######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.FatatQayruwan.Hindawi69729647 #META# Tags: novels #META# ID: 69729647 #META# Title: فتاة القيروان #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الأولى‏ # 1 - الشيعة العلوية في المغرب والدولة الفاطمية‏ # 2 - القيروان والمنصورية‏ # 3 - المعز لدين الله وقائده جوهر‏ # 4 - أبو عبد الله الشيعي‏ # 5 - حمدون‏ # 6 - لمياء فتاة القيروان‏ # 7 - أم الأمراء‏ # 8 - المناجاة‏ # 9 - لمياء وأم الأمراء‏ # 10 - التصريح‏ # 11 - الخطبة‏ # 12 - الحيرة‏ # 13 - المعارضة‏ # 14 - أبو حامد‏ # 15 - التحميس‏ # 16 - عز الملك‏ # 17 - التحريض‏ # 18 - الرجوع‏ # 19 - صدفة غريبة‏ # 20 - الشهامة‏ # 21 - الفشل‏ # 22 - الحقيقة‏ # 23 - الضمير‏ # 24 - إفطار رمضان‏ # 25 - حديث الزفاف‏ # 26 - المناجاة‏ # 27 - المراوغة‏ # 28 - رأي لمياء‏ # 29 - الثعلب‏ # 30 - أبو حامد‏ # 31 - التدبير‏ # 32 - الاستعداد‏ # 33 - موكب الخليفة والسباق‏ # 34 - لمياء بين المواشط‏ # 35 - لمياء على الجواد‏ # 36 - رسول غريب‏ # 37 - المائدة‏ # 38 - قادم مفاجئ‏ # 39 - نص الرسالة‏ # 40 - حمدون‏ # 41 - لمياء وأم الأمراء‏ # 42 - الحسين‏ # 43 - بنت الإخشيد‏ # 44 - فج الأخيار‏ # 45 - الحسين ولمياء‏ # 46 - التعاهد‏ # 47 - أم الأمراء‏ # 48 - الكتاب‏ # 49 - الفسطاط‏ # 50 - الشيعة بمصر‏ # 51 - يعقوب بن كلس‏ # 52 - مسلم بن عبيد الله الشيعي‏ # 53 - الحيرة‏ # 54 - يعقوب وكافور‏ # 55 - الطبيب شالوم‏ # 56 - غلام الطبيب‏ # 57 - سرادق كافور‏ # 58 - أبو حامد وسالم‏ # 59 - الحديث‏ # 60 - الحلم‏ # 61 - في اليقظة‏ # 62 - الصلح‏ # 63 - بنت الإخشيد‏ # 64 - الطعام‏ # 65 - الجلسة‏ # 66 - جلسة أخرى‏ # 67 - الرأي‏ # 68 - الحرب‏ # 69 - الرسالة‏ # 70 - العلم‏ # 71 - النصر‏ # 72 - أبو حامد وسالم‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # 1 - الشيعة العلوية في المغرب والدولة الفاطمية‏ # 2 - القيروان والمنصورية‏ # 3 - المعز لدين الله وقائده جوهر‏ # 4 - أبو عبد الله الشيعي‏ # 5 - حمدون‏ # 6 - لمياء فتاة القيروان‏ # 7 - أم الأمراء‏ # 8 - المناجاة‏ # 9 - لمياء وأم الأمراء‏ # 10 - التصريح‏ # 11 - الخطبة‏ # 12 - الحيرة‏ # 13 - المعارضة‏ # 14 - أبو حامد‏ # 15 - التحميس‏ # 16 - عز الملك‏ # 17 - التحريض‏ # 18 - الرجوع‏ # 19 - صدفة غريبة‏ # 20 - الشهامة‏ # 21 - الفشل‏ # 22 - الحقيقة‏ # 23 - الضمير‏ # 24 - إفطار رمضان‏ # 25 - حديث الزفاف‏ # 26 - المناجاة‏ # 27 - المراوغة‏ # 28 - رأي لمياء‏ # 29 - الثعلب‏ # 30 - أبو حامد‏ # 31 - التدبير‏ # 32 - الاستعداد‏ # 33 - موكب الخليفة ms001 والسباق‏ # 34 - لمياء بين المواشط‏ # 35 - لمياء على الجواد‏ # 36 - رسول غريب‏ # 37 - المائدة‏ # 38 - قادم مفاجئ‏ # 39 - نص الرسالة‏ # 40 - حمدون‏ # 41 - لمياء وأم الأمراء‏ # 42 - الحسين‏ # 43 - بنت الإخشيد‏ # 44 - فج الأخيار‏ # 45 - الحسين ولمياء‏ # 46 - التعاهد‏ # 47 - أم الأمراء‏ # 48 - الكتاب‏ # 49 - الفسطاط‏ # 50 - الشيعة بمصر‏ # 51 - يعقوب بن كلس‏ # 52 - مسلم بن عبيد الله الشيعي‏ # 53 - الحيرة‏ # 54 - يعقوب وكافور‏ # 55 - الطبيب شالوم‏ # 56 - غلام الطبيب‏ # 57 - سرادق كافور‏ # 58 - أبو حامد وسالم‏ # 59 - الحديث‏ # 60 - الحلم‏ # 61 - في اليقظة‏ # 62 - الصلح‏ # 63 - بنت الإخشيد‏ # 64 - الطعام‏ # 65 - الجلسة‏ # 66 - جلسة أخرى‏ # 67 - الرأي‏ # 68 - الحرب‏ # 69 - الرسالة‏ # 70 - العلم‏ # 71 - النصر‏ # 72 - أبو حامد وسالم‏ # | فتاة القيروان # | فتاة القيروان # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة الطبعة الأولى # | سنة 1912 # هذه الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة روايات تاريخ الإسلام - غير رواية الانقلاب العثماني ~~الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة التي قدمنا صدورها لغرض ذكرناه في مقدمتها. ونحن نزداد ~~تحققا كل يوم أننا أحسنا في إصدار هذه الروايات؛ لما فيها من اللذة والفائدة، فإنها تشوق ~~إلى مطالعة تاريخ الإسلام وتشرح أحوال الأعصر والأمم الاجتماعية والأدبية والسياسية ~~وتمثلها تمثيلا لا تتسع له كتب التاريخ. ولذلك كان وضع الروايات التاريخية أكثر وعورة من ~~تأليف التاريخ ولا سيما لمن يتوخى التحقيق وضبط الوقائع والمحافظة على الأصل التاريخي مع ~~تطبيقه على حديث الغرام كما نفعل نحن. # ويؤيد موافقة هذا الأسلوب لحاجة القراء ما نراه من إقبال قراء العربية على مطالعة هذه ~~الروايات وإقدام أدباء الأمم الأخرى على نقلها إلى ألسنتهم. فإنها قد نقلت حتى الآن إلى ~~ثماني لغات، وهي: ~~(1) # اللغة الفارسية: نشر فيها إلى الآن روايات فتاة غسان وأرمانوسة المصرية و17 رمضان وغادة كربلاء والحجاج بن يوسف وفتح الأندلس وأبو مسلم الخراساني. ~~(2) # اللغة الهندية (الأوردية أو الهندستانية): ظهر فيها حتى الآن فتاة غسان ~~وأرمانوسة المصرية وفتح الأندلس. ~~(3) # لغة التاميل من اللغات الهندية الدورية في سنقابور وغيرها: نقلت إليها فتاة ~~غسان والمملوك الشارد. ~~(4) # اللغة التركية ms002 العثمانية: نقلت إليها رواية أبي مسلم الخراساني. وهي تنشر ~~تباعا في جريدة إقدام. ~~(5) # اللغة التركية الأذربيجانية في باكو وأذربيجان: نقلت إليها عذراء ~~قريش. ~~(6) # اللغة الروسية: نقلت إليها رواية المملوك الشارد (لم تطبع بعد). ~~(7) # اللغة الفرنساوية: نقلت إليها رواية العباسة أخت الرشيد وهي تنشر في الفيغارو ~~تباعا. وأسير المتمهدي لم تنشر بعد. ~~(8) # اللغة الإنكليزية: نقلت إليها فتاة غسان وعذراء قريش وستنشران ~~قريبا. # هذه هي اللغات التي عرفنا نقل بعض هذه الروايات إليها، وقد يوجد غيرها مما لم نطلع ~~عليه. # ونحن باذلون الجهد في إتمام هذه السلسلة مع تحري الحقيقة والمحافظة على الوقائع ~~التاريخية من حيث زمانها ومكانها ودمجها في القصة الغرامية على أسلوب يشوق للمطالعة. والغرض ~~من هذه الروايات ليس تقرير الحقائق التاريخية ليرجع إليها في التحقيق وإنما المراد بها ~~التشويق لمطالعة التاريخ وبسط الأحوال الاجتماعية والسياسية المحدقة بالوقائع مع تمثيل ~~عادات الأمم وأخلاقهم وآدابهم وبالله التوفيق. # الفصل الأول # | الشيعة العلوية في المغرب والدولة الفاطمية # قاسى الشيعة في زمن بني أمية في الشام عذابا شديدا من القتل والصلب. وكذلك في الدولة ~~العباسية - ولا سيما في أيام المنصور والرشيد والمتوكل - فحملهم ذلك على الفرار إلى أطراف ~~المملكة الإسلامية، فهاموا على وجوههم شرقا وغربا، وكان في من جاء منهم نحو المغرب ~~إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى أخو محمد بن عبد الله الذي بايعه المنصور ثم نكث ~~بيعته. فأتى إدريس مصر وهي يومئذ في حوزة العباسيين فاستخفى في مكان أتاه إليه بعض ~~الشيعة سرا ومنهم صاحب البريد فحمله إلى المغرب في أيام الرشيد فتلقاه الشيعة هناك ~~وبايعوه فأنشأ دولة في مراكش عرفت بالدولة الإدريسية من سنة 172-375ه على أن هؤلاء لم ~~يسموا أنفسهم خلفاء. # أما ظهور الشيعة وتغلبهم وارتفاع شأنهم حقيقة فالفضل فيه للدولة الفاطمية نسبة إلى بنت ~~النبي؛ لأن أصحابها ينتسبون إليها، وتسمى أيضا الدولة العبيدية نسبة إلى مؤسسها عبيد الله ~~المهدي. وكان شأن الشيعة قد بدأ بالظهور في المشرق على يد بني بويه في أواسط القرن الرابع ~~للهجرة. # ولما تغلب ms003 البويهيون على بغداد كانت الدولة الفاطمية قد اشتد ساعدها في المغرب ~~وهمت بفتح مصر. وكان آل بويه يغالون في التشيع، ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا ~~الخلافة من مستحقيها فأشار بعضهم على معز الدولة البويهي أن ينقل الخلافة إلى العبيديين أو ~~إلى غيرهم من العلويين فاعترض عليه بعض خاصته قائلا: «ليس هذا برأي؛ فإنك اليوم مع خليفة ~~تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، لو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه ومتى ~~أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته فلو أمرهم بقتلك ~~لقتلوك.» فرجع معز الدولة عن عزمه. # على أن ظهور الشيعة في الشرق هون على الدولة العبيدية فتح مصر والانتقال إليها، وكانت ~~قصبتها أولا المهدية بإفريقية وخلفاؤها ينتسبون إلى الحسين بن علي، وللمؤرخين في انتسابهم ~~إليه أقوال متناقضة، فالذين يتعصبون للعباسيين ينكرون ذلك عليهم. ويغلب في اعتقادنا صحة ~~انتسابهم إليه، وأن السبب في وقوع الشبهة طعن العباسيين فيه؛ تصغيرا لشأنهم. # والمصريون كانوا يحبون عليا من صدر الإسلام، وكانوا من حزبه يوم مقتل عثمان ولكن ~~قلما كان لهم شأن في الشيعة العلوية؛ لأن العلويين استنصروا أولا أهل العراق وفارس. ~~فلما قامت الدولة العباسية وتأثرهم المنصور بالقتل والحبس وقتل محمد بن عبد الله الحسني ~~وبعض أهله من بني حسن وفر سائر العلويين من وجه الدولة العباسية كان في جملتهم علي بن محمد ~~بن عبد الله فجاء مصر بأمر دعوته بعض رجال الشيعة لكنه ما لبث أن حمل إلى المنصور ~~واختفى. # وكان حال الشيعة العلوية بمصر يتقلب بين الشدة والرخاء بتقلب أحوال الخلفاء في بغداد، فإن ~~تولى خليفة يكره العلويين ضيق على الشيعة واضطهدهم والعكس بالعكس. فلما تولى المتوكل ~~واضطهد الشيعة العلوية كتب إلى عامله بمصر بإخراج آل أبي طالب إلى العراق فأخرجهم سنة 236ه، ~~ولما قدموا العراق أرسلوهم إلى المدينة واستتر من بقي في مصر على رأي العلوية؛ لأن عمال ~~المتوكل كانوا يبالغون في إظهار الكره للشيعة؛ تزلفا من الخليفة. # يحكى أن رجلا من الجند اقترف ذنبا ms004 أوجب جلده فأمر يزيد بن عبد الله عامل مصر يومئذ ~~بجلده، فأقسم عليه بحق الحسن والحسين إلا عفا عنه فزاده ثلاثين ضربة. ورفع صاحب البريد إلى ~~المتوكل ذلك الخبر فورد كتابه إلى العامل أن يضرب الجندي المذكور مائة سوط فضربه. # وتتبع يزيد المشار إليه آثار العلويين فعلم برجل منهم له دعاة وأنصار، فقبض عليه وأرسله ~~إلى العراق مع أهله وضرب الذين بايعوه. # ولما تولى المنتصر بن المتوكل سنة 247ه كتب إلى عامله بمصر أن لا يضمن علوي ضيعة ولا يركب ~~فرسا ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطراف مصر، وأن يمنعوهم من اتخاذ العبيد إلا العبد ~~الواحد. وإذا كان بينهم وبين أحد الناس خصومة قبل قول خصمهم فيهم بغير أن يطالب فقاسى ~~العلويون عذابا شديدا بسبب ذلك. # ولما استقل أحمد بن طولون بإمارة مصر سنة 254ه اضطهد الشيعة؛ لأنه تركي، ولأنه على رأي ~~الخليفة العباسي فاقتص آثار العلويين وحاربهم مرارا. حتى إذا ضعف أمر بنى طولون بمصر ~~واختلت أحوال الدولة العباسية في بغداد وتغلب آل بويه عليها في القرن الرابع للهجرة أخذ ~~حزب الشيعة ينتعش ويتقوى فلما جاءهم جند المعز لدين الله الفاطمي سنة 358ه بقيادة جوهر ~~الصقلي كانت الأذهان متأهبة لقبول تلك الدعوة ففتح جوهر مصر على أهون سبيل. # الفصل الثاني # | القيروان والمنصورية # القيروان من المدن الإسلامية التي اختطها العرب. بعد الفتح كالبصرة والكوفة والفسطاط. ~~اختطها عقبة بن نافع الفهري سنة 60 للهجرة بما يقرب من تونس وهو الذي افتتح أكثر المغرب. ~~وكانت القيروان في زمن روايتنا هذه «في أواسط القرن الرابع للهجرة» قصبة بلاد المغرب، وقد ~~تقاطر الناس من أنحاء العالم لتعميرها فقطنها العرب من قريش وسائر البطون من مصر وربيعة ~~وقحطان وأصناف من العجم من أهل خراسان وأصناف من البربر والروم وأشباه ذلك. وكان شربهم من ~~ماء المطر ينصب من الأودية إلى برك عظام يقال لها المؤاجل فمنها شرب السقاة ولهم واد ~~يسمى وادي السراويل في قبلة المدينة. # وكان بنو الأغلب لما نزلوها في القرن الثالث ms005 قد ابتنوا على ميلين منها قصورا لأنفسهم ثم ~~ابتنوا محلة على ثمانية أميال منها سموها رقادة. حتى إذا نزلها الفاطميون في أول القرن ~~الرابع للهجرة ابتنوا لأنفسهم حصنا مستديرا بالقرب منها سموه صبرة ويسمى أيضا ~~المنصورية جعلوه مستقرا لهم ولأهلهم. كما فعل المنصور ببناء بغداد قبل ذلك بقرنين، ~~فالمنصورية بلدة مستديرة الشكل قرب القيروان بناها إسماعيل بن القاسم بن عبد الله المهدى ~~سنة 337ه واستوطنها وجعل قصره في وسطها والماء يجري فيها وأنشأ بها أسواقا جميلة وجامعا ~~وعرض سورها 21 ذراعا وهي منفصلة عن القيروان بعرض الطريق. ومن أبوابها باب الفتوح وباب ~~زويلة وباب وادي القصارين وكلها مصفحة بالحديد. # 1 # وأول الخلفاء الفاطميين عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق، من نسل الحسين ~~بن فاطمة الزهراء. قام له بالدعوة رجل شيعي اسمه أبو عبد الله الشيعي بمساعدة قبائل البربر ~~وخصوصا كتامة وصنهاجة كما قام أبو مسلم الخراساني في المشرق بدعوة العباسيين بمساعدة ~~الخراسانيين. ولما استقر لعبيد الله المهدي الملك قتل أبا عبد الله الشيعي كما قتل المنصور ~~أبا مسلم. # 2 # وكان عبيد الله في أول الدعوة يقيم في المهدية على ساحل تونس، ثم نقل إلى القيروان وتوفي ~~سنة 322ه، فخلفه ابنه القاسم ولقب القائم بأمر الله وتوفي سنة 334ه، فخلفه ابنه المنصور أبو ~~طاهر وتوفي 341ه فخلفه المعز لدين الله وعلى عهده فتحت مصر على يد قائده جوهر الصقلي. وفي ~~أيامهما جرت حوادث هذه الرواية. # الفصل الثالث # | المعز لدين الله وقائده جوهر # خرج المعز في ليلة مقمرة من ليالي سنة 357ه إلى حديقة قصره في المنصورية قرب القيروان وفى ~~الحديقة بركة واسعة يصب فيها الماء من نبع جر ماءه المعز إليها من جبل بقرب المنصورية، ~~وفرقه بأنابيب الرصاص إلى قصور المدينة ومسجدها وأسواقها، وينصرف ما بقي من ذلك الماء إلى ~~القيروان - وقد علمت أن المنصورية خاصة بالخليفة وأهله وحاشيته وأعوانه لا يشاركهم فيها ~~أحد. وقد أحاطوها بسور ضخم عال فهي أشبه بالحصون منها بالمدن. وهو هناك في مأمن ms006 من غدر ~~الغادرين لأنها محاطة بسور منيع أبوابه مصفحة بالحديد تقفل وتفتح عند الحاجة. # خرج المعز في تلك الليلة وهو مطمئن الخاطر لا يخاف غدرا، حتى إذا توغل في الحديقة ولا ~~شيء فيها من زخارف المدينة أشرف على تلك البركة وليست هي مما يستجلب النظر أو يستلفت ~~الانتباه لكن لها حديثا يطرب له المعز ولا يطرب له سواه إلا قائده جوهر البطل الصقلي. وكان ~~قد أسكنه في مدينته واختصه بقصر من قصورها وبالغ في إكرامه ورفع منزلته. # وصل البركة والقمر قد تكبد السماء فأسرع البستاني إلى مقعد معد لجلوس الخليفة إذا نزل ~~في تلك الساعة وأهل القصر نيام حتى الخدم. وإنما أرقه أمر شغل خاطره وأخذ بمجامع ~~قلبه لم يكاشف به أحدا من أعوانه؛ لأنه كان حريصا على سره لا يطلع عليه أحدا إلا إذا ~~نضج وآن إخراجه إلى حيز الفعل. شأن رجال العمل وأهل الحزم. على أنه ضاق ذرعا في تلك ~~الليلة عن الاحتفاظ بذلك السر فخطر له أن يكاشف به قائده جوهرا. # وكان المعز عالي الهمة عظيم الهيبة واسع المطامع أدرك الأربعين من عمره وقد لبس في تلك ~~الليلة رداء أبيض بسيطا والتف بالعباءة وجعل على رأسه عمامة صغيرة. فلما استقر به ~~الجلوس صفق ونادى «خفيف» وهو غلام صقلي كان قد اختصه بخدمته فحضر، فقال: «ادع قائدنا ~~جوهرا.» # فمضى خفيف وما عتم أن عاد ومعه جوهر. وهو كهل في السادسة والخمسين من عمره وقد وخطه ~~الشيب، وكان طويل القامة ثابت الجأش عظيم الهيبة. وكان لما جاءه رسول المعز قد ذهب إلى ~~فراشه فنهض وارتدى ثيابه وبادر إلى ملاقاة مولاه. فلما شعر المعز بقدومه تحفز للنهوض ورحب ~~به وبش له فخجل جوهر من ذلك الإكرام فأكب على يدي الخليفة فقبلهما وقبل ركبتيه وأوشك ~~أن يقبل قدميه فأنهضه المعز ودعاه للجلوس بجانبه فجلس متأدبا فبادره المعز قائلا: ~~«مرحبا بقائدنا الحازم وحبيبنا الباسل.» # فتأدب جوهر وقال: «إني عبد مولانا أمير المؤمنين ضارب بسيفه وأفديه بروحي.» # قال: «بل أنت سيفنا المسلول وحامى ms007 دولتنا وإني لا أجلس إلى هذه البركة وأرى السمك يسبح ~~فيها إلا ذكرت بلاءك في سبيل الحق. إن هذا السمك يشهد بما لك من الأفضال على هذه الدولة ~~أليست هذه الأسماك من نسل ما حملته إلينا من سمك البحر المحيط في القلل يوم جردت وفتحت ~~أفريقية وأخضعت قبائلها. لا أنسى يوم جئتنا بتلك القلل وفيها السمك من ذلك البحر العظيم ~~إشارة إلى ما أدركته من تلك الفتوح العظيمة التي لم يسبق إليها سواك فلا غرو إذا اختصصتك ~~بصداقتي وفضلتك على سائر بطانتي وأهلي ...» # فخجل جوهر من هذا الإطراء وقال: «العفو يا مولاي إني لم أفعل شيئا إلا باسمك. والله إنما ~~نصرني بك؛ لأنك سلالة أحق الناس بالخلافة ابن عم الرسول # صلى الله عليه وسلم # وصهره، أنت ابن فاطمة ~~الزهراء فكيف لا ينصرك الله ولو قام بهذه الدعوة غلام لأفلح؛ لأن الحق يعلو ولا يعلى ~~عليه.» # فأسكته المعز قائلا: «إن الحق لا يعلو دائما، وكم ظل أجدادي العلويون يجاهدون وقد ذاقوا ~~أنواع العذاب ممن استأثر بالسيادة دونهم. ولو أتيح لهم سيف مثل سيفك لغلبوا، ألم تفتح هذه ~~البلاد من هنا إلى البحر المحيط وأخضعت أهلها - بارك الله فيك - وهذا ما لا ريب فيه فإذا ~~رفعنا منزلتك فقد أعطيناك حقك.» وسكت وقد بدا الاهتمام في وجهه وجوهر ينتظر ما يبدو منه ~~لاعتقاده أنه لم يدعه في تلك الساعة إلا لأمر هام. فاعتدل في مجلسه وتوجه بكليته نحوه كأنه ~~يستفهم عما يريده. # أما المعز فمد يده واستخرج من تحت العباءة قضيبا من عود طوله شبر ونصف مكسو ~~بالذهب. فلما رآه جوهر علم أنه قضيب الملك فتأدب احتراما له فابتدره المعز قائلا: ~~«أليس هذا قضيب الملك يا جوهر؟» # قال: «نعم يا مولاي إنه قضيب الحق وصاحبه صاحب الخلافة الحقة.» # قال: «هل يكون في الدنيا خليفتان على حق؟» # فأدرك جوهر أنه يشير إلى خلافة العباسيين في بغداد أنها على غير الحق، ولحظ ما وراء ذلك ~~من الأمور، فقال: «كلا يا سيدي إن النبي واحد وخليفته ms008 واحد.» # قال: «إلى متى نترك أولئك القوم في ظلمائهم؟» # فأجاب جوهر على الفور: «نتركهم حتى يأمر مولانا أمير المؤمنين.» # فأكبر المعز هذا الجواب الدال على حزم جوهر واستهلاكه في سبيل نصرة العلويين، فابتسم وقد ~~أشرق وجهه - وكان القمر مواجها له بحيث يظهر ذلك لجوهر - وقال: «بارك الله فيك هذا ما كنت ~~أرجوه منك، وقد جال هذا الفكر في خاطري منذ أعوام وأنا أتردد فيه أستطلع المنجمين ولا أبوح ~~به لأحد حتى إذا كانت الليلة رأيت أن أسره إليك وكنت أحسبه جديدا عليك فإذا أنت أكثر ~~تفكيرا به مني. أما وقد اطلعت على سري - وأنت الوحيد الذي اطلع عليه مني - فأرجو أن تشير ~~علي.» # قال: «ليس لهذا العبد أن يشير وإنما عليه أن يطيع ... فوالله لو أمرتني أن أركب ~~الأسنة وأذهب في الأرض فاتحا لفعلت؛ لعلمي أني ذاهب في نصرة الحق.» # قال: «لله درك من قائد باسل وصديق حميم. ولكن الأمور مرهونة بأوقاتها. فالآن اكتم ما ~~دار بيننا وأخبرني عن رأيك في قوادنا.» # قال: «إنهم نعم الرجال يستهلكون في نصرة مولانا ولا سيما شيوخ كتامة؛ فإنهم قاموا بنصرة ~~أمير المؤمنين خير قيام وعليهم المعول في أمرنا ...» # الفصل الرابع # | أبو عبد الله الشيعي # فسكت المعز برهة وعاد إلى الاهتمام وأخذ يلاعب قضيب الملك بين أصابعه وهو يتأمله، ثم قال: ~~«ولكنني أخاف عليهم الجنوح إلى الترف فيأخذهم ما أخذ أعداءنا في بغداد من أسباب المدنية ~~حتى صاروا إلى ما صاروا إليه من الذل فغلبهم مواليهم الأتراك والديلم ولم يتركوا لهم من ~~الخلافة إلا اسمها - ولا أخفي عنك أني لم أطمع بهم إلا لما بلغني من ترفهم وانهماكهم ~~واسترسالهم في الملذات، فإذا أصاب رجالنا ما أصابهم صرنا إلى مصيرهم.» # قال: «ليس هذا ما أخافه يا سيدي؛ فإن قومنا بعيدون عن الترف. وكيف نخاف عليهم ذلك وهم ~~يرون أمير المؤمنين ابن بنت الرسول يتولى الدولة بنفسه. يجلس في برد الشتاء على اللبود ~~وعليه جبة وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب وبين يديه دواة وكتب ms009 لا يأكل ولا ~~يشرب ولا يتقلب في الديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر كما يفعل أرباب الدنيا # 1 # كيف يرونه في مثل ذلك لا يفضل أحدا منهم في أحوالهم بل هو مشغول بكتب ترد ~~عليه من المشرق والمغرب، يجيب عنها بخطه، لا يشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون ~~أرواحهم ويعمر بلادهم ويذل أعداءهم، هل يجسرون على شيء غير ذلك؟» # فأعجب المعز بما سمعه منه فقال: «إن هذا لا يكفي يا أبا الحسين إني أخاف على رجالي ~~الاستكثار من النساء. إني لا أرى للواحد منهم أن يقتني غير المرأة الواحدة؛ لئلا يتنغص ~~عيشهم وتعود المضرة عليهم وتنهك أبدانهم وتذهب قوتهم. وكثيرا ما أوصيتهم بذلك ليقرب الله ~~منا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب.» # قال: «إن سهر مولاي على دولته بمثل ما تقدم كفيل بالنجاة من الوقوع في ما تخوفه ~~ولكنني أخاف ...» وسكت وهو يتشاغل بإصلاح عمامته وخماره. # فلحظ المعز في وجهه شيئا يكتمه فقال: «وما الذي تخافه يا جوهر؟ قل!» # قال: «أخاف الدسائس السرية.» # قال: «وما تعني؟ أي الدسائس؟» # قال : «أخاف قوما لا نعرفهم ولا نعرف نياتهم.» # قال: «من تعني ... كيف نخافهم ونحن لا نعرفهم؟» # قال: «لو عرفتهم لبددت شملهم ولكنني أتوسم خطرا من جماعة يزعمون أنهم موتورون ... لا أعرف ~~من هم ولكنني أتنسم رائحة ذلك من بعض الأحاديث ...» # قال: «صرح يا جوهر ... إنك في مأمن.» # قال: «ألا تعلم يا سيدي ما أصاب أبا عبد الله الشيعي الذي قام بالدعوة في أول أمرها ومهد ~~الدولة لجدك المهدي - رحمه الله؟» # فلما سمع اسم أبي عبد الله تغير لونه ولكنه أظهر الاستخفاف وقال: «أظنك تعني أن ذلك الرجل ~~قتل مظلوما.» # قال: «لا أعني ذلك ولكن بين أصحابه الذين أعانوه في نصرة دعوة مولانا الملك من يتوهم أنه ~~ظلم؛ لأنه جمع القبائل لنصرة مولانا ولما استتب له الأمر قتله وقتل أخاه أبا العباس. أما ~~أنا فأعتقد أنه قتل حقا بعد أن غير نيته وطمع بالأمر لنفسه فلا بد أن يكون لأصحابه مطمع ms010 ~~في إفساد أمرنا وإن كنت لا أخاف فوزهم. ولو سألتني عن واحد منهم لاعترفت أني لا أعرف أحدا ~~وإنما هو سوء الظن لا بد منه في مثل هذه الحال.» # فاعتدل المعز في مجلسه وقال: «صدقت ولكن لا خوف من ذلك غير أني أسمع إن ذلك المقتول كان ~~عنده مال خبأه في مكان لا أعرفه وقد تعجل جدي في قتله قبل معرفة مستودع المال. سمعت أنه ~~مال كثير. ولا يخفى عليك شدة الحاجة إلى المال في هذه الأحوال.» # قال: «نعم يا سيدي سمعت بخبر المال المخبأ لكنني لا أعرف مكانه ولو عرفته لاستخرجته ولا ~~يبعد أنه قد تبعثر وسأوالي البحث عنه.» # قال: «ومع ذلك لا يهمنا المال وعندنا صناديق منه قد شذ عني ترتيبها لكثرتها قد ~~ادخرتها للقيام بذلك العمل؛ لعلمي أن أعداءنا قد أصابهم الفقر حتى تغيرت قلوب الناس ~~عليهم.» # قال جوهر: «صدق مولاي ولكني أرى مع ذلك أن نحتاط ونسيء الظن حتى برجالنا وأمراء القبائل ~~البربرية، ولا سيما الذين كانوا حكاما وعرفوا الدسائس. أخص منهم حمدون صاحب سجلماسة؛ فإن ~~هذا الرجل حاربناه وهو صاحب دولة فأخضعناه وسلم لكني أحسبه مكرها، فإذا رأى مولاي أن ~~نقيده برهن كان ذلك أقرب إلى الصواب!» # قال: «وما هو الرهن؟» # قال: «لهذا الأمير ابنة اسمها لمياء هو عالق بها، وشاهدت منها في أثناء حربنا معه بسالة ~~وأنفة لم أعهدها بفتاة قبلها؛ فقد كانت تحارب كأكبر القواد على جواد من خير الجياد. ولم ~~نستطع القبض عليها إلا بعد الجهد الكثير، وقد أراد الفارس الذي قبض عليها أن يتخذها سبية ~~فمنعته وأنقذتها من السبي وأكرمتها. ولا ريب أن والدها يحبها ويضن بها فإذا اتخذناها ~~رهنا على تصرفه في طاعتنا لا يقدم على الخيانة.» # قال: «قد رأيت حسنا، وأين هي الآن؟» # قال: «هي في فسطاط أبيها المضروب في هذا السهل خارج القيروان.» # قال: «ولكني أخاف أن ننبهه إلى الحقد إذا طلبناها منه الآن.» # قال: «لا خوف من ذلك؛ فإني أطلبها منه لتكون مكرمة معززة في قصر أمير ms011 المؤمنين في خدمة ~~أم الأمراء (زوجة المعز) وهذا الشرف لا يتأتى لأحد سواه وأنا على يقين أن مولاتنا أم ~~الأمراء سترتاح إلى رؤيتها. فإن في وجهها مهابة وجمالا مع تعقل وبسالة، وقد تحققت مع ~~ذلك أنها من أشد الناس غيرة على دعوة الحق فإنها تجل مقام الإمام علي وتنصر شيعته مما لم ~~أره في سواها من جماعة البربر كافة، ومن الجهة الأخرى أرى أن نصاهره فنكتسب حزبه.» # قال: «وكيف ذلك؟» # قال: «سأجعل القصد من نقل ابنته إلى قصر أم الأمراء أني أريد أن أتخذها زوجة لابني ~~الحسين. وهو بلا شك سيكون سعيدا بهذا الاقتران فنكسب الفتاة ونكسب قلب أبيها.» # قال: «حسنا. افعل بارك الله فيك ولا حرمنا سعيك الحميد.» وتزحزح الخليفة فنهض جوهر ~~واستأذن في الانصراف. # الفصل الخامس # | حمدون # خرج جوهر من حضرة المعز، وقضى بقية ليلته مفكرا بما سمعه، وكان شديد الاهتمام بأمور ~~الدولة كثير الغيرة على الدعوة العبيدية. وإن لمح به للمعز عن الدساسين شيعة أبي عبد الله ~~لم يكن وهما بل هو حقيقة. ولكن تلك الأحزاب لم تكن تستطيع الظهور لتغلب القوة فهي تتربص ~~فرصة للوثوب بالدولة. وكان يخاف صاحب سجلماسة على الخصوص؛ لأنه صاحب سطوة وله حزب كبير ~~وهو مجازف لا يقدر العواقب. فرأى من حسن السياسة أن يقيده بالرهن على تلك الصورة ثم ~~يقربه بالزواج فيخطب ابنته لابنه فيكتسب ثقته ومساعدته أو يتخلص من شره - على الأقل. # ولم يكن صاحب سجلماسة يشعر بشيء مما في خاطر جوهر عليه، بل كان يحسبه في غفلة عن حركاته ~~وخطواته ففي صباح ذلك اليوم جاءه غلام جوهر يدعوه إليه في قصره بالمنصورية، فبادر إلى ذلك. ~~وكان حمدون هذا كهلا طويل القامة دقيقها أسود العينين غائرهما لا تستقر حدقاتهما على حال. ~~ولم يكن عنده من الولد غير لمياء. وماتت والدتها فتزوج غيرها وترك تربية الابنة إلى رجل من ~~خاصته كان شديد التشيع لأهل البيت. فشبت على ذلك. وأما حمدون فلم يكن تشيعه إلا ~~ظاهريا جريا مع تيار القوة. ولو ترك ms012 لنفسه لاختار أن يكون مهديا يدعو الناس إلى نفسه ~~فكانت مطامعه أعلى ما يخطر للبشر. وكان قد هم أن يدعي المهدوية وهو في سجلماسة ولكنه غلب ~~على أمره وقيد أسيرا إلى القيروان، فأظهر الطاعة على غل وشعر جوهر بشيء من ذلك - كما ~~رأيت. # وكان حمدون مع سعة مطامعه ليس من أهل الدهاء لكنه كان إذا خطر له أمر بادر إلى تنفيذه لا ~~يبالي بما قد يكون في سبيله من الخطر. وكان عرش سجلماسة قد اتصل إليه بالإرث من أجداده ~~واتصل بخدمته شيخ اسمه أبو حامد زعم أنه من أهل الكرامة نزل عليه منذ أعوام ومعه شاب ~~جميل الصورة اسمه سالم قال انه ابن أخيه وهو فارس شجاع. نزل كلاهما في دار صاحب سجلماسة ~~وهو في إبان إمارته. وكان سالم يرى لمياء وهي تذهب وتجيء أو تركب الجواد - والبربر أقل ~~حجبا لنسائهم من سائر المسلمين - فوقعت من خاطره موقعا جميلا وتعارفا وتحابا، فتقدم ~~أبو حامد إلى حمدون في خطبة لمياء إلى ابن أخيه سالم فأجابه. وقبل أن يحين الاقتران أتى ~~جوهر القائد بجيشه وفتح سجلماسة وأسر أميرها وأهله وفي جملتهم لمياء وأبو حامد ولم يقفوا ~~لسالم على خبر فظنوه قتل في المعركة فبكته لمياء وهي في ريب من أمره. # أما حمدون فكان يعتقد أن سالما قتل لا محالة وكأنه شاهد شبحا مثله ملقى على الصعيد في ~~أثناء القتال. ولم يمض على قيامهم من القيروان أيام قليلة حتى خطر لجوهر ما خطر له فبعث ~~إليه في ذلك الصباح فأتاه في قصره وحده، فبالغ في إكرامه وتقديمه وهو لا يعلم سبب هذا ~~الإكرام. ثم قال جوهر: «أتعلم لماذا دعوتك أيها الأمير؟» # قال: «كلا يا سيدي.» # قال: «أنت تعلم أننا كنا بالأمس أعداء يستحل أحدنا دم الآخر فصرنا الآن إخوانا نتعاون ~~في نصرة الحق وخدمة أمير المؤمنين، وأحببت أن تزيد تلك الروابط متانة فأرجو أن توافقني على ~~ذلك.» # فلم يفهم حمدون قصده، لكنه بادر إلى الثناء على هذه الرغبة فقال: «إن ذلك غاية مناي، ms013 ~~وفيه شرف لي.» # قال: «لا شرف ولا تشريف ... أتعرف ولدنا الحسين؟» # قال: «نعم أعرفه، حفظه الله.» # قال: «وأنا أعرف ابنتك لمياء، وقد شهدت منها في أثناء حربنا ما حبب إلي أن تكون زوجة ~~لابني الحسين، وأنت تعلم مقدار حبي له، فبهذا المقدار سيكون حبي لها.» # فلما سمع حمدون ذلك الطلب أطرق هنيهة يفكر، ثم أبرقت أسرته ليس رغبة في الشرف الذي ~~سيناله من مصاهرة أكبر قواد المعز الفاطمي ولكنه توسم من ذلك عونا على أمر قام في ~~نفسه فقال: «إن مثلى يا مولاي لا يطمع بمثل ذلك فكيف بأكثر منه.» # فأثنى جوهر على قبوله وقال له: «لكنني زيادة في رفعة قدرها أحب أن يكون العقد عليها في ~~منزل أم الأمراء زوج أمير المؤمنين؛ وخصوصا لأن لمياء يتيمة الأم هل ترى بأسا من ~~ذلك؟» # فنهض وهو يظهر الامتنان وقال: «أي بأس أرى فيه؟ إنه شرف عظيم.» # قال: «إني مرسل الساعة غلامي إليك في الفسطاط، فترسل معه لمياء إلى دار أمير ~~المؤمنين.» # قال: «سمعا وطاعة.» وخرج وقد أدهشه توفيقه إلى فرصة طالما تمناها وسار توا إلى صديقه ~~أبي حامد فقص عليه ما دار بينه وبين جوهر وأظهر أنه يستشيره فصاح فيه: «يعرض عليك أن تكون ~~لك يد وعينان في قصر المعز وقائده وتستشيرني؟ اقبل ...» قال ذلك وهو يحك ذقنه ليخفي ما خامره ~~من الفرح بتلك البشارة وله في ذلك غرض يشبه غرض حمدون فقال حمدون: «لم أتردد في قبول ذلك ~~الطلب لحظة. ولكنني توقفت أولا؛ لأن ولدنا سالما أولى بها و...» # فقطع أبو حامد كلامه قائلا: «دع سالما الآن إنه بعيد ولا ندرى متى يعود.» # فاطمأن حمدون؛ إذ ظهر له من ذلك القول أن سالما لا يزال حيا، وكان يحسبه قتل، فقال: ~~«وأين هو سالم الآن؟» # قال: «ليس هو قريبا ... وسأخبرك بمكانه. أما الآن فلا ترفض ما عرضه عليك القائد الفاتح ...» ~~وتنحنح. # فذهب حمدون للحال وقص الخبر على ابنته وحسن لها الذهاب، فامتنعت في بادئ الرأي؛ لأنها ~~عالقة القلب بسالم فأكد لها ms014 أن سالما قتل أو هرب ولا أمل برجوعه. ونظرا لما يعلمه من ~~تعلقها بأهل البيت ضرب لها على وتر الدين فقال: «إنك تكونين هناك قرب أمير المؤمنين ابن ~~بنت الرسول.» # فرضيت وذهبت مع الرسول إلى المنصورية حتى أتت قصر المعز. # الفصل السادس # | لمياء فتاة القيروان # وكان المعز قد بات تلك الليلة وخف بلباله بعد ما دار بينه وبين قائده من الحديث. وفى صباح ~~اليوم التالي قام بفروض الصلاة ثم ذهب إلى العمل، وبينما هو جالس في ديوانه ينظر في أعماله ~~ويقرأ كتب العمال، ويجيب عليها بنفسه جاء غلامه خفيف الصقلي وأستأذنه في كلمة فقال: «ما ~~وراؤك؟» # قال: «إن مولاي القائد بعث فتاة قال إنها لقصر مولانا.» # فقال المعز: «أدخلها ... أين هي؟» # فدخلت الفتاة وهي تنظر إلى ما في تلك القاعة من صناديق الكتب وليس فيها غير الخليفة ~~وكاتب. وكانت لمياء طويلة القامة أشبه في مشيتها بالرجال منها بالنساء مع جمال وهيبة. سمراء ~~اللون كبيرة العينين إذا نظرت فيهما توهمت أنهما تخاطبانك بصيغة الأمر. مقوسة الحاجبين ~~متناسبة الملامح غليظة الشفتين قليلا عريضة الوجنتين مما يدل على القوة. حول رأسها عصابة ~~تدل منها خيوط في أطرافها كرات من الذهب أو قطع أخرى من المصوغات. وقد أرسل شعرها على ~~كتفيها متجعدا وأحاط به رداء كالخمار عقد في أعلى الصدر بعروة من الذهب. وحول عنقها ~~عقود من الجزع ونحوه - كما ترى في الشكل. # فلما وقع نظر المعز عليها لم يتمالك عن الإعجاب بها، وخصوصا بعد ما سمعه عنها من قائده ~~فاستدناها وهش لها تلطفا وقال: «تقدمي يا فتاة ... ما هو اسمك؟» # قالت: «لمياء يا أمير المؤمنين.» # قال: «ألعلك ابنة نصيرنا صاحب سجلماسة؟» # قالت: «نعم يا مولاي.» # قال: «وهل سرك أن تكوني في قصرنا؟» # لمياء فتاة القيروان. # قالت: «هذا شرف لا أستحقه.» وابتسمت بامتنان. # قال: «بل أنت أهل لأكثر من ذلك. ألعلك متزوجة؟» # فلما سمعت سؤاله أطرقت وبان الخجل في محياها من الدم الذي تصاعد إلى وجنتيها ولم ~~تجب. # فعلم أنها عذراء فاكتفى بذلك الجواب ms015 وقال لها: «اذهبي مع غلامنا هذا إلى أم الأمراء؛ ~~فإني أوصيتها بك خيرا، وستحسن وفادتك. لكني أرجو أن تكوني حسنة الاعتقاد بنا.» # فرفعت بصرها نحوه وقالت: «إذا كنت تعني غير الاعتقاد بصحة خلافة آل البيت فلا ...» # فأعجب بصراحة جوابها وقال: «إنك لنعم الفتاة العلوية، لولا ما أراه من كثرة الحلي على ~~رأسك وصدرك؛ فإننا لا نرى الجنوح إلى شيء من أسباب الترف.» # ولم يتم كلامه حتى أسرعت بيدها إلى رأسها وصدرها واستخرجت ما كان عليهما من الحلي والعقود ~~ورمت بها إلى الأرض وقالت: «لم أكن أعلم ذلك يا سيدي ... وقد كان لي بما شاهدته من بساطة ~~ردائك عبرة وعظة ... هذه جواهري أرميها تحت قدميك ...» # فازداد المعز فرحا بها وابتسم لها ابتسام الرضا والإعجاب، وقال: «بورك فيك، أنت ستنالين ~~أضعاف ما نزعته من الجواهر. فضلا عن سرور أم الأمراء بك.» وأشار إلى الصقلي فمشى بها وعاد ~~المعز إلى عمله. # الفصل السابع # | أم الأمراء # وكانت أم الأمراء امرأة عاقلة حكيمة ذات مبرات وحسنات ولها رأي وحزم. وكثيرا ما كان ~~المعز يباحثها ويستشيرها وكان قد أخبرها في ذلك الصباح عن لمياء وأوصاها بها. # دخلت لمياء قصر أم الأمراء ولو كانت ممن دخل قصور الأمراء في مصر أو بغداد في ذلك ~~العهد لحسبته منزل بعض الخدم؛ لأنه كان من البساطة بحيث يقرب من حال البداوة، تلك كنت سياسة ~~المعز خوفا من عواقب الترف؛ لعلمه أن الترف والرخاء من أكبر العوامل في سقوط الدولة - كما ~~علمت من كلامه لقائده. # وكانت أم الأمراء جالسة في غرفتها على بساط من السجاد بلا وشي ولا تطريز، وعليه ~~مساند من الديباج البسيط وقد لبست لباسا بسيطا واتشحت بمطرف وأرسلت شعرها مضفورا ~~بأبسط ما يكون. فسرت لمياء لتسرعها في نزع حليها قبل الدخول على تلك الأميرة. فتقدم خفيف ~~الصقلي أولا فأنبأ أم الأمراء بمجيء لمياء، فأمرتها أن تتقدم، فتقدمت ولم يقع نظر لمياء ~~على أم الأمراء حتى استأنست بها كأنها ربيت في منزلها وأشارت إليها أم الأمراء أن تقعد ~~فقعدت ms016 متأدبة وانصرف خفيف. فقالت أم الأمراء: «أهلا بالضيفة الجديدة.» # فقالت: «أشكرك يا سيدتي على هذا اللطف، إنما أنا جارية في قصرك.» # فقالت: «بل أنت ضيفة مكرمة فإن قائدنا جوهرا أثنى كثيرا على أدبك وتعقلك وقال إنه لم ~~يرض لك العبودية فأطلق سراحك.» # قالت وهي تنظر في البساط مبالغة في التأدب: «إن ذلك فضل كبير له لا أنساه في ~~عمري. أما فضل مولاتي زوج أمير المؤمنين فلا أقدر على القيام بشكره.» # فتجاهلت أم الأمراء عند سماع ذلك الإطراء وغيرت الحديث، فقالت: «لم أفعل شيئا بعد، ولعلي ~~أستطيع أن أفعله في المستقبل إذ يكون لك قصر مثل هذا القصر تعيشين فيه آمرة ناهية؛ لأن ~~مثلك ينبغي أن يكون لها أحسن نصيب من كبار الرجال.» # فهمت لمياء أنها تشير إلى رغبتها في تزويجها من أحد الأمراء فلم يعجبها ذلك؛ لأنها ~~عالقة القلب بسواه، فبدا ذلك في وجهها وتساقطت من عينيها دمعتان تدحرجتا على خديها ~~فمسحتهما بكمها وهي تبتسم إخفاء لما ظهر من عواطفها فأدركت أم الأمراء ذلك فبادرتها قائلة: ~~«يظهر أنك مشغولة القلب بسوانا .» فلم تتمالك لمياء عن البكاء وهي تخجل من بكائها فغطت ~~وجهها بيديها وكأنها استضعفت نفسها وأنفت من ظهور ضعفها فتجلدت وتشاغلت بالابتسام وهي ~~تنظر إلى أم الأمراء والدمع يتلألأ في عينيها. فأحست أم الأمراء معها فأرادت استطلاع حقيقة ~~حالها لعلها تنفعها في شيء فدنت منها وهي تظهر الاهتمام بها، وقالت: «لا يشق عليك تعرضي لك ~~في أمر تريدين كتمانه وإنما أردت أن أباسطك. ونظرا أنك مشغولة الخاطر بسواه. ألا تجدين ~~في الثقة لتطلعيني على سرك وإن كانت هذه أول مرة رأيتني فيها؟» # فغلب الخجل على لمياء بعد هذا التنازل وقالت: «العفو يا سيدتي إنك تتنازلين كثيرا في ~~مخاطبتي وما أنا أهل لشيء من ذلك ...» # فأحست أم الأمراء أنها ضايقتها في الحديث لأول مقابلة فرأت أن تتركها على أن تعود إلى هذا ~~البحث في فرصة أخرى فقالت: «بل أنت خير لأحسن منه ... والآن قد آن لك أن تستريحي.» وصفقت ~~فأتتها ms017 قيمة الدار فأمرتها أن تعد غرفة خصوصية للضيفة وأن تساعدها في تبديل ثيابها ~~وتؤانسها. فنهضت لمياء ومشت مع القيمة وقد تنبهت عواطفها وهاجت أشجانها. # فأخذتها القيمة إلى غرفة من القصر تطل على الحديقة التي فيها البركة من ناحية وعلى المسجد ~~الجامع من جهة أخرى فساعدتها في تبديل ثيابها فألبستها ثوبا من أثواب الأميرات وهو مع ~~غلاء قيمته بسيط في زيه بلا زركشة ولا تأنق. وقد أعجبت لمياء بكل ما شاهدته هناك من ~~أدلة البساطة والجنوح إلى العمل. وقلما وجدت شيئا يراد به الزخرفة فقط. مع أن قصر أبيها ~~في سجلماسة لم يكن يخلو من الترف والرخاء؛ يقلد بهما حضارة بغداد أو مصر أو الأندلس فيأتي ~~من كل بأفخر مصنوعاتها. وأما المعز فكان يخاف ذلك الرخاء فيميل إلى التمسك بالبساطة والبعد ~~عن الترف. # الفصل الثامن # | المناجاة # ولما خلت لمياء في تلك الغرفة تصورت ما أصابها من الانتقال في ذلك اليوم. باتت أمس في ~~فسطاط أبيها خارج القيروان وهي الآن في قصر الخليفة المعز لدين الله معززة مكرمة. وتذكرت ~~أن المعز من نسل الإمام علي وفاطمة الزهراء، فاختلج قلبها من الفرح؛ لحصولها على الحظ ~~بالتقرب من ذلك الدم الطاهر والشرف العظيم. ومشت إلى شرفة مطلة على الحديقة ولم تكد تجلس ~~حتى تقاذفتها الهواجس وتذكرت خطيبها سالما وكانت قد أحبته ووطنت النفس على الاقتران به. ~~فلما آن وقت العقد أخذت أسيرة مع أبيها ولم تعد ترى سالما ولا علمت أين هو. وكانت تعلم ~~من أسراره ما لا يعرفه عمه وكان في ما أطلعها عليه من أغراضه أمور تنكرها عليه ولا يعلم ~~عمه أبو حامد باطلاعها على تلك الأسرار، ولعله لو علم لم يسمح بتقربها من المعز. # فأطرقت حينا وهي غارقة في التفكير وجعلت تناجي نفسها قائلة: «أين أنت يا سالم؟ لا، ~~لا أصدق أنك قتلت ... لا. لم تقتل بل أنت مختبئ أو متنكر ... أو لعلك تفكر في ذلك الأمر ... ~~ليتني أستطيع أن أراك؛ لأطلعك على أمور تهون عليك العدول عن عزمك ... وأتخلص مما ms018 يعرضونه ~~علي ... إني لا أحب الزواج إلا بك؛ لأني لم أحب سواك ولكنني مع ذلك لا أوافقك على عزمك؛ لأن ~~فيه خطرا. آه، أين أنت؟» # وهي في ذلك سمعت حركة وحديثا في الحديقة، فتحولت مجاري أفكارها نحو ما سمعته، وجلست ~~تتوقع أن ترى أحدا - وكانت قد ضفرت شعرها ضفيرتين جانبيتين ولفت رأسها بخمار كبير ~~كالحبرة يغطي كتفيها وجنبيها - وما لبث أن سمعت خفق نعال على مقربة من النافذة فتراجعت وهي ~~لا تزال تنظر نحو الحديقة؛ وإذا هي برجلين عرفت منهما القائد جوهرا وبجانبه شاب في مقتبل ~~العمر يظهر من ملامحه أنه ابنه الحسين، وتذكرت ما قيل لها عن رغبته فيها، فأحست بنفور ~~وانزوت مخافة أن يقع نظره عليها. # أما جوهر فكان ماشيا وعليه الجبة والقفطان وفوق رأسه العمامة الصغيرة وحولها الخمار وقد ~~تقلد السيف. وفى مشيته وثبات قدميه ما يدل على أنه قائد عظيم، وأما ابنه فكان في مثل ~~لباسه لكنه لا يزال يانعا وفي محياه نضارة الشباب مع هيبة القواد، والبسالة بادية في ~~عينيه وجبينه. # ولحظت لمياء وهي منزوية أن الحسين بن جوهر لما وصل إلى جانب غرفتها التفت كأنه يلتمس ~~أن يرى أحدا وسمعت أباه يقول له بصوت منخفض: «لا شك أنك لو رأيتها ما تمالكت عن الإعجاب ~~بها؛ لأنها جمعت بين مهابة الرجال ولطف النساء.» # فقال الحسين: «إني لا أراجعك في شيء تراه ... وأنت أعلم مني وأوسع اختبارا لكنني لا أثق ~~بأبيها ولا أظنك تجهل ما في خاطره و...» # وكانا يتكلمان وهما ماشيان، فلم تسمع لمياء من حديثهما إلا نتفا فهمت منها أنهما ~~يتحادثان بشأن خطبتها له فوقعت في حيرة وخافت أن يطلب منها الزواج به وهي عالقة القلب ~~بسالم وإن كانت لا تعرف مقره. # وكانت لمياء مع بسالتها وقوة بدنها قوية العواطف إذا أحبت تمكن الحب من قلبها حتى ~~يشغلها عن كل شاغل لا سيما وأن سالما أول شاب عرفته وأحبته. # ثم عادت فسمعت جوهرا يخاطب ابنه وقد عادا من حيث أتيا وأتما الحديث، فأصغت لعلها ms019 تسمع ~~تتمة الكلام فسمعت جوهرا يقول: «إن معاملة هؤلاء بالحسنى أولى بنا وأقرب إلى جمع القلوب، ~~وصاحب سجلماسة من أولى الأمراء بذلك ...» ثم انقطع الحديث من البعد فأصبحت لمياء أشد رغبة في ~~الاطلاع عليه فأصغت لسماعه عبثا. فقعدت وهي تصلح خمارها وتعمل فكرتها وإذا هي تسمع لغطا ~~فيه صوت أبيها فأجفلت ثم رأت أباها وجوهرا ماشيين وجوهر يحتفي بحمدون ويلاطفه. ومن قوله ~~له: «لا ريب أن مولانا المعز يقدر صاحب سجلماسة حق قدره وطالما ذكرك في غيابك وأثنى على علو ~~همتك.» # فقال حمدون: «نحن نفتخر أن نقوم بنصرة ابن فاطمة الزهراء.» # ثم بعد الصوت، وعلمت لمياء من هذا الحديث أن أباها وجوهرا ذاهبان إلى المعز بزيارة ~~وربما كان ذلك بشأنها. فاشتغل خاطرها؛ لئلا يعدهم أبوها بها أو يخطبها للحسين وهي لا تريد. ~~فمشت من غرفتها وهي تود أن تحضر تلك الجلسة لتعلم ما يدور بين أبيها والمعز بشأنها. ولكنها ~~لم تجد وسيلة إلى ذلك إلا على يد أم الأمراء وكانت تسمع بمشاركتها زوجها بالآراء أحيانا ~~حتى كثيرا ما كانت تحضر مجالس المداولة من وراء ستار. # 1 # الفصل التاسع # | لمياء وأم الأمراء # وكانت أم الأمراء قد أعجبت بلمياء كل الإعجاب وأحبتها من كل قلبها. وكذلك لمياء؛ فإنها ~~أحبت أم الأمراء واستأنست بها كأنها تعرفها من أعوام وقد هان عليها أن تكاشفها بما يكنه ~~قلبها وتستشيرها في أمرها وتستعينها في حاجتها. فذهبت تطلبها في غرفتها فلم تجدها فلقيت ~~حاضنتها - وهي امرأة رومية الأصل استجلبها المعز من صقلية لما دخلت في حوزته في جملة نساء ~~حملهن للخدمة وتدبير المنزل. وقد استلطفتها لمياء ورأت منها انعطافا نحوها - فسألتها عن أم ~~الأمراء فقالت: «قد ذهبت في شغل وستعود قريبا.» ودعتها للقعود. # فقعدت وخاطرها مشغول بمسير والدها إلى المعز مع جوهر فأحبت أن تشغل نفسها ريثما تأتي ~~أم الأمراء فقالت للحاضنة: «يا خالة يظهر لي من ملامحك أنك لست من أهل هذه البلاد ~~...» # قالت: «صدقت؛ إني من صقلية يا سيدتي.» # قالت: «فأنت إذن رومية الأصل ...» # قالت: ms020 «نعم وأفتخر بأني من نفس البلد الذي منه أكبر قواد أمير المؤمنين.» # فعلمت أنها تعني جوهرا القائد، فقالت: «وهل القائد جوهر من صقلية أيضا؟» # قالت: «نعم يا سيدتي، إنه من نفس ذلك البلد. ألا يحق لي أن أفتخر به؟» # قالت: «كيف لا؟ وهو موضع فخر أهل هذه الدولة. نصره الله على أعدائه.» # وهي في ذلك جاءت أم الأمراء وهي تمشي مشية النشاط لا تتثاقل تثاقل أهل الترف فتراجعت ~~الحاضنة وخرجت. ووقفت لمياء وهي تبتسم وتنظر إلى أم الأمراء نظر شاكر بهج فأجابتها تلك ~~بمثل ذلك، وتناولتها بيدها على غير كلفة ودخلت بها إلى مخدعها الخصوصي وهي تقول: «أحب أن ~~أراك تستأنسين بي وأن تعدي نفسك ابنة لي.» # فأكبت لمياء على يدها فقبلتها ودموع الفرح تتساقط من عينيها، وقالت: «لقد غمرتني ~~بفضلك يا سيدتي بما لم يعد في إمكاني القيام بشكره ... كفى ... إن ذلك فوق ما أستحقه أو يخطر ~~ببالي.» # قالت وهي تقربها من وسادة في صدر الحجرة وتقعدها بجانبها: «إنك أهل لأكثر من ذلك ~~يا لمياء ولا فضل لي إذا أحببتك؛ فإني لم أسمع أحدا ذكرك إلا أعجب بك وبكمالك وهيبتك ... ~~هذا قائدنا جوهر شديد الإعجاب بك وقد رغب في تقريب والدك من أمير المؤمنين إكراما ~~لخاطرك. وقد جاء به الآن وسيدخلان إليه ولا شك أن المعز سيحل أباك محلا رفيعا؛ إكراما ~~لقائده ...» وسكتت وبلعت ريقها وهي تنظر إلى لمياء وتتأمل ملامحها وما يبدو منها فرأتها ~~مصغية لا يبدو على وجهها شيء من الاضطراب. فعادت إلى إتمام حديثها فقالت: «وبلغ من افتتان ~~قائدنا بك أنه أحب أن يأخذك إليه ويجعلك ابنة له ...» # فظهرت البغتة على لمياء وأطرقت حياء، فابتدرتها أم الأمراء قائلة: «لا أعني أن تصيري ~~ابنة له دون أبيك بل هو ينوي أن يخطبك ... إلى ابنه الحسين ... هل رأيت هذا الشاب؟ لا ينبغي أن ~~تخجلي مني ... اتخذيني أما لك.» # فتصاعد الدم إلى وجنتي لمياء، وأبرقت عيناها من التفكير وقالت: «أشكر لك هذا الإحسان يا ~~سيدتي. نعم أني يتيمة الأم ms021 ولكنني في حضن أم تتمنى كل فتاة أن تكون أمها، نعم ينبغي لي أن ~~أخاطبك بحرية، أما من جهة رؤية الحسين بن جوهر فإني لم أره إلا في هذا النهار عرضا وهو مار ~~في الحديقة مع أبيه ...» # فقطعت أم الأمراء كلامها قائلة: «لم يكن مجيئه عرضا، ولكنه جاء عمدا ليرى الفتاة التي ~~حدثه أبوه عنها ... طيب وماذا تضمرين بعد ذلك؟» فتنهدت لمياء وهمت بالكلام وأسكتها الحياء ~~فأدركت أم الأمراء أنها تخفي شيئا من قبيل الحب - والنساء يتفاهمن بلغات القلوب أسرع من ~~تفاهم الرجال - فقدمت لها مذبة كانت في يدها تروح بها على سبيل المؤانسة، وقالت لها: «لا ~~ينبغي لك أن تستحي مني يا لمياء بعد ما لقيته من حبي لك. ويكفي دليلا على هذا الحب أن أسعى ~~في تزويجك بأحسن شاب في القيروان بعد أبناء الخليفة ... وهؤلاء يا لمياء لم يبلغوا سن الزواج ~~بعد.» وضحكت فازدادت لمياء خجلا من هذا التلميح الممزوج بالتقريع على الكبرياء ولم تعد ترى ~~باعثا على الحياء فتناولت المذبة من يدها ثم أعادتها إليها بلطف وشكر، وقالت: «لا تظني ~~يا سيدتي أني جاهلة حقيقة قدري أو أني لم أدرك مقدار فضلك في ما تعرضينه علي، فاسمحي لي أن ~~أصرح بحقيقة حالي. إني يا سيدتي مخطوبة ...» وصبغ الحياء وجهها. # لم تستغرب أم الأمراء قولها؛ لأنها لحظت ذلك فيها من قبل لكنها تجاهلت لتسمع منها هذا ~~التصريح فأجابتها وهي تبتسم: «من هو ذلك الخطيب السعيد الذي حظي بك وما اسمه؟» # فخجلت من هذا الإطراء وقالت: «إنه يا سيدتي شاب من أصدقاء والدي عرفته في سجلماسة وله عم ~~كثير التودد لأسرتنا فخطبني إليه، واسمه سالم ...» # فقالت: «أين هو؟» # فأجابت لمياء وهي تهز كتفيها إلى الأعلى إشارة الإنكار: «لا أدري أين هو ولكنني أعلم أنه ~~كان في جملة من شهد المعركة الأخيرة التي قضي بها لأمير المؤمنين فقادوني ووالدي أسيرين. ~~ولم أعلم أين ذهب سالم!» # فضحكت أم الأمراء وقالت: «يظهر أنك تحبينه كثيرا حتى إنك مع شكك بوجوده لا تزالين ms022 ثابتة ~~في وده.» # فتنهدت تنهدا عميقا وأطرقت وقد صبغ الحياء وجهها ولم تجب. # فتشاغلت أم الأمراء بإصلاح ضفائر الشعر المرسلة على صدرها من الخمار وقالت: «قد يصح ~~ذلك، ولكن هل تحسبينه ثابتا في حبك لا يلتفت إلى سواك؟ إن هؤلاء الرجال لا يركن إليهم. ~~ولا تظني الحسين بن قائدنا جوهر يتأتى العثور على مثله في جيل من الناس ... ومع ذلك فالخاطر ~~لك. وأنا إنما أردت خيرك؛ لأنني أحببتك و...» قالت ذلك وبان العتب في عينيها. # الفصل العاشر # | التصريح # فأثر ذلك التوبيخ في نفس لمياء تأثيرا شديدا، ورأت قولها معقولا ولكن قلبها لم يطاوعها ~~على العمل به ولا طاوعها عقلها على الرفض. وهي مع ذلك لا تعلم أين هو سالم. ميت أو حي ولم ~~تر فرجا من تلك الحيرة إلا بالبكاء فجاشت خواطرها وهمت بالبكاء ثم أمسكت عواطفها تجلدا ~~وسكتت وهي تبلع ريقها وتغالب نفسها وقد أطرقت لا تبدي حراكا. # وأظهرت أنها تتفرس في جلد أسد مفروش هناك. # فلم تبال أم الأمراء بسكوتها فأتمت كلامها قائلة: «ومع ذلك فقد سمعت قائدنا جوهرا يطري ~~شجاعتك وثباتك في حومة الوغى ... فما لي أرى فيك هذا الضعف الآن؟» # فلم تعد لمياء تستطيع التمالك فتنهدت تنهدا شديدا ورفعت عينيها إلى أم الأمراء والدمع ~~يتلألأ فيهما وجلست جثوا على سبيل التأدب وقالت - وهي تغص بالكلام: «لقد غمرتني بلطفك يا ~~سيدتي ... إني لا أستحق هذا الالتفات ... نعم لا أستحق النعمة التي تعرضينها علي ولكنني ... آه ... ~~لا أملك قياد قلبي ... سامحيني على التصريح لك. لقد رأيت من عطفك ولطفك ما يخولني الدالة ~~عليك وإن خالفت العادة والطبع أني يا مولاتي لا أملك من قياد نفسي شيئا. نعم إني شجاعة في ~~الحرب لا أهاب لقاء الأبطال ولكنني مع سالم ضعيفة ... لا أذكره إلا وأشعر بانحلال عزائمي ~~وخفقان قلبي ... ألعل ذلك ما يعبرون عنه بالحب؟ وقد سألتني إذا كان يحبني، فكيف يمكن أن لا ~~يكون كذلك وأنا لا أرى للحياة قيمة بدونه؟» # ولما وصلت إلى هنا انتبهت لنفسها وأحست أنها ms023 تورطت في التصريح بما لا يجوز لمثلها وإنما ~~غلبت على عواطفها فلم تملك إمساك هواها. وخجلت من أم الأمراء فحولت وجهها نحو الحائط وأخذت ~~في البكاء وقد بكت هذه المرة أسفا على ضعفها وتطلعا إلى رؤية حبيبها سالم وهي لا تعلم أين ~~هو. أما أم الأمراء فاستغربت تعلق لمياء بخطيبها ولم تكن تتوقع أن ترى منها ثباتا وشغفا ~~إلى هذا الحد. فلما آنست منها ذلك قالت: «يسرني يا بنية أنك تحبين خطيبك إلى هذا الحد؛ فإن ~~المحبة من أكبر النعم. وأطلب إلى الله أن يجمعك به وإذا رأيت أني قادرة على مساعدتك في ذلك ~~قولي ... أما الحسين فإني استمهله؛ لنرى ما يكون - إذ لا يعلم ما في الغيب إلا الله ...» # فهمت لمياء بتقبيل يدها شكرا على صنيعها فأبت عليها ذلك وقبلتها برأسها ونهضت وهي ~~تقول: «قد تعودت أن أذهب في مثل هذه الساعة إلى مقعد لي يشرف على قاعة أمير المؤمنين التي ~~يقابل الناس فيها أطل عليها من وراء حجاب فأشاهد مجلس الأمراء وأسمع ما يدور بينهم إني ~~كثيرة الاهتمام بشئون الدولة ...» # فأعجبت لمياء بعلو همتها وقالت: «سمعت بذلك عنك.» وقد سرها أن تبدأ هي بالعزم على ذلك ~~ومالت إلى مرافقتها فقالت: «وهل ترين بأسا من أن أكون معك؟» # قالت: «كلا ... وبالعكس فإني أستأنس بك.» # ومشتا في دهليز إلى غرفة في أحد جدرانها مقعد على دكة يصعد إليه ببضع درجات، وراءه ستر ~~يحجبه. وفى الستر ثقوب إذا شاء الجالس أن يشرف على من في القاعة الكبراء رآهم وسمع ~~أقوالهم. فتناولتها أم الأمراء بيدها حتى أجلستها بجانبها على المقعد، وقالت لها: «انظري ~~من هذا الثقب.» فنظرت فإذا هي تشرف على مجلس الخليفة من أعلى الحائط بحيث ترى الجلوس هناك ~~ولا يرونها. # رأت قاعة واسعة قد فرشت أرضها باللبود البسيط وقد جلس المعز لدين الله في صدرها على منصة ~~كالوسادة الصغيرة وهو في لباس بسيط بالنسبة إلى سواه من الملوك والخلفاء. على رأسه العمامة ~~وعلى كتفيه برنس كالعباءة يغطي أثوابه. وقد التف ms024 به وأقعد الأربعاء قعود من أتعبه العمل ~~فتربع وألقى كوعيه على فخديه. وإلى جانبه حسام مغمد وفي يمينه قلم. وفى يساره ورقة من ~~الكاغد ينظر إليها وكاتبه واقف أمامه ينتظر أمره فبعد أن تأمل الورقة وضع القلم بجانب ~~دواة بين يديه ودفع الورقة إلى الكاتب وأشار إليه أن يذهب. ثم تنفس الصعداء وقال: «إذا شاء ~~الأمراء والمشائخ الدخول فليتفضلوا.» # فلما سمعت أم الأمراء قوله قالت للمياء: «إنه يدعو مشائخ كتامة وصنهاجة وهوارة، وهم رجال ~~دولته من أمراء البربر؛ لعله يريد النظر في أمر هام!» # فسرت لمياء لهذه الفرصة؛ لترى كيف يعقد مجلس الملوك. على أنها ما لبثت أن رأت جماعة من ~~المشائخ والأمراء دخلوا وألقوا التحية بصوت عال كالعادة. وأشار إليهم المعز فقعدوا على ~~وسادات مثل وسادته محيطة بالقاعة. وجعلت لمياء تتفرس فيهم فرأت بينهم وجوها تعرفها من قبل ~~ولما استقر بهم الجلوس جعل المعز يرحب بهم وهم يدعون له. # ثم قال: «قد تكبدتم المشقة في المجيء إلينا، وإنما دعوتكم لأريكم حالي من العمل. إذ قد ~~يتصور بعض الذين لا يعلمون أن الإمامة من أسباب الراحة والتنعم والانقطاع عن العمل. نعم ~~هي كذلك لمن شغلوا بالترف عن مصالح الدولة كما يفعل صاحب بغداد وصاحب قرطبة وأمراؤهم في ~~الأطراف؛ لأن الدنيا شغلتهم عن الإمامة الحقة فانغمسوا بالملذات وتقلبوا في المثقل والديباج ~~والحرير والسمور والمسك والخمر مثل سائر أرباب الدنيا. # وأما أنا فقد أحببت استقدامكم لأريكم كيف ينبغي أن يكون الإمام: انظروا إلى هذا الكساء ~~والجبة وها أنا جالس على اللبود وهذه الأبواب مفتحة تفضي إلى خزائن الكتب، وأنا أشتغل ~~بمكاتبة الأطراف بيدي لا ألتفت إلى أمور الدنيا إلا بما يصون أرواحكم ويقمع أضدادكم، ~~فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثل ما أفعله ولا تظهروا التكبر والتجبر فينزع الله النعمة ~~عنكم وينقلهما إلى غيركم.» # فتصدى شيخ منهم - أكبرهم سنا - وقال: «يا أمير المؤمنين قدوتنا ونعم المثال هو.» # فقال: «إذا فعلتم ذلك يقرب الله منا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب ... انهضوا - رحمكم الله ms025 ~~ونصركم.» # فوقفوا وحيوه وخرجوا وقد امتلأت قلوبهم هيبة ولمياء تعجب لسرعة صرفهم وأدركت أم الأمراء ~~فيها ذلك فقالت: «لا بد لسرعة صرفهم من سبب فقد تعودت أن أجلس هنا ساعات أسمع مباحثاتهم في ~~أهم الأمور.» # ولم تتم كلامها حتى سمعت المعز يصفق وهو يقول: «خفيف!» فحضر غلامه فقال: «ذكرت لي منذ ~~هنيهة أن قائدنا يحب أن يرانا على حدة فأسرعنا في صرف شيوخ كتامة لنتفرغ له. ادعه.» # فخرج الغلام وهمست أم الأمراء قائلة: «هذا هو السبب في سرعة صرفهم ... أن جوهرا قادم إليه ~~... لله دره من رجل باسل.» # فلما سمعت لمياء اسمه تذكرت أنها رأته ذلك اليوم في الحديقة مع أبيها وخطر لها أنها رأته ~~أيضا مع ابنه الحسين فخفق قلبها؛ لأنها أصبحت تخاف أن تراه بعد أن دار ما دار بينها وبين ~~أم الأمراء بشأنه وتخاف إذا تكرر الترغيب فيه أن يخونها قلبها فتميل إليه وهي لا تريد أن ~~يكون لأحد نصيب من فؤادها غير سالم. # الفصل الحادي عشر # | الخطبة # وما كادت تفكر في ذلك حتى رأت جوهرا في وسط القاعة وقد أمسك أباها حمدون بيده كأنه يقدمه ~~إلى المعز، وهو يقول: «أقدم لمولانا أمير المؤمنين الأمير حمدون صاحب سجلماسة صديقنا ~~الجديد.» # فنظر المعز إليه وابتسم ابتسام الملوك وقال: «أهلا بصديقنا ... أرجو أن لا يكون في خاطره ~~شيء من نحونا.» # فأسرع حمدون وترامى بين يدي المعز كالمستغيث، وقد فعل ذلك مبالغة بالتزلف وقال: «لقد ~~أسعدنا الحظ بهذه الصداقة وهي شرف لنا ولو عرفنا مناقب الإمام من قبل لجئناه بغير ~~حرب.» # فأنهضه المعز بيده. # وأشار إليه أن يجلس بجانبه على وسادة وهو يرحب به ويبتسم، وأشار إلى جوهر أن يقعد فقعد ~~وهو مسرور من نجاح مهمته في مصلحة الدولة بتقريب هذا الأمير للطاعة؛ لأنه صاحب جاه واسع ~~وحزب كبير. # جلس حمدون وهو يظهر التأدب بحضرة المعز لكن عينيه كانتا تجولان خلسة في أطراف القاعة ~~لا تستقران على حال كأنهما عينا لص. على أنه كان في وجهه هيبة الأمراء. # أما لمياء ms026 فلما رأت والدها هناك سرت لتقربه من المعز؛ لأنها كانت تعلم ما في خاطره عليه ~~وأنه لم يكن أثقل على قلبه من ذلك الأسر. فسرها أولا أنه رضي بإرسالها إلى بيت الخليفة وزاد ~~سرورها أنه تقرب منه. وهي تود ذلك من جملة وجوه أهمها اعتقادها الكرامة بالمعز؛ لأنه من ~~نسل فاطمة الزهراء وهي حسنة الاعتقاد بالشيعة. وإنما كان همها بعد ذلك أن يأتي سالم ويتقرب ~~إلى المعز فيتم لها السرور. وان كانت من فطرتها عزيزة الجانب ميالة إلى الاستقلال وقد حاربت ~~في سبيله ولم تسلم إلا قهرا. لكنها لم تكن راضية عن أعمال والدها فإن بين أخلاقها وأخلاقه ~~بونا عظيما. وقد لقيت من المعز وامرأته كل رعاية وإكرام فوطنت النفس على التفاني في ~~مصلحتهما وإنما ينقصها العثور على سالم وإقناعه بالتسليم معها. ومع علمها بصعوبة تسليمه ~~كانت تعتقد أنها تقدر أن تتغلب عليه بالدالة والبرهان. # أما المعز فالتفت إلى جوهر لفتة صديق معجب بصديقه وقال: «يسرني كثيرا أن تجتمع كلمة ~~شيعتنا على المطالبة بحقوقنا.» # فقال جوهر: «إن ذلك هين بتوفيق مولانا - أعزه الله - وأنا أعد تقريب أمير سجلماسة ~~الباسل فألا مباركا؛ لأنه رجل حرب وله أعوان يتفانون في نصرته، فبمثله يعز الملك.» # فقال حمدون: «إني أفاخر سائر الأمراء بهذه الحظوة بين يدي أمير المؤمنين وقد أصبحت الآن ~~سيفا من سيوفه أناضل عنه إلى آخر نسمة من حياتي، أقول ذلك عني وعن رجال قبيلتي.» # فابتسم المعز وقال: «إنك إذا فعلت ذلك إنما تنصر الحق كما أنصره أنا. وإن إمامتي على ~~رجالي لا تميزني عنهم بشيء من مرافق الحياة. بل أنا أكثرهم تعبا وسهرا كما ترى مما بين ~~يدي من الأعمال، إني أعمل بيدي ما لا يعمله صاحب بغداد ولا صاحب قرطبة. أنظر في كل شيء ~~بنفسي، لا أقول ذلك افتخارا ولكنني أقول الحق فما أنا إمامكم إلا بما خصني به الله من ~~النسب الطاهر وأما فيما خلا ذلك فأنا واحد منكم.» # فقال حمدون - وهو يظهر الإخلاص: «إني أحمد الله بما من ms027 علي به من نعم أمير المؤمنين وسيرى ~~مني ما تقر به عينه وتنبسط نفسه.» # فأبرقت أسرة جوهر فرحا بنجاح مسعاه، ونظر إلى المعز نظرة فهم المعز مراده منها، فالتفت ~~إلى حمدون لفتة تودد وقال: «وما أنا راض لأمير سجلماسة بما أردته لغيره من الأمراء ~~المقربين. بل أنا أحب أختصه بإكرام لم ينله سواه. أنت تعلم منزلة قائدنا جوهر حامي حمى هذه ~~الدولة. إنه صاحب المنزلة الأولى عندنا فنحب أن نزيد أسباب القربى بينك وبينه. وهي قربى ~~لنا أيضا.» # فأدرك حمدون غرضه ولكنه تجاهل، وقال: «إن أمر مولانا مقبول على الرأس والعين ... فليأمر ~~بما يراه.» # قال: «نحب أن نخطب ابنتك لمياء إلى الحسين بن قائدنا جوهر وهو من خيرة الشبان، فهل ~~توافقني على ذلك؟» # فبادر حمدون إلى الجواب بلهفة وقال: «إن هذا شرف عظيم لنا يا سيدي ... إن لمياء لا تستحق ~~هذه النعمة؛ لأن جوهرا حفظه الله قدوة القواد، وإن لمياء جارية أمير المؤمنين يضعها حيثما ~~شاء ... لأمير المؤمنين الأمر ولنا الطاعة.» # وكانت لمياء وهي تسمع كلامهم من وراء الستر تخاف أن يفضي الحديث إلى هذه الغاية فلما سمعت ~~اتفاقهما على الخطبة أجفلت وارتبكت والتفتت إلى أم الأمراء لفتة مستغيث. فضمتها إلى صدرها ~~ولم تزد. فرفعت لمياء رأسها لتنظر في عيني أم الأمراء لعلها تفهم مرادها من ذلك التحبب ~~فرأتها تضحك ضحك من ظفر بغنيمة. فاشتبه عليها أمرها وهي لا تدري ماذا تعمل وأخذتها الرعدة ~~وترقرق الدمع في عينيها. # فهمست أم الأمراء في أذنها قائلة: «لم تقبلي ذلك الطلب مني فها قد اتفق عليه والدك وأمير ~~المؤمنين فهل من سبيل إلى الرفض؟» # فأجابتها لمياء بهز رأسها هز الإنكار ولسان حالها يقول: «إني لا أزال على عزمي.» # فأشارت أم الأمراء بسبابتها على فمها: «إن اصبري الآن وسنرى.» # فسكتت وإذا هي تسمع المعز يقول: «بارك الله فيك، إني أهنئ ابن قائدنا بهذه الفتاة كما ~~أهنئها به؛ لأنه من خيرة الشبان فعسى أن تكون راضية بذلك.» # فقال حمدون: «إنها لا شك راضية ... كيف لا ms028 ترضى بما رضي به لها أمير المؤمنين ووافق عليه ~~والدها؟» # فلم تعد لمياء تصبر على سماع ذلك فنهضت تريد الانزواء؛ نفورا من ذلك الحديث فأمسكتها أم ~~الأمراء وأجلستها. فأطاعت وسكتت وهي تكاد تتميز غيظا ولا تعلم ما تعمل. # أما المعز فتزحزح من مجلسه إشارة للصرف. فوقف جوهر وحمدون واستأذنا بالانصراف فأذن لهما ~~وهو يقول: «نترك تعيين وقت العقد لقائدنا ونحب أن يكون ذلك في حضرتنا إكراما ~~للعروسين.» # انصرفا وتركا لمياء على مثل الجمر وقد جمد الدم في عروقها وتولتها الدهشة وحق لها ذلك؛ ~~فإنها مع شدة تعلقها بسالم لا ترى مندوحة عن طاعة والدها وأمير المؤمنين. # الفصل الثاني عشر # | الحيرة # نهضت أم الأمراء وأخذت لمياء بيدها تخفيفا عنها. وقد شعرت بما هي فيه من الارتباك فمشت ~~لمياء معها وهي مستغرقة في الهواجس لا تنبس ببنت شفة. # حتى إذا وصلتا إلى حجرة أم الأمراء استأذنت لمياء بالانصراف إلى الغرفة التي أعدت ~~لمنامها. وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب فدعتها أم الأمراء إلى البقاء عندها فاعتذرت أنها ~~تشعر بصداع شديد لا ترى وسيلة للتخلص منه بغير النوم. فأذنت لها حبا بإطلاق الحرية لها ~~لئلا يؤثر الضغط على نفسها وأضمرت أن تتفقدها بعد هنيهة. # سارت لمياء وهي تتعثر بأذيالها ولم تصل غرفتها حتى أحست بخوار قواها فاستلقت على فراشها ~~وقد انقبضت نفسها وزادها غروب الشمس انقباضا. # وأخذت تفكر في ما هي فيه من الضيق فرأت أنها لولا حبها سالما لكانت في سعادة لا مثيل ~~لها؛ لأنها ستخطب لابن أكبر القواد على يد أحسن الخلفاء في دار الملك وقد تقربت من أم ~~الأمراء وتصادقتا. وهي تشعر أن هذه الملكة تحبها حقيقة، فلم يكن أسعد حالا منها لولا ~~تعلقها بسالم وأرادت أن تقنع نفسها بتركه والرضى بتلك النعم فلم تستطع. وحالما خطر لها ~~ذلك الخاطر أحست بشيء كالملقط قبض على قلبها. # وأخذت تغالب عواطفها وتخاطب نفسها وهي جالسة على الفراش قائلة: «لعل أم الأمراء ~~مصيبة في قولها عن الرجال إنهم لا يحفظون ذماما كالنساء ... ولكن ms029 سالما ليس مثله سواه. كيف ~~أفكر في غيره وقد تعاقدنا ... لله ما هذه الأفكار الشيطانية ليس في الدنيا أكبر نفسا وأجمل ~~خلقا من سالم، ليست السعادة بالمال ولا في الجاه ... إن السعادة في الحب ... مهما عارضتني ~~صروف الدهر وعاندتني وتراكمت علي فإذا تذكرت سالما وأنه يحبني شعرت بلذة وراحة لا مثيل ~~لهما، ما أجمل الحب وأحلاه ... ولكن هل سالم يحبني كما أحبه؟» # وهي في ذلك طرق الباب فأجفلت فرأت صقلبيا يحمل مصباحا وقف بالباب وهو يقول: «إن مولاتي ~~أم الأمراء أمرتني أن أنير لك هذا المصباح.» ووضعه على رف في الحائط مصنوع لهذه الغاية، ~~وقال: «ألا تريد مولاتي أن آتيها بالطعام للعشاء.» # قالت: «كلا، إني لا أشعر بالجوع، وأرجو أن تبلغ مولاتنا أم الأمراء شكري الجزيل على ~~أفضالها.» # فانحنى وهم بالخروج. فاستوقفته وقد خطر لها خاطر جديد، فقالت: «هل أنت من خدم هذا ~~القصر؟» # قال: «نعم يا سيدتي هل تحتاجين إلى شيء؟» # قالت: «أحب أن أرى مولاتنا أين هي؟» # فقال: «هي هنا يا سيدتي» وتنحى. # فاستغربت قوله. وإذا بأم الأمراء بالباب فبغتت لمياء لوجودها هناك وقالت: «كيف حضرت يا ~~سيدتي ... وأين كنت؟» # فضحكت وأشارت إلى الخصي فانصرف وضمت لمياء إلى صدرها وقبلتها وقالت: «أتظنين أني غافلة ~~عما أنت فيه؟ أذنت لك بالانصراف إلى مخدعك وقلبي يراعيك ولم أتمالك عن أن أجيء بنفسي؛ ~~لأراقب حركاتك. وإنما أرسلت الصقلبي قبلي ليرى هل أنت نائمة؟» # فلما سمعت كلامها أكبت على يديها وجعلت تقبلهما قائلة: «بالله يا سيدتي ما هذه النفس ~~الكريمة ما هذه الأخلاق العالية ما هذا الحنو الوالدي ... هل أستحق منك هذه العناية؟ إن شعورك ~~معي في هذه المشاكل خففها»، وسكتت وهي تدعو أم الأمراء للجلوس على فراشها. # فأجابتها: «قلت لك إني أحببتك وأنا لا أقول جزافا. ثم إني أعلم الناس بما يكنه قبلك فقلت ~~في نفسي لعلي إذا جئتها وكانت مضطربة أن أخفف عنها شيئا.» # فتنهدت لمياء وسبقتها العبرات وقالت: «لقد خففت عني كثيرا ولكن ...» # فمسحت أم الأمراء دموع لمياء بمنديلها، ms030 وقالت: «إنك يا بنية حملت نفسك التعب باختيارك ... ~~إن النصيب الذي عرض عليك لو عرض على أحسن نساء العالمين لفرحت به وأنت لا ...» وبلعت ريقها ~~واستغنت عن التصريح بالإشارة. # فقالت لمياء: «هذا كله أعلمه وقد حاولت أن أقنع نفسي فإذا أنا عاجزة عن ذلك ... إني ~~ضعيفة مسكينة ... آه من الحب ... سامحيني يا سيدتي على هذه الحرية في خطابي ... أردت أن أقنع نفسي ~~أن ما سيدعوني إليه والدي سعادة لا ترد فشعرت بقشعريرة ارتعدت لها فرائصي ... لا أقدر ... لا ~~أقدر أن أتسلط على نفسي ... إني لا أملك رشدي يظهر أني مجنونة ...» # فضحكت أم الأمراء على سبيل المداعبة وقالت: «هل تشكين في ذلك؟ ألا تعلمين أن العلماء ~~يسمون الحب الشديد جنونا ...» # قالت: «مهما يكن فإني غير قادرة على التخلص من هذه الهواجس ... بالله أشفقي علي وارفقي بي ~~...» # قالت: «إني مستعدة لما تريدينه. نعم أحب أن تكوني من نصيب الحسين بن جوهر ولكنني أفضل ~~راحتك. فإذا كنت تظنين أني في قدرة على مساعدتك في شيء قولي.» # فأطرقت وسبابتها على شفتها السفلى وهي تفكر وأم الأمراء تنظر إليها وتنتظر ما تقوله فإذا ~~هي رفعت بصرها إليها وقالت: «إني أطلب منك أمرا لا يصعب عليك إني أحب الذهاب إلى والدي ~~لأراه وأباحثه في الأمر الذي عرض عليه اليوم؛ لعله إذا علم بما في خاطري يعفيني منه. وأنت ~~تكملين فضلك في إرجاع أمير المؤمنين عن عزمه.» # ففكرت أم الأمراء لحظة وهي تعلم أن زيجة لمياء للحسين يراد بها غرض سياسي لاكتساب قلب ~~حمدون، فضلا عن ملاءمة العروسين فلم تشأ أن تعدها بإقناع زوجها لكنها طيبت خاطرها وقالت: ~~«لك علي ذلك ... متى تذهبين إلى والدك؟» # قالت: «الآن يا سيدتي ... إني لا أستطيع رقادا إن لم أره وأباحثه.» # قالت: «كيف تذهبين الآن وقد داهمنا الظلام ووالدك في معسكره خارج المنصورية وقد أقفلت ~~الأبواب، ومثلك لا يؤذن بخروجها من هذا القصر.» # قالت: «أخرج متنكرة وأنا لا أبالي بالظلام إنما أطلب إليك أن تأمري بثوب أحد الصقالبة ~~خدم القصر ألبسه ms031 وأخرج بحجة رسالة أحملها من أمير المؤمنين إلى صاحب سجلماسة.» # ففكرت أم الأمراء لحظة ثم قالت: «ذلك هين علي، ولكنني أخاف أن يستغشك الخفر على ~~الأبواب.» # قالت: «لا تخافي.» # فقالت: «ها أنا ذاهبة إلى حجرتي وبعد قليل تعالي إلي تجدي الثوب حاضرا.» # فأكبت على يدها لتقبلها شكرا على هذا الصنيع. فمنعتها أم الأمراء من ذلك وتركتها ~~وخرجت. # الفصل الثالث عشر # | المعارضة # فمكثت لمياء برهة ثم مشت إلى أم الأمراء فرأتها قد أعدت الثوب فلبسته وأصلحت من شأنها حتى ~~لا يشك من يراها أنها غلام صقلبي وودعتها. فأرشدتها إلى الطريق الأقرب المؤدي إلى باب ~~البلد. # فمشت وهي ثابتة القدم لا يعتريها خوف. فمرت في الحديقة لا يستغشها أحد وأهل القصر مشغولون ~~في مهامهم حتى وصلت باب البلد فإذا هو موصد والخفر وقوف عنده بأسلحتهم. فطلبت إليهم أن ~~يفتحوا لها الباب؛ لأنها ذاهبة في مهمة مستعجلة إلى معسكر صاحب سجلماسة. ففتحوه ولا يشك ~~أحد منهم أنها رسول صقلبي. # ففرحت بانطلاء حيلتها وخرجت فإذا هي في الخلاء. ونظرت نحو معسكر والدها فعرفت مكانه من ~~النار الموقدة عنده فمشت بسرعة والظلام حالك والمكان خال وكل شيء هادئ. فلم تمش يسيرا ~~حتى رأت شبحا طويلا يدنو منها وعليه عباءة سوداء قد التف بها ومشى نحوها بهدوء فتحولت عن ~~جهته لئلا يعترضها. فإذا هو قد وقف لها ونادى: «من الرجل؟» # فقالت: «رسول من أمير المؤمنين إلى هذا المعسكر.» # فقال: «قف عندك.» # ولما سمعت الصوت اقشعر بدنها؛ لأنها تذكرت صوتا تعرفه لكنها تجلدت وتجاهلت وقالت: ~~«دعني ... إني سائر لأمر مستعجل.» # فناداها قائلا: «لا يخرج الرسل من هذا القصر ليلا.» # قالت: «إنها رسالة هامة مستعجلة وقد رآني الخفر بالباب ولم يعترضوني.» # قال: «أنا أعترضك ... قف عندك أو تعال معي إلى النور لأرى وجهك ... إني أعرف غلمان القصر ~~جميعا.» # فتحيرت في أمرها وتفرست بمخاطبها وأخذت تفكر فيمن عساه أن يكون وصوته يشبه صوت الحسين بن ~~جوهر واستبعدت أن يكون هو هناك وليست الخفارة من شأنه. فتجاهلت وظلت ماشية وهي ms032 تقول: «إني ~~ذاهب في مهمة سرية لا يجوز للخفر أن يطلع عليها ولا أن يعرف من أنا.» # قال: «إذا كان ذلك لا يجوز لسواي فهو جائز لي.» قال ذلك ومد يده يريد أن يمسكها من يدها ~~فنفرت منه وخبأت يدها وراء ظهرها وقالت: «قل لي من أنت قبلا.» # قال: «أنا الحسين بن القائد جوهر.» # فلما تأكدت أنه هو بعينه ارتج عليها ولم تخف على نفسها منه لكنها خافت كشف سرها. فحولت ~~وجهها عنه ومشت وهي تقول: «لا نعهد الحسين بن أكبر القواد ينتحل مهنة الخفر ليتعرض لرسول ~~أمير المؤمنين ... دعني وشأني وإلا فإن تأخري تعود عاقبته عليك.» # فاعترضها وهم أن يمسك يدها فأفلتت يدها منه بجسارة فقال لها: «ليس من شأنك أن تعين ~~لكل إنسان مهمته. نحن جميعا نخدم مصلحة أمير المؤمنين نضرب بسيفه ونخفر قصره. دع عنك ذلك ~~واتبعني وإذا كنت رسولا كما تزعم فلا خوف عليك بل أكون لك عونا في إبلاغ الرسالة.» # فلم تجد لمياء بدا من الطاعة فقالت: «ها إني واقف ما الذي تريده مني ... اكشف اللثام عن ~~وجهك أولا ثم خاطبني.» # فأزاح اللثام فإذا هو الحسين بعينه فخفق قلبها واستغربت تلك المصادفة وقالت: «نعم أنت ~~مولانا الحسين بن القائد جوهر فما الذي يريده مني؟» # قال: «إني لا أرى وجه صقلبي ولا أسمع صوت صقلبي إني أسمع صوت امرأة.» # فضحكت استخفافا، وقالت: «أرأيت كيف أنك مخدوع؟ فحسبتني امرأة وأنا غلام؟» # قال: «إذا كنت غلاما صقلبيا فاصدقني ولا تخف.» # فتماسكت لمياء ولم تجد بدا من التصريح فقالت: «تأمل في وجهي جيدا» فتفرس فيها على ~~شعاع النور وقال: «أنت فتاة ... وكأني رأيت هذا الوجه في صباح هذا اليوم ... ألست لمياء بنت ~~صاحب سجلماسة؟» # فلم تطاوعها نفسها على الإنكار فقالت: «نعم أنا هي وما الذي تريده مني؟» # فتنهد وابتسم، ثم قال: «إن ما أريده منك ليس هنا محل الكلام فيه يا لمياء. ولكنني أطمئنك ~~أن لا خوف عليك مني لسبب سوف تعلمينه ولكنني أعجب لخروجك في هذا الليل متنكرة ms033 ومثلك لا ~~يؤذن لها في الخروج من قصر أمير المؤمنين! كيف خرجت؟» # قالت: «ألم أقل لك إني خارجة في مهمة لصاحب سجلماسة.» # قال: «أنت ذاهبة إلى أبيك.» # قالت: «نعم ... ها قد قلت لك ... فأنت وشأنك.» # قال بلحن التودد: «إن شأني شأن المأمور المطيع يا لمياء، ولو كان الخارج في هذا الليل ~~سواك لكانت حياته في خطر. وأما أنت فإني في خدمتك حتى ترجعي إلى مأمنك، إنما أرجو أن ~~تذكري هذا لي إذا ذكرت به.» # فشعرت أنه يحملها فضلا سيطالبها به يوما ما فقالت: «لم أخرج من هذا القصر في هذا ~~الليل وحدي وأنا خائفة من أحد. فإذا شئت أن تبقى على اعتراضك فإني لا أبالي.» # وكان الحسين قد علم في ذلك النهار أن أباه وأباها زارا المعز وأنه خطبها له من أبيها ورضي ~~أبوها. ولكنه كان على يقين أنها لم تطلع على شيء من ذلك بعد. وتوسم في اجتماعها بوالدها في ~~تلك الساعة خيرا لنفسه إذ يبلغها أبوها ما كان من طلب أمير المؤمنين لها باسم الحسين، ~~فقال: «قلت لك إن شأني معك أن أكون في خدمتك حتى تبلغي مأمنك وتشاهدي والدك. ولعلك وأنت ~~راجعة يتغير لحن خطابك معي.» # فأدركت كل ما جال في خاطره وفهمت ما يشير إليه لكنها تجاهلت وقالت: «إني لا أقدر أن أذكر ~~ابن القائد جوهر بعد هذه المكارم إلا بالشكر والثناء في كل حال فهل تأذن بانصرافي ~~الآن؟» # قال: «نعم ولكنني أكون في خدمتك لئلا يعترضك سواي فإن في هذه الطرق خفراء آخرين أقامهم ~~والدي سرا لزيادة الحرص على سلامة أمير المؤمنين. ولا أحب أن يعرف أحد منهم ولا سواهم ~~بخروجك ولا أريد أن يخاطبك أحد ولا أن يقول لك كلمة ولو كانت سلاما واحتراما ... إني أكثر ~~حرصا عليك منك ...» قال ذلك بلحن الحب. # فظلت على تجاهلها وقالت: «بارك الله فيك فأنا واثقة بمروءتك وأحب أن تكتم ما رأيت عن كل ~~أحد كأنك لم تشاهد أحدا.» # فاستأنس بهذه الوصية واستدل بها على ميل نحوه وقال: ms034 «قلت لك إني أحرص منك عليك ... وهذا ~~يكفي.» # فلم تجبه ولكنها مشت ومشى هو في أثرها عن بعد حتى دنت من معسكر أبيها. # الفصل الرابع عشر # | أبو حامد # وكان ذلك المعسكر خياما مضروبة أكبرها فسطاط الأمير فلما دنت من الفسطاط صاح بها رجل من ~~الواقفين للحراسة: «من القادم؟» # فظلت على تنكرها وقالت: «رسول من أمير المؤمنين إلى الأمير حمدون.» # فنظر في أثوابها فحسبها غلاما صقلبيا فدخل ليستأذن لها بالدخول. # وكان حمدون قد عاد في ذلك بعد مثوله بين يدي الخليفة وصدره مملوء بالأماني واختلى ~~بصديقه أبي حامد مدة طويلة ودعاه للعشاء معا فقضيا ساعات وهما يتساران لا يأذنان لأحد ~~في الدخول عليهما. فلما دخل الحرس يستأذن لرسول من عند أمير المؤمنين قال حمدون: «ماذا عسى ~~أن يكون من أمر هذا الرسول؟ فليدخل.» # فدخلت لمياء ولم تقع عين أبيها عليها حتى عرفها فهم أن يناديها فأشارت إليه بالسبابة ~~على فمها أن يكتم أمرها. فأشار إلى الحاجب أن يخرج ويبعد سائر الحجاب عن الفسطاط. # وكان فسطاط الأمير حمدون خيمة كبيرة من الأدم المدبوغ بلون أحمر وقد فرشت ببساط كبير ~~حمله معه من سجلماسة وهو في الأصل مجلوب من إسبانيا مما كان أمراء الأندلس يفرشونه في ~~قصورهم؛ لأنه كان وهو أمير يقلدهم بأسباب المدنية. والخيمة قائمة على ستة أعمدة علقوا عليها ~~الأسلحة والدروع وأنيرت أطراف الفسطاط بالمصابيح. # فدعا لمياء للجلوس على وسادة بجانبه وأخذ يرحب بها وأبو حامد إلى جانبه الآخر، وهو كهل ~~قصير القامة دقيق العضل كبير الرأس بارز الجبهة خفيف اللحية قد برز فكاه ونتأت سناه ~~المتوسطتان من فكه الأعلى نتوءا كثيرا وافترقتا. وله عينان غائرتان متقاربتان تبرقان ~~دهاء ومكرا كأنهما مصباحان متجاوران قد اختلط نورهما. وفى إحداهما انحراف نحو الأعلى ~~وبينهم أنف كبير أعقف كأنف النسر وقد أرسل شاربيه على شفتيه ليخفي سنيه البارزتين. وأهمل ~~لحيته الخفيفة بلا تمشيط. وكان قد تخفف بلباس الليل وغطى رأسه بعرقية سوداء زادت تلك السحنة ~~غرابة. إذا لقيه الرجل استخف به واحتقره فلا يلبث ms035 أن يخاطبه حتى يهابه لقوة عارضته وفصاحة ~~لسانه. # فلما رأى حمدون يرحب بلمياء شاركه في الترحاب وهش لها وسبق والدها إلى مخاطبتها فقال: ~~«بارك الله فيك لقد جئت في إبان الحاجة إليك ... ولكن ما الذي جاء بك في هذا الليل؟» # فضحك أبوها وقال: «يظهر أن روحنا خاطبت روحها عن بعد فلبت الطلب.» # فقالت لمياء والاهتمام باد في عينيها البراقتين: «جئت يا سيدي لأمر همني كثيرا.» # قال وهو يبتسم: «ولعلهم أنبئوك بما دار بيننا وبين المعز في هذا الصباح!» # قالت: «لم ينبئوني ولكنني سمعت الحديث في أذني.» # فتصدى أبو حامد للكلام قائلا: «أهنئك يا لمياء بهذا النصيب الحسن.» # فنظرت إليه نظرة عتاب وقالت: «وأنت تقول ذلك أيضا؟» # قال: «كيف لا أقوله؟» ونظر إلى أبيها كأنه يستشيره. # فقال حمدون: «نعم يحق لنا أن نهنئك يا بنية؛ فإن هذا النصيب لا يتأتى لأحد من أهل ~~القيروان.» # فالتفتت إلى أبي حامد وقالت: «وسالم؟» وهي تتوقع أن تفحمه بذلك الاعتراض. # فقال: «سالم؟ حتى سالم يفرح لك بهذا النصيب ...» # فدهشت لهذا الجواب وقالت: «سالم؟ لا. لا. لا أظنه يفرح ولا أنا فرحت به.» # فالتفت أبوها إليها لفتة استغراب وقال: «وأنت لم تفرحي به؟ يا لله ما الذي تتوقعينه أحسن ~~من هذا؟» # قالت: «أتوقع أن ...» وغلب عليها الحياء فسكتت. # فقال أبو حامد: «إن كنت ترفضين هذه النعمة مراعاة لخاطر سالم فأنا أضمن ارتياحه ~~إليها.» # قالت: «سالم لا يرضى أن أكون لسواه؟ كلا.» # فضحك أبو حامد ملء فيه وهز رأسه باستخفاف وقال: «يظهر أنك تنظرين إلى هذا الزواج من وجه ~~واحد فقط.» # فاستغربت هذا التعبير وقالت: «وهل ينظر في هذا الأمر من عدة وجوه؟» # فأخذ حمدون وأبو حامد ينظر كل منهما إلى صاحبه ويضحك. وأغرق أبو حامد في الضحك حتى كاد ~~يستلقي على قفاه وقد برز سناه من بين شعر شاربيه. فشق ذلك على لمياء فابتدرها أبوها ~~قائلا: «ألا يكفي لقبولك بهذا النصيب أن يكون قد تم الاتفاق عليه بين أبيك وأمير ~~المؤمنين؟ وإذا كنت لا تبالين بخاطر ms036 والدك ألا تهابين أمر الخليفة؟» قال ذلك بلحن العتاب ~~والتوبيخ. # فخجلت من هذا التعريض لكنها لم تقتنع فسكتت وأطرقت وفي سكوتها إنكار لما يطلبونه منها. ~~فتصدى أبو حامد وهو يظهر التلطف والاهتمام ويتشاغل بإصلاح طاقيته وقال لها: «أنا لا ~~أشك في تعقلك وحكمتك؛ ولذلك فأنا أخاطبك بصراحة ... أؤكد لك لو كان سالم هنا الآن لأمرك ~~أن تطيعي والدك وتقبلي بما عرض عليك؛ ليس؛ لأنه لا يحبك ولكنه يرجو من ذلك خيرا لنا ~~جميعا.» # فلما سمعت قوله استغربت ما فيه من التلميح ولم تفهم مراده وهي تعلم أن سالما إذا كان ~~يحبها كما تحبه لا يرضى أن تكون لسواه ولو أعطي مال العالم كله ... ولم تفهم ما هو النفع ~~الذي يرجوه من قبولها. فوقعت في حيرة وظلت ساكتة وقد بان الارتباك في عينيها فتنحنح أبو ~~حامد فنهض والدها وخرج من الخيمة وهو يظهر أنه يريد حاجة عرضت له. فبقيت لمياء مع أبي حامد ~~فتوجه نحوها باهتمام وقال: «أرجو أن تكوني قد فهمت مرادي.» # فرفعت بصرها إليه، وقالت: «كلا يا سيدي ... أعترف لك أني لم أفهم مرادك. وأنا أعلم أن ~~سالما إذا كان يحبني - كما تقولون - لا يمكن أن يرضى بهذا الأمر ... أقيس ذلك على نفسي.» ~~وأطرقت وقد توردت وجنتاها من الخجل وأخذت بإصلاح المنطقة حول خصرها كأن ثوب الصقالبة قد ~~ضايقها؛ لأنها لم تتعوده. # فقال أبو حامد وهو يخفض صوته كأنه يسر إليها أمرا هاما: «إني أجل ذكاءك عن أن يخفى ~~عليك مرادنا ... أم أنت الآن راضية بالقعود أسيرة كالجارية في بيت ذلك الأمير ~~المغرور.» # قال ذلك وفي صوته لحن الاحتقار. فتذكرت لمياء ما كانت تعلمه من نقمته على المعز قبل أن ~~تغلب عليه. ولكنها كانت تحسبه غير عزمه واقتنع بما صار لعجزه عن مناهضته. وأحست لما ~~سمعت أسلوب تعبيره بغيرة هبت في صدرها للدفاع عن نفسها وعن المعز فقالت: «لم أكن أتوقع منك ~~يا عماه ما سمعته فما أنا جارية ولا المعز مغرور.» # فقال: «لله أنت ما أطيب سريرك، إنهم ms037 خدعوك حتى حولوا قلبك عن والدك وأهلك وصرت تجدين ~~الأسر عزا والذل سعادة ... أين أنفة لمياء راعية الجواد الأدهم سليلة آل مدرار أصحاب ~~سجلماسة؟ أم غرك ما ناله أولئك من الظفر صدفة؟ إنهم غير أهل للملك والتحكم في الرقاب ... ~~ألم تري منازلهم لا تتميز عن منازل العامة يجلس أميرهم على اللبود ويلبس كسائر الناس؟ أين ~~أبهة الدولة التي كانت لوالدك وأجدادك؟ إن آل مدرار وحدهم أهل للسيادة وبهم وحدهم يليق ~~الملك ... أقول ذلك وما أنا لسوء حظي منهم ولكنني أعرف منزلتهم ولا غرض لي غير الانتصار ~~للحق، ولو كان والدك هنا لاتخذ هذه الحرية بمخاطبتك.» # الفصل الخامس عشر # | التحميس # وكانت لمياء تسمع وتعجب ولم تستطع صبرا على السكوت فقالت: «أراك يا عماه قد بالغت في ~~التقريع ولا أرى حاجة إلى ذلك ... إن المعز لدين الله لم يبلغ ما بلغ إليه من سعة الملك إلا ~~لأنه أحق بهذا الأمر بما له من النسب الشريف؛ إنه من أبناء بنت الرسول وقد حاربنا ~~وحاربناه ولو كان الحق في جانبنا لظفرنا به. كنت في مقدمة المحاربين المدافعين ولا أزال ~~أحب الاستقلال، ولكنني لا أجد إليه سبيلا. وهذا أمير المؤمنين قد أكرم وفادتنا وأحسن ~~الظن بنا وأخلصنا النية، فلا ينبغي أن نخونه.» # فضحك ثم قطع ضحكته فجأة وقال: «لم أستغرب من قولك إلا اعتقادك صحة النسب الذي يدعيه هؤلاء ~~لأنفسهم ... أنا أعلم الناس بأنسابهم ولكن الإنسان إذا تغلب انتحل النسب الذي يريده. أما قولك ~~إنهم تغلبوا وإن ذلك دليل على حقهم في الخلافة فهو منقوض؛ لأنهم لم ينالوا هذا الأمر ~~ببطشهم وأنت تعلمين أن أبا عبد الله الشيعي هو الذي سلم إليهم هذا السلطان وأنصاره هم أهل ~~هذه البلاد. ثم كافأه هؤلاء الخلفاء بالقتل ... أليس كذلك؟ وتقولين مع هذا إنهم أكرموا ~~وفادتنا وأحسنوا الظن بنا؟ ما الذي أكرموكم به وقد سلبوكم سلطانكم واغتنموا أموالكم ونهبوا ~~منازلكم يكفي ما أخذوه من قصرك من التحف والأثاث والرياش، أين جوادك بل أين مرآتك الذهبية ~~التي كانت في غرفتك؟ ms038 أين حاضنتك التي كانت تعتني بلبسك وتدبير شئونك أين ماشطتك ومربيتك ألم ~~يكن الخدم عشرات في منزلك وإذا ركبت وقفوا وإذا مشيت تطامنوا وإذا أمرت أطاعوا. وكنت الملكة ~~الآمرة الناهية لا يسمع في القصر غير أمرك ونهيك؟ نسيت كل ذلك وأعجبك أن تكوني رهنا عند ~~هذا الرجل وتقولين إنه أكرمك وأحسن وفادتك؟ إنهم لم يكرموا أحدا مثل إكرامهم أبا عبد الله ~~المأسوف عليه ثم قتلوه غدرا ...» قال ذلك وغص بريقه وكاد يشرق بدموعه. # فتأثرت لمياء من خطابه وكانت تعلم غدر الفاطميين بأبي عبد الله لكن تعلقها بطهارة نسبهم ~~كان يحببهم إليها مع اعتقادها عجز والدها عن التغلب وخصوصا بعد ما شاهدته من لطف المعز ~~وامرأته وقائده وسائر أهل ذلك القصر. على أنها لما سمعت تذكار سابق عزها ومجدها وشرف ~~أسرتها وفخامة ملكهم تنبهت فيها شهوة الملك ونعرة السيادة فخفت لهجتها في المقاومة وأرادت ~~أن تباحث أبا حامد في الأمر وهي لا ترى بأسا من ذلك فقالت: «إن ما قلته صحيح لا شك فيه ~~لكن ما الفائدة منه ونحن لا حول لنا ولا طول و...» # فقطع كلامها قائلا: «هذا شيء آخر سنبحث فيه وقد سرني أنك رجعت إلى ما هو جدير بك من ~~المحافظة على شرف أبيك وعز الملك. أنتم آل مدرار توارثتم السيادة كابرا عن كابر. وأحرزتم ~~الملك بحد السيف لا بالحيلة وادعاء النسب الشريف.» # فتحيرت لمياء لما سمعته من التناقض فقالت: «إذا كان الأمر كذلك فما بالكم ترغبونني في ~~ابن ذلك القائد وهو مولى بن مولى وعنفتموني على ترددي في أمره؟!» # فابتسم وقال: «إن شعرة من رأسك تساوي ملك هذا الخليفة وكل قواده ... إن ذلك الطالب لا ~~يساوي قلامة من ظفرك ...» # فاستغربت قوله وظنته يمزح فقالت: «لم أفهم مرادك يا سيدي.» # فقال: «مرادي؟ ألم تفهمي مرادي؟ وعهدي بك الذكاء أو لعلك تتجاهلين ... أتظنين سالما يرضى ~~أن يحظى بك أحد من العالمين وهو حي؟» # فازدادت دهشتها وقالت: «قلت لكم ذلك فغضبتم علي، لكنني لا أزال جاهلة مرادك ...» # فضحك ونظر نحو ms039 باب الخيمة وهم كأنه يتحفز للنهوض. فالتفتت ورأت أباها داخلا ومعه ~~رجل ملثم ملتف بعباءة لا يبدو منه إلا عيناه. # فلم تعرفه وابتدرها أبوها قائلا وهو يهش لها: «ألعلك لا تزالين على تمسكك بالرفض ~~ومقاومة أمر الخليفة وإرادة والدك.» قال ذلك وهو يتقدم حتى جلس في مكانه والرجل الملثم واقف ~~بجانب أحد أعمدة الخيمة كأنه متكئ عليه. فشغل خاطرها به وخافت أن يكون في الأمر دسيسة لكنها ~~لم تستغش والدها. ولما سمعته يطرح ذلك السؤال عليها قالت: «ولكن العم أبا حامد يقول إنكم ~~تبخلون بي حتى على الخليفة ولا تعطون شعرة مني بكل ملكه.» # فضحك ضحكة تهكم وقال: «هل قال لك ذلك؟ هل صدقته؟ لا. لا. كيف نخرج من أسر أمير المؤمنين ~~... كيف ننكر فضله علينا؟ إننا مدينون له بحياتنا.» قال ذلك وتنحنح ونظرت لمياء في وجهه ~~فرأت في عينيه معنى غير الذي نطق به لسانه. والعين أصدق تعبيرا من اللسان، فعلمت أنه ~~يتهكم ولكنها تجاهلت وقالت: «لقد حيرتموني في أمري فلا أدري من أصدق!» # ونظرت إلى والدها فرأت الغضب في عينيه وهما تكادان تقدحان شررا وشارباه يرقصان في وجهه ~~وقد تعودت ذلك فيه إذا اشتد غضبه فتهيبت وأثر منظره فيها وتوقعت أن تسمع جوابه ~~فرأته نهض مسرعا وهو يتعثر بحمائل سيفه وأردان جبته ومشى على البساط مشية ملك يتخطر ~~تيها وعجبا وليس في قدميه نعال - وكان قد نزعهما بباب الفسطاط كالعادة - فالتفتت نحوه وهي ~~تراعيه في تخطره وتنظر خلسة إلى الرجل الملثم وقد ازدادت دهشة ولبثت صامتة. ووقع نظرها على ~~أبي حامد فرأته ينظر إليها ويشير بسبابته على شفته السفلى أن «اسكتي لنرى.» # الفصل السادس عشر # | عز الملك # أما حمدون فبعد أن خطر مرتين ذهابا وإيابا وهو يلاعب شاربيه وسيفه يجر على البساط وقد ~~انحرفت عمامته من مكانها ولم ينتبه لها من الغضب وقف بين يدي لمياء وقال: «لمياء يا لمياء ~~إلى متى تتجاهلين ومثلك لا يحتاج إلى إيضاح هل تصدقين أن أباك أمير سجلماسة سلالة آل مدرار ~~السادة ms040 الفاتحين يرضى بمصاهرة عبد صقلي يباع أمثاله في الأسواق بدنانير قليلة؟ هل صدقت ~~أننا نعير طلب صاحب القيروان التفاتا. وإنما نحن وافقناه حتى يتيسر لنا ما نريده ... لا ~~تكوني ساذجة وأنت ابنة حمدون صاحب سجلماسة قائدة الجند في ساحة الحرب. ما أسرع ما نسيت ~~مجدنا وملكنا نحن أصحاب سجلماسة ونصاهر العبيد؟ لا يغرنك ما أتيح لهم من النصر إنها فلتة ~~لا تستقر لهم طويلا ... لا تستقر إلا ريثما توافقينني على ما أطلبه منك فيذهب ملكهم ونسترجع ~~ملكنا. ونخضعهم لأسيافنا.» قال ذلك وهو يرتعش من الغضب. # فتحمست لمياء وعادت إليها روح السيادة وحب الرئاسة وتأثرت مما ظهر من تحمس والدها لكنها ~~أعملت فكرتها فلم تجد كلامه مبنيا على شيء واضح ثابت؛ لعلمها أنهم هناك كالأسرى عند المعز ~~لدين الله وأن جند والدها وإن كثر لا يعد شيئا في جانب جند المعز وأتباعه. ولكنها انصاعت ~~لقوله بنفوذ الوالدية؛ فإن الولد كثير التصديق لما يسمعه من والده ومعلمه ولو كان مستحيلا. ~~ومع ذلك فهي لم تفهم حقيقة ما يريدونه من ذلك التناقض فقالت: «صدقت يا أبتاه وهل ترى ~~وسيلة لإرجاع ما كان إلى ما كان؟ إني أبذل روحي في هذا السبيل.» # فلما سمع قولها أكب عليها وضمها إلى صدره وقبل رأسها وابتسم ابتسام من فاز بضالة كان ~~يبحث عنها، وقال: «بورك فيك من ابنة عاقلة ... إنك جديرة أن تكوني ملكة سجلماسة والملك ~~سيئول طبعا إليك؛ إذ ليس لي أبناء سواك.» # فأخذتها عزة الملك وشغلتها عن انعطافها إلى المعز وأهله وتذكرت ما كانت فيه من الرفعة ~~والكلمة النافذة، وكيف كانت الرءوس تطأطئ لها واللحى ترتجف تهيبا منها. فنهضت عن ~~تحمس ووقفت بين يدي والدها قائلة: «إنكم تخاطبونني بالألغاز والأحاجي. ما معنى هذا ~~التناقض قل يا أبتاه ما الذي تريدونه مني؟ وقبل كل شيء أحب أن أتحقق عدولك عن الرضا بطلب ~~المعز لدين الله.» # قال: «أما هذا فلا ... لا أعدل عنه؛ إنها فرصة لا ينبغي أن نضيعها ... إنها فرصة ثمينة لنيل ~~مرادنا ...» # فلم تفهم قصده ms041 فقالت: «كيف تريدون أن أكون ملكة في سجلماسة وتطلبون إلي أن أتزوج أحد ~~أتباع صاحب القيروان؟» # فقطع كلامها قائلا: «لا أعني أن تتزوجيه إن باعه أقصر من ذلك كثيرا ... كيف تتزوجينه ~~وسالم حي؟ لو بلغ ذلك سالما ماذا يقول عنا بل ما يقول عنك وأنت راعية الجواد صاحبة السيف ~~حامية حمى آل مدرار؟ أنا لا أعني بقبولك أن تتزوجي ذلك الرجل فعلا ... ولكننا نريد أن يكون ~~قبولك وسيلة لاسترجاع ملكنا بكيفية سأشرحها لك، وإنما أريد أن أعلم قبل كل شيء، هل فهمت ~~مرادي؟» # قالت: «ألم أفهمه بعد؟» # قال: «إن مرادي أن نتخلص من صاحب القيروان وقائده ... وإذا تخلصنا منهما لا يبقى في أفريقية ~~كلها من يقف في سبيلنا ولا أن يمنع سيادتنا.» # قالت: «وكيف نتخلص منهما؟» # قال ويده على قبضة حسامه كأنه يستله: «نقتلهما.» # فأجفلت وتراجعت واستغربت هذا التصريح وهي تعرف تهور والدها واندفاعه ولم يكن يخطر ~~لها أنه يتصور قدرته على هذا العمل ولكنها اعتقدت أنه لا يقول ذلك إلا وهو على ثقة من ~~قدرته عليه. فالتفتت إلى أبي حامد - وكان لا يزال قاعدا الأربعاء ويداه متصالبتان وقد ~~أطرق في الأرض كأنه يفكر باهتمام - ثم حولت نظرها إلى الرجل الملثم بجانب العمود وقالت في ~~نفسها: من عساه أن يكون هذا الملثم الذي شهد هذا التصريح الخطر لا بد أن يكون من الأقرباء ~~وخطر لها أن يكون سالما نفسه وحالما خطر ذلك خفق قلبها ولم تعد تستطيع صبرا عن استطلاع ~~الحقيقة فنظرت إلى والدها - وكان قد عاد إلى التمشي - فمشت نحوه حتى قبضت على يده وقالت ~~بصوت ضعيف: «أراك تقول ما تقوله على مسمع من هذا الملثم فمن هو؟» # قال: «ستعلمين حالا ... ولكن بعد أن توافقينني على ما قلته لك؛ إني لم أعد أستطيع صبرا ~~على الذل ... يكلفوننا إذا دخلنا على صاحب القيروان أن نحييه تحية الإمارة وأن نؤمن على كل ما ~~يقوله وأن ندعو له بطول البقاء وأن نقول له بأننا عبيده الطائعون. وإننا لنضرب بسيفه ~~ونجاهد في سبيله ms042 وإنه صاحب الحق في الخلافة. وإنه من نسل فاطمة الزهراء و... و... و... إن ذلك فوق ~~طاقة البشر. نحن أصحاب سجلماسة من أجيال متوالية وقد تأصلت السيادة في عروقنا فلا نستطيع ~~احتمال هذا الذل فإما التغلب وإما الموت.» # فازدادت لمياء تحمسا بهذا القول وتناست كل شيء في سبيل العود إلى مجدها وعزها. وسرها ~~فوق ذلك أنهم لا ينوون إكراهها على القبول بابن جوهر بدلا من سالم حبيبها. فاقتنعت بهذه ~~النتيجة وفرحت لكنها لم تفهم سر ذلك التضاد إذ يريدونها أن تقبل الزواج بالحسين وهم لا ~~يسمحون بشعرة منها له ... كيف يتفق ذلك فقالت لوالدها «إن ما تطلبه يا سيدي هو غاية مرادي ولا ~~بد من مراقبة الفرص للحصول عليه، أما الآن فأرجو أن تطاوعني على التخلص من طلبة المعز ~~ليطمئن بالي.» # فقطع كلامها قائلا: «لن تسنح لنا فرصة أوفق من هذه.» # قالت: «وأي فرصة تعني؟» # قال: «قبولك بما طلبه صاحب القيروان ... وقبل إتمام الزواج تذهب روحه وروح قائده وابن ~~قائده والسلام ...» قال ذلك بعجلة ومشى مسرعا إلى مجلسه وقعد وهو يفتل شاربيه وتركها واقفة ~~متحيرة، فأدركت بعض مراده ولحظت أنه يريد أن يتخذ العقد عليها ذريعة للفتك بالمعز وقائده ~~وابن قائده ولا يكون ذلك إلا غيلة. فأجفلت ولكنها تجاهلت ولم تشأ أن تباحثه في ~~التفاصيل وإنما اقتنعت أنه وافقها على التخلص من الزواج بغير سالم - وعادت إلى التفكير ~~بذلك الملثم وهو واقف كالصنم لا يتحرك فاقتربت منه وتفرست في عينيه ولم يكن ظاهرا من ~~وجهه سواهما وقد وقع نور المصباح عليهما فأبرقتا. ولم تتفرس فيهما قليلا حتى اختلج ~~قلبها في صدرها وصاحت: «سالم!» # فمد يده إلى اللثام وأزاحه فإذا هو سالم بعينه. فلما بان وجهه خجلت وأطرقت وتسارعت دقات ~~قلبها وخارت قواها على عادتها معه وغلب الحياء عليها وأخذتها البغتة؛ لأنها لم تكن تحسب ~~سالما في تلك الديار فتراجعت وأطرقت. # الفصل السابع عشر # | التحريض # وكان سالم شابا جميل الخلقة ممتلئ الجسم وكانت قد أحبته كثيرا فهي ترى فيه طبعا كل ms043 ~~الحسنات ولا ترى في الدنيا أجمل منه، وكانت قوية الإرادة مع كل إنسان إلا معه فإنها كانت ~~أطوع له من بنانه. فلما كشف وجهه وأطرقت قال لها: «بورك فيك يا لمياء ... كنت أعتقد أنك ~~تحبينني ولكن ليس إلى هذا الحد. ولا فضل لك فإني أحبك مثل هذا الحب وأكثر ... ولكن حبنا لا ~~فائدة منه إن لم نسترجع مجدنا أو بالحري مجد والدك وسلطانه ... بعد المسير على الخطة التي ~~يرسمها لك.» # فلم تتمالك أن صاحت فيه: «وأنت أيضا تريد أن أرضى بما عرضوه علي ... عرضوا علي أن أكون ~~لرجل سواك!» قالت ذلك وهي تتوقع منه أن ينكره ويعترض عليه فإذا هو يقول: «أريد ذلك وقتيا ~~... نعم أريد أن تظهري قبولك به ونحن ندبر ما يلزم في حينه.» ومشى حتى قعد بجانب عمه أبي ~~حامد وأشار إلى لمياء أن تقعد. # أما هي فشغلها فرحها بتلك المقابلة عن كل خطر تتوقعه، ودهشة اللقاء تنسي المحبين كل شيء ~~لاشتغال عواطفهم بالحاضر عن سواه. # ورأى أبو حامد أن الطبخة أوشكت أن تنضج فبادر إلى إتمام معداتها فتزحزح من مكانه كأنه ~~يستعد لحديث طويل ونظر في أطراف الخيمة ولسان حاله يقول: «هل يسمعنا أحد؟» فقال حمدون: «أنت ~~في مأمن يا أبا حامد؛ لأني أمرت الحرس بالوقوف بعيدا وأن يمنعوا أيا كان من الوصول ~~إلينا.» # فمسح شاربيه ولحيته بأنامله ونظر إلى لمياء باهتمام، وقال لها: «قد وصلنا الآن إلى الحد ~~يا لمياء، هذا هو سالم صاحب الشأن وقد سمعت قوله، أنا غريب عن آل مدرار وإن كنت صديقا لهم، ~~ولكنني مستعد أن أبذل حياتي في سبيل نصرة الحق ومقاومة أولئك الخونة الذين نالوا هذه ~~السيادة بالغدر والنفاق - كما تعلمين - فلا يغرك ما يبدونه من التقشف باللباس والأثاث؛ فإن ~~الذهب عندهم بالقناطير وإنما يموهون على الناس ليطيعوهم ثم يفتكوا بهم كما فتكوا بأبي عبد ~~الله الشيعي.» # وتنهد ثم عاد إلى الكلام فقال: «وهذا والدك صديقي الأمير حمدون أولى الناس بالإمارة ~~ولا حاجة إلى دعوى كاذبة مثل دعواهم من ms044 الانتساب إلى فاطمة الزهراء وإنما يكفيكم الانتساب ~~إلى آل مدرار وشرفهم معروف لا يختلف فيه اثنان. لا تظني هذا الفكر حديثا عندنا، ولعل ~~والدك لم يقله لك ولكننا بحثنا فيه ونحن في سجلماسة ودبرنا المهمات اللازمة للتغلب ~~على أفريقية كلها ففسد تدبيرنا لأسباب قهرية وأفلح ذلك الصقلي وتغلب علينا ولكن تغلبه ~~لا ينبغي أن يضعف عزمنا عن طلب حقنا. # وقد تتوهمين أن رجالنا أضعف من أن يستطيعوا محاربة جند القيروان! إن ذلك صحيح بحسب ~~الظاهر وقد ينخدع به غير العارف، أما أنا فأؤكد لك أن هؤلاء الأمراء والمشائخ من كتامة ~~وصنهاجة الذين يظهرون الطاعة لهذا الرجل إنما يفعلون ذلك تملقا له، وهم يتوقعون فرصة ~~للخروج عليه ولا بد من واحد يبدأ بهذا العمل فيتبعه سائر الأمراء وتكون السيادة له ~~فأحب أن يكون ذلك الشرف لوالدك؛ فإنه أعرقهم حسبا ونسبا، فلا يكاد ينهض حتى ~~ينهضوا معه، فكيف إذا دبرنا وسيلة لقتل المعز وقائده وهما روح تلك القوة الموهومة، ~~فإن القوم كلهم يأتون معنا، حتى أهل الخليفة أنفسهم؛ لأنهم ناقمون متحاسدون ...» وتنحنح ومسح ~~شاربيه بمنديله - تشاغل بذلك لحظة وهو ينتظر ما يبدو من لمياء. # أما هي فكانت قد غلبت عليها شهوة الشرف وحب الاستقلال، وتذكرت ما كان لها من السيادة ~~والأبهة في زمن والدها، فغشى ذلك على احترامها للمعز وحبها لأم الأمراء. وكان أبو حامد صاحب ~~نفوذ في حديثه وسلطان في برهانه، فأقنعها كلامه ورأت الحق في جانبه وتأثرت منه حتى ~~شغلها عن وجود سالم هناك. لكنها ما زالت ترى صعوبة ذلك العمل فظلت ساكتة؛ لتسمع ~~تمام الحديث وترى ما يراه سالم. وأدرك أبو حامد ما في خاطرها فقال: «إني أوجه الكلام لك يا ~~لمياء لعلمي أنك عاقلة، وعليك المعول في هذا الأمر، فلا تغرك كثرة جند القيروان للأسباب ~~التي قدمناها وعندنا مع ذلك جند يظهر عند الحاجة وعندنا أموال مدفونة لو أخرجناها لدهش ~~العالم من كثرتها وهي مهيأة قبل ولادتك وولادة سالم لمقاومة هؤلاء الغادرين وإرجاع الملك ~~إلى أصحابه وليس في ms045 أفريقية أولى به من والدك.» # فظهر لها من كلامه أمور كانت قد عرفت بعضها من أحاديثها مع سالم قبل الأسر - والمحب لا ~~يؤتمن على سر لا يبوح إلى حبيبه فإذا شئت أن يبقى سرك مكتوما احذر أن تستودعه محبا - ~~لكنها أظهرت أنها لم تكن عالمة بشيء من هذا القبيل إلا في تلك الساعة ونظرت إلى والدها ~~فرأته ساكتا والتفتت إلى سالم فإذا هو ينظر إليها كأنه يتوقع أن يسمع رأيها فقالت: ~~«إنكم تسعون في أمر هام تقطع دونه الرقاب وتزهق النفوس ولكن بذل الحياة في هذا السبيل ~~لذيذ. إني يا عماه أبذل حياتي إذا كان في بذلها مصلحة لوالدي على أني أستميحكم عذرا في ~~كلمة أقولها وإن كنت فتاة ضعيفة العقل ... أن ما تنهضون له من جمع كلمة القبائل تحت سلطان رجل ~~واحد لم نسمع أنه تم لغير الخلفاء أصحاب النسب في قريش. إن الناس لا يخضعون لسواهم، حتى ~~صاحب القيروان لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بهذا النسب سواء كان صحيحا أو غير صحيح. وبغير ~~ذلك لا يتم شيء و ...» # فقطع أبو حامد كلامها وهو يضحك ضحك الإعجاب بتعقلها وسداد رأيها، وقال: «بورك فيك من ~~حكيمة عاقلة؛ قد استدركت علينا أمرا لم يستدركه أحد سواك ولا ينتبه له غير العقلاء الدهاة ~~... صدقت، إن الأمراء لا تجتمع كلمتهم إلا باسم الدين، وهذا أمر قد دبرناه وخابرنا ~~بشأنه خلافة أرسخ قدما وأصدق نسبا من هذه، كوني مطمئنة؛ لم يبق الآن إلا خطوة واحدة، وهي ~~أن نتخلص من هذين الرجلين وثالثهما إذا أمكن، وهذا لا يتم إلا على يدك ... لا أطلب إليك أن ~~تباشري ذلك بنفسك وإنما يطلب منك أن تظهري أنك رضيت بابن جوهر ونحن ندبر ما بقي ونقول ما ~~ينبغي.» # فأطرقت هنيهة تفكر في ما رأته من الغرائب في تلك الليلة وكيف أتت وصدرها مملوء من ~~الإعجاب بالمعز والإخلاص له ولامرأته وما لاقاها به الحسين بن جوهر في الطريق من دلائل ~~التعفف وصدق المودة وهي الآن تكاد تؤامر على ms046 قتلهم! فأجفلت وظهر التردد في عينيها فتلقاها ~~سالم بالحديث قائلا: «لم أكن أشك أنك لو طلب منك أن تقتلي ذلك الرجل بيدك في سبيل إرجاع ~~سلطة والدك لفعلت، فكيف وهم إنما يطلبون سكوتك ورضاك؟ أطيعي؛ لئلا يقال إنك وقفت عثرة ~~في طريقهم وأنا على يقين أنهم ظافرون، وسترين أن ما يبدو لك من مظاهر القوة في هؤلاء ~~العبيديين إنما هو سحابة صيف.» # وكان لكلام سالم وقع خاص على أذني لمياء ولو خاطبها في أن ترمي نفسها في النار لفعلت. ~~فلم تجد بدا من إظهار الرضا واعتقدت أنهم على صواب، ومع ذلك تركت الأمر للمستقبل؛ فإن ~~الوقت يفعل ما تعجز عنه حيل الرجال، فقالت لسالم: «إنما كنت أتمنع رغبة فيك عن سواك فإذا ~~كنت تريد ذلك فأنا فاعلة.» # فقطع كلامها بلحن الحب وقال: «لا أعني أن تقبلي إلى الآخر ... ولكن اقبلي فإذا لم أستطع ~~قطع الحبل قبل أن يقبضوا عليه فما أنا أهل للحصول عليك، وتكونين قد حصلت على أعظم شاب ~~عندهم.» قال ذلك وتنحنح وابتسم يظهر المداعبة وهو بالحقيقة يعني ما يقول - وهو ~~الواقع. # الفصل الثامن عشر # | الرجوع # فتصدى والدها عند ذلك وقد سره اقتناع ابنته فقال: «بورك فيك يا ابنة صاحب سجلماسة، ~~انهضي الآن وارجعي إلى قصر المعز إذا شئت ومتى سئلت عن الرضا بالخطبة فاجعلي أنك رضيت لأن ~~أباك وأمير المؤمنين رضيا ... فهمت؟ هل أرسل معك من يوصلك إلى المنصورة (قصر ~~المعز)؟» # فنهضت وهي تقول: «لا أحتاج إلى أحد.» # فاعترض سالم على ذلك وقال: «كيف تذهبين وحدك في هذا الليل أنا أرافقك إلى هناك ...» # فتذكرت أنها لا تلبث عند خروجها من معسكر أبيها أن تلتقي بالحسين بن جوهر، فكيف تجمع ~~بين المتناظرين؟ فألحت على سالم أن لا يرافقها هو ولا سواه؛ لأنها أتت وحدها وتعود وحدها ~~وهي متنكرة بلباس خدم القصر ولا تخاف أحدا. فقال لها أبوها: «ومع ذلك لا بأس من إرسال ~~بعض الحرس في أثرك ولو عن بعد؛ لأننا لا نعلم ما يحدث.» # فاستحلفته أن لا ms047 يفعل فسكت وقبلها وودعها وودعت سالما والعم أبا حامد - ولكل ~~منهم وداع خاص على شكل خاص - وأصلحت هندامها وخرجت وقد اشتد الظلام والأرض خالية بين ~~المعسكرين لا أنيس فيها. فمشت حتى خرجت من معسكر والدها فما لبثت أن رأت شبحا يقترب ~~نحوها عرفت حالا أنه الحسين كان في انتظارها وجاء لتشييعها إلى المنصورة فأحست عند رؤيته ~~بوخز في ضميرها واحتقرت نفسها؛ لأنها كانت منذ ساعة صادقة اللهجة شريفة النفس لا يخامر ~~ذهنها غش أو خداع وهي الآن خادعة غاشة، وهذا الشاب ينبغي أن تظهر له أنها تريده مكرا ~~وكذبا وأصبحت تعد نفسها كالمؤامرة على قتله وقتل والده والخليفة المعز الذي هو ساهر على ~~سلامته يفديه بروحه. # مرت هذه التصورات في ذهنها مرور البرق والحسين يمشي نحوها. فلما اقترب منها حياها ~~باحترام ولم يزد على أن مشى بجانبها والإمام كالخادم المولج بإيصال مولاه إلى مقصد. فأكبرت ~~منه هذا التلطف ولم تتمالك عن أن قالت: «لقد اتعبت نفسك يا سيدي في الانتظار طويلا ~~في هذا الليل ...» # قال وهو يماشيها على مهل: «لم أتعب نفسي يا سيدتي؛ فإن ذلك فرض علي بل هو من بواعث سروري. ~~كيف وجدت والدك الأمير؟ عساه أن يكون في خير!» قال ذلك وهو يشير إلى ما كان يتوقعه من أن ~~يطلعها على خبر خطبته إياها ولم يكن يشك في أنها ستفرح به وتحسب نفسها سعيدة وأدركت هي غرضه ~~من ذلك السؤال وأثر فيها تلطفه كثيرا فقالت: «إن والدي في خير، الحمد لله» وكانت تريد ~~أن تزيد على ذلك أنه شاكر راض وأنه مشمول برضا أمير المؤمنين فلم تشأ أن تكذب فاقتصرت ~~على هذا الجواب المختصر. فحمل ذلك منها محمل الحياء فعمد إلى مداعبتها فقال: «يسرني أن يكون ~~والدك مسرورا ولكن يهمني أن تكوني أنت مسرورة أيضا.» # ففهمت مراده وشعرت بصدق طويته وخلوص نيته في حبها، وكيف هي تضمر غير ما تقول، فعظم ذلك ~~عليها وشعرت بصغر نفسها وتلجلجت. لكنها تجلدت وأجابت «وأنا أيضا مسرورة لما أراه من ~~التفات ms048 أمير المؤمنين وأم الأمراء، إنها بالحقيقة قدوة الأميرات - حفظها الله.» # وأراد الحسين أن يغتنم تلك الفرصة لمخاطبتها صريحا بأمر الخطبة وليس هناك من يسمع، ومهما ~~يكن من تحجب الفتيات عن طلابهن أمام الناس فإذا خلت إحداهن بخطيبها يرتفع الحجاب ~~ويتشاكيان. ولم يجد الحسين فرصة أثمن من هذه ولا أوفق منها وهما في غفلة عن الرقباء. ~~ولم يكن يشك أبدا أن أباها فاتحها بشأن خطبته، وأنها رضيت ولكن الحياء يمنعها من التصريح ~~فعمد إلى تجريئها فقال: «أتشعرين يا لمياء بالسرور الذي أشعر به أنا؟» فشق عليها أن يفاتحها ~~بالمشاكاة وأحاديث الغرام وهي فيما علمت من التردد والارتباك فقالت «لا أعلم مقدار سرورك ~~ولا نوعه ولكنني أعلم أني مسرورة من حسن وفادة أمير المؤمنين وأم الأمراء ...» وأظهرت البغتة ~~وهي تقول: «أظننا صرنا على مقربة من المنصورة فإني أرى أنوارها ... فأشكرك شكرا جزيلا على ~~تنازلك يا سيدي فقد أتعبتك ...» وهمت بفراقه فقال: «لا نزال بعيدين عن تلك المدينة وإن كنت ~~ترين أنوارها فلا تتعجلي في الفراق، إلا أن أكون قد ثقلت عليك بالحديث، ولعلي تطوحت إلى ~~وراء ما يجوز لي ... سامحيني» قال ذلك بلحن العتاب. # فخجلت لمياء وودت لو أنها لم تقابل أباها في تلك الليلة؛ لأنها كانت تعرف ما تجيب على ~~هذه الأسئلة بصراحة. فربما أجابت: أنها تحبه وتحترمه ولكنها مخطوبة لسواه. أما الآن فمع ~~اعتقادها أنها كذلك فهم يطلبون منها إظهار رضاها به. وقد يهون عليها إذا سألها عن ذلك ~~الخليفة أو أم الأمراء وأما هو فيصعب عليها الكذب عليه وهي تشعر أنه يحبها من كل قلبه، فكيف ~~تخادعه؟ ولما سمعت عتابه غلب عليها طيب عنصرها فقالت: «العفو يا سيدي إنك تبالغ في توبيخي ~~فهل أسأت الأدب في خطابك؟ أو كان ينبغي لي أن أعرف حدي فأقف عنده؟» فغلبته في العتاب ~~وأحس أنه أساء إليها وجرح إحساسها بكلامه فقال: «إني لا أستحق هذا التقريع يا لمياء، وإنما ~~أنا أحتال في سماع كلمة تدل على رضاك وكفى.» # الفصل التاسع عشر # | صدفة غريبة ms049 # فلم تجد لمياء خيرا من السكوت المطلق؛ لأن الكلام يجر الكلام وهي لا تعرف ما تقول. ~~وسكت هو تهيبا من سكوتها. وهما في تلك الحالة سمعا وقع حوافر فرس مسرع وراءهما فالتفتت ~~فرأت فارسا قادما من معسكر أبيها ولم يقترب منها حتى علمت أنه سالم فأجفلت من ذلك الاتفاق ~~الغريب وخافت على سالم أن ينكشف أمره؛ لأن أهل قصر المعز يعلمون أنه غائب، والمعز يحب ~~القبض عليه، وهو لم يلحق بها إلا مبالغة في إكرامها لتثبت في وعدها وهم يبنون على ذلك ~~الوعد العلالي والقصور، ولكنه أظهر أنه جاء ليخفرها. فلما رأى الحسين بلبس الخفر وهو ~~يمشى في خدمتها ظنه من الحراس ولم يخطر له مطلقا أنه الحسين بن جوهر نفسه. فوقعت ~~لمياء في حيرة لكنها تجاهلت. # أما الحسين فالتفت إلى الفارس وصاح فيه: «من أنت؟» # فقال سالم «وما يعنيك من أمري؟ سر في طريقك.» # فقال: «بل يعنيني ... قف حالا.» # وكان سالم قد وصل إلى لمياء فلم يجبه لكنه خاطب لمياء قائلا: «لمياء من هو هذا الرجل ~~الذي تسايرينه.» # فارتبكت في أمرها وهي لا تعلم هل يريد الحسين أن يذكر اسمه أم يحب أن يبقى مكتوما. ~~فتلجلجت في الجواب لحظة وهي تنظر إلى الحسين كأنها تنتظر أن يكون الجواب منه. # أما هو فاستغرب خطاب الرجل بهذه الدالة على لمياء مما لا يكون إلا بين الأقرباء فتبادر ~~إلى ذهنه أنه من أقاربها الأقربين فخف غضبه إكراما لها وسألها قائلا: «من هو هذا ~~ألعله من بعض أهلك؟» # قالت: «نعم يا سيدي إنه من أبناء عمي ويظهر أنهم رأوني ماشية مع رجل لا يعرفونه فظنوا علي ~~بأسا فجاء أحدهم لنجدتي ...» # فوجه الحسين خطابه إلى سالم وقال: «لا تخف يا صاحبي إني صديق محب وأنا في خدمة ابنة عمك ~~حتى أوصلها إلى مأمنها.» # فلم يرض سالم بهذا الجواب؛ لأن لمياء متنكرة بلباس الصقالبة فكيف تأتى لهذا الرجل أن ~~يعرفها ويماشيها على انفراد؟ فسبق إلى ذهنه سوء الظن فقال: «من أنت يا صاحب ألعلك متنكر ms050 ~~مثلها ومن أخبرك أنها فتاة وأنها لمياء؟» # فاستنكف الحسين من لهجته في خطابه وهم أن يخبره عن حقيقة حاله لكنه فضل الكتمان؛ ~~حفظا لكرامة لمياء فقال: «أنا أيضا في خدمة قصر أمير المؤمنين وعرفت بخروجها بمهمة إلى ~~والدها الأمير فجئت لمرافقتها في ذهابها وانتظرت عودتها وها أنا معها إلى مأمنها - كما ~~قلت لك.» # فاستحسنت لمياء منه هذا الأسلوب وتوقعت أن ينتهي الجدال هنا؛ لكنها ما لبثت أن رأت ~~سالما ترجل عن جواده وهو لا يزال ملثما ووقف بين لمياء والحسين وولى وجهه نحوها وقال ~~لها: «لا حاجة إلى مماشاة الخدم إني أسير في خدمتك ... ألم أقل لك أني مزمع على إيصالك ~~فأبيت؟» # فتجلدت وهي تخاف أن يغضب الحسين لهذه الجسارة وقالت: «لم أرض أن يأتي منكم أحد معي؛ لأني ~~على يقين من وجود هذا الرفيق.» قالت ذلك ومشت فمشى سالم بجانبها بينها وبين الحسين وهو ~~يقول «لماذا لم تقولي لي عنه من هناك.» # فاستثقلت ذلك الاعتراض وتحيرت في أمرها وقالت: «لم أجد حاجة إلى ذلك.» # قال: «كيف؟ إنك بنت الأمير حمدون صاحب سجلماسة لا ينبغي أن يستهان بك وأن يكون رفيقك في ~~هذا الطريق المظلم أحد الغلمان ... قولي له أن ينصرف وأنا أسير معك.» # فارتبكت في أمرها وخافت أن يغضب الحسين ويجر الجدال إلى القتال أو إلى كشف أمر سالم. ~~وصارت ترتعد من التأثر وهي لا تدري ماذا تعمل، فأجابه الحسين برزانة ولطف قائلا: «إن مسيرك ~~معها لا يخلو من الخطر عليك يا سيدي؛ لأن حراس المدينة يستغشونك وربما آذوك أو قبضوا ~~عليك.» # فضحك ضحك الاستهزاء وقال بتهكم: «لا. لا يقبضون علي. فأنت لا تعرف من أنا سر بطريقك ~~ودعني ...» قال ذلك ومشى وهو يقود الجواد وراءه وأومأ إلى لمياء أن تتبعه فأغضبها عناد سالم ~~ولم تعرف كيف تتخلص من هذه الورطة وهي تتوقع أن يغضب الحسين ويفتضح أمرها. # فرأته ظل ساكنا فعلمت أنه سكت إكراما لها وصيانة لشرفها؛ لئلا يقال إنهم رأوه معها في ~~ذلك الظلام. فتراجعت وقالت لسالم: ms051 «لا حاجة بي إلى من يحرسني وخصوصا أني صرت على مقربة من ~~السور بالله إلا رجعت وخليتني أسير وحدي.» # فلم يجبها بل ظل ماشيا، وظل الحسين واقفا مكانه لا يبدي حراكا. # ولم يمشيا يسيرا حتى سمعا دبدبة وقرقعة وإذا بكوكبة من الفرسان خارجين من السور مسرعين ~~نحوهما فقالت: «لماذا فعلت بنا هذا يا سالم؟ إنني أخاف عليك ... لأن الأوامر شديدة في القبض ~~على من كان يرونه خارج السور وأنت تعلم أن القوم يطلبونك فلا أحب أن نفتح بابا للقيل ~~والقال. عزمت عليك ألا رجعت من هنا ... اركب جوادك إلى معسكر والدي ...» # فعظم عليه قولها واستخف بإنذارها وقال: «إنهم لن يدركوا مني وطرا.» # قالت: «ولكنهم ربما آذوني بسببك ... بالله ارجع ... ارجع ... رباه ما هذا العناد!» # الفصل العشرون # | الشهامة # والتفتت نحو الحسين فلم تره فظنت الظلام حجبه لبعده فوقفت وأعادت التوسل إلى سالم أن يرجع ~~فأبى خجلا من نفسه أن يفر. فازدادت حيرتها وقد دهمها الوقت؛ لأن الفرسان - وهم عشرة - ~~أصبحوا على مقربة منها. وتقدم واحد منهم وصوب سنان رمحه نحوهما، وقال: «من ~~أنتم .» # فتصدت لمياء لهم وقالت: «إني رسول أمير المؤمنين - كما تعلمون.» # فقال: «ومن هذا» وأشار إلى سالم. # فقالت: «أحد فرسان الأمير حمدون جاء لمرافقتي في هذا الطريق.» # قال: «قد ذهبت بالرسالة بلا حارس ... وكيف يحتاج غلام أمير المؤمنين إلى من يحرسه في بلده ... ~~وقد يكون هذا الرفيق جاسوسا فلا بد من القبض عليه.» قال ذلك وأشار إلى رفاقه الفرسان ~~فأحاطوا بسالم وقد صوبوا الأسنة نحوه وأمروه أن يمشي أمامهم. وتقدم اثنان ليأخذا الفرس ~~منه. # أما سالم فانتتر منهما وصاح «اخسئوا. لا يقترب مني أحد إلا أرديته.» # وهم أن يستل سيفه. فصاح فيه مقدمهم وقال: «لا تتعب نفسك بالمحال إنك في ~~قبضتنا، ولا نريد بك سوءا وإنما نطلب إليك أن تدخل معنا وتمكث عندنا إلى الصباح فنعرضك على ~~القائد جوهر فإذا أمر بإطلاقك أطلقناك وليس لك وجه آخر.» # فوقع الرعب في قلبه وندم؛ لأنه لم يصغ لنصيحة لمياء ورفيقها ولكنه ms052 أكبر الرضوخ وهو يخاف ~~أن يكون في القبض عليه خطر على حياته، فوقع في حيرة. والتفت إلى لمياء لفتة استغاثة فتقدمت ~~نحو الفارس وقالت: «ألا تعرفني أيها الفارس؟ أنا أضمن ما تريدونه. احبسوني مكانه إلى الغد ~~وقدموني إلى القائد. وأنا المسئول لديه عن هذا الفارس.» # فقال: «قد كان ذلك ميسورا لولا ما أبداه من الوقاحة وهو ملثم ويظهر من كلامه أنه من أهل ~~سجلماسة فلا بد من القبض عليه.» قال ذلك وأشار إلى سالم إشارة التهديد أن يمشي ~~أمامهم. # فقال: «لا أمشي ...» # فترجل بضعة منهم وهموا أن يوثقوه ولمياء تتقدم إليهم أن يتركوه، ولعلها لو كانت على ~~جوادها ومعها سلاحها لم تبال بهم. ولكنها كانت راغبة في التستر ولعنت الساعة التي جاء ~~بها سالم. # وهي في ذلك وعيناها نحو الجهة التي تركت الحسين فيها وإذا بشبح يتقدم من تلك الجهة نحوها ~~مسرعا. فعرفت أنه الحسين فلبثت صامتة لترى ما يكون وخافت أن يتعمد البحث عن سالم ويكشف ~~وجهه. لكنها رأته حالما وصل إلى المكان صاح في الفرسان قائلا: «خلوا هذا الفارس؛ فإنه ~~من الأصدقاء.» # فأجفلوا والتفتوا إليه وقالوا: «ومن أنت؟» # فتقدم خطوة أخرى حتى صار بينهم وقال: «اتركوه أنا أعرفه.» # فلما دنا منهم عرفوه من صوته فتلملموا وتأدبوا وتراجعوا وتقدم رئيسهم وتفرس في وجه ~~الحسين وهو ملثم فلم يعرفه وإن كان قد عرف صوته. فلما رآه الحسين يتفرس فيه أزاح اللثام عن ~~وجهه وقال: «اتركوه.» # فصاحوا جميعا: «مولانا الحسين بن القائد جوهر! أنت هنا يا مولانا؟» وابتعدوا عن سالم ~~ورئيسهم يخاطبه قائلا: «أرجو المعذرة يا سيدي لم أكن أعرف أن ابن قائدنا الأكبر يعرفك.» ~~وأكب على يد الحسين يريد تقبيلها وهو يقول: «العفو أننا تجاسرنا ...» # فقطع الحسين كلامه قائلا: «لا حاجة إلى الاعتذار فقد فعلتم ما عليكم، وستنالون الجوائز ~~على سهركم. ولكنني أتفق أني أعرف هذا الفارس، وهو من الأصدقاء فأطلقوا سراحه.» واقترب من ~~سالم وهمس في أذنه وقال: «ألم أقل لك إني أخاف عليك من حرس المدينة؟ لأنهم لا ms053 يعرفونك ... ولا ~~أنا أعرفك ولكنني صدقت شهادة هذا الرسول ... سر بحراسة الله.» ومد إليه يده ليصافحه مصافحة ~~الصديق. # الفصل الحادي والعشرون # | الفشل # فمد سالم يده وقد غلب على أمره وأخذ الخجل منه مأخذا عظيما. واستغرب تلك المقابلة وكيف ~~التقى بالرجل الذي كانوا يتحدثون عنه ويدبرون المكيدة له وخامرته الغيرة من الجهة الأخرى ~~ولم يفهم سببا لوجود الحسين مع لمياء غير تواطؤهما على ذلك. وكيف يتواطآن على الاجتماع ~~سرا في ذلك الليل هناك وهي تزعم أنها لا تريده خطيبا لها. فدارت الهواجس في رأسه لكنه ~~لم يستطع غير إظهار الامتنان من محاسنة الحسين وكبر نفسه؛ وخصوصا؛ لأنه لم يسأله عن اسمه ~~ولا طلب منه أن يكشف وجهه فودعه ورجع ولم يصدق أنه نجا قبل انكشاف أمره. # وأشار الحسين إلى الفرسان فرجعوا إلى السور وتقدم إلى لمياء وقال لها: «أفلت صاحبنا ~~بلثامه وهو يعتقد أنني لم أعرفه. وإنما أطلقته إكراما لك وحرصا على كرامتك.» # فأجفلت من قوله وأرادت أن تغالطه فابتدرها قائلا: «أليس هذا سالما طلبة أمير المؤمنين ~~إنهم يبحثون عنه ولو علم والدي بوجوده لبعث الجيوش للقبض عليه ولكنني رأيت فيك ميلا إلى ~~كتمان أمره فأطعتك وأخليت سبيله رغم ما أبداه من الوقاحة، لا يخامرك شك في أني عرفته، ~~وكيف أجهله وقد رأيته في حربنا مع والدك وتبارزنا في سجلماسة وفر مني؟ وها قد نجا الآن من ~~أجلك، ولكنني أتقدم إليك أن تكتمي أمره وأحب أن لا يطلع أحد على ما جرى.» # فنظرت إليه نظر إعجاب وامتنان وقالت: «لقد غمرتني بفضلك يا سيدي وأشكرك على مروءتك وكرم ~~أخلاقك ... إنها أخلاق كبار القواد. وقد عرفت ذلك لك.» # فمد يده نحوها وهو يقول: «إنها أخلاق المحبين ... أتأذنين لي أن أصافحك وأودعك.» # فلم تستطع الرفض بعد أن غمرها بفضله مع ما أبداه من الأريحية وسعة الصدر وكبر النفس رغم ~~ما كان من عجرفة سالم وخشونته فاحتمل منه الإهانة وصفح عنه وأنقذه من الموت وهو مع ذلك يطلب ~~من لمياء كتمان ذلك حرصا على كرامتها ms054 وكرامة رفيقها. فمدت يدها نحوه وهي لا تبدي غير ~~الاحترام ولكنها شعرت عند المصافحة شعورا جديدا تمشى في مفاصلها. فأسرعت في جذب يدها ~~منه وأظهرت أنه قد آن وقت انصرافها وأشارت برأسها إشارة الوداع وتحولت نحو ~~المنصورية. # فودعها هو بقوله: «بحراسة الله يا لمياء!» # فارقته ومشت وهي تائهة الأفكار من هول ما شاهدته. وقد قدرت مروءة الحسين حق قدرها ~~وأحست نحوه بشيء غير الإعجاب والامتنان. # أحست بميل وانعطاف لم تشعر بهما من قبل لكنها غالطت نفسها وكذبت عواطفها؛ لأنها لا تريد ~~أن يكون في قلبها محل لغير سالم حبيبها الأول. # دخلت باب السور فوسع لها الحراس لاعتقادهم أنها غلام صقلبي من غلمان القصر يحمل رسالة ~~إلى أمير المؤمنين. وما زالت حتى دخلت القصر وسارت توا إلى غرفتها وقد انقضى معظم الليل. ~~فدخلت الغرفة وأقفلت الباب وراءها كأنها تفر من شبح يطاردها. فلما خلت بنفسها لم تشأ أن ~~تنير المصباح مبالغة في الانزواء والتستر - ولا باعث على التستر وهي في مأمن ولكن هواجسها ~~حدثتها بذلك. # وجدت نفسها تحاول عبثا؛ لأنها تريد الفرار من شعور في داخلها لا يحجبه الظلام ولا ~~تمنعه الأقفال، بل رأت الظلام يضاعف هواجسها ويجسم خوفها؛ لأنها لم تكد تقعد على الفراش حتى ~~تصور لها سالم بأقبح الصور، رأته دنيئا غادرا خائنا وقحا جبانا ورأت الحسين ~~شهما فاضلا واسع الصدر كبير النفس، فاقشعر بدنها وتوهمت أنها ارتكبت ذنبا بذلك ~~التصور؛ لأن سالما حبيبها الأول وقد أحبته وتركت كل شيء لأجله وعرضت نفسها لغضب أبيها ~~والخليفة حبا به فكيف ترى فيه تلك الخسة حتى يحملها على التواطؤ معه لقتل أعظم الناس ~~قدرا وأفضلهم نسبا ومروءة؟ وتذكرت كيف رجع سالم في تلك الليلة مرذولا بعد أن عرف أن ~~خصمه هو الحسين بن جوهر، وبماذا عساه أن يعلل وجودها مع الحسين في ذلك الليل هناك؟ وراجعت ~~ما دار بينها وبين والدها وأبى حامد من الحديث، فأظلم قلبها وودت لو أنها لم تذهب في ~~تلك المهمة. # ولكنها صبرت نفسها إلى الغد؛ لترى ms055 ما يكون، وأخذت في تبديل ثيابها طلبا للرقاد ... وكيف ~~تنام وهي في تلك الحال وقد تراكمت عليها الهواجس وأحست بصدمة عنيفة زعزعت أوتار قلبها ~~وشوشت أفكارها. وأصبحت لا تجد راحة إلا في النوم لعلها إذا أفاقت في الصباح وجدت ما مر بها ~~حلما مزعجا، وكثيرا ما يقضي الإنسان أمثال هذه الاضطرابات في نومه وتظهر له في الصباح ~~أضغاث أحلام. فتوسدت الفراش وتغطت إلى فوق رأسها وقضت تلك الليلة في أشد الاضطراب ~~والقلق. # أما سالم فلما انفرد بعد رجوعه أحس بصغر نفسه وعظم عليه ما أصابه من الفشل بين يدي ~~خطيبته وخصوصا مع مناظره عليها - وكان منذ ساعة يحرضها على احتقاره واحتقار والده وخليفته ~~- وزعم أنه قاتلهم على أهون سبيل ليعيد الملك إلى والدها فتصير هي الملكة ... وغير ذلك مما ~~دار بينها وبينهم في تلك الليلة غير ما أظهرته هي من التفاني في حبه والثقة ببسالته. # كل هذه الهواجس خطرت له وهو عائد على جواده يمشي الهويناء ويتوهم - لفرط خجله - أن ~~الحسين يتبعه، وأخذ يفكر في ما دار بينهما في ذلك الموقف ويزن أقواله ليرى هل فرط بكرامته ~~وهل له عذر مقبول بذلك الرجوع البارد؟ وأخذ يئول ما قاله أو ما سمعه وينتحل الأعذار ويهيئ ~~الأسباب ويقدر العواقب لو أنه ظل على جسارته. فاقتنع أنه أحسن بالرجوع محافظة على كرامة ~~لمياء وأنه لو تمسك بقوله وأراد تخليصها من أيدي أولئك القوم لانفضح أمرها وهي قد تقدمت ~~إليه أن يقتصر ويعود. # فارتاح عند هذا العذر السفسطي - وكذلك الإنسان قد يصدق المحال تبريرا لعمله وردا ~~لكرامته وحفظا لمنزلته عند نفسه. # ولما اطمأن خاطره من هذه الوجهة عاد إلى التفكير في سبب تلك العلاقة بينها وبين الحسين ~~حتى يصطحبها في ذلك الليل على موعد وتواطؤ. فلما تصور ذلك اقشعر بدنه وهبت الغيرة في ~~بدنه. والغيور سيئ الظن ويتعاظم سوء ظنه كلما تعاظم حبه - قد يرى بعض الرجال رجلا ~~يخاطب امرأة في ريبة فيغار منه وتحدثه نفسه أن يعترضه، وقد يسيء الظن به لكنه لا ms056 يلبث أن ~~يلتمس عذرا ويحسن الظن. أما إذا كان الخطاب مع فتاة يحبها فإنه يبني العلالي والقصور على ~~ما رآه أو سمعه ويتعاظم سوء ظنه كثيرا ولا يقبل عذرا. # وكان سالم يحب لمياء ويعجب ببسالتها وجمالها ويرتاح إلى الاقتران بها، ولكنه لم يكن ~~يعشقها كما كانت تعشقه هي، وإنما صمم على خطبتها لغرض سياسي سيظهر بعد قليل. # الفصل الثاني والعشرون # | الحقيقة # دخل سالم معسكر حمدون وتجاوز فسطاطه وهو لا يشعر، وكان في عزمه أن يعود إلى ذلك الفسطاط ~~ليقص ما رآه على أبيها، فما شعر إلا وهو بباب خيمة عمه أبي حامد فأراد أن يثني عنان جواده ~~نحو فسطاط حمدون وإذا بأبي حامد قد خرج من تلك الخيمة وأشار إليه أن يدخل فترجل ودخل. فرأى ~~أبا حامد وحده هناك وقد أحمرت عيناه وبان الاهتمام في وجهه. وكان قد تعود أن يرى ذلك فيه ~~إذا طال التفكير في أمر عظيم. # فلما دخل ابتدره أبو حامد قائلا: «قد وصلنا يا سالم إلى الغرض المطلوب اقعد.» وأشار إلى ~~وسادة على البساط فقعد وقعد أبو حامد إلى جانبه وهو يقول له: «أين كنت؟» # قال: «ذهبت لأشيع لمياء إلى المنصورية وليتني لم أذهب.» # فقال: «ولماذا؟» # فقص عليه ما جرى من حيث وجود الحسين هناك وكيف كان في انتظار لمياء وقد رافقها على غير ~~كلفة ولم يذكر فشله. # فقال أبو حامد «وهل ساءك ذلك؟» # قال: «كيف لا؟ وقد كنا منذ ساعة نتحدث في إقناعها أن تقبل به وهي تظهر أنها لا تريده، ~~فكيف تكون على موعد منه وترافقه في هذا الليل؟» # فضحك ضحكة اغتصابية لا تلتئم مع ما كان فيه من الاهتمام، وقال: يظهر أنك لا تزال تهتم ~~بهذه الصغائر ... هل يحول ذلك الاجتماع دون غرضنا الذي أوقفنا حياتنا من أجله؟ كلا بل هو ~~يهونه علينا، وخفض صوته وقال: «أم نسيت الغرض الأصلي من علاقتنا مع هذا الأمير ~~المغرور؟» # فسكت سالم وأطرق كأنه يفكر في حديث دار بينه وبين أبي حامد من عهد بعيد. # فقال أبو ms057 حامد: «لا أنكر أن لمياء فتاة شجاعة وجميلة، وهي تجلك ولكن هل خطبناها؛ لأننا ~~لم نجد بين نساء هذه القبائل من يليق بك؟ إنك ستجد خيرا منها ولا سيما بعد أن ننال بغيتنا ~~ونتخلص من أولئك الخائنين ... كن رجلا واعمل عمل الرجال وانظر إلى الغاية التي نحن سائرون ~~إليها. يكفي أننا أقنعنا هذه الفتاة أن تمهد لنا السبيل لقتل ذلك الرجل وقائده، فإذا ~~قتلناهما لا يبقى لهذا الغلام حظ من الحياة فتكون لمياء لك عند ذلك.» وسكت وهو يتلفت ~~يمينا وشمالا كأنه يحاذر أن يسمعه أحد، وقال: «ألا تعلم متى تزوجت لمياء بعد ذلك كنت أنت ~~صاحب القيروان؟» # وكان لأبي حامد سلطة عظيمة على أفكار سالم، فإذا قال قولا صدقه - ولو كان مستحيلا - لكنه ~~أحب الاستفهام فقال: «وكيف ذلك؟» # قال: «ما هو الغرض الذي أوقفت حياتي من أجله؟» # قال: «هو الأخذ بثأر أبي عبد الله، المقتول ظلما.» # قال: «وهل نكون قد أخذنا بالثأر إن لم نخرج هذا السلطان من أيدي هؤلاء الخونة؟» # قال: «أنت أعلم.» # قال: «أنا أقول لك إن عظام أبي عبد الله - رحمة الله عليه - تنادينا من ظلمة القبر أن ~~نأخذ بثأره ونخرج الملك من أيدي هؤلاء الخائنين، وأنت تعلم أننا كنا ندبر ذلك قبل أن يؤخذ ~~صاحب سجلماسة أسيرا. وكنت أحسبه رجلا يعول عليه في العظائم فإذا هو ثرثار مغرور بنفسه ~~يقول ما لا يفعل، وليس هو أهلا لغير الادعاء الفارغ ولا يغرك ما سمعته من إطرائي أجداده ~~ومبالغتي في مدحه ... لو كان رجلا لما صار إلى الأسر واضطر إلى طاعة هذا الرجل. وإنما أنا ~~أداجيه لنستخدم ابنته في تمهيد السبيل لقتل المعز وقائده فنجعله صاحب القيروان، وإذا ~~تزوجت أنت بابنته وهو ليس له ذكر يرثه صارت الإمارة إليك أو نجعلها إليك قبل موته بما ~~أعددناه من الأحزاب والأموال وسائر المعدات ... وعند ذلك نكون قد انتقمنا لذلك ~~المقتول.» # ورغم ما غرس في ذهن سالم من مقدرة أبي حامد العجيبة لم يفته ما يحول دون الوصول إلى ~~تلك ms058 الغاية من العقبات، فقال: «اسمح لي يا سيدي أن أستفهم عن أمر ...» # فقطع كلامه وقال: «لا تخف يا سالم؛ إني لا أخطو خطوة قبل أن أقدر ما وراءها، إنك تقول في ~~نفسك كيف تنتهي مهمتنا بقتل ذينك الرجلين وهذه قبائل البربر من كتامة وصنهاجة وهوارة كلها ~~من أنصارهما - وهم يعدون بمئات الألوف - ونحن ليس عندنا غير رجال صاحب سجلماسة ... إن تلك ~~القبائل يا ولدي لم تذعن للمعز إلا لتخاذل أمرائها وتفرق كلمتهم مع اعتقادهم صحة ~~انتسابه إلى الإمام علي، وهذا على تدبيره. ألا يكفيك أني عالم بهذا الاعتراض؟ أم أنك ~~تخاف أن أسيء التدبير ولا أحسن الحيلة؟ ألا يكفي هؤلاء الأمراء من هذه الغنيمة أن يعود ~~كل منهم أميرا مستقلا بحكومته، وأن من يفوز بقتل صاحب القيروان يكون له الحق ~~بامتلاكها؟ وهي ستكون حصة صاحب سجلماسة. وهل تظن أهل القيروان يرمون نبلا علينا بعد ~~قتل خليفتهم؟ إن رجال سجلماسة معنا، وهم أشداء قادرون على أخذ القيروان وإن لم يساعدهم ~~أحد من سائر القبائل، فكيف إذا ساعدوهم؟» # فازداد إعجاب سالم بدهاء عمه، وقال : «لله درك من ملك قادر ... إنك - والله - أولى ~~بهذا الأمر مني ومن سواي.» # فأسرع أبو حامد فوضع كفه على فم سالم يريد إسكاته عنوة وقال: «لا تقل ذلك إن هذا ~~الملك مقدر لك هذه وصية إمامنا المرحوم وكفى.» # قال ذلك ونهض وهو ممسك بيد سالم لينهض معه، فنهض وقد تهيب وود لو يستزيده بيانا؛ لأنه مع ~~طول صحبته لم يسمع منه التصريح بالوصاية، وأما أبو حامد فقال وهو يصلح عمامته: «لا حاجة بي ~~إن أوصيك بالكتمان، حتى الحديث الذي ذكرته عن لمياء والحسين أخفه واجعل أنك لم تر ~~شيئا» ثم سكت وبان الاهتمام في وجهه وقال: «أما أنت فلا ينبغي أن تبقى هنا بعد هذه ~~المقابلة لا بد من سفرك إلى مصر في صباح الغد باكرا لمهمة مثل التي أتيت منها بالأمس ... ~~فتقابل ذلك العبد الأسود أميرها (كافور) وتعقد معه عهدا على هؤلاء الفاطميين؛ فإنه يخافهم ~~- كما تعلم ms059 - وسيكون عونا لنا في تأييد دولتنا مع صاحب بغداد ... إذ لا بد من خلافة ثابتة ~~تتأيد بها دعوتنا. أظنك فهمت مرادي. ولا ينبغي أن يعلم حمدون بهذه المساعي ولا غيرها ... ~~فهمت؟» # فأشار بعينيه أنه فهم، وهم بالخروج فاستوقفه وقال: «لابد من سفرك في الصباح خلسة فإني ~~أخاف من دسيسة عليك ...» # قال: «سأسافر.» # ثم وقف أبو حامد فجأة وقد تذكر أمرا هاما ونظر في عيني سالم. # وحدق فيهما طويلا كأنه يستطلع ما يجول في خاطره. فأطرق سالم تهيبا فقال أبو حامد: «أخاف ~~أن تكون قد بحت لأحد بما أعددناه في فج الأخيار هناك. هناك في فج الأخيار قوتنا التي سيتم ~~لنا بها الأمر فتنشئ دولة تخفق أعلامها على ضفاف النيل وضفاف الفرات.» # فلما سمع قوله اختلج قلبه في صدره؛ لعلمه أنه لم يحافظ على ذلك السر لكنه أسرع إلى ~~طمأنته بأنه يستحيل أن يبوح بذلك السر، فهز رأسه وقال: «كيف أبوح به وعليه معولنا؟ كن ~~مطمئنا.» # فصدقه وقال: «فاذهب إلى فراشك ... ولا تثق بأحد سواي.» # فهم بتقبيل يده، وخرج وظل أبو حامد وحده وقد أصبح بعد هذا الحديث كالجمل الهائج. ~~وازداد احمرار عينيه حتى صارتا مثل عيني المحموم من شدة ما هاج في خاطره من البواعث. فلما ~~خلا بنفسه جعل يخطر بالغرفة ذهابا وإيابا وهو يقضم أطراف شاربيه بأسنانه. وقد جعل يديه ~~متصالبتين وراء ظهره وأخذ يناجي نفسه قائلا رحمك الله يا أبا عبد الله ... قد آن لي أن أنتقم ~~لك من هؤلاء الغادرين ... فج الأخيار ... فج الأخيار في جبل إيكجان ... هناك دار الهجرة التي ~~جعلها أبو عبد الله هجرة للأحزاب التي نصر بها العبيديين ... هي الآن هجرتنا وفيها الأموال ~~التي ضربها أبو عبد الله عند أول الفتح ... هناك قوتنا ... وضحك ضحكة ظافر وقال: «أحب أن يبعث ~~أبو عبد الله ويرى نجاحنا ... ولكن ...» وسكت وبلغ ريقه وأخذ في تبديل ثيابه للرقاد. # الفصل الثالث والعشرون # | الضمير # أما لمياء فإنها قضت تلك الليلة وهي تتقلب كأنها على فراش من شوك القتاد ولم يغمض ms060 جفنها ~~إلا في الفجر فنامت وتوالت عليها الأحلام المزعجة، واستغرقت في النوم من شدة التعب حتى صار ~~الضحى فأفاقت على قرع الباب فاستيقظت مذعورة وتحركت عيناها وتذكرت حالها أمس فأسفت أنه لم ~~يكن حلما. وبادرت إلى الباب ففتحته فرأت حاضنة أم الأمراء وحالما وقع بصرها عليها قالت: ~~«كيف أم الأمراء عساها في خير!» # قالت: «قد استبطأتك فأرسلتني في السؤال عنك.» # فأحست بوخز ضميرها من ذلك التلطف؛ لعلمها بما دبروه لزوجها من المكائد لكنها تجلدت ~~وقالت: «كان ينبغي لي أن أسرع إليها باكرا لكنني استغرقت في النوم.» # قالت: «لا بأس يا سيدتي فأنا ذاهبة لأطمئنها عنك.» # قالت: «وقولي لها إني مسرعة لتقبيل يدها حالا.» # فعادت الحاضنة وعمدت لمياء إلى تبديل ثيابها وخرجت تطلب غرفة أم الأمراء ولحظت وهي سائرة ~~في الدهليز أن أهل القصر في حركة غير اعتيادية كأنهم يتأهبون لاحتفال. ثم علمت أنهم يتأهبون ~~لصوم رمضان فتذكرت أنهم دخلوا في شهر رمضان وقد أصبحوا في ذلك اليوم صائمين. # وصلت غرفة أم الأمراء فرأتها جالسة على مقعد. وحالما دخلت لمياء نهضت لها وهي تبتسم ~~كأنها تستقبل بعض أولادها فلم تتمالك لمياء من فرط امتنانها لذلك التلطف أن أكبت على ~~يدها تقبلها وقد سبقتها العبرات. # فاستغربت أم الأمراء بكاءها لكنها ظنتها تبكي لأمر يتعلق بخطبتها للحسين، وهي إنما تبكي ~~أسفا لما فرط منها في حق الخليفة من المؤامرة. فضمتها أم الأمراء إلى صدرها وقالت: «ما ~~بالك تبكين يا بنية؟» # فأغرقت في البكاء وغلبت على أمرها حتى لم تعد تستطيع إمساك نفسها. فجعلت تخفف عنها وقالت ~~لها: «أرجو أنك لم تنجحي في مهمتك؟» وهي تشير بهذه المداعبة إلى رغبتها في زفافها إلى ~~الحسين. # فتماسكت وتجلدت وقالت وهي تمسح عينيها: «نعم يا سيدتي إني لم أنجح والظاهر أن الله قد ~~أراد ما أراده أمير المؤمنين.» # فبان السرور في وجه أم الأمراء وأجلست لمياء إلى جانبها وقالت: «ألذلك تبكين يا لمياء؟ لا ~~ينبغي أن تحزني وسوف تتحققين أنك أحرزت نصيبا حسنا. وأحمد الله؛ لأنه قدر ms061 لك أن تكوني ~~زوجة لهذا الشاب النادر المثال. وبرهانا على سروري بذلك فإني سأجعل لك مهرا لم تنله فتاة ~~من أهل القيروان؛ لأنك عزيزة علينا. ومتى علمت أني سأقوم بتأدية مهرك يطمئن خاطرك أنه سيكون ~~مهرا يليق بك ... وسأجعل أمير المؤمنين يهبك قصرا من قصوره الفخمة أفرشه أحسن فرش وأملأه ~~بالتحف والجواري بحيث يجعلك تنسي ذلك الرجل الذي كاد يسبقنا إلى نيلك.» # فلم يزدها هذا الكلام إلا غيظا من نفسها وندما على ما فرط منها، ولكنها تجلدت وقالت: ~~«أشكرك يا سيدتي على هذه النعم إني لا أستحق شيئا من ذلك.» وهي تعني حقيقة ما تقوله. ولكن ~~أم الأمراء حملت قولها محمل التواضع فقالت: «بل أنت أهل لأكثر منه ولكن لا بد من الانتظار ~~إلى انقضاء رمضان؛ لأننا دخلنا في هذا الشهر المبارك من صباح اليوم وأظن أمير المؤمنين يؤجل ~~الزفاف إلى عيد الفطر أو ما بعده وسننتظر في ذلك.» # فسرها أن يطول أجل الاقتران لعلها تتمكن في أثنائه من تدبير طريقة للتخلص من هذه ~~الورطة. فبان الارتياح في محياها وقالت: «إني أمتك ولساني قاصر عن أداء حق شكرك جزاك الله ~~خيرا.» # فقالت: «إنما يهمني يا لمياء أن تكوني مسرورة وأحب أن يكون قرانك بالحسين سعيدا لأفرح ~~أنا أيضا. وقد أخذت أشعر منذ الآن أنك صرت من أهلنا وأصبح والدك يفضل سائر أمرائنا ~~بحقوق القربى من قائدنا. وأنت تعلمين منزلة جوهر من نفس أمير المؤمنين، فإنه يفضله على ~~كثيرين من آله وذوي قرابته. وسترين في هذا المساء متى جلسوا للإفطار عند الغروب كيف يجلسه ~~بجانبه ويقربه إليه دون سائر العبيديين. ولا ريب أنه سيقرب الأمير حمدون والدك أيضا ~~إكراما لك.» # فلم تعد لمياء تستطيع سماع هذا الإطراء وودت لو أنها تسمع عكسه عسى أن يخف بعض ما بها من ~~وخز الضمير. فأحبت تغيير الموضوع فقالت: «سندخل الليلة في شهر رمضان جعله الله شهرا ~~مباركا عليك وزادك من نعمه ومتعك بأبنائك. ما هي العادة في تناول الإفطار عندكم؟» # قالت: «إن لأمير المؤمنين ms062 عناية خصوصية في هذا الشهر. يأمر أصحاب المطابخ بإعداد طعام ~~الإفطار لأهل القصر فتمد الأسمطة للخليفة وأهله وقواده وأمرائه وسائر رجال حكومته حسب ~~درجاتهم فيأكلون معا وتمد الموائد أيضا للنساء من أهل هذا القصر فأتولى أنا تدبيره على ~~أيدي الجواري. وستكونين أنت في من يفطر معي وسأجعل مجلسك بالقرب مني؛ لأستأنس بك. وكذلك ~~نفعل في طعام السحور أحيانا وأما أنت فستكونين معي كل هذا الشهر في السحور والفطور. وسأريك ~~في ساعة الغروب كيف تمد الأسمطة وكيف يجلس الخليفة والأمراء عليها وسترين والدك ~~معهم.» # فشكرت لها فضلها وأحبت الاستئذان في الذهاب إلى غرفتها فرارا من ذلك الحديث ولكي تريح ~~دماغها؛ لأنها أحست بألم في رأسها بسبب ما قاسته أمس من الانزعاج. وزادها حديث أم الأمراء ~~انزعاجا فأظهرت التعب ولم تكن تحتاج في إظهاره إلى تكلف؛ لأنه كان باديا في وجهها ~~وقالت: «ألا تأذن مولاتي في انصرافي فقد شغلتها عن شئونها وأنا أحس بحاجة إلى ~~الراحة.» # قالت: «إني أقرأ ذلك في عينيك وهو طبيعي في مثل هذه الحالة ولكنني أرجو أن تنسي ذلك بعد ~~قليل ...» وصفقت فجاءت حاضنتها فقالت: «أحب أن تكون عزيزتي لمياء في غرفة قريبة من غرفتي. ~~قولي لقيمة القصر أن تهيئ لها الغرفة بما تحتاج إليه؛ فإنها ذاهبة بعد قليل للراحة ~~فيها.» # فأشارت مطيعة، وخرجت ولم تفرح لمياء بهذا الإكرام؛ لأنها كانت تود البقاء بعيدة على ~~انفراد خوفا من أن يظهر شيء منها على حين غفلة فيفضح أمرها. لكنها لم تجد بدا من الثناء ~~على ذلك الإنعام. وبعد قليل جاءت الحاضنة وقالت: «إن الغرفة مهيأة.» # فنهضت لمياء وودعت. فقالت لها أم الأمراء: «سنلتقي هنا قبل الغروب.» فأومأت لمياء ~~مطيعة ومشت إلى غرفتها الجديدة وهي تعرف طريقها إليها، لكنها لا تدري ماذا تعمل. فلما وصلت ~~الغرفة رأتها أحسن أثاثا وفرشا من تلك. وفيها مرآة جميلة من الفضة الصقيلة مستديرة ~~الشكل. وهناك منضدة عليها المكحلة والمشط والسواك وسائر ما تحتاج إليه المرأة في إصلاح ~~شأنها. # وسريرها من الأبنوس وهو مع بساطته ms063 ثمين وكل ما في الغرفة ثمين وبسيط، على أنها لم ~~تنتبه إلى شيء؛ لفرط قلقها، وما صدقت أنها دخلت الغرفة حتى أغلقت بابها وتوسدت الفراش ~~واستغرقت في الأفكار. وقد سرها تأجيل الزفاف شهرا كاملا؛ إذ يكون لها فرصة للتفكير ~~والتدبير. وأخذت تفكر في استنباط طريقة تريح بها ضميرها، فتبقى هذه النعمة لها وتعرف حق ~~المعز وامرأته وفضلهما عليها فلا تخونهما، ومع ذلك تريد أن تحفظ كرامة والدها. # وأما سالم فحالما تصور لها خفق قلبها لما تذكرته من أمره في أمس وكيف عاد خائبا ~~وما أظهره الحسين من المروءة وكبر النفس في شأنه وأحست بانعطاف نحو الحسين، فكذبت نفسها ~~وأخذت في تحويل فكرها عنه وصورته لا تغيب عن مخيلتها كما رأته في آخر لحظة وهو يودعها ~~ويوصيها بكتمان ما جرى لسالم. وقدرت تلك الأريحية حق قدرها وجعلت تقنع نفسها أن ما تحس به ~~من الانعطاف نحوه إنما هو من قبيل الامتنان؛ لأنها لم تكن تريد بدلا من سالم وهو أول من ~~طرق حبه قلبها وهي صغيرة، تسرب حبه إليها تدريجا؛ لأنهما تعارفا منذ الصغر فلم يأتها ~~الحب دفعة كما أصابها هذه المرة. ولذلك لم تقتنع أن شعورها نحو الحسين من قبيل الحب الذي ~~لا يلبث أن يتمكن. وخصوصا أنها أصبحت تنتظر ساعة الإفطار بفارغ الصبر لكي تراه جالسا على ~~السماط في جملة الجالسين - كما قالت لها أم الأمراء. # الفصل الرابع والعشرون # | إفطار رمضان # على أن التعب غلب عليها فنامت واستغرقت في النوم. وما أفاقت إلا على أصوات المؤذنين في ~~العصر فنهضت وأصلحت من شأنها ونظرت إلى وجهها في المرآة فإذا هي قد امتقع لونها قليلا ~~وذبلت عيناها. فأحبت أن تتشاغل عن تلك الهواجس فخرجت لملاقاة أم الأمراء فرأتها في انتظارها ~~فهشت وسألتها عن صحتها. فقالت إنها في خير فأشارت إليها أن تتبعها لتطلعها على ما يعدونه ~~من أسمطة الإفطار. فمشت معها حتى دخلتا روشنا يشرف على ساحة بعيدة الأطراف في جانب ~~الحديقة قد نصب فيها سرادق كبير وأخذ الخدم في مد ms064 الأسمطة والموائد. فأشارت إليها أم ~~الأمراء فقعدت على مقعد أمامه ستر فيه منافذ صغيرة تأذن للجالسين هناك في رؤية كل حركة ~~في تلك الساحة بدون أن يراهم أحد من أهلها. وقعدت أم الأمراء إلى جانبها وجعلت تقص عليها ~~ما تعودوه في الإفطار. وهي ترى الخدم يهيئون الأسمطة على شكل خاص. # أعلاها في الصدر سماط يسع بضعة عشر رجلا يجلسون على الوسائد حوله، وقد وضعت عليه أنواع ~~الأطعمة والأثمار. ونحو ذلك في أسمطة أخرى بين يدي ذاك هنا وهناك. وعليها الأطعمة من اللحوم ~~والأفاويه وقد تصاعدت عنها روائح البهارات وغيرها. وما زالت رائحة الند المحروق في ~~أطراف الحديقة غالبة على سواها حتى تكامل وضع أطباق الطعام فتغلبت رائح الأطعمة ~~وبهاراتها. واشتغل جماعة من الخدم السود في إنارة المصابيح المعلقة بأعمدة السرادق. وأما ~~الصقالبة البيض فأكثر اشتغالهم في حمل أطباق الأطعمة. ووقف جماعة منهم يحملون الأباريق ~~الفضية والأقداح الزجاج حول الأسمطة يسكبون الماء لمن يريد حسب الطلب. # أعد كل شيء قبل الغروب ولمياء تتشاغل برؤية الخدم يذهبون ويجيئون في ترتيب تلك الموائد ~~وهي صامتة . وشاركتها أم الأمراء بالصمت ثم قالت: «إذا شئت أن نذهب إلى مائدتنا هلمي إليها؛ ~~فإنهم يعدونها كما يعدون هذه.» # فأظهرت أنها تفضل البقاء هناك حتى يجلس الخليفة والأمراء على الطعام ثم تنصرف فأطاعتها. ~~وبعد قليل أصبح أهل الحديقة في هرج واهتمام يتسابقون إلى التأدب في مواقفهم استعدادا ~~لاستقبال أمير المؤمنين. ثم أطل الخليفة ماشيا الهويناء وبجانبه القائد جوهر. ~~ووراءهما ابنه الحسين ثم أولاد الخليفة وأهله. ثم جماعة الأمراء والقواد فتفرقوا إلى ~~مقاعدهم على الوسائد حول الأسمطة. فجلس المعز في صدر السماط الأول وأومأ إلى جوهر أن يجلس ~~إلى يمينه ونادى الحسين فأجلسه بجانب أبيه. ثم جلس أبناء الخليفة وأهله حول ذلك السماط. ~~وجلس سائر الأمراء والقواد حول الأسمطة الأخرى. وبعد قليل علت أصوات المؤذنين فأخذ ~~القراء يتلون الفاتحة وضج المكان بتلاوتها. وجعلت لمياء تتفرس في الوجوه فرأت ~~والدها في جملة المدعوين وقد دعاه المعز إلى أقرب الأسمطة إليه ms065 وهو يبش له ويرحب به. وظنت ~~أم الأمراء أن لمياء لم تنتبه إلى ذلك فقالت لها: «هذا والدك قد جاء ... ويسرني ما أراه من ~~إكرام أمير المؤمنين له.» # وكانت لمياء مشتغلة الخاطر بالتفرس في الوجوه ولا سيما في وجه الحسين. وكانت حالما ~~وقع نظرها عليه خفق قلبها وتصاعد الدم إلى وجهها رغم إرادتها. ومع رغبتها في رؤيته وأنها ~~أتت إلى هناك لتراه فلما أحست بخفقان قلبها ندمت وحولت نظرها عنه وأخذت تغالب عواطفها ~~ونهضت وأظهرت أنها مستعدة لمرافقة أم الأمراء إلى مائدتها متى شاءت. فأظهرت أنها تود البقاء ~~هناك وقالت: «هذا الحسين أراه جالسا بجانب والده إن هذا المنظر يغنيني عن الإفطار. كيف ~~أنت؟» قالت ذلك على سبيل المداعبة. فسكتت لمياء وصبغ الحياء وجهها ولم يصبغه الحياء بل ~~الارتباك أيضا. ولم تجد سبيلا إلى إخفاء عواطفها إلا بالتحول من ذلك المكان فأطاعتها أم ~~الأمراء فتحولتا إلى قاعة مد فيها سماطها الخاص فجلست إليه وأجلست لمياء إلى جانبها ~~وتناولتا الإفطار على نحو ما وصفناه من إفطار الخليفة وأمرائه. # ولحظت أم الأمراء أن لمياء تسرع في تناول الطعام وهي ساكتة والاهتمام باد في عينيها ~~فأدركت أنها تود الرجوع إلى الروشن فاختصرت في الأكل حتى إذا فرغت منه قالت لها: «هلم بنا ~~إلى الروشن لنسمع ما يدور من الحديث هناك.» # الفصل الخامس والعشرون # | حديث الزفاف # فنهضت ومشت معها وتناست ندمها - وإنما سيقت إلى هناك بدافع لا سلطان للعقل عليه فيأتيه ~~المحب رغم إرادته وقد يرتكب في سبيل ذلك أمورا يوبخ نفسه عليها ولا يرى مندوحة له عنها - ~~قعدتا فرأتا الأسمطة قد رفعت وانصرف معظم المدعوين وجلس من بقي منهم بين يدي المعز وفيهم ~~جوهر وحمدون والحسين وقد جلس حمدون بقرب جوهر وهما يتحادثان كأعز الأصدقاء. ويتخلل ~~حديثهما ضحك وتودد. فأصاخت لمياء بسمعها لتسمع ما يدور. فسمعت الخليفة يقول لأبيها: «قد ~~سرني ما تجدد بيننا من روابط القرابة بخطبة لمياء إلى ابن قائدنا وإنهما لنعم ~~العروسان. وسرور أم الأمراء لا يقل عن سروري وهي ms066 تود أن تختص عروسنا لمياء بالتفات هي ~~أهل له وستؤدي لها المهر عن قائدنا. وسنسوقه إليكم قريبا وسنخص العروسين بقصر من قصورنا ~~فيكونان مثل بعض أهلنا.» # فأسرع جوهر إلى مقابلة هذا الإنعام بالنهوض ثم أكب على يدي المعز ليقبلهما علامة للشكر ~~فمنعه المعز وقال: «إن الحسين ابننا ولمياء بنتنا لا موجب للشكر وإنما يهمنا أن يكون ~~زفافهما سعيدا مباركا.» # فقال حمدون - وهو يظهر الامتنان: «إن نعم مولانا فوق ما نستحق ويكفي شرفا لنا أن يكون ~~ذلك العقد على يده. فهو لا شك يكون مباركا ويزيد بركة إذا تنازل مولانا بحضور حفلة الزفاف. ~~وإن كان ذلك مما لا يطمع فيه أحد ولكني تجرأت عليه لما ظهر من تلطف المولى في ~~محاسنتنا.» # فلما سمعت لمياء هذا القول أكبرته وخافت أن يكون أبوها قد تطوح في طلبه إلى ما لا ~~يمكن الإجابة عليه. ورأت مثل هذا الاستغراب من جوهر أيضا. أما المعز فابتسم وقال: «إن ~~ذلك هين علي، ولا مانع عندي منه؛ لأن قائدنا جوهرا أهل لما هو فوق ذلك. وإنما أخاف أن ~~يكون فيه ثقلة عليكم.» # فترامى جوهر على ركبة المعز وقبلها وهو يقول: «قد غمرني أمير المؤمنين بفضله وإحسانه، ~~وكان الأمير حمدون قد خاطبني بهذا الأمر فلم أجسر على عرضه والتماسه، فكان هو أحسن مني ~~تقديرا للطف أمير المؤمنين.» فأسرع حمدون إلى الكلام قائلا: «لم أقل ما قلته إلا وأنا ~~أعرف منزلة القائد جوهر عند مولانا - أعزه الله - وقد جرأني على ذلك أن أمير المؤمنين جعل ~~نفسه بمنزلة والد الحسين وخطب له جاريته ابنتنا لمياء، فسبق إلى ذهني أنه لا يرفض طلبنا ولا ~~شك فإن ذلك تنازل كبير منه. أما ما أشار إليه من الثقلة علينا فأي ثقلة فيه ونحن لو مشينا ~~على رءوسنا بين يديه لا نكافئه على إنعامه.» # فكانت لمياء تسمع هذا الحديث وقلبها يطفح سرورا لما توسمت فيه من تغير رأي والدها في ~~المعز فظنته يعدل عن الفتك ... ولما تصورت ذلك اعترضها شبح سالم كأنه يوبخها على رضاها ms067 ~~بالحسين دونه؛ لأنها إذا تم الزفاف بلا فتك صارت عروسا للحسين فارتبكت في تفكيرها ولبثت ~~صامتة وأفكارها تائهة وأم الأمراء تراعي حركاتها فلحظت ارتباكها لكنها لم يخطر لها ما كان ~~يجول في خاطرها. # ولما فرغ حمدون من قوله أجابه المعز وهو يبتسم قائلا: «إن ظنك في محله أيها الأمير، ولكن ~~قائدنا لم يعرف حقيقة منزلته عندنا، إننا سنحضر حفلة الزفاف معه ولا بد أن يكون ذلك في ~~معسكركم حيث تقيم العروس قبل زفافها إلى عريسها» وسكت ... # فأجاب حمدون: «أينما كنا فنحن في ظل أمير المؤمنين، وليس لأحد منا معسكر ولا قصر إلا من ~~نعمه. وإذا تنازل المولى بأن يكون ذلك في ظاهر المنصورية أريناه عادة السجلماسيين في ~~الاحتفال بأعراسهم. وسيجري الفرسان هناك في حلبة السباق ويلعبون على ظهور الخيل، ولعله يسر ~~أن يرى رجاله وعبيده يتسابقون على الأفراس بين يديه. ولو كان في المنصورية متسع لهذه ~~الألعاب أو لو أمر سيدي بذلك؛ فإننا مطيعون.» # قال المعز: «بل نذهب إلى معسكركم ونشاهد احتفالكم. إني كثير الشغف برؤية الفرسان ~~يتسابقون ولا سيما فرسان سجلماسة المشهورين بالفروسية والمهارة في ركوب الخيل. فمتى ترى أن ~~يكون ذلك؟» # فقال حمدون: «ليس لأحد منا رأي؛ فإن الأمر في ذلك لمولانا.» # فنظر المعز إلى جوهر كأنه يستشيره فبادر إلى الجواب قائلا: «الأمر لمولاي.» # فقال المعز: «أما وقد دخلنا في شهر رمضان المبارك فلا أرى أن يتم الزفاف قبل انقضائه. ~~فنجعله في عيد الفطر؛ تبركا به، ويكون احتفالنا بالزفاف في جملة احتفالنا بالعيد.» # فبان البشر في وجهي حمدون وجوهر عند هذا الاقتراح وأخذا في تنميق عبارات الثناء أما ~~لمياء فلم يكن ذلك جديدا عليها، وكانت قد سمعته من أم الأمراء ولحظت من خلال تلك الأحاديث ~~أن المعز عمل بما أوحته إليه امرأته فتأكدت حينئذ اهتمامها بأمرها وشدة حبها لها. ~~والتفتت إليها لفتة ملؤها الامتنان والشكر. ففهمت أم الأمراء من تلك اللفتة ما لا تقوى ~~الألسنة على بسطه. وكان جوابها أنها ضمتها إلى صدرها وقبلتها فأكبت على يدها لتقبلها ms068 ~~فمنعتها وقالت: «تأكدي يا بنية أن فرحي بتمام هذا الأمر يكفيني ... ولكنهم أطالوا أجل ~~الاقتران أليس كذلك؟» قالت ذلك على سبيل المداعبة. # فأطرقت لمياء حياء فابتدرتها أم الأمراء قائلة: «أعني أنهم أطالوه علي أو على ~~الحسين ... ألا ترينه ساكتا مطرقا لا يكلم أحدا ... تأكدي أني أعد هذا الشاب من أولادنا وأنت ~~ابنتنا ... ولذلك لا أرى أن يأخذوك إلى بيت أبيك إلا قبل الاقتران ببضعة أيام ... أريد أن أشبع ~~منك ...» # وكانت لمياء في أثناء ذلك قد عادت هواجسها إليها وأصبحت شديدة الرغبة في ملاقاة والدها؛ ~~لترى هل تغير رأيه وعول عن الفتك بعدما لاقاه من إكرام المعز أو هو يقول ما قاله مداجاة. ~~لكن سبق إلى ذهنها أنه يظهر ما يعتقده؛ لأن الصادق الحر لا يقدر أن يتصور نفاق الكاذبين. ثم ~~هي من الجهة الأخرى يشق عليها أن تقبل بالحسين وتعد ذلك خيانة فضلا عن داعي قلبها. وهي في ~~ذلك رأت الخليفة يتحفز للنهوض وقد نهض الجلوس واستأذنوا في الانصراف. ونهضت أم الأمراء ~~ومشت لمياء معها وهي تود أن لا تعود إلى محادثتها بشأن ذهابها إلى أبيها؛ لأنها تحب أن تترك ~~الأمر للتقادير لترى ما يكون في أثناء رمضان. وتحب أن تخلو بنفسها بعدما تقرر لتفكر في ~~أمرها وتحل هذه المشكلة حلا معقولا. # الفصل السادس والعشرون # | المناجاة # ودعت لمياء أم الأمراء وذهبت إلى غرفتها وهي غارقة في بحار هواجسها، ولم تكد تخلو ~~بنفسها حتى طرق ذهنها فكر أحست بارتياح إليه، وذلك أنها قابلت بين ما دار بينها وبين ~~والدها أمس في فسطاطه بحضور أبي حامد وما ظهر منه بين يدي المعز في هذا المساء فوجدت فرقا ~~كبيرا. # فتبادر إلى اعتقادها أن أبا حامد هو الذي حرضه على الفتك بالخليفة، وأنه لو ترك لنفسه ~~لم يرض بذلك، وتذكرت ما تعرفه من ظواهر هذا الرجل في أثناء إقامته بسجلماسة وما كان يسر ~~إليها سالم أحيانا من الأغراض السياسية التي يرمي إليها فترجح لديها أن أبا حامد هو علة ~~المفاسد وأنها لو انفردت بأبيها ms069 وباحثته في أمر المعز لأقنعته أن يرجع عن عزمه. فارتاحت ~~لهذا الفكر، لكنها لم تكد تشعر بالراحة حتى تصورت أنها تصير عند ذلك زوجة للحسين تقيم في ~~المنصورية ... وما تفعل بسالم؟ فوقف ذهنها عند هذه النقطة فرأت عدول أبيها عن الفتك ~~بالمعز يحرمها من سالم وهي تحبه ولا ترضى عنه بدلا. # فأخذت تخاطب نفسها قائلة: ما العمل إذن؟ أرضى بقتل المعز وهو سلالة فاطمة الزهراء وصاحب ~~الفضل الأكبر علي وأسلم بقتل جوهر القائد العظيم؟ وهب أني رضيت فهل تفلح هذه المكيدة؟ ألا ~~يعقل أن تعود عاقبتها وبالا علينا؟ بأي شيء نحارب جند الخليفة؟ كيف نحارب الحسين ذلك ~~الشهم صاحب المروءة ونقتله أيضا؟ ما هو ذنبه؟ بل ما هو ذنب الخليفة وقائده؟ إنها مكيدة ~~ملؤها الخداع والغش. # كيف ترضين يا لمياء بهذه الرذيلة؟ يكفي ما أراه من كرم أخلاق هذه المرأة التي تحبني محبة ~~الوالدة، أأرضى أن أكون وسيلة لسقوطها؟ أنا أفعل ذلك؟ كلا ... كلا ... إني إذن قاتلة خائنة. ~~وأحرم من حبيبي ... ماذا أفعل؟ أطلع أم الأمراء على سر الأمر ليتحذروا منه؟ عند ذلك أكون قد ~~عرضت سالما للقتل وعرضت والدي أيضا للموت ... هل أسمح بقتل والدي وحبيبي؟ كلا ... ويلاه ما ~~هذه المشكلة التي لا حل لها؟» # وكانت جالسة على الفراش تفكر في ذلك وعيناها شاخصتان إلى نور المصباح فلما وصلت إلى ~~هذا الارتباك نهضت كالواثبة وقد هاجت أشجانها وأخذ القلق منها. وجعلت تتمشى في الغرفة ~~وتعيد النظر في المسألة طردا وعكسا فلا تجد لها حلا إلا بارتكاب الخيانة أو القتل، ~~فضلا عن محاربة العواطف، وهي أشد وطأة من كليهما. # قضت في التفكير ساعة أو ساعتين حتى ملت التردد، وأغلق عليها الأمر فوقفت تجاه المرآة ~~فرأت ما أصاب سحنتها من التغيير لفرط التفكير فقالت: «إني أرى لمياء في هذه المرآة غير ~~لمياء في مرآة أبيها بسجلماسة. ويلاه ما كان أغناني عن هذه القلاقل بل ما أغنى أهل ~~القيروان عن هذه السحنة العائدة عليهم بالشؤم والخراب ... هل العيب في المرآة وهي التي ms070 غيرت ~~لمياء؟ لا ذنب لها إنها تريني وجهي كما هو. وإنما العيب في ... بل العيب في من شوش أفكاري ~~وأدخل القلق على قلبي، كان الأولى بي أن أبقى على رفض هذا النصيب وليتسابق هؤلاء إلى القتل ~~على غير يدي. هل أقدر على ذلك الآن؟ بأي لسان أقوله! وبأي وجه أقابل أم الأمراء؟ هل أبوح ~~لها بسري وأستشيرها في أمري؟ لا أقدر ... ويلاه يا ربي ماذا أفعل؟ وتحولت عن المرآة إلى ~~السرير واستلقت عليه وقد أظلمت الدنيا في عينيها فلم تجد لها فرجا بغير البكاء فأطلقت ~~لنفسها العنان فيه وأغرقت في البكاء حتى كاد يغمى عليها وصارت تشهق وتندب نفسها. # ثم عادت إلى المناجاة فقالت: «إلهي قد لذ لي الموت خذني إليك ... هل أقتل نفسي وأخلص من ~~هذه الحياة؟ إن موتي أحسن حل لهذه المشكلة فينجو المحسنون إلي من القتل وأتخلص من التردد ~~القبيح. ولكن هل أقتل نفسي بيدي! ... لا ... لا ... بل الأفضل أن أفر من هذا المكان إلى حيث لا ~~يراني أحد حتى تأتي ساعتي ... لمياء! لمياء أنت راعية الحصان. تلاقين الأعداء في حومة الوغى ~~وترزخين تحت هذه الأوهام؟ بل أعود فأرفض الحسين وأعتذر له أني لا أريد الزواج ... كيف أفعل ~~ذلك! مسكين الحسين إنه ذو فضل ويظهر أنه أحبني، آه يا سالم يا حبيبي كيف أموت أو أفر ~~وأتركك! بارزت الفرسان واستقبلت النبال في ساحة القتال فلم أجد أصعب مراسا من الحب إنه ~~يملك ناصية القلب ... ويلاه هل في الدنيا فتاة أشقى حالا مني!» # ثم سكتت وكأن البكاء خفف مصابها وقشع السويداء عن عينيها وتذكرت أن لديها شهرا كاملا ~~لإعمال الفكرة فقالت: «فلنصبر إن الله مع الصابرين.» وذهبت إلى فراشها وقد أخذ التعب منها ~~مأخذا عظيما. # الفصل السابع والعشرون # | المراوغة # أما حمدون فإنه خرج من قصر المعز بعد العشاء وقد أدهشه ما رآه هناك من الأبهة والعظمة ~~وأكبر الإقدام على تنفيذ تلك المكيدة ولا سيما بعد الذي لقيه من الإكرام والمؤانسة من ~~الخليفة وقائده وسائر أمرائه، وأحس بخطارة الأمر ms071 الذي هو مقدم عليه. فقضى مسافة الطريق إلى ~~معسكره وهو يفكر في ذلك - وتحريض أبي حامد لا يزال غالبا على عقله - فوصل خيمته وهو يحب ~~الخلو بنفسه ليعمل فكرته ويرجح أحد الوجهين ولم يكد يستقر به الجلوس حتى جاء أبو حامد، ~~وحالما وقع نظره على حمدون استطلع ضميره وكشف عما يجول في خاطره، فأراد أن يتحقق ظنه فقال: ~~«كيف لقيت أمير المؤمنين؟» # فأجابه وهو يحاول إخفاء ما يجول في خاطره: «لقيته كما أعهده وكما تعهده أنت.» # فلما رآه لم يستغرب منه تلقيب المعز بأمير المؤمنين توسم صدق فراسته فيه فقال: «أعني هل ~~لقيت منه أنسا.» # قال: «لقد جاملنا وآنسنا وأكرم وفادتنا ووددت لو أنك كنت معنا.» # قال: «أنا أعلم اقتدار هذا الرجل وسعة صدره، ولولا ذلك ما تمكن من التغلب على سائر ~~الأمراء حتى سمى نفسه أمير المؤمنين.» # قال: «صدقت. إنه واسع الصدر كبير العقل ورأيت منه انعطافا خصوصيا؛ لأنه أصبح يعدني من ~~أهله. ورأيت قائده أيضا مثله.» # فتنحنح أبو حامد وقد ترجح ظنه في تغيير عزمه وقال: «أظنك أدركت الليلة خطارة الأمر ~~الذي نحن عازمون عليه ...» # قال: «قد أدركت ذلك من قبل ... ألم تكن أنت مدركه أيضا؟» # قال: «كيف لا وقد دان لهذا الرجل الأمراء والقواد، وأصبح صاحب الكلمة النافذة؟ إن تنفيذ ~~ما عزمنا عليه لا يخلو من الخطر طبعا.» # فاستمسك حمدون بهذا التصريح وتوهم ضعف العزيمة في أبي حامد، فقال: «هل ترى الخطر ~~يربو على الأمل بالنجاح؟» # قال: «أراه أضعاف أضعافه، ولكن ما العمل وقد رأيتك عازما على استرجاع مجدك حتى فضلت ~~الموت على التسليم.» فجعل السبب في تدبير المكيدة رغبة حمدون في استرجاع ملكه فهان على ~~حمدون الانسحاب بنظام، فقال: «لكن الرجل العاقل ينبغي أن يقدر العواقب ويعمل بالرأي السديد ~~وما لا يستطيعه اليوم قد يستطيعه غدا.» # فتحقق أبو حامد ما توسمه في صديقه من ضعف العزيمة فعمد إلى استطلاع ما دار في تلك ~~الجلسة وهل أقبل الخليفة أن يحضر الاحتفال بالزفاف في معسكرهم، فقال: «هل وافقك ms072 على أن تزف ~~لمياء من معسكرنا ويكون هو حاضرا؟» # قال: «لم أطلب منه طلبا إلا وافقني عليه، وقد وافق على هذا وأكثر منه؛ ولذلك قلت لك إنه ~~جاملنا وأحسن وفادتنا. وهذا ما غير رأيي فيه.» # فعمد أبو حامد إلى المداهنة فقال: «بارك الله فيك ... إن المصلحة مشتركة بيننا، فإذا كنت قد ~~رأيت ما أراه أنا أيضا من الخطر في هذا العمل الآن وأحببت أن تؤجله فإني أوافقك على تأجيله ~~- ولكل أجل كتاب.» # فانطلت حيلة أبي حامد على حمدون وصدقه فقال: «يعجبني حزمك وتعقلك فأنا أرى التأجيل أقرب ~~إلى الحكمة ريثما نتمكن من فرصة أبرك من هذه.» # وكان أبو حامد لا يزال واقفا يتشاغل في تدبير مكان يجلس عليه، فلما سمع قول حمدون ابتسم ~~وأظهر الارتياح وجلس إلى جانبه ووضع يده على ركبته وقال: «ولكن ألا ترى صعوبة في تغيير فكر ~~لمياء؟» # قال: «إن لمياء أكثر رغبة منا في العدول عن قتل الخليفة ولا سيما بعد أن تبرع بأن ~~ينوب هو وامرأته عن العريس في تقديم المهر ولا بد أن تكون أم الأمراء قد أخبرت لمياء بذلك ~~وهو يزيدها تعلقا بها ... بالحقيقة إن المعز وامرأته قد بالغا في مجاملتنا وإكرامنا ... أظنني ~~لم أخبرك بما عزما على تقديمه من المهر ...» # فقطع أبو حامد كلامه وهو يروغ كالثعلب، وقال: «أظنهما وعدا بمال كثير وببعض الحلي ~~الثمينة.» # فضحك حمدون وقال بلحن الفائز المعجب: «المال والحلي؟ إن أم الأمراء ستقدم للعروس أحسن ما ~~يرجى تقديمه لمثلها من الأثاث والحلي والثياب وستملأ بيتها من الجواري والخدم و... ~~و...» # فقال أبو حامد - وهو يظهر الاستغراب: «والخدم أيضا والجواري؟» # فابتدره حمدون وهو يقول: «وفوق ذلك أن الخليفة نفسه سيهديها قصرا في المنصورية تقيم فيه ~~مع عريسها ... وسيعدها من أقرب الناس إليه.» # فقال أبو حامد وهو يهز رأسه ويرفع حاجبيه استغرابا: «إن مثل هذا الرجل لا تقدم النفس ~~على أذيته ... صدقت ... ولكن ...» # فسبقه حمدون إلى الكلام قائلا: «ولكن لمياء عالقة القلب بسالم وإذا تم اقترانها ربما ~~تنغص عيشها ...» # فأظهر ms073 أبو حامد التألم من فكر خطر له كأنه ابن ساعته، وقال: «سالم ... سالم دعني من سالم، ~~إنه لا يليق بلمياء، وهي لو علمت بما فعله لكرهته ... حتى أنا مع أنه بمنزلة ولدي فقد ~~كرهته.» # فاستغرب حمدون كلامه وقال: «وكيف ذلك؟» # قال: «أتعلم أين سالم الآن؟» # قال: «كلا ... أليس هو هنا؟» # قال: «لا أعلم مقره ... ولكن يظهر أنه فر من هذا المعسكر ... أظنه خاف مغبة الأمر الذي أقدمنا ~~عليه ففضل الفرار.» # قال حمدون: «لا أظنه يفر وهو رجل باسل.» # فقال أبو حامد: «لا يليق بي أن أكشف عيبه لكنني لا ينبغي لي أن أكتمك أمرا بعد ما علمته ~~من صداقتي وإخلاصي وأنا أغار على لمياء وأجل مناقبها فلا أغشها ...» وتنحنح كأنه يستنكف من ~~التصريح بذلك الأمر الفظيع. # فقال حمدون: «ماذا جرى؟» # قال: «أتذكر خروج سالم مساء أمس في أثر لمياء؛ ليرافقها إلى المنصورية؟» # قال: «نعم، أذكر أنه أراد أن يرافقها فتقدمت إليه أن لا يفعل.» # قال: «ليته لم يفعل ... لكنه أصر على الذهاب فعاد بالفشل والعار.» # قال: «وكيف علمت ذلك؟» # قال: «لأنه عاد إلي في آخر الليل وقص علي ما لقيه وحاول إخفاء الحقيقة لكنني قرأتها من ~~خلال حديثه.» # قال: «ماذا عمل؟» # قال: «ذهب في أثر لمياء فوجدها مع رجل عرف بعد ذلك أنه الحسين بن جوهر، وكان في انتظارها ~~حتى يسير في خدمتها إلى مأمنها، فأنكر سالم عليه ذلك وأمرها أن تتركه وتسير معه، ففعلت، ~~فلما أشرفوا على المنصورية خرج عليهما الحراس وكادوا يقبضون عليه ويسوقونه إلى السجن لو لم ~~يبادر الحسين إلى إنقاذه، فعاد والفشل يقطر من أردانه. وشفع ذلك الفشل بالكذب فاقتضب الحديث ~~ولم يذكر فشله. ولكن أبا حامد لا تنطلي عليه هذه الألاعيب. فوبخته على جبنه فغضب وخرج من ~~عندي ولعله فر خوفا من غضبي ... ولو فتشت عنه في المعسكرين لم تقف على خبره.» قال ذلك بلحن ~~الصدق وهو يظهر الأسف على ما جرى فصدق حمدون كلامه، وقال: «لله درك إنك تطلع على خفايا ~~القلوب فلا أعجب ms074 من اطلاعك على سر سالم، ولكنني لم أعهد فيه شيئا من ذلك قبلا.» # قال: «هذا هو الواقع، ولعلك لو سألت لمياء عن هذا الأمر لصادقت عليه، وربما صرحت هي ~~بالعدول عنه؛ لأنها شهدت فشله بنفسها.» # قال: «غدا نبعث إليها ونستطلع رأيها.» # قال: «حسنا تفعل، وأنا واثق أنها توافقك على ما ذكرت. وعند ذلك تتحول مهمتنا إلى ما هو ~~أقرب لخير لمياء ونترك أمر الانتقام حتى تسنح لنا فرصة أخرى. وقد نرى من الحكمة السكوت عن ~~هذا الأمر بالكلية، إذا رأينا القوم يعرفون قدرك ولا يبخسونك حقك.» # الفصل الثامن والعشرون # | رأي لمياء # فارتاح بال حمدون إلى هذا الرأي وهو على ثقة من رضى لمياء وقد عزم على إقناعها به ... فبات ~~تلك الليلة وهو يحلم بما سيكون له من المنزلة الرفيعة بعد تلك المصاهرة ونسي أنفة آل مدرار ~~وعز سلطانهم! والحقيقة أنه لم يفطن لذلك العز لو لم يحرضه عليه أبو حامد الداهية. وأما ~~حمدون فقد علمت ضعفه وسرعة تقلبه وأنه إنما كان يساق إلى طلب الانتقام بتحريض صاحبه هذا. ~~فلما رآه قد وافقه على السكوت والرضا بالخضوع؛ فرح وبات تلك الليلة مطمئنا، وعزم على أن ~~يبعث في استقدام لمياء إليه ليبشرها بذلك الرأي الجديد. # وأيقظه الغلام للسحور قبل الفجر، ولم يكد يفرغ من سحوره حتى أتاه الحاجب ينبئه بقدوم ~~رسول من صقالبة القصر فأذن بدخوله فإذا هو لمياء متنكرة، فرحب بها وقبلها وقد توسم ~~القلق في عينيها فعلم أنها مبكرة إليه بشأن ما كان فيه أمس، فابتدرها قائلا: «أراك مبكرة ~~يا لمياء!» # قالت والدمع يترقرق في عينيها: «إني لم أذق مناما في هذا الليل.» # قال: «ولماذا؟» # قالت: «أتسمح لي أن أقول ما في خاطري؟» # قال: «قولي ... ولكني أحب أن تسمعي ما أقوله أنا قبلا.» # قالت: «تفضل.» # قال: «قد كنت في مثل قلقك أمس ولكنني اهتديت إلى حل جميل ارتاح له خاطري.» # قالت: «وما هو؟» # قال: «هل علمت أني تناولت طعام الإفطار أمس في قصر أمير المؤمنين؟» # فلما سمعت قوله: «أمير المؤمنين» ms075 استبشرت وقالت: «نعم علمت وقد سمعت ما دار بينك وبين ~~الخليفة والقائد.» # قال: «هل علمت بما عزم عليه الخليفة من إكرامك بالمهر؟» # قالت: «سمعت ... أمثل هذا الرجل ي...» # فقطع كلامها قائلا: «دعيني أتم حديثي ... إن ما لقيته من ذلك الإكرام وما آنسته من سعة ~~صدره وطيب عنصره وحب أم الأمراء لك قد أثر في كثيرا.» # فأبرقت أسرتها وضحكت والدموع تتدحرج على خديها من الدهشة وقالت: «هل أثر فيك ذلك؟ هل يليق ~~أن؟» # قال: «اسمعي ... إني وجدت الأمر الذي كنا قد عزمنا عليه خيانة لا تليق بنا.» # فلم تتمالك عن الإسراع إلى يده فتناولتها وأخذت تقبلها ودموع الفرح تتساقط من عينيها ~~وقالت: «الحمد لله ... قد فرجت كربتي ... صدقت يا أبتاه إن أمير المؤمنين لا يستوجب هذه الخيانة ~~ولو عرفت مقدار حب أم الأمراء لي لازددت حرصا على حياتهما ... بالله قل هل عدلت عن ~~عزمك؟» # قال: «رجعت عن مائدة المعز وأنا أحدث نفسي بذلك، وكنت أحسب أبا حامد لا يوافقني عليه ~~فوجدته أشد رغبة مني فيه؛ لأنه رأى ما رأيته وأنت تعلمين ذكاء هذا الصديق وتعقله.» # فتضاعف استغرابها؛ لأنها لم تكن تتوقع هذا الفرج المزدوج وكانت عازمة على تحريض أبيها ~~أن يوافقها ولو خالف أبا حامد. فلما رأت أبا حامد موافقا له على العدول انبسطت نفسها ~~وتولتها الدهشة لهذه المفاجأة فقالت: «وقد وافقك أبو حامد على العدول أيضا؟» # قال: «وليس ذلك فقط لكنه خلصنا من أمر آخر يتعلق بسالم.» # فلما سمعت اسم سالم انقبضت نفسها؛ لتذكرها المشكل الذي لم تجد له حلا أمس فقالت: ~~«وكيف خلصنا من أمر سالم؟ أين هو الآن؟» # قالت ذلك وقد صبغ الحياء وجهها وعلاه قلق واضطراب. # فقال: «نعم إنه أنقذنا من مشكل عظيم، وقد سألت عن سالم أين هو ... إنه ليس هنا ... وقبل أن ~~أقول شيئا بشأنه أسألك سؤالا أرجو أن تصدقيني فيه.» # قالت: «وما هو؟» # قال: «لما لحق بك سالم في تلك الليلة ما الذي جرى له؟» # فتذكرت وصية الحسين بالكتمان وهي تضن بسالم أن يهان ms076 فقالت: «ماذا جرى له؟ لم يجر له ~~شيء.» # قال: «أصدقيني ... إني قد اطلعت على فشله وجبنه فلا تنكري شيئا.» # فاستغربت تصريحه وقالت: «من قال ذلك؟ لم يكن معنا أحد سوى الحسين، وهذا لم يقص عليك ~~الخبر.» # فقال: «ما أدراك أنه لم يقصه علينا؟» # قالت: «لأنه أمرني بالكتمان.» # قال: «لماذا أراد كتمان الواقع إن لم يكن في ظهوره عيب على سالم؟ قولي الصدق.» # فلم تطعها نفسها على الإنكار، فقالت: «إنه أساء التصرف مع الحسين؛ لأنه لم يكن يعرفه ... ~~ولكن من قص عليك الخبر؟ سالم؟» # قال: «لا. إن سالما خجل من قول الصدق، ولكن أبا حامد قصه علي أمس، وقد استطلعه ~~بفراسته ووبخ سالما عليه حتى أغضبه وخرج من المعسكر لا ندرى إلى أين.» # فصاحت رغم إرادتها «ويلاه إلى أين ذهب؟» # فقال حمدون: «يظهر أنك لا تزالين على حسن ظنك به وعمه نفسه قد رذله واحتقره وكدره، وقد ~~قال لي إنه ليس أهلا للمياء الشريفة الصادقة ... إن خطيبا يرجع من بين يدي خطيبته بمثل هذا ~~الفشل لا يليق بها.» # فقالت وصوتها مختنق: «أبو حامد قال لك ذلك.» # قال: «نعم. إذا كنت لا تصدقين فإني أدعوه ليقول ذلك أمامك.» # فغصت بريقها وأطرقت وقد تولتها الحيرة وتحرك قلبها فتذكرت منزلة سالم عندها وهي تجله ~~وتنزهه عن كل عيب فكيف تسمع هذا القول وتسكت فصاحت «كلا ... إن سالما شهم لا يستحق هذه ~~الإهانة ... إن عمه قد ظلمه.» وشرقت بدموعها. # فقال: «لله أنت يا لمياء ... بل لله من الحب ما أقوى سلطانه ... إن أبا حامد هو الذي رغبنا في ~~سالم ثم هو اليوم يقول إنه جبان لا يليق بك ... ومع ذلك فإن وصولك إليه لا يكون إلا بقتل ~~المعز وقائده فهل نعود إلى عزمنا الأول؟» # فأجفلت وقالت: «لا ... لا ... إن أمير المؤمنين لا يستحق ذلك.» # قال: «وهل جوهر يستحقه؟» # قالت: «لا.» # قال: «وهل الحسين يستحقه؟» # فلما سمعت اسم الحسين شعرت بإحساس يشبه ما شعرت به ساعة وداعه تلك الليلة - إذ ودعته وقد ~~سحرها بمروءته وسعة صدره ms077 - فسكتت وتوردت وجنتاها وتسارعت دقات قلبها وغلبت على أمرها. ~~فأطرقت والدموع تتساقط من عينيها وأبوها يراعي حركاتها ثم قال: «لا بد من قتل الخليفة ~~وقائدة أو التخلي عن سالم الجبان ...» # فصاحت وقد تحيرت في أمرها: «لا هذا ولا ذاك ... لا تقل الجبان إن سالما ... آه ويلاه كيف ~~أسمع هذا القول فيه؟» وعادت إلى البكاء. # الفصل التاسع والعشرون # | الثعلب # وهي في ذلك سمعت وقع خطوات مسرعة خارج الخيمة، فالتفتت فإذا بأبي حامد قد دخل وهو متزمل ~~بعباءته، وعلى رأسه عمامة صغيرة قد لاكها حول رأسه على غير نظام كأنه ناهض من ~~الفراش. # فحالما دخل لم تستطع لمياء عند رؤيته غير النهوض احتراما، فأسرع إليها وأقعدها وهو يقول ~~«لا تذكري سالما بفيك. إنه ابن أخي بل هو بمنزلة ابني ولكنني أنكرته منذ أمس وهو غير أهل ~~لك وأنت أعلم الناس بالسبب ... ومع ذلك فهو ليس هنا. ومن كان مثل لمياء التي جمعت شجاعة ~~الرجال إلى لطف النساء وقد عرفناها صادقة اللهجة مخلصة الطوية يجب أن تتغلب على قلبها وتعمل ~~بعقلها وكفى ...» قال ذلك وقعد بجانب حمدون. فقالت - وهي تغص بريقها: «مهما يكن من الأمر إني ~~لا أطيق أن أسمع مثل هذا القول في سالم ... دعونا منه.» # فقال أبوها: «وهذا ما أدعوك إليه الآن ...» وأظهر الاهتمام وتطاول نحوها كأنه يريد أن يهمس ~~في أذنها، وقال: «هذا أخي أبي حامد قد رأى مثل رأيي في هذا الأمر وقد وجد القرار الذي سبقنا ~~إليه لا يليق تنفيذه فعزمت على أن أستقدمك؛ لأقص عليك ما جرى وكنت أعتقد أنك تتلقينه ~~مسرورة، فإذا أنت تجادليننا في سالم فإذا لم يعجبك رأينا الجديد عدنا إلى القديم.» # فخافت أن يغضب أبوها فيرجع إلى سوء رأيه فقالت: «قد رضيت لكنني أتقدم إليكم أن لا تذكروا ~~سالما بسوء ... لنرى ما يأتي به القدر.» # فقال أبو حامد: «نسكت عن سالم ولكننا فرحون بما اجتمع عليه رأينا، وسنحتفل بقرانك في هذه ~~الساحة احتفالا لم يسمع بمثله ونزفك إلى الحسين بن جوهر بحضور الخليفة ms078 وإذا كان سالم ~~أهلا لك فليأت ويأخذك بنفسه ... وقد عهدنا المحبين يتفانون في هذا السبيل ولا يفعلون ما فعله ~~سالم من الفرار الذي تعلمينه ... دعينا منه. لا أحب أن أعود إلى ذكره إكراما لك.» # فسكتت وهي ترى الصواب في العدول عن سالم بعد ما رأته من تصرفه فضلا عن البواعث القاهرة ~~التي ألجأتها إلى القبول بغيره لكن قلبها لم يطاوعها على الارتياح لذلك الاقتراح فجعلت ~~قبولها مشفوعا بانتظار ما يأتي به الغد أو ما تدبره الأقدار. # انفضت تلك الجلسة على هذه الصورة فرجعت لمياء إلى المنصورية تنتظر أمر والدها في ~~القدوم عليه قبيل الزفاف، ومكث حمدون وقد اطمأن خاطره ووطن نفسه على الاكتفاء بالقربى من ~~المعز لدين الله ولو مؤقتا وقد شفع قبوله أيضا بانتظار ما يأتي به الغد. # الفصل الثلاثون # | أبو حامد # أما أبو حامد فخرج من تلك الجلسة وقد ضاقت نفسه من حبس إرادته وأتعبته المراوغة ~~وتكلف الظهور بعكس ما يضمره. فما صدق أنه عاد إلى فسطاطه وخلا بنفسه حتى تنفس الصعداء وقد ~~هاجت ضغائنه وغلت مراجل صدره وأصبح يزمجر كالشبل الجريح. وأمر حارسه أن لا يدخل عليه أحدا ~~وجعل يخطو في الفسطاط ذهابا وإيابا وهو مطرق يعمل فكرته ويستحث قريحته في تدبير حيلة ~~ينال بها غايته. وقد عظم عليه عدول حمدون عن قتل المعز ولم يكن أسهل عليه من أن يقنعه ~~بما له من السلطة على أفكاره لكنه خاف رجوعه مرة أخرى على غرة وربما باح بسره فيعود ذلك ~~وبالا عليه. فأظهر ارتياحه إلى رجوعه، وأضمر أن ينفذ غرضه بنفسه فيقتل المعز وقائده وقد ~~يقتل حمدون وابنته وزوجها؛ فإنه لا يبالي من يقتل أو لماذا يقتل في سبيل غرضه. # قضى مدة في هذا التفكير وهو يخطو ذهابا وإيابا، ثم جعل يناجي نفسه قائلا: «أنا أبو ~~حامد حامل سيف النقمة ... اطمئن بال هذا الأمير المغرور وسكن خاطره واعتقد أني أطعته في ~~العدول عن قتل ذلك الطاغية كما اعتقد أولا أني أسعى في هذا القتل إكراما لخاطره لأعيده ~~إلى ms079 سرير ملكه في سجلماسة وصدق أنه من آل مدرار أصحاب تلك المملكة العظيمة. وهو يعلم أنه ~~دعي في نسبهم؛ لأنهم انقرضوا منذ أعوام. ولكنه حسبني أقول ما أعتقد فوافقه قولي ورضي بذلك ~~النسب وبنى عليه حقه في إمارة سجلماسة ووافقني أيضا على الفتك بالمعز وقائده وأنا أعلم ~~ضعفه وتردده وطالما خفت رجوعه. فأحمد الله لرجوعه الآن قبل أن أدبر طريقة الفتك وأطلعه ~~عليها فإذا انقلب بعد ذلك أخاف أن يبوح بها لصديقه ومولاه المعز فيذهب سعيي عبثا ... أما ~~الآن فإني أكتم تدبيري عن كل إنسان وسأجعله قاضيا عليهم أجمعين ... أبا عبد الله! إني ثائر ~~لك. نم هادئا إن دماء أعدائك سأجريها في قناة حتى تدرك قبرك فترتوي أنت منها كما أرتوي أنا ~~هنا. في فج الأخيار مستودع القوة فإذا فرغت من قتل هؤلاء الأعداء عدت إلى إتمام مهمتي. أنا ~~أبو حامد ويل لهم من نقمتي.» # وكان يناجي نفسه وهو يمشي، ثم يقف، ثم يمشي كالحيران ويعبث تارة بشاربيه وطورا بلحيته أو ~~يقضم أظافره بين أسنانه حتى كاد يدمي أنامله من عظم ما هاج في خاطره. ولو نظر إلى وجهه في ~~المرآة لرأى سحنته مرعبة؛ إذ احمرت عيناه وانتفش شعره لكثرة عبثه به وقد أفسد نظام عمامته ~~ولحيته وشاربيه كأنه خارج من عراك طويل. # ثم تمالك وأخذ يصلح من شأنه ويتظاهر بالسكون وهدوء البال. وأمر غلامه أن يسرج له ~~الجواد. # ركب أبو حامد والغلام ماش في ركابه والشمس في الضحى. وقد تعود الركوب للرياضة فلم يستغشه ~~أحد. ولما صار خارج المعسكر أمر الغلام بالرجوع وقد عوده الكتمان فلا حاجة به إلى التنبيه ~~عليه أن يكتم أمر سيده وجهة مسيره. # أما هو فإنه ساق جواده وأوغل في الصحراء وقد حميت الشمس وانعكست أشعتها على الرمال ~~فظهرت لامعة تتوهج. وأرسل نظره إلى الأفق ليتطلع إلى الجبل الذي يقصده فوجد السراب قد ~~حجبه. ورغم ما تعوده من مشاهدة السراب في البادية في مثل تلك الساعة فقد خدع به. فكان يتوقع ~~أن يرى في أقصى ms080 ما يقع عليه بصره من الأفق جبلا مخروطي الشكل مميزا عما يحف به من الجبال. ~~فأوهمه السراب أن هناك بحيرة تتراءى في مائها صور أشجار تظهر مقلوبة وخيل له أنه يرى قوارب ~~سابحة على سطح البحيرة. # شغله ذلك المنظر برهة وإن لم يصدقه وكلما اقترب من المكان انجلى له حتى وصل إلى الجبل ~~وأكثره أجرد وفيه كثير من الكهوف والشقوق على شكل يندر بين الجبال. # فساق جواده في منعطف صاعد يصعب سلوكه لضيقه حتى دار من وراء الجبل وهو لا يسمع غير وقع ~~حوافر جواده أو صهيله. وإذا أطل أشرف على سهل رملي ليس فيه شيء من العمارة. # وكان وهو سائق يتلفت إلى الوراء حذرا من أن يكون أحد في أثره حتى اقترب من مغارة عظيمة ~~لها باب كبير منقور في ذلك الجبل فتنحنح نحنحة خاصة فسمع مثلها في قاع المغارة فساق فرسه ~~حتى وقف في الداخل. فسمع مناديا يقول والصدى يردد قوله: «ادخل يا مسعود.» # الفصل الحادي والثلاثون # | التدبير # فترجل ودخل وهو يقود الفرس بزمامه وراءه. وكأن الفرس أحس برطوبة المكان فتوالى عليه ~~العطاس ودوى صوت عطاسه دويا يزيده إجفالا واستغرابا. # وبعد مسير بضع دقائق انتهى إلى بقعة منيرة فيها ما تقشعر له الأبدان من أشكال الحيوانات ~~المتضادة في طبائعها مما لا يخطر ببال كالثعابين والسحالي وأنواع الضب والطير والحمام بين ~~سارح ومنساب وواثب. وبينها حية مهولة قد التفت على جزع شجرة منصوب لها هناك ورأسها يتلوى ~~ذات اليمين وذات اليسار. وأخرى تنساب بين الأحجار الملقاة على الأرض. ولو لم يكن قد تعود ~~المجيء إلى ذلك المكان ومشاهدة تلك المناظر واعتقاده أن تلك الدبابات لا تؤذيه؛ لأنها ~~مسحورة لأجفل وخاف. أما الفرس مع أنه كان يصطحبه كل مرة فلم يألف ذلك المنظر المريع فاضطرب ~~وضرب الأرض بحافره وصهل وتراجع وأبو حامد ممسك بزمامه ينتظر أن يأتي من يتناوله منه. وإذا ~~بعبد عظيم الجثة برز من بعض أطراف تلك البقعة وألقى التحية فرد عليه أبو حامد. فتقدم العبد ~~وقبل يده ms081 وتناول زمام الفرس ومشى به إلى مكان يربطه فيه. # ثم مشى أبو حامد في طريق تجنب فيه العثور بشيء من تلك الحيوانات حتى دخل دهليزا منقورا ~~بالصخر، ولو زار ذلك المكان أحد علماء الآثار اليوم لتحقق أن تلك المغارة من بقايا ~~الأبنية القديمة في العصور الغابرة؛ لأنها منقورة في الصخر وربما كانت في الأصل قبورا ~~أو هياكل وتنوسي خبرها حتى أصبحت مسكنا لكاهنة ساحرة لا يصطلى لها بنار. وكان أبو حامد ~~قد عرفها منذ أعوام واستعان بها في كثير من شئونه. وهي من خلفاء كهان البربر قبل الإسلام، ~~اتصلت إليها هذه الصناعة من أجدادها وهي تخاف الظهور فاستترت هناك ولا يصلها إلا ~~القاصد. # ولم يمش أبو حامد قليلا حتى دخل حجرة منقورة في الصخر أيضا وفي صدرها دكة من الحجر قد ~~تربعت عليها عجوز شمطاء بلباس غريب الشكل فيه من كل لون قطعة. شعرها ناصع البياض وقد ~~انتفش واشتبك فأصبح منظرها مخيفا. وهي في الأصل سمراء اللون ولكن الشيخوخة جعلت لونها ~~أقرب إلى السواد وتجعد جلدها وغارت عيناها وتدلى حاجباها الغليظان نحو الأمام فأصبحت عيناها ~~كالمصباح يتراءى من وراء نافذة مظلمة. تحتها أنف غليظ قصير فيه حلقة من العاج أدخلت في ~~أنفها كالخزام منذ صباها على يد ساحرة كان لأهلها ثقة في علمها واعتقدوا أن وجود ذلك ~~الخزام من أكبر أسباب مهارتها. وناهيك بما في أذنيها من الأقراط وفي عنقها من العقود وحول ~~زندها من الأساور وفيها الذهب والفضة والعاج. وقد جلست على جلد دب وألقت على كتفيها جلد نمر ~~وفي حجرها ثعبان غليظ قصير تتلاهى بملاعبته. # فلما أطل أبو حامد عليها رحبت به بصوت جهوري وقالت: «أهلا بولدي مسعود ... قد أطلت الغياب ~~علي ... أين كنت؟» وأشارت إليه بعصا طويلة - كانت بجانبها - أن يقعد على دكة بين يديها فقعد ~~وهو يقول: «كنت في عملي الذي تعلمينه.» # فقالت: «قد آن لك الظفر يا مسعود ...» وهو الاسم الذي تعرفه به فأبرقت أسرته؛ لأنه كان ~~يعتقد صدق فراستها واقتدارها على كشف المخبآت حتى ms082 جعلها مستودع أسراره من أيام أبي عبد الله ~~الشيعي. وكانا يأتيانها أحيانا ولها دخل في جمع كلمة قبائل البربر الذين نصروا أبا عبد ~~الله في تأييد العبيديين. فكان أبو حامد لذلك عظيم الثقة بها لا يأتي عملا هاما إلا ~~شاورها فيه. فتنصحه وهو لا يزداد إلا ثقة بها. وقد جاءها في ذلك اليوم لأمر لا يخفى على ~~القارئ، ولا هو يخفى على تلك الكاهنة الشمطاء؛ لأنها كانت مشرفة على أخباره - ليس مما ينقله ~~هو إليها ولكن لها جواسيس مبثوثين في البلاد لمثل هذه الغاية - فلما قالت له ذلك استبشر ~~واعتقد صدق قولها؛ لأنها كانت متسلطة على أفكاره مثل تسلطه على أفكار الآخرين، فقال لها: ~~«هل علمت ذلك يا خالة أم تسألينني؟» # فنظرت إليه شزرا وقالت: «ومتى كنت أستشيرك يا جاهل.» # فضحك وجعل يعتذر لها عن جسارته، وكانت وقاحتها هذه من أسباب تمكين هيبتها فيه، فمد يده ~~إلى جيبه واستخرج صرة فيها نقود دفعها إليها وهو يقول: «بارك الله فيك ... صدقت قد دنا الفرج ~~... اقبلي هذه الدراهم طعاما لأولادك هؤلاء.» وأشار إلى الثعبان الذي في حجرها وهو يظهر ~~المزاح. # فمدت يدها وتناولت الصرة وهي تهز رأسها هز الإعجاب وتقول: «لا تقل دنا الوقت بل قل ~~أتى ... لم يبق إلا خطوة صغيرة.» # قال: «نعم يا سيدتي إنها خطوة ولكنني أراها شاقة ...» # قالت: «أين صرت الآن؟» # قال: «سأجمع الرجلين في مكان واحد وإنما أحتاج إلى رأيك في كيفية القتل ... بالخنجر أم ~~بالسم.» # فضحكت ضحكة دوى لها المكان وكشرت في أثناء القهقهة فبانت نواجذها وأصبح فمها كالمغارة ~~المظلمة. ثم أطبقت فاها فجأة وأطرقت وقد تغيرت سحنتها وأبرقت عيناها ومدت يدها إلى علبة ~~صغيرة بجانبها تناولت منها مسحوقا وضعت بعضه في فيها وجعلت تتلاهى بامتصاصه ومضغه. ثم ~~رفعت بصرها إلى أبي حامد وكانت الصرة لا تزال بيدها فرمتها إليه وقالت: «لا حاجة إلى أولادي ~~بدراهمك.» # فأدرك أنها استقلت المبلغ فاستخرج صرتين أخريين ودفع الكل لها وهم بتقبيل يدها تزلفا ~~واسترضاء، وهي تتجنى وتترفع. لكنها تناولت ms083 النقود وقالت: «إن طلبك لا يقدر بالمال وأنا ~~أعينك فيه إكراما لذلك المقتول ظلما ... انظر ... سأعطيك مسحوقا الذرة الصغيرة منه تقتل ~~فيلا كبيرا ... وإذا لم تصدق جرب ...» وضحكت وليس ضحكها إلا عبارة عن تكشير شفتيها بدون أن ~~يرافق ذلك ملامح الضاحكين. ثم أمرت الثعبان الذي في حجرها أن ينصرف فانساب إلى وكره. # فنهضت وهي تتوكأ على عكازها الغليظ وأشارت إلى أبي حامد أن يمكث في مكانه ريثما تعود. ~~فمكث على مثل الجمر وهو يتبع الساحرة ببصره وقلبه يختلج خوفا من أن يثب عليه الثعبان وهو ~~يعتقد أن الموت في نابيه رغم اعتقاده أنه مسحور. وفاته أن تلك الثعابين قد أقلعت أنيابها ~~السامة ولولا ذلك لقتلت صاحبتها؛ لأنها لا ترعى ذماما. # فاستبطأ الساحرة فقال في سره: «ألا يخشى أن تخونني هذه الملعونة إذا أغراها سواي بمال ~~كثير؟ فيجب أن أقتلها قبل خروجي من هنا.» ولكنه يعلم أن لها أعوانا ربما كانوا مختبئين ~~هناك فعدل عن القتل وعزم على إطماعها بالمال الكثير خوفا من غدرها. # وبعد قليل عادت وفي يدها حق من الأبنوس فتحته وأرته فيه مسحوقا أبيض وقالت: «احذر أن ~~تمسه بيدك؛ لأن ما يعلق منه بطرف إصبعك كاف لإزهاق الروح.» ثم أقفلت الحق ودفعته ~~إليه. # فتناوله وقبل يدها، وقال: «لا تظني أني أنسى فضلك فإني معد لك هدية ثمينة سأدفعها إليك ~~بعد الفراغ من هذا العمل.» # قالت: «لا حاجة بي إلى هدية ... خذ هذا الحق وامض إلى سبيلك.» # فتناوله وخبأه في جيبه وودعها وخرج. فرأى العبد في انتظاره فركب الجواد وعاد إلى فسطاطه ~~وهو يمني نفسه بالفوز. # الفصل الثاني والثلاثون # | الاستعداد # أما حمدون فقضى ذلك اليوم في فسطاطه وذهب في الغروب لتناول الإفطار على مائدة المعز ~~كأمس وقد أخلص النية في مصادقته. وهكذا كان يفعل كل يوم من أيام رمضان ولمياء في قصر المعز ~~معززة مكرمة وأم الأمراء تواليها بالإكرام والإيناس. # وقبل انقضاء رمضان ببضعة أيام أرتها القصر الذي ستعيش فيه بعد الزفاف وقد ملأته لها ~~بالرياش والأثاث والتحف والجواري ms084 والغلمان. غير ما أهدتها إياه من المجوهرات والثياب ~~الثمينة. # ولما دنا عيد الفطر أخذ حمدون يهيئ معدات الاحتفال في معسكره وهو لا يعمل إلا ~~بمشورة أبي حامد، فأشار عليه هذا أن ينصب السرادقات على مرتفع بين يدي المعسكر، فنصبها على ~~أكمات مشرفة على ساحة كبيرة ليلعب فيها الفرسان على الخيول، وفي مقدمة السرادقات سرادق ~~كبير نصب فيه المقاعد للمعز وقائده ومن يختار أن يكون معه من خاصته. وسرادق للمطابخ تقام ~~فيه الموائد وبينها مائدة خاصة بالخليفة وقائده وابنه وحمدون. واختص خدمتها بغلام صقلبي ~~من غلمانه الخصوصيين أصله من صقالبة قصور قرطبة. وكان أبو حامد قد عاهده سرا على أمور ~~تطمح أنظاره إليها وحمدون لا يعلم. وزعم أنه اختاره لهذه المائدة لمهارته في خدمة ~~الموائد؛ لأنه تعود ذلك في قصور المروانيين في قرطبة وقد أتقن معالجة الأطعمة. وكان ~~هذا الصقلبي قد استسلم لأبي حامد وأصبح يتفانى في تنفيذ أغراضه ولا يبالي ~~بعواقبها. # وكان لأبي حامد سلطة خصوصية عليه من قبيل ما يعرف اليوم بالتنويم المغنطيسي، ولم يكن ~~يعرف يومئذ بهذا الاسم. ولكن أبا حامد كان إذا أحب أن يستهوي هذا الغلام اختلى به وسقاه ~~شرابا مخدرا ينعشه ويضعف إرادته ثم يأمره بما يريد فيصبح أطوع له من بنانه. وهو ينسب ~~ذلك التأثير إلى فعل الشراب، والحقيقة أنه يستهويه بقوته المغنطيسية فإذا أمره بعمل ~~وعين له وقته؛ لا بد من تنفيذه. # فلما عزم أبو حامد على ما نحن فيه استهواه قبل يوم الاحتفال ودفع إليه الحق وأمره أن يضع ~~منه شيئا في الأقداح التي يسكبها للخليفة وقائده وحمدون والحسين بن جوهر. # ونظر أبو حامد في ما يعمله إذا نفذت حيلته فأرسل خاصته إلى مكان بعيد عن المعسكر من ~~جهة الطريق المؤدي إلى مصر أعد فيه ما يحتاج إليه من وسائل النقل حتى إذا نجحت مكيدته ~~فر إلى مصر يلاقي فيها سالما ويتممان مهمتهما بمساعدة صاحبها بفتح القيروان وإدخالها ~~في حوزة الخليفة العباسي. ويكون ذلك سهلا عليه بعد قتل الخليفة العبيدي وقائده. لكنه ms085 ظل ~~خائفا من لمياء؛ لئلا تكون مطلعة على بعض سره من حيث مخابئه ومعداته فأعد لهلاكها وسيلة ~~أخرى. # الفصل الثالث والثلاثون # | موكب الخليفة والسباق # دبر أبو حامد ذلك كله خلسة ولم يشعر به أحد وظل مشتغلا من جهة أخرى بإعداد مهمات ~~الاحتفال. وقبل يوم الفطر ببضعة أيام نقلت لمياء إلى فسطاط أبيها على أن تزف من هناك ~~إلى الحسين في المنصورية على العادة الجارية عندهم. وفى صباح يوم الفطر كان معسكر حمدون ~~غاصا بالسرادقات والأعلام. وبعد الظهر خرج الخليفة بموكبه من قصره في المنصورية وعليه ~~لباس العيد تحف به حاشيته من الأمراء والصقالبة. وقد امتطى فرسا من جياد الخيل ومشى بين ~~يديه الأمراء والقواد إلا قائده جوهر فإنه أمره أن يسير راكبا بجانبه. # فلما أطل موكب الخليفة على ذلك المعسكر خرج حمدون لاستقباله بالاحترام ومشى بين يدي ~~الجواد حتى وقف أمام السرادق المعد لجلوسه. # فترجل الخليفة وقائده وأومأ إلى الحسين بن جوهر أن يصعد معهما إلى دكة في صدر السرادق ~~مفروشة بالبسط والوسائد. وقد أوقدت مباخر الند والعود في جوانب السرادق وغرست الأعلام ~~ببابه. # فجلس المعز في الصدر وأمر قائده أن يجلس إلى جانبه والحسين بين يديه. وكان الحسين ~~أكثرهم فرحا وقلبه يطفح سرورا لما اتفق له من الحفاوة في عرسه مما لم يتيسر لسواه. كيف ~~لا وقد خرج الخليفة المعز لدين الله من قصوره إلى تلك الساحة إكراما له ولم يبق في ~~الأمراء والقواد إلا من حسده على هذه النعمة. وتقدم حمدون للترحاب بالخليفة عند جلوسه وأكب ~~على يده كأنه يهم بتقبيلها اعترافا بما خوله من الالتفات بتلك الزيارة وقد أخلص النية في ~~طاعته. ثم سأل الخليفة عمن يريد أن يجالسه في سرادقه من الشعراء فاكتفى بابن هاني (متنبي ~~الغرب) وكان حمدون قد أعد له ولأمثاله مقاعد في جوانب السرادق. # جلس المعز ووراء مقعده صقلبيان يحملان المذاب من ريش النعام كالمظلة فوق رأسه. وهو ينظر ~~إلى ما يشرف عليه من السرادقات الأخرى. التي أعدت لجلوس خواصه ورجال حاشيته. واختص ms086 بعض ~~أمرائه بالجلوس معه في سرادقه وأمام ذلك السرادق ساحة فسيحة قد سويت أرضها وفرشت ~~بالرمال للعب الخيل. # ووقف حمدون بين يدي المعز وجعل يقدم له أمراء سجلماسة واحدا واحدا ويسميهم بأسمائهم ~~وفي جملتهم أبو حامد واختصه عند التعريف بعبارات الإعجاب به وأعرب عن إخلاصه للخليفة. فأمر ~~المعز أن يكون من جملة الجلوس في ذلك السرادق. ولم يقصر أبو حامد في تأكيد ولائه وولاء ~~سائر أمراء البربر لأبناء فاطمة الزهراء. وبالغ في الإطراء وهو - كما علمت - فصيح اللهجة ~~قوي الحجة رغم ما في سحنته من الغرابة. فأعجب المعز به وتوجه نحوه وأبدى ارتياحه إلى ~~مجالسته. # فلما استقر الجلوس بالقوم تصدى أبو حامد للترحيب بالخليفة بالنيابة عن صديقه حمدون، فقال: ~~«إن صديقي أمير سجلماسة يحق له أن يفاخر سائر الأمراء بما أوتيه من تنازلكم لوطء بساطه. بل ~~يحق له أن يفاخر الناس كافة وقد وطئ بساطه ابن بنت الرسول # صلى الله عليه وسلم # ولعل صديقي حمدون؛ ~~لفرط امتنانه لا يقوى على تأدية حق الشكر.» # فأعجب المعز بحديث أبي حامد وقطع كلامه على سبيل التواضع وقال: «إننا نقدر الرجال ~~أقدارهم ونحن نعلم فضل صاحب سجلماسة، ومن أخلص الصحبة لنا جعلناه واحدا منا وإن مصاهرته ~~لقائدنا الباسل جعلت له منزلة خاصة من نفسنا.» # فتقدم حمدون عند ذلك وقال نحو ما قاله أبو حامد من عبارات الشكر وأكد للخليفة أنه مخلص ~~في خدمته واستأنف الحديث قائلا: «ألا يأمر أمير المؤمنين بشيء يسر بمشاهدته من ~~الألعاب.» # فأحب المعز أن يزيده استئناسا به، فأجابه باللغة البربرية؛ لأنه كان يحسنها وقال: ~~«كثيرا ما سمعت بمهارة فرسان سجلماسة بركوب الخيل فهل يتيسر لنا أن نراهم يتسابقون؟» ~~وتبسم. # ففرح حمدون بذلك الانعطاف وأسرع وهو يشير بيديه فوق رأسه إشارة الطاعة. والتفت نحو ~~الوقوف بباب السرادق من الرجال وأومأ بإصبعه إلى واحد منهم فهرع، ولم يمض قليل حتى غصت تلك ~~الساحة بالخيول عليها الفرسان بالألبسة الفاخرة على زي أهل سجلماسة وأكثرهم باللثام على ~~رءوسهم يغطي معظم الوجه. وعلى أكتافهم البرانس ms087 الواسعة نحو ما يلبسه أهل تلك البلاد إلى ~~اليوم. وعلى خيولهم السروج المختلفة وفيها القرابيز الفضة المذهبة أو المنزلة بالعاج ~~وبينها خيول عارية لا سرج عليها وإنما يزينها جمالها الطبيعي. على أن العارفين ~~بطبائع الخيل لا يلتفتون إلى ما على الأفراس من الكساء وإنما ينظرون إلى صدورها وأعناقها ~~وأكتافها، ويتفرسون في عيونها. وكان المعز من أكثر الناس معرفة بالخيل فأخذ يتأمل تلك ~~الأفراس ويجيل نظره فيها كما يفعل العارف الخبير. # وقف الفرسان صفا واحدا عند السرادق وخيولهم لا تستقر في مواقفها ريثما أدوا ~~واجب الاحترام. ثم أشار حمدون إليهم فأخذوا في اللعب على ظهورها ألعابا مدهشة تشغل ~~الخاطر لغرابتها، وفيها ما يبعث على الإعجاب الكثير؛ لأن بعض الفرسان كان يسوق فرسه حتى لا ~~تكاد حوافره تطأ الأرض ويعمد وهو في تلك السرعة فيدور حوله حتى يلتصق ببطنه ثم يعود إلى ~~ظهره ورأى غيره يركب فرسا ويسوق آخر إلى جانبه وينتقل من ظهر الواحد إلى ظهر الآخر ~~والفرسان في أشد السرعة وغير ذلك. فلم يتمالك المعز عن إطراء تلك المهارة ووجه خطابه إلى ~~أبي حامد وقال: «بالحقيقة إن أهل سجلماسة من أمهر قبائل البربر في الفروسية حتى نساءهم فقد ~~بلغني أن فيهن ماهرات يسابقن الرجال.» # فتصدى القائد جوهر للجواب وقال: «نعم يا مولاي إني رأيت ذلك منهن رأي العين في بلادهن.» ~~والتفت إلى ابنه الحسين وابتسم ابتسامة فهم الجميع مراده منها - وهو يعني لمياء على الخصوص ~~- فقال أبو حامد: «أظنك تعني لمياء وهز رأسه هز الإعجاب» فالتفت المعز وقال: «عرفنا لمياء ~~عاقلة حكيمة وسمعنا ببسالتها في ساحة الوغى ... فهل تحسن ركوب الخيل أيضا؟» # الفصل الرابع والثلاثون # | لمياء بين المواشط # وكان حمدون واقفا يسمع ذلك الإطراء بابنته فلم يخطر له أن يعرض على الخليفة رؤيتها على ~~الجواد. لكن أبا حامد غمزه أن يفعل فقال: «هل يريد مولانا أن تخرج لمياء على ~~فرسها؟» # فقال المعز وهو يحك عثنونه: «لا نريد أن نزعجها اليوم؛ لأنها فيما هو أهم من ذلك»، ~~وضحك. # فتصدى أبو حامد ms088 للجواب وقال: «إنها لم تركب الخيل من زمان بعيد وإذا ركبت اليوم فلعلها ~~آخر مرة يتأتى لها ذلك، ومتى صارت في بيت القائد ربما لا يعود يتيسر لها.» # فأشار المعز بالقبول وقال: «طبعا نحن نحب أن نراها ولكن لا نعلم إذا كان الحسين يوافقنا ~~...» والتفت إلى الحسين وابتسم فعد الحسين التفاته نعمة أخرى فأطرق خجلا. # فوقف جوهر بالنيابة عن ابنه وقال: «إنها أمة مولانا أمير المؤمنين، وسيكون لها الحظ كما ~~يكون لنا في سبيل طاعة أمير المؤمنين.» # فأسرع حمدون إلى فسطاطه ليخاطب لمياء بما جرى وهو يعلم أن خروجها في تلك الساعة من ~~أصعب الأمور؛ لأنها ساعة التبرج والتزيين. وتصور أنه سيجدها بين أيدي المواشط والحواضن ~~يزينها ويصلحن من شأنها، ولكن خاب ظنه؛ لأن لمياء لما تحققت إتمام الاقتران وآن الزفاف ~~هاجت عواطفها الكامنة وعادت إلى ذكرى سالم حبيبها الأول. ورغم ما ظهر من ضعفه وتردده فإنها ~~ما زالت تحبه وتتفانى في مرضاته. وإنما كان قبولها بالحسين مؤقتا تنتظر ما يأتي به الغد في ~~أثناء شهر رمضان. فلما جاء عيد الفطر ولم يجد شيء وانتقلت إلى بيت أبيها لتزف إلى الحسين ~~أظلمت الدنيا في عينيها وتحققت أنها لا تلبث أن تصير زوجة لرجل وإن كانت تحبه وتعجب ~~بمناقبه لكنها لا تزال ترى سالما أولى بقلبها منه. واعتقدت أن قبولها بالحسين يعد في شرع ~~المحبين خيانة. فوقعت في حيرة وظهرت الحيرة فيها على الخصوص في صباح ذلك اليوم لما أتت ~~المواشط لتزيينها وإصلاحها. فاستمهلتهن وانزوت في فسطاط أبيها تعمل فكرتها فلما جاء أبوها ~~ليخاطبها بشأن الركوب أخبروه بما فعلت فذهب إليها فوجدها قاعدة على وسادة وحدها وقد أطرقت ~~وبانت الحيرة في عينيها فقال: «ما بالك يا لمياء، لماذا أنت هنا؟» # فأرادت الجواب فسبقتها الدموع فسكتت. # فدنا منها وأمسك بيدها فأحس ببرودتها وارتعاشها وقد بالغت في الإطراق فلحظ الدمع في ~~عينيها فاستغربه. وهو لا يقدر أن يتصور عواطف المحبين؛ لأنه لم يذق طعم الحب، فقال لها: «ما ~~هذا الجنون ... ما بالك؟ لماذا ms089 تبكين؟» # فأفلتت منه وقالت وصوتها مختنق: «أبكي على سوء حظي ... يا لتعاستي!» # فقال: «وأي تعاسة؟ هل في الدنيا فتاة أسعد حالا منك؟ ستزفين بعد ساعات قليلة إلى أنبل ~~الشبان. وهذا أمير المؤمنين قد جاء بنفسه؛ ليكون زفافك على يده. إن ألوفا من الأميرات ~~يحسدنك على هذا الحظ وأنت تشكين من سوئه؟» # فقالت: «إني سيئة الحظ ... دعني الآن ...» # قال: «كيف أتركك وأنا قادم إليك بمهمة من المعز لدين الله ... بلغه أنك ماهرة في ركوب ~~الخيل فطلب أن يراك على الجواد.» # فلما سمعت قوله شعرت بارتياح؛ لأن خروجها على الفرس ينجيها من مضايقة المواشط. وكانت إذا ~~ركبت الفرس اعتزت على صهوته ونسيت كل مصائبها. وهي مع ذلك تحترم إرادة الخليفة. لكنها لم ~~تجد في نفسها ميلا إلى الخروج في تلك الساعة وهي غارقة في القلق والاضطراب فقالت: «كيف ~~يخرج مثلي إلى ساحة السباق؟ إن هذا لم يسمع به.» # قال: «صحيح لكن أمر الخليفة لا يمكن رده. وقد وافق عليه القائد جوهر وابنه ~~الحسين.» # فلما سمعت اسم الحسين عادت إلى هواجسها وندمت؛ لأنها لم تقطع في هذه المسألة من أول ~~الأمر، من يوم خاطبوها بهذا الشأن ... كان ينبغي أن ترفض أو تقبل أو تهرب أو ... ولا ترضخ ~~لذلك التردد شهرا كاملا حتى إذا أزفت الساعة ضاقت بها الحيلة ... # فلما طال سكوتها ظنها آسفة لخروجها من بيت أبيها ودخولها بيت رجل غريب كما يصيب أغلب ~~البنات في مثل هذه الحال. فأمسكها بيدها وأنهضها وهو يقول لها: «اركبي جوادك وانزعي الأوهام ~~عنك ... إنك ذاهبة إلى بيت أعظم من بيت أبيك وستزفين إلى شاب هو أعظم شبان هذه الديار ... قومي ~~... هيا بنا ... إن الخليفة في انتظارنا.» # الفصل الخامس والثلاثون # | لمياء على الجواد # فوقفت ورأت خروجها على الجواد خيرا من بقائها هناك، وخطر لها أنه قد يرميها فتقتل ~~وتنجو من ذلك التردد، فأطاعته ولبست ثوبا يليق بالركوب ولفت رأسها بلثام تعودت أن تلتف ~~به إذا ركبت. وأتوها بفرس من أحسن الأفراس فركبت وساقته إلى الساحة أمام السرادق ms090 والجواد ~~يقطر عرقا. فتقدم إليه بعض الغلمان الواقفين هنا لتلبية الفرسان بما يحتاجون إليه من ~~التقاط حربة سقطت أو إبدال رمح كسر، وفيهم من يمسح عرق الخيل أو يغسل وجوهها تنشيطا لها. ~~فتقدم أحدهم وبيده وعاء فيه ماء وإسفنجة بلها بالماء ومسح وجه الجواد وأخذ بتنشيفه ~~ولمياء على ظهره كالجبل الراسخ. # ولم يكد الغلام يفرغ من عمله والخليفة يتوقع أن تبقى لمياء واقفة تنتظر أمره. فرآها ~~أشارت إليهم إشارة الوداع كأنها راجعة إلى خدرها. # وإذ بالجواد قد عاد بها عدوا سريعا عن غير إرادتها كأنها وخزته بحربة في جنبه. ولم تشأ ~~أن توقفه؛ لئلا يظهر ذلك مظهر الخوف منها فأطلقت له العنان على أن توقفه هناك وهي بعيدة عن ~~سرادق الخليفة. فظنها أهل السرادق أنها فعلت ذلك عمدا على أن تعود رأسا إلى فسطاطها. أما ~~هي فأرادت أن توقف الفرس فلم تره يزداد إلا عدوا على غير هدى كأنه أصيب بجنة. # وعبثا حاولت كبح جماحه. ثم رأته يتوغل بها في الشعب والجبال وهو يشخر ويصهل ويهز رأسه. ~~وأرادت أن تحوله نحو المعسكر فلم يطعها. وبعد قليل التفتت إلى ورائها فرأت أنها صارت على ~~مسافة بعيدة من المعسكر وقد توارى عنها المعسكر والمنصورية جميعا والجواد سائر فيها شرقا ~~جنونيا. # مرت بها دقائق رهيبة خطر لها في أثنائها خواطر عديدة. وفى جملتها أن جموح ذلك ~~الجواد قاتلها لكنه قد ينقذها من ترددها ووخز ضميرها، وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب ~~وأخذت الظلال تستطيل ولمياء توغل في الوعر وتبعد عن العمران. # فثبتت نفسها على الجواد كأنها قطعة منه وهي لا تخاف الوقوع عنه لكنها تحققت أنه أصيب ~~بشيء كالجنون أو أنه أهيج بوخز أو عقار مهيج؛ لأنه لم يكن يعدو في طريق معروف بل كان تارة ~~يهبط واديا وطورا يصعد جبلا والحجارة تتطاير من بين حوافره. ولم يقع بصرها على أحد ~~تستنجده أو تستأنس به. فعزمت على التحول عن الجواد وهو راكض - ولا يعجزها ذلك لتعودها ~~مثله - ولكنها لم تكن تجد أرضا رملية ms091 أو ترابية تثب إليها. # وهي تفكر في ذلك اصطدم الجواد بصخر فانتثرت هي عن ظهره بقوة الاستمرار وقذفت إلى مسافة ~~بضعة أذرع، فوقعت في حفرة هناك قليلة العمق فغابت عن رشدها. # ولم تنتبه إلا وقد أظلمت الدنيا وظهرت النجوم فأرادت النهوض فأحست بألم في جنبها فلم تجد ~~فيه كسرا وإنما هي رضوض. ثم أحست بشيء يسيل على عنقها فتلمسته فإذا هو دم بارد. فعرفت أنها ~~أصيبت بجروح فتجلدت وتماسكت، ثم توكأت على ما بين يديها ونهضت وهي تستند إلى جدار الحفرة. ~~والتفتت إلى ما حولها فرأت أنها في بلقع، ولم تقو على الوقوف فسقطت، فأخذت تفكر بما حل بها ~~وصبرت نفسها ريثما تستريح وجعلت تجس أعضاءها لتتحقق نجاتها من كسر أو صدع، فوجدت أنها ~~سليمة ليس فيها غير الرضوض. # وشغلها اضطرابها عن خوف الحشرات المؤذية وهي كثيرة هناك. # وأخذت تناجي نفسها قائلة: «ألم يكن من الحكمة أن أصاب بكسر في عنقي بهذه الصدمة فأموت ~~وأنجو من متاعبي؟ فيكون الله قد استجاب دعائي وأنقذني من عذاب التردد؟ يا ربي ما العمل ~~الآن؟» # ثم تزحزحت لتجرب قوتها فسمعت خشخشة ثعبان ينساب بين الأحجار وراءها. فقف شعرها وهمت ~~بالنهوض لتخرج من ذلك المكان - ولم تكن تخاف الثعابين إذا قابلتها في النور لكنها خافت ~~الغدر. # الفصل السادس والثلاثون # | رسول غريب # وهي تهم بالنهوض سمعت وقع حوافر مسرعة فأسرع الثعبان في الانسياب حتى توارى وخفق ~~قلبها فالتفتت فرأت أشباحا كالفرسان يزيد عددهم على عشرة يسوقون أفراسهم. فحدثتها نفسها ~~أن تستغيث بهم ولم تكد تهم بذلك حتى سمعت بينهم صوتا يقول: «هل رأيتم أحدا؟ لا شك أنها ~~قتلت.» # فأجابه الآخر: «لا بد من ذلك؛ لأننا رأينا الجواد مقتولا فهل تبقى هي حية؟» # وتوسمت في صوت الأول لحن أبي حامد فغالطت نفسها وأحبت أن تتحقق ظنها فانزوت في مكانها ~~حتى اقترب القوم منها فقال أحدهم: «لقد تمت حيلتنا ولا يلبث ذلك الدعي أن يموت هو ~~وقائده قبل أن يتناولا العشاء انظروا هذا هجان قادم من طريق مصر ms092 ... تربصوا له.» # فأصبحت لمياء من شدة تأثرها تنتفض كالعصفور بلله القطر. وخانتها قواها وأدركت أن ~~القوم أبو حامد ورجاله وأنه الذي دبر لها هذه المكيدة بشيء وضعوه للجواد في أنفه عند غسل ~~وجهه. وحدثتها نفسها أن تصيح فيهم فعلمت أنها إذا فعلت قتلوها لا محالة وهي لا تريد أن ~~تموت على أيديهم، فتجلدت، وأخذت تنظر إلى الجهة التي تظن الهجان قادما منها. فرأت هجانا ~~مسرعا سرعة البرق فاعترضه الفرسان وأوقفوه وسأله أحدهم قائلا: «إلى أين يا رجل؟» # قال: «إلى المنصورية.» # قال: «ومن تريد؟» # قال: «أريد أمير المؤمنين المعز لدين الله.» # قال: «وما الذي تحمله إليه؟» # قال: «أحمل إليه رسالة من مصر.» # قال: «أين هي؟ هاتها ... إننا من رجاله.» # قال: «لا أسلمها إلا إليه ... دعوني أسير في طريقي.» قال ذلك وأدار زمام هجينه فاعترضوه ~~ومنعوه وألحوا عليه أن يدفع إليهم الرسالة وهو لا يرضى. فقال له أبو حامد: «إنك كاذب، لست ~~قادما من مصر؛ لأن القادم منها لا يأتي منفردا في هذه الصحراء ... اصدقنا وإلا ~~قتلناك.» # قال: «كنت قادما في قافلة نزلت عند الغروب على ماء هناك وأسرعت وحدي لتبليغ الرسالة؛ ~~لأنها مستعجلة لا بد من إيصالها قبل انقضاء هذا اليوم.» # فقال أبو حامد: «لا شك أنك كاذب، بل أنت لص أو جاسوس، ونحن من رجال الخليفة فإذا كنت ~~صادقا فادفع لنا الرسالة، والخليفة الآن في قصره، لا تدركه إلا وقد نام.» # قال: «إن الرسالة خصوصية له، وقد أمرت أن لا أسلمها إلى أحد سواه ولو كان ابنه. وقد ~~أوصيت أن أدفعها إليه حال وصولي، وإذا كان نائما أيقظته، وإذا كان متكئا لا أمهله أن ~~يجلس قبل أن أدفعها إليه. هذا ما أمرت به، فإذا كنتم من رجال الخليفة كما تزعمون، فدعوني ~~أذهب في سبيلي.» # فقال أبو حامد: «أعطنا الرسالة وإلا قتلناك.» # فقال: «اقتلوني ولا أسلمها إلى لصاحبها.» # ولم يتم كلامه حتى سمعت لمياء استلال الحسام ورأت أحدهم ضرب ذلك الهجان بالسيف على رأسه ~~فسقط عن الجمل قتيلا. وصاح أبو حامد ms093 وهو يقهقه من الضحك: «أوصل إليه الرسالة، أو تمهل، ~~إنكما ستلتقيان في السعير بعد قليل.» # والتفت إلى القاتل وقال له: «فتشه واستخرج الرسالة منه وأدركنا فإننا سائقون إلى موضع ~~القافلة.» قال ذلك وساق جواده وتبعه رجاله إلا القاتل؛ فإنه ترجل عن جواده ووضع سيفه ~~المسلول على الأرض بجانبه حتى يمسحه من الدم بعد الفراغ من تفتيش القتيل. # فتحققت لمياء أن تلك الرسالة هامة ولولا ذلك لم يفضل حاملها القتل على تسليمها، وأعجبتها ~~أمانته وثباته. وكانت كثيرة الإعجاب بالأخلاق العالية. فأسفت لموته وأحست بميل إلى ~~الانتقام له. وكانت قد تجددت قواها أو لعل حماستها نشطتها فتلملمت ونهضت وخرجت من الحفرة ~~خلسة وهي تتسرق والرجل مشتغل بالتفتيش حتى دنت من السيف المطروح بجانبه فتناولته بأسرع من ~~البرق وأطلقته على عنقه فسقط فوق الهجان وثنت عليه بضربة أخرى حتى تحققت موته ثم أزاحته ~~وأتمت التفتيش، فوجدت الرسالة، وهي عبارة عن أسطوانة من القصب الفارسي فيها الكتاب وكان قد ~~خبأها بين أثوابه، وهمت بالجواد فامتطت صهوته وكانت قد عرفت جهة المنصورية منذ رأت الهجان ~~قادما، وحولت شكيمة الجواد نحو معسكر أبيها، وقد عادت إليها قواها تحمسا في مصلحة المعز ~~وأسرعت في إيصال تلك الرسالة لاعتقادها أنها لو لم تكن عظيمة الأهمية لم يؤمر حاملها ~~بإيقاظ الخليفة من نومه لتسليمها إليه، وكانت قد تنسمت من كلام أبي حامد أنهم أعدوا مكيدة ~~لقتل المعز. فعلمت أنها إذا أسرعت أنقذت ذلك الخليفة الذي تحبه وتحترمه، فأحست بنشاط وفرح ~~فهمزت جوادها نحو معسكر أبيها وهي لا تراه لكنها علمت مما حولها أنها متجهة نحوه وقد نسيت ~~حالها ولم تعد تفكر بالدم الذي يسيل على عنقها وكان قد جمد وانسد الجرح ولم يضرها؛ لأنه ~~سطحي. # أما أهل ذلك المعسكر فكانوا لما رأوا لمياء أشارت إليهم إشارة الوداع وركض بها الفرس ~~توهموا أنها عزمت على شوط تركض به فرسها ثم تعود إلى فسطاطها الذي كانت فيه كما ~~تقدم. # وكان أبو حامد هو الذي دبر تلك المكيدة للمياء فدس أحد غلمانه ms094 بين الموكلين بمساعدة ~~الفرسان وأوصاه أن يدس في أنف جواد لمياء مادة حريفة تهيجه وتحمله على الركض بغير هدى، فهو ~~عند ذلك لا يهدأ حتى يتحطم هو وراكبه. # فلما تحقق عمل العقار ورأى لمياء غابت عن أعينهم وسمعهم يتساءلون عن مصيرها أكد لهم أنها ~~ودعتهم ولا تلبث أن تعود إلى فسطاطها، وأخذ يشاغلهم بالحديث وطلب إلى حمدون أن يأتيهم ببعض ~~الألعاب الغريبة ليتسلى الخليفة برؤيتها مما لا مثيل له في القيروان واحتال في الخروج من ~~السرادق، وكان قد أمر رجاله أن يهيئوا أحمالهم ويخرجوا بها من ذلك المعسكر إلى مكان يعرفونه ~~بجانب الطريق المؤدي إلى مصر كما تقدم. # فلما بعد عن المعسكر ركب هو ورجاله وأخذوا يبحثون عن لمياء ليتحققوا قتلها وشاهدوا ~~جوادا في الطريق قد وقع قتيلا بعد أن اصطدم بذلك الصخر وتراجع ودمه يسيل من صدره حتى وقع. ~~فلما رأوه ولم يعثروا بلمياء تأكدوا قتلها في مكان رماها به. # الفصل السابع والثلاثون # | المائدة # أما حمدون فلما دنا الغروب دعا الخليفة إلى العشاء الذي أعده له في السرادق الخاص بمائدته ~~... وذهب الأمراء إلى موائدهم في السرادقات الأخرى ومشى الخليفة إلى المائدة وقد أضيئت ~~السرادقات بالشموع وأحرق البخور في أطرافها ومدت الموائد في أواسطها وعليها أنواع ~~الأطعمة، وذهب حمدون إلى الطاهي القرطبي - الذي تقدم ذكره - وبالغ في وصايته حتى يحسن ~~الوقوف في خدمة الخليفة. # وقبل التقدم إلى المائدة أزفت الصلاة فصلى الخليفة وصلى القوم وراءه، ثم جلس كل منهم ~~في مكانه، ومائدة الخليفة لم يجلس عليها إلا هو وقائده وابن قائده ووقف حمدون يخدمهم ~~بنفسه بمساعدة الطاهي المشار إليه وبعض غلمان آخرين يحملون الأطباق من المطابخ، ووقف سائر ~~الغلمان بأباريق الفضة والقوارير فيها الجوارشنات أو الأشربة الهاضمة وقد شغل حمدون بأضيافه ~~عن التفكير بلمياء؛ لاعتقاده أنها عادت إلى فسطاطها. # فبعد أن تقدمت ألوان الأطعمة - وهي كثيرة ومتقنة - أحس الخليفة بالعناية التي بذلها صاحب ~~سجلماسة في إكرامهم وظهر له الفرق بين الأطعمة التي تعود تناولها في قصره وما تناوله ~~تلك الليلة؛ ms095 لأن العبيديين كانوا إلى ذلك الحين لا يزالون ميالين إلى السذاجة في الطعام ~~واللباس لأسباب تقدم بيانها، أما حمدون فقد تعود وهو بسجلماسة الترف والتأنق بالأطعمة؛ ~~تقليدا للمروانيين في قرطبة. وكان يبتاع أمثال آنيتهم للمائدة من الأباريق والأطباق الفضة ~~والذهب ويوصي الطهاة بمعالجة اللحوم والألوان كما كان الخليفة الناصر يفعل في قصر ~~الزهراء. # فلما صار حمدون في الأسر لم يعد يستطيع ذلك التأنق لكنه في تلك الليلة أوصى الطهاة أن ~~يبذلوا الجهد في إصلاح الأطعمة؛ ليدهش الخليفة ويؤكد له حفاوته وإكرامه - ذلك ما أوعز به ~~أبو حامد وأوصى الطاهي الخصوصي أن يجعل في جملة الأشربة الهاضمة الشراب الذي أمره أن يضع ~~السم فيه. # فلم يتمالك المعز لدين الله عن إبداء إعجابه بتلك الحفاوة وذكر على الخصوص لذة الأطعمة، ~~فقال له حمدون: «إننا تجاسرنا في إخراج أمير المؤمنين عن عادته في الاقتصار على الأطعمة ~~البسيطة التي اقتضاها تقشفه إلى ما تعوده غيره من الملوك المنغمسين في ملذات الدنيا، ~~وإنما فعلنا ذلك على سبيل التجربة فقط.» # فقال المعز: «قد علمنا ذلك ولا بأس به ... ولكن كيف تأتى لك هذا وأنت هنا؟» # فقال: «عهدت بذلك إلى طاه كان من جملة طهاة صاحب قرطبة، وهو كثير التفنن.» وأشار إلى ~~الطاهي الواقف في جملة الواقفين وقال: «هذا الطاهي يا سيدي أتقن من عرفت من الطهاة ~~للأطعمة.» # فالتفت المعز إليه فرآه في أنظف ما يكون من الثياب وقد حمل بيده إبريقا من الذهب وقدحا ~~فابتسم المعز ابتسام من عرف الحق وأغضى عنه وقال: «بمثل هذه الأطعمة أوهنت عزائم أولئك ... ~~لكن لا خوف علينا؛ لأننا لن نعود إلى مثلها بعد الآن ... ما الذي تحمله بهذا الإبريق؟ لم يبق ~~لنا قدرة على طعام.» # فتقدم الطاهي وقال: «هذا يا سيدي شراب هاضم لا تلبث أن تتناول منه قدحا حتى تذهب ~~التخمة وتشعر بالرغبة في الطعام ثانية.» # قال ذلك وصب منه في قدح من الزجاج منقوش وناوله إلى حمدون؛ فأخذ حمدون القدح وجعل يتفرس ~~في ما عليه من النقوش - وهو ms096 من جملة آنية ابتاعها من تاجر حملها من قرطبة. ثم نظر إلى ~~الخليفة وقال: «هذا الشراب الهاضم لم أذقه قبل الآن فإنه من استنباط هذا الطاهي؛ ولذلك ~~ينبغي أن أذوقه قبل تقديمه لأمير المؤمنين.» أو هي عادتهم في الشروع بالطعام قبل ضيوفهم ~~ويعدون ذلك مبالغة في الحفاوة. ثم أدنى القدح من فيه وشربه وأخذ يتلمظ ويبدي الإعجاب. وأمر ~~الساقي فصب في قدح آخر ناوله إلى الخليفة وآخر ناوله إلى القائد جوهر وآخر للحسين. # الفصل الثامن والثلاثون # | قادم مفاجئ # وهم الخليفة أن يتناول الشراب مجاراة لحمدون؛ لأن معدته قد امتلأت بالأطعمة والأشربة؛ ~~فأزعجه دبيب جواد مسرع وقف بباب السرادق وعليه راكب ملثم والجواد يلهث لهثا شديدا وقد ~~تصبب العرق منه من الجهد. # وترجل فارسه وهم بالدخول بلا استئذان فمنعه الحجاب فلم يبال واخترق الصفوف ركضا وبيده ~~أسطوانة من الغاب الهندي حتى دنا من المعز، فخاف القوم أن يكون من جسارته خطر على الخليفة ~~فنهض القائد جوهر والقدح بيده وأمره أن يرجع، فلم يبال بل ظل مسرعا وبانت بقع الدم على ~~لثامه، فلما دنا من الخليفة دفع إليه الأسطوانة وأشار بإصبعه أن يقرأها حالا؛ فتناولها منه ~~وهو يتفرس فيه، وكان الحضور منذ دخل الرسول قد استأنسوا بثوبه وخصوصا؛ حمدون فإنه عرف ~~ابنته من ثوبها فصاح: «لمياء!» # فلم تجبه فلما سمعه الخليفة يناديها انتبه أنها قد تكون هي فقال: «هل أنت لمياء؟» قالت: ~~«لا تعمل عملا يا سيدي قبل أن تقرأ هذه الرسالة.» # فلما سمع صوت ابنته عرفها فأراد أن يدنو منها لمخاطبتها فخانته قدماه وأحس بدوار شديد ~~فسقط على الأرض؛ فاشتغل الغلمان بإسعافه ونقلوه إلى فسطاط قريب، والخليفة ينظر إلى الكتاب ~~وهو يقول للمياء: «من أين هذا؟» ولم يكترثوا لدوار حمدون لاعتقادهم أنه بنج من كثرة الأكل ~~فقالت لمياء: «هو من مكان بعيد وقد أمر حامله أن يعطيه للخليفة حال وصوله ... وإذا كان ~~نائما يوقظ، وإذا كان متكئا لا يمهل حتى يجلس قبل قراءته؛ وهذا ما جرأني على إزعاجكم ~~وأنتم على المائدة ms097 ...» # فدفع الخليفة الأسطوانة إلى القائد جوهر ففضها وأخرج منها لفافة عرف من شكلها أنها من مصر ~~لكنه لم يعهد بينه وبين أميرها صداقة أو علاقة توجب مخابرة ودفع جوهر الرسالة إلى المعز؛ ~~لعلمه أنه يحب أن يقرأ المراسلات بنفسه، وكان القدح لا يزال في يده فأدناه من فيه ليشربه ~~قبل قراءة الرسالة، فأسرعت لمياء وأبعدت القدح عن فيه، وقالت: «قد أمر حامل الرسالة أن يمنع ~~أمير المؤمنين عن كل عمل قبل قراءتها.» # فاستغرب المعز ذلك وأخذ بالقراءة لنفسه والحضور ينظرون في وجهه وخصوصا جوهرا، فرأوا ~~الخليفة قد تغيرت سحنته وبدا الغضب في وجهه وخامره القلق، وأما الحسين فكان في أثناء ~~ذلك لا يرفع بصره عن لمياء وقد أدهشه ما رآه من حالها والدم قد لطخ نقابها وبعض ثوبها، ولم ~~يتجاسر أن يخاطبها في حضرة الخليفة ولاسيما بعد أن رأى تغير وجهه ... وأطال المعز نظره في ~~الكتاب وأعاد تلاوته وهو كالمستغرب لما يقرؤه. وتطاول الحضور بأعناقهم لمعرفة ما حواه ~~الكتاب، لكنهم لم يجسروا على التماس ذلك. # وبعد هنيهة أشار الخليفة إلى جوهر وابنه أن يضعا الأقداح ودفع الكتاب إلى جوهر ونظر إلى ~~لمياء وقال لها: «أين حامل هذه الرسالة؟ ادعيه إلى هنا.» # قالت: «إن حاملها قتل يا سيدي وكدت أقتل معه ولكن الله أعانني لإيصاله إليكم وأنا على ~~آخر رمق.» # فأشار إلى من في السرادق أن يخرجوا إلا جوهرا ولمياء، وأمر الحجاب أن يمنعوا الناس من ~~الدخول حتى الأمير حمدون نفسه ففعلوا، وكان جوهر مستغرقا في تلاوة الكتاب لنفسه وقد أصابه ~~من الدهشة أضعاف ما أصاب المعز، فلما خلا السرادق من الغرباء التفت الخليفة إلى لمياء وقال: ~~«اكشفي عن وجهك وقصي علينا خبرك، إني أرى عجبا وأقرأ أعجب منه.» # فلم يسعها إلا الطاعة فرفعت اللثام عن وجهها وقد لصق بعضه بعنقها من الدم وتغيرت ملامحها ~~من عظم ما ألم بها في تلك الليلة وازدادت عيناها حدة وبسالة وإبراقا. # فقال الخليفة: «ما خبرك؟ من أين أتيت؟» # فقصت عليه ما جرى لها من ms098 أوله إلى آخره وهو يسمع ويستغرب، وينظر في أثناء الحديث إلى ~~قائده كأنه يستطلع رأيه في ما يسمعانه من الغرائب. # الفصل التاسع والثلاثون # | نص الرسالة # فلما أتت على آخر الحديث أصبحت في شوق للاطلاع على فحوى تلك الرسالة لكنها لم تجسر على ~~طلب ذلك، أما الخليفة فإنه كان يسمع كلامها ويتأمل ما يبدو في عينيها من صدق اللهجة ~~والبسالة، فلما وصلت إلى ملاقاة ذلك الهجان وكيف أنها قتلت قاتله وحملت الرسالة لإيصالها ~~سريعا وهي مصابة بالجروح والرضوض لم يتمالك أن قال لها: «لله أنت من فتاة باسلة وصديقة ~~صادقة، أتحبين أن تسمعي نص هذا الكتاب فإني أعدك ابنة لي، بل أنا لا أتوقع من ابنتي أو ابني ~~أن يكون غيورا علي مثل هذه الغيرة ... اقعدي.» وأشار إلى مقعد بجانبه فجلست عليه وأمر ~~جوهرا أن يقرأ الرسالة فأخذ يقرؤها وهذا نصها: # إلى أمير المؤمنين المعز لدين الله من عبده يعقوب بن كلس # أما بعد فإنني ما برحت أذكر نعم المولى وفضله علي وعلى آبائي وأنا أترقب ~~الفرص للقيام بما فرض علي في سبيل نصرته؛ لأني وإن كنت ذميا لم أتشرف ~~بالإسلام فإني قادر على أن أرى وجه الحق بالنظر إلى تنازع المسلمين على الخلافة - ~~وهي حق صريح لآل علي أبناء عم النبي وأبناء بنته. # وإنما اختلسها سواهم طمعا بالدنيا، لكن الحق عاد إلى نصابه بفضل أجدادك الكرام ~~وسيتأيد على يد الإمام المعز لدين الله؛ ولذلك رأيتني لا أدخر وسعا في نصرة الحق ~~وأراقب الفرص في تأدية خدمة تعود على الإمام بالنصر وقد علمت بدسيسة أعدها ~~المبغضون لإيقاع الأذى بالإمام وقائده - أعزهما الله - علمت ذلك بطريقة غريبة في ~~ليلة من ليالي القدر، فلم أنم قبل أن كتبت هذا وبعثت به على جناح السرعة مع رسول ~~غيور، أوصيته بجد السير حتى يصل قبل فوات الفرصة. فأرجو أن يكون قد فاز بذلك وسلم ~~كتابي هذا إلى المولى - أعزه الله ونصره على أعدائه. # وجلية الخبر يا سيدي أني علمت من قرائن مختلفة أن بين أمرائك ms099 العائشين تحت ~~جناحك أناسا يسعون في الكيد لك ولقائدك ويخابرون صاحب مصر لفتح القيروان وإلحاقها ~~بخلافة العباسيين، وكنت إذا سمعت ذلك استبعدته؛ إذ لا يعقل أن يسعى أحد في إبدال ~~دولة بالية خربة من دولة جديدة زاهية، وحدثتني نفسي أن أكتب إليكم بذلك وترددت ~~حينا حتى وقفت بالصدفة على أمر أطار صوابي وأقلقني، وهو ما بعثني على كتابة هذا ~~بوجه السرعة وقلبي يخفق خوفا من تأخره عن الوقت اللازم. # علمت يا سيدي من مصدر وثيق - وقد سمعت بأذني - أن صاحب سجلماسة المقيم في جوارك ~~ورجلا من خاصته اسمه أبو حامد اتفقا على الكيد بك وبقائدك الباسل على أن ينفذ ~~الحيلة في عيد الفطر المبارك وبعثا إلى مصر شابا من رجالهما اسمه سالم يزعم أنه ~~ابن أبي حامد أو ابن أخيه، فهذا الشاب سمعته بأذني يقص خبر المكيدة وهو في حال ~~سكر على امرأة تعشقها. ولكي تتأكد صدق قولي فأنا أذكر من أسماء الأشخاص الذين ~~استعان بهم في هذه المكيدة فتاة أظنها ابنة صاحب سجلماسة اسمها لمياء أظهر لها ~~سالم أنه يحبها ليستخدمها في إتمام هذه المكيدة؛ لأنها من المقربين في قصر مولاي ~~أمير المؤمنين. ولا يطيعني قلمي على التصريح بما دبر أولئك الملاعين - وقى الله ~~مولانا الخليفة من كيد الكائدين - وإذا بلغ كتابي هذا إلى سيدي الخليفة قبل عيد ~~الفطر فهو ناج بإذن الله. # والرسول رجل من المولعين بالحق أنصار العلويين - أيد الله ملكهم - وأنا يا سيدي ~~خادم مطيع لكم أبذل نفسي في سبيل الحق ولا غرض لي غير ذلك، والسلام ا.ه. # ولم يبلغ جوهر إلى آخر الكتاب حتى استولت الدهشة على لمياء وأصابها شبه الدوار من ~~الحيرة؛ لاستغرابها ما تسمعه عن سالم. وانكشفت لها مكيدته وتحققت أنه كان يخادعها؛ فأحست ~~من تلك اللحظة بكرهه وتحول حبها الشديد إلى كره شديد وأصبحت لا تصبر عن الانتقام لنفسها منه ~~... وأطرقت كأنها أصيبت بجمود وشعرت كأن الدم جمد في عروقها واصطكت ركبتاها وتولتها الرعدة. ~~وقد خجلت مما تلي عليها من دخولها في ms100 تلك المكيدة. وكيف أن يهوديا يبعث بخبرها من مصر ~~غيرة على الخليفة، وهي في قصر المعز وقد اطلعت على المكيدة منذ شهر ولم تخبره بها، لكنها ~~التمست لنفسها عذرا أنها دافعت حتى انتهت المسألة على هذه الصورة. # مرت هذه الخواطر على ذهنها في لحظة سمعت في أثنائها الخليفة يقول: «أين صديقنا صاحب ~~سجلماسة.» # فلما سمعت لمياء نداءه تحققت أنه أراد أن يسأله عن المكيدة وخافت وقوعه في الأذى لكنها ~~سكتت لترى ما يكون. فأجاب أحد الغلمان: «إن الأمير حمدون نائم منذ نهض عن المائدة.» # فقال وقد بان الغضب في وجهه: «أيقظوه.» ثم التفت إلى القائد جوهر وقال: «وأبو حامد؟ أليس ~~هو ذلك الرجل الذي قدمه لنا حمدون؟ أحب أن أرى الأمير حمدون لأسأله عن تلك المكيدة وإن كنت ~~لا أصدق دخوله فيها ولكنه سيفصح عن التفاصيل ونرى ما يكون ... أين هو؟ أيقظوه.» # الفصل الأربعون # | حمدون # وإذا بغلمان حمدون يتراكضون وقد أخذتهم البغتة وتقدم أحدهم إلى المعز وقال وهو يغص ~~بريقه: «لم يستيقظ يا سيدي.» وأخذ في البكاء؛ فلما سمعت لمياء بكاءه أسرعت إلى حيث رقد ~~أبوها، فوجدته مستلقيا على مقعد هناك وقد تغير لونه، فازرقت بشرته وغارت عيناه وبانت ~~أدلة الموت في وجهه فصاحت: «وا ولداه! ماذا جرى لك؟» وجعلت تجس يديه ووجهه فإذا هو ميت لا ~~حراك به. فأخذت تناديه وسمع الخليفة بكاءها فأسرع ومعه القائد جوهر فلما رأيا حمدون تحققا ~~موته وعجبا لما أصابه فأمر المعز أن يؤتى بالطبيب حالا فأتى. وحالما وقع نظره عليه صاح: ~~«مات الأمير مسموما. ماذا شرب؟» # فقال المعز أكلنا معا من طعام واحد إلا شرابا صبه الغلام لنا جميعا فشربه هو ولم نشربه ~~نحن ولا تزال أقداحه مملوءة على المائدة ... ومشى الخليفة إلى غرفة المائدة ودل الطبيب على ~~الأقداح فتناول الطبيب قدحا منها وتأمل السائل الذي فيه قليلا وشمه ثم استخرج من جيبه ~~مسحوقا وضع شيئا منه في ذلك الشراب وجعل يتفرس بما يحدث فيه والجميع وقوف ينظرون. فلم ~~تمض برهة حتى تحول ms101 ما في القدح إلى راسب أصفر وتغير لون الماء فصاح: «إن هذا الشراب سام ... ~~من صنعه؟» # فأمر المعز بالقبض على الطاهي الذي تولى تلك الوليمة، فلم يقفوا على خبره وأطرق المعز في ~~أثناء ذلك وأعمل فكرته في ما رآه من الغرائب في ذلك المساء؛ فاتضح له سلامة نية حمدون؛ لأنه ~~لو اشترك بالمكيدة وعلم أن الشراب مسموم لما تناوله. # وأسف المعز لموت حمدون وأمر أن يجهز ويناح عليه ويدفن. والتفت إلى لمياء فإذا هي قد وقفت ~~لا تحير خطابا كأنها أصيبت بجمود، فقال لها: «تعالي يا بنية، رحم الله والدك إنه مات ~~مظلوما، والله يتولاه برحمته فأنت الآن ابنتنا، لا نقول ذلك تعزية لك لكنك أتيت في ~~مصلحتنا ما لا يأتيه الابن الغيور.» ومد يده إلى كتفها وربت عليه بحنو وعطف وقال: «هيا بنا ~~إلى قصرنا في المنصورية واحسبوا أن هذا الفرح لم يكن ... وستجدين هناك أم الأمراء وتأنسين بها ~~...» # فلم تجبه لكنها أخذت في البكاء وهي صامتة تناجي نفسها بأمور لا تخطر لأحد من الحاضرين، ~~لكنها أحست بغضب شديد على سالم وجاشت عواطفها ورأت في نفسها ميلا للانتقام منه. ومن قواعد ~~الحب وطبائع المحبين أن المتفاني في حب شخص يحتمل منه ما شاء من التجني والدلال والإعراض ~~ولا يزداد إلا شغفا وتفانيا، لكنه لا يحتمل الخيانة ... فإذا تأكد أنه خانه في عواطفه أو ~~خادعه أو داجاه لغرض في نفسه انقلب حبه بغضا وصار تفانيه نقمة، فأحست لمياء بميل شديد ~~إلى الانتقام من سالم وقد تحققت خيانته؛ لأنه كان يظهر حبه حيلة للفتك بأعظم المحسنين ~~إليها وإليه. # وأمر المعز أن تقوض الفساطيط والسرادقات ويؤجل العرس إلى وقت آخر فالتفتت لمياء عند ~~ذلك وقد هاجت أشجانها وقالت: «نؤجله يا سيدي حتى ننتقم لنفسنا من الكائدين، فإذا وافقني ~~أمير المؤمنين على ذلك ضاعف فضله علي.» # فقال: «سننظر في ذلك.» وأمر رجاله بالرجوع إلى المنصورية فاشتغلوا بتقويض الخيام، وركب ~~المعز وقائده ولمياء والحسين وسائر الحاشية إلى المنصورية والغلمان يحملون المشاعل بين ~~أيديهم. # وفى ms102 صباح اليوم التالي احتفلوا بدفن حمدون وبكته لمياء بكاء مرا لسبب لا يعرفه سواها، ~~وهو اعتقادها أنه قتل بسذاجته وسلامة نيته ودهاء ذلك اللعين أبي حامد. # وكانت لمياء حال وصولها إلى القصر في ذلك المساء دعتها أم الأمراء إلى غرفتها وأخذت ~~في تعزيتها بعبارات الحنو والحب كما تخاطب الوالدة ابنتها، فأحست لمياء براحة وزادت تعلقا ~~بها. وأيقنت أنها كانت على هدى بإخلاصها لتلك الملكة وإنما شوشوا عليها أفكارها ~~بمكائدهم. # الفصل الحادي والأربعون # | لمياء وأم الأمراء # ولم تطل الملكة الحديث تلك الليلة والميت لم يدفن بعد. ففي الصباح التالي لما علمت بدفنه ~~بعثت إلى لمياء وأمرتها أن لا تفارقها وبالغت في إكرامها وتعزيتها وذكرت الحسين في أثناء ~~حديثها، فتذكرت لمياء أنها لم تشاهده في ذلك اليوم ولا رأته بعد عودته معهم في المساء. ~~فاشتغل خاطرها بشأنه وشعرت بميل إلى رؤيته وودت أن تلتقي به في خلوة لتبث له أمورا ~~تحب أن تساره بها بعدما أصابها من قتل والدها وتغير قلبها على سالم، فلما سمعت أم ~~الأمراء تذكره أحبت أن تغتنم الفرصة وتسأل عنه فغلب الحياء عليها فسكتت. ولحظت أم الأمراء ~~خجلها فقالت: «إن الحسين سيئ الحظ يا لمياء؛ انظري كيف اتفق له في يوم عرسه؟» فقالت - وهي ~~تغص بريقها: «بل أنا التعسة يا سيدتي لأني فقدت سندي الوحيد وهو والدي فأصبحت يتيمة ~~الأبوين.» ومنعها البكاء من إتمام الكلام. # فهمت بها أم الأمراء وضمتها إلى صدرها وقالت: «لست يتيمة يا لمياء و...» # فقطعت لمياء كلامها قائلة: «صدقت يا سيدتي إن من كان تحت ظلك وظل سيدي أمير المؤمنين ~~لا يكون يتيما ... وكفاني حظا وشرفا أن يدعوني الخليفة - حفظه الله - ابنته ... إنها نعمة ~~لم أكن لأحلم بها ... ولكن ...» # فقالت أم الأمراء: «لا لوم عليك إذا بكيت أباك إنه كان بارا وكان يحبك ...» # فتذكرت لمياء ما كان يضمره أبوها من السوء للخليفة وقائده فأحست بوخز الضمير فأرادت أن ~~تصرف ذهنها عن ذلك الحديث؛ لأنه يؤلمها فقالت: «رحمه الله ... وأنا الآن لا أعرف أبا غير ms103 ~~أمير المؤمنين ولا أما سواك.» # وسكتت وهي تتشاغل بإصلاح شعرها وفى خاطرها شيء يمنعها الحياء من ذكره. وكأن أم الأمراء ~~أدركت مرادها فقالت: «إني لم أر الحسين جاء معكم في مساء أمس ولا رأيته اليوم أين هو يا ~~ترى؟» # قالت: «لا أعلم رأيته ركب معنا من المعسكر ثم لم أره.» # فقالت أم الأمراء: «أتظنين الخليفة أرسله في مهمة مستعجلة؟» # قالت: «أنت أعلم مني بذلك.» # قالت: «لا ريب عندي أن أمير المؤمنين يحب أن يراك فهل نذهب إليه وهو يخبرنا عن ~~الحسين؟» # فسرها هذا الاقتراح لكنها لم تظهر الرغبة في الإجابة؛ حياء، ولم تنتظر أم الأمراء ~~جوابها فنهضت وأمسكتها بيدها ومشت بها وهي تقول: «إن أمير المؤمنين وحده في قاعته وقد ~~أخبرني في هذا الصباح أنه لا يريد أن يرى أحدا من الأمراء.» # فقالت لمياء: «لعله طلب ذلك لرغبة في الخلوة، فهل يجوز أن نزعجه بحضورنا؟» فابتسمت ~~وقالت: «لا يزعجه حضوري أو حضورك ولا هو أراد الخلوة للعمل على ما أظن ولكنه أراد الراحة من ~~عناء ما لاقاه أمس، وهو - بلا شك - كثير التفكير فيك هلمي بنا إليه ... وانزعي حجاب الكلفة ~~معه بعد أن دعاك ابنته ونعم الابنة.» # وبعد هنيهة وصلتا إلى غرفة الخليفة، فبادر الحاجب إلى إلقاء التحية باحترام، فقالت أم ~~الأمراء: «ألعل أمير المؤمنين وحده؟» # قال: «كلا يا سيدتي إنه في خلوة مع القائد جوهر.» # فأرادت أن ترجع وإذا بالمعز يناديها من الداخل: «إذا كانت لمياء معك ادخلي.» # فأجفلت لمياء عند سماع اسمها على هذا الأسلوب، وتصاعد الدم إلى وجنتيها فقالت لها أم ~~الأمراء «ألم أقل لك أنه يسر برؤيتك، حتى أكثر من رؤيتي! وقد قال بصراحة أن لا أدخل إلا إذا ~~كنت معي ...» وضحكت وهي تظهر المداعبة، ووسع لهما الحاجب فدخلتا. # وكان المعز جالسا على مقعد والقائد جوهر على وسادة بين يديه وعلى وجهيهما أمارات ~~الاهتمام، فلما دخلت أم الأمراء أظهرت الاحتشام لوجود القائد فابتدرها المعز قائلا: «إن ~~قائدنا كواحد منا فلا ينبغي الاحتشام من وجوده وأنت يا ms104 لمياء ابنتنا وهذا القائد أبوك ~~أيضا.» وأشار إليهما بالجلوس وكان القائد قد وقف عند دخول أم الأمراء فأشار إليه الخليفة ~~أن يجلس وقال له: «نحن في أمر هام نحب أن نشرك القادمتين به ... أنت تعلم تعقل أم الأمراء ... ~~وهذه فتاتنا لمياء قد عرفت ذكاءها وغيرتها على مصلحتنا فلا بأس من دخولهما في الحديث ~~...» # فجلست لمياء وهي مطرقة حياء لهذا الإطراء، فقال لها الخليفة: «لا ينبغي التهيب يا بنية ~~بين يدينا وقد أصبحت ذات شأن في أمورنا؛ لما تأكدناه من تعقلك وصدق محبتك لنا وقد شق ~~علينا ما أصاب والدك ولكن ذلك أمر من الله لا سبيل إلى دفعه ... طيبي نفسا سنأخذ ~~بثأره.» # فلما سمعت ذكر الثأر تغير وجهها وبان الاهتمام في عينيها ونظرت إلى الخليفة وابتسمت ~~ابتسام الامتنان وقالت: «أشكر لك يا مولاي انعطافك نحوي، ولكني أرى الواجب الأول أن ننتقم ~~لأمير المؤمنين؛ لأن ذلك الخائن أراد إيصال الأذى إليه. وقد حماه الله؟» # فابتسم وقطع حديثها قائلا: «وكان الفضل لك بذلك يا لمياء ... فهل يكثر علينا أن نثأر ~~لوالدك - رحمه الله ؟» # فأطرقت وسكتت ثم رفعت بصرها إليه وقالت: «لكنني أرغب إلى أمير المؤمنين أن يدخلني في هذا ~~الانتقام فإني موتورة.» قالت ذلك وقد قطبت حاجبيها وبان الغضب في عينيها. # فقال: «لم نكن لنكلفك شيئا من هذا يا لمياء، كفاك ما أصابك.» # والتفت إلى القائد جوهر وقال: «إني لم أشاهد الحسين في هذا الصباح أين هو؟» # قال: «قد ذهب في مهمة مستعجلة هي من قبيل ما نحن فيه.» # قال: «إلى أين؟» # قال: «أنفذته إلى الجهة التي قالت لمياء إنها شاهدت ذلك الخائن فيها. # وذكرت هناك قافلة أو معسكرا فأمرت الحسين أن يذهب بكوكبة من الفرسان لعله يدرك القوم قبل ~~رحيلهم فيأتينا بذلك الغادر ويكفينا مئونة البحث عنه.» # فقال المعز «بارك الله في همتك وتيقظك.» والتفت إلى أم الأمراء وابتسم وهو يقول: «كيف ~~نلام على تقديم هذا القائد وهو لا يغفل عن مصلحتنا.» # الفصل الثاني والأربعون # | الحسين # أما لمياء فأطرقت وبان الارتباك ms105 في وجهها فلحظ الخليفة فيها ذلك، فقال: «ما بالك ساكتة يا ~~لمياء؟ هل شق عليك ذهاب الحسين ... ولماذا؟» # قالت: «كيف يشق علي ذهابه في خدمة هذه الدولة وصيانة أمير المؤمنين؛ إن أرواحنا ~~فداه.» # قال: «إني أرى في وجهك قلقا.» # قالت: «قد همني ذهابه لعلمي بغدر أولئك الخائنين ومكرهم.» # فقطع القائد جوهر كلامها قائلا: «لا خوف على الحسين من غدرهم ... ولا يلبث أن يأتي ظافرا ~~بإذن الله. وعند ذلك يحق له أن يكون عريسا لك.» # فخجلت وتوردت وجنتاها وأحبت أن تصرح بما في خاطرها من هذا القبيل فقالت: «هل يأذن مولاي ~~أمير المؤمنين بكلمة أقولها جوابا على ما سمعته.» # قال: «قولي.» # قالت: «أما وقد سمعت من القائد الأكبر ما قاله فأتقدم إلى مولاي أن ...» وأسكتها الحياء ~~والتفتت إلى أم الأمراء كأنها تستنجدها أن تنوب عنها في التعبير عن فكرها ولم تكن أم ~~الأمراء تعلم مرادها فنظرت إليها تستفهمها فأسرت إليها أنها تحب تأجيل الاقتران. # فقال المعز: «سمعت ذلك منها في أمس ... طبعا أننا نؤجله مراعاة للحداد.» # فقالت لمياء: «كلا يا سيدي إنما أعني أنه لا ينبغي أن يتم شيء قبل الانتقام من الخونة.» ~~وتشاغلت برفع كمها عن أناملها ويظهر من وجهها أنها لم تتم حديثها. # فقال جوهر: «إن هؤلاء الخونة لا يمضي كثير قبل أن يكونوا في قبضتنا كما قلت لكم، فهل ~~تعنين غيرهم؟» # قالت: «نعم ... إنهم كثيرون وبعضهم لا يتيسر الوصول إليهم إلا بعد أشهر؛ لأنهم بعيدون ... ~~إن هذه الخيانة يجب أن يقوم صاحب مصر بتحمل عواقبها.» وأشرق وجهها بما بدا فيه من ~~الحماسة. # فأدرك الخليفة أنها تعرض بفتح مصر انتقاما من صاحبها فالتفت إلى القائد جوهر وابتسم؛ ~~لأنه كان يحادثه في شيء من ذلك قبل مجيء لمياء فنظر القائد إلى الخليفة وابتسم ابتسامة ~~الظافر؛ لأنه كان يرى العزم على فتحها والخليفة يتخوف ويتردد فسره أن تقترح لمياء مثل ~~اقتراحه. # وأدركت لمياء ذلك فقالت: «لا ينبغي لنا أن نتردد في تحميل صاحب مصر عواقب هذه الخيانة؛ ~~فإنه شريك فيها، ولا ms106 خوف منه فإنه الآن عبد ذميم (كافور) وأحوال مصر في غاية ~~الاختلال.» # فرأى المعز أن يقطع الحديث في هذا الموضوع ريثما يفكر في الأمر وهو لا يحب أن يقول قولا ~~إن لم يكن مصمما عليه، فقال: «إن أمر مصر لا يزال بعيدا وربما فكرنا فيه في فرصة أخرى ... ~~فنحن نحب أن نعجل بالعقد عليك للحسين.» # قالت: «لا أظن رأي الحسين إلا موافقا لرأيي؛ لأنه ليس أقل غيرة على مصلحة أمير المؤمنين ~~مني ... أرجو من مولاي أن يجعل أمر مصر مقدما على كل شيء وأنا أضمن الظفر بإذن الله.» # فأعجب بتلك الحمية وقال: «ليس ضمان ذلك بالأمر السهل يا بنية ... إنه يحتاج إلى المال ~~والرجال.» # فنظرت إلى الخليفة وقد تغيرت سحنتها وبانت البسالة في جبينها، وقالت: «إن الرجال ~~موجودون يا سيدي ومن كان في قواده مثل القائد جوهر لا يخشى بأسا؛ فقد فتح المغرب على أهون ~~سبيل، وهل يظن أمير المؤمنين فتح مصر أعظم مشقة؟» # فاستحسن المعز إطراءها قائده وقال: «هذا مسلم ولكن ما قولك بالمال إنه لا بد منه لهذا ~~العمل .» # قالت وفى صوتها لحن التأكيد «والمال موجود أيضا.» # فبغت الجميع من تأكيدها وتوجهوا نحوها بأبصارهم وقال الخليفة «من أين لنا المال الكافي ~~ونحن لم نفرغ من الحروب إلا بالأمس.» # قالت: «قلت لمولاي إن المال موجود وسأبين له ذلك متى شاء، فإذا فعلت هل يبقى لديه ~~مانع؟» # قال: «يبقى أن نستطلع حال المصريين ونتعرف داخليتهم وشئونهم؛ لأننا لم نعلم عنهم إلا ما ~~نتلقفه من أفواه الناس.» # قالت: «أما وقد أشركني أمير المؤمنين بهذا الحديث فأستأذنه في أن أقول إني أضمن له أيضا ~~كشف ما يريد أن يعرفه من الأحوال.» # فرأى الخليفة من لمياء فوق ما كان يتوقعه ولم يصدقه بحذافيره وإنما حمله محمل الاندفاع ~~كما يفعل الراغب في أمر؛ فإنه يراه سهلا لرغبته في الحصول عليه. وهم أن يستزيدها بيانا ~~وإذا بالحاجب دخل وقال: «إن مولاي الحسين بالباب.» فأمر بإدخاله. أما لمياء فلما سمعت اسمه ~~خفق قلبها ولم تعد تخاف ms107 خفقانه للحسين بعد أن نفضت يديها من محبة سالم، لكنها تماسكت ~~والتفتت فرأت حسينا دخل وعلى وجهه غبار السفر فعلمت أنه عائد من تلك المهمة. # أما هو فحيا، فأمره الخليفة بالجلوس فجلس ووقع بصره على لمياء فتجاذب قلباهما وتخاطب ~~بصراهما، ولكنه شغل بالتوجه نحو الخليفة، فقال له المعز: «ما وراءك؟ قد أخبرني قائدنا ~~أنك تعقبت أولئك الخائنين ... فعسى أن تكون قد ظفرت بهم وحملتهم إلينا.» # قال: «قد حملت إليكم أناسا وجدتهم قرب المكان الذي كان الخائنون فيه، ولكنهم ليسوا ~~منهم.» # فقال جوهر: «وكيف ذلك يا بني؟» # قال: «قضيت ليل أمس وأنا أبحث في الأماكن التي ينزل فيها الناس أو القوافل في طريق مصر ~~حتى بعدت كثيرا عن القيروان فلم أجد أحدا ...» # فقطع أبوه كلامه قائلا: «أخشى أن تكون قد أخطأت الطريق.» # قال: «بل هي الطريق ذاتها والدليل على ذلك أني رأيت جثة ذلك الرسول وبجانبها جثة قاتله ~~كما قصت خبرها لمياء، وأمعنت في تلك الجهات وبثثت رجالي في كل جهة فأخبرني بعضهم في هذا ~~الصباح أنه رأى آثار معسكر. فسرت إليه فرأيت بقايا قوم كانوا هناك ورحلوا من عهد قريب، ~~ولعله المعسكر الذي كان فيه أولئك الخونة ومع ذلك لم أقنع بما رأيت فواصلت السير إلى عين ~~ماء تنزل عندها القوافل فرأيت قافلة قادمة من مصر أتيت بأصحابها معي؛ لعلنا نستفيد منهم ~~خبرا، إذ توسمت من زخرف فساطيطهم وخيولهم وسائر أحوالهم ما لم أعهده في سواهم من أصحاب ~~القوافل.» # فقال الخليفة: «أين هم؟» # قال: «أتيت برئيسهم معي وهو بالباب إذا شاء مولاي أمر بإدخاله.» # الفصل الثالث والأربعون # | بنت الإخشيد # فصفق المعز فدخل الحاجب فقال: «أدخل الرجل الواقف خارجا.» # وأشار إلى أم الأمراء ولمياء بالتنحي إلى مجلس تقعدان فيه بحيث تريان وتسمعان ولا يراهما ~~أحد. # ثم عاد الحاجب ومعه صاحب القافلة وهو كهل عليه لباس المصريين من العمامة والجبة وقد أخذ ~~الاضطراب منه مأخذا عظيما؛ لهول ذلك الموقف. # فقال له الخليفة: «لا تخف يا رجل وإنما نريد منك أن تصدقنا الخبر. ms108 قل من أنت؟» # قال: «أنا يا مولاي من أهل مصر.» # قال: «ما هي صناعتك؟» # قال: «تاجر رقيق.» # قال: «ما الذي جاء بك إلى هذا البلد؟» # قال: «جئت لأبتاع رقيقا أحمله إلى مصر، وهي عادتي، في كل عام أو بضعة أعوام آتي ~~القيروان لهذه الغاية، فأبتاع المولدات الحسان وأنصرف.» # قال: «ولكن رسولنا يقول إن حالكم تدل على غنى وترف لا يعهده بتجار الرقيق الذين يفدون ~~على القيروان!» # فبانت البغتة في وجه الرجل عند هذا الاعتراض ولكنه قال: «نحن يا مولاي تجار رقيق كما قلت ~~لكم فإني لا أكذب.» # قال: «هذا لا يكفي قل لنا السبب الذي أوجب مجيئكم في الفساطيط الفاخرة ومعكم الخيول ~~المطهمة كأنما أنتم من رجال الدولة أو الأمراء.» # قال: «السبب في ذلك يا مولاي أننا نبتاع الجواري بأمر خاص ونحن ننفق على حساب ~~مرسلنا.» # فقال الخليفة: «لمن تبتاعون الجواري، ومن هو مرسلكم اصدقني وإلا فلا تنجو من ~~القتل.» # فخاف الرجل واصطكت ركبتاه وارتعدت فرائصه وقال: «إننا نبتاع الجواري لمولاتنا ابنة ~~الإخشيد صاحب مصر.» # فضحك الخليفة والتفت إلى جوهر وهو يقول: «ألا ترى التلون في كلامه؟ يقول إنه يبتاع ~~الجواري الحسان لابنة الإخشيد ولو قال إنه يبتاعها للإخشيد نفسه لصدقناه.» والتفت إلى الرجل ~~وقال: «قل الصدق ... لماذا لم تقل إنك تبتاع الجواري للإخشيد أو غيره من الأمراء؟ هل خفت أن ~~يكون عليك من ذلك بأس.» # قال: «كلا يا مولاي بل أنا أقول الصدق. قد مر علي عدة أعوام وأنا آتي القيروان بأمرها ~~لأبتاع لها الجواري الحسان بالأثمان الباهظة.» # قال: «ماذا تفعل بهن؟» # فتوقف الرجل عن الجواب وبان الارتباك في وجهه، لكنه خاف السكوت فقال: «لتستمتع ~~بهن.» # فبغت الخليفة والقائد والحسين وأخذوا ينظرون بعضهم إلى بعض فقال القائد: «تشتري الجواري ~~لابنة الإخشيد لتستمتع بهن هي؟» # قال: «نعم يا سيدي ... وهذا مشهور يعرفه أهل مصر؛ لأنها كثيرا ما تنزل سوق الرقيق في ~~الفسطاط بنفسها على حمار فتساوم صاحب الرقيق على الجارية إذا أعجبتها وتشتريها لنفسها. وإذا ~~كانت لا تجد هناك ما ms109 يعجبها من الجواري الحسان تبعث بي في قافلة خاصة لهذه الغاية وتنفق في ~~سبيل ذلك الأموال الطائلة.» # فلما سمع المعز كلامه وصدق لهجته صدقه وهو مستغرب وأشار إليه أن ينصرف، فلما خرج التفت ~~المعز إلى قائده وقال: «قد كنت منذ قليل أتردد في فتح مصر وأخاف جندها، وأما الآن فهان ~~علي أمرها؛ لأن بلدا بلغ من أهله الترف إلى أن صارت المرأة من بنات الملوك فيهم ~~تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتع بها لا يخشى بأسهم؛ لأن ذلك من ضعف نفوس رجالهم وذهاب ~~غيرتهم إنما يلزمنا المال» # 1 # والتفت إلى لمياء. # فتقدمت أم الأمراء وأجابت عنها قائلة: «إن ابنتنا لمياء قد قصت علي خبر المال الذي أشارت ~~إليه وهو مضمون وإنما يحتاج إلى نظر خاص.» # فقال المعز: «هل ترين بأسا من التصريح به بين أيدينا وليس فينا غريب؟ قولي يا لمياء قولي ~~...» # الفصل الرابع والأربعون # | فج الأخيار # فتقدمت ووقفت وقفة رجل جسور وقالت: «إن المال يا سيدي مخبأ في مكان بعيد، وكان قد خزنه ~~عدوك هناك ليحاربك به، ولكن الله قدر أن يكون لك وتحارب به أعداءك وأنت ظافر - بإذن ~~الله.» # فاستغرب الجميع قولها وتطاولوا بأعناقهم لسماع حديثها فقالت: «سأقول لكم ما أعرفه، ولكن ~~قبل كل شيء أرجو من أمير المؤمنين أن يوافقني على طلبي الأول وإن كان لا يحسن بي التصريح ~~به.» # فعلم أنها تشير إلى تأجيل الاقتران فقال: «أنا أوافقك ولكن الشأن في هذا الأمر هو ~~للحسين.» والتفت إليه فوقف الحسين متأدبا. فقال له المعز: «إن لمياء الشجاعة الباسلة تطلب ~~تأجيل العقد إلى ما بعد فتح مصر والتنكيل بالخائنين، فماذا تقول؟» # قال: «هذا ما كنت أتمناه ولم أجسر على طلبه، أما وقد طلبته هي فأنا أوافق عليه وأشترط ~~أن أكون في مقدمة المحاربين في هذا السبيل.» # فقالت لمياء: «طبعا، كلانا يجب أن يكون في مقدمة المحاربين، ولا أعني المحاربة استلال ~~الحسام أو الهجوم على صفوف الأعداء فقط؛ فإن هناك أعمالا تقدم على امتشاق الحسام سنأتي على ~~ذكرها.» # ثم وجهت ms110 خطابها إلى الخليفة وقد أبرقت عيناها وبانت الحماسة في طلعتها، وقالت: «هل ~~أقول يا سيدي؟» # قال: «قولي - بارك الله فيك - والله إن كلامك ليبث الحماسة في قلوب الرجال ... وقد هونت ~~على اقتحام الأهوال في سبيل الفتح ... قولي.» # قالت: «سمعت مولاي يقول إننا لا بد لنا قبل الإقدام على فتح مصر من شيئين هامين الأول ~~المال والثاني استطلاع أحوال القوم وقواتهم وداخليتهم، أما المال فأقص عليكم ما ~~عرفته عنه، ولذلك حديث سمعته عرضا من ذلك الخائن القاتل ولم أكن أفهم مغزاه، فلما ظهرت ~~خيانته أدركت مكايده. علمت منه أن في جبل إيكجان من بلاد كتامة مكان يقال له فج ~~الأخيار كان فيها بلد يسمى دار الحجرة بناه أبو عبد الله الشيعي وخزن الأموال فيه.» # فلما سمع الخليفة اسم البلد تغير وجهه؛ لأنه تذكر بلاء أبي عبد الله في نصرتهم وكيف ~~قتلوه. ولحظت لمياء ذلك فتجاهلت وأتمت حديثها قائلة: # ولما قام أبو عبد الله بدعوة جدك المهدي - رحمه الله - وجمع كلمة القبائل في ~~نصرته وتمكن من التغلب على أعدائكم أتى فنزلها وقسم البلد على كتامة ونادى بالإمام ~~المهدي خليفة وحمل إليه الأموال التي كانت مخزونة في جبل إيكجان، ولكن يظهر أنه كان ~~ينوي الخروج من الطاعة فضرب نقودا جديدة لم يذكر فيها اسم الإمام المهدي وإنما ~~اكتفى بأن ضرب على أحد وجهي الدينار (بلغت حجة الله) وعلى الآخر (تفرق أعداء ~~الله) وضرب على السلاح (عدة في سبيل الله) ووسم الخيل سمة (الملك لله) ثم ذهب إلى ~~سجلماسة في طلب المهدي، وما زال حتى أتم الفتح وسلم الأمر إليه. # ويظهر أنه ندم على عمله فبعث الأموال إلى إيكجان سرا، واختزنها هناك حتى يعود ~~فيقلب ظهر المجن ويطلب الأمر لنفسه، فعلم الإمام بذلك وما زال عليه حتى قتله - كما ~~تعلمون - لكنه لم يعرف خبر تلك الأموال فبقيت مطمورة هناك. ولعله أسر أمرها ~~إلى أبي حامد اللعين، فقام يسعى سرا في إخراج الملك من أيديكم على أن يفسد قلوب ~~القبائل عليكم ويستعين بذلك المال عند ms111 الحاجة. وآخر مكائده قد فشلت أمس وإنما أصابت ~~المأسوف عليه والدي، فهرب ذلك اللعين والأموال لا تزال في فج الأخيار. فإذا بعث ~~المولى من يأتي بها أعانته في نصرة الحق. هذا ما أعرف من أمر الأموال. # ولم تتم كلامها حتى كلل العرق جبينها، وبان الاهتمام في محياها والخليفة ينظر إليها ~~ويتفهم كلامها وقد أعجب بما كشفته من أمر هذا السر العظيم، فقال: «بورك فيك يا لمياء ~~إننا سنبعث في طلب ذلك المال، ولكنني أفكر في مكيدة هذا الرجل كيف انطلت علينا وعلى والدك ~~كل هذه الأعوام، إن فضلك في كشف هذا السر يربي علي فضلك في إنقاذنا من القتل؛ لأنك ~~أطلعتنا على مساع متواصلة لو نجونا من تلك المكيدة ولم نطلع عليها لظلت الدولة في خطر ~~من مكيدة أخرى، أما الآن فسنتعقب الخائنين حتى نفنيهم بعد أن نأخذ أموالهم.» # فأطرقت لمياء حياء عند سماع ذلك الثناء. # فتصدى الحسين للكلام، فقال: «هل يأذن لي مولاي أن أذهب في طلب هذا المال؟» # قال: «لك ذلك، ولكن هل علمت بما يعتور هذا العمل من المشاق ؟ إن جبل إيكجان في أواسط بلاد ~~كتامة في البادية والذهاب إليه بعيد شاق.» # قال: «فليكن حيثما كان ... كل ذلك هين في خدمة أمير المؤمنين.» # فضحك الخليفة ضحك الاستحسان. # فقالت لمياء: «هذا من حيث المال أما من حيث استطلاع دخائل القوم بمصر فأنا أقوم ~~به.» # فبغت الخليفة لهذا الاقتراح، وقال: «كيف تفعلين، أليس ذلك شاقا عليك؟» # قالت: «إنه هين، وأستأذن مولاي أن لا يسألني كيف أصنع وإنما أتعهد له أن آتيه بالخبر ~~اليقين وأرغب إليه أن يستزيدني بيانا.» # فاستغرب القوم رغبتها في كتمان سعيها، ولكنها لم تدع لهم بابا للاستفهام، فسكتوا، فقال ~~الخليفة: «لم يمر بي يوم اطلعت فيه على أمور هامة مثل هذا اليوم، والفضل لك يا لمياء - ~~بارك الله فيك وقواك في نصرة الحق ...» # الفصل الخامس والأربعون # | الحسين ولمياء # وتزحزح الخليفة فنهض القائد وانصرف ومعه الحسين وانصرفت أم الأمراء ولمياء من جهة ~~أخرى. وعلمت أم الأمراء أن ms112 لمياء تحب الاجتماع بالحسين بعد ما وقع من الغرائب، وأن ~~الحياء يمنعها من طلب ذلك، فلما وصلت غرفتها معها بعثت أحد الصقالبة يدعو الحسين إليها ~~وأمرت لمياء بالجلوس، وأخذت تحادثها في ما دار من الحديث في تلك الجلسة وهي تريد استبقاءها ~~ريثما يأتي الحسين. # وبعد قليل جاء الصقلبي وقال: «إن القائد حسينا أتى.» # فلما سمعت لمياء ذكره فأول ما تبادر إلى ذهنها أن تنهض وتنصرف. # فأقعدتها أم الأمراء وقالت: «إلى أين؟» # فقعدت وهي ترتعد من تلك المفاجأة، وأحست أم الأمراء بذلك لما أمسكت يدها لتقعدها؛ ~~فإنها كانت باردة كالثلج، فقالت: «ما بالك ترتعشين من سماع اسم الحسين؟ ألا تزالين تفكرين ~~في سواه؟ ماذا جرى بمناظره القديم أين هو؟» # ولم تسمع لمياء ذلك حتى اقشعر بدنها وامتقع لونها وأخذها الغضب؛ لتذكرها خيانة سالم. ~~فاكتفت بالتنهد ولم تجب. فقالت أم الأمراء «لم تقولي لي عن اسمه بعد، ألعله كان في ~~جملة أولئك الخائنين؟ أرجو أن يكون كذلك فنكون قد خلصنا منه.» # فلم تزد لمياء على الإطراق وقد ترقرقت الدموع في عينيها وتذكرت أن الحسين يعرف سالما من ~~تلك الليلة، أما أم الأمراء فقالت: «لقد أبطأنا في الإذن للحسين في الدخول.» والتفتت إلى ~~الصقلبي وقالت: «يدخل.» # وبعد لحظة دخل الحسين وهو لا يزال بثياب الركوب كما كان ساعة وصوله، دخل وهو لم يكن يتوقع ~~أن يرى لمياء هناك وإنما ظن أم الأمراء تحتاج إليه في خدمة وكثيرا ما كانت تدعوه وتكلفه ~~ببعض المهام، فلما دخل ووقع بصره على لمياء أجفل كما أجفلت هي ووقف فألقى التحية على أم ~~الأمراء، ثم حيا لمياء عن بعد بإحناء الرأس. فقالت أم الأمراء: «لا يلذ لي أن أراكما ~~بعيدين وأنا قد بذلت الجهد في جمعكما؛ فإنك ابن قائدنا، وهذه لمياء ابنتي. ومع ذلك فقد ~~جعلت نفسي والدتك وقمت بتأدية المهر عنك.» # قالت ذلك بلطف ومداعبة. فتلعثم لسان الحسين عن الجواب ولكن الامتنان بان في ~~ملامحه. # وتقدم نحو لمياء وهو يقول: «إن لمياء ذات فضل كبير علي؛ لأنها ms113 أنقذت والدي من القتل فلا ~~أدرى بم أكافئها.» # فقالت لمياء: «إني لم أفعل شيئا يستحق الذكر، وإذا كنت قد فعلت شيئا فهو في سبيل خدمة ~~مولاي أمير المؤمنين الذي نفديه بأرواحنا، ولا أراك أقل تفانيا في سبيل مصلحته مني ~~...» # فأشارت أم الأمراء إلى الحسين أن يقعد على وسادة أمام الوسادة التي كانت لمياء جالسة ~~عليها، وأظهرت أنها ذاهبة في أمر ذي شأن خطر لها فجأة، وهي إنما فعلت ذلك رغبة في ~~انفراد الحبيبين؛ لأنها وجدت نفسها ثقيلة بينهما. وكانت من أرق الناس إحساسا وأكثرهم ~~تعقلا لا تفوتها ملاحظة. فهل شعر الحبيبان أنها خرجت عنوة مراعاة لإحساسهما؟ هب ~~أنهما أدركا ذلك لكن الحب يشغل المرء عن سواه أو أن صاحبه يرى ما يمر به من الأحوال مغشاه ~~كأنه ينظر إليها من وراء حجاب، هو الحب، وقد يأتي في سبيل حبه أعمالا يحسبها خافية على ~~الناس وهم يرونها بأجلى مما يراها هو، ولكنهم لا يقولون فيحسبهم غافلين. # جلس الحسين وهو ينظر إلى لمياء، وهي مطرقة حياء وقد مر في خاطرها تاريخ حياتها منذ ~~عرفت سالما وكيف علقت به وتعشقته حتى أبت أن تجيب دعوة سواه وتذكرت الليلة التي لقيت ~~فيها حسينا لأول مرة وما أبداه من الشهامة في معاملتها وكيف انتهت ليلتهم بفشل سالم، ~~وخطر لها حالا ما قاله الحسين عند وداعها من كتمان أمر سالم وأنه عرفه وعفا عنه. # وكيف أنها رضيت بالحسين أولا طوعا لأمر سالم ثم أصبح هذا أعدى أعدائها، فأحست ~~بانعطاف إلى الحسين وأساس انعطافها الإعجاب بشهامته ومروءته. # مر ذلك كله في خاطرها سريعا والحسين جالس بين يديها ويهم أن يخاطبها ولا يعرف ~~بماذا يبدأ، ثم خطر له أن يعزيها على والدها ويشجعها. # فقال: «لقد ساءني يا لمياء ما أصاب أباك الأمير - رحمه الله - ولكننا سنثأر له من ذلك ~~الخائن، واعلمي أني غير راجع حتى أذيقه حتفه.» # فرفعت بصرها إليه وقد ذبلت عيناها وقالت: «عرفت شهامة الحسين من قبل على غير تعمد، عرفته ~~عفوا، ولا أنسى تلك الأريحة ms114 التي قيدني بها، لا أنسى قولك تلك الليلة وقد أدركنا ذلك الرجل ~~الملثم وأوشك أن يقع فريسة - فأنقذته وطلبت كتمان أمره ...» # فقطع كلامها قائلا: «لا أزال أريد كتمان أمره دعينا منه، إنما أحب أن أعلم: هل للحسين ~~مكان عندك؟» قال ذلك وعيناه تبرقان فرآها ساكنة ولحظ دمعتين انحدرتا على خديها خلسة ~~فأحس بنار اتقدت في بدنه وهب جسمه كأنك صببت عليه ماء غاليا. فندم على سؤاله مخافة أن ~~يكون في غير أوانه وهي في حال الحزن على أبيها فابتدرها قائلا: «أظنني تعجلت في الحديث ~~وأنت في شاغل من أمر والدك - رحمه الله - فاصفحي عن جسارتي ...» # فمسحت عينيها بمنديل أخرجته من جيبها، وقالت: «إن حزني على والدي شديد لكن خطابك تعزية ~~كبيرة لقلبي الكسير.» وتنهدت والتفتت نحو الباب كأنها تحاذر أن يدخل أحد ~~عليهما. # فقال الحسين: «هل في الدنيا أرق عاطفة وأطيب قلبا من هذه الملكة إني لا أظنها تركتنا ~~وحدنا إلا عنوة فلا ينبغي أن نضيع هذه الفرصة هل أعددت للحسين مكانا في قلبك؟» # الفصل السادس والأربعون # | التعاهد # فتنهدت ورفعت بصرها إليه وهي تهم بالكلام فلم تستطعه فأطرقت وتشاغلت بمنديلها تطويه بين ~~أناملها وقد تصاعد الدم إلى وجنتيها. فلحظ تلبكها فأراد مداعبتها فقال: «لم يكن عهدي ~~بلمياء الفارسة الشجاعة أنها ترتبك في حديث مثل هذا، ولكنني أقرأ الجواب في عينيك، لم أكن ~~أجهل نظرك إلي من قبل ونظرك إلي اليوم، كنت أشعر أنك تساقين إلى حبي كرها، لعل قلبك كان ~~مشغولا بسواي ... لا أدري. أما الآن فإني أقرأ شيئا آخر في عينيك. إنما أطلب إليك أن ~~تقولي كلمة ونحن منفردان هنا بإذن أم الأمراء وهي لم تخل لنا المكان إلا باختيارها. قولي ~~هل تحبينني؟ وإنما أسألك ذلك؛ لأننا سنفترق وربما طال فراقنا، فإذا سمعت منك الكلمة التي ~~أريدها كانت لي ذخرا في أثناء الفراق أتعلل بها ريثما نلتقي.» # فتنهدت ثانية وتجلدت وقالت: «إنك تقول عني وتعبر عن أفكاري، أما لمياء الفارسة الشجاعة ~~- كما تقول - إنما تكون كذلك في حومة الوغى ms115 وأما في هذا الموقف فإني أسيرة مسكينة. سألتني ~~سؤالا لا أجيبك عنه إلا بعد أن تجيبني على سؤالي.» # فاستبشر وقال: «سمعا وطاعة إني رهين إشارتك يا حبيبتي.» قال ذلك وقد أخذ منه الهيام ~~مأخذا عظيما. # قالت: «إني أسألك هل تعاهدني على التفاني في مصلحة المعز لدين الله حتى ننتقم له أو ~~نموت؟» # فأعجب بتفانيها في حب المعز وكيف أنها فضلت التعاهد على نصرته قبل كل شيء فقال: «نعم ~~أعاهدك أن أكون طوع إرادتك في كل شيء وهذا من الجملة، إني أحبك يا لمياء وأعجب بخلالك ~~ومروءتك ... كنت أحسبني مؤديا ما يجب علي في خدمة أمير المؤمنين، فلما رأيت ما أنت فيه من ~~الغيرة عليه رأيتني مقصرا عاجزا ... ها قد أجبتك على سؤالك فأجيبيني على سؤالي.» # قالت: «وما هو؟» # قال: «تحبينني؟ هل تعاهديني على الحب حتى نلتقي؟» # قالت: «نعم إني أحبك وهذا يكفي، وأما الثبات في الحب حتى نلتقي فإنه متعلق بما نحن ~~آخذون به من نصرة أمير المؤمنين، ونصرته هي واسطة عقدنا، وقد تعاهدنا على ذلك ويسرني ~~أنك أخذت على نفسك الذهاب إلى جبل إيكجان لحمل الأموال المدفونة هناك ... ولكن ...» وسكتت وقد ~~ظهر التفكير في عينيها. # فقال: «ما بالك ... ما الذي خطر لك حتى سكت ... أظنك خفت علي ما يعتور هذه المهمة من المشاق ~~...» قال ذلك ونظر في عينيها ففهم منها أنها تجيب: نعم. فقال: «لا تخافي علي يا لمياء إني لا ~~أهاب الموت ولا سيما بعد أن زودتني بتلك الكلمة الثمينة ... إنها ستكون تعزيتي في أشد ضيقي، ~~وهي تشجعني في المخاوف ... لا تخافي علي من شيء ...» # فتنهدت وقالت: «آه من الحب ما أحلاه وأمره! إن الأحباء يبذلون كل مرتخص أو غال في سبيل ~~الاجتماع أما نحن فنتعاهد على الفراق، ولكن خدمة أمير المؤمنين واجبة ... إني أشعر بفضله علي ~~وإني يجب أن أنصره و...» # وسكتت وقد خطر لها أنها تطلب شيئا آخر غير نصرة أمير المؤمنين؛ تطلب الانتقام من ذلك ~~الحبيب الخائن فلم يدرك الحسين مرادها وانصرف خاطره إلى مهمتها ms116 فقال لها: «قد علمت مهمتي ~~إلى فج الأخيار لحمل ما فيه من المال لكنني لم أفهم مهمتك ...» # فتحركت واعتدلت في مجلسها، وقالت: «قد قلت لأمير المؤمنين إني سأسعى في استطلاع دخائل ~~المصريين وأحوالهم وإني سأفعل ذلك بطريقة لا أقولها الآن ... لا تغضب يا حبيبي إذا لم أقل ~~لك.» # فلما سمعها تناديه «حبيبي» اختلج قلبه في صدره ونسي ما كان يبحث عنه ولم يشأ أن ~~يستزيدها بل تهيب من الإلحاح عليها، وكان منذ خاطبها وهو يشعر بسلطان لها عليه، فلم يجسر ~~على تكرار السؤال فقال: «افعلي ما بدا لك وكفاني أنك ناديتني بلفظ الحب وهذا تذكار سأحفظه، ~~ربما لا يتاح لنا الاجتماع في مثل هذه الفرصة مرة أخرى قبل سفري؛ ولذلك فإني أحب أن لا ~~تنقضي هذه الساعة ... ما ألطف أم الأمراء وما أكثر فضلها.» # قالت: «إن هذه الساعة مباركة سنذكرها ما حيينا، وعسى أن يكون اجتماعنا الثاني في مصر تحت ~~ظل أمير المؤمنين.» # فأعجب بتعبيرها وكبر نفسها وشدة رغبتها في فتح مصر واستهانتها بفتحها، وقال: «أرجو أن ~~نوفق إلى ذلك يا حبيبتي ، إنها أمنية نتمناها جميعا، وخصوصا أنا؛ لأن ذلك الاجتماع سيكون ~~أكيدا لنا لا نخاف بعده فراقا بإذن الله إذ تكون لمياء حينئذ لي وأنا لها.» # فقالت وهي تبتسم: «ألا تشعر بارتياح عند تفكيرك بذلك النصر ألا يلذ لك أن تتصور راية ~~المعز تخفق على ضفاف النيل وقد امتد سلطانه إلى هناك؟ أما أنا فأكاد أسكر بمجرد تفكيري ~~بدخول جيش أمير المؤمنين إلى الفسطاط وأسمع أهله يؤذنون بحي على خير العمل ويصلون على علي ~~المرتضى وعلى فاطمة البتول وسائر الأئمة الطاهرين. ولا بد أن ينصر الله أبناء فاطمة ~~الزهراء؛ فإنها بنت الرسول وهم أصحاب الحق في الخلافة، ولا بد أن يملكوا الدنيا كلها ...» ~~قالت ذلك وقد أشرق جبينها وأبرقت عيناها كأنها منيت بنعمة لم تكن تتوقعها. # فازداد إعجابا بمروءتها وغيرتها، وود لو تكون أم الأمراء حاضرة لتسمع ما قالته ~~لمياء ولكنه عزم أن ينقله إليها في فرصة أخرى فقال: ms117 «إني أحسبني أخاطب ملاكا هبط من ~~السماء وأعد قولك وحيا لا بد من إتمامه بإذن الله.» # الفصل السابع والأربعون # | أم الأمراء # وهما في ذلك سمعا خفق نعال في الخارج، عرفا أنها نعال أم الأمراء. # وسمعاها تخاطب أحد الغلمان بشأن من شئون القصر، وهي إنما تريد بذلك أن تنبه الحبيبين إلى ~~قدومها قبل دخولها عليهما حتى لا تدخل فجأة - وفي ذلك من دقة الإحساس وسلامة الذوق ما ~~فيه. # فاستعدا لاستقبالها، ثم دخلت وهي تهش لهما وبادرت إلى الاعتذار بأن أمير المؤمنين شغلها ~~فلم تقدر على البقاء معهما، فقال الحسين: «كم كنت أحب أن تكوني هنا لتسمعي ما قالته لمياء ... ~~أنت تعلمين تعلقي بمولاي أمير المؤمنين وأنا صنيعته وعبده وابن عبده لكنني رأيت من تعلق ~~لمياء أضعاف ما أعرف في أحد من الناس.» # فضحكت أم الأمراء وقالت: «تعني تعلقها بك؟» # قال: «كلا، إنما أعني تعلقها بأمير المؤمنين والاستهلاك في خدمته حتى اشترطت علي أن أول ~~شيء نتعاهد عليه إنما هو التفاني في نصرته.» # فقالت: «ألم أقل إنك لا تجد مثلها في القيروان ولا في المغرب كله؟» # فأجاب على الفور: «ولا في مصر أو بغداد.» # فظلت لمياء ساكتة من الحياء فنهض الحسين وودع أم الأمراء، ثم تقدم إلى لمياء وقال: ~~«أستودعك الله إلى أن نلتقي.» ومد يده لمصافحتها. # فمدت يدها ونظرت إليه وصافحته وهي تقول: «في مصر إن شاء الله.» # فوقع قولها وقعا جميلا في أذني أم الأمراء وفهمت منه ما يكفي. # فأكبت عليها وضمتها وقبلتها وقالت: «بارك الله فيك يا ابنتي يا حبيبتي، لله أنت من ~~فتاة نادرة المثال.» # ثم تحول الحسين وهو يقول: «لا أظنني أستطيع مثل هذا الاجتماع قبل سفري إلى فج الأخيار ~~ومتى عدت أين أراك؟» # قالت: «في الفسطاط في قصر مولاي المعز لدين الله على ضفاف النيل - إن شاء الله.» # فكان لقولها تأثير في قلب أم الأمراء؛ لما ينطوي عليه من التفاؤل الحسن مع التفاني ~~الصحيح، والتفتت إليها ثم نظرت إلى الحسين وابتسمت، وقالت: «المراد أن تجتمعا وتسعدا ms118 ~~معا، وذلك غاية ما يرجوه أمير المؤمنين.» # ثم أومأت إلى الحسين مودعة فودعها وهم بالخروج وهو ينظر إلى لمياء نظرة المحب الولهان ~~ولم تكن هي أقل تأثرا منه، لكنها قد هاجت فيها عواطف الغيرة والنقمة، فقالت له: «إلى أين ~~يا حسين؟» # فرجع إليها وقال: «إلى فج الأخيار.» # قالت: «وهل أنت على بينة من مكانه وسائر أحواله؟» # فبغت من هذا السؤال وأطرق خجلا؛ لأنه كان عازما أن يسألها عنه فشغل بذلك الحديث، ثم رفع ~~رأسه وقال: «أعرف قليلا وسأبحث وأسأل، فهل تخبرينني عنه شيئا، وهل تعرفينه؟» # قالت: «لا أعرفه؛ لأني لم أصل إلى ذلك المكان، لكنني أسمع أنه في بلد بعيد في أواسط ~~الصحراء من بلاد كتامة، ولا يهمني بعده وإنما يهمني ما هناك من وسائل الدفاع عنه؛ لأني ~~كثيرا ما سمعت بما اتخذه أصحابه من الطرق لإخفاء الأموال وصيانتها.» # فقطع كلامها قائلا: «لا تبالى يا لمياء بشيء من ذلك؛ فإن ما رأيته من حماستك وغيرتك ~~ومروءتك يصغر كل كبير ويهون كل صعب ... كوني مطمئنة.» ومد يده لمصافحتها وهو يقول: «أعود ~~فأودعك ثانية وأطلب إليك أن تفكري في أحيانا، وهذا يكفيني لنجاح مسعاي.» ثم ودعها وخرج وهي ~~تقول: «سر بحراسة المولى؛ فإنه آخذ بيدك في نصرة الحق وكبت الظالمين.» # الفصل الثامن والأربعون # | الكتاب # وبعد خروجه أرادت لمياء أن تودع أم الأمراء فأمسكتها وأقعدتها، فقعدت وهي تنظر إليها ~~كأنها تستفهمها عما تريده. فقالت أم الأمراء: «هذا الحسين قد عرفنا وجهته وخطته أما أنت ~~ف...» # فقطعت لمياء حديثها رغم إرادتها وقالت: «أستأذنك يا سيدتي أن لا تسأليني عن ذلك.» # قالت: «ولماذا هذا التستر؟» # قالت: «أرى فيه فألا حسنا، وماذا يهمك إذا عرفت خطتي أو وجهتي؟ وإنما يهمك أن آتي ~~مولاي أمير المؤمنين بأخبار تلك الدولة.» # قالت: «ولكن أمرك يهمني؛ لئلا تلقي بنفسك في تهلكة نظرا لما في مهمتك هذه من الأخطار ~~مما يربي على مهمة الحسين.» # قالت: «لا تخافي يا سيدتي؛ لأن نصير أمير المؤمنين سلالة بنت الرسول لا بد من أن ينجيه ms119 ~~الله وينصره على أعدائه، غير أني أتقدم إليك بأمر هو واجب بحد ذاته.» # قالت: «قولي ماذا تريدين.» # قالت: «إن يعقوب بن كلس اليهودي المقيم بمصر أرسل تلك الرسالة المستعجلة إلى سيدي المعز ~~لدين الله؛ فهو صاحب فضل كبير. أليس كذلك؟» # فحنت أم الأمراء رأسها إذعانا للحق، وقالت: «نعم إنه صاحب الفضل الأكبر، ولولاه لنفذت ~~حيلة ذلك الشرير.» # فقالت: «ألا ترين أن يكتب أمير المؤمنين كتابا يشكره فيه ليستمر على خدمته في مصلحة ~~هذه الدولة!» # قالت: «صدقت، وأظنه فاعلا ذلك.» # قالت: «مع من يرسل الكتاب؟» # فانتبهت أم الأمراء لغرض لمياء من هذا السؤال فقالت: «لا أدري، وأظنه يرسله مع أحد ~~غلمانه في قافلة أو بطريق آخر ... وهل يهمك هذا الأمر؟» # فقالت وهي تحك وراء أذنها: «لا ... لكن ...» وأطرقت. # فقالت أم الأمراء: «قولي يا لمياء ماذا يخطر لك ... لا تخفي عني شيئا.» # قالت: «أريد أن أسارك في أمر يهمني حفظه مكتوما ... هل أفعل؟» # قالت: «افعلي ولا تخافي بعد أن ارتفع حجاب الهيبة من بيننا وأنت بمنزلة ابنتي تماما كما ~~قلت لك مرارا، بل لا أرى ابنة أو ابنا يعامل والديه بما تعامليننا به يا لمياء.» قالت ~~ذلك وبان الاهتمام في جبينها. # فابتسمت لمياء وأبرقت عيناها عند سماع ذلك الإطراء وقالت: «إن سري يا سيدتي يتعلق بالطريق ~~المؤدي إلى خدمة أمير المؤمنين.» # قالت: «قولي يا عزيزتي.» # قالت: «أحب أن أكون أنا رسول أمير المؤمنين إلى يعقوب هذا. ولا أريد أن يطلع سيدي الخليفة ~~على ذلك ... دبري طريقة.» # فاستغربت أم الأمراء هذا الطلب على هذا الشكل، وقالت: «وما هو غرضك من هذا التكتم، ~~ولماذا؟» # قالت: «لعلمي أن السر إذا جاوز الاثنين شاع، ولولا حاجتي إلى مساعدتك في نيل الكتاب لكتمت ~~هذا عنك؛ ولذلك أتقدم إليك بإلحاح أن تكتمي خبري. وقد قلت لأمير المؤمنين إني سأسعى في ~~استطلاع حال مصر بطريقة لا أحب أن يعرفها أحد ... وكنت أود أن أفعل ذلك بدون أن أكاشفك ~~بأمر الكتاب ... فلا تسأليني يا سيدتي عن الأسلوب الذي سأتخذه في ms120 البحث. إنما أتقدم إليك ~~أن تستحثي سيدي أمير المؤمنين على كتابة الكتاب واجعلي أنك سترسلينه مع أحد الغلمان أو أوصي ~~الرسول إذا أخذ الكتاب أن يأتي به إليك، أو كما تشائين. والمراد أن تسلمي إلي الكتاب وتطلقي ~~سبيلي بدون أن يعلم أحد بجهة سفري.» # فضحكت أم الأمراء، وقالت: «إني لا أحتاج في ما أطلبه من المعز لدين الله إلى حيلة أو ~~وسيلة، وسأفعل ذلك إكراما لخاطرك ... ولكنني سأشتاق إلى رؤيتك؛ فقد تعودت جوارك و...» ودمعت ~~عيناها. # فأثر ذلك المنظر في لمياء وأحست بشيء يجتذبها نحو تلك المرأة فلم تتمالك عن الترامي على ~~كتفها وقد سبقتها دموع الامتنان، فضمتها أم الأمراء إلى صدرها وقبلتها وقالت ~~لها: «ولكن عسى أن تعودي سالمة ظافرة ويعود الحسين أيضا فائزا فتزفان في هذا القصر ~~وننسى ما قاسيته من الشقاء ...» # فتجلدت لمياء واعتدلت وقد بانت الحماسة في عينيها، وقالت: «إنما يكون ذلك في الفسطاط - ~~بإذن الله.» # فأعجبت أم الأمراء بغيرتها وضحكت وضمتها ثانية وودعتها على أن تدبر أمر ~~الكتاب. # وانصرفت لمياء إلى غرفتها وأخذت تفكر في ما هي مقدمة عليه من الأمر العظيم - سفر ~~وخطر وبعد وشوق - لكنها تجلدت واستحثت عاطفة الشجاعة وقالت في نفسها: «لا بد لي من الصبر ~~حتى أنتقم لوالدي وأثأر لنفسي من ذلك الخائن الذي خدعني وأراد أن يجعلني ضحية ~~مطامعه.» # وسكتت وأطرقت وهي واقفة أمام المرآة تنزع ثيابها. وتصورت ما كان لسالم من المنزلة عندها ~~فخفق قلبها وسبق إلى ذهنها حسن الظن به، فقالت: «قد يكون ابن كلس منافقا أو مخطئا ... هل ~~يمكن أن يكون سالم خائنا إلى هذا الحد ويخدعني عدة سنين؟ لا ... لا ... إذن كيف أفسر عمله؟ ~~ولو كان صادقا في حبه لم يوافق على الفتك بأبي ... ولكن سأتحقق ذلك بمصر قريبا.» # وكانت قد فرغت من نزع ثيابها فاستلقت على الفراش للراحة والتأمل وأجلت الحكم في ~~كل شيء إلى ما بعد وصولها إلى مصر. # وبعد بضعة أيام أتتها أم الأمراء بكتاب المعز لدين الله إلى يعقوب بن كلس، فتناولته ms121 ~~وودعتها سرا وكان وداعا مؤثرا، وكانت لمياء قد أعدت كل ما يلزم للسفر من الخدم ~~والأدلاء؛ لأن الطريق من القيروان إلى مصر بعيدة الشقة لا تقطعه إلا القوافل وقد أعدت ~~شبه بريد مؤلف من أربعة أفراس مع ما يلزم من الخدم والحرس وجعلت أن ذلك البريد يحمل غلام ~~أمير المؤمنين إلى مصر، ولما أتاها الكتاب تنكرت بثوب غلام صقلبي وركبت ولا يشك من رآها في ~~أنها غلام الخليفة يحمل رسالة في مهمة. وسار الركب قاصدا مصر. # الفصل التاسع والأربعون # | الفسطاط # كانت الفسطاط عاصمة الديار المصرية ومقر الإمارة منذ بناها عمرو بن العاص، فلما تولى ~~أحمد بن طولون جعل مقره في القطائع - كما تقدم في رواية أحمد بن طولون - ثم ذهبت الدولة ~~الطولونية وأفضت الإمارة إلى محمد الإخشيد، فجعل مقره الفسطاط، فعادت إلى رونقها وزادت ~~عمارتها وتزاحمت الأقدام فيها حتى فاقت البصرة والكوفة في كثير من الوجوه وبلغ طولها على ~~ضفة النيل ثلاثة أميال. # وذكر مؤرخو العرب من مقدار عمارتها أنه كان فيها 36000 مسجد و8000 شارع مسلوك و1170 ~~حماما، وقد يستبعد ذلك ولكن إيراده يدل في كل حال على العظمة والعمران. ومما نظمه الشعراء ~~في مدحها قول الشريف العقيلي: # أحن إلى الفسطاط شوقا وإنني # لأدعو لها أن لا يحل بها ~~القطر # وهل في الحيا من حاجة لجنابها # وفي كل قطر من جوانبها ~~قطر # تبدت عروسا والمقطم تاجها # ومن نيلها عقد كما انتظم الدر # وبلغ من تزاحم الناس في الفسطاط حتى جعلوا المنازل طبقات عديدة، بلغ بعضها خمس طبقات ~~إلى سبع، وربما سكن في البيت الواحد 200 من الناس، وبلغت نفقة البناء على بعضها 700000 ~~دينار، وهي دار الحرم لخمارويه. # واشتهر من تلك الأبنية دار ضرب المثل بعظمتها وغنى أهلها تسمى «دار عبد العزيز»، كانت ~~مطلة، على النيل، بلغ من سعتها وكثرة ساكنيها أنهم كانوا يصبون فيها أربعمائة راوية ماء كل ~~يوم، ونقل بعضهم أن الأسطال التي كانت بالطاقة المطلة على النيل بلغ عددها 16000 سطل مؤيدة ~~ببكر وأطناب لها ترخى ms122 وتملأ، وذكر رجل دخلها في أواخر القرن الثالث للهجرة في زمن خمارويه ~~بن أحمد بن طولون قال: «طلبت بها صانعا يخدمني فلم أجد فيها صانعا متفرغا لخدمتي وقيل ~~لي إن كل صانع معه اثنان يخدمهما وثلاثة، فسألت كم فيها من صانع فأخبرت أن بها سبعين ~~(كذا) صانعا قل من معه دون ثلاثة سوى من قضى حاجته وخرج.» # وفى ذلك دليل على غنى أهل الفسطاط وترفهم، ومن هذا القبيل استكثارهم من الفرش؛ فقد يقتني ~~أحدهم ألف فرشة أو عشرة آلاف فرشة، وذكروا أن رجلا من أهل الفسطاط عنده ثلاثمائة فرشة كل ~~فرشة لحظية. وكذلك كانوا يفعلون بالثياب ونحوها، وقد تكون أثمانها فاحشة، فلا يبالون ~~لغناهم. قال القضاعي إن قطر الندى ابنة خمارويه كان في جملة جهازها ألف تكة، ثمن كل واحدة ~~عشرة دنانير، فبلغ ثمنها كلها عشرة آلاف دينار. فإذا كان ذلك شأن الفسطاط في زمن آل طولون ~~ودار الإمارة في القطائع فكيف بعد أن عادت دار الإمارة إليها في عهد الدولة ~~الإخشيدية؟ # وأشرفت لمياء على مدينة الفسطاط من جهة الشمال الغربي في صباح يوم صفا جوه، فوقع ~~بصرها على المدينة عن بعد فلفت إعجابها جامع عمرو في وسطها، وحوله الأبنية الكبيرة ~~بينها المآذن العديدة ووراءها النيل قد رست فيه السفن في ميناء الفسطاط من جهة الغرب، وبانت ~~سواريها مصطفة كالرماح إذا تقلدها صف من الفرسان وقف بنظام، وبين الفسطاط والمقطم ~~البساتين والغياض وفيها الأشجار الغضة وأنواع الرياحين والأزهار، أجملها بين المقطم ~~والخليج بستان الإخشيد أو البستان الكافوري (في محل الأزهر والسكة الجديدة من أبنية القاهرة ~~اليوم) وإلى جنوبي الخليج ناحية المقس ومناخ المهراني وأرض الطبالة، (وهي الأماكن التي ~~عمرت فيها بعد ذلك الفجالة والظاهر والتوفيقية والأزبكية وغيرها)، فأخذت لمياء تسأل دليل ~~الركب عما يقع بصرها عليه من البساتين، وهو يقص عليها. ثم استوقف بصرها بستان واسع، ~~فيه بقعة كالميدان قد نصبت فيها الخيام، فقالت للدليل: «ما هو هذا البستان؟» # قال: «هو بستان الإخشيدي يا سيدي.» # قالت: «أراه جميلا. فلنعرج إليه ms123 للراحة ثم نواصل السير.» # قال: «لا يمكننا ذلك الآن ولو جئنا في غير هذا اليوم ربما استطعنا دخوله.» # قالت: «ولماذا؟» # قال: «ألم تري يا سيدي الخيام المنصوبة في وسطه وعليها الأعلام؟» # قالت: «بلى، وما هي؟» # قال: «هذه سرادقات نصبوها للأمير كافور الإخشيدي صاحب مصر الآن؛ لأنه منحرف الصحة وأشار ~~عليه طبيبه أن يقيم في الخلاء؛ لعله ينتفع.» # قالت: «هل كافور هو أمير مصر الآن.» # قال: «نعم يا مولاي هو أميرها منذ عامين ... ونعم الأمير.» # فسكتت وتحولت إلى مرتفع بجانب المقطم يطل على ما تحته إلى النيل، فأعجبها ما رأته ~~من العمارة التي لا تعهدها في القيروان ولا في غيرها من البلدان التي مرت بها. ولفت ~~انتباهها - على الخصوص - لمعان سطح النيل وراء الفسطاط. ووراء النيل بساتين الروضة ~~والجيزة ووراءها الأهرام تناطح السحاب، وقد اكتنف النيل على ضفتيه بساتين النخيل الباسقة ~~تختلط رءوسها برءوس السواري البارزة عن السفن السابحة في مياه الفسطاط، تحمل إليها الغلات ~~والسلع وضروب الأنسجة من كل صقع وبلد، فزادت رغبتها في أن تصير هذه البلاد إلى المعز لدين ~~الله، وتصورت الخليفة قد دخلها فاتحا ورفع أعلامه فوقها فاختلج قلبها فرحا. # الفصل الخمسون # | الشيعة بمصر # ثم ما لبثت أن عادت إلى التفكير في المهمة التي قطعت تلك الصحراء من أجلها، فكان أول ~~همها أن تبحث عن منزل يعقوب بن كلس، ولكنها أمرت صاحب الركب أن يسوق الأفراس إلى فندق أو ~~خان فينزلون فيه. # فأخذهم إلى فندق قديم يعرف بفندق ابن حرمة بأول سوق العدسيين. # وكانوا وهم يمرون في الأسواق لا يلفتون الأنظار؛ لكثرة من يدخل الفسطاط يومئذ من القوافل ~~القادمة من الشام والعراق والمغرب والسودان وغيرها تحمل البضائع والغلال والريش والصمغ ~~والجواري والغلمان على البغال أو الأفراس أو الجمال غير ما ينقل بحرا عن طريق ~~النيل. # وما زالوا حتى أتوا الفندق فأمرت لمياء صاحب الركب أن يهتم بالأفراس وهو لا يشك في أنها ~~غلام، وبعد الاستراحة قليلا توجه همها إلى السؤال عن بيت يعقوب بن كلس فطلبت صاحب ms124 الخان ~~إلى غرفتها، فجاء، فرحبت به وكانت قد بالغت في إكرامه ودفعت إليه أضعاف ما طلبه من الأثمان ~~أو الأجور فأصبح طوع إرادتها، فلما دعته إليها وقف بين يديها وأدهشه جمال ذلك الغلام ~~الصقلبي وما في عينيه من الذكاء. # وكان الخاناتي (صاحب الفندق) شيخا لطيف المحضر قد عركه الدهر وشهد تقلب الدول على مصر من ~~أواخر جولة آل طولون. وكان في جملة من شاهدوا الفتك بالطولونيين وخرائب القطائع. وعاصر ~~الإخشيد لما جاء حاكما ونزل الفسطاط. وكثيرا ما مر به النزلاء من سائر الطوائف والعناصر ~~من الأتراك والأرمن والشوام والمغاربة والفرس والشراكسة والسودانيين وغيرهم. # وأصحاب الفنادق والحانات والقهوات ونحوها من الأماكن العمومية أقرب إلى اللطف ودماثة ~~الخلق من سائر طبقات العامة؛ لأنهم يتعودون الصبر على الضيم وسعة الصدر باضطرارهم إلى ~~مسايرة الناس على اختلاف أهوائهم وطبائعهم، فيأتيهم السكران والمعربد والثقيل والبارد ~~والمتكبر والمحتال، وهم مضطرون - بحكم الارتزاق - أن يرضوهم كما يرضون سواهم، فإذا لم يكن ~~فيهم استعداد للقيام بذلك هجروا تلك المهنة وعدلوا عنها إلى سواها. # وإذا ظلوا فيها فلا تزال الحوادث تعركهم والتجارب تحنكهم حتى تصير أخلاقهم كالعجين ~~لينا ودماثة. # فكان صاحبنا الخاناتي من هذا القبيل، فلما رأى لمياء وهو يعتقد أنها غلام صقلبي (وأكثر ~~ما كان يأتي الصقالبة يومئذ من جهات المغرب) عرف أنها قادمة من بلاد المغرب فضلا عما دله ~~على ذلك من ملابس رفقائها وكلامهم. فقالت له: «يظهر أنك قديم في هذا البلد يا عماه.» # قال: «أنا يا سيدي قديم جدا.» # قالت: «وقد مر بك ألوف من الزائرين من سائر الملل، أليس كذلك؟» # قال وهو يمشط لحيته بأنامله: «نعم يا سيدي إني أعرف من أحوال الناس أكثر من شعر هذه ~~اللحية»، وضحك. # فارتاحت لمجونه مع شيخوخته وهمت بالسؤال عما يفيدها فقالت: «أتعرف رجلا اسمه يعقوب بن ~~كلس؟» # فهز رأسه هز الإعجاب وقال: «كيف لا أعرفه وهو من كبار رجال الدولة وقد رأيته أمس مارا ~~على بغلته. ويندر بين اليهود من يؤذن له بركوب البغال.» # فقالت: «وكيف أذن ms125 له بذلك؟» # قال: «لأن كافورا أميرنا فتن بذكائه ومهارته، فجعله من خاصته وعظمت منزلته عنده حتى ~~أصبح لا يمضي أمرا إلا بتوقيعه.» # فاستغربت ذلك وقالت: «أين يقيم الآن؟» # قال: «يقيم في منزل فخم بجانب زقاق اليهود على مقربة من هذا المكان.» # قالت: «هل ترسل معي من يرشدني إلى منزله؟» # فنهض الشيخ وقال: «أنا أسير في خدمتك إلى منزله.» # فقالت: «لا حاجة إلى تعب سرك يكفي أن تدلني عليه من هنا.» # فمشى - وهو يظن أنه يكرمها بهذه الخدمة - وقال: «لا ... لا ... بل أمشي في خدمتك يا سيدي ... ~~ولهذا المنزل طريقان أحدهما قصير لكنه ضيق مظلم، والآخر طويل منير جميل ... والأحسن أن ~~نسير في الطريق الطويل.» قال ذلك ومشى وهو يتوكأ على عكازه. # فأطاعته لمياء ومشت في أثره وهي بلباسها الخاص بغلمان الصقالبة؛ وإنما اختارت ذلك اللباس ~~لأن أصحابه أقرب بوجوههم وأصواتهم إلى النساء فلا يستغشها من يتوهم في صوتها غنة النساء. ~~فمشيا بزقاق ينتهي إلى رحبة واسعة رأت لمياء فيها الجماهير يتزاحمون ويتراكضون فسألته عن ~~المكان فقال: «هذا جامع عمرو بن العاص يا سيدي.» # قالت: «قد سمعت به كثيرا ، وكنت أود أن أصلي فيه لكنني سأفعل ذلك في فرصة أخرى.» # فقال: «تفضل يا سيدي لأريك الجامع ثم نسير في طريقنا.» ومشى أمامها مسرعا وهو ممسك بطرف ~~ثوبها كأنه يجرها إلى هناك. # ولم يكد يصل بها إلى الباب حتى سمعت صوتا أدهشها ورأت شيخا واقفا بالباب ينادي: ~~«معاوية خالي.» فيرد عليه شيخ آخر في الجانب الآخر بمثل قوله. وهم يفعلون ذلك نكاية في ~~الشيعة؛ لأنها تحتقر معاوية. # فأحست لمياء عند سماع ذلك بغضب؛ لأنها تجل الشيعة إكراما للمعز وأم الأمراء وحدثتها ~~نفسها أن تصيح بالشيخين وتسكتهما، فتذكرت أنها غريبة وليس هذا وقت خصام. وهي تعلم تعصب ~~حكومة مصر وأهل مصر يومئذ على الشيعة. لكنها كانت تسمع ذلك عن بعد فلما رأته رأي العين ~~استغربته فتحولت عن باب الجامع والخاناتي يتبعها ويقول: «ما بالك يا سيدي لم تدخل الجامع ~~لتراه على الأقل؟» # فقالت: ms126 «سأرجع للصلاة في فرصة أخرى. ولكن ما بال هذين الشيخين يناديان هذا ~~النداء.» # قال: «يناديان بذلك إغاظة للشيعة.» # قالت: «ألعلك شيعي؟» # فصاح «أستغفر الله ... لماذا تقول لي ذلك يا مولاي كأنك تريد أن توقعني في مصيبة؟» # قالت: «ولماذا؟ ألعل الشيعي كافر؟» # فأشار بسبابته على شفته السفلى كأنه يطلب سكوتها أو يستمهلها في الجواب إلى فرصة ~~أخرى. # فسكتت حتى إذا دخلا في زقاق منفرد قال الشيخ: «احذر يا سيدي أن تجاهر بأمر الشيعة ... يظهر ~~أنك منهم ...» # فقالت: «نعم إني منهم، وهل من بأس علي؟» # قال: «كلا ... ربما هابوا لباسك وقيافتك. وأما الفقير إذا كان شيعيا ضربوه وأهانوه. وقد ~~يضربون الكبراء ويسجنونهم ويهينونهم بلا شفقة.» # فلما سمعت ذلك الكلام لم تتمالك أن صاحت: «ويل لهم ... ألا يخافون الله؟» # فتقدم الشيخ وقال بصوت ضعيف: «أنصح لك يا سيدي أن تغض النظر عما تراه ولا تعرض نفسك ~~للإهانة.» # فقالت: «أليس في هذا البلد أحد من أهل الشيعة ذو مقام؟» # قال: «بلى يا سيدي هنا رجل شريف من سلالة الحسين اسمه مسلم بن عبيد الله الشيعي، فإن ~~الناس يهابونه ولا يتعرض له أحد بسوء # 1 # لكن ما لنا ولهذا فقد دنونا الآن من زقاق اليهود وهذا منزل يعقوب بن ~~كلس.» # الفصل الحادي والخمسون # | يعقوب بن كلس # تقدم الشيخ إلى الباب ودقه بحلقة من الحديد في وسطه فرد عليه البواب وفتح خوخه الباب ~~وأخرج رأسه منها وهو يقول: «من هذا؟» # فقال الخاناتي: «ضيف يسأل عن المعلم يعقوب.» # فأجال البواب نظره في الطريق فرأى لمياء واقفة بثوب الرجال فأعجبه هندامها فقال: «تفضل يا ~~سيدي، إن المعلم في المنزل.» قال ذلك وفتح الخوخة على مداها وتنحى حتى دخلت لمياء بعد أن ~~أشارت إلى الخاناتي إشارة الوداع وابتسمت. فمضى الخاناتي معجبا بلطف ذلك النزيل ~~الكريم. # أما لمياء فأشار إليها البواب أن تقعد على مقعد في مندرة عند الباب وذهب لينادي يعقوب. ~~وبعد قليل سمعت صوت يعقوب يقول لبوابه: «أين الضيف؟» # فأجابه: «في المندرة.» # ثم أقبل يعقوب على المندرة فوقفت ms127 له لمياء فحياها بلطف وقال: «مرحبا بالضيف الكريم، تفضل ~~اجلس.» وجلس على كرسي بين يديها وهو ينظر إلى نظافة ثوبها وهي تنظر إلى سحنته وتتبين ملامحه ~~فرأته على أبواب الكهولة وقد لبس الجبة والعمامة الصغيرة وأرخى سالفيه أمام أذنيه. # ويظهر من شكل أنفه وحاجبيه أنه يهودي ولكن الشرر يكاد يتطاير من عينيه لفرط ذكائه وحدة ~~ذهنه. # فأول شيء تبادر إلى ذهنها أن تطلب الخلوة به لكنه سبقها إلى الكلام: «من أين ~~الضيف؟» # قالت من بلدة بعيدة: «هل تأذن بخلوة؟» # قال: «نحن في خلوة.» # قالت: «بل أريد خلوة أبعد عن أبصار الناس ومسامعهم.» # فعرف من لحن صوتها أنها من بلاد المغرب وحدثته نفسه لأول وهلة أن يكون لمجيء هذا الصقلبي ~~علاقة بكتابه إلى المعز. وكان ينتظر ورود الجواب عليه كل يوم. فلما طلبت الخلوة نهض ومشى ~~أمامها في حديقة كبيرة إلى مصطبة صعد عليها إلى بيت دخلا غرفة منفردة منه وأوصى يعقوب أن لا ~~يقرب أحد من بابه. # وفى تلك الغرفة بساط من السجاد ومساند ومقاعد. فأشار يعقوب إلى ضيفه أن يقعد على الوسادة. ~~وجلس هو بين يديه وعيناه شائعتان ؛ ليرى ما وراء هذه الخلوة، فقالت لمياء: «إني رسول إليك من ~~الإمام المعز لدين الله.» # فلما سمع يعقوب اسم الخلفية تأدب في مقعده مبالغة في الاحترام وقال: «مرحبا بك يا سيدي ... ~~كيف أمير المؤمنين كيف صحته.» # قالت: «إن مولاي أمير المؤمنين بعثني إليك لأحمل شكره لك ورضاءه من رسالتك التي ~~أنفذتها إليه.» # قال: «أرجو أن تكون قد أتت بفائدة ... وأنا في قلق؛ لأن رسولي لم يعد بعد.» # فقالت: «ولن يعود؛ لأنه قتل.» # فأجفل وقال: «وكيف وصلت الرسالة إلى الخليفة؟» # قالت: «وصلت بالاتفاق الغريب ... أنا أوصلتها إلى أمير المؤمنين وهو على وشك الوقوع في الفخ ~~(وتنهدت؛ لأنها تذكرت مقتل والدها) ولكن وصول الرسالة نجاه وحاشيته من الموت.» # فأبرقت أسرة يعقوب من نجاح مهمته؛ لما يتوقعه من الارتقاء على أيدي الفاطميين، وقال: ~~«وكيف حدث ذلك. ألا تقص علي الخبر؟ قل بالله، قل.» # قالت: ms128 «أحب قبل كل شيء أن أكاشفك بسر آخر يخصني.» # قال: «تفضل يا سيدي.» # قالت: «أنت تخاطب فتاة لا رجلا.» # قال: «أصحيح ذلك؟ قد توسمت في هذا الصوت لطف النساء لكنني رأيت في هاتين العينين قوة ~~الرجال ... أما وقد أطلعتني على هذا السر فهل تتممين جميلك وتفصحين لي عن حديث رسولي وكيف ~~وصلت الرسالة إليك؟» # قالت: «لذلك حديث طويل سأقصه عليك باختصار، وفيه أشياء كثيرة لا تهمك ولكنني سأقولها ~~لك وثوقا بذمتك واعتمادا على غيرتك وشرفك؛ لأستعين بك في بعض الأمور التي تهمني ~~شخصيا.» # قال: «قولي يا سيدتي وثقي أني خزانة أسرار وأني أبذل كل ما في وسعي للأخذ بيدك في كل ما ~~تريدينه.» # فأخذت تقص عليه خبرها مع سالم مختصرا إلى أن غلب أبوها على بلده وصار في حوزة المعز وكيف ~~خطبها لابن جوهر وما ظهر من كيد أبي حامد حتى فشل على يده بوصول الرسالة. وكيف قتل رسوله ~~وقتلت هي قاتله. # وأنها قادمة لاستطلاع الأحوال وللانتقام لنفسها إلى آخر الحديث - وهو مصغ كل الإصغاء - ~~فلما فرغت من حديثها قال لها: «أنت إذن لمياء المسكينة.» # قالت: «نعم أنا لمياء ولكنني لست مسكينة؛ لأني سأنتقم لنفسي من ذلك الخائن الغادر.» قالت ~~ذلك وحرقت أسنانها وبان الغضب في عينيها وأدرك يعقوب أنها فتاة ليست كسائر الفتيات فقال ~~لها: «كوني على ثقة أني أبذل وسعى في سبيل رضاك. إن أمة في نسائها فتاة مثلك أحر بها أن ~~يتسع سلطانها، وستقيمين هنا وتعرفين كل شيء في مدة قصيرة.» # قالت: «بلغني أن في هذا البلد رجلا من الشيعة اسمه مسلم بن عبيد الله، هل تعرفه؟» # قال: «إنه من أعز أصدقائي وهو الذي حبب إلي الأخذ بناصر الشيعة، مع أني إسرائيلي لكني صرت ~~أعتقد أن الحق بجانب الإمام علي.» # فهزت رأسها وقالت: «الحق يعلو ولا يعلى عليه وسوف يظهر أصحاب الحق أبناء بنت الرسول.» ~~قالت ذلك ومدت يدها إلى جيبها وأخرجت لفافة من الحرير استخرجت منها رقا ملفوفا وقدمته ~~إليه وقالت: «هذا كتاب من أمير المؤمنين ms129 إليك.» ثم استخرجت حجرا من الألماس كبير الحجم ~~كان قد وقع للمعز في بعض غزواته وهو يساوي بضعة آلاف دينار، وقالت: «وهذا هدية من مولاي ~~الخليفة إليك.» # فتناوله وقبله وفض الكتاب وقرأه، فإذا فيه: # من المعز لدين الله أمير المؤمنين إلى يعقوب بن كلس # إن إخلاصك الصحيح قد تأكد لنا من رسالتك التي وصلتنا في إبان الحاجة إليها، ~~فوجب علينا شكرك، وقد بعثنا إليك هذا الشكر شفاها مع رسولنا حامل هذا الكتاب، ~~وسنذكر لك هذه الأريحية والغيرة الحقيقية في وقت يكون لك منه نفع صحيح. وإذا ~~زدتنا من عنايتك وصدق إخلاصك تضاعفت يدك لدينا والله يتولاك بنعمته. # الفصل الثاني والخمسون # | مسلم بن عبيد الله الشيعي # فلما أتم القراءة قبل الكتاب ووضعه على رأسه ثم أعاده إلى اللفافة وخبأه في جيبه، ~~فنهضت لمياء فأحس يعقوب أنها تريد الذهاب للتعرف بمسلم بن عبيد الله الشيعي فنهض ومشى بين ~~يديها فقالت: «ألعل منزل الشريف بعيد من هنا؟» # قال: «هو جارنا لا نحتاج في زيارته إلا إلى خطوات قليلة بعد خروجنا من هذا الزقاق.» ~~فاغتنمت وجودها معه في الطريق وقالت: «لم أحادثك بشأن سالم بعد.» # فقال: «لا حاجة إلى زيادة الإيضاح يا سيدتي كوني مطمئنة.» # ولم يسيرا طويلا حتى وصلا إلى بيت مسلم المذكور فتقدم يعقوب فطرق الباب وخاطب البواب. ~~فلما عرفه فتح له ورحب به. ودخلت لمياء معه ومشى في الحديقة أمامها حتى بلغ خبر قدومه إلى ~~مسلم فناداه من الداخل «ادخل يا معلم.» # فأسرع يعقوب إسراع المحتفي بمخاطبه وقال: «لست وحدي يا سيدي إن معي ضيفا تسر ~~بمشاهدته.» # فقال: «تفضل ومن معك.» # وكانت لمياء قد صارت على مقربة من باب الغرفة التي فيها مسلم، فحالما وقع بصره عليها ~~تزحزح من مكانه كأنه يهم بالنهوض فأسرع يعقوب إليه وأقعده وهو يقول: «لا تقم يا ~~سيدي.» # فقال: «أهلا وسهلا بالقادم ... من معك؟» # قال: «رسول ابن عمك صاحب القيروان.» # فقال: «من أمير المؤمنين المعز لدين الله؟» قال ذلك ووقف وهو يقول: «فلماذا منعتني عن ~~الوقوف؟ ms130 إن كنت لا أقف لرسول صاحب الحق فلمن أقف؟» وترقرقت الدموع في عينيه فرحا. # فأكبت لمياء على يده فقبلتها وهي تقول: «العفو يا سيدي هذا إكرام لا أستحقه.» # فقال: «بل يجب علي الوقوف إكراما لابن عمنا صاحب القيروان. طالما تمنيت أن أحظى بهذه ~~اللقيا ... كيف فارقت أمير المؤمنين؟» وقعد وهو يشير إليها بالجلوس فجلست متأدبة وقالت: ~~«فارقته في خير وسلامة ... إن قلبي يطفح سرورا بهذه المقابلة في هذا البلد السعيد.» # وأشار مسلم إلى يعقوب فقعد وهو يقول: «وأزيدك علما يا سيدي أن هذا الرسول فتاة تتفانى في ~~نصرة أمير المؤمنين. وقد كانت السبب في حفظ حياته من كيد الكائدين.» # فقال: «وكيف ذلك يا يعقوب؟» # قال: «ألا تذكر يا سيدي ما قصصته عليك عن المكيدة التي كادها بعض الخونة للفتك بابن عمك - ~~حفظه الله؟» # قال: «بلى وعلمت أنك بعثت رسولا ينذره بذلك.» # قال: «نعم ولكن الرسول قتل قبل وصوله إلى القيروان فأتيح لهذه الباسلة أن تتناول ~~الرسالة وتوصلها إلى صاحبها. ولو تأخرت لحظة لنفذت حيلة أولئك الكائدين.» وقص عليه الخبر ~~باختصار. # فلما علم بما تكنه جوارح لمياء من الغيرة على الشيعة وعن غرضها من القدوم إلى مصر قال: ~~«بارك الله فيك يا بنية ... كيف فارقت أمير المؤمنين؟» # فطمأنته عنه وأخبرته بما أوتيه من النصر وما ترجوه من تغلبه وفوزه. فأبرقت أسرته، ~~وقال: «الحمد لله الذي نصر قومه ونتوسل إليه تعالى أن يتم فضله علينا وينقذنا من القوم ~~الظالمين ... ألم يعزم الإمام على القدوم إلينا؟» # قالت: «إنه فاعل بإذن الله. وإنما جئت لاستطلع الأحوال وأرى حال الشيعة في هذه ~~البلاد.» # فتنهد تنهدا عميقا وقال: «إن شيعتنا في ضنك شديد. إن هؤلاء الظالمين يسومونهم مر العذاب ~~من الإهانة والضرب والحبس بسبب وبلا سبب ...» # قالت: «قد تفطر قلبي لما شاهدته من ذلك في هذا الصباح، وأنا قادمة إلى منزل المعلم يعقوب ~~... رأيت شيخين جالسين بباب المسجد يصيحان «معاوية خالي.» يقولان ذلك بكل وقاحة.» # فقال: «لم تري شيئا بعد يا بنية ... إن شيعتنا مغلوبون على ms131 أمرهم يذوقون العذاب ألوانا من ~~الحبس والقتل.» # فقالت: «الحبس والقتل! ولماذا؟» # قال: «بغير سبب ... إنهم يسومون شيعتنا ذلك؛ لأنها تجل أبناء الرسول ... لو قصصت عليك بعض ~~الخبر لبكيت على حالنا.» # قالت: «أحب أن أعرف شيئا أنقله إلى مولاي أمير المؤمنين؛ لعله يعجل خطواته في ~~إنقاذهم.» # قال: «أذكر لك مثالا صغيرا من مظالمهم. كان في الفسطاط منذ سنوات رجل من الشيعة اسمه ابن ~~أبي الليث الملطي بلغ خبره إلى صاحب مصر، فبعث في طلبه، فحملوه إليه فأمر بضربه، فضربوه ~~مائتي سوط ووضعوا في عنقه غلا ثقيلا وحبسوه وجعلوا يبصقون في وجهه وهو في السجن حتى مات ~~- رحمه الله.» قال ذلك وغص بريقه فلم تتمالك لمياء عن البكاء. # فاستأنف مسلم الحديث بعد أن بلع ريقه وقال: «لم يكتفوا بموته ... فبعد أن دفنوه نهضت جماعة ~~ممن لا خلاق لهم وهموا بنبشه في قبره # 1 # هل سمعت بأفظع من ذلك ... هذا مثال صغير مما قاساه الشيعة في هذا البلد ... ~~وناهيك بما نسمعه بآذاننا من الإهانات والنكايات؛ فإنهم يتعرضون للمارة فيطلبون من أحدهم أن ~~يقول: «معاوية خالي»، أو «معاوية خال علي»، فإذا لم يقل أهانوه أو قتلوه.» # الفصل الثالث والخمسون # | الحيرة # كانت لمياء تسمع ذلك القول وبدنها يقشعر وعيناها تذرفان الدموع ومسلم يغص بريقه من فرط ~~التأثر ويعقوب يظهر التألم مما يسمعه، ثم تصدت للكلام وقد أبرقت عيناها من التفكير وقالت: ~~«لا تحزن يا سيدي قد دنا الوقت لإنقاذ هذه الشيعة المظلومة ... إن الله مع الصابرين.» # فتنهد الشريف مسلم وقال: «لقد طال صبرنا يا بنية ولا نظننا نصل إلى ثماره - كأنه قد كتب ~~علينا الاضطهاد وكتب على الخلافة أن تبقى في غير أهلها لحكمة لا نفهمها!» # فقالت لمياء: «أليست الخلافة الآن في بيت الرسول بالقيروان، إنها ستبقى فيهم مدى الزمان ... ~~قد كتب لهم النصر ولا يمضي كثير حتى ترى أعلامهم تخفق على سائر البلدان - بإذن ~~الله.» # وكانت لمياء تتكلم ومحياها يشرق سرورا كأنها تقول ما تقوله عن ثقة. # فأعجب الشريف بما بدا من حماستها، وقال: ms132 «إن وجود مثلك بين أنصارنا يبشرني بفوز ~~عظيم.» # قالت: أنا مسكينة حقيرة، إنما الأنصار هم القواد والأمراء، وفيهم جوهر الصقلي الذي دوخ ~~المغرب بسيف العبيديين ... إن ذلك الفتح سيكون على يده وأيدي الأمراء من كتامة وصنهاجة وغيرهم ~~من البربر الذين باعوا أنفسهم في سبيل الحق، ثم اعترضت مجاري أفكارها صورة أبي حامد وسالم ~~وما كان من كيدهما حتى قتل أبوها فانقبضت نفسها وسكتت وهي مطرقة تفكر في سالم وأنها تحب أن ~~تطلع على حقيقة حاله وتود أن تسمع خيانته بأذنها وعلمت أنه لا يستحسن ذكره بين يدي الشريف ~~فرأت أن تستأذن في الانصراف حتى تخلو بيعقوب وتطلب منه ذلك، فتزحزحت وأظهرت أنها تحب ~~الذهاب فاستوقفها الشريف قائلا: «إلى أين يا ابنتي؟ إنك ستقيمين عندنا بين أهلنا على الرحب ~~والسعة.» # فقطعت كلامه قائلة: «كان يجدر بي ذلك، وهو حظ كبير لي ولكنني - لأسباب قهرية - لا أقدر ~~على الإقامة هنا. وأتوسل إليك بجدك سبط الرسول أن تكتم أمري عن كل إنسان حتى عن أهلك فهل ~~تعدني بذلك؟» # قال: «نعم كوني مطمئنة. والآن أين ستذهبين؟» # قالت: «إني سائرة مع المعلم يعقوب، وسأذهب إلى الخان أو غيره كما يتفق ولا غنى عنك في كل ~~حال، فإذا بدت لنا حاجة أسرعنا إليك. فادع لنا الآن.» # فقال: «بحراسة المولى ... ومهما يخطر لك من أمر فإنك تجدينني ملبيا مطيعا، ولا حاجة بي أن ~~أوصيك بالتكتم؛ لأني رأيت من حزمك وتعقلك ما يضمن ذلك.» # ثم قبلت لمياء يده وخرجت، وخرج أيضا يعقوب. ولما صارا خارجا قال يعقوب: «إلى أين يا ~~لمياء الآن؟» # قالت: «قد استأنست بك يا سيدي ولعل السبب في ذلك أنك مطلع على بعض أمري من قبل أن نتقابل» ~~وتنهدت وسكتت. # الفصل الرابع والخمسون # | يعقوب وكافور # فلحظ يعقوب أنها تعني خبرها مع سالم وكان يعقوب قد أخلص النية للمياء؛ لأنها وقعت من ~~نفسه موقعا عظيما وأعجب بما رآه من صدق غيرتها ومروءتها وهو شريكها في غرضها السياسي؛ أي ~~أنه يرى إبدال الدولة الإخشيدية بالفاطمية ليس حبا ms133 بالشيعة أو انتصارا للحق لكنه كان ذا ~~مقام عند كافور وكان يتوقع انقلاب الأحوال ولا سيما بعد مرض كافور، وقد أسر إليه الطبيب أن ~~كافورا سيموت قريبا، وهو يعلم تغير قلوب الإخشيدية واضطراب أحوالهم، فرأى أن يصادق ~~الفاطميين فيمسك الحبل من الطرفين. ونظرا لثروته ووجاهته كان يخاف مطامع الإخشيديين وهو ~~يرى قرب زوال دولتهم من ضعفهم. فلم ير بأسا أن يكون وسيلة لنقل هذا الوادي إلى دولة ~~جديدة فتية فإذا جرى ذلك على يده أتته المنافع من وجوه كثيرة. # وعدوه اللدود في ذلك الحين ابن الفرات الوزير، وكان يعقوب يخافه، على الخصوص إذا مات ~~كافور؛ لأنه كان يحسده على منزلته عند كافور وينافسه على النفوذ. أما كافور وهو أمير مصر ~~فكان يقرب يعقوب ويكرمه وقد جعله موضع ثقته. فلما أشارت لمياء إلى أمر سالم ورغبتها في ~~استطلاع حقيقته رأى أن يسهل عليها ذلك وأن يطلعها على الأحوال من حيث السياسة وأحزابها ~~فقال: «أظنك تعنين أمر ذلك الخائن.» # وعلمت أنه يعني سالما فأجفلت ولم تطق أن تسمع تلقيبه بهذا اللقب مع أنها حكمت عليه ~~بالخيانة من تلقاء نفسها، لكن ما رسخ في قلبها من حبه لا يزال له صدى في خاطرها ريثما ~~تتحقق الأمر فقالت: «اسمح لي يا سيدي أن أعترض على ما ذكرته عن سالم؛ فإنه يشق علي أن أسمعه ~~وإن كان صحيحا. وزد على ذلك أني لم أتحققه بعد.» # فقال: «أما أنا فقد تحققته كما ذكرت في كتابي إلى المعز لدين الله.» # قالت: «أليس من سبيل إلى تحقيق ذلك بنفسي؟» # وكانا قد خرجا من الزقاق واقتربا من منزله وسمعا المؤذن في جامع عمرو يؤذن صلاة الظهر. ~~فقال يعقوب: «هذا وقت الغداء فلندخل إلى منزلنا نتغدى ثم ننظر في هذا الأمر.» # دخل منزله وهي في أثره فأمر غلامه أن يهيئ المائدة في المندرة ولم يحضر معها أحد من أهل ~~يعقوب - ذلك ما أرادته لمياء - وبعد الغداء جلسا وكل منهما يفكر في أمره ويعقوب يدبر ~~وسيلة لإجابة طلبها. وهما في ذلك ms134 طرق الباب وأتى الخادم يقول: «الطبيب شالوم ~~بالباب.» # فلما سمع اسمه أبرقت أسرته كأنه كان في ضيق وأفرج عنه وقال للخادم: «أدخله إلى ردهة ~~الاستقبال ريثما آتي.» # وبعد خروج الخادم قال يعقوب للمياء: «تعبت وأنا أفكر في إجابة طلبك بحيث أريك خيانة ذلك ~~الرجل فأتى هذا الطبيب ففتح باب الفرج.» # قالت: «من هو؟» # قال: «هو طبيب الأمير كافور يتردد عليه كثيرا، ولا سيما في هذه الأيام بسبب انحراف صحته. ~~ولكافور ثقة في علمه وطبه وكانا صديقين قبل أن صار هذا العبد أميرا.» # قالت: «أي عبد تعني؟» # قال: «أعني كافورا، ألا تعلمين أنه عبد! فلا بد إذن من أن أقص عليك خبره ليتيسر لك تفهم ~~أحواله. اعلمي يا بنية أن كافورا هذا كان في شبابه عبدا لبعض أهل مصر ثم اشتراه محمد بن ~~طغج الإخشيد مؤسس هذه الدولة هنا منذ بضع وأربعين سنة، فخدم عنده وترقى في خدمته حتى صار ~~أتابك ولديه؛ أي مربيا لهما. وصار يعرف بالأستاذ كافور. وتمكنت قدم الإخشيد بمصر وصار ~~أميرا مستقلا تحت رعاية الدولة العباسية كما هي حالنا الآن وتقدم كافور معه. وتوفي محمد ~~الإخشيد سنة 334ه فخلفه ابنه الأكبر أنوجور ومعناه بالعربي (محمود) فزاد نفوذ كافور في ~~الدولة؛ لأنه كان مربيا لأنوجور فصار وزيرا له فقام بتدبير دولته أحسن قيام. ولما توفي ~~أنوجور سنة 349 تولى بعده أخوه علي بن الإخشيد فاستمر كافور على وزارته أو نيابته حتى توفي ~~منذ سنتين (355) فلم ير بين الإخشيديين من يليق بالحكم.» # ثم خفض صوته وقال: ولعله طمع بالاستقلال، فاحتال في إظهار خلعة قال إنها جاءته من ~~العراق، وهي شارة الولاية عندهم يرسلها الخليفة العباسي لكل وال جديد فيلبسها باحتفال ~~شائق. وزعم أنه لقب بأبي المسك فاستبد بأمور الدولة واستوزر رجلا شديدا اسمه أبو الفضل ~~جعفر بن الفرات هو وزيره الآن، ولولا ابن الفرات هذا لكان كافور من أحسن الأمراء. # فأعجبها ما سمعته عن أصل هذه الدولة ومن هو كافور، لكنها ما زالت تحب أن تستزيد من خبره ~~فقالت: ms135 «قلت إن كافورا كان عبدا. وهل تعني أنه كان أسود اللون، أو هو مملوك ~~أبيض؟» # فقال: «هو أسود اللون شديد السواد بصاصا، لكن سواده لم يمنع من خضوع القوم له وإن لم ~~يخضعوا له جميعا ... قد طال بنا الكلام والطبيب شالوم في انتظارنا. لكن لا بأس من إتمام ~~الحديث باختصار إذ ربما لا نقدر على ذلك في حضوره ...» قال ذلك ونهض فنهضت لمياء معه فأتم ~~حديثه وهما واقفان فقال: «اعلمي يا لمياء أن أمراء هذه المملكة وجندها الآن قسمان قسم مع ~~كافور ينصرونه ويأخذون بيده ويقال لهم الكافورية، وقسم مع آل الإخشيد يعدون كافورا مختلسا ~~ويقال لهم الإخشيدية وهم كثيرون. والنقطة الهامة اليوم أن كافورا مريض ولا ندري هل مرضه ~~خطر أم لا. فإذا انتهى هذا المرض بالموت فإن أحوال مصر تضطرب وتتضعضع؛ إذ ليس من يتولى ~~الإمارة من أصحاب الحق بعده إلا غلام لا يتجاوز عمره 11 سنة. وسنعرف حال كافور أو صحته من ~~الطبيب شالوم، هيا بنا إليه.» # قال ذلك ومشى فمشت لمياء معه وهي تتأمل في ما سمعته عن اضطراب أحوال هذه الدولة وقد ~~استبشرت بنجاح مهمتها. # الفصل الخامس والخمسون # | الطبيب شالوم # وأطلا على الطبيب شالوم في ردهة الاستقبال فتقدم يعقوب مسرعا نحوه ولمياء وراءه تمشي ~~الهوينى لتبقى بعيدة ريثما يدعوها. لكنها جعلت تتفرس بالطبيب عن بعد فإذا هو كهل والذكاء ~~يتدفق من عينيه، وعليه زي الأطباء في ذلك العصر وألبسته ثمينة لتقربه من أمير البلاد ~~وحظوته عنده وحول خصره منطقة مذهبة فيها دواة من عاج وقد التحف رداء كالعباءة من حرير ~~عنابي اللون. وعلى رأسه كساء كالقبعة أو الطاقية عليها طراز مزركش وقد أرسل لحيته وسالفيه ~~بلا هندام كما كان يفعل كبراء اليهود. وكان شالوم جالسا على وسادة في صدر القاعة وفى يده ~~كتاب يطالع فيه باهتمام. فلما سمع خطوات يعقوب نهض وحياه وابتسم له والاهتمام باد في ~~عينيه فدعاه يعقوب للجلوس وهو يقول: «ما لي أرى حبيبنا شالوم في شاغل؟ ما هذا ~~الكتاب؟» # وقبل أن ms136 يجيبه لمح لمياء بلباس الغلمان في الحديقة واقفة تتلاهى بقطف زهر وهو يعرف غلمان ~~يعقوب فاستغربها. وأدرك يعقوب استغرابه فابتدره قائلا: «هذا غلام صقلبي جاءني برسالة في ~~هذا الصباح.» # قال: «من أين؟ يظهر لي من زيه أنه من بلاد المغرب. فهل أتاك برسالة من صاحبك ~~المعز؟» # فعض يعقوب على شفته السفلى إشارة التكتم وقال: «صاحبي! وهل تعتقد ذلك في؟ وأنا في خدمة ~~الأمير كافور ... ما لنا ولهذا ... قل لي، رأيتك تقرأ في هذا الكتاب باهتمام ... اقعد ... قل ما هو ~~سبب اهتمامك؟ كيف صحة مولانا؟» # فقعد وقعد يعقوب بين يديه، فقال الطبيب «إن صحة الأمير في خطر وقد أعيتني الحيل في ~~تطبيبه. وهذا كتاب جاءني أمس ألفه طبيب من أشهر أطباء العراق ...» # فقطع يعقوب كلامه قائلا: «أظنك تعني الرازي، فهل هذا كتابه الحاوي؟» # قال: «هو جزء منه يتعلق بالعلة التي يشكو الأمير منها.» # قال: «هل وجدت شيئا جديدا.» # فأومأ برأسه نحو الأعلى أن «لا.» # فقال يعقوب: «فأنت إذن يئس من شفاء الأمير؟» # قال: «تقريبا.» # فأطرق يعقوب وبان الانقباض في جبينه، وعرف الطبيب سبب انقباضه فقال له: «أنت الآن تنظر ~~في ما سيئول إليه أمرك إذا مات هذا الرجل ... كم قلت لك أن تساير الوزير ابن الفرات وتداجيه ~~فإنه شديد الوطأة حسود وله مطمع لا يخفى عليك.» # فتنهد وقال: «إنه لا يداجى ... ولا فائدة من مداجاته؛ لأن الحسد يعمي ويصم.» وأطرق وهو ~~يعمل فكرته ثم قال: «لا أبالي به ... إن الأمر لا يطول في يده بل أنا لا أرى مصر يطول أمرها ~~في قبضة هذه الدولة و...» وتوقف عن الكلام بغتة. # فلم يفت الطبيب ما جال في خاطره فقال: «لماذا تداجيني يا يعقوب! ونحن قد شبنا معا ~~ومصلحتنا في هذا الأمر مشتركة ... لما دعوت المعز صاحبك غضبت ... لا ينبغي لنا أن نتداجى ~~وهؤلاء القوم وإن قدمونا وأكرمونا؛ فإنهم يكرهوننا ولولا حاجة هذا الأمير الأسود إلى طبي ~~لما هش لي ولا كلمني، وأنت مع طول عشرتك له منذ توليت عمارة داره وأنت شاب ms137 حتى صرت ملازما ~~لبابه ثم أجلسك في ديوانه الخاص وصرت تخدمه وتتولى أعمال الحسابات وتدخل بين يديه في كل ~~شيء؛ فإنه لا يحبك وإنما هو في حاجة إلى عقلك وتدبيرك. هل غرك أنك كيفما دخلت أو خرجت وقف ~~لك الحجاب والأشراف! إنه إنما فعل ذلك؛ لأنك خدمت مصلحته بإخلاص وغيرة ولم تطلب منه مالا. ~~وأنا أعلم الناس بالمال الذي رددته عليه ولم تأخذ منه إلا القوت، فأنت الآن موضع ثقته لا ~~يمضي دينار ولا درهم إلا بتوقيعك # 1 # ومع ذلك هل تظنه يحبك؟ إنه لا يقدر أن يحبك ولا أن يحبني لا أقول ذلك؛ لأنك لا ~~تعلمه بل أنا على يقين أنك أعلم به مني ولكني قلته؛ لأسهل عليك التصريح لي بما تحاول كتمانه ~~عني وأنا أتوسمه فيك.» # وكان يعقوب يسمع كلامه ويعتقد صحة كل كلمة منه ويعلم أن ميله إلى الفاطميين لم يخف على ~~صديقه الطبيب. وهو لم يفعل ذلك ليغدر بمولاه كافور ولكنه توسم قرب سقوط هذه الدولة ويعلم ~~أن ابن الفرات يكرهه حسدا منه لتقدمه وأنه حالما يموت كافور يصبح هو في خطر على ماله ~~وحياته؛ لذلك أحب أن يصل حبله بحبل الفاطميين مع البقاء على ولاء كافور لكنه كان يشق عليه ~~أن يصرح بذلك بين يدي أحد. فلما سمع تصريح الطبيب شالوم هان عليه الدخول في الموضوع فقال: ~~«أراك يا صاحبي سيئ الظن في هذا الرجل كثيرا.» قال: «كلا، أنا لا أسيء الظن به خاصة، لكنني ~~لا أرى شيئا يجمعني به غير المصلحة وأرى أسباب التفريق كثيرة؛ فنحن الآن لا ينبغي لنا أن ~~نخون هذا الأمير أو نقصر في خدمته لكنني أخاف على حياتنا بعده ... أليس كذلك يا معلم؟ قل، ~~لا تخف إني أسر إليك أشياء كثيرة ومع ذلك لا يهمني صرحت أم لم تصرح؛ فأنت صديق المعز ~~لدين الله الفاطمي وهذا الغلام رسوله إليك في شأن يتعلق بالدولة. اصدقني؛ لعلي أستطيع ~~خدمتك.» # فلم ير يعقوب بدا من الكلام وهو يثق بصديقه فقال: «انظر يا صاحبي ms138 شالوم. لا تظن توقفي ~~عن التصريح لك من ضعف ثقتي بك؛ فأنت تعلم ما بيننا من الأسرار القديمة والحديثة. ولكني ~~مضطرب الرأي في الأمر. إن هذا الغلام رسول من المعز. نعم. ولكن كن على يقين أني لم أصاحب ~~المعز لأخون كافورا؛ فإني خادمه، مقيم على ولائه ما دام حيا. أما إذا مات فإني أخاف ~~خلفاءه، كبيرهم وصغيرهم، بل أخافهم على مصر وأهلها؛ إنهم لا يصلحون للحكومة لما تعلمه من ~~انقسامهم واضطراب أحوالهم، فلا بد من خروج هذه البلاد من أيديهم ... وإذا لم يكن بد من خروجها ~~فمن تراه أولى بها؟ إن القوم في بغداد مشغولون بأنفسهم، إن بغداد مسقط رأسي وأحبها كثيرا ~~لكنني أراها بعيدة عن مصلحة مصر، وهؤلاء الفاطميون دولة جديدة رشيدة، كثيرا ما سمعت عن ~~تعقل خلفائها وعدلهم. فإذا تولوها كان ذلك من أسباب سعادتها ...» # ثم تدارك ما قاله بلهفة قائلا: «أما إذا اتفق الإخشيديون وولوا من يصلح للولاية ولم ~~يؤذونا بأموالنا وأرواحنا فمن ضعف الرأي أن نستبدلهم بسواهم ... ألا توافقني على ذلك؟» # فأبرقت أسرة الطبيب شالوم من سماع ذلك الكلام؛ لأنه لسان حاله تماما، فابتسم وقال: «بارك ~~الله فيك يا معلم لقد نطقت بلساني وعبرت عن جناني. نحن متفقان و...» # فقطع كلامه قائلا: «لم أشاهد الأمير كافورا منذ أمس؛ لأني شغلت عن الذهاب إليه بسبب ~~سأقصه عليك ... كيف هو اليوم ... كيف حاله؟» # قال وهو يرفع حاجبيه «إنه ليس على ما يرام ... كانت الحمى عليه شديدة في هذا الصباح، وكنت ~~أتوقع هبوطها فلم تهبط رغم ما اتخذته من الوسائل المرطبة. ولما أعيتني الحيلة رجعت إلى ~~كتاب الرازي وأخذت أطالع فيه. وخطر لي ما نتوقعه من تبدل الأحوال فرأيت أن آتي إليك ~~فحملت الكتاب معي ولم أكلف غلامي حمله في جملة ما يحمله من الأدوات والعقاقير.» # الفصل السادس والخمسون # | غلام الطبيب # فلما ذكر الطبيب غلامه انتبه يعقوب لأمر يتعلق بلمياء فالتفت نحوها فرآها تتمشى في ~~الحديقة كأنها تتشاغل بمشاهدة الرياحين والمياه المدبرة في الأقنية وبينها الحصى مرصوصة ~~صفوفا وهناك ms139 طوائف من الطيور الأهلية بألوانها الزاهية بين سارح وحبيس، ولا نظن لمياء ~~كانت ترى ما بين يديها كما يراه المتفرج؛ لاشتغال خاطرها بسالم والطريقة المؤدية إلى ~~مشاهدته. # ثم التفت يعقوب إلى الطبيب وقال له: «لقد أذكرتني أمرا أتوسل إليك في قضائه. أترى هذا ~~الغلام؟» # قال: «نعم أراه، أليس هذا الرسول الذي نتكلم عنه؟» # قال: «بلى. وأحب أن أكلفك أمرا يتعلق به هل تقضيه؟» # قال: «حبا وكرامة. ما هو؟» # فقال يعقوب: «أتعرف ذلك البربري الذي يتردد على مجلس الأمير؟» # قال: «أظنك تعني الرجل الغريب الأطوار ذي العينين البراقتين الغائرتين والأنف الأعقف ~~والشاربين المسترسلين ...» # قال: «نعم أعنيه وأعني شابا يرافقه في أكثر الأحايين ...» # قال: «هو ابنه أو ابن أخيه سالم - على ما أظن - نعم أعرفهما، وإنهما يترددان على الأمير ~~كثيرا كما تعلم، وأنا أستغرب أمرهما ولا أعلم لهما محلا سوى ...» # فقطع يعقوب كلامه قائلا: «أنا أعلم أنهما يحرضان أميرنا على فتح القيروان ...» # فدهش الطبيب، وقال: «أين نحن والقيروان! ألا يكفينا ما يشغلنا من أنفسنا، ما الذي تريده ~~مني؟» # قال: «إن هذا الغلام يريد أن يحضر مجلس كافور ويسمع ما يدور فيه خصوصا عند وجود سالم ~~وعمه ... ولكيلا أخفي عنك شيئا أخبرك أن هذا الرسول ليس غلاما، وإنما هو فتاة بلباس ~~الغلمان، احفظ ذلك سرا، ولها شأن خاص مع سالم هذا. وقد بلغها عنه أقوال قالها لكافور لم ~~تصدقها فأحبت أن تسمعها بأذنيها. فالذي أراه أن تأخذها معك بدل غلامك الذي يحمل لك الأدوات ~~والعقاقير وتجتهد بأن تدخلها معك دار الأمير؛ لتكون بمشهد ومسمع.» # فاستغرب شالوم كونها فتاة وقال: «لابد لهذه الفتاة من حديث هام، وقد تاقت نفسي لرؤيتها، ~~ادعها وقدمها لي وأوصها أن تضع ثقتها بي، ثم أخبرها ماذا ينبغي أن تعمل ليتم لها ما ~~تريده.» # فحول يعقوب بصره نحوها، فانتبهت لمياء، فأشار إليها بالقدوم إليه، فأسرعت وقد توردت ~~وجنتاها فظهرت الأنوثة فيها. ولكن القوة كانت بادية في وجهها وسائر حركاتها فأعجب الطبيب ~~بهيبتها وجمالها وبريق عينيها. فلما دخلت قال يعقوب: «هذا ms140 الطبيب شالوم طبيب مولانا الأمير ~~كافور، وهو صديق حميم أثق به كثيرا، وقد أطلعته على قصدك واتفقنا على طريقة تحضرين ~~بها مجلس كافور وتشاهدين كل ما تريدينه هناك ...» وضحك. # فأدركت من مخاطبته إياها بصيغة التأنيث أن الطبيب مطلع على حقيقة أمرها، فبانت البغتة في ~~عينيها وأطرقت. فابتدرها يعقوب قائلا: «لا تخجلي يا بنية من اطلاع الطبيب على حقيقتك؛ فإنه ~~على رأيي من كل وجه. والمطلوب الآن أن تكوني هنا بعد قليل وسيأتيك بالثياب اللازمة تتنكرين ~~بها فلا يظن من يراك إلا أنك غلام الطبيب شالوم وتمكثين هنا حتى يأتي هو فتذهبين معه في ~~أصيل هذا اليوم وأكون أنا قد سبقتكما إلى هناك. ولا بد لي من الذهاب حالا؛ لأني أطلت ~~الغياب عن المجلس، وإنما شغلني عنه القيام بأمرك، فامكثي هنا ريثما تأتي الثياب وتلبسينها ~~وسأوصي قيمة المنزل بك خيرا، وكل ما تطلبينه يقضى.» # فلم يسعها إلا السكوت وقد شغل خاطرها بهذه المهمة بما فيه من التجسس، وهو يخالف ما فطرت ~~عليه من استقلال الفكر وحرية القول. ولكنها تحملت ذلك في سبيل كشف حقيقة ذلك الرجل الذي ~~خانها في عواطفها. # ثم نهض الطبيب وودعهما وانصرف على أن يبعث بالثوب والأدوات والعقاقير، وودعها يعقوب بعد ~~أن لبس الثوب الذي يلقى به الأمير ومضى إليه. # وبعد قليل أتت تلك الأشياء فلبست لمياء ثوب غلام الطبيب - كما كانت العادة يومئذ - وعلقت ~~جرابا من الديباج بعنقها وفيه أدوات الجراحة وبعض العقاقير الضرورية، فأصبح من يراها لا ~~يشك أنها غلام الطبيب شالوم. # فمكثت بانتظاره وكانت الشمس قد مالت نحو الأصيل، وكافور في سرادقه بالبستان الكافوري - ~~كما تقدم. # الفصل السابع والخمسون # | سرادق كافور # ثم جاء الطبيب على بغلته وأومأ إلى لمياء أن تتبعه على بغلة ساقها إليها، فركبت وعلقت ~~الجراب في عنقها. ولم يمض كثير حتى أشرفا على البستان الإخشيدي وفيه السرادقات والأعلام ~~وقد وقف الحجاب ببابه والجند حول السرادقات بين ماش وواقف. ولم يدن الطبيب من باب ~~البستان حتى تصدى له كبير الحجاب بلهفة، وقال: «إن ms141 الأمير في انتظارك على أحر من ~~الجمر.» # فقال: «كيف هو الآن؟» # فهز الحاجب كتفيه وقال: «يقولون إنه أحسن.» # فارتاب الطبيب بهذه الإشارة لكنه ترجل، وأشار إلى غلامه (لمياء) أن تترجل وتتبعه ففعلت ~~ومشت وهي تراقب كل شيء. فرأت الوجوه متغيرة والقوم هناك يجتمعون ويتفرقون زرافات كأنهم ~~يتساءلون عما سيكون إذا مات كافور. فمرت بين السرادقات في طريق مستقيم يؤدي إلى سرادق كبير ~~مبطن بالحرير الأحمر وقد أرخيت عليه الأستار المزركشة ونصب العلم في قمته. ووقف ببابه ~~حاجبان بلباس خاص وفي يد كل منهما رمح قناته مكسوة بالديباج. # فلما دنا الطبيب من باب السرادق وسع له الحاجبان بدون استئذان؛ لأنهما يعلمان شدة حاجة ~~الأمير إليه فدخل وأشار إلى غلامه (لمياء) أن تدخل معه فلما دخلت كان أول شيء استلفت ~~انتباهها سعة ذلك السرادق (الصيوان) واحمرار باطنه وقد فرشت أرضه بالبسط الجميلة وأقيمت في ~~جوانبه منائر من الفضة قد غرست فيها الشموع ومواقف عليها المباخر يتصاعد البخور من بعضها. ~~وقد علقت على أعمدته الأسلحة من السيوف والأتراس والحراب والأقواس. وفى وسط السرادق دكة ~~فوقها قبة قائمة على أربعة أعمدة كالمظلة، وقد استرسلت الستائر من جوانبها الثلاثة وترك ~~صدرها مكشوفا ليظهر سرير الأمير للداخل من باب السرادق. والسرير مصنوع من الأبنوس المنزل ~~بالعاج مكسو بالفرش الوثير وأصله من أسرة بني طولون. # وكان كافور متوسدا على ذلك السرير، ولكن لمياء لم تره؛ لأنه كان غارقا في الفراش ~~المصنوع من ريش النعام. ورأت إلى جانبي القبة جماعة واقفين باحترام واهتمام علمت أنهم ~~خاصته وأحباؤه غير الغلمان والأعوان. # فأجالت نظرها فيهم؛ لعلها تجد سالما بينهم فلم تجده وأدركت اهتمام القوم من وقوفهم ~~على الأقدام مع وجود المقاعد والأرائك والوسائد لجلوسهم. # أما الطبيب فظل ماشيا نحو السرير وقبل أن يدنو منه برز له من جانب القبة رجل عرفت ~~لمياء أنه يعقوب بن كلس وقد لبس ثوبا يليق بذلك الموقف. وتقدم يعقوب لملاقاة الطبيب بلهفة ~~كأنه لم يره من قبل وقال له: «لقد أبطأت علينا أيها الطبيب.» # فقال: ms142 «فارقت مولانا الأمير وأنا أرجو تقدمه نحو الصحة، فهل طرأ عليه طارئ؟» # فأجاب يعقوب: «لا بأس عليه إنه اليوم أحسن من ذي قبل ...» # قال ذلك بصوت عال؛ ليسمعه كافور على عادتهم في طمأنة المريض وتخفيف جزعه. لكنه أشار ~~إليه همسا أن الحال تدعو إلى القلق. # فتقدم شالوم حتى دنا من السرير وأشار إلى غلامه أن يتبعه ليكون قريبا منه في حين الحاجة ~~إلى عقار. فدنت لمياء من ذلك السرير المغشى بالأغطية المزركشة بالألوان الزاهية تكسوه كله ~~إلا بقعة صغيرة عند الرأس سوداء مظلمة هي وجه كافور قد أزيح عنه الغطاء؛ لأنه كان شديد ~~السواد بصاصا جلده يلمع لكن شدة الضعف أذهبت لمعانه حتى تكاد ترى الاصفرار يخالط ذلك ~~السواد، وكان قد أقفل عينيه كأنه نائم وقد برز فكاه من الضعف فافترقت شفتاه وبرزت ~~أسنانه البيضاء من بينهما. فلما أحس كافور باقتراب الطبيب منه فتح عينيه وأجال بصره حتى ~~وقع نظره على الطبيب فبان الاهتمام في تينك العينين الحمراوين. وكأنه أراد أن يبتسم فلم ~~يزدد منظره إلا تكشيرا فأسرع الطبيب إلى يده فاستخرجها من تحت الغطاء باحترام وجس نبضها ~~وهو يظهر الانبساط من حال النبض . # والتفت إلى كافور وقال: «إن مولاي أحسن حالا من أمس - بحمد الله.» # والتفت إلى أحد الغلمان الوقوف في خدمة كافور وقال: «أين قارورة الماء؟» يعني زجاجة ~~البول. # فأتوه بزجاجة فيها السائل فتأمله وتفحصه، ثم عاد نحو السرير وهو يبتسم ويظهر الانبساط ~~وقال: «كيف ترى نفسك يا سيدي؟» # فقال: «إني أشعر بضعف ودوار.» # قال: «هذا أمر بسيط ... إلي يا غلام»، وأشار إلى لمياء. # فتقدمت وفتحت الجراب فاستخرج الطبيب منه قارورة صغيرة فتحها وأدناها من أنف كافور. ~~فاستنشقها فأحس براحة وانتعاش، وبان ذلك في عينيه وجبينه، فتحرك في فراشه كأنه يريد الجلوس ~~فأعانه الطبيب على ذلك وساعدهما يعقوب، وأسنداه بوسادة من الوراء. فجلس وتناول مذبة كانت ~~بجانبه ليتلاهى بها ويطرد الذباب عنه - وهو كثير في تلك الساعة - ولم يشأ أن يتولى ذلك عنه ~~أحد. فتقدم يعقوب وهو يبدي ms143 الاهتمام وقال: «إن الذباب كثير في هذه الساعة وسيدي الأمير ~~منحرف المزاج ألا تأذن لي أن آخذ المذبة (النشاشة) عنك أو تأمر أن يقوم هذا الغلام ~~باستخدامها؟» وأشار إلى لمياء. والتفت نحو الطبيب كأنه يستشيره بهذا الاقتراح. # فتقدم الطبيب وقال: «إن الأمير في حاجة إلى الراحة.» ومد يده وتناول المذبة من يده ودفعها ~~إلى لمياء وأشار إليها أن تقف وراء السرير تطرد الذباب عن وجه كافور بدون أن تزعجه. فأطاعت ~~وقد وافقها ذلك؛ إذ تكون قريبة منهم. وأدار كافور عينيه في جوانب السرادق كأنهما سراجان ~~موقدان. ثم نظر إلى شالوم وقال: «بارك الله فيك أيها الطبيب إني أشعر بانبساط الآن.» # فقال الطبيب «وستشعر بأحسن من ذلك بعد قليل ...» ومد يده إلى الجراب فاستخرج منه قارورة ~~فيها سائل صب منه قليلا في قدح ودفع القدح إلى كافور فشربه فازداد انتعاشا والتفت إلى ~~يعقوب وقال: «إننا لا ننسى فضل طبيبنا هذا - بارك الله فيه - إنه صديق محب.» # فقال يعقوب: «كلنا عبيد مولانا نفديه بأرواحنا، فالحمد لله على سلامته، ولا أرانا الله ~~مكروها به.» # قال: «لله أنت يا يعقوب! إنك موضع ثقتنا، وسوف نكافئك على مودتك وصدق خدمتك ...» # فقال: «إنما نطلب أن يتعافى الأمير وهذا خير مكافأة.» # فقال الطبيب «إن حال مولانا - بحمد الله - حسنة جدا، ولا يلبث أن يخرج على جواده في ~~البساتين أو يركب حراقته يصعد فيها على النيل.» # فهز كافور رأسه وقال: «إن شاء الله ... إن شاء الله.» وفى غنة صوته أنه غير مصدق. # ثم بدا الاهتمام في وجهه وأشار إلى الوقوف بالخروج ولم يبق إلا الطبيب ويعقوب ولمياء ~~واقفة عند رأسه. # الفصل الثامن والخمسون # | أبو حامد وسالم # فلما خلا بهم المكان التفت كافور إلى يعقوب، وقال: «إن الطبيب - حفظه الله - طمأنني وخفف ~~عني وقد صدقته لكنني ضعيف وأخاف ...» واختنق صوته. # فابتدره الطبيب قائلا: «لا ينبغي لمولانا أن يشك في قولي ولا أن يفكر في أمر يسوءه، ولا ~~أعول في ما أقوله على فعل العقاقير ولكني استبشرت أيضا من دلالة ms144 النجوم؛ فقد تفقدت الطالع ~~في مساء أمس فوافق ما أتوقعه. أنت يا مولاي في صحة، والتوفيق خادم لك.» # قال: «ذلك الذي أريده، ولكن كيف أطمئن لحالي وأنا أرى ما أراه من الضعف؟» # ثم وجه كلامه إلى يعقوب، وقال: «بل كيف يرتاح خاطري وأنا أرى أحوال هذه الدولة ... أنت تعلم ~~يا يعقوب ما في قلبي، وأحب أن أشرك طبيبنا في الأمر لوثوقي به، وقد سلمت إليه روحي أفلا ~~أبوح له بسري؟ أنا لا أثق بأحد من هؤلاء الذين ترونهم حولي؛ إنهم لا يلبثون إذا لفظت نفسي ~~الأخير أن ينقلبوا علي، لا يهمني ذلك، ولكني أخاف على هذه الدولة، إذا مت أنا فإن الإمارة ~~تفضي إلى غلام في الحادية عشرة من عمره وهو صاحب الحق فيها. أو يتنازعها أعمامه والقواد ~~فتفسد الأمور و...» # وتنحنح وكأنه ندم على ما قاله، فعاد وقال: «ولكن لا ... إني سأعيش ريثما أدبر شئونها ... أليس ~~كذلك أيها الطبيب؟» # فأسرع إلى الجواب بلهفة قال: «بلى يا سيدي هذا هو اعتقادي.» # فتزحزح كافور في فراشه فنهض الطبيب وقال: «يحب مولاي أن ينام؟» # قال: «لا ... لا أرى في ميلا إلى الرقاد لكني أحببت أن أغير وضعي ... هل رأيت وزيرنا أبا ~~الفضل (ابن الفرات) اليوم يا يعقوب؟» # قال: «كلا يا سيدي لم أره ... هل تأمر بشيء أبلغه إياه؟ أم تحب أن ندعوه إليك إلى هنا؟ أم ~~ماذا؟» # قال: «لا ... لكنني استبطأته، ولعله لم يشأ أن يأتيني؛ لئلا يشغل ذهني بأمور الدولة ففضل ~~لي الراحة ... لا بأس من ذلك.» # وهم يعقوب أن يجيبه فرأى الحاجب دخل ووقف في المكان الذي يقف فيه إذا كان آتيا بخبر، ~~فقال له كافور «ما وراءك؟» # قال: «إن أبا حامد بالباب يا سيدي.» # فلما سمعت لمياء اسمه أجفلت وتسارعت دقات قلبها حتى كاد ذلك يظهر عليها، ولحظ يعقوب ~~اضطرابها فأومأ إليها تتجلد. ولم يكن أسرع منها إلى التجلد؛ لما فطرت عليه من قوة النفس ~~ورباطه الجأش. فانزوت وراء عمود القبة والمذبة بيدها بحيث لا يظهر وجهها ولا ينتبه ms145 لها ~~أحد. وكان كافور يستأنس بالطبيب لما في كلامه من الذكاء وما يبسطه بين يديه من الآمال فقال ~~له: «هل ندخل هذا الرجل علينا الآن ... هل ترى بأسا من ذلك؟ إنه طلي الحديث حاد الذهن ولا ~~يختار من الأحاديث إلا ما يسرنا، وكلما زدناه اهتماما بسماع حديثه زادنا مغالاة في ~~غرائبه، لا بأس به ... إنه لطيف المعشر.» # فقال الطبيب «إنك يا مولاي في حاجة إلى من يؤانسك بالأحاديث اللذيذة المفرحة فإذا كنت تجد ~~في حديثه شيئا من ذلك فادعه ...» # ونظر كافور إلى يعقوب كأنه يستشيره فقال: «إذا شاء مولاي أن يدخله فليشترط عليه أن يقص ~~علينا نحو ما قصه مرة من الأخبار المفرحة.» # قال: «لكنه قصها علينا سرا ...» # فتصدى الطبيب للكلام قائلا: «أما أنا فإذا كان وجودي مانعا من سماع الأخبار المفرحة ~~فإني منصرف»، وتحفز للانصراف. # فأشار إليه كافور بكلتا يديه أن يبقى، وقال: «إذا استغنيت عن رجال الدولة جميعا لا ~~أستغني عنك. ولا أرى بعد ما رأيته من صدق مودتك وعظيم فضلك أن أخفي عنك سرا كهذا. فليدخل ~~الرجل ويقص ما يقصه وأنت حاضر ولنفرح معا إذا كان فيه ما يفرح»، وأشار إلى الغلام أن ~~يدخله. # فقال الغلام «أدخله وحده، أو مع رفيقه؟» # قال: «ليدخل الاثنان.» # فأدركت لمياء أن رفيقه إنما هو سالم بعينه فأخذت تتجلد. وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب ~~وأخذ الفراشون بإنارة الشموع فأصبحت لمياء في موقفها تخفيها ظلال الستائر بحيث لا ينتبه ~~لها أحد وهي ترى كل حركة وتسمع كل صوت، ولم تبق حاجة إلى المذبة بعد الغروب وقد خفت ~~وطأة الذباب. ونسي كافور وجودها عند رأسه فوقفت لا تتحرك. # وبعد قليل دخل أبو حامد وقد تزيا بغير زيه المعهود ودخل سالم في أثره وقد تغير شكله ~~وهندامه حتى كادت تنكره، لكنها ما لبثت أن سمعته يلقي التحية حتى تحققت أنه هو بعينه. ~~فخفق قلبها وارتعدت فرائصها وهي تتجلد وتتمالك لترى ما يكون. على أنها لم يكد يقع ~~بصرها عليه حتى تذكرت تاريخ معرفتها به ms146 وكيف كانت تستهلك في حبه، وودت في تلك الساعة أن ~~يخرج بريئا من تلك التهم واستعاذت بالله أن يكون كما قيل لها عنه، وندمت على مجيئها إلى ~~ذلك المكان لتسمع أقواله بأذنها. وخافت إذا سمعت شيئا يثير غضبها أن لا تقوى على إمساك ~~عواطفها فيفتضح أمرها، لكنها استجمعت قواها وتجلدت. # الفصل التاسع والخمسون # | الحديث # فلما دخل الرجلان ألقيا التحية، فأشار إليهما كافور بالجلوس إلى كرسيين بين يديه، فجلسا ~~متأدبين، وتصدر أبو حامد للكلام، فقال: «كنا في قلق عظيم على صحة مولانا الأمير - أعزه الله ~~- ونرجو أن يكون قد تعافى.» # فناب الطبيب شالوم بالجواب عن كافور تخفيفا للتعب عنه وقال: «إن سيدي الأمير في خير وهو ~~أحسن اليوم من ذي قبل ولا يلبث أن ينهض من الفراش.» # فقال كلاهما معا: «الحمد لله، الحمد لله على ذلك. إن اعتلال الأمير تعتل به الأمة كلها، ~~ولا سيما الآن وقد دنا الوقت الذي يظهر به نجمه ويتسع سلطانه.» # فقال الطبيب: «إن مولانا الأمير في حاجة إلى التسلية بما يفرحه وهو العلاج الذي يفيده، ~~حقيقة فهل عندك شيء من هذا القبيل؟» # وتقدم يعقوب فقال: «لا أنسى حديثا سمعته منكما في حضرة الأمير، رأيت مولاي انبسطت نفسه ~~منه.» # فقال أبو حامد «أظنك تعنى حديث ...» والتفت نحو الطبيب ولسان حاله يقول: «إن هذا الحديث لا ~~يتلى جهارا.» # وكان كافور يسمع ويرى، فلما رأى إشارة أبي حامد قال: «لا تحتشم من وجود طبيبنا إنه موضع ~~ثقتنا.» # فوقف الطبيب وأظهر أنه مستعد للخروج. فأشار إليه كافور أن يجلس فجلس والتفت إلى يعقوب ~~كأنه يستشيره هل يقول. فقال: «تفضل يا سيدي قل.» # فاعتدل أبو حامد في مجلسه وقال: «إن حديثنا في المرة الماضية لا يحلو تكراره إن لم يكن ~~مشفوعا ببشائر النجاح. وقد جئنا الليلة نحمل بشارة يفرح لها كل مسلم يريد أن يستقر الحق ~~في نصابه.» # فقال يعقوب: «وما ذلك؟» # قال: «قصصت عليكم بالمرة الماضية ما دبرناه في سبيل نصرة الحق بإنقاذ الدولة الإسلامية من ~~أدعياء الخلافة في المغرب؛ ms147 أعني القوم الذين انتحلوا لأنفسهم نسبا كاذبا في القيروان ~~وزعموا أنهم من نسل فاطمة الزهراء وهم أدعياء في هذا النسب. إن زعيمهم الذي سمى نفسه المعز ~~لدين الله قد أصبح الآن في عالم الأموات، ولا بد من اضطراب دولته وقيام أمراء كتامة وصنهاجة ~~عليه وإنما نحتاج إلى جند يبعث به الأمير - أعزه الله - إلى أولئك الأمراء هناك حتى ~~يلتفوا حوله ويسلموا الأمر إليه، فيدعى له على منبر القيروان كما يدعى له الآن على منابر ~~مصر والشام والحجاز وحلب وأنطاكية وطرسوس. فيستقيم له الأمر وحده ولا يبقى لمنافسيه هنا ~~مطمع في شيء؛ لأن الباقين من آل الإخشيد غلمان ونساء لا يستطيعون عملا.» # وكان كافور جالسا ينظر إلى أبي حامد وقد بدا الانبساط في وجهه فلما سمع قوله زاد ~~انبساطا لكنه تنهد وقال: «إني لا ألبث أن أعمل بذلك حالما أنهض من الفراش - بإذن الله»، ~~والتفت إلى الطبيب كأنه يستشيره في ذلك. # فقال الطبيب: «قريبا إن شاء الله»، والتفت الطبيب إلى أبي حامد وقال: «يظهر أنك واثق ~~بنجاح هذه المهمة ...» # فقال: «إني لا أقول غير الحق وأنا منذ أعوام أعد المعدات وأهيئ الأحزاب وأجمع الأموال. ~~إني على ثقة من انضمام قبائل البربر كلها في نصرة الأمير أبي المسك - أعزه الله - وإنما كان ~~ينقصنا أن نتخلص من رجلين هناك خدمهما الحظ حينا فغلب عليهما الغرور وقد ماتا ~~الآن.» # قال يعقوب: «من تعني؟» # قال: «أعني المعز وجوهرا قائده. إنهما ماتا الآن ولا يمضي إلا بضعة أيام حتى تأتينا كتب ~~الأمراء بذلك.» # فأحب يعقوب أن يسمع لمياء كلام سالم عن نفسه فوجه الخطاب قائلا: «إن الفضل في هذا ~~النجاح ليس للأمير أبي حامد فقط وإنما هو لك أيضا ... وإن حيلتك التي قصصتها في المرة ~~الماضية غريبة في بابها.» وضحك تحريضا له على التصريح. # فقال سالم: «إن الفضل الأكبر لهذا الأمير، وهو صاحب الرأي الأعلى وعنده الرجال والأموال. ~~وأما أنا فعملي مقصور على إغراء فتاة جاهلة توهمت أني أحبها فاتخذناها وسيلة لخدمة مصلحة ~~صاحب مصر - أيده ms148 الله.» # ولا تسل عن لمياء وما أصابها عند سماع هذا الكلام. ورغم تجلدها وتمالكها أحست أنها ~~مدفوعة لتكذيب ما سمعته وحدثتها نفسها أن تتقدم في تلك اللحظة وتكشف الحقيقة. وكان يعقوب ~~يلاحظ حركاتها ويشير إليها خلسة أن تتجلد. # وهم في ذلك رأوا كافورا يتحرك في سريره حركة غير اعتيادية وقد تغيرت سحنته فانتبه له ~~الطبيب ونهض إليه فرآه قد أصيب بنوبة سعال شديدة. # فأومأ إلى القوم بالانصراف حالا، فنهض أبو حامد وسالم وخرجا واشتغل الطبيب بمعالجة كافور ~~فنادى غلامه (لمياء) أن يأتي بالجراب فأسرعت وفتحت الجراب ويداها ترتعدان من التأثر وقد ~~احمرت عيناها من الكظم فتناول الطبيب قارورة الاستنشاق وقربها من أنف كافور وأعانه يعقوب ~~بإسناده وهو لا يزداد إلا سعالا حتى كاد يغمى عليه. # وشغلت لمياء بذلك المنظر عما جال في خاطرها، وقضوا ساعة وهم يسعفون الأمير بالعلاج حتى ~~سكن السعال ومال إلى الرقاد، ثم جس الطبيب نبضه وقال: «إنه مرتاح الآن فينبغي أن نتركه ~~نائما.» # فقال يعقوب: «فنذهب نحن إذن.» # قال: «نعم. أما أنا فلا ينبغي أن أتركه؛ إذ أخشى أن تعاوده النوبة.» # فقال يعقوب: «أنا ذاهب مع غلامك هذا وسأترك عندك أحد غلمان الأمير يقدم لك الجراب إذا ~~مست الحاجة.» # ففهم الطبيب مراده فوافقه فدفعت لمياء الجراب إليه وخرجت مع يعقوب وركبتاها ترتعدان من ~~هول ما سمعته ورأته، وعيناها شائعتان خارج المعسكر تبحث عن أبي حامد وسالم فلم تر لهما ~~أثرا. # ولحظ يعقوب فيها قلقا، وأدرك ما يجول في خاطرها فأشار إليها أن تتبعه. فوقفت وهي تكاد ~~تسقط من شدة الاضطراب والغضب، وقالت: «لا أستطيع المشي يا سيدي ... بالله ماذا رأيت ... ويل لك ~~يا خائن ...» # فالتفت يعقوب إليها فوجد وجهها قد امتقع وتغيرت سحنتها ومشت وهي تتساند وتخاف السقوط. ~~فأشار إلى السائس أن يقدم الدابة فأسرع إلى تقديمها وأعانها حتى ركبت وركب هو على دابة ~~أخرى في أثرها ولحظ في أثناء الطريق أن لمياء منزعجة فأحس أنه مسئول عن سبب انزعاجها؛ ~~لأنه هو الذي جمعها بذلك الخائن ms149 وإذا أصابها سوء فمن شدة تأثرها مما سمعته ~~ورأته. # وبعد قليل وصلا إلى منزل المعلم يعقوب، فترجل والتفت إلى لمياء، فإذا هي لا تزال على ~~بغلتها لا تتحرك ولم يعهد بها ذلك التواني، فتقدم نحوها ومد يده ليعينها على النزول. ولما ~~لمست يده أحس بسخونتها وجفافها فاقشعر بدنه فناداها أن تنزل فنزلت وهي لا تستطيع حراكا ~~فنادى بعض الخدم فأعانوه على حملها إلى دار النساء وهي غائبة عن رشدها كالمائتة، فتأسف ~~يعقوب لما أصابها ونادى قهرمانة منزله وأشار إليها أن تسعف الفتاة بالتدابير المستعجلة ~~ريثما يأتي الطبيب. وبعث رجلا يدعو الطبيب شالوم؛ إذ لا يريد أن يطلع أحد على وجودها ~~عنده. # ظلت لمياء غائبة رغم ما استخدموه في إيقاظها من المنعشات والمنبهات وأبطأ الطبيب عن ~~الحضور؛ لاشتغاله بالأمير كافور فاشتد القلق بيعقوب وأصبح لا يدري ماذا يعمل فخطر له أن ~~يطلع الشريف مسلم على حالها؛ لأنه ذو شأن في الأمر فبعث إليه - وقد أظلم الظلام - فجاء ~~ولمياء لا تزال في تلك الحال فسأله عن أمرها فقص عليه حقيقة خبرها. فجس نبضها فإذا هو يسرع ~~كثيرا فعلم أنها مصابة بحمى شديدة ورأى الأولى أن ينقلها إلى منزله ليخدمها أهله ريثما ~~يأتي الطبيب ويرى ما يكون. وكان قد استلطف الفتاة قبل أن يطلع على حقيقة أمرها مع الحسين بن ~~جوهر وغيرتها على المعز وخبرها مع سالم، فلما اطلع على الحقيقة أحس بانعطاف شديد ~~نحوها. # وأمر بمحفة حملوها عليها إلى منزله وأخذ على عاتقه أن يعالجها طبيب منزله. # الفصل الستون # | الحلم # قضت لمياء في تلك الغيبوبة أياما لا تأكل ولا تشرب غير ما يسقونها إياه رغم إرادتها، ثم ~~أفاقت وقد شحب لونها وبان الضعف في عينيها وحالما أفاقت التفتت إلى ما حولها وقد استغربت ~~كل شيء لكن الناظر في عينيها يرى أنها لا تزال ضائعة رغم حركتها والتفاتها. وكان في الغرفة ~~ساعتئذ الشريف مسلم نفسه وامرأة من أهله فتقدمت المرأة نحوها وقالت: «ماذا تريدين يا ~~حبيبتي؟» # فلم تجبها لكنها عادت إلى استغراقها. وكانوا ms150 قد أعدوا لها لبنا تشربه فلم تستطع ذلك ~~لأنها عادت إلى الرقاد فأمر الحكيم أن تسقى اللبن كرها. وكانت الحمى قد انخفضت والغيبوبة ~~هذه المرة لم يطل مكثها. ففي صباح اليوم التالي سمعوها تئن أنينا شديدا كأنها تشكو ضيقا. ~~فأسرع مسلم إليها فسمعها تقول بأعلى صوتها: «حسين! حسين! تبا لهم قبضوا عليك ... دعوه قبحكم ~~الله. أما كفاكم ما فعلتموه بأبي؟ آه آه ...» وسكتت ثم فتحت عينيها فجأة والتفتت إلى مسلم وهو ~~واقف إلى جانبها وتفرست فيه وقد عاد إليها رشدها فعرفته فقالت: «العفو يا سيدي؟ أنت هنا. ~~أين أنا؟ ماذا جرى لي. أين الحسين؟ قد قبضوا عليه؟ ويل لهم ...» وشرقت بدموعها. # ثم تراجعت وكأنها انتبهت أنها في يقظة وليس هناك حسين فخجلت فتقدم الشريف نحوها بلطف وقال ~~لها: «ما بالك يا بنية. إنك تهذين أو تحلمين لا تخافي إنك في منزلي وأنت أعز من ولدي ~~...» # فأخذت تفرك عينيها بكلتا يديها وهي تنظر إلى ما حولها وقالت: «لست خائفة يا سيدي ... لست ~~خائفة ... ولكن الحسين بن جوهر. رأيتهم أخرجوه مغلولا في فج الأخيار ... وأولئك اللصوص حوله ~~كالزبانية ... رأيتهم رأي العين ...» # فقال: «أنت يا لمياء في الفسطاط. وبيننا وبين فج الأخيار عدة أيام ... خففي عنك. وعودي إلى ~~رشدك ... لا بأس عليك. وبعد هنيهة يأتي الطبيب ويشير بما يجب أن تفعلي.» # قالت: «الطبيب! وأي طبيب؟ إني لا أشكو مرضا ولكنني أشكو ظلما وخيانة ...» قالت ذلك وغصت ~~بريقها وأغرقت في البكاء حتى ملأ نحيبها الدار. فبعث الشريف يتعجل الطبيب فأتى والفتاة ~~مستغرقة في البكاء فجس نبضها ثم أشار عليهم أن لا يخاطبوها ولا يقصوا عليها خبرا بل ~~يكتفوا بالغذاء الخفيف. ووصف لهم ما ينبغي عمله ولكنه ألح عليهم أن يتركوها هادئة ساكنة ~~- بقدر الإمكان. # ظلت لمياء في الفراش عدة أسابيع لا يخاطبها أحد إلا بالضروري وهي تصحو تارة وتغيب ~~أخرى، والطبيب يتردد عليها ويصف الأدوية والأغذية حسب الحاجة. ويعقوب يأتي كل يوم للسؤال ~~عنها ويأسف أشد الأسف لما أصابها على يده، رغم اشتغاله في ms151 تلك الأثناء بأمور ذات شأن ~~أهمها موت كافور وانتقال الإمارة إلى أحمد بن علي بن الإخشيد، وهو غلام لم يتجاوز ~~الحادية عشرة، وتحول النفوذ إلى جعفر بن الفرات وزير كافور المتقدم ذكره. ولم يكن ابن ~~الفرات يستطيع عملا في حياة كافور، فلما صارت الإمارة إلى ذلك الغلام استبد هو في ~~الأمر وأخذ في مطاردة رجال الدولة ومصادرة الأغنياء. وكان يعقوب من جملة المهددين وخاف أن ~~يصل الدور إليه فاستتر، وكان يقضي أكثر أوقاته عند الشريف مسلم بن عبيد الله المشار إليه ~~بحجة السؤال عن لمياء ويتحادثان في شئون الدولة ويرون قرب سقوطها لكنهما لا يتحدثان في شيء ~~من ذلك أمام لمياء عملا بإشارة الطبيب. # وبعد مدة تقدمت لمياء نحو الصحة وأصبحت في شوق إلى استطلاع الأحوال، والحكيم يأمرها أن ~~تلازم الصمت، وبعد مدة أخرى أذن لهم أن يخاطبوها في الشئون التي تريدها. وكانت لا تزال ~~تتردد إلى الفراش وتنزل إلى الحديقة أو تمشي في المنزل. ورأت وجهها بالمرآة فانزعجت مما ~~صارت إليه من الضعف، فبكت، وعاد إليها رشدها فتذكرت ما انتابها في تلك المدينة وكيف خلفت ~~أهل القيروان على مثل الجمر في انتظار أخبارها من مصر. وتذكرت أنها رأت الحسين خطيبها ~~مغلولا أو رأتهم يوثقونه ويضربونه كأنها رأت ذلك في يقظة. # كانت هذه الخواطر تمر بذهنها في أواخر أيام النقه ولا تجسر على مفاتحة أحد بها. ~~فلما أذن لها الطبيب بذلك طلبت يعقوب وسألته عما جرى في أثناء مرضها، فقص عليها ما ~~كان من موت كافور وتنصيب أحمد بن علي. # فقالت: «ألم تبعثوا بذلك إلى القيروان؟» # فابتسم ونظر إلى مسلم فابتسم أيضا وفي وجهيهما علامات البشر فقالت: «ما الخبر؟» # قال يعقوب: «الخبر خير يا لمياء ... إن أهل القيروان علموا بكل ما جرى هنا، وقد جاءوا إلينا ~~بخيلهم ورجلهم.» # فصاحت: «أتوا إلى هنا؟ القائد جوهر أتى؟ المعز أتى؟ أين هم؟» # فقال: «المعز لم يأت ولكن القائد جوهرا جاء بجند كثيف ونزل الإسكندرية ووقع الرعب في ~~قلوب المصريين ... ولا ندري ما يكون.» ms152 # فأطرقت لمياء - وقد بان البشر في محياها - وأحست بنشاطها الأول كأنها كانت في رقاد ~~وأفاقت. وتذكرت مهمتها التي جاءت من أجلها وأنها لم تستطع عملا تخدم به المعز؛ لأن ~~المرض أعاقها. وتذكرت - للحال - ما رأته من سالم فاقشعر بدنها فقالت: «وماذا جرى بذلك ~~الخائن وعمه؟» قال: «لا أدري؛ لأني لم أعد أراهما من تلك الجلسة وأظنهما يشتغلان في دس ~~الدسائس في قصر السيدة زينب بنت الإخشيد بعد موت كافور وضياع أملهما ...» # فلما سمعت اسم بنت الإخشيد تذكرت أشياء أخرى هاجت أشجانها فأطرقت ومسلم ويعقوب يلاحظانها ~~ولا يتكلمان. ثم انتبهت فجأة، وقالت: «ماذا جرى بأمتعتي وجوادي؟» # قال يعقوب: «أي أمتعة تعنين؟» # قالت: «أعني ما حملته معي من الثياب والأمتعة من القيروان وتركته في الفندق مع الجواد ~~والخادم والدليل.» # قال يعقوب: «أي فندق إن الفنادق كثيرة هنا ...» # فقالت: «في الفندق الذي هداني صاحبه إلى منزلك.» # قال: «لم أنتبه له.» # قالت: «أنا لم أعرفه وقد آن لي أن أخرج من البيت ولا خوف علي ... أخرج بالثوب الذي يعرفني ~~صاحب الفندق به فألاقيه وأدفع له أجرته وآتي بالأمتعة ... والحق يقال إني أحس بقصوري في خدمة ~~أمير المؤمنين وقد شغلت عن خدمته بخدمة نفسي ثم شغلني المرض.» # قالت ذلك ووقفت وقد عاد إليها نشاطها والتفتت إلى مسلم وعيناها تنطقان بالشكر على ما ~~أبداه من الغيرة. فأجابها على الفور «إنك ستعودين إلينا وتنزلين في دارنا ... أو الأفضل أن ~~تمكثي هنا فنرسل من يأتي إليك بالأمتعة والجواد.» # قالت: «بل أفضل الذهاب بنفسي وسأعود الليلة أو في صباح الغد - إن شاء الله.» # فقال مسلم «بل تأتين الليلة.» # الفصل الحادي والستون # | في اليقظة # فأشارت مطيعة واختلت في غرفة لبست فيها ثوب الصقالبة الذي دخلت به الفسطاط واستأذنت ~~بالانصراف وخرجت وهي تذكر الطريق التي جاءت بها وتتوهم أنها مرت في تلك الطريق منذ بضعة ~~أيام وقد مر على ذلك عدة أشهر. وصلت الفندق فرآها صاحبه بالترحاب وأبدى غاية الاستغراب ~~لما رآها فيه من النحول وسألها عن سبب غيابها وأن خاطره ms153 شغل عليها كثيرا حتى خاف أن تكون ~~قد ماتت - قال ذلك بين الجد والهزل - فاستلطفت مجونه وقالت: «الحمد لله أني لا أزال حيا ~~(لأنه يعرفها غلاما صقلبيا) ولو مت ما الذي كنت تصنعه بالجواد؟» # قال: «أي جواد يا سيدي.» # قالت: «الجواد الذي جئت عليه.» # قال: «إن الجواد أخذه رفيقاك ومضيا» يعني الدليل والخادم. # قالت: «وكيف أذنت بذهابهما؟» # قال: «لما استبطآ قدومك استأذنا في الانصراف»، وضحك لهذا التعبير. # فقالت: «وماذا فعلتم بثيابي وأمتعتي؟» # قال: «هي باقية في الغرفة التي كنت نازلا فيها ضمن صندوق مقفل ولكن جاء بعض المسافرين ~~واستأجروا الغرفة مني فأبقيت الصندوق في بعض جوانبها - على ما أظن.» # قالت: «أعطني الأمتعة، أين هي؟» # قال: «هي هنا، تفضل يا سيدي.» ومشى نحو الغرفة التي باتت فيها ليلة وصولها الفسطاط وهو ~~يتثاقل في مشيته وهي تتبعه. فلما دنا من الغرفة هز بابها فإذا هو مقفل فقال: «لا أدري لماذا ~~يقفلون الغرف كأنهم يخافون أن أسرق ثيابهم ...» # قالت: «ألا يمكن الحصول على الأمتعة الآن؟» # قال: «كلا ... أخاف أن أفتح الباب في غيابهم فيتهموني بالسرقة. ليس كل الزبائن لطفاء ~~الأخلاق والوجوه مثلك يا سيدي. لكن لا يلبثون أن يأتوا ... تفضل واجلس في غرفتي ... يظهر أنك ~~تشكو تعبا على أثر المرض.» # فمشت في أثره إلى غرفة بجانب تلك وفتح الباب وأشار إليها بالدخول، وقال: «إن هذه الغرفة ~~لي وحدي وقد تركتها لك، تفضل استرح.» # وكانت تعبت من المشي؛ لأنها أول مرة خرجت بها من المنزل فدخلت واستلقت على مقعد هناك ~~وأغلقت الباب خوفا من انكشاف أمرها واستلذت تلك الخلوة، فأخذت تفكر بما أصابها بالفسطاط. ~~وطرق ذهنها خصوصا الحلم الذي رأته وهي مريضة إذ رأت الحسين مغلولا في أشد الضيق وقد ~~حاولت أن تقنع نفسها أنه حلم لكنها لا تتصوره إلا واقعا. # وتذكرت تلك الجلسة في بيت كافور وما تحققته من خيانة سالم، فاقشعر بدنها ولم تكد تتصوره ~~حتى سمعت صوتا مثل صوته يرن في أذنها فذعرت وأصغت فإذا هي حقيقة تسمع صوته، فجلست على ms154 ~~المقعد، وأصاخت بسمعها وهي تحسب ذلك حلما آخر. فإذا هي تسمع وقع أقدام بباب الغرفة ~~فنهضت وتهيأت للوثوب واستعدت للمقاومة فإذا بالخطى تتجه نحو الغرفة الأخرى التي كانت ~~لها وسمعت صوتا مثل صوت أبي حامد فتسارعت دقات قلبها وأسرعت إلى باب غرفتها فأوصدته ~~وجعلت أنها نائمة ووجهت انتباهها؛ لتتحقق هل هي في يقظة. فسمعت أبا حامد يقول: «أوصد ~~الباب يا بني وتعال.» # وسمعته يوصده، ثم سمعت قائلا يقول: «أوصدته ... هات ما عندك؟» وهو صوت سالم. فتأكدت ~~أنهما نازلان في تلك الغرفة ففرحت بتلك الفرصة لكن تأثرها كاد يذهب بنفسها لتسارع دقات ~~قلبها. فتجلدت وتذكرت ما كان من بسالتها ورباطة جأشها ومواقفها في ساحة القتال فتماسكت ~~وأصغت. فسمعت أبا حامد يقول: «ذهب ذلك الأسود ولم ننل منه وطرا ... ولكن ذلك من سوء ~~حظه.» # فقال سالم «وسوء حظنا أيضا يا عماه.» # قال: «ما أضعف عزمك يا سالم ... أتحسب قدوم ذلك المملوك الصقلي (جوهر) يغير عزمي؟ إنه لا ~~يلبث أن يعود على أعقابه ...» # قال: «كيف يعود؟ وقد أتى بجيش جرار ولحظت القوم هنا خائفين.» # فقهقه أبو حامد فتصورت لمياء ما يرافق قهقهته من التكشير عن سنيه البارزتين ، ثم سمعته ~~يقول «لا يلبث خوفهم أن يذهب متى وصل ذلك الغلام مغلولا.» # قال: «وأي غلام؟» # قال: «أي غلام! صحيح أنك لم تعلم بعد بالقبض على الحسين.» # فلما سمعت لمياء ذكر الحسين اختلج قلبها وتسارعت دقاته حتى شوشت عليها سماع الحديث ~~فإذا سالم يقول: «قبضوا على الحسين؟ لا لم أعلم بذلك بعد. أين قبضوا عليه؟» # قال: «في فج الأخيار ... لأن لمياء اللعينة أفشت السر وأخبرت المعز بوجود المال هناك فتبرع ~~هو بالذهاب ليحمل ذلك المال إليهم. وجاءني الرسول أمس أن رجالنا هناك قبضوا عليه وأوثقوه ~~وسألوني عما يفعلونه به فأجبتهم أن يحملوه إلى هنا. فإذا جاء حبسناه وجعلناه رهنا ... ما ~~قولك؟» # فقال: «لم أكن أعلم ذلك ... بارك الله فيك. كيف لم تخبرني به حتى الآن ...» # قال: «لأني لا أثق بأحد ولو لم أر خوفك لم أخبرك ms155 به. لكنني لم أعلم أين ذهبت تلك الفتاة ~~المفتونة. فقد أخبرني الجواسيس أنها خرجت من القيروان ولكني لم أعلم إلى أين؛ لأنها أخفت ~~جهة مسيرها.» # قال: «ما ظنك بها؟» # قال: «أظنها أتت إلى هنا؛ لأن يعقوب اليهودي هو الذي أنبأ المعز بعزمنا على قتله فنجا ~~بذلك. ويغلب على ظني أن لمياء أتت إلى الفسطاط لكنني لم أستطع البحث عنها في حياة كافور؛ ~~لأنه كان يقرب ذلك اليهودي ويصغي إليه ... أما الآن وقد مات كافور فإني أوغرت صدر ابن الفرات ~~عليه فأصبح يطارده ولا يلبث أن يصادره. وهو يسعى الآن في إقناع القواد أن يسلموا لجوهر. ~~ولكنه لن يفلح؛ لأنهم مختلفون لا رابطة لهم وكل منهم يطمع بالمال لنفسه وهم طوائف أهمها ~~الإخشيدية والكافورية والأتراك، وليس عليهم أمير حازم يجمع كلمتهم. وفى عزمي أن أجمع ~~شتاتهم بواسطة السيدة زينب بنت الإخشيد؛ لأنها كانت نافذة الكلمة عندهم، لكنها امرأة ولا ~~تعلم كيف تعمل فضلا عن اشتغالها بأمر نفسها ... لا تخف يا بني ... كن على ثقة من ~~تدبيري.» # وكانت لمياء تسمع كلامه وفرائصها ترتعد فإذا بسالم يقول: «قد أدهشتني يا عماه بهذا ~~التدبير ... بارك الله فيك.» # فقال : «كيف لا وقد قضيت عمري في دس الدسائس عملا بوصية ذلك المقتول ظلما ... إني منتقم له ~~كن في راحة ... ولكن تلك الملعونة أين ذهبت لا أدري.» # قال سالم: «ما لنا ولها فلتكن حيثما شاءت.» # ثم استولى السكوت كأن الرجلين ناما وأخذت تفكر بما سمعته فرأت أنها استطلعت أشياء كثيرة ~~لم تكن تعرفها وخصوصا أمر الحسين والقبض عليه وأن المصريين يسعون في مصالحة جوهر والتسليم ~~له وأن الأمر موقوف على بنت الإخشيد. وقد صدقت أنهم قبضوا على الحسين؛ لأنها رأت ذلك رأي ~~العين في أثناء الغيبوبة فلم تعد تستطيع البقاء هناك واحتالت في الخروج فلقيها صاحب الفندق ~~فسألته عن الثياب فقال: «هل أتى الأضياف؟» # قالت: «أظنهم أتوا؛ لأني سمعت حركة.» فقال: «قبحهم الله يدخلون كاللصوص!» وأسرع وعاد ~~إليها بالثياب. فتناولتها ودفعت إليه أجرته وانطلقت تطلب بيت الشريف ms156 مسلم بن عبيد الله. ~~وكان الليل قد سدل نقابه، فأسرعت حتى وصلت فرأت الخيول متزاحمة في الباحة والناس وقوف ~~بالباب فاستأذنت في الدخول فأذن لها وسألت عن الشريف فقيل لها إنه في خلوة مع جعفر بن ~~الفرات. فجلست وهي في غاية الاضطراب وأصبحت في شوق لمعرفة ما يدور بين الرجلين. # الفصل الثاني والستون # | الصلح # وهي جالسة رأت جماعة عليهم ألبسة المصريين الوطنيين من التجار والمزارعين، وقد تجمعوا ~~أزواجا وأثلاثا وهم يتذمرون ويتأوهون وسمعت أحدهم يقول: «ما لنا وللحروب لقد خربت البلاد ~~واختنق الناس من القحط والغلاء حتى فرغت أيدينا من النقود وهؤلاء الجند لا يزيدوننا إلا ~~ضرائب. وهم منعمون لا يهمهم إلا أخذ الأموال ... إنهم معذورون طبعا إذا خافوا على سيادتهم ~~وأحبوا محاربة أولئك المغاربة.» # فأجابه آخر: «ما لنا ولهم ... الأفضل لنا أن نصالح. وهذا الوزير قد وافقنا على طلب ~~الصلح. إن هذه الدولة الجديدة رشيدة وقد سمعت الثناء على خليفتها وزهده في الأموال ورغبته ~~في راحة رعيته ...» # فتقدم ثالث وقال: «وقد بلغني أن هذا الجند قادم إلينا وقد حمل الذهب على الجمال كالأرحية ~~... أين ذلك من استبداد جندنا وحكومتنا بأموالنا؟» # ثم سمعت رجلا يضحك - وفي وجهه هيئة المجون - وقال: «كيف تدعون الفقر يا قوم أليست ~~الأموال مخزونة في بيت الإخشيدية والكافورية؟ هذه بنت الإخشيد قد فرشت منزلها بما لم تبلغ ~~إليه زبيدة زوج الرشيد وعندها الجواري بالمئات ... وتقولون مع ذلك إننا فقراء؟» # فضحك الجميع من مجونه، ثم شغلوا بحركة وضوضاء ظهرت هناك فالتفتت لمياء فرأت ابن ~~الفرات خارجا وقد خرج الشريف مسلم لوداعه وابن الفرات يبالغ في احترامه والثناء عليه. ~~ولما ودعه قال ابن الفرات: «أتعدني يا سيدي بالذهاب غدا إلى الإسكندرية؟» # قال: «كن مطمئنا أني باذل جهدي في إقناع القائد أن يقبل بالصلح وأنا ضامن ذلك - بإذن ~~الله.» # ففهمت أن ابن الفرات يسعى في المصالحة، وتذكرت ما سمعته من أبي حامد في هذا الشأن. ~~وأرادت أن تخاطب الشريف فرأته تحول إلى غرفته كأنه في شاغل عن المقابلات، فأجلت ms157 مقابلته ~~إلى فرصة أخرى، وذهبت إلى دار الحريم وقد تعبت واستلقت على الفراش ومالت إلى الخلوة ~~وأخذت تفكر بما سمعته فغلب عليها النعاس فنامت رغم إرادتها. # ولم تفق إلا في الصباح على ضوضاء القوم في الدار، فنهضت وسألت عن الشريف فقيل لها إنه ~~بكر إلى الإسكندرية مع وفد من أعيان المصريين ومعه كتاب الوزير ابن الفرات في طلب الصلح. # 1 # أما هي فإنها ما زالت في قلق؛ لما علمته من مساعي أبي حامد، وأسفت لأنها لم تستطع مقابلة ~~مسلم قبل ذهابه. وهي في ذلك رأت يعقوب داخلا، فأحست براحة وأسرعت إليه فلما رآها هش لها ~~وتقدم نحوها فأومأت إليه أن يجلس وقصت عليه ما سمعته أمس. فاستغرب قولها وأدهشه عزم أبي ~~حامد وما دبره فقالت: «لا حاجة بي أن أخبرك عن أهم ما قصصت عليك.» # قال: «أما من حيث الحسين فإذا صح ما قالوه عنه وأنه آت إلى هنا فهو في مأمن، ولا شك أن ~~ذلك الغادر مغرور.» ثم أطرق وهو يحك عثنونه وقال: «ولكن ...» وسكت. # فقالت: «ولكن ماذا؟ هل أستطيع أن أعمل عملا ... إني أشعر بتقصيري في مهمتي لأني شغلت بنفسي ~~عن خدمة مولاي المعز ما بالك؟ قل.» # قال: «فهمت من حديثك أن ذلك الملعون يهدد سعينا في الصلح بدسائسه عند بنت الإخشيد ولا ~~سبيل لي إلى هناك وأنا رجل فلا أستطيع التنكر ...» # فأدركت أنه يلمح إلى استطاعتها؛ ذلك لأنها فتاة، فأطرقت ثم قالت: «هل أقدر أنا على ~~ذلك؟» # قال: «طبعا ولكن ...» # قالت: «ماذا قل ... قد أدركت الآن مركز بنت الإخشيد في هذه الدولة ويظهر أن الكل يثقون بها ~~رغم ما بلغنا من تهتكها وانغماسها، فما الذي ترى في القدرة عليه؟» # قال: «ليس أقدر منك على ذلك ... أرى أن تدخلي دار بنت الإخشيد وتتسلطي على عقلها حتى تصير ~~أطوع لك من بنانك.» # فعلمت أنها لا بد لها من التجسس وهي أكبر نفسا من ذلك. فتوقفت عن الجواب لحظة وهي ~~تنظر في مرآة معلقة في الحائط أعجبها شكلها؛ لأنها صنع ms158 مصر ولم تكن رأت مثلها من قبل. كانت ~~تنظر إلى المرآة وهي تفكر في أمر تنكرها. فابتدرها يعقوب قائلا: «لا تترددي يا بنية ... إذا ~~كنت تحبين المعز وتريدين الفوز لجوهر فالأمر في يدك ولا يستطيع عليه سواك.» # فلما سمعت قوله تحمست، وهان عليها كل صعب فقالت: «روحي فداء أمير المؤمنين وأحسب أني مت ~~في مرضي هذا. فما العمل؟» # قال: «هل تعلمين شغف بنت الإخشيد باقتناء الجواري الحسان؟» # فقالت: «نعم، أعلم ذلك.» # قال: «أرى أن تتنكري بثوب جارية مغربية، وأن أجعلك هدية لبنت الإخشيد ولا ريب عندي أنها ~~لا تلبث أن تخاطبك حتى تستسلم لرأيك والأمر بعد ذلك لفطنتك.» # فنهضت وقالت: «أنا مستعدة للذهاب من يأخذني وكيف أصنع؟» # قال: «تمهلي ... إني عائد بعد قليل وإنما أتقدم إليك أن تلبسي ثوبا مثل أثواب الجواري ...» ~~قال ذلك وخرج. # فلبست وأصلحت شعرها وغيرت هندامها حتى أصبح من يراها لا يشك في أنها جارية وقد زادها ~~الضعف جمالا وهيبة. ثم جاء يعقوب ومعه رجل عرفت أنه تاجر الرقيق الذي قبضوا عليه في ~~القيروان ووقف بين يدي المعز واعترف أنه جاء ليبتاع جواري لبنت الإخشيد فتجاهلت. # ثم تقدم يعقوب وقال: «هذه هي الجارية يا سيدي ... كيف تراها؟» # قال: «لا بأس بها.» # فضحك يعقوب وقال: «لا تقل لا بأس، بل قل إنها جميلة، وأظنها تعجب مولاتنا كثيرا؛ ~~نظرا لما فطرت عليه من الذكاء والأدب فضلا عن الجمال.» # فقال الرجل «ما اسمها وكم ثمنها؟» # قال: «اسمها سلامة وأما الثمن فإني لا أتاجر بالرقيق كما قلت لك وإنما أردت أن أفعل ذلك ~~خدمة لمولاتنا. خذها إليها ويكفيني أن تقبل هذه الهدية مني، ولكن هذه الفتاة عزيزة علي؛ ~~لأني أعرف منشأها، فلا ينبغي أن تعامل مثل سائر الجواري. أوص السيدة بنت الإخشيد بذلك إذا ~~شئت.» # قال: «سأفعل» وأشار إلى لمياء فتبعته وهي تتجلد. # الفصل الثالث والستون # | بنت الإخشيد # وكانت بنت الإخشيد تقيم في قصر قرب دار عبد العزيز أكبر دور الفسطاط وقد تقدم ذكرها. ~~وذكرنا ما فيها من الغرف وعدد ms159 ما فيها من الناس، وهي واقعة على ضفة النيل الشرقية، ~~يقابلها في المغرب جزيرة الروضة. وقصر بنت الإخشيد فخم يطل على النيل قد فرش بأثمن ~~الرياش. # والدولة الإخشيدية يومئذ في إبان بذخها تقلد العباسيين بما في دورهم من الرياش الفاخر ~~والأثاث الثمين بالأبسطة المطرزة والأستار المزركشة قد شدت إلى الجدران بمسامير الفضة ~~وفرشوا غرف النوم بالأسرة الذهب أو الأبنوس المنزل بالعاج ونصبوا منائر الفضة ~~عليها الشموع العنبرية إذا أوقدت فاحت رائحتها حتى تملأ الفضاء. # فلا غرو إذا دهشت لمياء عند دخولها ذلك القصر بعد أن رأت بساطة دار المعز في القيروان. ~~وكانت تحسب دار أبيها في سجلماسة قبل سقوط دولته قد بلغت أرقى أحوال الحضارة، فإذا هي لا ~~تعد شيئا بالنسبة إلى دور الإخشيديين وخصوصا هذه الدار؛ لأن بنت الإخشيد كانت لفرط ~~إعجابها بنفسها تقلد نساء الخلفاء العباسيين بالبذخ والرخاء، ولا سيما زبيدة زوج الرشيد ~~فقلدتها باصطناع قبة من الفضة والأبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب ملبسة بالوشي والسمور ~~والديباج الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق # 1 # رغم ما كانت عليه البلاد من الضيق. # تلك كانت طريقة الحكومة في تلك الأيام، ولا سيما في أواخر الدولة. # إنما يهم الحاكم أن يجمع المال لنفسه ويتلذذ بالشهوات وقد يبلغ من تمتعه بالملذات أن يموت ~~من التخمة والرعايا حوله يموتون من الجوع. # وكانت بنت الإخشيد في حدود الكهولة تظهر لأول وهلة أنها قوية الخلق وهي بالحقيقة ضعيفة ~~الرأي لكنها جسورة لا تبالي ما تفعل ولا تقدر العواقب، وكانت مثالا لطبقة المترفين من ~~أهل ذلك العصر، لا يفوتها ضرب من ضروب الملذات، وكانت وجيهة نافذة الكلمة ليس في رجال ~~الدولة من لا يخشى بأسها، ولا سيما في تلك السنة وقد مات كافور وصارت الأمور إلى أحمد ~~بن على حفيد أخيها - وهو غلام - فأصبح طبعا طوع إرادتها هو وكل رجال دولته إلا جعفر بن ~~الفرات، فأحب أن يستأثر بالنفوذ فأغضبها وأغضبته فمال مع الأهلين الراغبين بالتسليم لجوهر ~~قائد جند المعز. وأما سائر الأجناد فكانوا يلتمسون رضاها لا يبرمون ms160 أمرا إلا ~~برأيها. # وكانت جميلة الخلقة لا تزال الملامح التركية ظاهرة في محياها؛ لأن أباها فرغاني، ويظهر ~~أنها لم تتزوج رغبة في استبقاء عصمتها في يدها فانصرفت قواها إلى التمتع بالحياة والتماس ~~النفوذ والشهرة، فجعلت قصرها مباء لرجال الدولة. وكانت في تلك الأثناء مشغولة الخاطر؛ لما ~~بلغها من عزم المصريين على التسليم ومعهم ابن الفرات، لكنها لم تكن تتوقع حدوث ذلك فعلا إذ ~~لم تكن على بينة من حقيقة حال الوطنيين ولا مقدار ما بلغوا إليه من الضنك. # ولم يخطر لها أنهم يجسرون على مخابرة الأعداء وكان ينبغي أن لا يفوتها ذلك ولكن حكام ذلك ~~العصر لم يكونوا يحسبون للأمة حسابا، وإنما يهمهم احتلابها وابتزاز أموالها. # أصبحت بنت الإخشيد في ذلك اليوم وهي تتوقع أن يأتي رجال الدولة يشكون إليها ما فعله ~~ابن الفرات. وقبل نهوضها من الفراش أتتها المواشط والولائد يخدمنها في ما تحتاج إليه من ~~الغسل أو اللبس أو تسريح الشعر وتصفيفه. قضين في ذلك ساعة وهن يتسابقن إلى استرضائها ~~بالإطراء أو المجون. وهي في ذلك أتتها جارية تقول: «إن صاحب الرقيق يستأذن على ~~مولاتي.» # قالت: «دعيه ينتظر في البهو الكبير ريثما أخرج. وهل هو وحده؟» # قالت: «معه فتاة لعلها جارية.» # قالت: «جارية سوداء؟» # قالت: «كلا، بل جارية بيضاء جميلة لم أشاهد مثلها قبل الآن.» # فاهتمت بنت الإخشيد بذلك الخبر وأمرت الماشطة أن تسرع في إلباسها، أما لمياء فكانت قد ~~أقبلت مع ذلك النخاس على قصر بنت الإخشيد - وهو يمتاز بفخامة بنائه وبوقوف الحجاب ببابه - ~~فمرت إليه في حديقة طرقها مرصفة بالحصى الملونة على أشكال الطير والوحوش فتقدمها النخاس ~~وهي تتبعه حتى دخل باب القصر إلى ردهة واسعة فرشت بالسجاد. وبعض السجاجيد عليها وشي جميل ~~بأشكال الزهور أو بعض الحيوانات أو أبيات من الشعر، فاستقبلتها القهرمانة قيمة القصر ~~وعليها الأساور والدمالج وحول عنقها العقود حتى تكاد تنوء تحت أعبائها. فقالت لمياء في ~~نفسها: «إذا كانت هذه القيمة فكيف تكون السيدة؟» فدعتهما القهرمانة إلى بهو الاستقبال فدخلا ~~ولمياء تزداد ms161 شوقا لمشاهدة بنت الإخشيد، وذهبت القيمة لإبلاغ الخبر وبعد قليل أقبلت السيدة ~~وهي تجر ذيل ردائها الوردي وراءها وعلى رأسها عصابة مرصعة قلدت بها العالية أخت الرشيد ~~وصففت شعرها تصفيفا خاصا لا يجسر أحد من أهل الفسطاط على تقليده وشبكته بإكليل من ~~الذهب بشكل طائر. وتمنطقت بمنطقة مزركشة لها عروة مرصعة على شكل الكروبيم؛ قلدوا به بعض ما ~~على الآثار المصرية من الرسوم. # وأدركت لمياء قدومها من حركة الخدم في الدهليز، ومما تضوع من الطيب فوقفت ووقف النخاس ~~وتقدم حتى أكب على يد الأميرة كأنه يقبلها وفعلت لمياء مثل فعله فظهر التكلف في ~~حركاتها؛ لأنها لم تتعود مثل ذلك. # فحالما رأتها بنت الإخشيد وقعت من نفسها موقعا جميلا وأعجبها ما في عينيها من المعاني ~~السحرية والضعف زادها سحرا. فتقدمت إلى لمياء ووضعت يدها على كتفها كأنها تحاول ضمها ~~فاستأنست لمياء بها ووقفت مطرقة، فأشارت إليها أن تجلس وجلست على مقعد من الأبنوس فرشه ~~مكسو بالحرير، وقالت: «من أين لك هذه الفتاة؟» # قال: «هذه هدية من عبدك يعقوب بن كلس رآها لا تليق بأحد سواك؛ نظرا لما هي عليه من ~~الأدب والذكاء. وقد كلفني أن أنوب عنه في تقديمها.» # فلما سمعت اسم يعقوب مر في ملامحها شيء من الانقباض، لكنها أظهرت الامتنان، وقالت: «إنها ~~هدية نفيسة لا أظن يعقوب أهدى مثلها في حياته، فالظاهر أنه يلتمس منا خدمة بعد أن أغضب ~~الوزير جعفر (ابن الفرات) ... إن أولئك اليهود أمرهم عجيب ... قد قبلنا هذه الهدية مع الشكر ~~بارك الله فيك!» قالت ذلك ومدت يدها فاستخرجت خاتما من إحدى أصابعها ودفعته إليه فتناوله ~~وقبله ومضى. # وظلت لمياء صامتة، وقد أدهشها ما رأته من التباين العظيم بين حال الأمة المصرية وحال ~~حكامها أو أهلهم، وقابلت بين بنت الإخشيد بمصر وأم الأمراء في القيروان. وترجح عندها قرب ~~سقوط هذه الدولة. وهي في ذلك أتى الحاجب فوقف قرب الباب فعلمت بنت الإخشيد أنه يريد ~~مخاطبتها في أمر فأومأت إليه فتقدم فقالت: «ما وراءك؟» # قال: «إن بعض ms162 القواد الإخشيدية يلتمسون المقابلة.» # فأظهرت استنكافها وقالت: «دعهم ينتظرون.» ونهضت وأشارت إلى لمياء أن تتبعها وسألتها ~~«ما اسمك؟» # فبغتت وأوشكت أن تقول اسمها الحقيقي، فبلعت ريقها وقالت: «سلامة يا سيدتي.» # فقالت: «اسمك جميل.» وصفقت ونادت القهرمانة فأتت فقالت لها: «كيف ترين هذه الفتاة ~~المغربية؟» # فنظرت إليها وهي تبتسم وقالت: «ما شاء الله إنها جديرة أن تكون في قصرك.» # قالت: «فإليك هي أفردي لها غرفة خاصة ولتسترح الآن.» # فأشارت مطيعة وانصرفت ولمياء تتبعها حتى أدخلتها غرفة بها نافذة تطل على النيل ~~فاستأنست بمجرى الماء، لكنها لم تأت إلى ذلك القصر وتركب ذلك المركب الخشن لتتمتع ~~بالمناظر الطبيعية فأخذت تفكر فيما ينبغي أن تفعل، وتذكرت أن الحاجب أنبأ بنت الإخشيد وهي ~~في حضرتها عن قدوم بعض القواد لمشاهدتها، وهي فرصة ينبغي لها أن لا تفوتها والوقت ~~ضيق لا يأذن بالتأجيل فأخذت تفكر في حيلة تستنبطها لحضور تلك الجلسة، لعلها تستطلع ~~شيئا. # الفصل الرابع والستون # | الطعام # وإذا بالقهرمانة دخلت وهي تتهادى بمشيتها تيها وتشمخ بأنفها عجبا. ولما دنت من ~~لمياء وقفت لها تأدبا فقالت القهرمانة «يظهر أنك وقعت من نفس مولاتنا موقعا جميلا ~~لم توفق إليه غادة قبلك.» قالت ذلك وضحكت فبانت أسنانها متفرقة؛ لأن الزمان ذهب بنصفها. ~~وكانت تلك القهرمانة جميلة في صباها لكن عيشة الرخاء أسمنتها وداهمتها الشيخوخة فجعلت جلدها ~~طيات يتقطر العرق من بينها. وإذا مشت خطوتين لحقها التعب، لكنها - مع ذلك - كانت خفيفة ~~الروح فاستأنست لمياء بها وسرها ما سمعته من إعجاب بنت الإخشيد؛ لأن ذلك يعجل ما ~~ترجو الاطلاع عليه أو الوصول إليه في سبيل خدمة المعز. فأطرقت وقالت: «ليس في ما يدعو إلى ~~إعجاب سيدتي الأميرة، ولكنها ربما أشفقت على الضعف الظاهر في وجهي.» # فقطعت القهرمانة كلامها قائلة: «إن هذا الضعف يزيدك جمالا ولطفا ... والآن فإن مولاتنا ~~الأميرة كلفتني أن أصلح من شأنك وآخذك إليها لتتناولي الغداء معها.» # فشغلها ذلك التلطف عن التفكير بأبي حامد ورفيقه، واشتغلت القهرمانة بالإصلاح من شأنها ~~فأتتها بثوب من الحرير الناعم الملون ms163 نسيج مصر وعليه صور تأخذ بالأبصار وحوله منطقة ~~مذهبة. وأخذت الماشطة في إصلاح شعرها وتضفيره على نسق خاص، فضايقها ذلك وتقدمت إلى ~~القهرمانة أن تعفيها من هذا التصفيف فأجابتها: «هكذا تريد مولاتنا.» # فقالت: «اسأليها لعلها تعفيني؛ لأن ذلك يضر برأسي.» # فمضت ثم عادت وهي تقول: «وهذا دليل آخر على حب مولاتنا لك فإنها سمحت أن تكوني كما ~~تشائين وأن تسرعي في الذهاب إليها؛ فإن المائدة قد أعدت.» # فسرحت شعرها بيدها تسريحا بسيطا وضفرته ضفيرتين أرسلتهما إلى الوراء إلا خصلا صغيرة ~~أرسلتها على الصدغين وأبت الاكتحال أو التزجج وبين يديها جارية سوداء تحمل لها المرآة فنظرت ~~إلى وجهها فيها فرأت أنها أجمل مما كانت تظن، ثم مشت في أثر القهرمانة في دهليز يؤدي إلى ~~قاعة واسعة في صدرها دكة مرتفعة قد نصبت عليها المائدة ويشرف الجالس إليها على ضفاف ~~النيل فيرى السفن ذاهبة جائية ووراءها جزيرة الروضة وفيها الأبنية الفخمة وفي جملتها ~~المقياس. ووراء ذلك بر الجيزة إلى الأهرام والقاعة مفروشة بالبسط والسجاد مثل أكثر غرف ~~تلك الدار غير الأرائك والوسائد والمقاعد وكلها مذهبة أو منزلة وقد أرخيت الأستار ~~المزخرفة على الجدران التي تكسوها، ومنها ستارة في عرض القاعة مرفوعة بأمراس من الحرير ~~ترخى عند الحاجة فتحجب مجلس الأميرة عن سائر الجلوس. # كانت هذه القاعة فرشت لعقد المجالس الكبرى، فإذا حضرت بنت الإخشيد المجلس أرخت الستارة ~~المشار إليها، ودار الحديث أو المفاوضة ولا يراها أحد من الحضور، وأحبت أن تتناول ~~طعامها فيها في ذلك اليوم لإشرافها على النيل. فنصبوا لها بجانب المائدة مقعدا مكسوا ~~بالخز المطرز باسمها. فجلست هي عليه والتفت بملاءة كالمطرف من القطيفة الحريرية وقد طرزت ~~بالقصب ورصعت بالأحجار الكريمة بأشكال بديعة تمثل شجرا وطيورا وحيوانات أخرى وهي من ~~جملة ما قلدت به نساء العباسيين في إبان بذخهم. ولعلها قلدت بها بساطا لأم الخليفة ~~المستعين عليه الطراز والترصيع بصور كل حيوان من جميع الأجناس وصورة كل طائر من ذهب ~~وأعينها من يواقيت وجواهر. # 1 # دخلت لمياء وبنت الإخشيد متكئة ms164 على ذلك المقعد والمطرف على جنبيها يأخذ لمعانه بالأبصار، ~~والمائدة بجانبها عليها الأطعمة وقد وقف الخدم من الجواري يحملن الأطباق فيها الحلوى أو ~~الفاكهة، وهن في أجمل ما يكون من الأثواب وتصفيف الشعور إلا لمياء، فإنها على ~~بساطتها. # فتقدمت القهرمانة أولا وأنبأت السيدة بنت الإخشيد بقدومها وانصرفت فدخلت سلامة (لمياء) ~~وعليها ذلك الثوب الباهر الذي زاد وجهها إشراقا وهيبة. ولم تتمالك بنت الإخشيد عند دخولها ~~عن الجلوس ووسعت لها مجلسا على المقعد ودعتها إلى القعود بجانبها فقعدت فرحبت بها ~~وقالت: «إن هدية بن كلس اليوم قد كفرت عن سيئاته وسيئات شيعته.» وضمتها وقبلتها ولمياء ~~مطرقة وقد زادها الحياء وقارا، والحياء من أجمل ما تزدان به المرأة بل هو أجمل أثواب زينتها ~~الحقيقية. # ثم تقدمت بنت الإخشيد إلى لمياء أن تتناول الغداء معها، وأشارت إلى خادم بيده طبق أن ~~يضعه على المائدة بين يديها وفيه سكباج، فتناولت قطعة وناولت لمياء قطعة؛ تشجيعا لها ~~فأطاعتها وتناولت مما حضر من الألوان. ولم يكن بينها شيء لم تعرفه إلا لونا في جام أنكرته ~~ولم تستلذ طعمه. ولحظت بنت الإخشيد ذلك فقالت: «يظهر أنك لم تستطيبي هذا اللون مع أن ~~الدرهم منه يكلف مئات الدنانير، إنه مصنوع من أدمغة نوع من الطير لا يوجد في غير مصر، ونحن ~~ننفق في جمعه الأموال الطائلة؛ لأن دماغه كثير الغذاء واللقمة منه تغني عن عدة أطباق من ~~أطعمة أخرى.» # ثم أمرت بالحلوى فأتوا بعشرات من أشكالها بين معاجين ومطبوخات وفاكهة، ويقدمون في أثناء ~~الطعام باقات الأزهار الطيبة الرائحة غير ما يرشونه في أرض القاعة من ماء الزهر أو ~~العطر وما يحرقونه في المباخر المنصوبة بين الأبواب من الندا أو العود. # وكان في جملة ما قدموه على المائدة سائل محمر اللون (خمر) لم تعرفه لمياء ولا مدت ~~يدها إليه، بل هي حالما وقع بصرها عليه اقشعر بدنها؛ لأنها تذكرت الشراب الذي ذهب ~~بحياة أبيها. على أنها كانت تنظر إلى كل ذلك بعين الاستغراب وتقابل بين ما كانت تراه من ms165 ~~تقشف المعز وأم الأمراء والأموال عندهم في الخزائن وسلطانهم في إبانه وبين ذلك الرخاء - ~~والبلاد في ضيق والناس يتضورون جوعا. # وكانت بنت الإخشيد تأكل بنهم ولذة وتعجب لتعفف لمياء وتحسبها تفعل ذلك من علة؛ لأنها ~~تعودت أن ترى غاية الإنسان في دنياه أن يتمتع بالملذات على اختلاف أشكالها وضروبها. ولا ~~تقدر تتصور أحدا يمتنع عن لذة إلا إذا عجز عن نيلها، ذلك شأن المنغمسين في الشهوات، وهم ~~يكثرون في أواخر الدولة قرب سقوطها؛ إذ تذهب ملذاتهم العقلية أو الأدبية بذهاب مجدهم ~~ونفوذهم فلا يبقى لهم غير الملذات البدنية فينصرفون إليها فلا تزيدهم إلا ضعفا ~~وانحطاطا. إن ملذات الرجال في أوائل الدولة تقوم بالنصر أو الفوز والمسابقة في الفتح أو ~~نيل المناصب وتقويمها وتوسيع دائرتها، لا تهمهم الملذات البدنية إلا قليلا، فإذا ذهب المجد ~~وأخذ أصحابه بالتقهقر لا يبقى غير هذه الملذات. # أمرت بنت الإخشيد برفع المائدة وقد امتلأت معدتها وانتفخت عروقها وأسرعت دورتها وبان ~~ذلك في عينيها واستلقت على ذلك المقعد. # وأحبت لمياء أن تنتقل إلى المقعد الآخر فأمسكتها وأقعدتها بجانبها وأخذت تحادثها فبدأت ~~بالسؤال عن بلدها فقالت: «من أين أنت يا سلامة؟» # فلم تعرف ما تجيب ؛ لأنها لا تريد أن تكذب ولا أن تقول من هي فأجابت جوابا وسطا، ~~فقالت: «إني من إفريقية (بلاد المغرب).» # فوقع اسم إفريقية وقعا شديدا على سمعها؛ لأنه شغلها الشاغل منذ عدة أشهر فتصاعد الدم ~~إلى وجهها لكنها تجاهلت وابتسمت وقالت: «إن إفريقية واسعة فمن أي قسم منها؟» # فقالت: «إن الجواري يا سيدتي لا يطلب منهن معرفة أنسابهن؛ لأنهن ينتسبن إلى مواليهن فأنا ~~الآن في دار السيدة بنت الإخشيد وإنما أنتسب إليها وكفى.» # فاستحسنت جوابها الدال على الذكاء، وأحبت تبديل الحديث وإذا بالحاجب دخل وقال: «القواد ~~الإخشيدية لا يزالون في انتظار الإذن لهم بالمقابلة يا سيدتي ...» # فتأففت وهزت رأسها، وقالت: «أقلقوا راحتي بمقابلاتهم ... ما أصنع لهم؟ هذا أميرهم أحمد ~~فليقابلوه ...» قالت ذلك ونظرت إلى لمياء. # فرأت لمياء أن لا تضيع هذه الفرصة فابتسمت ابتسامة ms166 مسايرة وقالت: «صدقت يا سيدتي إن هذه ~~المقابلات تزعجك، لكنك تعلمين أن الرأس كثير الأوجاع، ولولا ثقتهم بتعقلك وسداد رأيك لم ~~يطلبوا مقابلتك. فإذا جاز لي أن أشير عليك أرى أن تأذني بدخولهم وتشجيعهم وتنصحي لهم فإن ~~أميرهم صغير السن ...» # فقطعت بنت الإخشيد كلامها قائلة: «أحسنت يا سلامة، لكنني لا أستطيع مجالستهم الآن بعد ~~الطعام فأرى أن أؤجل الاجتماع إلى المساء.» # فقالت: «ذلك لك إذا شئت، لكنني لا أظنهم يلحون للاجتماع في هذه الساعة إلا وهم في أشد ~~الحاجة إليه وإذا استثقلت الانتقال إلى قاعة أخرى ادعيهم إلى هنا وأنزلي هذا الستر بينك ~~وبينهم وخاطبيهم بما تريدين.» # فأعجبها هذا الرأي كثيرا؛ لأنها يمكنها أن تتمتع براحتها في الجلوس أو الاتكاء، ~~وقالت: «هذا الرأي صواب على شرط أن تبقي أنت معي.» # ففرحت لمياء بتلك الدعوة - وهي غاية مناها - لكنها قالت: «إذا لم يكن بأس من وجودي فإني ~~باقية حسب أمرك ...» # قالت: «إن وجودك يؤنسني ... ولا تستغربي ما ترينه من إعجابي بك لأول مرة رأيتك فيها فإني لم ~~أجد هذه الأخلاق في واحدة من الجواري فأنت أميرة بأخلاقك.» ثم التفتت إلى الحاجب وقالت: ~~«إذا شاء القواد فليتفضلوا إلى هنا .» وأمرت بعض الخدم أن يرخوا الستر فأصبحت القاعة ~~قاعتين بينهما ذلك الستر، وهو من الديباج المطرز، وفيه ثقوب ترى منها من شاءت من الجلوس ~~ولا يرونها. # الفصل الخامس والستون # | الجلسة # ولبثت لمياء جالسة وهي تنظر من أحد الثقوب؛ لتتعرف الداخلين وما لبثت أن سمعت وقع ~~الأقدام وقلقلة السيوف وإذا بثلاثة عليهم الألبسة الفاخرة والعمائم الصغيرة والدراعات ~~المزركشة مما يلبسه كبار القواد. وقد تقلد كل منهم سيفا يجر إلى جانبه وحالما دخلوا ~~ألقوا التحية فأمرتهم بنت الإخشيد بالجلوس وهمست للمياء: «هؤلاء ثلاثة من قواد ~~جندنا المخلصين، ويعرفون بالإخشيدية نسبة إلى والدي الإخشيد - رحمه الله.» # فأظهرت لمياء الإعجاب، فقالت بنت الإخشيد بصوت عال: «مرحبا بقوادنا الأجلاء، عسى أن ~~يكون مجيئكم لخير.» # فأبطئوا في الجواب هنيهة لحظت لمياء في خلالها أن كلا منهم يدعو الآخر للكلام. ms167 ثم تصدى ~~أكبرهم سنا وقال: «إننا جئنا لخير - إن شاء الله - ونأسف أننا أزعجنا مولاتنا بمجيئنا، ~~ولكننا لم نر بدا من ذلك والعدو على الأبواب وهؤلاء الكافورية لا يزالون ينازعوننا على ~~هذه الدولة. وكنا نحسب مبايعة مولانا الأمير أحمد توقفهم عند حدهم فيكفون عن ~~تعدياتهم فإذا هم على ما كانوا عليه يفسدون الجند علينا ويوغرون القلوب على مناوأتنا ~~والوزير جعفر لم يزدد إلا استبدادا في الدولة وقد قبض على الأموال فلم يترك بيضاء ولا ~~صفراء. وقد بلغنا أنه كاتب العدو بالتسليم فهل ترضى مولاتنا بهذا العمل، أم هو ~~استخف بأميرنا؛ لأنه صغير السن؟» # فقالت بنت الإخشيد: «أنا لا أرضى بذلك ... هذا لا يكون أبدا ... نسلم البلد إلى العدو وعندنا ~~الجند والقواد؟ كيف يفعل الوزير ذلك. لا بد من عزله.» # فأجاب أحد القواد: «إنما فعل ذلك بإيعاز الكافورية؛ لأنهم على رأيه وقد ساءهم كما ساءه أن ~~يعود الأمر إلى نصابه ويتولى الملك أهله وأصحابه وقد خرج من أيديهم فأرادوا أن يخرج من يد ~~أميرنا ولو صار إلى عدونا ...» قال ذلك والحنق باد في كلامه. # ولم تكد بنت الإخشيد تتدبر كلامه حتى سمعت ضوضاء بباب القاعة، ثم دخل بضعة رجال عرفت ~~أنهم من قواد الكافورية، وكأنهم كانوا بالباب وقد سمعوا الطعن بهم وأرادوا الدخول فمنعهم ~~الحجاب، فدخلوا قهرا وتصدى واحد منهم للكلام ووجهه إلى الطاعن وقال: «تقولون إنا أفسدنا ~~الدولة وإنها لكم وقد اختلسناها مدة. إننا لم نختلسها ولولا أميرنا كافور - رحمه الله - ~~لصارت هذه الدولة في خبر كان. فهو الذي حفظها ونظمها وثبت دعائمها من أول أمرها منذ ~~تولاها مولانا الإخشيد - رحمه الله - فقد كان له خير نصيح ومشير ولو ظل كافور حيا إلى ~~الآن لم يجسر العدو على حربنا. وها أنتم ولاة الأمر الآن، فأخرجوا العدو من الدار.» # فأجابه الإخشيدي: «نعم إننا نخرجهم إذا تركتمونا ولم تمالئوهم وتطلبوا صلحهم ... دعونا إننا ~~نعيدهم على أعقابهم ...» # فصاح فيه قائد آخر: «ويحك تقول ذلك بجسارة بين يدي مولاتنا. تقول إننا نمالئ ~~الأعداء؟» # فأجاب: ms168 «نعم إنكم تمالئونهم ألم يكن الوزير جعفر سيدكم ونصير أميركم وهو الآن يخابر ~~الأعداء في طلب التسليم ...» # فضحك ضحكة اغتصابية وقال: «إنه يفعل ذلك برأينا ... ومع ذلك فقد أحسن صنعا ... إن دولتكم قد ~~شاخت وإذا أنكرتم ذلك هلم إلى العدو وحاربوه وأخرجوه.» # فحمي غضب الإخشيدية وصاحوا بصوت واحد: «إننا لا نقبل هذه الإهانة وخصوصا بين يدي ~~مولاتنا ومولاتكم.» وتقدم أحدهم ويده على قبضة حسامه وقال: «والله لولا حرمة هذا المكان ~~لضربت أعناقكم بهذا الحسام وألحقتكم بأميركم العبد الأسود الذي تفاخروننا به ... صدق فيه ~~المتنبي (إشارة إلى هجوه إياه).» # فتصدى رجل من الكافورية واستل حسامه وقال: «ويحك تطعن في الأموات ... إنها وقاحة لم يكن ~~لمولاتنا بنت الإخشيد أن تسكت عنها.» # وعلت الضوضاء فصفقت بنت الإخشيد وصاحت: «ويحكم ما هذا؟ تتشاتمون في حضرتي! وأغرب من ذلك ~~أن نسمع الطعن في أسلافنا بأذننا هذا أمر لا نرضاه وليس هذا وقت الخصام والعدو بالباب ... ~~وأنتم يا أصحاب كافور إن كافورا كان خادما أمينا - رحمه الله - فما بالكم تفاخروننا به ~~أما إمارته فقد كانت فلتة انتحلها لنفسه أو انتحلها له بعض أصحاب الأغراض، وزعم أن الخلعة ~~أتته من بغداد ... ما لنا ولهذا الآن إنه خصام في غير أوانه ...» # فوقف الكافورية جميعا، وقال كبيرهم: «أما وقد سمعنا هذه الإهانة من فم مولاتنا فلم ~~يبق لنا إلا أن نخرج ونترك الأمر لأصحابه وولاة أمره.» # قالوا ذلك وانسحبوا بعجلة والغضب باد في كل حركة من حركاتهم. # وكانت لمياء في أثناء ذلك لا تزداد إلا وثوقا بنجاح جند المعز. فقد رأت بعينها وسمعت ~~بأذنيها اختلال أمور الدولة وانقسام قوادها وتباغضهم مما لا سبيل إلى إصلاحه. # فلما خرج الكافورية التفتت بنت الإخشيد إلى لمياء كأنها تستشهدها على هذه الوقاحة، ~~وقالت: «أرأيت أجهل من هؤلاء ... ويلاه كيف نحارب الأعداء ... إننا لا نقوى على حربهم ...» # فاستبشرت لمياء بالفوز وقالت: «يسوئني يا سيدتي أن تكوني قد نطقت بالصواب وعسى أن تكوني ~~مخطئة.» # وكأن بنت الإخشيد ندمت على ما فرط منها فاستأنفت الكلام قائلة: ms169 «بل أنا مخطئة لا ... لا ~~أريد أن أتصور ذلك ولو بالحلم. يدخل البلاد عدو غريب يحكم في رقابنا؟» ورأت أنها كان ~~ينبغي لها أن تستعطف الكافورية باللين وأنها أخطأت بما قالته فأرادت أن تلقي التبعة على ~~سواها شأن ضعيف الرأي في مثل هذه الحال. فالتفتت إلى الإخشيدية وكانوا لا يزالون واقفين ~~يتحدثون بما أتاه الكافورية، وقالت: «لم يكن ينبغي لكم أن تجافوهم بمثل هذا الكلام وهم ~~إخوانكم وعليهم المعول في الحرب فأغضبتموهم.» # فأجابها أحدهم: «وأنت يا مولاتنا تلقين هذه التبعة علينا؟ وقد سمعت الإهانة التي لحقت ~~بنا وبك وبسائر آل الإخشيد. فليكن ما تشائين ... أو لعلنا أخطأنا بمبايعة الأمير أحمد مع ~~صغر سنه، لكننا لم نفعل ذلك إلا اعتمادا على نصرتك، فإذا كنت ترين أننا غير كفء لشيء ~~فلنذهب.» قال ذلك وتحول وتبعه رفاقه. # فأحست بنت الإخشيد عند ذلك بضعف العزيمة، وأنها أصبحت منفردة لا نصير لها إلا إذا ~~تذللت واستعطفت فانقبضت نفسها وبان الانقباض في وجهها وسكتت هنيهة ولمياء تراقب حركاتها ~~وتقرأ ما يجول في خاطرها. # فلما رأتها في تلك الحال قالت: «ما بال سيدتي كئيبة ... أمن أجل كلمة تنقبض نفسك؟» # فتنهدت وقالت: «آه يا سلامة ليس من أجل كلمة ولكن هؤلاء لا يقدرون العواقب وقد خرجوا من ~~هذه الجلسة أخصاما يتوعد بعضهم بعضا وهم يدنا وساعدنا وجندنا، فبمن نحارب عدونا؟ لا ~~نصالح ولا نقدر أن نحارب. ويلاه ما العمل!» ودمعت عيناها. فأكبت لمياء عليها وضمتها وقبلتها ~~وقد أشفقت عليها وقالت: «لا بأس عليك يا سيدتي لا تخافي.» # فاستأنست بذلك الحنو وقالت: «كيف لا أخاف؟ وإذا كان العدو كبيرا كما يظنون وقدر له الغلب ~~ماذا يصيبني؟» # قالت: «لا يصيبك شيء يا مولاتي.» # قالت: «لا تلطفي الأمر علي ...» # قالت: «إني لا ألطفه ولا يجب مع ذلك أن تيأسي من النصر، ولكن هبي - لا سمح الله - أن ~~العدو اغتنم هذا الضعف وتغلب فأنت في أمان؛ لأن هؤلاء المغاربة مع كونهم أعدائكم أقرب إلى ~~الضن بكم من هؤلاء الأجناد المتمردين.» # فرأت في ms170 لهجتها شدة وعزيمة فقالت: «وكيف عرفت ذلك؟» # قالت: «أعرفه بالاختبار؛ لأني من بلاد المغرب - كما تعلمين - وكان سيدي الأول له علاقة ~~كبيرة بأهل القيروان وتعرف إلى المعز وقائده، وكثيرا ما سمعتهم يتحدثون وعرفت ~~طباعهم، إنهم أقرب إلى الخير من هؤلاء الأجناد و...» # فقطعت كلامها قائلة: «هل تعرفين المعز وقائده؟» # قالت: «نعم يا سيدتي أعرفهما معرفة جيدة وهما يعرفانني أيضا.» # فضحكت من السرور بهذه البشارة وأحست بنفوذ تلك الفتاة وأحبت أن تقول شيئا فمنعها الحياء ~~وحالت دونه الأنفة فأدركت لمياء غرضها فبادرتها قائلة: «انظري يا مولاتي ... إن ما لقيته من ~~لطفك ومحبتك يوجب علي أن أغار على مصلحتك، فإذا أذنت لي أقول كلمة.» # قالت: «قولي.» # قالت: «إنكم الآن في حرب مع المغاربة وسمعت الآن أن ابن الفرات ساع في الصلح فإذا وفق ~~إليه كوني على ثقة أنك تكونين معززة مكرمة، فإني أعرف أم الأمراء زوج المعز، وهي من ~~ألطف خلق الله وتحبني حبا جما. فأنا ضامنة كرامتك. وإذا لم يفلح ابن الفرات ~~بالصلح وجرت حرب فإذا فاز المصريون فأنت صاحبة السيادة طبعا. وإذا غلبوا على أمرهم ~~فأنا أفديك بروحي وأكون وسيلة لحفظ كرامتك وأموالك، كوني براحة.» # ففرحت بنت الإخشيد بهذا الوعد، ولكنها أحست بصغر النفس وندمت على تصريحها بما قالته ~~وخافت أن تستضعفها لمياء أو تحتقرها فقالت: «ولكن الفوز مع ذلك راجح لنا بإذن الله.» # فقالت لمياء: «إن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء ... لكني قلت لك ما أستطيع أن أخدمك به ~~والأمر لله.» # فضمتها بنت الإخشيد إلى صدرها وقالت: «إني أشكرك يا عزيزتي في كل حال ...» # الفصل السادس والستون # | جلسة أخرى # وكانت الشمس قد مالت إلى الأصيل وتحفزت بنت الإخشيد للنهوض، فوقع بصرها على قارب ~~يجري في النيل بسرعة فالتفتت لمياء وتفرست بمن فيه فلم يطل تفرسها حتى رأت فيه جماعة ~~فيهم أبو حامد وسالم، فخفق قلبها وارتعدت فرائصها وعلتها البغتة وتوردت وجنتاها لكنها ~~تجلدت وتجاهلت فقالت بنت الإخشيد: «هل ترين ذلك القارب؟ يظهر أنه قادم إلينا وقد تعبنا ms171 ~~اليوم من المقابلات.» قالت ذلك ونهضت حتى أطلت من الشرفة ولمياء معها فرأتا القارب ~~وقف عند المسناة بقرب باب القصر فقالت: «إنهما قادمان إلينا - بلا شك - فهل ~~أقابلهما؟» # قالت لمياء: «تسألينني يا سيدتي؟ إني لا أرى بأسا من المقابلة من وراء هذا الستر لعل مع ~~القادمين خبرا جديدا، فإذا أعجبنا استفدنا منه، وإلا أهملناه.» # قالت: «لله درك من حكيمة عاقلة ... يا ليتني ظفرت بك من قبل.» # وبعد هنيهة جاء الحاجب يستأذن لرجلين من أعيان المغرب. فأذنت بنت الإخشيد في إدخالهما ~~وأخذ قلب لمياء بالخفقان حتى خافت أن تخونها عواطفها فتشاغلت بالالتفات إلى النيل لئلا ~~يبدو ارتباكها. ثم دخل الرجلان فرأت من وراء الستر أنهما أبو حامد وسالم فجعلت تغالب ~~عواطفها لترى ما يكون، وهي تتوقع أن ترى شيئا جديدا يتم لها به ما كشفته في تلك الجلسة، ~~وكان قد أقلقها ما سمعته من القبض على الحسين. # فلما دخلا ألقيا التحية - كالعادة - فأمرت لهما بنت الإخشيد بالجلوس ورحبت بهما ولمياء ~~تتفرس فيهما فرأت سالما على غير ما تعرفه من الجمال فظنت أن السفر غيره والواقع أن ~~ما عرفته من خيانته وغدره قلل كثيرا من جماله، بعضه من تأثير الاحتقار والبعض الآخر من ~~تأثير العواطف على الملامح. # فإن الرجل ضعيف الخلق قد ينشأ وفي وجهه هيبة وأنفة فإذا توالى عليه الذل ظهر في سحنته شيء ~~منه. # فلا غرابة لما ظهر لها من تغير سحنته وقد مضت سنة وبعض السنة وهو ينقاد لأبي حامد ويظهر ~~بما يريده له من المظاهر المختلفة، أما أبو حامد فقد كان أقوى خلقا وأثبت عزيمة. يدلك على ~~ذلك بقاؤه على المطالبة بدم أبي عبد الله الشيعي دهرا لا يرى لنفسه عنه متحولا رغم ما ~~لقيه من الفشل على أنواعه، وآخر فشله في أمر كافور وقد أوشك أن ينجح لو بقي كافور حيا ولم ~~يصب جند مصر ما أصابه من الانقسام. ومع علمه بانقسام الجند وضعفه فإن عزمه لا يزال ثابتا ~~ولم يرجع عما عزم عليه منذ أعوام وهو ms172 يسوق سالما معه فيطيعه ويقول بقوله. # فلما جلسا بعد إلقاء التحية قالت بنت الإخشيد: «مرحبا بالأضياف، من أين أتيتم؟ ومتى كان ~~قدومكم؟» # قال أبو حامد: «أتينا مصر منذ بضعة أشهر، ونحن من أمراء المغرب في سجلماسة، أصابنا ما ~~أصاب سائر أمراء المغرب من ظلم العبيديين ففتحوا بلادنا واستبدوا فينا وطلبوا إلينا التسليم ~~فلم نقبل فأتينا مصر لنعيش في ظل الإخشيديين حيث لا يقع بصرنا على أحد من أعدائنا ولعلنا ~~نستطيع خدمة لهذه الدولة. وقد بلغنا أمس أن دعاة الخلافة بالمغرب زحفوا على مصر بقيادة ~~المملوك الصقلي فصرنا نتوقع أن تجتمعوا لدفعهم؛ لأن هذا الأمر يهمنا كثيرا وعدو عدوى ~~صديقي. لكننا سمعنا بما أصاب قلوب بعض القواد والوزراء من الخوف حتى تحدث بعضهم بطلب ~~الصلح. فاستغربنا هذا الضعف وأحببنا أن نبرهن للأجناد خطأهم فلم نر أوجه من بنت الإخشيد؛ ~~لأن الأمير حفيد أخيها وهو غلام فهي صاحبة الصوت الأقوى.» # وتنحنح أبو حامد ومسح شاربيه بيده وأرسلها على لحيته وحك عثنونه. # فقالت بنت الإخشيد: «بارك الله فيك ما الذي جئتنا به من أسباب الاطمئنان؟» # قال: «إن ما جئتك به يا مولاتي إنما هو أن أسعى في التوفيق بين القواد الإخشيدية ~~والكافورية. وهذا لا يكون إلا أن أثبت لهم أن جند المغاربة لا يستطيع أن يفتح هذه البلاد؛ ~~لأن انقسامهم إنما وقع بسبب خوفهم من الفشل وهذا طبيعي في كل زمان ومكان، لا يختصم شريكان ~~إلا إذا خسرت تجارتهما. فإذا برهنت لهم - على يدك - أن أولئك الدعاة لا يمكن أن يفتحوا مصر ~~تشددوا واتحدوا وطردوا العدو عن بلادهم.» # فأعجبت بنت الإخشيد بفصاحته وقوة حجته ونظرت إلى لمياء فوجدتها مصغية بكليتها ولم تنتبه ~~إلى ارتباكها فقالت لأبي حامد: «وما هو دليلك؟» # قال: «دليلي أن قائد جند المغاربة رجل اسمه جوهر الصقلي، ولهذا الرجل غلام اسمه ~~الحسين وهو عزيز عليه، فعلم الحسين هذا بمال كنا قد خبأناه في بعض الأماكن قرب سجلماسة ~~لنستعين به على استرجاع ملكنا، فاغتنم غيابنا وذهب بشرذمة من الجند ليقبض ذلك ms173 المال، لكن ~~رجالنا هناك قبضوا عليه وأرسلوه إلينا مغلولا، فإذا شئت دفعناه إليك ليكون رهنا تهددون به ~~أباه إن توهم اقتداره على مصر.» # وتذكرت بنت الإخشيد قول لمياء إنها تعرف المعز وقائده وسائر رجال الدولة في القيروان، ~~فلما سمعت ما قاله أبو حامد عن الحسين بن جوهر التفتت إليها فوجدتها لا تزال شاخصة تتطاول ~~بعنقها لسماع بقية الحديث فقالت لها همسا: «هل تعرفين الحسين بن جوهر؟» # قالت: «نعم أعرفه وأحب أن تأمري بإحضاره لئلا يكون هذا الرجل كاذبا.» # قالت: «وهل تعرفين هذين الرجلين؟» # قالت: «نعم رأيتهما في القيروان، وسمعت عنهما ما يضعف الثقة بهما، فإذا أمرت بإحضار ~~أسيرهما لنراه كان ذلك أقرب إلى التحقيق.» # فالتفتت بنت الإخشيد من وراء الستر وقالت: «أين هو ذلك الأسير.» # قال أبو حامد: «هو عندنا وإذا شاءت مولاتي أتيناها به.» # قالت: «افعل، ولك الفضل.» # فأشار أبو حامد إلى سالم أن يمضي لاستقدامه فمضى، ولبثت لمياء على مثل الجمر تتماسك ~~وتتجلد؛ لئلا تغلبها عواطفها وهي تحب أن يكون كاذبا في قوله فيكون الأسير المزعوم رجلا ~~آخر، لكنها ما لبثت أن سمعت ضوضاء قرب الباب وسالم يقول: «تقدم يا جبان لتراك مولاتنا بنت ~~الإخشيد .» # فتطاولت لمياء بعنقها حتى وضعت عينها على ثقب الستر وإذا بالحسين نفسه داخل والأغلال ~~الحديدية في عنقه ويديه لكنه مشى بقدم ثابتة والتفت إلى سالم وقال له: «متى رأيتني أحاول ~~الفرار حتى تدعوني جبانا؟» # فالتفتت بنت الإخشيد إلى لمياء لتستطلع رأيها في الرجل فرأتها ترتعد وقد احمرت عيناها ~~وكادت تغلب على أمرها فقالت: «هل هذا هو الحسين كما يقول؟» # فأشارت برأسها أن «نعم» ولم تفه بكلمة؛ لئلا يختنق صوتها فينفضح أمرها فاستغربت بنت ~~الإخشيد ما بدا من اضطرابها لكنها وجهت خطابها إلى الحسين قائلة: «هل أنت الحسين بن جوهر ~~قائد جند المعز؟» # فأجابها وهو رابط الجأش ثابت الجنان: «نعم أنا الحسين بن جوهر، فاتح أفريقية وقائد جند ~~المعز، وسيفتح مصر عن قريب.» # فوخزه سالم بيده وقال: «اخرس يا نذل، أبمثل هذه الوقاحة تخاطب ms174 مولاتك؟» # فرفسه الحسين برجله وقال اخرس أنت إنها مولاتك أنت، ولعلها لو عرفتك تبرأت من هذه ~~الولاية أما مولاي فهو المعز لدين الله الفاطمي.» # فتصدى أبو حامد للكلام - وهو يضحك ضحك الاستخفاف - وقال: «ألا تزال تسمي ذلك الدعي ~~فاطميا وفاطمة بريئة من نسبه؟» # فقال الحسين: «إنه فاطمي رغم خيانتك وغدرك.» # فقالت بنت الإخشيد: «الذي أوقعك في هذا الأسر، ما كان أغناك عنه.» # قال: «وقعت فيه تفانيا في خدمة مولاي المعز، وقد فزت - والحمد لله - بما أردت فأخذت ~~المال الذي خزنوه في فج الأخيار وبعثت به إلى القيروان وهو الآن مع والدي وقد صبوه قطعا ~~كالأرحية حملوها معهم على الجمال ...» # قال أبو حامد: «لا تكذب!» # قال: «إنما الكاذب أنت! إني قد فعلت ما يطلب مني وأرسلت ذلك المال إلى مولاي المعز، ~~وسيستعين به في فتح مصر، ولا يغرنك ما أتاه رجالك من الخيانة في القبض علي؛ فإن ذلك غير ~~ضائري. قد قمت بما علي وإذا مت الساعة لا أبالي؛ فإن الأعلام الفاطمية لا تلبث أن تخفق فوق ~~الفسطاط وإذا لم أوفق إلى رؤيتها وأنا حي فإن عظامي تراها وتفرح.» # فأعجبت بنت الإخشيد بتلك الجسارة التي لا تقدر أن تتصورها ولا سمعت بمثلها لما نشأت عليه ~~من الخمول والرخاء، فالتفتت إلى لمياء فرأتها - مع عظم تأثرها - قد غلب البشر على محياها ~~فقالت لها همسا: «أستغرب ما أسمعه.» # قالت: «لا تستغربي يا سيدتي؛ فإن ذلك شأن أولئك الأقوام وهم لم يفتحوا أفريقية إلا بمثل ~~هذا التفاني.» # قالت: «ومع ما سمعته من هذا الشاب فإني شعرت بانعطاف إليه ولم يعجبني تطاول هذا ~~السجلماسي.» # فلم تتمالك عن الانتصار لحبيبها فقالت: «فكيف لو علمت الفرق بين الرجلين ~~بالأخلاق.» # قالت: «هل تعرفين شيئا عنهما؟» # قالت: «إن أهل القيروان يتحدثون بذلك ... أما الآن فإذا شئت فمري أن يكون هذا الأسير في ~~دارك ولينصرف ذانك وتري ما يأتي به الغد.» # قالت: «أحسنت الرأي وقد أصبحت لا أطيق أن أرى الحسين مغلولا.» وصفقت فأتى بعض غلمانها ~~فقالت: «خذ هذا الأسير ms175 إلى غرفة يقيم فيها حتى ننظر في أمره لكن احلل وثاقه؛ إذ لا خوف من ~~فراره.» # فتناوله الغلام بيده وخرج فوقع هذا العمل من لمياء موقعا جميلا وكاد قلبها يطير من ~~الفرح. ولحظت بنت الإخشيد ذلك فيها فظنتها فعلته لشعور مثل شعورها فعذرتها والتفتت إلى ~~أبي حامد وقالت: «سننظر في ما عرضته علينا وسأقص ما رأيته على قوادنا فعسى أن ينفعنا ذلك.» ~~ففهم أبو حامد أنها تطلب انصرافهما فنهض وخرج مع سالم وقد سقط في أيديهما وإن لم يفهما ما ~~جال في خاطرها. # الفصل السابع والستون # | الرأي # ونهضت بنت الإخشيد للحال وهي تتثاءب وتقول: «ما أشغل هذا اليوم وما أثقله؛ فقد تعبت من ~~المفاوضات، إن هذا لا يستطيعه إلا كبار الرجال وقد أخطأنا بتولية هذه الإمارة غلاما ~~صغيرا.» # فنهضت لمياء معها والشمس قد غربت وأخذت الظلال تتكاثف وتتحول إلى ظلام؛ وأصبحت تود ~~الاختلاء بنفسها للتفكير في ما تراكم في ذهنها من الحقائق الجديدة وما أصاب قلبها من ~~الصدمات المتوالية فرأت بنت الإخشيد تحولت إلى غرفتها وأشارت إليها أن تتبعها فأطاعت وقد ~~أدهشتها تلك الغرفة بما فيها من الرياش الثمين وفي صدرها سرير من الأبنوس المنزل بالعاج ~~والذهب فوقه ناموسية من الحرير الشفاف (الملس) وكل ما في الغرفة زاه زاهر عكس قلب صاحبته ~~المسكينة، فإنها تحولت من تلك الجلسة وقد تراكمت عليها الهموم والمخاوف ولم تكن تشعر بشيء ~~من ذلك قبلا. وأصبحت شديدة التعلق بلمياء ولا سيما بعدما آنسته من تعلقها والخدمة النافعة ~~التي عرضتها عليها فأحبت أن تتوثق منها. # فجلست على سريرها وأمرت لمياء أن تقعد بجانبها فقعدت، وهي تفضل الخلوة لكنها أطاعتها ~~ولحظت ما هي فيه من القلق فاشتركت معها في إحساسها وشعرت أنها امتلكت قلبها، ظلتا هنيهة ~~صامتتين وبنت الإخشيد مطرقة ويمناها على كتف لمياء واليسرى على قلبها كأنها تتقي صدعا ~~أصابه. ثم تنهدت ونظرت إلى حولها لتتحقق خلو المكان من الناس ثم التفتت إلى لمياء وضمتها ~~إلى صدرها وقبلتها في عنقها وأطالت تقبيلها فشعرت بسائل حار يقع ms176 على عنقها فأجفلت وعلمت أن ~~بنت الإخشيد تبكي وهي تحبس نفسها لئلا تلحظ لمياء ضعفها. فتلطفت لمياء ورفعت رأسها وضمتها ~~وهي تقول: «ما بالك يا سيدتي؟ خففي عنك ... إني لا أرى باعثا على ذلك ... ومن كان في ما أنت ~~فيه من الوجاهة والنفوذ لا يستغني عن أمثال هذه المشاكل.» # فرفعت رأسها وتنهدت ثانية وقالت: «لا تعجبي من إبداء ضعفي بين يديك في أول يوم عرفتك فيه ~~فإني أشعر كأني أعرفك منذ أعوام. وقد اطلعت على حالنا الليلة فأشيري علي ... أشيري يا ~~حبيبتي.» # فسرت لمياء من وثوق تلك المرأة بها وأحست فعلا بالعطف عليها، واستغربت انقلابها بهذه ~~السرعة عما كانت عليه من الزهو والتيه لما قابلتها في ذلك الصباح. وشاركتها بالبكاء وليس ~~أسهل عليها من إرسال الدمع فإن مصائبها تترى وإحساسها حي فقالت: «هوني عليك يا مولاتي إني ~~لا أرى باعثا على هذه الشكوى. وقلت لك ما أقدر أن أخدمك به وقد فتح لنا باب جديد بوجود ~~الحسين بن جوهر أسيرا في قصرك وتحت رعايتك ولا ينفعك أن تثقليه بالقيود والأغلال؛ فإن ذلك ~~لا يؤذيه. ولا أقول لك أطلقيه؛ فإن في ذلك خيانة لبلدك. ولكنني أقول لك لاطفيه وأحسني ~~وفادته فإذا قدر النصر لجند مصر كان الحسين هذا من جملة أسرى الحرب. وإذا فاز القيروانيون ~~وانهزم المصريون عرف الحسين فضلك وسعى في صيانتك وحفظ كرامتك.» # فدهشت بنت الإخشيد لهذا الرأي الذي لا يقبل التعديل فقالت: «بورك فيك ... ولعلك علمت أني ~~غضبت لهذا الشاب من تلقاء نفسي وساءني ما أتاه ذلك السجلماسي من الفظاظة في معاملته وشعرت ~~بما علمته منك بعد ذلك من التباين في أخلاقهما فأنا ميالة إلى محاسنة الحسين وسأفعل ~~...» # فأطرقت لمياء لحظة ثم قالت: «وعندي رأي أظنك توافقينني عليه أعني أننا إذا صارت حالنا إلى ~~الخطر استكتبناه كتابا إلى أبيه في الوصاية بك وبمن في دارك.» # فأظهرت امتنانها ونهضت تظهر رغبتها في الانصراف، فأحست بنت الإخشيد أنها أتعبتها في ذلك ~~اليوم فنهضت وودعتها بقبلة وقالت: «اذهبي إلى فراشك يا ms177 عزيزتي واستريحي فقد أتعبتك في هذا ~~اليوم.» # فودعتها وانصرفت إلى غرفتها وقد امتلأ صدرها بالفوز وأصبح همها أن تنقل ما شاهدته من ~~فساد أحوال الدولة والجند إلى يعقوب حتى ينقله إلى معسكر جوهر بالإسكندرية فلبثت تتربص ~~الفرص. # أما الحسين فإنه كان قد ذهب إلى فج الأخيار في شرذمة من الفرسان وتمكن من استخراج الأموال ~~وإرسالها إلى القيروان، ثم غافله حفاظ ذلك المخبأ واستفردوه فعقروا فرسه وبعد معركة جاهد ~~فيها جهاد الأبطال تكاثروا عليه حتى سقط فشدوا وثاقه ووضعوا الأغلال في يديه ورجليه وعنقه ~~وبعثوا به إلى أبي حامد بمصر ولم يخبروه أنه تمكن من حمل المال قبل القبض عليه. أو لعلهم ~~أخبروه وتجاهل. وثم وصل الحسين بأغلاله ومصر في تلك الحال فرأى أبو حامد أن يتخذه تتمة ~~لمساعيهم فحمله إلى بنت الإخشيد كما رأيت لكنه أحس قبل خروجه من حضرتها أنه لم ينجح بتلك ~~الحركة، ولكنه تجاهل بين يدي سالم، وأوهمه أنهما نائلان ما يريدان عن قريب وأن الجند ~~القيرواني سيعود بالفشل. وكان يحسب التوفيق بين الأجناد أسهل مما رآه على أثر ذلك النزاع في ~~مجلس بنت الإخشيد. # أما الحسين فشعر أنه سيق إلى ذلك القصر لحسن حظه. وفاتحة الفرج حل أغلاله فبات تلك ~~الليلة مرتاحا وفى صباح اليوم التالي أتوه بثياب نظيفة وفرشوا له غرفة خاصة ووقفوا ~~خادما للقيام بما يحتاج إليه من طعام وشراب كل ذلك باسم السيدة بنت الإخشيد. فلم يكن ينقصه ~~شيء غير الخروج من ذلك القصر، فهذا كان محظورا عليه فكان يقضي أوقاته مفكرا في ما مر به ~~ولم تبرح صورة لمياء من ذهنه. ولم يكن يعرف إلى أين ذهبت وكلما تصور معاملة سالم وأبي ~~حامد له يغضب ويتوعد. وكان وهو في أثناء الطريق قد علم بحملة أبيه على مصر ونزوله ~~الإسكندرية وسمع وهو في قصر بنت الإخشيد أن بعض المصريين خابروه بشأن الصلح والتسليم وود ~~لو أنه مطلق ليشترك في المعارك. وبقدر ما كان من نقمته على أبي حامد وسالم بقدر ذلك وأكثر ~~منه ms178 كان امتنانه من بنت الإخشيد لإكرامها إياه بلا سبب يعلمه. # وبعد أيام جاء رسول يدعوه إلى مقابلة بنت الإخشيد في قاعتها فلبس ثيابه وصعد فأدخله ~~الحاجب إلى تلك القاعة ونادى السيدة من وراء الستر قائلا: «هذا يا سيدتي الحسين بن جوهر في ~~حضرتك وها أني خارج وقد تركته وحده كما أمرت.» # فتقدم الحسين وألقى التحية، فردت السلام وقالت: «كيف ترى نفسك يا حسين.» # قال: «أراني مقيدا.» # قالت: «ألم تحل قيودك؟» # قال: «بلى وهذا فضل لا أنساه لك وقد فعلت ما هو أليق بالكرام ولكنني لا أزال أراني ~~مقيدا ... إني كالحبيس في هذا القصر.» # قالت: «لا ألومك لضجرك من هذا الحبس ولكن لو كنت في مكاننا هل كنت تفعل غير ذلك؟ إن أباك ~~حامل علينا بخيله ورجله ووقع لنا ابنه وبلغنا أنك من خير القواد فهل نطلقك لتكون عونا ~~لعدونا علينا ألا يكفي أننا حللنا قيودك وأطلقنا لك الحرية وقمنا بما تحتاج إليه من أسباب ~~الراحة ...» # فأعجب بتلك الحجة الدامغة وقال: «لا أنكر فضلك يا مولاتي والحق يقال إنني لا أنسى هذا ~~الجميل ... والدنيا دول ...» # فقالت: «عسى أن تنتهي هذه الحرب بالمصالحة ونجتمع على مودة، وقد بعثت إليك الآن لأطمئن ~~على راحتك فإذا كنت ترى تقصيرا في ما تحتاج إليه؛ فأخبرنا.» # قال: «كلا، إني لا أرى تقصيرا قط.» # قالت: «تقدم قليلا لأقول لك كلمة.» # فتقدم حتى دنا من الستر فقالت له: «سأرسل إليك بعد قليل جارية من قبلي اسمها سلامة تطلب ~~منك أمرا فاقضه لها ... وقد لا أحتاج إلى إرسالها فاذهب بسلام.» # فتراجع حتى فتح الباب فلقيه الحراس فرافقوه إلى محبسه باحترام وإكرام وقد شغل باله ما ~~اقترحته عليه وكان ذلك بتدبير لمياء لزيادة طمأنته حتى إذا احتاجوا إلى كتاب توصية لا يكون ~~ثم مانع من الإجابة حالا. # الفصل الثامن والستون # | الحرب # قضت لمياء أياما وهي عالمة بقرب الحبيب وقدرتها على الوصول إليه لكنها لم ترض أن تلقاه؛ ~~لأنها عاهدت نفسها على الصبر حتى تفرغ الحرب، وهي تخاف من الجهة الأخرى ms179 إذا عرف الحسين ~~بوجودها هناك أن يحدث ما يعرقل مساعيها فتجلدت وهي تبحث طبعا عن راحته وكرامته. ومع ~~شجاعتها ورغبتها أن يشترك الحسين في ذلك الفخر كانت نفسها تميل في باطن سرها إلى صيانته من ~~خطر الحرب. وكانت على ثقة من قدرة جند المعز على الفتح بدون الحسين فلماذا تعرضه للسهام؟ ~~وقد يجيئه سهم يصيب منه مقتلا وهي حريصة على بقائه. وفي ذلك من التعقل والحكمة والتسلط ~~على العواطف ما هو جدير بعروس روايتنا. # لكن الفرصة لم تبطئ فأفاقت ذات يوم على أصوات المنادين في أسواق الفسطاط، وكانوا لا ~~يفعلون ذلك إلا لأمر هام يريدون نشره سريعا مما يعلن عنه في الصحف أو تنشر به المنشورات ~~الرسمية في هذه الأيام. فكانت حكومة ذلك العصر تذيعه على أيدي المنادين. فسمعت لمياء صوت ~~المنادي وله لحن خاص ينادي به وعبارات خاصة ينادي بها تدل على فحوى ما بعده كما يقرأ الكتاب ~~من عنوانه. # سمعته يقول: «يا أهل الفسطاط قد جاءنا عدو من أفريقية يتعدى على بلادنا بلا ذنب اقترفناه ~~سوى طمعه في الاستيلاء علينا. وبلغ مولانا الأمير أن بعض الخونة المارقين أغرى جماعة من ~~الأعيان على التسليم، وكتبوا بذلك كتابا بعثوا به إلى الإسكندرية. فاعلموا أن هذه الخديعة ~~إنما الغرض منها الإيقاع بالدولة. واعلموا أن الأمير - أعزه الله - وسائر رجال الدولة ~~والقواد الإخشيدية والكافورية والأتراك وغيرهم لا يقبلون بصلح أو تسليم وإنما يتحاكمون إلى ~~السيف، ولذلك اقتضى الإعلان حتى يكون الناس على بينة فلا يخدعون بقول ولا يصغون لوشاية. ~~وهذه جنودنا المظفرة قد خرجوا بمضاربهم إلى بر الجيزة لملاقاة العدو إذ قد جاءت الأنباء ~~أنهم يتقدمون إلى هناك. فيا أهل الفسطاط عليكم أن تأخذوا بأيدي الجند وتقدموا ما في طاقتكم ~~من الإسعافات المالية. تقدمونها إلى من يأتيكم من قبل الوزير أو الأمير ولا تضنوا بالمال ~~فإنه أقل ما يبذل في سبيل الدفاع عن الدولة والملة. والنصر من عند الله يؤتيه من يشاء وهو ~~على كل شيء قدير ...» # فأطلت لمياء من نافذة عالية ms180 تشرف على الشارع فرأت ذلك المنادي يسير ووراءه الجماهير من ~~الرجال والأولاد وقد علت الضوضاء وساد الاضطراب، فقالت في نفسها: «لا بد أن يكون لذلك ~~اللعين أبي حامد دخل في جمع قلوب الجند على الدفاع، ولكنه باطل والقلوب متنافرة ~~والنيات فاسدة والضغائن متبادلة.» # وهي في ذلك أتتها القهرمانة تدعوها إلى بنت الإخشيد، فأسرعت، فرأتها جالسة على شرفة من ~~ذلك القصر تطل على النيل وما وراءه إلى الجيزة فابتدرت لمياء قائلة: «يظهر أن ذلك السجلماسي ~~قد أفلح في جمع قلوب الأجناد ... انظري كيف يعدون النيل في القوارب إلى الجيزة وهذا الجسر بين ~~الفسطاط والروضة يكاد ينكسر من تزاحم الأقدام عليه ولا بد أن يكون الجسر الآخر بين الروضة ~~والجيزة كذلك أيضا. وهذه الجسور مصنوعة من السفن متلازمة جنبا لجنب وفوقها سقايف من ~~الخشب وطبقة من الرمال والحصى يتوهم غير العارف أنها ضعيفة وهي متينة ... هل ترين معسكر ~~الأعداء؟ إني لا أراه.» # وكانت لمياء في أثناء ذلك تبحث ببصرها عن ذلك المعسكر ولم تفرغ السيدة من كلامها حتى ظفرت ~~لمياء بمكانه فصاحت: «انظري يا سيدتي إلى ذلك الغبار المخيم إلى اليمين والأعلام تخفق في ~~خلاله وقد نصبت الخيام والفساطيط . هل ترينها؟» # فقالت وقد امتقع لونها: «نعم قد رأيت، ويظهر أنهم جند كثيف ... ما العمل الآن؟ ماذا ترين هل ~~تظنين جندنا يغلب؟» # قالت: «أما سمعت قول المنادي إن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء؟» # قالت: «ما العمل الآن؟» # قالت: «أما نحن هنا فلا خوف علينا - كما قلت لك قبلا.» # قالت: «هل أخذت الكتاب من الحسين.» # قالت: «هذا وقته. هل تأذنين لي بتدبير ذلك.» # قالت: «افعلي ولكن من يوصله إلى القائد جوهر؟» # قالت: «أنا أوصله كوني في راحة وإنما أحتاج إلى ثوب أتنكر به بزي الرجال فأمري لي بذلك ~~وبفرس أركبه.» # قالت: «وهل تستطيعين ركوب الخيل؟» # قالت: «نعم ... وقد تعودتها منذ صباي.» # فأمرت لها بما طلبته فلبست ثوب أحد الأجناد وتلثمت ونزلت إلى الحسين وقلبها يخفق من هول ~~تلك المقابلة لكنها صممت على ms181 التكتم. # وكان الحسين قد سمع المناداة كما سمعها غيره وأصبح كالأسد الهائج إذا رأى الفريسة وهو ~~مقيد. وقد قعد على سريره منفردا وإذا بذلك الجندي قد دخل عليه فقال: «من أنت وماذا ~~تريد؟» # فخفضت لمياء صوتها واجتهدت في تغييره وقالت: «أنا سلامة الجارية أتيت لأطلب إليك ما وعدت ~~به مولاتي بنت الإخشيد.» # فقال: «وما ذلك.» # قالت: «أن تكتب كتابا إلى والدك تقول فيه إذا قدر له النصر ودخل الفسطاط ظافرا أن يأمر ~~رجاله بحماية هذا القصر جزاء لما لقيته من رعاية أصحابه. هل تفعل؟» # قال: «نعم ... إن لصاحبته فضلا علي لا أنساه ...» قال ذلك وتناول قرطاسا وكتب عليه ~~بخطه رسالة في هذا المعنى، ودفعها إلى لمياء فتناولتها وأسرعت في الذهاب خوفا من أن ~~تغلب على أمرها ويتسلط قلبها على عقلها. # وركبت جوادها وخرجت تخترق الصفوف تطلب منزل مسلم بن عبيد الله، وهي تراقب ما تراه ~~من أحوال الناس في أثناء تلك الغوغاء. فرأت تلك الحماسة مقصورة على الأجناد وأنهم قد ~~اتخذوا ذلك النداء ذريعة لابتزاز الأموال. والمصريون لا يريدون حربا؛ لأنهم ملوا ~~استبداد هذه الدولة ومالوا إلى استبدالها بدولة أخرى قد تكون أكثر استبدادا منها، لكنهم ~~يحبون الجديد. فرأت بعض الأجناد يسوقون جماعة من أعيان التجار ويضربونهم ويهينونهم؛ ~~لأنهم لم يؤدوا الإعانة والناس يصيحون ويستغيثون ويشكون فراغ جيوبهم. ثم أجفلت لسماعها ~~صوتا كصوت سالم، فالتفتت فرأته ومعه عمه في جماعة من القواد سائرين على أفراسهم نحو ~~الروضة وهم يحرضون الناس على الطاعة وسمعت سالما يقول لبعض الأغنياء من الأهلين رآه ~~يستغيث من تطاول الجند عليه في طلب المال «أخرجوا الأموال؛ فإن هذا الجند يدافع عن ~~أرواحكم وأموالكم ألا تسعفونهم بالمال على الأقل؟» # فعلمت أن لهذين الرجلين دخلا في جمع كلمة الجند ونكث الصلح. # وبعد قليل وصلت إلى بيت الشريف مسلم فرأت بابه مزدحما بالناس بين راكب وواقف ~~وأكثرهم من الأهلين جاءوا يتظلمون أو يستظلون وسمعت نقمتهم على الأجناد وغضبهم لنقض ~~الصلح. فاخترقت الصفوف حتى وصلت الباب فوسعوا لها رغم إرادتهم ms182 وهم يحسبونها جنديا جاء ~~بمصادرة أو اغتصاب حتى دخلت الباب وطلبت أن ترى الشريف فقيل لها إنه في شاغل فقالت: «قد ~~جئت في رسالة مستعجلة.» # الفصل التاسع والستون # | الرسالة # فوسعوا لها حتى دخلت عليه بعد أن ترجلت وسلمت الجواد إلى بعض خدمه. وكان مسلم ~~مختليا في غرفته مع بعض الأعيان والتجار وقد علت أصواتهم من النقمة على نقض الصلح. فلما ~~قيل لهم جاء أحد الأجناد سكتوا، فدخلت لمياء بلثامها وأشارت إلى مسلم أنها تريد مقابلته ~~على حدة. فدخل معها إلى غرفة فأوصدت الباب وراءها ثم أزاحت اللثام فدهش لرؤيتها وقال: «ما ~~وراءك؟ من أين أتيت؟» # فقصت عليه خبرها كما هو وأخبرته عن وجود الحسين في القصر بمأمن، وأنها احتالت في ~~المجيء إليه بحجة تلك الرسالة وإنما غرضها أن تبلغ القائد جوهر حال الدولة من الاختلال ~~والضعف حتى لا يغتر بهذا الصياح. # فأعجب الشريف بحميتها وبسالتها وقال: «لله درك من فتاة صادقة باسلة هل تريدين الذهاب إلى ~~القائد بنفسك؟» # قالت: «نعم ... لأني أستطيع بذلك أن أزيده بيانا شفاهيا.» # قال: «تفعلين حسنا، وسيفرح بلقياك؛ لأنك تنقلين إليه خبر الحسين وأنه حي آمن وقد سمع ~~بوقوعه في الأسر ولا يدري أين هو.» # قالت: «أين المعلم يعقوب؟» # قال: «ألم تسمعي بما أصابه؟» # قالت: «كلا ... ماذا جرى له؟» # قال: «إن الوزير ابن الفرات صادره على أربعة آلاف وخمسمائة دينار عرف بوجودها عنده وأراد ~~قتله فالتجأ إلي مدة ثم فر إلى معسكر القائد جوهر # 1 # وقد حملته ما استطعت من الأخبار والملاحظات ولكن رسالتك أعظم أهمية عنده؛ لأنك ~~استقيت الخبر من مظانه ... اركبي، وسأرسل معك بعض رجالي ... ليس خوفا عليك، ولكنك لا تعرفين ~~الطريق فيدلونك عليها.» # فقبلت ذلك منه وخرجت، فامتطت فرسها وركب معها بضعة من رجال الشريف وساروا يطلبون ~~معسكر القائد جوهر من ورائه، فقطعوا جسرا على النيل أسفل الفسطاط والشمس قد مالت عن خط ~~الهاجرة فوصلوا المعسكر قبيل الغروب، وكان رفاقها قد عرفوا فسطاط جوهر فساروا توا لا ~~يعترضهم معترض. # وكان جوهر جالسا في ms183 فسطاطه وقد أوقدت الشموع، واجتمع قواده حوله وهم جلوس وجوهر ~~مطرق يفكر في ضياع ابنه الحسين، وكان قد سمع من الذين حملوا إليه الأموال من فج الأخيار ~~أنه تخلف عنهم ولعله قتل أو وقع أسيرا. وهم في ذلك دخل الحاجب وقال: «إن بالباب رسولا ~~من الفسطاط يشترط أن يلقى القائد في خلوة.» فأشار إلى الحضور بالانصراف وأمر بإدخال الرسول ~~فدخلت لمياء بثوبها ولثامها وأزاحت اللثام وأكبت على يده تقبلها فلم يتمالك عن النداء ~~«لمياء، لمياء!» # فأشارت بأصبعها على شفتها أن يكتم أمرها فضمها إلى صدره كأنها ابنته - وهو يحبها كما ~~يحب الحسين - لكنه تذكر الحسين فانقبضت نفسه وكادت الدموع تترقرق في عينيه، فقالت: ~~«جئتك يا سيدي ببشرى مزدوجة.» # قال: «ما هي ... قولي.» # قالت: «الأولى أن سيدي الحسين في أمان ولو عرفني عندما حملني رسالته هذه إليك لكلفني ~~بإلقاء التحية، ولكني اضطررت للتستر. والثانية أن عدوكم الذي يحاربكم وتسمعون صياحه ونداءه ~~كالقصبة المرصوصة أو كالطبل، صوته قوي وقلبه فارغ.» # قال: «ماذا أرى أنت لمياء جئت بهاتين البشارتين وأهمهما وجود الحسين حيا بعد أن يئست من ~~وجوده، ولكن أين هو، وكيف عرفت ذلك؟ أخبريني.» # فجلست وقصت عليه ما رأته وقاسته منذ برحت القيروان إلى أن أخذت تلك الرسالة من ~~الحسين ودفعتها إليه فقرأها وقال: «سأفعل ذلك حبا وكرامة، وأين ذلك الخائن وعمه؟» ~~فتنهدت وقالت: «رأيتهما مع الجند يحرضانهم على الحرب وسينالان الجزاء ... كيف فارقت مولانا ~~المعز وأم الأمراء؟» # فهز رأسه هز الإعجاب وقال: «إن مولانا المعز - أعزه الله - وأتم نصره من معجزات الزمان ~~...» # قالت: «ومن أكبر أسباب سعادته أنك قائده.» # قال: «كلا يا لمياء إني لو سفكت دمي عند قدميه لا أكافئه على صنيعه ... أنت تعلمين منزلتي ~~عنده ولكنني لو أخبرتك ما فعله يوم خروجي من القيروان بهذه الحملة لرأيت عجبا؛ إنه أمر ~~بإفراغ الذهب في هيئة الأرحية وأن تحمل معي ظاهرة. وأمر أولاده وإخوته الأمراء وولي العهد ~~وسائر أهل الدولة أن يمشوا في خدمتي وأنا راكب. وكتب إلى سائر عماله يأمرهم ms184 إذا أنا قدمت ~~أن يترجلوا مشاة. فكنت حيثما سرت في طريقي من القيروان كل من مررت به فعل ذلك. فلما ~~أتيت برقة عظم على صاحبها أن يفعل ذلك فافتدى ترجله ومشيه في ركابي بخمسين ألف دينار ذهبا ~~فأبيت إلا أن يفعل ما أمر به أمير المؤمنين ففعل # 2 # أمثل هذا الخليفة يكثر فيه الافتداء بالروح؟» # قالت: «صدقت والله إنه نابغة الخلفاء. وهل أنسى أنا ما أكرمني به حتى كان يناديني ابنته. ~~وهل مثل هذا الخليفة يكون نصيبه من حربه غير النصر؟ وهل تصلح الدولة إن لم يكن رجالها ~~قلبا واحدا في طاعة أميرهم؟ أين ذلك من جنود مصر ودولتهم؛ فقد سمعتهم يختصمون على ~~أمور تافهة ورأيتهم يضربون الناس لاستخراج المال منهم، وهذا أمير المؤمنين قد بعث المال ~~معك بشكل الأرحية. لا شك أن الله أذن بانقضاء دولة الإخشيديين ... هل ترى أن أعود إلى ~~الفسطاط. وما هي العلامة التي تجعلها على دار بنت الإخشيد حتى لا يقربها أحد بسوء؟» # فضحك وقال: «كأنك واثقة من دخولنا ظافرين؟» # قالت: «لا شك عندي في ذلك.» # فربت على كتفها بيده وقال: «بارك الله فيك انصبوا بباب القصر علما أخضر وسأوصي الجند أن ~~يتجنبوا ذلك الباب.» # قالت: «أتأذن بانصرافي ...» # قال: «تبيتين الليلة هنا ونرى ما يكون في الغد ولا باعث إلى العجلة في الذهاب.» # فأطاعت. أما أهل الفسطاط فقد رأيت ما كان من اضطرابهم وما سامهم الجند من الخسف ~~والإهانة والسلب حتى أصبحوا يفضلون الفاطميين عليهم، وأما بنت الإخشيد فإنها مكثت بعد ذهاب ~~لمياء وقد تولتها الدهشة؛ لما شاهدته من مروءة هذه الفتاة وبسالتها. ولبثت تنتظر ~~رجوعها، وقضت أكثر أوقاتها في الشرفة المطلة على الجيزة؛ لتراقب حركات الجنديين وقلما ~~كانت ترى شيئا منهما لبعدهما عن مجال البصر لكنها كانت تتلاهى بذلك ووجهت عنايتها خصوصا ~~للحسين وأمرت بإكرامه ورعايته. # الفصل السبعون # | العلم # وكان الحسين بعد ذهاب لمياء قد أحس بشيء أذكره حبيبته فلم تعد تذهب صورتها من ذهنه وهو ~~لا يدري السبب الذي بعث على ذلك. ولكن ms185 السبب أن صوتها وهي تخاطبه لم يخل من غنة ~~تعود قلبه أن يطرب لها يوم اجتماعه بها فطرب لها الآن وهو لا يعلم أن مخاطبته خطيبته ~~- وكثيرا ما يحدث ذلك والناس لا ينتبهون له - قد يخطر لك أمر يتردد في ذهنك وأنت لا ترى ~~باعثا على تذكره. وإنما تذكرته؛ لأنك رأيت أو سمعت شيئا تعودت أن تراه أو تسمعه ~~مرافقا لذلك الأمر. # قضى الحسين ليلته وهو يفكر في لمياء وأين هي، وتذكر قولها يوم وداعه أنها ستلاقيه في ~~الفسطاط وتصور تحمسها ووثوقها بالظفر من ذلك الحين. فاختلج قلبه وأحس بشوق إلى ~~رؤيتها أو معرفة خبرها ولم يكن نسيها من قبل لكنه تذكرها على الخصوص في ذلك ~~اليوم. # مضت أيام ولم ترجع لمياء بالجواب من جوهر فقلقت بنت الإخشيد وهي في كل يوم يترجح ~~عندها النصر للفاطميين فأصبحت تخاف على حياتها وإنما طمأنها كون الحسين بن جوهر أسيرا ~~عندها تحتمي به عند الحاجة ولما اشتد قلقها بعثت إليه فجاءها فسألته عما يراه من أمر تلك ~~الحرب. # فقال: «لا ريب عندي بفوز جندنا يا سيدتي.» # قالت: «عجبا ... كيف تؤكد ذلك؟» # قال: «لأننا متحدون قلبا وقالبا في خدمة أمير المؤمنين نساء ورجالا ليس فينا إلا من ~~يفدي أمير المؤمنين بروحه فهل أنتم كذلك؟» # فقالت وقد غلبت على عواطفها «لا يا بني ... لسنا كذلك لسوء الحظ ...» وغصت بريقها. # قال: أما نحن فإن أحدنا لا هم له إلا التفاني في نصرة الخليفة. أضرب لك مثلا عن ذلك فتاة ~~خطبتها في القيروان وجاء ذكر الحملة على مصر فأبت أن يتم الاقتران إلا في الفسطاط بعد ~~فتحها. ثم هي هجرت بيتها وسافرت في خدمة مصلحة الدولة تمهيدا لهذا النصر لا يعلم أحد أين ~~هي. ولا أنسى قولها ساعة الوداع: «سنلتقي في الفسطاط في قصر مولاي المعز لدين الله على ضفاف ~~النيل. ذلك هو مقدار وثوقها بالنصر والجند لم يتحرك من القيروان. واعترف لك يا سيدتي أني ~~أعتقد صحة قولها وإن ذلك لا بد من إتمامه.» # فاستغربت بنت ms186 الإخشيد قوله وقالت: «لله درها من فتاة نادرة المثال وأين هي الآن؟ وكيف ~~قلبك عليها؟» # قال: «قلبي على مثل الجمر ولكنني أثق أننا سنلتقي هنا.» # قالت: «يظهر أن نساء بلادكم أقوى من نساء بلادنا وأشد حماسة؛ فإني عرفت جارية مغربية ~~أهداها إلي يعقوب بن كلس بالأمس لم تر عيني أعقل منها ولا أطيب من قلبها، وهي مع ~~ذلك شجاعة باسلة لا تبالي بارتكاب الأخطار وقد قالت إنها تعرفك وتعرف أباك والخليفة ~~وتعرف أيضا الأميرين السجلماسيين اللذين حملاك إلينا أسيرا.» # قال: «ما اسمها.» # قالت: «سلامة ...» # قال: «هي التي أتتني متنكرة بثوب جندي وأخذت الكتاب إلى والدي.» # قالت: «نعم هي بعينها لله درها ... إني لم أعهد مثل هذه الحماسة والبسالة في النساء حتى قلت ~~لها مرة: ليست هذه الأخلاق من أخلاق الجواري.» # فرأى الحسين مشابهة بين أخلاق لمياء وما سمعه عن سلامة وتذكر خروج لمياء من القيروان ~~لخدمة المعز ... فأطرق وهو يقول في نفسه: «هل يمكن أن تكون سلامة هي لمياء متنكرة؟» # واستبطأت بنت الإخشيد جوابه ورأت إطراقه فتصورت أنها جددت ذكرى خطيبته وهو بعيد ~~عنها فلم ترد أن تشغله عن تأملاته فحولت بصرها نحو النافذة المطلة على النيل والجيزة وراءه ~~فرأت الروضة تعج عجيجا بالناس وفيهم الفرسان بالرماح والسيوف والمشاة بالحراب في غير زي ~~المصريين وقد تطايرت السهام وأبرقت السيوف فصاحت: «ويلاه هذه هي الحرب ... قد دخل العدو ~~بلدنا.» # فالتفت الحسين إلى الروضة وأجال نظره في تلك الجهات فقال: «قضي الأمر يا مولاتي هذا جندنا ~~يقطع الجسر وهذه أعلامنا ولا يلبث أن يدخل الجند الفسطاط ظافرا ... لكن كوني مطمئنة أني ~~أفديكم بدمي ها أني نازل لأقف بالباب وأمنع رجالنا من دخوله طمئني أهل القصر جميعا.» قال ~~ذلك وأسرع نحو الباب الخارجي الكبير وكان مقفلا وقد أوصدوه. فرأى جنديا مغربيا يتسلقه ~~وخدم القصر يستغيثون به ويتقدمون إليه أن لا يفعل؛ لأنهم لا يحاربون وهو لا يبالي، فصاح فيه ~~الحسين: «أنزل يا رجل إن الذي يخاطبك هو الحسين بن جوهر.» # فلم يكترث الجندي ms187 لقوله بل ظل في عمله حتى وصل إلى عتبة الباب العليا فاستخرج من جيبه ~~علما أخضر نصبه فوقها، وتحول إلى الداخل، وأشار إلى أهل القصر أن يتركوا الباب مقفلا. ~~فنظر الحسين في وجهه فرآه ملثما فقال له: «من أنت يا رجل؟ لماذا لم تجبني.» # فأومأ إليه بوضع السبابة على شفته: «أن اسكت الآن.» ودخل مسرعا فتذكر الحسين الجارية ~~سلامة كيف تركته متنكرة بثوب جندي مصري وما خامره من الشك فيها عند سماع خبرها من بنت ~~الإخشيد. فأصبح شديد الميل إلى تحقيق ذلك، فلحق بها ولم ينتبه له أحد من أهل القصر؛ ~~لاشتغالهم بالحذر والخوف وبما قام من الضوضاء في المدينة بين عويل وصياح. # ودخول ذلك الجندي المغربي أرعبهم لكنهم ما لبثوا أن رأوه ينصب الراية الخضراء حتى اطمئنوا ~~ولكن الذين رأوه داخلا يعدو ولم يروا الراية؛ ذعروا. # أما الحسين فما زال مسرعا حتى دخل القاعة وطلب إلى الحاجب أن يدعو له السيدة بنت ~~الإخشيد، فناداها فأتت ولم ترسل الستر بينها وبينه وإنما اكتفت بالنقاب وحالما وقع نظره ~~عليها استغرب ما عليها من الأثواب الثمينة والحلي وهو يسمع بما عليه أهل مصر من الضنك. أما ~~هي فحالما رأته صاحت: «ماذا جرى؟» # قال: «كل شيء في أمان وهذا علم والدي قد نصب فوق الباب وهو علامة الأمان فلا يجسر أحد ~~أن يمس هذه الدار بسوء، كوني في اطمئنان.» # قالت: «ومن غرسه هناك.» # قال: «جندي مغربي أظنه نفس الجندي الذي حمل رسالتي إلى والدي وقد أسرعت لأراه ...» # قال: «أتظن سلامة رجعت؟ أين هي ...» وصفقت فأتت القهرمانة وهي تلهث من الخوف فضحكت بنت ~~الإخشيد من منظرها وقالت لها: «ما بالك يا خالة لماذا تلهثين؟» # قالت وهي تقطع صوتها: «إن الأعداء دخلوا ... الفسطاط ... و... و... دخل رجل منهم هذه الدار ~~...» # قالت: «لا تخافي إن هذا الجندي جاءنا بعلم الأمان من قائد جند المغاربة. كوني مطمئنة لا ~~بأس علينا. وهذا الحسين بن ذلك القائد ... أين سلامة الجارية.» # قالت: «لم أعد أراها منذ أيام.» # قالت: «ابحثي عنها ms188 في غرفتها الآن وادعيها إلينا حالا.» # وقعدت وأشارت إلى الحسين أن يقعد فقعد وعيناه شائعتان نحو الباب ينتظر وصول تلك الجارية ~~ولحظت بنت الإخشيد قلقه فقالت: «ما لي أراك قلقا كأنك تنتظر أن تأتيك سلامة بكتاب من ~~والدك؟» # قال: «كلا، فإن هذا العلم يكفي جوابا ... ولكنني أتوقع أن تكون سلامة هذه غير ما ~~تتوهمينها.» # قالت: «وكيف ذلك؟» # قال: «تمهلي ريثما نرى.» # وإذ بالقهرمانة عادت وهي تقول: «لم أجد سلامة هناك ولكنني رأيت جنديا فخفت ~~ورجعت.» # فنهض الحسين وقال: «أين هو ذلك الجندي؟ أوصليني إليه.» # الفصل الحادي والسبعون # | النصر # فمشت القهرمانة وبنت الإخشيد والحسين حتى وصلوا الغرفة، فوجدوا ذلك الجندي واقفا إلى ~~النافذة يراقب حركات المتحاربين لا ينتبه إلى أحد في الدار فمشى الحسين بخفة حتى وقف ~~وراءه بحيث يرى ما يراه. فرأى المغاربة تكاثروا والإخشيدية يفرون من أمامهم إلى المدينة ~~وقد تراكم القتلى منهم على الجسر وتجاوزهم بعض المغاربة على خيولهم وظهر الفوز واضحا لهم ~~فصاح (الجندي): «الحمد لله قد كتب النصر لنا.» والتفت فوجد الحسين وراءه فبغت ووقف لا يبدي ~~حراكا فصاح فيه الحسين قائلا: «من أنت.» # فلم يجب وإنما أشار إلى ثوبه أنه جندي فقال: «أنا الحسين بن جوهر فانزع هذا اللثام عن ~~وجهك.» # فأطرق ولم يجب. فقالت بنت الإخشيد: «هذه سلامة حبيبتنا ... اكشفي وجهك للحسين يا بنية؛ إنه ~~حامي ذمارنا.» # فلم تجب فتقدمت بنت الإخشيد ورفعت اللثام بيدها فأرادت لمياء تحويل وجهها حتى لا يراها ~~الحسين فرآها وعرفها وصاح «لمياء ...» وأمسك بيدها وأدارها نحوه ليتحقق ظنه وهي تحول وجهها ~~عنه حياء، فدهشت بنت الإخشيد لما رأته وتذكرت ما قاله عن خطيبته، فعلمت أنها هي نفسها، ~~فتقدمت وساعدت الحسين عليها وأمسكت بيدها الأخرى وقالت: «أنت لمياء خطيبة هذا البطل وتزعمين ~~أنك جارية؟ تكلمي ...» # فالتفتت إلى الحسين لفتة تعودها منها، فأثرت في قلبه تأثير السهم وقال: «تكلمي ما ~~بالك؟» # فقالت وعيناها تلمعان: «قد تعاهدنا أن نلتقي هنا بعد فتح مصر ... فهل فتحت؟» # قال: «أوشكت أن تفتح ...» # قالت: «اصبر لا ms189 تفرح قبل تمام النصر ... أنت هنا منذ أيام وأنا عالمة بذلك ولم أشأ أن ~~أطلعك على وجودي؛ لئلا نشتغل بالقلوب عن السيوف، ولا أزال على ذلك حتى الآن. إن خدمة المعز ~~مقدمة على كل شيء فإذا فرغنا منها وفتحنا البلد استقر لنا الأمر فإني أمتك أترامى عند ~~قدميك.» # قالت ذلك وغصت بريقها وأبرقت عيناها وبان الهيام فيهما واسترخت عزائمها ... والحسين ينظر ~~إليها نظر الإعجاب والخجل وقال: «أبيت يا لمياء إلا أن تكوني السابقة إلى الفضل في خدمة ~~أمير المؤمنين إني متفان في خدمته ولكنني دهشت لرؤيتك هنا وأنا أعهد مقرك منذ افترقنا ~~بالقيروان، الحمد لله على هذا اللقاء.» # فنظرت إليه نظرة عتاب وقالت: «وذانك الرجلان اللذان ساقاك إلينا في القيود والأغلال ... إني ~~لا أعد النصر واقعا وهذان الرجلان في قيد الحياة ... وأنا في شوق إلى سماع ما جرى لك في ~~أثناء هذا الغياب، وأنت مشتاق إلى حديثي فإذا تم النصر كما نريده نتحادث كثيرا.» # فلما تذكر أبا حامد وسالما هاج الدم في عروقه فقال: «أين هما؟» # قالت: «سأخبرك عن ذلك بعد قليل.» # والتفتت بنت الإخشيد إلى لمياء وقالت لها: «سنتركك هنا تبدلين ثيابك.» # قالت: «كلا يا سيدتي لا أريد أن أغير شيئا قبل الفراغ من هذا العمل. وهل ترين منظرا ~~أجمل مما أرى هنا ... ليس في الدنيا ألذ من النصر في ساحة الحرب ... لا صبر لي عن هذا المنظر ~~هيا بنا إلى المعركة.» # قالت ذلك وأسرعت فتبعها الحسين، وهو يقول: «المعركة ... لست أشد مني غيرة على الدولة ~~ولكنك شغلتني ...» ونزلا فركب كل منهما فرسه وتسلحا وبنت الإخشيد ترى وتعجب. فلما ~~خرجا قالت في نفسها «إن قوما أنصارهم مثل هذين أحر بهم أن يفتحوا العالم.» # ولم يسيرا إلا قليلا حتى رأيا رجلا من أتباع الشريف مسلم حاملا علما أبيض يؤمن ~~الناس فنادته لمياء فوقف فقالت: «من أرسلك بهذا العلم، وكيف الحال؟» # قال: «لما غلب الإخشيدية وقتل منهم خلق كثير ارتدوا إلى مصر وأخذوا من دورهم ما قدروا ~~عليه وانهزموا فخرج حرمهم ms190 مشاة إلى الشريف أبي جعفر وكلفنه أن يكاتب القائد جوهرا بإعادة ~~الأمان. فكتب إليه يهنئه بالفتح ويسأله إعادة الأمان، وهذا جوابه معي يؤمنهم وهذا العلم ~~الأبيض شاهد على ذلك. فاطمأن الناس وخرج الأشراف والعلماء ووجهاء البلد بموكب حافل ~~يتقدمه الوزير ابن الفرات وجماعة الأعيان إلى الجيزة لملاقاة القائد عند دخوله الفسطاط ~~ولا يلبثون أن يعودوا به. ألم تسمع المنادي ينادي بذلك؟» # فالتفتت لمياء إلى الحسين وقالت: «قد تم النصر والحمد لله ... فلا حاجة إلى الخروج بل ننتظر ~~وصول الموكب.» # ونحو العصر (17 شعبان سنة 358ه) أقبل الموكب حتى دخلوا الفسطاط وعليهم السلاح والعدة، ~~فدخل جوهر وطبوله وبنوده بين يديه، وعليه ثوب ديباج مثقل وتحته فرس أصفر # 1 # فرافقوا الموكب حتى شق البلد ونزل في مكان أناخ فيه جوهر جماله وبنيت فيه ~~القاهرة بعد ذلك. # فالتفت الحسين إلى لمياء يستشيرها فيما ينبغي أن يفعلا، فقالت: «هلم بنا إلى مقر ذينك ~~اللعينين في الفندق أظنهما هناك.» # فتبعها وساقا الجوادين وقد قاربت الشمس الغروب حتى أتيا الفندق فلما رآهما صاحبه رحب بهما ~~خوفا منهما وإن كان المنادون قد نادوا بالأمان، ثم وقع نظره على لمياء فعرفها ورآها بلباس ~~جند المغاربة فاستأنس بها وتقدم إليها وهو يقول: «هذا صديقنا الصقلبي!» # فضحكت له وقالت: «إننا في حاجة إلى تلك الغرفة الآن.» # قال: «قد دخلها الرجلان في هذه الساعة.» # الفصل الثاني والسبعون # | أبو حامد وسالم # فالتفتت إلى الحسين وقالت: «قد تم سعدنا» وساقا الجوادين إلى داخل الفندق حتى صارا في ~~وسطه وترجلا وأسرعا إلى الغرفة فطرقا بابها فسمعا لغطا ولم يفتح الباب فاستل كل منهما ~~خنجره وصاح الحسين: «افتح.» # فأجابهما أبو حامد من الداخل «لن أفتح لكما ... ليس خوفا على حياتي، ولكنني لا أريد أن ~~أموت بيد أحدكما ... ولا ينبغي أن أبقى حيا بعد هذا الفشل. وأخاف أن يجبن هذا الغلام ~~فيستعطف ويتذلل وأنا أعرف ضعفه وجبنه. فأنا الآن قابض على عنقه وها أني أطعنه في قلبه ... قد ~~طعنته فمات وهذه طعنة في قلبي وهذا الباب ms191 قد فتحته لكما فاستلما جثتين بلا روح.» # ثم سمعا وقوع الجثة وفتح الباب فوجدا الرجلين يختبطان بدمهما فغطت لمياء عينيها حتى لا ~~ترى ذلك المنظر الرهيب ولا تريد أن ترى سالما حبيبها الأول في تلك الحالة رغم ما رأت منه ~~أو سمعت عنه. وتحولت إلى فرسها وهي تقول للحسين: «هلم بنا إلى المعسكر لنرى قائدنا العزيز. ~~فقد قضي الأمر وتم النصر.» # فتبعها وهو يقول: «كنت أود أن أقتلهما بيدي.» # قالت: «قتلهما الفشل.» # وهما خارجان اعترضهما صاحب الفندق وهو يبكي ويقول: «قتلتما الرجلين ... وذهبتما ... الآن ~~يقبضون علي ويتهمونني بقتلهما ... بالله لا تذهبا.» # فتقدمت لمياء إليه وقالت: «قتلا بأمر القائد جوهر ... وهذا هو الحسين بن جوهر القائد، لا ~~تخف.» # فأكب على ركاب الحسين يقبله ويقول: «اعذرني يا سيدي على جسارتي ... والله إن هذا الصقلبي ~~رجل طيب ... مع السلامة يا سيدي مع السلامة.» # وانصرفا حتى أتيا المعسكر وقد أظلم الليل ولكن الأنوار كانت تسطع في تلك الأنحاء وقد أقبل ~~المصريون زرافات ووحدانا على جوهر يهنئونه بالنصر وعرفا فسطاطه من كبره وكثرة من حوله من ~~الحجاب فما زالا حتى وقفا بالباب واستأذنا بالدخول. فلما قيل لجوهر إن الحسين يستأذن ~~عليك نهض له وضمه إلى صدره وقبله فقبل الحسين يده. ثم تقدمت لمياء بثوب الجند فقبلت ~~يد القائد فدعاها إلى الجلوس هي من جانب والحسين من الجانب الآخر. وكان في جملة الحضور هناك ~~أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الشريف، فعرفهم إليه، فرحب بهما وهنأهما بالنصر، وإذا بصوت خرج ~~من جوانب الخيمة يقول: «ويعقوب؟» فعلمت لمياء أنه صوت يعقوب بن كلس فالتفتت إلى جوهر ~~وقالت: «لا أقدر أن أصف لك الفضل الذي أولاني إياه الشريف أبو جعفر والمعلم يعقوب فإننا ~~مدينون لهما بكثير من أسباب هذا النصر وبحياتي أيضا ولولاهما لكنت الآن في عالم ~~الأموات.» # فقال الحسين: «فالفضل إذن علي أنا.» # وبعد قليل انصرف المهنئون وبقي جوهر ومسلم ويعقوب والحسين ولمياء، وكان اجتماعهم ~~لذيذا على أثر ما عانوه من التعب حتى كتب لهم النصر، فقص ms192 كل منهم ما عاناه في أثناء ~~الغياب والتفت جوهر إلى لمياء وقال: «قد صحت نبوءتك يا بنية، فالتقينا في الفسطاط بعد ~~فتحها ألم يئن العقد عليك.» # فقالت: «الحمد لله على ذلك لكن العقد اشترطت فيه أن يكون في قصر مولاي المعز لدين الله ~~على ضفاف النيل ...» # قال: «ألم تصر الفسطاط كلها قصرا له.» # قالت: «بلى، لكنني أريد قصره الخصوصي.» # فضحك جوهر وقال: «إنك تريدين أن يؤجل الاقتران حتى يحضره المعز بنفسه فإنك أهل لذلك ... وفي ~~الغد نبدأ ببناء القصور لمولانا وبعد قليل يأتي إلى مدينته ويعقد لكما بيديه ~~المباركة.» # وأخذ جوهر في اليوم التالي في بناء القاهرة ثم بنى القصور وبعث إلى المعز بأخبار الفتح ~~فانتقل المعز إلى مدينته وأقام بها وتوارثها أعقابه بعده على ما هو مدون في كتب التاريخ. ~~وكان أول عمل عمله أنه عقد للحسين على لمياء باحتفال لم يسمع بمثله. ~~(تمت الرواية) ms193