر به ذلك العام من ~~الأهوال وما رآه من حوادث الأيام وتذكر حاله قبل قدومه البلقاء يوم كان خلي البال لا يعرف ~~الهواجس فعلم أن السبب في ذلك كله الحب فتذكر هندا وما ناله من رضاء والدتها فرقص قلبه ~~طربا ونسي ما ينتابه من الشواغل والحب مع ما وصفه به أمام العاشقين بقوله. # فعش خاليا فالحب راحته عنى # فأوله سقم وآخره قتيل # فهو إذا رضي الحبيب تعزية للمحبين ينسيهم الهموم ويخفف عنهم الأحزان. # فلم يكن لحماد تعزية في غربته وهواجسه إلا رضاء حبيبته فإذا تراكمت عليه الأحزان ~~تذكرها وتصور قربها فتنتعش جوارحه وتثوب إليه آماله فينجلي صدره وتنبسط نفسه. # فلبث في خيمته برهة يتردد بين اليأس والرجاء ينقبض تارة وينبسط أخرى حتى كان المساء فسمع ~~خوار ثور بين الخيام فعلم أن مضيفه عائد من مرعاه فحسده لسذاجته وقلة شواغله ولبث يفكر ~~في ms130 أ مره وود لو انه في مثل حاله خلي البال قليل البلبال لا يهمه من دنياه إلا ما ~~يرجوه من غلة أرضه أو نتاج ماشيته ولكنه تذكر أن ذلك الشيخ لا يعرف الحب ولا شعر بلذته ~~فخيل له انه أشبه بالحيوان الأعجم منه بالإنسان. # وفيما هو يتأمل سمع وقع خطوات بالقرب من الخيمة علم من خفتها أنها خطوات الشيخ لأنه كان ~~لا يمشي إلا حافيا فاحتفر لاستقباله فإذا به قد دخل الخيمة والمنجل لا يزال في يده وقد ~~كسا لحيته وعمامته الغبار وانفتح قميصه عن صدره فبان الشعر متجعدا كأنه نبت الربيع ~~يعانق بعضه بعضا فلما رآه حماد وقف له وحياه إكراما لشيخوخته فألقى الشيخ المنجل عند ~~باب الخيمة ودخل وعلى وجهه ملامح البشر حتى كاد يبتسم وكان قد عاشره أياما لم ير ثغره ~~باسما قط على انه قلما رآه منقبضا أو مهتما فلما رآه يبتسم أحس بارتياح وسرور ودعاه ~~إلى جانبه وأخلى له مجلسا على البساط فأبى الجلوس إلا على الأرض فجلس وهو يحك إحدى ~~كفه بالأخرى لينزع ما لصق بهما من التراب فلما تفتت التراب عنهما جعل ينفض لحيته البيضاء ~~لينزع عنها ما علق بها من الأتربة. # فبدأ حماد بخطابه قائلا: «كيف أنت اليوم أيها الشيخ أرجو أن تكون في خير ~~وعافية.» # فنزع الشيخ عمامته وتشاغل بنقرها لينفض غبارها وقال: «نحمد الله على خيراته فقد سرني ~~اليوم أن بقرتي ولدت عجلا أبلق ولا يمضي عليه العام أو العامان حتى استخدمه في الحراثة ~~فيغنيني عن تربية البنين وهمومهم.» # فعجب حماد لسذاجة البدو وقلة هموم أهلها فأراد مداعبته فقال له: «أيكفيك من دنياك رعاية ~~الماشية وتربية العجول والغسانيون متمتعون بالسلطة والسيادة.» وكان حماد عالما بما ~~يتقوله الأنباط على الغسانيين كما تقدم. # فضحك الشيخ مستهزئا وقال: «لا يغرنك من دنياك يوم نعيم فإنها لا تحسن يوما حتى تسئ ~~أياما فلا تفرح للحارث الغساني من اجل يوم استبد فيه فقد جاءه من ينزع عنه السيادة ~~ويلحقه بأجداده أصحاب السيل العرم الذين إنما ms131 جاؤونا فرارا من الفقر بعد أن كانوا يقيمون ~~في أرض تستقي من مستنقعات يجمعونها من مياه الأمطار وراء سد من حجر فلما أنهدم السد سال ~~الماء فاغرق السهول ولم يعودوا يستطيعون بناء السد لضعفهم وقلة تدبيرهم فأجدبت أرضهم ففروا ~~في جملة من فر منها إلى هذه البلاد منذ قرون متطاولة وقدر لهم الملك عن غير استحقاق ~~فجاءهم الآن من ينزع الملك منهم ويكسر شوكتهم ويعلمهم مالهم وما عليهم.» # فعلم حماد أن الشيخ يشير إلى حكاية سيل العرم في جهات اليمن وما كان من تفرق بني قحطان ~~بعده والغسانيون في جملتهم ولكنه لم يفقه ما أراده من قوله بقرب زوال ملكهم فقال له: ~~«وما تعنى بزوال ملكهم ونحن لا نراهم يزدادون إلا قوة ومنعة.» # قال: «ألم تسمع بالعدنانيين الذين قدموا من الحجاز في هذه الأثناء فقد جاؤوا جماعة كبيرة ~~ليقتصوا من الغسانيين ويبيدوهم عن آخرهم.» # فقال: «وما اوجب الاقتصاص وأي علاقة بينهما والحجاز على مسافة أيام من الشام والناس هناك ~~في شاغل بإصلاح دينهم فقد ظهر فيهم من يدعوهم إلى دين الله وقد سمعت بأنه انشأ فيهم دولة ~~جديدة دانت لها كل بلاد العرب فأهل الحجاز في شاغل عن هذه البلاد.» # فضحك الشيخ وقال: «كل ذلك من تدبير الله. وأما ما اوجب مجيء العدنانيين فهو وقاحة الحارث ~~الغساني وكبرياؤه فقد أنبأني بعض المارين من هنا أن نبي قريش الذي ذكرته كتب إلى الحارث ~~كتابا يدعوه فيه إلى دينه فبدلا من أن يقرأه ويتأمله ويرد الرسول ردا جميلا مزق ~~الكتاب وأهان الرسول فشق ذلك على صاحب الرسالة فأنفذ جندا لحرب الحارث وفتح بلاده.» # فاهتم حماد بذلك الخبر كثيرا لعلمه أن الحرب إذا قامت عرقلت مساعيه وحالت بينه وبين ~~ما يريد فضلا عما يخافه على هند من الخطر لان جبلة لا بد له من نصرة ابن عمه الحارث على ~~انه لم يكن يخاف انهزامهم أو خذلانهم لما كان يتوهمه من ضعف أهل الحجاز وقلة خيراتهم كما ~~هو مشهور عن تلك البلاد منذ القدم ms132 ولكن خوفه على هند من عواقب الحرب همه كثيرا فلبث برهة ~~يفكر في أمره ثم قال للشيخ: «وهل أنت واثق بمجيء هؤلاء الحجازيين.» # قال: «لا ريب عندي من ذلك.» # قال: «العلك سمعت الخبر عن ثقة.» # قال: «سمعته من خبير وهمني أمره كثيرا حتى تحققته إذ يسرني خذلان الغساسنة فقد قلت لك ~~أنهم أعداؤنا.» وكان ذلك الشيخ النبطي يظن حمادا يفرح بسقوط دولة بني غسان لأنه من لخم ~~ولم يدر من له في صرح الغدير. # فلبث حماد صامتا لا يدرى ماذا يعمل وتذكر سلمان ووالده فتراكمت همومه فإلتفت إلى الشيخ ~~فإذا هو قد ذبلت عيناه وغلب عليه النعاس شأن المشتغلين مثل شغله على خلو بالهم وخصوصا من ~~كان في مثل سنه فانك بينما أنت تخاطبه في شأن لا تلبث أن تراه ينام فتركه حماد واشتغل ~~بهواجسه. # ثم أفاق الشيخ مذعورا لصوت ثيرانه وهم بالخروج من الخيمة وهو يقول: «لقد تقاتل ~~الثوران.» فخرج حماد في أثره وكان الليل قد سدل نقابه فسارا حتى دنوا من مربط الثيران فإذا ~~هي لا تتقاتل ولكنهما شاهدا بينها جملا غريبا فتقدم الشيخ إليه وامسكه بعنقه وأبعده عن ~~ثيرانه حتى دنا به من نار موقدة يستضاء بها وحماد يراعيه بعينيه ولم يكد الشيخ يتأمل ~~ذلك الجمل حتى ضحك وقال: «وهذه ناقة من نوق أهل المدينة قد تخلفت عن جند الحجاز الذي قلت لك ~~أنهم جاؤوا لحرب الغسانيين.» # فقال حماد: «وما الذي دلك على ذلك.» # قال: «دلني عليه شكل الرحل فانه خاص بأهل المدينة وكثيرا ما أرينا من أمثال هذه النوق ~~مارة بنا إلى الشام وغيرها.» # فقال حماد: «يظهر أن هؤلاء العدنانيين قد أصبحوا على مقربة منا.» # فقال الشيخ: «لا أظنهم قريبين فقد يكون بيننا وبينهم مسافة أيام ولعل هذه الناقة قد تاهت ~~منذ بضعة أيام.» قال ذلك وهو يعقلها ويأتي لها بالعلف. # فتركه حماد وعاد إلى خيمته وقد تمثل له الأمر بجسامته فعظم عليه أن يذهب أمله أدراج ~~الرياح لاشتغال جبلة بالحرب فشعر باحتياجه إلى سلمان فصبر ms133 نفسه ريثما يعود إليه بخبر ~~والده. # الفصل الثاني والثلاثون # | سلمان وأخباره # وبعد أيام عاد سلمان كاسف البال لخيبة مسعاه في إلتفتيش عن سيده وكان حماد قد مل ~~الانتظار فاستطلعه كنه ما علمه فاحكي له ما سمعه ثم قال: «يلوح لي أن سيدي رافق أبا ~~سفيان إلى الحجاز إذ يظهر مما سمعته انه تحقق خبر مقتلك فلم يبق له وطر في الحياة ولعل ~~أبا سفيان حبب إليه السفر ورغبه في المسير إلى الكعبة فجاراه.» # فقال حماد: «لا أظنه يفعل ذلك قبل أن يأتي بصرى ويستخرج المخباة التي خبأناها في ~~غسام.» # فقال: «وما أدرانا انه لم يأت بعد أن استخرجناها أو لعله أرسل من يبحث عنها فلم يظفر ~~بها وعلى كل حال أن سيدي ليس في فلسطين ولا البلقاء ولا عثرت عليه في عمان ويؤخذ من مجمل ~~ما سمعته انه سار إلى الحجاز فهل تأذن لي في الذهاب إلى مكة للتفتيش عنه.» # قال: «لو كنا على يقين من ذهابه إليها لسرت أنا بنفسي ولكننا إنما نرجم بالغيب وزد على ~~ذلك إننا في حال تدعو إلى القلق من أمر الحرب المنتظرة بين الحجازيين والغسانيين وقد ~~سمعتك تشير إليها في أثناء حديثك وكنت في ريب من أمرها مع أني سمعتها من شيخنا النبطي منذ ~~أيام.» # فقال سلمان: «أما مجيء هؤلاء الرجال فلا شك فيه لأني شاهدت معسكرهم شهادة عين بجوار ~~عمان وأما سيدي فالأرجح انه سار إلى الحجاز أو لعله أصيب بما عاقه عن المجيء إلى البصرى ~~ولا يلبث أن يأتي إليها فإذا لم نره بعد أيام علمنا انه سار مع أبى سفيان إلى ~~مكة.» # فلم ير حماد بدا من التربص لما سيظهر من هذا القبيل ولكنه عاد إلى امره مع هند وما عسى ~~أن يكون من شأنها بعد طول الانقطاع وخاف أن يتغلب الفتور على قلبها فيذهب سعيه ~~هدرا. # فقال: «عليك يا سلمان أن تتردد إلى بصرى لعلك تسمع شيئا عن والدي ولا تنس البحث عن هند ~~ووالدها فقد علمت ما داهم الغسانيين ms134 من امر الحرب على حين غفلة وأخشى إذا حمى وطيسها أن ~~تذهب آمالنا كلها أدراج الرياح.» # فقال سلمان والقلق ظاهر على وجهه: «وما أدراك أنني غافل عن هذا الأمر وهو شاغل فكرى ~~ليلا ونهارا وكنت عازما على استئذانك في الذهاب إلى بصرى في صباح الغد فقد سمعت الناس ~~يتقولون أقوالا لم أصدقها.» # فبغت حماد وقال: «وماذا عسى أن يكون تقولهم وعمن يتقولون قل ما الذي سمعته.» # قال: «لم أسمع شيئا يوجب قلقا لأني على يقين من حب هند وثباتها في حبك.» # فازداد حماد اندهاشا وقال: «هند؟ وما شأن هند وماذا يتقول الناس عنها قل ~~ياسلمان.» # قال: «هدئ روعك فإني لا أخفي عنك شيئا وخصوصا أن ما سمعته لا يوجب قلقا ولا يجر إلى ~~خوف.» # فقال حماد وقد نفد صبره: «قل ماذا يقولون.» # قال: «سمعت الناس يتحدثون في بصرى وضواحيها أن ثعلبة طلب الاقتران بهند.» # فلما سمع حماد اسم ثعلبة مقرونا باسم هند وقف شعره واقشعر بدنه وقال: «وكيف طلب ذلك ~~ومتى.» # قال: «سمعت انه طلبها بواسطة والده الحارث وان والده خاطب جبلة فوعده.» # فصاح حماد: «وبماذا وعده.» # قال سلمان وهو يبتسم: «ما لى أراك قليل الصبر خفف عنك وأصغ إلى ما أقول فقد عهدتك صبورا ~~حازما.» # قال: «إني صبور على كل شيء إلا على هند قل ما كان وعده.» # قال: «وعده بمخاطبة الفتاة أو بالحري بمشاورة والدتها إذ لا تجهل أن اقتران البنات قلما ~~يتوقف على إرادتهن.» # فقال حماد: «وماذا كانت النتيجة.» # قال: «لم أتحقق الخبر بعد فقد قال بعضهم انه خاطبها ولم تقبل وقال آخرون انه لم يخاطبها ~~بعد ولكن صديقا لي من أهل بصرى صادقته على أثر هجوم ثعلبة على منزلنا يوم قبضوا على سيدي ~~الأمير وأظنه أعلم الناس بحقيقة الواقع أنبأني أمس وقد لقيته في الطريق بجوار بصرى أن ~~الحارث استبطأ جواب جبلة بشأن هند فسار إليه ثانية يستعجله في الجواب على أثر قدوم هؤلاء ~~الحجازيين لأنه يريد التعجيل في الاقتران قبل انتشاب الحرب.» # فخفق قلب حماد ms135 كمن أخفق مسعاه ووقف وقد امتقع لونه وقال: «ما هذه الأحاديث يا سلمان ~~فإني أراني في حلم أتظن آمالنا ومساعينا قد ذهبت عبثا وهل ترضى هند بابن عمها ثعلبة.» قال ~~ذلك والدمع يكاد يتناثر من عينيه. # فإتقدت الشهامة والغيرة في قلب سلمان وهم بحماد فضمه إلى صدره وقال له: «خسئ النذل ~~أن هندا أرفع من أن تدنس قلبها بمحبته وأنت اعلم مني بأنفتها وعزة نفسها وكرهها لثعلبة ~~ويلوح لي أن البطء في جوابها ناتج عن تمنعها.» # فانتعش حماد لذلك الكلام ولكنه مازال خائفا من أن تؤخذ الفتاة قسرا فقال: «حاشا لقلب ~~هند أن يحب ذلك الخائن ولكنني أخاف أن تحمل على القبول به مراعاة لعلاقة أبويهما لما ~~بينهما من النسب وما يخشى من عواقب الرفض فقد يصعب على هند أن ترفض ما يريده ~~أبواها.» # فقال سلمان: «لا يصعب عليها ذلك ووالدتها نصيرة لها فقد آنست من هذه المرأة يوم قابلتها ~~وأنا في زي الراهب ما دلني على دهائها وقوة جنانها فهي إذا أرادت تحويل زوجها عن أمر لا ~~يصعب عليها.» # قال حماد: «ومن ينبئنا ببقائها على ذلك ونحن لم نر من حديثها في ذلك اليوم ما يدل على ~~إخلاصها لنا وزد على ما تقدم أن مجاراة جبلة في رفض ثعلبة لا يضمن لنا رضاءه بسواه.» (يريد ~~نفسه). # فأدرك سلمان وعورة المسلك ولكنه أظهر الاستخفاف به وقال: «دع ذلك إلي فإني ذاهب في ~~صباح الغد لاستطلاع الخبر وتدبير الحيلة والله يفعل ما يشاء.» # فسكت حماد لا عن اقتناع ولكنه صبر نفسه ينتظر ما يأتي به القدر. # الفصل الثالث والثلاثون # | وعند جهينة الخبر اليقين # وباتوا تلك الليلة وحماد لم ينم إلا قليلا لما تراكم عليه من الهواجس أما سلمان فقضى ~~ليلته يفكر في سبيل يوصله إلى المراد فنهض في الصباح التالي وفي نيته الشخوص إلى صرح ~~الغدير لاعتقاده أن الخبر اليقين عند هند فلبس ثياب الرهبان وركب جواده وسار حتى إذا أتى ~~الصرح سأل عمن يقيم فيه فقيل له أن جبلة برحه ms136 منذ ايام بعد أن جاءه لزيارة. فتقدم إلى ~~باب الحديقة فاستقبله بعض الخدم وسأله عن غرضه فقال انه جاء بمهمة من رئيس دير بحيراء ~~إلى الأميرة سعدى وطلب مقابلتها فسألوها فأذنت بدخوله فلما خلت به عرفنه فسألته عن ~~حماد فأنبأها بحاله وإنه جاء يستطلع ما تم من أمره فاستدعت هندا وكانت في غرفتها ~~تفكر في حماد وهي لا تعلم مقره فلما سمعت بمجيء سلمان خفق قلبها وأسرعت إليه وأمارات ~~البغتة تلوح على وجهها فلما رآها سلمان قام لها وسلم عليها وطمأنها عن حماد وسألها عن ~~صحتها فطمأنته وكان سلمان في أثناء الحديث يراقب حركات سعدى لعله يلاحظ فيها ما كان ~~يخافه من أخلاقها فآنس منها ما حقق آماله برضائها ولكنه ما زال قلقا لما عساه أن يكون ~~من أمر ثعلبه وطلبه فجعلوا يتجاذبون أطراف الحديث وأكثره بين سلمان وسعدى فعلم سلمان ما كان ~~من عدول جبلة عن ثعلبة ورضائه بحماد فسر سرورا لا مزيد عليه حتى رقص قلبه من الفرح ~~وود لو أن له أجنحة ليطير بها إلى حماد يبشره بذلك. # ثم قال لسعدى: «وما هو موعدنا من مخاطبة سيدي الملك بهذا الشأن.» # قالت: «نحن على موعد من مجيئه إلينا بعد أيام فإذا كان يوم مجيئه يتقدم حماد في طلب هند ~~فينال مبتغاه.» وكانت هند في أثناء ذلك مطرقة حياء لا تتكلم وقلبها يرقص طربا. فقال ~~سلمان: «ومن ينبئنا بذلك اليوم ونحن بعيدون عن هذا القصر.» # قالت: «نبعث معك من يعرف مقركم فإذا كان اليوم المعهود أرسلناه في طلبكم.» # قال: «حسنا» وهم بالخروج فوقفتا له فودعهما وخرج وهو لا يصدق انه سمع ما سمعه ~~ولكنه لم يعلم بما سيقوم في سبيل سيده من العقبات ورافقه خادم انتدبوه لهذه المهمة على أن ~~يكتمها. # ولا تسل عن فرح حماد بلقاء سلمان وما كان من سروره لما سمعه حتى تمثلت له السعادة عبدا ~~رقا ونسي والده وضياعه لا عن عقوق ولكن الحب تغلب عليه فوعد نفسه بالبحث عن والده بعد ~~أن يصير صهرا ms137 لملك غسان فيكون اقدر على ذلك لما يرجوه من مساعدة عمه. # فلنتركه في فرحه ولنرجع إلى جبلة وما كان من أمره بعد رجوعه إلى صرح الغدير فانه ما لبث ~~أن توارى عن الصرح حتى انجلى له خطأه وما كان من تهوره في مجاراة امرأته بشأن حماد ولم ~~يعلم كيف يجيب الحارث عن طلبه وقد عظم عليه أن يرده خائبا بعد أن وعده لما في ذلك من ~~ضعف الرأي فقضى معظم الطريق في مثل هذه الهواجس فلاح له أخيرا أن يكتم حقيقة الأمر ويجعل ~~جوابه تأجيل الخطبة إلى ما بعد انقضاء الحرب على نية أن يبعث حمادا في مهمة لا يعود منها ~~وإذا عاد إنما يعود خائبا فلا يستطيع طلبا ولا ينال وطرا. # الفصل الرابع والثلاثون # | ثعلبة # أما ثعلبة فدبر ما دبره وهو على ثقة من رضاء هند به ولو قسرا ثم علم بضياع عبد الله ~~وترجح لديه مقتل حماد مما نقله إليه جواسيسه الذين أنفذهم في اثر عبد الله عند خروجه من ~~بيت المقدس وذلك ما كان يتمناه فهمدت غيرته على هند لأنه إنما طلب الاقتران بها ليمنعها ~~من حماد فلما علم بمقتله ود الرجوع عن طلبه لتبقى منغصة العيش فتخسر الاثنين معا فاخذ ~~يترقب فرصه يؤجل بها الاقتران ثم يسعى في سبيل ينتقم به من هند وكانت تحدثه نفسه أنها ~~إذا قبلت هي به أجابها بالتأجيل والوعود حتى تموت كمدا إلا إذا علم بعد ذلك أن حمادا ~~لم يقتل فيعود إلى طلبها. # ولم يكن والده يعلم بحقيقة مراده فكان يستعجل جبلة في أمر الاقتران ظنا منه أن ذلك يسر ~~ابنه ويجعل عيشه سعيدا فلما سمع بمجيء الحجازيين إلى عمان سار بنفسه إلى جبلة وألح ~~عليه بأمر الاقتران قبل انتشاب الحرب كما تقدم ثم تواردت عليهم الأخبار بإقلاع أولئك العرب ~~من عمان وشخوصهم إلى البلقاء وبلغ ذلك ثعلبة فجاء إلى والده وتداولا في إعداد المعدات ~~وتحصين الحصون في حدود البلقاء فجرهم الحديث إلى هند والاقتران بها فاخبره والده انه ~~استعجل ms138 جبلة في استجواب هند بشأن الاقتران وإنه لا يشك بقبولها وأوعز إليه أن يستعد ~~للاقتران على ابسط الطرق بلا احتفال إلى ما بعد انتصارهم فيكون الفرح مزدوجا. # فصمت ثعلبة برهة كمن يفكر في أمر همه ثم قال: «أن حالنا الحاضرة يا أبتاه لا تؤذن لنا ~~بالاحتفال كما قدمت فلا أرى أن نستعجل بالاقتران ولا بأس من تأجيله حتى تنقضي الحرب.» فعجب ~~والده لجوابه بعد ما آنسه من الحاجة قبلا ولكنه حمل ذلك منه على رغبته في الحرب ~~فاستحسنه وقال له: «أراك تفضل الاشتغال بدفع الأعداء على نيل ما طالما كنت تتمناه وهي ~~شهامة غسانية نذكرها لك.» # وكان الحارث يفضل التأجيل أيضا ولكنه كان يلح على جبلة رغبة في إرضاء ابنه على انه ~~خاف أن يكون في ذلك ما يسئ جبلة أو يكدر العلائق بينهما فقال: «وماذا نجيب عمك لو أجابنا ~~بالقبول.» # قال: «نجيبه إننا في حال حرب لا تؤذن بالاقتران.» # قال: «ولكننا كنا في مثل هذه الحال يوم جئته وألححت عليه بطلب الفتاة وقد اعتذر إلي ~~بحال الحرب فأجبته إننا نود الفراغ من الاقتران قبل انتشابها فكيف نعود إليه بهذا العذر ~~ألا تظن في ذلك ما يحمله على إساءة الظن.» # قال: «لا يهمنا ساءه هذا الأمر أو سره فإننا نريد التأجيل.» # فعجب الحارث لطيش ابنه وتغافله عن حقيقة العلائق بينه وبين عمه فقال له: «ألا تعلم ~~يا ولدي أن مثل هذه الظنون تسوق إلى حرب بيننا وبينه فإذا كنت غافلا عن ذلك فما أنا بغافل ~~وعلى كل فان المسأله دقيقة تحتاج إلى دقة نظر وحسن أسلوب.» # فلبث ثعلبة برهة يفكر وقد انتبه لحرج المقام وكانت الغيرة والانتقام قد غشيا بصره فقال ~~لوالده: «ولكن حال اليوم غير ما كانت عليه يوم استعجلت جبلة في الاقتران فقد كان الأعداء ~~إذ ذاك في عمان وهم قد اقلعوا الآن من هناك وتحركوا نحو البلقاء فاجعل ذلك سببا ~~للتأجيل.» # فرأى الحارث في كلام ثعلبة بعض العذر فعول على الالتجاء إليه في مخاطبة جبلة. # وفيما هما ms139 في ذلك جاءهما رسول من جبلة يستقدم الحارث للمداولة بشأن الحرب. # فقال الحارث: «ها إني ذاهب إلى البلقاء لنرى ما تم من رأى جبلة بشأن الحرب وإذا خاطبني ~~في أمر هند عمدنا إلى التأجيل كما قدمنا فاشتغل أنت بتدبير الجند واكتب إلى الأمراء أن يجمع ~~كل منهم رجاله تحت رايته ويتهيأوا للحرب عند الحاجة وإذا رأيت فيهم تقاعدا استحثهم ~~واستنهض هممهم وادفع إليهم ما يحتاجون إليه من المال واستشر في ذلك البطريق رومانوس فانه ~~قد أوعز لي أن اجمع عشائر غسان التابعين للوائنا ولا بد من انه قد كتب إلى جبلة بمثل ذلك ~~أيضا فكن على استعداد وان تكن حالنا مع أولئك الحجازيين لا تستدعي كبير اهتمام.» # فقال ثعلبة: «أني عامل على ما تريد ولكنني أرجو أن تتمم ما تكلمنا فيه من تأجيل ~~الاقتران.» فوعده بذلك وركب وركبت حوله رجال حاشيته وسار قاصدا البلقاء. # الفصل الخامس والثلاثون # | جبلة والحارث # تركنا جبلة في حيرة من أمر الاقتران وتأجيله وهو في طريقه من صرح الغدير إلى البلقاء ~~فلما وصل البلقاء سمع بتحرك الحجازيين من عمان فقال في نفسه (هذا عذر يساعدني على ما أريد ~~فان زحف الأعداء إلينا عذر كاف للاشتغال به عن كل شاغل) فكتب إلى الحارث يستقدمه إليه ~~لأن البلقاء اقرب إلى عمان من بصرى وألح عليه في المجيء وذكر في كتابه انه يريد المداولة ~~معه بشأن الحرب توصلا بذلك إلى تأجيل الاقتران فسار الحارث إليه كما تقدم. # فلما التقيا سلما وأسرعا إلى خلوة تداولا فيها سرا. # فقال جبلة: «قد دعوتك يا ابن العم للبحث في الوسائل التي يجب اتخاذها لدفع هؤلاء القادمين ~~فقد علمت أنهم تحركوا من عمان شمالا فهم بلا ريب يقصدون هذه الديار ولا يلبثون أن يأتونا ~~وقد بعثت العيون يراقبون حركاتهم لينبئونا بمعسكرهم فاعدد رجالك وها أني قد أعددت ~~رجالي.» # فقال الحارث: «قد شاهدت العشائر في الطريق يستعدون للمسير إليكم وأوصيت ولدنا ثعلبة أن ~~يكتب إلى العشائر الأخرى لتجتمع بجوار بصرى فإذا اجتمعوا وعلمنا معسكر الأعداء ms140 حملنا عليهم ~~معا ولا أظننا نلقى مشقة في دفعهم لقلتهم وفقرهم فقد علمت أنهم حفاة الأقدام لا يلبسون ~~إلا شملات يلتحفون بها كما يفعل سائر أهل الحجاز لا يكاد يتميز أميرهم من صعلوكهم ويلوح ~~لي أننا إذا رأينا منهم ما أتعبنا أرضيناهم بمال ندفعه إليهم ولا نظنهم جاؤنا إلا ~~طمعا بذلك لعلمهم بخيرات الشام وغنى دولة الروم.» # قال ذلك ليوهم جبلة أن مجيئهم ليس مبنيا على سوء معاملته لحامل كتابهم إليه. # فقال جبلة: «لا نرى أن نعرض عليهم ذلك إلا بعد أن نرى منهم مقاومة ولكنني لا أظنهم ~~يقفون أمام جندنا يوما واحدا.» # ثم تذكر جبلة أمر ثعلبة وهند فقال: «قد ذكرت أن ولدنا ثعلبة يهتم بمكاتبة العشائر فهل هو ~~في بصرى الآن.» # قال: «نعم هو هناك وقد أسفت لهذه الحال التي ستحول بيننا وبين الاحتفال بزواجه ببنتنا ~~هند.» # فقال جبله (وقد سر بهذا العذر): «بالحقيقة انه موجب للأسف على أني لا أرى مانعا من ~~تأجيل الاقتران إلى ما بعد الحرب فان فرحنا إذ ذاك يكون مزدوجا والاثنان ولدانا والأمر ~~معقود لهما منذ ولدا.» # فابتسم الحارث فرحا لما ناله من تأجيل الاقتران عفوا فقال لجبلة: «بورك فيك فقد كنت ~~أميل إلى ذلك واستحسنه وأخشى إذا ذكرته لك أن تظن سوءا فنشكر الله على توارد رأيينا ولا ~~بد من أن يكون ذلك هو الصواب.» # فقال جبلة: «نعم انه الرأي الصواب وسأسير إلى صرح الغدير فأرى سعدى وأنبئها بما تم ~~عليه الأمر لئلا تكون مشتغلة في الاستعداد بعد أن خاطبتها في التعجيل على أثر تعجيلك فلا ~~بد من إبلاغها خبر التأجيل ولا أحب أن يكون ذلك على يد احد سواي.» (وهو إنما يريد المسير ~~بنفسه للمداولة بشأن المهمة التي يريد إرسال حماد فيها) # فقال الحارث: «افعل ما بدا لك وفقنا الله بما فيه الخير.» ثم خرجا وسأل جبلة عمن سار ~~لتفقد حركات الأعداء فقالوا: «إنه جاء» فاستقدمه وعاد به والحارث معهما إلى مكان منفرد ~~وكان الرسول ممن خالط الحجازيين وأحسن تقليدهم فاختاره ms141 جبلة ليختلط بهم ويستطلع حالهم ~~فأنبأهما بأنهم قاموا من عمان وساروا يريدون مؤته عند الكرك وأنهم سيصلونها ~~قريبا. # فقال الحارث: «أتظنهم يصلون الينا.» # قال جبلة: «ربما فعلوا ذلك.» ثم تحول نحو الرسول فقال له: «وهل عرفت عددهم وقواتهم» ~~قال: «أظنهم لا يتجاوزون ثلاثة آلاف مقاتل وليس معهم من العدة والسلاح إلا شيء قليل لا ~~يقاس بعدة رجالنا وأسلحتهم.» # فضحك الحارث مستهزئا وقال: «أثلاثة آلاف فارس جاؤوا من اقاصي الحجاز ليحاربوا الروم ~~وجنودنا تتجاوز مئة الف ومعها الخيول والسلاح.» # فقال الرسول: «وقد علمت أنهم أدركوا ضعفهم وقلتهم وربما وقفوا هنيهة ريثما يستقدمون مددا ~~لهم من الحجاز.» # فقال الحارث: «أعلمت أنهم بعثوا يستقدمون المدد.» # قال الرسول: «كلا ولكنهم تداولوا في ذلك والأرجح أنهم لا يفعلون فقد سمعت مداولتهم وأنا ~~جالس بين جماعة منهم كأنى احدهم فقال قائل من بينهم: «كيف نهاجم بلادا لا يقل جندها عن ~~مائة مقاتل وقد يبلغ المئتين فلنطلب المدد.» فقام رجل من كبارهم اسمه عبد الله بن رواحة ~~فقال لهم: «يا قوم والله أن الذي تكرهون للذى خرجتم تطلبون الشهادة ونحن ما نقاتل الناس ~~بعدة ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الذي أكرمنا الله تعالى به فإنما هي احدى ~~الحسنيين أما ظهور وأما شهادة.» فسمعت الناس يضجون قائلين: «صدق والله بن رواحة.» فلا أظنهم ~~بعد ذلك يستمدون أهل الحجاز.» # فقال جبلة: «وهل سمعت شيئا من اهل القرى التي مروا بها فلا بد من أنهم تعرضوا لهم ~~وقطعوا أشجارهم وآذوهم.» # قال: «لم أسمع منهم تشكيا ولقد عجبت لحال هؤلاء الحجازيين فأنهم على فقرهم وما يظهر من ~~ضنك أحوالهم لم يوذوا احدا من أهل القرى إلا الذين اعترضوهم ولقد بت في دير بين عمان ~~ومؤتة وسمعت حديث الرهبان بشأنهم فرأيتهم يثنون على حسن تصرفهم فقد مروا بهم ولم ~~يكلفوهم أمرا غير ما احتاجوا إليه من ماء أو علف.» # فقال الحارث: «الظاهر أنهم يلتمسون ثقة الاهالى حتى لا يكونوا عونا عليهم أثناء ~~الحرب.» # فقال الرسول: «لا أظن ذلك غرضهم ms142 ولكنني سمعت من رجل جالسته بالأمس فاتخذني صديقا وقص ~~علي قصصا كثيرة هو معجب بها عن النبي الذي قاموا بنصرته وما قاله لي انه لما خرج ~~لوداعهم في ثنية الوداع خارج يثرب وسلم الالوية إليهم أوصاهم قائلا: «أوصيكم بتقوى الله ~~وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام وستجدون فيها ~~رجالا في الصوامع فلا تتعرضوا لهم ولا تقتلوا إمرأة ولا صغيرا ولا بصيرا فانيا ولا ~~تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء.».» # فأعجب الحارث وجبلة بهذه الأقوال ثم قال الاول: «أما وقد اقترب هؤلاء من البلقاء ~~فلنبعث إلى دمشق نستعجل الجند الرومي وليكن لقاؤنا إياهم دفعة واحدة نصدهم ونعيدهم من ~~حيث أتوا.» فوافقه جبلة على ذلك ولكنه ما فتئ يفكر في هند وحماد وما صدق أن عاد الحارث ~~من عنده حتى ركب قاصدا صرح الغدير لا يصحبه إلا فارسان فوصل القصر على غير انتظار فلما ~~علمت سعدى بقدومه انشغل بالها ولكنها ما لبثت أن علمت بسبب مجيئه فخلا بها وأطلعها على ~~ما تم بينه وبين الحارث ثم قال: «وهل أنت على ما علمت من أمر ذلك الشاب أم تمكنت من ~~تحويل هند عن عزمها فرجعت إلى صوابها.» # قالت: «قلت لك قبل الآن أن من يحاول تحويل هند عن حماد فانه يلتمس أمرا ~~مستحيلا.» # فتنهد آسفا لما فرط منه تلك الليلة من القبول بمشورة سعدى بشأن هند وحماد ثم قال: ~~«فالي بالحيلة التي وعدت بتدبيرها للتخلص من هذه الورطة.» # الفصل السادس والثلاثون # | قرطا مارية # قالت: «أرى أن نطلب إليه شيئا صعب المنال يقدمه مهرا لهند فإذا لم يستطعه كان الجاني ~~على نفسه وكنا براء من لوم هند وقد كلمتها بهذا الشأن فرأيت فيها ميلا إلى ذلك فهي تحب ~~أن تعلوا منزلة حماد في عيون أهلها فإذا اقترحنا عليه عملا يعمله في سبيل الحصول عليها ~~فانها تزداد افتخارا به كلما زاد ذلك العمل عظما وخطرا.» # فقال: «وهل خاطبتها في ما هية ذلك الاقتراح.» # قالت: «كلا.» # فقال: «وهل عينت الاقتراح ms143 في ذهنك أم أنت تنتظرين البحث في شأنه الآن.» # قالت: «أظنني عينته وسأعرضه عليك لعلك تستحسنه والا فإننا ننظر في سواه.» # قال: «وما هو قولي.» # قالت: «لا يخفى عليك أن جدتنا مارية بنت ظالم أخت هند الهنود إمرأة حجر آكل المرار الكندي ~~هي جدة ملوك غسان كافة.» # قال: «نعم واعلم أنها صاحبة القرطين اللذين يضرب المثل بهما.» # قالت: «لقد نطقت بالصواب نعم اياها أعني فلا يخفى عليك أن قرطيها اللذين ذكرتهما لم يلبس ~~ملوك الارض مثلهما لان فيهما درتين كبيضي حمام لم ير الناس مثلهما ولم يدروا ما ~~قيمتهما.» # قال: «نعم إنهما ثمينتان.» # قالت: «أتدرى أين قرطاها الآن.» # فبهت جبلة مدة ثم قال: «نقل لي والدي عن جدي عمن قبله أن جدتنا مارية أهدت قرطيها إلى ~~الكعبة في مكة على سبيل النذر ويظهر أنها كانت وثنية ولولا ذلك لم تهد مثل هذه التحف إلى ~~الكعبة.» # فقالت: «مهما يكن من أمرها فان قرطيها لا يزالان في الكعبة.» # قال: «نعم.» # قالت: «فأرى أن نقترح على حماد الإتيان بهما مهرا لهند تلبسهما في زفافها فما ~~قولك.» # فأعجب جبلة بذكاء سعدى وحسن اختيارها ودقة نظرها وتبسم وقد أبرقت أسرته كأنه رأى باب ~~الفرج قد فتح فقال: «بورك فيك ونعم الرأي رأيك انه اقتراح لا يتأتى لبشر أن يأتي بمثله ~~لانه بعيد المنال وإذا فرضنا أن حمادا استطاعه فانه يكون اهلا لهند فلا نمنعه منها فهل ~~تظنين هندا توافقنا في ذلك.» # قالت: «لا أظنها إلا موافقة إلا فيكون لنا عذر في رد حماد.» # قال: «ها قد تقرر الأمر فخاطبي هندا بشأنه فإذا قبلت استدعي الشاب ونوبي عني في ~~إبلاغه ذلك فإني في شاغل عن هذه الشؤون بما نحن فيه من أمر الحرب المنتظرة.» # قالت: «حسنا وخرجت.» # وكانت هند في أثناء ذلك تمشي في الحديقة وقد علمت بمجيء والدها وتيقنت انه انما جاء ~~لهذا الشأن وخصوصا بعد أن رأته اختلى بوالدتها فلبثت تخطر في الحديقة وقلبها يخطر في ~~صدرها وأفكارها تجول في ماذا عسى أن يقر ms144 عليه القرار فلما رأت والدتها خارجة أسرعت ~~نحوها وهمت بالاستفهام فأومأت إليها أن تصبر ريثما يعود والدها فإنه سيسرع إلى البلقاء ~~حالا. # وسارت سعدى إلى الخدم فأمرتهم بإعداد الطعام ثم خرج جبلة إلى الحديقة متظاهرا بالبحث عن ~~هند فلما لاقاها قبلها وسلم عليها وهو يهش لها وعلامات الانبساط بادية على وجهه فتوسمت ~~بذلك خيرا فمشت معه وهو يسألها عن صحتها وحالها ويحادثها بشؤون مختلفة إلا الاقتران ~~فانه لم يذكره قط. أما هي فقد منعها الحياء عن ذكره. # فبعد أن تناول جبلة الطعام ودع امرأته وابنته وعاد إلى البلقاء ولم يكد يخرج من ~~الحديقة حتى أسرعت هند إلى والدتها تستطلعها الخبر. # فأجابتها وهي تبتسم قائلة: «أبشرك ببقاء والدك على عزمه فقد رد الحارث وابنه وقبل ~~بحماد كما قلت لك ولكنه يرى وأرى أنا أيضا أن نقترح عليه عملا يسد ما يتقوله الناس من ~~غموض أصله وفصله. فانه كما لا يخفى عليك بطل باسل لا يرى الواشي سبيلا إلى الطعن فيه ~~إلا من جهة نسبه فإذا عمل عملا تفرد هو فيه كان ذلك داعيا إلى رفع منزلته وسكوت ~~الناس عن الطعن في أصله.» # وكانت هند قد سمعت مثل ذلك من والدتها قبلا فقالت: «إن ذلك يا أماه مما يوجب لي الفخر ~~أيضا وأعلم أن حمادا لا يتوقف في سبيل هند عن عمل يستطيعه الناس فهل قر رأيكما على ~~أقتراح تقترحا به عليه.» # قالت: «لقد رأيت أن يكون في إقتراحنا ما يزين به رأسك فضلا عن شرفك.» # قالت: «وما هو.» # قالت: «رأينا أن نطلب إليه الإتيان بقرطي مارية من الكعبة.» وأحكت لها حكايتها. # فبهتت هند برهة وقد هالها ذلك الاقتراح ولكن انفتها منعتها من اكباره فقالت: «لا أظن ~~حمادا إلا فاعلا ذلك بإذن الله.» # قالت: «هلم بنا نستقدمه ونعرض عليه الأمر.» # فلما سمعت باستقدامه رقص قلبها فرحا بلقياه وقالت: «استقدميه والإتكال على الله.» قالت ~~ذلك وقد شغلها الفرح بقرب مشاهدته عن تقدير تلك المهمة حق قدرها. # فنادت الخادم الذي رافق سلمان إلى مقر ms145 حماد واوعزت إليه أن يستقدمه إلى الصرح. # الفصل السابع والثلاثون # | حماد وآماله # تركنا حمادا وسلمان يفكران في عبد الله وهما بين الرجاء والقنوط من أمره فقضى سلمان ~~أياما يتردد إلى البلقاء وبصرى للبحث عنه فلم يقف له على خبر حتى ترجح لديه أخيرا انه ~~سافر إلى الحجاز. # وأما حماد فكان بين شاغلين عظيمين هند من جهة ووالده من جهة أخرى وكلما رأى قادما ظنه ~~رسولا من هند جاء يستقدمه إليها أو شيئا ينبئه بخبر والده. # حتى كان اليوم الذي تقرر فيه استقدامه واتفق انه أفاق في صباح ذلك اليوم منشرح الصدر ~~واسع الآمال وكان قلما يصبح إلا منقبضا كئيبا لما يتوالى على ذهنه من المخاوف تارة على ~~والده وطورا على حبيبته حتى اثر ذلك في صحته فرق جسمه قليلا على انه كثيرا ما كان ~~يخرج للصيد أو نحوه لترويح النفس ولولا ذلك ما نجا من غائلة المرض. # فلما أصبح في ذلك اليوم على ما تقدم عجب واستبشر ولبث يتوقع خبرا مفرحا وكان سلمان قد ~~خرج من الخيمة لبعض المهام وهو على غير ما كان عليه سيده من الانشراح والاستبشار ولكنه ما ~~لبث أن رأى فارسا قادما مسرعا فعلم من جهة مسيره انه يقصد مضربهم فتفرسه عن بعد ~~فعلم انه من رجال صرح الغدير فتوسم بقدومه خيرا فخف لملاقاته فلما دنا منه عرفه ورآه ~~يبتسم فعلم انه إنما جاء لبشرى خير وقبل أن يصل الفارس إلى سلمان ترجل ومشى وزمام الفرس ~~بيده ومشى سلمان حتى التقيا فتصافحا وتعانقا فاستطلعه سلمان الخبر فقال: «جئت استقدم ~~الأمير حمادا إلى سيدتي الأميرة سعدى في صرح الغدير لأنها تريد مخاطبتة في شأن.» # فقال سلمان: «وهل تدرى ما هو ذلك الشأن.» فضحك الخادم وقال: «لا أدري ولا بد من أن تكون ~~اعلم مني به وأما أهل القصر عندنا فقد لاحظوا من بعض ما سمعوه سرا وأدركوه ضمنا أن ~~مولاتنا هند ستخطب وكلنا ننتظر ذلك اليوم فانه سيكون يوما سعيدا لم ير غسان اسعد ~~منه لان مولانا ms146 جبلة كريم النفس سيخلع علينا خلعا فاخرة وينثر علينا الذهب نثرا.» # فتبسم سلمان وقال: «وهل علمتم من هو خطيبها.» # قال: «نعم هو ابن عمها ثعلبة إذ ليس من أبناء عمها من هو أقرب منه إليها وقد طلبها ~~ولكنني علمت من بعض الخدم أنها لا تحبه ولا تقبل به.» # قال سلمان: «وهل يمكنها رفضه.» # قال: «لا أدري والظاهر أنها رفضته.» وكان الخادم قد سمع بأمر حماد ورغبة هند فيه ~~ولكنه تجاهل لئلا يقال انه باح بالسر وود أن يكون سلمان البادئ بالخبر. # وأما سلمان فلم يعد يستطيع صبرا على كتمان هذه الأخبار عن سيده ولكنه أراد معرفه ما دعا ~~إلى استقدام حماد فقال: «وهل سمعت أمرا حدث قريبا في القصر.» # قال: «لم اسمع شيئا ولكنني رأيت سيدي الأمير جبلة جاء بالأمس فمكث عندنا بضع ساعات ~~قضاها في المسارة هو والأميرة ثم عاد إلى البلقاء وفي حال خروجه استقدمتني سيدتي وأنفذتني ~~إليكم.» # فأدرك سلمان ان مجئ جبلة لم يكن إلا لأمر الخطبة وترجح عنده انه رضي بحماد ولولا ذلك ~~لم يكن ثمت داع لاستقدام حماد على اثر رجوعه حالا فدخل على سيده وكان متكئا على اثر ~~عودته من صيد قريب وقلبه يطفح سرورا ودلائل الانبساط ظاهرة على وجهه لسبب لا يعرفه احد ~~فدخل عليه سلمان وحياه وهو يبتسم. # فقال له: «ما وراؤك يا سلمان أني أراك مبشرا.» # قال: «عساها أن تكون بشرى خير يا سيدي.» # قال: «وما ذلك.» # قال: «أن أهل صرح الغدير بعثوا يستقدمونك إليهم فهل تذهب أم أنت في شاغل الآن.» قال ذلك ~~وهو يضحك. # فجلس حماد وهو يظنه مازحا وقال: «لا أبالى دعاني أهل الصرح أم لا فإني أراني سعيدا منذ ~~فتحت عيني في هذا الصباح.» # قال: «وما يضرك أن تتم سعادتك فان انشراح صدرك أن هو إلا فاتحة السعادة وهذا خادم القصر ~~قد جاءنا فهل ادخله عليك لينبئك بمهمته.» # فقال: «ليدخل.» # فدخل الفارس وهو لا يزال بلباس السفر فحيا الأمير وأنبأه بمهمته فقال حماد: «هل فارقتهم ~~جميعا في ms147 خير.» # قال: «فارقتهم يدعون لسيدي الأمير بالصحة والعافية ويرجون لقاءه قريبا ليتم سرورهم ~~برؤيته.» فاستبشر حماد بما وراء ذلك. # وقال: «أهدهم سلامي وقل إننا سنصبحهم غدا إن شاء الله.» # فقبل الخادم يده وخرج فخرج سلمان لوداعه ودفع إليه عشرة دنانير وقال: «هذا ثمن عليق الفرس ~~وسترى منا ما يشرح صدرك.» فسر الخادم بالهدية وبالوعد وود أن تتم خطبة هند لحماد لما ~~ظهر من سخائه ورقة جانبه خلافا لثعلبة فانه لم يكن احد من أهل الصرح يحبه لعجرفته ~~وبخله. # فلما سار الخادم عاد سلمان إلى حماد فرآه مطرقا يفكر. # فقال: «ما بال سيدي يفكر ألعله بغت لتلك الدعوة على غير انتظار.» # قال: «كلا يا سلمان فقد كنت أتوقع خبرا مفرحا منذ الصباح ولكنني أفكر في والدي ~~ومكانه فانه طالما تمنى أن يزوجني ويفرح بي وقد كان يجب أن يسير هو معنا في هذه المهمة. ~~ولكن من ينبئنا بمكانه.» # فقال سلمان: «دع عنك الهواجس يا مولاي فقد تقرر في ذهني أن سيدي سار إلى الحجاز ومتى ~~فرغنا من مهمتنا هذه اذهب إليه بنفسي ولا أزال ابحث عنه حتى آتي به بإذن الله فلنستعد ~~الآن للذهاب إلى صرح الغدير.» # قال: «أرى أن نبرح هذا المكان قبل الفجر حتى نصبح في الصرح كما قلنا للخادم.» # قال: «حسنا» وأخذا في الاستعداد وحماد كلما تصور ملاقاته هندا خفق قلبه وهاله ~~الموقف وتذكر اجتماعه بها في دير بحيراء. ولكن سروره لم يكن تاما مخافة أن لا تكون دعوته ~~على ما يؤمله من الفوز بما يتمناه ولكن الأمل غلب عليه فتصور انه انما دعي لإتمام عقد ~~الخطبة فقضى بقية ذلك اليوم في مثل هذه الأفكار. # الفصل الثامن والثلاثون # | ساعة اللقاء # أما هند فلما عاد الرسول وأنبأها بمجيء حماد في صباح الغد خفق قلبها ولبثت تعد الساعات ~~والدقائق فقضت ذلك اليوم ولم تنم من شدة الفرح فلما أصبحت سارت إلى والدتها وسألتها عن ~~المكان الذي سيجتمعون فيه فقالت: «قد أمرت الخدم أن يعدوا غرفة الضيافة ولا يدخلوا إليها ~~أحدا ms148 في هذا اليوم وان يذبحوا الذبائح ويمدوا الأسمطة.» فلبست هند ثوبا سماويا جميلا ~~خاطته لها إحدى خياطات دمشق وكانت قد خبأته لمثل ذلك اليوم ومشطت شعرها وضفرته وجعلت ~~تتشاغل ببعض المهام إخفاء لما ثار في قلبها من الفواعل المتضاربة بين الفرح بلقيا حبيبها ~~وهول موقفها ساعة اللقاء وخوفها عليه مما أعدوه له من أمر الكعبة. # وكانت سعدى قد أنفذت جماعة من أهل القصر لاستقبال القادمين قبل وصولهم فلما كان الضحى ~~ودنا الوقت جعلت هند تطل من النوافذ تنظر إلى ساحة الميدان التي جرى فيها السباق منذ بضعة ~~أشهر ووراءها الآكام والغياص وكلما رأت غبارا أو آنست أشباحا ظنت حمادا قادما فيخفق ~~قلبها وتتورد وجنتاها حتى كانت الظهيرة فإذا بالغبار يتصاعد من بعض جوانب الأفق ثم بان من ~~تحته فرسان يسرعون وفى مقدمتهم فارس عرفت انه من أهل القصر وانه تقدم الجماعة ليبشر ~~بقدومهم فازداد خفقان قلبها ثم شاهدت الفرسان يقتربون ويتقدمهم حبيبها حماد ملثما بالكوفية ~~فانكرته في بادئ الرأي لركوبه فرسا غير فرسه. ثم غلب عليها الضعف النسائى فاصطكت ~~ركبتاها واستعظمت ساعة اللقاء فتحولت عن النافذة ولكنها ما انفكت تنظر إليه خلسة حتى دنا ~~من القصر وكانت والدتها واقفة إلى جانبها وقد لحظت ما هي فيه من الهيام فقالت لها: «امكثي ~~هنا ريثما استقدمك إلى دار الضيافة.» # وخرجت إلى الحديقة وقد ترجل الفرسان وتركوا خيولهم في عهدة الخدم ودخلوا الحديقة وفي ~~جملتهم حماد ملثما بعباءته وقد حول أذيال كوفيته عن وجهه وأرسلها إلى كتفيه فبانت ~~ملامح محياه وتقدم وسلمان إلى جانبه حتى دنوا من سعدى فتقدم سلمان إليها واخبره أنها هي ~~الأميرة سعدى امرأة الملك جبلة فعلم أنها والدة هند فسلم عليها وهو يتوقع أن يرى هندا ~~فلم يرها فعلم أن الحياء منعها من القدوم للقائه وإنها لا تلبث أن تأتي. # فاستقبلتهما سعدى وسارت بهما إلى غرفة الضيافة فجلسوا والخدم وقوف بين أيديهم فقالت سعدى: ~~«هل يأذن الأمير بماء ليغتسل ويبدل ثياب السفر قبل تناول الطعام.» فأجاب وغسل يديه ~~ووجهه ms149 وجاءه سلمان برداء حريري وكوفية فلبسهما وجلس وعيناه شائعتان نحو الباب وكلما سمع ~~وقع أقدام أو رأى شبحا ظنه هندا قادمة. # أما سلمان فانه ترك سعدى وحمادا في الغرفة وخرج يبحث عن هند وكان قد عرف غرفتها في ~~مجيئه إليهم قبلا كما علمت فإذا هي واقفة هناك تتلاهى بالأساور تديرها حول معصمها ~~وأفكارها تائهة وقد علت وجهها أمارات البغتة فلما رآها تظاهر بالسعال ليستلفت انتباهها وقد ~~كانت لعظم تأثرها لا تمر نسمة إلا سمعت لها صوتا فكيف بسعال سلمان فانه ذعرها ~~فإلتفتت إليه فرأته يبتسم فابتسمت ولكنها شعرت بقشعريرة خفيفة ثم مشت وهي تحاول إخفاء ما ~~بها فتقدم نحوها وهو يحاذر أن يدخل الغرفة لئلا يكون دخوله مخالفا لمقتضيات العادة فمشت ~~هي نحوه وسلمت عليه. # فقال: «هل رضيت مولاتي عن راهب الدير جامع البذور.» # فتبسمت ولم تجب. # فقال: «ها قد جئتك باللص الذي سرق الدرع فهل تريدين مقاصته ولكنني أرجو أن لا تحكمى ~~عليه بالسجن.» # فتذكرت زيارته إياها بثياب الرهبان فضحكت ولكنها ما زالت تنظر إلى معصمها وتتلاهى ~~بأساورها. # فدنا منها وقال: «ما بالك لا تتكلمين يا مولاتي ألعلي أذنبت لأني تركت صاحب الدرع (أو ~~لصه كما تزعمين) وجئت وحدي. فهل استدعيه إليك.» # فلم تجب ولكنه كان يقرأ آيات السرور على وجهها. # فقال: «أراك تتظاهرين بان مجيئه لا يهمك ولكني اقرأ على وجهك عبارة يكاد ينطق بها لسانك ~~فقد فهمت مرادك بدون أن تتكلمي فها أني ذاهب لأدعو الرجل إليك.» فرفعت نظرها إليه كأنها ~~تلومه على هذه المداعبة أما هو فتحول عنها ضاحكا حتى دخل غرفة الضيافة فرأى سعدى ~~وحمادا جالسين وليس في الغرفة سواهما فدنا من سعدى وقال وهو يتظاهر بالمزاح: «ما بالى أرى ~~هذه الغرفة قليلة النور كأنها بعيدة عن موقع أشعه الشمس.» # فقالت سعدى: «ألا ترى الأشعة داخلة من هذه النافذة.» # قال وهو يضحك: «لا أرى نورا قط ويظهر لي أن شمسكم تشرق من الجنوب.» (وأشار إلى غرفة ~~هند) فأدركت سعدى مراده فتبسمت واطرق حماد خجلا ولكنه ms150 ود أن يلح سلمان باستقدام ~~هند. # فقال سلمان: «أراكم تضحكون من كلامي وأراني اعلم منكم بمشرق شمس قصركم. ألا أذنت ~~مولاتي بقدوم شمس هذا القصر بل شمس بني غسان إلينا ... فإني أرى الأسمطة قد مدت وكأني بكم ~~تتهيأون للغداء ولكن الطعام حرام علينا قبل مجيء سيدتي هند فإنها محور انسنا ولا أظنك ~~تنكرين علينا ذلك.» # فقالت سعدى: «أراك لجوجا يا سلمان ولا مأرب لك في الأمر.» # فضحك سلمان وقال: «لا مأرب لي صدقت لا مأرب لي ولكنني أعبر عن عواطف أناس آخرين.» وأشار ~~بطرف عينيه إلى حماد فتبسم حماد وقد توردت وجنتاه ونظر إلى سلمان نظرة التوبيخ. # فإلتفت إليه سلمان وقال: «يظهر أنك لا تريد مقابلة فتاة غسان فإذا كان هذا هو مرادك ~~(أستغفر الله) مما كان أغنانا عن تكبد هذه المشاق وهجرنا الحيرة والعراق.» # فنظرت سعدى إلى سلمان والرزانة والتعقل يتدفقان من وجهها وقالت: «لم ندع ولدنا حمادا ~~إلا ليرى هندا وتراه فإنها ولدانا ولا نجهل أنهما يسران بالمقابلة فلا تكن عجولا أن ~~هندا لا تلبث أن تأتى وتتناول الغداء معنا.» # ثم وقفت وقالت: «وها أني ذاهبة لاستقدامها.» وخرجت. # فلما خرجت إلتفت حماد إلى سلمان واراد معاتبته لما أبداه من الجرأة في خطاب الأميرة ~~سعدى. # فقال: «ولولا ذلك لطال زمن الوحدة ألعلنا جئنا لنأكل ونشرب.» # ثم عاد حماد إلى الأفكار في هند وقرب مجيئها وما سيكون من أمرها ساعة اللقاء فما لبث أن ~~سمع وقع أقدام علم من ازدواجها أن سعدى وهندا قادمتان فتحفز للقيام أما سلمان فوقف بالباب ~~فرآهما قادمتين فتبسم ونظر إلى حماد. # ثم وصلتا إلى باب الغرفة فدخلت سعدى وهند تتبعها مطرقة. # فوقف حماد ومشى لاستقبالها وهو مطرق أيضا ولكنه لم يتجرأ على مصافحتها ولا هي فعلت ولكن ~~قلباهما كانا ولا ريب يختلجان فرحا وكل منهما يتظاهر بالتجلد فتشاغل هو بإصلاح ردائه ~~وإرسال كوفيته إلى كتفه وتلاهت هي بإصلاح قرطها في أذنها ولا تسل عن تورد وجنتيها واصطكاك ~~ركبتيها واختلاج قلبها. وحالما دخلت أشارت إليها والدتها ms151 أن تجلس على وسادة بالقرب منها ~~فجلست وجلس الجميع ولبثوا برهة لا يتكلمون وحماد ينظر إلى هند محاذرا فرآها قد تغير حالها ~~عما كانت عليه يوم دير بحيراء فذبل ورد وجنتيها وخف عضلها ولكنه رأى ذلك قد زادها جمالا ~~وهيبة وكانت هي تختلس النظر إليه ولا تكاد تصدق أن والدها رضي لها به ثم يعترضها أمر قرطي ~~ماريا فتوجس خيفة. # ففتحت سعدى الكلام قائلة: «وماذا تم من أمر والدك هل التقيتم به أم عرفتم ~~مقره.» # فقال حماد: «كلا يا مولاتي فقد شغل بالنا تأخره ولم ندع مكانا لم نسأل فيه عنه ~~والفضل في هذا السعي كله لهذا الرفيق (وأشار إلى سلمان) فانه لم يأل جهدا في البحث ~~والاستطلاع فلم نقف على خبر يقين.» # فقال سلمان: «ولكنني أرجح ذهابه إلى الحجاز لما سمعت من حكاية صاحب الخان.» وأخذ يقص ~~عليهم ما سمعه من الخاناتى في بيت المقدس وما كان من أمر أبي سفيان وجواد حماد الخ. # فاستفهمته عن حكاية الأسد فقص عليهم ما لقوه في مسبعة الزرقاء وكانت هند في أثناء ~~الحديث شاخصة حتى سمعت ما لاقياه عند تلك الشجرة من غائلة الأسد وما كانا فيه من الخطر ~~فتلألأت الدموع في عينيها فلما رأى حماد منها ذلك أوشك أن يبكي لفرط ما آنس من رقة عواطفها. ~~ثم أتم سلمان حكايته حتى انتهى إلى آخرها والجميع مصغون لا يفوه أحدهم بكلمة. # فلما فرغ من كلامه قالت سعدى: «يؤخذ من مجمل ما سمعناه أن والدكم سافر إلى الحجاز مع أبي ~~سفيان ولو كان باقيا في البلقاء لجاء للبحث عنكم بعد أن نال العفو الإمبراطوري.» ثم تبسمت ~~وسكتت كأن في نفسها شيئا تكتمه فبقى الجميع صامتين لعلها تقول شيئا وفيما هم في ذلك دخل ~~بعض الخدم وسأل الأميرة سعدى إذا كانت تأذن بمد السماط لأن وقت الغداء قد أزف فقالت: ~~«هاتوا الطعام.» وإلتفتت إلى حماد قائلة: «هلم بنا إلى الغداء وسنتم حديثنا بعده.» # فمدت الأسمطة وحملت الذبائح وجلسوا على المائدة وحماد يفكر في ماذا ms152 عسى أن يكون وراء تبسم ~~سعدى. # فلما فرغوا من الطعام عادوا إلى الاستراحة وجلسوا ينتظرون حديث سعدى إلا هندا فإنها لم ~~تكن معهم لأن والدتها أشارت إليها أن تتخلف هنيهة ريثما يتحادثون في شأنها. # فلما استتب بهم الجلوس قالت سعدى: «أظنكم تنتظرون مني كلاما ظهر لكم من تبسمي الآن أني ~~أكتمه.» # فقال حماد: «هو ذلك يا مولاتي فأتحفينا به.» # قالت: «تبسمت لما اتفق من ذهاب والدكم إلى الحجاز وما نحن عازمون أن نعرضه عليكم مما ~~يأول إلى اجتماعكم به هناك.» # فعجب حماد لكلامها ولم يفقه مرادها فقال: «وماذا عسى أن يكون اقتراحكم.» # قالت: «لا يخفى على ولدنا حماد أن ما عرفناه من شهامته وكرم أخلاقه يكفى لاقتناعنا ~~باستحقاقه هندا وأنه جدير بالحصول عليها دون ابن عمها. ولكننا معاشر العرب نحافظ على ~~الأنساب ونحترم القرابة ولا يخلو أن يكون قد بلغكم أن الحارث بن أبي شمر قد طلب هندا ~~لابنه ثعلبة وهو ابن عمها وأولى الناس بها ولكننا أثرنا البقاء على ما أرادته هند ورضينا ~~بحماد لما آنسنا فيه من كرم الأخلاق وعلو الهمة وعدلنا عن ثعلبة على كونه ابن ~~عمها.» # فخجل حماد لهذا الإطناب واختلج قلبه فرحا لما توسمه من رجوع الأمر إليه وتحقق أمانيه ~~فأطرق صامتا. # فقالت سعدى: «ولكن والدها رأى رأيا إذا وافق عليه حماد كان فيه دفع لتقول الناس ~~وعتاب الأقارب وفخر لنا جميعا.» # قال حماد: «مري يا مولاتي أني رهين إشارتك.» # قالت: «رأينا أن تعمل عملا نقترحه عليك لا يعظم على باسل نظيرك فإذا فعلته قطعت ألسنة ~~المعترضين وزدتنا إعجابا وفخرا.» # فثارت الحمية في نفس حماد فقال: «قولي يا سيدتي أني فاعل ما تقولين وهل يثقل علي أمر ~~ترضى به هند.» # قالت: «نقترح عليك أن تلبس هندا يوم زفافها قرطين فيهما لؤلؤتان كل لؤلؤة منهما قدر بيض ~~الحمام.» # فقال: «ألعلك تعنين قرطي مارية.» # قالت: «إياهما أعني وهل تدري مكانهما.» # قال: «سمعت أن ماريا جدتكم أهدتهما إلى الكعبة منذ أجيال فهل هما باقيان هناك حتى ~~الآن.» # قالت: ms153 «أظنهما لا يزالان هناك وفي استخراجهما من جوف الكعبة بسالة واقتدار جديران ~~بكم.» # فلما سمع سلمان ذلك اضطرب فؤاده خوفا على سيده لعلمه أن الكعبة أمنع من عقاب الجو قد ~~يستحيل الوصول إليها. # فقال: «هل تأذن سيدتي بكلمة أقولها.» # قالت: «تفضل.» # فقال: «هل تريدين أن تلبس مولاتي هندا قرطي مارية عينهما أم قرطين آخرين مثلهما.» # قالت: «لا نلتمس شيئا يقدر بالمال يا سلمان فإننا من نعم الله في سعة وبسطة عيش ولكننا ~~نريد أن نفاخر أعمامنا بأننا لم نرض لهند إلا رجلا استخرج قرطي مارية من جوف الكعبة وهذا ~~ما أضحكني لما سمعت حكاية الأمير عبد الله وذهابه إلى الحجاز فقلت في نفسي أن الله قد أذن ~~بذهاب حماد ليلتقي بأبيه هناك لأن مقام أبي سفيان في مكة حيث الكعبة أيضا.» # فإلتفت حماد إلى سعدى وملامح البسالة تتجلى في وجهه وقال: «لقد طلبت أمرا يحقر كثيرا ~~في سبيل مرضاة هند ولسوف ترين منا فوق ذلك بإذن الله.» وأما سلمان فانه استعظم الطلب ~~ولكنه لبث صامتا احتراما لمقال سيده. # أما هند فإنها كانت جالسة في غرفتها وهي تعلم بما ستقوله والدتها فلما تصورت الخطر ~~المحدق بهذه المهمة ندمت لمجاراة والديها في ذلك وأدركت أنهما إنما دبرا حيلة للتخلص منه ~~فعظم الأمر عليها حتى بكت. # وفيما هي في ذلك دخلت الخادمة تدعوها إلى والدتها فمسحت دموعها وسارت والكآبة ظاهرة على ~~وجهها فلما دخلت الغرفة ورآها حماد على تلك الحال أثر منظرها في نفسه وهاجت فيه حمية ~~الرجال وقد أدرك أنها انما تبكى جزعا عليه فقال لها: «لا تجزعي يا هند انك ستلبسين قرطي ~~مارية وتفاخرين بهما أهل الخافقين.» # فصمتت هند ولم تجب ولكن كلام حماد أثار فيها ساكن الغرام وهاج عواطفها فازدادت إعجابا ~~بشهامته وحبه على أن خوفها عليه اعترض مجرى عواطفها فهبت الحرارة في جسمها كأنك كشفت ~~الغطاء عن نار متقدة في فؤادها فانبعث لهيبها إلى سائر أطراف البدن وتلألأت الدموع في ~~عينيها فأطرقت وجعلت تتلاهى بتثنية أطراف أكمامها مخافة أن ms154 يظهر اضطرابها لحماد. # أما هو فلم يفته حديث قلبها ولا غفل عما تضارب في ذهنها من العوامل ولكنه أراد تشجيعها ~~فإلتفت إلى والدتها وقال: «طالما ساقني المسير إلى الكعبة لمشاهدة ما أسمعه عنها من حج ~~الناس إليها من أقطار العالم وكثيرا ما سمعت حديث والدي عن الأصنام القائمة فيها وما ~~يقدمه لها العرب من الضحايا وقد قرأت في بعض الكتب أنها قديمة البناء جدا وأنها كانت ~~حجا يأمه الناس من أطراف الأرض وقد بنيت في بادئ الرأي لعبادة الله ثم جعلها بعض العرب ~~مجمعا لأوثان حملوها إليها من أنحاء شتى من العالم الوثني وفى جملة ذلك صنم حملوه إليها ~~من هذه البلاد (البلقاء) اسمه هبل وكان قبل أن حملوه إليها من البقاء يسمى (هبعل) وهو لفظ ~~عبراني معناه البعل أي الإله يشبههه في لغة الكلدان جيراننا بالعراق لفظ (بل) وقد حملوا ~~إليها أصناما أخرى من مصر وأشور وغيرهما فاجتمعت فيها مئات منها فأصبح ذلك البيت مجمعا ~~للأصنام.» # فانتبه سلمان وكان تائها في بحار الهواجس خوفا على سيده فلما وصل حماد إلى حكايات أصنام ~~الكعبة قال سلمان: «نعم أن الأصنام كثيرة في الكعبة ولكن كثيرين من عقلاء قريش لا ~~يحترمونها وقد سمعت كثيرا منهم يخاطب سيدي الأمير عبد الله في بعض سفراتنا إلى مكة بشأن ~~تلك الأصنام فأكد له أن جماعة كبيرة من عقلاء مكة وهم من قريش إنما يزورون الكعبة لعبادة ~~الله وإن الاعتقاد بالله قد اتصل إليهم بالتلقين من سيدنا إبراهيم ولكن بعضهم ضل عن سواء ~~السبيل بما زين لهم من عبادة الأوثان.» # فقالت سعدى ووجهت خطابها إلى حماد: «يظهر أن والدكم الأمير قد سافر إلى الحجاز قبل ~~الآن.» # قال: «نعم يا مولاتي انه نزلها مرارا ولذلك ظننا أنه سار إليها هذه المرة ~~أيضا.» # فقالت: «أن ذلك لما يؤكد ذهابه إليها الآن فعسى أن تلتقوا به هناك.» # قال: «أني أرجو ذلك وأتمناه لتتم به سعادتي.» ثم فكر قليلا وقال: «متى تظنين يا مولاتي ~~أننا سنبرح البلقاء.» # قالت: «متى شئتم ms155 وخير البر عاجله.» # قال: «أرى أن نودع سيدي الملك جبلة قبل السفر فنلتمس دعاءه بالتوفيق.» # قالت: «ذلك راجع إليك أما هو فقد فوض الينا أن نبلغك رضاءه وما تم عليه الاتفاق فإذا ~~شئت مقابلته فلا شك أنه يسر بلقياك.» # كل ذلك وهند مطرقة وعيناها تكادان تدمعان لو لم يشغلها حديث الكعبة فلما تحول الحديث ~~إلى والدها استحسنت رأى حماد في زيارته على أمل أن يتحول عزم والدها عن اقتراحه. فقالت: « ~~تفعل حسنا بزيارة والدي قبل سفرك.» # فازداد حماد رغبة في ذلك فقال: «غدا نصابح مجلس الملك أن شاء الله فنسلم عليه ونودعه. ~~هل تعرف الطريق إلى البلقاء يا سلمان.» # فقالت سعدى: «سنرسل رجالا يسيرون في ركابكم إليها.» # أما سلمان فما أنفك منقبض النفس من أمر هذه المهمة لعلمه أنها شديدة الخطر جدا ولكنه ~~سلم أمره إلى الله. # وقضوا بقية اليوم في صرح الغدير ولكن هندا لم تهنأ بذلك الاجتماع لخوفها من الفراق ~~العاجل وقرب الخطر الشديد على أنها شغلت بحديث حبيبها ولهت برؤيته عن كل المخاوف فلم يكن ~~يوم أسعد عليها من ذلك اليوم وودت لو أنه يوم يشوع بن نون خوفا من انقضائه ولا تسل عن ~~حماد وسروره وقد سهل عليه المسير إلى الكعبة أمله بلقاء والده هناك. # الفصل التاسع والثلاثون # | الوداع # وفي الصباح التالي أصبحت هند كئيبة حزينة وأحست بلهفة وجزع لم تشعر بهما قبلا فكانت كلما ~~نظرت إلى حماد خيل لها أن أحدا يحاول اختطافه من بين ذراعيها فيضطرب قلبها وتسود الدنيا ~~في عينيها فحدثتها نفسها لأول وهلة أن يتواطأ على رفض أمر القرطين ولكن الأنفة وعزة النفس ~~اعترضتاها فصبرت نفسها متعللة بالآمال. # فلما أشرقت الشمس كانت الخيول قد أعدت لركوب حماد وسلمان إلى البلقاء مع بعض الفرسان من ~~أهل القصر فنهض حماد لوداع هند ووالدتها وكانتا تنتظرانه في غرفة الضيافة فدخل وهو في لباس ~~السفر فوقفت له هند وركبتاها ترتجفان فمد يده إليها فمدت يدها فأمسكها فأحس بها باردة ~~كالثلج ونظر إلى وجهها فإذا به قد ms156 امتقع لونه فلما خاطبها خطاب الوداع تناثر الدمع من ~~عينيها بغتة وجذبت يدها من بين أنامله بلطف وأطرقت ولم تجب فعلم أنها إنما فعلت ذلك خوفا ~~عليه من هذا السفر الخطر. # فإلتفت إليها مبتسما وقال: «ما بالي أرى هندا خائفة وعهدي بها تنافس أشجع الرجال وتسابق ~~أفرس الفرسان.» # فنظرت إليه بطرف عينيها وتنهدت تنهدا عميقا ولبثت صامتة ولسان حالها يقول: «أن مسابقة ~~الفرسان شيء ومفارقة الأحباب شيء آخر.» # فأدرك حماد مرادها ولكنه خاف إذا طال وقوفه أن يخرجه الغرام عما يليق به في ذلك الموقف ~~فتحول لوداع سعدى ثم عاد إلى هند فودعها وتبسم لها فتبسمت مجاراة له ولكن قلبها لم يفرح ~~فقال لها: «ادعي لنا بسلامة العود فإذا عدنا كما أردنا كان حماد أهل لهند فلا تخشى هي أن ~~تذكره ولا تخجل إذا ذكره سواها وأما إذا لم ....» # فقطعت هند كلامه على عجل وقالت وهي تتلجلج بكلامها: «لا تقل (إذا) فإنك ستعود إلينا ~~سالما بإذن الله.» ثم غلب عليها الضعف فتناثرت الدموع من عينيها وهي تحاول إخفاء عواطفها ~~أمام والدتها. # أما سعدى فرأت من الحكمة أن لا تطيل الوقوف على هذه الصورة فقالت: «سر يا ولدي بحراسة ~~الله وهو ينيلك بغيتك على أهون سبيل فتعود إلينا سالما وقد التقيت بوالدك.» # فأثنى على لطفها وودعها وقبل يدها وخرج إلى الحديقة وكان سلمان في انتظاره هناك وقد هيأ ~~الموكب فلما خرج مولاه وسعدى وهند تتبعانه تقدم إليهما وودعهما وهو على غير ما آنساه منه ~~صباح الأمس من انبساط النفس والمجون ولكنه تظاهر بالامتنان والانبساط وأركب حمادا ثم ركب ~~هو وباقي الموكب وخرجوا قاصدين البقاء وهند وسعدى واقفتان تنظران إليهم أما هند فلم يكد ~~حماد يدير عنان جواده حتى غلب عليها اليأس وشعرت بما دبره والدها فتحولت إلى غرفتها وأخذت ~~في البكاء وجعلت تندب سوء حظها وحظ حماد فتبعتها والدتها وهي تخفف عنها وتصبرها بالوعود. # فقالت: «دعيني يا أماه ها قد نفذ السهم وقضي الأمر أن حمادا قد سار إلى مكان لا ms157 نرجو ~~عودة منه وقد كان الأجدر بكم أن ترفضوا طلبه بدلا من ارساله في هذه المهمة.» # قالت ذلك وهي تبكي. # فقالت سعدى: «خلي عنك الأوهام أن حمادا شجاع باسل وخادمه سلمان خبير بكل شيء فلا يعسر ~~عليهما العود بالقرطين وفي ذلك فخر لك ولنا ومنجاة من أثقال ثعلبة وأبيه على ~~الأقل.» # فلما سمعت اسم ثعلبة تذكرت ما قاسته من مساعيه فهان عليها ما يقاسيه حماد في سبيل ~~إنقاذها منه فسكتت والهواجس تتقاذفها. # أما حماد فما زال حتى أتى البلقاء وسلمان صامت لا يفوه بكلمة وكان حماد يبالغ في إظهار ~~ارتياحه إلى تلك السفرة وآماله في عواقبها. # وكانت البشائر قد سبقتهما إلى جبلة تنبئه بمجيء حماد والناس يحسبونه أميرا جاء لغرض ~~يتعلق بالحرب لأن الروم كانوا قد خابروا كل القبائل المجاورة يلتمسون نجدتهم في حرب ~~الحجازيين. # أما جبلة فعلم أنه جاء لأمر يتعلق بخطبته فأذن بدخوله عليه في خلوة فلما التقيا به ~~هم حماد بتقبيل يدي جبلة فانحنى جبلة لتقبيله ثم جلسا وجبلة يرحب به فقال حماد: «قد جئت ~~يا عماه أشكرك على ما تكرمت به علي من الرضا وألتمس دعاءك في ذهابي إلى مكة فإني شاخص ~~إليها على عجل.» # فقال جبلة: «رافقتك السلامة في المسير والإقامة وجعل الله مسيرك سعيدا ولا حرمك مما تريد ~~ولكنني أوصيك يا ولدي أن تبقي ما دار بشأن هند مكتوما حتى تعود لئلا يسبب لنا ذلك مشقة ~~وربما حال دون ما نحن ساعون فيه.» # فأدرك حماد مراده فودعه بالكتمان ثم قال : «معي خادم بل هو رفيق يود تقبيل يديك قبل السفر ~~لأنه سيرافقني ويكون عونا لي فهل يأذن مولاي بمثوله بين يديه.» # قال: «ليدخل.» # فخرج حماد ثم عاد وسلمان معه فتقدم سلمان إلى جبلة وقبل يده ولبثوا هنيهة يتحدثون في ما ~~لم يخرج عن الموضوع من تشجيع وتحبيب الأمر إليه ثم نهض حماد وسلمان وودعا جبلة وخرجا ~~يريدان خيمتهما عند الشيخ النبطي وكل منهما في هاجس. # أما سلمان فلم يكن راضيا بما رآه وسمعه ولكنه ms158 رأى حمادا راضيا به مصمما على تنفيذه ~~فلم يشأ تثبيط عزائمه وعول في باطن سره على أن يبذل جهده في مساعدته إلى آخر نسمة من ~~حياته. # الفصل الأربعون # | السفر إلى الحجاز # فوصلا الخيمة في المساء وكان النبطي قد استبطأهما لغيابهما يومين كاملين فلما عادا رحب ~~بهما فنزلا وهم يفكران في أمر السفر والاستعداد له والعمدة في ذلك على سلمان فابتاع جملين ~~لحمل الماء والثياب والزاد وسألا الشيخ النبطي عن رجل خبير بالطرق يرافقهما إلى مكة بأجرة ~~ترضيه فسألهما عن سبب السفر فانتحلا سببا أسكته. # فقال: «أما الدليل فإني أدلكما على رجل من أهل يثرب وهي المدينة التي جاء منها الحجازيون ~~الذين قلت لكم أنهم سيخرجون هذه البلاد من أيدي بني غسان وقد جاءني أمس بمهمة من بعض ~~أمراء ذلك الجيش فدللته على بعض الأماكن التي يمكنهم الحصول فيها على زاد لهم وسمعته يقول ~~أنه لا يلبث أن يعود إلى بلده فإذا رافقكما إليها كان لكم به خير رفيق ومتى وصلتم يثرب ~~هان عليكم الوصول منها إلى مكة.» # فقال سلمان: «والظاهر أن صاحبك هذا من أتباع صاحب الدعوة الإسلامية بالمدينة.» # قال: «نعم هو مسلم وقد جاء في جملة المسلمين إلى عمان وسيعود بمهمة خصوصية فهل أستقدمه ~~إليكم.» # قال سلمان: «استقدمه.» # فخرج من الخيمة ونادى: «أبا سعيد» فسمعوا صوتا يقول: «لبيك يا أخا العرب.» # فقال النبطي: «هلم إلي.» # فجاء بدوي طويل القامة عريض الأكتاف خفيف اللحية يظهر من ملامح وجهه أنه في الأربعين من ~~العمر عاري الرأس والقدمين ملتحف شملة من نسيج أبيض تغطي بدنه فيلف بعضها حول عنقه ويترك ~~منها زائدة ينشرها على رأسه إذا اشتد عليه الحر وفي يده رمح ونبلة. # فلما رآه سلمان عرف من شكل ملابسه وملامح وجهه أنه حجازي من أهل المدينة فلما وصل أبو ~~سعيد إلى حماد بهره ما عليه من اللباس الفاخر من الخز والديباج والحرير فعلم أنه أمير ~~ولكنه ظنه من أمراء غسان فلم يهش له فابتدره النبطي قائلا: «أن الأمير ليس من غسان ms159 ~~كما قد يخال لك بل هو من العراق فلا تنقبض نفسك لرؤيته.» # فقال أبو سعيد: «لا بأس من أن يكون غسانيا فإننا تجاورنا في منزلك فنحن الآن ~~أخوة.» # فقال حماد: «بورك فيك يا أخا العرب ممن أنت.» # قال: «من أهل يثرب.» # قال سلمان: «أن أهل يثرب أكثرهم من اليهود.» # قال: «نعم فيها كثير منهم فهل قدمتها قبل الآن.» # قال: «نعم جئتها منذ عشر سنوات.» # قال: «لقد تغيرت حالها عما كانت عليه في ذلك الحين بإشراق نور الإسلام.» # فقال سلمان: «ألعل نبي الإسلام منكم أم من قريش في مكة.» # قال: «لا ليس منا ولكننا قمنا بنصرته وفتحنا له صدورنا ومنازلنا فهو يقيم في مدينتنا ~~وقد سمانا الأنصار.» # قال سلمان: «إذن أنت سائر إلى المدينة.» # قال: «نعم وإلى أين أنتم ذاهبون.» # قال: «إلى مكة فهل ترافقنا إليها.» # قال الرجل: «يا حبذا لو كان ذلك في الإمكان.» # فقال سلمان: «وهل يمنعك من ذلك بعد المسافة أم أنت سائر في مهمة على عجل.» # قال: «نعم أني سائر في مهمة على عجل ولكن ذلك لا يمنعني من المسير إلى مكة لو