######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.LughaCarabiyya.Hindawi46813707 #META# Tags: linguistics #META# ID: 46813707 #META# Title: اللغة العربية كائن حي #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # تمهيد‏ # أدوار تاريخ اللغة‏ # العصر الجاهلي‏ # الألفاظ الأعجمية‏ # التغيير في الألفاظ‏ # اللغة العربية وحدها‏ # الألفاظ الإسلامية‏ # الألفاظ الإدارية‏ # الألفاظ العلمية‏ # الألفاظ العامة‏ # الألفاظ النصرانية واليهودية‏ # الألفاظ الدخيلة والمولدة في عصر التدهور‏ # النهضة العلمية الأخيرة‏ # لغة الحكومة المصرية في دواوينها‏ # الخلاصة‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # أدوار تاريخ اللغة‏ # العصر الجاهلي‏ # الألفاظ الأعجمية‏ # التغيير في الألفاظ‏ # اللغة العربية وحدها‏ # الألفاظ الإسلامية‏ # الألفاظ الإدارية‏ # الألفاظ العلمية‏ # الألفاظ العامة‏ # الألفاظ النصرانية واليهودية‏ # الألفاظ الدخيلة والمولدة في عصر التدهور‏ # النهضة العلمية الأخيرة‏ # لغة الحكومة المصرية في دواوينها‏ # الخلاصة‏ # | اللغة العربية كائن حي # | اللغة العربية كائن حي # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة # هذا كتاب صغير في بحث جديد، تنبهنا له ونحن ننشر الطبعة الثانية من كتابنا «الفلسفة ~~اللغوية»، لأن موضوعه تابع لموضوعها، أو هي خطوة ثانية في تاريخ اللغة باعتبار منشئها ~~وتكونها ونموها. فالفلسفة اللغوية تبحث في كيف نطق الإنسان الأول، وكيف نشأت اللغة ~~وتولدت الألفاظ من حكاية الأصوات الخارجية كقصف الرعد، وهبوب الريح، والقطع، والكسر، وحكاية ~~التف، والنفخ، والصفير ... ونحوها، ومن المقاطع الطبيعية التي ينطق بها الإنسان غريزيا ~~كالتأوه، والزفير. وكيف تنوعت تلك الأصوات لفظا ومعنى بالنحت، والإبدال، والقلب، حتى ~~صارت ألفاظا مستقلة وتكونت الأفعال والأسماء والحروف، وصارت اللغة على نحو ما هي ~~عليه. # وأما تاريخ اللغة فيتناول النظر في ألفاظها وتراكيبها بعد تمام تكونها، فيبحث فيما طرأ ~~عليهما من التغيير بالتجدد أو الدثور، فيبين الألفاظ والتراكيب التي دثرت من اللغة ~~بالاستعمال، وما قام مقامها من الألفاظ الجديدة والتراكيب الجديدة، بما تولد فيها ~~أو اقتبسته من سواها، مع بيان الأحوال التي قضت بدثور القديم وتولد الجديد، وأمثلة ~~مما دثر أو أهمل أو تولد أو دخل. وهو بحث لغوي تاريخي فلسفي قسمنا الكلام فيه إلى ~~ثمانية فصول باعتبار الأدوار التي مرت على اللغة، وهي: ~~(1) # العصر الجاهلي: ويتناول تاريخ اللغة من أقدم أزمانها إلى ظهور الإسلام. ~~أوردنا فيه أمثلة مما دخلها من الألفاظ الأعجمية من اللغات الحبشية، والفارسية، ~~والسنسكريتية، والهيروغليفية، واليونانية وغيرها، وأسندنا ذلك ~~إلى أسباب تاريخية. وذكرنا القاعدة ms01 في تعيين ~~أصول تلك الألفاظ، وأمثلة مما تولد في اللغة نفسها من الألفاظ الجديدة، ~~وأيدنا ذلك بمقابلة العربية بأخواتها، أو بالنظر إلى ألفاظها بحد ~~ذاتها. ~~(2) # العصر الإسلامي: ونريد به ما حدث في اللغة بعد الإسلام من الألفاظ الإسلامية ~~مما اقتضاه الشرع، والفقه، والعلوم اللغوية، ونحوها. ~~(3) # الألفاظ الإدارية في الدولة العربية: وتشمل ما دخل اللغة العربية من الألفاظ ~~الإدارية التي اقتضاها التمدن الإسلامي عند إنشاء دولة العرب، وهي إما دخيلة ~~وإما مولدة. ويتخلل ذلك بحث في كيفية انتقال اللفظ من معنى إلى ~~آخر. ~~(4) # الألفاظ العلمية في الدولة العربية: ويدخل فيها الألفاظ والتراكيب التي ~~اقتضاها نقل العلم والفلسفة من اليونانية وغيرها إلى اللغة العربية في العصر ~~العباسي. ~~(5) # الألفاظ العامة في الدولة العربية: وهي الألفاظ التي تولدت في اللغة، أو ~~دخلتها بغير طريق الشرع أو العلم، كالألفاظ الاجتماعية ونحوها. ~~(6) # الألفاظ النصرانية واليهودية: وهي ما دخل اللغة العربية من الألفاظ والتراكيب ~~السريانية أو العبرانية، بنقل الكتب النصرانية إلى العربية. ~~(7) # الألفاظ الدخيلة في الدول الأعجمية: وتتناول ما اكتسبته اللغة من الألفاظ ~~الأعجمية بعد زوال الدول العربية وتولي الدول التركية والكردية ~~وغيرها. ~~(8) # النهضة الحديثة: وفيها ما اقتضاه التمدن الحديث من تولد الألفاظ الجديدة، ~~واقتباس الألفاظ الإفرنجية للتعبير عما حدث من المعاني الجديدة في العلم، ~~والصناعة، والتجارة، والإدارة، وغيرها. # وصدرنا الكتاب بتمهيد في نواميس الحياة وخضوع اللغة لها، وختمناه بفصل في لغة الدواوين، ~~وخلاصة في مجمل ما تقدم. # على أننا نعد ما كتبناه في هذا الموضوع الجديد خواطر سانحة، فتحنا بها باب البحث ~~لأئمة الإنشاء وعلماء اللغة. فنتقدم إليهم أن يوفوا الموضوع حقه أو يزيدونا منه، لأنه ~~يحتاج إلى بحث كثير ودرس طويل، وقد أصبحت اللغة بعد هذه النهضة في العلم والأدب والشعر في ~~غاية الافتقار إليه، ليعلم حملة الأقلام أن اللغة كائن حي نام خاضع لناموس الارتقاء، ~~تتجدد ألفاظها وتراكيبها على الدوام، فلا يتهيبون من استخدام لفظ جديد لم يستخدمه العرب ~~له، وقد يكون تهيبهم مانعا من استثمار قرائحهم، وربما ~~ترتب على إطلاق سراح أقلامهم فوائد ms02 عظمى تعود على آداب اللغة العربية بالخير الجزيل. ولا ~~بد من اعتبار القواعد العامة والروابط الأساسية مما أشرنا إليه في محله، ناهيك بما ينجم ~~عن معرفة أصل الكلمة وتاريخها من تفهم معناها الحقيقي. # جرجي زيدان # | تمهيد # (1) نواميس الحياة # من أهم نواميس الحياة النمو أو التجدد، وهو ينطوي على دثور الأنسجة وتولد ما يحل ~~محلها، ومعنى ذلك أن الجسم الحي مؤلف من خلايا لكل منها حياة مستقلة إذا انفضت ~~ماتت الخلية وانحلت أجزاؤها وانصرفت، وتولدت في مكانها خلية جديدة تتكون من ~~العصارات الغذائية كالدم ونحوه، فالجسم الحي في انحلال وتولد دائمين، حتى قالوا: إن ~~جسم الإنسان يتجدد كله في بضع سنين، أي لا يبقى فيه شيء من المواد التي كان يتألف ~~منها قبلا. وبغير هذا التجدد لا يكون الجسم حيا، وإذا حدث في جسم الحيوان ما يمنع من ~~تجدد الأنسجة أسرع إليه الفناء، فالتجدد ضروري للحياة. # وحياة الأمة مثل حياة الفرد بل هي ظاهرة فيها أكثر من ظهورها فيه، لأن الأمة إنما ~~تحيا بدثور القديم وتولد الجديد، فكأن أفراد الأمة خلايا يتألف منها بدن تلك الأمة، ~~وهو يتجدد في قرن كما يتجدد جسم الإنسان في عقد من عقود تلك القرون. # وإذا تتبعنا نمو الأمة بتوالي الأجيال رأيناها تتفرع وتتشعب، فتصير الأمة الواحدة ~~أمما يتفاوت البعد بينها بتفاوت الأزمان والأحوال. وكل أمة من هذه تتشعب بتوالي ~~الدهور إلى أمم أخرى وهكذا إلى غير حد، وهو ما يعبرون عنه بناموس الارتقاء ~~العام. ~~(2) اللغة كائن حي # ويتبع الأحياء في الخضوع لهذه النواميس ما هو من قبيل ظواهر الحياة أو توابعها، ~~وخاصة ما يتعلق منها بأعمال العقل في الإنسان كاللغة، والعادات، والديانات، والشرائع، ~~والعلوم، والآداب، ونحوها. فهذه تعد من ظواهر حياة الأمة، وهي خاضعة لناموس النمو ~~والتجدد ولناموس الارتقاء العام. ولكل من هذه الظواهر تاريخ فلسفي طويل، نعبر عنه ~~بتاريخ تمدن الأمة أو تاريخ آدابها أو علومها أو حكومتها أو أديانها أو نحو ذلك، وهي ~~أبحاث شائقة فيها فلسفة ونظر، ومن هذا القبيل تاريخ اللغة ms03 وآدابها. ~~••• # والبحث في تاريخ اللغة على العموم يتناول: # أولا: # النظر في نشأتها منذ تكونها مع ما مر عليها من الأحوال قبل زمن ~~التاريخ، كتكون الأفعال والأسماء والحروف، وتولد صيغ الاشتقاق ~~وأساليب التعبير ونحو ذلك. والبحث في هذا كله من شأن الفلسفة اللغوية، ~~وقد فصلناه في كتابنا «الفلسفة اللغوية». # ثانيا: # النظر فيما طرأ على اللغة من التأثيرات الخارجية بعد اختلاط أصحابها ~~بالأمم الأخرى، فاكتسبت من لغاتهم ألفاظا وتعبيرات جديدة كما يقتبس ~~أهلها من عادات تلك الأمم وأخلاقهم وآدابهم، وما يرافق ذلك من تنوع ~~معاني الألفاظ بتنوع الأحوال مع حدوث صيغ جديدة وألفاظ جديدة. # ثالثا: # النظر في تاريخ ما حوته اللغة من العلوم والآداب باختلاف العصور وهو ~~«تاريخ آداب اللغة». # وهذا التقسيم تقريبي، إذ لا تجد حدا فاصلا بين هذه الأقسام. # وإذا تدبرت تاريخ كل ظاهرة من ظواهر الأمة كالآداب أو اللغة أو الشرائع أو غيرها، ~~باعتبار ما مر بها من الأحوال في أثناء نموها وارتقائها وتفرعها؛ رأيتها تسير ~~في نموها سيرا خفيا لا يشعر به المرء إلا بعد انقضاء الزمن الطويل. ويتخلل ذلك ~~السير البطيء وثبات قوية تأتي دفعة واحدة فتغير الشئون تغييرا ظاهرا، وهو ما ~~يعبرون عنه بالنهضة. وسبب تلك النهضات على الغالب احتكاك الأفكار بالاختلاط بين الأمم ~~على أثر مهاجرة اقتضتها الطبيعة من قحط أو خوف، أو يكون سبب الاختلاط ظهور نبي أو ~~مشرع أو فيلسوف كبير، أو نبوغ قائد طموح يحمل الناس على الفتح والغزو، أو أمثال ذلك ~~من أسباب الاختلاط. فتتحاك الأفكار وتتمازج الطباع، فتتنوع العادات والأخلاق ~~والأديان والآداب، واللغة تابعة لكل ذلك بل هي الحافظة لآثار ذلك التغيير، فتحتفظ بها ~~قرونا بعد زوال تلك العادات أو الآداب أو الشرائع، وإذا تبدل شيء منها حفظت آثار ~~تبدله. # وسنقتصر في هذا البحث على تاريخ اللغة العربية في دورها الثاني، وهو تاريخ ألفاظها ~~وتراكيبها بعد تكونها. # | أدوار تاريخ اللغة # باعتبار ما طرأ من التغيير على ألفاظها وتراكيبها بعد تكونها وارتقائها # إذا تدبرنا ما مر على اللغة العربية من المؤثرات ms04 الخارجية بعد تكونها وارتقائها حتى ~~اكتسبت ما اكتسبته من الألفاظ وضروب التعبير؛ رأيناها قد مرت في ثمانية أدوار أو عصور، ~~هي: ~~(1) # العصر الجاهلي: وفيه ما لحق اللغة من التنوع والتغير في ألفاظها وتراكيبها ~~قبل الإسلام. ~~(2) # العصر الإسلامي: أي أثر الإسلام في ألفاظ اللغة وتراكيبها. ~~(3) # الألفاظ الإدارية في الدولة العربية. ~~(4) # الألفاظ العلمية في الدولة العربية. ~~(5) # الألفاظ الاجتماعية ونحوها. ~~(6) # الألفاظ النصرانية. ~~(7) # الألفاظ الأعجمية في دول الأعاجم. ~~(8) # النهضة الحديثة. # | العصر الجاهلي # ويراد به الزمن الذي مر على اللغة العربية قبل الإسلام، ولا يمكن تعيين أوله لضياع ذلك ~~في ثنيات الدهور التي مرت قبل زمن التاريخ. ولكننا نعتقد أن اللغة العربية نشأت ونمت، أي ~~تميزت فيها الأسماء والأفعال والحروف، وتكونت فيها معظم الاشتقاقات والمزيدات؛ وهي لا ~~تزال في حجر أمها، أي قبل انفصالها عن أخواتها الكلدانية والعبرانية والفينيقية، وغيرها ~~من اللغات السامية. وبعبارة أخرى إن أم هذه اللغات، ويسمونها اللغة السامية أو الآرامية، ~~تم نموها فتكونت أفعالها وأسماؤها وحروفها واشتقاقاتها ومزيداتها، قبل أن تشتت ~~أهلها أو نزحوا إلى فينيقية وجزيرة العرب وما بين النهرين، حيث اختلفت لغة كل قوم منهم بعد ~~ذلك النزوح باختلاف أحوالهم، فتولدت منها اللغات السامية المعروفة. # فالساميون الذين نزلوا جزيرة العرب تنوعت لغتهم تنوعا يناسب ما يحيط بهم من الأحوال ~~أو يجاورهم من الأمم، فتميزت عن أخواتها بأمور خاصة هي خصائص اللغة العربية. وتشعبت هذه ~~اللغة في أثناء ذلك إلى فروع يختلف بعضها عن بعض باختلاف الأصقاع، وهي لغات الحجاز واليمن ~~والحبشة، وتفرعت لغة كل من تلك البقاع إلى فروع باعتبار القبائل والبطون مما لا يمكن ~~حصره، كل ذلك حدث قبل زمن التاريخ. # ويكفينا في هذا المقام البحث في لغة الحجاز وحدها، وهي اللغة العربية التي وصلت إلينا. ~~لقد كانت قبل تدوينها - أي قبل الإسلام - لغات عديدة تعرف بلغات القبائل، وبينها اختلاف ~~في اللفظ والتركيب، كلغات تميم وربيعة ومضر وقيس وهذيل وقضاعة وغيرها كما هو مشهور. ~~وأقرب هذه اللغات شبها باللغة السامية الأصلية أبعدها عن الاختلاط، وبعكس ذلك القبائل التي ms05 ~~كانت تختلط بالأمم الأخرى كأهل الحجاز مما يلي الشام وخاصة أهل مكة، وبالأخص قريش فقد كانوا ~~أهل تجارة وسفر شمالا إلى الشام والعراق ومصر، وجنوبا إلى بلاد اليمن، وشرقا إلى خليج ~~فارس وما وراءه، وغربا إلى بلاد الحبشة. # فضلا عما كان يجتمع حول الكعبة من الأمم المختلفة، وفيهم الهنود والفرس والأنباط ~~واليمنية والأحباش والمصريون، عدا الذين كانوا ينزحون إليها من جالية اليهود والنصارى. فدعا ~~ذلك كله إلى ارتقاء اللغة بما تولد فيها أو دخلها من الاشتقاقات والتراكيب مما لا مثيل له ~~في اللغات الأخرى. # وزاد ذلك الاقتباس خاصة على أثر النهضة التي حدثت في القرنين الأول والثاني قبل الإسلام ~~بنزول الحبشة والفرس في اليمن والحجاز، على أثر استبداد ذي نواس ملك اليمن وكان يهوديا ~~فاضطهد نصارى اليمن في القرن الخامس للميلاد وخاصة أهل نجران، فطلب إليهم اعتناق اليهودية ~~فلما أبوا قتلهم حرقا وذبحا، فاستنجد بعضهم بالحبشة فحمل الأحباش على اليمن وفتحوها ~~واستعمروها حينا وأذلوا ملوكها أعواما، ثم أنف أحد ملوكها ذو يزن فاستنجد بالفرس ~~على عهد كسرى أنوشروان فأنجده طمعا في الفتح، فأخرج الأحباش من اليمن بعد أن ملكوها 72 ~~عاما. وكانوا في أثناء ذلك يترددون إلى الحجاز وحاولوا فتحه في أواسط القرن السادس، فجاءوا ~~مكة بأفيالهم ورجالهم ولم يفلحوا، واهتم أهل الحجاز بقدوم الحبشة إلى مكة حتى أرخوا منه ~~وهو عام الفيل. ولما فتح الفرس اليمن أقاموا فيها واختلطوا بأهلها بالمبايعة والمزاوجة ~~وتوطنوا، وكانوا يقدمون إلى الحجاز وأهل الحجاز يترددون إليهم. # | الألفاظ الأعجمية # فكان لهذه النهضة تأثير كبير في اللغة العربية فتكاثرت ألفاظها ومشتقاتها، فلما جمعوا ~~اللغة بلغت صيغ أبنية الأسماء فقط بضع مئات، ثم صارت بعد ذلك ببضعة قرون ألفا ومائتين ~~وعشرة أمثلة، ناهيك بما دخلها من الألفاظ الغريبة وما اقتبسه من التراكيب الأجنبية، ولكن ~~أكثره ضاع فيها وتنوع شكله ولم يعد يتميز أصله. على أننا نستدل على تكاثر الألفاظ ~~الدخيلة في اللغة العربية بخلو أخواتها من أمثال تلك الألفاظ، فإذا رأينا لفظا في العربية ~~لم نر له ms06 شبيها في العبرانية أو الكلدانية أو الحبشية ترجح عندنا أنه دخيل فيها. وأكثر ~~ما يكون ذلك في أسماء العقاقير أو الأدوات أو المصنوعات أو المعادن أو نحوها، مما يحمل ~~إلى بلاد العرب من بلاد الفرس أو الروم أو الهند أو غيرها ولم يكن للعرب معرفة به من قبل، ~~أو في أسماء بعض المصطلحات الدينية أو الأدبية، وأكثر ذلك منقول عن العبرانية أو الحبشية ~~لأن اليهود والأحباش من أهل الكتاب. # ويقال بالإجمال إن العرب اقتبسوا من لغة الفرس أكثر مما اقتبسوا من سواها، ولذلك رأينا ~~أئمة اللغة إذا أشكل عليهم أصل بعض الألفاظ الأعجمية عدوها فارسية. ومن أمثلة ما ذكره ~~صاحب «المزهر» من الألفاظ الفارسية: «الكوز، الجرة، الإبريق، الطشت، الخوان، الطبق، ~~القصعة، السكرجة، السمور، السنجاب، القاقم، الفنك، الدلق، الخز، الديباج، ~~التاختج، السندس، الياقوت، الفيروزج، البلور، الكعك، الدرمك، الجردق، ~~السميذ، السكباج، الزيرباج، الإسفيذاج، الطباهج، الفالوذج، اللوزينج، ~~الجوزينج، النفرينج، الجلاب، السكنجبين، الجلنجبين، الدارصيني، ~~الفلفل، الكراويا، الزنجبيل، الخولنجان، القرفة، النرجس، البنفسج، النسرين، الخيري، ~~السوسن، المرزنجوش، الياسمين، الجلنار، المسك، العنبر، الكافور، الصندل، القرنفل.» ~~ا.