######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.JihadMuhibbin.Hindawi31641375 #META# Tags: novels #META# ID: 31641375 #META# Title: جهاد المحبين #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # في حديقة الأزبكية‏ # شقاء المحبين‏ # سليم وسلمى‏ # خلوة مريبة‏ # في منطقة الأهرام‏ # رسول السوء‏ # كتاب من سلمى‏ # كشف السر‏ # في الإسكندرية‏ # من سليم إلى سلمى‏ # قلبان يحترقان‏ # حب جديد‏ # فصل الخطاب‏ # فرحة لم تتم‏ # على الباغي تدور الدوائر‏ # اجتماع الشمل‏ # أبطال الرواية‏ # في حديقة الأزبكية‏ # شقاء المحبين‏ # سليم وسلمى‏ # خلوة مريبة‏ # في منطقة الأهرام‏ # رسول السوء‏ # كتاب من سلمى‏ # كشف السر‏ # في الإسكندرية‏ # من سليم إلى سلمى‏ # قلبان يحترقان‏ # حب جديد‏ # فصل الخطاب‏ # فرحة لم تتم‏ # على الباغي تدور الدوائر‏ # اجتماع الشمل‏ # | جهاد المحبين # | جهاد المحبين # تأليف ~~‏جرجي زيدان‏ # | أبطال الرواية # سليم: # محام شاب بالقاهرة. # حبيب: # موظف حكومي بالقاهرة ومقيم ~~بحلوان. # سلمى: # خطيبة سليم. # أدما: # خطيبة حبيب. # شفيقة: # أخت حبيب. # سليمان: # والد سلمى. # سعيد: # والد أدما. # فؤاد: # شقيق سليم ومقيم بالإسكندرية مع ~~أمهما. # داود: # تاجر إسكندري بالقاهرة. # وردة: # أرملة غنية بالإسكندرية. # إميلي: # ابنة وردة. # | في حديقة الأزبكية # أقيم بحديقة الأزبكية بالقاهرة في 21 يونيو سنة 1887 احتفال كبير لمناسبة مرور خمسين ~~عاما على تولي الملكة فكتوريا عرش إنجلترا، فزينت الحديقة بالأنوار، وتقاطر إليها الناس ~~زرافات ووحدانا نساء ورجالا وأولادا من جميع الطوائف والملل، وكلهم فرحون بما أعد في ~~تلك الليلة من دواعي البهجة ومعالم الزينة. # وكان الناس يخطرون جماعات في طرقات الحديقة وحول بركتها وعلى جوانب الساحة التي كانت ~~الموسيقى تصدح فيها. فلم تكن ترى بينهم إلا وجوها باسمة وقدودا مائسة، هذا يخاطب صديقا ~~له ويمازحه، وذاك يداعب ولده ويلاعبه، وتلك تنادي فتاتها لتسير بجانبها خوفا عليها من أن ~~تتيه بين الجماهير. وآخرون جالسون إلى موائد صغيرة يسمعون عزف الموسيقى أو يتأملون جمال ~~الطبيعة وتلألؤ الأنوار. # وكانت أبواب الحديقة غاصة بالداخلين والخارجين، والحجاب يمنعون الناس من الدخول بغير ~~رقاع الدعوة، والشرطة يهولون على الرعاع لئلا يكدروا بمزاحمتهم وضوضائهم صفو ~~الاحتفال. # فلما كانت الساعة التاسعة مساء، وصل إلى أبواب الحديقة شاب يرتدي الملابس الإفرنجية، ~~جميل الصورة، ربع القامة رشيقها، ولكن وجهه كان مقطبا عبوسا تلوح عليه علائم الكآبة ~~والارتباك، ms001 ويبدو مستغرقا في التفكير، فلما رأى ازدحام الناس هناك انتبه بغتة كأنه هب من ~~رقاد، ثم مد يده إلى جيبه وأخرج رقعة الدعوة ودفعها إلى الحاجب فسمح له بالدخول. # وقف الشاب بعد أن قطع خطوات داخل الحديقة، وبدا حائرا لا يدري إلى أي جهة يسير، ثم ~~استأنف سيره إلى ساحة الموسيقى. وكان لارتباكه وهواجسه كأنه سائر في خلاء قفر لا يستوقفه ~~منظر، حتى وصل إلى المقهى القائم بجانب الساحة فعرج عليه وجلس على كرسي به، ثم أشعل سيجارته ~~وأخذ يدخن والناس يخطرون أمامه ذهابا وإيابا بين رجال ونساء وأولاد في مختلف الأزياء، ~~وتلوح عليهم أمارات السرور، لكنه لم يكن ينتبه لحركاتهم وضحكاتهم، وبقي في شاغل عنهم بما ~~يفكر فيه، ويده تعبث بعصاه، وكلما انتهى من تدخين سيجارة أشعل أخرى حتى امتلأ الجو حوله ~~بالدخان. # ولم ينتبه من غيبوبته هذه حتى جاء غلام القهوة يسأله عما يريد، ولم يكن في حاجة إلى شيء ~~يشربه أو يأكله، ولكن العادة قضت عليه بطلب المشروب فجيء به إليه، ثم عاد إلى ما كان فيه من ~~الاستغراق في التفكير. # وفيما هو في ذلك شعر بيد لمست كتفه، وسمع في الوقت نفسه صوت هاتف باسمه يحييه، فالتفت ~~مبغوتا فإذا بصديق له ينظر إليه مبتسما وقد مد يده لمصافحته، فنهض للقائه وصافحه، وشعر ~~لدى مشاهدته بأنه كان في ضيق وأتاه الفرج، فدعاه إلى الجلوس قائلا: «أهلا وسهلا بك يا ~~عزيزي سليم!» فجلس سليم وهو يقول: «إني سعيد برؤيتك يا عزيزي حبيب، لكن ماذا جاء بك إلى هنا ~~وعهدي بك أنك مقيم بحلوان؟» # فقال حبيب: «جئت لتفريج كربتي بمشاهدة هذا الاحتفال، لكنني لم أزدد إلا كربا، وقد أرسلك ~~الله إلي في ساعة الحاجة إليك.» ثم تنهد وواصل حديثه قائلا: «نعم أنا في ارتباك عظيم ~~يا سليم، على أني أحمد الله إذ بعث بك لتعزيتي، ولا غرو فإن الصديق الصادق من شارك ~~صديقه في السراء والضراء.» # وأشعل سليم سيجارته، ونظر إلى حبيب نظرة تفيض بالمودة والإخلاص، ثم قال: «لا ms002 أراك الله ~~ضيقا يا صديقي، إنك والله لأعز من الصديق وأقرب من الأخ وإذا لم يدفعني إلى غوثك دافع الحب ~~فعشرة الصبا وحقوق التربية تتكفلان بذلك.» # فقال حبيب وقد كادت ظلمة العبوسة تنقشع عن وجهه: «لقد قضت الظروف بأن ألتحق بخدمة الحكومة ~~المصرية كما تعلم، وهي خدمة ما كان أسعدها لو لم يكن من أمرها ما هو جار الآن من استغناء ~~الحكومة عن كثير من موظفيها، اقتصادا في النفقات. ولم يكن يخطر ببالي يوم انتظمت في سلك ~~الوظيفة أن يكون هذا مصيرها، وقد قضيت خمس سنوات أعمل بهمة ونشاط حتى كانت الثورة العرابية ~~فهاجرت من هذه الديار ومعي والدتي وشقيقتي، فتكبدنا مشاق الأسفار، وأنفقت ما كنت قد ~~ادخرته من راتبي الشهري، وحينما عدت في أوائل السنة الماضية لم أكن أملك قرشا واحدا ~~ولكني استطعت العودة إلى منصبي الحكومي، وبدأ حالنا يتحسن وكدنا ننسى تلك المشقات ~~والأسفار، لولا أن داهمني القدر بما لم يكن في الحسبان.» قال ذلك وتأوه. # فتطاول سليم بعنقه إليه في اهتمام وسأله أن يكاشفه بحقيقة الأمر. # فقال حبيب: «علمت من ثقة أن الحكومة ما زالت معتزمة الاستغناء عن بعض الموظفين، وقد ~~أخبرني أحد الأصدقاء بأن هذا الاستغناء سيشملني، ولا يخفى عليك أن بيتي مفتوح وجيبي خال ~~للأسباب التي قدمتها.» # فقال سليم: «من الذي أنبأك بذلك؟» # قال: «أنبأني به صديقنا حسان.» # فهز حبيب رأسه مستهزئا وقال: «ومن أخبره بذلك؟ إن الأمر لعلى عكس هذا.» # قال: «لقد أكد لي أن الخبر صحيح لا ريب فيه.» # قال: «ثق بأنه خبر عار من الصحة بل هو عكس الواقع تماما.» # فأبرقت أسرة حبيب ونظر إلى سليم بعين المستطلع وقال: «وكيف ذلك؟ لعلك تمزح!» # قال: «كلا لست مازحا، وليس ما بلغك إلا محض اختلاق، وما أخبرك به صاحبنا إلا لغرض لنفسه ~~أنت تعلمه، والحقيقة أنك ستنال مركزا أحسن مما أنت فيه و...» # فقطع عليه الكلام قائلا: «أحق ما تقول، ومن أين علمت هذا؟» # قال: «نعم، إنك سترتقي إلى مركز أحسن في نظارة الداخلية، ms003 وقد علمت ذلك من ثقة، فكن ~~مطمئنا، وإن غدا لناظره قريب، فلا تبتئس ولا تجزع.» # قال حبيب وقد انبسط وجهه: «حقق الله الآمال يا عزيزي، والله إنك لوجه السعد، ولولا مجيئك ~~لكنت أصبت بمرض لفرط قلقي وهواجسي، وإني لأشكر لك صدق مودتك وأحمد الله على ما بشرتني ~~به.» # فقال سليم: «إن الله هو الرزاق، وهو سبحانه واسع الفضل والرحمة. وهب أنك خرجت من خدمة ~~الحكومة، فالأعمال الأخرى كثيرة وأبوابها مفتحة لمثلك.» # قال: «نعم، لله الحمد على كل حال، وهو لا ينسى أحدا من خلقه. وإنما أهمني أن من يترك ~~خدمة الحكومة نادرا ما يوفق في غيرها، وليس هذا لقلة الأعمال الأخرى ولكن لتعوده الراحة ~~وتقاعده عن اكتساب ما يؤهله لسواها، ولقد مرت بذاكرتي هذه الليلة سيرة حياتي الماضية فندمت ~~ندما لا مزيد عليه لأني لم أعمل بمشورة أبي - رحمة الله عليه - وأتعاطى التجارة معه، ولو ~~أني أطعته لكنت في غنى عن هذا الارتباك، ولكن ما قدر كان.» ~~••• # مضى الصديقان يتجاذبان أطراف الحديث، وقد زايل حبيبا تردده وارتباكه وأخذ يمتع نظره ~~بما حوله من المناظر. ثم قال لسليم: «ترى ما الذي جاء بك إلى هنا الليلة، تاركا مشاهدة ~~خطيبتك المحبوبة؟ أم لعلك تسر بمشاهدة هذه الأنوار وتأنس بهذا الازدحام أكثر من سرورك ~~وأنسك بمشاهدة عروسك المقبلة؟» # فعلا وجه سليم الاحمرار لتذكره خطيبته وما يقاسي من أجلها، ولكنه حاول إخفاء عواطفه ~~وهواجسه فسكت برهة وحبيب يراقب حركاته كأنه يريد استطلاع مكنونات قلبه، لعلمه بما هناك من ~~روابط المحبة بينه وبين خطيبته. ثم قال سليم محاولا إخفاء ما في ضميره: «لقد قضيت معها ~~فترة قصيرة أول هذه الليلة، ثم رأيتها في حاجة إلى الرقاد فتركتها لتمضي إلى فراشها وجئت ~~أقضي بقية السهرة في هذه الحديقة.» # فلم يقتنع حبيب بذلك، ولكنه أظهر الاقتناع به على أن يستطلع حقيقة الأمر بنفسه في الغد، ~~ثم لاحظ على سليم أنه عاد إلى الصمت وقد علت أسرته الكآبة وبدا عليه الاضطراب، فقال له ~~مبتسما: «أرى صديقي قد وقع ms004 فيما كنت فيه؟ فهل ترى ذلك خوف الفصل من الخدمة أيضا؟» # فعلا وجه سليم الاحمرار، وحاول التكلم لكنه تلجلج وعاد إلى الصمت، ولم يشأ حبيب أن يلح ~~عليه في السؤال حتى لا يجرح عواطفه أو يحرجه. وكانت الموسيقى قد انتهت من العزف فوقف وقال ~~لصديقه: «ألا توافقني على أن نتمشى في الحديقة قليلا لنتمتع بمناظرها؟» # فوقف سليم وهو يحاول عبثا إخفاء عواطفه، وحبيب يتجاهل أمره ويحدثه في أمور مختلفة تتعلق ~~بالزينة وبهرجها واشتغال الناس بها؛ تسكينا لما لاحظه عليه من حدة القلق، وإن كان شديد ~~الميل إلى معرفة قلقه وانقباضه. # ومشيا صامتين بعض الوقت وكل منهما يفكر في أمر، إلى أن وصلا إلى باب الحديقة الشمالي، ~~فنظر حبيب إلى ساعته فإذا الساعة قاربت العاشرة فقال لسليم: «هلم بنا نخرج إلى مكتب البريد ~~لأني أنتظر بريدا من أوروبا هذه الليلة!» فوافقه وخرجا من الحديقة، ومشيا حتى وصلا إلى ~~مكتب البريد، وسأل كل منهما الموظف المختص: «هل توجد لديه خطابات باسمي؟» ففحص الخطابات ~~الموضوعة أمامه، وأخرج من بينها خطابين، ناول أحدهما لسليم والآخر لحبيب. # وتناول حبيب كتابه وقرأ عنوانه فإذا هو بخط كأنه يعرفه، ثم نظر إلى طابع البريد على ~~الغلاف فإذا هو طابع مصري وعليه خاتم مكتب بريد القاهرة فعلم أنه صادر منها، ففض الخطاب ~~وأخذ يتلوه لنفسه فإذا فيه: # يا سادتي هل يخطرن ببالكم # من ليس يخطر غيركم في باله؟ # يا شقيق الروح ومالك الفؤاد # أكتب إليك هذه الكلمات بغير إمضاء، والقلب يخفق، واليد ترتعش، فإذا خفق قلبك وارتعشت ~~يداك، فلعلك تدرك بعض ما لك في قلبي من المحبة التي كتمتها حتى طفحت، ولعلك إذا عرفت ~~ذلك أن ترثي لي، وإلا فإنها شكوى أبثها لمن ملك قلبي مع بقاء أمري مكتوما في ضميري ~~عنه وعن سواه إلى أن يقضي الله بما يشاء. # فبغت حبيب وأخذ يعيد تأمل الخطاب ويكرر قراءته متعجبا، ثم حانت منه التفاتة إلى ~~سليم، فإذا هو يتلو الخطاب الذي تسلمه وقد امتقع لونه وأخذت الورقة تنتفض في ms005 يده، فطوى ~~حبيب كتابه وخاطب سليما قائلا: «خيرا إن شاء الله يا سليم؟» # فقال: «ليس هناك سوى الخير يا عزيزي.» ثم طوى الكتاب ووضعه في جيبه، ومشى يريد الخروج من ~~مكتب البريد، فمشى حبيب بجانبه وهو يفكر تارة في كتابه، وطورا فيما ظهر على صديقه من مظاهر ~~الاضطراب، وأراد استطلاع حقيقة حاله فمنعه التأدب، لكنه قرر في نفسه استعمال الحيلة للوقوف ~~على سر اضطراب سليم، وأخذ يجاذبه أطراف الحديث إلى أن قال له: «تبارك الخلاق العظيم، أليس ~~من دلائل قدرة الله أنك لا تكاد تجد بين الناس اثنين يتفقان في الخلقة والأخلاق؟ وقد صدق من ~~قال: # إنما نحن في اختلاف عقول # مثلما نحن في اختلاف وجوه!» # ولما آنس منه إصغاء، واصل كلامه فقال: «إني إذا أغضبني أمر لا أستطيع إخفاء عواطفي قط، ~~فإن كان إلى جانبي أحد عرف أنني في انقباض كما عاينت ذلك في هذه الليلة.» # فتنهد سليم وقال: «لعل ذلك ينطبق علي أيضا.» وكأنه أحس بقرب تغلب صديقه على لسانه ~~فبادر بقطع الحديث وتعلل بميله إلى الرقاد قائلا: «إني أشعر بتعب وألم في الرأس، ولهذا ~~أفضل الرجوع إلى البيت الآن، وإن كنت أود قضاء بقية السهرة برفقتك.» # فأدرك حبيب مراده ولكنه تجاهل وقال: «إن النوم أفضل شيء للراحة، وأنا أيضا أحس مثل هذا ~~التعب لما كنت فيه من الشواغل في هذه الليلة، وأرجو أن أدرك القطار الذاهب إلى حلوان ~~الآن.» # ثم مد يده مودعا، فتصافحا وسار كل في سبيله وفي نفسه أمر يحاول إخفاءه عن ~~رفيقه. # | شقاء المحبين # مشى حبيب قاصدا إلى محطة باب اللوق فلما توارى عن صديقه أخرج من جيبه الخطاب الذي ~~تسلمه من مكتب البريد، وجعل يردد نظره فيه ويقرؤه تكرارا مستعينا بأنوار الشوارع على ~~تأمل الخط النسائي الذي كتب به. # وما زال كذلك حتى وصل إلى المحطة فإذا بالقطار قد أقلع منها إلى حلوان منذ دقائق، وسأل عن ~~القطار التالي إليها فعلم أنه يقوم في منتصف الليل، فساءه ذلك لما هو فيه من الهواجس ms006 ~~والارتباك. ثم رأى أن يمضي فترة الانتظار في التنزه، فتوجه إلى الجزيرة ليقضي هناك ساعة ~~ثم يعود ليستقل القطار. وكان يسير والخطاب في يده، وأفكاره تتجاذبها الهواجس، وراح يستعرض ~~بذاكرته البيوت التي يختلف إليها والسيدات اللواتي عرفهن لعله يعرف كاتبة الخطاب، فلم ~~ينتبه لنفسه إلا وهو على كوبري قصر النيل، فوقف هناك يتأمل منظر الماء الجاري، ويشنف سمعه ~~بموسيقى خريره وارتطامه بأعمدة الكوبري. وراقته الأنوار المتلألئة على جانبيه كأنها كواكب ~~ثابتة في ذلك الفضاء، فمضى يمشي الهوينى حتى وصل إلى الجزيرة ودخل شارعها المظلل بالأشجار ~~فمشى فيه، ثم عرج إلى منعطف نحو الشاطئ فسمع قرقعة عربة مارة في الشارع، ثم رآها وقفت، ~~فتربص ليرى ما يكون من أمرها، فإذا بشخص ينزل منها ويمشي في منعطف بالقرب من النخلة التي ~~اختفى هو خلفها حتى بلغ النيل فوقف قليلا، ثم انحدر إلى أسفل الشاطئ وجلس على صخر ~~هناك. # وتأمله حبيب فإذا به يشبه صديقه سليما، ثم تحقق أنه هو بعينه، فأشكل عليه أمره وعجب ~~لمجيئه إلى هناك في ظلام الليل وقال في نفسه: «يحسن أن أمكث مختفيا لأرى ماذا جاء به إلى ~~هنا.» ثم تذكر ما رآه فيه من ارتباك ذلك المساء فخاف أن يكون قد وقع في اليأس وأراد ~~الانتحار غرقا في النيل، فمشى بضع خطوات بكل خفة حتى أصبح وراءه وجلس مختفيا وراء نخلة ~~أخرى هناك ليرى ما يكون من أمره، وليسارع إلى إنقاذه إذا رآه يلقي بنفسه في النيل، وشكر ~~الله على ما كان من تأخره عن اللحاق بالقطار إلى حلوان. # أما سليم فإنه جلس إلى الشاطئ مطرقا والماء جار أمامه والظلام مستول على تلك الجهة إلا ~~ما يصل إليها من الأشعة البعيدة المنبعثة من أنوار الكوبري. وبعد قليل أخذ يتلفت يمنة ~~ويسرة كأنه يحاذر أن يراه أحد، ثم تنفس الصعداء وقال متحرقا: «آه من حوادث الزمان، وآه ~~من جهالتي وقلة تدبيري! آه يا سلمى يا حبيبتي ومنى فؤادي!» # ثم خنقته العبرات فأطلق لنفسه عنان البكاء حتى سمع حبيب ms007 صوت شهيقه فتفتت قلبه حزنا عليه ~~وجاشت عواطفه حتى كاد يشاركه البكاء، لكنه أمسك ليرى ما يكون منه بعد ذلك فإذا به بعد ~~البكاء والشهيق برهة عاد فقال: «أي سلمى حبيبتي! إني أحبك والله حبا لم أشعر بمثله لغيرك، ~~ولم أكن أعلم أن الحب يملك القلب ويتسلط على العواطف إلى هذا الحد. آه ما أحلى الحب وما ~~أمره!» # وعاد إلى البكاء حينا، ثم قال محدثا نفسه: «آه يا سليم! هل خطر ببالك أنك تصبح ألعوبة ~~بيد الحب وأنت أنت الذي لم تكن تعبأ بحوادث الزمان ولا بأي أمر من الأمور؟ آه يا إلهي! ماذا ~~أعمل لأتخلص من هذا التردد؟ أأترك سلمى؟ كلا والله لا أتركها ولا أتخلى عنها؛ لأنها تحبني ~~وقد علقت آمالها على وعدي لها بالزواج، وهي ملاكي وحبيبتي ومنتهى أملي. لا لا، لا أتخلى ~~عنها لأني لا أدري ماذا يلم بها إذا علمت بترددي في محبتها. لا لا، يجب ألا أتردد، إنها ~~كعبة آمالي. روحي فداك يا سلمى، لعلك الآن راقدة في فراشك وقد كحل عينيك الكرى، فنامي ~~هنيئا ولا تزعجك الأحلام!» # وكان حبيب يسمع أقواله كلمة كلمة ويتمعن فيها لعله يستطلع من خلالها سببا لهذه ~~التأوهات. # ثم سمعه يقول وقد أمسك نفسه عن البكاء ومسح عينيه بمنديله: «ماذا جرى لي؟ لماذا أنا خائف؟ ~~إني خائف على سري أن يباح ولكن من يذيعه وليس هنا غير النيل شاهدا؟» # ثم سكت وأخرج ورقة من جيبه وتأملها في الظلام، ثم تنهد وعاد إلى البكاء وقال: «نعم، لا ~~أتركك يا سلمى، ولكن ماذا أفعل بوالدتي التي زهدت في الدنيا كلها من أجلي، ربتني بدموعها ~~وسهدها، فأدخلتني المدارس وعلمتني، وأنفقت كل شيء في سبيلي ولم تدعني أتحمل ضيما، وهي إنما ~~فعلت ذلك آملة أن أكرس حياتي لخدمتها، وإنها أهل لأكثر من ذلك فكيف أخالف أمرها أو أعقها؟ ~~لا لا، يجب أن أكون طوع إرادتها لأن أيامها في هذه الدنيا معدودة. يجب أن أفعل كل ما تأمرني ~~به!» # وسكت ثم عاد فقال: «لا ms008 لا، إن والدتي تريد أن أتخلى عن سلمى حبيبتي، وأنا لا أستطيع أن ~~أترك سلمى ولو تركتني روحي أو تركتني والدتي الحنون. إن سلمى وضعت كل آمالها في فكيف أخيب ~~أملها وأتركها تموت حسرة وأسفا؟ سامحك الله يا والدتي! لماذا بالغت في نهيي عن الاقتران ~~بها؟ ولماذا هددتني بأن تتركيني إذا لم أترك سلمى؟ أصحيح أنك لن تعديني ولدا لك إذا ~~أصررت على زواجها؟ ويلاه ماذا أفعل؟ ليس لي إلا إنهاء حياتي فأتخلص من هذا التردد وألقي ~~نفسي في هذا النيل.» # فلما سمع حبيب كلامه، تحفز للحاق به وإمساكه عن الانتحار غرقا، لكنه ما لبث أن سمعه ~~يقول: «لا لا، إذا قتلت نفسي فإني أكون قد قتلت والدتي وحبيبتي أيضا، فهما ولا شك ستموتان ~~حسرة بعدي.» # ثم رآه ينهض ويتحول عائدا إلى العربة، فتقهقر حبيب مختبئا خلف النخلة حتى لا يراه سليم ~~فيكدره ذلك لحرصه على إخفاء ما به عن الناس كافة، وكانت العربة في انتظار سليم عند أول ~~الشارع فركبها وأمر السائق فحول الأعنة وعاد به إلى المدينة. # وهنا رجع حبيب من حيث أتى، وهو يعجب لذلك الاتفاق الذي كشف له عن سر صديقه، وقد رثى لحاله ~~وشعر بمقدار القلق الذي يعانيه، ولم يكن يعلم أن مشكلته معقدة إلى هذا الحد. # ونظر إلى الساعة فإذا بالليل كاد أن ينتصف، فهرول مسرعا إلى المحطة خوفا من أن يفوته ~~القطار، فأدركه قبل إقلاعه بقليل. # وفي طريق القطار به إلى حلوان، عاد فأخرج الخطاب الذي تسلمه من مكتب البريد وأخذ يتأمله ~~ويكرر تلاوته محاولا حل رموزه وكشف معمياته، لكن محاولاته لم تزده إلا ارتباكا، ولم ~~يستطع أن يعرف صاحبة الخطاب لأنه كان يتردد على بيوت كثيرة في القاهرة ويشاهد فتيات كثيرات، ~~ولم يكن يخطر له أمر الحب مطلقا؛ ولذلك لم يكن ينتبه لحركات إحداهن لخلو ذهنه من ذلك. على ~~أنه مع هذا ظل يستعرض في ذاكرته من كان يزورهن كثيرا من أولئك الفتيات، وتذكر واحدة منهن ~~كان يسر لمشاهدتها للطفها ورقة جانبها ms009 وتواضعها، وكانت من أكثر الفتيات رقة وتهذيبا، ولم ~~يلحظ منها مطلقا أنها ممن يملن إلى المغازلة بل كان يراها بعكس ذلك لا تتكلم إلا بحساب، ~~ولا تأتي ما يشتم منه رائحة الطيش، فاستبعد أن تكون صاحبة الخطاب. # وقضى معظم الطريق في مثل هذه الهواجس حتى وصل القطار إلى محطة حلوان فطوى الخطاب ووضعه في ~~جيبه ونزل قاصدا منزله فإذا بوالدته لا تزال في انتظاره وقد استبطأته، فلما قرع جرس البابا ~~نادته باسمه فأجابها ففتحت الباب واستقبلته سائلة عن سبب تأخره، فلفق لها عذرا قبلته. ثم ~~سأل عن أخته فقالت له إنها في الفراش منذ وقت قصير؛ لأن أسرة الخواجة سعيد جاءت لزيارتهم ~~عند العصر، ولم تعد إلى القاهرة إلا في القطار الأخير الذي غادر حلوان منذ قليل. # فلما سمع اسم تلك الأسرة، خفق قلبه بشدة لم يعهدها قبل ذلك، وسأل والدته: «وكيف حال ~~الخواجة سعيد وأسرته؟» # فقالت: «هم جميعا بخير، وقد تناولوا العشاء هنا وسألوا عنك كثيرا، وقبل أن يبرحونا ~~بالقطار الأخير اتفقنا على أن نسير معا يوم الجمعة القادم إلى أهرام الجيزة للتنزه، على أن ~~تذهب شقيقتك شفيقة معنا؛ لأن الآنسة أدما ابنة الخواجة سعيد طلبت ذلك، وأنت تعلم مقدار حبها ~~لشفيقة وحب شفيقة لها.» # وما طرق أذنه اسم أدما، حتى اشتد خفقان قلبه، وحدثته نفسه بأنها هي لا سواها صاحبة الخطاب ~~الذي تسلمه، وكان اسمها قد تردد في أذنه وهو في القطار، لكنه تجلد وتمالك عواطفه ريثما ~~تنكشف له الحقيقة، وإن شعر منذ تلك الساعة بميل شديد إلى تلك الفتاة، وود لو تكون هي مرسلة ~~الخطاب إليه. ثم ودع والدته وذهب كل منهما إلى فراشه. لكنه لم يستطع الرقاد لشدة هواجسه ~~فبقي فيه حينا دون أن ينام، ثم نهض ومضى إلى خزانة كتبه فأخرج منها كتابا وعاد إلى فراشه ~~ليتلهى بمطالعته. وشعرت به شقيقته وهو يمر بغرفتها فسألته عن سبب نهوضه من الفراش فقال: ~~«جئت لآخذ رواية أطالع فيها ريثما أنام.» # قال ذلك ودخل إلى سريره والشمعة مضيئة ms010 على مائدة بجانبه، وأخذ يقرأ في الكتاب. لكن عواطفه ~~كانت لا تسمح له بالمضي في القراءة، فكان يخرج الخطاب من جيبه بين آونة وأخرى ويعيد ~~قراءته. # وقضى في ذلك معظم الليل حتى كاد يطلع الفجر، وإذا بوالدته داخلة غرفته وقد عجبت لسهره إلى ~~تلك الساعة، فلما شعر بدخولها عليه أخفى الخطاب في الكتاب وأغلقه. ولما سألته عن سبب سهره ~~زعم لها أنه مغتبط بمطالعة إحدى الروايات ولم يشأ أن ينام قبل أن يتمها، فصدقته ومضت ~~لشأنها. أما هو فأخذ الكتاب ووضعه في الخزانة وأغلقها ثم عاد إلى فراشه وقد أنهكه السهر ~~والتعب فنام إلى أن حانت ساعة خروجه إلى عمله، فنهض وتناول قليلا من الشاي، ثم مضى إلى ~~عمله. # | سليم وسلمى # عاد سليم في العربة من شاطئ النيل وعيناه مبتلتان بالدموع وقد أخذ منه القلق كل مأخذ، ~~واشتدت به لوعة الغرام، وكان يظن أن أمره ما زال مجهولا من كل إنسان على أنه كان يشعر أن ~~كتمانه حبه مضر بصحته وعقله، ويود من صميم قلبه أن يلقى صديقا يبث إليه شكواه تخفيفا ~~للوعته. # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يواسيك أو يؤسيك أو يتوجع # وكان يثق بصديقه حبيب كل الوثوق ولكن خشي مفاتحته بالأمر من تلقاء نفسه. # ولكن حبيبا كان من الرقة وحسن الذوق على جانب عظيم، فبقي رغم وقوفه على سر حب صديقه، لا ~~يخاطبه بشيء في شأنه، ولا يسأله عنه؛ خوفا من أن يعد ذلك منه تطفلا أو فضولا. # وكان سليم مقيما بغرفة مفروشة في نزل بأحد شوارع القاهرة؛ لأنه كان وحيدا بها، ولم ~~يأتها إلا منذ بضع سنين ليمارس مهنة المحاماة، ولما كان غير واثق بنجاحه فيها، آثر ألا يأتي ~~بوالدته معه، وتركها مقيمة بمنزل أخيه المتزوج في مدينة الإسكندرية، على أن يأتي بها لتقيم ~~معه متى استقر به المقام بالقاهرة. # واتفق له بعد مجيئه إلى القاهرة ببضعة أشهر، أن تعرف إلى سلمى خلال تردده إلى بيت ~~أبيها، وهو من أبناء بلدته، فتعلق قلبه بها، واعتزم ms011 خطبتها لنفسه لما آنس فيها من الأدب ~~والتهذيب والكمال. لكنه لم يخبر والدته بذلك أول الآمر، فلما أطلعها عليه بعد حين، فوجئ ~~بعدم موافقتها على هذه الخطبة، وراجعها مرارا فلم تزدد إلا إباء. وأخيرا بعثت إليه بذلك ~~الخطاب الذي تسلمه من مكتب البريد، مذكرة إياه بحقوقها عليه، مؤكدة أنها إن لم يعدل عن ~~خطبة الفتاة فلن تعده ولدها، بل لن تبقى على قيد الحياة لأنها إن لم تمت حسرة وكمدا فستقتل ~~نفسها لتستريح من شقائها بعقوقه ومخالفته إرادتها! # وكان رغم شدة تعلقه بسلمى، وإعجابه بخصالها، لا يريد أن يخالف والدته، فوقع في حيرة كادت ~~تدفع به إلى وهدة اليأس والانتحار. # فلما عاد إلى غرفته أضاء الشمعة وبدل ثيابه، ثم جلس إلى مائدة بجانب سريره وأخرج كتاب ~~والدته ليعيد قراءته، فلما نظر إليه عاد فطواه وأرجعه إلى جيبه خوفا من إثارة عواطفه، ~~وأشعل سيجارة أخذ يدخنها وفكره مشغول بما هو فيه من الارتباك، وباضطراره إلى كتمان أمره عن ~~خطيبته حتى لا تتكدر، وربما أدى بها الحزن إلى ما لا تحمد عقباه. # وما زال في هواجسه هذه حتى الصباح، فنهض إلى عمله كالعادة، وعند العصر ركب عربة مضى بها ~~إلى دار سلمى ليمتع طرفه وسمعه برؤيتها وحديثها، وكان يرتاح لمجالستها وينسى وهو معها كل ~~متاعبه ومشاغله. # وما كادت المركبة تقف به أمام البيت حتى سارعت سلمى إلى استقباله وقلبها يطفح سرورا ~~ووجهها يشرق ابتساما، فلما دخل سلم على أهل البيت وقد أبرقت أسرته، ثم مد يده إلى ~~سلمى مسلما وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث وكل منهما لا يرفع نظره عن وجه الآخر، وأهل ~~المنزل فرحون بائتلاف قلبي الخطيبين وبما جمعه الله فيهما من صفات الكمال. # وقالت سلمى له بعد قليل: «أرجو أن تكون قد سررت أمس بمشاهدة الزينة في حديقة ~~الأزبكية!» # فقال: «الواقع أني سررت بها كثيرا، ولكن سروري لم يتم لأني كنت أود لو أنك كنت معي ~~لنشاهد تلك المناظر البديعة معا.» # فقالت: «إن ما يسرك يسرني، وقد كنت طول الوقت منشرحة ms012 الصدر لعلمي أن صدرك سينشرح ولا شك ~~بتلك المناظر.» # قال: «بورك فيك يا عزيزتي، وإني لأحمد الله على أن رأيتكم جميعا في عافية. على أني كنت ~~أود لو أن التقاليد لم تحل دون ذهابك معي فأزداد سرورا بمصاحبتك.» # قالت: «وماذا تعني بذلك؟» # قال: «أعني أن الناس لا يعلمون بما تم من أمر خطبتنا، فلو أنهم رأونا نتنزه معا لأدى ذلك ~~إلى تقولهم علينا، مما لا أرضاه لك.» # فخجلت سلمى وأدركت أنه يشير إلى بقاء خطبتهما في طي الكتمان، ثم نظرت إليه نظرة كلها حب ~~وحنان، وقد تضرجت وجنتاها خفرا وحياء وأطرقت ولم تتكلم. # فتبسم سليم، وقد ازداد إعجابا بجمال سلمى وكمالها، ثم وجه خطابه إلى والدتها قائلا: ~~«أليس كذلك يا سيدتي؟» # فقالت: «إنك معدن اللطف والكمال يا ولدي، ولكن الناس أكثرهم لا يتورعون عن القال والقيل، ~~ومن الحكمة ألا نتيح لهم الفرصة لذلك، وكل آت قريب.» # قال: «هذا هو اعتقادي أيضا، ولكنني أود أن نذهب للتنزه جميعا في مكان خارج المدينة ~~بمعزل عن الرقباء وتكونين وحضرة العم معنا فنقضي يوما من الأيام الجميلة.» # قالت: «نحن لا نتأخر عن القيام بما فيه سرورك.» # قال: «إن سروري لا يتم إلا بسروركم جميعا.» ثم حول نظره إلى سلمى مستطلعا رأيها ~~فقالت: «أنت تعلم ما يسرني، فاتفقوا فيما بينكم على الموعد الذي يعجبكم وأنا رهن ~~مشيئتكم.» # قال: «سنعين المكان والزمان في فرصة أخرى.» # ثم أخذوا في أحاديث مختلفة، وفيما هم في ذلك سمعوا رنين جرس الدار، ثم دخل حبيب فقاموا ~~جميعا للترحيب به، فسلم عليهم وجلس يشاركهم الحديث، ولما سألوه عن والدته وشقيقته قال: ~~«هما في خير وتهديانكم أزكى السلام، وكان في عزمهما الحضور إلى القاهرة اليوم، ثم آثرتا ~~تأجيل ذلك إلى يوم الجمعة المقبل، لتقضيا معكم بعض الوقت، ثم تتوجهان إلى بيت الخواجة سعيد؛ ~~لأننا تواعدنا مع أسرته على زيارة الأهرام معا، ويا حبذا لو شاركتمونا هذه ~~الزيارة!» # فقال سليم: «الحق أنها زيارة ممتعة، ولئن وافق عمي والأسرة على ذلك لنكونن جميعا من ms013 ~~السعداء.» # فاستحسن الجميع ذلك الرأي، وتم الاتفاق على الذهاب إلى الأهرام صباح يوم الجمعة القادم، ~~ثم أخذوا في أحاديث أخرى. ~~••• # كان حبيب وحده من بين الحاضرين يعلم أمر خطبة سلمى لصديقه سليم، وقد كان في قلق عليه منذ ~~وقف على حقيقة حاله مصادفة على ضفة النيل؛ ولذلك سارع بعد خروجه من الديوان إلى زيارته في ~~غرفته بالفندق ليرى ما تم له، فلما لم يجده هناك وعلم أنه ذهب إلى بيت خطيبته، لحق به ~~إليه. # وكان يتوقع أن يرى على وجه صديقه شيئا من علامات الاضطراب، واعتزم أن يعزيه ويسعى في ~~تخفيف كربه، ولكنه شاهده على غير ما كان يتوقع وكأنه لم يكن في شيء مما كان بالأمس، فعجب ~~لتأثير المحبة في قلوب المحبين، وكيف أنها مع ما يخالطها من الأكدار تكون أكبر تعزية لهم! ~~وهكذا خف قلقه على صديقه، ولكنه بقي معتزما مفاتحته في الأمر في فرصة أخرى لعله يستطيع ~~مساعدته بشيء. # ولما حان وقت العشاء نهض حبيب مستأذنا في الانصراف لكي يلحق القطار الذاهب إلى حلوان بعد ~~قليل، فودعوه بمثل ما استقبلوه به من الإعزاز وخرج من هناك إلى المحطة رأسا، مؤجلا المرور ~~ببيت الخواجة سعيد إلى فرصة أخرى. # أما سليم فبقي في بيت خطيبته إلى حوالي الساعة الحادية عشرة، وكانت الساعات تمر مسرعة ~~كالسحاب دون أن يشعر بها لفرط سروره بمجالسة خطيبته واستئناسه بحديثها وإعجابه بكمالها، ~~فضلا عما كانت عليه من الجمال وخفة الروح. ثم ودعهم وخرج وقلبه يود البقاء، ولم ينس قبل ~~خروجه أن يضغط يدها وهو يصافحها مودعا، فضغطت يده بدورها متمنية له السلامة في الذهاب ~~والإياب. # ولم يكد سليم يخرج من البيت حتى عادت إليه هواجسه وأخذ يفكر فيما هو فيه من الارتباك، ~~فانقبض وجهه وقلبه، وما كاد يصل إلى غرفته حتى وجد بطاقة زيارة متروكة له باسم داود سليمان، ~~فأخذه العجب لأنه لا يعرف أحدا بهذا الاسم، ثم دق جرسا أمامه داعيا الخادم، فلما جاءه ~~سأله عمن أتى بتلك البطاقة، فقال: «إن صاحبها أتى ms014 لمقابلتك، فلما لم يجدك تركها على أن يعود ~~صباح الغد.» # وبعد أن صرف سليم الخادم، جلس يكتب إلى والدته خطابا يرد به على خطابها، ولكنه كان ~~مشتت الفكر لا يدري ماذا يكتب، فكتب سطرين ثم مزق الورقة وعاد فكتب سطرين آخرين ولم يعرف ~~كيف يعبر عن أفكاره لشدة ارتباكه فمزق هذه الورقة أيضا وأطرق مفكرا وقد أخذ منه الارتباك ~~مأخذا عظيما. وبقي كذلك حينا غير قصير، ثم نهض دون أن يكتب شيئا فبدل ثيابه وتمدد في ~~سريره محاولا النوم. لكنه بقي مسهدا يتقلب في فراشه إلى أن طلع الفجر فغادر الفراش وارتدى ~~ثيابه، ثم أخذ يشغل نفسه ببعض أوراق القضايا التي وكل فيها. # وفيما هو في ذلك طرق الخادم باب الغرفة ثم دخل وأنبأه بقدوم الزائر الذي ترك بطاقته ~~بالأمس فأمره بالمجيء به. # ودخل عليه الزائر، فإذا هو كهل طويل القامة، أفطس الأنف، ضيق العينين، في فمه اعوجاج ~~ملحوظ وأسنانه بارزة، فرد تحيته بمثلها ورحب به. # ولما استتب الجلوس بالزائر افتتح الحديث في الشأن الذي جاء من أجله فقال: «لقد جئت أمس ~~لمقابلتكم فلم يسعدني الحظ بذلك إلا الآن.» # فقال سليم: «أهلا وسهلا، وإني ليسعدني أن أكون في خدمتك.» # قال: «أشكرك يا سيدي على هذا الفضل الكبير، ولكني أرجو أن تجيب لي قبل ذلك طلبا ~~بسيطا.» # قال: «ما هو هذا الطلب؟» قال: «تقسم لتحفظن ما أقوله لك سرا مكتوما عن كل ~~بشر.» # فتبسم سليم والتفت إليه قائلا: «إن في طلبك هذا إهانة لي وطعنا في كرامتي؛ إذ لا يخفى ~~عليك أن المحامين مكلفون حفظ الأسرار التي يقفون عليها بحكم مهنتهم كما يحفظ الكهنة سر ~~الاعتراف، فلا داعي لأن تكلفني مثل هذا القسم.» # فقال داود: «معاذ الله، إني لم أرد طعنا أو إهانة، وأنا أعلم طهارة ذمتك ولولا ذلك ما ~~جئت إليك مستشيرا، ولكن الأمر الذي جئت فيه يتعلق بالأعراض؛ ولذلك طلبت إليك القسم زيادة ~~في الحرص على هذه الأعراض.» # فقال سليم: «إن العادة لم تجر بمثل ذلك قبل الآن، ولكنني ms015 إكراما لخاطرك ولمن أشرت ~~إليهم، أقسم لك بالذمة والشرف لأكتمن كل ما تقوله لي الآن.» # فشكره داود على ذلك وقرب كرسيه منه ثم أخذ يقص عليه قصته. ~~••• # قال داود: «إني من أصحاب الأملاك الزراعية في مديرية الغربية، ولكن إقامتي بالقاهرة في ~~شارع شبرا قرب منزل الخواجة سليمان.» # فلما سمع سليم ذلك خفق قلبه لأن الخواجة سليمان هو والد حبيبته سلمى، فأصغى إلى داود بكل ~~جوارحه، وواصل هذا كلامه فقال: «وكنت منذ أربع سنوات أتردد إلى بيت جاري المشار إليه ~~ونتبادل الزيارات فيما بيننا كعادة الجيران في بلادنا، وكان له ابنة اسمها سلمى ...» # فاشتد خفقان قلب سليم، وازداد اشتياقا إلى استطلاع الحكاية فأنصت لسماع تتمة الحديث، ~~ومضى داود فقال: «وقد آنست في تلك الفتاة لطفا وتهذيبا قل مثالهما كما رأيت منها ~~ميلا إلي، وكنت أستأنس بها كثيرا حتى علقتها ومال قلبي إليها.» # وهنا كاد قلب سليم أن يقفز من بين ضلوعه، وشبت نار الغيرة فيه، لكنه أمسك عن إظهار عواطفه ~~ليقف على نهاية القصة. # فقال داود: «فلما رأيتها تحبني وتظهر لي الميل الشديد تلميحا وتصريحا، ورأيت أباها ~~يلاطفني ويكثر من دعوتي إلى زيارتهم، لاح لي أن أخطبها منه، وبقي هذا الأمر يتردد في فكري ~~زمنا طويلا خوفا من أن يكون في الأمر دسيسة أو خديعة، ولكن الحب أعمى بصيرتي فصممت على ~~خطبتها منه وفاتحته في الأمر، فرأيت منه ميلا شديدا إلي، وقال لي: «إن سلمى تكن لك ~~أضعاف هذا الميل.» فازددت تعلقا بالفتاة وصرت أكثر من التردد إلى البيت، وكنت أحيانا ~~أخلو إلى الفتاة ونظل الساعة والساعتين نتبادل عواطف الحب، ولم أكن أرى منها إلا حبا ~~وهياما وطالما صرحت لي بأنها لم يعلق قلبها بسواي إلى غير ذلك من عبارات ~~المحبة.» # فلم يتمالك سليم عند ذلك عن الانتفاض من شدة التأثر، وعلا وجهه الاحمرار وأحس كأن نارا ~~تتقد في جسمه غيرة وحنقا، لكنه تجلد حتى يسمع بقية الحديث، مكتفيا بإظهار عنايته ~~بتتبعه. # فقال داود: «ولا أكتمك أني وصلت في حب هذه ms016 الفتاة إلى درجة أن صورتها لم تكن تفارق ناظري ~~ليلا ولا نهارا، وظننت نفسي قد بلغت نهاية السعادة بالحصول عليها. على أني لم أخطبها ~~رسميا لأن أباها العجوز - سامحه الله - قال لي: «إن الخطبة لا بأس من تأخيرها.» ثم طلب ~~مني بعض المال على سبيل القرض، لاحتياجه إليه في دعوى مقامة عليه، لا أعلم ما هي وربما كانت ~~مثل الدعوى التي أرجو أن أستطيع رفعها ضده بمساعدتك، فنقدته مائة جنيه. ونظرا إلى ثقتي به ~~لم أكلفه كتابة صك بها، وقد كنت أحسبه أشرف رجل على وجه هذه البسيطة كما كنت أحسب ابنته ~~أطهر فتاة رأتها عيني. ولكني اضطررت بعد ذلك إلى العدول عن خطبة الفتاة لسبب أخجل أن ~~أذكره.» # فاشتعل قلب سليم غيرة وحنقا، ولم يتمالك عن النهوض عن الكرسي بغتة لشدة الانفعال، لكنه ~~عاد إلى عقله وخاف الفضيحة فتظاهر بأنه يبحث عن علبة سجايره ثم تناولها ودفع إلى داود ~~سيجارة منها، وأشعل لنفسه أخرى وجلس لسماع الحديث وهو يجاهد نفسه لإخفاء عواطفه. # ولم تخف حالته على داود، لكنه تجاهل وواصل كلامه فقال: «نعم، إنني أخجل من ذكر سبب ~~عدولي عن خطبة الفتاة، ولا سيما أن الأمر يمس العرض.» # فقال سليم: «لا داعي للخجل، وقد أقسمت لأكتمن السر.» # فتردد قليلا، ثم قال: «ماذا أقول؟ يكفي أني دخلت يوما منزل الخواجة سليمان هذا دون أن ~~أقرع الجرس، فلما دخلت غرفة الفتاة وجدتها جالسة بجانب شاب - كنت أعده صديقا للأسرة - في ~~هيئة مريبة.» # وهنا يعجز القلم عن شرح حالة سليم عند سماعه ذلك الاتهام الموجه إلى حبيبته التي يعتقد ~~فيها العفاف والطهر، فلم يستطع إمساك عبراته، وغادر الغرفة متظاهرا بأنه يريد حاجة خارجها، ~~ثم عاد بعد أن مسح دموعه فجلس على كرسيه ساكتا مصغيا ولكن قلبه يتقد غيرة وحنقا. # وتجاهل داود ما لاحظه على سليم، وأخرج منديله فمسح به أنفه وشاربيه وعاد إلى إتمام حديثه ~~فقال: «ولما رأيتها مع الشاب المشار إليه في تلك الخلوة المريبة، لم أتمالك عن الخروج حالا ~~وقد ms017 اتقدت نار الغيرة في قلبي، ورجعت من حيث أتيت وبقيت مدة لا أزور ذلك البيت. على أني كنت ~~أفكر دائما في أمر المائة جنيه التي اقترضها مني أبو الفتاة، وأخيرا لاح لي استشارة محام ~~ماهر لرفع الدعوى على الرجل مطالبا إياه بأداء ذلك الدين. ثم رأيت أن أطالب الرجل أولا، ~~فلما طالبته أخذ يماطلني ويعدني تارة بالدفع، ويسألني تارة عن سبب عدولي عن خطبة الفتاة ~~فألفق له بعض الأعذار. وأخيرا كشفت له حقيقة ما وقفت عليه من أمر ابنته فقال لي: «إن ذلك ~~الشاب صديق الأسرة كما تعلم، ولا شك في أنه هو الذي غرر بالفتاة مستغلا بساطتها، لكنه ~~لم ينل منها شيئا.» ولما يئس من إقناعي، ورأى أني مصر على إرجاع مالي الذي أخذه، أنكر ~~أنه اقترضه مني. فهل تظن أني إذا رفعت عليه دعوى أستطيع ربحها؟» # فقال سليم وقد أمسك عواطفه: «لا يخفى على فطنتك أن الدعاوى المالية لا تقوم إلا بالبينة، ~~فهل عندك بينة أو شاهد يشهد بذلك؟» # فقال: «إني دفعت إليه المبلغ سرا دون أن يعلم أحد بذلك، ولكن الشاب الذي حدثتك الآن عن ~~صلته بالفتاة، علم بالأمر خلال تردده إلى المنزل، على أني ما أظنه يقبل إثبات هذه الدعوى؛ ~~لأنه كان السبب الأكبر بل هو السبب الوحيد لما حصل، وبناء عليه أقول إنه ليس لدي بينة أو ~~شهود.» # فاشتغل بال سليم بذلك الشاب وأحب معرفة اسمه فقال: «هل تعرف ذلك الشاب الذي أشرت ~~إليه؟» # قال: «هو شاب لا أراه في القاهرة الآن إلا يسيرا، واسمه حبيب.» # فاضطرب سليم عند سماعه اسم صديقه بعد أن سمع ما قيل عنه وعن سلمى، لكنه تجاهل وأجاب ~~متظاهرا بأنه غير مكترث قائلا: «إني أعرف هذا الشاب معرفة بسيطة، وإذا لم تستطع الحصول ~~على شهادته لا أظنك تستفيد شيئا من رفع دعواك.» # فقال داود: «أما شهادته فأنا واثق بأني إن خاطبته في شأنها فلن يقبل أداءها، وربما ادعى ~~أنه لم يرني قط ولا عرف شيئا عني، وعلى هذا أرى الأولى ms018 بي أن أترك عوضي على الله، وأكتفي ~~بأني تخلصت من الشرك الذي كان منصوبا لي، وأشكر الله أني عرفت حقيقة الفتاة قبل العقد ~~عليها، ولو كان ذلك بعد الاقتران بها لكانت المصيبة أعظم. والآن لا حاجة بي إلى أن أذكرك ~~بقسمك، لكي تكتم حديثنا هذا عن كل إنسان كما وعدت وتعتبر أني لم أقابلك الآن ولا خاطبتك في ~~شيء.» # ثم نهض مودعا شاكرا لسليم حسن مشورته، وأراد أن ينقده أجر هذه المشورة فلم يقبل سليم، ~~فخرج مكررا الشكر، وترك سليما على مثل الجمر. # وما كاد ينصرف حتى أغلق سليم باب الغرفة وجلس يناجي نفسه وقد أخذ منه الغيظ كل مأخذ، ~~فقال: «أهذه حقيقتك يا سلمى؟ أين عفافك وأنفتك؟ بل أين تهذيبك وأدبك؟ أفي يقظة أنا أم في ~~حلم؟ لا لا، لا أصدق ذلك عنك. ولكن كيف أتهم الرجل بالافتراء، وما الذي يحمله على الكذب أو ~~الإيقاع بيننا وهو لا يعرف عني شيئا، وإنما قاده الاتفاق إلي؟ وما أعجب هذا الاتفاق الذي ~~كشف لي أمورا كنت عنها غافلا!» # ثم سكت حائرا لا يدري بم يفسر تلك الحكاية، وأخيرا نهض بغتة وقد اتقدت الغيرة في بدنه ~~كالجمر وقال: «آه منك أيضا يا حبيب، آه من قلب الإنسان ما أفسده! أتحب سلمى وتحبك، ثم ~~تظهران لي بمظهر الإخلاص؟ آه من هذا الزمان! الآن عرفت صدق مقال والدتي، وإنها والله لأصدق ~~مني مقالا وأوسع اختبارا.» قال ذلك وأخرج كتاب والدته من جيبه وأخذ يقرؤه حتى وصل إلى ~~قولها فيه: # لا تغتر يا ولدي بمظاهر البنات فإنهن أقدر البشر على المداهنة والنفاق، وقد ~~يظهرن العفاف وهن بعيدات عنه، ويبدين الإخلاص وهن أروغ من الثعلب. وفضلا عن ذلك ~~فإن الفتاة التي علقتها ليست ممن يليق بك الالتفات إليهن، وقد سمعنا عنها ممن ~~عرفوها هنا أنها قد نصبت مثل هذه الشراك لسواك وأخفقت سعيا وخابت آمالها ويكفيني ~~التلميح عن التصريح. # فلما قرأ هذه العبارة، أخذ يلعن الساعة التي عرف فيها ذلك البيت؛ لأنه لم يعد يعرف الراحة ms019 ~~منذ عرفه . وحدثته نفسه بأن يتخلى عن سلمى قبل عقد الخطبة، ولكن نار الحب ثارت في قلبه ~~كأنها تكذب ما بلغه فقال: «لا لا يا سلمى، أنت والله حبيبتي ومنتهى أملي، وقد وهبتك هذا ~~القلب وملكتك نفسي حتى استوليت على كل عواطفي، ولم ألق منك منذ عرفتك إلا كل جميل، فلا ~~أنثني عن حبك ولا أظن بك سوءا. ولكن ما هذه الحكاية التي سمعتها الآن؟ أهي محض اختلاق؟ كلا ~~فقد علمت بها اتفاقا، ولو كان بيني وبين راويها علاقة أو معرفة لاتهمته بالافتراء والكذب ~~وقلت إنه واش يريد فصم ما بيننا من علائق المحبة. أتحبين حبيبا كل هذه المحبة وتقولين ~~إنك تحبينه من أجل صداقته لي؟ تبا لك وله! ولكن ... ولكن حبيبا صديقي وقد عرفته منذ نعومة ~~أظفاره ولم أر فيه إلا إخلاصا وغيرة، ولكن ... ولكن النفس أمارة بالسوء وعين الحب عمياء، ~~فلا بد لي من التجلد والصبر، ثم ملاحظتكما ومراقبة خطواتكما وحركاتكما، فإذا تحقق لدي ما ~~سمعته الآن ... آه آه من الحب ما أمره وما أحلاه! لا لا، بل هو مر علقم وقد صدق من قال: «إن ~~سوء الظن من حسن الفطن»، فلو أني لم أفتح قلبي لك وأضع ثقتي فيك ما عميت عن حقيقة حالك وحال ~~ذلك الشاب الذي خدعني بصداقته سنين. ولكن مهلا سوف تريان وأرى، وكل آت قريب!» # ثم نهض وهو في أشد الانفعال، وخرج لا يلوي على شيء. وفيما هو في الطريق نظر إلى ساعته ~~فإذا الساعة الحادية عشرة، ففطن لميعاد المرافعة في مجلس الاستئناف. وكان عليه أن يذهب ~~للمرافعة في دعوى وكل فيها عن بعض الناس، ولكنه رأى أنه لا يستطيع ذلك وهو في مثل ذلك ~~الانفعال، فسار وهو لا يدري إلى أين يذهب، فقاده الاتفاق إلى حديقة الأزبكية فدخلها وجلس ~~على مقعد بإزاء البركة. وكانت الحديقة في ذلك الحين هادئة لخلوها من الناس، فأخذ يجول ~~بأفكاره فيما سمعه في صباح ذلك اليوم وهو يكاد ألا يصدق أنه سمعه في اليقظة لغرابته وبعده ~~من ms020 اعتقاده السابق . # ولبث في حيرة تتقاذفه الهواجس وتتلاعب به الظنون، وهو تارة ينقم على سلمى وسوء طويتها، ~~وطورا يكذب ما سمعه عنها ويجلها عن مثل تلك الدناءة. # | خلوة مريبة # عاد حبيب إلى حلوان وهو يفكر في الخطاب الذي تسلمه ويردد في ذاكرته سوابق زياراته بيت ~~الخواجة سعيد وما كان يلحظه في أدما من الحركات والإشارات حتى كادت تنجلي له الحقيقة، ~~وترجح لديه أنها هي التي بعثت إليه الخطاب، فاعتزم أن يستطلع ذلك ويتحققه يوم ذهابهم ~~جميعا للتنزه في منطقة الأهرام. # وأمضى حبيب ليلته يفكر في ذلك، دون أن يزور الكرى عينيه. وكانت نفسه تحدثه بأن يتعجل ~~استطلاع الأمر فيذهب في الغد إلى بيت الخواجة سليمان، في موعد لا يكون فيه سليم ولا أحد غير ~~سلمى هناك - وكان لكثرة تردده إلى ذلك البيت، ولما بينه وبين الأسرة من علائق المودة ~~الخالصة لا يستنكف أن يزوره في أية ساعة - وهناك يجاذب سلمى أطراف الحديث على انفراد، لعله ~~يعلم منها شيئا عن أدما يحقق ظنه. # وفي صباح اليوم التالي بكر بالخروج إلى مقر عمله على عادته، وبقي هناك حتى الساعة ~~الحادية عشرة، ثم توجه إلى منزل الخواجة سليمان، فلم يجد فيه غير سلمى ووالدتها، فرحبا ~~به، واستغربا مجيئه في تلك الساعة، غير أن اللياقة لم تسمح لهما بإظهار ذلك الاستغراب، ثم ~~جلسوا جميعا في قاعة الاستقبال وسلمى وأمها بثياب المنزل، دون أن تستنكفا ذلك، لما بين ~~حبيب والأسرة من صداقة ترفع التكليف. # وشعر حبيب عقب جلوسه باستغرابهما مجيئه في تلك الساعة، فأفهمهما أنه ذهب لمقابلة الخواجة ~~سعيد للتفاهم معه على خطة الذهاب إلى الأهرام وإعداد ما يحتاجون إليه في تلك الرحلة، فلما ~~لم يجده في منزله، رأى أن يزورهم لذلك السبب نفسه، فاقتنعتا بذلك، وأخذ ثلاثتهم يتداولون في ~~أمر الرحلة. # وبعد قليل تركتهما والدة سلمى معتذرة بأن الطعام على النار وأنها لا تثق بالطباخ في ~~إصلاحه، فقبل حبيب عذرها وقد سر جدا منه. وما كادت تنصرف حتى عاد إلى الحديث مع سلمى ~~في ms021 شأن زيارة الأهرام، ثم تطرق من ذلك إلى حديث أدما فقال: «إني أنتظر صباح الغد بفروغ صبر ~~حتى نذهب في موعدنا هذا؛ وذلك لأني أحب الذهاب إلى تلك الجهة لجودة هوائها وحسن موقعها، ~~ومما يضاعف سروري أن شقيقتي شفيقة أكثر مني تشوقا لهذه الرحلة، ولا سيما بعد أن علمت بأنكم ~~ذاهبون معنا أيضا، وكذلك أسرة الخواجة سعيد، وهي لم تر الآنسة أدما منذ وقت طويل.» # فقالت سلمى: «إن الآنسة شفيقة خليقة بكل محبة وإجلال، ونحن جميعا نحبها ونجلها ~~للطفها وتعقلها. ولكن لا شك في أن الآنسة أدما أكثرنا انعطافا نحوها، وهي لا تفتر عن ~~ذكرها وامتداحها.» # فقال: «لقد لاحظت مثل هذا الانعطاف من شقيقتي نحو الآنسة أدما، وكثيرا ما ذكرتها بالمدح ~~والثناء والإعجاب بحسن خصالها.» # فقالت: «الحق أن الآنسة أدما من أحسن البنات تهذبا وأدبا ولطفا، كما أنها على جانب ~~عظيم من العلم والمعرفة.» # فقال حبيب وقد خفق قلبه وعلا وجهه الاحمرار: «وأين تعلمت كل هذا؟» # قالت: «تعلمته في مدارس بيروت، كما تعلمت فن التصوير وأتقنت الخط.» # فقال: «أتقنت الخط؟ هذا عجيب لأن الفتيات قلما يتقن الخط لقلة استعمالهن ~~الكتابة!» # قالت: «الواقع أن خط الآنسة أدما جميل جدا، وإذا شئت فإني أطلعك على خطها في رسالة ~~بعثت بها إلي منذ بضع سنين.» # قال وقد استبشر بالفوز: «لا أريد أن أثقل عليك بتكليفك البحث عن هذه الرسالة ~~الآن.» # فنهضت قائلة: «لا ثقلة علي في ذلك.» ثم مضت إلى غرفتها وجاءته بتلك الرسالة وجلست ~~بجانبه لتريه جمال خط أدما، ثم قالت له وهي تضحك: «أخشى أن تسخر من العبارات التي تضمنها ~~الخطاب، ولكننا كنا ما زلنا أطفالا حينذاك.» # فقال: «العفو يا آنسة.» # وفيما هما في ذلك فوجئا بدخول سليم عليهما، فبغتا وبدا الخجل في وجهيهما، مع أنهما لم ~~يكونا في حالة توجب الخجل ولكنهما لم يكونا ينتظران مجيئه في تلك الساعة. # وكان سليم قد مل الجلوس في الحديقة فحدثته نفسه بأن يزور خطيبته في تلك الساعة على غير ~~المعتاد لعله يستطلع شيئا ms022 مما سمعه عنها، ودخل البيت دون أن يقرع الجرس فاتفق وصوله إلى ~~قاعة الجلوس في اللحظة التي كانت سلمى فيها جالسة بجانب حبيب تريه خط أدما في رسالتها ~~إليها، فرآهما ووجهاهما متقاربان، وهما ينظران في ورقة أمامهما ويضحكان، فلما رأى بغتتهما، ~~تحقق صحة ما سمعه عن علاقتهما من داود، ولا سيما أن زيارة حبيب للمنزل كانت في وقت غير ~~عادي، وأن سلمى كانت بثياب البيت. # ولا حاجة بنا إلى شرح عواطفه عند مشاهدته سلمى وحبيبا في تلك الحال، فازداد وجهه ~~انقباضا وحدثته نفسه بأن يوبخهما ولكنه أمسك وتجلد، إما خجلا وإما تعقلا، لكنه لم يستطع ~~إخفاء عواطفه. # أما سلمى فإنها لبراءتها لم يخامرها شك في اعتقاد حبيبها، فلما دخل الغرفة خفت ~~لاستقباله مسلمة ومدت يدها إليه مصافحة، فلما لمست يده شعرت بارتعاشها وبأنها باردة ~~كالثلج، ثم أخفت الرسالة خوفا من رغبته في استطلاع سبب وجودها معها وذلك ربما يغضب ~~حبيبا. # وأما حبيب فحيا صديقه ببشاشة، لكنه لم يلق منه إلا إعراضا. # ثم جلس الجميع وسليم مقطب الوجه ممتقع اللون، فأدركت سلمى أن إخفاء الرسالة ربما أوجب سوء ~~ظن سليم، فأخرجتها من جيبها ووجهت كلامها إليه وقالت ضاحكة: «إني ليضحكني تذكر أيام المدرسة يوم كنا نكتب مثل هذا الخطاب الذي كنت أطلع الخواجة حبيب ~~عليه الآن، وهو من صديقتي الآنسة أدما كتبته منذ بضع سنين يوم كانت في المدرسة في بيروت، ~~وكنا نتحدث عن جمال خطها فلم يصدق أنه جميل فأخرجته لأطلعه عليه.» # ثم دفعت الخطاب إلى سليم لكي يراه فمد يده وتناوله، ولم يكد ينظر إليه حتى أعاده إليها ~~ببرود وهو يتكلف الابتسام. # فخجلت سلمى لهذه المعاملة المهينة، لكنها كظمت عواطفها وسألت سليما عن سبب اضطرابه، ~~فقال: «إني متكدر من بعض الأمور الشخصية المتعلقة بالعمل.» # فقالت: «أرجو ألا يكون في ذلك ضرر عليك يا عزيزي.» # فأجابها وهو ينظر إلى نافذة القاعة قائلا: «لا ضرر هناك إن شاء الله.» # قال ذلك وهو يتردد بين عوامل الغيرة والكظم، فيهم بأن يظهر غضبه ms023 ثم يمسكه التعقل خشية ~~سوء العاقبة. # فقال له حبيب وقد جاء بكرسيه إلى جانبه: «لا أراك الله مكروها يا عزيزي، ما لك منقبض ~~النفس؟ ألا فرجت عنك وتركت المقادير تجري في أعنتها؟» وقد أراد بذلك أن يخفف عنه، ~~ظنا منه أن انقباضه بسبب الخطاب الذي ورد إليه من والدته. # فأراد سليم أن يجيبه منتهرا ويوبخه، ثم تذكر ما بينهما من الصداقة القديمة وما ~~للفتاة في قلبه من المحبة، وما يتجلى في وجهها من دلائل الوقار والهيبة والتعقل، فغلبت ~~عليه طيبة قلبه، وأجاب حبيبا: «إني متكدر من أمر عرضي يتعلق بمهنتي، وليس فيه ما يوجب ~~الخوف أو اليأس.» غير أن لهجته رغم ما حاوله من التلطف كانت تنم عما يعتمل في ~~صدره. # فرأت سلمى أن عليها أن تعزي حبيبها وتواسيه، فدنت منه وأمسكت يده بيد كادت تذوب لطفا، ~~ونظرت إليه بعينيها الجميلتين مبتسمة وقالت: «روحي فداك يا عزيزي، لا يغضبك أمر ولا تجعل ~~للكدر بابا للتمكن منك فإنك تعلم أن الأعمال في هذه الدنيا تحتاج إلى التبصر والصبر، فلا ~~تستعجل النجاح فلكل شيء وقته، ولا يخفى عليك أن الكدر يضعف الجسم.» # فوقعت هذه الكلمات في أذن سليم موقعا حسنا، وشعر بأنها ألقت عن صدره حملا ثقيلا من ~~القلق والغيرة، وكان يحتاج وهو في تلك الحال من التردد إلى مثل هذه العبارة التي ساعدته في ~~تخفيف غيظه وحملته على الصبر والتأني في حكمه على حبيبته وصديقه. ولما أمسكت يده شعر بمجرى ~~كهربائي بارد تخلل أعضاءه فأخمد جانبا كبيرا مما كان متقدا فيها من نيران الانتقام ~~والغيظ، فغلبت عليه الحكمة واعتزم إخفاء ما به والتربص ريثما يتحقق الأمر مرة ثانية وثالثة؛ ~~لأن ما علمه حتى ذلك الوقت لم يكن كافيا لإصدار حكمه بإدانتهما، كما أن العواطف سريعة ~~الحكم لا تصبر على العقل ريثما يتروى فتحمله على الانتقام من البريء لسرعة حكمها. # فنظر إليها مظهرا البشاشة وقال: «مهما أكن مثقلا بالهموم فإني أنساها عند مشاهدتك ~~ومشاهدة عزيزي حبيب، ولكني كما قلت له مرة إذا ms024 تكدرت من أمر يصعب علي نسيانه حالا، ~~فأتقدم إليكما أن تسبلا ذيل المعذرة على ما ظهر لكما مني الآن، فإن ذلك عن غير قصد مني ~~وسببه ما ذكرت.» # فقال حبيب: «فليبتهج قلبك يا عزيزي ولا تحزن، إننا الآن نستعد للمسير إلى الأهرام غدا، ~~وقد جئت الآن لهذه الغاية لكي نتفق على ميعاد نسير فيه معا. وتم الاتفاق على أن نبدأ ~~الرحلة في الساعة السابعة صباحا. وسنعد ما نحتاج إليه من العربات ومعدات الطعام وما إليها؛ ~~خشية أن يهمل الخدم في شيء من ذلك.» # ثم جاءت والدة سلمى فسلمت على سليم وأخذت ترحب به. وكانت قد سمعتهم يتحدثون عن رحلة ~~الأهرام وإهمال الخدم فقالت: «قبح الله الخدم فإنهم لا يمكن الاتكال عليهم في أمر البيت، ~~ولا بد لربته من المساعدة في جميع شئونه.» # فقالت سلمى: «الحق معك يا والدتي، ولكن خادمتنا سعيدة ماهرة، ولعل من الخير اصطحابها معنا ~~في الرحلة.» # فقالت: «لا بأس من أخذها معنا.» # وفيما هم في الحديث جاء الخواجة سليمان، فجلسوا جميعا يتحادثون، ثم أراد حبيب وسليم ~~الانصراف فدعوهم إلى البقاء لتناول الغداء. ثم وضعت المائدة وتناولوا الغداء معا وسليم لا ~~يزال في شاغل داخلي بما تم له في ذلك اليوم، وقد عول على مراقبة حركات سلمى. # وبعد الغداء وشرب القهوة استأذن حبيب وسليم وخرجا، فمضى كل منهما في سبيله وهو في شاغل ~~عظيم. # وكان حبيب قد رأى بين خط الكتاب الذي تسلمه وخط أدما مشابهة كبيرة جدا بحيث كاد يجزم ~~بأنها صاحبة الخطين، لكنه صبر إلى الغد حيث يتقابلان في الأهرام ويستطلع أمرها بنفسه. وما ~~زال سائرا حتى وصل إلى حلوان فأخبر والدته وشقيقته بموعد الذهاب إلى رحلة الأهرام. # وأما سليم فسار إلى غرفته، ثم غادرها إلى الحديقة حيث قضى فيها بقية النهار، ثم عاد في ~~المساء إلى غرفته فجلس مفكرا فيما سمعه عن سلمى وأبيها من داود في الصباح، وعادت إليه ~~هواجسه وانفعالاته، وأخذت تتقاذفه الأوهام، ثم تذكر كتاب والدته فأراد إخراجه من جيبه لكنه ~~أمسك ms025 تجنبا لمضاعفة هواجسه. وبقي برهة يدخن ويفكر حتى غلبه التعب فذهب إلى فراشه. وقبل أن ~~يروح في النوم تذكر أنه لم يعرف مكان داود حتى يجتمع به مرة أخرى ويستوضحه بعض الأمور، فأسف ~~على ذلك واعتزم أن يغتنم أول فرصة يراه فيها ويسأله عن عنوانه. # | في منطقة الأهرام # بكر الجميع في الصباح التالي إلى منزل الخواجة سليمان، ثم جاءوا بأربع عربات ركبوها إلى ~~منطقة الأهرام وقد أعدوا كل ما يحتاجون إليه في نزهتهم. # وسارت بهم العربات حتى وصلوا إلى الجزيرة وكلهم فرحون بذلك الاجتماع ولا سيما حبيب؛ لأنه ~~كان ينتظر ذلك اليوم بفروغ صبر. أما سليم فكان في العربة مع سلمى ووالديها وكل منهما يسترق ~~النظر إلى الآخر ويحاذر كشف سريرته. # وكان ذلك النهار صافي الجو هادئا، فمرت العربات في طريق الأهرام المظللة بالأشجار تتناغى ~~فوقها الأطيار، وعلى كل من جانبي الطريق بساتين يانعة تكسوها الأعشاب الخضراء، وتسرح فيها ~~الماشية من البقر والجاموس يسوقها رعاة من الأحداث تكسو أجسادهم خرق بالية ولكنهم فرحون ~~بما رزقهم الله من العيش السهل على ضفاف النيل الخصبة المرعى الرقيقة النسيم، وليس فيهم إلا ~~من أنعشته نسمات الصباح فأخذ يغني كأنه يشارك الأطيار في تغريدها. أما الماشية فكانت تسرح ~~وتمرح في مرعاها غافلة عن شواغل بني الإنسان. # كانت العربات تحمل قلوبا تتقد حبا يخامره في بعضها تردد، وفي بعضها الآخر تحسر أو ~~ارتباك، والآباء والأمهات في غفلة عما شب في أفئدة أولادهم من العواطف، والطبيعة فوق كل ~~ذلك تضحك من ضعف بني الإنسان وتستخف بما يستعظمونه لكثرة ما مر بها من الأجيال، وما شهدت من ~~الأهوال حتى تساوى لديها الكبير والصغير والحب والبغض. # وما كادت العربات تدخل ذلك الطريق حتى لاحت لمن فيها أهرام الجيزة الكبرى من خلال ~~الأشجار، قائمة كأنها جبال راسيات. واشتغلت بها أفكارهم وطارت إليها قلوبهم وقد خيل لهم ~~لعظمها أنها منهم على أقرب من مرمى القوس، في حين أن بينهم وبينهما مسيرة ساعة أو ~~تزيد. # وأخيرا وقفت العربات بهم عند مرتفع ms026 تعلوه الأهرام الثلاثة كأنها جبال منتظمة الهندام، ~~فترجلوا جميعا ومشوا صعدا يطلبون الأهرام وعيونهم شاخصة إليها حتى شغلهم حينا من الزمان ~~لم ينطق خلاله أحدهم ببنت شفة. ولما دنوا منها أشرفوا على تمثال أبي الهول القابع على مقربة ~~منها كأنه الحارس الأمين. # وهرع لاستقبالهم هناك كثير من التراجمة والأدلاء في ملابس أهل البادية، وجعلوا يخاطبونهم ~~بلسان أعجمي أرادوا به أن يكون اللغة الإنجليزية ولكنه كان مزيجا منها ومن الفرنسية. وكان ~~هؤلاء لكثرة تردد الإفرنج إلى الأهرام يحسبون كل زائر لتلك المنطقة إفرنجيا، وقد رجح ~~لديهم هذا الظن لما رأوا السيدات في الزي الإفرنجي، على أنهم ما لبثوا قليلا حتى علموا أن ~~هؤلاء القادمين ليسوا من الأجانب؛ إذ سمعوهم يتكلمون باللغة العربية، فتقدم شيخهم وسألهم ~~قائلا: «هل لكم في الصعود إلى قمة الهرم الكبير؟» # وهنا أعرب سليم عن رغبته في الصعود، فأوقفه حبيب محذرا إياه قائلا: «إني لا آمن عليك ~~هذا الصعود، فإن في ذلك خطرا كبيرا، وكم من أناس خسروا حياتهم لتجرئهم على صعود الهرم، ~~فزلت أقدامهم خلال ذلك.» # فلما سمعت سلمى ذلك اقشعر جسمها خوفا على حبيبها ونظرت إليه وفي ملامح وجهها ما ينم عن ~~خوفها على حياته، فتأثر بتلك النظرة تأثرا شديدا، ولكنه تذكر حديث داود عنها، فانقبض قلبه ~~وظهر ذلك على وجهه فحول نظره عنها مغضبا، فدنت هي منه تاركة والديها يذهبان إلى الجانب ~~الآخر من الهرم ليتأملا ارتفاعه ومعهما الخواجة سعيد، ثم التفتت وراءها فإذا بحبيب واقفا ~~إلى جانب أدما وأخته شفيقة يشرح لهما تاريخ بناء الهرم، وهما شاخصتان إليه مشغولتان بما ~~يقول، فعلمت أن لا أحد يسمعهما إذا تكلمت فقالت لسليم: «ألا تخاف الصعود إلى قمة هذا الهرم، ~~وهي على هذا الارتفاع الهائل؟» قالت ذلك وهي ترنو إليه وتلاحظ حركاته. # فقال: «لو كان ارتفاعه أضعاف ما هو عليه، ما خفت الصعود إلى قمته.» # قالت: «ولكنني أنا أخاف عليك.» # قال: «مم تخافين؟» # قالت: «لا أريد أن تعرض حياتك للخطر.» # فصمت ولم يبد جوابا، وكأنه كان يريد ms027 التكلم ويمنعه التردد، فعادت هي تقول: «لعلك لا ~~تخاف علي إذا حاولت الصعود وربما تزل قدمي فلا أصل الأرض إلا جثة بلا روح؟» # فلما سمع ذلك منها اقشعر بدنه، وهاجت عاطفة الحب في قلبه، وتذكر ما كان بينهما من ~~الإخلاص وغلبت عليه عواطفه فقال: «نعم أخاف عليك خوفا شديدا، لا من الصعود إلى قمة الهرم ~~فقط، بل أخاف عليك حتى من هذا النسيم اللطيف، ومن عيون البشر فإنها أحد من السهام على ~~قلبي!» # فعجبت لعبارته الأخيرة إذ لم تر لها محلا، ولاح لها أنها تخفي وراءها شيئا يكنه في ~~ضميره ويود إخفاءه عليها، فبهتت وأخذت تفكر في ذلك ثم قالت متجاهلة: «إذا كنت تخاف علي ~~إلى هذا الحد فكيف لا تشعر بأني أخاف عليك أيضا؟» # فازدادت في قلبه عوامل الغيرة والحنق، وضاق صدره بما يكتمه، فأخذ ينكت الأرض بعصاه ~~متشاغلا ويداه ترتعشان، ووجهه يزداد انقباضا. # فابتدرته قائلة: «ما لك لا تجيب عن سؤالي كأني لا أستحق جوابا؟» قالت ذلك وهي ترنو إليه ~~بعينيها كأنها تقول له: ما الذي تكتمه؟ ولماذا الكتمان؟ # فنظر إليها شزرا وأراد التكلم فشرق بدموعه، فحول وجهه إلى السهل الرملي المحيط بالهرم ~~إخفاء لما به. # وقالت سلمى لسليم: «ألا تخاف الصعود إلى قمة هذا الهرم؟» # فلحظت منه ذلك وتساقطت العبرات على خديها وقد امتقع لون وجهها، ثم مسحت دموعها بمنديلها ~~من حيث لا يراها، ولكنه التفت إليها بغتة وقد هم بأن يبوح لها بما في قلبه، فلما رأى ~~الدموع تترقرق في عينيها، أمسك. وبقي الاثنان لا يتكلمان كأنهما أصيبا بجمود وكل منهما ~~يفكر في أمر يحاذر أن يطلع الآخر عليه وقد نسيا ما حولهما. # وفيما هما في ذلك إذا بمناد ينادي سلمى، فبغتا والتفتا إلى مصدر الصوت فإذا بأدما تنادي ~~سلمى قائلة: «تعالي يا عزيزتي سلمى واسمعي ما يقوله حبيب أفندي!» # فمسحت سلمى دموعها دون أن يشعر بها أحد، والتفتت إلى صديقتها متظاهرة بخلو الذهن وقالت: ~~«ماذا يقول يا عزيزتي؟» # وخطت نحوها وهي ما زالت تمسح عينيها ms028 بمنديلها متظاهرة بأن بعض الغبار تطاير إليهما حتى ~~دمعتا، فانطلت حيلتها على أدما وقالت لها حين اقتربت منها: «يقول حبيب أفندي إن هذه الأهرام ~~قد بنتها الأسرة الرابعة من ملوك الفراعنة من حوالي خمسة آلاف سنة!» # فقالت سلمى: «قد كنا الآن في مثل هذا الحديث وقال لي سليم: إن 12 ألفا من الناس عملوا في ~~بنائها.» ثم نادت سليما وقالت له: «أليس كذلك؟» # وكان قد مسح عينيه وأخفى عواطفه، لكنه كان يود لو أنه بقي مع سلمى على انفراد حتى يبوح ~~لها بما في فؤاده من الشك، فلما سمعها تناديه تقدم نحوها مضطرا وأجاب بقوله: «لا تعجبوا ~~لما يقال لكم عن قدم هذه الأهرام، فإن أبا الهول الذي تشاهدون قفاه من هنا أقدم منها ~~كثيرا، وهو من صنع الأسرة الثالثة الفرعونية.» # فتعجبت أدما من ذلك وقالت: «كنت أسمع أن في هذه الناحية مكانا قديما اسمه الكنيسة فأين ~~هو؟ إني أود أن أراه.» # فقال حبيب: «هو إلى جانب أبي الهول.» # قالت: «هل هو كنيسة حقيقية؟» # قال: «لا، ولكنه هيكل من هياكل المصريين القدماء وإنما سمي كنيسة لأنه يشبه الكنائس من ~~حيث كبره واتساعه.» # ثم أظهرت ميلا شديدا لمشاهدة أبي الهول والكنيسة، فقال لها حبيب: «ألا تتمهلين ريثما ~~نشاهد هذا الهرم أولا ونستريح قليلا ثم نمضي إلى الكنيسة لمشاهدتها؟» # قالت: «أود مشاهدتها الآن، وأخشى أن يشتد الحر بعد قليل فلا أستطيع الذهاب إليها إلا ~~بمشقة.» # فاقترح حبيب أن يسيروا جميعا إلى هناك، وبدا أنهم موافقون على ذلك، لكن سلمى قالت: «إني ~~أعرف ذلك المكان وقد شاهدته مرة قبل هذه برفقة والدي.» وقد أرادت بذلك أن تعود إلى الاختلاء ~~بسليم ليتما الحديث لأنها قلقت لما شاهدت منه. # فالتفت حبيب إلى شقيقته شفيقة وقال لها: «هيا بنا يا شفيقة إلى الكنيسة مع الآنسة ~~أدما.» # وكان يود لو أن شقيقته لا ترافقهما لكي يخلو إلى أدما ويستطلع ما في قلبها، لكنه تذكر أن ~~شقيقته ساذجة وأنه يستطيع التفاهم مع أدما بالرموز والأحاجي دون أن تفطن ms029 هي إلى ذلك ، ثم مضى ~~معهما حتى أطلوا على أبي الهول من الخلف فإذا هو تمثال هائل يشبه أسدا رابضا ورأسه رأس ~~إنسان، فداروا حوله حتى وقفوا أمام وجهه، فجعلت أدما وشفيقة تنظران إليه وتتعجبان لكبره ~~وهوله، وقالت شفيقة لحبيب: «أخبرني يا أخي عن سر هذا التمثال الكبير، ولماذا جعلوا جسمه جسم ~~أسد ورأسه رأس إنسان؟» # فقال: «جعلوه كذلك إشارة إلى اجتماع القوة والعقل؛ لأن الأسد مثال القوة، والإنسان مثال ~~العقل.» # فقالت أدما: «ولكن كيف عرف المعاصرون أن القوم جعلوه كذلك لهذه الغاية؟» # فنظر إليها حبيب وقد اعتزم أن يستطلع خفايا قلبها وقال: «إنهم عرفوا ذلك بقراءة ما كتب ~~عليه. هذا إلى أن الإنسان المتبصر لا تخفى عليه أن الطبيعة كلها رموز وأن لكل رمز معنى. ~~والرجل العاقل يستطيع أن يعرف الغايات بالنظر إلى المقدمات. أم أنت تتصورين أن الإنسان ~~العاقل يخفى عليه مثل هذا؟» # قال ذلك ونظر إلى وجهها فإذا هي ترنو إليه منتظرة إتمام حديثه وقد كاد الخجل يتجلى في ~~وجهها عند سماعها قوله، لكنها تمالكت عواطفها، وواصل هو كلامه فقال: «ثم هبي أن الإنسان لم ~~يتمكن من فك رموز الطبيعة بوساطة النظر إليها، فإن الكتابة لم تدع سرا مسدولا ولا أمرا ~~مكتوما.» # قال هذا ونظر إليها بطرف عينه فإذا بها قد توردت وجنتاها خجلا وأطرقت متظاهرة بالتأمل ~~فيما يقول. # فنظر إليها وقال: «ما رأيك يا آنسة أدما؟ أليس صحيحا ما أقوله؟» # فأجابت وقد أبرقت عيناها قائلة: «ماذا أقول؟ ليس لي إلا أن أوافق على ما ذكرته من أمر ~~الكتابة وما تدل عليه.» # فأعجبته فطنتها وفهم من ردها أنها التي كتبت إليه ذلك الخطاب، ثم وجه خطابه إلى شقيقته ~~قائلا: «أليس كذلك يا شفيقة؟» # فأجابت شفيقة ببساطة قائلة: «إن هذا التمثال مدهش حقا.» # فأدركت أدما أنه أراد لفت نظرها إلى بساطة شقيقته، حتى لا تتهيب وجودها معهما وتمضي في ~~الحديث معه، فنظرت إليه مبتسمة وقد أسرع خفقان قلبها كأنها تقول له: «قد فهمت ~~مرادك.» # ثم تحولوا عن التمثال ms030 وانحدروا درجات قليلة إلى الكنيسة، فإذا هي بناء خرب، لكن بقاياه ~~تدل على عظمه، وأكثره مبني بأحجار الجرانيت الكبيرة، فلما وصلوا إلى باب الهيكل قالت له ~~أدما: «إن هذا الهيكل متقن الصنعة من الخارج، فهل ترى هو كذلك من الداخل؟» # فأدرك مرادها وأجابها وقد هاجت عواطفه قائلا: «إن داخله أكثر إتقانا وإشراقا من خارجه، ~~فإن الناظر إليه من الخارج يظنه خربا ولكن لو دخلت إليه ونظرت إلى داخله لرأيت ما ~~يسرك وربما تفضلين البقاء فيه.» # فقالت وقلبها يزداد خفقانا: «هل يدخله أناس كثيرون؟» # قال: «أؤكد لك أنه لم يدخله أحد سواك قط ولن يدخله أبدا.» # قال ذلك مشيرا إلى قلبه، ولكن شقيقته لم تفطن إلى ذلك وحسبته يتحدث عن الهيكل فقالت: ~~«كيف تقول إنه لم يدخله أحد قبلها ولا بعدها؟ لعله كان مغلقا، وسيغلق ثانية بعد أن ندخله ~~الآن!» # فاستدرك قائلا: «أنا أقصد زيارته في هذا اليوم فقط؛ لأننا أتينا إلى هنا مبكرين فلم يأت ~~أحد قبلنا لزيارته، وأكبر الظن ألا يأتي أحد بعدنا، أما والدانا فإنهم دخلوه قبلا ولا ~~يدخلونه اليوم وكذلك الخواجة سليم والآنسة سلمى.» فاقتنعت شفيقة وسكتت، واستأنف هو وأدما ~~حديثهما وقد تحقق كل منهما ما عند الآخر من العواطف المتبادلة. وكانت أدما أكثر من حبيب ~~سرورا لأنها أحبته قبلما أحبها، وكانت تخشى أن ترى منه صدودا أو إعراضا. والواقع أنه كان ~~يرتاح لمجالستها ويلتذ بحديثها لكنه لم يكن يفكر في الاقتران بها، ولا يشعر بشدة خفقان ~~قلبها كلما جاء لزيارة أبيها، ولا بأن الحب تمكن من قلبها، وصار يزداد تمكنا يوما بعد ~~يوم؛ إذ كانت لتعقلها وحسن بصرها بالعواقب تخفي ذلك جهدها، وتنتظر أن يبدأ هو بإظهار المحبة ~~جريا على الغالب في مثل تلك الحال، فلما طال بها الانتظار، لم تعد تستطيع صبرا على هذا ~~الكتمان، ولم تجد سبيلا أفضل من كتابة ذلك الخطاب وإرساله إليه دون توقيع، حتى إذا فازت ~~بمرادها وتحققت أمانيها لم تعد تخشى التصريح له بما في قلبها، ولكنها لم تستطع ذلك ms031 لوجود ~~شفيقة معهما فاكتفت بالتلميح. # وكذلك كان شأنه أيضا، فإنه لما تحقق ظنه وأيقن بأنها صاحبة الخطاب وبأنها تحبه إلى هذا ~~الحد، مال إلى مكاشفتها أيضا، ولكنه اكتفى بأن أوضح لها بالرموز أن قلبه مكرس لأجلها وأنه ~~لن ينظر إلى سواها، واعتبر نفسه بذلك قد ارتبط معها بعهود وثيقة، وأحس أنها أصبحت منذ تلك ~~اللحظة خطيبة له. # وحالما تصور ذلك شعر بانقباض داخلي لم يعرف له سببا، ولكنه كان يلمح في ذلك الانقباض ~~ظلاما من الندم؛ إذ تذكر حال صديقه سليم وما آل إليه تعجله في خطبة سلمى من غضب ~~والدته. # لكنه عاد فقال لنفسه: «إن أدما تليق بي، ولا أظن أني أوفق إلى أحسن منها ولا سيما أن ~~والدتي وشقيقتي يحبانها كثيرا.» # ثم خرجا من الهيكل صامتين وقلباهما يتكلمان، وشفيقة بينهما مشغولة بالنظر إلى ما حولها من ~~الآثار العظيمة. وما لبثوا قليلا حتى وصلوا إلى الأهرام حيث كان بقية أفراد الرحلة ينتظرون ~~هناك. ~~••• # سر سليم وسلمى لبقائهما معا على انفراد، بعد ذهاب حبيب وشقيقته وأدما لمشاهدة الهيكل. ~~وكانت سلمى أكثر سرورا بذلك لقلقها مما لاحظته على سليم من مظاهر الانقباض، وتشوقها إلى ~~استطلاع سبب ذلك. # أما هو فكان لشدة تأثره يود نسيان ما يخالج ضميره من الشك في إخلاصها. ومع شدة رغبته في ~~استطلاع حقيقة ما بلغه عنها كان كثير الميل لتكذيب ذلك وإجلالها عنه، مدفوعا بما تمكن في ~~فؤاده من حبها واحترامها. على أن الغيرة كانت تدفعه إلى تحقق الأمر بنفسه. فلما خلا إليها ~~نظر إليها نظرة تشف عما يتردد في قلبه ويتجاذبه من عوامل الحب والغيرة، فأجابته بنظرة ~~تتخللها عواطف تتقد محبة رغم ما يسودها من القلق والاضطراب. # وأخيرا قال لها: «إلى أين ذهب حبيب وزميلتاه؟» # قالت: «ذهبوا إلى أبي الهول.» # فقال: «وكيف استطاع الذهاب الآن؟» فلم تفهم مراده وقالت: «وماذا يمنعه من الذهاب؟» # فأطرق ساكتا مترددا بين التصريح والكتمان، وداخلها الريب في سكوته، فعادت تسأله: «هل ~~هناك ما كان يمنع ذهابه الآن؟» # فازداد ما عنده من ms032 الحيرة والتردد، وقال : «لا أدري.» فقالت: «ومن يدري إذن؟» # ونظرت إلى عينيه كأنما تبحث فيهما عما في ضميره، فلم يسعه إلا أن تنهد وقال: «أنت التي ~~تعلمين.» # فبغتت وسكتت قليلا تفكر فيما ينطوي تحت هذه الكلمة، ثم قالت: «ماذا تعني؟» # قال: «لا أعني شيئا تجهلينه.» # فازدادت قلقا واضطرابا، وعلا وجهها الاحمرار ثم قالت: «أراك تخاطبني بالأحاجي ~~والمعميات، أفصح عن مرادك.» # قال: «هل يخفى عليك فهم ما أريد إلى هذا الحد يا سلمى؟» # قالت: «لم أفهم شيئا، ولا أعلم ما يمنع حبيبا من الذهاب مع أدما وشقيقته لمشاهدة ~~الهيكل! أم تقصد أن أدما غريبة عنه؟ ولكنه - حتى لو لم تكن شقيقته معهما - شاب مهذب عاقل ~~كما تعلم، فليس هناك ما يوجب المظنة.» # فحمي غضب سليم حين سمع امتداحها حبيبا، واتقدت في قلبه نار الغيرة وقال: «صدقت إنه شاب ~~مهذب وليس هناك ما يوجب أية مظنة.» # فازداد تعجبها وسكتت برهة تردد عبارته في ذهنها لعلها تجد لها معنى، فلما أعياها ذلك ~~قالت له: «ماذا تريد يا سليم؟ إنني أستحلفك بحياة المحبة الطاهرة التي بيننا أن تفصح عن ~~مرادك فقد نفد صبري.» # فرنا إليها بعينين تتقد فيهما نيران الغيرة رغم محاولته إخفاءها وقال: «بالله عليك لا ~~تذكري المحبة الطاهرة، فهي شيء كان فيما مضى فقط.» # فازداد خفقان قلبها وامتقع لونها، ونظرت إليه وقد نفد صبرها فشرقت بدموعها حين أرادت ~~التكلم، ولم يسعها إلا أن تسكت آخذة في البكاء. # فابتدرها بالكلام وقد كادت دموعها تطفئ نار غضبه قائلا: «كفى الآن يا سلمى، إني لا أعي ~~ما أقول، ولا أستطيع أن أصرح بأكثر من ذلك، وعليك أنت أن تفهمي ما أعنيه!» # فهمت بالتكلم، ومدت يدها إليه وهي ترتجف فأمسكت يده ونظرت إليه باكية، ولكنه سرعان ما ~~جذب يده من يدها نافرا، وابتدرها بالكلام قائلا: «لماذا تمدين يدك إلي؟ ألا تخافين ~~رفضها؟» # قالت وقد علا بكاؤها: «ما هذا يا سليم؟ لماذا تخاطبني بمثل هذا الكلام؟ ما الذي جرى لك ~~وماذا تضمر؟ إني أستحلفك بالمحبة أن تخبرني ms033 بحقيقة مرادك.» # فقال وقد اشتد غضبه: «أية محبة تعنين؟ دعي ذكر المحبة فقد كفى ما لحق بها!» # فلم تتمالك عواطفها، وشعرت بتخاذل قواها، فجلست على حجر هناك، وجعلت رأسها بين يديها ~~وأخذت في البكاء والشهيق حتى كاد يغمى عليها. # فنزلت تلك العبرات على قلب سليم بردا وسلاما، وأخمدت ما كان متقدا في قلبه من نيران ~~الغيرة والحنق، وعادت إليه عواطفه نحوها ناسيا ما سمعه عنها، وأمسك عما كان يريده من ~~توبيخها وتعنيفها، وصار ينظر إليها نظره إلى ملاك طاهر، وقد ندم على ما فرط منه من الكلام، ~~وهم بيدها فأمسكها وأنهضها، فابتلت يده بالدموع التي كانت تتساقط على خديها، ووقفت هي ~~ساكتة تمسح عينيها بمنديلها الذي في يدها الأخرى. # فقال لها: «خففي عنك يا سلمى وكفي عن البكاء، فلست أطيق أن أراك باكية.» # فرفعت يدها عن عينيها ونظرت إليه بطرف قد كدرته الدموع فذبل وتكسرت أهدابه. فوقعت تلك ~~النظرة في قلبه موقع السهم وهاجت فيه عاطفة الحب حتى ترقرقت الدموع في عينيه وقال: «عفوا ~~يا عزيزتي، واعتبري ما حدث كأنه لم يكن، فإني ما أردت بما قلته إلا تجربة محبتك.» # فتنهدت سلمى تنهدا عميقا وقالت وهي غير واثقة بصدق ما يقول: «أما زلت في حاجة إلى تجربة ~~محبتي لك؟ ألم تعلم بمكنونات قلبي من قبل؟ أما والله إنك لأول وآخر من طرق قلبي وأقام به. ~~فهل عندك شك في ذلك يا سليم؟ آه ثم آه من قلوب الرجال ما أقساها!» # فلما سمع منها ذلك خفق قلبه؛ لأنه ذكره بحديث داود عنها، ولكن الحب كان قد تسلط على ~~عواطفه فقال لها وقد وطد نفسه على حبها رغم كل شيء: «كوني كيف شئت وافعلي ما بدا لك، فإني ~~قد ملكتك هذا القلب تصنعين به ما تريدين.» # فلم يعجبها ما تخلل عبارته من الشك في صدق محبتها وقالت له: «ألا تزال ترميني بنبال ~~الكلام المموه يا سليم؟ قلت لك صرح بمرادك وأطلعني على حقيقة رأيك إذا كنت مرتابا في ~~صدق طويتي أو داخلك ms034 شك في حبي لك.» قالت ذلك وتنهدت ثم انقطع كلامها وهي لا تقوى على ~~الوقوف لشدة الانفعال، فحاولت الجلوس على ذلك الحجر فأمسكها بيدها وقال: «كلا يا سلمى، لست ~~أشك في محبتك لي، ولا في محبتي لك، وإن قلبي لا يفتأ يحدثني بأنك تكنين لي مثل ما أكنه ~~لك، فثقي بما أقول، ودعينا من هذا الحديث وهلم بنا لنلحق ببقية الجماعة فإنهم ولا شك قد ~~استبطئونا، ولنقض بقية اليوم في التنزه والترفيه عن النفس، تاركين شكوى الغرام إلى فرصة ~~أخرى.» # وانطلقا عائدين حتى أطلا على الفضاء الرملي المحيط بالأهرام، فإذا بحبيب قد عاد مع ~~شقيقته وأدما، وجلس الجميع على أكمة من الحجارة كأنها أثر هرم صغير كان قائما هناك. # ولاحظت سلمى أن الخادمة جالسة القرفصاء بجانب الأهرام حيث كانا واقفين، وهى توقد نارا ~~لإعداد الطعام الخفيف الذي جاءوا به معهم من القاهرة، فخشيت أن تكون الخادمة قد سمعت شيئا ~~من حديثها مع سليم، ولكنها استبعدت ذلك، ومضت معه مظهرة الانبساط حتى وصلا إلى مجلس الجماعة ~~فاستقبلوهما بالترحاب. وكانت والدتها تنظر إليهما وهما قادمان وتشكر الله على تآلف قلبيهما ~~لعلمها أن المحبة الطاهرة من ألطف العواطف وأعودها بالفائدة على الأسرة والمجتمع. # وبعد قليل فرغت الخادمة من إعداد الطعام، فأكلوا جميعا، ثم أمضوا بقية الظهيرة يخطرون ~~بين الأهرام وأبي الهول بين تنزه وحديث وكل منهم يغني على ليلاه. # وكان حبيب ينظر تارة إلى حبيبته أدما، وتارة إلى صديقه سليم وخطيبته سلمى، ويجول بأفكاره ~~حينا فيما وفق إليه من تحقيق ظنه وحينا فيما عرفه من ارتباك صديقه سليم بسبب رسالة ~~والدته وحنقها على الفتاة التي أحبها. وكان قد لحظ على وجهي سليم وسلمى آثار البكاء ~~والاضطراب، لكنه تجاهل لعلمه أن تشاكي الغرام لا يخلو من مثل ذلك ولا سيما إذا خامره شيء من ~~المصاعب والمعاكسات. # أما سليم فتجاهل ما سمعه عن علاقة سلمى بداود وحبيب، ووقر في ذهنه ألا صحة لذلك، ولا سيما ~~بعدما ظهر له من صدق محبة سلمى له وشدة انفعالها ms035 ورقة عواطفها ولطيف عتابها. # وأما أدما فقد كان ذلك اليوم أسعد الأيام عندها، إذ تحققت آمالها وبلغت أمانيها، ولكنها ~~ودت لو تتاح لها فرصة أخرى تخلو فيها إلى حبيب قلبها فتبثه لواعج حبها في صراحة حيث لا واش ~~ولا رقيب. # وفي نحو الساعة الرابعة بعد الظهر، ركبوا العربات عائدين إلى القاهرة. ولما بلغوا باب ~~اللوق عرج حبيب وشقيقته ووالدته إلى محطة حلوان، وواصلت المركبتان الأخريان سيرهما، بعد ~~تبادل عبارات الوداع. # | رسول السوء # كان داود الذي وشى بسلمى وحبيب إلى سليم رجلا دنيء الأصل، اكتسب ثروة كبيرة من تعويضات ~~الإسكندرية زورا وبهتانا، فابتاع أرضا وبنى منزلا هناك، ثم جاء القاهرة وأقام بها دون ~~عمل إلا التردد إلى أماكن اللهو. وكان إلى دناءة أصله فاسد الأخلاق شديد البخل رغم غناه، ~~ولم يكن ليستنكف أن يبيع شرفه وذمته بدراهم معدودة. # وكان مقيما بالقرب من بيت الخواجة سليمان، وليس في قصته التي قصها على سليم شيء من ~~الصدق إلا كونه كان مقيما هناك، فلم يكن يزورهم إلا قليلا، وكانوا يعاملونه معاملة الغريب ~~كلما زارهم لاختلاف المشرب والتربية، ولم يزوروه قط. على أن نفسه الخبيثة كانت تحدثه بإمكان ~~حصوله على سلمى بعد أن فتن بجمالها ولطفها، ولكنه لم يجرؤ على التصريح بشيء من ذلك، ولا ~~سيما بعد أن لاحظ إخلاص سلمى لسليم، واحتقارها له هو وعدم اكتراثها له. # وكان يقيم بالقاهرة شتاء، ثم يعود إلى الإسكندرية فيقيم بمنزله في جهة محرم بك ~~هناك. # واتفق ذات صيف وهو في الإسكندرية أن سكنت في المنزل المجاور لمنزله سيدة من أهل المدينة ~~كانت على شاكلته من حيث دناءة الطبع وخسة النفس وسوء الخلق، فتوطدت العلاقات بينه وبينها، ~~وكثر تردده لزيارتها، حتى تناقل أهل الحي أحاديث لا تسر عن وجود علاقة آثمة بينه وبين ~~السيدة وردة جارته الجديدة. # وكانت وردة هذه قبل انتقالها إلى هذا المنزل تسكن منزلا في شارع المسلة قرب محطة الرمل، ~~بجانب منزل فؤاد، شقيق سليم ولما كانت السيدة والدة فؤاد وسليم من أطيب الناس قلبا ms036 وأخلصهم ~~طوية، فقد خدعتها مظاهر اللطف والرقة والغنى التي كانت تبدو على جارتها وأسرتها. وكان لوردة ~~ابنة حسنة الخلقة بارعة الجمال تدعى «إميلي» تربت على يدي والدتها فاكتسبت منها الدهاء ~~وسعة الحيلة والاستهتار. وتحدث أهل الإسكندرية بجمالها وخفتها وغناها، ولكنها لم تلق ~~خاطبا حتى جاوزت الثلاثين من عمرها. # فلما تعرفت والدتها إلى والدة سليم، أخذت تظهر لها كل الميل وتبالغ في التقرب إليها، ~~وكلما اجتمعت بها أكثرت من التحدث بجمال ابنتها إميلي وحسن تربيتها وكمالها، وكانت الفتاة ~~بدورها تظهر الوداد والاحترام للسيدة والدة سليم. # واتفق في أثناء ذلك أن عاد سليم من أوروبا حيث كان قد توجه إليها لدراسة المحاماة، فأقام ~~حينا بمنزل أخيه، وأعجبت به الفتاة ووالدتها كثيرا. أما هو فكان خلي الذهن من شواغل الحب ~~لاهتمامه بأمر مستقبله واشتغاله بالمطالعة والتنقيب في الكتب. # على أن ذلك لم يمنع الفتاة وأمها من الاحتيال لإيقاعه في شباكهما، واستطاعت وردة إغراء ~~والدته بمكرها ودهائها حتى حملتها على خطبة ابنتها له دون علمه، على أن تحببها إليه وتقنعه ~~بأن يتزوج بها بعد حين. # ومضت وردة تكثر من تقديم الهدايا لوالدة سليم، وتبالغ هي وابنتها في إظهار الود ~~والاحترام لها، حتى بعد سفر سليم إلى القاهرة وإقامته بها، وتعدانها بالسعادة الدائمة إذا ~~تم اقتران سليم بإميلي. # أما فؤاد، شقيق سليم فكان مشغولا بمصالحه الخاصة، ولذلك لم يكن يتدخل في شئون والدته، ~~ولا فيما دار بينها وبين وردة وابنتها من الحديث. # وكانت والدته لشدة إخلاصها لوردة لا تخفي عليها شيئا، فلما كتب إليها سليم من القاهرة ~~بأنه أحب سلمى، واعتزم خطبتها تكدرت وذهبت بالكتاب إلى وردة وأطلعتها عليه، فأخذت هذه ~~تقذف في حق سلمى مع أنها لا تعرف عنها شيئا وقالت لها: «إن الناس قلما يخلصون لأحد، وإن ~~ولدك سليما يستحق فتاة تليق به، وسيان عندي تزوج ابنتي أم سواها، ولكني لا أرضى له مثل تلك ~~الفتاة!» # ثم أشارت عليها بأن ترد على خطابه ذاكرة له أن العادة المتبعة تقضي بألا يتزوج الشاب وفق ms037 ~~اختياره هو وحده ، وبأن عليه أن يترك أمر اختيار الزوجة لوالدته، ثم تحذره من المضي في صلته ~~بسلمى. # ولم تكن أمه تعرف الكتابة، فكلفت وردة جارها داود أن يكتب ذلك الكتاب، فكتبه كما يشاء ~~وبعث به إلى سليم. # ورد سليم على والدته بخطاب برهن فيه على صحة رأيه، وأخذ يمتدح سلمى وحسن خصالها، واستمرت ~~المكاتبة بين سليم ووالدته حينا، وهو لا يزداد إلا ثباتا في الحب حتى كادت وردة أن تيأس ~~من نيل مرامها، رغم ما دسته من الدسائس، ولفقته من الأقاصيص المختلفة. # فلما أعيتها الحيل خلت إلى شيطانها داود، واتفقت معه على أن يسعى لإفساد ما بين سليم ~~وسلمى من العلاقات، على أن يكون له نصيب من «الدوطة». # فقال لها: «إني رهين إشارتك، وليس بيننا فرق فإن خدمتك واجبة علي.» # فقالت: «إن الأمر لا يخفى عليك، ولو لم أر في إميلي ميلا إليه ما أهمني أمره، ولا ~~اضطررت إلى أن أحبه أنا أيضا مجاراة لها.» # ولاحظت في وجه داود انقباضا، لدى سماعه تصريحها بأنها تحب سليما، فتداركت الأمر، وتكلفت ~~الضحك، ثم أمسكت يد داود وقالت له: «حذار أن تكون قد صدقت أني أحبه، فمهما يكن من الأمر، ~~فإن حبي له لا يبلغ نقطة من بحر محبتي لك.» # فضحك داود فرحا، حتى غارت عيناه الصغيرتان وبرزت أسنانه السوداء، وكاد يستلقي على قفاه، ~~ثم نظر إلى وردة وربت ظهرها قائلا: «بورك فيك يا عزيزتي، أنا أعلم ذلك جيدا، ولا شك ~~عندي في صدق محبتك لي، وها أنا ذا إكراما لعينيك سأسعى جهدي في سبيل بلوغ الغاية التي ~~تريدينها.» # فقالت له وهي تنظر إليه بعينيها نظرات الدلال: «هكذا تكون الشهامة والنخوة، وهكذا يكون ~~المحبون، فامض إلى القاهرة ودبر الأمر بحكمتك وذكائك، وإني لفي انتظار ما يكون.» # فنهض داود واعدا بالتأهب للسفر فورا، فصافحته مودعة ووضعت في يده بضعة جنيهات قائلة: ~~«هذه نفقات الطريق.» فقبض الجنيهات وخرج بها مسرورا. # ثم أغرت وردة والدة سليم صديقتها بكتابة خطاب إليه تخبره فيه بما يطابق الرسالة ms038 التي كلفت ~~بها داود، فتأثرت والدته الطيبة القلب بإغرائها، وبعثت إليه بذلك الخطاب. ~~••• # كانت لوردة خادمة قديمة عجوز اسمها سعيدة، تماثلها في المكر واللؤم والخسة، فدعتها وردة ~~إليها بعد خروج داود من عندها، وأنقدتها جنيهين قائلة: «إن إخلاصك يستحق أكثر من هذه الهبة ~~المتواضعة، ولكن الأيام بيننا.» # فعجبت العجوز لهذه العطية على غير انتظار، وعلمت لدهائها ومكرها أن سيدتها تريد منها ~~أمرا، فهمت بيدها وقبلتها وقد انبسط وجهها، وأخذت تدعو لها بطول البقاء، وأن يتم الله ~~نعمته عليها بتوفيق ابنتها إميلي إلى زوج يسعدها، فتنهدت وردة وقالت: «أنت تعلمين يا سعيدة ~~أني ترملت منذ سنين وليس لي إلا هذه الفتاة.» # قالت: «نعم يا سيدتي، وأدعو الله أن يطيل عمركما، ويعوض صبركما خيرا.» # فقالت وردة: «إني زهدت الدنيا من أجلها، فهي تعزيتي الوحيدة في هذا العالم، ولا يخفى عليك ~~ما هي عليه من الجمال واللطف والدلال، وقد خطبها كثيرون من خير شباب الإسكندرية، ولكنها لم ~~ترض بأحد منهم، ولم أشأ أن أرغمها على القبول، وأخيرا رزقها الله بخطيب نال رضاها ~~وإعجابها، فكانت فرحتي بذلك عظيمة. ولكن أولاد الحرام أغرو الشاب بحب فتاة أخرى في القاهرة، ~~وعبثا حاولت والدته أن تنقذه من حب تلك الفتاة.» # فقالت سعيدة مغضبة: «لعنة الله عليها وعلى من أوقعوه في شراكها، ألم تعرفي شيئا عنها يا ~~سيدتي؟» # قالت: «إنها تقطن في شارع شبرا بالقاهرة، واسمها سلمى، واسم أبيها الخواجة سليمان. ويبدو ~~أنها وأهلها يشددون الخناق على سليم لكيلا يتركوا له فرصة للتروي والتفكير.» # فقالت سعيدة: «صدق من قال: أولاد الحرام لم يتركوا شيئا لأولاد الحلال، ولكن صبرا ~~فسأعرف كيف أنقذه منهم بإذن الله، وسأسافر فورا إلى القاهرة ولن أرجع إلى الإسكندرية إلا ~~وهو معي.» # قالت ذلك ومضت إلى غرفتها، فأخذت تعد ثيابها تأهبا للسفر، وتبعتها سيدتها لتودعها وأخذت ~~توصيها بكتمان الأمر عن كل إنسان. وبعد أن أعدت سعيدة ما تحتاج إليه من الثياب في صرة، ~~تناولت شيئا من الطعام ثم ودعت سيدتها وخرجت توا إلى المحطة فركبت ms039 القطار قاصدة إلى ~~القاهرة، فوصلت إليها في المساء. وكانت تعرف طرقاتها لأنها ربيت فيها وخدمت في كثير من ~~بيوتها، فقضت ليلتها في بيت بعض أقربائها، ثم بكرت في صباح اليوم التالي فارتدت ملاءتها ~~وتبرقعت، وقصدت إلى بيت الخواجة سليمان في شارع شبرا، فاتفق وصولها إليها قبل ثلاثة أيام من ~~رحلة الأهرام السالفة الذكر. # وقرعت الباب، ففتحته لها والدة سلمى بنفسها وسألتها عما تريد، فقالت: «إني امرأة مسكينة ~~ليس لي من يعولني وقد طرقت أبواب الخدمة في المنازل بوساطة المخدمين فكانوا كلما خدمت في ~~بيت يأخذون نصف أجري ظلما وعدوانا، وإلا عملوا على طردي من المنزل الذي أخدم فيه. وأخيرا ~~اعتزمت أن أبحث بنفسي عن عمل أعيش منه، وما زلت أواصل البحث عن أسرة كريمة طيبة حتى دلني ~~بعض أولاد الحلال على هذا البيت. وإني أحمد الله على أن وفقني إلى بيتكم؛ إذ يبدو لي أنك ~~سيدة فاضلة كريمة. فإذا رأيت أن أكون خادمة عندك، فذلك ما أتمناه، وسترين مني ما يسرك بإذن ~~الله.» # وكانت والدة سلمى قد عانت عذابا أليما بسبب الخدم والمخدمين، وكثيرا ما كانت تطلب من ~~المخدم خادمة وتنقده أجره على ذلك مضاعفا، ولكنه لا يلبث بضعة أيام حتى يغري الخادمة ~~بالخروج من عندها؛ لكي يلحقها بالخدمة في بيت آخر وينال أجرا جديدا، وهذه حالة يشكو منها ~~أكثر أهل القاهرة، ولا سيما السيدات لاحتياجهن إلى الخدم. وكان في بيت الخواجة سليمان خادمة ~~من هذا القبيل لا تكاد تحسن عملا من أعمال البيت؛ لهذا ما كادت والدة سلمى تسمع كلام ~~سعيدة، مع ما عاينت فيها من الظواهر الحسنة حتى سرت بتلك الفرصة وهرولت إلى سلمى ~~وأخبرتها بالأمر، فوافقتها على استخدامها بدلا من الخادمة القديمة، ولكنها قالت لها: «على ~~أني أخشى أن تكون الخادمة الجديدة من المحتالات، وربما سرقت شيئا من البيت!» # فعادت أمها إلى سعيدة وسألتها عن اسمها، فلما نبأتها به قالت لها: «إن العادة جرت يا ~~سعيدة بأن يأتي الخادمات بضمانة، فهل تستطيعين ذلك؟» # فتنهدت وقالت: «لقد صرحت ms040 لك يا سيدتي بما عانيته من المخدمين وضمانتهم، فلست أستطيع أن ~~آتي بضمانة، ولكن عندي سوارا وقرطا ثمينين فاجعليهما عندك إلى أن تتحققي ~~أمانتي.» # فاقتنعت بذلك، وألحقتها بخدمة البيت بدلا من الخادمة القديمة، فأخذت سعيدة تظهر من ~~المهارة في الخدمة والنظافة ولطف الحديث ما جعلها موضع إعجاب سلمى ووالدتها، وحسبتا أنهما ~~حصلتا على سعادة لم يحصل عليها أحد سواهما. # وكانت سعيدة تمتدح سلمى دائما، وتبالغ في التقرب إليها وإظهار التفاني في محبتها، ~~فأحبتها سلمى وأشارت باصطحابها معهم في رحلة الأهرام. # أما داود فبارح الإسكندرية بالقطار السريع، وقضى معظم الطريق في إعداد القصة التي قصها ~~على سليم، ثم عاد إلى الإسكندرية وفي ظنه أن قصته مع الخطاب الذي كتبته وردة إلى سليم على ~~لسان والدته فيهما ما يكفي لعدوله عن حب سلمى. # وتربص الجميع هناك في انتظار رد سليم على خطاب والدته بعد مقابلة داود، فمضى أسبوع دون أن ~~يصل إليهم أي شيء منه. على أن وردة كانت كبيرة الأمل في أن تنال بغيتها على يد سعيدة فلبثت ~~تنتظر أخبارها على أحر من الجمر. ~~••• # ركب حبيب القطار عائدا إلى حلوان مع والدته وشقيقته، وقد كان في متمناه ألا يفارق أدما، ~~على أنه أشار إليها عند الوداع بما يدل على أنه فارقها مرغما، وسيلتقي بها عما ~~قريب. # وكانت هي قد أحست عند وقوف العربات للوداع عند محطة حلوان، بأن قلبها سينتزع منها، ~~ولكنها تعللت بقرب اللقاء لأن حبيبا تعود التردد على بيت أبيها من حين إلى حين. # وبقي حبيب في القطار صامتا سابحا في تيار من الهواجس التي لم يشعر من قبل بمثلها، لكنه ~~رغم سروره بما تحققه من حب أدما، كان يشعر بانقباض داخلي لا يعرف له سببا. # ولاحظت والدته صمته وانقباضه فقالت له: «ما لي أراك صامتا يا حبيب بعد أن كنت مسرورا ~~جدا في الأهرام، هل أنت متكدر من شيء؟» # فانتبه لنفسه بغتة وقال مبتسما: «لا يا والدتي ليس هناك ما يكدرني، بل أنا في غاية ~~السرور من نزهة ms041 هذا اليوم، ولا أعلم لماذا يشعر الإنسان بعد مثل هذا السرور بالانقباض، ولعل ~~هذا من قبيل رد الفعل، وعلى كل حال هذه ليست المرة الأولى التي شعرت فيها بمثل هذا الشعور، ~~فإني كلما عدت من مجتمع سار أبقى مدة صامتا أراجع في مخيلتي ما شاهدته من المناظر وما ~~سمعته من الأحاديث.» # فقالت شقيقته: «هذا صحيح، فأنا أيضا أشارك حبيبا في هذا الشعور، وها أنا ذا كنت صامتة ~~مثله أفكر فيما سعدنا به اليوم في رحلتنا اللطيفة، خصوصا لوجودي مع صديقتي أدما.» # فلما سمع حبيب اسم أدما، خفق قلبه وعاد إلى هواجسه، فقالت والدته تخاطب شقيقته: «حقا يا ~~شفيقة إن أدما عاقلة لطيفة قريبة من القلب كثيرا، وقد كنت تمدحينها أمامي كثيرا ولكنني ~~عاينت منها فوق ما كنت أسمع.» # فسر حبيب لهذا الحديث، وأراد أن يستزيد من معرفة رأي والدته في أدما، فقال لها: «ألم ~~تعرفيها قبل الآن يا أماه؟» # فقالت: «لا يا ولدي، ولكني كنت أسمع عنها مدحا كثيرا من شقيقتك منذ كانتا زميلتين في ~~المدرسة في بيروت، وقد رأيتها قبل اليوم في زيارات سريعة لأسرتها. أما اليوم فقد قضينا معظم ~~النهار معا فرأيت منها لطفا كثيرا وأدبا جما وأعجبني تهذيبها ولطف حديثها، كما سرني ~~تعلقها بشفيقة وتعلق شفيقة بها.» # فقال: «إن أيام المدرسة تنمو فيها المحبة وتشتد.» # فقالت شفيقة: «صدقت يا أخي، ولكني أحببت أدما أكثر مما أحببت غيرها من رفيقاتي.» # فقال حبيب وقد ازداد سروره لمحبة والدته وشقيقته لأدما: «إنها حقا غاية في اللطف ~~والتهذيب وجديرة بكل إعجاب وتقدير.» # وكانت والدته أثناء ذلك تفكر في خطبة أدما لحبيب، فأرادت أن تستطلع رأيه في ذلك ولكنها ~~أمسكت عن ذلك لوجود ابنتها معهما على أن تنتهز فرصة أخرى لمخاطبته في هذا الشأن. # وهكذا انقطع الحديث حتى وصل القطار إلى حلوان. # | كتاب من سلمى # بقي سليم في العربة حتى وصلت إلى بيت سلمى، فاستأذن في الانصراف، ولكن أبويها ألحا عليه ~~في البقاء لتناول العشاء وقضاء بقية السهرة، ونظر إلى وجه سلمى ms042 فإذا هي تلتمس بقاءه أيضا ~~فأطاع إشارة عينيها مذعنا، ودخل الجميع المنزل والخادمة سعيدة معهم. وبعد أن غسلوا وجوههم ~~من آثار الغبار الذي تراكم عليها في الطريق، أخذت سعيدة معطف سليم لتنظفه من الغبار، ثم ~~تظاهرت بأنها تبحث عن الفرشاة، ومضت بالمعطف إلى غرفة منعزلة، وهناك أخذت تفتش جيوبه، فعثرت ~~في أحدها بورقة عرفت من لونها وهيئتها أنها هي التي كتبها داود إجابة لطلب سيدتها وردة ~~وبعث بها إلى سليم على لسان والدته، فأخفتها في جيبها. # وجلس الجميع يتجاذبون أطراف الحديث بعد العشاء، وقد سرت سلمى بعودة البشر والملاطفة ~~إلى وجه سليم، وكان قد وطن نفسه على التظاهر بالسرور أمامها، تاركا أمر المستقبل ~~للأقدار. # وفي آخر السهرة انصرف سليم إلى الفندق الذي يسكنه، وبقي طول الطريق مستغرقا في التفكير، ~~وما زال صوت سلمى يرن في أذنيه وهي تودعه وتنظر إليه في حب وحنان قائلة: «مع السلامة وإلى ~~اللقاء قريبا.» # واشتدت به هواجسه إذ تصور المصاعب التي أحدقت به ولم يدر كيف يتخلص منها، وأشد تلك ~~المصاعب حديث داود عن سلمى وحبيب، ثم تذكر رسائل والدته وما كتبته إليه أخيرا من إصرارها ~~على تركه سلمى، وتصور مدى التضحيات التي قدمتها والدته في سبيل تربيته وتربية أخيه، فآثرت ~~بقاءها أرملة بعد موت أبيهما؛ رغبة في راحتهما. وتذكر أنها طالما سهرت عليه وتعبت في سبيل ~~إتمامه تعليمه، وأنها أصبحت أشد تعلقا به بعد زواج أخيه، ولا شيء يسليها عن ترملها ~~وأحزانها إلا اهتمامها بمستقبله، وكيف أنها كانت تعد الدقائق والساعات لكي تزوجه وتفرح به ~~وتقيم ببيته؛ لأنها كانت تؤثره على شقيقه لذكائه ولطفه. ثم نظر إلى ما هي فيه الآن وكيف ~~أنها وقعت في وهدة اليأس من جراء مخالفته لها حتى أنها ربما تقضي أسى وحزنا ويكون هو ~~السبب في كل ذلك. # فلما تصور هذه النهاية تحركت عواطفه واشتد الحزن حتى بكى وأخذ يناجي نفسه قائلا: «إن ~~هذه المتاعب مصدرها سلمى، فتركها والتخلص منها ينقذني من جميع هذه الأحزان مرة واحدة، ولكن ~~آه ms043 كيف أتركها وكيف أتخلى عنها وقد ارتبطنا معا برابطة المحبة، وقد وعدتها وعدا وثيقا ~~بالاقتران، فماذا يكون من أمرها إذا أخلفت الوعد؟ بل كيف تفعل لو علمت أن هذا الأمر قد خطر ~~ببالي؟! لا لا يا سليم ... لا أترك سلمى ويجب ألا أتركها لئلا أكون سببا لشقائي وشقائها! ~~ولكنها تحب حبيبا، آه من هذا الحبيب! ولكن كيف يمكن أن تحبه وتخون عهدي؟» # ثم صمت برهة وعاد فقال: «أما إذا تحققت أنها تحبه فلا يتعب ضميري بتركها، لكن من يخبرني ~~أنها تحبه أو لا تحبه ... ولكنني سمعت ذلك بأذني من رجل غريب لا أعرفه ولا يعرفني، وقد رأيتها ~~بعيني جالسة إلى جانبه يضحكان وعلى وجهيهما آثار المحبة ولما رأياني داخلا بغتا وخجلا. ~~أليس ذلك كافيا لإثبات ما سمعته عنها؟ إذن هي خائنة ... وإذا تركتها من يلومني؟ سلمى خائنة؟! ~~لا لا ... سلمى لا تخون وكيف يمكن أن يكون ذلك الملاك خائنا؟ إنها ملاك طاهر نقي وقد عرفت ~~ذلك باختبارها، إنها أطهر البشر، نعم إنها أطهر بنات جنسها ولا يمكن أن تعرف الخيانة ~~والغدر.» # وفيما هو في هذه الهواجس وصل إلى باب المنزل وصعد إلى غرفته فدخلها وأضاء الشمعة وأشعل ~~سيجارة وقد ذهب الرقاد من جفنه وضاق صدره، فأراد الجلوس ولكنه أحس كأن تلك الغرفة سجن مظلم، ~~فانقبضت نفسه ولم يستطع الجلوس، فأخذ يذرع أرض الغرفة وهو سابح في هواجسه يردد تلك القصة في ~~ذهنه، تارة يغضب وطورا يغار وتارة يحزن. فأخذت تتجاذبه جواذب الحب والغيرة والحزن والغيظ ~~والحنق واليأس والحنو حتى ضاق ذرعا باحتمال ذلك، ولم يعد يستطيع البقاء في الغرفة فخرج ~~منها، ونزل إلى الشارع للترويح عن نفسه فنادى مركبة ركب فيها وهو لا يدري إلى أين يريد ~~الذهاب، فسارت العربة في شارع الفجالة وبعد أن مشت برهة سأله السائق عن الجهة التي يريدها ~~فقال: «سر إلى العباسية.» فجرت المركبة وهو غافل عن كل شيء حوله، ولم يجذبه منظر الشارع ~~المضيء بالغاز والأشجار تظلله وتحجب عنه ضوء القمر إذ كانت الليلة ms044 مقمرة؛ لأنه كان مشتغلا ~~بسلمى وحبيب ووالدته عن كل شيء حوله. ولم ينتبه حتى وقفت المركبة إلى جانب المرصد، فتحول ~~سليم منها إلى ذلك الفضاء الرملي الشاسع الأطراف يتخلله بناء المرصد من جهة وقشلاقات ~~العباسية من جهة أخرى والسكون مستول على الفضاء، وضوء القمر يغمره والسماء نقية وليس فيها ~~أثر للغيوم. # فمشى بين أشجار السنط المتفرقة على جوانب المرصد، محاولا التشاغل بالنظر إليها وإلى ما ~~حوله من الفضاء الواسع، والسائق ينظر إليه ويعجب من انفراده هناك في منتصف الليل. # وأخيرا، جلس سليم على حجر وجده خلف شجرة هناك بحيث لا يراه السائق، وأخذ يتأمل حاله، ~~ويفكر فيما أحدق به من الشواغل والعواطف المتضاربة، وتصور سلمى في تلك الساعة راقدة في ~~فراشها وقد استغرقت في النوم فلا تدري شيئا عن اضطرابه وتردده، ثم تصور والدته وقد جلست ~~حزينة، كئيبة باكية، فارتعدت فرائصه وتساقطت عبراته وأخذ في البكاء محاذرا أن يسمعه أحد، ~~وكان لشدة اضطرابه يخيل إليه أن تلك الأشجار أشباح رقباء يرونه ويسمعون شهيقه. وما زال بين ~~بكاء وخوف حتى أنهكه التعب فخارت قواه وذبلت أجفانه، فأسند رأسه إلى تلك الشجرة، وما لبث ~~قليلا حتى أخذه النوم وهو على تلك الحال. # ورأى في منامه كأن سلمى قادمة إليه، ووجهها يفيض نورا، وعليها رداء أبيض ناصع تجرره ~~وراءها، وهي باسمة الثغر، وعيناها السوداوان تنظران إليه في توسل وعتاب. ولما دنت منه جثت ~~أمامه وقالت له والعبرات ملء عينيها: «سامحك الله يا سليم على إساءتك الظن بي، وإني والله ~~لبريئة من تلك التهم، وما كان لي أن أدنس شرفي أو أخون عهدك بعد أن وقفت قلبي وعواطفي على ~~حبك، فهلا أشفقت على هذا القلب الكسير الذي لم يعرف الحب لأحد سواك؟» # فاستيقظ بغتة وقد ارتعدت فرائصه وصاح قائلا: «سلمى حبيبتي سلمى، روحي وقلبي، لا عاش من ~~ظن بك سوءا.» # ثم التفت حوله فإذا هو في قفر لا شيء أمامه إلا الأشجار الشائكة والخلاء الواسع، فندم على ~~يقظته وود لو يعود النعاس إلى جفنيه ms045 فيرى حبيبته في ذلك الثوب الملائكي ويتمتع بطلعتها ~~الباهرة، ولكنه لم يستطع فعاد إلى البكاء وأخذ يناجي نفسه قائلا: «إن خيالك يا حبيبتي أصدق ~~شاهد على إخلاصك، وبياض ردائك دليل على نقاوة ذلك القلب الذي ما عرفت فيه إلا الطهارة ~~والنقاء. قبح الله ذلك الواشي قبيح الوجه، إن وجهه لدليل على ما في قلبه من السوء، وما أنت ~~إلا طاهرة لا عيب فيك. آه لو كنت تعودين إلي فأتزود منك نظرة ثانية! إني ثابت في حبك ثبات ~~الجبال الراسيات.» # ومرت بذهنه صورة والدته ورسائلها، لكن حبه لسلمى طغى على ما عداه. ثم نهض ومضى إلى حيث ~~كانت العربة في انتظاره، وقد أخذ منه برد الليل كل مأخذ، فأحس بالتعب وخشي أن يكون قد ~~أصيب بمرض، ولكنه عاد فود لو يكون مرضه حقا فيشغله عن تلك الهواجس. # ومضت به المركبة عائدة إلى القاهرة وهو يفكر في ذلك، فتصور أنه أصيب بمرض عضال، وأنه ~~اشتد عليه حتى قارب الوفاة، فأجفل وقال يحدث نفسه: «لا، لا أريد الموت الآن حتى لا أكون ~~سببا لشقاء سلمى.» # ثم رجع إلى صوابه فرأى أنه أصبح عبدا لعواطفه ولم يترك لعقله فرصة للعمل، فقال مناجيا ~~نفسه: «ما هذا يا سليم؟ خذ الأمر بالصبر، وتدبر الأمور بالحكمة! نعم يجب أن أصبر: # وأصبر حتى يعلم الصبر أنني # صبرت على شيء أمر من الصبر!» # ولاح له أن يكاشف أحد أصدقائه بأمره، ولكنه حار ولم يدر أيهم يكاشف؟ وتذكر أن مصدر شقائه ~~كان هو حبيب أعز أصدقائه فتأوه وعادت الدموع تنهمر من عينيه، لكنه تجلد وقال: «من أدراني ~~أنه كما بلغني عنه ذلك الشيطان؟ أعوذ بالله من شر كل شيطان!» # وما زالت المركبة ماضية به حتى بلغت الفندق فنزل منها، ودفع للسائق أجرته، ثم صعد إلى ~~غرفته ودخلها وقد أخذ التعب والبرد منه مأخذا عظيما فبدل ثيابه ونام. ~~••• # استيقظ سليم في صباح اليوم التالي على قرع باب غرفته، فنهض وفتح الباب فإذا بخادم الفندق ~~يحمل إليه كتابا ليس عليه خاتم البريد ms046 قائلا: «جاءت بهذا الخطاب لك منذ ساعة امرأة عجوز، ~~وقد انصرفت بعد أن أوصتني بأن أسلمه إليك حين تستيقظ.» # فأخذ سليم الكتاب، وما كاد نظره يقع على العنوان حتى اختلج قلبه في صدره؛ لأن الخط الذي ~~كتب به يشبه خط سلمى، فدخل الغرفة وفض الخطاب فإذا هو بخطها وعليه توقيعها، فازداد خفقان ~~قلبه، وجلس على سريره وأخذ يقرأ الخطاب، فإذا فيه: # حبيبي ومنية فؤادي سليم # أكتب إليك هذا الخطاب، ولعله آخر ما أكتب إليك، وهذه هي يدي ترتجف، وهذا قلبي ~~يخفق، بينما دموعي تتساقط على الورق، وأنا في حال لم أشعر من قبل بمثلها، ولكنني ~~أستحلفك بما أكنه لك من محبة طاهرة خالصة من كل دنس أن تحفظ ما تقرؤه سرا لا ~~يطلع عليه سواك، وأن تعيره أذنا صاغية وتعتبره صادرا عن قلب يتقد حبا وإخلاصا، ~~قلب لم يكن يعرف الخفقان قبل أن عرفك، ولا عرف القلق أو السهاد إلا منذ حللت ~~فيه. # إنني أكتب إليك الآن وقد انتصف الليل وهجع الناس مطمئنين، وأنا وحدي الساهرة ~~المعذبة أسيرة القلق والاضطراب. # وإني لأشكر الله على أن وقفت أخيرا على سبب متاعبك، بعد أن أخفيته علي كرما ~~منك ورحمة بي. نعم أشكر الله على أني عرفت الداء وصرت قادرة على وصف الدواء، وكما ~~أنك تحملت العناء في سبيلي، يجب أن أتحمل في سبيلك مثل هذا العناء. # لقد وقع في يدي اتفاقا خطاب والدتك إليك في شأني، وقد فهمت منه أنك تقاسي أمورا ~~مضنية من أجل حبي، وتكافح مكافحة الأبطال لكي تفي بعهدك لي، فأكرم بك من محب صادق ~~وصديق مخلص! # أما التهم الموجهة إلي في هذا الكتاب، فلا أريد أن أبين بطلانها الظاهر، ولكن ~~أكتفي بأن أقول: «إن والدتك طيبة القلب وقد عانت كثيرا في سبيل تربيتك وزهدت مباهج ~~الدنيا من أجلك، ووضعت كل آمالها فيك، فأقل ما تنتظره منك أن تكون تعزيتها في ~~شيخوختها.» # ولا شك في أنك إن أصررت على عزمك وخالفتها، ستكون سببا لشقائها. ولما كنت أعلم ~~أن العهود ms047 التي بيننا هي مصدر متاعبك، لاعتبارك إياها عهودا مقدسة لا يسمح لك شرفك ~~بنكثها، وأكرم به من شرف أثيل! فقد لاح لي أن أكتب إليك مذكرة إياك بأن الضرورات ~~تبيح المحظورات، ولأقول لك وكلي أسف إني قد رأيت من الواجب علي أن أجعلك في حل ~~من تلك العهود، لتكون حرا تختار لنفسك الزوجة التي ترضيك وترضى عنها ~~والدتك. # فنحن منذ الآن، كما كنا قبل عشر سنين، لا عهود بيننا ولا روابط. # آه يا سليم! إني أكتب هذا وقلبي يقطر دما، ويداي ترتجفان، وعيناي لا تريان ما ~~أكتب لما حال بينهما وبين هذا القرطاس من الدموع، ولكن عزائي الوحيد أني أضحي في ~~سبيل راحتك وسعادتك. # فإذا قرأت هذا فبادر بالكتابة إلى والدتك جابرا كسر قلبها، وإنها لأحق مني ~~بالرثاء. وقد يهون عليك أن تعود بتصوراتك إلى ما كنت عليه منذ عشر سنين يوم لم يكن ~~لسلمى صورة في ذهنك. أما والدتك فلن تستطيع نسيانها ولا يليق ذلك بك، وهي التي ~~حملتك وأرضعتك ووقفت حياتها على تربيتك. وثق بأني لذلك أحبها وأؤثر راحتها على ~~راحتي. # ولا بد لي قبل الختام من أن أودعك الوداع الأخير فربما لا أراك بعد الآن، وإن ~~كانت صورتك لن تبرح هذا القلب الذي ملكتك وحدك إياه. وحسبي أن تذكرني في ساعات ~~صفوك سواء أكنت بين الأحياء أم بين الأموات، فإني على الحالين لن أنسى هواك، وسأبقى ~~إلى الأبد أحب محبيك وأبغض مبغضيك، وأرجو أن تصفح عن جرأتي هذه، ودم سعيدا سالما ~~للمخلصة الوفية ... # سلمى # وما انتهى سليم من قراءة الخطاب حتى كان قد بلله بالدموع واشتد به الوجد والحزن فاستلقى ~~على السرير وأطلق لنفسه عنان البكاء. وكان وهو يقرأ الخطاب قد لاح له أن يتفقد خطاب والدته ~~الذي أشارت إليه سلمى، ولكن الحزن والهيام أنسياه ذلك، فبقي ممعنا في النحيب حتى جفت ~~دموعه وجف ريقه في حلقه وكاد يختنق، ثم أحس بقشعريرة فالتحف بالغطاء وكان لا يزال متعبا ~~لطول سهره بالأمس وشدة الهيام وكثرة البكاء، فأخذته سنة ms048 من النوم. ~~••• # فلنترك سليما نائما، لعله يستريح من تلك الجواذب والدوافع، ولنرجع إلى حبيب وما تم له ~~بعد وصوله مع والدته وشقيقته إلى البيت. # فإن والدته كانت أثناء سير القطار، وحديث شفيقة يدور مع أخيها حول أدما، تتردد في ذهنها ~~خواطر من هذا القبيل، على أنها سرت لما رأت في حبيب ميلا إلى أدما. ولما وصلوا إلى ~~البيت وغيروا ثيابهم، واغتسلوا من الغبار، كان الخادم قد أعد لهم طعام العشاء، فتناولوه ~~وسارت شفيقة إلى فراشها عاجلا كجاري عادتها لأنها كانت خالية البال ساكنة العواطف، لا ~~هم لها سوى مساعدة والدتها في تدبير أمر البيت والترتيب واللبس والطعام، وإذا انتهت من ~~ذلك لا يبقى أمامها سوى النوم. # فلما توجهت تلك الليلة إلى فراشها خلت والدة حبيب به، وأخذا يتجاذبان أطراف الحديث، وكل ~~منهما يفكر في أدما بغير علم الآخر. # فقالت الوالدة، وقد رأت حبيبا صامتا كأنه يفكر في أمر: «ما لي أراك منشغل البال يا ~~حبيب؟ ألعلك تشكو من شيء؟» # فانتبه حبيب، وانتصب جالسا، وقال: «لا يا أماه، لست أشكو شيئا وإني بفضل دعائك ورضائك ~~علي بكل خير وعافية.» # قالت: «سلمت يا ولدي وعسى أن يبقيك الله لي سالما، وشقيقتك لكي أفرح بك وأزوجك!» قالت ~~ذلك ونظرت إليه كأنها تنتظر ما يبدو منه، وكانت كلما خاطبته في أمر الزواج قبل ذلك اليوم ~~ينكر عليها أمره، ويأخذ في إقناعها بأن الزواج متعب، وأن البقاء بدون زواج أفضل وأكمل ~~وأسعد، وكانت تستاء من ذلك وتتوسل إليه ألا يقول ذلك؛ لأن الزواج أمر لابد منه، إن عاجلا ~~أو آجلا، وهو يقول أن لا مأرب له فيه، وأنه سعيد بمعيشته مع والدته وشقيقته. # أما تلك الليلة فإنه لم يجبها، بل بقي صامتا. وتذكر الفرق بين حاله في الأمس واليوم، فقد ~~كان خاليا لا هم له سوى إتمام عمله ومرضاة والدته، والاشتغال بالمطالعة والكتابة ساعات ~~الفراغ، والقلب خال والعواطف هادئة والحياة هنية سهلة لا يكدرها اضطراب ولا يشوبها قلق ولا ~~تعترضها غيرة أو شوق، والعقل حر ms049 يجول في الموضوعات العلمية والفكاهية والأبحاث الممتعة، ~~فأصبح اليوم منشغلا تتنازع في نفسه العواطف بين الحب، والشوق، والاهتمام. فلما خاطبته ~~والدته ولم يجبها، ظنته في شاغل مزعج يريد إخفاءه عنها، فعاودته السؤال قائلة: «كيف تقول ~~إنك غير منزعج وأراك صامتا لا تتكلم؟!» # فارتبك في أمره لا يدري بماذا يجيب، وقد صعب عليه التصريح بما يخالج نفسه من ناحية ~~الفتاة، وهو يتردد بين الحياء والارتباك، فغلب عليه الحياء فقال: «قلت إني بخير ولا شاغل ~~لي، ولكنني أفكر فيما رأيناه اليوم في الأهرام من المناظر البديعة، وما تمتعنا به من الهواء ~~النقي.» # قالت: «أظنك تفكر في شيء آخر؛ لأن وجهك منقبض، وفي نفسك شيء تريد إخفاءه عني، فإذا كنت ~~تواجه شيئا يزعجك، لماذا لا تصرح به لي، وإذا كنت تخفي ذلك عني فلمن تبوح به؟» # فحاول الدفاع عن نفسه عبثا حتى رأى والدته قد علا وجهها الانقباض والحزن، وكادت تبكي، ~~فقال وهو بين الإحجام والإقدام: «إذا كان في نفسي شيء فأنت أحق الناس بمعرفته.» # قالت: «قل إذن يا حبيبي!» وهمت إليه وضمته إلى صدرها وقبلته، وقد كادت تتساقط ~~العبرات من عينيها. # فقال: «لا حاجة بك إلى الخوف يا أماه فإن الذي في نفسي لا يحزنك بل هو سبب كبير ~~لفرحك.» # فأشرق وجهها وأبرقت أسرتها وازداد قلقها لاستطلاع أفكاره، وقالت بلهفة: «قل بالله! قل ~~يا حبيبي لتسري عني وتخفف آلامي.» # قال: «أنت تعلمين أن أول شيء أسعى إليه في هذه الدنيا هو فرحك.» # قالت: «قل إذن قل! أستحلفك بربك أن تصرح بما في نفسك.» # فقال وقد علا وجهه الاحمرار: «إن في قلبي مثل ما في قلبك، والذي أريده هو الذي تأمرينني ~~بإجرائه.» # قالت: «وما هو ذلك؟ ألعلك اعتزمت أن تتزوج كي تحقق لي أمنيتي!» # قال: «وأكثر من ذلك أيضا.» # قالت: «ألعلك أحببت أدما التي أحببناها نحن!» # فأبرقت عيناه وخفق قلبه عند ذكرها وقال: «نعم يا أماه إني أحبها، ولا سيما حين تحققت ~~أنكما تحبانها.» # فابتهجت وغلب عليها السرور حتى دمعت عيناها، وهمت إلى ms050 ولدها تقبله وقالت : «هذا هو ~~مبعث سعادتي يا ولدي، وهذه هي الساعة التي قضيت عمري في انتظارها، فأشكر الله على ما وفقنا ~~له ودبره بحكمته الأزلية.» # فقال حبيب: «ولكن هل المسألة موقوفة على رضانا نحن وحدنا؟ من يدري، لعل الفتاة لا توافقنا ~~على ذلك!» # قالت: «إنني واثقة من رضائها، لأنها على ما يظهر لي تحب مبادئك وتميل إلى من كان مثلك، ~~ولا أظنها تطمع في أحسن منك، وهي ليست من الثروة على أكثر مما أنت فيه.» # فعاد حبيب إلى تعقله وفكر في أمر مستقبله، وتذكر أنه كان منذ حين يخشى استغناء ~~الحكومة عن خدمته، فقال لوالدته: «هبي أنها وافقت، أفلا ترين أن زواجها بموظف مثلي معرض ~~للفصل كل يوم، مما يعرضها للخطر؟» # قالت: «إن الله هو الرزاق يا ولدي، وهو يرزق الموظفين وغيرهم. ثم إنك الآن لست في حاجة ~~إلى أكثر من إعلان الخطبة، وإلى أن يحين موعد الاقتران يفعل الله ما يشاء.» # فلم يقتنع حبيب بكلام والدته، ولكن حبه لأدما جعله يوافق دون اقتناع. # فقال: «صدقت يا أماه! وما دام الأمر كذلك، فإن إتمامه سهل بإذن الله. ولكن أمهليني قليلا ~~قبل أن تعلن الخطبة لكي أعد لها عدتها.» # فقالت: «افعل ما بدا لك، ولنحفظ هذا الأمر مكتوما حتى يتم بإذن الله.» ثم ذهب كل منهما ~~إلى فراشه، وبقي حبيب حتى اقترب الفجر مسهدا يفكر في أدما وخطبته لها، وفيما دار بينه وبين ~~والدته في شأنها. وكان على شدة تعلقه بها يشعر بإحجام داخلي وتخوف من الإقدام على خطبتها، ~~فأخذ يبحث عن وسيلة لعلاج ذلك الأمر، ولما أعياه البحث دون نتيجة، قرر أن يكاشف بأمره صديقه ~~سليما، لعله يشير عليه بالعلاج المفيد. # | كشف السر # نهض حبيب من فراشه في صباح اليوم التالي وهو ما زال قلقا حائرا، ثم استقل القطار إلى ~~القاهرة، حيث توجه إلى مقر منصبه، وبقي يعمل حتى الساعة الثانية عشرة، وانتحل عذرا أبداه ~~لرئيسه، فسمح له بالخروج من الديوان قبل الميعاد المحدد. # ومضى لفوره إلى مكتب سليم، ms051 فعلم أنه لم يحضر إليه في ذلك اليوم، فقلق عليه وانطلق إلى ~~الفندق الذي يسكنه، فوجد باب غرفته مفتوحا، وما كاد يدخل حتى وجده ممددا في سريره وقد ~~استغرق في النوم، فعجب لرقاده حتى تلك الساعة، ولاحت منه التفاتة فإذا بورقة ملقاة على ~~السرير بجانب سليم، ولاحظ أن خطها يشبه خط سلمى وكان يعرفه، فازداد تعجبه وأراد إيقاظ سليم، ~~لكنه آثر التريث حتى يرى ما في تلك الورقة، فتناولها ويده ترتجف لعلمه بما في الاطلاع عليها ~~من منافاة للآداب العامة، لكنه برر فعلته هذه بأنه على علم بأمر سليم مع والدته بسبب سلمى، ~~وبأن اطلاعه على تلك الورقة بغير علمه قد يعاونه على أن ينفعه بشيء. # ولكنه خشي أن يستيقظ سليم فجأة فيراه وهو يقرأ الورقة، فأعادها إلى حيث كانت بجانبه على ~~السرير، مكتفيا بالنظر إليها وهو واقف بإزائه فوقعت عينه على الفقرة التي ذكرت فيها سلمى ~~أنها تحل سليما مما بينهما من العهود، وأنها تفعل ذلك مضحية بقلبها وسعادتها في سبيل ~~إنقاذه من تردده وحيرته بينها وبين والدته. ولم يستطع لاضطرابه أن يقرأ بقية ما في الورقة، ~~ولكنه فهم مضمونها، وأعجب كل الإعجاب بإخلاص تلك الفتاة وتضحيتها. # ثم لاح له أن سليما قد نام والرسالة في يده وباب الغرفة مفتوح عن غير قصد منه، وهو لذلك ~~قد يغضب ويخجل إذا استيقظ ورآه بجانبه، فتقهقر خارجا من الغرفة وهو يحاذر أن يحدث صوتا ~~يوقظه، وكان خدم الفندق مشغولين بمهامهم فلم ينتبهوا لدخوله وخروجه، ولكنه خشي أن يدخل أحد ~~غيره غرفة سليم ويرى مثل ما رأى، فأغلق الباب وراءه وانسل راجعا من حيث أتى وهو يفكر في ~~أمر صديقه ومتاعبه، وقد نسي ما جاء من أجله. # ولم يشأ أن يرجع إلى حلوان قبل أن يراه ثانية ويفهم منه شيئا عن حاله، فتوجه إلى مقهى ~~قريب وجلس فيه ساعة وهو على مثل الجمر، ثم عاد إلى غرفة صديقه وطرق الباب، فسمع سليما يقول ~~بصوت ضعيف: «ادخل» ففتح الباب ودخل فإذا بسليم ما ms052 يزال في سريره وقد كلل العرق وجهه ~~وتوردت وجنتاه كأنه محموم. # وما كاد سليم يشاهده حتى هاجت عواطفه وأشجانه، فدمعت عيناه وهو يرد تحيته في صوت ضعيف ~~مضطرب حزين ويشير إليه بأن يجلس بجانبه، فانفطر قلب حبيب لهذا المنظر المؤثر، وترقرقت ~~الدموع في عينيه، ثم انحنى على صديقه في سريره وأمسك يده يجسها فإذا هي تتقد سخونة، فعلم ~~أنه مصاب بالحمى، لكنه تجاهل وقال له: «ما لي أراك في الفراش يا عزيزي حتى هذه الساعة؟ هل ~~تشكو من شيء؟» # فقال: «لا شيء يا عزيزي إلا أني أشعر بانحطاط قواي وارتفاع حرارة جسمي، ولعلي مصاب ~~بالحمى.» # قال: «لا بأس عليك، وهل شعرت بذلك اليوم فقط؟» فقال: «نعم، ولكني شعرت أمس ببعض التعب ~~وأرقت قليلا، فأصبحت اليوم كما ترى ولم أستطع الخروج، ثم اشتد بي التعب وشعرت بالحمى ~~فأخذتني سنة من الكرى ولم أفق إلا منذ قليل.» # وتذكر سليم كتاب سلمى ومجيء حبيب إليه في تلك الساعة على غير المعتاد. # ولاح له أن العبارات التي قرأها في كتاب سلمى، رغم ما تتجلى فيها من الشهامة وعزة النفس، ~~لا تخلوا من الاحتيال، ولعل سلمى هي التي أرسلت إليه حبيبا ليستطلع فكره وأثر ذلك الكتاب ~~في نفسه. # على أنه ما لبث قليلا حتى طرد هذه الخواطر من مخيلته، مستبعدا تواطؤ سلمى وحبيب ضده، ثم ~~حاول إخفاء ما يعتلج في صدره من الغيرة والشك، وبقي صامتا متعللا بانحراف صحته. # أما حبيب فراح ينظر إليه نظرة المحب الصادق المخلص الذي يفتدي أصدقاءه بنفسه، وحدثته نفسه ~~مرارا بأن يستطلعه حقيقة حاله، لكنه خشي أن يذكره بأمر يود نسيانه لما هو فيه من ~~المرض. # فلبثا حينا صامتين وكل منهما مشغول بهواجسه، ثم قال حبيب: «كيف حالك يا عزيزي، لعلك أحسن ~~الآن؟» # فقال سليم بصوت مختنق: «أحس صداعا شديدا في رأسي وكأن نارا تتقد في جسمي.» # فقال: «هل أدعو لك الطبيب؟» # قال: «لا أرى حاجة إلى الطبيب الآن، ولكن ربما أحتاج إليه بعدئذ.» # قال: «هل أدعو الخادم ليأتيك بشيء ms053 من المرق أو شراب الليمون، كي تبل معدتك؟» قال: «لا بأس ~~من ذلك.» # فدعا حبيب الخادم وأمره بإحضار قدح من شراب الليمون، فلما جاء به تناوله سليم بعد أن ~~أنهضه حبيب وأسنده جالسا في السرير، وشرب جانبا منه، ثم وضعه على المنضدة المجاورة للسرير ~~وعاد إلى التوسد والعرق قد بلل ثيابه. # وهنا أشار عليه حبيب بأن يغير ملابسه المبتلة، فقبل، وشعر على أثر ذلك ببعض الراحة، فمضى ~~يجاذب حبيبا أطراف الأحاديث، ويجاهد لإبعاد الهواجس التي عاودته، في شأن علاقة حبيب بسلمى. ~~وكلما نظر إلى حبيب ازداد غيرة وحيرة وتفكيرا في سبب مجيئه في تلك الساعة على غير المعتاد، ~~وعقب وصول كتاب سلمى. وما زالت هذه الهواجس تلح عليه حتى تمكن منه الاعتقاد بتواطؤ حبيب ~~وسلمى ضده فأراد أن يحتال لتحقق ذلك، وفاجأ حبيبا بأن قال له: «أليس مريبا أن تجيء إلي ~~اليوم على غير المعتاد، فتجدني في هذه الحال؟ فهل ترى كان مجيئك اتفاقا، أم أن قلبك حدثك ~~بأني مريض؟» # فقال حبيب: «الواقع أني لم يخطر ببالي أن تكون مريضا، وقد فارقتك أمس عند عودتنا من رحلة ~~الأهرام وأنت في عافية وسرور، وقد جئت إليك اليوم مصادفة، معتقدا أني سأجدك معافى مسرورا ~~كما تركتك.» # ولم يشأ أن يذكر سبب مجيئه؛ لئلا يقوده الحديث إلى ذكر سلمى لعلاقتها بأدما فيثير بذكرها ~~أشجان صديقه المريض. # ولكن تكتمه هذا رجح ظن سليم، إذ كيف يمكن أن يكون مجيئه لزيارته في غرفته مصادفة، مع علمه ~~بأنه لا يكون بها في مثل الوقت الذي جاء فيه؟ وعلى هذا وقر في ذهنه أن حبيبا يحتال عليه ~~ولم يصدقه، ولكنه تجاهل وكظم عواطفه مؤثرا الصمت. # وفي الساعة الثالثة بعد الظهر أحس حبيب بالجوع، فاستأذن سليما في الانصراف، ومضى إلى أحد ~~المطاعم فتناول غداءه وفكره ما زال مشغولا بأمر صديقه وخطيبته. وأخيرا رأى أن يتوجه إلى ~~منزل الخواجة سليمان لعله يستطيع الوقوف على بعض ما غمض عليه من أمر سلمى وسليم، وكيف وصل ~~إليها كتاب والدته إليه. # واستقبلته ms054 الأسرة مرحبة، ولكنه لم ير سلمى بينهم فسألهم عنها فقالت والدتها: «إنها شعرت ~~ببعض التوعك هذا الصباح، فبقيت في الفراش.» فاكتفى بأن تمنى لها عاجل الشفاء، ولم يذكر أي ~~شيء عن سليم لئلا يشغل بالهم عليه. وبعد أن قضى عندهم بعض الوقت ودعهم وانصرف إلى محطة ~~باب اللوق حيث استقل القطار إلى حلوان، عائدا إلى منزله، فاستقبلته والدته ولاحظت على ~~وجهه آثار الانقباض، فقلقت وخافت أن يكون لذلك سبب يتعلق بأدما، فابتدرته بالسؤال عن ~~انقباضه، فلما أخبرها بأن صديقه سليما مريض، سألته في لهفة: «وماذا به يا ولدي، شفاه الله ~~وعافاه؟» # فقال: «أصابته الحمى، وقد خفت حدتها قليلا والحمد لله حين فارقته منذ قليل.» # قالت: «هل تركته وحده في غرفته؟» # فقال: «نعم يا أماه وهذا ما يقلقني عليه؛ إذ ليس عنده من يقوم بخدمته.» # قالت: «كيف تتركه وحده وهو غريب لا أهل له في القاهرة، ولو أن والدته علمت بمرضه لسارعت ~~إليه كي تخدمه وتمرضه، ولكنها بعيدة عنه وا أسفاه!» # قال: «لا شك أنها لو علمت بمرضه لجاءت من الإسكندرية على عجل، ولكن لا داعي لإزعاجها ~~بنبأ مرضه، وعلينا نحن قياما بواجب الصداقة أن ننظر في أمر خدمته وتمريضه حتى يتم شفاؤه ~~بإذن الله.» # قالت: «صدقت يا بني، هذا واجب علينا، وأرى إذا عاودته الحمى غدا أن ندعوه ليقيم معنا ~~بضعة أيام ريثما ينقه منها.» # قال: «غدا أذهب إليه لتدبير الأمر والاتكال على الله.» # قالت: «سأذهب معك ليطمئن قلبي عليه، فهو بمثابة ولدي. ولكن هل علمت أسرة الخواجة سليمان ~~بمرضه؟» # قال: «لا، وكنت عازما على إبلاغهم ذلك، لكني وجدت سلمى مريضة أيضا فلم أخبرهم به خشية ~~اشتداد مرضها؛ لأنها مخطوبة له كما تعلمين، وهي تحبه محبة عظيمة.» # قالت: «إذن نذهب إليه نحن غدا كما اتفقنا.» ~~••• # كانت الخادمة العجوز سعيدة قد أدركت في الأيام القليلة التي عاشرت فيها سلمى أنها عزيزة ~~النفس أبيتها، لا ترضى بالذل ولا تحب التزلف، وأيقنت أنها إذا اطلعت على ما كتبته والدة ~~سليم إليه في شأنها ms055 فلا بد من أن تضحي بقلبها في سبيل الإبقاء على محبة أمه له ورضاها ~~عنه. # وكانت قد عرفت مضمون الكتاب قبل مجيئها من الإسكندرية؛ لأن سيدتها وردة هي التي كانت ~~تتولى أمر كتابة الخطابات إلى سليم على لسان والدته، بوساطة داود. وقد اجتمعت بهذا في ~~القاهرة فأخبرها بما فعله مع سليم، واعتقدت أن الطريق قد مهد للتفريق بينه وبين سلمى. ثم ~~انتهزت فرصة تنظيفها معطف سليم حين وجوده في المنزل عقب رحلة الأهرام، وسرقت منه خطاب ~~والدته لكي تطلع سلمى عليه، ثم ذهبت بالخطاب إلى غرفة سلمى وألقته خفية بجانب سريرها. فلما ~~أوت إليه سلمى بعد العشاء، لمحت الخطاب فتناولته وقرأته، وأدركت أنه سبب كدر سليم. وقضت ~~ليلتها مسهدة تفكر في أمره ولا تدري ماذا تفعل، ثم غلبت عليها طيبة قلبها وعزة نفسها، ~~فكتبت إلى سليم ذلك الخطاب الذي أحلته فيه من خطبتها، وبعثت به مع خادمتها سعيدة. # على أنها شعرت بالندم على تسرعها بكتابة ذلك الخطاب، وحدثتها نفسها بأن تنادي سعيدة ~~وتأخذه منها، ولكن هذه كانت قد توارت عن نظرها، فشق عليها الأمر وازداد قلقها؛ لأنها كتبت ~~الخطاب وهي شديدة التأثر، فلما خف تأثرها أخذت تلوم نفسها على كتابة تلك العبارات، وكلما ~~تصورت أنها ضحت بسعادتها وآمالها في المستقبل بحرمانها من سليم شعرت بأبلغ الأسى والأسف، ~~وارتعدت فرائصها وبكتها ضميرها، فأصبحت من جراء ذلك دائمة القلق خائرة القوى، فلازمت ~~الفراش تسكينا لما بها وإخفاء لعواطفها، ولكن اعتكافها أقلق والديها لأنها وحيدتهما، وكانا ~~إلى شدة محبتهما لها معجبين بذكائها ولطفها، وما كانا ليقبلا خطبة سليم لها لولا ما لمساه ~~من محبتها له، ومن اتصافه بالشهامة وكرم النفس والاستعداد لمستقبل عظيم. ~~••• # بكر حبيب في اليوم التالي فاستقل أول قطار غادر حلوان إلى القاهرة، وما وصل إليها حتى ~~أخذ طريقه إلى غرفة سليم ليعوده ويطمئن عليه قبل الذهاب إلى الديوان. # ووجده مستيقظا في فراشه، وعلى وجهه آثار الضعف والهزال، فحياه وجلس بجانبه يواسيه ~~ويرفه عنه بمختلف الأحاديث إلى أن قال له: «لقد ms056 أسفت والدتي كثيرا حين علمت بمرضك، وكانت ~~تعتزم المجيء معي الآن لتراك وتطمئن عليك، ثم اتفقت معها على أن آتي بها بعد الظهر.» # فقال سليم: «جزاها الله خيرا، لا داعي لتعبها.» # ولاحظ حبيب أن في نظرات سليم وعباراته ما ينم عن التبرم والجفاء، فعجب من ذلك ثم عزاه إلى ~~اضطراب سليم وقلقه بسبب المرض والوحدة، وواصل ملاطفته ومواساته قائلا: «إنك اليوم أحسن ~~حالا منك أمس، ولعلك سعدت بنوم عميق هنيء!» # فتنهد سليم أسفا وقال: «لم أنم إلا فترات قصيرة متقطعة، تخللتها أحلام مزعجة، وقد أرسلت ~~الخادم منذ قليل ليأتيني بمسهل أتناوله اليوم، كما أوصيته بإعداد بعض المرق لأتغذى ~~به.» # فقال حبيب: «حسنا فعلت يا عزيزي، وأرجو أن أراك بعد الظهر وقد تم لك الشفاء!» ثم أعطاه ~~بعض الصحف ليتسلى بمطالعتها، وودعه منصرفا إلى مقر عمله. # فلما خلا سليم إلى نفسه، عادت إليه هواجسه في شأن سلمى، وود لو يعلم حالها بعد أن بعثت ~~إليه بخطابها الأخير، وكأن قلبه دله على أنها مريضة مثله. ثم تذكر ما كان فيه من النعيم ~~بقربها، وما آلت إليه حاله فلم يتمالك عواطفه وغلبه البكاء. وما زال يطلق لدموعه العنان ~~حتى عاد الخادم بالدواء المسهل، وقرع باب الغرفة مستأذنا في الدخول به، فمسح سليم عينيه ~~وأذن له في الدخول، ثم تناول منه الدواء وشربه، وأخذ يتشاغل بمطالعة الصحف التي تركها له ~~حبيب، بينما انصرف الخادم لإعداد المرق الذي طلبه. # وفي الساعة الأولى بعد الظهر، عاد إليه حبيب فوجده ممددا في سريره، وجس يده فإذا بنبضه ~~يتسارع وحرارته عادت إلى الارتفاع، فأدرك أن الحمى عاودته ولا تلبث أن تشتد وطأتها كأمس، ~~لكنه تجاهل وسأله: «كيف حالك الآن يا عزيزي؟» # فقال سليم بصوت ضعيف: «كنت في الصباح أحسن حالا مني الآن.» # فأخذ يغالطه ناسبا ذلك إلى تأثير المسهل الذي تناوله، ثم قال له: «إن هواء حلوان نقي ~~جاف منشط، ويا حبذا لو ذهبت معي للإقامة معنا أياما هناك لتبديل الهواء!» # فاعتذر سليم من عدم استطاعته ذلك شاكرا، ms057 وقال: «لا داعي إلى مغادرة الفراش والانتقال ~~الآن.» ثم أصر على الامتناع برغم إلحاح حبيب، فرأى هذا أن لا سبيل إلى إقناعه إلا بأن يأتي ~~إليه بوالدته لتتولى إقناعه بنفسها. فاستأذن في الانصراف، وسارع إلى منزله في حلوان ~~مستقلا قطار الساعة الثانية بعد الظهر، حيث أنبأ والدته بما حدث، فوافقته على الذهاب معه ~~لإحضار سليم، وبعد أن تناولا الغداء، غادرا المنزل إلى المحطة حيث استقلا القطار إلى ~~القاهرة، فوصلا إلى غرفة سليم وقت الأصيل، وكانت الحمى قد اشتدت وطأتها عليه فأخذ يئن ~~ويتوجع. # وما رأته والدة حبيب في هذه الحالة حتى تناثرت الدموع من عينيها حنانا وإشفاقا، فمالت ~~عليه وقبلته قائلة: «لا بأس عليك يا ولدي!» ثم أخذت تواسيه وتهون الأمر عليه. # ولم يتمالك سليم عواطفه إزاء حنانها وعطفها، إذ تذكر والدته فأخذت الدموع تنهل من ~~عينيه، وتمتم قائلا: «آه يا أماه!» # فازدادت والدة حبيب تأثرا، وانحنت عليه وهي لا تستطيع إمساك دموعها، وأخذت تمسح العرق ~~المتصبب من وجهه قائلة: «أنت بخير يا ولدي، فاطمئن وثق بأني لك كوالدتك، فأنت مني بمنزلة ~~حبيب.» # فاشتد هياج أشجان سليم، وأمعن في البكاء برغم محاولته التجلد، وود لو أنه لم يفارق ~~والدته، ولم يعرف الحب الذي أقصاه عنها وحملها على اتهامه بالعقوق. بينما واصلت والدة حبيب ~~تهدئة روعه. أما حبيب فلم يتمالك عن البكاء هو الآخر، لكنه حول وجهه عن سرير صديقه حتى لا ~~يلحظ بكاءه فتزداد أشجانه. # وأخيرا مالت والدة حبيب على وجه سليم وقبلته قائلة: «إنني أسألك بحق والدتك عليك أن ~~تكف عن البكاء، وأن تذهب معنا إلى حلوان، فمنزلنا هو منزلك، وكلنا في خدمتك حتى يتم شفاؤك ~~قريبا بإذن الله.» # وقالت والدة حبيب لسليم: «اطمئن وثق بأني لك كوالدتك؛ فأنت مني بمنزلة حبيب.» # وحاول سليم أن يرد عليها، فخنقته عبراته ولم يستطع التكلم؛ إذ تذكر أن والدته غير راضية ~~عنه. ثم استطاع التجلد قليلا بعد حين وقال وكأنه يحدث نفسه: «إنني أستحق هذا الذي أنا فيه، ~~بل أستحق أكثر منه، ms058 فهكذا يكون جزاء العقوق ونكران الجميل.» # فعجبت والدة حبيب، ولم تفهم مراده لخلو ذهنها مما بين سليم ووالدته. وخشي حبيب أن تلح ~~والدته في سؤال سليم عن مراده فيصرح لها هذا بسره الذي يحرص على كتمانه. فأشار إليها بأن ~~تكف عن الحديث مع سليم لأنه في بحران الحمى، ثم قال لها: «سأذهب الآن لأحضر طبيبا يفحصه ~~ويقرر ما ينبغي له من العلاج، فامكثي أنت بجانبه ريثما أعود.» # ثم غادر الفندق على أثر ذلك، وتوجه إلى أقرب طبيب من هناك ودعاه إلى مرافقته لفحص سليم ~~وعلاجه، وفي طريقهما إلى الفندق طلب إليه حبيب أن ينصح لسليم بتبديل الهواء في حلوان، ليقيم ~~بمنزله هناك لأنه غريب عن القاهرة، فوعده الطبيب بذلك، وبعد أن فحص سليما قال له: «لا خوف ~~عليك من هذه الحمى، ويكفي لشفائك منها أن تلتزم الراحة وتبدل الهواء بالإقامة في مكان جوه ~~جاف، ومع هذا سأصف لك دواء يعاونك تناوله على سرعة الشفاء.» # فسأله سليم: «هل ترى أن لا بد من تبديل الهواء والانتقال من هنا؟» # فقال الطبيب: «نعم لا بد من ذلك، ويحسن أن تقصد حلوان لجودة هوائها وهدوئها، على أن يكون ~~انتقالك إليها بعد زوال نوبة الحمى.» # فسكت سليم موافقا وهو يقول لنفسه: «لا بأس بإقامتي أياما بمنزل حبيب في حلوان، فلعلي ~~أستطيع هناك الوقوف على شيء يكشف لي حقيقة علاقته بسلمى، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم.» # وبقي حبيب ووالدته مع سليم في غرفته حتى انقشعت عنه نوبة الحمى، ثم ساعده حبيب في ارتداء ~~ثيابه، وبعث في طلب عربة مغلقة لنقله فيها إلى المحطة لركوب القطار منها إلى حلوان. وما زال ~~هو ووالدته يتعاونان على خدمته والمحافظة عليه من البرد حتى وصلوا إلى المنزل، وخصصوا ~~لإقامته أحسن غرفة فيه. وتنافس حبيب ووالدته وشقيقته في الترحيب به وتعهده بالغذاء والدواء ~~والغطاء، حتى داعب النوم جفنيه وما لبث أن غط في نوم عميق، ولم يستيقظ إلا في الصباح، وقد ~~شعر بأنه استرد بعض قواه وتحسنت حالته. ~~••• # أمضى ms059 حبيب ليلته مسهدا يفكر في أمر صديقه سليم بعد أن اطمأن عليه وتركه نائما، وهداه ~~تفكيره إلى أن يسافر بنفسه إلى الإسكندرية فيقابل والدة سليم ويشرح لها أمره، فلا بد أن ~~قلبها سيرق لفلذة كبدها حين تعلم بأنه مريض. وقد يكون غضبها وإنكارها عليه خطبة سلمى تأثرا ~~بوشاية بعض الحساد، فيسهل إقناعها بالعدول عن رأيها وتحقيق رغبة سليم؛ وبذلك يكون قد أدى له ~~خدمة جليلة. # ثم تذكر حبيب أن اليوم التالي يوم جمعة، فاغتبط كثيرا لأن خلوه من العمل في هذا اليوم ~~مما يسهل أمر سفره إلى الإسكندرية. # وفي صباح اليوم التالي، خلا إلى والدته وأنباها بما اعتزمه من أمر السفر والغرض منه، ~~وأوصاها بأن تكتم ذلك عن سليم كل الكتمان، ثم صحبها لرؤيته في غرفته فوجداه مضطجعا في ~~سريره وعليه دلائل البشر والعافية؛ فاغتبطا بذلك وجلسا بالقرب منه يلاطفانه ويسليانه ~~بمختلف الأحاديث. # وبعد قليل، نهض حبيب وغادر الغرفة مشيرا لأمه بطرف عينيه أنه مسافر في المهمة التي اتفقا ~~عليها، فلحقت به وودعته داعية له بالسلامة والتوفيق. ثم عادت إلى سليم في غرفته، ولحقت ~~بها ابنتها شفيقة، وجلستا تجاذبانه الحديث وتقدمان له ما يحتاج إليه من الطعام والشراب ~~والدواء. # ومضت ساعة وسليم يبدو باسم الثغر منشرح الصدر، ثم تجهم وجهه فجأة وظهرت عليه دلائل ~~الانقباض الشديد؛ إذ تذكر خطاب والدته وحكاية داود عن سلمى وحبيب. على أنه ما لبث أن تجلد ~~وتكلف الابتسام حتى لا ينكشف أمره أمام مضيفتيه، ثم تظاهر بالتلفت حوله وسأل: «أين ~~حبيب؟» # فانطلت عليهما حيلته، وقالت أم حبيب: «سيكون هنا بعد قليل، فقد ذهب إلى القاهرة لإنجاز ~~بعض المهام.» # فعجب سليم من ذهاب حبيب إلى القاهرة دون أن يخبره، وعاودته الهواجس فخيل إليه أن لذهاب ~~حبيب إلى القاهرة علاقة بسلمى، ولا سيما أن اليوم يوم جمعة والأعمال معطلة في دور الحكومة، ~~وكان المنتظر أن يبقى معه طول اليوم لو أنه كان مخلصا في صداقته له وليس متواطئا مع سلمى ~~عليه. # واشتدت به الوساوس حتى اعتقد أن ms060 حبيبا ما دعاه إلى الإقامة بمنزله في حلوان، إلا ليبعده ~~عن القاهرة، فيخلو جوها لسلمى وله ويتساقيان كئوس حبهما الآثم وهما آمنان مطمئنان! # ولاحظت والدة حبيب أن غيابه أقلق سليما وأزعجه إلى حد ملحوظ، فأرادت أن تشغله عن ذلك ~~والتفتت إلى ابنتها وقالت لها: «هلا أحضرت يا شفيقة كتابا أو رواية لطيفة مما عند حبيب لكي ~~يتسلى عزيزنا سليم بالمطالعة إذا شاء؟» # فنهضت شفيقة وخرجت من الغرفة ثم عادت بعد قليل وقالت وهي تشير إلى بضعة مفاتيح صغيرة في ~~سلسلة بيدها: «الحمد لله لقد وجدت كل كتب حبيب ورواياته في خزانته الخاصة التي يحرص دائما ~~على إغلاقها والاحتفاظ بمفاتيحها معه، لكنه لحسن الحظ لم يرتد معطفه، وهذه هي وجدتها فيه، ~~فأي أنواع الكتب أو الروايات أحضرها؟» # فالتفتت والدتها إلى سليم وسألته: «ألا تحب مطالعة القصص؟» # فقال: «لا بأس ففي مطالعتها تسلية.» قال هذا وهو يجاهد لإخفاء ما به. # فهرولت شفيقة إلى خزانة كتب حبيب، ثم عادت بعد قليل وفي يدها رواية إفرنجية وقالت: «لا بد ~~من أن تكون هذه الرواية جميلة مشوقة، فمنذ أسبوع رأيتها في يد حبيب يطالعها في شغف عظيم، ~~وأمضى ليلة كاملة ساهرا في غرفته حتى أتم قراءتها.» # فقالت والدتها: «وأنا أيضا رأيته مشغولا بقراءتها عند فجر تلك الليلة.» # فتناول سليم الرواية، وأخذ يقلب صفحاتها متظاهرا بالمطالعة. وخرجت شفيقة وأمها من الغرفة ~~ليتركا سليما يطالع الرواية في هدوء، ويشرفا على شئون البيت. ~~••• # أخذ سليم يقلب صفحات الرواية، وفكره مشغول بسفر حبيب إلى القاهرة على غير انتظار، وفيما ~~هو في ذلك وقعت عينه على ورقة مطوية بين الصفحات، وما كاد يتأملها حتى لاحظ أنها مكتوبة بخط ~~يشبه خط سلمى، فازداد اشتعال نار الغيرة في قلبه، وتصور حبيبا جالسا مع سلمى يتبادلان ~~أحاديث الحب والهيام، فندم على مجيئه إلى منزله. ثم أخذ يقرأ ما في الورقة، وهو يختلس النظر ~~إلى باب الغرفة محاذرا أن يراه أحد وهو يقرؤها، فإذا بها حافلة بعبارات الحب والاشتياق ~~والصبابة؛ فلم يبق لديه شك ms061 في خيانة سلمى وحبيب، وتحقق صحة ما سمعه عنهما من داود، فاشتد ~~خفقان قلبه، وأخذ ينتفض في سريره كأنما عاودته الحمى. ثم لم يتمالك عواطفه فقفز من السرير ~~ثائرا، وأخذ يخطر في جوانب الغرفة قلقا حائرا مضطربا، والورقة في يده يعاود قراءتها ~~ويناجي نفسه قائلا: «تبا لها من خائنة ماكرة محتالة! بل تبا لي من مغفل ساذج إذ انطلت ~~علي حيلتها فاعتقدت أنها ملاك طاهر، في حين أنها ليست سوى شيطان رجيم!» # وسكت قليلا إذ سمع وقد أقدام خارج الغرفة، فلما ابتعدت الأقدام، استأنف مناجاته لنفسه ~~قائلا: «أهذه هي المحبة الطاهرة التي كانت تستحلفني بها؟ أهذا جزاء إخلاصي ووفائي وعقوقي ~~لوالدتي في سبيل حبك يا سلمى؟ لقد طالما كذبت ما سمعته عنك، وعاينت في ذلك ما لا طاقة به ~~لقلبي؛ حرصا على مودتك، وإيمانا بطهارتك وعفتك ووفائك. ولكن آه! ها أنا ذا الآن قد تحققت ~~صحة اتهامك، ولمست خيانتك، وإني لأشكر الظروف التي هيأت لي الوقوف على ذلك، لأنبذك نبذ ~~النواة يا خائنة.» # ثم عاد إلى تأمل الورقة، فلاحظ اختلافا يسيرا بين خطها وخط سلمى، لكنه هز رأسه ~~مستخفا بهذه الملاحظة، وعاد يقول: «إنه خطها ما في ذلك شك، ولكنها كتبت هذه الورقة منذ ~~عهد بعيد؛ أي إن حبها الآثم لحبيب ليس جديدا، وقد استطاعا خداعي والتمويه علي كل هذا ~~العهد الطويل. على أني لا ألومه بقدر ما ألومها على ذلك؛ لأني ملكتها قلبي ووهبتها روحي ~~وأغضبت لأجلها والدتي المسكينة ... آه يا والدتي! أين أنت الآن؟ ألا رحماك بولدك المسكين، ~~واصفحي عنه، فقد كفى ما لقيه من الحزن والمرض وخيبة الآمال؛ جزاء عقوقه لك، وركونه إلى وعود ~~فتاة خادعة محتالة، وإلى نفاق عدو في ثياب صديق!» # ولاح له أن يبادر بارتداء ثيابه ويغادر المنزل فورا ليستقل القطار إلى القاهرة، ثم ~~يستأنف السفر منها إلى الإسكندرية حيث يقابل والدته ويقبل يديها مستغفرا نادما. لكنه ~~شعر بأنه في حالة من المرض والتعب لا يقوى معها على السفر، وقد تعاوده الحمى وهو في ms062 الطريق ~~فيحدث ما لا تحمد عقباه، فلم يتمالك نفسه واستلقى على السرير آخذا في البكاء لفرط يأسه ~~وغيظه وأساه. # وفيما هو كذلك، دخلت عليه والدة حبيب، وهي تحمل في يدها إناء فيه شيء من مرق اللحم أعدته ~~له، فبالغ بالتدثر بالغطاء متظاهرا بأنه شعر بالبرد حتى لا تلاحظ عليه شيئا ينم عما هو ~~فيه، فحسبته نائما ووقفت بإزاء السرير ثم أخذت تدعوه باسمه متلطفة، فمسح دموعه عن وجهه قبل ~~أن يكشفه متظاهرا بالاستيقاظ من النوم، والتفت إليها وهو ما زال ممدا في الفراش، فقالت ~~له: «لقد حان وقت الظهر يا ولدي، ويحسن أن تتناول قليلا من المرق.» # فقال لها: «شكرا لك يا سيدتي، لا حاجة لي بأي طعام الآن.» # فقالت: «إن الطبيب أشار بأن تتناول شيئا من المرق؛ لأنه يعاون على استرداد قواك.» # فاكتفى بأن أشار إليها بيده مصرا على الرفض، ولكنها لم تيأس من إقناعه، ووضعت الإناء ~~الذي تحمله على المنضدة المجاورة للسرير، ثم انحنت عليه وأخذت تربت على وجهه متلطفة وقالت ~~له في حنان: «إن المرق خفيف على المعدة، وسيفيدك تناوله فائدة كبرى بإذن الله.» # فتململ في مرقده ضجرا، ولم يتمالك نفسه فقال لها: «لماذا لم يعد حبيب حتى الآن؟ أليس ~~اليوم يوم الجمعة ولا عمل له في القاهرة؟» # فقالت: «لقد أخبرني بأنه ذاهب في مهمة خاصة، ولعل بعض زملائه أخروه هناك كي يتغدى معهم، ~~ولا يلبث أن يعود إلينا بعد قليل.» # فحدثته نفسه بأن يرد عليها قائلا: «بل هو الآن مع سلمى»، لكنه أمسك وسكت، فعادت هي إلى ~~حمل إناء المرق بيدها، وقدمته له قائلة: «بالله يا ولدي إلا قبلت رجائي وتناولت هذا المرق ~~الخفيف!» ثم مدت يدها الأخرى إليه بالملعقة، فلم يسعه إلا أن يمد يده لتناولها من يدها ~~متأثرا بعطفها وحنانها، ثم هم بالنهوض ليتناول الإناء من يدها الأخرى، وما كاد يحمله ~~بعد أن استوى جالسا حتى ارتجفت يده واهتز الإناء فانسكب جانب من المرق على حافة السرير، ~~فاحمر وجهه خجلا وأسفا. لكن السيدة سارعت ms063 إلى تهدئة خاطره قائلة: «لا بأس يا ولدي!» ومسحت ~~حافة السرير المبتلة بالمنشفة، وجاءته بمنشفة أخرى وضعتها على ركبتيه، وقالت: «بالهناء ~~والشفاء يا ولدي، سآتيك بقطعة صغيرة من اللحم المشوي لتتغذى بها وفق مشورة الطبيب.» # فحاول أن يعتذر من عدم استطاعته تناول أي طعام آخر، لكنها سرعان ما انطلقت إلى المطبخ ثم ~~عادت وهي تحمل إناء به بعض اللحم المشوي، فوضعته على المنضدة. ثم فتحت خزانة بجانب السرير ~~وأخرجت منها ملاءة بيضاء نظيفة لتضعها على السرير بدلا من الملاءة المبتلة بعد أن يفرغ ~~سليم من تناول الطعام. ولم تتركه حتى شرب المرق وتناول شيئا من اللحم، فأبدلت ملاءة ~~السرير، وبقيت بجانبه تسليه وترفه عنه بالأحاديث حتى رأته يغمض جفنيه وكأن النوم يداعبه، ~~فنهضت وتسللت خارجة من الغرفة تاركة إياه لينام. # على أنه في الحقيقة لم يكن يريد النوم، بل تظاهر بذلك كي يخلو إلى نفسه، ويعاود التفكير ~~في أمر سفره إلى والدته، وفي أمر سلمى وحبيب. وكلما مضت ساعة دون أن يرجع هذا من القاهرة، ~~اشتدت الغيرة بسليم، وهاج حنقه عليه وعلى سلمى، حتى إن نفسه حدثته أكثر من مرة بأن ينهض ~~ويغادر المنزل كي يستقل القطار إلى القاهرة ويفاجئهما في خلوتهما هناك، ثم ينتقم منهما شر ~~انتقام. # ولما جاء المساء دون أن يرجع حبيب، لم يعد سليم يقوى على تحمل ما يساوره من الوساوس ~~والهموم. وكان إلى ذلك يشعر بأنه أشد تعبا وتخاذلا منه بالأمس، ويتوقع أن تعاوده الحمى ~~أشد مما كانت. وعبثا حاولت شفيقة ووالدتها أن ترفها عنه، وضاق هو بمحاولتهما فتظاهر ~~بحاجته إلى النوم، حتى اضطرهما إلى تركه وحده. # | في الإسكندرية # وصل حبيب إلى الإسكندرية بالقطار السريع الذي يصل إليها في الساعة الأولى بعد الظهر، ~~فاستقل عربة توجه فيها من فوره إلى منزل والدة سليم في شارع المسلة. وكان يعرفها من قبل ~~وبينه وبين ابنها فؤاد شقيق سليم صداقة ومحبة، وسبق له أن زار المنزل أكثر من مرة وهو يصطاف ~~في الإسكندرية. # ولما بلغ المنزل وطرق الباب، ms064 فتحته له سيدة لا يعرفها متوسطة العمر مكتنزة الجسم تنم ~~ثيابها وزينتها عن الغنى وحب الظهور. فلما وقع بصره عليها حسب أنه أخطأ المنزل أو أن من ~~كانوا فيه انتقلوا منه إلى غيره؛ فاعتراه الخجل وقال للسيدة التي استقبلته متلعثما: «أليس ~~هنا مسكن الخواجة فؤاد؟» # قالت: «نعم، ولكنه ليس هنا الآن.» وظهرت على وجهها أمارات الارتباك. # فقال حبيب: «وهل السيدة والدته غائبة أيضا؟» # فقالت: «لا يا سيدي بل هي هنا.» ثم تنحت عن الباب ودعته إلى الدخول، فدخل مترددا ~~وجلس في حجرة الاستقبال، بينما مضت السيدة لتدعو والدة سليم. # وبعد قليل، سمع وقع أقدام خارج الحجرة، ثم دخلت عليه والدة سليم وهي في ثوب بسيط ووجهها ~~يفيض بالتقى والورع وإن بدا فيه شيء من الانقباض، وما كادت تراه حتى عرفته فترقرقت الدموع ~~في عينيها، وهمت به مرحبة فضمته وقبلته قائلة: «أهلا وسهلا بولدنا العزيز ~~حبيب.» # فقبل يدها وهو يغالب البكاء تأثرا بلطف استقبالها إياه ولما أدرك من أن سبب بكائها هو ~~تذكر ولدها سليم، لكنه تجلد وتجاهل وسألها: «كيف حالك يا سيدتي، وكيف حال أخي فؤاد وبقية ~~الأسرة؟» # فقالت: «كلهم بخير، والحمد لله على سلامتك.» ثم تنهدت وأردفت قائلة: «وكيف حال سليم، ~~ولماذا لم يأت معك؟» # فارتبك حبيب قليلا ثم أجاب بقوله: «هو بخير والحمد لله ولا ينقصه غير مشاهدتك. وقد جئت ~~إلى الإسكندرية فجأة قبل أن أقابله، ولولا ذلك لجاء معي.» # فتنهدت مرة أخرى وأطرقت ولم تجب. # وأدرك حبيب سر إطراقها وسكوتها فازداد ارتباكه، ولم ينقذ الموقف إلا دخول السيدة التي ~~فتحت له الباب، وقد وضعت قبعتها على رأسها متهيئة للخروج، وقالت لأم سليم: «اسمحي لي أن ~~أنصرف الآن؛ إذ لا بد لي من ذلك، وسأتمم الأمر الذي اتفقنا عليه نيابة عنك، فكوني ~~مطمئنة.» # فقالت والدة سليم: «بورك فيك يا عزيزتي ولا حرمنا الله من فضلك.» ثم نهضت وودعتها حتى ~~الباب الخارجي، وعادت بعد ذلك إلى حبيب، وأخذت تكرر تحيته والترحيب به إلى أن قالت: «لعلك ~~قادم من السفر ms065 الآن فقط؟» فقال : «نعم، وقد جئت من المحطة إليكم رأسا.» # فسكتت وأطرقت مفكرة، كأنها تحاذر أن تقول شيئا. ثم رفعت رأسها فإذا بالدموع تنهمر من ~~عينيها، وقالت: «وماذا صنع سليم مع فتاته وأهلها؟» # فتجاهل وقال: «أية فتاة يا سيدتي؟» # فقالت: «الفتاة التي أحبها وكتب إلي بأن أوافيه في القاهرة لإتمام خطبتها.» # فقال وهو يجاهد لإخفاء ارتباكه: «وهل اعتزمت إجابة طلبه؟» # فقالت: «كلا. بل كتبت إليه بأنني غير موافقة على خطبة تلك الفتاة.» # فقال: «ولماذا؟ هل عرفت الفتاة من قبل؟» # فتنهدت وقالت: «لم أرها ولا أحب أن أراها، وكفى ما سمعته عنها ممن عرفوا دخائلها ووقفوا ~~على سيرتها. ولولا أن قيضهم الله لإخباري بأمرها وأمر أسرتها في الوقت المناسب لانسقت مع ~~سليم في تيار خداعهم واحتيالهم.» # فأدرك حبيب صدق ما ظنه من أن عدم موافقتها على خطبة سلمى لسليم لم يكن إلا لوشايات كاذبة، ~~وأراد أن يعرف من هم أصحاب هذه الوشايات فقال لها: «لكن يا سيدتي أنت تعرفين تعقل سليم وأنه ~~ليس ممن ينخدعون بسهولة. فلعل ما سمعته عن الفتاة وأهلها من سواه غير صحيح.» # فقالت: «كلا يا بني، إن السيدة وردة التي رأيتها هنا الآن هي التي تفضلت مشكورة فكشفت لي ~~حقيقة ذلك الأمر، وهي سيدة عريقة الأصل وتحبنا محبة صادقة، ولولا تعزيتها لي، وملازمتها ~~إياي منذ وقع الجفاء بيني وبين سليم بسبب تشبثه بخطبة تلك الفتاة، رغم نصحي له بتركها، ~~لقضيت حسرة وغما.» # وكان حبيب قد نفر قلبه من وردة منذ وقع نظره عليها وهي تفتح الباب له، لما لاحظ عليها من ~~التبرج والخلاعة، فأدرك أنها سبب كل ما حل بسليم وسلمى من الشقاء، وأنها لا بد قد رمت ~~بوقيعتها ونميمتها إلى غرض خاص. ثم أراد أن يتحقق ذلك فقال: «هل السيدة وردة هذه من ~~القاهرة؟» # فقالت: «إنها تقيم بالإسكندرية منذ سنين، ولكنها تعرف كثيرا من العائلات في القاهرة، ~~ولها أملاك هناك ورثتها عن المرحوم زوجها هي وابنتها الوحيدة.» قالت ذلك وتنهدت، فرجح حبيب ~~أن وردة سعت في ms066 إفساد علاقة سليم بسلمى، لكي تزوجه بابنتها، وقال لوالدته: «هل ابنتها هذه ~~متزوجة أم لم تبلغ سن الزواج بعد؟» # فعادت والدة سليم إلى التنهد، وقالت: «هي شابة في غاية الجمال والكمال، وقد خطبها كثيرون ~~من أبناء العائلات الكبيرة الغنية، لكن والدتها كانت عند حسن ظني بصداقتها وإخلاصها لنا فلم ~~تقبل أحدا منهم.» # فتحقق حبيب صدق ظنه ولكنه تجاهل، وقال: «ولماذا لم تقبل زواج ابنتها من أولئك الشبان ~~الأغنياء أبناء العائلات الكبيرة، وما علاقة هذا بصداقتها وإخلاصها لكم؟» # فقالت: «لا أخفي عليك أنها كانت قد تفضلت ووعدتني بقبول سليم زوجا لابنتها، وأنت تعلم أن ~~سليما ليس له إيراد إلا ما يأتيه من عمله في المحاماة، وهو ما زال مبتدئا فيها، فزواجه من ~~إميلي ابنة السيدة وردة يجعله صاحب التصرف في ثروتهما الكبيرة فيريحه هذا من عناء الاهتمام ~~بأمر المعيشة ويصبح من الوجهاء. وقد كنت معتزمة مخاطبته في هذا الأمر بعد أن تحققت محبة ~~الفتاة ووالدتها له، ولكنه فاجأنا بأمر تعلقه بتلك الفتاة الأخرى التي وقع في حبائلها. ~~وكتبت إليه محذرة منذرة لكي يقطع صلته بها مبينة له ما علمته عن سيرتها السيئة ودناءة ~~أصلها، لكنه وا أسفاه! لم يستمع لنصحي وتحذيري، ونسي جهادي في سبيل تربيته وإخلاصي في السعي ~~لإسعاده، وقد آليت على نفسي ألا أرضى عنه ما لم يرجع إلى رشده ويترك تلك الفتاة، ويقترن ~~بإميلي التي لن يظفر بزوجة في مثل جمالها وعراقة أصلها وغناها، فضلا عن اتفاقي مع والدتها ~~على ذلك ورفضها عشرات الخطاب الآخرين مراعاة لهذا الاتفاق.» # فقال حبيب: «أرجو أن تصغي جيدا لما سأقوله يا سيدتي، وأن تحكمي عقلك لا عاطفتك؛ فالأمر ~~جد خطير كما سأبين لك.» # فدققت النظر إليه مندهشة، وقالت: «إني مصغية إليك يا ولدي، فقل ما تريد.» # قال: «إنك ارتبطت مع صديقتك السيدة وردة في شأن خطبة ابنتها لسليم دون أن يعلم بشيء من ~~ذلك. وكما أنك تستنكفين ألا تتم هذه الخطبة، لا شك في أنه يستنكف ألا يفي بوعده للفتاة التي ~~أحبها، ms067 ولا سيما أنه ارتبط بوعده لها وهو لا يعلم شيئا مما اتفقت عليه في شأن الفتاة ~~الأخرى.» # فقالت: «لقد كتبت إليه بما علمته من أمر الفتاة التي وقع في شراكها، وكان عليه أن يستمع ~~لمشورتي؛ لأني أمه ولا يمكن أن أشير عليه إلا بما فيه خيره وسعادته.» # قال: «لا أريد أن أقول إنك كتبت إليه بعد أن تمكن الحب من قلبه وصار من الصعب عليه أن ~~يتخلص من ذلك الحب. ولكني أقول إن صديقتك السيدة وردة لم تكن خالية من الغرض حين أوغرت قلبك ~~على الفتاة التي أحبها سليم، فمن مصلحتها طبعا ألا يستمر هذا الحب لكي يتم ما اتفقتما عليه ~~من زواج سليم بابنتها.» # قالت: «إن إميلي جميلة مثقفة غنية وأمامها عشرات الخطاب كما ذكرت لك، وهم جميعا أغنى ~~وأحسن مركزا من سليم. فلو أن صديقتي السيدة وردة كانت لا تبغي سوى مصلحتها ومصلحة ابنتها، ~~لانتهزت الفرصة وزوجتها من أحد أولئك الخطاب الوجهاء الأغنياء، ولكنها في الواقع حرصت ~~على مصلحة سليم، وتعبت كثيرا في سبيل إنقاذه من تورطه في حب فتاة القاهرة، وهي التي تولت ~~إرسال الخطابات إليه باسمي في ذلك الشأن لأني لا أعرف الكتابة. وأسأل الله أن يجزيها عنا ~~خير الجزاء فهي حقا مثال المروءة والوفاء.» ~~••• # كانت الخادمة قد جاءت بالقهوة وقدمتها لحبيب، فشربها ثم قال لوالدة سليم: «اسمعي يا ~~سيدتي، إني مثلك لا أريد إلا ما فيه الخير والسعادة لسليم، وما جئت من القاهرة اليوم إلا ~~لأبحث معك هذا الأمر. وأنا أؤكد لك أن كل ما سمعته عن الفتاة التي أحبها في القاهرة وسوء ~~سيرتها ووضاعة أصلها ليس له من الصحة أدنى نصيب، وإنما هو محض كذب وافتراء، فهي من أطهر ~~الفتيات وأطيبهن عنصرا، ولم يحبها سليم إلا لما لمسه فيها من الخلال الحميدة. وسأطلعك الآن ~~على سر وقعت عليه مصادفة دون علم سليم، وفيه ما يكفي دليلا على شرف تلك الفتاة وعزة نفسها ~~ونبل أخلاقها.» # فقالت: «ما هو هذا السر؟» # قال: «إن سليما لم يطلعها ms068 على الخطابات التي أرسلتها إليه في شأنها، أو أرسلتها إليه ~~السيدة وردة باسمك. ولكنها وقع في يدها اتفاقا أحد تلك الخطابات، فعلمت أنك غير راضية ~~عنها، وأنك لن ترضي عنه إن استمر في علاقته بها، فهل تعلمين ماذا صنعت بعد ذلك؟» # قالت: «لا أعلم طبعا، فماذا صنعت؟» # قال: «كتبت إليه مؤكدة له أنها رغم شدة حبها إياه، لا يسعها قط أن تكون سببا لوقوع ~~الجفاء بينه وبين والدته، ولا سيما بعدما علمت منه بما عانيت في سبيل تربيته؛ ولذلك أحلته ~~من جميع العهود والوعود التي ارتبطا بها، لتتيح له النزول عند رغبتك.» # فعجبت والدة سليم من ذلك الأمر وكادت ألا تصدقه، فقالت له: «أحق ما تقول يا حبيب؟» # فقال: «أقسم لك يا سيدتي أني لم أقل لك إلا الحق، فتصوري الآن كيف ضحت الفتاة بسعادة ~~قلبها في سبيل إعادة المياه إلى مجاريها بينك وبين سليم، ثم قارني بين تضحيتها ونبلها وعزة ~~نفسها، وبين تهافت السيدة وردة على تزويج ابنتها من سليم، رغم ما تزعمه من كثرة خطابها ~~وأنهم جميعا من الوجهاء الأغنياء، ورغم علمها بأنه يحب فتاة أخرى غير ابنتها.» # فسكتت والدة سليم قليلا ريثما أدارت الأمر في ذهنها، وقرأ حبيب في وجهها أمارات التردد، ~~ثم قالت له: «ألا يجوز أن تكون الفتاة قد كتبت إليه ذلك الخطاب إمعانا في المكر والخداع، ~~لتبرهن له على شدة إخلاصها في محبته ورغبتها فيما يسعده ويرضيه؛ كي يزداد تعلقا وهياما ~~بها؟ لقد سمعت أنها بارعة في الحيلة والدهاء!» # فقال: «ما هذا الذي تقولين يا سيدتي؟ إن المكر والدهاء والاحتيال وما إلى هذه الصفات لا ~~يمكن إلصاقها بفتاة نقية طاهرة كهذه، ضحت بسعادتها ومستقبلها حتى لا تفرق بين حبيبها ~~ووالدته. وإنما الأولى بهذه الصفات من تطلق لسانها بغير الحق وتنهش أعراض الناس بالباطل، ~~لكي تحقق أطماعها الخاصة.» # فتنهدت وأطرقت قليلا، ثم رفعت رأسها ومسحت بمنديلها دمعة ترقرقت في عينيها، وقالت: ~~«إنني حائرة يا ولدي، وقد زدتني حيرة بما سمعته منك الآن. والحق أني كنت ms069 قد يئست من إقناع ~~سليم بترك الفتاة التي أحبها. وخاطبت السيدة وردة في ذلك حين جاءتني اليوم، فأشارت علي ~~بإرسال خطاب آخر إلى سليم تدعوه فيه إلى الحضور إلى هنا في أقرب وقت، لعلنا نستطيع إقناعه ~~بالحديث معه وجها لوجه. وقد انصرفت على أن تتولى كتابة هذا الخطاب وإرساله إلى سليم ~~بالنيابة عني كعادتها، وأحسب أنها أتمت هذه المهمة عقب خروجها.» # فقال: «فلتكتب إليه ما شاءت، فهو لن يحضر الآن.» # فدهشت وسألته: «ولماذا لا يحضر؟» # قال: «لأنه لا يستطيع ذلك بسببك يا سيدتي.» # فازدادت دهشتها وقالت: «بسببي أنا؟ لعله لا يريد أن يراني حتى لا يغضب حبيبته؟!» # فقال: «كلا يا سيدتي، إن لقاءك أعز أمنية له ولا شك، ثم هو لم يقابل الفتاة منذ تلقى ~~خطابها الأخير، ولو أنه كان لا يعنيه رضاك، ما أتعب نفسه في محاولته إقناعك بوجهة نظره ~~وببطلان التهم التي وجهتها إلى الفتاة، وقد كان في استطاعته أن يعقد خطبتها رسميا قبل ~~ذاك.» # قالت: «إذن لعله مشغول ببعض القضايا التي لا يمكن تأجيلها؟» # فهز حبيب رأسه أسفا وقال: «ليس هذا أيضا ما يمنعه من الحضور، ولكنه ...» وسكت دون أن يتم ~~عبارته. # فأجفلت وتجلى القلق في وجهها وقالت: «لعله مريض؟» # فقال: «نعم يا سيدتي هو الآن طريح الفراش، ولكن ليطمئن قلبك فلا خطر عليه، وهو عندنا ~~بمنزلنا في حلوان، ووالدتي وشقيقتي تتعهدانه بكل رعاية وعناية.» # فلم تتمالك من النهوض من مقعدها ودقت صدرها بيدها فزعا وجزعا وقالت باكية: «سليم ولدي ~~مريض؟ وا حسرتاه!» # فنهض حبيب، وأمسك بذراعيها داعيا إياها إلى الجلوس قائلا: «لا داعي للجزع يا سيدتي، فهو ~~لا يشكو سوى حمى خفيفة أصابته بسبب كدره وحيرته بينك وبين خطيبته. وقد أفاده الدواء الذي ~~وصفه له الطبيب ولا يلبث أياما حتى يسترد عافيته كاملة.» # فجلست إجابة لطلب حبيب، ولكنها لم تنقطع عن البكاء والنحيب وهي تردد قولها: «سليم مريض؟ ~~آه يا ولدي العزيز!» # وأخيرا نهضت فجأة وهي تقول: «هلم بنا إلى القاهرة، لا تؤاخذني يا عزيزي حبيب ms070 فأنت بمنزلة ~~ولدي ، ولا بد لي من السفر.» # وسكتت هنيهة مفكرة ثم قالت: «لقد ذهب فؤاد وقرينته للغداء عند أسرتها. ولا شك في أنه ~~سيتأثر كثيرا حين يعلم بحضورك وسفرك دون مقابلته، ولكن يكفي أن تترك له ورقة تنبئه فيها ~~بحالة سليم وبأننا عجلنا بالسفر للاطمئنان على صحته.» # فقال حبيب: «إنني سعيد جدا باعتزامك السفر معي لرؤية سليم؛ لأن هذا سيعجل شفاءه ويرد ~~إليه مرحه وسعادته. وسنستقل قطار الليل إلى القاهرة بإذن الله. وإلى أن يحين موعد السفر ~~أكون قد أنجزت بعض المهام في المدينة وعدت إلى هنا لمقابلة أخي فؤاد ثم اصطحابك إلى ~~القاهرة.» # ثم نهض وقبل يدها مكررا تأكيده أن صحة سليم لا تدعو إلى أي قلق، وخرج مشيعا بدعواتها ~~الطيبات. # ولما عاد بعد حوالي ساعتين كان فؤاد قد عاد إلى المنزل فتعانقا وتبادلا التحيات. ثم جلسا ~~يتحدثان في شأن سليم وغير ذلك حتى حان موعد العشاء، فتناولوه جميعا، ثم أعدت والدة سليم ~~حقائبها للسفر مع حبيب، واستقلا عربة من المنزل حتى المحطة مودعين من فؤاد وقرينته ووردة ~~بأطيب التمنيات. # وعلم حبيب من والدة سليم وهما في القطار أن وردة أظهرت جزعا شديدا حين أنبأتها بمرض ~~سليم واعتزامها السفر إلى القاهرة لرؤيته والاطمئنان عليه. وطلبت إليها أن تخفي نبأ مرضه ~~على ابنتها إميلي زاعمة أنها ربما تموت حزنا وغما إذا علمت بذلك. # | من سليم إلى سلمى # بقيت سلمى معتكفة في فراشها وهي تغالب تأثرها الشديد، وتفكر فيما يكون من أمر سليم بعد ~~أن يطلع على خطابها. وقد اشتد ندمها على كتابتها هذا الخطاب، وشعرت بأنها أخطأت في حق ~~سليم، وكان عليها أن تتأنى ولا تنساق مع عواطفها المهتاجة فتقضي بجرة قلم على علاقتها بعد ~~أن توطدت وارتبط قلباهما. # وكانت تتوقع أن يأتي سليم لمقابلتها على أثر اطلاعه على خطابها، فبقيت حتى عصر ذلك اليوم ~~وهي كلما سمعت طرقا على باب المنزل حسبت أنه هو القادم، فيشتد خفقان قلبها وتضطرب أعصابها. ~~فإذا تبينت أن القادم غيره عاودها اليأس ولاح ms071 لها أنها فقدت حبيبها إلى الأبد، فيزداد جزعها ~~وندمها على كتابة ذلك الخطاب إليه. # ولم تكن تستطيع أن تفرج عن نفسها بالبكاء؛ لأن أبويها كانا يلازمان غرفتها، ولا ~~يتركانها إلا فترات يسيرة لمقابلة زائر أو إنجاز عمل في المنزل. كما أن سعيدة الخادمة ~~الماكرة العجوز حرصت على أن تبقى قابعة بالقرب من سريرها، متظاهرة بشدة جزعها وتفانيها في ~~خدمتها وتلبية مطالبها. # وكان أبواها يتوقعان أيضا أن يجيء سليم كعادته عند الأصيل، فلما ولى النهار دون أن ~~يجيء، قلقا عليه، لكنهما لم يذكرا ذلك لسلمى مخافة أن يزيد هذا في توعكها وضعفها، وهما لا ~~يعلمان شيئا من أمر خطابها إليه وخطاب والدته الذي وقع في يدها. كما أنهم جميعا لم يعلموا ~~بأمر مرضه وملازمته الفراش؛ لأن حبيبا حين زارهم عصر ذلك اليوم لم يشأ أن يخبرهم بذلك، لما ~~علمه من أمر مرض سلمى، وخشيته أن يزيدهم قلقا وانشغالا، فخرج من هناك مكتفيا بأن تمنى ~~لسلمى عاجل الشفاء، ومضى إلى منزله في حلوان حيث أنبأ أمه بمرض سليم واتفقا على نقله إلى ~~منزلهم للعناية به. # وأمضت سلمى ليلتها وهي على تلك الحال من القلق والاضطراب، ولم تنم إلا فترات متقطعة ~~تخللتها الأحلام المزعجة. وأصبحت وهي أسوأ حالا منها بالأمس. فدعا والدها الطبيب لفحصها، ~~وداخلهما بعض الاطمئنان حين قرر أن مرضها يسير لا يلبث أن يزول بالراحة والاستجمام، ووصف ~~لها دواء يعاون على التعجيل بالشفاء. # على أنها في الواقع لم تكن في حاجة إلا لما يعيد إلى قلبها ما فقده من الأمل والسعادة ~~بتبادل الحب مع سليم. فلم يجدها تناول الدواء نفعا، وبقيت تتقلب في فراشها حائرة ~~مضطربة ولا تجد شهية للطعام أو الشراب، إلى أن حان وقت الأصيل، فعاودها الأمل في أن يجيء ~~سليم كعادته، واضطجعت في سريرها متشاغلة بمطالعة أحد الكتب، وهي ترهف السمع لعلها تسمع ~~صوته أو وقع خطاه حين وصوله. # وأخيرا، سمعت طرقا على باب المنزل، فاشتدت دقات قلبها، ولم تتمالك نفسها فألقت ~~بالكتاب على الوسادة بجانبها، ولبثت ترتقب ms072 معرفة الطارق بعد أن خرجت والدتها بنفسها لفتح ~~الباب. # وكانت أدما هي التي طرقت الباب، وقد جاءت لحاجة في نفسها تتعلق بحبيب، وهي لا تدري شيئا ~~عن مرض سلمى. فلما علمت بذلك من والدتها، بدا عليها الوجوم والاضطراب، وسارعت إلى الدخول ~~عليها في غرفتها متعثرة الخطا. وما كادت سلمى تراها حتى تذكرت ما بها من المرض والضعف بسبب ~~الحب ومتاعبه فلم تتمالك عواطفها وأجهشت بالبكاء. فهمت بها أدما وقبلتها، وجلست بجانبها على ~~السرير، محاولة مواساتها والترفيه عنها، ولكن لسانها لم يكن يقوى على الكلام لشدة ما هي ~~فيه من الارتباك. # وكانت سلمى تحب أدما وتأنس إلى حديثها وتثق بإخلاصها لها، فحدثتها نفسها أن تخلو إليها ~~وتكشف لها عن سبب مرضها وضعفها. ولكنها عادت فآثرت الكتمان، واكتفت بأن نظرت إليها وتنهدت ~~متحسرة على أنها ليست مثلها خالية القلب من الحب وما يجر إليه من تعب وشقاء. ولم تكن تدري ~~بالحب المتبادل بين أدما وحبيب، ثم قالت لها: «هنيئا لك يا أدما، إني أغبطك على ما أنت ~~فيه!» # فوقعت هذه العبارة وقوع السهم على قلب أدما، إذ تذكرت السبب الذي جاءت من أجله، ولاح لها ~~أن سلمى عالمة بأمر علاقتها بحبيب، وأنها تغبطها على ذلك، ثم همت بأن ترد عليها في صراحة، ~~لكنها خجلت من ذلك فتجاهلت وقالت: «على أي شيء تهنئينني يا عزيزتي؟! إن حالتي لأحق ~~بالتعزية.» # فهمت سلمى بأن تصرح لها بأنها تهنئها على خلو قلبها من شواغل الحب، ولكن الحياء أمسكها، ~~فبدا عليها التردد، ثم قالت وفي صوتها ما ينم عن أنها لا تقول ما تعتقد: «إنما أردت تهنئتك ~~على ما أنت فيه من صحة وعافية.» # فتحققت أدما صدق ظنها، وأن سلمى على علم بما بينها وبين حبيب من الحب، ولا تريد أن تظهر ~~ذلك. # ومضت فترة وهما صامتتان، وكل منهما مشغولة بالتفكير في شأنها الخاص. ثم مضت أدما مستأذنة ~~في الانصراف وودعت سلمى متمنية لها عاجل الشفاء، ثم عادت إلى منزلها وقلبها يحدثها بأنها ~~ستجد حبيبا هناك. لكنها ms073 لم تجد في المنزل أحدا غير والدتها، فأظلمت الدنيا في عينيها، ~~وأمضت بقية يومها في قلق وارتباك ما عليهما من مزيد. ~~••• # كانت أدما بعد العودة من رحلة الأهرام تتوقع أن يجيء حبيب لمقابلتها في اليوم التالي؛ ~~ليستأنفا ما بدآه هناك من حديث الحب وما إليه. # ولبثت تنتظر مجيئه منذ ظهر ذلك اليوم وهي لا تكاد تحول نظرها عن ساعة الحائط الكبيرة، ~~تعد الدقائق الباقية على موعد انصرافه من الديوان إلى منزلها، وتكاد لفرط شوقها إلى لقائه ~~تهم بعقارب الساعة فتقدمها عمدا لتقرب موعد اللقاء. # وبقيت حتى الساعة الثانية بعد الظهر وهي تارة تعود بذاكرتها إلى مناجاتهما بالأمس بجوار ~~أبي الهول، وتارة تتخيله قادما إليها وهو يبتسم فلا يسعها إلا أن تقابل ابتسامته بمثلها، ~~ثم تدرك أنه لم يأت بعد، فتأخذ في إعداد العبارات المنمقة لتعبر له بها عن شعورها نحوه متى ~~جاء. كل هذا ووالدتها مشغولة عنها ببعض شئون المنزل، ولا علم لها بما يعتمل في صدرها من ~~عوامل الوجد والهيام. # وازداد قلق أدما، ونفد صبرها منذ أخذت الدقائق تمضي بعد ذلك دون أن يحضر حبيب. ولم تعد ~~تستطيع الاستقرار في مكانها، فأخذت تنتقل من غرفة إلى غرفة، ومن شرفة إلى شرفة، وعيناها ~~شائعتان تحملقان في أشباح الغادين والرائحين في الطريق إلى المنزل، وكلما لمحت شخصا في مثل ~~قامة حبيب، أو يرتدي بذلة قريبة اللون من بذلته، تسارعت دقات قلبها، ثم لا تلبث قليلا حتى ~~تتبين أن القادم ليس هو، فتصعد الزفرات، وتعود إلى غرفتها متخاذلة، لتعاود الوقوف أمام ~~المرآة، لتتحقق أن عينه لن تقع على شيء فيها لا يرضيه، وفي بعض الأحيان كانت تصادف والدتها ~~في إحدى تلك الغرف، فلا يسعها إلا التظاهر أمامها بأنها تبحث عن ورقة أو كتاب، لتخفي عليها ~~ما يشغلها ويقلقها. # ومضت ساعتان، كأنهما لطولهما سنتان، وأدما على هذه الحال، وكلما عادت إلى الساعة، حاسبة ~~أن عقاربها أتمت دورة كاملة منذ رأتها لآخر مرة، وجدت أنها لم تقطع سوى دقائق ~~معدودات. # وأخيرا، وفيما هي مطلة ms074 من إحدى النوافذ ، إذا بها ترى حبيبا مقبلا نحو المنزل، فخفق ~~قلبها، وارتعشت ركبتاها، وبردت أطرافها. ثم أبرقت أسرتها، وهان عليها أن تلقي بنفسها من ~~النافذة بين يديه في الطريق، ولا سيما حين رأته يختلس النظر إلى شرفة غرفتها. ثم همت بأن ~~تمضي إلى تلك الشرفة لتطل عليه منها، لكنها فوجئت بأن رأته وقد انعطف فجأة عن الطريق المؤدي ~~إلى المنزل، ثم اتخذ سبيله في العطفة المجاورة التي بها منزل سلمى؛ فأخذتها الدهشة ولم تصدق ~~عينيها أول الأمر، ثم حسبت أنه ضل الطريق ولا يلبث أن يرجع. فلما طال انتظارها دون أن تراه ~~راجعا، تحولت عن النافذة وساقاها لا تكادان تقويان على حملها، وأخذت الهواجس تتقاذفها، ولم ~~تملك عواطفها فارتمت على أول مقعد صادفها واعتمدت رأسها بيديها آخذة في البكاء. # وبعد قليل، سمعت وقع أقدام بالقرب منها فانتبهت لنفسها، وأدركت أن أمها على قيد خطوات ~~منها، فمسحت عينيها ونهضت متجلدة حتى لا تلحظ عليها أمها شيئا. على أن فكرها ما زال ~~مشغولا بحبيب وسبب توجهه إلى منزل سلمى. # ولاح لها أن تلحق به إلى هناك كي تقف على ذلك السبب، غير أنها لم تجرؤ على ذلك، واكتفت ~~بأن تسللت من المنزل إلى المنزل الملاصق له، وتظاهرت بالسؤال عن صديقة لها من الساكنات فيه، ~~في حين أنها كانت تقصد أن تطل على منزل سلمى من نافذة هناك. # وما كادت تطل من هذه النافذة حتى وقعت عيناها على حبيب خارجا من منزل سلمى، فخفق قلبها ~~بشدة، ورجح لديها أنه دخل هناك عن غير قصد ثم انتبه لنفسه فعاد أدراجه إلى منزلها. وسرعان ~~ما تحولت عن نافذة منزل الجيران وعادت إلى منزلها حيث وقفت تطل على الشارع من شرفة غرفتها ~~في انتظار وصول حبيب. # وكانت دهشتها أشد حين رأته يخرج من العطفة التي بها منزل سلمى، ثم يلقي على منزلها هي ~~نظرة خاطفة، وينثني عائدا إلى المدينة دون أن يعرج عليه، وهمت بأن تناديه ولكن الحياء ~~غلب عليها فأمسكت، وبقيت واقفة تنظر إليه ms075 من الشرفة حتى توارى عن نظرها، فأحست كأن قطعة ~~من قلبها فصلت منه بسكين، وازداد اضطرابها وامتقاع لونها، ثم تحاملت على نفسها متحولة عن ~~النافذة إلى سريرها حيث ارتمت عليه متظاهرة بحاجتها إلى الراحة، وبقيت ملازمة سريرها ~~والهواجس تتقاذفها. وهي تارة يعاودها الأمل في رجوع حبيب لمقابلتها بعد أن ينتهي من إنجاز ~~المهام العاجلة التي شغلته عنها، وتارة يداخلها اليأس فترجح أنه لن يرجع، وأن ما صرح به أمس ~~من مبادلتها الحب والإخلاص لم يكن إلا مجاراة لها. وهنا يأخذها الندم على تصريحها له بأنها ~~التي أرسلت إليه ذلك الخطاب، بل تلوم نفسها كل اللوم على كتابته، وتعد ذلك عملا من أعمال ~~النزق والطيش لم يكن يليق بمثلها أن تقوم به. # وعند العشاء، سمعت وقع أقدام على سلم المنزل، فاختلج قلبها، وقفزت من سريرها لتفتح باب ~~غرفتها وتستقبل القادم الذي رجحت أنه حبيب. ولكنها ما لبثت أن سمعت صوت القادم فإذا هو ~~أبوها، فعاودت الانقباض، وعبثا حاولت التجلد حتى لا يلحظ أبواها انقباضها وكدرها، فجلست ~~معهما على مائدة العشاء دون أن تستطيع تناول شيء من الطعام، ولبثت بعد ذلك ساعة تتظاهر ~~بالاستماع لحديثهما، وفكرها مشغول بما هي فيه. ثم فقدت كل أمل في مجيء حبيب، فنهضت وأوت إلى ~~فراشها، وباتت ليلتها تتقلب فيه على مثل الجمر، وتتقاذفها عوامل اليأس والرجاء، والشك ~~واليقين، إلى أن اقترب الفجر وكان ذهنها قد كل وتعب فأدركتها سنة من النوم، تخللتها ~~أحلام مختلفة متقطعة، بعضها مفرح لأنه يعيد إليها موقف حبيب معها في منطقة الأهرام وهما ~~يتناجيان بعبارات الحب، وبعضها محزن مزعج لأنه يعيد إليها صورته وهو يمر بمنزلها في طريقه ~~إلى منزل سلمى وعودته منه دون أن يعرج لمقابلتها. # وأصبحت متعبة مكدودة، فلم تبرح فراشها، زاعمة لوالديها أنها تشعر بصداع شديد. ثم ضاقت ~~بملازمتهما غرفتها للاطمئنان على صحتها، فتحاملت على نفسها ونهضت فجلست على مقعد في الشرفة ~~متشاغلة بالتطريز تارة وبالمطالعة في بعض الكتب تارة أخرى. # ولما حان موعد الغداء، تناولت مع والديها قليلا ms076 من الطعام، ولبثت ساعة تترقب أن يجيء ~~حبيب عقب انصرافه من الديوان. فلما لم يجئ، نهضت وارتدت ثوب الخروج، ثم خرجت بعد أن استأذنت ~~والدتها لكي تزور صديقتها سلمى. وهي إنما أرادت بهذه الزيارة أن تبحث ما دعا إلى توجه حبيب ~~إلى هناك بالأمس. ورغم وثوقها بأن سلمى مخطوبة لسليم كان الشك يساورها في وجود علاقة بينها ~~وبين حبيب. ولكنها كانت تستبعد ذلك، وتحاول طرد هذه الوساوس من ذهنها، إلى أن وصلت إلى منزل ~~سلمى ثم قابلتها بعد أن علمت من والدتها بأنها مريضة ملازمة فراشها، فقويت شكوكها ولا سيما ~~بعد أن لاحظت أن سلمى تحاول أن تخفي عليها شيئا تضمره في قلبها. وعادت إلى منزلها وقد ~~ازدادت ضعفا على ضعف، وما كادت تصل إلى غرفتها حتى ارتدت ملابس النوم وارتمت على سريرها ~~حيث أخفت وجهها بالغطاء، وأطلقت لدموعها العنان، لعلها تفرج بعض ما تعانيه من الغم واليأس ~~وضيعة الآمال. # وفي الصباح التالي، لاحظت والدتها انقباض وجهها وضعفها. فأشارت عليها بأن تخرج معها ~~للتنزه قليلا في إحدى الضواحي، فوافقت على ذلك. وخرجتا معا من المنزل، وما زالتا تتمشيان ~~حتى وصلتا إلى محطة السكة الحديدية، فوقفتا هناك قليلا وهما تتأملان جموع القادمين إلى ~~القاهرة والمسافرين منها، وفيما هما كذلك، لمحت أدما حبيبا داخلا إلى المحطة مسرعا، فخفق ~~قلبها لهذه المفاجأة، وتوقعت أن يراهما فيعرج عليهما، ولكنه انطلق في سبيله لا يلوي على ~~شيء. # وكانت والدتها قد رأته هي الأخرى، فقالت: «ترى ما الذي جاء بحبيب إلى المحطة في هذا ~~الصباح؟ لعله جاء لاستقبال صديق له قادم من الإسكندرية!» # فسكتت أدما ولم تجب لانشغال بالها بأمر حبيب، على أنها ظلت تنتظر مع والدتها حتى يخرج من ~~المحطة وتقف منه على سبب مجيئه، وعلى ما أخره عن مقابلتها منذ رحلة الأهرام حتى ذلك الوقت. ~~فطال انتظارهما حتى غادر القطار المحطة قاصدا الإسكندرية، وخرج منها جميع من كانوا في ~~تشييع المسافرين فيه وليس فيهم حبيبا، فأيقنتا بأنه سافر فيه، وشغلهما أمر هذا السفر الذي ms077 ~~لا تعلمان سببه . وكانت أدما أكثر قلقا بطبيعة الحال، لما في قلبها من الشواغل التي لا تعلم ~~بها والدتها. فلم تعد تستطيع المشي ولا الوقوف، وجاهدت لإخفاء ما بها على والدتها متظاهرة ~~بأن الصداع الشديد عاودها، ثم عادتا إلى المنزل في إحدى مركبات الأجرة، فتناولت أدما بعض ~~الأدوية المسكنة، وأوت إلى سريرها للراحة والاستجمام، وهناك انتهزت فرصة انفرادها واشتغال ~~والدتها عنها ببعض شئون المنزل، وأخذت في البكاء. ~~••• # لبث سليم حتى العصر وهو ينتظر رجوع حبيب من القاهرة إلى منزله الذي نقله إليه في حلوان. ~~فلما لم يرجع حبيب حتى ذلك الوقت، نفد صبره ولم يعد يستطيع البقاء في ذلك المنزل لحظة ~~واحدة. ولم تكن الحمى قد فارقته بعد، ولكنه رغم ذلك نهض وارتدى بذلته معتزما ~~الخروج. # وجاءت والدة حبيب إلى غرفة سليم لتطمئن عليه وهي تحسب أنه ما زال نائما كما تركته منذ ~~حين، فلما رأته مرتديا بذلته أخذتها الدهشة ووقفت تنظر إليه متسائلة، فقال لها: «لقد رأيت ~~أن أخرج للتنزه قليلا في حديقة حلوان.» # فهمت بأن ترد عليه مشيرة بالانتظار حتى يرجع حبيب من القاهرة ويصحبه إلى الحديقة، ~~لكنها خشيت أن تذكره بغياب حبيب فيزداد تأثره، وآثرت أن تتركه يمضي وحده للترويح عن نفسه ~~بعض الوقت في الحديقة. حتى إذا رجع منها استسلم للنوم بعد تناول طعام العشاء، ولا يستيقظ ~~حتى يكون حبيب قد عاد من الإسكندرية ومعه والدة سليم، أو يعتذر إليه بما يراه. # وغادر سليم المنزل آخذا طريقه إلى الحديقة، وفيما هو يمر بمحطة السكة الحديدية هناك، رأى ~~القطار قادما إليها من القاهرة، فوقف ينتظر هبوط الركاب منه لعل حبيبا أن يكون بينهم. ~~فلما تحقق أنهم نزلوا جميعا وليس فيهم حبيب، اشتد سخطه عليه وغيرته منه على سلمى، ثم لاح ~~له أن يستقل هذا القطار عائدا إلى غرفته بالقاهرة حتى لا يجشم نفسه عناء مقابلة حبيب بعد ~~ما رابه من أمره. وكان القطار قد بدأ يتحرك فسارع إلى الركوب، وألقى بنفسه على أحد المقاعد ~~فيه، وهو يتنفس ms078 الصعداء كأنما أزيح عن صدره حمل ثقيل. # ولما وصل إلى غرفته، خلع بذلته وارتدى ثوب النوم، ثم تمدد في سريره، وقد أنهكه التعب ~~وآثار الحمى وارتيابه في علاقة سلمى بحبيب. # وعبثا حاول النوم ليريح جسمه وأعصابه، فبقي حينا يتقلب في سريره وكله قلق وحيرة ~~واضطراب، ثم لاح له أن يكتب إلى سلمى خطابا ينبئها فيه بما كشفه من غدرها ونفاقها، فنهض ~~وجلس إلى المنضدة التي إلى جوار السرير بعد أن أغلق باب الغرفة، وأخذ يكتب إليها ذلك الخطاب ~~قائلا فيه: # إلى الآنسة سلمى # أكتب إليك هذا الخطاب ولست أدري هل أستطيع الاستمرار في الكتابة حتى أتمه، أم ~~أنتقل من الدنيا إلى الآخرة قبل ذلك. فأنا أكتب الآن ونار الحمى تتقد في رأسي ~~وبدني، ورعشتها تهز القلم في يدي. ولكن هذا كله ليس شيئا يستحق الذكر بجانب ما ~~يعتمل في صدري وقلبي. # وقد حاولت أن أمسك عن الكتابة إليك، بعدما تحققته من أمرك، ولكني خشيت أن أقضي ~~نحبي قبل أن أطلعك على معرفتي بخبيئة نفسك، وبكل ما حسبت أنه سيخفى علي. # آه يا سلمى! وا أسفاه على الأيام التي قطعتها معتقدا طهر حبك وإخلاصك، حريصا ~~على أن أكذب ما أسمعه عنك برغم وضوح صحته، وقيام الأدلة والقرائن كلها ~~ضدك. # حتى والدتي يا سلمى، عققتها لأجلك، ولم أستمع لما كررته من النصح لي ~~بالابتعاد عنك، رغم إنذارها إياي بأنها لن ترضى عني أبدا ما دمت على صلة بك، ~~وبأنها ستموت حسرة وغما إن أبيت إلا التعلق بحبائل هواك. # وقد ساقت إلي الأقدار رجلا لم أعرفه ولم يعرفني من قبل، فسمعت منه اتفاقا قصة ~~علاقته السابقة بك، وكيف انخدع بما أظهرت له من الوفاء والإخلاص، ولم يدخر في سبيل ~~رضاك جهدا ولا مالا، ثم إذا به يستكشف مصادفة أنك عالقة القلب بسواه. وشد ما ~~أسفت وتحسرت حين كشف لي الرجل عن اسم غريمه ومنافسه فيك، فإذا هو صديق لي طالما ~~اعتقدت وفاءه وإخلاصه، وأنزلته من قلبي منزلة الأخ الشقيق، غير عالم بأنه مثلك ms079 ~~داهية في المكر والخداع والنفاق! # وأخيرا، وقعت في يدي بعد خطابك الأخير ورقة بخط يدك، تبثين فيها ذلك الصديق، بل ~~ذلك العدو، ما تكنين له من شدة الحنين والاشتياق. فكان أن انكشف الغطاء عن عيني، ~~وأدركت أن ما طالما سمعته منك، وما قرأته في خطابك الأخير، عن المحبة الطاهرة، ~~وتضحيتك في سبيلها، لم يكن سوى خداع وتضليل! # وا أسفاه على خيبة الرجاء فيك يا سلمى! إني مرسل إليك مع هذا بالورقة المشئومة ~~التي هي صك خيانتك ودليل خداعك ومكرك. تاركا لك أن تندبي المحبة الطاهرة التي ~~طالما استحلفتني بها، وأن تذكري العبرات التي ذرفتها عند الأهرام، والعبارات التي ~~نمقتها في خطابك الأخير لتظهري أمامي بمظهر الطهر والنبل والعفاف، ولتوهميني بأنك ~~ما زلت الوفية الحافظة للعهود والمواثيق. # وا أسفاه على شدة إخلاصي وصدق محبتي لك يا سلمى! لقد أسلمت زمام قلبي لمن لا ترعى ~~عهدا ولا ذماما! # ولكن هذا القلب لن يشقى ويتعذب بعد اليوم. فهذه هي الحمى تندلع نيرانها في ~~جسمي، وما أحسبها إلا قاضية عليه القضاء الأخير عما قليل. وحينئذ يخلو لك الجو، ~~ولا يبقى هناك ما يحملك على سكب العبرات وتنميق العبارات لتموهي بها على سليم ~~الساذج الغر الذي أخلص لك الحب، وعق في سبيلك والدته الحنون، وكذب عينيه وأذنيه ~~وقلبه ليبقى معتقدا أنك ملاك طاهر لا تعرفين المخاتلة والرياء. # آه يا سلمى! إن والدتي المسكينة لا علم لها بما أنا فيه الآن، ولا شك في أنها ~~ناقمة غاضبة لمخالفتي نصحها وإرشادها. لكني على يقين من أنها لن تلبث قليلا بعد ~~موتي حتى تلحق بي حسرة وحزنا. فإذا قدر لك أن تقابليها قبل ذاك فاستغفريها لذنبي ~~وذنبك. ووداعا يا سلمى! وداعا إلى الأبد، وإلى غير لقاء! # سليم # وطوى سليم الكتاب، ثم وضعه في ظرف، ونهض من مقعده وقد شعر بدوار شديد فعاد إلى الاستلقاء ~~في سريره، وأخذ يفكر في وسيلة يرسل بها الكتاب إلى سلمى. # ولبث مستلقيا كذلك حتى الغروب، ثم جاء الخادم فأضاء المصباح وسأله عما يريده ms080 من طعام ~~للعشاء ، ولم يكن سليم يشعر بشهية لتناول أي طعام، لكنه طلب قليلا من المرق، ثم تناوله وهو ~~ما زال شاعرا بدوار الحمى وحرارتها، وعاد إلى التمدد في سريره، والتفكير في أمره. # ولاح له أن متاعبه كلها لم تجئ إلا لوجوده غريبا وحيدا في القاهرة حيث خابت آماله في ~~الحب والصداقة ولم يلق في مهنته النجاح الذي كان يرجوه، فأخذ يناجي نفسه قائلا: «آه لو ~~أنني نجوت من هذه الحمى الطاغية القاتلة، إذن لسارعت من هذه البلدة الظالم أهلها، ونقلت ~~مكتبي إلى الإسكندرية، وهناك أجد القلب الذي لا يمكن أن يكن لي إلا المحبة والحنان، قلب ~~والدتي العزيزة!» # وفي منتصف الليل، زايلته الحمى، وشعر بأنه استرد بعض قواه، كما شعر بأن كتابته ذلك الخطاب ~~إلى سلمى قد أزاحت عن صدره جانبا كبيرا من ثقل حيرته وتردده، وما لبث بعد ذلك قليلا حتى ~~أخذه النعاس، فنام لأول مرة منذ مرضه نوما عميقا هادئا لا تتخلله الأحلام ~~المزعجة. # واستيقظ في الصباح وهو أحسن حالا، فارتدى بذلته، ووضع في جيبه الخطاب الذي كتبه إلى ~~سلمى، ثم هبط إلى الشارع وركب عربة مضى بها حتى بلغ أول العطفة المؤدية إلى منزل سلمى، فأمر ~~السائق بالوقوف هناك، وكلفه أن يصعد إلى المنزل ويسأل عن الخادمة العجوز سعيدة ويدعوها ~~إليه. # وبعد قليل جاءت سعيدة، فما كادت عيناها تقعان على سليم وهو جالس في العربة حتى خفت إلى ~~استقباله مرحبة، وقبلت يده متظاهرة بالبشر والحبور لرؤيته. فقال لها: «لي عندك رجاء ~~فهل أنت على استعداد لإجابته؟» # فقالت: «إنني خادمتك المطيعة يا سيدي، ورهن إشارتك في كل ما تطلب، ولو كلفني ذلك ~~حياتي.» # فربت كتفها شاكرا، وأخرج من جيبه خطابه إلى سلمى وناولها إياه قائلا: «كل ما أرجوه ~~منك هو أن توصلي هذا الخطاب إلى سلمى يدا بيد، دون أن يعلم بذلك أي أحد، وإذا سألك أحد من ~~أبويها عمن خرجت لمقابلته الآن، فلا تذكري أي شيء عني، فهل فهمت؟» # ثم نفحها ببعض النقود، فتمنعت عن أخذها ms081 مؤكدة أن رضاه عنها هو كل ما تتمناه، لكنه أصر على ~~أن تأخذ تلك النقود فأخذتها، وعاد هو في العربة من حيث أتى. فلما وصل إلى محطة السكة ~~الحديدية، تذكر ما فكر فيه أمس من السفر إلى الإسكندرية، وخشي أن تعاوده الحمى بعد الظهر ~~فتقعده عن تحقيق هذه الرغبة، فهبط من العربة ونقد سائقها أجره، ثم دخل المحطة فابتاع تذكرة ~~سفر إلى الإسكندرية، ثم اشترى بعض الصحف وجلس يتسلى بمطالعتها في القطار. # | قلبان يحترقان # كانت سعيدة منذ مرض سلمى تبالغ في التقرب إليها والتظاهر بالتفاني في خدمتها، وهي على ~~يقين من أن مرضها ليس إلا نتيجة لانقطاع سليم عن زيارتها. وكانت تتوقع أن تكاشفها سلمى ~~بأمرها بعد أن وثقت بها، وحينئذ تنتهز الفرصة لتحملها على إغفال شأن سليم وقطع علاقتها به ~~إلى الأبد، لتمهد بذلك لتحقيق رغبة سيدتها وردة في تزويجه بابنتها إميلي. # على أن سلمى رغم ثقتها بسعيدة واستئناسها بالتحدث معها بقيت حريصة على كتمان أمرها مع ~~سليم، ومضت الأيام وسعيدة لا تجد الفرصة للتحدث معها في شأنه. # فلما جاء سليم وأعطاها ذلك الخطاب لتسلمه لسلمى، خشيت أن يكون فيه ما يعيد العلاقة بين ~~الحبيبين إلى ما كانت عليه من الصفاء، ولا يبقى لها بعد ذلك سبيل إلى النجاح في مهمتها، ~~فلما عادت إلى المنزل، أبقت الخطاب معها دون أن تسلمه لسلمى. ثم غادرت المنزل بعد قليل، ~~وتوجهت مسرعة إلى منزل داود صديق سيدتها وردة لكي تطلعه على ذلك الخطاب وتستشيره فيما تصنع ~~به. # ولاحظت سعيدة على داود دلائل القلق والارتباك منذ وقعت عيناها عليه بعد وصولها إلى منزله، ~~وسألته في ذلك فقال لها: «نعم إني في قلق شديد، لأني تلقيت الآن خطابا من الإسكندرية ~~بوساطة البريد، فلما فضضته وجدته موجها إلى سليم من والدته، تدعوه فيه إلى موافاتها في ~~الإسكندرية في أقرب وقت مستطاع.» # فقالت سعيدة: «إن سيدتي وردة هي التي تكتب بخطها خطابات والدة سليم، فهل هذا الخطاب ليس ~~بخطها؟» # قال: «إنه بخطها من الداخل والخارج كالمعتاد، ms082 وهذا هو الذي يقلقني.» # فلم تفهم سعيدة مراده واستوضحته الأمر فقال لها: «إنني أخشى أن تكون سيدتك قد كتبت خطابين ~~في وقت واحد، أحدها لسليم باسم والدته وهو هذا الذي تلقيته الآن، والآخر لي لكنها أخطأت ~~أيضا ووضعته في الظرف الذي كتبت عليه عنوان سليم. ولعل فيه من الأسرار ما كان يجب ألا يعلم ~~به سليم.» # فقالت سعيدة له: «هذه ظنون ووساوس لا ينبغي الاسترسال فيها، ولن تمضي أيام معدودة حتى ~~يتضح الأمر ونقف على حل هذا اللغز. ومن يدري فلعل سيدتي أرسلت إليك صورة من الخطاب الذي ~~أرسلته إلى سليم باسم والدته لتكون على علم به. وعلى كل حال قد جئتك الآن بما هو أهم، فدع ~~تلك الظنون والأوهام جانبا؛ لكي تشير علي بما يجب أن أصنعه.» # ثم أخرجت الخطاب الذي تسلمته من سليم وقالت: «لقد جاء سليم منذ ساعة في عربة وقف بها قرب ~~منزل سلمى، ثم أرسل السائق يدعوني إليه وسلمني هذا الخطاب كي أسلمه لسلمى يدا بيد، وحذرني ~~أن أذكر عنه شيئا لأي أحد سواها. ثم انصرف في العربة التي جاء فيها وعلى وجهه آثار الضعف ~~والانقباض.» # فتناول داود الخطاب وفضه وأخذ في قراءته، وما أتمه حتى تنهد وتهلل وجهه فرحا وقال ~~لسعيدة: «لقد ساق إلينا الحظ بهذا الخطاب أكبر خدمة، ولا يكاد يصل إلى يد سلمى وتطلع على ما ~~فيه حتى يتحقق ما نرجوه من نجاح مهمتنا، ولا يبقى هناك أي أمل في عودة العلاقات الودية بين ~~سلمى وسليم.» ثم شرح داود لسعيدة ما تضمنه خطاب سليم، وأعاد الخطاب إليها بعد أن لصق ظرفه ~~كما كان، وأمرها أن تعجل بتسليمه إلى سلمى. ~~••• # كانت والدة سلمى قد لاحظت خروج سعيدة من المنزل، فلما وجدت أن غيبتها طالت أكثر من العادة ~~قلقت عليها، وما كادت تراها عائدة بعد ساعة حتى سألتها عن سبب خروجها وغيابها، فتنهدت سعيدة ~~وقالت لها: «إن المخدم أرسل يدعوني إليه، وأخذ يتهددني لأني التحقت بالخدمة في منزلكم دون ~~علمه، فذكرت له أني لا ms083 أعمل خادمة عندكم ، ولكنكم رثيتم لحالي وعطفتم على شيخوختي فآويتموني ~~في داركم وأوسعتموني برا وإحسانا. لكنه لم يصدقني وعاد يهددني بأنه يعرف كيف ينتقم مني. ~~فلم أعبأ بتهديده، وتركته يسب ويتوعد ورجعت إلى المنزل مسرعة لأكون في خدمة سيدتي سلمى ~~وخدمتكم جميعا.» # فصدقتها والدة سلمى وأعجبت بإخلاصها وحسن تخلصها من المخدم، وقالت لها: «هكذا كل ~~المخدمين، ولكن لا يهمك هذا الأمر.» # ثم سارعت سعيدة إلى غرفة سلمى، فوجدتها مضطجعة في سريرها وقد امتقع لون وجهها وذبل ~~جمالها، وعيناها مغرورقتان بالدموع. فأدركت أن هذا بسبب مقاطعة سليم لها وعدم رده على ~~خطابها الأخير إليه، لكنها تجاهلت وأخذت تعتذر من تخلفها عن خدمتها بعض الوقت وتسألها عن ~~صحتها فقالت سلمى: «أشعر بأني أسوأ حالا مما كنت، والحمد لله على كل حال.» # فتظاهرت سعيدة بالتأثر الشديد، ثم أخذت تجاذبها الحديث إلى أن قالت لها: «يلوح لي يا ~~سيدتي أن مرضك ليس كأمراض أكثر الناس.» وتنهدت. # فعجبت سلمى من هذه العبارة ونظرت إليها متسائلة، فقالت سعيدة: «لو أنه كان مرضا عاديا ~~لأفاد الدواء في علاجه، ولعله مرض نفساني سببه القلق واضطراب الفكر.» # فخفق قلب سلمى وكادت تبكي لانطباق هذا الوصف على حالتها، غير أنها أمسكت نفسها وقالت ~~متجاهلة: «إن الشفاء بيد الله يا خالتي، وما قلقي واضطراب فكري إلا بسبب مرضي.» # فمالت سعيدة عليها وربتت وجهها متلطفة وهمست في أذنها قائلة: «لست ألومك على تكتمك يا ~~بنيتي، فهكذا كل الفتيات المهذبات العاقلات. ولكنك لا تجهلين أننا معشر العجائز لنا من ~~خبرتنا وتجاربنا ما ليس لغيرنا. كما أنك تعلمين مدى محبتي لك ورغبتي في سعادتك، فلو أنك ~~كشفت لي سبب قلقك واضطرابك، فقد أستطيع أن أنفعك بمشورتي.» # فتنهدت سلمى، وهمت بأن تصرح بحقيقة أمرها لسعيدة، ثم غلب عليها حياؤها فأمسكت ~~وسكتت. # وانتهزت سعيدة هذه الفرصة فواصلت همسها قائلة: «إن ما يراه الفتيات شيئا خطيرا يدعو إلى ~~الحزن واليأس، قد يكون في كثير من الأحيان شيئا تافها لا يدعو إلى شيء من ذلك. وقد طالما ~~وقعنا ms084 في مثل ذلك في عهد الشباب، فكانت الدنيا لا تسع إحدانا لفرط فرحها وسرورها حين يصرح ~~لها أحد الشبان بأنه أحبها وعلق بها آماله في المستقبل، ثم تروح على هذا الأساس تبني ~~بخيالها قصورا عالية، وتكرس وقتها كله للتفكير في فتى أحلامها المختار الذي ساقته إليها ~~الأقدار، وما هي إلا أيام أو شهور ثم تنكشف لها الحقيقة، فإذا بها كانت ضحية للوهم والخيال، ~~وإذا بذلك المحب المدنف الولهان قد تخلى عنها لأتفه الأسباب، أو لأسباب مختلقة يلفقها لكي ~~يتخلص من عهوده معها ووعوده لها، ليعيد تمثيل الرواية مع فتاة أخرى.» # وكانت سلمى تصغي إلى كلام سعيدة إصغاء تاما، وتراه منطبقا كل الانطباق على علاقة سليم ~~بها. وبرغم ثقتها بإخلاص سعيدة وتعقلها، لم تستطع أن تتغلب على حيائها لتكاشفها بأمرها، ~~واكتفت بتصعيد الزفرات. # وفيما هما كذلك سمعتا طرقا على باب المنزل، فأجفلت سلمى إذ تذكرت زيارات سليم السابقة، ~~وإن كان أملها ضعيفا في أن يكون هو القادم. وخرجت سعيدة لترى من الطارق. ثم عادت بعد قليل ~~إلى سلمى وقالت لها: «لقد جاءت الآنسة أدما ومعها أبوها وأمها، وهم الآن مع سيدتي والدتك في ~~حجرة الاستقبال.» # ثم اقتربت منها وهمست في أذنها قائلة: «وهناك زائر آخر حسبته قدم معهم، ثم تبينت أنه جاء ~~وحده ولم يشأ الدخول بل اكتفى بأن أعطاني خطابا لأسلمه لك يدا بيد.» قالت ذلك وهي تخرج ~~خطاب سليم وتتلفت نحو باب الغرفة كأنها تحاذر أن يراها أحد. # فجف ريق سلمى في حلقها، وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من موضعه، وطفح العرق غزيرا من ~~جبينها، وتناولت الخطاب من سعيدة بيد مرتجفة، وقالت لها والدموع تنهمر من عينيها: «إنه من ~~سليم، أليس كذلك؟» قالت: «نعم.» # ثم تسللت سعيدة خارجة من الغرفة وأغلقت بابها من الخارج، فأدركت سلمى أنها صنعت ذلك لتتيح ~~لها قراءة الخطاب قبل أن تدخل عليها أدما وأمها لعيادتها. وازدادت إعجابا بذكائها وتقديرا ~~لإخلاصها، غير عالمة بما تدبره لها من المكايد في الخفاء. ~~••• # ما كادت سلمى تطلع على ms085 خطاب سليم حتى اشتد ضعفها واضطرابها، فبردت أطرافها وأخذتها الرجفة ~~حتى سقط الخطاب من يدها على الوسادة، وطارت الورقة الصغيرة الملحقة به ووقعت على الأرض، وهي ~~الورقة التي وجدها سليم بين صفحات الرواية في منزل حبيب بحلوان، وحسب أنها مرسلة إليه من ~~سلمى. # ولم تتمالك عواطفها المهتاجة فانفجرت باكية وأخذت تلطم وجهها قائلة: «وا فضيحتاه! وا ~~أسفاه! ويل للمحتالين الخادعين الملفقين!» # وكانت سعيدة واقفة بباب الغرفة من الخارج، فسارعت إلى فتحه ودخلت متظاهرة بالارتياع وهي ~~تقول: «ماذا بك يا سيدتي؟ لا بأس عليك!» # فانتبهت سلمى لنفسها، وارتمت على سريرها وهي تواصل التأوه والأنين، فقالت لها سعيدة: ~~«هدئي روعك يا سيدتي وخفضي من صوتك حتى لا يسمع في غرفة الاستقبال وفيها والدتك مع أدما ~~وأبويها.» # ولكن سلمى لم تستطع إمساك نفسها عن البكاء والعويل لفرط تأثرها، ثم أخذت الخطاب الملقى ~~على الوسادة ووضعته في الظرف دون أن تفطن إلى الورقة الأخرى التي سقطت على الأرض، وبعد أن ~~تأملته قليلا دسته تحت حشية السرير، ثم تلفتت نحو باب الغرفة فلما وجدته مغلقا، وسعيدة ~~واقفة بجانب السرير وعليها أمارات التأثر الشديد، استوت جالسة فيه، وأخذت تمسح دموعها وتعض ~~على نواجذها من الغيظ قائلة: «آه يا سليم! أهكذا آخرة الإخلاص والوفاء؟!» # فبادرت سعيدة بالانحناء عليها وأخذت تربت وجهها وكتفيها متظاهرة بأنها تغالب الدموع ~~وقالت: «هوني عليك يا سيدتي، إن صحتك في حاجة إلى الهدوء.» ثم جاءتها بكوبة ماء وطلبت إليها ~~أن تشرب قليلا، ففعلت واضطجعت في سريرها وهي تغالب عواطفها، فهمت بها سعيدة وقبلتها ~~قائلة: «إن من كانت في مثل عقلك ونضجك لا ينبغي لها أن تنساق مع تيار العواطف، وتقتل نفسها ~~كمدا وحزنا.» ثم جلست على حافة السرير عند قدمي سلمى، وواصلت مواساتها والترفيه عنها ~~محاولة خلال ذلك أن تحملها على اليأس من حب سليم، والاعتقاد بأن الشبان جميعا لا أمان ~~لهم ولا وفاء. # وفيما هما في ذلك طرق باب الغرفة، ففتحته سعيدة. ودخلت أدما وأمها لعيادة سلمى، وقد عجبا ~~لما لاحظاه عليها ms086 من النحول والذبول واصفرار الوجه كأنها مريضة منذ أعوام. فقبلتها كل ~~منهما، ثم جلستا على مقعدين بجانب سريرها، وأخذتا تجاذبانها أطراف الأحاديث عن أعراض مرضها ~~وأسبابه ومدى أثر الدواء الذي وصفه لها الطبيب، وما إلى ذلك، وهي متوسدة لا يظهر غير وجهها ~~من تحت الغطاء. ~~«وما كادت سلمى تطلع على خطاب سليم حتى اشتد اضطرابها وسقط الخطاب من يدها.» # ولاحت من أدما التفاتة إلى ما تحت المنضدة المجاورة للسرير، فوقعت عينها على ورقة يشبه ~~لونها لون الورقة التي كانت قد كتبتها وأرسلتها إلى حبيب في البريد. فخفق قلبها، وانتهزت ~~فرصة خروج سعيدة من الغرفة وانشغال أمها وسلمى بالحديث والتقطت تلك الورقة خفية، فما كادت ~~عيناها تقعان على الخط الذي كتبت به حتى كادت تصرخ من الدهشة والجزع إذ تبينت أنها هي ~~خطابها السالف الذكر إلى حبيب. وصورت لها وساوسها أن حبيبا هو الذي جاء بخطابها إلى سلمى ~~وتركه عندها، فاشتعل قلبها غيرة، وأنبها ضميرها على التسرع بمكاتبة حبيب وعلى تصديق دعواه ~~في الحب والإخلاص. ولم تتمالك نفسها فأخفت الورقة في جيبها، ثم اعتمدت رأسها بيديها وأخذت ~~تجهش بالبكاء. # وحسبت أمها أن بكاءها ليس إلا تأثرا برؤية صديقتها سلمى مريضة. وكذلك اعتقدت سلمى نفسها، ~~فدمعت عيناها والتفتت إلى أدما قائلة: «أتبكين يا أدما؟ لا لا، لا ينبغي أن تبكي. إن حالتي ~~تستحق الرثاء، وأنا أشكر لك عاطفتك الرقيقة هذه. ولكن عليك أن تتجلدي وتصبري فليس في البكاء ~~من فائدة!» # فلم تزدد أدما إلا بكاء وغيرة، إذ فهمت من عبارة سلمى هذه ما رجح ظنها. # وفيما هي كذلك سمعت طرقا على الباب الخارجي للمنزل، ثم فتح باب الغرفة ودخلت أم سلمى ~~وخلفها حبيب، فما كادت تراه وهي في تلك الحال حتى علا وجهها الاحمرار، وبردت أطرافها ولم ~~تقو على النهوض لتخاذل ساقيها وارتجافها، ولم يكن هو يتوقع أن يجدها هناك فبدت الدهشة في ~~وجهه وارتبك فلم يجد ما يقوله لها، واكتفى بأن حياها تحية خاطفة، ثم انصرف بوجهه عنها إلى ~~سلمى وأخذ ms087 يسألها عن صحتها ويواسيها متمنيا لها عاجل الشفاء. # وهنا لم يبق لدى أدما شك في أنه لا يحبها، وأنه كان يسخر منها حين أوهمها بذلك، فازداد ~~اضطرابها وغيظها ولم يسعها إلا أن تتحامل على نفسها وتتسلل خارجة من الغرفة والدموع تنهمر ~~من عينيها. # ولم تشأ أن تدخل غرفة الجلوس إذ تذكرت أن أباها في انتظارها ووالدتها هناك، وخجلت أن تبدو ~~أمامه وهي في مثل تلك الحال من الجزع والاضطراب، فجلست على مقعد أمام الغرفة، وأطلقت ~~لدموعها العنان، وقلبها تتنازعه عوامل الحب والغيرة والندم والغيظ وحب الانتقام. # وبعد قليل، خرج حبيب من الغرفة ومعه والدة سلمى. ومرا بها دون أن يشعرا بوجودها هناك، ~~وانتحيا ناحية وقفا يتهامسان فيها، فزادها ذلك شكا في براءة العلاقة بين حبيب وسلمى. ولم ~~تطق البقاء في مجلسها فنهضت محنقة ودخلت غرفة الجلوس، وجلست متجلدة في ناحية منها تجاه ~~أبيها، دون أن تنبس بكلمة. # ولم تمض دقائق حتى وافتهما والدتها، ثم والدة سلمى ومعها حبيب، وجلس الجميع يتبادلون ~~الحديث عن مرض سلمى وتمنياتهم لها بعاجل الشفاء. ثم نهض حبيب وانصرف بعد أن حياهم مودعا. ~~ولاحظت أدما أنه لم ينظر إليها ولم يوجه لها أية كلمة، فتحققت صحة ظنونها واتهاماتها؛ فغلا ~~الدم في عروقها، ولم تستطع صبرا على كبت غيظها وحزنها، فتظاهرت بتوعك صحتها واستأذنت ~~والديها في أن تسبقهما إلى المنزل لتعتكف وتستريح، ثم حيت والدة سلمى وانصرفت مسرعة لا ~~تلوي على شيء. ~~••• # كان حبيب قد وصل إلى منزله في حلوان ومعه والدة سليم، ففوجئا بأن سليما غادر المنزل عند ~~الأصيل ليتمشى بعض الوقت في الحديقة العامة، لكنه لم يعد. # ونزلت المفاجأة نزول الصاعقة على قلب أمه وعلى قلب حبيب، وعبثا حاولت والدته وشقيقته أن ~~تهونا الأمر على والدة سليم، وأن تقنعاها بأنه عوفي من مرضه ولعله عاد إلى القاهرة لأمر ~~عاجل يتعلق بعمله ولا يلبث أن يعود. وأخيرا رضيت أن تنتظر هناك ريثما يعود حبيب إلى ~~القاهرة ويأتي بسليم منها. # وسارع حبيب إلى القاهرة، وتوجه إلى غرفة ms088 سليم فلم يجده فيها، لكنه علم بأنه أمضى فيها ~~الليلة السابقة، فانصرف من هناك إلى البحث عنه، فلم يجده في المكتب ولا في غيره من الأمكنة ~~التي يغشاها. ثم لاح له أن يسأل عنه في منزل سلمى، فمضى إلى هناك وهو في منتهى القلق ~~والاضطراب، وحسبت والدة سلمى أنه جاء ليسأل عن صحتها، وقادته إلى غرفتها كي يعودها، ففوجئ ~~بوجود أدما، ولم يستطع لشدة اضطرابه أن يحسن لقاءها، فتشاغل بالحديث مع سلمى والاستفسار عن ~~صحتها. ثم انتهز فرصة خروج أدما وخرج ومعه والدة سلمى مودعة، فسألها عن سليم ولما علم بأنه ~~لم يزرهم منذ أيام، لم يشأ أن يخبرهم بأمر مرضه واختفائه لئلا يزيد في قلقهم، وزعم أنه يبحث ~~عنه لشأن خاص، ولعله سافر إلى خارج القاهرة لعمل يتعلق بمهنته. ثم غادر المنزل لمواصلة ~~البحث عن سليم وقد اشتد قلقه عليه خشية أن يكون يأسه قد دفعه إلى الانتحار. ولم تكن أدما ~~تدري شيئا من ذلك كله فتوهمت أن حبيبا تعمد تجاهلها واتخذت من ذلك قرينة تعزز اتهامها ~~إياه. # ولما يئس حبيب من وجود سليم في القاهرة، عاد إلى حلوان راجيا أن يجده سبقه عائدا إلى ~~هناك، لكنه ما كاد يصل إلى المحطة حتى لمح والدته ووالدة سليم في انتظار القطار، فسقط في ~~يده. ولم يجد هو ووالدته تعليلا مقنعا لاختفاء سليم. وخيل لوالدته أن حبيبا ووالدته ~~يعلمان سبب اختفاء ولدها لكنهما يكتمانه إشفاقا عليها، فازداد جزعها ولم تعد تستطيع صبرا ~~وتجلدا، فأخذت تلطم وجهها وتصرخ مولولة لعظم فجيعتها بفقده، وهمت بيد حبيب محاولة ~~تقبيلها وهي تقول: «لا تكتم عني شيئا، قل إن سليما مات أو انتحر. آه يا ولدي وفلذة كبدي! ~~لقد كنت أنا سبب فقدك، فليتني مت قبل هذا، أو ليتني لم أعارض رغبتك.» والتف حولهم جمهور ~~كبير من الهابطين من القطار والصاعدين إليه. واستمرت في لطمها وندبها وعويلها حتى تحرك ~~القطار عائدا إلى القاهرة فتعلق به حبيب وهو يقول لها: «ها إني راجع إلى القاهرة للبحث عنه ms089 ~~ولن أرجع إلا وهو معي إن شاء الله.» # ولم يسع والدة سليم إلا أن تعود إلى منزل حبيب مع والدته في انتظار ما يكون. ولكنها لم ~~تنقطع عن النواح، ولم ترض أن تذوق أي طعام. ~~••• # وصل سليم إلى الإسكندرية وهو في حالة يرثى لها من الضعف والاضطراب، وكان كلما حاول أن ~~يتناسى سلمى وتصور ما وقف عليه من علاقتها بصديقه حبيب هاجت أشجانه وسخط على الحب والصداقة، ~~غير أنه كان لا يلبث قليلا حتى يعود بذاكرته إلى سابق عهده بسلمى وحبيب، وما لمسه فيهما من ~~التفاني في المودة والوفاء. وهكذا لبث طول الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية نهبا لهذه ~~العوامل المتضاربة حتى كاد عقله أن يطير من رأسه لفرط تحيره وتردده. # واستقل عربة أوصلته إلى المنزل الذي تقطنه والدته مع شقيقه فؤاد وقرينته. فلما قرع ~~الباب فتحته خادم لا يعرفها وسألته عمن يريد، فحسب أن والدته وشقيقه انتقلا من ذلك المنزل، ~~وسأل الخادم: «أليس هذا منزل الخواجة فؤاد؟» فقالت: «نعم، ولكنه خرج منذ قليل ولن يعود قبل ~~ساعتين.» # فقال لها: «أليست والدته أو قرينته هنا الآن؟» # فسكتت قليلا وهي تمعن النظر فيه، ثم قالت: «إن سيدتي قرينته هنا.» # وما أتمت جملتها حتى كانت قرينة فؤاد قد جاءت لترى من الطارق الذي أطالت الخادم الحديث ~~معه، فلم تعرف سليما أول الأمر لشدة ضعفه وتغير هيئته. ثم عرفته فبادرت باستقباله مرحبة ~~والدهشة تكاد تعقد لسانها، فدخل المنزل وساقاه لا تقويان على حمله وسألها: «أين والدتي؟ ~~أليست هنا؟» # فدعته إلى الجلوس كي يستريح، وقالت له: «إنها سافرت إلى القاهرة لكي تراك، وهذا أنت قد ~~جئت لكي تراها. أليس هذا من عجائب الاتفاق؟» # فأخذته الدهشة وقال: «سافرت إلى القاهرة لتراني؟ كيف ذلك؟ ومتى سافرت؟» # فقالت: «سافرت الليلة الماضية مع صديقك حبيب.» # قال وقد ازدادت دهشته: «أي حبيب؟ هذا غير ممكن! ما الذي يجيء بحبيب إلى الإسكندرية ~~الآن؟» # فقالت: «لقد عدنا إلى المنزل مساء أمس أنا وفؤاد، فوجدناه هنا مع والدتك، وعلمنا منه أنك ~~كنت ms090 مريضا وما زلت في طور النقاهة. وبعد أن تناولنا العشاء جميعا، اصطحب والدتك وعاد بها ~~إلى القاهرة في قطار نصف الليل.» # فسكت سليم حائرا، ولم يستطع الاهتداء إلى سبب مجيء حبيب. وأخيرا دعته قرينة أخيه إلى ~~النهوض لغسل رأسه وتبديل ثيابه. فنهض لذلك متثاقلا وهو لا يستطيع إخفاء ما به من الدهشة ~~والشك. وما كاد ينتهي من ذلك حتى عاد شقيقه فؤاد من عمله لتناول الغداء في المنزل. فتعانقا ~~طويلا، ثم جلسوا إلى المائدة جميعا، وهم يتبادلون الحديث حول ذلك الاتفاق العجيب، وسليم ~~أشد دهشة لأنه لم يكن يتوقع أن تزوره والدته في القاهرة بعد أن أنذرته بمقاطعته إلى الأبد ~~في خطابها الأخير؛ ولأنه لم يهتد إلى سبب مجيء حبيب إليها دون علمه واصطحابه إياها إلى ~~القاهرة. # وبعد الغداء، طلب فؤاد إلى سليم أن يتمدد قليلا في الفراش للراحة من عناء السفر. فوافق ~~على ذلك لكي يخلو إلى نفسه ويعاود التفكير في الأمر. # وقبيل المغرب، دخل فؤاد عليه غرفة النوم لإيقاظه، فإذا بالحمى قد عاودته فارتفعت درجة ~~حرارته، وأخذته الرعشة، وتصبب عرقه غزيرا. فجلس بجانبه يسأله عما به ويهون عليه الأمر. ~~ثم دعا زوجته وطلب إليها أن تكلف السيدة وردة باستدعاء طبيبها المعروف ببراعته لفحص سليم ~~ومعالجته، فسارعت إلى إجابة هذا الطلب. # وبعد قليل، عادت زوجة فؤاد ومعها الطبيب وسيدتان لم يعرفهما سليم، فاقتربت كبراهما منه ~~وهي في ثياب تنم عن الثراء والتبرج، وقبلته بحنان قائلة: «لا بأس عليك يا ولدي. لقد جزعنا ~~جميعا حين علمنا بأنك مريض في القاهرة، وكنت مصرة على مصاحبة والدتك في سفرها للاطمئنان ~~عليك.» ثم التفتت إلى الطبيب وكان قد شرع في فحص سليم وقالت له: «أرجو يا دكتور أن تبذل ~~أقصى عنايتك بعزيزنا سليم، فهو عندي في معزة إميلي ابنتي.» قالت ذلك وهي تشير إلى الفتاة ~~التي دخلت معها. فعلم سليم أنها ابنتها، وعجب لمبالغتها في الاحتفاء به، ومعاملته كأنها ~~تعرفه منذ عهد بعيد. # وبعد أن انتهى الطبيب من فحص سليم، التفت إلى تلك ms091 السيدة وقال: «اطمئني يا سيدتي، إنها ~~حمى بسيطة لا خطر منها، ولكن يحسن أن يصحب تناول الدواء الذي سأصفه الآن، العناية بتبديل ~~الهواء، أو الإقامة بمكان هواؤه نقي منعش مثل منطقة الرمل.» # فقالت: «هذا أمر سهل جدا يا دكتور، وأنت تعرف أن منزلنا في الرمل يمتاز بحسن الموقع. ~~وبما أن والدته ليست هنا، فإن واجبي أن أقوم مقامها، وسأنتقل معه إلى منزلنا ذاك لأشرف على ~~خدمته وتمريضه حتى ترجع والدته من القاهرة بسلامة الله.» # ثم التفتت إلى قرينة فؤاد وقالت لها: «إن منزلي ومنزلكم واحد كما تعلمين، وأنت مشغولة ~~بالأولاد وتربيتهم، أما أنا فأستطيع تخصيص وقتي كله للقيام بهذه المهمة.» # فأعجب سليم بلطف تلك السيدة وإخلاصها وكرمها، ثم رآها تودع الطبيب وتشير إلى ابنتها أن ~~تكلف بعض الخدم بإعداد منزل الرمل للانتقال إليه بعد قليل، فخاطبها لأول مرة قائلا وفي ~~وجهه علامات التأثر الشديد: «إننا جميعا عاجزون عن شكرك يا سيدتي، وليس في الأمر ما يدعو ~~إلى تعجيل الانتقال.» # فقالت له: «إنني لم أقم إلا ببعض الواجب علي، فوالدتك أعز علي من أخت شقيقة، وأنت ~~عندي بمنزلة وحيدتي هذه (وأشارت إلى ابنتها إميلي). وكن على يقين من أن وجودك عندنا هو أسعد ~~ما نتمناه. ومتى عادت والدتك بالسلامة فستخبرك كما يخبرك عزيزنا فؤاد وقرينته بأنه ليس ~~بيننا أي تكليف.» # ولم يسع فؤاد وقرينته إلا أن يشكراها بدورهما على صدق مودتها ومروءتها، تاركين أمر ~~الانتقال أو البقاء لرغبة سليم، فقال موجها الكلام إلى وردة: «إنني ولا شك يسعدني أن ألبي ~~هذه الدعوة الكريمة المشكورة، ولكني الآن ما زلت في نوبة الحمى، وربما كان في الانتقال ما ~~يزيد وطأتها، فننتظر إلى غد، ثم يفعل الله ما يشاء.» # فقالت وردة: «لقد سألت في ذلك صديقنا الطبيب، فأكد لي ألا خطر من الانتقال الآن على أن ~~يكون في عربة مغلقة.» # ثم التفتت إلى ابنتها وقالت لها: «هل كلفت الخدم بإعداد منزل الرمل؟» # فقالت: «نعم، وقد ذهب أحدهم لإحضار مركبة مغلقة حسب أمر الطبيب.» ثم ms092 أطرقت وقد توردت ~~وجنتاها خفرا وحياء. فلم يجد سليم وجها للمعارضة، وسكت متنهدا إذ ذكرته رؤية إميلي ~~بسلمى وما كان من إعجابه بكمالها وأدبها وحيائها. وكادت الدموع تنحدر من عينيه تأثرا لولا ~~أن جاء أحد خدم وردة وقال لها: «إن المركبة بالباب يا سيدتي.» فنهضت، وتعاون الجميع على ~~توصيل سليم إلى المركبة وإدخاله فيها، حيث جلس بين شقيقه فؤاد والسيدة