######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.MamlukSharid.Hindawi81407240 #META# Tags: novels #META# ID: 81407240 #META# Title: المملوك الشارد #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # المملوك الشارد‏ # أبطال الرواية‏ # المملوك الشارد‏ # | المملوك الشارد # | المملوك الشارد # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # محمد علي باشا الكبير: # والي مصر. # إبراهيم باشا: # ابن محمد علي وخليفته. # إسماعيل باشا: # ابن محمد علي. # الملك النمر: # ملك شندي في السودان. # الأمير بشير الشهابي: # حاكم لبنان. # أمين بك: # من أمراء المماليك. # غريب: # ابن أمين بك. # الأميران أمين وخليل: # أبناء الأمير بشير. # عبد الله باشا الجزار: # والي عكا. # جميلة: # زوجة أمين بك. # سالم أغا: # من ضباط جيش إبراهيم. # سعيد: # خادم أمين بك. # | المملوك الشارد # جبل لبنان # جبل لبنان: سلسلة جبال شامخة، يشرف على البحر الأبيض المتوسط، وتفصله عنه شواطئ سوريا، ~~وهو آهل بالعشائر، تكسوه المزارع والغياض، ويلبسه الثلج عمامة بيضاء على مدار السنة. وقد ~~كانت حكومته إلى منتصف القرن الماضي في قبضة أمراء من عشائر مختلفة، ينتهي نسب أكبر عشيرة ~~منهم إلى لؤي بن كعب من قريش، وهؤلاء هم الأمراء الشهابيون أو بنو شهاب. # وقد حكم الأمراء الشهابيون في لبنان أكثر من سائر العشائر الأخرى، وكان مركز حكومتهم ~~غالبا بلدة دير القمر، وهي واقعة غربي الجبل المذكور، في سفح مشرف على واد خصب، يفصلها عن ~~سفح آخر مقابل له، ويحيط بها كغيرها من قرى لبنان بساتين مغروسة بالكرم والتين والتوت ~~وغيرها. # وفي أواخر القرن الثامن عشر، اتصلت إمارة هذا الجبل بالأمير بشير الشهابي، المعروف ~~بالمالطي والمشهور بعلو الهمة والشجاعة وعظم الهيبة، حتى إن كثيرين كانوا لا يقوون على ~~التأمل في وجهه والوقوف بين يديه أو التكلم في حضرته، دون أن يقع الرعب في قلوبهم، والرعدة ~~في فرائصهم، مع ما عرف به اللبنانيون من قوة البدن ورباطة الجأش. # وكان في السفح المقابل لدير القمر قرية صغيرة، تدعى بيت الدين، فيها معبد لطائفة الدروز، ~~فابتاعها الأمير بشير، وابتنى فيها دورا ومتنزهات له ولأولاده، وأحضر إليها المياه فأصبحت ~~من أبهى المتنزهات منظرا، وأحسنها هواء. # وقد عرف الأمير بشير بتيقظه الدائم وتعهده راحة الرعية. وكانت له فراسة خاصة في معرفة ~~الأشخاص وأطوارهم، فكثيرا ما كان يكتشف ms001 الجاني بمجرد النظر إليه، وتأمل حركاته، ويروون ~~عنه في ذلك أحاديث أشبه بالخرافات منها بالحقائق، يتحدث بها العامة والخاصة. وقد كان في ~~جملة مساعيه لحفظ السلام، ومنع التعدي، اختيار رجال اختبر شجاعتهم وحذقهم، وبثهم في تلك ~~الأودية، يتربصون في مخابئها، يراقبون حركات الناس، فإذا خرج أحد في حاجة من قرية إلى أخرى، ~~تراقب عيون أولئك المتربصين حركاته، وربما رافقوه كل طريقه وهو لا يعلم، وفي صباح الغد ~~يأتون إلى الأمير ويخبرونه بما شاهدوه وعلموه، فكان بذلك على بينة من جميع أحوال رعيته، ~~وكان ذا ذاكرة وقادة لا تفوته فائتة، حتى قيل إنه موجود في كل مكان، فساد الأمن على عهده ~~في جبل لبنان حتى إن النساء والأطفال كانوا يخرجون ليلا ونهارا وفي أيديهم المال، يسافرون ~~من بلد إلى آخر، ومن مقاطعة إلى أخرى، لا يخشون حرجا ولا يخافون معتديا. # طارق مفاجئ # وكان بجوار بيت الدين دير منفرد فيه جماعة من الرهبان يقضون جانبا من نهارهم في ~~العبادة، والجانب الآخر في حرث حقول الدير، التي يستغلون منها قمحهم وزيتهم وخمرهم وسائر ~~حاجات طعامهم. # ففي مساء يوم من أيام شهر «ديسمبر» سنة 1812، وقد قضى الرهبان معظم نهارهم في جرف الثلوج ~~المتراكمة على سطوح الدير، دخلوا غرفة من غرفه قد أوقدوا فيها حطبا، وأحاطوا بالنار ~~يستدفئون ويتسامرون، والباب مقفل عليهم، وهم متسربلون بعباءات مشدودة إلى أوساطهم. وكان ~~يعترض حديثهم قصف الرعد، ولمعان البرق وهطول المطر، والجليد المتساقط على جدران الدير ~~ونوافذه، وهزيم الرياح والعواصف التي تكثر في فصل الشتاء. # فقال رئيسهم: «قد سمعت اليوم حديثا أقلقني، فهل طرق آذانكم؟» فقالوا: «وما ذلك ~~الحديث؟» # قال: «بلغني أن اثنين من بني المعلوف، من قرية بسكنتا، تعرضا لبطريرك الكاثوليك، أغناطيوس ~~صروف الدمشقي، بالقرب من قرية زوق مكايل، وقتلاه، وقد علمت أن الأمير بشيرا أسف لذلك، وقد ~~سعى في القصاص من المذنبين.» # فقال أحد الرهبان: «كيف يحدث مثل هذا في إمارة الأمير بشير إلا إذا كان بتواطؤ منه، لا ~~يغرنك ما سمعته عن كدره فإن الشهابيين لا ms002 يهمهم قتل كل البطاركة لأنهم ليسوا من دينهم.» # فقاطعه الرئيس بقوله: «أظنك لا تعلم أن الأمير قد اعتنق الديانة المسيحية سرا!» # فقال أحدهم: «أصحيح ما تقول؟ ولماذا هذا التستر إذن؟ أليس الأولى به إعلان تنصره ~~والتصريح به وإلا فهو مخالف لقول الإنجيل؟» # فقال الرئيس: «لا يخفى عليكم أنه يترتب على إعلان تنصره أضرار مادية تضر بمصلحته، فضلا ~~عن كره بني شهاب عامة له؛ لاتصال نسبهم بقبيلة قريش، وكم عزل وولي على عهد أحمد باشا الجزار ~~بسبب ذلك!» # فقال راهب: «كيف يكون مسيحيا ولم نشاهده يزور كنيسة لأداء الفروض النصرانية؟» # فقال الرئيس: «إن الأمير لا يغفل عن أداء واجباته إبان الصلاة المفروضة في ديننا، وقد خصص ~~غرفة خفية من غرف قصره اتخذها كنيسة يصلي فيها سرا، ولا يعرف تلك الغرفة إلا أفراد قليلون؛ ~~فإن بابها مكسو بما يشبه لون الحائط، حتى لا ينتبه الناظر إلى أن في ذلك الحائط ~~بابا.» # فقال راهب قوي الإيمان: «لا يليق بنا أن نرائي في عقيدتنا، وننكر مخلصنا رغبة في مصلحة ~~دنيانا.» # فقاطعه الرئيس قائلا: «اخفض صوتك حتى لا يبلغ قولك مسامع الأمير فنقع في شر ~~أقوالنا.» # فقال الراهب مقهقها: «أين نحن وأين الأمير بشير؟ أليس بيننا وبينه أكثر من ~~ميلين؟» # فقال الرئيس: «لا أعلم مقدار البعد بيننا وبينه، وإنما أعلم أنه رجل قد خصه الله بما لم ~~يخص به أحدا من الناس غيره، وكأني بجميع هذه الجدران عيون وأرصاد تنقل له الأخبار فيعلم ما ~~يجري بأقاصي لبنان وهو جالس في قصره.» # ولم يكد يتم الرئيس كلامه، حتى سمع طارقا يطرق الباب فوقع الرعب في قلبه وقلوب رهبانه، ~~ولم يستطع أحد منهم النهوض لفتح الباب، فأخذوا يهمسون فيما بينهم ليختلقوا عذرا يبرئون به ~~أنفسهم، وفي أثناء ذلك نهض أحدهم وفتح الباب، وإذا هو برجل أسود اللون طويل القامة غريب ~~الزي، إلى جانبه امرأة مبرقعة عليها ثياب سود حالكات، وعلى يدي الأسود طفل، وكلهم ينتفضون ~~من شدة البرد. فسألهما الراهب عن قصدهما. فقال الرجل: «هل هذا المكان ms003 دير؟» قال: «نعم.» قال: ~~«هل تقبلوننا عندكم ضيوفا هذه الليلة؟» قال: «نعم.» وأدخلهما الغرفة وأجلسهما على مقعد ~~بالقرب من الرئيس، فتأملهما الرئيس فإذا هما غريبا الشكل والملامح فسكن جأش الرهبان، وظهر ~~لهم من مجمل حالهما أنهما آتيان من مكان بعيد، وقد قاسيا عذابا شديدا من التعب ~~والبرد. # فبدأ الرئيس بالكلام قائلا: «حقا إنكما قد شرفتمانا هذه الليلة، وحلت البركة بحلولكما ~~عندنا، فمرحبا بكما، من أين أتيتما؟» فأجابه الرجل متأوها: «قد أتينا أيها الأب المحترم ~~من بلاد بعيدة.» فقال الرئيس: «إذن لا بد أنكما محتاجان إلى طعام.» ثم أمر أحد الرهبان ~~فجاءهما بطعام من اللبن والجبن و«القاورمة» والعسل، وبأرغفة رقاق فأكلا وشربا قليلا من ~~الخمر الجيدة المعتقة التي يعز وجودها في غير الأديرة. وقد أماطت المرأة البرقع، في أثناء ~~الأكل، عن وجه كأنه البدر، ومع ما كان يبدو عليه من دلائل التعب والشقاء والحزن والكآبة، ~~فقد كانت تتجلى فيه ملامح المهابة والجلال، فتعجب الجميع من مرافقة هذا الملاك الأبيض لذلك ~~العبد الأسود. # وأمر الرئيس لهما بكثرة الوقود فجلسا يستدفئان ويستريحان، والرئيس يتأمل هيأتهما ~~وملابسهما وحديثهما، فلاح له أنهما ليسا من لبنان، فبدأ الحديث معهما ثانية قائلا: «اسمحا ~~لي أن أسألكما عن سبب مجيئكما إلى هذه القرية في هذا الليل، وإن كان ذلك غير لائق منا، فقد ~~ظهر لي أنكما من بلاد بعيدة، فهل حضرتما من دمشق؟» # فأجاب الرجل: «لا، ولكننا من إحدى قرى تلك المدينة، وفي صباح الغد إن شاء الله نشرح لكم ~~حقيقة حالنا.» # قال الرئيس: «حسنا، يظهر أنكما في حاجة إلى النوم، وقد أعددنا لكما فراشا.» ثم أمر أحد ~~الرهبان أن يأخذهما إلى غرفة وضع فيها مصباح زيتي، وفرش على أرضها فراشان حقيران لكنهما ~~نظيفان مرتبان - واللبنانيون أهل نظافة وترتيب على اختلاف طبقاتهم، حتى أفقر الفقراء منهم ~~لا تستنكف من مؤاكلته أو مجالسته أو النوم في فراشه إذا نزلت عنده - فغسلا أرجلهما بماء ~~ساخن أحضر لهما، ثم سألهما الرئيس عما إذا كان في نفسيهما حاجة إلى شيء بعد ، فقالا: ms004 ~~«لا.» # فغادر الرئيس ومن معه الغرفة وأغلقوا بابها وراءهم، وهم يتساءلون فيما بينهم عن أمر هذا ~~الرجل وهذه المرأة وطفلها، ثم عادوا إلى غرفة التدفئة. # فقال الرئيس: «نحمد الله على نجاتنا من غضب الأمير بشير، فقد كنت خائفا أن يكون الطارق ~~أحد جواسيسه.» فقال راهب: «وما يدريك، لعل هذا الرجل من الجواسيس!» فاعترضه سائر الرهبان ~~معا قائلين: «ذلك لا يمكن أن يكون، ألم تفهم من مجمل حالهما أنهما غريبان، وفي صباح الغد ~~نعلم الحقيقة.» وبعد ساعة أو بعض الساعة، سار كل إلى غرفته للنوم. # سر عميق # وفي الصباح خرج الرهبان مبكرين كعادتهم، لجرف الثلوج التي تراكمت على أبواب الغرف وسطوحها ~~في تلك الليلة. فلما كان الضحى استيقظ الضيوف، وبعد أن تناولوا القهوة والطعام، طلب العبد ~~الأسود الانفراد برئيس الدير فانفردا في غرفة. # فقال العبد: «هل عندكم للسر مكان؟» قال الرئيس: «تكلم ولا تخف فإننا نحن جماعة الأكليروس، ~~قد عهد إلينا بحفظ أسرار الشعوب، وعندنا سر الاعتراف.» فقال العبد: «إني أعلم ذلك، وهذا ~~مما يدعو إلى ثقتنا بك، فاعلم يا سيدي الأب أننا لسنا من دمشق ولا من قراها، وإنما نحن من ~~بلاد مصر وقد جئنا إلى هذه البلاد فرارا من القتل.» # قال الرئيس: «وكيف ذلك؟» # قال العبد: «إن السيدة جميلة التي رأيتها معي، هي زوجة أمير من أمراء المماليك الذين ~~كانوا حكاما لمصر قبل ولاية الوالي الحالي المدعو محمد علي باشا القولي.» # فابتدره الرئيس قائلا: «قد سمعنا أن محمد علي باشا المذكور قد ذبح الأمراء المماليك في ~~السنة الماضية بقلعة القاهرة، بعد أن دعاهم إلى الاحتفال بخروج ابنه طوسون لمقاتلة ~~الوهابيين بجزيرة العرب.» # فقال العبد: «نعم يا سيدي، وكان زوج هذه الأميرة في جملة المدعوين إلى ذلك الاحتفال، وقد ~~ذبح في جملة من ذبح، فإننا لم نسمع أن أحدا منهم استطاع النجاة من تلك المذبحة، ولم يكتف ~~محمد علي باشا بقتل هؤلاء الأمراء بل أباح لرجاله قتل كل من يلاقونه من أتباعهم في كل جهات ~~القطر، فأغارت العساكر المصرية والأرناءوط ms005 والمغاربة وغيرهم على دور الأمراء، وأمعنوا فيهم ~~قتلا وفتكا بغير شفقة ولا حساب. # وقد كنت في بيت ذلك الأمير خصيا من خصيان قصره، وكنت أحبه حبا عظيما، وكانت هذه ~~الأميرة حبلى، ولها غلام سنه سبع سنوات اسمه سليم، فطلبت إلي الفرار بها وبابنها من وجه ~~الموت والعار، ولما كنت أعلم أن الإخلاص وصدق الخدمة إنما يظهران في مثل هذه الحال، فقد ~~لبيت طلبها وحملنا ما استطعنا من خفيف الحمل وغالي الثمن، وخرجنا من المدينة في ظلام الليل ~~على ظهور خيل، فلما صرنا إلى خارجها جددنا المسير، مع صعوبة الركوب على تلك السيدة ~~المنكودة الحظ، حتى بعدنا عن المدينة فلجأنا إلى مكان اختبأنا فيه إلى الصباح، ثم تابعنا ~~السير في الصباح التالي. وما زلنا نجد في السير ما استطعنا، حتى دخلنا حدود سوريا، ولا تسل ~~عما قاسته هذه المسكينة من العذاب والمشقة، وما ذرفته من الدموع الغزار. # ونزلنا بلدة غزة في بيت، والناس هناك يسألون عنا، فقلنا إننا من بلاد الترك نفيا ~~للشبهة. وبعد بضعة أشهر آن وقت الولادة، فوضعت السيدة هذا الغلام، فسميناه غريبا لأنه ولد ~~في بلاد غربة! # وبعد أن تمت الولادة، كما ذكرت، أخذنا نفكر في وسيلة ننسى بها تلك المصائب، وفي مكان ~~نعيش به يعزي هذه الحزينة عن فقد زوجها، فعلمنا بالاستقصاء أن جبل لبنان من أفضل ما خلق ~~الله من الأماكن الجيدة الهواء، فتاقت أنفسنا إلى الإقامة فيه، ولا سيما بعد أن سمعنا عن ~~تيقظ أميره وتعهده راحة الرعية وسيادة الأمن بينهم، وقد كنت - فضلا عن ذلك - أرى في سيدتي ~~الأميرة ميلا خاصا إلى السكنى بهذا الجبل لداع لا أعلمه. # خرجنا من غزة، ثم مررنا بيافا فاسترحنا فيها مدة، ثم شددنا الرحال إلى عكا، وهناك أصبنا ~~بمصيبة لا تقل عن المصيبة الأولى هولا.» # فأصاخ الرئيس متلهفا لسماع ما يقوله العبد، وقد تأثر بحديثه تأثرا أجرى عبراته لأنه كان ~~من ذوي الشفقة، والشفقة صفة أكثر ما تكون فيمن يعيشون عيشة الفطرة بعيدين عن المدن. # وأتم العبد كلامه ms006 قائلا: «تأمل أيها الأب المحترم حظ هذه المسكينة، إنها - بعد وصولنا ~~إلى عكا ببضعة أسابيع - فقدت ابنها الأكبر بكيفية غريبة.» # قال الرئيس: «وكيف ذلك؟» # فقال العبد: «اتخذنا في عكا مسكنا منفردا في أحد المنازل على شاطئ البحر ترويحا للنفس، ~~وتجنبا لانكشاف أمرنا، فمكثنا في تلك المدينة بضعة أسابيع نسأل عن أسهل السبل المؤدية إلى ~~لبنان، وعن أفضل جهة من جهاته. وكانت سيدتي الأميرة لشدة تعلقها بابنها سليم، شبيه والده، ~~لا ترد طلبه لشيء، واتفق في أحد الأيام أنه رأى غلمان الحي ينزلون إلى البحر بقارب صغير ~~للتنزه، فطلب الذهاب معهم فأبت والدته خوفا عليه من الغرق، فألح عليها فأذنت له على أن ~~أكون أنا برفقته، فجرى بنا القارب في البحر يسيرا، فسر سليم بذلك كثيرا، ثم عدنا إلى ~~البر سالمين. وقد لاحظت في أثناء جري القارب أن عيني الغلام، لم تفارقا النوتي لحظة، بل ~~كان يراقب حركاته وسكناته وكيفية استخدام المجاذيف، وكأنه أحب مهنة الملاحة. # فلما وصلنا إلى الشاطئ، وجدنا السيدة الوالدة في انتظارنا فقبلت الغلام ثم عدنا إلى ~~البيت، ولكن لسوء الحظ كان ذلك النوتي يرسو بقاربه بالقرب من منزلنا، فيشده مساء إلى صخر ~~هناك، ويذهب إلى بيته، فإذا عرض له راكب، يأتي إلى القارب فيحله ويذهب به معه، ومتى انتهى ~~من النزهة يعود فيشده في مكانه. مضت على ذلك بضعة أيام، ثم خرج الغلام ليلعب خارج البيت كما ~~جرت عادته بذلك، وكنا نحن في البيت ندبر بعض المهام لغريب فانشغلنا ساعتين، ثم انتبهت ~~والدته بغتة ونادت: «أين سليم؟» فقلت لها: «قد تركته يلعب أمام البيت.» ثم خرجنا نفتش عنه، ~~فلم نقف له على أثر فصاحت: «ويلاه قد فقد الولد!» فأخذت أناديه وأستطلع أمره وقد ذهب كل جهدي ~~عبثا، ثم نظرت إلى البحر فلم أر القارب، وقد كان منذ أيام لا ينفك مشدودا إلى الشاطئ، ~~فقلت في نفسي: «أظنه ركب القارب يجرب نفسه في مهنة الملاحة، فقذفته الأمواج إلى حيث لا ~~نعلم.» # أما الأميرة الوالدة، فقد أخذت تصيح وتندب ms007 حظها وولدها وتقطع شعرها، حتى أغمي عليها، ~~وصرت في حيرة، فأخذت في تسكين روعها. ثم قمت أفتش عن الغلام في جوار المنزل، وبعثت مناديا ~~ينشده في الأسواق، فلم أقف له على خبر. وبعد التفتيش عنه أربعة أيام يئسنا من العثور عليه، ~~فكرهنا البقاء في تلك المدينة. والمصيبة الكبرى، أننا لم نكن نستطيع الظهور أمام الحكومة ~~لنطلب إليها التفتيش عن الغلام بوسائلها الدقيقة؛ خوفا من أن ينكشف أمرنا، ويعود ذلك وبالا ~~علينا. # غادرنا عكا ونحن في حالة يرثى لها من الحزن والكدر، وهذه المسكينة لا تنفك عن البكاء ~~ليلا ونهارا، حتى أسقمت ولدها الآخر من إرضاعه ألبان الهموم والأحزان ...» قال ذلك، وتساقطت ~~العبرات من عينيه فبكى معه الرئيس. ثم قال العبد: «لا أطيل عليك أيها الأب المحترم، ثم ~~وصلنا صيداء، وهناك علمنا أن هذه الجهة من أفضل جهات لبنان فأخذنا نسير فيها من قرية إلى ~~أخرى، وقد صممنا على الإقامة في مكان منفرد، فهدانا بعض العارفين إلى هذا الدير، فسرنا صباح ~~أمس على أمل الوصول إليكم عند الظهيرة، ورافقنا رجل من إحدى القرى معظم الطريق، وكنا كلما ~~سألناه عن المكان المقصود يقول: «ها قد وصلنا فإنه لا يبعد منا أكثر من مرمى حجر، أو طول ~~رسن بغل، أو مقدار شرب غليون» أو غير ذلك، حتى أنهكنا التعب، وتبللت ثيابنا من الأمطار، ~~وقاسينا من البرد أشد العناء ولم نستطع الركوب لوعورة الطريق، فغربت الشمس ونحن في مكان قيل ~~لنا إنه قرية بيت الدين مسكن أمير هذه البلاد. # فلما وصلنا إلى هناك أشار الرجل إلى مكان هذا الدير، وقال: «اعذراني إذ لا يمكنني الوصول ~~معكما إلى هناك»، وودعنا ورجع، كل ذلك والبرد شديد والثلوج متراكمة، وقد لامنا كثيرون على ~~قدومنا إلى هذه الأماكن في فصل الشتاء، ولكن المقدر المحتوم لا سبيل إلى التخلص ~~منه. # بعد أن فارقنا ذلك الرجل، لقينا رجل متسربل بعباءة سوداء، يظهر عليه أنه ليس من عامة ~~الناس، فسألنا بكل لطف عن وجهة مسيرنا، فأجبناه بأن علينا نذرا للدير الفلاني، ms008 وقد أتينا ~~الآن لوفائه، فقال: «أتريدان أن أرافقكما إلى ذلك الدير لأني أراكما غريبي الديار؟» قلنا: ~~«ولكم الفضل.» فلما وصلنا إلى باب الدير وقف بنا الرجل هنيهة، ثم قال: «هذا هو المكان ~~فاقرعوا الباب يفتح لكم»، ثم ودعنا وسار فشكرنا فضله، وقرعنا باب الدير ففتح لنا ودخلنا على ~~ما رأيتمونا.» # وبدا القلق على الرئيس، فقد يكون ذلك الرفيق جاسوسا من جواسيس الأمير بشير سمع شيئا مما ~~قالوه، ولكن تأثره من قصة سعيد شغله عن التفكير في غيرها. # والتفت الرئيس إلى سعيد قائلا: «طب نفسا يا ولدي وقر عينا، قد حفظت كل مقالك وسيظل في ~~صدري سرا مصونا، ونطلب إلى الله سبحانه وتعالى أن يعزي هذه المسكينة ويهبها الصبر الجميل ~~على أحزانها، فإذا شئتما الإقامة عندنا فأهلا بكما فإنكما ستحلان على الرحب والسعة، وإلا ~~فإني مستعد لقضاء كل ما تحتاجان إليه، ولا فرق عندي بين أن تكونا مسيحيين أو غير مسيحيين ~~فإننا جميعا نعبد الإله الواحد القهار، وفضلا عن ذلك فإن الديانة الإسلامية هي ديانة ~~مولانا السلطان صاحب البلاد.» # الأمير بشير # بعد أن أتم سعيد حديثه سأله الرئيس عن جميلة، فقال له: «إنها ذهبت بعد الطعام إلى غرفتها، ~~ولا تزال هناك، والباب مغلق عليها.» فقال لسعيد: «هلم بنا لنعزيها.» فسارا حتى بلغا الغرفة، ~~فسمعا صوت ندب وبكاء، فوقفا خارج الباب صامتين، وإذا هي تقول: «يا للمصيبة أين أنا الآن؟ ~~وأين زوجي وحبيبي؟ وأين حشمه وخدمه؟ وأين أنت يا ولدي سليم؟ أواه أصرت طعاما للأسماك وتركت ~~والدتك المسكينة تتقلب على جمر الغضا؟ أما كان الأولى بي أن أموت فداء لك ولأبيك وأستريح من ~~شقاء هذا العالم؟! أما من وسيلة يا إلهي للنجاة من هذه المصائب؟ ترى هل أطلع الأمير على ~~حقيقة أمري؟ أخشى أنه إذا علم به يزيد غضبه علي وينتقم مني، أو لعله يشفق على ضعفي ويقبل ~~توبتي!» # ثم أخذت تخاطب نفسها قائلة: «مالك يا مسكينة ولهذا الكلام! ألقي حملك على هذا العبد ~~الأمين، واتكلي على الله وهو يقودك إلى ما ms009 فيه خيرك.» # طرق سعيد الباب طرقا خفيفا لئلا يزعجها فسكتت، فقال سعيد: «لا تخافي يا سيدتي، فأنا عبدك ~~سعيد.» ثم فتح الباب ودخل فرآها في حالة يرثى لها، وقد بللت ثيابها بالدموع، وحلت شعرها ~~ومزقت ثوبها، وخنقتها العبرات حتى كاد يغشى عليها، فتقدم إليها وأخذ بيدها وأجلسها، ثم ~~استأذن للرئيس في الدخول فأذنت فدخل، وقد تعجب من فرط جمالها، وزاد ذلك حزنه عليها، حتى لم ~~يعد يمكنه حبس دموعه، لكنه تجلد وتقدم قائلا: «اصبري يا سيدتي ويا ابنتي فإن الأحزان تجلب ~~الأسقام، فاتكلي على الله تعالى، وأشفقي على نفسك، وعلى هذا الطفل فإنه تعزية كبيرة لك. ~~وفوضي الأمر لله، فهذا سعيد خادمك الأمين، قد أطلعني على حقيقة حالك، وعاهدته على أن يكون ~~ذلك سرا بيني وبينه. واعلمي يا ابنتي أني مشارك لكما في جميع أحزانكما وسأبذل جهدي في ~~تعزيتك ومرضاتك، فاتخذيني لك أبا أو صديقا تلقين عليه أحمالك.» وما زال الرئيس يحدثها ~~بمثل ذلك حتى سكن روعها ومسحت دموعها. أما هو فكان في أثناء ذلك يتأمل جمالها، وما يغشاه من ~~الأحزان، وما يتجلى في وجهها من الهيبة والكمال، فقد كانت قمحية اللون، مستديرة الوجه، ~~سوداء العينين، واسعتهما قليلا مع حدة وذبول، رشيقة الحركة مع تعقل ووقار. # ثم استأنف الحديث قائلا: «ها أنا ذا قد علمت حقيقة الحال، وليس من الرهبان أحد هنا؛ لأنهم ~~خرجوا جميعا للعمل في الحقول، وهم لا يعلمون شيئا من قصتنا، فماذا أقول لو سئلت عن سبب ~~مجيئكما؟» فقال سعيد: «قل إنهما جاءا من صيدا لوفاء نذر عليهما.» # وفي أثناء ذلك سمعوا صوت نداء في الدار، فخرج الرئيس وإذا بأحد رجال الأمير بشير، قد جاء ~~يدعو رئيس الدير لمواجهة الأمير في قصره ببيت الدين، فوقع الرعب في قلب الرئيس، ولكنه تجلد ~~لعلمه ببراءته، فلبس جبته وقلنسوته وسار حتى بلغ القصر (السراي)، فلما أدخل قاعة المجلس، ~~وقعت المهابة في قلبه لأنها على كثرة من فيها من الناس لا يسمع فيها صوت، بل جميعهم جلوس ~~كأن على رءوسهم الطير. ms010 وقد كانت تلك عادة الأمير في مجلسه، فلم يكن أحد يستطيع أن يتفوه ~~أمامه بكلمة من تلقاء نفسه لعظم هيبته. أما الرئيس فكان أجرأ من غيره، والظاهر أن الأمير ~~بعد اعتناقه الديانة المسيحية بالغ في الإكرام لجماعة الأكليروس. # وكان الأمير جالسا على مقعد في صدر القاعة مسندا يده إلى وسادة فوقها «طبنجة» محشوة ~~بالرصاص لا تفارق مجلسه، وليس على ذلك المقعد غيره لأنه لم يكن يأذن لأحد أن يجلس بجانبه. ~~وكان عليه قباء بسيط، شبيه بالقفطان، من صنع دمشق، فوقه منطقة من الصوف من صنع كشمير، وقد ~~تقلد في منطقته الدواة والخنجر المرصعين بالجواهر، وفوق القفطان جبة من الفرو الثمين، وعلى ~~رأسه إذ ذاك العمامة الكبيرة. أما الطربوش فلم يلبسه إلا في آخر أيام حكمه، إذ أصبح الطربوش ~~من ذلك الحين شعار الدولة العثمانية يلبسه كل من يتولى أعمالها. وكان الأمير ربعة في الرجال ~~واسع الصدر عريض الكتفين، أما هيئته فكانت أقرب إلى هيئة الأسود منها إلى الآدميين؛ لأنه كان ~~عريض الجبهة عاليها غليظ الشفتين، له حاجبان يتدلى الشعر منهما على عينين براقتين كأنهما ~~تتقدان نارا، وبينهما أنف كبير به انحناء قليل، تحته شارب طويل، وله لحية مجعدة مسترسلة ~~على صدره، وقد وخط الشيب شعره قليلا. # وكانت أرض القاعة مفروشة بالطنافس والسجاد الثمين، فدخل الرئيس بعد أن نزع حذاءه خارج ~~الباب حسب العادة، فرأى الأمير جالسا وبين يديه أرباب مجلسه فحياه قائلا: «عم صباحا يا ~~سيدي الأمير.» فرد التحية وأذن له في الجلوس، ثم أمر له بالقهوة والغليون. أما الرئيس فلم ~~يسره هذا الإكرام لقلقه من هذه الدعوة على أثر تخوفه أمس. ثم نظر الأمير إلى الرئيس بتينك ~~العينين الحادتين وبما فيهما من ملامح الشجاعة والذكاء، مبتسما تبسما يزيده هيبة ~~ووقارا، وقال بصوته الجهوري: يا أبانا، إن غرباء نزلوا عليك أمس، فمن هم؟ # فقال الرئيس: «إنهم يا سعادة الأمير قادمون من صيدا لوفاء نذر للدير.» # فقال الأمير: «إخالك جاهلا الحقيقة أو متجاهلا ... أتقصد أن تغش الأمير بشيرا؟» # فنهض الرئيس على ms011 قدميه، قائلا: «العفو يا سعادة الأمير، فإن سعادتك تعلم أننا عبيد ~~مطيعون مخلصون، ولم يسبق لنا شيء مثل هذا، وليس هؤلاء أول من جاء لمثل ذلك، فإن هذا الدير ~~مشهور بالكرامة، وتأتيه النذور من سائر أنحاء العالم.» # فأقعده الأمير، وسأله: «من أي طائفة هم؟» فقال الرئيس: «لا بأس يا سيدي، مهما كانت ~~طائفتهم، فإن الدير يقبل النذور من جميع الطوائف والملل بدون استثناء.» # فضحك الأمير، وقال: «جئني بهم.» فقال: «سمعا وطاعة.» وخرج وهو في حيرة خوفا على جميلة من ~~غضب الأمير، فلما وصل إلى الدير وجد جميلة وسعيدا قد عيل صبرهما من الانتظار فأخبرهما بما ~~كان وشجعهما، وقال لجميلة: «انهضي يا ابنتي والبسي أحسن ما عندك، وهلمي مع سعيد وأنا أسير ~~بكما إليه، لعل لكما في ذلك خيرا.» فقالت جميلة: «وماذا نفعل بغريب؟» قال الرئيس: «نتركه ~~هنا ونوصي به أحد الرهبان.» فقالت: «لا لا، لا أفارقه قبل أن تفارق روحي جسدي فإنه وحيدي، ~~ومنتهى أملي، وكفاني من فقد!» فقال الرئيس: «إذن، نأخذه معنا.» # فلبست جميلة ثوبا ليس فيه مطرزات ولكنه بسيط نظيف، ومشطت شعرها وضفرته وأرخته على ظهرها، ~~ولبست البرقع على رأسها، وكانت قد استراحت من تعب الطريق فأشرق وجهها، وارتد لونه الوردي ~~على ما به من الكمال والوقار. # سراي بيت الدين # سار الجميع حتى بلغوا «السراي» فدخلوا من باب السور إلى صحن «السراي» الخارجي، فإذا هو ~~أشبه بميدان متسع محاط بالأشجار، في صدره باب الصحن الداخلي يوصل إليه ببضع درجات، ترى فوق ~~عتبته بيتين من الشعر تأريخا لبناء تلك «السراي». فدخلوا من ذلك الباب، والحراس وقوف ~~هناك، يتأملون تلك السيدة وذلك العبد، ويتساءلون عن أمرهما، ثم وصلوا الصحن الداخلي فإذا ~~هو مرصوف بالرخام، في وسطه بركة رخامية، وحوله غرف بعضها يؤدي إلى مماش تشرف على ما وراء ~~بيت الدين من البساتين والأودية والجبال، وفي صدر ذلك الصحن قاعة الأمير، ويصعد إليها بعدة ~~درجات، وإلى كل من جانبيه حارس منتصب ببندقيته، يمنع الدخول بغير استئذان. # فلما وصل الرئيس عرفه الحراس ms012 فلم يمنعوه من الدخول، فدخل هو أولا وأخبر الأمير بشيرا ~~بمجيء السيدة والعبد، ثم طلب إليه إن شاء أن يصرف من في مجلسه قبل أن تدخل عليه تلك المرأة، ~~لئلا تستحي، فصرف الجميع. ودخلت جميلة فرأت الأمير جالسا على مقعده، وقد أشعل غليونه، وهو ~~على ما ذكرنا من الهيبة والوقار، وعلى محياه هيئة الأسود، فلما وقع نظرها عليه اضطرب ~~قلبها، وارتعدت فرائصها، فهون عليها ودعاها إلى صدر القاعة، ورحب بها تخفيفا ~~لرعبها. # ثم استأذن سعيد، فأذن له ودخل عليه، وجلس متأدبا قرب الباب. # فنظر الأمير إلى تلك الحورية وعلى يدها ذلك الطفل، وتأمل ذلك العبد الطويل رفيقها فاستغرب ~~أمرهما، فقال لسعيد: «ماذا تكون أنت من هذه المرأة؟» فوقف سعيد احتراما، وقال: «عبدك يا ~~سيدي خادم لحضرتها.» فعظمت المرأة في عيني الأمير، والتفت إليها قائلا: «أين زوجك يا ~~سيدة؟» فأطرقت جميلة برأسها إلى الأرض، ولم تستطع جوابا إذ خنقتها العبرات، وأخذت تتساقط ~~على خديها كاللؤلؤ المنثور، فأثر ذلك في قلب الأمير بشير تأثيرا عظيما، وأدرك الجواب. ~~فسأل سعيدا قائلا: «من أين أتيتم؟» فقال سعيد: «أتينا من مدينة صيدا لنفي بنذر علينا لهذا ~~الدير.» # فقال الأمير: «من أوصلكم إلى باب الدير مساء أمس؟» # فقال: «أوصلنا رجل لا نعرفه إذ لم نر وجهه، ويظهر لي أنه ليس من العامة.» # فقال الأمير: «هل تعرفونه إذا رأيتموه ثانية؟» # فقال سعيد: «نعم يا سيدي.» # فتبسم الأمير، فأدرك سعيد أن ذلك الرجل إنما هو الأمير بشير نفسه، وقد خرج متنكرا يطوف ~~في القرية سهرا على حالة الأمن في البلاد، على أنه قلما كان يتيسر له التنقل والتجول ~~منفردا، لكثرة ما كان له من الأعداء المترصدين في كل مكان. # ثم استأنف الأمير الحديث، فقال: «تقولان إنكما من مدينة صيدا، ويظهر من حديثكما أنكما من ~~بلاد مصر.» فأجاب سعيد: «إن سيدي المرحوم سكن مع أسرته بلاد مصر مدة من الزمن، فاكتسبنا ~~اللهجة المصرية في حديثنا.» # فقال الأمير: «هل أنتما عازمان على العودة إلى بلادكم قريبا؟» # فقال سعيد: «هذه مسألة ms013 فيها نظر؛ لأني أرى سيدتي تكره الإقامة في بلد فقدت فيه رفيق ~~حياتها وليس لها فيه مصلحة، ولم نفقد سيدنا فقط بل فقدنا معه كل متاعنا وأصبحنا كما ترانا، ~~وربما فضلنا الإقامة تحت رعاية سعادة الأمير بقية حياتنا.» قال ذلك ولم يستطع أن يمنع نفسه ~~من البكاء، وكذلك جميلة والرئيس. أما الأمير فكان ثابت الجنان قوي الجأش على عادته فلم ~~يظهر عليه شيء من ذلك، وإنما شعر شعورا غير اعتيادي عند تأمله تلك السيدة، فقال: «اعلمي يا ~~سيدة أني أقبلكما في بلادي بكل ترحاب، بل أدعوك أن تقيمي عندي في داري كأعز من فيها لتعيشي ~~مع حرمي.» فأشارت جميلة بملامح وجهها أنها تقبل الدعوة بالامتنان والشكر، ثم استوت واقفة ~~على قدميها أمام الأمير كأنها من حور الجنان، والدموع ملء عينيها، وخاطبته بكل رزانة ووقار ~~قائلة: «إننا نشكر الحي الأزلي الذي هدانا لهذا السبيل، وقادنا إلى أعتابك أيها الأمير، فقد ~~جبرت قلوبنا، وخففت مصابنا فوجبت علينا طاعتك، والانقياد إلى أمرك.» # فأشار الأمير إلى أحد الخدم أن يذهب بالسيدة إلى دار الحريم، وأوصى بما يلزم لإكرامها، ~~فحمل سعيد ولدها غريبا، وخرجت من القاعة، ثم ودعت الرئيس، وقالت له: «لن أنسى يا سيدي الأب ~~فضلك علينا، فعسى أن يمكننا الله من مكافأتك، وأسألك أن تذكرنا وأن تزورنا من وقت لآخر.» ~~فأجابها الرئيس بمثل قولها، وانصرف. # دار الحريم # وبعد انصراف جميلة والرئيس، عاد سعيد إلى الأمير وقبل يديه، وأثنى على معروفه، وانتظر ~~أمره، فسأله عما يعرف فقال إنه يعرف التركية كلاما وكتابة ويحسن العربية. فأمر بأن ~~يكون من خدمه الخاصين به، فشكر فضله وخرج. # أما جميلة فخرجت من القاعة إلى الصحن الداخلي، فرأت بجانب القاعة بابا كبيرا مرصعا ~~بالفسيفساء الجميلة، يؤدي إلى دار صغيرة، ودهليز، حتى ينتهي إلى غرف الحريم، فأوصلها الرجل ~~إلى أول غرفة، وسلمها إلى الخصيان، فساروا بها إلى قاعة الاستقبال المفروشة بالسجاد الثمين ~~والمحلاة جدرانها بنقوش بديعة. وذهب أحد الخصيان لإخبار زوجة الأمير بذلك، فجاءت ومعها بعض ~~أهل «السراي» من السيدات ms014 لاستقبالها والترحيب بها، فلما تأملتها تساقطت العبرات على خديها ~~رغم إرادتها. ثم أخذت غريبا وجعلت تتأمله وتقبله لأنه كان بارع الجمال، ثم تناولته منها ~~نساء «السراي» جميعهن وجعلن يقبلنه ويدعون له بطول العمر، ويذكرون اسم الله وقاية له من ~~العين. # استأنست جميلة بهؤلاء النسوة، لكنها لم تضحك لأن قلبها لم يكن يفرح لشيء، بعد أن فقدت ~~زوجها وولدها، وقاست ما قاسته من المشقة والعذاب. ولم تكن تتعزى عن مصابها بشيء، برغم ما ~~لاقته من الترحاب وحسن المعاملة من امرأة الأمير ومن في بيته من النساء. # وفي مساء ذلك اليوم، جاء الأمير إلى دار الحريم فسأل زوجته عن جميلة فقالت إنها آنست ~~منها امرأة فاضلة كاملة ليس فيها عيب. فأخبرها عن كيفية توصله إليها، إلى أن قال: «ومما ~~حملني على إكرام هذه السيدة، فضلا عن انكسار قلبها، وما هي عليه من الكمال، أني رأيت فيها ~~مشابهة تامة لك في الشكل والملامح