ه. وعندنا أن بعض هذه الألفاظ غير فارسي كما سترى. # ومما اقتبسوه من اليونانية واللاتينية: الفردوس، والقسطاس، والبطاقة، والقرسطون، ~~والقبان، والأصطرلاب، والقسطل، والقنطار، والبطريق، والترياق، والقنطرة، وغيرها ~~كثير. # وأما ما نقلوه عن الحبشية فأكثره لا يدل على أصله لتغير شكله ولأن الحبشية والعربية أختان ~~تتشابه الألفاظ فيهما، والمشهور عند علماء العربية من الألفاظ المقتبسة من الحبشية ثلاثة: ~~كفلين، والمشكاة، والهرج. لكننا لا نشك في أنهم اقتبسوا كثيرا غيرها وخاصة ما يتعلق منها ~~بالاصطلاحات الدينية، من ذلك قولهم «المنبر» وهو عند العرب «مكان مرتفع في الجامع أو ~~الكنيسة يقف فيه الخطيب أو الواعظ»، وقد شقه صاحب «القاموس» من «نبر» أي ارتفع وفي ذلك ~~الاشتقاق تكلف، وعندنا أنه معرب «ومبر» في الحبشية أي كرسي أو مجلس أو عرش. # ومن هذا القبيل لفظ «النفاق» وهو عند العرب «ستر الكفر في القلب وإظهار الإيمان»، وقد ~~شقوه من «نفق» راج أو رغب فيه، وليس بين المعنيين تناسب ms07 ، واضطروا لتعليله إلى استعارة ~~خروج اليربوع من نافقائه فقالوا: «ومنه اشتقاق المنافق في الدين.» وهو تكلف نحن في غنى ~~عنه إذا عرفنا أن «نفاق» في الحبشية معناها الهرطقة أو البدعة أو الضلال في الدين، وهي من ~~التعبيرات النصرانية التي شاعت في الحبشية بدخول النصرانية فيها. # وكذلك لفظ «الحواري»، شقه صاحب «القاموس» من «حار» بمعنى البياض، وقال في معنى ~~الحواري إنه سمي بذلك لخلوص نية الحواريين ونقاء سريرتهم، أو لأنهم كانوا يلبسون الثياب ~~البيض. والأظهر أن هذه اللفظة معرب «حواري» في الحبشية ومعناها فيها «الرسول»، وهو ~~المعنى المراد بها في العربية تماما. # وكذلك «برهان»، وقد شقها صاحب «القاموس» من «برهن»، وشقها غيره من «بره» بمعنى القطع ~~وأن النون زائدة فيها. وهي في الحبشية «برهان» أي النور أو الإيضاح، مشتقة من «بره» عندهم ~~أي اتضح أو أنار. # وقس على ذلك كثيرا من أمثاله، كالمصحف فإنه حبشي من «صحف» أي كتب، والمصحف الكتاب. ~~ناهيك بأسماء الحيوانات أو النباتات أو نحوها، فإن «عنبسة» من أسماء الأسد عند العرب وهي ~~اسم الأسد بالحبشية. # وقد أخذوا عن العبرانية كثيرا من الألفاظ الدينية كالحج والكاهن والعاشوراء وغيرها، ~~وأكثرها نقل إلى الصيغ العربية لتقارب اللفظ والمعنى في اللغتين لأنهما شقيقتان. ويضيق ~~هذا المقام عن إيراد الأمثلة. # ولا ريب أن العرب اقتبسوا كثيرا من الألفاظ السنسكريتية ممن كان يخالطهم من الهنود في ~~أثناء السفر للتجارة أو الحج، لأن جزيرة العرب كانت واسطة الاتصال بين الشرق والغرب فكل ~~تجارات الهند المحمولة إلى مصر أو الشام أو المغرب كانت تمر ببلاد العرب، ويكون للعرب في ~~حملها أو ترويجها شأن. وقد عثرنا في السنسكريتية على ألفاظ تشبه ألفاظا عربية تغلب أن ~~تكون سنسكريتية الأصل لخلو أخوات العربية من أمثالها كقولهم «صبح» و«بهاء»، فإنهما في ~~السنسكريتية بهذا اللفظ تماما ويدلان على الإشراق أو الإضاءة، ولا يعقل أنهما مأخوذان ~~عن العربية لأن السنسكريتية دونت قبل العربية بزمن مديد. ونظن لفظ «سفينة» سنسكريتي ~~الأصل أيضا، وكذلك «ضياء». ولعلنا بزيادة درسنا اللغة السنسكريتية ينكشف لنا كثير ms08 من أمثال ~~ذلك. # على أننا نرجح أن العرب أخذوا عن الهنود كثيرا من المصطلحات التجارية وأسماء السفن ~~وأدواتها وأسماء الحجارة الكريمة والعقاقير والطيب مما يحمل من بلاد الهند، والعرب ~~يعدونها عربية أو يلحقونها بالألفاظ الفارسية تساهلا كالمسك مثلا، فقد رأيت صاحب ~~«المزهر» يعده فارسيا وهكذا يقول صاحب «القاموس»، وهو في الحقيقة سنسكريتي ولفظه فيها ~~«مشكا». وذكروا «الكافور» بين الألفاظ الفارسية، وهو هندي على لغة أهل ملقا ولفظه عندهم ~~«كابور». وقد ذكروا أيضا أن القرنفل فارسي، والغالب عندنا أنه سنسكريتي لأن أصله من الهند. ~~وقس عليه. ~~(1) القاعدة في تعيين أصول الألفاظ الأعجمية # وتعيين أصل اللفظ لإلحاقه باللغة المأخوذ منها يحتاج إلى نظر لا يكفي فيه المشابهة ~~اللفظية، إذ كثيرا ما تتفق كلمتان من لغتين في لفظ واحد ومعنى واحد ولا تكون بينهما ~~علاقة، وإنما يقع ذلك على سبيل النوادر بالاتفاق، إلا إذا دلت القرائن على انتقال ~~إحداهما من لغة إلى أخرى وساعد الاشتقاق على ذلك. # فإذا اتفق لفظان متقاربان لفظا ومعنى في لغتين، وكان بين أهل تينك اللغتين ~~علاقات متبادلة من تجارة أو صناعة أو سياسة؛ فإن لنا الظن أن إحداهما اقتبست من ~~الأخرى. فإذا كان ذلك اللفظ من أسماء المحاصيل أو المصنوعات أو الأدوات فيرجح لحاقه ~~باللغة السابقة إلى ذلك، كلفظ «المسك» مثلا فإنه موجود في العربية وفي الفارسية وفي ~~السنسكريتية وفروعها، فإذا عرفنا أن المسك يحمل إلى العالم من تونكين وتيبت ونيبال ~~والصين، وأن الهنود القدماء كانوا يحملون الطيب إلى الأمم القديمة ويمرون بسفنهم ~~ببلاد العرب؛ ترجح عندنا أن العرب أخذوا هذه اللفظة عن الهنود كما أخذها الفرس منهم، ~~أو لعلها انتقلت إلى الفارسية من العربية لأن الفرس يعدونها عربية كما يعدها العرب ~~فارسية، أو هي في الفارسية باعتبار أنها فرع من السنسكريتية كما هي في الإنجليزية بطريق ~~التفرع، وكما هي في اللاتينية لأنها أخت السنسكريتية، ومن اللاتينية انتقلت إلى ~~الفرنسية لأنها فرع من اللاتينية. # ويقال نحو ذلك في «كافور» فإن العرب يعدونها فارسية والفرس يقولون إنها عربية ، وهي ms09 ~~موجودة أيضا في السنسكريتية واللاتينية وفروعهما، فبأيها نلحقها؟ في مثل هذه الحال ~~يجب البحث في مصدر الكافور، فإذا علمنا أنه يصدر من اليابان والصين ومن ملقا وأن ~~اسمه باللغة الملقية «كابور»، ترجح عندنا أنه ملقي الأصل. # وكذلك «الزنجبيل» - الجذور المعروفة - فإن العرب يقولون إنها تعريب «شنكبيل» في ~~الفارسية والفرس يقولون إنها عربية، ولم نجد «شنكبيل» في القاموس الفارسي. وإذا بحثنا ~~عن اسم هذا العقار في اللغات الأخرى رأينا اسمه في اليونانية «زنجباريس» وفي ~~اللاتينية «زنجبار»، فأول ما يتبادر إلى الذهن أنه من «زنجبار» البلد المعروف وأنه ~~سمي بذلك لأنه كان يحمل منه أو لسبب آخر، فإذا رجعنا إلى منبت هذا العقار رأيناه ~~هنديا ورأينا اسمه في اللغة السنسكريتية «زرنجابيرا» مشتقة من «كرينجا» أو «زرنجا» أي ~~القرن لمشابهة جذوره به، فيترجح عندنا أنه سنسكريتي الأصل. # ومن هذا القبيل «الفلفل»، فإن العرب يقولون إنه فارسي والفرس يقولون إنه عربي، وهو ~~موجود أيضا بمثل هذا اللفظ في الإنجليزية والألمانية واللاتينية، ويوجد أيضا في ~~السنسكريتية ويلفظ فيها «ببالا» أو «فيفالا». ولما كان الفلفل من محاصيل الهند ~~وأجوده يرد من مالابار، نرجح أن هذه اللفظة سنسكريتية الأصل، ومعنى «ببالا» عندهم ~~أيضا «التينة المقدسة». # ويقال عكس ذلك في الألفاظ الدالة على محاصيل بلاد العرب أو حيواناتها، كالقهوة ~~مثلا فإنها موجودة في الفارسية وفي كل لغات أوروبا، فالأرجح أنها عربية الأصل لأن هذه ~~اللفظة كانت عند العرب قبل اصطناع القهوة اسما من أسماء الخمر، فأطلقوها على قهوة ~~البن. ومثل ذلك أسماء الجمل والزرافة والغزال وغيرها من أسماء الحيوانات العربية، ~~وربما كان بعضها مأخوذا في الأصل من لغة غير عربية. # وإذا كانت اللفظة المشتركة بين لغتين من قبيل المصنوعات، فإلحاقها بأصحاب تلك ~~الصناعة من الأمتين أولى، فقد اختلط العرب بالفرس وخاصة بعد الإسلام وأخذوا منهم كثيرا ~~من الملابس والأنسجة، ولم ينقلوها إلى لسانهم بل عربوها وأبقوها على ما هي، ~~كالسراويل والقباء (ومنها الجبة) والتبان والجورب والديباج والأرجوان والسرموج ~~والقفطان والطربوش والبابوج، كما فعل أهل هذا العصر بأسماء الملابس ms10 الإفرنجية التي ~~اقتبسوها من الإفرنج في تمدنهم الأخير كالبنطلون والجاكت واللستيك وغيرها. ~~••• # واقتبس العرب من الفرس كثيرا من ألوان الأطعمة وأنواع الأسلحة والفرش والأدوات ~~وأبقوها على لفظها الأعجمي، وهي كثيرة يضيق هذا المقام عن ذكرها، ومنها الجلاب ~~والجلنار والبنفسج والخشاف والخوذة والدسكرة والدولاب والدهقان والسرجين والسرداب ~~والطنبور والفرسخ وغيرها كثير، فإلحاقها بلغاتها الأصلية يسوغه أولا التاريخ لأنه ~~يدلنا على أن العرب اقتبسوا تلك المواد من الفرس، فإذا تأيد ذلك بالاشتقاق اللغوي ~~كان الدليل أثبت، مثل: «جلاب» فإنها مؤلفة في الأصل الفارسي من «كل آب» أي ماء الزهر، ~~و«خشاف» من «خوش آب»، و«سرداب» من «سرد آب»، أو «سردابه» بيت الثلج من «سرد» أي بارد ~~و«آب» ماء، والطربوش من «سربوش» أي غطاء الرأس، والبابوج من «بابوش» أي غطاء ~~القدم. # وكثيرا ما يكفي الاشتقاق اللغوي وحده في معرفة أصل اللفظة بشرط ملاحظة مقابلة ~~اللغات، فإذا وجدنا لفظة في العربية ومثلها في الفارسية أو اللاتينية أو اليونانية ~~مثلا ولم يساعدنا التاريخ على معرفة حقيقة أصلها، عمدنا إلى اشتقاقها وصيغتها. فإذا لم ~~يكن لها مجانس في أخوات العربية وكان لها ذلك في أخوات الفارسية أو اللاتينية أو ~~اليونانية، نرجح أنها من إحدى هذه اللغات، مثل «البلاط» بمعنى «قصر الملك» فقد ~~عدها العرب عربية وشقوها من البلاط المعروف لأن القصور تفرش به، ولكن هذه اللفظة ~~في اللاتينية # palaffum # ومعناها قصر الملك. فإذا ~~ادعى مدع أنها عربية الأصل وأن الرومان اقتبسوها من العرب، قلنا إن الرومان ~~يرجعون بأصلها إلى تل كان في رومية بهذا الاسم، نزل عليه أوغسطس قيصر وأقام فيه فسمي ~~قصره به. وإذا أعجزنا الدليل التاريخي عمدنا إلى الاشتقاق، فإن # pala # في السنسكريتية معناها الحامي أو المدافع، ~~وكان الملوك القدماء إنما يبنون القصور للتحصن بها. # وقد لا يهدينا التاريخ مطلقا، كما في لفظ «جاموس» فإن التاريخ لا يساعدنا على معرفة ~~أصلها هل هي عربية أو فارسية، فإذا رجعنا إلى الاشتقاق لم نر لها اشتقاقا في العربية، ~~أما في الفارسية فإنها مركبة من لفظين : «كاو» ثور ms11 أو بقرة، و«ميش» كبش، ولكن الجاموس ~~هندي الأصل ومعنى «جاوميشا» في السنسكريتية «البقرة الكاذبة». ~~(2) عود # وبالجملة فقد دخل العربية ألفاظ كثيرة من معظم اللغات التي كانت شائعة في التاريخ ~~القديم، ممن خالط العرب كالمصريين القدماء والحيثيين والفينيقيين والكلدان والهنود ~~والفرس، حتى الزنوج والنوبة وغيرهم مما لم يعد تمييز أصله ممكنا لتقادم عهده ~~واختلاف شكله. # ومن أمثلة ما أخذوه عن اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية لفظ «قبس» بمعنى الشعلة، ~~فهي في الهيروغليفية «خبس» ومعناها مصباح. # وبعض تلك الاقتباسات أخذها العرب رأسا عن أصحابها والبعض الآخر حملت إليهم على يد ~~الأمم الأخرى، كما نقل لهم اليهود لفظ «نبي» من اللغة المصرية القديمة «الهيروغليفية» ~~وأصل معناه فيها «رئيس العائلة» أو «رب المنزل»، وكما نقل لهم الفرس «الشطرنج» عن اللغة ~~الهندية السنسكريتية فحسبها العرب فارسية، وقالوا إنها تعريب «شتررنك» بالفارسية ~~ومعناها ستة ألوان، ولعلهم يريدون «ششرنك»، والصواب أنها لعبة هندية قديمة كانت تسمى ~~في اللغة السنسكريتية «شتورنكا»، أي الأجزاء الأربعة التي يتألف منها الجند عندهم وهي ~~الأفراس والأفيال والمركبات والمشاة، فأخذها الفرس عنهم نحو القرن السادس للميلاد، ثم ~~أخذها العرب عن الفرس فحسبوها فارسية وتكلفوا في تعليلها كما رأيت. # ولم يقتصر العرب على اقتباس الألفاظ من اللغات الأخرى واستبقائها على حالها، ولكنهم ~~صرفوها وشقوا منها الأفعال ونوعوا معناها على ما اقتضته أحوالهم، فقد شقوا من ~~لفظ النبي «نبأ» و«تنبأ» و«نابأ». وشقوا من «قبس» أفعالا وأسماء عديدة. # ومن هذا القبيل «اللجام» وهو من «لكام» في الفارسية، فشقوا منه أولا «ألجم الدابة» ~~ألبسها اللجام، و«التجمت الدابة» مطاوع «ألجم»، وجمعوا «لجام» على «لجم» ~~و«ألجمة»، ثم استخدموه مجازا فقالوا: «لجمه الماء»، أي بلغ فاه. وقالوا: «لفظ ~~لجامه»، أي انصرف من حاجته مجهودا من الإعياء والعطش. وقولهم «التقي ملجم» ~~أرادوا به أنه مقيد اللسان والكف. # و«المهر» الخاتم في الفارسية، استعاره العرب وبنوا منه فعلا فقالوا: «مهر ~~الكتاب»، أي ختمه بالمهر. # ومن ذلك ما شقوه من لفظ «ديوان» وهي أعجمية فقالوا: «دون»، أي كتب اسمه في ~~الجندية. # وقس على ذلك كثيرا ms12 من الألفاظ الدخيلة التي يعتقد العرب أنها عربية، وقد شقوا منها ~~الأفعال والأسماء، مثل: «سراب» وهي تعريب «سيرآب» في الفارسية، أي مملوء ماء. والزمهرير ~~من «زم أريز» بالفارسية، أي ضباب بارد. وجزاف من «كزاف» بالفارسية، أي العبث من الكلام. ~~والضنك من «تنك» في الفارسية ضيق، وقد شقوا منها أفعالا وأسماء ترجع إلى هذا ~~المعنى. # ثم إن أكثر ما أدخله العرب إلى لغتهم من الألفاظ الأجنبية، لم يكن له ما يقوم مقامه ~~في لسانهم. على أن كثيرا منه كانت له عندهم أسماء مشهورة لا يبعد أن يكون بعضها دخيلا ~~أيضا، فغلب استعمال الدخيل الجديد وأهمل القديم. من ذلك أن العرب كانوا يسمون ~~الإبريق «تامورة» والطاجن «مقلى» والهاوون «منحاز» أو «مهراس» والميزاب «مثقب» ~~والسكرجة «الثقوة» والمسك «المشموم» والجاسوس «الناطس» والتوت «الفرصاد» ~~والأترج «المتك» والكوسج «الأثط» والباذنجان «الأنب» والرصاص «الصرفان» ~~والخيار «القتد». فهذه الأسماء وأمثالها أهملها العرب قبل الإسلام بعد أن استبدلوها ~~بأسماء دخيلة، فعلوا ذلك عفوا بلا تواطؤ أو قصد وإنما هو ناموس النمو يقضي عليهم ~~بذلك. # | التغيير في الألفاظ # ذكرنا فيما تقدم أمثلة مما دخل اللغة العربية من الألفاظ الأجنبية قبل زمن التاريخ الذي ~~عبرنا عنه بالعصر الجاهلي، ونذكر الآن ما لحق ألفاظها الأصلية من التنوع والتفرع في ذلك ~~العصر، والأدلة على ذلك كثيرة نكتفي منها بالواضح الصريح، فنذكر أولا ما نستدل عليه من ~~مقابلة العربية بأخواتها العبرانية والسريانية، ثم ما تشهد به حال اللغة العربية ~~نفسها. ~~(1) مقابلة العربية بأخواتها # من الحقائق المقررة أن العربية والعبرانية والسريانية كانت في قديم الزمان لغة واحدة، ~~كما كانت لغات عرب الشام ومصر والعراق والحجاز في صدر الإسلام. فلما تفرق الشعب السامي ~~أخذت لغة كل قبيلة تتنوع بالنمو والتجدد على مقتضيات أحوالها، فتولدت منها لغات عديدة ~~أشهرها اليوم العربية والعبرانية والسريانية، كما تفرعت عربية قريش بعد الإسلام إلى ~~لغات الشام ومصر والعراق والحجاز وغيرها، ولكن الفرق بين فروع اللغة السامية أبعد مما ~~بين فروع اللغة العربية لتقيد هذه بالقرآن وكتب اللغة. فإذا راجعت الألفاظ السامية ms13 ~~المشتركة في العربية وأخواتها، رأيت مدلولاتها قد اختلفت في كل واحدة عما في ~~الأخرى. # والأدلة على ذلك لا تحصى، إذ لا تخلو المعجمات من شاهد أو غير شاهد في كل صفحة من ~~صفحاتها، فنكتفي بالإشارة إلى بعضها على سبيل المثال: فلفظ «الشتاء» في العربية مثلا ~~هو أصل مادة «شتاء» في «القاموس»، وكل مشتقاتها ترجع في دلالتها إلى معنى الشتاء (الفصل ~~المعروف)، فقالوا: شتا في المكان: أقام فيه شتاء، وشتا فلان: دخل في