لم يكن ~~أعداؤنا لنا فيها بالمرصاد.» # فقال سلمان: «وأي الأعداء تعني.» # قال: «أعني بني قريش أعمام نبينا فإنهم لا يزالون يتوقعون فرصة للفتك به وهو إنما جاء ~~المدينة مهاجرا فنصرناه كما قدمت وقد تبعه إليها نفر من ذوي قرباه أما الباقون فلا يزالون ~~في مكة وقد تحالفوا على عدوانه وفى مقدمتهم أبو سفيان الأمير التاجر الشهير.» # فقال سلمان في نفسه (أن تلك مشكلة لم تكن من حسباننا وتصور أن في الطريق بين المدينة ~~ومكة خطرا لما بين أهل البلدين من العداوة) فنظر إلى المدني وقال: «هب أننا تركناك في ~~المدينة فهل في طريقنا إلى مكة من خطر.» # قال: «لا خطر عليكم إذا سرتم في طريق معروفة ولو كنتم من دعاة الإسلام مثلنا لكان في ~~مسيركم خطر ولكنكم غرباء سائرون في سبيلكم ولعل الأفضل أن تسيروا في قافلة لأنكم تكونون في ~~كثرة فلا خوف عليكم ms160 من طارق بإذن الله.» قال ذلك وصمت وأطرق كأنه يفكر في أمر طرق ذهنه ~~بغتة. # فنظر سلمان إلى حماد كأنه يستطلع رأيه بعد ما سمعاه من ذلك اليثربي فقال حماد: «أرى أن ~~نرافق الرجل إلى المدينة ثم ننظر ما يكون من أمرنا.» ثم إلتفتا إلى الرجل فإذا هو مطرق ~~يتلاهى باصلاح ثنيات ثوبه فابتدره سلمان قائلا: «ما بال أخي قريش مطرقا يفكر ألعل رأيا ~~جديدا فتح عليه به.» # قال: «لم يخطر لي رأى جديد ولكني تذكرت أمرا ذا بال أظنه يهمكم أيضا.» # فتطاول سلمان بعنقه وقال: «وما ذلك.» # قال: «تذكرت حديثا سمعته من معسكرنا في عمان فإذا صح مسيرنا إلى مكة قريبا فتدخلونها ~~آمنين مطمئنين.» # فلم يدرك سلمان كنه كلامه فقال: «وماذا تعنى بمسيركم إلى مكة.» # قال: «أعني أن نبينا ( # صلى الله عليه وسلم ~~) سيحمل على مكة برجاله فيفتحها ويكسر أصنامها فتصير في ~~حيازتنا فإذا دخلتموها كنتم آمنين.» # فقال: «وهل أنت موقن بهذا الخبر وهل المسير إليها قريب.» # قال: «أني واثق بصدق الرواية ولكنني لم أتحقق الزمن الذي ينوي فيه المسير وعلى كل فإننا ~~متى وصلنا المدينة علمنا حقيقة الحال فهلم إلى الاستعداد.» # ثم تركهما وذهب فنظر سلمان إلى حماد وقال له: «لم يسرني الخبر كثيرا لأن وصولنا إلى ~~الكعبة وبحثنا فيها عن القرطين قد يكون أسهل علينا قبل ذلك الفتح منه بعده.» # فقال حماد: «لا أرى رأيك في ذلك إذ ربما كان لنا بعد الفتح سبيل أسهل وطريق أقرب وسنرى ما ~~يأتي به الغد فعليك الآن بإعداد حاجيات السفر من الجمال والمياه والزاد ونحوها.» # فقال سلمان: «أرى أن نركب خيلنا ونأخذ جملين لحمل الماء والزاد على أن يكونا ذخرا لنا ~~في حال الإضطرار إلى الركوب لأن الجمال أصبر على العطش من الخيل.» قال ذلك وأخذ في ~~الاستعداد. # وفى صباح اليوم التالي استحضروا جملين وخادمين وحملوا أحمالهم مما خف وغلا وتركوا ما بقي ~~من الثياب وغيرها عند الشيخ النبطي وساروا يطلبون الحجاز. # ولما تبطنوا الصحراء وبعدوا عن البلقاء أحس حماد ms161 بالوحشة وتمثل له خطر المسير وتحقق ~~كلام سلمان ولكنه تجلد وألقى اتكاله على الله. # وبعد مسير بضعة أيام أشرفوا على جبال المدينة فقال اليثربي: «ها نحن على مقربة من يثرب ~~ولا نلبث أن نشرف عليها.» # فقال سلمان: «أني أعرف المدينة وطرقها فقد نزلتها منذ أعوام.» # فقال اليثربي: «لا تلبث أن تشرف عليها فترى فيها تغييرا طرأ عليها بعد نزول النبي فيها ~~فقد بنيت فيها المنازل وكثرت البيوت وتعدد السكان لكثرة من هاجر إليها من أصحاب الرسول ~~وغيرهم.» # وبعد هنيهة أشرفوا على المدينة فإذا هي في منبسط من الأرض تحدق بها البساتين والغياض فقال ~~اليثربي: «هذه يثرب فهل تنزلان فيها ريثما تصطحبان من يرافقكما إلى مكة أو تريان رأيا ~~آخر.» # قال حماد: «أني أفضل النزول هنا مدة لأشاهد المدينة وأهلها وأرى صاحبكم وأصحابه بعد ما ~~ملأت أذني من أحاديث حروبه وأوصافه.» # فانحدروا حتى ساروا على مقربة من السور لا يستغشهم أحد ممن رأوهم لأن بينهم أحد الأنصار ~~وقد ظن كثيرون أنهم إنما جاؤوا يلتمسون الإسلام لكثرة من كان يفد على المدينة من القبائل في ~~تلك الأيام وأكثرهم كانوا يجيئون رغبة في الإسلام. # فلما دنوا من السور قال سلمان: «أرى أن نضرب خيامنا هنا فنستريح هنيهة ثم نترك دوابنا ~~ومضربنا في عهدة الخدم وندخل المدينة خفافا.» # فقال اليثربي: «أما أنا فلا أستطيع صبرا عن المسير إلى المدينة الساعة لأني في مهمة ~~فأرجو أن نلتقي هناك.» # فقالا: «سر بحراسة الله.» # فودعهم ومضى. # فلما خرج إلتفت سلمان إلى حماد وقال له: «أراك راغبا في دخول المدينة.» # قال: «نعم.» # قال: «ولكنني لا أرى ذلك.» # قال: «ولماذا.» # قال: «لأننا لم نترك البلقاء ونتجشم الأسفار لنقيم في هذا المكان فضلا عن الخطر الذي قد ~~ينتابنا لمجرد دخولنا المدينة.» # فقال: «وأي خطر علينا من ذلك.» # قال: «أخاف أن يرانا هناك أحد من عيون أبي سفيان فإذا رآنا في مكة عرفنا فيحسبنا من ~~المسلمين فيعرقل مساعينا.» # قال: «إذا رأينا أبا سفيان قلنا له أن عبد الله والدي أو ربما ms162 رأينا والدي معه فنأمن ~~الخطر.» # قال: «لو كان على يقين من وجود سيدي والدك عنده لهان علينا العسير ولكننا إنما قلنا ذلك ~~على سبيل الظن.» # فلبث حماد برهة يفكر فتذكر والده وخطيبته وحاله فرغب في إتمام مهمته بالمسير إلى مكة ~~فقال: «أراك مصيبا في رأيك فالأفضل لنا أن نسير إلى مكة لنبحث عن القرطين فإذا ظفرنا بهما ~~هان علينا كل ما نريده.» # وكانت الشمس قد مالت إلى الأصيل فأرسلا خادما يبتاع زادا وعلفا فعاد عند الغروب فأكلا ~~وأطعما الجملين والجوادين. # وباتوا تلك الليلة وأصبحوا في الغد باكرا فملأوا القرب وركبوا يريدون مكة وكان سلمان لا ~~يعرف الطريق إليها. ولعله كان يعرفها ونسيها ولكنه كان لا يزال يذكر طريقا تؤدي إلى مكة ~~عن طريق آبار بدر غربي المدينة ففضل المسير إلى تلك الآبار ليبيتوا عندها ثم يملأون قربهم ~~ويسيرون نحو مكة. أما حماد فلم يكن يعلم شيئا من تلك الطرق وكان اعتماده على سلمان في كل ~~شيء. # الفصل الحادي والأربعون # | البحيرة # فساروا طول ذلك النهار سيرا بطيئا لعلمهم أن الآبار غير بعيدة عنهم وأنهم بائتون هناك ~~لا محالة فلما كانت الظهيرة حطوا رحالهم للاستراحة فحلوا الأحمال وجلسوا للطعام ثم توسدوا ~~العشب تحت شجرة كبيرة يلتمسون القيلولة واشتغل الخادمان برعاية الجملين. # فأفاقا عند العصر وإلتفتا فلم يريا الجملين ولا راعييهما فبغت سلمان ونهض للحال ونظر إلى ~~ما حوله فرأى كل شيء في مكانه كما فارقه فأخذ يتشوف عن التلال لعله يرى أثر الجملين ~~فلم ير لهما أثرا ولكنه رأى أثر خفافهما على الرمال فهم بتتبع الأثر وقال لحماد: «تربص ~~هنا ريثما أرى ما تم لهما.» فمكث حماد وسار سلمان حتى غاب عن النظر ومالت الشمس نحو ~~المغيب ولم يرجع سلمان فقلق حماد كثيرا وخاف أن يدركه الظلام وهو منفرد في تلك ~~الأرض. # وفيما هو في ذلك رأى أشباحا تقترب فتفرسها فإذا هي ثلاثة من الإبل ومعها الخادمان ~~وسلمان فعجب للجمل الزائد فلما وصلوا استطلعهم الخبر. # فقال سلمان: «أرأيت هذه الناقة.» # فنظر حماد ms163 إليها فإذا هي مشقوقة الأذنين فعجب لحالها وقال: «وما خبرها وما الذي جرى ~~لها.» # قال: «هذه هي الناقة التي يسميها الحجازيون البحيرة فإن من عوائدهم التي قد أخذت تتلاشى ~~بعد ظهور الإسلام أن الرجل منهم إذا ولدت ناقته خمسة أبطن وكان الأخير ذكرا بحر أذنها أي ~~شقها وامتنع من زكاتها وأطلق سراحها لا يمنعها من ماء ولا مرعى فكأن خادمينا رأيا هذه ~~الناقة سائبة فأرادا القبض عليها فهم لها أحدهما فنفرت منه فظن أنه إذا ركب إحدى ~~ناقتينا أدركها فتعقبها بها فلم يدركها فاستبطأه رفيقه فركب الجمل الآخر ولحق به حتى لحقت ~~أنا بهما فرأيتهما قد قبضا عليها بعد جهد شديد وعادا وقد وبختهما على ما ارتكباه فوعدا أن ~~لا يعودا إلى مثل ذلك مرة أخرى.» # الفصل الثاني والأربعون # | آبار بدر # فعجب حماد لحكاية البحيرة ولكنه تأسف لضياع الوقت حتى دنا المغيب ولم يصلا الآبار فقال: ~~«أرى يا سلمان أن نترك هذه الناقة وشأنها لأننا لسنا في حاجة إليها ولا عندنا من علف نطعمها ~~إياه ولنهتم بالمسير لكي ندرك الآبار فهل نحن بعيدون عنها.» # فقال سلمان: «إننا على مسافة قصيرة فهلم بنا إليها.» قال ذلك وأمر فركبوا جميعا وساروا ~~يقطعون السهول والأودية حتى خيم الغسق وقد نفد ماؤهم ولم يصلوا الآبار فقلق سلمان وخاف أن ~~يكون قد أخطأ الطريق فساق جواده إلى أكمة أطل منها على منخفض علم مما يحيط به من الجبال ~~أنه المكان المقصود ولكنه لم يستطع تحقيق ذلك لبعد المكان وظلامه فعاد إلى حماد وأنبأه ~~بما كان فاتفق رأيهما على أن يتركا الخادمين والجملين هناك ويسيرا هما على الفرسين ليتفقدا ~~المكان فإذا كان هو بعينه شربا وسقيا الفرسين لأن الخيل لا تصبر على العطش ثم يناديان ~~الخادمين. # فهمزا الجوادين فسارا في أرض وعرة والجو هادئ لا يسمع فيه غير وقع الحوافر على تلك ~~الصخور وكان الظلام آخذا في الاشتداد ولكن القمر كان قد أرسل أشعة ضعيفة تبشر بقدومه قبل ~~طلوعه فلما وصلا إلى قمة الجبال المحيطة بمكان ms164 الآبار أخذا في الانحدار وهما ينتظران طلوع ~~القمر بفارغ الصبر ليساعدهما على تعيين المكان فوصلا إلى منبسط الوادي ونظرا إلى ما حولهما ~~فإذا هما في واد مظلم تحف به الجبال من أكثر جهاته لا يسمع فيه صوت ولا يهب فيه نسيم ~~وكان القمر قد طلع لكن أشعته لم تدرك أسفل المكان بعد فتحقق سلمان أنها آبار بدر ثم استنار ~~الوادي فتأمله سلمان فإذا هو بعينه ورأى الأماكن التي كانت تقام فيها السوق كل عام وكانت ~~تجتمع إليها القبائل للبيع والشراء والأخذ والعطاء ولكنه آنس في المكان وحشة وهجرا كأنه ~~هجر منذ أعوام ثم خطر له أن الليل يريه ذلك فأخذ يبحث عن محل الآبار وحماد في أثناء ذلك ~~صامت لا يبدي حراكا. # وترجلا عن الفرسين وسارا يقودانهما وقد تهيبا وندما لتلك المخاطرة وكان أعظمهما ندما ~~سلمان لأنه ساق سيده إلى الخطر ولكنه تجلد وسار وحماد إلى جانبه لا يتكلمان حتى وصلا إلى ~~حفر متفرقة فاستترا وصاح سلمان: «هذه هي الآبار قد أدركناها.» وكانا قد أعدا ما يستقيان ~~به من دلو أو نحوه فألقى سلمان الدلو فسمع صوته يصادم قعر البئر والبئر فارغة فعجب لذلك ~~ثم ما لبث أن سمع حركة ورأى حيوانا وثب من البئر وفر فتأمله فإذا هو يشبه الثعلب أو ~~الكلب فازداد استغرابه وبغت حماد وقال: «ما هذا يا سلمان أيخرج من الآبار ثعالب.» # قال: «أني في غاية الاستغراب من هذا الاتفاق. أن المكان هو هو بعينه وقد نزلت فيه منذ ~~ست سنوات وشربت من مائه ورأيت الناس يستقون منه فلا أدري ماذا جرى له فيلوح لي أن أنزل ~~في هذه البئر فإني أراها غير عميقة لعلي أستطلع من أمرها شيئا.» فأنزل قدما ثم الثانية ~~حتى أدرك القعر فأحس كأنه واقف على عظام فمد يده وأمسك العظام بيده فإذا هي مدفونة كلها ~~أو بعضها بالتراب واستخرج شيئا منها فتصاعدت عنها روائح كريهة ولمس عظاما طويلة ومستديرة ~~وكروية على أشكال شتى فاقشعر جسمه لأنه علم من أشكالها أنها عظام ms165 آدميين فصعد للحال وقد ~~هاله الموقف لم يشأ أن يخبر حمادا بذلك لئلا يخاف وتاقت نفسه لاستجلاء حقيقة الأمر عن ~~تلك الجماجم والعظام ولكنه كتم ذلك وأوعز إلى حماد بالعود فعاد حماد وهو ينتظر أن يسمع ~~شيئا جديدا فلم يفه سلمان بكلمة فظلا سائرين في ذلك المنخفض وحماد ينتظر حديث سلمان ~~وسلمان يفكر في غريب ما رآه والليل هادئ لا يسمع فيه إلا صوت وقع الحوافر فلما أبطأ سلمان ~~في الحديث هم حماد بالسؤال عما رآه وإذا بصوت جمل يهدر عن قرب فوقفا وأنصتا ليعرفا جهة ~~الصوت فإذا هو جمل منحدر من أعلى الجبل من الجهة التي جاءا منها أولا فظنا احد الخادمين ~~قادما لخبر جديد فلبثا واقفين ينتظران ما يكون فإذا بالراكب في لباس غير لباس الخادم ~~فتأملاه فإذا هو رفيقهما اليثربي فلما دنا منهما ناداهما فعرفا صوته فأجابه سلمان ~~فتعارفوا. # فلما وصل اليثربي إليهما قال: «ما الذي جاء بكما إلى هذا المكان.» # قال سلمان: «جئنا نلتمس الماء.» # قال: «أتلتمسون الماء من هذا المكان وقد أصبح مجتمعا للرمم ومعرضا للجيف.» # قال سلمان: «لا أعرفه إلا مستقى فيه ماء عذب وقد عجبت لما تقول وخصوصا بعد أن رأيت ~~الجماجم بنفسي ولمستها بانملي.» # فبغت حماد لذلك وقال: «أتقول الصدق يا سلمان.» # قال: «نعم يا مولاي قد لمست الجماجم والسواعد والأفخاد بيدي وكتمت ذلك عنك لئلا ~~تتهيب.» # قال حماد: «لقد عرفت سر سكوتك كل هذه المدة وأنا أتوقع خطابك بعد نزولك إلى قاع البئر» ~~ثم إلتفت إلى اليثربي وقال: «وما الذي حول هذا الماء إلى رمم وعظام.» # قال: «أن لذلك خبرا طويلا سأقصه عليكما متى جلسنا فقد جئتكما بالماء ووضعته عند ~~خادميكما وراء هذه الأكمة وقد تستغربان مجيئي إليكما في هذا الليل على غير موعد بيننا وأما ~~السبب في ذلك فإني لبثت في انتظاركما اليوم بباب المدينة فلما استبطأتكما جئت أفتقدكما فلم ~~أجدكما فعلمت من قرائن مختلفة أنكما سرتما نحو هذه الآبار ولما كنت عالما بجفافها حملت ~~إليكما قربة ماء وسرت أقتص ms166 خبركما حتى جئت إلى خادميكما فقالا لي أنكما تطلبان الماء من ~~هنا فجئت إليكما على عجل كما تريان.» # قال ذلك وأشار إليهما أن يتبعاه فركبوا وساروا جميعا وكل منهم يتأمل هيبة ذلك المكان بعد ~~ما علموا من أمره حتى وصلوا أعلى الوادي وتحولوا نحو الخادمين وكانا في انتظارهم فلما وصلوا ~~ترجلوا جميعا وجلسوا على دكة فتناولوا الطعام وشربوا وسقوا الخيل والجمال وسلمان وحماد ~~ينتظران خبر بدر بفارغ الصبر. # فلما استتب بهم الجلوس قال حماد: «أراني في قلق لا مزيد عليه فهل تتكرم علينا بخبر تلك ~~الآبار.» # قال: «أن خبرها غريب يطول شرحه فإذا كنتم مستعدين لاستماعه الليلة قصصته عليكم وإلا ~~فإني أقصه عليكم في الغد.» # فصاحا معا: «بل تقصه علينا الليلة فإن القمر قد أبدر وتاقت نفوسنا إلى السمر إلا إذا ~~كان في ذلك ثقلة عليك.» # قال: «أني شديد الرغبة في قص هذه الحكاية لأنها تبين كرامة نبينا ( # صلى الله عليه وسلم ~~) وبها يفتخر ~~المسلمون كما ستستمعون.» # ثم جلسوا وأخذ اليثربي يقص حكايته وحماد وسلمان منصتان والجمالان يتطاولان عن بعد ~~لاستماع الخبر. # الفصل الثالث والأربعون # | سبب الغزوات # قال اليثربي: «اعلموا أني أقص عليكم خبر أعظم واقعة حدثت في الإسلام وقد شهدها رسول الله ~~( # صلى الله عليه وسلم ~~) بنفسه منذ نحو خمس سنوات وكنت في جملة المحاربين فرأيت وسمعت ما تشيب لهوله ~~الأطفال.» # فقال سلمان: «ومن هم الذين حاربتموهم هناك.» # قال: «هم بنو قريش من أقرباء الرسول ولكنهم أعداؤه.» # قال: «وكيف يكونون أقرباءه ولا يقومون لنصرته بل يكونون أعداءه.» # قال: «أن لذلك خبرا طويلا لا أستطيع بسطه الليلة ولكنني أذكر ملخصه تمهيدا لذكر ~~واقعة بدر التي نحن في صددها فارعوني سمعكم.» # قالوا: «كلنا آذان فشنف مسامعنا.» # فقال: «لا يخفى عليكم أن نبينا ( # صلى الله عليه وسلم ~~) لما قام يدعو الناس إلى الإسلام لم يجبه إلا ~~نفر من قريش وظل أعمامه وأكثر ذوي قرابته على دين آبائهم وأكثرهم إنما رغبوا عن هذا الدين ~~القويم خوفا على تجارتهم أن تكسد لما في تأييد ms167 الإسلام من احتقار الأوثان وإبطال عبادتها ~~فينحط قدر الكعبة فيقل الحجاج إليها ومعائش قريش وسائر أهل مكة من التجارة ولا تجارة إلا ~~بالحجاج فضلا عما يتمتع به القرشيون من السيادة والنفوذ ببقاء الكعبة فإنهم حجابها ولهم ~~بذلك فخر وسؤدد. # فهذه الأسباب وغيرها حملت بني قريش على مقاومة نبينا ( # صلى الله عليه وسلم ~~) ولكنه لم يحرم أنصارا ~~شدوا أزره وصدقوا بدعوته ومنهم جماعة من خيرة قريش وكبار رجالها على أنهم لم يستطيعوا ~~حمايته من الأذى فهاجر وهاجروا معه إلى مدينتنا يثرب التي كنا بالقرب منها البارحة ~~فاستقبلناه بكل إكرام فنزل بيننا على الرحب والسعة وسررنا بهذا الشرف العظيم. # ولا يخفى عليكم أن المدينة واقعة في الطريق بين مكة والشام فمن أراد تجارة أو سفرا ~~بينهما لا بد له من المرور بها فأخذ ( # صلى الله عليه وسلم ~~) من يوم نزوله المدينة يجمع أصحابه الذين ~~هاجروا معه وهم المهاجرون والمدنيون الذين نصروه وهم الأنصار ويخرج بهم للغزو أو يرسلهم ~~ويقيم فكلما سمع بقافلة لقريش قادمة من الشام أو غيرها بتجارة أو أموال خرج برجاله ليغزوهم ~~وما أصابه من مال أو غيره وزعه على رجاله. # الفصل الرابع والأربعون # | غزوة بدر الكبرى # ففي السنة الثانية للهجرة كانت وقعة بدر الكبرى وسببها أن أبا سفيان بن حرب رجل قريش ~~وأكبر زعمائهم كان قادما من الشام في أبل لقريش عليها أموال كثيرة ومعها ثلاثون رجلا أو ~~أربعون من قريش وكلهم من أعداء الإسلام وفي جملتهم عمرو بن العاص وكانت آبار بدر هذه محطة ~~تقف عندها القوافل القادمة من الشام للاستقاء في طريقها إلى مكة فلما علم رسول الله ~~( # صلى الله عليه وسلم ~~) بمروره انتدبنا للخروج عليهم فعلم أبو سفيان بذلك فأنفذ بعضا من رجاله إلى مكة ~~يستنفرون الناس للقدوم إلى الآبار لحماية أموالهم فكان الرجل منهم إذا وصل إلى مكة وقف على ~~بعيره وقد جدعه وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: «يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أن ~~أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه لا ms168 أدري أن تدركوها الغوث الغوث.» فتجهز ~~القرشيون سراعا لم يتخلف من أشرافهم إلا من عجز عن المسير فبلغ عدد السائرين ألف رجل ومئة ~~فرس وسبعمائة بعير وأما رجالنا فكان عددهم ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا وسبعين بعيرا وفرسين. ~~فسارت رجالنا من المدينة يتقدمهم النبي حتى وصلنا إلى مكان اسمه الصفراء فبعث من يتجسس خبر ~~أبي سفيان فقيل له أنه بالقرب من بدر فجمعنا في جلسة وجمع أصاحبه المهاجرين معنا وشاورنا ~~جميعا وكان قد استطلع قوة العدو وأطلعنا عليها وقال: «ما تقولون هل نحاربهم.» فأجابوا ~~جميعا بصوت واحد وقلب واحد: «موافقين» وسأل الأنصار فقالوا: «فوالذي بعثك بالحق أن استعرضت ~~بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك وما نكره أن تكون تلقي العدو بنا غدا لعل الله يريك منا ~~ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله.» # فلما سمع كلامهم أثنى عليهم وسار وسرنا جميعا وكان أبو سفيان قد نزع إلى الخديعة في ~~أثناء تلك الفترة فسار من يمين الآبار حتى تجاوزها والعير معه فلقي رجال قريش في مكان ~~يقال له الجحفة فخاطب أشراف قريش قائلا: «هذه العير والأموال قد نجت فارجعوا إلى مكة» ~~وكان في جملة أولئك رجل اسمه أبو جهل لعنه الله عليه فأبى إلا أن يمر بالآبار فساروا ~~حتى دنوا من الوادي أما نحن فسرنا نطلب الآبار فنزلنا عندها ومنعنا الأعداء منها فتقدم زعيم ~~الأنصار منا وهو سعد بن معاذ وقال: «يا رسول الله نبني لك عريشا من جريد فتكون فيه ونترك ~~عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا الله عليهم كان ذلك مما أحببناه وإن كانت ~~الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك ~~منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويحاربون معك.» فأثنى ~~الرسول عليه خيرا فبنينا له عريشا. # وبعد قليل رأينا غبار قريش ثم ظهرت رجالهم وفرسانهم وعليهم العدة والسلاح يتقدمهم ~~أمراؤهم في أفخر اللباس وكانوا أهل بذخ وترف ms169 وقد أخذت بهم الخيلاء والفخر فلما دنوا منا ~~عسكروا أمامنا ثم أرسلوا رجلا منهم ليحزرهم أي يقدر عددهم فجال بفرسه قليلا وعاد ~~فأنبأهم بقلة عددنا فتشاوروا في الأمر طويلا وفيهم من يشير بالرجوع وكانوا بين أن يرجعوا ~~أو يهاجموا لأن الماء في حوزتنا فإذا لبثوا مكانهم هلكوا عطشا فعظم عليهم الرجوع لكثرتهم ~~وقلتنا فاقروا على الهجوم فخرج منهم أفراد طلبوا البراز فبارزناهم فقتلنا بضعة من كبارهم ~~فهجم آخرون منهم وهجم بعض منا والتحم الفريقان وكان يوما عظيما خاف فيه المسلمون خوفا ~~شديدا لما رأوا من قتلهم وقد سمعت رسول الله ( # صلى الله عليه وسلم ~~) يقول وقد رأى احتدام الحرب: ~~«اللهم أن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض اللهم انجز لي ما وعدتني.» قال ~~ذلك وهو ينظر إلى رجاله ويدعو لهم بالنصر وقد سمعت دعاءه بأذني لأني كنت في جماعة من ~~الأنصار مع سعد بن معاذ واقفين بباب العريش نحرس رسول الله ( # صلى الله عليه وسلم ~~) خوفا عليه من كرة ~~العدو. ولقد رأيت ما كان من فتك المسلمين بالمشركين ما ينشرح له الصدر وخصوصا لما رأيت ~~أبا جهل زعيم القريشيين مجندلا يختبط بدمه وكان أشد الناس عداوة لنبي الله ورأيت غيره من ~~أمرائهم مقتولين منهم حنظلة بن أبي سفيان وشيبة وعتبة وأمية وغيرهم ورأيت أشد المسلمين ~~فتكا في ذلك اليوم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول فقد رأيته يخترق الجماهير وفى صدره ريشة ~~نعامة يمتاز بها عن غيره. # ومن غريب ما شاهدته من بسالة المسلمين في ذلك اليوم واستهلاكهم في نصرة الإسلام أن معاذ ~~بن عمر بن الجموح كر على أبي جهل المتقدم ذكره وكان محاطا بزمرة من رجاله فاخترق الناس ~~إليه فضربه ضربة أصابت ساقه فهجم عكرمة بن أبي جهل على معاذ بضربة قطعت يده فطرحها عن ~~عاتقه ولكنها ظلت معلقة بجلدة من جثته فما زال معاذ يقاتل كل ذلك اليوم ويده تجر وراءه ~~فكنت أنظر إلى ذلك وأشعر كأن يدي في مثل ذلك أما هو ms170 فلم يكن يبالى فلما آذته يده وعاقته ~~عن الحرب جعل رجله عليها وتمطى حتى انفصلت فتركها وعاد إلى الحرب. وكان في جملة جند ~~المشركين العباس بن عبد المطلب فانه كان لا يزال مترددا بين الإسلام وما كان عليه أجداده ~~فلما حمل القرشيون على بدر حمل معهم مكرها فأسر في جملة من أسر ولكن أسره لم يطل لأن ~~النبي أمر بإطلاقه حالا. # ولم يمض زمن حتى رأينا المشركين هموا بالفرار فقبضنا على جماعة كبيرة منهم ولما انقضت ~~الحرب أمر رسول الله أن يؤتى بجثث القتلى إلى القليب فجييء بها فتكومت كوما وفيها جثث ~~نخبة أمراء قريش وهي التي رأيتم بقاياها في الآبار الليلة ثم جمعت الغنائم ففرقت فينا على ~~السواء وحملت بشائر النصر إلى المدينة وأخبار الويل إلى مكة وقد كانت هذه المعركة قاضية على ~~مشركي قريش إذ قتل فيها جماعة من ألد أعداء الإسلام وأشدهم بطشا وفي جملتهم أبو لهب عم ~~الرسول وكان شيخا كبيرا لم يحضر الحرب فلما بلغته نكبة القرشيين اشتد الأمر عليه فمات ~~بعد تسعة أيام. # فأصبح زعيم القرشيين بعد هذه المعركة أبا سفيان الذي ذكرته لكم وهو مشهور وكثيرا ما ~~يسير إلى الشام فلا يخلو أن تكونوا قد رأيتموه هناك.» # فقال سلمان: «نعم رأيته غير مرة وهو أشهر من أن يذكر.» # فقال: «وسترونه قريبا عند وصولكم مكة فإنه عاد عليها منذ بضعة أسابيع.» # فلما سمعا ذكر أبي سفيان توهما أن يكون عبد الله معه ولكنهما كتما ذلك. # ثم قال اليثربي: «وأصبحت الآبار بعد تلك المعركة مهجورة وقد ألقوا الجثث فيها فانتنت وبطل ~~موسمها السنوي من ذلك الحين. # هذه هي حكاية الآبار فاشكروا الله أنكم لم تلقوا فيها وحشا ضاريا أو نحوه فلنبت الليلة ~~هنا ولنعد في الغد إلى المدينة نمكث فيها يوما ثم تسيرون منها في قافلة إلى مكة وإلا ~~فاختاروا لأنفسكم.» # فأعجب حماد بشهامة ذلك الرجل وغيرته عليهم ورغبته في إنقاذهم وقال: «إننا والله شاكرون ~~لحسن صنيعك جزاك الله خيرا وقد يجدر بنا بعد هذا ms171 الصنيع أن نكون طوع بنانك نسير معك حيثما ~~سرت ولكننا نرى سرعة المسير إلى مكة لعلنا نلتقي فيها بأبي سفيان قبل خروجه منها.» # فقال اليثربي: «ألعلكم تعاملونه معاملة التجار فإن له علاقات كثيرة مع تجار ~~الشام.» # قال سلمان: «لا علاقة تجارية بيننا وبينه ولكننا نفتش عن صديق لنا سار برفقته من بيت ~~المقدس.» # فقال اليثربي: «أنصح لكم نصيحة صديق مخلص لا يريد بكم غير الخير فهل تنتصحون بها.» # قالا: «نعم ويكون لك علينا الفضل.» # قال: «أنصح لكم إذا لقيتم أحدا من المسلمين في المدينة أو غيرها وعرض ذكر أبي سفيان فلا ~~تذكروا علاقة بينكم وبينه فإن ذلك يوقع عليكم شبهة وربما يلحق بكم من جراء ذلك ~~ضرر.» # فقال سلمان: «لقد أخلصت النصيحة وأردت بنا خيرا فشكرا لك على ذلك ونحن لو لم نتوسم فيك ~~الإخلاص لما فرط منا ذكر هذا الرجل على أننا لم نقل أننا أصدقاؤه وإنما قلنا أن صديقا سار ~~برفقته.» # فقال اليثربي: «ومهما يكن من الأمر فقد نبهتكم إلى ما لا يخلو من فائدته.» # قال حماد: «لا ريب من ذلك عندنا فنشكرك عليه شكرا جزيلا.» # وكان قد مضى معظم الليل وغلب النعاس على الجميع فنهضوا للرقاد فلما أصبحوا خيرهم اليثربي ~~في الذهاب معه إلى المدينة أو الذهاب إلى مكة توا فأثنوا عليه واعتذروا بأنهم يؤثرون ~~المسير توا إلى مكة على نية أن يمروا بالمدينة في عودتهم فأطاعهم وأوصاهم وصايا تتعلق ~~بسفرتهم وودعهم وعاد إلى المدينة وتركهم يستعدون للسفر إلى مكة. # الفصل الخامس والأربعون # | بكر وخزاعة # فلما خلا حماد بنفسه تذكر حاله مع هند وما هو ذاهب من أجله وكان في أثناء حديث ~~اليثربي عن أبي سفيان يهم بالاستفهام عن والده ثم يخاف العاقبة فيمتنع وأخيرا صبر نفسه ~~ريثما يصل مكة ويلتقي بأبي سفيان. # وفي صباح اليوم الثاني ركبوا وساروا لا يلوون على شيء فأمسى المساء وقد أدركوا بقعة من ~~الأرض يكسوها المرعى وفى أحد جوانبها شجرة تحتها عين ماء عذب اعتاد المارة الجلوس إليها ~~إلتماسا للراحة من ms172 وعثاء السفر أثناء مرورهم بين مكة والمدينة. # فجلسوا إلى الشجرة وأوقدوا نارا يستضيئون بها أو يستخدمونها في معالجة طعامهم تلك ~~الليلة. حتى إذا اكلوا جلسوا يتسامرون ريثما يتغلب عليهم النعاس فلما انقضى الهزيع الأول ~~من الليل هموا بالرقاد وقد أمروا الخادمين أن يتناوبا السهر خوفا من طارئ يفاجئهم ولم يكد ~~يغمض لهم جفن حتى أفاق سلمان فسمع ضوضاء عن بعد فألصق أذنه بالأرض فتبين له أن بضع عشرات ~~قادمون من مكة مسرعين ومعهم الخيول وعلم أنهم نازلون عند تلك العين لا محالة فخاف أن يكون ~~عليهم من نزولهم بأس فإلتفت إلى حماد فإذا هو لا يزال نائما فتردد بين أن يوقظه أو أن ~~يتركه نائما وفيما هو يتردد أفاق حماد من تلقاء نفسه فرأى سلمان جالسا على فراشه ~~فبعث وناداه واستطلعه الخبر. # فقال: «كنت عازما على إيقاظك لو لم تستيقظ من تلقاء نفسك.» # قال حماد: «وما سبب ذلك.» # قال: «أني أسمع أصوات خيول وأناس قادمين من جهة مكة فأخشى أن يكونوا سائرين في حرب وربما ~~أوقعوا بنا سوءا.» # فقال حماد: «وما الرأي إذن.» # قال: «الرأي أن نتواطئ على كلام نقوله لهم يضمن لنا النجاة.» فقال: «وما هو» # قال: «يغلب على الظن أن القادمين من أهل مكة الذين لم يؤمنوا بالنبي الجديد وإنهم يريدون ~~المدينة لحرب أو لاستطلاع فهم من أعداء المسلمين وعلينا نحن أن نتجاهل أمر الإسلام ونتظاهر ~~بأننا إنما جئنا نريد الاعتمار في مكة.» # فقال حماد: «وما معنى الاعتمار أن ذلك لا أثر له في ديننا.» # قال: «هو الحج إلى الكعبة والكعبة حج يؤمها الناس من أقاصي الأرض على اختلاف الملل والنحل ~~فإذا قلنا أننا غرباء قاصدون زيارة الكعبة لا يستفشوننا.» # فقال حماد: «افعل ما بدالك وكن أنت المتكلم عني.» # ولم يكادا يتمان الحديث حتى جاء خادمه سلمان ينبئهم أن الجمع قد اقترب وأنهم يقصدون ~~ذلك الماء. # فلبثوا تحت جنح الظلام ينتظرون وصولهم وقد زادوا نارهم وقودا استئناسا بالنور. # فلم يمض قليل حتى وصل الماء فارس ملثم فلما اقترب ms173 من النار نادى: «من القوم النزول ~~ههنا.» # فقال سلمان: «عرب من لخم ومن أنت.» # قال: «عرب من خزاعة وما الذي جاء بكم إلى هذا المكان.» # قال سلمان: «جئنا لزيارة البيت الحرام.» # قال: «هل مررتم بالمدينة.» # قال: «مررنا بها عن بعد ولم ندخلها.» # وما أتم كلامه حتى وصل رفاقه وفيهم الفارس والراجل فترجلوا جميعا ودنوا من الماء ~~فتفرس فيهم سلمان يسبر عددهم فإذا هم نحو الأربعين يتقدمهم رجل بلباس فاخر لم يستطع معرفته ~~لشدة الظلام وكان هذا الرجل هو وجيه القوم يأمرهم وينهاهم فعلم سلمان أنه رئيسهم وكان قد ~~أمرهم أن ينصبوا خيمته بالقرب من تلك الشجرة فأخذوا في ذلك وسلمان ينظر إليهم ثم لاح له ~~أن يستطلع حقيقة حالهم من زعيمهم فدنا منه وحياه فرد الفارس التحية والارتباك ظاهر على ~~وجهه ولكنه إلتفت إلى سلمان وقال: «قد أنبأني دليلنا أنكم من لخم فهل أنتم قادمون من ~~العراق.» # قال: «نعم يا مولاي.» # قال: «ونحن نعلم أن اللخميين في العراق من أهل النصرانية.» # قال: «نعم ونحن كذلك.» # قال: «وكيف تقول أنكم جئتم لزيارة البيت الحرام والنصارى يحجون إلى بيت المقدس.» # فبغت سلمان ولبث برهة صامتا لا يدري بماذا يجيب وظهر الارتباك على وجهه ولكنه تجلد ~~وقال: «وهل تقفل أبواب الكعبة دون النصارى إذا جاؤها معتمرين.» # قال: «كلا فإن الناس يقدمون إليها من أقاصي العالم على اختلاف الملل والنحل ولكن ~~النصارى قلما يجيئونها وزد على ذلك أن الوقت ليس وقت الحج فأصدقني الخبر.» # قال سلمان: «ليس في حقيقة خبرنا ما نخشى بيانه ولكنني رأيتكم جمعا كبيرا فارتبنا من ~~أمركم فإذا علمنا من أنتم أفدناكم عن حقيقة أمرنا.» # وفيما هو يقول ذلك جاءه رجل يقول أن الخيمة قد نصبت والمائدة أعدت فإلتفت إلى سلمان ~~قائلا: «إذا شئت أن تضيفنا على الطعام أتممنا الحديث فإننا نحتاج بعد طول السفر إلى ~~الراحة.» # فقال: «فلنترك إتمام الحديث إلى صباح الغد.» # قال: «حسنا» وافترقا فسار سلمان إلى سيده فإذا هو لا يزال جالسا على فراشه ينتظر ~~عودته بخبر ms174 القوم فلما رآه عائدا استطلعه الخبر فأنبأه بما كان واستمهله إلى الغد ~~يستطلع الحقيقة. # فبات تلك الليلة على حذر ولما أصبح الصباح خرج سلمان إلى مضرب القوم فإذا هم أكثرهم من ~~الفرسان وتأمل لباسهم وحالهم فإذا هم من أهل الحجاز ففكر في أمرهم فرأى أن يصطحب سيده وأن ~~يسيرا معا إلى رجل الأمس فاصطحبه وسارا. # فلما وصل الخيمة استأذنا في الدخول فأذن لهما فدخلا فوجدا الرجل جالسا على وسادة مقطب ~~الوجه كأنه يفكر في أمر همه فلما وقع نظره على سلمان وقف له ورحب به فبالغ سلمان في ~~الاعتذار لما سببه له من المشقة بتلك الزيارة ولكنه قدم سيده في الجلوس فأدرك صاحب ~~الخيمة أنه سيد له فرحب به بنوع خاص وأجلسه إلى جانبه ثم إلتفت إلى سلمان وقال: «أرى ~~ضيفنا في هذا الصباح عراقيا أيضا.» # قال سلمان: «نعم يا سيدي أنه أمير من أمراء العراق وأنا خادم له فهل يتفضل سيدي ~~بالإفادة عن اسمه.» # قال: «أني عمر بن سالم الخزاعي من بني كعب سائر في جماعة من خزاعة نريد المدينة.» # فقال سلمان: «ألعلكم من أهل مكة.» # قال: «نعم نحن نقيم في مكة ولكننا سائرون إلى المدينة في مهمة فهل أنتم قادمون ~~منها.» # قال: «كلا يا مولاي لم نكن في المدينة ولكننا مررنا بها عن بعد.» # قال: «يا حبذا لو أنكم دخلتموها.» # فتعجب سلمان لتمنيه هذا وعهده بأهل مكة إذ ذاك أعداء لأهل المدينة على أثر ما كان من ~~مهاجرة النبي وأصحابه منها. # فقال: «هل تأذن لي بسؤال يزيل عني الالتباس.» # قال: «تفضل.» # قال: «قلتم أنكم من أهل مكة تقصدون المدينة وقد بلغنا أن بينكم وبين أهل المدينة ~~عداوة.» # قال: «صدقتم ولكن بين أهل مكة جماعة كبيرة هم على دعوة أهل المدينة أي أنهم مسلمون ولكنهم ~~مستضعفون لا يستطيعون التصريح خوفا من كبار قريش أن يصيبوهم بسوء على أنني سألتكم عن ~~حقيقة أمركم فلم تجبني فهل أنتم سائرون إلى مكة للحج حقيقة.» # قال سلمان: «أما وقد آنسنا فيك ما آنسناه ms175 من كرم الخلق وحسن الوفادة فإني أطلعك على جلية ~~أمرنا لعلك تكون لنا عونا في ما نحن فيه.» # قال: «وما ذلك.» # قال: «نحن يا سيدي كما قلت لك من أهل العراق وهذا الأمير حماد سيدي وقد جئنا قاصدين مكة ~~للتفتيش على الأمير عبد الله والد مولاي هذا فقد قيل لنا أنه جاء الحجاز برفقة أبي سفيان ~~منذ أشهر فهل تعلم عنه شيئا.» # قال: «أذكر أني شاهدت أبا سفيان بعد عودته من الشام هذا العام ولكنني لم أعلم شيئا عن ~~الأمير عبد الله فربما كان معه ولم أره.» # فقال سلمان: «هل يخبرني سيدي عن سبب قدومه إلى المدينة وهو من أهل مكة فإني أخاف أن يكون ~~وراء مجيئكم ما يدعو إلى حرب تقفل بها أبواب مكة دوننا.» # قال: «أما سبب مجيئنا إلى المدينة فهو أننا من خزاعة كما أخبرتكم وقد كانت قبيلتنا في ~~خصام مع قبيلة أخرى يقال لها بنو بكر فكان النزاع بيننا لا يفتر حتى ظهر الإسلام وكانت ~~الغزوات فجاء المسلمون منذ عامين إلى الحديبية بالقرب من مكة ومعهم نبيهم يريدون الاعتمار ~~فخاف أهل مكة أن يكونوا عازمين على حرب فمنعوهم من دخولها ثم كانت خصومة انتهت بعقد أبرم ~~بين المسلمين وقريش يقضي بهدية وسلام فدخل بنو بكر في عقد قريش ودخلنا نحن في عقد المسلمين ~~ثم رجع المسلمون واطمأنت قلوبنا فلما دخل هذا العام رأينا من بني بكر خروجا عن العقد ~~فتعرضوا لنا وقتلوا منا بعضا ورأينا بني قريش يضافرونهم على ذلك فاعتبرنا هذا العمل نقضا ~~للعهد الذي كان معقودا بينهم وبين المسلمين وكأني بالقرشيين ساعون إلى حتفهم بظلفهم فقد ~~كانت مكة آمنة مطمئنة فعرضوها لهجمات المسلمين لأننا لما استفحل الأمر علينا ورأينا ~~القرشيين يعاونون البكريين علينا جئنا بهذا الجمع نريد المدينة لنبلغ ذلك إلى صاحب الرسالة ~~الإسلامية.» # فقال سلمان: «وما ظنك به بعد ذلك.» # قال: «أظنه يحمل على مكة برجاله فيفتحها عنوة وفى فتحها عزة للمسلمين.» # فقال سلمان: «يظهر أنكم على دعوة صاحب الرسالة فهل أنتم مصدقون ms176 لما جاء به.» # قال: «لقد جرنا الحديث إلى أمور طالما وددنا كتمانها ولكننا أصبحنا في حال لا نرى معها ~~بدا من التصريح فإننا نرى صاحب هذه الدعوة صادقا في دعوته ولا نظنه إلا غالبا ومما ~~يدلنا على ذلك نصرته في حروبه حيثما توجه.» # فعاد سلمان إلى ما هم فيه من أمر القرطين والأمير عبد الله فأخذ يفكر في وسيلة يستخدم ~~بها تلك الفرصة فقال: «أما وقد آنسنا منك هذه الشهامة فهل ترى أن تهدينا إلى سبيل نتصل به ~~إلى أبى سفيان للبحث عن مولاي الأمير عبد الله.» # قال: «وما الذي عساي أن أفعله في هذا القبيل.» # قال: «توصي بنا رجلا من خاصتك نثق بإخلاصه وتعقله ليدر بنا في مكة لأننا غرباء ~~والغريب أعمى ولو كان بصيرا.» # ففكر عمر ساعة ثم قال: «لي في مكة عم شيخ يقيم في الكعبة نهاره كله وهو واسع الإطلاع ~~نافذ الكلمة لدى أبي سفيان فإذا لقيتموه واستعنتموه في شأن هداكم إلى سواء السبيل واسمه ~~حرب فإذا دخلتم مكة وجئتم الكعبة اسألوا عن حرب الخزاعي فإذا لقيتموه رأيتم فيه شيخا ~~طاعنا في السن فقولوا له أن ابن أخيك عمر بن سالم يقرئك السلام فإذا وصفتم له حالنا وما ~~شرحته لكم من أمر خزاعة وبكر علم أنكم صادقون في قولكم فاسألوه ما شئتم فانه خير مرشد ~~لكم في ما تريدون.» # فنهض حماد عن ذلك وأثنى على عمر وودعاه وانصرفا إلى خيتمهما. # وبعد قليل نهض الركب الخزاعي ويمموا المدينة وقد سر سلمان لتلك الصدفة وأمل أن ينال ~~بها خيرا. # الفصل السادس والأربعون # | مكة المكرمة # وفي ظهيرة ذلك اليوم ركبوا يريدون مكة فوصلوها بعد مسيرة يوم فدخلوها فرأوا أهلها في هرج ~~ومرج لا حديث لهم إلا أم خزاعة وبكر فساروا في طرقها لا يستغشهم أحد لكثرة الواردين على ~~الكعبة من الغرباء وأرادوا المسير إلى الكعبة في ذلك اليوم فقال سلمان: «هلم بنا إلى خان ~~ننزل فيه بجمالنا وأثقالنا ثم ننزل الكعبة أو أنزل أنا وحدي أتجسس الأخبار وأعود إليك» ms177 ~~فقصدوا خانا بالقرب من الكعبة نزلوا فيه فبدلوا ثيابهم وتناولوا طعاما واستراحوا بقية ~~يومهم وسلمان يفكر في وسيلة تكفل لهم نجح مسعاهم. # فلما أصبحوا في اليوم التالي قال سلمان: «امكث هنا يا مولاي ريثما أتدبر الأمر بنفسي ~~وآتيك بالأخبار وإذا أبطأت عليك فلا ينشغل بالك.» # قال حماد: «سر بحراسة الله.» # فخرج سلمان وقد تزيا بزي أهل الحجاز لا يريد بذلك تنكرا ولكنه خاف أن يكون غريب ~~لباسه موجبا لاستلفات الأنظار إليه فوصل المسجد الحرام فدخل من بعض أبوابه فرأى في ~~ساحته جماعة كبيرة عراة يطوفون وفيهم الواقف والجالس والراكع ورأى في بعض الجوانب جماعات ~~جالسين يتحادثون ويتحاورون فسار هنيهة فرأى في وسط الساحة بناء مربعا تجلله أستار من ~~القباطي علم من طواف الناس حولها أنها الكعبة تجللها الأستار فلم يجسر على الطواف حولها ~~والدنو منها ولكنه نظر إلى داخلها عن بعد فرأى فيها أحجارا قائمة علم أنها الأنصاب ورأى ~~حول الكعبة وفوقها أصنام هائلة رأى بعض الناس يحلقون ويغتسلون حولها فأذهله كل ذلك وقال ~~في نفسه (إذا لم يكن في قيام الإسلام غير هدم هذه الأنصاب وإبطال عبادتها فلكفى به ~~فضلا). # ثم تأمل في بناء الكعبة وأخذ يفكر في أمر القرطين وكيف يمكن أن يكونا هناك وإذا وجدا ~~فأين يمكن أن يكون موضعهما فلم يزدد إلا إبهاما ولا زادته تلك الزيارة إلا ~~يأسا. # ثم تحول نحو الجماهير لعله يرى ذلك الشيخ فطاف المكان يسأل عنه باسمه فقال له ~~بعضهم: «أنه خرج إلى منزله بالأمس لتوعك أصابه .» فسأل عن منزله فقيل له: «أنه في مر ~~الظهران بضواحي مكة.» # فخرج إلى مر الظهران وفيما هو في طريقه إليها يسأل عن الطريق ويستفهم عن الرجل رأى أهل ~~مكة في هرج يجتمعون جماعات ثم يتفرقون كأنهم في خوف من أمر ذي بال فعلم أنهم يتحدثون بأمر ~~أهل المدينة ومر بجماعة منهم كبيرة قد تألبوا أمام منزل فخيم قد ربطت حوله الخيول فعلم ~~أنه بيت أمير كبير فسأل عن صاحبه فقيل له: «أنه منزل أبى ms178 سفيان.» فلما سمع اسمه شكر ~~الله بوصوله إليه تلك الساعة على غير انتظار وأخذ يتفرس في وجوه الناس لعله يرى سيده ~~بينهم فلم يجده فسأل بعض الوقوف عنه فأخبره بعضهم أنه فارقهم بقرب عمان وأنه لم يروه من ~~ذلك الحين فأسف لذلك أسفا شديدا وأظلمت الدنيا في عينيه وتشأم من تلك الصدفة ولكنه تجلد ~~وسار في طريقه إلى مر الظهران وهو غارق في بحار الهواجس فوصل المكان بعض العصر فسأل عن ~~منزل حرب فدلوه عليه فجاءه وهو لا يرجو أن يصيب منه خيرا. # فسأل عن الرجل فقيل له أنه مصاب بمرض شديد فلا يستطيع أن يخاطب أحدا فعاد على عقبيه ~~كاسف البال وقد أخذ منه اليأس مأخذا عظيما لا يدرى كيف يلاقي حمادا. # فوصل الخان والليل قد سدل نقابه فرأى حمادا في انتظاره على مثل الجمر فتظاهر بالتجلد ~~ولم يخبره بخبر والده ولكنه أنبأه بمرض حرب ووعده بأن يواصل السؤال عنه حتى يشفى من ~~مرضه على أنه لم يكن يرجو شفاءه لشيخوخته وعجزه ولكنه ألقى اتكاله على الله وصبر ~~نفسه. # وقضى سلمان شهرا يتردد على بيت حرب يسأل عنه ويدعو له بالشفاء وعلم سلمان بعد ذلك أن ~~الشيخ آخذ في التقدم نحو الشفاء فعادت إليه آماله. # فسار إليه ذات يوم وهو يرجو أن يقابله ويشكو إليه أمره وفيما هو في الطريق رأى أهل مكة ~~في قلق شديد فمر بمنزل أبي سفيان لعله يتنسم خبرا عن سيده فرأى المنزل قفرا فسأل عن ~~السبب فقال له مخبر: «أن أبا سفيان لما سمع بقدوم المسلمين على مكة خرج إليهم وربما اعتنق ~~دينهم لأنه خرج خائفا.» فسأل سلمان عن جند المسلمين فقيل له: «أنه قادم وقد صار على ~~مقربة من مكة.» # فتفرس سلمان في أهل مكة فرأى علامات الفشل ظاهرة على وجوههم فسمع بعضهم يمتدح الإسلام ~~وينقم على أبى سفيان وبعضهم يلوم القريشيين على عنادهم ونكثهم عهد بني خزاعة فعلم أن الأمر ~~عائد للمسلمين لا محالة فخرج من مكة حتى جاء مر الظهران وأراد ms179 السؤال عن حرب فرأى الناس ~~يهرعون والنساء يولولون وينادين بالويل والثبور فإلتفت فرأى الغبار يتصاعد عن بعد فصعد على ~~أكمة في ضواحي مكة يرى ما يكون فرأى الغبار قد شف عن جند متكاثر تتقدمهم الفرسان بالرايات ~~ووراء كل راية قبيلة من المسلمين وكان ذلك في شهر رمضان فعسكر الجند على مسافة من مكة وعاد ~~سلمان إلى الخان خوفا على سيده من غائلة ذلك الفتح وفيما هو سائر في الطريق رأى كوكبة من ~~الفرسان يتقدمهم أبو سفيان عائدا من سفرته وهو يدعو الناس إلى الإسلام بالتخدير والتهديد ~~مع النصيحة فلم يسمع إلا ازدراء واحتقارا وسمع رجاله ينادون: «من يدخل منزل أبي سفيان ~~أو منزل العباس بن عبد المطلب فهو آمن من سيوف المسلمين ومن يدخل المسجد أو يدخل منزله ~~ويغلق بابه فهو آمن.» فاطمأن بال سلمان. # فسار وهو يزاحم الجماهير في الأسواق فرأى أسرابا من القرشيين يتأهبون للقاء المسلمين ~~وفيهم الفارس والراجل فلم يكد يصل الخان حتى فرغ صبره فدخل فرأى حمادا قد لبس ثيابه ~~استعدادا للخروج فقال له: «ما بالك يا سيدي.» # قال: «استبطأتك ورأيت الناس في هرج فخرجت لأرى ما يكون.» # قال: «لا تعجل فقد علمت ما لم تعلم اجلس لأقص عليك.» قال: «قل وما ذلك.» # قال: «قد بلغك خبر الخزاعيين وما كان من نكث عهد قريش وقد كنا نتوقع قدوم المسلمين بسبب ~~ذلك لفتح مكة فتحقق ظننا لأن المسلمين جاؤوا وهم الآن في ضواحي مكة وأظنهم يهاجمون غدا ~~وقد علمت أن أبا سفيان سار إلى المسلمين وسلم لهم وعاد يدعو الناس إلى الإسلام بعد أن كان ~~من ألد أعدائه كما تعلم وسمعت رجاله ينادون بالأمان على كل من يدخل منزله أو منزل ~~العباس عم صاحب هذه الرسالة أو يدخل المسجد أو يغلق بابه فنحن إذا أغلقنا بابنا كنا في ~~مأمن وإلا فلنذهبن إلى المسجد فانه خير ملجأ فما الرأي.» # قال حماد: «أرى أن نغلق بابنا ولكننا نكون مع ذلك في خطر إذ ربما يعتدي علينا أحد سهوا ~~فالمسير ms180 إلى المسجد أولى فهل أنت متحقق هجومهم على المدينة غدا.» # قال: «لا أدري ولكنني سأخرج صباحا وآتيك بالخبر اليقين.» # الفصل السابع والأربعون # | فتح مكة # وباتوا تلك الليلة وأصبحوا في الغد فبكر سلمان إلى أكمة الأمس فأشرف على جيش المسلمين ~~فسار إليه يستطلع الخبر فلم يكد يبلغه حتى رآه قد اصطف ومشى يتقدمه الفرسان وأصحاب ~~الرايات وفيهم قبائل أسلم وغفار وأشجع وسليم وغيرهم فتأمل عددهم فإذا هو يزيد على عشرة آلاف ~~وشاهد في الوسط موكبا هائلا في وسطه راحلة عليها رجل معتجر بشقة حمراء وعلى رأسه عمامة ~~سوداء حرقانية واضعا رأسه على رحله وشاهد على الرحل ورأوه رجلا رديقا فعجب لذلك واشتاق ~~لمعرفته فرآه قادما من جهة الجيش فسأله عن هذا الموكب فقال: «أنه موكب رسول الله وإن ~~الراكب هو الرسول نفسه قد جعل رأسه الشريف على رحله وأردف أسامة بن زايد خادمه تواضعا» ~~فعجب سلمان لذلك المشهد البهيج وقال في نفسه (لا عجب إذا نصر من كانت هذه خلاله) ثم سأل ~~الرجل عن عزمهم على الفتح فقال له: «أنهم سائرون إلى مكة من أعلاها في تلك الساعة وإن فرقة ~~منهم سائرة بإمارة خالد بن الوليد من أسفلها.» فهرول سلمان بأسرع من لمح البصر فاعترضه ~~جموع القرشيين يتألبون للدفاع وفيهم الفرسان ولكن الفشل كان يتجلى على وجوههم وشاهد ~~النساء ماشيات محلولات الشعور يستحثين الرجال بالأناشيد وفي أيديهن الخمر يضربن بها وجوه ~~الخيل تحريضا وتوبيخا فلم يزدد من تلك المناظر إلا رهبة وخوفا وتحقق إذ ذاك أن ~~المسلمين فاتحوها لا محالة فما زال سائرا حتى أتى الخان فقال: «هيا بنا سيدي إلى المسجد ~~فانه خير ملجأ لنا.» # فاقفلا الغرفة وهرولا حتى دخلا المسجد وجلسا في بعض جوانبه فرأوا الناس هناك زرافات ~~ووحدانا وقد استولى عليهم الخوف. # وبعد ساعات قليلة ضج الناس في المسجد وهم يقولون: «لقد أقبل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~» فتحقق ~~سلمان أن الفتح قد تم للمسلمين فوقف ومعه حماد في موقف يرى النبي وهو داخل المسجد فما ~~لبث ms181 أن سمع الناس يكبرون ورأى النبي داخلا على قدميه ووراءه رجل من أصحابه آخذ بزمام ~~ناقته فطاف حول الكعبة سعيا وفي كل مرة كان يأخذ الحجر الأسود بمجحفه والمسلمون يصيحون ~~بالتكبير حتى زاد صياحهم فأشار إليهم أن اسكتوا. # وكان في المسجد ثلاثمئة وستون صنما لكل حي من أحياء العرب صنم قد شدوا أقدامها بالرصاص ~~فجاء النبي وفى يده قضيب فجعل يهوى على كل صنم منها فيهوى على وجهه أو قفاه وهو يقول: ~~«جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا.» # وكان سلمان وحماد ينظران إلى ذلك ويعجبان ثم رأياه جاء إلى صنم كبير إلى جانب الكعبة ~~كان قد عرفا أنه هبل الأكبر فكسره وكان في الكعبة صور شتى للأنبياء وفيها صورة إبراهيم ~~وإسماعيل وعيسى عليهم السلام فأمر بماء فمسحت كلها. # ولما تكسرت الأصنام وأمحيت الصور جلس النبي في ناحية المسجد وعلى رأسه شيخ وقور علم بعد ~~ذلك أنه أبو بكر الصديق ثم أمر ففتحت الكعبة فدخلها والناس ينظرون فصلى فيها ركعتين. # ثم وقف على باب الكعبة والناس وقوف صامتون كأن على رؤوسهم الطير فقال: «لا اله إلا الله ~~وحده لا شريك له صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.» ثم خطب خطبة طويلة ذكر فيها ~~كثيرا من الأحكام منها (لا يقتل مسلم بكافر ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين ولا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا على خالتها والبينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا تسافر ~~المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي حرم ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح ولا يصام يوم الأضحى ~~ويوم الفطر) ثم قال: «يا معشر قريش أن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ~~والناس من آدم من تراب.» ثم قال: «ماذا تقولون وماذا تظنون أني فاعل فيكم.» قالوا: «خير أخ ~~كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.» فقال: «أقول قال كما أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا فأنتم الطلقاء.» وقال أقوالا أخرى أدهشت حمادا وسلمان ~~لما حوته من الحكمة ms182 والموعظة فنظر سلمان إلى حماد وقال: «والله أني لأعجب لأناس قاوموا هذا ~~النبي وهذه تعاليمه وأقواله ولا ريب عندي أن سلطانه سيتسع حتى يعطي الأرض ويمحو دولتي ~~الروم والفرس.» # ثم إلتفت حماد فرأى القرشيين يعتنقون الإسلام وهم يصلون ويهنئ بعضهم بعضا وقد هدأت ~~الأحوال وآب الناس إلى السكينة وانطلقوا إلى منازلهم وإشغالهم فخرج سلمان وحماد إلى الخان. # فلما استتب بهما الجلوس هناك إلتفت حماد إلى سلمان فقال له: «لقد شغلنا بهذه الأحوال عما ~~جئنا من أجله ولقد نظرت إلى الكعبة فعظم علي أمر القرطين ولم أفهم أين موضعهما ولا كيف ~~أستطيع الوصول إليهما وخصوصا بعد هذه الحروب ودخول مكة في حوزة المسلمين.» # فقال سلمان: «ألم أقل لك يا سيدي أن عمك سامحه الله قد اقترح عليك أمرا مستحيلا ولكننا ~~سنقابل الشيخ الخزاعي ونرى رأيه في الأمر وليس بعد الجهد حيلة.» # فقال حماد: «وقد فاتنا استطلاع أمر والدي من أبي سفيان.» # فتنهد سلمان ولم يجب. # فعجب حماد لسكوته فقال له: «ما بالك لا تجيب.» # فقال: «بماذا أجيبك وليس في الجواب فائدة.» # فقال: «ألعلك سألت عنه ولم تظفر به.» # قال: «نعم يا مولاي أن سيدي ليس مع أبي سفيان فقد علمت أنهم فارقوه عند عمان ولم يروه من ~~ذلك الحين.» # فانقبضت نفس حماد لذلك الخبر وبهت مدة لا يتكلم ثم قال والدموع تكاد تترقرق في عينيه: « ~~أرى يا سلمان أن الله قد أعد لنا أيام تعاسة ولا تنقضي والظاهر أن نجم سعدي قد أفل يوم ~~خروجنا من البلقاء .» قال ذلك وتساقطت الدموع من عينيه على الرغم منه. # فتجلد سلمان وقال له: «تشجع يا سيدي ولا تيأس فإن الله لا يتركك ولا يهملك وأنت اينما ~~تسعى في ما يأول إلى رفع منزلتك رغبة في إرضاء فتاة أنت تحبها وهي تحبك.» # فلما سمع كلمات سلمان تذكر هندا وحبها وما آنسه من صنف الأمل في الحصول عليها فلم ~~يتمالك عن البكاء وسلمان ساكت لا يرى ما يعزيه به فقال له: «أن البكاء شأن النساء يا ms183 ~~سيدي وعهدي بك - حازم باسل لا تجزعك حوادث الأيام فاصبر أن الله مع الصابرين.» # قال: «أنا أعلم يا سلمان أن البكاء عار على الرجال ولكن الحب ... آه من الحب آه من ثعلبة آه ~~من جبلة..» وسكت # فأخذ سلمان يخفف عنه ويؤمله بما سيسمعونه من الشيخ الخزاعي فسكت. # الفصل الثامن والأربعون # | اليأس # وفي صباح اليوم التالي خرج سلمان إلى مر الظهران يطلب ذلك الخزاعي فعلم أنه نقه من مرضه ~~والتمس مقابلته فأدخلوه عليه فإذا هو شيخ هرم قد أحناه الكبر حتى أبيض شعر لحيته واسترسل ~~على صدره وتجعد وجهه وغارت عيناه وغطاهما شعر الحاجبين فحياه سلمان فرد التحية وأشار ~~إليه أن يجلس إلى جانبه ففعل. # فبدأ سلمان بالسؤال عن صحته ثم استطرد إلى آخر الفتح ثم عرفه بنفسه وما جاء من ~~أجله فرحب به. # فقال سلمان: «قد جئناك يا سيدي نستطلع أمرا يهمنا كثيرا ولا نرى أحدا سواك يستطع ~~مساعدتنا فيه.» # فقال: «مرحبا بك قل ما بدا لك.» # قال: «نرجو أن يكون كلامنا سرا لا يعرف به أحد سوانا.» # قال: «قل لقد وقعت على خزانة أسرار.» # قال: «نحن نعلم أن إحدى ملكات غسان واسمها مارية أهدت الكعبة قرطين ثمينين منذ نحو ~~قرنين فهل تعرف شيئا من ذلك.» # ففكر الشيخ قليلا ثم قال: «نعم يا ولدي أني أعلم ذلك.» # قال سلمان: «فهل تعلم مكان هذين القرطين الآن.» قال: «أن حكاية هذين القرطين أصبحت في خبر ~~كان لأن الكعبة قد هدمت وبنيت مرارا بعد إهداء زينك القرطين وآخر مرة هدمت فيها كانت منذ ~~نحو أربعين سنة وبناها عبد المطلب جد نبينا # صلى الله عليه وسلم # الذي شاهدتم فتحه مكة أمس وهو الذي ~~تولى رفع الحجر الأسود حينئذ ووضعه في مكانه قبل ظهور دعوته ببضع سنين فقد كانت القبائل ~~مختلفة على من يحمل ذلك الحجر الشريف ويضعه في مكانه وحاولت كل قبيلة اكتساب ذلك الشرف ~~لها فحكموا هذا النبي في ما بينهم وهم لا يعلمون شيئا من كرامته فأشار بوضع الحجر في ~~ملاءة واسعة ms184 وأوعز إلى كل قبيلة أن تحمل بطرف من أطرافها وبذلك انحسم الخلاف والخلاصة أن ~~القرطين لا يعلم أحد بمكانهما الآن والأرجح أنهما بيعا إلى أحد المتجولين والبحث عنهما ~~يعد من قبيل العبث.» # فتكدر سلمان لذلك الأمر وإلتفت إلى الشيخ قائلا: «فهل تظن البحث عن القرطين ~~عبثا.» # قال: «هذا ما أراه على أن دخول الكعبة لمثل هذا الغرض أمر مستحيل اليوم بعد دخولها في ~~حوزة الإسلام.» # فانقبضت نفس سلمان ولم يعد يستطيع البقاء هناك فنهض فودع الشيخ وخرج إلى حماد وكان ~~ينتظر عودته بفارغ الصبر فلما رآه استطلعه الخبر فأطلعه على حديث الشيخ وهو يكاد يبكي ~~لشدة الأسف ولكنه اقترح حديثه بعبارات التعزية وأمله بوسيلة يتخذها للتعويض عن هذين ~~القرطين أمام هند على أن ذلك لم يكن ليخفف شيئا من قلق حماد. # | الجزء الثاني # | مقدمة الجزء الثاني من فتاة غسان # هذه هي الرواية السادسة من رواياتنا التاريخية ولكنها تمتاز عنها كلها بأنها الحلقة ~~الأولى من سلسلة روايات متتابعة تتضمن تاريخ الإسلام من أول ظهوره إلى الآن سننشرها تباعا ~~في مجلتنا «الهلال» فهذه الرواية الأولى منها وتتضمن الحوادث التي وقعت من ظهور الإسلام إلى ~~فتح الشام والعراق وتليها رواية في فتح مصر وهذه سبق أننا نشرناها في السنة الرابعة من ~~الهلال وهي «أرمانوسة المصرية» ولم يكن في عزمنا تأليف هذه السلسلة أما وقد عزمنا على ذلك ~~فصارت «أرمانوسة المصرية» الحلقة الثانية من تلك السلسلة. # وأما الحلقة الأولى التي نحن في صددها «فتاة غسان» فقد نشرنا الجزء الأول منها في السنة ~~الخامسة من الهلال وهذا الجزء الثاني نشر في السنة السادسة وبناء على إلحاح حضرات القراء ~~طبعناهما على حدة رغبة في نشرهما وسنعقبهما برواية أخرى ننشرها في السنة السابعة تتضمن مقتل ~~عثمان وخروج الخلافة من أهل البيت إلى بني أمية ثم روايات أخرى في أهم حوادث الدولة الأموية ~~في الشام وفي الأندلس وحوادث الدولة العباسية والفاطمية والأيوبية وهكذا إلى آخر تاريخ ~~الإسلام. # فعسى أن يلاقي هذا المشروع إقبالا من حضرات القراء الأدباء فنثابر ms185 على العمل والاتكال ~~على الله. # الفصل التاسع والأربعون # | المناجاة # تركنا حمادا وسلمان في مكة وقد غلب عليهما اليأس بعد أن تكبدا مشاق الأسفار ولم يظفرا ~~بشيء مما أملاه وخصوصا حماد فأنه أصبح يئسا تتقاذفه عوامل الحب من جهة وعوامل الشهامة ~~من جهة أخرى وهو بين ذلك لا يرجو لقاء والده ولا يأمل الظفر بحبيبته فكان كلما تصور ذلك ~~ثارت الحمية في رأسه وعظم عليه العود إلى البلقاء فحدثته نفسه أن يبتعد عن الناس ويأوي ~~إلى مكان لا يعرفه فيه أحدا وأن يقيم في دير أو نحوه لأن الحياة أصبحت لديه شرا من ~~الموت. # أما سلمان فأنه أدرك حال سيده وعلم ما هو فيه من اليأس فثارت في نفسه عاطفة الشهامة ~~وعول على أن يبذل نفسه في سبيل تعزيته فخرج من الغرفة ذات صباح متظاهرا بحاجة يفتش ~~عنها وترك حمادا وحده فلما خلا حماد بنفسه خرج من الغرفة وصعد إلى سطح الخان وقد ضاق صدره ~~وصغرت نفسه والسطح تظلله خيمة من ورق الشجر فجلس على وسادة وأخذ ينظر إلى مكة وما يحيط ~~بها فإذا هي عبارة عن أرض منبسطة في واد تحف به الجبال فلم تشغله تلك المناظر إلا هنيهة ~~ثم عاد إلى هواجسه فتذكر حبيبته ووالده وتصور مقدار ما تراكم عليه من الهموم مما ألم ~~به من الفشل وقد قطع البراري والقفار حتى جاء الكعبة للبحث عن قرطي مارية مهرا لخطيبته ~~هند ومرضاة لوالديها فعلم من حرب الخزاعي أن القرطين لا يمكن العثور عليهما هناك وبعد أن ~~كان على أمل من لقاء والده مع أبي سفيان في مكة تحقق ضياعه ويئس من حياته فتصور نفسه ~~مغلول اليدين مقصوص الجناحين فعظم الأمر عليه كثيرا واشتد به اليأس حتى تناثرت الدموع من ~~عينيه ثم تذكر أنه في غربة لا يجدر به الاستسلام للعواطف فأمسك نفسه ولكن اليأس غلب ~~عليه فانقبضت نفسه واشتد به الهيام فأخذ يناجي هند قائلا: «آه منك يا هند بل آه من هذا ~~القلب الذي عصاني وأطاعك ونعم ما ms186 فعل فإنك والله جديرة بحبه ولكن والدك آه من والدك ~~فأنه إنما أراد مستحيلا فطلب مني مهرا العنقاء أقرب منالا منه وكأني به لا يرضاني ~~له صهرا وعذره مقبول طالما كان نسبي مجهولا ... فالقرطان لم يوجدا فهند بعيدة المنال مني ~~آه يا هند أأعود إليك بصفقة المغبون وإذا عدت كذلك ما يكون رأيك ... لا ريب عندي أن ذينك ~~القرطين لا يهمك أمرهما ولا رضيت أن أشقى في سبيل التفتيش عنهما إلا مجاراة لوالديك ... ~~ولكن ما هذا يا حماد كيف تعود إلى هند صفر اليدين وكيف تقابل جبله وماذا تقول له لا لا لا ~~لن أعود إلى البلقاء على هذه الحال وقد فقدت والدي في بلاد لا أعرف فيها أليفا ومن يدريني ~~أين هو وأين النذر ووفاء النذر يا ليته قص شعري قبل ضياعه فقد كنت على موعد منه أنه متى ~~وفى النذر وقص الشعر يطلعني على أمور تهمني وقد يكون لها علاقة بأمر زواجي فأين والدي الآن ~~آه يا أبتاه أين أنت ألعلك لا تزال في قيد الحياة من يعلمني أين مقرك فأطير إليك مسرعا ~~أما إذا يئست منك ومن هند فلا يعود لي في الحياة مأرب فإما أن الجأ إلى دير أو صومعة أقضي ~~بقية الحياة منفردا لا أرى أنيسا أو أن ألقي نفسي في تهلكة ... ولكن لا لا أن قتل النفس ضعف ~~ومذلة وكيف أفعل ذلك ونفسي رهينة أمر هند وهند لا تريد قتلها إذن لأصبرن صبر الرجال وأعيد ~~الكرة في البحث عن القرطين فإذا تيقنت فقدانهما عمدت إلى هند وبسطت لها أمري وأطلعتها على ~~كنه ضميري فإذا رأيتها تؤثر مرضاة والديها وحفظ تقاليد عائلتها على رضاي قلت على الدنيا ~~ومن فيها السلام وإلا فإني أرضى من الدنيا برضاها فنتعاقد ونتراضى على أمر يكون لنا فيه ~~منجاة من والديها ... وأما والدي آه أين أنت يا أبتاه إن ضياعك عرقل مساعي وغل يدي ولا ~~ريب أنك لو شاركتني في هذا الأمر لسهلت كل صعب وهديتني صراطا مستقيما ... ولكن الأقدار ms187 أبت ~~إلا معاندتي فصبرا جميلا ...» # مرت كل هذه الخيالات في ذهن حماد وهو متكئ على الوسادة تارة يبكي وطورا يحرق أسنانه ~~وآونة يصبر نفسه وكان لم ينم في الليل الماضى إلا قليلا فغلب عليه التعب والملل والضجر ~~فجاءه النعاس فغمضت جفناه. # الفصل الخمسون # | حسان بن ثابت الأنصاري # مضى بعض ذلك النهار وحماد بين نائم وهاجس فوق سطح لم يذق طعاما حتى إذا كان العصر أفاق ~~من صوت سلمان خادمه ففتح عينيه فرآه واقفا فوق رأسه يناديه وعلى وجهه أمارات البشر ~~كأنه أتى أمرا جديدا فانبسطت نفس حماد فهب من رقاده وجلس وصاح ما وراءك يا ~~سلمان. # قال: «ما ورائي إلا الخير بإذن الله». # قال: «أرى على وجهك أمارات البشر فهل اهتديت إلى طريق جديد يوصلنا إلى ساحة ~~الفرج». # قال: «نعم يا سيدي أظنني توفقت إلى شيء من هذا القبيل». # قال: «ما هو؟» # قال: «خرجت في هذا الصباح على بركة الله وقد عولت في باطن سري أن لا أعود إليك إلا ~~ببشرى خير فسرت في أسواق مكة وأنا أتوسل إلى الله أن يلهمني رشدا وسدادا أو يهديني سبيلا ~~أخفف به اليأس عن مولاي فمررت ببعض البيوت فرأيت عند بابه بغلة عليها بردعة ثمينة والى ~~جانبها غلام فحدثتني نفسي أن أسأله عن صاحب البغلة فقال: «هو حسان بن ثابت شاعر الأنصار» ~~فتذكرت إني أعرف هذا الاسم فأخذت في التفكر لعلي أذكر الرجل فعلمت إني كنت أسمع اسمه منذ ~~كنت في العراق وأنه كثيرا ما كان يأم الحيرة فينظم القصائد في مدح الملك النعمان رحمه ~~الله وكثيرا ما كان يفد على ملوك بني غسان فيمتدح جبلة والحارث بن أبي شمر وغيرهم فقلت في ~~نفسي أظنني أصبت ضالتي أن الرجل يجالس أعظم ملوك العرب فربما كان له إلمام بأمر القرطين ~~فسألت الغلام عن حسان فقال: «أنه في البيت» فاستأذنت في الدخول عليه فأذن فدخلت عليه ~~حتى أقبلت على الرجل فإذا هو جالس على وسادة في بعض زوايا الغرفة فتأملته فإذا به قد ~~تبدلت حاله ms188 عما كنت أعرفه فأحناه الكبر وضعف بصره وشاب شعره واسترسلت لحيته فبادرت إلى ~~يده فقبلتها وحييته فرد التحية ورحب بي وأجلسني إلى جانبه وسألني عن أمري فما زلت أدخل ~~معه في حديث وأخرج من آخر حتى توصلت إلى القرطين فسألته عما يعرفه من أمرهما ففكر ~~قليلا ثم قال: «أظنني سمعت ذكرهما في بعض مجالس النعمان بن المنذر في الحيرة». فقلت: «وكيف ~~كان ذلك». # فقال: «يغلب على ظني أن بعض تجار الفرس الذين يحملون الأقمشة الفارسية إلى مكة عاد منها ~~ذات عام ومعه قرطا مارية فعرضهما على النعمان وأظنه اشتراهما منه فإذا صدق ظني كان ~~القرطان الآن في خزينة الملك النعمان في الحيرة». # فلما سمعت ذلك هرولت إليك مسرعا لنسير إليه فهل تسير معي». # قال: «نعم ولا بد من المسير إني أرى في كلام الشاعر بابا للفرج هلم بنا». # فنهض حماد وقد انبسطت نفسه وعادت إليه بعض الآمال وإن لم يكن في الخبر ما يدعو إلى الأمل ~~ولكن المرء إذا كان في ضيق كان سريع التعلق بالأمل ولو كان أوهى من خيط العنكبوت. وأحس ~~حماد بفراغ معدته فتناول شيئا من التمر يسد بها جوعه وخرج مع سلمان ماشيين حتى أتيا ببيت ~~حسان فاستأذنا ودخلا فتقدم أولا سلمان فسلم وذكر اسم حماد أمام حسان وقال أنه سيده وأنه ~~من أمراء العراق ولما سمع بوجود حسان هناك أراد المثول بين يديه فتقدم حماد وهم بتقبيل ~~يدي الشيخ فمنعه ولكنه رفع نظره إليه وتفرس فيه كأنه يراجع في ذاكرته صور أمراء ~~الحيرة لعله يعرف حمادا فتشابه عليه أمره فسأله عن اسمه واسم عائلته. # فقال حماد: «إني حماد بن الأمير عبد الله». # فقال حسان: «لا أذكر رجلا بهذا الاسم في بلاط النعمان أو لعلي نسيته فقد قتل النعمان ~~رحمه الله قتلوه غدرا منذ نيف وعشرين عاما وتفرقت أصدقاؤه على انني انقطعت عن الحيرة ~~قبل ذلك العهد فلم أعد أقدمها ولا رأيت أحدا من أمرائها ولكن سقى الله تلك الربوع وأعاد ~~سلطة المناذرة فقد كانوا زينة ms189 الدولة الفارسية وبيت قصيد وخصوصا النعمان بن المنذر رحمه ~~الله وجازى الباغين عليه شرا». # فقال حماد: «وهل كنت تفد عليه كثيرا». # قال: «لم يمض العام قبل أن أزوره مرارا فأركب ناقتي من المدينة حتى آتي البلقاء فادخل ~~على جبلة بن الايهم أو الحارث بن أبي شمر الغساني ثم أقصد العراق فأدخل مجلس النعمان بن ~~المنذر فيخلع علي الخلع ويأمر لي بالعطايا وهكذا كان يفعل الغسانيون أيضا ثم كان