######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.HajjajIbnYusuf.Hindawi13595164 #META# Tags: novels #META# ID: 13595164 #META# Title: الحجاج بن يوسف #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية الحجاج بن يوسف‏ # 1 - فذلكة تاريخية‏ # 2 - عزة الميلاء وليلى الأخيلية‏ # 3 - حكاية ليلى مع توبة‏ # 4 - حسن وسمية‏ # 5 - مجلس سكينة بنت الحسين‏ # 6 - المفاجأة السارة‏ # 7 - جميل وبثينة‏ # 8 - حسن وسليمان وأبوه‏ # 9 - سمية في منزل سكينة‏ # 10 - القتل أو الزواج بالحجاج‏ # 11 - عبد الله بن الزبير‏ # 12 - رمي الكعبة بالمنجنيق‏ # 13 - فشل ابن الزبير‏ # 14 - سمية في بيت الحجاج‏ # 15 - أم ابن الزبير‏ # 16 - مقتل ابن الزبير‏ # 17 - محاكمة حسن وعرفجة‏ # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية الحجاج بن يوسف‏ # 1 - فذلكة تاريخية‏ # 2 - عزة الميلاء وليلى الأخيلية‏ # 3 - حكاية ليلى مع توبة‏ # 4 - حسن وسمية‏ # 5 - مجلس سكينة بنت الحسين‏ # 6 - المفاجأة السارة‏ # 7 - جميل وبثينة‏ # 8 - حسن وسليمان وأبوه‏ # 9 - سمية في منزل سكينة‏ # 10 - القتل أو الزواج بالحجاج‏ # 11 - عبد الله بن الزبير‏ # 12 - رمي الكعبة بالمنجنيق‏ # 13 - فشل ابن الزبير‏ # 14 - سمية في بيت الحجاج‏ # 15 - أم ابن الزبير‏ # 16 - مقتل ابن الزبير‏ # 17 - محاكمة حسن وعرفجة‏ # | الحجاج بن يوسف # | الحجاج بن يوسف # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # عبد الله بن الزبير: # ابن الزبير بن العوام. # عبد الملك بن مروان: # أحد ملوك بني أمية. # الحجاج بن يوسف الثقفي: # عامل عبد الملك على ~~العراق. # سكينة بنت الحسين: # بنت الحسين بن علي. # ليلى الأخيلية: # الشاعرة المشهورة. # عزة الميلاء: # زعيمة الغناء بالمدينة. # سمية بنت عرفجة الثقفي: # من فتيات المدينة. # حسن خطيب سمية: # من أهل العراق. # محمد بن الحنفية: # أخو الحسين بن علي. # عبد الله بن صفوان: # من أتباع ابن الزبير. # | مراجع رواية الحجاج بن يوسف # هذه المراجع التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الرواية ووقائعها التاريخية: # صفوة الاعتبار. # المستطرف. # مراصد الاطلاع. # الدر المنثور. # الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. # مشكاة المصابيح. # التقويم العام. # البخاري. # البيان والتبيين. # مقدمة ابن خلدون. # تاريخ: ابن هشام - ابن الأثير - الدميري - ابن خلكان - الفخري. # أسد الغابة. # العقد الفريد. # الفصل الأول # | فذلكة تاريخية # انتهينا في رواية «غادة كربلاء» إلى مقتل الحسين بن علي ms001 وأهله في كربلاء بجوار الكوفة، ~~وما تلا ذلك من وفاة يزيد بن معاوية سنة 64ه. وكان عبد الله بن الزبير ما زال في مكة يدعو ~~إلى بيعته، وقد خلا له الجو بعد موت الحسين. وكان يزيد قد بعث لقتاله جندا بقيادة الحصين ~~بن نمير، فحاصروه بمكة، ثم جاء الخبر بوفاة يزيد وهم في الحصار. ولم يكن من أبناء يزيد من ~~يصلح للخلافة، فرأى الحصين أن الأمر لا يستتب إلا بمبايعة عبد الله بن الزبير، فطلب إليه أن ~~يحقن الدماء ويقدم معه إلى الشام ليبايعه، فأبى عبد الله، فارتحل الحصين إلى الشام بمن ~~معه ودانت الحجاز لابن الزبير. # أما أهل الشام فبايعوا بعد موت يزيد ابنه معاوية (الثاني). ولكن هذا لم يعش إلا ~~أياما، فاختلفوا فيمن يبايعون بعده. وكان من أمراء بني أمية وقتئذ مروان بن الحكم، وقد ~~تولى إمارة المدينة في عهد يزيد، فلما علم بموته عاد إلى الشام، فبايعوه. وكان شيخا ~~طاعنا في السن، فتزوج أم خالد بن يزيد ليصغر نفس خالد عن طلب الخلافة، ويكتسب حزبه. ولكنه ~~لم يحكم إلا تسعة أشهر وبضعة عشر يوما؛ إذ خنقته امرأته هذه سنة 65ه. فولوا مكانه ابنه عبد ~~الملك بن مروان. وفي أيام هذا الخليفة زهت دولة بني أمية وتأيد سلطانها. # وأما أهل الكوفة فإنهم بعد مقتل الحسين ندموا على تخليهم عنه، وقاموا يطالبون ابن زياد ~~وأصحابه بدمه، وسموا أنفسهم التوابين. # وفي سنة 66ه ظهر في الكوفة رجل اسمه المختار بن أبي عبيد، قام يطالب بدم الحسين ويدعو ~~الناس إلى بيعة ابن الزبير، فحارب الأمويين وقتل قتلة الحسين وفيهم عبيد الله بن زياد وشمر ~~بن ذي الجوشن وخولي الأصبحي وعمر بن سعد ... وغيرهم. على أنه ما لبث أن غير دعوته، فأخذ ~~يدعو إلى بيعة محمد بن الحنفية أخي الحسين لأبيه، وزعم أن جبريل يظهر له، واتخذ كرسيا قال ~~إن فيه سرا مثل سر تابوت العهد عند اليهود. # فلما استفحل أمر المختار في الكوفة ودان له العراق، أصبحت الخلافة يتنازعها ثلاثة: عبد ms002 ~~الملك في الشام ومصر، والمختار في العراق والكوفة، وعبد الله بن الزبير في الحجاز. وغضب ~~عبد الله على المختار لنقضه بيعته، فبعث لقتاله جندا بقيادة أخيه مصعب بن الزبير، فقتلوه ~~ودانت العراق لعبد الله، ولم يبق لبني أمية غير الشام ومصر. # ولكن عبد الملك بن مروان ما لبث أن حمل على مصعب في العراق بجند كثيف فقتله سنة 71ه، ~~واسترجع العراق. وبعث جندا إلى الحجاز ففتح المدينة، ثم أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي في جند ~~لفتح مكة وفيها عبد الله بن الزبير، فحاصرها وطلب إلى عبد الله أن يسلم فأبى. فدخلت سنة ~~73 وابن الزبير محصور في مكة وقد قل زاده وفارقه رجاله. # ومن هنا تبدأ حوادث هذه الرواية. # الفصل الثاني # | عزة الميلاء وليلى الأخيلية # المدينة أو «يثرب» هي مدينة الرسول وفيها قبره ومسجده. وكان يحيط بها سور وخندق، وهي ~~واقعة في منبسط من الأرض تكتنفها الآجام والغياض، وتتخلل أبنيتها البساتين والحدائق وأكثر ~~مغارسها من النخل. وقد عمرت في صدر الإسلام، حتى كانت أيام يزيد بن معاوية، فهاجر منها كثير ~~من أهلها لكثرة الفتن والحروب في أيامه، ولكنها ما زالت آهلة بالناس، وفيها أهل ~~البيت. # وكان من أهل المدينة في أواسط القرن الأول للهجرة مغنية يقال لها «عزة الميلاء»، وكانت ~~مولاة للأنصار، وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من النساء في الحجاز. وقد سميت «الميلاء» ~~لتمايلها في مشيتها لفرط سمنها. وكان العود حديث العهد عند العرب فأجادت العزف عليه، عدا ما ~~كانت تحسنه من العزف بالمزاهر وبقية آلات الطرب، وكانت جميلة الوجه ظريفة اللسان كريمة ~~الخلق سخية النفس لا يقدم قادم إلى المدينة إلا التمس أن يراها ويسمع غناءها. # وكان العرب يومئذ لا يعدون الغناء من الصنائع اللائقة بأهل الشرف، على أن عزة كانت مع ~~ذلك ذات دين حسن وهيبة ووقار، إذا جلست للغناء في حفل عام أنصت لها الحاضرون وكأن الطير على ~~رءوسهم. # وكانت دارها في أقصى شمال المدينة مما يلي طريق الشام، يحيط بها بستان من النخيل تتخلله ms003 ~~أشجار الفاكهة من البرتقال والتفاح، وعليه سور قليل الارتفاع له باب بمصراع واحد في وسطه ~~خوخة. وفي بعض جوانب البستان حظيرة مبنية من سعف النخل توضع فيها الدواب. وللدار باحة ~~كبيرة في كل جانبيها غرفتان، وفي الصدر قاعة واسعة تجلس فيها عزة لمقابلة الزوار، وفي باحة ~~الدار نخلات متقاربة تظلل الباحة في أثناء النهار. # ففي يوم من أيام ربيع الآخر سنة 73 للهجرة (وهو يوافق شهر أغسطس سنة 693م) قضت عزة ~~الميلاء نهارها في بيتها. وكان يوما شديد الحر، والحر ثقيل هناك للرطوبة المتكاثفة مما ~~يتصاعد من أبخرة المستنقعات والأشجار، فلما دنت الشمس من الغروب دخلت إلى مخدعها فأخرجت ~~قارورة من الطيب فتطيبت، وبدلت ثيابها فالتحفت ملاءة معصفرة لونها أصفر زاه، وكشفت ~~النقاب عن رأسها لشدة الحر مع خلو المكان من الرجال. وأرادت أن تتناول عشاءها على سطح البيت ~~تحت قبة السماء. # وكانت يومئذ في نحو الخمسين من عمرها وقد تزايد سمنها وذهبت استدارة وجهها وارتخى خداها ~~واستطالا إلى أسفل الذقن، وثقل بدنها حتى لم يكن في المدينة دابة تحملها. وكانت قلما تنتقل ~~من بيتها، والناس يفدون عليها لسماع غنائها أو ضرب عودها، ويحملون إليها الأموال والهدايا ~~من الحلي والجواهر، حتى ملأت معصميها بالأساور والدمالج وطوقت عنقها بالعقود، وضفرت شعرها ~~بسلاسل الذهب والدنانير، وعلقت في أذنيها قرطين كبيرين يتناسبان مع حجم أذنيها؛ لأنها كانت ~~كبيرتهما مع تناسب التكاسير. وكذلك آذان أهل الغناء والموسيقى في الغالب. # وكان الرجل من أهل الوجاهة إذا أراد التزوج بفتاة لا يعرفها استشار عزة ووسطها في ~~خطبتها أو استطلاع مدى جمالها وصحتها. # وكانت عزة قد قضت ذلك اليوم ولم تعمل عملا لشدة الحر، وعندها فتاة من نزالة المدينة ~~اسمها «سمية» كانت تحبها وتأنس بها. وكانت الفتاة ترتاح إلى عزة وتكاشفها بسرها وتستشيرها ~~في أمرها، وقد جاءتها يومئذ وعليها ثوب أحمر يكسوها كلها. وكانت معتدلة القامة صحيحة الجسم، ~~إذا نظرت إلى تقاطيع وجهها أفرادا لا ترى جمالا باهرا، ولكن في عينيها ما يدل على الذكاء ~~والحب، وحول ms004 ثغرها ابتسامة تأخذ بالعقول، حتى كانت وهي في أشد اضطرابها قلما تبدو الكآبة في ~~وجهها، وربما زاد ذلك في هيبتها. وفي ذقنها اندفاع قليل إلى الأمام مع بروز، وهو دليل ~~الانعطاف، وفي أنفها ذلف قليل يزيدها مهابة. وكانت في نحو الثالثة والعشرين من ~~عمرها. # فلما أرادت عزة الصعود إلى السطح أمرت جارية لها أن تفرشه بالأبسطة وتعد عليه المائدة، ~~وأمسكت ضيفتها بيدها وقالت لها مداعبة: «هلم بنا إلى السطح يا سمية واتركي الهموم جانبا، ~~وتعالي لأريك يثرب وضواحيها من سطح بيتي فإنها من أجمل ما يكون، ولا تعجلي في العودة إلى ~~بيتكم فما أظن أباك قد عاد إليه بعد.» # فمشت الفتاة وراءها وقد ارتاحت لقولها، وأرادت نسيان ما يجول في خاطرها من دواعي الهموم، ~~وصعدتا على سلم من خشب كان يهتز تحت قدمي عزة، حتى وصلتا إلى السطح وقد انتهت الجارية من ~~إعداد المائدة. فجلست عزة، وأجلست سمية إلى جانبها، ولاحظت أنها ما زالت مضطربة البال، ~~فأرادت أن تصرف ذهنها إلى شيء آخر فلم تر خيرا من أن توجه التفاتها إلى ما يحيط بالمدينة ~~من بساتين النخيل وما بينها من برك الماء والمستنقعات فقالت لها: «تأملي يا بنية في هذه ~~البساتين الواسعة وراء سور المدينة، فإن نظرك لا يقف في آخرها إلا على التلال البعيدة، ولا ~~سيما هذا الجبل، وهو جبل أحد الذي جرت فيه الوقعة الشهيرة بين النبي # صلى الله عليه وسلم # وقريش. ~~وذكر هذه الوقعة يؤلمني؛ لأن الغلبة فيها كانت للقرشيين، وقتل من المسلمين سبعون رجلا ~~وأصيب النبي بجراح وقتل عمه حمزة.» # قالت سمية: «وهل شهدت تلك الوقعة؟» # قالت: «كلا، فقد حدثت منذ سبعين سنة فكيف أشهدها؟!» ثم عادت إلى إتمام كلامها عن تلك ~~المناظر فقالت: «وإني ليعجبني مناظر المياه حوالي غروب الشمس، انظري إلى هذه البحيرة فإن ~~ماءها ساكن كأنه صفحة من الفضة اللامعة، وظلال النخيل تتراءى على شواطئها مقلوبة كأنها مردة ~~من الجان غائصون في الماء.» # وكانت الشمس لما دنت من المغيب قد أرسلت أشعتها منحرفة ms005 على تلك المغارس، فاستطالت ظلال ~~النخيل، وما زالت تستطيل وتضعف حتى اختلطت بالظلام. # وأما سمية فكانت تساير عزة فيما تقول وبصرها شائع في تلك البحيرة بالرغم عنها، والبصر إذا ~~أطلق سراحه يطلب النور. وكان سطح البحيرة بعد أن غابت الشمس ما زال يلمع بفعل انعكاس ~~الشفق عليه، وظلال النخيل فيه واضحة عليه وضوح الخطوط السود على الصفحة البيضاء. وبعد ~~قليل لم يعد يظهر للرائي غير سطوح المياه وما يبدو فيها من ظلال الأشجار. ~~••• # اشتغلت عزة وسمية عن الطعام والكلام بالتأمل في ذلك المنظر البديع ثم همت عزة بالطعام ~~ودعت سمية إلى مشاركتها فيه، وجعلت تقطع من لحم الدجاج وتناولها فتأكل وعيناها شاخصتان إلى ~~تلك المناظر، ثم عادت عزة إلى محادثتها فقالت لها: «ما لي أراك صامتة يا سمية؟ هل تفكرين في ~~تأخر عودتك وتخافين أن ينقم عليك أبوك لهذا؟ إنه إذا علم أنك عند عزة فلن يلومك.» # وتوقعت عزة أن تسمع من سمية جوابا، ولكنها رأتها تحدق النظر في تلك البحيرة، وآنست في ~~وجهها بغتة وقد توقفت عن المضغ واللقمة لا تزال في فمها، وقطبت حاجبيها وحددت بصرها، فأعادت ~~عزة سؤالها، فأجابتها سمية وهي تشير بيدها إلى البحيرة: «كأني أرى النخيل تنتقل في الماء ... ~~ما هذا ...؟ ماذا أرى؟» # فالتفتت عزة إلى جهة البحيرة فرأت ظلالا تتحرك في الماء بين ظلال النخيل، ولكنها لم تر ~~الأشباح على الجرف؛ لأن الظلام حجبها، بينما انعكاس الشفق على سطح الماء أبداها فقالت: ~~«إنك ترين ظل شبح سائر بجانب البحيرة.» وتفرست عزة قليلا ثم قالت: «إن الذي نراه ظل ~~شبحين أظنهما فارسين مارين بين النخيل على حافة الجرف، لا بل هما جملان وعليهما رجلان. أليس ~~كذلك؟» # قالت سمية: «بلى، هما جملان. ويخيل إلي أنهما ماشيان على سطح الماء!» # فضحكت عزة وقالت: «إنك ترين ظليهما يا بنية، وأرى الآن شبحا ثالثا أظنه جملا ثالثا.» ~~ولم يمض قليل حتى توارت الأشباح فقالت عزة: «لا تقلقي، ليس ما ترين إلا أناسا أظنهم ~~قادمين إلى المدينة من دمشق، وما ms006 هذه أول مرة رأيت مثل هذا المنظر، فعودي إلى طعامك فقد برد ~~الهواء وانفثأت حمأة القيظ، ومتى فرغنا من الطعام أسمعك صوتا تلقنته عن أستاذتي ~~رائقة.» # فعادتا إلى الأكل وهما لا تتكلمان، ولم تكادا تفرغان من الطعام حتى تكاثف الظلام واحتاجتا ~~إلى الضوء، فصفقت عزة، فجاء رجل في نحو الستين من عمره ما زالت آثار الجمال بادية فيه، وهو ~~نظيف الثوب حسن الهندام، فلما رأته سمية غطت وجهها، فضحكت عزة وقالت: «أتحتجبين من ~~مخنث؟!» ولم تكن سمية قد عرفته في الظلام. # وكان في المدينة جماعة كبيرة من هؤلاء المخنثين، يخالطون النساء، وأكثرهم يحبون الغناء ~~ويحسنونه. وكان من أراد خطبة امرأة سأل عنها أحد المخنثين فيصفها له، ثم يتوسط بينه وبينها ~~حتى يتزوجها. وكان أكثر هؤلاء المخنثين يترددون على عزة ويتقربون إليها ليستفيدوا منها تعلم ~~الأصوات. # فلما وقف ذلك المخنث بين يديها قالت: «ما جاء بك يا طويس؟» # فلما سمعت سمية اسم طويس قالت: «أطويس هذا؟» # قالت: «هو بعينه. ولا تعجبي من أنه جاء على غير موعد؛ فإن ذلك دأبه معنا.» ثم التفتت ~~إليه وقالت: «يا طويس قل للجارية تضيء لنا الشموع فإننا سننزل بعد قليل.» # قال: «أفعل ذلك بشرط.» # قالت: «وما هو؟» # قال: «تغنين لي شعرا على الهزج.» # قالت: «أتطلب أن أغني لك الهزج وأنت أهزج الناس؟ ألا سألتني أن أغني من الثقيل أو ~~الرمل؟» # قال: «لا أبالي أي صوت وإنما أقترح عليك شعرا تغنينه.» # قالت: «أفعل إن شاء الله. ولكني أخاف من وجهك فإنه مشئوم.» # قال: «وأكثر من مشئوم، فإن أمي ولدتني ليلة قبض النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. وفطمت ليلة مات أبو بكر، ~~وبلغت الحلم ليلة قتل عمر، وزففت إلى أهلي ليلة قتل عثمان، وولد لي يوم قتل علي!» # فضحكت عزة لخفة روحه وقالت له: «أرجو ألا يكمل شؤمك علينا الليلة، فامض أعزك الله ~~وافعل ما قلته لك.» # نزل طويس، وبعد قليل نزلت عزة وسمية ودخلتا القاعة المعدة لاستقبال الأضياف. وجلست عزة ~~على مقعد، والأرض مفروشة بالطنافس وحولها ms007 الوسائد وقد أوقدت فيها الشموع. وجلست سمية ~~بجانبها وعادت إلى هواجسها. وأما طويس فإنه تناول دفا مربعا كان معلقا على الحائط بين ~~طائفة من الأعواد والمزاهر والدفوف. ورماه في حجر عزة. # فقالت: «ويلك! ماذا تريد؟» # قال: «بأبي أنت وأمي، أريد أن أسمع غناءك.» # قالت: «تمهل يا طويس ريثما أستريح.» # وفيما هي تكلمه سمعت هدير الجمال بقرب باب البستان، فقالت: «انظر يا طويس من جاءنا الليلة ~~... إني أخشى أن يكون شؤمك قد وصل إلينا.» # قالت سمية: «وأي شؤم تخافين ونحن في أمان؟!» # قالت وقد خفضت صوتها: «ما أظننا في أمان وأميرنا اليوم يأكل المخ ويأكل فوقه التمر على ~~منبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. اذهب يا طويس وانظر من القادم.» # فهرول طويس إلى نعليه ولبسهما، ومشى وهو يتظاهر بالمجون في مشيته حتى قطع البستان وانتهى ~~إلى باب الدار وفتح خوخة الباب وأطل منها، فرأى جملين بجانبهما رجلان: أحدهما قد تلثم ~~بالكوفية والتف بالعباءة، والآخر قصير غير ملثم يشبه أن يكون خادما. فقال لهما: «من ~~أنتما؟ وماذا تريدان؟» # فأجابه الطويل بصوت كأنه هدير الجمل وقال: «أليس هذا بيت عزة الميلاء؟» # قال: «بلى وماذا تريد منها؟» # قال: «أريد الدخول إليها.» # قال: «ومن أنت؟ ألا انتسبت؟» # قال: «لا أنتسب.» # قال: «أتريد الدخول وأنت ملثم كما أرى؟!» # قال: «نعم.» # قال: «دعني أستأذن لك.» وعاد طويس إلى عزة وأخبرها بما رآه. فلما سمعت سمية قوله تحفزت ~~للقيام وقالت لعزة: «دعيني أنصرف إلى أبي فقد طال مكثي عندك اليوم، ولا سيما أني أرى رجالا ~~قادمين إليك ولا يليق بي البقاء معهم.» # قالت: «لك الخيار يا بنية، ولكن إذا انصرفت فلا تطيلي الغياب، وليكن خروجك من الباب ~~الخلفي للدار، وذهابك من الطريق القريب الذي تعرفينه.» فودعتها وانصرفت، وجعل طويس يشيعها ~~ببصره حتى توارت عنه، ثم التفت إلى عزة وأشار بضم أنامله وزم شفتيه إلى أنها جميلة. فأومأت ~~إليه أن يصمت ثم قالت: «اخرج إلى الطارق واطلب إليه أن يريك وجهه أو يذكر لك اسمه.» # فذهب طويس وبعد ms008 غياب طويل عاد وهو يقول لعزة: «إن صاحبنا من أهل البادية ويهوى الغناء، ~~وقد جاء لسماع عزة الميلاء، وقد سألته عن اسمه فأبى أن يخبرني به، ولما ألححت عليه قال إنه ~~لا يقول اسمه ولكنه أنشدني هذين البيتين: # وذي حاجة قلنا له لا تبح بها # فليس إليها ما حييت سبيل # لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه # وأنت لأخرى صاحب وخليل ~~«وطلب أن أخبرك أنه قائلهما.» # فلما سمعت عزة قول طويس بغتت وتبسمت، ولولا ثقل بدنها لوثبت إلى الباب لاستقبال ذلك ~~الضيف. فقال لها طويس: «ما بغتك يا عزة؟» # قالت: «ألا تعرف قائل هذا الشعر؟» # قال: «كلا ... ومن هو؟» # قالت: «لو أني سمعت لفظ قائله لعرفته ولو كان في غير هذا الشعر. ألم تر أنه يلفظ حرف ~~المضارعة مكسورا مثل أهل بهرا؟» # قال: «أظنني لحظت ذلك فيه، ولكن ماذا في هذا؟» # قالت: «ويلك! هذه ليلى الأخيلية الشاعرة، وهذا الشعر شعرها وهي تكسر حرف المضارعة في ~~لفظها أيضا.» # قال طويس: «إذا كانت هذه هي ليلى فقد تم حظنا؛ لأني أسمع بشعرها وحديثها مع توبة الذي ~~كان يهواها، فهل أدعوها؟» # قالت: «كيف لا وهي صديقتي ويندر أن تنزل إلى المدن إلا لحاجة ماسة؛ لأنها تقطن ~~البادية.» # فأسرع طويس مهرولا حتى أتى الباب ففتحه، ورحب بليلى وجعل ينظر إلى قامتها ويلاحظ مشيتها ~~وهي ملتفة بالعباءة وطولها يندر في النساء. ولكنه لم يتمكن من رؤية وجهها؛ لأنها كانت ما ~~زالت ملثمة، فدخلت البستان وأشارت إلى خادمها أن يدخل الجملين إلى الحظيرة ومشت تخطر في ~~مشيتها وطويس يمشي وراءها ويتأمل قامتها وحسن مشيتها واللثام محيط برأسها ووجهها ~~جميعا. # فلما أقبلت على القاعة نهضت عزة وسارت لاستقبالها عند الباب وهي تقول: «مرحبا بليلى، ~~أهلا بك يا حبيبة. لقد بالغت في الاختفاء حتى أسأنا معاملتك وأخرناك.» قالت ذلك وتناولت ~~وسادة فوق البساط وثنتها وأجلستها عليها. # فقالت ليلى بصوتها الجهوري الذي لا يكاد يشبه أصوات النساء: «لا بأس عليك، وإن لم يكن ذلك ~~ذنبي؛ لأني كنت أحسبك تعرفينني من ms009 صوتي ولهجة كلامي.» # كان طويس واقفا بالباب يتشوق لرؤية وجه ليلى، ولكنها بقيت ملثمة لا تلتفت إلى طويس كأنها ~~تتوقع خروجه لتخلو إلى عزة، فأدركت هذه ما في نفسها فقالت: «لا تحتجبي يا ليلى منه، إنه ~~طويس المغني.» # فضحكت ليلى ونظرت إلى طويس وأزاحت اللثام وهي تقول: «أهذا هو طويس المشهور بالشؤم؟ لقد ~~تم سرورنا بلقياه!» # فلما أزاحت النقاب بان تحته وجه يتدفق مهابة وعينان دعجاوان، وثغر حسن، وآثار الصحة بادية ~~في وجهها من سكنى البر. فدهش طويس من جمالها، ولما رأى استئناسها به فرح وقال وهو يمشي نحو ~~البساط الذي كانت هي جالسة عليه: «إن سروري تم بلقياك أيتها الشاعرة البارعة. وقد كنت ~~أعجب لما أسمعه من شغف توبة بك وإشادته في الأشعار بذكرك وأنت زوجة لسواه. فلما رأيت هذا ~~الوجه علمت السر الذي دعاه إلى ذلك.» # فلما سمعت ليلى اسم توبة علا وجهها الاحمرار وكأنها خجلت وطأطأت رأسها حياء، ثم رفعت ~~بصرها إليه وقالت: «وهل سمعت شيئا من قوله؟» # قال: «سمعت كثيرا، ولكنني أذكر هذه الأبيات فقط: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت # علي ودوني جندل وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة، أو رفا # إليها صدى من جانب القبر صائح # وأغبط من ليلى بما لا أناله # ألا كل ما قرت به العين صالح.» # ولم يتم كلامه حتى اصفر وجه ليلى. وأدركت عزة ذلك فيها فأحبت الترفيه عنها فدعتها إلى ~~الطعام والغسل، فشكرتها وذكرت أنها لا تحتاج إلى شيء من ذلك، وإنما جاءت لزيارتها ساعة ~~لتسمع حديثها وتطرب بغنائها ثم تنصرف. # فقالت عزة: «لعلك قادمة من الشام؟» # قالت: «نعم، وقد وصلت إلى المدينة الساعة، وكان معي رفيق خليته في مكان وجئت إليك على ~~أن أعود إليه عاجلا.» # فتذكرت عزة الأشباح التي رأتها وسمية على شاطئ تلك البحيرة فقالت: «أظنني رأيت أشباحكم ~~عند الغروب بين النخيل.» # قالت: «كنا ثلاثة وصلنا عند الغروب إلى ضاحية المدينة على جمالنا.» # الفصل الثالث # | حكاية ليلى مع توبة # فأيقنت عزة أنها هي التي كانت مع الركب، وقالت تداعبها: ms010 «أتحبين توبة؟» # فقالت ليلى: «ماذا تعنين؟» # قالت: «أعرف أنك تحبين توبة، وأسمع أنه شاب جميل شجاع، وأنه يحبك. فكيف تزوج غيرك وتزوجت ~~أنت غيره؟» # فقالت ليلى وقد زاد احمرار وجهها: «دعينا يا عزة من هذا الحديث، وأسمعينا صوتا يروح عن ~~النفس وينسينا تعب الطريق.» # فلم تشأ عزة أن تلح عليها، ولكنها عمدت إلى الحيلة فقالت: «صدقت إن الذكرى تؤلم.» ثم ~~التفتت إلى طويس وقالت: «هات الدف.» # فناولها طويس دفا فنقرت عليه وغنت: # وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت # فقد رابني منها الغداة سفورها # علي دماء البدن إن كان بعلها # يرى لي ذنبا غير أني أزورها # ولم تتم هذين البيتين حتى تململت ليلى وامتقع لونها وقالت: «ما هذا يا عزة؟ أراك تلحين ~~لتعلمي سبب فراقي توبة.» # فضحكت عزة وتجاهلت وهي تقول: «وما لهذا الشعر ولك؟ هل توبة قاله فيك؟» # قالت: «أتتجاهلين؟ ما دمت مصرة على سماع حديثي مع توبة فسأقصه عليك وإن كان ذلك يؤلمني: ~~اعلمي يا أخية أن عاداتنا نحن معاشر البدو غير عادات الحضر أهل المدن أمثالكم؛ فإن الرجل ~~منكم إذا أحب فتاة تزوجها، وأحسن الزواج ما يكون على حب، وأما نحن فإذا عرف أهل الفتاة أن ~~شابا يحبها وتحبه منعوه منها، وهذا ما وقع لي مع توبة؛ فإنه كان يحبني ويقول في ~~الشعر، فلما خطبني إلى أبي رفض أن يزوجني به، وزوجني برجل من بني الأدلع هو زوجي إلى ~~الآن، ولم يكتفوا بذلك ولكنهم أهدروا دم توبة ومكثوا له في الموضع الذي يلقاني فيه حتى إذا ~~جاءني هموا بقتله. وكنت إذا جاءني قبل ذلك تبرقعت واحتجبت منه على عادتنا. ففكرت في حيلة ~~أحذره بها غدرهم بحيث لا يشعرون، فلم أر خيرا من أن أغير عادتي معه، فلما جاءني في ذلك ~~اليوم خرجت إليه سافرة وجلست في طريقه. فلما رآني على تلك الحال فطن لما أردت وركض فرسه ~~فنجا، ثم نظم في ذلك قصيدته التي مطلعها: # نأتك بليلى دارها لا تزورها # وشطت نواها واستمر مريرها # ومنها البيتان اللذان غنيتهما. ms011 وهي طويلة.» ~~••• # وكانت عزة قد سمعت القصة من قبل، ولكنها أرادت أن يسمعها طويس. فلما فرغت ليلى من حديثها ~~قالت عزة: «إني لم أكن أجهل حديثك هذا ولا غيره، ولولا ذلك ما عرفتك من البيتين اللذين بعثت ~~بهما تعرفينني بنفسك. فبالله ألا ذكرت لي سبب قولك ذينك البيتين فإنهما يدلان على أنفة ~~تندران في المدن.» # قالت: «صدقت، إن العفة والحب النقي إنما يكونان في أهل البادية، وبنو عذرة أهل وادي القرى ~~على مقربة من هذه المدينة مشهورون بهما. ولكن ذلك غير مقصور عليهم وإن كان غالبا فيهم. وقد ~~قلت إن توبة كان يحبني وأحبه ولم أسمع منه ما يدعو إلى ريبة. ولكني اجتمعت به مرة بعد أن ~~تزوجت وتزوج، فقال لي كلمة ظننت أنه قد خضع فيها لبعض الأمر، فقلت له: # وذي حاجة قلنا له لا تبح بها # فليس إليها ما حييت سبيل # لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه # وأنت لأخرى صاحب وخليل # فلم أعد أسمع منه ريبة قط.» # فضحك طويس وقهقه حتى كاد يستلقي ثم قال: «ما أشبه هذه العفة بعفة مخنثي المدينة، والله إن ~~البداوة حلوة ولكني لا أحبها!» # فقالت ليلى: «إذا شاقك ذلك فعليك بوادي القرى إنه قريب منكم وفيه بنو عذرة الذين تضرب ~~بعفتهم الأمثال، وفيهم جميل بثينة، وكثير عزة، وغيرهما.» # فضحكت عزة، ورأت الرجوع إلى الغناء، فأخذت فيه وهي تنقر الدف، فطربت ليلى وطرب طويس. ثم ~~استبدلت بالدف عودا عزفت عليه وغنت ألحانا شجية، وكانت ليلى في أثناء الغناء تطرق ~~وتستغرق في التأمل، كأنها تفكر في أمر ذي بال، فلما رأت عزة فرغت من غنائها قالت لها: «لقد ~~أطربتنا يا عزة بغنائك، وعندي أمر أحب أن أسره إليك، فهل تسمحين بخلوة؟» # فلما سمع طويس كلامها خرج مسرعا وأغلق الباب وراءه. # واقتربت ليلى من عزة حتى جلست بجانبها وقالت بصوت يقرب أن يكون همسا: «أتعرفين رملة بنت ~~الزبير؟» # قالت عزة: «كيف لا أعرفها وهي أخت عبد الله بن الزبير اللائذ بالحرمين وهو محصور في ~~الكعبة الآن!» ms012 # قالت: «محصور؟ ومن حصره؟» # قالت عزة: «إنه أقام بالحرمين يدعو الناس إلى البيعة له منذ توفي معاوية وتولى الخلافة ~~ابنه يزيد سنة 60ه، ولم يقو أمره إلا بعد مقتل الحسين وموت يزيد، وهو الآن ينكر الخلافة ~~على عبد الملك بن مروان خليفة بني أمية بدمشق.» # قالت ليلى: «أعلم ذلك، وأعلم أيضا أن أهل الحجاز بايعوه، وأن الأمويين ينوون قتاله ورده ~~إلى بيعتهم.» # قالت: «ألم تسمعي بقدوم الحجاج بن يوسف الثقفي من الحجاز بأمر عبد الملك لقتال عبد الله ~~في مكة؟» # قالت: «أظنني سمعت شيئا من ذلك قبل خروجي من الشام.» # قالت عزة: «وقد جاء الحجاج، ولعلك سمعت بشدة بطشه واستبداده، وقد حاصر عبد الله بن الزبير ~~في مكة وضيق عليه، حتى خرجت المدينة من سلطانه، وعاملنا الآن من قبل عبد الملك بن ~~مروان.» # فأطرقت ليلى وصمتت وكأن خاطرا طرأ عليها فأرجعها عما كانت تهم به، فأدركت عزة ذلك فقالت ~~لها: «ما لي أراك صامتة ...؟ قولي ما في نفسك.» # قالت: «جئت المدينة في مهمة تتعلق برملة بنت الزبير، ولكن حال أخيها يحول دون بلوغ الغرض ~~من السؤال. هل هي معه في مكة؟» # قالت: «نعم، هي معه هناك، وأظنهم في أشد الضيق من الحصار، وقد قل زادهم ولا ندري ما ~~يئول إليه أمرهم.» # فتأففت ليلى وتذمرت ثم جعلت تحك ما وراء أذنها وتنظر إلى البساط بين يديها كأنها تتفرس في ~~نقوشه وهي لا تتكلم. # فقالت عزة: «قولي يا أخية ما في نفسك فقد أقلقت خاطري بسكوتك، ما الذي تريدينه من رملة ~~وأخيها؟» # قالت: «لا أخفي عليك أن أميرا كبيرا من أكبر أمراء بني أمية انتدبني للبحث عن رملة ~~واستطلاع أحوالها؛ لأنه يريد خطبتها، فلم أجد من يصف لي جمالها سواك؛ لأنك عاشرتها ~~وعرفتها فماذا تقولين؟» # قالت: «على الخبير وقعت. أما رملة فإنها من أحسن النساء خلقا وعقلا ودراية. ولكنني ~~أعجب لإقدام أمير من بني أمية على خطبتها والحرب قائمة بين الأمويين وأخيها.» # فأمسكت ليلى عن الكلام قليلا ثم قالت: «أخشى أن أصرح ms013 بالأسماء فأكون قد بحت بسر ~~اؤتمنت عليه.» # قالت: «لا تخافي فإني مستودع أسرار أهل المدينة، وإني أعاهدك على كتمان ما ~~تقولينه.» # قالت: «إن الأمير الذي يبغي خطبتها أحسن أمراء بني أمية علما وأدبا وشعرا وفصاحة ~~وعارضة، وله ولع خاص بعلم الكيمياء، وهو ابن خليفة وحفيد خليفة.» # فقطعت عزة كلامها قائلة: «قد عرفته، إنه خالد بن يزيد. أليس هو؟» # قالت: «هو بعينه، فما قولك؟» # فأطرقت عزة هنيهة ثم قالت: «قد أدركت سر الأمر، وعلمت السبب الذي سوغ لخالد خطبة رملة وهي ~~من أعداء بني أمية وإن كان هو أمويا.» # قالت: «أما وقد فهمت سر الأمر فاكتميه عن كل أحد. وهذه هدية من خالد بعث بها إليك.» قالت ~~ذلك ومدت يدها إلى كمها وأخرجت عقدا من اللؤلؤ دفعته إليها. فتناولته عزة وأثنت على ~~فضلها وقالت: «هل عزمت على خطبة رملة لخالد، ومن يخطبها له؟» # قالت: «ليس لي أن أصرح بأكثر مما قلت.» # فقالت عزة: «ما السر عندي إلا في بئر عميقة، فطيبي نفسا وقري عينا.» # ثم تحفزت ليلى للقيام فأمسكتها عزة ودعتها إلى البقاء عندها. فاعتذرت بأن هناك من ينتظرها ~~في الخارج، ولا بد لها من موافاته لأمر لا يحسن تأجيله. ثم خرجت، فمرت على طويس في ~~البستان فودعته قبل انصرافها. ~~••• # كانت ليلى الأخيلية شاعرة بارعة كما تقدم، وكانت تفد على الملوك والأمراء تمدحهم وتنال ~~منهم الرعاية والجوائز. وكانت قد وفدت على عبد الملك بن مروان في ذلك العام فامتدحته، ثم ~~سارت إلى خالد فعهد إليها في البحث عن رملة واستيصافها من عزة. وبعث معها شابا من خاصته ~~اسمه حسن كان في جملة من جاء الشام مع عبد الملك بن مروان عند عودته من العراق بعد مقتل ~~مصعب بن الزبير وإخراج العراق من سلطة أخيه. # وكان حسن من رجال مصعب الداعين إلى بيعة أخيه في العراق وحارب معه في قتاله المختار بن ~~عبيد الثقفي فأبلى بلاء حسنا حتى قتل المختار وخلص العراق لمصعب. فلما جاء عبد الملك لحرب ~~مصعب دافع حسن عنه ms014 جهده حتى قتل ووقع هو في أسر عبد الملك ورافقه إلى الشام. فلقي هناك ~~خالدا فأحبه هذا وجعله من بطانته. وكان يثق به ويبوح له بما في نفسه على عبد الملك؛ لأنه ~~تولى الخلافة دونه وهو أحق بها؛ لأنه ابن الخليفة يزيد بن معاوية، وبين أمه وأم عبد الملك ~~حكاية سيأتي ذكرها. # وكان خالد قد سمع برملة بنت الزبير، وأراد خطبتها. فلما جاءته ليلى سألها عنها فذكرت له ~~أنها لم ترها، فكلفها أن تستفهم عنها عزة الميلاء في المدينة، وكتب إلى أخيها عبد الله ~~بن الزبير يخطبها منه، وسلم الكتاب إلى حسن وأرسله مع ليلى وأوصاه إذا أمرته ليلى بالذهاب ~~إلى مكة أن يذهب ويدفع الكتاب إلى عبد الله بن الزبير ويبذل جهده في إقناعه، وكان حسن يحب ~~خالدا حبا شديدا، فعزم على أن يبذل ما في وسعه لتنفيذ مرامه، وكان له في المدينة وطر ~~يحن إلى قضائه، فأسرع مع ليلى حتى وصلا إلى المدينة مساء ذلك اليوم، فعرج هو إلى منزل يمكث ~~فيه ريثما تعود ليلى. # أما ليلى فلما عادت من منزل عزة أمرت الخادم أن يذهب بالجمال إلى منزل سكينة بنت الحسين، ~~على أن توافيه إلى هناك. وسارت لمقابلة حسن في الملتقى. فلقيته في انتظارها على مثل الجمر، ~~فأخبرته بما دار بينها وبين عزة وأوعزت إليه أن يسافر إلى مكة في المهمة التي جاء من أجلها ~~ودعت له بالتوفيق. # الفصل الرابع # | حسن وسمية # ولما خلا حسن إلى نفسه، عاوده ما كان يتقد في قلبه من الوجد. وكان يحب فتاة عرفها منذ ~~أعوام وأنقذها وأباها من الموت في العراق في أثناء القتال ضد المختار بن عبيد، وقد تعاهدا ~~على الزواج، وهو يعلم أنها تقيم بالمدينة ولكنه لم يكن يعرف منزلها، فرأى أن يسأل عزة في ~~أمرها بوصفها أخبر أهل المدينة بنسائها. فسار توا إلى عزة وكانت لا تزال جالسة وقد خرج ~~طويس من عندها. # وكان حسن طويل القامة، حسن الخلقة، في وجهه دلائل المروءة وصدق المودة، وعيناه تتقدان ~~ذكاء ms015 وحدة. فلما أقبل على عزة استقبلته باشة. وكانت قد تعودت كثرة الوافدين عليها من ~~سائر البلاد. على أنها استغربت قدومه إليها في آخر الليل. # واعتذر حسن عن ذلك فقال: «إني قادم إليك في أمر أقلقني وحرمني المنام، وليس لي من يفرج ~~كربي سواك.» # قالت: «قل ما بدا لك.» # قال: «إني أحب فتاة من أهل المدينة، ولكنني لا أعرف منزلها ولا أدري أمقيمة هي هنا أم ~~سافرت إلى بلد آخر.» # قالت عزة: «ما اسمها؟» # قال: «اسمها سمية بنت عرفجة الثقفي.» # فبهتت عزة عند سماعها الاسم، وجعلت تتفرس في وجهه كأنها تستطلع حقيقته، ثم قالت: «من أين ~~عرفتها؟ وكيف أحببتها وأنت بعيد عن المدينة؟!» # قال: «قولي لي أولا أهي في المدينة؟ وهل تعرفينها جيدا؟» # قالت: «أعرفها كما أعرف نفسي، وهي مقيمة هنا وكانت عندي هذا المساء، فقل لي أين وكيف ~~عرفتها؟» # قال: «كنت من رجال مصعب بن الزبير الذين ساروا معه إلى العراق لقتال المختار بن عبيد ~~الثقفي. وكان المختار بعد قتل الحسين قد قام يدعو الناس إلى الأخذ بثأره، وتظاهر بمبايعة ~~عبد الله بن الزبير اللائذ بالحرم الآن. فقتل المختار قتلة الحسين جميعهم بمعونة التوابين، ~~وهم أهل الكوفة الذين خانوا الحسين وأمسكوا عن نصرته فلما قتل ندموا وقاموا يطالبون ~~بدمه.» # قالت: «نعم أذكر ذلك، ولكن المختار هذا كان يدعو الناس إلى بيعة محمد بن الحنفية أخي ~~الحسين من أبيه، وليس لعبد الله بن الزبير.» # قال: «إنه كان يدعو إلى البيعة لعبد الله أول الأمر، فلما فاز في حروبه طمع في الخلافة ~~لنفسه وتظاهر بالدعوة لمحمد بن الحنفية. ولا أشك في أن محمدا لم يكلفه بذلك؛ لأنه زعم ~~أشياء لا يرضى بها محمد.» # قالت: «أظنك تعني الكرسي الذي زعم أنه كرسي علي، وصار يحمله معه في حربه ويزعم أن جبريل ~~يظهر له ويكلمه.» # قال: «نعم، ولكنه لم يفلح؛ لأن عبد الله بن الزبير لما سمع بما فعله أرسل أخاه مصعبا في ~~جند كبير فقتلوه وسمروا يده في مسجد الكوفة، وكنت أنا في ms016 جملة رجال مصعب. ففي يوم المعركة ~~بعد أن تم لنا النصر وأمعنا في رجال المختار قتلا ونهبا، لقيت عرفجة أبا سمية طريحا ~~على الأرض بين يدي بعض رجالنا وقد هموا بقتله، ثم رأيت سمية ابنته قد خرجت من الخباء وشعرها ~~محلول على كتفيها، فتحرك قلبي نحوها تحركا غريبا، وسمعتها تستنجدني لإنقاذ أبيها من ~~القتل، فصحت في الرجال فأبعدتهم عنه وأوصلته إلى مأمنه، فقبل يدي وشكرني ذاكرا أنه لا ~~يقدر على مكافأتي. فقلت له: «لا ألتمس منك إلا أن تزوجني ابنتك هذه.» فقال: «هي جاريتك بين ~~يديك.» فتواعدنا على أن آتي المدينة وأتزوجها. وأتممت أمر إنقاذه فأخرجتهما من الكوفة وبعثت ~~معهما من أوصلهما إلى هنا، وبقيت أنا هناك وشغلت بأمور كثيرة لا محل لذكرها، فلم أستطع ~~المجيء إلا اليوم.» ~~••• # كان حسن يتكلم وعزة تتطاول بعنقها لسماع بقية الحديث. فلما وصل إلى هذا الحد قطعت كلامه ~~قائلة: «لعلك حسن؟» # فبهت وقال: «نعم، وكيف عرفت ذلك؟» # قالت: «عرفته منها، وإني أهنئك بسمية فإنها زينة فتيات المدينة، وليس أحد يعرف مكنون ~~قلبها غيري. وقد طالما ذكرت اسمك لي، وأطلعتني على خصالك، وأثنت على مروءتك. فثق بأنها ما ~~زالت على ودك، ولو أنك جئتنا قبل ساعة لوجدتها هنا.» # قال: «وهل من سبيل إلى رؤيتها ولك علي ما يرضيك؟» # فأطرقت عزة هنيهة ثم قالت: «لم يكن أهون من ذلك علي لولا أن أباها ضنين بها، لا يأذن في ~~خروجها من البيت، إلا نادرا، وهي إنما تجيئني خلسة في أكثر الأحيان. ولا شك في أنه إذا عرف ~~أنها جاءتني لمثل ما تريده أنت فإنه يغضب وربما أساءها وأساءني، ولا سيما أنه ذو نفوذ لدى ~~أمير المدينة، ففي استطاعته أن يتهمني عنده بما ينغص علي عيشي.» # فلبث حسن مدة يفكر في أمره، وقد اقتنع بالمشقة التي تحول دون مجيء سمية، لكنه ما لبث لعظم ~~شوقه أن استسهل كل عسير، ورأى أن يصبر إلى صباح الغد ثم يذهب لزيارة أبي سمية. فنهض مودعا ~~عزة بعد أن استدل منها على ms017 بيت عرفجة، فدلته عليه وودعته معتذرة من عدم استطاعتها إجابة ~~رغبته في رؤية سمية. # وبات حسن تلك الليلة على مثل الجمر، ثم أفاق قبل الفجر وأخذ يتأهب للذهاب إلى بيت عرفجة ~~وقد اشتد هيامه وخفق قلبه وهو يفكر في لقياها، وشق عليه أنه لا يستطيع مخاطبتها أمام ~~أبيها لكي يبثها شوقه وهيامه، فعلل نفسه بما قد يأتي به القدر من سوانح الفرص، وخرج ~~والشمس قد أطلت من وراء المنازل، والناس يذهبون ويجيئون في الطرق وهو لاه عنهم بما قام ~~في خاطره من أمر اللقاء المنتظر بعد الغياب الطويل. # وكان بيت عرفجة بالقرب من بيت سكينة بنت الحسين، وهو أضيق مساحة وأقل فخامة، فلما وصل إلى ~~بابه رآه مفتوحا فدخل ولم يقرع الباب ولم يتكلم، فأطل على باحة تحيط بها ثلاث غرف، وفي ~~بعض جوانبها نخلة عظيمة رأى بجانبها فتاة عليها رداء أحمر زاه وليس على رأسها نقاب، وقد ~~جلست أمام النخلة وأسندت ظهرها إليها ووجهها إلى جانب الدار بحيث لا يقع بصرها على الداخل. ~~ومع أنه لم ير من وجهها إلا صفحة خدها وجانبا من عينها وفمها فإنه أدرك أنها سمية، فندم ~~على دخوله بغتة واستنكف أن ينظر إليها أو يدخل بلا استئذان، ولكن الشوق أعمى بصيرته فوقف ~~مبهوتا وقلبه يخفق، والشوق يدفعه إلى رؤيتها، والحياء يدعوه إلى الرجوع وقرع الباب. # ثم غلب عليه الحياء، وخاف أن يقع نظرها عليه فتخجل وربما أصابها سوء من تأثير البغتة، ~~فتقهقر حتى وقف بالباب وقرعه بحلقة من الحديد كانت معلقة في خوخته، ولبث ينتظر من يدعوه إلى ~~الدخول أو من يأتي لاستقباله، ثم سمع وقع أقدام في الباحة فعلم أن سمية تمشي إلى إحدى الغرف ~~للاستتار. وظل واقفا مدة فلم يأته أحد فأعاد القرع مثنى وثلاث. وبعد هنيهة سمع وقع ~~أقدام قادمة نحو الباب عرف من شدتها وسرعتها أنها أقدام رجل. ثم جاءه رجل في نحو الخمسين من ~~عمره قصير القامة نحيف البدن يكاد جلده يلصق بعظمه، وهو أشمط شعر اللحية خفيفة، وعلى ms018 رأسه ~~عمامة صغيرة، وعلى كتفيه مطرف التف به، وكأن خديه حفرتان، ووجنتيه أكمتان، وأنفه كتلة ~~بارزة في منتصف وجهه، وله عينان غائرتان. ولو تفرس فيه حسن لتبين من اختلاج أجفانه وعدم ~~استقرار نظره أنه من أهل الرياء والخبث. # فلما وقع نظر حسن على الرجل عرف أنه عرفجة أبو خطيبته، فهش له وهو يتوقع أن يعرفه ويرحب ~~به، أما عرفجة فلبث برهة ينظر إلى وجه حسن وهو يتجاهله. فضحك حسن وتقدم وألقى التحية. فرد ~~عرفجة التحية دون أن يبدو على وجهه ما يدل على أنه عرفه، ثم سعل كأنه ينبه أهل بيته إلى ~~قادم غريب، فقال له حسن: «أظنك لم تعرفني يا عماه؟» # فلما سمع عرفجة كلامه تكلف الابتسام وألقى نفسه عليه وجعل يقبله ويرحب به ويقول: «أهلا ~~يا بني، أنت حسن؟ من أين أتيت؟» وأمسكه بيده ودخل به إلى الدار، وسار توا إلى غرفة هناك ~~يستقبل بها الزائرين. فاستأنس حسن بذلك الترحاب بعد أن كاد يتميز غيظا مخافة أن يعود من ~~سفرته بخفي حنين، وابتدره عرفجة بالسؤال عن حاله وعن سبب غيابه، وسأله إذا كان في حاجة إلى ~~طعام. فاعتذر شاكرا، وأخبره بأنه قدم المدينة للقياه. فجعل عرفجة يتملقه بالكلام اللطيف ~~ليستطلع ما في قلبه، فاطمأن إليه حسن وأطلعه على شدة شوقه إلى سمية، وكان يخاطبه ويراقب ما ~~يبدو منه من استحسان أو استهجان، فلم يجد إلا انعطافا وترحابا. وعلم منه أن سمية في خير، ~~وأنها ما زالت تذكر فضله عليهما، فازداد حسن استئناسا، وتوقع منه أن يدعو سمية لتراه، فلما ~~لم يدعها ظنه أجل ذلك إلى ما بعد الاستراحة. واستغرقا في الحديث في شئون مختلفة حتى ذكر ~~حسن أنه جاء المدينة في مهمة من خالد بن يزيد إلى عبد الله بن الزبير بمكة. ثم قال: «ألم ~~يئن لي أن أبلغ أمنيتي التي منيت بها منذ أعوام؟» # فتجاهل عرفجة وقال: «وما هي يا بني؟» # قال: «الزواج من سمية ... خطيبتي.» # قال: «هي جاريتك وطوع إرادتك، ولكنك ذاهب إلى مكة كما تقول، ms019 فيحسن إرجاء الأمر حتى تعود، ~~ولا سيما أن سمية ليست هنا الآن، وسأخبرها بقدومك متى عادت، ولا أشك أنها ستسر بلقياك، ~~فاذهب الآن في مهمتك، ومتى عدت نعقد قرانكما بإذن الله.» # فعجب حسن لإنكار عرفجة وجود سمية في المنزل، ولكنه التمس له عذرا وشكر الله على أنه ~~رآها خلسة. على أنه كان يتوقع وهو يخاطب عرفجة أن يسمع خطوات سمية أو يلمح طرف ثوبها وهي ~~مارة أو يسمع كلامها، فلم يكن يرى إلا بعض الجواري يخطرن في الدار لقضاء بعض حاجات ~~المنزل. # وسكت كلاهما لحظة وكل يفكر في شأن، وشتان بين الفكرين! ثم عاد عرفجة إلى الكلام فقال: ~~«متى تعتزم المسير إلى مكة يا بني؟» # قال: «في القريب العاجل، وربما خرجت الليلة.» # قال: «وهذا ما أراه، فإن سرعة ذهابك يقرب يوم زواجك فنفرح بك ونتشرف بمصاهرتك.» # فسر حسن بما سمع ولم يفقه ما كان يبدو في عيني عرفجة وفي حركاته من دلائل الخبث والغدر - ~~ولم يكن ذلك سذاجة فيه ولكنه كان سليم القلب صادق النية كبير النفس، يعتقد أن الناس كلهم ~~مثله - هذا إلى أن عرفجة كان مدينا له بإنقاذه من القتل، وقد رحب بمصاهرته أولا وآخرا. ~~وهكذا اقتنع بما سمع منه فقال: «أرى أن أخرج من المدينة الليلة.» # قال: «وهل تعرف الطريق؟ ومن أي باب تخرج؟» # قال: «نعم يا مولاي، إني خارج من الباب المطل على قباء.» # قال: «اجعل خروجك عند الغروب من الباب المؤدي إلى مكة، فإنه أسهل مسلكا، ولكنني أخاف ~~عليك من برد الليل فهل احتطت لذلك؟» # قال: «عندي عباءة ألتف بها إذا برد الليل.» # قال وهو يبتسم وكأنه اهتدى إلى سبيل لتنفيذ مرامه: «لا أرى أن تخرج من المدينة وأنت ملتف ~~بعباءة. ومن كان مثلك من ذوي الوجاهة لا يليق أن يمر في الأسواق ملتفا بعباءة، فاسمح لي ~~أن أقدم لك قباء يليق بمقامك.» قال ذلك وصفق فجاءه الغلام فقال: «هات القباء الأخضر ~~المعلق في الحجرة.» # فعاد الغلام وعلى يديه قباء من صوف، فتناوله عرفجة ودفعه ms020 إلى حسن وقال له: «إليك هذا ~~القباء فالبسه وأنت خارج على ناقتك في هذا المساء فإنه أوقى لك من البرد.» # فتناول حسن القباء شاكرا، مع أنه لا يرى حاجة إليه؛ إذ لم ير من اللياقة أن يرده، ~~وازداد ثقة في عرفجة وحسن قصده، ولحظ في حركاته ميلا إلى فض الاجتماع، فنهض وقبل يده ~~مودعا. وخرج وقلبه ما زال في تلك الدار، وقد شق عليه أن يخرج منها دون أن يخاطب حبيبته، ~~ولكنه علل نفسه باللقاء القريب بعد رجوعه من مكة، وسار توا إلى السوق ليبتاع بعض النبال ~~استعدادا لعاديات الطريق، ولكنه لم يكن يعرف أين يبيعون النبال، فرأى غلاما رث الثياب على ~~رأسه قفة يلتقط نوى التمر ويضعه فيها، وهي أحقر مهن أهل المدينة، فناداه حسن وسأله: «ألا ~~تعرف رجلا يبري النبال قريبا من هنا؟» # قال: «أعرف كثيرين، هل تريد النبال المريشة أو التي بلا ريش؟» # قال: «إني أفضل المريش منها.» # قال: «تعال معي فأدلك على أحسن من يبريها في هذه المدينة.» ~~••• # سار حسن في إثر الغلام حتى انتهى به إلى الطرف الآخر من المدينة، ووقف به عند حانوت أمامه ~~دكة، وفي صدر الحانوت رجل من أهل يثرب بين يديه القسي والنبال، وفيها المبري، بعضها من ~~الخشب والبعض الآخر من القنا ونحوه. فدفع إلى الغلام درهما وصرفه، ودخل الحانوت والقباء ~~على ذراعه، فلما رآه الرجل عرف من لباسه أنه من أهل الشام، فرحب به وأجلسه على الدكة. ~~فجلس حسن ووضع القباء بجانبه وأخذ يقلب السهام، وفيها الريش المربع والمثلث وذو الجناح ~~الأيمن أو الأيسر. وجعل ينتقي ما يريده منها، ثم قال للرجل: «هل أجد عندك جعبة ~~للنبال؟» # قال: «لا يا مولاي، إني لا أصنع إلا النبال، ولكن جاري جعاب يصنع الكنانة والجعبة من ~~الجلد أو من الخشب على أشكال مختلفة، فإذا شئت بعثت إليه فيأتيك بأصنافها.» # فقال: «أذهب إليه بعد الفراغ من انتقاء النبال.» ثم انتقى ما احتاج إليه منها ودفع الثمن، ~~وسأل الرجل عن حانوت الجعاب، ونهض وقد نسي ms021 القباء عند النبال، وسار والنبال يسير أمامه ~~حتى أوصله إلى حانوت واسع فيه جلود وأخشاب وجعاب معلقة. فرجع النبال وتقدم حسن حتى انتهى ~~إلى باب الحانوت. فرأى الجعاب يخاطب شابا يظهر من لباسه أنه من أهل الوجاهة وهو يساومه ~~على جعبة أراد ابتياعها، فوقف حسن ينتظر الانتهاء من تلك الصفقة، وقد استأنس برؤية ذلك ~~الشاب وتذكر أنه يعرفه، فجعل يتأمله ويتفهم كلامه، وهو يستحث ذاكرته لعله يذكره والشاب ~~مشتغل بالمساومة، ثم التفت الشاب إلى حسن، فلما وقع بصره عليه بغت وتفرس في سحنته ولم ~~يطل النظر إليه حتى ابتسم وصاح: «حسن؟» قال: «نعم، وأنت ... سليمان؟» # وتعانقا، ثم جلسا على مقعد من حجر بجانب الحانوت وقد نسيا الجعاب وصاحبها، فقال سليمان: ~~«من أين أنت قادم يا أخي، ومتى قدمت؟» # قال: «إني قادم من دمشق وقد وصلت إلى المدينة مساء أمس.» # قال: «وهل تنوي الإقامة هنا؟» # قال: «كلا، إني عازم على السفر الليلة.» # قال: «لا. لا. إني مشتاق إلى رؤيتك، وقد مضى علي بضع سنوات وأنا أفكر فيك وأتذكر أياما ~~قضيناها في الكوفة معا، وقد كانت أياما سعيدة رغم ما شهدناه فيها من القتال.» # قال حسن: «لا ريب أنها كانت سعيدة لكم لأنكم فزتم بالأمر الذي قمتم له وقتلتم قتلة الإمام ~~الحسين شر قتلة. أظنك لم تنس عبيد الله بن زياد وهو مضرج بدمه في ساحة الحرب.» # قال: «وهل أقدر على نسيان ذلك! إني أتذكره كلما شممت رائحة المسك؛ لأني حين شهدت جثة عبيد ~~الله في الوقعة شممت رائحة المسك قوية؛ إذ كان كثير التضمخ بالمسك. ولكنني لم أفرح بمقتل ~~ابن زياد فرحي بمقتل ذلك الأبرص الذي قطع رأس الحسين بيده.» # قال حسن: «أظنك تعني شمر بن ذي الجوشن - قبحه الله؟» # قال: «إياه أعني ... فقد رأيت هذا الخبيث في معركة أخرى مقتولا وعليه بردة، وقد عرفته من ~~بياض برصه.» # فقال حسن: «إنها لذكرى حسنة، ولكننا لا نستطيع الخوض في هذا الموضوع ونحن على قارعة ~~الطريق.» # قال سليمان: «هلم بنا إلى مكان لنقضي ms022 فيه بقية هذا اليوم، فإني أحسبه من أسعد أيامي؛ ~~لأنه يذكرني بأيام النصر وإن كنا الآن في ...» وقطع كلامه لئلا يسمعه أحد. # ثم نهضا، فابتاع حسن جعبة وضع النبال فيها، وسار وقد شغل بصديقه عن تذكر القباء وهو لم ~~يتعود حمله. ~~••• # كان سليمان هذا صديقا لحسن تعارفا منذ الصبا، وكان مقيما مع أبيه بالكوفة مع دعاة ~~الحسين، فلما قدم الحسين الكوفة في أهله كان هو وأبوه من الذين تخلفوا عن نصرته، ولما قتل ~~الحسين في سهل كربلاء وقتل أهله معه أصبح سليمان وأبوه من التوابين الذين ندموا على تخلفهم ~~عن نصرة الحسين وقاموا بعد قتله للمطالبة بدمه، فلما جاء المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى ~~الكوفة يدعو الناس إلى بيعة عبد الله بن الزبير، انضم التوابون إليه فقتلوا قتلة الحسين، ~~ثم طمع المختار في الأمر، وأرسل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب لمحاربته، وكان حسن مع مصعب، ~~فلما غلب مصعب المختار وقتله تفرقت رجاله، فانحاز بعضهم إلى مصعب ومنهم سليمان وأبوه، وقد ~~ائتلف قلبا حسن وسليمان. وكان سليمان يعجب بأخلاق حسن، فلما جاء عبد الملك بن مروان وحارب ~~مصعبا بالكوفة وقتله وتفرق رجاله، سار حسن مع عبد الملك، وجاء سليمان وأبوه إلى المدينة ~~فأقاما بها. # فلما تلاقيا بالمدينة على هذه الصورة أنس به سليمان وأحب البقاء معه، فدعاه إلى منزله ~~وقال له: «إن أبي يسر بلقياك.» فتذكر حسن أبا سليمان فقال: «فاتني أن أسأل عن أبيك، كيف هو؟ ~~وما الذي يعمله الآن؟» # قال: «إنه في خدمة طارق بن عمر عامل هذه المدينة من قبل عبد الملك بن مروان.» # قال: «وهل هو يخدمه عن رضى؟» # قال: «أراه راضيا بخدمته، وكثيرا ما أظهرت عدم رضائي بخدمة هؤلاء القوم الذين قتلوا ~~الحسين، وكنا بالأمس نجرد السيوف عليهم ونطالبهم بدم المقتولين، ولكنني رأيته راضيا فسكت ~~عنه. ولعل له عذرا.» # وكانا يتكلمان وهما ماشيان حتى وصلا إلى بيت سليمان، ولم يكن أبوه في البيت، فمكثا هناك ~~وتناولا الغداء معا وقد سر كل منهما بلقاء صديقه، ms023 فلما كان العصر نهض حسن واعتذر ~~باضطراره إلى الذهاب لوداع ليلى الأخيلية في بيت سكينة بنت الحسين، وهو إنما كان يرجو أن ~~يستطيع مشاهدة سمية؛ لأن بيتها بجانب بيت سكينة. # فألح عليه سليمان أن يؤجل سفره إلى الغد، ولكنه اعتذر شاكرا، فقال سليمان: «إذا لم يكن ~~بد من سفرك فإني أرافقك في أوائل الطريق؛ لأنك إذا خرجت من المدينة عند الغروب لا تسير ~~الليل كله، فإذا رضيت برفقتي فإني أصاحبك إلى العقيق فنمكث هناك ساعة أتملى من حديثك ثم ~~نفترق.» # قال حسن: «كيف لا أرضى بذلك وفيه راحتي وحسن حظي!» # قال: «أين نلتقي؟» # قال حسن: «نلتقي بباب المدينة المؤدي إلى مكة ونخرج من هناك معا.» # قال: «وهل تعرف الطريق إلى الباب؟» # قال: «نعم أعرفه، فإنه على مقربة من حانوت النبال الذي اشتريت هذه النبال منه ~~اليوم.» # ولما ذكر النبال تذكر القباء فبغت وقال: «لقد نسيت عنده القباء، وأخاف إذا أردت الذهاب ~~إليه أن تفوت الفرصة لمشاهدة ليلى.» # فابتدره سليمان قائلا: «دع هذا لي، فأنا أمر بالنبال وآخذ القباء منه وأحفظه لك إلى ~~الملتقى.» # فشكره حسن وودعه، وخرجا فسار كل في طريقه. ~~••• # وكانت سمية جالسة في ساحة بيتها حين قرع حسن الباب، فدق قلبها وحدثتها نفسها بأن الطارق ~~حبيبها، ثم استبعدت ذلك، فعاودها الحزن، ونهضت لكي تحتجب عن الطارق، فانزوت في أقرب غرفة ~~إلى الباب وفي نفسها ميل إلى معرفة الطارق؛ لأن طريقة دقه الباب لم تكن تشبه دقات زوارهم ~~المعروفين، وكثيرا ما تدل الدقة على صاحبها ويعلم أهل البيت من هو صديقهم من قرعة الباب. ~~هذا إلى أن عرفجة كان من أكثر الآباء تضييقا على بناتهم في أمر الحجاب؛ فكان ذلك يدعو سمية ~~إلى التطلع إلى القادمين من شقوق النوافذ أو ثقوب الأبواب. # واتفق في ذلك الصباح أنه لم يكن في البيت أحد من الرجال غير عرفجة وكان مشغولا في حجرة ~~خاصة لا يدخلها أحد غيره، وفيها محفة من خشب مقفلة لا يفتحها سواه، فإذا دخل تلك الحجرة ~~أقفل بابها ms024 ولا يدري أهل البيت ماذا يفعل هناك، فيقضي فيها ساعة أو بعض الساعة ثم يخرج ~~ويقفل الباب وراءه. وكثيرا ما أحبت سمية استطلاع أمر تلك المحفة ومشاهدة ما في داخلها فلم ~~توفق إلى ذلك؛ لأن المحفة من خشب متين لا منافذ للمبصر فيه. فلما قرع حسن الباب كان عرفجة ~~هناك فأبطأ في فتح الباب كما تقدم. ثم سمعته بعد أن فتحه وهو يخاطب حسنا ويرحب به، وكانت ~~تنظر من ثقب في باب غرفتها يطل على حجرة أبيها، فوقع بصرها على حسن وهو يخلع حذاءه بباب ~~الحجرة، وهي أول مرة رأته فيها بعد ذلك الغياب الطويل، فلم تكد تتحققه حتى شعرت بهزة ~~قوية وخفق قلبها خفوقا شديدا، ولكنها ظنت نفسها مخطئة، فتفرست فيه جيدا فإذا هو حسن ~~بعينه، ورأت أباها يخاطبه ويرحب به وقد فهمت ذلك من إشاراته وملامحه؛ لأنها لم تكن تفهم ~~الكلام لبعد المسافة، ثم دخلا وأقفلا الباب، فأرسلت جارية لها تتسمع حديثهما وتعود إليها ~~بما سمعته. والجواري أكثر الناس رغبة في نقل الأحاديث وبخاصة إذا كانت من هذا القبيل، فكانت ~~تلك الجارية تتظاهر بخروجها لغرض تريده من البستان أو الباحة فتقف هناك بحيث تسمع ما يدور ~~وربما سمعت بعضه فتكمل الحديث من عندها وتعود إلى سمية به، فأطلعت سمية بذلك على ما دار ~~بينهما حرفيا، وساءها رفض أبيها أن يجمعها بحسن ولو من وراء حجاب، ولكنها سرت برؤيته ~~واطمأنت إلى أنه ما زال على حبها. ولما أخبرتها الجارية أنه جاء يطلبها من أبيها زاد ~~اضطرابها واصطكت ركبتاها ولم تعد تستطيع الوقوف فثنت وسادة كانت بجانبها وجلست عليها ~~وعيناها على شق الباب. على أنها ما لبثت أن علمت أنه غير الحديث واعتزم الخروج من المدينة ~~في تلك الليلة، وأن أباها حبب إليه الإسراع في ذلك وأعطاه القباء، فاستغربت إعطاءه إياه، مع ~~ما تعلم من بخله، على أن ذلك أكد لها رضاءه عن تلك الخطبة؛ فانبسطت نفسها، وتعللت بقرب ~~اللقاء بعد الرجوع من مكة. # فلما خرج حسن وتبعه عرفجة لوداعه ms025 طارت عيناها شعاعا إلى حسن، ولكنه ما لبث أن غاب عن مدى ~~بصرها من ذلك الثقب. فلما رأت أباها راجعا خرجت من الغرفة لملاقاته وقد توردت وجنتاها من ~~عظم التأثر وبانت دلائل الحب في وجهها، فلما رآها عرفجة في تلك الحال انقبضت نفسه وتظاهر ~~بأنه في شاغل عن الحديث معها. # ولكنها لم تصبر على استطلاع أفكاره وأمسكت عن الكلام تهيبا؛ لأنها كانت تخافه كثيرا ~~وتخشى غضبه وقد قاست منه الأمور الصعاب، على أنها كانت تحسن الظن به، فتحولت إلى حجرتها وهي ~~منقبضة النفس، ودخل عرفجة حجرة أخرى وقد لحظ ما في نفس ابنته ولم يفته اطلاعها على ما دار ~~بينه وبين حسن. فبعث إليها فجاءت وليس في المكان سواهما فوقفت وقلبها يخفق وهي لا تستطيع ~~التطلع إلى أبيها ولا تدري ما يريد منها، فأشار إليها فجلست على وسادة بالقرب منه وهي ~~تتشاغل بمداعبة أطراف جدائلها المرسلة، وكانت تضفر شعرها عادة في طرة اشتهرت في المدينة ~~يومئذ بالطرة السكينية نسبة إلى سكينة بن الحسين؛ لأنها أول من ضفرها على تلك ~~الصورة. # لبثت سمية برهة هكذا، وأبوها ينظر إليها ويتأمل في حركاتها فلم يزدد إلا وثوقا بتعلقها ~~بذلك الشاب وهو لا يحب أن يتقرب منه، ولكنه لم يذكر ذلك لسمية صراحة. على أنه كثيرا ما ~~حاول أن يزوجها بسواه فلم تقبل، وكان قد ظن حسنا مات أو قتل لغيابه عن المدينة، أو عدل ~~عنها واشتغل بغيرها، فلما رآه في ذلك الصباح وتحقق أنه ما زال حيا بغت واستعاذ بالله، ~~ولكنه عمد إلى الخبث والرياء فتغلب على عواطفه وبش له واستدناه وأظهر له ما أظهره من ~~اللطف والأنس على أمل أن يفتك به غيلة. فلما رأى اضطراب سمية قال لها: «أراك مضطربة، فما ~~الذي دعاك إلى هذا؟» # قالت وهي لا تزال مطرقة وقد صعد الدم إلى وجهها فزاد احمراره: «وأي اضطراب تعني؟» # قال: «أعني ما يبدو في وجهك من الاحمرار على أثر الاصفرار وكأني أسمع دقات قلبك. فما ~~هذا؟» قال ذلك بنغمة رقيقة ms026 رفقا بها واحتيالا في استطلاع سرها، وقد كان يحب رضاءها ولكنه ~~لا يريد أن تعمل عملا تستقل به عنه. وكان أهل المدينة يتحدثون بجمال سمية ولطفها، وكان هو ~~يريد أن يتجر بذلك الجمال فيزوجها بحاكم أو أمير فيكتسب بزواجها منصبا أو مالا . وكانت له ~~مطالب أخرى ترجع كلها إلى الطمع وحب الأثرة مع خبث الطوية. وحب الأثرة مع سلامة الطوية قلما ~~يضر بالناس؛ إذ ليس في البشر من لا يحب ذاته ويؤثرها على غيره من الناس، أما إذ صحبه خبث ~~النية وسوء الخلق فإنه يكون وبالا على الناس؛ لأن صاحبه لا يبالي ما قد يضحيه من الأنفس ~~أو الأعراض في سبيل نيل أغراضه. وكان عرفجة ذا مطامع لا حد لها وكان ذلك شأن كثيرين في ~~ذلك العهد على أثر تزعزع أركان الخلافة وانقسام الناس وكثرة الدعاة وتعدد الدعوات؛ فكان هذا ~~يدعو إلى بيعة عبد الملك، وذاك يدعو إلى بيعة محمد بن الحنفية، وآخر إلى بيعة عبد الله بن ~~الزبير، فضلا عن دعاة آخرين في البلاد الأخرى؛ فأصبح الأمر فوضى وربما خطر لعرفجة أن يدعو ~~إلى أحد هؤلاء أو غيرهم، ولو أتيح له أن يدعو الناس إلى نفسه لفعل ولكنه لم يكن يطمع في ~~ذلك وهو من ثقيف وهم غير أكفاء للقرشيين. وكان الحجاج والمختار بن أبي عبيد ثقفيين أيضا، ~~فلما أراد المختار أن يستأثر بالملك تظاهر بالدعوة إلى محمد بن الحنفية كما قدمنا. ~~••• # لما سمعت سمية سؤال أبيها ولم تر فيه نغمة الجفاء أجابت وهي تكاد تذوب خجلا: «أتسألني ~~يا سيدي عما أنت أعلم الناس به؟!» # فقال وهو يغتصب الضحك اغتصابا: «أظنك تحبين هذا الشاب؟» # قالت: «لا أقول إني أحبه ولكنني أعلم فضله علينا؛ لأنه أنقذنا من الموت وقد اشترط شرطا ~~وعدناه به أفلا نفي بالوعد؟» # وكانت تقول ذلك بلهجة المنتصر وهي تنظر في وجه أبيها متوقعة أن يكون جوابه الإذعان ~~الصريح، ولكنها رأته ابتسم ابتسام الاستخفاف، ثم هز رأسه، وأخذ يلاعب طرف لحيته بأنامله ~~وهو يقول: «ما شاء الله! ms027 وأي فضل تعنين يا سمية؟» # قالت: «ألم ينقذنا هذا الرجل من القتل ونحن في الكوفة؟ ألم أخرج إليه محلولة الشعر ~~وأطلب نجاتك فأسرع لإنقاذك؟! ولا أراك تنكر ذلك عليه إلى الآن.» قالت ذلك وهي تنظر إلى وجهه ~~بطرف عينيها وتتوقع إذعانه فإذا هو قد تغيرت سحنته وبان الشر في عينيه وكان بيده مفتاح ~~الحجرة فرمى به إلى الأرض من شدة الغيظ وقال: «لا أقدر على سماع هذا الكلام. إن الذي يدعي ~~علينا مثل هذا الفضل يجب أن يموت.» # فلما سمعت سمية كلامه اقشعر بدنها وامتقع لونها، ونظرت إلى أبيها والدموع ملء عينيها ~~كأنها تستعطفه ولا تصدق أنه يعني ما يقول، ولكنها ما لبثت أن رأته نهض وجعل يتمشى في أرض ~~الحجرة ولحيته ترقص أمام عنقه وعيناه محملقتان وأنامله ترتجف. فتهيبت وأطرقت ودموعها تتساقط ~~على ثيابها وبقيت هادئة لا تحرك ساكنا ولسان حالها يقول: «ويلك يا ظالم.» # أما هو فبعد أن تمشى هنيهة عاد فوقف أمامها وقال لها: «لو كنت تحبين أباك، ما رضيت أن ~~يكون لمثل هذا الغلام فضل علينا، كيف نعيش ولهذا الغلام منة علينا؟ وتقولين ذلك جهارا؟ لا ~~شك أنك تحبينه أكثر مما تحبينني.» # فقالت والبكاء يخنق صوتها: «كيف تقول ذلك يا أبتاه، وأنت تعلم قلبي وتعلم أني لا أحب ~~أحدا سواك! وأما هذا الشاب فإن له علينا فضلا لا ينكر؛ هل نسيت الخطر الذي كنا فيه ~~وكيف أنقذنا وعني بإرسالنا إلى هنا؟! ثم إنك أنت الذي وعدته بي، فإذا كنت أحبه فإنما أنت ~~الذي دعوتني إلى ذلك و...» # فقطع عرفجة كلامها وقال: «أبلغت بك القحة إلى أن تقولي لي إنك تحبينه وتعيدي ذكر جميله! ~~إن ذكر هذا الجميل وحده يدعو إلى قتله!» # فاضطربت سمية، وجثت عند قدمي أبيها والدمع يتساقط من خديها ويمتزج بالعرق المتصبب من ~~جبينها وقالت: «رحماك يا سيدي، بالله لا تذكر القتل، دعه لا تقتله ولا تزوجني به ... فأنا لا ~~أخرج عن طاعتك في أمر من الأمور. لا تذكر القتل لأنه يقطع قلبي. افعل ms028 بي ما تشاء فإني طوع ~~لك. أشفق علي وارحمني.» # فلما سمع تذللها ظنها ارعوت عن محبة حسن، فأمسكها وأنهضها ومسح دموعها وقال لها: «خففي ~~عنك يا بنية وكوني حكيمة عاقلة، وانبذي أمر هذا الغلام وارجعي إلى أبيك، واعلمي أني لا أفعل ~~إلا ما فيه سعادتك.» # قال ذلك وأجلسها على الوسادة وجلس هو إلى جانبها فاتكأت على صدره، فتحقق أنها أذعنت لأمره ~~واستسلمت له، فلم يعد إلى ذكر حسن ولكنه اغتنم هذه الفرصة وقال لها: «يظهر أنك كنت في جهالة ~~عمياء، والحمد لله على أنك أدركت ما أنويه لك. كيف تعيشين مع رجل تعلمين أنه ذو فضل على ~~أبيك؟ أليس ذلك منتهى الذل والضعف؟ كيف أقدر على حفظ منزلتي بين الناس وفي الدنيا رجل يقول ~~إنه أنقذني من الموت وله على فضل؟!» # فظلت سمية صامتة مخافة أن يعود أبوها إلى ذكر القتل، ولكنها استغربت استنكافه الإقرار ~~بالفضل لأهله، وقد فاتها أن من الناس من يتعمدون الإيقاع بالمحسنين إليهم؛ لأن تصورهم فضلهم ~~يهيج جسدهم حتى يقودهم إلى الفتك بهم ليتخلصوا من ذكر تلك المنة. وأمثال هؤلاء قليلون ~~والحمد لله - وكان عرفجة واحدا منهم - وتلك غاية الدناءة والخسة. # ولم تر سمية خيرا من السكوت، ولكن ذلك لم يغير شيئا من عواطفها بل لعله زادها تعلقا ~~بحسن، تعلق ذهنها بالسعي في تحذيره، وكانت تفكر في ذلك وهي متكئة على صدر أبيها وقد بللت ~~قميصه بدموعها، فأنهضها وقبلها وقال لها: «قومي يا سمية وارجعي إلى رشدك فإني سأزوجك بأعظم ~~رجل يتحدث به المسلمون الآن لتعلمي أني إنما أسأتك بأقوالي لأحسن إليك بأفعالي.» # فنهضت ومشت وهي صامتة تمسح عينيها بكمها حتى أتت حجرتها فدخلت وأقفلت الباب ثم استلقت على ~~فراشها وقد تمثل لها عظم الارتباك المحيط بها والخطر الذي يهدد خطيبها، فأظلمت الدنيا في ~~عينيها وأطلقت لدمعها العنان، ثم استرجعت رشدها وفكرت في أمرها وأمر أبيها وما تعرضت له ~~بسبب حبها لحسن فجعلت تناجي نفسها قائلة: «كيف تعلقت بهذا الرجل الغريب وفي تعلقي به خطر ~~على ms029 حياتي وحياته؟ أليس هذا أبي الذي رباني وكفلني ولا يريد لي إلا الخير والسعادة؟ كيف ~~أعصاه وأطيع هواي؟ أليس من التعقل أن أنصاع لرأيه؟ أما حسن فماذا يربطني به؟ الحب؟! وما ~~معنى الحب؟ إن هذا الحب سبب عذابي وعذاب أبي وعذاب حبيبي . لا، إن عذابه عذب، آه ما أحلى ~~الحب وما أشرف عواطف المحبين ... كيف يعيش الناس بدون الحب وما الفائدة من الحياة بلا محبة؟! ~~إني لا أرى في العيش لذة إلا حين أفكر في حسن، آه ما ألطف هذا الاسم! ولكن كثيرا ما كنت ~~أسمعه قبل أن أعرف الحب فلا ألتذ لفظه كما ألتذه الآن، فأنا إنما أتلذذ بالحب، آه ما أحلاه ~~وما أحلى لفظه بفمي وذكره بفكري وما أحلى صورته في عيني!» # ثم مسحت دموعها ولبثت هادئة برهة وهي تفكر في أبيها وقالت: «ولكن أبي رباني بعد وفاة أمي ~~وبقي وحده لم يتزوج من أجلي وهو يحبني ويريد سعادتي فكيف أغضبه؟» # ثم قالت: «لا ... إنه خرج في معاملته عن حقوق الأبوة، إن لحسن فضلا كبيرا علينا، ولكن أبي ~~تنكر له، بل أراد قتله من أجل ذلك الفضل، أراد قتل حسن؟! إن أبي ظالم، والظالم لا يحبه الله ~~فكيف أحبه أنا؟! أما حسن فشهم تفانى في سبيل نجاتنا ويكفي أنه يحبني وأني أحبه حبا ~~عذريا نقيا لا عيب فيه. يا إلهي ما هذا الحب؟! إذا كنت ترى أني أخطئ فيما أقول فانزع حب ~~هذا الشاب من قلبي. لا ... لا تنزعه ... أو انزعه يا إلهي ... أو كما تشاء ... آه ما لي أزداد ~~تعلقا وهياما؟ الله هو الذي أراد أن يحب أحدنا الآخر، والحب الذي يكون خاليا من الدنس ~~وغايته شريفة إنما هو من عند الله.» # قضت سمية ساعة في مثل هذه التصورات، ثم تذكرت ما سمعته من تهديد أبيها فخافت أن يتمكن من ~~حسن وهو غافل، فرأت أن عليها أن تحذره حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. # وحدثتها نفسها أن تفر معه إلى مكة ولكن تعقلها وآدابها زجراها عن ذلك. ms030 على أنها أصبحت ~~شديدة الشوق إلى رؤيته لتشكو له ما في قلبها ويتعاهدا على الاتحاد والصبر، فتذكرت عزمه ~~على الخروج من المدينة في تلك الليلة، وأنه خارج حوالي الغروب من الباب المؤدي إلى مكة ~~فعزمت على اغتنام فرصة انشغال أبيها، لكي تخرج وتقف له في الطريق وتخاطبه. # أما عرفجة فقد كان بينه وبين طارق بن عمرو حاكم المدينة يومئذ صداقة. وكان طارق يكرم ~~عرفجة لأنه ثقفي من قبيلة الحجاج، وكان الحجاج لذلك قد أوصاه به خيرا، ولأنه كان قد عرف ~~سمية وطلب الاقتران بها فوعده عرفجة بذلك ولكنه استمهله ريثما يسترضيها. ولم يشأ الحجاج أن ~~يحملها أبوها على ذلك بالكره مخافة أن تشكوه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان فيأمره بالتخلي ~~عنها كما اتفق له مع عبد الله بن جعفر لما خطب الحجاج بنته أم كلثوم على مال كثير ثم أمره ~~عبد الملك بن مروان بطلاقها؛ وجلية الخبر أن الحجاج خطب إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم ~~كلثوم على ألفي ألف في السر وخمسمائة ألف في العلانية، فأجابه إلى ذلك وحملها إليه فأقامت ~~عنده ثمانية أشهر، ثم خرج عبد الله بن جعفر إلى عبد الملك بن مروان وافدا ونزل بدمشق، ~~فأتاه الوليد بن عبد الملك (ابن الخليفة) على بغلة ومعه الناس، فاستقبله ابن جعفر بالترحيب، ~~فقال له الوليد: «لكنك أنت لا مرحبا بك ولا أهلا.» قال عبد الله: «مهلا يا بن أخي فلست ~~أهلا لهذه المقالة منك.» قال: «بلى والله وبشر منها.» قال: «وفيم ذلك؟» قال: «لأنك عمدت ~~إلى عقيلة نساء العرب، وسيدة نساء بني عبد مناف، فعرضتها على عبد ثقيف يتفخذها.» قال: «وفي ~~هذا عتبت علي يا ابن أخي؟» قال: «نعم.» قال عبد الله: «والله ما أحق الناس ألا يلومني في ~~هذا إلا أنت وأبوك؛ لأن من كان قبلكم من الولاة كانوا يصلون رحمي ويعرفون حقي، وأما أنتما ~~فمنعتماني رفدكما حتى ركبني الدين. أما والله لو أن عبدا حبشيا مجدعا أعطاني بها ما ~~أعطاني عبد ثقيف لزوجتها منه. ms031 إنما فديت بها رقبتي.» فما راجعه الوليد كلمة حتى عطف عنان ~~بغلته ومضى فدخل على أبيه فقال له عبد الملك: «ما لك يا أبا العباس؟» قال: «إنك سلطت عبد ~~ثقيف وملكته حتى تفخذ نساء بني عبد مناف!» وقص عليه الخبر. فأدركت عبد الملك غيرة فكتب ~~إلى الحجاج يقسم عليه ألا يضع كتابه من يده حتى يطلقها، ففعل. وخاف إذا فعل مثل ذلك بسمية ~~أن تشكوه إلى عبد الملك بوساطة سكينة بن الحسين، لعلمه أنها تحب سمية ولها منزلة وكرامة عند ~~عبد الملك. ~~••• # وكان حسن قد ودع رفيقه وسار ماشيا وخادمه يقود جمله وراءه قاصدا إلى بيت سكينة، ولما ~~أشرف على بيت عرفجة اختلج قلبه في صدره، ووقف كأن شيئا استوقفه بالرغم عنه، وتصور أنه ~~شاخص إلى مكة وهي محصورة فلا يدري متى يعود منها ولا ما يمكن حدوثه في غيابه، وكيف يسافر ~~وهو لم ير سمية! ثم تمثلت له سمية كما رآها في صباح ذلك اليوم قاعدة إلى جذع النخلة حاسرة ~~رأسها ولم ير غير جانب وجهها. فلما تصور ذلك زاد هياما واضطربت جوارحه برهة كأنه فاقد ~~رشده لعظم ما اكتنفه من الهواجس، ولم ينتبه لنفسه حتى خاطبه خادمه، وهو رجل من ثقيف اسمه ~~عبد الله، وأصله من الطائف، وكان في جملة خدم المختار بن أبي عبيد في أثناء حربه في العراق، ~~فلما قتل المختار سار في جملة الأسرى إلى الشام، ثم دخل في خدمة حسن عندما سمع بعزمه على ~~المدينة رغبة منه في الاقتراب من أهله في الطائف، وكان عبد الله يعرف عرفجة لأنه من قبيلته ~~ولم يكن يحترمه ولا يثق بأقواله، ولكنه لم يكن يعلم ما بين حسن وسمية، فلما رأى سيده واقفا ~~مبهوتا استغرب ذلك منه فخاطبه قائلا: «ما بال مولاي؟ هل يفكر في أمر نسيه فأقضيه؟» # فانتبه حسن لنفسه واستحى من خادمه، ولكنه تذكر ما بين هذا الخادم وعرفجة من رابطة ~~القبيلة، فلاح له أن يستخدمه في ذلك لعله يأتي بفائدة فقال: «أتعرف عرفجة؟» # فأجاب عبد ms032 الله ولم يصبر إلى إتمام السؤال وقال: «كيف لا أعرفه وهو أبو سمية؟!» # فلما طرق اسمها سمع حسن خفق قلبه، ولو لحظ عبد الله وجه سيده لرأى الاضطراب ظاهرا في ~~محياه، ولكنه لم يكن يتفرس في وجهه لفرط احترامه له. أما حسن فقال: «وهل تعرف سمية؟» # فضحك عبد الله وقال: «كيف لا أعرفها وهي من قبيلتي؟!» # قال: «وهل تعرف كل بنات قبيلتك؟» # قال: «كلا، ولكن سمية مشهورة بجمالها وتعقلها ولطفها، وقد اتفق لي أني رأيتها غير مرة يوم ~~كنا في العراق.» # فسر حسن بهذه المصادفة وأراد أن يستخدم عبد الله في البحث عن سمية أو مخابرتها فقال: «إذن ~~اسمع يا عبد الله، أريد أن أرسلك إلى سمية في مهمة فهل تذهب؟» قال: «لك الأمر وعلي ~~الطاعة.» # فأعجب بلطف تعبيره وقال له: «بورك فيك يا عبد الله، فاعلم أني قدمت في هذا الصباح إلى ~~عرفجة، وقضيت معه ساعة، ولم أتمكن من مشاهدة سمية؛ لأنها كانت مشغولة، ونحن الآن سائرون إلى ~~مكة ولا ندري متى نعود، فهل أخرج من المدينة قبل أن أراها؟» # قال: «كلا بل يجب أن تراها وتخاطبها، هل أسألها موعدا للقاء؟» # قال: «لا تستعجل يا عبد الله، فإني أخاف أن يغضب أبوها إذا اطلع على ذلك؛ لأني سمعت ~~بصرامته في تحجبها، فلا يليق بي أن أراها خلسة بعد أن خطبتها منه.» # فأرسل عبد الله بصره إلى بيت عرفجة وقال: «ما دامت خطيبتك فلا بأس من رؤيتها وإن لم يعلم ~~أبوها ... أتأذن لي في الدخول إلى هذا البيت والاستفهام عن عرفجة فأحتال لإبلاغها ~~موعدك؟» # فاستعظم حسن الإقدام على هذا الأمر، ولكن رغبته في رؤية سمية هونت عليه ذلك فقال: «إني ~~ذاهب إلى منزل سكينة، وأنا أعلم أن سمية كثيرة التردد إليه، فقل لها أن توافيني إلى ~~هناك.» # قال: «سمعا وطاعة.» ومضى يسوق الجمل وهو يقول: «سأحمل إليك الجواب في منزل سكينة - إن ~~شاء الله.» # الفصل الخامس # | مجلس سكينة بنت الحسين # أما حسن فسار حتى وصل إلى منزل سكينة بنت الحسين، ms033 فرأى بجانب الباب حظيرة فيها دوابها ~~ودواب من يقدم إليها من الوفود؛ لأن منزلها كان مقصد الشعراء والأدباء وأهل الوجاهة من ~~قريش وغيرهم. وكان حسن قد سمع جعجعة الجمال وجلبة الخدم قبل وصوله إلى الدار، فلما وصل رأى ~~كثيرا من الدواب وأكثرها للأضياف، ورأى بينها جمل ليلى الأخيلية. # فلما انتهى إلى باب بستان الدار دخل ولم يستأذن؛ لأن الناس كانوا يدخلون منه إلى دار ~~الأضياف ويخرجون بلا استئذان، ومشى في باحة كبيرة رأى في بعض جوانبها غرفا عديدة في صف ~~واحد عرف أنها دار الأضياف، ثم رأى في صدر البستان بيتا متقن البناء على بابه الخدم، فعرف ~~أنه مسكن سكينة، فتحول إلى دار الأضياف، لعله يرى ليلى هناك فيقيم معها ريثما تأتي سمية ~~فتكون له وسيلة إلى مقابلتها، فبلغ دار الأضياف والخدم يقومون بإعداد الأطعمة من الذبائح ~~ونحوها، وقد سره اشتغالهم عنه لكي يتمكن من البحث عن ليلى، فطاف الغرف غرفة غرفة فلم يجد ~~أحدا يعرفه، فظل ماشيا وهو يسمع ضجة من جهة مسكن سكينة بعضها من الخدم في الخارج والبعض ~~الآخر من الداخل، وكان يتخلل الضجة قهقهة وقوقأة مثل قوقأة الدجاج، فمشى إلى مصدر الضحك ~~فإذا هو في غرفة بجانب المسكن وببابها بضعة رجال لم يعرفهم، فدنا منهم وألقى التحية فردوا ~~السلام وأبصارهم شاخصة إلى داخل الغرفة، فأطل حسن من فوق أكتافهم فرأى هناك رجلا قصيرا ~~دميما، قليل اللحم، أزرق اللون، أحول البصر، أقرع الرأس، أثط اللحية، جلس القرفصاء على ~~أكمة من التبن وهو يحضن بيضا ويقوقئ كما تقوقئ الدجاجة، فاستغرب حسن ذلك ونظر إلى أحد ~~الوقوف مستفهما فقال له الرجل: «ألا تعرف من هذا؟!» # قال: «لا ... ومن هو؟» # قال: «أشعب الطماع الذي اتخذته سكينة بنت الحسين مضحكا لها.» # قال حسن: «أسمع اسمه وأعرف بعض أخباره المضحكة، ولكن منظره أضحك من أخباره. ما الذي أقعده ~~هذا المقعد وهو يقوقئ كأنه يحضن بيضا؟» # قال الرجل: «بل هو يحضن بيضا حقيقة عقابا له على ذنب ارتكبه بين يدي سكينة مولاته، ~~فأمرته ms034 أن يقعد على هذا البيض حتى يفقس وقد مضى عليه أيام وهو على هذه الحال!» # فشغل حسن بذلك المنظر عن قلقه لطول انتظاره خادمه، وأراد أن يشغل نفسه هنيهة أخرى فقال: ~~«يا أشعب ما الذي أجلسك هذا المجلس؟» # قال: «أجلسني إياه مولاتي سكينة، فهل فيكم من يخرجني من هذا الحبس؟» # فقال حسن: «ومن يتوسط لك في هذا الأمر؟» # قال: «كأني بليلى الأخيلية قد دخلت دار مولاتي اليوم، فإذا كانت هنا، فلا أرى أقدر منها ~~على إخراجي من هذا المكان.» # قال حسن: «هان الأمر، فلك علي أن أوسط ليلى في العفو عنك.» ~~••• # ولم يتم حسن كلامه حتى سمع صوتا يناديه، فالتفت فرأى خادمه عبد الله واقفا على بضع ~~خطوات منه فقال حسن: «ما وراءك؟» # فدنا عبد الله منه وقال: «دخلت البيت وسألت عن عرفجة فقيل لي إنه خرج في الصباح ولم ~~يعد بعد ولا يعرف أحد مقره.» # فابتدره حسن قائلا: «وسمية؟» # فقال: «وسألت عن سمية فعلمت أنها ذهبت إلى سكينة من برهة قصيرة فسررت بذلك وأتيت لأخبرك، ~~فهل رأيتها هنا؟» # قال: «لم أرها ولعلها في البيت مع النساء، فكيف أصل إليها؟! بورك فيك يا عبد الله، امكث ~~أنت بالباب مع الخدم والجمل معك حتى أخرج أو أحتاج إليك في شيء.» # قال: «سمعا وطاعة.» وخرج. # وعاد حسن وقد شغل عن أشعب ونجاته بالبحث عن سمية، ولما تصور أنه سيتمكن من مقابلتها خفق ~~قلبه، فلم ير وسيلة إلى ذلك إلا ليلى، فجاء باب القاعة التي تستقبل سكينة فيها ضيوفها، ~~فرأى عليه رجلا واقفا وقوف الحاجب فقال له حسن: «هل في مجلس بنت الحسين أحد؟» # قال الرجل: «إن مجلسها غاص بالناس، وفيهم جماعة من الشعراء والشاعرات.» # قال: «وهل فيهم ليلى الأخيلية؟» # قال: «نعم.» # قال: «قل لليلى إن حسنا بالباب يدعوك إليه.» # فدخل الرجل ثم عاد وليلى معه، فلما رأت حسنا رحبت به، فمشى بها إلى خلوة وقال لها: «إني ~~مسافر الليلة وقد جئت لوداعك.» # قالت: «رافقتك السلامة، ووفقك الله في مهمتك.» # قال: «ولكني أعرض ms035 عليك أمرا أرجو مساعدتك فيه الآن وهو لا يتعبك.» # قالت: «وما هو؟» # قال: «أتعرفين سمية بن عرفجة؟» # قالت: «نعم أعرفها وقد رأيتها من برهة وجيزة جالسة بجانب سكينة تخاطبها وسكينة تلاطفها ~~لأنها تحبها كثيرا. وأنت ما شأنك معها؟» # قال: «شأني معها شأن الخطيب وخطيبته فهل هي لا تزال هناك؟» # قالت: «لقد سرني أنك خطبتها فإنها زينة بنات المدينة، وأظنها باقية لأني لم أرها خرجت، ~~وعلى كل حال تعال معي فندخل القاعة فتمكث أنت مع الجلوس من الرجال وأدخل أنا إلى مجلس ~~النساء وراء الستار حيث تقيم سكينة وصاحباتها فأبحث عن سمية.» # قال: «أرجو أن تجمعيني بها ساعة لا يرانا فيها أحد سواك؛ لأني خطبتها منذ ثلاثة أعوام ~~وجئت المدينة بالأمس، وها أنا ذا خارج الآن ولم أشاهدها أو أخاطبها.» # قالت: «لك علي ذلك.» # قال: «خير البر عاجله، فإني مسافر عند الغروب.» # قالت: «ألا تؤجل سفرك إلى غد؟» # قال: «كنت أود ذلك ولكنني على موعد مع صديق لكي نسير معا، وسيوافيني عند الغروب إلى باب ~~المدينة.» ثم غير مجرى الحديث فقال: «وأوصيك بأشعب الطماع فإنه يحضن بيضا عقابا له على ~~ذنب ارتكبه وقد وعدته بأن تتوسطي له لدى مولاته سكينة، فلا تنسيه.» # فضحكت وقالت: «قبحه الله، ما أكثر مزاحه، ولكنه وافق هوى في نفس سكينة، فهي كذلك تحب ~~المزاح، وقد تعودت معاقبته بمثل ذلك العقاب، وحضن بيضا مرة حتى فقس وخرجت فراريجه فملأت ~~الدار، وهي تسميها «بنات أشعب». إني ذاهبة وسأكلمها في شأنه، فتعال معي واجلس مع الجالسين ~~فإذا لقيت سمية أومأت إليك فتخرج.» ~~••• # دخلت ليلى ودخل حسن في أثرها، ثم أطل على القاعة فإذا هي واسعة وقد فرشت بالطنافس ~~الثمينة، وحولها الوسائد المزركشة، وفي صدرها ستارة عليها صور أشجار وطيور ملونة خلفها ~~سكينة ونساؤها بحيث ترى الضيوف ولا يرونها. # ورأى في القاعة جماعة قد تصدرهم خمسة عليهم لباس البدو، فسألها: «من هؤلاء ~~المتصدرون؟» # قالت: «هم الشعراء. ألا تعرف أحدا منهم؟» # قال: «أظنني أعرف الجالس على الوسادة المثناة، فهو الفرزدق، وقد ms036 عرفته بضخامة بدنه وعبوسة ~~وجهه وغلظه، أليس هو الفرزدق؟» # قالت: «نعم هو بعينه. ألا تعجب من اجتماعه هو وجرير في مجلس واحد مع ما اشتهر بينهما من ~~المهاجاة؟» # قال: «وأين جرير؟» # قالت: «هو ذاك الذي كف شعره وأدهن، ومتى تكلم سمعت لكلامه غنة يخرج بها الكلام من أنفه ~~كأن فيه نونا.» # قال: «ومن هو الآخر القصير الدميم العظيم الهامة؟» قالت: «هو كثير عزة العاشق ~~المشهور.» # قال: «أعاذ الله عزة من منظره فإنه قبيح. ومن ذاك الشاب الجميل العريض المنكبين الحسن ~~البزة، وكأنه جالس القرفصاء؟» # قالت: «هو جميل بثينة أحد عشاق بني عذرة. ألا تراه حزينا لما اشتهر من حبه لها وحرمانه ~~لذلك منها؟» # قال: «ومن ذلك الأسود؟ إني لأستغرب منظره، والشعراء يندرون في السود؟» # فضحكت وقالت: «هو نصيب الشاعر الفحل، وأما سواده فلأن أمه أمة، وهو من قضاعة.» ثم أشارت ~~عليه بأن يجلس على إحدى الوسائد وأن ينتظر ما يكون من شأنها مع سمية. # فجلس وهو يخاف فوات، ولم يكد يستقر به المقام حتى سمع لغطا من وراء الستار فاستبشر وظن ~~أن ليلى تخاطب سكينة أو سمية، ثم رأى جارية وضيئة خرجت وقالت: «أيكم الفرزدق؟» # وكان حسن يتوقع أن تناديه فلما سمعها تنادي الفرزدق التفت إليه فرآه يقول: «ها أنا ~~ذا.» # قالت: «أنت القائل: # هما دلياني من ثمانين قامة # كما انحط باز أقتم الريش كاسره # فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا: # أحي فيرجى أم قتيل نحاذره؟ # فقلت: ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا # وأفلت في أعجاز ليل أبادره؟» # قال: «نعم.» # قالت: «فما دعاك إلى إفشاء السر؟ خذ هذه الألف دينار والحق بأهلك.» فأخذها وانصرف. ثم ~~دخلت الجارية على مولاتها وخرجت فقالت: «أيكم جرير؟» فلما عرفها جرير نفسه قالت: «أنت ~~القائل: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا # حين الزيارة فارجعي بسلام # تجري السواك على أغر كأنه # برد تحدر من متون غمام # لو كان عهدك كالذي حدثتنا # لوصلت ذاك وكان غير ذمام # إني أواصل من أردت وصاله # بحبال لا صلف ولا لوام؟» # قال: «نعم.» # قالت: ms037 «أفلا أخذت بيدها وقلت لها ما يقال لمثلها؟ أنت عفيف وفيك ضعف، خذ هذه الألف ~~والحق بأهلك.» فأخذها وانصرف. ثم دخلت على مولاتها وخرجت وقالت: «أيكم كثير؟» فلما عرفته ~~قالت: «أنت القائل: # وأعجبني يا عز منك خلائق # كرام إذا عد الخلائق أربع # دنوك حتى يدفع الجاهل الصبا # ودفعك أسباب المنى حين يطمع # وأنك لا تدرين صبا مطلته # أيشتد إن لاقاك أو يتضرع # وأنك إن واصلت علمت بالذي # لديك فلم يوجد لك الدهر مطمع؟» # قال: «نعم.» # قالت: «قد ملحت وشكلت، خذ هذه الألف واذهب لأهلك.» ودخلت وخرجت وقالت: «أيكم نصيب؟» قال ~~نصيب: «أنا هو.» # قالت: «أنت القائل: # ولولا أن يقال صبا نصيب # لقلت بنفسي النشأ الصغار # بنفسي كل مهضوم حشاها # إذا ظلمت فليس لها انتصار؟» # قال: «نعم.» # قالت: «ربيتنا صغارا ومدحتنا كبارا، خذ هذه الألف والحق بأهلك.» فأخذها وانصرف. ثم ~~دخلت وخرجت فقالت لجميل: «مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: ما زالت مشتاقة لرؤيتك منذ سمعت ~~قولك: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بوادي القرى إني إذن لسعيد # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل عندهن شهيد # فجعلت حديثنا بشاشة وقتلانا شهداء، خذ هذه الألف دينار والحق بأهلك.» فأخذها ~~وانصرف. # وكان حسن ينظر ويسمع ولا يستغرب مثل ذلك المجلس؛ لأن اهتمام النساء بالشعر والأدب وجلوسهن ~~لمثل تلك المطارحة كان شائعا في تلك الأيام، ونبغ من النساء شاعرات ماهرات منهن ليلى ~~الأخيلية وغيرها. ولكنه استغرب اهتمام سكينة على رفعة مقامها بمباحثة الشعراء فيما قالوه ~~ونظموه، وكان يسمع ويرى وهو قلق البال لتأخر ليلى عنه، ولم يكن يدري كيف يدعوها أو يستعجلها ~~فرأى أن يسمعها صوته، وكان قد لاحظ وجود صور للطير والأشجار على الستار الحاجز بين مجلسي ~~الرجال والنساء، كما لاحظ وجود أمثالها على الوسائد، فرأى أن يتخذ من ذلك موضوعا لإسماع ~~ليلى صوته. وما كادت الجارية تفرغ من مخاطبة الشعراء وتهم بالدخول بعد أن انصرفوا، حتى ~~استوقفها وقال: «تمهلي يا بنية.» # فوقفت والتفتت إليه، فقال لها: «لقد باحثت هؤلاء الشعراء وأفحمتهم فانصرفوا، فهل ms038 أسألك ~~سؤالا؟» # قالت: «قل ما تشاء.» # قال: «أرى على ستاركم صورا وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون» ...؟» # فأشارت الجارية إليه أن يتمهل ودخلت إلى سيدتها، ثم عادت إليه وقالت له: «وما يضرنا وما ~~نحن من المصورين؟» # قال: «ولكنكم اتخذتم تلك الصور أستارا، ولو كانت تلك صور أشجار فقط لهان أمرها، ولكنها ~~صور لذوات أرواح، وفي الحديث: «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة» ...» # وهنا سمع صوتا جهوريا من وراء الستار يقول: «لا تنس تتمة الحديث: «إلا رقما في ~~ثوب».» فأدرك أن ليلى هي المتكلمة، وسكت بينما عادت الجارية إلى مجلس النساء ولبث هو على ~~مثل الجمر لا يدري ماذا يصنع، والتفت نحو نافذة عالية فرأى الشمس قد مالت إلى الغروب، ~~فازداد قلقه، وخشي أن يطول انتظار صاحبه سليمان بباب المدينة. ~~••• # وبينما هو يفكر في ذلك إذ سمع لغطا وراء الستار أعقبه ضحك كثير وصوت يقول: «قد أطلقنا ~~سراحه، اذهبي يا بنانة وأخرجيه، قبحه الله ما أخبثه.» فأدرك أن سكينة هي المتكلمة، ولكنه ~~ظنها تريد إخراجه هو فاضطرب، ثم ما لبث أن رأى ليلى خارجة وهي تشير إليه أن يتبعها، فسار في ~~إثرها حتى خرجا من القاعة، فدنت منه وقالت: «لا تخف، إنها لم تأمر بإخراجك ولكنها أمرت ~~بإخراج أشعب الطماع؛ لأني أوصيتها به عملا بإشارتك.» # فقال: «بورك فيك، ولكن أين سمية.» # قالت: «ليست هنا، كانت في المجلس وخرجت قبل أن أراك.» # فاستعاذ حسن بالله وانقبضت نفسه ثم قال: «هل أنت على يقين مما تقولين؟» # قالت: «لقد تحققت خروجها، فلعلها خرجت إلى بيت أبيها؛ لأنها لا تستطيع الغياب طويلا ~~عنه.» # وفيما هما يتكلمان رأيا أشعب مهرولا نحوهما، فلما بلغ مكانهما هم بتقبيل يد حسن وقال: ~~«جزاك الله عني خيرا فقد أنقذتني من عذاب طويل؛ لأن البيض لم يكن ليفقس قبل بضعة أيام، ~~فأسأل الله - تعالى - أن يقدرني على مكافأتك. هل أستطيع خدمتك في شيء؟» # قال حسن: «إني لم أفعل ما يستحق هذا الثناء.» ms039 ثم التفت إلى ليلى كأنه يريد الرجوع إلى ~~الموضوع، فتنحى أشعب قليلا وقال حسن: «أستودعك الله يا ليلى، وأرجو أن أراك في خير.» ~~فقالت: «أسأل الله لك السلامة والنجاح.» # وعجل حسن بالخروج لعله يلقى سمية في الطريق أو في البيت أو في مكان آخر. فلما خرج وجد ~~خادمه عبد الله في انتظاره ومعه الجمل، فركب والشمس قد أذنت بالمغيب وبان الشفق الأحمر، ~~وما زال يحث جمله حتى بلغ بيت عرفجة، فأحس بشيء استوقفه بغتة، وما هو إلا عامل الحب أوقفه ~~بجانب منزل الحبيب، فلم يتمالك أن نادى عبد الله، فجاء هذا ووقف بين يديه وهو يقول: «هل ~~أسأل عن سمية فلعلها عادت؟» # فأعجب حسن بنباهته ودقة شعوره، وابتسم ولم يجب، فأسرع عبد الله إلى البيت ثم عاد وهو ~~يقول: «إنها لم تعد يا سيدي.» # فتنهد حسن، وخيل إليه أن سمية باقية هناك في بيت سكينة ولكن ليلى لم ترها، أو أنها ~~رأتها وأخفت أمرها. وتكاثرت عليه الهموم وتراكمت الظنون - والمحب سيء الظن كلما اشتد حبه ~~كثرت هواجسه وزاد سوء ظنه بحبيبته وأكثره من قبل الغفلة، فإذا رأى حبيبه يخاطب أحدا مهما ~~يكن من شأنه أو مقامه أو قرابته تبادر إلى ذهنه أنه يغازله أو يسر إليه أمرا، وإذا أبطأ ~~عليه بالزيارة سبق إلى فهمه أنه في موعد مع آخر أو لا يحبه أو يحب سواه، وقد يخيل له أن ~~أهل الحبيب كلهم ضده وأنهم يمنعونه منه فإذا تخاطبوا همسا أو قصروا معه في شأن خيل له ~~أنهم يريدون به سوءا أو هم ينصبون له أحبولة؛ فالمحب كثير الهواجس سيء الظنون. # فلا تلم حسنا إذا أساء الظن بليلى وحسبها تآمرت على إخفاء سمية عنه. # وقضى برهة في مثل هذه الهواجس وهو على جمله، ثم انتبه فإذا بالظلام يتكاثف، وتذكر صديقه ~~سليمان، فأجفل وشق عليه تأخره عن الموعد مع ما أبداه الرجل من الرغبة في مرافقته وبالغ في ~~إكرامه والتقرب منه، فاستحث جمله وطلب باب المدينة وقد يئس من مشاهدة سمية، وإن ms040 علل نفسه ~~بلقائها عند رجوعه من مكة. # الفصل السادس # | المفاجأة السارة # سار حسن بضع دقائق صامتا حتى أشرف على باب المدينة، ومن ورائه المستنقعات والتلال وغابات ~~النخيل. وفيما هو ينظر إلى ما وراء الباب إذا بشبح وقف له في الطريق هاتفا باسمه فالتفت ~~حسن وقلبه يخفق لشدة وقع ذلك الصوت على أذنه، ثم أمسك زمام جمله ونظر إلى الشبح ~~فإذا هو امرأة، فحدثه قلبه بأنها سمية، فوثب على الأرض حتى وقف بين يديها، وتنحى عبد ~~الله وقد أخذ بزمام الجمل وتشاغل بإصلاح الرحل. # أما حسن فإنه نادى: «سمية؟!» # قالت: «نعم، ومن الذي معك؟» # قال: «هو خادم أمين لا تخافي منه. ما الذي جاء بك إلى هنا في هذا الليل؟ أأنت سمية ~~حقيقة؟! ... ما ألطف هذا اللقاء وما أسعد هذه الساعة! سمية حبيبتي قولي ما بدا لك.» # فتنهدت وأسندت كتفها إلى حائط هناك وتشاغلت بإصلاح نقابها، وسكنت. # وقد سر حسن لسعيها إلى ملاقاته، ولكنه أوجس خيفة مما دعاها إلى ذلك لما يعهده في أبيها ~~من الشدة والغلظة فقال لها: «إني لا أرى في هذه الدنيا أحدا أسعد مني الآن، وقد بذلت ~~الوسع في سبيل الحصول على هذه المقابلة فلم أفز، وها قد أتتني الساعة عفوا فالحمد لله، ~~ولكنني أخشى أن يكون لهذه المخاطرة سبب يسوء.» فتحيرت سمية ولم تدر بم تجيب، فلبثت صامتة، ~~فازداد هو قلقا وقال لها: «ما بالك؟ قولي، لعلك علمت بذهابي إلى مكة فخفت خطرا يهددني ~~هناك؟» # فلما سمعت ذكر الخطر أجابته والبكاء يخنق صوتها: «نعم أخاف عليك الخطر، ولكن ليس في مكة ~~فقط بل ...» وشرقت بالدمع فانقطع صوتها. # فتقطع قلب حسن ومد يده فأمسك أناملها، وهي أول مرة قبض فيها على تلك الأنامل، فأحس ~~برعشة تملكته وقال لها: «ماذا؟ قولي يا سمية، يا ملكة قلبي، هل تخافين علي أحدا في هذه ~~المدينة أيضا؟ إنك ما دمت لي لا تحبين سواي فلست أبالي بعد ذلك إذا كان أهل الأرض كلهم ~~أعدائي!» # قالت: «وإذا كنت أنا عدوتك؟» # فحمل منها ms041 ذلك على قصد المزاح وقال لها: «إذا كنت أنت عدوتي فلا غرض لي في الحياة. بالله ~~قولي ما في نفسك. ممن تخافين علي؟ فأريك دمه مسفوكا ولو كان حوله جيش جرار. قولي.» # فتنهدت ومسحت دموعها بطرف نقابها وهي تقول: «لا أريد أن أرى دمه مسفوكا.» # فتعجب وقال: «وماذا إذن؟ أفصحي يا سمية. قولي. ممن تخافين علي؟ فقد نفد صبري وطال تأخري ~~عن الخروج من المدينة ولي صديق ينتظرني في الخارج. قولي.» # قالت: «إني أعد قولي عقوقا مني، ولكنني أسيرة حبك لا أرى لي حياة إلا بك.» # فقطع حسن كلامها وقد أدرك ما تريده فقال: «قد فهمت ما تريدين، إنك تخافين على من أبي، ~~أليس كذلك؟» # قالت: «نعم.» واستغرقت في البكاء حتى كاد يغمى عليها، وكان هو ما زال ممسكا بيسراها، ~~فأمسك بيدها الأخرى وقال لها: «ولا هذا يهمني ما دمت تحبينني. هل تحبينني يا سمية؟» # فصعدت الزفرات ولم تجب، فقال: «فإذا كنا متحابين فمن ذا يحول بيننا؟» # وسكت برهة وقد عظم عليه الأمر ثم قال: «وما الذي دعا أباك إلى بغضي وإلحاق الأذى بي وأنا ~~لم أرتكب منكرا ولا أسأت إليه في شيء؟!» # قالت: «ذنبك أنك أحسنت إليه، أو لعل ذلك من سوء حظي. ولكن ما لنا ولهذا، إن الوقت لا ~~يأذن بطول الشرح، فأخبرك أن أبي لا يريدك، وأخاف أن يسعى في أذاك، وقد علمت ذلك على أثر ~~خروجك من منزلنا، فأردت إطلاعك على جلية الخبر لتكون على بصيرة.» # قال: «أما إلحاق الأذى بي فإني لا أخافه، ولكنني أخاف أن يلحق الأذى بك أنت.» # قالت: «لقد أظهرت له الطاعة والرضا ريثما أراك ثم أفعل ما تأمرني به.» # فأطرق حسن ثم قال: «إني مغلول اليدين بما أخذته على نفسي من أمر السفر إلى مكة عاجلا في ~~مهمة لرجل أحبه وله علي فضل كبير. وكنت أحب أن أدعوك للذهاب معي ولكنني ذاهب إلى مكان به ~~الحرب قائمة فلا أريد تعريضك لهذا الخطر.» # فقطعت كلامه قائلة: «وكيف تعرض نفسك للخطر؟ إن مكة ms042 اليوم في أضيق حصار وأهلها في ضنك ~~شديد. بالله ألا عدلت عن الذهاب ثم تفعل ما تريد؟» # قال: «أما الذهاب فلا بد منه، فامكثي أنت هنا وأظهري الطاعة حتى أعود ونرى ما يكون. ولست ~~أخشى بأسا ولا خطرا ما دمت لا تحبين سواي.» ثم سمع جعجعة الجمل فانتبه للوقت وقال لها: ~~«كنت أود ألا نفترق منذ الآن ولكن للضرورة أحكاما. وسأرسل عبد الله معك إلى منزلك؛ لأن ~~الليل قد أظلم ولا آمن عليك المسير وحدك، فهل تسيرين إلى بيت أبيك؟» # قالت: «لا، ولكن أعود إلى بيت سكينة؛ لأن أبي يعلم أني سرت إليها فإذا استبطأني سأل عني ~~هناك فأعتذر عن تأخري، وذلك من غير أن يراني عائدة إلى البيت وحدي في هذا الليل. ولكن كيف ~~أفارقك؟» # قال: «تشددي يا سمية، إن سفري هذا لا بد منه، ولكنه سيكون آخر الأسفار بإذن الله ثم نعود ~~ونعيش معا.» # فلما قال ذلك بكت سمية حتى سمع صوت بكائها فانفطر قلبه، وكاد يشاركها البكاء لولا أنه ~~تجلد وقال لها: «لا تبكي يا سمية، بل اتكلي على الله واعلمي أني عائد إليك على عجل.» قال ~~ذلك ونادى عبد الله وقال له: «أوصل سمية إلى بيت سكينة، ثم الحق بي في الطريق المؤدي إلى ~~العقيق، فإني سابقك إلى هناك، فقد أبطأت على سليمان وأخاف أن يكون قد سبقني أو عاد إلى ~~منزله.» ~~••• # سارت سمية وهي تقول لحسن: «سر في حراسة الله، وأسأله أن ينصرك على أعدائك.» وظل صوتها ~~يرن في أذنيه حتى توارت عنه، فركب جمله وساقه إلى باب المدينة ولم يكن مقفلا فالتفت يمنة ~~ويسرة فلم ير سليمان. # فخرج وهو يمشي الهوينا ويصيخ بسمعه لعله يسمع صوتا، وجعل يحدق بعينيه لعله يرى أحدا، ~~فسار والجمل دليله بين تلك المستنقعات ولكنه لم يسر طويلا حتى سمع جعجعة جمل عن بعد ~~فاستوقف جمله وأصاخ بسمعه، وحول الزمام إلى جهة الصوت، وساق الجمل سوقا بطيئا، فمشى به ~~بين النخيل والظلام سادل ستاره والسكوت سائد، فلم يكن يسمع غير ms043 وقع خفاف الجمل على العشب أو ~~الطين. # وبعد قليل سمع حسن صوت بكاء وأنين، فوقف وأصغى، فسمع صوتا عميقا، وخشي أن يجعجع جمله ~~فيشوش الصوت فترجل عنه وعقله وشده إلى نخلة، ثم مشى على قدميه وهو يتلمس الأرض مخافة أن ~~يخوض في الأوحال حتى تحول عن الطريق الأصلي إلى ساحة لا نخيل فيها ولا عشب، فرأى جملا ~~معقولا وشبحا متوسدا إلى جانبه وفوق رأس الشبح شبح آخر يبكي وينتحب، فاختبأ حسن في ~~منعطف بحيث يرى ويسمع ولا يراه أحد، فسمع صوتا يقول: «يا لتعاستي وشقائي! لقد فتكت بك يا ولدي وفلذة كبدي، إني لأستحق هذا القصاص. ولكن ما ذنبك أنت؟ تبا لي، ما أتعس حظي! ولدي! ~~حبيبي! كلمني يا سليمان. سليمان ... سليمان!» # فلما سمع حسن اسم سليمان علم أنه صديقه، فاقشعر بدنه وخشي أن يكون قد أصابه سوء بسببه، ~~فنهض ومشى ويده على قبضة سيفه حتى أقبل على الشبحين ولم ينتبه له أحد. # ثم سمع الشبح الراقد يقول بصوت ضعيف: «لا تحزن يا أبي فقد ذهبت فداء صديق لي هو أحق ~~بالحياة مني.» # فقال الآخر: «أظنك تعني هذا الشقي لأنه وفى بعهده. إني عاهدت الله على نصر الحسين ~~والقتال في سبيله وجعلت نفسي في عداد التوابين، ثم رجعت لخدمة هؤلاء الطغاة، وكثيرا ما ~~رأيتك غير راض بذلك، فلم أكن أصغي إليك حتى ضربني الله هذه الضربة على قلبي!» # فتحقق حسن أن الراقد سليمان، وأنه في ضيق، فلم يتمالك عن أن صاح قائلا: ~~«سليمان؟!» # فأجفل الرجل الجالس وحسب الجن تخاطبه، فوقف للحال وقال: «إنسي أنت أم جني؟» وكان ~~الرجل كهلا في نحو الستين من عمره والشيب قد جلل رأسه، وهو طويل القامة دقيق العضل قصير ~~اللحية صغير العمامة. ولم يتم الرجل سؤاله حتى كان حسن بين يديه وقد أكب على سليمان وهو ~~راقد على ظهره وفوقه القباء وقد تلطخ بالدم، فتفرس في عينيه فإذا هو يفتحهما فتحا ضعيفا ~~ويتألم، فأمسكه حسن بيده وقال له: «سليمان؟ أخي سليمان! ماذا أصابك؟!» # وكان لذلك ms044 الصوت وقع عظيم على أذني الجريح، ففتح عينيه وصاح: «حسن؟! أشكر الله على أن ~~جعلني فداءك.» # ولم يتم سليمان كلامه حتى تقدم الرجل الآخر وقال: «حسن؟ أنت حسن؟! يا لله ما هذه المصيبة ~~التي نزلت بي بسببك، ولكن الذنب ليس ذنبك وإنما هو ذنبي، أنا الشقي التعس!» # فأدرك حسن أن الكهل والد سليمان، وأنه كان يترصده فأصاب ابنه خطأ. فصرف عنايته إلى إنقاذ ~~حياة سليمان، وحاول أن ينهضه قائلا لأبيه: «إلي بالماء.» فجاءه بشيء منه من مستنقع قريب، ~~فرش به وجه سليمان وغسل موضع الجرح في أعلى الصدر، وكان قد أصيب بنبلة أخرجها أبوه. # وكان حسن قد تعلم بعض الوسائل الطبية من معاشرة خالد بن يزيد الأموي في دمشق؛ لأن ~~خالدا كان شديد التعلق بالعلوم الطبية حتى فاق بها سائر قريش، وكان بصيرا بصنعة الكيمياء ~~والطب متقنا لهما، وألف في ذلك بعض الكتب والرسائل، وقد أخذ العلم عن راهب اسمه «بانس». ~~ولم يكن مجلس خالد في دمشق يخلو من أهل العلم، فكان حسن يجالسهم ويسمع أقوالهم. # فلما غسل الجرح ضغطه، وأمر أبا سليمان بإيقاد النار فأوقدها بالزناد، ثم انتظر حسن حتى ~~تكون بعض الرماد فأخذ قليلا منه وذره فوق الجرح وربطه. # ثم سأل عن ماء للشرب فقال الرجل: «ليس معي قربة.» # فقال حسن: «اسند ظهره لآتيك ببعض الماء من قربتي.» قال ذلك ونهض، ثم تحول نحو النخلة ~~التي عقل جمله عندها فلم يجد الجمل هناك فطار صوابه؛ لأنه كان قد ترك كتاب خالد بن يزيد في ~~مخبأ بالرحل الذي فوق الجمل حرصا عليه، وهذا إلى أن الجمل كان عزيزا عنده وعليه عدته ~~وثيابه والماء وكل شيء. على أنه لم يشأ أن يضيع الوقت وسارع إلى اقتفاء أثر الجمل، وكان قد ~~لاحظ أن حل عقال الجمل لا يدل على حدوث عنف، فتبادر إلى ذهنه أنه لم يعقله عقلا متينا ~~فانحل من تلقاء نفسه، وانطلق الجمل هائما على وجهه أو يطلب المرعى هنا وهناك. # وسار حسن في طلب الجمل مضطربا خائفا؛ لأنه ms045 غريب في تلك البلاد، ثم وقف ونظر إلى ما حوله ~~من الغياض والبساتين والظلام حالك، فلاح له ظل يتراءى بين النخيل أمامه، فتفرس جيدا ~~وأصغى بسمعه فسمع هدير جمل هناك فأخذ طريقه إليه، ولاحظ أن ذلك الشبح يبتعد، فسارع السير ~~في إثره وهو يتعثر بالأعشاب والأحجار ونظره شاخص إليه، وما زال يمشي والشبح يمشي أمامه حتى ~~خرجا من بين النخيل إلى الفلاة، فما كاد حسن يتفرس في الشبح حتى أدرك أنه هو جمله فواصل ~~السير في إثره، وكان الجمل أجفل من المطاردة فأسرع في سيره، وظل سائرا مدفوعا برغبته في ~~القبض عليه حرصا على ما يحمله. # الفصل السابع # | جميل وبثينة # وفيما هو يركض ويلهث إذا به يرى شيخا عليه لباس الرعاة يسير عاري الرأس وقد غرس عصاه في ~~قفا طوقه، وعليه عباءة قصيرة وخشونة البداوة بادية في وجهه مع شدة الظلام. فناداه حسن: «يا ~~أخا العرب، ألم تر بعيرا راكضا هنا؟» # وما أتم حسن سؤاله حتى أسرع الرجل إليه وأمسك بذراعه وضغطها بشدة في حين أشار إليه أن ~~يسكت وينتظر، فالتفت حسن إلى ما حوله فرأى شجرة كبيرة على أكمة ورأى هناك ظلا يتحرك، ~~فهمس في أذن الشيخ قائلا: «ما شأنك؟ أخبرني.» # قال: «لقد اتفق لي اليوم حادث غريب مع رجل لقيته على غير معرفة فإذا أصغيت لي قصصت الخبر ~~عليك، ثم نذهب ونستطلع بقيته معا عند تلك الشجرة.» # قال حسن: «ولكن هل رأيت جملا راكضا من هنا؟» # قال: «نعم رأيته، وأظنه طلب هذا الوادي، ولا تخف عليه فإني كفيل برده إليك؛ لأني أعرف ~~رجال الحي وهم يعرفونني، والإبل سارحة عندهم ولا خوف عليها.» # قال حسن: «وأي واد هذا؟» # قال: «هو وادي القرى.» # قال حسن: «أليس هو موطن بني عذرة المعروفين بشدة عشقهم وعفتهم؟» # قال: «هو بعينه. والحادث الذي وقع لي اليوم يكشف لنا عن حقيقة ما نسمعه عن هؤلاء. فأعرني ~~سمعك لأقص عليك الخبر.» # فمال حسن إلى سماع الحديث، وأهل الغرام يميلون إلى أحاديثه، فقال الرجل: «قضيت في هذه ms046 ~~الأودية معظم فصل الربيع أرعى إبلي، فجاءني في أصيل اليوم رجل طويل القامة منطو على رحله ~~كأنه جان، فسلم علي ثم قال: «ممن أنت يا عبد الله؟» فقلت: «أحد بني حنظلة.» قال: ~~«فانتسب.» فانتسبت حتى بلغت فخذي الذي أنا منه، ثم سألني عن بني عذرة أين نزلوا، فقلت له: ~~«هل ترى ذلك السفح؟ إنهم نزلوا من ورائه.» قال: «يا أخا بني حنظلة، هل لك في خير تصطنعه لي، ~~فوالله لو أعطيتني ما ترعاه من هذه الإبل ما كنت بأشكر عليها مني لك عليه؟» # فقلت: «نعم، ومن أنت؟» قال: «لا تسألني من أنا. ولن أخبرك بأكثر من أني رجل بيني وبين ~~هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم، فإن رأيت أن تأتيهم فإنك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم ~~بكرة أدماء تجر خفيها عقلاء من السمنة. فإن ذكروا لك عنها شيئا فذاك، وإلا فاستأذنهم في ~~دخول البيوت وقل: إن المرأة والصبي قد يريان ما لا يرى الرجال. فإذا أذنوا لك فادخل بين ~~البيوت واسأل أهلها حتى لا تدع أحدا تصيبه عينك ولا بيتا من بيوتهم إلا وقفت به ~~وسألت».» # فدهش حسن واشتدت رغبته في سماع بقية القصة، وعاد الشيخ إلى الكلام فقال: «فأتيت ~~القوم فإذا هم على جزور يقتسمونها، فسلمت وانتسبت لهم ونشدتهم ضالتي، فلم يذكروا لي ~~شيئا، فاستأذنتهم في دخول البيوت وقلت: «إن الصبي والمرأة قد يريان ما لا يرى الرجال.» ~~فأذنوا، فأتيت أقصاها بيتا ثم مضيت أطوف بيتا بيتا أسألهم فلا يذكرون شيئا، حتى إذا ~~انتصف النهار وآذاني حر الشمس وعطشت وفرغت من البيوت وذهبت لأنصرف، حانت مني التفاتة، ~~فإذا بثلاثة أبيات فقلت في نفسي: «ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم.» ولكني عدت فقلت لنفسي: ~~«أيثق بي رجل يؤكد أن حاجته تعدل كل مالي ثم آتيه فأقول عجزت عن ثلاثة أبيات؟» فانصرفت ~~عامدا إلى أعظمها، فإذا أهله قد أرخوا مؤخره ومقدمه، فسلمت فردوا السلام، وذكرت ضالتي، ~~فقالت جارية منهم: «يا عبد الله قد أصبت ضالتك، وما أظنك إلا قد ms047 اشتد عليك الحر واشتهيت ~~الشراب.» قلت: «أجل». قالت: «ادخل.» فدخلت فأتتني بصفحة فيها تمر من هجر، وقدح فيه لبن، ~~والصفحة مصرية مفضضة، والقدح لم أر إناء قط أحسن منه. فقالت: «دونك.» فأكلت التمر وشربت من ~~اللبن حتى رويت. فقلت: «يا أمة الله ، والله ما أتيت أكرم منك ولا أحق بالفضل، فهل ذكرت عن ~~ضالتي شيئا؟» فقالت: «هل ترى هذه الشجرة فوق الشرف؟» قلت: «نعم.» قالت: «إن الشمس ~~غربت أمس وهي تطوف حولها، ثم حال الليل بيني وبينها.» فظننتني فهمت مرادها فقلت: «جزاك الله ~~خيرا، والله لقد تغديت ورويت.» ثم مضيت فأتيت تلك الشجرة وطفت بها فما رأيت أثرا. ~~فأتيت صاحبي فإذا هو متشح بكسائه وقد قبع بين الإبل ورفع عفيرته يغني فقلت: «السلام عليكم.» ~~قال: «وعليكم السلام، ما وراءك؟» قلت: «ما ورائي شيء.» قال: «لا عليك، فأخبرني بما فعلت.» ~~فقصصت عليه القصة حتى انتهيت إلى ذكر المرأة وأخبرته بما صنعت فقال: «قد أصبت طلبتك.» فعجبت ~~لأني لم أجد شيئا. ثم سألني عن صفة الإناءين والصفحة والقدح، فلما وصفتها له تنفس ~~الصعداء وقال: «قد أصبت طلبتك والله.» ولما ذكرت له حديث الشجرة وغروب الشمس وهي تطوف ~~حولها، بدا البشر في وجهه وقال: «حسبك.» ففهمت أنها ضربت له موعدا للقائه عند هذه الشجرة ~~بعد الغروب. ومكث حتى أوت إبلي إلى مباركها، فدعوته إلى العشاء فلم يدن منه وجلس مني بمزجر ~~الكلب. حتى إذا ظن أني نمت، قام إلى عيبة له فأخرج منها بردين، ارتدى أحدهما وائتزر بالآخر، ~~ثم انطلق نحو الشجرة. وهو الذي تراه جالسا هناك بقرب جذع الشجرة، وسنرى ما يكون من ~~اجتماع الحبيبين.» ~~••• # أمسك الشيخ حسنا بيده، وجذبه إلى الجلوس بجانبه على الأرض بين شجيرات هناك، ثم أشار ~~بيده صامتا نحو شبح صاعد من الوادي وعليه لباس النساء، ومعه شبح آخر وقال: «هذه هي الفتاة ~~ومعها خادمتها، اضطجع مكانك لنرى ما يكون.» # فانبطحا، وبعد قليل زحفا حتى اقتربا من الشجرة واختفيا في مكان بحيث يريان ويسمعان ما ~~يدور بين الفتى ms048 والفتاة. # ولو أن الليلة كانت مقمرة، لتبين لهما ما ارتسم على وجه الفتى حين وصلت الفتاة. فوقف ~~وتقدم للقائها وهو يحسب نفسه في خلاء وظلمة، وكان قلب حسن في أثناء ذلك يضرب ضربات سريعة ~~مخافة أن يرى من الحبيبين ما يخجله أو يهيج غيرته، فندم على إصغائه للشيخ الراعي لما رأى في ~~اختلاس أسرار الناس من أمر منكر. على أنه أحس بميل شديد لاستطلاع ما يدور بين هذين ~~العاشقين. واستطلاع مثل هذه الأسرار مما تتوق إليه النفس، والميل إلى ذلك عام في الناس ~~على اختلاف طبقاتهم وإن تفاوتوا في احترام تلك الأسرار والإغضاء عن استطلاعها عملا بالآداب ~~العامة. # وملتقى الحبيبين على هذه الصورة تميل النفس إلى رؤيته ولا سيما عند أهل الغرام، فلا عجب ~~إذا اختلج قلب حسن واصطكت ركبتاه واقشعر بدنه. ولم يكن سبب ذلك التأثر إلا توقعه أمرا ~~يخاف أن يراه ولا يريد أن يفوته. ولكنه ما كاد يرى العاشق واقفا لرد التحية حتى عرف من طول ~~قامته وغنة صوته أنه جميل الذي رآه أصيل ذلك اليوم في مجلس سكينة. فتحقق أن الفتاة هي ~~بثينة؛ لأنه كثيرا ما كان يسمع أحاديث غرامهما وكيف منعه أهلها منها ولكنه ما زال يحبها ~~حبا مفرطا، كما أنها تحبه هي أيضا. وكان حسن يسمع بحب بني عذرة وعفافهم، ولكنه لم يكن ~~يصدق أن مثل ذلك الملتقى في ذلك الخلاء على غفلة من الرقباء يكون مقصورا على إلقاء ~~التحية. # وكانت الفتاة مقنعة، فجلست على حجر وجلس جميل على حجر لا يمس ثوبه ثوبها ولا يده يدها. ~~جلسا متقابلين ينظر أحدهما إلى الآخر ولا يفوه بكلمة إلا ما كان عتابا أو تشاكيا، ولا ~~يقولان فحشا ولا هجرا. فاستغرب حسن ما رآه من العفة الصادقة، ثم سمع الفتاة تنادي ~~خادمتها، وكانت الخادمة قد وقفت على مقربة منهما، فجاءت تحمل قصعة من الطعام، فجلسا يأكلان ~~ويتحادثان، فلما فرغا من الطعام قالت بثينة: «بلغني أنك قلت في أشعارا، فهل أنت على ~~حبك؟» # قال: «لا أعرف في لغة ms049 البشر لفظا يعبر عما في قلبي؛ فإنه أعظم من الحب، وأشد من الغرام، ~~وأرقى من العبادة، ولا أدري ما هو يا بثينة، فإذا اكتفيت بتسميته حبا فإني لا أراه يؤدي ~~ما في قلبي.» # قالت: «وكيف ذلك؟» # قال: «لا أدري يا حبيبتي. لا أدري كيف هو ولا ما هو!» ثم صعد الزفرات وقال: «إنما أعلم ~~أنك نصب عيني أينما سرت وحيثما جلست وكيفما نظرت. إن بثينة أمام عيني، أراها جسما واضحا ~~ومن عداها من الناس أراهم أشباحا أو ظلالا. ولم أسمع اسمها إلا اضطربت جوارحي وخفق قلبي، ~~ولا أرى راحة إلا بالبكاء، حتى قلت: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي؟» # فقالت بثينة: «إذا كنت أنت كذلك فكيف أنا، ولكننا معشر النساء مقضي علينا بالتعب والشقاء، ~~فلا تقدر إحدانا على بث شكواها إلى أحد لئلا ينثلم عرضها. وأما أنتم معشر الرجال فلكم ~~الحرية كلها، وأنت تزعم أنك تحبني حبا لا تدري مقداره، فهل يهجر محب حبيبه وقد أحبه ~~إلى هذا الحد؟ فوالله ما أعلم ما تسمعه عني أو تقوله في أثناء غيابي الطويل، ولا أدري ~~موقع بثينة ممن يقع بصرك عليهن؟» قالت ذلك بنغم الدلال فازداد جميل هياما وقال لها: # إني لأحفظ غيبكم ويسرني # إذ تذكرين بصالح أن تذكري # ويكون يوم لا أرى لك مرسلا # أو نلتقي فيه، علي كأشهر # يا ليتني ألقى المنية بغتة # إن كان يوم لقائكم لم يقدر # لا تحسبي أني هجرتك طائعا # حدث لعمرك رائع أن تهجري # يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت # يتبع صداي صداك بين الأقبر # فما تمالكت بثينة عند سماعها قوله أن غصت بريقها وقالت: «وهل أنت الذي قلت: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بوادي القرى إني إذن لسعيد # وهل ألقين فردا بثينة مرة # تجود لنا من ودها ونجود؟ # قال: «نعم.» # قالت: «وما الذي ترجو أن نجود به ونحن بنو عذرة؟» # قال: «لا أطمع منك بغير الحديث والنظر ولو كان من وراء نقاب: # لا، والذي تسجد الجباه له # ما ms050 لي بما تحت ثوبها خبر # ولا بفيها ولا هممت بها # ما كان إلا الحديث والنظر.» # فأطرقت بثينة خجلا ثم قالت: «ذلك عهدنا بجميل، ولولا ذلك ما رأيتني أسعى إليك ~~وحدي.» # فلا تسل عن استغراب حسن والراعي ما رأياه حتى هانت على حسن نفسه؛ لأنه لم يكن يظن أنه ~~يستطيع ما استطاعه جميل إذا التقى بسمية. # قضى جميل وبثينة ساعة في مثل ذلك ثم نهضت فودعته أحسن وداع، فودعها بمثله، وانصرف ~~كل منهما في سبيله وكل منهما يمشي خطوة ثم يلتفت إلى صاحبه. # فلما تواريا نهض حسن من بين الأعشاب مذهولا وقال للرجل: «لقد رأيت منظرا طالما تاقت ~~نفسي لمشاهدته، إنه منظر يخجل منه كل ضعيف النفس دنيء الطبع. إن العفة يا أخا العرب خير ما ~~في الفضائل.» # فقال الشيخ وهو ينقر بعصاه على عباءته لنفض التراب عنها: «كيف لا وقد سمعت ابن عباس - ~~رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من عشق فعف فمات فهو شهيد.» وقال أيضا: ~~«عفوا تعف نساءكم».» # فقال حسن: «صدق رسول الله، وإن بني عذرة كلهم لشهداء؛ فقد بلغني مثل ذلك عن كثير من ~~عشاقهم ولكنني لم أصدق حتى رأيت ذلك رأي العين.» # ثم انتبه حسن لما هو فيه من أمر جرح سليمان وضياع الجمل فقال للراعي: «وأين الجمل يا أخا ~~العرب؟ فقد وعدتني بإحضاره.» # قال: «امكث هنا حتى آتيك به.» قال ذلك وانحدر في الوادي حتى توارى عن النظر، ولكن صوت ~~الأحجار المتدحرجة تحت قدميه ما زال مسموعا، ثم ساد السكون فجلس حسن تحت الشجرة ولبث ~~ينتظر عودة الشيخ وقد استوحش المكان. # ولما خلا حسن إلى نفسه تحت الشجرة جالت به هواجسه في عالم الخيال فانتقل ذهنه مما شاهده ~~في ذلك المساء إلى سمية وحاله معها، ثم إلى خادمه عبد الله وتأخره، ثم إلى سليمان وأبيه، ثم ~~عاد إلى الجمل الهارب بكتاب خالد فرأى أنه أهمل البحث عنه بتربصه هناك لمشاهدة لقاء ذينك ~~الحبيبين. ولكنه اعتذر بأنه إنما فعل ذلك مرغما، ms051 فلو أنه لم يطع الشيخ الراعي وظل ~~في مسيره لما وجد إلى جمله سبيلا؛ لأنه يجهل تلك البقاع ولا يعرف طرقها. # وفيما هو كذلك وظلام المساء لا يريه على الآكام والأودية المحيطة به إلا ظلالا ضعيفة، ~~سمع خربشة بين الأعشاب فوقف بغتة ثم فطن إلى أنها خربشة ضب سارح فلم يلتفت إليه، ولكنه ظل ~~واقفا وقد تزايد قلقه لإبطاء الراعي وهم باللحاق به ولكنه خاف أن يختلفا في ~~الطريق. # ولما طال انتظاره مل الوقوف فمشى على غير هدى، واتخذ علامة علقها على الشجرة ~~لتهديه إلى المكان من بعيد. وجعل مسيره في جهة الوادي الذي سار إليه الراعي يطلب الجمل وهو ~~يتوقع أن يلتقي بالشيخ وهو عائد أو يسمع جعجعة الجمل عن بعد أو يعود إلى مكانه. ولذلك فإنه ~~كان كلما مشى بضع خطوات التفت إلى الشجرة مخافة أن تتوارى عن بصره وراء بعض التلال، فمشى ~~مسافة طويلة لم يسمع في أثنائها صوتا ولا رأى شبحا، ثم نسي أمر الشجرة فانحدر في الوادي ~~وهو يلتمس الأرض ولا يرى الطريق فكانت رجله تزلق طورا وترتطم أصابعه طورا من فوق النعال ~~بأصول الأعشاب الباقية بعد المرعى، وهو بين أن يحملق نحو الوادي بعينيه ويصيخ بأذنيه أو ~~يتفرس في الطريق بين يديه. فلما طال به المسير ولم يهتد إلى شيء ندم لنزوله من ~~مكانه. # وبعد مسير طويل على تلك الصورة سمع نباح كلاب في الوادي فالتفت إلى جهة الصوت فرأى نورا ~~ضئيلا فتأثر الصوت فإذا به يتعاظم كلما اقترب من النور، فعلم أنه على مقربة من بعض القرى ~~الكثيرة في وادي القرى منتشرة في بطنه وعلى جانبيه. ولكنه استغرب النباح في الليل لعلمه أن ~~ذلك لا يكون إلا إذا طرق الحي غاز أو لص. فوقف ليستريح ويفكر في أمره فالتفت إلى ما ~~يحيط به فإذا هو في واد بين جبلين والظلام حالك والمكان موحش، ولكنه استأنس بتلك النار على ~~بعدها، فمشى نحوها فرأى شبحا يعدو صاعدا من الوادي كأنه غزال نافر، فلما اقترب منه ms052 علم ~~أنه الراعي واستغرب مجيئه وحده فصاح فيه: «ما وراءك يا أخا العرب؟ أين الجمل؟» # قال: «ما الذي جاء بك إلى هنا؟» # قال: «جاء بي قلقي على الجمل ورغبتي في التعجيل بالإياب.» # قال: «وما الفائدة من انحدارك في هذا الوادي والليل دامس وأنت لا تعرف الطريق وقد تعرضت ~~للخطر بطرقك هذا الحي ليلا إذ نبحتك الكلاب؛ لأنها لم تألفك من قبل كما ألفتني لكثرة ~~تردادي إلى هذه القرى.» # فقطع حسن كلامه قائلا: «ما لنا ولهذا؟ قل لي أين الجمل؟!» # قال: «لم أعثر عليه في المكان الذي كنت أظنه فيه، والظاهر أنه قصد ماء آخر وقد كنت ذاهبا ~~للبحث عنه في العقيق بجوار المدينة.» # فاستعاذ حسن بالله وقال: «يا لله! ما هذه المصيبة؟» # فابتدره الراعي قائلا: «لا تخف يا سيدي فلن يضيع الجمل ولو غاب عنك طويلا فإن أهل ~~البادية يرسلون إبلهم للمرعى وقد لا يرونها أياما ثم تعود بنفسها أو يعود بها غلام أو ~~فتاة. وقد كان ذلك شأننا في زمن الجاهلية، فكيف ونحن الآن في ظل الإسلام، وأما أنتم معشر ~~أهل المدن فإذا غفل الرجل منكم عن عمامته خاف اختطافها!» # فمل حسن من جدال الراعي فقال له: «ما لنا ولهذا الجدال؟ أين الجمل وكيف السبيل ~~إليه؟» # فقال: «يغلب على ظني أنه سار إلى العقيق، وهو ماء يخرج أهل المدينة إليه فيقيمون عنده ~~ساعات أو أياما في خيام يحملونها معهم، وربما ذبحوا الذبائح وأولموا الولائم.» # فقطع حسن كلامه قائلا: «ثم ماذا؟» # قال: «فالعقيق مجتمع أهل الرخاء من اليثربيين وهو يذكرني أيام الشباب، فقد كان العقيق ~~موعدنا لنلقى نساء المدينة. لا تغضب يا سيدي إننا سائرون الآن جنوبا نحو المدينة والعقيق ~~في طريقنا إليها.» ~~••• # استغرب حسن بعده عن المدينة شمال المكان الذي ترك فيه سليمان وأباه فيه، فقال للشيخ: ~~«هلم بنا.» فمشيا والراعي على شيخوخته أسرع عدوا منه؛ لأنه تعود المشي في الوعر. أما ~~حسن فلما صعد من الوادي والتفت إلى السماء وتبين الكواكب فعلم أنه في أواخر الليل بغت ~~لضياع ms053 الوقت وهو لم يأت عملا بعد، وتشاءم مما تأتى له في ذلك المساء وهو إنما أمسك عن ~~رؤية حبيبته رغبة في المسير إلى مكة على عجل، فكيف يعود إلى الوراء بعد قضاء الليل في المشي ~~والقلق؟ # قضى مدة سائرا في أثر الراعي ، على أرض رملية، بعضها رطب بما يرشح فيه من الماء، وفكره ~~تائه حتى رأى نجم الصبح فعلم أن الفجر دنا ثم رأى الراعي وقف وأشار إليه قائلا: «ألا ترى ~~الماء أمامنا عن بعد؟» # قال: «إني أرى سطحا لامعا وكأني أرى فيه سماء أخرى من انعكاس أنوار الكواكب.» # ولما رأى الماء شعر بانشراح الصدر واستبشر ببلوغ أمنيته وجعل يتفرس في ضفاف ذلك الماء ~~لعله يرى أناسا أو جمالا فلم ير شيئا. ثم سمع الراعي يقول: «ها إننا على ضفاف العقيق ~~ولا نرى فيه أحدا سوى آثار أناس كانوا هنا ورحلوا في أوائل الليل، فاقعد على هذا الحجر ~~واغسل رجليك في هذا الماء واسترح ريثما آتيك بالخبر.» # قال: «دعني أسر معك.» # قال: «لا. امكث هنا واغسل رجليك وسأعود إليك على عجل، فإني لا أتحقق الأمر حتى أطوف حول ~~هذا الماء، ولا حاجة إلى مسيرك معي فقد تعبت وإن كنت في عنفوان الشباب؛ لأن أهل المدن لا ~~يقوون على المسير مثلنا.» قال ذلك والتحف العباءة وسار وحسن يتبعه بنظره حتى توارى، وما ~~لبث أن سمع الشيخ يناديه فنهض وأسرع حتى أقبل عليه فإذا هو واقف تحت شجرة منبسطة الأغصان ~~وقد قبض بيده على شيء وهو يقول: «متى خرجت من المدينة؟» # قال حسن: «نحو الغروب.» # قال: «هل أطعمت الجمل قبل خروجك؟» # فتحير حسن بماذا يجيب؛ لأنه وكل أمر الجمل إلى خادمه فقال: «أظن الخادم أطعمه.» # فبسط الشيخ يده فإذا فيها أبعار فقال: «إن هذه الأبعار لجمل من جمال المدينة جاء وحده ~~إلى هذا المكان من مدة قصيرة ورجع.» # فاستغرب حسن بته في الأمر وقال: «وكيف عرفت ذلك؟» # قال: «عرفته من هذه الأوساخ؛ فإن فيها النوى وهو علف جمال المدينة؛ لأن النوى كثير ms054 عندهم. ~~ويظهر من قلة جفافها أنها وضعت من عهد قريب. ولم أر واضعها فيكون قد عاد.» # فوجد حسن كلامه معقولا ولكنه لم يقتنع بأن الجمل الذي يشير إليه هو جمله؛ إذ لا يبعد أن ~~يكون جمل أناس آخرين فقال له: «وما الذي أنبأك أنه جملي وليس من جمال الناس مروا بهذا ~~المكان الليلة؟» # فضحك الشيخ وقال: «لو كانت أبعار الجمال كثيرة لرأيناها أصنافا وألوانا. فهي إذن لجمل ~~واحد، وهذا الجمل لم يقم هنا إلا قليلا. وأي جمل من جمال أهل المدينة يخرج إلى هذا المكان ~~بعد منتصف الليل إلا أن يكون فارا مثل جملك؟» # فأعجب حسن ببداهة أهل البادية، وتذكر اشتهارهم بقيافة الأثر، ولكنه ما زال مشككا في أن ~~يكون ذلك الجمل جمله فقال: «لا أرى ما يمنع بعض أهل المدينة من الخروج الليلة على جمله ~~يلتمس بعض الأحياء فمر بالعقيق ليشرب أو يسقي جمله أو يستريح.» # قال: «قد يكون ذلك، ولكن حال المكان، لا يدل عليه؛ لأني لا أرى على الأرض آثار ~~آدميين.» # فقطع حسن كلامه وقال وهو يظن أنه أفحمه: «الظاهر أن الراكب لم ينزل عن جمله وإنما وقف ~~ريثما يشرب ثم ساقه.» # فقال: «لا؛ لأن الجمل لا يستطيع الوقوف تحت هذه الأغصان المدلاة وعليه راكب؛ لأنها تمس ~~ظهر الجمل بانبساطها وانحنائها وليس عليه أحد.» # قال حسن: «ربما برك الجمل؟» # قال: «لو فعل لشاهدنا آثار ركبه، فما الجمل الذي مر من هنا إلا جملك، وإذا صبرت هنيهة ~~أريتك الطريق الذي سار فيه فيهون عليك طلبه.» # قال: «وكيف ذلك؟» وكان الفجر قد لاح، وتبينت الأرض جيدا، فنظر حسن إلى ما حوله وراجع ما ~~قاله الشيخ فترجح لديه قوله، وتحقق ما كان يسمعه من مهارة أهل البادية في قيافة الأثر، ~~فلبث ليرى ما يفعله الشيخ فإذا هو قد مشى خطوات قليلة ثم قال: «انظر إلى هذه الخطى فإنها ~~آثار خفاف جمل يعدو عدوا سريعا، يدلك على ذلك عمقها وعدم نظامها، ويظهر أن الجمل عاد إلى ~~المدينة.» # فالتفت حسن إلى يساره ms055 وقد بان الصبح فإذا هو مشرف على المدينة عن بعد ولا بد له من ~~الذهاب إليها، فتذكر حبيبته فيها، ولكنه عاد إلى التفكير في أمر الجمل فقال: «إني لأستغرب ~~ما رأيته اليوم من جملي ولم يكن عهدي به مثل ذلك من قبل .» # قال: «للجمال طبائع غريبة وقد يكون الجمل هادئا ساكنا فلا تراه إلا وقد دلق لسانه وأرغى ~~وأزبد وأركن إلى الفرار كأنه أصيب بجنة، وقد يصيبه ذلك على خوف ورعب أو جوع. ومهما يكن من ~~الأمر فاطلب جملك في المدينة. وأما أنا فإني أستأذنك في العودة إلى ماشيتي مخافة أن يكون قد ~~أصاب إبلي ما أصاب جملك وهي وحدها هناك ما عدا غلاما وأمه تركتهما لحراستها.» # فأثنى حسن على الشيخ وودعه وسار قاصدا المدينة وقد أنهكه التعب والقلق وأحس بالجوع ~~وتشاءم مما اتفق له، فعول على أن يسير توا إلى المسجد للصلاة والتبرك ثم يبحث بعد ذلك ~~عن الجمل، ثم تذكر حديث سليمان وأبيه وما فيه من الإشارة إلى الفتك به، فأحب استطلاع سر ~~أبي سليمان قبل دخوله المدينة لئلا يكون فيه ما يمنعه من دخولها، فسار يلتمس المكان الذي ~~تركهما فيه بالأمس فاستشرف أكمة قرب سور المدينة فرأى قرب المستنقعات شيئا كالجمل البارك ~~ثم ما لبث أن سمع جعجعة فأسرع حتى دنا من الجمل فإذا هو جمله بعينه وقد وقع عند حافة ~~المستنقع وقد كسر فخذه ولم يعد يستطيع النهوض ولكنه رآه عاريا لا رحل على ظهره ولا خطام ~~في رأسه فشك في أن يكون جمله وظنه جملا آخر، فتفرس فيه جيدا فلم ير فرقا بينه وبين ~~جمله، ثم تذكر ميسمه وهو العلامة التي يسمون بها الجمال بسمات القبائل، فنظر في الميسم فإذا ~~هو الميسم الذي يعرفه؛ فتحقق أنه جمله، وأنه لم يعد يقوى على المسير، فلم يهمه ضياعه وود لو ~~أن الراعي معه ليهبه الجمل فينحره لأهله. ثم عاد إلى التفكير في الرحل وما كان عليه من ~~أمتعته وبينها كتاب خالد بن يزيد، فزاد تشاؤمه من تلك ms056 السفرة وقال في نفسه: «لم يعد لي وطر ~~في المدينة الآن.» ووقف برهة ثم مشى إلى الجهة التي ترك فيها سليمان مطروحا وبجانبه أبوه ~~فرأى المكان خاليا إلا من آثار الدم على صخر منبسط، ورأى بجانب الصخر ثوبا معفرا فإذا هو ~~القباء وقد تلوث بالدم وتمزق قطعا قطعا فاستغرب تمزقه، ثم طرح بقاياه وفكر في أمر سليمان ~~والكتاب فقال في نفسه: «لعل أبا سليمان عثر على الجمل وهو سائر إلى المدينة فلما رآه معطلا ~~حمل رحله معه على نية أن يدفعه إلي عند الملتقى.» فارتاح حسن إلى هذه الفكرة وهدأ اضطرابه ~~وترجح لديه أن أبا سليمان حمل ابنه إلى منزله في المدينة لمداواته، فعول على الذهاب ~~إليه. # وفيما هو سائر إلى المدينة رأى غبارا يتطاير في عرض الأفق مما يلي طريق مكة، فوقف ينتظر ~~ما يكون، فإذا بثلاثة من الإبل عليها ثلاثة رجال قد تلثموا وساقوا الإبل سوقا عنيفا، ثم ~~سمع قرقعة اللجم فعلم أنها إبل البريد، وكان لدواب البريد قعقعة خاصة كأنها أرسانها من ~~سلاسل الحديد، أو لعلهم كانوا يعلقون في أعناقها جلاجل أو نحوها، فمكث هنيهة ريثما مر ~~البريد، فعلم من لباس الرجال وهيئة الركب أنهم من العراق، فترجح عنده أنه بريد الحجاج بن ~~يوسف إلى عامل المدينة. # الفصل الثامن # | حسن وسليمان وأبوه # سار حسن في أثر البريد قاصدا بيت سليمان من أقرب الطرق، فلما وصل إليه سأل عن سليمان ~~فعلم أنه مريض؛ فتحقق أنه هناك، فاستأذن وأقبل على حجرة رأى فيها سليمان راقدا وأبوه إلى ~~جانبه فخلع نعليه بالباب ودخل فوقف له أبو سليمان مرحبا به، وأراد سليمان النهوض فأمسكه ~~وأجلسه وجلس على طرف الفراش بجانبه وجعل يسأله عن حاله وسليمان يحمد الله على أنه أحسن ~~كثيرا، ويعزو الفضل في شفائه إلى نجدته إياه. فقال حسن: «ما أظن المصيبة جاءتك إلا ~~بسببي.» # فقال سليمان: «أشكر الله لأنه نجاك من الخطر.» # فتقدم أبو سليمان والدمع ملء عينيه وقبل حسنا وقال له: «اغفر زلتي يا بني، فإن الله ~~هددني ms057 بالقصاص حتى خفت فقد ابني ووحيدي، وأشكره على السلامة ولأنه أكسبني ابنا ~~آخر.» # فنظر حسن إلى ذلك الكهل فإذا هو على ما وصفناه من طول القامة ونحافة العضل وقصر اللحية ~~وصغر العمامة، ولكنه رأى في وجهه دلائل السويداء وانقباض النفس فإذا ابتسم فكأنما يبتسم ~~تكلفا، وإذا ترك ساعة أو ساعات ظل صامتا لا يفوه بكلمة كأنه يفكر في مصاب محدق ~~به. # ثم سألاه عن سبب غيابه، فقص حسن عليهما الحديث مختصرا، وكان يتكلم وأبو سليمان يصغي إليه ~~وهو مثبت بصره فيه وكأنه لم يعره كل انتباهه. فلما جاء على آخر الحديث وذكر لقاء الجمل ~~وضياع الرحل قال: «فلما رأيت جملي بلا رحل على مقربة من المكان الذي كنا فيه ظننا أنكم ~~عثرتم على الجمل ورأيتموه معطلا فحملتم رحله معكم لتحفظوه لي عندكم.» # قال أبو سليمان: «كلا يا ولدي فإننا عدنا ليلا، ولم نلتفت يمنة ولا يسرة لانشغالنا بجرح ~~أخيك سليمان، وأنت هل مررت بالمكان الذي كنا فيه؟» # قال: «نعم وصلت إليه فرأيت أثر الدم، ووجدت القباء ممزقا وعليه جلط الدم فعجبت ~~لتمزيقه.» # فقال الرجل: «لا تعجب يا ولدي لتمزيقه؛ لأنه مزق قلبي فانتقمت منه فاعذرني.» # فاستغرب حسن ذلك وقال له: «بالله ألا قصصت على خبر هذا القباء؟» # فقال له: «أعفني من خبره واقنع بما قلته لك ولو تلميحا.» # قال: «وماذا قلت؟» # قال: «ألم أقل إن هذا القباء هو الذي مزق قلبي؛ لأنه كان دليلي إلى الفريسة المطلوبة فإذا ~~هي ولدي وفلذة كبدي.» # ففطن حسن لأمور كثيرة كانت موضع شكه، وتذكر أنه ليس من يعلم بوجود ذلك القباء معه غير ~~عرفجة؛ لأنه أخذه من عنده ولم يلبسه قط، فاحتاطت به الشكوك وتناوبته الهواجس، وظل ~~صامتا برهة لا يتكلم ثم قال: «ألا تقول لي من الذي أغراك بقتلي؟ فإني أخشى أن أتهم أناسا ~~أبرياء.» # قال: «أمرني بذلك رجل كبير في هذه المدينة، وهو صاحب السلطان الأقوى فيها.» # ففهم حسن أنه يشير إلى عامل المدينة طارق بن عمرو، وكان يعلم بما بين طارق ms058 وعرفجة من ~~الصداقة، فترجح لديه أن لعرفجة يدا في هذه المكيدة، لكنه أسرها في نفسه واعتصم بالصبر إلى ~~أن يتم مهمته بمكة. # وأراد سليمان أن يذهب الانقباض عن صديقه فقال لأبيه: «كيف رأيت هذا الصديق يا ~~أبي؟» # فتنهد أبوه وحاول الابتسام وقال : «لم أكن أشك فيما قلته لي، ولكن سوء حظي ساقني إلى ما ~~ارتكبته، ولكني أحمد الله على خلاصنا من هذا الخطر.» ثم التفت إلى حسن وقال: «إني أعتذر ~~إليك من تعمدي قتلك على غير معرفة بك، ولا أظنني دفعت إلى ارتكاب الجريمة إلا بما جنيته من ~~الذنب برجوعي عن المطالبة بدم ذلك المقتول ظلما.» قال ذلك وشرق بريقه فسكت برهة وحسن ينظر ~~إليه ويعجب. ثم عاد أبو سليمان إلى الكلام فقال: «كنت من التوابين الذين ندموا على تخلفهم ~~عن الحسين بن علي، حتى قتل ظلما في سهل كربلاء. ولكنني لم أثبت على توبتي، فانتظمت في ~~خدمة الذين قتلوه، ولا ريب أن عملي لم يرض الحق - سبحانه وتعالى - وعلي أن أكفر عن ذلك ~~بتكريس ما بقي من حياتي لنصرة أعدائهم، وقد علمت أنك سائر إلى مكة فهل تستصحبني؟ وإلا فإني ~~هائم على وجهي في هذه الصحراء.» # فقال حسن: «إذا رافقتني فإني آنس بك وأتخذك أبا لي؛ لأن سليمان أخي، ولكن أرى أن ...» ~~وأسكته الحياء. # فقال أبو سليمان: «تكلم يا بني ولا تخف فإني بمنزلة أبيك، بل أنا خادم لك ولا أستنكف من ~~أمر أجريه في خدمتك. قل ما بدا لك.» # قال حسن: «إذا كنت ترى أن تتفضل علي وتعاملني معاملة الأب لابنه فإن لي عندك طلبا ~~أستحيي أن أكلفك به.» # قال: «لا تستح يا بني، قل.» # قال: «أحب فتاة في هذه المدينة، وقد خطبتها وأنا مضطر للسفر قبل العقد عليها، ولا يخفى ~~عليك قلب مثلي في هذه الحال.» # قال: «نعم. ماذا تريد مني؟ هل تريد أن أوقف نفسي لخدمتها؟» # قال: «كلا فإنها في بيت أبيها ولكنني قليل الثقة بمن حولها.» # قال: «من هي الفتاة ومن هو أبوها؟» # فوجم حسن ms059 برهة ثم قال: «إذا لم يكن بد من معرفتك اسمها - ولا أرى بدا من ذلك - فأخبرك ~~أنها سمية ابنة عرفجة الثقفي.» # فلم يتم حسن قوله حتى بهت أبو سليمان وازداد لونه امتقاعا وأطرق وصارت لحيته ترقص في ~~صدره، وكان حسن يلاحظه وقد أدرك ما جال في خاطره. وجعل أبو سليمان يهم بالكلام ثم يمسك؛ ~~لأنه كان مطلعا على تردد عرفجة على مجلس طارق، وعرفجة مشهور في المدينة بخيانته وسوء ~~نيته. # أما حسن فلم يمهله ريثما يتكلم فابتدره قائلا: «لا أكلفك إطلاعي على سر، فقد فهمته وهذا ~~يكفي. أما الفتاة فخطيبتي ولا شيء يمكن أن يثنيها عني أو يثنيني عنها. وإنما أرجو أن تبحث ~~عنها وتعرف أحوالها وهذه هي وصيتي إليك فإذا قبلتها كان ذلك فوق ما أتمناه.» # فقال أبو سليمان: «أنا عند ما تريد، وسأولي أمرها اهتمامي، كما أهتم بولدي هذا. كن في ~~سكينة وراحة بال.» # فلما فرغ حسن من أمر سمية عاد إلى التفكير في الكتاب والخادم، فتبادر في ذهنه أنه قد يلقى ~~خادمه في المدينة فيساعده على البحث عن الكتاب، وعزم إذا لم ير الخادم فإنه يكتفي بإبلاغ ~~عبد الله بن الزبير فقد الكتاب ويرى ما يكون، فنهض مودعا. فقال له أبو سليمان: «إذا لم يكن ~~بد من سفرك فاجعله من غير الطريق الذي كنا فيه أمس. اخرج من باب آخر وأنا أرسل معك خادمي ~~يهديك إلى الطريق ويسوق جملك بدلا من خادمك، وسأقدم لك جملا أحسن من جملك فانعم بالا وكن ~~على ثقة أننا أنا وسليمان في خدمتك حتى تبلغ مرامك.» ثم صاح: «يا بلال.» فجاء عبد خفيف ~~السواد حسن الملامح فقال له: «هيئ الجمل الأشرم. واملأ القرب ماء، وأعد زاد السفر.» فذهب ~~بلال ثم عاد وقد أعد كل شيء، فقال أبو سليمان لحسن: «إذا كان لا بد من سفرك فسر على عجل ~~ولا تقف ولا تسترح حتى تبعد عن المدينة.» # فقطع حسن كلامه وقال: «فاتني أن أخبركم عن إبل البريد، فقد رأيت ثلاثة منها دخلت المدينة ms060 ~~في هذا الصباح وأظنها قادمة من مكة.» # قال أبو سليمان: «لا يبعد أنهم جاءوا لطلب نجدة أو مدد، أو بخبر فتح أو شيء من ذلك، أما ~~أنا فإني سأنتقل من هذا البيت إلى سواه وأختفي يومين أو ثلاثة حتى لا يراني أحد لئلا ~~يطلبونني للمسير معهم.» # ثم ودعهم حسن وركب الجمل وسار بلال في ركابه، وبود حسن لو يعيد النظر إلى سمية قبل سفره ~~ولكنه أراد العجلة وخاف الوقوع فيما هو شر من ذلك. # الفصل التاسع # | سمية في منزل سكينة # فلنترك حسنا قاصدا إلى مكة مع بلال، ولنعد إلى المدينة لنرى ما كان من أمر سمية بعد ~~سفره، فقد تركناها عائدة إلى بيت سكينة ومعها عبد الله خادم حسن يسير في خدمتها. فلما وصلا ~~إلى باب البيت قالت له سمية: «قد وصلت إلى مأمني فانصرف.» وكانت قد استأنست به لأنه ثقفي ~~مثل أبيها، فلما ودعها قالت له: «قد علمت يا عبد الله منزلة حسن مني فارعه وكان صادقا في ~~خدمته.» # فقال: «إني عبدك وعبده يا مولاتي، وإني أفديكما بروحي.» # فاطمأنت سمية وأشارت إليه برأسها إشارة الوداع، فتحول مسرعا يلتمس باب المدينة ليلحق ~~بسيده. # أما سمية فإنها أقبلت على بيت سكينة حوالي العشاء، فتظاهرت بأنها كانت في بعض جوانب ~~المنزل، وسارت إلى مجلسها، فرحبت بها وسألتها عن سبب تخلفها. فقالت: «كنت مشتغلة في بعض ~~الغرف هنا.» فقالت ليلى: «قد بحثنا عنك فلم نجدك، وأخشى أن يكون أباك استبطأ عودتك.» # قالت: «ربما استبطأني، ولكنني هنا في مأمن من غضبه، ومتى استبطأني بعث في أثري.» # فلما سمعتها سكينة تقول ذلك أمسكت بيدها وقربتها إليها حتى أقعدتها معها على الوسادة ~~وضمتها وقبلتها وقالت لها: «أهلا بك يا سمية، إنك من أعز الأحباء.» وكانت سكينة تستلطف ~~سمية وتحبها. # فقالت سمية: «لا حرمنا الله من محبتك يا بنت سبط الرسول، إن إقامتك بهذه المدينة بركة ~~وسعادة لنا جميعا.» # ثم جاء الخدم يدعون سكينة إلى المائدة، وقد مدت الأسمطة فقمن للعشاء. وأما سمية فعادت ~~إلى هواجسها واستغربت ms061 سكوت أبيها عنها إلى ذلك الحين، ثم خطر لها أنه غائب عن البيت ويحسبها ~~فيه. فرأت أن تستأذن في العودة إلى البيت فأذنت لها، وبعثت معها بعض الجواري ليوصلنها ~~إليه. # ولما وصلت سمية إلى باب البيت قرعته بطريقة يعرفها الخدم، فأسرعت جارية إلى فتحه واستقبلت ~~سيدتها وهي تقول: «لقد أبطأت علينا الليلة وشغلت بالنا.» # وكانت هذه الجارية حبشية الأصل اسمها أمة الله، تحب سمية كثيرا، كما أن سمية كانت تستأنس ~~بها وتكرمها، فلما أبطأ قدومها في تلك الليلة شغل بال الجارية ولم تستطع رقادا، حتى طرقت ~~سمية الباب ففتحت لها، وترامت عليها وقبلتها ورحبت بها، فقالت لها سمية: «ألم يأت ~~أبي؟» # قالت: «جاء نحو الغروب ودخل الحجرة المعلومة وأقفل بابها، وما زال هناك ولا يدري أحد ماذا ~~يعمل؛ لأنه أنار السراج وحمله بيده إلى الغرفة على عادته.» # فدخلت سمية غرفتها وخففت ثيابها لتوهم أباها إذا رآها أنها في البيت من مدة طويلة. ولم ~~تستغرب مكثه في تلك الحجرة طويلا؛ لأنه كثيرا ما كان يفعل ذلك وأهل البيت يستغربون تكتمه ~~ولا يعرفون ما في تلك المحفة المخزونة هناك. ولولا خوفهم من غضبه واستبداده لتوصلوا إلى ~~فتحها ولكنهم كانوا يخافون سطوته وشدة وطأته. # ثم رأت سمية أن تلجأ إلى فراشها قبل خروج أبيها من مخبئه مخافة أن يراها ويسألها عن سبب ~~غيابها وربما أساء الظن بها، فجلست على فراشها، ودعت أمة الله لتمشط لها شعرها قبل النوم ~~فجثت الجارية خلفها وجعلت تسرح الشعر وتمشطه ووجه سمية إلى باحة الدار، وكانت سمية ترتاح ~~إلى مكاشفة أمة الله ببعض شئونها الخاصة فقالت لها: «هل شغل بالكم غيابي الليلة؟» # قالت: «نعم يا مولاتي؛ لأنك قلما تطيلين الغياب، ولا سيما أن عبد الله جاء للسؤال ~~عنك.» # قالت: «وأي عبد الله؟» # قالت: «الرجل الذي جاء صباح اليوم.» # فعلمت سمية أنه عبد الله خادم حسن، فبغتت لعلمها أنه فارقها ليلحق بسيده على عجل فأدارت ~~وجهها إلى الجارية وقالت لها: «متى جاء؟» # قالت: «جاء قبل وصولك بقليل.» # قالت: «وهل ms062 جاء وحده؟» # قالت: «لم أر معه أحدا.» # ففكرت سمية في الأمر، فوجدت أنه جاء بعد أن فارقها بساعة أو ساعتين، فتبادر إلى ذهنها أنه ~~لم يأت إلا لغرض أراده حسن منها، أو لشر أصابه، فتوالت عليها الهواجس واستغرقت في ~~التفكير، وعادت الجارية إلى تمشيطها وهي في غفلة عن كل ذلك. # وبينما سمية غارقة في لجج الهموم لاحت منها التفاتة إلى باحة الدار فرأت فيها نورا ~~يتحرك وسمعت صوت باب يقفل، فعلمت أن أباها خرج من الحجرة السرية. ثم اختفى النور وسمعت ~~تصفيقا فعلمت أن أباها يدعو الخادم، فخافت أن يكون عازما على استدعائها، فتظاهرت بالميل ~~إلى الرقاد وقالت للجارية: «لم يعد لي طاقة بالجلوس فقد أخذ مني النعاس مأخذا عظيما ~~فاتركيني، وإذا سأل عني أبي فأخبريه بأني نائمة منذ حين.» ففهمت الجارية غرضها فضحكت وقالت ~~لها: «لا تخافي.» وتمددت سمية في فراشها وتظاهرت بأنها استغرقت في النوم، وبعد قليل سمعت ~~الخادم يسأل الجارية عنها، وسمعتها تذكر له أنها نائمة فانصرف. # وأصبحت في اليوم التالي وهي ما زالت في حاجة إلى النوم، فظلت في الفراش حتى الضحى، ثم ~~جاءتها جاريتها بماء للغسل وبطعام، فسألتها عن أبيها فقالت: «أفقت قبيل الصبح على قرع ~~الباب، ثم علمت أن بعض الناس جاءوا يطلبون سيدي على عجل، فخرج وهو لم يتم لف ~~عمامته.» # فأطرقت سمية وفكرت في الأمر، فحدثتها نفسها بأن لهذه الدعوة علاقة بخطيبها. ولما تذكرت ~~سوء قصد أبيها وما سمعته من قدوم عبد الله إليها أمس، تبادر إلى ذهنها أن شرا عظيما أصاب ~~حسنا - وذلك شأن المحب البعيد عن حبيبه؛ فإنه لا يكاد يطمئن قلبه عليه، وإذا سمع أحدا ~~يذكره تبادر إلى ذهنه أنه في خطر، وقد يفسر الإشارات والرموز والحوادث بما يؤكد ذلك - فكيف ~~بسمية وهي تعلم ما ينويه أبوها لخطيبها؟! فلم تتناول من الطعام إلا قليلا، ولبثت جالسة ~~تفكر في سبب خروج أبيها وتخاف أن يكون فيه ما يسوء خطيبها. ~~••• # قضت سمية أكثر النهار في قلق واضطراب، تارة تمشي في الدار، ms063 وآونة تخرج إلى البستان، وهي ~~تتوقع أن ترى عبد الله آتيا أو تسمع خبرا. ثم سمعت أذان العصر فالتفتت إلى مصدره جهة باب ~~البيت فرأت أباها داخلا فخفق قلبها ولبثت تنتظر ما يبدو منه، فدنا منها وابتسم وناداها ~~إليه فتبعته وهي ما زالت في اضطراب، ولكنها تظاهرت بارتياح حتى أقبل على غرفة الجلوس فوقف ~~بالباب ينزع نعاله وقال: «كيف قضيت يومك أمس عند سكينة؟» # قالت وهي تتبعه إلى وسادته التي تعود الجلوس عليها: «قضيته مسرورة، وعدت وأنت في الحجرة ~~فنمت ونهضت في هذا الصباح، فعلمت أنك خرجت مبكرا فشغل بالي.» # فقطع كلامها ودعاها إلى الجلوس بجانبه وعلى وجهه ابتسامة متكلفة، فلما جلست قربها منه ~~وضمها وقبلها فأحست ببرد شفتيه واقشعر بدنها لاحتكاك شعر لحيته بذقنها وعنقها لعظم ما كانت ~~فيه من التهيج العصبي الناتج عن القلق، وقبلت يده فإذا هي أبرد من شفتيه. وتوقعت أن تسمع ~~منه شيئا بعد هذا التملق فإذا هو يقول لها: «أظنك مللت طول المكث في هذه المدينة؟» # قالت: «إذا كنت أنت في خير وسعادة فكل حال ترضيني.» # فأعجبه قولها وألقى يده على كتفها وجعل يلاعب شعرها بين أنامله ثم قال: «بورك فيك من ابنة ~~مطيعة، إن مثل هذا القول يجبر قلب الوالد، هذا هو البر الذي كنت أرجوه منك. فالحمد لله الذي ~~أذهب ما كان يخامر ذهنك، وعدت إلى ما هو جدير بأمثالك من النزول على حكم آبائهن.» # فأحست سمية من هذا التعريض كأن صخرة وقعت على رأسها، وأسرع خفقان قلبها، ولو انتبه ~~أبوها وهي مستلقية على صدره لسمع دقات قلبها ولأدرك اضطرابها، أو لعله أدرك وتجاهل خبثا ~~ورياء. ثم قال ولم يترك لها مجالا للتفكير: «سنذهب غدا لترويح النفس في العقيق فإنه ~~منتزه جميل، فهل يسرك أن نأخذ طعامنا وشرابنا ونقضي يومنا هناك؟» # فعجبت سمية من عناية أبيها بأمر نزهتها والترويح عنها، ولا سيما أنه كان لا يخاطبها ~~بالحسنى أو يلاطفها إلا إذا كان له مأرب من وراء ذلك. فأصبحت لا تسمع منه مثل ms064 هذه الملاطفة ~~إلا توقعت شرا. ولكنها لم تكن تستطيع غير مداراته فقالت: «أشكرك يا أبي على هذه ~~العناية.» # فقطع كلامها وقال: «لا شكر على واجب، فإني أبوك، وسأخبر الخدم ليعدوا لنا خياما وطعاما ~~ويسيروا أمامنا إلى العقيق قبل الفجر، ثم نركب أنا وأنت عند طلوع الشمس ونقضي يومنا في ~~العقيق، فقد مللنا المدينة وأسواقها ونخيلها.» قال ذلك بنغمة الأب الحنون، فلم يسع سمية إلا ~~مجاراته، على أنها كانت أشد حاجة منه إلى النزهة، وخطر لها أنها ربما استطاعت في أثناء ~~مرورها بالشوارع والطرق أن ترى عبد الله أو تسمع خبرا عنه أو عن حسن، فأثنت على أبيها ~~وقبلت يده، فقبلها ثم صفق فجاء عبد أسود كان قد فوض إليه إدارة شئون منزله وجعله رقيبا ~~على أهل بيته، وكان ذلك العبد قبيح الخلقة عظيم الشفة السفلى أفطس الأنف يكاد الشرر ~~يتطاير من عينيه، ويندر أن يبتسم فإذا فعل فإنه يكشر عن أنيابه. فلما وقف بين يديه قال له: ~~«يا قنبر، إننا عازمون على الخروج في صباح الغد إلى العقيق فأعد ما نحتاج إليه من الخيام ~~والأطعمة، وهيئ الهودج لسمية، ثم اسبقنا مع الخدم عند الفجر، وسنلحق بكم بعد ذلك.» # قال: «الأمر لمولاي.» وخرج. # ثم نهض عرفجة ودخل الحجرة السرية، واتجهت سمية إلى غرفتها وطلبت جاريتها أمة الله أن ~~تتهيأ لمرافقتها في صباح الغد. ~~••• # باتت سمية ليلتها والأحلام المزعجة تنتابها، وتريها حسنا في خطر، ورأت مناظر مخيفة أخرى، ~~فنهضت وهي في اضطراب شديد. فإذا أبوها قد خرج وتهيأ للرحيل، وجاءتها الجارية فمشطتها ~~وألبستها ثيابها، ثم ركبت معها الهودج، وركب أبوها بغلة، وساروا وقد أمسك بخطام الجمل أحد ~~الخدم. # وجعلت سمية تطل من خلال الستور على المارة في الطرق وتتفرس فيهم، فاستغربت أمة الله ذلك ~~منها لعلمها بأدبها وحشمتها، وزاد في استغرابها شدة ما لاحظت في وجهها من القلق. فلما خرجوا ~~من باب المدينة بالغت سمية في التطلع نحو الطريق الذي يؤدي إلى مكة لعلها ترى أثرا أو ~~تستطلع خبرا، فرأت بجانب باب ms065 المدينة خياما ورايات وخيولا وجمالا، وقد تفرق العبيد بين ~~النخيل وحول المستنقعات يجمعون العيدان للوقود، فذهلت ولم تفهم أمر هذا المعسكر، ولم تر ~~بدا من أن تسأل أباها فأخرجت رأسها من بين الستور لتبحث عنه فإذا هو قد أركض بغلته نحو ~~المعسكر ، فظنت أنه ذهب لاستطلاع الخبر، فأمرت الغلام أن يظل في مسيره فسار حتى بعدوا عن ~~المعسكر وسمية تشرف على الطرق وتتطلع إلى كل جهة والقلق باد في عينيها. # وفيما هي تتطلع سمعت جعجعة جمل يتألم فالتفتت فرأت جمل حسن الذي ذكرنا أمره ولم تكن قد ~~رأته إلا في أثناء مقابلتها حسنا في المساء، ولكن صورته انطبعت في ذهنها. فلما رأته خفق ~~قلبها كأنها تنسمت منه رائحة الحبيب، فأوقفت الهودج عنده ونظرت فرجحت أنه جمل حسن وجعلت ~~تفكر في الأمر، فخيل إليها أن حسنا قتل وقد أخذ قاتلوه رحل الجمل وخطامه وتركوه. فلما ~~تصورت ذلك تساقطت دموعها وخفق قلبها جزعا وإشفاقا. # وكانت أمة الله تلاحظ سيدتها ولكنها لم تجرؤ على مخاطبتها في هذا الشأن إلا لما رأت ~~دموعها تتساقط، فقالت لها بصوتها الناعم الرخيم: «ما بالك يا سيدتي تبكين، لا أراك الله ~~سوءا؟» # فلما سمعت سمية سؤال الجارية أجهشت في البكاء حتى علا صوتها، فأمسكتها أمة الله وقبلت ~~يدها وقالت لها: «بالله كفي عن البكاء وأخبريني ما سبب ذلك فلعلي أنفعك في شيء.» # فتنهدت سمية ومسحت دموعها بكمها، ثم التفتت إلى خارج الهودج فلم تجد أباها عاد، ولا رأت ~~أحدا يسمعها، فقصت على جاريتها الحديث مختصرا، وأطلعتها على مكنون قلبها. فشاركتها ~~الجارية البكاء ثم قالت لها: «إنك لم تتحققي أن هذا الجمل جمل حسن، وهبي أنه جمله فليس معنى ~~هذا أنه أصيب بسوء، ولا أحسب هذا الجمل إلا لبعض أهل هذا المعسكر انكسر فتركوه، ومهما يكن ~~من شيء فليس هناك ما يدعو إلى الأخذ بالظن والتوهم.» # فارتاحت سمية لهذا التعليل، ولكنها تذكرت عبد الله ورجوعه إلى منزلها في تلك الليلة ~~فقالت: «ولكن ما سبب رجوع خادمه إلينا؟» # قالت الجارية: ms066 «قد يكون جاءك برسالة من حسن فلما لم يجدك عاد إليه بها وسافر معه، ولولا ~~ذلك لرأيته أمس. وقد مضى يوم ونحن الآن في ضحى اليوم الثاني ولم نره.» # فقطعت كلامها وقالت: «أتظنينه إذا علم بسوء أصاب حسنا ينقل ذلك الخبر إلي ؟!» قالت: «دعي ~~عنك هذه الأفكار وتوكلي على الله.» # وفيما هما في الحديث سمعتا وقع حوافر البغلة، فعلمتا أن أبا سمية قد عاد، وبعد قليل وصل ~~إلى محاذاة الهودج ونادى سمية، فأطلت عليه فقال لها: «لعلي غبت عنك طويلا؟» # قالت: «نعم، وقد رأينا خياما وجمالا وخيولا فلم نفهم سبب وجودها.» # فأجابها وهو يحاول إصلاح الرسن في رأس البغلة: «إن هذا معسكر طارق بن عمرو عامل المدينة، ~~وقد خرج برجاله وجنده قاصدا مكة.» # قالت: «ولماذا؟» # قال: «جاء بريد الحجاج بن يوسف أمس يستقدم طارقا ورجاله مددا له في حصار مكة، وعما قليل ~~يسافرون.» قال ذلك وساق بغلته متظاهرا بأنها هي التي أسرعت من تلقاء نفسها، فانقطع الحديث. ~~وسرت سمية بانقطاعه لتعود إلى التفكير في حسن لعلها تلتمس تعليلا يريح بالها. والمرء ميال ~~إلى التماس مثل ذلك التعليل، والناس يتفاوتون في مقدرتهم على ذلك؛ فبعضهم إذا وقع في مصيبة ~~هان عليه تطبيق عواطفه على تلك المصيبة فيجعل لنفسه مخرجا من سوء عواقبها ومنهم من يزيده ~~قلقا ولكنه لا يلبث وإن طال قلقه أن يتوصل إلى حل يتوكأ عليه ريثما يرى ما يأتي به ~~القدر. # وكانت الجارية قد رفعت أستار الهودج منذ الخروج من المدينة، فظلت سمية تسرح نظرها فيما ~~حولها من الهضاب والبطاح وبرك الماء وغابات النخيل، وهي كأنها لا ترى شيئا لاستغراقها في ~~عالم الخيال، فلم تنتبه إلا على رائحة الشواء، فالتفتت فإذا هي على مقربة من ثلاث خيام: ~~اثنتين قرب الماء وواحدة منفردة بظل نخلة كبيرة. فنظرت فرأت نفسها على غير ماء العقيق، ~~وكانت تعرفه، فتفرست فيما حولها فإذا هي ما زالت على مقربة من المدينة وخيام المعسكر ظاهرة. ~~وتفرست في الخيام فأدركت أنها خيامهم، فاستغربت ذلك ولكنها لم ms067 تعلق عليه أهمية؛ إذ لم يكن ~~لها رغبة في العقيق أو غيره. # وجاء الخدم فأناخوا الهودج بقرب الخيمة المنفردة، فنزلت سمية وجاريتها ودخلتا الخيمة، ثم ~~رأت سمية أباها واقفا مع عبده على انفراد، وكانت تكره هذا العبد كرها شديدا لغلظ طبعه ~~وفظاعة خلقته، فاستعاذت من شرهما بالله. # الفصل العاشر # | القتل أو الزواج بالحجاج # عادت سمية إلى هواجسها بعد أن دخلت الخيمة، فأخذت تفكر في حسن وجمله، وتصورت وقوع ما ~~تخشاه عليه من القتل فازداد بلبالها. ثم خرجت أمة الله لمساعدة بقية الخدم في إعداد الأطعمة ~~وظلت سمية في الخيمة وحدها. # وفيما هي على تلك الحال سمعت سعال أبيها، ثم رأته والعبد قنبر قادمين نحو خيمتها، ~~فاستعاذت بالله من شر ذلك القدوم، ثم رأت العبد يبطئ بينما أسرع أبوها حتى وصل إلى الخيمة، ~~فنهضت للقائه، فقال لها: «كيف رأيت هذا النهار؟ إنه جميل أليس كذلك؟» # فتظاهرت بالابتسام وقالت: «إنه نهار جميل، ولكنني سمعتك تقول إننا ذاهبون إلى العقيق، ~~وأرانا ما زلنا بباب المدينة!» # قال: «إن العقيق بعيد فأحببت أن نستريح قليلا ثم نستأنف المسير إلى العقيق. وما أريد إلا ~~أن تكوني مسرورة فرحة وألا أراك منقبضة النفس وقد تهيأت لك أسباب السرور وإنك لتعلمين حبي ~~لك، وأني انقطعت عن العالم لأجلك ... ولا أدخر جهدا في سبيل راحتك وسعادتك.» # فلما رأت مبالغته في التلطف خافت ما وراء ذلك وظلت ساكتة، فعاد هو إلى إتمام حديثه ~~فقال: «ولقد سرني منك انصياعك إلى مشورة أبيك في شأن ذلك الشاب، ورجوعك إلى ما هو جدير ~~بأمثالك. ويسرني أيضا أن أبشرك بسعادة قد وفقك الله إليها، ويندر أن تنالها فتاة من فتيات ~~المدينة بل هن يغبطنك عليها.» # فازداد قلقها وأحست من وراء ذلك الكلام نذير سوء يزيد في اضطرابها، فظلت ساكتة وقلبها ~~يخفق، ومالت إلى استطلاع ما في نفس أبيها ولكنها خافت أن يكون في علمها بذلك ما يسوءها، ~~فلبثت صامتة لا تدري ما تقول. وكان هو ينظر إلى وجهها خلسة، ويتشاغل بالعبث في لحيته، فتوقع ms068 ~~أن يسمع منها استفهاما، فلما بقيت صامتة دنا منها وهي مستندة إلى عمود الخيمة ووقف أمامها ~~وأسند يده إلى العمود وجعل يده الأخرى على كتفها. فاضطربت وازداد قلقها فلم تعد تصبر على ~~السكوت، ثم إذا هو يقول لها: «لماذا لم تسأليني عن تلك السعادة التي أعددتها لك، ألا يسرك ~~أن تعلمي بما يبذله أبوك في سبيلك؟ إنك ستصيرين عما قليل سيدة نساء هذا الجيش.» قال ذلك ~~وأشار إلى المعسكر. # فلما سمعت قوله علمت أنه يعرض بخطبتها لأحد كبار رجال الجيش، فتحققت سوء ما أضمره لها ~~بالأمس وأنها مقبلة على خطر شديد، فارتبكت وحارت في أمرها ولم تدر بماذا تجيب، ولكن ~~الاضطراب بدا على وجهها. ولو أنه تفرس في قرطيها لرآهما يرتعشان ارتعاشا يحاكي خفقان قلبها ~~- وما ارتعاشهما إلا من رجع ذلك الخفقان - واحمرت وجنتاها، فتشاغلت بإصلاح دمالجها في ~~معصميها والنظر إليها في حين أنها لم تكن ترى شيئا لأن الدمع غشي بصرها ثم تساقط كاللؤلؤ ~~على معصميها. فلما رآها تبكي تحقق أنها ما زالت عالقة القلب بحسن، فأراد أن يقطع أملها منه ~~فقال لها: «ما بالك لا تجيبين؟ ألم يعجبك ما دبرته لك من أسباب السعادة؟ أم لم تفهمي مغزى ~~كلامي؟ إنك ستكونين سيدة نساء هذا الجند وجند بني أمية المحاصرين مكة الآن، وإذا أشكل عليك ~~فهم مرادي فاعلمي أنك ستزفين إلى الحجاج بن يوسف كبير أمراء مولانا الخليفة عبد الملك بن ~~مروان، وهو من ثقيف مثلنا، وله ما لا أزيدك بيانا عنه من علو الشأن.» # فلما سمعت تصريحه لم تعد تتمالك نفسها، فغطت وجهها بكمها وأسندت رأسها إلى العمود ~~وظلت صامتة وقد حبست نفسها عن البكاء أو التنهد حتى كادت تختنق وهي لا تدري بماذا تجيب، ~~مخافة أن يفتك بها، فلم تر سبيلا غير البكاء. فلما رآها تبكي أمسك يدها وأبعدها عن العمود ~~بلطف فطاوعته وهي تبالغ في الإطراق فقال لها: «أحسب صورة ذلك الغلام في ذهنك، مع أنه قد مضى ~~وانتهى أمره فلم يبق لك سبيل إليه. فإذا ms069 كان في قلبك بقية أمل فيه فانزعيها واطرحيها ~~جانبا.» # فأجفلت سمية، ورفعت رأسها ونظرت إلى أبيها وعيناها تقطران دمعا وكأنها في شك من قوله، ~~فابتدرها قائلا: «صدقيني إنه لم يعد لك سبيل إلى حسن، ولا سبيل له إليك أيضا؛ لأن أمره قد ~~انقضى وأصبح في عداد الأموات.» # فلما سمعت قوله صاحت صيحة سمعها كل من في الخيام، ولطمت وجهها وقالت: «حسن مات؟ مات؟! لا. ~~لا. إنه لم يمت، إنه حي.» قالت ذلك واستغرقت في البكاء، وجلست على حصير من سعف النخل كانوا ~~قد فرشوه في أرض تلك الخيمة وجعلت رأسها بين كفيها وأطلقت لدموعها العنان وأبوها ما زال ~~واقفا وقد بغت لما رآه منها، على أنه قال لنفسه: «إنها لا تلبث أن تفرغ من البكاء، فمتى ~~تحققت موت حسن عادت إلى رأيي.» فصبر هنيهة وهو يظهر الاستخفاف بما بدا منها، ثم عاد فقال ~~لها: «أراك كأنك لم تصدقي قولي مع أنك تعلمين أني لم أكذبك قط. صدقيني إن حسنا قتل في ~~أثناء خروجه من المدينة فلا سبيل إلى رجوعه. أم تريدين أن تقتلي نفسك من أجله؟» # فصاحت مولولة وقالت: «نعم أقتل نفسي، ولا غرض لي في الحياة بعده. لقد قتلتموه ظلما ~~وغدرا! ويلك يا ظالم! كيف قتلته؟ اقتلني معه ... اقتلني.» قالت ذلك وعادت إلى البكاء، فلما ~~رأى عرفجة تصلبها عمد إلى الملاينة فقال لها: «أنا لم أقتله ولكنه قتل بذنبه، ولا فائدة من ~~البكاء عليه، فاشكري الله على أنه مات قبل أن يقترن بك، وإلا ما وجدت حظوة في عيني ~~الحجاج.» # فقطعت كلامه وقالت: «ما لي وللحجاج؟ إني لا أريد غير حسن. حسن خطيبي. هو وحده حبيبي حيا ~~أو ميتا.» ثم أجفلت وقالت: «لا لا، لم يمت حسن، بل هو حي، وأيدي الظلمة اللئام تقصر ~~عنه.» # فقال عرفجة: «ألا تزالين تنكرين قتله؟ هل أريك جثته لكي تصدقي؟» فوثبت سمية من مجلسها ~~وقالت: «لا. لا. لا تريني إياه ميتا. ويلاه! قتل حسن. قتلته أنت يا ظالم! فاقتلني وأرح ~~نفسك مني وأرحني ms070 من الحياة. اقتلني كما قتلت رجلا أنقذك وأنقذ أهل بيتك من القتل. ويل لك ~~من مشهد يوم عظيم!» قالت ذلك وقد أحست بقوة عجيبة ويئست من الحياة. فلما سمع عرفجة تقريعها ~~صاح بها: «أقصري يا فاجرة، أبمثل هذا الكلام تخاطبين أباك؟! والله لولا حرمة البنوة ولولا ~~أن يقال إني قتلت فتاة لمزجت دمك بهذه المياه ... ولكني أعاملك معاملة صبية حمقاء، وسأصبر ~~عليك قليلا فإذا أبيت إلا ما بدا من وقاحتك فإني قاتلك بهذا الخنجر!» # قال ذلك واستل من منطقته خنجرا لمع نصله كالبرق، فلما رأت النصل تعرضت له وقد حسرت ثوبها ~~عن صدرها وهي تقول: «اضرب. اغمد خنجرك في هذا القلب. اطعن. أتخوفني بالموت؟! إن الموت أحب ~~إلي من الحياة.» # فلما رأى منها ذلك العناد صاح قائلا: «أهذه نتيجة تعبي في تربيتك يا فاجرة؟! لقد حل لي ~~قتلك، ولكني لا ألوث يدي بدمك وسترين قبل موتك جميع أصناف العذاب.» ثم صاح: «قنبر.» فأقبل ~~ذلك العبد بأسرع من لمح البصر كأنه كان في جيب عرفجة وأخرجه بيده، وقال: «لبيك يا مولاي.» ~~فقال: «شد يدي هذه الخائنة بالأمراس وقيد رجليها بالحبال وسأريها عاقبة العناد.» # فلما رأت سمية قنبر مقبلا نحوها وثبت من مقعدها وصاحت به: «اذهب يا عبد السوء، لا تدن ~~مني. اغرب من وجهي، لا تدن مني. اذهب قبح الله وجهك.» قالت ذلك وهي لا تعي ما ~~تقول. # أما قنبر فأخرج من جيبه حبلا كان قد أعده لمثل هذا الغرض، وهجم عليها وهو لا يبالي ~~صياحها فقبض على يدها وهي تحاول التخلص منه، وقد اشتد ساعداها حتى صارت مثل أشد الرجال ~~ونسيت حزنها، ودفعته عنها وهو يحاول إخضاعها بلا عنف، فلما رآها تدفعه وتقاومه عزم على ~~استعمال العنف فصاح فيها صيحة دوت دويا عظيما وجذبها من يدها فلطم رأسها عمود الخيمة، ~~فوقعت مغشيا عليها، فأخذ في شد وثاقها غير مكترث لحالها. # وكان الخدم قد سمعوا صياح سمية، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على الاقتراب من الخيمة إلا أمة ~~الله جاريتها فإنها ms071 هرولت خلسة واستترت وراء نخلة حولها عشب العليق ولبثت تسترق السمع. فلما ~~رأت هجوم قنبر على سيدتها علمت أنه لن يحجم عن قتلها، ثم سمعت لطمة عقبها سكوت فخافت أن ~~يكون قد أصاب سمية سوء، فلم تر سبيلا إلى نجدتها إلا بالحيلة ، فأسرعت إلى عرفجة وترامت ~~على قدميه وقبلتهما وقالت: «بالله ألا أشفقت على سيدتي وأغضيت عن جرأتها وأنا أضمن لك كل ما ~~تريده منها.» # وكان عرفجة يعامل سمية بذلك العنف لكي يحملها على قبول الزواج بالحجاج؛ لأنه يرجو من وراء ~~ذلك منفعة كبرى لنفسه. وقد ذكرنا ما فطر عليه من حب الذات والطمع من سوء النية. وقد بلغ ~~منه الطمع حدا هون عليه تقديم ابنته ضحية على مذبح أغراضه، ومات ضميره فلم يعد يهمه ما ~~يرتكبه في سبيل بلوغ مقاصده. وكان يعلم أن الحجاج يرغب في الزواج بسمية ويبذل لها مهرا ~~كبيرا، ولكنه كان يخاف أن تشكوه لعبد الملك بن مروان بوساطة سكينة بنت الحسين أو غيرها من ~~أهل الوجاهة والنسب في المدينة. فلما اطمأن إلى مقتل حسن أخبر طارقا بن عمرو أمير المدينة ~~بأن مثل ابنته لا تليق بغير الحجاج بن يوسف وأنه يعلم برغبته فيها. وكان طارق أيضا مثل ~~عرفجة قسوة وطمعا ولا سبيل له إلى غرضه إلا إذ تقرب إلى الحجاج بما يرضيه، فرأى أن يتقرب ~~إليه بسمية فيخطبها له ويحملها إليه، فوافق عرفجة وساعده على التخلص من حسن ودفع إليه بعض ~~مهر سمية، على أن يأخذ بقية المهر بعد وصولها إلى الحجاج بالقرب من مكة. # وكان عرفجة يعلم ميل ابنته إلى حسن، ونفورها من الحجاج وغيره، ويتوقع إباءها فهيأ الأسباب ~~لإقناعها بأية وسيلة، وتواعد مع طارق على أن يخرج بها إلى قرب المعسكر ويحاول إقناعها ~~بالحسنى فإذا لم تقتنع عمد إلى العنف فيحملها إلى الحجاج مكرهة ولم يكن هو ينوي الذهاب معها ~~لغرض له بالمدينة يتعلق بتلك المحفة السرية، فأراد إقناعها خارج المدينة وإرسالها توا إلى ~~مكة مخافة أن تفر إلى سكينة وتلتجئ إلى بيتها ms072 في المدينة فتحميها أو تساعدها في إبلاغ ~~أمرها إلى عبد الملك بن مروان قبل وصولها إلى الحجاج. أما بعد أن تسير إلى مكة ويتزوجها ~~الحجاج فلا يعود هناك محل للشكوى. ولا يهمه أن تشكو سمية؛ إذ يكون قد نال بغيته، ولذلك أوصى ~~طارقا بأن يعقد الحجاج قرانه بها حال وصولها حتى ينقطع لديها كل أمل في النجاة. ثم احتال ~~في إخراجها إلى المعسكر كما تقدم. فلما رأى نفورها مما عرضه عليها من أمر الحجاج أصدر أمره ~~إلى قنبر بشد وثاقها وخرج هو من الخيمة لا يلتفت إليها. # فلما لقيته أمة الله وترامت على قدميه ووعدته بإقناعها، نادى عبده فخرج، وأمر أمة الله ~~فدخلت الخيمة وحدها، فرأت سيدتها مغمي عليها، فبادرت إلى ركوة من الجلد فيها ماء فرشت سمية ~~به حتى أفاقت، وأخذت في حل وثاقها. فلما رأت سمية جاريتها فوق رأسها تقبلها وتحاول إنعاشها، ~~ارتدت روحها إليها، وسمعت أمة الله تقول لها بصوت منخفض: «ماذا فعلت بنفسك يا سيدتي؟ ما ~~هذا الذي أرى؟!» # فعادت سمية إلى البكاء وقالت: «أتسألينني يا أمة الله عما ترينه! لقد مات حسن، قتله ~~الظالمون - قبحهم الله.» # فقطعت أمة الله كلامها ووضعت يدها على فمها وهمست في أذنها وقالت: «اخفضي صوتك لنتدبر ~~الأمر بالحكمة؛ لأن العنف لا يجدي.» # قالت سمية: «دعيني يا أمة الله، فإني لا أريد الحياة بعد مقتل حبيبي ومنية فؤادي حسن. لقد ~~قتلوه لعنهم الله! ليتهم قتلوني عوضا عنه.» # فتقطع قلب أمة الله حزنا على سيدتها، ولكنها كانت عاقلة حكيمة صاحبة دهاء، فتجلدت وقالت: ~~«من قال لك إنهم قتلوه؟» # قالت: «أتسألينني؟ أما رأينا معا جمله مكسورا مهجورا؟ وهبي أن ذلك لم يكن يدل على قتله ~~فما قولك وقد أخبرني بقتله أبي الظالم الخائن، وعرض على أن يريني جثته رأي العين؟ هل بعد ~~ذلك من شك؟ وهل تلومينني إذا ندبت حياتي ونحت على شبابي؟ وهل ترين سبيلا إلى راحتي غير ~~الموت؟!» # فقالت الجارية: «إن أمر القتل لا يمكن أن نعده يقينا حتى الآن، وليس ms073 يخفى عليك رغبة أبيك ~~في تزويجك بالحجاج، فلعله ادعى أن حسنا قتل لكي يحول قلبك عنه، ومع ذلك فإن قتلك نفسك أمر ~~مستدرك ولا يجوز لك ذلك إلا بعد أن تتيقني أنهم قتلوا حبيبك، فعليك أن تصبري، ثم إذا لم ~~يفتح الله عليك بابا للفرج ورأيت الحجاج أوشك أن يبلغ مرامه منك، فليس أسهل من أن تقتلي ~~نفسك بتجرع السم قبل وصوله إليك.» # قالت: «ومن أين آتي بالسم؟» # قالت: «أنا آتيك به، فاشترطي على أبيك أن أكون في خدمتك، وأنا أهيئ لك السم، ومتى تحققت ~~انقطاع الأمل، أسعفتك به، وتجرعت منه معك، أما الآن فدعي العناد وتظاهري بالرضا، ولا يبعد ~~أن يفتح علينا قبل وصولنا إلى هذا المعسكر، أو قبل وصولنا إلى مكة، أو لعلنا نجد حسنا في ~~الطريق فتذهبين إليه. وليس يليق بك أن تطلقي لنفسك عنان اليأس؛ إذ ماذا يكون الشأن إذا ~~قتلت نفسك وكان حسن لا يزال حيا.» # فلما سمعت سمية كلام أمة الله أحست بانشراح صدرها وارتاح بالها وعادت إليها الآمال. ~~والإنسان سريع الرجوع إلى الأمل لأن طبيعة الوجود تبعده عن اليأس، وحب ذاته يهون عليه ~~الرجوع عن الانتحار حبا في البقاء، ويندر أن يرتكب أحد جريمة الانتحار بعد إعماله الفكرة ~~والتبصر. وما لبثت سمية أن استحسنت رأي جاريتها فقالت لها: «افعلي ما بدا لك، فأنت تعرفين ~~ما في قلبي، فعسى أن يأتيني الله بالفرج على يدك.» # فسرت الجارية لنجاحها في إقناع سيدتها، ولكنها شعرت بهول الموقف، وكانت ترجح موت حسن. على ~~أنها عمدت إلى الصبر وخرجت إلى سيدها وكان واقفا مع عبده تحت نخلة. فلما رآها أومأ إليها ~~أن تدنو منه، فمشت منحرفة عن موقفه ففهم أنها تريد الاختلاء به، فمشى وحده حتى التقيا. ~~فقالت: «إني رأيت سمية مطيعة لك في كل ما تريد، لكنها استوحشت معاملة قنبر فلا تدعه يخاطبها ~~أو يكلمها، ولا يخفى على مولاي أن من كان في حال سمية لا يؤخذ بالعنف، وقد خاطبتها الآن ~~باللين فرأيتها لانت، ولا بد من ms074 جلسة أخرى أتمم بها المراد، فإذا كان لا بد من إرسالها إلى ~~معسكر طارق اليوم فدعني أكن في خدمتها حتى نأتي الحجاج ولك علي كل ما يسرك.» # فاطمأن بال عرفجة وهان عليه إبعاد قنبر عنها، وأطاع أمة الله في إرسالها معها وقال لها: ~~«لا بد من ذهابها إلى خيمة أعدوها لها في معسكرهم ولا آمن أن تسير وحدها، فاذهبي أنت معها ~~وأكدي لها أني لم أفعل ما فعلته إلا رغبة في راحتها.» # فقبلت أمة الله يده وقالت: «بارك الله فيك، ولكن سمية تحتاج إلى إحضار ثيابها ~~وأدواتها.» # فقطع عرفجة كلامها وقال: «كل شيء معد لها في خيمتها بالمعسكر وما عليها إلا الرجوع ~~إليه.» # فقالت أمة الله: «ادخل الآن عليها في الخيمة، وكلمها كلاما لينا.» قالت ذلك ومشت فمشى ~~عرفجة حتى دخل الخيمة فرأى سمية جالسة باكية، فدنا منها وأمسك بيدها وقال: «لقد ساءني ما ~~ألجأتني إليه من الكلام الجافي، ولكني علمت من أمة الله أنك فعلت ذلك بالرغم منك، فانهضي ~~وسيري معها إلى خيمتك في المعسكر، وقد أوصيتها بأن تكون في خدمتك.» # فنهضت سمية مطرقة، فأسرعت أمة الله إلى يد عرفجة وقدمتها إلى سمية وهي تقول: «قبلي يد ~~أبيك ليتم رضاؤه عنك.» فقبلتها. وكان الهودج لا يزال معدا فقبلها وأركبها، وأمة الله ~~معها، وركب هو بغلته وسار أمامهما حتى أوصلهما إلى المعسكر وسلم الجمل إلى عريف الجند، ~~فتسلمه العريف وسار معهم إلى خيمة في بعض أطراف المعسكر. ~~••• # كانت سمية في أثناء الطريق غارقة في هواجسها وقد زال أثر كلام أمة الله عن نفسها. ولما ~~مرت بالمكان الذي كان الجمل المكسور فيه رأت بعض العبيد قد نحروه وأخذوا في سلخ جلده، ~~فتصورت أنهم قتلوا حسنا ونحروا جمله، وعظم عليها الأمر ولكنها تجلدت، وكانت أمة الله ~~تراقب حركاتها خلسة. وبعد هنيهة وصلوا إلى المعسكر، فتحققت سمية أنها وقعت في الشباك، ~~وعز عليها أن تزف إلى رجل فظ غليظ القلب بدلا من حبيبها، فاستوحشت وزاد قلقها - والفتاة ~~إذا زوجوها برجل تعرفه وترضاه لا ms075 بد من استيحاشها في أوائل أيامها، إلا إذا كان زواجها عن ~~غرام متبادل، فكيف بسمية وهي ترجح قتل حبيبها ظلما، وترى أن أباها قد باعها لرجل لا تحبه ~~والناس يتحدثون بقساوته وشدته وبأن أمره نافذ لا مرد له! # فلما وصل بعيرها إلى الخيمة المعدة لها أناخوه وأنزلوها وأمة الله معها، ثم دخلتا الخيمة، ~~فرأت سمية صندوقها وفراشها وكل معداتها هناك، فجلست على بساط كانوا قد فرشوه لها، وجلست أمة ~~الله إلى جانبها تحادثها وتلاطفها، وسمية تنظر إلى خارج الخيمة تتشاغل بما تراه من حركات ~~الجند والعبيد والخيل والجمال وهي مستغرقة في الهموم. وكان أشد ما شغل ذهنها أن رأت كلبا ~~ينهش خرقة سوداء ويلاعبها بين يديه فيقذفها ثم يعدو في أثرها عدوه إلى فريسة، وتلك عادة ~~الكلاب إذا لم تكن جائعة، ثم اتفق أن قذف الكلب تلك الخرقة فوقعت بين يديها، فما كاد بصرها ~~يقع عليها حتى أجفلت وخفق قلبها ومدت يدها إليها ففر الكلب من أمامها. # فأمسكت الخرقة بأنملتين ورفعتها وتفرست فيها فإذا هي ملوثة بالدم. وما لبثت أن قلبتها ~~وصاحت: «ويلاه هذا هو القباء. هذا قباء أبي قتل حسنا به!» # فتناولته أمة الله من يدها وقد عرفته، ولكنها راحت تغالط سمية لتخفف عنها فقالت: «كيف ~~عرفت أنه قباؤه والأقبية تتشابه؟» # فقطعت سمية كلامها وقالت: «قد عرفته من هذا الوشي على هذا الكم فإنني طرزته بيدي وأنا ~~أعلم الناس برسمه.» قالت ذلك وشرقت بدموعها ولم تنتظر جوابا من أمة الله وأخذت تبكي وتقول: ~~«قتلوه. لم يبق عندي شك في قتله.» # فقطعت أمة الله كلامها وقالت: «وما علاقة هذا القباء بقتله؟» # قالت: «ألا تتذكرين أن أبي أهداه إليه يوم عزمه على السفر، وألح عليه أن يلبسه للوقاية ~~من البرد؟ ويل له من مشهد يوم عظيم. لقد ألبسه القباء وأوعز إلى أحد من صنائعه أن يقتله، ~~وكأنه اتخذ القباء دليلا عليه فأصابوا غرضهم منه، وهذه هي بقية القباء وعليها الدم. فهل من ~~بعد هذا شك في أنهم قتلوه؟ وما العمل؟ كيف ms076 أسلم نفسي إلى قوم قتلوا حبيبي؟» قالت ذلك وغصت ~~بريقها. # فقالت أمة الله: «سلمي أمرك إلى الله ولا تيأسي من رحمته، واعلمي أن ما يقدره الله واقع. ~~فاصبري والله مع الصابرين.» # فلم تر سمية غير الصبر فصبرت نفسها. والمرء قبل وقوع المصيبة يتوهم أنها إذا وقعت ~~يستحيل عليه احتمالها، وقد يتوهم ذلك أيضا أهله وذووه، ولكنه متى وقعت لا يعدم سبيلا ~~لاحتمالها والصبر عليها، وأمثال هذه الحوادث كثيرة نراها كل يوم. فلا غرو إذا صبرت سمية ~~بعدما تحققته من مقتل حبيبها. # وفي أصيل ذلك اليوم نودي الجند: «الخيل الخيل.» فركبوا بعد أن قوضوا الخيام، وساروا ~~والفرسان في مقدمتهم وأصحاب الرايات بينهم وفيهم رؤساء القبائل يحيطون بطارق بن عمرو، وكلهم ~~بلباس أهل البادية إلا هو فإنه لبس درعا فارسية كان قد جاء بها من العراق. # أما سمية فحملوها على هودج ومعها خادمتها، وكان يقود الجمل عبد، ويسوقه عبد، وإلى كل من ~~الجانبين حارس على هجين. وكان طارق يتردد على الهودج يتعهده ويسأل أهله هل يحتاجون إلى شيء. ~~ثم يركض فرسه إلى أطراف الجند ويتفقده ويدير شئونه. ~~••• # فلنترك سمية في هودجها تفكر في مصيرها ولنرجع إلى المدينة للبحث عن عبد الله خادم حسن فقد ~~تركناه راجعا من بيت سكينة بعد أن أوصل سمية إليه. ثم أخبرت أمة الله سمية أنه جاء إلى ~~المنزل للسؤال عنها فلم يجدها فرجع على أعقابه. # وكان عبد الله لما رجع من بيت سكينة قد أسرع لملاقاة سيده خارج باب المدينة، وهو قلق لما ~~سمعه من حديث سمية مع حسن في تلك الليلة، وتصور ما يحدق بسيده من الأخطار، فسار وهو يفكر ~~في الأمر، ونسي نفسه فأخطأ الطريق وخرج من غير الباب الذي خرج منه حسن، ثم سار من طريق آخر ~~يؤدي إلى الجهة الأخرى. وكثيرا ما يتفق ذلك في مثل هذه الحال فيتجه الرجل شرقا وهو يرى ~~أنه يسير غربا. وبعد أن سار ساعة وهو لا يرى راكبا ولا يسمع صوتا وقد اشتد الظلام وقف ~~ونظر إلى ms077 ما حوله فإذا هو بين النخيل لا يتبين الطريق ولا يدري أين هو، ولكنه لم يكن له علم ~~بطريقة الاستدلال بالكواكب، فحول سيره إلى جهة أخرى، ولكنه لم يصل إلى المكان المقصود، ~~على أنه كان كلما بعد عن المدينة استدل عليها ببعض ما يبدو فيها من الأنوار فيرجع إلى ~~جوارها. وحدثته نفسه بدخولها ولكنه خاف أن يكون سيده في انتظاره ببعض ضواحيها، ثم بدا له أن ~~سيده ربما قد عاد إلى بيت سمية لسبب ما، فرجع إلى المدينة وجاء منزل عرفجة فلم يجد سمية ~~هناك كما تقدم، فعاد إلى خارج المدينة وقضى ليلته في هذا الاضطراب. # وقبل الفجر سمع جعجعة جمل يتألم فولى وجهه شطر جهة الصوت، وقد خيل إليه أنه جمل سيده، ~~فاستأنس به، وأخذ ينادي الجمل بما تعود أن يناديه به من الأسماء والأصوات فازداد الجمل ~~جعجعة ولكنه بقي في مكانه حتى بلغه عبد الله فعرف أنه جمل سيده حقا غير أنه لا يستطيع ~~النهوض كأنه معقور، فغاص عبد الله في الماء حتى دنا منه فأدار الجمل رأسه إليه كأنه يحييه ~~ويستنجده. # ولما تحقق أنه معقور، ولم يجد حسنا عنده، اضطرب وشغل باله، فأسرع إلى الرحل فنزعه عنه، ~~ووقف مدة وهو يفكر فيما عسى أن يكون قد حدث لحسن. واشتد به الاضطراب والقلق. ولم يجد فائدة ~~من أن يسأل عنه في بيت عرفجة؛ لأنه لم يجده هناك بالأمس، وقد خشي إذا سأل سمية عنه أن يزيد ~~في بلبالها. فخطر له أن يقصد إلى المكان الذي باتا فيه ليلة وصولهما إلى المدينة مع ليلى ~~الأخيلية، فسار إليه، ومر أثناء مسيره بمنزل عرفجة فتنسم الأخبار، ولما لم ير أثرا لحسن ~~واصل السير حتى أتى البيت فلم يجد به أحدا، فجلس وقد أخذ التعب منه مأخذا عظيما، ووضع ~~الرحل بين يديه وجعل يفتشه فوجد أسطوانة مختومة وعليها اسم عبد الله بن الزبير فعلم أنها ~~الرسالة التي يحملها حسن إلى مكة. فلما رآها ازداد قلقه وقال في نفسه لو أن حسنا ترك ms078 الجمل ~~باختياره لحمل هذا الكتاب معه؛ لأنه إنما جاء هذه الديار من أجله؛ فترجح لديه أنه قتل أو ~~أصيب بمكروه، فقضى نهاره لم يذق طعاما، وأخذ يندب مولاه تارة ويعلل نفسه بلقياه تارة أخرى. ~~ولم يغادر سوقا ولا دربا من دروب المدينة إلا مر به وهو يتفرس في وجوه الناس ويتنسم ~~الأخبار، فلم ير إلا انهماك الناس في إعداد النجدة للحجاج عملا بما حمله البريد إليهم. ~~وبات ليلته بالمدينة وهو يفكر في الأمر، فقر رأيه أخيرا على أن يحمل كتاب خالد إلى عبد ~~الله بن الزبير في مكة فيتم المهمة التي جاء حسن من أجلها، على أن يبحث عنه في أثناء ~~ذلك. # الفصل الحادي عشر # | عبد الله بن الزبير # كان عبد الله بن الزبير بن العوام من كبار الصحابة، وكان قد رفض المبايعة ليزيد بن معاوية ~~كما رفضها الحسين بن علي، وخرجا من المدينة إلى مكة، ودعا كل منهما إلى بيعته هو، على أن ~~عبد الله رأى ألا يتظاهر بذلك والحسين في مكة لعلمه أنه أولى منه بالبيعة. فلما كان شخوص ~~الحسين إلى الكوفة ومقتله في كربلاء، خلا الجو لابن الزبير فبايعه الناس واستفحل أمره، وجعل ~~مكة عاصمته، وبايعه أهل الحجاز واليمن، وحاربه بنو أمية ولكنهم لم يبلغوا منه وطرا، فلما ~~كانت خلافة عبد الملك بن مروان، وكان الحجاج يومئذ أحد أمراء عبد الملك، ولهذا ثقة في ~~شجاعته رغب الحجاج في قتال عبد الله، وقص على عبد الملك رؤيا قال إنه رأى نفسه فيها وقد ~~أخذ ابن الزبير وسلخه، وطلب من عبد الملك أن يشخصه لقتاله، فأشخصه في ثلاثة آلاف من أهل ~~الشام، وأعطاه كتاب أمان إلى ابن الزبير ومن معه إن أطاعوه، وأوصاه بأن يرفق ~~بالكعبة. # فسار الحجاج سنة 72ه. وحدثت بينه وبين ابن الزبير مناوشات لم يتم الفوز فيها لأحدهما، ~~فمل الحجاج، وأرسل إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير، فأذن له وأنجده ~~بخمسة آلاف آخرين، فاشتد بذلك أزر الحجاج، وحاصر الكعبة ورماها بالمنجنيق. فعظم ms079 ذلك على ~~المسلمين وأنبوه، ولكنه أصر على رأيه. وطال الحصار على أهل مكة حتى قل زادهم وأصابهم ~~جوع شديد. وكانت مكة يومئذ قليلة العمار ليس فيها غير المسجد وفي وسطه الكعبة وبعض الأبنية، ~~وكانت الكعبة قد تهدمت في حصارها قبل قدوم الحجاج فأعاد ابن الزبير بناءها على أوسع مما ~~كانت عليه. # ونصب الحجاج المنجنيق على جبل أبي قبيس المشرف على مكة من جهة الشمال والشرق. # وكان ابن الزبير مقيما مع أهله بالمسجد الحرام، ومعه جماعة من رجاله قد بايعوه حتى الموت ~~وصبروا معه صبر الرجال. وأما الحجاج فكانت خطته أن يستمر في تضييق الحصار على عبد الله، ~~وبعث بسراياه يطوفون حول مكة يمنعون الدخول إليها والخروج منها. ولما طال أمد الحصار دون أن ~~يستسلم المحاصرون استنجد الحجاج طارقا أمير المدينة كما تقدم. ~~••• # ولنرجع إلى حسن وقد خرج من المدينة على جمل أهداه إياه أبو سليمان، ومعه العبد بلال. وبعد ~~مسيرة أيام أشرفا على مكة عند الغروب فرأياها محاطة بشراذم من الفرسان يطوفون حولها. فقال ~~بلال: «إني أرى الطلائع الأموية حول مكة، ولا آمن إذا واصلنا السير أن يمنعونا، فهل تأذن لي ~~في الخروج إليهم للاستطلاع ثم أعود إليك؟» # فوافقه حسن على ذلك، وأوصاه بالرجوع إليه عند حائط انتظره فيه بعيدا من الطريق ~~العام. # وسار بلال، واتجه حسن إلى ذلك الحائط، وهو من آثار بناء قديم هناك، وترجل وعقل جمله وراء ~~الحائط ثم اتكأ بجانبه بحيث لا يراه أحد من المارة. ولبث مدة وقد طاب له الاتكاء لعظم ما ~~قاساه من الجهد في أثناء ركوبه الطويل من المدينة إلى مكة فأحس براحة، ولكنه ما لبث أن رأى ~~الشمس تغرب والظلال تتقلص وبلال لم يرجع. فلما آن العشاء استبطأه وحسب لتأخره ألف حساب، ~~ثم وقف وتسلق الحائط وجعل ينظر إلى الأفق لعله يراه قادما. # وفيما هو في ذلك سمع سعال بلال، فالتفت فرآه قادما يعدو عدو الغزال والأرض رملية لا ~~يسمع وقع الخطى عليها، فلما وصل إليه قال: «لا سبيل لنا إلى ms080 مكة الليلة؛ لأن رجال الحجاج ~~مضيقون عليها الحصار من كل ناحية حتى لا يدخلها أحد ولا يخرج منها أحد.» # قال حسن: «وما الحيلة؟ لا بد من دخولنا.» # قال: «ليس لنا يا مولاي إلا أن نصبر إلى الغد؛ لأبحث عن سبيل إلى دخولنا.» # فقال : «أنبقى وراء هذا الحائط إلى الغد؟» # قال: «كلا يا مولاي، فقد دبرت وسيلة أظنها تريحك وتسهل عليك الدخول.» # قال: «وما هي؟» # قال: «أتعرف محمدا بن الحنفية؟» # قال حسن: «كيف لا وهو ابن الإمام علي، وأخو الحسن والحسين من أبيهما؟» # قال: «إن له حرمة عند الحجاج وعند ابن الزبير، فإذا وسطناه دخلنا مكة على أهون ~~سبيل.» # قال: «كيف تكون له هذه الحرمة وهو عدو لابن الزبير ولعبد الملك؛ لأنه يزاحم الأول على ~~الخلافة في الحجاز، ويزاحم الآخر على الخلافة في الشام! ألم تسمع بحديث المختار؟» # فقال بلال: «كيف لم أسمع به؟!» # فقال حسن ولم ينتظر إتمام جوابه: «لقد كان المختار يطالب بالخلافة لمحمد بن الحنفية، ثم ~~قتله مصعب أخو عبد الله بن الزبير المحصور في هذا الحرم الآن، وجاء عبد الملك بن مروان ~~فحارب مصعبا وقتله وأخذ العراق منه.» # قال: «صدقت يا مولاي، ولكن المختار طلب من تلقاء نفسه البيعة لابن الحنفية دون أن يكلفه ~~هذا بذلك ولا أراده، وقد لجأ المختار إلى هذه الخطة تمهيدا لاستقلاله بالأمر لنفسه، وعلى ~~هذا حمل الكرسي المشهور أمره عند الناس، وزعم أنه كرسي الإمام علي، كما ادعى ما يشبه ~~النبوة؛ حتى كرهه الناس ونفروا منه.» # فقال حسن: «هل رأيت ذلك الكرسي؟ وهل تعرف أصله؟» # قال: «إن سر هذا الكرسي عندي، وطالما جلست عليه قبل أن يصبح مقدسا كما ادعى ~~المختار.» # قال: «وكيف ذلك يا بلال؟ إنك والله لواسع الاطلاع.» # قال: «إن الذي يعيش طويلا يرى كثيرا. فقد اتفق لي منذ بضع سنين وأنا في المدينة أني ~~اصطحبت رجلا اسمه الطفيل بن جعدة بن هبيرة، وكانت جدته أم جعدة أخت علي بن أبي طالب. وكان ~~يتردد إلى جار له زيات كنت أتردد ms081 إليه أحيانا، فأصيب الطفيل يوما بضيق ولم يبق معه ما ~~ينفقه على نفسه. وكان المختار يومئذ قد قام لمحاربة قتلة الحسين، فأراد الطفيل أن يحتال ~~عليه ليكسب منه مالا، فاشترى من جاره الزيات كرسيا قديما كان مهملا عنده ثم غسله وسقاه ~~الدهن حتى لمع، وذهب به إلى المختار وقال له: «إني كنت أكتمك شيئا وقد بدا لي أن أذكره لك؛ ~~إن أبي جعدة كان يجلس على كرسي عندنا، ويروي أن فيه أثرا من علي.» فقال له المختار: سبحان ~~الله لماذا كتمت خبره، ابعث به إلي. فبعث به إليه وقد غشاه بملاءة، فدفع له اثني عشر ألف ~~درهم، فأخذها الطفيل وانصرف، ثم غشي المختار الكرسي بالديباج وزينه بأنواع الزينة، ودعا ~~الناس إلى المسجد حيث أراهم إياه بعد الصلاة وقال لهم: «إن هذا الكرسي من ذخائر أمير ~~المؤمنين علي - عليه السلام. وهو عندنا بمنزلة التابوت لبني إسرائيل.» فصدقوه، وصار إذا ~~حارب خصومه حمل الكرسي معه إلى ميدان القتال وقال لمن معه: «قاتلوا ولكم الظفر والنصر، هذا ~~الكرسي محله فيكم محل تابوت بني إسرائيل، وفيه السكينة والبقية، والملائكة من فوقكم ينزلون ~~مددا لكم» ...» # فقال حسن: «لعلك تعرف ابن الحنفية؟» # قال: «نعم يا مولاي، وقد شهدت كثيرا مما يتناقله الناس من أحاديث قوته البدنية، وأذكر ~~أني رأيته في حياة أبيه علي، وكنت غلاما، وفي يد أبيه درع طويلة فأراد أن ينقص بعض حلقاتها ~~فدفعها إلى محمد وأمره أن ينقص منها كذا حلقة، فقبض محمد بإحدى يديه على ذيلها وبالأخرى على ~~فضلها، ثم جذبها فقطعها من الموضع الذي حدده أبوه. وهو يعرفني أيضا.» # فقال حسن: «وماذا ترى أن نصنع الآن؟» # قال: «إن ابن الحنفية مقيم الآن بالشعب في جوار مكة، فإذا شئت نزلنا عنده الليلة ثم نرى ~~ما يكون في الغد.» # فقال: «وهل تعرف الطريق إليه؟» # قال: «عرفته في أثناء غيابي عنك الآن، وقد أوصاني بك مولاي أبو سليمان خيرا أراك أهلا ~~له ... فأنا خادمك حتى تبلغ مأمنك.» # فقال حسن: «بورك فيك.» وأخذ يهيئ رحله ms082 للركوب وبلال يساعده ويقول: «إني أرى مكة في ضيق ~~شديد، وأخاف على ابن الزبير من عاقبة هذا الصبر، فإن الأمويين غالبون آخر الأمر على ما ~~أرى.» # فتذكر حسن ما هو قادم لأجله وخاف الفشل، ولكنه صبر ريثما يدخل مكة في الغد. # سار حسن وبلال حتى أتيا أرضا صخرية مشيا بين شقوقها، ثم صعدا تلالا أشرفا منها بعد ~~قليل على شعب بعيد أوقدت به نار لهداية الضيوف كما هي العادة عند العرب. وهم حسن بأن ~~يسأل بلالا فإذا بهذا يقول له: «إننا على مقربة من الشعب. وعما قليل تبدو لنا الخيام ~~ونسمع صهيل الخيل، فهل تريد أن ننزل في دار الأضياف رأسا أم نقصد خيمة محمد نستأذنه ~~ونخاطبه في أمر دخولنا مكة؟» # قال: «أخشى أن يكون في ذهابنا الآن إلى خيمته ما يزعجه، فلنترك ذلك إلى صباح غد.» # قال: «إذن نذهب إلى دار الضيافة؛ فإنهم لا يسألون القادم إليها عن سبب قدومه، ومتى أصبحنا ~~نرى ما يكون. وربما خرجت أنا الليلة لأدبر الأمر.» # فأثنى حسن على غيرته. وبعد قليل لاحت لهما خيام عديدة منصوبة على غير نظام يتوسطها فسطاط ~~كبير عرفا من اتساعه ووقوف بعض الخدم ببابه أنه فسطاط محمد بن الحنفية، فوقف بلال برهة وهو ~~يتفرس في الخيام حتى تبين خيام الأضياف وعرفها من انفرادها عن سواها وقربها من النار. فسارا ~~حتى اقتربا منها فسمعا لغطا وكلاما. ثم ترجل حسن، وسبقه بلال إلى أقرب الخيام فلقيه رجل ~~رحب به وسأله عما يريد، وطلب إليه أن ينتسب، فانتسب، وقال: «إننا أضياف غرباء.» فأنزلهما ~~على الرحب والسعة، وأفرد لهما خيمة ليس فيها أحد. فدخل حسن، وأعطى بلال الجمل لأحد الخدم ~~ليأخذه إلى المعالف، ثم عاد إلى حسن فوجد عنده طعاما أعده القوم، فأكلا، ثم خرج بلال على ~~أن يعود بعد قليل، وتوسد حسن على فراش من جلد فرشوه له، وكان التعب قد أخذ منه مأخذا ~~عظيما فغلب النعاس عليه فنام، ولكن هواجسه لم تنم معه فتحولت إلى أحلام مزعجة رأى فيها أنه ms083 ~~دخل مكة وقد دخلها الحجاج وقبض عليه وحبسه وقيده، فشق ذلك عليه وانزعج، ثم أفاق من نومه ~~مذعورا فشكر الله لأن ذلك كان حلما، ولكنه تشاءم وغلب عليه الأرق فجعل يتقلب والنوم لا ~~يأتيه. فأراد رؤية بلال لعله يقص عليه ما يتسلى به ريثما يطلع النهار، وخرج للبحث عنه عند ~~باب الخيمة حيث ظن أنه نام هناك، وناداه فلما لم يجب ظنه مستغرقا في النوم، ثم ما لبث أن ~~تبين أنه لم يعد بعد، وتفرس في النجوم فعلم أنه في الهزيع الأخير من الليل، فقلق على بلال، ~~ثم التف بردائه اتقاء البرد، وخرج ليبحث عنه حول الخيام.» ~~••• # وفيما هو في ذلك سمع جعجعة جمل قادم نحو الخيام فالتفت فإذا هناك جملان على أحدهما ما ~~يشبه الهودج ويقوده رجل ماش لم يستطع تبين وجهه لاشتداد الظلام، فتبادر إلى ذهنه أن رجلا ~~وامرأته وخادمه قادمون للمبيت هناك إلى الصباح. ولكنه استغرب مسيرهم في أواخر الليل بجوار ~~مكة وهي في حصار شديد. فعاد إلى خيمته وفي نفسه أن يستطلع حقيقة القادمين، فجعل ينظر من ~~شقوق في الخيمة تطل على الطريق، فرأى أن الجملين قد أنيخا ونزل راكب أحدهما وهو رجل قصير ~~القامة، ملثم بعمامته وقد التف بعباءته. ثم رأى الرجل الذي كان ماشيا يقود الجمل فإذا هو ~~عبد كبير الجثة سريع الحركة، تسلم جمل الراكب الأول وعقله بجانب الجمل الآخر وهو يقول: ~~«أترى يا مولاي أن أبقى هنا مع الجملين، أم أسير في خدمتك؟» # فرد عليه الرجل بصوت منخفض قائلا: «امكث أنت هنا واحتفظ بما على الجمل فإنه أعز شيء عندي ~~كما لا يخفى عليك.» # قال: «هل أسير في خدمتك إلى خيمة الأضياف؟» # قال: «لست ذاهبا إلى هناك، فامكث أنت هنا ريثما أعود إليك.» قال ذلك ومشى. # وكان حسن يتوقع أن يرى زوجة الرجل الأول تنزل من الهودج، ولكنه رآه ما زال مجللا بغطائه، ~~ثم رأى العبد عاد إلى الجمل الذي يحمل الهودج وجلس بجانبه مستندا إلى بطن الجمل، وما لبث ~~أن نام ms084 نوما عميقا وعلا شخيره. فاستغرب حسن ما رآه، وكان قد تعب من الوقوف، فعاد إلى ~~فراشه وفكره مضطرب. وبعد أن جلس قليلا عاد إلى باب الخيمة للبحث عن بلال وقد ازداد قلقه ~~لغيابه، فأطل برأسه من الباب وتلفت يمنة ويسرة فلم يجد أحدا ، وحال الظلام بينه وبين ~~الأشباح البعيدة فعاد إلى فراشه وقد أحدقت الهواجس به، فحدثته نفسه بأن يخرج إلى ذلك العبد ~~ويسأله عن سر الهودج، ولكنه أحجم وقال في نفسه: «لو كان بلال هنا لكلفته بهذه ~~المهمة.» # وفيما هو في ذلك سمع وقع أقدام خارج الخيمة تقترب من بابها، فأدرك أن بلالا قادم، ولم ~~يشأ أن يناديه لئلا ينتبه العبد الآخر النائم بجانب الجمل. فوقف ومشى إلى الباب، فرأى ~~بلالا يهم بالاتكاء، ورآه بلال فوقف وقال: «ما الذي أيقظك في آخر الليل يا مولاي؟» # قال وهو يشير إليه أن يخفض صوته: «لقد استيقظت من زمن فقلقت لغيابك، ثم رأيت بعض الناس ~~حطوا رحالهم وراء خيمتنا، وظهر لي من أمرهم ما أقلقني.» # فقال بلال: «وما الذي تبغيه منى فأفعله، إني رهن إشارتك.» # قال: «هل مررت من وراء هذه الخيمة؟» # قال: «كلا وإنما جئت من هنا.» # قال: «تعال إذن.» وأمسكه بيده فأدخله الخيمة وأراه الجملين والعبد النائم تحت الهودج، ~~وقص عليه ما كان من أمرهم إلى أن قال: «فهل تستطيع مخاطبة هذا العبد لتعرف منه الغرض من ~~قدومهم؟» # قال: «ذلك شيء يسير.» ثم خرج من باب الخيمة ودار حتى دنا من الجملين وحسن ينظر إليه من شق ~~الخيمة فرآه يقترب من العبد رويدا رويدا حتى دنا منه وتفرس في وجهه والعبد نائم ثم انكفأ ~~راجعا مسرعا حتى دخل الخيمة، فبادره حسن سائلا: «لماذا لم تخاطبه؟!» # قال: «لأني أعرفه وأعرف حكايته.» # قال: «وكيف ذلك؟» # قال: «اجلس لأقص عليك ما يغنيك عن كثرة البحث: لقد نمت أول الليل بباب هذه الخيمة ولكنني ~~ما لبثت أن استيقظت وأخذت أفكر في حيلة نستطيع بها مقابلة محمد غدا حتى لا يطول مكثنا. ~~وخفت أن يكون ms085 علينا بأس إذا عرفوا مدخلنا ومخرجنا وغرضنا فرأيت أن أذلل العقبات وأنت نائم، ~~فنهضت وسرت إلى رجل من المقربين إلى الأمير كنت قد عرفته أيام كنا بالمدينة ولي عليه دالة. ~~فلقيت الرجل في خيمة له بقرب خيمة ابن الحنفية وبينهما طريق مفتوح، يدخل عليه صاحبي منه من ~~باب خاص دون سائر الناس، فلما أتيته رحب بي وأكرمني وسألني عن أمري، فقلت له إننا جئنا ~~نلتمس من الأمير وسيلة ندخل بها مكة. فوعدني خيرا ثم أجلسني وجعل يسألني عن حوادث مرت ~~بنا قديما وأمور يهمه الاطلاع عليها، وكلما هممت بالنهوض أقعدني حتى طال بي الجلوس. وبينما ~~أنا أهم بالنهوض سمعنا وقع أقدام خارج الخيمة على غير انتظار فأقعدني صاحبي وخرج وهو يقول: ~~«من الرجل؟» وسمعت من يجيبه قائلا: «أنا عرفجة.» ولما كنت أعرف رجلا اسمه عرفجة كان يتردد ~~على عامل المدينة وكثيرا ما رأيته في دار الإمارة خرجت لأحقق أمره فرأيت الرجل ملثما ~~ولكنني عرفت أنه هو صاحبي هذا من صوته وقامته.» # وهنا تذكر حسن أن الصوت الذي سمعه لما أناخ الرجل الجملين يشبه صوت عرفجة، فبغت واستغرب ~~مجيئه في هذا الليل، وتبادر إلى ذهنه أنه ربما علم بقدومه فجاء للوشاية به لدى ابن الحنفية، ~~ولكنه استبعد ذلك لعلمه أنه ليس على وجه البسيطة رجل عرف بخروجه من المدينة غير سليمان ~~وأبيه وخادمه بلال. ثم على فرض أن عرفجة عرف بمسيره إلى مكة فكيف يعرف أنه في هذا الشعب؟! ~~ولكن إذا كان هو عرفجة فمن عسى أن تكون التي جاءت معه في الهودج؟ إنه غير متزوج وليس عنده ~~من النساء إلا ابنته سمية، فهل هي التي في الهودج؟ وخفق قلبه وتصاعد الدم إلى وجهه. كل ذلك ~~وبلال واقف بين يديه ينتظر إشارته لإتمام حديثه. # فقال حسن: «هل عرفت الغرض من قدوم هذا الرجل في هذا الليل؟» # قال: «كلا يا مولاي؛ لأني رأيته يحدث صاحبي همسا فرأيت أن أنصرف لأخلي لهما المكان. ولما ~~استأذنت صاحبي ناداني إليه وقال: «موعدنا غدا إن شاء ms086 الله.» فعلمت أنه لا يزال على وعده ~~فأتيت وآثرت النوم بباب الخيمة إلى الصباح.» # فقال حسن: «وما الذي عرفته من أمر العبد النائم بجانب الجمل؟» # قال: «عرفت أنه قنبر خادم عرفجة، وهو عبد سمج الخلق فظ الطبع يعرفه كل أهل ~~المدينة.» # قال حسن : «وما ظنك بمن في الهودج؟» # قال: لا أظنه هودجا وإنما هو محفة. ولا يبعد أن يكون فيها بعض النساء أو ربما كانت فيه ~~ابنته سمية لأنه ليس له سواها.» # فلما سمع حسن اسم حبيبته تجددت أشجانه، وتذكر أن بلالا لا يعلم شيئا من أمره مع سمية، ~~فضاقت نفسه عن كتمان سره ولكنه تجلد وقال: «أتظنه يحمل ابنته معه إلى هنا في مثل هذه ~~الظروف؟» # قال: «لا أخاله يفعل ذلك، وهب أنه حملها فلا أظنه يبقيها محبوسة لا نسمع لها صوتا، ولا ~~سيما أن المحفة ضيقة لا تكفي لكي تنام فيها.» # فاطمأن قلب حسن على سمية ولكنه بقي مشغول الخاطر بأمر المحفة، وهم بأن يعود إلى سؤال ~~بلال في شأنها، فإذا بهذا يبتدره قائلا: «ليس في المحفة فتاة ولا امرأة، فقد تذكرت الآن أن ~~لهذا الرجل محفة قد احتفظ بها في منزله لا يطلع أحدا على ما فيها، وأهل المدينة مشتاقون ~~لمعرفة سرها. فلعلها هي هذه.» # فازداد حسن شوقا إلى معرفة سر المحفة، ولكن القلق عاوده من جهة ما حمل عرفجة على القدوم ~~في هذا الليل، فقال بلال: «متى نذهب إلى ابن علي؟» # قال: «عند طلوع الشمس.» # فعاد حسن إلى فراشه، واضطجع بلال بباب الخيمة. وقضيا ما بقي من الليل بين نوم وتقلب ~~وهواجس، ولما طلع النهار نهضا وخرجا فما كاد حسن يلتفت إلى موضع الجملين وراء خيمته حتى بغت ~~إذ لم يجد لهما أثرا، وظن أن عرفجة قد سافر. # وواصلا سيرهما بين الخيام، وهي على مرتفع من الأرض متشعب، به للخيل والجمال مسارح وقد خرج ~~الخدم ليقدموا لها علفها. فلما بلغ خيمة محمد، وكانت رحبة عالية قائمة على عمد عديدة، رأيا ~~بابها مسدلا فعلما أن محمدا في ms087 شاغل، فتحولا إلى خيمة صاحب بلال وهي ملتصقة بها، فلما ~~دخلا عليه رحب بهما وأدخلهما وهو يشير ألا يتكلما، فدخل حسن ونظر من كوة في الخيمة تطل على ~~خيمة الأمير فرأى محمدا جالسا وبين يديه رجل قصير القامة عرف أنه عرفجة، فقال في نفسه هذه ~~فرصة لا ينبغي أن نضيعها ويجب أن نطلع على سر هذه المقابلة. وتفرس حسن في محمد فإذا هو كبير ~~الوجه وقد بانت ملامح الشيخوخة وهو لا يزال كهلا، ولكنه كان يخضب لحيته بالحناء والكتم ~~فلا يظهر فيها الشيب، على أن دلائل القوة لا تزال ظاهرة في كفيه ووجهه وعينيه. # وخاف حسن أن يكون في تطلعه هكذا ما يؤاخذ به صاحب بلال، فأراد أن يعتذر فتظاهر بالرغبة في ~~الخروج فقال له الرجل: «تفضل يا مولاي واجلس فإني أحب الاطلاع على غرض هذا الرجل من هذه ~~المقابلة السرية التي يزعم أنها ذات بال، ولقد ساءني بخشونته حتى صرت لا أبالي كتمان ~~سره.» # فنزل هذا القول بردا وسلاما على قلب حسن، وفرح لتمكنه من نيل بغيته، ولكنه تظاهر بعدم ~~اكتراثه للاطلاع على السر، وجلس بحيث يرى ولا يرى، فرأى عرفجة جالسا بين يدي ابن الحنفية ~~ويخاطبه متهيبا، وسمعه يقول له: «أنت تعلم أيها الإمام أنك أولى الناس بهذا الأمر بعد ~~الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة. إن الخلافة بعدهما لك فأنت وحدك ولي هذا الأمر وليس بنو ~~أمية سوى معتدين.» # وظل محمد صامتا لا يتكلم، فظنه عرفجة راضيا بما يقول، فاستأنف الكلام قائلا: «وأنت ~~تعلم يا مولاي أن المختار قام بالدعوة لبيعتك، ولكنه لم يثبت على عهده فلم يوفقه الله، كما ~~نعلم أن السر الذي كان يستعين به على بث الدعوة جدير بأن يقوم به من تندبه لذلك.» # وظل محمد صامتا مطرقا كأنه يفكر في أمر آخر، في حين مضى عرفجة في حديثه فقال: «ولا يخفى ~~على مولاي الإمام أن بني أمية الآن في شغل بعبد الله بن الزبير، وأكثر جندهم منهمكون في ~~حصاره، والعراق خال ممن يدعو ms088 أهله إلى الحق، فإذا ندبت أحدا وسيرته إلى العراق ليدعو إلى ~~بيعتك كان ذلك من سداد الرأي.» # فرفع محمد رأسه وقال: «إن الفشل لم يأتنا إلا من العراق، ففيه قتل أبي وأخي غدرا ~~وخيانة.» # فزحزح عرفجة نفسه على البساط وقال: «إن السبب في ذلك الفشل لم يبق منه شيء الآن. وإني ~~أرى السبل قد تمهدت والوقت دنا لظهور الحق.» # فقال محمد: «ومن تراه يليق لهذه المهمة؟» # قال: «إنك أنت الذي ستضع سرك بين يديه وتعهد إليه في النداء بصوت الله، فأمر اختياره ~~إليك.» # قال: «وبمن تشير؟» # فسكت عرفجة وأطرق، وكأنه يخشى أن يصرح بترشيح نفسه لهذه المهمة لئلا يساء الظن به ثم ~~قال: «إن هذا الانتداب لا يكون إلا بإلهام من الله، فاختر من يلهمك الله اختياره.» # قال: «وإذا لم يلهمني الله؟» # فارتبك عرفجة في أمره وتهيب التصريح له بغرضه. وكان غرضه الأول من هذا الأمر كسب المال ~~فباع بنته للحجاج وجاء لنصرة عدوه. # وكان محمد بن الحنفية يومئذ على الحياد وقد طلب الحجاج منه أن يبايع لعبد الملك، وطلب منه ~~ابن الزبير أن يبايع له، فأبى البيعتين ولبث في انتظار ما يكون من أمر مكة وحصارها؛ وذلك ~~لأنه كان عاقلا لا يجهل عجزه عن القيام بدعوة جديدة إلى بيعته هو بعد ذلك الفشل. على أنه ~~ظل يساير عرفجة وهو لا ينوي ترك الحياد. # أما عرفجة فلم ير بدا من الإجابة فقال: «إذا لم تلهم اختيار أحد لهذه المهمة فاختر ~~صاحب الكرسي.» # فقال محمد: «وأي كرسي؟» # فنهض عرفجة وتحول إلى باب الخيمة ونادى قنبر عبده، ثم رجع، وبعد هنيهة دخل قنبر وعلى كتفه ~~المحفة وعليها ستار، فوضعها بين يدي محمد وخرج. فقال محمد لعرفجة: «ما هذا؟» # قال: «هذا تابوت العهد!» ثم أخرج مفتاحا ورفع الستار عن المحفة وجعل يعالجها بالمفتاح ~~حتى فتحت فرفع سقفها وحسن ينظر ويتطاول بعنقه وهو يعجب من غدر عرفجة وخبثه. ثم ما لبث أن ~~رآه مد يده إلى داخل المحفة وأخرج شيئا مغشي بالديباج فرفع الديباج ms089 عنه فإذا هو كرسي ~~خشبه يلمع كالمرآة. # وتقدم عرفجة بالكرسي حتى وضعه بين يدي محمد وهو يقول: «أليس هذا كرسي الإمام علي الذي ~~انتصر به المختار؟» # فابتسم محمد وقال: «ولكنه فشل بعدئذ.» # قال: «لقد فشل لأنه لم يخلص النية في سعيه.» # فقال محمد : «وهل تخلص أنت النية إذا ندبناك لهذه المهمة؟» # قال وقد بان السرور في وجهه: «كيف لا، وهذه بغيتي وأكون قد نصرت الحق وأهله؟!» ~~••• # عجب حسن لقبول محمد هذا الأمر ولكنه ما لبث أن سمعه يقول لعرفجة: «ولكن دعوة أهل العراق ~~تحتاج إلى المال؛ لأن بني أمية إنما غلبوا أخوي بالمال، وسيغلبون اللائذ بالكعبة بالمال ~~أيضا، فإن ديارهم غنية وعندهم المال كثير ينفقونه في ابتياع الأحزاب والأتباع. فإذا كنت ~~صاحب مال فإني أرجو لك النجاح.» # فلما سمع عرفجة كلام محمد سقط في يده، وخاب ما أمله، ولم يدر بماذا يجيب. ولكن محمدا لم ~~ينتظر جوابه فقال له: «إن هذا الكرسي الذي تزعم أنه كرسي أبي ليس سوى كرسي قديم لأحد ~~الزياتين. وقد زعمت أني ندبت المختار ليدعو إلى بيعتي، وهذا وهم باطل لأن ذلك الثقفي إنما ~~ندب نفسه لتلك المهمة ليشبع بطنه. فإذا كنت أنت جائعا فالتمس بابا آخر غير هذا!» قال ذلك ~~وقد ظهر الغضب والجد في وجهه. # فارتبك عرفجة وتحقق ضياع أمله بعد أن قضى بضعة أعوام في تنميق ذلك الكرسي وصقله، وكتمان ~~أمره عن أهل المدينة. وكان لا يشك في أنه إذا عرض الأمر على محمد بن الحنفية وجد منه ~~قبولا، وبذلك يبتز منه المال ليشبع مطامعه وشرهه، ويضيف ذلك المال إلى ما قبضه ويقبضه ~~مهرا لابنته من الحجاج. # وكان عرفجة من أصحاب الإحساس الأصم والعواطف المائتة، لا يحجم عن عمل مهما يكن خطيرا، ~~إذا وجد فيه ما يشبع نهمه إلى المال، فلما تبين الغضب في عيني محمد عمد إلى الخديعة؛ فوقف ~~بين يديه وهو يظهر الاستغراب وقال: «لقد عجلت يا مولاي بالحكم علي، وأنا إنما أدعوك إلى ~~أمر عائدته لك ولأهل بيتك، ولا ألتمس ms090 على ذلك أجرا ولا شكورا.» # فقطع محمد كلامه وهو ينظر إليه شزرا وقال: «أتظن أمرك يخفى علي؟ لقد قرأت المكر والخديعة ~~في عينيك. ولولا حرمة الجوار لألحقتك بالمختار وألحقت بك بني ثقيف!» ثم نادى: ~~«سعيد.» # فنهض صاحب بلال وهو يكاد يطير من الفرح ، وأسرع حتى دخل على محمد، وحسن وبلال ينظران وقد ~~غلب عليهما السرور. # فلما وقف سعيد بين يدي محمد قال له: «ألق هذا الكرسي في النار، وأخرج هذا الثقفي من ~~خيمتي، وليقم حيثما يشاء، وإذا رحل فزودوه بما يحتاج إليه.» # فلما سمع عرفجة ذلك خرج من تلقاء نفسه وهو يظهر الأسف، وتبعه سعيد حتى خرج من الفسطاط، ~~فوجده يبحث عن عبده قنبر، فلما لم يجده التفت إليه وقال: «إني راحل إلى بلدي وقد أسفت لأن ~~الإمام محمدا لم يفهم مرادي.» قال ذلك متلطفا خوفا على حياته. فعجب سعيد للفرق العظيم ~~بين هذا التزلف وبين مقابلته الخشنة ساعة وصوله بالأمس - وذلك شأن أهل الكبرياء يستبدون ~~بالضعفاء من الناس، فإذا لقوا قويا استولى عليهم الذل وصغرت نفوسهم؛ لأن ما كان يبدو من ~~كبريائهم واستبدادهم لم يكن عن نفس كبيرة وإنما ضعف رأي وصغر نفس. # وكأنما رق قلب سعيد لتزلف عرفجة، فعرض عليه النزول في دار الأضياف فاعتذر برغبته في ~~الرجوع، وكان قنبر قد عاد فناداه وأمره بإعداد العدة للرحيل، ثم ركب عرفجة جملا وقنبر ~~الجمل الآخر وخرجا من الشعب يلتمسان معسكر الحجاج. فلما بعدا عن الخيام أخذ عرفجة يتوعد ~~محمدا بالسوء عند الحجاج ويذكره بكل قبيح من الشتم والسباب ليستر ما بدا لعبده من ~~فشله. # أما سعيد فإنه عاد إلى فسطاط محمد وتناول الكرسي وألقاه في النار وعاد إلى حسن وبلال في ~~خيمته فأخبرهما بخروج عرفجة من الخيام، وهنا عاد حسن إلى التفكير في دخول مكة فسأل سعيدا ~~في ذلك فأجاب بقوله: «سألت مولاي الإمام في هذا الشأن فأمر بذهابي معكما؛ لأني تعودت ~~الذهاب على مكة خلال الحصار وأكثر الطلائع يعرفونني.» قال ذلك ودخل على محمد يستأذنه في ~~الذهاب معهما، ms091 فأذن له. # وعاد سعيد إليهما بالإذن فخرجا إلى دار الأضياف ليتأهبا للسفر، وبعد قليل جاءهما سعيد على ~~جواد، فركبوا وساروا يلتمسون مكة من طريق يعرفه، والشمس قد تكبدت السماء. ~~••• # وفيما هم يسيرون وحسن يفكر في مهمته وكيف يدخل على عبد الله بن الزبير وليس معه كتاب ~~خالد، رأوا غبارا يتصاعد في الأفق من جهة طريق المدينة، ثم انقشع الغبار عن أعلام تخفق ~~وخيول تركض وجمال تجعجع، فلما اقترب الركب تفرس حسن في الأعلام والناس، فأدرك أنهم من أنصار ~~بني أمية وأنهم قادمون من المدينة بنجدة الحجاج. # ولكنه استغرب وصولهم في ذلك اليوم مع أنه أقلع قبلهم، والسيارة كلما زاد عددهم ثقلت ~~خطواتهم، فظن نفسه مخطئا في حكمه عليهم فأعاد النظر إلى الرايات والملابس فتحقق أنها لأهل ~~المدينة والقبائل القاطنة بجوارها، وعلم من عظم السرعة التي مشت بها تلك الحملة ما يدل على ~~اضطرار الحجاج إليها. فترجل حسن ورفيقاه والتجأوا إلى مكان يرون الركب منه ولا يراهم أحد، ~~وجعل يتفرس في وجوه الناس. # ومر الفرسان وحملة الرايات أولا، ثم تبعهم المشاة، فأحمال الزاد والمئونة. # وأخيرا رأى هودجا يقوده عبد ويسوقه عبد وإلى كل من جانبيه فارس. ولم ير في تلك الحملة ~~هودجا غيره وكان من عادة العرب في الجاهلية وأوائل الإسلام أن يحملوا معهم النساء والأولاد ~~حين يخرجون إلى القتال. فاستغرب حسن أمر هذا الهودج وتبين من الاحتفاء بأمره أنه لبعض ~~الأمراء. وما درى أنه يقل حبيبته التي سلبت لبه وأنهم يحملونها إلى سواه. ولو درى ذلك ~~لطارت نفسه شعاعا إليها. ولو صح ما قاله الشعراء من تواصل القلوب عن بعد لاضطرب حسن وخفق ~~قلبه ودله على ساكنة الهودج. # وظلوا وقوفا يراقبون مسير تلك الحملة حتى رأوها اتجهت إلى جبل أبي قبيس، فتحققوا أنها ~~نجدة المدينة إلى الحجاج، لعلمهم بأن الحجاج مخيم هناك. # الفصل الثاني عشر # | رمي الكعبة بالمنجنيق # سار حسن وصاحباه حتى أقبلوا على مكة فرأوا الطلائع من الفرسان والهجانة تجول حولها، وجاء ~~إليهم بعضهم، فتقدم سعيد لاستقبالهم وأخبرهم بأنهم ms092 ذاهبون في شأن يخص ابن الحنفية، فأذنوا ~~لهم في الدخول. # ونظر حسن إلى جبل أبي قبيس فرأى فيه خياما وحولها الناس وقد صغرت أشباحهم لبعد المسافة. ~~وبعد قليل وصلوا إلى تل فيه بعض المدافن فقال سعيد: «إننا في الحجون.» فوقف حسن على مرتفع ~~ونظر إلى مكة فأشرف على المسجد الحرام والكعبة في وسطه. وكان قد زار مكة من قبل ورأى الكعبة ~~لكنه رآها اليوم أكبر مما عهدها، ورأى على سطحها أشياء غريبة كالفرش والأثاث، فوقف هنيهة ~~يفكر في الأمر، ثم قال لسعيد: «إني أرى الكعبة على غير ما أعهدها فيه، وكأنها اتسعت، وكأن ~~عليها فرشا وأثاثا، وكأن على أرض المسجد خياما! ألست ترى ذلك؟» # فقال سعيد: «لقد صدق ظنك، فالكعبة الآن أكبر مما تعهدها؛ لأنها احترقت في الحصار الماضي ~~على عهد يزيد بن معاوية، فأعاد ابن الزبير بناءها ووسعها إلى ما كانت عليه في الزمن الأول ~~قبل أن تبنيها قريش. وأما ما تراه على سطحها فهو ألواح من الساج وضعها عبد الله هناك ووضع ~~فوقها الفرش والقطائف وقاية لها من حجارة المنجنيق؛ لأن الحجاج نصب المنجنيق على جبل أبي ~~قبيس وجعل يرمي الكعبة بالحجارة نكاية بابن الزبير.» # فقطع حسن كلامه وقال: «أعوذ بالله! أيرمون بيت الله بالحجارة؟» # فقال: «هذا عمل الحجاج، فإنه رجل ظالم لا يبالي شيئا في سبيل مقاصده، فقد رأيناه يرمي ~~الكعبة بالمنجنيق والناس يطوفون حولها. واتفق في الحجة الماضية أن عبد الله بن عمر حج، ~~وكان مولاي الإمام محمد في جملة الحجاج، فكنا نطوف والحجارة تتساقط علينا، فبعث ابن عمر إلى ~~الحجاج يقول له: «اتق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس فإنك في شهر حرام وبلد حرام، وقد ~~قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيرا، وإن المنجنيق قد منعهم من ~~الطواف والسعي.» فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجاج: «انصرفوا إلى بلادكم، فإنا ~~نعود إلى رمي الحجارة على ابن الزبير الملحد.» وسمعت أنه أول ما رمى الكعبة بالمنجنيق أرعدت ~~السماء وأبرقت وعلا ms093 صوت الرعد على الحجارة، فأعظم رجاله الأمر وأمسكوا أيديهم. فأخذ الحجاج ~~حجارة المنجنيق بيده فوضعها فيه ورمى بها معهم. فلما أصبحوا جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه ~~اثني عشر رجلا فقال الحجاج لرجاله: «يا أهل الشام لا تنكروا هذا، فإني ابن تهامة وهذه ~~صواعقها ، وهذا الفتح قد حضر فأبشروا.» فلما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت نفرا من أصحاب ~~ابن الزبير، فقال الحجاج: «ألا ترون أنهم يصابون وأنتم على الطاعة وهم على خلافها!» ~~...» # فعجب حسن لدهاء الحجاج وعتوه وساق جمله حتى نزلوا أسواق مكة فقال لسعيد: «لقد بلغنا ~~مأمننا، فإذا رأيت الرجوع فارجع، جزاك الله خيرا.» # فقال: «بل أوصلكما إلى المسجد فأطوف طوفة وأعود.» # ولما دنوا من المسجد سمعوا صدمة قوية، فقال سعيد: «هذا صوت حجر من حجارة المنجنيق وقع على ~~جدار الكعبة. انظر إلى حمام الحرم كيف تطاير إجفالا من صوت وقوعه.» # وكان حسن قد أحس بالجوع؛ لأنهم خرجوا من الشعب ولم يأكلوا، فقال لسعيد: «بالله ألا ~~أخذتنا إلى أحد باعة الأطعمة فنأكل شيئا!» فضحك سعيد وقال: «إن الأطعمة قليلة في مكة، ~~والناس في ضنك شديد من الجوع، فقد بيعت الدجاجة بعشرة دراهم، والمد من الذرة بعشرين ~~درهما، وقد سمعت أن ابن الزبير اضطر لما أصاب رجاله المجاعة أن يذبح فرسه ويقسم لحمها ~~فيهم.» قال ذلك وأدنى فمه من أذن حسن وقال بصوت منخفض: «ولكنني أعلم أن بيوت ابن الزبير ~~مملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا اختزنها خوف المجاعة، ولولا ذلك لما استطاع الصبر على ~~هذا الحصار، والحجاج ورجاله ينتظرون فراغ ما عنده من المئونة ليستسلم.» # فقال حسن: «لا بد من ابتياع شيء نأكله ولو كان غاليا.» وأشار إلى بلال فانصرف إلى السوق ~~وعاد بشيء من خبز الشعير والسويق فأكلوا على عجل، وساروا حتى أتوا المسجد الحرام، فدخل ~~حسن وسعيد إلى المسجد وهما يتظاهران بالرغبة في الطواف، ثم سأل حسن عن ابن الزبير فقيل له: ~~«إنه يصلي بجانب الكعبة.» فسأل: «وأين يذهب بعد الصلاة؟» فقالوا: «إنه يذهب إلى بيته.» ثم ~~دله سعيد ms094 على بيت ابن الزبير وودعه وعاد إلى الشعب. # وبعد أن صلى حسن ركعتين وطلب إلى الله أن يرشده إلى الصواب، جلس في بعض أطراف المسجد ~~ينتظر فراغ عبد الله من صلاته، وجعل يفكر في أمر المهمة التي جاء لأجلها، والوقت ليس وقت ~~خطبة ولا زواج. ثم تذكر ما كان من أمر سمية وانتظارها رجوعه ليقترنا، وانتقل به التفكير إلى ~~ما كان من أمر عرفجة في ذلك الصباح، وخيل إليه أن الفشل الذي أصابه سيحمله على العودة إلى ~~المدينة؛ لأنه لا يستطيع الغياب عنها طويلا وليس عند سمية أحد، ولعله يعدل بعد ذلك عن رفضه ~~تزويجها له. # ولاحظ أن من يدخلون المسجد قليلون، ثم ما لبث أن سمع قرقعة وأحس شيئا هوى بالقرب منه ~~وسمع رفرفة أطيار فالتفت فرأى حجرا كبيرا أصاب الكعبة وسقط على الأرض، فعلم أنه من أحجار ~~المنجنيق وقد أجفل حمام الحرم من وقعه فتطاير ثم عاد فوقع على جوانبها وعلى جدران المسجد. ~~ولم ير الناس يهتمون لتلك الحجارة؛ لأنهم ألفوا سقوطها بينهم. # وتذكر أن عبد الله يصلي بجوار الكعبة فاستغرب تعريضه نفسه لحجارة المنجنيق، وخاف أن يكون ~~ذلك الحجر قد أصابه ولا سيما أن وقت صلاته طال، فقلق عليه، ونهض فسار في فناء المسجد يلتمس ~~الكعبة حتى مر بالحطيم وحجر إسماعيل، ودار نحو بئر زمزم فرأى وراء الكعبة من الجهة الأخرى ~~بضعة رجال وقوفا، فأقبل عليهم ليسألهم عن عبد الله، فلما دنا منهم رأى بجانب الكعبة رجلا ~~ساجدا قد استقبل الأرض بوجهه، ورأى على ظهره حمامتين من حمام المسجد كأنهما واقفتان على ~~حائط والرجل لا يتحرك، فخيل له أنه ميت، واستغرب وقوف الناس هناك دون أن يهتموا له. فاقترب ~~من أحدهم وحياه، وسأله ما شأن ذلك الساجد؟ فابتسم الرجل وقال: «ألا تعرف من هو؟! إنه أمير ~~المؤمنين.» # فأدرك حسن أنه عبد الله بن الزبير، وزاد استغرابا وقال: «وما للحمام يقع على ظهره فلا ~~يتحرك.» # قال: «إنك غريب فيما يبدو، فلا تعلم أن مولانا أمير المؤمنين أكثر الناس ms095 صلاة وسجودا، ~~وكثيرا ما رأينا الطير على ظهره في أثناء الصلاة تظنه حائطا لسكونه وطول سجوده.» # فقال حسن: «إنه سجود طويل.» # وجاء رجل آخر كان واقفا هناك وقال: «إنكم لا تعلمون من تقوى أمير المؤمنين إلا قليلا. ~~أما أنا فقد صحبته طويلا فرأيته يقضي لياليه على ثلاث: ليلة يقضيها قائما إلى الصباح، ~~وليلة راكعا، وليلة ساجدا. ناهيك بصومه؛ فإنه يصوم الدهر كله إلا ثلاثة أيام يفطرها في كل ~~شهر.» # فدهش حسن وقال في نفسه: «يجدر بمن كان هكذا أن يكتب له النصر.» # وفيما هم وقوف سمعوا صوتا كهزيم الرعد، أدركوا أنه صوب المنجنيق فتنافروا ووقع الحجر على ~~حائط الكعبة وسقط إلى الأرض بجانب ابن الزبير فنفر الحمام عنه وهو لا يزال ساكنا لا يتحرك. ~~فذهل حسن وقال لصاحبه: «ألا تخافون على حياة أمير المؤمنين؟» # قال: «لقد طالما نبهناه إلى ذلك، وكثيرا ما وقع له مثل ما تراه وهو لا يبالي.» # فقال حسن: «أرجو أن يحرسه الله.» # فقال الرجل: «إن الله حارسه لفرط تقواه وكثرة عبادته، وقد وقع هنا في العام الماضي سيل ~~طبق البيت ومنع الناس من الطواف فطاف أمير المؤمنين سابحا!» # الفصل الثالث عشر # | فشل ابن الزبير # تأمل حسن في وجه مخاطبه وهو يتكلم والاهتمام باد في محياه لا يدري بماذا يعبر عن منزلة ~~ابن الزبير عنده ولا مقدار حبه له، ورآه موجها نفسه إليه كأنما يتوقع أن يسأله عن ابن ~~الزبير ليشرح له ما يعلمه من تقواه وشجاعته وصدق دعوته. قرأ حسن كل ذلك في عيني الرجل فأدرك ~~أنه من أشد أنصار ابن الزبير غيرة عليه، وتبين له من قيافته وهندامه أنه من وجهائهم. وزاد ~~اعتقادا في وجاهته لما آنسه من لطفه ودعته؛ لأن الإنسان يزداد لطفا ووداعة بازدياد ~~منزلته رفعة، فإذا رأيت جفاء وكبرياء من أحد الناس وأنت لا تعرفه فاعلم أنه دنيء الطبع، ولا ~~عبرة بما قد يكسوه من اللباس الفاخر، ولا بما في خزائنه من الأموال الطائلة. # وبينما حسن يفكر في ذلك ومخاطبه واقف إلى ms096 جانبه، سمعا عبد الله ينادي: «أين ابن صفوان؟» ~~ثم رأى الرجل الذي كان يخاطبه بغت وأسرع إلى عبد الله يقول: «لبيك يا أمير ~~المؤمنين.» # ففهم حسن أنه عبد الله بن صفوان الجمحي، وكان قد سمع عن حبه لابن الزبير وتفانيه في ~~نصرته، وهو أصلع في نحو الستين من عمره، عريض الجبهة خشن الملامح عريض الفكين، مما يدل على ~~الثبات والقوة. ثم التفت حسن إلى ابن الزبير وتهيأ للسلام عليه إذا مر بجانبه فإذا هو طويل ~~القامة عريض الكتفين لحيته غزيرة في أسفل ذقنه خفيفة في عارضيه. وتفرس فيه وهو يصلح عمامته ~~عند نهوضه من الصلاة فرأى شعره جمة مفروقة طويلة. وتأمل في وجهه فرأى الهرم قد بدا في ~~ملامحه لفرط ما قاساه من أمر ذلك الحصار وشدة ما أحاط به من الضيق، وهو في الثالثة والسبعين ~~من عمره؛ لأنه أول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة. # وهم حسن بالسلام عليه وتقبيل يده، ولكنه رآه اتجه إلى موضع آخر دون أن يلتفت إلى أحد، ~~وأعجب بمشيته الثابتة التي تدل على جلال ووقار، ورأى ابن صفوان يسير في أثره مراعيا إياه ~~بعينيه وكل جوارحه، وفي مشيته عرج، فعلم أنهما سائران إلى البيت، فاقتفى أثرهما وهو يفكر في ~~مخاطبة عبد الله بالأمر الذي جاء من أجله لكنه تهيب واستحيى لما رآه فيه من الاضطراب ~~والضيق، ورأى أن يتحين لذلك فرصة أخرى. # وخرج عبد الله من المسجد وابن صفوان يتبعه وحسن في أثرهما. وكان الناس يقفون في الطريق ~~لتحية عبد الله، حتى أشرفوا على دار واسعة قد غصت بالواقفين من الناس، وخارجها مرابط ~~الخيول والمعالف. فلما أقبل عبد الله على الدار توجهت أبصار الناس إليه ووسعوا له، فاخترق ~~الصفوف وهو مطرق حتى أشرف على مقعد في صدر القاعة فجلس عليه الأربعاء، وجلس إلى يمينه شاب ~~كبير الشبه به. فأدرك حسن أنه أحد أولاده. ثم جاء شابان آخران فجلسا عن يساره، وجلس بقية ~~القوم بين يديه لا يفوه أحدهم بكلمة لفرط ما أحاط بهم من الأمر ms097 العظيم، ولبثوا هنيهة كأن ~~على رءوسهم الطير. أما حسن فرأى نفسه غريبا بين هذه الجموع، وهم بالخروج فرأى ابن صفوان ~~يشير إليه من بعض جوانب القاعة داعيا إياه إلى الدخول، فمشى إليه وجلس إلى جانبه وقال له: ~~«يسرني أني عرفتك اليوم وقد طالما سمعت باسمك.» فقال ابن صفوان: «فهلا انتسبت لأعرفك أنا ~~أيضا.» # قال: «سأطلعك على أمري فيما بعد، فلا غنى لي عن معونتك.» # وكانا يتكلمان همسا والناس سكوت، وربما أدرك أحدهم السعال فأمسك عنه. فالتفت حسن إلى ~~ابن صفوان وقال له: «أي أبناء أمير المؤمنين هؤلاء؟» # قال: «إن الذي تراه إلى يمينه هو أخوه عروة بن الزبير. أما الجالسان إلى يساره فولداه ~~حمزة وحبيب، وترى على مقربة منهما شابا مطرقا هو الزبير ولده الثالث، وإن هذا الشاب ~~لجدير بأن يكون ابن أمير المؤمنين.» ثم تهيأ للنهوض قائلا: «لا بد لي من مفارقتك الآن لأمر ~~يدعو إلى ذلك، فإننا في مجلس ذي بال اليوم، وستسمع وترى فإن هؤلاء من قريش وهم رؤساء ~~القبائل.» ثم سار حتى وقف على مقربة من عبد الله فأشار إليه عبد الله أن يقعد. # وبعد قليل، وقف أحد الجالسين وخاطب عبد الله قائلا: «يا أمير المؤمنين، إننا بحمد الله ~~نؤمن بصدق دعوتك وأنك على الحق، وقد قاتلنا معك حتى لا نجد مقيلا، ولئن صبرنا معك ما نزيد ~~على أن نموت، وإنما هي إحدى خصلتين، إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا، وإما أن تأذن ~~لنا فنخرج.» # فلما سمع حسن ذلك الكلام تحقق ضعف القوم وأنهم صائرون إلى الفشل. ثم سمع ابن الزبير يقول: ~~«ألم تبايعوني على أنفسكم وأموالكم؟» # فقال الرجل: «بلى ولكنا نرجو أن تقيلنا بيعتنا؛ إذ لا نرى فائدة من البقاء عليها.» # فقال عبد الله: «إنني عاهدت الله على ألا يبايعني أحد فأقيله بيعته إلا ابن ~~صفوان.» # فالتفت حسن إلى ابن صفوان فرآه قد وقف بغتة والحمية والغيرة تنبعثان من عينيه وقد ظهر ~~التأثر في وجهه وقال: «أما أنا فإني أقاتل معك حتى أموت ولا ms098 أسلمك في مثل هذه ~~الحالة.» # ولم يتم صفوان قوله حتى علت الأصوات وضج الناس، وانقسموا شيعا وأحزابا، وبدا أن أكثرهم ~~لا يرون رأي ابن صفوان. فشق ذلك على حسن ودبت الحمية في عروقه فوقف وقال: «بورك فيك يا ~~ابن صفوان، بورك في رجل بايع وثبت على بيعته، إن أمير المؤمنين كما تعلمون أولى الناس بهذا ~~الأمر؛ وذلك لأن عثمان استخلفه على داره يوم مقتله فهو ولي عهده من ذلك اليوم. وإنكم ~~لتعلمون أنه نعم الخليفة لا تغره بهارج الدنيا. ألا ترون عبد الملك بن مروان كيف يستعين ~~على هذا الأمر بالمال والرجال؟ في حين يستعين أمير المؤمنين بالصوم والصلاة! تلك هي خلافة ~~الراشدين رحمهم الله أجمعين. ألم تسمعوا ماذا فعل عبد الملك يوم جاءه الخبر بالبيعة بعد موت ~~أبيه مروان؟ أنتم تعلمون أن عبد الملك كان من فقهاء المدينة، ولكثرة ما كان يظهره من التدين ~~والتقوى سموه حمامة المسجد، فلما مات أبوه وبشر بالخلافة كان المصحف في يده فأطبقه وقال: ~~«هذا فراق بيني وبينك!» فأين هذا من سجود أمير المؤمنين وصلاته وصيامه مما لا يخفى على أحد. ~~هذا وإن لأمير المؤمنين بيعة في أعناقكم، وأنتم جماعة قريش أهل الحماسة والنخوة، فكيف ~~تغادرون أمير المؤمنين في مثل هذه الحال؟ أما لكم أسوة بابن صفوان؟!» # وكان حسن يتكلم والعرق يتصبب من جبينه وقد امتقع لونه وأيقن أن القوم قد نكصوا على ~~أعقابهم، ولكنه لم يستطع غير الانتصار لما رآه حقا، وكانت الأبصار شاخصة إليه؛ لأنه غريب ~~لم يعرفه أحدهم. وكان عبد الله بن الزبير ينظر إليه ويعجب بغيرته. فلما فرغ من الكلام علت ~~الضوضاء فوقف رجل آخر وقال: «لقد نطقت بالصواب، وإن البيعة في أعناقنا لا ننكرها، وما نحن ~~خارجون من بين يديه إلا بأمره. ولكننا نرى القتال أصبح عبثا، ومعنا من الرجال عشرة آلاف، ~~وقد جعنا جميعا وعطشنا وقلت مئونتنا وذخيرتنا. وهذه منجنيقات الحجاج ترمينا من فوق ~~الكعبة لا يبالي حرمة هذا البيت. وقد نصب لنا الحجاج الآن راية الأمان فمن ms099 خرج إليها سلم. ~~فما بالنا لا نختار الطريق الأسلم!» ثم التفت الرجل إلى عبد الله بن الزبير وقال: «اكتب ~~إلى عبد الملك بن مروان لترى رأيه، فلعلكما تنتهيان إلى أمر فيه صلاح الحال.» # فلما سمع عبد الله اسم عبد الملك بن مروان أجفل وتغير وجهه وقال: «كيف أكتب إليه؟! أبدأ ~~بنفسي أو أبدأ به؛ أأكتب «من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان؟» فوالله لا ~~يقبل هذا أبدا، أم أكتب «لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير؟» ~~فوالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك.» قال ذلك وعاد إلى إطراقه، وسكت ~~الناس ينتظرون رأيا جديدا فإذا بعروة بن الزبير أخي عبد الله التفت إليه وهو جالس بجانبه ~~على المقعد وقال له: «يا أمير المؤمنين قد جعل الله لك أسوة.» # فقال عبد الله وقد ظهر الغضب في جبينه: «من هو؟» # قال عروة: «حسن بن علي، فإنه خلع نفسه وبايع معاوية.» ولم يتم عروة قوله حتى رفع عبد الله ~~رجله وضربه بها حتى ألقاه عن المقعد. فأجفل الناس من سقوط عروة وأعظموا غضب عبد الله ~~فتهيبوا، ثم سمعوه يقول له: «يا عروة، والله لو قبلت ما يقولون ما عشت إلا قليلا ولا أخذت ~~إلى الدنية. وإن ضربة بسيف في عز لخير من لطمة في ذل.» ثم وقف والتفت إلى الجموع ولحيته ~~ترقص في وجهه من شدة التأثر وقال لهم: «أنتم مخيرون فافعلوا ما تشاءون، وإن رجلا يجر إلى ~~الحرب بحبل لا يحارب، وإن الله وليي ونعم النصير.» قال ذلك وأراد الانصراف، فوقف ولداه حمزة ~~وحبيب وقالا: «هل نحن مخيران أيضا؟» # فعجب حسن لما سمعه وقال في نفسه: «حتى أولاده تخلوا عنه.» والتفت إلى عبد الله فرآه ينظر ~~إليهما وعيناه تلمعان بما يتجلى فيهما من الدمع ثم قال: «نعم وأنتما أيضا في حل، امضيا ~~واطلبا الحياة ولا تموتا.» ثم اختنق صوته فسكت ريثما ابتلع ريقه ونظر إلى ابنه الثالث ~~الزبير وقال له: «يا بني اطلب ms100 لنفسك أمانا مع أخويك فوالله إني لأحب بقاءكم.» # فوثب الزبير من مجلسه وقال ولم يبد على وجهه شيء من الخوف: «حاش لله أن أتخلى عنك فما كنت ~~لأرغب بنفسي عنك.» ~~••• # انصرف عبد الله من باب يؤدي إلى دار النساء، وظل حسن واقفا يسمع ما يدور بين الحاضرين، ~~فعلم أنهم أجمعوا على الخروج إلى الحجاج يلتمسون أمانه، وأدرك أن أشد ما أبعدهم عن عبد الله ~~أنه يقتر عليهم، في حين يسخو عبد الملك على بني أمية ويبذل الأموال لمناصريه، فساءه ذلك ~~لاعتقاده أن هؤلاء إنما أرادوا الخروج رغبة في العطاء، وإن صبر ابن الزبير لا يفيده شيئا ~~ولكن الإنسان لا يعيش في هذه الدنيا عمرين وإنما هي موتة فلا كانت عيشة تشرى بالشرف ~~والمروءة. # وأحس حسن بيد أمسكته، فالتفت فإذا بابن صفوان يدعوه إليه، فتبعه حتى دخلا حجرة بجانب تلك ~~الدار وابن صفوان يقول: «إن أمير المؤمنين يدعوك وقد أحب أن يراك.» قال ذلك وتركه هناك ~~وخرج. # فسر حسن لهذه الدعوة ورآها فرصة لأداء المهمة التي جاء لأجلها، وإن كان الكلام فيها لا ~~يجدي نفعا. # ثم عاد إليه صفوان وأشار إليه أن يتبعه، ومضى به إلى حجرة رأيا عبد الله يتمشى فيها وحده ~~وقد أخذ منه الغضب مأخذا عظيما، وهو تارة يمسح جبهته وطورا يحك لحيته، وآونة يشمر عن ~~ساعده أو يرسل كمه مما يدل على عظم البلبال. وتأمل حسن في تلك الحجرة فإذا هي لا شيء فيها ~~من الأثاث غير حصير ومقعد. فلما أقبلا عليه تقدم حسن إليه وسلم بالخلافة، فرحب به ودعاه إلى ~~الجلوس على المقعد، فلم ير الجلوس وابن الزبير واقف، فألح عليه هذا بالجلوس وقال: «دعني ~~واقفا وسأجلس بعد هنيهة.» # فجلس حسن وبقي صفوان واقفا مكانه يراعي عبد الله ويراقب حركاته ولا يتكلم. # ثم التفت عبد الله إلى حسن وقال: «من أين قدمت؟» # قال: «من الشام.» # فبغت عبد الله عند سماع اسم الشام؛ لأن فيها أعداءه ومناظريه، والتفت إلى ابن صفوان ~~كأنه يطلب مشاركته في الاستغراب فرآه ms101 لا يقل عنه استغرابا، فقال عبد الله: «وما الذي جاء ~~بك إلينا ونحن في هذه الحال. لعلك جاسوس؟» # قال: «معاذ الله يا مولاي! كيف أكون جاسوسا وأفعل ما فعلته اليوم؟» # فجلس عبد الله على جانب المقعد وأمر ابن صفوان بالجلوس فجلس، ثم قال عبد الله: «لا غرابة ~~فيما ظهر منك إن كنت جاسوسا؛ لأن الجواسيس يتلونون تلون الحرباء. على أني لا أبالي مهما ~~يكن من أمرك فما أنا ممن يستعينون بالجواسيس وأنا لا أخافهم وإنما أستعين بالحق ~~والعدل.» # فوقف حسن وهو يقول: «العفو يا مولاي، إني أجل نفسي عن الجاسوسية في هذا السبيل، وإنما أنا ~~رسول إليك في مهمة لا أرى مسوغا للكلام فيها الآن.» # قال: «وماذا تعني؟ وكيف لا مسوغ لها؟ قل ... لا بأس مما تراه من الأحوال. من أرسلك إلينا من ~~الشام؟ لعلك قادم من عبد الملك بنصيحة؟» # قال: «لا يا مولاي، بل أنا قادم من عند خالد بن يزيد بن معاوية.» # قال: «وهو أيضا أموي، وشأنه عندنا مثل شأن عبد الملك وإن يكن أعرف منه بالكيمياء والشعر ~~وما إلى ذلك.» # فقال حسن: «ما كنت أحسب الحقيقة تخفى على مولاي أمير المؤمنين فإنها عكس ذلك على خط ~~مستقيم.» # قال: «كيف يكون هذا وكلاهما أموي وقد اتحدا وقاما لحربنا؟» # قال: «أما الحرب فقد نصبها عبد الملك وليس خالد، ولو عرفت ما بينهما من الدخائل لتحققت أن ~~خالدا أرغب في بيعة أمير المؤمنين من آل العوام أنفسهم.» # فقال عبد الله وهو يبتسم ابتسامة الاستخفاف: «وكيف يكون ذلك وهو ابن يزيد الذي أمر بحصار ~~هذا البيت وقاتلنا حتى هدم الكعبة بمنجنيقاته ثم احترقت وأعدنا بناءها؟!» # فقال حسن: «صدقت يا مولاي إنه ابن يزيد بن معاوية، ولكن لا يخفى عليك أنه لما مات يزيد ~~كان الحصين بن النمير لا يزال محاصرا البيت الحرام وأنتم فيه، وهو لا يعلم بموت خليفته ~~يزيد، وقيل إنكم عرفتم بموته قبله، وإذا صح ما سمعته عما دار بينكم وبينه في شأن الخلافة ~~...» # فقطع عبد الله كلامه وقال: ms102 «أظنك تعني أنه عرض علي البيعة بعد موت يزيد؟» # قال حسن: «نعم يا مولاي ذلك ما أعنيه، ولو أنك أجبته إلى هذه البيعة لما كان على منصة ~~الخلافة سواك.» # فتقطب حاجبا عبد الله بغتة كأنه تذكر أمرا يؤلمه ذكره وقال: «ولكنه أراد أن أذهب معه إلى ~~الشام، وأبى إلا أن تكون البيعة هناك.» # قال: «وما منع مولاي أن يذهب إلى الشام؟! إنك لو ذهبت معه إليها وقربته منك لم يختلف ~~عليك أحد.» # فأسرع عبد الله في قطع الكلام لأنه لا يحب أن يتذكر الخطأ الذي ارتكبه في ذلك ولولاه لكان ~~بنو العوام خلفاء الإسلام بدل بني أمية؛ لشدة اضطراب حال بني أمية في ذلك الحين. وقال لحسن: ~~«ثم ماذا؟ أوصلنا إلى حديث خالد.» # قال: «لما مات يزيد بايع أهل الشام ابنه معاوية (الثاني) كما تعلمون، وهذا لم يكن يرى ~~لبني أمية حقا في الخلافة كما صرح جهارا في خطابه بعد أن تولاها بأربعين يوما، فإنه ~~أمر فنودي: «الصلاة جامعة.» فلما اجتمع الناس وقف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، ~~فإني ضعفت عن أمركم، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ~~ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا. ما كنت لأتزودها ميتا وما ~~استمتعت بها حيا.» ثم دخل داره وتغيب حتى مات. فلما مات معاوية هذا اختلف الناس فيمن ~~يولونه، واضطربت الأحوال حتى آل الأمر إلى مبايعة مروان بن الحكم؛ لأنه أكبر بني أمية ~~سنا. وكلنا نعلم شأن هذا الرجل في أمر عثمان وكيف أنه قد أوقد جذوة تلك الفتنة التي لم ~~نتخلص من عواقبها إلى اليوم. وهكذا تولى الخلافة مروان دون خالد بن يزيد الذي كان أحق بها ~~منه، بحكم نظام الوراثة الذي وضعه جده معاوية. على أن بني سفيان لم يرضوا ببيعته حتى عاهدهم ~~على أنه يجعل الخلافة بعده لخالد. فلما تولاها مروان حدثته نفسه أن يخرجها من نسل معاوية ~~إلى نسله، فتزوج أم خالد حتى تصغر نفس ms103 خالد عن طلب الخلافة، واتفق بعد بضعة أشهر أن مروان ~~ناظر خالدا في شأن وشتمه وأهان أمه، فخرج خالد إلى أمه وأطلعها على ما كان فقالت له: «دعه ~~فإنه لا يقولها بعد اليوم.» وفي المساء جاءها مروان وسألها: «هل أخبرك خالد بما جرى بيننا؟» ~~فقالت: «يا أمير المؤمنين، خالد أشد تعظيما لك من أن يذكر لي خبرا جرى بينك وبينه.» فلما ~~أمسى المساء وضعت مرفقة على وجهه وقعدت عليها هي وجواريها حتى مات ولم يتم السنة في خلافته، ~~والناس يظنونه مات حتف أنفه. فخلفه ابنه عبد الملك وهو يعلم بالأمر، ولكنه خشي إذا انتقم ~~لأبيه أن يفتضح أمره ويقال إن امرأة قتلته، فظل حاقدا على خالد، وظل خالد ينظر إليه ~~نظره إلى مختلس. ولهذا قلت لمولاي أمير المؤمنين إن خالدا أرغب من آل العوام في ~~خلافتك.» ~~••• # لما فرغ حسن من كلامه، أطرق عبد الله طويلا، وشعر حسن وابن صفوان بما يجول في خاطره في ~~أثناء ذلك الصمت الطويل، ثم رفع رأسه بغتة ونظر إلى حسن وقال: «لقد فات الوقت، ما يقدره ~~الله فهو كائن. على أني ما أظن خالدا يرضى بخروج هذا الأمر من بني أعمامه إلى رجل حاربه ~~أبوه عليه، ولا أرى ثمة مسوغا لذلك.» ثم استدرك فقال: «ولكنك لم تذكر بعد ما هو الأمر الذي ~~جئت لأجله؟» # فقال حسن: «إنه أمر لا يستحسن الخوض فيه الآن؟» # قال: «بل قل.» # قال: «لقد بعثني خالد إلى أمير المؤمنين خاطبا.» # قال: «من؟ ولمن؟» # قال: «مولاتي رملة أخت أمير المؤمنين، إلى مولاي خالد بن يزيد. وقد كتب بذلك كتابا فقدته ~~في المدينة لسبب يطول شرحه.» # فوقع الطلب موقع الاستغراب عند عبد الله لما بينه وبين بني أمية. على أنه لما تذكر ما ~~سمعه من حسن مال إلى تصديق الأمر، وإن بقي مرتابا في حقيقة مهمته، فقال له: «إذا كان خالد ~~كما وصفت فإني أرحب بمصاهرته، وكنت أود الاطلاع على كتابه. وليس هناك ما يدعو إلى العجلة ~~والحال على ما ترى، فلنصبر حتى ms104 يقضي الله بيننا وبين هذا الطاغية الذي يرمي بمنجنيقاته بيت ~~الله ولا يخاف عقابا.» # فقال حسن: «ذلك ما دعاني إلى التردد في تبليغ الرسالة، ولكن يكفيني ما علمته من رضاكم، ~~رغم أني لا أحمل كتاب خالد، وسأكتب إليه لأطمئنه بالقبول ولكي يرسل كتابا آخر في هذا ~~الشأن. ثم إني أعرض على مولاي أن أكون في خدمته لعلي أستطيع أمرا يكون فيه مصلحة له. فهل ~~ترى أن أذهب إلى الحجاج فأكلمه في شأن الهدنة أو الصلح فربما كان لكلامي وقع عنده؛ لأني ~~أعد من أنصار بني أمية فلا يرتاب في إخلاصي؟» # فقطع عبد الله كلامه وقال: «لا ... لا ... دعهم وما يفعلون، إني لا أريد وساطة لدى عبد ثقيف.» ~~قال ذلك ووقف، فوقف حسن وحياه ثم انصرف من غير الباب الذي دخل منه، وكان الليل قد أرخى ~~نقابه فتبعه ابن صفوان وناداه قائلا: «رويدك يا أخا العرب.» # فوقف حسن حتى اقترب ابن صفوان منه، فأمسك هذا بيده وأدنى فمه من أذنه وقال همسا: «تعال ~~معي.» # فمشى معه حتى دخلا دارا بجانب دار ابن الزبير، فأدخله غرفة خالية وقال له: «سمعتك تعرض ~~على أمير المؤمنين التوسط لدى الحجاج في المهادنة أو نحوها، وأمير المؤمنين لم يقبل ذلك ~~أنفة منه، ولكنني أعلم ما نحن فيه من الضنك، وإن المهادنة تفيدنا في لم شعثنا؛ لأننا قد ~~تشتتنا. لا أقول ذلك خوفا من الموت فإننا لا رغبة لنا في هذه الحياة، وإنما نحن نطلب ~~الآخرة وبنو أمية يريدون هذه الحياة الفانية ويسفكون الدماء من أجلها. فإذا رأيت أن تقوم ~~بهذه المهمة فافعل.» # قال: «سأسعى في ذلك جهدي، ولعلي أوفق إلى ما فيه الخير إن شاء الله.» # فقال ابن صفوان: «انزل الآن في دار الأضياف إذا شئت، أو انزل في داري.» # فقال حسن: «بل أنزل في دار الأضياف ريثما أدبر الأمر.» # قال: «ولكن الليل أدركنا، فامكث عندنا الليلة، فإذا أصبحنا خرجت إلى حيث تريد.» # فتذكر حسن بلالا والجمل، وكان قد تركهما بباب المسجد فقال: «إن خادمي ينتظرني ms105 بباب ~~المسجد والجمل معه، وأخاف أن يستبطئني فيظن أن قد مسني سوء.» # فقال ابن صفوان: «إنه إذا استبطأك، فسينام حيث هو، وفي الغد نراه.» # فأطاعه حسن وبات عنده. وقضى معظم الليل يفكر في أمر ابن الزبير وفي مسيره إلى الحجاج، ثم ~~أدركه النوم فرأى في منامه أنه لقي الحجاج وجادله في أمر الكعبة وكيف يرميها بالمنجنيق، ~~فسمع من الحجاج كلاما غليظا، فأفاق في الصباح وهو منقبض النفس. # ثم جاءه ابن صفوان بالطعام فأكل، وعرض عليه أن يسير معه إلى بيت الأضياف فقال حسن: «أرى ~~أن أبحث عن الخادم والجمل.» # فقال: «لا خوف عليهما، هلم بنا إلى دار الأضياف لتعرفها فإنها بجانب بيت أمير المؤمنين، ~~ثم تذهب بعدئذ إلى حيث تشاء.» ~~••• # سار ابن صفوان مع حسن حتى أدخله دار الأضياف، واتجه هو إلى بيت عبد الله. ورأى حسن في ~~الدار أناسا لم يعرف أحدا منهم، فجعل يتفرس في الوجوه لعله يرى خادمه بينهم، فلما لم يجده ~~هم بالخروج إلى مواقف الدواب عسى أن يجده مع جمله هناك، ثم رأى بلالا مقبلا والبغتة ~~بادية في وجهه وعيناه شائعتان كأنه يفتش عن ضائع، وما كاد بلال يراه حتى سارع إليه وقال: ~~«أين كنت يا مولاي. إن سيدي أبا سليمان يبحث عنك.» # فبغت حسن لذكر أبي سليمان لعلمه أنه فارقه في المدينة وقد عهد إليه في تنسم أخبار سمية. ~~فقلق لمجيئه ونهض وقال: «أين هو؟» # قال: «تركته في المسجد وجئت للبحث عنك، فهل أدعوه إليك؟» # قال: «بل أذهب إليه.» وهم بالخروج فرأى أهل الدار في هرج ومرج يزاحم بعضهم بعضا كأنهم ~~يوسعون الطريق لقادم عظيم، فوقف مع الواقفين وسأل أحدهم عن القادم، فقال له: «إن ذات ~~النطاقين قادمة إلى دار الأضياف.» # فعلم أنها أسماء بنت أبي بكر، أم عبد الله بن الزبير، وكان يحسبها قد ماتت لكبر سنها؛ ~~لأنها ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة. فهي يومئذ قد بلغت المائة من عمرها. وكانت مشهورة ~~بكبر العقل وسعة الصدر وصحة الدين. فأحب أن يراها، فجعل ms106 يتطاول حتى أقبلت فإذا هي قد احدودب ~~ظهرها وعميت، وجاءت تتوكأ على عكاز، وبجانبها رجل يسندها ويرشدها إلى الطريق. ورأى الناس ~~يدنون منها ويقبلون أطراف ثوبها تبركا بها. حتى إذا أقبلت على موقف خدم الدار قالت لهم: ~~«خافوا الله ولا تبخلوا على عباده بالطعام وإن كان قليلا في الأسواق فإن الله كفيل بطعام ~~الغد.» # فعجب حسن لاهتمام أم الخليفة بأمر الأضياف على عجزها وضعفها، ولكنه تذكر ما يقال عن بخل ~~ابنها عبد الله فظنها جاءت تحث الخدم على إكرام الضيوف لاعتقادها أن ذلك يدفع البلاء عن ~~أهلها. ولا شك في أنها كانت قلقة على ابنها عبد الله لعلمها بما يتهدده من الخطر ~~العظيم. # وبعد أن مر موكب ذات النطاقين، خرج حسن ومعه بلال وسارا إلى المسجد، وسارع حسن إلى لقاء ~~أبي سليمان. فحياه وقال: «ما وراءك يا عماه؟» # قال: «إن ما ورائي ذو بال يا بني.» # فبغت حسن وقال: «وما هو؟ قل يا عماه. هل أصاب سمية سوء؟» # قال: «لم يصبها سوء ولكنها جاءت إلى مكة.» # قال حسن: «جاءت إلى هنا؟ وأين هي؟» # قال: «اصبر ريثما نجلس في بعض جوانب المسجد على انفراد وأقص عليك الخبر.» وكان المسجد ~~خاليا من الناس خوفا من حجارة المنجنيق، فانتحيا ركنا فيه، وحسن في قلق شديد، فلما جلسا ~~قال: «قل يا عماه أين سمية الآن فقد نفد صبري؟ وكيف جاءت مكة؟» # قال: «إنها جاءت مكة، ولكنها الآن خارجها.» # فانتبه حسن وقال: «لعلها عند الحجاج؟» # قال: «نعم يا بني إنها عنده.» # فصاح وهو لا يعي ما يقول وما في المسجد من يسمعه غير أبي سليمان: «وكيف كان ذلك؟ أفصح ~~بالله.» # قال: «أخذها زوجة له؛ لأن أباها عرفجة زفها إليه يوم سفرك، وأرسلها مع الحملة التي بعث ~~الحجاج يطلبها من طارق بن عمرو عامل المدينة.» # فلما سمع حسن ذلك أطرق كأنه أصيب بذهول، وتذكر أنه شاهد تلك الحملة بالأمس مارة قرب مكة ~~ومعها هودج يحرسه فارسان فارتعدت فرائصه وهز رأسه وقال: «أعوذ بالله! أأرى سمية تساق ms107 إلى ~~الحجاج وأبقى واقفا أنظر إلى هودجها ولا أنقذها؟ ولكنني لم أعرفها ولا بد من إنقاذها من يد ~~ذلك الظالم، ومن يد أبيها الخائن الغادر - قبحه الله.» ثم التفت إلى أبي سليمان وقال: «وهل ~~سيقت إلى الحجاج برضاها؟» # فقال أبو سليمان: «ما أظنها إلا سيقت مرغمة؛ فقد علمت أن أباها احتال في إخراجها من ~~المنزل إلى ضواحي المدينة وسلمها للجند المعسكرين هناك.» # قال حسن: «إذن هي الآن أمامنا في هذه الخيام قرب جبل أبي قبيس. لا بد لي من الذهاب إليها، ~~فإما أن أنقذها أو أموت في سبيلها.» # فقال أبو سليمان: «اعلم يا بني أني رهين إشارتك وقد قلت لك إني وقفت حياتي على خدمتك، ~~فإذا رأيت أن تبعثني في شأنها فافعل.» # فصمت حسن مفكرا ثم قال: «إنني أحتاج إليك يا عماه في إبلاغ رسالة إلى مكان بعيد.» # قال: «إني على استعداد للذهاب إلى السند في خدمتك.» # قال: «لا ... بل إلى الشام، إلى خالد بن يزيد، فهل تقبل؟» # قال: «أفعل إن شاء الله، أين الرسالة؟» # قال: «أكتبها إليه الآن وهي خاصة بالمهمة التي جئت لأجلها.» # قال: «اكتب وأنا بين يديك.» # فأخرج حسن من جيبه منديلا من القباطي (نسيج مصري) وكان قد أعد دواة وقلما في جيبه لمثل ~~هذه الغاية. وجلس على حجر بجانب إحدى عضادات المسجد فكتب أسطرا قال فيها: # إلى خالد بن يزيد من حسن، أما بعد فقد جئت البيت الحرام بعد أن مررت بالمدينة ~~وأضعت فيها كتابك، ولهذا حديث سأقصه عليك عند اللقاء، على أني واصلت السفر إلى مكة ~~ولقيت ابن الزبير وأبلغته الأمر خلال اشتغاله بالحصار وضيق ما حوله، فأجاب بالرضاء. ~~ولكنه رأى أن تبعث إليه بكتاب آخر في هذا الشأن، فإذا شئت فافعل، وابعث الكتاب مع ~~حامل هذا إليك، وأنا باق هنا لأمر يهمني كثيرا، والسلام عليكم ورحمة الله. # ثم سلم الكتاب إلى أبي سليمان وقال له: «امض على عجل، واحذر أن يعترضك الحراس حول ~~مكة.» # قال: «لقد دخلت ولم ينالوا مني مأربا، وسأترك بلالا في ms108 خدمتك لعلك تحتاج إليه في ~~شيء.» # فأثنى عليه وودعه، وعاد إلى ما كان فيه من الاهتمام بأمر سمية، فرأى أن يذهب إلى معسكر ~~الحجاج يبحث عنها ويستطلع خبرها. وكان كلما فكر في الأمر، وتصور أنها زفت إلى الحجاج اضطرب ~~وثارت أشجانه واشتد قلقه ، حتى لم يعد يستطيع صبرا، فعزم على الذهاب إلى معسكر الحجاج بحجة ~~أنه مندوب من قبل ابن الزبير للمخابرة في شأن وقف الحرب، ولكنه لم ير بدا من استشارة ابن ~~صفوان لئلا يغضب ابن الزبير، فنهض لساعته وأسرع إلى بيت ابن صفوان فلم يجده، فالتمسه في ~~دار ابن الزبير، فلم يجد أحدا في القاعة التي كان الاجتماع فيها بالأمس، وبينما هو مار ~~بالقرب من مرابط الخيل والجمال وبينها الخدم والجمالة وقع نظره على رجل كان في خدمة ليلى ~~الأخيلية، فتوسم فيه الخير وناداه وقال له: «ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟» # قال: «جئت مع مولاتي.» # قال: «ليلى هنا الآن؟ وأين هي؟» # قال: «هي عند أمير المؤمنين في بيته، وأظنها في حجرة أمه ذات النطاقين.» # قال: «ومن أين أتيتم؟» # قال: «من معسكر الحجاج.» # فاستبشر بذلك الخبر لعلمه بأن ليلى لا بد أن تكون قد رأت سمية هناك وسمعت منها شيئا، لم ~~يعد يصبر على لقائه ليلى وأخذ يتمشى خارج البيت، وكلما سمع حركة أو صوتا ظنها خارجة، حتى ~~مل الانتظار فعاد إلى الخادم وقال له: «هل أقمتم بمعسكر الحجاج طويلا؟» # قال: «أقمنا يوما وليلة، ثم رأيت مولاتي أسرعت إلى مكة، وأرسل الحجاج معنا من أوصلنا ~~إليها لئلا يعترضنا الحراس المحيطون بها.» # فأدرك حسن أنها جاءت بإشارة الحجاج فزاده رغبته في مقابلتها واستطلاع حقيقة الأمر. وفيما ~~هو يفكر في ذلك رأى ابن صفوان خارجا من الدار مهرولا. فلما تلاقت نظراتهما أقبل عليه ابن ~~صفوان وقال: «أحمد الله على أني رأيتك هنا، فقد كنت ذاهبا للبحث عنك مخافة أن تكون قد مضيت ~~في الأمر الذي ندبت نفسك له بالأمس.» # قال حسن: «وماذا تعني؟» # قال: «أعني مقابلة الحجاج.» # قال: «وما ms109 الذي حدث؟» # قال: «لقد جاءت ليلى الأخيلية من عنده، لمثل هذا الغرض. وقد سمعت من أمير المؤمنين أنه لا ~~يرى صلحا ولا هدنة؛ لأن الحجاج لا يريد منه غير الاستسلام، وهذا أمر مستحيل عندنا والموت ~~أهون منه.» # فقال حسن: «وأين هي ليلى الآن ؟» # قال: «في دار النساء وقد نزلت عند مولاتي ذات النطاقين، ورملة بنت الزبير عندها ~~أيضا.» # قال: «هل من سبيل إلى مقابلتها؟» # قال: «ذلك يسير. هل أخبرها بأنك تطلب مقابلتها؟» # قال: «افعل.» # الفصل الرابع عشر # | سمية في بيت الحجاج # دخل ابن صفوان، ثم عاد وأشار إلى حسن أن يتبعه، فدخل وراءه غرفة رأى فيها ليلى وحدها في ~~انتظاره. فلما أقبل عليها قالت: «إذن أنت حسن حقا؟ كيف إذن أكدوا لي أنك قتلت؟» # فابتسم وقال: «كدت أقتل. ولكنني حي الآن فأخبريني هل كنت في معسكر الحجاج؟» # قالت: «نعم.» # قال: «وهل رأيت سمية هناك؟» # قالت: «نعم رأيتها.» # فخفق قلبه عند سماع جوابها وعاد يسألها قائلا: «هل رأيتها حقيقة؟» # قالت: «رأيتها ورأتني، وكلمتها وكلمتني!» # قال: «بالله كيف حالها؟ وما الذي جرى لها؟» # قالت: «أراك غائبا عن الدنيا؟ ألم تعلم أنها حملت إلى الحجاج لتزف إليه؟» # فلما سمع ذكر الزفاف صعد الدم إلى وجهه وقال وهو يظهر التجلد: «نعم علمت، ولكن هل زفت ~~إليه حقا؟» # قالت: «زفت إليه منذ يومين، وهي الآن في داره مع نسائه.» # قال: «في داره مع نسائه؟ إذن صارت زوجة له؟!» # قالت: «نعم.» # قال: «وهل ذكرتماني في حديثكما؟» # قالت: «ذكرناك وبكينا عليك وهي التي أخبرتني بموتك.» # قال: «وهل هي آسفة على موتي؟» # قالت: «أما قلبها فمعك، فهي لا تفتر عن ذكرك لحظة مع حبها من لقائك، لا يهنأ لها العيش مع ~~أحد غيرك.» # فأبرقت أسرة حسن عند سماعه ذلك وقال: «إذا كان الحجاج عقد قرانه بها كما تقولين، ويئست من ~~لقائي فكيف ألقاها؟» # قالت: «الحب كله رجاء يا حسن، بل الحب يضع الرجاء في موضع اليأس.» # قال: «أباقية هي على حبي؟» # قالت: «نعم وهي مع ذلك لا ترجو ms110 لقاءك فكيف إذا علمت بأنك حي؟! فهل أنت تحبها مثل حبها ~~لك؟» # قال: «كيف لا؟!» وهاجت أشجانه ولم يعد يستطيع صبرا على الذهاب إليها وأحس أنه مقصر في حق ~~سمية، وهان عليه أن يضحي بنفسه لإنقاذها. وكلما تصور أنها زفت إلى الحجاج عظم الأمر عليه ~~وكادت الغيرة تحرقه، فأطرق برهة ثم قال: «وهل زفت إلى الحجاج حقيقة؟» # قالت: «قلت لك إنها زفت إليه وهي في داره مع سائر نسائه.» # قال: «أعوذ بالله! ولكن قلبي لا يصدق أنها في بيته مثل إحدى نسائه. وهل يحبها هو؟» # قالت: «يحبها حبا شديدا، ولم يكن يحلم بحصوله عليها لأنها لا تريده، ولكن المقادير ~~ساعدته فحملوها إليه قسرا.» # فاضطرب وجمد الدم في عروقه وقال: «إني أطير إليها وأختطفها من وسط بيته ومن بين ~~مخالبه!» # فقطعت ليلى كلامه وقالت: «تبصر يا حسن، إن دون الوصول إليها عقبات لا يستطاع تجاوزها إلا ~~بالحكمة.» # قال: «وأي حكمة؟ كيف يمسها الحجاج وأنا حي؟ ليس في الحب حكمة. الحب شيء والحكمة شيء آخر. ~~إن الرجل إذا أحب خضع لقوانين الحب وحدها، وما في الحب حكمة ولا سياسة ولا رياء.» # فلما رأت ليلى شدة هياجه أشفقت على حياته مما يعترض السبيل إلى سمية من الأخطار، ولا سيما ~~أنها عند الحجاج الذي اشتهر بالظلم والجبروت، فإذا وقع حسن بين يديه فلن يعفيه من القتل، ~~فقالت له: «إني معك في أن الحب لا سياسة فيه ولا حكمة، ولكن المحب ينبغي أن يحرص على حياته ~~لأجل حبيبه، فيجب أن تحرص على حياتك لأجل سمية. تبصر في الأمر يا بني، وسأكون في عونك حتى ~~تبلغ ما تريده، فإني أعرف قيمة الحب ويسوءني أن يفرق أحد بين حبيبين، بل إني لأنقم على من ~~يسعى في التفريق بينهما!» قالت ذلك وتنهدت وأشرق الدمع في عينيها. # فأدرك حسن أنها تنطق عن إحساس صادق؛ لأنها أحبت توبة ومنعوها منه فقال: «بورك فيك يا ~~ليلى، فلقد خففت من شدة بلواي، فأشيري علي بما ترين.» # فقالت: «إني وفدت على الحجاج في ms111 معسكره، على عادتي في الوفود على الأمراء، فرحب بي ~~وأنزلني في دار أعز نسائه عليه، وهي هند بنت النعمان. ولعلك تعلم أنها جميلة ذات حسب ونسب ~~ولكنها لا تحبه ولا تحترمه، فلقيت سمية عندها، وتحدثت معها في شأنك فلما أنبأتني بفقدك شق ~~ذلك علي، واعتزمت أن أستطلع خبرك في مكة، فعرضت على الحجاج أن آتي إليها وأحاول إقناع ابن ~~الزبير بالاستسلام، مع أني أعلم أن استسلامه مستحيل. فلما جئت مكة علمت أنك جئتها بالأمس، ~~وخطبت رملة لخالد فقبل ابن الزبير ولكنه استمهلك ريثما تنقضي الحرب. فكان سروري مزدوجا ~~بسلامتك ونجاحك في المهمة التي جئت لأجلها. وأرى أن أعود الآن إلى معسكر الحجاج وأجعلك ~~راويتي، وأنت تعلم أن لكل شاعر عربي راوية يرافقه فيحفظ أشعاره ويرويها عنه. والحجاج لا ~~يعرفك، فلن يخطر بباله أنك مناظره على سمية، ومتى وصلنا إلى المعسكر وأقمنا به، تفكرنا في ~~أمر سمية، وأسأل الله التوفيق.» # فاستحسن حسن رأيها وقال: «إذن هلم بنا الآن، فإني لا أصبر على هذه الحال.» # قالت: «اسبقني إلى المسجد ريثما أودع ذات النطاقين وألحق بك.» # قال: «لقد أنساني حديث سمية استطلاع ما دار بينك وبين ابن الزبير في أمر الصلح أو ~~الاستسلام.» # قالت: «كنت على يقين من أنه لن يقبل، وقد رأيت أمه أسماء ذات النطاقين أكثر منه تشددا، ~~وإني لأعجب لهذه العجوز وصبرها على المكاره فقد رأيتها مع يأسها من نجاح ابنها تشجعه وتحرضه ~~على الثبات في دعوته. على أني وقد رأيت معسكره ومعسكر الحجاج، لا أشك في أن ابن الزبير ~~مغلوب، فالفرق كبير بين المعسكرين في العدد والعدة وكل شيء.» # فابتدرها حسن قائلا: «لقد رأيت بعيني أصحاب ابن الزبير وإخوته وأهله يتخلون عنه، وقد ~~نفدت قواته وأقواته، فالأمر خارج من يديه لا محالة.» # قالت: «القوة هي الغالبة يا حسن، والخلافة صائرة إلى بني أمية؛ لأن عندهم الرجال ~~والأموال، وقد ساعدتهم الأقدار من كل ناحية.» # فقطع حسن كلامها وقال: «ليس يهمني الآن إلا أمر سمية، وسأسبقك إلى المسجد فأتهيأ للسفر.» ~~قال ms112 ذلك وتركها وأسرع إلى المسجد، فوجد بلالا جالسا بباب حانوت لرجل فارسي يبيع الأقمشة ~~بجوار الصفا. فلما رآه بلال نهض وتبعه حتى دخلا المسجد، فقص حسن عليه عزمه على الذهاب إلى ~~معسكر الحجاج وأسر إليه الغرض من ذلك. # فقال بلالا: «ألا أستطيع أن أكون في خدمتك يا مولاي؟» # قال: «بورك فيك. ولكنني ذاهب في مهمة لا تخلو من الخطر، وإذا انكشف أمري فيها فلن ينفعني ~~الرجل والرجلان، على أني أرجو التوفيق. فابق أنت هنا بضعة أيام، فإذا لم أعد فاطلبني في ~~معسكر هذا الطاغية.» # تنكر حسن في ثياب غير ثيابه، وحمل جرابا فيه أدراج من الرق كتب فيها بعض القصائد. ثم مكث ~~ينتظر ليلى حتى عادت وقد تلثمت وركبت جملا يقوده خادم، فركب حسن جمله، وسارا والخادم يمشي ~~وراءهما حتى مروا ببيت ابن صفوان وكان واقفا بالباب فرأى ليلى وعرفها، وتفرس في حسن فعرفه ~~كذلك رغم تنكره. فحياهما وقال: «إلى أين؟» فقال حسن: «لقد عزمت على أن أبدأ السعي في سبيل ~~التوفيق.» # فهز ابن صفوان رأسه وتنهد وقال: «أسأل الله لكما السلامة.» # وما لبث حسن وليلى أن ابتعدا عن بيت ابن صفوان وخرجا من مكة حتى لقيهما رجال الحجاج، ~~فعرفوا ليلى ولم يعترضوهما، فواصلا السير حتى أقبلا على معسكر الحجاج. # نظر حسن إلى المعسكر والأعلام تخفق فوقه والخيام ممتدة على مسافة بعيدة، فعظم أمر الحجاج ~~في عينيه وقال: «يا ليلى إن الأمر صائر إلى هذا العاتي لا محالة، وإني لينفطر قلبي كلما ~~تصورت مصير عبد الله بن الزبير. أتظنينه مغرورا بنفسه؟» # قالت: «كلا، ولكنه يعتقد أنه على الحق.» # قال: «ما الذي أراه على جبل أبي قبيس؟» # قالت: «ألم تر وقوع الأحجار على الكعبة. إن الحجاج نصب منجنيقاته على الجبل وهو يرمي ~~الحجارة منها على الكعبة. ومع المنجنيقات فصيلة من الجند.» # قال: «وأين خيام النساء التي تقيم بها سمية؟» # فقالت: «نحن سائرون الآن إلى خيمة الحجاج، وهي الكبيرة القائمة في وسط هذه الخيام، وسأدخل ~~أنا ثم أخرج وأسير بك إلى مكان ms113 أعرفه، وأذهب إلى هند بنت النعمان فأرى سمية هناك وأقص عليها ~~قصتك، وأتفق معها على موعد تلتقيان فيه خارج المعسكر.» وما زالا سائرين حتى أقبلا على خيمة ~~كبيرة قائمة على بضعة عشر عمودا أمامها أناس بالحراب، وآخرون بالسيوف، وهم أشبه بالحراس ~~عند الروم - وكان بنو أمية قد اقتبسوا نظام الحرس من الرومان وتوخاه عمالهم إرهابا ~~للناس - وقبل وصولهما إلى الباب أناخا الجملين، ونزلا فمشت ليلى والناس يوسعون لها وحسن ~~يسير في أثرها حتى وقفت بباب الخيمة، فدخل أحد الحراس يستأذن لها ثم عاد يدعوها إلى الدخول، ~~فدخلت وظل حسن مع الواقفين بالباب وهو في شوق شديد لرؤية الحجاج، وقد طالما سمع به وبعظم ~~أعماله، فوقف بحيث يستطيع رؤيته من باب الخيمة. فإذا هو جالس في صدرها على سجادة ثمينة وقد ~~تربع ووضع السيف على فخذيه تحت مطرف من خز ألقاه على كتفيه وأداره على جنبه. ورآه لما دخلت ~~ليلى رحب بها بصوت أرق مما كان يتوقعه، وكان الحجاج رقيق الصوت إلا إذا استفاض في الخطابة ~~فيرتفع كثيرا. وتفرس حسن فيه وهو يخاطب ليلى فإذا هو أخفش العينين، مقطب الوجه، ولم يجد في ~~وجهه قبولا للابتسام أو الضحك. ~~••• # لاحت من حسن التفاتة إلى جلساء الحجاج، فرأى رجلا لم يكد يتبينه حتى اضطربت جوارحه ~~واستعاذ بالله من رؤيته؛ فقد كان عرفجة أبا سمية، وقد جلس بجانب الحجاج يقضي ويمضي وله ~~الحول والطول. وأدرك حسن أن عرفجة لم ينل هذا المنصب إلا بتضحية ابنته سمية، فهاجت عواطفه ~~وحدثته نفسه بأن يفتك به انتقاما منه، ولكنه ما لبث أن عاد إلى رشده وعلم بما يحيط به من ~~الأخطار، فأشاح بوجهه إلى خارج المعسكر لئلا يلاحظ أحد عليه شيئا. كما خشي أن يراه عرفجة ~~فيعرفه ويدبر له مكيدة أخرى، فمشى متظاهرا بأنه يسير على غير هدى حتى بعد عن خيمة ~~الحجاج. # ثم سمع ليلى تناديه فسار إليها وتبعها والجراب معلق في كتفه بوصفه راويتها. وبعد أن قطعا ~~مسافة في المعسكر قالت: «انظر إلى هذه الخيمة ms114 بجانب هذه الراية إنها خيمة القادمين من ~~الشعراء وغيرهم، فأقم بها ريثما آتيك أو أبعث إليك.» # قال: «وسمية؟! ألا أستطيع رؤيتها الآن؟ خذيني معك بوصفي خادما لك أو تابعا أو أي شيء ~~لأرى سمية.» # فرق له قلب ليلى وقالت له: «سر في أثري حتى ندخل مضرب خيام النساء واجعل كأنك تحمل لي ~~هذا الجراب حتى تضعه في الخيمة التي نحن سائرون إليها، ومتى وصلنا أدبر لك حيلة لمشاهدتها ~~ومخاطبتها.» # فرقص قلبه فرحا ونسي كل خطر في سبيل شوقه لرؤية حبيبته. وبعد هنيهة وصلا إلى خباء له عدة ~~أبواب وحوله خيام أخرى صغيرة، فعلم أنه خباء أهل الحجاج، وقالت ليلى: «امكث تحت هذه النخلة ~~ومتى دعوتك فادخل.» وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب، فجلس هناك وقلبه يدق وعيناه ~~شائعتان. # ودخلت ليلى الخباء، وهو أقسام لكل امرأة قسم على عادة العرب في بناء الأخبية، فدخلت القسم ~~الذي فارقت هندا فيه فرأتها وسمية جالستين لا تتكلمان. ولما رأتاها رحبتا بها، وآنست في ~~وجه هند انقباضا فقالت: «ما لهند غضبى؟» فأجابت سمية بقولها: «من ذا الذي يقترب من النار ~~ولا يحترق بها! إن ظلم هذا الجبار العاتي ليصل حتى إلى أهل بيته.» # وكانت ليلى تعلم ببغض هند للحجاج، فلم تستغرب ذلك، ولكنها اغتنمت الفرصة وأجابت سمية ~~قائلة: «أراك تشكين من الحجاج وقساوته وأنت لم تعرفيه إلا بالأمس، وهو مغرم بك، ولا يكاد ~~يصدق أنه حصل عليك.» # فقطعت كلامها وقالت: «لم يحصل ولن يحصل على شيء بإذن الله.» # فقالت: «ولكن هذا بعيد وأنت في داره وبين يديه ليلا ونهارا.» # فأشارت بعينيها كأنها تكتم أمرا لا تريد أن تبوح به أمام هند. فاستغربت ليلى قولها ~~وتظاهرت بأنها تريد مخاطبتها في شأن فدخلت بها إلى خيمتها الخاصة، فاستقبلتها أمة الله ~~جارية سمية وكانت تهيئ الطعام، ثم خرجت من الخيمة لبعض شأنها. فلما خلا المكان قالت ليلى: ~~«رأيتك تتوعدين الحجاج وتتبرئين منه وهو زوجك الشرعي، فضلا عما له من السلطان النافذ ~~عليك، فكيف تقولين إنه لم يحصل على ms115 شيء؟!» # وكانت سمية قد جلست على حصير من سعف النخل، وبين يديها وسادة تتشاغل بإصلاح ثنياتها وهي ~~تسمع كلام ليلى. فلما سمعت سؤال ليلى بدت الحيرة على وجهها وامتقع لونها امتقاعا شديدا ~~وبقيت تنظر إلى الأرض وليلى تفكر في ذلك وتستغربه ولا تعلم سبب هذا الانفعال فقالت: «ما لي ~~أرى سمية ساكتة لا تجيبني عن سؤالي؟ كيف تقولين إنه لم يحصل عليك وأنت بين يديه؟» # فرفعت سمية رأسها وقد بدا التأثر في عينيها وشفتيها وقالت: «صدقيني يا ليلى، إنه لن يحصل ~~مني على شيء رغم عقد قرانه بي. ولم يكن ذلك تفضلا منه ولكنه أجبر عليه لقسم سبق به لسانه. ~~وأما كونه لن يحصل على فقد أعددت وسيلة أنجو بها منه إلى حبيبي ...» قالت ذلك وشرقت بريقها ~~فاختنق صوتها فأرسلت دموعها وهي صامتة لا تشهق ولا تتكلم، فازداد عطف ليلى عليها، ولكنها ~~استغربت ما سمعته منها عن الوسيلة التي أعدتها للنجاة. فقالت: «وأي وسيلة أعددت؟ وأين هو ~~حسن الآن؟» # فلما سمعت سمية اسم حسن لم تعد تتمالك عن البكاء فكان جوابها الشهيق والنحيب، وهمت ~~ليلى بأن تطمئنها عن حسن ولكنها خشيت أن يصيبها سوء من المفاجأة. فقالت: «إذا كنت تحبينني ~~فلا تخفي على سر هذا الأمر، فقد رأيت مني كل إخلاص وأنا خادمة لك إلى آخر نسمة من حياتي. ~~قولي، ولا تخفي علي شيئا.» # فقالت وهي تمسح دموعها: «أما سبب كونه لم يحصل على شيء مني، فذلك أنه أراد أن يطوف ~~بالكعبة آخر الحجة الماضية فمنعه ابن الزبير من ذلك، فأقسم ألا ينزع سلاحه ولا يقرب نساءه ~~ولا الطيب حتى يقتله.» # فتذكرت ليلى أنها كانت لا ترى الحجاج إلا مدججا بسلاحه حيثما كان ليلا ونهارا، واعتزمت ~~أن تفضي إلى حسن بذلك لعلمها أنه يشرح صدره، ثم قالت لسمية: «وما هي الوسيلة التي دبرتها ~~للنجاة منه في المستقبل؟» # فمدت سمية يدها إلى جيبها فأخرجت منه صرة صغيرة حلت عقدتها فإذا في داخلها قطعة رق ملفوفة ~~على هيئة درج، فتبادر إلى ذهن ms116 ليلى أنها كتاب. ثم رأت سمية تناولت ذلك الرق بين أصابعها ~~وقالت: «إن الفرج يأتيني من هذا الدواء!» # فقالت ليلى: «وما ذلك؟» # فقالت: «هو سم احتفظت به حتى إذا تحققت وقوع الخطر تناولته فيذهب بي إلى مكان أرجو أن ~~ألاقي حسنا فيه.» # فرأت ليلى أن تبوح لها بالسر فقالت: «وما قولك إذا لاقيت حبيبك وأنت حية؟» # فتفرست سمية في وجه ليلى وهي تحسبها تمازحها وقالت: «لا تحببي الحياة إلي، فإن لقائي إياه ~~في العالم الآخر خير وأبقى. أما هنا فلا أمل لي في ذلك.» # قالت: «لا تقطعي الأمل يا سمية.» # فأجابت وهي تحسبها تخفف عنها: «لا أبالي أقطعت الأمل أم لم أقطعه، فإن مدة عذابي في هذا ~~العالم أصبحت قصيرة، ولا بد من انقضاء هذه الحرب، فإذا ظل هذا الطاغية حيا كان دوائي في ~~هذه الصرة، وإذا مات ...» ثم تنهدت وأكملت حديثها فقالت: «ولكن ما الفائدة من بقائي حية ~~وحدي؟» # فقطعت ليلى كلامها وقالت والجد في غنة صوتها: «إذا بقيت حية فإنك لا تكونين وحدك؛ لأن ~~حسنا حي!» # فلما سمعت سمية ذلك بغتت وعادت إلى التفرس في وجه ليلى، فرأت الجد باديا في عينيها فوثبت ~~من مجلسها وقالت: «بالله أعيدي ذكره وعلليني ببقائه. قولي إنه حي فإن ذكره يحييني!» قالت ~~ذلك واختنق صوتها فبكت ثم قالت: «ولكن ما الفائدة من التعلل بالأحلام؟!» # فقالت ليلى: «لسنا في حلم، وإنما نحن في يقظة، وقد آن لك أن تري حسنا إنه في انتظارك على ~~مقربة من هذا الخباء وسأدعوه إليك لتلتقيا.» ثم خفضت صوتها وقالت: «وتتواعدا على وقت تفران ~~فيه من هذا المعسكر، ولا خوف من مجيء الحجاج إلى خيام النساء ما دام قد أقسم ألا ~~يقربهن.» ~~••• # وكانت سمية تسمع قول ليلى وهي لا تكاد تصدقه، ولكنها لم تر بدا من تصديقه ولا سيما بعد ~~أن سمعت أن حسنا بقرب خبائها، فهرولت إلى شق في الخباء ونظرت إلى الخارج وكان الليل قد سدل ~~نقابه فلم تر أحدا، فنادت أمة الله فأسرعت إليها وقد ms117 أنارت السراج ودخلت حتى وضعته على ~~المسرجة، فقالت لها سمية: «هل رأيت أحدا جالسا حول هذا الخباء؟» # قالت: «كلا يا مولاتي، ولكنني رأيت رجلين مرا معا وخرجا من المعسكر.» # فقالت ليلى: «هل رأيت أحدهما يحمل جرابا؟» # قالت: «أظنني رأيت مع أحدهما شيئا كالجراب .» # فأسرعت ليلى وسمية في أثرها وأطلتا من باب الخباء فلم تريا أحدا، فتحولت ليلى نحو ~~المكان الذي أجلست فيه حسنا فلم تر له أثرا، فأسقط في يدها، وفكرت في سبب ذهابه ومن يكون ~~الرجل الذي ذهب به فلم تهتد إلى حل. # أما سمية فخامرها شك في قول ليلى، ولكنها تحققت صدقها لما بدا في عينيها من دلائل ~~الاهتمام وما غشي جبينها من أمارات الانقباض، فقالت لها: «أين عسى أن يكون حسن ~~الآن؟» # فقالت ليلى: «إن ذهابه لا بد أن يكون لأمر ذي بال، فقد جاء معي وهو لا يكاد يصدق أنه ~~يحظى برؤيتك، وما أظنه تحول من هذا المكان بإرادته. ولعله يعود الليلة فلنترقب رجوعه. ولكن ~~من يكون رفيقه الآخر وهو غريب في المعسكر وقد جاء إليه متنكرا؟» # ثم دخلتا الخباء، ومكثت سمية مطرقة مستغرقة في الهواجس وهي مرهفة سمعها فإذا هب النسيم ~~ظنت حسنا قادما فيضطرب قلبها. وخرجت ليلى إلى خباء هند وهي تكتم ما في نفسها لعلها تستطلع ~~شيئا جديدا. # أما سمية فنادت أمة الله وكانت أنيستها في وحشتها وعزاءها في أحزانها والمطلعة على ~~مكنونات قلبها. فلما نادتها لم تسمع جوابها ولا جاءتها فأعادت الصوت فلم يجبها أحد، ~~فاستعاذت بالله من تلك الليلة، وخرجت إلى حيث تتوقع أن تراها فرأت في الظلام شبحين عرفت ~~منهما أمة الله، ورأت الثاني بلباس الرجال فخفق قلبها وتوقعت أن يكون حبيبها فلم تعد تصبر ~~عن المناداة فقالت: «أمة الله؟» # فقالت: «لبيك يا مولاتي إني قادمة على عجل.» قالت ذلك وظلت واقفة مع الرجل، فقلقت سمية ~~ولم تعد تستطيع صبرا، وهمت بالمسير نحوهما فرأتهما قادمين فتقهقرت حتى وقفت بباب الخباء ~~ووسعت حتى يقع نور السراج على وجه القادم مع أمة ms118 الله فتعرفه، ولكنه ظل واقفا على بضع ~~خطوات من الخباء، ثم تبينت أنه بلباس حرس الحجاج، فتشاءمت منه ودخلت الخباء مسرعة وأمة الله ~~في أثرها. وكانت أمة الله قد أدركت اضطراب سيدتها من منظر الرجل فابتدرتها قائلة: «لا تخافي ~~يا مولاتي إن الرجل رسول خير.» # قالت: «ممن؟» # قالت وقد خفضت صوتها: «من حسن.» # فبدت البغتة في وجهها وقالت: «ليدخل.» # فخرجت أمة الله وعادت والرجل معها وعليه لباس الحرس. ولم تكن ملابس الجند قد تميزت يومئذ ~~عن ملابس سائر الناس تمييزا تاما، غير أن حرس الأمراء الأمويين كان لهم لباس خاص بهم، ~~اقتبسه معاوية من الروم مع علامات خاصة، فوقفت سمية لاستقبال الرجل وركبتاها تصطكان لعظم ~~اضطرابها من منظره. # أما هو فلما دخل حياها باحترام وقال لها بصوت منخفض: «لا يزعجك أمري يا مولاتي ولا ~~يخيفك هذا اللباس، فإني خادم لك ولمولاي حسن.» # فلما سمعت صوته تفرست في وجهه فعرفت أنه عبد الله خادم حسن فصاحت فيه: «أنت عبد ~~الله؟» # قال: «نعم يا مولاتي إني خادمك عبد الله.» # قالت: «وما الذي جاء بك إلى هذا المعسكر؟ وأين حسن؟ هل هو حي كما يقولون؟!» قالت ذلك ~~وشرقت بدموعها. # فقال: «نعم يا سيدتي إنه على قيد الحياة، ولم أكن أعرف ذلك إلا هذه الساعة، وكنت قد يئست ~~من حياته مثلك ولكن الله أنعم علينا بنجاته. فالحمد لله.» # قالت: «وأين هو؟» # قال: «إنه مختبئ على مقربة من هذا المكان حتى لا يراه أحد؛ لأنه جاء متنكرا ولم ينتبه له ~~إلا أبوك، فطلب إلى الأمير أن يقبض عليه. وقد اطلعت أنا على هذه المكيدة فأسرعت إليه ~~وأنبأته بها، وخرجت به إلى مخبأ قرب هذا المعسكر، وجئت لأنبئك بذلك لنتعاون على استنباط ~~حيلة تخرجان بها إلى حيث تشاءان وأنا في خدمتكما.» # فقالت: «سامح الله أبي، بل لا سامحه الله على ما يسومنا إياه من البلاء. لقد أصبحت أكره ~~اسم عرفجة وأكره أن أراه من أجل هذه المعاملة. آه يا ربي! ما العمل؟ ما الحيلة؟ قل لي ms119 يا ~~عبد الله هل حسن في مأمن؟» # قال: «نعم يا مولاتي إنه في مكان أمين ولا بأس عليه.» # فقالت: «وكيف أدخلت نفسك في زمرة الحراس، وكيف انطلى أمرك على الحجاج وعلى أبي؟» # قال: «إن حكايتي طويلة، وخلاصتها أني لما يئست من لقاء مولاي حسن في المدينة وكنت قد عثرت ~~على رحله وفيه كتاب من خالد بن يزيد إلى عبد الله بن الزبير لا بد من إيصاله إليه، رأيت ~~القدوم به إلى مكة، فإذا كان مولاي حسن قد سبقني إليها لقيته وسلمته إليه، وإذا لم أجده ~~أوصلت أنا الكتاب إلى ابن الزبير، فلما دنوت من مكة علمت أن رجال الحجاج يحيطون بها من كل ~~جانب، ولا يستطيع أحد الدخول إليها، وخشيت أن يقع الكتاب في أيديهم، واحتلت لدخول معسكر ~~الحجاج لعلي أتنسم خبرا عن سيدي، وقد يسر لي الدخول أني من ثقيف قبيلة الحجاج، وهو كثير ~~الثقة في أهل قبيلته ويعرفني من قبل، ولكنني أعلم أنه رجل شديد داهية فربما شك في أمري ~~فيأمر بقتلي، فعزمت على أن أتقرب إليه بأن أعطيه الكتاب، ولا سيما أني لم أر فيه فائدة بعد ~~فقد مولاي، وربما تمكنت باقترابي من الحجاج من استطلاع خبر مولاي، فتظاهرت بأني قادم على ~~الحجاج لأمر ذي بال يهمه، وجئت المعسكر وطلبت أن أقابله في خلوة فأذن لي، فلما عرفته بنفسي ~~عرفني. ثم أخرجت له ذلك الكتاب وأنا عالم أن ليس فيه ذكر لمولاي حسن، وإنما هو خطاب من خالد ~~بن يزيد إلى عبد الله بن الزبير في أمر خطبة أو نحوها، فتظاهرت بأني عثرت بالكتاب مع رجل ~~قادم من الشام، ولما رأيت عليه اسم عبد الله بن الزبير شككت في أمره فقتلت حامله، وجئت ~~بالكتاب إليه. # فلما سمع الحجاج ذلك مني، مع علمه بأني من قبيلته، أحسن الظن بي وقربني وجعلني من حراسه ~~كما ترين. وفي مساء ذلك اليوم قدم أبوك على الحجاج فأطلعه على ذلك وأنا واقف ببابه. فلما ~~اطلع أبوك على الكتاب ناداني فدخلت الفسطاط فقال: ms120 «من أين أتيت بهذا الكتاب؟!» فقصصت عليه ~~الخبر كما ذكرته، فقال: «إن صاحب هذا الكتاب عدو لنا عرفناه في المدينة وحاولنا قتله، ولكن ~~الذي ذهب لاغتياله لم يعد إلينا، فهل قتلته أنت؟» فلما سمعت قوله اطمأننت على حياة مولاي، ~~ومضيت في إتمام الحيلة فقلت: «لا أعلم أهو الذي قتلته أم لا، ولكنني قتلت شابا بلباس ~~كذا.» وذكرت له ما يقرب من صفات مولاي فقال: «لعله هو وقد أحسنت على أي حال.» وأدناني أبوك ~~منه ومكثت في جملة الحراس وأنا أتفقد الأحوال وأستطلع الأخبار حتى جاءنا مولاي في هذا ~~النهار مع ليلى الأخيلية وقد تنكر، فعرفته، ولم ينتبه لي ولا أنا أردت أن يعرفني لئلا ينكشف ~~أمرنا. فتجاهلت حتى دخلت ليلى على الحجاج وخرجت. وكان أبوك مع الحجاج في الفسطاط، فلما خرجت ~~ليلى رأيت علائم الغدر في وجه أبيك، وسمعته يخاطب الحجاج فأصغيت فإذا هو يشير بإصبعه إلى ~~ليلى ويقول: «إن راويتها جاسوس متنكر.» وأشار بالقبض عليه، فعلمت أنه عرف حسنا واحتلت في ~~الخروج حتى جئته وهو جالس بقرب هذا الخباء فأخبرني أنه جاء من أجلك، فذهبت به إلى خربة وراء ~~هذا المعسكر لا يهتدي إليها أحد، ووعدته أن آتي إليك وأطلعك على أمره لندبر حيلة ~~للفرار.» # وكان عبد الله يتكلم وسمية تتطاول بعنقها وتصيخ بسمعها وعيناها شاخصتان فيه. فلما جاء على ~~آخر الحديث اطمأن قلبها وزال قلقها على حبيبها، فانبسطت أسرتها وقالت: «بورك فيك يا عبد ~~الله، إنك لنعم الرجل، وإذا أتيح لنا أن ننجو على يدك فستكون شريكنا في سعادتنا، وإلا فلا ~~حول ولا ...» # فقال: «إن النجاة قريبة إن شاء الله، ولكن لا بد من الصبر، فأذني لي في الانصراف الآن، ~~لأعود إلى موقفي لئلا يشكوا في أمري، فإذا حدث شيء أو احتجت إلى شيء فإني رهين إشارتك، وإذا ~~حدث عندي شيء جئتك به.» قال ذلك وهم بالخروج فاستوقفته وقالت له: «إلى أين؟ وكيف تترك ~~حسنا وحده في تلك الخربة ومن أين يأكل وأين ينام؟!» # فقال: «أتظنين أني تركته ms121 ولم أعد إليه؟ كوني مطمئنة فإني أدبر له كل ما يحتاج إليه.» ~~وودعها وخرج. # وتذكرت سمية ليلى، فنادت أمة الله وقالت لها: «أين هي ليلى؟» فقالت: «هي في خباء هند.» ~~وخرجت ثم عادت تقول: «لم أجد في الخباء أحدا.» # فاستغربت ذلك وقالت: «ألم تسألي الخدم عنهما؟» # قالت: «سألت الخادمة فذكرت لي أن هندا خرجت عند الغروب تتمشى بين الأخبية، ثم جاءت ليلى ~~للسؤال عنها فلما لم تجدها اقتفت أثرها، ولم تعودا من ذلك الحين.» # فقالت: «وأين تذهبان في هذا الليل؟ أخاف أن يكون الحجاج بعث للقبض على ليلى لأنها واطأت ~~حسنا على التنكر.» وخافت سمية إذا بالغت في البحث عنهما أن تنصرف الشبهة إليها، فدخلت ~~خباءها وجلست تفكر فيما مر بها في تلك الليلة من الغرائب. وكلما تصورت أنها نجت بحبيبها ~~وخرجت من معسكر الحجاج يختلج قلبها فرحا. # أما عرفجة فإنه عرف حسنا حالما وقع بصره عليه، فتجاهل وانتظر حتى خرجت ليلى ثم طلب القبض ~~عليه كما تقدم. ففوض إليه الحجاج أن يفعل به ما شاء، فلما ارفض المجلس خرج عرفجة إلى كبير ~~الحراس وأوصاه بأن يبعث بضعة عشر من رجاله بالسلاح يقتفون أثر راوية الشاعرة ويقبضون عليه ~~حيثما وجدوه. وكان عبد الله قد سبق إلى حسن وخرج به إلى ذلك المخبأ. # فلما لم يعثر الحراس على حسن هناك، عادوا إلى عرفجة وأنبأوه بذلك فقال: «إلي بليلى فإنها ~~في أخبية النساء.» فعادوا إليها فرأوها تتمشى مع هند بجوار الأخبية فأشاروا إليها أن تأتي ~~إلى فسطاط الحجاج. فلما سمعت ذلك خافت من انكشاف أمرها ولكنها لم تر بدا من الطاعة، ~~فسارت مع الحراس حتى أتوا الفسطاط والظلام قد عقد قبابه، فلم يدخلوا فسطاط الحجاج بل دخلوا ~~فسطاطا آخر رأت في صدره عرفجة جالسا. فلما رأته استعاذت بالله من شر ذلك المساء، ولكنها ~~كانت جريئة لا تبالي بمن تلاقي، فدعاها إلى الجلوس وقال لها: «أين هو راويتك يا ~~ليلى؟» # فلما سمعت سؤاله أدركت أن أمر حسن قد انكشف فلم تشأ أن تشرك ms122 نفسها في ذنبه فيقعان معا ~~فلا تعود قادرة على مساعدته، فعمدت إلى الحيلة وقالت: «وأي راوية تعني؟» # قال: «راويتك الذي يحمل جرابك وقد جئت به اليوم.» # قالت: «وهل دخلت على الأمير ومعي راوية؟» # قال: «لم يدخل معك ولكنه بقي خارجا، ولما مضيت اقتفى أثرك.» # قالت: «وهل يدل ذلك على أنه راويتي؟ وكيف يكون راويتي ولا أدعوه إلى الجلوس في حضرة ~~الأمير؟» # قال: «أراك تتنصلين منه ونحن لا نريد به شرا.» # قالت: «لا يهمني ما تريدون به، ولكني جئت إلى المعسكر بالأمس وليس معي راوية.» # قال: «كان معك رجل يحمل جرابا.» # قالت: «أتعني الرجل الذي يحمل الجراب؟ لقد التقيت به عند دخولي المعسكر ورأيته يسير ~~بجانبي فلم أنتبه لأمره، ولا أعرفه ... ومع ذلك فإذا كنتم تسيئون الظن بمن يبذل نفسه في ~~خدمتكم فلا حيلة لنا فيكم.» # فلما رآها غضبت جعل يخفف عنها ويقول: «نحن لم نسيء الظن بك يا ليلى، وأنت شاعرة الأمير ~~ولك عنده المنزلة السامية، ولكن هذا الرجل قد خدعنا وهو جاسوس دخل معسكرنا ونحن نحسبه ~~راويتك.» # قالت: «وهل الأمير ممن يخافون الجواسيس؟ إن من كان مثله حزما وقوة لجدير بأن يخافه ~~الجواسيس، على أني لو علمت بجاسوس في هذا المعسكر لأطلعت الأمير على خبره.» # قال: «بورك فيك، وأرجو أن تكوني عينا على هذا الرجل، فإذا رأيته فأنبئينا بمكانه، فقد ~~بعثنا من يقبض عليه فلم يقفوا له على أثر ولعله يظهر غدا فاكتمي هذا الآن.» قال ذلك ونهض، ~~فنهضت ليلى وخرجت من عنده قلقة على حسن، وإن سرت لنجاته من قبضتهم. ثم عادت توا إلى سمية ~~وقصت عليها الخبر، فأطلعتها سمية على حديث عبد الله فاطمأن بالها. # قضى حسن ليلته في الخربة التي اختبأ فيها بجانب المعسكر، وهي تطل على الطريق المؤدي إلى ~~مكة، ولم يغمض له جفن لشدة قلقه وتشتت أفكاره. وقد عظم عليه أن يخرج من معسكر الحجاج فرارا ~~ولكنه أدرك أنه يستحيل عليه النجاة بغير ذلك، ولبث حتى الصباح وهو يفكر في وسيلة لإنقاذ ~~سمية من ms123 الحجاج. # كان عبد الله قد وعده أن يوافيه في مخبئه ليدله على طريقة للفرار، فقضى ليله في هذه ~~الهواجس، وفي الصباح صعد على أكمة أشرف منها على معسكر الحجاج لعله يرى عبد الله أو رسولا ~~منه، فرأى بينه وبين المعسكر أرضا خالية وتبين المكان جيدا. وفيما هو يتطلع رأى رجلا ~~قادما على هجين من أطراف المعسكر كأنه آت من الصحراء، ثم اقترب الرجل منه فتبين أنه خادمه ~~عبد الله، فاستبشر بقدومه، فلما وصل عبد الله ترجل وأشار إليه أن يعود إلى الخربة مخافة ~~الرقباء، فقال له حسن: «ما وراءك الآن؟» # قال: «أبشرك أولا بأن الحجاج لم يقرب سمية وإن كان قد عقد قرانه بها.» قال: «وكيف عرفت ~~ذلك؟» # قال: «عرفته عن ثقة، فقد أخبرتني به ليلى الأخيلية، وهي التي ساعدتنا في تدبير الحيلة ~~للخروج.» وذكر له أمر القسم الذي أقسمه الحجاج، فانشرح لذلك صدر حسن، ثم قال: «وماذا ~~دبرتموه للنجاة من بطش الحجاج، إني لأستنكف فرارنا على هذه الصورة، ويخيل إلى أن سمية لا ~~ترضى مني هذا الضعف.» # قال: «إنها لما علمت بنجاتك سرت سرورا عظيما؛ لأنهم لو ظفروا بك لفتكوا بكما معا. ثم ~~أي فائدة من بقائك في المعسكر بعد انكشاف أمرك، وهل تستطيع مقاومة الحجاج وجنده؟ وعلى أي ~~حال قد جئتك بما استقر رأينا عليه في هذا الصباح، وهو أن أترك هذا الجمل عندك وأعود، فتتأهب ~~أنت للرحيل في العشاء وتخرج من وراء هذا التل حتى تطل على الطريق التي تراها أمامك، وستجدني ~~وسيدتي سمية هناك وكل منا على هجين ومعنا المئونة اللازمة للسفر في الصحراء أياما. ومتى ~~بعدنا عن مكة صرنا في مأمن.» # فسر حسن لهذا التدبير، على صعوبة تنفيذه، وقال لعبد الله: «احذر أن يطلع أحد على ما ~~دبرتموه، فتكون الثانية شرا من الأولى. وثق بأنني إن وقعت في هذه المرة فلن يسعني إلا أن ~~أناضل عن سمية حتى أموت بين يديها.» # قال: «لقد أعددنا كل شيء، ولا خوف على سمية؛ لأن الحجاج لا يأتي إلى ms124 خباء أهله مطلقا في ~~هذه الأيام للسبب الذي ذكرته لك.» # اطمأن بال حسن وجلس في مخبئه بالخربة يتناول طعاما أحضره له عبد الله، ولم تمض ساعة حتى ~~سمع صوت قعقعة اللجم ووقع حوافر الخيل، فصعد إلى الأكمة وتطلع نحو مصدر الصوت فرأى أكثر من ~~عشرين فارسا قد اكتسوا بالدروع، وفي مقدمتهم فارس ضخم أسود، هو قنبر عبد عرفجة. فلما وصلوا ~~إلى المكان أشار قنبر بيده إلى حسن وقال: «هذا هو فأمسكوه.» فأحاطوا به من كل ناحية، ولم ~~ير حسن بدا من التجلد فقال لهم: «ما بالكم؟ وما الذي تطلبونه؟» # فضحك قنبر مستهزئا وقال: «إن الأمير يدعوك إلى وليمة العرس!» # فاستشاط حسن غضبا من استخفاف العبد به، وقال له: «اخسأ يا عبد السوء.» # وما أتم كلامه حتى أحدق به الفرسان وسيوفهم مسلولة، فوضع حسن يده على قبضة سيفه وقد ~~ثارت الحمية في رأسه وقال لهم: «لا يغرنكم عددكم، ولا تظنوا أني أهاب سيوفكم وخيولكم، فإما ~~أخبرتموني بما تريدون بالحسنى، وإما فلن تنالوا مني شعرة قبل أن يقطر حسامي من دمائكم.» قال ~~ذلك وقد أخذ الهياج منه مأخذا عظيما ولم يعد يبالي الحياة. # فتقدم إليه فارس منهم لا يظهر من وجهه غير عينيه خلال اللثام وقد شهر السيف بيده وقال: ~~«نراك تظهر من الضعف قوة، وما أنت إلا جاسوس نذل لا أحسبك تحتمل ضربة من هذا السيف.» # فلما سمع حسن قوله صعد الدم إلى رأسه وصاح في هذا الفارس قائلا: «أتخوفني بسيفك؟ إنما ~~يخاف السيوف من يخاف الموت، ولست ذلك الرجل. فإذا أردت النزال فانزل نتبارز راجلين، فلا يصح ~~النزال وأنت راكب وأنا راجل. وإذا خفت فانزلوا جميعا وأنا أستعين الله عليكم.» # فضحك الفارس بصوت عال سمعه الجميع، قال وهو يحول شكيمة جواده عن حسن: «لو أن الأمير ~~أمرنا بقتلك لأريتك القتل كيف يكون، ولكنه أمرنا أن نقودك إليه أسيرا، فامش.» # قال: «لا أسير ماشيا وأنتم راكبون، فإما أن أركب معكم أو تمشوا معي!» # فلما رأوا هذه الجرأة منه هابوه وحسبوا له ms125 حسابا، وجعلوا يتشاورون فيما يفعلونه. فأشار ~~بعضهم بقتله، وعارض آخرون؛ لأن الأمير لم يأمرهم بذلك. ثم قر رأيهم على مسايرته ريثما ~~يبلغون به المعسكر ويقدمونه فيرى الأمير رأيه فيه. # وكانوا يعلمون أنه يندر أن يساق إلى الحجاج متهم وينجو من القتل؛ فإنه كان سفاكا للدماء ~~حتى أحصوا الذين قتلهم في حياته فبلغوا مائة ألف وعشرين ألفا، ووجدوا في سجونه بعد موته ~~ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب. فرأى الفرسان أن يعاملوا حسنا ~~بالحسنى ويتركوا أمر الإيقاع به إلى الحجاج. فتقدم إليه فارس غير الذي كلمه أولا وقال له: ~~«لو كنا قد أمرنا بقتالك لقاتلناك مشاة أو فرسانا، ويحكم الله بيننا وبينك، ولكننا جئنا ~~لنحملك إلى الأمير.» # قال: «قلت لكم إني لا أسير معكم ماشيا وأنتم راكبون.» وكان قنبر واقفا يسمع كلامه وهو ~~يستغرب صبرهم على جرأته، فلما سمع قوله تقدم إليه وقال بلهجة العبيد ورطانتهم: «امش يا حسن ~~وهل أنت أحسن مني؟» # فلما سمع حسن كلامه جرد سيفه وصاح فيه قائلا: «إذا تكلم الناس فاخرس أنت يا عبد النحس. ~~وإلا فإني مطير رأسك بحد هذا السيف.» # فضحك قنبر حتى بانت نواجذه ثم قال: «بعد قليل نرى من المقتول منا. ولكنك غير ملوم لأن ~~سمية خرجت من يديك، تعال وانظرها بين نساء الأمير.» # فلما سمعه حسن يذكر سمية، عز عليه أن يحتقره ذلك العبد ويهزأ به، فهاج غضبه واستغرب ~~سكوت سائر الفرسان عن وقاحته، ولكنه أمسك نفسه وقال له: «لولا خوفي أن يقال لطخت حسامي بدم ~~عبد لئيم لأطرت رأسك عن جذعك، ولكنني أرجو أن يكون ذلك نصيب مولاك الخائن، فاخرس ولا ~~تخاطبني وإلا فأنت الجاني على نفسك.» # فلم يزدد قنبر إلا قحة واستخفافا، واقترب من حسن ويده على قبضة سيفه وقال: «ألمثلي تقول ~~هذا الكلام يا حسن ثم تعرض بذكر مولاي! والله إني ضاربك ضربة أعلمك بها الأدب والحشمة.» قال ~~ذلك وهم باستلال السيف، فعيل صبر حسن لقحة ذلك العبد وسكوت بقية الفرسان، فجرد حسامه ms126 ~~وتلقاه بضربة على عنقه فذهب رأسه يتدحرج على الأحجار. # فلما رأى الفرسان ذلك صاحوا فيه: «لقد حل لنا دمك بعد هذه الجرأة، كيف تقتل هذا الرجل ~~بين أيدينا؟!» # فلم يبال حسن ضوضاءهم وقال لهم: «أتعدون هذا رجلا؟ إن من يعده رجلا لجدير بأن ينال ما ~~ناله، ثم إني رأيتكم سكتم عن قحته فلم يسعني إلا قتله، وقد قلت لكم إني لا أبالي الموت فلا ~~تخوفوني به.» قال ذلك والشرر يكاد يتطاير من عينيه، وظل واقفا وسيفه يقطر من دم قنبر وقد ~~اشتفى قلبه بقتله ويئس من الحياة؛ لأنه لم يكن يتوقع من هؤلاء الفرسان إلا الفتك به، فعزم ~~على الدفاع إلى آخر نسمة من حياته، فإذا مات مات كريما. # على أنه ما لبث أن رأى الفرسان يتسارون، ثم تقدم أحدهم وترجل عن فرسه وقدمه له قائلا: ~~«هذا جوادي فاركبه حتى تأتي المعسكر وشأنك والأمير، وسأركب أنا جملك.» # فلما سمع صوت الفارس عرف أنه خادمه عبد الله، فاستأنس به، وأدرك أنه هو الذي حملهم على ~~الإبقاء عليه. فركب الجواد، وساروا جميعا نحو المعسكر. # وكان السبب في معرفة مكان حسن أن عرفجة لما خرجت ليلى من عنده ولم تطلعه على مقره بعث ~~عبده للبحث عنه في المعسكر، فقضى هذا طول الليل في البحث، وفي الصباح رأى هجانا قادما إلى ~~المعسكر من ناحية تلك الخربة، فلم يعرف الهجان ولكنه شك في أمره، فذهب يبحث في المكان الذي ~~رآه قادما منه، وهناك وقع بصره على حسن وجمله فأسرع إلى سيده فأنبأه بما رأى، فأوعز هذا ~~إلى الحجاج فأرسل كوكبة من الفرسان للقبض على الجاسوس الهارب. # وكان عبد الله قد عاد إلى موقفه مع الحراس، فلما علم بالأمر احتال حتى ألحق بأولئك ~~الفرسان، لعله يستطيع مساعدة سيده، وبذل جهده حتى أبقوا عليه بعد أن قام بقتل قنبر، رغم ما ~~له من منزلة رفيعة عند الحجاج مراعاة لسيده، ولأنه ينفع في مثل هذه المهام. # وقد ساعد عبد الله في بلوغ غايته أن الجند لم يكونوا يحبون ms127 قنبر لفرط استبداده وقحته - ~~واستبداد العبيد ثقيل على الطباع - فلما قتله حسن فرحوا فيما بينهم وبين أنفسهم، وإن أظهروا ~~الغضب. # وبعد أن أرسل عرفجة الفرسان دخل على الحجاج في خيمته، وجلسا ينتظران ما يكون، وأخذ عرفجة ~~يمهد للفتك بحسن، فأقنع الحجاج بأنه جاسوس وبأنه إذا بقي حيا فلا يؤمن شره. وما كان ~~الحجاج في حاجة إلى من يوصيه بالقتل، وهو بطبعه شديد الرغبة في سفك الدماء. # وآن وقت الغداء، فلم يشأ الحجاج مغادرة الفسطاط قبل مجيء الفرسان ليرى ذلك الجاسوس الذي ~~بالغ عرفجة في وصف خطره، فلما أحس الجوع أمر بأن يؤتى بالطعام إلى الفسطاط، وكان الحجاج من ~~الأكلة المشهورين في الإسلام أمثال: سليمان بن عبد الملك، وميسرة البراش، وغيرهما، حتى ~~قالوا إنه أكل 84 رغيفا مع كل رغيف سمكة في أكلة واحدة! فلما جاءوه بالطعام دعا من في ~~مجلسه إلى مشاركته فيه، فاعتذروا جميعا تهيبا منه إلا عرفجة فإنه أكل معه، وإن ظل طول ~~الأكل قلقا يفكر فيما دبره لحسن من المكايد. فلما فرغ الحجاج من الطعام رفعت المائدة، ~~وجلس الحجاج صامتا. وكان عظيم الهيبة حسن الفراسة فإذا سكت لبث الذي في حضرته سكوتا كأن ~~على رءوسهم الطير. ~~••• # وفيما هم على تلك الحال، دخل الحاجب وقال: «لقد عاد الفرسان وعما قليل يصلون.» # فقال الحجاج: «وهل الأسير معهم؟» # قال: «لم أر بينهم أحدا ماشيا.» # قال: «لعله جاء على جواد.» قال: «إن بينهم رجلا بلباس غريب، فلعله هو الأسير.» # فنهض عرفجة ووقف بباب الفسطاط يتفرس في القادمين، ولما وقع نظره على حسن عرفه، وكانت هذه ~~هي المرة الثانية التي يراه فيها بعد مقابلتهما في المدينة. # ولما رأى حسن عرفجة ارتعدت فرائصه من الغيظ، وود لو أن سيفه أصاب عنقه بدلا من قنبر. ~~ولاحظ عرفجة أن قنبر ليس بين القادمين فظنه تأخر في الطريق، وعاد إلى الفسطاط وجلس بجانب ~~الحجاج ثم دخل الآذن وأنبأ الحجاج بوصولهم فقال: «أدخلوا الرجل لنراه.» # فأدخلوه عليه وقد نزع سيفه ووقف بين حارسين أحدهما عبد الله وفي ms128 يد كل منهما حربة. ولا ~~تسل عن هواجس عبد الله في تلك الساعة لما يعلمه من رغبة الحجاج في سفك الدماء. وأما حسن ~~فإنه وقف بقدم ثابتة كأنه بين بعض الأصدقاء، والتفت إلى من حوله في الفسطاط فرأى في صدره ~~الحجاج وعرفجة، وإلى الجانبين رؤساء الأجناد وكلهم سكوت تهيبا من الحجاج؛ لأنه قلما رئي ~~ضاحكا، وإذا ضحك فإنه لا يزيد على أن يكشر عن أنيابه. وقد تسمع قهقهته فإذا نظرت إلى وجهه ~~لم تجد فيه أي أثر لغير التجهم والعبوس! # وكان حسن يسمع بظلم الحجاج وشدة وطأته ورغبته في سفك الدماء، ولكنه اعتزم الصبر والثبات ~~حتى الموت، وبقي واقفا برهة لا يخاطبه أحد في شيء والحجاج ينظر إليه ويتفرس فيه ثم قال له: ~~«ممن أنت؟» # قال: «ما أنا من ثقيف ولا من أمية.» # قال: «وماذا تعني؟» # قال: «أعني أني لست من قبيلة الأمير ولا من قبيلة أمير المؤمنين، ومهما يكن من أمري بعد ~~ذلك فليس مما يغير رأي الأمير في...» # فقطع عرفجة كلامه وقال: «أبمثل هذا الجواب يخاطب ولي أمير المؤمنين؟! إنها قحة!» # فلم يصبر حسن على سماع ذلك من عرفجة والتفت إليه وقال: «بل القحة أن يتصدى مثلك للجواب ~~عن مولانا الأمير ويقطع الكلام عليه.» # فأراد عرفجة أن يتكلم فرأى الغضب في وجه الحجاج وهو يهم بالكلام فسكت، وقال الحجاج: «لسنا ~~في مقام جدال، فأخبرني ما الذي جاء بك إلى هذا المعسكر متنكرا؟» # فتحير حسن ولم يدر بم يجيب، وخاف أن يصرح بحقيقة غرضه فيهيج غيرة الحجاج عليه، ولا سبيل ~~بعد ذلك للنجاة، فلبث ساكتا. فاستبطأ الحجاج جوابه فأعاد السؤال فقال حسن: «جئت لأمر يهمني ~~ولا يهم سواي ولا علاقة له بأمر الخلافة أو الإمارة.» # فقال الحجاج: «نرى أجوبتك مبهمة فأفصح.» # فلبث حسن ساكتا، فاغتنم عرفجة فرصة سكوته وقال للحجاج: «إن أجوبته مبهمة لأنه يخاف أن ~~يعترف بفعلته، وهو جاسوس من عبد الله بن الزبير على مولانا الأمير. بل هو عدو أمير المؤمنين ~~يتمنى سقوط دولته ويسعى في ذلك ms129 جهده. وإذا شئت أن تتحقق ذلك فاطلب إليه أن يلعن ~~الكاذبين.» # فالتفت الحجاج إلى حسن كأنه يستطلع رأيه فيما قاله عرفجة، فقال حسن: «حاش الله أن أكون ~~كما يقول.» # فقال الحجاج: «إذا كان الأمر كذلك، فالعن الكاذبين: عليا بن أبي طالب، وعبد الله بن ~~الزبير، والمختار بن أبي عبيد.» # فارتبك حسن؛ لأنه لا يعتقد كذب هؤلاء، ولا يريد أن يلعنهم. وكان يعلم أنه إذا لم يلعنهم ~~فإن هذا يكون حجه عليه فقال: «لا أرى علاقة بين صدق نيتي في خدمة أمير المؤمنين عبد الملك ~~وبين لعن هؤلاء.» # فقال عرفجة: «أرأيت يا مولاي كيف هو خائن غادر يكذب على الأمير كذبا صريحا؟ أما قلت لك ~~إنه جاسوس والجاسوس يستوجب القتل. اقتله يا مولاي وأرح نفسك منه.» قال ذلك وأطرافه ترتعش ~~ولحيته تنتفض في وجهه على صغرها، وعيناه ترتعشان كأنهما قد فت فيهما حصرم. # وكان الحجاج مع عتوه وظلمه ذا فراسة ونظر، فأدرك أن تمنع حسن عن اللعن لا يدل على ~~جاسوسيته، ولكنه أعاد السؤال عليه وقال: «لقد صبرنا عليك حتى الآن؛ سألناك عن نسبك فلم ~~تجبنا وهذا ذنب وحده يكفي لاتهامك. ثم سألناك عن غرضك في طرق هذا المعسكر متنكرا فأجبت ~~جوابا مبهما، وكلفناك لعن الكاذبين فأبيت. فهل تتوقع أن نصبر عليك أكثر مما ~~صبرنا؟» # فلما سمع كلام الحجاج أيقن بدنو أجله، ولكنه لم يجزع، وعز عليه أن يشمت به عرفجة، فلبث ~~ساكتا يفكر فيما يفعل، واغتنم عرفجة الفرصة فخاطبه قائلا: «أجب الأمير. ألست جاسوسا ~~خائنا جئت لتكيد لأمير المؤمنين؟» # ثم التفت إلى الحجاج وقال: «إني أعجب لصبر مولاي على هذا الخائن وكيف لم يأمر بقطع ~~رأسه؟!» # فلما تحقق حسن بلوغ الأمر غايته وخاف أن تنفذ حيلة عرفجة فيه فيأمر الحجاج بقتله، اعتزم ~~الإيقاع بعرفجة، فالتفت إليه وخاطبه بقلب جسور وقال: «أتدعوني خائنا وما الخائن إلا ~~أنت؟!» # فوثب عرفجة من مجلسه مغضبا وقال: «كيف تجرؤ على هذا الكذب في حضرة الأمير وهو أعلم الناس ~~بصدق طاعتي وإخلاصي! والله لو أذن لي ms130 الأمير لقطعت رأسك بيدي، فإني لأعلم الناس بخيانتك، ~~ويعلمها أيضا غلامي قنبر.» قال هذا ثم تلفت حوله متفقدا عبده قنبر، فلما لم يجده صاح: ~~«أين قنبر؟» فأجابه حسن ساخرا وقال: «لن يجيبك قنبر؛ لأنه نال جزاءه!» فالتفت عرفجة إلى ~~الحراس مستفهما، وقبل أن يسألهم أشار أحدهم بيده إشارة فهم منها أن قنبر قتل بيد حسن ~~فأجفل عرفجة وحملق عينيه وصاح فيه: «وهل قتلت غلامي أيضا؟ ثم تقف غير خائف من القصاص؟!» ثم ~~التفت إلى الحجاج وقال: «أتراه لم يستوجب القتل بعد؟» # فابتدره حسن قائلا: «قتلته لخيانته، وسوف تنال جزاءك بأمر مولانا الأمير متى ثبتت ~~خيانتك.» # فقال عرفجة: «أتتهمني بالخيانة وخيانتك ظاهرة للعيان وقد أضفت إليها جريمة القتل؟» # فلما رآهما الحجاج يتجادلان ويحاول كل منهما إثبات الخيانة على الآخر رأى من الحزم ~~والدهاء أن يصبر حتى يستمع لجدالهما، وإن كان هذا على غير ما تعوده جلاسه منه. # أما حسن فلما رأى الحجاج مصغيا التفت إلى من حوله من الأمراء وقال: «أشهدكم على أن دم ~~الخائن مهدور أيا كان!» # فقال عرفجة: «ما الخائن إلا أنت.» # فتجلد حسن حتى ملك نفسه ونظر إلى عرفجة وقال له بصوت هادئ: «من الخائن منا يا عرفجة؟ أأنا ~~الخائن وأنت الأمين الصادق في خدمة أمير المؤمنين؟» # قال: «وهل في ذلك شك؟» # قال: «وماذا تقول في الكرسي؟» # فلما سمع عرفجة لفظ الكرسي ارتعدت فرائصه وبدت البغتة في وجهه، ولكنه تجاهل ولجأ إلى ~~المغالطة، قال وهو يضحك ويظهر الاستخفاف: «أي كرسي؟ لا شك في أنك تهذي.» # فقال حسن: «أنسيت الكرسي ولهيب ناره يلفح وجهك! أفلم تدرك أي كرسي أعني يا ~~عرفجة؟!» # فتحقق عرفجة اطلاع حسن على حرق الكرسي، ولكنه استغرب ذلك وأنكره وعاد إلى محاولته ~~المغالطة فقال: «ما بالك تهذي يا رجل؟ وأي كرسي تعني؟» # وكان الحجاج ينظر في عيني عرفجة، فلم يخف عليه أنه في ورطة، وبقي صامتا يصغي. فقال حسن: ~~«ألم تفهم أي كرسي يا عرفجة؟ هو كرسي المختار بن أبي عبيد الذي كلفتموني لعنه الآن!» # فازداد ms131 تغير وجه عرفجة وقال: «وما شأنه؟ وما علاقة المختار بما تقول؟» # فقال حسن وقد رفع صوته: «ألا تعرف علاقته بك؟ إذا كنت لا تعرف تلك العلاقة، فاسأل محمدا ~~بن الحنفية، وهو قريب من هنا. اسأله أو اسأل من شئت. وإذا أنكرت استنطقنا رماد ~~الكرسي .» # فلما سمع عرفجة هذا التعريض أوجس في نفسه خيفة، ولم يجد سبيلا إلى التخلص إلا أن يمضي في ~~تجاهله ومغالطته فقال وهو يضحك: «أتظن مثل هذه المفتريات تنطلي على مولانا الأمير؟ وهل تظنه ~~يصغي لكلام مختلق لا معنى له ولا أصل؟ إن الأمير إن يكن قد مد لك في حبل الحلم، فما ذلك ~~إلا لكي يأخذك بجريرتك ويجعلك عبرة لأمثالك من الخائنين.» # فقال حسن: «للأمير أن يفعل بي ما يشاء، ولكن ذلك لا ينفي كونك خائنا منافقا. وإذا كنت ~~قد أنكرت أمر الكرسي، فإن أمره معروف، وأهل المدينة يعرفون عنك محافظتك بضعة أعوام على محفة ~~لا يعرف أحد ما فيها. ولم يكن فيها إلا كرسي المختار الذي زعم أنه لعلي بن أبي طالب، ~~واستغله في الدعوة إلى قتال بني أمية من ورائه، فلما مات أخذت أنت الكرسي لنفسك، لتخلف ~~المختار في استغلاله لمناصبة بني أمية العداء ومحاولة إخراج الخلافة منهم إلى محمد بن ~~الحنفية الذي كان المختار يدعو له.» # فقطع عرفجة كلامه وقال: «ما هذا إلا اختلاق.» # فقال حسن: «إن ابن الحنفية شاهد على ذلك، ومهما يكن من أمره فيما يختص بالخلافة فلا يشك ~~أحد في صدقه، وإذا كان شعب علي بعيدا من هنا، ففي المسجد بمكة من شهدوا حريق الكرسي معي، ~~وشهدوا الإهانة التي لحقت بعرفجة النزيه الصادق من محمد بن الحنفية حين جاءه مستأذنا في ~~الدعوة إلى بيعته وخلع أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان!» # ولم يتم حسن كلامه حتى ضج من في الفسطاط، ومال الحجاج إلى تصديق حسن، وكان الحجاج مع ~~تقريبه عرفجة لا يجهل خبثه ونفاقه، ولكنه إنما قربه لأنه يحتاج إلى أمثاله في بعض أغراضه. ~~فلما رجح ثبوت هذه التهمة عليه ms132 صمم على قتله، ولكنه أجل ذلك ليرى ما يكون. # أما عرفجة فلما غلبته الحجة عمد إلى المواربة فقال وهو يظهر التعقل والهدوء: «يلوح لي أن ~~أمير المؤمنين سكت عما سمعه من هذا الرجل كأنه مال إلى تصديقه.» # فقال الحجاج: «وهل تحسبه اختلق ذلك كله اختلاقا؟» # قال: «نعم يا مولاي.» # فقال الحجاج: «لا يعقل أنه يفعل ذلك، ولا سيما أنه يستشهد أناسا معروفين. ثم ما الذي ~~يدعوه إلى هذا الاختلاق؟» # فقال: «يدعوه إلى ذلك أمر أفظع من خيانته، ولو أني ذكرته لك ما ترددت في صلبه!» # فقال: «وما ذلك؟» # قال: «إني لأضن بعرض أمير المؤمنين أن يذكر في مثل هذا المقام، فإذا أذن مولاي في خلوة ~~ذكرت له السبب، وأنا ضامن أنه يقتنع ببراءتي.» # فقطب الحجاج حاجبيه وأشار بيده فخرج كل من في الفسطاط من الأمراء والحراس وبينهم حسن، وقد ~~سر لما رآه في وجوه الأمراء من دلائل نقمتهم على عرفجة لفظاظته وسوء سريرته. وإن أظهروا له ~~غير ذلك خوفا من الحجاج. وفاتهم أن الحجاج نفسه لم يكن يثق به. # فلما خلا عرفجة بالحجاج أخذ يقص عليه حديث حسن مع سمية ثم قال: «وقد كنت أعدها لخدمة ~~مولاي بعد أن طلبها منذ أعوام، فجاء هذا الشاب وخدعها بحبه، وهي فتاة لا تدرك أمور ~~الدنيا، فانخدعت بظاهره، وكادت توافقه على أن تفر معه لو لم أطلع على فعلته، فسعيت في ~~قتله بمساعدة طارق بن عمرو عامل المدينة. وهذا طارق بين يدي مولاي ينبئك بصدق قولي. ولكن ~~الرجل الذي أنفذناه لقتله لم يظفر به، فنجا ثم جاء متنكرا إلى معسكر الأمير بعد أن علم ~~بزفافها إليه ليحاول أن يخدعها مرة ثانية، ولكني رأيته ساعة مجيئه مع ليلى بالأمس، وبعثت من ~~يأتون به، فعلمت أنه سار إلى جهة أخبية النساء، وقد شق على أن أصرح بذلك لمولاي الأمير ~~لئلا أكدره، فاكتفيت بأن ذكرت أنه جاسوس، لعلمي بأنه صاحب الكتاب الذي جاءنا به الفتى ~~الثقفي منذ حين وظنناه قتله. ثم علمت بأنه فر إلى الخربة ms133 المجاورة فأرسلنا الفرسان للقبض ~~عليه، ويؤيد صدق قولي، أنك لما سألته عن سبب مجيئه إلى هنا لم يستطع جوابا.» # فرأى الحجاج كلام عرفجة معقولا، ولكنه رأى التهمة الموجهة إليه معقولة أيضا فلم ير ~~خيرا من التريث حتى ينجلي له وجه الصواب. فأمر بسجن حسن ، وتظاهر بأنه اقتنع ببراءة ~~عرفجة. # سيق حسن إلى خيمة أفردوها له في طرف المعسكر، ووقف ببابها حارسان مسلحان. فلما تركوه فيها ~~بعد أن شدوا وثاقه أيقن باستحالة النجاة، وجعل يفكر فيما مر به وما كان من أمر عرفجة معه، ~~فرأى أن الحجاج لم يقتنع كل الاقتناع بخيانة عرفجة، وأدرك أن هذا يستعديه عليه من طريق ~~إثارة غيرته، والغيرة تعمي وتصم. # وقضى حسن في ذلك بقية يومه، وجاءوه بالطعام فلم يتناول منه شيئا، ثم قضى ليلته ساهرا ~~وخيال سمية أمام عينيه، وفكره يبحث عبثا عن وسيلة إلى النجاة بنفسه وسمية. # وفيما هو متوسد على حصير من سعف النخل وقد أثقلته الأغلال، سمع وقع أقدام خفيفة في ~~الخيمة، ثم صوتا يهمس في أذنه قائلا: «لا تخف يا مولاي إني خادمك عبد الله.» # وحاول أن ينهض فأعانه على ذلك عبد الله ثم قال له: «لقد احتلت حتى جعلوني أحد الحارسين ~~المنوط بهما تناوب مراقبتك، وأنا الآن في نوبة السهر على حراستك. وقد نام رفيقي فدخلت ~~لأسألك عما تريد.» # فقال حسن: «لا أريد شيئا ولا رغبة لي في النجاة، إلا إذا نجت سمية معي.» # فقال عبد الله: «وما حيلة الحر الأعزل يا مولاي إذا وقع بين أيدي من لا يتورعون عن قتله ~~ظلما وعدوانا، مستعينين بكثرة عددهم وعدتهم؟! أيسلم نفسه لهم طوعا، أم يحاول الخلاص من ~~أيديهم بأي وسيلة؟» # قال: «أتريد أن أفر من المعسكر وحدي وأترك سمية في بيت الحجاج؟ وهل تحسب أن حياتي ~~بعيدا عن سمية مما أحرص عليه؟» # فقال عبد الله: «لا يا مولاي، لست أعني أن تخرج وحدك، وإنما أعني البحث عن وسيلة تخرج بها ~~أنت وسمية معا. ولا عار في الفرار من وحش كاسر لا ms134 يعرف الحق ولا يراعي العدل.» # فسكت حسن، واستأنف عبد الله الكلام فقال: «سأذهب غدا إلى خباء النساء لاستطلاع الأمر، ثم ~~أعود إليك بما يستقر عليه الرأي. فدع القنوط وكل واشرب حتى يأتي الله بالفرج.» ثم ودعه ~~وخرج. # وشعر حسن بالارتياح وأعجب بغيرة عبد الله وصدق مودته، ثم مكث في اليوم التالي ينتظر ~~رجوعه. # وكانت سمية قد واعدت عبد الله على الخروج معه في مساء الأمس، ثم سمعت خبر القبض على حسن ~~والرجوع به إلى المعسكر، وسجنه، وما لبثت أن رأت الجند قد أحدقوا بخبائها ومعهم السلاح، ~~فأيقنت أن الحجاج اطلع على سر قدوم حسن إلى معسكره فتحققت وقوعها في الخطر، ودعت إليها أمة ~~الله جاريتها، وكانت هي التي أخبرتها بسجن حسن، فجاءت وهي تظهر عدم المبالاة، فقالت لها ~~سمية: «هل رأيت الجند المحدقين بنا إحداقهم بالقتلة المجرمين؟» # قالت: «رأيتهم. ولكن ما لنا ولهم؟» # فقالت سمية: «أتتجاهلين يا أمة الله؟ ألا ترين أنهم سجنوني كما سجنوه؟ وهل تشكين في أن ~~ذلك العاتي قد اطلع على ما بيني وبين حسن فلم يبق إلا أن يفتك بنا؟!» # قالت: «لا أظنه يفتك بك.» # فقطعت كلامها وقالت: «تظنينه يستبقيني لمأربه الدنيء! ولكن ما أنا مبقية على نفسي. أين ~~السم الذي حفظته لي؟ لقد آن وقته!» وكانت أمة الله قد أخذته لتحفظه عندها. # قالت: «لا أظن وقته أزف يا مولاتي، وحسن لا يزال على قيد الحياة، ومن يدري ما يأتي به ~~الغد؟» # قالت: «أتتوقعين لحسن البقاء وقد وقع في قبضة هذا الظالم الذي لا يرى فيه إلا مناظره على ~~عروسه؟ آه يا أمة الله! يا ليتني ظللت على يأسي الماضي ولم أعلم ببقاء حسن حيا! إن هذا لن ~~يعفيه من القتل. فكيف أبغي الحياة في بيت رجل قتل حبيبي؟» # فقطعت أمة الله كلامها وقالت: «إنه لم يقتله بعد يا مولاتي. وعسى الله أن ينقذه من بين ~~يديه فإن الله قادر على كل شيء.» # قالت: «نعم إن الله قادر على كل شيء، ولكن أليس حسن في حكم ms135 المقتول الآن؟» قالت ذلك ~~وخنقتها العبرات. # فاحتارت أمة الله، ولم تدر بم تعزيها عن توقع قتل حبيبها، ولم تستطع لومها على تفكيرها ~~في الانتحار حتى لا تبقى في بيت قاتل حبيبها، فظلت ساكتة، واستأنفت سمية الكلام فقالت: «أين ~~السم؟ أعطيني إياه.» # فتغير وجه أمة الله وتناثرت الدموع من عينيها وقالت: «دعي السم الآن فإن وقته لم يأت ~~بعد.» # قالت: «أعطيني إياه، وأعاهدك على أني لا أتناوله إلا بعد أن أقطع الأمل من بقاء حسن.» ثم ~~أطلقت لنفسها عنان البكاء، فبكت أمة الله معها، ولكنها أشفقت عليها من الاسترسال في الحزن ~~على هذه الصورة فكظمت ما في نفسها وقالت: «أتعدينني أنك لا تتناولين السم إلا بعد وقوع ~~الخطر حقيقة؟» فلما عاهدتها على ذلك خرجت ثم عادت وناولتها ورقة فيها المسحوق السام. ~~فتناولته منها وقبلته وهي تقول: «أنت هو منقذي من أحزاني ومتاعبي. أنت وحدك معيني على قهر ~~ذلك العاتي وإنقاذي منه.» # وكان الحجاج قد أمر بإخراج النساء من الخباء إلا سمية وخادمتها وأمر الحراس أن يحدقوا به ~~وهم في غفلة عن سبب ذلك، فكانت سمية تصيخ بسمعها من جدران الخباء لما يتحدث الحراس به. ~~وسمعتهم يتحدثون بما أظهره حسن من الشهامة وعزة النفس وما ظهر في كلام عرفجة من التلاعب ~~والغدر. وكانت كلما سمعت ذلك منهم رقص قلبها فرحا، ولكنها لا تلبث أن تعود إلى ~~هواجسها. # أما عبد الله فلما جاء إلى سمية ليخاطبها في أمر الفرار رأى الحرس محدقا بخبائها فعاد ~~ولم يرها، وأخبر حسنا بما كان فازداد الأمر تعقيدا عنده ففزع بآماله إلى الصبر والتسليم ~~للأقدار. ~~••• # قضى حسن أياما على هذه الحال، ثم حدث أن رأى نفسه فيما يرى النائم وكأنه يقول لبلال ~~خادمه الذي تركه في مكة: «إذا استبطأتني فاطلبني في معسكر الحجاج.» فلاح لحسن أن يكون بلال ~~جاء المعسكر ولم يعلم بمكانه. فلما دخل عبد الله عليه ذكر له هذا الأمر ووصف له بلالا ~~وقيافته فقال عبد الله: «رأيت في هذا المعسكر عبدا أظنه هو الذي تعنيه ms136 ويظهر أنه يفتش عن ~~ضائع ولم ينتبه له أحد؛ لأن الحجاج وحاشيته وسائر الأمراء يتأهبون للهجوم على ابن الزبير ~~مرة واحدة، ولولا ذلك لكشف عرفجة أمره واتهمه بالجاسوسية.» # فقال حسن: «يهمني أمر هذا العبد، فاستقدمه إلي على عجل.» فخرج عبد الله فرأى بلالا ~~فاغتنم اشتغال الناس بالتأهب وجاء به إلى السجن متظاهرا بأنه يحمل له طعاما، فقال بلال ~~لحسن: «لقد بحثت عنك حتى يئست من لقائك وكدت أرجع خائبا. فالحمد لله على أني رأيتك ولو في ~~السجن ...» # فقال حسن: «وماذا وراءك؟» # قال: «جئت إليك في مهمة مستعجلة وأخشى أن يكون قد فات أوانها.» # قال: «وما هي؟» # قال: «استدعاني ابن صفوان إلى منزل عبد الله بن الزبير في مكة وسألني عنك، فلما أجبته ~~بأنك لم تعد بعد قال: «إن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير يحب أن يراك لأمر ذي بال خاطبه ~~في شأنه منذ بضعة وعشرين يوما، وهو يريد الآن أن يعهد إليه في أمر مهم.» فجئت على عجل وقد ~~قضيت ثلاثة أيام في البحث عنك حتى جاءني عبد الله كما رأيت.» # فقال حسن: «ابن الزبير يطلب أن يراني في مكة؟!» # فقال: «نعم يا مولاي وقد ألح علي كثيرا، وقال إن الوقت ضيق.» # فأطرق حسن وأعمل فكرته فتبين له أن ابن الزبير إنما طلبه في شأن خطبة أخته رملة لخالد بن ~~يزيد، وتذكر أنه إنما جاء الحجاز لأجل هذا الأمر، ولكنه لم يدر كيف يجيب الدعوة وهو سجين، ~~فالتفت إلى عبد الله وقال: «إنك عرضت علي منذ أيام أن تخرجني من هذا المعسكر، فهل تستطيع ~~هذا اليوم؟» # قال: «ذلك سهل علي في أي وقت تشاء، وإني أفديك بروحي.» # فقال: «لا أبغي الفرار وإنما أبغي الخروج الليلة لمقابلة ابن الزبير ثم أعود في الصباح ~~إلى محبسي.» # فأعجب عبد الله بعزة نفسه وقال له: «افعل ما بدا لك فإني رهن إشارتك.» # وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب فقال عبد الله: «تمهل قليلا حتى يجيء الليل فأعطيك ~~ثوبي فتلبسه وتخرج به وألبس أنا ms137 ثوبك وأحل محلك هنا ريثما تعود، وسوف لا يشك من يراك أنك من ~~حراس الحجاج. فتظاهر بأنك ذاهب في مهمة إلى ابن الزبير، وإذا رأيت أن تبقى هناك على أن ألحق ~~بك، فافعل.» # فأعجب حسن بمروءة عبد الله وتضحيته في سبيل نجاته، فقال: «بورك فيك من صديق صادق، أخاف ~~أن أصاب بسوء فلا أعود فتقع أنت تحت طائلة العقاب.» # قال: «إذا أصابك سوء، فلن يبقى لي مأرب في الحياة. على أن القوم يعتزمون الهجوم غدا على ~~ابن الزبير، فما أظنهم ينتبهون لخروجك، ولن أجد مشقة في إطلاق نفسي من السجن.» # فقطع حسن كلامه وقال: «أما رجوعي فلا بد منه؛ لأني لا أستطيع أن أترك سمية.» قال ذلك وصمت ~~بغتة كأن فكرا جديدا طرق ذهنه ثم قال: «لا بد لي من الانتقام من أبيها الخائن.» ثم التفت ~~إلى بلال وقال له: «أتذكر ما رأيناه خلسة من خيمة صاحبك سعيد في فسطاط محمد بن ~~الحنفية؟» # قال: «أتعني حكاية عرفجة والكرسي؟» # قال: «إياها أعني، فهل تستطيع الحصول على كتاب من محمد بن الحنفية إلى الحجاج يشهد فيه ~~بأن عرفجة جاء بذلك الكرسي وعرض عليه أن يدعو إلى بيعته أهل العراق ليخلعوا بيعة عبد الملك ~~بن مروان؟» # قال بلال: «ذلك شيء يسير، فإني صديق قديم لسعيد، ولهذا دالة عليه.» # فقال حسن: «إذن اذهب الآن إلى شعب علي، واسلك أقرب الطرق إليه، فإذا حصلت على الكتاب فعجل ~~بالعودة به إلى هنا، حيث أكون قد عدت بعد مقابلة ابن الزبير.» # فخرج بلال وسار في مهمته. وخرج عبد الله إلى المعسكر فوجد القوم يتأهبون للقتال في صباح ~~الغد، ورأى زميله واقفا بباب الخيمة ينظر إليهم متحسرا على حرمانه من الذهاب معهم ليصيب ~~بعض الغنيمة. فقال له: «إذا شئت اللحاق بالجند فافعل وأنا أبقى هنا لحراسة السجين.» فسر ~~الرجل وشكره وانصرف. # ولما غابت الشمس دخل عبد الله على حسن فألبسه ثيابه وسلمه الحربة، ثم لبس هو ثياب حسن ~~وجلس مكانه. فخرج حسن قاصدا إلى مكة، ولم يشك فيه ms138 أحد لظنهم أنه من الحراس ولانشغالهم ~~بالتأهب للهجوم على مكة. # الفصل الخامس عشر # | أم ابن الزبير # دخل حسن مكة دون أن يعترضه أحد، ولاحظ أن أسواقها خالية من الناس، غير أنه ما كاد يشرف ~~على المسجد حتى وجد الناس قد ازدحموا فيه وفيما جاوره من المنازل، فعلم أنهم يتوقعون شرا ~~ولم يفتهم ما نواه الحجاج. فسار توا إلى منزل عبد الله بن الزبير فرأى الناس يتدافعون عند ~~بابه، وسأل عن ابن صفوان فعلم أنه في خلوة مع ابن الزبير، فوقف مع الواقفين حتى مضى معظم ~~الليل، فمل الانتظار وشق طريقه بين الناس ملتمسا الحجرة التي فيها عبد الله، فلما ~~بلغها سأله الخدم عما يريد، فذكر أنه يريد مقابلة أمير المؤمنين لأمر ذي بال، فأبلغوا أمره ~~إلى ابن صفوان، فخرج إليه وما كاد يراه حتى رحب به، فسأله حسن: «أين أمير المؤمنين؟» # قال: «تركته يصلي الفجر.» # قال: «لقد جئت لمقابلته إجابة لطلبه.» # فقال: «نعم لقد طلب أن يراك لأمر يريد أن يسره إليك. وسوف أدخلك عليه.» قال ذلك وعاد إلى ~~الحجرة ومكث حسن في انتظار عودته في فناء البيت وهو يتوقع أن يطول غيابه لعلمه بطول صلاة ~~ابن الزبير مذ رآه يصلي في المسجد من عهد قريب. # على أن انتظاره لم يطل، وسرعان ما عاد ابن صفوان وأشار إليه أن يتبعه، فمضى وراءه حتى ~~دخل الحجرة فوجد عبد الله واقفا وسطها وقد تقلد الحسام ولبس الدرع تحت جبة خز، وتحتها ~~سراويل ومنطقة، وقد فاحت منه رائحة المسك. فهم حسن بتقبيل يده، فلم يمكنه من ذلك ورحب به، ~~ثم أشار إلى ابن صفوان فخرج، وأقفل عبد الله الباب نفسه، فاستغرب حسن ذلك ولبث واقفا ينتظر ~~ما يبدو منه، فرآه يتجه إلى وسادة على طنفسة هناك فجلس وقد وضع سيفه مستعرضا على ركبتيه ~~وأسند ذراعيه عليهما فوقه، وأشار إليه أن يجلس بجانبه، فجلس صامتا. # وظل عبد الله مطرقا وهو يلاعب لحيته بين أنامله، ثم التفت إلى حسن وقال له: «ما أظنك ~~حصلت على ms139 كتاب من خالد.» # قال: «إن الرسول لم يعد بعد.» # قال: «وما أظنني أراه ولو عاد من الغد.» # فقال حسن دون أن يدرك قصده: «كيف لا وهو رهن إشارة أمير المؤمنين؟» # قال: «على أي حال، لقد أيقنت بصدق رغبة خالد في الزواج من أختي، وإنه فيما علمت لأفضل ~~القوم، فإذا لقيته فأوصه عني بها خيرا، واذكر له أن مصاهرته لآل الزبير جاءت متأخرة، ولو ~~أنه عجل بها بضعة أعوام لما استطاع بنو مروان الاستبداد بالأمر، بما لا ينطبق على كتاب الله ~~ولا سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» قال هذا وقد ظهر التأثر في عينيه وخشن صوته، ثم واصل كلامه ~~قائلا: «ليت شعري كيف يسود العتاة الظلمة؟ وكيف يتغلب قوادهم المنافقون الذين يرمون بيت ~~الله بالحجارة على رجال يعبدون الله ويعملون بكتابه؟!» # فأدرك حسن أنه يئس من الفوز، وأراد أن يستطلع ما اعتزمه فقال: «لا يخفى على مولاي أن ~~النصر من عند الله يؤتيه من يشاء. ولا عجب في أن تكون الغلبة في الدنيا لمن همهم الدنيا، ~~فقد كانت الغلبة لمعاوية على الإمام علي صهر الرسول وابن عمه، وقد فتك ابن زياد بالحسين وآل ~~بيته؛ ذلك لأن الدنيا شيء والآخرة شيء آخر، وقد انقضى العصر الذي ساد فيه الحق والدين ~~والتقوى، وأصبح الحكم الآن لا يتولاه غير أهل الدهاء والسياسة و...» ولما بلغ إلى هنا بلع ~~ريقه وبدا في وجهه أنه أراد التصريح بشيء ثم توقف خوفا أو حياء. فنظر عبد الله إليه نظرة ~~من يتوقع إتمام الكلام، فأتم حسن كلامه قائلا: «ولا أخفي على مولاي أن آل مروان، وآل أبي ~~سفيان قبلهم، لم يخلص لهم الملك دون بني هاشم وغيرهم إلا بالدهاء والسياسة وبذلهم المال ~~لدعاتهم وأنصارهم.» فلما ذكر المال بدا الانقباض في وجه عبد الله وقال: «لا تذكرني بالمال ~~وأمره فقد كنت شحيحا به لأنه مال بيت الله، ولعلي لو بذلته للأحزاب لم يستطع ابن مروان ~~الاستبداد بالأمر دوني، ولكني لا ألتمس الدنيا بالباطل ولا ابتياع الأنصار بالمال.» ms140 # فقال حسن: «لو أن مولاي أصغى لمشورة الحصين بن نمير يوم وفاة يزيد لما صار الأمر إلى بني ~~مروان ...» # فقطع عبد الله كلامه وقال: «سمعتك تذكر هذا الأمر قبل اليوم، ولقد سمعته كذلك من كثيرين، ~~على أني لو أطعت الحصين ورافقته إلى دمشق لما بايعني بنو أمية؛ فهؤلاء شق عليهم أن يبايعونا ~~في ديارنا وبين أهلنا، فكيف لا يكون ذلك أشق عليهم في ديارهم وبين أحزابهم. ومع ذلك فقد ~~قضي الأمر. وما بعثت إليك إلا لأوصيك بأختي خيرا، فأوص بها خالدا، وأبلغه عني أني أوصيه ~~كذلك بأن يدع أمر الخلافة فإنها شاقة على أهل الدين في هذا الزمان، وليشتغل بما هو مشتغل به ~~من العلم والكيمياء فذلك خير له وأجدى عليه. ولا أخفي عليك أني قطعت الأمل في الفوز بعد أن ~~نبذني الأهل والأصدقاء خوفا من الموت، ولو أني طلبت الدنيا لما امتنع علي الحصول عليها، ~~ولكنني أطلب الآخرة، وقد دعوت الناس إلى الحق فلم يصغوا، فلم يبق إلا أن أتركهم وشأنهم. ~~وقد أنبأني الجواسيس بأن الحجاج وقومه عزموا على مهاجمتنا في الغد، ويفعل الله ما يشاء.» ~~قال ذلك وغص بريقه فتشاغل بإصلاح غمد حسامه، ثم وقف وقال: «تعال معي إلى أمي لأخبرها بما ~~استقر عليه الرأي في شأن رملة.» # فوقف حسن ومشى في أثره وقد لاح ضوء الفجر، فدخلا حجرة رأى حسن في صدرها امرأة عجوزا عرف ~~أنها أسماء ذات النطاقين أم عبد الله، وهي بنت أبي بكر الصديق، وأخت عائشة زوج النبي. وكانت ~~قد كف بصرها وبدا الهرم في وجهها، فحياها عبد الله وقبل يدها، فقبلته وتنهدت ثم قالت: «ما ~~وراءك يا بني؟ ما لي أشم منك رائحة الحنوط؟» # قال: «إني أتحنط كل يوم استعدادا للموت. وأما الآن فقد جئتك بحسن الذي ذكرت لك قدومه من ~~عند خالد بن يزيد لخطبة أختي رملة وقد أخبرته بقبول الخطبة فإن خالدا لأهل لذلك.» # فرفعت رأسها وهي تجيل عينيها المطبقتين كأنها تحاول أن تنظر إلى ابنها، ونظر حسن إلى ~~وجهها وقد ms141 تغطى جانباه بالنقاب فرأى دمعتين تقطرتا من جانبي أنفها بغير أن يبدو للبكاء أثر ~~في وجهها. فلم يستغرب صبرها وتجلدها لما سمعه من ثبات جأشها وقوة قلبها. ثم قالت: «لقد صنعت ~~خيرا يا بني.» وسكتت وكأن في نفسها شيئا تكتمه ثم قالت: «في أي ساعة نحن من الليل ~~الآن؟» # قال عبد الله: «نحن في الصباح.» وما أتم كلامه حتى سمع في الخارج دوي شديد أعقبته ~~صيحات الاستنكار من الواقفين بالباب الخارجي للمسجد، فأدرك حسن أن الهجوم قد بدأ، وأن ما ~~سمعوه هو صوت وقوع حجارة المنجنيقات على الكعبة. ونظر إلى عبد الله فإذا هو قد تغيرت سحنته ~~وبان القنوط في وجهه ثم التفت إلى أمه وقال: «لقد بدأ أعداؤنا هجومهم الأخير يا أماه، وقد ~~آليت ألا أفعل أمرا إلا استشرتك، فبماذا تشيرين؟» # فنظر حسن إلى أسماء وتفرس في وجهها فإذا هي تزيح النقاب عن وجهها، ثم قالت وشفتاها ~~ترتجفان من الشيخوخة لا من الخوف: «أنت أعلم بنفسك يا بني، فإن كنت تعلم أنك على حق وإليه ~~تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك. ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية. وإن كنت إنما أردت ~~الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت: «كنت على حق فلما وهن أصحابي ~~ضعفت.» فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين!» # فقال عبد الله: «إنما أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي.» # فقالت: «يا بني إن الشاة لا تتألم بالسلخ، فامض واستعن بالله.» # فقبل عبد الله رأسها وقال: «هذا رأيي الذي أصر عليه حتى اليوم، ووالله يا أماه ما ركنت ~~إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى ذلك الأمر إلا غضبتي للحق، ولقد زدتني ~~برأيك هدى وبصيرة.» ثم سكت قليلا، وقال: «اسمعي يا أماه، إني أشعر بأني مقتول في يومي ~~هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد إيثار منكر، ولا عمل بفاحشة، ولم ~~يجر في حكم الله ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ms142 أو معاهد. ولم يبلغني ظلم عن عمالي ~~فرضيت به بل أنكرته. ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي.» # فقالت وقد بان الجد في جبينها: «أرجو أن يكون عزائي فيك جميلا. إن تقدمتني احتسبتك، وإن ~~ظفرت سررت بظفرك. فامض لشأنك، والله معك، ولئن قتلت ففي سبيل الله.» # ثم اتجه عبد الله إلى حجرة أخرى ليودع أخته، وظل حسن واقفا في انتظار عودته، فسمع ~~أسماء تتأوه وقد رفعت وجهها وقالت: # اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة ~~والمدينة، وبره بأبيه وبي. اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني فيه ~~ثواب الصابرين الشاكرين. # فاستغرب حسن صبرها وقوة إيمانها. ثم عاد عبد الله إليها وهم بتقبيل يدها، فأمسكت بيده ~~وضمته إلى صدرها قائلة: «هذا وداع فلا تبعد.» # فقال: «إنما جئت مودعا فكأني بهذا اليوم آخر أيامي من الدنيا.» # فخفق قلب حسن تأثرا، وترقرق الدمع في عينيه، ونظر إلى أسماء فإذا هي لم يبد في وجهها ما ~~يدل على التأثر، فعلم أن ثباتها فوق ما كان يسمعه عنها، ثم ما لبث أن سمعها تقول لعبد الله: ~~«امض على بصيرتك وادن مني حتى أودعك.» فدنا منها وعانقها فعانقته وأحاطت يديها بخصره ~~وقبلته فوقعت يدها على الدرع فنفرت وقالت: «ما هذا صنيع من يريد ما تريد!» فقال عبد الله ~~وقد بدا الخجل في وجهه: «ما لبسته إلا لأشد به متني.» فقالت: «إنه لا يشد متننا. البس ثيابك ~~مشمرة.» فمد عبد الله يده إلى الدرع ونزعها، ودرج كميه، وشد أسفل قميصه وجبته تحت ثنيات ~~سراويله وأدخل أسفلها تحت المنطقة، ثم خرج. # الفصل السادس عشر # | مقتل ابن الزبير # خرج حسن في أثر عبد الله بن الزبير وقد عزم على البقاء معه حتى النهاية. وشعر عبد الله ~~بذلك، فالتفت إليه وقال: «ناشدتك الله ألا تعرض نفسك للقتل.» # وكان حسن على يقين من فوز جند بني أمية، لكثرتهم واتحادهم، ولكنه ظل سائرا في أثره حتى ~~خرجا من المنزل، فلما وقع نظر ms143 عبد الله على المنتظرين هناك وقد تهيأوا للقتال وغطت الدروع ~~أبدانهم، قال لهم: «اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم.» ولما كشفوها علم أنهم بقية أهله فقال: ~~«يا آل الزبير لو طبتم بي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلحنا في الله. فلا ~~يفزعكم وقع السيوف؛ فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم وقعها. صونوا سيوفكم كما تصونوا ~~وجوهكم، غضوا أبصاركم عن البارقة، وليشغل كل امرئ قرنه، ولا تسألوا عني فمن كان سائلا عني ~~فإني في الرعيل الأول. احملوا على بركة الله.» # وبقي حسن حائرا لا يستطيع الاشتراك في القتال، نزولا على رغبة ابن الزبير. وحتى لا يراه ~~الحجاج أو بعض رجاله فيثبت لديهم ما اتهمه به عرفجة. فآثر الالتجاء إلى المسجد حتى تنتهي ~~المعركة. فلما مضى عبد الله ومن معه إلى القتال التفت فرأى أعلام بني أمية قد ملأت ~~الطرقات، فسارع إلى المسجد الحرام، ولكنه لم يستطع الدخول؛ لأن الحجاج كان قد أوقف ببابه ~~أناسا ليمنعوا الناس من دخوله، فدخل منزلا إلى جوار المسجد وأطل من كوة فيه فرأى ابن ~~الزبير يناضل مناضلة الأسود، وينتقل في المعمعة من جهة إلى أخرى، وبجانبه ابن صفوان يدافع ~~عنه، ثم سمع عبد الله يقول: «ويلمه فتحا لو كان له رجال.» فقال له ابن صفوان: «أي والله ~~وألف.» فحدثت حسن نفسه بأن يمضي إليهما ويقاتل معهما، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الحجاج قد ~~ترجل وأقبل يسوق الناس إلى مقاتلة ابن الزبير بعد أن رآهم لا يقوون على الوقوف بين يديه، ~~وكان حامل علم ابن الزبير يقف بباب شيبة من أبواب المسجد، فهجم الحجاج عليه بمن معه، فرآهم ~~ابن الزبير فسارع إلى صدهم عنه، واستمر القتال على أشده بباب المسجد، ثم دخله الفريقان، ولم ~~يمض قليل حتى استطاع الحجاج ورجاله قتل صاحب العلم وأخذوه منه، فتفرق رجال ابن الزبير من ~~حوله، ولكنه ظل يقاتل حتى قتل هو وابن صفوان، ثم رأى حسن رجلا أسرع إلى جثة عبد الله ~~وحز رأسه وحمله إلى الحجاج، فلما ms144 رأى الحجاج الرأس سجد وأكرم صاحب البشارة. ثم أمر بأن ~~يحمل رأسا ابن الزبير وابن صفوان إلى المدينة، وبأن تصلب جثة ابن الزبير في الحجون - وقد ~~صلبوها أياما - وهكذا أيقن حسن بانتصار الحجاج، وتذكر أن سمية عنده في المعسكر، فرأى أن ~~يسارع إليها فيه ، فإما نجا بها، وإما عاد إلى محبسه، وسرعان ما تسلل إلى المعسكر، وهو يحاذر ~~أن يراه أحد ممن يعرفونه فيحبط مسعاه، وقال في نفسه: «لقد خلا الجو لعبد الملك بن مروان ~~وأصبحت الخلافة لا ينازعه فيها منازع.» وكان حسن كلما دنا من معسكر الحجاج تمثلت له النجاة ~~بسمية هينة، فمشى وهو لا يزال بلباس الحرس والحربة بيمينه فلا يشك الذي يراه عن بعد أنه من ~~حرس الحجاج، فلما دخل المعسكر لم ير فيه إلا نفرا قليلا من الحامية. فالتمس خباء النساء ~~وقلبه يخفق لما يتنازعه من عوامل الرجاء والخوف الحياء والشوق. فبينما هو يرجو السعادة ~~بالفرار بسمية كان يعد الفرار عارا، ولكنه هونه على نفسه؛ لأنه لا يرى غير الفرار سبيلا ~~إلى نجاته وإلا فإنه سيكون سببا لتعاسة سمية أو قتلها. فمشى في طريقه إلى المعسكر، وهو في ~~ملابس الحراس التي أخذها من خادمه، فلما بلغه رأى أن يذهب أولا إلى خيمة السجن ليرى ما تم ~~في أمر خادمه الأمين وليستعين به على إنقاذ سمية، فلما بلغ الخيمة رآها خالية، فوقف برهة ~~يفكر في الأمر، ثم رأى أن يعجل بالذهاب إلى سمية في الخباء لئلا تفوت الفرصة. وفيما هو سائر ~~وقد أوشك أن يبلغ الخباء سمع صوت أبواق، فالتفت فرأى جماعة من الفرسان عائدين من مكة، ~~فأسرع في مشيته ليبتعد عنهم. وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب فلما أطل على الخباء لم ير ~~حوله أحدا، وخشي أن تحول بغتة سمية دون ما يبغيه من سرعة الخروج بها؛ لأنها لم تره منذ ~~خروجه من المدينة، فتمهل في سيره، وأخذ يبحث لمعرفة مدخل الخباء ومخرجه، وهل سمية وحدها، أم ~~عندها أحد من النساء أو الخدم أو غيرهم. # وفيما ms145 هو يدور حول الخباء سمع خفق نعال فيه، فأصاخ بسمعه فرأى شبحا خارجا، وما تفرس فيه ~~حتى أدرك أنه أمة الله جارية سمية، ولم يكن قد رآها من قبل ولكنه سمع بأوصافها، أما هي ~~فكانت قد رأته في دار عرفجة بالمدينة، فلما رأته والحربة في يمينه وعليه ثياب حراس الحجاج، ~~استعاذت بالله، ثم ما لبثت أن تفرست فيه فعرفته وقالت: «حسن؟!» # قال: «نعم. أين مولاتك؟» # قالت: «هنا». وأشارت إلى الخباء الذي خرجت منه. # قال: «وكيف حالها؟» قالت: «إنها في حال تدعو إلى الرثاء حزنا عليك، وخوفا من ذلك الظالم ~~ولا سيما بعد أن فرغ من الحرب، وقتل ابن الزبير، فتحلل بذلك من قسمه.» # فاضطرب حسن وهم بالدخول إلى الخباء ولكنه خشي أن تسيء البغتة إلى سمية فقال لأمة الله: ~~«ادخلي وأنبئيها بقدومي لنخرج معا من هنا الآن.» # فدخلت أمة الله، ولم يصبر حسن إلا قليلا ثم دخل في أثرها فوجد سمية جالسة وهي تفرك ~~عينيها بأناملها وتنظر إلى أمة الله وتقول: «أصحيح ما تقولين؟ حسن هنا؟! حسن جاء؟! لا ... لا ~~... إنك تمزحين، أو أنا في حلم!» # ولاحظ أنها قد تغيرت وامتقع لونها لفرط ما قاسته، فازداد خفقان قلبه، وأجابها بدلا من ~~أمة الله فقال: «بل أنت في يقظة يا حبيبتي، وها أنا ذا جئت لإنقاذك، هلم بنا نخرج الآن من ~~هذا المعسكر. هيا يا سمية فإن الوقت ضيق والخطر قريب.» # فوقفت وركبتاها تصطكان، ولبست نعالها والتفت بعباءتها، وقالت وهي ما زالت مذهولة: «ما ~~أحسن هذا اللقاء! هلم بنا.» # وكانت أمة الله مشتغلة بأخذ بعض الطعام للتزود به خلال الرحيل، ولكنها كانت أكثر منهما ~~انتباها لما حولها. فسمعت وقع حوافر خيل قادمة من بعيد فأسرعت إليهما وهي تقول: «لقد جاء ~~الفرسان. وأظنهم الحراس الذين كانوا حول الخباء بالأمس.» # فلما سمعت سمية وقع ذلك التفتت إلى حسن وقالت وصوتها يرتجف: «حسن. حسن. لا تخرج فإنهم إذا ~~رأوك خارجا اشتدت شبهتهم فيك ... لا تخرج. وإذا كانوا قد جاءوا للقبض عليك فلنمت ~~معا.» # فثارت ms146 الحمية في رأس حسن، وهان عليه لقاء الألوف تفانيا في الدفاع عنها فقال: «لا عاش من ~~يمسك بسوء وأنا حي.» # وشعروا باقتراب الخيل من الخباء، وكان الليل قد سدل نقابه وبدأ الظلام يتكاثف فأمسكت سمية ~~بيد حسن، وقالت وهي ترتعد: «إما أن نعيش معا ، وإما أن نموت معا.» ولا تسل عن خفقان ~~قلبيهما تأثرا للقاء الفجائي وما صحبه من بواعث الاضطراب لقدوم أولئك الفرسان. فبقيا ~~واقفين صامتين، وقد امتقع لونهما وتصبب العرق من وجهيهما وارتعدت فرائصهما، ومع ذلك كان حسن ~~يشعر بأنه أشد بطشا من الأسد، وبأنه قدير على إنقاذ سمية من جيش بأكمله. وكذلك كانت سمية ~~قد أنساها اللقاء كل خوف على نفسها، وأصبح كل همها ألا يصاب حسن بسوء، فأمسكت به وهي لا ~~تدري أتحرضه على الفرار بنفسه ولا صبر لها على فراقه بعد هذا اللقاء، أم تفر هي معه وفي ~~فرارها خطر عليه، أم تستبقيه في الخباء معها وفي بقائه تهمة كبرى؟ # مرت كل هذه الهواجس بهما في لحظة انتظارهما وصول الفرسان القادمين، ومعرفة ما وراءهم، ~~فلما وصل الفرسان إلى الخباء، أحدقوا به من جميع الجهات ولكنهم ظلوا مرابطين خارجه، كما ~~كانوا بالأمس، فاطمأن قلب حسن ورجح أن قدومهم ليس لشبهة أو تهمة جديدة. فأخذ يهدئ روع سمية ~~حتى سكن جأشها، وقضيا ساعة يتبادلان الأحاديث، وقد نسيا الحجاج وفرسانه، وحسبا أنهما في ~~مكان غير ذلك المكان، بل خيل لهما أن أولئك الفرسان إنما هم ملائكة من السماء جاءوا ~~لحراستهما، في تلك الساعة التي تزيد قيمتها عندها على قيمة الحياة كلها. ~~••• # وبينما حسن وسمية سابحان في ملكوت المناجاة، يتشاكيان ما مر بكل منهما من أحداث الفراق ~~سمعا طنين سهم مرسل في الفضاء، ثم سمعا صوت ارتطامه بعمود الخباء من الخارج. وكانت أمة الله ~~مشغولة ببعض الشئون في طرف الخباء بالقرب من موقع السهم فلما سمعت صوت وقوعه أطلت من ~~الخباء فلم تر غير الفرسان. ثم رأت السهم يستقر في العمود، فخفت إلى مكانه وانتزعته فإذا ~~في موضع الريش ms147 منه رق مطوي، فعادت به مسرعة إلى حسن ففتحته فإذا هو كتاب من عبد الله خادمه ~~يقول فيه: «اطلع عرفجة على مقركما فوشى بكما وأرسل الفرسان للقبض عليكما فتجلدا والله مع ~~الصابرين.» # فاضطرب حسن وأيقن بوقوعهما في الخطر، ولم ير بدا من تهيئة كل أسباب الاطمئنان لسمية. ~~وكانت قد قرأت الكتاب معه فامتقع لونه لما تملكها الجزع فابتدرها قائلا: «لا بد لي من ~~الذهاب إلى الحجاج بنفسي، فإني لا أظنه أرسل في طلبي إلا معتقدا أني فررت من محبسي ~~بالأمس.» # فقطعت كلامه قائلة: «أتذهب إلى الحجاج وأنت تدري ما يكون منه؟! أعوذ بالله من شر هذا ~~الرجل. إنه لا يعرف غير القتل وسفك الدماء. ولا شك في أن نقمته عليك قد اشتدت بعد أن علم ~~بأنك عندي هنا. يا ليتني مت قبل هذا. دعني أذهب بدلا عنك فداء لك. فإني مقتولة على أي ~~حال.» # فوضع يده على كتفها وقال: «لا أرى الأمر يقتضي كل ذلك، ولئن قتلت فما كنت أنت سبب قتلي، ~~وعسى ألا أقتل، وقد كنت أستطيع الفرار بنفسي من بين أيدي هؤلاء الفرسان، ولكني لا أريد ~~النجاة وحدي، وأخاف إذا خرجت معي أن تقعي بين أيدي أحدهم فتلحقك إهانة، وهي عندي شر من ~~القتل. أما ذهابي إلى الحجاج بنفسي فإنه أحفظ لشرفي وشرفك، وما يأتي به القدر لا مناص منه. ~~هذا ابن الزبير كان إلى صباح هذا اليوم يسمونه أمير المؤمنين فقتلوه وصلبوه وحملوا رأسه إلى ~~المدينة، وقد استقبل الموت باسما وأمه تشجعه على استقباله، فلا توهني عزيمتي، ولا تخوفيني ~~لقاء الحجاج. ولكن إذا قدر لي الموت فاذكري أنني ذهبت شهيدا في سبيل هواك.» قال ذلك ~~واختنق صوته، فتساقطت دموعها على خديها تأثرا، وكانت مطرقة فرفعت وجهها ومدت يدها إلى ~~جيبها وأخرجت لفافة السم وقالت: «ليطمئن قلبك فقد أعددت ما يلحقني بك إذا أصابك سوء. وهب ~~أنك نجوت وأراد هذا الظالم أن يتخذني زوجة له بالفعل، فإن هذا السم كفيل بإنقاذي من ~~ذلك.» # فأعجب حسن بإخلاصها له وأنفتها ms148 وقال: «الحق أن مثل عواطفك النبيلة هذه لا تكافأ بأقل من ~~الروح، ولكن عسى الله أن يأتي بالفرج.» # ثم رفع يده عن كتفها وقال: «أستودعك الله يا سمية وموعدنا غدا إن شاء الله.» قال ذلك ~~وخرج ولم ينتظر جوابها لئلا تحاول أن تثنيه عن عزمه بدموعها. فلما صار خارج الخباء صاح ~~بأعلى صوته: «أين عريف هذه الكوكبة؟» # فتقدم إليه فارس منهم وقال: «وماذا تريد منه؟» # قال: «أريد أن يهديني إلى فسطاط الأمير لأذهب إليه.» # فقال: «لم يأذن لنا الأمير في الرجوع إليه، وإنما أمرنا أن نحرس هذا الخباء حتى يأتي هو، ~~ولعله آت الساعة.» # فأدرك حسن أن ذلك تدبير عرفجة، وأنه أراد أن يرى الحجاج حسنا وسمية معا ليثير غيرته، ~~فاعتزم أن يحبط محاولته فقال: «ولكنني في حاجة إلى رؤية الأمير الساعة.» # قال الفارس: «لا يمكنك الخروج من هذا المكان». # قال: «لا بد من خروجي.» ثم هم بالعدو ليذهب توا إلى خيمة الحجاج ويحاول إحباط مكيدة ~~عرفجة، ولكن الفارس حذره قائلا: «خير لك أن تمكث هنا.» # فقال: «وإذا لم أمكث؟» # قال: «إننا مأمورون بإبقائك هنا حيا ريثما يجيء الأمير.» # فأدرك حسن أن الحجاج إنما أراد الإبقاء عليه ليبحث التهمة التي وجهها إلى عرفجة في شأن ~~الكرسي، فتجلد وقال: «أقول لكم لا بد من ذهابي الساعة إلى الأمير، وإلا فخذوني إلى السجن ~~أمكث فيه إلى الصباح.» قال ذلك ومشى فتجمهروا حوله ليمنعوه، وإذا بفارس أقبل من بعيد ووراءه ~~بضعة فرسان، فلما رآه حراس الخباء تهامسوا فيما بينهم ثم ترجلوا. ففهم حسن أن الحجاج ~~وحاشيته هم القادمين. فوقف ينتظر ما يكون. # وكان الحجاج ما زال بثيابه التي حارب فيها ابن الزبير وقد غطته الدروع هو وجواده وعليها ~~بقع الدماء. فلما أقبل قال للفرسان: «ماذا تفعلون هنا؟» # فقال عريفهم: «نحرس هذا الخباء لنمنع من فيه من الخروج.» # قال: «ومن أمركم بذلك؟» # قال: «أمرنا به عرفجة باسم مولانا الأمير.» # فأطرق الحجاج وقد أدرك أن عرفجة لا هم له إلا الإيقاع بحسن ولم يكن الحجاج ms149 يعلم بمجيء ~~هذا إلى خباء سمية ولا بما أمر به عرفجة، وإنما جاء إلى خباء نسائه لأنه تحلل من قسمه بعد ~~مقتل ابن الزبير، فلما علم بما أمر به عرفجة، سأل العريف: «وهل حاول أحد الخروج؟» فقال ~~العريف وهو يشير إلى حسن: «وجدنا هذا الرجل خارجا، وطلب الذهاب إلى الأمير.» # ونظر الحجاج إلى حسن، فلما عرفه تحقق صحة ما اتهمه عرفجة به، وعظم عليه أن يراه خارجا من ~~خباء نسائه. فهم بأن يقتله ولكنه تذكر التهمة التي وجهها إلى عرفجة فرأى أن يصبر عليه إلى ~~الغد حتى يثبت التهمة على عرفجة، ثم يقتلهما معا شر قتلة. # وكان الحجاج مع عتوه وظلمه ذا دهاء وحكمة، فكظم غيظه ريثما يتحقق الأمر فقال: «خذوه إلى ~~السجن وموعدنا الغد.» # فسر حسن لذلك التأجيل، ومضى مع الحراس وهو يلتفت إلى الوراء ليتحقق ابتعاد الحجاج عن خيمة ~~سمية غيرة عليها منه وإن كان زوجها. # الفصل السابع عشر # | محاكمة حسن وعرفجة # قضى حسن ليلته في السجن وعليه الحراس. وفي الصباح ساقوه إلى فسطاط الأمير باكرا وقد أمر ~~الحجاج ألا يحضر المجلس أحد غير عرفجة وحسن. فدخل حسن ووقف وسط الفسطاط، وظل عرفجة جالسا ~~بجانب الحجاج كأنه من خاصته وكان الحجاج إذا نظر إلى حسن كاد يتميز غيظا ولكنه صبر نفسه ~~حتى يثبت التهمة على عرفجة فقال له: «لقد كنت في السجن من قبل، فكيف خرجت منه؟» # قال حسن: «خرجت منه لأمر اقتضى هذا الخروج، ثم عدت إليه طائعا ولو أنني أردت الفرار ما ~~رجعت.» # فقطع عرفجة كلامه وقال ساخرا: «ذهبت لأمر ضروري؟ أما ذهبت إلى عدونا وكنت في منزله طول ~~ليل أمس، وإذا كنت قد رجعت فذلك لكي تذهب إلى الخباء، لا إلى الحبس.» # فالتفت الحجاج إلى عرفجة لفتة ظهر الغضب فيها وأدرك عرفجة منها تغير الحجاج عليه، فأراد ~~تخفيف غضبه فقال: «لا أجهل أني جاوزت الحد بتكلمي في حضرة الأمير، ولكنني لم أستطع الصبر ~~على نفاق هذا الغلام وخداعه، فهو يوهمنا أنه ليس من الأعداء ولا ms150 من الجواسيس، ثم يفر من ~~السجن ليلا ويحمل أخبارنا إلى عدونا، ويرجع بعد ذلك لكي يوهمنا أنه رجع إلى السجن بينما ~~الأمير قد رأى بنفسه لأي شيء رجع.» # فأدرك الحجاج أن عرفجة يعرض بوجود حسن في الخباء ليثير غضبه عليه فيأمر بقتله توا قبل ~~استكمال التحقيق، فصبر والتفت إلى حسن وقال: «لا يهمنا السبب الذي خرجت لأجله إلى ابن ~~الزبير، فإنك متهم عندنا في أي حال. وسنبحث أمر دخولك خباء نسائنا فيما بعد. أما الآن فإنك ~~اتهمت صديقنا عرفجة بالأمس، ونريد أن نعلم ما حملك على هذا الاتهام، وأي دليل على صحته ~~لديك؟» # فاضطرب عرفجة لعودة الحجاج إلى التحقيق في تهمته. وخاف عاقبة تملق الحجاج له بذكر الصداقة ~~ولكنه تظاهر بالاستخفاف وجلس يصغي لما سيقوله حسن، فقال هذا: «أما كونه خائنا لدولة بني ~~أمية فأمر لا شك فيه. وقد رأيته بعيني واقفا بين يدي محمد بن الحنفية في الشعب، ومعه ~~الكرسي الذي كان المختار بن أبي عبيد يسميه كرسي علي ويستغله في الدعوة إلى بيعة ابن ~~الحنفية. وقد سمعته يطلب من محمد إمداده بالمال للخروج على بني أمية في العراق، والدعوة إلى ~~بيعته؛ لأنه في زعمه أولى من بني أمية بهذا الأمر.» # وكان الحجاج مصغيا لما يسمعه وهو يتفرس في حسن ويراقب حركاته وسكناته فرجح أنه صادق في ~~دعواه. فقال له: «ثم ماذا؟» # قال: «أما ابن الحنفية فاستخف بطلب عرفجة وردعه عن القيام بهذا الأمر، ثم أمر بإحراق ~~الكرسي، فأحرق بين يديه، وأخرج عرفجة من عنده مهانا.» # ورأى عرفجة أن الحجاج أوشك أن يصدق حسن ضده، فلم ير سبيلا إلى دفع تلك التهمة إلا ~~بالخداع والمغالطة. فوقف ووجه خطابه إلى الحجاج وقال: «إذا كان لكلام هذا الغلام أقل تأثير ~~في نفس مولاي فليأمر بقتلي حالا، ولكن هذا الغلام كاذب في كل ما ادعاه، وقد اختلق هذه ~~التهمة ليخفف بها ذنبه الذي لم يرتكبه أحد قبله.» # فقال حسن: «أما ذنبي فلا أنكره، وسأبسطه لمولاي، وله أن يحكم بعد ذلك بما يشاء، ms151 وأما أنت ~~...» # فقاطعه عرفجة قاصدا أن يشغل الحجاج عن ذنبه هو، وقال له: «إن ذنبك لا يحتمل الإنكار لأنه ~~ظاهر العيان. وأما اتهامك إياي بالمروق من دعوة بني مروان فاختلاق محض لم نسمع بمثله. وأغرب ~~ما فيه أنك لم تستطع إقامة دليل عليه، ويستحيل عليك ذلك.» قال ذلك وجلس وكأنه فاز على خصمه ~~بالحجة والبرهان. # ولكن الحجاج لم يعبأ بذلك فالتفت إلى حسن وقال: «لا تصح دعوى بلا بينة، فما هي بينتك على ~~ما تقول؟» # قال: «لقد كان الحديث بينه وبين ابن الحنفية سرا ولم يكن معهما ثالث.» # فصاح عرفجة: «أسمعت يا مولاي؟ أرأيت تناقض أقوال المنافق الكذاب؟ إذا كان ذلك الأمر حدث ~~سرا بين اثنين كما قال الآن فما الذي أطلعه على هذا السر؟ إن جهله أبى إلا أن يوقعه في شر ~~أعماله لأنه لم يحسن سبك أكذوبته.» # وشك الحجاج في صدق حسن فقال له: «لقد صدق عرفجة، فإنك زعمت أنك عرفت ما دار بينهما وسردته ~~على أنك رأيت وسمعت، فكيف تقول بعد هذا إن الحديث كان سرا بينهما ولم يكن معهما ~~ثالث؟!» # فلما رأى حسن انخداع الحجاج بكلام عرفجة، تجلد وقال: «نعم يا مولاي كان الكلام بينهما في ~~فسطاط مقفل، ولكنني سمعت ورأيت خلسة!» # فقال عرفجة: «لقد بدا من تناقض أقوالك أنك لم تسمع ولم تر، ولعلك تريد أن تستشهد بشريك ~~لك في خداعك وكذبك، ولكني لا أقبل إلا شهادة محمد بن الحنفية نفسه، فإنك اعترفت بأنه وحده ~~الذي سمع حديثي.» # فقال الحجاج: «هذا طلب عادل، ما في ذلك شك.» # وهنا تذكر حسن أنه أرسل بلالا إلى ابن الحنفية ولا يدري ماذا كان من أمره معه فقال: «إن ~~الأمير أدرى مني بما يحول دون الوصول إلى مثل هذه الشهادة؛ لأننا إما أن نستقدم ابن ~~الحنفية إلى هنا، وإما أن نذهب إليه أو نستكتبه ...» # فقطع عرفجة كلامه وقال: «لا أقبل إلا شهادة ابن الحنفية نفسه.» # فقال الحجاج: «ذلك شيء يسير، وإن ابن الحنفية مصدق عندنا وإن لم يكن على ms152 دعوتنا.» # قال ذلك وتحرك عن وسادته كأنه يريد استئناف البحث، ثم التفت إلى حسن وقال: «بقي علينا ~~النظر في تهمتك ولكنها ليست تهمة نطلب إثباتها وإنما نحن نسألك عما دعاك إلى هذه ~~القحة؟» ~~••• # وكان حسن قد هم بإخبار الحجاج أنه أرسل من يأتي بشهادة ابن الحنفية، فلما فاجأه بهذا ~~السؤال، اضطرب ولكنه تجلد وهم بأن يجيب، فاعترضه عرفجة قائلا: «أنا أروي لك الخبر كله يا ~~مولاي، فإنه يخجل أن يرويه.» # فلم يعد حسن يصبر على نفاق عرفجة فرفع صوته وقال: «لماذا أخجل؟ أأخجل لأني أنقذتك من ~~الموت أنت وأهل بيتك؟ أم أخجل لأنك خدعتني بوعدك ثم نكثت غير مرة؟ إني لم أعمل عملا أخجل ~~من ذكره.» ثم وجه كلامه إلى الحجاج وروى له باختصار قصته مع عرفجة منذ أنقذه في العراق. ~~وكان الحجاج مصغيا إلى الحديث باهتمام، فلما بلغ حسن إلى سعي عرفجة في قتله قاطعه هذا ~~قائلا: «لقد سعيت في قتله يا مولاي لأني رأيت معه كتابا إلى عبد الله بن الزبير الذي فر ~~إليه بالأمس. وقد أبلغت أمره إلى طارق بن عمرو عامل المدينة فعده جاسوسا، وأرسل من يقتله. ~~أما أني وعدته بابنتي فإن مولانا الأمير خطبها بعد ذلك فكيف أرفض شرفا أولانيه الأمير؟ ~~والعجب كل العجب أنه بعد أن علم بأنها زفت إلى الأمير ما برح يرجو الحصول عليها. وبلغ من ~~قحته أنه جاء إلى هذا المعسكر محاولا إغراءها بالفرار معه. ولكن الله أوقعه في أيدينا ~~وسجناه، ففر إلى عدونا ليوقع بنا، ثم اغتنم اشتغال الأمير وجنده بالقتال وعاد إلى حيث رآه ~~الأمير بنفسه خارجا من خباء سمية، فإذا كان الأمير يرى الصبر عليه حلما، فإني لا صبر لي ~~على مثل هذه الخيانة.» # فوقع كلام عرفجة على قلب الحجاج وقوع النار على يابس العشب، وثارت غيرته فالتفت إلى حسن ~~وقال: «هل تنكر أنك تحب سمية؟» # قال: «كلا.» # قال: «تقول ذلك بين يدي وأنت تعلم أنها من نسائي؟!» # فظل حسن ساكتا، فقال الحجاج: «وهل هي تحبك؟» # فأدرك حسن ms153 أنه إذا صرح بحبها له جر عليها الموت كما جره على نفسه فأراد الرفق بها ~~فقال: «لا أدري ...» # فقال عرفجة: «إنها لا تحبه، ولكنها فتاة ساذجة استغل طيبة قلبها ليخدعها. ولا شك في أنها ~~تفاخر كل نساء المدينة بما نالته من الحظوة لدى أمير جند عبد الملك وفاتح الحجاز وحامي ذمار ~~بني أمية.» # فاستاء حسن من ذلك التدليس القبيح ولم يسعه إلا توبيخ عرفجة فقال له بصوت ملؤه الرزانة ~~والتعقل: «لا أنكر أن سمية نالت أحسن ما تتمناه فتاة بزواجها من مولانا الأمير، ولكنك يا ~~عرفجة لم تزف ابنتك إلى الأمير إلا رغبة في المال، ولو مهرك هذا المال زنجي لزففتها ~~إليه!» # فصاح عرفجة: «يا للقحة! أتقول ذلك في حضرة الأمير وتذكر عروسه بين يديه على هذه الصورة؟!» ~~ثم التفت إلى الحجاج وقال: «لقد كفاك يا مولاي صبرا وحلما على من لا يستحق غير القتل ~~والعذاب الأليم.» # فالتفت حسن إليه وقال: «أتحرض الأمير على قتلي يا عرفجة وإنك لأكثر استحقاقا للقصاص؟ ~~إنك ملاق حتفك عاجلا جزاء خيانتك للدولة التي تدعي أنك تدافع عنها. وأما أنا فإذا قتلت ~~فإني أذهب شهيد الأمانة والحب الصحيح!» # فالتفت عرفجة إلى الحجاج وقال: «أسمعت يا مولاي؟ إنه ما زال يذكر الحب.» # فقال حسن: «وهل الحب عار؟ نعم إني أحب سمية حبا شديدا، كما أني أكره أباها كرها ~~شديدا. ولا أبالي أن أصرح بذلك ولا أن أقتل في سبيله. أما أنت فإنك ستقتل لأن شهادة ابن ~~الحنفية آتية عما قليل، وهي قاطعة بخيانتك للدولة ولأمير المؤمنين.» # وحانت منه التفاتة إلى باب الفسطاط، فرأى بلالا قادما من بعيد وقد علاه الغبار. فخفق ~~قلبه، والتفت إلى الحجاج وقال: «أرجو أن يأذن مولاي في إدخال هذا القادم، فهو رسولي إلى ~~ابن الحنفية، وعسى أن يكون قد عاد من عنده بكتاب يثبت صحة دعواي.» # فقال الحجاج: «وأي رسول؟» # قال: «رسول كنت أنفذته إلى ابن الحنفية في شعب علي ليستكتبه شهادة بما دار بينه وبين ~~عرفجة من حديث الكرسي. وهذا الرسول ms154 كان معي يوم حريق الكرسي، فليأمر مولاي بإدخاله لنرى ما ~~جاء به.» # فنادى الحجاج: «يا غلام.» فدخل أحد غلمانه فقال له: «ترى رجلا قادما برسالة فأدخله ~~إلينا.» # فعاد الغلام ومعه بلال. وأخرج هذا عقدة من القصب الغليظ سلمها إلى الحجاج مختومة، فقرأ ~~الختم من الخارج فإذا هو ختم ابن الحنفية، ثم أخرج من العقدة لفافة من الرق فتحها وقرأها ~~وعرفجة جالس وقد بانت البغتة في وجهه ورقصت لحيته على صدره، ولكنه عمد إلى الاستخفاف ~~والمغالطة فصار ينظر إلى الحجاج ويبتسم كأنه واثق بأن الكتاب يتضمن براءته. فلما فرغ الحجاج ~~من قراءة الكتاب التفت إلى عرفجة وقال له: «لقد صح الصحيح ولم يبق مجال للمكر والخديعة؛ ~~وهذا خط محمد بن الحنفية وختمه يثبتان صحة ما اتهمك به هذا الشاب.» # فهم عرفجة بأن يتكلم، ولكن الحجاج انتهره وقال: «لا تتكلم ولا تدافع فقد كفانا ما ~~سمعناه من خلطك.» ثم صفق فجاءه الغلام فقال له: «إلي بالجلاد.» فخرج وعاد برجل عليه قميص ~~من جلد وعلى رأسه عمامة مستطيلة وبيده سيف حاد. فأشار الحجاج بسبابته إلى عرفجة وحسن وقال ~~للجلاد: «ائتني برأسيهما.» فصاح عرفجة: «كيف تأمر بقتلي ولم تتحقق تهمتي؟! إن هذه الرسالة ~~مزورة.» وأخذ في الصياح حتى سمع صوته كل من في المعسكر، فغضب الحجاج وصاح في الجلاد: «هات ~~رأس هذا أولا.» وأشار إلى عرفجة. # فجره الجلاد حتى أركعه في الفناء ونزع عمامته عن رأسه، فأخذ يلتفت إلى الحجاج وهذا معرض ~~عنه، ولم يكن إلا كلمح البصر حتى طار رأسه من بين كتفيه والناس ينظرون. # ووقف الجلاد بين يدي الحجاج وسيفه يقطر من دماء عرفجة، فأشار الحجاج إلى حسن وقال للجلاد: ~~«وهذا أيضا.» # فأمسك الجلاد بطوق حسن وأراد جره إلى الخارج. فقال حسن للحجاج: «أتقتلني بعد أن رأيت صدقي ~~وإخلاصي؟» # فصاح فيه الحجاج صيحة الغضب وقد احمرت عيناه وتجلى الغدر فيهما وقال: «أتسألني لم أقتلك ~~وأنت مستحق الصلب منذ أيام؟! إنما صبرت عليك حتى تحققت خيانة ذلك الغادر.» # فقال حسن: «إذا لم يكن ms155 بد من قتلي فاقتلوني داخل هذه الخيمة وليس على مشهد من ~~الناس.» # فقال الحجاج: «أتشترط علينا؟» ثم التفت إلى الجلاد وصرخ فيه قائلا: «اقتله يا جلاد وإلا ~~قتلتك!» # فعاد الجلاد إلى حسن وهم بجذبه، فقال حسن: «لا تجذبني هكذا فما أنا بخائف من الموت ، رغم ~~أني واثق ببراءتي.» قال ذلك ومشى نحو الباب. # وفيما هما يهمان بالخروج، علا صوت قعقعة وسمع الحاضرون معها قائلا يقول: «البريد ... ~~البريد ... بريد أمير المؤمنين.» # وكان عادة الولاة إذا جاء البريد ألا يمنعوه أو يؤخروه لحظة واحدة فلما سمع الحجاج بوصوله ~~صاح قائلا: «أدخلوه.» # ولم يتم كلامه حتى دخل عليه رجل كهل قد أنهكه التعب وتعفرت ثيابه، فترامى عند قدميه وسلم ~~إليه كتابا مختوما. وكان حسن مشغولا بنفسه عن كل تلك المشاهد ولكن عينه ما كادت تقع على ~~ذلك الكهل حتى بغت؛ إذ عرف أنه صديقه أبو سليمان، وتذكر أنه كان قد أرسله إلى خالد بن يزيد ~~في الشام ليأتي منه بكتاب في شأن رملة إلى ابن الزبير، فهم باستئذان الحجاج في كلمة ~~يقولها لذلك الرجل قبل قتله، ليكلفه إبلاغ خالد رضاء ابن الزبير وأن رملة في انتظاره لتزف ~~إليه فيكون قد أتم مهمته قبل موته. # ورفع حسن وجهه إلى الحجاج فرآه تناول الكتاب ونظر إلى خاتم الخلافة على ظاهره، ثم قبله ~~ووقف تعظيما للخلافة. ثم نظر إلى الرجل الذي حمله وقال له بعد أن تفرس فيه: «من أين لك هذا ~~الكتاب؟ أأنت من عمال البريد؟» # فقال أبو سليمان: «لست منهم يا مولاي. ولكنهم حملوني على دواب البريد تعجيلا بإبلاغ هذه ~~الرسالة.» قال ذلك وهو يلهث وصوته يتقطع ويتلجلج من التعب والخوف. # ففض الحجاج خاتم الكتاب وفتحه، وجعل يعيد قراءته ويتثاءب ويحك شفتيه بإصبعه ويعبث بشعر ~~لحيته وقد ظهر التأثر في عينيه. ثم أخذ ينظر إلى حسن ويتفرس فيه ثم يعود إلى قراءة الكتاب ~~ويتأمل ختمه ويقلبه بين يديه، كل هذا وأبو سليمان ما زال مستلقيا عند قدميه وهو يلهث من ~~التعب وينظر إلى وجه ms156 حسن كأنه لم يعرفه وحسن ينظر في وجهه، وكلهم ينتظرون ما يبدو من الحجاج ~~بعد تلاوة ذلك الكتاب. # وأخيرا، أشار الحجاج إلى الجلاد بالانصراف فانصرف، ثم صرف بقية الحاضرين ولم يبق في ~~الخيمة إلا هو وحسن وأبو سليمان. فالتفت إلى حسن وقال: «هذا كتاب من أمير المؤمنين جاءني ~~بما كنت تبغيه أنت. ووالله لولا حرمة الخليفة لم يكن في الأرض من ينجيك من القتل.» # فلما سمع حسن ذلك أبرقت أسرته ولكنه لم يطمئن تماما؛ لأنه لم يفهم فحوى هذا الكتاب، ~~فأطرق وظل ساكتا. # فنادى الحجاج: «يا غلام.» ولما أقبل غلامه قال له: «ادع الكاتب.» فخرج ثم عاد بالكاتب، ~~فدفع الحجاج إليه الكتاب وقال: «اتل هذا علينا.» فتلاه وهذا نصه: # من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، إلى الحجاج بن يوسف أمير جندنا في الحجاز، ~~أما بعد، فقد بلغني أنك خطبت ابنة عرفجة المنافق وهي مخطوبة لحسن، فأخذتها وحرمته ~~منها. والرجل ينتمي إلينا وتهمنا رعايته، فإذا أتاك كتابي فاحمل الفتاة إلى خطيبها، ~~وأمهره بما يقوم بالنفقة. ووالله لرجوعك عن الحجاز ولم تفتحه أهون علي من ارتكابك ~~هذا الأمر مع رجل من صنائعنا وخاصتنا. وثقتي أنك فاعل ما أقول والسلام. # فما فرغ الكاتب من تلاوة الكتاب حتى رقص قلب حسن طربا، وخيل إليه أنه في حلم، فجعل ينظر ~~إلى ما حوله ليتحقق أنه في يقظة، ثم سمع الحجاج يقول له: «لم نتل الكتاب عليك إلا لتعلم ~~أننا ما تجاوزنا عنك إلا عملا بأمر أمير المؤمنين.» والتفت إلى غلامه وقال: «أعطه ألف ~~دينار. وسمية طالق منذ الآن ... فامض إلى خباء النساء وأنبئها بذلك، لتخرج معه من هذا ~~المعسكر قبل غروب اليوم.» قال ذلك ووقف، فلما خرجوا خرج معهم وهو يهم بأن يخاطب حسنا وحسن ~~يهم بأن يخاطبه. # وقبل أن يتكامل خروجهم، رأوا فارسا يسوق جواده نحو فسطاط الحجاج والبغتة ظاهرة في وجهه، ~~فلما وصل ترجل ودخل دون أن يستأذن وقال: «إن مصيبة حلت في خباء النساء.» # فلما سمع حسن الصوت علم أنه صوت ms157 عريف الحرس، وخفق قلبه خشية أن تكون المصيبة حلت بسمية. ~~ثم ما لبث أن سمع العريف يقول: «إن مولاتنا سمية سقطت لا حراك بها كأنها تجرعت سما أو ~~أصابها الموت بغتة!» # فأحس حسن كأن جبلا سقط على رأسه، وكاد يفقده رشده وشغل عما كان فيه من سؤال أبي سليمان ~~عن الطريقة التي حصل بها على ذلك الكتاب، ثم لم يسعه إلا أن يعدو نحو خباء سمية، ولم يكن ~~أبو سليمان أقل بغتة منه؛ إذ جاء ذلك الخبر صدمة قوية أطارت صوابه، فسار في أثر حسن إلى ~~الخباء، وسار في أثرهما بلال وغلام الحجاج. # وكانت سمية قد سمعت ما دار بين الحجاج وفرسانه أمام خبائها، كما سمعته وهو يأمرهم بأخذ ~~حسن إلى السجن إلى الصباح، وأيقنت أن الحجاج قاتله لا محالة. ولكنها تعللت بالآمال البعيدة ~~وصبرت حتى ترى ما يكون في الغد، فقضت ليلتها تفكر في مصير حسن، وأصبحت وقد أعدت السم وجلست ~~وراء الخباء، تستطلع أنباء المحاكمة من الحراس. فلما جاءها أحدهم بمقتل أبيها وأخذ حسن ~~لقتله أظلمت الدنيا في عينيها. وكانت أمة الله قد يئست من تخفيف المصيبة عليها ولم تعد ~~تستطيع مخاطبتها فتركتها وشأنها، وبعد قليل جاءها أحد الحراس بنبأ قتل حسن داخل خيمة ~~الحجاج، فسارعت إلى السم وابتلعته مرة واحدة ثم وقعت مغشيا عليها. فصاحت أمة الله وولولت، ~~وأخبرت الحراس أن مولاتها تجرعت السم، فأسرع أحدهم على جواده بالنبأ إلى الحجاج. # وظل حسن يعدو نحو الخباء، وهو لا يكاد يرى طريقه، ولا يبالي ما يعترضه من الأحجار أو ~~الأوتاد حتى أشرف على الخباء فصاح وهو لا يعي ما يقول: «سمية ... سمية ... أنا حي يا ~~سمية!» # ولما وصل إلى الخباء أراد الفرسان منعه، ثم تركوه بعد أن أخبرهم الغلام بأمر الحجاج، فأطل ~~من الباب فرأى سمية مستلقية وحولها نسوة يبكين. وكأنها جثة بلا روح وقد أطبقت عيناها وامتقع ~~لونها وانحل شعرها وابيضت شفتاها فلم يتمالك أن اندفع نحوها وفي يده خنجره فتفرقت النساء ~~عنه، ثم أخذ يجس يدها ms158 ويقول: «حبيبتي ... روحي ... منيتي ... ماذا أصابك؟! تجرعت السم يأسا من ~~حياتي؟ إني حي يا سمية ... سمية إما أن تحيي مثلي أو أموت مثلك!» # ولما أيقن بموتها هم بأن يطعن نفسه بالخنجر، ولكنه شعر بيد أمسكت به وسمع صوتا يناديه: ~~«تمهل يا حسن، إن سمية حية لا بأس عليها.» فالتفت فرأى ليلى الأخيلية وبيدها كوب ماء جاءت ~~لترش سمية به. فقال لها: «ماذا تقولين؟ كيف تحيا سمية وقد تجرعت السم؟! إنه كاف لقتل أشد ~~الرجال!» # قالت ليلى: «إن الذي تجرعته ليس سما فلا تخف!» # فوقف ذاهلا ثم قال لليلى: «لا تعلليني بالأوهام، إن سمية قد ماتت ولا بد لي من أن أموت ~~لأنها ماتت لأجلي.» # قال ذلك ورفع يده بالخنجر فصاحت فيه ليلى: «تمهل يا حسن. إن سمية حية ولم تتجرع السم ~~ولكنها في غيبوبة.» # قالت ذلك وتناولت بعض الماء بيدها ورشتها به فحركت رأسها ثم حركت شفتيها وقالت: «حسن ... ~~حسن ... قتلوك قتلهم الله! إني ذاهبة إليك.» # فلما سمع صوتها جثا عند رأسها باكيا وقال لها: «سمية ... أنت حية يا حبيبتي؟ انظري إلي ... ~~أنا حسن ... أنا حي يا حبيبتي وقد أنقذني الله ... افتحي عينيك يا سمية.» # ففتحت عينيها فلما رأته قالت: «ما هذه الأحلام؟ حسن؟ أين نحن يا حسن؟!» # فأجابها: «نعم أنا حسن يا سمية.» # فجلست وألقت نفسها عليه وأخذت في البكاء، فقال لها: «لا تبكي يا سمية إنني في ~~خير.» # فقالت له ليلى: «دعها تبكي لتنفس عن كربتها وتصحو من سكرتها.» فسكت وترك سمية تبكي وتشهق، ~~ثم رآها ترفع رأسها وتنظر إلى وجهه وتصيح: «حسن حبيبي ... هل أنا في يقظة أم في ~~منام؟!» # فأجلسها بجانبه وهو يقول لها: «انظري يا سمية، ها أنا ذا حي، وهذه صديقتنا ليلى. إن أسباب ~~تعاستنا قد زالت والحمد لله.» # فقطعت كلامه قائلة: «والحجاج؟ الحجاج؟» وعادت إلى البكاء. # فقال لها: «لقد جاء أمر الخليفة بأن يطلقك ويردك إلى خطيبك، وسنخرج اليوم من هذا ~~المعسكر.» فحدقت بنظرها فيه كأنها تتحقق ما يقول، فأقسم لها بحبها أنه ms159 ما قال إلا ~~الحق. # سكن روع سمية بعد أن اطمأنت إلى نجاتها ونجاة حسن، ثم التفتت إلى من حولها فرأت أمة الله ~~جاريتها، وليلى الأخيلية، وهند زوجة الحجاج، فقالت: «إن السم تأخر فعله، أليس كذلك؟» # فقالت ليلى: «إنك لم تتجرعي إلا دقيق الذرة، وأما السم الذي ظننت أنك تجرعته فهو معي.» ~~قالت ذلك وأخرجت من جيبها ورقة فتحتها وفيها السم وقالت: «ألا تذكرين الليلة التي بت فيها ~~عندك؟ إني غافلتك وأبدلت بالسم دقيق الذرة؛ لأني خفت أن تعجلي بتجرعه دون ما يدعو إلى ذلك، ~~فالحمد لله على نجاتك.» # فهمت سمية بليلى وقبلتها وقالت: «جزاك الله خيرا.» وكذلك شكرها حسن، ثم قص عليهم ما ~~دار بينه وبين الحجاج حتى أتى على ذكر أبي سليمان وكيف جاء في إبان الضيق فكان السبب في ~~نجاته من الموت، كما كانت ليلى سببا في نجاة سمية منه. وكان أبو سليمان واقفا خارج الخباء ~~فناداه حسن فدخل وهو يقول: «هل يدخل عبد الله؟» # قال حسن: «أي عبد الله؟» # قال: «خادمك.» # قال: «فليدخل. إني أعده صديقي.» # ثم دخل عبد الله وهو يقول: «لا تظن أني تخلفت عن خدمة مولاي، ولكنني أصبحت بعد إخراجك من ~~السجن موضع غضب عرفجة، فلم أعد أستطيع الظهور وبقيت متخفيا أتنسم الأخبار. فلما تحققت ~~نجاتك جئت لأكون في خدمتك.» # وكانت سمية قد صحت وتحققت أنها فازت بحبيبها وأنها نجت من أبيها فثبتت بصرها في حسن، وثبت ~~هو بصره فيها، واكتفيا بتفاهم اللواحظ، ثم قال لها: «إلى أين تودين الذهاب، وأين ~~نقيم؟» # فأجابه أبو سليمان على الفور: «تقيمان عندنا بالمدينة.» # فقال حسن: «لقد أذكرتني أمر رملة، هل أتيت بالكتاب من خالد إلى ابن الزبير؟ وكيف حصلت على ~~هذا الأمر من عبد الملك؟» # فقص عليه سليمان قصة سعيه في ذلك الأمر على يد خالد، ثم قال: «وأما ابن الزبير فقد جئته ~~بالكتاب ولكنه وا أسفاه عليه قتل ولا ندري ما تم بأهله.» # فقال: «أهله في مأمن بمكة، وقد صرح لهم قبل موته بقبوله مصاهرة خالد. ms160 وبعد عودتنا إلى ~~المدينة سأبعث عبد الله إلى خالد بالخبر ليبعث من يحمل رملة إليه.» # ثم التفت إلى ليلى وقال لها: «لن أنسى لك جميلك ما حييت، ويكفي أنك كنت سببا لبقاء سمية ~~كما كان العم سليمان سببا لبقائي.» # فقالت ليلى: «لا فضل لي في ذلك وقد فعلته لأني جربت هذا العناء وعرفت شقاء المحبين ~~وجهادهم، ولا أظن أحدا من هؤلاء أدرك من حالكما ما أدركته.» قالت ذلك وشرقت بريقها. # فأدرك حسن أنها تشير إلى قصتها مع توبة، فشكر الله وسكت حتى لا يثير عواطفها. # ثم وقف أبو سليمان وقال: «كل ذلك بتدبير العزيز الحكيم، وكل شيء يجري بقضاء من الله - ~~سبحانه وتعالى. هلم بنا الآن نستعد للرحيل.» # فلما تحققت سمية قرب سفرها التفتت إلى هند بنت النعمان زوجة الحجاج وقالت: «أرجو أن ~~يوفقك الله إلى سبيل تنجين به كما نجوت أنا.» # فتلألأت الدموع في عيني هند ولم تجب. ~~••• # وفي أصيل ذلك اليوم شدوا الرحال وساروا جميعا قاصدين المدينة، ما عدا ليلى فإنها التمست ~~وجهة أخرى. ولما وصلوا ساروا توا إلى بيت عرفجة وقد أصبح بما فيه إرثا شرعيا لسمية، ~~وكذلك كل ما كان يملكه. # وفي يوم وصولهم جاء سليمان لاستقبالهم وقد سر بنجاح مهمتهم. واحتفلوا بزفاف سمية إلى حسن ~~احتفالا شهدته سكينة بنت الحسين وكثير من سكان المدينة، وأكثرهم كانوا يكرهون عرفجة، وغنى ~~ليلتها طويس، كما غنت عزة الميلاء، وأجاد أشعب الطماع في المجون حتى كادت تتمزق خواصر الناس ~~من الضحك. وبعد انتهاء العرس سار عبد الله إلى خالد في دمشق ومعه كتاب من حسن بتفصيل ما حدث ~~في شأن رملة وقبول عبد الله بن الزبير خطبته لها، فجاء خالد وتزوج رملة كما هو مدون في ~~التاريخ. ms161