الشتاء، وأشتى ~~القوم إشتاء: أجدبوا في الشتاء ... إلخ. ولم يدلنا صاحب «القاموس» على أصل هذا المعنى ~~في هذا اللفظ، ولكنه أورد رأي المبرد في ذلك، فقال إن الشتاء جمع شتوة، وإن الشتوة ~~«الغبراء التي تهب فيها الرياح والأرض يابسة فيهيج الغبار.» وفي قوله تكلف. # على أننا إذا راجعنا هذه المادة في اللغات السامية رأينا الأصل في دلالتها «الشرب» ~~أو «الري» أو «الصب»، فهي كذلك في العبرانية والسريانية إلى اليوم، وقد شقوا منها الأفعال ~~والأسماء لمعان كثيرة ترجع إلى الري ونحوه، إلا فصل الشتاء فإنهم شقوا له كلمة من أصل ~~آخر يقرب منه لفظا. ويؤخذ من مراجعات كثيرة أن المادة الأصلية «شتا» كانت تدل على ~~الرطوبة أو الري في اللغة السامية، فلما تفرقت القبائل كما تقدم تولدت منها ~~المشتقات وتنوعت معانيها على مقتضى الأحوال، فتولد منها لفظ الشتاء للمعنى المعروف له ~~في العربية وأهمل معنى الشرب أو الري منها. ومع ذلك فلو تدبرت مشتقات هذه اللفظة ~~في أخوات العربية لرأيتها تختلف الواحدة عما في الأخرى. # وإذا بحثنا عن لفظ «شهر» في العربية بالمقابلة مع أخواتها، رأينا الأصل فيه الدلالة ~~على الاستدارة، ثم سموا القمر به لأنه مستدير، ثم أطلقه العرب على الشهر لأنهم كانوا ~~يوقتون بالقمر، على أن دلالته على القمر لا تزال باقية في العربية إلى اليوم، وكذلك ~~في السريانية «سهرا» تدل عندهم على الشهر والقمر. وأما العبرانية فإن للقمر فيها لفظا ~~مشتقا من مادة أخرى هي «يرح» والأصل في معناها «الدوران»، فاشتقوا منها «يارح» ~~للدلالة على القمر ms14 وعلى الشهر. ومن هذه المادة في العربية «رواح» أي العشي، فكانوا ~~يقولون: «راح فلان» أي جاء أو ذهب في العشي، أي إن أصل المعنى راجع إلى «العشي» بغير ~~تقييد بالذهاب أو المجيء مثل قولهم: أصبح وأمسى، ثم غلبت فيها الدلالة على الذهاب في ~~العشي، ثم صارت للدلالة على مطلق الذهاب. حدث كل ذلك التنوع بلا قصد ولا تواطؤ. # ومن بقايا «يرح» في العربية مادة أشكل على أئمة اللغة معرفة أصلها، فعدها بعضهم ~~فارسية وعدها آخرون يونانية واكتفى غيرهم بأنها غير عربية، وهي في الحقيقة سامية ~~الأصل نعني بها لفظ «آرخ» أو «ورخ» أو «أرخ» بمعنى وقت. والأظهر عندنا أنها من ~~بقايا اسم الشهر عندهم «يرح» - والإبدال بين الخاء والحاء هين - ومنه «التاريخ» تعريف ~~الوقت، ثم تنوع معنى هذه اللفظة فصاروا يدلون بها على علم التاريخ، أي ذكر الوقائع ~~والحوادث. # ومن هذا القبيل «كتب»، فإن الأصل في دلالتها «حفر في الحجر أو الخشب»، فالظاهر أنهم ~~استعملوها في أول عهدهم بالكتابة وكانوا يكتبون على الحجارة أو الخشب حفرا أو نحتا ~~شأن الكتابة عند الأمم القديمة، فلما صاروا يكتبون بالمداد على الرقوق أو الأقمشة ~~تحول معناها إلى الكتابة المعروفة ولم يبق لدلالتها على الحفر أثر في العربية، ~~وإن كنا نرى أثر ذلك في «قطب» ونحوها من تفرعات «قط» حكاية صوت القطع. فيلوح لنا أن ~~الأصل في دلالة كتب (أو قطب) على الحفر أنهم كانوا يقولون مثلا: «قط بالخشب»، أي قطع ~~في الخشب أو حفر الخشب، ثم ألصقوا الباء بالفعل فصار «كتب» أو «قطب»، كما ألصق عامتنا ~~الباء المذكورة بفعل المجيء فبدلا من أن يقولوا: «جاء به»، قالوا: «جابه»، وصرفوه ~~فقالوا: «يجيبه، وجابوه، ويجيبوه» بدلا من «يجيء به، وجاءوا به، ويجيئون به ...» # ومثل «كتب» أيضا «سطر»، فإنها كانت تدل في الأصل على الحفر، ثم تحول معناها ~~للدلالة على الكتابة للسبب عينه، ولا تزال «سطر» تدل على الحفر أيضا في العبرانية، ~~وأما في العربية فقد بقيت الدلالة على ذلك في لفظ مجانس لها هو «شطر» ms15 أو نحوها. # وكثيرا ما تحول المعنى في بعض الألفاظ بانتقاله من الكل إلى الجزء أو من الصفة إلى ~~الموصوف مثل «اللحم» في العربية، فإن معناها في اللغات السامية «الطعام» على إجماله، ثم ~~خصصه العرب بالدلالة على أهم الأطعمة عندهم وهو اللحم، وصار في السريانية يدل على ~~الخبز. # والأصل في «طبخ» الدلالة على «الذبح» واللفظان متشابهان، فتحول معناها في العربية ~~إلى معالجة اللحم للطعام، واستعملوا للذبح كلمة تقرب منها لفظا. # و«الملح» أصل دلالته في اللغات السامية كلها من «ملح أو ملأ» أي نبع الماء، ثم تحول ~~معناها إلى أكبر مستودعات الماء وهو «البحر»، ونظرا لظهور الملوحة في مياه البحر أكثر ~~من سائر صفاتها ولأن الملح يستخرج منها سموا الملح بها. والظاهر أن هذه اللفظة كانت ~~في أمهات اللغات السامية والآرية قبل تفرقها، فإن اسم البحر في اليونانية يشبه أن يكون ~~مبدلا من «ملح» أو أن تكون «ملح» مبدلة منه، وكذلك في اللغة السنسكريتية. # و«إنبو» كانت تدل في اللغة السامية الأصلية على «الثمر» عموما، وما زالت تدل على ذلك ~~في اللغة الآشورية، والآرامية. أما في العبرانية فقد أدغمت النون في الباء وعوض ~~عنها بالتشديد فصارت «آبه» بتشديد الباء، عملا بقاعدة جارية في نحو ذلك باللغة ~~العبرانية، ثم شقوا من هذه اللفظة فعلا فقالوا: «أبب» بمعنى أثمر. وأما في السريانية ~~فقد أصاب هذه اللفظة نفس ما أصابها في العبرانية، وصارت «آبا» وهي تدل عندهم على ~~الفاكهة كالتين والبطيخ والزبيب واللوز والرمان. وأما في العربية فقد حدث نحو ذلك، ولكن ~~«الأب» صار عندهم للدلالة على الكلأ والمرعى أو ما أنبتت الأرض، وقالوا: «الأب ~~للبهائم كالفاكهة للناس.» ~~••• # وتحولت «إنبو» أيضا بالإبدال إلى «عنبو»، ومنها «عنب» للدلالة على نوع واحد من ~~الأثمار هو ثمر الكرم، وهذه دلالتها الآن في اللغات العربية والعبرانية والسريانية، بعد ~~أن كانت تدل في أقدم أزمانها على الثمر عموما. # ويقال نحو ذلك في «عبد»، فإنها في اللغات السامية تدل على العمل وخاصة الحرث في ~~الحقل، ولم يبق من مشتقات «عبد» في العربية ms16 ما يدل على معناها الأصلي إلا ~~«المعبدة»، أي «المجرفة» أو «المحراث». وفيما خلا ذلك فإن «عبد» ومشتقاتها إنما تدل ~~على العبادة، ومنها «العبد» أي الرق و«التعبد»، لأن خدمة الحقول كان أكثرهم من ~~الأرقاء، ولما كان أكثر الأرقاء من الزنوج دل المولدون بلفظ العبد على الزنوج السود ~~خاصة. # ومن هذا القبيل «الثلج»، والأصل فيه الدلالة على البياض ثم أطلق على أشهر المواد ~~البيضاء. # وكذلك «مرء» فإن أصل دلالتها في اللغات السامية على القوة، ومنها إلى الرئاسة ومنها ~~إلى أقوى الكائنات وهو الإنسان، ولا تزال في السريانية تدل على الرب فقط، وهي عندهم ~~«مرا» أو «مريا». أما في العربية فغلبت فيها الدلالة على الرجل. وأما العبرانية ~~والسريانية فللدلالة على الرجل فيهما ألفاظ أخرى ترجع في أصل معناها إلى القوة، وكأن ~~هذا اللفظ قديم مشترك في أمهات اللغات فإنه في اللاتينية # Vir # ونحوه في الهندية. ~~••• # ولهذا السبب استعمل العرب «بعل» للزوج وهو يدل في الأصل على السيد أو الرب، ومنه ~~البعل أكبر آلهة الشعوب السامية ومنها «هبل» كبير أصنام الكعبة. ويظهر من مراجعة ~~أمهات اللغات الآرية أن هذا اللفظ انتقل منها إلى اللغات السامية قبل تفرق شعوبها، لأنه ~~في السنسكريتية «بالا» القوة، وفي اللاتينية قوي # Val-ere ~~... أو لعل الآريين نقلوه عن الساميين، أو كان في اللغة الأصلية ~~قبل افتراق الآريين عن الساميين. # ومن أمثلة ما فقد أصله من الألفاظ السامية في اللغة العربية وبقي فرعه لفظ «الشعر» ~~بمعنى المنظوم، فقد شقه صاحب «القاموس» من «شعر الرجل» بمعنى فطن وأحس، فقال: ~~«وسمي الشاعر شاعرا لفطنته وشعوره.» ويلوح لنا من خلال هذا التعليل تسامح لا يرتاح ~~إليه العقل، والأظهر عندنا أن «الشعر» مشتق من أصل آخر فيه معنى الغناء أو الإنشاد أو ~~الترتيل فقد من العربية وبقي في بعض أخواتها، ففي العبرانية أصل فعلي لفظه «شور» ~~ومعناه صات أو غنى أو رتل، ومن مشتقاته «شير» قصيدة أو أنشودة، وبها سمي نشيد ~~الأناشيد في التوراة وأمثاله من القصائد أو الأناشيد التي رتلها اليهود في أسفارهم أو ms17 ~~حروبهم، واليهود أقدم اشتغالا بالنظم من العرب. فالظاهر أن العرب أخذوا عنهم كلمة ~~«شير» للقصيدة أو الأنشودة، كما أخذوا غيرها من أسماء الآداب الدينية والأخلاقية، ~~وأبدلوا باءها عينا على عادتهم في كثير من أمثال هذا الإبدال فصارت «شعر»، أطلقوها على ~~الشعر بإجماله، فلما جمعت اللغة عدوا هذا اللفظ من مشتقات «شعر». # وأما أصل مادة «شور» فقد ذهب من العربية، والقياس في مقابلة الألفاظ بين العربية ~~والعبرانية يقضي أن تلفظ هذه الكلمة في العربية «سور» بالسين، ولا نجد في هذه المادة ~~عندنا ما يماثل هذا المعنى، إلا إذا اعتبرنا تسمية فصول القرآن سورا واحدتها «سورة» ~~فيكون المراد بها الأنشودة أو الترتيلة من قبيل التجويد. # ومن أمثلة تنوع المعاني أن لفظ «الورق» في العربية أصله من «يرق» اخضر، ومنه ورق ~~الشجر لاخضراره، ولا يزال من هذه المادة في العربية «اليرقان» للمرض المعروف، وهو ~~اخضرار الجلد أو اصفراره، وقد شقه صاحب «القاموس» من «أرق». # وقس على ذلك مئات من الأمثلة تشهد على ما لحق ألفاظ اللغة العربية من تنوع معانيها ~~ومدلولاتها قبل زمن التاريخ، باعتبار مقابلتها بألفاظ أخواتها السامية. # | اللغة العربية وحدها # على أننا لو اقتصرنا على مراجعة المعجمات العربية وحدها لاتضح لنا هذا الناموس بأجلى ~~بيان، إذ نرى للمادة الواحدة أو اللفظ الواحد عدة معان متفرعة من معنى واحد، ثم يتنوع ~~المعنى على مقتضيات الأحوال. ولا نحتاج في إثبات ذلك إلى إيراد الشواهد لأنه بديهي، وإنما ~~يحسن بنا أن نشير إلى أسباب ذلك التنوع وهي كثيرة، وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم من الكلام في ~~مقابلة الألفاظ العربية بألفاظ أخواتها كاشتقاق معنى الملح من البحر ومعنى الثلج من البياض، ~~وغير ذلك مما بينه تناسب في المعنى. # وقد تكتسب الكلمة معنى جديدا من عادة أو عقيدة، مثل قولهم: «بنى على أهله أو بأهله» ~~بمعنى تزوج، وليس في أصل فعل البناء هذا المعنى، وإنما اكتسبه من عادة كانت جارية عند ~~العرب، وهي أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة الزفاف. ومن هذا القبيل تحول ms18 معنى ~~القمر إلى الشهر لأنهم كانوا يوقتون بالقمر. # ومن أسباب زيادة النمو في اللغة العربية غير النحت والإبدال والقلب «التصحيف»، وهو ~~التبادل بين الحروف المتشابهة شكلا كالباء والتاء والثاء والنون والياء، أو الجيم والحاء ~~والخاء، أو الدال والذال، أو الراء والزاي، أو السين والشين. وقس عليه. # فمن أمثلة ما ورد بمعنى واحد وسببه التصحيف قولهم: رجل صلب وصلت، والدبر والدير، والكرت ~~والكرب، ورغات ورغاب، والجلجلة والحلحلة، وجاض وحاص، والنافجة والنافحة ... وهو كثير، وقد ذكر ~~منه علماء اللغة مئات. والغالب أن ذلك التصحيف لم يحدث إلا بعد تدوين اللغة، لأنه خطأ ~~بقراءة الخطوط. # ومما اختصت به لغة العرب من نتائج هذا النمو ورود الألفاظ الكثيرة للمعنى الواحد، فعندهم ~~للسنة 24 اسما، وللنور 21 اسما، وللظلام 52 اسما، وللشمس 29 اسما، وللسحاب 50 اسما، ~~وللمطر 84 اسما، وللبئر 88 اسما، وللماء 170 اسما، وللبن 12 اسما، وللعسل نحو ذلك، ~~وللخمر مائة اسم، وللأسد 350 اسما، وللحية مائة اسم، ومثل ذلك للجمل، أما الناقة ~~فأسماؤها 255 اسما ... وقس على ذلك أسماء الثور والفرس والحمار وغيرها من الحيوانات التي ~~كانت مألوفة عند العرب، وأسماء الأسلحة كالسيف والرمح وغيرهما، ناهيك بمترادف الصفات فعندهم ~~للطويل 91 لفظا، وللقصير 160 لفظا، ونحو ذلك للشجاع والكريم والبخيل مما يضيق المقام عن ~~استيفائه. # ومن خصائص اللغة العربية أسماء الأضداد، فإن فيها مئات من الألفاظ يدل كل منها على ~~معنيين متضادين، مثل قولهم: «قعد» للقيام والجلوس، و«نضح» للعطش والري، و«ذاب» للسيولة ~~والجمود، و«أفسد» للإسراع والإبطاء، و«أقوى» للافتقار أو الاستغناء. # ومن خصائصها أيضا دلالة اللفظ الواحد على معان كثيرة، فمن ألفاظها نيف ومائتا لفظ يدل ~~كل منها على ثلاثة معان، ونيف ومائة لفظ يدل الواحد منها على أربعة، وكذلك التي تدل على ~~خمسة معان. وقس على ذلك ما يدل على ستة معان فسبعة فثمانية فتسعة إلى خمسة وعشرين ~~معنى، كالحميم والفن والطيس. ومما تزيد مدلولاته على ذلك «الخال»، فإنها تدل على 27 معنى، ~~وللفظ «العين» 35 معنى، وللفظ «العجوز» 60 معنى. ms19 # فتكاثر المترادفات والأضداد ودلالة اللفظ الواحد على معان كثيرة، لا يحدث إلا من تفرع ~~ألفاظ اللغة ومعانيها بالنمو والتجدد وتكاثر الدخيل، وبالطبع لم يتكون للشيء الواحد مائة ~~اسم أو مائتان إلا بتوالي الأجيال، وأحدث تلك الألفاظ أكثرها استعمالا، وأقدمها أقربها إلى ~~الإهمال. # | الألفاظ الإسلامية # (1) العصر الإسلامي # نريد بالعصر الإسلامي في صدد اللغة العربية الزمن الذي مر باللغة بعد ظهور الإسلام ~~حتى كتبت العلوم الإسلامية، كالتفسير والحديث وسائر العلوم الشرعية واللغوية ونحوها، ~~إلى عصر النهضة العباسية. ولا مشاحة في أن الإسلام أثر في اللغة تأثيرا كبيرا كان ~~تابعا لتأثيره في العادات والآداب والاعتقادات. # ويدخل في ذلك ما طرأ على اللغة من الاصطلاحات الدينية والفقهية واللغوية والأدبية، ~~وما دخلها من الألفاظ الإدارية على أثر إنشاء الحكومة ودوائرها وفروعها، ثم الألفاظ ~~العلمية والفلسفية بترجمة كتب اليونان والفرس والهنود إلى العربية. # ولذلك قسمنا الكلام في العصر الإسلامي إلى ثلاثة فصول، نقتصر في هذا الفصل على ما دخل ~~اللغة العربية من التغيير بسبب العلوم الإسلامية، وهو ما عبرنا عنه بالألفاظ ~~الإسلامية، ونفرد لكل من التغييرات الإدارية والأجنبية فصلا خاصا. # فتأثير العلوم الإسلامية على اللغة يكاد يكون محصورا في تنويع الألفاظ العربية ~~وتغيير معانيها للتعبير عما أحدثه الإسلام من المعاني الجديدة، بلا إدخال ألفاظ أعجمية ~~إلا نادرا. ~~(1-1) الاصطلاحات الشرعية والفقهية # وأشهر ما حدث من التنوعات في الألفاظ العربية في العصر الإسلامي المصطلحات ~~الدينية والشرعية والفقهية واللغوية، وكانت ألفاظها موجودة قبل الإسلام ولكنها كانت ~~تدل على معان أخرى، فتحولت للدلالة على ما يقاربها من المعاني الجديدة، فلفظ ~~«المؤمن» مثلا كان معروفا في الجاهلية ولكنه كان يدل عندهم على الأمان أو الإيمان ~~وهو التصديق، فأصبح بعد الإسلام يدل على المؤمن وهو غير الكافر، وله في الشريعة ~~شروط معينة لم تكن من قبل، وكذلك المسلم والكافر والفاسق ونحوه. ومما حدث من ~~المصطلحات الشرعية الصلاة وأصلها في العربية الدعاء، وكذلك الركوع والسجود والحج ~~والزكاة والنكاح فقد كان لهذه الألفاظ وأشباهها معان تبدلت بالإسلام ~~وتنوعت. # وقس على ذلك في الاصطلاحات ms20 الفقهية، كالإيلاء والظهار والعدة والحضانة والنفقة ~~والإعتاق والاستيلاء والتعزير واللقيط والآبق والوديعة والعارية والشفعة ~~والمناسخة والفرائض والقسامة وغيرها. ~~(1-2) الاصطلاحات اللغوية # ويقال نحو ذلك في الاصطلاحات اللغوية التي اقتضتها العلوم اللغوية، كالنحو ~~والعروض والشعر والإعراب والإدغام والإعلال والحقيقة والمجاز والنقض والمنع ~~والقلب والرفع والنصب والخفض والمديد والطويل، وغيرها من أسماء البحور وضروب ~~الإعراب والتصريف وهي كثيرة جدا ولها فروع واشتقاقات ... حتى لقد أصبح للفظ الواحد ~~معنى فقهي، وآخر لغوي، وآخر عروضي، وآخر ديني، مما لا يمكن حصره. وسنذكر أمثلة ~~أخرى عند الكلام على اصطلاحات المنطق وعلم الكلام. # وأحدث الإسلام تغييرا كبيرا في أساليب التعبير كقولهم: «أطال الله بقاءك!»