ما كان من ~~أمر قتله فانقطعت عن العراق إلى البلقاء حتى ظهر الإسلام وأسلم أهل المدينة فكنت في جملة ~~من تشرف بالإسلام ولازمت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أسير معه أو الحق به حيثما أقام. وقد عاد ~~الآن بجيشه إلى المدينة ولا ألبث أن أتبعه عاجلا». # فقال سلمان: «ذكرت يا مولاي أن القرطين بيعا للملك النعمان فماذا تم لهما بعد ~~موته». # قال: «لا أدري وربما كانا في جملة ما استولى عليه قاتلوه من التحف فإذا صح هذا الظن كان ~~القرطان في خزينة ملوك الحيرة الآن». # وكان حسان يخاطب سلمان وعيناه لم تتحولا عن وجه حماد وهو يتفرسه ويلاحظ حركاته كأنه ~~يعرف له شبها وحماد غافل عن ذلك بما كان غارقا فيه من الهواجس بعد أن سمع ما سمعه من ~~أمر القرطين وصعوبة الحصول عليهما بعد وصولهما إلى خزينة ملوك الحيرة ولكنه عول على البحث ~~عنهما ما استطاع إلى البحث سبيلا. # وبعد قليل هم حماد بالخروج فسأله حسان: «أين تقصدون؟» # قال سلمان: «إننا نقصد منزلنا لنتهيأ للخروج في الغد». # قال: «هل تريدون الذهاب إلى المدينة؟» # قال: «ربما مررنا بها في طريقنا إلى البلقاء». # قال: «أرى إنكما غريبان فربما عسر عليكما المسير منفردين وقد آنست فيكما عنصرا جيدا فهل ~~تقبلان مرافقتي إلى المدينة تقيمان فيها ريثما تعزمان على البلقاء وربما أرفقتكما بمن ~~يوصلكما إليها». # فنهض سلمان نهوض الاحترام واثنى على حسان ثناء طيبا وقال: «إننا نشكر لفضل الشاعر شكرا ~~جزيلا ولا نعد ذلك منه إلا كرما ومنة عرف بها عرب الحجاز منذ القدم». ms190 # قال: «عفوا يا أخا لخم إني لا أجود إلا بمال المناذرة ولا أرتع إلا في بحبوحة خيرهم ~~فأني لا أنكر فضل العراق علي وعلى كل من نزل ديارهم من الغرباء وذلك أمر مشهور لا يجهله ~~أحد فيكف بأهله فإذا شئتما المسير إلى منزلكم الليلة فاعدوا حوائجكم وها إني مرسل معكم من ~~يحملها إلينا فنبيت الليلة هنا ونصبح سائرين إن شاء الله». # الفصل الحادي والخمسون # | اللقاء # فباتوا تلك الليلة في منزل حسان وأصبحوا جميعا قاصدين المدينة وحسان يطرفهم في أثناء ~~الطريق بلطائف منظوماته في مدح ملوك الحرية وملوك غسان وحماد يستزيده مما نظمه في جبلة بن ~~الايهم ويطرب كل بيت يسمعه ولم يكن ذلك إلا ليزيد أشجانه ويذكره بخطيبته هند ثم تذكر ~~ثعلبة وأباه الحارث بن أبي شمر فقال: «وكيف رأيت الحارث بن أبي شمر؟» # قال: «رأيته كريما محبا للشعراء ولكنه كان حاسدا لجبلة فكنت إذا مدحت جبلة في حضرته ~~كان الحسد يظهر على وجهه مع ما كان يحاول إخفاءه من عواطفه». # فتحقق حماد أن ثعلبة إنما ورث ذلك الخلف عن والده وزاد عليه اللؤم والخساسة ولما تذكر ~~ذلك غلب عليه الانقباض وأوجس خيفة على هند من غدره أثناء غيابه وخصوصا إذا عاد خالي ~~الوطاب فاستولى عليه السكوت فأدرك سلمان منه ذلك فأراد إخفاء الأمر عن حسان فقال: «وكيف ~~رأيت جبلة». # قال: «رأيته شهما عزيز النفس كريم الخلق كثيرا ما عرضت بحسد الحارث أمامه وهو لا ~~يبالي بل كان يلتمس له عذرا ويغالطني متجاهلا فكنت لا أزداد إلا إعجابا به». # فقال سلمان: «وأي الملكين أشد بطشا الآن؟» # قال: «إن جبلة أرفع مقاما وأعز جانبا ولكن بعض القادمين علينا من البلقاء أنبأنا بوفاة ~~الحارث». # فبغت سلمان وانتبه حماد من هواجسه فقال سلمان: «وهل تحققتم وفاته». # قال: «نعم وقد نقله إلينا بعض الذين أرسلناهم لتجسس أحوال الروم بعد واقعة مؤتة». # فالتفت سلمان إلى حماد فرآه يبتسم ولكن البغتة ما زالت ظاهرة على وجهه يتخللها بعض ~~الانقباض فأشار إليه بملامح وجهه إشارة فهم حماد ms191 منها أنه يهنئه بانكسار شوكة ثعلبة لكنه ~~تحول حالا إلى حسان وقال له: «وما ظنك بمن يرث الإمارة بعده». # قال: «لا أظن أحدا من أهله أهلا لهذه الإمارة والغالب أن تجتمع كلمة قبائل غسان تحت ~~لواء جبلة بن الايهم». # فانشرح صدر حماد ولكن أمر القرطين ما زال حاجزا بينه وبين كل سرور. # وساروا حتى أتوا المدينة فوصلوها صباحا فوجدوا أهلها في فرح وعز لما أوتوه من النصر ~~بفتح مكة المشرفة ورأوا الناس عكوفا على الصلاة وما زالوا سائرين حتى أناخوا جمالهم أمام ~~منزل حسان فهم الخدم بحمل الأمتعة إلى المنزل وأخذوا الجمال إلى العلف ونزل سلمان وحماد ~~وقد أعجبوا بما آنسوه من عكوف المسلمين على الصلاة وما رأوا من خشوعهم وتدينهم فضلا عما ~~شاهدوه من بسالتهم في فتحهم مكة. # أما حسان فلم يكد يصل منزله حتى طلب الراحة من وعثاء السفر لشيخوخته وعجزه ودعا ضيفيه ~~إليه فجلسا متأدبين فقال لهما: «تذكرت أمرا أظنه يهمكما كثيرا وقد فاتني ذكره لكما قبل ~~الآن». # قال سلمان: «وماذا عسى أن يكون ذلك». # قال: «ذكرت لكم واقعة مؤتة وأظنكم لم تفهموا ما هي». # قال سلمان: «كلا يا سيدى لم نفهم المراد جيدا». # قال: «كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أرسل جندا من المسلمين لحرب الغسانيين في العام الماضي ~~فسار الجند وحاربهم في مكان يقال له مؤتة بالقرب من بصرى وستسمعون خبر هذه الواقعة الآن ~~ولكنني أردت أن أوجه التفاتكم إلى رجل أسره جندنا في أثناء تلك الحملة وقد حملوه إلينا فلما ~~رأيته معهم عرفت أنه أسر ظلما ولما سالته عن خبره علمت أنه ليس من أهل البلقاء بل هو ~~عراقي ومن أهل الحيرة ذكر أنه كان يراني أثناء وفودي على الملك النعمان منذ نيف وعشرين ~~عاما وبما أنكم من أهل العراق فربما استأنستم بالرجل والوطن أحسن جامعة بين الناس» قال ~~ذلك ونادى رجلا واقفا بالباب فحضر فقال له: «أدع ضيفنا العراقي». # قال: «لبيك» وخرج ثم عاد يتبعه رجل كهل ملتف بعباءة مقطب الوجه وكان ms192 حماد وسلمان لا ~~يزالان مخمرين خمار السفر فحالما وقع نظر سلمان على ذلك الرجل أحس بخفقان قلبه كأنه آنس ~~فيه مشابهة لسيده عبد الله ولكنه رأى في سحنته ملامح تخالف ما لعبد الله أهمها أن عبد ~~الله كان طويل الشاربين مستدقهما ومسترسل شعر اللحية مع خفية أما هذا فهو قصير الشاربين ~~واللحية على أن سلمان ما زال ينظر إليه ويتأمله حتى دنا منه فوقف له وهم بمصافحته فلم ~~يكد يفوه بأول كلمة حتى تحقق سلمان أنه هو سيده بعينه فهم به وقبله وناداه ~~باسمه. # وكان حماد في شاغل من هواجسه في هند والقرطين ووالده فلم ينتبه إلا وسلمان ينادي ~~بأعلى صوته سيدي الأمير أهلا سيدي الأمير فالتفت حماد فإذا هو والده عبد الله فنهض ونهض ~~سلمان فهم عبد الله بحماد وضمه وجعل يقبله ودموع الفرح تتساقط على وجهه وسلمان يقبل يد ~~عبد الله ويهنيهما بعضهما ببعض فانبسطت وجوه الجميع وزالت منهما العبوسة وجلسوا وعبد الله ~~بجانب حماد قابضا على يده بين يديه وحسان جالس إلى جانب وقد عجب لما رآه وسمعه فسألهم عن ~~أمرهم فأحكى له عبد الله عما تم من الاتفاق الغريب وإن حمادا ووالده وسلمان جاؤوا معه ~~ففرح حسان لما تم على يده من الخير. ثم جلسوا يتحادثون. # فقال سلمان: «لقد رأيت في وجه سيدي تغييرا كاد يحول بيني وبين معرفته فأني أعهد شعر ~~وجهه طويلا مسترسلا فما لي أراه قصيرا». # فضحك عبد الله وقال: «إن لهذا التغيير حديثا غريبا سأقصه عليك بعد أن أسمع حديثكم وما ~~كان من أمر الأسد وضياع الفرس». # الفصل الثاني والخمسون # | واقعة مؤتة # فحكى سلمان حكايته مع حماد والأسد وكيف نجوا منه بتسلق تلك الشجرة وما تم لهم بعد ~~ذلك من حديث هند ووالدتها ووالدها وحب حماد لها ثم ما كان من خطبة حماد وما اقترحه عليه ~~جبلة بن الأيهم مهرا لابنته وما لاقاه حماد في سبيل ذلك من الأسفار والأخطار حتى جاؤوا ~~مكة وشهدوا فتحها وكيف يئسوا من وجود القرطين هناك حتى ms193 تجدد أملهم بوجودهما في خزينة ~~النعمان بن المنذر في الحيرة. # وكان عبد الله في أثناء الحديث مصغيا صامتا وأمارات الاستغراب ظاهرة على وجهه كأنه ~~سمع أمورا لم يكن يتوقع حدوثها ولا يرضاها ولكنه سكن عن ذلك وأخذ يقص عليهم حديثه فبدأ ~~بوقوعه بالأسر في غسام ثم مسيرة إلى بيت المقدس. ومقابلته هرقل إمبراطور الروم وما سمعه ~~من حديث أبي سفيان ثم سفره معه وما كان من مشاهدته الفرس واستدلاله منها على ضياع حماد ~~وكيف رافقه أبو سفيان في مسبعة الزرقاء للتفتيش عن حماد وما شاهدوه من عظام الفرس الآخر ~~وبعض الآثار حتى انتهى إلى مسيرة منفردا إلى عمان ووقوعه أسيرا بين يدي الحجازيين الذين ~~ساروا لمحاربة أهل الشام وما دار بينه وبين بعضهم عن السبب الذي جاءت تلك الحملة من أجله ~~إلى أن قال: «فلبثت أسيرا عندهم وأنا على مثل الجمر لأن أملي لم ينقطع من لقاء ولدي حماد ~~على إني كنت في بعض الأحايين لا أرتاب من فقده وأحيانا أراجع ما شاهدته من الأدلة على ذلك ~~فلا أرى ما يقطع بوقوع القضاء فكان سجني في معسكر جيش الحجاز قيدا ثقيلا علي وخصوصا ~~أنهم متبعوا القرى عني فقد كنت أستأنس به فبعد إن قضيت مدة بجوار عمان علمت ذات يوم أن ~~الروم قد جندوا جندا كبيرا يبلغ عدده نحو مئتي ألف وفيهم الروم والعرب من بني غسان ونجم ~~وجذام وبهرام فلما بلغ المسلمين ذلك خافوا الفشل لأن عددهم لا يزيد على ثلاثة آلاف فضلا ~~عما في جند الروم من العدة والسلاح وبلغني أن أمراء جند المسلمين اجتمعوا في خيمة ابن رواحة ~~أحد أمرائهم وتشاوروا في الأمر فقال أكثرهم: «نكتب إلى رسول الله في المدينة نخبره الخبر ~~فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له» فقام فيهم ابن رواحة وخطب خطابا ~~أنهض هممهم فقال: «يا قوم والله أن التي تكرهون لهي التي خرجتم إياها تطلبون الشهادة وما ~~نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين ms194 الذي أكرمنا الله به ~~فانطلقوا إنما هي إحدى الحسنيين أما ظهور وإما شهادة.» فقال الناس: «والله صدق ابن رواحة» ~~واشتدت عزائمهم وصمموا على الحرب وكنت أعجب لبسالتهم وإقدامهم واتحاد كلمتهم واستهلاكهم في ~~سبيل نصرة دينهم. # فبعد أيام نودي بالجند فقاموا وسرت أنا فيهم مخفورا أرى كل حركاتهم وسكناتهم فما زلنا ~~سائرين حتى دنونا من بلدة على رحلتين من بيت المقدس يقال لها مؤتة وكان جند الروم قد عسكر ~~هناك فالتفت إلى ذلك الجند فإذا هو مالئ السهول هناك وفيهم الفرسان والمشاة ورأيت في وسط ~~المشاة مشاة عليهم ملابس كثيرة الألوان تبهر النظر تتلألأ في ضوء الشمس فلم أكن أظن ~~الحجازيين ينظرون إلى ذلك الجند حتى يعودوا القهقرى وجلا ومهابة ولكن رأيت فيهم ثباتا لم ~~أر مثله في أسفاري كلها وما ذلك إلا لوثوقهم بربهم وعدم مبالاتهم بأنفسهم في سبيل نصرة ~~دينهم. # وخلاصة القول أن المسلمين تقدموا تحت قيادة ثلاثة من الأمراء ساروا أمامهم مشاة على ~~أقدامهم وما ذلك إلا لاستهلاكهم في الجهاد والطاعة حتى التقى الجيشان وانتشبت الحرب وكان ~~اللواء أولا بيد أخدهم زيد بن حارثة فقاتل وهو يعلم ضعف الجند ولكنه ظل مكافحا حتى قتل ~~طعنا بالرماح فتقدم الأمير الثانى وهو جعفر بن أبي طالب فقاتل به وهو على فرس شقراء ~~فألجمه القتال وأحاط به فنزل عن فرسه وبقرها وقاتل حتى قتل فأخذ اللواء عبد الله بن ~~رواحة وهو على فرسه ثم نزل عن فرسه وحارب حتى قتل فوقع الرعب في قلوب المسلمين وكادوا ~~يفشلون لو لم يقم فيهم رجل لم أر مثله باسلا اسمه خالد بن الوليد وسمعت بعضهم يسميه ~~سيف الله فجمع كلمة الجند وهجم هجمة واحدة فظن الروم أن نجدة قد جاءتهم فاستولى الخوف على ~~جند الروم وفشلوا وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا ولكنهم لم يبقوا على الحرب فعاد المسلمون ~~يريدون المدينة وكنت أنا في أثناء هذه الموقعة في حيرة شديدة ولو كانت الحياة عزيزة علي ~~لفررت من المعسكر ساعة اشتغال المسلمين بالحرب ولكنني وددت أن ms195 أصاب بنبلة أقتل بها فلم يقض ~~الله بذلك فلما عاد المسلمون إلى هنا عدت أنا معهم أسيرا فأصابني في أثناء الطريق انحراف ~~صحي فأصبحت وشعر لحيتي يتساقط وكذلك شعر شاربي حتى لم يبق منه إلا القليل فلما وصلت ~~المدينة التقيت بشاعرنا (وأشار إلى حسان) فتعارفنا ودعاني للإقامة في داره فأقمت عنده ~~كما ترون وفي أثناء ذهاب الجند إلى مكة للفتح الذي شهدتموه زارني الحرث بن كلدة طبيب العرب ~~فوصف لي دهنا من عشب فأخذ الشعر ينمو وأرجو أن يعود إلى ما كان عليه». # الفصل الثالث والخمسون # | يوم الشعانين # فلما أتم عبد الله حديثه هنأوا بعضهم بعضا بالسلامة ثم قال حماد: «وأين فرسي الآن». # قال: «هو معي هنا فهل تريد أن تراه». # قال: «نعم» وخرجوا إلى بستان بالقرب من المنزل وكان الجواد مشدودا إلى نخلة فلما وقع ~~نظره على صاحبه أخذ في الصهيل كأنه يرحب بقدومه وتقدم حماد إليه فلمس جبهته وقبله بين ~~عينيه ثم عادوا جميعا والفرح ملء قلوبهم إلا حماد فأنه عاد إلى هواجسه في هند وأبيها ~~والقرطين فلما وصلوا المنزل وجلسوا نظر عبد الله إلى حماد وقال له: «العلك لا تزال مصمما ~~على الاقتران بهند». # قال: «نعم يا أبتاه ولا أظنني قادرا على العدول عنه بعد أن كان ما كان». # قال: «وهل نسيت نذرنا لدير بحيراء؟» # قال: «وأي نذر؟» # قال: «نذر يوم الشعانين الذي سنقص فيه شعرك». # قال: «وما دخله بمسألة الاقتران؟» # قال: «إن له دخلا كبيرا لأني سأتلو عليك في ذلك اليوم حكاية وأطلعك على أمور ذات بال ~~لها علاقة كبرى بأمر الزواج». # فخاف حماد أن يكون هناك ما يحول بينه وبين هند. # فقال: «وهل في ذلك السر ما يمنعني من هند؟» # قال: «لا أقدر على التصريح بشيء من ذلك الآن ولكن أحد الشعانين يكشف لك كل شيء». # فقال: «إن يوم الشعانين بعيد فهل يسوغ لنا استبداله بسواه». # قال: «كلا يا ولدي بل يجب علينا إتمام النذر حرفا حرفا» فوقع حماد في حيرة وأوجس خيفة ~~لئلا يكون ms196 في قصة يوم الشعانين ما يحول بينه وبين هند فود أن يطلع على حقيقة ذلك ليعلم كيف ~~يتصرف وقد كان عازما على البحيرة للبحث عن القرطين وكان يظن أن والده سيكون أكبر مساعد ~~له على ذلك لكثرة أصدقائه هناك فأصبح بعد ما سمعه منه لا يستطيع مكاشفته بالأمر لأنه ~~قال له صريحا أن لا يخطوا خطوة في مسألة الاقتران قبل يوم الشعانين فصمت برهة يفكر في ~~الأمر فخطر له أن يستطلع سلمان على حدة لعله يكون عالما بشيء من ذلك السر. # فانفرد به في مسألة ذلك اليوم وسأله عما يعلمه من أمر يوم الشعانين. # فقال له: «إن سر ذلك اليوم مكتوم عن كل بشر أعرفه وقد قضيت مع سيدي والدك أعواما منذ ~~كنت طفلا حتى صرت شابا وأنا أسمع أنه نذر قص شعرك في دير بحيراء عندما تبلغ هذا السن ~~وأنه سيطلعك في ذلك اليوم على أمور تهمك كثيرا ويكون لها علاقة كبرى بمستقبل حياتك وأعترف ~~لك إني بذلت قصارى جهدي في استطلاع شيء من ذلك السر فلم أتوفق وتراني أكثر رغبة منك في ~~معرفته فما لنا إلا الانتظار إلى يوم الشعانين». # فقال: «وكيف أقضي هذه الأيام وماذا أفعل بهند. فقد أفصحت لك عن أمور أنت تعلم إني أكتمها ~~عن سائر العالمين فهل يخفى عليك ما بيني وبين هند من المحبة والرابطة وقد تركتها على موعد ~~من اللقاء فمضت سنة منذ تركتها ولم أفعل شيئا مما تعهدت لها به بعد فإن القرطين لم نقف ~~لهما على أثر ولا أرى أن أعود إليها إلا والقرطان في يدي وعلمت أن الأمل معقود بالتفتيش ~~عنهما في العراق ولا نستطيع ذلك إلا بمساعدة والدي وقد سمعت قوله الدال على رغبته في ~~إيقاف كل حركة قبل يوم الشعانين فكيف أقضي هذه المدة وأنا بعيد عن هند، أتظنها لا تزال على ~~عهدي؟» # قال سلمان: «أما ما عرفته من حبها لك وثباتها في حبك فلا يترك محلا للشك في بقائها على ~~عهدك وأنها لا يمكن أن تتحول ms197 عنك يمنة ولا يسرة ولكنني أرى أن تكتب إليها كتابا أو تنفذ ~~إليها رسولا تبثها ما عندك وتستمهلها في إنفاذ المهمة التي أنت سائر بشأنها وتطلب منها ~~جوابا ومن جوابها تفهم ما يكنه ضميرها». # فقال حماد: «وهل تظن والدي عازما على البقاء هنا إلى يوم الشعانين؟» # قال: «لا أظنه يطيل البقاء هنا لأن أهل المدينة لا يفترون عن الاستعداد للحروب أما لغزو ~~أو لدفع مهاجم ولا وطر لنا في ذلك فالغالب أنه يفضل الذهاب إلى بصرى يقيم فيها بقية هذا ~~العام». # قال: «فإذا كنا ذاهبين إلى بصرى فليس ثم حاجة إلى المخابرة لأني ألاقيها هناك وأجتمع ~~بوالديها أو بأحدهما وأتلو عليهما ما وقع فما عليك إلا إقناع والدي بالذهاب بنا إلى ~~البلقاء». # قال: «حسنا ولكنك إذا أردت مقابلتها هناك فليكن ذلك على غير علم من والدك». # قال: «ننظر في ذلك» ثم افترقا وأخذ سلمان في تحريض مولاه عبد الله على الخروج من المدينة ~~والإقامة بقية ذلك العام في البلقاء وخصوصا لأن الحارث قد مات وخرج النفوذ من يدي ابنه ~~ثعلبة. # فوافقه عبد الله على ذلك فقضوا بضعة أيام في المدينة يشاهدون ما أحدثه المسلمون فيها من ~~الأبنية وأحسنها المسجد الجامع على أنهم كانوا يشاهدون في كل يوم شيئا جديدا من الإعدادات ~~الحربية للغزو أو غيره مما زادهم تهيبا لجند المسلمين وحسبوا لمستقبل دولتهم حسابا ~~كبيرا. # ثم أخذوا في الاستعداد للمسير فودعوا حسانا فأرفقهم بدليل يعرفه وساروا يقطعون البراري ~~والقفار حتى أتوا بصرى فتشاورا في مكان يقيمون فيه فاتفق رأيهم على الإقامة في دير بحيراء ~~فاتخذوا فيه غرفة أقاموا فيها. # أما حماد فان عودته إلى ذلك الدير أذكرته أمورا هاجت أشجانه فتذكر اجتماعه بهند هناك ~~لأول مرة وما كان من مجيء ثعلبة بغتة إلى آخر ما حدث في حينه ثم عزم على المسير إلى جبلة ~~للسلام عليه ثم إلى صرح الغدير لملاقاة هند وبثها ما في ضميره وما بلغت إليه مهمته وما ~~يرجوه من العثور على القرطين في العراق ولكنه كان ms198 كلما تصور وقوفه أمامها موقف المعتذر ~~أو المستمهل اشمأزت نفسه وعسر عليه ذلك الموقف. # الفصل الرابع والخمسون # | هند في صرح الغدير # فلنترك حمادا ووالده وسلمان ولنعد إلى صرح الغدير لنرى ماذا تم لهند بعد سفر حماد ~~لئلا يظن القارئ أننا نسينا عواطفها وأشجانها ولم نبال بما قاسته أثناء غيابه من ~~الوحشة والخوف عليه ولا سيما بعد أن سمعت بفتح مكة ودخول المسلمين إليها عنوة وهي تعلم ~~أن حمادا إنما سار إلى هناك التماسا للقرطين. # ودعت هند حمادا يوم سفره وقلبها واجف عليه لعلمها أنه سار في تلك المهمة والخطر ظاهر ~~فيها ولكن ثقتها بشجاعته وتعقله هونت عليها الأمر لأول وهلة ثم اشتغلت عنه ~~بالاضطرابات والمخاوف أثناء حرب مؤتة وحمدت الله لغيابه خوفا عليه أن يصاب بسوء إذا ~~تعرض لسهام الحجازيين. # فلما انقضت الحرب وعادت البلقاء إلى السكينة عادت هي إلى الاضطراب واستبطأت حمادا لأنها ~~كانت تتوقع رسالة منه أو خبرا عنه فلما طال الأمد ولم تسمع عنه شيئا انقبضت نفسها ~~واستولت عليها المخاوف. # وكانت والدتها تراقب حركاتها وسكناتها وقد أدركت ما بها فأخذت تشاغلها بالآمال وتواسيها ~~بالوعود وهي لا يهدأ لها بال ولا ترتاح إلى حديث على أنها كانت تعلل نفسها بالذهاب إلى دير ~~بحيراء أيام مرور قوافل الحجاز به لعلها تسمع من أحد حديثا يطمئنها وصارت تستأنس ~~بالحجازيين وترتاح إلى كل قادم من الحجاز وخصوصا الذين يقدمون من مكة ولكنها كانت كلما ~~سمعت اسم الكعبة اختلج قلبها واضطربت جوارحها وهي مع ذلك لا يهدأ لها بال إلا بالسؤال ~~عنها والبحث عن أخبارها حتى التقت يوما بقافلة قادمة من مكة فسمعت الناس يتحدثون عن فتحها ~~وما كان من دخول المسلمين إليها عنوة وقتل بعض أهلها فارتعدت فرائصها وتصورت حمادا في تلك ~~المدينة عرضة لسيوف المسلمين فازداد بلبالها وودت لو أنها تطير إلى الحجاز فترى ما تم ~~لحبيبها. # ثم رأت ترددها إلى الدير واستماع تلك الأحاديث لا يزيدها إلا قلقا فانقطعت عنه ~~وانزوت في صرح الغدير لا ترى أحدا ولا تسمع ms199 خبرا مخافة أن يكون في ما تسمعه نبأ ~~يسوءها. ثم سمعت بموت الحارث بن أبي شمر والد ثعلبة فأحست بارتياح لعلمها أن مؤتة يقلل من ~~نفوذ ابنه لدى والدها. على أن ذلك لم يزد شيئا من أسباب سعادتها فالهموم ما زالت تتراكم ~~عليها وليس لديها من تشكو همها إليه غير والدتها لكنها كانت تخاف مخاطبتها بهذا الشأن ~~لئلا تسمع منها ما يزيدها يأسا ففضلت الكتمان وهي مع ذلك لا تزداد إلا تحولا ~~وانقباضا وميلا إلى الخلوة. # وكانت كلما خلت بنفسها نظرت إلى الأساور في يدها وجعلت تقبلها وتتنسم منها رائحة حماد ~~فإذا اشتد بها الهيام بكت وتحرقت ونقمت على والديها لأنهما أبعدا حمادا عنها وخيل لها ~~أنهما إنما أرسلاه إلى تلك الأصقاع للتخلص منه وما زال هذا الفكر يتمكن منها حتى أصبح ~~بمنزلة الاعتقاد وصارت تنفر من مجالسة والدتها وتسئ الظن بها فلم يزدها ذلك إلا رغبة في ~~الخلوة والانقطاع عن الناس. # وأما والدتها فقد كانت لنباهتها وحدة ذهنها لا تغفل عن خاطر يمر في ذهن ابنتها وكانت ~~تعذرها على ذلك لأنها شعرت هي أيضا بارتكابها أمرا قبيحا بإرسال حماد في مهمة خطرة إلى ~~هذا الحد. وقد زاد ندمها خبر وفاة الحارث بن أبي شمر وضعف نفوذ ثعلبة مع كره هند له فتحققت ~~عند ذلك أن هندا يستحيل عليها الاقتران به وقد أصبح بعد موت والده وضيع المنزلة ولم يعد ~~جبلة يخشى بطشه لو رد طلبه. # فأصبحت سعدى بسبب ذلك شاعرة بخطأ فظيع ارتكبته أمام ابنتها فأحرمتها شهما يحبها وتحبه ~~وصارت هي أكثر رغبة من هند في عود حماد وصممت في باطن سرها على أنه إذا عاد ولو خائبا ~~لتساعدنه في الحصول عليها ولو أبى والدها. على أنها لم تكن تستحسن مخاطبة هند بهذا الشأن ~~لئلا توطد آمالها ثم ربما لا يعود حماد من الحجاز فيكون ذلك سببا في زيادة أحزانها فصبرت ~~نفسها لترى ما يأتى به القدر ولكنها ما برحت تتنسم الأخبار لعلها تسمع شيئا ~~جديدا. # أما جبلة فقد ms200 كان في البلقاء مشتغلا عن مثل هذه الأمور بما كان من الحرب في مؤتة فما ~~عتم أن رجع المسلمون حتى توفي الحارث فزاد اشتغاله وعظم اهتمامه بضم قبائل العرب في الشام ~~والبلقاء إليه لأن العرب المتنصرة هناك قبائل وبطون لكل منها راية وأمير وكانت في زمن ~~الحارث منقسمة إلى فئتين إحداهما تابعة للحارث والأخرى لجبلة فلما توفي الحارث اشتغل جبلة ~~بضم بعض قبائل الحارث إليه إن لم يكن كلها ولم يطمع بذلك إلا لعلمه بضعف ثعلبة عن القيام ~~بما قام به والده قبله ولاعتقاده أن أمراء القبائل أنفسهم يكرهون ثعلبة لدناءته وشراسة ~~أخلاقه. فوقع بسبب ذلك تنافر بين جبلة وثعلبة وأحس هذا بضعفه وخاف العاقبة لكن سوء خلقه ~~لم يهده إلى سبيل يسترضي به عمه فأخذ يطعن فيه أمام الأمراء يريد تحقيره في أعينهم فلم ~~يحتقروا إلا ثعلبة وبلغ ذلك جبلة فحقدها عليه وزاد سعيه حتى أخرج كل العرب الغساسنة من ~~حوزته ولم يترك له منهم إلا شرذمة قليلة. # فازداد ثعلبة لوما وسفاهة وأخذ يطعن في جبلة وابنته وسائر أهل بيته فندم جبلة لما وقع ~~منه في حق حماد وأسف لإنفاذه في تلك الرسالة الخطرة ولم يزدد مع الزمان إلا ندما ولكنه ~~كتم ندمه ينتظر ما يجئ به القدر ولكنه صمم في باطن سره إن يكفر عما ارتكبه في حق حماد ~~بأن يزوجه بابنته سواء عاد بالقرطين أو بدونهما فضلا عما في ذلك من الكناية في ~~ثعلبة. # الفصل الخامس والخمسون # | هند والقمر # وما زالت هذه حال هند حتى كاد ينقضي العام ولم تسمع عن حماد خبرا فترجح لديها أنه إما ~~قتل أو فشل وشق عليه الرجوع خائبا فهاجر إلى مكان بعيد أو لعله فتك بنفسه فرارا من ~~أثقال الفشل وتخلصا من عذاب الحب فتراكمت عليها الهموم. وفي ذات يوم قضت هند نهارها في مثل ~~هذه الهواجس ووالدتها تسارقها اللحظ وتغتنم فرصة لتخاطبها وهي تتجاهل وتبتعد فلما سدل الليل ~~نقابه دخلت إلى غرفتها وأوصدت الباب وراءها وجلست إلى النافذة المطلة على ms201 الحديقة وألقت ~~جنبها على وسادة وجعلت رأسها على كفها وكانت الليلة مقمرة والجو صافيا والبدر عند أول ~~بزوغه من وراء التلال وقد أرسل أشعته على الأودية والجبال. فأخذت تتأمل بما أحدثه من ~~الأظلال الطويلة على السهول والبساتين ونظرت إلى حديقة القصر فرأت أشجارها متشامخة تناطح ~~السحاب لكن أظلالها أطول منها كثيرا وقد وقعت تلك الأظلال على ما هنالك من أغراس الريحان ~~وغيره من أنواع العطريات فحجبتها عن البصر ولكنها لم تحجب رائحتها فتضوع القصر منها. وقد ~~هدأت الطبيعة وأوت الطيور إلى أوكارها وسكنت الرياح فلم تسمع إلا خرير ماء الغدير في وسط ~~البستان ونظرت إلى ضفاف ذلك الغدير فرأت أشجار الحور مرتبة صفوفا كأنها عذارى جئن للاستقاء ~~فهالهن سكون الطبيعة فبهتن ووقفن على ضفاف الغدير صامتات. # فما برح القمر أن اعتلى وظهر وجهه واضحا فاستقبلته هي وجعلت تتأمله فأحست بارتياح إلى ~~منظره فتذكرت ارتياحها إلى رؤية حبيبها فاختلج قلبها فعادت إلى الانقباض فأرسلت نظرها إلى ~~القمر لعلها تسترجع ذلك الارتياح فامتنع عليها. # ولكنها ما لبثت أن تأملت وجه القمر حتى ترقرقت الدموع في عينيها وأخذت تخاطبه قائلة: ~~«ألعلك مشرق الآن على منازل مكة وجبالها ألعل حبيبي هناك ينظر إليك ويستقبلك بوجهه ليته ~~يفعل ذلك فيلتقي طرفانا عندك فنجتمع على بعد الدار. # إلى الطائر النسري انظري كل ليلة # فاني إليه في العشية ناظر # عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده # فنشكو إليه ما تكن الضمائر # نعم إني أرى على وجهك صورة كأنها ظل وجهه فهل يرى هو مثل ذلك أيضا.» # ثم عادت إلى البكاء فأطلقت لنفسها العنان حتى لم يتمالك عن الشهيق وهي تظن نفسها منفردة ~~لا يسمعها أحد ولكنها ما لبثت أن سمعت قارعا يقرع الباب فعلمت أنها والدتها سمعت صوت بكائها ~~فجاءت لتعزيتها فودت البقاء في خلوتها فتظاهرت بالنوم ولم تنهض لفتح الباب فقرعت والدتها ~~الباب ثانية وألحت عليها أن تفتحه فمسحت عيونها ونهضت ففتحت الباب ولم يكن في الغرفة نور ~~غير ضوء القمر الداخل من النافذة فدخلت سعدى وهمت بهند ms202 وضمتها وجعلت تقبلها وتنظر إلى ~~وجهها لتحقق بكاها وهند صامتة مطرقة لا تبدي حراكا فقالت سعدى ما بالك يا ولداه ما الذي ~~يبكيك لماذا لا تشكين إلي همك ألست والدتك أما أنت ولدي وفلذة من كبدي إلا تعلمين أنني ~~أحبك. # فلبثت هند صامتة ولكنها نظرت إلى والدتها بطرف عينيها نظرة التأنيب ولم تفه بكلمة ففهمت ~~سعدى أنها توبخها لما ارتكبته بشأن حماد ولكنها أرادت مغالطتها فأخذتها بيدها إلى السرير ~~وأجلستها إلى جانبها وقالت ما بالك لا تجيبينني يا هند أتكتمين عني شيئا ألم أكن خزانة ~~أسرارك قولي يا ولداه ما يبكيك. # فنظرت هند إليها وكان ضوء القمر واقعا على وجهها فرأت سعدى الدموع تتلألأ وهي ساقطة من ~~عينيها فانفطر لها قلبها وهمت بها ثانية وضمتها وتناولت منديلها وجعلت تمسح لها الدموع ~~فحولت هند وجهها نحو النافذة وتنهدت وهي تنظر إلى القمر وضوءه على السهول ~~والجبال. # فنهضت سعدى ووقفت معترضة بينها وبين النافذة وقالت لها: «قولي يا ولداه ما الذي يبكيك لقد ~~قطعت قلبي ولم يعد لي صبر على بكاك إلا تعرفين قلب الوالدة». # فوقفت هند ثم مشت نحو النافذة ووالدتها تعترضها وتمسك يدها ثم وقفت وقفة من ينتظر جوابا. ~~فنظرت هند إليها شذرا وقالت: «نعم يا أماه إني أعرف قلب الوالدة ولكن الوالدة لا تعرف قلب ~~ابنتها». # فأدركت سعدى مرادها فقالت: «ومن قال لك يا هند إني لا أعرف قلبك». # فقالت: «لو عرفت قلبي ما سببت لي هذا الشقاء لأني أعرف حنوك». # قالت: «كيف لا أعرف قلبك يا ولداه وقد كشفت لي غوامض أسراره». # قالت: «إذا عرفت حاله ولم تشفقي عليه فلا بأس سامحك الله وسامح والدي و ...» وشرقت ~~بدموعها. # فابتدرتها سعدى وأظهرت الاستغراب قائلة كيف تقولين ذلك يا هند كيف لم نشفق على قلبك وكل ~~ما حصل إنما حصل بمصادقتك ورضاك لما فيه من الفخر لك. # فهزت هند رأسها وهمت بالجواب ثم سكتت فاتمت والدتها الكلام قائلة ومع ذلك فإن الأحوال ~~قد تغيرت بموت الحارث وإذلال ثعلبة فسواء جاء ms203 حماد بالقرطين أم جاء بدونهما فليس ثم من ~~يقف في سبيله. # فلما سمعت اسم ثعلبة ارتعشت جوارحها فقالت: «آه يا أماه لقد قضي الأمر.. أين حماد الآن ... ~~آه أين هو. هل تعلمين أين هو وقد انقضى العام منذ سار من هذا المكان ولم نسمع عنه شيئا». ~~ثم حولت وجهها نحو النافذة وقالت وهي تبكي: «آه يا حماد آه يا حماد سامح الله من كان سببا ~~في بعادك ... إبكي يا أماه على هند ابكيها وارثيها ولا يتعب ضميرك أو تندمي على ما حدث لي ~~وله على يدك ويد والدي إنما هي الأقدار قد كتبت علينا هذا الشقاء». ثم قالت وقد غلب عليها ~~الشهيق وعلا صوتها: «آه يا حماد حبيبي أين أنت الآن ألعلك على الأرض أم في السماء أم أين ~~أنت من يخبرني بمكانك لكي أطير إليك فإما أن أعيش بقربك أو أن أدفن تحت قدميك فقد كفاني ما ~~سببته لك من الشقاء وما جزاء عملي هذا غير الموت. الموت الموت!..». # قالت ذلك ورمت بنفسها على السرير ووالدتها لا تزال ممسكة بيدها تحاول تلطيف ما بها فلما ~~ألقت نفسها خافت سعدى أن يغمى عليها فبادرت إلى الماء لترشها به وأمسكتها بيدها وجعلت ~~تخاطبها وقلبها يتقطع ولولا اشتغالها بتعزيتها لكانت هي المغمى عليها لا محالة ولكن اشتغال ~~الإنسان بمن يحبه ينسيه نفسه. فهمت بها وخاطبتها فتحققت أنها لم يغم عليها فحاولت ~~إجلاسها وجعلت تقبلها وهند مشتغلة بالبكاء والشهيق ويداها على وجهها. # فرأت سعدى أن تتركها هنيهة ريثما يهدأ روعها فلبثت صامتة مطرقة تفكر في أمرها حتى إذا ~~آنست منها سكينة وهدوءا جاءت بكأس من الماء وقدمته إليها لتشرب فشربت وهي مطرقة خجلا ~~لما ظهر من عواطفها رغما عنها. # فابتدرتها والدتها قائلة: «خففي عنك يا ولداه فإنك مثال التعقل والرزانة عندنا فكيف أطلقت ~~لنفسك العنان». # فظنت هند أنها توبخها فقالت: «كفاني توبيخا فقد علمت إني أتيت أمرا يعاب عليه أمثالي ~~ولكن الكأس قد طفح والأمر نفد». # قالت سعدى: «لم ينفد شيء بعد يا ms204 هند إن حمادا نصيبك وقد قلت لك سواء جاء بالقرطين أم لا ~~فأنه لك وأنت له». # فتنهدت هند وقالت: «هذا إذا قدر لنا أن نراه ولا أظنه إذا فشل في مهمته إلا ضاربا ~~في بطن الأرض ولا يعود إلينا صفر اليدين». # قالت: «تدبري الأمر بالصبر والحكمة واتكلي على الله انه قادر على كل شيء وهلم بنا نصلي ~~ونطلب إليه تعالى أن يعيده سالما». # فتأملت هند في حديث والدتها فترجح عندها أنها تقول الصدق بشأن حماد واقترانه بها سواء ~~جاء بالقرطين أما لا فسرها ذلك ولكنها أرادت أن تستطلع ما يكنه والدها من هذا القبيل ~~فقالت لوالدتها: «هبي أنك رضيت بذلك شفقة على صباي فهل يرضى والدي به». # قالت: «إن والدك أكثر رغبة مني في الأمر وخصوصا بعد أن وقع ما وقع بينه وبين ذلك الخائن ~~من النفور على أثروفاة والده الحارث فطيبي نفسا وقري عينا واتكلي على الله ولنطلب إليه ~~تعالى أن يحفظ لك خطيبك ويعيده إليك سالما معافى وننسى أتعابنا». # فسكن روع هند وسارت إلى فراشها وسلمت أمرها إلى الله. # الفصل السادس والخمسون # | البشارة # وأصبحت في اليوم التالي فعاد إليها الاكتئاب فودت أنها لم تستيقظ أو أنها تظل نائمة فلا ~~تفيق إلا على صوت حماد فلبثت في الفراش تلتمس النوم وأخذت تتقلب عبثا فلما كان الضحى ~~جاءت والدتها تتفقدها فلما رأتها في الفراش انشغل بالها واستطلعت السبب فشكت لها تكاسلها ~~عن القيام فجلست إلى جانبها تحادثها بما يذهب عنها الهواجس وهند تسمع وأفكارها تائهة حتى ~~كانت الظهيرة فسمعتا صوتا خارج الصرح ينادي «من نذر نذرا لنجران المبارك» فخفق قلب هند ~~لذلك الصوت وهبت من فراشها بغتة وبغتت أيضا والدتها لأنهما تنسمتا منه صوت سلمان وتذكرتا ~~قدومه إليهما قبلا بشأن حماد فهرولتا إلى النافذة فرأتا راهبا على فرس مثلما رأتا سلمان ~~قبلا فتحققتا أنه هو بعينه فخالت هند نفسها في منام لقدومه عليهما بغتة على غير انتظار ~~فنادتاه فتحول ودخل فخرجت سعدى لاستقباله وظلت هند في الغرفة جالسة وركبتاها ترتجفان ms205 من ~~التأثر ولم تستطع الوقوف إلا بعد هنيهة وقد سمعت وقع أقدام الرجل مع والدتها داخلين إلى ~~القصر فوقفت لاستقبالهما فوصل الرجل إلى باب غرفتها وحالما وقع نظرها عليه عرفته فعلتها ~~البغتة ولم تعد تعلم كيف تكلمه فابتدرها هو بالسلام وتبسم وهم بتقبيل يديها فمنعته ~~وصاحت: «ما وراءك يا سلمان» وكانت والدتها قد أغلقت الباب. # قال: «ما ورائي إلا الخير يا سيدتي كيف أنت؟» # قالت: «نحن في خير وكيف حماد وأين هو أخبرنا؟» # قال: «هو في خير وقد تركته في دير بحيراء ينتظر أمرك ويدعو لك». # قالت: «هو في خير وعافية». # قال: «نعم يا مولاتى أنه في خير وقد التقى بوالده في المدينة». # فخرت هند إلى الأرض فقبلتها وقالت: «نحمد الله على سلامته» قالت ذلك وقد انبسط وجهها ~~وأبرقت أسرتها. # فقالت سعدى: «أين هو حماد ولماذا لم يأت معك؟» # قال: «أنه بقي في الدير خجلا من مقابلتكم». # قالت: «وما الذي يخجله إننا لا نريد منه شيئا غير سلامته». # قال: «والقرطان». # قالت: «لا حاجة بنا إليهما فقد زال السبب الذي دعا إلى طلبهما». # قال: «إن أمر القرطين قد عاد علينا بالفشل فقطعنا الفيافي والقفار حتى أتينا الكعبة فلم ~~نقف لهما على خبر» وقص عليهما حكاية سفرهما من يوم خروجهما من صرح الغدير إلى أن عادا وكيف ~~التقيا بعبد الله وما عزما عليه من البحث عنهما في العراق. # فقالت هند: «دعنا من الأقراط قد أغنانا الله عنهما». # فعجب لذلك التغير وأراد أن يعلم إذا كان جبلة أيضا في مثل رأيهما. # فقال: «وهل سيدى الملك جبلة في خير». # قالت سعدى: «نعم هو في خير ينتظر قدوم صهره حماد بفارغ الصبر». # فلما سمع قولها (صهره) زاد اطمئنانا برضاها عن حماد فقال: «وهل هو أيضا مغفل أمر ~~القرطين». # قالت: «أنه لا يريد شيئا غير سلامة ولدنا حماد فادعه إلينا لنراه». # قال: «أنه يود ذلك من صميم قلبه فأذنوا له بفرصة آتي به إليكم». # قالت: «فليأت بأقرب وقت ولكننا نود حضوره ووالد هند حاضر ليفرح بعودته ms206 وليكن أيضا والده ~~معه ليتم الفرح». # ففرح سلمان بهذه الأخبار ولكن خاطرا مر بذهنه فأسكته بغتة فلمحت هند شيئا غيره ~~فقالت: «ما بالك يا سلمان ما الذي أسكتك فهل هناك ما يمنع حضوره أخبرنى؟» # قال: «كلا يا مولاتى أنه ينتظر هذا الاجتماع انتظار الظمئآن للماء الزلال وهو إنما ~~تحمل الأخطار ومشاق الأسفار طمعا بذلك ولكنه ...». # فبغتت هند وسعدى معا وقالتا ما الذي يدعو إلى ترددك قل يا سلمان لقد شغلت بالنا. # قال: «لا يخفى عليكما أن سيدي حمادا تشرف بخطبة سيدتي هند ووالده لا يعلم ولما علم بذلك ~~يوم اجتماعنا في المدينة سر كثيرا ولكنه استمهل حمادا في إتمام هذا الأمر ريثما يأتى ~~يوم الشعانين». # قالت سعدى: «وما علاقة يوم الشعانين بذلك». # قال: «لا علاقة له به إلا من حيث النذر فقد علمتم أن سيدي حمادا منذور أن يقص شعره ~~في دير بحيراء من يوم ولادته وأن يكون قصه في يوم الشعانين في السنة الحادية والعشرين من ~~عمره فلما كان اليوم المعين منذ عامين حدث ما حدث لما تعلمانه وفر ولم يتمكن من وفاء النذر ~~فلما عاد من هذا السفر قال سيدى عبد الله لولده أنه سيقص شعره في يوم الشعانين القادم بعد ~~بضعة أشهر وتقدم إليه أن لا يباشر عملا مهما قبل ذلك اليوم لأنه سيطلعه فيه على أمور ~~تهمه ولكنني لا أظن لها علاقة بهذا الأمر». # فلما سمعت هند ذلك الكلام تعوذت بالله مما هو مخبأ لها في عالم الغيب وقالت في نفسها ~~(ألعل أمامنا عراقيل أخرى غير التي انقضت). # فقالت سعدى: «لا بأس ولكن ذلك لا يمنع سيدك من الحضور ليلتقي بوالد هند وخصوصا لأنه ~~غريب فقد يستأنس به وبمن يعرفهم على يده في البلقاء أما ذلك الأمر فما نحن في عجل إليه ~~وإنما المراد أن تطمئن قلوبنا ويهدأ بالنا ونرى بعضنا بعضا وقد تمهدت العقبات بموت الحارث ~~وسقوط نفوذ ثعلبة بين القبائل». # فقال سلمان: «نحمد الله على نعمه ولا أقدر أن أصف لكم مقدار سرور مولاي ms207 حماد بهذه الأخبار ~~فعينوا المكان والزمان الذين تريدان الاجتماع بهما لأخبر سيدي». # قالت هند: «فليأت حمادا أولا لنراه ثم نعين يوما يجتمع به الوالدان لأننا نخشى إذا ~~انتظرنا اجتماعهما أن يطول الأجل فإن والدي في البلقاء وربما لا يستطيع المجيء إلا بعد ~~بضعة أيام». وأرادت هند بذلك أن تجتمع بحماد قبلا على انفراد لتستوضح أمر النذر وعلاقته ~~بالاقتران. # فقال سلمان: «ها إني ذاهب لأدعوه وأظنه يكون هنا في صباح الغد إن شاء الله». # فخرج وقد ندم على ما فرط منه في حديثه عن عبد الله وعلم أنه أخطأ فيما ذكره بشأن النذر ~~وخاف أن يشق ذلك على حماد فعول على التخلص من هذه التبعة بالحيلة فأسرع حتى أتى الدير في ~~مساء ذلك اليوم وكان قد سار في هذه المهمة ولم يخبر عبد الله لعلمه أنه لا يريد ~~ذلك. # فلما وصل الدير كان حماد في انتظاره فاستقبله وهو ينظر إلى وجهه لعله يقرأ على ملامحه ~~ما يبشره فرآه يبتسم ووجهه منبسط فرحب به وسأله عن الخبر. # فقال: «أبشر يا مولاي إن الله قد محا كل شقاء كتب علينا وزالت كل الموانع التي كنت تخاف ~~وقوعها بينك وبين هند». # قال: «وكيف هند هل هي مسرورة برجوعي وهل علمت أننا لم نعثر على القرطين وماذا ~~قالت». # فضحك سلمان وقال: «إن القرطين لم يعد لهما دخل في أمر اقترانكما فقد تغير وجه المسألة ~~بموت الحارث بن أبي شمر». وقص عليه الخبر إلى أن قال: «وإذا شئت الاقتران في صباح الغد ~~فهو لك لأن والدة الفتاة ووالدها راضيان بك لا يريدان منك شيئا وأما هند فأنت تعلم ~~قلبها». # قال: «وهل طلبت مواجهتي؟» # قال: «كيف لا وقد طلبت أيضا أن يشرف سيدي والدك على أن يكون الملك جبلة موجودا لتتم ~~المعرفة بينهما واني واثق بإقبال نجم سعدنا لأن اقترانك بهند فضلا عن أنه من أهم أسباب ~~سعادتنا فهو سبيل إلى اكتسابكما نفوذا لدى ملك غسان». # فقال: «ولكنك تعلم أن والدي لا يرضى الذهاب معي بهذا الشأن». ms208 # قال: «أعلم ذلك وقد ذكرته أمام سيدتي هند». # فبغت حماد وقال: «كيف ذكرته وماذا قلت». # قال: «ذكرته على أسلوب لطيف فقلت أن سيدي عبد الله سر كثيرا بخطبتكما ولكنه يود وفاء ~~النذر قبل عقد القران». # قال حماد: «أخشى أن تكون هند قد فهمت شيئا يحملها على إساءة الظن». # قال: «لا أظنها فهمت شيئا من ذلك وعلى كل فإنك ذاهب إليها في صباح الغد وقد أجلنا ~~اجتماع والديكما إلى فرصة أخرى فإذا اجتمعتما افهمهما الحكاية كما تريد». # قال: «إذا نذهب إلى صرح الغدير في صباح الغد وماذا نفعل بوالدي هل نخبره». # قال: «أرى أن نخبره بأننا ذاهبون لطمأنة أهل الصرح بعودتنا وإننا لا نتحدث بشأن الخطبة ~~أو الاقتران مطلقا». # قال: «هذا هو الصواب». # الفصل السابع والخمسون # | حماد وهند # وفي مساء ذلك اليوم خاطب حماد والده في أمر هند وقال له: «إن وفاة الحارث ربما سهلت أمر ~~اقترانه وربما عدلوا عن طلب القرطين» وأظهر حماد سروره بذلك فلم يجب عبد الله ~~بكلمة. # فقال حماد: «ألم تسر يا سيدي بذلك؟» # قال: «إني أسر لسرورك ولكنني لا أزال ألح عليك بالاقتصار في هذا الموضوع ريثما يأتى يوم ~~الشعانين ونفي نذرنا». # قال: «أعاهدك بأني لا أباشر أمرا قبل مجيء ذلك اليوم ولكننى عازم في صباح الغد على ~~الذهاب إلى الصرح لأشاهد هندا ووالدتها لأجل الاطمئنان وأظنهم يودون مشاهدتك». # قال: «دع ذلك لبعد يوم الشعانين أما أنت فاذهب لمشاهدة أهل صرح الغدير واحذر أن تمضي ~~أمرا». # قال: «حسنا يا مولاي». # وفي صباح اليوم الثاني ركب حماد باكرا وركب سلمان معه وسارا قاصدين الصرح. # أما هند فأنها لم تنم ليلتها تلك لعظم تأثرها فرحا بقدوم حماد إلا عند الفجر فأغمض ~~جفناها فنامت هنيهة فأفاقت والشمس قد طلعت فظنت نفسها قد أبطأت في الفراش وخافت أن يأتي ~~حماد وهي نائمة فنهضت ولم يؤثر فيها السهر شيئا لتنبه عواطفها فاغتسلت ولبست ثيابها وعادت ~~إلى غرفتها وفيها نافذة تشرف على طريق بصرى فجلست إليها وعيناها شائعتان نحو الأفق لعلها ~~ترى ms209 حمادا قادما وكانت كلما رأت شبحا أو ظلا أو سمعت صوت صهيل أو وقع أقدام خفق قلبها ~~ولا يكاد يحدث في الصرح صوت إلا سمعته كأنها كلها آذان لعظم تأثرها. # أما سعدى فقد كانت توصي الخدم في إعداد ما يلزم للضيافة من الذبائح ونحوها فلما فرغت من ~~ذلك فكرت في هند وما يكون من حالها عند ملاقاتها حمادا بعد طول غيبته فخافت من شدة تأثرها ~~لئلا يظهر منها ما تعاب عليه أو يؤثر في صحتها فرأت أن تسير إليها وتشاغلها لتذهب ما بها ~~من قلق الانتظار فجاءتها فإذا هي في مثل ما خافته عليها. # فلما سمعت هند وقع أقدام والدتها كادت تبغت لولا تعودها سماع ذلك فاستقبلت والدتها باشة ~~فابتدرتها سعدى قائلة: «ما بالك منفردة يا هند أظنك تتمنين عدول حماد عن المجيء». # فضحكت ولم تجب. # فقالت: «هيا بنا إلى الحديقة نتنسم رائحة الأزهار لأن بقاءك هنا ممل» قالت ذلك وأمسكت ~~بيدها ومشتا حتى نزلتا إلى البستان وأوغلتا بين الأشجار وهند تسارق النظر من بين الشجر ~~لعلها ترى حبيبها قادما ولكن والدتها سارت بها في الحديقة حتى غابت عن الطريق وكانت هند ~~إنما تمشي مجاراة لها وقلبها يحدثها بالرجوع إلى القصر لئلا يصل حماد أثناء ~~غيابها. # وفيما هما في ذلك سمعتا صوت صهيل عرفت هند حالا أنه صهيل جواد حماد فخفق قلبها فنظرت ~~إليها سعدى متجاهلة فإذا هي قد بغتت وهمت بالرجوع. # فقالت لها: «دعينا هنا فأنه لا يلبث أن يأتى فنراه» وقد أرادت سعدى أن يكون الملتقى على ~~انفراد مخافة أن يحدث في أثناء ذلك الاجتماع ما لا يستحسن اطلاع أهل القصر عليه. # فسكتت هند ولكنها ما فتئت تنظر من خلال الأشجار نحو باب الحديقة تنتظر مجيء حماد بفارغ ~~الصبر ولم تمض هنيهة حتى رأته قادما وعلى رأسه الكوفية والعقال وقد تقلد الحسام تحت ~~عباءة حريرية مزركشة بالقصب فلما وقع نظرها عليه زاد خفقان قلبها واصفر وجهها ثم ما لبثت ~~أن علته الحمرة وظلت واقفة. أما والدتها فتقدمت حتى ms210 التقت بحماد فسلمت عليه فهم بتقبيل ~~يدها احتراما فمنعته وهند لا تزال واقفة وقلبها يحدثها بالمسير نحوه ولكن الحشمة والحياء ~~منعاها. # أما هو فأسرع نحوها ومد يده مسلما ووجهه يطفح سرورا وعيناه شاخصتان إليها تتقدان ذكاء ~~وهياما. # فمدت يدها وهي تنظر إلى الأرض خجلا ولكن الابتسام غلب عليها ولما أمسكت يده شعرت بقوة ~~انبثت في كل أعضائها ثم توردت وجنتاها وأبرقت أسرتها كأن تلك القوة مجرى كهربائى انتشر في ~~أعضائها ثم انحصر في وجهها فأضاء. فقال حماد: «كيف أنت يا هند لقد أطلت الغيبة عليكم ~~ولكنني عدت مع ذلك بخفي حنين». # فغلب عليها الحياء ولكنها نظرت إليه بعينين براقتين تنبعث أشعة الهيام منها وقالت لا ~~حاجة بنا إلى الخفين ولا القرطين وإنما حاجتنا إلى عودتك سالما فالحمد لله على ذلك. قالت ~~ذلك ودموع الفرح تتناثر من عينيها وهي تبتسم فأرادت إخفاء دموعها فتحولت نحو شجرة بالقرب ~~منها تحتها مقعد من حجر للجلوس وتحول حماد وسعدى والكل سكوت ولكن قلبي العاشقين يتكلمان أو ~~لعلهما يضحكان فقط ولو تركا على انفراد لانطلق لساناهما وتعاتبا وتغازلا ولكن وجود سعدى ~~حملهما على الاكتفاء بحديث القلبين. # ولما استقر بهم الجلوس قالت سعدى: «لقد أطلت الغيبة علينا فانشغل بالنا كثيرا ولما سمعنا ~~حكاية سفركم من سلمان حمدنا الله على عودتك سالما بعدما قاسيته من الخطر». # قال: «لا يهمني من أمر سفرتي هذه شيء ولا أحسبني أتيت أمرا ولا تحملت شقاء طالما كان ~~سفري عقيما وإن يكن ذلك لغير قصور مني لأن السبب فقدان القرطين من الكعبة أثناء هدمها ~~وبنائها أما أنا فاني عازم على مواصلة البحث عنهما في العراق أو غيرها حتى أتي ~~بهما». # فابتدرته هند قائلة: «لا لا لا حاجة بنا إلى الأقراط فإن عندنا من فضل المولى ما يكفينا ~~مؤونة هذه الأسفار». # قال: «وماذا يقول الناس عني وقد عدت صفر اليدين أليس عارا على حماد أن يرجع خائبا عن ~~أمر طلبته هند!!» قال ذلك وعيناه تنظران إلى هند ويكاد النور ينبثق منهما. # فالتفتت هي ms211 إليه وقالت وهي تبتسم: «لا لم يعد حماد خائبا لأنه جاهد في سبيل القرطين ~~جهادا حسنا ولا يزال ساعيا في التفتيش عنهما في خزائن الحيرة ولكننا نحن حولناه عن عزمه ~~فما ذلك من قبيل الخيبة لا سمح الله». # ثم قالت سعدى: «إن أمر القرطين يا ولدي لا يهمنا مطلقا فمثل هذه الأقراط كثير عندنا من ~~نعم الله. من ذلك لؤلؤتان معلقتان بتاج الملك جبلة هما مثل لؤلؤتي قرطي مارية تماما حتى ~~لقد يحسبهما الناس نفس القرطين». # قال حماد: «إني لا أجهل نعم الله على ملوك غسان زادكم الله نعما ولكنني وددت أن أجعل ~~لي سبيلا أستحق به هندا فان نسبي وحده ولا حسبي يخولانني هذا الشرف ولكن ذلك أحسبه من ~~جملة كرم الغسانيين على الغرباء». قال ذلك وتبسم والتفت إلى هند فإذا هي تبتسم أيضا وتنظر ~~إلى الأرض. # فالتفتت سعدى إليه وقالت: «إن النسب يا ولدي لا يجعل الإنسان إنسانا وإن الرجل بأصغريه ~~لا ببردية فان ما شاهدناه من شهامتك وكرم أخلاقك لجدير بأن يرفع منزلتك إلى أوج الملوك ~~وكم من ملك تحطه دناءته إلى مصاف الصعاليك وشاهدنا على ذلك قريب». قالت ذلك ونظرت إلى ~~هند كأنها تذكرها بدناءة ثعلبة والمقابلة بينه وبين حماد فأدرك حماد ذلك فأطرق خجلا لما ~~سمعه من الأطناب ولكن قلبه رقص طربا لتخلصه من أمر القرطين وتمثل له ملاك السعادة طوع ~~إرادته فأبرقت أسرته ثم تذكر يوم الشعانين وتأخير الاقتران بسببه فانقبضت نفسه على إن ~~اجتماعه بهند في تلك الساعة أنساه كل انقباض. ثم أتمت سعدى كلامها قائلة: «أرى على ثيابك ~~أثر الغبار الا تحتاج إلى تبديل وغسيل فإذا شئت هلم بنا إلى القصر». # قال: «لا أشعر بتعب وان الغسيل والتبديل أمران مستدركان ولكن الجلوس في هذه الحديقة بين ~~الأشجار ومجاري المياه والاستظلال تحت هذه الشجرة مما ترتاح إليه نفسي. ولا أخفي على سيدتي ~~إني لم أكن أرجو مثل هذا الاجتماع بعد ما قاسيته من المشاق ولا أنسى يوما قضيته في مكة ~~على سطح غرفتي ms212 لا أذكر يوما كنت فيه كما كنت في ذلك اليوم لا أعاده الله». # قالت هند: «وكيف كنت؟» # قال: «لا فائدة من ذكر ذلك غير الكدر ولكنني أمثل لك الأمر تمثيلا. تصوري إني ركبت متن ~~الأسفار وقطعت البراري والقفار للبحث عن قرطي مارية مهرا لحبيبتي هند والتفتيش عن والدي ~~فنزلت بلدا شهدت فيه حربا وخطرا ثم تحققت فقدان القرطين وضياع والدي فلما تراكمت كل هذه ~~المصائب علي صعدت إلى سطح غرفتي وقد ضاق صدرى وتذكرت هندا ووالدي وما أنا فيه من اليأس ~~فماذا تكون حالي». # فقالت سعدى: «لقد سرنا العثور على والدك هل هو في خير وهل ينوي زيارتنا فاني أحب ~~تعريفه بالملك جبلة ليتم سرورنا فقد زالت كل الحواجز وتمهدت كل العقبات والحمد ~~لله». # فتذكر حماد مسألة النذر وحكاية يوم الشعانين فقال في نفسه (لم تزل أمامنا عقبة لا ندري ~~ما وراءها) ولكنه أجاب سعدى قائلا: «أن سيدي الوالد يسر كثيرا بمقابلة الملك جبلة وهو ~~شرف يتمناه أمثالنا ولكنه الآن في شاغل وسيغتنم أول فرصة لمقابلة سيدي الملك وأنا ~~كذلك». # الفصل الثامن والخمسون # | جبلة # وفيما هم في مثل هذه الأحاديث آنسوا في أهل القصر حركة واهتماما ثم جاءهم مخبر ينبئهم ~~بمن جاء يبشر بقدوم الملك جبلة إلى الصرح فبغت الجميع لقدومه على غير انتظار ونهضوا ~~يطلبون القصر ينتظرون قدوم الملك. # فمشوا صامتين كل منهم يفكر في أمر وكان حماد أكثرهم بغتة واهتماما لأنها أول مرة سيقابل ~~بها جبلة بعد عودته فخاف أن يكون فشله في البحث عن القرطين سببا في فتور محبته له وأما ~~هند فكانت تتوقع من والدها حنوا إلى حماد بناء على ما سمعته من والدتها وأما سعدى فلم ~~تستغرب قدومه لأنها هي التي أنفذت إليه رسولا بالأمس يخبره بمجيء حماد وأنه سيزورهم في ~~ذلك النهار فإذا استطاع المجيء فعل. # فوصلوا القصر ودخلوا قاعة الجلوس وما استقر بهم المقام حتى نودي في القصر بمجيء الملك ~~فخرج أهله لاستقباله وخرج حماد وهند ووالدتها إلى الحديقة. # وكانت الفرسان قد وصلت ms213 فتحول جبلة عن جواده وعليه لباس السفر من العباءة والكوفية وقد ~~تقلد الحسام ومشي يلتفت ذات اليمين وذات الشمال يبحث عن حماد حتى إذا وقع نظره عليه دنا ~~منه فتقدم حماد وهو يقدم قدما ويؤخر أخرى ليرى ما يبدو منه. أما جبلة فأسرع إليه وسلم ~~عليه مصافحة وقبله قبلة الوالد لولده والناس ينظرون. وكانت هند تراقب حركات والدها فلما ~~رأت منه ذلك رقص قلبها طربا وتناثرت دموع الفرح من عينيها وكذلك والدتها أما حماد فأنه ~~قبل يدي عمه وقد تحقق رضاءه عنه. فقال له جبلة: «أهلا بولدي وعزيزي نحمد الله على ~~عودتك سالما». # فأجابه حماد (وملامح الامتنان ظاهرة على وجهه): «له الحمد على كل حال ولكنني أحمده ~~لنعمه علي برضا ملك غسان فأنها نعم لا أقدر على تقديرها يا عماه». # ثم تحول جبلة نحو هند فقبلت يده وقبلها وحماد ينظر فتحركت فيه عاطفة الغيرة عليها حتى ~~من والدها ثم حيا سعدى ومشى الجميع نحو القاعة وعينا حماد على هند كأنه يريد أن يلتقفها ~~بنظرة وقد شق عليه مفارقتها بعد أن تقرر له الحصول عليها. # وكان سلمان في جملة أهل القصر الوقوف في انتظار جبلة ولم يشأ دخول الحديقة على حماد عند ~~أول مجيئه مراعاة لما قد يدور بين الحبيبين من عبارات العتاب مما لا يهون التفوه به أمام ~~أحد. # ودخل جبلة وسعدى وهند وحماد القاعة فسأل حماد عن سلمان فجاء فدعاه للجلوس هناك فتوقف ~~توقيرا للجلسة فنهض حماد وأمسكه بيده وقدمه إلى الملك قائلا: «أقدم لكم يا عماه رفيقي ~~وصديقي سلمان فأنه كان معتمدي في أسفاري وهو محب غيور للملك جبلة وسائر آل منزله». # فرحب به جبلة وأمره بالجلوس فجلس والجميع جلوس ثم التفت جبلة إلى حماد وسأله عن والده ~~فقال: «إني تركته في دير بحيراء على أن يحظى بمقابلة مولاي في فرصة أخرى». # قال: «لقد سررت كثيرا باجتماعكما بعد طول التشتت بسبب ذلك الغلام الغر (يريد ثعلبة) وقد ~~كنت في غفلة عن أمره إلى ما بعد وفاة والده فتبعثر ms214 أصدقاؤه فأخبرني بعضهم بما ارتكبه هذا ~~الخائن في سبيل الفتك بك على أثر ما أظهرته من الشهامة وكرم الأخلاق ويكفي أنك عفوت عن ~~قتله في حلبة السباق بعد ما عاينت من غدره وسوء قصده ولكن ذلك الخائن قد نال جزاء ما جنته ~~يداه وكان الناس إنما يرمقونه ببعض الاحترام مراعاة لمنصب والده فما كاد يتوفى الحارث حتى ~~نبذ نبذ النواة وصار مضغة في الأفواه ومن أثقل المصائب عليه أن يعلم بمجيئك ونيل مرامك ~~ولا أظنه يسمع باقترانك حتى يقع ميتا لشدة لؤمه وحسده قبحه الله». وكان جبلة يتكلم ~~ولحيته تهتز وعيناه تتقدان غضبا مع محاولته إخفاء ما في نفسه وتخفيف ما به فلما أتم ~~كلامه أخذ يتلاهى بتمشيط لحيته بأصابعه ويشاغل نظره بالالتفات إلى خيل مربوطة خارج ~~القصر كانت تتزاحم وتتضارب. # أما الحضور فأنهم لبثوا بعد إتمام حديثه سكوتا تهيبا من غضبه ولكن قلوبهم كادت تطفح ~~سرورا بما قاله عن ثعلبة. ثم وجه جبلة خطابه إلى سعدى قائلا: «اسقينا شيئا نرطب به ~~أجوافنا ونشربه نخب اجتماعنا فرحا بقدوم صهرنا سالما». فقالت: «إلا ترى أن نجلس إلى ~~المائدة فتناول الطعام والمدام معا». # قال: «حسنا تفعلين». # فصفقت فجاء غلام. فقالت: «هل تمت معدات الطعام؟» # قال: «نعم يا مولاتي». # فنهض جبلة ومشي فتبعه الجميع حتى دخلوا غرفة مدت فيها الأسمطة وعليها الأطباق والمواعين ~~وكلها من الذهب أو الفضة فجلسوا يأكلون ويشربون والفرح شامل لهم. # فلما فرغوا من الطعام وقاموا عن المائدة تقدم جبلة إلى حماد وأشار إليه أن اتبعني فتبعه ~~حتى خرجا من القصر وجعلا يتمشيان في بعض طرق الحديقة فلما خلوا قال جبلة: «اعلم يا حماد انك ~~الآن بمنزلة ولدي وقد قسم الله أن تكون صهرا لي وهذا أمرا حسبه من حظ هند لأنك شهم يفتخر ~~بشهامته وشجاعته ما يربو على الافتخار بالحسب والنسب. وقد تركت إليك تعيين زمن الاقتران ~~ولكنني أوجه التفاتك إلى أمر واحد وهو أن هندا كما تعلم وحيدة ليس لنا ولد سواها فيشق ~~علينا فراقها فاشترط عليك إذا ms215 تم الاقتران أن تقيم عندنا أنت ووالدك ومن تريده من ذويك ~~فتنزلون على الرحب والسعة فان البلاد تحتاج إلى من يتولاها وليس لي ولد ذكر فإذا أحسنت ~~السياسة مع القبائل اجتمعوا بعدي تحت لوائك وكنت ملكا عليهم». # فلم يعد يعرف حماد كيف يشكر نعمه ولكنه وقف وكانا ماشيين فوقف جبلة فقال حماد: «إن هذه ~~النعم وهذه الشيم مما يقصر لسان الناس عن أداء الشكر عليها. إن شرطا اشترطموه يا عماه إن ~~هو إلا نعم أنعمت بها على جزاك الله عني خيرا. أما وقت الاقتران فلا يمكننا تحديده الآن ~~لدواع لا أخفيها عنك». # قال: «وما هي؟» # قال: «لعل مولاي رأى طول شعري لما لبست الدرع يوم السباق». # قال: «نعم أذكر ذلك وما سبب طوله؟» # قال: «إن والدي نذر أني إذا عشت لا يقصر شعري إلا في السنة الحادية والعشرين من عمري ~~في دير بحيراء وضرب لذلك أجلا يوم الشعانين فآن ذلك اليوم منذ عام وبضعة أشهر فجئنا ~~البلقاء فحدث ما حدث من سعي ثعلبة ضدي والقبض على والدي ثم لم نجتمع إلا من أمد قريب في ~~المدينة فيرى والدي أن ننتظر يوم الشعانين القادم ونقص شعرى في الدير وقد أخبرني أن عنده ~~حكاية سيقصها علي في ذلك اليوم وأوعز إلي أن لا أقطع بأمر من الأمور المهمة إلا بعد ~~ذلك اليوم فما رأي مولاي». # فعجب جبلة لذلك السر وقال: «لا أرى مانعا من تأجيل الاقتران إلى ما بعد الشعانين فنجعله ~~في يوم القيامة ولكنني استغربت هذا السر ألا تعلم ما موضوعه؟» # قال: «كلا يا عماه لا أعرف عنه شيئا ولا يعلم به أحد سوى والدي وقد أخبرني أنه لما ~~وقع في الخطر مرة وخاف الموت لم يأسف على شيء أكثر من أسفه على ضياع ذلك السر». # قال جبلة: «فلننتظر يوم الشعانين وكل آت قريب». # ثم تحولا نحو القصر وكانت هند ووالدتها وسلمان جالسين في القاعة فدخل جبلة وحماد وقضوا ~~بقية ذلك اليوم في الأحاديث المتنوعة. # فلما كان العصر التمس حماد العود ms216 إلى الدير لئلا يستبطئه والده فيشغل باله ~~عليه. # فقال له جبلة: «افعل ما بدا لك ولكن اعلم يا ولدي أن صرح الغدير وسائر قصور البلقاء ~~مفتوحة لاستقبالك متى أردت القدوم». فهم حماد بيد عمه فقبلها وكذلك فعل سلمان وودع هندا ~~وسعدى وكان قد أمر فاسرجت الخيل وأراد الإسراع في الشخوص إلى دير بحيراء ليخبر والده بما ~~لاقاه من الاحتفاء وما عرضه عليه جبلة من الأنعام لعله يرغب في القدوم على جبلة. # فركبا وسارا وهند تشيعهما بنظرها خلسة حتى تواريا فعاد أهل الصرح فأحكى جبلة لسعدى ما دار ~~بينه وبين حماد ولما عاد هو إلى البلقاء أحكت ذلك إلى هند فكادت تطير من الفرح. # أما حماد فأنه وصل الدير في مساء ذلك اليوم وكان والده في انتظاره فاستقبله ودخلا ~~الغرفة فأحكى له حماد ما لاقاه من الإكرام والاحتفاء وما دار بينه وبين جبلة مما لم يكن ~~يرجوه. وكان حماد يتوقع أن يرى من والده بعد هذا الحديث إعجابا أو انبساطا فلم ير وجهه ~~يزداد إلا انقباضا ولم يجب بكلمة فلبث حماد ينتظر يوم الشعانين بفارغ الصبر. # الفصل التاسع والخمسون # | قص الشعر # وكان عبد الله كلما دنا ذلك اليوم زاد انقباضا حتى قيل غدا يوم الشعانين فعلم أن الدير ~~سيكون مزدحما في ذلك اليوم وهو إنما يلتمس الانفراد بحماد ليتلو عليه الحكاية فسار إلى ~~رئيس الدير وأطلعه على قصده. # فقال: «وأي الغرف تريدون؟» # قال: «نريد صومعة بحيراء نفسها فإنها منفردة وفيها كرامة وبركة». # قال: «ولكن الناس يقدمون إليها في مثل هذا اليوم زائرين». # قال: «يزورونها بعد خروجنا منها فربما مكثنا فيها ساعات قليلة من الصباح إلى الظهر». وكان ~~عبد الله جليل الطلعة محترما فأذعن له الرئيس. # ثم قال عبد الله: «اعرف راهبا شيخا من تلامذة بحيرا الراهب صاحب هذا الدير كان يقيم في ~~الصومعة فهل هو باق هنا». # قال: «أنه باق ولكنه يشكو شدة الضعف لشيخوخته فلا يخرج من غرفته إلا ~~نادرا». # قال: «إلا تظنه يخرج في صباح الغد إذا توسلنا إليه ms217 أن يرافقنا إلى الصومعة ويقص شعر ~~غلامنا». # قال: «لا أعلم ولكن عندنا من الرهبان والقسس كثيرين يفعلون ذلك». # قال: «صدقت ولكنني أفضل ذلك الراهب الشيخ لأني أعرفه». # قال: «هلم بنا إليه نسأله فعساه أن يرضى». # وسارا إلى غرفة من غرف الدير مغلقة الباب فقرعاه وانتظرا ريثما ينهض الشيخ لفتحه وبعد ~~هنيهة فتح الباب وبان من ورائه شيخ هرم قد ابيض شعره بياضا ناصعا واسترسل من رأسه ~~ولحيته وحاجبيه وشاربيه حتى لا تكاد ترى من جلد وجهه إلا بعض وجنتيه وقد تجعدتا ~~وتثنت جبهته وبرز أنفه أعقف وأحدودب ظهره حتى لا يستطيع النظر إلى واقف أمامه إلا ~~بجهد وعناية فتقدم الشيخ ويده الواحدة على الباب ويده الأخرى يتوكأ بها على عصا قديمة العهد ~~ربما رافقته في صباه وقد قبض عليها بأنامل لم تترك الشيخوخة عليها لحما فلصق الجلد بالعظم ~~حتى كان اعرض ما في الكف عقد الأمشاط عند اتصالها بالأصابع. # فلما فتح الباب رفع الشيخ نظره وحدق بزائريه وكان قد عرف الرئيس من مجمل قيافته ولكنه ~~لم يعرف رفيقه فنظر إليه نظر المتأمل وشعر حاجبيه المسترسل يحجب معظم النظر عنه فأرسل ~~يده يرفع بها شعر الحاجبين وهي ترتعش لضعف الشيخوخة فابتدره عبد الله بالسلام وهم بتقبيل ~~يديه فعرفه الراهب فقال: «أهلا بولدنا الأميرعبد الله ابن الوطن العزيز تفضل يا ولدي ~~ادخل». فدخل ودخل الرئيس معه وجلس كل منهما على وسادة وهما لا يحسران على فتح الحديث ~~احتراما لشيخوخة الراهب. # ثم تكلم الرئيس فقال: «إن ولدكم الأمير عبد الله يلتمس حضوركم الاحتفال بقص شعر ابنه ~~وفاء لنذر نذره منذ بضع وعشرين سنة». # فتأمل الشيخ برهة ثم رفع نظره إلى عبد الله بغتة والنور ينبعث من حدقتيه في خلال شعر ~~الحاجبين كأن الزمن لم يؤثر على حدتهما وقال: «ما اسم غلامكم؟» # قال: «حماد». # قال: «نعم حماد أذكر أني رأيته في الصومعة منذ عامين وأخبرني أنه جاء لقص شعره وكان يوم ~~الشعانين قريبا ألم تفوا النذر بعد». # قال: «لا يا مولاي لم نستطع ذلك ms218 لأسباب فرقت بيننا أعواما فلما اجتمعنا جئنا لنفي ~~النذر فهل تريد أن يكون وفاؤه على يدك». # قال: «إنني شيخ ضعيف لا أستطيع الوقوف لتأدية الفروض اللازمة أثناء الصلاة». # قال: «يؤديها القسيس وتكون أنت معنا بعد الصلاة فننفرد أنا وأنت وحماد لكلام أقصه ~~عليكما». # قال: «حسنا يا ولدي ومتى يكون ذلك؟» # قال: «غدا صباحا إن شاء الله». # قال: «سنلتقي إذا صباح الغد في الصومعة» قال ذلك وهو يتلاهى بمسبحته ويداه ~~ترتجفان. # ثم نهض عبد الله فودع الراهب وخرج توا إلى غرفته وجلس ينتظر عودة حماد. # وكان حماد يختلف إلى صرح الغدير مرارا في الأسبوع يتمتع برؤية هند فيقضى النهار عندها ~~مع والدتها وأحيانا سلمان وقد شعر إن ملاك السعادة يحرسه وخصوصا بعد ما قصه عليه جبلة ~~مما ينويه له في مستقبل حياته وأصبح لا هم له إلا مجيء يوم الشعانين ليفي النذر ~~ويقترن بهند على أنه كان إذا جلس إليها ودار الحديث بينهما نسي النذور وغفل عن مستقبل ~~الأيام. أما والده فلم يجتمع بجبلة وكان حماد يلتمس ذلك منه أحيانا فينتحل أعذارا يتخلص ~~بها من المسير. # فلما كان آخر يوم كما قدمنا عاد عبد الله إلى غرفته وجلس ينتظر حمادا وكان قد سار إلى ~~صرح الغدير في صباح ذلك اليوم وسلمان معه فعاد في الأصيل على فرسه وسلمان وراءه على فرس ~~آخر فلما وصلا الدير ترجلا ودخلا وهما يتوقعان أن يكون عبد الله في انتظارهما فرحب بحماد ~~وقال له: «إلا تعلم يا ولدي إن غدا يوم الشعانين ». # قال: «نعم يا أبتاه وإني في استعداد لوفاء النذر». # قال: «جعله الله نذرا مقبولا. وقد خاطبت الراهب الشيخ الذي كان يجلس في صومعة بحيرا هل ~~تذكره؟» # قال: «نعم أذكر إني جلست إليه مرة وقص علي خبر الراهب بحيرا أستاذه». # قال: «قد خاطبته في أن يقص شعرك ويسمع ما أتلوه عليك بعد ذلك». # وكان سلمان لا يزال واقفا بالقرب من الباب يصلح كوفيته وعقاله وكانا قد انحلا وهو ~~يتحول عن جواده فلما سمع ما قاله ms219 عبد الله تقدم نحوه ونظر إليه قائلا: «إلا تظن خادمك ~~سلمان يستحق الاطلاع على هذا السر أيضا». # قال: «بلى انك أولى الناس بذلك وستكون أنت أيضا معنا». # وقضوا بقية ذلك اليوم يعدون أنفسهم وخصوصا عبد الله فأنه مال إلى الانفراد يعد بعض ~~الثياب. # وفي صباح اليوم التالي ساروا إلى الصومعة باكرا فرأوها مضيئة بالشموع وهي كما تعلم عبارة ~~عن غرفة كل من جدرانها الأربعة حجر واحد والسقف حجر والأرض حجر وبابها حجر واحد يفتح ويغلق ~~وهذا هو شأن أبنية حوران حتى الآن نظرا لكثرة صخورها وقلة خشبها فيبنون البيوت من الحجر ~~ويجعلون درف نوافذها وأبوابها وسقوفها من الحجر أيضا. # فدخلوا الصومعة فرأوا الراهب الشيخ ومعه قسيس آخر وشماس فلما اجتمعوا جميعا أخذوا في ~~الصلاة فاحرقوا البخور وحلوا شعر حماد حتى استرسل على ظهره وكتفيه وطافوا به بالترانيم ~~والتسابيح على جاري العادة والقسس يحملون الصلبان والمباخر يترنمون حتى تمت الصلاة وقرءوا ~~فصلا من الكتاب المقدس وكان الراهب قد تعب فجلس على معقده الحجري ليرتاح فلما انقضت الصلاة ~~تقدموا نحوه وأعطوه مقراضا ودنا حماد منه وشعره يحلله فمد الراهب يده وامسك خصلة من شعره ~~وبارك وقصها إشارة إلى وفاء النذر وبقي الشعر مسترسلا على نية أن يقصه عند عودته إلى ~~المنزل. # فلما انقضى الاحتفال أشار عبد الله إلى الراهب أنه يريد الخلوة فأوعز إلى الحضور فخرجوا ~~وبقي هو وعبد الله وحماد وسلمان وأطفئت الشموع ولم يبق من الأنوار إلا مصابيح الزيت ~~المعلقة أمام الأيقونات فأشار عبد الله إلى سلمان أن أغلق الباب فهم بإغلاقه وهو لا يحسب ~~نفسه قادرا على ذلك لضخامته فإذا هو طوع يده لان لأهل حوران صناعة دقيقة في تركيب تلك ~~الأبواب حتى تغلق بسهوله. # فلما أغلق الباب وضعف النور أحسوا بانقطاعهم عن عالم الأحياء وخيل لهم أنهم في عالم آخر ~~وخفق قلب حماد تطلعا لما سيسمعه من غريب الأحاديث. فنزع عبد الله جبته وهم بصره كانت ~~معه فحلها واستخرج منها رداء مزركشا يشبه الطيلسان كان قد أدخره واحتفظ ms220 به منذ أعوام ~~فقبله ثم بسطه وجعله على كتفيه ونشر على الأرض أمام مجلس الراهب جلدا جثا عليه وجلس ~~حماد وسلمان أمامه والجميع سكوت يراعون حركات عبد الله وسكناته وينتظرون ما يبدو ~~منه. # الفصل الستون # | كشف السر # فلما استتب بهم الجلوس التفت عبد الله إلى الراهب وقال: «اعلم يا مولاي إننا الآن في بيت ~~الله وقد اجتمعنا فيه لعمل مقدس فلا يعلم بما سيدور بيننا إلا الله وحده وسأقص عليكم ~~حكاية أوتمنت عليها منذ بضع وعشرين سنة فأرجو أن تصغوا إلي حتى آتي على آخرها ومتى فرغت ~~منها ألتمس منكم كتمانها عن أهل الأرض كافة فهل تعاهدونني على ذلك». # قال الراهب: «نعم يا ولدي إن سرك لن يتجاوز جدران هذه الصومعة». # قال: «ألتمس من قدسكم أن تتلو علينا الصلاة الربانية قبل الشروع في الكلام وليقسم كل منا ~~بكتمان هذا السر عن البشر كافة». # فتلا الراهب «أبانا الذي في السموات.. إلخ» وأقسم كل منهم بالصليب والمعمودية بكتمان ما ~~سيتلى عليهم. # ولما تم القسم نظروا إلى عبد الله فإذا به يتأدب في قعوده كأنه في مجلس رهيب وقد ~~امتقع لونه فهابوا منظره. ومما زادهم هيبة ضئالة الأنوار واختلاؤهم في ذلك المكان فنظر ~~عبد الله إلى حماد ووجه الخطاب إليه قائلا: # تعلم يا ولدي إن العرب يرجعون في أنسابهم إلى أصلين كبيرين هما قحطان وإسماعيل ومن نسل ~~قحطان عمرت اليمن وما جاورها ومن نسل إسماعيل عمرت الحجاز وما جورها ويسمى نسل إسماعيل ~~الإسماعيلية أو العدنانية نسبة إلى جد من أجدادهم بعد إسماعيل اسمه عدنان ويسمى بنو قحطان ~~القحطانية. # وقد قامت من القحطانية دول ملكت الخافقين منهم التبابعة المشهورين وغيرهم من دول حمير ~~وسبأ. ومن مملكة سبا خرجت ملكة سبأ التي ذكرت التوراة إنها زارت الملك سليمان وما زالت ~~اليمن عامرة آهلة حتى حدث سيل العرم فتفرق أهلها ايدى سبا. أتعرفون ما هو سيل العرم. # قال حماد: «لا يا أبتاه لا أعرفه». # قال عبد الله: «اعلم يا ولدي أن اليمن وسائر جزيرة العرب أرض ms221 ثقل فيها الأنهر والينابيع ~~واعتماد الناس في ري مغارسهم إنما هو على مياه المطر فإنها تجتمع في مجاري الأودية وتسيل ~~كالأنهر فإذا انقضى الشتاء جف معظمها فملافاة لذلك كانوا يجعلون في عرض الأودية سدودا من ~~حجر تعترض مسير الماء فيجتمع ويرتفع حتى يسقي أعالي الأرض. # وكان من تلك السدود في اليمن سد كبير يقال له العرم بناه ملوك اليمن قديما بحجارة ضخمة ~~متمسكة بالقار وفيه خروق يصرفون منها الماء على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم وكانت له ~~حفظه يقومون بتعهده وتوزيع مياهه فتقادم عهده حتى تصدع وخيف سقوطه. وعرب اليمن إذا ذاك ~~بنو كهلان بن سبا من القحطانية. # وكانت دولتهم قد ضعفت واختل نظامها وآلت إلى السقوط فأهمل أمر السد وقلت المحافظة عليه ~~فظهر به الخطر أولا فأولا فخاف الناس تهدمه بغتة لئلا يسيل الماء عليهم فيغرقهم ويخرب ~~منازلهم فأخذوا ينزحون أحياء وبطونا وبقيت منهم بقية أصبحوا ذات اليوم وقد انفجر السد ~~وطافت المياة فأغرقت بعضهم ونجا البعض وتفرقوا في البلاد وسمي ذلك السهل سيل العرم وكان ذلك ~~منذ ستمئة سنة وأكثر». # وكان السامعون مصغين لاستماع حديث عبد الله وهم لا يرون فيه ما يوجب المسارة فعجبوا لذلك ~~ولكنهم صبروا أنفسهم ليروا ما يكون بعده فأدرك عبد الله ضمائرهم فقال لهم: «لا ترون في ~~حديثي ما كنتم تتوقعونه من الأنباء المهمة فإني إنما أقص عليكم أخبارا متناقلة على السنة ~~الناس ولكنني أردت أن ابسط لكم أصل نسب ملوك الحيرة المقيمين في العراق ثم أتطرق من ذلك إلى ~~كشف السر فامهلوني ولا تملوا». # الفصل الحادي والستون # | ملوك الحيرة # قلت لكم إن بنى كهلان تفرقوا قبيل سبل العرم وبعده وكانوا أحياء عديدة نذكر منها ثلاثة ~~هي لخم والازد وطي أما لخم فهم أجدادنا الذين أقاموا في العراق ومنهم المناذرة ملوك الحيرة ~~(قال ذلك وتنهد) وأما الازد فمنهم بنو غسان عرب هذه البلاد إما طي فأقاموا بنجد والحجاز في ~~جبلي أجا وسلمى. # فسر حمادا أن يكون بين اللخميين والغسانيين قرابة ولكنه ما ms222 زال قلقا للوصول إلى آخر ~~الحديث وكذلك سلمان أما الراهب فكان اقلهما قلقا واشتياقا كأن الشيخوخة وكثرة الاختبار ~~علماه الاستخفاف بحوادث الزمان فضلا عن إن ما قصه عبد الله عليهم إلى ذلك الحين لم يكن ~~بالشيء المجهول عنده. # أما عبد الله فأنه أتم الحديث قائلا: «علمتم إن ملوك الحيرة لخميون يتصل نسبهم بكهلان ~~بن سبا من عرب اليمن القحطانية فنزل بنو لخم العراق وأقاموا فيه مدة على حالهم من البداوة ~~وأول من حكم العراق من العرب قوم من حي يقال له دوس وهو بطن من الازد وهم أقرب نسبا إلى ~~الغسانيين منهم إلينا. ولم تمض مدة حتى تغلب أجدادنا عليهم وملكوا العراق تحت رعاية ملوك ~~الفرس على مثال ما هم عليه الآن واتخذوا مدينة الحيرة كرسيا لملكهم وسموا المناذرة جمع ~~(المنذر) وهو لقب ملوك العراق كما تعلمون. # ولا أطيل الكلام عليكم خوف الملل فأقول بالاختصار أنه توالى على كرسي الحيرة بضعة عشر ~~ملكا أشهرهم أمرؤ القيس بن عمرو ومما يؤثر في فضله إن اللخميين لما قدموا من اليمن كانوا ~~على عبادة الأوثان فلما ملكوا وخالطوا الرهبان وأهل النصرانية تنصروا وأول من تنصر من ~~ملوكهم أمرؤ القيس هذا ثم ملك النعمان بن امرئ القيس ويقال له الأعور وهذا الذي بنى ~~القصرين المشهورين (الخورنق والسدير) ومن غريب أمره أنه لما عظم ملكه وامتلأت عيناه من ~~خيرات الأرض مال إلى الزهد فترك الملك وتنسك وملك بعده المنذر ثم الأسود وهذا حارب أصحابنا ~~الغسانيين منذ مئة وخمسين عاما وأسر عدة من ملوكهم وكان ذلك سبب عداوة مستمرة فيما بيننا ~~وبينهم وتوالى بعد الأسود ملوك كثيرون منهم المنذر بن ماء السماء وكان معاصرا لكسرى أنو ~~شروان ملك الفرس المشهور وله معه وقائع وحوادث يطول شرحها فلنتركها وننتقل إلى آخر ملوك ~~الحيرة النعمان بن المنذر». # فلما ذكر اسمه ابتدره الراهب قائلا: «أظنك تعني أبا قابوس». # قال: «نعم إنه كان يلقب أبا قابوس». # قال الراهب: «هذا الذي قتله كسرى برويز وبسبب قتله صارت واقعة ذي قار وقد ms223 كنت شابا ~~وشهدت هذه الحوادث وكنت أعرف الملك النعمان هذا رحمه الله ولي معه حديث طويل». # الفصل الثاني والستون # | مقتل النعمان بن المنذر # فتنهد عبد الله وهو يعتدل في مجلسه ويصلح الرداء على كتفيه وقال: «قد وصلنا إلى المراد ~~من حديثي فارعوني السمع لأقص عليكم غرائب ما أعلمه عن هذا الملك». قال ذلك وشرق بدموعه ~~خلسة ولولا ضعف النور لظهر الدمع متلألئا في عينيه ولكنه تجلد وأعاد الحديث فقال. # إن الملك النعمان هذا لا احتاج في وصفه إلى تطويل وكلكم يعرفه إلا حمادا ويكفي في ~~وصفه أنه شهم شجاع صادق وقد أعاد النصرانية إلى الملك بعد أن فسدت وأبدلها أسلافه ~~بالوثنية. ولا تتضح لكم دخيلة حديثي إلا إذا ذكرت لكم كيفية تولي النعمان الملك. فقد كان ~~أبوه المنذر ملكا قبله وكان في بلاط كسرى على عهده رجل عدناني اسمه عدي بن زيد كان يحسن ~~العربية والفارسية وكانت له منزلة كبرى ونفوذ لدى كسرى وكان مقام كسرى في المدائن والمنذر ~~في الحيرة كما تعلمون وكان للمنذر 12 ولدا احدهم النعمان الذي نحن في صدده وكان قد ربي في ~~حجر عدي بن زيد ورضع في أهله وكان من أبناء المنذر أيضا فتى اسمه الأسود رباه قوم من ~~أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا ينتسبون إلى لخم. # فلما مات المنذر خاطب كسرى عديا في من يلى الحيرة بعده وقال له: «إني أرى أن اخرج الملك ~~من أيدى هؤلاء واجعله في يدي واحد من خاصتي فهل بين أولاد المنذر من يصلح للملك» قال عدي: ~~«أنهم بضعة عشر رجلا كلهم أشداء فإذا أمر مولاي جئته بهم». قال: «إلي بهم». فبعث يستقدمهم ~~وفي نفسه أن يسهل سبيل الملك إلى النعمان سرا لأنه ربي عنده فخلا به قبل اجتماعهم واسر ~~إليه أشياء يقولها في حضرة كسرى ففعل وتولى الملك فشق ذلك على ابن مرينا لأنه كان يرجو أن ~~يكون الملك للأسود التماسا للنفوذ على يده. فاخذ يحرض الأسود على الانتقام من عدي بدعوى ~~أنه عدناني (أي من ms224 نسل عدنان وبين القحطانية والعدنانية مناظرة) فوافقه وسلم التصرف في ذلك ~~إليه فجعل ابن مرينا يتقرب من النعمان بالهدايا والتحف ويشي بعدي فيذكره بالخبر ويتواطأ ~~وبعض الحضور على الطعن فيه فيروون عن لسانه أنه يقول بان النعمان تحت أمره وأنه هو الذي ~~ولاه الملك وما زالوا كذلك حتى أضغنوه عليه. فبعث النعمان إلى عدي يدعوه إلى زيارته فجاء ~~وفي حال وصوله أمر بسجنه في مكان خارج الحيرة لا يدخل عليه فيه أحد فعلم عدي أنها وشاية ~~فجعل يكتب إلى النعمان يستعطفه نظما ونثرا فلم يجد ذلك نفعا فكتب إلى أخ له اسمه أبي ~~يحرضه على إنقاذه فقام أبي إلى كسرى وأنبأه بخبره فكتب إلى النعمان في إطلاقه فجاء أعداء ~~عدي وأكثرهم من بني بقيلة وأصلهم من عرب غسان أهل هذه الديار وحرضوا النعمان رحمه الله ~~على الفتك بعدي قبل وصول كتاب كسرى إليه وحسنوا له ذلك بحيلة يطول شرحها وكان الرسول قد ~~مر قبل وصوله إلى الحيرة بسجن عدي وأخبره بكتاب كسرى ثم خرج من عنده إلى النعمان وفي ~~أثناء ذلك أرسل النعمان إلى عدي أناسا قتلوه فلما فض كتاب كسرى كتب إليه أن عديا مات. ~~ولكن النعمان ما لبث أن عرف أنه أساء عديا فندم وما صدق إن لقي ولدا من أولاده اسمه ~~زيد بن عدي حتى هم بإكرامه ورفع شأنه تكفيرا عما فرط منه بشأن والده وأوصى به كسرى ~~فجعله في منزلة والده عدي. # فلم يغفل أهل الوشاية عن اطلاع زيد على كيفية قتل أبيه فحقدها على النعمان وسعى ضده لدى ~~كسرى بحيلة غريبة. وذلك إن الأكاسرة كانوا يبعثون إلى أيالاتهم يطلبون نساء لهم على أوصاف ~~مخصوصة ولكنهم لم يكونوا يلتمسون ذلك من أحياء العرب لعلمهم ببخلهم بكرائمهم. فقال زيد ~~لكسرى مرة: «إن في الحيرة نساء جمعن كل أوصاف الجمال فإذا بعثت إلى النعمان أرسل إليك ~~منهن» وكان زيد يعلم أن النعمان لن يرضى بذلك فيقع التنافر بينه وبين كسرى فأنفذ كسرى ~~رسولا ومعه زيد إلى النعمان فاخبره ms225 بطلب كسرى فعظم ذلك عليه فالتفت إلى زيد وقال له: ~~«أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ كسرى به حاجته إن الذي طلب كسرى ليس عندي». قال ~~الرسول لزيد بالفارسية: «ما معنى المها والعين؟» قال: «البقر». # فلما رجعا إلى كسرى أخبراه بما قال النعمان وأقنعاه أنه إنما أراد الحط من منزلة كسرى ~~بقوله (أليس في بقر الفرس ما يكفيه). فغضب كسرى غضبا شديدا ولكنه كتم ذلك والنعمان قد ~~شعر بغضبه فاخذ يستعد ويتوقع حتى أتاه كتاب كسرى يستقدمه إليه فعلم أنه إنما يدعوه ~~لمقتله فحمل سلاحه وأهله والتمس الفرار. وكنت أنا ممن لازم النعمان زمانا وكان يستأنس بي ~~ويرتاح إلى رفقتي فقال لي: «كيف أنت يا عبد الله قلت إني يا مولاي لاحقك بك أينما توجهت» ~~فقال: «إن في ذلك خطرا عليك» قلت: «ما أنا احرص على نفسي مني على نفس مولاي النعمان» فقال: ~~«بورك فيك». فصحبته من ذلك اليوم وسرنا حتى أتينا قبيلة طي في أعالي نجد وكان النعمان قد ~~تزوج منهم فطلب أن يحموه بين الجبلين (أجا وسلمى) فقالوا: «لا يمكننا ذلك ولولا صهرك ~~لقتلناك فأنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى». # فتركناهم وسرنا إلى قبائل أخرى فلم يقبلنا أحد منهم خوفا من كسرى حتى لقينا رجلا من ~~قبيلة بكر بن وائل اسمه هاني بن مسعود وكان سيدا منيعا وكان للنعمان فضل عليه فقال له: ~~«إني مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه ما بقى من عشيرتي الأدنين رجل ولكنني لا أرى ذلك ~~نافعا لك لأنه مهلكي ومهلكك فإذا أذنت لي فاني مشير عليك بالذهاب إلى كسرى مستعطفا واحمل ~~إليه الهدايا فإذا صفح عنك عدت ملكا وإلا فالموت خير لك من أن يتلاعب بك صعاليك العرب» ~~فاستحسن مولاي النعمان الرأي ولكنه قال: «ما أفعل بحرمي؟» قال هاني: «هن في ذمتي لا يخلص ~~إليهن حتى يخلص إلى بناتي». فقبل النعمان بذلك وأنا خائف من عاقبة الأمر وقد حدثتني نفسي ~~في صده عن الذهاب فلم أجسر لأني شاهدت وجهه ms226 وكان أبرش أحمر كما تعلمون قد امتقع حتى صار ~~كمن أصابه اليرقان ونهض وقد همه الأمر كثيرا وجعل يخطر ذهابا وإيابا وقصر قامته ظاهر ~~وهو يفتل شاربيه الأشقرين كأنه خائف من الذهاب وكان ضميره دليله. # ثم فكر قليلا وقال لهاني: «أرى يا أخا بكر أن أرسل إلى كسرى هدايا فان قبلها سرت إليه» ~~فقال هاني: «نعم الرأي رأيت» فأرسلها إليه فقبلها كسرى خداعا منه قبحه الله. فهم مولاي ~~النعمان بالمسير فقلت: «إني سائر معك ووالله لا أبرحك لحظة» فقال: «أرى أن تبقى عند نسائي ~~خير من أن تذهب معي قلت إني فاعل ما تريده ولكنني أرى النساء آمنات في حمى هاني بن مسعود ~~فأذن بذهابي معك» فأذن وكأن نفسي حدثتني بخطر قريب فسرنا حتى أتينا المدائن فلقينا زيد بن ~~عدي فتشاءمت برؤيته وتحققت سوء قصده وكنت مصيبا في ذلك لأنه لم يكد يلقانا حتى قال ~~للنعمان: «انج نعيم إن استطعت النجاة» فقال النعمان: «فعلتها يا زيد فوالله إن عشت لأقتلنك ~~قتلة لم يقتلها عربي قط ولألحقنك بأبيك». فضحك زيد لعنه الله وتوعده فعلمنا أنها حيلة ~~أعدها له وتحقق النعمان أن الساعة قد دنت وإن القضاء واقع لا مفر منه. فلما وصل إلى ~~كسرى أمر فقيدوه وبعثوا به إلى سجن في خانقين وكنت أتردد إليه في السجن خلسة وأنا أرجو ~~الإفراج عنه أما هو فلم يكن يرجو نجاة. # الفصل الثالث والستون # | السر # وسرت إليه ذات يوم صباحا فرأيته قد تغير حاله وامتقع لونه كأنه خائف من أمر قريب ~~ولا أنسى منظره الرهيب في ذلك اليوم فوقفت أنتظر أمره فقال لي: «يا عبد الله». # قلت: «لبيك يا مولاي». # قال: «أرى أن أسر إليك أمرا فهل تعاهدني على حفظه؟» # قلت: «كيف لا؟» # فمد يده وأعطاني هذا الرداء المزركش (قال عبد الله ذلك ونزع الرداء عن كتفيه ووضعه ~~أمامه) فأخذته منه ثم استخرج من يده خاتما عليه اسمه ولقبه وهو هذا (ومد عبد الله ~~يده واستخرج الخاتم من جيبه ووضعه على الرداء)» وكان الحضور ms227 شاخصين يحبسون أنفاسهم إصغاء ~~لما سيقوله عبد الله وتوقعا للخطر القريب. وكان عبد الله قد تغيرت سحنته واختنق صوته ~~وتخلله ارتعاش زاد الحضور تهيبا. # ثم قال: «فلما تناولت الخاتم قال لي النعمان: «اعلم يا عبد الله إني في هذا السجن حتى ~~ينقضي أجلي فيخرج ملك الحيرة من أيدي اللخميين لأن عديا هذا سيبذل جهده في إذلالهم خوفا ~~ممن ينتقم لي ولا أعرف من أولادي من يصلح لرفع هذا العار عنا ولكن بين أهلي عند هاني بن ~~مسعود زوجتى سمية وهي حامل وستلد قريبا فاذهب إليها بهذا الخاتم وهذا الرداء وقل لها إن ~~هي وضعت غلاما أن تعهد إليك بتربيته فتربيه تربية رجال القتال حتى يشب شهما حرا واحذر ~~أن تقص شعره أو تخبره عن نسبه قبل الحادية والعشرين من عمره فإذا بلغها قص شعره في دير ~~بحيراء واخبره عن نسبه والبسه هذا الرداء وهذا الخاتم ...». # ولم يكد يتم عبد الله كلامه حتى استولت البغتة على الحضور وخصوصا حماد إذ خيل له أنه ~~في حلم وساعده على ذلك الوهم ضعف النور وهدوء المكان وكانوا لا يرددون أنفاسهم إلا وهم ~~يحذرون أن تعترض حديث عبد الله فلما وصل إلى هذا الحد تحققوا أن حمادا هو ابن الملك ~~النعمان فجعلوا ينظرون إليه نظرة الاحترام. أما عبد الله فحالما بلغ إلى قوله «وألبسه هذا ~~الرداء والخاتم» وقف على قدميه وجعل الرداء على كتفي حماد والخاتم في إصبعه وامسكه بيده ~~وأنهضه وأجلسه على المقعد الحجرى وهم بتقبيل يده فخجل حماد وجذب يده منه فقال له عبد ~~الله لا تخجل يا مولاي انك الآن سيدي ابن الملك النعمان وقد انقضى زمن والدية عبد الله. ~~فجلس حماد على المقعد وجلس عبد الله بين يديه وهم سلمان بيد حماد فقبلها وتأدب في مجلسه ~~وهو يقول: «والله كنت أرى هيبة الملوك على وجهه من يوم عرفته». # أما الراهب فأنه على عجزه وقف ورفع يده فوق رأس حماد وباركه ودعا له بطول البقاء وقبل ~~رأسه. كل ذلك وحماد يحسب نفسه ms228 في حلم ولكنه فرح كثيرا بما علمه من نسبه وود لو أن ~~هندا حاضرة فتسمع ذلك فتفرح معه وخيل له أن سعده قد تم لأنه ملك وسيقترن بملكة ويرث ~~ملك غسان. وفيما هو يفكر في ذلك نهض عبد الله فقال: «لم يتم حديثي بعد فهل تسمعونه إلى ~~آخره؟» # قالوا: «نعم». # فمد يده إلى جيبه واستخرج اسطوانة من الفضة تخن الإصبع وخاطب حمادا قائلا وقد أعطاني ~~مولاي النعمان هذه الاسطوانة واستحلفني أن أسلمها إليك مختومة بعد إتمام الخبر فتفتحها في ~~هذا الدير وتقرأ ما فيها وتعمل به. # فمد حماد يده فتناول الاسطوانة وهم بفتحها فامسكه عبد الله وقال: «لا تفعل قبل إتمام ~~الحديث». # قال: «تفضل». # فقال عبد الله: «فلما أتم النعمان وصيته بكى وبكيت ولكنني كنت أحبس الدمع تشجيعا له. ~~فقال: «اعلم يا عبد الله أن القضاء واقع قريبا فاحتفظ بهذا السر حتى يأت وقته أما إذا ~~أنا خرجت من هذا السجن وعشت وللمسالة وجه آخر». وللأسف يا سيدي أنه لم يخرج من ذلك السجن ~~فوافاه القدر فتوفي بداء الطاعون» قال ذلك وتنهد والدموع ملئ عينيه فتنهد الجميع ثم ~~قال. # أما أنا فسرت إلى هاني ولقيت والدتك سمية وكانت حاملا فأسررت إليها ما كان فأطاعت ~~فانتظرت ريثما وضعت ولكنها واأسفاه عليها لم تعش بعد الولادة إلا قليلا فحملتك إلى ~~أهلي وأرضعتك منهم حتى شببت على ما ترى. # الفصل الرابع والستون # | وقعة ذي فار # ولعلك تسألني عما تم من أمر وديعة والدك فأخبرك يا مولاي أن كسرى علم بعد وفاة سيدي ~~النعمان أن أهله وماله وسلاحه عند هاني وفيه أربعة آلاف شكة والشكة سلاح الفارس كله ~~فكتب كسرى إلى هاني بأن يبعث الوديعة إليه فأبى ذلك محافظة على العهد ورعاية للذمام وكان ~~لكسرى عامل على عين التمر وما والاها إلى الحيرة اسمه إياس بن قبيصة الطائي فدعا به إليه ~~فجاءه برجاله فاستشاره في الغارة على بكر بن وائل فأشار عليه أن يفعل فعقد كسرى لإياس ~~بن قبيصة على كتيبتي والدك وهما الشهباء ms229 والدوسر وأرسل معه جندا آخر بقيادة رجال من ~~الفرس فكانت حملة تزعزع الجبال وفيها من الخيل والجمال والمؤنة والعدة ما لا يحصى فلما سمع ~~هاني بن مسعود بها سار برجاله لملاقاتها فالتقوا في محل يقال ذو قار وكانت فيه وقعة عرفت ~~بوقعة ذي قار بين الفرس والعرب اشتهر أمرها في الأقطار وكانت الغلبة فيها لهاني ورجاله ~~فأنهم هزموا الفرس شر هزيمة وهي أعظم وقعة انتصف فيها العرب من العجم قبل الإسلام وفر ~~إياس إلى كسرى فسأله عن الخبر فقال: «غلبت بكر بن وائل وجئنا إليك بنسائهم» ففرح كسرى به ~~وأمر له بكسوة ولكن إياسا خاف افتضاح أمره قريبا فاستأذن بالذهاب إلى أهله فأذن له ~~فانصرف إلى عين التمر ثم جاء رجل من أهل الحيرة إلى كسرى وحدثه بهزيمة القوم فغضب منه ~~كسرى فأمر فنزعت كتفاه ولم يصدق إلا اياسا فولى اياسا الحيرة كما تعلمون وقد ولى بعده ~~رجل فارسي آخر ثم وليها احد إخوتك المنذر الغرور وهي الآن في ولاية إياس بن قبيصة ولا تزال ~~الوديعة عند هاني بعضها أو كلها. # وكان حماد قد مل الانتظار تشوقا إلى ما في تلك الاسطوانة فلما فرغ عبد الله من حديثه ~~نهض وقد أعياه التعب لشدة تأثره وذكرى مصائبه وقال لحماد: «إلي يا مولاي بالاسطوانة» ~~فدفعها إليه فالتمس من الراهب أن يباركها قبل الفتح فباركها فوقفوا جميعا وتناول عبد الله ~~الاسطوانة وعالجها بمدية حتى انفتحت فدنا من مصباح منير بجانب أيقونة ونظر إلى ما في ~~الاسطوانة وكلهم يتطاولون من جنبيه وورائه ينظرون معه فإذا فيها لفافة من جلد فاستخرجها ~~ونشرها بين يديه فرأى عليها كتابة بالأحرف الاسطرنجيلية وهي كتابة أهل العراق إلى ذلك ~~الحين فشخصت أبصارهم إلى ما فيها فأخذ عبد الله يتلوها عليهم وهم يسمعون وهاك نصها: # من النعمان نزيل دار البقاء إلى ابنه المنذر المقيم بين الأحياء. أما بعد فهذا ~~كتاب كتبته وأنا في عالم الوجود وأنت في دار الخفاء وستقرأه بعد رجوعي إلى عالم ~~الغيب وبروزك في عالم الأحياء. فإذا ms230 قرأته وقد وفيت نذرك وعرفت حقيقة نسبك فاعلم ~~أن عظامي تناديك من ظلمة القبر وتستحلفك بشرف أجدادك المناذرة من آل لخم أن لا تقرب ~~امرأة ولا تشرب خمرا حتى تنتقم لأبيك من أكاسرة الفرس فإذا فعلت ذلك فانك مبارك ~~أنت ونسلك. وإن لم تفعل فان رفاتي ترتعش حنقا ونفسي تتألم وهي تنظر إليك من منافذ ~~الآخرة تراقب حركاتك وسيجمعني وإياك موقف نتحاسب فيه والسلام. # فلم يكاد حماد يأتي على خاتمة الكتاب حتى ارتعدت فرائصه وأي ارتعاد وقد رأى مساعيه كلها ~~ذاهبة أدراج الرياح على أن الحمية من الجهة الثانية. ثارت فيه والنخوة هاجت في رأسه وشعره ~~بدافع يدفعه إلى الأخذ بثأر والده من أكاسرة الفرس وقد استعظم المشروع وهالة الأقدام عليه ~~فوقف مبهوتا لا ينبس ببنت شفة. # فنظر عبد الله إليه ينتظر ما يبدو منه فلما رآه صامتا قال له: «هذا هو السر يا سيدى قد ~~أطلعك عليه فألقيت عن عاتقي حملا حملته نيفا وعشرين عاما وأنا أخاف أن أقضي نحبي قبل ~~إفشائه فانظر في ماذا تفعل». # فقال حماد: «لقد ألقيت عنك حملا اثقلتني به وأرجو أن أتوفق للقيام بما عهد إلي والله ~~منجدي ونصيري». قال ذلك وتحفز للخروج من الصومعة فأوقفه عبد الله والتمس من الراهب أن ~~يختتم حديثهم بالصلاة فصلى وتضرع إلى الله أن يساعدهم على كتمان الأمر ثم خرجوا وكأن على ~~رؤوسهم الطير لهول ما سمعوه ورأوه. وأكثرهم بغتة وإنذهالا حماد لأنه أصبح لا يدري ماذا ~~يعمل أيسير إلى هند يطلعها على سره وليس في ذلك السر إلا ما يوجب كدرها لأنه حائل بينها ~~وبين الاقتران إلى أجل غير معين وإن يكن في اطلاعها على حقيقة نسب حماد أمر يسرها. أم ~~يخاطب جبلة بالأمر لعله يشير عليه أو ينجده. أم يأم العراق فينزل المدائن ساعيا في ~~الانتقام من كسرى فلما فكر في مسيره إلى هناك تهيب لعلمه بما يحول بينه وبين ذلك المرمى ~~من العقبات فإن الأكاسرة ذوو بطش ومنعة. فسار إلى الدير وقضى ليله ساهرا لعظم ms231 تأثره وهو ~~يفكر في طريقة تهون عليه المشاكل. # الفصل الخامس والستون # | دولة الفرس # ما برحت الفرس من قديم الزمان تحت سلطة مملكة أشور حتى تولى هذه المملكة الملك سردنفول في ~~القرن الثامن قبل الميلاد وساء حكومتها وانشغل عن سياسة مملكته بمجالسة النساء واللهو على ~~أنواعه فأبغضته الرعية وودت لتخلص منه فاتفق كبيران من قواده على إخراج الملك من يده ~~وهما أرباسيس قائد عسكر مادي وبيليزيس قائد جند بابل فاتحدا على العصيان وحاربا ملكهم ~~فحصراه في نينوى فلما أيقن بالهلاك أحرق قصره بما فيه من المال والناس وهو في جملتهم سنة ~~760ق.م وهكذا انقضت مملكة أشور الأولى وقامت مملكة مادي وفارس وملكها ارباسيس وتوالى الملوك ~~من بعده وفيهم العادلون والمدمرون أو الجهلاء والظالمون ومن أشهرهم كورش العظيم صاحب ~~الغزوات المشهورة فافتتح بابل وما بين النهرين وأرمينيا وسوريا واسيا الصغرى وجانبا من ~~بلاد العرب وتولى بعده ابنه كمبيز ففتح مصر على زمن الملك اماسيس من فراعنة مصر ثم تولى ~~داريوس ومن جاء بعده ولم يحسنوا السياسة فتقهقرت المملكة واختلت أحوالها. فلما ظهر اسكندر ~~الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد طمع ببلاد فارس ففتحها وقهرها واستولى عليها ولكن عمر ~~اسكندر لم يطل فمات واقتسم قواده مملكته فكانت بلاد فارس من نصيب سلوقس ولم يطل حكمه فغزا ~~الفرثيون بقيادة ارساسيس الأول وما زالت في حوزتهم خمسماية سنة. # فانف الفرس من رضوخهم للنير الاجنبى فثاروا سنة 226م بقيادة رجل منهم اسمه أردشير فطرد ~~الفرثيين وأسس دولة اشتهرت في التاريخ الفارسي هي الدولة الغسانية ومنهم كسرى أنوشروان ~~الملقب بالملك العادل وهو أعظمهم وصار لفظ كسرى لقبا لكل من ملك بعده منهم فعرفت دولتهم ~~بالملوك الأكاسرة. # وكان مقام الأكاسرة في المدائن وهي مدينة عظيمة على ضفاف الفرات فيها قصر عظيم طار ذكره ~~في الآفاق يسمى الإيوان ويعرف بإيوان كسرى. # وحكم (انوشروان) 48 سنة وخلفه ابنه هرمز وكانت أمه ابنة ملك التتر وأستاذه الحكيم بزر ~~جمهر وكان وزيره فسارت الأحكام في أيام هذا الحكيم على مثال ما كانت ms232 في زمن أنوشروان فلما ~~توفي بزر جمهر انغمس هرمز في الشهوات وأهمل شؤون المملكة فعصاه الولاة وغزاة ملك التتر ~~فنصره قائد من قواده اسمه بهرام كان آية في الدهاء والذكاء وطرد التتر من البلاد ثم تحول ~~إلى محاربة الرومانيين فوشى به بعض المقربين من البلاط الملوكي فاظهر له هرمز بعض ~~الاحتقار فاستشاط بهرام غيظا وجاهر بعصيان الملك وخلعه وولى بعده ابنه كسرى برويز وكان ~~صبيا صغيرا تساعد على قتل أبيه ببعض أقربائه فلما خلص الحكم له طمع بهرام بالملك ~~ففر برويز من وجهه واستجار بملك الرومانيين في ذلك العهد واسمه الإمبراطور موريس فانجده ~~ورد الملك إليه ففر بهرام إلى بلاد التتر فأحسنوا وفادته ولكن الخيانة لحقته إلى هناك ~~فمات مسموما. # واستبد كسرى برويز بالحكم وقد عقد النية على صداقة الإمبراطور موريس لأنه هو الذي رد ~~الملك إليه فبالغ في إكرام الرومانيين في بلاده فلما مات صديقه المذكور عاد إلى مناوأة ~~الروم فأثار عليهم حربا عوانا فغزا بلاد الشام ودخل بيت المقدس فعثر هناك على الصليب الذي ~~يقال أن السيد المسيح صلب عليه وكان في حفرة بصندوق من الذهب فحمله إلى المدائن وكان ~~برويز مع ذلك ملكا خاملا مترفا منغمسا بالملاهي إلى ما يفوق طور التصديق حتى قيل أنه ~~تزوج 12 ألف امرأة واقتنى خمسين ألف جواد وهو الذي جاءه كتاب صاحب الشريعة الإسلامية ~~الغراء يدعوه فيه إلى الإسلام كالكتاب الذي جاء الإمبراطور هرقل في بيت المقدس فاحتقر ~~برويز ذلك الكتاب وأساء حامله. # ثم ما لبث برويز أن علم بعزم الإمبراطور هرقل على اكتساح بلاده ولم يقو على دفعه فما زال ~~هرقل هاجما وأهل القرى يفرون من أمامه حتى وصل المدائن وبرويز لاه بقصره ونسائه فلما ~~أحس بقرب الخطر فر فنقم عليه ابنه شيرويه فقتله وحكم مكانه سنة 629م ولكنه لم يحكم ~~طويلا فخلفه سواه وسواه وفي سنة 630م تولى تخت مملكة الفرس فتاة من آل ساسان اسمها بودان ~~دخت ابنة كسرى برويز وفي أيامها هجم هرقل على المدائن واسترجع الصليب ms233 منها وحمله إلى ~~القسطنطينية وحكمت بعدها أختها آزرميدخت سنة 633م (10ه) واشتهرت بالجمال والتعقل وماتت ~~مسمومة ولها قصة يطول شرحها وملك بعدها ملكان لم يطل حكمها وأخيرا أفضى الملك إلى يزدجرد ~~بن شهريار بن كسرى وفي أيامه فتح العرب بلاد فارس. # الفصل السادس والستون # | المدائن # هي عاصمة أكاسرة الفرس ويسميها اليونان كتيسيفون ويسميها الطبري طيسبون والغالب أن ~~كتيسيفون قسم من المدائن وكانت على مسافة عشرين ميلا من بغداد جنوبا على الضفة الشرقية ~~لدجلة يقابلها في الغرب بلدة اسمها كوش يعتبرها بعضهم من ضواحي كتيسيفون بينهما جسر عظيم ~~مبني من السفن وكان بجوار ذلك المكان أيضا آثار مدينة يونانية اسمها سلوقية نسبة إلى ~~سلوقون خليفة الإسكندر هناك وقد سميت هذه الأماكن بجملتها المدائن (جمع مدينة). وأصل بناء ~~المدائن أنه كان في مكانها حصن كبير يسمى حصن كتيسيفون كان البرطيون (الفرثيون) أبان ~~سلطانهم على العراق يقيمون فيه أثناء الشتاء لصفاء الجو هناك وكان بجوار الحصن مدينة ~~سلوقية الشهيرة ثم أخذوا يبنون حول الحصن المنازل والحدائق فلم يأت تاريخ الميلاد المسيحي ~~حتى بنيت هناك مدينة سميت باسم الحصن كما جرت العادة في مثل هذه الحال وظلت المدائن مقام ~~الأكاسرة في زمن الشتاء. وكانت محاطة بسور منيع عليه الأبراج والقلاع يزيد مناعته مياه ~~دجلة من جهة والآجام والمستنقعات من الجهات الأخرى فأصبحت المدائن جزيرة في وسط المياه ~~يستحيل وصول الأعداء إليها قبل أن تمزقهم نبال الفرس من الأسوار وقد كان بين دجلة والفرات ~~جنوبي المدائن قناة موصلة بينهما اسمها نهر ملكا ومعناها بالكلدانية نهر الملك تسهل نقل ~~السفن بين النهرين. # وكان على ساحل المدائن عند دجلة سلم ممتد بطول الضفة يصعد عليه الناس من النهر إلى ~~المدينة بدرجات متينة مبنية من الحجر ويسمى هذا السلم باصطلاح أهل تلك البلاد ~~«مسناة». # وترسو عند المسناة سفن الفرس مئات وألوفا حتى تخال سواريها غابة من الأعمدة تناطح السحاب ~~والناس فيها جماعات يتزاحمون بين صاعد ونازل وشكل السفن يشبه شكلها في العراق الآن فأنها ~~مبتورة المؤخر كأنها قطعت ms234 بسكين قطعا عاموديا فصارت عريضة ملساء وأما مقدمها فأنه يصعد ~~مستدقا رويدا رويدا حتى إذا انتهى إلى أعلاه انحنى على نفسه نحو السفينة على شكل المنجل ~~فتخال تلك السفن إذا تحاذت متلاصقة عند المسناة وقد أديرت مقاديمها نحو المدينة أنها سيوف ~~عقفاء يحملها جند من الحرس يحمون المدائن. # ولو اطللت على المدائن من مرتفع في ذلك العهد لخيل لك أنها غوطة فيها البساتين والمغارس ~~بينها القصور والمنازل مبنية من الآجر وقد قام في وسطها الإيوان كأنه ملك عظيم الشأن تحف ~~به الخدم والأعوان. # الفصل السابع والستون # | إيوان كسرى # هو قصر باذخ يسمونه أيضا الطاق جرى اسمه على السنة العرب وأقلامهم مجرى الأمثال ~~بالعظمة والفخامة حتى عدوه من المبانى العجيبة بناه سابور ذو الأكتاف وهو سابور بن هرمز في ~~القرن الرابع للميلاد لكنه يعرف باسم إيوان كسرى انوشروان. قضى سابور في بنائه نيفا ~~وعشرين سنة أقامه في وسط المدائن على مقربة من دجلة بحيث لا يحول بين الإيوان والنهر إلا ~~الحدائق والبساتين تنتهى عند الضفة بالمسناة المتقدم ذكرها ويحيط بالإيوان جملة حديقة ~~واسعة فيها الأغراس والإزهار والرياحين والشجر من الازدرخت والليمون وغيرهما. ويحيط ~~بالحديقة سور مبنى من الآجر له أبواب عليها الحرس بقلانسهم وأتراسهم ورماحهم وفوق الأبواب ~~رسوم فارسية منقوشة طبعا على الطين وهو نيء كما كان يفعل الآشوريون في آثارهم. وعلى جانبي ~~الباب الأكبر المطل على المدينة تمثالان كبيران يمثلان الثور الاشوري المجنح برأس إنسان ~~طويل اللحية متوج الرأس وفي زاوية من زوايا الحديقة بناء الأفيال وفيه بعض الفيلة المرباة ~~لركوب الأكاسرة وبين أبواب الحديقة والإيوان طرقات مرصفة بالحصى ألوانا على شكل الفسيفساء ~~يتألف من ترتيبها بعضها بإزاء بعض رسوم تمثل أسودا وآدميين وفرسانا ومركبات عليها الملوك ~~والقواد يحدون في صيد الأسود تشبه رسوم ملوك أشور أسلاف الفرس ما بين النهرين وأكبر تلك ~~الطرقات وأوسعها طريق ممتد من الباب الكبير إلى باب الإيوان يصطف إلى جانبيه الحرس عند ~~دخول كسرى إلى الإيوان. # وأما بناء الإيوان فعبارة عن قاعة كبيرة طولها ms235 مئة ذراع وعرضها خمسون مبنية بالآجر والجص ~~سقفها عقد واحد قائمة على عمد من الرخام المنقوش ويصعد إلى أرض الإيوان بدرجات عند بابه. ~~وفي صدره عرش مرصع بالذهب والحجارة الكريمة يجلس عليه كسرى تعلوه قبة مرصعة وفي داخلها ~~مروحة من ريش النعام والى جانبي العرش مجالس أعوانه ومرازبته. وجدران الإيوان وسقفه ~~مزينة برسوم بديعة في جملتها صورة كسرى انوشروان وغيره من الأكاسرة العظام وأبيات من شعر ~~مكتوب بالحرف الكلداني الذي كان يكتب به الفرس قبل الإسلام وفي سقف الطاق رسوم الأفلاك ~~والأبراج والنجوم من ذهب منزلة في قبة زرقاء. # وكان للإيوان شرفات مزخرفة بالنقوش تشرف على الجهات الأربع قائمة على أعمدة يتألف من ~~صفوفها رواق يحيط بالطاق من جهاته الأربع طول الشرفة الواحدة خمسة عشر ذراعا وقد أدخل في ~~بناء الإيوان من الذهب ما ربما زادت قيمته على مليون دينار. # وباب الطاق كبير نقش على عتبته العليا رسم الشمس مذهبة والى كل من جانبي الباب تمثال أسد ~~كأنه يمشي وعيناه تتلألآن والأسدان مصنوعان من الرخام محليان بالذهب وفي موضع العينين ~~منهما زمردات زرقاء بديعة الشكل. وأما عتبته السفلى فمصنوعة من الرخام المرمر. ولا يخلو ~~باب الأيوان من عشرات من الحرس ولا يخلو ملمس الأكاسرة من مئات من العلماء بين كاهن وساحر ~~ومنجم ويسميهم الطبري الحزاة. فضلا عن الحجاب والحراس والبوابين. # هذه كانت حال الإيوان عند ظهور الإسلام في القرن السابع للميلاد. # الفصل الثامن والستون # | انس أم جان # فلندع كسرى وإيوانه ولنعد إلى حماد وهواجسه فقد تركناه في دير بحيراء غارقا في لجج ~~الأفكار تتقاذفه العوامل بين المسير إلى العراق أو البقاء في البلقاء وكلا الأمرين شاق ~~وكلما تصور مسيره إلى مدائن كسرى هاله موقفه موقف الخصم أمام ملك الفرس وعظم عليه ~~الانتقام منه وهو فرد وذاك سلطان ينصره الجند والأعوان ولم يكن ذلك ليهوله أو يكبر عليه ~~لولا أمر هند وتأجيل الاقتران ولقد كان ميالا كل الميل لاطلاع هند على ما كشف له من نسبه ~~مع ما جد من أمر ms236 التأجيل ليرى ما يبدو منها ومن والدها ولكنه تربص ريثما يتخذ إلى ذلك ~~سبيلا لائقا. فلما تلبدت عليه المشاغل وضاق صدره خرج من غرفته ولم يعلم عبد الله ولا ~~سلمان بخروجه وسار يلتمس منفردا يخلو فيه بنفسه لعله يتوفق إلى رأي يخفف قلقه. وكانت ~~الشمس قد مالت إلى الأصيل فلاحت له أكمة على بضعة أميال منه فركب وسار نحوها وفيما هو في ~~الطريق غاب وجدانه بما اجتذب انتباهه من الشواغل فسار الجواد حثيثا وحماد لا يعلم فلم ~~ينتبه إلا وهو في سفح جبل فالتفت إلى الوراء فإذا ببصرى والدير قد غابا عن بصره ونظر إلى ~~الشمس فرآها مائلة نحو المغيب فوقف يفكر في ماذا يفعل أيعود إلى بصرى حالا أم يجلس هناك ~~هنيهة فنظر إلى ما حوله فإذا هو في واد بين جبلين أجردين كسائر جبال حوران فترجل وقاد ~~جواده صعدا يلتمس قمة أحد الجبلين لعله يشرف منها على بصرى فيعرف جهتها منه ومتى عاد ~~إليها أمن الضياع وفيما هو صاعد حانت منه التفاته إلى الجبل المقابل فرأى كهفا نحتته يد ~~الطبيعة في سفح ذلك الجبل ولاح له شبح يتلصص بين الصخور هيئته بين الآدمية والوحشية لطول ~~شعره وعريه فوقف حماد ينظر إلى ما يبدو منه فما لبث أن رآه يهرول نحو الكهف حتى دخله ~~وتوارى. # فمال حماد إلى استطلاع حقيقة ذلك الشبح وتحول نحو الكهف يقود الفرس وهو لا يسمع في ذلك ~~المكان صوتا غير صوت وقع أقدامه وقرقعة حوافر جواده تدوي في أنحاء ذلك الوادي ويتخلل ~~الدوي طقطقة حجارة تتدحرج من مواقع حوافر الفرس ممتزجة بصوت صهيله. فنزل الوادي ثم هم ~~بالصعود حتى إذا صار على مقربة من الكهف رأى صخرا يتدحرج نازلا نحوه فتحول من طريقه ~~وعلم أنه إنما دحرج من الكهف عليه فلم يبال ولكنه ازداد ميلا إلى معرفة ذلك الشبح فما ~~زال صاعدا حتى دنا من الكهف فإذا بصخر آخر يتدحرج فنادى بأعلى صوته: «لا ترمنا الحجارة ~~فلسنا براجعين من هذا المكان قبل الوصول إليه». ms237 فردد الوادي صدى كلامه أضعافا فتهيب من ~~موقفه وزاده تهيبا قرب غروب الشمس واختلاط الأظلال حتى كادت تتحول إلى ظلام فشعر إذ ذاك ~~أنه أساء عملا بمجيئه إلى ذلك المكان الموعر ما آنسه من الوحشة والمقاومة ولكنه تجلد ~~وتعهد سلاحه فإذا هو مقلد الحسام والخنجر ثم ما لبث أن وصل إلى باب الكهف فظهرت له مغارة ~~لا يرى آخرها لعمقها ولا يستطيع الدخول إليها والفرس معه فوقف وحدق ببصره إلى الداخل لعله ~~يرى أحدا فلم يقع نظره على شيء حي فصاح قائلا: «من يقيم في هذا الكهف فليخرج إلينا لأننا ~~غير متحولين عنه قبل أن نراه ولا خوف عليه». قال ذلك وهو يكاد يرتعش رهبة لسكون الطبيعة ~~سكونا لا يتخلله تغريد طائر ولا نقنقة ضفدع ولا خرير ماء ولا هبوب هواء ولا صوت آخر حي أو ~~جامد غير صهيل الفرس ووقع حوافره. فهم حماد بشد الجواد إلى صخر والدخول إلى المغارة ~~بنفسه وفيما هو يهم بذلك ظهر له شبح خارج من ظلمة ذلك الكهف لا يسمع لإقدامه وقع فثبت ~~حماد قدمه وتحفز للدفاع إذا اقتضت الحال. فلم يكد يفعل حتى وصل ذلك الشبح إليه فإذا هو رجل ~~عار يكسوه شعر رأسه المسترسل إلى قدميه وقد تمكن به الشيب فابيض على أن الكبر لم يغير ~~شيئا من اعتدال قامته ورشاقة حركته وحدة بصره وان يكن جلد وجهه قد تجعد وشعر حاجبيه ~~وشاربيه قد طال وشعر صدره أصبح لغضه وبياضه كأنه زبد الصابون. وطالت أظافر يديه ~~ورجليه حتى التفت على نفسها. # فلم يكد يقع نظر حماد عليه حتى هاب منظره ولو لم ير في يده صليبا كبيرا لخيل له أنه ~~من مردة الجان ولكنه أدرك لأول وهلة أن الرجل ناسك من نساك تلك الأيام انقطع عن العالم ~~وأوى إلى الكهوف التماسا للعبادة وكان قد سمع بكرامة هؤلاء وصدق نظرهم في عواقب الأمور ~~فلاح له أن يخاطبه في ما هو فيه ويستشيره في أمره لعله يخفف شيئا من قلقه فتقدم نحوه ~~باحترام وهم ms238 بتقبيل الصليب في يده فأدناه من فمه فقبله ثم خاطب الناسك قائلا: «ألعلك ~~ناسك مقيم في هذا المكان» فأجابه الناسك يحني الرأس أن نعم فقال: «هل تأذن لي بمحادثة أبثك ~~فيها بعض ما في ضميري على سبيل الاعتراف فتشير علي بما يوحي به إليك الروح ~~القدس». # فأجاب الناسك بالإشارة أنه لا يستطيع التكلم الآن لأن من شروط نسكه أن يصمت أسبوعا ~~وينطق أسبوعا وان آخر أسبوع الصمت ينتهي الليلة فإذا جاء في الغد خاطبه. وكان التنسك ~~شائعا في تلك الأيام والنساك أنواع منهم من ينذر الصمت طول الحياة أو بضعها ومنهم من ينذر ~~العري أو الجوع أو السهر أياما ومنهم من ينذر المعيشة على عشب الأرض وهؤلاء فئة كبيرة كانت ~~بين النهرين سموا «النساك الرعاة» فيقيمون في المغر والكهوف المظلمة. # وكان ناسك حوران هذا ممن نذر الصمت أسبوعا فسر حماد بتأجيل المقابلة خوفا من البقاء ~~هناك تلك الليلة ثم لا يعرف طريقه في عودته لشدة الظلام. فقال له: «إلا آتي إليك معي ~~بطعام أو نحوه من بصرى» فأجاب (لا) لأنه من النساك الرعاة الذين يعيشون على عشب ~~الأرض. # فقال له: «ولكني أرى الأرض هنا مجدبة لا عشب فيها». # فأشار الناسك بيده إلى مكان وراء ذلك الجبل فيه مرعى. # فسأله عن سبب رميه بالحجارة وهو صاعد. فأجابه لعلمه أنه لا يستطيع مخاطبته قبل ~~انقضاء أسبوع الصمت. # فقال حماد: «وأين الطريق إلى دير بحيراء» فدله على طريق سهل غير الذي جاء منه فودعه ~~وقبل الصليب وعاد وجواده وراءه حتى وصل إلى الطريق فركب وسار قاصدا الدير فرأى عبد الله ~~وسلمان ينتظرانه في الغرفة وقد قلقوا لغيابه على غير موعد فقال له عبد الله: «لقد شغلت ~~بالنا بغيابك على غير انتظار». # فلم يشأ حماد اطلاعهم على ما اتفق له في ذلك اليوم رغبة منه في كتمانه ريثما يسمع كلام ~~الناسك فيطلعهم على الحكاية كلها. # فقال لهم: «خرجت على فرسي فسرت ببقاع لم أكن أعرفها فأخطأت الطريق في رجوعي فطال بي ~~المسير». # فقال عبد ms239 الله: «وما الذي حملك على الركوب منفردا». فكبر عليه الإقرار بقلقه وتهيبه من ~~الأمر فقال: «خرجت لترويح النفس». # فأدرك عبد الله حاله تماما ولم يشأ أن يشط عزيمته ولا أن يزيد قلقه خوفا عليه من ~~اليأس فقال له: «أرى سيدي في اهتمام وقلق وما في الأمر ما يدعو إلى ذلك ولا نحن في سرعة أو ~~ضجر». # فظل حماد صامتا مفكرا فأدرك سلمان أن في نفس حماد كلاما ربما لا يريد التصريح به على ~~مسمع منه فتظاهر بأمر يهمه خارجا وترك الغرفة فلما خلا عبد الله وحماد قال عبد الله: «ما ~~بال سيدي لا يبيح بسره ألست شريكك في أمرك». # قال: «بلى بل أنت بمنزلة والدي ولا أخفي عنك شيئا فاني في قلق وارتباك واراني في حاجة ~~إلى من يفرج كربتي برأي أو مشورة ومسألتنا في ما تعلم من الدقة والخطر». # فقال عبد الله: «هلم بنا إلى الراهب الشيخ الذي شاركناه في سرنا لعله يشير علينا بما ~~يفرج كربتنا». # قال: «هلم بنا إليه». # وخرجا حتى أتيا غرفته فدخلا عليه وكان متكئا فجلس ورحب بهما فجلسا ثم قال عبد الله: ~~انك يا مولاي شريكنا في سرنا وعالم بما في ضميرنا فهل تشير علينا بما يخفف عنا. # فقال الراهب: «إن المسألة في غاية الدقة والمشقة وقد أدركت عظمها منذ سمعتها ولا أدري ~~بماذا أشير». قال ذلك وسكت برهة يفكر ثم هب من مجلسه بغتة وقال أرى أن تذهبا إلى ناسك ~~حوران فأنه يقيم في كهف على مقربة من هذا المكان فعساه أن يشير عليكما مشورة خير. # فبغت حماد عند سماعه اسم الناسك وقال: «هل تظنه قادرا على ذلك». # قال: «نعم يا سيدي أنه ممن أوتي علما وكرامة فلا تخلو مشورته من فائدة». # فقال عبد الله لحماد: «وهل عرفته قبل الآن». # فقال: «أعترف لك إني وصلت إليه اليوم بطريق الاتفاق وخاطبته فأجابني بإشارة يديه أنه ~~لا يستطيع التكلم إلا في صباح الغد لأنه ممن نذروا السكوت أسبوعا والكلام ~~أسبوعا». # فقال عبد الله: «فلنذهب إليه ms240 غدا إن شاء الله فهل ترافقنا يا حضرة الأب المحترم إلى ~~مغارته». # قال الراهب: «يا حبذا لو استطعت المسير إليه معكما ولكنني شيخ لا أقوى على المشي ولا ~~الركوب والطريق وعر فسيرا إليه بحراسة الله ودعوني أقيم هنا أصلي وأتضرع إليه تعالى أن يسهل ~~سبيلكما». # فودعاه وخرجا. # الفصل التاسع والستون # | ناسك حوران # وأصبح حماد وعبد الله في الغد فقال حماد: «إلا نصطحب سلمان في مسيرنا إلى ~~الناسك». # قال عبد الله: «لا أرى ما يمنع ذلك وسلمان كما تعلم أكثر غيرة علينا من غيرة أحدنا على ~~الآخر ولا أخالنا نستغني عنه في ما نحن فيه ولا يليق بنا وقد صحبناه أعواما خدمنا بها ~~خدمات جمة أن نخفي عنه أمرا نجريه». # قال حماد: «ذلك ما أراه». وبعثا إليه فصحبهما وخرجوا في الصباح على أفراسهم وحماد دليلهم ~~حتى اقتربوا من الجبل وأطلوا على الكهف فقال حماد: «هذا هو الكهف وكأني أرى الناسك في ~~انتظارنا عند بابه». # فنظر عبد الله حتى إذا وقع نظره على الناسك تهيب من منظره عن بعد وصعدوا فلما دنوا من ~~الكهف تحفز الناسك لملاقاتهم وكانوا قد ترجلوا ومشوا نحوه فقال: «أهلا بكم ومرحبا» وأخذ ~~يتفرس فيهم واحدا واحدا بعينين براقتين تحت حاجبين بارزين بروز الطيف حتى يخال لك أن ~~العينين في حفرتين عميقتين. # فقال حماد: «مرحبا بك أيها المتعبد التقي لقد جئناك عملا بوعدك وهذا والدي (وأشار إلى ~~عبد الله) وهذا صديقي (وأشار إلى سلمان)». # وتقدموا جميعا وعبد الله ينظر إلى وجه الناسك كأنه يعرف وجها مثله. # وكان الناسك مشتغلا في إعداد أحجار يجلسون عليها وهو يخطر أمامهم عاريا وشعره مسترسل ~~عليه يجلل بعضه فغلب عليهم الحياء فلم يستطيعوا النظر إليه إلا خلسة. # فلما أعد الحجارة تقدموا إليه وقبلوا يده فباركهم وجلسوا. أما هو فجثا على التراب جثو ~~المستريح وجمع شعر رأسه ولحيته في صدره إلى حجره وأخذ يرحب بهم ويعتذر لعدم إمكانه القيام ~~بحق ضيافتهم. # فقال عبد الله: «لقد جئناك نلتمس بركة لا ترحابا فقد بلغنا أنك من ms241 رجال الله المختارين ~~فنظرة منك تغنينا عن أثاث القصور». قال ذلك وهو ينعم النظر فيه لعله يذكر الوجه الذي ~~يشبهه. # فقال الناسك: «إني أحقر عباد الله فاشكر لحسن ظنكم بي وما تكبدتموه من المشقة في زيارتي ~~فابسطوا ما في أنفسكم لعلي استطيع بمشيئة الله أن أخدمكم خدمة لمجده تعالى». # فقال عبد الله: «إننا من طائفة النصرانية الذين يعتقدون بكرامة النساك عباد الله ونعتقد ~~أنهم ينطقون بوحي منه تعالى وقد جئنا لنطلعك على سر لم يطلع عليه أحد سوانا وراهب مقيم ~~في دير بحيراء. والسر ذو خطر يستلزم أصغاء وكتمانا ونحن معاشر النصارى نعلم خطارة سر ~~الاعتراف وما فيه مما يدعو إلى الثقة التامة بأمثالكم». # فقال الناسك: «قل يا ولدي ولا تخف». # فالتفت عبد الله يمينا وشمالا كأنه يحاذر أن يسمعه أحد وقال: «يظهر لي أنك من أهل ~~العراق». # قال الناسك: «لقد أصبت المرمى نعم إني من أولئك. وما الذي دلك على ذلك». # قال: «دلني عليه ملامح وجهك ونوع تعبدك فقد قيل لي انك من النساك الرعاة وهم كثيرون في ~~العراق». # قال: «نعم يا ولدي إني كما قلت». # قال: «في الحالة هذه قل لي هل تعرف الملك النعمان بن المنذر». # فلم يكد عبد الله ينطق باسم النعمان حتى ظهرت البغتة على وجه الناسك وأبرقت عيناه وأقطب ~~حاجباه واجاب وهو يشرأب بعنقه ويحدق بعينيه: «نعم أعرفه». # فعجب عبد الله لتلك المظاهر ولكنه تجاهل وقال: «هل تعرفه معرفة جيدة أم تسمع باسمه ~~وأخباره فقط». # فقال الناسك (ويده في لحيته يمشطها بأصابعه): «لا بل أعرفه كما تعرف ولدك هذا». # قال ذلك بصوت مختنق حتى خيل لهم أنه يبكي. # فقال عبد الله: «أراك يا سيدي قد اهتممت لحكايتنا من أول كلمة قلناها». # فتنهد الناسك ويده إلى عينيه يمسح بها دموعه وقال: «إن ذكرى الملك النعمان تهيج أشجاني ~~وتفتت كبدي فهل يهمكم من أمره ما همني أم جاء ذكره على لسانكم عرضا». # قال: «بل هو محور حكايتنا ومرجع سرنا رحمه الله». # وكان حماد وسلمان شاخصين يعجبان ms242 لما يبدو من الناسك وعبد الله يزداد استئناسا بطلعته ~~ولكنه لم يدرك ما الذي يدعوه إلى ذلك. # فقال الناسك: «قل ما تقوله عن النعمان إني أرتاح إلى ذكره ولكنني أتأسف لتذكري عاقبة ~~أمره». # فقال عبد الله: «إذا كان النعمان يهمك إلى هذا الحد فانظر إلى هذا الشاب وقل لنا هل ~~تعرفه» (وأشار إلى حماد). # فمسح الناسك عينيه ونظر إلى حماد وجعل يتفرس فيه ولم يكد يتأمله حتى صاح بأعلى صوته: ~~«أنه ابن النعمان لا شك فيه». وهم به وضمه وأخذ يقبله. # فخفقت قلوبهم وبكوا جميعا والناسك ضام حماد إلى صدره يقبله ويبكي. # فازداد عبد الله استغرابا للأمر وقال للناسك: «لقد أذهلتنا بما بدا منك فكيف تقول أنه ~~ابن النعمان وقد كان النعمان أبرش أحمر وهذا أسمر أدعج». # قال: «لا عبرة في ذلك فإن ملامح النعمان قد تمثلت فيه وهو الرجل الذي رغبت عن العالم ~~وانقطعت إلى هذه الجبال من أجله». # فبهتوا لهذا القول ولم يفهموا مغزاه فأراد عبد الله أن يستطلع حقيقة الخبر فقال: «وهل ~~تعرف الذي يكلمك». # فنظر إلى عبد الله نظر المتأمل وقال: «العلك صديق الملك النعمان وشريكه في مصابه (شمعون ~~الحيرى)». وكان هذا اسم عبد الله المعروف به إذ ذاك. # فانذهلوا جميعا وخصوصا عبد الله فأنه أعاد نظره إلى الناسك وازداد استئناسا به ~~ولكنه لم يذكر كيف عرفه فقال: «أما وقد علمنا أنك شريكنا في الأمر فاخبرنا من أنت وفرج ~~كربتنا». # فصعد الناسك الزفرات وقال: «أما أنا فاني القس الذي ارتد النعمان إلى النصرانية على يده ~~بعد أن كان أسلافه قد نبذوها وعادوا إلى الوثنية أو المجوسية ديانة الفرس». # فانتبه عبد الله من غفلته كأنه أفاق من رقاد وقال: «العلك القس يعقوب». # قال: «نعم وقد كنت مقيما في دير هند الكبرى المنسوب إلى هند بنت الحارث بن عمر بن حجر ~~آكل المرار وهو في ظاهر الحيرة وكانت هند هذه كما تعلمون قد ترهبت فيه فسمي باسمها ولكنني ~~كنت أختلف إلى النعمان كثيرا ويطلعني على أسراره حتى كان ms243 ما كان من أمر سجنه في خانقين ~~فبرحت الحيرة وسرت إلى هناك وجعلت أتردد إليه في السجن. ألا تذكر أنك كنت تراني ~~هناك». # قال: «أذكر ذلك جيدا وما زلت منذ رأيتك الآن وأنا في أفكر فيه». ثم هم عبد الله به ~~وتعانقا وهما يبكيان أما الناسك فتحول نحو حماد وضمه وجعل يقبله ويبكي وهو يقول أحمد ~~الله إني رأيتك قبل موتي. # ولبثوا برهة صامتين وكل يبكي ويمسح دموعه بكمه إلا الناسك فقد كان يمسحه ببطن ~~كفه. # ثم قال عبد الله: «أقصص علينا بقية الخبر يا حضرة القس المحترم». # قال: «كنت أتردد إليه في السجن أصلي له وأباركه وأدعو له وكان كلما اجتمعت به يقول ~~والاهتمام ظاهر على وجهه: «لدي سر سأطلعك عليه في فرصة أخرى» فاهتممت لمعرفة ذلك السر ~~وكنت أتوقع سماعه في كل زيارة وهو يسوفه وكنت كلما سرت إليه رأيتك وعجبت لشهامتك وغيرتك ~~عليه. فسألته عنك يوما فقال: «انك مستودع أسراره وأنه يثق فيك وثوقا تاما». ومازلت ~~أختلف إليه حتى أصيب بمرض ظنوه الطاعون ولا أظنه إياه. فزرته ولم تكن أنت ساعتئذ هناك ~~فقال لي: «أراني لن أنقه من مرضي هذا ولعل القضاء سيعاجلني وأخاف أن لا أملك فرصة أخاطبك ~~بها». فقلت: «قل يا سيدي ولعل الله شافيك بإذنه وبركة ابنه». ثم بكى وبكيت» (قال الناسك ~~ذلك وخنقته العبرات والجميع سكوت يصغون إلى خبره يتطاولون بأعناقهم ويحدقون بأبصارهم في ~~شفتيه وهما ترتجفان من شدة التأثير) فسكت الناسك برهة ريثما استرجع قواه. ثم قال: «فأمسكني ~~النعمان رحمه الله بيديه وأدناني منه واسر إلي أمرا خطيرا» قال: «أنه أسره إليك ~~ولا أدري هل يجوز لي التلفظ به وهو سر الاعتراف». # فقال عبد الله: «لقد قلت إني عارف به فلم يعد من قبيل سر الاعتراف وقد اطلعت ابنه ~~ورفيقنا هذا عليه». # فقال الناسك: «أما والحال على ما تقول فأخبركم أنه أدناني منه وهو جالس على فراشه في ~~ذلك السجن وقال: «إني سأقضي نحبي هنا ظلما من قوم لا يعرفون الله ولا ms244 يشفقون على إنسان ~~وسأترك أهلي وأولادي بدون أن أراهم وأودعهم واني عالم أن سلطان الحيرة سيخرج من بني لخم بعد ~~موتي فأسررت إلى شمعون أن يربي ولدا لي لم يولد بعد وأن يكتم نسبه عنه حتى يبلغ العشرين ~~من عمره فيقص شعره في دير بحيرا ثم يطلعه على حقيقة نسبه» قال: «واعترف لك إني حرضته على ~~أن ينتقم لي من دولة الفرس». قال الناسك: «فلما سمعت كلامه اقشعر بدني واستعذت بالله من ~~ذلك كله وقلت: «يا سيدي الملك أراك تستعجل الأجل وليس ما يدعو إلى قربه وأما الانتقام ~~فاتركه إلى الله سبحانه وتعالى وهو الديان العظيم». فأجابني والدموع تخنقه: «لقد قضي ~~الأمر يا أبتاه وعهدت بذلك ولا أرى الرجوع عنه والله يقضي بما يشاء» قال النعمان ذلك واختلج ~~صوته وارتعدت فرائصه ثم غاب صوابه وفيما نحن في ذلك جاء السجان يشدد النكير على من يدخل ~~إلى النعمان فخرجت ولم أعد أراه ثم ما لبثت أن سمعت بانتقاله إلى دار البقاء» (قال الناسك ~~ذلك وتنهد) وعلمت وا حسرتاه عليه أنه لم يمت بخانقين بل نقلوه إلى ساباط فمات ~~فيها. # فلما سمعت ذلك كرهت الدنيا وتحققت فناءها وزدت زهدا فيها فالتجأت إلى النسك واخترت منه ~~أكثره زهدا وهو هذا الذي أنا فيه أعيش على نبات الأرض وأمكث عاريا كما ترون وكنت مقيما ~~في العراق مع رفاق كثيرين من الرهبان وذكر النعمان لم يبرح من ذهني يوما واحدا وصورته ~~نصب عيني وهو على ذلك الفراش في خانقين وما زلت أردد كلماته الأخيرة. فأحببت الاطلاع على ~~ما فعلته أنت من هذا القبيل فلم أعرف مقامك ولما مضت بضع عشرة سنة من وفاته ولم أرك ولا ~~عرفت مقرك قلت لعلك تقيم في البلقاء بالقرب من دير بحيراء لأجل وفاء النذر عند حلول ~~الميعاد. فجئت وأقمت في هذا الكهف وفي نفسي شيء أريد أن أطلعك عليه فلم أسمع عنكم خبرا ~~ولا أنا أستطيع البحث لانقطاعي عن الناس فضلا عن إني لم أكن أعرف اسمك الجديد فكنت ms245 أتوقع ~~أن أسمع خبرا عن شمعون الحيرى فلم أسمع هذا الاسم قط. # الفصل السبعون # | انذر القاتل بالقتل # قال عبد الله: «وما الذي في نفسك وتريد أن تطلعني عليه؟ قله». # قال: «هو خبر يتعلق بوصية النعمان لك ولابنه فاحك لي ما تم معك من قبيل النذر هل وفيته ~~واطلعت هذا الملك على حقيقة نسبه». # قال عبد الله: «نعم يا مولاي لقد وفينا النذر بعد ميعاده». وأحكى له القصة من أولها إلى ~~أخرها حتى آتى على سبب مجيئهم إليه فقال: «وقد جئنا إليك لعظم ما قام في نفس مولانا الملك ~~من الاهتمام في أمر الانتقام فقلنا نطلع ناسك حوران على هذا السر لعله يشير علينا مشورة ~~تخفف ما بنا. أو تهدينا سبيلا مستقيما». # فقال الناسك: «لقد وقعتم على خبير وإن في بقية قصتي ما يفرج عنكم كل كرب إن شاء ~~الله». # فاستبشر عبد الله وحماد وسلمان بانفراج الأزمة وسروا لقدومهم على هذا الناسك فقال عبد ~~الله: «اخبرنا ببقية قصتك بورك فيك». # قال: «كنت لفرط اهتمامي في أمر الملك النعمان وأمر وصيته وما تتضمنه من الحث على ~~الانتقام لا أبرح أفكر في هذا الأمر نهارا وأحلم به ليلا حتى استيقظت ذات صباح والناس ~~يتحدثون بأمر كسرى برويز قاتل النعمان وان ابنه شيرويه تآمر عليه وسجنه فقلت في نفسي هذه ~~عاقبة القوم الظالمين. ثم ما لبثت أن سمعت بأنه قتله فاعتبرت بحكمة الله سبحانه وتعالى ~~وشعرت براحة فبت ليلة ذلك الخبر وأنا هادس في عاقبة الظالمين وقول القائل «وانذر القاتل ~~بالقتل». فرأيت في منامي كأن الملك النعمان قادم إلي بلباس ناصع البياض ووجه منير باسم ~~فخشعت لرؤيته على هذه الصورة ثم سمعته يقول: «لا تعجب يا يعقوب لمقتل برويز المجوسي فقد ~~أعد له الله ما هو أعظم من ذلك ليعتبر القوم الظالمون». # فقلت وقد بهرني نور وجهه فأطرقت: «وماذا عسى أن يكون أعظم من الموت قتلا بسيف ~~البنين». # فقال لي: «سوف ترى وكل آت قريب». فرفعت نظري لأراه فغاب عن بصري واستيقظت من منامي ms246 ~~مذعورا ولم تمض بضع سنوات حتى وقع في سلالة برويز ما لم نسمع بمثله في غابر الأزمان. ~~أتدرون ما هو؟» # قال عبد الله: «وماذا تعني؟» # قال: «كان لبرويز هذا ثمانية عشر ولدا كلهم ذوو أدب وشجاعة ومروءة منهم شيرويه الذي تولى ~~الملك بعده فوشى رجل اسمه فيروز لشيرويه على إخوته السبعة عشر فأمر بقتلهم جميعا فقتلوا ~~صبرا في ساحة الإيوان وهو ينظر إليهم ولكن شيرويه لم يهدأ له بال بعد عمله هذا فإن ~~أختيه بوران وآزر ميدخت وبختاه توبيخا شديدا فبكى بكاء مرا ورمى بالتاج عن رأسه ولم يزل ~~بقية أيامه مهموما دنفا ولاقى المصائب الكبرى وفي جملتها طاعون فشا في بلاده فأباد من قدر ~~عليه من أهل بيته وأخيرا مات هو كئيبا حزينا. فهل أشد وطأة من هذا الانتقام. وزارني ~~ملاك النعمان بعد هذه الحوادث وهو يضحك وأمارات البشر ظاهرة على وجهه فهممت بالوقوف ~~للقائه فشعرت بنفسي ثقيلا لا أستطيع النهوض فابتدرني هو قائلا: «لقد انتقم لي الله من ~~برويز المجوسي فطابت نفسي وأرى وصيتي لولدي حملا ثقيلا على عاتقي فقد شعرت بضعف بني ~~الإنسان وعلمت الإصابة في قولك وأنا في سجن خانقين». قال ذلك وتوارى عن بصري وأنا راقد لا ~~أستطيع حراكا ثم استيقظت وصورة النعمان أمام عينى ويكاد النور ينبثق من وجهه». # فلما بلغ الناسك إلى هذا الحد من حكايته شعر كل من السامعين بانفراج الأزمة وخصوصا حماد ~~فإنه أحس بحمل ثقيل نزل عن ظهره. # أما سلمان فكان إلى ذلك الحين صامتا لم يفه بكلمة فلما فرغ الناسك من كلامه وقف سلمان ~~وهم بيد الناسك فقبلها وقال: «لقد أتيتنا فرجا من عند الله ولكن قلوبنا لا تشتفي إلا ~~بعمل نعمله على قهر أولئك الكفرة الغاشمين». # فنظر الناسك إليه وتبسم تبسما قلما تعوده وقال: «تلك أعمال الله يا ولدي وسنسمع بذهاب ~~دولة الفرس قريبا فلا يبقى ثم من تنتقمون منه». # فلم يفهموا مغزى كلامه فقال عبد الله: «هل تعني شيئا محدودا أوحى إليك مما في سابق علم ~~الله ms247 فأنكم معشر النساك ذوو كرامة يفتح عليكم ما لا يفتح على سواكم». # قال الناسك: «أشير إلى أمر لا يحتاج إلى وحي أو كرامة بل هو ظاهر يفهمه كل عاقل. إلا ~~ترى حال الفرس واختلال شؤونهم واضطراب أحوالهم حتى توالى على كرسي ملكم خمسة ملوك في خمس ~~سنين وكل يعمل على الاستئثار بالسلطة وإبادة الآخرين وأضعفهم رأيا يزدجرد الذي يتولى الملك ~~الآن وستزول دولة الفرس على يده ناهيك عن ظلمهم وجورهم. إلا يدلكم ذلك على شيخوخة دولتهم ~~وهرمها وقرب انقضاء أجلها وللدول آجال كآجال الناس تمر في أدوار تنتهي بالموت ودولة الفرس ~~قد بلغت شيخوختها ولا تلبث أن تنقضي وكذلك دولة الروم الحاكمة على هذه البلاد». # قال عبد الله: «ولكن لا تنقضي إلا على يد دولة أخرى تقوم مقامها فمن سيخلف هاتين ~~الدولتين». قال: «أما سمعتم برؤيا الراهب بحيراء الذي كان يقيم في ديره هنا». # قالوا: «كلا» إلا حماد فأنه تذكر ما سمعه من الراهب الشيخ في تلك الصومعة يوم جاءها ~~لملاقاة هند هناك. فقال: «بلى سمعت ذلك من الراهب الشيخ فقد أحكى لي مرة أن بحيراء رأى في ~~منامه فتى جميل المنظر مولده برج الثور والزهرة مع قران المشترى وزحل وعلم منه أنه هو ~~الذي سيهدى أبناء جلدته بني إسماعيل (وهم العرب) إلى معرفة الله وإن به يقوى أمرهم ويشتد ~~أزرهم وتجتمع كلمتهم فيذللون أبناء عمهم بني إسحاق ويتسلطون عليهم مدة توافق ما أشار إليه ~~دانيال في نبوءته وأنه يخرج من أولئك العرب اثنا عشرة دولة أليس ذلك ما تعنيه». # قال الناسك: «هذا ما عنيته وأزيد عليه أن الرجل المنتظر قد ظهر في جزيرة العرب ودعا ~~الناس فيها إلى عبادة الله ونبذ الأوثان وقد فتح مكة وكسر أصنام الكعبة وانتشر سلطانه في ~~الحجاز واليمن وسيفتح الشام والعراق وهو الذي سيخلف الفرس والروم في سلطانهما». # فقال حماد: «لقد شاهدنا قوته وسلطانه بأعيننا يوم فتح مكة وكان يوما مشهودا ويظهر من ~~رغبته في سبيل الله واستهلاك أنصاره وأصحابه في نصرته أن دولته ms248 ستغلب الدول كلها إن ~~عاجلا وإن آجلا». # قال: «فلستم إذن في ما يدعو إلى تكبد الخطر في الانتقام من أكاسرة الفرس وقد رأيتم أن ~~قاتل حبيبنا النعمان قتل هو وأولاده شر قتلة وسيتم العرب على دولتهم إن شاء الله». # فوقع كلام الناسك على قلب حماد بردا وسلاما فارتاح باله من أمر الانتقام المعجل وانصرف ~~فكره إلى هند وشعر بميل شديد إلى رؤيتها وخاف أن تسيء الظن به إذا طال غيابه بعد يوم ~~الشعانين وهم في اليوم الثانى منه فتظاهر بميله إلى الانصراف فأدرك عبد الله ذلك فقال ~~للناسك: «أتأذن لنا بالذهاب على أن نغتنم الفرص في زيارتك حينا بعد حين وهل تطلب منا أمرا ~~نقضيه لك». # قال: «لا أريد من هذا العالم شيئا فقد رأيتم زهدي به ولم يكن في نفسي شيء غير رؤية ابن ~~حبيبي النعمان لأقص عليه ما اؤتمنت عليه مما خاطبني به والده في الحلم فأحمد الله على ~~نيل بغيتي فإذا مت الآن فإني أتوسد قرير العين ناعم البال». # فقال عبد الله: «أطال الله بقاءك ونرجو أن نراك كثيرا». قال ذلك ونهض فنهضوا جميعا ~~وودعوا الناسك وانصرفوا على أفراسهم وكأن على رؤوسهم الطير. # أما حماد فإن ذهنه تفرغ للافتكار بهند وأحس برغبته في اطلاعها على حقيقة نسبه فلما ~~وصلوا إلى الدير مروا بغرفة الراهب الشيخ فدخلوها ليطلعوه على ما دار بينهم وبين الناسك ~~فلما أنبأوه بما علموه من أمره أطرق يفكر بغرائب الحدثان ثم قال: «لقد خيل لي منذ رأيت هذا ~~الناسك أنه لم يغادر خضب العراق ويقيم في هذه الجبال المجدبة إلا لدافع دفعه إلى ذلك وقد ~~صدق ظني ويسرني أنه أطلعكم على ما خفف قلقكم وهون عليكم فما أنتم في عجل للقيام بالوصية ~~وقد كفاكم الله مئوونة ذلك أما ما قاله عن قوة المسلمين وعظم دولتهم حتى يخشى على الروم ~~والفرس منها فقد أيدته الحوادث الجارية فإن تلك الشرذمة من الحجازيين لم يكادوا يقومون ~~بدعوتهم حتى ملأوا جزيرة العرب فتحا وقتالا فدانت لهم قبائل اليمن ms249 وعمان واليمامة ونجد ~~وقد شهد حماد وسلمان فتح مكة ورأيا بطش هؤلاء العرب وقوة جامعتهم ولقد شهد من رأى حربهم في ~~مؤتة هنا أنهم كافحوا كفاح الأسود وصبروا على الحرب صبر الرجال ولكنها أول مرة لاقوا بها ~~جند الروم ولم يكونوا في عدة كافية فلم يفوزوا والظاهر أن وقعة مؤتة كانت أمثولة لهم ~~علمتهم كيف تؤكل الكتف حتى إذا رأوا في جندهم الكفاءة أعادوا الكرة ليس على الشام فقط بل ~~على العراق أيضا». # فقال عبد الله: «وهل علمت أنهم حملوا على العراق؟» # قال: «نعم أنهم حملوا عليه حملة إذا لم يكن فوزهم بها تاما فلا أقل من أن يؤذوا الفرس ~~ويضيقوا عليهم». # فقال حماد: «وكيف عرفت ذلك يا مولاي؟» # قال: «أخبرنى بذلك تاجر من أهل مكة تعودنا لقاءه هنا كل عام أو عامين ولي معه صداقة ~~ودالة فقد مر بي من بضعة أيام وأطلعني على حوادث تلك الدولة بعد فتح مكة حتى الساعة فإذا هي ~~ما يخيفنا على دولتي الروم والفرس وكنت أظنكم عالمين بها». # قال عبد الله: «كلا يا مولاي أننا غير عالمين بشيء من ذلك». # قال الراهب: «أخبرني التاجر أن أولئك الحجازيين بعد أن فتحوا مكة عادوا إلى المدينة ~~وأنفذوا جندا منهم إلى من بقي في جزيرة العرب لم يرضخ للإسلام فغزوا غزوات عدة فازوا بها ~~كلها ومن أكبر قوادهم رجل منهم يقال له «خالد بن الوليد» أتى بالمعجزات في حروبه حتى سماه ~~النبي «سيف الله» ومنهم علي بن أبي طالب ابن عم النبي وهو بطل مجرب. وكذلك رجل شيخ من كبار ~~مشيريهم اسمه عبد الله ابن أبي قحافة لقبه بالصديق ويسمى أبا بكر وهو حمو النبي والد ~~امرأته عائشة. ومنهم رجل آخر يندر مثاله في العالم بشدة البطش وصدق الغيرة على الحق اسمه ~~عمر بن الخطاب وآخر اسمه عمرو بن العاص وغير هؤلاء جماعة كبيرة فتمكن بذلك من إذلال قبائل ~~العرب حتى أنه لم يعد يحتاج في إذلالهم إلى إرسال الرجال بل كانوا يفدون عليه وفودا ~~يلتمسون ms250 الدخول في دينه عن رضى وطيبة خاطر فرأى الوقت اللازم لفتح الشام قد آن فجند جيشا ~~بقيادة رجل اسمه أسامة بن زيد وأمره أن يسير إلى فتح الشام وفيما هو في ذلك وافاه القدر ~~فتوفي قبل مسير الجند ولكنه خلف أبطالا قاموا بنصرة دينه فتولى الخلافة بعده حموه أبو بكر ~~المتقدم ذكره وهو شيخ جليل القدر وأخبرني التاجر أن المسلمين لما مات النبي اختلفوا في من ~~يولونه الخلافة بعده لأنهم قسمان قسم يقال لهم الأنصار وقسم يقال لهم المهاجرون». # فقال حماد: «وما معنى هذه الأحزاب هل هي مذاهب دينيه كالتي عندنا». # قال: «لا يا ولدي إن المهاجرين هم الذين هاجرو مع النبي من مكة إلى المدينة يوم شدد ~~أهله النكير عليه هناك فتبعه من قريش أكثرهم غيرة عليه فسموا المهاجرين وأما الأنصار فهم ~~أهل المدينة الذين قاموا بنصرته لما جاءهم مهاجرا فحاربوا معه فسموا الأنصار. فكل من ~~الأنصار والمهاجرين يظن نفسه أولى بالخلافة فاختلفوا في من يتولاها حتى كادت تقوم بينهم ~~فتنة. ويظن صاحبنا التاجر المكي أن الفضل في فض هذا المشكل لأحد المهاجرين عمر بن الخطاب ~~وقد ذكرته لكم الآن فهو الذي توسط في الأمر وبايع أبا بكر فبايعه الناس احتراما له أو ~~خوفا منه فصارت الخلافة في المهاجرين وهم من قبيلة النبي (قريش) فخليفة المسلمين الآن أبو ~~بكر الصديق هذا. # فلما توفي النبي تغيرت قلوب بعض أهل جزيرة العرب ممن اعتنقوا الإسلام في حياته فارتد ~~كثيرون منهم إلى ما كانوا عليه من النصرانية أو اليهودية أو غيرهما فتهيب المسلمون لذلك ~~فاجتمعوا وأوعزوا إلى أبي بكر أن يعدل عن إرسال الجند إلى الشام لاحتياجهم إليهم في اقماع ~~المرتدين فأبى إلا إنفاذ ما أمر به النبي فأرسل أسامة وجنده إلى الشام ومما أحكاه لي ~~التاجر المكي حكاية وقعت لأبي بكر هذا يستغربها كل من عاشر حكامنا من الروم أو ~~الفرس». # فقال عبد الله: «وما هي؟» قال الراهب: «أخبرني التاجر أن أبا بكر رافق ذلك الجند في ~~خروجهم من المدينة وكان ms251 أسامة راكبا وأبو بكر ماشيا فخجل أسامة من ذلك لأنه شاب وذاك شيخ ~~فضلا عن كونه رئيسه فتقدم إليه أن يمشي هو ويركب أبو بكر فأبى إلا أن يشيعهم ماشيا ويدل ~~ذلك على رغبة حكامهم في الخدمة لا الرئاسة وما أوصاهم به قبل عودته قوله: «لا تخونوا ولا ~~تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تقعروا نخلا أو ~~تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا». هل سمعتم مثل ذلك من ~~رؤسائنا لا أنكر عليكم أن النصرانية تأمرنا بمثل ذلك ولكن حكامنا نبذوا الدين نبذ النواة ~~وسيعود ذلك عليهم وبالا». قال الراهب: «ذلك وقد أخذت الحدة منه مأخذا عظيما حتى ارتجف صوته ~~وارتعشت لحيته ثم سكت». # وكان عبد الله وحماد وسلمان متطاولين بأعناقهم يسمعون حديث الراهب وقد زادهم تأثرا ما ~~آنسوه من اهتمامه فقال عبد الله: «إن مثل هؤلاء لا بد من أن يغلبوا العالم ويفتحوا الأمصار ~~فعساهم أن يبدأوا بالعراق وينقذونا من دولة الفرس الظالمة». # فقال الراهب وقد تنفس الصعداء: «انك تتمنى أمرا قد وقع فعلا فإن جيش أسامة هذا لم تطل ~~غيبته لعلمه أن الخليفة أحوج إلى نصرته في قتال أهل الردة مما بفتح الشام فعاد بجنده ~~وانضم إلى المسلمين في حروب أهل الردة. ومما زاد الأمر أشكالا أناس أدعوا النبوة منهم رجل ~~اسمه أسود العنسي في اليمن فالتف حوله حزب كبير ورجل آخر اسمه طليحة الأسدي من بني أسد في ~~نجد وآخر اسمه مسيلمة في اليمامة وآخر اسمه ذو التاج لقيط بن مالك وغيرهم من المتنبئين ~~ودعاة الأحكام حتى لم تبق قبيلة من قبائل اليمن وحضرموت وعمان والبحرين واليمامة ومهرة ~~إلا نبذت طاعة المسلمين وارتدوا عن الإسلام فخاف المسلمون الفشل ولكن أبا بكر تصرف بحكمة ~~ودراية وساعده في ذلك قواده المحنكون وخصوصا خالد ابن الوليد فأنه عمل أعمالا غريبة ~~وكذلك عمرو بن العاص وغيرهما فقضوا في سنة كاملة حتى دانت الكفاح قبائل العرب واجتمعت ~~كلمتهم واستقام ms252 أمرهم». # فقال حماد: «يا حبذا لو يسير خالد الذي ذكرته إلى العراق». # فضحك الراهب ضحكة يتخللها عبوس وقال: «لقد أصبت يا ولدي فأنه عمل ما أردته فسار خالد هذا ~~إلى العراق لفتح الحيرة وقتال الفرس». # فهب سلمان للحال وقال لحماد: «إلا يأذن لي مولاي بالمسير إلى الحيرة إني لا يهدأ لي بال ~~إن لم أبل يدي بدم الفرس فلعلي أن أشهد بعض المواقع أو أخدم المسلمين خدمة تساعدهم في ~~إنقاذنا من أولئك القوم المجوس». # فقال حماد: «إني أولى منك بذلك ولقد كنت عازما على التماسه لو لم تلتمسه أنت». # قال سلمان: «أما أنت فقد طال غيابك عن أمير غسان وأميرته فسر إليهما وعساي أن أعود إليكم ~~قريبا بخبر النصر». # فانتبه حماد لأمره مع هند فاغتنم وجوده عند الراهب فرصة لاستفتائه بأمر الاقتران بعد ~~حكاية الوصية ولكنه استحى فخاطب عبد الله على انفراد قائلا: «أتظن أنه يجوز لنا المخاطبة ~~بأمر الزيجة أم نحن لا نزال مقيدين بالوصية». # قال عبد الله: «دعني أسأل الراهب ويأخذ رأيه فما يشير به نفعله». وتحول نحو الراهب ~~فسأله، فقال الراهب: «يظهر من خطاب الناسك لكم أنه يحلكم من ذلك القيد وفي العدول عن ~~الانتقام فضيلة مسيحية كما تعلمون لأن ديانتنا توصينا بمحبة عدونا ومباركة لاعنينا وتحظر ~~علينا الانتقام». # فسر حماد لهذه الفتوى وسكت حتى إذا خرجوا من عند الراهب انفرد بعبد الله وقال له: «إلا ~~ترى أن نذهب غدا إلى البلقاء نقابل جبلة وأنت معي فقد فرغنا من حكاية النذر وآن لكما ~~الاجتماع وخصوصا بعد أن ظهر ما ظهر من رفيع نسبنا». # فقال عبد الله: «أرى يا مولاي أن تبقي أمر نسبك مكتوما كما كان لنرى ماذا يجد من حوادث ~~الزمان». # فأجفل حماد وقال: «ولماذا نكتمه وهو شرف يتسابق إليه الناس وخصوصا أنهم اعترضوا على ~~زواجي بهند لغموض نسبي فهل أبقيه غامضا». # ففكر عبد الله هنيهة ثم قال: «وأرى مع ذلك أن لا تذكره وعلى كل حال فالأمر راجع ~~إليك». # فسكت حماد وكانا قد وصلا باب ms253 الغرفة وسلمان يتبعهما وقد أدرك أنهما يتكلمان بشأن هند ~~فتقهقر قليلا فلما وصلا الغرفة التفت حماد ونادى سلمان فأسرع وهو يقول أتقدم إليك يا مولاي ~~أن تأذن لي بالذهاب إلى الحيرة غدا صباحا وإن يكن يعز علي أن لا أشهد الاحتفال باقترانك ~~ولكنني لا ألبث أن أعود إليكم بما يسركم إن شاء الله وأرجو أن تذكروني في حفلة الزواج ~~وأنا أذكركم في ساحة الحرب. # فقال عبد الله لحماد: «دعه يذهب يا سيدي لعله يأتينا بخبر فقد انتهينا من المشاكل ~~والأسرار ولا نظننا نحتاج إليه في شيء وقد تقرر لك الاقتران بهند ورضي والدها ووفينا النذر ~~فليذهب». # فقال حماد: «اذهب يا سلمان بحراسة الله ولا تقطع عنا أخبارك». # فقضى سلمان ليلته تلك يستعد للمسير إلى العراق وفي الصباح ودع حمادا وعبد الله وبكى ~~لوداعهما وسار إلى الناسك يلتمس بركته ودعاءه قبل المسير. # فلما خلا حماد بعبد الله قال له: «دعنا نسير إلى جبلة أو هيا بنا إلى صرح الغدير أم هناك ~~سر يمنع ذهابنا واقتراننا ألم يأن لنا أن نخلص من العراقيل». # قال: «لقد آن الوقت وعلم سيدي إني لم أؤخر اقترانه عبثا ألم يكن في السر ما يدعو إلى ~~ذلك». # قال: «بلى واني لا أنسى جميلا صنعته معي يا عبد الله ولكنني أعترف لك اعترافا صريحا ~~بأن اطلاعي على نسبي قد قلل أسباب سعادتي واحسبني كنت أسعد حالا يوم كنت حماد بن الأمير ~~عبد الله أما وأنا المنذر بن النعمان فأراني تعيسا يتيما مظلوما». # قال عبد الله: «كنت أتوقع ذلك منك ولكنني لم أر بدا من أن أقص عليك خبرا عهد به إلي ~~أمانة مقدسة». # قال: «لم أقل أنك أخطأت باطلاعي على حقيقة نسبي فقد فعلت الواجب على أنني لم أتصور هندا ~~ومعيشتي معها أسلو الدنيا ومتاعبها». # قال عبد الله: «وزد على ذلك أنك ستكون عما قليل ملك غسان والغساسنة لا يقلون سطوة وبطشا ~~على ملوك الحيرة فضلا عن علاقتهم بالروم وهي دولة مسيحية وذلك خير من علاقة أجدادك ~~المناذرة ms254 بالفرس والفرس مجوس يعبدون النار كما تعلم». # فانبسط وجه حماد لذلك فقال: «أنذهب معا إلى صرح الغدير». قال: «لو علمت أن جبلة هناك ~~لذهبت معك لأن من اللياقة أن ألاقيه فمتى تعارفنا جاز لي الذهاب إلى الصرح». فقال: «إذن ~~أذهب أنا فالتمس لك موعدا نجتمع فيه بجبلة ونتم الاقتران». # قال: «حسنا تفعل». فأخذ حماد يعد جواده للركوب. # الفصل الحادي والسبعون # | البرد والخاتم # أما هند فلم يأت يوم الشعانين حتى ملت الانتظار وكانت تتوقع أن ترى حمادا في مساء ذلك ~~اليوم أو في صباح الغد فمضى اليوم والغد وهي تعد الساعات والدقائق وتحسب لتأخره غير حساب ~~فلما كان اليوم الثالث أفاقت من رقادها قلقة البال فنهضت وسارت إلى غرفة والدتها والتمست ~~منها أن ترافقها إلى دير بحيراء أو تأذن لها بالذهاب إليه وحدها. # فقالت سعدى: «لا أرى أن نفعل ولا أن تفعلي فلو رأى حماد المجيء إلينا لجاء فربما كان في ~~سر والده ما يمنعه عن المجيء». # قالت: «ما تعنين يا أماه». # قالت: «لا أعني شيئا ولكنني لم يعجبني أمر والده هذا فكم تدلل وتعزز فقد صاهرنا ولده على ~~غموض نسبه وأكرمناه والتمسنا لقياه فلم يأت وها قد انقضى موعده من يوم الشعانين فلا أظن ~~إلا في الأمر دخيلة». # فانقبضت نفس هند عند ذلك وقالت: «لا تلومي الغائب قبل حضوره فربما منعه عن زيارتنا مرض ~~أو شاغل ذو بال وأما ما أشرت إليه من تدلل والده أو كبريائه فلا أظنه في محله وليس ثم ~~ما يسوغ له ذلك». # وسكتتا هنيهة مطرقتين ثم قالت سعدى: «نعم يجب علينا أن نبحث عنه وعن سبب غيابه فلننتظر ~~هذا اليوم أيضا فإذا لم يأت أنفذنا إليه رسولا». # فخرجت هند وهي هاجسه في أمر حماد فلبست ثوبها وخرجت إلى الحديقة تشغل نفسها بأزهار ~~الربيع وعيناها شائعتان من بين الأشجار وقد هب عليها النسيم فتعاظم حفيف الأوراق وعلت أصوات ~~الطيور مغردة وهند تود انقطاع النسيم وخرس الأطيار مخافة أن تحول تلك الضوضاء بينها وبين ~~وقع أقدام حماد ms255 إذا جاءها ماشيا بين الأشجار أو تخفي صوت جواده إذا صهل عند استقبال الصرح. ~~وفيما هي جالسة على حجر هناك تفكر في ذلك وتحدق بعينها وتصيخ بسمعها وقد صارت الشمس في ~~الهاجرة رأت فارسا قادما عن بعد عرفته من جواده وظاهر لباسه أنه حماد فهرولت إلى ~~والدتها وأنبأتها بقدومه فدخلتا إلى قاعة الجلوس حتى جاءها مخبر بقدومه فخرجت سعدى للقائه ~~ورحبت به فقبل يدها ودخلا الصرح وكانت هند عند الباب فسلم عليها ودخلوا جميعا إلى قاعة ~~الجلوس وقد آنست هند في وجه حماد تغييرا بعد قص الشعر ولكنها عجبت لمجيئه وحده وأرادت ~~الاستفهام عن السبب فمنعها الحياء على أن والدتها ابتدرته بالسؤال عن والده. # فقال: «أنه كان عازما على المجيء معي ولكنه رأى من اللياقة أن يقابل ملك غسان قبلا ~~ولو كان سيدي العم هنا لانفذنا إلى والدي فيحضر حالا». # فقالت: «جعل الله نذركم مقبولا هل قصصت شعرك يا ولدي؟» # قال: «نعم». قالت: «وهل سمعت الحكاية». قال: «نعم سمعتها». وحدثته نفسه أن يبيح بها ~~فتذكر تحذير عبد الله فأمسك ولكنه رأى سكوته عنها بالمرة تحقيرا للسائل. # أما سعدى فلم تزد على هذا السؤال تأدبا فلما لم يجبها غيرت الحديث وسألته إذا كان يسره ~~الخروج إلى الحديقة وهو يود ذلك لعلمه أنه قد يخلو هناك بهند فيتعاتبان أو ~~يتغازلان. # فخرجوا من باب خصوصي صغير وتخلفت سعدى في القصر توصي قيمة القصر بإعداد الغداء. # فمشى حماد وهند في طرقات الحديقة حتى انحدرا إلى ضفة الغدير وماؤه يجري على حصباء تتلألأ ~~تحته كأنها الدر وقد فاحت روائح الأزهار وغلبت عليها رائحة زهر اللوز وزهر البرتقال وعلت ~~ضوضاء الأطيار وحفيف الأشجار ولو كان لنا فوتوغراف أديسن أو أشعة رونتجن لرأينا قلبي هذين ~~المحبين يتناجيان ويتفاهمان. # أما هند فما صدقت أنها خلت بحماد حتى نظرت إليه شذرا وهي تبتسم وعيناها مشرقتان تتلألآن ~~وقالت: «ما الذي دعاك إلى التعجيل في زيارتنا أما كان الأدل على شوقك أن تبقي زيارتك إلى ~~عيد الفصح»! # فأدرك مرادها فأحب أن ms256 يعبث بها فقال: «تركنا يوم الفصح لمقابلة والدك بشأن الإكليل أم ~~ترين تأجيل ذلك إلى الأحد الجديد». # فخجلت وأطرقت وقد توردت وجنتاها فازداد إشراق وجهها وقالت: «لو عرفت أنك تجيبني بمثل ذلك ~~ما أقدمت على سؤالك». # قال وقد أعجبه خجلها وازداد هيامه بها: «لم أكن أظن ذكر الاقتران يسوءك ونحن إنما نسعى ~~جهدنا في الحصول عليه». قال ذلك ونظر إليها كأنه ينتظر جوابها. أما هي فحولت وجهها عنه ~~وخطوت نحو شجرة من البرتقال تقطف زهرة تتلاهى بشمها عن سماع كلامه. # فتبعها حماد وهو يقول ما بالك تهربين مني يا هند فإذا كنت تريدين التخلص من قرابتي قولي ~~لي كما قال غيرك أن نسبي غامض فلا أستحق بنت ملك غسان. # فلم تجبه ولا على هذا وقد كان يتوقع أن يجرهما الحديث إلى حكاية السر ليخبرها بحقيقة ~~نسبه ويرى ما يبدو منها وخاف أن تأتي والدتها فينقطع الحديث فدار نحوها حتى قابلها وجها ~~لوجه وأمسك يدها فأحس كلاهما بقشعريرة الحب فقال حماد: «لم تسأليني عن حكاية السر ما ~~هي». # فقالت له (وهي ممسكة يده تنظر إليها): «يظهر أن حكاية السر عزيزة لديك لا نستحق ~~سماعها». # فأدرك أنها توبخه لسكوته عن سؤال والدتها فقال: «لا يعز عنكم شيء يا حبيبتى». قال ذلك ~~ومد يده إلى جيبه فاستخرج خاتما دفعه إليها وقال: «هذا هو سرنا فانظري إليه». # فتناولت الخاتم وتأملته فإذا هو مكتوب بحرف لا نعرفه فقالت: «أنه لا يزال سرا إذ لا ~~أستطيع قراءته». فقال: «أنا أقرأه لك ثم قرأ «النعمان ابن المنذر».». # فلم تفهم المراد فقالت : «وما معنى ذلك». # قال: «معناه أن نسبي الذي كان غامضا عنك وعني كان مختبئا في هذا الخاتم». # فانعمت فكرها في مغزى كلامه فأدركت أنه ينتسب إلى النعمان ولكنها استبعدت ذلك فقالت: ~~«العلك تنتسب إلى الملك النعمان». # قال: «بل هو أبي». وجعل ينظر إلى ما يبدو منها فرآها قد استغربت قوله ولا تزال في حال ~~البغتة ولكن الإعجاب والسرور ظهرا على وجهها معا على أن الأنفة والرزانة ms257 منعتها من إظهار ~~البغتة فقالت: «ومن أنبأك بهذا النسب وكيف خفي عنك إلى الآن». # قال: «لذلك حديث طويل سأقصه عليك في غير هذا المكان وإذا كان الخاتم لا يكفيك فانظرى إلى ~~هذا الرداء» وكشف عباءته عن برد النعمان وكان تحت أثوابه فنظرت إليه فلما تحققت نسبه ~~عظم في عينيها ولكن الاستغراب غلب عليها وهي تحسب نفسها في حلم. # ثم سمعا وقع أقدام من ناحية القصر فنظرا وإذا بوالدتها قادمة فأسرع حماد إلى الخاتم فخبأه ~~وطلب إلى هند كتمان الحديث الآن. أما هي فرغما عن رزانتها وتعقلها ودت أن تطلع والدتها على ~~ذلك الخبر. # أما سعدى فأنها جاءت مسرعة وفي وجهها خبر. # فنظرا إليها وهما يتوقعان خبرا فقالت: «لقد أطلت الغياب عليكما لانشغالي برسول قدم من ~~عند الملك جبلة ومعه هذا الكتاب» ودفعت الكتاب إلى هند ففضته فإذا هو من والدها يقول ~~فيه: «هل عرفتم شيئا عن ولدنا حماد وهل وفى نذره فاني أحب أن أراه قبل سفري إلى ~~الإمبراطور فقد أنفذ إلي رسالة بالذهاب إليه لمهمة سأقصها عليكم عند الاجتماع». # فقالت سعدى: «اكتبي إليه أنه جاء وقد وفى النذر». # فقال حماد: «أرى أن أسير إلى والدي وأجيء به ليتشرف بمعرفة الملك جبلة أيضا». # قالت: «حسنا تفعل» فعادوا إلى القصر وكتبوا إلى جبلة بذلك على أن يكون مجيئه في ~~الغد. # وكانت المائدة قد أعدت فتناولوا الطعام وركب حماد إلى دير بحيراء. # الفصل الثاني والسبعون # | كل سر جاوز الاثنين شاع # وأما هند فما زالت تفكر بما سمعته من حماد عن نسبه وأدركت والدتها فيها تغيرا ظاهرا ~~على وجهها يدل على شيء في نفسها تكتمه فلما كان المساء ذهبت هند إلى فراشها فجاءتها سعدى ~~وأخذت تجاذبها أطراف الحديث حتى باحت لها بالسر فلم تكن سعدى أقل استغرابا من هند وحسنت ~~لها أن تطلعا والدها على ذلك. # فلما جاء جبلة في ضحى الغد أنبأته بالخبر وكانت تتوقع منه ارتياحا واستحسانا ولكنها ~~رأت انقباضا فندمت على تصريحها بالسر وخافت أن يترتب على ذلك ما يسوؤها ms258 وكان خوفها في ~~محله. لأن جبلة ما لبث منذ سمع ذلك الخبر منقبض النفس غارقا في بحار التأمل لعلمه أن ~~حمادا إذا تزوج هند سيكون وريثه في الملك إذ ليس له ذكور يرثونه فإذا كان حماد من عامة ~~الناس بقي الملك باسم الغساسنة ولكنه رأى بعد علمه من انتسابه إلى المناذرة أن الملك ~~سيخرج به من الغساسنة إلى المناذرة فيكون قد سعى إلى زوال ملكه فارتبك في أمره فلم يعد ~~يعلم ماذا يعمل وود لو أنه زوج هندا لثعلبة إبقاء للحكم في عائلته ولكنه كتم ذلك كله ~~وتظاهر باستغراب ما سمعه. # أما هند فكانت تراعي والدها وتراقب حركاته وتنتظر ما يبد منه وقد انقبضت نفسها وأسفت ~~أسفا شديدا لما فرط منها. # وفيما هم في ذلك سمعوا قرقعة اللجام وصهيل الخيل عند باب الحديقة فأطلوا وإذا بحماد وفارس ~~آخر عرفوا أنه والده فخرجوا لاستقبالهما فلما وقع نظر حماد على جبلة هم بتقبيل يده ~~فمنعه وتعانقا وتقدم عبد الله إلى جبلة فصافحه وتعارفا ودخلوا جميعا إلى قاعة الجلوس ~~وأخذوا في الأحاديث المتنوعة إلا حديث النذر فأنه لم يدر بينهم أبدا. # فقالت سعدى لجبلة قلت لنا في كتابك أن الإمبراطور هرقل أنفذ يدعوك إليه فما الذي دعاه إلى ~~ذلك. # قال: «دعاه إليه اضطراب في جو السياسة أوجب اهتمامه في التأهب للحرب عاجلا». # فبغت الجميع واستعاذ حماد بالله وخاف أن يحول ذلك بينه وبين هند إلى أجل بعيد فقال: «وما ~~هو ذلك الاضطراب يا عماه». # قال: «لقد أنبأنا الجواسيس أن الحجازيين الذين جاؤنا منذ بضع سنين على ما تعلم وعادوا عن ~~مؤتة خاسرين قد استفحل أمرهم واتسع سلطانهم وتوفي نبيهم وخلفه بعض أصحابه فجند جندا ~~كبيرا أنفذه لقتالنا ولا يلبث أن يصل إلينا قريبا فبعث إلي هرقل بذلك فأرسل يستقدمني إليه ~~في حمص للمخابرة بشأن التجنيد وقد قيل لنا أن حملتهم هذه المرة ستكون أصعب مراسا من ~~الماضية وقد جاؤا فرقا يقودهم أعاظم القواد». # فقال عبد الله: «سمعنا إنفاذ ذلك الجند إلى العراق لحرب ms259 الفرس وليس للشام». # قال: «ذلك جند آخر بعثوه إلى العراق في العام الغابر أما الآن فأنهم عاملون على التجنيد ~~إلينا». # فقال حماد: «هل يرى سيدي العم أن غيبته ستطول هناك». # قال: «لا أدري مقدار طولها ولكنني أظنها طويلة». # قال: «نسير إذا في خدمتك». # قال: «لا أرى حاجة إلى ذلك والأولى أن تبقيا في بصرى ريثما أعود أو أبعث إليكما. أما سعدى ~~وهند وسائر أهل القصر فيسيرون معي خوفا عليهم من غائلة العدو وهم في هذا الخلاء». # فلما سمعت هند ذلك خفق قلبها وكادت الدموع تتناثر من عينيها وقد أدركت بأن والدها يضمر ~~السوء لحماد. # أما حماد فلم يكن أقل وجلا وهو لا يعلم ما في نفس عمه وظنه لم يعلم بحقيقة نسبه ولا ~~حدث ما يوجب نفوره ولكنه استعظم فراق هند بعد أن كاد يظفر بها على أثر ما قاساه من المشقة ~~والبلاء في سبيلها. # أما عبد الله فأدرك أن في الأمر شيئا جديدا أوجب هذا التباعد ولولا ذلك لم يكن ثمة ما ~~يمنع مسيرهم معه حيثما سار فخامره شك في كتمان حماد فنظر إليه بطرف خفي ففهم حماد مراده ~~فانتبه أنه أخطأ باطلاع هند على ذلك السر. # وشاركتهم في ذلك الإحساس سعدى لأنها أعلم الناس بأخلاق زوجها فقالت له: «إلا ترى أن ~~نسير جميعا معا وما الفائدة من بقاء حماد هنا». # قال: «بل أرى بقاءه هنا وسأخبرك عما يمنع ذهابه معنا». قال ذلك وفي كلامه غنة الجفاء ~~فسكتت وسكت الجميع. # ثم آن الغداء فتغدوا والسكوت سائد عليهم جميعا فلما نهضوا أمر جبلة أن تعد الركائب لمسير ~~زوجته وابنته معه في ذلك اليوم فشق ذلك على عبد الله ونفر من جبلة لما اتفق له معه في ~~المقابلة الأولى. وعول على تحويل عزم حماد عن هند كأنه لم يدر بما في قلبه من لواعج ~~الغرام وقد فاته أن الحب يتعاظم بنسبة ما يعترضه من العقبات. # فاستشار عبد الله حمادا في الانصراف فأجابه إليه رغما عنه ووقفا فتقدم حماد إلى عمه ~~وودعه ms260 وهو يكاد يشرق بدموعه وودعه عبد الله. وسار حماد إلى سعدى وهند يودعهما وكانتا قد ~~خلتا وهند تبكي وتنتحب ووالدتها تخفف عنها وتلتمس الأعذار لما ظهر من جفاء والدها فلما سمعت ~~وقع أقدام حماد خرجت هي فودعته واعتذرت عن هند أنها تشكو من صداع ألم بها حتى ~~أبكاها. # فأدرك حماد أنها شعرت مثل شعوره وترجح لديه أنها باحت بالسر ولم يلم إلا نفسه لأنه ~~لم يوصها بكتمانه. فقال والدمع يتلألأ في عينيه دعيني أرى هندا قبل ذهابي وإن تكن باكية. ~~وكانت هند قد استعدت للقائه فمسحت دموعها وحاولت إخفاء ما بها وخرجت إلى حماد وهي تتجلد ~~ومدت يدها وتجلد هو أيضا فودعها مبتسما وتحت ابتسامه غيظ يكاد يميزه ثم ودع سعدى وخرج ~~فلقي عبد الله في الحديقة ينتظر قدومه فركبا وحماد يلتفت وراءه يودع القصر وأهله وهو غارق ~~في لجج الهواجس فسارا مدة صامتين لا يفوه أحدهما بكلمة وكل منهما يفكر في أمر وحماد يراجع ~~في ذهنه حوادث ذينك اليومين ويتحرق ندما لما باح به من أمر نسبه وشعر بخطائه نحو عبد الله ~~لأنه لم يطعه في كتمانه فظل صامتا يتردد بين الخجل والفشل. # أما عبد الله فلم يبق عنده شك بتغير جبلة وفساد ما بنوه وضياع ما أملوه ولكنه لم يذكر ~~ذلك لحماد رفقا بعواطفه وعول على أن تثنيه عن عزمه فيما بعد. # الفصل الثالث والسبعون # | إن الله مع الصابرين # فلما دنوا من الدير قال عبد الله: «أترى يا سيدي أن نقيم في الدير أو نذهب إلى ~~بصرى». # قال: «لك الأمر ولكنني أرى بصرى أفضل لنا بعد ما سمعناه من حملة العرب الحجازيين». # قال: «الأمر إليك» وعرجوا نحو الدير باتوا فيه تلك الليلة على أهبة الانتقال إلى بصرى ~~ولم ينم حماد إلا قليلا لكثرة ما تراكم عليه من الهواجس. # فلما أصبحوا أخذوا يستعدون للركوب فذهب عبد الله لوداع الراهب وظل حماد وحده يشتغل في بعض ~~المهام وكان الوقت ضحى وفيما هو ينظر إلى خارج الغرفة رأى امرأة تنظر إليه ms261 فعرفها أنها ~~الجارية التي رافقت هندا إلى الصومعة يوم التقى بها المرة الأولى هناك فبغت لرؤيتها وهرول ~~إليها. # فقالت له: «أتعرف بائع الحلي؟» # فقال: «نعم وصلت». # فدفعت إليه منديلا كان في يدها وتحولت راجعة. # فقلب المنديل بين يديه فإذا هو رسالة قد كتبت فيها: «لا يضعفك عزمك ما رأيته البارحة ~~من والدي واصبر إن الله مع الصابرين». فعلم أنها رسالة من هند فأبرقت أسرته وانفرجت كربته ~~وطوى المنديل وخبأه ولكنه ود لو يعلم أين هي فيسير إليها يقيم بقربها يتنسم أخبارها فتذكر ~~أن والدها سائر إلى حمص لمقابلة هرقل فقال في نفسه (لا أظنه يحمل أهله معه إلى هناك ~~فربما خلفهم في البلقاء). وكان يفكر في ذلك وهو يتظاهر بالاستعداد للمسير فجاء عبد الله ~~فركبا وسارا إلى بصرى وأقاما في منزل بقرب السور عال مشرف فتذكر عبد الله يوم ثعلبة وموقفه ~~أمام رومانوس (روماس) حاكم بصرى وما كان من أمر الخاتم ولكن ثعلبة ضعف أمره وخرج من بصرى ~~فأقام في بعض القبائل الغسانية. ورومانوس ما زال حاكما هناك. وكان حماد قلقا على هند لا ~~يهدأ له بال ومما زاد الحالة ثقلا عليه لومه نفسه لإباحته بنسبه وقد عرف قيمة نصائح ~~عبد الله وتحقق أن الاختبار والمعاشرة تكسب المرء علما وحكما لا يدركهما بمجرد الذكاء ~~الطبيعي ومال بكليته إلى استشارة عبد الله في ذهابه إلى البلقاء وشعر بحاجته إلى سلمان ~~لأنه كان له به غنى عن تجشم تلك المشاق بنفسه ثم أجفل بغتة وخاف إذا استشار عبد الله ~~أن يشير عليه بترك هند وهو لا يستطيع ذلك ولا تسهل عليه مقاومته بعد أن اختبر صدق ~~نصائحه فكست وسلم الأمر لله. # أما عبد الله فكان يتجاهل عن كل ما يظهر على حماد من القلق ويدعوه حينا بعد آخر إلى ~~الخروج للصيد كما كانا يفعلان أول مجيئهما تلك الديار وكان حماد يسير معه لعله يوغل في ~~البرية فيقف على قادم أو غاد فيطلع منه على خبر هند أو والدها ولم يكن عبد الله ms262 يفاتحه في ~~خبرها إلا عرضا في أثناء كلامه عن قوات الروم ونحو ذلك فإذا آنس من الحديث اقترابا من ~~الموضوع تباعد عنه وهو يتوقع أن يفتر ميل حماد من تلقاء نفسه وكان حماد أكثر رغبة عن الخوض ~~في ذلك الموضوع لئلا يسمع نهيا أو نصحا يبعده عن هند. # فقضيا أشهرا على تلك الحال وهم لا يسمعون إلا باستعداد الروم لدفع المسلمين وإن جند ~~المسلمين وصلوا ضواحي الشام وأقام بعضهم في اليرموك وكان حماد كلما سمع خبرا من هذا القبيل ~~ازداد قلقا حتى لم يعد يصبر على البقاء في بصرى ومال إلى الخروج منها إلى البلقاء لعله ~~يعرف شيئا عن هند وعبد الله يشاغله تارة بالصيد وطورا بزيارة رومانوس صاحب بصرى وكان ~~رومانوس قد عرف منزلة عبد الله على أثر ما كان بينهما من أمر تسيير عبد الله إلى هرقل وما ~~لاقاه من العفو هناك. فكان يجتمع برومانوس وحماد معه ويخرج أحيانا إلى الراهب فيزوره ~~ويدعوه إلى زيارته. أما الناسك فسارا إليه مرة فلم يجداه. # الفصل الرابع والسبعون # | حصون بصرى # ففيما هما ذات يوم في ضواحي بصرى يطلبون الصيد قال حماد: «أرى الصيد قليلا في هذه ~~النواحي لوعرتها وقلة المرعى فيها إلا ترى أن نسير إلى البلقاء لعلنا نعثر على صيد ~~كثير». # قال عبد الله: «إن الصيد يكثر أحيانا ويقل أحيانا أما إذا شئت الذهاب إلى البلقاء ~~فالأمر إليك». # قال: «أرى في الانتقال خيرا». # وفيما هما يتحادثان رأيا سربا من الغزلان قادما من عرض البر لم يريا مثله قبلا فبغتا ~~فقال حماد: «ما هذه الغزلان إني أراها تطلبنا وذلك لم يتفق لي منذ طلبت الصيد». # فقال عبد الله: «إن مثل هذه الكثرة تدل على أمر خطير». # قال: «وماذا عسى أن يكون ذلك». # قال: «لا يجتمع هذا العدد منها ويسير في وجهة واحدة إلا فرارا من جند قادم فلعل جندا ~~من العرب قادم إلى بصرى». قال ذلك وصعدا إلى ربوة أشرفا منها على سهول بعيدة فرأيا غبار ~~يتصاعد عن بعد فقال عبد ms263 الله: «لقد صدق ظني». # فقال حماد: «أظنها جنود المسلمين قادمة لحصار بصرى فياليتنا خرجنا منها قبل الآن». # قال عبد الله: «إذا لم يكن لنا بد من ملجأ في هذه الديار خوفا من المسلمين فإن بصرى أحسن ~~المدن وأمنع الحصون واسمها يدل عليها فإن لفظها في الكلدانية معناه الحصن المنيع ألم تر ~~سورها من الحجر الصلد الذي لا تقطعه المعاول ولا تهدمه المجانيق وقد رأيت أبوابها فإن ~~منها يخرج اثنا عشر ألف فارس دفعة واحدة عند الاقتضاء فالمسلمون إذا فتحوا بصرى هان عليهم ~~فتح سواها فتربصنا داخل أسوارها خير لنا من الخروج إلى البلقاء أو غيرها. وزد على ذلك أن ~~أهل بصرى أشداء وهم أكثر الناس حرصا على دينهم وأشدهم دفاعا عن مدينتهم فإنها أعظم مراكز ~~التجارة بين الشرق والغرب لتوسطها بين الحجاز والعراق والشام ومصر». # فبغت حماد وعظم عليه الأمر وعلم أن أمر هند لابد من تأجيله إن طوعا وإن كرها وهب أنه ~~عزم إلى البلقاء أو دمشق فإن جبلة وقبائل غسان وجنود الروم أصبحوا في شاغل يشغلهم عن كل شيء ~~ولكنه أراد أن يتحقق قوة جند الروم ليرى قدرتهم على الدفاع. فقال وهو يدير رأس جواده نحو ~~بصرى وعبد الله يتبعه: «وما هي قوات الروم في الشام وكم مدينة مثل بصرى عندهم». # قال عبد الله: «اعلم يا سيدي أن ولاية سوريا أو هي ولاية الشام تقسم إلى 15 قسما أحدهما ~~بصرى وقوات الروم كبيرة وعدتهم كثيرة ولكنهم شغلوا عن دينهم بدنياهم واستولى عليهم ~~الانقسام. وما زالوا في هذا الحديث حتى وصلوا المدينة فرأوا أهلها في هرج والجند في حركة ~~يستعدون للدفاع فدخلوا الأسواق فرأوا الناس مجتمعين مثنى وثلاث ورباع يتساءلون عن الجند ~~القادم وأمارات الاستخفاف ظاهرة على وجوههم». # فقال عبد الله: «هلم بنا إلى منزلنا فأنه عال يشرف على الأسوار وما وراءها». # فسارا وقال حماد: «ما قولك برومانوس حاكم بصرى هل هو خائف أم مستخف». # فقال عبد الله: «لا أظنه خائفا وعنده مثل هذه الحصون وهذه القلاع فضلا عن ms264 العدة ~~والرجال ولكنني أظن الولاية ستخرج من يده إلى وال آخر جاء منذ أيام اسمه تراجان (ديرجان) ~~وهو بطل محنك وقد سمعت الناس يتحدثون بنفور بينهما وليس هذا وقت التنافر». # الفصل الخامس والسبعون # | رومانوس وتراجان # ومازالا بالحديث حتى وصلا المنزل فأطلا من بعض نوافذه فإذا بالغبار قد بان عن جند كثيف ~~تتقدمه الأعلام والفرسان. # ولم يكد يظهر جند العرب حتى تسابق الناس إلى الأسوار ينظرون إليهم وهم يهزأون بهم ~~وبألبستهم وسذاجة معداتهم وبعد قليل جاء رومانوس فوقف في بعض الأبراج ونظر إلى جند العرب ~~وقال لمن حوله من الضباط: «لا نرى أن نقفل أبواب بصرى أمام هذا الجند الضعيف ولكننا نخرج ~~إليهم فنحاربهم في هذا السهل ونردهم على أعقابهم». وأمر الجند أن يعسكروا خارج الأسوار ~~مقابل معسكر العرب. # فلما رأى عبد الله هذا التهور خاف العاقبة لما يعلمه من بطش العرب وصبرهم على القتال ~~وكانت له على رومانوس دالة كما تقدم فلما علم بعزمه على الخروج بالجند حدثته نفسه أن ~~ينصح له أن لا يفعل فسار إليه وحماد معه وقد علم أنه توجه إلى دار حكومته فلما وصل ~~الدار رآها غاصة بالجماهير من رجال الحكومة وكلهم راضون عن رأي رومانوس ولكنه لم ير تراجان ~~بينهم فلما رأى إجماعهم على ذلك علم أنهم لن يصغوا إلى كلامه فرأى أن يخاطب تراجان بالأمر ~~فسأل عنه فقيل له أنه في منزله فسار إليه وكان قد عرفه واجتمع به مرارا فاستأذن ~~بالدخول عليه فأذن لهما فدخلا فإذا بتراجان مقطب الوجه فلما دخل عبد الله رحب به تراجان ~~وكان يعرف العربية فجلس وجلس حماد إلى جانبه. # فقال تراجان: «هل تعرفون هؤلاء الحجازيين؟» # قال عبد الله: «لقد عرفناهم وحضرنا حروبهم غير مرة». # فقال: «وكيف رأيتموهم؟» # قال: «رأيناهم أشداء صبورين لا يعبئون بالعدة ولا بالكثرة». # قال: «إلا ترون الخروج إليهم خطأ». # قال عبد الله: «بلى يا مولاي وهذا ما جئنا به إليك فكيف تخرجون إليهم فتعرضون جندكم ~~لنبالهم وسيوفهم وقد كان لكم غنى عن ذلك بهذه الحصون ms265 المنيعة». # فتنهد تراجان وقال: «هكذا أراد رومانوس ولقد نصحت له فلم ينتصح وكأني به يلقي بجند ~~الروم إلى التهلكة». # فقال عبد الله: «أليس من سبيل إلى إقناعه؟» # قال: «كلا لأنه عنيد معتد بنفسه وسيكون فشله عظيما وإذا فشل فإنما يكون دمه على رأسه» ~~قال ذلك وهو يلاعب صليبا من الذهب معلقا بسلسلة في عنقه. # فآنس عبد الله في كلام تراجان لهجة الشماتة فسكت وودعه وخرج وحماد معه فلما خرجا قال ~~حماد: «ما ترى من أمر هؤلاء إني أخاف أن تعود العائدة على هذه المدينة فيصيبنا مما يصيب ~~أهلها». # قال: «وما العمل يا سيدي أنخرج إلى المسلمين». # قال حماد: «كلا إن خروجنا خيانة». # قال: «أرى أن نتربص لنرى ما يكون من حربهم». # وسارا حتى أتيا المنزل وكان الليل قد سدل نقابه فأطلا على معسكر العرب فإذا بهم قد نصبوا ~~الخيام وأوقدوا الوقود ونصبوا الأعلام. # فقال حماد: «ومن هو يا ترى أمير هذه الحملة ألعله خالد بن الوليد». # قال: «إن خالدا في العراق على ما علمت ولكن الأمراء غيره كثيرون». # الفصل السادس والسبعون # | فتح بصرى # وباتوا تلك الليلة والجند يستعد للخروج وفي الصباح أفاقوا على دق الأجراس وإذا بالجند ~~خارج وفيهم اثنا عشر ألف فارس والقسس أمامهم بالصلبان والمباخر فسار عبد الله وحماد إلى ~~الأسواق فرأوا الناس يسرعون إلى الكنائس يقيمون الصلاة باليونانية ويدعون لجندهم بالنصر ~~وصعد الكهنة على الأسوار بالصلبان والشموع ورشوا الجند بمياه المعمودية وأخذوا يرنمون ~~وينشدون الأناشيد المسيحية وفيهم الرجال والنساء والأولاد يدعون بصوت واحد بالنصر لجند ~~الروم. # أما جند العرب فكان قائده شرحبيل بن حسنة كاتب وحي النبي وجهه عبيدة بن الجراح في أربعة ~~آلاف فارس لفتح بصرى وكان عبيده قائدا عاما لجنود المسلمين في الشام ولاه القيادة العامة ~~الخليفة أبو بكر الصديق. # فوقعت بين الجيشين عدة وقائع ظهر فيها الرومانيون في بادئ الرأي ولم يعجب عبد الله لنصرة ~~الروم لما يعلمه من كثرة عددهم. # ففي ذات يوم التحم الجيشان فظهر الرومانيون واختل أمر المسلمين حتى كادوا يعمدون ms266 إلى ~~الفرار وعبد الله يراقب حركاتهم وحماد إلى جانبه وإذا بغبار يتصاعد من جهة الأفق وبان من ~~تحته جند عرفوا من نوع نظامه وشكل أعلامه أنه جند المسلمين فعلموا أنها نجدة جاءتهم ولم ~~يلبثوا أن رأوا في مقدمة ذلك الجند رجل ضخم عريض اللحية طويل القامة تخفق فوق رأسه راية ~~سوداء وهو خالد بن الوليد فاشتد أزر المسلمين وأعادوا الكرة فتقهقر الروم حتى دخلوا الأسوار ~~وأقفلوا أبواب المدينة فلقي تراجان رومانوس راجعا فذكره بنصيحته فغضب رومانوس لشماتته ~~به. # فلما علم عبد الله بما تمكن من النفور بين القائدين خاف سوء العاقبة. # وفي صباح اليوم التالي برز خالد يطلب النزال فنزل إليه رومانوس والناس ينظرون إليهما وما ~~يؤول إليه نزالهما وبعد براز طويل عاد كل منهما إلى معسكره فدخل رومانوس بصرى وعلى وجهه ما ~~يدل على تغير في مقاصده وقد فترت همته عن الدفاع فلحظ ذلك فيه الذين يعرفون أخلاقه وأما ~~عبد الله فاجتمع بحماد وقال: «إني خائف من هذا الرومي فوالله لا يلبث أن يسلم المدينة لأني ~~رأيت من مطاولته في النزال ما يوقع الشبهة فيه». # فقال حماد: «ولقد سمعت من بعض أصدقاء تراجان اليوم أنه جادل رومانوس ووبخه وشمت به لما ~~آل إليه خروجه فشق ذلك على رومانوس وتوعده بشر ينويه له» وقال له: «إذا كنت أفرس مني ~~نازلهم» فأجابه تراجان وشتمه وعلا الخصام بينهما وتحزب رجال الروم بعضهم لرومانوس وبعضهم ~~لتراجان وتوعدوا رومانوس بالقتل واتهموه بالخيانة وقالوا له لا نرضاك حاكما علينا وقد ~~ولينا تراجان فسكت ولم يجبهم وعلامات الغدر ظاهرة على وجهه ولكنه قال: «فلينزل هو ونرى ~~بطشه». # فلما أصبحوا نزل تراجان على جواده بعدته وسلاحه وطلب المبارزة فخرج إليه فارس علما من ~~لباسه وكبير جثته أنه خالد بن الوليد فطال النزال بينهما والجيشان ينظران وكأن على رؤوسهم ~~الطير فمضى معظم النهار ولم ينل أحدهما الآخر بشر فرجع كل منهما إلى معسكره. # فلما رجع تراجان إلى المدينة أسرع الناس للقائه وسؤاله عما لقي من عدوه وكان أول ms267 من ~~لاقاه رومانوس وقد نظر إليه مستهزئا ضاحكا كأنه ينتقم منه لشماتته به قبلا فانتهره ~~وعيره بأنه مخلوع فقال رومانوس: «سترى من هو المخلوع منا وتركه ومضى». # وكان عبد الله وحماد ينظران إلى ما دار بينهما فلما رأيا من رومانوس ما رأياه وسمعا ~~تهديده خافا فقال عبد الله: «لقد زاد خوفي الآن من مقاصد هذا الرومي فلا أظنه إلا فاعلا ~~شرا». # فقال حماد: «وما شأننا في ذلك». # قال عبد الله: «إنما يعنينا من الأمر المحافظة على حياتنا مخافة أن يدخل العرب المدينة ~~فيصيبنا منهم سوء ولا ناقة لنا في الدفاع ولا جمل إلا تظننا كنا آمن على حياتنا لو أقمنا ~~في دير بحيرا». # قال حماد: «وكيف نكون آمن هناك والدير لا حصن فيه ولا جند ونحن الآن في أمنع مدن ~~الشام». # قال: «لم أقل أن الدير أحصن من بصرى ولكنني علمت أن خليفة هؤلاء المسلمين لما خرج لوداعهم ~~يوم تسييرهم إلى الشام أوصاهم بالرهبان والديور خيرا فهم لا يسيئون راهبا ولا يخربون ~~ديرا». # فقال حماد: «لو ذكرت ذلك لفضلت البقاء في الدير ولكن السهم قد نفد ونحن الآن في بصرى وهي ~~في ما تراه من الحصار فما الرأي». # ففكر عبد الله قليلا ثم قال: «إن سر المسألة يا سيدي عند رومانوس هذا فلو استطعنا ~~استطلاع شيء منه لعلمنا طريق النجاة فأرى أن أسير إليه الليلة لعلي أتنسم خبرا». # قال: «حسنا تفعل». # وقضيا بقية يومهما في المنزل وبعد العشاء سار عبد الله إلى دار رومانوس وبقي حماد وحده ~~ولم يمض إلا القليل حتى عاد عبد الله وعلى وجهه ملامح البغتة. # فقال حماد: «ما وراؤك؟» # قال: «لا أظن الأمر إلا عظيما فإني سألت عن رومانوس في منزله فقيل لي أنه نائم فلم ~~أصدق أنه ينام الآن فخرجت استطلع خبره من بعض الحرس فعلمت أنه خرج إلى حيث لا يعلم أحد ~~ويخال لي أنه سار ليدبر مكيدة ويسلم بها المدينة و ...». # فقطع حماد عليه الكلام قائلا: «أجل أظنه سيفعل ذلك لأن هذا القصد ms268 كان ظاهرا على وجهه ~~فما الحيلة». # قال: «لا حيلة لنا يا سيدي إلا التربص إلى الصباح فإذا تحققنا عزمه على ذلك دبرنا حيلة ~~ننجو بها بأنفسنا». # وباتا تلك الليلة على مثل الجمر. # وفيما هما نائمان بعد نصف الليل سمعا طارقا يطرق الباب فهبا من رقادهما مذعورين فسألا ~~من الطارق فسمعا صوتا يقول: «افتحا إني أنا خادمكما سلمان». # فهرول عبد الله للحال ففتح الباب والبيت مظلم فإذا برجل عليه لباس أهل الحجاز وفي يده ~~مصباح فبغتا لمنظره ولكنه ناداهما إني عبدكما سلمان لا تخافا ورفع العمامة عن رأسه فبان ~~وعرفاه فصاح به حماد: «أين كنت يا سلمان وما الخبر». # قال: «جئت من معسكر خالد ولا يلبث هو ورجاله أن يستولوا على الأسوار فجئت لأعلمكم بالأمر ~~لتكونوا على بصيرة وهذا علم من أعلام المسلمين أنصبوه على باب منزلكم لتأمنوا من سيوفهم إذا ~~دخلوا المدينة». # فقال عبد الله: «بورك فيك أيها الصديق الأمين» فدخلوا جميعا وأوصدوا الباب وسأله حماد ~~أن يقص عليهم الخبر فجلس وهو يلهث من التعب والبغتة وقال: «أخبركما بالاختصار إن رومانوس ~~صاحب بصرى خرج إلى معسكرنا في هذا المساء من مكان في السور خرقه غلمانه فاعتنق الإسلام ~~وقال لخالد بن الوليد: «أرسل معي من تعتمد بتسليم المدينة» فأرسل معه عبد الرحمن بن أبى ~~بكر ومئة من المسلمين فجئت أنا معهم فأدخلنا من خرق في السور وأخذ الأمير عبد الرحمن ~~ورجاله إلى قصره ليسلحهم ويسير بهم لقتل تراجان وقال: «أنه مناظر له في الحكم» وكنت لما ~~جئت مع جيش خالد كما سأخبركم سألت الراهب الشيخ عنكما فأخبرني إنكما مقيمان في بصرى ودلني ~~على هذا المنزل فهرولت إليه لأعلمكما بجلية الخبر وأتيت بهذا العلم أنصبه فوق الباب حماية ~~لكما وبعد قليل تسمعان تكبير المسلمين على أسوار المدينة من كل جهاتها وهي علامة بينهم وبين ~~الجند خارجا فيهجم الجميع وتكون مذبحة هائلة». # فأثنيا على همته فترامى هو على يد حماد فقبلها وقال: «لقد وددت لو تكونون معي في معسكر ~~هؤلاء الحجازيين لتروا ما ms269 رأينا من شجاعتهم وصبرهم واتحاد كلمتهم واعلموا أن خالدا وجنده ~~لو لم يصلوا بصرى الآن لذهب جند شرحبيل أيدى سبا وارتدوا عن المدينة خاسرين فقد كانوا في ~~شدة وضنك لقتلهم وكثرة الروم». # فقال عبد الله: «وهل خالد وحده من القواد العظام». # قال سلمان: «وفيهم أيضا عبد الرحمن بن خليفتهم أبى بكر وهو الذي جاء معنا لاستلام ~~المدينة وغيره جماعة كبيرة من الأمراء والقواد». # ولقد رأيت من حربهم وبطشهم في العراق ما سأقصه عليكما إن شاء الله. # فهم حماد أن يسأله عما فعله خالد في العراق فسمعوا الضوضاء والضجيج وبين الأصوات صوت ~~التكبير. # فقال سلمان: «إن المسلمين الآن على الأسوار وعما قليل يفتح أولاد رومانوس أبواب المدينة ~~فيدخلها المسلمون فالبثا هنا لنرى ماذا يكون فما لبثوا أن سمعوا ضجيج الناس وبكاء النساء ~~والأطفال فتحركت الشفقة في قلوبهم وثارت الحمية في رؤوسهم ولكنهم لا يستطيعون الخروج خوفا ~~على حياتهم فما طلع النهار إلا وقد فتح المسلمون بصرى واعملوا بها السيف ثم سكنت الغوغاء ~~بعد قتل تراجان وتسليم أهل بصرى». # ففتح سلمان الباب وخرجوا إلى شرفة من شرفات المنزل تطل على الشارع فرأوا جثث بعض القتلى ~~هناك بين ميت ومنازع وقد تلطخت الأثواب بالدماء والمسلمون قد توغلوا في المدينة وامتلكوها ~~ولكنهم لم يقربوا منزل عبد الله لوجود العلم على بابه. # وفيما هم في الغرفة ينتظرون ما تنتهي إليه حال بصرى وقد اطمأن بالهم سأل سلمان حمادا عما ~~تم من أمر هند فأخبره بجلية الخبر وكيف شغلتهم الحرب عن الاقتران وعبد الله يسمع ويتجاهل ~~حتى انتهى إلى عودهم من صرح الغدير بخفي حنين وحاول حماد إذ ذاك أن يبين لسلمان أن عمه جبلة ~~أصاب بذلك وأنه لا يزال على حبه واعتباره وعبد الله لا يجيب ولا يعترض. # أما سلمان فتكدر لهذا التغيير وقال: «وما هو موعد الاقتران يا مولاي». # قال حماد: «لما تنتهي الحرب ويرجع جبلة وأهله إلى البلقاء». # قال: «ومن يعلم متى يكون ذلك». # قال: «الله يعلم». # قال: «أتعلم أين هم الآن؟» # قال: ms270 «أظنهم في البلقاء». # قال سلمان: «لا أظنهم هناك فقد أنبأنا جواسيس العرب أن جبلة سار برجاله إلى اليرموك ~~لنصرة جند الروم في حرب المسلمين ولا يلبث جند خالد بعد قليل أن يذهب إلى هناك لنصرة ~~المسلمين فإذا كان جبلة في اليرموك لا أظنه يترك أهل منزله في البلقاء وهي عرضة لغزوات ~~العرب». # فقال سلمان: «وما ظنك به إذا». # قال: «أظنه يرسلهم إلى دمشق ومع ذلك فإني أرى أن أسير مع خالد حتى آتي اليرموك وأبحث عن ~~جبلة وأهله وأعود إليكم بالخبر أو لعلي أعود إليك برسالة من هند» قال ذلك وتبسم كأنه يريد ~~أن يعبث بحماد فأجابه حماد بمثل ابتسامه وهو ينظر إلى ما يبدو من عبد الله فإذا به في ~~شاغل عنهم ينظر من نافذة الغرفة إلى الشارع والاهتمام ظاهر على وجهه وسمعا قرقعة اللجم ~~وضوضاء الناس فالتفتا إلى ما هو ناظر إليه فأول ما وقع نظرهما على راية سوداء تحتها جند من ~~العرب في وسطهم بعض الفرسان وفي مقدمتهم فارس كبير الجثة عريض اللحية طويل القامة بعيد ما ~~بين المنكبين واسع الهيكل كبير العمامة واسع العينين كثيف الحاجبين على وجهه أثر الجدري وقد ~~ركب على جواد أشهب خفيف العضل يتنقل بمشيته كالعروس ويكاد الشرر يتطاير من حدقتيه ووراءه ~~فرسان حولهم الأعلام وهم فرحون بما اوتوه من النصر فالتفت سلمان إلى عبد الله قائلا: ~~«أعرفت من هو هذا الفارس يا سيدي». # قال عبد الله: «قد عرفته من يوم كان في وقعة مؤتة وكنت أنا أسيرا عندهم أليس هو خالد بن ~~الوليد». # قال: «بلى هو هو بعينه انظر إلى هذه القامة وتلك الطلعة إن خالدا يا مولاي من معجزات خلق ~~الله لم أر ولم أسمع بمثل شجاعته وشدة بطشه فلا غرو إذا سموه سيف الله لقد رأيت منه ~~أعمالا تعجز عن فعلها الأبطال في حروبه بالعراق وسمعت من أخباره ما تشيب لهوله الأطفال ~~فقد كان قبل إسلامه هو المقدم على خيل قريش في الجاهلية فأسلم في السنة الثامنة للهجرة مع ms271 ~~عمرو بن العاص ولم يزل منذ أسلم يوليه الرسول أعنة الخيل في مقدمتها وقد علمت أن في عمامته ~~خصلة من شعر النبي يتبرك بها. وقد شهد وقعة مؤتة بالبلقاء وعلى أثر ما أظهره من البسالة ~~هناك سماه الرسول سيف الله ثم كان عونا عظيما للمسلمين في كل حروبهم حتى تولى أبو بكر ~~فأنفذه إلى فتح العراق كما علمتم». # قال عبد الله: «وما هذه الراية السوداء». # قال سلمان: «هذه راية ذات شأن عظيم عندهم ويقال لها راية العقاب». # قال حماد: «لم تخبرنا بما فعله المسلمون في العراق هل فتحوا المدائن ودوخوا ~~الفرس». # قال سلمان: «لو بقوا هناك لفعلوا ذلك ولكن خليفتهم استقدمهم لنجدة جند الشام ولولا قدوم ~~خالد على بصرى لما استطاع شرحبيل فتحها فقد وصلنا إليهم وهم في شدة وجهد وضيق». # الفصل السابع والسبعون # | فتح الحيرة # فقال حماد: «أخبرنا يا سلمان عما فتحه خالد من العراق وكيف رأيت حال الفرس». # قال: «أما خالد فأنه من أعظم القواد وخيرتهم وقد لقيته في الحيرة يوم فتحها وكان قبل ذلك ~~قد استولى على بلاد كثيرة بلا حرب لأن العراقيين قد ملوا من حكومة الفرس وظلمهم وعتوهم ~~واحتقروهم لاختلال أمورهم. فأول مكان وصل إليه خالد بلاد بانقيا وباروسما والليس فصالحه ~~أهلها على عشرة آلاف دينار سوى خرزة كسرى وهي فريضة كان يقتضيها الفرس عن كل رأس أربعة ~~دراهم. ثم ساروا إلى الحيرة وعليها إياس ابن قبيصة كما تعلمون (قال ذلك وتنهد) فأنه تولاها ~~بعد ما قضى الله من أمر مولانا رحمه الله» (فتنهد حماد وعبد الله وهما صامتان يسمعان حديث ~~الحيرة) فقال سلمان: «لم يكد يصل خالد الحيرة حتى خرج إليه إياس وسائر أشراف حكومته كأنهم ~~كانوا منه على موعد فاستقبلهم كما يستقبل الغالب المغلوب ودعاهم إلى الإسلام أو الجزية أو ~~الحرب فاختاروا البقاء على النصرانية ودفع الجزية فبلغت جزيتهم تسعين ألف درهم وقد أخبرني ~~بعض رجال خالد ممن يقرأون له القرآن أنها أول جزية أخذها المسلمون من الفرس. ثم تحولوا ~~عن الحيرة وحاربوا ms272 الفرس في عدة مواضع وفازوا في أكثرها وما فازوا فيه وقعة الثني ووقعة ~~الولجة ووقعة الليس كل ذلك قبل وصولي. # أما أنا فلما ودعتكم سافرت إلى الحيرة فوصلتها والناس يتحدثون بما تم من صلحها وأهلها بين ~~راض بالصلح وناقم على إياس وخصوصا الفرس منهم فقد سمعتهم يتذمرون وكاتبوا بذلك كسرى برويز ~~وكان يتولى عرش الأكاسرة إذ ذاك وشكوا ما كان من ضعف ابن قبيصة فأنفذ جندا بقيادة رجل من ~~مرازبته اسمه الازادبة لمحاربة العرب فوصل الجند وأنا في الحيرة وكان خالد قد برحها إلى ~~بلاد أخرى يلتمس الفتح ثم سمع الازاذبة بقدومه فخرج إليه وعسكر عند الغربيين وخرجت أنا ~~معهم وعلم أن خالدا ورجاله قادمون بالسفن بالفرات وأرسل ابنه ليقطع الماء عنهم فوقفت ~~السفن على اليبس فتركها خالد وخرج برجاله على الخيل حتى قتل ابن الازاذبة وتقدم خالد نحو ~~الحيرة. # ومن غريب الأتفاق أننا بينما نحن في الغربيين وصل ساعي البريد من المدائن يحمل كتابا إلى ~~المرزبان فلم يكد يفتحه ويقرأ ما به إلا وقد تغير لونه واستولى عليه الجزع فخاف كل من ~~رآه ولم نعلم ما دعاه إلى ذلك إلا في اليوم التالي إذ شاع في المعسكر إن كسرى برويز قد ~~مات فوقع الاضطراب في الجند وانشغل الازاذبة واضطرب ثم جاءه الخبر بمقتل ابنه وتقدم العرب ~~نحوه فتقهقر نحو الحيرة وعسكر العرب عند الغربيين. # أما أنا فلما رأيت اختلال أحوال الفرس قلت في نفسي لقد آن الوقت الذي فيه أستطيع القيام ~~بالمهمة التي جئت لأجلها فخرجت من الحيرة في ليلة ليلاء حتى أتيت معسكر العرب فالتمست ~~الأمان وإن أرى الأمير خالدا فأخذوني إليه فطلبت الخلوة به فخلونا فقلت اعلم أيها الأمير ~~أن حال الفرس في اختلال لموت ملكهم وانقسامهم فيما بينهم فقد صالحك ابن قبيصة وهو على صلحك ~~مع سائر العرب وأما الفرس فهم في شاغل عن الحرب بارتباك داخليتهم وأطلعته على خفايا كنت ~~عالما بها فسر بي كثيرا وأثنى علي فقلت في نفسي هذه فرصة أغتنمها لحفظ ما ms273 لمولاي هناك من ~~الأموال والعقار وكنت قد تفقدت المزارع فرأيت الجميع في انتظار عود الأمير عبد الله فطيبت ~~خاطرهم وقلت لهم إني إنما أتيت الحيرة لتفقد حالهم وأوصيتهم بالعناية في استغلال الأرض فلما ~~آنست من خالد ارتياحا إلى خدمتي التمست منه حماية تلك المزارع فوعدني. وقبل هجومهم على ~~الحيرة أخذت علما مثل الذي نصبته على هذا البيت ونصبته هناك وبعد قليل هجم المسلمون على ~~المدينة ففتحوها فظللت في معية خالد حيثما ذهب. # ويسرني أن أخبركم بأن سقوط الحيرة كاد يقضي على دولة الفرس كلها لأن الدهاقين وهم ولاة ~~الفرس كانوا ينتظرون ما يكون من حرب الحيرة فلما علموا بسقوطها وهنت عزائمهم فجاءوا وصالحوه ~~وسلموا إليه فأخذ الجزية منهم وكتب إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام ويهددهم بالقتال فلم ~~يكن يمر يوم لا نرى الناس قادمين زرافات ووحدانا وخصوصا عرب العراق وهم النصارى وبعد قليل ~~سار خالد وأنا معه ففتح الانبار ثم عين التمر وغيرهما وقد لحظت منه أنه لم يتجرأ على ~~المسير إلى المدائن قبل الاستعداد الكافي. # وفيما هو في ذلك ورد عليه كتاب من الخليفة أبي بكر يأمره بالذهاب إلى الشام لنصرة جند ~~العرب على فتحها فجئت أنا معه حتى أتينا بصرى وهي محاصرة وأنا لا أعلم مقركما فخطر لي أن ~~أسأل راهبنا الشيخ فأخبرني بمقامكما هنا فتربصت حتى تم الفتح كما قدمت». # وكان عبد الله وحماد صامتين يصغيان لما يقصه عليهما سلمان فلما انتهى إلى هناك قال حماد: ~~«وما ظنك بتتمة فتح العراق فان خالدا لم يفتح منها شيئا كثيرا والمدائن لا تزال على ما ~~هي والفرس لا يزالون حاكمين». # قال: «رويدك يا سيدي إن العرب لا يلبثون أن يعيدوا الكرة وأظنها تكون القاضية وخالد لم ~~يأت بصرى إلا مددا لجند الشام فطب نفسا إن الله سيتم انتقامه من أولئك الطغاة». # فقال عبد الله: «وما العمل الآن». # قال سلمان: «أرى يا سيدي أن أبقى أنا مع خالد كما كنت فأسير معه إلى اليرموك فقد سمعت أن ~~العرب معسكرون ms274 هناك يتوقعون قتالا شديدا وسيسير خالد لنجدتهم». # فقال حماد: «وأين اليرموك؟» # قال: «هي على مقربة منا غربا على نهر يقال له نهر اليرموك يصب في نهر الأردن وقد عسكر ~~العرب عند مائه». # فتنهد حماد وفي نفسه شيء يكتمه. # فأدرك سلمان أنه يفكر بهند وجبلة فقال: «ولا بد من أن يكون جبلة مع جند الروم إذا جاء ~~اليرموك فلا أعدم وسيلة استطلع بها مقر هند فأبعث إليكم بخبرها». # فقال حماد: «إلا ترى أن نسير جميعا مع خالد». # قال سلمان: «لا أرى حاجة إلى ذلك بعد أن أوعز إليك جبلة بالإقامة هنا ريثما يبعث إليكم ~~فلعله أن يفعل ذلك وأنتم بعيدون عنها فتفوت الفرصة وأما إذا سرت أنا وبقيتما أنتما هنا ~~فنكون قد أمسكنا الحبل من الطرفين». # أما عبد الله فظل صامتا وحماد ينظر إليه فأدرك أنه غير راض عن كلام حماد. # فقال: «ما رأيك يا والداه». # فقال عبد الله: «الرأي رأيك يا سيدي ولكنني أرى جبلة وأهل منزله لا يهمهم شيء من أمرنا ~~أقمنا في بصرى أم رحلنا عنها يدلك على ذلك سكوتهم عنا وقد أصاب بصرى ما أصابها من الحرب ~~ولولا ذلك لبعثوا يفتقدوننا». # فقال حماد: «ولا نظنهم علموا بما آلت إليه حالتنا وهب أنهم علموا فكيف يستطيعون الوصول ~~إلينا والمدينة محاطة بالعدو». فلما رأى حمادا يدافع عن جبلة قال: «لعل لهم عذرا» ~~وسكت. # ثم خرج سلمان إلى معسكر خالد ليرى ما تم عليه الأمر فرأى العرب قد ولوا رومانوس بصرى ~~وأخذوا يستعدون للمسير فعاد فأخبر عبد الله وحمادا بذلك وهم بوداعهما فقال له حماد : «لا ~~أرى أن أوصيك بإنفاذ خبر جبلة إلينا على عجل واطلاعنا على ما تم لأهل بيته وأين هم». # قال: «سمعا وطاعة وسيأتيك الخبر سريعا» ثم ودعهما وخرج. # ولم يكن سلمان أقل من حماد قلقا على هند وقد شارك عبد الله في ارتيابه من جبلة فعول ~~على استطلاع كنه الأمر وإنفاذ ذلك إلى سيده وفي اليوم التالي أقلع خالد وشرحبيل وجنداهما ~~إلى اليرموك. # الفصل الثامن والسبعون ms275 # | وقعة اليرموك # ولما تكامل جمع المسلمين في اليرموك بلغ عددهم 26 ألفا منهم تسعة آلاف بقيادة خالد فيهم ~~ألف من الصحابة من جملتهم مئة ممن شهدوا وقعة بدر الكبرى ومن قوادهم أبو عبيدة بن الجراح ~~وعمرو بن العاص وشرحبيل وأبو سفيان بن حرب وكانت الحرب بينهم وبين الروم قبل قدوم خالد ~~تساندا أي كل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد. # وكان أبو بكر قد ولى خالدا القيادة العامة على جند الشام كافة والناس يحسبون أبا عبيدة ~~الجراح أولى منه بتلك القيادة فوقع بين المسلمين اختلاف من هذا القبيل فلما جاءهم خالد ~~حاول جمع كلمتهم وقد أدرك ما في نفوس بعضهم فوقف في الجماهير وقد اجتمع الأمراء حوله وقال: ~~«إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغى فيه الفخر ولا البغي أخلصوا جهادكم وارضوا الله بعملكم ~~فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة وانتم متساندون فإن ذلك لا يحل ~~ولا ينبغى وإن من ورائكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا فاعلموا فيما تؤمروا به بالذى ~~ترون أنه رأى من واليكم ومحبته». قالوا: «هات فما الرأي». قال: «إن أبا بكر لم يبعثنا ~~إلا وهو يرى أنا سنتياسر ولو علم بالذى كان ويكون لما جمعكم إن الذي أنتم فيه أشد على ~~المسلمين مما قد غشيهم وانفع للمشركين من إمدادهم ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم فالله ~~الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان من الأمراء ولا يزيده عليه أن ~~دانوا له. إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # هلموا فان ~~هؤلاء قد تهيئوا وإن هذا يوم له ما بعده إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم وان ~~هزمونا لم نفلح بعدها فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد ~~حتى تتآمروا كلكم ودعوني أتآمر اليوم». فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم وان الأمر لا ~~يطول. # فعجب سلمان لجسارة خالد وحزمه ms276 ولكنه أخذ منذ وصوله يحاول الخروج إلى معسكر الروم ليرى ~~جبلة أو يسمع خبرا عن هند فصعد إلى ربوة على ضفة ذلك النهر ونظر إلى معسكر الروم فرآه قد ~~ملا الفضاء وفيه الرايات والصلبان فأمعن نظره فيه فرأى معسكر الغسانيين منفصلا إلى جانب ~~وشاهد راية جبلة وفسطاطه في وسطه فحدثته نفسه أن يسير إليه ولكنه خاف أن يستغشه ~~المسلمون إذا رأوه فيوقعوا به شرا فرأى أن يذهب إليهم بحيلة الجاسوسية فعول على أن يخاطب ~~خالد في ذلك فسار إلى فسطاطه فرأى الأمراء تتزاحم فيه وقد اجتمعوا للمفاوضة في أمر الحرب ~~فهاب الدخول مخافة أن يسمع انتهارا فصبر حتى أرفض الجمع وبقي خالد وحده فالتمس الدخول ~~عليه فأذن له فدخل وقبل يده فقال خالد: «ما خبرك». قال: «هل يأذن لي مولاي بكلمة لعل فيها ~~نفعا». # قال: «قل». # قال: «هل بعثتم من يستطلع أخبار العدو يسير قواتهم ومواقعهم وعدد جندهم». # قال: «لقد فعلنا ولكنني أرى أنك أجدرهم بذلك». # قال: «إني عبد مطيع فإذا رأيت أن أسير في الأمر فعلت». # قال: «سر وافعل». # فقبل يده وخرج فتزيا بزي الغسانيين وسار حتى اختلط بالغسانية فالتقى بأناس عرفهم في ~~البلقاء فظنوه كان معهم من ذي قبل فأستطلعهم خبر هند فعلم أنها مع والدتها في دمشق ثم ~~استخبر عن قوات الروم فعلم أنهم في كثرة وفيهم عشرون راية بعضها لأهل الدولة وبعضها للنجدات ~~من الأرمن والسريان والمصريين وإن جملة الجند 240 ألفا ما عدا العرب المتنصرة من الغساسنة ~~وغيرهم فوقعت في نفسه من ذلك رهبة وخاف انتصار الروم وتردد في الرجوع إلى خالد ولكنه قال ~~في نفسه اذهب الآن إلى المسلمين فإذا رأيت فيهم تضعضعا فررت إلى الغساسنة. # فلما سدل الليل نقابه عاد إلى معسكر المسلمين وأطلع خالد على حال الروم. # فقال خالد: «لا يهمنا أمر كثرتهم فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله». # فقال سلمان: «ليست القوة في الكثرة يا مولاي ولكنها في الاتحاد فقد علمت أن هؤلاء الجند ~~منقسمون فيما بينهم لاختلاف ms277 أغراضهم ومشاربهم». ثم ودعه وخرج وهو يفكر في طريقة يوصل بها ~~خبر هند إلى حماد. # فلما أصبح الصباح سمع التكبير والأذان في معسكر المسلمين وقد قام الناس وقعدوا وأخذوا ~~يتأهبون للقتال فوقف ينظر إلى كيفية نظامهم فرأى خالدا قد وقف في وسط الأمراء وأمر أن تنظم ~~الجيوش كراديس فقسم الجند 26 كردوسا وجعل قلب الجند كراديس وأقام فيه أبا عبيدة وجعل ~~الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وشرحبيل ابن حسنة وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن ~~أبي سفيان وجعل على كل كردوس رجلا من الشجعان. وفيما خالد يعبئ الجند على هذه الصورة سمع ~~بعضهم يقول ما أكثر الروم وأقل المسلمين فقال خالد: «بل قل ما أقل الروم وأكثر المسلمين ~~إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان فو الله لوددت أن الأشقر (يعنى فرسه) براء من توجيه ~~وأنهم أضعفوا في العدد» وكان الأشقر قد حفي في مسيره. ثم أمر أن يبدأوا القتال فحاذر سلمان ~~أن تصيبه نبلة فتنحى وهو خائف أن تعود العائدة على المسلمين لقتلهم وكثرة الروم فوقف في ~~منعطف يؤدي إلى جند الغساسنة فرأى على مقربة منه رجالا من جند المسلمين وقوفا فتأملهم ~~فرأى بينهم أبا سفيان وكان قد عرفه في بعض أسفاره مع سيده عبد الله إلى الحجاز فتذكر ما ~~كان من حديثه في بيت المقدس وكان قد رآه يوم اعتناقه الإسلام عند فتح مكة فاستغرب وقوفه ~~هناك والحرب منتشبة فدنا منه وأبو سفيان لا يراه فسمعه يخاطب رفقاءه فيقول: «يا مشيخة ~~قريش ومهاجري الفتح (وهم الذين هاجروا يوم فتح مكة وأسلموا) لا يهمنا من هذه الحرب إلا ~~الانحياز إلى الغالب فإذا غلبت الروم كنا معهم وإذا انتصر المسلمون فإننا معهم». فعجب سلمان ~~لكلامه وعلم أنه إنما أسلم خوفا على حياته لا رغبة في الإسلام ولكنه ظل في ريب من هذا ~~الأمر فأصاخ بسمعه لما يقوله بعد ذلك فرآه إذا تقهقر العرب وتقدم الروم قال: «إيه يا بني ~~الأصفر». (يعنى الروم) وإذا مالت الروم وتقدمت العرب قال: «ويح بني ms278 الأصفر» ولم يكد أبو ~~سفيان يتم كلامه حتى صاح بأعلى صوته آه فنظروا وإذا بنبلة أصابت إحدى عينيه ففقأتها فقال ~~سلمان في نفسه (لقد نال هذا الرجل جزاءه) وخاف سلمان البقاء هناك لئلا يصاب بنبلة فسار إلى ~~ناحية أخرى والحرب قد حمي وطيسها فرأى بريدا قادما من جهة البلقاء فعرف صاحبه وكان قد ~~عرفه في الحجاز فعلم أنه بريد قادم من المدينة بخبر جديد فتفرس سلمان في صاحب البريد فرآه ~~مسرعا وعلى وجهه أمارات البغتة فناداه فوقف فقال سلمان: «هل تريد الأمير خالد؟» قال: «نعم ~~أين هو؟» قال: «في المعمعة ولكني أوصلك إلى فسطاطه» فسارا معا وعينا صاحب البريد على ~~الجند وحركاته فلما رأى جند العرب ظافرا لم يتمالك أن قال: «ألم يكن مقدورا لأبي بكر أن ~~يسمع بخبر هذا النصر قبل موته» فقال سلمان: «وهل مات أبو بكر؟» # قال: «نعم لقد مات وأنا إنما جئت بخبره». # فقال سلمان: «ومن تولى بعده؟» # قال: «تولى الإمام عمر بن الخطاب وهو رجل ذو بطش وقوة وحزم». # فبغت سلمان لذلك الخبر وقال: «ألا تظن وفاته تؤثر شيئا في مجرى الأحوال». # قال: «كلا ولكن عمر يفضل أبا عبيدة على خالد وقد أنفذني بعزل خالد عن قيادة هذا الجند ~~وتولية أبي عبيدة على أنني لا أرى أن أبلغهم الخبر قبل انقضاء الواقعة لئلا يفشلوا أو ~~يختلفوا فيما بينهم». فقال سلمان: «حسنا تفعل فقل لي ما الذي حمل الخليفة عمر على نقل ~~القيادة إلى أبي عبيدة ألعله أشجع من خالد». # قال: «كلا ولكن أبا عبيدة رجل