والخلق، فسبحان الخلاق! ولذلك عندما شاهدتها استأنست بها ~~وعاملتها معاملة القريب، ووجدت في نفسي ميلا لها ولإكرامها.» فقالت زوجته: «لقد قلت الصواب ~~يا مولاي؛ لأنها حقيقة تشابه صديقة لي من بنات أسرتنا عرفتها منذ الصغر، رحمها الله، ولذلك ~~عندما رأيت جميلة اليوم قبلتها، واستأنست بها ولم أستطع حبس دموعي عند مشاهدتها لتذكري تلك ~~الابنة المسكينة، التي ذهبت ضحية تعصب والدها.» # ثم دعا الأمير جميلة، فهمت بتقبيل يده، فأمسك بها قائلا: «انظري أيتها السيدة، لقد قدر ~~الله لك أن تصلي إلينا، وقد كان ذلك من بواعث سرورنا، ولا سيما أن الست (يعني زوجته) قد ~~أحبتك واستأنست بك، فلك من الآن كل ما تطلبينه، واعلمي أني على استعداد لأن أقدم لك كل ما ~~تحتاجين إليه عن رضا ورغبة مني؛ إذ يبدو لي أنك من قوم كرام. ولا حاجة بي إلى معرفة نسبك؛ ~~لأني فهمت أنك لا تريدين التصريح به عندما كلمتك في صباح هذا اليوم، وإنما أسألك أن تقترحي ~~علي كل ما تريدينه.» # وكان وجه جميلة أثناء ذلك يتقلب بين الاصفرار والاحمرار، ms015 ثم خنقتها العبرات وتنهدت تنهدا ~~خفيفا، فلما أتم الأمير كلامه قالت له، وهي مطرقة إلى الأرض: «ليس لي عندك اقتراح ولا وصية ~~إلا رعاية ولدي غريب، فإنه عزائي الوحيد في هذا العالم.» # فقال لها الأمير: «طيبي نفسا وقري عينا، فإني سأعامله معاملة ولدي.» ثم استأنفت الحديث ~~قائلة: «وأتوسل إلى سيدي إذا شاء كرمه أن يسمح لي من حين إلى آخر بمشاهدة ذلك العبد الأمين، ~~بل الصديق الوفي سعيد، فإنه كان سببا في حفظ حياتي، وقاسى من أجلي مشقات عظيمة.» فأجابها ~~إلى ذلك، على أن يجيء إليها مرة في كل أسبوع، فأثنت على عطفه وأكبت على يده لتقبلها ~~فمنعها. # مكثت جميلة في بيت الأمير بشير كواحدة من أهله مكرمة معززة، وكان سعيد يتردد عليها من ~~وقت إلى آخر، وهي تستأنس به وتحادثه بما بينهما من الأمور التي لم يطلع عليها إلا رئيس ~~الدير. وظل سعيد يغتنم كل فرصة لزيارتها ومواساتها، وظلت تشكره لأنه كان السبب في وصولها إلى ~~هذه الحالة. # أما غريب فظل ينمو ويشب بسرعة، عقلا وجسدا، حتى بلغ الثامنة من العمر، فكان الناظر ~~إليه يظنه ابن خمس عشرة سنة، وكان هو يظن نفسه ابن الأمير بشير لأن أمه كتمت عنه كل ما ~~يتعلق بوالده. وقد أسند الأمير تعليم غريب وتثقيفه لنديمه المعلم بطرس كرامة من أهالي حمص، ~~وكان ذا معرفة باللغة والشعر، وكان يعلم الأمير «أمين» ابن الأمير بشير أيضا. فرأى المعلم ~~بطرس في غريب ذكاء حادا وقريحة وقادة فأحبه وزاد رغبة في تعليمه. والحقيقة أن هذا الغلام ~~كان لفرط ذكائه ولطف خلقه لا يراه أحد إلا ويتعلق بمحبته، فإنه كان طويل القامة على صغر ~~سنه، حاد العينين واسعهما عريض الجبهة، رشيق الحركة، ساكن الجأش برغم صغر سنه، حاد الذهن، ~~سريع الانتباه. # ولا حاجة بنا إلى ذكر مقدار فرح والدته به، غير أنها لم تكن تظهر له استحسانا، بل كانت ~~تظهر له أنها تنتظر منه أكثر من ذلك. # أما الأمير بشير فكان يحب غريبا محبة شديدة ويعامله معاملة أولاده، ms016 ومع أن منصبه كان ~~يقضي عليه بالتغيب عن بيت الدين كثيرا، فإنه كان كلما عاد من سفر سأل عن غريب وعن راحته ~~وتلقاه، فيقبله. # وكان غريب يحب الأمير محبة عظيمة ممزوجة بالاحترام. أما سعيد فكان معجبا بالأمير بشير ~~لأنه لم يشاهد في حياته رجلا مثله، ومع أنه اختلط مدة طويلة بالمماليك والأرناءوط ~~والمغاربة والإنكشارية فإنه لم ير قط مثل هيبة هذا الرجل. وكان إذا خاطبه في أمر، اعتبر ~~نفسه يخاطب رجلا أعلى رتبة من البشر، فلا يستطيع التكلم إلا مطرقا، ولا سيما إذا دخل عليه ~~في مجلسه ورأى المجلس على كثرة من فيه من الأمراء والمشايخ قد استولى السكوت عليه، لا يسمع ~~فيه إلا صوته الجهوري آمرا أو ناهيا. # فراق مر # ولما عزم الأمير بشير على السفر إلى مصر سنة 1821 بسبب تهديد والي البلاد إياه بالقتل، ~~كان في بلدة خارج بيت الدين، فدعا ولديه خليلا وأمينا ليرافقاه. وكان أمين شديد التعلق ~~بغريب رفيقه في التعليم، فطلب إلى المعلم بطرس أن يستعطف الأمير لعله يأذن لغريب في مرافقته ~~إلى مصر. وكان الأمير ممن يصغون إلى كلام رجال العلم، هذا إلى أنه كان يحب المعلم بطرس ~~بوجه خاص ويثق به لأنه نديمه، فقبل الأمير تحقيق تلك الرغبة. كل ذلك وجميلة لا تعلم بشيء، ~~فلما بلغها ورود الأمر بسفر غريب وقع الرعب في قلبها؛ لأنها تمقت الأرض التي فقدت فيها ~~زوجها، وخرجت منها خروج اللصوص، فدعت سعيدا إليها وحدثته على انفراد قائلة: «انظر يا سعيد، ~~إن الأمير قد بعث إلى حبيبي غريب أن يرافقه إلى مصر، وأنت تعلم مدى تعلقي به، وكيف هجرت ~~الدنيا من أجله، ولا يخفى عليك أنه صغير السن إذ لم يتجاوز العاشرة من العمر، وهو ذاهب إلى ~~بلاد قتل فيها أبوه، ويقيم فيها قاتله، وسيمر بأرض فقد فيها أخوه (قالت ذلك وتنهدت) فلا ~~أدري ماذا أعمل.» # فأجابها سعيد قائلا: «لا بد لك يا سيدتي من الصبر، فإن غريبا مسافر مع عصبة قوية من ~~الرجال لا خوف عليهم. وأما ms017 قولك إنه ذاهب إلى حيث قتل أبوه، فهو لا يعلم بذلك، ولا يعرفه ~~أحد بهذه الصفة في الدنيا كلها إلا رئيس ذلك الدير، وإلى ذلك، فإن بقاءه هنا أكثر خطرا ~~عليه؛ لأن الأمير سائر إلى مصر لاضطراب الأحوال هنا.» # فقالت جميلة بلهفة: «ما هذا الاضطراب؟ أخبرني بأمره!» # فقال سعيد: «لا تخافي يا سيدتي، فإنها خلافات سياسية لا تمس الأشخاص.» # فقالت جميلة: «ألا تريد أن تخبرني بحقيقة هذه الخلافات، وما هي؟» # قال سعيد: «بلى، لا يخفى على سيدتي أن إمارة سيدي الأمير بشير في لبنان، تحت ولاية عبد ~~الله باشا والي عكا المولى من قبل الدول العلية، وقد اتحد الاثنان في السراء والضراء، وفي ~~هذه الأثناء غضبت الدولة على عبد الله باشا المذكور؛ لما تقدم ضده من الشكاوى، فأمرته أن ~~يسلم زمام الأحكام فعصى، فأمرت درويش باشا أحد وزرائها في دمشق أن يخرج الحكومة من يده ~~قهرا، فابتدأ بسيدي الأمير بشير فأخرج إمارة لبنان من يده إلى أمير يقال له الأمير عباس، ~~فذهب سيدي إلى عكا لإخبار عبد الله باشا بالأمر، فبعث درويش باشا جندا يقطع عليه الطريق، ~~فعزم على المسير إلى مصر ليطلب وساطة محمد علي باشا عزيز مصر لالتماس عفو الباب العالي عن ~~عبد الله باشا.» # فنهضت جميلة مرتعدة قائلة: «ويلاه يا سعيد! كيف نبقى نحن هنا والبلاد في قبضة أعدائنا، ~~وليس من يحمي ذمارنا؟ يا للفضيحة!» # فطمأنها سعيد قائلا: «وقانا الله من الفضيحة يا مولاتي، إننا لا نزال بحمى الأمير في ~~أمن من طوارق الزمان، فإن العرين لا تقربه الثعالب ولو غاب الأسد عنه، ومع ذلك فإن حرم ~~الأمير لا يزلن هنا، وهو أحرص على عرضه منه على حياته، وقد علمت أن الأمير عباسا قد عاهد ~~سيدي سرا أن يحمي ذماره في بيت الدين فغيابه كحضوره. # ولا تظني أن هذه الحال تدوم، فقد علمت أن إمارة لبنان خرجت من يد الأمير منذ تولاها إلى ~~الآن عدة مرات، ثم عادت إليه والناس مجمعون على أنه ما من أحد يليق ms018 بها إلا هو، فقد خرجت من ~~يده على عهد أحمد باشا الجزار الذي كان يبيع إمارة لبنان بيعا، فيسلم زمامها إلى من يدفع ~~الرشوة الكبرى، حتى إنه أخرج الأمير بشيرا منفيا غير مرة، وحاربه مرارا، ومع كل ذلك لم ~~تثبت إمارة لبنان إلا له. وأنت يا سيدتي تعلمين أهليته ومحبة الرعية له، فعلى كل حال لا خوف ~~علينا بإذن الله، والذي نجانا من مصر قادر على أن يحفظ حياتنا هنا، وإذا كانت ذنوبنا كثيرة ~~فأظنها قد غفرت بما حل بنا من النكبات.» # فقالت جميلة: «هل أنت واثق من ذلك يا سعيد؟» قال: «نعم، وعلى كل حال أرى أن سفر سيدي غريب ~~أفضل من بقائه هنا، وفوق ذلك ليس لنا حيلة فيما حدث إذ لا يمكننا مراجعة الأمير فيما طلب، ~~وأنت يا سيدتي تعلمين كرهه للمراجعة فيما يقوله - ولو كان خطأ - على أننا نعلم يقينا أنه ~~يحب سيدي غريبا كأحد أولاده، وفي اعتقادي أنه إذا قاسى مشاق الغربة في صغره يشب محنكا ~~عالما بأحوال الدنيا. ويا حبذا لو أستطيع مرافقته منعا لبلبالك، غير أن دون ذلك عدة ~~موانع، منها أنني أخشى انكشاف أمري هناك، ولا آمن أن أتركك وحدك؛ إذ ربما تحتاجين إلى خدمتي ~~خدمة لا يستطيع غيري أن يقوم بها، أما غريب فقد سار بمعية أسد الغاب وبطل هذا العصر، فلا ~~خوف عليه.» # فتنهدت جميلة، وقالت: «إنا لله وإنا إليه راجعون، إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، فليس ~~لنا إلا الاتكال على الله والتمسك بالصبر الجميل.» وبينما هما في ذلك، إذ دخل غريب ووجهه ~~يطفح سرورا، وتقدم إلى والدته وقبل يدها جريا على عادته، ثم قال لها: «إن أبي (يقصد ~~الأمير بشيرا) قد بعث إلي أن أسير إليه مع أخي أمين، ومن هناك نسير جميعا إلى مصر، فهيا ~~بنا نذهب!» فقبلته وقالت: «أنا لست ذاهبة معكم يا ولداه، وإنما أنتظركم هنا.» فاغرورقت عيناه ~~بالدموع وسكت هنيهة، ثم قال: «فليذهب سعيد!» فقال سعيد: «حبذا يا سيدي لو أستطيع الذهاب ms019 ، ~~ولكنني باق هنا مع سيدتي ننتظر رجوعكم فعسى أن يحلو لكم السفر؛ لأن بلاد مصر بهيجة، ولا سيما ~~في فصل الشتاء.» # ثم أقبلت عليه والدته تقبله وتودعه قائلة: «سر يا ولدي في رعاية المولى وحراسته، وأستحلفك ~~بمحبة الأم، ألا تنسى والدتك في سفرك!» فبكى الغلام، وقال: «كيف أنساك يا أماه وقد ربيتني ~~في حجرك أعواما؟» فقالت: «أحب منك أن تكتب إلي كلما سنحت لك الفرصة، وتخبرني عما تشاهده ~~في سفرك تعزية لقلبي عن بعدك.» # وبينما هم في ذلك، إذ قرع الباب ودخل الخادم يطلب الأمير غريبا ليسير في ركب الأمير ~~بشير، فنهضت والدته وقبلته فقبل يدها وودعها، وسار مع الرسول ومعهم أولاد الأمير الآخرون، ~~وأعين جميلة وسعيد ترافقهم حتى تواروا. # غريب في مصر # وكانت هذه أول مرة خرج فيها غريب من بيت الدين، فحول نظره إلى ربا لبنان وهو على جواد ~~مطهم، لا يمنعه صغر سنه من الظهور بمظهر كبار الفرسان. وقد جعل على رأسه كوفية من الحرير ~~فوقها العقال البدوي، وارتدى قفطانا من الحرير فوقه الجمدان المزرر بأزرار القصب. وكان على ~~حداثة سنه يحسن ركوب الخيل شأن أولاد أمراء لبنان، فإنهم يشبون على ظهور الخيل، ولا سيما ~~بيت الأمير بشير، فقد كان يضرب المثل بإصطبله. وكان الركب يلتفتون إلى غريب بوجه خاص ~~ويلاطفونه، مراعاة لصغر سنه وجماله ودعته، فإذا وصلوا إلى مكان أو قرية، يقول السياس بعضهم ~~لبعض: «هل نخبر الأمير الصغير بهذا الأمر وذاك المنظر؟» وكان يقابل ذلك منهم بالبشاشة واللطف ~~والثناء. # وما زال الركب سائرين إلى المساء فباتوا في إحدى القرى، ثم نهضوا في الصباح التالي، وما ~~زالوا بين حل وترحال حتى التقوا بالأمير بشير، فسلموا عليه وقبلوا يديه، وسار الركبان معا، ~~وجدا السير نحو مصر، وكان عددهم ينيف على مائة فارس، ومعهم الخدم والحشم، والناس يتقاطرون ~~من القرى والبلاد، يقفون على جانبي الطريق لمشاهدة الأمير بشير الذي طالما سمعوا ~~عنه. # أما الأمير ومن معه، فظلوا في طريقهم حتى أتوا إلى الشاطئ فنزلوا بعدتهم وخيلهم في زوارق ms020 ، ~~سارت بهم إلى العزبة بقرب دمياط، فبعث كاشف دمياط يسأل الأمير عن سبب مجيئه، فأجابه أنه جاء ~~يتشرف برحاب العزيز. فبعث إليه الكاشف أن يبيت الليلة في العزبة، وفي الغد يدخل ثغر دمياط، ~~فنزل الأمير بحاشيته وأولاده في تلك القرية، وبعث إليهم الكاشف بما يحتاجون إليه من الزاد ~~والعلف فأعدت لهم الأطعمة. وبعد تناول الغداء والقيلولة خرجوا إلى الحقول والمزارع، يسرحون ~~الطرف في أرض مصر وحقولها. # أما غريب فأقام في الخيمة، وقد أعد ورقا وحبرا فجلس يكتب كتابا إلى والدته، لأن خيالها ~~لم يبرح في ذلك السفر ذاكرته، مع ما اعترضه في طريقه من لبنان إلى مصر من المناظر العديدة ~~المختلفة، فأخذ القلم والورق وقص لها ما شاهده في سفره من أوله إلى آخره، يتخلل ذلك عواطف ~~الشوق والحنو. # ولما أتم الكتاب خرج من الخيمة، فلم ير أحدا غير الخدم والسياس، وقد سرحوا الخيل للمرعى ~~في تلك المزارع فتأمل ما حوله من الأرض، فإذا هي مستوية السطح تربتها مائلة إلى السواد لا ~~شيء فيها من المرتفعات أو الجبال، فتذكر ربا لبنان وأوديته وينابيعه، فانتقلت به مخيلته ~~إلى سراي بيت الدين، وما تشرف عليه من الجبال والأودية والغابات والبساتين، ثم ذكر والدته ~~وما أوصته به فخفق قلبه شوقا، واشتد به ذلك حتى غلب عليه البكاء. وكانت الشمس قد مالت إلى ~~الغروب فجعل ينظر إليها من وراء الأفق، ويعجب بما لبسته من الحلل القرمزية والذهبية والفضية ~~مما يأخذ بالعقول، غير أن ذلك لم يكن ليشغله عن تذكر والدته والحالة التي شاهدها عليها ~~أثناء اللقاء الأخير، فقد كانت تلك الحال تزيد من إثارة عواطفه وتجعله يندم على مجيئه، ~~ويتمنى لو كان طائرا ليعود إلى بيت الدين ليشاهدها ويقبل يدها. # وبينما هو في تلك الهواجس، إذ عاد الأمير وأولاده وهم يتحدثون بما شاهدوه من خصب تلك ~~الأرض وطيب زرعها، فلما وصل الأمير إلى فسطاطه رأى غريبا فقال له: «أين كنت يا ولدي؟ ولم ~~لم تذهب معنا؟» فاعتذر بأنه كان يكتب كتابا إلى والدته، ثم ms021 دفع إليه بالكتاب، وقال له: ~~«أسألك يا سيدي أن تبعث به إلى والدتي!» فوعده بذلك، وبعد قليل حضر العشاء فتناولوه، وذهب ~~كل منهم إلى فراشه عاجلا طلبا للراحة بعد الذي قاسوه من وعثاء السفر. ~~••• # وفي الصباح استقبلهم الكاشف مرحبا، وكان قد بعث إلى الإسكندرية يخبر محمد علي باشا بذلك، ~~فأجابه أن يسير الأمير إلى القاهرة مكرما، وكتب إلى نائبه هناك أن يستقبل الأمير ومن معه، ~~ويقدم لهم الإكرام والمبرة، ويقول له إن العزيز يهنئك بالسلامة، وإنه لم يدخل أحد أعز منك ~~إلى مصر. فركب الأمير وبطانته، حتى إذا ما وصلوا بولاق ميناء القاهرة، وجدوا في استقبال ~~الأمير حنا البحري الحمصي فرحب به، وأخبره أن العزيز في الإسكندرية، وسيحضر قريبا. ثم ~~سار به وبأولاده إلى جزيرة الروضة المقابلة لمصر القديمة، وأنزله في قصر الخازندار. # أما غريب فإنه لما وصل إلى القاهرة أعجبه كبرها وكثرة الناس بها؛ لأنها أول مدينة رآها ~~بهذا الاتساع، فأخذ يسأل من حوله عن كل جديد شاهده، وكانوا يصفون له ذلك وصفا دقيقا. فلما ~~ساروا إلى جزيرة الروضة دهش غريب لأمر تلك الجزيرة القائمة في وسط النيل المبارك الغدوات، ~~وما زالوا سائرين حتى نزلوا القصر على الرحب والسعة فوجدوا فيه كل ما يحتاجون إليه، وقد أعد ~~الخدم سائر الحاجيات. وفي تلك الليلة كتب غريب إلى والدته بما حدث له بعد الكتاب ~~الأول. # مصر القاهرة # وفي الصباح التالي، ذهب الأمير لمقابلة إبراهيم باشا في قصره بضواحي القاهرة، ورافقه ~~ابناه. أما غريب فأوصى به الأمير أحد رجال القصر المدعو أحمد، وكان فيما مضى من جنود محمد ~~علي ثم تولى خدمة ذلك القصر، وكان يخرج بغريب للنزهة أثناء غياب الأمير بشير، فسر غريب ~~بذلك؛ لأنه لصغر سنه لم تكن تلذ له المقابلات الرسمية. # خرج أحمد بغريب وببعض حاشيته من رجال الأمير، ودار بهم حول الجزيرة فمروا بالمقياس فشرح ~~لهم كيفية قياس النيل به. ثم ركبوا زورقا عبروا به النيل إلى بر القاهرة، فأعجب غريبا ~~عظم ذلك النهر. وكان على صغر سنه ms022 مدركا فطنا محبا لمعرفة حقائق الأشياء، فكان ينظر وهو ~~في الزورق إلى كل من ضفتي النيل متأملا ما هناك من مزارع الحبوب وغياض النخيل، حتى وصلوا ~~إلى بر القاهرة، فنزلوا عند مصر القديمة، فجعل غريب يتأمل مبانيها ويسأل عن كل شيء ~~فيها. # وكان أحمد ينظر إلى ذلك الغلام ونباهته وذكائه ولطفه نظرة الإعجاب، فمروا في أسواق مصر ~~القديمة الضيقة، والناس يشيرون إلى ذلك الغلام الغريب الزي، بما عليه من الملابس اللبنانية ~~التي لم يكونوا تعودوا مشاهدتها، ولا سيما ذلك الجمدان المقصب، وكميه المرسلين من كتفيه، ~~فاستوقف غريبا بناء كبير يظهر أنه قديم العهد في جدرانه تهدم، وهو أشبه بالحصون منه ~~بالبيوت، فسأل الغلام عنه، فقال له أحمد: «إن هذا البناء دير يقال له دير النصارى، فيه كثير ~~من المعابد النصرانية والأديرة.» فداروا حوله من الخارج ومروا ببابه فإذا هو صغير يتوصل إليه ~~بانحدار، ثم وصلوا إلى جداره الجنوبي وبه برجان هائلان قد غشيهما الخراب بينهما أثر عتبة ~~علوية لباب كبير، فقال: «يا عم، إن الأديرة في بلادنا بخلاف ما هي هنا، فإني لم أشاهد ~~مطلقا بناء بهذه الضخامة، ولم أر في الأديرة مثل هذه الأبراج.» فقال أحمد: «صدقت يا سيدي، ~~ولا في سائر الأديرة مثل هذه الأبراج ولا شيء من ذلك، وهذا البناء لم يكن ديرا وإنما هو في ~~الأصل حصن قديم، يقال إن الفرس حين تسلطوا على مصر قبل الميلاد بقرون شادوه ودعوه باسم ~~عاصمة بلادهم إذ ذاك، فعرف بحصن بابل، وفيه تحصن المصريون عندما جاءهم المسلمون فاتحين، تحت ~~قيادة عمرو بن العاص، ثم سكنه الأقباط وغلب عليه اسم الدير.» فأراد غريب الدخول لمشاهدة ما ~~حواه ذلك البناء فطاوله أحمد، كأنه يريد أن يريه شيئا أعظم فسار الجميع حتى مروا بقناطر ~~السباع، فشرح له حديثها إلى أن قال: «إن الملك الظاهر بيبرس أحد سلاطين المماليك بناها ~~لتوصيل الماء من النيل إلى قلعة القاهرة، التي تراها بسفح هذا الجبل.» وكان يظهر من معاملة ~~أحمد أنه يحب الاختصار في الحديث، والعجلة ms023 بالمسير نحو القاهرة. # وكان غريب مشغولا عن ملاحظة ذلك بمشاهدة ما حوله من الحقول الخصبة، ثم صعد إلى إحدى ~~الآكام الخربة هناك، فأشرف على قسم عظيم من القاهرة على يمينه جبل المقطم، وعند سفحه قلعة ~~القاهرة. وساروا حتى دخلوا المدينة ومروا بأسواقها وكان غريب يعجب لكثرة الازدحام فيها، لكن ~~أهلها كانوا أكثر تعجبا منه لامتيازه عنهم باللباس والهيئة، وبمن معه من اللبنانيين. # وكانت القاهرة في ذلك العهد ضيقة الطرق، ليس فيها شيء من الشوارع الحديثة المتسعة، أو ~~المبنية على النمط الجديد، ولم يكن فيها شيء من الأشجار التي تحف بشوارعها الحديثة الآن، ~~فإن جهات الإسماعيلية والفجالة وشبرا والتوفيقية، وسائر هذه الضواحي كانت كلها حدائق ~~وبساتين وآكام ومستنقعات، قلما شوهدت فيها المساكن والبيوت. # وقد كان من أكثر الشوارع ازدحاما حينذاك وأطولها الشارع الممتد طولا من باب الحسينية، ~~إلى باب سعادة، يدخل فيه شارع الحسينية والنحاسين والغورية وما وراء ذلك من الصليبة. ~~والشارع الممتد على موازاة ذاك، أوله عند باب الشعرية، وآخره عند باب السيدة زينب، ويدخل ~~فيه باب الشعرية والشعراوي وما بين السورين، وشارع منصور باشا ودرب الجماميز ... إلخ، هذان هما ~~أطول شوارع القاهرة وأكثرها عمرانا، وما بينهما وما جاورهما من الجهات، كالحمزاوي وبركة ~~الفيل ... إلخ. # الدوسة # وما زال الاثنان ومن معهما سائرين، حتى وصلوا إلى بركة الأزبكية فإذا هي حديقة شائقة تحيط ~~بها ترعة محفوفة بالأشجار، فمروا على جسر إلى داخل الحديقة فرأوا الناس يتراكضون إليها ~~مزدحمين، فالتفت أحمد إلى غريب قائلا: «انظر، ها نحن الآن في ما يدعونه بركة الأزبكية، وقد ~~اتفق وصولنا مع وقت احتفال يقال له «الدوسة» فلنغتنم الفرصة لمشاهدتها، ولكن يجب قبل كل ~~شيء أن تحافظ على ما معك من الأشياء الثمينة خوفا من «النشالين» الذين يسرقون أمتعة الناس ~~من جيوبهم وأيديهم، ولا يشعر أحد بهم، والأحسن أن توصي أتباعك بذلك.» فاستخف غريب بهذا ~~التحذير، ولكنه قبل النصيحة بالشكر. # ثم قال أحمد: «انظر يا سيدي إلى هذا الشيخ ذي العمامة، الراكب على هذا الجواد الأصيل الذي ms024 ~~تراه يخطو خطا العروس!» فأجاب غريب: «من يكون هذا؟» قال أحمد: «هذا يقال له شيخ السعدية، ~~وعما قليل تراه يمر بجواده فوق ظهور الناس.» ثم أوقفه على مرتفع ليتمكن من المشاهدة. وبعد ~~برهة رأى غريب الرجال ينامون منبطحين على وجوههم، متلاصقين بحيث لا يكون بين الواحد والآخر ~~خلاء، فتألف بذلك جسر من الرجال، ثم جاء ذلك الشيخ وأمامه رجلان ممسكان بلجام الفرس يقودانه ~~نحو ذلك الجسر، فأحجم الفرس أولا ثم تقدم ماشيا على ظهور الناس، والقائدان أمامه ممسكان ~~بلجامه، فأخذ يخطو على مهل، وكلما خطا على رجل نهض ذلك الرجل وراءه تبركا به، فدهش غريب ~~لهذا المنظر، وقلبه يختلج خوفا على أولئك الرجال من الأذى، ولكنه زاد دهشة عندما علم أن ~~أحدا منهم لم يصب بسوء. # وكانت الشمس قد صارت في الهاجرة، فقال أحمد: «قد حان وقت الظهر يا سيدي، ونحن على بعد ~~فرسخ من القصر، ومرادنا مشاهدة ما بقي من المدينة، فهل تقبلون دعوتي لتتناولوا طعام الغداء ~~عندي في منزلي، وهو قريب من هنا، وبذلك نستطيع إتمام جولتنا اليوم، ونعود في المساء إلى ~~القصر؟» # فأجاب غريب الدعوة، وسار الجميع حتى أتوا شارعا وصلوا منه إلى حارة قيل لهم إنها حارة ~~قيسون، فاتجهوا إلى باب كبير عنده بواب بعمامة بيضاء فناداه أحمد، فلما حضر همس في أذنه أن ~~يخبر من في البيت من النساء أن رجالا غرباء سيدخلون البيت فليخلوا لهم السبيل، ثم دخل أحمد ~~وغريب ورجاله فوصلوا إلى صحن مكشوف في صدره باب صغير، يؤدي إلى دار تتصل بغرفة الاستقبال ~~(المندرة) فدخلوها، وجلسوا على المتكئات فقدمت لهم القهوة، ثم تناولوا الطعام جلوسا على ~~بساط حول مائدة عليها أنواع الأطعمة، وفيها الملوخياء والأرز واللحوم المطهية، ثم قدمت لهم ~~القهوة ثانية. # ثم عرض أحمد على الأمير غريب أن يتوسد للقيلولة، فقبل فقاده إلى دور علوي ودخل به إلى ~~غرفة مشرفة على بيت آخر مقابل لذلك البيت، فنزع غريب بعض ثيابه وتوسد. # نساء المماليك # ولم يكد غريب يضطجع حتى سمع لغطا يتخلله ms025 صوت امرأة تنوح وتندب فأصاخ بسمعه، فإذا ذلك ~~اللغط في البيت المقابل، وأطل من النافذة فرأى في ذلك البيت امرأة كالبدر جمالا، تستجير ~~من رجل رث الثياب، يضربها كأن له سلطانا أن يفعل ذلك، فتحركت في قلب غريب عواطف الشهامة ~~والمروءة فأمر بعض من معه من اللبنانيين أن ينزلوا لإنقاذ هذه المرأة من يد ذلك الرجل، ~~فنزلوا أسرع من لمح البصر بعد أن سألوا أحمد عن الطريق، فأخذهم إلى باب البيت بعد أن أوصاهم ~~أن لا يخبروا أحدا بذلك، وعاد إلى غرفة غريب فإذا هو مطل من النافذة ينظر إلى ذلك الرجل، ~~وقد كان يتميز غيظا حتى إنه هم أن يلقي بنفسه من تلك النافذة لنصرة تلك المرأة. # فلما دخل أحمد انتبه غريب، فالتفت إليه قائلا: «من هذا الوحش الذي يضرب هذه المسكينة؟» ~~قال له: «إن لهؤلاء يا سيدي قصة سأتلوها عليك الآن.» ثم سمعا صوت رجال غرباء في تلك الدار، ~~وقد دخلوا فضربوا الرجل وخلصوا المرأة وجاءوا بها إلى بيت الحريم، كل ذلك والرجل ينادي ~~بأعلى صوته، قائلا: «أنى لكم أن تأخذوا امرأتي مني؟ أليست ملكي ولي أن أتصرف معها كيف ~~أشاء؟» فتعجب غريب من هذا القول، والتفت إلى أحمد قائلا: «أصحيح أنها امرأته؟» قال: «نعم ~~يا سيدي.» قال: «يظهر أنهما مختلفا التفكير والذوق.» قال: «نعم، وسبب ذلك أنه حكم هذا القطر ~~منذ بضعة قرون جماعة من الشراكسة وغيرهم، يقال لهم «المماليك» كانوا في أول الأمر خدما في ~~دور الخلفاء العباسيين وغيرهم، يرسلون إليهم من ولاتهم في تركستان، في جملة هدايا أخرى ~~بدلا من الجزية، فلما اعتنقوا الديانة الإسلامية وتعلموا وتثقفوا، أحبهم الخلفاء وعهدوا ~~إليهم بإدارة عدد من مصالح الدولة، فقلدوا بعضهم الولاية، وبعضهم الخراج، وبعضهم إمارة السر ~~إلى آخره. وما زالت أنفسهم تتوق إلى السلطة وحب السيادة، حتى تحقق لهم ذلك في أواخر الدولة ~~العثمانية فصاروا أمراء أشبه بمديرين، ولكنهم أرادوا الاستبداد فسعت الحكومة العثمانية في ~~إبادتهم فلم تنجح، حتى كانت أيام محمد علي باشا عزيز مصر الحالي ms026 ، فعمد منذ نحو اثنتي عشرة ~~سنة إلى مكيدة ذبحهم بها عن آخرهم في القلعة، التي شاهدتها عن بعد في هذا الصباح، ثم أمر ~~بمصادرة كل ما يملكونه من المال والمتاع، وأذن لرجاله من الجند وغيرهم في التزوج بنسائهم ~~فأصبح هؤلاء النساء في حال الموت أهون عليهن منها؛ لأنهن بعد أن كن في عز وجاه أصبحن إماء ~~لرجال لم يكن يقبلنهم عبيدا لهن. وهذه المرأة كانت من نساء أمير من هؤلاء الأمراء، فكان ~~نصيبها التزوج بهذا الرجل، وهو من عساكر العزيز، فتراه ناقما عليها يضربها لأقل سبب. وقد ~~مضى على هذه المسكينة عشر سنوات أو أكثر، وهي في مثل هذا العذاب، يأتيها كل ليلة وقد أسكره ~~الخمر، فيعاملها كما رأيت.» # فتأثر غريب بهذه القصة حتى كاد يبكي، وبينما هما في الحديث، إذ دخلت خادمة تقول لسيدها: ~~«إن السيدة كاملة تريد الدخول لتكلم الأمير.» فسأل غريب عن تلك السيدة، فقال أحمد: «هي ~~المرأة التي نحن بصددها.» فقال: «دعوها تدخل.» فدخلت، والدموع ملء عينيها، وترامت على قدمي ~~غريب قائلة: «إني ملتجئة إليك يا سيدي، وأستحلفك برأس أبيك أن تنقذني من هذه الشدة، فتأمر ~~رجالك أن يحملوني من هذا المكان إلى حيث تشاءون، فأتخلص من هذا الإنسان المتوحش.» وكانت تقول ~~ذلك، وهي تجهش بالبكاء، فازداد قلب غريب رقة وحنوا فأنهضها وأجلسها قائلا: «لا تخافي يا ~~خالتي، وسأكلم أبي الليلة إن شاء الله وأستحلفه أن يخلصك من هذا الرجل فتذهبي معنا إلى ~~لبنان.» قالت: «يا حبذا ذاك!» ثم قال لأحمد: «أتريد أن تبقيها في بيتك إلى الغد حتى نرى والدي ~~ونكلمه؟» قال: «حسنا وإنما أخشى تبعة ذلك.» فقال غريب: «لا تخف، فإنني سأخبر أبي بحقيقة ~~الأمر.» # فتقدمت السيدة وقبلت غريبا وألحت عليه ألا ينسى، فوعدها خيرا إذ امتلأ قلبه شفقة ~~عليها. أما زوجها، فكان قد خرج يريد عرض دعواه على أغا الضابط، فقيل له إن دعواه مع ابن ~~الأمير بشير، الذي هو صديق حميم لعزيز مصر. فتريث على أمل أن يسترجع امرأته باللطف. # أما غريب ms027 فخرج برجاله مع أحمد، يطوفون المدينة حتى وصلوا إلى قلعة الجبل، فقال أحمد: ~~«هذه قلعة الجبل، فيها ديوان الحكومة، وفي هذه القلعة قتل المماليك كما أخبرتك.» # وكانت تقول ذلك وهي تجهش بالبكاء، فازداد قلب غريب رقة وحنوا، فأنهضها ~~وأجلسها قائلا: لا تخافي يا خالتي! # فلما وصلوا إلى بابها اعترضهم حارس عليه لباس غريب، لم ير غريب مثله، وهو تنورة بيضاء ~~كثيرة الزم والتجعد لا تتجاوز الركبتين، عليها منطقة من الحرير الملون قليلة الشد، وفوق ذلك ~~الجمدان الجوخ المزرر، وعلى رأسه طربوش طويل مثني إلى الوراء، تتدلى منه طرة طويلة، وفي ~~منطقته زوج غدارات، وطبنجة وخنجر، وقد تقلد سيفا محنيا. وكان طويل النجاد مستوي القامة ~~كبير الشارب حاد العينين، تظهر عليه ملامح الشجاعة والنشاط، فخاطبه أحمد يستأذنه في الدخول ~~فأذن لهم. فلما دخلوا سأل غريب عن ذلك الرجل، فقال أحمد: «هذا من جماعة الأرناءوط، وهم ~~جنود من جهات ألبانيا في الروملي، وكان منهم تحت قيادة محمد علي باشا في بدء تدخله في حكومة ~~مصر أربعة آلاف، وكانوا له عونا في كثير من أعماله.» # وكان دخول غريب، ومن معه، من باب العزب المشرف على الميدان. ويؤدي إلى هذا الباب مرتفع ~~أشبه بتل منبسط، فقال أحمد لغريب: «قبل الدخول انظر يا سيدي، إن لهذا التل وهذا الباب ~~حكاية سأتلوها عليك.» فلما دخلوا من الباب، دلفوا منه إلى مضيق صخري، والقلعة قائمة على سفح ~~الجبل، وقد نحت كثير من جدرانها من صخر الجبل عينه. ويؤدي ذلك المضيق إلى أبنية القلعة، ~~وهي تشبه بلدا صغيرا لسعتها، فلما صعدوا إلى أعلى ذلك المضيق قال أحمد: «هذا هو المكان ~~الذي ذبح فيه الأمراء المماليك، وكانوا أكثر من أربعمائة، أتوا بالملابس الرسمية مدعوين ~~لتناول القهوة في سراي القلعة؛ احتفالا بخروج طوسون باشا ابن محمد علي باشا لمقاتلة ~~الوهابيين في شبه جزيرة العرب، بإشارة من مولانا السلطان. فتناولوا القهوة في القاعة التي ~~ستشاهدونها في صدر القلعة حيث مجلس العزيز، وقد وقف الرجال صفوفا للخروج في الموكب، وكان ~~العزيز قد ms028 تواطأ مع قواده على إهلاكهم. فلما اقترب الموكب من هذا الباب حوصر المماليك في ~~هذا المضيق يحيط بهم الأرناءوط من ناحية والمغاربة من ناحية أخرى، ثم أقفلت أبواب القلعة ~~بغتة وقتل هؤلاء المماليك عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا أمير عاقه شأن من شئون بيته فجاء إلى ~~الاحتفال متأخرا، فلما وصل إلى الباب، وكان الموكب آتيا للخروج آثر التريث حتى يخرج ~~الموكب فيسير في أثره، فوقف بجواده خارج هذا الباب فوق ذلك التل المنبسط، ولم يمض إلا ~~القليل حتى سمع إطلاق البارود، ورأى الأبواب قد أقفلت، فعلم أنها مكيدة، فهمز جواده طالبا ~~الصحراء فرارا من الموت، ولم نعد نسمع عنه شيئا.» # كل هذا الحديث وغريب ومن معه سكوت، يصغون إلى أحمد، ثم راحوا يتجولون في القلعة، وهم ~~يتحادثون في حكاية المماليك ومذبحتهم، حتى أتموا مشاهدة ما فيها من المشاهد، كدار الضرب ~~(الضربخانة)، ومخازن الأسلحة والبئر المسماة بئر يوسف نسبة إلى السلطان صلاح الدين يوسف ~~الأيوبي باني تلك القلعة، ثم سار بهم أحمد إلى مرتفع، فأشرفوا على القاهرة، وإذا هي متسعة ~~كثيرة المباني تحيط بها البساتين المغروسة بالنخل، ويتخلل منازلها الحدائق، ولكنهم لم يروا ~~في جوها الصفاء المعهود في جو سوريا، لما يتخلل هواء القاهرة من الغبار المتصاعد من الطرق. ~~وشاهدوا وراء كل ذلك نهر النيل المبارك، وقد تكسرت على سطحه أشعة الشمس فأكسبته رونقا ~~بديعا، وقد دهشوا بوجه خاص لكثرة المآذن التي تعد بالمئات. # ثم نزلوا من القلعة، وقد مالت الشمس نحو المغيب، فاستحضر لهم أحمد حميرا ليركبوها ~~قائلا: «إن ركوب الحمير هنا رياضة لطيفة لسرعة جريها وإراحة راكبيها.» فركبوا عائدين حتى ~~بلغوا مصر القديمة فنزلوا في المعدية إلى جزيرة الروضة، فلما وصلوا إلى القصر أسرع غريب ~~مستفسرا عن مجيء الأمير، فقيل له إنه جاء، فدخل عليه وقبل يديه، فسأله عما رآه فقص عليه ~~القصة، وطلب إليه أن ينقذ تلك المسكينة، فقال له: «ما لنا ولها يا بني، إننا في بلاد غريبة.» ~~فألح عليه واستحلفه، فاستدعى أحمد فحكى القصة فأمره ms029 أن يذكره بها في الغد. أما غريب فسار ~~بعد العشاء إلى حجرته، وكتب إلى والدته عما شاهده من أول الأمر إلى آخره. # صعيد مصر # وفي صباح اليوم التالي، جلس الأمير لتناول القهوة مقطب الوجه، وولداه وغريب بجانبه، ~~فاستولى السكوت على من حضر، ولم يجسر واحد منهم أن يسأله عن سبب ذلك، ولا عن موضوع المرأة ~~ونجاتها من مخالب ذلك الشرير. وبينما هم على هذه الحال، إذ جاء أحد حراس القصر ينبئه أن ~~حنا البحري بالباب، فنهض الأمير لاستقباله مرحبا به وأجلسه بالقرب منه، وبعد أن تبادلا ~~التحيات أبلغه البحري أن العزيز بعث إلى نائبه بالقاهرة يأمره بإرسال سيادتكم إلى بني سويف ~~في الصعيد حيث تمكثون في طمأنينة ريثما يعود أفندينا من الإسكندرية فتنالون بغيتكم، ثم ~~أفهمه