وردة، وسارت المركبة، ~~وخلفها مركبة أخرى فيها إميلي وزوجة فؤاد. # وبعد حوالي نصف ساعة وقفت المركبتان أمام منزل جميل فخم، يقع على مرتفع مشرف على البحر، ~~فنزل الجميع ودخلوا وسليم بينهم، حيث جلسوا بعض الوقت في غرفة فخمة الأثاث والرياش معدة ~~للاستقبال، ثم أشارت وردة بالانتقال إلى الغرفة التي خصصت لنوم سليم، فانتقلوا إليها، ~~وأمضوا وقتا آخر محيطين بسريره، يلاطفونه بمختلف الأحاديث، ما عدا إميلي فقد بقيت ساكتة ~~يبدو عليها الاستحياء، وإن لاحظ سليم أنها تختلس النظر إليه بين آونة وأخرى ثم تعاود ~~إطراقها أو تتشاغل بالإشراف على أعمال الخدم وهم يعدون العشاء. # وأخيرا، انصرف فؤاد وقرينته عائدين إلى منزلهما بعد تناول العشاء. ولم يبق مع سليم في ~~غرفته سوى وردة وابنتها، وكانت نوبة الحمى قد زايلته وشعر بتجدد قواه، فأخذ يسرح طرفه في ~~الأفق من النافذة المطلة على البحر أمامه، متحاشيا النظر إلى إميلي كيلا يزيد في خجلها، ~~ولئلا يثير أشجانه بتذكر سلمى. # وفيما هو في ذلك نهضت وردة من مقعدها بجانب السرير، وأمسكت زجاجة الدواء الموضوعة على ~~منضدة فخمة تحت النافذة المذكورة، فصبت قليلا منها في قدح، وعادت تحمله إلى سليم، ~~فتناوله من يدها وشرب ما فيه ثم رده لها شاكرا، فقالت: «إذا شئت أن تزيد في سعادتنا ~~وسرورنا لوجودك معنا، فلا تعد مرة أخرى إلى مثل هذه العبارات. فأنت هنا في منزلك مع والدتك ~~وشقيقتك، وليس عليك إلا أن تأمر وعلينا السمع والطاعة.» # فاغرورقت عيناه بالدموع لفرط تأثره بهذه المجاملة، ولاحظت إميلي أن العرق يتصبب من وجهه، ~~فنهضت وجاءت بمنديل كبير من الحرير الأبيض، وأخذت تمسح به ms093 وجهه في ترفق وحنان، فضاعف هذا ~~تأثره ولم يستطع إمساك دمعة انحدرت على خده، وخشي أن يتكلم ليشكرها فتخنقه عبراته، فاكتفى ~~بأن ضمن نظراته إليها كل معاني الشكر والاعتراف بالجميل، ثم عاد إلى تحاشيه النظر إليها ~~لما لاحظه من ازدياد خجلها حتى تضرجت وجنتاها بالحمرة. # على أنها ما لبثت قليلا حتى جاءت بمروحة لطيفة ووقفت تروح بها على وجهه، فاحمر وجهه هو ~~حياء، ونظر إليها وعلى فمه ابتسامة الشكر قائلا: «لا داعي لتعبك يا عزيزتي.» # فقاطعته والدتها قائلة: «إن إميلي بمنزلة شقيقتك، فدعها تقم بالواجب عليها؛ لأن هذا ~~يسعدها ولا شك.» # ولم يسعه إلا السكوت، وأخذ يصغي لما تحدثه به وردة عن علائق المودة الخالصة التي تربطها ~~وابنتها بوالدته، وعن تمنياتهن الطيبة المشتركة له قبل رجوعه من القاهرة، بينما قلبه يخفق ~~بشدة، ولا سيما حين كانت تحين منه التفاتة إلى إميلي وهي تروح له فتقع عيناه على يدها البضة ~~تزينها الأساور الذهبية المرصعة بالماس، أو على وجهها المتورد وقد ازدادت حمرته خجلا من ~~نظراته، وتأثرا بحركة يدها المستمرة في الترويح له. # وكانت صورة سلمى تراود خياله خلال ذلك، فلا يسعه إلا أن يجاهد نفسه كي يبعدها، مستنكفا ~~أن يفسح لها مكانا بجانب صورة إميلي التي أسرته بتواضعها ولطفها وتفانيها في خدمته رغم ~~أنه لم يرها من قبل. # ومضى الوقت دون أن يشعر بمضيه إلا حين دقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل، فأراد أن ~~يستأذنهما في أن تتركاه مشكورتين لينام، لكنه خجل وسكت. وإذا بإميلي تقول: «أظن أنه يستحسن ~~أن نتركك الآن لتأخذ حاجتك من النوم؟» # فأعجب بفطنتها وظرفها وقال: «الواقع أني لا أريد أن تفارقاني لحظة واحدة، ولكني أشعر ~~بأني أتعبتكما كثيرا.» # فافتر ثغرها عن ابتسامة كبيرة ونظرت إليه وقالت: «إننا لم نشعر بأي تعب، بل شعرنا على ~~عكس ذلك بمنتهى الغبطة والسعادة لاطمئناننا على صحتك. ولولا خشية أن يثقل عليك وجودنا أثناء ~~نومك، ما فارقناك قط. على أننا سنبقى قريبا منك في الغرفة المجاورة.» # ثم أشارت وردة إلى إميلي فنهضت ms094 وعاونتها على تنظيم سريره وتغطيته ثم همت به فقبلته ~~وقالت: «تصبح على خير يا بني.» وخرجت تتبعها إميلي. وقبل أن تغلق هذه باب الغرفة خلفها، ~~تريثت قليلا وهي تنظر إليه، فلما نظر إلى هذه الجهة وتلاقت نظراتهما ابتسمت له وأحنت رأسها ~~مودعة، ثم أغلقت الباب بهدوء. # | حب جديد # استيقظ سليم في صباح اليوم التالي، بعد نوم عميق مريح، وقد شعر بأنه استعاد صحته. وما كاد ~~يفتح عينيه حتى وقعتا على إميلي وهي واقفة بجانب سريره، وهي بثياب البيت، وفي يدها المروحة ~~التي تروح له بها. فلما تلاقت نظراتهما ابتسمت له وقالت: «صباح سعيد يا عزيزي. كيف حالك ~~الآن؟» # فاحمر وجهه حياء، واستوى جالسا في السرير، ثم مد يده وأخذ المروحة من يدها قائلا: ~~«سعد صباحك يا عزيزتي، إنني ما عشت لن أنسى لك ولوالدتك العزيزة هذا الجميل.» ثم أطرق ~~وتشاغل بالترويح على وجهه بيده. فإذا بإميلي تمسك يده في ترفق وتلطف وتقول وعيناها تلمعان ~~ببريق ساحر جذاب: «أترى يدي كانت ثقيلة عليك؟» ثم ضغطت يده بخفة ورشاقة وهي تبتسم، فتمشت ~~الرعدة في مفاصله وتسارعت دقات قلبه، وعادت به ذاكرته إلى اليوم الأول لتبادله الحب مع ~~سلمى، فوجم وخشي أن يكون قد نجا من شر ليقع في شر أعظم، فلم يسعه إلا جذب يده من يدها بلطف، ~~وأطرق ساكتا والهواجس تتقاذفه. # فاشتد احمرار وجهها، وبدت فيه آثار الخجل والكدر معا، وتأخرت خطوة إلى الوراء وساقاها لا ~~تقويان على حملها لفرط تأثرها. فأثر في نفسه ضعفها وأنف أن يسيء إليها وإن لم يقصد ذلك ~~بعد أن أحسنت إليه وسهرت هي وأمها في رعايته وخدمته، وبالغتا في إكرامه والعطف عليه. فمد ~~يده وأمسك يدها وضغطها مترفقا وقال بصوت مختنق: «إنني لن أنسى يدك ما دمت حيا.» # فنظرت إليه في عتاب وقالت هامسة: «ولماذا رفضتها إذن؟» # فقال: «أنا أرفض يدك؟ وهل مثل هذه اليد يقدر على رفضها أحد؟» # فتوردت وجنتاها، واغرورقت عيناها بالدموع وانكسرت أهدابها ثم رفعت عينها ورمقته بنظرة ~~نفاذة مؤثرة وقالت: «أرجو ms095 ألا تندم على أنك طلبتها بعد أن رفضتها.» قالت هذا وركزت ~~نظراتها في عينيه منتهزة الفرصة السانحة لإيقاعه في شباكها. # فقال متلعثما: «حاشا وكلا، ولكني أخشى ألا أكون أهلا لبلوغ هذه الغاية.» ثم فطن إلى أنه ~~أوشك أن يقع في الحب مرة أخرى، وهو ما زال يعاني آثار الحب الأول. فأمسك عن الكلام متظاهرا ~~بأنه يشعر بصداع خفيف، وفطنت هي بدورها إلى قصده، لكنها تجاهلت وسارعت إلى إحضار دواء ~~مسكن أذابت قليلا منه في ملء نصف كوب من الماء، وقدمته له في أدب ودلال يشوبه الحياء، ~~فشربه ثم شكرها بلسانه بعد أن شكرها بعينيه وبلمس يدها وهو يرد إليها الكوب بعد تناول ~~الدواء. # وبعد قليل جاءت والدتها فحيته تحية الصباح، وقالت: «إنني أحمد الله على أن استجاب ~~دعواتي لك طول الليل، فهذا أنت قد أصبحت معافى بادي النشاط والمرح.» # ثم التفتت إلى إميلي ابنتها وقالت لها: «أليس كذلك يا إميلي؟» # فقالت: «صدقت يا والدتي وقد صرحت له بهذه الحقيقة منذ قليل، لكنه لم يصدقني إلا بعد أن ~~أظهرت له استعدادي لأن أقسم له مؤكدة ذلك.» ونظرت إلى والدتها بطرف عينها. # ففهمت وردة أن ابنتها بدأت تطبيق التعليمات التي أصدرتها إليها لاجتذاب سليم، غير أنها ~~تظاهرت بالسذاجة والبساطة وهمت بسليم فقبلته وقالت: «إننا نشكر الله على أن هيأ لنا ~~هذه الفرصة الطيبة للنيابة عن الصديقة العزيزة الكريمة السيدة والدتك.» ثم ضحكت بصوت مرتفع ~~وقالت: «أي فرحة عظيمة ستغمر قلبها حين تراك اليوم بعد عودتها من القاهرة. ولا شك في أن ~~فرحتها ستكون مضاعفة حين تجدك في منزلنا هذا. لكن قل لي يا عزيزي سليم: هل جئت من القاهرة ~~إجابة لطلبها في خطابها الأخير، أم أن هذا الخطاب لم يصل إليك.» # فشعر بأنها تسأله هذا السؤال الأخير، لتلهيه عن صوغ عبارات الشكر بالإجابة عنه. وأعجب كل ~~الإعجاب بنبلها وأريحيتها، ولم يسعه إلا أن ينزل على رغبتها الكريمة، فقال: «لم أتلق ~~خطابها هذا مع الأسف لأني كنت في حلوان وجئت إلى هنا دون ms096 أن أمر بالبريد لتسلم الخطابات ~~الواردة إلي. ويا حبذا لو كتبت إلى إدارة البريد الآن كي ترسل إلي خطاباتي إلى ~~هنا!» # فقالت: «حسنا تفعل!» ثم أشارت إلى إميلي، فغادرت الغرفة في خفة ورشاقة وهدوء، وعادت بعد ~~قليل ومعها دواة وقلم وأوراق، فوضعتها على المنضدة ثم قربتها إلى سليم وعادت إلى وقفتها ~~بالقرب منه والمروحة في يدها استعدادا للترويح له، فنظر إليها وابتسم، ثم أمسك القلم وكتب ~~خطابا بذلك المعنى إلى إدارة البريد في القاهرة ووضع الخطاب في الظرف ثم عاد فأخرجه، ~~وناوله لإميلي قائلا: «هل لك أن تسدي إلي يدا أخرى بكتابة عنوان المنزل هنا؟» # فقربت وجهها من وجهه وأخذت تملي عليه العنوان في همس رقيق ود لو أنه لم ينته. # وما أتم كتابة العنوان حتى سارعت إميلي إلى تناول الخطاب من يد سليم، ثم أرسلته مع أحد ~~الخدم، ليضع عليه طابع البريد ثم يضعه في أقرب صندوق للخطابات البريدية. ووقفت تشرف على ~~بقية الخدم وهم يعدون طعام الإفطار، فلما انتهوا من ذلك وأعدت المائدة انتقل إليها سليم ~~وجلست إميلي أمامه ووالدتها عن يمينه وأخذوا في تناول الطعام وتبادل مختلف الأحاديث. ~~••• # عاد سليم وإميلي ووالدتها إلى الغرفة المخصصة لنومه؛ لكي يستريح قليلا بعد الغداء. وفيما ~~هم هناك جاء أحد الخدم مهرولا يقول: «لقد حضرت السيدة والدة سيدي سليم.» # فخفق قلب سليم وارتعدت فرائصه وأخذته الحيرة فلم يدر أي شيء يفعل. على أن حيرته لم تطل ~~فسرعان ما دخلت والدته راكضة. وما كاد نظرها يقع عليه وهو يهم بالنهوض من الفراش لاستقبالها ~~حتى أسرعت ورمت بنفسها عليه محتضنة إياه، ثم ما زالت تعانقه وتقبله ودموعها تتساقط من ~~عينيها، حتى شعر ببرودة يدها وتصبب العرق منها وهو يقبلها فرفع وجهه إلى وجهها وذراعاها ~~حول عنقه فإذا به يجدها مسبلة العينين، ورأسها يترنح للسقوط، فهم بها ومددها على السرير، ~~وبادرت وردة وإميلي فرشتا وجهها بالماء. فلما أفاقت وانتبهت لنفسها ولمن حولها عادت إلى ~~معانقة سليم وتقبيله وهي تواصل البكاء والشهيق قائلة: «آه يا ms097 ولدي! آه يا حبيبي! أهكذا تترك ~~حلوان والقاهرة دون أن تخبر أحدا. ولقد بحثنا عنك هناك في كل مكان يمكن أن تكون فيه، وكاد ~~قلبي يحترق جزعا وتلهفا عليك، ولولا أن جاءني صباح اليوم خطاب أخيك فؤاد فاطمأن قلبي عليك ~~ما قدرت لي الحياة حتى الآن.» # فهم سليم بيديها فقبلهما كما قبل رأسها وقال: «كنت متضايقا من مرضي إلى أبعد حد. ~~وعلى أية حال أنا أعتذر إليك وأحمد الله إذ أراني وجهك الكريم. ولا يفوتني أن أخبرك بأن ما ~~كنت أشعر به من المرض والهم قد زال والحمد لله، والفضل في ذلك يرجع أولا إلى كرم أهل هذا ~~المنزل ولطفهم وتواضعهم وتحملهم التعب في سبيل راحتي ومعالجتي.» # فهمت والدته بوردة وإميلي فقبلتهما شاكرة ما أبديتاه من المودة والعطف والعناية ~~بولدها وفلذة كبدها. وعادت إميلي فقبلت يد والدة سليم بخشوع. ثم جلس الجميع يتحدثون ~~ويضحكون فرحا مستبشرين باجتماع الشمل، وإميلي أشدهم فرحا لوثوقها من أن حيلتها قد انطلت ~~على سليم. ~~••• # كان سليم منذ علم بوصول والدته قد هاجت أشجانه وتذكر عقوقه إياها ومخالفته نصيحتها من ~~أجل سلمى التي تبين فيما بعد خيانتها وخداعها، وحدثته نفسه أكثر من مرة بأن يخاطب والدته ~~في هذا الشأن ويستغفرها عما سبب لها من المتاعب والأكدار. على أنه آثر أن يؤجل ذلك إلى أن ~~يخلو إليها، فلم تتح له فرصة لذلك إلا عند فجر اليوم الثالث، أو بعده بقليل حين استيقظ ~~من النوم بعد سهرة طويلة، فإذا يجدها جالسة إلى جواره وهي ترتب شعره وتنظم غطاءه، فنهض ~~وقبل يديها وجلس يجاذبها أطراف الحديث إلى أن قال: «كم أنا نادم يا أماه على ما فرط مني ~~وعلى ما سببته لك من التعب والكدر بحماقتي وجهلي!» # فأدركت أنه يعني إصراره على خطبته سلمى، وقالت له: «لا بأس عليك يا بني، إن أول ما يهمني ~~الآن هو أن أراك في خير صحية وعافية، على أن معارضتي لك لم تكن إلا عن جهل مني أيضا، فقد ~~كنت أظن أنك وقعت ms098 في حب تلك الفتاة مخدوعا بمكرها ودهائها، وأن إصرارك على خطبتها ليس إلا ~~استنكافا منك أن تخلف ما وعدتها. ولكن لما أخبرني حبيب بجلية الأمر، وأكد لي أنك لم تحبها ~~وتصر على خطبتها إلا بعد طول روية واختبار، لم يسعني إلا السفر معه إلى القاهرة لأطمئن على ~~صحتك، ولأخبرك بأني راضية بأي فتاة تختارها.» # فلم سمع سليم حديث والدته عن حبيب وسلمى تحقق خيانتهما لأن معارضة والدته خطبة سلمى لم ~~يكن لحبيب علم بها، فلا بد من أن تكون سلمى هي التي أطلعته عليها وطلبت إليه أن يسافر إلى ~~الإسكندرية ويقابل والدته لإقناعها بالعدول عن معارضتها. غير أنه لم يصرح لوالدته بذلك حتى ~~لا يصغر في عينيها واكتفى بأن قال لها: «إن علاقتي بتلك الفتاة أصبحت في خبر كان. وثقي بأني ~~لن أعود إليها أبدا، وإنني باق بجانبك هنا في الإسكندرية، ولن أخطو أية خطوة في سبيل ~~الخطبة أو الزواج إلا بمشورتك.» # فعجبت والدته من أمر هذا الانقلاب الغريب، ولاح لها أنه يجاريها بما قاله ابتغاء مرضاتها، ~~فقالت له: «على أية حال، كن على يقين من أني لم أقل لك إلا الحق، وإنني موافقتك على كل ما ~~تقرره في شأن زواجك، فإذا كنت تريد خطبة سلمى فأنا على استعداد لأن أخطبها لك بنفسي وأكون ~~لها خادمة بقية حياتي إكراما لك.» # فقال: «حاش لله يا أماه! إنما أنا وأية فتاة تختارينها زوجة لي رهن إشارتك وطوع بنانك، ~~وأكرر لك أن علاقتي بسلمى قد انقطعت تماما ووطدت العزم على ذلك.» # فقالت: «على كل حال، أنت الآن ما زلت في طور النقاهة من مرضك، ومتى تم شفاؤك بإذن الله، ~~نعود إلى بحث هذه المسألة، ولا يكون إلا ما ترضاه.» # وكانت الشمس قد أشرقت واستيقظت وردة وإميلي، فجاءتا للسؤال عن صحة سليم، وجلستا بجانب ~~والدته تهنئانها بتماثله للشفاء، وتتسابقان إلى إرضائهما بمختلف الوسائل. ~~••• # بقيت إميلي حتى موعد الغداء وهي تترقب أن تسنح لها فرصة تخلو فيها إلى سليم لتستأنف معه ~~حديث الأمس وتتم حيلتها ms099 لاجتذابه إليها وحمله على المبادرة بخطبتها. ولكنها لم تتمكن من ذلك ~~لأن والدته لبثت مرابطة بجانب سريره لم تفارقه لحظة واحدة. # وبعد الغداء، أوى الجميع إلى الفراش للقيلولة، وحاولت إميلي وأمها إبعاد والدة سليم من ~~غرفته إلى غرفة نومها، على أن تتسلل إميلي خلال ذلك إلى غرفته، ولكنها لم تغادر غرفته إلا ~~بعد أن رأته يتثاءب والنوم يداعب جفنيه. وما كادت تخرج حتى نهض من سريره وأغلق باب الغرفة ~~من الداخل ثم عاد إلى السرير واضطجع فيه، ثم أطلق لنفسه عنان التفكير في أمره، وقد شعر بأن ~~إعجابه بإميلي ليس إعجابا عاديا، ولكنه أقرب ما يكون إلى الحب أو الشروع فيه. # وفيما هو كذلك سمع طرقا خفيفا على باب الغرفة، فنهض وفتح الباب فإذا بإميلي هي الطارقة ~~وبادرته قائلة في دلال: «عفوا يا عزيزي، إذا كان في وجودي هنا الآن ما يثقل عليك.» # فتلجلج ولم يدر كيف يجيب، ولاحظت هي من نظراته ثم إطراقه وسكوته ما بشرها بنجاح الخطوات ~~الأولى من تدبيرها المشترك مع والدتها. فأرادت انتهاز هذه الفرصة لإتمام الخطوة الباقية ~~ودخلت الغرفة متظاهرة بتبديل أغطية السرير بنفسها دلالة على شدة عنايتها براحته، لكنها ما ~~كادت تنتهي من ذلك وتهم بالجلوس على أقرب مقعد من السرير، حتى جاء أحد الخدم، وقدم مجموعة ~~من الخطابات ذاكرا أنها جاءت في بريد الصباح، وفاته أن يأتي بها إليه حينذاك. # | فصل الخطاب # أخذ سليم يقلب ظروف الخطابات الواردة إليه، فوقعت عينه على ظرف من بينها عرف لأول وهلة ~~أنه بخط سلمى، فبغت وخفق قلبه. لكنه تجلد حتى لا تلاحظ إميلي تأثره واضطرابه، ثم تظاهر ~~بحاجته إلى النوم، ووضع الخطابات كلها دون أن يفضها على المنضدة التي بجانب السرير، فانطلت ~~حيلته على إميلي، ونهضت للانصراف وانتظار فرصة أصلح لاستئناف حديثها معه على حدة. # ورأى هو أن يطيب خاطرها بكلمة تنم عن مبادلتها مثل شعورها نحوه فقال لها: «يلوح لي أني ~~سأكون في المساء أشد حاجة إلى يدك اللطيفة يا عزيزتي.» # فخفق قلبها ونظرت إليه ms100 لترى ماذا يقصد بهذه العبارة، فإذا به يبتسم وينظر إليها بطرف عينه ~~كأنه يعجب من أنها لم تفهم مراده، ثم قال لها: «سأحاول بعد النوم قليلا أن أقرأ هذه ~~الخطابات التي جاءتني من القاهرة، ولا شك في أن الرد عليها بخط يدك سيكون أسرع وأبدع، ولا ~~سيما أن يدي ما زالت ضعيفة من أثر المرض. فما قولك؟» # فابتسمت وقالت: «إني رهن إشارتك، ويسعدني جدا أن أتولى عنك هذه المهمة.» ثم استأذنت ~~وانصرفت إلى حيث انضمت إلى والدتها ووالدته في الغرفة المجاورة وجلسن يقطعن الوقت بالحديث ~~متهامسات، مبالغة في توفير الهدوء والراحة لسليم. # وما خلا إلى نفسه في غرفته حتى سارع إلى مجموعة الخطابات الواردة إليه، وفض الخطاب الذي ~~كتب طرفه بخط سلمى، فإذا هو بخطها من الداخل أيضا، وقد كتبت فيه تقول: # أبعين مفتقر إليه نظرتني # فأهنتني وقذفتني من حالق؟ # لست الملوم، أنا الملوم لأنني # أنزلت آمالي بغير الخالق! # قرأت خطابك الأخير أكثر من عشرين مرة، لعلي أستطيع أن أهتدي إلى تعليل معقول لما ~~تضمنه من تهم خطيرة وأدلة ومستندات ملفقة، ولكني لم أجد سببا يمكن الركون إليه إلا ~~أنك رغم ذكائك تورطت في تصديق بعض الحساد وذوي الأغراض. # وقد حاولت أكثر من مرة أن أرجع تلك الاتهامات الباطلة إلى رغبتك في التخلص مني ~~لحاجة أخرى في نفسك، ولكني تذكرت أني صرحت لك في خطابي الأخير بأني وإن كنت لم ~~أحب ولن أحب سواك، لا يسعني إلا أن أضحي بسعادتي كلها مادامت تتعارض مع ما يجب عليك ~~لوالدتك الحنون من طاعة وبر وإحسان، فأحللتك من عهودك لتكون حرا تخطب وتتزوج ممن ~~ترضى عنها والدتك. فهل جزاء من تقدم على مثل تلك التضحية أن تتهمها بالخيانة والغدر ~~والنفاق؟ # وليت شعري كيف رضيت لنفسك، وأنت رجل صناعتك المحاماة وتمييز الحق من الباطل، أن ~~تعدل عما كنت تعتقده في من الطهر والإخلاص، ثم ترميني بشر ما ترمى به فتاة، لا ~~لشيء إلا أن رجلا لا تعرفه زعم لك أني أوقعته في حبي ثم ms101 اكتشف أني عالقة القلب ~~بصديق لك كنت تنزله منزل الأخ الشقيق؟ # وأخيرا، ما هذه الورقة التي ذكرت أنها وقعت في يدك اتفاقا، فكانت صك خيانتي ~~ودليل مكري وخداعي وتضليلي؟ إنني لا أريد أن أصدق أبدا أنك عنيت ما قلت عن هذه ~~الورقة ولا عن ذلك الصديق، فأنا لم أكتب هذه الورقة ولا علم لي بشيء مما فيها، بل ~~أنا لم أكتب طوال حياتي أي خطاب لرجل سواك. وقد عرضت جميع أصدقائك الذين أعرفهم فلم ~~أجد بينهم أحدا يمكن أن يصدق فيه ذلك الاتهام! # وأخيرا، قدر لي أن أقف على حقيقة كنت أجهلها وهي أنك اعتزمت خطبة فتاة من أهل ~~الإسكندرية، وصدقني يا سليم إنني لم أحقد على هذه الفتاة قط، بل على عكس ذلك دعوت ~~الله أن يبارك لها فيك ويبارك لك فيها لتعيشا سعيدين بمنجاة من متاعب الوشاة ~~والحساد. وليس هذا لأني لم أتيقن بعد من أنك رميتني بتلك التهم الكاذبة وأنت على ~~يقين من كذبها؛ ولكن لأني رغم ذلك كله ما زلت أرى قلبي أطهر وأنبل من أن ينبذ حب ~~أول من طرق بابه وتربع فيه. # ومهما يكن من أمر، فلا تحسب أني أكتب إليك هذا الخطاب طامعة في أن تعود إلى ما ~~كنا فيه، أو لأحملك على الندم والأسف لمقابلة تضحيتي وإخلاصي بالجحود والنكران ~~وتلفيق التهم والأباطيل؛ ذلك لأني وطدت العزم على اعتزال العالم، وقضاء ما بقي لي ~~من العمر في دير أو صومعة أتعبد فيها لخالقي وهو الخبير بما تكن الجوانح والصدور، ~~وإليه ترجع الأمور. # سلمى # لم يأت سليم على آخر خطاب سلمى حتى هاجت عواطفه وتناثر الدمع من عينيه، وأخذ يعيد قراءته ~~في تدبر وإمعان، ثم تذكر ما لمسه في سلمى من صدق المحبة والوداد وكمال الخلق والعقل، ثم ~~يقارن ذلك بالأسباب التي بنى عليها اتهامها واتهام حبيب، فلاح له أنه ظلمهما، وأن داود ~~القبيح الوجه لا يمكن أن تحبه فتاة مثل سلمى، كما أن دعواه ضدها وضد حبيب، باعترافه هو ~~نفسه، ليس في يده ms102 عليها أي دليل ! # وأخذ يتذكر الورقة التي وجدها في رواية حبيب، فلاح له أيضا أن خطها مختلف عن خط سلمى ~~قليلا. فاستبدت به الوساوس وبقي وقتا غير قصير وهو شارد الذهن حائره. ثم أفاق من ذهوله ~~وهم بقراءة خطاب سلمى مرة أخرى، لكنه أشفق على رأسه أن يتصدع من تضارب العوامل المختلفة ~~فيه، فطواه ووضعه في جيبه، ثم تناول من بين الخطابات خطابا آخر كتب بخط يشبه الخط الذي ~~كتبت به خطابات والدته إليه، فتذكر أن السيدة وردة أخبرته بأن والدته كانت قد أرسلت إليه ~~خطابا طلبت إليه فيه الحضور من القاهرة. وما كاد يفضه ويقرأ أول سطر فيه حتى أخذته الدهشة، ~~إذ وجد أنه موجه إلى شخص آخر سواه. فأعاد النظر إلى العنوان المكتوب على الظرف فإذا هو ~~عنوانه كاملا غير منقوص. # ثم لاحظ أن الشخص الموجه إليه الخطاب من الداخل اسمه داود، فتذكر ذلك الرجل القبيح الوجه ~~الذي علم منه بخيانة سلمى وحبيب. ومضى يقرأ الخطاب لعل فيه ما يكشف سر إرساله إليه فإذا ~~فيه: # عزيزي الأجل الماجد الخواجة داود # بعد السؤال عن صحتك الغالية، نخبرك بأننا تلقينا خطابك الذي أرسلته عقب وصولك إلى ~~القاهرة، وسررنا كثيرا لنجاح حيلتك اللطيفة مع الشخص المعروف، حتى إنه صدق ~~الحكاية التي اخترعتها عن خيانة الفتاة، وبدت في وجهه أمارات الغيظ والقلق. # كما أننا تلقينا خطابك التالي الذي بشرتنا فيه بنجاح سعيدة في سرقة الخطاب الذي ~~أرسلناه إليه باسم والدته محذرة إياه أن يستمر في علاقته بالفتاة وتتهمها وأسرتها ~~بالمكر والخداع. ثم نجاح سعيدة في إطلاع الفتاة على ذلك الخطاب، الأمر الذي أثارها ~~وحملها على مقاطعته وإحلاله مما بينهما من العهود. # ولكن مضت مدة غير قصيرة دون أن تتلقى أم صاحبنا أي رد على خطاباته إليه، وأنت ~~تعلم أن الانتظار يكلفنا مشاق ونفقات جسيمة في التقرب إلى والدته وغير ذلك، ولولا ~~أن إميلي ميالة إليه ما تكبدنا كل ذلك العناء. وعلى كل حال أخبرك بأنني أغريت ~~والدته بالكتابة إليه لكي يحضر إلى ms103 هنا. وقد كتبت بنفسي مع خطابي هذا إليك خطابا ~~إليه على لسانها، فعليك أن تستمر في مراقبته لترى ما يصنع بعد أن يتلقى خطاب والدته ~~المذكور. ولك أزكى تحياتي وأشواقي وحبي ... # وردة # انقشعت الغشاوة بعد ذلك عن عيني سليم، ووقف على سر المؤامرة التي دبرتها وردة مع داود ~~وسعيدة للتفريق بينه وبين سلمى. ولم يتمالك عواطفه بعد ذلك، فانهمرت دموعه حزنا وندما على ~~ما جعله يفرط في حق سلمى ويتهمها ظلما وعدوانا. ثم انقطع فجأة عن البكاء وأخذ في الضحك ~~بصوت عال فرحا بظهور براءة سلمى وحبيب، ونجاته من الفخ الذي نصبته لإيقاعه وردة وصاحبها ~~اللعين داود. # وفيما هو كذلك، دخلت عليه والدته، فما كاد يراها حتى قال لها: «أغلقي باب الغرفة من ~~الداخل وتعالي.» # فعجبت لذلك الطلب، ولكنها أغلقت الباب وسارعت إليه متسائلة، فأشار إليها أن تجلس بجانبه ~~على السرير. ثم أخذ يشرح لها هامسا جميع الأسرار التي وقف عليها، ومؤامرة وردة من أولها ~~إلى آخرها، فكادت لا تصدقه لغرابة الأمر ولطيبة قلبها، لولا أن قرأ عليها كتاب وردة التي ~~أرسلته بخطها إلى داود ثم أخطأت ووضعته في الظرف الذي كتبت عليه عنوانه هو لتضع فيه الخطاب ~~الآخر الذي كتبته باسمها إليه. # واغرورقت عينا والدة سليم بالدموع وقالت: «ويل لكل خائن غدار! وويل لي أنا أيضا لأني كنت ~~سببا لشقاء سلمى المسكينة! ولكن عذري أني كنت مخدوعة ولا أعلم أنها ملاك طاهر وأن وردة ~~وابنتها من الشياطين الملاعين!» # فقال سليم: «ليس الذنب ذنبك يا أماه، ولكنه ذنب تلك الفاجرة اللئيمة التي دبرت دسيستها ~~القذرة، واشترك معها في تنفيذها ذلك الشيطان داود، وخادمتها الخبيثة العجوز، للإيقاع بسلمى ~~البريئة، والتفريق بيني وبينها، وإن نفسي لتحدثني بأن أنتقم لها منهم شر انتقام.» # قالت: «يجب أن نخرج من هنا أولا، دون ضجة، ثم ننظر في الأمر بعد ذلك.» # وسمعا وقع أقدام وأصواتا خارج الغرفة، فقال سليم لوالدته: «سأتظاهر بورود كتاب إلي من ~~القاهرة يدعوني إلى السفر إليها حالا لعمل عاجل، ثم أذهب إلى ms104 منزلنا حيث تلحقين بي بعد أن ~~أكتب إلى حبيب صديقي الوفي المظلوم، ليذهب إلى سلمى، ويبلغها أننا سنزورها بعد يوم أو يومين ~~لتصفية الجو وإعادة المياه إلى مجاريها.» # فوافقته والدته على ذلك، ونهضت لتفتح الباب، بينما نهض هو وأخذ في ارتداء بذلته استعدادا ~~للانصراف. # | فرحة لم تتم # كانت سلمى قد كتبت خطابها الأخير إلى سليم وبعثت به إليه، بعد أن أقنعتها سعيدة العجوز ~~الماكرة بسوء نية سليم، وبأنه ذهب إلى الإسكندرية عقب إرساله خطابه الأخير إليها بوساطتها، ~~لكي يعقد قرانه بفتاة هناك. # وكان داود هو الذي أخبر سعيدة بذهاب سليم إلى الإسكندرية؛ إذ علم بذلك من خطاب تلقاه من ~~سيدتها وردة. # وقد شعرت سلمى منذ تلك اللحظة بأنها فقدت كل أمل في علاقتها بسليم؛ لأنها كانت شديدة ~~الثقة بإخلاص سعيدة لها وتفانيها في خدمتها، فازداد حزنها وضعفها، وكثيرا ما كانت نفسها ~~تحدثها بالانتقام من سليم على تغريره بها ثم رميه إياها بالخيانة والغدر والخداع في حين أنه ~~أولى بأن تلصق به هذه الصفات. # وحدث أن تفقدت خطابه الأخير ذات يوم لتعيد قراءته وتتأمل تلك الورقة التي زعم أنها كتبتها ~~بخطها إلى شخص آخر تعترف له فيها بأنها تحبه، ولكنها لم تجد تلك الورقة رغم طول بحثها عنها. ~~وذلك لأن أدما كانت قد عثرت بها ملقاة بجانب سرير سلمى وهي تعودها، وعرفت أنها الورقة ~~التي كتبتها إلى حبيب، فاحتفظت بها معتقدة أن حبيبا هو الذي جاء بها إلى سلمى؛ لكي يسخرا ~~منها ويضحكا من سذاجتها وتصديقها أن حبيبا يحبها. # وشغلت سلمى بمرضها وحزنها عن مواصلة البحث عن تلك الورقة. أما أدما فإنها لم تطق صبرا ~~على البقاء في منزل سلمى بعد ما تبين لها من تآمرها عليها مع حبيب، فسارعت إلى منزلها حيث ~~خلت إلى نفسها في غرفتها وأخذت تعض على نواجذها غيظا وندما. ثم لحق بها أبوها وأمها إلى ~~المنزل، فلما شعرت بقدومهما أخفت الورقة، ثم غسلت وجهها حتى لا تبدو آثار الدموع في عينيها، ~~وتظاهرت بانحراف صحتها ولزمت الفراش، ms105 وقد نال اليأس منها كل منال. # وعلى الرغم من أنها كانت تود لقاء حبيب لتوبخه أو تعاتبه على سخريته منها، كان قلبها يخفق ~~بشدة ولا تتمالك نفسها من البكاء كلما صور لها اليأس والحزن وسوء ظنها به أنه لن يستنكف ~~أن يخاطبها بما يشينها ويحقرها ويحط من كرامتها. فبقيت كذلك حتى ظهر اليوم التالي، دون أن ~~تتناول أي طعام، أو يراود الكرى جفنيها، ولم تكن تنقطع عن البكاء إلا عند وجود والديها أو ~~أحدهما في الغرفة. وهما لا يعلمان من أمرها إلا أنها متوعكة الصحة منحرفة المزاج. # وفيما هي مستلقية على سريرها، ووالدتها مشغولة ببعض أعمال المنزل، وأبوها خارج المنزل، ~~تذكرت تلك الورقة التي كانت سبب بلائها وشقائها، فأخرجتها من مخبئها، وأخذت تتأملها وتعيد ~~تلاوتها، وصور لقائها بحبيب في رحلة الأهرام تتتابع على لوحة مخيلتها، ثم تعقبها صورته مع ~~سلمى وهما يتأملان خطابها إليه ويضحكان ساخرين. وهنا لم تتمالك نفسها فانفجرت باكية وعلا ~~شهيقها حتى خشيت أن تسمعه والدتها، لكنها مع ذلك استمرت فيه لعله يخفف بعض ما ~~تعانيه. ~~••• # سمعت أدما بعد قليل طرقا على الباب الخارجي للمنزل، فعادت إلى ذهنها صورة حبيب حين كان ~~يأتي للزيارة، فأخذتها الرجفة واشتد خفقان قلبها. ثم سمعت الباب يفتح وصوت والدتها ينطلق ~~بعبارات التحية والترحيب. وما لبثت قليلا حتى دخلت عليها أمها ومعها والدة حبيب وشقيقته، ~~فلم تتمالك عواطفها عند رؤيتهما وأخذت في البكاء والنحيب، فهمت بها شفيقة وراحت تحتضنها ~~وتقبلها قائلة: «ما هذا يا عزيزتي، أتبكين هكذا كالأطفال لشعورك بصداع أو برد خفيف؟ لا ~~لا، إن عزيزتي أدما أشجع من هذا كثيرا، فهيا دعي عنك هذه الأوهام، واجلسي لنتمتع بحديثك ~~اللطيف كالمعتاد!» # وقبلتها والدة حبيب بدورها وأخذت تواسيها وتشجعها بمثل تلك العبارات. فلم يسعها إلا أن ~~تمسح دموعها وتجلس في فراشها متجلدة لتجاذبهما الحديث. ثم قالت لشفيقة شقيقة حبيب وهي تتكلف ~~الابتسام: «ترى ماذا جرى حتى خطرنا ببالك وجئت لزيارتنا بعد ذاك الغياب الطويل؟» # فردت عليها شفيقة وعلى فمها ابتسامة تنم عن ms106 طيبة قلبها وبساطتها وقالت: «إننا لا غنى ~~لنا عن زيارتكم، ولكنا منذ افترقنا بعد رحلة الأهرام اللطيفة كنا في شغل شاغل خطير، وقد ~~انتهى بخير والحمد لله.» # فلما سمعت أدما ذكر رحلة الأهرام هاجت أشجانها وكادت تعاود البكاء، لكنها جاهدت لتغالب ~~دموعها وتكبت عواطفها وقالت: «ماذا كان ذلك الشغل الشاغل، خيرا إن شاء الله؟» # قالت: «إن الخواجة سليم أصابته حمى على أثر تلك الرحلة، ونظرا إلى أنه يقيم وحده ~~بالقاهرة؛ لأن أسرته في الإسكندرية كما تعلمين، نقله أخي حبيب إلى منزلنا بحلوان لنقوم ~~بتمريضه وخدمته حتى يشفى. ثم حدث في اليوم التالي أن سافر حبيب إلى الإسكندرية دون أن يخبره ~~بذلك لكي يجيء من هناك بوالدته لتراه. فلما كان عصر ذلك اليوم، غادر سليم المنزل على أن ~~يتمشى قليلا في حديقة حلوان العامة لكنه لم يعد إلى المنزل ولم يخبرنا بالمكان الذي قصد ~~إليه. فلما عاد حبيب ووالدة سليم في صباح اليوم التالي، سقط في أيدينا جميعا، وحسبت والدة ~~سليم أنه مات أو انتحر يأسا من الشفاء، فانقلب جو المنزل إلى مثل جو المآتم. وزاد الطين ~~بلة أن حبيبا مضى إلى القاهرة مرتين للبحث عنه ولكنه لم يقف على أي أثر له. وهكذا أمضى ~~حبيب يومين متتاليين وهو يعاني متاعب السفر والبحث هنا وهناك، وضاعت كل محاولاتنا لتهدئة ~~روع والدة سليم. فلبثنا في ذلك الشغل الشاغل الخطير حتى صباح أمس إذ تلقى حبيب من سليم ~~خطابا من الإسكندرية أخبره فيه بسفره إليها اتفاقا وبعلمه من شقيقه هناك بأنه كان هناك في ~~اليوم السابق وعاد ومعه والدته، ثم طلب إليه أن يعيدها إلى الإسكندرية ففعل. وما كدنا نشعر ~~ببعض الراحة من كل ذلك العناء حتى جئنا لزيارتكم، فهل هناك بعد ذلك أي تقصير من جانبنا لا ~~سمح الله؟» # فسري عن أدما قليلا لوقوفها على سر تردد حبيب إلى منزل سلمى وسفره إلى الإسكندرية ~~وانصرافه عنها. لكنها بقيت في حيرة من أمر وجود خطابها الخاص إليه في غرفة سلمى. وأحبت أن ~~تعلم ms107 لماذا لم يأت مع والدته وشقيقته ما دام قد اطمأن على صحة صديقه سليم وأعاد والدته إلى ~~الإسكندرية، لكن الحياء أمسكها عن السؤال عنه. فاكتفت بأن تنهدت وقالت: «لقد أسفت جدا ~~لمرض الخواجة سليم، فالحق أنه من خير الشبان المهذبين الأوفياء، لكن هل مرضه كان لعلمه بمرض ~~سلمى؟ أم أنها هي التي مرضت لعلمها بمرضه؟» # فلم تفطن شفيقة لنكتة أدما، وقالت في دهشة: «كيف يكون هذا؟ أيمرض أحد لعلمه بمرض آخر؟ أم ~~أنت تقصدين انتقال العدوى؟» # فابتسمت أدما وقالت: «ألا تعلمين أنهما خطيبان، وبينهما محبة متبادلة؟» # فقالت: «أعلم هذا، ولكن مرضهما لم يكن بسبب العدوى لأنهما لم يتقابلا منذ رحلة الأهرام.» ~~ثم غيرت مجرى الحديث فجأة وقالت لأدما: «ما بالك لا تسألين عن حبيب وعدم مجيئه ~~معنا؟» # فبغتت أدما، وخفق قلبها واحمر وجهها، ثم تجلدت إذ فطنت إلى أن شفيقة خالية الذهن لا ~~تعلم شيئا عن علاقتها بشقيقها، وردت عليها بقولها: «لم أسأل عنه لأنه لا بد أن يكون ~~مشغولا بما لديه من أعمال.» # وكانت والدتاهما تسمعان تحاورهما ولا تفقهان أكثره لانهماكهما في حديث آخر. فاقتربت شفيقة ~~من أدما وهمست في أذنها قائلة وهي تبتسم: «إنه اليوم خال من العمل وقد تركناه في المنزل ~~وحده.» # فلم تفهم أدما من هذه العبارة إلا إصرار حبيب على هجرها والاستهانة بها، وعاودها حنقها ~~عليه فقالت وهي تجاهد لإخفاء شعورها: «وهل من الضروري أن يتوجه معكما حيث تتوجهان؟» # فقالت شفيقة: «كلا، ولكنه لم يتخلف عن المجيء معنا إلا لأمر مهم!» # فأجفلت أدما، ولم تعد تستطيع كتمان ما بها، فأشاحت بوجهها وقالت: «هو حر على كل حال، ~~وليس هناك ما يقتضي الاعتذار من تخلفه.» # فضحكت شفيقة وقالت: «الواقع أنه لم يتخلف إلا بسبب ما جئنا لزيارتكم اليوم خصيصى لأجله.» ~~ثم عادت إلى الضحك. # فازدادت أدما حيرة وارتباكا، ثم قالت متضجرة: «ما لك تتكلمين بالألغاز يا عزيزتي، وما ~~الذي يضحكك هكذا على غير عادتك؟» # فأغرقت شفيقة في الضحك، ثم التفتت إلى والدتها ووالدة أدما، فإذا بهما ms108 قد غادرتا الغرفة ، ~~فقالت: «ألم أقل لك؟ إنهما الآن ولا شك تتكلمان في الشأن المهم الذي جئنا للكلام ~~فيه.» # فقالت أدما وقد نفد صبرها: «أهناك سر لا يجوز لي أن أطلع عليه، أم ماذا هناك؟» واغرورقت ~~عيناها بالدموع. # فقالت شفيقة: «ليس في المسألة إلا ما يسرك ويسرنا جميعا، ولا أستطيع أن أصرح لك ~~الآن بأكثر من هذا، على أنك بذكائك المعهود تستطيعين أن تدركي كل ما هناك.» # قالت: «صدقيني يا عزيزتي إني لم أفهم أي شيء.» # فبدت الدهشة في وجه شفيقة، وتلفتت نحو باب الغرفة كأنها تحاذر أن يسمع أحد كلامها، ثم ~~همست قائلة: «لقد جاءت والدتي لتخطبك لحبيب، فهل فهمت؟» # فلما سمعت أدما ذلك، غلب عليها الحياء وخفق قلبها سرورا، لكنها لم تصدق النبأ، أو رأت ~~التظاهر بأنها لا تصدقه، فقالت: «دعينا بالله من مثل هذا المزاح، فليس هذا وقته، ولا هو مما ~~يليق بنا.» # فقالت شفيقة جادة: «وهل عهدتني أمزح بمثل ذلك؟ إني ما قلت لك إلا الحقيقة. ولولا ما ~~تعلمين من محبتي لك ما صرحت لك بشيء قبل أن تتم المحادثة في هذا الشأن بين والدتي ~~ووالدتك.» # فتحققت أدما أن الأمر جد ولا هزل، وكادت الدنيا لا تسعها لفرط سرورها، لكنها آثرت ~~التجاهل وقالت: «اسمحي لي أن أصرح لك بأني غير مستعدة لتصديق ذلك. وعلى كل حال يحسن أن ندع ~~هذا الحديث الآن.» ثم مدت يدها وأخذت تفحص نسيج الثوب الذي ترتديه شفيقة وقالت: «إنه نسيج ~~بديع ولا شك من أين اشتريته؟» # فهمت بها شفيقة وقبلتها ثم قالت وهي تنظر في عينيها: «إنك لا تتصورين كم أنا سعيدة ~~بخطبتك لحبيب، فأنا أحب كليكما كل الحب، وهذا ما كنت أتمناه مخلصة لكل منكما منذ عهد ~~بعيد.» # فلم تتمالك أدما نفسها من البكاء فرحا بهذه البشرى المفاجئة، وهمت بشفيقة فقبلتها ~~بدورها وهي تقول: «إن إخلاصك مما لا شك فيه.» # وبعد قليل عادت والدتاهما إلى الغرفة ووجهاهما يتألقان بشرا وسعادة، وجلسن يتحدثن في ~~مختلف الشئون العادية، ثم نهضت والدة حبيب ms109 وشقيقته فقبلتا أدما ، وودعتاها وأمها وانصرفتا ~~مشيعتين بعبارات المودة والاحترام. ~~••• # كان حبيب بعد أن ارتاح باله واطمأن على صديقه سليم، قد عاد إلى الحديث عن أدما مع والدته، ~~ثم اتفقا على أن تمضي هي وشقيقته لمحادثة والدتها في أمر خطبتها له، فإذا وجدتا منها ~~قبولا، ذهب هو لمقابلة أبيها وخطبها منه وأعلنا الخطبة رسميا. # فلما عادت والدته وشقيقته من مهمتهما، وجدتاه في انتظارهما بالمنزل نافد الصبر وعلى وجهه ~~آثار القلق والانقباض، فبشرته والدته بأن والدة أدما رحبت بخطبتها له مؤكدة أنها سعيدة ~~بذلك لما عهدته فيه من الأدب والكمال والنشاط في عمله. كما أكدت أن الخواجة سعيد والد أدما ~~لن يكون أقل منها ترحيبا وسرورا بهذه الخطبة. # فأشرق وجه حبيب ابتهاجا، ولكنه قلق لما سمعه من أن أدما منحرفة الصحة وكانت معتكفة في ~~فراشها حين زارتها والدته وشقيقته، ولم يهدأ باله إلا بعد أن أكدتا له أنها بخير، ولا تلبث ~~قليلا حتى تسترد عافيتها كاملة. ثم استشار والدته في أن يمر بمنزل أدما في اليوم التالي ~~بعد خروجه من الديوان لعيادتها، فقالت له: «إن العادة جرت بأن يمسك الشاب عن زيارة الفتاة ~~التي شرع في خطبتها حتى يتم عقد الخطبة رسميا.» فتكدر لذلك رغم أن والدته أكدت له أن ~~حرمانه من رؤية أدما لن يستمر أكثر من أيام معدودة ريثما يتم شفاؤها ثم مقابلته لأبيها ~~والاتفاق معه على خطبتها. # وفي اليوم التالي ذهب إلى مقر عمله في القاهرة كعادته، وفيما هو يفكر في أدما ومرضها وعدم ~~استطاعته زيارتها إلا بعد أيام، جاءه خطاب سليم من الإسكندرية يقول فيه: # أخي الحبيب وصديقى الحميم حبيب # عندي لك حديث طويل أرجئه إلى أن نجتمع قريبا بمشيئة الله، وإنما كتبت إليك هذا ~~الخطاب لكي تبادر بمقابلة سلمى وتبلغها فيما بينك وبينها أني شفيت من مرضي، وكل ما ~~أتمناه أن تكون هي في خير وعافية، وأن تصفح عن ذنوبي الكثيرة لديها صفح ~~الكرام. # هذا وإني لكبير الأمل في أن تبذل أقصى جهدك في إقناعها بزوال ms110 ما اعترض سبيل ~~خطبتنا من عقبات، وأن تواصل تعزيتها والترفيه عنها حتى أعود إلى القاهرة وألتقي ~~بكما بعد أيام، وحينئذ أسمعكما معا ذلك الحديث الطويل الذي أشرت إليه في أول هذا ~~الخطاب. وهو حديث طريف ينطوي على قصة ليس هناك ما هو أعجب منها، حتى أنها لتفوق كل ~~ما تخيله كتاب الروايات. # ولكم جميعا أزكى تحياتي وأشواقي. ودمت لصديقك. # المخلص: سليم # فلما أتم تلاوة خطاب سليم عجب لما تضمنه من الإشارة إلى ذلك الحديث الغريب، وأخذ يفكر ~~فيما عساه أن يكون، فرجح أنه يتعلق بما كان من معارضة والدة سليم في خطبته لسلمى. ~~وسر لنجاح مساعيه لديها في هذا السبيل، كما سر لقرب عودة صديقه سليم. # وما عاد إلى منزله في حلوان بعد انتهائه من عمله حتى خلا إلى والدته وأخبرها بالمهمة التي ~~كلفه سليم أن يقوم بها وقال لها: «إنني أخشى ألا تتاح لي فرصة أخلو فيها إلى سلمى لأبلغها ~~رسالة سليم؛ ولهذا أرجو أن تعاونيني على إنجاز هذه المهمة، فما قولك؟» # قالت: «هذا أمر سهل، وغدا أمضي أنا وشقيقتك معك إلى القاهرة لزيارة أسرة سلمى، ثم نبذل ~~جهدنا أنا وشقيقتك في أن نشغل والديها بالحديث لنتيح لك فرصة تبليغها رسالة سليم دون أن ~~يشعر أحد.» # فاستحسن رأي والدته وشكرها على عنايته بحل تلك المشكلة. ~~••• # كان اليوم التالي يوم جمعة ولا عمل لحبيب بالديوان، فاصطحب والدته وشفيقة إلى المحطة في ~~ساعة مبكرة من صباح ذلك اليوم، وما وصل بهم القطار إلى القاهرة حتى توجهوا من فورهم إلى ~~منزل سلمى، ففتحت لهم والدتها الباب ورحبت بهم وأدخلتهم غرفة الجلوس فسألتها والدة حبيب ~~عن صحة سلمى فقالت: «إنها ما زلت ملازمة فراشها وصحتها تزداد سوءا رغم تناولها الدواء ~~بانتظام، وأملنا في الله كبير، وهو القادر على أن يشفيها.» # وبعد قليل، وقفت شفيقة وقالت لها: «هل أستطيع الدخول على صديقتي سلمى في غرفتها الآن.» ~~قالت: «نعم.» # وقبل أن تغادر شفيقة غرفة الاستقبال، استوقفها حبيب، ثم التفت إلى والدة سلمى وقال: «هل ~~أستطيع ms111 أن أصحب شفيقة لرؤية سلمى والاطمئنان عليها؟» # فقالت: «ولم لا يا بني؟ إنها ستسر برؤيتكما ولا شك.» # فنهض ومضى مع شقيقته ودخلا غرفة سلمى، فإذا هي ممددة في سريرها وقد هزل جسمها وامتقع ~~لونها وغارت عيناها، وما كادت تراهما حتى انفجرت باكية لفرط تأثرها وتذكرها ما كان من أمر ~~سليم معها. فهمت بها شفيقة وقبلتها وأخذت في تسليتها والترفيه عنها محاولة بث الأمل في ~~الشفاء التام العاجل في نفسها، فازدادت سلمى بكاء وقالت: «إن ضعفي يشتد يوما بعد يوم، ~~وأحسب أني لن أغادر هذا الفراش إلا بعد أن أغادر الدنيا كلها.» # فلم تتمالك شفيقة من البكاء، وكاد حبيب يبكي معهما لولا أن تذكر المهمة التي جاء لأجلها، ~~وأن في إبلاغ سلمى رسالة سليم ما قد يخفف من ضعفها وحزنها، فتجلد ولبث ينتظر أن تسنح له ~~فرصة لأداء تلك المهمة. ثم سمعت شفيقة والدتها تناديها فنهضت ومضت إليها وهي في غرفة ~~الاستقبال مع والدة سلمى لترى ما تريد، فقالت لها والدتها: «إن خالتك - أي والدة سلمى - ~~متعبة ولا شك لكثرة ما لديها من الأعمال المنزلية، ولكنها أصرت على أن نشرب القهوة عندها، ~~فاشترطت عليها أن تصنعي القهوة أنت. فهيا يا بنيتي إلى المطبخ واصنعي لنا القهوة ~~المطلوبة.» فأشارت شفيقة برأسها موافقة، وانصرفت للقيام بهذه المهمة. # وفيما هي في المطبخ لاح لها أن تتسلل إلى البيت المجاور الملاصق لبيت أدما لتناديها وتأتي ~~بها لتفاجئها بمقابلة حبيب، وسرعان ما نفذت هذه الفكرة. ~~••• # عادت شفيقة إلى منزل سلمى ومعها أدما، ثم دخلت بها فورا غرفة سلمى وهي تضحك مقدما مما ~~تصورته من موقف شقيقها وخطيبته خلال لقائهما المفاجئ الذي دبرته. وكان حبيب قد أخرج خطاب ~~سليم إليه وتلاه على سلمى فلم تتمالك عواطفها وانفجرت باكية، وتأثر هو ببكائها فبكى بدوره ~~وأخذ يهمس في أذنها بعبارات التعزية والتشجيع. فما وقعت عليهما عينا أدما وهما في هذه الحال ~~حتى بغتت، وخيل لها أن حبيبا ما زال عالقا بسلمى كما رجحت ذلك من قبل، وأن سعي والدته ms112 ~~في خطبتها له لم يكن بإرادته وعلمه، فأخذها الغضب، ووقفت ترتجف من الغيظ، ثم حاولت التجلد ~~وحيت سلمى مستفسرة عن صحتها، وهنا نهض حبيب واقترب منها بعد أن أفاق من ذهول المفاجأة، ~~ومد يده لتحيتها فترددت في مد يدها إليه، ثم صافحته في برود من غير أن تنظر إليه أو ترد ~~عليه كلامه. وما لبثت أن غادرت الغرفة مسرعة نافرة، فانطلقت شفيقة في أثرها وهي تضحك، ~~وذهنها خال من حقيقة ما يعتلج في قلب أدما، فلما رأتها تغادر المنزل فورا عائدة إلى ~~منزلها، أخذت تناديها مستوقفة إياها، ولكن أدما لم ترد عليها ومضت في سبيلها لا تلوي على ~~شيء وقد أخذت الغيرة منها كل مأخذ. ~~«فلما وجدته جالسا بجانب سرير سلمى أخذها الغضب، ووقفت ترتجف من الغيظ.» # فعادت شفيقة إلى غرفة سلمى مندهشة من تصرف أدما، فأخذ حبيب يعنفها ويتهمها بالغباء ~~والجهل وانعدام الذوق لإدخالها أدما بغير استئذان، ولما علم منها أن أدما انصرفت غاضبة، ~~وعادت إلى منزلها فورا، اشتد غضبه وسألها عما جعل أدما تنصرف هكذا، فقالت: «لعلها غضبت من ~~برود استقبالك لها.» # فلم يملك نفسه وصاح بها قائلا: «اغربي من وجهي عليك اللعنة، ألم أقل لك إنك بلهاء لا ~~تفهمين شيئا ولا تحسنين صنعا قط؟!» # فخرجت دامعة العينين، وقلبها يكاد ينفطر غما وحسرة. ثم لاح لها أن تلحق بأدما في منزلها ~~لتقف على سر غضبها، فما كادت تصل إلى المنزل حتى وجدتها قد خلت إلى نفسها في غرفتها وراحت ~~تبكي بصوت مرتفع، وأمها في شغل عنها ببعض أعمال المنزل، فدخلت عليها وقالت لها: «شكرا لك ~~يا أدما، أعلمت أن حبيبا وبخني وأهانني لأنك دخلت عليه دون استئذان؟» # فردت عليها غاضبة وقالت: «وهل هذا ذنبي؟ إنما الذنب عليك أنت التي أدخلتني عليهما وهما في ~~خلوة يبكيان ويتشاكيان.» # فغضبت شفيقة بدورها لهذا الاتهام الذي لم تكن تتوقعه وقالت: «أية خلوة تعنين؟ وأي بكاء؟ ~~أتغارين على حبيب إلى هذا الحد؟ أين عقلك يا عزيزتي؟» # فصاحت أدما قائلة بلهجة التهكم والاستخفاف: «إنني ms113 مجنونة لا عقل لي يا سيدتي، ولهذا لا ~~أراني أصلح لمعاشرة أمثالكم من العقلاء!» # فوجمت شفيقة، وكفت عما كانت فيه من البكاء منذ طردها شقيقها من غرفة سلمى، وأخذت تجاهد ~~نفسها لتنسى ما شعرت به من الإهانة. لكنها ما لبثت أن سمعت أدما تستأنف كلامها قائلة: «أكان ~~من العقل يا سيدتي أن أفاجئ الشاب الذي خطبني يتناجى مع فتاة أخرى في غرفة مغلقة ليس فيها ~~معهما أحد، وهما يبكيان ويتشاكيان، ثم إذا وجدته قد أذهلته المفاجأة وارتبك ولم يدر كيف ~~يخفي الورقة التي كان يتلوها على فتاته المفضلة، تقدمت فركعت بين يديه، وقبلت قدميه متذللة ~~مستعطفة كي يغفر لي ما ارتكبته من جرم فظيع بتعكير صفو تلك الخلوة الجميلة؟ لا، لا يا سيدتي ~~إنني لا أقبل أبدا مثل هذا الوضع، ولا يمكن أن أضحي بكرامتي وأرضى لنفسي مثل هذا الخطيب ~~ولو كان أجمل من يوسف وأغنى من قارون.» # وهنا لم تعد شفيقة تملك أعصابها فقابلت ثورة أدما بمثلها وصاحت بها قائلة: «كفاك سخرية ~~وتهكما يا سيدتي، إننا ما زلنا على البر، ولم تعقد خطبتك لأخي بعد، وما دمت لا ترينه أهلا ~~لك فأنت حرة، ولك أن تختاري من هو كفؤ لك وأجدر منه بحبك واحترامك.» # وكانت والدة أدما قد سمعت صراخهما فأقبلت لترى ما هناك وقالت لهما: «ما هذا؟ ماذا ~~جرى؟» # فقالت أدما: «اتركيني يا أماه، إني لا أريد ذلك الرجل أبدا والموت خير لي من ...» # فقاطعتها شفيقة قائلة: «وهو أيضا لا يريدك فاطمئني.» ثم غادرت المنزل غاضبة باكية، وما ~~كادت تصل إلى العطفة المؤدية إلى منزل سلمى حتى لقيت والدتها وشقيقها خارجين منها، فروت ~~لهما الحكاية من أولها إلى آخرها وهي تبكي وتنتحب. فثارت ثائرة حبيب لاستهانة أدما به ~~ومصارحتها شقيقته بأنها تؤثر الموت على معاشرته، وتتهمه بأنه كان في خلوة مريبة مع سلمى، ~~فقال لشقيقته: «كفى بكاء يا شفيقة، إنني ما رغبت في خطبة هذه الفتاة إلا مندفعا بإعجابك ~~بأخلاقها وأدبها. وما دامت هذه حالها فلا رغبة لي ms114 فيها.» # ثم التفت إلى والدته وقال لها: «هل سمعت؟ وهل أدركت الآن لماذا كنت راغبا عن الزواج كل ~~ذلك الوقت.» # فقالت: «على رسلك يا بني، إن الفتيات كثيرات، ولك علي ألا تمضي أيام حتى أخطب لك من هي ~~أجمل وأغنى وأجدر بك.» ~~••• # مضت فترة غير قصيرة ساد فيها السكوت، ثم التفتت والدة حبيب إليه فجأة وقالت له: «يخيل ~~إلي أن هناك سوء تفاهم لم نقف بعد على تفصيله وأسبابه، فأنت تعرف كما أعرف أن العلاقة بين ~~شفيقة وأدما كانت على أتم ما يكون من الصفاء وتبادل المودة والتقدير، ولم يحدث بينهما قبل ~~ذلك أي شيء يبرر ما حدث. هذا إلى أنه حدث في منزل أدما، وكانت شفيقة بمثابة ضيفة عليها ~~هناك، ولم تجر العادة بأن يهين أحد ضيوفه. وعلى كل حال لا بد من وقوفنا بعد قليل على أسباب ~~ما حدث.» # فسكت حبيب ولم يجب، لاشتغاله بالتفكير في ذلك الأمر العجيب، أما شقيقته شفيقة فنظرت إلى ~~والدتها معاتبة ثم قالت والدموع تكاد تخنقها: «ما هذا الذي تقولين يا أماه؟ ألا تكفي ~~الأسباب التي أبدتها دليلا على أنها لا يمكن أن تصلح زوجة لحبيب؟ أم تريدين بعد هذا كله أن ~~نتذلل لها ونترامى على أقدامها لعلها تتنازل وتتفضل بقبول خطبة حبيب والتغاضي عن الاتهامات ~~التي ألصقتها به، كأنما الدنيا كلها ليس فيها من ترضى الزواج به غيرها؟!» # فأخذت والدتها في تهدئة خاطرها، والنصح لها بالصبر حتى تتكشف الحقيقة بعد قليل. # وما زالوا في مثل هذا الحديث حتى وصلوا إلى المحطة واستقلوا القطار عائدين إلى منزلهم في ~~حلوان. # | على الباغي تدور الدوائر # حاولت والدة أدما أن تلحق بشفيقة بعد خروجها غاضبة، لكنها لم تستطع اللحاق بها، ولم تستمع ~~هذه لندائها. فعادت إلى أدما وأخذت تسألها عما حدث وأدى إلى تلك القطيعة. فلم تجب أدما ~~واستمرت في بكائها حتى تفتت قلب والدتها شفقة عليها، وهمت بها فقبلتها قائلة: «لماذا ~~لا تصارحينني بالحقيقة، ألست والدتك؟» # فقالت: «نعم أنت والدتي وليس لي في الحياة من ms115 هو أعز منك ، ولهذا أؤكد لك أنني لم أعد أريد ~~حبيبا هذا ولا سواه.» # فقالت: «لكن ماذا جرى؟ ولماذا لا تريدينه وهو يحبك وقد أرسل والدته وشقيقته لخطبتك ~~له؟» # قالت: «إنه لا يحبني، بل يحب سواي، وقد تحققت ذلك بنفسي.» # فقالت: «عجيبة! ومن هي تلك التي يحبها، وكيف عرفت ذلك؟» # فسكتت أدما، ولكن والدتها ما زالت تلح عليها حتى علمت منها أنها لاحظت من قبل تردده على ~~منزل سلمى، ولاح لها أن بينهما محبة متبادلة، لكنها لم تلق بالا إلى ذلك. ولما علمت بأنه ~~أرسل يخطبها هي رجحت أنها كانت واهمة في محبته لسلمى، ولكنها فاجأتهما مصادفة منذ ساعة وهما ~~في خلوة يبكيان ويتشاكيان ويد كل منها في يد الآخر، ورأت من بغتتهما وارتباكهما ما أكد ~~لها تلك الحقيقة. # وعبثا حاولت والدتها أن تقنعها بأنها قد تكون واهمة؛ لأن سلمى مخطوبة لسليم صديق حبيب ~~منذ عهد بعيد وإن لم تعلن الخطبة رسميا، ولأن حبيبا لو كان يحب سلمى ما أرسل والدته ~~وشقيقته لخطبتها هي، إلى أن قالت لها: «وعلى كل حال، لنفرض أنه أحب سلمى من قبل، فإنه لا ~~يلبث بعد عقد خطبتكما وعقد خطبتها رسميا لسليم، أن ينسى ذلك الحب.» # وأخيرا، تم الاتفاق بينهما على ترك الحديث في هذا الشأن، وألا تذكرا شيئا منه أمام ~~أبيها، في انتظار ما يكون. ~~••• # كانت وردة قد تآمرت مع ابنتها إميلي على أن تخلو إلى سليم وتجتهد في حمله على وعدها ~~بالاقتران بها وإعلان خطبتهما في أقرب فرصة. وتم الاتفاق بينهما على أن تخرج وردة مع والدة ~~سليم للنزهة خارج المنزل بعد الغداء، ليخلو الجو لإميلي. # فلما انتهوا من تناول الغداء، وجلسوا في الشرفة يشربون القهوة ويتحادثون، قال سليم: «إني ~~أشعر باكتمال صحتي والحمد لله، وقد جاءني خطاب من وكيل مكتبي في القاهرة يتعجل عودتي ~~لمباشرة إحدى القضايا المهمة، وأرى أن أجيب هذا الطلب، وإن كنت أود من صميم قلبي ألا ~~أفارقكم.» # فبغتت إميلي ووالدتها لهذه المفاجأة، وهما لا تعلمان ما دار من ms116 الحديث في شأنهما بين سليم ~~ووالدته. واكتفت إميلي بأن تظاهرت بالبكاء جزعا من ذلك الفراق، بينما ابتدرته والدتها ~~قائلة: «إن صحتك يا بني أغلى وأهم من كل شيء، والأحسن أن تتريث حتى يتم شفاؤك، ثم تعود إلى ~~القاهرة بعد يومين أو ثلاثة.» # فقالت إميلي لوالدتها وهي تصوب سهام عينيها إلى سليم: «لا تلحي عليه يا أماه فلعله مل ~~الإقامة بيننا.» # فردت عليها والدته بقولها: «إن الإقامة معكم لا يمكن أن تمل ويا حبذا لو أنها دامت ~~إلى الأبد!» # وقال سليم: «ما أظن أن الأبد يكفي.» # فقالت وردة: «لو كان هذا صحيحا، ما رغبت في التعجيل بالرحيل، ولكن ماذا نصنع في حظنا؟ إن ~~المحبة لا تكون (بالنبوت)!» # فأخذ سليم يعتذر من تعجيل سفره بأن الضرورة الملحة هي التي اقتضته، وحرص على أن يظهر ~~لوردة وابنتها أنه لا يمكن أن ينسى فضلهما ولطفهما، إلى أن اقتنعتا بإصراره على السفر، ~~فقالت وردة: «إذن يحسن أن نقضي اليوم في النزهة على شاطئ البحر، كي يعاونك هواؤه النقي على ~~استعادة قواك.» # فقال سليم: «إنها نزهة جميلة ولا شك، ولكني أرى أن أنام قليلا بعد الغداء؛ إذ إنني متعود ~~ذلك.» # فوافقته وردة على أمل أن تخرج هي ووالدته في تلك النزهة ويخلو الجو لإميلي كي تظفر من ~~سليم بما تريدان من مكاشفتها بحبه إياها ورغبته في الاقتران بها. # على أن والدته اعتذرت من عدم استطاعتها الخروج، ولم تفارق غرفة سليم حتى استيقظ من نومه ~~بعد ساعة، متظاهرة بإعداد حقائبه للسفر في الغد. وما كاد يستيقظ حتى أعرب عن رغبته في أن ~~يمضي ليلته بمنزل شقيقه فؤاد؛ كي يودعه وقرينته قبل سفره بقطار الصباح، فلم تجد وردة وإميلي ~~بدا من النزول على رغبته بعد أن أصر عليها قياما بواجبه نحو شقيقه العزيز، ولأن منزله ~~أقرب إلى المحطة. ~~••• # أبت والدة سليم إلا أن تصحبه إلى القاهرة لكي ترى سلمى وتعتذر لها مما سببته لها من ~~المتاعب والآلام. وكان حبيب في استقبالهما على المحطة إذ أبرق إليه سليم بموعد ms117 وصولهما، ~~فعانق سليم مهنئا إياه بالشفاء، وقبل يد والدته مرحبا بها ودعاهما إلى الإقامة بمنزله ~~في حلوان، فشكراه وأجلا ذلك إلى ما بعد زيارة سلمى. فقال: «إذن أمضي لأحضر والدتي ونذهب ~~جميعا في هذه المهمة.» فوافقا على ذلك. # وما حان العصر حتى كان قد جاء بوالدته إلى غرفة سليم بالفندق، فعانقت والدة سليم وقبلته ~~مهنئة إياه بالسلامة، واعتذر إليها من مغادرته منزلها دون علمها، فقالت له: «ليس بيننا ما ~~يدعو إلى الاعتذار.» ثم جلست تتحدث هي ووالدته حديث المودة في مختلف الشئون. بينما انتحى ~~سليم وحبيب ناحية، فقص الأول حكايته مع سلمى، وقص الثاني حكايته مع أدما، ثم أخذا ~~يتضاحكان لما تخلل القصتين من سوء تفاهم أدى إلى ما وقعا فيه من مشكلات لم ينتهيا من حلها ~~بعد، واعتزما الانتقام من داود وسعيدة العجوز الماكرة على مساعيهما الدنيئة لحساب وردة ~~وابنتها. # ثم نهضا واصطحبا والدتيهما إلى منزل سلمى، فلما بلغوا منزل أدما في الطريق إليه اشتد ~~خفقان قلب حبيب وتطلع إلى شرفة غرفة أدما، فإذا هي مطلة منها، فم يعد يقوى على السير ووقف ~~في مكانه جامدا لا يستطيع رد بصره عن التطلع إليها، وحانت منها التفاتة إليه فلم تصدق أنه ~~هو أول الأمر، ثم رأته يشير إليها بالتحية ويومئ إليها أن تلحق به إلى بيت سلمى. فأخذت تنظر ~~إليه ذاهلة، ثم تحققت الأمر بعد أن تكررت إشاراته لها ووقعت عيناها على سليم بجانبه ولم تكن ~~لذهولها وارتباكها قد تنبهت إلى وجوده. فلم يسعها إلا أن تومئ إليه بأنها ستلحق به إلى ~~هناك، وانثنت داخلة من الشرفة حيث خفت إلى والدتها وأنبأتها بما حدث والبشر باد في ~~محياها قائلة: «ماذا ترين يا أماه؟ لعله عاد إلى صوابه وندم على ما فرط منه كما كنا ~~نؤمل!» # فوافقتها على هذا الرأي، وقالت لها: «سأذهب معك إلى هناك.» ثم تركت ما كانت تقوم به من ~~الأعمال المنزلية، وسارعت إلى ارتداء ثوب الخروج وقلبها لا يقل فرحا عن قلب ابنتها بهذا ~~الاتفاق السعيد. # أما ms118 سليم فلم يقو على مواجهة سلمى مفاجأة، لشدة خجله وندمه على ما فرط في حقها، فاقترح ~~أن تدخل والدته عليها أولا مع والدة حبيب لتقوم بمهمة التعارف بينهما، والتمهيد لمقابلته ~~إياها. ~~••• # كانت سلمى بعد أن زارها حبيب وتلا عليها خطاب سليم قد أذهلتها المفاجأة، وكادت ألا تصدق ~~رجوعه إلى حبها والإيمان بطهرها وعفافها ووفائها، ثم تحققت أن الخطاب بخطه الذي تعرفه كل ~~المعرفة. فأشرق وجهها، وشعرت بتحسن كبير في صحتها وما كاد حبيب ينصرف من عندها حتى دعت ~~إليها سعيدة خادمتها العجوز وقالت لها: «يلوح لي يا خالتي أن الله - جل شأنه - قد كتب لي ~~الخلاص من الشقاء والمرض.» # فأدركت سعيدة بدهائها أن لهذا التعبير علاقة بسليم، ولا سيما بعد زيارة صديقه حبيب لسلمى، ~~لكنها تظاهرت بالبشر والابتهاج وقالت: «خيرا يا بنيتي إن شاء الله، هل سمعت نبأ جديدا عن ~~سيدي سليم؟» # قالت: «نعم، أخبرني حبيب الآن بأنه آت إلينا بعد يومين أو ثلاثة.» # فأجفلت سعيدة خشية على حبوط مساعيها الدنيئة وقالت: «وماذا صنع مع تلك الفتاة التي علق ~~بها وذهب إلى الإسكندرية لخطبتها؟» # فقالت: «تخلص منها بعد أن تبين خطأه.» # فوجمت العجوز قليلا، ثم قالت: «وهل كتب لها خطابا اتهمها فيه بالغدر والخيانة كي يتخلص ~~منها؟!» # فأحست سلمى بانقباض عند سماعها عبارة العجوز، إذ أدركت أنها تشير إلى خطاب سليم الذي ~~حملته إليها، لكنها تجاهلت وقالت: «لا أدري كيف تخلص منها، وعلى كل حال متى حضر سنعرف كل ~~شيء.» # فسكتت سعيدة وخرجت من الغرفة متظاهرة بإنجازها بعض الأعمال، ثم غادرت المنزل خلسة وتوجهت ~~مسرعة إلى بيت داود، فقصت عليه ما سمعته، فقال لها: «هذا كله سببه حمق سيدتك وردة وتسرعها ~~عليها لعنة الله. فهي التي فضحتنا وسببت فشلنا بإرسالها إلى سليم خطأ ذلك الخطاب الذي كتبته ~~إلي، وجاءني بدلا منه الخطاب الآخر الذي كتبته باسم والدته تدعوه فيه إلى ~~الحضور.» # ثم واصل حملته على وردة ونعتها بكل نقيصة متأثرا بضياع آماله في المكافأة التي وعدته ~~بها. فلما طلبت إليه ms119 سعيدة أن يكف عن حملته على سيدتها، بادرها بالشتم ورفسها في بطنها ~~رفسة قوية أوقعتها على الأرض، فصرخت من شدة الألم، وانطلقت تسبه وتلعنه مما زاد في ثورته ~~وغضبه فاستأنف رفسها وهي توالي الصراخ حتى اجتمع عليهما الجيران والمارة، وخلصوها من بين ~~يديه وهي مشرفة على الهلاك. ثم جاء رجال البوليس، فحملوها إلى القسم بين الموت والحياة، ~~وقادوه مكبلا بالقيود للتحقيق معه في جريمة شروعه في قتلها. # | اجتماع الشمل # تفقدت سلمى سعيدة بعد انصرافها من غرفتها فلم تجدها بالمنزل، وعلمت أنها غادرته دون علم ~~والدتها، فقلقت لذلك، ثم اشتد قلقها حين جاء المساء دون أن تعود. وفيما هي كذلك سمعت طرقا ~~على باب المنزل، ثم سمعت والدتها ترحب بالقادمين وهي تقودهم إلى غرفة الاستقبال. وخفق قلبها ~~بشدة إذ طرق سمعها اسم سليم، وظنت نفسها واهمة، لكنها ما لبثت أن سمعت صوته هو نفسه فكاد ~~يغمى عليها من فرط الفرح، وازداد خفقان قلبها وبردت أطرافها، فسارعت إلى استنشاق بعض ~~الروائح العطرية، ولبثت ترهف سمعها فسمعت صوته وأصواتا أخرى عرفت من بينها صوت حبيب ~~ووالدته، وعجبت لسماعها صوت سيدة أخرى لا تعرفها. ثم شعرت باقتراب الأصوات ووقع الأقدام في ~~اتجاه غرفتها، فلم تعد ساقاها تقويان على حملها، وجلست على السرير محاولة التجلد. ثم فتح ~~باب الغرفة ودخلت والدتها ووالدة حبيب ومعهما سيدة متوسطة العمر بسيطة الملابس يفيض وجهها ~~بالطيبة والبساطة والوقار، فهمت سلمى بالوقوف لاستقبالهن فبادرتها هذه السيدة بالكلام ~~قائلة: «لا تتعبي نفسك يا حبيبتي!» وهمت بها فقبلتها في حنان وهي تقول: «سلمت ألف ~~سلامة، وسلم هذا الوجه اللطيف من كل سوء.» فقبلت سلمى يد السيدة شاكرة وعيناها تدمعان ~~تأثرا، وما كادت تسمع والدتها تقول: «هذه خالتك العزيزة والدة عزيزنا سليم.» حتى ازداد ~~تأثرها، وعادت إلى تقبيل يدها والدموع تنهمر من عينيها. # ثم تقدمت والدة حبيب وقبلتها بدورها، وقالت لها: «الحمد لله على سلامتك يا بنيتي.» ثم ~~جلسن حول سريرها وأم سليم لا تني عن التطلع إليها في إعجاب ملحوظ، معربة عن ms120 أطيب تمنياتها ~~لها بالشفاء التام والسعادة. # وبعد قليل قالت والدة حبيب لسلمى: «إن قلوبنا قد اطمأنت برؤيتك اللطيفة يا عزيزتي. ولكن ~~قلب سليم لا يطمئن إلا إذا حظي برؤيتك هو الآخر، فهل أدعوه من غرفة الاستقبال؟» قالت ذلك ~~ونهضت وهي تنظر إلى سلمى، فلما رأتها أطرقت حياء وسكتت، ومضت إلى غرفة الجلوس وعادت ومعها ~~سليم، وما كادت عيناه تقعان على سلمى حتى هاجت أشجانه لما شاهد من نحولها وذبول خديها وتكسر ~~أهداب عينيها، وهم بيدها فأمسكها مصافحا والعبرات تتساقط على خديهما وهما يرتجفان. وبقيا ~~كذلك هنيهة وهما لا يستطيعان الكلام، ثم قال سليم وهو ما زال ممسكا يدها: «اصفحي عني يا سلمى، اصفحي عن ظلمي وجهلي وحماقتي، إني لا أستحق الصفح ولكنك ملاك طاهر رحيم، وعفوك أعظم ~~من إساءتي مهما تكن قد سببت لك من الشقاء والعناء!» # وخنقته العبرات فعاد إلى سكوته وإطراقه، فشهقت هي الأخرى بالبكاء، وترنحت في وقفتها ~~وازداد امتقاع لونها، فأجلسها مترفقا على السرير، وجاءتها والدتها بزجاجة بها رائحة عطرية ~~رشت وجهها بقليل منها. فلما أفاقت نظرت إلى سليم وهو واقف أمامها في خشوع وقالت له: «إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا، وحسبي من الدنيا أنك عدت إلى اعتقادك بوفائي وإخلاصي.» # فشعر لدى سماعه ذلك منها بكثير من الارتياح، وتنهد ثم حاول الكلام ليشكرها فلم يستطع لفرط ~~تأثره وبكائه. فهمت والدته بسلمى وربتت كتفها قائلة: «إن هذا لأكبر دليل على عراقة أصلك ~~ونبل أخلاقك يا بنيتي. والحقيقة أني أنا المذنبة في حقك لا سليم؛ لأنني انخدعت بوشاية ~~المغرضين.» ثم أخذت هي الأخرى في البكاء. # وهنا نهضت والدة حبيب، فأجلست والدة سليم بجانب سلمى، وأجلسته أمامهما بينها وبين والدة ~~سلمى، وقالت: «الآن يجب علينا أن نحمد الله على اجتماع الشمل وحبوط مكايد الوشاة والحساد. ~~فلنترك البكاء ولنتهيأ للأفراح.» # ثم غيرت مجرى الحديث إلى مختلف الشئون العادية، فجلسوا جميعا يتجاذبون أطرافه في صفاء ~~وسرور. # وبعد قليل فوجئ الجميع بسماع ضحكات عالية في غرفة الاستقبال، ثم دخل حبيب ومعه أدما ~~ووالدتها ms121 وفي وجوههم دلائل البشر والابتهاج، وبعد أن حيوا سلمى وهنئوها بالسلامة وبعودة ~~سليم، انضموا إلى المجلس، واشتركوا في الحديث. ~~••• # كان حبيب قد آثر الانتظار وحده في غرفة الاستقبال حين مضت والدته لدعوة سليم إلى مقابلة ~~سلمى في غرفتها، ليفسح له المجال لإظهار عواطفه. وفيما هو كذلك جاءت أدما ووالدتها فوجدتا ~~الباب الخارجي للمنزل مفتوحا، فدخلتا وفوجئتا بوجود حبيب وحده في غرفة الاستقبال، فنهض ~~مرحبا بهما، وهم بيد أدما فأمسكها وأجلسها بينه وبين والدتها، ثم أخذ يشرح لهما حكاية ~~سليم وسلمى من أولها إلى آخرها، ومساعيه لإعادة الوفاق بينهما، إلى أن وصل إلى زيارته ~~الأخيرة لسلمى لتلاوة خطاب سليم عليها، وما تلا ذلك من دخول أدما مع شقيقته عليهما، ثم ~~انصرافها غيرانة غاضبة. فاعترفت أدما بأنها تسرعت وأخطأت بما تفوهت به أثناء ثورتها أمام ~~شفيقة. لكنها بقيت في حيرة من أمر خطابها إلى حبيب وكيف وصل إلى سلمى، فروى لها ما حدث من ~~أن سليما هو الذي عثر بذلك الخطاب اتفاقا حين كان مريضا بمنزلهم في حلوان، فظن هو الآخر ~~مثل ظنها وبعث الخطاب إلى سلمى وهو يحسبها كاتبته لمشابهة خطه خطها، متهما إياها بالغدر ~~والخيانة مما سبب مرضها الذي ما زالت تعانيه. # وهكذا صفا الجو بين حبيب وأدما، ثم نهضوا وهم يتضاحكون ودخلوا غرفة سلمى مسلمين ~~مهنئين. # وفيما هم جميعا هناك، جاء الخواجة سليمان، فرحب بالضيوف ولا سيما سليما ووالدته، وجلس ~~يشاركهم الحديث بعد أن اطلع على ما حدث باختصار. # ثم قالت والدة سليم لوالدة حبيب: «إن كل ما أتمناه الآن أن نحتفل جميعا في وقت واحد بعقد ~~خطبة سلمى لسليم وأدما لحبيب.» # فأطرقت سلمى وأدما خجلا، ووافق الجميع على ذلك، وقال حبيب: «لكي تتم فرحتنا، يجب أن ~~ننتقم أولا من داود الدساس الكذاب وسعيدة العجوز الماكرة.» # فضحك الخواجة سليمان وقال: «لقد أراحنا الله منهما وانتقم منهما أعذب انتقام.» # فعجب الجميع لهذا النبأ، والتفوا حوله مستفسرين عما حدث لهما، فقال: «مررت منذ ساعتين ~~بقسم البوليس فوجدت زحاما شديدا هناك، وعلمت ms122 أن رجلا حاول قتل امرأة عجوز، فقبض البوليس ~~عليه رهن محاكمته على هذه الجريمة وعلى ما اتهمته به المصابة من أنه حصل على جانب من ~~تعويضات الإسكندرية زورا وبهتانا. ثم رأيت بعض الجنود وهم يحملون العجوز المصابة إلى ~~المستشفى وهي بين الموت والحياة، وما كدت أرى وجهها حتى تبينت أنها عجوز النحس سعيدة ~~الماكرة الخبيثة. ولم أكن أعلم تفصيل ما وقفت عليه الآن من لؤمها وخبثها، وإن كنت لم أشعر ~~بالارتياح إليها منذ التحاقها بالخدمة هنا، فحزنت على ما أصابها ولعلها قد انتقلت الآن إلى ~~جهنم وبئس القرار.» # فقالت سلمى: «على الباغي تدور الدوائر.» وأمن الجميع على كلامها وهم يحمدون الله على أن ~~كفاهم مئونة الانتقام من تلك العجوز وصاحبها الخائن الجشع المحتال. # وأخيرا دعتهم والدة أدما إلى تناول العشاء في منزلها القريب فقبلوا الدعوة، وانتقلوا ~~جميعا إلى هناك حيث أمضوا السهرة مع الخواجة سعيد والد أدما، واتفقوا على تحديد يوم لعقد ~~خطبة سلمى وأدما، ثم احتفل بزفافهما معا احتفالا شائقا شهده جميع الأقارب والأصدقاء. ~~واكتفوا من الانتقام من وردة وابنتها بعد خيبة آمالهما بأن أرسلوا إليهما بطاقة من بطاقات ~~الدعوة إلى الاحتفال بزفاف سلمى وسليم، فكان لهذه الدعوة وقع دونه وقع السهام المسمومة على ~~قلبيهما، ولم تستطيعا تلبيتها طبعا حتى لا تزيد رؤية العروسين في أحزانهما وحسرتهما على ~~خيبة آمالهما. # وكان نبأ ما حدث لسعيدة وداود قد جاءهما قبل هذه الدعوة بقليل. # وظل أهل القاهرة زمنا طويلا وهم يتحدثون بأبهة ذلك الاحتفال وفخامته، وبما قاساه ~~المحتفل بهم من جهاد المحبين، إلى أن تكلل ذلك الجهاد بالنجاح. ms123