كريم الأخلاق لين سهل حليم رءوف وهو أقدم في الإسلام من ~~خالد والقيادة تحتاج إلى حكمة وتأن أكثر من حاجتها إلى الشجاعة». # قال سلمان: «نعم ولكنني علمت أن النبي سمى خالد «سيف الله» أفليس هو أحق بالقيادة». ~~قال: ولكنه # صلى الله عليه وسلم ~~«سمى أبا عبيدة «أمين الأمة» وكان يحب صحبته والالتصاق به والحق ~~يقال أن كليهما فرد ولكن للخليفة رأيا في ذلك فأنه ساخط على خالد بسبب حكاية وقعت ms279 منه في ~~أيام أبي بكر». # فقال سلمان: «هلم بنا نجلس في مأمن ريثما تنقضي الحرب لأنهم إذا رأوك لا ينفكون عن سؤالك ~~حتى تخبرهم بموت أبي بكر وعزل خالد». # فاستحسن صاحب البريد الرأي وعرج مع سلمان إلى شجرة تواريا وراء جذعها فأخذ سلمان يستفهمه ~~عن كيفية موت أبي بكر وولاية عمر. # فقال صاحب البريد: «لما أحس مولانا الخليفة أبو بكر بدنو الأجل واأسفاه عليه دعا كاتبه ~~عثمان بن عفان وقال له أكتب.. # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قحافة إلى المسلمين أما بعد ... # ثم أغمى عليه وكان عثمان وسائر الصحابة لا يرون أحق في هذه الخلافة من عمر ~~بن الخطاب لاشتهاره بالعدل والحزم فأتم الوصاية عثمان من عند نفسه فكتب ~~... أما بعد فقد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا. # ثم أفاق أبو بكر من غشيته فقال لعثمان: «اقرأ». فقرأ ما كتبه فكبر أبو بكر وقال: «أراك ~~خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي هذه». قال: «نعم» قال: «جزاك الله خيرا عن الإسلام ~~وأهله» ثم قرأوا هذا العهد على الناس ولما قبض أبو بكر بايعوا عمر وهو الآن خليفة رسول ~~الله وقد سموه أمير المؤمنين تخلصا من تكرار لفظ خليفة لمن يتولى الخلافة بعده». # وفيما هما في الحديث وأعينهما شائعة نحو المعركة رأيا جند الروم قد تقهقروا وعبر العرب ~~خندقهم واستولوا على أسلابهم وفر الروم ومن نصرهم من العرب المتنصرة وغيرهم وتم النصر ~~للمسلمين ولم يمض إلا القليل حتى عاد المسلمون بالغنائم من الأثاث والحلي والأسلحة ~~وغيرها. فمشى سلمان وصاحبه نحو فسطاط خالد فرأياه عائدا وحوله الأمراء على غير نظام لما ~~دار بينهم من أحاديث النصر. # فحالما وقع نظر خالد على صاحب البريد عرفه فبعث إليه فتبعه إلى الفسطاط فأذن بدخوله ~~فدخل وأنبأ خالدا بموت أبي بكر وخلافة عمر وعزله وولاية أبي عبيدة فأوصاه خالد بكتمان ~~الخبر عن كل إنسان. # أما سلمان فإنه عاد إلى مشاغله بأمر هند وشق عليه انهزام جبلة وخاف ms280 أن يكون قد قتل ثم ~~علم ببقائه حيا فمال بكليته للذهاب إلى حماد يطلعه على ما علمه عن هند ولكنه أراد ~~استطلاع نية المسلمين ووجهة مسيرهم قبل ذهابه فقضى أياما يبحث عن ذلك فعلم أنهم عازمون ~~على دمشق فخاف على هند لعلمه أنها فيها وود لو يعلم أين والدها وما هو عازم عليه بعد شخوص ~~العرب إلى الشام فعول على استطلاع ذلك من جبلة وقد علم بانهزامه فخرج من معسكر العرب ~~يبحث عن جهة مسيرة فقيل له أنه سار في جملة منهزمي الروم إلى حمص والإمبراطور هرقل فيها ~~فقصد حمص. # الفصل التاسع والسبعون # | خبر مفاجئ # تركنا حمادا وعبد الله في بصرى ينتظران عود سلمان بخبر اليرموك ومقام هند. وحماد كثير ~~القلق لا يرتاح له بال على هند وقد حدثته نفسه بشر أصابها أو بفشل يتهدده على أثر ما ~~قاساه في سبيل الحصول عليها من الأسفار والأخطار وتهيأ له أنها خرجت من يده وذهبت مساعيه ~~كلها أدراج الرياح فعظم عليه الأمر فآنس في نفسه ميلا إلى المسير إليها واستطلاع ما في ~~نفسها من قبله ولكنه لم يكن يعرف مقرها فلبث ينتظر رجوع سلمان بالخبر اليقين. # وكان يتلاهى بالخروج للصيد ونحوه وهو لا يهدأ له بال وأدرك عبد الله فيه ذلك وهو يتجاهل ~~وينتظر أن ينفر حماد من هند ويلتمس العدول عنها من تلقاء نفسه وقد فاته قول القائل: # وإذا تألفت القلوب على الهوى # فالناس تضرب في حديد بارد # فكان يصاحبه إلى الصيد ويكثر من محادثته في شؤون مختلفة إلا مسألة هند فأنه لم يكن ~~يفتحها قط. ولم تمض أيام حتى سمعا بانهزام الروم في اليرموك فصارا يتوقعان سرعة رجوع ~~سلمان. # ففي ذات يوم نهض حماد صباحا وأخذ يتأهب للخروج إلى الصيد وفيما هو يفتش بين أثوابه ~~وسلاحه عثر على الدرع التي ألبسته إياها هند يوم السباق ولم يكد ينظر إليها حتى اختلج ~~قلبه لما مر في ذاكرته من حوادث الحب فعظم عليه احتباسه في بصرى لا يعلم مقر حبيبته مع ~~ما ms281 ظهر له من جفاء والدها وفتور والده (عبد الله) وما قام من الحروب مما زاد الأمر ~~أشكالا. فوقف برهة ينظر إلى الدرع ويقلبها بين يديه وهو غارق في بحار الهواجس حتى غلب ~~عليه اليأس وكادت الدموع تتناثر من عينيه وكان عبد الله غافلا أو متغافلا عن ذلك وقد خرج ~~لقضاء حاجة له وترك حمادا في الغرفة وحده. # فلم يكد حماد يخلو بنفسه حتى سمع صهيل جواد غير جواده وغير جواد عبد الله فانتبه بغتة ~~وأطل من النافذة فإذا براكب ترجل ودنا من الباب وهو في ريب من أمر أهله فأمعن حماد نظره ~~فيه فلم يعرفه فلاقاه الرجل بالباب وقال: «هل هنا منزل الأمير عبد الله العراقى؟» # قال حماد: «نعم هو هنا». # قال: «وأين ابنه الأمير حماد؟» # قال: «هو أنا ماذا تريد؟» # قال: «إن بعض الناس في حاجة إليك ينتظرونك في دير بحيراء». # فلما سمع حماد ذكر الدير خفق قلبه واستبشر بقدوم القادم فقال للرسول: «إني سائر إلى هناك ~~على عجل فودعه وركب وعاد حالا». # فأسرع حماد في لباسه قبل أن يأتي عبد الله ولكنه لم يكد يخرج حتى لقيه عبد الله فاستغرب ~~ركوبه قبله فاعتذر بأنه يود الخروج لزيارة الدير وحده فأذعن له وهو في ريب من ~~الأمر. # فهمز حماد جواده ولم يقف إلا أمام باب الدير فرأى هناك فرسا عرف أنه من أفراس أهل صرح ~~الغدير فاستبشر ودخل الدير يطاول بعنقه ويحدق بعينيه فرأى امرأة عرفها لأول وهلة أنها من ~~خادمات هند وهي التي حملت إليه الرسالة الأولى قبل ذهابه إلى بصرى. # فحيته وهمت بتقبيل يده فرد السلام ولسان حاله يقول قولي ما خبرك. فمشت أمامه إلى غرفة ~~هناك فتبعها فلما وصلا الغرفة مدت يدها إلى أثوابها واستخرجت منديلا دفعته إليه وهي تقول ~~إن سيدتى هندا تسلم عليك وقد أرسلت إليك هذا المنديل. فقلب المنديل بين يديه فإذا فيه ~~كتابة كتبت بالدم بالأحرف النبطية وهي قولها: «لم نكد نفرح بنجاتنا من ذلك الثعلب حتى عاد ~~إلى مصاحبة والدي وعاد ms282 إلى مطلبه الأول وأنت تعلم أن الموت أهون مراسا علي من ذلك ~~فأدركني قبل فوات الفرصة فإني مقيمة في دمشق ولعل حامل كتابي أن يفيدك إيضاحا». فلم يفرغ ~~من قراءة هذه الكلمات حتى ارتعدت فرائصه والتفت إلى المرأة يستطلعها الخبر فقالت: «إن ~~مولاتي هندا مقيمة في دمشق في منزل قرب كنيسة مريم وقد بعثتني بهذا الكتاب وأوصتني بأن ~~أسلمه إليك يدا بيد في هذا الدير فبعثت الرجل حتى أتى بك من بصرى وهذا هو الكتاب». # قال: «نعم قد قرأته ولكنني لم أفهم حقيقة المراد فهل ثعلبة الآن في دمشق». # قالت: «كلا بل هو مع سيدي جبلة في جند الروم بحمص». # قال: «وما الذي جمعه بالأمير جبلة وقد كنت أعلم أنهما متخاصمان». # قالت: «نعم إنهما كانا متخاصمين ولكنهما تصافيا بعد انكسار جنودهما في واقعة ~~اليرموك». # فقال حماد: «وكذلك يتصافى العدوان إذا أصيبا بسوء معا. وماذا جرى بعد ذلك». # قالت: «وكنا مقيمين في دمشق مع سيدتي هند ووالدتها وسائر الحاشية كما ذكرت لك فلم ندر ~~إلا وكتاب وارد من سيدي الأمير جبلة إلى سيدتي الأميرة سعدى ينبئها بقرب قدومه مع ثعلبة ~~إلى الشام لعقد اقترانه على هند في أثناء مهادنة العرب فلم تتمالك سيدتي عند تلاوة الكتاب ~~عن أن تخبر هندا به فأسرت سيدتي هند إلي واقعة الحال وبعثتني في هذه المهمة وأوصتني أن ~~ألقي إليك الأمر كما وقع لتتدبر في إنقاذها فأنها تفضل الموت على الاقتران به». # فلما سمع حماد ذلك الحديث ثارت الحمية في رأسه واتقدت نيران الغيرة في قلبه وود لو أن ~~له أجنحة ليطير إلى دمشق حالا ولكنه لبث برهة يفكر ثم قال للمرأة: «وأين ثعلبة ~~الآن». # قالت: «هو مع سيدي جبلة بجوار حمص ولكنني أظنه أقلع قاصدا دمشق». # فازداد قلقا وأخذ يخطر في الغرفة ذهابا وإيابا ثم قال لها: «ارجعي إلى سيدتك وأخبريها ~~إني قادم إليها على عجل وربما وصلت دمشق قبلك». # قالت: «وماذا يؤكد لها إني لقيتك وقصصت عليك الخبر إلا تذكر لها علامة تبين لها ms283 ~~ذلك». # ففكر قليلا ثم قال: «قولي لها إن صاحب البرد والخاتم قادم إليك وهذا يكفي». # فودعته وركبت وركب الخادم ورجعا. # أما هو فوقف يفكر في حاله مع عبد الله وتردد بين أن يعود إلى بصرى فيخبره بجلية الخبر أو ~~أن يسير توا إلى دمشق فلبث برهة في حيرة حتى خاف أن تفوته الفرصة فذهب إلى غرفة الراهب ~~الشيخ فإذا هو متكئ فحياه فرحب به وسأله عن أمره فقال: «لقد جئتك بوصية أرجو أن تبلغها ~~إلى الأمير عبد الله». # قال: «وما ذلك». # قال: «إذا لقيته قل له إني سرت إلى دمشق لأمر هام وسأعود إليه فإذا استبطأني فليدركني ~~هناك». # قال: «سأفعل ذلك إن شاء الله». # وودعه حماد وخرج على جواده قاصدا دمشق. # الفصل الثمانون # | هند في دمشق # فلنترك حمادا سائقا فرسه إلى دمشق ولنذكر ما تم لهند بعد سفرها في صرح الغدير فقد ~~تركناها بعد وداع حماد حائرة منقبضة النفس وقد خافت ذاهب آمالها أدراج الرياح لما آنسته من ~~جفاء والدها على أثر ما سمعه عن نسب حماد. فلم يكد يتوارى حماد عن عينيها حتى أحست بانخلاع ~~قلبها فانزوت في غرفتها وعادت إلى البكاء وكان والدها في شاغل يأمر أهل القصر بالاستعداد ~~للمسير في صباح الغد فجاءت سعدى إلى غرفة هند وقد أدركت حالها وتوقعت بكاءها فأخذت تطيب ~~قلبها وتواسيها بالوعود وهند لا تزداد إلا بكاء فقالت سعدى لا يفيدنا البكاء يا ولداه ~~وإنما نحن في موقف حرج لا بد لنا فيه من الحكمة فاصبرى وتبصرى عسى أن تكون العاقبة ~~خيرا. # فتنهدت هند وصاحت بها: «دعيني يا أماه لقد كفاني ما قاسيته من أنواع الشقاء وما سمعته ~~من الوعود فقد كان عذركم في رفضه جهلكم نسبه ثم قبلتموه على غموض نسبه فما بالكم وقد ~~علمتم بشريف أصله تترددون أليس ذلك لسوء حظي وللشقاء الذي كتبه الله علي». قالت ذلك ~~وأوغلت في البكاء فبكت سعدى لبكائها ولكنها تجلدت وطيبت خاطرها وقالت لها: «اسكتي لئلا يسمع ~~والدك صوت البكاء فيزيد الخرق اتساعا أما ms284 أنا فإني ضامنة لك ما تريدين فإن حمادا لك وأنت ~~له فلا تجزعي» وأخذت تخفف عنها حتى سكن روعها ومسحت آماقها ولبثت صامتة وقد ذبلت عيناها ~~وتعكرتا وتكسرت أهدابها وأخذت تراجع في ذاكرتها ما مر بها من الأهوال بسبب الحب وكيف كانت ~~قبل ذلك السباق خالية الذهن ساذجة لا تعرف متاعب الهوى وكانت تتعزى بما ترجوه من لقيا ~~الحبيب ولكنها تذكرت أنه خرج من الصرح منقبض النفس منكسر القلب فكتبت إليه ذلك الكتاب إلى ~~دير بحيراء تلتمس صبره. # وفي اليوم التالي سافر أهل الصرح جميعا إلى البلقاء فأقاموا هناك إلا جبلة فأنه سار ~~إلى الإمبراطور هرقل في حمص فأمره بإعداد الرجال من غسان وغيرهم وكان ثعلبة قد ضعف أمره ~~وأهمله جبلة لما قام بينهما من الضغائن بعد وفاة الحارث ولكنه أصبح بعد ما عرفه عن نسب ~~حماد ميالا إلى مصافاة ثعلبة لعله يتزوج هندا فينجى ملكه من الخروج إلى المناذرة. فلما ~~احتاج إلى الرجال من غسان اضطر إلى استقدام ثعلبة فكتب إليه فجاء برجاله وانضم إلى رجال ~~جبلة وهما على ظاهر الفتور ثم علم جبلة بقدوم المسلمين إلى اليرموك وبصرى فخاف على أهله في ~~البلقاء فاستقدمهم إلى دمشق وأسكنهم بيتا مع نساء بعض أصدقائه من رجال الروم هناك بقرب ~~كنيسة مريم. واشتغل هو في حرب اليرموك وغيرها فلما قضي على جنده بالانهزام في وقعة اليرموك ~~شعر بزيادة الميل إلى مصافاة ابن عمه ثعلبة وذلك طبيعى في جسم العمران بل هو جار في سائر ~~أنواع الحيوان فإذا رأيت ديوكا في منزلك تتخاصم وتتضارب وقد عمر عليك مصافاتها أجمعها في ~~قفص وامنع الطعام والماء عنها فلا تلبث أن تراها قد اصطحبت وتصافت. كذلك الناس فأنهم لا ~~يزالون في خصام ونقار حتى يصيبهم سوء ويقصوا جميعا في مصيبة واحدة فتراهم قد تألفت ~~قلوبهم وأغضوا عن السوابق. فلما أصيب الغساسنة في اليرموك اجتمع جبلة وثعلبة للنظر في ~~أحوال الجند وكان ثعلبة قد ذاق مرارة الجفاء وصغرت نفسه فلما رأى من ابن عمه مؤانسة ~~وتقربا ms285 زاده رقة واستئناسا فاجتمع قلباهما. ولم تطل المصافاة قبل أن جرتهما إلى حديث ~~الاقتران فتعاتبا وتشاكيا لما مر من الجفاء بينهما فاعتذر كل منهما عذرا انتحلها لنفسه ~~وكان ثعلبة أكثرهما سرورا بذلك لأنه أصبح بعد موت والده ضعيفا مرذولا. وقد علم أنه إذا ~~تزوج هندا كان الوارث الوحيد لرئاسة غسان جميعا وكان قد درس أخلاق عمه جبلة وعرف أميال ~~قلبه فتظاهر بما ينطبق على نياته حتى حبب إليه مصاهرته ووعده بهند. # أما جبلة فإنما حمله على مصاهرة ثعلبة استبقاء الحكومة في بني غسان وإنقاذها من المناذرة ~~ولولا ذلك لما رأى في ثعلبة ما يقربه منه أو يفضل به حمادا. # فلما تحقق ثعلبة رضاء عمه عنه سأله عن يوم الاقتران فقال جبلة: «أرى أن يكون بعد ~~انقضاء الحروب بيننا وبين المسلمين». # فقال ثعلبة: «ولكن تلك المدة لا حد لها يعرف وما أدرانا متى تنقضي وكيف يرتاح بالنا وأهل ~~البيت مقيمون في دمشق ونحن لا نستقر على حال فإذا رأى عمي أن نستعجل الاقتران كان ذلك أقرب ~~إلى جمع الشمل». # فأجابه جبلة إلى مرامه وكانا بجوار حمص بعد وقعة اليرموك فكتب جبلة إلى سعدى ينبئها ~~بنتيجة ما دار بينه وبين ثعلبة ويبين الوجه الذي حمله على اختياره دون حماد فقال: «وفي ~~زواج هند بثعلبة نستبقي الملك في الغساسنة ونخلصه من خطر الوقوع بين أيدي المناذرة». ~~وأوصاها بالتأهب لعقد الاقتران قريبا ولم تتم سعدى قراءة ذلك الخبر حتى تناثرت الدموع من ~~عينيها لما تخشاه على هند إذا علمت بما نواه والدها وأعادت تلاوة الكتاب بتمعن فأدركت سبب ~~تغير زوجها على حماد وندمت على ما فرط منها من اطلاعه على حقيقة نسب حماد وشعرت أنها هي ~~السبب في كل هذه المتاعب فرأت أنها مطالبة شرعا بإنقاذ ابنتها من مخالب ثعلبة فضلا عما في ~~نفسها من الاحتقار له فأخذت تفكر في طريقة تصل بها إلى ذلك والوقت ضيق لا يأذن بالصبر ~~والعودة وكانت هند تلاحظ فيها ارتباكا وتسألها عن السبب فتتجاهل وما زالت سعدى في ms286 مثل ذلك ~~يومين كاملين حتى خافت فوات الفرصة فرأت أخيرا أن تستقدم حمادا على عجل وهند لا تعلم فإذا ~~حضر شاورته في الأمر. فكتبت إلى حماد الكتاب الذي تقدم ذكره بحبر من الدم استحثاثا له ~~على القدوم وبعثت الكتاب مع خادمة يعرفها حماد كما تقدم. # الفصل الحادي والثمانون # | حصار دمشق # ولم يتوار حماد عن بصرى حتى أدرك صعوبة المسير إلى الشام وحده وهو لم يطرق تلك البلاد ~~إلا قليلا. وأقرب الطرق بين هاتين المدينتين تمر في حوران واللجا وكلا الصقعين وعر خطر ~~وهناك طرق أخرى تختلف بعدا ووعورة فلم ير له بدا من اصطحاب الدليل فاختار دليلا من سكان ~~بصرى فسار شمالا يقطع الجبال والأودية والسهول والغابات لا ينام إلا قليلا ولكنه تاه ~~مرة فأضاع يوما كاملا حتى اهتدى إلى الطريق فبعد بضعة أيام أشرف صباحا على غوطة وقد ~~استقبلها بوجهه والشمس من ورائه فظهرت له ظهورا واضحا فإذا هي بساتين واسعة الأطراف فيها ~~الأغراس المشمش والرمان واللوز والبرتقان والخوخ والسفرجل والكرم وسائر أصناف الفاكهة تجرى ~~بينها الأنهار وتتناغى فوقها الأطيار وظهر له من وراء تلك الغوطة أبنية توارت وراء الغبار. ~~فوقف ينظر إلى ما حوله وقد تعب جواده فسأل دليله عن تلك الأبنية وهذه الغيطان فقال: «إنك ~~يا مولاي في غوطه دمشق المشهورة بغياضها وبساتينها ومياها وما تلك الأبنية التي تتبدى لك من ~~وراء الغوطة إلا دمشق الفيحاء مقر والي الروم». # فقال حماد: «وما هذا الغبار الذي يكاد يحجب المدينة عنا». # قال: «لا أدرى ما هو ولعله غبار جنود الروم وقد خرجوا للسباق أو هو غبار جنود المسلمين ~~فقد بلغني بالأمس من بعض القادمين من جهات اليرموك أن المسلمين لما غلبوا الروم هناك عزموا ~~على دمشق ولا يبعد أنهم جاؤوها وحاصروها». # فاستعاذ حماد بالله وخاف أن يكون كلام الدليل صوابا فيمتنع عليه الدخول إلى المدينة ~~وربما وقع بين أيدي المسلمين أسيرا ولا يدري ما ينجيه منهم فتذكر سلمان لاحتياجه إليه في ~~تلك الحال وندم لمجيئه منفردا ولم ير لديه ms287 من يستشيره ويعتمد عليه غير ذلك الدليل وكان ~~الدليل شابا من عرب الغساسنة المقيمين في بصرى في العشرين من عمره يتكلم العربية ~~واليونانية فقال له حماد: «أتعرف دمشق وهل دخلتها قبل الآن؟» # قال: «أعرفها جيدا وقد أقمت فيها أياما وكثيرا ما جئتها مع والدي لوفاء النذور أو ~~الصلاة في كنيسة ماري يوحنا المعمدان». # فقال حماد: «وهل تعرف كنيسة مريم». # قال: «نعم أعرفها فأنها في شارع مستقيم طويل يقطع المدينة من طرفها الشرقي إلى الطرف ~~الغربي أي من الباب الشرقي الذي يستقبلنا عند أول وصولنا المدينة إلى الباب المقابل له في ~~الطرف الآخر منها في الغرب ويقال له باب الجابية». # فاستبشر حماد باصطحاب هذا الدليل ليستعين به في الوصول إلى منزل هند فأخذ يتلطف في ~~معاملته ويسترضيه بالإكرام والهدايا وهو يزداد رغبة في خدمته وبعد أن وقفا برهة ركب حماد ~~وسار الدليل في ركابه وسارا في الغوطة والأشجار تظللهما ولم يسيرا قليلا حتى غابت المدينة ~~عنهما ثم أشرفا على مرتفع أطلا منه على سهل أمام دمشق فرأيا بالخيام والأعلام والخيول ~~والرجال قد ملأت ذلك الفضاء. # فأمعن حماد نظره فإذا هي أعلام المسلمين وخيامهم وتحقق ذلك مما شاهده وراءها من مرابض ~~الجمال ومساكن النساء فأيقن بعرقلة مساعيه وعلم أنه لن يستطيع الدخول إلى دمشق وخاف المسير ~~إلى معسكر العرب لئلا يستغشوه فيلحقوا به ضررا فوقف حائرا لا يدري ماذا يعمل وفيما هو ~~يهم باستفهام الدليل عن سبيل يدخل به المدينة سمع قرقعة لجم ووقع حوافر خيول على الحصى في ~~جدول جف ماؤه بين الأشجار فأوجس خيفة وحول عنان جواده نحو الصوت وتهيأ للدفاع وأمر الدليل ~~فانحدر بين الأشجار يتشوف من خلالها وحماد يصيخ بسمعه فلم يكد يقف هنيهة حتى سمع صوتا ~~يناديه باسمه فخفق قلبه لاستئناسه بذلك الصوت فأجابه للحال: «من أنت» ثم أدرك أنه صوت ~~الأمير عبد الله ولكنه استبعد أن يراه هناك وعهده به مقيم في بصرى ثم ما لبث أن رآه ~~قادما على جواده ووراءه فارسان عربيان فتحقق أنه ms288 هو بعينه وأحس بانفراج الأزمة واستغرب ~~مجيئه فإذا بعبد الله قد ترجل وضم حماد وقبله. # فقال حماد: «ما الذي جاء بك يا أبتاه». # قال: «جئت لحراستك يا مولاي وقد علمت من الراهب الشيخ أنك شخصت إلى الشام فأسرعت إليك ~~لعلمي بما قد تلقاه من العراقيل في سبيل الدخول إليها وقد صادف ظني محله وشكرت الله لمجيئي ~~لأني رأيت العرب محدقين بالمدينة وقد حاصروها حصارا شديدا ولولا سابق معرفتي بخالد بن ~~الوليد لما تمكنت من خدمتك وقد مضى علي يومان أطوف هذه البقاع ومعي هذان الفارسان نتوقع ~~وصولك لنشير بك إلى خالد وقد أمنا ووعد بحياطتنا». # فشكر له حماد وأثنى على غيرته وسأله عن حال المدينة فقال: «أنها في حصار شديد لا يدخلها ~~ولا يخرج منها أحد. وأنت ما الذي جرك إلى هذه المخاطرة». فقص عليه حكايته وأطلعه على ~~كتاب هند والخجل ظاهر على وجهه. # فحدثته نفسه أن يثني عزمه عن هند ولكنه علم أنه لن يصادف منه إصغاء فضلا عما قد ~~يلتجئ إليه من التستر في أعماله فشجعه وقال له: «لا بأس عليك يا ولدي فإن ثعلبة لم ~~يستطيع دخول المدينة ولن يستطيعه». # فقال: «وما الذي أنبأك بعدم دخوله». # قال: «لم ينبئني أحد ولكنني عرفت أن الغساسنة كلهم وفيهم جبلة وثعلبة مقيمون في حمص خوفا ~~من هجمات المسلمين وكان هرقل قد أنفذهم مع جند الروم لنجدة دمشق فلم يستطيعوا دخولها فعادوا ~~على الأعقاب». # قال: «وما العمل الآن؟» # قال: «هلم بنا إلى معسكر خالد فأنهم يتوقعون عودتنا لنقيم بينهم ونكون في ذمتهم إلا إذا ~~أحببت الرجوع إلى بصرى فان ذلك آمن لنا وأبقى». # فصمت حماد ولسان حاله يقول: «كيف أعود عن دمشق وهند محصورة فيها». فابتدره عبد الله ~~قائلا: «لا بل أرى أن نقيم مع المسلمين لعلنا نستطيع أمرا ننقذ به هندا من الخطر». ~~فأبرقت أسرة حماد لما آنسه من مجاراة عبد الله فقال: «نعم الرأي رأيك فهلم بنا». وهموا ~~بالمسير نحو دمشق فقال الدليل: «هل ترى حاجة إلي بعد الآن ms289 يا سيدي». # قال حماد: «نعم أرى أن تبقى معنا لعلنا نحتاج إليك في شيء ونحن في مأمن ولك علينا خير ~~مكافأة». # فأذعن وسار معهم وفيما هم سائرون بين الغياض خاطب حماد عبد الله بلسان أهل العراق لئلا ~~يفهم الفارسان. هل ترى جند العرب كثيرين حول دمشق. # قال: «هم عديدون وقد تفرقوا فرقا إحداها فرقة خالد عند الباب الشرقي في الشرق والأخرى ~~فرقة أبي عبيدة عند باب الجابية في الغرب والثالثة فرقة عمرو بن العاص عند باب الفراديس ~~وفرقة شرحبيل بن حسنة عند باب آخر وفرق أخرى عند الأبواب الأخرى وهناك فرقة يقودها جبار ~~عنيد يقال له ضرار بن الازور تطوف حول الأسوار ويخال لي أن الروم لا يستطيعون الصبر على ~~الحصار». # وما زالوا سائرين حتى أشرفوا على معسكر العرب عند الباب الشرقى فرأوا الخيول والجمال ترعى ~~في البساتين ومعها العبدان والخدم ورأى النساء في أخبيتهن يتحدثن بأمر الجهاد وهن مشتاقات ~~إليه اشتياق الأبطال إلى ساحة القتال. # فلما وصلوا المعسكر أتوا فسطاط خالد فدخله عبد الله وحماد بلا معارض وكان خالد جالسا في ~~صدر المكان فرحب بهما ودعاهما للجلوس فنظر حماد إلى من في الفسطاط فرأى روماس صاحب بصرى إلى ~~جانب خالد وقد تعمم بالعمامة وتزمل بالرداء العربى وغادر القلنسوة والطيلسان وكان خالد قد ~~استقدمه معه ليترجم بينه وبين الروم فتهيب حماد من مجلس خالد ومن أحدق به من الأمراء ~~وفيهم جماعة كبيرة لم يعرفهم ولكنه رأى الشجاعة والإقدام تلوحان على وجوههم. # فتقدم عبد الله إلى خالد فعرفه بحماد فأثنى خالد عليه وقال: «أن غلامك سيزداد زينة ~~بالإسلام». فسكت عبد الله ولم يجب. # أما حماد فلم يكن همه إلا هند وحالها في دمشق ولو لم يطمئنه عبد الله ببعد ثعلبة عنها ~~لما صبر على البقاء هناك ولكنه ما فتئ يفكر بحيلة يدخل بها المدينة ليرى هندا ويطمئنها ~~ويسعى في إنقاذها. # وبعد قليل استأذن عبد الله خالدا بالخروج إلى خيمة أعدت له فخرج وخرج حماد معه حتى ~~أتيا الخيمة فقال حماد: «وما ms290 الرأي الآن إني أرى هندا في خطر ونحن في مأمن فلابد من حيلة ~~ندخل بها المدينة». # قال: «تمهل يا سيدي لعلنا نتوفق إلى ذلك في الغد». وباتوا تلك الليلة وأفاقوا في الصباح ~~على أصوات الأذان والصلاة فقال عبد الله: «لا أرانا نستطيع شيئا طالما كنا في هذا المعسكر ~~هلم بنا إلى معسكر أبي عبيدة عند باب الجابية لعلنا نؤانس خيرا» فمشيا كأنهما من الجند ~~وتركا الدليل في الخيمة حتى أتيا معسكر أبي عبيدة فدعاهما إلى خيمته وكان عبد الله قد عرفه ~~وسمع بسهولة أخلاقه وطول أناته ورغبته عن سفك الدماء فبعد السلام والترحاب قال عبد الله: ~~«الا يرى مولاي مخابرة هؤلاء الروم بأمر الصلح عسى أنهم يسلمون ويكفونكم مؤونة ~~الحرب». # قال أبو عبيدة: «إني أرغب الناس في ذلك ولكن خالدا يطرب لمقارعة السيوف ومصادمة ~~النبال». # فقال عبد الله: «وما ضر لو أنفذت إليهم أحدا يستطلع رأيهم وأنت رئيس هذه الجنود والمتصرف ~~فيهم». # فقال: «لا أرى بأسا في ذلك إلا أنهم يحسبوننا خائفين». # قال: «أرسلوا من يستطلع رأيهم إذ قد يكونون راغبين في الصلح وهم يحسبونكم لا ترضون به ~~فإذا سار إليهم أحد فيلكن كلامه من عند نفسه». # قال: «ومن لنا بمن يعرف لسانهم». # قال: «لا أظننا نعدم وسيلة». وكان حماد قد تعلم شيئا من اليونانية في أثناء إقامته في ~~بصرى وهم عبد الله بأن يشر بإرسال حماد ولكنه جزع عليه فلبث صامتا فابتدره حماد قائلا: ~~«إني أقدم نفسي لهذه المهمة». # فقال أبو عبيدة: «ولكنك تسير إليهم سرا فإذا فزت بمهمتك أنحجبت الدماء على يدك وإلا ~~فإننا باقون على حالنا من الحرب. واعلم أن قائد جند الروم هناك رجل اسمه توما هو صهر ~~الإمبراطور هرقل فسر إليه واستطلع رأيه من قبلك فإذا رأيت فيه ميلا إلى التسليم ~~انبئني». # فسر حماد بمهمته وخرج من فسطاط أبي عبيدة وعبد الله معه فناداهما أبو عبيدة فعادا فقال ~~لحماد: «إذا سرت أنت بقي والدك عندنا رهنا فإن النفس أمارة بالسوء». فرضيا وخرج حماد وحده ~~وبقي ms291 عبد الله هناك وقد ندم لما جره على حماد وعلى نفسه من الخطر وضاق صدره وخاف ~~العاقبة. # أما حماد فأنه حمل علما أبيض وركب جوادا وأسرع نحو المدينة فلم يتبين الأسوار حتى رأى ~~جماهير الناس عليها وفيهم القسس بصلبانهم والجند بأعلامهم ورأى بعضهم يهم أن يرميه بالنبال ~~فأشار إليهم عن بعد أنه إنما جاء مسالما فكفوا عن أذاه حتى إذا دنا من الباب هاله عظمه ~~فقد كان عبارة عن ثلاثة أبواب صفا واحدا المتوسط منها كبير ذو قنطرة واسعة والى جانبيه ~~بابان صغيران وفي أعلى الباب صورة النسر الرومانى تحته كتابة باليونانية وفوق النسر جدار ~~السور وفيه مرامي النبال والناس يتزاحمون فوقها تتلألأ ألبستهم بألوانها الحمراء والزرقاء ~~مما يدل على البذخ والترف وفوق رؤوسهم الخوذ من الفولاذ. فناداهم بلسانهم أنه يريد الوصول ~~إلى رئيسهم. # الفصل الثاني والثمانون # | داخلية دمشق وحال الروم فيها # فنزل إليه جماعة فتحوا له أحد البابين الصغيرين فدخل بجواده وسلاحه فأحدق به الرجال ~~فتهيب لذلك الموقف ولكنه تجلد وطلب أن يرى البطريق توما فقالوا أنه في قصره بالقرب من ~~كنيسة مارى يوحنا ومشى في شارع عريق قد استطال على استقامة واحدة يبتدئ بالباب الأوسط ولا ~~يكاد يرى آخره وأرضه مرصفة بالحجارة الصوانية الضخمة والى كل من جانبيه رصيف عريض أوله عند ~~أحد البابين الصغيرين وعلى الرصيف عمد فخيمة من الرخام متراصة على طول الطريق. ولم يكن حماد ~~دخل الشام قبل ذلك الحين فرأى فيها من العظمة ودلائل المدنية ما لم ير مثله في ~~بصرى. # فما زال سائرا وحوله الخفر وأهل المدينة يطلون من الشرفات والنوافذ ينظرون إليه ويتحدثون ~~بأمره وهو يلتفت يمنة ويسرة لعله يرى هندا بينهم وكلما وقع نظره على أنثى ظنها هي وكان ~~يخترق الصفوف بلحظه لعله يرى قبة أو كنيسة على أمل أن تكون كنيسة مريم حيث تقيم هند حتى مر ~~بكنيسة علم من بعض حديث القوم أنها الكنيسة المشار إليها فخفق قلبه وشاعت عيناه وهو يلفت ~~إلى ما حولها من النوافذ فرأى جموعا ms292 ولكنه لم ير هندا بينهم فسار والناس حوله يتحادثون ~~بلسانهم وقد علت الضوضاء يتخللها قرقعة حوافر الخيل على البلاط. # وبعد أن ساروا برهة انعطفوا إلى شارع آخر فآخر حتى وصلوا إلى باب كبير يحف به الخدم ~~والأعوان فوقفوا عنده فعلم أنه باب القصر فأنفذوا بعض الحرس ينبئ البطريق بقدوم الرسول ~~فأنبأوه فأمر بإدخاله عليه فجردوه من سلاحه فدخل وركبتاه ترتعشان لهول ما يتوقعه بملاقاة ~~ذلك الرجل فدخلوا به إلى صحن الدار فأعجبه ما رآه في أرضها من النقوش الجميلة وفيها صور ~~وقائع وهيئات آدميين وحيوانات بالفسيفساء بألوان بديعة متراصة قطعا صغيرة بصناعة فائقة. ~~وفي وسط الدار بركة من الرخام يتدفق الماء منها. ثم دخلوا به قاعة مفروشة بالرياش الثمين ~~مما يبهر النظر وعلى جدرانها وسقفها صور بعض القديسين وصورة الإمبراطور هرقل بتاجه ~~وصولجانه وصور أخرى دينية. ورأى على النوافذ الأستار من الديباج والحرير المزركش بالقصب ~~والأرض مكسوة بالسجاد والطنافس عليها رسوم الأسود والفهود والخيول في أبدع ما يكون. فدعوه ~~إلى الجلوس هناك ريثما يخرج إليه البطريق فجلس يتوقع قدومه وهو يهون على نفسه ويتجلد حتى ~~سمع وقع أقدام كثيرة ورأى أهل القصر في هرج وتزاحم فعلم أن الرجل قادم ثم رآه وقد دخل ~~القاعة فإذا هو طويل القامة عظيم الهامة كثير الهيبة وطيلسانه يكاد يجر وراءه وسيفه إلى ~~جنبه وهو في رداء قصير إلى ركبتيه كثير الألوان مزركش بالذهب. وعلى رأسه قلنسوة أشبه ~~بالتاج مرصعة بالحجارة الكريمة فحالما رآه حماد وقف إجلالا له وتقدم نحوه متأدبا فنظر ~~توما إليه بعينين حادتين يكاد النور ينبثق منهما فهاب حماد منظره ولكنه تظاهر بالتجلد ~~وحياه بتحية الملوك وصبر حتى جلس وأمر له بالجلوس فجلس حماد وهو يفكر في ما يبدأ به من ~~الحديث. # فابتدره البطريق قائلا: «ألعلك من هؤلاء العرب المغتربين». # قال: «كلا يا مولاي إني غريب الديار وقد وقعت بين أيديهم بالاتفاق». # قال: «لقد لاح لي ذلك من شكل لباسك فإني أراك حسن البزة وهؤلاء على ما أعلم حفاة عراة ولم ~~يسقهم ms293 إلينا إلا قرب آجالهم. هل أنت على دينهم الجديد». # قال: «كلا يا مولاي إني على دين النصرانية» قال ذلك واستخرج من بين أثوابه صليبا من ~~الذهب معلقا بسلسلة في عنقه. # قال: «ألعلك من الغساسنة». # فتحير حماد في الجواب مخافة أن يكون في تصريحه بالصدق ما يوغر صدر البطريق عليه فقال: ~~«إني غريب الديار ولكنني مقيم في بصرى الآن». # فقال: «ومن أي البلاد أنت؟» # فتذكر حماد الصلح الذي أبرم بين الفرس والروم على أثر الحروب الأخيرة فقال: «إني من أهل ~~العراق ولما تم الصلح بين ملكنا وجلالة الإمبراطور هرقل قدمت إلى البلقاء». # فقال توما: «وما الذي جاء بك إلينا؟» قال ذلك ودلائل الاهتمام ظاهرة على وجهه بأقطاب ~~حاجبيه وتفرسه. # فهاب حماد منظره ولكنه تذكر أنه ملك ابن ملك فعادت إليه أنفة الملوك فقال: «إذا أذن ~~مولاي بخلوة بسطت له بها رأيي» وكان في مجلس البطريق بعض الحاشية. فأشار إليهم فخرجوا وجلس ~~البطريق إلى جانبه. فقال حماد: «أقسم لمولاي بحرمة الصليب والمعمودية إني إنما جئت إليه ~~أنوي له ولدولة الروم خيرا». # قال: «لقد صدقت قل ما في نفسك». # قال: «إني رأيت معسكر هؤلاء العرب وخبرت صبرهم في ساحة القتال واستهلاكهم في سبيل الجهاد ~~فخفت أن يطول الحصار فيصيب هذه المدينة جهدا وقد عرفت قائد جند العرب الأكبر وهو رجل ميال ~~إلى السلم رغاب في حجب الدماء فقلت في نفسي لعلي إذا توسطت في أمر الصلح بينكما إن أفعل ~~خيرا فاحتلت في دخول المدينة لأعرض هذا الأمر عليك». # فلم يكد حماد يتم حديثه حتى بدت ظواهر الغضب على وجه توما وقد أقطب حاجبيه وتململ في ~~مقعده ونظر إلى حماد بعينين براقتين يكاد الشرر يتطاير منهما وقال: «وحرمة الصليب وصاحب هذه ~~الكنيسة (وأشار إلى كنيسة مار يوحنا بالقرب من القصر) ورأس الإمبراطور هرقل لو لم تسبق إلى ~~اقناعي بنصرانيتك لارتبت بحقيقة مقاصدك كيف تدعونا إلى صلح قوم ساقهم العقر إلينا وغرهم ~~الجهل في منازلتنا أنخالهم يحسبوننا مثل حامية بصرى التي خانت ملكها وسلمت إليهم ms294 ألم تكن ~~لهم عبرة برجوعهم عن أسوار هذه المدينة خاسرين منذ بضعة أسابيع (ثم نهض وهو يقول) إني ~~سأعلمهم كيف حرب الروم منذ اليوم». قال ذلك ويده على قبضة حسامه وهو يخطر في الغرفة ~~غضبا. # فكبر ذلك الانتهار على حماد وجرت دماء الملوك في عروقه وحدثته نفسه أن يغلظ له بالمقال ~~ولكنه علم إذا فعل ذلك أنه مائت لا محالة فصبر نفسه وكظم غيظه وقال: «إن الصلح لا يحط ~~من قدر رجال الحرب ولا أخال سيدي يحسبني أجهل بطش الروم وشدة بأسهم ولكنني ظننت في الصلح ~~حجبا للدماء فإذا كنتم ترون الحرب فأنتم أصحاب الأمر». # وكان توما لا يزال واقفا فلما سمع مقالة حماد جلس إلى مقعد آخر ويده لا تزال على قبضة ~~حسامه وقال: «لولا علمي بحسن نيتك لما أبقيت عليك ولكنك مع ذلك ستبقى في حاشيتي حتى ترى ~~عاقبة الغرور وترى حال هؤلاء العرب في حربنا». # فاستعاذ حماد بالله من هذا السجن وكان في حسبانه أن يطلق سراحه فيفتش عن هند فندم على ~~مجيئه وظل صامتا فسمع البطريق ينادي بعض رجاله فلما حضرا وصاه أن يحتفظ بالرسول ويستبقيه ~~في حاشيته ريثما يأمره أمرا آخر. قال ذلك وخرج مسرعا غاضبا وسيفه يقرقع على البلاط وراءه ~~وطيلسانه يكاد يتطاير عن كتفيه وبقى حماد وخفيره في القاعة برهة ثم أشار الخفير إليه ~~فخرجا واختلط حماد بالحاشية كواحد منهم لا يؤذن له بالخروج من القصر إلا معهم فلبث يصبر ~~نفسه ويتوقع القدر. # وفي مساء ذلك اليوم سمع أهل القصر يتحدثون بعزم توما على الصلاة في كنيسة يوحنا في صباح ~~الغد وهو صباح الأحد وأنه دعا رجال حكومته وأعيان المدينة للاجتماع فيها فأمل حماد أن ~~يتنسم خبرا عن هند هناك. # الفصل الثالث والثمانون # | كنيسة ماري يوحنا # ولم يكد يفيق في صباح اليوم التالي حتى سمع دق النواقيس في سائر كنائس المدينة ورأى أهل ~~القصر يتهيأون للذهاب إلى الكنيسة فسأل خفيره عن ذهابه فقال: «تعال معنا إن الصلاة لا تمنع ~~عن طالبها» ولم تمض ms295 برهة حتى خرج توما بأحسن ما يكون من اللباس فمشى وحوله الأعيان ~~والوجهاء ورجال الدولة بأفخر الألبسة من الحرير المزركش على أجمل ألوانه وأزهاها. # وكانت الكنيسة على مقربة من القصر فلم يكن إلا القليل حتى وصلوها فإذا هي محاطة بسور ~~عظيم الارتفاع يوقع في النفس رهبة فدخلوا منه إلى باب الكنيسة الجنوبي وهو كبير مرتفع ~~الأعتاب فدخلوا منه إلى صحن الكنيسة وهو فسيح مبلط بالرخام الملون طوله نحو 200 خطوة ~~وعرضه 150 وتحيط به الأروقة وفيها الأعمدة الهائلة من الرخام الأبيض النقي أو الغرانيت ~~الملون بأحسن ما يكون من الدقة تعلوها تيجان جميلة الصنعة على النمط الروماني أكثرها محلى ~~بالذهب حتى إذا أشرف على الهيكل حيث تقام الصلاة بهره ما على جدرانه من الصور البديعة ~~بالألوان الطبيعية وفيها الذهب فضلا عن النقوش الجميلة من الفسيفساء البلورية بالألوان ~~البديعة. وكان حماد فيما التفت تمثلت له عظمة الروم في أبان مجدهم فبهت لأنه لم يشاهد ~~مثل هذه الكنيسة قط. # فأدرك خفيره ذلك منه فقال له: «ما بالي أراك منذهلا». قال: «إني لم أر مثل هذه الكنيسة ~~في الشرق إلا بإنطاكية من هو الذي بناها من الملوك» قال: «أنه بناء أقدم من النصرانية ~~عهدا فقد كان هيكلا وثنيا من أيام الآراميين الذين ورد ذكرهم في التوراة بنى على اسم ~~اله من آلهتهم اسمه رامون وكان له مذبح جميل أمر آحاز ملك يهوذا أن يبنى مثله في هيكل ~~سليمان بأورشليم». # فلما استولت دولتنا الرومانية على الشام قبل النصرانية اتخذوه معبدا لأوثانهم حتى إذا ~~تنصرت قياصرتنا جعله أحدهم أرخاديوس قيصر كنيسة على اسم يوحنا المعمدان وكان قد تخرب بعضه ~~فرممه ونقش فيه صور القديسين ومن جملة ما نقشوه آيات من الكتاب المقدس ترى كثيرا منها على ~~الجدران والسقف وأظنك قرأت ما هو منقوش على الباب عند دخولنا فقد كتبت عليه هذه العبارة ~~(باليونانية) «ملكوتك أيها المسيح ملكوت أبدي وسلطانك يمتد مدى الأدوار». # ولم يكد ينتهي الرجل من حكايته حتى انتظم عقد الصلاة وقام الأساقفة بمباخرهم ms296 وصلبانهم ~~وعلت أصوات الترتيل والترنيم والجدران تردد الصدى حتى صمت الآذان وتخشع الناس ونظر حماد إلى ~~الجماهير فرآهم وقوفا وقد ولوا وجوههم المشرق وفي مقدمتهم توما في كرسي من العاج المرصع ~~بالفسيفساء فوقه قبة من العاج بديعة النقش. ولما انقضت الصلاة حول توما وجهه نحو الجماهير ~~وبيده صليب من الذهب مرصع بالحجارة الكريمة وأمامه طاولة عالية فوقها كتاب مغشى بالذهب عرف ~~حماد أنه الإنجيل الشريف والتفت توما وقد تغير منظره وهو يهيئ كلاما يقوله فأصغى الناس ~~ففتح الإنجيل ووضع يده اليسرى عليه وفي يده اليمنى الصليب يشير به وهو يتكلم وقال ما ~~معناه: «اعلموا يا معشر النصرانية أن عمي ومولاي جلالة الإمبراطور هرقل قد كتب إلينا ~~يستحثنا على دفع هؤلاء الأعراب عن أسوار دمشق وإخراجهم من بلاد الشام فقد القوا الفتن فيها ~~وما هم بالحقيقة إلا قوم جياع عراة ساقهم فقر بلادهم وجدب أرضهم إلى التماس الغزو من غياض ~~الشام وخيراتها وقد أطمعهم فيها ما لا قوة من ضعف حامية بصرى وقائدها روماس اللعين الذي ~~قاده الانتقام إلى التسليم. أما أنتم فإنكم رجال أشداء قائمون على الولاء فلا يهمكم من أمر ~~هؤلاء شيء. ولا أحرضكم إلا على الاتحاد ونبذ الاختلافات المذهبية فقد آن لنا أن نفقه ~~حالنا ونعتبر بما صار إليه الناس قبلنا وما هؤلاء العرب بشيء يذكر إذا نحن اتحدنا وإلا ~~فان العاقبة وخيمة فإذا رأيتم الخروج إليهم خرجنا وأذقناهم مر العذاب». # فقال رجل واقف بالقرب منه: «ما لنا وللخروج إليهم ونحن آمنون في أسوارنا فلنهملهم حتى ~~يملوا الإقامة فينقلبوا على أعقابهم». # فتأمل حماد في حال ذلك الجمع وفيهم خيرة رجال الدولة فرأى التردد والخمول مستوليين عليهم ~~وكان يحسب كلام توما يثير فيهم حمية فإذا هو لم يسمع منهم إلا تمتمة ولم ير إلا تقاعدا ~~وقد فقدوا الحمية بما انغمسوا فيه من الترف والبذخ والرخاء وفسدت أخلاقهم وساءت آدابهم ~~فقابل ذلك بما آنسه في جند العرب من الأنفة وعزة النفس والنشاط ووحدة الكلمة فتمثلت له ~~عاقبة الأمر جليا وأيقن ms297 أنها عائدة على الروم إذا هم لم يصالحوا العرب فلبث ينتظر ما يأتى ~~به القدر. # وعادوا من الكنيسة وهم يتحدثون بما سمعوه وحماد مشتغل بهند وقد حاول الخروج منفردا إلى ~~كنيسة مريم فلم يستطع لما ضيقه عليه توما من الحجر فإن خفيره لم يكن يفارقه لحظة وخاف إذا ~~خرج خلسة أن يرتكب ذنبا يستوجب عليه القتل فصبر نفسه رغما عنه. وفي صباح الغد خرج توما ~~ومعه رجاله إلا الخفير فأنه بقى في القصر وحماد معه وآنس في خروجهم حركة غير اعتيادية ~~فاستطلع الخبر فقال الخفير: «إن البطريق سار إلى الأسوار يرمى العرب منها بالنبال ولم يأت ~~المساء حتى عاد الروم وفيهم توما ويده على عينه وقد جاءه الأطباء فسأل حماد عن حاله فقيل ~~أنه أصيب بنبلة من نبال العرب فقأت عينه وأنه تشاءم من ذلك كثيرا» فقال حماد في نفسه: ~~(فعسى أن يرجع إلى صوابه ويرغب في الصلح). # الفصل الرابع والثمانون # | باب الفرج # ومضت بضعة أسابيع والحرب سجال بين الجانبين والروم ينتظرون نجدة من هرقل والنجدة تمنع ~~عنهم حتى إذا كان ذات صباح وحماد جالس في بعض غرف القصر يئسا أسيفا إذ جاءه رسول يستدعيه ~~إلى توما فسار إليه وقلبه يخفق مخافة أن يكون في الدعوة ما يدعو إلى الخطر. # فلما دخل عليه رآه جالسا على سريره مقطب الوجه فحياه فأجلسه توما إلى جانبه وهو يبش ~~له فآنس حماد منه رقة لم يعهدها فيه. ثم أشار توما فخرج كل من في الغرفة ولم يبق غيرهما ~~فقال توما: «دعني أقص عليك خبرا أقلقني وهو حلم رأته امرأتي في منامها البارحة وهي حامل ~~أما الحلم فأنها رأت الدماء تتدفق عن أسوار دمشق والأسواق مزدحمة بالقتلى فأفاقت من نومها ~~مرعوبة فقصت علي الحلم وهي ترتعد وتقدمت إلي أن أقبل بصلح هؤلاء العرب حجبا للدماء ولقد ~~ساءني اقتراحها لأني راغب في الحرب إلى آخر نسمة من الحياة ولكنها ابنة الإمبراطور صاحب ~~الأمر والنهي فضلا عن منزلتها عندي وهي حامل. وأذكر أنك أخبرتني عن أبي ms298 عبيدة قائد فرقة ~~باب الجابية أنه ميال إلى السلم فهل تظن إذا خابرناه به يفعل ويحفظ عهده». # فاستبشر حماد بذلك وانفرجت كربته وقال: «لا ريب عندي بحفظه العهد إذا عاهد». # قال: «أتذهب إليه وتستطلع رأيه في ذلك سرا وتعود بالخبر». # قال: «أفعل ذلك مأمورا طائعا فإذن بمن يرشدني إلى الطريق ويخرج بي من الباب وأنا أسير ~~إلى الرجل وأخاطبه». # قال: «قد أذنا لك بذاك ولكنني أشترط في أمر الصلح شرطا لا بد منه». # قال: «وما هو». # قال: «أريد من هؤلاء العرب إذا دخلوا المدينة أن يحفظوا الأرواح ويحجبوا الدماء وأن ~~يتركوا لنا كنائسنا ولا ينقصوا علينا منها كنيسة». # فقال حماد: «لا أظنهم يخلفوننا في ذلك وعلى كل فإني أسير إليهم وأعود إليك بالجواب». وكان ~~حماد يكلم توما وهو معجب بتنازله إلى هذا الحد على أن خيال هند ما زال نصب عينيه فخطر له ~~أن يغتنم تلك الفرصة للاستعانة به على تسهيل زواجه بها وقال في نفسه (لا أخالني أرى رجلا ~~أقدر على مساعدتي من صهر الإمبراطور وهو الآن في حاجة إلي فإذا استعنته ووعدني فقوله ~~نافذ على جبلة وغيره). # فتوسم توما في حماد توقفا وترددا فقال له: «ما بالك تتردد ألعلك خفت الذهاب إلى ~~العرب». قال: «كلا يا مولاي فإني أقتحم المخاطر في سبيل إنفاذ أوامرك ولكن لي أمرا يهمني ~~ليس هنا محل الكلام عليه على أنني لا أرى بد من استعانتك فيه وهو من أسهل الأمور عليك ~~فاجعل مساعدتي في إتمامه مكافأة لي إذا فزت في عقد الصلح على ما تريدون». # قال توما: «وماذا عسى أن يكون طلبك». # قال : «أخاف إذا ذكرته أن تضحك مني وتظنني مشتغلا بعبث الغلمان ولكن الأمر يا مولاي قد ~~أقلقنى ولا أرى بدا من استعانتك فيه فاعذرني». # قال: «وما هو». # قال: «أتعرفون الأمير جبلة الغساني». # قال: «أليس هو ملك الغساسنة حليفنا». # قال: «بلى يا مولاي هو هو بعينه». # قال: «وما خبره». # قال حماد: «أقول بالاختصار إني خطبت ابنته هندا ثم إن ابن عم لها ms299 يقال له ثعلبة يسعى ~~في الحصول عليها وقد قبل والدها به ولكن الفتاة لا تريده ونظرا لما أعهده من نفوذكم على ~~جبلة أرجو أن توعزوا إليه أن يعطيني الفتاة». # فتبسم توما وقد تذكر أبان شبابه وزمن عشقه فعذر حمادا وطيب خاطره وقال: «إنه أمر سهل ~~لك علينا قضاؤه». فانبسطت نفس حماد ومال إلى مشاهدة هند وتبشيرها بذلك الوعد وهم باستئذان ~~توما أن يمر بكنيسة مريم أثناء ذهابه فإذا هو قد ابتدره قائلا: «فأتقدم إليك أن تسرع في ~~مهمتك فتسير حالا إلى مخابرة أبي عبيدة فإذا عقد الصلح وهدأت الأحوال زففنا إليك هندا رضى ~~والدها أو لم يرض». # فشكر له حماد شكرا جزيلا وقد عول في باطن سره على أن يحتال في المرور خلسة ثم سمع ~~توما ينادي اثنين من حاشيته فأتيا فقال لهما: «أعدا مركبة من مركبات القصر أحملا بها هذا ~~الشاب العراقي إلى باب الجابية حالا وافتحا له الباب وليركب جواده هناك وأما أنتما ~~فانتظرا رجوعه فمتى عاد ارجعا به إلى هنا». # فقالا سمعا وطاعة وخرجوا جميعا وحماد آسف لمسيره في المركبة إذ لا يتأتى له الوقوف عند ~~الكنيسة. # وبعد برهة أعدت المركبة فركبوها فجرت مسرعة وقد تعاظمت قرقعتها على بلاط الشوارع وخصوصا ~~الشارع المستقيم حتى إذا دنت من كنيسة مريم خفق قلب حماد وشاعت عيناه وهو يلتفت نحو النوافذ ~~والشرفات لعله يرى هندا أو أحدا من أهلها فخاب رجاؤه وتجاوزت المركبة الكنيسة وهو يصيخ ~~بسمعه مخافة أن يناديه أحد وتحول قرقعة المركبة دون سماع النداء ولكنه ما لبث أن وصل إلى ~~باب الجابية فوقفت المركبة وكان جواده هناك فركبه وخرج والعلم معه حتى أتى معسكر أبى ~~عبيدة فلم يستغشه أحد من العرب فسار توا إلى خيمة عبد الله وهي في الطريق فرآه جالسا ~~حزينا لانشغال باله فحالما وقع نظره عليه نهض مسرعا وضمه إلى صدره وسأله عن سبب غيابه ~~فقص عليه الخبر فحمد الله على سلامته. ثم سأله حماد هل سمع شيئا عن سلمان فقال: «لا لم ~~أسمع ms300 عنه شيئا ولكنني أرسلت دليلنا إلى بصرى لعله يراه هناك فيخبره بمقرنا ولم يعد الدليل ~~بعد». فانشغل بال حماد ولبثا برهة يتحادثان في أمر جبلة وجنده فقال عبد الله: «أظننا إذا تم ~~الصلح بين العرب والروم لا نعدم وسيلة في العثور على سلمان فهيا بنا الآن إلى أبي عبيدة» ثم ~~نهضا معا حتى أتيا فسطاطه فرحب بهما فقص حماد ما اشترطه توما من أمر الكنائس والأموال ~~فقال أبو عبيدة: «لقد قبلنا بذلك فليرسل من يعتمدهم من رجاله لعقد الشروط». # فودعهم حماد وعاد إلى دمشق وقد مضى معظم النهار فوصل القصر فرأى أهله في هرج وضجة فسأل ~~عن السبب فقيل له أن امرأة البطريق توما تتمخض والبطريق عندها ينتظر ساعة الولادة فقال: ~~ابعثوا إليه من ينبئه برجوعي فآنبأوه فخرج إليه وأمارات البغتة ظاهرة على وجهه فقال: «ما ~~خبرك» فقال: «إن الأمير عبيده قبل بالصلح فأرسل من تعتمده لعقده». فأمر مئة من كبار القصر ~~أن يخرجوا في صباح الغد ومعهم حماد وقال لهم إني مشتغل في ما تقاسيه ابنة الإمبراطور من ~~آلام المخاض وعسى أن يأتي الفرج قريبا. # الفصل الخامس والثمانون # | صلح الشام # وكان الليل قد سدل نقابه فباتوا تلك الليلة وأصبحوا وقد تهيأ مئة منهم بالألبسة الرسمية ~~وحملوا الأعلام والصلبان وساروا حتى أتوا باب الجابية وكان حماد أكثر الناس رغبة في ذلك ~~الصلح أملا بقرب الوصول إلى هند. # فلما وصلوا الباب كان بعض العرب هناك وعليهم أبو هريرة قد قاموا ينتظرون وفد الروم ~~فأنبأهم حماد بما أتوا من أجله وفتحوا الأبواب وخرج الوفد بأعلامهم وصلبانهم وقد تكسرت ~~أشعة الشمس عن خوذهم وملابسهم وأرديتهم المختلفة الألوان وصلبانهم المرصعة بالحجارة الكريمة ~~مما يبهر الأبصار ومشى أبو هريرة ورجاله في مقدمتهم حتى أتوا معسكر أبي عبيدة فلما أشرفوا ~~على المضارب أوعز إليهم أبو هريرة أن ينزعوا الصلبان فنزعوها حتى وصلوا إلى فسطاط أبي عبيدة ~~فاستقبلهم بالحفاوة وعقد مجلسا أمضوا فيه الشروط وفي جملتها أن يتركوا الكنائس على ما هي. ~~وكان في دمشق عدة كنائس ms301 منها كنيسة مريم وكنيسة يوحنا المعمدان المتقدم ذكرهما وكنيسة سوق ~~الليل وكنيسة إنذار فكتب لهم أبو عبيدة كتاب الصلح والأمان ولم يسم فيه اسمه ولا أثبت ~~شهودا فتناولوا الكتاب ودعوه لصحبتهم ليدخلوا المدينة معا فقام أبو عبيدة ومعه 25 من ~~أعيان الصحابة وسار الجميع وفيهم عبد الله وحماد. فلما وصلوا باب المدينة وقف أبو عبيدة وقد ~~تذكر أمرا هاما وذلك أنه لسلامة نيته رضي بالصلح وقبل بدخول المدينة مع عدوه ولم يخامره ~~ريب من غدر أو نحوه ولكنه لما وصل الأبواب ورأى الأسوار وفوقها الجند بالأسلحة تخوف وتحذر ~~فقال لمن معه من الروم: «إننا نطلب منكم الرهائن قبل الدخول فيبقى منكم أناس رهنا عندنا ~~حتى إذا حدث غدر ذهبوا ضحية الغدر». فتركوا بعضا منهم وسار الباقون حتى دخلوا الأبواب ~~وأقبلوا على الشارع المستقيم وقد تزاحم فيه الناس وفي مقدمتهم الأقسة والرهبان فلما دخل ~~أبو عبيدة استقبلوه بالأناشيد واعتذروا عن تخلف البطريق توما لانشغاله بأهل بيته ثم مشوا ~~بين يديه على مسرح الشعر وقد رفعوا الأناجيل والمباخر وفيها البخور يتصاعد دخانه حتى حجب ~~عنهم أواخر الشارع فساروا يهتفون شكرا لله على حجب الدماء والأعلام تخفق فوق رؤوسهم وبينها ~~أعلام المسلمين والروم معا. # وكان الدمشقيون يطلون من النوافذ وعن الأسطحة والشرفات رجالا ونساء وأولادا وكلهم فرحون ~~بنجاة أنفسهم وأموالهم لأن أهل البلد أكثر الناس نفورا من الحرب لأنها عائدة عليهم ~~بالخسارة في إي حال. # وأما حماد فكان مشتغلا عن تلك الضوضاء يعلل نفسه بقرب اللقاء وعبد الله إلى جانبه وكان ~~الموكب سائرا ببطء فنفد صبر حماد وهو يتشوف من خلال الأعلام والصلبان إلى كنيسة مريم عن ~~بعد وقد عول على ترك الموكب ودخول الكنيسة خلسة ليرى هندا ويبشرها بانفراج الأزمة. # الفصل السادس والثمانون # | خصام أبي عبيدة وخالد # وفيما هو في ذلك تراءى له في آخر الشارع جموع قادمون نحو الموكب فرارا من أناس ~~يطاردونهم فأمعن نظره فرأى مع المطاردين أعلاما إسلامية ورجالا من المسلمين في أيديهم ~~السيوف والرماح وقد أمعنوا في الناس ms302 قتلا ونهبا ورأى في مقدمة الأعلام علما أسود عرف ~~أنه راية العقاب لخالد بن الوليد ثم ما لبث أن رأى الفارين يتقدمون حتى التقوا بالموكب عند ~~كنيسة مريم ثم دنا خالد فلما رآه أبو عبيدة عجب لأمره وناداه قائلا: «كف يا أبا سلمان قد ~~فتح الله على يدي المدينة صلحا وكفى الله المؤمنين القتال». # فصاح فيه خالد: «وما الصلح لا أصلح الله بالهم وأين لهم الصلح وقد فتحتها بالسيف وخضبت ~~سيوف المسلمين من دمائهم وأخذت الأولاد عبيدا ونهبت الأموال». # فقال أبو عبيدة: «اعلم أيها الأمير أني ما دخلتها إلا بالصلح». # فقال خالد: «انك لم تزل مغفلا وأنا ما دخلتها إلا بالسيف عنوة وما بقي لهم حماية فكيف ~~صالحتهم». # فقال أبو عبيدة: «أتق الله أيها الأمير والله قد صالحت القوم ونفذ السهم بما هو فيه ~~وكتبت لهم الكتاب». # فاعترضه خالد وارتفع الصياح بينهما وقد شخص الناس إليهما وأصحاب خالد لا يزالون يقتلون ~~وينهبون وكانوا قد دخلوا المدينة من الباب الشرقي وهم لا يعلمون بصلح أبي عبيدة ولكنهم ~~اغتنموا الفرصة باشتغال توما ورجاله بالقصر والولادة. # فقال أبو عبيدة: «وانكلاه حقرت والله ونقض عهدى». وجعل يقسم على المسلمين أن لا يمدوا ~~أيديهم نحو الطريق الذي جاء هو منه حتى يرى ما يتفق هو وخالد عليه فسكتوا عن النهب واجتمع ~~رجال المسلمين هناك وتراضوا في الأمر فتم الرأي على القبول بالصلح على أن يخرج توما وهريس ~~(وهو وال على نصف الشام من قبل توما) وفيما هم في الجدال جاء توما وهريس وذكرا أبا عبيدة ~~بالعهد وقالا: «إذا أبيتم صلحنا فإننا نخرج من المدينة ونكون في ذمتكم نحن وأهلنا وأموالنا» ~~وبعد جدال طويل قبل خالد بذلك. # فأخذ توما يتأهل للخروج وكان حماد في جملة الوقوف يسمع ما دار من الحديث فلما علم بخروج ~~توما على هذه الصورة ارتبك في أمره وعلم أنه لن يرجو منه نفعا ولكنه عول على دخول ~~الكنيسة ومقابلة هند فاستأذن عبد الله فقال: «هلم ندخل معا». # وتركا الناس في تزاحمهم وعرجا ms303 نحو الكنيسة فإذا هي مقفلة فالتمسا مفتاحها فظن البواب ~~أنهما يريدان بها أذية فذكرهما بالعهد فقالا إننا لا نريد أمرا غير الزيارة ونحن مسيحيون ~~مثلكم ففتح لهما الباب فسأل حماد عن قيم الكنيسة فتقدم إليه قسيس شيخ وكان مختبئا في ~~الهيكل وهو يخاف الفتك فلما رأى الرجلين يرسمان علامة الصليب اطمأن باله فسألهما عن ~~مرادهما فتقدم إليه حماد وقبل يده وقال: «هل يقيم في هذه الكنيسة أحد من الغرباء». قال ~~القسيس: «لم تجر العادة أن يقيم الناس في الكنائس». # قال: «وإنما أريد هل يقيم أحد في بعض الغرف التابعة للكنيسة». # قال: «لا يا سيدي ولكن أهل ملك غسان وكلهم من النساء كن مقيمات عندنا ومعهم الخدم ولكنهم ~~خرجوا جميعا منذ بضعة أسابيع». # فاضطرب قلب حماد وقال وقد ظهرت البغتة على وجهه: «وإلى أين خرجوا». # قال: «لا أدري ولكن رجالا جاؤوا من قبل الأمير جبلة أقاموا هنا ساعات قليلة ثم خرجوا ~~جميعا». فوقف حماد برهة صامتا وقد نسي موقفه وغلب عليه اليأس وجعل يفكر في ماذا عسى أن ~~يكون سبب رجوعهم. فأعاد السؤال وأوضحه فلم يفهم شيئا آخر. # فقال: «وهل تذكر أنهم خرجوا من هذا المكان قبل حصار المدينة أو بعده». # قال: «أظنهم خرجوا قبل الحصار». # فبغت حماد وقد اسقط بيده ونظر إلى عبد الله كأنه يستطلع رأيه فقال عبد الله: «أظن الملك ~~جبلة أنفذ في طلبهم لما سمع بقرب الحصار فساروا إليه». # فتعاظم اليأس على حماد وفكر في الأمر يسيرا فلاح له أن هندا لا تخرج على هذه الصورة ما ~~لم تترك له خبرا أو إشارة وخصوصا بعد أن كتبت إليه تستعجل قدومه إليها فقال للقسيس: ~~إلا ترشدنا إلى المنزل الذي كان يقيم به أهل جبلة. # الفصل السابع والثمانون # | الاستطلاع # قال القسيس: «سمعا وطاعة» وخرج بهما من بعض أبواب الكنيسة إلى زقاق ضيق لكنه مرصف ~~بحجارة عظيمة شأن أرفة دمشق على اختلاف عرضها واستطرقوا من الزقاق إلى منزل لا يظهر من ~~بابه وسوره أنه يليق بسكنى الملوك على أنهم ما ms304 لبثوا أن دخلوا داره حتى تبينت لهم منزلته ~~من الإتقان والزخرفة ولكنهم لم يسمعوا غير خرير الماء في بركة تدلت فوقها أغصان الصفصاف ~~وفاحت رائحة الأزهار لما أحاطوا به جوانب المكان من أغراس الرياحين فوقف حماد وهو يتوقع أن ~~يرى أحدا أو يسمع صوتا فلم يؤانس غير السكوت فمشى إلى باب رآه في صدر الدار ففتحه وصعد ~~في سلم ومعه عبد الله فانتهى إلى رواق مشى فيه فأطل من نافذة مفتوحة تطل على غرفة مقفلة ~~الأبواب فتطاول بعنقه يستطلع ما فيها فرأى شبحا منزويا في بعض جوانبها عليه لباس النساء ~~فناداها فصاحت وصوتها يرتجف قائلة: «ليس في هذا المكان أحد من الرجال فإذا كنتم تريدون ~~النهب فأشفقوا على النساء». # فاختلج قلب حماد لما سمع ذلك الصوت وتنسم منه شخصا يعرفه فقال: «لا تخافي يا خالة فما ~~نحن من الأعداء ولا نريد بك شرا وإنما نحن نسأل عن أهل ملك غسان». # فلما سمعت المرأة صوت حماد دنت من النافذة وتفرست فيه فعرف أنها خادمة هند التي حملت ~~إليه الكتاب في دير بحيراء وأما هي فحالما عرفته قالت: «ألعلك سيدي حماد فقد كدت ألقي حتفي ~~في انتظارك». # فقال: «افتحي الباب ولا تخافي وأخبريني خبرك». # ففتحت الباب وهمت بيده فقبلتها وقالت والبغتة لا تزال ظاهرة على وجهها وقد امتقع لونها: ~~«لقد خرج أهل الملك من دمشق منذ أسابيع وتركوني هنا في انتظار قدومك لأطلعك على خبرهم فطال ~~غيابك حتى يئست من لقياك ثم حوصرت المدينة ووقع ما وقع فيها من القتل والنهب. ولما سمعت وقع ~~أقدامكم الآن حسبتكم من العرب الفاتحين فخفت واختبأت في هذه الغرفة فنشكر الله على ما ~~حصل». # فقال حماد: «أخبريني يا خالة أين سيدتك هند؟» # قالت: «لقد خرجت من دمشق مع والدتها وسائر الخدم بأمر والدها قبل الحصار». # قال: «وأين هي الآن؟» # قالت: «أظنها في بيت المقدس لأن سيدي الملك بعد أن أنفذ إليها أن تتأهب للاقتران بالأمير ~~ثعلبة عاد فكتب إلى سيدتي سعدى أن تأتي سريعا إلى بيت ms305 المقدس لأنها أبعد عن الخطر من دمشق ~~والظاهر أنه سمع بعزم العرب على حصارها. فشق ذلك على سيدتي وخافت أن تأتي أنت ولا تعلم ~~بمصيرنا فاستبقتني هنا لأقص عليك الخبر». # فنظر حماد إلى عبد الله وقال: «ما الرأي يا أمير». # فقال: «لا حيلة في الواقع يا مولاي فان مقامنا في دمشق لا يجدينا نفعا وأرى أن نغتنم أول ~~فرصة للخروج إلى بيت المقدس». # فالتفت حماد إلى المرأة وقال لها: «وأنت ماذا تفعلين؟» # قالت: «إذا بقيت حية سأذهب إلى بيت المقدس». # قال: «إن الحرب قد انقضت وتم الصلح فلا بأس عليك ولكنني لا أظنك تستطيعين الذهاب وحدك ~~وأنت امرأة». # قالت: «إنما أستطيع ذلك لأني امرأة لأن هؤلاء العرب شديدو المحافظة على الأعراض فإذا ~~لقيني أحد منهم كان لي عونا في ايصالي إلى حيث أريد». # فقال: «أوصيك إذا أتيت بيت المقدس وكانت هند لا تزال هناك أن تقريها مني السلام وتخبريها ~~إني قادم إليها على عجل إن شاء الله». # قال ذلك وتحول مسرعا وعبد الله معه ثم قال: «علينا بالإسراع إلى بيت المقدس». # قال عبد الله: «علينا قبل الذهاب أن نحمل أمتعتنا فأنها في معسكر أبي عبيدة». # قال: «لابد لنا من الانتظار ريثما يهدأ البال وتسكن الأحوال فنودع أبا عبيدة ونشكره على ~~حسن وفادته وننصرف ولعله يصحبنا بمن يدفع عنا خطر الطريق». # فخرجا من المنزل فلقيا القسيس فودعاه وخرجا إلى الشارع وكان الناس قد استأمنوا وهدأت ~~الأحوال فسارا توا إلى قصر الحاكم فرأيا المسلمين قد تخللوه ووضعوا أيديهم على ما فيه ~~وأهل توما يحملون الأحمال ويخرجون مهرولين وفيهم النساء والرجال فأسفا لما انتهت إليه حال ~~هؤلاء وتذكر حماد أنفة توما يوم لقيه في ذلك القصر فاعتبر وتأمل. # وقضيا بقية ذلك اليوم والناس في هرج بين مهاجر ومستسلم ولم يستطيعا مقابلة أبي عبيدة ~~ليخاطباه بشأن الذهاب. # وفي اليوم التالي دخلا عليه فإذا هو قد ازداد رفعة بعز النصر وكان جالسا يملي على ~~كاتبه وهو يكتب إلى الإمام عمر بخبر الفتح فتنحيا حتى انتهى ms306 من الكتاب فدخلا عليه فرحب ~~بهما وبش لهما وخاطب حمادا قائلا: «انك خدمت هذه المدينة خدمة تستوجب الثناء عليها لأنك ~~كنت الواسطة في حجب الدماء». # فخجل حماد لذلك الإطراء وقال: «إني لم أفعل شيئا أستوجب عليه ثناء وإن ما حصل من الصلح ~~إنما كان من رغبة الأمير في السلام». ثم هم حماد أن يذكر له عزمه على الخروج إلى بيت ~~المقدس ولكنه لم ير سبيلا إلى ذلك فصمت فأدرك عبد الله ذلك فيه فخاطب أبا عبيدة قائلا: ~~لقد أتينا يا مولاي نهنئك بالفتح الذي تم على يدك ونستأذنك بالانصراف. # فقال أبو عبيدة: «وإلى أين تنصرفون». # قال: «إن لنا في بيت المقدس أهلا نريد النزوع إليهم». # ففكر أبو عبيدة مدة ثم قال: «لم يأن زمن الانصراف بعد فالبثوا في ضيافتنا أياما نحسن ~~وفادتكم بعدما عانيتم معنا في زمن الحرب ثم تنصرفون ومعكم رجال منا حتى تبلغوا ~~مأمنكم». # فلم يتجرأ عبد الله على مراجعة أبي عبيدة ولبث صامتا على نية العود إلى الاستئذان في ~~فرصة أخرى ولكنه استأذنه في الخروج إلى المعسكر ليستولي على الأمتعة. # فقال أبو عبيدة: «إن أمتعكم وخيولكم في مأمن مع أمتعتنا في المعسكر ونحن خارجون إليها ~~لأننا لا نحب الإقامة في القصور خوفا من الانغماس في الترف». # الفصل الثامن والثمانون # | مهمة خطرة # وفي الغد خرج الجميع إلى المعسكر وقد اقتسموا الغنائم ونزل كل في خيمته وكان عبد الله ~~يتوقع عود الدليل من مهمته التي سار فيها إلى بصرى فلم يعد فعلم أنه إنما رغب في الذهاب ~~فرارا من غائلة ذلك الحصار فلبثا وهما قلقان على سلمان وهند فحاولا مخاطبة أبي عبيدة مرة ~~ثانية في المسير إلى بيت المقدس فلم يملكا فرصة لانشغاله في تسيير الجند لفتح سواحل الشام ~~وغيرها من البلاد. فصبرا ريثما تسنح الفرصة فمضت أيام وهما على ذلك حتى أصبحا ذات يوم وهما ~~على مثل الجمل في انتظار الخروج إلى بيت المقدس يتوقعان حيلة يخرجان بها فرأيا بعض الجند في ~~هرج ومسارعة فخرجا فإذا هما بهجان ms307 قد دخل المعسكر وعليه غبار الأسفار فعرفا أنه رسول من ~~الإمام عمر إلى أبي عبيدة ثم رأياه ترجل ودخل فسطاطه فلبثا ينتظران ما جاء به. # وبعد هنيهة خرج الرسول وجاء بعض القائمين في خدمة أبي عبيدة والتمسوا من عبد الله وحماد ~~الذهاب إلى فسطاط الأمير حالا. فأوجسا خيفة لئلا يكون في تلك الدعوة ما يدعو إلى ~~التأجيل. # فلما دخلا رأيا أبا عبيدة في صدر الفسطاط والى جانبه خالد بن الوليد وعمرو ابن العاص ~~وغيرهما من الأمراء فحياهم فأمر لهما بالجلوس. # ثم قال لهما مخاطبا عبد الله: «لقد أنبأني أخي (وأشار إلى خالد) أنكم من أهل العراق ولم ~~أكن أجهل ذلك ولكنني علمت منه أنكم من أمراء العراق العارفين بأحوال تلك البلاد وقد شاهدنا ~~من إخلاصكم في خدمتنا ما دعانا إلى تكليفكم أمرا تستوجبون عليه الأجر والثواب». # فازداد عبد الله خوفا من تلك الدعوة ولكنه تظاهر بالارتياح وقال: «إننا في خدمة الأمير ~~طوع إرادته». # فقال: «لقد جاءنا رسول مولانا أمير المؤمنين الآن يدعونا إلى نصرة إخواننا في العراق وان ~~ننفذ إليهم جندا ممن خبروا تلك الأرض فأريد أن تسيرا مع تلك النجدة وفي ذهابكما خير لكما ~~وخدمة لجند الجهاد». # فقال عبد الله: «إن أمر مولاي الأمير مطاع ولو أنفذني إلى حيث أراد لفعلت ولكنني خرجت من ~~العراق منذ أعوام ولا أدري ما طرأ عليها من التغيير والتبديل فأخشى أن لا يكون في ذهابي ~~فائدة لكم وزد على ذلك أننا مشتغلو البال على بعض أهلنا في بيت المقدس». # وكان خالد مصغيا لما يبدو من عبد الله وكان يتوقع ذلك الجواب منه فقال له : «لقد سمعت ~~من خادمك سلمان يوم صلح الحيرة أنك صاحب عقار وكلمة نافذة وقد حمينا لك مالك وأهلك في ذلك ~~الصلح فكيف تعتذر عن الذهاب». قال خالد ذلك وعلامات الغضب تكاد تظهر على وجهه فخاف عبد ~~الله عاقبة اعتذاره فابتدره قائلا: «إني لا أعتذر عن الذهاب فإن ذلك فرض علي ولكنني أود أن ~~أتفقد الذين في بيت المقدس أيضا». ms308 # فقال أبو عبيدة: «فليذهب ابنك حماد إلى بيت المقدس ونحن نصحبه بمن يوصله إليها وسر أنت ~~إلى العراق وكن واثقا إننا نحافظ على أهلك وولدك محافظتنا على أهلنا لأنك في ذمتنا واعلم ~~أن سفرك إلى العراق لا يطول لأن الفتح قريب إن شاء الله». # فأذعن عبد الله صاغرا لعلمه أن تردده ربما هاج غضب خالد لما يعلم من شدته ~~وتسارعه. # أما حماد فشق عليه فراق عبد الله ولكنه تأسى بقرب مشاهدة هند. # فقال عبد الله: «هل يأمر مولاي بتسيير ولدي هذا قبل خروجي». # قال: «نعم سنسيره في الغد وأما أنت فلا بد من بقائك بضعة أيام ريثما يتأهب الجند ~~للذهاب». # ثم خرج عبد الله وحماد إلى الخيمة لا يلويان على شيء وباتا تلك الليلة لا حديث لهم إلا ~~حديث ذلك الفراق وفكرا طويلا في الفرار ولكنهما خافا العاقبة فضلا عما حسباه من تجسس ~~العيون وما قد تكون