، فإن ~~أول من قالها عمر بن الخطاب لعلي بن أبي طالب. ~~(1-3) الألفاظ المهملة # وكما أحدث الإسلام ألفاظا جديدة للتعبير عن معان جديدة اقتضاها الشرع الجديد ~~والعلم الجديد، فقد محا من اللغة ألفاظا قديمة ذهبت بذهاب بعض اعتقادات الجاهلية ~~وعاداتهم، منها قولهم «المرباع» وهو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في ~~الجاهلية، و«النشيطة» وهي ما أصاب الرئيس قبل أن يصير إلى بيضة القوم، أو ما يغنمه ~~الغزاة في الطريق قبل الوصول إلى الموضع الذي قصدوه، و«المكس» وهو دراهم كانت ~~تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، وكذلك الإتاوة والحلوان. # ومما أبطل قولهم: «أنعم صباحا» و«أنعم ظلاما»، وقولهم للملك: «أبيت ~~اللعن!»، وقول المملوك لمالكه: «ربي»، وتسمية من لم يحج «صرورة»، وغير ذلك. وقد ~~نرى بعض هذه الألفاظ مستعملا في اللغة الآن، فهو إما مستعمل في غير معناه ~~الأصلي، وإما أنه قد أرجع إليه بعد إهماله. # على أننا لا نشك في إهمال كثير من الألفاظ العربية في القرنين الأولين للهجرة، ~~ولا سبب لذلك غير ما يقتضيه النمو من التجدد والدثور. يكفي لتحقيق ذلك مراجعة ~~المعجمات وتدبر ألفاظها، فإنك ترى فيها مئات وألوفا من الألفاظ التي بطل ~~استعمالها، ولا نظنهم جمعوها في صدر الإسلام إلا لأنها كانت شائعة على ألسنة ~~العرب. # وقد يعترض على ذلك أن تلك الألفاظ إنما أهملت في العصور الأخيرة، فلا ms21 ننكر ~~إهمال بعضها في هذه العصور، ولكن جانبا كبيرا منها أهمل في العصور الأولى فضلا ~~عما قل استعماله قبل الإسلام، حتى لقد كان أحدهم يسمع أعرابيا يتكلم فإذا ذكر ~~ألفاظا مهملة أغلق على السامع فهمها ولو كان لغويا: ~~••• # يروى عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: «بينما أنا في المسجد الحرام، إذ وقف علينا ~~أعرابي فقال: يا مسلمون - بعد الحمد لله والصلاة على نبيه - إني امرؤ من هذا ~~الملطاط الشرقي، المواصي أسياف تهامة، عكفت علينا سنون محش، ~~فاجتبت الذرى، وهشمت العرى، وجمشت النجم، وأعجت البهم، ~~وهمت الشحم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم، وغادرت التراب ~~مورا، والماء غورا، والناس أوزاعا، والنبط قعاعا، والضهل ~~جزاعا، والمقام جعجاعا، يصبحنا الهاوي، ويطرقنا العاوي. فخرجت لا ~~أتلفع بوصيده، ولا أتقوت بمهيده، فالبخصات وقعة، والركبات زلعة، ~~والأطراف فقعة، والجسم مسلهم، والنظر مدرهم، أعشو فأغطش، ~~وأضحى فأخفش، أسهل ظالعا، وأحزن راكعا! فهل من آمر بمير، أو ~~داع بخير، وقاكم الله سطوة القادر، وملكة الكاهر، وسوء الموارد، وفضوح المصادر؟!» ~~قال أبو زيد: «فأعطيته دينارا، وكتبت كلامه واستفسرت منه ما لم أعرفه.» وأبو زيد ~~الأنصاري من فطاحل أئمة اللغة. وأمثال هذه كثيرة في أخبار العرب. # | الألفاظ الإدارية # (1) مصالح الدولة # كانت مصالح الدولة قبل الإسلام عبارة عن مناصب كبار الأمراء من قريش في الكعبة، ~~كالسدانة والسقاية والرفادة والقيادة والمشورة والأعنة والسفارة والحكومة والعمارة ~~وغيرها، وكلها عربية يدل لفظها على معناها. فلما ظهر الإسلام وفتح المسلمون الشام ~~والعراق ومصر وفارس، أنشئوا على أنقاض دولتي الروم والفرس دولة دونوا فيها ~~الدواوين، ونظموا الجند، وسنوا القوانين على ما اقتضاه تمدنهم مما لم يكن له مثيل ~~في جاهليتهم، فاضطروا للتعبير عن ذلك إلى ألفاظ جديدة فاستعاروا بعضها من لغات القوم ~~الذين أقاموا بينهم وخاصة الفرس واليونان والرومان، واستعملوا لما بقي ألفاظا عربية ~~حولوا معانيها حتى تؤدي معاني تلك الموضوعات، كما فعلوا في الاصطلاحات الشرعية ~~واللغوية. ولو شئنا ذكر كل ما استحدث من تلك الألفاظ لما وسعه غير المجلدات، فنكتفي ~~بالأمثلة. ~~(1-1) الألفاظ الإدارية العربية # أول الألفاظ ms22 الإدارية التي استحدثت في الدولة العربية «الخليفة»، فإنها كانت ~~تدل في الأصل على من يخلف غيره ويقوم مقامه بدون تخصيص، ثم انحصر معناها فيمن يخلف ~~النبي وأول الخلفاء أبو بكر، ومنها صارت تؤدي معنى «السلطان يحكم بين الخصوم، ~~والسلطان الأعظم، والمحكم الذي يستخلف من قبله.» ويقال نحو ذلك في سائر مناصب ~~الدولة، كالوزارة والإمارة والنقابة والكتابة والحجابة والشرطة ونحوها. # فإن الوزارة كانت تدل على المعاونة، ثم تغير معناها باختلاف الدول واختلاف حال ~~الوزراء فيها، ويشتق دار مستتر لفظ الوزير من أصل فارسي قديم (بهلوي) هذا نطقه ~~«ويجيرا»، ومعناه حكم أو أقر. ~~••• # ومثل ذلك «الكاتب»، فقد رأيت فيما تقدم أن الأصل في دلالة «كتب» الحفر على الخشب ~~أو الحجر لأنهم كانوا يكتبون بالحفر، فلما كتبوا بالمداد صار معناها الكتابة ~~المعروفة. ولما ظهر الإسلام احتاجوا إلى من يكتب السور فكان الذين يكتبونها ~~يسمون كتبة الوحي، وكان بعضهم يكتبون بين الناس في المدينة. فلما تولى أبو ~~بكر استخدم كاتبا يكتب له الكتب إلى العمال والقواد، ولما تولى عمر ~~ودون الدواوين استخدم الكتبة لضبط أسماء الجند وأعطياتهم، فصار الكاتب يدل على ~~الكتابة والحساب. ولما استبد الكتاب في الدولة المصرية وغيرها صار الكاتب ~~بمعنى الوزير، ويراد بالكاتب الآن العالم المنشئ. # ومن ذلك لفظ «الدولة»، فقد كانوا يريدون «انقلاب الزمان، والعقبة في المال، ~~والفتح في الحرب»، ثم دلوا به على الملك ووزرائه ورجال حكومته، ولم يكن لها هذه ~~الدلالة قبلا. # و«الحجابة» تدل في الأصل على السر والمنع فالحاجب الساتر أو المانع، فكان حاجب ~~الخليفة من أصغر رجال الدولة. فلما ضعف الخلفاء واستبد الحجاب صار معنى الحاجب ~~عندهم مثل معنى الوزير. ~~••• # وقس على ذلك سائر مناصب الدولة، كالإمارة والشرطة والقضاء والحسبة والنقابة ~~والإمامة، وغيرها من اصطلاحات الجند كالمسترزقة والمتطوعة والعلوفة والعسكر، وضروب ~~الحرب وأبواب الهجوم كالزحف والكر والفر والبيات والكفاح والغرة، وصنوف الأسلحة ~~كالدبابة والكبش والعرادة وغيرها. ناهيك باصطلاحات الدواوين على إجمالها، كقولهم ~~الثغور والعواصم والإقليم والقصبة والعمل والولاية والضياع والحكومة والسكة ~~والتوقيع والوظيفة والخراج والجزية والعشور ms23 والمرافق والصوافي والجوالي والجباية ~~والوقف والمصادرة والمستغلات والصدقة والمكوس والمراصد ودار الضرب والضمان ~~والدفاتر والجرائد والخرائط والإيغار والراتب والجاري والعطاء والبيعة والدعوة ~~والختم والخطط والمطالعة والمؤامرة، وغير ذلك كثير جدا. # فالألفاظ المذكورة عربية الأصل وأكثرها معروف قبل الإسلام، ولكن مدلولاتها تغيرت ~~بتغير أحوال المسلمين بعد إنشاء دولتهم، إذ حدث بإنشائها معان جديدة اضطروا في ~~التعبير عنها إلى ألفاظ جديدة، فنوعوا ما عندهم إما عمدا أو عفوا فصارت إلى ~~ما هي عليه. # ف «الخراج» مثلا كان معناه في الجاهلية الكراء والغلة، ويدل ذلك على معنى ضرب ~~الخراج في الإسلام، فإنهم كانوا يعدون الأرض ملكا لهم وقد سلموها لأهلها على ~~سبيل الإيجار بالكراء، فصار معنى الخراج بعد ذلك «ما وضع على رقاب الأرض من حقوق ~~تؤدى عنها»، ثم صار الخراج مقاسمة أو مساحة أو سيحا أو سقيا، وأكثرها ألفاظ ~~جديدة لمعان جديدة. # و«الحكومة» كانت تدل في الجاهلية على الفصل بين المتخاصمين لأنها مصدر حكم أي ~~قضى، وتلك كانت أعمال صاحب الحكومة في الجاهلية، ثم تحول معناها إلى «أرباب ~~السياسة أو رجال الدولة». # و«السكة» في الأصل الحديدة المنقوشة التي كانوا يضربون عليها النقود، ثم سميت ~~النقود بها، واشتقوا منها الأفعال والأسماء لهذا المعنى. ~~••• # و«التوقيع» الأصل فيه «التأثير»، من قولهم: «وقع الوبر ظهر البعير توقيعا»: ~~أثر فيه، ثم استعملوه في الإسلام لما يوقعه الكاتب على القصص المرفوعة إلى ~~الخليفة أو السلطان أو الأمير، فكان الكاتب يجلس بين يدي السلطان في مجالس حكمه، ~~فإذا عرضت قصة (عرضحال) على السلطان أمر الكاتب أن يوقع عليها (يؤشر) بما يجب ~~إجراؤه، ثم تحول معناها إلى اسم علامة السلطان كالإمضاء عندنا. وعلى نحو هذا ~~النمط تحول معنى «الإمضاء» اليوم إلى التوقيع ومعناه في الأصل «التنفيذ»، فكان ~~توقيع السلطان على القصة عبارة عن أمر رجال الدولة في إمضائها أي تنفيذ توقيعه، ثم ~~تحول معناها إلى التوقيع أي وضع العلامة على الصكوك ونحوها. # ومن هذا القبيل «الوظيفة»، فإن الأصل في معناها «ما يقدر من عمل وطعام ورزق ~~وغير ذلك»، ومنها «وظف ms24 عليه الخراج ونحوه» أي قدره، فاستعملها كتاب الدولة ~~العربية لهذا المعنى مع بعض الانحراف فقالوا: «وظف الرجل توظيفا: عين له في كل ~~يوم وظيفة»، فالموظف هو الذي يأخذ الوظيفة أو الراتب، ثم توسعوا في لفظ الوظيفة ~~فدلوا بها على المنصب أو الخدمة المعينة، والمشهور أن استعمالها لهذا المعنى من ~~اصطلاحات هذا العصر، ولكنه أقدم من ذلك كثيرا فقد استعملها لهذا المعنى جماعة من ~~فحول الكتبة، كابن خلدون في مقدمته والمقريزي في خططه وغيرهما. وتولد في أثناء ~~تحول هذه اللفظة إلى هذا المعنى ألفاظ أخرى تقوم مقامها في معناها الأول، كالراتب ~~والجاري والماهية (وهذه فارسية الأصل من «ماه» شهر، والماهية الشهرية.) واستحدثوا ~~لفظة أخرى للمنصب لم يكن لها هذا المعنى من قبل وهي «الخطة»، فمعناها في «القاموس» ~~«الأرض التي تنزلها ولم ينزل بها نازل قبلك»، و«الخطة» بالضم «الخصلة وشبه القصة ~~والأمر والجهل» فاستعملوها بمعنى المنصب لعلاقة لا نعلمها، ومن ذلك قول ابن خلدون: ~~«الوزارة أم الخطط الإسلامية والرتب الملوكية.» ~~(1-2) انتقال اللفظ من معنى إلى آخر # وانتقال الألفاظ من معنى إلى آخر بلا علاقة ظاهرة بين المعنيين كثير في اللغة ~~العربية، ومنها الأضداد أي اللفظ ذو المعنيين المتضادين. وأسباب هذا الانتقال ~~كثيرة يصعب تتبعها في كل ما نراه من الاختلاف في معاني اللفظ الواحد أو مشتقاته، ~~لكننا نذكر أربعة منها على سبيل المثال: ~~(1) # دخول كلمة أعجمية لفظها يشبه لفظ كلمة عربية فيجعلونها من مشتقاتها، ~~كما فعلوا بالبلاط بمعنى القصر فإنهم أخذوها عن اللاتينية، فأشبهت لفظ ~~البلاط الحجر المعروف فجعلوها من مشتقات «بلط». # ومثل قولهم «تباشير»، فقد شقها «القاموس» من «بشر» فقال: «التباشير ~~البشرى ... وتباشير الصبح أوائله، وكذلك أوائل كل شيء، ولا يكون منه ~~فعل.» واللفظة فارسية مركبة من «تبا» مثل، و«شير» لبن، أي أبيض كاللبن. ~~وكان الفرس يدلون بها على بياض الصبح عند أول شروق الشمس، فاقتبسها ~~العرب منهم ودلوا بها على أوائل كل شيء وعلى البشرى. ~~(2) # استعمال لفظين معا لمعنى ثم إهمال أحدهما بالاستعمال التماسا ~~للاختصار، فيبقى الآخر للدلالة على ms25 ذلك المعنى، مثل قولهم: «ارتفاع» ~~بمعنى جباية، فيقولون: «ارتفاع الدولة» ويريدون مقدار جبايتها أي مجموع ~~دخلها. وليس في هذه اللفظة ما يلمح منه هذا المعنى ولا ذكره لها ~~«القاموس»، وأصل هذه الدلالة أنهم كانوا يستعملون «ارتفاع» مع لفظ ~~«جباية» فيقولون: «ارتفاع جباية الدولة»، أي مقدار ما بلغت إليه ~~جبايتها (من «ارتفع السعر» أي غلا)، ثم أسقطوا «الجباية» للاختصار فظلت ~~«ارتفاع» وحدها لنفس ذلك المعنى. # ومثل ذلك قولهم: «أشفى العليل» بمعنى «امتنع شفاؤه» (أي ضد معنى ~~المادة الأصلي الشفاء.) وسبب هذا التضاد أن «أشفى» من مشتقات «شفا» ~~الواوية بمعنى الإشراف أو الاقتراب، وليس من مشتقات «شفى» اليائية كما ~~أوردها «القاموس»، فكانوا يقولون: «أشفى المريض على الموت» أي أشرف ~~عليه، ثم اختصروه فقالوا: «أشفى المريض» لنفس هذا المعنى، والتبس على ~~صاحب «القاموس» أصل مادتها فعدها من مشتقات «شفى». # وكذلك قولهم «عقد له» بمعنى «ولاه»، وليس في مادة «عقد» ما يقرب ~~من هذا المعنى، ولا رأينا في «القاموس» أنها تستعمل لمعنى الولاية، ~~ولكنها كثيرة الورود في كتب التاريخ لهذا المعنى. والأصل في هذه ~~الدلالة أن الخلفاء في صدر الإسلام كانوا إذا وجهوا جيشا إلى حرب ~~عقدوا له الألوية وسلموها إلى الأمراء لكل أمير لواء، وكان توجيههم ~~إلى الفتح يتضمن معنى الألوية على البلاد التي يفتحونها، ثم صار ~~الخلفاء بعدهم يعقدون ذلك اللواء للأمراء عند توليتهم بعض الإمارات ~~فيقال: «عقد له اللواء على البلد الفلاني»، أي ولاه إياه، ثم ~~اختصروا فقالوا: «عقد له.» # ولمثل هذا السبب يستعمل كتابنا اليوم «برهة» بمعنى الزمن القصير ~~وهي تدل في الأصل على الزمن الطويل، فالظاهر أنهم كانوا يقولون: «برهة ~~قصيرة» أو «برهة وجيزة» للزمن القصير، ثم استعملوا «برهة» وحدها لهذا ~~المعنى. ~~(3) # تفرع اللفظ الواحد بالقلب والإبدال إلى ألفاظ كثيرة تدل على تفرعات ~~المعنى الأصلي، وأمثلة ذلك كثيرة في اللغة لا حاجة إلى ذكرها. ولكن قد ~~يتنوع المعنى ويبقى اللفظ على حاله فيندر أن يهتدى إلى سبب ذلك ~~التنوع، ومن أغرب الأمثلة على ذلك «جن» ومشتقاتها، فإنها تدل على ms26 معان ~~كثيرة ترجع إلى الظلمة والاختفاء والجنون والجن والجنة، ولا يخفى ما ~~بين هذه المعاني من التباين والتناقض. فلنتبع هذه اللفظة إلى أصلها ~~لعلنا نهتدي إلى تعليل هذا الاختلاف: # يظهر لنا أن هذه المادة قديمة في تاريخ اللغة، بدليل وجودها في جميع ~~اللغات السامية وأمهات اللغات الآرية، فهي في العبرانية والسريانية على ~~نحو ما هي في العربية لفظا ومعنى، وفي السنسكريتية «جان» الروح وكذلك ~~في الفارسية. ويظهر أنها حدثت والإنسان في أول أدوار حياته، أي يوم ~~كان المغول والآريون والساميون وغيرهم عائلة واحدة، لأن الصينيين يدلون ~~على الروح بنحو هذا اللفظ أي «تسن»، وأما في اليونانية واللاتينية فتدل ~~على الولادة أو التسلسل وهما من فروع المعنى الأصلي. و«جانا» في ~~السنسكريتية «مسكن الأرواح أو الآلهة»، ولعل هذا هو الأصل في دلالة لفظ ~~«الجنة» (الفردوس) في اللغات السامية أيضا. # ثم تنوقلت حكاية الخليقة عند الساميين أجيالا قبل تدوينها، فعرض ~~في أثناء ذلك انتقالهم إلى اعتقاد التوحيد فأثر هذا الانتقال على ~~معنى تلك اللفظة وتحول إلى ما نعلمه. فلما كتب سفر الخليقة كان ~~المعنى الأول قد تنوسي من اللغة العبرانية فضاع كما ضاع معنى لفظ ~~«عدن»، فأدى ذلك إلى الرجم في تفسيرهما بعد ذلك. أما في السنسكريتية ~~فلفظ «أدن» أو «عدن» معناه الأكل أو الطعام، وربما كان هذا هو المراد ~~بجنة عدن في حكاية سفر الخليقة، لأن الله خلق الإنسان ووضعه في «جنة ~~عدن» وغرس له فيها الأشجار ليأكل ومنعه من شجرة الخير والشر، كأنه ~~أقامه في جنة فيها أكل. ~~••• # ثم إن دلالة مادة «جان» أو «جن» على الروح في اللغات السامية لا يزال ~~أثرها باقيا في لفظ «الجان» العربية، والأصل في دلالتها «كل ما استتر ~~عن الحواس من الملائكة أو الشياطين» أي الأرواح على إطلاقها. وكان ~~اعتقاد الناس في سبب الجنون أنه حلول تلك الأرواح في المجنون، فعبروا ~~عن الجنون بلفظ مشتق من «الجان» فقالوا: «جن الرجل، على المجهول: ~~زال عقله