######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.IstibdadMamalik.Hindawi92031406 #META# Tags: novels #META# ID: 92031406 #META# Title: استبداد المماليك #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # 1 - في وكالة الصابون‏ # 2 - في قلعة القاهرة‏ # 3 - السيد المحروقي‏ # 4 - في مجلس علي بك الكبير‏ # 5 - الحرب بين روسيا وتركيا‏ # 6 - الست نفيسة المملوكية‏ # 7 - الشيخ المجذوب‏ # 8 - رسول من عكا‏ # 9 - في الإسكندرية‏ # 10 - في جبل لبنان‏ # 11 - حصار بيروت‏ # 12 - فتح بيروت‏ # 13 - فتح دمشق‏ # 14 - أثر الحبيب‏ # 15 - خروج علي بك من مصر‏ # 16 - اجتماع الشمل‏ # أبطال الرواية‏ # 1 - في وكالة الصابون‏ # 2 - في قلعة القاهرة‏ # 3 - السيد المحروقي‏ # 4 - في مجلس علي بك الكبير‏ # 5 - الحرب بين روسيا وتركيا‏ # 6 - الست نفيسة المملوكية‏ # 7 - الشيخ المجذوب‏ # 8 - رسول من عكا‏ # 9 - في الإسكندرية‏ # 10 - في جبل لبنان‏ # 11 - حصار بيروت‏ # 12 - فتح بيروت‏ # 13 - فتح دمشق‏ # 14 - أثر الحبيب‏ # 15 - خروج علي بك من مصر‏ # 16 - اجتماع الشمل‏ # | استبداد المماليك # | استبداد المماليك # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # علي بك الكبير: # شيخ البلد في مصر. # عثمان باشا: # والي مصر التركي. # محمد بك أبو الذهب: # خليفة علي بك وصهره. # الأمير يوسف شهاب: # حاكم لبنان. # الشيخ ضاهر الزيداني: # حاكم عكا. # الأمير أورلوف: # قائد الأسطول الروسي. # السيدة نفيسة المملوكية: # زوجة علي بك. # السيد المحروقي: # من السادة الأشراف بمصر. # السيد عبد الرحمن: # تاجر مصري كبير. # حسن: # ابن السيد عبد الرحمن. # سالمة: # زوجة السيد عبد الرحمن. # علي: # خادم الأسرة. # عماد الدين: # رسول الشيخ ضاهر. # الفصل الأول # | في وكالة الصابون # استولى على مصر بعد الخلفاء الفاطميين كثير من السلاطين، ظلت تحكم باسمهم إلى أن آل أمرها ~~إلى المماليك، فاستبدوا في أحكامهم، وضج أهلها بالشكوى منهم. واستمر الحال على هذا المنوال ~~حتى غزاها الخليفة التركي السلطان سليم، في عهد سلطانها الغوري، فتم له فتحها ودخلها بعد ~~قتله في وقعة مرج دابق، حيث شنق خليفته طومان باي، فصارت مصر منذ ذلك الحين تابعة ~~لتركيا. # ونظرا إلى بعدها من دار الخلافة، رأى السلطان سليم أن يجعل في إدارتها انقساما يأمن معه ~~خروجها من طاعته، فجعل حكومتها مؤلفة من ثلاث سلطات: # أولا: # سلطة ms001 الباشا: وهو الوالي الذي يرسله من الآستانة، ومقره في قلعة القاهرة، ويختص بتلقي ~~أوامر السلطنة وتبليغها ومراقبة تنفيذها. # ثانيا: # سلطة البكوات: وهم بقية الحكام المماليك، وقد عهد إليهم في إدارة المديريات وحفظ الأمن ~~والنظام في البلاد، كما هو شأن المديرين الآن. # ثالثا: # سلطة الوجاقات: وهي القوة العسكرية. وكانت مؤلفة من الإنكشارية، والمتفرقة، والدلاتية (جند ~~المغاربة)، وغيرهم. وعليها جباية الضرائب والإعانات والغرامات وما إليها من ~~الأموال التي تؤخذ لخزانة الدولة، كما أن عليها الدفاع عن البلاد عند الحاجة ~~إلى ذلك. # على أن البكوات المماليك لم يقنعوا بالسلطة الكبيرة التي منحت لهم، فما لبثوا قليلا حتى ~~عادوا إلى الاستبداد. # وكان من بينهم «شيخ البلد» المنوط به حكم القاهرة والسهر على استتباب الأمن والنظام ~~فيها كما هو شأن محافظها الآن. غير أنه لم يكن يقنع بما دون السلطة المطلقة، ولم يكن للباشا ~~التركي بجانبه من السلطة إلا مظاهر جوفاء، لا أثر لها على الإطلاق. # فلما كانت سنة 1763، وآلت مشيخة البلد إلى علي بك الكبير، كان أكثر المماليك شهامة ~~وأعظمهم همة وأشدهم بطشا. ولكنه طمع في الاستقلال بمصر، وحدثته نفسه بافتتاح البلاد ~~المجاورة لها أيضا. # ولم تكن القاهرة في تلك الأيام على ما هي عليه الآن من اتساع العمران وكثرة السكان. ~~فالأحياء المعمورة فيها حينذاك لم تكن تزيد على أحياء: الحمزاوي والغورية والجمالية ~~والنحاسين وما جاورها. أما الفجالة وشبرا والعباسية والإسماعيلية والجزيرة وغيرها من ~~الأحياء الحديثة فلم تكن قد أنشئت بعد. # وكان للمدينة سور منيع به أبواب عدة ضخمة تغلق عقب غروب الشمس كل يوم، فلا يستطيع أحد بعد ~~ذلك أن يدخل المدينة أو يخرج منها إلا بإذن خاص، وما زالت بعض هذه الأبواب وآثار السور ~~باقية حتى اليوم. # أما أغنى هذه الأحياء كلها وأكثرها سكانا وروادا، فكانت هي الأحياء الواقعة في منطقة ~~الجمالية وما جاورها من الغورية وخان الخليلي؛ حيث تقوم مختلف المتاجر وقصور ~~الأغنياء. # وهناك في الجمالية كانت توجد وكالة الصابون، وهي يومئذ مجتمع كبار التجار وأصحاب الثروة، ~~فلا تخلو ساحتها الرحيبة ms002 من مئات منهم طول النهار، بين بائعين ومشترين ومتفرجين. # وكان من بين تجار تلك الوكالة، في العهد الذي جرت فيه وقائع روايتنا هذه، تاجر يقال له ~~«السيد عبد الرحمن». اشتهر رغم ضخامة ثروته واتساع تجارته بالتواضع الجم والاستقامة والبر ~~بالفقراء، مع رجاحة العقل والاتزان. وقد تعود أن يقضي نهاره في الوكالة يشرف على حركة البيع ~~والشراء في متجره الكبير، فإذا جاء المساء عاد إلى منزله في شارع الكعكيين في الغورية، حيث ~~زوجته وولده الوحيد منها، وبعض السراري الشركسيات والحبشيات. # ولولا ما كان يقاسيه هو وغيره من استبداد المماليك وجورهم، وكثرة الضرائب التي يطلبونها ~~من وقت لآخر لكان له من ثروته الضخمة وتجارته الرابحة وحياته المنزلية الهادئة ما يجعله ~~أسعد السعداء، ولاسيما أن ولده الوحيد السالف الذكر، واسمه حسن، كان قد أتم تعليمه في ~~الجامع الأزهر، ثم التحق بالبيمارستان المنصوري القائم في شارع النحاسين أمام الطريق المؤدي ~~إلى بيت القاضي؛ حيث أبدى تفوقا في دراسة الطب على يد أستاذ مغربي فيه، واشتهر بين زملائه ~~وعارفيه بالاستقامة والذكاء والاتزان كأبيه. فلم يكن يغشى مكانا غير البيت والمدرسة، ولا ~~يمل المطالعة للاستزادة من المعارف والعلوم. ~~••• # أمضى السيد عبد الرحمن نهاره حتى العصر مشرفا على العمل في متجره بوكالة الصابون كعادته. ~~وكان ذلك في يوم من أيام سنة 1770. فلما سمع أذان العصر، أشار إلى خادمه فجاء بسجادة فرشها ~~على دكة في ركن من المتجر ليصلي عليها العصر بعد أن توضأ لهذا الغرض. # ولم يكد السيد عبد الرحمن يبلغ الدكة وهو يتمتم ببعض الأدعية ويحمد الله على ما أولاه ~~إياه من النعم والخيرات، حتى لحق به أحد الكتبة في المتجر، وأنبأه بأن بعض موظفي الحكومة ~~جاءوا يطلبون مقابلته. فاستعاذ بالله من ذلك، لعلمه بأن هؤلاء الموظفين لا يأتون إلا لطلب ~~ضريبة أو إعانة أو توقيع عقوبة مالية بغير ذنب ولا جريرة. # وحدثته نفسه بأن يرجئ مقابلتهم حتى يصلي، لكنه خشي أن يهيج ذلك غضبهم وانتقامهم، فرفع ~~طرفه إلى السماء وتنهد، ثم عاد أدراجه إلى مجلسه ms003 المعتاد في المتجر ليستقبلهم هناك ويرى ما ~~وراء هذه الزيارة. # وكان هؤلاء الموظفون ثلاثة: أحدهم الجابي، وهو في زي المماليك المؤلف من السراويل ~~الفضفاضة الطويلة المشدودة فوق الكعبين، والعمامة فوق القاووق، وحول وسطه منطقة عريضة علق ~~بها خنجر من الأمام، وعلى منكبيه جبة تدلى على جانبها الأيمن سيف معقوف، وقد تغضن وجهه وشاب ~~شعر رأسه. والثاني جندي يحمل في يده دفترا كبير الحجم كتبت فيه أسماء التجار وغيرهم من ~~الملاك والعمال، وبيانات عن الضرائب المطلوبة من كل منهم. أما الثالث فهو الكاتب، وعلى رأسه ~~عمامة كبيرة، وفي منطقته دواة مستطيلة من النحاس. # فلما دخل عليهم السيد عبد الرحمن، بالغ في تحيتهم والترحيب بهم. وأسرع في مشيته للقائهم ~~متكلفا البشاشة والابتسام، ثم أمر لهم بالقهوة والغليون - أداة تدخين التبغ في ذلك العهد - ~~ثم جلس بين أيديهم يكرر التحية والملاطفة اجتذابا لرضاهم عنه. وقلبه يخفق بين جوانحه مخافة ~~أن يكون مجيئهم لأمر من ورائه خسارة له. # وضاعف من خشيته وريبته أن الجابي، لم يزده ذلك كله إلا غلظة وغطرسة، وبقي صامتا يرمقه ~~شزرا في ازدراء ملحوظ، وقد جلس جلسة الكبرياء واضعا إحدى ساقيه فوق الأخرى. فلما جاء ~~الخادم بالقهوة وبدأ بتقديمها له متأدبا. أشاح عنه بوجهه، والتفت إلى السيد عبد الرحمن. ~~وقال له غاضبا: «إننا لم نأت لنشرب قهوتك، ولا حاجة لنا بها. وإنما جئنا نطلب حقوق ~~الدولة!» # فأجفل السيد عبد الرحمن، وتحقق وقوع ما كان يحذره، لكنه كظم ما به متجلدا وقال متظاهرا ~~بالبشاشة: «أهلا وسهلا ومرحبا بالسادة الأجلاء، مروا بما شئتم، فما نحن إلا عبيد مولانا ~~علي بك ورهن أمره في كل وقت!» # فقال الجابي: «مطلوب منك أن تدفع ألف نصف، مساعدة للحملة الذاهبة لنجدة شريف مكة بعد ~~أيام.» # فاستكثر عبد الرحمن هذا القدر المطلوب من ماله، رغم دفعه ضرائب باهظة منذ عهد قريب، لكنه ~~لم يجرؤ على إظهار ذلك، واكتفى بأن قال: «هل هذا المال مطلوب دفعه فورا؟» # فنهض الجابي مغضبا حانقا وصاح به قائلا: «ما شاء الله! ومتى ms004 تظن أن تدفعه إذن؟ ~~أتريد أن يكون ذلك بعد عودة الحملة أو هلاكها؟ أم لعلك استكثرت أن تدفع ألف نصف من الآلاف ~~المؤلفة التي تحصل عليها عفوا بلا تعب من أموال الناس وأنت جالس على وسادتك في أمان ~~واطمئنان، بينما نحن نتجشم الأخطار والأسفار لحماية بلادكم والدفاع عنها؟ كلا يا سيدي ثم ~~كلا. يجب أن تدفع ألفين اثنين لا ألفا فقط. فهل فهمت؟!» # فندم عبد الرحمن على تعجله بإلقاء ذلك السؤال، ووقف وقد امتقع لونه وارتجفت أطرافه، وخشي ~~أن يضاعف الجابي قيمة الضريبة المطلوبة مرة ثانية، فمد يديه نحوه إشارة التوسل والخضوع ~~وقال: «العفو يا سيدي الجاويش، إني ليسرني أن أقوم بالواجب علي وزيادة، وإنما أردت ~~بالاستفهام أن أعرف هل هناك فرصة لتأجيل الدفع أم لا، فالحالة التجارية كما تعلمون ليست في ~~هذه الأيام على ما يرام، وسبق أن تفضل جناب الخازندار بمثل هذا التأجيل مراعاة لظروف ~~مماثلة.» # فازداد غضب الجابي، وانتهر السيد عبد الرحمن بشدة، وقال: «أتشكو الفقر وأنت قد ابتلعت ~~أموال الناس، وعشت من الأرباح الطائلة في رغد ونعيم، بينما نحن في شقاء دائم وتعب لا يطاق، ~~ونلقي بأنفسنا إلى الهلاك دفاعا عنكم وعملا على راحتكم وطمأنينتكم؟ أم نسيت أن تظلمك ~~للخازندار يعني أننا ظلمناك ولم نعدل في تقدير المال المطلوب منك؟!» # فأخذ السيد عبد الرحمن يستعطف الجابي ويحاول استرضاءه واتقاء غضبه بكل وسيلة. ثم نادى ~~كاتب المتجر وأمره بأن يعد ألفي نصف ويحضرها فورا، فحنى الكاتب رأسه سمعا وطاعة ومضى ~~لتنفيذ ما أمر به. ثم عاد بالمبلغ المطلوب بعد قليل فسلمه للسيد عبد الرحمن، وقدمه هذا ~~للجابي فتناوله منه متظاهرا بعدم المبالاة، وسأله: «كم نصفا دفعت؟» # قال: «دفعت الألفين اللذين طلبتموهما.» # فقذف الجابي بالكيس الذي به النقود إلى الأرض، ثم نهض مغاضبا، وصاح بالسيد عبد الرحمن ~~محتدا يقول: «لقد أبطرتكم النعمة. أإلى هذا الحد بلغ جهلكم وغروركم وقلة إنسانيتكم؟ أم ~~حسبت أننا عبيد لك أو خدم عندك؟» # فارتعدت فرائصه، وازداد امتقاع وجهه، وابتلع ريقه بصعوبة لجفاف حلقه، ms005 ثم دنا من الجابي ~~وقال في خشوع: «العفو يا سيدي ... لقد أطعت أمركم. ولي الشرف بهذه الطاعة الواجبة. فماذا ~~أغضبكم؟» # فقال الجابي: «هل عميت عن حق الطريق؟» # ففطن التاجر إلى أنه لم يدفع للجابي بعض المال لنفسه فوق الضريبة كما هي العادة. وكان ~~الخوف قد أنساه ذلك، فبادر بالاعتذار والاستغفار، مؤكدا أنه لا يمكن أن يغفل أداء مثل هذا ~~الواجب المقدس، وإنما وقع ذلك سهوا منه ومن كاتبه. فقال الجابي: «حقا إنكم جهلة متأخرون، ~~لا تحترمون موظفي حكومتكم وتتجاهلون حقوقهم. وكان يجب أن تدفع حق الطريق قبل دفع الإعانة ~~نفسها.» # فأخذ السيد عبد الرحمن يتضرع إليهم أن يغفروا له ذلك الخطأ غير المقصود، مبديا استعداده ~~لدفع ما يأمر به الجابي، فقال هذا: «لا تطل الكلام، ادفع مائة نصف.» # قال: «سمعا وطاعة.» ثم انطلق إلى خزانته وجاء بالمال المطلوب في إحدى يديه، وفي الأخرى ~~مثله لكل من الكاتب والجندي حامل الدفتر، ثم سلم كلا منهم نصيبه من حق الطريق، وتنهد دلالة ~~على الارتياح، ووقف بين أيديهم متأدبا، وفي نفسه أنه أرضاهم جميعا وتخلص من شرهم، ولا ~~يلبثون قليلا حتى ينصرفوا فيعود إلى أداء صلاة العصر قبل أن يفوت وقتها. # وشد ما كان عجبه وجزعه حين رأى الجابي يشير إلى الكاتب الذي معه، ويأمره بمراجعة الدفتر ~~لعل هناك ضرائب أخرى لم تسدد بعد. فنظر الكاتب في الدفتر قليلا ثم التفت إلى الجابي وقال: ~~«إن له أرضا في الشرقية يدفع عنها كيسين كل سنة عشورا. والمطلوب أن يدفع الآن عشور ثلاث ~~سنوات سلفا؛ لأن الديوان محتاج إلى نفقات كثيرة.» # فوجم السيد عبد الرحمن ثم تمالك نفسه وقال للجابي: «عفوا يا سيدي. إن هذه الأرض لم تعد ~~ملكا لي؛ إذ إنني بعتها منذ سنة.» # وظن أن الجابي سيقتنع بهذه الحجة ويعفيه من العشور المطلوبة. ولكن هذا بدلا من الاقتناع ~~وضع يده على مقبض سيفه ورد عليه بقوله: «أتريد اختلاس أموال الديوان بالكذب والبهتان؟ أم ~~تريد أن نكذب دفتر الحكومة ونصدق دعواك ... لا بد من ms006 دفع العشور المطلوبة الآن وإلا كنت الجاني ~~على نفسك.» # فتلعثم التاجر ولم يستطع جوابا؛ لعلمه أن ليس أسهل على الجابي من قتله ونهب كل ما في ~~متجره. ثم نادى كاتب المتجر وسأله أمامهم: «هات ستة أكياس.» فقال الكاتب: «ليس في الخزانة ~~الآن إلا كيسان اثنان، فهل آتي بهما؟» # وعبثا حاول السيد عبد الرحمن أن يستعطف الجابي ليمهله إلى اليوم التالي ريثما يدبر بقية ~~المال المطلوب، فاستأذنه في الخروج لاقتراضه من أحد التجار، فلما أذن له خرج يطوف بمتاجر ~~زملائه في الوكالة، حتى وفق إلى من أقرضه الأكياس الأربعة الباقية، فعاد بها إلى متجره ~~يتنازعه عامل الأسف على ما تجشم من خسائر مالية فادحة، وعامل الشكر لله على أن نجاه من ~~القتل بيد الجابي المتكبر الجبار. # وما بلغ المتجر حتى وجد كاتبه جالسا يبكي وينتحب بالباب، والدم يسيل من جرح في رأسه. ~~فسأله: «ما هذا، وأين الجابي ومن معه؟» # قال: «لم تكد تخرج حتى نادوني وأخذوا الكيسين طالبين أن أحضر لهم الأكياس الباقية في ~~الحال؛ لأنهم لا يستطيعون الانتظار أكثر مما انتظروا. فلما كررت لهم الاعتذار بخلو خزانة ~~المتجر، اعتدوا علي بالضرب ونهبوا ما استطاعوا نهبه من السلع المعروضة في المتجر، ثم ~~انصرفوا حانقين متوعدين!» # فاستعاذ السيد عبد الرحمن بالله من ذلك الظلم المبين، وراح يندب سوء حظ مصر ونكبة أهلها ~~بحكم المماليك المستبدين، وجلس في المتجر مطرقا مفكرا، ثم رفع رأسه بعد قليل، ومسح دمعة ~~انحدرت من عينه على خده، وعزى نفسه قائلا: «الحمد لله على أن الخسارة لم تتعد الأموال، ولو ~~أنهم قتلوني ما طالبهم بدمي أحد.» # ثم نهض ومشى إلى الدكة التي فرشت عليها السجادة للصلاة، فصلى في خشوع وإيمان، ودعا الله ~~أن يقيه شر أولئك اللصوص الطغاة غلاظ القلوب والأكباد. ~~••• # جلس السيد عبد الرحمن في متجره بعد أن أدى صلاة العصر، يفكر في الظلم الذي حاق به من ~~الجابي وصاحبيه. وفيما هو في ذلك، دخل عليه رجلان في زي كتبة الديوان وفي يد كل منهما دفتر، ~~فوقع ms007 الرعب في قلبه وعاد إليه اضطرابه أشد مما كان. على أنه جاهد نفسه حتى لا يظهر عليه شيء ~~من ذلك، وخف إلى استقبالهما والترحيب بهما ودعاهما إلى الجلوس بجانبه. ثم أمر لهما بالقهوة ~~والغليون، وأخذ يلاطفهما معربا عن اغتباطه بتشريفهما إياه بالزيارة. # ومع أنهما كانا أقل خشونة من الجابي وصاحبيه، وكان هو على يقين من أنه دفع أكثر من قيمة ~~الضرائب التي يحصلانها باسم عوائد الوالي والأغا (رئيس الشرطة)، والمحتسب (ملاحظ المكاييل ~~والموازين والأسعار). بقي خائفا يترقب شرا من وراء زيارتهما؛ لعلمه في الوقت نفسه بأنهما ~~وأمثالهما ليس لهم رواتب من الحكومة، بل هم يفرضون لأنفسهم ضرائب شهرية على التجار وأصحاب ~~الحرف، يقدرونها حسبما يتراءى لهم، وربما أخذوها مرتين أو ثلاثا في الشهر، بغير رحمة ولا ~~شفقة. # ولم يطل به الانتظار حتى وقع ما كان يحذره، فنظر أحد الكاتبين في الدفتر الذي يحمله ~~والتفت إليه قائلا: «مطلوب منذ الآن مائة نصف من عوائد الحسبة، ومثلها من عوائد الوالي ~~والأغا.» # فقال: «إنني أذكر أني دفعت هاتين الضريبتين منذ بضعة أيام فقط.» # وهنا صاح الكاتب الآخر في وجهه قائلا: «كيف تقول مثل هذا الكلام وأنت تاجر كبير تربح ~~الكثير؟ وهل جئنا إذن لنختلس أموالك؟ ... ها هو الدفتر أمامك، وقد سجل فيه ما دفعت وما يجب ~~أن تدفعه. وهو مال الحكومة كما تعلم، ولا سبيل إلى التهرب من دفعه!» # فاستعاذ السيد عبد الرحمن بالله من شر ذلك اليوم، وقال: «العفو سيدي. إني لم أقصد شيئا ~~من ذلك، وإنما ذكرت ما اعتقدت أنه الحقيقة، ولعلي واهم. وجنابك أصدق على كل حال. ~~فمعذرة.» # ثم نهض وقدم لهما المال المطلوب، وفوقه «حق الطريق» لكل منهما، وقال: «أرجو قبول معذرتي ~~مع خالص احترامي وشكري على أن شرفتموني بهذه الزيارة الكريمة.» # فضحك الكاتب الأول متطرفا وقال له: «أنت رجل لطيف يا سيد عبد الرحمن.» ثم نظر إلى قطعة ~~من الحرير الثمين كانت بين السلع المعروضة في المتجر وقال: «بكم تبيع هذه القطعة؟ ... إنها ~~تصلح قباء (قفطانا) لي.» # فقال: ms008 «هي لك يا سيدي وقد وصل ثمنها.» ثم أمر بعض عمال المتجر بإحضار قطعة مماثلة، وقدم ~~القطعتين للكاتبين متأدبا وهو يقول: «إنه لشرف عظيم أن تحوز بضاعتي إعجاب رجال الحكومة.» ~~فأخذا القطعتين وانصرفا مشيعين بكل احترام. # وكانت الشمس قد أوشكت أن تغرب، فعجل السيد عبد الرحمن بإنجاز ما لديه من أعمال ضرورية مثل ~~كتابة الخطابات للعملاء ومراجعة حساب البيع والشراء في ذلك اليوم. كما أعاد ترتيب السلع في ~~المتجر. ثم هم بإغلاق المتجر والعودة إلى منزله قبل أن يسود الظلام، ويتعرض لأخطار الطريق؛ ~~إذ كانت الطرقات والأسواق في ذلك الحين لا تضيئها سوى بعض المصابيح الضعيفة الخافتة الضوء، ~~معلقة على أبواب الحارات وبعض المنازل. # وفيما هو يغلق المتجر، جاءه بواب الوكالة مهرولا يقول: «لقد عاد الجابي يا ~~سيدي!» # فأجفل واستعاذ بالله من شر هذه العودة، وأخذ يلعن سوء الحظ الذي جعله يحترف التجارة وأطمع ~~فيه أولئك الحكام الذين لا يرحمون. # وبعد قليل وصل الجابي، فإذا به يترنح من فرط سكره، وقد أمسك خنجره بيده. ومن خلفه رفيقاه ~~في مثل حاله. فهم السيد عبد الرحمن بالفرار من وجوههم، لكنه خشي أن يدركوه ويقتلوه، فآثر ~~البقاء وترامى على يد الجابي يهم بتقبيلها متذللا متضرعا، فدفعه هذا بقوة وانتهره قائلا: ~~«أهكذا تهرب من دفع مال الميري يا خائن؟» وأخذ يكيل له أفحش ألفاظ الشتم والسباب، ويهدده ~~بالخنجر الذي في يده. # فجثا السيد عبد الرحمن بين يديه، وهم بتقبيل قدميه وقال: «إني عبدكم يا سيدي، وهذا هو ~~حانوتي بين أيديكم فخذوا منه كل ما تريدون، فأنا رهن إشارتكم.» # فقال الجابي وهو ما زال يترنح: «حسنا، إذن هيا ادفع المطلوب منك، وإياك أن تعود إلى مثل ~~ذلك التهرب.» # فسارع إلى إحضار الأكياس الأربعة التي اقترضها، ودفعها له ومعها «حق الطريق» لكل منهم. ~~وهو يدعو لهم بطول العز والبقاء. # فقهقه الجابي الثمل مغتبطا وقال: «حسنا. حسنا. يلوح لي أنك رجل عاقل حسن التصرف.» ثم ~~أغمد الخنجر وأعاده إلى موضعه في منطقته، وهم بالانصراف. # وفيما كان التاجر ms009 يشيعه بكلمات الشكر والدعاء، دنا منه الجندي حامل الدفتر، وهمس في أذنه ~~قائلا: «إن الديوان أمر بتجنيد ولدك وأخذه إلى الحرب في الحجاز مع الحملة الذاهبة إلى هناك ~~بعد أيام؛ وذلك لأن جنود المماليك لا يكفون لهذا الغرض، ولا بد من إمدادهم بجنود آخرين من ~~سكان البلاد المصريين والأتراك والمغاربة والشوام.» # فبغت السيد عبد الرحمن، وكاد قلبه يقف لهول هذا النبأ المرعب، وشعر بأن كل ما لحقه من ~~الظلم والإهانة والخسائر المالية الجسام لا يعد شيئا يستحق الذكر بجانب أخذ ولده الوحيد ~~إلى الحرب. # وأدرك الجندي ذلك منه، فاقترب منه وهمس إليه مرة أخرى قائلا: «اطمئن يا سيدي. واشكر الله ~~على أن هيأ لك ولولدك مخرجا من هذا المأزق، فإن جناب الجابي - جزاه الله خيرا - قد رثي ~~لحالكما، وأعمل نفوذه وحيلته لإعفاء ولدك من ذلك التجنيد. وأظن أنه استحق بذلك أن تشكره ~~وتكافئه على معروفه هذا ببعض المال!» # فتنهد التاجر، وذهب عنه الروع، وشعر بأنه مدين بسعادته لمعروف ذلك الجابي المستبد ~~السكران، فهم بيديه يقبلهما والدموع تطفر من عينيه. ثم نادى خادمه وأرسله إلى التاجر الذي ~~اقترض منه الأكياس الأربعة في العصر، ليقترض له مثلها على أن يردها كلها في الغد. ثم جلس مع ~~الجابي وصاحبيه في انتظار عودة الخادم، ولسانه يلهج بشكرهم والثناء على أريحيتهم ~~ومروءتهم. # وانتهز ثلاثتهم هذه الفرصة، فأخذوا في انتقاء ما خف حمله وغلا ثمنه من السلع الموجودة في ~~المتجر وأخذها لأنفسهم وهو لا يستطيع أن يمنعهم، بل كان يعرب لهم عن اغتباطه بذلك. فلما عاد ~~خادمه بالأكياس الأربعة المقترضة، تناولها منه، وأعطى الجابي كيسين، وكلا من الجندي وكاتب ~~الجابي كيسا. فأخذوها وانصرفوا بها وبما انتقوه من السلع. # وما كادوا يخرجون من الوكالة حتى سارع السيد عبد الرحمن إلى إغلاق المتجر، وغادرها هو ~~الآخر عائدا إلى منزله، وقد سدل الليل نقابه. وفي يده مصباح من الورق يستعين به على تبين ~~الطريق. ~~••• # كان من عادة السيد عبد الرحمن أن يمر في طريق عودته إلى المنزل كل مساء ms010 بالبيمارستان ~~المنصوري الذي يدرس فيه ابنه حسن، فيصطحبه من هناك إلى المنزل. # ولما وصل إلى البيمارستان، وجد أبوابه مغلقة، فأدرك أنه تأخر عن الموعد الذي تعود المرور ~~به فيه لاصطحاب ابنه. وتذكر ما وقع له في متجره ذلك اليوم من الإهانات والخسائر. ولكنه حمد ~~الله على أن نجى ولده الوحيد من خطر التجنيد. وواصل سيره حتى وصل إلى شارع النحاسين، فسمع ~~وقع أقدام خلفه من بعيد، فأوجس في نفسه خيفة، وانزوى في منعطف هناك، حتى مر القادمون، وتبين ~~من كلامهم أنهم جماعة من الجند، بينهم الجابي وصاحباه. فبالغ في الانزواء حتى بعدوا، وأمن ~~شرهم، ثم عاد بمصباحه إلى الشارع، وواصل سيره، وهو لا يكاد يرى ما أمامه لضعف الضوء، وشدة ~~قلقه واضطرابه. # ولما بلغ شارع الكعكيين، واقترب من الحارة التي بها منزله، لاحظ أن باب الحارة مفتوح على ~~غير العادة؛ إذ كانت أبواب الحارات تغلق كلها عقب الغروب. فاشتدت وساوسه وأسرع في مشيته ~~ليقف على سبب إبقاء الباب مفتوحا، وأخذ يدعو الله بقلبه ألا يكون السبب ما يسوء. # وقبل أن يبلغ الباب، سمع شخيرا عميقا بالقرب منه، ولمح على ضوء مصباحه الخافت جسم إنسان ~~ممددا على الأرض، فدنا منه وقرب المصباح من وجهه فتبين أنه البواب، وأنه جريح يسيل الدم من ~~رأسه ووجهه، وبجانبه الخشبة الغليظة التي توضع خلف باب الحارة من الداخل ويدخل بعضها في ~~الحائط لتكون بمثابة المزلاج. وكانوا يطلقون عليها اسم «الدقر». وقد لوثت بالدم السائل من ~~جرح المسكين. # وأخذ السيد عبد الرحمن ينادي البواب باسمه، فلم يستطع هذا جوابا، واستمر في شخيره وهو ~~يئن أنينا خافتا متقطعا. فأدرك أنه في غيبوبة الموت، واشتد خفقان قلبه وارتعدت فرائصه ~~لهول ذلك المنظر المروع. وحدثته نفسه بأن يبلغ الأمر إلى رجال الشرطة في مقرهم الخاص ~~بالمنطقة. ثم خشي ما قد يجره عليه هذا من الظلم والإهانة. كما رأى أن بقاءه بجانب البواب ~~الصريع قد يوقعه في تهمة قتله وهو بريء منها. فغادر المكان مسرعا ودخل الحارة ملتمسا ~~الطريق إلى ms011 منزله فيها. وما كاد يخطو بضع خطوات حتى سمع وقع أقدام كثيرة خلفه، فالتفت فإذا ~~برجلين كأنهما ماردان، يرتديان ملابس قصيرة وفي يد كل منهما عصا غليظة طويلة، وصاح به ~~أحدهما قائلا : «قف مكانك يا مجرم، أتظن أن التخلص من جريمة القتل سهل إلى هذا ~~الحد؟!» # فوقف السيد عبد الرحمن، وقد امتلأ قلبه رعبا، ولم تعد ساقاه المتخاذلتان المرتعدتان ~~تقويان على حمله، ولاسيما بعد أن رأى أحد الرجلين رفع عصاه وهم بأن يهوي بها على رأسه. على ~~أنه تحامل على نفسه متجلدا، وقال للرجلين في صوت متهدج: «لست والله مجرما، ولا أنا ممن ~~يستطيعون قتل هرة.» # وكان جوابهما أن انقض عليه أحدهما وقبض على عنقه بيد من حديد حتى كاد يزهق روحه خنقا، ~~بينما أطفأ الآخر المصباح، وراح يجرد التاجر من كل ما يحمله من نقود وثياب وأوراق وحلي ~~وغيرها. ثم ألقياه بقوة على الأرض وتركاه ذاهلا يئن من فرط الألم ولاذا بالفرار، بعد أن ~~هدداه بالقضاء على حياته إن هو فتح فمه بكلمة واحدة! # ولم يسعه إلا الامتثال، فبقي صامتا ساكنا حتى ابتعدا، ثم نهض ومشى إلى منزله بما بقي ~~عليه من الملابس الداخلية، وهو عاري الرأس حافي القدمين. فلما اقترب من المنزل سمع فيه ~~صراخا وعويلا فازداد اضطرابه. وطرق الباب طرقا شديدا، فأطل بعض الخدم من نافذة تشرف على ~~الباب ولم يستطيعوا معرفته لتغير هيئته وملابسه ولضعف ضوء المصباح المعلق بالباب، وحسبوه ~~لصا أو محتالا فانهالوا عليه بالشتائم والحجارة. لكنه صاح بهم مهددا متوعدا، وأخذ ~~يدعوهم بأسمائهم حتى عرفوه ففتحوا له الباب واستقبلوه معتذرين باكين. ورأى الجواري محلولات ~~الشعر يلطمن وجوههن نادبات معولات. وعلم منهن أن زوجته وحدها في غرفتها، وأنها تكاد تكون ~~غائبة الوعي كأنما أصيبت بالذهول أو الجنون؛ وذلك لأن عساكر المماليك جاءوا إلى المنزل منذ ~~قليل وهم سكارى، وقبضوا على ولدهما حسن وساقوه إلى الديوان تمهيدا لتجنيده وإرساله إلى ~~الحرب! # الفصل الثاني # | في قلعة القاهرة # أدرك السيد عبد الرحمن أن الجابي هو الذي اقتحم منزله ms012 وأخذ ولده، رغم الأكياس والسلع التي ~~أخذها منه في المتجر هو ومن معه، فطفرت الدموع من عينيه حنقا وحزنا. ومضى إلى زوجته في ~~غرفتها فوجدها قد حلت شعرها وشقت ثيابها وتورم خداها واحمرت عيناها من شدة اللطم والبكاء. ~~وما وقع نظرها عليه حتى صاحت قائلة: «لقد أخذوه ... أخذوا حسنا إلى الحرب والقتل.» واستأنفت ~~اللطم والعويل. # ولم يستطع مغالبة تأثره الشديد بهذا المنظر، فأخذ هو الآخر يلطم وجهه وأطلق لدموعه ~~العنان. وشاركهما في ذلك كل من في المنزل من الخدم والجواري. # وأخيرا، اقتربت منه زوجته وهي على تلك الحال وقالت له: «ألا تخرج للبحث عن حسن والوقوف ~~على ما تم في أمره، عسى أن توفق إلى إنقاذه بأي ثمن؟» # فقال: «لو قبلوا أن أفتديه بكل ما أملك، وفوقه حياتي نفسها ما أحجمت عن افتدائه. وقد بذلت ~~للجابي كل ما طلب وزيادة، على أمل أنه أعفاه من التجنيد رحمة بنا. لكنه - لعنه الله - أبى إلا ~~أن يفجعنا في مالنا وولدنا.» # فقالت: «سينتقم الله منه ومن كل ظالم عما قريب. لكن كيف نصبر على فراق وحيدنا وفلذة ~~كبدنا، ونتركهم يأخذونه من الدار إلى النار؟» # فتنهد السيد عبد الرحمن، وصر بأسنانه غيظا من ذلك الظلم، ثم قال لزوجته: «وماذا أصنع ~~وأنا لا أستطيع الخروج من المنزل الآن؟» # فأبدت دهشتها وقالت: «وما الذي يمنعك من الخروج؟» # قال: «يمنعني أن على باب الحارة قتيلا مضرجا بدمائه، وقد كادوا أن يقبضوا علي ويتهموني ~~بقتله، لولا أن كتب الله لي النجاة من أيديهم بعد أن اعتدوا علي بالضرب وسلبوني ثيابي وكل ~~ما كان معي.» # فبغتت كما بغت جميع الحاضرين، وأدركوا سبب مجيئه إلى المنزل عاري الرأس حافيا ليس عليه ~~إلا الملابس الداخلية. ثم سألته زوجته: «ألم تعرف من ذلك القتيل؟» # قال: «عرفته. هو بواب الحارة المسكين!» # فقالت: «تبا لهم من ظلمة أشرار! ذهب المسكين ضحية الإخلاص والوفاء والدفاع عن الحق، ~~فقد سمعته يستمهلهم حتى تحضر، وهم يهمون بأخذ حسن.» وعادت إلى البكاء قائلة: «ترى أين أنت ~~الآن يا ms013 ولدي؟ وهل يقدر لنا أن نراك بعد الآن؟» # فلم يتمالك السيد عبد الرحمن عن البكاء معها، وأخذ يندب حظه وولده قائلا: «آه يا حسن! ~~كيف نتركك تذهب إلى الموت وليس لنا في الحياة سواك؟» # فقالت له زوجته: «ألا نشكو أمرنا ونتظلم عسى أن ترق لنا قلوبهم أو يطلقوا سراح ولدنا بأية ~~وسيلة؟» # فهز رأسه أسفا وحزنا وهو يتنهد، ثم قال: «ولمن نشتكي يا سالمة؟ هل نشتكي إلى المماليك ~~وهم أنفسهم الذين ظلمونا ... ليس أمامنا إلا الله وحده نشكو إليه بثنا وحزننا، وهو القادر على ~~أن يكشف عنا هذا البلاء الذي غطى كل ما سبقه من ويلات ونكبات.» # فقالت سالمة: «أليس من وسيلة إلى مقابلة الباشا واستعطافه، لكي يوصي علي بك برد ولدنا ~~إلينا لأنه لا يستطيع الحرب؟» # فقال: «إن الباشا نفسه يشكو مثلنا ظلم المماليك، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ~~لا ... لا. ليس لنا إلا أن نشكو إلى الله.» # ثم رفع يديه ورأسه إلى السماء وأخذ يتضرع إلى الله قائلا: «يا رافع السموات وباسط الأرض، ~~يا عالما بكل شيء، وقادرا على كل شيء، نسألك بحق ذلنا وانكسارنا، أن تلطف بنا فيما جرت به ~~المقادير، وتنتقم لنا من الظلمة الغاشمين بجاه خاتم الأنبياء والمرسلين.» ~~••• # لبث السيد عبد الرحمن وسالمة زوجته يبكيان ولدهما حسنا، ويشاركهما في البكاء كل من في ~~منزلهما من الخدم والجواري حتى مضى الليل كله في ذلك دون نوم ولا طعام. # على أن السيد عبد الرحمن ما كاد يسمع أذان الفجر، حتى نهض وتوضأ وأدى ما عليه لله من ~~فرائض للصلاة. وكان قد فاتته صلاة المغرب والعشاء بسبب ما تراكم عليه من الأحداث ~~والأحزان. # ولما فرغ من الصلاة والدعاء إلى الله أن يكتب السلامة لولده العزيز الوحيد، جالت بخاطره ~~فكرة رأى في تحقيقها ما قد يحقق رجاءه. فنهض ومضى إلى زوجته في غرفتها حيث كانت تواصل ~~البكاء وقد خارت قواها واحمرت عيناها، وقال لها: «قد رأيت أن أمضي إلى السيد المحروقي في ~~داره لأخاطبه في أمرنا، وهو من ms014 السادة الأشراف المقربين إلى علي بك، وما أظن أنه يرفض ~~التوسط لنا عنده ليأمر بإطلاق سراح ولدنا.» # فقالت: «حسنا تفعل، وما أظن أن علي بك يرد مثل هذا الطلب لصديقه الشريف الكبير . فهيا عجل ~~بتنفيذ هذه الفكرة، وعلى الله التوفيق.» # ثم رفعت يديها إلى السماء والدموع في عينيها ورفعت صوتها المتهدج قائلة: «يا رب، أنت أعلم ~~بحالنا فارحمنا يا أرحم الراحمين.» # وبعد قليل، كان السيد عبد الرحمن قد استعد للخروج، فارتدى جبة وقباء (قفطانا) ووضع على ~~رأسه العمامة، واحتذى نعلا جديدة بدل التي سلبه اللصوص إياها مع بقية ملابسه ودراهمه ~~بالأمس. ثم هم بالنزول من دار الحريم في الطابق العلوي من المنزل، داعيا الله بقلبه ولسانه ~~أن يوفق في مهمته. # وفيما هو كذلك إذا به يسمع ضجة كبيرة أمام المنزل، ثم طرقات عنيفة على الباب، فتسارعت ~~دقات قلبه ووقف شعر رأسه وجحظت عيناه دهشة ورعبا، ثم خطر بباله أن الطارق ربما كان ولده أو ~~رسوله أو بشيرا بقدومه، فعاودته همته وشهامته، وخف إلى نافذة قريبة فأطل منها على باب ~~المنزل. وشد ما كانت خيبة آماله؛ إذ رأى جماعة من العساكر والإنكشاريين وبينهم رجال موثقون ~~بالقيود والأغلال، فعاوده رعبه وفزعه وتخاذلت ساقاه فلم يعد يستطيع الوقوف فضلا عن المشي، ~~فارتمى على مقعد بجانب النافذة حيث اعتمد رأسه بيديه وغرق في لجة من الوساوس ~~والهموم. # وكان من في المنزل قد رأوا ما رآه فأخذهم ما أخذه من الخوف وتوقع الشر واجتمعوا حوله ~~خافقة قلوبهم معقودة ألسنتهم، حتى سالمة زوجته إذ تحول صراخها إلى أنين خافت مكبوت. # ومضت لحظة رهيبة علت بعدها ضجة المزدحمين بباب المنزل، واشتدت الطرقات عليه، وصحب ذلك صوت ~~معالجة فتح الباب بالعنف، فرفع السيد عبد الرحمن رأسه وأشار إلى بعض الخدم الملتفين حوله أن ~~ينزلوا لفتح الباب وإدخال العساكر القادمين قاعة الاستقبال (المنظرة) في الطابق الأرضي ~~لتقديم القهوة لهم وسؤالهم عما يريدون. ففعلوا ما أشار به. # وبعد قليل صعد إليه أحد أولئك الخدم وقد ازداد وجهه صفرة، وأنبأه بلسان ms015 متلعثم أن ~~القادمين هم رجال الشرطة المنوط بهم حفظ الأمن والنظام بالمنطقة، وأنهم قبضوا على كثير من ~~سكان الحارة وغيرهم للتحقيق معهم في أمر مصرع بواب الحارة، ويريدون أن يخرج معهم لسماع ~~أقواله أمام الوالي (رئيس الشرطة) في القلعة. # ولا تسل عن فزع السيد عبد الرحمن بعد أن سمع هذا الكلام، على أنه خشي أن يكون في تأخره عن ~~النزول إليهم والخروج معهم إلى القلعة ما لا تحمد عقباه، فتحامل على نفسه وودع أهل منزله ثم ~~تزود بقدر كبير من الدراهم لعله يحتاج إليها في الطريق. وهبط من دار الحريم إلى المنظرة ~~فحيا العساكر في أدب واحترام وقدم لهم نفسه، فسرعان ما أوثقوه ثم خرجوا به مع المقبوض عليهم ~~الآخرين آخذين طريقهم إلى القلعة. ~~••• # وصل السيد عبد الرحمن إلى القلعة وقد أنهكه التعب والحزن وما قاساه من إهانات العساكر في ~~الطريق. وهناك أوقفوه مع بقية المتهمين أمام رئيس الشرطة، فأخذ يهددهم بالقتل ويسمعهم أفحش ~~السباب، وكلما تراموا على قدميه مؤكدين براءتهم مما اتهموا به، لج في طغيانه وأصم أذنيه عن ~~سماع توسلاتهم. # وأخيرا، أمر العساكر بأن يزجوا بهم في السجن ريثما ينظر في أمرهم، فهم هؤلاء بتنفيذ ~~الأمر، وهمس جاويش منهم قائلا للمتهمين الموثقين: «إن جناب الوالي (رئيس الشرطة) لا يبالي ~~تظلمكم، ولا تهمه دعواتكم له بطول العمر والسلامة، ولكن إذا دفع كل منكم نصف كيس مساهمة في ~~دية القتيل، فقد يقبل إعادة النظر في أمركم ويعفو عنكم!» # فاستبشر السيد عبد الرحمن وقال في نفسه: «هذا طلب هين يسير.» ثم دفع للجاويش نصف كيس ~~للوالي ونصف كيس له. واقتدى به من استطاع الدفع من المتهمين، فأخذ الجاويش ما دفعوه من ~~المال وعاد إلى الوالي فتحدث معه هنيهة، ثم جاءهم يقول: «قد عفا جناب الوالي عنكم.» فصاحوا ~~جميعا شاكرين داعين. # وحسب المتهمون - وفي مقدمتهم السيد عبد الرحمن - أن المسألة انتهت عند هذا الحد. ولكن ~~العساكر ما لبثوا أن ساقوهم في قيودهم وأغلالهم إلى مقر الأغا (محافظ المدينة) في القلعة ~~بحجة إتمام ms016 التحقيق! # وكان هذا الأغا إنكشاريا طويل القامة هائل الحجم، على رأسه عمامة بيضاء هرمية الشكل، ~~وعلى كتفيه العريضتين فرو سمور، وهو كث اللحية عريضها، تدل نظراته الشزراء على أنه فظ غليظ ~~القلب . فلما دخلوا عليه أمر بجلدهم قبل أن يسمع أي شيء عن أمرهم. فأخذوا يتضرعون إليه ~~ويستعطفونه مترامين على قدميه يحاولون تقبيلهما، فركلهم وقال لهم محتدا: «إما أن تذكروا من ~~القاتل وإما كنتم القاتلين وحق عليكم أشد العقاب!» # وبعد اللتيا والتي، كتب الله لهم الخلاص من شر الأغا. بعد أن جمعوا من بينهم ما تيسر من ~~المال ودفعوه له ولمعاونيه، فأمر بحل وثاقهم وإطلاق سراحهم، فخرجوا من عنده وهم لا يكادون ~~يصدقون أنهم نجوا. # ولاح للسيد عبد الرحمن أن ينتهز فرصة وجوده في القلعة فيذهب لمقابلة الباشا في مقره هناك، ~~ويقص عليه حكايته، فإن لم يجد فائدة منه ذهب إلى السيد المحروقي كما قرر من قبل. ثم تردد في ~~تنفيذ هذه لفكرة؛ لأنه لا يعرف اللغة التركية، والباشا لا يتكلم إلا بها ولا يعرف العربية. ~~لكنه تذكر أن الباشا لا بد أن يكون لديه مترجم خاص أو أكثر، فزايله تردده ومشى في طرقات ~~القلعة حتى وصل إلى قصر الباشا فهاله عظم بابه، وكثرة الحجاب الأتراك الواقفين به وعلى كل ~~منهم سراويل قصيرة، وقد تقلد بندقية. # ودنا من أحد أولئك الحجاب واستأذنه في الدخول، فسأله الحاجب: «ما حاجتك؟» قال: «لي قضية ~~مهمة أريد أن أعرضها على أفندينا الباشا.» # فقال الحاجب: «انتظر قليلا حتى نعرض أمرك على جناب الكتخدا نائب الباشا.» # ثم دخل الحاجب وغاب دقائق عاد بعدها وقال له: «قد أذن جناب الكتخدا بدخولك عليه فتعال ~~نفتشك أولا لئلا يكون معك شيء من السلاح.» وبعد أن فتشه وتحقق أنه لا يحمل سلاحا، قاده ~~إلى الداخل حيث مضى به إلى غرفة الكتخدا، وأزاح له الستارة الموضوعة على بابها فدخل وقلبه ~~يخفق هيبة، فوجد الكتخدا جالسا في صدر القاعة بالملابس التركية، فحياه باحترام. وأشار إليه ~~الكتخدا أن يجلس على مقعد بالقرب منه ms017 وكلم الحاجب بالتركية آمرا إياه بدعوة الترجمان إليه. ~~فجلس السيد عبد الرحمن مطرقا ويداه على ركبتيه. وبعد هنيهة جاء الترجمان وسأله بالعربية ~~عما يريد، فأخذ يقص عليه حكايته من أولها إلى آخرها ، وهذا يترجمها فقرة فقرة للكتخدا، فيهز ~~رأسه مبديا دهشته وأسفه. # والتفت الكتخدا أخيرا إلى السيد عبد الرحمن وفي نظراته ما يدل على الرثاء له والرأفة به، ~~ثم قال له بوساطة الترجمان: «قد فهمت قضيتك وأدركت أنك على حق فيما شكوته من الظلم. وسأذهب ~~بنفسي لرفع هذا الظلم عنك ورد ولدك إليك.» # فلم يتمالك السيد عبد الرحمن عن الوقوف ودموع الاستبشار بقرب الفرج تطفر من عينيه، ثم هم ~~بتقبيل يد الكتخدا، فمنعه من ذلك، وأشار إليه أن يجلس كما كان. فعاد إلى مقعده ولسانه ما زال ~~يلهج بالشكر والدعاء. # وأخذ الكتخدا يتبسط في الحديث بوساطة الترجمان مع السيد عبد الرحمن، إلى أن استطلع رأيه ~~فيما يقال من اعتزام علي بك الاستقلال بحكم مصر وإخراجها من يد الدولة العلية، فأجاب بقوله: ~~«قد سمعت يا سيدي شيئا عن ذلك. وأكبر الظن أن الغرض الأول لعلي بك من إرسال الحملة إلى ~~الحجاز ليس مساعدة شريف مكة ضد منافسه فقط، بل غرضه إخراج تلك البلاد من يد دولة الخلافة ~~أيضا. ولهذا أكثر من الجنود في تلك الحملة حتى لم يبق أحد من الشبان المقيمين بمصر إلا ~~ألحقه بها، لا فرق بين المصريين منهم والمغاربة والشوام والأتراك والأروام. وقد شاءت ~~المقادير أن يكون ولدي الوحيد بين أولئك المجندين، مع أنه من المتخرجين في الأزهر ومدرسة ~~السلطان حسن، ولم يكتف بما حصله من علوم الدين واللغة وغيرهما فالتحق بمدرسة البيمارستان ~~المنصوري ليدرس الطب على يد أحد الأطباء المغاربة فيه.» # فقال الكتخدا: «إن هؤلاء المماليك قد أمعنوا في طغيانهم وتمردهم على مولانا السلطان، ~~ولا شك في أن جلالته لا يقر هذه الأعمال، لما عرف عنه من الميل إلى العدل والحلم والبر ~~برعاياه. ولا بد من وضع حد لهذه المظالم. فطب نفسا وقر عينا، وثق أن حاجتك ms018 مقضية، ولا يلبث ~~ولدك أن يعود إليك سالما بإذن الله.» # فوقف السيد عبد الرحمن، وحاول مرة أخرى تقبيل يد الكتخدا ولكن هذا منعه أيضا، ثم ودعه ~~مطيبا خاطره مكررا وعده بالسعي العاجل بنفسه في سبيل رد ولده إليه. فخرج من عنده وقد ~~أنساه ذلك كل ما عاناه من نصب وعذاب. ~~••• # ما كاد السيد عبد الرحمن يهم بالخروج من القلعة، حتى بصر بموكب قادم إلى قصر الباشا، ~~يتقدمه شيخ ذو لحية طويلة راكبا على حمار، وعلى رأسه عمامة غريبة الشكل. فسأل بعض الجنود ~~عمن يكون هذا الشيخ، فقال له أحدهم: «ألا تعرفه؟ إنه أبو طبق، لعنه الله ولعن من أرسلوه!» # فتذكر ما كان يسمعه عن الأوضه باشي الذي تعود المماليك أن يرسلوه إلى الباشا الذي يقررون ~~عزله، لتبليغه هذا القرار. وكان العامة يسمونه أبا طبق، نظرا إلى أن عمامته متخذة من لبادة ~~سوداء تنتهي عند حافتها بدائرة واسعة مصنوعة من نسيج من الأسلاك الرفيعة، تجعلها أشبه ~~بالقبعات الإفرنجية الواسعة الحوافي. ولم يكن يذهب لأداء مهمته هذه إلا راكبا على حمار، ~~ومن خلفه بعض أمراء المماليك. # فقلق السيد عبد الرحمن، وأوجس في نفسه خيفة من أن يكون الرجل قادما لإعلان الباشا بعزله، ~~فتحبط مساعيه لإطلاق سراح ولده. وبقي واقفا حتى مر عليه الموكب فاختلط به، وعاد معه إلى قصر ~~الباشا ليرى ما يكون. # فلما وصل الأوضه باشي أو أبو طبق إلى باب القصر، ترجل عن حماره، وهم بالدخول فتنحى كل من ~~كانوا خلفه في الموكب، ولم يدخل معه إلا بعض أمراء المماليك. فدخل السيد عبد الرحمن في ~~أثرهم، ولم يمنعه الحراس لأنهم رأوه في القصر منذ قليل. # ووقف الأوضه باشي أمام قاعة كبيرة أدرك السيد عبد الرحمن من ضخامة بابها وفخامة الستارة ~~المرفوعة عليه أنها غرفة الباشا، فأصلح الأوضه باشي وضع عمامته الغريبة وجلبابه الفضفاض ~~المزرر من الأمام، ثم دخل دون استئذان وخلفه أتباعه، فدخل معهم وأدار عينيه في القاعة فإذا ~~الباشا قد جلس مطرقا في صدرها على سجادة ثمينة وعلى رأسه ms019 عمامة فوق القاووق، وعلى جبته فرو ~~سمور، وبيده مذبة من ليف النخل. فلما شعر بدخولهم رفع وجهه وبدت الدهشة في نظراته وبقي ~~ساكنا. بينما اقترب منه الأوضه باشي، ثم هم بيديه فقبلهما ، ثم تأخر قليلا وثنى طرف ~~السجادة التي يجلس الباشا عليها، ورفع صوته وهو ينظر إليه قائلا: «انزل يا باشا.» # ثم مد يده فأخرج من ثوبه كتابا أخذ يقرؤه، فإذا هو قرار أصدره المماليك بعزل الباشا، ~~وبأن يكون قصره بما فيه وكل حراسه تحت إمرتهم منذ ذلك الحين! # ولم ينبس الباشا ببنت شفة، ولكن وجهه بدا شديد الصفرة كوجوه الأموات، وكادت المذبة تسقط ~~من يده؛ لما اعتراه على أثر سماعه نبأ عزله من الرعدة والارتجاف. # وانصرف الأوضه باشي على أثر ذلك مزهرا بأداء مهمته، فركب حماره وانطلق بموكبه عائدا من ~~حيث أتى. ولم يتمالك السيد عبد الرحمن عن البكاء أسفا على حبوط مساعيه بسبب ذلك العزل ~~المفاجئ، ثم تجلد وغادر القلعة آخذا طريقه إلى دار السيد المحروقي عسى القدر الذي كتب له ~~الفشل هنا، يكتب له التوفيق هناك ... # الفصل الثالث # | السيد المحروقي # وصل السيد عبد الرحمن إلى دار السيد المحروقي وهو يدعو الله أن يأتيه بالفرج على يديه، ~~فوجد باب الدار مغلقا، والسكون يخيم عليها على غير العادة. وكان يعهدها حافلة بالقصاد. ~~فتشاءم، وبحث عن البواب فيما جاور الدار فلم يجد له أثرا، فعاد إلى الباب وطرقه هائبا، ~~فسمع صوتا من الداخل يسأل: «من الطارق؟» فتشجع ورد على صاحب الصوت وهو لا يراه ذاكرا ~~اسمه وأنه جاء لمقابلة السيد في شأن خاص. # وسكت مرهفا أذنيه ليسمع الجواب، فلم يسمع شيئا. ولما مل الانتظار هم بإعادة طرق الباب، ~~لكنه سمع وقع أقدام قادمة من الداخل، ثم فتح الباب وأطل منه أحد الخدم داعيا إياه إلى ~~الدخول، فلما دخل أغلق الخادم الباب كما كان، ثم تقدمه إلى حجرة الجلوس، وكان بابها مفتوحا ~~على مصراعيه. فلمح السيد المحروقي جالسا على وسادة في صدر الغرفة وفي يده كتاب يقرأ فيه، ~~والدخان يتصاعد من ms020 غليونه، فأسرع السيد عبد الرحمن في مشيته حتى بلغ باب الغرفة فخلع نعليه ~~وتركهما مع عصاه خارج الباب، ثم دخل محييا في أدب واحترام وقبل يد السيد، فهم هذا بالوقوف ~~لاستقباله مرحبا به، فأمسكه السيد عبد الرحمن ليحول دون ذلك وهو يقول: «أستغفر الله ... ~~أستغفر الله.» # وأشار إليه السيد المحروقي بالجلوس على وسادة بجانبه، وأمر له بالقهوة والغليون، مكررا ~~عبارات الترحيب به، وكان قد عرفه من قبل، وكثيرا ما التقيا في الأزهر وغيره من المساجد ~~الجامعة، ثم بدأ الحديث معتذرا من إغلاق باب الدار قائلا: «إن الأحوال الحاضرة اضطرتنا ~~إلى إغلاق الباب، فالجنود كما تعلم يتأهبون للسفر إلى الحرب في الحجاز، ومن عادتهم أن ~~يجوسوا خلال الديار للنهب والسلب والتحرش بالسابلة كلما هموا بالخروج للقتال. ولسوف يزدادون ~~عتوا وفسادا في هذه المرة؛ لأن الديوان قرر اليوم عزل الباشا، فمتى علموا بذلك أمعنوا في ~~تمردهم واعتداءاتهم على السابلة والمتاجر والبيوت.» # فقال: «قد شهدت بعيني عزل الباشا منذ قليل، وقد جئتكم من القلعة عقب انصراف أبي طبق ~~منها.» وروى له حكايته من أولها إلى آخرها إلى أن قال: «ولم يبق لي بعد الله ملجأ سواكم، ~~وإني لأرجو أن ينفعنا الله ببركتكم فأنتم سلالة الشرف والمجد، وقاصدكم لا يخيب بعون ~~الله.» # ولم يتمالك السيد عبد الرحمن عواطفه التي هاجها تذكر ولده الوحيد، وما هو فيه من خطر، ~~فأخذت دموعه تجري على خديه ولم يعد يستطيع الكلام. فتأثر السيد المحروقي، ووضع كتاب الحديث ~~الذي كان يطالع فيه جانبا، ثم التفت إليه وقال: «صبرا يا أخي، فالعقبى للصابرين، ولا ~~تحسبن الله غافلا عن ظلم هؤلاء القوم واستبدادهم، وكأني به - جل شأنه - قد سلطهم علينا لنثوب ~~إليه ونعلم ألا ملجأ إلا إليه.» # ثم تنهد وهز رأسه أسفا وواصل حديثه فقال: «ومن عجب أنهم يدعون الإسلام، والإسلام بريء ~~منهم ومن أعمالهم التي لم يأت مثلها الفراعنة والمجوس. وقد طالما نصحنا لهم ورجونا إصلاحهم ~~فما ازدادوا إلا طغيانا وفسادا. وبلغ من قحتهم وكفرانهم بأنعم الله أن صرحوا بالخروج ms021 من ~~طاعة مولانا السلطان، منتهزين لذلك فرصة اشتغاله بمحاربة روسيا. وقد رأيت اليوم كيف عزلوا ~~الباشا، ليخلو لهم الجو، وليفسدوا في الأرض ما شاء لهم الظلم. وصحيح أن الباشوات الأتراك ~~قصرت أيديهم في الزمن الأخير، وصارت الكلمة العليا في البلاد لهؤلاء المماليك، على أننا مع ~~ذلك لم نكن نحرم من مساعدة على يد الباشا.» # فقال السيد عبد الرحمن: «هل ترى أنهم يستطيعون تحقيق مطامعهم وإخراج مصر من حوزة الخلافة؟ ~~وهل لا يخشون قوة الدولة وشدة بطشها؟» # قال: «إنهم لجهلهم أحوال الدنيا يظنون أنها في متناول أيديهم، وأنهم سينالون مرامهم من ~~أيسر سبيل. ومما جرأ علي بك على هذا فيما علمت أن كاتبه (المعلم رزق) زعم له أن علم التنجيم ~~دله على نجاح مساعيه في سبيل الاستقلال بمصر. ومنذ ذلك الحين وعلي بك لا يعمل عملا إلا ~~بمشورة ذلك الكاتب القبطي، ويسارع إلى قبول كل وساطة له في شأنهم.» # فهز السيد عبد الرحمن رأسه أسفا وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أبعد أن ~~كان خلفاء المسلمين وولاتهم لا يعتمدون في مشوراتهم إلا على العلماء والفقهاء يأتي علي بك ~~في آخر الزمان فيقلب الأوضاع ويتخذ النصارى أولياء ومستشارين من دون المؤمنين؟!» # فقال السيد المحروقي: «وهناك شاب نصراني آخر من أهل البندقية. اسمه «روزتي» قربه علي بك ~~إليه وجعله من خاصة مستشاريه، ولاسيما بعد أن نجح روزتي هذا في عقد معاهدة بين أهل بلده ~~وبين علي بك تقضي بأن يكونوا حلفاء وأنصارا له يمدونه بالعساكر وغيرهم عند الحاجة.» # قال: «سمعت أن معاهدة التحالف التي عقدها علي بك كانت مع المسكوف.» # فقال: «هذه معاهدة أخرى، عقدت بين علي بك وبين الكونت ألكسيس أورلوف أميرال الأسطول ~~الروسي في البحر الأبيض المتوسط، وقد تمت بوساطة رجل أرمني من مستشاري علي بك اسمه يعقوب. ~~وقد كان هذا وذاك مما أغرى علي بك بالمضي في خطة الخروج على الخلافة ومحاولة توسيع نطاق ~~سلطانه والاستقلال بمصر. وها أنت ترى أنه بذلك قد خرب البلاد، وسلب أهلها ms022 أملاكهم ~~وأرزاقهم.» # فعاد السيد عبد الرحمن إلى تذكر مصائبه وأفدحها أخذ ولده الوحيد إلى حرب لا غاية لها إلا ~~مناوأة دولة الخلافة وتمكين السلطة للمماليك الظلمة المفسدين، فتنهد وكفكف دمعة انحدرت على ~~خده وقال: «ألا يرى السيد أن هناك أملا في إطلاق سراح ولدي المظلوم. إنه وحيد أبويه كما ~~تعلم، ولم يجاوز العشرين بعد، ولا معرفة له بالحرب والقتال، فهو قد أمضى طول عمره حتى الآن ~~في الدرس والتحصيل ونسخ الكتب القيمة النادرة من المكتبات. وأعتقد أنه إن مضى إلى الحرب فهو ~~هالك لا محالة. كما أني وأمه لن ننتفع بحياتنا بعده؛ إذ هو كل آمالنا في الحياة.» قال ذلك ~~وعاد إلى البكاء. # فأخذ السيد المحروقي يخفف عنه وقال له: «إن علي بك كما تعلم رجل غضوب، اشتهر بأنه أشد ~~بطشا من أسلافه جميعا، وكنا نحسب في أول عهده أنه أقرب إلى العدل والرفق بالرعية، مما كان ~~يصرح به حينذاك، لكنه ما لبث قليلا حتى عاد إلى ما طبع عليه هو وأسلافه من الجور والإرهاب ~~وأكل أموال الناس بغير الحق، وقتلهم بالجملة دون أي ذنب اقترفوه. حتى صارت رؤيته وحدها ~~كافية لإدخال الرعب والفزع إلى قلوبهم. ولعلك سمعت بالمساكين الذين ماتوا في مجلسه منذ حين، ~~حين رأوه لأول مرة فأرعبتهم هيئته التي تظهره أقرب إلى الأسد منه إلى الإنسان!» # قال: «نعم سمعت بذلك، غير أني أعلم كما يعلم غيري أنه يجل منزلتك ويحترم كلمتك. وأرجو أن ~~تزول شدتي بفضل وساطتك في قضيتي عنده إن شاء الله.» # فقال السيد المحروقي وهو يمشط لحيته بيده: «حقق الله رجاءك، وسأسارع إلى مقابلته الآن ~~لأخاطبه في هذا الشأن، وعسى الله أن يرقق قلبه فيكرم شيبتي هذه ولا يردني خائبا.» ~~••• # صفق السيد المحروقي بيده، فجاء أحد خدم الدار ووقف متأدبا، فقال له: «سأخرج بعد ساعة في ~~مهمة إلى القلعة، فأبلغ السائس ليسرج البغلة.» فحنى الخادم رأسه سمعا وطاعة وانصرف لتنفيذ ~~ذلك الأمر. # وبينما السيد عبد الرحمن يهم بالنهوض مستأذنا في الانصراف وهو يكرر الشكر للسيد ms023 المحروقي ~~على كرم وفادته ومبادرته بإجابة ملتمسه، جاء إلى القاعة خادم آخر وقال: «إن سراج علي بك ~~(سائس جواده) بالباب.» فقال السيد: «دعه يدخل.» ثم التفت إلى السيد عبد الرحمن ونظر إليه ~~كأنه يستبقيه حتى يعلم فيم أرسل علي بك يدعوه إليه. فبقي جالسا حتى عاد الخادم ومعه ~~السراج، ثم وقف هذا متأدبا بباب القاعة وقال: «إن مولانا علي بك يدعو سيادتكم إلى منزله ~~الليلة للمفاوضة في بعض الشئون.» # فسأله السيد المحروقي: «وأين هو الآن؟» # قال: «هو في القلعة لاستعراض الجنود المسافرين الليلة إلى الحجاز، وقد تركته جالسا في ~~قصر الباشا هناك بعد أن عزل هذا وتم الاستيلاء على القلعة وما فيها.» # فقال السيد المحروقي: «أبلغ تحياتي إلى البك، وسأكون في شرف مقابلته بعد ساعة إن شاء ~~الله.» # فحنى السراج رأسه إجلالا، وتقهقر خطوات ثم خرج من الدار وركب جواده المنتظر بالباب ومضى ~~عائدا إلى القلعة. # وعلى أثر ذلك نادى السيد المحروقي خادمه الأول، وأمره بإحضار ملابس الخروج الرسمية. ~~فأحضرها له بعد قليل. وهي مؤلفة من فروة سمور تلف حول العنق ويرسل طرفاها على الكتفين. ~~وعمامة كبيرة ملفوفة حول قاووق طويل تبدو قمته ظاهرة في أعلاها. # وكان السائس قد أسرج البغلة ووقف بها عند الباب استعدادا لخروج سيده عليها، فهم السيد ~~عبد الرحمن بيد السيد المحروقي وقبلها، وسار معه حتى ركب البغلة ومضت به في الطريق إلى ~~القلعة. فعاد هو إلى منزله ليبشر من فيه بما أشرق في قلبه من الأمل في إنقاذ ولده الوحيد ~~العزيز. # وفي طريقه إلى المنزل، سمع المنادين يصيحون في الشوارع والحارات قائلين: «ليكن معلوما ~~لديكم يا أهل مصر أن الجنود سيخرجون اليوم من القلعة بأمر مولانا علي بك ذاهبين إلى الجهاد، ~~فادعوا الله أن ينصرهم ويعيدهم إلى البلاد سالمين غانمين.» # وكان الناس يسارعون إلى إغلاق دورهم ومتاجرهم، توقيا لما تعودوه في مثل هذه الحال من ~~قيام الجنود بالسلب والنهب والاعتداء على الآمنين والآمنات دون خوف ولا حياء. # فلما وصل إلى المنزل، كانت زوجته قد سمعت ms024 نداء المنادين. فأمرت الخدم بإحكام إغلاق الباب ~~مخافة اعتداء الجنود، ثم استأنفت العويل والنحيب جزعا على ولدها الذاهب معهم إلى ~~الحرب. # وما كاد الخدم يسمعون طرقه الباب بشدة حتى أجفلوا، وساد الذعر كل من في البيت حتى خفتت ~~أصوات زوجته والجواري. فلم يجد بدا من رفع صوته مناديا الخدم بأسمائهم ليعلموا أنه هو ~~الطارق، فعرفوا صوته وسارعوا إلى فتح الباب وقد زايلهم الذعر والرعب، وبادرته زوجته سائلة ~~عما تم في أمر مساعيه، فقص عليها ما كان من ركوب السيد المحروقي لمقابلة علي بك والتوسط ~~لديه في شأن تسريح حسن من الجندية، وكتم عنها نبأ عزل الباشا. وما سمعه من السيد المحروقي ~~عن شدة سطوة علي بك وغلظته حتى لا يقطع خيط أملها، وأخذ يهون عليها، ويتظاهر بالاطمئنان إلى ~~انفراج أزمتهما، حتى عاودها بعض الاطمئنان وسكتت عن الصراخ والعويل. لكن قلبها لم يطاوعها ~~على الصبر، فقالت له: «إن قلبي غير مطمئن، فلم يبق على سفر الجنود إلا قليل، وأرى أن تمضي ~~أنت لتلحق بالسيد المحروقي، وتبقى معه حتى يخاطب علي بك في أمر ولدنا، وإذا اقتضى الإفراج ~~عنه التضحية بكل ممتلكاتنا وأموالنا فيجب أن نضحي بها دون أي تفكير.» # وهم بأن يصارحها بخشيته اعتداء الجند عليه في الطريق؛ لأن علي بك موجود في القلعة بعد أن ~~عزل الباشا وحل محله فيها. لكنه آثر أن يكتم عنها ذلك، ونهض متحاملا على نفسه، وغادر الدار ~~مسرعا، بعد أن أوصى الخدم بأن يعودوا إلى إحكام إغلاق الباب، والتيقظ لكل طارئ حماية لهم ~~ولمن فيه من أي عدوان. # الفصل الرابع # | في مجلس علي بك الكبير # كان أهل القاهرة قد التجئوا جميعا إلى منازلهم وأحكموا إغلاق أبوابها، بعد أن أغلقوا ~~متاجرهم وتركوا أعمالهم، ريثما يتم سفر الجنود. # ولم يعجب السيد عبد الرحمن لخلو الطريق من المارة حتى الحوذية والمكاريين، لعلمه بخشية ~~الناس اعتداء الجنود، وما تعودوه هؤلاء من اغتصاب كل دابة يصادفونها في طريقهم بدعوى حاجتهم ~~إليها في الجهاد. فمضى في طريقه إلى القلعة وقلبه يخفق ms025 بشدة مخافة أن يلقاه بعض الجنود ~~ويسلبونه ثيابه وما معه من المال. وما زال سائرا وهذا حاله حتى بلغ القلعة، وهم بدخولها من ~~«باب العزب» فإذا به يلمح شيخا يدخل منه راكبا جوادا، وتأمله جيدا فإذا هو السيد ~~المحروقي نفسه، فعجب لتأخره عن الوصول إلى القلعة حتى تلك الساعة، ولم يدرك سر ركوبه جوادا ~~بدلا من البغلة التي رآه ممتطيا إياها، ولاسيما أن المماليك لم يكونوا يسمحون لغيرهم ~~بركوب الجياد. # فأسرع في مشيته حتى اقترب منه وناداه فالتفت إليه وعرفه، فأوقف جواده حتى لحق به وسأله ~~عما أتى به، فقص عليه ما حدث منذ فارقه. وأخذ ينظر إلى الجواد كأنه يستفهم عما دعا السيد ~~إلى ركوبه بدلا من بغلته، فأدرك هذا غرضه وقال له: «إن بعض الجنود الأجانب - قبحهم الله - ~~اعترضوا طريقي، وأبوا إلا أخذ البغلة بما عليها، ولم أنج منهم إلا بمعجزة، وبعد أن أبلغ ~~الخادم الأمر إلى واحد من المماليك اتفق مروره في ذلك الوقت ... وأخبره بذهابي إلى القلعة ~~لمقابلة علي بك بدعوة منه، فجاء المملوك وانتهر من وجدهم من الجنود وهددهم بالقتل ففروا ~~هاربين، وكان زملاؤهم قد فروا قبلهم بالبغلة وما عليها، فجاءني المملوك بهذا الجواد وهو من ~~جياد علي بك فركبته وواصلت المضي في طريقي حتى جئت كما ترى.» # فهنأه السيد عبد الرحمن بالسلامة، واعتذر إليه مما لحق به من الإهانة بسبب خروجه في مثل ~~ذلك اليوم لإنجاز المهمة الخاصة به، فقال السيد المحروقي: «هكذا قدر الله. ولا راد لما ~~قدره، ولا ذنب لك في الأمر. فقد كان علي أن أحضر إلى هنا تلبية لدعوة علي بك. وعلى كل حال ~~نحمد الله على اللطف فيما جرت به المقادير. ولعل الخير في هذا التأخير.» # ثم أشار إليه أن يتبعه عسى أن يستطيع الدخول معه إلى مجلس علي بك، ويعرض عليه بنفسه ~~مظلمته، وحينئذ يتدخل هو في الأمر، ويلتمس إنصافه. فوافق على ذلك شاكرا. # ولما وصلا إلى الساحة الداخلية في القلعة، وجداها قد امتلأت بجماعات من الجند، من ms026 مختلف ~~الأجناس والأزياء، وقد علت ضوضاؤهم وهم يتأهبون للخروج. فأخذ السيد عبد الرحمن يتفقدهم لعله ~~يرى ولده بينهم. ولكنه لم يستطع الاهتداء إليه بين جموعهم المختلطة بين مماليك وأتراك ~~ومغاربة ومصريين وأروام وشوام وغيرهم، ولكل جماعة منهم علم خاص، وقائد من جنسهم، وأبرزهم ~~المغاربة بطراطيرهم المصنوعة من جلد السمور، وعباءاتهم المزركشة بالذهب، والإنكشارية ~~بطراطيرهم المدلاة أطرافها على ظهورهم. وفي مقدمتها فوق الجبهة ريشة تنتهي عند أعلاها ~~بشعبتين، وقد تمنطق كل منهم فوق قبائه (قفطانه) بحزام عريض. والمماليك في زيهم المعروف، ~~المؤلف من القباء المزركش، والمنطقة العريضة يتدلى السيف من جانبها الأيمن، ويبدو الخنجر ~~تحتها من أمام، والعمامة الأنيقة ملفوفة على قاووق طويل. ~~••• # ما كاد حراس القصر الجدد يلمحون السيد المحروقي قادما على جواده حتى خفوا إلى استقباله ~~بتحيات الإجلال والتعظيم، لعلمهم بمكانته الممتازة عند مولاهم علي بك، فضلا عما عرفوا من ~~علمه وفضله وتقواه. وبعد أن عاونه بعضهم على الترجل، ساروا بين يديه حتى اجتاز الباب وخلفه ~~السيد عبد الرحمن وقد حسبوه تابعا للسيد المحروقي فتركوه يدخل معه. # ولما وصلا إلى باب القاعة الكبرى حيث مجلس علي بك، أدرك السيد عبد الرحمن أنها القاعة ~~التي قابل فيها الباشا في الصباح، فقال في نفسه: «سبحان محول الأحوال.» ثم رأى الستر المسدل ~~على الباب قد رفعه أحد الحاجبين الواقفين هناك، فدخل السيد المحروقي لا يلوي على شيء وعاد ~~الحاجب فسدل الستر كما كان. فهاب الدخول خيفة أن يمنعه الحاجب، وخشي في الوقت نفسه أن يطيل ~~الوقوف بالباب فيدعو هذا إلى الريبة في أمره وربما أوذي بسبب ذلك، فكر راجعا حتى بلغ الباب ~~الأول، ووقف مع خادم السيد المحروقي المنتظر بالجواد هناك. وتشاغل بالحديث معه. # وعلم الخادم من حديثه أنه راغب في حضور مجلس علي بك، وأن السيد المحروقي نفسه هو الذي ~~أشار عليه بذلك، فقال له: «إن هذا أمر ما أسهله يا سيدي، وما عليك إلا أن ترضي الحاجبين ~~ببضعة أرباع من النقود، فتجد الستر مرفوعا وتدخل بكل اطمئنان.» # وسرعان ما وافق ms027 السيد عبد الرحمن على هذه الفكرة فعاد إلى باب القاعة. حيث حيا الحاجبين ~~ووضع في يد كل منهما بعض المال، فردا تحيته بأحسن منها، ورفع أحدهما الستر فدخل القاعة ~~بسلام، ثم تمهل في سيره وهو يجيل عينيه في المجلس. فإذا به يرى علي بك جالسا على متكأ ~~مرتفع في صدر القاعة، مرتديا الجبة والعمامة ذات القاووق. وقد تمنطق بحزام عريض برز منه ~~على الصدر خنجر مقبضه من الذهب المحلى بالجواهر. فهاب منظره لطول شاربيه ولحيته، واتساع ~~صدره وجبهته، ولما يبدو في نظراته من دلائل الجرأة والذكاء وغلظة القلب. وكاد يهم بالرجوع ~~لولا أن رآه مشغولا بالحديث مع الجالس عن يمينه وفي إحدى يديه سبحة طويلة يقلب حباتها ~~بأصابعه. وفي يده الأخرى مذبة من شعر الخيل. # وأدرك السيد عبد الرحمن أن هذا الجالس عن يمين علي بك هو صهره محمد بك أبو الذهب قائد ~~الحملة الذاهبة إلى الحجاز، وكان في مثل ملابسه. ثم تأمل بقية من في المجلس، فعرف أكثرهم، ~~وبينهم المعلم رزق كاتب علي بك ومدير حسابات حكومته، وكثير من أمراء المماليك، والسادة ~~الأشراف يتوسطهم السيد المحروقي. لكنه لم يعرف شابا رآه جالسا إلى يسار علي بك مرتديا ~~ملابس فخمة غريبة تشبه ملابس الإفرنج، ثم تذكر ما سمعه من السيد المحروقي عن المستشار الذي ~~اتخذه علي بك لنفسه من أهل البندقية واسمه روزيتي، فقال في نفسه: «لا بد أن يكون هو هذا ~~الشاب.» # وما تقدم السيد عبد الرحمن خطوات وهو يختلس النظر إلى علي بك حتى رفع هذا رأسه فخيل إليه ~~أنه ينظر إليه ولا يلبث أن يرتاب في أمره فيأمر بقتله أو سجنه، فارتجفت ركبتاه خوفا، ~~وحدثته نفسه مرة أخرى بالرجوع، ثم تذكر ولده الوحيد والخطر الذي هو فيه، فهانت عليه الحياة، ~~وسرعان ما خلع نعليه، ثم نزع عمامته وأمسكها بيده وتقدم مسرعا حتى جثا بين يدي علي بك وصاح ~~قائلا: «أمان أفندم أمان. مظلوم وحياة رأس مولانا العادل علي بك.» # فبهت من في المجلس، والتفت إليه علي بك ms028 متفرسا في هيئته وسأله: «ماذا جاء بك إلى هنا؟ ~~ومم تتظلم؟» # قال: «إني يا مولاي تاجر في وكالة الليمون، وليس لي غير ولد واحد تعبت في تربيته حتى أتم ~~تعليمه في الأزهر ، والتحق بالبيمارستان المنصوري لدراسة الطب. لكنهم أخذوه وتركوني وأمه في ~~حياة خير منها الممات!» # فقال له علي بك: «من هم الذين أخذوه؟ ولماذا؟» # فرفع السيد عبد الرحمن رأسه وقال بصوت مختنق والدموع تنهمل من عينيه: «لا أدري يا مولاي ~~من أخذوه، ولكني علمت أنهم ساقوه إلى القلعة ليسير مع الجند الخارجين للحرب. وهو لا يقوى ~~على القتال والأسفار.» # فالتفت علي بك إلى من في المجلس كأنه يستطلع رأيهم، فسارع السيد المحروقي إلى الكلام ~~وقال: «إني أعرف هذا التاجر، وهو رجل طيب مخلص للحكومة، وابنه من طلبة العلم ~~النجباء.» # فقال علي بك: «كيف أخذوه وقد أمرت بألا يجند أحد من طلبة العلم؟» # فقال السيد المحروقي: «لعل أمره التبس عليهم؛ لأنه بعد أن درس علوم الدين واللغة في ~~الأزهر التحق بالبيمارستان المنصوري لدراسة الطب كما ذكر أبوه الآن.» # ففكر علي بك هنيهة ثم قال: «على أي حال لا وجه للتظلم من تجنيده، فالجهاد في سبيل الحرمين ~~الشريفين واجب على جميع المسلمين. وهم أولى بهذا الأمر من الجنود الغرباء الذين تطوعوا ~~للذهاب في حملة الحجاز.» # فقال السيد المحروقي: «لقد نطق مولانا بالصواب، ولكني أرجو أن تسع رحمته هذا التاجر ~~المسكين؛ إذ ليس له ولد آخر.» # فبدأ الغضب في وجه علي بك وقال محتدا: «ما هذا؟! هل كل أهل هذه البلاد مساكين ضعفاء لا ~~يقوون على الجهاد؟ لا. لا. لقد رفضت عشرات من أمثال هذه الدعوى، ولا يمكن أن أستثني أحدا ~~من القيام بواجب الجهاد للدفاع عن شريف مكة.» # فعاد السيد عبد الرحمن إلى البكاء والتوسل، والتفت السيد المحروقي إلى علي بك وقال: «لا ~~أشك في صواب رأي مولانا، ولكني ألتمس من فضله وحلمه إكرام شيبتي هذه بإطلاق سراح ذلك ~~الغلام، وأنا كفيل بأنه يقوم لمولانا بخدمات نافعة أخرى إن شاء الله.» ms029 # فقال علي بك: «قلت لك إنني قررت ألا أستثني أحدا من أهل هذه البلاد؛ لعلمي بأنهم يتهربون ~~من الجهاد. لكني إكراما لك سأطلق سراح ذلك الولد على أن يحل أبوه محله في الحملة ويدفع ~~عشرين كيسا.» # فخشي السيد المحروقي أن يراجعه في ذلك فيثور غضبه من جديد ويعدل عن هذا الاستبدال، وقد ~~يأمر بأخذ الولد وأبيه معا إلى الحرب. فالتفت إلى السيد عبد الرحمن وهو لا يزال جاثيا بين ~~يدي علي بك وقال له: «انهض وقبل يد الأمير جزاه الله خيرا، ثم سارع إلى إعداد عدتك للسفر ~~مع الحملة الليلة، وهات معك العشرين كيسا المطلوبة. لإطلاق سراح ولدك.» # فلم يسعه إلا الطاعة، ونهض فقبل يد علي بك، ثم انصرف عائدا إلى منزله، حيث أخبر زوجته ~~بما كان، ففرحت بنجاة ولدهما، وجزعت لحلول أبيه محله في الحملة، لكن السيد عبد الرحمن هون ~~عليها الأمر، وأسر إليها أنه سيعمل على التخلف عن الحملة حالما تصل إلى الشام، وهناك يقيم ~~بعكا في انتظارها ومعها ولدهما حسن بعد أن يبيعا ما بقي من ممتلكاتهما في مصر، دون أن يشعرا ~~بذلك أي إنسان غير خادمه الخاص. # فخف جزعها ووافقته على هذا الرأي، ثم نادى خادمه الخاص وأسر إليه ما تم الاتفاق عليه، ~~موصيا إياه بأن يبذل جهده في إتمام ذلك ثم يصحب زوجته وولده إلى عكا، فقبل الخادم يده ~~باكيا واعدا بتنفيذ الوصية. ثم حمل الأكياس المطلوبة وسار خلفه بعد أن ودع من في المنزل ~~إلى القلعة حيث سلم الأكياس، وتسلم ولده، ثم ودعه وحل محله في الحملة، وعاد حسن مع الخادم ~~إلى المنزل، لتنفيذ وصية أبيه في الخفاء. ~~••• # لبث حسن مقيما مع أمه بالمنزل يومين بعد سفر الحملة وفيها أبوه. ثم أخذ بعد ذلك يتردد ~~إلى متجر أبيه في وكاله الليمون، متظاهرا بحلوله محله في البيع والشراء، لكنه في الحقيقة ~~كان يبيع كل ما استطاع بيعه، دون أن يشتري شيئا، حتى كاد أن ينتهي من بيع كل ما في ~~المتجر. # وفي الوقت نفسه أخذت ms030 أمه في بيع أمتعة المنزل إلا ما خف حمله وغلا ثمنه من الحلي والملابس ~~وغيرها. كما باعت المنزل نفسه لأحد الجيران. وسافر الخادم إلى الريف ومعه توكيل من السيد ~~عبد الرحمن ببيع كل ممتلكاته هناك، فأخذ في بيعها معتزما التعجيل بذلك ليعود بثمنها إلى ~~القاهرة ويصحب حسنا وسالمة أمه في الفرار إلى عكا للحاق بسيده هناك. # وفيما كان حسن جالسا في غرفته بالمنزل بعد أيام وهو يطالع بعض الكتب المخطوطة في الطب، ~~وأمه مشغولة بإعداد حليها وبعض الأمتعة الثمينة الخفيفة في صندوق صغير استعدادا لمغادرة ~~مصر، سمع طرق عنيف على باب المنزل، ثم توالى الطرق وتعالت الضوضاء في الخارج، وجاء بعض ~~الخدم يهرعون إلى حسن في غرفته وقالوا: «إن الطارقين جماعة من العساكر المماليك وهم يسبون ~~ويلعنون ويهددون بحرق المنزل بمن فيه.» # فبغت حسن وامتلأ قلبه رعبا وفزعا، وكذلك كان شأن أمه، وكل من في المنزل من الخدم ~~والجواري. ثم ازداد فزعهم؛ إذ سمعوا صوت مقذوف ناري أطلقه أحد المماليك الهاجمين على المنزل، ~~وأعقبه صوت مطارق تهوي على الباب لتحطيمه واقتحام المنزل بالقوة، فلم يجد حسن بدا من فتح ~~الباب واستقبال القادمين لعل في ذلك ما يخفف من حدتهم وشرهم. فما كاد الخدم يفتحون الباب ~~حتى تدفقت منه جموع العساكر شاهرين السيوف والخناجر والعصي والمسدسات، وأخذوا في نهب كل ما ~~فيه، وشد وثاق من يصادفهم من الرجال والنساء مع الضرب والإهانة. # ولم تمض ساعة حتى كان المنزل قد أقفر وساده الخراب، وساق المماليك حسنا وأمه ومن معهما ~~من الخدم والجواري إلى القلعة موثقين مهانين، كما حملوا كل ما كان فيه من الأمتعة والآنية ~~وغيرها إلى هناك بعد أن استبقوا لأنفسهم ما وجدوه من المال والحلي وما إليهما من الأشياء ~~الثمينة النادرة. # وهناك في القلعة سيق الجميع إلى مجلس علي بك في القصر الذي اتخذه مقرا لمجلسه منذ عزل ~~الباشا، فلما وقعت عينه عليهم وهم يبكون ويستجيرون به مما لحقهم من العدوان، صرخ فيهم ~~غاضبا وقال: «هكذا يجب أن يكون جزاء ms031 الخونة والأنذال، وإذا كان كبيرهم قد فر هاربا من ~~المعسكر بعد أن رأفنا به وقبلناه في الحملة بدلا من ولده، فعما قريب يقبض عليه وينال ما ~~يستحقه من القتل بعد أن ننزل به أشد العذاب!» # ثم أمر ببيع الجواري والأمتعة والآنية بالمزاد، وبأخذ الخدم إلى السجن ريثما يبت في ~~أمرهم، وأشار إلى حسن وسالمة وقال لأعوانه المحيطين به: «أما هذان فجزاؤهما بعد الضرب ~~والإهانة وبيع ممتلكاتهما على مشهد منهما، أن يؤخذ هذا الولد الخائن فيوضع في كيس ومعه حجر ~~ثقيل فيه ثم يلقى في النيل ليهلك غرقا. وأما أمه هذه فتؤخذ لتسند إليها أحقر أنواع الخدمة ~~وأقساها، كي تقضي بقية حياتها في تعب وشقاء!» # وهنا ضجت سالمة والجواري بالندب والعويل، وجثا حسن وأمه بين يدي علي بك، وهما بتقبيل ~~قدميه، وهما يستغيثان به ويتضرعان إليه أن يرثي لحالهما ويشفق عليهما من ذلك المصير الرهيب؛ ~~لأنهما لا ذنب لهما في فرار السيد عبد الرحمن من المعسكر. فلم يكن من علي بك إلا أن نظر ~~إليهما وعلى فمه ابتسامة التشفي والغبطة بالانتقام، ثم أعرض بوجهه المخيف عنهما، وأمر ~~أعوانه بأن ينفذوا ما أمر به. فبادروا إلى تنفيذه في الحال. # الفصل الخامس # | الحرب بين روسيا وتركيا # خرجت الحملة التي أعدها علي بك الكبير من القلعة، يتقدمها البكوات أمراء المماليك على ~~جيادهم المطهمة وهم في أزيائهم الفخمة، وعلى رأسهم محمد بك أبو الذهب قائد الحملة وصهر علي ~~بك. وخلف هؤلاء الفرسان المماليك الجنود بأسلحتهم الكاملة. وعددهم حوالي خمسة آلاف، وفي ~~ركاب كل منهم تابعان يرتديان السراويل القصيرة، وفي يد كل منهما عصا. ووراءه جموع غفيرة من ~~الجنود غير النظاميين بين مصريين وأتراك وهنود وشوام وسودانيين وأحباش ويمنيين وغيرهم من ~~مختلف الأجناس والألوان، تتبعهم أرتال من الجمال والبغال والحمير تحمل المؤن والذخائر ~~والمدافع والخيام. # وضمت الحملة غير هؤلاء جميعا حوالي ألفين من السراجين الذين يقومون بتدبير شئون خيل ~~البكوات المماليك، كما ضمت مئات من باعة الأطعمة والطبالين والزمارين، والمرتزقة. # وودعها علي بك باحتفال ليلي كبير، ms032 دعا إليه كبراء البلاد وعلماؤها، وعرضها فيه أمامهم بين ~~دق الطبول والنفخ في الأبواق، وإضاءة المشاعل، وما إلى ذلك من ضروب الزينة والتكريم. # وأمضت الحملة بقية ليلتها في منطقة المطرية بالقرب من مسلتها الأثرية المشهورة. ثم ~~استأنفت سيرها بعد الفجر بقليل، وما زالت سائرة بمعداتها وأحمالها بين حل وترحال، حتى بلغت ~~مدينة الصالحية، فأمر محمد أبو الذهب بك بالاستراحة هناك يومين. # وكان السيد عبد الرحمن منذ خروج الحملة من حدود القاهرة لا يفتأ يفكر في الوسيلة التي ~~تكفل خلاصه منها، وقد رأى في عدم انتظام الجند الذين يسير معهم فيها ما قوى أمله في ذلك ~~الخلاص. فلما حطت الحملة رحالها في الصالحية وجد الفرصة سانحة لتنفيذ ما اعتزمه، انتظر حتى ~~انتصفت الليلة الثانية للحملة هناك وأوى زملاؤه في الخيمة إلى فراشهم بعد أن أمضوا السهرة ~~في ضجة وصخب، ثم تسلل خارجا من المعسكر وظلام الليل يستره. فلما جاوزه دون أن يشعر أحد به، ~~تنفس الصعداء وشعر بأن حملا ثقيلا قد أزيح عن كاهله. ثم انطلق في الطريق الذي جاء منه مع ~~الحملة حتى بلغ حظيرة مهجورة كان أصحابها قد أخلوها خوفا من أن ينهب الجند دوابهم ~~وماشيتهم، فلجأ إليها بما يحمل من متاع وزاد، وبقي فيها خائفا يترقب حتى سمع أذان الفجر، ~~ثم تلاه صخب الجند وضجتهم استعدادا للرحيل، فاشتد خفقان قلبه مخافة أن ينكشف أمر فراره، ~~ولم يعاوده الاطمئنان إلا بعد أن أخذت ضجة الحملة تخفت وتتضاءل حتى لم يعد يصل إلى سمعه ~~المرهف شيء منها. فغادر مخبأه ومشى على حذر في عكس الاتجاه الذي سارت فيه، حتى وصل إلى أحد ~~مضارب الأعراب في تلك المنطقة، فاشترى منهم هجينا ركبها وجعل في رحله عليها ما يكفيه ~~أياما من الزاد والماء، ثم انطلق بها قاصدا بلدة العريش؛ حيث أقام بها بضعة أيام حتى علم ~~بأن قافلة ستخرج من هناك قاصدة عكا في اليوم التالي، فاندمج فيها راكبا هجينه. ~~••• # وصلت القافلة وفيها السيد عبد الرحمن إلى عكا، فأخذ يبحث عن منزل ms033 يقيم به في انتظار وصول ~~أسرته، وفيما هو في ذلك علم أن حاكم المدينة واسمه الشيخ ضاهر العمري متحالف مع علي بك، وقد ~~تعاهدا على الخروج من طاعة الدولة العلية. فخشي إن هو بقي في عكا أن يقبض عليه الشيخ ضاهر ~~ويعيده إلى حليفه علي بك في مصر. ولم تكن عكا إذ ذاك سوى قلعة كبيرة محكمة التحصين، وسكانها ~~قليلون أكثرهم من حاميتها. ولم يكن لديه علم بأن أمر فراره قد انكشف وبلغ إلى علي بك في مصر، ~~فكان من أمره مع ولده وزوجته وسائر أهل منزله ما كان. # واستقر رأيه أخيرا على أن يبقى في عكا متنكرا في زي المغاربة الذين يمارسون الطب ~~الروحاني والتنجيم وكتابة الأحجبة والتعاويذ. وبقي على تلك الحال أشهرا، وهو يتفقد ~~القادمين إلى المدينة برا وبحرا عسى أن تكون أسرته بينهم. ولكنها لم تأت، ولم يقف على أي ~~نبأ عنها. # وفي ذات يوم، خرج إلى الميناء كعادته يترقب القادمين إليه. فإذا بسفن شراعية كبيرة يبدو ~~من هيئتها أنها سفن حربية قد ملأت الميناء، وعلم ممن لقيهم من أهل المدينة هناك أن الملكة ~~كاترينة قيصرة الروس هي التي أرسلت هذه السفن للتجول في البحر الأبيض المتوسط وتقديم ~~المساعدة لعلي بك في مصر والشيخ ضاهر في عكا؛ تشجيعا لهم على نبذ طاعة الدولة العلية ~~والخروج عليها؛ نظرا إلى أنها في حرب مع روسيا. فعاد إلى الخان الذي يقيم به وهو يفكر في ~~وسيلة مأمونة تمكنه من الرجوع إلى مصر والوقوف على ما أخر قدوم أسرته إليه حسب ~~الاتفاق. # وفي صباح اليوم التالي توجه إلى سوق المدينة لشراء ما يحتاج إليه في رحلته إلى مصر، فإذا ~~بجماعة من الجنود الروس الذين رآهم بالأمس في السفن القادمة إلى الميناء قد ملئوا السوق، ~~وهم جميعا يرتدون السراويل الإفرنجية والواسعة، وعلى رءوسهم قبعات عالية من الفرو وما ~~يشبهه، ومعهم أسلحتهم من البنادق والمسدسات والخناجر، فهاب منظرهم لضخامة أجسامهم وارتفاع ~~هاماتهم واكتناز وجوههم، وأراد التحول من طريقهم، لكنهم سرعان ما التفوا حوله ms034 مبدين دهشتهم ~~من زيه المغربي المخالف لأزياء أهل المدينة، وكلمه بعضهم بلغته الروسية فلم يفهم كلامه، ثم ~~جاءه رجل كان بينهم يرتدي ملابس الإفرنج المدنية فكلمه بالعربية قائلا: «لا بأس عليك منهم ، ~~فهم قد أعجبهم زيك ويريدون معرفة ما تبيعه مما تحمله في جرابك.» # فقال له: «ليس في الجراب ما يباع، ولكن فيه كتبا سحرية أستعين بها على قراءة الطوالع ~~ومعرفة ما يخبئه المستقبل، وهذه صناعتي التي ورثتها عن آبائي وأجدادي.» # وكان الترجمان من أهل قبرص، وسمع بالمغاربة الذين يزاولون التنجيم والطب الروحاني وضرب ~~الرمل وما إلى ذلك، فأخبر الجنود الروسيين بذلك، وشد ما كانت دهشتهم، ثم أعربوا للترجمان عن ~~رغبتهم في مشاهدة شيء من السحر الذي يقوم به هذا المغربي، فنقل إليه رغبتهم. وسرعان ما جلس ~~السيد عبد الرحمن وأخرج من جرابه أوراقا وجلودا مختلفة الألوان والأحجام نشرها أمامه، وفي ~~بعضها رسوم غريبة، كما أخرج صرة بها بعض الرمل وفتحها، ثم أخذ بأنامله رسوما وأشكالا ~~مختلفة على الرمل، وأعقب ذلك بأن أخرج من منطقته دواة نحاسية مستطيلة، تناول قلما من خزانة ~~متصلة بها، وغمس طرفه في الدواة ثم كتب به كلمات بلغة غير معروفة على ورقة بيضاء في حجم ~~الكف، متظاهرا بأنه يكتب ما علمه من أوراقه ورمله. وأخيرا رفع وجهه والتفت إلى الترجمان ~~وقال: «إذا صح ما علمته بوساطة العلوم التي حذقت أسرارها بالوراثة والرياضة الروحية، فهؤلاء ~~أتباع ملكة عظيمة تحكم بلادا بعيدة واسعة، وسيكتب لها النصر بوساطتهم على عدو خطير ~~لها.» # فأعجب الترجمان القبرصي بهذا الجواب وعده دليلا على حذق المنجم وبراعته، وما كاد ينقله ~~إلى البحارة الروسيين حتى كانوا أشد إعجابا به، ثم أجزلوا مكافأة السيد عبد الرحمن ورغبوا ~~إليه بوساطة الترجمان أن يصحبهم إلى سفنهم الراسية في الميناء ليطلع زملاؤهم من الضباط ~~والجنود على غرائب علمه وفنه. فوعد بأن يوافيهم إلى الميناء في اليوم التالي ومعه بقية ~~الأدوات اللازمة له. ثم غادر السوق عائدا إلى الخان وفي عزمه أن يحتال للبقاء في تلك السفن ~~حتى ms035 تقلع وتصل إلى أحد السواحل المصرية التي تعتزم السير إليها، فينزل هناك، ويسهل عليه ~~الذهاب إلى القاهرة لمعرفة ما تم في أمر أسرته. # وفي صباح اليوم التالي غادر الخان ولم يترك فيه من أمتعته إلا ما ليس في حاجة إليه، ثم ~~أخذ طريقه إلى الميناء، فما كاد يبلغه حتى بصر به بعض الجنود الذين لقيهم في السوق فعرفوه ~~بزيه المغربي والجراب الذي يحمله على كتفه، فنادوه وصعدوا به إلى سفينة الأميرال أورلوف ~~قائد أسطولهم، وقدموه له ولمن معه من الضباط، فكان سرورهم عظيما بما تنبأ به لهم من الأمور ~~العامة والخاصة، وما زال هناك موضع إكرام الضباط والجنود حتى اعتزم الأسطول الرحيل، فرغبوا ~~إليه في البقاء معهم لينفعهم بعلمه وفنه، فقبل على أن يتركوه ينزل بأي مدينة يمرون ~~عليها. ~~••• # أقلعت الحملة الروسية من ميناء عكا في جو هادئ جميل، فمضت سفنها تشق عباب البحر باسطة ~~أشرعتها، ووقف السيد عبد الرحمن في زيه المغربي على ظهر السفينة التي ركب فيها يتأمل الساحل ~~السوري حينا، والأفق الممتد على مدى النظر من الجهة الأخرى حينا، ثم يطلق لفكره العنان ~~فيتخيل أنه وصل إلى داره في القاهرة ولقي ولده وزوجته فلم يعرفاه أول الأمر؛ لتنكره في ذلك ~~الزي الغريب، ثم ما كادا يعرفانه حتى غمرهما السرور مثله، وراحوا جميعا يبكون من فرط ~~فرحتهم باللقاء بعد طول الغياب. # على أنه كان لا يلبث أن يتذكر تأخرهما عن موافاته في عكا، فتتقاذفه الهواجس، ويكاد قلبه ~~يثب من صدره خشية أن يكونا قد أصيبا بسوء، ثم تنهل الدموع من عينيه على غير إرادته فيسارع ~~إلى مسحها بمنديله، مستعينا على بلوغ غايته بالتزام الكتمان. # وبعد خمسة أيام، كانت سفن الأسطول تسير خلالها مجتمعة حينا ومتفرقة حينا آخر، لاحت ~~سواحل مصر من بعيد. فوقف السيد عبد الرحمن على حافة السفينة التي هو فيها يتشوق إليها وقلبه ~~شديد الخفقان، وود لو أن جناحين يطير بهما إلى القاهرة لرؤية ولده وزوجته. وخطر بباله أنهما ~~قد يكونان في هذا الوقت في طريقهما ms036 إلى عكا حيث تواعدوا على اللقاء، فندم على تعجله الرجوع ~~إلى مصر، لكنه تجلد وصبر حتى يصل ويقف على الحقيقة. # وحانت منه التفاتة إلى السفينة القريبة من السفينة التي يركب فيها، فوجد على ظهرها جنودا ~~من الأرناءوط - الألبانيين - وقد عرفهم بأزيائهم التي يرتدي مثلها مواطنوهم في مصر، وهي ~~مؤلفة من القباء (القفطان) الأبيض القصير، ويسمونه «التنورة»، وسيقانهم مكسوة بالجلد، وعلى ~~أكتافهم عباءات قصيرة، وفوق رءوسهم طرابيش طويلة مثنية إلى الخلف وتتدلى منها «أزرار» ~~طويلة. # فعجب من وجود هؤلاء بين الأسطول الروسي، ثم علم من الترجمان القبرصي أن الأسطول يضم حوالي ~~أربعة آلاف منهم، جيء بهم لاستخدامهم في الحرب البرية إذا اقتضى الأمر ذلك. # وبعد قليل وصلت السفن إلى ميناء دمياط وقد طوى البحارة أشرعتها استعدادا لرسوها هناك. ~~وشاهد السيد عبد الرحمن أفواجا من الدمياطيين على الساحل يتطلعون إلى السفن الغريبة ~~القادمة في دهشة واضطراب. ثم ما كادت السفن تلقي مراسيها، حتى جاء كتخدا سردار المدينة ~~(وكيل المحافظ) لتحية أميرال الأسطول، بالنيابة عن علي بك، وإبداء الاستعداد لمده بما يحتاج ~~إليه من المؤن والماء وغيرهما من المعدات. وعقب انصراف الكتخدا، ذهب السيد عبد الرحمن إلى ~~الأميرال فقبل يديه مودعا مستأذنا في النزول إلى البر، فأذن له ومنحه مكافأة أخرى، كما ~~منحه مثلها كثيرون من ضباط الأسطول وجنوده. # الفصل السادس # | الست نفيسة المملوكية # أخذ أعوان علي بك حسنا من القلعة على مشهد من أمه وهم يضربونه ويسبونه، وساروا به إلى ~~مصر العتيقة لإغراقه في النيل هناك؛ تنفيذا لأمر مولاهم، فلم تطق المسكينة صبرا على رؤية ~~وحيدها يساق إلى ذلك المصير الرهيب، وأغمي عليها بعد أن قطعت شعرها وشقت ثوبها وجرحت خديها ~~وعينيها من شدة اللطم والعويل، فحملها بعض الجنود ومضوا بها إلى قصر علي بك عند بركة ~~الأزبكية، حيث سلموها لقيمة القصر، وأبلغوها أمر علي بك بأن تلحق بالجواري الخادمات. # وكانت تلك البركة حينذاك تشغل مكان حديقة الأزبكية وما يحف بها من الأبنية الآن، فكان ~~يحدها من الشرق حارة النصارى، ومن الغرب ms037 بساتين وغياض - هي التي صارت حي الإسماعيلية فيما ~~بعد - ومن الجنوب منطقة المقس؛ حيث يقع الآن حي التوفيقية وما بعده، ومن الشمال منطقة ~~العشماوي؛ حيث محافظة القاهرة، وهناك كان يقوم قصر علي بك الكبير. # وكانت المياه تأتي البركة من النيل عبر منطقة المقس السالفة الذكر، وتزداد في أيام ~~الفيضان، مارة بقنطرة يقال لها قنطرة الدكة ما زال مكانها معروفا حتى الآن، فتنعكس على تلك ~~المياه أضواء القصور المشيدة حول البركة لسكنى الأمراء والأعيان، وتكسبها جمال رونق وحسن ~~منظر وبهاء، ولاسيما في ليالي الصيف والخريف؛ إذ يطيب السهر والسمر في تلك القصور وتزداد ~~أنوارها، فتنعكس في الإبداع. # ولما أفاقت سالمة من إغمائها، ووجدت نفسها بين عشرات من جواري الخدمة بالقصر، تذكرت ما ~~نزل بها من الفواجع والنكبات فعادت إلى البكاء، متضرعة إلى الله أن يعجل بموتها كي تلحق ~~بوحيدها الذي أخذوه ليغرقوه في النيل. وعبثا حاول الجواري تعزيتها وتوصيتها بالصبر في ~~محنتها، فأمضت النهار دون أن تذوق شيئا من الطعام والشراب ولم تنقطع عن الندب والعويل، غير ~~مبالية ما يتهددها بسبب ذلك من التعذيب والإمعان في التشفي والانتقام. # وكان لعلي بك في ذلك القصر زوجة رائعة الجمال اسمها نفيسة، وقد اشتهرت بكمال العقل وحسن ~~الرأي، والبر والرحمة بالفقراء والضعفاء (وهي التي تزوجها مراد بك فيما بعد وبقيت حية إلى ~~ما بعد الحملة الفرنسية، وأشارت الصحف الإفرنجية بمكانتها ومبراتها، ولاسيما حمايتها لكثير ~~من الإفرنج وإيواؤهم في دارها خلال الاضطرابات). # فلما سمعت بقصة سالمة، أرسلت تدعوها إلى مقابلتها في إحدى حجراتها الخاصة بالقصر، وأحسنت ~~استقبالها، ثم أشارت إليها بالجلوس على وسادة بجانبها، وقالت لها: «علمت أنك ممتنعة عن ~~الأكل مستغرقة في الحزن، وأنت فيما أرى سيدة عاقلة مؤمنة، فكيف تلقي بنفسك إلى الهلاك ~~بالاستسلام للحزن واليأس؟» # فبقيت سالمة ساكتة مطرقة والدموع تنحدر من عينيها، وأدركت نفيسة أن المسكينة لا تقوى على ~~التجلد. فازدادت حنوا عليها ودنت منها ومرت بيدها على رأسها مترفقة، وقالت لها: «اصبري يا ~~أختاه، فالصبر مفتاح الفرج، والله لا يضيع ms038 أجر الصابرين.» # فتنهدت سالمة تنهدا عميقا، ومسحت دموعها، وقالت: «من لي بالصبر يا سيدتي وقد أخذوا ولدي ~~الوحيد من بين يدي ليلقوا به في النيل، ومن قبل ذلك أخذوا أباه إلى الحرب ، فهرب وهام على ~~وجهه في الطرقات، ولا أدري أحي هو أم ميت؟ ولو أنه بقي على قيد الحياة فلن يتورعوا عن إلحاقه ~~بولدنا دون رحمة ولا إشفاق!» قالت ذلك وعادت للبكاء. # فتأثرت الست نفيسة ولم تتمالك نفسها عن البكاء معها، ثم أخذت تعزيها وتحاول تخفيف مصائبها ~~والترفيه عنها بما جبلت عليه من رقة العاطفة وطيبة القلب وحب الخير. # ولم يسع سالمة رغم فداحة خطبها إلا أن تستأنس بلطف هذه السيدة ونبلها وسمو خلقها، وهمت ~~بيديها لتقبلهما شاكرة، فلم تمكنها من ذلك وقالت لها: «هذا أقل ما يجب يا أختي، وإني أدعو ~~الله أن يوفقني إلى ما يخفف كربك، فهو مفرج الكروب ورحمته وسعت كل شيء.» # فقالت سالمة: «جزاك الله خيرا يا سيدتي، ولا أراك مكروها في عزيز لديك.» وعادت إلى ~~إطراقها وقد أخذها العجب من أن تكون مثل هذه السيدة الفاضلة الكاملة الحنون قرينة لجبار ~~عنيد غضوب مثل علي بك، ولكنها قالت في نفسها: «كل شيء نصيب، ولله في خلقه شئون.» # وكانت الست نفيسة في ذلك الوقت مرتدية ملابس البيت المؤلفة من ثوب حريري رقيق مشقوق من ~~أعلى الصدر، وفوقه قباء من المخمل مشدود إلى خصرها بمنطقة من الحرير الدمشقي الثمين، وفوقه ~~معطف فضفاض واسع الكمين يتدلى منهما طرفا كمي قميصها الشفاف، وقد تحلت بعقود وأساور من ~~مختلف اللآلئ والجواهر، وتدلى من أذنيها قرطان هما جوهرتان كبيرتان. وهي مكتنزة الجسم ناصعة ~~البياض مع حمرة خفيفة، واسعة العينين رقيقة الشفتين مستقيمة الأنف وضاحة الجبين، ذهبية الشعر ~~قد ضفرته ضفيرتين أرسلت إحداهما على صدرها والأخرى على ظهرها، وغطت أعلاه بإكليل مرصع، فبدت ~~غاية في الجمال والجلال. # ولاح لسالمة بصيص من الأمل في إنقاذ ابنها من الموتة الشنيعة التي حكم عليه بها علي بك، ~~فهمت بأن تترامى على قدمي الست نفيسة ms039 وتتضرع إليها أن تتوسط لتحقق لها هذا الأمل، ولكنها ~~رأتها تنهض من مجلسها وتصفق منادية جاريتها الخاصة (منورة)، فنهضت سالمة ووقفت بين يديها ~~ساكنة حتى جاءت الجارية، وتلقت من سيدتها كلمات أسرت بها إليها، ثم انصرفت حانية رأسها ~~سمعا وطاعة. ~~••• # كانت السيدة نفيسة قد علمت بما أمر به زوجها علي بك من إلحاق سالمة بخدمة القصر وإلقاء ~~ولدها في النيل، فاستنكرت الأمر فيما بينها وبين نفسها. ثم ازداد تأثرها حين علمت بامتناعها ~~عن الطعام والشراب وانقطاعها للبكاء والعويل، فلما قابلتها بعد ذلك ورأت بنفسها ما هي عليه ~~من سقم واكتئاب وزهد في الحياة، حدثتها نفسها بأن ترسل من عندها رسولا إلى الجند الذين ~~كلفوا إغراق ابنها، آمرة إياهم بالعدول عن ذلك، ولكنها رأت الانتظار حتى يعود علي بك إلى ~~القصر وتتوسط لديه في الأمر، مخافة أن يغضب لإقدامها على ذلك دون إذنه، وقد يؤدي به الغضب ~~إلى الانتقام منها بذبحها أو إلقائها في النيل، أو طردها من القصر مطلقة مهانة على أهون ~~تقدير. # ولم يكن لديها شك في أنه يحبها ويؤثرها على كل نسائه وجواريه، ولكنها كانت - مع ذلك - لا ~~تأمن حدة غضبه، وتعلم أنه سريع الانتقام لا يطيق أن يخالف أحد أي أمر يصدره. هذا إلى علمها ~~بأن المماليك جميعا لا يرعون حرمة النساء ولا شيء عندهم أسهل من الطلاق. # على أنها خشيت كذلك أن تتأخر عودته إلى القصر فتضيع فرصة إنقاذ الفتى البريء المظلوم، وتذهب ~~نفس أمه المسكينة حسرات عليه، فنادت خادمتها الخاصة الأمينة (منورة)، وأسرت إليها أن تسارع ~~إلى إرسال من يلحق بالجنود ويبلغهم رغبتها في العفو عن الفتى وإطلاق سراحه ومعاونته على ~~الفرار من مصر إلى سوريا أو غيرها من البلاد المجاورة في الحال. # وفيما هي تتحدث مع سالمة عقب انصراف منورة وتكرر النصح لها بالصبر وألا تيأس من الفرج ~~بعد الشدة، وصل إلى سمعها وقع أقدام تقترب من الغرفة، فأجفلت الست نفيسة وامتقع لون وجهها، ~~وطالعت سالمة في نظراتها وحركاتها معاني القلق والاضطراب والخوف، فأدركت ms040 أن القادم علي بك، ~~وأن زوجته الرحيمة الطيبة القلب تخشى غضبه لسماحها لها بدخول غرفتها، فهمت بالخروج تفاديا ~~لشره، لكنها ما كادت تصل إلى باب الغرفة حتى دخل منه علي بك، فلم تتمالك قواها لهول ~~المفاجأة وسقطت على الأرض مغمى عليها. # وعرفها علي بك حين وقعت عينه عليها، فحمي غضبه والتفت إلى زوجته التي خفت إلى ملاقاته ~~محاولة ملاطفته، وقال: «ما هذا يا نفيسة؟ ما الذي جاء بهذه الخائنة إلى هنا وقد أمرت بأن ~~تسند إليها أحقر أنواع الخدمة؟» # فتكلفت الابتسام، وتجلدت لتخفي اضطرابها، وقالت له: «إنها يا مولاي لم تأت إلا بطلب مني؛ ~~إذ سمعت بأنها كادت تقتل نفسها حزنا على ما آل إليه أمرها، وامتنعت عن تناول الطعام، ~~فدعوتها لأخاطبها في ذلك.» # فنظر إليها شزرا، وقال محتدا: «كادت تقتل نفسها؟ ما شاء الله! لعلها اشتاقت إلى ~~ولدها المدلل الجبان حسنا. سأرسلها إليه الآن!» # ثم أشار إلى بعض الجواري أن يخرجن سالمة من الغرفة ويسلمنها إلى بعض حرس القصر ليلقوا بها ~~في النيل، فسارعن إلى تنفيذ الأمر. ~~••• # أفاقت سالمة من إغمائها، فوجدت نفسها محمولة على أيدي بعض جواري القصر الحبشيات ~~والتركيات، وما علمت بما أمر به علي بك حتى صاحت قائلة: «مرحبا بالموت ما أعذبه وأحلاه! ~~ولاسيما أنه سيقربني من ولدي وفلذة كبدي العزيز.» # وتذكرت ما لقيته من لطف الست نفيسة وحنانها ولطف مواساتها، فخشيت أن تكون قد نالها سوء ~~بسببها، وسألت الجواري في ذلك، فلما اطمأنت إلى نجاة السيدة الفاضلة من شر غضب زوجها، تنهدت ~~تنهد الارتياح، وقالت للجواري وهن ينظرن إليها راثيات لحالها باكيات: «أشكركن يا أخواتي ~~العزيزات على عواطفكن الرقيقة النبيلة، وكل ما أرجوه الآن أن تسرعن بي إلى النيل حيث ينتظرني ~~ولدي العزيز، وأن تبلغن سيدتكن الكريمة أني لن أنسى فضلها ونبلها حتى ألقى الله، فأضرع إليه ~~أن يجزل مكافأتها ويكتب لها السعادة في الدارين.» # وكان لكلامها أكبر الأثر في نفوس الجواري، فلم يستطعن إمساك دموعهن رثاء لحالها وإعجابا ~~بوفائها الدال على طيب عنصرها، فعرجن ms041 بها إلى إحدى الغرف المخصصة لهن في القصر، وجئن إليها ~~ببعض الطعام راجيات منها أن تتناوله، فاعتذرت من عدم استطاعتها إجابة طلبهن، وكررت لهن ~~الشكر. # وأخيرا مضت إحداهن إلى قيم القصر، فأبلغته أمر علي بك بإلقاء سالمة في النيل، وروت له ~~قصتها باختصار. فلما رأت التأثر باديا في وجهه، انتهزت هذه الفرصة، وتضرعت إليه أن يعمل ~~على إنقاذ تلك المسكينة المظلومة، ولاسيما أن الست نفيسة تعطف عليها وترثي لما أصابها في ~~ولدها وزوجها ومالها، ولا شك في أنها تسر بإنقاذها من ذلك المصير. فوعدها ببذل جهده في هذا ~~السبيل، ثم نادى بعض الحرس ممن يثق بهم، واتفق معهم على التظاهر بأخذ سالمة من القصر ~~لإلقائها في النيل خارج القاهرة، ثم إطلاق سراحها هناك والنصح لها بالفرار إلى الريف أو ~~الاختفاء في أي مكان منعزل، وألا يشعروا بذلك أي إنسان. # فقالوا: «سمعا وطاعة.» ثم خرجوا بها من القصر، وهي لا تكاد تقوى على السير لفرط ضعفها ~~وحزنها، ولا تعلم شيئا مما اتفق عليه قيم القصر مع أولئك الجنود. # ولما بلغوا مصر العتيقة، كان الليل قد سدل نقابه، ولكن سالمة أدركت أنهم يسيرون بحذاء ~~النيل هناك، من انعكاس ضوء النجوم على صفحة الماء، فتذكرت ابنها ولم تملك عواطفها فانفجرت ~~باكية، وكانت قد بقيت صامتة مطرقة طول الطريق، فحسب الجنود أنها تبكي خوفا من إغراقها ~~تنفيذا لأمر علي بك، وهمس كبيرهم في أذنها قائلا: «لا تبكي يا سيدتي ولا تخافي، فإننا لن ~~نمسك بأي سوء، وسنطلق سراحك عما قليل لتمضي إلى أي مكان شئت وتختفي فيه.» # فصاحت سالمة قائلة: «تطلقون سراحي؟ من قال لكم هذا؟ كلا يا سيدي، لست راغبة في الحياة، ~~فهيا عجلوا بموتي ولكم الشكر!» # فبغت الجنود، وعجبوا لإيثارها الموت ورغبتها في التعجيل به بدلا من أن تطير فرحا ~~بالنجاة، وعاد كبيرهم فقال لها: «لعلك لا تصدقين أننا سنطلق سراحك ولا نغرقك في ~~النيل؟» # فقالت: «سواء عندي أكنتم صادقين أم ساخرين، وليس أحب إلي من أن أغرق الآن لألحق بولدي ~~الذي ms042 أغرقتموه هنا قبلي ولم ترحموا شبابه، ولا اتقيتم الله في قتله ظلما وعدوانا بلا أي ~~ذنب جناه!» # فأدرك الجنود أنها أم الفتى الذي سمعوا بأن علي بك أمر بإغراقه في الصباح، وازدادوا رأفة ~~بها ورثاء لمصابها، ثم أخذوا في تعزيتها متنصلين من تبعة إغراق ابنها، وأكدوا لها أنهم ~~سيطلقون سراحها ويعاونونها على الاختفاء تنفيذا لرغبة الست نفيسة، فلما سمعت ذلك صدقتهم ~~وازدادت تقديرا لفضل السيدة البارة الكريمة الرحيمة، لكنها قالت لهم: «جزاها الله وجزاكم ~~أحسن الجزاء، غير أني لا أريد الحياة بعد قتل ولدي وفقد أبيه، فأرجو منكم أن تقتلوني أيضا ~~وتريحوني من العذاب الذي أنا فيه!» ~~••• # ما زال الجنود سائرين بسالمة وهم يحاولون تعزيتها وإقناعها بالتزام الصبر والرضوخ لمشيئة ~~القدر، حتى وقفوا بها أمام بناء هناك في مصر العتيقة، ثم مضى كبيرهم إلى باب صغير مصفح ~~بالحديد، يوصل إليه من ممر منحدر، فطرقه طرقا عنيفا متواليا، أعقبه صوت ضعيف مرجف منبعث ~~من الداخل يسأل: «من الطارق؟» ما كادوا يجيبونه بأنهم من الجنود حتى سارع إلى فتح الباب ~~وفي يده مصباح زيتي خافت الضوء، فدخلوا وسالمة وراءهم، وهي تعجب من أمر ذلك المكان، وبابه ~~الحديدي الضيق ذي المفتاح الخشبي الغليظ، وما زالوا سائرين في زقاق ضيق على جانبيه أزقة ~~أخرى مثله، والبواب الشيخ العجوز يتقدمهم بمصباحه، حتى بلغوا بابا صغيرا آخر طرقوه ففتح ~~لهم ودخلوا وهي معهم، ثم سمعت كبير الجنود يسأل البواب الجديد: «أين الرئيس؟ إننا نريد ~~مقابلته في أمر خاص.» فمضى البواب وغاب قليلا ثم عاد ومعه رجل في مثل لباسه وسنه. وبعد أن ~~تبادل الرجل مع كبير الجنود بضع كلمات لم تتبينها، ولكنها أدركت من إشارتهما إليها أنها خاصة ~~بها، عاد الرجل من حيث أتى، ثم أقبل بعد حين ومعه سيدة استقبلتها مرحبة، ثم قادتها إلى حجرة ~~صغيرة خالية إلا من فراش بسيط ومصباح زيتي صغير، وأشارت إليها أن تستريح فيها حتى الصباح. ~~وبعد أن جاءتها ببعض الطعام وإناء به ماء، تركتها راجية لها نوما طيبا هانئا، ms043 وأغلقت باب ~~الحجرة وانصرفت. فبقيت سالمة ساعة تتقاذفها الهواجس والأفكار، ولم تجد في نفسها قابلية ~~لتناول الطعام رغم أنها لم تذق شيئا منذ وقت طويل، فاكتفت بجرعة من الماء، وتمددت بثيابها ~~على الفراش الموضوع في الحجرة، فما لبثت قليلا حتى أخذها النعاس، ولم تستيقظ لفرط ما قاسته ~~من الجهد والحزن وعديد المفاجآت إلا قرب ظهر اليوم التالي. # ولم تكن هذه الحجرة إلا إحدى حجرات دير كنيسة مار جرجس، ورهبانه جميعا من اليونانيين. ~~ولليونان يومئذ امتيازات كثيرة في مصر لكثرة جاليتهم فيها، ولحاجة المماليك إليهم في الطب ~~وتجارة الرقيق وغيره، وصنع السفن وقيادتها. ولم يكن بالدير راهبات سوى راهبة جاءت من ~~اليونان لتمضية بضعة أشهر في مصر، هي التي استقبلت سالمة ومضت بها إلى تلك الحجرة. # وبجانب هذا الدير تقوم أديار أخرى كثيرة للأقباط والأروام، ومن بينها دير أبي سرجة، ودير ~~المعلقة، ويحيط بها جميعا سور أشبه بأسوار الحصون؛ إذ كان ذلك البناء كله حصنا فيما مضى، ~~وفيه حاصر العرب أقباط مصر حين جاءوا لفتحها بقيادة عمرو بن العاص. # أما الجنود الذين جاءوا بسالمة، فانصرفوا عائدين أدراجهم بعد أن أوصوا بها رئيس الدير ~~خيرا، وطلبوا إليه أن يبقيها في مأمن عنده؛ لأن حياتها مهددة بالخطر، فلم يسعه إلا ~~القبول. # ولما وصلوا إلى الباب الخارجي وجدوه مفتوحا، والبواب ليس في مكانه هناك. فعلموا أنه فر ~~خوفا منهم كما فعل أكثر الرهبان الذين صادفوهم داخل البناء، وأوجسوا خيفة من أن يكون أحد ~~هؤلاء قد ظن أنهم آتون للنهب والسلب، كما كان يحدث في ذلك الحين، فذهب ليشكوهم إلى المعلم ~~إبراهيم الجوهري أو المعلم رزق، وهما يومئذ ملجأ القاصدين وذوي الحاجات من أقباط مصر، ~~لتوليهما الكتابة عند علي بك، وحصولهما بسبب ذلك على كثير من سعة النفوذ والسلطان، فضلا عن ~~الثراء الوفير. # وكان أن تسلل الجنود خارجين من الباب، ثم أغلقوه وراءهم وعادوا إلى القصر دون أن يشعر أحد ~~من أهله بشيء مما قاموا به. # الفصل السابع # | الشيخ المجذوب # بقي السيد عبد الرحمن أياما ms044 في دمياط بعد وصوله إليها مع الأسطول الروسي، ثم وجد سفينة ~~نيلية تستعد للسفر منها إلى القاهرة حاملة مقادير كبيرة من الأرز، فاتفق مع أصحابها على أن ~~يأخذوه معهم. وفي الموعد المحدد لإقلاع السفينة كان قد صعد إليها بأمتعته، وبينها طبل صغير ~~وعصا مصبوغة، وعدد من الأجراس الصغيرة، وصرة بها قطع مختلف ألوانها من الملابس القديمة، ثم ~~اختار لنفسه مجلسا في أحد جوانب السفينة وقبع فيه وبجانبه أمتعته بعد أن خلع عنه الزي ~~المغربي الذي كان متنكرا فيه، معتزما التنكر في زي آخر. # وما أقلعت السفينة حتى انطلقت بها الريح في الاتجاه المطلوب، وسر بذلك ملاحوها، فاجتمعوا ~~على ظهرها بعمائمهم الكبيرة المرسلة أطرافها على أقفيتهم، وبسراويلهم الفضفاضة المشدودة على ~~القدمين، وأخذ بعضهم في الغناء بمصاحبة المزمار والنقر على الدفوف. كما أخذ بعضهم يتلهون ~~بتسلق سارية الشراع أو حمل الأثقال، بينما التجار يتلهون بمشاهدة هؤلاء وهؤلاء، أو الاستمتاع ~~بمناظر السفن الأخرى وما يحف بالشاطئين من زروع وأشجار وفلاحين يعملون في الحرث والري ~~وغيرهما من أعمال الحقول. # أما السيد عبد الرحمن فكان في شغل عن ذلك كله بالتفكير في أمر ولده وزوجته، فتارة تحدثه ~~نفسه بأنهما أصيبا بعد سفره بسوء على أيدي المماليك، وتارة يخيل إليه أنهما ذهبا إلى عكا ~~بعد مغادرته إياها. وأخيرا نهض ومضى إلى حافة السفينة فتوضأ ثم عاد إلى ركنه المختار فصلى ~~ودعا الله أن يقيه وأسرته الضر ويجمع شملهم في أمان واطمئنان. ثم عكف على إعداد الزي الجديد ~~الذي رأى أن يتنكر فيه بدلا من زيه المغربي، فرفع جبته بالقطع الملونة الصغيرة، وثبت فيها ~~الأجراس الصغيرة والجلاجل، ثم ارتداها واستعاض عن العمامة بطرطور طويل بعد أن نفش شعر رأسه ~~وأرسله على وجهه فاختلط بلحيته، وعلق الطبل الصغير على صدره. ثم نهض فغادر مكانه والعصا ~~الملونة في يده، وأخذ يتجول في أنحاء السفينة وهو يقرع الطبل، والأجراس والجلاجل تصلصل ~~متأثرة بحركته، فلم يبق على ظهر السفينة من لم يلفته منظره العجيب، وراحوا جميعا يتسابقون ~~إلى التبرك به والإصغاء ms045 إلى الكلمات المبهمة التي يتمتم بها؛ إذ اعتقدوا أنه من المجاذيب ~~المكشوف عنهم الحجاب! # وما أتم السيد عبد الرحمن جولته الأولى حتى كان قد اطمأن إلى إتقان تنكره، ثم استمر يقوم ~~بمثل هذه الجولة على السفينة مرات في اليوم والتجار والبحارة يزدادون تيمنا به ويتنافسون ~~في العمل على مرضاته، حتى رست السفينة في ميناء بولاق، فغادرها وهو على تلك الهيئة، وانطلق ~~يتجول في الأسواق والأزقة متظاهرا بالانجذاب، فلم تمض ساعة حتى كان يسير وخلفه جمهور كبير ~~من الصبيان والمتعطلين والمارة على اختلافهم، وهم بين ساخر منه، ومتبرك به، وما زال سائرا ~~حتى بلغ الحارة التي بها منزله، فجلس ببابها متظاهرا بالرغبة في الاستراحة، وهو إنما يريد ~~صرف الجمهور السائر خلفه؛ ليتفرغ بعد ذلك لتفقد أهل منزله والوقوف على حقيقة حالهم. # ومر به أحد الفقهاء، فرثى لحاله وأمر الناس فانصرفوا عنه، ثم مد يده إليه ببعض الدراهم ~~فلم يقبلها، وقال له متظاهرا بالبله والانجذاب: «لا حاجة بي إلى دراهم، ولا آخذها حتى لا ~~تغضب أمي وتضربني!» # فابتسم الفقيه واعتقد أنه من أهل الصلاح والتقوى، فطلب إليه أن يرافقه إلى بيته، فهز رأسه ~~إشارة الرفض. # وعرض عليه الفقيه أن يأتيه ببعض الطعام، فرفض أيضا، لكنه أشار إليه بوضع يده على فمه أنه ~~يريد ماء، فانطلق الفقيه إلى أبواب الحارة، وجاءه من عنده بقلة ملأى بالماء، فاكتفى برشفات ~~منها وأعادها إليه، ثم تظاهر بأنه يريد النوم، ولكنه خشي على طبله أن يخطفه الصبيان، فطلب ~~الفقيه من البواب أن يخلي له مكانا بجانبه وراء الباب لينام فيه آمنا، وبادر البواب ~~بإجابة الطلب وهو فرح فخور. # ومضت ساعات والسيد عبد الرحمن متظاهرا بالنوم خلف باب الحارة، وكلما سمع وقع أقدام خارجة ~~أو داخلة اختلس النظر نحو الباب لعل القادم ابنه أو أحد خدم المنزل، فلما لم يمر به أحد ~~منهم عاوده قلقه، ولم يطق صبرا بعد ذلك، فهب من مرقده فجأة، وأخذ يقفز ويتمتم بكلمات غير ~~مفهومة، ثم هم بطبله فعلقه على صدره فوق مرقعته، ms046 وأحكم وضع طرطوره الطويل على رأسه، وتناول ~~عصاه الملونة، ومشى في الحارة وهو يقرع الطبل فيختلط دويه بصليل الأجراس والجلاجل التي في ~~مرقعته، وما زال سائرا بهذه الحالة حتى وصل إلى منزله وقد أوشكت الشمس أن تغرب، فوجد الباب ~~مغلقا، وسمع أصواتا منبعثة من الداخل لا عهد له بها، فاشتدت به الوساوس والهواجس، وهم ~~بطرق الباب، لكنه آثر الانتظار بعض الوقت، فجلس بقربه مستمرا في قرع طبله والصلصلة بأجراسه، ~~وأهل الحارة يمرون به ضاحكين منه متيمنين بوجوده فيها، وهم يحسبونه من المجاذيب أهل ~~الكشف. # وبعد قليل فتح الباب وخرج منه شيخ وقور عرف السيد عبد الرحمن أنه زميل قديم له من التجار ~~في وكالة الليمون، وهم بأن يناديه، فإذا بالتاجر يقصده من تلقاء نفسه ويحاول إعطاءه بعض ~~الدراهم، فرفض أخذها متظاهرا بالغضب، وأفهمه بالإشارة أنه في حاجة إلى الطعام والنوم، فأخذ ~~التاجر بيده وعاد به إلى المنزل حيث أدخله حجرة الجلوس في الطابق الأرضي، وأمر الخادم بأن ~~يأتيه بالطعام ويهيئ له منامة، ثم استأذن في الخروج سائلا إياه أن يذكره بدعواته الطيبات، ~~وانصرف بعد أن أوصى الخادم بالسهر على خدمة الشيخ المبارك وتلبية كل ما يطلبه. ~~••• # ما كاد السيد عبد الرحمن يدخل منزله مع زميله التاجر الذي وجده ساكنا فيه حتى أدرك أن ~~نظام المنزل قد تغير إلى حد كبير، ولم يجد في طريقه إلى حجرة الجلوس أي أثر لأحد من أهله أو ~~خدمه، فتسارعت دقات قلبه، وكاد يجهش بالبكاء، لكنه تجلد حتى لا يفتضح أمره، وصبر إلى أن ~~انصرف زميله التاجر، ثم جاءه الخادم بالطعام، فتظاهر بالغضب، وأمر بإعادته، ثم هم بحمل طبله ~~وعصاه وطرطوره، ورفع صوته قائلا وهو يتظاهر بأنه يحدث نفسه: «لا. لا. هذا مستحيل.» # فوجم الخادم، وخشي أن يترك المجذوب يغادر المنزل فيغضب سيده، فاقترب من السيد عبد الرحمن ~~وهم بتقبيل يده قائلا: «ما الذي أغضبك؟ اطلب ما شئت فإني في خدمتك.» # فقال له: «أنا لا آكل طعاما، ولا أنام في منزل خلا من أصحابه.» # ففهم ms047 الخادم أن الشيخ المجذوب عرف بالإلهام قصة الظلم الذي أوقعه المماليك بأصحاب المنزل ~~الأولين، فمال على يده وقبلها في خشوع وإجلال وقال: «رحمهم الله يا سيدي، ورحمنا جميعا من ~~الظلم والاضطهاد.» ثم تضرع إليه ألا يغادر المنزل، وأن يطلب الطعام الذي يريده فيحضره له في ~~الحال؛ حتى لا يغضب سيده ويطرده. # فتكلف السيد عبد الرحمن الضحك ساخرا، وقال للخادم: «كيف يطردك؟ أهو الذي طرد من كانوا ~~في المنزل من قبل؟» # فقال الخادم: «كلا يا سيدي، إن علي بك هو الذي طردهم، وجردهم من أملاكهم؛ لأن عميدهم خالف ~~أمره وهرب من الحملة التي أرسله فيها إلى الحجاز.» # قال: «ألم تعلم أين ذهبوا بعد ذلك؟» # فتنهد الخادم أسفا وحزنا وقال: «لم يكن للرجل إلا ولد واحد، أخذوه وأغرقوه في ~~النيل!» # فأجفل السيد عبد الرحمن وخارت قواه فجأة، فجلس متهالكا وقد سقط الطرطور عن رأسه، وانفجر ~~باكيا، والخادم يعجب من أمره ولا يعلم أنه إنما يبكي ولده الوحيد، ثم اعتدل في جلسته ~~متجلدا وسأل الخادم: «وماذا صنعت المسكينة أم ذلك الغلام؟» # فقال الخادم: «أمر علي بك بأخذها إلى قصره لتعمل فيه مع الجواري الخادمات، وأحسب أنها ما ~~زالت هناك حتى الآن.» # فشعر السيد عبد الرحمن بأن الأرض تدور به، ولم يعد يقوى على الكلام، فتظاهر بأنه رضي ~~المبيت في المنزل وطلب من الخادم ترك الطعام في الحجرة ليأكله متى شاء، فقبل الخادم يده ~~وخرج. # وما خلا السيد عبد الرحمن إلى نفسه في الحجرة حتى أطلق لعينيه عنان البكاء، وأخذ يندب ~~ولده وزوجته، وبقي كذلك وقد أغلق باب الحجرة من الداخل حتى سمع أذان الفجر، ففتح باب ~~الحجرة وأيقظ الخادم النائم أمامه، وأخبره بأنه يريد الخروج للصلاة في المسجد، فأوصله حتى ~~الباب الخارجي وفتحه له، ثم قبل يديه وودعه راجيا أن يتفضل بتشريف المنزل بزيارته من حين ~~لآخر؛ لتحل بركته على من فيه، فوعده بذلك وانصرف لا يلوي على شيء. # وما زال سائرا ووجهته قصر علي بك، فبلغه وقد أشرقت الشمس وانعكست أشعتها على ms048 بركة ~~الأزبكية، فبدا منظرها بديعا يجذب القلوب والأبصار، لكنه كان في شغل عن ذلك بما هو فيه من ~~المصائب والنكبات. وما وقعت عليه أعين حرس القصر وخدمه حتى دعوه إليهم ملتمسين بركته ~~ودعواته، وحاول بعضهم نفحه ببعض المال فرفض أخذه طبقا للخطة التي اتخذها لنفسه، فجاءوه ~~بالطعام راجين منه أن يأكل منه إكراما لخاطرهم، فتناول قليلا منه، ثم أخذ يتردد إليهم ~~أياما فيجد منهم الإكرام والاحترام، وهو يتلطف ويحتال لاستطلاع ما تم في أمر زوجته، حتى ~~علم أخيرا بأن علي بك أمر بأن تلحق بولدها غرقا في النيل، وأن الجنود ساقوها من القصر إلى ~~مصر العتيقة؛ حيث نفذوا ذلك الأمر، وكان هذا في مساء اليوم الذي أغرق فيه ولدها ~~هناك! ~~••• # ضاقت الدنيا كلها في وجه السيد عبد الرحمن، بعد أن فشلت آماله وتحقق مصرع ولده وزوجته، ~~ففكر في الانتحار تخلصا من حياته الشقية المعذبة، لكن نفسه التقية لم تطاوعه على ارتكاب ~~هذه المعصية، فسلم أمره لله، واعتزم أن يقضي ما بقي من عمره هائما على وجهه، وهو بملابس ~~المجاذيب، يسد رمقه بما يجود به عليه الناس من الطعام كلما جاع، وينام في المكان الذي يتفق ~~وجوده فيه حين يشعر بحاجة إلى النوم. # وبقي كذلك في القاهرة أسابيع، حتى أصبحت شخصيته الجديدة معروفة في جميع أحيائها، وأهلها ~~كلهم يتيمنون بطلعته ويلتمسون بركته ودعواته، والسعيد منهم من يتاح له أن يقدم له طعاما ~~فيتناول قليلا منه، أو يحظى بنومه بالقرب من منزله؛ إذ إنهم علموا بالتجربة أنه لا يقبل ~~مالا من أحد، ولا ينام إلا في الطريق! # وكثيرا ما كانت قدماه تقودانه إلى شاطئ النيل في مصر العتيقة، فيجلس هناك بالقرب من ~~مينائها الذي ترسو فيه المراكب التجارية كما هو الشأن في ميناء بولاق، فإذا رآه التجار ~~المجتمعون هناك تفاءلوا بوجوده خيرا، وتسابقوا إلى خدمته التماسا لبركته، وفيهم كثيرون من ~~زملائه في وكالة الليمون لكنهم كانوا لا يعرفونه؛ لتغير هيئته ولعلمهم بأن زميلهم قد غادر ~~البلاد المصرية كلها فرارا من ظلم المماليك. ms049 أما هو فكان يعرفهم وتذكره رؤيتهم ما كان فيه ~~من نعمة سابقة ومكانة تجارية مرموقة، فتتجدد أحزانه وتهيج أشجانه، ولا يعزيه إلا أن يسرح ~~بصره في النيل الممتد أمامه متخيلا أن زوجته وولده لا يلبثان أن يخرجا إليه من أعماق النهر؛ ~~حيث ألقى بهما الجنود، ويقضي الساعات الطوال مناجيا طيفيهما وهو يضحك تارة ويبكي تارة ~~أخرى، ولا يزال كذلك حتى ينال منه التعب فيتمدد على الشاطئ متوسدا طبله محتضنا عصاه ويسلم ~~عينيه للنوم؛ حيث يستأنف تلك المناجاة فيما يراوده من الأحلام! # وفيما هو هناك ذات يوم وقد أخذته سنة من النوم، إذا به يستيقظ على صوت رجل يناديه قائلا: ~~«يا سيدي الشيخ. يا سيدي الشيخ.» فلما تطلع إلى الرجل الذي يناديه وجده مرتديا جلبابا ~~مهلهلا، وعلى رأسه عمامة ملفوفة حول «لبده»، وعلى وجهه آثار الجهد والإعياء، فأدرك أنه من ~~أهل الصعيد الذين يعملون في شحن البضائع ونقلها، وسأله عما يريد، فقال الرجل: «سألتك بالله ~~يا سيدي أن تقرأ الفاتحة وتدعو الله أن يجمعني بمن فرق بيني وبينهم.» # فتأثر السيد عبد الرحمن بما بدا من اللهفة والأسى في لهجة الرجل، وتذكر أنه يشكو مثل ~~شكاته، فجلس وأخذ في قراءة الفاتحة والدموع تنهمل من عينيه، فتشاءم الرجل وانتظر حتى فرغ من ~~القراءة ثم سأله: «هل على الغائبين من بأس يا سيدي الشيخ؟» # وخيل إلى السيد عبد الرحمن أن صوت الرجل ليس جديدا عليه، فمسح دموعه بطرف مرقعته وتفرس ~~في وجهه؛ فإذا هو علي خادمه الخاص، فعجب من ارتدائه ملابس أهل الصعيد، ومن تغير هيئته إلى حد ~~كبير، وهم بأن يناديه باسمه، لكنه لم يتمالك عواطفه فانفجر باكيا. # وفهم علي أن بكاء الشيخ المجذوب دليل على أنه ألهم ألا أمل في عودة الغائبين الذين خاطبه ~~في شأنهم، فلم يتمالك عن البكاء هو الآخر، وقال له: «لماذا تبكي يا سيدي الشيخ؟ إذا كنت قد ~~تحققت ألا أمل في اجتماعي بمن فقدتهم فأخبرني.» # فأجابه وهو ما زال يبكي قائلا: «إن الموتى لا يعودون يا علي.» ms050 ثم نهض وهم به يعانقه وقد ~~ازداد نشيجه وعلا نحيبه، ولما وجده ذاهلا لم يعرفه بعد أمسك بيده وأجلسه بجانبه، وقال: «ألم ~~تعرفني بعد يا علي؟ إن حسنا ووالدته قد أغرقا هنا في هذا النيل.» # وهنا تحقق علي أن الشيخ المجذوب ليس سوى سيده عبد الرحمن نفسه، فارتمى عليه وأخذ في تقبيل ~~يديه وكتفيه باكيا معولا وهو يقول: «سيدي عبد الرحمن ... سيدي عبد الرحمن.» # فطلب منه ألا يرفع صوته لئلا يفطن أحد إلى أمرهما، ثم نهضا وانطلقا إلى مكان منعزل بعد ~~الميناء، وجلسا يتحادثان، فروى علي أنه سافر إلى الريف بأمر سيده حسن ووالدته؛ حيث باع الأرض ~~التي كانت لسيده عبد الرحمن هناك، واستغرق ذلك أسابيع، وفيما هو في طريق عودته إلى القاهرة ~~للسفر معهما إلى عكا طبقا لما تعاهدوا عليه، علم بأن المماليك اعتقلوهما واستولوا على ~~المنزل وكل ما فيه، فتنكر في زي أهل الصعيد وجاء إلى القاهرة ليرى ما تم في أمرهما، وفيما ~~هو خارج من الميناء بعد مغادرته السفينة التي جاء فيها، سمع التجار والملاحين يتحدثون عن ~~شيخ مجذوب صاحب كرامات مشهورة، وعلم منهم أن هذا الشيخ موجود بالقرب من الميناء على شاطئ ~~النيل، فوافاه هناك ليتبرك به ويسأله في أمر سيده حسن ووالدته، لعله يكشف له عما انتهى إليه ~~أمرهما. # فأخبره السيد عبد الرحمن بما كان من أخذهما إلى مجلس علي بك في القلعة، ثم إغراقهما بأمره ~~في النيل بعد الإهانة والتعذيب، ثم قال له: «والآن لم يعد يحلو لي العيش بعد أن فقدت أهلي ~~ومالي، هذا إلى أني لا آمن إذا بقيت في القاهرة أن ينكشف أمري، ولو كنت أعلم الغيب لبقيت في ~~حملة الحجاز، أو بقيت في عكا ولم أرجع إلى هذه البلاد التي عاث فيها المماليك الفساد، ولم ~~يتقوا الله في العباد.» # وأمضيا ساعات وهما يتبادلان الحديث ويبكيان، ثم قال علي: «أرى أن نبقى في القاهرة متنكرين ~~كما نحن الآن، وما دام كل منا لم يعرف الآخر أول الأمر، فلن يستطيع أحد من ms051 المماليك وأعوانهم ~~كشف حقيقة أمرنا، وهذا هو المال الذي بعت به أرضك التي كانت في الريف، فتصرف فيه كما شئت.» ~~قال هذا وأخرج من ثيابه صرة فيها ذلك المال ومد بها يده إلى سيده، فرفض هذا أخذها وقال: «ما ~~حاجتي إلى المال يا علي؟ إنني لولا خوف الله لألقيت بنفسي في قاع النيل لألحق بحسن ~~ووالدته.» # فقال علي: «معاذ الله يا سيدي أن يرتكب مثلك جريمة الانتحار، وإن قلبي ليحدثني بأن الله - ~~جل شأنه - أكرم وأرحم من أن يجزيك بغير الخير على تقواك وبرك بعياله الفقراء وصبرك على عنت ~~أولئك الحكام الظالمين. ومن يدري فلعل سيدي حسنا ووالدته ما زالا على قيد الحياة، فإننا لم ~~نتحقق قتلهما بعد، فلنصبر ونواصل البحث، وإني خادمك المطيع لا يمكن أن أتركك لحظة حيثما ~~تتوجه، سواء أبقيت هنا في القاهرة، أم آثرت الرحيل عنها إلى أي بلد آخر.» # فهم به السيد عبد الرحمن وقبله شاكرا له حسن وفائه وإخلاصه، ثم نهضا وانطلقا إلى ~~المدينة فبلغاها وقد آذنت الشمس بالمغيب، وما زالا سائرين حتى بلغا الجامع الأزهر، فجلسا ~~بالقرب من أحد أبوابه، وتبلغا بما تيسر من الطعام، ثم تدثر السيد عبد الرحمن بمرقعته وتوسد ~~طبله، وتمدد علي بالقرب منه على الأرض، وما لبثا قليلا حتى راحا في النوم، ولم يستيقظا إلا ~~على أذان الفجر تنطلق به أصوات المؤذنين من الجامع الأزهر والمساجد القريبة منه ملعلعة في ~~الفضاء. ~~••• # مضى السيد عبد الرحمن وعلي خادمه يتجولان في الشوارع المحيطة بالأزهر، وكانت الشمس قد ~~أشرقت منذ ساعة، لكنهما وجدا الشوارع مقفرة من المارة، وجميع المتاجر والمنازل فيها مغلقة ~~الأبواب، فقال السيد عبد الرحمن: «لا يمكن أن تقفر الشوارع من المارة وتغلق أبواب المتاجر ~~والمنازل حتى هذه الساعة إلا لأمر خطير، وأكبر ظني أن الجنود خارجون من القلعة اليوم لسبب ~~من الأسباب.» # وما أتم جملته حتى رأيا بعض الأهلين قادمين نحوهما مهرولين مذعورين، فلما وقعت أنظارهم ~~على السيد عبد الرحمن وهو في زي الشيخ المجذوب صاحوا به قائلين: «ادع ms052 الله ينقذنا من هذا ~~الكرب.» ثم مضوا في طريقهم لا يلوون على شيء، ووجهتهم الجامع الأزهر. # فتحقق أنهم ذاهبون إلى الجامع الأزهر للاحتماء فيه من جنود المماليك، ولم يجد من يسأله عن ~~سبب خروج الجنود من القلعة، فقال لعلي: «يحسن أن نعود إلى الأزهر نحن أيضا، لنعلم ممن ~~سبقونا إليه فيم خروج الجنود اليوم.» # فوافقه علي، وما كادا يدخلان الجامع حتى وجداه قد امتلأ بمئات من الناس أكثرهم من أصحاب ~~الحرف والباعة والمكاريين ومعهم حميرهم، وعلما أن الجنود خارجون في حملة جديدة لفتح ~~الشام. # وبعد قليل، أقبل جماعة من الجنود الإنكشاريين، فدخلوا الجامع الأزهر وأخذوا في ضرب ~~اللاجئين إليه وسلبهم ما معهم من الأموال والأمتعة والسلع، ولم يتركوا دابة من دواب ~~المكاريين إلا أخذوها، مدعين أنهم يحتاجون إليها في جهادهم. ولبثوا هناك ساعة يعتدون على ~~أولئك المساكين الآمنين ثم انصرفوا، فأغلق اللاجئون أبواب الأزهر؛ مخافة أن يعودوا أو يجيء ~~غيرهم من الجنود فينالهم على أيديهم اعتداء فظيع آخر. ولبثوا هناك خائفين مترقبين حتى غربت ~~الشمس، وعلموا بأن الجنود غادروا القاهرة في حملتهم الجديدة، ففتحوا أبواب الجامع وخرجوا ~~للاطمئنان على متاجرهم ومنازلهم وأهلهم، وبقي منهم في الجامع كثيرون أغلبهم من العلماء ~~والطلاب ومشايخ الطرق. فقال السيد عبد الرحمن لخادمه: «لا داعي لخروجنا فلنبق ليلتنا هنا، ~~وعند الصباح يفعل الله ما يشاء.» # فقال علي: «لقد نطقت الصواب يا سيدي.» ثم انتحيا ناحية في صحن الجامع، وجلسا يتحدثان حتى ~~صليت العشاء، وجاء جماعة من الفقهاء والطلبة فالتفوا حول السيد عبد الرحمن وراحوا يشكون ~~إليه ظلم المماليك للناس، ويسألونه أن يدعو الله أن يكشف الضر عن عباده ويأخذ الظالمين ~~بذنوبهم، فكان يجيبهم بما يدخل الاطمئنان إلى قلوبهم، ويذكرهم بأن الله ليس بغافل عما يعمل ~~الظالمون، ولكنه يؤخرهم ليوم يأخذهم فيه أخذ عزيز مقتدر. # وفي الصباح هم السيد عبد الرحمن وخادمه بالخروج من الأزهر؛ فإذا بالسيد المحروقي يدخله في ~~جماعة كبيرة من العلماء والأشراف، فتذكر السيد عبد الرحمن ما كان من أمر توسط صديقه الشريف ms053 ~~الكبير لدى علي بك للإفراج عن ولده حسن، فلم يتمالك عواطفه وهطلت الدموع من عينيه فعاد إلى ~~الجلوس في الأزهر، معتزما أن يقابل ذلك الصديق على حدة، وأن يكشف له عن حقيقة أمره، ~~ويستشيره فيما ينبغي أن يصنع بعد أن استولى علي بك وجنوده على أمواله وأملاكه وقتلوا ولده ~~وزوجته. # ولم يمض إلا قليل، ثم إذا بالسيد المحروقي يرسل في طلبه من تلقاء نفسه، وذلك أن بعض ~~الفقهاء الذين جاءوا معه حدثوه حين رأوا الشيخ المجذوب في الجامع بما عرفوا من كراماته ~~وأحواله، فرغب في استطلاع أمره بنفسه. # فنهض السيد عبد الرحمن، ومضى إلى حيث كان السيد المحروقي جالسا بين أولئك العلماء ~~والأشراف يتشاورون فيما ينبغي اتخاذه لوقف المماليك عن ظلمهم. ولما وصل إلى هناك وقف قريبا ~~من مجلسهم بحيث يرونه، فدعوه إلى المجيء إليهم، ولكنه هز رأسه إشارة الرفض، ثم أشار بيده ~~إلى السيد المحروقي ليخاطبه على حدة، فنهض هذا من المجلس، وانتحى به ناحية، وأصغى لما ~~سيقوله فإذا به يقول: «إني لست بشيخ مجذوب، ولا شيء لي بالانجذاب، وإنما أنا صديقك القديم ~~عبد الرحمن التاجر السابق في وكالة الليمون، وقد تنكرت في هذا الزي خوف الظلم ~~والعدوان.» # ثم روى له حكايته باختصار والدموع تنهمل من عينيه، فبكى السيد المحروقي تأثرا، ثم قال: ~~«لا تيأس يا صديقي، فقد علمت أن ولدك لم يقتل، وأن الله قيض له الست نفيسة زوجة علي بك ~~فأنقذته من المصير الرهيب الذي حكم به عليه زوجها، وعاونته على الفرار إلى سوريا أو غيرها ~~من البلاد المجاورة، أما والدته فعلمت أن علي بك أمر بإغراقها في النيل، ولكنني علمت أيضا ~~أن الست نفيسة زوجته كانت قد أرسلت في طلبها قبل ذلك وأحسنت استقبالها ومواساتها، ولعلها أن ~~تكون قد عملت على إنقاذها أيضا.» # فتجدد الأمل في صدر عبد الرحمن، وشكر صديقه السيد المحروقي على هذه المعلومات، ثم حياه ~~وانصرف عائدا إلى خادمه علي فزف إليه تلك البشرى، وقررا السفر إلى سوريا في أقرب وقت للبحث ~~عن ms054 حسن هناك. # الفصل الثامن # | رسول من عكا # تركنا حسنا وقد أخذه بعض الجنود المماليك من حرس علي بك، على مشهد من أمه في القلعة، ~~ليمضوا به إلى النيل ويغرقوه فيه، تنفيذا لأمر مولاهم. # فلما وصلوا به إلى مصر العتيقة، استولوا على قارب وجدوه راسيا على الشاطئ هناك قرب ~~الميناء، وأنزلوه فيه وهو يبكي ويتوسل إليهم دون جدوى، ومعه كيس كبير من الخيش وحجر ثقيل ~~أرغموه على حمله في الطريق، لكي يضعوه معه في الكيس حتى لا يطفو بعد قذفه في الماء. # وفيما هم يهمون بحل القارب، لاحت منهم التفاتة إلى إحدى السفن الراسية في الميناء، فوجدوا ~~العمال ينزلون منها براميل أدركوا من هيئتها أنها ملأى بالنبيذ أو الزبيب، وزيف لهم الشيطان ~~أن يستولوا على شيء مما فيها ليحتسوه في القارب احتفالا بتنفيذ أمر علي بك. ومضى أحدهم ~~لإنجاز هذه المهمة، فلما عاد بعد قليل إلى القارب وجد فيه مع زملائه مملوكا من الحرس الخاص ~~بقصر علي بك، فظن أنهم رأوه اتفاقا هناك، فدعوه إلى مشاركتهم النزهة والشراب. ثم ركبوا ~~جميعا في القارب وانطلقوا به في عرض النيل، وما زالوا في شرب ولهو، وحسن قابع في ركن من ~~القارب وقد مل انتظار الموت، وتمنى أن يعجلوا بقذفه في النيل. إلى أن سمع كبيرهم ينهض فجأة ~~ويصدر أمره بالاتجاه نحو الشاطئ الشرقي، فلم يخالجه شك في أن لحظة إغراقه قد حانت، ونطق ~~بالشهادتين، ثم تجلد وتطلع إليهم؛ ليريهم أنه لا يهاب لقاء الموت ويؤثره على الحياة في عهد ~~حكمهم الفاسد الظلوم. وشد ما كانت دهشته إذ رآهم منصرفين عنه إلى ما هم فيه من سكر وضحك ~~وغناء، ثم ازدادت دهشته حين وصل القارب إلى الشاطئ فأنزلوه أمامهم منه، ثم ابتسم كبيرهم ~~وقال: «لقد كتب لك عمر جديد، وهذا هو جبل المقطم أمامك، فعليك أن تدور حوله حتى تبلغ الطريق ~~المؤدي إلى سوريا فامض فيه قدما دون أن تلوي على شيء، وإياك أن يشعر بفرارك أحد!» # ولم يصدق حسن سمعه، بل لم يصدق ms055 عينيه حين سارع كبير الجنود على أثر ذلك بفك قيوده وأغلاله ~~وإعطائه صرة من المال يستعين بها في رحلته، وبقي واقفا في ذهول حتى دفعه الرجل بقوة في ~~الطريق الجبلي الممتد أمامه ، فاندفع يعدو فيه وصوت الرجل يلاحقه وهو يحثه على زيادة العدو، ~~حتى انقطع الصوت بعد قليل، فخفف من عدوه والتفت فلم يجد أحدا غيره في تلك المنطقة الجبلية ~~المقفرة، وقد زاد في وحشتها ما سادها من ظلام المساء، وما اعتمل في صدره من شتى الهواجس ~~والانفعالات. # على أنه لم يجد بدا من مواصلة السير، وما زال يعدو تارة ويمشي الهوينى تارة حتى نال منه ~~الجهد والإعياء، وسمع نباح الكلاب من بعيد، فخشي أن يتقدم نحوها فيكون هناك خطر عليه، وآثر ~~المكث حيث هو حتى الصباح، فارتمى على الأرض، وحاول النوم فلم يستطعه لفرط خوفه وقلقه، وبقي ~~كذلك حتى لاح ضوء الفجر فنهض واستأنف سيره حتى مر عند الظهر بمضارب لبعض الأعراب، فعرج ~~عليها وحصل على حاجته من الماء والطعام، كما حصل على ثياب عربية استبدل بها ثيابه للتنكر، ~~ثم مضى في طريقه حتى وجد أعرابيين يقودان جملين، وعلم منهما أنهما في طريقهما إلى الصالحية ~~ليصحبا من هناك قافلة ذاهبة إلى سوريا، فانضم إليهما وهو يحمد الله على هذا التوفيق؛ لأنه ~~كان يخشى السير منفردا، فضلا عن أنه لا يعرف الطريق. # وفي الصالحية، اشترى لنفسه جملا وما يحتاج إليه من الزاد خلال الرحلة، ثم انضم إلى ~~القافلة، وقد اطمأن إلى النجاة. ولكن القافلة ما كادت تخرج من البلدة حتى دهمها جماعة من ~~فرسان المماليك، فاستولوا على ما فيها من الجمال والأحمال بحجة أن علي بك يحتاج إليهما فيما ~~هو قائم به من الجهاد. وعبثا حاول التجار أن يثنوا العساكر عن هذا الأمر؛ إذ هددهم هؤلاء ~~بالقتل، واضطروهم إلى العودة إلى الصالحية؛ تمهيدا لإرسالهم إلى القاهرة. ~~••• # كان هم حسن بعد أن رأى ما حل بالقافلة أن ينجو بنفسه؛ حتى لا يعود إلى القاهرة فينكشف أمره ~~هناك، فانتهز فرصة اشتغال الفرسان ms056 المماليك بإحصاء السلع التي كان التجار في القافلة ذاهبين ~~بها إلى الشام، وترك جمله بما عليه واختبأ وراء أكمة هناك حتى انتهى الفرسان من إحصاء تلك ~~السلع، وساقوا القافلة عائدين بها إلى الصالحية. فلما ابتعدوا نهض من مخبئه ومشى في طريق ~~الشام الذي كانت القافلة سائرة فيه. # وما زال يجد في سيره وليس معه سلاح ولا طعام ولا ماء حتى ولى النهار وبدأ الظلام ينشر ~~جناحيه على الصحراء الممتدة أمامه، وكانت قواه قد خارت من فرط ما عاناه من الخوف والاضطراب ~~مع العطش والجوع، فجلس على أكمة من الرمل ونظر إلى ما حوله فلم يجد سوى الرمال ينطبق عليها ~~الأفق من جميع الجهات، فازداد قلقه وندم على مسيره وحده، وتذكر ما اضطره إلى ركوب هذا ~~المركب الوعر، وما لحق بأسرته من الظلم والإهانة والتشريد والتعذيب، فأخذ يندب حظه مجهشا ~~في البكاء. # ولما اشتد الظلام، ازداد شعوره بالخطر المحدق به، حتى نسي عطشه وجوعه، وخيل إليه أن ما ~~حوله من السهول التي سادها الظلام والسكون قد امتلأت بوحوش كاسرة قادمة لافتراسه، فاقشعر ~~بدنه وأخذته الرعدة وتسارعت دقات قلبه، وحاول النهوض فلم تقو ساقاه على حمله، فتمدد في ~~مكانه، وأخذ يتلو ما تيسر من آيات القرآن ويبتهل إلى الله أن يقيه السوء، ويبعد عنه ~~الهواجس. # وفيما هو كذلك، وصل إلى أذنه الملتصقة بالأرض صدى وقع أقدام مسرعة، فهب من مرقده مذعورا، ~~وتلفت إلى مصدر الصوت ممعنا النظر على ضوء النجوم، فلاح له شبح قادم من بعيد، وما لبث ~~الشبح أن اقترب منه فإذا هو هجين مسرع فوقه راكب لم يتبين هيئته، ثم لاح له بضعة أشباح أخرى ~~مماثلة كأنها تطارد ذلك الهجان. # وما هي إلا لحظة حتى كان الجميع عند سفح الأكمة التي يجلس فوقها حسن، وتبين أن هؤلاء ~~المطاردين يرتدون ملابس الأعراب، فأدرك أنهم من اللصوص قاطعي الطريق، ثم تحقق هذا؛ إذ سمع ~~أحدهم يصيح بهم قائلا بعد أن لحقوا بالهجان الأول: «هيا لقد وقع الكلب فاقتلوه واستولوا على ~~ما معه!» ms057 فانبطح على الأرض وعيناه تحملقان في اتجاه المعركة ليرى ما تنتهي إليه، وقلبه ~~يخفق خوفا من أن يشعر بوجوده أحد اللصوص. # ولم يطل انتظاره؛ فإن الهجان الأول ما لبث أن سقط عن ظهر هجينه، فهم به مطاردوه واستولوا ~~على سلاحه وملابسه ما عدا القميص والسروال، ثم تركوه ممددا على الأرض وساقوا هجينه أمامهم ~~بما عليه من أمتعة وغيرها، وعادوا من حيث أتوا، وحسن يتابعهم بنظراته حتى ابتعدوا وابتلعهم ~~الظلام. وهنا نهض من مخبئه وهو يحمد الله على نجاته، وهم بالابتعاد عن هذا المكان الذي قتل ~~اللصوص فريستهم فيه، لكنه سمع أنينا صادرا من جهته، فعلم أنه ما زال فيه رمق من الحياة، ~~وتحركت في نفسه عاطفة الشفقة ولاسيما بعد أن تصور أنه كان معرضا لمثل ذلك المصير، فزايله ~~خوفه وسارع إلى المصاب المحتضر، لعله أن يخفف عنه آلام الاحتضار، أو يعلم من هم أهله فيعمل ~~على إبلاغهم وصيته إن أراد أن يوصي إليهم بشيء. # ولما وصل إيه، وجده قد كف عن الأنين فظن أنه مات، ولم يتمالك عواطفه فبكى تأثرا بمصرع ~~الرجل بعيدا عن أهله في ذلك القفر الموحش، ومال على جثمانه يفحصه ليتحقق موته قبل أن ~~يواريه التراب كما قرر بينه وبين نفسه. وشد ما كان اغتباطه؛ إذ وجد أن الرجل ما زال حيا، ~~لكنه مصاب بجرح في رأسه يسيل منه الدم، فسارع إلى إخراج منديله وأخذ يمسح ذلك الدم، ثم عصب ~~له رأسه، وأخذ يحرك جسمه ويربت وجهه حتى أفاق من غشيته وتحرك وعاد إلى الأنين، فاستمر في ~~تنبيهه ومواساته سائلا إياه عن موضع ألمه. وما زال كذلك حتى استطاع الرجل أن يتكلم وعلم منه ~~أنه يشكو من الألم في ساقه، فقال له: «لا بأس عليك يا أخي، ولسوف تشفى عاجلا بإذن ~~الله.» # ثم حل حسن عمامته، وبحث عن خشبة ليجبر له ساقه بها، فوجد في مكان المعركة عصا مكسورة، ~~وسرعان ما أخذ منها ثلاث قطع جعلها حول ساقه المكسورة متوازية، ولف العمامة عليها لفا ~~محكما، وكان قد ms058 تعلم صنعة التجبير في البيمارستان المنصوري، ثم أمسك بيد المصاب وأجلسه ~~برفق مسندا رأسه إلى صدره، وراح يشجعه ويطمئنه على نفسه، والرجل يعجب لصنيعه ويتمتم بشكره ~~وهو ما زال بين الغيبوبة والصحو . # وأشرقت شمس اليوم التالي، وحسن مستمر في إسعاف الرجل والترفيه عنه بالعبارات الرقيقة، وقد ~~استأنس به وإن يكن جريحا، واعتزم ألا يفارقه حتى يطمئن إلى نجاته. # وبعد قليل استطاع الرجل أن يسترد بعض قواه، ونظر إلى حسن في ضوء النهار وإلى الجبيرة التي ~~صنعها له، فاطمأن إليه وذهب عنه الروع، وهمس وعيناه تدمعان تأثرا بما رأى من مروءته ~~وأريحيته قائلا له: «جزاك الله عني خيرا يا سيدي، إني مدين لك بحياتي.» # فقال له حسن: «إنني ما قمت لك إلا بأقل ما يجب علي، وأنت الآن في حاجة إلى الراحة، وثق ~~بأنني لن أتركك حتى تبلغ مأمنك إن شاء الله.» # ثم نهض حسن وبحث فيما حولهما من السهل حتى وجد موضعا مستويا عند سفح أكمة قريبة، فحمل ~~صاحبه إلى هناك وفرش له عباءته وأرقده عليها، وأشار عليه بأن يستريح قليلا ريثما يجد وسيلة ~~ينقله بها إلى الصالحية، فقال الرجل: «لن أنسى فضلك ما حييت، وإن اسمي عماد الدين، وقد جئت ~~من عكا حاملا رسالة من حاكمها الشيخ ضاهر الزيداني إلى علي بك حاكم الديار المصرية، والحمد ~~لله على أن هذه الرسالة بقيت معي ولم يستول عليها اللصوص الذين سلبوني مطيتي وسلاحي وأمتعتي ~~وما كان معي من مال، فهل لي أن أتشرف بمعرفة اسم سيدي، وكيف ساقك الله لإنقاذي من الموت في ~~هذا القفر بالليل؟» # فقال: «إني من أهل مصر واسمي حسن، وكنت عازما على السفر إلى عكا في مهمة خاصة، فخرج علي ~~لصوص آخرون كثيرون واستولوا على راحلتي وأمتعتي، ولم أنج بحياتي من بين أيديهم إلا بمعجزة، ~~وكأنما نجاني الله لكي أشهد ما وقع لك هنا، وأسارع إلى إسعافك بالعلاج عقب انصراف المعتدين ~~الآثمين، فنحن إذن شريكان في الغربة والبأساء، ولكن لا بأس عليك إن شاء الله.» # فعجب عماد ms059 الدين من أمر هذا الاتفاق الغريب، وقال له: «هذه إرادة الله، وإنه ليسعدني أن ~~ألقاك في عكا لعلي أستطيع أن أرد لك هناك بعض جميلك، وأكون أكثر سعادة إذا لم يكن لديك ما ~~يمنع ذهابنا إليها معا، بعد أن نمضي إلى القاهرة وأؤدي الرسالة إلى علي بك.» # فسكت حسن ولم يدر بم يجيب؛ إذ تذكر ما أصابه وأسرته على يد علي بك، فهاجت أحزانه ولم ~~يستطع إخفاء الدموع التي تسابقت تجري على خديه. # ولم يخف ما به على عماد الدين، فاشتد عجبه وسأله: «أهذه أول مرة قصدت فيها إلى عكا أم لك ~~معرفة بها من قبل؟» # وكان حسن في هذه اللحظة يفكر في أبيه، وفيما وعده وأمه به من أنه سينتظرهما في عكا، ~~فتلاحقت دموعه على غير إرادة منه، ثم تجلد ولاح له أن عماد الدين قد يكون لديه نبأ عن أبيه، ~~فقال له: «الواقع أنني كنت قاصدا عكا لأول مرة، وقد سبقني إليها أبي، وتواعدنا على أن ألحق ~~به.» # قال: «وكيف تذهب وحدك في طريق لا تعرفه؟» # فسكت حسن حائرا، وخاف أن