عاقبة الفرار لو قبض عليهما. ولو كان حديثهما مع أبي عبيدة لهان التخلص ~~لما يعلمانه من سهولة أخلاقه أما خالد فأنه سريع الانتقام. # وفي الغد ركب حماد وودع عبد الله وتواعدا على اللقاء في بيت المقدس وإذا اضطر حماد للخروج ~~قبل مجيء عبد الله فليترك له خبرا في كنيسة القيامة هناك. ثم سار حماد إلى أبي عبيدة ~~فودعه فقال أبو عبيدة وهو يتبسم: «سر بحراسة المولى ونرجو أن نلاقيك قريبا في بيت المقدس ~~وقد نحتاج إلى خدمتك هناك مثل حاجتنا إليها في دمشق». فأدرك حماد أنه يشير إلى قرب ذهابهم ~~لحصارها فتجاهل ولم يجب فأمر أبو عبيدة ببعض الرجال يسيرون معه لحمايته أثناء الطريق فسار ~~وعينا عبد الله تراعيان حتى توارى. # أما هو فلما ابتعد عن دمشق تذكر هندا وحالما وخيل له أنها تزوجت بثعلبة فارتعدت فرائصه ~~ولكنه قال في نفسه (أنها لو كانت تقبل به لما أنفذت في طلبي إلى دمشق ثم استبقت خادمتها ~~لاستقدامي إلى بيت المقدس) ثم فكر في طول مدة غيابه فخيل له أنها يئست من قدومه فاضطرت ~~لمجاراة ms309 والدها والقبول بثعلبة فقضى معظم الطريق في مثل هذه الهواجس. # الفصل التاسع والثمانون # | خيبة المسعى # وصل حماد بيت المقدس فنزل في دير بالقرب من كنيسة القيامة حتى إذا استراح قليلا خرج ~~للبحث عن هند في دير القيامة نفسه فأخذ يفتش ويستطلع لعله يتنسم خبرا فلم ير أحدا يعرف ~~جبلة ولا أهله ولم يكن حديث القوم إلا الحرب وعواقبها وكلهم خائفون مما سمعوه عن سقوط ~~دمشق فقال في نفسه (لأذهبن إلى قيم ذلك الدير لعله ينبئنا نبأ) وكان يونانيا فسار إليه ~~فقال له القيم: «أن أهل الملك جبلة نزلوا هنا أياما ولكنهم سافروا منذ أسبوع». # فأجفل حماد وقال: «هل سافروا جميعا نساء ورجالا؟» # قال: «لقد كان النساء فقط عندنا ولكن رجالهم أتوا منذ أسبوع وأقاموا هنا ساعات قليلة ثم ~~أقلعوا جميعا إلى حيث لا يعلم أحد». # فقال حماد: «ألم يتركوا شيئا من أمتعهم هنا». قال: «تركوا منها ما لا قيمة له من ثقيل ~~الأحمال هبة للدير ولم يأخذوا إلا ما خف حمله وغلا ثمنه». # فبهت حماد لذلك الخبر وقال في نفسه (وهل ثعلبة معهم) ثم لم ير بدا من إعادة السؤال ~~فالتفت إلى القيم وقال له: «أتقدم إليك أن تعيرني سمعك ولا يثقل عليك سؤالي لأن هؤلاء ~~القوم يهمني أمرهم وقد كنت في دمشق أقاسي عذاب الحصار فلما تم صلحها أتيت لأفتش عنهم فهل ~~عرفت أشخاصهم جيدا». # فاهتم القيم لحديث حماد عن حصار دمشق وكان شديد الرغبة في سماعه. # فقال له: «وهل عاينت الحصار بنفسك ورأيت جند العرب رأي العين». # قال: «نعم رأيتهم واختلطت بهم وسمعت أحاديثهم». # قال: «ألا قصصت علي حديث الحصار». # فاضطر حماد أن يقص عليه الخبر مختصرا استجلابا لرضاه لعله يصبر على أسئلته فلما انقضى ~~الحديث امتقع لون القيم وهو راهب طاعن في السن فقال: «وما ظنك بهم هل يأتون إلينا». # قال: «أظنهم يأتون إذا لم يجدد الإمبراطور هرقل الهمة في التجنيد والترميم فان هؤلاء ~~العرب أشداء صبورون على القتال ولكن الله يحمي عباده». فاخبرني الآن عما تعرفه ms310 من أمر أهل ~~الملك جبلة. # قال: «أما وقد أفصحت لي عن رأيك بعد أن خبرت الأمور فأخبرك يا ولدي إن سقوط دمشق أوقع ~~الرعب في قلوب رجالنا فأصبح كل منهم خائفا لا يأمن على نفسه ولا أهله وكذلك جبلة فأنه ~~أسكن أهله في هذا الدير وفي عزمه أن يعقد لابنته الوحيدة على ابن عمها ... فهل بينك وبينهم ~~قرابة». # قال: «ليست بيننا قرابة ولكن لي مع الأمير جبلة شغلا هاما» قال ذلك وهو ينتظر بقية ~~الخبر ليرى ماذا تم من أمر الاقتران. # فقال الراهب: «ولكنني لحظت من الفتاة نفورا شديدا من ابن عمها هذا وكان والدها قد كلفني ~~بإقناعها». # فثارت الغيرة في قلب حماد وأصبح كله آذانا ليسمع نهاية الحديث فقال: «وهل ~~اقتنعت؟» # قال: «كلا يا ولدي لأنها كانت شديدة النفور وكنت إذا سألتها أجابتني والدموع ملء عينيها ~~تعتذر ووالدتها لا تلومها». # ولم يتم الراهب كلامه حتى تناثر الدمع من عيني حماد فتشاغل بإصلاح كوفيته إخفاء ~~لعواطفه وقال: «لقد همني أمر هذه الفتاة وارى من الظلم أن تجبروها على الاقتران برجل لا ~~تريده». # قال الراهب: «لقد صدقت يا ولدي فان العناية الصمدانية حلت هذا المشكل على أهون ~~سبيل». # فقال حماد: «وكيف ذلك». # قال الراهب: «إن ابن عمها المشار إليه قتل في بعض المواقع الأخيرة». # فأجفل حماد إجفال البغتة وقال: «هل تيقنت ذلك يا مولاي لعل الذي قتل هو غير ~~الخاطب». # قال: «بل تحققت أنه هو لأني سمعتهم يتحدثون بحكايته وكأنهم يهنئون هندا بذلك». # فقال حماد: «إلا تذكر اسمه». # قال: «أذكر أن اسمه ثعلبة». # فأيقن حماد بنجاته من ذلك المناظر ولكنه ما زال في ريب من مقر هند ووالدها فقال: «وماذا ~~فعلوا بعد ذلك». # قال الراهب: «وبقي أهل جبلة عندنا بعد ذلك أياما حتى شاع سقوط دمشق ونصرة المسلمين فوقع ~~الرعب في قلوب الناس وجاء جبلة ومعه بعض الحاشية من رجاله فأسرعوا في حمل أمتعتهم مما خف ~~حمله وغلا ثمنه وخرجوا خروج الهاربين من الموت ولا أدري إلى أين». # فوقف حماد صامتا ms311 وقد تحير في أمره لا يدرى ماذا يعمل فشعر بافتقاره إلى عبد الله وسلمان ~~وهو بعيد عنهما فأظلمت الدنيا في عينيه وضاق صدره فنهض للحال فودع الراهب وانصرف إلى حجرته ~~وهو غارق في لجج الهواجس لا يفقه جهة مسيره. # الفصل التسعون # | سلمان # وكان حماد في أثناء مسيره إلى الدير تائها في بحار الهواجس يفكر تارة في هند وطورا في ~~سلمان وآونة في عبد الله حتى عظم عليه الأمر وخيل له أن المسالك سدت دونه فضلا عما كان ~~يعترض سبيله من أحوال الحرب وقد أصبح أهل الشام في هرج على أثر سقوط دمشق وأخذوا في ~~المهاجرة زرافات ووحدانا إلى مصر أو بلاد الروم أو غيرهما. # فوصل الدير وهو لا يدري أنه وصل حتى إذا كان على مقربة من غرفته رأى عند بابها رجلا كان ~~جالسا ثم هم مسرعا لملاقاته وحالما وقع نظره عليه علم أنه سلمان فناداه باسمه فترامى ~~سلمان على يده يقبلها ويشكر الله على لقياه فقال حماد: «أهلا بك أيها الصديق لقد أطلت ~~الغياب علينا فأذقتنا من الوحشة ما لم يبق لنا صبرا عليه». # فخجل سلمان لذلك الإطراء وقال: «لقد غمرتني أيها الملك بفضلك فدعوتني صديقا لك وما أنا ~~إلا من بعض خدمك». # فلما سمع حماد لفظ الملك تبدلت له حالته وتذكر حكاية النذر والانتقام وما شغله عن ذلك ~~من شواغل الغرام وما انتهت إليه حاله من اليأس حتى كأن الأيام قد كتبت عليه الشقاء فلا ~~يكاد يقترب من نصيبه حتى يفاجئه عارض يحول دون مرامه وأفضت به الحوادث إلى ضياع كل آماله ~~بفرار جبلة وأهله إلى حيث لا يدرى أحد. ولكن ظلمات تلك المخاوف كان يتخللها بعض النور مما ~~يتوقعه من مساعدة سلمان ومشورته فزاد استئناسه به ولما رآه ينكر عليه ذلك الإطراء مال ~~إليه وصافحه وقال له: «لا بل انك صديق وأعز من الصديق وما نحن في معرض الأنساب وإنما يفضل ~~أحدنا الآخر بما طمع عليه من مكارم الأخلاق والشهامة وصدق المودة ولقد رأيت فيك من ذلك ms312 ما ~~يعز مثاله». # فأطرق سلمان خجلا ومشيا حتى دخلا الحجرة وكل منهما يتوقع سماع حديث الآخر فلما استتب ~~بهما المقام قال حماد: «أين كان مقامك كل هذه المدة وما الذي جاء بك إلى هنا حتى التقينا ~~على هذه الصورة». # قال سلمان: «إن لقاءنا يا سيدي لم يكن على سبيل الصدفة ولكنني قطعت القفار وأطلت البحث ~~حتى علمت بمقرك وجئت على ما ترى. وقبل سرد حديثي الطويل أبشرك بموت ثعلبة». # فتنهد حماد وقال: «لقد عرفت ذلك يا سلمان ولكنه جاءنا متأخرا وقد كادت تنقطع منا ~~الآمال». # فقال سلمان: «وكيف ذلك؟» # قال: «لأني سمعت بمقتل ثعلبة وفرار جبلة في وقت واحد في هذا اليوم». # قال سلمان: «وأي فرار؟» # قال: «لقد تحققت فرار الأمير جبلة من بيت المقدس بأهله إلى حيث لا يعلم أحد» وقص عليه ~~مختصر الحديث من يوم مجيئه إلى دمشق وسقوطها وسماعه بمقام هند في بيت المقدس وما سمعه من ~~قيم الدير. # وكان سلمان شاخصا ببصره مصيخا بسمعه حتى أتى على آخر الحديث فامتقع لونه وظهرت عليه ~~مظاهر الأسف والفشل ولبث صامتا كأنه أصيب بصدمة وكاد الدمع يتناثر من عينيه ثم تنهد ~~وقال: «ألم تعلم إلى أين سافر جبلة يا سيدي». # قال: «كلا ولولا ذلك لهان الأمر». # قال سلمان: «لا تيأس يا مولاي إني غير تارك وسيلة لا أستخدمها في سبيل البحث عنه ويكفينا ~~الآن أننا تخلصنا من ثعلبة». # فقال حماد: «وكيف عرفت بمقتله ومن هداك إلى مكاني؟» # قال: «ستعلم ذلك من سياق حديثي عن سبب تغيبي عنك». # قال: «أقصص علينا خبرك». # قال: «تركتكم في بصرى وجئت اليرموك فشهدت حربها وكان الأمير جبلة في جملة المحاربين فلما ~~عقد لواء النصر للمسلمين وقد علمت أن هندا في دمشق هممت بالمسير إليكم ثم حدثتني نفسي أن ~~أستطلع مقاصد جبلة وكان قد فر إلى حمص برجاله وفيهم ثعلبة فما التقيت بهم حتى أمروا بالمسير ~~لملاقاة المسلمين في اجنادين فسرت إليها وشهدت موقعة هائلة وقعت بين الروم والعرب هناك تشيب ~~لهولها الولدان وفي تلك ms313 الواقعة قتل ثعلبة وفشل جند الروم وفر الغساسنة. وكنت قد سمعت بحصار ~~دمشق فآن لي أن أسير إليكم بالخبر فأسرعت إلى بصرى فلم أجد أحدا منكم فظننت الراهب الشيخ ~~ينبئني بخبركم فسرت إليه فإذا هو قد مات فأسفت لوفاته لعلمي أنه لو كان حيا لهداني إلى ~~مقركم فمكثت في بصرى مدة أبحث عنكم وأسأل كل من عرفته فلم يرشدني مرشد فظننت أنكم في دمشق ~~ولكنني استبعدت ذلك لما علمت من حصارها ثم ما لبثت أن سمعت بسقوطها فهممت بالمسير إليها ~~لعلي أرى أحدا أستطلع منه خبركم وفيما أنا أهتم بذلك رأيت جندا من المسلمين قادما إلى ~~بصرى فقلت لعلي أتنسم منه خبرا فلقيت أميره مالك بن الحارث بن هشام وقد وجهه أبو عبيدة ~~أميرا على حوران بعد سقوط دمشق وكان الحارث بن هشام والد الأمير مالك قد جاء مع أبي عبيدة ~~أميرا في بنى مخزوم لحصار دمشق فقتل في بعض الوقائع فلما سقطت دمشق تعين ابنه مالك أميرا ~~على حوران لينجد الجند الذي يقوم من الحجاز مددا لأبي عبيدة في حروبه بالشام. # فلما وصل هذا الجند إلى بصرى تمكنت بطرق مختلفة من الاجتماع بالأمير مالك فأخبرني عما كان ~~من نزولكم على أبي عبيدة في الجابية والمهمة التي أنفذك بها هذا الأمير إلى حاكم دمشق إلى ~~أن أنبأني بخروجك إلى بيت المقدس وخروج الأمير عبد الله إلى العراق فهرولت حتى أتيت هذه ~~المدينة وما زلت أبحث عن مقرك حتى علمت اليوم أنك مقيم في هذا الدير وانك خرجت منذ الصباح ~~فأقمت هنا في انتظارك حتى أتيت فأحمد الله على سلامتك وأرجو أن نلتقي بسيدي الأمير عبد الله ~~قريبا». # فقال حماد: «لقد نفد الصبر يا سلمان واحتملت من غدر الزمان ما تعلم وأراني قد مللت هذه ~~الحياة المحفوفة بالمكارة الممزوجة بالمشاق ويخال لي أن الله لم يكتب لي نصيبا بهند مع ما ~~تعلمه من تعاقد قلبينا». قال ذلك وترقرقت الدموع في عينيه. فثارت الحمية في رأس سلمان حتى ~~كاد يتقد غيرة ونظر ms314 إلى حماد وقال: «دع ذلك إلي يا مولاي واتكل على الله وإذا كانت لك على ~~أبي عبيدة دالة فلنذهب إليه لعلنا نستطلع منه خبرا». # فقال حماد: «إن لي عليه دالة عظمى ولقد أصبح بعد ما تم على يدي من صلح الشام كثير الوثوق ~~بى حتى أشار يوم قدومي إلى بيت المقدس إلى أنه ربما يحتاج إلي فيها مثل حاجته في دمشق ~~فلا أظنني إذا استعنته في البحث عن جبلة إلا فاعلا ما أريد». # قال سلمان: «وأين هو الآن؟» # قال: «تركته في دمشق يبعث البعوث لفتح ما بقي من بلاد الشام». # قال: «إذا أذنت أن نذهب إليه غدا فعلنا». # قال: «حسنا». # فقال سلمان والاهتمام ظاهر على وجهه: «أتقدم إليك يا مولاي في أمر أرجو أن تطيعني ~~فيه». # قال: «وما هو». # قال: «أرجو إذا نحن ظفرنا بجبلة هذه المرة ورأينا منه ترددا أو سمعنا منه وعودا أن لا ~~نضيع الوقت في الانتظار والمماطلة عبثا». # قال حماد: «وما معنى ذلك». # قال: «معنى ذلك يا سيدي أن تأخذ هندا من بين يديه أراد هو أو لم يرد». # فضحك حماد وكان قد قضى زمنا لا يضحك وقال: «سنرى في ذلك يا سلمان». # وقضيا بقية ذلك اليوم في الأحاديث المتنوعة وباتا على نية الاهتمام في الركوب إلى دمشق في ~~الصباح. # الفصل الحادي والتسعون # | حصار بيت المقدس # ولما أصبحا أخذا يهتمان في الخروج وكان ذلك اليوم من الآحاد فقال حماد: «هلم بنا ندخل ~~كنيسة القيامة نتبرك بسماع الصلاة قبل ذهابنا» فخرجا حتى أتيا الكنيسة فرأيا جماهير الناس ~~في صحنها ينتظرون قدوم البطريرك لإقامة الصلاة فوقفا بينهم فلم يسمعا من أحاديثهم إلا ما ~~يتوقعونه من قدوم العرب لفتح بيت المقدس ثم ماج الناس وتزاحموا يسابق بعضهم بعضا فعلما أن ~~البطريرك قادم ولم تمض برهة حتى أطل بموكبه يتوكأ على عكازه يحف به الأساقفة والقسيسون ~~وقد أوقدت الشموع وفتح الناس طريقا في وسطهم مر بها البطريرك وهم يتبركون بلمس ردائه حتى ~~دخل الكنيسة فتبعوه حتى وقف عند الهيكل فبدل ms315 ثيابه بما يلبسه البطاركة أثناء الصلاة وعلى ~~رأسه تاج مرصع بالحجارة الكريمة وعلى كتفه قباء مزركش بالذهب والفضة وفي عنقه صليب مرصع ~~يتدلى على صدره بسلسلة من الذهب وقد أوقدت الشموع وأحرق البخور وعلت أصوات المرنمين ~~والمصلين. ثم وقف البطريرك على عرشه وهو كرسي من العاج مزين بالفسيفساء الجميلة والتفت نحو ~~الجماهير فعلموا أنه يهم بالكلام فأصغوا إليه فقال بعد البركة: # اعلموا معاشر النصرانية أن رجال العرب الحجازيين الذين قد سمعتم بقدومهم هذه ~~البلاد واستيلائهم على بصرى ودمشق قد استفحل أمرهم حتى فتحوا حلب وحمص وبعلبك ~~وقيسارية وقنسرين وإنطاكية وغيرها وقد بلغني في هذا الصباح أنهم قادمون إلى هذه ~~المدينة المقدسة بجند كبير. وقد بلغكم على ما أظن خروج مولانا الإمبراطور هرقل من ~~بلاد الشام إلى القسطنطينية لأحوال اقتضت ذلك وقد فوض إلينا التصرف في أمر هذه ~~الحرب بالتي هي أحسن ففاوضنا حاكم هذه المدينة فرأينا من الحكمة أن لا ندع لأولئك ~~العرب سبيلا لتخريب شيء من أبنيتها المقدسة فإن فيها كنوز النصرانية بل ندافعهم ~~بالأمر الممكن فإذا رأينا خطرا في مقاومتهم عقدنا معهم صلحا نحفظ به الأرواح ~~والأموال ونستبقي كرامتنا لا كما فعل أهل دمشق. فما علينا إلا أن نصلي إلى الله ~~أن يؤيدنا بالنصر في الدفاع عن قبر ابنه المخلص وهذه حصوننا متينة وعندنا العدة ~~والرجال فانبذوا الشقاق وأطيعوا أولي الأمر واعلموا أن الله لم يمكن هؤلاء العرب من ~~بلادنا إلا لما أردناه من الانغماس في دنيانا والانشغال عن طاعة الله بالشقاق ~~والانقسام فلتجتمع قلوبكم ولندافع جهد طاقتنا والله يفعل ما يشاء. # فلما انتهى البطريرك من خطابه ضج الناس وهم بين مصوب ومخطئ أما حماد فلما انقضت الصلاة ~~خرج وهو يقول لسلمان لم تعد ثمت حاجة بنا إلى دمشق فإننا لا نلبث أن نرى أبا عبيدة هنا ~~ويلوح لي أنني سأخدمه في هذه المدينة خدمة أعظم شأنا من خدمتي في دمشق لأن أهلها على ما ~~يظهر أقرب إلى الصلح من الدمشقيين. وسارا إلى مرتفع من المدينة يطل على ms316 ضواحيها وقضيا بقية ~~ذلك اليوم يتشوفان لعلهما يريان جند العرب قادمين وأهل المدينة يتأهبون للدفاع وفي صباح ~~اليوم التالي رأيا الغبار يتصاعد في الأفق وبانت من تحته أعلام المسلمين وفي مقدمتها راية ~~العقاب فعلم حماد أنهم رجال خالد بن الوليد وفي اليوم التالي جاءت فرقة أخرى نزلت في جانب ~~آخر من المدينة ومازالوا يرون كل يوم فرقة تأتي بأعلامها وخيامها وتنزل في ناحية من المدينة ~~حتى صارت عدة الفرق سبعا كل واحدة منها خمسة آلاف وجملة الجند 35 ألفا عليهم سبعة قواد عرف ~~حماد بعد ذلك أنهم خالد بن الوليد وشرحبيل والمرقال ويزيد والمسبب وقيس المرادي وعروة بن ~~مهلهل فلما تحقق حماد وسلمان انحصار المدينة على هذه الصورة جعلا يبحثان عن أبي عبيدة لعله ~~جاء معهم فلم يريا رايته هناك ولكن حمادا كان يظن أن لا بد من حضوره فتح تلك ~~المدينة. # وقضيا أياما يترددان بين أسوار بيت المقدس والدير يستطلعان مقاصد الروم فرأيا الخوف ~~مستوليا على الخاصة أما العامة فكانوا لا يزالون مصرين على الدفاع فرموا المسلمين بالنشاب ~~عن الأسوار فأجابهم المسلمون بمثلها ومضت أيام والحرب سجال بين الجانبين حتى مل حماد ~~الانتظار وعول على الخروج إلى الشام لملاقاة أبى عبيدة وسؤاله عن جبلة فقال له سلمان: ~~أن الطريق لا يخلو من الخطر يا مولاي وأخشى إذا خرجنا من المدينة أن يستغشنا أهلها فيريدوا ~~بنا سوءا وإلا فليكن خروجنا بحيلة فتربصا بضعة أيام وهم في كل يوم يقفان في مشارف المدينة ~~يطلان على ما وراء الأسوار من السهول والمسالك فرأيا يوما جيشا جديدا قادما من جهة دمشق ~~عرفا أنه جند أبي عبيدة وفيهم رايته فاستبشر حماد وقال: «قد آن الوقت يا سلمان فلنسع في ~~سبيل إلى الخروج فما الرأي». # قال: «الرأي أن نحرض حاكم المدينة على مخابرة العرب بشأن الصلح فلعله أن يأذن بخروجنا أو ~~يخرج أحدنا للمخابرة». # قال حماد: «ومن يوصلنا إليه وأنا لا أعرفه وهو لا يعرفنا ولا يثق بنا». # قال سلمان: «دع ذلك إلي فإني أدبره ms317 بإذن الله». وأطلعه على ما ينوي إجراءه. # الفصل الثاني والتسعون # | صلح بيت المقدس # ورجعا إلى الدير ولبس سلمان أحسن لباس عنده وسار يلتمس الحاكم فقيل له أنه عند البطريرك ~~في الكنيسة فسار إليه فرأى الخدم والحاشية وقوفا أمام غرفة الاستقبال لا يأذنون لأحد ~~بالدخول فتقدم إلى كبيرهم وقال له: «إني آت بمهمة ذات بال إلى حضرة الحاكم فاستأذنه ~~بالدخول عليه». فاستأذنه فأذن له فدخل سلمان فإذا هو في غرفة قد خلا فيها البطريرك ~~والحاكم وعلى وجهيهما دلائل البغتة وكأنهما كانا في جدال فسجد بدخوله أمام البطريرك فقبل ~~يده ثم قبل يدي الحاكم ووقف متأدبا فأذن له بالجلوس فجلس فقال له الحاكم وهو مقطب الوجه: ~~«ما غرضك؟» # قال: «إن غرضي يا مولاي سلامة هذه المدينة من سلاح الأعداء وصيانة قبر السيد المسيح من ~~الاهانة والاحتقار». # قال: «ومن أنت». # قال: «إني تابع لأمير من أمراء العراق كان في جملة من شهد فتح دمشق وتوسط في صلحها بين ~~الروم والعرب ولولا توسطه لأهرقت الدماء وخربت تلك المدينة وله مع أمراء جند المسلمين ~~معرفة ودالة». # فقال الحاكم: «أتريد أن نلتمس الصلح من عند أنفسنا ونحن لم نبد دفاعا بعد». # فقال سلمان: «كلا يا سيدي إنما أنا أعرض عليكم الأمر عرضا ولا غرض لي فيه سوى حجب ~~الدماء». # قال البطريرك: «بورك فيك يا بني ولكننا لا نرضى بما رضي به أهل دمشق فإن بيت المقدس قبر ~~سيدنا ومخلصنا وما تسليمها بالأمر السهل». # فقال سلمان: «إذا أمر مولاي بسماع رأيي لا أظنه إلا راضيا به». # قال: «قل». # قال: «أرى أنكم إذا خابرتم هؤلاء العرب بأمر الصلح أن لا ترضوا بعقده على يد أحد منهم ~~إجلالا لمقام هذه المدينة المقدسة وحفظا لمنزلتكم ولكنكم تطلبون أن يتم ذلك على يد أمير ~~المسلمين الأكبر وهو سلطانهم وخليفتهم ومقامه في يثرب بالحجاز فاطلبوا أن يكون الصلح على ~~يده فإذا رضوا به وأتى الخليفة بنفسه من كرسي ملكه إلى هنا كان في ذلك حفظ لكرامة هذه ~~المدينة وامتيازها عن كل ما ms318 فتح من مدن الشام قبلها». # فأمعن البطريرك بفكرته قليلا ثم قال: «أين هو مولاك الأمير؟» # قال: «هو في منزله هنا فإذا أمرتم باستقدامه فعلت». # فأمره باستقدامه فذهب سلمان وقد سر بنجاح مهمته حتى أتى حمادا وكان في انتظاره فلما قص ~~عليه ما دار من الحديث نهض فلبس لباس الأمراء وسار مع سلمان حتى دخل على البطريرك والحاكم ~~فلما رأياه استأنسا بطلعته وما يتجلى في وجهه من المهابة والجلال فأذنا بجلوسه ثم قال ~~البطريرك: «هل تعرف قائد جند هؤلاء العرب؟» # قال: «نعم أعرفه جيدا ولي معه صداقة». # قال: «هل أنبأك تابعك بما استقدمناك بشأنه». # قال: «نعم وهو الأمر الذي أراه أنا أيضا وقد شهدت حرب هؤلاء في دمشق وبصرى وغيرهما ورأيت ~~من ثباتهم وصبرهم ما لا أقول أن الروم يعجزون عن مثله ولكنهم قد يقلقون راحة الناس فتقف ~~حركات الأعمال بلا فائدة وخصوصا بعد أن رسخت أقدامهم في كثير من البلدان وزد على ذلك أن ~~السبيل الذي تطلبون مخابرتهم به يحفظ مقام هذا المدينة وكرامتها إلى الأبد إذ لا يخفى على ~~حضرتكم أن أمير المسلمين المقيم في يثرب رجل عظيم جدا قد أقر بعظمته القريب والبعيد وهو ~~عندهم في أرفع منزلة بعد نبيهم لأنه خليفته والقائم بأمره ولم يسبق أنه قدم هذه البلاد ~~لمثل هذا الشأن فقدومه بنفسه على ما ذكرت امتياز خاص ونظرا لما لي من الصداقة لدى الأمير ~~أبي عبيدة كبير أمراء هذا الجند سأحبب إليه أن يجيب طلبكم ولا أظنه إلا فاعلا». # فالتفت البطريرك إلى الحاكم كأنه يستشيره فقال الحاكم: «لا بأس من ذلك غير إني لا أرضى ~~أن يفهم هؤلاء إننا خائفون أو إننا نطلب الصلح لعجزنا عن القتال». # فابتدره حماد قائلا: «لا تخف يا مولاي فإني إذا خابرتهم إنما أجعل ذلك من عند نفسي على ~~أسلوب ليس عليكم منه بأس غير إني ألتمس أن يصحبني من يخرجني من الأسوار لئلا يستغشني أحد ~~من رجالكم». # فقال الحاكم: «لك علينا ذلك ونحن نطلب أن يبقى تابعك هذا هنا ms319 ريثما تعود». # قال: «لا بأس بذلك» وخرج حماد حالا فركب جواده ومعه بعض أهل القصر حتى أوصلوه إلى باب ~~المدينة فخرج إلى معسكر أبي عبيدة فلما رآه أبو عبيدة استقبله باسما ورحب به وقال له: ~~«ألعلك جئت بمهمة أخرى». # قال: «إني لا آلو جهدا يا مولاي في كل ما يأول إلى حجب الدماء». # فقال أبو عبيدة: «هل جنح أهل بيت المقدس إلى السلم». # قال: «نعم يا سيدي أظنهم يريدون الصلح ولكنني فهمت أنهم رفعة لمقام هذه المدينة المقدسة ~~يريدون أن يكون صلحها على يد خليفتكم الإمام عمر بن الخطاب إلا ترى أنه يقدم إليها ~~بنفسه وهي مدينة مقدسة يحترمها كل طوائف الناس». # قال: «لا أظنه إلا قابلا بذلك. وما بعد قبوله». # قال: «إذا أكدت لي قبوله جعلت المخابرة في ذلك رأسا بينكم وبين حاكم المدينة أو ~~بطريركها على مشهد من الناس وإني إنما جئت توطئة للأمر بمهمة خصوصية». # فأثنى أبو عبيدة عليه وقال له: «لقد سعيت سعيا حسنا بورك فيك وإذا تم الصلح وقدم أمير ~~المؤمنين إلى هنا سأقدمك إليه وأذكر له شهامتك». # قال: «إن ذلك شرف كبير أحسبني سعيدا إذا حصلت عليه وأتقدم إلى مولاي الأمير بسؤال أرجو ~~أن لا يثقل عليه». # قال: «قل وما هو». # قال: «أتعرف جبلة بن الايهم أمير الغساسنة الذي كان يحاربكم مع الروم». # قال: «نعم أعرفه وما حديثه». # قال: «إن لي معه أمرا يهمني وكنت أحسبه في بيت المقدس فجئت كما علمت فلم أجده ولا ~~أحدا من أهله وقيل لي أنهم كانوا هناك وخرجوا خروج الفارين لا يعلم أحد بمقرهم فهل يعلم ~~مولاي شيئا عن هؤلاء الغساسنة». # قال أبو عبيدة: «إن الذي أعرفه من أمر هذا الأمير أنه خرج من بلاد الشام جملة هو وأهله ~~وقد بعثت العيون عليه فإذا عرفت مقره أنبأتك به أو ربما سمعت بقتله بسيفنا إلا إذا سلم ~~صاغرا». # قال: «وكيف تقتلونه وهو إنما يحارب بسيف مولاه الإمبراطور ولعله إذا خير لا يختار غير ~~التسليم». # قال: «أما إذا سلم فهو ms320 في ذمتنا له ما لنا وعليه ما علينا وإلا فإن السيف بيننا وبينه ~~وأخشى مع ذلك أن يكون قد قتل في بعض الأماكن ولم يعلم به أحد». # فاضطرب قلب حماد وخاف أن يفتك الحجازيون بجبلة وأهله إذا التقوا بهم في مكان فوقع في حيرة ~~ونظر إلى أبي عبيدة وهو يهم أن يخاطبه في الأمر ويوقفه الحذر. # فلحظ أبو عبيدة ذلك فيه فقال: «ما لي أراك تحاذر أن تخاطبني فهل يسوءك قتل جبلة». # قال: «نعم يسوءني يا سيدي». # قال: «وهل بينكما قرابة». # قال وقد تلجلج في الجواب: «نعم بيننا شبه قرابة». # قال: «وأي قرابة بينكما وأنت من لخم وهو من غسان فالظاهر أنها قرابة المصاهرة». # فقال وهو مطرق: «نعم يا مولاي» ثم رفع نظره إليه وقال: «هل يأذن لي الأمير بأمر أتقدم ~~إليه فيه». # قال: «قل ما بدالك». # قال: «إن أمر جبلة يهمني كثيرا وحياته أفتديها بحياتي». # قال: «وما معنى ذلك إني لم أفهم السر فإذا كانت بينكما هذه العلاقة فما بالك لم تدافع ~~عنه في شيء ولا ذكرته أمامي في مثل هذا المعرض قط». # قال: «إن الأحوال لم تلجئني إلى ذلك قبل الآن أما وقد آنست فيك هذا الانعطاف فأتجاسر في ~~بثك أمرا يهمني كتمانه الآن ولكنني أبسطه لديك عساه أن يعود علي بالفائدة». # قال: «قل ما هو». # قال: «أعترف لمولاي الأمير أيده الله أن لي في جبلة مأربا يهمني كثيرا ولا أخفي عنك إني ~~خاطب ابنته وقد قضيت بضعة أعوام في انتظار وقت القران فحالت الحروب بيني وبينه وكان آخر ~~عهدي بالأمر أن أجتمع به وبأهله في بيت المقدس فلما جئتها رأيتهم قد رحلوا إلى مكان لا ~~يعلمه أحد فجئت أستفهم عن مكانهم». قال ذلك وقد ظهرت على وجهه علامات الاهتمام يمازجها ~~الحياء. # فقال أبو عبيدة وهو ينظر إلى وجهه يراعي حركاته: «كيف هان على ملك غسان أن يزوجك ابنته ~~وأنت غريب ولست من سلالة الملوك». # فتغير حال حماد وعلا وجهه الاحمرار لما تذكر من حقيقة نسبه ولكنه تجاهل ms321 وقال: «لقد ~~عانينا في سبيل ذلك مشقة ولعله السبب في تأخير الاقتران إلى اليوم». # فقال أبو عبيدة: «طب نفسا يا حماد واعلم إني نصيرك في الحصول على مرامك ولا يحق لجبلة أن ~~يفاخرك في النسب وأنت شهم همام قد رفعتك همتك إلى أعلى من مقام الملوك وها إني باث العيون ~~والأرصاد للبحث عن جبلة وسأحمله على ما تريد قهرا». # فأثنى حماد على غيرته وشكر له وهم بوداعه على أن يعود إلى حاكم بيت المقدس بنتيجة ~~الرسالة. فقال له أبو عبيدة: «تمهل ريثما أشاور الأمراء في الأمر». # وأمر فجاء خالد وسائر الأمراء وخرج حماد فعقد أبو عبيدة مجلسا شاور فيه أصحابه فلما ~~انفض المجلس استدعي حماد فدخل على أبي عبيدة ولم يكن في الخيمة غيره فرآه عابسا فقال له: ~~«ما بال مولاي مقطب الوجه». # فقال: «ليس بي بأس ولكنني لقيت من الأمراء رغبة في إجراء الصلح على يدنا استعجالا للفتح. ~~لأن استقدام الخليفة من المدينة يستغرق زمنا طويلا وقد يمتنع عن المجيء لما يحول بينه ~~وبين ذلك من المشاغل الهامة». # فأدرك حماد أن البادئ في ذلك الرأي خالد بن الوليد لما يعلم من عجلته ورغبته في الفخر ~~فقال: «أظن الأمير خالدا أكثر الأمراء ميلا إلى هذا». # فلم يجب أبو عبيدة في بادئ الرأي فصمت حماد ولبث ينتظر الجواب فقال أبو عبيدة: «عد إلى ~~حاكم ايلياء وقل له إننا قبلنا بإجراء الصلح على يد إمامنا الخليفة أمير المؤمنين وإذا ~~جاءهم أحد من الأمراء بغير ذلك فهم مخيرون في القبول أو غيره». # فنهض حماد فودعه وأوصاه بالسعي في البحث عن جبلة ثم خرج يريد بيت المقدس فلقيه سلمان ~~فأخبره الخبر فسر لنجاح مهمته وقال له: «هلم بنا إلى الحاكم» فسارا إليه فلما أقبلا عليه ~~استطلعهما الخبر فقص حماد ما دار بينه وبين أبي عبيدة. # فقال الحاكم: «لا نصالح أحدا غير الإمام». # فقال البطريرك (وكان حاضرا): «وكيف نميز بين الأمام وأحد الأمراء لو جاءنا ~~باسمه». # فقال سلمان: «إني عالم بصفة أمامهم وقد شاهدته بنفسي ms322 غير مرة في المدينة يوم شهدت فتح ~~مكة وكان لا يزال أميرا كسائر الأمراء». # وفي اليوم التالي صعد البطريرك والحاكم إلى أسوار المدينة ومعهما حماد وسلمان متنكرين ~~فلبثوا ينتظرون ما يكون من أمر العرب فجاءهم رسول على جواد خاطبهم من أسفل السور يطلب ~~إليهم التسليم فقال البطريرك: «إننا نقبل بالصلح إذا كان على يد أعظم أمرائكم». # فمضى الرسول وبعد برهة عاد ومعه فارس آخر علموا من لباسه وحاله أنه من الأمراء فقال ~~الرسول: «هذا هو كبير أمرائنا فصالحوه». # فنظر حماد فإذا هو أبو عبيدة بنفسه فعلم أن رأي أمرائه غلب على رأيه فجاء يطلب الصلح ~~بنفسه فلما رآه البطريرك استطلع رأي حماد عن الرجل فقال: «هذا هو أبو عبيدة كبير أمراء جند ~~الشام». # فقال: «أليس هو ملكهم الكبير». # قال: «كلا». # فنظر البطريرك إلى أبي عبيدة وقال: «إننا لا نصالح أحدا غير خليفتكم المقيم في المدينة ~~فاستقدموه واحجبوا الدماء». # فعاد أبو عبيدة وفي اليوم التالي جاءهم خالد بمثل ذلك فأبوا مصالحته وأصروا إلا أن ~~يأتيهم عمر بنفسه وكان الفصل شتاء وقد تكاثرت الأمطار والعواصف فامتنع على المسلمين الثبات ~~هناك مثل ثباتهم في دمشق الشام لأن أهل بيت المقدس مقيمون في البيوت والعرب في الخيام على ~~أنهم صبروا على مناجزتهم أربعة أشهر بين حرب ونضال ومخابرة والروم مصرون على أن يكون الصلح ~~على يد الإمام عمر فلم ير أبو عبيدة بدا من استقدامه فكتب إليه بذلك. # أما حماد فكان يتردد إلى معسكر أبي عبيدة يستطلع ما حدث من أمر جبلة ويستحث أبا عبيدة على ~~استقدام عمر قياما بوعده فمضت الأشهر الأربعة ولم يقف لجبلة على خبر. # أما سلمان فأنه لم يطق صبرا في انتظار أبحاث أبي عبيدة فخرج بنفسه يستخبر الناس ممن ظن ~~أنهم يعلمون شيئا عن جبلة وأهله فلم يسمع إلا أخبارا متضاربة فمن قائل أنهم فروا إلى ~~العراق أو مصر أو غيرها وقال آخرون أنهم لا يزالون مختبئين في بعض بلاد الشام ولكن الأكثرين ~~على أنهم فروا إلى العراق فعاد ms323 إلى حماد بتلك الأخبار المتضاربة فلم تغنه شيئا فاشتد اليأس ~~وضاقت دونه السبل ولم يكن ير تعزية إلا بلقاء أبي عبيدة. ففيما هو عنده ذات يوم وسلمان ~~ينتظر خارجا إذ دخل عليه رجل منبسط الوجه كأنه جاء ببشارة فقال أبو عبيدة: «ما ~~وراؤك». # قال: «إن بالباب رسولا من أمير المؤمنين جاء يخبرنا بقدومه». # قال: «فليدخل» فدخل الرجل وآثار السفر بادية على وجهه وعلى ثيابه. # فقال له أبو عبيدة: «أين تركت أمير المؤمنين». # قال: «تركته راكبا من دمشق وأسرعت لبشارتكم». # فقال أبو عبيدة: «ما باله أبطأ علينا». # قال: «إنما أبطأ لما اعترضه في طريقه من المسلمين يستفتونه ويتقاضون إليه وهو لا يرى ~~إلا سماع أقوالهم والعدل بينهم». # قال: «هكذا يكون الأمراء بورك ببطن حملك يا عمر». ثم بعث إلى خالد وسائر الأمراء فجاءوه ~~فأنبأهم بقدوم عمر وقال: «فلنذهب للقائه» والتفت إلى حماد وهمس في أذنه هلم بنا لعلنا نسمع ~~من أهل المدينة خبرا عن صاحبك جبلة. # فركب الأمراء وركب حماد ومعه سلمان وقد شغله ركوبه هذا عن اهتمامه بجبلة وخبره وكان ~~الأمراء بلباس الديباج والحرير وقد امتطوا خيولا فوقها السروج الفضة مما غنموه من دمشق ~~الشام وغيرها إلا أبا عبيدة فقد كان على قلوصة (ناقة) وفوقه عباءة قطوانية وخطام الناقة ~~من الشعر وساروا وقد تركوا الجند في مكانهم حول أسوار بيت المقدس. وكان حماد مشتاقا ~~لمشاهدة عمر بعد أن تولى أمر المسلمين وهو يتوقع أن يراه في موكب حافل كما تعود أن يرى أو ~~يسمع عن ملوك الروم والفرس مما يبهر النظر ويستوقف البصر فكان كلما مشوا قليلا تشوف عن بعد ~~لعله يرى الغبار أو نحوه مما يتقدم المواكب فلم ير شيئا. # الفصل الثالث والتسعون # | الإمام عمر بن الخطاب # وفيما هو يتشوف رأى هجنا قادمة فقال في نفسه (هذه هي طليعة الموكب قد جاءت ببشارة) ~~فلما اقتربت رأى في مقدمتها هجينا أحمر عليه من الجانبين غرارتان وأمام الرجل قربة الماء ~~ووراءه جفنة للزاد وقد أمسك بخطام الناقة بدوي ماش وعلى الناقة ms324 رجل أبيض الوجه مع حمرة ~~تعلوه شديد حمرة العينين حسن الخدين والأنف خفيف العارضين ضخم الكراديس على رأسه عمامة ~~وعلى كتفيه عباءة من صوف عليها بضع عشرة رقعة بعضها من الجلد والبعض الآخر من الصوف يحمل ~~بيده درة هي عبارة عن سوط عريض من الجلد. فتحير حماد في أمر هذا الهجان والتفت إلى سلمان ~~فابتدره قائلا: «هذا هو الإمام عمر يا مولاي» ثم ما لبث أن رأى أبا عبيدة ترجل عن ناقته ~~وأسرع نحوه وترجل عمر أيضا وتعانقا فتحقق حماد أنه الإمام عمر فعجب لزهده ثم ما لبث أن ~~سمع عمر ينتهر بعض الأمراء فتقدم ليسمع كلامه فإذا هو يؤنبهم لما اتخذوه من لباس الديباج ~~والحرير وقال لهم: «ما بالكم تمسكتم بالدنيا وغفلتم عن الآخرة ما هذه الملابس أنها ألبسة ~~أهل الترف وأنتم في سبيل الجهاد» قال ذلك وحسا عليهم التراب فقال أبو عبيدة: «أنهم يا أمير ~~المؤمنين إنما اتخذوه كساء خارجيا وتحته السلاح». # ثم نادى أبو عبيدة حمادا فأقبل فقدمه إلى عمر وقال له أنه شاب من أمراء العراق كان ~~لنا نصيرا في حصار الشام وواسطة في صلحها. # فرحب به عمر والتفت إلى أبي عبيدة وقال: «لقد أذكرتني بجبلة بن الايهم الغساني ألم يصلك ~~كتابى بشأنه». # قال: «كلا يا مولاي وما خبره». # قال: «له خبر طويل سأقصه عليك بعدئذ وهلم بنا الآن إلى بيت المقدس» وركبوا ~~جميعا. # أما حماد فلما سمع اسم عمه جبلة خفق قلبه وتاق لسماع حديثه ولكنه لم يجسر على التماس ~~ذلك فاضطر للانتظار إلى فرصة أخرى. # ومازالوا سائرين حتى أشرفوا على بيت المقدس وحولها معسكر العرب ورأوا الأعلام عن بعد ولما ~~اقتربوا من الخيام سمعوا ضجيج الناس ورأوا جماعات منهم مهرولين لملاقاة عمر فرحب بهم وأثنى ~~على غيرتهم وشكرهم لحسن جهادهم وذكر ما فتح من المدن على أيديهم حتى إذا وصلوا معسكر أبي ~~عبيدة نزل عمر في فسطاط من شعر نصبوه له هناك ونزل الأمراء معه وتزاحم الناس للتيمن ~~بمشاهدته وسماع كلامه. أما هو فجلس ms325 على التراب وجلس الجميع معه وحماد يعجب لزهده ~~وتواضعه. # ثم نهض وألقى عليهم خطابا ثم جلس الجميع يتحدثون بأمر الفتح وما لقوه من الجهد وما كان ~~من فوزهم وكلهم فرحون وأمارات الافتخار ظاهرة على وجوههم. # وكان حماد ينتظر أن يجري حديث جبلة لعل عمر ان يقص خبره فاشتغلوا عن ذلك بأحاديث الفتح ثم ~~نودي بالصلاة. # فخرج حماد وقد مل الانتظار فقال: «ما قولك يا سلمان هل نسأله ليقص علينا خبر ~~جبلة». # قال: «لا حاجة بنا إلى ذلك وإنما يكفينا أن نسأل أبا عبيدة وهو يطلب إليه». # قال: «حسنا» وسارا إلى أبي عبيدة بعد الصلاة فلما وقع نظره على حماد قال له: «غدا نسمع ~~حديث أمير المؤمنين عن جبلة وأهل بيته أما الآن فاطلب إليك أن تسير إلى حاكم هذه المدينة ~~فتنبئه بقدوم أمير المؤمنين وقل له ليخرج للصلح ومتى عدت من هذه المهمة قدمتك إلى مولانا ~~الخليفة فتنال منه بركة وحظوة». # فخرج حماد وسلمان فأنبئا الحاكم والبطريرك بقدوم عمر فخرج البطريرك على الأسوار وطلب أن ~~يرى عمر رأى العين. # فعاد حماد بالخبر فركب عمر ناقته ومرقعته وتقدم نحو الأسوار وأبو عبيدة إلى جانبيه ~~وكان حماد قد عاد إلى الأسوار وأشار إلى البطريرك أنه هو الرجل فاستغرب ما رآه من سذاجة ~~لباسه وكثرة زهده واعتبر بما انغمس فيه الروم من الترف والرخاء وما أراد الله من خضوعهم ~~لأولئك العربان ثم نظر إلى أعيان المدينة وكانوا وقوفا معه على الأسوار وقال: «إليكم يا ~~أهل بيت المقدس هذا هو الرجل الذي تفتح بلادنا على يده فاخرجوا واطلبوا صلحه واعقدوا معه ~~الأمان والذمة» ففتحوا الأبواب وكانوا قد ضاقوا ذراعا عن احتمال الحصار وخرجوا أفواجا ~~وفيهم الرجال والنساء والشيوخ والأطفال وصاحوا بصوت واحد يستغيثون فلما رآهم عمر على هذه ~~الحالة تخشع لله وسجد وهو على قتب بعيره ثم أناخ ناقته ونزل وقال للناس: «عودوا إلى منازلكم ~~ولكم الذمة والعهد». # فعادوا ولم يقفلوا الأبواب وعاد عمر إلى معسكره وفي صباح الغد دخل عمر المدينة والناس ~~يرحبون ms326 به وقد رفعوا أصواتهم بالترنيم والترتيل وفيهم القسس في أيديهم المباخر حتى أتى ~~سراي الحاكم قرب كنيسة القيامة واجتمع إليه الحاكم والبطريرك وكبار أهل الدولة وعقدوا صلحا ~~أقروا به على أداء الجزية وأوصى بهم الإمام عمر خيرا وهدأت الأحوال وسكنت القلوب إلا ~~قلب حماد فأنه مازال يتقلب على جمر الانتظار والتردد. # الفصل الرابع والتسعون # | جبلة بن الايهم # ومكث عمر في بيت المقدس عشرة أيام لم يخل يوما واحدا من الوفود من سائر أنحاء سوريا ~~وخصوصا عظماء البلاد التي خضعت للمسلمين فأنهم كانوا في اشتياق لرؤية الخليفة. وفي اليوم ~~الخامس من دخوله وهو يوم الجمعة خط عمر محرابا في المدينة وفي موضعه بني جامعه بعد ذلك ~~ففي ذلك اليوم سار حماد إلى أبي عبيدة وشكا إليه قلقه ورغبته في سماع حكاية جبلة عن لسان ~~الإمام عمر فاستمهله إلى المساء وقال له: «إن أمير المؤمنين سيخرج من المدينة بعد صلاة ~~العصر ليصلي العشاء مع باقي الأمراء في فسطاطه وسنقضي السهرة هناك فيقص علينا ~~الخبر». # وفي العصر خرج حماد وسلمان إلى معسكر أبي عبيدة حتى إذا كان العشاء وصلى المسلمون سارا ~~إلى خيمة الإمام عمر فلقيهما الحاجب فاستأذن لهما فدخلا وجلسا في بعض جوانب المكان وكانت ~~الخيمة كبيرة وفيها زهاء خمسين رجلا. # وكان الجميع جلوسا على الثرى تمثلا بإمامهم الخليفة وبعد أن قرأ القراء بعض السور وتبرك ~~الناس بذلك المساء تقدم أبو عبيدة إلى الإمام عمر أن يقص عليه حكاية جبلة بن الايهم ملك ~~غسان وما كان من أمره. # فقال الإمام عمر: «ماذا تعلمون عنه أنتم». # قال أبو عبيدة: «أنه فر بأهل منزله إلى مكان لا نعلمه». # فتبسم عمر وقال: «إنه لم يفر ولكنه جاء المدينة بعد فتح دمشق يلتمس الدخول في الإسلام ~~فقبلت منه ذلك فاعتنق الإسلام وأقام بيننا في أهل منزله معززا مكرما وأذنا له أن يبقى ~~على ما اعتاده من فاخر اللباس من الحرير والديباج وركوب الخيل مسرجة بالسروج الثمينة عليها ~~سلاسل الذهب في أعناقها وإذا ركب وركبت حاشيته عقدوا ms327 أذناب الخيل فسارت تخطر بهم حتى لا ~~تبقى واحدة من نساء المدينة إلا وتخرج لمشاهدتهم. # ولكننا ما برحنا نرى فيه روح الاستبداد والظلم مما يأنفه عدل الإسلام لأن هؤلاء العرب ~~المنتصرة عاشروا الروم واعتنقوا ديانتهم وتخلقوا بأخلاقهم ولا يخفي عليكم ما في دولة هؤلاء ~~الروم من التفاوت بين طبقات رعاياهم فيأكل القوي منهم الضعيف بغير وجه الحق فأراد جبلة أن ~~يسير على ذلك فأوقفناه عند حده. # ومما دعانا إلى إيقافه خاصة حادثة جرت لرجل من فزارة مع جبلة وذلك إننا خرجنا مرة للحج ~~وفيما نحن نطوف في البيت ومعنا جبلة وجمع فقير من المسلمين وفي جملتهم رجل من فزارة فوطئ ~~الفزاري آزار جبلة فانحل الإزار فغضب جبلة. ورفع يده وضرب الفزاري فهشم أنفه فجاءني هذا ~~الرجل يشكو ما ألم به فبعثت إلى جبلة فأتى فقلت: «ما هذا؟» قال: «نعم إني هشمت أنفه لأنه ~~تعمد حل إزاري ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف». # فلما قال ذلك علمت أنه يريد الاستبداد فقلت: «اعلم يا جبلة انك مخطئ وقد أقررت بما ~~ارتكبته فعليك إما أن ترضي الرجل وإما أن يفعل بك مثل فعلك به». فعظم ذلك على الغساني ~~واستغربه وقال: «وماذا قلت آمر بتهشم أنفك كما فعلت». # فقال: «كيف ذاك يا أمير المؤمنين وهو سوقة وأنا ملك». # قلت: «إن الإسلام جمعك وإياه فلست تفضله بشيء إلا التقى والعافية». # فقال وقد خاب ظنه: «كنت ظننت يا أمير المؤمنين إني أكون في الإسلام أمنع مني في ~~الجاهلية». # فقلت: «دع عنك هذا فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك». # فقال: «إذا أتنصر». # فقلت له: «إن تنصرت ضربت عنقك لأنك قد أسلمت فإن ارتددت قتلتك». # فلما رأى ابن الايهم ما صممت عليه سكت ثم قال لي: «إني ناظر في ذلك ليلتي هذه». # قلت: «انظر ما شئت» ثم انصرف ولم أعد أراه ولا أدري مقره. وقد كتبت إليك بشأنه والتمست ~~أن تبحث عنه فهل علمت عنه شيئا». # قال أبو عبيدة: «كلا يا مولاي إننا قضينا أشهرا ونحن ms328 نبحث عنه فلم نقف له على ~~خبر». # الفصل الخامس والتسعون # | مشورة وذكرى # وكاد حماد يسمع حديث عمر وهو شاخص ببصره يتطاول بعنقه وقلبه يخفق في انتظار آخر الحكاية ~~فلما أتى عمر على آخر كلامه انقبضت نفس حماد وعظم عليه الأمر وهم بمخاطبة عمر يستطلعه ~~رأيه في مصير جبلة وأهله فأقعدته هيبة المجلس ومقام الخليفة وما صدق أن أرفض الجمع حتى ~~خلا بسلمان ووقفا بالقرب من معسكر أبي عبيدة فقال حماد: «ما رأيك يا سلمان». # قال: «لقد هان الأمر يا مولاي والرأي عندي أن نبحث عن جبلة في الطريق بين المدينة والشام ~~إذ لا أظنه إذا فر من الحجاز إلا قادما إلى أطراف الشام أو البلقاء أو مكان آخر لم ~~يفتحه المسلمون أو لعله يختبئ في بعض الديور ولا بد له في كل حال من المرور بدير بحيرا ~~ولو متنكرا فلنبحث عنه ونستخبر أهل الدير وإذا أشكل الأمر أكثر من ذلك قصدنا ناسك حوران ~~فإن له معرفة وكرامة». # فتأفف حماد وتذمر ولكنه فكر في الأمر فرأى كلام سلمان معقولا فظل صامتا برهة وسلمان ~~ينظر إليه ويتأمل حاله فرآه غارقا في بحار الهواجس وقد تولاه الانقباض وغلب عليه اليأس ~~فقال له: «ما بال مولاي لم يعتد بكلامي ألعلي مخطئ في ما أقول». # قال: «لا أقول مخطئا ونعم الرأي رأيك ولكنني أفكر يا سلمان في هند كيف طال هذا الأمد ولم ~~يصلني منها علم ولم أسمع عنها خبرا مع علمها بذهابي إلى بيت المقدس بعد فتح الشام». # قال: «لا تلمها يا سيدي ألا تعلم أنها فتاة لا تستطيع المجاهرة بأمرها فضلا عما كانوا ~~فيه أثناء فرارهم من الخوف والاهتمام وأقاموا في المدينة غرباء ثم عادوا فارين كما قد رأيت ~~فهل تستطيع هند أمرا». # فقال حماد: «لا أدري ولكنني أراني مقيد الفكر مغلول اليدين والأمير عبد الله بعيد عنا لا ~~نعلم خبره ولا ما لاقاه في العراق». # قال سلمان: «أما الأمير عبد الله فأنت تعلم أنه من الحكمة والتعقل في ما لا نخشى عليه ms329 ~~معه بأسا ولا يلبث أن يعود إلينا وقد نال حظوة في عيني المسلمين ولكن ...» وصمت. # فقال حماد: «ما بالك صمت قل ما في نفسك». # قال سلمان: «ماذا أقول ونحن كما قلت مقيدو الفكر مغلولو الأيدي». # قال: «وماذا تعني؟» # قال: «أعني يا مولاي أننا شغلنا بحروب الشام والتماس ملك غسان عن أمر إنما أتينا هذه ~~البلاد من أجله ولولاه لكان مقامنا في العراق معا ندافع عن دولة الفرس دفاعنا عن ~~أنفسنا». # فانتبه حماد إلى حكاية النذر وحقيقة نسبه وما له من الثأر على الفرس فقال: «لقد صدقت يا ~~سلمان إننا تقاعدنا عن ثأرنا وانشغلنا بمهام أنفسنا عن وصية والدي ووالله لو إني فرغت من ~~مشاغلي المتواترة وخلوت بنفسي يوما واحدا لما بقيت في هذه الديار بل كنت أول شاخص إلى ~~العراق أشهد فتح المدائن عاصمة تلك الدولة الظالمة واني لواثق بقرب سقوطها لما نعلمه من بطش ~~العرب وفساد أحوال الفرس وانقسام حكامهم بعضهم على بعض». # فقال سلمان: «إذا نسير إلى العراق ...». # قال حماد: «بصوت مختنق ونفس صغيرة «وهند»» ونظر إلى سلمان فكان لنظرته وقع السهام على ~~قلب سلمان فنظر إليه وتبسم ثم هم به وضمه إلى صدره وقال له: «إن هندا في المقام ~~الأول يا مولاي ثم الثأر». # فتنهد حماد وقال: «لا بل الانتقام للملك النعمان قبل كل شيء هكذا أوصانا بصوته المنبعث ~~من ظلمات القبر ولكن ...» قال ذلك وترقرقت الدموع في عينيه. # فابتدره سلمان قائلا: «إن كلا الأمرين مستدرك فلنبحث أولا عن مقر هند فإذا التقينا بها ~~وكان السفر إلى العراق مستعجلا وكان أجل الفرس قريبا أجلت الاقتران إلى ما بعد الرجوع ~~منها وسقوط دولة الفرس وإلا فانك تتزوج ثم تسير. فقم بنا إلى بيت المقدس وغدا نستطلع ~~أخبار العراق ثم نسير للبحث عن جبلة وأهله في أطراف الشام وحوران ويفعل الله ما ~~يشاء». # فقال حماد: «حسنا ترى ولكن ذهابنا إلى بيت المقدس في هذا الليل لا يخلو من المشقة فضلا ~~عن الخطر وقد دعانا أبو عبيدة للمبيت عنده فلنبت ms330 هنا الليلة وغدا لناظره قريب». # قال: «حسنا» وتحولا نحو الفسطاط وقبل الوصول إليه سمعا أصواتا عرفا أنها أصوات القراء ~~يتلون القرآن والناس يصلون فتنحيا برهة حتى فرغوا من الصلاة فدخلا على أبي عبيدة فقال لهما: ~~أين ذهبتما وأنا أبحث عنكما منذ خروجنا من مجلس الخليفة. # فقال حماد: «لقد كنا في شأن جبلة وخبره ولم يزدني حديث أمير المؤمنين إلا تلبكا فلا ~~أدري أين هو هذا الرجل الآن». # فقال أبو عبيدة: «سنبحث عنه في سواحل الشام لعله يقيم في مكان هناك أو إذا كان قد خرج ~~منها إلى بلاد الروم أو مصر أو غيرها عرفنا خبره». # فقال سلمان: «ونحن نرى أن نفتش عنه في أطراف الشام وحوران لعلنا نسمع عنه شيئا في بعض ~~الديور». قال أبو عبيدة: «نعم الرأي رأيت وسيكون بحثنا وبحثكم معا فمن استطلع أمرا أطلع ~~الآخر عليه». # فقال حماد: «وماذا تعلمون من أخبار العراق وفارس فإن والدي لم يكتب إلي شيئا منذ ~~سفره». # فقال أبو عبيدة: «إن ما أتانا به مولانا أمير المؤمنين يسر كل مسلم فإن النصر معقود ~~لواؤه لجنود المسلمين حيثما ولوا وجوههم وقد كان الإمام عمر على موعد من موقعة هائلة بين ~~المسلمين والفرس في القادسية فخرج من المدينة وهو في انتظار البريد بخبرها وقد أبطأ عليه ~~فأوعز إلى نائبه في المدينة إذا جاء بريد العراق أن ينفذه إليه في بيت المقدس حالا فنحن ~~ننتظر ورود البريد انتظار الظمآن لموارد الماء. وكلنا على يقين من نصرة رجالنا مهما تكاثرت ~~جنود الفرس وأفيالهم ودوابهم فما هم أشد وطأة من الروم بل نحن أشد وطأة على الفرس منا على ~~الروم لأن هؤلاء أهل كتاب قد أوصينا بهم خيرا وأما الفرس فأنهم مجوس يعبدون النار فضلا عن ~~اختلال أحوال مملكتهم وتنازع دعاة الملك على كرسيهم فقد توالى على إيوان كسرى بضعة ملوك في ~~عام واحد بعضهم نساء والبعض الآخر من الرجال وملكهم الآن يزدجرد بن شهريار ابن كسرى ~~انوشروان وهو ضعيف الرأي لا يستطيع القيادة فهل يعقل أن ms331 جنده يغلب جند أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب وعلى كل حال إن موعدنا من أخبار النصر قريب إن شاء الله». # ثم أمر بعض رجاله فأعدوا خيمة للضيفين فباتا تلك الليلة وأصبحا وقد قام الإمام للخطابة ~~والصلاة فأذن المؤذنون وصلى المصلون فتنحى حماد وسلمان ومشيا خارج المعسكر يتحدثان في تلك ~~الشؤون فوقع نظرهم على هجين قادم من عرض الأفق بسرعة البرق فقال سلمان: «هذا هو صاحب البريد ~~على ما أظن» فوقفا فإذا به دار حتى أتى معسكر أبي عبيدة وترجل عند فسطاطه فأسرعا إلى ~~الفسطاط فرأيا أبا عبيدة خارجا من خيمته ومعه الهجان وهو لا يزال بغباره وقد مشي وهجينه ~~وراءه حتى أتوا فسطاط عمر فدخلوا جميعا ودخل حماد وسلمان معهم فرحب عمر بهم وخاطب صاحب ~~البريد قائلا: «ما وراءك يا رجل». فقال: «ما ورائي إلا الخير». ومد يده فاستخرج من بين ~~أثوابه صندوقا فتحه واستخرج منه ملفا من جلد ناوله إلى الإمام عمر ففضه ودفعه إلى ~~بعض خاصته وقال: «أتله عليا لنرى ما كان من أمر المسلمين في العراق». # فتناول الرجل الكتاب ووقف وأخذ يقرأ والناس سكوت فإذا فيه: # الفصل السادس والتسعون # | وقعة القادسية # إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من سعد بن مالك أمير جند العراق أما بعد # فإني أكتب إليك تفصيل واقعة القادسية التي فاز بها المسلمون على أهل فارس وإليك هي. ~~جئنا يا أمير المؤمنين بجنود المسلمين ممن تعلم ما انضم إليهم من جند الشام وجملتهم ~~25,000 ونزلنا في القادسية بين العقيق والخندق بجبال القنطرة والقادسية يا أمير ~~المؤمنين واقعة في رأس بحيرة وراءها مضيق من البر يفصل بين البحيرة والفرات فأقمنا هناك ~~شهرين ندافعهم تارة ونطاردهم أخرى حتى ملوا منا فكتبوا إلى ملكهم يزدجرد وشكوا ما ~~يقاسونه وقالوا إننا أخربنا ما بيننا وبين الفرات ونهبنا الدواب والأطعمة فبعث يزدجرد ~~إلى رستم كبير قواده وألح عليه أن يقدم هو بنفسه لقتالنا فجاء وعسكر في ساباط وقد ~~كتبت إليك بذلك في حينه فكتبت إلينا أن لا يكربنا ما ms332 يأتينا عنهم فاستعنا الله وأرسلنا ~~نفرا من المسلمين إلى يزدجرد في المداين يدعونه إلى الإسلام أو الجزية أو السيف ~~فاستقدم رستم إليه واستشاره فيما جاؤوا من أجله فلما سمع مقالهم تهددهم وتوعدهم ثم ~~وعدهم بقوت ومال وكساء فأجابوه بكلام شديد فأخرجهم من المداين مهانين فلما رأينا ذلك ~~منهم جعلنا نغزو ما حولنا من البلاد والقرى نسوق أغنامها وأبقارها وأسماكها وأبلها. ~~فلما بلغ رستم ذلك حمل بجند عدده مئة ألف وعشرون ألفا أربعون منها يقودها رجل اسمه ~~الجالينوس والباقون يقودهم رستم فجاؤونا في هذا الجند الثقيل ومعهم الفيلة والخيول ~~وكانوا لا يمرون ببلدة إلا أساؤا أهلها وشربوا خمورها. وأكثروا من الفساد فيها فنقم ~~الناس عليهم وقد علمنا من بعض أسراهم أنهم قضوا في انتقالهم هذا من المدائن إلى ~~القادسية أربعة أشهر فلما وصلوا القادسية عسكروا بجبالنا ورأينا معهم فيلة بعضها مشهور ~~عندهم بالفتك كالفيل المسمى فيل سابور الأبيض وغيره. فنظم رستم جيشه فجعل من الأفيال ~~18 في الوسط و15 في المجنبتين ثم انفرد هو في مكان مشرف ينظر منه إلى جندنا وبعث إلينا ~~أن نوافيه برجل منا يكلمه فأرسلت إليه واحدا فأخبرنى لما عاد أنه دخل على رستم فإذا ~~هو جالس على سرير من الذهب وبين يديه البسط والنمارق والوسائد المنسوجة بالذهب فلما ~~وصل رسولنا بعباءته ودرعه وسيفه لم يبهره ما رآه هناك من بهارج الدنيا فقاد جواده ~~فوق البسط وشق وسادتين ربطه بهما فسألوه أن يضع سلاحه فأبى حتى أقبل على رستم فابتدره ~~ترجمانه وهو من أهل الحيرة واسمه عبود فسأله عما جاء من أجله. فأجابه بالدعوة التي ~~تعلمونها فعظم ذلك عليهم وقالوا: «كيف تطلبون قتالنا أو الجزية وقد كنتم في قشف ومعيشة ~~سيئة لا نراكم شيئا وكنتم إذا أقحطت أرضكم استعطيتمونا فنأمر لكم بشيء من التمر ~~والشعير ونردكم ولا نظنكم قادمين علينا إلا من الجهد فانا آمر لأميركم بكسوة وبغل ~~وألف درهم ولكل منكم وقر تمر وتنصرفون عنا». فأجابه الرسول بما أسكته وبعد جدال طويل ~~غضب رستم وأقسم أن ms333 النهار لا يطلع قبل أن يقتلنا أجمعين فقال له الرسول: «من يقتل منا ~~يدخل الجنة». وأرسلت إليه رسلا آخرين يدعونه إلى ما هو خير لنا وله فأجابهم بمثل ~~جوابه الأول فلم يجدنا ذلك نفعا. # وفي اليوم التالي جلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة وعين الأفيال كما ذكرت واتخذ ~~في إيصال خبر الحرب إلى ملكه يزدجرد طريقة اعجبتني ولعلي متخذها في بعض حروبي إن شاء ~~الله وذلك أنه جعل بينه وبين يزدجرد رجالا على كل دعوة رجلا أولهم على باب إيوانه في ~~المداين وآخرهم عند رستم فكل ما فعل رستم شيئا قال الذي معه للذى يليه كان كذا وكذا ~~ثم يقول الثاني ذلك للذي يليه وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت. وكنت يا أمير ~~المؤمنين مصابا بدمامل وعرق النساء فلا أستطيع الجلوس وإنما كنت أجلس مكبا على وجهي ~~وصدري فوق وسادة على سطح القصر أشرف على الناس وأرى قتالهم ولكن الله أعاننا بمنه ~~وكرمه فإننا لما رأينا الفرس يتهيأون للقتال بعثنا الخطباء في الجند وقرأنا سورة ~~الجهاد ثم صلينا الظهر وكبرنا أربعا فزحف الجند وتلاحم الجيشان ووالله يا أمير ~~المؤمنين لقد كنت أرى جند فارس ينهالون كالسيل وفيهم الأفيال كالأمواج المتلاطمة وهي ~~تثور فتتلقف الرماح والنبال بخراطيمها وتدوس الناس والخيول بخفافها فهالني أمرها فقلت ~~يا قوم أما من حيلة لها فرماها بعض المسلمين بالنبل فقتل ركابها وتقدم آخرون فأزاحوا ~~عنها توابيتها فتلبكت حركاتها وفسد نظامها فجاء المساء وقد قتل من الفرس جند كبير وفي ~~اليوم التالي وصلتنا نجدة أهل الشام التي أرسلها أبو عبيدة فهاجمنا الفرس حتى كدنا نقبض ~~على رستم ولكنه نجا وفي اليوم الثالث لقي الجندان شدة وجهدا أما نحن فواصلنا العمل في ~~الليل وكانت ليلة سميناها ليلة الهرير لأن رجالنا لم يكونوا يتكلمون وإنما كانوا يهرون ~~هرا فنقلنا الجند إلى مكان يأخذ العدو من خلفهم ففعلنا ذلك وهم لا يعلمون. # ولما أصبحنا هاجمنا أعداء الله من كل جانب ففشلوا واختل نظامهم ووصل بعض رجالنا ms334 إلى ~~سرير رستم وقد أطارت الريح الطيارة عنه فاستظل بظل بغل فقتلوه وقتلوا الجالينوس فانهزم ~~الفرس شر هزيمة فتعقبتهم رجالنا وغنمنا أسلابهم وانتصرنا نصرا مبينا ونحن سائرون الآن ~~لفتح المدائن بعون الله تعالى. انتهى.. # فما فرغ القارئ من قراءة الكتاب حتى ضج المسلمون بالتكبير والشكر لله على ذلك الفتح أما ~~حماد فأنه صبر على سماع الخبر رغما عنه فلما تفرق الناس خرج حماد وسلمان فقال سلمان: ~~يظهر أن أجل الفرس قريب وسيفتح المسلمون عاصمتهم فيندك عرشهم ويكون ذلك جزاء ما كسبته ~~أيديهم من قتل الأبرياء. # فقال حماد: «ولكننا لم نستفد شيئا عن الأمير عبد الله ولا عن جبلة إلا تظن صاحب البريد ~~يعلم شيئا عن ذلك». # قال: «ربما كان على علم فهلم بنا نستطلعه» وسارا يبحثان عنه فإذا هو قد خرج إلى خيمة ~~بعض الجند للاغتسال والوضوء وتناول الطعام. # فقال سلمان: «أظن صاحب البريد يحتاج إلى الراحة بعد سفره الطويل فلندعه وشأنه على أن ~~نعود إليه في صباح الغد». # قال حماد: «لقد أحسنت رأيا» وانصرفا إلى خيمة للاستراحة. # الفصل السابع والتسعون # | ويأتيك بالأخبار من لا تسائله # تركنا حمادا وسلمان وقد انصرفنا إلى خيمة يلتمسان الراحة ريثما يتمكنا من مقابلة ساعى ~~البريد واستطلاع خبر جبلة وعبد الله. وفيما هما صائران إلى الخيمة رأيا عجوزا حدباء عليها ~~سمات الفقر وغبار الأسفار قادمة نحوهما تتوكأ على عكاز وقد أتت رأسها بخمار فظناها من ~~المتسولات فلم يعبئا بها وظلا في طريقهما حتى دخلا الخيمة وليس فيها سواهما وما لبثا أن ~~جلسا حتى رأيا تلك العجوز قد شقت حجاب الخيمة بعصاها ودخلت بلا استئذان فصاح بها سلمان: «ما ~~غرضك يا خالة». # فلم تجبه وظلت داخلة حتى دنت من حماد وحسرت اللثام عن وجهها فإذا هي خادمة هند التي ~~لقيها في دمشق فخفق قلبه لرؤيتها وشعر بانعطاف نحوها وقد تنسم منها رائحة حبيبته فبغت ~~وصاح بها: «ما خبرك وأين هند». # قالت: «تمهل ريثما أستريح فأخبرك الخبر وقد جبت البلاد وتفحصت العباد وأنا في هذا الزي ~~أبحث ms335 عنك فلم أقف لك على خبر وقضيت حول هذه المدينة أياما لا يخبرنى أحد عن مقامك ولا أنا ~~أستطيع المجاهرة باسمك لأن حالنا تدعو إلى الاستتار». قالت ذلك وهي تبحث عن وسادة تجلس ~~عليها وتنظر إلى خارج مخافة أن يسمعها أحد فجلست وعينا حماد تراعيانها وقد نفد صبره في ~~استطلاع حال هند فقال لها: «أخبريني عن هند قبل كل شيء هل هي في خير». # قالت: «كن مطمئنا أنها في خير وسلامة لا ترجو إلا لقاءك». # فقال: «أين هي؟» # قالت: «لا أدري أين هي الآن ولكنني أعرف الخطة التي ستسير فيها فإذا قصصت عليك الحديث من ~~أوله هان عليك فهم الحقيقة». # قال: «قولي باختصار». ولبث صامتا مصغيا لما تقوله. # فقالت: «تركتني في دمشق بجوار كنيسة مريم فأسرعت إلى ما بين يدى ما يحمل واكتريت بغلة ~~ركبتها حتى أتيت بيت المقدس. وكانت سيدتي هند ووالدتها وسائر أهل القصر مقيمين في دير هذه ~~المدينة فأنبأتهم بسقوط دمشق فخافوا ولكنني طمأنت هندا وأملتها بقرب مجيئك فهان عليها كل ~~عسير ولبثنا ننتظر ذلك اليوم. ولكن الأمر جاء بالعكس فإن سيدي الملك جبلة بعث إلينا في ~~اليوم التالي أن نتأهب للرحيل سرا ثم جاء هو وأمر أن نسير على عجل بما خف حمله وغلا ثمنه ~~ولم يجسر أحد من أهله أن يسأله عن جهة المسير ولولا ذلك لبقيت أنا هنا لأخبرك بمكانهم ~~فخرجنا وقد أسرت مولاتي هند إلي أنها حالما تعرف المكان الذي سنقيم فيه تبعث بخبره ~~إليك. # فسرنا أياما وليالي ولم نحط رحالنا إلا في المدينة مقام خليفة المسلمين الذي سمعتم ~~الكتاب يتلى بين يديه الآن وقد كنا في خوف عظيم ولكننا آنسنا إكراما وحسن وفادة وبلغني أن ~~سبب سلامتنا اعتناق سيدي الملك ديانة هؤلاء الفاتحين. فلما ظننا المقام استقر بنا لم يبق ~~على سيدتي إلا أن تنفذ إليك بذلك. وقد فاتني أن أخبرك وفاة ثعلبة أو لعلك سمعت به ~~قبلا». # قال حماد: «لقد سمعنا خبره رحمه الله». # قالت: «ولم نكد نتوسم الراحة ونحيي الأمل ms336 حتى جاءنا سيدي الملك بعجلة وبغتة كما فعل يوم ~~خروجنا من هنا فتأهبنا وخرجنا في ليل دامس خفنا فيه خوفا شديدا ولكن بعض جيراننا اليهود ~~من أهل المدينة كانوا لنا عونا في مسيرنا إلى ما وراء أسوارها. وفي اليوم التالي تحققنا ~~أننا قاصدون بلاد الشام فرأيت في سيدتي هند ارتياحا إلى هذه الوجهة على رجاء أن تقرب منك ~~فقضينا في طريقنا هذه مدة طال أمدها ونحن نسير ليلا متنكرين ونختبئ نهارا ولا نقيم إلا ~~في الديور لأنها أأمن مبيت أو مقام لأهل النصرانية وكنا نمكث في بعضها أياما وأسابيع». ~~قالت ذلك وخفتت صوتها لئلا يسمعها أحد وجعلت تتطلع من باب الخيمة خوفا ممن يتجسس أو ~~يستمع. فقال لها سلمان: «تكلمي لا تجزعي فإن ليس في هذا المعسكر من يظن بنا سوءا ولكن ~~اخفتي صوتك». # قالت: «وآخر مكان أقمنا فيه دير بحيراء ولا تسل عن حالنا لما أطللنا قبل ذلك على صرح ~~الغدير وبستانه وميدانه وما استولى عليه أولئك الحجازيون من المغارس والأبنية التي بناها ~~الملوك الغساسنة منذ أجيال وقد رأيت في وجه سيدي الملك علامات الغضب والفشل حتى كادت الدموع ~~تتناثر من عينيه لولا عزة النفس. أما سيدتى سعدى وهند فقد بكتا وأظن هندا إنما بكت لتذكرها ~~أمرا وقع لها في ذلك الصرح. والخلاصة أننا لم نصل دير بحيراء حتى أخذ اليأس من سيدي الملك ~~كل مأخذ لما ذاقه من ذل التنكر في بلاد كانت طوع إشارته لا يمر بها إلا محفوفا بالجنود ~~والأعوان فتنصب له الأعلام ويحتفل أهلها بقدومه فكيف يمر الآن متنكرا يخاف أن يعرفه ~~أحد» (قالت ذلك وشرقت بدموعها فمسحتها بطرف خمارها ) فتأثر سلمان وحماد لكلامها وعظم عليهما ~~ما آلت إليه حال الغساسنة وتصور حماد أن حال ملوك الحيرة ستؤول إلى مثل ذلك فشكر الله في ~~باطن سره لأن سقوطهم سيكون على يد غير يده. # وأتمت المرأة حديثها فقالت: «ففي ذات ليلة دعا سيدي الملك سيدتي سعدى وهندا وخلا بهما في ~~حديث طويل وفي الصباح التالي دعتني ms337 سيدتي وأسرت إلي أن أبحث عنك في بيت المقدس فما حولها ~~حتى أقف على مكانك وأطمئنك عنها وأخبرك أنهم ساروا إلى العراق وسيقيمون في دير هند بعيدين ~~عن الشام والبلقاء لأنهم لا يستطيعون صبرا على ما خرج من أيديهم أن يروه كل يوم رأي العين ~~وايدي الغالبين فوقه». # فلما سمع ذكر دير هند أجفل وقال: «أي دير تعنين؟» # قالت: «دير هند في ضواحي الحيرة». # فنظر إلى سلمان وقال: «اعهد دير هند في الحيرة وليس خارجها فما هذا الدير». # فقال سلمان: «إن في الحيرة ديرين ينسبان إلى هند أحدهما الأصغر وهو في الحيرة والآخر في ~~ظاهرها أما الأول فقد سمي باسم أختك هند سنة قبض كسرى على المرحوم والدك الملك النعمان في ~~أوائل حكمه وحبسه قبل أن تولد أنت بأعوام فنذرت شقيقتك هذه إن رده الله إلى ملكه أن تبني ~~ديرا وتسكنه حتى تموت فلما أطلق سبيل والدك فعلت ذلك ومكثت في ذلك الدير. # وأما الدير الأكبر وهو ما يسمونه بدير هند الكبرى فقد بنته هند بنت الحارث بن عمر بن ~~حجر آكل المرار الكندي بظاهر الحيرة وهي من كندة وليست من لخم والدير كبير أذكر إني زرته ~~غير مرة وكان رهبانه يترددون على منزل سيدي الأمير عبد الله للمداولة بشؤون تتعلق بأملاك ~~له هناك. يأم هذا الدير أناس من جهات العراق وغيره يقيمون فيه أياما وفيه ما يحتاجون ~~إليه من الزاد ونحوه». # فنظر حماد إلى المرأة وقال: «هل تظنين هندا في ذلك الدير الآن». # قالت: «لا أدري إذا كانت لا تزال هناك لأنها أوصتني بما تقدم منذ بضعة أسابيع قضيتها في ~~البحث عنك. ولكن سيدتي سعدى أسرت إلي بعد خروجي من بين يدي هند أن مولاي الملك جبلة إنما ~~يريد الشخوص إلى القسطنطينية ليقيم بقرب إمبراطوره هرقل معززا مكرما وأنه سيجعل طريقه ~~في الفرات ومنه برا في البلاد التي لم يصل سيف المسلمين إليها أما سواحل الشام فأنها في ~~أيديهم لا يخلوا المرور بها من الخطر. وقالت لي أنها أقنعته ms338 أن يقيم في دير هند مدة ليرى ~~ما يكون من حال جند العراق. فإذا طال غيابي عنهم أظنهم يقصدون القسطنطينية وذاك آخر مكان ~~يقصدونه فافعل ما يبدو لك». # فلما سمع حماد ختام الحديث انقبضت نفسه مخافة أن يقصد العراق فيذهب سعيه ضياعا وأدرك ~~سلمان فيه ذلك فقال له: «ألا ترى يا مولاي أن بمسيرنا إلى العراق نرمي حجرا فنصيب صيدين ~~ألم نكن في حاجة للبحث عن سيدي الأمير عبد الله في العراق فمسيرنا إلى هناك يجمعنا به ~~وبهند إن شاء الله». # فقال حماد: «ألم تسمع ما تلي علينا اليوم