أو فسد أو دخلته الجن.» ونظرا لاختفاء الأرواح عن حواس البشر ms27 ~~وخاصة عن أنظارهم، دلوا بتلك اللفظة على الظلمة والاختفاء أو الاستتار، ~~فقالوا: «جن الليل: أظلم، وجنه الليل: ستره»، فتعلل بذلك ~~تنوع معنى هذه اللفظة إلى المعاني الخمسة التي ذكرناها، وكل ما لمشتقات ~~هذه اللفظة من المعاني يرجع إلى أحدها. # ويحسن بنا في هذا المقام أن نتتبع تاريخ هذه اللفظة في الإفرنجية وما ~~يقابلها في اللغات السامية، فقد خسرت دلالتها على «الروح» في كل اللغات ~~الآرية (إلا الفارسية والسنسكريتية)، وصارت تدل على ما يقارب ذلك وهو ~~التوليد من # Gen # ومشتقاتها، ومنها # Genus # في اللاتينية ومشتقاتها ~~بمعنى الصنف من الناس، ويقابلها في العربية «جنس». ويقابل # Gen # في العربية «جيل»، واللفظ ~~والمعنى متقاربان. # ولم تخسر لفظة «جان» دلالتها على «الروح» إلا بعد أن تولد ما يقوم ~~مقامها، لأسباب ترجع إلى تغيير حدث في عادات الأمم أو اعتقاداتهم. وأهم ~~ما حدث في اعتقادات البشر الانتقال من الشرك إلى التوحيد، فلما اعتقد ~~الساميون بالتوحيد أصبحت الأرواح السماوية عندهم أي الملائكة خدما ~~للإله العظيم ينفذها حيث شاء لتبليغ أوامره أو نواهيه، فعبروا عن الروح ~~بلفظ «الرسول»، وهذا معنى «الملاك» في اللغات السامية فإنه اسم مفعول ~~من «مالك» أرسل، وأصل المادة «ملك» مشى أو سار، ومنها قولهم في التوراة ~~«ملاك الرب» أي رسول الله. وقد فقدت هذه المادة في العربية، ولا يزال ~~أثرها باقيا في «ألوكة» أي الرسالة. # وحدث نحو ذلك في اللغات الآرية، فإن معنى الملاك عندهم يرجع إلى # Angel # وهي مأخوذة من «أنجلوس» ~~اليونانية ومعناها «الرسول»، كأنهم ترجموا لفظ ملاك إلى لسانهم ~~حرفيا. ~~(4) # اكتساب اللفظ معنى جديدا من عادة شائعة، كما اكتسب لفظ «بنى» ~~معنى الزواج من ضرب القباب على العروس ليلة الزفاف، وجملة «عقد له» ~~معنى «ولاه» وقد تقدم ذكرها. # وبالجملة، فقد حدث في أثناء التغيير الإداري في الدولة الإسلامية ~~نهضة عظيمة، أحدثت تغييرا كبيرا في اللغة لفظا ومعنى، وليس ما ~~ذكرناه إلا أمثلة قليلة. ~~(1-3) الألفاظ الإدارية الأعجمية # أما الألفاظ التي اقتبسها العرب في أثناء إنشاء دولتهم فكثيرة أيضا، نأتي بأمثلة ~~منها: # من ms28 أقدم ما اقتبسوه من الألفاظ الإدارية الفارسية «الديوان» على عهد عمر ~~بن الخطاب، فإنه أول من دون الدواوين في الإسلام، فوضع الديوان على نحو ما كان ~~عند الفرس واستعار له اللفظ الفارسي، فاستعمله أولا للدلالة على ديوان الجند ~~فكانوا إذا قالوا «الديوان» أرادوا ديوان الجند فقط، ثم أطلقوه على سائر الدواوين ~~وألحقوا به ألفاظا تميز بينها، كديوان الإنشاء وديوان العرض وديوان الضياع وديوان ~~الخراج ... وهي كثيرة. ودلوا به على الكتاب الذي تدون فيه أسماء الجنود، فكانوا ~~إذا قالوا: «فلان من أهل الديوان» أرادوا أنه ممن أثبتت أسماؤهم في ذلك الكتاب، ~~ثم أطلق على كل كتاب، ثم انحصر في الدلالة على الكتب التي تجمع فيها الأشعار، ~~فإذا قالوا: «ديوان فلان» أرادوا به مجموع أشعاره. # ولما كان أهل الديوان يجتمعون في مكان واحد سموا ذلك المكان ديوانا، وأطلقوا لفظ ~~الديوان على كل مجلس يجتمع فيه لإقامة المصالح أو النظر فيها، والعامة تعبر ~~بالديوان عن المقعد. # وقس على ذلك كثيرا من الألفاظ الفارسية المتعلقة باصطلاحات الحكومة وخاصة الجند ~~والأسلحة ونحوها، كالخوذة والجامكية والجزية والدولاب والدلق ودهقان ~~والدانق ورستاق وسباهي والبريد وزنديق وكسرى ونيشان ويلمق والطراز ~~ونحوها. # والألفاظ اليونانية الإدارية قليلة في اللغة العربية، ومنها الأسطول والمنجنيق ~~والدرهم والبطاقة والقنداق والكردوس والليمان. # وإذا تدبرت تاريخ هذه الألفاظ في لغاتها الأصلية أو بعد انتقالها إلى العربية، ~~رأيت مدلولاتها تنوعت بتنوع الأحوال، فالدرهم مثلا الأصل فيه الدلالة على الوزن ثم ~~دلوا به على نقد وزنه درهم، ثم أطلق على النقود كلها. # وأما الألفاظ اللاتينية فمنها: البلاط (بمعنى قصر الملك) والدينار ~~والدمستق. # وربما أدخلوا ألفاظا تركية أو هندية أو كلدانية أو نبطية أو نحوها، مما يضيق ~~المقام عن استيفائه. # | الألفاظ العلمية # (1) العصر العباسي # نريد بالألفاظ العلمية ما اقتضاه نقل كتب العلم والفلسفة إلى اللغة العربية في العصر ~~العباسي من الألفاظ الجديدة، لتأدية ما جد من المعاني مما لم يكن له مثيل في لسان ~~العرب، كالمصطلحات الطبية والكيماوية والفلسفية والطبيعية والرياضية والفلكية ~~والمنطقية، وما ألحق بذلك من مصطلحات ms29 علم الكلام والتصوف ونحوهما. وشأن أهل العصر ~~العباسي في نقل تلك العلوم من اليونانية والفارسية والهندية وغيرها، مثل شأننا في نقل ~~علوم هذا العصر من الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها، بل هم كانوا أحوج منا إلى ~~اقتباس الألفاظ الأعجمية وتنويع المعاني العربية، لاستغنائنا عن كثير من ذلك بما وصل ~~إلينا مما اقتبسوه ونوعوه من تلك الألفاظ. # ولم تقتصر تلك النهضة العلمية على تنويع الألفاظ وتبديلها، ولكنها أحدثت تنويعا في ~~التعبير يسهل علينا تصوره لكثرته في نهضتنا هذه مما سنذكره في حينه. فالتغيير الذي أصاب ~~اللغة العربية بنقل كتب العلم والفلسفة قسمان؛ أحدهما في المفردات والآخر في التراكيب، ~~والتغيير اللفظي إما بتنوع الألفاظ العربية أو باقتباس ألفاظ أعجمية. ~~(1-1) الألفاظ العلمية العربية # هي ألفاظ عربية تنوعت معانيها للدلالة على ما حدث من المعاني الجديدة العلمية ~~والفلسفية، التي تنوعت من قبل للدلالة على المعاني الشرعية واللغوية والأدبية في ~~صدر الإسلام. # وأول تلك الألفاظ أسماء العلوم التي نقلت إلى لساننا أو حدثت فيه على أثر ذلك، ~~كالطبيعيات والإلهيات والرياضيات والمنطق والهيئة والجبر والمقابلة ونحو ذلك، مع ~~ما في كل علم من الاصطلاحات الخاصة به وهي كثيرة جدا. إليك أمثلة منها: # الألفاظ الطبية # فالألفاظ الطبية العربية لم يكن منها في الجاهلية إلا مفردات قليلة ~~كالحجامة والكي ونحوهما، فحدث منها ما يدل على فنون الطب كالكحالة والصيدلة ~~والتشريح والجراحة والتوليد. ومنها ما يختص باصطلاحات كل فن كأسماء الرطوبات ~~والأمزجة، والاختلاط من الحار والبارد والجاف واليابس، والسوداء، والصفراء، ~~والبلغم، والنبض، والتخمة، والإنذار، والهضم، والبحران، والمشاركات. # وأسماء الأدوية: كالمسخنات، والمبردات، والمرطبات، والمجففات، والمسهلات، ~~والتطولات، والمخدرات، والاستفراغات، والسعوطات، والأدهان، والمراهم، ~~والأطلية. # والكلمات الدالة على أثر تلك الأدوية، مثل: ملطف، ومحلل، ومنضج، ~~ومخشن، وهاضم، وكاسر الرياح، ومخمر، ومحكك، ومقرح، وأكال، ولاذع، ~~ومفتت، ومعفن، وكاو، ومبرد، ومقو، ومخدر، ومرطب، وعاصر، وقابض، ~~ومسهل، ومدر، ومعرق، ومزلق، ومملس، وترياق، وغير ذلك. # ومن الألفاظ الجراحية: الفسخ، والهتك، والوثي، والرض، والخلع، والفتق، ~~وتفرق الاتصال، ومفارقة الوضع، والجبار وغيره. # ناهيك بأسماء الأمراض أو أعراضها: كالصداع، والكابوس، ms30 والصرع، والتشنج، ~~واللقوة، والرعشة ، والاختلاج، والسرطان، والسلاق، والشترة، والشرناق، ~~والخانوق، والذبحة، والربو، وذات الجنب، وذات الرئة، والجهر، والضمور، ~~والخفقان، والغثيان، واليرقان، والاستسقاء، والدبيلة، والإسهال، والزحير، ~~والسحج، والسدد، والهيضة، والبواسير، ونحو ذلك مما لا يمكن حصره. # ومن أوصاف الأمراض: أنواع الحميات كالمزمنة، والحادة، والمختلطة، والغب، ~~والمطبقة، والربع، والدق، وغيرها. غير الألفاظ التشريحية: كأسماء الأوعية ~~الدموية، ورطوبات العين، وسائر الأعضاء الباطنة التي لم يكن العرب ~~يعرفونها. # ولأكثر الألفاظ الطبية العربية معان لغوية عرفها العرب قبل عصر العلم، فلما ~~احتاجوا إلى المعاني الجديدة استعملوا من تلك الألفاظ ما يقرب معناه من المعنى ~~المقصود. # الألفاظ الرياضية # ويقال نحو ذلك في الألفاظ الكيماوية، والرياضية، والفلكية، وسائر العلوم ~~الطبيعية مما يضيق هذا المقام عن استيفائه، وقد يلزم لاصطلاحات كل علم كتاب ~~بذاته. # فمن أمثلة الألفاظ الفلكية أكثر أسماء الأبراج، والأفلاك، والمصطلحات ~~الفلكية، والأزياج، وما يحلق ذلك كالرصد، والتعديل، والتقويم، والخسوف، ~~والكسوف. # ومن الألفاظ الرياضية في الهندسة والحساب والجبر ما لا يحصى كالمماس، ~~والمخروط، والمثلث، والمربع، وغير ذلك. # الألفاظ الفلسفية والمنطقية والكلامية # وأما الفلسفة والمنطق فاصطلاحاتهما تفوق الحصر. ومن العلوم التي اقتضاها ~~التمدن الإسلامي بعد نقل الفلسفة والمنطق إلى لسان العرب، علم الكلام والتصوف ~~مع التوسع في الفقه والأصول، وقد كان لهذه العلوم تأثير كبير في اللغة العربية ~~فنوعت ألفاظها وأحدثت فيها ألفاظا جديدة، وذلك كقولهم: الكون، والظهور، ~~والقدم، والحدوث، والإثبات، والنفي، والحركة، والسكون، والمماسة، والمباينة، ~~والوجود، والعدم، والطفرة، والأجسام، والأعراض، والتعديل، والتحرير، والمصاف ... ~~من اصطلاحات علم الكلام. والهاجس، والمريد، والمراد، والسالك، والمسافر، ~~والسطح، والقطب، والهيبة، والأنس، والبقاء، والعناء، والشاهد، والفترة، ~~والمجاهدة ... من اصطلاحات التصوف. # وقد تكاثرت الاصطلاحات الكلامية والصوفية والفقهية والأصولية حتى صارت ~~تعد بالألوف، فاضطروا إلى وضع المعجمات الخاصة لتفسيرها وشرح ما اكتسبته ~~من المعاني المختلفة باختلاف تلك العلوم. ومن أشهر تلك المعجمات كتاب ~~«التعريفات» للجرجاني في نيف ومائة صفحة، و«كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي في ~~نحو ألفي صفحة كبيرة، و«كليات أبي البقاء» في أربعمائة صفحة، و«اصطلاحات ~~الصوفية» الواردة في الفتوحات المكية، وغيرها. فإذا ذكروا لفظا ms31 أوردوا معناه ~~اللغوي ثم معناه الاصطلاحي في الفقه أو الكلام أو التصوف أو الأصول، مع ما ~~يناسب ذلك من المعاني الرياضية أو الطبيعية أو النحوية، وقد يغفلون المعنى ~~اللغوي على الإطلاق. # فيقول الجرجاني في لفظ «القياس» مثلا: «القياس في اللغة عبارة عن التقدير، ~~يقال: «قست النعل بالنعل» إذا قدرته وسويته، وهو عبارة عن رد الشيء إلى ~~نظيره. وفي الشريعة عبارة عن المعنى المستنبط من النص لتعدية الحكم من المنصوص ~~عليه إلى غيره، وهو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم. وفي المنطق: قول مؤلف من ~~قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، كقولنا: «العالم متغير وكل متغير ~~حادث»، فإنه قول مركب من قضيتين إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما: «العالم حادث»، ~~هذا عند المنطقيين. وعند أهل الأصول القياس إبانة مثل حكم المذكورين بمثل علته ~~في الآخر، واختيار لفظ الإبانة دون الإثبات لأن القياس مظهر للحكم لا مثبت، ~~وذكر مثل الحكم ومثل العلة احتراز عن لزوم القول بانتقال الأوصاف واختيار لفظ ~~المذكورين، ليشمل القياس بين الموجودين وبين المعدومين.» ثم ميز الجرجاني بين ~~أنواع القياس بألفاظ تلحق به، كالقياس الجلي والخفي والاستثنائي والاقترابي ~~وقياس المساواة، ولكل منها معنى اصطلاحي خاص. # وفي الاصطلاحات الصوفية: «الهاجس» يعبرون به عن الخاطر الأول وهو الخاطر ~~الرباني، وهو لا يخطئ أبدا. وقد يسميه سهل «السبب الأول» و«نقر الخاطر»، فإذا ~~تحقق في النفس سموه «إرادة»، فإذا تردد الثالثة سموه «همة»، وفي الرابعة سموه ~~«عزما»، وعند التوجه إلى القلب إن كان خاطر فعل سموه «قصدا»، ومع الشروع في ~~الفعل سموه «نية». # و«المريد» هو المتجرد عن إرادته، وقال أبو حامد: «هو الذي فتح له باب ~~الأسماء ودخل في جملة المتوصلين إلى الله بالاسم.» و«المراد» عبارة عن المجذوب ~~عن إرادته مع تهيؤ الأمور له، فجاوز الرسوم كلها والمقامات من غير مكابدة. ~~و«السالك» هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه فكان العلم له عينا. ~~و«المسافر» هو الذي سافره بفكره في المعقولات والاعتبارات، فعبر عن عدوة الدنيا ~~إلى عدوة القصوى. و«السفر» عبارة عن ms32 القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى ~~بالذكر. وقس على ذلك. ~~(1-2) الألفاظ العلمية الأعجمية # حينما قام العرب بتعريب العلوم نقلوا من اصطلاحاتها إلى لسانهم ما استطاعوا نقله، ~~ونوعوا الألفاظ على مقتضى المراد كما تقدم. وما لم يستطيعوا تعريبه نقلوه بلفظه ~~إلى لسانهم. وأكثر ما يكون ذلك في أسماء العقاقير، والأمراض، أو الأدوات، أو ~~المصنوعات التي لم يكن لها شبيه في بلادهم. # فمما اقتبسوه من أسماء العقاقير: الأفسنتين، والبقدونس، والزيزفون، ~~والسقمونيا، والقنطاريون، والمصطكى من اللغة اليونانية. والبابونج، والبورق، ~~والبنج، وخيار شمبر، والراتينج، والزرجون، والزرنيخ، والزاج، والسرقين، والإسفيداج، ~~والشاهترج، والشيرج، والمرداسنج من اللغة الفارسية. # ومن أسماء الأمراض ونحوها من الاستعمالات الطبية: القولنج، والترياق، والكيموس، ~~والكيلوس، وقيفال، ولومان، وملنخوليا من اليونانية. وسرسام، ومارستان من ~~الفارسية. # ومن المصنوعات والأدوات: الأصطرلاب، والقيراط، والأنبيق، والصابون من اليونانية. ~~والبركار، والبوتقة، والجنزار، والدسكرة، والأسطوانة من الفارسية. # ومن الاصطلاحات الفلسفية ونحوها: الهيولى، والأسطقس، والفلسفة، والطلسم، ~~والمغنطيس، والإقليم، والقاموس، والقانون من اليونانية. غير ما اقتبسوه من اللغة ~~الهندية وأكثره من أسماء العقاقير ونحوها. # فترى مما تقدم أن أهل تلك النهضة لم يكونوا يستنكفون من اقتباس الألفاظ الأعجمية، ~~ولم يتعبوا أنفسهم في وضع ألفاظ عربية لتأدية المعاني التي نقلوها عن الأعاجم، بل ~~كانوا كثيرا ما يستخدمون للمعنى الواحد لفظين من لغتين أعجميتين، فالسرسام مثلا ~~اسم فارسي لورم حجاب الدماغ استعمله العرب للدلالة على هذا المرض، ولما ترجموا الطب ~~من لغة اليونان استخدموا اسمه اليوناني وهو «قرانيطس»، ولو استنكفوا من استخدام ~~الألفاظ الأعجمية لاستغنوا عن اللفظين جميعا. ~~(1-3) التراكيب الأعجمية في اللغة العربية # هذا مطلب بعيد الأطراف يستغرق درسا طويلا وبحثا عميقا لا يأذن بهما المقام، ~~فنكتفي بالتنبيه إليه ونأتي ببعض الأمثلة لتأييد قولنا. لكننا بالقياس على ما دخل ~~اللغة العربية من التراكيب الأجنبية في أثناء نهضتنا الأخيرة بما نقلناه من علوم ~~الإفرنج إلى لساننا، نقطع بحدوث مثل ذلك في النهضة العباسية ونقلة العلم يومئذ من ~~غير أهل اللسان العربي. # على أننا لو فحصنا لغة ذلك العصر وقابلنا بين عبارة ms33 كتب الطب والفلسفة وعبارة كتب ~~الأدب لرأينا الفرق بينهما واضحا، وإذا دققنا النظر في سبب ذلك الفرق رأينا عبارة ~~أصحاب الفلسفة تمتاز بأمور هي سبب ضعفها وركاكتها، منها: ~~(1) # استخدام فعل الكون بكثرة على نحو ما يستعمله أهل اللغات ~~الإفرنجية. ~~(2) # كثرة الجمل المعترضة الشائعة عندهم. ~~(3) # الإكثار من استعمال الفعل المجهول. ~~(4) # استعمال ضمير الغائب «هو» بين المبتدأ والخبر حيث يمكن الاستغناء ~~عنه. ~~(5) # إدخال الألف والنون قبل ياء المتكلم في بعض الصفات، كقولهم: روحاني، ~~ونفساني، وباقلاني ونحو ذلك، مما هو مألوف في اللغات الآرية ولا ~~يستحسن في اللسان العربي. # ومن التعبيرات التي اقتبسها العرب من اللغة اليونانية ما لم يكن لهم مندوحة عنها ~~ولا بأس منها: ~~(1) # تركيب الألفاظ مع لا النافية وإدخال أل التعريف عليها، كقولهم: ~~اللانهاية، واللاأدرية، واللاضرورة. ~~(2) # صوغ الاسم من الحروف أو الضمير، مثل قولهم: اللمية، والكيفية، ~~والكمية، والهوية. ~~(3) # نقل الألفاظ من الوصفية إلى الاسمية، كقولهم: المائية، والمنضجة، ~~والخاصة. # ومن هذا القبيل اقتباسهم بعض التعبيرات الفارسية الإدارية، مثل قولهم: «صاحب ~~الشرطة» و«صاحب الستار» وهو تعبير فارسي. # | الألفاظ العامة # كل ما ذكرناه من أمثلة نمو اللغة العربية في العصر الإسلامي، إنما هو قاصر على تفرع ~~ألفاظها وتجددها بما اقتضاه الشرع، والعلم، والفلسفة، والإدارة، والسياسة. وهناك تغييرات ~~أخرى نتجت عما طرأ على الآداب الاجتماعية من التغيير، فضلا عن التجارة والصناعة وما اقتضاه ~~كل منها من تنوع الألفاظ العربية أو اقتباس الألفاظ الأجنبية كأسماء الأنغام الموسيقية ~~والألحان وفروعها، عدا ما اقتبسه المسلمون من العادات الأجنبية وما يتبع ذلك من أسماء ~~الملابس والأطعمة والاحتفالات مما تغني شهرته عن إيراده. # وهناك تغييرات أخرى أصابت ألفاظ اللغة بغير داع من الدواعي التي قدمناها، بل هي جرت في ~~ذلك على ناموس الارتقاء العام القاضي على الأحياء بالتجدد والتنوع والتفرع، لأسباب بعضها ~~معلوم وبعضها غير معلوم. والغالب في هذا التنوع أن يكون بالانتقال من معنى كلي إلى معنى ~~جزئي، أو من معنى إلى ما يشبهه أو يتعلق به مما يعبرون عنه بالتوليد، فالألفاظ المولدة ~~هي التي أحدثها المولدون بعد ms34 أن دونت اللغة وضبطت ألفاظها في أوائل الإسلام. ~~والألفاظ المولدة أكثر كثيرا مما يظن اللغويون، بل هي تتولد على الدوام بلا انقطاع، وكل ~~ما تقدم ذكره من الألفاظ الإسلامية والإدارية والعلمية والتجارية، إنما هو من قبيل المولد ~~ولكنهم قلما يسمونها مولدة. # وعندهم أن القاموس هو الحكم الفصل في العربي والمولد العامي، فما لا يذكره القاموس ~~بين الألفاظ العربية عدوه عاميا أو مولدا وحظروا استعماله. ولكن القاموس وحده لا يكفي ~~للحكم في ذلك، لأنه لم يتضمن كل ما تناقلته ألسنة البلغاء أو تداولته أقلام الكتاب ولا كل ~~ما نطقت به العرب، وقد فطن إلى ذلك أئمة اللغة في العصر الإسلامي وما بعده ونبهوا إليه؛ قال ~~ابن فارس: «إن لغة العرب لم تنته إلينا بكليتها، وإن الذي جاءنا عن العرب قليل من كثير»، ~~وقال السيوطي: «ومع كثرة ما في «القاموس» من النوادر والشوارد فقد فاته أشياء ظفرت بها في ~~أثناء مطالعتي لكتب اللغة، حتى هممت أن أجمعها في جزء مذيلا عليه.» # فعدم ورود اللفظ في القاموس لا يدل دائما على أنه عامي أو ضعيف، ناهيك بألفاظ كثيرة ~~اكتسبت بالحضارة معاني جديدة لم يدونها القاموس لأن الأئمة اعتبروها من قبيل الألفاظ ~~العامية، ولكن الكتاب استعملوها وفيهم المشاهير المشهود لهم بالبلاغة وسلامة ~~الذوق. ~~••• # فالأصل في معنى «البيت» في القاموس البناء المعروف والشرف والشريف، فكانوا يقولون «بيت ~~بنى تميم» أي شرفهم، و«فلان بيت قومه» أي شريفهم، و«بيت القصيدة» أحسن أبياتها، قال: ~~«والعامة تقول: هو من بيت فلان، أي من عائلته.» مع أن استعمال البيت بمعنى العائلة مما ~~تداولته أقلام البلغاء وفي مقدمتهم ابن خلدون، وقد عرفه بقوله: «البيت أن يعد الرجل في ~~آبائه أشرافا مذكورين تكون له بولادتهم إياه والانتساب إليهم تجلة في أهل جلدته»، وقال: ~~«وكان بنو إسرائيل بيتا من أعظم بيوت العالم.» # و«الحضارة» الأصل في معناها سكنى المدن أي ضد البداوة، فلما تحضر العرب وكثر الترف في ~~مدنهم صار معنى الحضارة عندهم «التفنن في الترف وأحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه ~~من المطابخ ms35 والملابس والفرش وغيرها.» ويقال نحو ذلك في «العمران»، فإن أصل معناها من «عمر ~~الرجل في المكان» سكن فيه، ثم صارت تدل على معنى المدنية والحضارة. وهذا ما أصاب لفظ ~~«التمدن»، فإنها من «تمدن الرجل» أي تخلق بأخلاق أهل المدن، ثم دلوا بها على مثل ما تدل ~~عليه الحضارة أو العمران أو المدنية. # وقد استعملوا «ركاب السلطان» بمعنى موكبه، ولا تجد لهذه اللفظة هذا المعنى في القاموس ~~ولكن الكتاب استعملوها له. وكذلك «كافة»، فقد نبه «القاموس» أنها تستعمل في مثل «جاء ~~الناس كافة» أي كلهم، وأنها لا تدخل عليها أل التعريف ولا تضاف، ولكن بلغاء الكتاب قد ~~استعملوها في الحالين مرارا: قال ابن خلدون: «لما كان الجهاد فيها مشروعا لعموم الدعوة ~~وحمل الكافة على دين الإسلام»، وقال صاحب «أدب الدنيا والدين»: «وفرض جميعه على الكافة كان ~~أولى مما لم يجب فرضه على الأعيان ولا على الكافة». ~~••• # وقال أبو إسحاق الصابي الكاتب الشهير من نسخة عهد كتبها عن المطيع لله إلى الغضنفر بن ~~ناصر الدولة: «أمره أن يعرف لركن الدولة أبي علي وعز الدولة أبي منصور موليي أمير المؤمنين ~~تولاهما الله حق منزلتهما من أمير المؤمنين وغنائهما عن كافة المسلمين!» # ومن الألفاظ التي استعملها الكتاب القدماء واقتدى بها كتابنا مع أن استعمالها يخالف قول ~~القاموس: تخصيص «القينة» بمعنى المغنية والأصل إطلاقها على الأمة مغنية كانت أو غير ~~مغنية. و«المقراض» و«المقص»، فإن الأصل في استعمالهما بالمثنى لأنهما مقراضان ومقصان أي ~~شفرتان، فيقال: «قرضته بالمقراضين» و«قصصته بالمقصين». وقلما نرى بين الكتاب القدماء أو ~~المحدثين من يستعملهما كذلك، بل هم يقولون: «قرضته بالمقراض» و«قصصته بالمقص.» # والأصل في «المأتم» الاجتماع على العموم، ثم خصصوه بالاجتماع في مجتمع النياحة. # و«أرق» في الأصل للسهر في مكروه، ثم صار عاما. # ومن الاستعمالات الجارية على أقلام الكتاب وهي خطأ باعتبار القواعد المدونة قولهم: «بدأ ~~به أولا»، والصواب «بدأ به أول» مثل قولهم «قبل» وحكمهما واحد. # ومن هذا القبيل جمع «حاجة» على «حوائج» و«عادة» على «عوائد»، وهما شائعتان عند الكتاب مع ms36 ~~مخالفتهما للقاعدة. وكذلك جمع «ريح» على «أرياح» خطأ، ولكن الحريري استعملها. ومثله جمع ~~«أرض» على «أراضي» وجمع «الجواب» على «أجوبة». # وقولهم: «شفعه بثالث» غلط، إذ لا يقال شفعه إلا للثاني، من «الشفع». # والأصل في «القافلة» الرفقة الراجعة، فصارت تطلق على الرفقة المسافرين ذهابا ~~أو إيابا. ~~••• # وقس على ذلك تنوعات كثيرة يعدها القاموس خطأ، وقد نبه إلى خطئها جماعة من فطاحل البلغاء ~~وألفوا في تصحيحها الكتب. # وأشهر ما ألفوه كتاب «درة الغواص في أوهام الخواص» لأبي محمد الحريري صاحب المقامات، ~~وقد شرحها وعلق عليها كثيرون، ومنهم: ابن بري بن عبد الجبار النحوي المتوفى عام 582ه، ~~وأبو عبد الله المعروف بحجة الدين الصقلي المتوفى عام 555، وابن المظفر المكي المتوفى ~~عام 568، وابن الخشاب النحوي، وأبو بكر الأنصاري، وأحمد الخفاجي المصري، وغيرهم. وكل من ~~هؤلاء أضاف إلى ذلك الكتاب ألفاظا من هذا القبيل فاتت صاحب الدرة ونبهوا إلى خطأ ~~استعمالها، ومع ذلك فالطبيعة غلبت على آرائهم وأقوالهم لأن ما عدوه خطأ إنما هو من نتائج ~~النواميس الطبيعية التي لا بد منها، سنة الله في خلقه. # | الألفاظ النصرانية واليهودية # نريد بالألفاظ النصرانية واليهودية ما دخل اللغة العربية من الاصطلاحات الدينية لأهل ~~الكتاب، وخاصة بعد أن نقلت التوراة والإنجيل إلى اللسان العربي، فقد كانت لغة الدين ~~المسيحي قبل الإسلام السريانية واليونانية والقبطية ولغة اليهود العبرانية، على تفاوت في ~~استخدام الواحدة دون الأخرى واختلاف ذلك باختلاف العصور والأماكن. # فلما جاء الإسلام وانتشر المسلمون في العراق والشام ومصر وتسلطت اللغة العربية، أخذت تلك ~~اللغات تتقهقر حتى توارت ولم يبق منها إلا آثار قليلة في بعض الطقوس، فالمسيحيون أصبحت ~~العربية لغتهم ولكنهم لم يستطيعوا التعبير بها عن كل اصطلاحاتهم الدينية، ولما ترجموا ~~التوراة والإنجيل إلى العربية أبقوا كثيرا من الألفاظ الدينية على لفظها ومعناها. على أن ~~كثيرا من الألفاظ النصرانية دخلت اللغة العربية في العصر الجاهلي، كالقسيس والدير والتوراة ~~والإنجيل وغيرها. ~~(1) الألفاظ الدينية والسريانية # وإليك أشهر الألفاظ النصرانية واليهودية التي دخلت اللغة العربية وأصلها سرياني ~~أو كلداني مرتبة على ms37 حروف الهجاء، وقد يشتبه بعضها بالأصل العبراني أو ربما كان بعضها ~~عبرانيا وقد وصل العربية على يد السريان: # آب بالمد لاسم الله # بحران # تفشرة # جهنم # عز وجل # برخ # توبة # حانوت # أسطوانة # برنساء # توراة # حبر # آمين # ترعة # تيمن # دين (بمعنى الحكم) # أنبا # تلميذ # جالوت # دير # باعوث # تنور # جبروت # رشم الطفل # زياح # إصحاح # قداس # مزمور # زيق # صراط # قربان # مشحة # ساعور # صلوت # قسيس # ملكوت # تسبيح # طاغوت # قيامة # ميمر # سبط # طوبى # كاروز # ناسوت # سعانين # طور # كراس # ناطور # سفر # طوفان # كنيسة # ناقوس # سفسير # عراب # كهنوت # نياحة # سليح # عروبة # كورة # يم # سنور # عماد # لاهوت # يوناني # شبين # غفارة # مار # شماس # فصح # مرعزا # فضلا عن أسماء الشهور الشمسية مثل: كانون، وتشرين، وأيلول. # ومن الألفاظ النصرانية ما هو من أصل يوناني دخل العربية إما رأسا أو بواسطة اللغة ~~السريانية، مثل قولهم: إنجيل، وهرطقة، وأسقف، ومطران، وطقس، وطغمة. وقس على ذلك. ~~(2) التراكيب أو العبارات النصرانية # نريد بهذه التراكيب ما دخل العربية من أساليب اللغة السريانية والعبرانية واليونانية ~~وخاصة بعد ترجمة التوراة، وهي كثيرة نأتي بأمثلة منها: # فمن التراكيب العبرانية قولهم: # قال في قلبه: أي افتكر. # واستراح الله من جميع عمله الذي عمله. # من جميع شجر الجنة تأكل أكلا ... وإذا أكلت موتا تموت. # وحدث بعد أيام أن قايين قدم أثمارا ... وحدث إذ كان في الحقل أن قايين قام على أخيه ~~... إلخ. # فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته. # صنع له خيرا وصنع له شرا. (بدل أحسن إليه وأساء إليه.) # ورفع عينيه ونظر. # وصار كلام الرب إلى أبرام قائلا. # قد وجد نعمة في عينيه. # حسن ذلك في عيني الله، وقبح ذلك في عيني الله. # فتح فاه وعلمهم. # ومن التراكيب اليونانية قولهم: # هكذا مكتوب بالنبي. # وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان. # ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس. # وفيما هو خارج من الطريق ركض واحد وجثا له. # تكلم الرب بفم أنبيائه. # وربما كان في بعض هذه التراكيب مسحة غير يونانية، لاعتماد أكثر مترجمي الأناجيل على ~~بعض ترجماتها في اللغات ms38 الأخرى فضلا عن الأصل اليوناني. على أننا لا نعد هذه التراكيب ~~مما يستحسن اقتباسه والنسج على منواله، وإنما هو خاص في لغة الكتاب المقدس أدخله ~~المترجمون لاضطرارهم إلى المحافظة على النص الحرفي. # | الألفاظ الدخيلة والمولدة في عصر التدهور # ما برحت اللغة العربية منذ الفتح الإسلامي وهي تكتسب الألفاظ الأعجمية والتراكيب الأجنبية ~~كما رأيت، مما دخلها من الألفاظ الإدارية والعلمية في العصر العباسي وغيره حتى في العصر ~~الجاهلي. ولكن المراد بالألفاظ الأعجمية في هذا الفصل ما خالط اللغة من الألفاظ والتراكيب ~~الأعجمية بعد انقضاء دولة العرب، وإفضاء الملك إلى السلاطين والأمراء من الفرس والديلم ~~والترك والأكراد والجركس، في العراق وفارس والشام ومصر وغيرها، لأن اللغة العربية ما زالت ~~سائدة في تلك الدول على اختلاف نزعاتها ولغاتها، وكانت في أكثرها هي اللغة الرسمية التي ~~تتخاطب بها الحكومات. # ولم تكن الدول الأعجمية أقل عناية بآداب اللغة العربية من الدول العربية، بل كانوا أكثر ~~اهتماما منهم في إنشاء المدارس وتعليم الفقراء واستنساخ الكتب، ولكن حال العمران على ~~إجماله يومئذ قضى على اللغة بالانحطاط فدخلها التكلف والتجمل والتصنع، وتكاثرت فيها ألفاظ ~~التفخيم والتبجيل، وشاع التسجيع في الإنشاء، وحدث في تلك الدول وظائف جديدة، وتنوعت الوظائف ~~القديمة، فحدث في اللغة ألفاظ جديدة أو تنوعت الألفاظ القديمة للتعبير عن تلك ~~المستحدثات. ~~(1) السجع والتفخيم # فالتفخيم والتبجيل والتمليق اقتضت العناية في تنميق العبارات وتحشيتها، وكان السجع قد ~~اشتهر على أقلام الكتاب فبالغوا في تنميقه وتوسيعه. والتزام السجع يدعو إلى استخدام ~~الألفاظ الوحشية المهجورة حتى يصير إلى ما تنفر منه الأسماع. # والسجع حسن إذا جاء عفوا بلا تكلف، لا أن يتعمده المسجعون بالتعمل والتصنع حتى ~~يمجه الذوق وينفر من السمع. وأصبح التسجيع في ذلك العصر كثيرا يتفاخر به أكبر الكتاب ~~والناس يومئذ يعدون ذلك مستحسنا، ونحن نراه قبيحا ولو كان قائله من أشهر الكتبة، ~~كالعماد الأصفهاني فإنه تعمد التسجيع في كلامه عن فتح بيت المقدس في كتابه المسمى الفتح ~~القسي وهو من أشهر كتبه. وإليك عبارة منه تدل على باقيه، ms39 وهي قوله في رحيل صلاح الدين ~~للفتح: «رحل من عسقلان للقدس طالبا، وبالعزم غالبا، وللنصر مصاحبا، ولذيل العز ساحبا، ~~وقد أصحب ريض مناه، وأخصب روض غناه، وأصبح رائج الرجاء، أرج الأرجاء، سيب العزف، ~~طيب العرف، طاهر اليد، قاهر الأيد. سنا عسكره قد فاض بالفضاء فضاء، وملأ فأفاض الآلاء، ~~وقد بسط عثير فيلقه ملاءته على الفلق، وكأنما أعاد العجاج رأد الضحى جنح الغسق، ~~فالأرض شاكية من إجحاف الجحافل، والسماء حاظية بأقساط القساطل ... إلخ.» # فترى من نص هذه العبارة أنهم كانوا يستعينون بالتسجيع للإطناب على ما اقتضاه حال تلك ~~الأيام وتلك الدول من التفخيم، لأن في التسجيع رنة توهم الإطناب والإطراء، ولهذا السبب ~~أيضا كثرت المترادفات في نعوت التفخيم، فمن أمثلة ذلك ما قاله المرادي في تعريف الشيخ ~~عبد الغنى النابلسى في كتابه «أعيان القرن الثاني عشر للهجرة» قال: # هو أستاذ الأساتذة، وجهبذ الجهابذة، الولي العارف، ينبوع العوارف والمعارف، ~~الإمام الوحيد، والهمام الفريد، العالم العلامة، والحجة الفهامة، البحر ~~الكبير، والحبر الشهير، شيخ الإسلام، صدر الأئمة الأعلام، قطب الأقطاب، الذي لم ~~تنجب بمثله الأحقاب، العارف بربه، والفائز بقربه وحبه، ذو الكرامات الظاهرة، ~~والمكاشفات الباهرة ... إلخ ... إلخ. # ولم يكن ذلك التطويل قاصرا في وصف رجال الفضل كالنابلسي، بل كان شاملا كل ~~إنسان. # وما زالت الركاكة تتوالى على الإنشاء العربي حتى بلغت منتهاها في أول القرن الماضي، ~~وكثرت الألفاظ العامية والدخيلة. فمن أمثلة ذلك ما جاء في الجبرتي في أثناء كلامه عن ~~حرب الفرنسيين وهي قوله: «وفي الثلاثة حضر هجان وباش سراجين إبراهيم بك، وأخبر أن ~~الجماعة عزموا على الارتحال والرجوع وفك الجسر، فعمل الباشا ديوانا ... إلخ»، وقوله: ~~«وفي ذلك اليوم وصل ططري من الديار الرومية وعلى يده مرسومات، فعملوا في صبحها ديوانا ~~وقرئت المرسومات ... إلخ.» ~~(1-1) الألفاظ المولدة في عصر التدهور # هذا ما يقال من حيث التراكيب، وأما الألفاظ فقد كثر فيها الدخيل والمولد، ~~وأكثرها في الألفاظ الإدارية المتعلقة