يكشف حقيقة أمره فيقع في مصيبة أخرى، وزاد هذا في شوق عماد ~~الدين إلى استطلاع الأمر، فقال له: «إنني صرت لك أخا بل خادما منذ أنقذت حياتي، ولا شك أن ~~ما يهمني يهمك، ولعلي أوفق إلى القيام لك بخدمة.» # ولم يجد حسن بدا من النزول على رغبة الجريح الصديق، فتنهد وقال له: «إن حكايتي يبكي لها ~~الصخر الأصم!» ثم رواها له من أولها إلى آخرها. # فتأثر عماد الدين كل التأثر وقال له: «حقا، إن حكايتك تدعو إلى الأسى والأسف، ولكن لا ~~حيلة فيما وقع، اللهم إلا الصبر. فاصبر وكن على يقين من أن الله سيثيبك على صبرك، ولك علي ~~عهد الله وميثاقه لأكونن في خدمتك ما حييت.» # فشكره حسن، وتفقد جروحه فوجد ألا خطر منها، كما علم منه أنه ارتاح قليلا من الآلام التي ~~كان يشعر بها في ساقه، فحمد الله على ذلك، وبشره بعاجل الشفاء. وما ms060 زال يسامره بالأحاديث ~~والأماني حتى لاح لهما جمل قادم من بعيد، وفوقه راكب بملابس الأعراب، فاستعاذ عماد الدين ~~بالله من أن يكون القادم لصا قاطع طريق، وبدا عليه الاضطراب، فابتسم حسن في وجهه مطمئنا ~~وقال له: «إن الذي نجانا فيما مضى قادر على أن ينجينا فيما هو آت.» ثم نهض وصعد إلى الأكمة ~~التي كان جالسا عليها بالأمس، ثم خلع ثوبه وأخذ يلوح به في الهواء ليراه الجمال ~~القادم. # وبعد قليل كان الجمال قد رأى الثوب الملوح به، فحول عنان جمله إلى جهته وما زال يحثه حتى ~~وصل إليهما، فترجل وسلم ثم سألهما: «ما خطبكما أيها الصديقان؟» # فاطمأن كل منهما لحسن لهجته وأدبه، وقال له حسن: «إننا من القاهرة، وكنا في عكا نحمل إلى ~~حاكمها رسالة من علي بك حاكم مصر، وفي عودتنا من عكا قطع علينا الطريق هنا بعض لصوص البدو، ~~واعتدوا على أخي هذا وجرحوه. فإذا تفضلت بنقله على جملك إلى أقرب قرية من هنا، كنا لك من ~~الشاكرين.» # فقال الأعرابي: «إني رهن أمركما، ومنزلي غير بعيد من هنا، فأنا أحق بشرف الضيافة.» ثم ~~اقترب من عماد الدين وتأمل الضماد على رأسه والجبيرة على ساقه، وقال متعجبا: «إن مثل هذه ~~الإسعافات لا يحذقها إلا طبيب.» # فاحمر وجه حسن خجلا، وبادر عماد الدين إلى الإجابة قائلا: «من فضل الله ونعمته أن أخي ~~درس الطب في البيمارستان المنصوري على يد طبيب مغربي كبير.» # فالتفت الأعرابي إلى حسن وهش في وجهه وقال: «الحمد لله. نحن إذن أهل وإخوان، فإن جدي - رحمه ~~الله - كان طبيبا ومغربيا أيضا.» ثم أناخ الجمل وتعاون مع حسن على حمل عماد الدين إلى متنه ~~وشداه إلى الرحل مستلقيا على ظهره، ثم عاد ثلاثتهم إلى قرية الأعرابي، فبلغوها بعد ساعات، ~~ونزل حسن وعماد الدين بمنزل الرجل ضيفين مكرمين إلى أن التأم جرح عماد الدين، والتأمت عظمة ~~ساقه المكسورة، أو كادت بفضل العلاج الذي قام حسن به، فاستأذنه عماد الدين في أن يركب هجينا ~~يذهب عليها إلى القاهرة فيؤدي ms061 الرسالة إلى علي بك، ثم يعود إليه بعد ستة أيام على الأكثر. ~~فاستحسن الفكرة، وودعه والأعرابي مضيفهما، سائلين له السلامة في الذهاب والإياب. # أمضى حسن الأيام الستة الأولى بعد ذهاب عماد الدين إلى القاهرة، يغالب الهواجس وتغالبه، ~~فلما كان اليوم السابع أخذ ينتظر عودته منذ طلعت الشمس حتى غروبها، فلما لم يعد في موعده، ~~قلق وتعاظمت هواجسه وظنونه ومخاوفه، وعبثا حاول مضيفهما الأعرابي تخفيف قلقه، فلم يتناول ~~في العشاء إلا لقيمات رغم أنه لم يتناول أي طعام طول النهار، ثم جفا النوم عينيه طول ليلته. ~~فلما أصبح تجدد أمله في عودة عماد الدين، وبقي ينتظره عند مدخل القرية نهاره كله وجانبا من ~~الليل، لكنه لم يأت أيضا، فيئس حسن وخاف أن يكون صاحبه قد وقع مرة أخر في أيدي قاطعي ~~الطريق فأعدموه، وقرر أن ينهض عند الفجر فيمضي إلى القاهرة متنكرا ليقتفي أثر عماد الدين ~~ويقف على جلية أمره، وأفضى بما اعتزمه إلى صاحب المنزل، فوافقه وأعد هجينا خفيفة ليستقلها، ~~وجلس معه بعد العشاء ليسامره كعادته ثم يودعه. # وفيما هما في ذلك، أقبل عماد الدين، فتعانقوا وتصافحوا وكان اغتباطهم جميعا باللقاء ~~عظيما. # ثم روى عماد الدين ما أخره فقال: «لقد علمت حين وصولي إلى القاهرة أن علي بك غادرها في ~~حملة إلى الصعيد لمحاربة قبيلة الشيخ همام، فاضطررت إلى انتظاره حتى رجع وأديت إليه ~~الرسالة، فأكرم وفادتي وغمرني بالعطايا والهبات، ثم حملني رسالتين: إحداهما للشيخ ضاهر حاكم ~~عكا ردا على رسالته، والأخرى لأسلمها للأميرال لسمبيكو قائد الأسطول الروسي الموجود الآن ~~في ميناء الإسكندرية؛ وذلك لظن علي بك أنني سأعود عن طريق البحر؛ إذ هو أقرب. وقد رأيت أن ~~آتي إليك أولا حتى لا تقلق، ولكي أعرض عليك أن نسافر إلى عكا بحرا من الإسكندرية، فالطريق ~~البحري أكثر أمنا، فما قولك؟» # فوافق حسن على ذلك الاقتراح؛ حبا في صحبة عماد الدين؛ وتفاديا لخطر اللصوص في الطريق ~~الصحراوي؛ ولتأخره عن الموعد المضروب للقائه بأبيه هناك. # الفصل التاسع # | في الإسكندرية # كان عماد الدين ms062 قد جاء معه من القاهرة بالعطايا والهبات التي نفحه بها علي بك، فنزل ~~للأعرابي مضيفهما عن بعضها ردا لجميله، ثم اشترى هجينتين ركب إحداهما وركب حسن الأخرى، وما ~~زالا يجدان السير في الحوف الشرقي حتى أتيا الفرع الشرقي للنيل، فقطعه إلى الدلتا، فالفرع ~~الغربي للنيل وما وراءه حتى وصلا إلى الإسكندرية أخيرا، فباعا الهجينتين لبعض الأعراب ~~هناك، ثم نزلا بفندق قرب الميناء، على أن يبيتا فيه ليلتهما، فإذا أصبحا مضيا إلى الميناء ~~وزارا الأسطول الروسي لتسليمه رسالة علي بك، ثم بحثا عن سفينة ذاهبة إلى الشام فركباها إلى ~~عكا. # ولم تكن الإسكندرية في ذلك الحين سوى مدينة صغيرة، أهم ما فيها أنها على البحر، وإن فيها ~~مرفأين: أحدهما للمسلمين وتقف فيه السفن العثمانية والمصرية، وموضعه المكان المعروف برأس ~~التين، والآخر للنصارى في الموضع المعروف بالمينا القديمة. فلما كان صباح اليوم التالي مضى ~~عماد الدين وحسن إلى الميناء الجديد؛ حيث قيل لهما إن الأسطول الروسي فيه، فلم يجدا هناك أية ~~سفينة، وعلما بأن هياج البحر بسبب النوء الشديد اضطر السفن إلى الابتعاد إلى عرض البحر ~~خوفا من الغرق في الميناء، ولاسيما أن سفنا كثيرة تحطمت وغرقت فيه منذ أيام، وسألا: متى ~~ينتظر أن يهدأ البحر وتعود سفن الأسطول إلى الميناء، فقيل لهما: «إن هذا لا ينتظر قبل ~~يومين.» فعادا إلى الفندق آسفين وأمضيا يومهما في تفقد المدينة. وفي صباح اليوم التالي رأى ~~عماد الدين أن يترك حسنا في الفندق ريثما يمضي هو إلى الميناء للسؤال عن الأسطول، وفيما هو ~~واقف هناك يتطلع إلى سفن الأسطول الراسية في عرض البحر، وهو يرتدي الملابس السورية المؤلفة ~~من القباء (القفطان) الحريري وفوقه الجبة، وعلى رأسه الكوفية والعقال، وفي يده غليون طويل ~~يدخن فيه التبغ، دنا منه بحار من الإسكندرية يرتدي السروال الفضفاض المشدود على الساقين، ~~وعلى رأسه عمامة أرسل طرفها على قفاه، وسأله قائلا: «أراك تكثر من التطلع إلى سفن المسكوف، ~~فهل يهمك الوصول إليها؟» # فقال عماد الدين: «إن معي رسالة أريد تسليمها إلى ms063 أميرال الأسطول.» # قال: «وممن هذه الرسالة؟» فقال: «من علي بك الكبير.» # فبغت البحار، وتأدب في وقفته بعد أن كان يكلم عماد الدين ويداه خلف ظهره وغليونه في فمه، ~~وقال له: «إذا كان إبلاغ الرسالة لا يحتمل التأجيل إلى غد فإني على استعداد لإبلاغها ~~الآن!» # فعجب عماد الدين وقال: «وكيف تستطيع ذلك والبحر ما زال هائجا كما ترى!» # قال: «إن أمواج البحر تعرفني وتعرف قاربي، فلست أخافها مهما تكن غاضبة ثائرة، ولكني لا ~~أذهب في هذه المهمة إلا إذا نقدتني عليها كيسا كاملا (خمسمائة قرش)!» # فضحك عماد الدين وقال: «كيس كامل؟ هل حسبت أنني علي بك نفسه حتى أستطيع دفع هذا الأجر؟!» ~~قال هذا وغادر الميناء عائدا إلى الفندق مؤثرا الانتظار حتى اليوم التالي، ودخل الغرفة ~~التي ترك حسنا فيها فلم يجده هناك، وعلم أنه خرج منذ قليل، فقال في نفسه: «لعله استبطأ ~~عودتي فخرج ليروح عن نفسه عناء الانتظار بالتنزه على شاطئ البحر.» ولبث ينتظره في الفندق ~~حتى حان موعد الغداء دون أن يرجع، فأوجس خيفة عليه؛ لعلمه بحكايته وبأنه لا يعرف أحدا في ~~المدينة، وخرج يبحث عنه هنا وهناك، فلما لم يجده بعد ساعات من البحث، عاد إلى الفندق لعله ~~سبقه إليه من طريق آخر، فعلم أنه لم يأت إليه بعد، وخاطب في شأنه صاحب الفندق فقال له هذا: ~~«لا خوف عليه إلا أن يكون قد سار إلى جهة قلعة رأس التين؛ لأن فيها بعض الجنود المماليك ~~والإنكشارية وهم لا يتورعون عن إنزال الأذى بأي إنسان، بل لا يتورعون عن القتل إذا كان لهم ~~من ورائه نفع بسيط!» ~~••• # انتظر عماد الدين في الفندق على نار حتى صباح اليوم التالي، ثم خرج من الفندق قاصدا إلى ~~الجمارك لمقابلة مديرها وطلب مساعدته في البحث عن حسن. وكان صاحب الفندق هو الذي أشار عليه ~~بذلك؛ لأن مدير الجمارك يومئذ شامي مثله واسمه أنطون فرعون، ولا يقل نفوذه عن نفوذ أعظم ~~الأمراء، ولاسيما أنه - فضلا عن كبر منصبه - ذو ثروة طائلة، وقصره الفخم ms064 الجميل على الشاطئ لا ~~يخلو من الحفلات التي يدعو إليها الكبراء من الأجانب والوطنيين. # فلما وصل إلى إدارة الجمارك، علم أن المدير لم يحضر بعد، فوقف ينتظر قدومه هناك، وبعد ساعة ~~رأى موظفي الإدارة وعمالها في هرج ومرج، ثم اصطف أكثرهم عند مدخلها ووقفوا متأدبين، فعلم أن ~~المدير قادم، وانتظم في جملة المستقبلين. وما لبث المدير أن أقبل في زي فخم تحفه الهيبة ~~والأبهة والوقار، فهم كبار الموظفين بتقبيل يده، ففعل عماد الدين مثلهم، ثم تبعه حتى بلغ ~~حجرته الخاصة وهم بدخولها، فناداه عماد الدين بلهجته الشامية قائلا: «سيدي المدير.» فالتفت ~~إليه وسأله «ما حاجتك؟» فقال: «أرجو أن يتنازل السيد بدقيقة أروي له فيها ما دفعني إلى ~~المجيء هنا.» # فأشار إليه بأن يتبعه إلى الحجرة، وإذن له في الجلوس وطلب له قهوة، ثم لم يكد يسمع حكايته ~~عن فقد زميله وخوفه أن يكون الإنكشارية قد نالوه بسوء، حتى طمأنه وقال له: «هذه مسألة ~~بسيطة، وسأرسل الآن نائبي إلى قلعة رأس التين، فإذا كان الجنود الذين فيها قد اعتقلوا صاحبك ~~طمعا في ماله أو في أن يفتديه أهله بالمال، أخرجه النائب من السجن وجاءنا به معززا ~~مكرما.» # فوقف عماد الدين وقبل يد المدير قائلا: «جزاك الله أحسن الجزاء، وهكذا المروءة ~~والشهامة.» # فقال: «هذا أقل ما يجب.» ثم صفق، فلما جاء الحاجب أمره بأن يبلغ النائب أمره بالذهاب إلى ~~قلعة رأس التين، والسؤال عن شاب اسمه حسن يظن أن الجنود اعتقلوه هناك، فإذا وجده أبلغ الأغا ~~رئيس الجنود أنه من أتباعه، وجاء به. # فحنى الحاجب رأسه سمعا وطاعة وانصرف. والتفت المدير إلى عماد الدين وسأله: «كيف حال ~~الشام الآن؟ وهل الشيخ ضاهر الزيداني ما زال حاكما في عكا؟» # قال: «نعم يا سيدي، وهو الآن بسبيل الاستيلاء على بلاد الشام كلها؟» # فهز المدير رأسه عجبا وقال: «ما شاء الله! الشيخ ضاهر يحكم بلاد الشام كلها؟ هل تعرف ~~تاريخه جيدا؟» # فقال عماد الدين: «سيادتكم أدرى.» # قال: «لقد أخبرني أبي بأنه عرفه منذ كان غلاما ms065 يعيش مع أبيه الشيخ عمر الزيداني وقبيلته ~~البدوية في جهة بحيرة طبرية، ولما توفي أبوه آلت إليه رياسة القبيلة، وحاربه أولاد العظم ~~حكام دمشق لما رأوه يحاول توسيع سلطانه، لكنهم لم يستطيعوا قهره، وأخذ في التجارة مستعينا ~~بأعوانه الكثيرين من البدو، فجمع ثروة كبيرة، وما لبث أن استولى على عكا وانتزعها بلا حرب ~~سنة 1749 من يد الأغا الذي كان يحكمها باسم والي صيدا، ثم حصنها وبنى له شمالها قصرا أشبه ~~بالحصن، ولم تجد الدولة العلية بعد ذلك بدا من منحه سنة 1768 لقب «شيخ عكا وأمير أمراء ~~طائفة المتاولة وقومندان الناصرة وطبرية وصفد وشيخ الجليل»، ولم أعد أسمع عنه شيئا منذ ذلك ~~الحين.» # فقال عماد الدين: «إنه فتح مدينة صيدا، وأقام عليها واليا اسمه «الدنكزلي». ولما نشبت ~~الحرب بين الدولة العلية وروسيا انحاز إلى الروسيين متحدا في ذلك مع علي بك هنا في مصر، ~~ولا يخفى عليكم أن الأسطول الروسي في ميناء الإسكندرية الآن. ولست أخفي عليكم أني جئت من ~~عكا برسالة من الشيخ ضاهر إلى علي بك، وقد كلفني هذا حين قابلته في القاهرة منذ أيام حمل ~~رسالة منه إلى أميرال الأسطول الروسي هنا.» # فقال المدير: «يلوح لي من هيئتك ولهجتك في الحديث أنك من الدروز اللبنانيين، فما الذي ~~أدخلك خدمة الشيخ ضاهر؟» # قال: «إن أسرتي ملت كثرة المنازعات بين الأمراء الشهابيين حكام لبنان، فانضمت كغيرها إلى ~~الشيخ ضاهر.» # وما زالا في مثل هذا الحديث حتى عاد النائب ومعه حسن، فنهض عماد الدين وقبل يد المدير، ~~وكذلك فعل حسن، ثم استأذنا في الانصراف شاكرين، فأذن لهما وانصرفا. ~~••• # سار حسن مع عماد الدين إلى الفندق، وقص حسن في الطريق قصة اعتقال المماليك إياه، ذاكرا ~~أنهم استولوا على كل ما كان يحمله من النقود وطمعوا في المزيد، فسألوه عن أهله ليرسلوا إليهم ~~لكي يفتدوه من السجن، فلما أخبرهم بألا أهل له في الإسكندرية ولا في غيرها من الديار ~~المصرية لم يصدقوه، وأبقوه في السجن حتى يرشد عن أهله وهددوه بالقتل ms066 إن لم يفعل. فلبث في ~~السجن خائفا يترقب حتى جاء نائب مدير الجمارك وخاطب الأغا في شأنه فأفرج عنه في ~~الحال. # وباتا ليلتهما في الفندق، ثم سارا إلى الميناء في الصباح فوجدا السفن الروسية قد عادت ~~إليه، فاكترى عماد الدين قاربا أوصله إلى سفينة الأميرال حيث سلمه رسالة علي بك، ثم عاد ~~إلى حسن وأخذا في البحث عن سفينة ذاهبة إلى السواحل السورية إلى أن وجدا سفينة تجارية كبيرة ~~تعتزم الذهاب في الغد إلى بيروت رأسا، فحجزا لهما مكانا فيها، على أن يقطعا المسافة ~~القريبة من بيروت إلى عكا برا، ثم عادا إلى الفندق فأعدا أمتعتهما للسفر، وما أشرقت شمس ~~اليوم التالي حتى كانا في السفينة وهي تمخر عباب البحر ناشرة أشرعتها، ومرت قبل مغادرتها ~~المياه المصرية بميناء دمياط فحملت منه مقادير كبيرة من الأرز، ثم استأنفت رحلتها قاصدة إلى ~~بيروت فأشرفت عليها بعد بضعة أيام. # الفصل العاشر # | في جبل لبنان # أعجب حسن حين أشرفت السفينة على بيروت بسلسلة جبال لبنان الشامخة المكسوة بالثلوج ~~والأشجار، ولاحظ أن مدينة بيروت تحيط بها تلال مرتفعة عنها، فقال لعماد الدين: «إن هذه ~~التلال المرتفعة خطر على المدينة؛ إذ يستفيد بها العدو الذي يغزوها برا ويتسلط عليها ~~بسهولة.» # فقال عماد الدين: «صدقت يا أخي، ولكن المدينة بها - عدا القلاع البحرية، كقلعة الميناء ~~الداخلة في البحر، وقلعة الخارجية، وقلعة شويخ - برج هائل شرقيها، هو الذي يبدو أعلى أبراجها ~~جميعا، ويقال له «برج الكشاف»، وهو يشرف على كل الجهات، وبجانبه برج آخر صغير ليست له ~~أهمية كبيرة، كما أن بها من الغرب برجين كبيرين هما: برج أم دبوس، وبرج طاقة القصر. وكان ~~للمدينة فيما مضى سور تهدم بمضي الزمن، لكن أبوابه ما زالت سليمة وفيها مراكز دفاعية لا بأس ~~بها.» # ولمح حسن غربي المدينة تلا مرتفعا داخلا في البحر وعليه الأشجار والزروع، ووراءه سهل ~~ممتد من الرمال، فلما سأل عنه عماد الدين أجابه هذا بقوله: «هذا رأس بيروت، وهو يمتد إلى ~~مدينة صيدا.» ثم أشار إلى ms067 تل في الجهة الشرقية وقال له: «هذا تل الأشرفية، وهو أكثر ~~أغراسا، وليس وراءه إلا الجبل كما ترى.» # فأشار حسن إلى أبراج متفرقة بين البساتين والغياض على رأس بيروت وتل الأشرفية وقال: ~~«أليست هذه الأبراج للدفاع أيضا؟» # فقال عماد الدين: «إنها أبراج، لكنها للسكنى وليست للدفاع، وقد بناها بعض الأمراء ~~والأعيان في عهود متفرقة ليسكنوها في فصل الشتاء، وقلما يسكنها غير القادرين لوقوعها خارج ~~المدينة وتعرضها للغزو وسطو اللصوص وقاطعي الطريق.» # وكانت السفينة قد ألقت مراسيها، فغادراها إلى المدينة حيث طافا ببعض أسواقها الضيقة، ~~وأعجب حسن برصف شوارعها ونظافتها. وبعد أن وضعا أمتعتهما في فندق قرب سوق الحدادين، أخذ ~~عماد الدين حسنا وأراه قيسارية الأمير حاكم لبنان السابق وغيرها من القيساريات. # فقال حسن: «هل الشيخ ضاهر هو حاكم بيروت الآن؟» # فقال عماد الدين: «لا، بل هي تابعة للأمير يوسف شهاب الدين، ومثلها طرابلس وصيدا وصور، ~~على أن الأمير يوسف والشيخ ضاهر متفقان في الخفاء على محالفة الروسيين. ومما يذكر أن والي ~~المدينة الذي يحكمها باسم الأمير يوسف الآن هو أحمد بك الجزار الذي كان فيما مضى من أمراء ~~علي بك في مصر، ثم وقع بينهما نفور، ففر إلى الآستانة خوفا على حياته من علي بك، ثم جاء ~~إلى هذه البلاد فرتب له الأمير منصور نفقة من جمرك بيروت، وبقي كذلك حتى جاء الأسطول الروسي ~~الذي رأيناه في الإسكندرية فخرب المدينة وهدم أسوارها، ونهب جنوده متاجرها ومنازلها بتحريض ~~من الشيخ ضاهر؛ طمعا في إخضاع الأمراء الشهابيين لسلطانه أيضا، وظلوا يحاصرونها حتى بعث ~~الأمير منصور إلى الشيخ ضاهر يوسطه لدى الروسيين في فك الحصار عنها في مقابل أن يدفع لهم ~~مبلغا كبيرا من المال، فتم الصلح بينهم على ذلك، ثم جاء الأمير يوسف فولى الجزار على ~~بيروت، وأحسب أن هذا لا يلبث قليلا حتى يخرج عليه؛ فقد تركته حين سافرت من عكا والأمير ~~متغير عليه؛ لما بلغه من أنه يبني الحصون ويعد معدات الدفاع في المدينة، ويسخر الناس في تلك ~~الأعمال.» # فقال ms068 حسن: «أسأل الله ألا تنشب الحرب بينهما ونحن هنا، ويا حبذا لو نعجل بالرحيل إلى عكا؛ ~~لتفادي الأخطار؛ ولكي أبحث عن أبي هناك.» # فوافقه عماد الدين على ذلك، ثم انطلقا عائدين إلى الفندق. وفي الطريق تفرج حسن على الغياض ~~المحدقة بالمدينة من الجنوب، وفيها أغراس التين والمشمش واللوز وغيرها، وعلى باب الدركاه، ~~وبرج الكشاف، وباب المصلى المؤدي إلى قصر الحكومة؛ حيث يقيم أحمد بك الجزار. فلما اقتربا من ~~القصر قال عماد الدين: «يحسن أن نعجل بالابتعاد عن هذه المنطقة؛ فإن الجزار قد يأمر بقتلنا ~~لأدنى شبهة تخالجه في أمرنا، وقد أسرف في سفك الدماء حتى صار له من اسمه أكبر نصيب، وتروى ~~عنه في ذلك أحاديث تقشعر لها جلود الأسود، أذكر منها أنه داعب إحدى سراريه مرة بقطع أذنها ~~بخنجره! وما أحسبه إن علم بأني من رجال الشيخ ضاهر إلا معجلا بالفتك بي.» # ثم جدا في السير حتى وصلا إلى الخان ودخلا غرفتهما؛ حيث أخذا يعدان أمتعتهما للرحيل، وبعد ~~أن استراحا قليلا قال عماد الدين: «سأذهب إلى صاحب الفندق لأخبره باعتزامنا السفر، وأستعين ~~به على اكتراء جملين نركبهما إلى عكا.» # فقال حسن: «حسنا تفعل، وأسأل الله التوفيق.» # وطال انتظار حسن رجوع عماد الدين من هذه المهمة، فقلق وغادر الغرفة قاصدا إلى غرفة صاحب ~~الفندق ليبحث عن عماد الدين هناك، فوجدهما جالسين على دكة فيها يتهامسان، وما وقع نظر عماد ~~الدين عليه حتى ناداه وأشركه معهما في الحديث، فإذا بصاحب الفندق يقول: «ما أظن أن الخروج ~~من المدينة ممكن في هذه الأيام، فالأحوال مضطربة، والأمير يوسف في طريقه إلينا على رأس حملة ~~قوية من جنوده لتأديب أحمد بك الجزار، وقد أمر هذا بإغلاق أبواب المدينة ومنع الدخول إليها ~~والخروج منها.» # فبغت حسن، وانقبضت نفسه، وبدت على محياه علائم التذمر والاستياء، فقال له صاحب الفندق: ~~«لا تتذمر يا بني، واحمد الله على أنكما لم تحاولا الخروج من المدينة قبل علمكما بهذا النبأ ~~الخطير.» ثم ناوله غليونه وفيه تبغ مشتعل، وقال له: «إن ms069 الأمر لله يفعل ما يشاء، وهذه ~~الدنيا لا يدوم فيها حال، وقد مضى علي أربعون سنة أعمل في هذا الفندق، ومر علي كثير من ~~الأهوال التي يشيب لها الولدان، فكم غزا اللبنانيون وأهل البلاد المجاورة هذه المدينة من ~~البر! وكم سطا عليها القرصان والجنود الأجانب من البحر! وما أكثر الحكام الذين استبدوا في ~~حكم أهلها من مسلمين ونصارى! وقد تولى حكمها مرة رجل نصراني يقال له «أبو عسكر الجبيلي»، ~~فعاث فيها الفساد وأسرف في القتل والتعذيب والإرهاب، وغره شيطان الظلم والقوة، فظن أن لن ~~يقدر عليه أحد، وأمعن في طغيانه وتجبره، فقاسينا منه الأمرين، وأصابني من اضطهاده وعنته بلاء ~~كثير، ثم ذهب كما ذهب قبله وبعده كثيرون من أمثاله، وسبحان من له الدوام!» # فقال حسن: «وما ظنك بمسألة الجزار هذه؟ هل يطول أمرها؟» # قال: «إن نبأ قدوم الأمير يوسف وجيشه لم يصل إلى المدينة إلا منذ ساعات، وقد علمت به قبل ~~أن يعلم به الجزار نفسه؛ إذ سمعته من الرسول الذي حمله عند مروره بالفندق في طريقه إلى قصر ~~الحكومة، وعما قريب نرى ما يكون من شأن الفريقين.» ~~••• # في صباح اليوم التالي، استيقظ حسن وعماد الدين على ضجة كبيرة في الفندق وخارجه، فنهضا ~~مذعورين وهما يحسبان أن الحرب نشبت بين الأمير يوسف والجزار، ولكنهما ما لبثا قليلا حتى ~~تبينا من أصوات المنادين في الطرقات أن الأمر انتهى بالمصالحة، وأن الجزار خارج في موكبه ~~لمقابلة الأمير يوسف في السهل الرملي المعروف باسم «المصطبة» وكتابة عهد الصلح، فقال حسن: ~~«الحمد لله الذي كشف عنا الضر.» ثم التفت إلى عماد الدين وقال: «ألا ترى أن نخرج لمشاهدة ~~مجلس الصلح؟» # فقال عماد الدين: «إنني طوع إرادتك، ولكننا تأخرنا عن الوصول إلى عكا كثيرا، فلنذهب إلى ~~صاحب الفندق لعله يستطيع أن يكتري لنا جوادين نركبهما في رحلتنا، ثم نعجل بالرحيل، فأبوك ~~لا بد قد سئم طول الانتظار في عكا، كما أني لا آمن أن يغضب علي الشيخ ضاهر.» # فقال حسن: «لقد نطقت الصواب، فهيا بنا ms070 إلى صاحب الفندق.» # ولما بحثا عن صاحب الفندق علما أنه ذهب إلى المصطبة لمشاهدة الصلح، فاستقر رأيهما على ~~اللحاق به ومباحثته في أمر اكتراء الجوادين هناك. # وفيما هما سائران بالقرب من قصر الحكومة، سمعا ضجة صادرة من جهته، وشهدا كثيرين من ~~الأهلين يعدون في طريقهم إليه، فأدركا أن الجزار خارج في موكبه، ووقفا حتى مر الموكب بجماعة ~~من الجنود المغاربة يتقدمونه لإفساح الطريق، ويعقبهم كوكبة من الفرسان، يتوسطهم الجزار على ~~جواد أصيل سرجه من الديباج المذهب، وهو يلبس سراويل فضفاضة من الجوخ السميك، وعلى كتفيه ~~الجبة، وعلى رأسه القاووق المملوكي الطويل تحت العمامة، وفي منطقته خنجر، وإلى جانبه سيف ~~معقوف، وفي يده مذبة من شعر الخيل مقبضها من العاج، ومن خلف هؤلاء الفرسان فرقة صغيرة من ~~الجنود الأتراك المشاة، ومعهم الطبول والأبواق. # فلما مر الموكب تبعه عماد الدين وحسن حتى جاوز المدينة وساحة السور ووصل إلى المصطبة، وهي أرض ~~رملية بها بعض الأشجار من الصنوبر والصبير، وفيها أقيمت خيمة الأمير يوسف تحيط بها خيام ~~الحاشية والجنود. # وترجل الجزار حينما اقترب من خيمة الأمير، ومشى مسرعا حتى دخلها، وحيا الأمير في أدب ~~واحترام، ثم هم بيده فقبلها، وكان هذا جالسا على وسادة في صدر الخيمة، وهو يرتدي الجبة ~~والقباء وعلى رأسه العمامة، فلما رأى الجزار جاءه معظما مستعطفا، خفت حدة غضبه عليه وقال ~~له: «لماذا لم تكف عن ترميم الحصون؟» # فقال: «حاش لله أن أخالف أمر الأمير، ولكن البنائين كانوا قد أوشكوا أن ينتهوا من ذلك قبل ~~وصول الأوامر.» # فقال الأمير يوسف: «على كل حال، أريد أن يقف كل عمل من هذا القبيل، وأن تخلي ~~المدينة.» # فقال الجزار: «سمعا وطاعة، وأرجو أن يتفضل الأمير بإمهالنا بضعة أيام للقيام بما ~~يريد.» # قال: «إننا نمهلك أربعين يوما، على أن تتم خلالها إخلاء المدينة والخروج منها.» # فحنى الجزار رأسه موافقا، ثم مال على يد الأمير فقبلها، وغادر الخيمة متأدبا، ثم عاد ~~بموكبه إلى القصر. # ولما عاد عماد الدين وحسن إلى الفندق، اجتمعا بصاحبه، وطلبا ms071 إليه أن يعاونهما على اكتراء ~~دابتين تحملانهما إلى عكا، فوعدهما بذلك، لكنه لم يستطع تحقيق مطلبهما إلا بعد يومين؛ إذ وجد ~~مكاريا لديه جوادان، واستطاع أن يقنعه بحمل حسن وعماد الدين عليهما إلى عكا لقاء أجر ~~كبير. ~~••• # ودع حسن وعماد الدين صاحب الفندق، وسارا يقصدان الخروج من باب الدركاه، والمكاري خلفهما ~~ومعه الجوادان يحملان أمتعتهما، فلما اقتربا من الباب وجداه مغلقا، وسألا البواب عما دعا ~~إلى إغلاقه فقال لهما: «لا أدري، ولكن الأمر صدر بذلك من مولانا الوالي.» # فوقفا مبهوتين، ثم سألا البواب: «هل أبواب المدينة كلها أغلقت؟» فقال: «نعم.» ثم حانت من ~~عماد الدين التفاتة إلى يمين الباب فوجد العمال عاكفين على ترميم السور، فقال لحسن: «إن ~~الجزار يستعد للدفاع، وما أحسبه إلا قد اعتزم البقاء في المدينة.» # فقال حسن: «علينا إذن أن نحتال للخروج منها قبل أن تنشب الحرب بينه وبين الأمير، فكيف ~~نستطيع ذلك؟» # فأخذ عماد الدين بيد حسن، وانتحى به ناحية وأسر إليه قائلا: «لا حيلة لنا في الخروج ~~بالجوادين والأمتعة، والرأي عندي أن نكتفي بما خف حمله، ومتى صرنا خارج المدينة دبرنا وسيلة ~~للركوب.» # فقال: «لكن كيف نخرج من المدينة؟» # فأشار إلى بناء كبير بالقرب من باب يعقوب وقال له: «إن هذا البناء دير لجماعة من القسس ~~يقال لهم المرسلون الكبوشيون، والسور وراء الدير مباشرة، فإذا نحن دخلنا الدير وقصصنا على ~~رئيسه قصتنا فقد يسمح لنا باجتياز السور من هناك.» # قال: «افعل ما تريد، فإني لا أخالفك في شيء.» # فعادا إلى المكاري، وطلبا إليه أن يعود بالأمتعة إلى الفندق ويسلمها لصاحبه، ونفحاه ببعض ~~المال فعاد لتحقيق طلبهما شاكرا، ومضيا هما إلى الدير عبر الزقاق الضيق الذي يؤدي إليه، ~~فلما بلغا بابه طرقاه، فأطل أحد الرهبان برأسه من فتحة فوق الباب وسأل: «من الطارق؟» فقال ~~عماد الدين: «غريبان من المساكين يريدان الالتجاء إليكم.» # فغاب الراهب قليلا ريثما استأذن رئيس الدير، ثم عاد وفتح الباب ودعاهما إلى الدخول، ثم ~~أغلقه كما كان وقادهما إلى حجرة وجدا فيها ms072 قسيسا يرتدي قباء من الجوخ شد وسطه فوقه بحبل، ~~وعلى رأسه «طاقية» صغيرة سوداء مستديرة، وفي قدميه نعل شدت أصابعهما إليها بسيور من ~~الجلد. # فهم عماد الدين بيد القس فقبلها بأدب واحترام وهو يقول : «أسعد الله صباحك يا حضرة ~~البادري.» وكان هذا هو اللقب الذي يطلق على رهبان تلك الطائفة. # فرد البادري تحيته بمثلها، بلغة عربية سقيمة، وأشار إليهما بالجلوس على وسادتين في الحجرة ~~فجلسا وهو يفحصهما بنظراته؛ مخافة أن يكونا قد جاءا بدسيسة من الجزار. # وقبل أن يسألهما عما دعاهما إلى الالتجاء إلى الدير، قال عماد الدين: «جئنا لنتضرع إليك؛ ~~كي تنقذنا من هلاك محقق، فنحن غريبان جئنا من عكا، وأردنا الرجوع إليها فوجدنا أبواب ~~المدينة مغلقة بأمر واليها، وفي تأخرنا عن العودة إلى بلدتنا خطر كبير علينا وعلى أهلنا ~~فيها، فضلا عن خطر بقائنا في هذه المدينة.» # فقال البادري: «وماذا نستطيع أن نصنع، والوالي لا يمكن أن يقبل فتح الأبواب ما دام قد أمر ~~بإغلاقها؟» # فأخذ عماد الدين يشرح له المساعدة التي يطلبانها محاولا اجتذاب قلبه بما عهد فيه من ~~اللباقة والإجلال والتعظيم، فتأثر البادري بتوسلاته وقال له: «لا بأس، سأدخلكما إحدى الغرف ~~المطلة على خارج السور، لتنجوا من نافذتها حينما ينتصف الليل ويسود الظلام.» # فقبلا يده شاكرين، وظلا يسامرانه بالأحاديث بعض الوقت، ثم مضيا إلى الغرفة التي اختارها ~~لهما فدخلا وأغلقا عليهما الباب بعد أن زودهما البادري ببعض الطعام والشراب، ولبثا ينتظران ~~حتى ينقضي النهار ويسود الظلام؛ ليفرا إلى خارج السور. # الفصل الحادي عشر # | حصار بيروت # انتظر عماد الدين وحسن في غرفة الدير حتى انتصف الليل، ثم نهضا فقفزا من نافذتها إلى سطح ~~سور المدينة، ولم يكن بينه وبينها أكثر من متر، فلما استقرا فوقه بقيا حينا لا يتحركان، وقد ~~أرهفا السمع وراحا يتأملان السهل الممتد خارج السور في ضوء النجوم، فلما أطمأنا إلى أن ليس ~~هناك من يشعر بهما، همس عماد الدين في أذن حسن قائلا: «إن السور مرتفع عن الأرض كثيرا، وفي ~~الوثوب من هنا ms073 خطر كبير.» # فخفق قلب حسن جزعا وسكت حائرا، على أن عماد الدين سرعان ما عمد إلى كوفيته فنزعها عن ~~رأسه وكتفيه، كما نزع منطقته وطلب إلى حسن أن ينزع عمامته ففعل وناوله إياها، فوصل بعضها ~~ببعض بحيث صارت حبلا طويلا، ربط أحد طرفيه بمنطقة حسن، ثم طلب إليه أن يدلي نفسه من فوق ~~السور إلى الأرض خارجه، بينما أمسك هو ببقية الحبل وأخذ يرخيه قليلا قليلا حتى وصلت قدما ~~حسن إلى الأرض في الوقت الذي أفلتت يد عماد الدين الطرف الآخر من الحبل، فبغت وجزع؛ لأنه كان ~~يعتزم بعد ذلك أن يثبت ذلك الطرف بأعلى السور ثم يتدلى ممسكا بالحبل حتى يصل هو الآخر إلى ~~الأرض. # على أنه حمد الله على وصول صديقه إلى الأرض بسلام، ولم يشأ أن يضيع الوقت في التردد ~~والتفكير، فأخذ يزحف فوق السور وهو يتطلع إلى الأرض حتى وصل إلى موضع رأى الأرض أقرب إليه ~~لارتفاعها نسبيا، فأمسك بصخرة ناتئة في السور، مدليا جسمه نحو تلك الأكمة المرتفعة، ثم ~~أفلت الصخرة تاركا جسمه يسقط عموديا فوق الأكمة، فأحدث ارتطامه بها صوتا مدويا أيقظ ~~الحراس النائمين بباب يعقوب، فخفوا إلى مصدر الصوت ليروا ما هناك، وسرعان ما انقضوا عليه ~~كالذئاب، وحملوه إلى داخل السور وهو يئن من الألم؛ إذ كانت السقطة قوية لم تتحملها ساقه ~~التي كسرت من قبل في المعركة التي دارت بينه وبين قاطعي الطريق، وما وصلوا به إلى مقرهم خلف ~~الباب حتى كان قد وقع في إغماء عميق، فأخذوا يرشون وجهه بالماء حتى أفاق، وراح يصرخ من فرط ~~الألم لكسر ساقه، لكنه أدرك وهو يجيل نظره بينهم أنهم لم يشعروا بهرب حسن، فكان هذا أكبر ~~عزاء له، وما زال يستنجدهم ويستثير شفقتهم حتى رثوا لحاله ورضوا أن يبعثوا بأحدهم في طلب ~~طبيب لتضميد جروحه وتجبير ساقه المكسورة. # وكان البادري رئيس الدير قد شعر هو ووكيله بالضجة التي حدثت عند باب يعقوب، فأدركا أن ~~الضيفين اللذين هربا إلى خارج السور من الدير وقعا في ms074 أيدي الحراس، وفيما هما يتداولان في ~~ذلك، سمعا طرقا على الباب ثم جاءهما البواب وأخبرهما أن أحد الحراس يطلب طبيب الدير لإسعاف ~~رجل وقع على الأرض من فوق السور فانكسرت رجله، فنهض الوكيل ومضى إلى الباب فأطل من الكوة ~~التي فوقه على الحارس المنتظر وسأله متجاهلا: «لمن تريدون طبيب الدير؟» # فقال الحارس: «نريده لإسعاف رجل قبضنا عليه خارج السور بعد أن سقط من فوقه وهو يحاول ~~الخروج من المدينة.» # فأدرك الوكيل أنهم لم يقبضوا إلا على أحد الضيفين، وأراد أن يحتال لإنقاذه، ولإنقاذ الدير ~~في الوقت نفسه من غضب الجزار، فقال للحارس: «إن هذا الخائن الذي قبضتم عليه لا يستحق ~~الشفقة، فهو من خدم الدير الذين نرسلهم لابتياع المؤن من لبنان، وكان الرئيس قد غضب عليه ~~لخيانته وحبسه في غرفة بأعلى الدير، فحاول الفرار من النافذة، لكنه وقع في شر ~~أعماله.» # فجازت حيلة الوكيل على الحارس واعتقد أن المصاب المقبوض عليه من خدم الدير، فقال: «على كل ~~حال، إنه الآن يئن من فرط