من خبر واقعة القادسية وهي بالقرب من الحيرة ~~إلا تظن على الحيرة خطرا». # قال سلمان: «إن الحيرة يا مولاي دخلت في صلح المسلمين منذ أعوام وكنت شاهدا صلحها بنفسي ~~وزد على ذلك ما نعلمه من صيانة الديور عند المسلمين». # فقال حماد: «وهل تعرف الطريق إلى الحيرة». # قال: «نعم». # قال: «وأنت ماذا تفعلين يا خالة». # قالت: «لا أظنني أستطيع المسير معكما لما أنتما فيه من الاستعجال ولكنني أتبعكما في طريق ~~آخر أو أبقى في دير بحيراء أنتظر خبرا من عندكم». # الفصل الثامن والتسعون # | هند في دير هند # دير هند الكبرى بناء واسع شادته هند بنت الحارث الكندية بحجارة ضخمة في بستان خارج ~~الحيرة يشرف عن بعد على بحيرة كانت هناك وفي الحديقة أنواع الرياحين والأزهار وحولها كروم ~~العنب والتين وغيرها من الفاكهة. يأوي إليه الرهبان من أهل العراق وفيه منازل للأضياف هي ~~دار الضيافة ينزل فيها الغرباء من المارة أو نحوهم يقيمون أياما ثم ينصرفون. ورئيس الدير ~~راهب شيخ سرياني أصله من ساباط. وقد جاء جند المسلمين العراق وجرى ما جرى لهم من الوقائع ~~والدير في مأمن لم يصيب بسوء وأهله آمنون. # ومن يستقبل باب الدير بوجهه يقرأ على عتبته نقشا هذا نصه: # بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الملكة بنت الأملاك وأم الملك عمرو ~~بن المنذر أمة المسيح وأم عبده وبنت عبيده في ملك ملك الأملاك خسروا ms339 أنوشروان في ~~زمان مار افريم الأسقف فالإله الذي بنت له هذا الدير يغفر خطيئتها ويترحم عليها ~~وعلى والدها ويقبل بقومها إلى أمانة الحق ويكون الله معها ومع والدها الدهر ~~الداهر. # ففي ذات ليلة بعد انقضاء واقعة القادسية وسكون الناس إلى الراحة سمع أهل الدير قرع ~~الأجراس وهي أجراس تعلق ببنيان بعض الديور حتى إذا مر غريب دقها فيفتحوا له فيبيت هناك ~~يتناول الطعام أو نحوه. فلما سمع خدام الدير الدق هرول بعضهم إلى الباب وكان الباب ثقيلا ~~مصفحا بالحديد وفيه المسامير الضخمة فأطل من فوقه من غرفة صغيرة فرأى ركبا على أفراس ~~ومعهم الخدم والأمتعة فنزل إلى الباب ففتحه ورحب بالقادمين وأسرع إلى قيم الدير يخبره ~~بقدوم ركب كبير فدخلوا وفيهم المشاة والفرسان فلما وصلوا إلى ساحة الدير ترجل الفرسان وتقدم ~~بعض المشاة فأمسكوا بأزمة الخيل ووقفوا جانبا لا يفوه أحد منهم بكلمة. فلما ترجلوا جميعا ~~تقدم واحد منهم وهو لا يزال ملثما حتى دنا من قيم الدير فهمس في أذنه فأسرع وسار الكل ~~وراءه إلى غرفة باتوا فيها تلك الليلة وأهل الدير يتحدثون في من عسى أن يكون هؤلاء الناس ~~الذين لتلثمهم لا يعرف النساء فيهم من الرجال ولكنهم عرفوا من قيافتهم وسروج أفراسهم أنهم ~~من أهل الشام وكانوا قد سمعوا بحروب المسلمين هناك فترجح لديهم أنهم بعض كبار الغساسنة وهم ~~بالحقيقة جبلة وأهله فأقاموا هناك مستترين. # أما حماد وسلمان فما عزما على العراق سارا لوداع أبي عبيدة فإذا هو يتأهب لوداع الإمام ~~عمر وقد هم بالرجوع إلى المدينة فوقفا ريثما ودعه فامتطى عمر جمله وركب معه بعض الأمراء ~~وودع الناس وتحول نحو المدينة وسلمان وحماد ينظران إليه ويعجبان بما أوتيه من رفعة المنزلة ~~مع رغبته في الزهد والاقتصار على بسائط الأشياء. # ولما توارى الإمام عاد الأمراء إلى معسكرهم وفي مقدمتهم أبو عبيدة فانتظر حماد وسلمان ~~ريثما خلا بنفسه فسارا إليه واستأذناه بالانصراف. # فقال: «إلى أين؟» # قال حماد: «إننا سائرون إلى العراق لعلنا نلتقي بوالدي فقد طالت غيبته». # قال: ms340 «ثقوا بسلامته وصحته فأنه مقيم على الرحب والسعة وهل سمعتم خبرا عن ~~جبلة». # قال: «لم نسمع خبرا بعد ولعلنا نعرف عنه شيئا هناك». (قال ذلك وهو يعلم أنا أبا عبيدة ~~إذا علم بمكانه بعث من يقبض عليه عملا بإرادة الإمام عمر فأنكر مكانه). # فقال أبو عبيدة: «أظنكما تعثران عليه في العراق فقد سمعت من بعض الناس أنه سار إلى هناك ~~وربما يقيم في دير هند الكبرى خارج الحيرة». # فلما سمع حماد ذلك أجفل ولكنه تجلد وتجاهل وقال: «سنبحث عنه جهد الاستطاعة وهل تظن ~~عليه بأسا إذا عرف مكانه». # قال: «إن أمير المؤمنين كتب إلى عماله في الشام وفلسطين والعراق كافة أن يقبضوا على ~~الرجل حيثما وجدوه لأنه أسلم وارتد وخرج من المدينة فارا». # فشكر حماد لنفسه لأنه لم يبح بمكان جبلة ولكنه خاف عليه من الرقباء ومال إلى العجلة ~~في المسير إلى العراق فاستأذن أبا عبيدة وودعه سلمان وسارا إلى خالد وغيره من الأمراء ~~ودعاهم وخرجا يتأهبان للمسير. # الفصل التاسع والتسعون # | وادي الفرات # وبعد بضعة أيام حملا ما استطاعا حمله من المتاع وخرجا من بيت المقدس وفيما هما في الطريق ~~قال حماد: «لا تظننا إذا أتينا العراق عائدين إلى هذه البلاد فلنأخذ أمتعتنا التي تركناها ~~في بصرى وخصوصا الدرع فأنها كنز ثمين عندي وقد أحتاج إليها في دفاع أو هجوم». فمرا ببصرى ~~فنزلا البيت حملا منه ما طاب لهما من خفيف الحمل وغالي الثمن وخرجا إلى دير بحيرا ودخلا ~~الصومعة قبلا أيقوناتها فتذكر حماد أياما مرت به هناك فهاجت فيه ذكرى هند وتنبهت ~~أشجانه وتاقت نفسه إلى العراق لملاقاة حبيبته قبل أن يصيبها سوء ولقيا في دير بحيراء ~~خادمة هند فسألاها عن حالها فقالت أنها ستسير في أثرهما مع قافلة من قوافل العراق. # أما هما فاصطحبا خادما أو دليلا يسوس الخيل ويدلهما على الطريق وسارا وهما تارة يمران ~~بغياض وطورا برمال وآونة بجبال وأودية وتارة بصخور وعرة وكانت أكثر البقاع مشقة عليهما ~~صحراء الشام وفيها بقايا مدينة تدمر العظمى وبعد ms341 بضعة عشر يوما أطلا على وادي الفرات من ~~أكمة مرتفعة فإذا هو سهول منبسطة يخترقها الفرات وفيها القنوات والبحيرات بينها المغارس ~~والبساتين. والمزارع وكان وصولهم إلى هناك قبل الغروب فوقفا والخادم ينصب الخيمة على نية ~~المبيت فوق ذلك التل أما حماد فوقف وهو على متن جواده والتفت إلى تلك السهول الخصبة وما ~~يتخللها من القرى والمدن وفيها الماشية عن بعد وشجر النخل كأنه جند واقف لألقاء التحية ~~فتذكر والده النعمان وقال في نفسه (هذه هي البلاد التي كان يحكمها والدي). ومرت بذاكرته ~~خيالات جمة أكثرها مخيف ولكن صورة هند كانت تظللها كلها فتزيل المخاوف على أنه ما لبث أن ~~تصورها في حال الضيق فهب من أعماقه تصوراته وعاد إلى قلقه. # أما سلمان فكان يساعد الخادم في نصب الخيمة وإعداد معدات الراحة فلما فرغ من ذلك جاء إلى ~~سيده وطلب إليه أن يترجل فترجل فساق الخادم الفرس ووقف حماد وسلمان ينظران معا إلى وادي ~~الفرات. # فقال حماد: «وأين موقع الحيرة يا سلمان؟» # قال: «إن الحيرة أول مدينة تستقبلك قبل وصولك الفرات وأظننا نشرف عليها غدا وبينها وبين ~~القادسية بضعة عشر ميلا». # ثم جلسا للعشاء وانصرفا بعده للرقاد لأن التعب أخذ منهما مأخذا عظيما. وفي الصباح ~~التالي بكرا وركبا وحماد لا يصدق أنه يشرف على الحيرة ويرى دير هند ولو عن بعد. وبعد ظهيرة ~~ذلك اليوم أشرفا على بحيرة من الماء كبيرة ظنها حماد لأول وهلة بحرا فقال: «ما هذا يا ~~سلمان» قال: «هذه بحيرة النجف يا مولاي وعلى ضفافها جرت واقعة القادسية التي سمعنا خبرها في ~~معسكر أبي عبيدة. ووراء هذه البحيرة شمالا مدينة الحيرة مقام المناذرة أجدادك ووراء الحيرة ~~شرقا نهر الفرات. وأما دير هند فهو خارج الحيرة وربما أطللنا عليه بعد قليل. ولا يخفى ~~عليك أن معظم الكروم والبساتين المجاورة للدير في ضواحي الحيرة هي من أملاك الأمير عبد الله ~~ولا ندري ماذا جرى فيها بعد واقعة القادسية وإذا كان مولاي الأمير ممن شهدوا الواقعة فأظنه ~~يتدبر في حفظها ms342 وحمايتها». # فقال حماد: «ألا ترى إذا أطللنا على الحيرة الآن أن نبيت في الدير الليلة». # قال: «لا أظننا نستطيع ذلك والمسافة بعيدة ولا ندري ما هنالك من العقبات فقد نبيت الليلة ~~في مكان على مقربة من الحيرة وفي الغد نسير إلى الدير». # قال: «حسنا» وفي الغروب ظهرت لهما الحيرة بأبنيتها ولكن الظلام غشيها قبل أن يتبيناها ~~فباتا تلك الليلة وأصبحا وحماد لم ينم إلا قليلا لشدة قلقه وتشوقه فكان كلما تصور ~~ملاقاته هندا اختلج قلبه فوصلا ضواحى الحيرة عند الظهيرة فأطلا على دير هند فلما رآه ~~حماد تذكر أنه يعرفه من ذي قبل ولكنه لم يدخله فمشيا بين الكروم ومغارس الفاكهة ~~والزيتون وسلمان يدله على ما يملكه الأمير عبد الله وحماد يزيد استئناسا ولكنه ما زال ~~هاجسا بهند لا صبر له على لقائها ثم وصلوا إلى قناة من الماء تظللها شجرة عظيمة وحولها ~~الأشجار يانعة يمر بها النسيم اللطيف فتسمع لأوراقها حفيفا يطرب السمع بما يمازجه من خرير ~~الماء الجاري فوق الحصباء فتقدم سلمان إلى حماد أن يستريحا هناك ويتناولا الغداء وفي الأصيل ~~يدخلا الدير. # فقال حماد: «لا صبر لي على ذلك كيف نكون بقرب الدير ولا نسرع إليه». # قال سلمان: «أرى والأمر لمولاي أن تستريح أنت هنا والخادم يدبر لك الطعام وأذهب أنا إلى ~~الدير أبحث عن هند وأعود إليك بالخبر». # قال: «لا أراني قادرا على ذلك ولا بد لي من المسير معك فلنترك أحمالنا تحت هذه الشجرة مع ~~الخادم ونذهب إلى الدير». # قال: «افعل ما بدا لك» فشربا وغسلا أيديهما ووجهيهما من الغبار وهما بالمسير. # الفصل المائة # | الفشل # ركبا وسارا بين الأشجار والشمس فوق الرؤوس فلم يغنهم ظل الأغصان إلا قليلا حتى انتهيا ~~إلى باب الدير وحماد قد نفد صبره. وكان سلمان عارفا الجرس المعلق هناك فجذب الحبل فدق ~~الجرس ودق قلب حماد معه فوقفا برهة لم يفتح لهما أحد فأعاد الدق وبعد قليل أطل من فوق ~~الباب راهب وقال مستفهما: «من أنتم؟» # قال سلمان: «زوار للدير». # قال: ms343 «من أين أنتم قادمون؟» # قال: «من جهات الشام». # فقال الراهب بلهجة النفور: «لا محل للزيارة عندنا» وتحول إلى داخل الدير فناداه سلمان فلم ~~يجب فكلمه بلسان أهل الحيرة فعاد الراهب وقد تذكر أنه يعرف ذلك الصوت فأطل ثانية من أعلى ~~الباب وقال: «من أنتم؟» # قال سلمان: «لسنا من أهل الشام وإنما نحن عراقيون مثلكم افتحوا لنا» فتفرس الراهب في وجه ~~سلمان برهة ثم جذب سلسلة مشدودة بالنافذة ففتح الباب فدخل حماد وسلمان وفرساهما وراءهما ~~فأخذ الراهب يرحب بهما وينظر إلى سلمان لعله يعرفه. # فقال له سلمان: «أتعرف هذا الشاب يا حضرة الأب». وأشار إلى حماد. # فالتفت إليه وقال: «أليس هو الأمير حماد بن الأمير عبد الله». # قال: «بلى هو فهل رأيت والده في هذه الأثناء». # قال: «رأيته مرارا وهو الآن مع جند المسلمين في خير ولولاه لأصابنا ضنك وربما قتلنا فقد ~~كان لنا عونا ومجنا بورك فيه ومربحا بابنه». # وما زالوا سائرين حتى أتوا دار الضيافة وحماد ينظر يمنة ويسرة وقد شاعت عيناه لعله يرى ~~شيئا يتنسم منه رائحة هند فلم ير إلا رهبانا وفعلة فدخلوا دار الضيافة وتناول الفرسين ~~بعض الخدم فساقوهما إلى الإسطبل وبعثوا من يدعو الخادم ليأتي بالأحمال. # أما حماد فتعاظم قلقه ولم يعد يستطيع صبرا فأدرك سلمان فيه ذلك فابتدر الراهب ~~بالاستفهام عما منعه من فتح الباب لهما حالا وما الذي يخافونه من أهل الشام. # فقال: «نلتمس من الأمير حماد عذرا على توقفنا عن استقباله برهة وما ذلك إلا لأننا ~~وقعنا منذ أيام في ورطة بسبب ضياف نزلوا عندنا وكانوا قادمين من الشام». # فقال سلمان: «ومن هم أولئك الاضياف؟» # قال: «جاءنا جماعة نزلوا في هذا الدير شهرا ونحن نحسبهم من أعيان الشام فما لبثنا أن ~~عرفنا أنهم جبلة بن الايهم وامرأته وأبنته وبعض خدمه». # فلما ذكر جبلة وأهله خفق قلب حماد وخاف أن يسمع خبرا يسؤه وقد عودته حوادث الأيام أن ~~يسيء الفأل في كل مستقبل فأصاخ بسمعه ليرى ما تم لهم واكتفي باصغائه حال الراهب ms344 على ~~إتمام حديثه. وكان بعض الرهبان قد جاءوا بالمواعين فيها الماء ليغتسل الضيفان فلم يلتفت ~~أحد منهما إليها وظلا مصغيين. # قال الراهب: «فأقام الملك جبلة بيننا أياما على الرحب والسعة ونحن لا نحسبه إلا من ~~بعض أمراء الشام. على أننا كنا نعجب لاحتجابه في الدير واحتباسه عن العيون ونحن نتوسم من ~~خيوله وخدامه أنه محب للصيد والفروسية. ولكن الأمر انكشف لنا بغتة فجاءنا جماعة من جند ~~المسلمين في عصاري بعض الأيام وفيهم الفرسان والمشاة وقرعوا الباب ففتحنا لهم ونحن غير ~~خائفين لما نعلمه من العهود التي خصصوا الديور والكنائس بها. فخرج الرئيس المحترم ~~لاستقبالهم فقالوا لا خوف عليكم ولكن عندكم عدوا فر منا في حرب الشام وكان قد أسلم ثم ارتد ~~فلا بد من القبض عليه وسوقه إلى الأمير سعد بن مالك». # فسأله الرئيس عن ذلك العدو فقال: «أنه جبلة بن الايهم ملك غسان وكان جبلة قد رأى ~~الرجال وعلم أنهم قادمون للقبض عليه فتربص ولو كان وحده لتمكن من الفرار ولكنه لم يجد ~~إليه سبيلا. فقبضوا عليه وساقوه حالا ولم يمهلوه ريثما يلتفت وراءه». # فقطع سلمان الحديث قائلا: «هل ساقوه وحده». # قال: «ساقوه معه امرأته والخدم». # قال حماد: «وماذا جرى لابنته؟» قال ذلك وهو مضطرب الحواس. # قال الراهب: «أما ابنته هند فكانت قد خرجت في صباح ذلك اليوم لزيارة دير هند الصغرى في ~~الحيرة على أن تقضي نهارها هناك وتعود في المساء. فلما أخذ والداها لم تكن هي هنا فلما ~~جاءت في المساء أخبرناها بما كان فأجفلت ولطمت خديها وندبت والدها ثم وقفت تبكي تارة وتفكر ~~أخرى حتى قاربت الشمس الزوال ونحن نخفف عنها فسألتنا عما قاله لنا والدها قبل ذهابه ~~فاعتذرنا بأنه لم يستطع كلاما لفرط ما ألحوا عليه بالذهاب. فأسرعت إلى جواد لها كان ~~باقيا هنا فركبت وتزملت بعباءة من الحرير المزركش كأنها فارس مغوار واستفهمت عن الجهة التي ~~ساروا فيها بوالدها فأشرنا إليها فهمزت الفرس وخرجت تنهب الأرض نهبا ونحن لا نعهد مثل ذلك ~~في البنات. ms345 ثم لم نعد نعلم عنها خبرا». # فما أتى الراهب على تمام الحديث حتى انقبضت نفس حماد واتقدت الغيرة في قلبه وتولاه اليأس ~~فلبث صامتا كأنه أصيب بصدمة ثم التفت إلى سلمان فإذا هو صامت يفكر. # فاستغرب الراهب ما ألم بهما من البغتة وعهده باللخميين يسرون بما يسوء الغساسنة لما ~~بينهما من الضغائن القديمة فقال لهما: «ما بالي أرى حديث جبلة قد همكما إلى هذا الحد وهو ~~غساني ألعلكما من غسان». # فقال سلمان: «لم يهمنا حديثه ولا يهمنا أمر الغساسنة كلهم ولكننا نفكر في تلك الفتاة ~~المسكينة. فهل مضى على ذهابهم مدة طويلة». # قال: «لا تزيد على بضعة عشر يوما». # قال: «وهل سمعتم عنهم شيئا بعد ذلك». # قال: «سمعنا أخبار متضاربة فمن قائل أن سعدا أمير جند المسلمين قتلهم حالا وقائل أنهم ~~قتلوا قبل وصولهم إليه وقائل أنهم لا يزالون أحياء». # فازداد اضطراب قلب حماد وهم بالنهوض فأقعده سلمان وقال للراهب متجاهلا: «وماذا سمعتم عن ~~ابنته المسكينة». # قال: «لم أسمع شيئا عنها منذ خروجها ولعلها اقتصت آثارهم إلى معسكر المسلمين». # فلم يعد حماد يستطيع صبرا فنهض إلى جواده وتبعه سلمان. وكان خادم حماد قد وصل الدير بما ~~معه من الأمتعة وجعلها في مأمن. فانفردا في مكان. # فلما خلوا قال حماد: «دعني يا سلمان أقتفي أثر جبلة فقد ضاق صدري وتحدثني نفسي بسوء ~~أصابهم جميعا. أهذه نهاية آمالي ونتيجة أتعابي». قال ذلك وحرق أسنانه وتلألأت الدموع في ~~عينيه ولكنه تجلد تجلد الرجال وقال: «علينا السعي يا سلمان وعلى الله التدبير. فما ~~الرأي». # قال: «الرأي أن نقصد معسكر المسلمين وندخل على سعد بن مالك أميرهم فنسأله عن مولاي ~~الأمير عبد الله وهو عنده من كبار المشيرين كما تعلم فإذا لقيناه أعاننا في البحث عن جبلة ~~وأهله وإذا كان جبلة لا يزال حيا وسطنا الأمير عبد الله بالعفو عنه». # فقال: «نعم الرأي رأيك ولكن هندا أين هي». # قال: «نظنها معهم وهب أن والدها قتل فهي لا تقتل لأن المسلمين لا يؤذون النساء فقد تكون ms346 ~~عندهم في حفظ وخصوصا إذا كان سيدي الأمير عبد الله قد رآها أو عرف مقرها». # فقال حماد: «إلا تظنهم يتخذونها سبية.. أعوذ بالله» قال ذلك وهم بالجواد يركبه. فقال ~~سلمان: «تمهل يا مولاي ريثما نلاقي رئيس الدير ونسأله عن معسكر المسلمين لئلا نبذل السعي ~~والوقت عبثا». قال: «حسنا» وتجلدا ودخلا على الرئيس وكان قد عرف قدومهما فرحب بهما وقبل ~~حماد وأمر لهما بمائدة فقالا لا نستطيع طعاما لأننا خارجان على عجل لأمر هام لنا وقد جئنا ~~لوداعك. قال: «أتودعانني قبل أن نلتقي». # قال: «كذلك قضي علينا وأنتم تعلمون أن سيدي الأمير عبد الله في معسكر المسلمين وفي نيتنا ~~أن نذهب إليه فأين هو معسكرهم». # قال: «إن المسلمين معسكرون الآن تجاه المداين في بهر شير وأظنكم تعرفونها وهي بالحقيقة ~~قسم من المداين فأنها في الغرب والمدائن في الشرق وبينهما دجلة. فقد نزل المسلمون على بهر ~~شير وحاصروها شهرين ورموها بالنبال والمجانيق حتى فتحت. فاحتلوها وهم عاملون على فتح ~~المدائن». # فقال سلمان: «إني أعرف بهر شير جيدا ويسهل علينا الوصول إليها إذ لا يحول بيننا وبينها ~~إلا الفرات وبعض السهل». # الفصل الحادي والمائة # | فتح المدائن # فودعا الرئيس ونزلا إلى الغرفة التي أودعا الأمتعة فيها فلبس حماد درعه ورداء والده ~~الملك النعمان وجعل خاتمه بين أثوابه وسلمان ينظر إليه فسأله عن سبب لبسه ذلك الرداء ~~فتنهد وقال: «ألسنا ذاهبين إلى المدينة التي قتل فيها والدي النعمان؟» # قال: «بلى». # قال: «ألسنا في شك من بقاء هند حية؟» # قال: «الله أعلم». # قال حماد: «ونحن نعلم أيضا أنها قد تكون حية أو ميتة إذ لا يعرف أحد مكانها وقد سيق ~~والدها إلى القتل لا محالة فإذا كانت لحقت به فلا يخلوا أمرها من أحد خطرين أما إن تكون ~~سبية أو قتيلة وكلاهما موت. فهل أطمع بعد ذلك في الحياة وقد آن الوقت الذي يجب علي أن أنتقم ~~فيه لوالدي وهذه جنود المسلمين على أبواب المدائن فاني محارب معهم حتى أدخل الإيوان بنفسي ~~فأقتل كسرى بيدي فإذا ms347 قتلت فما أنا خير من هند ولا عيش لي بعدها. وإذا حييت فذلك أمر الله ~~يقدره لحكمة لا نعلمها». قال ذلك وقد علاه الغضب وتجلت في وجهه مهابة الملوك فأقطب ~~أسرته ومازال يلبس درعه وصليل حديده مسموع إلى الخارج. فتهيب سلمان من منظره ولبث ~~صامتا لا يدري ما يقول ثم قال: «ألا ترى يا مولاي أن نتنكر بزي المسلمين لئلا يستغشوننا في ~~وسط المعركة فيحسبونا من الفرس أو من عرب الحيرة أحلافهم؟» # قال: «لقد رأيت حسنا». وكان بين ثياب سلمان كثير من تلك الأثواب لما كان يحتاج إليه من ~~التنكر فاستخرج ثوبين لبس كل منهما ثوبا وتعمما بعمامة أهل الحجاز حتى لا يشك الناظر ~~اليهما في أنهما حجازيان. # وكانت الشمس قد مالت إلى الأصيل وهم أهل الدير بتهيئة طعام المساء فشاهدا جماعات منهم ~~عائدين بأحمال الأثمار والأخشاب من بساتين الدير. # ثم ركبا وأطلقا الأعنة للجوادين فقضيا مدة صامتين وأفكارهما سابحة في ما سمعاه يستوقف ~~مجاريها أصوات حوافر الخيل وأنغام وقعها بين قرقعة على الحجارة وهمس على الرمال وهما لا ~~يتكلمان. فأمسى عليهما المساء وراء الحيرة فباتا في كنيسة هناك وأصبحا راكبين فمرا بجيف ~~بعضها وهم خيول وجمال والبعض الآخر جثت آدميين مبعثرة في تلك السهول لم يبق منها غير العظام ~~الضخمة التي لم تقدر على قضمها النسور فتذكرا ما وقع هناك من الحروب الهائلة بين المسلمين ~~والفرس. ثم قطعا الفرات على جسر من السفن وفي اليوم التالي أشرفا على المدائن وقصورها عن ~~بعد فرأيا فوقها ضبابا كثيفا يكاد يحجبها عن الأبصار فقال سلمان: «لقد همني أمر هذا ~~الضباب فاني أظنه غبار الحرب ويخال لي أن المسلمين يهاجمون المدينة في هذا الصباح». ثم ~~وخزا الجوادين حتى وصلا بهر شير فإذا هي في هرج والناس فيها بين فارس وماش يهرعون نحو النهر ~~فسألا عن سعد بن مالك فقيل لهما أنه يخوض النهر بجيشه لفتح المداين والمسلمون يقتفون أثره ~~ففتشا عن الأمير عبد الله فلم ينبئهما بخبره أحد فصعدا إلى أكمة أشرفا منها ms348 على المدائن ~~ودجلة فرأيا المسلمين يقطعون النهر بأفراسهم والرماح مشرعة في أيديهم وبعضهم قد بلغو الضفة ~~الأخرى يحملون الأعلام. ونظرا إلى المداين فإذا ببعض حاميتها قد خرجوا من الأسوار بأفيالهم ~~وأفراسهم وأعلامهم يتأهبون للقاء المسلمين وقد علا الضجيج حتى أستكت المسامع وتصاعد الغبار ~~حتى حجب السماء. فهاجت عواطف حماد وجرى دم الملوك في عروقه وثارت الحمية في رأسه فنظر ~~سلمان إليه فرآه قد احمرت عيناه وهو يتفرس في ساحة القتال كأنه يهم بالوثوب إليها فقال ~~له: «ما بال سيدي في شاغل». # فنظر حماد إليه وقال: «أراني يا سلمان راغبا في نزول هذه الساحة فقد آنت ساعة الانتقام ~~لوالدي. هؤلاء هم قتلة النعمان بن المنذر قد نزلوا لقتال المسلمين فلا أراني صابرا عن ~~منازلتهم ووصية والدي خارجة من ظلمات القبر. ولا ريب عندي يا سلمان أن تقاعدي عن القيام ~~بتلك الوصية من أول الأمر هو الذي عرقل مساعي وحرمني من هند لأن طاعة الوالدين واجبة وقد ~~تهاملنا في هذا الواجب فجوزينا بالتعب والشقاء والفشل والقنوط. ألم تكن هند طوع إرادتنا ألم ~~يكن والدها راضيا بي ينتظر ساعة القران. فما باله أحجم وتغير من يوم قرأنا تلك الوصية ~~المقدسة وعولنا على إغفالها. ذلك أول قصاص نلناه وما زالت تتوالى علينا الإحن وتقف في ~~سبيلنا العقبات من ذلك الحين حتى خرج النصيب من أيدينا أو كاد وكأن الله سبحانه وتعالى قد ~~جرنا إلى هذه الساحة ليذكرنا بما ارتكباه لعلنا نرعوي ونصدع بالأمر وكأني بوالدي يناديني ~~بأعلى صوته من أعماق قبره وأظنه ما انفك يفعل ذلك منذ أعوام ولكننا كنا بعيدين عن مدفنه ~~فلم نسمع النداء. وتحدثني نفسي يا سلمان أن أنازل هؤلاء الفرس في جملة المنازلين وعلي برد ~~النعمان بن المنذر وبيدى خاتمه فإما أن أقتل شهيد الثأر المقدس وإما أن أحيا بعد النصر ~~وأظفر بخطيبتي فيطيب لي القران عملا بوصية والدي فقد أوصاني أن لا أقضي أمرا مثل هذا ~~إلا بعد الانتقام له». # وما أتى حماد على آخر كلامه حتى ارتعشت أنامله ms349 وثارت عواطفه ولم يتمالك عن أن همز ~~جواده نحو النهر فخاض الماء وخاضه وسلمان في أثره حتى أتيا الضفة الأخرى فرأيا المسلمين ~~يطاردون الفرس حتى دخلوا المداين فدخلوها في أثرهم. وأوغل المسلمون في المداين وحماد في ~~جملتهم حتى أتوا إيوان كسرى فدخلوا حديقته وخيولهم تدوس الأزهار والرياحين ورماحهم تخترق ~~أغصان الليمون والازدرخت حتى وصلوا باب الإيوان فكان حماد أول داخل وقد عول أن يقتل كسرى ~~بيده. والإيوان قاعة كبيرة طولها مئة ذراع وعرضها خمسون مبنية بالآجر والجبص سقفها عقد واحد ~~قائم على عمد من الرخام المنقوش وفي صدر الإيوان عرش يجلس عليه كسرى تعلوه قبة مرصعة في ~~داخلها مروحة من ريش النعام والى جانبي العرش مجالس الأعوان والوزراء من المرازبة والكهنة ~~وجدران الإيوان وسقفه مزينة بالرسوم وفي جملة ذلك رسم كسرى انوشروان وغيره من الأكاسرة ~~العظام وأبيات من الشعر الفارسى مكتوبة بالحرف الكداني وفي سقف الإيوان رسوم الأفلاك ~~والأجرام. # فلما رأى حماد نفسه في وسط الإيوان ووقع نظره على ذلك العرش أسرع نحوه وهو يحسب كسرى ~~جالسا عليه فإذا هو خال وليس في المكان أحد من الفرس لفرارهم جميعا إلى حلوان ولم تمض ~~لحظات حتى امتلأ الإيوان بالمسلمين وقد أخذوا في تكسير التماثيل وتمزيق الصور وكان الفرس ~~قبل خروجهم قد حملوا معهم ما خف حمله وغلا ثمنه وبقي مع ذلك ما لا تقدر قيمته من الذهب ~~والحجارة الكريمة والثياب المزركشة والأسلحة المذهبة والتيجان المرصعة. # أما حماد فحالما تحقق سقوط المداين لم يعد يشغله شاغل عن التماس الأمير عبد الله فلم يره ~~بين الهاجمين فانشغل باله عليه فأوعز إلى سلمان أن يساعده في طلبه وكان سلمان أكثر قلقا ~~عليه من حماد. فقال لحماد: «لا تبعد أنت عن هذا الإيوان فإني ذاهب إلى سعد بن مالك أمير ~~هذا الجند لعلي أسمع منه خبرا عن سيدي الأمير». # قال: «حسنا» وبقى حماد في جملة الجند لا يستغشه أحد حتى سكنت الغوغاء وهو ينظر إلى ما ~~يحمله الفاتحون من التحف الغريبة وفيها التيجان والسيوف المرصعة ms350 فسمع قائلا يقول: «هذا هو ~~سيف النعمان» فلما سمع ذلك خفق قلبه وود لو يناله هو ولكنه لم يجسر على التماسه فقال في ~~باطن سره هذا هو سيف النعمان وهذا ابن النعمان وهذا برد النعمان وهذا خاتمه وقد شهدوا حرب ~~الفرس معا ورأوا سقوط دولتهم رأى العين وذلك ما تمناه والدي ولم يبق لي في الحياة مأرب ~~إلا إذا ظفرت بمنيتي ومنتهى أربي. ولم يكد يتذكر هندا حتى عادت إليه أشجانه ونسي موقفه ~~واليأس في شاغل عنه فهمز جواده وأخذ في البحث عن عبد الله فتذكر موعده مع سلمان فوقف حتى ~~عاد سلمان فإذا هو منقبض الوجه فقال له حماد: «ما وراءك» قال: «لقيت بعض حاشية سعد بن مالك ~~وسألتهم عن الأمير عبد الله فقالوا أنه كان معهم ولكنه خرج من المعسكر أول البارحة ولم ~~يعد». # فقال: «هل سألتهم عن جبلة؟» # قال: «سألتهم فقالوا إن سعد أمر بقتله منذ قبض عليه». # فقال: «هل علمت إذا كانت هند معه عند قتله وماذا جرى لها؟» # قال: «علمت أنها لم تكن معه ويظهر أنها لم تصل إليه فقد قال لي مخبر أن جبلة سيق أسيرا ~~ومعه امرأته فقط وعلى كل حال لا نظننا نتبين الحقيقة إلا من سيدي الأمير عبد ~~الله». # وتركا المدينة والمسلمون يحسبونهما من جملة جندهم لما تنكرا به من الزي الحجازي حتى إذا ~~صارا خارج المدائن قال حماد: «لقد قضي الأمر يا سلمان وسقطت عاصمة الفرس وإن يكن ملكها ~~يزدجرد فر ولم يقتل بعد ولكنه مقتول لا محالة فها قد أنفذنا وصية والدي ولكننا ما لبثنا أن ~~سمعنا بمقتل جبلة ونحن في ريب من أمر أهله ولا نعلم مقر هند». قال ذلك وحرق أسنانه ~~وأطرق. # فقال سلمان: «لا أظن هندا إلا في بعض الديور وعلى كل حال إننا لا نستطيع أمرا قبل ~~مواجهة الأمير عبد الله». # قال حماد: «وما العمل؟» # قال: «أرى أن نفتش عنه». # قال: «أخاف أن يكون قد أصاب حتفه أيضا». # قال: «لا أظن ذلك لأنه لم يكن ms351 في المعركة وقد علمنا أنه كان في المعسكر قبل الهجوم ~~فلعله التجأ إلى مزرعة من مزارعه خوفا من الحرب». # قال: «أتعرف له مزرعة قريبة من هذا المكان؟» # قال: «أعرف مزرعة له على بضعة أميال منا فلنذهب إليها لعلنا نقف على خبره من بعض ~~الفلاحين هناك». # قال حماد: «سر أنت في هذه المهمة ودعني أعود إلى الحيرة أجدد البحث عن هند لعل أحدا من ~~أهل الدير ينبئني بخبرها ولنضرب موعدا نلتقي فيه بمكان نعينه». # قال: «لقد رأيت رأيا حسنا وأرى أن نلتقي في دير هند الصغرى في الحيرة بعد ثلاثة أيام ~~فمن استطلع خبرا قصه على الآخر». وافترقا. # الفصل الثاني والمائة # | أين هند # فأطلق حماد لجواده العنان وعاد فخاض دجلة وأغرب يلتمس الفرات فقطعه وسار قاصدا دير هند ~~الكبرى وبات في الطريق ليلة ونزل على الدير في أصيل اليوم التالي فقرع الجرس ففتحوا له وهم ~~يحسبونه مسلما لتنكره بلباس الحجازيين فرحبوا به ولبثوا ينتظرون ما يبغيه فلم يكلمهم وظل ~~قاصدا الرئيس وقد عرف غرفته فاستقبله أحسن استقبال وبالغ في إكرامه فلم يصبر على تنكره ~~فأطلعه على حقيقته فسأله عما لقيه فقص عليه خبر المداين وفتحها فذكر الله وقال: «لقد ~~توسمنا قرب سقوط الفرس منذ أشهر لأنه سبحانه وتعالى لا يبقي على عبده النار فان هؤلاء ~~الفاتحين وإن لم يكونوا نصارى فهم يعبدون الله ويوحدونه ويؤمنون بالأنبياء والرسل ويذكرون ~~عيسى ومريم بالخير ففي انتصارهم نصرة للدين القويم». # ولم يكن هذا الحديث ليهم حمادا ولكنه صبر حتى فرغ الرئيس من كلامه فقال له: «هل سمعتم ~~شيئا عن جبلة بعد ذهابي؟» # قال: «لم نسمع عنه شيئا ولكننا سمعنا خبرا عن ابنته». # قال: «وماذا سمعتم عنها». # قال: «إن بعض رهباننا ينزلون الحيرة مرتين في الأسبوع يحضرون سوقها يستبدلون ما يفضل ~~عندنا من غلات أرضنا بما نحتاج إليه من الأنسجة أو الآنية أو نحوها فاتفق للذين نزلوا على ~~أثر خروج جبلة وأهله أنهم رأوا تلك الفتاة في بعض طرق الحيرة على أنهم اختلفوا في حقيقتها ~~فأنكرها ms352 بعضهم وأصر الآخرون على أنها هي هي بعينها فلا ندري أيهما مصيبا». # فلما سمع حماد ذلك قال: «إلا يتنازل حضرة المحترم لاستقدام أولئك الرهبان لعلي أتحقق ~~الأمر بنفسي». # قال: «حبا وكرامة». وصفق فجاء راهب فأمره أن يدعو راهبين سماهما وبعد هنيهة جاء الراهبان ~~فسألهما حماد عن تلك الفتاة فقال أحدهما: «رأيناها قبل أن ندخل الحيرة بقرب بحيرة هناك ~~ويخال لي أنها ابنة جبلة ولكن أخي هذا ينكر علي ذلك». # فقال الآخر: «لا أظنها هي لأني لم أتوسم فيها ما عهدناه من الأنفة والعزة فقد عرفناها هنا ~~وفي وجهها مهابة الملوك وفارقتنا على جواد كأنها من أمهر الفرسان والفتاة التي شاهدناها لا ~~أقول أنها لا تشبهها ولكنها أشبه بعامة الناس منها بالملوك أو الأمراء». # فلما سمع حماد كلامهما تحير في أمره ومال بكليته للمسير إلى الحيرة يتفقد هندا بنفسه ~~فتظاهر بالاكتفاء بما سمعه وهم بالنهوض فدعاه رئيس الدير للمبيت عندهم تلك الليلة فاعتذر ~~بما يدعوه إلى سرعة المسير وودعه وخرج والشمس قد مالت نحو المغيب وجعل الحيرة وجهته ولم ~~يكد يتوارى عن الدير حتى أشرف على الحيرة ورأى غديرها المتصل بالبحيرة وقد غابت الشمس وأخذت ~~الكواكب في الظهور فأظلمت الدنيا في عينيه فالتفت فإذا هو على ميل وبعض الميل من المدينة ثم ~~اشتد الظلام ولم يعد يرى الطريق فتبين له عن بعد نور مزدوج عرف من خفقانه أنه وقود عند ~~الشاطئ انعكس نوره في الماء فظهر مزدوجا فقصده وقبل أن يصله سمع صوتا يناديه بلغة ~~العراق: «من أنت». # فقال: «غريب لا أعرف الطريق ومن أنت». # فقال: «يا هلا بالضيف أهلا بالفارس». # ثم رأى حماد الرجل قادما وبيده خشبة مشتعلة يستضيء بها فتفرس فيه فإذا هو شيخ طاعن في ~~السن قد استرسلت لحيته وشاب شعره ولكنه لا يزال في نشاط الشباب عليه عباءة خلقة وبيده عصا ~~كبيرة فعرف حماد من مجمل منظره أنه راع على أنه ما لبث أن شم رائحة الزريبة وسمع معاء ~~الماعز فتحقق ظنه ولكنه لم ير حوله بناء ms353 ولا خيمة فترجل وسلم والراعى يتفرس فيه وينظر ~~تارة إلى وجهه وطورا إلى لباسه. # ثم قال له: «ما بالي أرى لباسك حجازيا وكلامك عراقيا». # قال: «إني من كليهما». وقطع الكلام. فسكت الراعي وتقدم إلى الفرس فقاده بعناية وليس في ~~ذلك المكان غيرهما فمشيا لا يسمعان صوتا غير معاء المعاز ونقيق الضفادع حتى انتهيا إلى كوخ ~~صغير مبني من سعف النخل وقد ربض عند بابه كلب كبير الجثة ظل رابضا هادئا كأنه أدرك أن ~~النازل ضيف لا خوف منه على القطيع. # الفصل الثالث والمائة # | أين الشجي من الخلي # أما حماد قلما وصل الكوخ واشتم رائحة الرعاة استنكف من الدخول إليه فقال للشيخ: «دعنا ~~نجلس ههنا فإن ذلك أفرج لنا». # قال: «مرحبا بك حيثما جلست». وأتاه بفرو من جلد الماعز جلس عليه وذهب الشيخ بالفرس إلى ~~عمود وراء الكوخ شده إليه وأخذ في نزع السرج. وفيما هو يفعل ذلك سمعه حماد يتمتم ويقول ~~أقوالا لم يفهمها. # فناداه فلم يجبه فأعاد النداء فجاء الشيخ واللجام بيده فنظر حماد إليه فإذا هو يتبسم ~~فبانت لثته ولم يبق فيها إلا سن بارزة إلى الأعلى. # فقال له حماد: «وما يضحكك يا أخا لخم». # قال: «إنما أضحكني ما رأيته في عدة هذا الجواد مما يشبه عدة فرس تعودت أن أراه كل ليلة ~~من ليالي الأسبوع الماضي يركبه فارس قد أعجبني فيه ما أعجبني فيك». # قال: «من هو ذلك الفارس وما الذي أعجبك فينا؟» # قال: «لقد أعجبني فيكما التنكر فإن ذاك كان يأتيني في كل صباح ملثما وعليه عباءة من ~~الحرير فيكلمني بصوت النساء وعليه رداء الرجال. وأنت جئتني بلباس الحجاز وكلام العراق فلا ~~أدري هل تغيرت الأرض واختلط الناس أم كيف». # فتذكر حماد هندا وما سمعه من تزملها بالعباءة يوم خروجها من الدير فاستأنس بحديث الرجل ~~فهم باستيضاحه فإذا هو قد تركه وتحول نحو الزريبة فاستقدمه فأجاب أنه آت على عجل فلبث ~~حماد كأنه على مقالي الجمر حتى عاد الراعي وفي يده قصعة من الخشب قد أكمد ms354 لونها من توالي ~~السنين على استخدامها بلا غسل وفيها لبن حلبه من ماعزه وقدمها له ليشرب. # فاعتذر حماد بأنه لا يحتاج إلى طعام. # فقال الشيخ: «لقد نزلت ضيفا فما عليك إلا أن تتناول الطعام وإذا كنت ملآن الجوف تمهل ~~ريثما أتيك ببعض الخمر» قال ذلك وتحول نحو الكوخ وعاد بقصعة فيها خمر فقدمها لحماد وهو يقول ~~إليك هذه الخمر فأنها من غلة كرمنا هذا العام. فتناول حماد القصعة لا رغبة في الشرب ولكنه ~~خاف إذا اعتذر أن يأتيه الشيخ بشيء آخر. # ثم جلس الراعي بجانب كلبه ويده على رأس الكلب يلاعب ناصيته بين أصابعه وهو ينظر إلى ~~حماد. # فابتدره حماد قائلا: «ذكرت لي الفارس المتنكر ولم تتم حديثك». # قال: «هذا هو كل حديثي عنه فإنه أتاني منذ بضعة عشر يوما فأوقف جواده عند هذا الكوخ ~~وسألني الذهاب إلى دير هند لاستفهم له على أناس قادمين من الشام هل نزلوا الدير أم لا. ~~وكنت إذا نظرت إليه رأيته فارسا ملثما فإذا تكلم خلته امرأة فسألته أن يحسر اللثام عن ~~وجهه فأبى ودفع إلي دينارا فأطعت أمره ووعدته بالجواب في المساء فعاد في المساء وهو ~~يظنني ذهبت لإنفاذ مهمته ولم يدر إني لا أستطيع التخلي عن ماشيتي وليس عندي من أعهد أمرها ~~إليه. فلما سألني أجبته إني سألت أهل الدير فقالوا أنه لم يأتهم أحد. وما زال يكرر ~~زياراته ودفع الدنانير وأنا أجيبه جوابا متشابها حتى إذا كان منذ بضعة أيام استحلفني ~~بدر الماشية والسيدة مريم أن آتيه بالخبر اليقين. فسرت إلى الدير فسألتهم فقالوا أنهم لم ~~يأتهم أحد وهب أن أحدا من أهل الشام جاءهم فلا يقبلون زيارته. فلما أجبت الفارس هذا ~~الجواب غضب وتمتم وكأني سمعته يلطم ثم تحول عني ولم أعد أراه من ذلك اليوم فندمت لإخلاص ~~الخدمة وإنفاذ المهمة بالصداقة. فلما رأيتك وآنست ما آنسته من المشابهة بينكما ضحكت ~~وعولت على أن لا أصدق في خدمتك». # فلما سمع حماد ذلك تحقق أن السائل هند بعينها فقال للشيخ: «ألم ms355 تعلم الجهة التي سار فيها ~~ذلك الفارس». # قال: «لا. وهب إني أعلم فما أنا صادقك». # فمد حماد يده واستخرج دينارين دفعهما إليه فتناول الشيخ النقدين وهو يتفرس فيهما ويضحك ~~ثم قال: «أما إذا شئت أن أصدقك الخبر فاعلم أن الفارس سار محاذيا لهذا الشاطئ قاصدا ~~الحيرة فلما بعد عني وصار على مقربة من المدينة رأيته ترجل ووقف مدة فظننته عائدا إلي ~~فانشغلت عنه برهة ثم التفت فلم أره». # فاستولى القلق على حماد وعجب لترجلها ووقوفها ولبث صامتا يفكر ثم قال: «ومتى حدث ~~ذلك؟» # قال: «حدث منذ أسبوع». # أما الشيخ فلما آنس من حماد بذلا حاول المبالغة في إكرامه فجعل يقدم له الخمر واللبن ~~فلما رآه لا يشرب شيئا وقد مضى بعض الليل دعاه للرقاد في الكوخ. # قال حماد: «لا أحتاج إلى رقاد». # فقال: «إذا كنت تحتقر كوخي وقد تعودت المنام على الأسرة فإني معد لك فراشا من الحرير». ~~ودخل الكوخ ثم عاد وفي يده ملاءة فرشها له فعجب حماد لوجود تلك الملاءة عنده فتفرس فيها ~~فإذا هي عباءة مزركشة فأجفل لرؤيتها ومد يده فتناولها ونظر إليها بضوء القمر فإذا هي عباءة ~~هند وكان كثيرا ما يراها عليها إذا ركبت فصاح في الرجل: «وأنى لك هذه العباءة». فضحك ~~الراعى ضحكة يمازجها خوف ولم يجب. # فندم حماد على ما باداه به من الجفاء وقال بهدوء: «لقد أعجبني لطفك وحسن وفادتك فإني يا ~~عماه لا أستطيع القيام بحق شكرك على هذا الإكرام ألا تخبرني ممن ابتعت هذه العباءة». # فسكن روع الشيخ وأشار إلى كلبه وقال: «إنها من صيد هذا الكلب». # وقال: «وكيف ذلك». # قال: «افتقدته ذات صباح فلم أجده وكان قد تعود السرح في بعض الأيام ثم ما لبث أن عاد وقد ~~عض على هذا الرداء بعينه وجاء يجره وراءه». # فازداد قلق حماد وقال: «ومن أي جهة قدم به؟» # قال: «من جهة الشاطئ». # فقال: «ألا تظنها العباءة التي كان ذلك الفارس ملتحفا بها». # فتنحنح وتشاغل عن الجواب وحرك حاجبيه وكتفيه كأنه يقول لا ms356 أعلم. # الفصل الرابع والمائة # | المناجاة # فتحقق حماد أنها عباءة هند فخاف أن يكون لوجودها هناك سبب محزن فخفق قلبه وتشاءم وحدثته ~~نفسه أن يتتبع الشاطئ لعله يقف على أثر آخر ثم تردد مخافة أن يتوه عن الطريق والوقت ليل ~~فحاول الانتظار إلى الصباح ولكنه نظر إلى السماء وتأمل مواضع الأبراج فعلم أنه في نصف ~~الليل فاستبعد الأجل. وكان القمر قد طلع حتى تكبد السماء فأنار البحيرة وشاطئها وأبنية ~~الحيرة. وفي أول تلك الأبنية قصر الخورنق الشهير. فعول على مغافلة الراعي والمسير على ~~الشاطئ فتظاهر بالضجر والقلق وقال له: «أراني لا أستطيع رقادا الآن فاحتفظ بالفرس ريثما ~~أتمشى على هذا الشاطئ برهة لعل النعاس أن يأتيني وأعطني العباءة التحفها فتقيني من ~~البردة». # فقال: «افعل ما بدا لك». # فتناول حماد العباءة وتزمل بها وسيفه إلى جنبه فرفعه وعلقه بمنطقته لئلا يطرق ~~الأرض فيحدث صوتا يعترض مجاري تصوراته وسار الهوينا محاذيا للشاطئ وقد سكن الهواء وأوت ~~الطيور إلى أوكارها. فبعد أن مشى برهة وقف والتفت وراءه فإذا بالزريبة قد توارت عنه فنظر ~~إلى ما حوله فعلم أنه على مقربة من الحيرة وبينه وبينها المغارس والكروم وأمامه البحيرة ~~وقد هدأ ماؤها ونور القمر ينعكس على سطحها فيتلألأ كالزجاج والطبيعة هادئة ساكنة لا يتخلل ~~سكونها إلا نقيق الضفادع. فجلس على صخر هناك وأطلق لتصوره العنان ففكر في ما هو فيه من ~~الهواجس وتصور هندا وعباءتها وما الذي أوصل ذلك الكلب إليها. فاعترضه فكر اقشعر منه بدنه ~~وخيل له أن هندا لما يئست من لقائه ألقت بنفسها في ذلك الماء فبقيت العباءة على الشاطئ ~~حتى حملها الكلب إلى الزريبة ولما تصور ذلك انقبضت نفسه وأحس كأنك صببت عليه ماء باردا ~~وهم بالعباءة يقبلها ويتنسم رائحة هند منها فغلب عليه الوجد فأخذ في البكاء وجعل يخاطب ~~العباءة وهو يبكي ويتنهد ويقول: «أخبريني يا عباءة هند أين تركت هند هل أنت خلعتها أم هي ~~خلعتك وقد غرقت في هذا الماء وتركتك نذيرا بمصيرها آه من طوارئ الحدثان آه ms357 من تقلبات ~~الزمان أين هند الآن ألعلها لا تزال في قيد الحياة أم هي غارقة في هذا الماء وقد أكلت لحمها ~~الأسماك ... كيف تموت هند وحماد حي يرزق..» وسكت برهة ثم قال: «ألعلي قصرت في البحث عنك حتى ~~يئست من لقائي من يخبرني أين أنت.. هند هند ... أين أنت أالبستني درعا لتقيني وتقتلي نفسك ~~قبح الله رأي والدك وضعف عزيمته لقد جر علينا الشقاء سامحه الله إذا كان لا يزال بين ~~الأحياء. من يخبرنى أن هندا حية أو ميتة فإذا تحققت موتها استودعت الدنيا ولحقت بها لعلنا ~~نلتقى في ظلمة الأبدية ...» ثم سكت برهة ومسح دموعه ونظر إلى ما حوله فإذا هو منفرد ليس من ~~يسمعه أو يراه فأطلق لنفسه عنان البكاء وعاد إلى العباءة فلف بها وجهه وجعل يشمها ~~ويقبلها ويشهق في البكاء حتى كاد يغمى عليه. # ثم رفع العباءة عن وجهه ووقف بغتة والتفت نحو الحيرة فإذا ببيوتها ساكنة هادئة فقال: «... ~~هؤلاء أهل الحيرة نيام لا يزعجهم طيف ولا يقلقهم خيال. هل يعلمون أن على شاطئ بحيرتهم ملكا ~~يبكي كالطفل هل يعلمون أن ابن ملكهم النعمان صب هائم يبحث عن حبيبته في أكنافهم هبوا أيها ~~الراقدون أخبروني أين هي هند أين أنت يا هند أين قامتك أين عيناك أين أنت أجيبيني فأخبرك إن ~~دولة الفرس قد سقطت وانتقمت لوالدي تعالي نجتمع وننسى الأحزان والأتعاب لقد آن زمن الراحة ~~... # ولكن آه أين الراحة من فتى مات والده قبل أن يولد هو وانقضت زهرة عمره وهو لا يعرف نسبه ~~حتى إذا عرفه وآن له أن يستريح نكبه الزمان بضياع حبيبته آه - يا ليتني لم أعرف ذلك ~~النسب فإن معرفته جرت علي كل هذا البلاء - ما أحلى الحب وما أسعد الحبيبين إذا التقيا ولو ~~عاشا في كوخ مثل كوخ هذا الراعي» وأوغل في البكاء وهو يقلب العباءة بين يديه ويقبلها ويشم ~~رائحتها حتى بلها وقد تعب وخارت عزيمته فاتكأ على الصخر فعقره الدرع فتوسد الثرى وألقى ~~رأسه على حجر فغلب عليه ms358 التعب والنعاس فغمضت أجفانه وهو بين اليقظة والمنام. # ثم استيقظ مذعورا كأنه سمع صوتا يناديه فنظر إلى ما حوله فلم ير أحدا فعلم أنها ~~أحلام اقتضتها هواجسه وشكوكه. ولكن ذلك الصوت ما زال يرن في أذنيه وقد اضطربت حواسه ~~وخيل له لهدوء المكان وسكون الطبيعة أنه في عالم الأرواح وإن ذلك الصوت خارج من القبور ~~فاقشعر جسمه. # وكان البرد قد قرصه والتعب أنهكه على أثر ما قاساه من الركوب نهاره كله مع ما ألم به ~~من التهيج والكدر في ذلك الليل فالتف بالعباءة جيدا ونهض ومشى بالشاطئ وهو يحاذر أن تسمع ~~خطواته كأنه يخاف أحدا ثم رأى النجوم تتوارى رويدا رويدا حتى لم يبق منها إلا القليل ~~وقد تضاءل ضوءها فعلم أن الفجر قريب. ثم بدا الشفق من وراء الأفق يطارد أشعة القمر وهو سابح ~~في الفضاء كأنه يودع الليل على موعد. ورأى الأطيار خارجة من أوكارها بين مغرد ومرنم ومصفق ~~ومرفرف ومحلق فمشى حماد والعمامة على رأسه وقد فسد هندامها لما قاسته من صدمات العباءة. ~~أما العباءة فجعلها على كتفيه وشدها على صدره يتقي البرد بها ولم تمض برهة حتى سمع دق ~~الأجراس من كنائس الحيرة وأديرتها فأخذ يتفرس في الشاطئ لعله يقف على أثر آخر من آثار هند ~~ثم خاف أن ينزل أحد من أهل الحيرة ليغتسل أو يستقي فيراه في تلك الحال فهم بالرجوع وفيما هو ~~يتحول سمع وقع حوافر فأجفل والتفت فرأى فارسا خارجا من سور الحيرة كأنه يطلب البحيرة ~~ولم يقع نظره على الفرس حتى خفق قلبه لأنه يشبه فرس هند ولكنه لم ير فوقه سرجا وقد ~~ركبه غلام يشبه أن يكون خادما فوقف حتى دنا الفرس منه فتأمله فإذا هو فرس هند بعينه ~~فبغت واستبشر وصاح في الغلام فوقف. # فقال له: «إلي يا غلام». # فحالما رأى الغلام العمامة الحجازية خاف وأسرع نحوه. # فقال له: «لمن هذا الفرس؟» # قال: «هو للأمير فلان». # قال: «ومتى اقتناه». # قال: «أول البارحة». # قال: «وممن اشتراه». # قال: «من بعض الرهبان ms359 عرضه للبيع في سوق الأربعاء». # قال: «وأنى للرهبان مثل هذا الفرس وهو من خيول الشام». # قال: «لقد تعودنا مشاهدة مثل هذه الخيول يا سيدي منذ قامت الحرب فكل قتيل لم يكن له وارث ~~وهبت أمتعته وأسلابه للأديرة تنفقها في سبيل البر فكم من فارس قتل وظل فرسه تائها ~~فاستولت عليه الديور وباعته». # فلما سمع حماد ذلك أيقن بموت هند غرقا في تلك البحيرة وتحول عن الغلام خشية أن يرى بكاءه ~~وأطلق لدموعه العنان والشمس لم تشرق بعد. أما الغلام فلم يصدق أنه نجا من ذلك الحجازى ~~فحول عنان الفرس وكان قادما ليسقيه فعاد ولم يسقه. # فلما خلا حماد بنفسه وقف عند الماء والعباءة تظلله ونظر إلى السماء وتنهد وقال: «أأطمع ~~بعد ذلك بالبقاء ... لمن أحيا وقد فقدت حياتي أأشرب الماء وقد غرقت فيه حبيبتي ... ما الذي ~~حملك على الانتحار يا هند أيأسك من لقائي ففضلت اللحاق بي إلى دار الأبدية وقد ظننت إني ~~سبقتك إليها. فنحن على كل حال لا حق أثر سابق ولكن ويلاه أنفترق أعواما ونحن في جهاد وشقاء ~~فإذا آن اللقاء وزالت العراقيل امتنعت علينا الحياة ...» ثم سكت ونظر نحو الشمس فإذا هي لم ~~تطل بعد فقال: «أأنتظر شروقك لعلك تأتيني ببشارة أم أنت لا تحملين إلا البلاء والشقاء. ~~دعيني أتوسد الماء قبل أن أرى وجهك». ونظر إلى الماء أمامه فإذا هو رقيق لا يغرقه فتحول ~~إلى صخر رآه ناتئا فوق الماء على مقربة منه وقال: «الأولى بي أن ألقي نفسي من فوق ذلك ~~الصخر» فمشى نحوه وفيما هو ذاهب شعر بجاذب في نفسه يمسكه عن الانتحار فاعتبر ذلك من قبيل ~~الضعف الذي يتولى الإنسان إذا تحقق دنو الأجل. # الفصل الخامس والمائة # | لقاء هائل # فلما وصل الصخر صعد إليه ومشى نحو حافته فزلت قدمه وتعثر بأذياله فوقع وفيما هو يتحفز ~~للنهوض حانت منه التفاتة فرأى أشباحا خارجة من ضواحي الحيرة تطلب البحيرة فقال في نفسه ~~(فلأعجلن الأجل قبل وصولهم) فتقدم فأحس بما يمسكه عن ذلك العمل واستولى ms360 عليه الضعف ~~الطبيعي فتجلد ونظر إلى تلك الأشباح فرآها تقترب نحو الشاطئ فتأملها فإذا هي أشباح نسوة ~~أحداهن تحمل جرة والأخرى سلا وأخرى تسوق بعيرا وكلهن في زي واحد فاستغرب ألبستهن ~~المتشابهة وكلها سوداء وعلى رؤوسهن أغطية سوداء فهمه أمرهن وعلم أن تلك الألبسة لا تكون ~~إلا في الديور. فخيل له أنهن راهبات خرجن قبل الفجر للاستقاء وقطف الأثمار والبقول من ~~مزروعات الدير فحسدهن على سذاجتهن وخلو قلوبهن من لواعج الحب ورأى حاملة الجرة تقترب نحو ~~الشاطئ ثم ما لبثت أن دنت منه حتى كرت راجعة كأن أحدا يطاردها فاستأنس بخطواتها لمشابهتها ~~خطوات هند ولكنها أضعف منها كثيرا فعلق ذهنه بتلك الفتاة وود لو أنه يراها لحظة أخرى فظل ~~يتبعها بنظره حتى رآها وقفت إلى رجل يحطب فخاطبته وأشارت إلى حماد فانشغل بال حماد ومال ~~إلى معرفة سر ذلك الخطاب ثم رآهما آتيين معا الفتاة بجرتها والرجل بفأسه. # فلبث ينتظر وصولهما فتقدم الرجل أولا وحيا حمادا وتلطف في السلام عليه وحماد ينظر إلى ~~الفتاة وهي منصرفة نحو الشاطئ لتملأ جرتها فقال الرجل لحماد: «أتأذن لي بسؤال؟» قال: «قل». ~~قال: «من أين اشتريت هذه العباءة». # قال: «وما يعنيك من أمرها». # قال: «لأنها مسروقة من صاحبها فإذا أخبرتنا عمن باعك إياها طالبناه بها». # قال: «وما أدراك أن هذه هي بعينها إن العبي قد تتشابه». # قال: «إن صاحبها رآها بعينه وعرفها وله فيها علامات». # قال: «ومن هو صاحبها». # قال: «الفتاة التي رأيتها الآن فإنها حالما رأتك عادت إلي بالخبر وقد كنا قضينا ثلاثة ~~أيام ونحن نبحث عنها». # فلما سمع ذلك الكلام ظن نفسه في منام فمسح عينيه والتفت إلى ما حوله واستشهد وجدانه ~~فتحقق أنه في يقظة فنظر إلى حاملة الجرة فرآها قد ملأت جرتها وعادت إلى رفاقها فجعل يتأمل ~~خطواتها فإذا هي خطوات هند ولكن الجسم نحيل فقال للرجل: «ما بال صاحب العباءة لا يطالب بها ~~بنفسه». # قال: «لأن صاحبتها من راهبات دير هند الصغرى ولا يؤذن لهن بمخاطبة الرجال وأما أنا ms361 فمن ~~خدمة الدير المكلفين بمثل ذلك». # فقال حماد (وقلبه يكاد يطير من الفرح وهو يمسك نفسه ويتجلد): «وهل صاحبة هذه العباءة ~~قديمة في سلك الرهبنة». # قال: «لا تزال حديثة وقد دخلت في طور الابتداء فإذا مضى عليها بضعة أشهر تحت الاختبار ~~رسموها ولذلك فقد وهبت الدير كل ما كان معها من الثياب والمصاغ والدواب» فأيقن حماد أنها ~~هند ولولا عمامته ولباسه الحجازى لعرفته لأول نظرة وهي لولا ثوبها الأسود ونحولها ~~لعرفها. فلما أيقن أنها هي بنفسها ارتعدت فرائصه لما كان فيه من الخطر وحمد الله لنجاته ~~على هذه الكيفية وحدثته نفسه أن يسرع إلى هند فيطلعها على حقيقته فخاف عليها من البغتة ~~مع ما آنسه من ضعفها فصبر نفسه. وخاف من الجهة الثانية أن تكون قد نذرت العفة فلا يبقى ~~له إليها سبيل فقال للرجل: «وهل نذرت العفة». # قال: «لا تنذرها قبل أن تنقضي مدة الابتداء». # فاطمأن باله ونظر فإذا بالفتيات لا يزلن في شواغلهن بعيدات لا يسمعن ولا يرين وصاحبة ~~الجرة قد وضعت جرتها على الأرض وجلست على حجر منفردة تنتظر رفيقاتها ليرجعن إلى الدير ~~معا. # فقال حماد للرجل: «اذهب إلى صاحبة العباءة وقل لها إني لا أعطي العباءة إلا تسليما ~~بيدها». # قال: «قلت لك يا مولاي أنها لا تستطيع ذلك». # قال: «إليك هذا البرد» وخلع برد النعمان عنه من العباءة ادفعه إليها بدلا وقال له: ~~«أدفعه إليها بدلا من عباءتها». # فتناول البرد وتأمله فإذا هو أثمن من العباءة كثيرا فأسرع به حتى أتى الفتاة وهي لا ~~تزال جالسة وحدها فدفعه إليها وقال: «لم يعطني العباءة ولكنه دفع إلي هذا البرد». فحالما ~~رأته صاحت للحال حماد حماد ... وتركت الجرة وأسرعت نحوه وكان هو يراقبها ليرى ما يبدو منها ~~فلما رآها نهضت وأسرعت نحوه لم يبق عنده ريب بشأنها فأسرع لملاقاتها وقد نزع العمامة عن ~~رأسه فلما التقيا وقعت هند مغميا عليها فاستقلت على جنب حماد فأنهضها وكان خادم الدير قد ~~رآها تسرع نحو حماد فلما أغمي عليها أسرع بالماء ms362 ورشها فأفاقت وهي تقول حماد حماد حماد .... ~~وهو يقول هند هند حبيبتي هند أأنت حية وأنا أحسبك غريقة في هذا الماء ولو تأخر قدومك لحظة ~~أخرى لذهب حماد طعاما للأسماك. # قالت: «حماك الله يا حبيبي». ثم غلب عليها الحياء فغطت رأسها بالنقاب الأسود وجلست متأدبة ~~وقد امتقع لونها وتولاها الهزال. فقال لها: «أين والدك يا هند». قالت: «أما سمعتم خبره إنهم ~~قتلوه وأظنهم قتلوا والدتي آه من تقلبات الأيام». وأوغلت في البكاء. # قال: «هل تحققت مقتله؟» # قالت: «لم أره ولكنني سمعت به ولولا ذلك لرأيتني معه حينما كان لأني لما قبضوا عليه ~~وعلى والدتي امتطيت جوادي وتعقبت أثرهما فوصلت الحيرة فبت في هذا الدير وقد كنت أتردد إليه ~~قبلا فأشارت علي الرئيسة أن أبقى عندها وأبعث من يستطلع الخبر فعاد المخبرون وقد أكدوا ~~مقتلهما فلم يبق لي نصير إلا حبيبي حماد ومن يخبرنى بقدومه فإن الخادمة التي كنت أرسلتها ~~للبحث عنك في بيت المقدس لم تعد بعد فاستخدمت راعيا بالقرب من هذه المدينة كنت أتردد إليه ~~متنكرة ليسأل عن قدومك إلى الدير فقطع أملي من دخولك الدير لأن أهله لا يقبلون فيه واحدا ~~من الشام فضقت ذرعا واستولى علي اليأس ولم يبق لي في الدنيا مطمع بعد فقد والدي وضياع ~~حبيبي وزوال عز الملك وخسارة الأموال والعقار ولا أنكر عليك إني هممت بالانتحار غير مرة ~~ولكن قلبي لم يطاوعني لأني لم أيأس من لقائك بعد. فلم أجد وسيلة غير الترهب في دير أعرف ~~رئيسته وبعض راهباته فطلبت ذلك فقبلوني مبتدية تحت التجربة فوهبتهم كل ما لي من الثياب ~~والفرس ولم أحفظ شيئا غير الأساور وهي عربون المحبة بيننا فأنها مخبأة بين أثوابي وكنت قد ~~أضعت عباءتي هذه أثناء رجوعي المرة الأخيرة من عند الراعي لفرط قلقي وهواجسي على أثر ما ~~أنبأني به من خبر الدير فوقعت العباءة عني ولم أنتبه فبحثت عنها في اليوم التالي فلم أجدها ~~وهو اليوم الذي طلبت فيها الانضمام إلى الرهبنة فأخبرتهم إني فقدت هذه العباءة ms363 فإذا عثروا ~~بها كانت حلالا للدير وهذا هو اليوم الثالث من دخولي وقد كلفوني تجارب كثيرة فحملت الأحمال ~~واشتغلت الأشغال الشاقة فزادني ذلك ضعفا على ضعف». # الفصل السادس والمائة # | دير هند الصغرى # وكان الخادم واقفا وقد ذهل لما رآه فتقدم إلى هند فأومأ إليها أن عملها هذا مخالف لشروط ~~الرهبنة فقالت: «دعنا نذهب إلى الرئيسة» فنهضت ونهض حماد ومشيا لمقابلة الرئيسة وفيما هما ~~في الطريق سألته عن سبب تنكره وما مر به فأحكى لها حكايته بالاختصار حتى أتى إلى حديث ~~المدائن والبحث عن والدها فلما بلغ إلى هناك تنهدت هند وقالت: «آه يا حبيبي إني سعيدة ~~بلقياك ولكن حظي غير تام لما قاسيته من فقد والدي». # فقال لها: «إننا لم نتحقق مقتلهما وقد كلفت سلمان بالبحث عنهما وموعدنا الالتقاء في دير ~~هند هذا في الغد وهو اليوم الثالث من افتراقنا ومن عرف خبرا أطلع الآخر عليه فقد فزت ~~بطريدتي فعسى هو أن يفوز بمن يبحث عنهم والأمير عبد الله معهم». # وكانا ماشيين في وسط المدينة لا يهمهما استغراب الناس لمسيرهما معا بل كانا في شاغل من ~~تجاذب القلوب لا يكادان يريان الطريق فلما وصلا الدير أسرع الخادم إلى الرئيسة فأنبأها بما ~~شاهده من جرأة ذلك الحجازي على الراهبة المبتدية مما يخالف العهود المعطاة من المسلمين. ~~فأطلت الرئيسة من باب الدير فرأت هندا وحماد قادمين وكان حماد قد نزع عمامته فعرفت من ~~ملامح وجهه أنه عراقي فأرادت استطلاع السر فدخلت بهما إلى غرفة منفردة فهم حماد فقبل يد ~~الرئيسة فعرفت أنه مسيحي فسألته عن أمره. # فقال: «إذا أذنت فأخبرك أن هذه الفتاة خطيبتي منذ أعوام وقضت حروب الشام بافتراقنا لا ~~يعلم أحدنا بمكان الآخر حتى أذن الله باجتماعنا على يدك». # وتأملت الرئيسة بوجه حماد وهو يكلمها فآنست في وجهه هيبة وجلالا فقالت: «ألست ~~عراقيا؟» # قال: «نعم ومن بني لخم». # قالت: «ويخال لي أن هندا شامية من غسان». # قال: «نعم». # فقال: «وكيف اجتمعتما؟» # قال: «كذلك قدر الله». # أما هند فتذكرت أول معرفتها ms364 حمادا وتذكرت والديها ويأسها من حياتهما فترقرقت الدموع في ~~عينيها. # فلحظت الرئيسة فيها ذلك فقالت لها: «ما بالك تبكين يا ابنتي» وكان حماد قد أدرك سبب ~~بكائها فقال: «أظنها تبكي لضياع بعض أقاربها في أثناء حرب الشام». # فجعلت تخفف عنها وتعزيها وتذكر حماد الأمير عبد الله وسلمان فصبر نفسه ليرى ما يأتي به ~~الغد وقال للرئيسة: «هل ترين ما يمنع خروج هند من سلك الرهبنة». # قالت: «لا أرى مانعا لأنها لم تنذر العفة بعد». # قال: «فلتبق إذا يوما آخر في ضيافتك لأنني على موعد مع خادمي باللقاء هنا غدا وقد ذهب ~~للتفتيش عن ضائع لنا فاحتفظي بها ريثما أعود فإني ذاهب إلى راع في ضاحية الحيرة تركت فرسي ~~عنده البارحة». # ثم نهض فلبس العمامة لئلا ينكره الراعي وترك العباءة عند هند وهم بالخروج فأمسكته ~~قائلة لا تذهب فإني لست تاركتك لحظة بعد هذا اللقاء فقد كفاني ما قاسيته فلا يفرق بيني ~~وبينك إلا الموت. # قال: «والفرس». # قالت: «دعنا من الأفراس أو أرسل من يأتي به فما أنا راضية بذهابك ولا نخرج من هذا الدير ~~إلا معا إما إلى القتل وإما إلى الحياة». # فعذرها والتفت إلى الرئيسة فطلب إليها أن تنفذ رسولا من قبلها يستجلب الفرس فبعثت واحدا ~~يعرفه الراعى ويثق به وأطلعه حماد على علامة يتقدم إليه بها وبعث إليه دينارين ولبث ~~ينتظر عودته. # أما الرئيسة فقالت لحماد: «لا يخفي عليك يا سيدي أننا في دير راهبات لا يؤذن للرجال ~~دخوله إلا إذا نزلوا في دار الأضياف وأما اجتماعهم بالراهبات فمحظور فإذا رأتك الراهبات ~~مع هند وهن لا يعرفن علاقتكما ساءوا الظن فهل تتفضل فتنزل في دار الاضياف ريثما يأتي ~~الغد». # قال: «أفعل ما تأمرين». وودع هندا ونزل يصحبه الخادم إلى دار الاضياف فمرا بمربط الخيول ~~فرأى أفراسا شاهد بينها فرسا يشبه فرس سلمان فاستبشر وأسرع إلى الدار فلقيه سلمان فهم ~~أحدهما بالآخر وهما يبتسمان فاستبشرا معا فقال سلمان: «هل ظفر سيدي بهند؟» # قال: «نعم ولكنها راهبة في هذا الدير». ms365 # قال: «وهل نذرت العفة؟» فضحك حماد وقال: «لا وأنت هل ظفرت بالأمير عبد الله؟» # قال: «ظفرت به وبجبلة وامرأته». # قال: «أين هم؟» # قال: «سيصلون إلينا الليلة أو غدا وسيأتون متنكرين لأنهم كانوا مختبئين عند سيدي الأمير ~~عبد الله ولولاه لكان حموك جبلة في عالم الأموات ولكن الأمير عبد الله حالما علم بالقبض ~~عليه استرضى الذين أمسكوه وأظهر للناس أنه قتل وخبأه في منزله بتلك المزرعة ريثما يتمكن ~~من العثور على هند أو الاجتماع بك فلما وصلت إليهم وأنبأتهم بخبرك أنفذني لأطمئنك وأساعدك ~~في البحث عن هند ريثما يقدمون هم إلينا». # فانشرح صدر حماد أيما انشراح وحمد الله على انقضاء الأزمة بالتي هي أحسن ولم يملك صبرا ~~عن تبشير هند ببقاء والدها حيا. # وهم بالرجوع إلى الدير فرأى هندا واقفة في الشرفة تطل على دار الضيافة لأنها لم يعد ~~يرتاح بالها على حماد إلا إذا كان أمامها فلما رأته عائدا وعليه أمارات الدهشة أومأت ~~إليه فنظر إليها وضحك فضحكت هي وقد أشرق وجهها ونسيت كل متاعبها وقالت: «ما وراءك». # قال همسا: «إن والدك ووالدتك قادمان إلينا غدا». # فأبرقت أسرتها وأسرعت لملاقاته عند الباب ولم تعد تعبأ بقوانين الدير. فلما لقيته مدت ~~يدها إليه وصافحته وضغط كل منهما على يد الآخر ضغطة ما أدراك ما وراءها. ولا تسل عن حديث ~~القلوب وجواذب العيون. # فقالت هند: «هل أنت متحقق قدوم والدي». # قال: «هذا سلمان قد جاء بالخبر اليقين ولكنهم قادمون ومعهم الأمير عبد الله متنكرين ~~فاحذري أن يلحظ أحد ما نحن فيه لئلا نقع في شر أعمالنا فتكون البلية الثانية شرا من ~~الأولى». # قالت: «وسأخبرك خبرا جديدا حدث ساعة خروجك من غرفة الرئيسة». # قال: «وما ذلك». # قالت: «إن خادمتنا الأمينة التي كانت تسعى في اجتماعنا ولولاها لا أدري ما تم لنا قد وصلت ~~الدير الآن بعد أن قضت أياما بالبحث والتفتيش ولم تكن عالمة بوجودي هنا ولكنها جاءت تتنسم ~~الأخبار من الراهبات فلقيتني وسررت بها لأنها ذات فضل علينا». # قال: «لقد أذكرتني بفضل ms366 سلمان الشهم الغيور فلا أدري بماذا أكافئه على مروءته وحسن ~~صنيعه». ثم قال: «فاذهبي الآن إلى الرئيسة ودعيها على أن نفارقها غدا بعد وصول والديك ~~والأمير عبد الله واحذري أن تسمي اسم أحد منهم». # قالت: «لا تخف من ذلك». # وتحولت وتحول هو إلى دار الضيوف ومكث هناك إلى صباح اليوم التالي. # الفصل السابع والمائة # | قران سعيد # فاستحسن حماد الخروج لملاقاة القادمين في الطريق فخرج وسلمان معه على الخيول وهند لا ~~تعلم وقطعا مسافة حتى وصلا عين ماء لا بد للقادم من المدائن إلى الحيرة من الوقوف عندها ~~فترجلا وجلسا ولم تمض برهة حتى رأيا هندا وخادمتها قادمتين مسرعتين على الأقدام وهند ~~بثوبها الأسود الجديد فبهتا وصاح حماد: «ما الذي أتى بك يا هند». قالت: «سامحك الله ألم ~~أقل لك إني لم أعد أستطيع البعاد عنك لحظة مخافة أن نعود إلى ما كنا عليه من الفراق». ~~فشكرها وجلسوا ولم يكد يستتب بهم الجلوس حتى رأوا الغبار يتصاعد من جهة الفرات فتقدم سلمان ~~لتحقق القادمين فعاد ضاحكا مبشرا فنهضوا جميعا وتهيئوا لاستقبال القادمين ولكن سلمان عاد ~~فأخبر الركب أن حمادا وهندا ينتظرانكم هنا فقبل وصلوهم إلى العين ترجلوا جميعا وهم جبلة ~~مسرعا إلى حماد فضمه إلى صدره وجعل يقبله والدموع تتساقط من عينيه وأسرعت سعدى إلى هند ~~وجعلت تقبلها وتبكي ثم تبادل جبلة وسعدى فقبلت سعدى حمادا وجبلة هندا وأما عبد الله فظل ~~واقفا يتأمل في ذلك المنظر المؤثر فلما انتهت سعدى من تقبيل حماد تقدم إليه وضمه إلى صدره ~~وجعل يقبله ويبكي بكاء مرا ولم يستطع أحدا إبعاده عنه حتى خافوا عليهما وهم لا يعلمون ~~سبب ذلك وبعد برهة انفصل عنه وقد تبللت عيناه وقال: «لا تلوموني على ما رأيتم من شدة تعلقي ~~بحماد وإن ما ترونه من دموعي إنما هو دموع الفرح فإن حمادا ملكي وولدي وصديقي وفخري وسندي ~~ومما زادني تعلقا أنه قد انتقم لوالده وشهد سقوط دولة الفرس ومحا العار عن لخم ورفع ثقلا ~~عن عاتقي حملته منذ ms367 نيف وعشرين سنة» ثم تقدم عبد الله إلى هند فقبلها والجميع يبكون بكاء ~~الفرح وسلمان ينظر إليهم وقلبه يكاد يطير فرحا فلما سكت الجميع وهدأ روعهم وقف سلمان ~~وقال: «أتسمحون لي بكلمة أقولها بين ملكين وملاكين. لقد شاركتكم في فرحكم بهذا الاجتماع ~~السعيد فشاركوني بفرحي بمقتل ثعلبة الخائن الذي كان سبب كل هذه الأتعاب». ثم نهض جبلة ~~والدموع لا تزال في عينيه وقال: «أما أنا فلا أقدر أصف خجلي من ولدي حماد لما سببته له من ~~الشقاء وما بذله هو ورفيقه أو قل والده الأمير عبد الله من الجهد في إنقاذنا من الموت» ~~فنظر سلمان إلى جبلة وقال: «ألا تزال سيدتي هند تمتنع على سيدي حماد ومن يا ترى أفضل لديك ~~حماد أم ثعلبة». فضحكوا جميعا. # ثم نهض عبد الله وقال: «اعلموا أيها السادة إننا في خطر عظيم الآن ولم يعد يحلو لنا ~~المقام في هذه البلاد لأننا أعداء الفرس بالطبع وأعداء المسلمين بالفعل لما ارتكبناه من ~~مخالفة أوامر أميرهم فلا شك أنهم سيبحثون عنا ويبذلون كل سعي في القبض علينا». # فقال سلمان: «لقد نطقت بالصواب وأزيد على ذلك أننا لا نبرح الحيرة قبل أن نعقد للعروسين ~~ثم نذهب حيثما تشاءون ولو زعل حماد وهند ...» فضحك الجميع. # فقال جبلة: «ذلك هو الرأي الصواب وإذا استحسنتم فلتكن وجهتنا القسطنطينية دار الإمبراطور ~~هرقل نقضي بقية العمر هناك إذا لم يبق لنا مقام في الشام ولا العراق» قالوا: «حسنا» ونهضوا ~~إلى كنيسة بقرب الدير عقدوا للعروسين بالاختصار. # ولا يحتاج القارئ إلى تقدير قيمة تلك الساعة السعيدة فأنها من ساعات العمر، وبعد الإكليل ~~ركب الجميع وساروا متنكرين نحو القسطنطينية فوصلوها بعد بضعة عشر يوما وأقاموا فيها حتى ~~قضى الله بما شاء. ms368