بالحكومة ونظمها وما يتعلق بها. # وإليك أمثلة من الألفاظ المولدة في عصر التدهور مما يختص ms40 بالإدارة، وقد وضعنا ~~بإزاء كل لفظ ما صار إليه معناه في ذلك العصر: # النائب: # القائم مقام السلطان. # الساقي: # المتولي مد السماط وتقطيع اللحم وسقي المشروب. # المشرف: # متولي أمر المطبخ. # ملك الأمراء: # من الألقاب التي اصطلحوا عليها لنواب السلطان. # رأس النوبة: # الذي يتحدث على مماليك السلطان. # أمير المجلس: # الذي يتولى أمر مجلس السلطان. # وقس على ذلك سائر الرتب المحدثة في الدول التركية والكردية كأمير السلاح، ومقدم ~~المماليك، وأمير علم، ونقيب الجيش، والعامل وهذا غير العامل في الدولة العربية، ~~فإنه في الدولة التركية يراد به منظم الحسابات، ومثلها الصيرفي، وكاتب السر، ~~والناظر وهو خاص في الأموال، وصاحب الديوان، والشاهد، وغيرها. # ومن هذا القبيل الألفاظ أو النعوت التي تكتب في المكاتبات والولايات، وإليك ~~أمثلة منها: # الجانب: # من ألقاب ولاة العهد بالخلافة ومن في معناهم، كإمام الزيدية ~~اليمني في مكاتباته عن الأبواب السلطانية. # المقام: # هو خاص بالملوك. # المقر: # يختص بكبار الأمراء، وأعيان الوزراء، وكتاب الشرف كناظر الخاص، ~~وناظر الجيش، وكاتب الدست. # الجناب: # من ألقاب أرباب السيوف والأقلام جميعا، فيما يكتب به عن السلطان ~~وغيره من النواب ومن في معناهم. # المجلس: # هو من ألقاب أرباب السيوف والأقلام ممن لم يؤهل لرتبة ~~الجناب. # مجلس (بلا أل): # يضاف إلى ما بعده، فإذا قيل «مجلس الأمير» كان لقب أرباب السيوف ~~على اختلاف طبقاتهم، وإذا قيل «مجلس القاضي» كان مختصا بأرباب ~~الأقلام، وإذا قيل «مجلس الشيخ» كان لقب الصوفية وأهل الصلاح، وإذا ~~قيل «مجلس الصدر» كان للتجار وأرباب الصنائع. # الحضرة: # ويراد بها حضرة صاحب اللقب. وهي من الألقاب القديمة التي كانت ~~تستعمل في مكاتبات الخلفاء، وكان يقال فيها «الحضرة العالية» ~~و«الحضرة السامية»، ثم صارت تستعمل في العصر الذي نحن فيه ~~للمخاطبة من الأبواب السلطانية إلى بعض الملوك أو الأعيان. # هذه أمثلة قليلة مما تولد في اللغة العربية من الألفاظ التي اقتضاها عصر الدول ~~الأعجمية، وأكثرها كان له معنى وتنوع على ما اقتضته الأحوال عملا بناموس ~~الارتقاء. ~~(1-2) الألفاظ الدخيلة في عصر التدهور # وأما الألفاظ الدخيلة ففيها الفارسي، والتركي، والكردي ms41 ... وكلها إدارية من ~~اصطلاحات الحكومة. وإليك أمثلة منها: # الأستادار: # يتولى قبض مال السلطان أو الأمير وصرفه، ويمتثل أوامره ~~فيه. # الجوكاندار: # لقب من يحمل الجوكان مع السلطان في لعب الكرة. # الطبردار: # الذي يحمل الطبر. # سنجقدار: # يحمل السنجق وهو العلم. # البندقدار: # وهو يحمل جراوة البندق خلف السلطان أو الأمير. # الجمدار: # الذي يتصدى لإلباس السلطان أو الأمير ثيابه، وأصله ~~جامادار. # البشمقدار: # يحمل نعل السلطان. # المهمندار: # يهتم بالرسل والعربان الواردين على السلطان وينزلهم ~~الضيافة. # الزنان دار: # وهو الزمام دار يتحدث مع السلطان، وهو من الخدم أو ~~الخصيان. # الجاشنكير: # يتصدى لذوقان المأكول خوف التسمم. # السراخور: # يتحدث عن علف الدواب. # أميراخور: # صاحب الإصطبل. # أميرجاندار: # يستأذن على الأمير وغيره في أيام المواكب. # وقس على ذلك ما دخل اللغة في ذلك العصر من الاصطلاحات العسكرية والمالية ~~والتجارية، ومن هذا القبيل الاصطلاحات العسكرية والإدارية في الدولة العثمانية ~~وبعضها تركي أو فارسي صرف، وبعضها مركب من التركي أو الفارسي والعربي كالجاويش، ~~واليوزباشي، والبكباشي، والسرعسكر، والمابين، والسركي، والياور، وأميرالاي، ~~والأوردي، والآلاي، والطابور، والباشا، والبيك، والأغا. ومنها ما هو عربي بصيغة ~~تركية كالمكتوبجي، والمابنجي، والمحاسبجي، والباشكاتب، والسلاملك. وما ينتهي بلفظ ~~«خانة» كالرصدخانة، والكتبخانة. أو بلفظ «دار» كالدفتردار، والخزندار. ناهيك ~~بالألفاظ العربية المولدة التي اكتسبت معاني جديدة في الدولة العثمانية كالناظر، ~~والمتصرف، والمحتسب، والتابعية، والمسئولية، والصدر الأعظم، والمدعي عمومي، ~~والقائمقام، ونحو ذلك وهو كثير جدا، وسيأتي ذكر بعضه مفصلا في أثناء كلامنا على ~~النهضة العلمية الأخيرة. # | النهضة العلمية الأخيرة # لم يمر على اللغة العربية عصر أثر في ألفاظها وتراكيبها تأثير النهضة الأخيرة في أواسط ~~القرن الماضي، لأنها جاءتها على غرة دفعة واحدة، فانهالت فيها العلوم انهيال السيل، وفيها ~~الطب، والطبيعيات، والرياضيات، والعقليات وفروعها. ولم تترك للناس فرصة للبحث عما تحتاج ~~إليه تلك العلوم من الألفاظ الاصطلاحية مما وضعه العرب أو اقتبسوه في نهضتهم الماضية، ولا ~~لوضع الأوضاع الجديدة. والسبب في ذلك أن الذين اشتغلوا في ميادين العلوم الحديثة عند أول ~~دخولها مصر والشام في أواسط القرن الماضي لم يكونوا على سعة من علم ms42 اللغة، فلما ترجموا تلك ~~العلوم إلى اللغة العربية لم يهتدوا إلى مصطلحاتها القديمة، أو اهتدوا إلى بعضها ووضعوا ~~للبعض الآخر ألفاظا لا تنطبق على المراد بها تمام الانطباق، لكنها صقلت بتوالي الأعوام ~~وصارت تدل على المراد، كما أصاب أمثالها في أثناء النهضة العباسية وغيرها. # فلما انقضت تلك البغتة وتكاثرت المدارس ونشأ الكتاب ~~وعلماء اللغة، عادوا إلى النظر فيما دخل اللغة من المصطلحات العلمية أو الإدارية الجديدة، ~~وقلما استطاعوا تبديل شيء منه لتأصله وشيوعه في الكتب والجرائد والأندية وغيرها. على أنهم ~~لم يعدموا وسيلة في إصلاح الإنشاء والرجوع بعباراتهم إلى نحو ما كانت عليه في صدر الدولة ~~العربية، لأنهم تحدوا فطاحل الكتاب في تلك العصور مع مراعاة الذوق والسهولة، فنبغ بيننا ~~كتاب لا يفضلهم ابن المقفع ولا ابن خلدون ولا غيرهما من صفوة الكتاب وعمدة المنشئين في ~~شيء، وقد أغفلوا السجع البارد وقللوا من الإطناب ~~وأبطلوا المترادف، وهم عاملون على تنقية اللغة مما خالطها من الأجماش والأدران وما أصابها ~~من الضعف في عصر الانحطاط. وإذا تدبرت لغة الكتاب والمنشئين في أول هذه النهضة وقابلتها ~~بلغة كتابنا اليوم رأيت الفرق كبيرا، وتوقعت أن تعود إلى أسمى ما بلغته من درجات الكمال في ~~عصر زهوها وشبابها. # على أننا لا نظنهم مع ذلك قادرين على تنقيتها مما داخلها من الألفاظ والتراكيب الأعجمية، ~~أو مما تولد فيها من الألفاظ العربية الجديدة على ما اقتضاه التمدن الحديث من العادات ~~الجديدة والآداب الجديدة والعلوم الجديدة. وقد دثر من اللغة كثير من الاصطلاحات القديمة ~~وقام مقامها مصطلحات جديدة، شأن الكائنات الحية الخاضعة لناموس الارتقاء. # فالتغيير الذي أصاب اللغة العربية في النهضة الأخيرة قد أصاب ألفاظها وتراكيبها، وبعضه ~~دخلها من اللغات الأجنبية والبعض الآخر تولد فيها بالتنوع والتفرع. وللإحاطة بالموضوع ~~نقسم الكلام فيه إلى قسمين، نبحث في القسم الأول عن الدخيل وفي القسم الثاني عن ~~المولد. ~~(1) الدخيل # يقسم الدخيل في اللغة العربية في أثناء هذه النهضة إلى أربعة أقسام: (أ) الألفاظ ~~الإدارية. (ب) الألفاظ التجارية. (ج) الألفاظ العلمية. (د) ms43 التراكيب الأجنبية. ~~(1-1) الألفاظ الإدارية الدخيلة # أكثر هذه الألفاظ من مصطلحات الدولة العلية، وأكثرها تركي وفارسي. وقد ذكرنا ~~أمثلة منها في كلامنا عما دخل اللغة في عصر التدهور. وبعض تلك الألفاظ أخذ من ~~اللغات الإفرنجية، وخاصة اللغتين الإيطالية والفرنسية، وهي: # الألفاظ الإدارية التركية # لفظها الأصلي # معناها # سنجق # سنجاق # راية # طابور # طابور # كتيبة # بلك # بلوك # سرب # ألاي # آلاي # فرقة # أوردي # أوردو # جيش # جفلتك # جفلتك # مزرعة # أورنيك # أورنك # نموذج # أورطة # أوردي # جيش # ويلحق بالألفاظ التركية كل ما تركب تركيبا، ولو كان عربيا أو فارسيا. ~~والغالب أن يكون ذلك التركيب مع «جي» للنسبة أو «باش» رأس، كقولهم: مكتوبجي، ~~ومخزنجي، وأجزاجي، وتمرجي وهذه مركبة من تيمار بالفارسية (سياسة المرضى) وجي، ~~وباشكاتب، وباشمهندس (مهندس اسم فاعل من لفظ فارسي الأصل «اندازه» معناه التقدير)، ~~وحكيمباشي. وقد يركب من الاثنين معا مثل مخزنجي باشي، ومكتوبجي باشي، وقس ~~عليه. # الألفاظ الإدارية الفارسية # لفظها الأصلي # معناها # ياور # ياور # معاون # تمغة # تمغا # طوابع رسمية # بندر # بندر # مرفأ # باره # باره # قطعة # سواري # سوارة # فارس # سراي # سراي # بيت # ويلحق بالألفاظ الإدارية الفارسية ما يركب من الألفاظ مع «دار» صاحب أو «خانة» ~~بيت في آخر الكلمة، أو «سر» رأس في أولها، كقول: حكمدار، وبيرقدار، ودفتردار، ~~وكتبخانة، وخستة خانة، وأجزخانة، وسردار، وسرعسكر، وسرتشريفاتي، وقس على ذلك. وقد ~~تقدم ذكر بعضها في كلامنا عن عصر التدهور. # الألفاظ الإدارية الفرنسية # لفظها الأصلي # معناها # قومندان # Commandan # صاحب الأمر # جنرال # Général # قائد # قنصل # Consul # وكيل # بوليس Police # ضابطة # سكرتير # Secrétaire # كاتم السر # برلمان Parlement # مجلس الأعيان # قومسير # Commissaire # مندوب # الألفاظ الإدارية الإيطالية # لفظها الأصلي # معناها # بوسطة Posta # البريد # يونيفورما # Uniforma # بدلة رسمية # ورديان # Guardiano # حارس # اسكله # Scala # سلم # ديكريتو # Decreto # أمر عال # باطنطة Patenta # رخصة # وهناك ألفاظ إدارية مقتبسة من لغات أخرى، كلفظ «الغرش» فإنه معرب # Groschen # بالألمانية، و«إمبراطور» من # Emperator # في اللاتينية وغيرها. ~~(1-2) الألفاظ التجارية الدخيلة # أكثر هذه الاصطلاحات معربة عن الإيطالية والفرنسية، لأن الإيطاليين أو أهل ~~البندقية من أقدم تجار أوروبا اختلاطا بالمشارقة في القرون ms44 الأخيرة. # وإليك أمثلة من الاصطلاحات الإيطالية: # الألفاظ التجارية الإيطالية # لفظها الأصلي # معناها # كمبيو # Cambio # صرف # كمبيالة # Cambiale # حوالة # فاتورة # Fattura # كشف # سيكورتا # Sicurta # تأمين # قومبانية # Compagna # شركة # إسبتالية # Ospitale # مستشفى # بروتستو Proteste # إقامة الحجة # بورصة # Borsa # تجارة # ديبلوما # Diploma # شهادة # أجيو # Agio ~~... # الألفاظ التجارية الفرنسية # لفظها الأصلي # معناها # بنك # Banc # مقعد ثم المصرف # قومسيون # Commission # لجنة # كوبون # Coupon # قطع # وهناك ألفاظ متفرقة من لغات أخرى، كالكمرك مثلا فإنه تعريب «كومركي» باليونانية، ~~وكذلك ناولون. وشك مأخوذة من صك الفارسية أو أصلها صك بالعربية، وطاقم بالتركية، ~~ودروباك في الإنجليزية، وقس على ذلك. # ومثل هذا كثير في اصطلاحات نظارات الحكومة ومصالحها وخاصة في السكة الحديدية، ~~والتلغراف، والحربية، واصطلاحات التجار، وأصحاب الحوانيت، والصناع، وغيرهم. وهي ~~تعد بالمئات، وقد أغفلناها لشهرتها ولأن الكتاب يعدونها من قبيل الألفاظ ~~العامية، فلا دخل لها في بحثنا. ~~(1-3) الألفاظ العلمية الدخيلة # الألفاظ العلمية التي دخلت اللغة العربية في هذه النهضة كثيرة جدا، ومعظمها ~~مقتبس من الفرنسية والإيطالية والإنجليزية لأن أكثر العلوم المترجمة إلى لساننا ~~منقولة عنها. على أن المصطلحات العلمية متشابهة في لغات الإفرنج، لأن مصدرها عندهم ~~إما اللاتينية أو اليونانية، فلا غرو إذا أخذناها بلفظها كما أخذها الإنجليز ~~أو الفرنسيون أو غيرهم، وعددناها من قبيل الألفاظ الوضعية بلفظها ومعناها. ويدخل في ~~ذلك أسماء العلوم الجديدة كالجيولوجيا، والمترولوجيا، والفيسيولوجيا، والثرابيوتيا، ~~والفرينولوجيا، والهيستولوجيا، والهدروستاتيك، والميكانيكيات، وغيرها. ويدخل في ذلك ~~أيضا أسماء الآلات الطبيعية أو الفلكية أو الكهربائية أو نحوها مما لم يكن له مثيل ~~عند العرب، وسيأتي ذكرها. # فالألفاظ الطبية الدخيلة كثيرة، وفي جملتها أسماء كثير من الأمراض أو العقاقير ~~والأدوات، وأكثره لم يكن له مثيل في الطب العربي كالدسببسيا، والبانكرياس، ~~والنفرالجيا، والبلورا، والسمباتوي، والبلهارسيا، والدفتيريا، والهستيريا، ~~والأنيميا، والبروتوبلاسم، ونحوها. # ومن المصطلحات الكيميائية غير أسماء العقاقير الكثيرة ما يحدث من تراكيبها ~~كالأكسيد، والكلوريد، واليودور، والكربونات، والفوسفا، والاكسسموس، والاندسموس، ~~والكربونيك، والهدروكلوريك، والهدروسيانيك، والفوتوغراف، والزنكوغراف، وغيرها من ~~الأسماء الصناعية المبنية على الكيمياء. # ومن المصطلحات الطبيعية البارومتر، والكهربائية (الكهرباء لفظ فارسي مركب من ms45 ~~«كاه» التبن و«ربا» جاذب)، والبطارية، والكلفانومتر، والثرمومتر، والهيدرومتر، ~~والإلكتروتيب، والميكروسكوب، والتلسكوب، والسبكتروسكوب، والستيريوسكوب، والتلغراف، ~~والفونوغراف، والتليفون، والفوتوفون، والميكروفون ، وغيرها. # ولو أردنا الإتيان بكل المصطلحات العلمية لما وسعها غير المجلدات، فنكتفي بما ~~تقدم على سبيل المثال. ~~(1-4) التراكيب الأعجمية # معلوم أن أكثر المصادر التي يرجع إليها كتاب اللغة العربية في العلم الطبيعي ~~وفروعه مكتوبة باللغات الإفرنجية، وأكثر الكتاب عندنا يحسنون لسانا أو غير لسان ~~من اللغات الأعجمية، وأكثر ما يقرءونه من الكتب أو الجرائد في اللغات الإفرنجية، ~~فضلا عن شيوع تلك اللغات بين العامة، فحيث سار الكاتب في المدن الكبرى فإنه يسمع ~~العبارات الإفرنجية، فلا غرو إذا داخل عبارته تركيب إفرنجي أو تعبير أجنبي. ولا ~~يخفى أن لكل لغة أسلوبا في التعبير لا ينطبق بكل تفاصيله على أساليب اللغات ~~الأخرى، واللغات تتقارب وتتباعد في تلك الأساليب بتقارب أصول الشعوب وتباعدها، ~~والعرب بعيدون في أصولهم عن الإفرنج فأساليب التعبير في لغاتهم متباعدة ومتباينة، ~~والغالب أن تمتاز كل لغة ببعض أساليبها على اللغات الأخرى وتقصر في البعض الآخر. ~~يعلم ذلك الذين يعانون الترجمة من لسان إلى لسان، فاقتباس العرب بعض أساليب الإفرنج ~~في كتابتهم قد يكون من جملة مكملاتها، وإذا عده بعض اللغويين فسادا في اللغة فلأن ~~بعض كتابنا يبالغون في ذلك الاقتباس، فيتناولون عبارات إفرنجية في اللغة العربية ما ~~هو أجمل منها وأمتن. # ومن أمثلة ما حدث في اللغة العربية من التراكيب الإفرنجية وقد جرت على أقلام ~~كثيرين قولهم: ~~(1) # فلان كلاهوتي يقدر أن يؤثر كثيرا. ~~(2) # رأيت صديقي فلان الذي أعطاني الكتاب (أي فأعطاني). ~~(3) # رغما عن مساعيه الحميدة لم ينجح في عمله. ~~(4) # مستمدا العناية من الله أقف بينكم خطيبا. ~~(5) # لعب فلان دورا مهما في هذه المسألة. ~~(6) # المعاهدة المصادق عليها من الدولة الفلانية. ~~(7) # إن الأمر الفلاني مضر بقدر وشرف ومالية فلان. ~~(8) # يوجد في بلاد الحجاز عدة جبال. # ونحو ذلك من التراكيب التي ترى الصيغة الإفرنجية ظاهرة فيها. على أن أهل العناية ~~في الإنشاء العربي قلما يستخدمونها، وإن كنا لا نرى بأسا من استخدام بعضها ms46 في ~~الأحوال التي تضيق التراكيب العربية فيها. ~~(2) المولد # ونريد بالمولد ألفاظا عربية تنوعت دلالتها للتعبير عما حدث من المعاني التي ~~اقتضاها التمدن الحديث في الإدارة أو السياسة أو العلم أو غير ذلك، وهي كثيرة نذكر ~~أمثلة منها: ~~(2-1) الألفاظ الإدارية المولدة # وهي ما استخدمته الحكومة من الألفاظ العربية لمعان حدثت في الدولة أو تنوعت على ~~مقتضى السياسة أو الإدارة، وهاك أمثلة منها: # المالية # أموال غير مقررة # الإيرادات # مكافأة # الداخلية # المأمور # التكليف # قلم تحريرات # الخارجية # رئيس قلم # محافظة # تشريفاتي # الأشغال العمومية # مفتش # مركز # خدمة سائرة # المعية # معاون # عوائد # تعويضات # الخاصة # متصرف # رسوم # معاشات # الدائرة السنية # مصلحة # مصاريف نثرية # مصلحة الري والترع # المدير # نظارة # مساحة التوالف # شورى القوانين # الناظر # ميزانية # علاوة # معاون أول وثان ... إلخ # كاتب أول وثان ... إلخ # السخرة # ملاحظ # النيابة # قواص # مستشار # رتبة أولى ... إلخ # ناظر النفوس # مراقب # مساعد # متمايز # قضاء # أموال مقررة # مستخدم # تذكرة مرور # ناحية ~~(2-2) الاصطلاحات الجندية، ومنها # المشير # أركان حرب # بدل سكن # النسافة # الفريق # تجهيزات حربية # الاستعراض # الطرادة # اللواء # ضابط # الحربية # الغواصة # قائمقام # نفر # المهمات # الدارعة # خفر السواحل # تعيينات # الهدنة # البارجة # القرعة العسكرية # كساوي بدل سفرية # البلاغ النهائي # غرامة الحرب ~~(2-3) الاصطلاحات القضائية، ومنها # الحقانية # محكمة الجزاء # النيابة # مدعي عمومي # العدلية # المجالس الأهلية # النقض والإبرام # مميز # محضر # المجالس المختلطة # معارضة # المحكمة الابتدائية # مجالس الاستئناف # الحكم العرفي ~~(2-4) اصطلاحات سياسية # مؤتمر # السفارة # المحافظون # مجلس الأعيان # معتمد # الاستعمار # الأحرار # مجلس العموم # مندوب # الاحتلال # الاشتراكيون # المسئولية # السياسة # الدوائر السياسية # مجلس الشيوخ ~~(2-5) اصطلاحات الصحافة # الصحافة # مراسل # بدل الاشتراك # الإعلانات # جريدة # مكاتب # المطبوعات الدورية وغير الدورية # المنشورات # مجلة # محرر # الوصل ~~(2-6) اصطلاحات في الطبيعة # الثقل النوعي # السمعيات # التبلور # القوة # الزخم # الحل الكهربائي # جاذبية الالتصاق # السديم # التباعد عن المركز # التمغنط # الملاصقة والشعرية # العدسة البلورية # الجاذبية # انكسار النور # التداخل # البؤرة # السطح المائل # تشرف النور # السرعة # شفاف # المفرغة # استقطاب النور # تكهرب # مظلم # القابلة # الموشور # المادة # منير ~~(2-7) اصطلاحات في الكيمياء # حامض # كثافة # منقوع # متعادل # قاعدة # مرونة # صبغة # لفائف الحدة # تحليل # غاز # الجرم # السمات ms47 # الطيف الشمسي # جامد # الألفة الكيماوية # العبارات # عنصر # سائل # قلوي # يستحضر # الوزن الجوهري # محلول # حامض # يحضر # أملاح # تحليل # كاشف # الجوهر الفرد # تركيب # البلبوس # الدقيقة # الذرة ~~(2-8) اصطلاحات طبية # حويصلة # صمامات القلب # الزهري # انسكاب # غشاء مخاطي # اللين # الصفير # تصلب # الخلايا الهوائية # تمدد # الطنين # التشخيص # الاختلاطات # تدرن # الأعراض # حئول ~~(2-9) اصطلاحات صناعية # قطار # حروف # الباخرة # المحامي # قاطرة # أمهات # الرفاص # الطباعة # مطبعة # المعامل # السكة الحديدية ~~(2-10) اصطلاحات تجارية # الرهونات # الشك المسطر # الفائدة # مسك الدفاتر # عمولة # الأستاذ # حساب النمرة # الزنجير # المقاول # اليومية # حساب جاري # الجرد # الرسمية # الخرطوش # العينات # سدد الحساب # الميري # الصندوق # المضاربة # الاستهلاك # أسهم الشركات # القسيمة # صرر النقود # مساهمة # القراطيس # الإمضاء # التحصيل # المتسبب # استحقاق # الذممات # الطرود # الأطيان # التحويل # الشركات # التصدير # المشارطة # فتح اعتماد # الاعتماد # التصفية # عميل # دين ممتاز # المصاريف الهالكة # المزايدة # العمولة # الاقتصاد # المال الاحتياطي # المناقصة # تحويل # الرهونات # الساحب # التسجيل # تسليف نقود # الممارسة # المسحوب عليه # ميعاد # سحب (السندات) # المحصول # حامل السند # استحقاق # هذه أمثلة من الألفاظ المولدة في النهضة الأخيرة في الإدارة، والسياسة، ~~والتجارة، والعلم، والصناعة. وهي كما تراها عربية الأصل والاشتقاق، وأكثرها كان ~~معروفا في اللغة ومدونا في المعجمات من قبل لمعان قريبة مما استعملها له ~~المولدون أو شبيهة بها، على نحو ما حصل في العصر العباسي. ولكل من هذه الألفاظ ~~تاريخ يدل على ما تقلبت فيه من الدلالات المتقاربة من زمن الجاهلية، فالعصر ~~الإسلامي، فعصر التدهور، إلى هذا العصر. # ولا ننكر أن بعض هذه المولدات كان في الإمكان الاستغناء عن توليدها باستعمال ~~ألفاظ كانت في اللغة قبل هذه النهضة ولها نفس الدلالة المطلوبة، ولكن قضت الأحوال ~~بالتجديد المستمر وهو من نواميس الحياة. # وأكثر التوليد المذكور حدث تدريجا واعتباطا لأسباب متفرقة ومختلفة لا يمكن ~~تعيينها أو حصرها، على أن بعضها وضع عن روية وقصد وهو قليل، وأما الأغلب في هذا ~~التوليد أن يدخل اللغة تدريجا مثل تدرج العادات والآداب في تولدها ودخولها في جسم ~~الأمة. ومن أوضح الأمثلة على ما تتقلب فيه الألفاظ من المعاني أو تتدرج في إبداله، ~~ما أصاب نعوت التفخيم ms48 من التغيير العجيب بانتقالها من عصر إلى عصر، فالأديب، ~~والألمعي، والفاضل، والعلامة، والفهامة، وحضرة، وجناب؛ يستخدمها الكتاب اليوم ~~لغير ما كان يستخدمها الأقدمون. وقد يكون الفرق بعيدا بين المعنيين ، فالأديب ~~مثلا مشتقة من الأدب وهو يشمل معظم ضروب العلم، وقد استعملها المولدون في العصور ~~الإسلامية الوسطى لما نستعمل له اليوم لفظ العالم الفاضل، وما زالت دلالتها تتصاغر ~~حتى صاروا يستخدمونها لأصغر خدمة الأدب. والحضرة والجناب كانتا من نعوت الملوك ~~والأمراء، فأصبحتا تستخدمان لأحقر العامة. وقس على ذلك سائر الألقاب. # وشأن هذه النعوت في حياتها شأن الرتب وأدوارها، فلفظ «بيك» مثلا معناه الأمير أو ~~الملك، وكانوا يسمون به كبار الأمراء والقواد، ثم جعلوه لقبا ملكيا يمنح لبعض ~~الوجهاء ونحوهم ممن يأتون عملا عظيما، ثم صار إلى ما تعلم. ويقال نحو ذلك في سائر ~~الرتب والنعوت، فهي في صعود وهبوط وتولد ودثور في دلالتها شأن الطبيعة في كل ~~أحوالها. # | لغة الحكومة المصرية في دواوينها # لا غرو إذا أفردنا للغة الحكومة المصرية بابا خاصا لاختصاصها بألفاظ وتعبيرات لا مثيل ~~لها في اللغة الفصحى، وفيها ما لا يمكن تطبيقه على قاعدة ولا الرجوع به إلى قياس. ففي ~~مخاطبات الدواوين وصور الأوامر العالية من الألفاظ الغريبة والتراكيب الركيكة ما هو غريب في ~~بابه، وقد بلغ ذروة الغرابة في أواسط القرن الماضي قبل نضج هذه النهضة. # وأصل الركاكة والغرابة في لغة الدواوين يرجع إلى عصر التدهور في زمن الأمراء والمماليك، ~~وطبيعي أن اللغة تحيا بحياة أهلها وتموت بموتهم، وتزهو بزهوهم وتنحط بانحطاطهم، ففي عصر ~~أولئك الأمراء بلغت مصر من التدهور في السياسة والإدارة والآداب والعلوم ما لم يبق بعده ~~غاية، فلم ينقض القرن الثامن عشر حتى صارت لغة الكتابة أشبه شيء بلغة العامة، لركاكة ~~عبارتها مع ما فيها من الألفاظ الأعجمية والعامية. # فدخل الفرنسيون مصر في أواخر القرن المذكور ولغة العلماء تكاد تكون عامية. وإليك أمثلة من ~~كتاب نشره علماء مصر ومشايخها أثناء احتلال الفرنسيين، قالوا: # نعرف أهل مصر من طرف الجعيدية وأشرار الناس حركوا الشرور ms49 بين الرعية والعسكر ~~الفرنساوية، بعد ما كانوا أصحابا وأحبابا بالسوية، وترتب على ذلك قتل جملة من ~~المسلمين، ونهبت بعض البيوت. ولكن حصلت ألطاف الله الخفية، سكنت الفتنة بسبب ~~شفاعتنا عند أمير الجيوش بونابرته، وارتفعت هذه البلية لأنه رجل كامل العقل عنده ~~رحمة وشفقة على المسلمين، ومحبة إلى الفقراء والمساكين. ولولاه لكانت العساكر أحرقت ~~جميع المدينة، ونهبت جميع الأموال، وقتلوا كامل أهل مصر. فعليكم ألا تحركوا الفتن، ~~ولا تطيعوا أمر المفسدين، ولا تسمعوا كلام المنافقين، ولا تتبعوا الأشرار، ولا ~~تكونوا من الخاسرين سفهاء العقول الذين لا يقرءون العواقب ... # وقد ذكرنا مثالا من كلام الجبرتي مؤرخ تلك الحوادث في كلامنا عن اللغة العربية في عصر ~~التدهور. # ولما جاء الفرنسيون إلى مصر كان في جملة حملتهم جماعة من التراجمة ليتوسطوا بينهم وبين ~~الأهالي والعلماء، ويترجموا لهم المنشورات والمراسلات ونحوها. والظاهر أنهم كانوا من غير ~~أبناء اللغة العربية، فكانوا إذا ترجموا عبارة صاغوها في قالب إفرنجي، وما لم يجدوا له ~~لفظا عربيا تركوه بلفظه الإفرنجي أو وضعوا له لفظا عاميا. # فلما أفضت الولاية إلى محمد علي مؤسس العائلة الخديوية وأخذ في إنشاء الدواوين، لم يكن له ~~غنى عمن يترجم بين حكومته وحكومات دول أوروبا، فاستخدم التراجمة وفيهم جماعة من أهل المغرب ~~وغيرهم واللغة لا تزال في انحطاطها وركاكتها، والذين يعرفون أساليبها ويحفظون ألفاظها ~~قليلون جدا، وخاصة بين الذين استخدموهم في الدواوين للكتابة أو الترجمة. وقد رأيت مثالا ~~من لغة المشايخ والعلماء وقد قضوا أعواما طوالا في الأزهر، وقرءوا كتب العلم والفقه، فكيف ~~بكتاب الدواوين والتراجمة؟! # ومما زاد أسباب الفساد في اللغة أن الحكومة بدأت في إنشاء الدواوين وترتيب مصالح الحكومة ~~والقضاء وغيرها، قبل اهتمامها بتعليم الناس وتهذيبهم وترقية أفكارهم وإصلاح شأنهم، فدخل في ~~العصر الأول لحكومة محمد علي كثير من الألفاظ والتراكيب العامية، ثم تنوعت وتكيفت على ~~أسلوب خاص وأوضاع خاصة وألفاظ خاصة، وعرفت بلغة الدواوين. # فلما استنار الناس على أثر نشر الصحافة، ونبغ الكتاب والمنشئون في أواخر القرن الماضي؛ ~~انتظم جماعة منهم في ms50 مناصب الحكومة الكتابية فنقحوا كثيرا من تلك الغرائب، ولا يزالون ~~عاملين على تنقيحها. # ومع ذلك فلا يزال فيها من الألفاظ المولدة والدخيلة وضروب التركيب ما هو بعيد عن لغة ~~سائر الكتاب، حتى في معاني الألفاظ العربية المستعملة عند كليهما. وهاك أمثلة كثيرة ~~الشيوع: # ألفاظ ديوانية # معناها # ألفاظ ديوانية # معناها # مطاعنة # شكوى # معروض ~~(عرضحال) # براءة الساحة # تبرير # ناحية # قرية # بالقضاء والقدر # عرضا # عزبة # دسكرة # اتضحت إدانته # ظهر ذنبه # أبعدية # مزرعة # صرف # دفع # نزل # إدارة تقديم المؤن # عريضة # براءة # انجرارية # إدارة المراكب # طاقم # بحرية مركب # مصروفات # نفقات # مفتعل # مزور # خوجا (سفينة) # كاتب # ظهورات # موقت # تعلق فلان # خاصته # نشاوي # جديد # أفرج عنه # أطلق سراحه # اضمحل حاله # صار فقيرا # مستند # سند # مباشرة # رأسا # جبر # كسر # دولاب # خزانة # نفق # مات # استيداع # راتب يعطى بعد الرفت # مراسلة # خادم عسكري # عجوزات # متأخرات المال # وغير ذلك كثيرا من الألفاظ العربية وغير العربية. وقس عليه التراكيب والتعبيرات الخاصة، ~~مثل إدخال «لم» على فعل المضارع كقولهم: «لم أتى» بدلا من «لم يأت»، وصوغ الفعل المجهول من ~~المصدر وفعل الصيرورة على نحو ما في اللغات الإفرنجية كقولهم: «صارت كتابته» بدلا من ~~«كتب». # وقد ولدوا صيغة خاصة للفعل الماضي تركب من المصدر ولفظ «معرفة»، فيقولون: «كتب ~~الكتاب بمعرفة فلان» بدلا من قولنا: «فلان كتب الكتاب»، وربما ركبوا هذه العبارة مع التي ~~قبلها فقالوا: «صارت كتابة الكتاب بمعرفة فلان.» وقس على ذلك. ناهيك بركاكة التعبير وإن لم ~~تخالف قواعد النحو أو الصرف مما يضيق عنه المقام، وقد أغضينا عنه لشهرته. على أن كتاب ~~اللغة وعلماءها يعدون تلك الألفاظ وأمثالها من قبيل الاصطلاحات العامية واستعمالها خطأ، وقد ~~أخذت الحكومة في تنقيحها بالتدريج كما تقدم. # | الخلاصة # يتبين للقارئ مما ذكرناه عن أحوال اللغة العربية فيما توالى عليها من العصور والأدوار في ~~أثناء نموها وارتقائها من زمن الجاهلية إلى هذا اليوم، أنها سارت في كل ذلك سير الكائنات ~~الحية بالدثور والتجدد المعبر عنه بالنمو الحيوي، فقد تولدت في العصر الإسلامي ألفاظ ~~وتراكيب لم تكن في العصر ms51 الجاهلي، وتولدت في العصور التالية ما لم يكن فيما قبلها، وأخيرا ~~تولدت في نهضتنا الأخيرة من الألفاظ والتراكيب ما لم يكن معهودا من قبل. فالوقوف في سبيل ~~هذا النمو مخالف للنواميس الطبيعية، فضلا عن أنه لا يجدي نفعا. فاللغة كائن حي نام خاضع ~~لناموس الارتقاء، ولا بد من توالي الدثور والتولد فيها أراد أصحابها ذلك أو لم يريدوا، ~~تتولد ألفاظ جديدة وتندثر ألفاظ قديمة على مقتضيات الأحوال لحكمة شملت سائر ~~الموجودات. ~~••• # وقد آن لنا أن نخلص أقلامنا من قيود الجاهلية ونخرجها من سجن البداوة، وإلا فلا نستطيع ~~البقاء في هذا الوسط الجديد. فلا ينبغي لنا احتقار كل لفظ لم ينطق به أهل البادية منذ بضعة ~~عشر قرنا، لأن لغة البراري والخيام لا تصلح للمدن والقصور إلا إذا ألبسناها لباس المدن. ~~فلا بأس من استعمال الألفاظ المولدة التي لا يقوم مقامها لفظ جاهلي لأن معناها لم يكن ~~معروفا في الجاهلية، أو التي كان لها لفظ وترك فأصبح غريبا مهجورا، فاستعمال اللفظ ~~المولد خير من إحياء اللفظ الميت، واستبقاء المولود الجديد أولى من إحياء الميت القديم، ~~وإذا عرض لنا تعبير أجنبي لم تستعمل العرب ما يقوم مقامه لا بأس من اقتباسه. وفي اعتقادنا ~~أن إطلاق سراح الأقلام على هذه الصورة يكشف لنا عن جماعة كبيرة من أرباب القرائح، يقعدهم عن ~~الاشتغال بالأدب خوفهم من الوقوع في خطأ لغوي أو بياني يؤاخذون عليه، وليست فيهم شجاعة ~~أدبية تحملهم على عدم المبالاة بالنقد إذا كان فيما يكتبونه فائدة، والخطأ اللغوي لا يقلل ~~شيئا من قدر الكتاب لأن الإحاطة بكل أوضاع اللغة وقواعدها وشواردها لا يتأتى إلا ~~لقليلين. ~~••• # على أننا لا نقول في هذا الانطلاق نحو ما يقوله الإفرنج في لغاتهم، لأن شأننا في لغتنا ~~غير شئونهم في لغاتهم، فلا بد لنا مع هذا الإطلاق من الرجوع إلى القواعد العامة والروابط ~~الأساسية فلا نفسد اللغة بألفاظ العامة وتراكيبهم، ولا نكثر من الدخيل حتى تصير لغتنا مثل ~~اللغة التركية العثمانية، التي أصبحت لكثرة ما أدخلوه فيها ms52 من الألفاظ العربية والفارسية ~~والإفرنجية لا مثيل لها في العالم إلا اللغة الهندستانية (الأوردية)، التي يكتب بها الهنود ~~جرائدهم وكتبهم. أما اللغة العثمانية فإذا عدت ألفاظها باعتبار اللغات المؤلفة هي منها، ~~كان نحو 70 في المائة من الألفاظ العربية، و15 في المائة من الفارسية، و5 في المائة من ~~اللغات الإفرنجية، وعشرة في المائة فقط من الألفاظ التركية الأصلية. ويقال نحو ذلك في اللغة ~~الأوردية وفي اللغة المالطية. ~~••• # أما اللغة العربية فلا بد من المحافظة على سلامتها والاهتمام باستبقائها على بلاغتها ~~وفصاحتها، وخاصة بعد أن أخذت تنهض إلى أرقى ما بلغت إليه في إبان شبابها، فلا يستحسن ~~الاستكثار فيها من الدخيل والمولد وإنما يؤخذ منهما بقدر الحاجة، على أن نعد ذلك ~~الاقتباس نموا وارتقاء لا فسادا وانحطاطا. # على أننا نعد ما كتبناه في هذا الموضوع خواطر أبديناها وفتحنا بها باب البحث، وأما ~~استيفاء الكلام في تاريخ اللغة وألفاظها وتراكيبها فلا يسعه إلا المجلدات الضخمة، فنتقدم ~~إلى أئمة اللغة وكتابها وعلمائها أن يزيدونا من هذا الموضوع خدمة لهذه النهضة. ms53