الألم؛ إذ كسرت ساقه، ولا بأس بأن يسعفه طبيب الدير، ثم نبعث به في ~~الصباح إلى مقر الوالي فيلقى جزاءه كما يريد رئيس الدير.» # فقال الوكيل: «إذا لم يكن بد من تطبيبه، قياما بواجب الإنسانية، فالأفضل أن نعيده إلى ~~الدير، وسأستأذن الرئيس في ذلك، فإذا قبل لحقت بك لإحضار ذلك الخائن المصاب.» ثم أغلق الكوة ~~وعاد إلى رئيس الدير، فأخبره بالحيلة التي عمد إليها؛ إنقاذا لذلك الغريب المسكين؛ ولإبعاد ~~الشبهات عن الدير، فاغتبط الرئيس بذلك وقال: «لقد حاولنا إنقاذه أولا حبا في عمل الخير، ~~ولا شك أن إنقاذه الآن أوجب لأنه جريح.» # وكان الحارس قد عاد إلى زملائه، وأنبأهم بما علمه من أن المصاب كان محبوسا في الدير ~~لخيانة ارتكبها فيه، ثم جاءهم وكيل الدير بعد قليل، وأكد لهم صحة تلك الرواية، ثم طلب منهم ~~معاونته على حمل المصاب وإعادته إلى الدير، فقال الجاويش رئيس الحراس: «لكننا لا بد لنا من ~~تبليغ أمره إلى حضرة الوالي؛ لأننا ms075 اعتقلناه خارج السور بعد صدور الأمر بعدم الخروج من ~~المدينة أو دخولها.» # فقال وكيل الدير: «إننا أشد رغبة منكم في الانتقام من هذا الخائن، وسنتولى إبلاغ الأمر ~~إلى الوالي فيما بعد.» وما زال يحاورهم ويموه عليهم حتى أقنعهم بإعادة المصاب إلى الدير، ~~فتعاون بعضهم على حمله، ومضوا به والوكيل معهم حتى أدخلوه الدير وأرقدوه على وسادة في إحدى ~~الغرف ثم انصرفوا. # وخشي وكيل الدير أن يبلغوا الأمر إلى الجزار، فعاد إلى جاويشهم وانتحى به ناحية، ثم شكره ~~على همته ويقظته، ومد إليه يده بصرة من النقود قائلا: «إن رئيس الدير بعث بهذا إليك تقديرا ~~لشهامتك، ويرجو أن تقبله بركة منه.» # فتناول الجاويش الصرة ووجهه يفيض بالغبطة والابتهاج، وصافحه الوكيل مودعا وهو يقول: «وقد ~~طلب مني الرئيس أن أبلغك رجاءه ألا يبلغ أمر ذلك الخادم الخائن إلى جناب الوالي؛ لأنه يرغب ~~في محاكمته بحسب قوانين الدير.» # فقال الجاويش: «حسنا، ليكن جناب الرئيس مطمئنا، فسأحقق طلبه هذا إكراما ~~لإنسانيته.» # فعاد الوكيل إلى الدير مغتبطا بنجاح مسعاه، ولم يكن رئيس الدير بأقل منه اغتباطا بذلك، ~~ثم أشرفا على علاج عماد الدين من جروحه وكسر ساقه، وأعدا غرفة لإقامته بالدير حتى يتم ~~شفاؤه. ~~••• # كان حسن بعد أن وصل إلى الأرض خارج سور المدينة، قد شعر بإفلات الحبل الذي تدلى بوساطته ~~من عماد الدين، فوقع في حيرة، ولم يدر ماذا يفعل، ثم لاح له أن يربط حجرا بأحد طرفي الحبل ~~ويقذف به إلى عماد الدين فوق السور، ولكنه لم يستطع أن يرفع صوته لينبئه بهذه الفكرة مخافة ~~أن يسمعه الحراس. وفيما هو في حيرته هذه، رأى عماد الدين في ضوء النجوم قد دلى جسمه محاولا ~~الهبوط من فوق السور، ثم سمع صوت اصطدامه بالأرض وصرخته متألما، فخف إلى مكانه لنجدته، ~~لكنه ما لبث أن سمع ضجة الحراس وهم يفتحون الباب، وأيقن بأن عماد الدين لن يفيده شيئا أن ~~يبقى بجانبه حتى يقبض عليهما معا، فاستقر رأيه على النجاة بنفسه من أيدي الحراس، وابتعد ~~مسرعا من ms076 ذلك المكان، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا يكاد يتبين الطريق. # وما زال مجدا في سيره حتى نال منه التعب والخوف بعد حوالي نصف ساعة، فوقف ليستريح، وأخذ ~~يتفرس فيما حوله فوجد أنه في أرض رملية مرتفعة، وقمم جبال لبنان الشامخة تبدو إلى الشرق، ~~تتخللها أضواء متفرقة كأنها فصوص من الماس أو نجوم ترصع الفضاء، ثم رأى القمر بازغا في ~~ربعه الأخير فاستأنس بضوئه، ولبث في جلسته قليلا حتى ارتفع القمر في الأفق، فأدرك على ضوئه ~~أنه بالقرب من المصطبة التي حدثت فيها المقابلة بين الأمير يوسف والجزار، وذكرته الأكمة ~~التي جلس عليها بالليلة التي التقى فيها بعماد الدين قرب الصالحية فساوره القلق عليه وهاجت ~~أحزانه ولم يتمالك عن البكاء. # وبعد قليل، تجلد ونهض فولى وجهه شطر الأضواء المنبعثة من المنازل والمغارات القائمة فوق ~~الجبال الشاهقة الممتدة أمامه، وما زال سائرا في تلك السهول الرملية حتى صادف تلا مرتفعا ~~فصعد إلى قمته وتفرس فيما حواليه، فرأى نورا يبدو قريبا منه، فهبط من التل واتجه إلى مصدر ~~ذلك النور، فلم يبلغه إلا بعد ساعة، فأدرك أنه قرب من البحر؛ إذ سمع هديره، ثم تأمل البناء ~~المنبعث منه ذلك النور، فإذا هو منعزل والسكون يخيم عليه، فدار حوله حتى وجد بابا صغيرا، ~~فدنا منه وقرعه ويده ترتعش قلقا وخوفا، فسمع صوتا من الداخل يقول: «من بالباب؟» فقال: ~~«رجل غريب.» # وبعد قليل، فتح الباب، وظهر خلفه شيخ عجوز في زي القسس وقال له: «مرحبا بك.» ثم أدخله ~~وأغلق الباب وتقدمه إلى غرفة صغيرة بها مصباح زيتي خافت الضوء، وليس فيها من الأثاث سوى ~~حصير فوقه وسادة صغيرة، فترامى عليها متهالكا من فرط التعب، وقال للقس: «عفوا يا سيدي، ~~فأنا في تعب لا مزيد عليه.» # فقال القس: «لعلك في حاجة إلى الطعام.» فسكت عن الجواب، ولكن القس فهم أنه جائع، فغاب عنه ~~قليلا ثم عاد إليه ومعه ما تيسر من الطعام وقلة بها ماء، ثم انصرف وتركه وحده في الغرفة، ~~فأكل وشرب وتمدد على ms077 الحصير، فما لبث أن أدركه النوم ولم يستيقظ إلا وقد طلع النهار. # وعلم بعد ذلك أن البناء الذي أوى إليه هو مغارة النبي إيليا، وهي بمثابة كنيسة يؤمها كثير ~~من النصارى اللبنانيين للصلاة والتبرك ، والوفاء بالنذور. # الفصل الثاني عشر # | فتح بيروت # تركنا السيد عبد الرحمن وقد اعتزم مغادرة القاهرة قاصدا إلى عكا ومعه علي خادمه الخاص، ~~للبحث عن حسن هناك. # وكان قد عرف الطريق إليها من قبل، فقال لعلي: «إن الطريق لا يخلو من خطر ومشقة، ولكني ~~أعرفها جيدا منذ كنت أذهب إلى الشام للتجارة، وقد قطعتها في المرة الماضية بسلام عقب فراري ~~من حملة الحجاز.» # فقال علي: «إني رهن إشارتك وعلى استعداد لأن ألقي بنفسي في البحر أو النار فداء لك، فهيا ~~بنا إلى هناك على بركة الله.» # قال: «بورك فيك من صديق مخلص، وأرى أن نذهب إلى عكا متنكرين، فأعود أنا إلى زي الطبيب ~~المغربي الذي عرفت به هناك، وتتنكر أنت في زي مساعد لي يحمل الجراب الذي به أدوات التنجيم ~~والتنبؤ وضرب الرمل وما إليها؛ ولكي تقوم بمعاونتي حين أضطر إلى فتح المندل.» # فقال: «لقد نطقت بالصواب يا سيدي.» # ثم انطلقا حتى بلغا أول بلدة في الطريق وهي مدينة بلبيس، فابتاعا منها ما يحتاجان إليه من ~~الملابس والأدوات لذلك التنكر، ثم اشتريا هجينين ركباهما إلى العريش، ومن هناك أخذا طريقهما ~~إلى سوريا، فالتقيا بالحملة التي كان علي بك قد أرسلها بقيادة صهره محمد بك أبي الذهب لفتح ~~غزة، ووجدا أن الحملة قد حاصرتها من جميع الجهات تمهيدا لذلك الفتح. # فقال السيد عبد الرحمن: «أرى أن نعدل إلى طريق آخر نصل منه إلى يافا، حتى نكون بمأمن من ~~أن يكشف أمرنا أحد من رجال أبي الذهب.» فاستحسن علي هذا الرأي، وتحولا بهجينيهما إلى طريق ~~آخر يؤدي إلى يافا، وما زالا في حل وترحال حتى بلغاها بسلام، فوجدا أهلها يستعدون للدفاع ~~وهم في خوف من مجيء الحملة المصرية. # وبعد أن استراحا قليلا في يافا، واصلا رحلتهما إلى عكا، فأقاما ms078 بها أسبوعين، وهما يبحثان ~~عن حسن في كل مكان يظنان أنه يقصد إليه، فلم يقفا له على أثر. # وعلما وهما في عكا أن حاكمها الشيخ ضاهر الزيداني أرسل كثيرا من الجند مزودين بالأسلحة ~~والمؤن ، وعلى رأسهم بعض أولاده لمساعدة الحملة المصرية في غزواتها، وفقا للمعاهدة بينه وبين ~~علي بك. # فقال السيد عبد الرحمن: «لا أرى أن نبقى هنا بعد الآن؛ إذ لا فائدة من البقاء، وفيه علينا ~~خطر، ولعل الأوفق أن نذهب إلى بيروت.» # قال: «كما تريد.» ثم سارا من هناك قاصدين إلى بيروت، ومرا ببلدتي صور وصيدا؛ حيث بحثا عن ~~حسن فيهما أيضا فلم يجداه، وما كادا يصلان إلى قرب بيروت حتى وجدا السفن الروسية قد ملأت ~~ميناءها، وأخذت تطلق عليها مدافعها إجابة لطلب الشيخ ضاهر، وكان الأمير يوسف قد أرسل إليه ~~يستنجده لإخراج الجزار من المدينة، واتفقا على الاستعانة بالأسطول الروسي الذي كان مرابطا ~~في قبرص حينذاك، في مقابل خمسة وعشرين ألف قرش، وجعل الأمير موسى ابن الأمير منصور شهاب ~~رهنا عند الأميرال الروسي حتى يدفع ذلك المبلغ. # وكان الجزار قد أتم بناء السور المتهدم، وأحكم تحصين المدينة، فأخذ الأسطول الروسي يضربها ~~من البحر حتى هدم جانبا كبيرا من السور والأبراج، ثم نزل جنوده وحاصروها من البر، ولكن ~~الجزار صمد في دفاعه فبقي الحصار بضعة أشهر حتى مل الروسيون، وعادوا يضربون المدينة ~~بمدافعهم من البحر. # وفي ذلك الحين وصل السيد عبد الرحمن وخادمه إلى بيروت، فلما وجداها على هذه الحال، قال ~~السيد عبد الرحمن: «ماذا نصنع الآن؟ وهل تظن أن حسنا يمكن أن يكون داخل المدينة مع من ~~فيها من المحصورين؟» # فقال علي: «علم ذلك عند الله، وإذا كان سيدي حسن محصورا فيها فإن الله قادر على أن يحفظه ~~سالما.» # فقال السيد عبد الرحمن: «إني عرفت أميرال الأسطول الروسي منذ جئت عكا للمرة الأولى، وأرى ~~أن نذهب لمقابلته لعلنا نفيد من ذلك شيئا.» # قال: «هذا رأي حسن.» ثم سارا إلى معسكر الروسيين خارج المدينة، ورفعا علما أبيض دليل ms079 ~~المسالمة، فلما قبض عليهما الجند وسألوهما عما يريدان، طلب السيد عبد الرحمن مقابلة ~~الأميرال، فساقوهما إلى خيمته. # وما كاد الأميرال يرى السيد عبد الرحمن في زي الطبيب المغربي حتى عرفه فرحب به وسأله: ~~«أين كنت منذ فارقتنا؟» # فقال: «قمت بجولة في الديار المصرية لمزاولة مهنتي، ثم عدت إلى بيروت فإذا بكم تحاصرونها ~~ومعسكركم قريب مني، فجئت لأؤدي لكم واجب التحية وأكون أنا وتابعي في خدمتكم ~~وحمايتكم.» # فتنبه الأميرال إلى وجود تابع مع السيد عبد الرحمن، وقال مداعبا: «يلوح لي أن مهنة ~~التنجيم رائجة في مصر؛ لهذا عدت من هناك ومعك تابع!» # فضحك السيد عبد الرحمن وقال: «يكفيني أن أنال رضاءكم السامي.» ثم أخذ في ملاطفة الأميرال ~~وإطرافه بالملح والفكاهات إلى أن قال الأميرال: «لقد جئنا في المرة الماضية ونحن في نزهة ~~بحرية لطيفة، أما في هذه المرة فنحن في حرب وضرب، وعما قليل نضرب المدينة الضربة الأخيرة، ~~فإما أن يخرج منها الجزار وإما أن ندكها على رأسه.» # فضحك السيد عبد الرحمن وقال: «ما دمتم تحاربون جزارا فالأمر أهون من أن يحتاج إلى إطلاق ~~المدافع ودك الحصون، ويكفي أن تهددوه بالذبح فيستسلم في الحال!» # فأعجب الأميرال بهذه المداعبة وحسبها تلميحا من الطبيب المغربي إلى قرب استسلام الجزار، ~~فمضى يجاذبه أطراف الأحاديث، والسيد عبد الرحمن يضمن كلامه ما يدخل السرور والأمل في النصر ~~القريب إلى قلب الأميرال. # وفيما هو في ذلك، جاء بعض الجنود الروسيين ومعهم رجل عربي قالوا إنه من أهل المدينة وقد ~~هرب منها وقصد إلى المعسكر الروسي، مدعيا أن لديه رسالة يريد تبليغها إلى الأميرال ~~نفسه. # والتفت الأميرال إلى الرجل وأخذ يتأمله مليا، ثم قال له على لسان الترجمان: «يلوح لي أني ~~رأيتك قبل الآن.» # فقال الرجل: «نعم يا مولاي، لقد تشرفت بمقابلتكم في الإسكندرية حين كان أسطولكم راسيا في ~~مينائها، وقد ...» # فقاطعه الأميرال وقال: «نعم، نعم ... قد تذكرت الآن، فأنت الرسول الذي حملت إلينا هناك رسالة ~~من علي بك في القاهرة، أليس كذلك؟» # قال: «نعم يا مولاي.» # قال: ms080 «وماذا جاء بك إلى بيروت إذن؟» # قال: «إني من رجال الشيخ ضاهر الزيداني في عكا، واسمي عماد الدين، وقد أرسلني إلى مصر ~~برسالة منه إلى علي بك، فلما بلغتها وتسلمت الرد عليها، كلفني علي بك حمل رسالته إليكم في ~~الإسكندرية، وحينما أردت الرجوع إلى عكا لم أجد سفينة ذاهبة إليها، فركبت سفينة وجدتها ~~قادمة إلى هنا على أن أقطع المسافة من بيروت إلى عكا على جواد أو جمل، وما وصلت إلى بيروت ~~ودخلتها حتى أغلق الجزار أبوابها ومنع الخروج منها والدخول إليها، فبقيت هذه الفترة الطويلة ~~في خطر القتل بنيران مدافعكم من جهة، وبيد الجزار من جهة أخرى إذا هو علم بأني من رجال ~~الشيخ ضاهر.» # فعجب الأميرال من هذا الاتفاق العجيب وقال لعماد الدين: «وكيف استطعت الاختفاء كل هذا ~~الوقت الطويل؟» # فقال عماد الدين: «يرجع الفضل في ذلك إلى جماعة من الرهبان المسيحيين، يقيمون بدير لهم ~~على سور المدينة عند باب يعقوب، فقد آووني في الدير وتكلفوا بأمري منذ لجأت إليهم محتميا ~~من ظلم الجزار وغدره، وما خاطرت بحياتي اليوم وخرجت من المدينة إلى هنا إلا لكي أرد لهم بعض ~~جميلهم علي، وذلك أني وجدتهم يبحثون عن رسول يبعثون به إليكم كيلا تضربوا ديارهم بمدافعكم؛ ~~لأنهم ليسوا من الأعداء، فتطوعت لإبلاغ هذه الرسالة.» # فأعجب الأميرال بشهامته وسأله: «أين يقع دير القوم؟» فقال: «هو هذا البناء الظاهر من هنا ~~قرب باب يعقوب.» وأشار بيده إلى الدير. # فأصدر الأميرال أمره إلى قائد مدفعيته بأن يجتنبوا ضرب ذلك الدير، ثم أمر بأن تعد خيمة ~~ينزل بها عماد الدين والطبيب المغربي وتابعه، وأن يصرف لهم ما يكفيهم من الطعام والشراب وكل ~~ما يحتاجون إليه إلى أن يقضي الله في أمر المدينة بما يشاء. ~~••• # كان عماد الدين منذ وقعت عيناه على السيد عبد الرحمن قد لاحظ شدة التشابه بينه وبين صديقه ~~حسن، فخفق قلبه حزنا على فراق ذلك الصديق وانقطاع أخباره عنه. كما تذكر ما علمه منه من أن ~~أباه سبقه إلى عكا، فرجح ms081 عنده أن هذا الطبيب المغربي ليس سوى السيد عبد الرحمن والد حسن ~~الذي يبحث عنه. # وما استقر المقام به في الخيمة مع الطبيب المغربي وتابعه وجلسوا لتناول الطعام معا، حتى ~~التفت إليهما وقال: «هل لي أن أسأل من أين جاء السيدان إلى هذه المدينة؟» # فقال السيد عبد الرحمن مقلدا لهجة المغاربة في كلامهم: «جئنا من المغرب، وصناعتنا ~~التطبيب والتنجيم.» # فقال عماد الدين: «أي تطبيب؟ وأي تنجيم يا أخي؟ لقد أكلنا معا عيشا وملحا فلا ينبغي ~~لنا أن يموه بعضنا على بعض.» # فاستعاذ السيد عبد الرحمن بالله من شر هذه الأسئلة المحرجة، ولاسيما بعد أن سمع محدثه ~~يذكر للأميرال أنه من رجال الشيخ ضاهر، وأنه حمل رسالة منه إلى علي بك في مصر، وحمل من هذا ~~رسالة إلى الأميرال، على أنه تجلد حتى لا يفضحه خوفه وقال: «لم أذكر لك إلا الحق يا سيدي، ~~فإذا لم تصدقني فاسأل الأميرال فهو يعرفني منذ بضعة أشهر، وقد صحبته في سفينته من عكا إلى ~~دمياط.» # فابتسم عماد الدين، ورجح لديه أن ظنه في محله، ثم أراد أن يمضي في امتحان محدثه، فقال له: ~~«أكنت في دمياط؟ حسنا ... لقد وضح لي الآن سر المشابهة بين سحنتكما ولهجتكما في الحديث بسحنة ~~أهل مصر ولهجتهم رغم محاولتك تقليد اللهجة المغربية.» # فازداد خوف السيد عبد الرحمن، ولكنه جاهد ليخفي خوفه وقال: «إن تابعي هذا أقام في مصر ~~زمنا طويلا، وكانت أمي من مصر، فضلا عن ترددي إليها كثيرا لمزاولة مهنتي.» # فضحك عماد الدين ساخرا وقال: «أليس غريبا أن تغادرا مصر لمزاولة مهنتكما في غيرها في ~~حين أنها أوسع رزقا، وأهلها أكثر حاجة إلى الكحل وغيره مما في جرابكما.» # فأخذ السيد عبد الرحمن يبتلع ريقه بصعوبة لجفاف حلقه من إحراج محدثه إياه بأسئلته، وخشي ~~أن يطول سكوته فيزداد الرجل ريبة فيه، فقال له: «إن الله هو الرزاق، وقد تعودنا التنقل من ~~بلد إلى بلد، والحل والترحال بيد الله.» # فضحك عماد الدين وقال: «نعم كل شيء بيد الله، ولكنه - جل ms082 شأنه - جعل لكل شيء سببا، فما هو ~~السبب الذي جعلك تترك مصر إلى مدينة محاصرة من جميع الجهات؟!» # وهنا لم يطق علي خادم السيد عبد الرحمن صبرا على هذه الأسئلة المحرجة المتلاحقة، فقال ~~لعماد الدين: «ما هذه الأسئلة كلها يا سيدي؟ هل رأيتنا طلبنا منك رزقا أو سألناك أي ~~سؤال؟» # فضحك عماد الدين ساخرا وقال له: «إن كنت قد أكثرت من الأسئلة فما ذلك إلا لأنني من رجال ~~الشيخ ضاهر حليف علي بك حاكم مصر، وقد يكون في خروجكما منها بلا سبب معقول ما يضر ~~بمصلحتهما، فأسئلتي قانونية كما تريان.» # فاغتاظ السيد عبد الرحمن من خشونة خادمه وإغلاظه القول لعماد الدين، وبادر إلى انتهاره ~~ترضية لهذا قائلا: «ومن أقامك محاميا عني؟ إن أسئلة السيد كلها من حقه أن يسألها، وإذا ~~صح ظني فهو إنما يريد أن يستفزنا ليحفزنا إلى أن نظهر له ما نعرف من فنون التنجيم ~~وغيرها.» # وهنا كان عماد الدين قد انتهى من تناول الطعام، فالتفت إلى السيد عبد الرحمن وقال له: ~~«أما فنون التنجيم فما أحسب أن في الدنيا من هو أعلم مني بأسرارها وخفاياها، مع أني لا أحمل ~~جرابا، وليس معي كتاب ولا أنا مغربي، فهل تريد أن أقدم لك دليلا عمليا على ذلك؟» # فسبق علي إلى الرد على عماد الدين وقال متحديا: «هذا هو الجراب، وفيه كل أدوات التنجيم ~~ومعداته، فأرنا فنك لعلنا منك نستفيد!» قال هذا ونهض، فجاء بالجراب ووضعه بين يدي عماد ~~الدين، ولكن هذا نحى الجراب جانبا وقال: «لا حاجة بي إلى مثل هذه الأدوات.» ثم التفت إلى ~~السيد عبد الرحمن وقال له: «هل أقول ما علمته بفني عنك؟» # فأوجس السيد عبد الرحمن خيفة من هذا التحدي، لكنه لم يسعه إلا أن هز رأسه موافقا وقال: ~~«قل ما عندك.» # فقال عماد الدين: «إن اسمك عبد الرحمن، فهل هذا يكفي أم أقول أيضا؟» # فأجفل السيد عبد الرحمن وعلي، وأخذ كل منهما ينظر إلى الآخر، وفي نظراتهما دلائل العجب ~~والاضطراب، فتجاهل عماد الدين واستأنف ms083 كلامه فقال: «وقد تركت مصر يا سيد عبد الرحمن في جمع ~~كبير من مختلف الأجناس والألوان، ثم تخلفت عنهم في الطريق واتجهت إلى جهة أخرى للقاء بعض ~~الأعزاء، وبينهم ابنك حسن!» # وهنا كان السيد عبد الرحمن وعلي خادمه قد بلغت دهشتهما أشدها فوقفا ينصتان ذاهلين، وبينما ~~مضى عماد الدين في الكلام قائلا: «ولكنك لم تجد الأعزاء الذين ذهبت للقائهم، فرجعت إلى مصر ~~متنكرا في زي طبيب مغربي، وكان رجوعك من طريق البحر.» # فلم يتمالك السيد عبد الرحمن عواطفه بعد ذلك وانفجر باكيا، ثم هم بيدي عماد الدين يحاول ~~تقبيلهما وهو يقول له: «كفى كفى يا سيدي، وما دمت مطلعا على حقيقة أمرنا فأتوسل إليك بحق ~~من تحب أن ترثي لحالنا ولا تفضحنا.» # فبدا التأثر في وجه عماد الدين وقال له: «طب نفسا وقر عينا يا سيد عبد الرحمن، واعلم أن ~~ابنك حسنا بمنزلة أخي، بل هو أعز كثيرا؛ لأني مدين له بحياتي.» # فصاح السيد عبد الرحمن قائلا: «ابني ... ابني حسن ... هل رأيته يا سيدي؟ بالله أخبرني أين ~~هو؟» ثم رمى بنفسه عليه وأخذ يقبل كتفيه وهو يبكي وينتحب، وكذلك فعل علي خادمه، فبكى ~~لبكائهما عماد الدين، ثم أخذ في مواساتهما والتخفيف عنهما، وروى لهما حكايته مع حسن من ~~أولها إلى آخرها، فلما انتهى من ذلك قال له السيد عبد الرحمن: «ألا تظن أن حسنا بعد أن هرب ~~من بيروت قد ذهب إلى عكا ليبحث عني فيها؟» # فقال: «هذا ما أرجحه، وعلى كل حال ثق بأني لن يهدأ لي بال حتى يجمع الله شملنا به سواء ~~أكان في عكا أم في غيرها.» # وفيما هو في ذلك؛ إذ وصل إلى أسماعهم صوت الأبواق تدوي في المعسكر، ثم ما لبثوا أن سمعوا ~~أصوات المدافع منطلقة من البر والبحر على المدينة، فخيل إليهم أن السماء ستنطبق على الأرض ~~وخرجوا من الخيمة مهرولين؛ فإذا الجو قد امتلأ بالدخان والغبار، فأدركوا أن الأميرال قد نفذ ~~ما توعد به من ضرب المدينة ضربته الأخيرة، فلم يسعهم إلا ms084 الرجوع إلى الخيمة والانتظار فيها ~~حتى تنجلي المعركة ويروا ما يكون. # وفي صباح اليوم التالي وقف عماد الدين ومعه السيد عبد الرحمن وعلي خادمه أمام خيمتهم ~~ينظرون إلى بيروت ويأسفون لما نالها من الهدم والتخريب. # وفيما هم كذلك شاهدوا هجانا قادما من الجهة الغربية قاصدا إلى المعسكر، فلما مر ~~بخيمتهم عرف عماد الدين أنه من زملائه رجال الشيخ ضاهر فناداه، وما كاد الرجل يراه حتى بغت ~~وترجل عن هجينه وراح يعانقه ويقبله قائلا: «أين كنت يا أخي؟ لقد أقلقتنا بطول ~~غيابك.» # فقال عماد الدين: «إن حكايتي يطول شرحها، وسأقصها عليك في وقت آخر، فقل لي أنت فيم قدومك ~~الآن؟» # فقال الرجل: «إن الجزار كتب إلى الأمير يوسف شهاب بأنه مستعد لتسليم المدينة على أن يؤذن ~~له بالخروج منها بأصحابه وأمواله آمنا. فكتب الأمير إلى الشيخ ضاهر راجيا أن يتوسط لدى ~~الأسطول الروسي كي يكف عن ضرب المدينة ويرفع عنها الحصار، فأجاب الشيخ ضاهر طلبه، ثم أرسلني ~~برسالة إلى الأميرال؛ ليبعث معي بفرقة من الجنود لتسليم المدينة إلى الأمير يوسف.» # ثم مضى الرسول إلى خيمة الأميرال فأبلغه رسالة الشيخ ضاهر، فأمر هذا بتنفيذ ما جاء ~~فيها. # ولم تمض ساعة حتى خرج الجزار وأعوانه من المدينة، وقد كسا وجوههم الخجل لما أصابهم من ~~الفشل والانكسار، ورغم الخراب الذي عم المدينة أخذ أهلها في الاحتفال برفع الحصار عنها ~~وخروجها من حكم الجزار. # وفي مساء اليوم نفسه عاد جميع الجنود الروسيين إلى سفينتهم في البحر، معتزمين الرحيل بعد ~~أن أدوا مهمتهم، وعرض الأميرال على السيد عبد الرحمن أن يصحبه في سفينته كما صنع في المرة ~~الماضية، فاعتذر شاكرا، ثم سار هو وعلي خادمه ومعهما عماد الدين إلى صيدا فوصلوا إليها بعد ~~مسير حوالي عشر ساعات على شاطئ البحر بالهجين، وهناك ودعهما عماد الدين على أن يسير هو ~~جنوبا قاصدا إلى عكا، بينما يسيران هما شرقا قاصدين إلى دمشق عبر جبال لبنان؛ وذلك كي ~~يبحثوا جميعا في تلك المناطق، ثم يكون لقاؤهم جميعا في عكا ms085 بعد شهر. # الفصل الثالث عشر # | فتح دمشق # ركب السيد عبد الرحمن وعلي خادمه الخاص هجينهما وسارا من صيدا وهما لا يزالان في زيهما ~~المغربي قاصدين إلى دمشق. # وبعد المسير ثلاثة أيام قاصدين تارة على ربى لبنان، وهابطين تارة في سهوله وأوديته، وصلا ~~إلى سهل البقاع المشهور بخصبه، وهو واقع بين جبل لبنان من الغرب وجبل الشيخ من الشرق، فمكثا ~~هناك يوما للاستراحة، ثم استأنفا رحلتهما فقطعا وادي الحرير، ثم وادي القرن المشهور يومئذ ~~بكثرة من فيه من اللصوص وقاطعي الطريق. # وأخيرا دخلا دمشق من باب الجابية، ونزلا بأحد فنادقها حيث باتا فيه ليلتهما واستراحا ~~قليلا من عناء رحلتهما الشاقة، وفي الصباح غادرا الفندق وأخذا يطوفان بأسواق المدينة ~~وشوارعها، وأمضيا في ذلك طول النهار وهما يمعنان النظر في كل غريب يصادفهما لعله أن يكون ~~ضالتهما، ثم عادا إلى الفندق في المساء فتناولا فيه عشاءهما، وأمضيا بعض الوقت يرسمان الخطط ~~ويختاران أحسنها للبحث عن حسن. # وفيما هما جالسان في اليوم التالي بأحد المقاهي، يحتسيان القهوة وأمام كل منهما نارجيلة ~~يدخن فيها التمباك، اقترب منهما أحد أهل المدينة وقد لفت نظره زيهما المغربي وحياهما في أدب ~~ولطف، ثم بدأهما بالحديث قائلا: «لعل دمشق أن تكون قد أعجبت السيدين الكريمين.» # فقال السيد عبد الرحمن: «الحق أنها مدينة عامرة جميلة، وقد وجدنا من لطف أهلها وكرم ~~أخلاقهم ما أنسانا مشاق الأسفار والشوق إلى الوطن والأهل.» # فقال: «ومتى كان وصولكم إليها؟» # قال: «وصلنا منذ يومين.» # فقال: «أهلا وسهلا ومرحبا بكما، لقد شرفت المدينة كلها بزيارتكما لها، ويا حبذا لو أن ~~هذه الزيارة كانت ودمشق في ظروف عادية، إذن لطابت لكما الإقامة بها و...» # فقاطعه علي وقال: «هل المدينة الآن في ظروف غير عادية؟» # فتنهد الدمشقي، وهز رأسه أسفا وقال: «ليس هناك إلا الخير بإذن الله.» وسكت. # فقلق السيد عبد الرحمن وقال: «إنك رجل كريم الأخلاق يبدو عنصرك الطيب في ملامح وجهك ~~وحديثك، ونحن غريبان عن المدينة كما ترى، فهلا صرحت لنا بما طرأ على المدينة لنكون ms086 على بينة ~~من الأمر؟» # فقال الدمشقي: «لقد كانت دمشق إلى ما قبل سنوات مدينة آمنة مطمئنة ينعم نزلاؤها جميعا ~~بالراحة والهدوء والسعادة، ثم تبدل الحال بعد ذلك غير الحال، ولكن الله قادر على أن يعيد ~~الأمور إلى نصابها.» # فازداد قلق السيد عبد الرحمن وقال: «قد سمعنا أن أولاد العظم ولاة هذه البلاد من أحرص ~~الحكام على إقامة العدل والسهر على الرعية، وكان هذا مما حملنا على المجيء لزيارة دمشق، فهل ~~ما سمعناه ليس حقا؟» # فعاد الدمشقي إلى التنهد وهز رأسه أسفا واكتفى بأن قال: «إن ما سمعتموه هو الحق يا سيدي، ~~فالباشا - والحمد لله - لا يدخر جهدا في سبيل أمن البلاد وسعادتها.» # فقال السيد عبد الرحمن: «إذن ماذا هناك؟ لعل الوفاق ليس تاما بين الباشا وبين الأمير ~~يوسف، أو لعل الشيخ ضاهر الزيداني قد امتدت أطماعه إلى هنا؟» # فقال الدمشقي: «لا هذا ولا ذاك، ولكن النكبة جاءتنا من الخارج، ولعلك تسمع بالمماليك ~~الذين يحكمون الديار المصرية وكبيرهم الآن علي بك؟» # فأجفل السيد عبد الرحمن عند سماعه اسم علي بك، وتذكر ما ناله من النكبات على يديه، فقال ~~وهو يشرق بدموعه: «نعم سمعت بأولئك المماليك وكبيرهم المذكور، ولكن ما علاقتهم بهذه ~~البلاد؟» # فقال الدمشقي: «لقد أرسل علي بك هذه الحملة لفتح هذه البلاد والاستيلاء عليها، وسمعنا أن ~~هذه الحملة كثيرة العدد والعدة، ويتولى قيادتها محمد بك أبو الذهب صهر علي بك، وقد استولت ~~على سواحل سوريا وما فيها من السفن بمساعدة الشيخ ضاهر الزيداني، كما سمعت بأنها فتحت طبريا ~~ونابلس وغيرهما، وبأنها الآن في طريقها إلى هنا؛ ولهذا فالباشا وأهل المدينة كلهم في قلق ~~عظيم، ولعلكما مررتما بأسوار المدنية وشاهدتما ما يجري فيها من أعمال الترميم والتحصين ~~استعدادا للدفاع.» ~~••• # استعاذ السيد عبد الرحمن بالله من شر هذا الخطر الجديد، وتذكر هو وعلي خادمه تلك الليلة ~~التي قضياها في الجامع الأزهر مع اللاجئين إليه فرارا من الجنود الخارجين في تلك الحملة، ~~ثم أراد معرفة الأسباب التي أدت إلى إرسالها، فقال لمحدثه الدمشقي: ms087 «وما الذي دعا علي بك ~~إلى مد عدوانه إلى هذه البلاد، هل وقع خلاف بينه وبين الباشا هنا؟» # فقال الدمشقي: «لم يحدث أي شيء يدعو إلى هذا العدوان، ولكن ذلك المملوك الجبار الطاغية ~~تمرد على الدولة العلية وطرد الباشا ممثلها من مصر، ثم لم يكفه هذا فبعث بصهره هذا القادم ~~إلينا لفتح الحجاز بحجة الانتصار لشريف مكة وتأديب الخارجين عليه. وعلى كل حال ما أرى إلا ~~أن الدوائر ستدور على الباغي بإذن الله، وسوف ندافع عن بلادنا تحت راية مولانا الخليفة ~~المعظم، وما النصر إلا من عند الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.» # وتحقق السيد عبد الرحمن من بعد ما سمعه من الدمشقي في المقهى، أن في بقائه في دمشق أكبر ~~الخطر على حياته، ولكنه قال لنفسه: «كيف أغادر هذه المدينة قبل استكمال البحث عن ولدي ~~فيها؟» وبقي صامتا يفكر في هذا الأمر وكله حيرة وقلق واضطراب. # ولم يسع خادمه الوفي إلا أن يشاركه حيرته فبقي صامتا هو الآخر، وإن استقر رأيه على أن ~~يتبع سيده كظله إلى كل مكان يحل فيه، ليكون عونا له في كل ملمة، ويفديه بحياته إذا اقتضى ~~الأمر ذلك. # أما الدمشقي فأدرك ارتباكهما، وحسب أنها خائفان لأنهما غريبان، فمال على السيد عبد الرحمن ~~وربت كتفه متلطفا وقال: «لا تخف يا سيدي؛ فأنت وصاحبك في حمانا، وثق بأن كل دمشقي لا يتأخر ~~عن تقديم حياته وكل ما يملك فداء لضيفه، وإذا تنازلتما بترك الفندق الذي تنزلان به لتقيما ~~معي بمنزلي حتى يقضي الله بما شاء في أمر الحرب المنتظرة، فإني أعد ذلك شرفا لي وحسن ~~حظ.» # فأعجب السيد عبد الرحمن بمروءة الرجل وشهامته ولطف عباراته مما يدل على طيب عنصره وكرم ~~أخلاقه، وشعر كأنما أزيح عن صدره حمل ثقيل، فالتفت إليه وعيناه مغرورقتان بدموع التأثر ~~وقال: «بورك فيك يا سيدي وفي أهل دمشق جميعا، إنكم حقا لأهل لكل كرامة وفخار، وأعتقد أن ~~الله ناصركم على أولئك الباغين.» # ثم نهض مستأذنا في الانصراف بعد أن شكر ms088 له أريحيته وكرمه وعرفه اسمه واسم علي، كما عرف ~~أن اسمه هو سليمان، فألح عليهما في قبول دعوته إياهما إلى الإقامة بمنزله، ولما رأى إصرارهما ~~على البقاء في الفندق أعطاهما عنوان منزله ليقصدا إليه في أي وقت، ثم نهض ليوصلهما إلى ~~الفندق ويطوف بهما خلال ذلك بعض أسواق المدينة وشوارعها. # وما زال الثلاثة سائرين وهم يتبادلون الأحاديث حتى وصلوا إلى باب توما، فخرج بهما سليمان ~~إلى ما هنالك من غياض وبساتين، وداروا حولها حتى نهر بردى، فما كادوا يشرفون عليه حتى شاهدوا ~~أهل القرى في تلك المنطقة يعدون متصايحين وهم يسوقون أمامهم ماشيتهم ووجهتهم المدينة، ~~وسمعوا بعضهم يقولون: «جاء المماليك ... جاء المماليك.» # فعلم السيد عبد الرحمن أن جيش أبي الذهب وصل إلى حدود المدينة، ولم يسعه إلا الرجوع هو ~~وخادمه مع صديقهما الدمشقي إلى المدينة؛ حيث أغلقت أبوابها بعد قليل، وخرج جنود حاميتها إلى ~~الأماكن المعدة للدفاع فوق الأسوار، وفي الأبراج والحصون، وتحصن كثيرون في القلعة، ولجأ ~~الأهلون إلى المنازل خائفين مترقبين. # وباتت دمشق تلك الليلة ساهرة تتقلب على أحر من الجمر، وما أصبح الصباح حتى دوت المدافع، ~~وتسامع الناس بأن المدينة توشك أن تسقط في أيدي الغزاة الفاتحين؛ فقد جاءوها بجنود لا قبل ~~لها بهم، مزودين بأقوى الأسلحة المعروفة في ذلك الحين، وانضم إلى الحملة المصرية جنود كثيرون ~~من المتاولة والزيادنة والصفديين بقيادة أولاد الشيخ ضاهر. # ولم تمض بضعة أيام حتى دخل الفاتحون المدينة وانتشروا في أنحائها للنهب والسلب، وكانت ~~قلعتها ما زالت صامدة للحصار، ولكنها ما لبثت أن سلمت هي الأخرى بعد قليل. ~~••• # لجأ السيد عبد الرحمن وخادمه إلى إحدى الحجرات في الفندق الذي نزلا به، وهما بملابس ~~المغاربة. فلما مضت ساعات بعد فتح المدينة، وخفت حدة النهب الذي قام به الجنود والفاتحون، ~~قال علي لسيده: «ألا تأذن لي في الخروج لتفقد الحالة خارج الفندق، عسى أن نجد فرصة مواتية ~~لمغادرة هذه المدينة؛ حتى لا نقع في يد أبي الذهب؟» # فقال السيد عبد الرحمن: «لا أرى أن تخرج ms089 الآن، فالجنود ما زالوا يملئون الطرقات، وقد يصيبك ~~شيء من شرهم وطغيانهم، كما أني لا أستطيع أن أغادر دمشق إلا بعد أن أجد حسنا فيها أو أتحقق ~~أنه ليس هنا.» # وبعد ساعة أخرى، لم يطق علي صبرا على الانتظار في مخبئهما، فنهض وأتم ارتداء ملابسه ~~المغربية وحمل الجراب على كتفه؛ تأهبا للخروج وهو يقول: «ما أظن الجنود يطمعون في أسلاب ~~مغربي في مثل هيئتي هذه.» ثم خرج من الفندق على أن يستكشف الحالة ويعود بعد قليل. # وما كاد أن يصل إلى الشارع حتى وجد أكثر المتاجر قد حطمت أبوابها ونهب الجنود ما كان فيها، ~~كما وجد أن سكان المنازل ما زالوا في قلق وخوف واضطراب، فحدثته نفسه بالرجوع، لكنه خجل من أن ~~يكون جبانا إلى هذا الحد، وواصل السير حتى بلغ منعطفا إلى يمينه في ذلك الطريق، فوقف ~~مترددا بين الدخول في هذا المنعطف وبين المضي في الطريق الذي هو فيه. # وفيما هو كذلك سمع صوت رجل يدعوه باسمه، فأجفل وخفق قلبه بشدة؛ مخافة أن يكون مناديه ~~جنديا من جنود المماليك، ثم زايله بعض خوفه؛ إذ تذكر أنه متنكر في زي مغربي فلا يمكن أن ~~يعرفه لأول وهلة أي أحد من عارفيه. # وقبل أن يلتفت ليرى من ناداه، كان هذا قد وصل إليه وألقى عليه التحية، فإذا به سليمان ~~الدمشقي الذي تعرف إليه هو وسيده في المقهى يوم مجيء الحملة، فرد تحيته بمثلها معربا عن ~~سروره بلقائه. # فقال سليمان: «أين السيد عبد الرحمن؟» قال: «هو في الفندق.» # قال: «هيا بنا إليه، فعندي له أنباء سارة.» # فانبسطت أسارير وجه علي، وقال له: «سرك الله يا أخي دائما، ما هي هذه الأنباء؟» # فقال: «ستعلمها عما قليل حين نصل إلى الفندق.» # فلم يسعه إلا السكوت وانطلق عائدا إلى سيده في الفندق، لكن الفضول غلب عليه بعد بضع ~~خطوات فعاد يقول لسليمان: «هل هذه الأنباء خاصة بالمماليك الذين فتحوا المدينة ~~اليوم؟» # فقال له: «اصبر يا سيد علي، وستعرف كل شيء بعد حين.» # وكان السيد ms090 عبد الرحمن ما برح جالسا في الحجرة والهواجس تدور في رأسه، فلما وقعت عيناه ~~على سليمان وهو داخل عليه مع علي، نهض مستبشرا بقدومه وابتسامه، وبعد أن تبادلا العناق ~~والقبلات، أجلسه بجانبه، وراح ينظر إلى وجهه مندهشا مما يلوح عليه من دلائل الغبطة ~~والابتهاج، وأراد أن يسأله عن السبب لكنه خجل، وأدرك سليمان ذلك منه، فقال له: «لماذا لا ~~تسألني عما دعاني إلى الابتهاج في مثل هذه الظروف؟» # فقال: «خشيت أن أكون طفيليا فأثقل عليك، ولا شك في أنك صاحب فضل وهمة، فهات ما عندك، بارك ~~الله فيك.» # الفصل الرابع عشر # | أثر الحبيب # قال سليمان الدمشقي لصديقه عبد الرحمن: «لقد علمت بأمر لم يعلمه أحد من أهل المدينة بعد، ~~ولو علموه لتبدل كدرهم واضطرابهم سرورا واطمئنانا.» # فأراد عبد الرحمن استطلاع هذا الأمر واستبشر بمنظر صديقه؛ إذ كان يتكلم وأمارات الابتهاج ~~تلوح على وجهه، فقال له: «هل لك أن تتكرم بإطلاعي على هذا الأمر.» # فقال: لما فتح المماليك المدينة وتسلموا القلعة، فر الوالي ولم يعد يستطيع الإقامة خوفا ~~على حياته، ثم بعث إلى محمد أبي الذهب قائد الحملة المصرية يطلب إليه الاجتماع لعقد شروط ~~التسليم حسب المعتاد، فأجابه إلى ذلك، وكنت ممن ذهبوا مع الوالي إلى مكان الاجتماع، وكان ~~محمد أبو الذهب جالسا هناك متعجرفا منتفخا نفخة النصر، وبين يديه أصحاب مجلسه من الأمراء ~~المماليك، فلما دخل عليه الباشا وقف له تأدبا، غير أن مخايل الكبرياء كانت تلوح على ~~وجهه. # وكان لي صديق حميم بين رجال الباشا الذين وقفوا في انتظاره خارج الباب بعد أن ترجل عن ~~جواده، فأسررت إليه أن ينتبه لما يدور بين الأميرين؛ لنرى شروط التسليم، ولبثت بعيدا أنتظر ~~ارفضاض المجلس، وبعد قليل رفع الستر وخرج جميع الأمراء المماليك الذين كانوا في مجلس محمد ~~أبي الذهب، ولم يبق إلا هو والباشا، فاستغربت ذلك وقلت: «لعل في الأمر شيئا.» وما خرج ~~الباشا من عند أبي الذهب وركب جواده حتى سارعت إلى صاحبي وسألته عما كان، فقال لي: «أبشر يا ms091 ~~سليمان، لقد فرجها الله.» فقلت: «وكيف كان ذلك؟» قال: «إن عثمان باشا سأل أبا الذهب بعد أن خلا ~~إليه: باسم من نكتب معاهدة التسليم؟» فقال أبو الذهب: «نكتبها باسم علي بك صاحب مصر.» ~~فضحك عثمان باشا، وقال: «أتفتح البلاد وتتجشم خطر الحروب والأسفار ويكون الفخر لذلك الجالس ~~على عرشه في القاهرة؟! وهب أنه أمير البلاد وأنت من قواده، فكيف تخرج من طاعة خليفة رسول ~~الله سلطان البرين وخاقان البحرين لتكون في طاعة بعض أمرائه النابذين طاعته؟! إن مولانا ~~السلطان مصطفى خان لأجدر بالطاعة، ولاسيما أنه لم يأت معك ولا من الأمير ما يدعو إلى غير ~~ذلك، وسيان عندي أن تكتب شروط التسليم باسمك أو باسم علي بك، ولكني أرى أن ليس من مصلحتك في ~~شيء أن تذعن لأمر علي بك وتخالف أمر السلطان، في حين أن علي بك لا يفضلك بشيء، وقد فتحت له ~~الحجاز والشام وهو جالس في القاهرة بين سراريه ومماليكه وخدمه وحشمه، وليس يخفى عيك أن فخر ~~الفتح لا يعود على أمثالك من القواد العظام بقدر ما يعود عليه هو دون أن يتجشم في سبيل ذلك ~~أي عناء، وهكذا يذهب كل تعبك أدراج الرياح، ثم تكون في الوقت نفسه عرضة لغضب مولانا السلطان ~~وانتقامه، فضلا عن مخالفة الشرع؛ لأنكم إنما تحاربون لتنصروا الإفرنج على المسلمين، وإنما ~~ساعدتكم ملكة المسكوف، لكي تنال بغيتها وتنتصر على المسلمين في بلاد الروملي. وهب أنكم فتحتم ~~الشام والحجاز، فأين هذه البقعة الصغيرة من المملكة العثمانية الواسعة الأطراف؟ وأين جنود ~~الحجاز والشام من الجيوش العثمانية المظفرة التي فتحت العالم بسطوتها وبطشها وشجاعة ~~قوادها؟» # فمال محمد أبو الذهب إلى الإذعان، واستشار الباشا فيما يفعل، فأشار عليه بأن يقلع عن ~~الانقياد إلى علي بك ويعود إلى طاعة خليفة رسول الله وظل الله على الأرض سلطان البرين ~~وخاقان البحرين، وبذلك ينال فخرا عظيما وينجو من الأخطار ومشاق الأسفار. # فصمت أبو الذهب قليلا وأطرق مفكرا، ثم رفع رأسه وقال: «لقد نطقت بالصواب.» ثم طلب إليه ~~عثمان باشا ms092 أن يقسم على السيف والكتاب ليكونن مخلصا للدولة العلية ويكف عن حربها، ~~ففعل. # فقال عبد الرحمن لسليمان الدمشقي: «وماذا تم في الأمر بعد ذلك؟» # قال: «إنني عدت إلى معسكر المصريين على أثر هذا الذي سمعته، فرأيت خيمة الأمير مغلقة، ~~والجنود المصريين في هرج ومرج، لكنهم قد كفوا عن الأذى. ثم دنوت من خيمة محمد أبي الذهب، ~~واسترقت السمع دون أن يشعر بي أحد، فسمعته يخاطب أمراءه قائلا: «إنكم تشكون مشقة الأسفار ~~وأخطار الحروب، وما أرى إلا أن علي بك يريد إعدامنا بهذه الكتب التي يبعث بها إلينا لكي ~~نقذف بأنفسها في أتون الحرب، وكأنما جبلنا من تراب وجبل هو من تبر؛ ولذلك لا يشفق على ~~حياتنا ولا على نسائنا وأولادنا الذين تركناهم في مصر لنسير في بلاد الله، بينما هو يعيش ~~منعما بين حريمه وسراريه.» # ثم استطلع رأيهم، ففوضوا الرأي إليه فقال: «أرى أن نعود إلى بيوتنا ونكف عن الحرب وعن ~~نبذ طاعة مولانا السلطان، وها أنا ذا أقسم لأحافظن على هذا العهد.» فردد هذا القسم، ولم يسعني ~~بعد هذا إلا أن أسجد شكرا لله على نجاتنا من حكم المماليك، ثم أسرعت لأطلعك على ذلك.» ~~••• # كان سرور عبد الرحمن عظيما بما سمعه من صاحبه الدمشقي، ولم يتمالك أن رفع يديه إلى ~~السماء وقال: «تباركت يا رب، ولك الحمد. ها قد انقلب الظالمون على أعقابهم وستقوم الفتن ~~بينهم فيبيد بعضهم بعضا.» # ثم التفت إلى سليمان وقال له: «إنكم من أهل هذه المدينة، ونجاتها تهمكم أكثر مما تهمني، ~~ولكني أؤكد لك يا أخي أن فرح أهل دمشق كافة لا يوازي فرحي بحبوط مسعى هؤلاء ~~المماليك!» # وسكت وقد ملأت الدموع عينيه، فلم يجرؤ سليمان على مخاطبته وبقي صامتا يتأمل حركاته، ثم ~~عاد عبد الرحمن إلى الحديث فقال: «اعذرني يا أخي إذا رأيت في هذا الضعف؛ لأن هؤلاء المماليك ~~نغصوا عيشي وشتتوا شملي واغتصبوا أملاكي وأموالي وأبعدوا عني ولدي.» # واغرورقت عيناه بالدمع. # فتعجب سليمان، وود لو يقف على تفصيل ذلك فقال: «لا شك في ms093 أن هؤلاء القوم قد أمعنوا في ~~الظلم والفساد، ولسوف ينالون جزاء أعمالهم، ولكن هلا أطلعتني على تفصيل أمرهم معك لعلي ~~أستطيع مساعدتك؟» # فأراد عبد الرحمن الكتمان، ثم رأى أن في الإدلاء بقصته إلى صديقه الدمشقي ما قد يفرج ~~كربه، فتنهد وقال: «آه يا أخي! لقد كنت أوثر كتمان هذا الأمر، ولكنني آنست منك مروءة ~~وإخلاصا فملت إلى الشكوى إليك؛ تمثلا بقول القائل: # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يواسيك أو يسليك أو يتوجع» # وقص عليه حكايته من أولها إلى آخرها، فلما انتهى من ذلك قال سليمان: «والله إن حكايتك ~~لمما يتفطر له القلب، فهل أنت مؤمل أن تجد ولدك هنا؟» # قال: «لولا الأمل ما تجشمت الأخطار ومشاق الأسفار.» # قال: «إذن هيا ننزل إلى المدينة لعل الله أن يفتح لنا باب الفرج أو يأتينا بأمر من ~~عنده.» # فنهضوا وخرجوا إلى الأسواق وإذا بأهل المدينة قد غمرهم الفرح؛ إذ سمعوا مناديا ينادي ~~بالأمان وعودة الناس إلى أعمالهم؛ لأن جند المماليك عائدون من دمشق. # فتحقق عبد الرحمن صحة رواية صديقه، فقال له: «أرى أن نذهب خارج المدينة حيث يجتمع الناس ~~لمشاهدة عودة الجنود المصريين، فلعلي أجد ولدي بينهم»، فوافقه على ذلك، وسارا حتى خرجا إلى ~~حيث معسكر أبي الذهب، فإذا بالمماليك والمغاربة يقوضون الخيام ويحملون الأثقال، وأهل دمشق ~~ينظرون إليهم ويعجبون لهذا الانسحاب السريع. ولم يأت الغروب حتى سارت الحملة عائدة من حيث ~~أتت. # أما عبد الرحمن فكانت عيناه شائعتين في الجماهير لعله يشاهد ولده حسنا، ولكنه لم يقف له ~~على أثر. # ولبث بضعة أيام في المدينة يواصل البحث عنه حتى يئس من لقائه، فودع صديقه الدمشقي وأخبره ~~بأنه اعتزم السفر، فتأثر هذا وحزن لحبوط مسعاه، ثم قال له: «إني والله لن يهدأ لي بال حتى ~~أعلم بوجود ولدك، وقد عرفت شكله وملامحه وسأراقب من أراهم من الغرباء، فلعلي أقف على خبره ~~فأبلغك ذلك، ولكن أين تكون؟» # فقال عبد الرحمن: «إني ذاهب إلى عكا الآن، ولا أعلم أين تسوقني المقادير.» # قال: «ألا ms094 ترجو أن تعود إلى مصر بعد ذلك؟» قال: «لا أدري.» # قال: «إن الله يدبر الأمر كيف شاء، وهو لطيف بعباده رحيم خبير.» # وعلى أثر ذلك سار عبد الرحمن مع خادمه على جملين في قافلة كانت سائرة إلى صيدا على أن ~~يسيرا من هناك إلى عكا. ~~••• # ما زالت القافلة تواصل سيرها وعبد الرحمن وخادمه فيها، وبعد أن قطعت القافلة بضع مراحل ~~قال خادم عبد الرحمن له: «أتأذن لي في كلمة؟» قال: «قل ما بدا لك يا علي.» # فقال: «إننا أينما نتوجه نجد عدونا أمامنا، وقد تركنا مصر فرارا من ظلم علي بك، فإذا ~~جئنا عكا كنا في خوف من الشيخ ضاهر العمر؛ لأنه حليفه، وعلى هذا لا نستطيع الظهور هناك، ثم ~~إن العثور على سيدي حسن أمر لا نقوى عليه إلا بمساعدة الحكومة، فهلا فكرنا في وسيلة نتقرب ~~بها إلى الشيخ ضاهر هذا.» # فقال عبد الرحمن: «إني إذا ذهبت إليه بنفسي وأطلعته على أمري، أخشى أن يأمر ~~بقتلي.» # فقال علي: «خطرت لي فكرة إذا أذن لي مولاي أطلعته عليها.» # قال: «قل ما بدا لك.» # قال: «أرى أن تلتمس مساعدة الأميرال الروسي قائد السفن الروسية في البحر المتوسط، فقد ~~آنست منه ميلا إليك يوم كنا في ضواحي بيروت، ولو أنك سألته أن يعطيك توصية إلى الشيخ ضاهر ~~العمر ما أظنه يأبى ذلك، ولا شك في أن الشيخ ضاهر يعمل بها لما بينهما من التحالف، فما ~~رأيك؟» # فتهلل وجه عبد الرحمن استبشارا بهذه الفكرة وقال: «بورك فيك يا علي. لقد نطقت بالصواب، ~~وليس أفضل لنا من هذه التوصية لدى الشيخ ضاهر، لكن كيف نعرف مكان العمارة الآن؟» # قال: «إذا وصلنا إلى مدينة صيدا نستفهم عن مكانها ونسير إليها والاتكال على الله.» قال: ~~«حسنا.» ثم تذكر فقد ولده فعاد إليه قلقه وقال: «آه يا حسن! هل يقدر لي أن ألقاك؟» # فقال علي: «صبرا يا سيدي، إن قلبي يحدثني بأننا لا نلبث أن نلتقي به؛ إذ قد تحقق لدينا من ~~ذلك الشهم عماد الدين أنه ms095 لا يزال على قيد الحياة، ولعله الآن في عكا؛ لأننا لم نجده في ~~دمشق، وإذا كان هناك فسيلتقي به عماد الدين ويخبره بأمرنا فيبقى هناك في انتظارنا.» # فقال عبد الرحمن: «كل شيء بيد الله . وأرى أن هذه القافلة بطيئة السير وأحمالها ثقيلة، ~~فالأفضل أن نسبقها.» # قال: «لا يا سيدي؛ لأننا لا نأمن المسير وحدنا في الطريق، فاللصوص فيه كثيرون من البدو ~~وغيرهم، ولا بد لنا من مرافقة القافلة؛ إذ نكون في أمن معها.» # قال: «حسنا، ولكن هناك أمرا آخر قد أهمني كثيرا.» # قال: «ما هو؟» # قال: «رأيت في الحلم يوم خروجنا من دمشق كأني لقيت سيدتك في ثياب سوداء، فقالت لي عبارة ~~لا أزال أذكرها وهي «إني لا أزال حية أنتظرك، فمتى تأتي إلي؟» فتذكرت ما وعدني به السيد ~~المحروقي بمصر من أنه سيطلعني على أمرها إذا لم يتحقق قتلها، فكيف نستطلع حقيقة ~~ذلك؟» # فقال: «إذا شئت فإني أذهب إلى مصر، متى وصلنا إلى عكا، وأسأل السيد المحروقي في ذلك ~~الأمر، عسى الله أن يحقق أملك.» # قال: «بورك فيك يا علي، ولعل الله قد قضى بجبر قلوبنا بعد ما قاسيناه من العذاب.» # وبعد مسيرة بضعة أيام وصلا إلى صيدا، فدخل عبد الرحمن المدينة وسار توا إلى البحر، فإذا ~~بالعمارة الروسية راسية في الميناء، فاكترى قاربا وقصد إلى دارعة الأميرال وطلع إليها، فسر ~~الأميرال بلقائه وبش في وجهه، أما هو فأظهر الانقباض، فسأله الأميرال عن أمره، فطلب أن يخاطبه ~~على انفراد، فخلا إليه في غرفة هناك، حيث قص عليه عبد الرحمن قصته وطلب إليه أن يوصي به ~~الشيخ ضاهر العمر، فرد عليه قائلا: «هذا أمر هين، وسأعطيك كتابا آخر إلى علي بك.» # ثم أمر بأن يكتب له كتابان: أحدهما إلى الشيخ ضاهر، والآخر إلى علي بك يؤكد فيهما التوصية ~~به، ثم ختم الكتابين بخاتمه وسلمهما لعبد الرحمن قائلا: «مهما يصبك من ضيق فإنا نفرجه ~~عنك.» فقبل عبد الرحمن يده وخرج شاكرا. ثم ركب في قارب وعاد إلى صيدا فإذا بعلي ينتظره ms096 على ~~الشاطئ، فلما رآه أسرع إليه وسأله عما تم، فأخبره بما كان فسر كثيرا، ثم عاد إلى الخان ~~وباتا تلك الليلة على أهبة السفر. وفي صباح اليوم التالي ركبا من صيدا يريدان عكا. ~~••• # استيقظ حسن من نومه في تلك الحجرة الصغيرة على صوت الناقوس يدعو الناس إلى الصلاة، فنهض ~~وخرج من الدير إلى حيث وقف على مرتفع، وأخذ ينظر إلى ما حوله فإذا هو محاط بسهول من الرمال ~~يحدها من الغرب البحر الذي لا ينفك يدمدم ليلا ونهارا، ومن الشرق جبل لبنان وما في سفحه ~~من الغياض والبساتين والقرى. # ولما عاد الراهب من الصلاة قال لحسن: «هيا بنا لأريك المغارة التي كان يبيت بها النبي ~~إيليا؟» ثم قاده إلى باب صغير فتحه، ونزل به بضع درجات إلى مغارة صغيرة فيها صورة صغيرة ~~على قماش، فقبلها الراهب قائلا: «هذه هي صورة النبي إيليا صاحب العجائب والمعجزات.» # فقال حسن: «إنه - عليه السلام - مشهور بالكرامات والعجائب.» ثم حانت منه التفاتة إلى ركن من ~~أركان تلك المغارة، فشاهد رجلا مضطجعا، فقال: «من هذا النائم؟» فأشار إليه الراهب أن يسكت، ~~فسكت وقد استولت عليه الرهبة من منظر تلك المغارة ومنظر ذلك الراهب المسن بما عليه من ~~اللباس الخشن. # ولما خرجا قال له الراهب: «إن ذلك الرجل الذي رأيته نائما مصاب بروح شريرة، وقد جاء ونام ~~في هذه المغارة لتخرج منه تلك الروح.» # ثم عادا إلى مسطبة مشرفة على البحر، وجاء الراهب بغليون ملأه تبغا وأشعله له، فأخذ حسن ~~يدخن ثم قال للراهب: «ألا تستغرب مجيئي إليكم وأنا لست مسيحيا؟» # قال: «إن هذا المكان يا ولدي يأتيه الزائرون من سائر الطوائف والملل بغير ~~استثناء.» # قال: «وكم تبعد مدينة صيدا من هذا المكان؟» # قال: «مسافة يوم تقريبا، والطريق على شاطئ البحر ومعظمها في الرمال.» # قال: «وهل يستطيع الرجل أن يسير منفردا؟» # قال: «قد يستطيع ذلك، ولكن الطريق لا يخلو من الخطر ولاسيما في هذه الأيام.» # فقال: «ما الداعي لزيادة الخطر الآن؟» # قال: «الداعي إلى ذلك كثرة خطايانا ms097 وعدم سيرنا على مقتضى أوامر الله سبحانه وتعالى، حتى ~~اختلف حكامنا وقام الخصام بينهم ونشبت الحروب؛ فإن صيدا تابعة لحكومة لبنان ولكنها دخلت في ~~حوزة الشيخ ضاهر العمر الزيداني والي عكا، وهذا الرجل قد نبذ طاعة الدولة العلية وطمع في ~~السلطة، وقامت بين رجاله ورجال الأمير يوسف حاكم لبنان حروب كثيرة في أماكن مختلفة، وفي ~~السنة الماضية جاء ذلك الأمير الشهابي بجند من لبنان ومن عسكر الدولة لفتح صيدا، فأخرج منها ~~الدنكزلي حاكمها من قبل الشيخ ضاهر، وبعد حصار أسبوع جاءت المراكب الروسية التي هي في هذا ~~البحر بإيعاز من الشيخ ضاهر وضربت جنود الأمير يوسف بالقنابل وشتتتها. أما هذه السفن - ومن ~~بينها خمس سفن كبار - فإنها مرسلة من كترينة ملكة المسكوف لمساعدة الشيخ ضاهر في كل ما ~~يريد؛ وذلك لأنها حليفته ضد الدولة العلية.» # فقال حسن: «إذن الطريق خطر ولا يستطيع المرء أن يسير وحده فيه؟» # فضحك الراهب حتى اهتزت لحيته ثم قال: «بل لا يستطيع نفر من الناس أن يسيروا في هذه ~~الأصقاع آمنين من الخطر، وترانا لذلك في ضيق شديد.» # فقال حسن: «حقا إن هذا لمما يضيق عليكم؛ إذ يقل عدد الوافدين من الزوار وغيرهم.» # فقال الراهب: «ليس ذلك فقط ما نشكوه، ولكن من عاداتنا ومثلنا في ذلك جميع الأديرة، أن ~~نبعث كل سنة وفدا من الرهبان يطوفون البلاد المجاورة والبعيدة لجمع النذور التي ينذرها ~~أصحابها باسم صاحب هذا الدير - قدس الله سره - لكننا في هذه الأيام لا نستطيع إرسال أحد، وقد ~~مضت علينا بضع سنين لم نرسل أحدا إلى أن كانت هذه السنة فبعثنا بعض رجالنا يطوفون البلاد ~~لجمع النذور، وقد مضى عليهم بضعة أشهر دون أن يرجعوا، فترانا من أجل ذلك في قلق عظيم عليهم ~~لئلا يكونوا قد أصيبوا بسوء من اللصوص في الطريق بعد نهب ما جمعوه من هذه النذور.» # فقال حسن: «لقد أخطأتم إذن يا سيدي بإرسالهم.» # قال الراهب: «إننا لم نرسلهم إلا بعد أن رأينا إرسالهم ضروريا؛ لأننا نرسلهم أيضا ~~للأديرة الأخرى ms098 في الأقطار البعيدة لجمع المساعدات، وللطائفة الأرثوذكسية أديرة عديدة في ~~أماكن مختلفة فيساعد غنيها فقيرها.» # فقال حسن: «ولكن ألا تخافون وأنتم في هذه البرية من أن يسطو عليكم اللصوص أو قاطعوا ~~الطرق؟» # فقال: «قلما خفنا ذلك؛ لأن الله يحرس أماكن العبادة.» # فقال حسن: «وهل للمسلمين مكان مثل هذا في هذه الأنحاء؟» # قال: «إن لهم مقاما قديم العهد جدا على مقربة منا، يقال له مقام الشيخ الأوزاعي، وقد ~~مرت عليه أجيال عديدة، والزائرون من المسلمين يقصدونه كما يقصدون هذا الدير.» # فتاقت نفس حسن لزيارة ذلك المقام؛ لأنه كان يقرأ كثيرا عن كرامات الشيخ الأوزاعي، فقال: ~~«هل هو بعيد من هنا؟» # قال: «لا ... فهو لا يبعد إلا مسافة تدخين غليون.» # قال: «هل يمكنني الذهاب إليه؟» # قال: «نعم إذا مشيت على هذا الرمل مشرقا، فإنك تشرف عليه حالا، وهو قائم في قرية يقال ~~لها قرية منتوش.» # فقال: «ألا ترسل معي أحدا من خدم الدير.» # قال: «لك ذلك.» ثم نادى أحد الخدم فجاء وسار مع حسن حتى أشرفا على قرية صغيرة في وسط تلك ~~الرمال، ثم وصلا إليها، فإذا هي غاية في الصغر، وفي جانب منها قبة فيها ضريح، فسار حسن توا ~~إلى المقام وقرأ الفاتحة، ثم تذكر ما جاء من أجله إلى تلك الديار فانقبضت نفسه وتذكر أباه ~~ووالدته، فأخذ يصلي ويتضرع إلى الله تعالى ألا تحبط مساعيه. # وبعد أن أتم الصلاة والدعاء، أعطى خادم الضريح بعض المال، ثم عاد وقد انبسطت نفسه وتجددت ~~آماله بلقيا والديه، رغم ما كان يظن من قتل والدته، وأحس كأنه أصبح في عالم غير الذي كان ~~فيه. # فلما عاد إلى الدير رأى عند بابه جمالا كأنها قادمة من سفر طويل، فتوسم الخير وأسرع إلى ~~الدير، فلقيه وكيله منبسط الوجه قائلا: «نحمد الله يا ولدي، أن وفدنا قد عاد من سفره ~~بخير.» وقاده إلى غرفة من غرف الدير ليريه إياهم، فوجدهم جالسين والشمس قد لوحت وجوههم ~~والأسفار قد أنهكتهم، ورأى بين أيديهم كيسا علم أن فيه التحف التي ms099 أتوا بها. # فجلس إليهم وأخذ يسألهم عن الأمن في الطريق فقال أحدهم: «إن أشد الطريق خطرا ما بين مصر ~~والشام.» # فقال: «هل وصلتم إلى مصر؟» # قال: «نعم ذهبنا إليها، وعدنا منها بخير.» # فقال: «وهل أهل مصر ينذرون لهذا الدير أيضا؟» # فقال الوكيل: «قلت لك يا ولدي إننا نرسل هؤلاء ليس لجمع النذور فقط، ولكن لجمع المساعدات ~~من الأديار الأخرى، وهناك بقرب القاهرة دير يوناني، وبعض الأديار القبطية تعودنا تلقي ~~المساعدة منها.» # فتأوه حسن لتذكره تلك البلاد التي فقد فيها والديه، وقال: «عسى أن تكونوا قد نلتم ما ~~أردتم؟» # فقال أحد الرهبان القادمين: «إننا لقينا في دير مار جرجس أكثر مما نلناه من سواه، وقد وقع ~~لنا فيه اتفاق غريب مع راهبة من راهباته، وذلك أننا نزلنا هناك، وبعد أن أتتنا الرئيسة ~~بالمساعدة المعتادة، جاءتنا راهبة يظهر أنها ليست يونانية مثل بقية الراهبات هناك؛ إذ كلمتنا ~~باللغة المصرية، ولما علمت بأننا قادمون من الشام بكت ثم أخرجت من جيبها عقدا من الكهرمان ~~الثمين وقالت: «إني أقدم هذا العقد لمقام النبي إيليا، وإذا وجدت ضالتي فسيكون علي نذر آخر ~~كبير.» # فتعجبنا من قولها، وأردنا الاستفهام منها، فأومأت الرئيسة إلينا ألا نسألها فسكتنا، ثم لما ~~خلونا إلى الرئيسة أسرت إلينا أمرا لا يمكننا ذكره، ولكننا صلينا من أجلها صلاة خاصة ~~وتضرعنا إلى الله أن ينيلها مرامها؛ لأننا رأيناها منكسرة القلب، عسى أن يستجيب الله ~~دعاءنا.» # فأحس حسن بانقباض، وصمت. أما الراهب فأخرج من جيبه عقد الكهرمان وقدمه لوكيل الدير لينظر ~~إليه، فما رآه حسن حتى خفق قلبه، وتأمله فإذا هو عقد والدته بعينه، وظهرت على وجهه أمارات ~~الدهشة، فتعجب الحاضرون من ذلك ولبثوا ينظرون إليه وهو يتأمل العقد ويقبله، ثم رفع رأسه إلى ~~الراهب وقال له وقد شرق بدموعه: «هل رأيت صاحبة هذا العقد في ذلك الدير؟» قال: ~~«نعم.» # فقال حسن: «هل تحققت وجهها جيدا؟» # قال: «لم أتحققه تماما، ولكنني علمت من مجمل ملامحها ومن الوشم الذي على صدغها أنها من ~~أهل مصر.» ms100 # فقال حسن وقد وثب من مكانه: «هل عاينت الوشم الذي على صدغها؟ أهو ثلاث نقط ~~متوازيات؟» # فنظر الراهب إلى حسن متعجبا وقال: «إن الوشم الذي على وجهها كان على هذه الصورة حقيقة، ~~فكيف عرفت ذلك؟» # قال حسن: «هي والدتي.» ثم أخذ في التأوه والبكاء، فبهت الجميع، ثم قص حسن على الرهبان ~~قصته، فعلموا أن أباه هو ضالة تلك السيدة، وأنها تعتقد أن ابنها قتل وليس على قيد ~~الحياة. # فدنا أحد الرهبان من حسن وطلب الانفراد به، فلما انفردا قال له: «بما أني قد عرفت أن تلك ~~السيدة هي والدتك، فأخبرك بأن السر الذي أسرته إلى الرئيسة إنما هو حكاية فقدكما، وقد ~~أوصتني بأن أبحث لها عن أبيك وأخبرها، فهل تعرف عنه شيئا؟» # فقال حسن: «وهل ذكرت لك شيئا عن ولدها؟» قال: «لا.» # قال: «ذلك لأنها قد تحققت قتلي.» ثم أخذ في البكاء. # فقال له الراهب: «خفف عنك يا ولدي وأخبرني بما تعرفه عن أبيك؟» # قال: «لا أعرف عنه سوى أنه جاء إلى عكا هاربا من وجه حكامنا المماليك، وأنا الآن لم أصل ~~إلى تلك المدينة، وقد كنت عازما على المسير إليها منذ أيام، ولكن خطر الطريق حال بيني وبين ~~ما أريد.» # ثم صمت وأطرق مفكرا في ذلك الاتفاق العجيب، وبعد قليل رفع رأسه وقال: «من لي بأن أطير ~~إلى القاهرة وأشاهد تلك الوالدة المسكينة وأعلمها بأني لا أزال على قيد الحياة، لا شك أنها ~~حالما تراني تقع في دهشة وربما أصابها جنون؛ لأنها رأت بعينها الجلادين يقودونني بحبل ~~ليغرقوني في البحر، وكيف تحلم بأني لا أزال حيا وهي لو علمت ذلك لطارت إلي بأجنحة الشوق، ~~فكل همها الآن لقاء أبي.» ثم رفع يديه نحو السماء ودعا الله قائلا: «يا رب العالمين، أسألك ~~بجاه سيد المرسلين ألا تحرمنا من الاجتماع مرة ثانية في بيت واحد، إنك جابر قلوب ~~المستضعفين.» # فقال الراهب: «آمين يا رب آمين.» ثم خرجا إلى حيث كان الباقون. وعلم حسن أن لا بد من ~~الانتظار حتى تمر قافلة ms101 فيصحبها إلى هناك؛ لأن الطريق لا يخلو من الخطر، فلم يسعه إلا ~~الانتظار على نار. ~~••• # خرج عبد الرحمن من صيدا مع خادمه برفقة جماعة يريدون عكا، فمروا بمدينة صور التي كانت منذ ~~القدم أعظم مدن سوريا قوة وثروة، ومكثوا فيها يوما ثم ساروا منها يريدون عكا، فمروا ~~بالناقورة وهي جبل صخري مرتفع واقع على شاطئ البحر، يخترقه طريق يصعب سلوكها؛ لوعورتها ~~وتعرضها لهجمات اللصوص، وإذا نظر المار فيها إلى أسفل الجبل هاب ارتفاعه عن البحر وسمع صوت ~~الأمواج تلطم قاعدته، وإذا نظر فوقه خيل له أن الجبل سيسقط عليه. فقطعوا ذلك الجبل بسلام ~~وما زالوا يجدون السير ليصلوا إلى المدينة قبل الغروب؛ مخافة أن تغلق أبوابها قبل وصولهم. ~~لكنهم أمسى عليهم المساء قبل أن يدخلوها، وكانوا بقرب بابها الشرقي فقال التجار: «نخشى إذا ~~سرنا إلى المدينة أن يكون الباب مغلقا، فلنبت الليلة هنا، وفي الغد ندخل المدينة.» فنصبوا ~~خيامهم وباتوا ليلتهم ساهرين؛ مخافة أن يعتدي عليهم أحد. # وكان عبد الرحمن وخادمه أكثر الجميع حذرا، فقضوا معظم الليل جالسين، ولما أصبح الصباح ~~دخلوا المدينة جميعا، فسار عبد الرحمن توا إلى الخان الذي كان قد نزل به في المرة الأولى، ~~فتلقاه صاحبه بالترحاب وأخلى له غرفة من غرفه، فمكث بها ذلك اليوم للاستراحة والاستعداد ~~لمقابلة الشيخ ضاهر وعرض كتاب الأميرال عليه، وكان يخاف حبوط مسعاه، فكان تارة يفضل كتمان ~~أمره حتى يقابل صديقه عماد الدين، وطورا تحدثه نفسه بالمسارعة إلى مقابلة الشيخ ضاهر، فلبث ~~في المدينة وهو بلباس المغاربة أسبوعا، وأخذ يجول في أسواقها ويسير إلى مقر الحكومة لعله ~~يلقى عماد الدين، لكنه لم يقف له على أثر، فاعتزم الانتظار حتى يلقاه ويستشيره في أمر ~~الكتاب. # ثم سمع أن الشيخ ضاهر خرج في فرقة من رجاله لمحاربة بعض اللبنانيين في بعض الجهات، فلبث ~~ينتظر عودته وهو يسعى جهده في البحث عن عماد الدين وحسن، فمضى شهر ومعظم الشهر الثاني دون ~~أن يعلم شيئا جديدا حتى كاد ييأس، ثم ذهب يوما إلى قصر ms102 الشيخ ضاهر وقد التف ببرنسه ~~وخادمه يحمل له الجراب إيذانا بأنه طبيب مغربي يكتب الحجاب ويكتب الكتاب ... إلخ. فلما أشرف ~~على القصر عند الزاوية الشمالية لسور المدينة تعجب لهول منظره؛ لأنه رآه أشبه بالقلاع لعلو ~~أسواره ومتانة بنائه، وفيما هو يتأمل ذلك البناء وقد هم بالدخول رأى أحد الجند قادما وعرف ~~أنه الهجان الذي ذهب إلى بيروت برسالة الشيخ ضاهر إلى الأميرال الروسي، وكذلك عرفه الجندي ~~فحياه وسأله عن أمره فقال: «إني أزاول مهنة الطب هنا.» وأخذ علي يطنب للجندي في مدح مهارة ~~سيده في تلك المهنة، وسأله عبد الرحمن عن عماد الدين فقال: «إنه سار برفقة الشيخ ضاهر ولا ~~يلبث أن يعود.» # فمكث عبد الرحمن في المدينة أسبوعا آخر، وفي الأسبوع التالي سمع الناس يتحدثون بقرب مجيء ~~الجند، وخرجت الموسيقى والعساكر لملاقاتهم إلى خارج المدينة، فمكث هو في الخان حتى تحقق ~~عودتهم، فخرج مع خادمه إلى قصر الشيخ ضاهر لعله يلقى صديقه عماد الدين، وهناك لقيه الهجان، ~~فأخبره أن عماد الدين مصاب بجرح ويقيم بمنزله على السور، فقال: «أذهب إليه لعلي أطببه ~~فأكافئه بعض المكافأة على فضله.» وسأل الرجل عن بيته فسار به إلى طابية من الطوابي المبنية ~~على السور، وهناك دخل غرفة شاهد فيها عماد الدين ممددا في الفراش، لكنه ما كاد يراه حتى ~~نهض كأنه لا يشكو ألما وسلم عليه وأجلسه بجانبه، أما علي فبقي خارجا. # ولما استتب بهم المقام سأله عبد الرحمن عن حسن فقال: «لقد مررت بكل السواحل ولم أقف له ~~على خبر، فلعله أبطأ في الطريق. وأنت ماذا فعلت؟» فقص عليه القصة من أولها إلى ~~آخرها. # فقال: «وهل أتيت بتوصية إلى الشيخ ضاهر؟» قال: «نعم، ولكنني لا أزال خائفا منه.» # قال: «وهل تستطيع التطبيب حقا؟» قال: «نعم.» فقال: «إني مصاب بجرح خفيف، ولكنني سأشيع أني ~~تألمت منه كثيرا، وأنك قد شفيتني بمهارتك، وعند ذلك تتقرب من رجال الشيخ ضاهر، وأنا أعلم أن ~~ولده ناصيف مصاب بجرح خفيف أيضا في ساعده، وقد قتل طبيبه هذه ms103 المرة، فإذا شفي على يدك نلت ~~حظوة في عينيه وربما عينوك طبيبا للقصر، وعند ذلك تتمكن من استخدام الشيخ ضاهر في البحث عن ~~ولدك.» ثم أفهمه الكثير من عادات ناصيف وطباعه، وأعطاه مقدارا من مرهم البيلسان في قارورة ~~لكي يستعمله في تطبيبه. # وأخذ منذ ذلك الحين يتظاهر بتثاقل المرض عليه، وأشاع في القلعة أنه ظفر اتفاقا بطبيب ~~مغربي أظهر في تطبيبه مهارة كبرى حتى شفي، فذاع ذلك بين الجند والأمراء في القلعة والقصر ~~حتى بلغ الشيخ ضاهر وأولاده، فبعث ناصيف وهو في فراشه إلى عماد الدين، فلما ذهب إليه سأله ~~قائلا: «سمعت بطبيب مغربي قد شفاك من مرضك بعد أن ثقلت وطأته عليك، فهل ذلك صحيح؟» # قال: «نعم يا سيدي.» وأخذ يطنب في مدح مهارة طبيبه وفراسته إلى أن قال: «وهو ليس طبيبا ~~فقط، ولكنه عالم بالفراسة ويعالج الداء بدواء واحد فقط وتظهر النتائج بسرعة.» فطلب منه أن ~~يدعوه إلى مقابلته. # فذهب عماد الدين وأتى بعبد الرحمن بعد أن أخبره بكل شيء، فدخل وحيا، فقال له الشيخ ناصيف: ~~«قد سمعنا بمهارتك في الطب، فجئنا بك لتطبيب جرحنا، فهل أنت واثق بنفسك.» قال: «إن الشفاء من ~~عند الله، وأرى أني بمعونته تعالى أستطيع شفاءك.» # فأعجبه كلامه فقال: «هذا ساعدي وهذا جرحي، فما هو الدواء عندك للجروح؟» # قال: «إن البلسم أحسن الأدوية له، وعندي منه قارورة أحضرتها معي من بلاد الغرب لم ~~أستخدمها في شفاء جرح غير جرح عماد الدين، فإذا أذن لي مولاي طببته بها.» قال: ~~«افعل.» # فنادى عبد الرحمن خادمه عليا فجاءه بالقارورة ففتحها، وأخرج من الجراب ريشة صغيرة من ريش ~~النعام غمسها في المرهم ومسح بها الجرح بعد غسله، ثم لفه بعصابة وقال: «يشفيك الله يا سيدي ~~بإذنه تعالى.» وما زال يتردد عليه حتى شفي تماما وقال له: «إني معجب بك أيها الطبيب، فهل ~~أنت في هذه الديار من قديم؟» فقال: «لم آت إليها إلا حديثا، ولكني طببت كثيرين وشفوا على ~~يدي بإذن الله؛ لأنه هو الشافي، وقد رافقت ms104 أمير المراكب الروسية مدة وسرت معه في السنة ~~الماضية من هنا إلى مصر، وقد أعجب بي وأعطاني كتاب توصية للأمير الجليل الشيخ ضاهر.» # فقال: «وأين كتاب التوصية هذا؟» # قال: «هو في جيبي.» وأخرجه وناوله إياه، فأخذه وقرأه فسر جدا وقال: «إن لهذا الأمير صداقة ~~وطيدة مع أبي، ولا أشك في أنه حالما يقرأ كتابه، ويسمع مني عن مهارتك في الطب سيعينك طبيبا ~~في القصر؛ لأن طبيبنا قتل في الحرب هذه المرة.» # فهم عبد الرحمن بيد ناصيف وقبلها وقال: «إني على كل حال من عبيد مولانا.» # فأخذ ناصيف الكتاب، وطلب منه أن يعود إليه في الغد، فلما جاء في الموعد قال له: «إن أبي ~~يريد أن يراك.» قال: «سمعا وطاعة.» وسار خلفه إلى القاعة التي يجلس فيها الشيخ ضاهر، فوجده ~~جالسا في صدرها بعمامته وجبته وقفطانه، وكان طاعنا في السن أشيب الشعر عريض اللحية غليظ ~~الحاجبين متجعد الوجه، واسع العينين حادهما سريع الحركة مع كبر سنه؛ لأنه كان إذ ذاك في نحو ~~التسعين من العمر، ولكنه كان في نشاط الشبان يركب الخيل كأحسن الفرسان، وكان ذا هيبة ووقار. ~~وقد جلس على وسادة ثمينة بقرب نافذة مشرفة على البحر، وإلى جانبه وزيره إبراهيم الصباغ ~~المسيحي في أفخر ما يكون من اللباس، وهو يقرب سنا منه، وإلى كل من الجانبين بقية أعضاء ~~المجلس من الأمراء والمشايخ. # وكانت القاعة مفروشة بالبسط والسجاد، وفي يد الشيخ ضاهر «شبق» طويل مرصع بالقصب، حلي طرفه ~~الأعلى بقطعة من الكهرمان، وقد أخذ يدخن ما فيه من التبغ وينفخ الدخان في الغرفة، وكذلك كان ~~يفعل الصباغ. # فعجب عبد الرحمن لعظم هيبة ذلك الرجل التي زانها الشيب وحدة النظر، وهم بيده فقبلها وقبل ~~يد الصباغ، وكان قد سمع عن تقربه من الشيخ ضاهر ونفوذه لديه حتى أصبحت أزمة الأحكام في يديه ~~وأصاب مالا طائلا، ولم تبق فوق يده في الحكومة يد؛ لأن الشيخ ضاهر لم يكن يأتي عملا إلا ~~بمشورته، ثم وقف أمامهما متأدبا، فأشار إليه الشيخ ضاهر أن يجلس ms105 فجلس. # فخاطبه الشيخ ضاهر قائلا: «أأنت الذي جاء بكتاب الأميرال أورلوف؟» قال: «نعم يا ~~سيدي.» # فقال: «وكيف وصلت إليه؟ وماذا كنت تعمل في معيته؟» # قال: «كنت في عكا منذ سنة أو أكثر، فسار بي بعض رجاله إليه، فلبثت في معيته وقتا أضرب له ~~الرمل وأستخرج له الأسرار والمغيبات.» # قال: «وهل لك اطلاع على ضرب الرمل والتنجيم؟» قال: «نعم يا سيدي.» # قال: «أريد أن أمتحنك بسؤال، فإذا عرفته نلت مقاما رفيعا وكنت من حاشيتي، وإذا أخطأت ~~جوزيت جزاء صارما لا يقل عن القتل، فما رأيك؟» # فخفق قلب عبد الرحمن وخاف أن يقع في مكروه؛ لأنه لم يكن قد مارس من ضرب الرمل شيئا غير ~~أنه كان يشاهد الرمالين في مصر مذ كان تاجرا، وكان يلاحظ أعمالهم، وقد قرأ شيئا عن تلك ~~الصناعة حتى أحب ممارستها. # وكأن الله قدر له ذلك إذ ذاك حتى ينتفع به في هذا الوقت، ولما خاطبه الشيخ ضاهر في هذا ~~الأمر لم يمكنه إلا إجابة طلبه؛ لأن رفضه يثبت كذبه على أهون سبيل، بينما إجابته قد يترتب ~~عليها نجاح مشروعه. فتشدد وقال: «نعم يا سيدي بإذن الله تعالى.» # فصمت الشيخ ضاهر برهة وكل من في مجلسه شاخص إلى ما يريد الاستفهام عنه، وعبد الرحمن مختلج ~~القلب ومرتعد الفرائص، ولكنه أسلم أمره إلى الله وقال في نفسه: «إما أن أعوم وإما أن أغرق، ~~والاتكال على الله.» فنظر إليه الشيخ ضاهر قائلا: «يهمني أن أعرف سبب رجوع محمد بك أبي ~~الذهب عن دمشق بعد فتحها بغير داع يوجب ذلك، وهذا أمر قد شغل قلوبنا في هذه الأيام، فهل ~~يمكنك معرفته؟» # فاستبشر عبد الرحمن بالفرج؛ لأنه كان يعرف سبب ذلك الانسحاب معرفة جيدة، فاشتدت عزائمه ~~وأشرق وجهه ونظر إلى الشيخ ضاهر وقال: «إن استخراج ذلك السر يحتاج إلى مندل، والأسرار عند ~~الله يهبها من يشاء من عباده.» # فقال الشيخ: «اضرب لنا مندلا الآن وأنت جالس بيننا.» وأراد بذلك أن يبقيه ويتحقق ~~صدقه. # فقال عبد الرحمن: «أفي هذه القاعة يا سيدي؟ ms106 إن ضرب المندل يحتاج إلى أوعية كثيرة وإلى نار ~~وبخور ومياه.» # قال: «لا بأس، اطلب ما تريد فنأتيك به.» # قال: «أعطوني وعاء كبير واملئوه ماء نقيا.» فجاءوه به، ثم طلب كانونا به نار، وشيئا من ~~البخور النقي فجاءوه بكل ذلك، فقال: «لا ينقصني إلا غلام لم يبلغ رشده، ولكنني قد صحبت ~~خادما تدرب على مساعدتي في هذا الفن، وهو يستطيع ما لا يستطيعه الغلام الحدث غير البالغ ~~الذي اعتاد ضاربو المندل استخدام مثله في هذه الأحوال؛ لأنني وجدت بالاختبار أن الأحداث ~~يتعبون ضارب الرمل بما يستولي عليهم من الخوف مما يشاهدونه أثناء العمل من المناظر الغريبة، ~~أما خادمي فقد اعتاد هذا.» # فقال الشيخ: «وأين هو خادمك؟» # قال: «في منزلي، فأذن لي في أن أسير لإحضاره وجلب بعض المواد اللازمة في هذا العمل.» فأذن ~~له وكلف عماد الدين أن يسير برفقته لئلا يفر أو يتواطأ مع خادمه، فسار الاثنان حتى أتيا ~~المنزل، فقال عماد الدين: «ها أن باب الفرج قد فتح لك بإذن الله.» # ثم أفهم عبد الرحمن عليا ما يفعله عند فتح المندل، وعادوا جميعا إلى قاعة الشيخ ضاهر، ~~فجلس بجانب الكانون، وفتح كتابه وألقى في النار قطعة من البخور وأخذ في القراءة والدعاء كما ~~يفعل المنجمون، ووقف علي بجانب وعاء الماء، والشيخ ضاهر ورجاله شاخصون بأبصارهم وكأن على ~~رءوسهم الطير. # وبعد أن أتم القراءة قال لعلي: «ما ترى يا غلام في هذا الماء؟» # فتأمل علي في الوعاء ثم تراجع كأنه رأى شيئا مخيفا، فقال له عبد الرحمن: «لا تخف وقل ما ~~تراه.» # قال: «أرى يا سيدي خياما عديدة منصوبة في سهل خارج المدينة عالية الأسوار، وأعلاما ~~عديدة مختلفة الأشكال، وأرى في وسط تلك الخيام خيمة كبيرة أمامها رجلان بسلاح كامل كأنهما ~~حاجبان.» # فقال عبد الرحمن: «أدخل الخيمة وانظر ما فيها.» # فأمعن علي نظره كأنه يدقق في البحث عن شيء وقال: «أرى بساطا كبيرا مفروشا في أرض ~~الخيمة، وعليه رجلان: أحدهما لابس قاووقا عليه عمامة ولباسه فاخر كأنه أمير كبير، ms107 والآخر ~~يظهر من ملابسه أنه وال كبير، وعلى رأسه عمامة وعلى كتفيه فروة سمور، وأرى بينهما سيفا ~~وكتابا أظنه المصحف الشريف، وقد جعل الرجل الأول يده فوقهما.» # فقال عبد الرحمن: «اسمع ما يقول وأخبرنا به.» # قال: «اسمعه يقول: «أقسم بالله العظيم والنبي محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وبرأس ~~مولانا السلطان خليفة رسول الله، أن أنبذ طاعة علي بك وأعصي أوامره، وأعود إلى طاعة مولانا ~~أمير المؤمنين الخليفة الأعظم وأحارب بسيفه وأذب عن حقوقه، ولا أعرف سلطانا سواه، وإن حنثت ~~في هذا اليمين، كنت مخالفا للشريعة مجردا من الذمة والشرف، وأستحق القتل بهذا ~~السيف!» ...» # فبغت الشيخ ضاهر وارتجفت لحيته في وجهه، وكذلك كان شأن جميع رجاله، ولم يعد يستطيع صبرا ~~فقال: «تبا له من خائن!» ثم جعل يده على حسامه وهزه كأنه يهدده. # فأومأ إليه عبد الرحمن وقال: «اصبر قليلا يا سيدي لعلي أرى شيئا آخر.» # ثم التفت السيد عبد الرحمن إلى علي وقال له: «وماذا ترى أيضا؟» # فتظاهر علي باشتداد خوفه واضطرابه وقال: «أمهلني قليلا يا سيدي، ريثما يهدأ روعي وأستطيع ~~التثبت من المناظر التي تبدو لي.» # فقال له: «هدئ من روعك، ولا تخف من شيء ما دمت بجانبك، ثم أمعن نظرك فيما أمامك وأخبرني ~~بما ترى.» # قال وهو يرتعد متظاهرا بأنه ما زال خائفا: «أرى يا سيدي أن الرجل الذي يرتدي الفرو قد ~~نهض ثم خرج وركب منصرفا.» # فقال: «حسنا، وماذا ترى غير ذلك؟» # قال: «أرى جماعة من الكبراء، على رءوسهم العمائم، ويتدلى السيف إلى جانب كل منهم فوق ~~جبته، وها هم أولاء قد دخلوا الخيمة الكبيرة التي خرج منها الباشا.» # فقال السيد عبد الرحمن: «أدخل معهم في الخيمة وانظر ماذا يصنعون.» # قال: «أرى الرجل الأول ما زال جالسا وأمامه المصحف والسيف، وقد أشار إلى الداخلين بالجلوس ~~فجلسوا وأخذ يحدثهم.» # فقال: «وماذا يقول لهم، أصغ جيدا لكلامه، واحذر أن يفوتك منه شيء.» # قال: «أسمعه يقول لهم: «ما زال علي بك يبعث إلينا بأوامره المتشددة، كي نواصل الأسفار ~~والحروب وتكبد ms108 المشاق والأخطار، وهو ناعم بالعيش في قصره بين حريمه وسراريه، ويستأثر وحده ~~بثمرة جهادنا وتعبنا، فما قولكم؟» ...» # ثم تململ علي في مجلسه متظاهرا بالتعب، فقال له السيد عبد الرحمن: «امض في الاستماع لما ~~يدور بين القوم من الأحاديث، وأخبرنا بم أجابوه.» # فتنهد علي، ثم استأنف تفرسه في الإناء وقال: «لقد تشاوروا فيما بينهم، ثم فوضوا الرأي له ~~مؤكدين أنهم أطوع له من بنانه في كل شيء، ثم عززوا ذلك بأن وضعوا أيديهم على المصحف والسيف ~~اللذين أمامه، وأقسموا ليكونن رهن إشارته، وهذا هو يثني على همتهم ويقول لهم: «إن علي بك ~~يريد أن تذهب أعماركم في الحروب والفتوحات في سبيل تحقيق مطامعه التي لا تقف عند حد؛ ولهذا ~~أرى أن نرجع إلى مصر وكفى ما قاسيناه من الغربة وأخطار الحروب حتى الآن، فإذا لم يعجبه ذلك ~~فليس له عندنا إلا هذا.» وأشار إلى السيف الذي أمامه.» # وكان الشيخ ضاهر مرهفا سمعه لتتبع كل ما يقوله علي، فلما سمع عبارته الأخيرة على لسان ~~أبي الذهب، لم يتمالك عواطفه وأخذ ينتفض من شدة التأثر، ثم نهض وجرد سيفه وراح يهزه بقوة ~~قائلا: «ويل لك يا أبا الذهب! ويل لك يا خائن!» # وهنا تظاهر كل من علي والسيد عبد الرحمن بأن الجهد قد نال منهما، وطلبا ماء للشرب فجيء ~~لهما به، وبعد أن شربا جلسا يمسحان عرقهما وهما يلهثان تظاهرا بالتعب والإجهاد. # ودنا الشيخ ضاهر من السيد عبد الرحمن وسأله: «أأنت واثق من صحة ما رواه غلامك؟» فأجابه ~~بقوله: «نعم يا سيدي، إنني واثق بصدقه كل الثقة؛ فهو لم يرو لي إلا الصدق منذ استخدمته حتى ~~الآن، ثم إني أضع نفسي رهنا عند مولاي حتى يتحقق الأمر بالوسيلة التي يراها.» # فقال الشيخ ضاهر: «الحق أني جد معجب ببراعتك في الطب والتنجيم؛ ولهذا ستكون من حاشيتي منذ ~~الآن، للانتفاع بعلمك في أي وقت.» # فهم السيد عبد الرحمن بيد الشيخ ضاهر وقبلها وقال: «إني عبد مولانا، ولا شيء أحب إلي من ~~هذا الشرف العظيم.» # ثم ms109 أمر الشيخ ضاهر بأن يخصص له مسكن خاص في القلعة، وأن تخلع عليه أثمن الخلع، ويجاب كل ~~طلب له، وسر السيد عبد الرحمن بهذا لعله ينفعه في البحث عن ولده وزوجته، لكنه خشي أن ينكشف ~~أمره إذا لاح للشيخ ضاهر أن يمتحنه بفتح مندل آخر، وأخيرا لم يسعه إلا الرضا بما كان ~~مسلما أمره لله فيما يكون، ثم التمس من الشيخ ضاهر أن يأذن له في إبقاء خادمه معه، فأذن له ~~في ذلك. # الفصل الخامس عشر # | خروج علي بك من مصر # أمضى السيد عبد الرحمن وعلي خادمه أياما في القلعة وهما موضع الإكرام والاحترام من كل من ~~فيها، ثم جاء عماد الدين بعد ذلك فاجتمع بهما وأخذوا يتجاذبون أطراف الحديث في مختلف ~~الشئون، إلى أن قال عماد الدين للسيد عبد الرحمن: «يجب أن تنتهز الحظوة التي نلتها لدى ~~الشيخ ضاهر للبحث عن حسن.» # فقال السيد عبد الرحمن: «إن هذا أهم ما يشغل بالي، ولكني أخشى أن أخاطب الشيخ ضاهر في ذلك ~~فتقل ثقته بي وتحدثه نفسه بأني لو كنت بارعا في التنجيم حقا لاستطعت الاهتداء إلى مقر ~~ولدي، فما رأيك أنت؟» # قال: «ولماذا تخاطب الشيخ ضاهر نفسه في هذا الأمر؟ يكفي أن تتصل بحراس أبواب المدينة، ~~وتكلفهم أن يبلغوك أمر أي شخص غريب صفته كذا وكذا يدخل المدينة أو يخرج منها، وتذكر لهم ~~أوصاف حسن.» # فقال: «هذا رأي صائب، وسأعمل به في أقرب وقت.» # وفي صباح اليوم التالي خرج السيد عبد الرحمن وعلي من القلعة. وطافا بكل أبواب المدينة ~~موصيين حراسها بإبلاغهما في القلعة أمر أي غريب تنطبق عليه أوصاف حسن، وذكراها لكل منهم ~~بالتفصيل. # ثم تذاكرا أمر سالمة، فقال علي لسيده: «أرى وقد داخلنا شيء من الاطمئنان على سيدي حسن، أن ~~تبقى أنت هنا حتى يأذن الله بلقائه عما قريب، وأمضي أنا إلى مصر فأبحث هناك أمر سيدتي ~~والدته.» # فقال السيد عبد الرحمن: «لقد نطقت صوابا، وغدا أستأذن في سفرك على أنك ذاهب إلى مصر ~~لإحضار بعض الأدوات والمعدات ms110 والعقاقير اللازمة لإتقاننا مهنة التنجيم والطب.» # وكان الشيخ ضاهر عند حسن ظن السيد عبد الرحمن وزيادة؛ فإنه ما كاد يعلم منه برغبته في ~~إيفاد خادمه إلى مصر لذلك الغرض حتى وافق وأظهر ارتياحه التام ، ثم نادى كاتب سره وأمره بأن ~~يبلغ أمره بتزويد خادم الطبيب بكل ما يحتاج إليه في سفره من مئونة ومال، وأن تسير في ركابه ~~كوكبة من الفرسان لحراسته في الطريق ذهابا وإيابا، مع إعطائه كتاب توصية إلى علي بك صاحب ~~مصر لتسهيل مهمته باعتباره من حاشيته وأتباعه. # ولم يسع السيد عبد الرحمن إلا أن يقبل يد الشيخ ضاهر شاكرا، ثم خرج من عنده فقابل عليا ~~وبشره بما كان. وفي اليوم التالي كانت معدات السفر كلها قد أعدت فودعه طالبا له التوفيق، ~~وعاد إلى القلعة ينتظر ما تأتي به الأقدار. # أما علي فما زال يجد السير ليل نهار حتى وصل إلى يافا مع ركبه، فاستراحوا فيها يوما، ~~واشترى من هناك ملابس شامية استبدل بها ملابسه المغربية، ثم واصلوا رحلتهم إلى غزة فالعريش ~~فالصالحية، وكان السفر قد أجهدهم فقرر الاستراحة هناك يومين أو ثلاثة ثم يواصلون السفر إلى ~~القاهرة. # وفيما هم في الصالحية، شاهدوا عند العصر غبارا عاليا إلى الغرب منها قد حجب الأفق وكاد ~~يحجب الشمس، ثم ما لبثوا أن علموا بأنه غبار جيش المماليك أعوان علي بك، وقد خرج به من مصر ~~هاربا من وجه صهره أبي الذهب، ووجهته عكا للاحتماء فيها بالشيخ ضاهر حليفه. # فقال علي لنفسه: «هذا ما كان متوقعا منذ عاد أبو الذهب من دمشق حانقا معتزما التمرد ~~والغدر.» ثم مضى رفقاؤه فوقفوا لمشاهدة موكب الحاكم الهارب المطرود، فإذا بالموكب يضم ~~أخلاطا من الرجال والنساء والأولاد، بين مشاة وركبان، وعلي بك في مقدمتهم على جواده، وقد ~~ازداد وجهه عبوسا وتجهما، ولكن الذل والانكسار غالبان على هيئته، فقال علي: «هذه نهاية كل ~~جبار عنيد، وسبحان المعز المذل!» ثم تذكر كتاب التوصية الذي يحمله إليه من الشيخ ضاهر، فرأى ~~أن يسلمه له وإن لم يكن ms111 في ذلك ما يفيده شيئا بعد أن أصبح الأمر في مصر لأبي الذهب، فدنا ~~من علي بك ولوح له بالكتاب، فأوقف هذا جواده وتناول الكتاب منه سائلا: «ما شأنك وماذا ~~تريد؟» # فقال: «إني من أتباع الشيخ ضاهر الزيداني في عكا، وهذا كتاب منه إلى مولاي.» # ففض علي بك الكتاب وقرأه ثم طواه وجعله في منطقته، وأشعل غليونه وأخذ ينفث الدخان من فيه ~~في غضب يحاول كبته فلا يستطيع، ثم أخذ يسأل عليا عن أحوال الشيخ ضاهر ومدى قوة جنده وما ~~إلى ذلك، وأخيرا قال له: «إني ذاهب إلى عكا للقاء مولاك، وستجد في القاهرة ما تريد إن شاء ~~الله.» ثم همز جواده واستأنف الموكب سيره، فعاد علي إلى رفقائه، وأقنعهم بأن ينضموا إلى ~~موكب علي بك عائدين معه إلى عكا، ثم واصل هو سيره إلى القاهرة للبحث هناك عما تم في أمر ~~سيدته. ~~••• # لبث حسن مقيما بكنيسة النبي إيليا في ضواحي بيروت منتظرا مرور قافلة ذاهبة إلى عكا ~~ليصحبها إليها، ولكن انتظاره طال حتى مل الإقامة بتلك المنطقة، كما ضعف أمله في بقاء أبيه ~~في عكا حتى ذلك الوقت، ولاسيما أنه لا يستطيع الظهور فيها وحاكمها الشيخ ضاهر متحالف مع علي ~~بك في مصر، فلن يتأخر عن القبض عليه وإرساله إليه إن هو وقف على حقيقة أمره. # وكانت هواجسه تشتد كلما تصور أن أباه راجع إلى مصر ليرى ما أخره ووالدته عن اللحاق به إلى ~~عكا، وأنه علم هناك بما أمر به علي بك من إغراقه في النيل وأخذ والدته للخدمة في ~~قصره. # وفيما هو جالس يقطع الوقت بالتحدث مع قسيس الكنيسة، علم منه بما كان من قدوم أبي الذهب ~~لفتح دمشق ثم رجوعه إلى مصر واستيلائه على مقاليد الحكم فيها بعد طرد علي بك منها، فكان ~~سروره بذلك النبأ عظيما وقال: «هذه عاقبة الخيانة والظلم، ولسوف يلقى علي بك ما هو أمر ~~وأدهى.» # فقال القسيس: «على كل حال، ما أظن أن أبا الذهب يكون أعدل حكما من علي بك.» ms112 # قال: «هذا رأيي أيضا، فأبو الذهب قد نشأ في بيت علي بك، وتلقى عليه مبادئ الظلم ~~والاستبداد وسفك الدماء والدسائس، وبرع في كل هذا إلى أن أولاه مولاه كل ثقته وزوجه بابنته، ~~ولكن الله - جل شأنه - يسلط بعض الظالمين على بعض، وكما دالت دولة علي بك على يد أبي الذهب، ~~تدول دولة هذا على يد آخر قريبا بإذن الله.» # فقال القسيس: «نسأل الله أن يمحق الظالمين جميعا، على أني ما زلت أوجس خيفة على أبي ~~الذهب من علي بك نفسه؛ لأن مجيء هذا إلى الشيخ ضاهر حليفه في عكا إنما هو للاستنجاد به ~~وبالأسطول الروسي المتحالف معهما، وأكبر الظن أنهما سيسارعان إلى نجدته ومعاونته على ~~استرداد حكم مصر من يد أبي الذهب، وهذا لن يقوى على دفعهم مجتمعين.» # فقال حسن: «نسأل الله أن يبيد دولة المماليك جميعا؛ فإن التاريخ لم يشهد حكاما في مثل ~~جبروتهم وظلمهم.» # فأمن القسيس على دعائه وقال: «إنه لا يهد أركان الممالك كالظلم والانغماس في اللهو ~~والفجور، ولعل حكم علي بك كان أقل جورا وفسادا من حكم أسلافه الذين سبقوه من ~~المماليك.» # فتنهد حسن وقال: «كان هذا صحيحا في أول أمره، لكنه ما لبث قليلا حتى فاق بظلمه كل من ~~سبقوه، فكم خرب من بيوت كانت عامرة! وكم سفك من دماء، وانتهك من حرمات!» ثم غلبته عواطفه ~~فأخذ في البكاء حزنا على ما أصابه وأسرته من ظلم علي بك. # فأخذ القسيس يعزيه ويحاول الترفيه عنه إلى أن قال له: «لعلك راغب في السفر إلى عكا، وقد ~~علمت اليوم من قريب لي أنه ذاهب إليها بعد يومين في صحبة وفد من اللبنانيين بعث به الأمير ~~يوسف شهاب إلى الشيخ ضاهر، فإذا شئت فإني أوصي قريبي هذا بأن يهيئ لك مكانا معهم.» # فهم حسن بيد القسيس وقبلها شاكرا. وفي اليوم التالي مضى به القسيس إلى قريبه السالف ~~الذكر، وأوصاه به خيرا، فهيأ له هذا جوادا وزادا، وألحقه بقافلة الوفد اللبناني، فسارا ~~فيها آمنا حتى وصل إلى عكا بعد ms113 العصر بقليل. ~~••• # ما كاد حسن يدخل المدينة من الباب الشرقي حتى استوقفه حارس الباب وأخذ يتفرس فيه، ثم سأله ~~عن اسمه وإلى أين هو ذاهب، فارتبك حسن ولم يدر كيف يجيب، فقال له الحارس : «إن لدي أمرا ~~بحجزك وإرسالك إلى مولانا الشيخ ضاهر في القلعة.» # فأجفل حسن وملئ قلبه رعبا وفزعا؛ لعلمه بتحالف الشيخ ضاهر مع علي بك، ثم تجلد قليلا ~~وقال للحارس: «إني غريب عن هذه المدينة، وليس فيها من يعرفني أو أعرفه، فلعل شخصا غيري هو ~~المطلوب.» # فقال الحارس وهو يشير إليه بالجلوس بجانبه قرب الباب: «كلا، بل أنت الشخص المطلوب نفسه، ~~ولا شك عندي في ذلك؛ إذ تنطبق على هيئتك جميع الصفات التي ذكروها لي.» # فلم يبق لدى حسن أدنى شك في أن أمره قد انكشف، وأن الأمر بالقبض عليه ليس سوى تمهيد ~~لتسليمه إلى علي بك، فلم يتمالك عن البكاء حزنا وأسفا على سوء حظه الذي أوقعه في يد ذلك ~~الظالم من جديد. # ورق الحارس لحالته ولم يدر سبب بكائه، فقال له: «لا داعي للبكاء والجزع يا سيدي؛ فإن رسول ~~الشيخ ضاهر الذي أبلغني وصفك وهيئتك وطلب حجزك وإرسالك إلى القلعة أوصى بإرسالك إليها ~~معززا مكرما، وأعتقد أنك ستكون هناك أكثر حظا من الإعزاز والإكرام.» # فقال حسن: «أي إعزاز وأي إكرام يا سيدي؟! إنني أتوسل إليك بكل عزيز لديك أن تطلق سراحي ~~لأرجع من حيث أتيت؛ فإني لم أقترف أي ذنب، ولا رغبة لي في الذهاب إلى القلعة.» # فقال الحارس: «لو أنني خليت سبيلك، لقبض عليك غيري، فقد علمت أن الأمر الذي صدر في شأنك ~~أبلغ إليهم جميعا، واعلم أن الشيخ ضاهر ورسوله ليسا في القلعة الآن؛ إذ خرجا للقاء علي بك ~~القادم إلينا من مصر، ولن يعودا إلا غدا، وستكون عندي في ضيافتي معززا مكرما حتى يرجع ~~الجميع إلى القلعة، ولن يكون إلا ما تحب إن شاء الله.» # الفصل السادس عشر # | اجتماع الشمل # وصل علي خادم السيد عبد الرحمن إلى القاهرة، وقد استبدل بملابسه الشامية ms114 ملابس مصرية حتى ~~لا يستغشه أحد، وقد وجد الناس فيها بين شامت بعلي بك ومتوجس خيفة من أبي الذهب. # وأخذ طريقه عقب وصوله إلى دار السيد المحروقي رأسا؛ إذ رأى أنه خير من يسأله في شأن ~~سيدته دون أن يكون في ذلك خطر عليه، فلما بلغ الدار وطرق الباب فتح له أحد الخدم وسأله عما ~~يريد، ثم أخبره بأن السيد مسافر إلى خارج القاهرة منذ حين ولن يعود قبل شهرين. # فسقط في يد علي، لكنه لم يجد بدا من الانتظار حتى يرجع السيد من سفره، على أن يبحث هنا ~~وهناك خلال ذلك، عسى أن يعلم شيئا عن مصير سيدته. # ولم يسفر بحثه عن نتيجة، فبقي في حيرة وقلق إلى أن عاد السيد المحروقي فخف إلى مقابلته، ~~وما كاد يكشف له عن حقيقة أمره ومهمته حتى قلب السيد كفيه عجبا وأسفا وقال: «لا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم، لقد وقفت على المخبأ الذي لجأت إليه سيدتك بعد أن أنقذت الست ~~نفيسة زوجة علي بك حياتها، وكانت مختبئة في بعض الأديار، فلما قامت الثورة بين علي بك وصهره ~~أبي الذهب، انتهزت هذه الفرصة وسعيت إلى إخراج سيدتك من الدير، وأرسلتها مع بعض رجالي ~~الأمناء إلى عكا للبحث عن السيد عبد الرحمن زوجها هناك، وقد بشرتها بأن ابنها قد نجا أيضا ~~بفضل الست نفيسة، وفر إلى سوريا.» # فعجب علي لهذا الاتفاق، وقال: «جزاكم الله خيرا يا سيدي على كل حال، وهو القادر جل شأنه ~~على أن يجمع شملهم ويسعدهم بالأمن والطمأنينة بعد كل هذا الذي نالهم من ظلم علي بك الذي نال ~~جزاء ظلمه وخروجه من طاعة السلطان، فأخرج من مصر مذموما مدحورا.» # فهز السيد المحروقي رأسه أسفا وقال: «حقا، لقد طغى علي بك وتجبر ولم يقف في مطامعه عند ~~حد، ولكنه مع هذا كان خيرا من أبي الذهب، فهذا وإن تظاهر بإعادة البلاد إلى حوزة الدولة ~~العلية دولة الخلافة، يسعى في الخفاء لكي يأخذها لنفسه، وليس في مصر من يحبه؛ ms115 لما عرف عنه من ~~الميل إلى الغدر والخيانة.» # فقال علي: «وماذا يرى السيد في استنجاد علي بك بالشيخ ضاهر حاكم عكا والأسطول الروسي ~~الموجود فيها الآن، وهو يضم ثلاثة آلاف من الجنود الألبانيين (الأرناءوط ) للهجوم من البر، ~~عدا من فيه من الجنود البحريين؟» # فقال السيد المحروقي: «مهما يكن من أمر، فلا شك في أن الدولة الروسية لا تعاون هؤلاء ~~الجهلة حبا في معاونتهم، ولكنها تفعل ذلك، لتحارب بهم الدولة العلية وتشغلها بما يقومون به ~~من فتن ودسائس وثورات داخلية.» # قال: «وهل ترون أن أبقى في القاهرة أم أعود إلى عكا لأخبر سيدي بما كان والبحث عن سيدتي ~~هناك؟» # فقال: «إن سفرك وحدك لا يخلو من الخطر، فانتظر هنا إلى أن تصحب قافلة أو حملة ذاهبة إلى ~~هناك.» ثم أمر بإعداد غرفة خاصة له في منزله يقيم بها، ودعا الله أن يختم مأساة أسرة صديقه ~~السيد عبد الرحمن بما يسعدها وينسيها ما قاسته من شقاء وعذاب. ~~••• # عاد السيد المحروقي إلى داره بعد أيام، فدعا إليه عليا خادم السيد عبد الرحمن وقال له: ~~«لقد جاءت الأنباء بقدوم علي بك إلى الصالحية في جيش كبير من الألبانيين التابعين للأسطول ~~الروسي ومن جنود الشيخ ضاهر حليفه، وقد تغلبوا هناك على جنود أبي الذهب، ودخلوا البلدة ~~فاتحين، وقد جند أبو الذهب جيشا كبيرا واعتزم الخروج به إلى الصالحية لصد علي بك. وعلمت أن ~~هذا عاد من عكا مريضا لا يستطيع الإشراف على المعارك.» # قال: «وكيف أقدم على المجيء للحرب وهو مريض؟» # قال: «لم يكن راغبا في المجيء قبل أن يشفى، ولكن أبا الذهب احتال لاستقدامه وهو في هذه ~~الحالة من المرض والضعف ليسهل عليه صده، وكانت الحيلة التي استخدمها لذلك أن كتب إليه على ~~لسان المعلم رزق الذي كان كاتبا لحساباته ومن خاصة مستشاريه، وبقي في مصر بعد خروجه منها، ~~مستمرا في الدعاية له ومكاتبته سرا. وقال أبو الذهب لعلي بك في هذا الكتاب الموقع عليه ~~بإمضاء المعلم رزق: «عليك أن تعجل بالقدوم لمحاربة أبي ms116 الذهب، فلا شك في أن أهل القاهرة ~~وجميع أحزابها يودون عودتك وينتظرونك بفارغ الصبر»، إلى غير ذلك مما يحبب إليه القدوم. وقد ~~نجحت الحيلة، وجاء علي بك إلى الصالحية وأخذها، ولكني لا أدري عاقبة الأمر على كل حال؛ فإن ~~أبا الذهب مسافر غدا في حملة لمحاربة علي بك في الصالحية، فإذا أفقت الحملة إلى قرب ~~الصالحية فيمكنك التحول من هناك إلى حيث تشاء؛ إذ تكون قد وصلت إلى مأمنك، والرأي ~~لك.» # فقال علي: «وكيف يمكنني مرافقة الحملة وأنا لست منها، فقد يستغشونني؟» # قال: «يمكنك مرافقتها بصفتك بائع مأكولات.» # فاستحسن علي الرأي، وأخذ يعد ما يلزم لسفره، واشترى طبقا كبيرا من خشب جعل عليه بعض ~~أنواع المأكولات، وتزيا بزي الباعة وانخرط في سلك الحملة، وساروا يريدون الصالحية. ~~••• # بقي حسن في ضيافة حارس باب عكا، في انتظار عود الشيخ ضاهر. وفي صبيحة اليوم الثالث وصلت ~~البشائر بقدومه مع علي بك ورجالهما، فخرج الناس بالطبول للاحتفال بملاقاة القادمين، وجلس ~~حسن إلى نافذة مطلة على السهل خارج القلعة لعله يشاهد الاحتفال؛ فإذا بالغبار يتكاثف عن ~~بعد، ثم انقشع عن خيالة يتقدمهم اثنان عرف أنهما الشيخ ضاهر وعلي بك؛ لما في لباسهما من ~~الزخرف وما أحدق بهما من الحاشية، وكل منهما على جواده كأنه أسد، ثم تذكر أنه محجور عليه ~~بأمر الشيخ ضاهر وربما حكم عليه بالقتل أو الحبس، فانقبضت نفسه، ولكنه اشتغل بمشاهدة الموكب ~~وهو يدخل القلعة. فدخل أولا الأميران وحاشيتهما على خيولهم، ثم تقاطر الناس أفواجا، وفيهم ~~الرجال والنساء والأولاد في الزي المصري، فتذكر والدته وهاجت أشجانه واشتد اشتياقه إليها، ~~وأخذ ينظر إلى النساء لعله يستأنس بمنظرهن لمشابهتهن لها بالزي. وفيما هو يتأملهن وقع نظره ~~على واحدة منهن تشبهها قامة ومشية، فخفق قلبه لها واستأنس بها، وجعل يمعن نظره فيها، وكانت ~~كلما اقتربت من الباب ازداد استئناسه بها حتى ترجح لديه أنها هي بعينها، فازداد خفقان قلبه ~~وطارت عيناه شعاعا تطلعا إليها، وود لو أنها ترفع نظرها إليه لعله يتحقق ظنه ويعرفها من ms117 ~~وراء الإزار واليشمك، ولكنها كانت مطرقة كئيبة وإلى جانبها رجل عرف أنه من خدم السيد ~~المحروقي، فأخذ يتردد بين الشك واليقين حتى دخلا الباب، فحدثته نفسه أن ينزل لملاقاتهما، ~~وهم بذلك ثم خاف أن يمنعه الحراس، ولكنهم كانوا في شغل بملاقاة القادمين، فنزل حتى أتى ~~الباب وأمعن نظره في المرأة والرجل، أما الرجل فحالما رآه عرفه لكنه لم يتحققه جيدا لما هو ~~فيه من اللباس المغربي. # فتقدم إليه حسن وأمعن نظره فيه وفي المرأة حتى كاد يتحقق أنها والدته، أما هي فحالما وقع ~~نظرها عليه رمت نفسها عليه وصاحت «ولدي.» وأغمي عليها، فهم بها وأمسك يدها وأخذ يخفف عنها ~~ويقبل يديها ويدعوها باسمها، حتى أفاقت فضمته إليها وجعلت تقبله وتشكر الله على مشاهدتها ~~إياه، والناس وقوف قد أدهشهم ذلك المنظر، خصوصا الحارس لما رأى من بكائهما ولهفتهما، ثم ~~دخل بهما إلى غرفته وهما متعانقان والدموع تتساقط على خديهما، فلما جلسا أخذت سالمة تسأل ~~حسنا عن أمر أبيه، فذكر لها أنه لا يعلم مقره، وقد جاء للبحث عنه ظنا منه أنه في عكا، ~~وأخبرها أنه محجور عليه هناك لسبب لا يعلمه. فسألت الحارس عن سبب ذلك القبض، فقال: «لا أعلم ~~يا سيدتي، ولكني أمرت من أحد رجال سيدي الشيخ ضاهر أن أقبض عليه.» فتذكر حسن صديقه عماد ~~الدين فقال في نفسه: «لعلي إن وجدته أنتفع به في هذه المسألة.» # وكان حسن لا يعلم عن مكان عماد الدين شيئا بعد أن غادره في بيروت، فسأل البواب عنه فقال ~~هذا: «ومن أين لك معرفته؟» # قال: «هو صديقي، عرفته منذ أشهر، فهل هو في المدينة؟» # قال: «نعم هو هنا، وقد أوصاني هو أيضا وشدد الوصية في القبض عليك.» # فانبسط وجه حسن ونهض واقفا من الفرح وقال: «إذن فالقبض علي لخير والحمد لله؛ لأن الرجل ~~صديق وبيننا عهود وثيقة تقضي بمساعدة أحدنا الآخر.» # ثم التفت إلى البواب قائلا: «وأين عماد الدين الآن؟» # قال: «لا بد من أنه قدم مع القادمين، وعما قليل أسأل عنه وأستقدمه ms118 إليك.» # وبعد قليل، مضى الحارس فغاب قليلا ثم عاد ومعه عماد الدين، فما وقع نظر هذا على حسن حتى ~~هم به وعانقه وأخذ يقبله ودموع الفرح تتساقط على خديه، ثم حانت منه التفاتة إلى أم حسن وهي ~~جالسة هناك، فسأله عمن تكون، فقال: «هي والدتي، ولم يبق إلا أن يكتب الله لنا الاجتماع ~~بأبي.» # فقبل عماد الدين يد السيدة سالمة وهنأها بالسلامة ولقاء حسن، ثم قال لهما: «إني أهنئكما ~~وأهنئ نفسي بأن السيد عبد الرحمن في خير وأمان، بل هو الآن من أكابر المقربين إلى الشيخ ~~ضاهر، وقد خصص له مسكن إلى جواره في هذه القلعة.» # فلم يتمالك حسن ووالدته من البكاء فرحا بهذه البشرى، ثم أشار عليهما بالذهاب معه إلى ~~منزله والانتظار هناك حتى يأتي إليهما بالسيد عبد الرحمن، بعد أن يمهد لديه لهذا اللقاء حتى ~~لا تضره المفاجأة. فنهضا وصحباه إلى منزله بعد أن ودع حسن حارس الباب وشكره على حسن ~~ضيافته. ~~••• # كان السيد عبد الرحمن قد أوى إلى حجرته عقب عودته إلى القلعة، فلما دخل عليه عماد الدين ~~وجده مطرقا يفكر وعلائم القلق بادية في محياه. # فقال له: «فيم تفكر يا صديقي؟ ألا تحمد الله على ما نلت من حظوة لدى حاكم ~~المدينة؟» # فقال السيد عبد الرحمن: «آه يا عماد الدين! إني لو أعطيت ملك الدنيا كلها ما أنساني ذلك ~~حزني لفراق حسن ووالدته وانقطاع أخبارهما، وإني لأضرع إلى الله أن يعجل برجوع علي خادمي من ~~مصر عسى أن يكون قد وقف على شيء عنهما هناك؛ فقد كاد اليأس من لقائهما يستولي على ~~قلبي.» # فقال عماد الدين: «ولم اليأس يا سيدي؟ أليس الله بقادر على أن يجمعك بهما قبل رجوع علي من ~~مصر؟» # قال: «إن الله قادر على كل شيء، ولكني أخشى أن يذهب عمري وأنا لا أزال أبحث عنهما.» وأخذت ~~عبراته تتساقط على خديه. # فتأثر عماد الدين لبكائه وقال له: «لقد صبرت طويلا يا سيدي، والصبر مفتاح الفرج، وقد ~~جئتك الآن مبشرا بنبأ فيه ما يسرك.» ms119 # فهب السيد عبد الرحمن واقفا وقال له: «ما هو هذا النبأ؟ قل يا ولدي، بشرك الله بكل ~~خير.» # قال: «قد علمت الآن من مصدر وثيق الاطلاع أن حسنا جاء إلى عكا.» # فهم به السيد عبد الرحمن وقبله باكيا وهو يقول: «وأين هو؟ هل عرفه حراس أبواب المدينة ~~فاحتجزوه؟» # قال: «نعم، عرفه أحدهم وهم بإرساله إلى هنا في القلعة تنفيذا لأمرك، ولكن ...» # فقاطعه سائلا: «ولكن ماذا؟ هل عليه من بأس؟» # فقال: «لا بأس عليه، لكنه شاهد بين القادمين من مصر مع علي بك جماعة من خدم صديق لكم هناك ~~اسمه السيد المحروقي، وعلم منهم أنهم قادمون للبحث عنك وعنه ومعهم سيدة يهمها ~~أمركما.» # فازداد بكاء السيد عبد الرحمن من شدة الفرح وقال: «لعلها سالمة، أليس كذلك؟» # فضحك عماد الدين وهم بالسيد عبد الرحمن فعانقه وقبله وقال: «نعم ... إنها هي بعينها يا ~~سيدي، فهل أيقنت بأن الله قادر على كل شيء، وأنه لا يضيع أجر الصابرين؟!» # فسجد السيد عبد الرحمن شكرا لله، ثم نهض وعاد إلى معانقة عماد الدين وتقبيله وهو يقول: ~~«لقد نفد صبري، فاعذرني يا ولدي، فأين هم الآن؟» # فقال له: «هيا بنا نذهب لمقابلتهم.» ثم اصطحبه إلى منزله فإذا بحسن وأمه ينتظران بالباب، ~~وأخذ الجميع يتبادلون العناق والقبلات وهم لا يكادون يصدقون اجتماع شملهم بعد طول ~~الفراق. ~~••• # اتفق الجميع بعد ذلك على أن يبقى حسن وأمه في منزل عماد الدين، ويعود السيد عبد الرحمن ~~إلى مسكنه في القلعة إلى أن يرجع علي خادمه من القاهرة. # وبعد أيام، قام علي بك بالعودة إلى مصر على رأس ذلك الجيش العرمرم الذي أعده له الشيخ ~~ضاهر من بين رجاله ورجال الأسطول الروسي حليفهما، ثم جاءت الأنباء بهزيمة هذا الجيش على ~~حدود مصر، ثم معاودته الكرة حتى دخل الصالحية فاتحا، وهناك خف إلى لقائه محمد بك أبو الذهب ~~على رأس جيش عظيم، واستطاع أن يرده مرة أخرى، بعد أن أصيب علي بك وهو مريض في خيمته بطعنات ~~عدة، فنقل إلى القاهرة أسيرا حيث ms120 مات متأثرا بجروحه، وخلا الجو لأبي الذهب. # وكان علي خادم السيد عبد الرحمن قد عاد إليه في عكا، وأنبأه بأن أبا الذهب في طريقه إليها ~~للانتقام من الشيخ ضاهر الزيداني حاكمها، ثم لم تمض أيام حتى جاءت الأنباء بموت أبي الذهب ~~فجأة في الطريق، ففرح بموته الجميع. وكان السيد عبد الرحمن قد جمع ثروة طائلة من عمله في ~~خدمة الشيخ ضاهر، فقرر العودة بأسرته إلى مصر، وودعهم عماد الدين متعاهدا وإياهم على ~~التزاور وتبادل المكاتبات. # واستطاع السيد عبد الرحمن بعد أشهر من عودته أن يسترد أملاكه ومكانته التجارية في وكالة ~~الليمون، كما عاد حسن إلى إتمام دراسته الطبية في البيمارستان المنصوري، وعاش الجميع في ~~سعادة واطمئنان. ms121