أن العزيز أمر له بعشرة آلاف قرش شهريا والتموين الكافي. # فسر الأمير وأمر بالتأهب للرحيل وأحضرت معدات السفر من «ذهبيات» وقوارب لنقل الرجال ~~والأمتعة والزاد فركبوا النيل، ومعهم الخبراء والبحارة، فكانوا يقلعون نهارا، ويرسون ~~ليلا عند الشاطئ، ومعهم كل ما يحتاجون إليه من معدات الطعام والنوم. # أما غريب، فلم يكن همه إلا الاستفهام عما يشاهده على ضفاف النيل من الآثار، مر بالجيزة ~~فرأى من ورائها الأهرام العظيمة فسأل عنها، فقال له أحدهم: «إنها مبان هائلة من صنع الجان.» ~~فلم يعبأ بقوله وما زال يسأل، حتى علم أنها قبور لجثث الملوك اعتقادا منهم أن أجسادهم ~~المحنطة ستعود فتحيا بعد أجيال، فبنوا لها هذه الأهرام لحفظها من طوارئ الحدثان حتى يأتي ~~زمن بعثها. # فلما كان المساء، رست بهم «الذهبيات» ونزلوا إلى البر فلاحظوا أن النيل يجري من الجنوب ~~إلى الشمال في أرض خصبة، يحدها من الشرق والغرب جبلان يمتدان طولا موازيين للنيل مسافة ~~أيام؛ ولذلك سمي الصعيد وادي النيل. وفيما كان غريب يتأمل الفارق بين تربة أرض لبنان وتربة ~~أرض مصر، طرق ذهنه أمر المرأة التي وعدها بإنقاذها، فأسرع إلى الأمير فرآه جالسا أمام ~~خيمته على ضفة النيل فذكره بالمرأة، فأجابه قائلا: «إني قد أخبرت حنا ms030 البحري بالقصة، وكلفت ~~أحمد أن يساعده في الوصول إلى نتيجة، والغالب أنها سوف تطلق من زوجها، وتخير في السكنى ~~حيثما تشاء، أما نحن فلا يمكننا يا ولدي أن نحملها معنا حيثما توجهنا؛ إذ ليس معنا في ~~الحريم سواها، وأنت تعرف عادات هذه البلاد وتحجب أهلها.» فقبل غريب يد الأمير، وأثنى ~~عليه. # قضوا طوال الليل ثم نهضوا في الصباح وعادوا إلى سفنهم، وأقلعوا إلى المساء، وكانت الريح ~~هادئة ومسيرهم معاكسا لمجرى النيل، فكانت مراكبهم تسير ببطء. وفي المساء يبيتون على ~~الشاطئ الغربي غالبا؛ لأنه أكثر عمرانا وخصبا. # وما زالوا على ذلك حتى وصلوا إلى مدينة بني سويف، فتلقاهم كاشفها بالترحاب، وأنزلهم في ~~دار معدة لهم في الفشن على ضفة النيل، ولكنه ارتعد عند مشاهدة الأمير بشيرا لما كان يبدو ~~في وجهه من الهيبة. # ضياع «غريب» # وكان الأمير قد جاء من بر الشام بعدد من الخيل الأصيلة، قدم منها خمسة للعزيز، وبقي معه ~~بعضها لركوبه وركوب أولاده وبعض خاصته. ففي ذات يوم بعد نزوله بالفشن، اشتاقت نفسه ~~للفروسية فبعث يسأل الكاشف عن ميدان للعب الخيل، فأخبره أن في البر الشرقي وراء ذلك الجبل ~~سهلا رمليا يصلح لذلك، فبعث الخيول باكرا تقطع النيل ثم قطعه هو وأولاده، وما زالوا ~~ومعهم الأتباع والخدم والكاشف حتى وصلوا إلى ذلك السهل، فضربوا الخيام واستحضروا ما يحتاجون ~~إليه من طعام وشراب لذلك اليوم. # وكان وصولهم إلى ذلك المكان بعد شروق الشمس بقليل، فتركوا الرجال ينصبون الخيام ويعدون ~~المعدات، وسار الخيالة يجولون ويلعبون بخيولهم، وكان غريب في جملتهم لأنه تعلم الفروسية ~~وهو في سن السادسة، وكان إذا ركب جواده ظننته والسرج قطعة واحدة. وتعلم رمي الجريد، ولعب ~~السيف والترس، فجعل يركض جواده، وقد سدل الكوفية على رأسه اتقاء للحر فذهل الجميع، ولا ~~سيما الكاشف ورجاله، وامتدحوا شجاعته وفروسيته على مسمع منه، فزاد همة ونشاطا، وكان يركب ~~جوادا من خيل أبيه فتعب الجواد ولم يتعب هو، ثم ترجل ودنا الكاشف منه يمدحه بما هو أهل ~~له، وتقدم الأمير وقبله ms031 . ثم التفت غريب فرأى جواد الكاشف واقفا، فسأله أن يأذن له في ~~ركوبه ليجربه فلم يسعه إلا الإجابة، ولكنه قال له: «احذر منه لأنه جموح إذا ركب رأسه لم ~~يثنه شيء!» فضحك غريب معجبا، وقد ثار في رأسه إقدام الشباب، واعتلى صهوة ذلك الجواد ~~الأشهب، وكان جميع الخيالة قد نزلوا عن خيولهم لأنها تعبت وأخذوا ينظرون إلى ذلك الفارس ~~الصغير ويعجبون له. # أما غريب فما إن اعتلى الجواد حتى شعر أنه جموح، ولكنه أبى إلا أن يركضه فلكزه لكزة قوية، ~~فعدا الجواد صوب الصحراء، وسار ملء عنانه فظن الواقفون أن ذلك كان بإرادة غريب، وأنه لا ~~يلبث أن يرجع به، ولكنهم انتظروا فلم يعد، وأوغل في الصحراء متواريا عن الأبصار، فصاح ~~الأمير بشير برجاله قائلا: «لقد ضاع الغلام فهلموا إليه!» فركب جماعة منهم، واقتفوا أثره، ~~والأمير ينتظرهم على أحر من جمر الغضا. # وكانوا قد أعدوا الطعام ودعوا إليه، فجلسوا وأبصارهم شاخصة إلى الأفق لعلهم يرون الخيالة ~~راجعين، فمضت ساعة وساعتان، ولم يظهر أحد. فالتفت الأمير إلى الكاشف، وكان تركي الأصل، ~~فإذا هو أصفر اللون مضطرب، لا يستطيع أن يتفوه ببنت شفة، فقال له الأمير: «ما رأيك في هذا ~~الغلام؟» فقال له: «الله أعلم يا سيدي، إن جوادي هذا لم أشتره إلا منذ بضعة أيام من أحد ~~العربان ولم أختبره بعد، وإنما قال لي صاحبه إنه جموح صعب المراس.» فقال له الأمير: «هل ~~تعرف العربان الذين ابتعته منهم؟» قال: «لا أعرف أسماءهم، وإنما أعلم أنهم من عرب بني واصل ~~القاطنين في هذه الصحراء.» فوقف الأمير على قدميه صارخا: «لا بد أن الجواد قصد تلك ~~القبيلة، فهل عندك أحد ممن يعرف الطريق إليها؟» قال: «نعم وإنما الطريق صعب خطر.» قال: «لا ~~تكلمني بمثل هذا الكلام، فإننا لا نعرف الخطر ولا الخوف، فأحضر لي بعض الخبيرين الذين ~~يعرفون الطريق، وأنا أسير بنفسي للتفتيش عن هذا الفتى الضائع.» فنهض ابناه خليل وأمين ~~وغيرهما من رجاله قائلين: «لا، لا يا سيادة الأمير، فإننا نحن سوف ms032 نذهب.» # فركبوا ومنعوا ابني الأمير من الركوب معهم، فلم يقبل الأمير أمين لأنه كان يحب غريبا ~~محبة عظيمة، وقد وخزه ضميره لأنه هو الذي سعى في استحضاره إلى مصر فاحتدمت في رأسه النخوة، ~~وآلى على نفسه ألا يرجع إلا بعد أن يجد غريبا، ويعود به سالما. # التفتيش عن «غريب» # انقسم الخيالة قسمين: قسم سار شمالا وقسم سار جنوبا، وكان الأمير أمين مع الفريق ~~الأخير، وكان مع كل من القسمين خبير عارف بالطريق، واتفق الخبيران على أن يلتقي الفريقان ~~عند الغروب في مكان متوسط بين الجهتين يعرفانه، للاطلاع على نتيجة البحث، والمشورة فيما ~~يفعلونه. # ولما جاء الغروب ولم يعد أحد منهم، زاد قلق الأمير على ابنه أمين وباقي رجاله، فالتفت إلى ~~الكاشف فإذا هو غارق في بحر من الهواجس، فسأله عن أمره فقال: «يا سيدي قد أخطأ الأمير أمين ~~بسيره بهذا العدد القليل من الرجال؛ لأن البدو القاطنين بهذه الصحراء قوم غزاة، والحكومة لم ~~تستطع إخضاعهم حتى الآن، وفيهم قطاع الطرق واللصوص، حتى إنهم كثيرا ما يهاجمون هذه البلاد ~~وينهبونها، ومع سهر أفندينا العزيز الذي أمن البلاد وأهلك المماليك، فإن هؤلاء العرب لا ~~يزالون من الخونة العاصين، وقد اعتاد المماليك قبل هلاكهم أن يلتجئوا إليهم في حال فرارهم ~~من وجه الحكومة.» # وكان الكاشف يتكلم، وعينا الأمير بشير تتقدان حتى أصبح منظره كالأسد الكاسر، ثم التفت إلى ~~الكاشف قائلا: «إذا كانت الحال كذلك فلا بد لي من الركوب لأتبع أثر هؤلاء لعلهم يكونون في ~~شدة، على أني أعلم يقينا أنهم أشداء لا خوف عليهم، فإن بينهم عددا من بني الدحداح، وفيهم ~~خيالة مشهورون، ولكن يجب أن أتبع أثرهم إذا غربت الشمس ولم يعودوا، أو لم يحضر من يخبرني ~~عنهم.» # وأحب الكاشف أن يثني عزمه، فأصر وأمر أن يسرج له الجواد، وفيما هم على هذه الحال نظروا ~~فرأوا في عرض الأفق غبارا ظهر من تحته خيالة فاستبشروا، فلما اقتربوا منهم رأوهم قليلي ~~العدد، وليس فيهم الأمير أمين فقالوا له: «يا مولانا، إن الأمير ms033 أمينا لم يشأ المجيء معنا، ~~وقد آلى على نفسه ألا يرجع ما لم يقف على خبر الأمير غريب، وقد حملنا هذا الكتاب إلى ~~سيادتك.» فتناوله وفضه فإذا هو يقول فيه: # سيدي وملاذي # أقبل يديك ... وبعد، فلم أتأخر عن المجيء إليك مع من رجعوا إلا لأننا لم نظفر بغريب، ~~وأنا أشعر بأني السبب في مجيئه إلى مصر؛ ولذلك آليت على نفسي ألا أرجع إلا بعد أن ~~أجده، فألتمس منك المعذرة، ولا تظن أني خالفت أوامرك، فإني لا أستطيع العودة إليكم ~~بدون أخي غريب، وقد أبقيت معي عشرين فارسا من رجالنا تطييبا لخاطرك، ~~والسلام. # ولدك المطيع: أمين # فالتفت الأمير إلى حامل الكتاب، وقال له: «أين تركتم أمينا؟» فقال: «يا سيدي إننا بعد أن ~~تركناكم انقسمنا قسمين: قسم سار شمالا وقسم سار جنوبا، واتفقنا على أن نلتقي عند الغروب ~~في مكان متوسط فيه ماء لنعلم نتيجة سعينا، فسرنا نحن نحو الشمال وبحثنا طويلا، فلم نقف ~~لغريب على أثر، فعرجنا نحو الملتقى، فالتقينا بالأمير أمين ورجاله، فسألناهم عما كان من ~~أمرهم فقالوا إنهم لم يروا أحدا، وإنما مرادهم أن يقصدوا قبيلة بني واصل في هذا المساء، ~~وهي بالقرب من مكانهم، إذ ربما كان الجواد قد قصد تلك الجهة لأن هذه عادة خيول العرب. فقال ~~لنا الأمير أمين: «الأصوب أن تسيروا وتخبروا والدي وتطيبوا خاطره.» ودفع إلينا بهذا الكتاب، ~~فأتينا به إلى سيادتكم امتثالا لما أمر.» # اضطرب خاطر الأمير بشير عند سماع ذلك وأطرق هنيهة، ثم قال: «خير لنا أن نتكل على المولى ~~القدير، وهو قادر أن يرد ضائعنا ويحفظنا.» فسأله الكاشف إذا كان يريد العودة إلى البلدة ~~للمبيت تلك الليلة، فقال الأمير: «كيف نبيت نحن في القصور، وأولادي في الصحراء يتعرضون ~~للخطر الشديد، لعلنا نرى في منتصف الليل أن نسير لنجدتهم، فلنبق هنا لنرى ما يكون من ~~الأمر.» # وبعد تناول العشاء، اجتمع الأمير بشير وولده خليل في خيمة، فشعرا بأن الدنيا كلها ظلام ~~لتغيب الأميرين أمين وغريب، وعدم الاطمئنان على سلامتهما، فجلسا يتحدثان في ms034 ذلك الشأن. # الأمير «أمين» # أما ما كان من أمر الأمير أمين، فإنه بعد أن استراح هو ورجاله عند ذلك الماء، وكان الليل ~~قد أظلم، تشاور مع رجاله في الأمر فإذا هم متشجعون جميعا إلا الخبير، فإنه تغيرت أحواله ~~ووقع في خوف عظيم، وتقدم إلى الأمير أمين قائلا: «ليعش رأس الأمير، إننا الآن معرضون ~~للخطر، وقلما جاء جماعة إلى هذا المكان ونجوا؛ لأن عرب هذه الجهات فرع من عرب العبابدة ~~المشهورين، وهذه القبيلة التي هي أقرب إلينا تعرف بقبيلة بني واصل، وهي على جانب عظيم من ~~البأس. وسيادتك تعلم أن هؤلاء البدو لا يؤدون عملا، وهم يعيشون بالنهب والسلب، ينامون ~~نهارا، ويسرحون ليلا، وإني أضن بك أن تلقي بنفسك في هذا الخطر العظيم.» فالتفت إليه ~~الأمير أمين قائلا: «إني عالم بكل الأخطار، ولست أجهل شيئا منها، وإن كنت تراني شابا فقد ~~خبرت الناس، واختلطت بأمثال هؤلاء كثيرا في جهات الشام، وإنما أطلب إليك أن تتشجع وتصدقني ~~الخدمة.» ثم التفت إلى رجاله وقال لهم: «وكيف أنتم؟» فقالوا: «نحن عبيدك، وأرواحنا رهن أمرك، ~~ومستعدون جميعا أن نذهب فداء الأمير غريب.» فشكرهم ثم رتب مسيرهم، وأخبرهم بأنه يجب أن ~~يحافظوا على مراكزهم بقرب بعضهم البعض. # ثم ركبوا خيلهم وساروا في ظلام الليل قاصدين قبيلة بني واصل، وقد شهروا سلاحهم للدفاع، ~~وجعلوا في مقدمتهم رجلا يحمل مشعلا متقدا استئناسا بالنور وإيهاما لمن يراهم بأنهم من ~~أهل ذلك البر، فساروا خببا في ذلك الليل، وهم لا يشاهدون حولهم إلا أفقا مظلما، لا ~~يتخلله شيء من العمارة. # وبعد مسير نحو ساعتين، ظهر لهم شبح كأنه فارس سائر على مقربة منهم نحو اليمين، فأمر ~~الأمير أحد رجاله أن يقتفي أثره ويسأله عن أمره، فسار وعاد من فوره يقود جوادا ليس عليه ~~إلا السرج، فلما رآه الخبير صاح بأعلى صوته: «هذا هو جواد الكاشف، فأين الغلام؟» فوقف ~~الجميع وتقدم الأمير أمين إلى الجواد وتأمله فتحقق من قول الخبير، فقال رجل منهم: «الأرجح ~~أن الغلام سقط عن ظهر الجواد.» فقال ms035 الأمير أمين: «إن غريبا لا يقع عن ظهر الجواد، فقد ~~عرفته فارسا منذ كان أصغر من ذلك في أرض أكثر وعورة. فما رأيكم؟» # وهنا تقدم منهم من هو أكثر خبرة من الجميع، وقال له: «يا سيدي الأمير، ورأس أبي سعدى ~~«يقصد الأمير بشيرا» إن الغلام لم يسقط عن ظهر الجواد رغم إرادته، فإني أعرف دليل ثبوته، ~~إذ يؤيد ذلك أن السرج لا يزال كما هو، والركاب لم يتزحزح من مكانه، فلو فرضنا سقوطه رغم ~~إرادته، لما أمكنه إخراج رجله من الركاب، بل لبقي معلقا يجره الجواد لأن هذا النوع من ~~الركاب يمسك الحذاء، والحقيقة لا يعلمها إلا الله. وأما مسيرنا إلى قبيلة بني واصل فلم يعد ~~له لزوم إذ قد تحققنا أن الجواد لم يصل إلى هناك بعد؛ وبالتالي فإن غريبا لم يصل، والأصوب ~~على ما أرى أن نعود من طريق غير الذي جئنا فيه، ونتفرس في أركان هذا الفضاء، ونسير سيرا ~~بطيئا، وليتأمل كل منا طريقه، والأفضل أن نكثر من المشاعل، ونجعل بين كل اثنين منا مشعلا ~~لكيلا يضل بعضنا عن بعض، ونواصل السير هكذا حتى نصل إلى محل الميدان.» فاستحسن الجميع هذا ~~الرأي وساروا جميعا على هذا الترتيب، ولم يسمع وقع أقدام خيولهم لأن الأرض رملية هناك، ~~وكل منهم ينظر أمامه يتأمل ما على الأرض لعله يرى شبحا أو أثرا يستدل منه على شيء، والركب ~~صامتون، والطبيعة هادئة. # وبعد مسير ثلاث ساعات أجفلت خيولهم بغتة، وأخذت تصهل كأنها شاهدت أمرا مخيفا، فصاح ~~الأمير أمين: «قفوا» فوقفوا إلا جوادا لم يهدأ مطلقا، وقد صاح راكبه: «إني أشاهد جثة ~~ملقاة على الأرض.» فلما سمع الرجال ذلك اتجهوا جميعا نحوه، فإذا هم بجثة مضرجة بالدماء، وقد ~~سمعوا منها أنينا خافتا، فخفقت قلوبهم ووجهوا المشاعل نحوها، وتقدم الأمير أمين وتأملها، ~~فإذا هي جثة رجل أسمر اللون متوسط العمر عليه ثياب العربان، فخاطبه فلم يجبه ففحصوا جراحه، ~~فإذا هو مضروب بسيف على عنقه، وقد كسرت الضربة العظم، فقال الخبير: «هذا الرجل من قبيلة ms036 بني ~~واصل، وأنا أذكر أنه من قطاع الطرق، فما لنا وله، لنسر في طريقنا.» فتنهد الأمير أمين، ~~وقال: «لا أستطيع أن أتركه ملقى على هذه الحال فإنه يمثل لي منظرا لا أرانيه الله. أما ~~الآن وقد مات الرجل فلنحفر له حفرة نواريه فيها فذلك خير من أن تأكله الوحوش.» وأمر بعضا من ~~رجاله بحفر حفرة. # وفي أثناء ذلك وقف الأمير أمين، يتأمل هذا الميت، ويتوسل إلى الله أن يقي أخاه من مثل ذلك ~~وقد كاد قلبه ينفطر. وبعد قليل، تم حفر الحفرة وجاءوا ليحملوا الجثة، فحالما قلبوها ~~شاهدوا في حجر الميت شيئا غير ثيابه فاستقدموا المشاعل، وتفرسوا في ذلك الشيء، فإذا هو ~~كوفية من الحرير وعليها العقال، وفي الحال صاح الأمير أمين قائلا: «هذه كوفية غريب، ~~تعالوا فتشوا هذا الميت لعلنا نقف منه على شيء.» فجاء أحدهم وفتش الجثة فوجد عقدا من ~~الذهب، فأعطاه للأمير، فقال: «وهذا لغريب أيضا.» ولما لم يروا شيئا غير ذلك واروا الجثة، ~~ومكثوا يفكرون في هذا الحادث، وقد ارتاعوا لذلك المنظر. # أما الأمير أمين، فإنه اشتم رائحة أخيه من ذلك العقال وذلك العقد، فاضطرم فؤاده، وحسب ~~ألف حساب، فبعث رجاله يفتشون ذلك الجوار. # غريب # ووقف الأمير أمين منفطر القلب، وقد خيل له أنه سيرى أخاه مضرجا بدمائه مثل ذلك ~~الأعرابي، فبهت مفكرا في ذلك الليل الدامس، وتصور والدة غريب وما يلم بها لو ظهر أن ~~الغلام قد أصيب بسوء، فكانت عواطفه تتلاعب به تلاعب الريح باللهب، فيبدو مختلف المشاعر، ~~كأنك تصب عليه ماء ساخنا تارة، وماء باردا تارة أخرى، ثم تذكر أنه كان السبب في مجيء ~~غريب إلى تلك الأرض، فهب من ساعته مرتعدا وقد اتقدت في قلبه الحمية والشهامة. ثم آنس عن ~~بعد ضوءا خفيفا فركب جواده وسار بغير مشعل قاصدا ذلك النور، وقد عزم أن يقوم بالبحث ~~بنفسه، ولم يعد يخشى بأسا ولا يقدر عاقبة. # وبعد مسيرة برهة، تمثل له عن بعد شبح فارس واقف، وسمع صوتا يناديه: «ارجع من عندك يا ~~كلب ms037 العرب، وإلا أفقدناك الحياة!» فصاح الأمير أمين: «من أنتم يا قوم؟ إننا لسنا من ~~العرب، تمهلوا لنتقابل، فإن لي عندكم مسألة.» # فقاطعه ذلك الصوت قائلا: «تكلم من عندك ولا تقترب منا.» # فقال الأمير: «نحن عدة رجال، ولسنا من أهل هذه الأرض، وإنما ضاع لنا ضائع، ونحن ساعون في ~~التفتيش عنه.» # ولم يتم كلامه حتى سمع صوت رجاله وراءه مغيرين على خيولهم نحو مكانه، فأوقفهم ليتم حديثه ~~مع ذلك الفارس، فإذا هو قد تقدم إليه، وكانت المشاعل قد اقتربت فتفرس الأمير في ذلك الفارس ~~فرآه ملثما بكوفية بيضاء، وقد التف ببرنس أبيض، وراكبا جوادا أزرق، فلما اقترب من ~~الأمير أمين قال: «مرحبا بكم، لقد ظفرتم بضالتكم.» # فلما سمع الأمير أمين ذلك، خفق قلبه ونادى: «أين غريب؟» فقال ذلك الفارس: «هو عندي سليم ~~معافى، فكن مطمئنا.» ثم سار بهم مسافة ميل حتى وصل إلى مبعث ذلك النور فوجد هناك مضرب ~~خيام منصوبا، ثم قال لهم: «لا تدخلوا جميعكم معا.» فقال الأمير أمين: «أنا الذي أدخل لأن ~~الضائع أخي.» فأدخله إلى خيمة فيها مضجع، وبجانبه رجل جالس، فتقدم الأمير أمين سائلا ~~بلهفة: «أين غريب؟» فقال له الفارس: «هذا هو نائم هنا.» فتقدم منه وتأمل وجهه، فإذا هو ~~معصوب الرأس مغمض العينين، فأمسك الفارس بأمين قائلا: «لا توقظه فإنه محتاج إلى الراحة.» ~~فقال: «ما باله معصوب الرأس؟» قال: «إنه مصاب بجرح خفيف، وقد ضمدناه وهو معافى بإذن الله.» ~~فسكن روعه وجلس يستفهم من ذلك الفارس عما حدث. # فقال له: «هلم بنا إلى الخارج لأقص عليك الأمر»، فخرجا. # فقال الفارس: «خرجت في أصيل هذا اليوم للصيد والقنص، وفيما أنا عائد إلى هذا المكان، سمعت ~~مناديا يستجير، فتقدمت جهة الصوت فرأيت هذا الغلام بين يدي أربعة من العربان، وقد ضربه ~~أحدهم بعصا على رأسه، وحاول أن يجهز عليه، فصحت صيحة قوية وضربته بالسيف على عنقه فسقط على ~~الأرض، وفر رفقاؤه، وكان بجانبه جواد فر منه، فتقدمت إلى هذا الغلام وقد أغمي عليه من الألم ~~فحملته على ms038 جوادي، وجئت به إلى خيمتي فغسلت جراحه وضمدتها وأعطيته قليلا من اللبن فشرب وهو ~~بين اليقظة والغيبوبة، وفرشت له وسادة لينام. وبعد أن أخذته سنة من النوم تركته، وكان قد ~~مضى هزيع من الليل، ثم تركت الخيمة وأوصيت خادمي أن يعتني به، وخرجت أراقب حركات اللصوص؛ ~~حذرا من أن يأتوا إلينا بعدتهم ورجالهم، ولم يمض قليل حتى أتيتم، ورأيتمونا على هذه ~~الحال.» # وكان الأمير في أثناء تلك القصة يراقب حركات ذلك الرجل، ويحاول أن يعرفه، ولكنه لم يستطع ~~ذلك لأنه كان ملثما، فلم يقدر أن يرى إلا عينيه، وإنما استدل من صوته على أنه ليس بدويا، ~~وأن لسانه قريب من اللسان المصري. # فلما أتم كلامه تقدم إليه الأمير أمين وعانقه، وهتف قائلا: «لقد غمرتنا بلطفك وإحسانك، ~~وأوليتنا جميلا لا ننساه مدى العمر فالله يجازيك عنا خير جزاء، وإني لأتجاسر عليك بسؤالي ~~لعلي أحصل منك على جواب.» قال: «سل ما بدا لك.» فقال الأمير: «هل لك أن تعرفني باسمك، وسبب ~~مجيئك إلى هذا المكان؛ إذ يظهر لي أنك لست من سكان البادية؟» # فتنهد الرجل وقال: «ليس هذا وقت الإجابة على سؤالك، فدعنا الآن، وتعال أنت ورجالك ~~للاستراحة هنيهة؛ إذ يظهر أنكم أجهدتم أنفسكم في التفتيش عن ضالتكم.» قال: «نعم، إننا لم ~~نزل نتجول في الصحراء منذ ظهر اليوم حتى وصلنا إليكم.» فقال الرجل: «هلم إذن إلى الطعام ~~والاستراحة.» # فنهض الأمير، ولكنه لم يستطع المرور بخيمة غريب دون أن يدخل إليها، ويستطلع أحواله فرآه ~~لا يزال راقدا كأنه ملاك، وقد كلل العرق جبينه، وبجانبه الخادم يطرد عنه الذباب، فأراد أن ~~يقبله فمنعه الرجل خوفا من أن يوقظه. ثم نادى الأمير بعضا من رجاله وأمرهم أن يعجلوا ~~بالسير لتبشير والده الأمير بأن غريبا معهم، فبعث معهم ذلك الرجل بعض الخدم ليدلوهم على ~~الطريق، فساروا بعد أن أوصاهم الأمير أمين أن يخبروا أباه أنه وجد غريبا، وأنه سيكون عنده ~~غدا إن شاء الله، فساروا طالبين ساحة الميدان. # ضيافة بدوية # عاد الأمير أمين، فجلس ومن ms039 معه من الرجال إلى المائدة، أما صاحب الضيافة فلم يجلس معهم، ~~ولكنه وقف يخدم ضيوفه، مع أن الخدم كانوا عنده كثيرين، وتلك عادة العرب في ولائمهم. # أما المائدة فكانت طبقا كبيرا من النحاس عليه ذبيحة من الضأن وكومة من الأرز فوقها ~~السمن الكثير. وكان الأمير أمين ورجاله يعرفون عادات البدو، فتناول الأمير قطعة من رأس ~~الذبيحة، وأعطاها لصاحب الضيافة فعرف الرجل أن ضيفه ممن خالط البدو وعاشرهم. وكان جلوسهم ~~جثوا على ركبة واحدة، يتناولون الطعام بأصابعهم من الأرز واللحم، ويجعلون اللقمة على شكل ~~الكرة، ثم يدفعونها بالإبهام إلى أفواههم. # ولما انتهى الطعام شرعوا في عمل القهوة المشهورة عند البدو، فعمدوا إلى أجران من الخشب، ~~وجعلوا يدقون البن فيها بمدقات يسمع لها صوت ألذ إلى سمعهم من نغم الموسيقى، فإن لهم دقا ~~في البن المحمص بالأجران المصنوعة من خشب البطم، يؤدونه بأسلوب يطرب الأسماع ويشنف الآذان، ~~وبعد دق كمية منه، غلاها الخدم على النار، ثم جاءوا بها إلى صاحب البيت، فسكب منها في ~~الفنجان الأول لنفسه، ثم سكب لضيوفه مبتدئا بالأمير أمين، حتى انتهى إلى أقل رجاله. وكان ~~الأمير أمين ورجاله قد تعودوا شرب قهوة البدو المتقنة، بما يجعلونه فيها من الأفاويه ~~كالبهار وزهر القرنفل وحب الهان وغيرها، فانشرح صدر الأمير كثيرا، ولا سيما بعد أن سكن ~~روعه بلقاء غريب. # وبعد تناول القهوة، رغبوا في النوم، فساروا إلى أماكن أعدت لهم، فلم يرض الأمير أمين أن ~~ينام إلا في غرفة غريب، وقد تأملها هذه المرة جيدا فإذا هي مصنوعة من الشعر الأسود كسائر ~~خيام البدو، ولكنه لم يرها مقسومة قسمين كما جرت عادتهم بأن يجعلوا الخيمة قسمين: قسما ~~للنساء وقسما للرجال، فظن أن تلك الخيمة جعلت كذلك عمدا، فاضطجع. وفي الضحى استيقظ غريب ~~ففتح عينيه فرأى أخاه أمينا عند رأسه، فكاد يذهل، فقبله أمين وابتدره بالكلام مطيبا ~~خاطره، فقال: «أين أولئك اللصوص أولاد الحرام؟» فقال: «قد ذهبوا وليس منهم أحد هنا، فكن ~~مطمئن البال ولا تجزع، فأنت بين يدي وأنا أخوك ms040 أمين.» قال: «أمين، أمين، أين والدي؟ وأين ~~ذلك الجواد؟ أين والدتي؟» # وأخذ أمين يسكن روعه، ويخفف عنه حتى صحا تماما، فقال: «نشكر الله على ما جرى.» فسأله أمين ~~عن حقيقة الأمر، فقال غريب: «بعد أن ركبت ذلك الجواد جمح بي في عرض البيداء، فلم أعد أستطيع ~~كبح جماحه، ولكنه لم يقدر أن يرميني، فظل يعدو بي أكثر من ساعتين، يسير تارة يمينا وطورا ~~شمالا، وبينما أنا في ذلك، إذ رأيت بعض الناس عن بعد، فجعلت أناديهم وأستغيث بهم، فجاءوا ~~إلي وهولوا على الجواد فوقف، فأمسكوه وأنزلوني عنه، ثم تقدم إلي واحد منهم وأخذ يفتشني، ~~ويطلب إلي أن أعطيه ما معي فرفضت، وقاومته لأني لم أرهم أفضل من الخدم، بل هم أقل بكثير من ~~خدم أبي، فلم أشعر إلا وقد أصبت بضربة على رأسي كما ترى فسقطت، ولم أعد أعرف ماذا جرى إلا ~~أني أرى نفسي الآن في هذه الخيمة، وكأني شربت لبنا، وها أنا ذا أراك بجانبي.» # تقدم إليه أمين وقبله وحدثه بقصته من أولها إلى آخرها، وقال في ختام كلامه: «إن الفضل ~~الأكبر في نجاتك، إنما هو لهذا الشهم الغيور (وأشار إلى صاحب الخيمة) فنسأل الله أن يمكننا ~~من مكافأته.» فقال غريب: «كيف؟ لو تعلم والدتي بذلك لكانت تحبه وتكرمه.» وبعد أن أتما ~~حديثهما تقدم ذلك الرجل، وقال للأمير أمين: «هل لسيدي أن يخبرني عن حقيقة أمره، وأمر هذا ~~الفتى!» فقال: «نعم، إننا أولاد الأمير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان، وقد جئنا إلى القطر ~~المصري منذ مدة قصيرة، ونزلنا بأمر العزيز في بلدة، يقال لها الفشن وراء بني سويف، ريثما ~~يأتي جنابه من الإسكندرية لمقابلة والدي، وأمس خرجنا إلى البر المقابل للبلدة لركوب الخيل، ~~فجمح جواد أخي هذا وتاه في عرض الصحراء، وجرى له ما سمعت، ولا شك أن والدي عندما يسمع ~~حديثنا يود أن يراك، فهل ترافقنا إليه؟» # فسكت برهة، ثم قال: «ذلك لا يمكنني لأسباب كثيرة، لا يسعني أن أخبركم عنها الآن.» ثم سكت ~~ثانية، وعاد فاستأنف ms041 الحديث قائلا: «لعل الأصوب أن تمكثوا عندنا بضعة أيام، ريثما يبرأ ~~جرح الأمير غريب، ثم تسيرون في حراسة الله.» # فقال الأمير أمين: «ذلك لا يمكننا لأن والدنا الآن في انتظارنا.» # قال البدوي: «نرسل إليه من يخبره بذلك، وإذا شاء المجيء بعثنا إليه من يرافقه ~~إلينا.» # فقال الأمير: «لا أظنه يجيء، ولا بد لنا من الذهاب في آخر هذا النهار؛ إذ تكون الشمس قد ~~مالت إلى الغروب، ولم تعد تضر بنا، فإذا شئت أن ترافقنا زدتنا فضلا، وإلا فأخبرنا عن اسمك ~~لنطلع والدي عليه.» # قال البدوي: «حبذا ذلك، ولكن إن جمعني الزمن بوالدكم فربما أخبره عن اسمي، أما المكافأة ~~فأنا لم أنتظرها لأني لم أفعل ما فعلت إلا مندفعا من نفسي، دون أن أعلم إلى أي عائلة ~~ينتمي هذا الغلام.» # ثم خرجا من الخيمة، فتأمل الأمير أمين تلك المحلة فإذا هي مؤلفة من عدة خيام، يحيط بها ~~سهل رملي لا يدرك الطرف آخره، فازداد تعجبا من أمر ذاك الرجل، وما هو عليه من التستر، ~~وأزمع أن يخبر والده عنه. # الأمير والكاشف # أما الأمير بشير، فقد تركناه في خيمته يتحادث هو وابنه الأمير خليل في أمر غريب وأمين، ~~ولم يتمكنا من النوم طوال تلك الليلة من كثرة الهواجس، وبينما كان الأمير بشير يفكر في ذلك ~~الجواد، لاح له أنه ربما كان الأمر مكيدة نصبت لبعضهم فأصابت الغلام، فلما طلع الفجر بعث ~~إلى الكاشف فجاءه فقال: «هل تلقيت خبرا من أحد؟» قال: «لا.» # فقال الأمير: «أريد منك أن تقبض على الذين باعوا لك ذلك الجواد.» قال: «سمعا وطاعة.» فبعث ~~بعض الشرطة فجاءوا بهم إليه، وكان الأمير بشير جالسا كأنه طود راسخ، وقد ظهرت على وجهه ~~ملامح الغضب، فنظر إلى الكاشف وقال: «إني لا أطلب ما أفقده هنا إلا منك، وأنا لا أعرف سواك، ~~وأنت عليك أن تستقصي حقيقة الأمر من هؤلاء العربان الذين باعوا لك الجواد.» فوقع الرعب في ~~قلب الكاشف، واستشاط غيظا، فأمر أن يجلد هؤلاء العربان بالسوط حتى يعترفوا بالحقيقة، ~~فطرحوهم ms042 وجعلوا الفلق في أرجلهم، وظلوا يجلدونهم بالسياط حتى سالت الدماء من أرجلهم، وهم لا ~~يفوهون ببنت شفة، كأنما كان الجلادون يضربون في حديد بارد، حتى تعجب كل من حضر. أما الأمير ~~فسر بذلك، وأشار إلى الكاشف أن يحلهم ففعل، فوقف الأمير وقفة الأسد ونادى هؤلاء الرجال ~~بصوته الجهوري: «تقدموا إلى هنا.» وهم بصفعهم، ثم حملق فيهم وقال: «أنا لا أسأل سواكم عن ~~ولدي، فما بالكم ولهذا النكران؟ أتظنون أن أمركم لا يزال مكتوما وقد أخبرني واحد منكم ~~بحقيقة الأمر وعلمت أنكم لم تفعلوا ذلك باختياركم؟ أنتم غير مسئولين، أما إذا أصررتم على ~~الكتمان فلا نحمل المسئولية أحدا غيركم.» فصرخوا بصوت واحد: «ليعش رأس أفندينا، نحن ~~مظلومون!» فقال الأمير: «قلت لكم إنكم مظلومون إلا إذا لم تخبرونا بحقيقة الأمر لنتأكد مما ~~سمعناه.» ~~••• # فتقدم واحد منهم وترامى على قدمي الأمير وقبلهما، وهو يرتجف خوفا ورعبا، وقال: «وحياة ~~رأس أفندينا نحن عبيد مأمورون، ولم نفعل شيئا من تلقاء أنفسنا، ولكن أمير قبيلة بني واصل ~~أرسلنا لنبيع هذا الفرس للكاشف بأي ثمن كان ولا نعلم غرضه.» فقال الأمير: «كفى، خذوا هؤلاء ~~إلى مركز الشرطة.» ثم سأل الكاشف عما إذا كان بينه وبين ذلك الأمير عداوة فقال: «نعم، كنت ~~أرسلت بعض رجالي فقبضوا على بعض لصوصه.» # فتحقق للأمير الأمر، فزاد اضطرابه، والتفت إلى ولده وقال: «يا خليل، ما العمل؟ أتسمع ~~بتضحية أخويك ونحن جالسون هنا؟» فاهتز الأمير خليل لذلك، ونهض للحال إلى جواده، وفعل مثل ~~ذلك الأمير بشير، وسائر من عنده من الرجال، فأمسكه الكاشف قائلا: «إن الحكومة مسئولة عن ~~هذا الأمر»، فلم يصغ. وفيما هم في ذلك أبصروا غبارا وراء الأفق، انقشع عن بضعة فرسان عرفوا ~~في الحال أنهم من رجال الأمير، فتوجه الأمير لملاقاتهم وإذا هم قادمون من عند ابنه فبشروه ~~بما كان، فاطمأن خاطره، ولكنه ظل متشوقا لمعرفة الحقيقة. # فتريث إلى المساء، حتى وصل الأميران أمين وغريب، ومن معهما من الرجال، بعد الغروب بنحو ~~ساعتين. فاستقبلهم الأمير بشير، وقبل غريبا، وذهب الجميع ms043 إلى البر الثاني، يحمدون الله ~~على عودة ذلك الغلام سالما. وأخذ الأمير أمين في أثناء الطريق يحدث والده بالخبر من أوله ~~إلى آخره. # فلما أتم حديث ذلك الرجل الذي أنقذ غريبا من الموت، قال له والده: «ولماذا لم تأت به معك ~~لكي نكافئه على صنعه؟» قال: «صدقني يا سيدي، إني ألححت عليه كثيرا وسألته المجيء غير مرة ~~فلم يقبل، والذي يظهر لي من كلامه وحركاته أنه ليس بدويا، والأغلب أنه من أعيان هذه ~~البلاد، وقد أتى أمرا استوجب من أجله غضب عزيز مصر عليه؛ لأني لاحظت شيئا من ذلك أثناء ~~تمنعه عن المجيء معي إلى هنا. ومما يقوي عندي هذا الظن، أنه لم يرفع اللثام عن وجهه قط ~~أثناء اجتماعي به أمس حتى ساعة وداعنا له اليوم، وقد تركته في عصر هذا النهار وأنا أفكر في ~~أمره، ولا أزال أذكر جملة قالها لي ساعة الوداع وهي: «بلغ تحياتي إلى سيادة والدكم، وأرجو ~~أن يسعدني الحظ بمقابلته حيث لا حرج علي، إني أظن أن مجيئه إلى هنا لا يخلو من المشقة ~~عليه لبعد المسافة، وقد كان علي أن أسعى إليه وإنما ليس بوسعي، فاترك الأمر لله، ولعلي ~~أنال خيرا إذا اجتمعت به».» # كشف المخبأ # قال الأمير بشير: «يظهر يا أمين أن الرجل في ضيق ويحتاج إلى من ينفس كربته، وأنه كما قلت ~~لا يستطيع المجيء إلى هنا حذرا من رقابة الحكومة له، فيجب علي قياما بواجب الإنسانية ~~والشهامة أن أسير إليه بنفسي، مهما كلفني ذلك من المشقة، فإنه أحيا لنا غريبا بعد أن أشرف ~~على الموت، ففي صباح غد إن شاء الله أركب إليه بمعيتك، وبعض الرجال الذين عرفوا ~~الطريق.» # وكان الأمير خليل يكلم غريبا في أثناء ذلك ويلاطفه ويقبله، ويسأله عن قصته حتى وصل ~~الجميع إلى المنزل. # وكان الخدم قد أعدوا الطعام فجلس الجميع لتناوله، وبعد الاستراحة سار كل منهم إلى فراشه، ~~طلبا للنوم؛ لأنهم لم يذوقوا طعم النوم في الليلة الغابرة. # وفي الصباح اجتمع الجميع في غرفة غريب، وفحصوا ms044 جراحه، فإذا هي قد قاربت الشفاء فأوصوه ~~ألا يخرج من المنزل مدة يومين؛ خوفا عليه من تأثير الحرارة، عملا بمشورة طبيب الأمير بشير ~~الذي كان برفقته. # ثم ركب الأمير بشير مصحوبا ببعض الرجال وولده أمين، وسار قاصدا خيام ذلك الفارس، بعد أن ~~أوصى الطبيب بملازمة غريب، وقد آلى على نفسه أن يبذل كل ما في وسعه لإنقاذ ذلك الرجل، الذي ~~صنع معه خيرا، من الضيق المستحوذ عليه. # وبعد بضع ساعات وصلوا إلى تلك الخيام، وكان صاحبها قد علم بذلك من بعض رجاله فخرج ~~لاستقبال أمير لبنان، وحين رآه لم يستطع أن يحول نظره عنه لعظم هيبته. ثم ترجل الجميع ~~وساروا إلى الخيمة الكبرى، فجلسوا فقدمت لهم القهوة ولفائف التبغ، وأخذ المضيف يرحب ~~بضيوفه، ويوجه كلامه بوجه خاص إلى الأمير بشير، كل ذلك وهو ملثم الوجه. # ثم مد السماط كعادة العرب، وقام الضيوف إلى تناول الطعام، فقال صاحب الضيافة: «أخشى أن ~~تكونوا لم تألفوا الطعام على الطريقة البدوية!» فأجابه الأمير بشير: «نحن جميعا قد ألفنا ~~هذه العادة.» وبعد الطعام أديرت عليهم القهوة ثانية. كل ذلك والأمير بشير يتأمل حركات ذلك ~~الرجل، ويعجب لأمره، ولم يكد ينتهي الطعام حتى طلب الأمير الانفراد به فانفردا. فقال له ~~الأمير: «ارفع هذا اللثام عن وجهك، إذ لم يبق من داع إلى الحجاب بيني وبينك؛ لأنك أوليتني ~~جميلا لا أستطيع مكافأتك عليه، واعلم أن الأمير بشيرا سيكون رهين كل ما تحتاج إليه، وموضع ~~سرك، فارفع هذا اللثام عن وجهك وحدثني.» # فوقف ذلك الرجل بين يدي الأمير ورفع اللثام عن وجهه، فبان من تحته وجه رجل بين الأربعين ~~والخمسين من العمر، ذي عينين واسعتين سوداوين وجبين عريض مرتفع، وأنف أقنى، وشارب ولحية قد ~~وخطهما الشيب في غير أوانه، فتأمله الأمير بشير فإذا هو ليس مصريا أصيلا وليس ~~عربيا. # وابتدره الرجل بالكلام قائلا: «انظر يا سيدي إلى هذا الشعر، فقد شاب قبل أوانه، وما ذلك ~~إلا من صنع قوم كنا لهم أشد الأنصار وقت العسر واليسر.» فقاطعه الأمير ms045 قائلا: «اجلس يا أخي ~~واشرح لي قصتك بإسهاب.» فقال الرجل: «أتعدني أنك إذا سمعت من قصتي ما يثبت أني مذنب، أن ~~تترفق بي!» قال: «نعم، فقل ما بدا لك.» # فجلس الرجل يقص حكايته، قال: «إني أيها الأمير من أمراء المماليك الذين سمعتم بمذبحتهم في ~~قلعة القاهرة منذ نيف وإحدى عشرة سنة، وقد كنت دعيت في ذلك اليوم المشئوم، وقدر الله لي أن ~~نجوت بنفسي لتأخرى عن وقت الدعوة.» # فقاطعه الأمير بشير قائلا: «أظنك أمين بك؟» قال: «نعم، وقد مضت علي مدة بعد فراري من ~~مخالب الموت، وأنا في هذا المكان أتوقع فرصة للعودة إلى القاهرة لمشاهدة أهلي، فقد تركت ~~هناك امرأتي وولدي، وعلمت أن عزيز مصر أباح لجنده التزوج بنساء المماليك، فلا أعلم ماذا كان ~~من أمر أسرتي. على أني قد أنفذت من يسأل عنها، فلم يستطع أحد أن يوقفني على خبرها، فمن ~~قائل إنها في مصر، وقائل إنها في غيرها من البلاد. وقد أصبحت في قلق من جراء ذلك لأمرين؛ ~~الأول: أني لا أعلم إذا كانت زوجتي المسكينة لا تزال على قيد الحياة أم قد تزوج بها أحد ~~أعدائي أم هلكت على أثر ولادتها لأنها كانت حاملا، ولا أعلم ماذا جرى لولدي. والأمر الثاني ~~أني منقطع في هذا المكان ولا أستطيع السكنى في المدن خوفا من عيون الحكومة؛ لأنها جعلت ~~دماءنا هدرا، فلكل من لقينا أن يقتلنا ولا إثم عليه ولا حرج.» # فقال له الأمير: «طب نفسا، فإني سأقابل العزيز بعد قليل، ولا بد من أن أذكرك أمامه، ~~وأطلب لك العفو منه، فلا تخف بإذن الله فإن ذلك فرض علينا، ولا بد من أن تنال ما ~~تريد.» # الحملة الفرنسية # قال الرجل: «ليس هذا حديثي كله أيها الأمير، فإن عندي قصة أشد تأثيرا في نفسي من كل ~~شيء، وهي سبب قلقي واضطرابي فأسألك الإصغاء إليها بعد أن تعدني عفوا عن خطئي.» # فقال: «قل ولا تخف عني شيئا.» # قال: «اعلم أيها الأمير أن زوجتي هذه (قال ذلك وتنهد) قد جلبت لها ms046 الشقاء بيدي، فإنها ~~ليست من أمثالي المماليك، وهي ليست من بلادي، وإنما ساقتها يد الأقدار إلي بحكم الاتفاق ~~ونتيجة الجهالة.» # فقال الأمير: «ومن هي إذن؟» # قال: «يا سيدي هي ...» ثم خنقته العبرات وسكت، فابتدره الأمير قائلا له: «قل لا تخف!» فوقف ~~الرجل، ثم جثا بين قدمي الأمير وقبل ركبته قائلا: «إنها من أنسبائكم أيها الأمير ~~الجليل.» # فاضطرب الأمير بشير، ثم أوقف الرجل قائلا: «وكيف أمكن أن يكون ذلك؟» # فقال: «إنني حين كنت شابا توجهت مرة مع عمي، أحد أمراء الألفية الذين تولوا مشيخة البلد ~~زمنا طويلا، إلى بلاد الشام؛ هربا من الجيوش الفرنسية التي جاءت إلى هذا القطر تحت قيادة ~~نابليون بونابرت سنة 1213ه (1798) فساقتنا الأقدار إلى جبل لبنان، ولم يعلم بنا أحد. وكنت ~~يا سيدي أميرا على الجبل إذ ذاك، ولكن الجزار والي عكا كان قد غضب عليك واتهمك بالاشتراك ~~مع الجنود الفرنسيين، وكان هدفه أن يولي أولاد الأمير يوسف، وقد بلغني أنه ولاهم، ولكنه لم ~~يرسلهم لاستلام الإمارة لاشتغاله بالفرنسيين وعزمهم على فتح سوريا، وقد كان في علمنا إذ ~~ذاك أنكم من حزب الفرنسيين؛ وبالتالي قد رسخ في نفوسنا حب الانتقام منكم، غير أننا لم نر ~~لذلك سبيلا، فلبثنا نحاذركم ونتربص بكم الموت. # واتفق أننا كنا ذات يوم في إحدى قرى لبنان المجاورة لدير القمر، وكان أهل البلاد في شغل ~~شاغل لخلاف بين أحزابهم، فعزمنا على العودة إلى مصر إذ عرفنا أن الفرنسيين كادوا يخفقون ~~بسبب المنشورات التي كان يرسلها الباب العالي ضدهم، فوردت الرسائل إلى عمي أن يرجع إلى مصر، ~~لينضم إلى رفاقه المماليك. وذات ليلة تأهبنا للرحيل، فهيأنا الخيول وركبنا، وفيما نحن خارج ~~تلك القرية شاهدنا عن بعد شبحا بين الكروم، وكنا قد أرسلنا أحد رجالنا ليأتي لنا بشيء من ~~العنب، وسرنا في طريقنا فعاد إلينا ومعه فتاة تبلغ من العمر أربع عشرة سنة كأنها من حور ~~الجنان، فتأملتها، وذكرت أنني شاهدتها من قبل، وقد مالت عواطفي إليها، ولكنني لم أتجرأ على ~~مخاطبتها، لعلمي أنها من ms047 بنات الأمراء. # فلما جاء بها سألته عن شأنها، فقال لي: «إنني رأيتها بين الكروم وقد أمسى عليها المساء، ~~ولما كانت قد رأتني قبل هذه المرة سألتني أن أوصلها إلى بيتها، وهو قريب من هذا المكان، ~~فجئت بها إليك.» ثم همس في أذني: «إنها تصلح أن تكون زوجة لك.» # أما أنا فحدثتني نفسي أن آخذها معي إلى مصر وأتزوج بها، ولما كلمتها في هذا الشأن لم تظهر ~~معارضة، ولعلها خافت منا، غير أنها كانت تبكي، فقلت لها: «لا بأس عليك»، وصرت أطيب خاطرها، ~~وأنظر إلى عمي لأرى إن كان يبدي لي معارضة فرأيته قد استحسن الفتاة، وكأن لسان حاله يقول: ~~«إنها تصلح لك!» فأغواني الشيطان وأغويت الفتاة، وسرنا بها في ظلام ذلك الليل، ونحن نجد في ~~المسير حتى خرجنا من حدود لبنان، ووصلنا إلى مدينة صيداء، وهناك عقدت عليها، وبمرور الزمن ~~نسيت الفتاة أهلها وتعلقت بي.» # فقاطعه الأمير قائلا: «هل هي الأميرة سلمى؟» قال: «نعم أيها الأمير.» فعلا وجه الأمير ~~الاصفرار رغم إرادته، وقال: «نعم إني أذكر أمر ضياع هذه الفتاة، وكنت قد أبحت دم الجاني ~~عليها، ولكن مضى ما مضى، فأنت الآن من أصهارنا، فعسى أن تكون تلك الأميرة على قيد ~~الحياة.» # فبكى أمين بك، وقال: «لا يعلم ذلك إلا الله، أيها الأمير، إن خداعي لتلك المسكينة ~~لا يزال يتردد في خاطري، وقد وبخني عليه ضميري لأني لم أستطع أن أحتفظ بها؛ وذلك لأنك بعد أن ~~مكثت في صيدا عدة أيام قيل لنا إن الفرنسيين جاءوا بجيوشهم لفتح سوريا ولكنهم لم يتجاوزوا ~~عكا، بل رجعوا عنها بعد أن حاصروها خمسين يوما، فقد امتنعت عليهم بمساعدة الأسطول ~~الإنجليزي الذي كان يساندها من البحر.» # فقال لي عمي: «ها هم الفرنسيون قد عادوا إلى مصر، فلا نظن عودتنا إليها ينفعنا، فالأحسن ~~أن نعود إلى حيث كنا.» فأشرت بأن رجوعنا إلى لبنان لم يعد ممكنا لأننا سنموت هناك شهيدين. ~~فصمت برهة حتى فاتحه أحد رجاله قائلا: «لا أظن إلا أن أهل مصر سيقابلون الغزاة ms048 بمثل ما ~~قابلهم به أهل سوريا بعد مذبحة يافا التي ذبح فيها الفرنسيون أربعة آلاف رجل من الأرناءوط ~~والمغاربة، بعد أن سلموا سلاحهم. أتظن أن أهل مصر ينخدعون بقول الفرنسيين أنهم مسلمون ~~مثلهم، إن المسلمين لا يشربون الخمر ولا يكشفون عورات نسائهم، وقد علمت من أهل هذه المدينة ~~اليوم أن جلالة السلطان بعث يحرض المصريين على إخراج الفرنسيين من بلادهم.» # أما أنا يا سيدي الأمير، فكنت ميالا إلى البعد عن لبنان ما استطعت؛ خوفا من الوقوع في ~~شر أعمالي، ولذلك كنت أحرض عمي على العودة إلى مصر، حتى إنني قلت له: «وأيا كانت الحال، ~~فإن سكننا قرب حدود مصر آمن لنا.» # وبعد مناقشة طويلة قر القرار على التوجه إلى حدود مصر ففرحت وفرحت الأميرة سلمى، ولم يكن ~~شغلي الشاغل إلا التفكير فيها، وفيما يريحها؛ ولذلك كنت في قلق دائم خوفا من أن تتوطد قدم ~~الفرنسيين في مصر، ولا نعود إليها نحن، فأكون قد جلبت الشقاء لنفسي ولها. وما زلنا سائرين ~~حتى نزلنا في مكان بالقرب من العريش، فألقينا عصا التسيار وبعثنا جواسيسنا لاستطلاع أخبار ~~الفرنسيين في مصر، فعلمنا منهم أن بونابرت سافر من مصر سرا إلى بلاده في أواخر سنة 1799م ~~فاستبشرت بذلك وأسرعت بتبشير سلمى. ثم أخبرني عمي أن المماليك وأهل مصر جميعا هبوا لمحاربة ~~الفرنسيين، ولكنهم لم يتمكنوا من إخراجهم منها، فبقي الفرنسيون أيها الأمير في مصر إلى ~~سنة 1801م إذ جاءت الحملة العثمانية وأخرجت الفرنسيين من مصر بمساعدة الأساطيل الإنجليزية، ~~كما تعلمون يا سيدي، فابتهجنا وهممنا بالتوجه إلى القاهرة. ثم علمنا أن البقاء في مكاننا ~~أولى بنا؛ لأن الإنجليز قد تعهدوا أن يعيدوا مصر إلى الباب العالي، وقد سلموا ولايتها إلى ~~وال عثماني معه أوامر سرية بقتل جميع المماليك وإبادتهم. # فتأمل سوء حالتي، وهذه المسكينة إذ ذاك، لكني لم أكن أذكر لها شيئا من ذلك منعا ~~لاضطرابها. # وليس غرضي الآن أن أشرح لسيدي تاريخ الحوادث المصرية إذ ذاك، وإنما المقصود إظهار ما كنت ~~أحمله من التبعة إذا ms049 أغفلت أمر تلك المرأة، فأقول بإيجاز: أنه لما ظهر محمد علي باشا الوالي ~~الحالي من بين الجنود العثمانيين الذين جاءوا مع الحملة التي أخرجت الفرنسيين وظهر منه أنه ~~أهل للولاية، وقع بينه وبين الوالي المشار إليه نفور، فطلب إلى أمرائنا أن يساعدوه على ~~مقاومة ذلك الوالي، وأن يكونوا معه يدا واحدة، فساعدناه جهدنا، حتى إذا صارت الولاية إليه ~~تنحى عنا، ولم يسمح لنا بأن نحصل على حقوقنا فاضطررنا إلى مقاومته. وكان عمي إذ ذاك في جهات ~~الصعيد، وكنت معه، وكذلك كانت عزيزتي سلمى. # والحق أقول إن عمي الأمير الألفي فاوض إذ ذاك خورشيد باشا الذي كان واليا قبل محمد علي ~~ليساعده على خلع محمد علي باشا، فتعهد له أنه إذا فعل ذلك يعيد الأحكام إليه. ثم فاوض في ~~ذلك أيضا قنصل إنجلترا، وتعهد له أن يسلم القطر المصري إلى إنجلترا. وما كدنا نحقق الهدف ~~حتى ذهبت مساعينا عبثا، فجاءت الأوامر بتثبيت محمد علي والعفو عن المماليك، فقلنا إن ما ~~لا يدرك كله لا يترك جله، فنزلنا من الصعيد وسكنا في جهات مختلفة، أما أنا فكانت إقامتي في ~~القاهرة. # وحسبت نفسي سعيدا لأني صرت قادرا على إرضاء سلمى فأخذت لها قصرا كبيرا، وأتيت لها ~~بالخدم والجواري، وظننت أن الدهر قد صفا لنا بعد أن تنازلنا عن كل حقوقنا في الحكم، وما ~~علمنا بما أعده لنا الزمان، فإن محمد علي باشا دعانا يوما دعوة رسمية إلى سرايه في القلعة ~~احتفالا بسفر ابنه طوسون على رأس حملة لمحاربة الوهابيين، كما لا يخفى على سيدي، فحضر ~~الجميع إلا أنا؛ فإني حين أردت الخروج من البيت بعد أن أمرت الخادم أن يهيئ لي الجواد نادتني ~~سلمى وهي حامل، وقالت: «رويدك لا تستعجل فإني أشعر باضطراب في جسمي اليوم لأني حلمت أمس ~~حلما مزعجا.» فقلت لها: «يا عزيزتي، إن الأحلام أوهام لا يعبأ بها.» ولكنني لم أستطع ~~مخالفتها، فجلست بجانبها نتجاذب أطراف الحديث مدة، وأنا أتأمل ملامح وجهها ولطفها فانتبهت ~~وقد كاد يفوتني الوقت، فركبت جوادي ms050 وقصدت إلى القلعة ، فلما وصلت إلى باب العزب من أبوابها ~~رأيت الموكب قادما نحو ذلك الباب يريد الخروج منه، فقلت: الأصوب أن أبقى خارجا ريثما يخرج ~~الموكب فأرافقه. فوقفت بجوادي على مدخل أمام الباب المذكور، ثم رأيتهم أغلقوا الباب بغتة ~~وأعقب إغلاقه إطلاق الرصاص داخل القلعة، فعلمت أنها مكيدة لقتلنا، وحملني حب النجاة على ~~الفرار في الصحراء، بدلا من المسير إلى البيت لأنقذ حبيبتي، فوثب جوادي من فوق ذلك التل ~~وخر ميتا، فسرت ماشيا حتى خرجت من ضواحي القاهرة، وانتظرت لأعلم النتيجة، فعلمت أن دم ~~المماليك أصبح مهدرا حيثما كانوا، فأوغلت في هذا البر حتى وصلت إلى هنا حيث التجأت إلى ~~أمير إحدى القبائل، فهو يرسل لي كل ما أحتاج إليه من الطعام واللباس والخدم. وها أنا ذا كما ~~تراني وقد وخطني الشيب في مقتبل العمر. # عجب الأمير لهذه القصة الغريبة، ولكنه برغم فراسته المشهورة لم يفطن لعلاقة أمين بك ~~بغريب، أو لعله انتبه وتجاهل لغرض في نفسه، على أنه قال لأمين بك: «طب نفسا وقر عينا، ~~فلا بد لي من أن أفاوض العزيز في ذلك عندما أعود إلى القاهرة، وأرجو أن أستطيع مكافأتك على ~~حسن صنيعك.» فطلب إليه أمين بك أن يحفظ كل ذلك سرا، فوعده الأمير خيرا. # إبراهيم باشا # ثم خرجا من الخيمة، فإذا هما برسول قادم من بني سويف، وبيده كتاب للأمين ففضه فوجده ينبئ ~~بقرب مرور إبراهيم باشا بالفشن متوجها إلى الفرطوش في جهات الصعيد، فالتفت الأمير إلى أمين ~~بك قائلا: «هذه فرصة لا ينبغي ضياعها، فإن إبراهيم باشا ابن عزيز مصر سيمر بنا قريبا، ولا ~~ريب أنه سينزل ليبيت عندنا ليلة أو يقضي بيننا نهارا، وأنت تعلم أنه صاحب منزلة كبيرة عند ~~والده، وقد سبق لي أن حادثته فوجدته حسن الطوية محبا للعدل، فإذا اغتنمنا هذه الفرصة ~~وقصصنا عليه القصة ساعدنا ولا ريب مساعدة كبيرة، فالأصوب على ما أظن أن تركب معي إلى الفشن ~~في زي واحد من رجالي، فلا يعرفك أحد. # وإذا لم يعف ms051 العزيز عنك، أو لم تجد امرأتك وأولادك، وكرهت الإقامة في هذه البلاد، فإنك ~~تسير معي إلى لبنان، وتكون من خاصتي لأنك أوليتني جميلا لا أنساه مدى الدهر.» فانشرح صدر ~~أمين بك لهذه العبارات اللطيفة، وقال: «سمعا وطاعة.» ثم أمر من في الخيام أن يقتلعوها، وكتب ~~كتابا دفعه إلى واحد منهم، وأمره أن يوصله إلى أمير القبيلة التي ساعدته مثنيا عليه، وأسر ~~إلى ذلك الرسول بما جرى، وطلب إليه أن يبلغ ذلك إلى أميره سرا. # فانتبهت وقد كاد يفوتني الوقت، فركبت جوادي وقصدت إلى القلعة، فلما وصلت ~~إلى باب العزب - من أبوابها - رأيت الموكب قادما. # وفي عصر ذلك اليوم، ركب القوم وسار الأمير بشير في طليعتهم، وإلى جانبه الأمير أمين وأمين ~~بك، وكان هذا قد طلب من الأمير بشير أن يناديه باسم سليمان خوفا من إفشاء الأمر، فصار كل ~~من معه يعرفونه بهذا الاسم، وحينما وصل الجميع إلى الفشن، سأل سليمان عن غريب وجراحه. فقيل ~~له إنه بخير وسلامة، فذهب إليه وقبله فقبل الغلام يده، ولم يكن غريب ولا أحد من أولاد ~~الأمير يعلم شيئا عن أمين بك سوى أنه رجل له فضل عليهم، وقد جاء به الأمير بشير ليكافئه ~~بالتوسط له عند عزيز مصر ليعفو عن ذنب كان قد اقترفه، وأن اسمه سليمان. # ثم بعث الكاشف إلى الأمير، يطلب إليه الحضور بمن معه إلى بني سويف بأمر العزيز فنزلوا ~~هناك، وبعد يسير وردت الأخبار بقرب وصول إبراهيم باشا فأخذ «المتسلم» يهيئ معدات الاستقبال ~~والترحيب، فجاء بمن عنده من الجند ورتبهم صفوفا عند ضفة النيل بأحسن ما لديهم من الملابس، ~~ونزل أيضا الأمير بشير ومن معه لاستقباله، أما أمين بك فبقي في البيت متنكرا بثياب أحد ~~رجال الأمير. ~~••• # وذات صباح وصل إبراهيم باشا بالذهبية على النيل، ولما طلع إلى البر تلقاه الكاشف وقبل ~~يده، ثم حول انتباهه إلى الأمير بشير فتصافحا وسارا معا إلى المنزل حيث أعد لهما ما ~~يلزم. # وكان إبراهيم باشا ربعة في الرجال، مستوي القامة منتصبها، وكان عمره ms052 خمسا وثلاثين سنة ، ~~دقيق الأنف أشهل العينين حادهما مستطيل الوجه، وكان بوجهه أثر الجدري، وقد لبس الحلة ~~الرسمية، وعلى صدرها مستعرضات من جدائل القصب، وكذلك كماها محليان موشيان به. # وكان وجهه أقرب إلى العبوس منه إلى الطلاقة والدعة، ولذلك لم تكن الرعية تحبه كأبيه، وكان ~~سريع الغضب حاد الطبع، لكنه سليم النية، ليس في قلبه مكر ولا خداع البتة. # فلما وصلوا إلى المنزل، دخل الأمير وأولاده والباشا غرفة الاستقبال المفروشة بالسجاد ~~والوسائد والمقاعد فجلسوا، وكان غريب في غرفته، وبجانبه سليمان يلاطفه ويعتني به، وقد فعل ~~ذلك تسترا من وجه إبراهيم باشا. # حول مذبحة المماليك # أما الحديث بين إبراهيم باشا والأمير بشير، فقد دار بينهما على الوجه الآتي: # إبراهيم باشا ~~: # كيف وجدت مصر أيها الأمير؟ # الأمير ~~: # في غاية ما يكون من الخصب، وقد وجدت أن تربتها تختلف عن تربة ~~بلادنا كثيرا. نعم، إني قدمت إلى القطر المصري مرة قبل هذه، غير أني لم أتجاوز ~~الإسكندرية حينئذ، ولم أر شيئا من خصب هذا البر السعيد، وقد علمت أيضا أن الفضل ~~يرجع إلى والدكم في حفظ الأمن وسعادة الأمة. # الباشا ~~: # لو تعلم أيها الأمير الحال التي كان عليها هذا القطر، قبل أوائل هذا ~~القرن - أي في أيام الأمراء المماليك - لكنت تتعجب من التغيير العجيب الذي طرأ ~~عليه، فقد كانت الأرواح والأموال إذ ذاك لمن كان أقوى بطشا، ولا بد أنك كنت تطلع ~~على أخبارهم في أواخر القرن الماضي، فأين تلك الحال مما هي عليه الآن؟ # الأمير ~~: # هذا أمر لا يختلف فيه اثنان حتى ليقال بحق إن سيادة والدكم هو ~~الذي أوجد هذا القطر من العدم، غير أنه لا ينكر استعداد الشعب المصري للطاعة ~~والإذعان. # الباشا ~~: # نعم، إن هذا لا ينكر، غير أن المماليك وأحزابهم كانوا مصدر ذلك ~~الفساد؛ ولذلك ترى أننا بعد أن أهلكناهم هدأت البلاد وساد الأمن. # الأمير ~~: # هل يأذن لي السيد الوزير أن أذكر له بعض الملاحظات في شأن هؤلاء ~~المماليك وإهلاكهم؟ # الباشا ~~: # قل. # الأمير ~~: # يقال إن هؤلاء المماليك كانوا في ms053 أيام تسلطهم يعيثون فسادا في ~~البلاد، غير أن ذلك الحكم لا يطلق عليهم طوال عهدهم؛ لأنهم كانوا في القرن السابع ~~والثامن والتاسع وأوائل العاشر سلاطين هذا القطر، وقد تركوا من الآثار ما لا ننكر ~~عظمته، ثم بعد تغلب السلطان سليم الغازي العثماني ودخول مصر في حوزة العثمانيين، ~~غلت أيديهم عن الحكم بعد أن كانت السلطة في قبضتهم، فأصبح دورهم ثانويا كما ~~تعلم. # ولا أظنك تخالفني في أن الباشوات الذين كانت ترسلهم الدولة العلية ولاة على مصر، ~~منذ دخول هذه البلاد في حوزتها كانوا سببا لتمرد المماليك واستبدادهم؛ لأنهم كانوا ~~لا يرون هؤلاء الباشوات إلا أشباحا بلا أرواح، حتى انتهى الأمر إلى استقلال علي بك ~~الكبير بحكم مصر عن الباب العالي، وفتح سوريا في أواسط القرن الماضي، ولو لم يخنه ~~صهره محمد بك أبو الذهب لبقيت مصر وسوريا مستقلتين، ولا أعلم أن هذا الرجل لجأ في ~~كل أعماله إلى ما يقال عنه إنه خيانة. # ثم لما جاء الفرنسيون إلى هنا نقموا على المماليك، وبالغوا في طعنهم وثلبهم، ولم ~~يكن ذلك إلا إثارة لعواطف المصريين ليساعدوهم عليهم، رغبة في الاستيلاء على هذه ~~البلاد. # وزد على ذلك أني أراهم بعد تولي جناب والدكم قد أذعنوا له وخضعوا لأوامره، بعد أن ~~ساعدوه على تحقيق أمنيته، وورود العفو عنهم من جلالة السلطان محمد، حتى علمت أن ~~تمكن عرى الألفة والولاء حملهم على تبادل الزيارات العائلية بين زعيمهم شاهين بك ~~وجناب والدكم، أما كان مستحسنا الوقوف عند هذا الحد، والكف عن قتلهم بالطريقة ~~التي علمناها؟! # الباشا ~~: # اعلم أيها الأمير أن هذه الملاحظة قد أبداها كثيرون من كبار القوم ~~الذين تحدثوا مع والدي في هذا الشأن، وقد تبادر إلى الذهن أنهم هم المصيبون، غير ~~أن للمسألة وجها آخر يستوجب لوالدي العذر، هو أن هؤلاء القوم قد عرفوا منذ كانوا ~~في منصب السلطنة على مصر، أنهم ليسوا من أصحاب العصبية، بمعنى أنهم قلما كانوا ~~يتوارثون الملك، بل كانت الحكومة عندهم تصل إلى أشدهم بأسا وأكثرهم أحزابا، وإن ~~الملك ms054 لم يكن يصل إليهم إلا خلسة واغتصابا. ثم لما صارت البلاد في حوزة بني عثمان، ~~لم يبقهم السلطان سليم في منصب الأمراء إلا رغبة منه في التخلص من شرهم، ولكي ~~يكونوا عيونا على غيرهم من أعضاء الحكومة. # وقد علمت ما كان من تطاولهم على الباشوات العثمانيين الذين كانوا يتولون هذا ~~القطر، حتى إن الحكومة العثمانية عهدت إلى ولاتها هنا بعد الحملة الفرنسية أن ~~يقتلوهم، وكانت تلك الأوامر سرية، غير أن الباشوات لم يتمكنوا من ذلك. # فلما اعتلى والدي منصب الولاية، كانوا بحسب الظاهر قد أذعنوا له لقاء ما نالوا من ~~العفو السلطاني، ولكنهم ما برحوا سببا لقلقه. فلما عهد إلي والدي سنة 1811م في ~~إخضاع الوهابيين الذين تكاثروا في شبه جزيرة العرب، نمى إليه أنهم سيغتنمون فرصة ~~غياب الجند هناك لنيل مآربهم فسبقهم هو وأهلكهم. ولا بد أنه فعل ذلك بإيعاز من ~~الباب العالي. وإني أؤكد لك أيها الأمير أنه لو لم ينلهم ما نالهم، لكانوا شر عقبة ~~في سبيل أمن البلاد وتقدمها. # الأمير ~~: # مادام إهلاكهم قد تم تنفيذا لأوامر سلطانية، فجناب والدكم بريء من ~~تبعته، ولم يفعل إلا واجبه. غير أنه تخطر لي رواية سمعتها عن والدكم، حدثت يوم ~~مقتل هؤلاء المماليك، هي أنه لما خرج موكبهم من سرايه بالقلعة، كان جالسا على ~~ممشى يشرف على مكان المذبحة يدخن النارجيلة، ولم يكن معه إلا صديقه محمد بك لازغلو ~~وصالح قوش زعيم الإنكشارية، فلما بدأت المذبحة لم يعد يستطيع البقاء على مشهد منها ~~فدخل ديوانه بعد أن أخرج من كان فيه، وبقي فيه منفردا، وقد استولى عليه السكوت ~~والرهبة، وتغيرت هيأته لشدة تأثره واضطراب فؤاده، ولم يشأ أن يشاهد ذلك المنظر ~~البشع، ولعل ذلك من الأدلة على عدم تدبيره لهذه المذبحة اختيارا، والله ~~أعلم. ~~••• # والآن لدي أمر سأعرضه على جنابكم وله علاقة ببحثنا، هو أن أحد هؤلاء المماليك نجا ~~من تلك المذبحة اتفاقا، وهذا الرجل قد أولاني جميلا بإنقاذ أحد أولادي من مخالب ~~الموت، ولم أر لي وسيلة أكافئه بها ms055 إلا التماس العفو له من جناب والدكم فهل تظن ~~ذلك ممكنا؟ # الباشا ~~: # إن هذا المملوك قد عرفنا بنجاته، وأنه ملتجئ إلى بعض القبائل ~~البدوية في هذه الجهات، وقد كان في عزم والدي أن يقتله حالما يعلم بمكانه، على ~~أنه لم يكن مصرا هذا الإصرار على غيره من المماليك. ولكنني أعلم أنكم مكرمون ~~لديه، فلا شك في أنه يجيب طلبكم، ومع ذلك فإني بعد أن أعود من السفر، سأعرض هذا ~~الأمر عليه. # الأمير ~~: # أشكركم شكرا عظيما أيها الوزير، وإني إذا لم أستطع خدمة هذا الرجل ~~في شيء فلن يستريح ضميري. # الباشا ~~: # طب نفسا فسيكون ما تريد إن شاء الله. # وبعد ختام الحديث في هذا الموضوع انتقلا إلى البحث في موضوعات أخرى، فسأله الأمير عن حرب ~~الوهابيين، وما كان من أمره فأفاض الباشا في شرح ذلك، ثم حضر الطعام فتناولوه، وانتهى ذلك ~~اليوم. وفي اليوم التالي سافر إبراهيم باشا إلى الجهة التي كان يقصدها، وعاد يسير إلى ~~القاهرة. # محمد علي باشا # وأقام الأمير بشير في جهات بني سويف بضعة أشهر، حتى ورد إليه كتاب العزيز بالحضور إلى ~~مدينة القاهرة؛ لأنه جاء من الإسكندرية، وكان غريب قد شفي تماما. وكان سليمان قد علم بما ~~دار بين الأمير بشير وإبراهيم باشا في شأنه واطمأن خاطره، فلما وصلوا إلى القاهرة، نزلوا في ~~قصر بضواحيها كان قد أعده محمد علي لسكنى الأمير ومن معه، ثم أرسل إليه خمسة من جياد الخيل ~~وطلب إليه أن يأتي إلى قصره بالقلعة. # فنهض الأمير وسار معه ولداه وغريب للسلام على عزيز مصر، فدخلوا القلعة حتى بلغوا «السراي» ~~فوقف لهم الحراس إجلالا، ودخلوا غرفة الاستقبال المفروشة أرضها بالسجاد والبسط فإذا بمحمد ~~علي باشا جالس على وسادة، وفي إحدى يديه سبحة وفي الأخرى مذبة، فوقف محمد علي لاستقبال ~~الأمير ورحب به كثيرا، وأجلسه إلى جانبه، ورحب بأولاده بعد أن عرفه الأمير بهم. وكان غريب ~~أكثر اندهاشا بتلك المقابلة الرسمية من الجميع لأنه لم يسبق له رؤية مثلها. # فنظر غريب إلى محمد علي ms056 باشا، فألفاه ربعة في الرجال عالي الجبهة واسعها بارز الحاجبين، ~~أسود العينين، صغير الفم باسمه، كبير الآنف، متناسب الملامح مع هيبة ووداعة، ولباسه في غاية ~~البساطة، وعلى رأسه الطربوش الجهادي. # وبعد التحية والسلام، سأل محمد علي الأمير بشيرا عن أولاده، والتفت إلى غريب ودعاه إليه ~~وأجلسه بجانبه، ورأى أثر الجرح في رأسه، فقال للأمير بشير: «ما هذا الأثر أيها الأمير؟» ~~فقال الأمير بشير: «يا سيدي العزيز هذا أثر ضربة كادت تقضي عليه في صحراء مصر.» # فقال العزيز: «وكيف ذلك؟» فقص عليه حكايته إلى أن قال: «ولولا أن أحد الرجال الفضلاء ~~أنقذه من مخالب الموت لما كنت رأيته، فكم أنا مدين لهذا الرجل!» # فقال العزيز: «إن مثل هذا الرجل يستحق كل مكافأة.» # فقال الأمير: «مكافأته بيدك أيها العزيز.» # قال العزيز: «وكيف ذلك؟» # قال: «هل يسمح لي جناب العزيز أن أخبره بأمره سرا؟» # فقال: «نعم.» فنهض الأمير إلى جانب العزيز، وفهم الحاضرون أنهم يجب أن يخرجوا ويتنحوا ~~جانبا، وبعد ذلك قص الأمير بشير القصة من أولها حتى آخرها، ثم قال: «وأفضل ما يمكننا ~~مكافأته به إنما هو العفو من جنابكم عليه.» # فالتفت العزيز إلى الأمير قائلا: «قد ذكره لي ابني إبراهيم، وإكراما لخاطرك قد عفوت ~~عنه، وإنما أرجو ألا يقيم في هذه البلاد؛ إذ لا يمكنني إظهار ذلك جهارا خوفا من الملام؛ ~~لأني كنت ناقما عليه بوجه خاص، لاتصال حبل قرباه بالأمير الألفي الذي كان يسعى في إخراج ~~مصر من يدي وتسليمها إلى الإنجليز، وإنما مدحك لأخلاقه، وإقرارك بمعروفه، قد حملاني على ~~العفو عنه.» # فقال الأمير: «سيكون بمعيتي إلى أن أبرح هذا القطر فآخذه معي، ولكن أرجو السماح له ~~بالتفتيش عن منزله، لعله يعثر على أسرته.» # فقال العزيز: «قد أجزنا له ذلك.» ثم قال: «وأود أن أختلي بك برهة يسيرة للتكلم معك في شئون ~~خطيرة، فإذا شئت فتعال مع الأنجال إلى قصر شبرا، حيث يمكننا المفاوضة مليا، وليس هناك من ~~يشغلنا فإن «السراي» هنا محل العمل، وهناك مكان الاستراحة.» # خرج الأمير بعد ms057 وداع العزيز مسرورا، لتمكنه من الظفر بالعفو عن سليمان، فعادوا جميعا ~~إلى المنزل، وبعث الأمير إلى سليمان فحضر فاختلى به وأخبره بأمر العفو، وأنه صرح له ~~بالتفتيش عن بيته برفقة أحد الضباط، فسار سليمان في الحال مع بعض الضباط وبعض رجال الأمير ~~للتفتيش عن زوجته. ثم جاء حنا البحري يطلب الأمير وأولاده للتوجه إلى قصر شبرا حسب أمر ~~العزيز، فأحب غريب الامتناع فألح عليه الأمير فأطاع، وفيما هم في الطريق على خيولهم تذكر ~~غريب أمر تلك المرأة التي وعدوها بالتخلص من زوجها، فذكر والده بها فسأل عنها الأمير حنا ~~البحري لأنه كان قد كلفه بذلك، فقال: «لقد طلقناها من ذلك الحشاش، ورتب لها العزيز راتبا ~~شهريا مرضاة لك.» فسر غريب لذلك سرورا عظيما. # وصلوا جميعا قصر شبرا فوجدوه قصرا بديعا تحيط به حديقة فيها أطيب الثمار والأزهار ~~والرياحين، وهناك استقبلهم العزيز ورحب بهم وأدخلهم غرفة الاستقبال، وهي مشرفة على النيل ~~وأجلسهم بجانبه، وقدم للأمير كرسيا وقربه من مجلسه، وأخذ يسأله عن كل ما يتعلق بولايته في ~~لبنان، فأدرك أولاد الأمير أن وجودهم في تلك القاعة لا داعي له، فخرجوا إلى الحديقة وجعلوا ~~يطوفون فيها، ويتمتعون بمشاهدة أزهارها وثمارها، ويتحادثون مقارنين بين يوم ضياع غريب، وهذا ~~اليوم وما يمكن أن يكون من أمر سليمان والعفو عنه، وفي تلك الليلة تناولوا الطعام في بيت ~~العزيز، وقد أحسن ضيافتهم. ولما خرجوا من عنده ودعهم، والتفت إلى الأمير قائلا: «لا بد من ~~مقابلة أخرى سرية بيني وبينك لا يحضرها أحد.» فقال: «سمعا وطاعة.» # وبعد أيام استدعي الأمير بشير إلى القلعة، فعرف أن تلك هي المقابلة السرية فلم يأخذ معه ~~أحدا من أولاده، بل تركهم في المنزل الذي كانوا قد نزلوا فيه في جزيرة الروضة. فلما جاء ~~إلى محمد علي انفرد به وكلمه مليا عن مقاصده في بلاد الشام، فوعده الأمير بالمساعدة، ثم ~~أخبره أنه عما قليل ستصدر الأوامر الشاهانية بالعفو عن عبد الله باشا حاكم عكا ورجوع ~~الولاية إليه. # ثم قال الأمير: «ومما يزيد ms058 ثقتي بنجاح مساعيكم في توسيع دائرة بلادكم اعتناؤكم بتدريب ~~الجند على النظام الحديث المأخوذ عن نظام الجيش الفرنسي، فإن ذلك من أول دواعي فوزكم؛ إذ إن ~~أهالي الشام وغيرهم من أهالي المشرق لا يعرفون هذا النظام، ولذلك لا يتأتى لهم الوقوف أمام ~~جنودكم.» # فتبسم محمد علي، ثم قال: «نعم إن ذلك صحيح، ولكن لا يخفى عليك أني قاسيت في سبيل ذلك ~~مشقات عظيمة، ولا أزال أقاسي أعظم منها لأن عساكر الأرناءوط والأتراك، قد عظم عليهم هذا ~~التغيير، واعتبروه بدعة مخالفة للشرع الشريف فنقموا علي حتى كادوا يشقون عصا الطاعة، ~~فجئتهم من حيث أرادوا ودبرت لهم وسيلة تريحني منهم ولا تخلو من الفائدة لي؛ وذلك أني ~~أرسلتهم تحت قيادة ولدي إسماعيل إلى الأصقاع السودانية ليفتتحوها، فإذا استطاعوا فخيرا، ~~وإن هلكوا أكون قد نجوت من مقاومتهم، وقد عدت بعد ذهابهم إلى إتمام مقاصدي في تدريب الجند، ~~فأخذت من أهالي البلاد من يصلح للجندية، وجعلت لهم قوادا من الإفرنج يدربونهم على الأعمال ~~الحربية، فإن هذا الشعب قريب من الطاعة والتدريب.» # فأعجبت الأمير هذه الحكمة، وقال في نفسه: «لا عجب إذا دانت البلاد المصرية وغيرها لمثل ~~هذا الرجل!» وعاد الأمير من عند العزيز مسرورا. وفيما هو في الطريق تذكر سليمان، وأنه قد ~~مضى عليه ثلاثة أيام ولم يرجع من التفتيش عن زوجته، وكان قد ألح عليه أن يأتي بها إليه ~~ليراها. # فلما وصل إلى «السراي» في المنيل، وجد سليمان قد جاء ولكنه كان متجهم الوجه مضطرب النفس، ~~فسأله عما فعل، فقال: «فتشت عنها يا سيدي في المدينة فلم أقف لها على خبر؛ ولذلك تراني ~~قلقا لا أدري ماذا أفعل، وكأن الدنيا قد أظلمت في عيني.» # وأخذ الأمير يخفف عنه ويعزيه، فقال: «يا سيدي لا عزاء لي سوى معرفة مكان تلك المرأة التي ~~كنت سببا في شقائها، فقد قيل لي إنها لم تظهر من يوم المذبحة لا هي ولا ولدها، فلم أعد ~~أستطيع الإقامة في هذه الديار، بل صرت أفضل الموت على الحياة. إني لم ms059 أكن راغبا في العفو ~~إلا طمعا في لقائي بها، وإلا فلا رغبة لي في الحياة وحبذا ذلك النفي، ولا حبذا هذا ~~العفو.» # فقال له الأمير: «لا تستعظم الأمر إلى هذا الحد، وإن كنت لا تستحسن البقاء هنا فمرحبا بك ~~نأخذك معنا إلى بلادنا ونحلك هناك على الرحب والسعة.» # فتنهد ثم قال: «لا، لا يا سيدي، فإني لا أستطيع المسير إلى تلك الأنحاء وحدي، وقد خرجت ~~منها بملك كريم سلبته مني يد القدر، فلا أعلم إلى أين أذهب.» # ثم تقدم إلى الأمير وهم بتقبيل يديه فمنعه، فقال: «إني لا أنسى حسن صنيعك أيها الأمير ~~الجليل»، وقبل وجنات أولاد الأمير، ثم قبل غريبا قبلة حارة لما كان يرى بينه وبين ابنه سليم ~~من المشابهة، ولا بد أن يكون القارئ قد عرف أن هذا الرجل هو زوج تلك المرأة والدة غريب، ~~أما هو فلم يعرف ولده لأنه لم يكن قد ولد يوم فارقه، وكذلك الولد لا يعرف أن له أبا غير ~~الأمير بشير، والأمير بشير لا يعرف من أين أتت جميلة. # ولعل حكاية أمين بك قد ذكرته بسلمى، وربما مر بذهنه الشك في أن تكون هي جميلة بعينها، غير ~~أن سابق اعتقاده بأنها من أهل صيدا واستبعاده نجاة مثل هذه المرأة وهي حامل وفرارها إلى ~~لبنان، دون أن تخشى انكشاف أمرها، كل ذلك قد أبعد الشك عن ذهنه. # وبعد أن قبل أمين بك يد الأمير وأراد الخروج، قال له الأمير: «ما معنى هذا التقبيل يا ~~أمين بك؟» قال: «ها أنا ذا خارج وسأستخير الله فيما أفعل، وأخشى ألا يقدر لي الرجوع إليكم، ~~ولعل الله يجمعنا مرة أخرى.» # قال ذلك وخرج ولم يلتفت وراءه، فأخذ الأمير يفكر في أمره، وقد ساءه خروجه على هذه ~~الطريقة، ولكنه عذره لاضطراب ذهنه وتأثر عواطفه، وظن أنه ربما يكون قد خطر له أن زوجته قد ~~ذهبت إلى مكان يعرفه فذهب للتفتيش عنها. # أما أولاد الأمير وغريب، فلم يفهموا معنى هذا الوداع، لأنهم لم يكونوا يعلمون ~~بالأمر. # وبعد بضعة ms060 أيام تلقى الأمير بشير كتبا من لبنان، بينها كتاب من جميلة تقول فيه إنه لم ~~يعد لها صبر على فراق غريب، وتلتمس من الأمير أن يرسله إليها، فسأل غريبا عن رأيه، فقال: ~~«نعم يا أبي، إني أرغب في الذهاب إلى بيت الدين لمشاهدة والدتي.» فأرسل معه بعض رجاله ~~يوصلونه إلى لبنان، فودع رفاقه وقبل يدي الأمير، فأوصى الأمير الرجال أن يعتنوا به، ~~فاستمعوا إليه وتوجهوا قاصدين لبنان. # أما ما كان من أمر أمين بك، فإنه بعد خروجه من عند الأمير بشير سار توا إلى سراي محمد ~~علي باشا، وطلب مقابلته فأذن له فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه وشكره على عفوه عنه. ثم قال ~~له: «اعلم أيها العزيز أنه لم يعد يطيب لي المقام في هذه الديار، ولا التوجه إلى بلاد ~~الشام، وها أنا ذا بين يديك، فهل لك أن تقبلني من بعض خدمك، على شرط أن ترسلني إلى جهة يكثر ~~فيها احتمال الموت؛ لأني صرت أفضل الموت على الحياة، بعد فقد زوجتي وولدي، وكنت قد عولت ~~على الانتحار، فحدثتني نفسي أن ذلك ليس من شيم الرجال، فقلت لعل العزيز يرسلني في حرب ~~فأحارب حتى تأتي ساعتي فأموت في ساحة القتال، فذلك خير من أن أقتل نفسي بيدي!» # فتأثر محمد علي من هذا الكلام، واجتهد في أن يثنيه عن عزمه فلم ينجح، فقال: «إذا كان لا ~~بد لك من ذلك، أرسلك إلى جهات السودان، حيث ولدي إسماعيل يحارب السودانيين ويفتح بلادهم، ~~وستسير إليه فرقة من الأرناءوط والدلاة في هذا النهار مددا.» فقال أمين بك: «ذلك جل ~~مرادي، وإنما أسألك أن تدعوني باسم سليمان بدلا من اسمي الحقيقي، إخفاء لحقيقة ~~أمري.» # فقال محمد علي: «حسنا»، وأمر أن يلحق بالفرقة المسافرة على أنه من ضباطها. فسارت الحملة في ~~ذلك النهار، وسار سليمان معها بعد أن ودع العزيز فدعا له بالعودة سالما، ولم يعلم الأمير ~~بشير ولا أحد ممن معه بذلك. # كشف السر # أما ما كان من أمر جميلة، فإنها بعد أن فارقها ms061 غريب، لم يعد يهنأ لها طعام ولا نوم. ~~وكانت دائما تفكر فيه وتنتظر ورود رسائله لتقرأها وتقبلها، ولم يكن لها معز إلا سعيدا ~~فإنها كانت تحادثه وتظهر له مكنونات سرها، وهو يعزيها ويصبرها إلى أن ورد لها كتاب غريب، ~~يصف لها فيه زيارته للقاهرة وحكاية مذبحة المماليك، فلما وصلت إلى الفقرة التي يقول فيها: ~~«إن أحدهم تأخر عن وقت الدعوة ونجا من المذبحة»، خفق قلبها وبعثت إلى سعيد أن يحضر إليها ~~فأطلعته على كتاب غريب وما فيه، فأطرق هنيهة ثم قال: «يا سيدتي عسى أن يكون ذلك الرجل سيدي ~~البيك!» فبكت جميلة قائلة: «لا أعلم يا سعيد لماذا خفق قلبي عند قراءتي هذه الفقرة، ولكن ~~ماذا نعمل لنعرف الحقيقة؟» # فقال لها سعيد: «أرى يا سيدتي أن نكتب إلى الأمير بحقيقة الحال، لعله يساعدنا في ذلك ~~ويفتش معنا عن المفقود.» # فقالت: «لا يسعني ذلك يا سعيد، بعد أن بالغت في الكتمان عنه.» # فقال سعيد: «وما المانع أن نخبره بحقيقة حالنا الآن، لا أظن إلا أنه يعذرنا ويساعدنا.» # فتنهدت جميلة ونظرت إلى سعيد وقد خنقتها العبرات، ثم قالت: «إني أخشى أمرا آخر.» # فقال: «وما عسى أن يكون ذلك الأمر، فهل هناك أمر لا أعرفه أنا؟» # فقالت: «نعم يا سعيد، هناك سر لم أطلعك عليه بعد.» # فنظر إليها مدهوشا وقال: «وما هو ذلك السر؟» # قالت: «هو خطأ وقعت فيه منذ صباي، ولا أقوله لك ما لم تتعهد لي بكتمانه كعادتك معي في حفظ ~~الأسرار.» فقال: «يجب أن تثقي بي يا سيدتي بعد الذي رأيته من صادق خدمتي لك، وإني أتعهد لك ~~بما تريدين.» # فقالت له: «اعلم يا سعيد أني لست من نسل المماليك كما تظن، وإنما أنا من بنات أسرة بني ~~شهاب.» # فقال سعيد مدهوشا: «أمن أسرة الأمير بشير؟» # قالت: «نعم، ألا تذكر كيف كنت أود المجيء إلى لبنان بوجه خاص على أثر خروجنا من ~~مصر؟» # فقالت: «وكيف صرت زوجة لسيدي؟» # قالت: «اعلم أني ابنة الأمير ... من قرية تقرب من هنا، وكان والدي ms062 رحمه الله - لأني سمعت أنه ~~توفي - يريد أن يزوجني بواحد من أولاد عمي، لم أكن أحبه، بل كنت أكره معاشرته، أما والدي ~~فكان مصرا على ذلك بدعوى أن الاتفاق قد تم على أن أكون له ويكون لي، فأنا مخطوبة له من ~~يوم ولادتي، وقد سبق منه الوعد بذلك لوالده، ولا ينبغي أن ينقض كلامه، فتوسلت إليه مرارا ~~أن يشفق علي، وأنا حينذاك لم أتجاوز الثالثة عشرة من العمر فأبى إلا ما أراد، فسكت مضمرة ~~الشر في قلبي. # وكان سيدك قد جاء إلى هذه الجهات في جملة من أقاربه الأمراء المماليك فرارا من وجه ~~الفرنسيين الذين دخلوا مصر في تلك الأيام، وكان شابا لطيفا فأبصرته في الكروم وأحببته، ~~وإنما لم يخطر ببالي أمر التزوج به لبعد العلاقة بيننا، ولأني لم أنشأ نشأة تتيح لي ~~ذلك. # وذات يوم فاتحني أبي في أمر الزواج بابن عمي فلم أجبه، ففهم أني راضية، وبعد قليل خرج من ~~البيت وجلست أفكر في أمري حتى ضجرت فخرجت إلى الكروم، ومكثت هناك مرتبكة حتى غربت الشمس، ~~فشاهدت جماعة على خيول كأنهم مسافرون، وتبينت أنهم سيدك وجماعته، فوقفت مذهولة، وقد كدت ~~أمل الحياة فاقترب مني رجل منهم يسأل عن الناطور ليشتري عنبا، وكنت قد شاهدته مرارا قبل ~~ذلك الوقت فلم أخف منه، فلما عرفني قال لي: «ما بالك أيتها الصبية؟» فقلت: «إني أنتظر بين ~~الكروم.» فقال: «تعالي معي لأوصلك إلى بيتك لأن الشمس قد غابت، وقد يخشى عليك.» فسرت معه وأنا ~~لا أعلم ماذا أفعل، فإذا هو قد أخذني إلى جماعته وأنا لا أدري، ثم رأيتهم يهمسون فيما ~~بينهم، وبعد قليل تقدم إلي سيدك وسألني عما إذا كنت أريد الزواج به، فلم أجبه لأن الحياء ~~غلب علي، فضلا عن أني لم أكن أفهم معنى الزواج، غير أنه أصر على إرضائي، وأنا لشدة غيظي ~~من والدي ورغبتي في الفرار من الحفرة التي حفرها لي، سلمت بما أرادوه وأنا آسفة على ذلك، ~~ولم يكن جوابي إلا الصمت فأخذوني معهم في ظلام ms063 ذلك الليل، وبقيت عدة أيام لم تجف دموعي ~~لحظة، وما زلنا حتى وصلنا إلى صيدا وهناك عقد علي شرعيا. ولما عاد إلى مصر أخذني معه، وما ~~زلت كما علمت؛ ولذلك تراني أود إخفاء أمري لئلا أقع في بلاء أعظم، لأن أبي قد أباح دمي، ~~وكذلك الأمير بشير لأنه كان حاكما على لبنان إذ ذاك أيضا.» # فدهش سعيد لهذه الحكاية التي لم تكن تخطر له على بال، وقال لجميلة: «إذن أنت من أقرباء ~~هذا الأمير، فسبحان جامع المتفرقين، والآن ماذا نفعل؟» # فقالت: «ما لنا إلا الاعتصام بالصبر الجميل، وأنا واثقة أن سيدك إذا كان لا يزال حيا، لا ~~بد أن نجتمع به بإذن الله، والله مع الصابرين، وأما الآن فأنا مشتغلة البال قلقة على ~~غريب.» # وأخذ سعيد يطيب خاطرها، ويخفف من قلقها حتى صبرت. ولكنها نهضت ذات يوم من النوم مذعورة، ~~وبعثت إلى سعيد وقالت له: «اسمع يا سعيد، لقد نهضت في هذا الصباح من النوم منزعجة على أثر ~~حلم مزعج هالني أمره؛ ولذلك تراني قلقة على غريب، ولم يعد لي صبر على فراقه، فاكتب إلى ~~الأمير بالنيابة عني تطلب إليه أن يبعث إلي غريبا، إذ لا عزاء لي سواه فعسى ألا يحرمني ~~الله منه.» قالت ذلك وتنهدت # فأخذ سعيد ورقا وكتب إلى الأمير بشير بما أمرت، وأرسل الكتاب مع الساعي الذي كلف بإيصال ~~البريد إليه كما جرت العادة. # وبعد ذلك ببضعة أسابيع، جاءت البشائر إلى بيت الدين بقرب وصول غريب، فخرج عدد من الرجال ~~لملاقاته وفي مقدمتهم سعيد، وحين التقوا به أطلقوا البارود ترحيبا به. أما سعيد فعانقه ~~وقبله وجاء به إلى والدته، وكانت تنتظره عند باب الدار فأسرعت إليه وقبلته، وشكرت الله على ~~سلامته، ودخلت به حجرتها، وبعد أن استراح هنيهة واغتسل وأبدل ملابسه جلست بجانبه، وجاء ~~جميع أهل «السراي» للسلام عليه، فكان يسلم عليهم ويحادثهم ويلاطفهم، وهم معجبون به ~~وبلطفه. # أما والدته فرأت في جبينه أثر جرح، فتقدمت إليه وسألته عن سبب ذلك الجرح، فقال لها: ~~«لهذا الجرح ms064 قصة سأقصها عليك في هذا المساء.» # فلما كان المساء، تناول الطعام ثم دخلت به حجرتها، ولم يكن هناك أحد غيرهما، فجعلت ~~تتأمله بتلهف لا مزيد عليه، وهي لا تصدق أنها تراه، ثم تذكرت أمر قصته فسألته أن يقصها ~~عليها كما وعد بذلك. # أخذ غريب يشرح حكاية الميدان، وكيف تاه في الصحراء، ومقابلة أولئك اللصوص له إلى أن وصل ~~إلى موقف ذلك المتلثم، وكيف ألقى بنفسه في الخطر لإنقاذه. كل ذلك وهي صامتة تتأمل إشارات ~~غريب وحديثه، وقلبها يخفق لما كان يحدق بالغلام من الخطر، ولم تستطع أن تكف عن البكاء من ~~أجل ذلك. وقد مالت كل الميل إلى معرفة ذلك الرجل، فسألته عما إذا كان قد عرفه فقال: «لا يا ~~والدتي، فإنه لم يشأ أن يخبرنا بحكايته، ولكن حينما عرف والدي ما فعله معنا، زاره في محل ~~إقامته وقد أخبره بقصته وجاء معه إلى منزلنا وسار معنا إلى القاهرة، وقد فهمت أنه كان في ~~مصيبة عظيمة فنجاه أبي منها بتوسطه له لدى محمد علي باشا، وقد كان في نيتنا أن يبقى معنا ~~لكي نأتي به إلى هنا، ولكنه جاء ذات يوم مودعا وانصرف ولم نعد نعلم مقره.» # فشعرت جميلة كأن هاتفا حدثها، فانشرح صدرها لذلك الرجل، وأسفت لعدم مجيئه إليها لتكافئه ~~على معروفه، ولم تعلم سبب ذلك السرور، وإنما نسبته لنجاة ولدها من مخالب الموت. # وفيما كان غريب يحادث والدته ويشرح لها ما شاهده في مصر من الغرائب، حانت من والدته ~~التفاتة إلى منديل من الحرير الجميل كان في يده، فارتجف قلبها ونظرت إليه وتأملته، فلم ~~تستطع أن تخفي الدهشة، ولكنها أمسكت نفسها وتناولت المنديل وتأملته فإذا هو منديل زوجها، ~~وعليه زركشة من صنع يدها، فقالت لغريب: «من أين لك هذا المنديل يا ولدي؟» فقال لها: «هو ~~المنديل الذي عصب به ذلك الرجل رأسي، وقد بقي معي سهوا.» فخافت أن تكثر من السؤال، فتشغل ~~بال الغلام، فصبرت حتى تقابل سعيدا في الصباح التالي وتفاوضه في هذا الشأن، ولكنها لم ~~تستطع ms065 النوم تلك الليلة لشدة التأثر، واشتغال بالها بأمر هذا المنديل. # وفي صباح اليوم التالي، بكر سعيد لمشاهدة ابن سيده، فما أن قابلته جميلة حتى دعته إلى ~~مكان منفرد، وكان غريب لا يزال نائما من عناء السفر. وقالت له: «هل تعرف هذا المنديل؟» ~~فهتف سعيد: «هذا منديل سيدي، من أين أتيت به؟» فأخبرته بالقصة التي قصها عليها ~~غريب. # فقال: «يا سيدتي، لا يظهر من الحكاية شيء يؤكد ظنوننا.» # فقالت له: «أضف هذه الحكاية إلى ما كتبه لنا غريب في كتابه الأخير من مصر وتأمل.» # فقال سعيد: «هل سألته عن اسم ذلك الرجل؟» # قالت: «لا، كان يجب أن أفعل ذلك، فإن الاسم يحل لنا هذا المشكل فحالما يستيقظ أسأله.» # فلما استيقظ سألته عن اسم صاحب المنديل قائلة: «إني قضيت هذه الليلة وأنا أفكر في أمر هذا ~~الرجل وفضله علينا، ولكني لا أذكر أنك لفظت اسمه.» # فقال: «إن اسمه سليمان يا والدتي.» # فقالت: «حسنا» ولكنها رأت أن هذا الاسم هو غير اسم زوجها فانتفت الشبهة من ذهنها، وقالت ~~في نفسها: لعل هذا المنديل قد وقع اتفاقا في يد ذلك الرجل، وعلى كل فإني أستأنس به، وأشم ~~منه رائحة أعز الناس إلي، فاحتفظت به، ولما كلمت سعيدا في ذلك الشأن وافقها على ~~ظنها. # بارقة أمل # أما ما كان من أمر الأمير بشير، فإنه بقي في مصر حتى كانت سنة 1822م، ووردت فرمانات العفو ~~عن عبد الله باشا من الباب العالي، فشكر همة عزيز مصر، واستأذن في العودة إلى بلاده، فطلب ~~إليه محمد علي أن يبقى في مصر مدة، إلى أن قال له: «إني لم أفعل ما فعلته مع والي عكا إلا ~~مرضاة لك، وأود بقاءك هنا لأنك بمنزلة ابني إبراهيم.» فشكر له فضله قائلا: «عسى أن أستطيع ~~مكافأتك أيها العزيز الجليل» فأهدى له ولأولاده ثلاث فراء وثلاثة من الخيل الجياد، وقال له: ~~«إذا كنت تستطيع أن تعبئ لي أربعة آلاف مقاتل من رجالك الأقوياء فافعل؛ لأن مرادي أن أرسلها ~~نجدة لولدي إبراهيم فإنه سار ms066 لمحاربة بلاد اليونان لأنها شقت عصا طاعة الدولة العثمانية، ~~وعهدي برجال لبنان أشداء يعتمد عليهم وقت الشدة.» فقال: «سمعا وطاعة.» # ثم ودع العزيز ورحل إلى الإسكندرية، فلم يدخلها لتفشي وباء الطاعون فيها ونزل خارجها، ثم ~~ركب السفينة إلى عكا. فلما وصل إلى تلك المدينة أطلقت المدافع، وكانت عكا محاصرة بعساكر ~~الدولة حتى ورد الفرمان فبطل الحصار. وأطلقت جيوش الدولة ترحابا بالأمير، وذلك بعد اطلاعهم ~~على الفرمان الذي أرسل إليهم على يد السلاحدار المرسل مع الأمير بشير من لدن محمد علي ~~باشا. ورضوخا للأوامر العلية، غادرت الجنود العثمانية عكا، وسار الأميران خليل وأمين إلى ~~بيت الدين، وأما الأمير بشير فبقي في تلك المدينة مدة، وسارت البشائر إلى اللبنانيين بالعفو ~~عن عبد الله باشا. # أما ولدا الأمير فلما وصلا إلى بيت الدين، جاءت أعيان البلاد للترحيب بهما، واستأنس بهما ~~غريب بوجه خاص. # أما جميلة وسعيد، فكانا في قلق زائد تتقاذفهما الأفكار والظنون بحكاية ذلك الرجل وذلك ~~المنديل، وكانا في انتظار مجيء الأمير بشير عساهما أن يستطلعا الحقيقة منه بوجه من الوجوه. ~~لأنهما حاولا معرفة ذلك من ولديه، فلم يكن عندهما أكثر مما عرفاه من غريب. وشاء القدر أن ~~يتأخر مجيئه لشواغل تتعلق بإمارته وغيرها. # فلما جاء، لم تتمكن جميلة من معرفة شيء؛ لأن مجلس الأمير لم يخل من المسلمين والمهنئين، ~~ولم يهدأ إلا بعد مدة طويلة. وذات ليلة كان القمر بدرا، والجو صافيا، فأحب الأمير أن يقضي ~~بضع ساعات في صحن «السراي» الداخلي أمام بركة الرخام، ففرشت الطنافس في ذلك الصحن، وجاء ~~الأمير فجلس، وجلست امرأته وجميلة وأولاده بعد تناول العشاء وشرب القهوة. اتكأ الأمير يتأمل ~~جمال الطبيعة، ويتنقل بأفكاره من حال إلى أخرى، فجال بخاطره سفره إلى مصر، وما كان من ترحاب ~~عزيزها به إلى أن طرقت ذهنه مسألة غريب وجموح ذلك الجواد به، فالتفت بغتة إلى زوجته قائلا: ~~«أتذكرين يا أم خليل (يريد زوجته) قصة الأميرة سلمى؟» فخفق قلب جميلة بغتة وقالت زوجة ~~الأمير: «نعم، أذكرها ولا أنساها لأني كنت ms067 أحبها محبة عظيمة، ومما زادني تذكرا لها عزيزتي ~~جميلة؛ لأنها تشبهها شبها تاما كما أشرت إليك بذلك مرة.» فتزايد خفقان قلب جميلة حتى إنها ~~لم تعد تستطيع إخفاء عواطفها. فقال الأمير: «وما ظنك بها؟» قالت: «لا أظن أنها باقية على ~~قيد الحياة، فرحم الله والدها إنه كان سبب فقدانها، ولكن ما الذي جعلك تذكرها ~~الآن؟» # قال الأمير: «سمعت في أثناء سفري قصة عجيبة سأقصها عليك على انفراد لأني أوصيت ألا أبوح ~~بها إلى أحد، ولكني وإياك جسد واحد فلا أكون قد خالفت الوصية بذكر تلك القصة العجيبة ~~لك.» # ولا تسل عن حال جميلة وقتئذ، فإنها خشيت أن يكلمها الأمير فيتلعثم لسانها لشدة تأثرها ~~وينكشف أمرها، على أنها كانت متشوقة لسماع تلك الحكاية، ولكن لم تستطع إظهار تلك الرغبة، بل ~~لم يكن في إمكانها أن تسأل الأمير عن ذلك لأنها كانت شديدة الاضطراب، وقد خالج قلبها الخوف ~~والهلع فآثرت الخروج من الغرفة ريثما يسكن روعها، غير أنها لم تستطع الوقوف. # فقالت زوجة الأمير: «ما المانع من أن تقص علينا تلك القصة الآن دون أن تذكر أسماء الأشخاص ~~بحيث تكون الحكاية مبهمة، ثم توضحها لي على حدة بالتفصيل؛ إذ لم يعد لي صبر لتأجيل وقت ~~استماعها!» # فقال الأمير: «أخشى أن أكون قد خالفت الوصية، وهذا أمر يعز علي؛ إذ أكون قد فعلت فعل ~~الخائنين، ولكني أقول لك الآن كلمة واحدة من تلك القصة، وهي أني التقيت في سفري هذا بالرجل ~~الذي اختطفها وأطلعني على ...» ولم يكد يتم عبارته حتى تنهدت جميلة من صميم قلبها وأغمي ~~عليها، وكان غريب بجانبها، فذعر وصاح: «أماه، ما بالك؟» ثم بادر الحاضرون فأتوها بالمنبهات ~~ورشوا على وجهها الماء حتى أفاقت، وهي لا تكف عن التنهد والبكاء، فاضطرب الجميع، وظنوا ~~أنها أصيبت بداء الصرع أو غيره من الأمراض العصبية، فأخذوا يسألونها عن سبب ذلك، ولما سكن ~~ما بها أحبت أن تعتذر وتضبط عواطفها فتجلدت، وأخذت تظهر أن ذلك حدث لها لغير سبب ~~تعلمه! # أما الأمير فلم يصدق ذلك ms068 الاعتذار، وقد سبق أن خامره شك في دعوى جميلة، ولا بد أن ذلك بقي ~~يختلج في صدره إلى أن عاد إلى بيت الدين، وربما أراد الإشارة إلى تلك الحكاية تحقيقا لظنه، ~~فلما ظهر منها ذلك الانفعال لم يجد له سببا غير ما شك فيه، على أنه لم يشأ أن يلح عليها ~~مراعاة للطف مزاجها، وخوفا عليها مما هو أعظم من ذلك، فأخذ يمهد لها العذر ويقول: «نعم، إن ~~هذا الإغماء كثيرا ما يصيب عصبيات المزاج.» وجعل يراجع في ذاكرته ما عرفه عن جميلة حتى عاد ~~بذلك إلى أول ساعة عرفها فيها فتذكر أنها لم تخبره عن أصلها، بل كانت تحاول إخفاء ذلك ما ~~استطاعت. # ومرت كل هذه التصورات في مخيلته بأسرع من لمح البصر، فاستأنف الحديث مظهرا أنه لا يعلم ~~شيئا من أمر جميلة، وقال لزوجته: «إني سأخبرك بهذا الحديث في مساء هذه الليلة أو غدا إن ~~شاء الله تعالى، إلا أن عزيزتنا السيدة جميلة قد كدرت صفاءنا الآن بما حدث لها في هذه ~~الليلة.» # أما جميلة فكانت متكئة على صدر غريب لا تبدي حراكا ولا تنطق بكلمة. وشعر الأمير بذلك ~~وخاف عليها، فقال لها: «أظن أن الأفضل لك أن تذهبي إلى فراشك، فلعل ما عرض لك من تأثير ضوء ~~القمر!» فلم تجبه، ولكنها حاولت النهوض فلم تستطع لأن ركبتيها كانتا ترتجفان رغم إرادتها، ~~ولم يكن ذلك لينقص من ارتباكها وخجلها، لكنها تجلدت ونهضت بمساعدة غريب، وسارت توا إلى ~~حجرتها، وسار غريب معها فاستلقت على الفراش وأطلقت لنفسها عنان البكاء لأن العبرات كانت قد ~~خنقتها، فاضطرب غريب وأخذ يكلمها ويسألها عن سبب ذلك فلم تجبه، وإنما كانت تشير إليه ألا ~~يرفع صوته لئلا يسمع أحد منهم، فاضطرب الغلام، وصار يبكي لبكائها. # أما هي فتمثل لها زوجها كما شاهدته المرة الأخيرة خارجا من البيت راكبا جواده قاصدا ~~القلعة، وزاد بها الوجد حتى ظنت ذلك الخيال حقيقة فنادت: «أمين، أمين!» فظنها غريب تريد ~~أمينا ابن الأمير بشير فخرج وناداه، فلما دخل وجدها ms069 على تلك الحال، فقال لها : «ما بالك يا ~~خالتي تنادينني، هل تريدين شيئا؟» # فانتبهت لنفسها ونهضت من الفراش قائلة: «أنا لم أنادك يا عزيزي، وقد ناداك غريب خطأ.» ~~فقاطعها غريب قائلا: «بل سمعتك ترددين ذكر أمين أكثر من ثلاث مرات، وليس عندنا أمين آخر ~~هنا.» فقالت: «ربما كان ذلك خطأ مني.» فأخذ أمين يلاطفها ويخفف عنها، ويأتيها بماء الزهر ~~وغيره من المنعشات تهدئة لعواطفها. # أما الأمير بشير فسأل امرأته عما إذا كانت هذه الأعراض تصيب جميلة من قبل، فقالت: «لا، ~~بل إن هذه أول مرة شاهدتها فيها.» وظهر على زوجة الأمير الانزعاج لذلك المنظر، ففضلت الدخول ~~إلى حجرتها، ورافقها الأمير بشير فدخل كل منهما مخدعه مفكرا في أمر جميلة، ثم بعثا يسألان ~~عنها وعن راحتها، فردت هي تطيب خاطرهما خوفا من أن يأتيا إليها ويشاهدا سوء حالها. # أخذت جميلة تلوم نفسها على ما ظهر منها، لعلمها أن ذلك مما يوجه إليها الشبهة وربما أدى ~~إلى انكشاف أمرها، ولو علمت أن الأمير بشير قد صفح عن صنيعها وصنيع زوجها لما تأثرت إلى هذا ~~الحد، ولكنها كانت تعتقد أن انكشاف أمرها ربما أدى إلى انتقام الأمير منها، فضلا عن أنه ~~يجلب العار عليها. # قضت جميلة الليل وهي في لجج من الهواجس والمخاوف، حتى ضاق بها المخدع فنهضت من فراشها، ~~وكان غريب قد نام، ففتحت باب المخدع رويدا رويدا وخرجت إلى الدار، والسكوت مخيم على تلك ~~«السراي» لا يسمع فيها إلا صوت سواقي المياه التي تسقي بساتين بيت الدين، فأخذت تنقل ~~قدميها بكل هدوء إلى نافذة مشرفة على كروم تلك القرية وبساتينها، ثم تطلعت من تلك النافذة، ~~فأبصرت ذلك الوادي الحافل بأشجار التوت والتين والكروم، الممتد إلى البحر المتوسط بعد أن ~~يمر متعرجا بين جبال شامخة مكسوة بتلك الأشجار حتى ليخيل للناظر أن ظلالها أرواح علوية، قد ~~راق لها التوسد على تلك التلال، فخافت من عيون البشر واستترت وراء الشجر. استولت الرهبة ~~على جميلة، وأثر في نفسها ذلك المنظر العجيب، وأخذت تستعيد ما ms070 حدث لها وما سمعته من الأمير ~~بشير، وكانت كلما ذكرته يختلج قلبها وتصطك ركبتاها، ثم تحدث نفسها باحثة عن وسيلة تصل بها ~~إلى معرفة حقيقة الخبر، فكانت تقول تارة: «الأفضل أن أطلع الأمير بشير على حقيقة أمري ~~وأترامى على قدميه، وأطلب السماح منه، وأستطلعه حقيقة الأمر فعسى أن يكون حبيبي لا يزال على ~~قيد الحياة.» ثم ترجع فتقول: «لا لا، لا أظن ذلك، فقد أصبح في عالم الأموات منذ سنين.» ~~ثم تعود فتتذكر ما كتبه إليها غريب عن الذي نجا من المماليك، فتعلل نفسها بلعل وعسى، حتى ~~قضت ساعة في تلك الهواجس. # ثم طرق ذهنها بغتة خادمها سعيد ورئيس الدير فخفت هواجسها؛ إذ إنهما يعلمان بأسرارها ولا ~~سيما سعيد، فعزمت أن تستدعيه في الصباح وتطلعه على حقيقة الأمر، ثم تطلب إليه أن يدعو لها ~~الرئيس ليتفاوضوا جميعا في الأمر، وعند ذلك هان عليها كشف أمرها للأمير على يد رئيس ذلك ~~الدير، لما تعلمه من منزلته عنده، فشعرت عندئذ كأن حجرا ثقيلا تزحزح عن صدرها وانفتح لها ~~باب الفرج، ثم أحست بالبرد فعادت الهوينا إلى مخدعها، وباتت وقد خيل لها أنها بلغت غاية ~~السعادة. # أما الأمير بشير، فإنه حين وجد امرأته قد انصرفت إلى فراشها منزعجة، أجل رواية الحكاية ~~إلى وقت آخر، وسار هو كذلك إلى فراشه. # وفي الصباح بعثت زوجة الأمير تسأل عن جميلة وصحتها، فقيل لها: «إنها بخير وسلام.» ولما ~~استيقظت جميلة بعثت غريبا يستدعي سعيدا، فلما حضر قصت عليه ما كان من أوله إلى آخره، ~~وطلبت إليه أن يستحضر الرئيس للمفاوضة في ذلك، فلما حضر الرئيس قبلت جميلة يده، وجلس ~~الثلاثة يتفاوضون. # فقالت جميلة: «إن قلبي أيها الأب المحترم، لم يعد يحتمل شيئا لشدة ما عانيت في الليلة ~~الماضية، وقد شعرت أنني لا أستطيع أن أصنع شيئا إذا لم تمداني برأيكما. سمعت حديثا عن ~~زوجي إن صدق ظني به فقد تجددت آمالي (قالت ذلك وتنهدت) وليس ذلك مجرد وهم، وإنما هناك بعض ~~ما يؤكد هذا الظن، من ذلك: ms071 الحديث الذائع بنجاة أحد أمراء المماليك، ثم هذا المنديل الذي ~~أتى به غريب من ذلك الرجل الذي أنقذه من الموت، فإنه منديل سيدي ومهجة فؤادي، ثم قول الأمير ~~أمس إن الرجل الذي اختطفني لا يزال على قيد الحياة، وهذا أكبر داع عندي لانتعاش الأمل، ~~وعليه فلم يعد علينا إلا سؤال الأمير عن قصة ذلك الرجل فإنها تزيل كل شك، وهذا يقتضي كشف ~~أمري، ولا يصح أن أكون أنا السائلة خوفا من ذلك على حياتي، أو على شرفي؛ لأني أعلم أني ~~فعلت وأنا صغيرة السن ما يخالف إرادة والدي، ويخالف مبدأ أسرتنا، بالاقتران برجل أجنبي؛ ~~ولذا فإني أخاف على نفسي من العار أكثر مما أخاف عليها من الموت.» وكان الرئيس لا يعلم خبر ~~اختطافها ولا كونها من أسرة الأمير بشير، فرأى في حديثها شيئا أبهم عليه، ولاحظ سعيد منه ~~ذلك، فقص عليه حكاية سلمى منذ خروجها من بيت أبيها، فعجب الرئيس لذلك الاتفاق العجيب، ثم ~~تبسم ونظر إلى جميلة بوجه ضاحك قائلا: «طيبي نفسا أيتها السيدة ولا تخافي، فإني قد تعهدت ~~لك منذ عرفتك بأن أكون مستعدا لكل خدمة أقدر عليها يكون فيها خيرك، وأنا الآن سعيد إذ يلوح ~~لي أني قادر بعون الله أن أقوم بهذه الخدمة، وأظنها أكبر خدمة لك.» # فتنهدت جميلة قائلة: «نعم نعم يا سيدي الأب، إنك تكون بذلك قد أنقذت نفسا من الموت، وعسى ~~أن تكون العاقبة خيرا، ويكون ذلك الحبيب لا يزال على قيد الحياة فتكون قد أنقذت ~~نفوسا.» # وأسرع سعيد فقبل يدي الرئيس وجثا عند قدميه قائلا: «إذا فعلت ذلك أيها السيد المحترم كنت ~~لك عبدا إلى الأبد، فبحياة كهنوتك أعنا برأيك.» # استطلاع الحقيقة # قال الرئيس: «طيبا نفسا وقرا عينا، فإني ذاهب إلى الأمير في هذه الليلة لأني أخشى ~~ألا أستطيع مقابلته في النهار لكثرة شواغله في هذه الأيام، لأن الأمير عباسا الذي تولى لبنان ~~في المدة الأخيرة يسعى في استعطاف خاطر الأمير، وقد توسط الناس في أمر الصلح بينهما، ولا ~~نرى إلا مشايخ ms072 وأمراء يدخلون مجلس الأمير ويخرجون منه، أما في المساء، فالغالب أن يكون ~~خاليا من مثل هذه الشواغل، ومسألتنا هذه في غاية الدقة، وينبغي أن أخاطب فيها الأمير، ~~وألزم جانب الحذر والاحتياط خوفا من غضبه؛ لأنه إذا غضب يصعب علينا استعطافه، وإذا أمر فلا ~~يرد أمره غير الله، فيجب أن نتكل على الله الأزلي القادر على كل شيء. وقد عزمت من الآن ~~فصاعدا أن أصلي من أجلك يا ابنتي، ومن أجل زوجك، عسى أن يجمعكما الله مرة ثانية قبل ~~اجتماعكما في الدار الأبدية.» قال ذلك ونهض فنهضت جميلة وقبلت يديه، وفعل سعيد مثل ذلك ~~وودعاه ورجعا. # وفيما هو خارج من دار الحريم، حانت منه التفاتة فسمع حرس قاعة مجلس الأمير يناديه قائلا: ~~«إن الأمير بشير يدعوك إليه.» فصعد السلم حتى دخل القاعة فرأى الأمير وحده فتعجب لأن ذلك ~~قلما يتفق للأمير بشير، فلما دخل وحيا رد عليه الأمير السلام وقبل يده، فتوسم في وجه الأمير ~~بعض ملامح الكدر والارتباك، فجلس الرئيس وقد انشغل باله فابتدره الأمير بالخطاب قائلا: ~~«يسرني أن أراك مشرفا هنا في هذا الصباح، يا سعادة الرئيس، وقد طال زمن غيابك.» # فقال الرئيس: «أنت تعلم يا سيدنا الأمير أننا من حشم سيادتك، وليس لنا راحة إلا برضاك، ~~وقد تشرفنا بزيارتك والسلام عليك يوم مجيئك من الديار المصرية، ثم رأيت كثرة الشواغل التي ~~تتجاذبك، فقللت من التردد، لئلا أكون شاغلا لك عن مهامك.» # فقال الأمير: «إذن، فيم شرفتنا في هذا الصباح الباكر؟ لعله خير إن شاء الله!» ففكر الرئيس ~~في هذا السؤال الذي لم يكن ينتظره من الأمير، ولكنه تجاهل وأجابه قائلا: «إني أتيت في هذا ~~الصباح لزيارة صديقتي القديمة السيدة أم غريب.» # فقال الرئيس: أنت تعلم يا سيدنا الأمير أننا من حشم سيادتك، وليس لنا راحة ~~إلا برضاك، وقد تشرفنا بزيارتك والسلام عليك يوم مجيئك من الديار ~~المصرية. # فقاطعه الأمير مازحا: «أدام الله هذه الصداقة بينكما، ولكني لا أظن مجيئك مبكرا في هذا ~~الصباح كان من تلقاء نفسك!» فتأكد ms073 الرئيس أن الأمير يريد أن يتبين سبب مجيئه، فتقدم نحوه ~~باهتمام وقال: «إن حقيقة الأمر أيها الأمير الجليل أني جئت بدعوة من السيدة جميلة لتشكو لي ~~ما ألم بها أمس، من الأحداث التي كادت تقضي عليها، وقد أفهمتني أمورا قصدت كتمانها عن ~~سيادتكم خوفا من غضبكم لأن حكايتها أغرب من حكاية السيدة سلمى التي أشرتم إليها مساء ~~أمس.» فضحك الأمير قائلا: «إن قصة السيدة أم غريب ليست غريبة عن الأمير بشير، وإن كانت ~~غريبة عن قدسك فإن الذي علم بمجيئها إلى هذه القرية ساعة وصولها، لا تخفى عليه حكايتها، وإن ~~حاولت هي إخفاءها. # أتظن أني لم أقرأ حكايتها أمس في وجهها مكتوبة بيراع عواطفها، فلا حاجة إلى التستر فيما ~~بعد، ولولا خوفي عليها أمس أن تذهب فريسة الخوف والوجل لصرحت لها بذلك، ولكنني تجاهلت ~~وأمرتها أن تذهب إلى مخدعها تلافيا للأمر، وقد كان في نيتي أن أستدعيك في هذا النهار ~~لأجعلك واسطة للتفاهم بيننا؛ لأني أعلم أنها ربما لشدة تأثرها تصاب بسوء، وقد أوصيت الحراس ~~أن لا يأذنوا لأحد بالدخول علي، لكنني أخبرك أنني عفوت عن زوجها يوم حدثني بحديثه على أثر ~~إنقاذه غريبا من مخالب الموت، وهب أنني لم أعف عنه فإني أضن بهذه المرأة لأن مثيلاتها ~~قليلات. # وأحب الآن أن آتي بها إلى هنا، وأطلعها على حكاية زوجها، ولكن لا يحسن أن أبعث وراءها إذ ~~أخشى أن تشتبه في مقصدي فترتعب، فالأفضل أن تذهب سيادتك إليها، وتشرح لها كل ما قلته لك، ثم ~~تأتي بها إلى هنا، بعد أن تتأكد من اطمئنان قلبها.» # ذهب الرئيس إلى جميلة فوجدها لا تزال تحدث سعيدا بتلك القصة، فلما رأته تغير لونها وخشيت ~~أن يكون لذلك سبب يدعو إلى الخوف، فابتدرها هو بالكلام قائلا: «تعالوا نشكر الله تعالى ~~الذي وفقنا في سعينا!» فاستبشرت جميلة وشكرت الله وأطلعها الرئيس على كل ما سمعه من الأمير ~~فانشرح صدرها، ولكنها ظلت تخشى مقابلة الأمير، فأخذها ورافقهما سعيد حتى وصلوا إلى حيث ~~الأمير، فدخل الرئيس أولا ms074 وأمسك بيد جميلة وأدخلها، أما هي فكانت مطرقة برأسها إلى الأرض، ~~فلما وقفت بين يدي الأمير ارتمت على قدميه باكية وقبلتهما قائلة: «اصفح أيها الأمير عن هذه ~~الشقية المخطئة العاقة، أو اقتلها فإنها تستحق القتل!» فأمسك الأمير بيدها وأنهضها قائلا: ~~«أهلا ومرحبا بابنة عمي سلمى، لقد صفحت عنك يا عزيزتي، والله غفار الذنوب، تعالي واجلسي ~~إلي ودعي عنك الخوف!» ثم بعث إلى زوجته فلما حضرت أطلعها على حقيقة الأمر، وأخذ يقص عليهم ~~حكاية أمين بك، وقد ذهل الجميع واستولى الصمت عليهم كأن على رءوسهم الطير، وهم ينتظرون ما ~~سيكون من تتمة هذا الحديث. أما جميلة فكانت تنتظر ختامه بفروغ صبر لأنها كانت عالمة ببدئه، ~~فلما وصل الأمير إلى وداع أمين بك له ولأولاده وذهابه، قالت جميلة: «إلى أين توجه؟» قال ~~الأمير: «لا أعلم يا عزيزتي ولو عرفت أنه ذاهب ما سمحت بذهابه مهما كلفني منعه، كما أنه لو ~~علم أن زوجته عندي ما سمح لنفسه بفراقي، ولكن ما العمل فهذه إرادة الله!» # فتقدم سعيد واستأذن الأمير في الكلام فأذن له، فقال: «ما الفائدة يا سيدي وقد سمعنا بوجود ~~سيدي أمين ولم نره؟ يجب علينا بعد أمر سيادتكم أن ندبر وسيلة نصل بها إليه.» # فقال الأمير: «لا بد لنا من إرسال رجل خبير بأحوال الطريق يتوجه إلى مصر بكتاب إلى ~~العزيز، أطلب إليه فيه أن يساعده على لقاء ذلك الرجل.» # قال سعيد: «أنا أذهب ولا أعود إليكم إلا بعد أن آتي به سالما إن شاء الله.» # فقال الأمير: «سننظر في ذلك غدا.» قال سعيد: «يا سيدي لا حاجة بنا إلى التأجيل، فإني ~~أعلم أن سيدتي على أحر من جمر الغضا، وأما أنا فلا تسأل عن قلبي الآن، وأرجو أن تأذن لي في ~~الذهاب إلى مصر اليوم للتفتيش عن سيدي، فخير البر عاجله.» فعجب الجميع من شهامة هذا العبد ~~الأسود وغيرته، وفي الحال أمر الأمير كاتب أسراره المعلم بطرس كرامة أن يعد كتابا إلى ~~محمد علي باشا في هذا الشأن ليساعد سعيدا ms075 في البحث عن سيده، فأخذ سعيد يعد كل ما يلزمه ~~للسفر. # وبعد ظهر ذلك النهار، حيا سعيد الأمير بشيرا وجميع أهل القصر، ولا سيما جميلة وغريب، ~~وخرج من بيت الدين راكبا، والجميع يدعون له بالتوفيق. # أما جميلة فبعد أن أتم الأمير حديثه وقفت بين يديه قائلة: «أسألك يا سيدي وأسألكم جميعا ~~أيها الحاضرون ألا تطلعوا غريبا على هذه الحكاية؛ لأني أخشى ألا نظفر بوالده، لا سمح الله، ~~فنكون قد سببنا له الكدر بغير داع، أما إذا ظفرنا به فسنطلع غريبا على حقيقة حاله؛ لأنه ~~الآن يظن نفسه ابن الأمير بشير، فاتركوه على هذا الاعتقاد، حتى نرى ما سيكون من أمر سعيد ~~وسفره.» فوافقها الجميع على ذلك، ثم خرجت من عند الأمير، فخرجت معها زوجة الأمير، ولم ~~تفارقها طول ذلك النهار، وقد أخذت تسألها عن أمرها وتخبرها عما جرى لأبيها بعد ضياعها، ~~فذكرتها بوفاته فبكت عليه، وأخبرتها زوجة الأمير أنه لم يعد من أسرتها أحد؛ لأن والدتها ~~توفيت بعد وفاة والدها بقليل، فتكدرت جميلة لذلك. # أما غريب فلبث لا يعلم شيئا من حكاية والده، حتى إنه لما جاء سعيد لوداعه عجب من ذلك ~~وسأله: «إلى أين أنت ذاهب؟» فقال: «إلى مصر.» فسأل والدته عن سبب سفره، فقالت: «قد توجه بأمر ~~خاص من الأمير بشير إلى عزيز مصر»، فصدقها. # أما سعيد، فإنه سار قاصدا إلى مصر وبيده كتاب الأمير، وقد عقد النية على ألا يعود إلى ~~لبنان قبل أن يجيء بسيده حيثما كان، وكان هذا الرجل من أصحاب الغيرة والعزيمة والتدبير. # فلما وصل إلى القاهرة، عاودته ذكرى الأيام التي قضاها فيها، وكان قد عرف شوارعها ~~وحاراتها معرفة جيدة، وتوجه لمقابلة عزيزها فقيل له إنه في «سرايه» بشبرا منذ بضعة أيام، ~~فسار إليه. فلما وصل إلى باب «السراي» قابله الحارس وسأله عن غرضه فقال: «بيدي كتاب لسيادة ~~الباشا، وأريد أن أسلمه إليه يدا بيد.» فاستأذنوا الباشا فقال: «ليحضر!» فدخل سعيد وفي يده ~~كتاب الأمير، فقبل يد الباشا، فأخذ محمد علي باشا الكتاب وفضه ms076 وقرأه، ثم التفت إلى سعيد ~~قائلا: «هل أنت سعيد خصي أمين بك؟» قال سعيد: «نعم نعم يا سيدي.» فقال الباشا: «وأين كنت ~~إلى الآن؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن سيدك قد سار إلى الأقطار السودانية طلبا للموت، ~~بعد أن يئس من الحياة؛ لأنه لم يعلم مقر زوجته، ففضل الانتحار، ورأى أن يسير إلى حيث يكون ~~عرضة للموت، لعله يموت شريفا، فعرض علي رأيه هذا، فنصحت له أن يعدل عن هذه الأفكار فأبى، ~~فبعثته مع حملة كانت متجهة إلى السودان لمساعدة ابني إسماعيل، قائد الحملة هناك.» # فلطم سعيد وجهه قائلا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!» ثم أطرق هنيهة وقال: «لا ~~بأس، لعله بخير، وهل تعلم يا سيدي أين يكون الآن على وجه التقريب؛ لأن السودان بلاد ~~واسعة؟» فأجابه الباشا: «في الغالب أنه يكون ما بين الخرطوم وسنار أو قبل ذلك بقليل، ولكن ~~ما الفائدة من هذا السؤال؟» # فقال سعيد: «مرادي أن أسير إليه بنفسي لعلي أظفر به، أو أصاب بما أصيب هو به!» فقال ~~الباشا: «ولكن هناك أخطارا جمة ومشقات عظيمة إذ لا يستطيع الرجل أن يسير منفردا في تلك ~~الأصقاع.» فتبسم سعيد قائلا: «إن عبدك أيها العزيز يعرف الأصقاع السودانية شبرا شبرا، ~~وأعرف لغة تلك البلاد وكل عاداتها، وفي نيتي أن أدخل بينهم كواحد منهم، وأبلغ ما أستطيع ~~تبليغه من الأنباء السرية إلى قواد جنابكم هناك إن شاء الله.» # وقبل سعيد يد الباشا، بعد أن أخذ منه كتاب توصية لابنه، فجعل ذلك الكتاب في بطانة حذائه ~~إخفاء له، وقد اختلج قلبه في صدره خوفا على سيده من الانتحار، أو الوقوع في مأزق يؤدي إلى ~~هلاكه، فقضى بقية ذلك اليوم في التأهب للمسير، وعمد إلى شحم، دهن به جلده كما يفعل ~~السودانيون، وجدل جدائل الشعر وأرخاها متلبدة على رأسه بعد أن دهنها بالشحم، وجاء بشملة من ~~القطن واشتمل بها، وهي قطعة مستطيلة من نسيج الصعيد تبلغ عشرة أذرع، وهو أسود فلم يستطع أحد ~~أن يميزه عن ms077 أهل السودان في شيء، واشترى جملا سريع الجري عليه رحل خفيف، وعلق في كل من ~~جانبيه قربة من الماء، وأعد كل ما يحتاج إليه المسافر إلى تلك البلاد، وكتب رسالة إلى بيت ~~الدين ينبئهم بما تم له وبعزمه على السفر. # وفي صباح اليوم التالي سأل عن كل ما أمكنه السؤال عنه من أخبار الحملة التي سار سيده ~~برفقتها بعد أن عرف اسمه الجديد «سليمان» وركب الجمل خارج القاهرة بعد أن لبس تلك الثياب، ~~وعلق برجل الجمل الدرقة السودانية المصنوعة من جلد وحيد القرن صنع أهل السودان، وأمسك رمحه، ~~وعلق سيفه السوداني بكتفه، وسكينا سودانية، وملأ جعبة من التبغ الصعيدي الذي يدخنه أهل تلك ~~الأصقاع، وتوجه قاصدا إلى الخرطوم، فاتخذ الصحراء الشرقية طريقا لمسيره ملازما لمجرى ~~النيل، قاصدا كورسكو، على أن يسير من هناك في الصحراء التي يسمونها العطمور إلى أبي حمد ~~بجوار بربر، ومن هناك يسير مع النيل إلى الخرطوم. # التفتيش عن أمين # فلنترك سعيدا متوجها إلى الخرطوم، ولنعد بالقارئ إلى بيت الدين حيث تركنا جميلة تتقلب ~~على مثل جمر الغضا في انتظار عودة سعيد، إذ لم تكن تعلم بسفر زوجها إلى الأقطار السودانية، ~~وإنما كانت تظن أنه في مصر، وأنه لن يمضي شهر بعد مسير سعيد، حتى يعود به فتراه. # مضى أسبوعان وثالث، وفي أوائل الرابع جاءها البريد بكتاب من مصر وهذا نصه: # سيدتي المحترمة المصونة # أقبل يديك ... وبعد، فإني بلغت القاهرة، وبحثت عن سيدي فعلمت أنه توجه إلى الأقطار ~~السودانية منذ أشهر، في حملة كانت ذاهبة لنجدة إسماعيل باشا في حملته لإخضاع ~~السودان، وقد طلب السفر إلى هناك، على ما علمت، يأسا من الحياة لأنه لم يكن يعلم ~~ببقائك على قيد الحياة، وقد كان عازما على الانتحار ففضل الموت في ساحة الحرب، ~~وأرجو أن تطمئني فها أنا ذا قد أخذت كتابا من العزيز محمد علي باشا، وتهيأت للسفر إلى ~~السودان؛ كي أفتش عن سيدي البك، وفي الغالب أني لن أغيب أكثر من شهرين، ثم أعود ~~إليكم به إن ms078 شاء الله تعالى. # خادمك # فلما قرأت الكتاب خفق قلبها ووقعت في حيرة، وأطلعت زوجة الأمير بشير عليه، وهذه أخبرت ~~الأمير، فطيب خاطرها. # مضى الشهران ولم يرد لهم خبر، فاضطربت جميلة (أو سلمى) ولم تعد تستطيع الانتظار، وجعلت ~~تحسب ألف حساب، ولما زاد بها القلق توجهت إلى الأمير بشير، وقبلت يديه وحدثته عن قلقها، ~~فوعدها أن يكتب إلى عزيز مصر يسأله عن حقيقة الخبر. # وبعد أسبوعين ورد خطاب من عزيز مصر يقول فيه: «إن الفرقة التي سار برفقتها أمين بك، قد ~~ألحقت بحملة ولدي إسماعيل، والجميع قادمون من الخرطوم متجهين شمالا لجمع الميرة والرجال، ~~والأغلب أن يلتقي بهم سعيد رسول سيادتكم في جهات شندي، وقد بعثته بكتاب إلى ولدي إسماعيل ~~حتى لا يشك في أمره، ولكي يسلم له أمين بك، والسلام.» # فلما اطلعت جميلة على ذلك سكن روعها، وأخذت تنتظر الفرج من عند الله، أما غريب فكان ~~بعيدا عن تلك الحوادث، يقضي بعض نهاره في التعلم والبعض الآخر في ركوب الخيل، وألعاب ~~الجريد والسيف، وسائر أنواع الفروسية مع أولاد الأمير بشير، وكان الجميع يحبونه حبا ~~عظيما. # وبعد قليل وردت الأخبار من مصر بمقتل إسماعيل باشا ومن معه في شندي بمكيدة، وأول من سمع ~~ذلك الخبر الأمير بشير، وكان يعرف أن أمين بك معه، فترجح عنده أنه قتل في جملة من قتل، ~~ولكنه أحب كتمان الأمر عن جميلة خوفا عليها، ولكنه أخبر زوجته، غير أن ذلك الخبر شاع في ~~بيت الدين بعد بضعة أيام، وبلغ جميلة، فوقعت في وهدة اليأس، وجاءت إلى الأمير، وكان قد أذن ~~لها بمقابلته في أي وقت أرادت جبرا لقلبها المكسور، فحدثته بما سمعت، فقال لها: «اعلمي يا ~~سلمى أن ذلك قد بلغني منذ بضعة أيام، ولا يمكننا أن نسلم بشيء قبل أن نتحقق من صحة الخبر، ~~فها أنا ذا سأكتب إلى عزيز مصر كتاب تعزية في ولده إسماعيل، وأسأله عما يعلمه عن زوجك.» # فتنهدت سلمى وصمتت وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ثم قالت: «الحق يا سيدي أن قلبي ms079 لم يعد ~~يحتمل العذاب والشقاء ، فيا ليتني لم أسمع بوجوده لأني قد كنت سلوته، وقطعت الأمل من حياته، ~~ولعل ذلك لم يكن إلا لأجل عذابي وتكفيرا لذنوبي التي اقترفتها في صباي.» # فأخذ الأمير يسكن روعها ويصبرها ثم قال: «إن الخبر الصحيح سيكون عندنا بعد أسبوعين، على ~~الأكثر، وسأكتب اليوم إلى عزيز مصر في هذا الشأن.» # فانصرفت جميلة من حضرة الأمير، وهي لا ترجو خيرا، فرافقتها زوجة الأمير، وأخذت تسكن ~~روعها وتمنيها بالوعود المطمئنة، ولكن قلبها لم يكن ليطمئن لشدة ما قاساه من الشقاء، وما ~~تعوده من الانقباض. # وبعد أسبوعين ورد خطاب من محمد علي باشا ونصه بعد الديباجة: # إن التقارير التي وردت إلي كتابة وشفاها، لم تذكر شيئا عن أمين بك، وقد سألت ~~بعض الذين كانوا في تلك المذبحة فقالوا إن الرجل كان في جملة الضباط، ولم يعد يراه ~~أحد بعد ذلك لأن الذين نجوا من المذبحة قليلون، وقد تشتتوا، فلا يمكننا الحكم على ~~شيء من ذلك، فمن الممكن أن يكون قد نجا في جملة الذين نجوا، أو يكون قد قتل في جملة ~~من قتل، والله أعلم. # وصل الخطاب رأسا إلى الأمير، وبعد أن تلاه ترجح له مقتل أمين بك؛ لأنه علم من كتاب سعيد ~~الأول أن الرجل سار إلى السودان طلبا للموت، فكيف يموت كل رفاقه وينجو هو وحده؟ # وكانت سلمى تنتظر ورود خطاب من مصر بفروغ صبر، فلما مضى الأسبوعان توجهت إلى الأمير تسأله ~~عن ذلك، فلما دخلت عليه أحب أن يخفي عنها الحقيقة فألحت عليه، فقال لها: «إن الأخبار ~~الواردة من عزيز مصر تقول إنهم لا يعلمون شيئا عن زوجك، فقد كان مع رجال إسماعيل في شندي، ~~ولم يعودوا يعلمون عنه شيئا، فلم تصدق جميلة ذلك، فأطلعها على الخطاب فتأوهت وبكت، ولكنها ~~أمسكت نفسها أمام الأمير، فلما خرجت من حضرته سارت توا إلى غرفتها، فدخلت وأقفلت الباب ~~عليها، وأخذت تندب سوء حظها وتلطم وتبكي، وكان الأمير قد أحس منذ خروجها من عنده أنها ذاهبة ~~إلى حيث يمكنها ms080 إطلاق العنان لبكائها فخاف عليها ، فبعث إلى زوجته فحضرت، فأخبرها بالأمر، ~~وقال لها: سيري إلى سلمى وخففي عنها وعزيها؛ لئلا تضر بها شدة الحزن.» # جاءت زوجة الأمير إلى حجرة سلمى فرأت الباب مقفلا، وسمعت صوت بكاء ونحيب من الداخل، ~~فقرعت الباب قرعا خفيفا، ونادت سلمى فأجابتها وفتحت لها الباب، فرأتها في حالة يرثى لها ~~من الحزن والكآبة، فأخذت تلاطفها وتعزيها قائلة: «يا أختي تذكري أنك كنت قد يئست من ~~الاجتماع به فافرضي أنك لم تعلمي بوجوده، فضلا عن أننا لم نتأكد من الخبر، ولعله تأخر ~~لسبب لا نعلمه، فاصبري والله مع الصابرين.» # فأجابت سلمى وقد احمرت عيناها من البكاء قائلة: «إني لا أجهل شيئا من ذلك يا عزيزتي، ~~ولكني أتحسر على يوم يئسنا فيه من حياته. أما قولك إننا لم نتأكد من خبره، فأنا لا أشك في ~~أنه - وا لهفي عليه - قد صار في عالم الأموات.» قالت ذلك وتساقطت العبرات على خديها حتى بللت ~~منديلها، فتداركتها زوجة الأمير وهي تمسح عينيها قائلة: «كيف يمكننا أن نجزم بذلك ونحن لم ~~نتلق خبرا صريحا نفيا أو إيجابا، وإنما أعمالنا هذه كلها مبنية على مجرد التخمين؟! ~~فعلينا أن نثق بالله ولا نقطع الأمل.» فأمسكت سلمى هنيهة عن البكاء، ثم التفتت إلى زوجة ~~الأمير قائلة: «أنا أطلعك على الداعي لظني الذي ذكرته لك.» ثم نهضت إلى خزانة وفتحتها وجاءت ~~منها بكتاب ودفعته إليها، وإذا هو كتاب سعيد الذي يقول فيه: «إن سيده سافر إلى السودان ~~يأسا من الحياة؛ لأنه لم يعرف طريقنا، وكان يريد الانتحار ففضل أن يموت في ساحة الحرب على ~~أن يقتل نفسه بيده.» # وبعد أن أتمت زوجة الأمير تلاوة الخطاب، قالت لها سلمى: «أتظنين أن الرجل الذي يذهب إلى ~~الحرب رغبة في الموت ثم يقتل من معه، ينجو هو وحده؟ إنه لا ينجو إذا لم يهرب، وهو لا يمكن ~~أن يهرب؛ لأنه طالب للموت ساع وراءه، فمتى جاءه رحب به.» # فقالت امرأة الأمير، وكأنه قد فتح عليها برأي جديد: «دعي عنك ms081 هذه الأوهام فإن سعيدا لم ~~يمض عليه غير ثلاثة أشهر منذ ذهب، ولم يعد إلينا ولا أرسل لنا علما بذلك، ونحن نعلم أنه في ~~السودان، فلو فرض أنه علم بشيء لآثر أن يحضر لإبلاغنا ذلك، أو يكتب إلينا بما علم، فلا ~~مسوغ لحزنك ويأسك، ولا فائدة من الحزن واليأس، وبعد قليل يأتي ولدك من الميدان، فيراك على ~~هذه الحال، وهو لا يعلم بشيء من قصة أبيه، فيشغل باله ويزيد قلقه عليك، وربما ألجأك إلى ~~إطلاعه على سبب هذا البكاء، فهل تخبرينه بالسبب الحقيقي؟» # فأجابت سلمى: «لا، لا يمكن أن أخبره، وإني أشكر الله تعالى لأني لم أطلعه على هذه القصة ~~من أول الأمر، ويا ليتني لم أطلع عليها أنا أيضا؛ إذ لا فائدة منها إلا تجديد الأحزان ~~والأكدار!» # فنهضت زوجة الأمير، وأمسكت بيد سلمى، وأنهضتها قائلة: «قومي بنا يا عزيزتي نذهب إلى ~~الحديقة ترويحا للنفس؛ لئلا يأتي ولدك غريب، ويراك على هذه الحال.» # فمسحت سلمى دموع عينيها ولبست ثيابها، وخرجت معها من باب السر إلى الحديقة، وفيها إيوان ~~(كشك) من خشب استظلتا به، وجلستا هناك نحو ساعة حتى قاربت الشمس من المغيب، فنهضتا وعادتا ~~إلى «السراي»، فوجدتا الأمير بشير يتمشى في القاعة، فلما رآهما، أشار إليهما بالمجيء إليه ~~ففعلتا. فلما وصلت إليه سلمى تأملها فإذا هي حزينة مكتئبة، على الرغم مما كانت تحاول إظهاره ~~من البشاشة واللطف إكراما له، فقال: «يا سلمى إني مشارك لك في حزنك، ولكني لا أرى مسوغا ~~للإفراط في ذلك، وخاصة أننا لم نعلم الحقيقة، وسأرسل رجلا خبيرا من خاصتي إلى مصر ليبحث ~~الأمر بنفسه ويأتينا بالخبر اليقين.» فهمت سلمى بتقبيل يده ثم شكرته على ذلك، ولكن قلبها لم ~~يطمئن البتة. # أما رسول الأمير إلى مصر فلم يأت بشيء، لكنه أكد ما كان قد كتبه محمد علي باشا، وخلاصة ~~ذلك أن أمين بك كان في معسكر إسماعيل باشا إلى ساعة المذبحة، ثم لم يعد يعلم عنه شيء. # قطعت سلمى الرجاء من حياة زوجها، وصبرت على بلواها، ms082 رغما عنها، ولكنها كانت تفكر كثيرا ~~في خادمها سعيد الذي ذهب لإنقاذ زوجها وتحدث نفسها قائلة: ماذا جرى له يا ترى؟ لقد كانت ~~تخشى أن يكون قد أصيب بسوء؛ لأنها كانت تحبه لكثرة ما قدم لها من خدمات، وما أظهر من الصدق ~~والأمانة، ولكنها كانت عندما يضيق بها رحاب الفكر تترك الأمر لله، وتعزي نفسها حاسبة أن ~~حديث زوجها من أوله إلى آخره أضغاث أحلام. # سعيد في العطمور # أما ما كان من أمر سعيد، فإنه بعد مسير ثمانية أيام في الصحراء الشرقية وصل إلى أسوان، ~~ومنها إلى كروسكو، فوصل إليها بعد يومين، وهناك أعد كل ما يحتاج إليه لمدة عشرة أيام من ~~الماء والطعام؛ لأن عطمور أبي حمد يقل فيه الماء كثيرا، وتكثر فيه الأخطار. ولاح له أن ~~الأفضل أن يرافق أحد من يعرفون الطريق لئلا يضل، فوجد تجارا من المصريين ومعهم جماعة من ~~السوريين ذاهبين للاتجار بإشارة من عزيز مصر؛ اعتمادا على أن بلاد السودان قد فتحت، وفيها ~~أفضل أنواع التجارة من العاج والخرتيت وريش النعام والصمغ العربي، وما شاكل ذلك، وهؤلاء ~~كانوا قد اصطحبوا معهم خبراء، وأعدوا كل ما يحتاجون إليه. # فلما رآهم سعيد حياهم بلغة أهل السودان، فردوا عليه التحية، فسألهم عن مقصدهم، فقالوا: ~~«جهات الخرطوم شمالا، ولعلك جئت من هناك لأمر ذي بال!» قال: «نعم جئت لأمر سري، وأنا عائد ~~بمثله إلى إسماعيل باشا.» فاستأنس هؤلاء به وأحبوا مرافقته، وكان هو أشد رغبة في ذلك منهم، ~~فركب الجميع في الصباح على جمالهم ومعهم قافلة محملة أحمالا مختلفة وسارت الجمال التي ~~عليها الأحمال في جانب، والتي عليها التجار في جانب ومعهم سعيد، يقطعون جميعا تلك الصحراء ~~الرملية، ولا صوت لسير جمالهم على تلك الرمال، وقد أشرقت الشمس. # فلما مضى جانب من النهار، سألهم عن تلك الأحمال التي هم ذاهبون بها، فقالوا: «هي بضائع ~~إفرنجية من ثياب وأدوات، وبعض مقادير من الأرز والسكر والقهوة، نحملها إلى الأراضي ~~السودانية ونقايض عليها بحاصلات تلك البلاد.» # قال سعيد: «وهل كانت هذه ms083 مهنتكم منذ زمن طويل؟» فقال أحدهم: «لا يا عبد الخير؛ لأن ~~البلاد السودانية لم تكن التجارة فيها سهلة قبل سنتين من الزمن، بل كانت محفوفة بالمخاطر ~~والمكاره، وكانت حاصلاتها تأتينا على يد بعض التجار من أهلها، ولكن بعد أن بعث إليها محمد ~~علي باشا والينا ولده إسماعيل، وفتح جانبا كبيرا منها دعانا العزيز إليه وحثنا على أن ~~نتوجه إلى تلك الأصقاع، فتمنعنا أولا، ثم قبلنا، فأمدنا بخبراء، ودربنا على طرق التصرف ~~أثناء الرحلة.» # فقال سعيد: «يظهر أن أفندينا معتن بحكومته وراحة بلاده!» فقالوا جميعا: «هذا لا شك فيه، ~~فإنه ما من أحد ينكر فوائد مشروعاته، ومن كان يتصور إمكان وصول مصر إلى هذه الحالة، بعد أن ~~كان المماليك الملاعين يستبدون بها، فنحمد الله على نجاتنا منهم.» # فقال سعيد متجاهلا: «ومن هم هؤلاء المماليك؟» # فقال الرجل: «هم الذين كانوا حكاما لمصر قبل والينا محمد علي، وقد كانوا يقتلون وينهبون ~~ويستبدون بغير حساب.» # فقاطعه أحد رفاقه قائلا: «نحمد الله أننا تخلصنا من المماليك الآن، وإن كانت لا تزال ~~هناك عراقيل أخرى تقف في سبيل نجاح بلادنا، وهم هؤلاء الأرناءوط والمغاربة.» ~~••• # فقال سعيد: «ومن هم؟» فقال: «هم جنود كانوا في جملة من جاء مع الحملة التي أنقذت مصر من ~~يد الفرنسيين، وهؤلاء حين أراد أفندينا تدريبهم على النظام العسكري الحديث امتنعوا وأصروا ~~على الامتناع، حتى هددوا الباشا بالعصيان لأنهم اعتبروا أن كل ما يخالف عاداتهم القديمة ~~بدعة.» # فقال آخر: «ولكن لا يخفى عليك أن أفندينا عرف كيف ينبغي أن يعاملهم؛ ولذلك أرسلهم إلى ~~هذه البلاد المميتة ليفتحوها، ولم يكن يهدف إلا أن يشغلهم عن العصيان، وأن يغتنم فرصة ~~غيابهم ليدرب الجنود المصرية كما يشاء.» # وقال آخر: «ليس ذلك كل قصده من إرسال الحملة إلى السودان، وإنما قصده الأول على ما بلغني ~~التفتيش عن مناجم الذهب التي في أرض السودان، وتوسيع نطاق التجارة.» # فقال سعيد: «وما معنى تدريب الجند على هذه الصورة وما الفائدة منه؟» # فقال الرجل: «الفائدة منه عظيمة؛ لأن المائة من الجند ms084 المنظم تلاقي ألفا من غير المنظم، ~~وهل تظن أن الجيش الفرنسي الذي جاءنا منذ نيف وعشرين سنة لو لم يكن منظما على النمط الحديث ~~كان يمكنه أن يتغلب على فرسان المماليك الذين لا يبالون بالموت؟» فقال الجميع: «لا، بل إن ~~النظام هو السبب الصحيح لتغلب الفرنسيين.» ~~••• # فاستأنف الرجل كلامه قائلا: «ولأفندينا مقاصد، كل منا يعرفها، وإن يكن هو لم يطلع أحدا ~~عليها لأن الكتاب يقرأ من عنوانه.» # فقال سعيد: «وما ظنك بمقاصده؟» فقال: «إن أفندينا أصبح بعد تربعه على عرش الولاية لا ~~يقنع بالقطر المصري، ولا سيما بعد أن اختبر جنوده وأولاده في محاربة الوهابيين والسودانيين ~~وغيرهم، ويقول البعض إن في نيته افتتاح بلاد الشام وما وراءها، وأنه إنما يدرب الجند لهذه ~~الغاية.» # فقاطعه واحد منهم قائلا: «لا يبعد أن يكون ذلك صوابا، وإلا فما معنى زيارة الأمير بشير ~~الشهابي أمير لبنان، والمفاوضة معه سرا عدة مرات.» # وتكلم أحد الرفاق قائلا: «ما لنا ولهذه الظنون، إن ذلك كله رجم بالغيب لا يعلم به أحد إلا ~~الله، وأما الشيء الذي لا خلاف فيه فهو سعي أفندينا محمد علي الدائم لتوطيد دعائم الأمن، ~~وافتتاح المدارس والمعامل، وغير ذلك من أسباب الفلاح، وقد علمت أنه بعث إلى فرنسا يستدعي ~~طبيبا ماهرا لافتتاح مدرسة طبية، وهذه مأثرة عظمى أيضا.» # عرب السودان # وبينما هم في الحديث، ظهر لهم غبار عن بعد فتطلعوا نحوه، فإذا هم بفارس يسوق هجينه غاية ~~جهده، وهو ملثم بكوفية، يظهر من هيئته أنه من أهل السودان، فلما اقترب منهم أمسك بزمام ~~الهجين، وسار سيرا حثيثا حتى رآهم وحياهم، فألفوه أحد ضباط إسماعيل باشا، وقد عرفوه، ~~فسألوه عن سبب مجيئه وحده في تلك الصحراء، فقال إنه آت من الخرطوم ومتوجه إلى القاهرة ~~بكتب إلى العزيز من ولده إسماعيل.» # ثم سألوه عن الأحوال فقال: «إن جنودنا ساروا حتى افتتحوا الخرطوم، ثم خضعت لهم الشائقية، ~~ثم سار إسماعيل باشا بجنوده حتى أتى جبل فزغل، فاكتشف معدن الذهب، غير أن وباء أصاب الجنود ~~فاضطر إلى ms085 العودة. وقد تركته بجهات الخرطوم ، وجئت بالأخبار إلى والده في القاهرة.» # فقال سعيد: «هل لك أن تخبرني عما إذا كانت حملة الأرناءوط والمغاربة التي توجهت أخيرا ~~لمعاونتكم قد وصلتكم؟» قال: «نعم قد وصلت منذ زمان، وقد اختلطت الآن بجنود إسماعيل؛ لأن ~~كثيرا من رجالها قد قتلوا في الحروب فألحق من بقي بجيش إسماعيل، وهم قادمون إلى جهات شندي ~~لجمع الرجال وجباية الأموال، بعد أن تركوا أحمد بك الدفتردار بما بقي من الجند في سنار.» # وأحب سعيد أن يسأله سؤالا آخر، فاعتذر بعدم إمكانه التأخر أكثر من ذلك؛ خوفا من فوات ~~الوقت، فودعهم وسار. # أما سعيد فوقع في اضطراب من جراء ذلك الخبر، خوفا على سيده أن يكون قد قتل في جملة من ~~قتل، فبقي سائرا مدة طويلة وهو صامت لا ينبس ببنت شفة، فأدرك رفاقه ذلك فسألوه عن سبب ~~سكوته، فقال: «إني أتأمل هذه الصحراء الواسعة التي برغم خلوها من الماء، نشاهد فيها نباتات ~~وأشجارا كثيرة كأنها بلاد يرويها ماء النيل!» فأجابه الرجل: «إن هذه الأشجار والأعشاب ترتوي ~~من ماء المطر في زمن الشتاء، وتبقى معشوشبة في سائر الفصول فترعاها الجمال.» # وتملكت الهواجس سعيدا، فجعل يتخيل سيده تارة مصابا بطعنة مضرجا بدمه، وطورا غير ذلك ~~من أنواع الموت، حتى اسودت الدنيا في عينيه. # وبينما هو في هذه التصورات، وقفت القافلة للغداء والاستراحة؛ لأن الحر كان قد اشتدت وطأته، ~~ولم يعد المسير ممكنا، فوقف سعيد مترددا بين أن يرافق هذه القافلة كل الطريق، أو أن ~~يتركها ويسير وحده خوفا من الإبطاء؛ لأن التجار لا يمكنهم الإسراع في سيرهم وجمالهم مثقلة ~~بالأحمال، وهي ليست من الجمال السريعة. # توقف سعيد مع القافلة للاستراحة وتناول الطعام فأكل مما كان قد أحضره معه وشرب كمية من ~~الماء، وظل جالسا. أما رفاقه فقد توسدوا للقيلولة. وقد خطر له أن تأخره دقيقة واحدة قد ~~يترتب عليه موت سيده، فهب واقفا وشعر بحرارة الاهتمام تغلي في صدره، فنهض للحال وركب ~~هجينه، وودع رفاقه معتذرا بأنه لا يستطيع الإبطاء ms086 في الطريق مثلهم، وأطلق لهجينه العنان ~~في الصحراء منحدرا إلى الجنوب لا يلوي على شيء حتى أمسى المساء. وكان الليل لحسن حظه ~~مقمرا، فلم يتوقف إلا في آخره، إذ شاهد خياما عن بعد فيها بعض العربان العبابدة فاقترب ~~من المحلة، فناداه رجل قائلا بلغة تلك القبيلة: «مين الزول؟» أي: «من الرجل؟» فأجاب سعيد ~~قائلا: «موحد»؛ أي مسلم فظنوه من قبيلتهم، فقالوا: «يا هلا الزول.» فتقدم إليهم سعيد مسلما ~~بسلامهم المعتاد، فسألوه عن قبيلته، فقال: «إنني من قبيلة الشائقية.» # ولما أراد السفر في الصباح، سأله الشيخ عن جهة مسيره بقوله: «يا زول أنت مبحر والا مقبل؟» ~~أي: «هل أنت سائر شمالا أم جنوبا؟» فأجابه: «لا والله مقبل يا زول.» فقال له: «تكوس شونو؟» ~~أي: «عن أي شيء تفتش؟» فقال سعيد: «أكوس سيدا لي مرق مني في الليل الغبر»؛ أي: «أفتش عن سيدي ~~الذي تاه مني في الليل الماضي.» # فقال الشيخ لسعيد: «هل تريد أن أرسل معك بعض رجالي كي يساعدوك في التفتيش عن سيدك؟» فقال ~~سعيد: «إن ذلك غاية مرادي، ولكني أخشى أن يكون سيدي قد سار إلى أبي حمد؛ أي مسيرة ستة أو ~~سبعة أيام من هنا، ولا يليق بي أن أتعب رجالك بهذا القدر.» # فقال الشيخ: «مرحبا بك يا وجه الخير فإن أسيادك من أصحاب المروءة، ولا يليق بي أن أتركك ~~دون أن أرسل معك بعض رجالي.» # ثم نادى: «تيراب!» فحضر بدوي رقيق البنية، حاد العينين أسودهما، صغير الأنف، أسود الشعر ~~خفيفه، صغير الفم والأذنين، منتظم الأسنان أبيضها، دقيق الساقين، ومع خفة جسمه فإنه تبدو ~~عليه مظاهر القوة والنشاط وسرعة الحركة، فلما وقف بين يدي الشيخ قال له: «سر يا بني برفقة ~~هذا الرجل تفتشان عن سيده، ومتى التقيتما به أوصلهما إلى قبيلتهما وتعال إلي.» # فقال البدوي: «سمعا وطاعة.» وركب هجينه وسافر في ركابه اثنان من العبيد، وسار الجميع ~~جنوبا. أما سعيد فسر لنجاح مشروعه بمرافقة هذا البدوي؛ لأنه أصبح في مأمن من أن يضل ~~الطريق، ولكنه خشي أن ms087 يرافقه يوما ثم يعود، فأخذ يحتال عليه ليبقى معه إلى آخر الطريق، ~~فافتتح الحديث قائلا: «يا تيراب، ما اسم شيخكم؟» قال تيراب: «هو والدي، واسمه الشيخ أبو ~~سرحان.» ثم بادره تيراب قائلا: «وكيف تاه منك سيدك؟» قال: «أتريد أن أقول لك الحق؟» قال: ~~«تفضل مشكورا.» # فقال سعيد: «إن سيدي هو ابن الأمير ود علي، وهو شاب يحب الفروسية، فلما سمع بأن الجنود ~~المصرية تحارب في جهات الخرطوم، وأنهم قادمون إلى جهات شندي، أحب أن يذهب للانضمام إلى بعض ~~القبائل هناك لينتقموا من إسماعيل باشا؛ لأنه قتل صديقا له في إحدى المواقع، ولا شك أن هذه ~~الرغبة نتيجة لقلة التبصر وضحالة التفكير، وقد حاول والده مرارا إقناعه فلم يقتنع، حتى ~~كان صباح أمس، إذ خرج ولم يعلم به أحد ولم يرجع بعد. فبعثني والده للتفتيش عنه، وأنا أظن ~~أنه سار نحو أبي حمد قاصدا المتمة.» # فقال تيراب: «الأفضل إذن أن نتوجه توا إلى أبي حمد.» فقال سعيد: «هذا هو الأنسب على ما ~~أظن.» وكان ذلك غاية ما يتمناه سعيد، وقد ابتكر تلك القصة لكي يسمع ذلك الرأي. # وبالاختصار انطلق الاثنان يجدان في السير، حتى وصلا بعد ثلاثة أيام إلى محطة مرات، وهي ~~المحطة المتوسطة في ذلك العطمور، وفيها آبار من الماء ينزل إليها المسافرون للاستقاء وملء ~~القرب لما بقي من الطريق إلى أبي حمد، فاستراحوا هناك، وأكلوا وشربوا وملئوا قربهم ثم ~~ساروا. وبعد بضعة أيام وصلوا إلى محلة أبي حمد على الشاطئ الشرقي للنيل آخر ذلك العطمور. # فقال تيراب: «إننا لم نقف لابن سيدك على أثر، فهل تظن أنه سار إلى المتمة؟» # فقال سعيد: «يغلب على الظن أنه سار إلى هناك، وإلا لكان من المؤكد أن نلتقي به أو نسمع ~~شيئا عن خبره، وعلى كل حال أرجو الآن أن تعود إلى والدك، وتقدم له عني وعن سيدي مزيد الشكر ~~والثناء على معروفه، ومتى رجعت أنا إلى القبيلة فسأحيط سيدي الأمير الكبير علما بمعروفكم.» # فألح تيراب أن يرافق سعيدا إلى المتمة، فلم ms088 يقبل خوفا من انكشاف أمره . # فودعه تيراب وعاد بخادميه إلى أبيه، أما سعيد فإنه عبر النيل إلى البر الغربي، ولم يعد ~~أمامه إلى المتمة إلا عطمور واحد لا بد أن يسير فيه مدة تعادل المدة التي استغرقها في عطمور ~~أبي حمد، غير أن الماء هنا موجود في آبار على الطريق أكثر مما هو موجود هناك. # الملك النمر # ركب سعيد هجينه بعد أن ملأ قربتيه من ماء النيل، وسار قاصدا المتمة سيرا سريعا، وبعد ~~مسيرة بضعة أيام وصل إلى آبار جكدول في منتصف ذلك الطريق تقريبا، وهي مكان جبلي فيه مجتمع ~~من الماء الشتوي غزير، فشرب وسقى جمله وملأ قربتيه وبات هناك ليلة. وفي الصباح سار فمر ~~بآبار أبي طليح بعد يومين. وفي اليوم الثالث أشرف على المتمة، وهي بلدة واقعة على ضفة النيل ~~الغربية مقابل بلدة شندي، وكانت هذه أكثر عمرانا من تلك، وبينهما مجرى النيل. # فلما وصل إلى المدينة، دخل كأنه واحد من أهلها، وكان ذلك اليوم يوم الثلاثاء وهو يوم سوق ~~المتمة، فوجد الناس مجتمعين في ساحة هناك يبيعون ويشترون ويتبادلون، فيهم الجزارون قد ذبحوا ~~بقرة أو جملا علقوه في جذع شجرة بحبل، يبيعون من لحمه لمن يشاء بغير وزن ولا قياس، وفيهم ~~حاملو التبغ السوداني واللبن والزيت والتمر وسائر لوازم البيوت. والعادة في تلك البلاد أنهم ~~يجعلون لكل بلدة يومين في كل أسبوع، يقيمون فيهما سوقا عامة يأتي إليها أهل البلدة وما ~~جاورها من القرى يبيعون ويشترون ويتقايضون - وكانت سوق المتمة في يومي الثلاثاء والجمعة - ~~فالراعي يعطي الفلاح غنما ويأخذ بدلا منها حنطة أو تينا، ويعطي زبدا ويأخذ بدلا منها ~~تمرا أو تبغا، والحائك يبادل بمنسوجاته التاجر القادم من المدن ومعه السكر والقهوة والأرز ~~وما شاكل ذلك. # ولا تقتصر أهداف السوق على التبادل التجاري، وإنما هي أيضا وسيلة لتبادل الأخبار والآراء ~~فيما هو جار من الحوادث العامة، فهم يغتنمون الفرصة في أيام السوق للحديث في مختلف الشئون. # دخل سعيد السوق كواحد من أهل القرى المجاورة، وأخذ يتحدث ms089 معهم، فسأل عن حالة الجنود ~~المصرية فقيل له: «إنهم دوخوا البلاد، وعما قليل يصلون إلى شندي؛ لأنهم عائدون إليها لجباية ~~الأموال.» # وفي اليوم التالي، قيل له: «إنهم على مقربة من شندي.» وفي عصر ذلك اليوم، وصل إسماعيل باشا ~~ورجاله إلى شندي، فنصبوا خيامهم ونزل إسماعيل في قصر معد لنزوله بالقرب من شجرة كبيرة خارج ~~البلدة، فجاء الناس بحاجات الجيش من المأكل والمشرب، وجاء كثيرون من أهالي المتمة إلى شندي ~~يتسلون بمشاهدة العساكر المصرية، فنزل سعيد في أحد القوارب حتى بلغ معسكر إسماعيل، وجعل ~~ينظر يمينا وشمالا، ويتأمل وجوه ضباطه وعساكره لعله يقف لسيده على أثر، وخشي أن يشتبهوا ~~في أمره، فجاء بطبق عليه بيض وتمر، ومضى بين الخيام مدعيا أنه أحد الباعة. # وفيما هو في ذلك سمع لغط الناس، ثم رأى الملك النمر ملك شندي من قبيلة الشائقية قد جاء ~~برجاله لملاقاة إسماعيل باشا، وأخذ الناس يهرعون ليروا تلك المقابلة، فسار سعيد في جملة من ~~سار، وكان إسماعيل - في لباسه العسكري، وطربوشه التونسي، وسراويل الأتراك - متكئا خارج ~~القصر على مقعد سوداني (عنقريب) غطي ببساط عجمي، وفي يده غليون يدخن به، وحوله ضباطه ورجال ~~معيته بين جالس وواقف. # ثم أقبل الملك النمر فإذا هو شيخ متوسط القامة، خفيف شعر اللحية، أسمر اللون، كبير ~~العينين حادهما، عليه القفطان الحريري، وفوق كتفيه العباءة البيضاء، وعلى رأسه العمامة، ~~وبيده الغليون، وفي خدمته عدة رجال، واحد يحمل له سلاحه من رمح وسيف وجراب، وآخر ينقل له ~~الغليون والتبغ، وآخر غير ذلك. وحينما اقترب من معسكر إسماعيل، أعطى غليونه لخادمه وأمر ~~رجاله أن يلبثوا بعيدين، وتقدم هو احتراما للباشا، فلما دنا منه حيا التحية المعتادة ~~حانيا رأسه، ولمس يد الباشا وقبلها، ثم وقف منتصبا، كل ذلك وإسماعيل متكئ، والغليون في ~~يده لا يبدي حراكا احتقارا له، وبعد مدة أشار إليه فجلس على الأرض. ثم أخذ الملك يرحب ~~بإسماعيل ويبدي له الخضوع، فلا يزداد إلا كبرا وعجرفة، وبعد أن أتم ذلك الملك كلامه التفت ~~إليه إسماعيل قائلا ms090 له: «اسمع يا ملك، إني جئت إليك لجباية الأموال الأميرية وجمع الرجال، ~~فيجب عليك أن تأتيني بما يملأ قاربي هذا من الفضة، وتجمع لي ألفين من الرجال في مدة خمسة ~~أيام.» فوقف الملك النمر مسترحما وقال: «حيا الله الباشا، من أين لنا هذا القدر من الفضة ~~ونحن قوم مساكين فقراء؟» ~~••• # استوى إسماعيل على متكئه، ونظر إلى وجه الملك النمر عابسا وقال: «قلت لك ذلك فلا ~~تجادلني!» فكرر الرجل قوله: «إنه لا قبل لنا بجمع هذا المبلغ.» فقال الباشا: «حسنا، نجعله ~~عشرين ألف ريال (نحو خمسمائة ألف قرش).» فشكا الملك من قصر المدة وقال: «إن المدة لا تكفي ~~لجمع هذا القدر من المال وهذا العدد من الرجال.» فما كان من إسماعيل إلا أن ضربه بأنبوبة ~~الغليون على وجهه فاستشاط الملك غيظا، لكنه أظهر الخضوع وإن أضمر الشر. # أما سعيد فلم يكن هذا المشهد ليشغله عن سيده، ولكنه لم يكن يستطيع التقدم إلى مجلس ~~الباشا، حيث يجتمع ضباطه، ليفتش عن سيده بينهم؛ لأن العساكر كانت تمنع الناس من الاقتراب ~~إلى حيث كان الباشا والملك، فلما رجع الملك النمر إلى المدينة كانت الشمس قد مالت إلى ~~الغروب، فخشي سعيد ألا يسمح لأحد من أهل المدينة بالبقاء في المعسكر، فسار مع من سار إلى ~~شندي بمعية ذلك الملك، ولم يكن أحد يعرف حقيقته مطلقا، بل كان الجميع يخاطبونه ويحدثونه ~~كأحد أهل القرى المجاورة، وقد عزم أن يبكر في الصباح لاستطلاع أمر سيده في معسكر إسماعيل ~~باشا. # مقتل إسماعيل # وحينما وصل الملك إلى بيته، جمع بعض رجاله، وعيناه تقدحان بالشرر من شدة الغيظ، فدخل ~~سعيد متنكرا، ووقف الملك بينهم وخاطبهم قائلا ما معناه: يا معشر الشائقية، لقد رأيتم ما ~~أصاب ملككم النمر في هذا اليوم من الإهانة بغير ذنب، وأنتم تعلمون أن الإهانة لا تطاق، فهل ~~تخالفونني إذا أردت الانتقام ممن أهانني؟ # فأجابه الجميع: «لا.» فسكت ثم اختلى ببعض أصدقائه وخرج بعد ذلك. فعزم سعيد أن يذهب في ~~الصباح التالي إلى إسماعيل باشا ويحذره من ms091 النمر، وانصرف يطلب مكانا يبيت فيه تلك الليلة. # وفيما هو سائر، رأى الناس يحملون أكياسا من التبن إلى معسكر إسماعيل، فظنه علفا للجمال ~~فلم يبال، ثم رأى الناس يتقاطرون نحو المعسكر، فقال في نفسه: «هلم معهم لعلي أقف على خبر!» ~~فسار حتى وصل إلى المعسكر فإذا الملك النمر والباشا وضباطه قد جلسوا في بقعة وسط المعسكر ~~يتمازحون ويضحكون، وأمامهم حلقة من الرجال السودانيين ينفخون ويرقصون الرقصة السودانية، وقد ~~أدار الملك النمر نوعا من الشراب يكثر تعاطيه في السودان، يقال له: «المريسة» ويسميه أهل ~~مصر «البوظة»، وهو يصنع من منقوع الذرة، ويشبه في طعمه وخواصه الجعة (البيرة)، وكان النمر ~~يعطي إسماعيل باشا وأهل مجلسه وهم يشربون حتى مضى معظم الليل، كل ذلك وسعيد شاخص ببصره ينظر ~~إلى الناس ويتأمل وجوههم، فوقع نظره على رجل مقطب الوجه جالس في مجلس الباشا، لا يشرب من ~~ذلك الشراب ولا يكترث لتلك الألعاب، بعكس رفاقه، فإنهم كانوا يقهقهون ويصرخون، وكذلك ~~الباشا. ~~••• # فتأمل سعيد ذلك الوجه الذي تبدو عليه ملامح الكبر أكثر كثيرا مما كان يعهد بسيده، وهو ~~مطرق إلى الأرض، وبيده غليون يدخن فيه وينفخ متأففا، ثم خطرت له حكاية الأمير، وأن سيده ~~شاخ قبل أوانه، فرجح عنده أنه سيده، فكاد يطير من الفرح، وهم أن يناديه من بين الجماهير، ~~ولكنه تجلد خوفا من أن يقع عليه غضب إسماعيل باشا، إذ لم يكن قد نسي ما أصاب الملك النمر ~~من الإهانة، وأراد أن يتريث، ولكن عواطفه لم تطاوعه فصار يرقص فرحا، والناظر إليه يظنه ~~يرقص مع الراقصين حتى أخذ الحاضرون يضحكون منه، وقد دخل في جملة الراقصين عسى أن يتمكن ~~بذلك من الاقتراب من سيده، وأخذ يقترب منه شيئا فشيئا، بينما كان جميع من في مجلس الباشا ~~يترنحون، وقد لعبت الخمر برءوسهم، فصاروا يرقصون أيضا. # أما سيده فكان لا يزال مطرقا عابسا، لا يبدي حراكا، وكلما فرغ غليونه، ملأ غيره. # ثم نهض من بين الناس ودار من وراء مقعد إسماعيل، فظنه سعيد ذاهبا في حاجة ms092 لا يلبث أن ~~يعود بعد قضائها، ولم يكن يستطيع الوصول إليه لتوسط مقعد الباشا وحاشيته بينهما فمكث في ~~انتظار عودته، ولكن غيبته طالت، وفي أواخر الليل نهض إسماعيل باشا ورجاله، فذهب كل منهم ~~إلى مكان نومه، وسار إسماعيل إلى قصره، كل ذلك وسعيد لم يعد يشاهد سيده فانشغل باله. وفيما ~~هو يفتش عنه رأى اللهيب يتقد، والدخان يتصاعد من جهة قصر إسماعيل وما جاوره من الخيام ومن ~~التبن الذي كانوا قد جمعوه في مساء ذلك اليوم، ولم يكن سعيد قبل ذلك يعلم بتلك المكيدة، ~~فخشي على سيده أن يذهب فريسة النار قبل أن يعلم بحياة زوجته، فأسرع إلى مكان اللهب يفتش ~~عنه، ولما لم يجده جعل يطوف كالمجنون، وينادي بعبارات مختلفة كان يقولها على غير هدى، وكان ~~يرى بعينه اشتعال النار من جهة، وسيوف الشائقية وحرابهم من جهة أخرى تعمل في رجال إسماعيل، ~~فسار نحو النيران، وقد شهر السيف في يده إيهاما لرجال الملك النمر أنه مثلهم عامل على ~~تحقيق هدفهم، وفيما هو بقرب اللهيب، رأى سيده خارجا من خيمته مسرعا نحو النار كأنه يريد ~~أن يلقي بنفسه فيها تخلصا من الحياة، فناداه سعيد: «قف يا سيدي لا تقتل نفسك إن سيدتي سلمى ~~حية.» وكان أمين بك قد شاهد سعيدا هاجما عليه في زي السودانيين، فظنه منهم، فضربه بالسيف ~~على عنقه، فسقط لا يبدي حراكا، وسمعه يقول: «قتلتني يا سيدي، أنا عبدك سعيد.» ~~••• # أراد أمين أن يعود إلى المكان ليتحقق من الأمر، فإذا بجماعة كبيرة هاجمون عليه بالحراب ~~والسيوف والبنادق، وكانت الحياة قد عزت عليه حين سمع ببقاء زوجته في عداد الأحياء، فخشي إن ~~هو ثبت أمام الهاجمين، أن تدور الدائرة عليه، فلا يعود إلى زوجته، فآثر الفرار في عرض ~~الصحراء حتى وصل إلى مأمن جلس فيه يفكر فيما سمعه ورآه، وهو يحسبه أضغاث أحلام، فندم على ~~فراره دون أن يتحقق من حال سعيد، وحدثته نفسه أن يعود إلى موضع المكيدة، لعله يستطلع شيئا ~~من أخباره، ولكنه رأى في رجوعه ms093 خطرا عليه، وهو مع ذلك لا يأمل أن يستفيد شيئا لأن ضربته ~~كانت قاتلة، وتذكر أن سعيدا قال له: «قتلتني يا سيدي» فتأسف كثيرا، ولكنه عاد فتذكر أن ~~سعيدا لم يقل له أين هي زوجته فازداد أسفا، وحينما يئس من سعيد، هام على وجهه يفتش عن ~~زوجته. # حصار عكا # لنترك أمينا يفتش عن زوجته، ولنرجع إلى بيت الدين، فنرى سلمى قد يئست من وجود زوجها، ~~وقد مرت عليها سبع سنوات ولم تسمع عنه خبرا. ففقدت الأمل في لقائه والاجتماع به، وكان ~~غريب قد بلغ الحادية والعشرين من العمر، وتعلم الفروسية جيدا وسافر مع الأمير بشير عدة ~~مرات، وحضر عدة وقائع حربية أظهر فيها بسالة عظيمة حتى أجمع الكل على محبته، فكان ذلك أكبر ~~تعزية لوالدته، وهو إلى ذلك اليوم لم يعلم شيئا عن والده الحقيقي. # اهتمت والدة غريب بأمر زواجه شأن كل الأمهات، فاختارت له ابنة فريدة الأوصاف من العشيرة ~~الشهابية، وعندما عقدت النية على خطبتها لابنها أرادت أن تعرف رأيه قبل التحدث في هذا ~~الشأن. ففي ليلة من ليالي شهر تشرين الأول (نوفمبر) سنة 1831م دعته إلى حجرتها وعرضت عليه ~~رأيها، وامتدحت الابنة ما استطاعت، ثم سألته عما إذا كان يحبها فقال: «يا والدتي إني أحب ~~الذي تحبينه، وإن كنت لا أعرف الابنة لا اسما ولا جسما، فأنا واثق أنها ستكون موافقة لي ~~كثيرا ما دام اختيارك قد وقع عليها، ولكنني أرى أن هذا الوقت ليس وقت زواج.» فقالت: «وما ~~المانع؟» فقال: «إن والدي الآن منشغل البال مضطرب النفس بسبب الأحوال السياسية، فلا يليق ~~مفاتحته في هذا الأمر وهو بتلك الحال، فالأفضل إرجاء الزواج لفرصة أخرى.» # فقالت سلمى: «وكيف ذلك يا ولدي؟ وما الداعي لاضطراب الأمير؟ أخبرني!» # فقال غريب: «أنت تعلمين أن إمارة والدي الأمير بشير على لبنان تحت ولاية عبد الله باشا ~~والي عكا، ولا يخفى عليك أن والدي حينما توجه في المرة الماضية إلى مصر، وتوجهت أنا ~~برفقته، إنما كان غرضه من ذلك مساعدة عزيز مصر على ms094 التماس العفو من مولانا السلطان، عن عبد ~~الله باشا المذكور، فصدر العفو وعادت ولاية عكا إليه بعد أن كادت تخرج من يده، وكان المعتقد ~~أن يقر بهذا المعروف لوالدي ولمحمد علي، ولكنه بدلا من ذلك جحد فضلهما، فأصبح والدي ~~ناقما على عبد الله باشا وإن كان لا يستطيع التظاهر بذلك لأنه تحت ولايته. # أما محمد علي باشا والي مصر، فلم يمكنه كتمان غضبه لأسباب أوجبت زيادة حقده عليه، فبعث ~~ابنه إبراهيم في حملة من الرجال لافتتاح عكا وقهر عبد الله. # فكتب عبد الله إلى والدي يطلب إليه أن يحشد الرجال ويأتي لنجدته في عكا، وأنت تعلمين أنه ~~لا يمكنه مخالفة الأوامر، فبعث والدي إلى جميع المقاطعات لجمع الرجال والتأهب للسفر. وفيما ~~هو في ذلك، ورد إليه كتاب من إبراهيم باشا من عكا يستدعيه إليه، فوقع والدي في حيرة؛ إذ لا ~~يمكنه إجابة طلب إبراهيم خوفا من غضب عبد الله باشا، ولا يريد رفض طلب إبراهيم باشا لأنه ~~قد سبق منه الوعد بمساعدته عند قدومه إلى البلاد السورية؛ ولذلك ترينه لا يملك نفسه من ~~التردد، فلا يمكننا أن نحدثه في شأن الزواج الآن، وهذا موضوع مستدرك على كل حال.» # فاضطربت جميلة لذلك الخبر، وقالت: «وماذا تظن أنه سيفعل يا ولدي؟» # فقال غريب: «أرجح أنه سوف يجيب إبراهيم باشا، وفي نيته أن يسافر غدا من بيت الدين في ~~حاشيته، والأرجح أنه سوف يقصد عكا، ولا بد من التوجه برفقته.» # فصاحت جميلة: «لا يا ولدي، ما لك وهذه المخاطرة؟» # فقاطعها غريب بالكلام قائلا: «انظري يا والدتي، إني قد صرت رجلا والحمد لله، ولم أعهد ~~فيك مثل هذا الخوف علي يوم كنت صبيا، وسافرت إلى بلاد بعيدة!» # فقالت: «إن ذهابك أول مرة لم يكن إلى حرب، وكفاني ما قاسيت على أثر ذلك السفر!» قالت ذلك، ~~ولم تستطع أن تمسك نفسها عن البكاء لتذكرها حكاية زوجها. # فتعجب غريب لذلك البكاء وقال: «ما الداعي يا والدتي لهذا البكاء الآن؟» # قالت جميلة: «ليس هناك داع يا حبيبي، ms095 سوى أني تذكرت الخطر الذي وقعت فيه هناك، وما حدث من ~~تعدي اللصوص عليك.» ثم لاح لها أنه لا ينبغي أن تظهر جبنا أمامه، وندمت على ما فرط منها، ~~فقالت: «لا تظن أني أخاف عليك من الحروب، فإن الرجال خلقوا لمواجهة الحروب، والأرزاق ~~والأعمار بيد الله. لا لا، لست أخاف من ذلك، ولا سيما أنك ذاهب في جماعة من الأبطال، ~~وفيهم والدك البطل المغوار الذي تهابه الأسود، وإذا صممت على السفر ففي حراسة الله، وإنما ~~أوصيك وصية واحدة وأرجو ألا تنساها.» # قال غريب: «قولي ما تشائين، فأنا ابنك المطيع.» # قالت جميلة: «عليك يا ولدي بتقوى الله، والاتكال عليه في السراء والضراء.» ثم مدت يدها إلى ~~بطاقة صغيرة، كتبت فيها بضع كلمات ثم طوتها ودفعتها إليه قائلة: «خذ هذه البطاقة فقد كتبت ~~لك فيها آية ذهبية، ولا تفتحها إلا وأنت في أشد الضيق.» فقبل البطاقة ووضعها في جيبه، ~~واغرورقت عيناه بالدموع، ولكنه تجلد وأمسك نفسه، ولم يشأ أن يظهر الجبن لئلا ينتقد عليه. ~~••• # وفي صباح الغد أمر الأمير بشير بالاستعداد للسفر، وأن يكون غريب في جملة المسافرين لأنه ~~كان يحبه حبا عظيما، لما رأى فيه من نخوة الرجال، والشهامة، والهمة، والشجاعة، وذهب غريب ~~لوداع والدته فقبلته وشجعته، ولكن قلبها كاد يقطر دما على فراقه. # فركب الجميع وساروا قاصدين إلى عكا، وفيما هم في الطريق لاقاهم فارس بيده كتاب سلمه إلى ~~الأمير ففضه، فإذا هو من عزيز مصر إلى الأمير بشير يهدده ويتوعده بالعقاب الشديد، إذا كان ~~لا يقدم إلى عكا لمعاونة ولده إبراهيم، ومن كلامه له: # إن ولدي إبراهيم كتب إلي أنه استدعاكم إلى صحراء عكا ولم تذهبوا، فإما أن ~~تفعلوا، وإلا فإننا نهدم مساكنكم ونغرس في مكانها زيتونا. # فطوى الأمير الكتاب، وظل سائرا حتى بلغ صحراء عكا شمالي حيفا وجبل الكرمل حيث معسكر ~~إبراهيم، فخرج لملاقاته الأميرالاي بعسكره وبعض ضباطه بالموسيقى وإطلاق البارود، وفي جملتهم ~~مصطفى بربر وحنا بك البحري رئيس الكتبة، فدخلوا به المعسكر في موكب عظيم، وكان ذلك ms096 هو ~~المكان الذي عسكر فيه بونابرت قبل ذلك الوقت بنحو ثلاث وثلاثين سنة، فنزل الأمير ومن معه في ~~خيمة خاصة به قرب خيمة إبراهيم. # والي عكا # وكانت عكا محصنة تحصينا منيعا، وقد دافع عنها جندها دفاعا شديدا، حتى امتنعت على ~~إبراهيم أكثر من خمسة أشهر، كانت الحرب في أثنائها سجالا. # وكان غريب يغتنم فرص الهدنة، ويذهب إلى تلك الأماكن للصيد والقنص، حتى كان يصل أحيانا ~~إلى سهول شفا عمر، يصطاد من غزلانها وحجلاتها وغيرها من الطيور. # وكانت جنود إبراهيم باشا مدربة على النظام الحديث الذي وضعه بونابرت، وكان يخالطهم كثير ~~من الأتراك والأرناءوط والمغاربة، من بقايا الجنود القديمة، وكان الضباط يخرجون في أوقات ~~الهدنة للصيد والنزهة. # وفي صباح يوم من أيام شهر (ديسمبر) سنة 1831م، خرج غريب من خيمة الأمير بشير مبكرا، ~~وكان البرد قارسا فالتف بثيابه وصعد إلى مكان عال، وأخذ يتأمل تلك الصحراء عند سفح ذلك ~~الجبل، وقد أصبحت بعد أن تساقطت عليها الأمطار في الليل الغابر كأنها مغسولة، وقد صحا الجو ~~وصفت السماء، وأشرقت الشمس على تلك الأنحاء فانعكست أشعتها على سطح البحر المتوسط فتلون ~~سطحه ألوانا بديعة. # وكان يتخلل ذلك السكون زقزقة الطيور، وقد خرجت من أعشاشها، فيجيبها البحر بتلاطم الأمواج، ~~فسر غريب بذلك المنظر كثيرا، واشتاقت نفسه إلى الركوب والطواف في تلك الجهات المجاورة، ~~والركوب يحلو في تلك الصحراء الرملية، والرمل أجمل ما يكون بعد المطر، فركب جواده وسار ولم ~~يخبر أحدا بذلك. ~~••• # على أن بعض الجند رآه وعرفه، فلما خرج من المعسكر أوغل في تلك الصحراء شرقا، وكأنه يريد ~~أن يركض الفرس فاتجه شمالا إزاء باب عكا، وأخذ يتأمل في أسوار تلك المدينة أو القلعة ~~وحصونها وخنادقها، ثم رأى أمامه آثار قناطر قديمة كان الماء يجري فيها إلى عكا، من مسافة ~~تستغرق أربع ساعات، وفيما هو يتأمل تلك الأسوار عرج به جواده نحو المدينة وهو لا يدري، فما ~~أحس إلا وهو بالقرب من بابها الشرقي، ولم ينتبه إلا عندما سمع صوت إطلاق الرصاص عليه، ms097 فلوى ~~عنان جواده وطلب الصحراء تخلصا من الموت، ولكنه لم يخط بضع خطوات حتى أصيب جواده برصاصة ~~أوقعته صريعا، فأراد الفرار على قدميه فلم يستطع لأن عددا من حرس عكا خرجوا عليه بالسلاح، ~~قبل أن يخرج قدميه من الركاب، فحاول الدفاع فلم يجد إلى ذلك سبيلا، فقبضوا عليه وساقوه ~~مخفورا إلى المدينة فأدخلوه من ذلك الباب، وهو يظن أنه في حلم، فدخل وهو على ما علمت من ~~اللباس الفاخر وملامح الأمراء، وقد أرسل كوفيته فوق رأسه وعلى كتفيه، وجمدانه المزركش ~~بالقصب يسطع فوق قفطان من الحرير صنع في دمشق، وقد تقلد السيف، وتمنطق ب «الطبنجات» ~~والخنجر، وكانت مشيته تدل على أنه ليس من عامة الناس، وكان أهل عكا ينظرون إلى ذلك الأسير ~~نظرة تعجب، ويتحادثون فيما بينهم قائلين: ترى من يكون هذا الشاب؟ أما هو فكان يمشي غير مبال ~~كأنما هو ذاهب إلى بيته، حتى أتوا به إلى القلعة، فدخلوا على عبد الله باشا وإذا هم برجل ~~ربعة، أشمط الشعر، جالس على مقعد يدخن الشبق، مقطب الوجه، عريض اللحية، على رأسه الطربوش ~~العثماني، وبين يديه رجال دولته، وقد وضع الحسام على فخذه، ويظهر من وجهه أنه في حال ~~ارتباك واضطراب وغضب شديد. # فلما دخل غريب الغرفة عرفه عبد الله باشا فناداه منتهرا: ألست ابن الأمير بشير خائن ~~الدولة والأمة؟ # فقال غريب: «بلى إنني ابنه، ولكنني لا أرى مسوغا لأن تصفه بهذه الصفة يا سيادة الوالي، ~~ولعلك إذا التقيت بأبي يوما تعرف حقيقة الأمر.» # فقال عبد الله باشا: «بعثت إليه أن يقدم إلي برجاله فانحاز إلى عدونا، فلو ظفرت به لعلمته ~~الطاعة والأمانة، وستبقى أنت عندنا رهينة حتى يقضي الله بيننا وبينه.» # فقال غريب: «لا تكثر من التهديد والوعيد فإن ما نسبته إلى والدي يعد إجحافا منك بحقه، ~~فإنه لم يقصر في الخدمة والعمل لمصلحتك. ألم يكن هو الذي أنقذك من غضب الدولة؟ وساعدك على ~~إخضاع رعيتك؟ أما انحيازه الآن إلى الجنود المصرية فلعل له عذرا يعلمه ولا أعلمه.» # فقاطعه عبد ms098 الله باشا قائلا: «ولا عذر له إلا خيانة دولته، وقد قلت لك إني سوف أعلمه ~~الأمانة إن ظفرت به، وما أنا بناقم على إبراهيم بقدر نقمتي عليه، فما هكذا تكون الأمانة ~~والشهامة.» # فقال غريب: «ليسمح لي سيادة الوالي أن أرد قوله وأبرئ والدي من هذه التهمة، ولعلكما إذا ~~اجتمعتما وتفاوضتما تعلم من الذي تصدق عليه أقوالك، فإن الخيانة ليست من شأن الأمير، ~~ولكن ...» # فابتدره الباشا منتهرا وكأنه يريد الوقوف، ونادى بأعلى صوته: «سالم أغا، خذ هذا إلى ~~السجن مغلولا!» فتقدم إليه رجل في لباس الضباط، طويل القامة، جميل المنظر، في نحو الثلاثين، ~~أزرق العينين، أشقر الشعر، في يده سيف مسلول وبجانبه جنديان بالبنادق، وأشار إلى غريب أن ~~يمشي فامتنع غريب، والتفت إلى الوالي قائلا وهو ينتفض من شدة التأثر: «هل اعتدتم أن تكبلوا ~~أبناء الأمراء وتقودونهم إلى السجن مهانين؟ لن أنتقل من هنا حتى تفك أغلالي فأسير بنفسي إلى ~~حيث تشاءون.» # فصاح عبد الله باشا بأعلى صوته: «يا للجسارة، أتعارض أوامري وتمتنع عن الذهاب؟ خذوه حالا ~~من أمامي وإلا قطعت رأسه بهذا السيف.» # فتقدم غريب، وهو لا يرتعد، وكأن كلام الوالي لم يؤثر فيه إطلاقا، وقال: «أتظن أنك ~~تروعني بهذا التهديد؟ إنني لست أخشى الموت: # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تموت جبانا # أنا لا أبالي بالتهديد والوعيد ما دمت بريئا، ولكن عار عليك أن تجرد علي سيفا وأنا أعزل ~~مكبل، فإذا شئت أن تجرب نفسك ففك أغلالي وليحكم الله بيننا بالقسط، ولا تستنكف من ذلك، فإنك ~~تبارز أميرا.» # فعجب الجميع لهذا الشاب، وأعجبتهم جسارته وثبات جأشه، حتى إنهم خافوا عليه من غضب الباشا، ~~وأشفقوا أن يأمر بقتله للحال، ولا سيما ذلك الضابط الذي أحضر ليسوقه إلى السجن فإنه تقدم ~~إليه وأمسك بذراعه، وضغط بأصبعه عليه كأنه يقول له: «اقصر من هذا الحديث فذلك خير لك.» # أما الوالي فاشتد غضبه، وهم بضرب غريب، لكنه رأى الشرطة تسوقه إلى السجن فسكت، على أنه ~~لو ساير غضبه واتبع هوى ms099 نفسه، ما أبقى على غريب، لكنه كان يشعر بضعفه عن مقاومة الجنود ~~المصرية، وكان يعلم أن الدائرة ستدور عليه، حتى إنه كان قد طلب قبل ذلك الحين المفاوضة في ~~أمر الصلح فجاءته أوامر من الآستانة تشدد عزيمته، فأمسك عن المفاوضة في انتظار النجدة، بيد ~~أنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه لا يقوى على مقاومة تلك الجنود العظيمة التي دوخت الأقطار ~~السودانية والغربية والرومية فضلا عما هي عليه من النظام، فخشي إن هو قتل غريبا أن يثير ~~عليه انتقام الأمير بشير، فإذا وقع في يده فلا شيء ينقذه من القتل، ولذلك أمسك نفسه ورضي ~~بأن يؤخذ ذلك الشاب من أمامه. # ثق بالله ولا تبال # أخذ رئيس الشرطة غريبا مخفورا إلى سجن عكا المشهور، وهو سجن مظلم ينزل إليه بعدة درجات ~~تحت الأرض. وفيما هم في الطريق أخذ غريب يفكر في صروف الحوادث، وهذا الحظ السيئ الذي جر ~~عليه هذا البلاء العظيم، فأظلمت الدنيا في عينيه، ولا سيما عندما تذكر والدته وما يكون من ~~حزنها عليه إذا أصابه سوء، ثم طرق ذهنه ما أوصته به أمه عند وداعه، وتذكر تلك البطاقة التي ~~أعطته إياها، ونصحته أن يقرأها في وقت الشدة والضنك، فمد يده إلى جيبه وكان قد حل وثاقه، ~~واستخرج تلك البطاقة فقبلها وفتحها، والحراس ينظرون إليه، وأخذ يتأملها فقرأ فيها هذه الآية ~~الذهبية: «ثق بالله ولا تبال»، فاطمأن قلبه وانبسط وجهه، كأنه كان في شدة ونجا منها، وقد ~~لاحظ ذلك سالم أغا رئيس الشرطة؛ لأنه كان بجانبه، فحدثته نفسه أن يسأل غريبا عن تلك ~~البطاقة، وكان قد أحبه ومال إليه منذ رآه، ومن ثم لم يتحول بصره عنه. # أما الوالي فاشتد غضبه، وهم بضرب غريب، لكنه رأى الشرطة تسوقه إلى السجن ~~فسكت، على أنه لو ساير غضبه واتبع هوى نفسه، ما أبقى على غريب. # فتقدم إلى غريب قائلا: «ما هذه الورقة التي فتحتها؟» # قال: «هي ورقة لا فائدة لك فيها.» # فقال الأغا: «أعلم ذلك، ولكني أريد أن أطلع عليها.» # فقال ms100 غريب: «ليس فيها شيء يوجب إخفاءها لكنها ثمينة عندي لأنها من أعز الناس علي.» فضحك ~~الأغا وقال: «لعلها تذكار من حبيبتك!» فخجل غريب لذلك، وقال: «لا، وإنما هي تذكار من ~~والدتي.» فأراد الأغا أن يطيل السؤال، ولكنه كان قد وصل إلى السجن فأدخل غريبا ذلك السجن ~~المظلم، وصرف من كان واقفا هناك من الشرطة، ودخل السجن معه لكي يعد له مكانا يمكث فيه. ~~••• # استعظم غريب الدخول إلى ذلك المكان المظلم، وكاد الشرر يطير من عينيه، ولم يكن معه إلا ~~الأغا فسار به إلى حجرة مضيئة ليس فيها أحد، وأجلسه على حصير هناك، وجلس هو بجانبه فتعجب ~~للطف ذلك الأغا، وخشي أن يكون وراء ذلك دسيسة مدبرة، تهدف إلى قتله، فصار ينظر إليه نظرة ~~الحذر، غير أن ملامح وجهه لم تكن تظهر فيها دلائل الخيانة. # تقدم الأغا إلى غريب - بعد أن جلسا - وطلب منه بصوت ضعيف أن يطلعه على تلك البطاقة، فقال ~~غريب: «وما غرضك منها؟» قال: «لا غرض لي سوى أني أحب الاطلاع على نصائح الوالدين.» فأعطاه ~~البطاقة، فلما قرأها وقف شعر رأسه من التأثر، وقال: «حقا إن هذه الوالدة لجوهرة ثمينة، ~~فهذه أجمل وصية يمكن أن توجهها أم لولدها.» # وقد حمل غريب ذلك اللطف والدعة محمل الخديعة؛ لأنه قلما ظهر بين رجال والي عكا أناس في ~~مثل هذه العواطف النبيلة. # ثم قال الأغا لغريب: «قد آن وقت الغداء، ولا بد أنكم تحتاجون إلى طعام.» فقال غريب: «إن ~~نفسي لا تطلب طعاما ولا شرابا.» فأخذ سالم أغا يخفف عنه ويعزيه إلى أن قال: «يظهر لي أنك ~~لم تقاس عذاب السجون أيها الأمير، كل واشرب واهنأ فعسى أن يمن الله بالفرج من الآن إلى ~~المساء!» وقد لمح غريب من ذلك أن الرجل يقصد مساعدته فهدأ روعه، ولما جاء الطعام أكل ولكنه ~~عاد فتذكر والدته فانقبض وجهه، فقال له سالم أغا: «ما بال سيدي الأمير منقبض الوجه؟» # فأجاب غريب: «لا تظن يا أخي أني خائف من الموت، لا ورأس أبي وإنما خوفي ms101 مصدره الإشفاق على ~~والدتي التي إذا علمت بسوء أصابني لا تعيش ساعة من بعدي، وإذا كنت أحب الحياة فمن أجلها ~~وحرصا على راحتها.» # فتبسم سالم أغا قائلا: «طب نفسا يا عزيزي، فإني عون لك على النجاة من هذا الضيق إن شاء ~~الله.» فقال غريب: «وكيف يمكنك ذلك وقد أمرت أن تحافظ علي في السجن؟» فقال الأغا: «ما لنا ~~وللأوامر، إننا نفعل ما نشاء!» فقال غريب: «أخشى أن يسبب لك ذلك ضررا، ثق إنني أفضل ~~البقاء هنا والموت على أن يمسك أي سوء، نتيجة ارتكاب مثل هذه الخيانة.» فعجب الأغا لهذه ~~العواطف النبيلة وازدادت محبته له، وهم إليه وقبل عارضيه وقال: «لا، لا يا سيدي إن ذلك لا ~~يعد خيانة لأني أكون قد أنقذت بريئا من يد ظالم، فإن عبد الله باشا رجل مستبد غشوم لا يعرف ~~الصداقة، ولا تظن أني أطعن فيه وهو رئيسي، وإنما رأيت منه أمورا أوجبت نفوري منه، وميلي ~~إلى الجنود المصرية.» # فقال غريب: «يا للعجب، ألا تكون قد خرجت عن طاعة مولاك وخنت وطنك؟» فضحك سالم أغا، ~~وقال: لا يا سيدي، إن عبد الله باشا ليس مولاي ولا أنا من أهالي عكا ولا أهالي سوريا، ~~وإنما ساقتني الأقدار إلى هنا مصادفة، وسأقص عليك قصتي في فرصة أخرى إن شاء الله. # قال غريب: «والآن ماذا نفعل؟» فقال الأغا: «أنا أتعهد لك بالخروج من هذا السجن في هذا ~~الليل بكل أمان إلى معسكر أبيك، ولكني أريد منك أن تؤمنني على حياتي أمام إبراهيم باشا، ولا ~~بد لي قبل كل شيء من أن تعاهدني على الصداقة فنكون أخوين متحالفين، فأنا أتعهد بإخراجك من ~~هذا السجن، وأنت تتعهد بحفظ حياتي عند وصولنا إلى معسكركم بكل أمان، والآن سأخرج من هذا ~~السجن لأهيئ ما يلزم وسآتيك بعد الغروب.» # قال: «حسنا» فخرج الأغا، وبقي غريب وحده يفكر في ذلك الرجل، وهو لا يزال في ريب مما ~~قاله، ثم نظر إلى ذلك السجن المخيف، وترقب بلهفة ساعة عودة الأغا، فلما رجع رأى غريبا ms102 في ~~انتظاره بفارغ الصبر، فقال له: «ها أنا ذا قد أعددت كل ما يلزم، فهل أنت مستعد للفرار؟» فقال: ~~«يسوءني، وأيم الحق، أن أخرج من هذا المكان فرارا ولكن، ما الحيلة؟» # سار الأغا ممسكا بيد غريب متلمسا طريقه في ذلك الظلام، حتى وصل إلى باب مقفل ففتحه ودخل ~~به إلى حجرة داخلية، في أعلى جدار من جدرانها طاقة عليها شباك من الحديد، فقال سالم أغا ~~لغريب: «قف عندك قليلا» وجاء بسلم من إحدى زوايا الغرفة وصعد به إلى تلك النافذة، وما زال ~~يعالج الحديد بأداة في يده حتى قطعه وسحب قضيبين من قضبانه، فصار في الإمكان خروج الإنسان ~~منها، وثبت بالحديد الباقي حبلين وأرخاهما إلى الخارج. # انتهى سالم أغا من ذلك، ثم قال: «تفضل واصعد يا سيدي هذا السلم!» فصعد وأطل من الطاقة ~~فإذا هو عند البحر، والأمواج تلطم جدار السجن، وتدوي في هدوء ذلك الليل، فقال سالم: «لا تضع ~~الوقت، أنزل رجليك من النافذة أولا، ومتى أنزلت يديك أمسك بالحبل، ولا تخف، فإن قاربا ~~ينتظرنا هناك ليتلقاك البحارة بسلام.» فأخرج غريب نفسه من النافذة مبتدئا برجليه جاعلا ~~صدره إلى جهة الحائط، فلما قرب من إنزال يديه فطن إلى الخطر المحدق به، فيما لو انقطع به ~~الحبل وسقط في الماء؛ لأنه لا يحسن السباحة، ولكنه تجلد وتشجع، فلما صار جسمه كله خارجا ~~أمسك بالحبلين معا، ونظر إلى أسفل الحائط فإذا هو بقارب فيه اثنان من البحارة، وقد رأى في ~~خلال ذلك الظلام إشارتهما إليه بالنزول، فأخذ يمسك بهذا الحبل ويترك ذاك، وهكذا حتى قرب من ~~القارب. وبعد قليل رأى سالما نازلا، فلما صار الاثنان في القارب أخذ البحارة يجدفون بسرعة ~~مع مراعاة الهدوء بقدر الإمكان، حتى داروا من وراء سور المدينة وبعدوا عن الخطر، فدنوا من ~~الشاطئ ونزلوا، وإذا هما بجوادين ينتظرانهما كانا قد أعدهما سالم أغا فركبا، وما زالا ~~سائرين حتى بلغا معسكر إبراهيم باشا. # سالم أغا # أما ما كان من أمر الأمير بشير، فإنه لم يكن يعلم بخروج ms103 غريب في ذلك الصباح، ولكنه حين ~~حل وقت الغداء ولم يحضر، سأل عنه، فقيل له: «إن بعض الجند رآه راكبا جواده في الصباح ~~الباكر.» فكرر الأمير السؤال عنه، ولما لم يقف له على أثر بث رجاله يفتشون عنه في تلك ~~الصحراء، فعادوا دون أن يعلموا عنه شيئا، فغضب الأمير غضبا شديدا، وأصبح النور في عينيه ~~ظلاما، ولم يعد يستطيع صبرا، فركب جواده وركب معه بعض رجاله، وساروا يفتشون عن غريب في ~~جهات الجنوب ظنا منهم أنه توجه للنزهة في نواحي حيفا وجبل الكرمل، فقضوا هناك بضع ساعات ~~يبحثون بغير جدوى، فعادوا إلى المعسكر، وإذا هم بغريب قد عاد ومعه سالم أغا وجلسا في خيمة ~~الأمير، ودخل الأمير فسلم غريب عليه، فسأله عن سبب غيابه فأخبره بما جرى وعرفه بسالم أغا، ~~وطلب إليه أن يذكر معروفه لأنه أنقذه من الموت. # فقال الأمير لسالم أغا: «لقد غمرتنا بفضلك، ولا بد من مكافأتك فاطلب ما تشاء.» # فوقف الأغا وتقدم يريد تقبيل يد الأمير فأمسكه، فقال: «يا سيدي أسألك أن تتوسط لي عند ~~إبراهيم باشا ليقبلني في جيشه؛ لأني كنت فيما سبق من جنده وخرجت بغير إذن منه.» فوعده بذلك، ~~وأكرمه غاية الإكرام، على أن يأخذه في صباح الغد إلى خيمة إبراهيم باشا من أجل ذلك. # ثم باتوا تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي سار الأمير بشير وولده غريب وسالم أغا إلى ~~خيمة الباشا، فدخل - أولا - الأمير وولده، ثم استأذنا لسالم أغا فأذن له فدخل، فلما شاهده ~~إبراهيم باشا عرفه وسأله قائلا: «ألست سالم أغا؟» # قال: «بلى يا سيدي، إني عبدك سالم.» # قال الباشا: «وأين كنت بعد رجوعنا من حرب المورة، فإني منذ نزولنا إلى مصر، لم أعد أشاهدك ~~قط، فظننت أنك أصبت بسوء؟!» # قال سالم: «يا سيدي إنني لم أصب بسوء قط، وإنما ذهبت إلى عكا أفتش عن ضائع لي وأقمت بها.» # قال الباشا: «يا للعجب كيف يكون لك ضائع هنا، وقد جئت معنا من بلاد اليونان وأنت من أهل ~~تلك البلاد، فكيف ms104 تقول إن لك ضائعا في هذه الجهات ؟» # فتنهد الأغا وقال: «هذا هو الواقع يا سيدي، وقد جئت الآن في صحبة سيدي الأمير طالبا ~~العفو عن زلتي.» # فقال الأمير بشير: «اعلم يا سيادة الوزير أن هذا الرجل قد صنع فينا معروفا وأنقذ غريبا ~~من الموت، وقص القصة عليه ثم همس في أذنه: إن بقاء الرجل معه يفيده كثيرا لأنه يستطلع منه ~~أخبار العدو.» فقال الباشا: «لا بأس قد عفونا عنك، ولكن عليك قبل كل شيء أن تخبرني عن حالة ~~عكا ومن فيها من الجنود، وعن مقاصد عبد الله باشا.» # فوقف سالم أغا على قدميه، ثم جثا أمام الباشا قائلا: «ليعفني سيدي من ذلك فإنني عاجز ~~عنه؛ إذ يكفي أني خرجت من المدينة سرا، وأخرجت معي أسيرا كان يجب أن أبقي عليه في السجن، ~~وخالفت بذلك أوامر رئيسي، وأما إطلاع سيادة الباشا على أسرار المدينة فإن الأمانة والإخلاص ~~في الخدمة يمنعاني من ذلك.» فعجب الأمير بشير لتلك الشهامة، أما إبراهيم باشا فلم يدهش لأنه ~~كثيرا ما شاهد منه مثلها في حروبه بأرض المورة، لكنه قال له: «أنت في الأصل من جندنا وأنت ~~بذلك تخدم مصلحتك القديمة.» فقال: «العفو يا سيدي إني لا أحب حرفة الجواسيس ولا يمكنني أن ~~أمارسها قط، فلا يسعني أن أخبرك بشيء عن حال المدينة مهما كلفني ذلك، والأمر ~~لسيادتك.» # فتبسم إبراهيم باشا وقال: «لا بأس يا سالم فقد عودتني مثل هذه الشهامة مذ كنت معي في حرب ~~المورة.» ثم نادى أركان حربه وأمره أن يجعل سالما في عداد الضباط، وأن يعيد اسمه إلى ~~الجيش، فقبل سالم يد الباشا، وخرج إلى المعسكر. # فقال الأمير بشير لإبراهيم باشا: «حقيقة إني لم أشاهد مثل هذه الشهامة قط!» فتبسم الباشا ~~قائلا: «إن هذه ليست المرة الأولى التي أعرف فيها ذلك الرجل، فقد عرفته منذ خمس سنوات ~~تقريبا في نافرين بالمورة من بلاد اليونان. # ولا يخفى على سيادتكم أني توجهت بحملة بحرية بأمر الباب العالي لمحاربة أهل المورة حين ~~أشعلوا ثورة اليونان على ms105 الدولة، ففي سنة 1826 بينما كانت سفننا راسية في ميناء نافرين، ~~ونحن بين هجوم على تلك المدينة ودفاع عنها، جاءنا هذا الرجل في قارب رافعا علما أبيض، ~~ولما وصل إلينا سألناه عن غرضه، فقال إنه من جنود اليونان، وقد جاء مسلما، وإن تسليمه ليس ~~نتيجة خوف أو خيانة، ولكنه يود البقاء معنا ريثما نعود إلى مصر، ولما رأيته يتكلم العربية ~~تعجبت من حاله، وسألته عن حكايته فاعتذر بأنه لا يستطيع إطلاعي عليها، فأردت الاستفهام منه ~~عن قوة اليونانيين ومقاصدهم، فكان جوابه أنه لا يستطيع إفشاء ما اؤتمن عليه من الأسرار، ~~وإن لم يكن يوناني النزعة، غير أنه قال إن الشهامة تقضي عليه بكتمان ما يعلمه، فهددناه ~~بطرق مختلفة فلم يفه بكلمة، فتعجبت من شهامته ووافقته على طلبه فبقي معنا حتى قضت الأحوال ~~بعودتنا إلى الديار المصرية فرجع معنا، وبعد وصولنا إلى الإسكندرية بقليل لم أعد أراه. ~~وكنت دائما أفكر فيه، وأود بقاءه بين جنودي حتى رأيته الآن على ما شاهدتم منه.» فأوصى ~~الأمير بشير إبراهيم باشا وصية خاصة بمساعدته إلى أن قال: «إنك إذا فعلت ذلك معه، فكأنما ~~تكون قد فعلته معي.» # غرائب الاتفاق # في أوائل سنة 1832م، حينما كتب محمد علي باشا إلى ولده إبراهيم أن يفوض إلى الأمير بشير ~~مباشرة أعمال ولاية صيدا، وأن يكون هو المتصرف في جميع شئون الأهلين وأصحاب المقاطعات، رأى ~~غريب أن وجوده هناك لم يعد يأتي بفائدة، فطلب إلى الأمير أن يسمح له بالعودة إلى بيت الدين ~~فأذن له، فركب في جماعة من رجاله وسار بعد أن ودع صديقه سالم أغا، وبعد مسيرة يوم ونصف ~~يوم، وصل إلى مدينة صور، فلم يشأ النزول في المدينة ولكنه أراد المبيت عند رأس العين قبل ~~المدينة بنحو نصف ساعة، وهو مكان فيه مياه غزيرة تندفع من تنور قد بني حولها فانحصرت فيه، ~~وهناك بساتين تسقى منها وأرحية تدور بها، فنصبت لهم الخيام هناك، وكانت الشمس قد مالت إلى ~~الغروب، والبساتين مخضرة في أول الربيع والجو صافيا ms106 على أثر وابل غسل الأرض ونقى الجو، ~~فترجل غريب عن جواده وسار يتنزه في تلك البساتين ترويحا للنفس، بعد أن أمر من معه بنصب ~~الخيام وتهيئة الطعام. وسار برفقته أحد أتباعه، فشاهد عن بعد شخصا عليه عباءة قديمة فتقدم ~~نحوه، فإذا هو شيخ طاعن في السن بيده عكاز، وقد أرخى شعر رأسه الشائب على كتفيه، وكانت ~~لحيته ملء صدره، وتلوح على وجهه أمارات الكآبة، فتأمله فإذا هو ماش مطرق لا يلتفت يمينا ~~ولا يسارا، فتعجب من حاله، وحدثته نفسه أن يسأله عن أمره فناداه قائلا: إلى أين يا حضرة ~~الشيخ؟ # فانتبه الشيخ كأنه هب من نوم، ووقف ينظر إلى غريب، ثم عاد إلى الإطراق وسار. # وأعاد غريب السؤال قائلا: «ما بالك لا ترد علي جوابا؟ ألا تعلم أن المسير في هذه الأرض ~~غير مباح بدون استئذان؟» # فالتفت الشيخ مغضبا، وقال: «إني من عبيد الله، أسير في أرض الله، فما لك ولهذه ~~المعارضة؟» ~~••• # تعجب غريب لهذا الجواب، وتقدم إلى الرجل وأمسك بيده فنفر منه مغضبا، وهول عليه بالعصا، ~~فقال غريب في نفسه: «إن في عقل الرجل اختلالا، فالأولى أن آخذه بالتأني.» أما تابع غريب ~~فأمسكه بيده قائلا: «تأدب يا رجل واعلم أنك تخاطب ابن الأمير بشير.» # فبهت الشيخ ورفع عينيه إلى غريب وتأمله برهة، ثم أطرق إلى الأرض، ولكنه صار يرتجف حتى ~~وقعت العصا من يده، فتأمله غريب فتوسم فيه شخصا يعرفه، فبهت مفكرا لعله يتذكر تلك ~~الصورة، ثم أوقف تابعه عن الكلام، وتقدم إلى الشيخ بكل هدوء وقال له: «ألا تريد أن تخبرني ~~عن اسمك؟» # فقال الرجل: «لا، بل أنت ما اسمك؟» # قال: «أنا الأمير غريب ابن الأمير بشير، وأنت، من أنت؟» # فرمى الشيخ بنفسه على غريب وكأنه أراد أن يتكلم فلم يستطع، وصارت شفتاه ترتجفان، ومد يده ~~إلى كوفية غريب يريد نزعها، فأراد خادم غريب منعه فلم يستطع، وعندما وقعت الكوفية عن رأس ~~غريب رنا بنظره إلى جبينه ولمسه عند أثر الضربة التي كان قد أصيب بها في الصحراء ms107 ~~بمصر. ~~••• # فتذكر غريب تلك الأيام، وفطن إلى أن هذا الرجل هو الذي أنقذه من أيدي اللصوص، فنادى بأعلى ~~صوته: «هل أنت الأمير سليمان؟» فلم يستطع الشيخ جوابا، ولكنه أومأ إليه برأسه إثباتا. ~~فصرخ غريب قائلا: «أهلا وسهلا بسيدي ومنقذي من الموت!» وطفق يقبل يديه، وأمر خادمه أن ~~يحضر ماء، رشه به وأجلسه، وأخذ يحادثه ويخفف عنه حتى سكن روعه. # ثم قال له: «ما الذي جاء بك إلى هذه الأرض بعد هذا الزمن الطويل؟ وما الذي حدث لك؟» # فتأوه الرجل وبكى، ولم يبد جوابا، ثم أخذ بأطراف الحديث، فقال: «أين والدك الأمير ~~بشير؟» قال: «هو في عكا برفقة الجنود المصرية، وعما قليل يلحق بنا إلى بيت الدين.» فقال ~~الشيخ: «هل هو بخير؟» قال: «نعم، ولا بد أنه سيسر كثيرا بمشاهدتك، فإن لك علينا فضلا ~~كبيرا، هيا بنا الآن إلى الخيام لنبيت هذه الليلة، وفي الغد نركب معا إلى بيت الدين، ~~ونبقى هناك ريثما يعود والدي فيسر بمشاهدتك.» فامتنع الرجل أولا، فألح عليه غريب حتى رافقه ~~إلى رأس العين، وهناك عرض عليه أن يغتسل ويغير ثيابه، فقال: «لا يا ولدي إن ثيابي لا ~~أغيرها، وإنما لا بأس من الاغتسال.» واغتسل، ثم مد السماط فأكلوا، وكان غريب في غاية ~~السرور لهذا الاتفاق؛ لأنه كان يشعر بثقل الجميل الذي كان عليه لذلك الرجل الذي أنقذه من ~~مخالب الموت، وقد ترك ذلك الحادث أثرا في جبينه. ~~••• # وبعد الطعام، جلسا لتناول القهوة، وبدأ غريب مفاتحة الشيخ ثانية في حكايته، فقال: «إن ~~حكايتي لا أحكيها إلا لوالدك.» فلم يراجعه، ولكنه لم يعد يعرف كيف يكرمه، وخطرت بباله ~~والدته، فقال: «إني مسرور جدا بلقياك يا سيدي، وإنما الفرح العظيم سيكون لوالدتي التي ~~كثيرا ما تذكر فضلك وتثني عليك، وبعد يومين ستشاهدك، ولا بد من أنها ستسر بك سرورا ~~عظيما.» # فقال الشيخ: «إن ذلك كله لحسن نيتكم، وأما أنا فلم أفعل شيئا، وإنما الفضل الأكبر لسيدي ~~والدكم، ولكن ...» ثم خنقته العبرات، فتعجب غريب لتأثر الرجل؛ لأنه لم يكن يعلم ms108 شيئا من الأمر ~~الذي دار بشأنه. وفي صباح اليوم التالي، ركب غريب بعد أن أركب الشيخ، وجعل في خدمته ~~رجلين، وسار الركب حتى أمسى المساء، وفي الصباح التالي ساروا حتى إذا ما اقتربوا من بيت ~~الدين سار المبشرون إلى السراي، يخبرون أهلها بقدوم الأمير غريب، فخرج الرجال لملاقاته، أما ~~والدته فكانت في انتظاره عند باب الدار. # لقاء بهيج # وصل الموكب قبل الغروب بقليل، فدخل غريب ممسكا بيد ذلك الشيخ حتى وصل إلى صحن السراي ~~الداخلي، فإذا هو بوالدته في انتظاره عند باب دار الحريم، فلما بلغها قبلته، ولم تنتبه ~~إلى الشيخ الذي أدخله معه إلى قاعة الاستقبال إلا بعد قليل فاضطرت هي ومن معها من نساء ~~السراي أن يمتنعن عن الدخول معهما حتى نادى والدته قائلا: «تعالي يا أماه وقبلي يد هذا ~~الشيخ الذي أنقذ ابنك من الموت في صحراء بني سويف!» فدخلت جميلة القاعة وركبتاها ترتجفان، ~~فلما شاهدت الرجل وتأملته صرخت قائلة: «أمين؟! أمين؟! هل أنت ما تزال على قيد الحياة؟» ~~ووقعت مغشيا عليها، فذهل غريب لذلك المنظر، وأمر بالماء وماء الزهر ليرشا على وجهها خوفا ~~عليها، وتقاطر سائر أهل السراي على مصدر الصوت، وكان ذلك الشيخ أكثر ذهولا من الجميع، لكنه ~~عندما سمع لفظ أمين صرخ: «سلمى؟! سلمى؟! هل أنت هنا؟» ووقع غائبا عن الصواب، فبهت الحضور ~~جميعا، ولكنهم شغلوا برش ماء الزهر على المصابين. وبعد قليل أفاق الاثنان وأخذ كل منهما ~~يتأمل وجه الآخر، كأنهما أصيبا بجنون ثم أعادا النداء، وضم أحدهما الآخر وتعانقا، فزاد ~~ذهول الناس، ولم يكن أحد من الحاضرين يعرف الحقيقة إلا زوجة الأمير، فأمرت كل من في القاعة ~~بالخروج منها إلا غريبا ووالدته. أما غريب فكان كأنه في حلم؛ لأنه لم يكن يعرف أن ذلك ~~الشيخ هو والده، ولا أن اسمه أمين بك، ولا أن له والدا غير الأمير بشير، ولا أن والدته ~~تدعى سلمى، فأخذ منه الاندهاش كل مأخذ، وكان يظن في أول الأمر أن والدته فعلت ذلك لشدة ~~تأثرها من تذكر ms109 الخطر الذي كان قد أحدق به، وتقدير هذا الرجل الذي أنقذه منه، ولكن لما نادى ~~كل منهما الآخر باسم غريب عنه، ولم يعد يعرف كيف يؤول ذلك المنظر، وخاف على والدته، أخذ ~~يخفف عنها، أما هي فلم تستطع إمساك نفسها عن البكاء الممزوج بالضحك من شدة الفرح، ثم قالت ~~لزوجها: «لماذا لا تقبل ولدك غريبا؟» فتركها للحال واتجه إلى غريب صارخا: «ولدي وفلذة ~~كبدي غريب، هل أنت ولدي ولم أعلم بعد؟» وأخذ يقبله ويعانقه، وعيناه تذرفان الدموع، فبكى ~~غريب مشاركة لهما، وهو في حيرة من ذلك حتى ظن نفسه في حلم. ~~••• # فتقدمت إليه زوجة الأمير بشير قائلة: «لا تذهل يا ولدي ولا تعجب مما رأيت، فإن والدك ليس ~~الأمير بشير، وإنما هو هذا الشيخ، فقبل يده واجلس لنقص عليك القصة، اجلسوا قبل كل شيء، ~~وسكنوا روعكم جميعا لنشكر الله الحي الأزلي الذي جمع شتاتكم، وهو قادر أن يحيي رميم ~~عظامكم.» ~~••• # فجلس الجميع، وأخذت زوجة الأمير تقص على غريب حكاية والده باختصار، وهو صامت يكاد لا يصدق ~~أنه في يقظة، فلما انتهت من حديثها نهض غريب ثانية وقبل يدي والده، وقد تعجب لما علم من ~~حكايته. # ثم أراد أمين بك أن يسأل سلمى عن ولدهما سليم، فأشارت إليه أن يرجئ ذلك إلى وقت آخر؛ ~~إخفاء لأمره عن غريب، وبقي الجميع صامتين برهة، ثم جاء وقت العشاء، وبعد تناول الطعام ~~ذهبت سلمى مع زوجها وولدها إلى حجرتها، وهناك سألت زوجها عن كيفية وصوله إليهم، وماذا مر به ~~من ظروف؟ فقص عليها الحكاية حتى انتهى إلى كيفية ذهابه إلى السودان طلبا للموت ليأسه من ~~الوقوف على مكان إقامتها، ثم حكى لها كيف قتل سعيدا، إلى أن قال: بعد أن ضربته انتبهت ~~وتأملته، فإذا هو لا حراك به، وتذكرت قوله إنك على قيد الحياة، فصارت روحي عزيزة علي، بعد ~~أن كنت أعرضها للسيف والنار، فعمدت إلى الفرار من موضع الوقعة، حتى وصلت إلى مأمن، فجلست ~~أحدث نفسي بما كان وكأنه حلم مر بي، فكنت ms110 تارة أكذب مخيلتي، وطورا أعود فأشعر بحقيقة ~~الوقعة، ولما ترجح لدي أن ما سمعته من سعيد كان في يقظة، تكدرت جدا لقتله بيدي وبكيت عليه ~~بكاء مرا. # فصاحت سلمى: «وا حسرتاه عليه، إنه كان خادما أمينا بل صديقا وفيا!» ~~••• # ولم تستطع إمساك دموعها، ثم استأنف زوجها الحديث قائلا: «ثم تذكرت ما قاله لي فلم ~~أستنتج شيئا صريحا لأني لم أتأكد إلا من قوله، وأنا ملق بنفسي إلى النار: «لا، لا تقتل ~~نفسك، فإن سيدتي سلمى حية.» # وكان السيف مسلولا بيدي، وكان عليه ثياب السودانيين والسيف بيده، فظننته آتيا لقتلي ~~فضربته ضربة أظنها كانت القاضية، ولم أسمع كلماته إلا بعد أن هويت بالسيف على رأسه، فلم يعد ~~يمكنني إمساك يدي، فالتفت إليه فرأيته مضرجا بدمائه، فإذا هو سعيد، وا لهفي عليه! فأسفت ~~وندمت حيث لا ينفع الندم، وكان بودي أن أتحرى أمره، لعل فيه رمقا فحال العدو بيننا. لقد ~~ترجح لي أنك على قيد الحياة، ولكني لم أعلم أين مقرك، ولا كيف أصل إلى معرفته، وكنت قد ~~تحققت أنك لست في مصر أو في سوريا، ولا فيما مررت به من بلاد السودان، فوقعت في حيرة، ~~وأسفت لأني لم أمت قبل مجيء سعيد بذلك الخبر، إذ أصبحت بعده في اضطراب عظيم، فحدثتني نفسي ~~أن أتجول في الدنيا كمن زهد فيها، لعل الله يجمعني بك، فسافرت إلى بلاد الحبش وبلاد العرب ~~وكل من رآني يحسبني درويشا، وقضيت في تلك السياحة تسع سنوات حتى سقم جسمي من الحزن والتعب، ~~فأشفقت أن أموت قبل أن أراك فقلت في نفسي: لأذهبن قبل موتي إلى البلاد التي أخذتك منها ~~لأشاهد الأماكن التي قضيت فيها أيامك الأولى. # فسرت على سواحل سوريا حتى التقيت بحبيبي غريب أمس الأول، بالقرب من صور على الحالة التي ~~شاهدني عليها، ودار ما دار بيني وبينه، وجاء بي إلى هنا، ولا تعجبي لما يظهر علي من دلائل ~~العجز والشيخوخة المبكرة، فإن الأهوال التي قاسيتها قد أنهكت جسمي وشيبتني قبل ~~الأوان.» ~~••• # كل ذلك وغريب في ms111 ذهول تام، حتى لم يكد يصدق أنه في يقظة ، وتعجب لغرابة هذا الاتفاق، وكيف ~~أن نجاته من الموت في صحراء بني سويف كانت على يد والده الحقيقي وهو لا يعلم. # التفت غريب إلى والدته قائلا: «كيف استطعت أن تحجبي عني هذا الأمر كل هذه السنين؟» ~~فقالت: «يا ولدي حجبته في أول الأمر لسببين؛ أولهما: أنني لم أر فائدة من إطلاعك على وفاة ~~أبيك في مذبحة القلعة؛ لأننا كنا نظن أنه ذبح في جملة من ذبح هناك، وثانيهما: أني كنت أود ~~كتمان أمري عن الناس كافة، حتى عن الأمير بشير، فهو لم يعلم ذلك إلا بعد عودته من مصر، وقد ~~كان ذلك رغم إرادتي. أما الرجلان الوحيدان اللذان كانا يعلمان السر، فهما خادمنا المرحوم ~~سعيد ورئيس الدير. # وأما بعد أن علمت بوجود والدك على قيد الحياة في مصر، فلم أخبرك خوفا من ألا يسمح القدر ~~بوصوله إلينا، فأكون قد سببت لك حزنا بلا جدوى، فتركتك على اعتقادك بأنك من أولاد الأمير ~~بشير، على أمل أننا إذا ظفرنا بوالدك أخبرناك بالحقيقة وإلا بقي الأمر مكتوما عنك، فنشكر ~~الله القادر على كل شيء لفضله وكرمه، فقد رد ضالتنا وجمعنا بسيدنا وملاذنا، وها أنا ذا قد شرحت ~~لك حقيقة الحال.» # فتح عكا # ظلوا في مثل هذه الأحاديث، حتى انقضى شطر من الليل وهم لا يعلمون، ولا يشعرون بميل إلى ~~النعاس؛ إذ كانوا مستدفئين في غرفتهم يسمعون عصف الرياح والزوابع وصوت الثلوج المتساقطة، ~~والرعود القاصفة، إلى أن قالت سلمى: «أظن أنه من المستحسن أن نذهب إلى فراشنا؛ إذ قد مضى ~~معظم الليل ولم نشعر بالنعاس، ولن نشعر به ولو مضى كله، ولكن أجسادنا تحتاج إلى النوم، ~~وفي صباح الغد نجتمع ونتم حديثنا إن شاء الله.» فوافقها على رأيها، وذهب كل منهما إلى فراشه ~~مطمئنا إلا أمين بك فإنه كان لا يزال مضطرب البال على ولده سليم، فبكر في الغد إلى حجرة ~~زوجته وحده، وسألها عن حكاية ولدهما فروتها له، فأسف وبكى، فقالت له: «إني لا ms112 أزال أخفي ~~ذلك عن غريب لئلا أحزنه بدون جدوى .» فقال لها: «حسنا فعلت، بورك فيك من زوجة حكيمة فاضلة.» # ثم استيقظ غريب، وجاء إلى والديه، وقضوا ذلك النهار في الأحاديث، وبعثت سلمى إلى رئيس ~~الدير ليشاركهم الفرح، فسر كثيرا. # ومكث الجميع في فرح وسرور منتظرين رجوع الأمير بشير لعلمهم أنه يسر كثيرا بمشاهدة أمين ~~بك والتقائه بزوجته وولده، فلما عاد إلى بيت الدين وعلم بالأمر تعجب لذلك الاتفاق وشاركهم ~~الفرح، غير أنه كان مرتبك الأفكار بسبب الأحوال السياسية، وغضب الدولة العلية عليه لمساعدته ~~الجنود المصرية، حتى كتب والي حلب إلى اللبنانيين يهددهم ويأمرهم أن يختاروا واليا عليهم ~~غير الأمير بشير، فاتحد الدروز مع جنود الدولة، وقامت الحرب بينهم وبين نصارى لبنان ~~سجالا، فدارت عدة مواقع في دير القمر وزحلة والمتن، وعزمت الدروز على الاجتماع في حمانا ~~ضد الأمير ليشغلوا إبراهيم باشا عن قتال عسكر الدولة في حمص. # وكانت عكا إلى ذلك الحين لم يتم فتحها لأنها امتنعت على الجنود المصرية أكثر من خمسة ~~أشهر. # وفي 27 مايو (أيار) سنة 1832م أمر إبراهيم باشا جنوده أن يهجموا على عكا دفعة واحدة، وأن ~~يواصلوا إطلاق النار عليها ففتحها عنوة، ودخلها بجيوشه، وأعطى الأمان لعبد الله باشا فسلم ~~له، فلما أقبل عليه صافحه وطيب قلبه وطمأنه على دمه وعرضه، وسار به إلى قصر البهجة، ثم ~~أرسله بحرا إلى والده في الإسكندرية. # فلما وردت البشائر إلى بيت الدين بذلك، نهض الأمير إلى عكا لتهنئة إبراهيم باشا بالفتح، ~~فطلب غريب مرافقته، فقال: «لا حاجة يا ولدي لذهابك إلى هناك، فالأولى أن تبقى مع والدك هنا، ~~أو أن تخرج به للنزهة أو السياحة، بل الأفضل لكم البقاء هنا لأن البلاد ثائرة علينا، وقد ~~أصبح أعداؤنا كثيرين فأخشى أن يصيبكم مكروه من جماعة الدروز، وهنا يمكنكم الخروج إلى الجهات ~~القريبة للترويح عن النفس، ريثما أعود.» ~~••• # فلما رجع من عكا، أخذ يتأهب لملاقاة إبراهيم باشا في دمشق؛ لأنه كان قد سار لمحاربتها ~~فأخذ معه ولديه خليلا وأمينا، وأراد ms113 غريب مرافقته فمنعه قائلا له: «إن وجودك هنا أولى، ~~فإننا على كل حال نحتاج إلى من يحافظ على بيتنا.» فاستصوب الرأي ولكنه ركب معه لوداعه مسيرة ~~ساعتين، حتى قال له الأمير: «يكفي يا ولدي فارجع إلى والدتك ووالدك.» فرجع بجواده، ونفسه ~~تحدثه بمرافقة الأمير للحرب. وكان غريب راكبا جوادا أزرق عليه سرج مفضض، وعلى رأسه ~~الكوفية والعقال، وعلى كتفيه برنس أبيض يغطيه ويغطي ظهر جواده، وكان الجواد من جياد الخيل ~~الأصيلة، يمشي به مشية العروس، مع وعورة المسالك في تلك الجبال الصخرية، وكان غريب قلما ~~يعجب بنفسه، ولم يكن يهمه بعد ملاقاة أبيه إلا خدمته وراحته. # وفي أثناء عودته من توديع الأمير كان يفكر في وسيلة تمكنه من ذلك. # خطر جسيم # مر غريب بقصر جميل كان قد شاهده مرارا ولم يدخله، فأخذ يتأمله لانفراده عن القرية، ولما ~~يحيط به من الأشجار التي معظمها من التين والزيتون والصنوبر والتي يتخللها حقول من الكرم، ~~فانشغل بتلك المناظر، وبينما هو غارق في هذه التأملات سمع صوتا يناديه من جهة ذلك القصر: ~~«ما بالك يا أمير غريب، احترس لنفسك!» فالتفت جهة الصوت فلم ير أحدا، ولكنه سمع وقع حوافر ~~جواد مسرع وراءه، فالتفت فإذا هو برجل ملثم منقض عليه برمح في يده يريد طعنه به، فاستل ~~غريب سيفه بأسرع من لمح البصر، وضرب ذلك الرمح فقطعه نصفين، وهجم على ذلك الفارس، وهو لا ~~يعلم من هو، فصاح به: «من أنت يا خائن؟» فلم يجبه ولكنه أخرج من قربوسه شهبا ناريا يريد ~~إطلاقه عليه، فانقض عليه غريب وأمسك ذلك المسدس بيده فخرج الطلق في الهواء، فتقاطر من وراء ~~ذلك الفارس جماعة من الفرسان، جميعهم ملثمون، فصرخ فيهم غريب بقلب لا يهاب الموت: «ما غرضكم ~~مني يا لئام؟ أتظنون أني أخشى عددكم؟» قال ذلك وهجم بسيفه فضرب أحدهم على رأسه فقضى عليه، ~~وضرب الآخر فأصابه ما أصاب رفيقه، ولكنهم تكاثروا عليه حتى تعبت يده من الضرب، وأصيب بضربة ~~في ذراعه اليسرى، واستمرت الوقعة نحو نصف ساعة ms114 حتى أصبح غريب في خطر، وكاد يعمد إلى الفرار ~~ولكنه سمع صوتا يقول له: «لعينيك يا أمير غريب لا تبال بهؤلاء الخائنين الغادرين!» وإذا هو ~~بفارس ملثم خرج من تلك البساتين، وقد جرد السيف وهجم على هؤلاء الفرسان فقوي قلب غريب ~~وتشجع، وهجم عليهم ففر هؤلاء بعد أن قتل منهم ثلاثة. ~~••• # عاد غريب وهو مذهول لمجيء ذلك الفارس الملثم، ودنا منه يريد أن يعرفه، فإذا هو قد أدار ~~عنان جواده نحو ذلك القصر، بعد أن أومأ إلى غريب مودعا، فناداه غريب: «بالله عليك يا أخي، ~~قف لأكلمك!» فلم يجبه، فتعجب غريب لذلك، واشتد ميله لمعرفة الفارس، وسار في أثره، فهمز ذاك ~~جواده حتى دخل الحديقة فترجل بأسرع من لمح البصر، فتعقبه غريب إلى الحديقة، فأوقفه الخادم ~~قائلين: «ماذا تريد؟» قال غريب: «أريد مقابلة صاحب المنزل.» قال أحدهم: «إنه ليس هنا.» فقال: ~~«لا بأس فإني أريد مقابلة هذا الفارس، الذي دخل المنزل الآن.» # قال الحارس: «لم يدخل المنزل فرسان الآن، ويظهر أن الطرق تشابهت عليك.» فقال غريب: «لا ~~شبهة عندي فيما أقول؛ لأني رأيت الفارس بعيني داخلا هذه الحديقة بجواده.» فغالطه الرجل، ~~وكان غريب قد نسي جرح ذراعه لشدة تأثره من هذا الأمر، ولكنه عاد فأحس به، فخشي إذا طال ~~أمره ولم يغسله ويعالجه أن يضر به، فقال للرجل: «هل تعلم أنك تخاطب ابن الأمير بشير؟» فبهت ~~الرجل، وتقدم إلى غريب قائلا: «العفو يا سيدي، إني لم أعلم ذلك.» ثم أمسك بركاب الجواد، ~~وأنزله ودخل به إلى ذلك البيت، وأصعده إلى دور علوي، ومن هناك إلى قاعة مفروشة بأحسن ما ~~يكون من الفرش الثمين، فقال غريب: «لا حاجة لي بكل ذلك، وإنما أريد منك قليلا من الماء ~~لأغسل به جرحي، وقطعة قماش لأربطه.» # فخرج الرجل ليأتي بما أمره به، وبقي غريب في تلك القاعة يتأمل ما بها، ويعجب من حكاية ~~ذلك الفارس. وبينما هو يشرع في كشف ذراعه لغسل الدم عنه، وإذا هو بفتاة مقبلة على الغرفة ~~كأنها حورية من حور ms115 الجنان، عليها ثوب بسيط لونه أبيض ناصع، وهي طويلة القامة، رشيقة ~~الحركات، مع رزانة ووقار، عيناها سوداوان كبيرتان، ولونها قمحي وشعرها أسود حالك، قد ضفرته ~~وأرسلته على ظهرها وكتفيها، وتتجلى في محياها ملامح البساطة والكمال، مع ما هي فيه من غضاضة ~~الشباب. # فلما رآها أطرق خجلا، وعلا وجهه الاحمرار لأنه كان مكشوف الذراع، فابتدرته قائلة: «لا ~~تؤاخذني يا سيدي بمجيئي إليك من غير استئذان ولا سابق معرفة، خلافا لتقاليدنا، وإنما ~~أخبرني الخادم أنك مجروح الساعد، وقد ذهب ليأتيك بما يلزم لتضميده، وأنا الآن وحيدة في هذا ~~البيت، فلم أر بدا من المجيء لأعينك على ذلك.» فرفع غريب نظره إليها وقد ذهل لحسنها ولطفها ~~وشعر بخفقان قلبه، وكانت هذه أول مرة شعر فيها غريب بمثل ذلك الخفقان، فشكر فضلها قائلا: ~~«إني شاكر لفضلك أيتها السيدة اللطيفة، ولكني آسف لتحملك هذه المشقة بسببي، وما أطيب الظروف ~~التي ساقتني إلى مشاهدتك ولقائك.» قال ذلك وقلبه يخفق وأعضاؤه ترتجف، ثم جاء الخادم بالماء ~~فغسلت ذراعه ولفتها بالعصابة، وكان غريب في أثناء ذلك غارقا في بحار الهواجس، وقد اشتد به ~~الوجد كثيرا حتى كان يشعر عندما تمس يدها يده وهي تضمد الجرح، كأن تيارا كهربائيا جرى ~~بينهما، وهي طوال تلك المدة لم ترفع نظرها إليه، ولا نطقت بكلمة واحدة، كان الاثنان ~~صامتين، وقلباهما يتكلمان. # أول الحب نظرة # فلما انتهت من تضميد الجرح، جلست تجاه غريب، وأخذت ترحب بقدومه وتلاطفه بالكلام، أما هو ~~فكان كالغائب عن الصواب، ثم استجمع عزيمته وحاول إخفاء ما به، ولكنه لم يكن يرفع نظره إلى ~~الفتاة إلا عندما تخاطبه أو يخاطبها؛ لأن الحياء كان يمنعه من ذلك، كما كان يمنعها. ثم ~~ابتدرها بالحديث قائلا: «أرجو أن تخبريني عن صاحب هذا البيت.» فقالت الفتاة: «إنه يا سيدي ~~غائب الآن، وقد سافر في هذا الصباح مع سيادة والدكم إلى دمشق.» # قال غريب: «أعرف ذلك، ولكن أرجو أن تخبريني عن اسمه.» # قالت: «اسمه الأمير سعيد.» # قال: «أليس هو من عشيرة بني شهاب؟» # قالت: «بلى ms116 يا سيدي.» # قال: «وهل أحد من أولاده الآن ها هنا؟» # قالت : «ليس هنا من أولاده أحد سوى الفتاة التي تحدثك؛ إذ ليس له أولاد غيري.» # قال: «ونعم الفتيات أنت، والآن أريد أن أسألك سؤالا آخر وإنما أخشى أن أكون قد أكثرت من ~~التطفل، على أني في حال من الانذهال تدفعني إلى كثرة السؤال، فهل تعذرينني على كثرة تطفلي؟» # قالت: «العفو، سل ما تشاء.» # قال: «كنت في ضيق حتى كدت أدنو من الخطر، فخرج من هذا القصر فارس أنقذني من الموت، وكان ~~ملثما فلم أعرفه، ولما أردت سؤاله عن ذلك لم يجبني بشيء، فاقتفيت أثره حتى دخل هذا ~~البستان، ثم رأيته يترجل ويدخل هذا القصر.» # فأطرقت الفتاة برأسها إلى الأرض، وعلا وجهها الاحمرار ولم تبد جوابا، وأخذت تسلي نفسها ~~بثني أطراف ثوبها بين أناملها، فارتاب غريب، وندم على ذلك السؤال بعد أن قالت له إنها ~~وحيدة، وليس في البيت الآن أحد من الرجال. # واستأنف غريب الحديث قائلا: «اعذريني، لأني سألت سؤالا ربما لم يكن يليق بي أن ~~أذكره، فأسألك الصفح والمعذرة.» # فرفعت رأسها، وأجابته قائلة: «عفوا، فإنك لم تقل إلا كل ما هو لائق، وجدير بأن يقوله ~~شاب مهذب مثلك.» # فخجل غريب من هذا المديح وأطرق. # فقالت الفتاة: «أما سؤالك عن الفارس الذي خرج من هذا البيت لمساعدتك، ثم عاد إليه، ~~فسأجيبك عنه في فرصة أخرى إذا قدر لنا أن نتقابل مرة أخرى.» # قال غريب وقد هاجت عواطفه: «إذا كان لقاؤنا لا يتكرر ثانية إلا بمعركة مثل التي دعت إلى ~~اجتماعنا هذه المرة، فحبذا المعارك.» # فسكتت الفتاة، ولم تبد جوابا. # وبقي الاثنان صامتين مطرقين لا يبديان حراكا، ثم تذكر غريب والديه بغتة وخشي أن ~~يستبطئاه، والشمس قد مالت نحو الغروب، كما خطر له أيضا أن وجوده مع هذه الفتاة في ذلك ~~القصر منفردين ربما أدى إلى شبهة تضر بالفتاة، فنهض مستأذنا ونهضت لتشييعه، فلمس يدها ~~مودعا، فدعت له بالسلامة، ثم قالت له: «ألا تخشى أن يعود هؤلاء الأشقياء ثانية؟» فقال ~~لها: ms117 «لا بأس علي بإذن الله.» فخرج من البيت وكأنه قد نسي شيئا عزيزا عليه هناك، فوجد ~~الخدم قد أعدوا له الجواد فركب وسار قاصدا بيت الدين، وقبل أن يتوارى عن القصر نظر إليه ~~فإذا هو بالفتاة تنظر إليه من إحدى نوافذه، فسار وهو مشغول الفكر بها، وتملكه إحساس لم يكن ~~يحس به من ذي قبل، ورأى في نفسه ميلا شديدا إليها، وإلى المعيشة معها، ثم تذكر أن والدته ~~ذكرت له فتاة كانت تريد أن تزوجه بها قبل سفره إلى عكا، وخشي ألا يميل قلبه إلى التي ~~اختارتها والدته فيبقى مقيدا هنا، وعند ذلك ربما تؤدي به عواطفه إلى مخالفة أمر والديه، في ~~حين أنه يود أن يذعن لرغباتهما ويطيعهما في كل شيء. وسار وهو على هذه الحال من التردد ~~تتقاذفه أمواج الفكر، حتى وصل إلى بيت الدين فوجد والديه ينتظرانه بفارغ الصبر، فلما ~~لاقياه قبلاه ورأياه متغير الوجه، تبدو عليه مظاهر الارتباك. # مفاجأة # فسألته والدته عن سبب تأخيره، فحدثها عمن لاقاه في الطريق وعما حدث له معهم، وروى لها قصة ~~الفارس الذي خرج لمساعدته من ذلك القصر، وكيف أنه عاد دون أن يعرف مقره، فشكرت والدته الله ~~سبحانه وتعالى على نجاته. # ثم قال لها: «وفي هذا المساء أقص عليك بقية قصتي.» فقلقت لذلك، ولكنها صبرت حتى المساء ~~حيث جلس إليها وقص عليها ما دار بينه وبين الفتاة من الحديث إلى أن قال: «وأعترف لك يا ~~والدتي أني قد تعلقت بهذه الفتاة، لما رأيت فيها من الكمال واللطف والرقة والجمال، وأظنها ~~كانت سبب نجاتي من أيدي اللصوص، ولكنك حدثتني عن فتاة أخرى، فهل يمكن أن أعرفها يا ~~ترى؟» # وقبل أن يتوارى عن القصر التفت إليه، فإذا بالفتاة تنظر إليه من إحدى ~~نوافذه، فسار وهو مشغول الفكر بها، وتملكه إحساس لم يكن يحس به من قبل. # فقالت سلمى: «اسمع يا ولدي، أنا لا أريد أن أكرهك على ما لا تحب، وإنما أقول لك إن ~~الزواج من أهم الأمور، ولا بد من التبصر ms118 قبل التصميم عليه، وأنا لا أعرف هذه الفتاة وربما ~~تكون موافقة ، وأما تلك فإني أعرفها جيدا وهي من أسرة بني شهاب، ووالدها ليس له غيرها.» # فقال غريب: «وهذه قالت إنها وحيدة أيضا، وهي من أسرة بني شهاب.» # قالت: «كونها وحيدة ليس من الفضائل المعدودة، أما تلك فابنة أمير من الأمراء المقربين لدى ~~الأمير بشير، وقلما ينتقل في سفر مهم إلا ويستصحبه معه.» # فقال غريب: «وهذه كذلك، فما اسم والدها؟» # قالت: «الأمير سعيد.» # فصرخ غريب: «هذه هي بعينها.» # فقالت: «ولكن هذه لا يتيسر لك أن تتحدث معها وتشاهدها فإنها تتحجب عن الغرباء.» # قال: «هذا حق، ولكن قضت عليها الظروف أن تظهر أمامي، والضرورات تبيح المحظورات.» # فقالت: «أين ذلك القصر؟» # فأشار إليه، وحدد مكانه. # فقالت: «يظهر أنك على صواب فيما تقول، فإن الفتاة هي هي بعينها، ولكنك قلت إن فارسا خرج ~~من ذلك البيت وعاد إليه وليس في ذلك البيت رجال.» # فقال: «لا أعلم، وحين سألتها عن ذلك الفارس قالت: سأخبرك عنه في فرصة أخرى، ولم أفهم ~~المقصود من ذلك، وأخشى أن تكون هي ذلك الفارس.» # قالت: «وأنا لم أفهم قصدها، وإنما يقرب من الواقع أنها هي التي نادتك وحذرتك أولا، ثم ~~خرجت بنفسها ملثمة لمساعدتك، فإني أعلم أنها تحسن ركوب الخيل، وشهامتها كشهامة الرجال.» # فسر غريب لذلك لأنه استراح مما كان يتردد في نفسه، وانحلت المشكلة بأيسر سبيل. # عند ذلك استدعت سلمى زوجها، وجلس الثلاثة يتفاوضون في الأمر، فاستقر رأيهم أن يخطبوا ~~الفتاة من أبيها حالما يعود من ذلك السفر. ~~••• # أما غريب فلم يعد يستطيع صبرا على بعدها، وصار يحس أنه مشتاق إلى رؤيتها، فإن تلك النظرة ~~كانت كافية لارتباط القلبين، ولكنه كان يمسك نفسه محافظة على كرامة الفتاة، فلما عاد أبوها ~~من ذلك السفر وعاد الأمير بشير أيضا، تحدث أمين بك مع الأمير في شأن خطبة الفتاة من أبيها، ~~وسأله رأيه، فتوقف الأمير بشير عن الجواب فارتاب أمين بك في ذلك، وطلب منه أن يجيبه ~~صريحا، فقال: «إن الفتاة تربت ms119 أحسن تربية، وهي كاملة الأوصاف غير أني لا أتدخل في أمر خطبتها، ~~فإذا شئتم فاخطبوها أنتم من أبيها، أما أنا فلا أكلمه.» # قال أمين بك: «قد كنت أعلم أن سيادتك تحب ذلك الرجل بنوع خاص، وهذا مما قوى رغبتنا في ~~طلب ابنته.» # قال الأمير: «كنت كذلك، وأما الآن فقد بلغني عنه ما أوقع النفور بيني وبينه، فلا يمكنني ~~مخاطبته في شأن خطبة أو زواج.» # فقال أمين بك: «إذا كانت الحال كذلك، فنحن في غنى عن تلك الفتاة، ولا سيما أن غريبا لا ~~يعرفها ولم يرها إلا مرة واحدة بحكم الاتفاق.» # ولم يكن أمين بك يعلم مقدار ما كمن في قلب ولده من المحبة للفتاة، فقال ما قاله. # فلما رجع بالخبر إلى زوجته وولده، تكدرا جدا لأن والدة غريب كانت تحب الفتاة محبة عظيمة، ~~وكذلك غريب كما علمت، ولكن لا يمكنها أن تراجع الأمير بشير، ولا سيما بعد أن جاراه أمين بك ~~في ذلك. # أما غريب فأظلم النور في عينيه، ووقع في ارتباك عظيم، ولم يعد يعلم كيف يدبر الأمر، فإن ~~كلا الأمرين صعب، ولكنه تجلد وقال في نفسه: «ما لا تقدر على قضائه، فالزمن يقضيه.» وأخذ يصبر ~~نفسه منتظرا بابا للفرج، فلاح له أن أفضل وسيلة إنما هي مصالحة الأمير ووالد الفتاة، فأخذ ~~يسعى سرا في ذلك، وهو في خوف من أن تخطب الفتاة لغيره. # ويل أعظم # بقي ذلك الأمر مكتوما حتى جاء إبراهيم باشا إلى بيت الدين لجمع سلاح طائفة الدروز سنة ~~1832م، وقد كتب الأمير إلى جميع أعيان الدروز في ذلك، وأن يطيعوا الأوامر ويسلموا سلاحهم، ~~وخيم إبراهيم باشا خارج دير القمر، فكان غريب يحاول المرة بعد الأخرى مشاهدة الفتاة، وقلما ~~كان يستطيع ذلك، وإنما ظل يسعى لمصالحة أبيها مع الأمير بشير. # واتفق أنه التقى يوما بأبيها وكان يعرفه، وكان الرجل يحب غريبا لكثرة ما سمع عنه، وكان ~~التقاؤهما عصر يوم في البساتين، فأخذا بأطراف الحديث حتى كشف الأمير سعيد عن سبب النفور ~~الذي بينه وبين الأمير بشير. ms120 # فقال غريب: «يا سيدي لدي سر أريد أن أفضي به إليك.» # قال : «قل ما بدا لك.» # قال غريب: «كنت قد اتفقت مع والدتي أن تخطب لي ابنتك؛ إذ رغبت في أن تكون رفيقة حياتي، ~~ولما استشرنا الأمير بشيرا في ذلك ظهر لنا منه أنه لا يعارض في خطبة الابنة ولكنه يرى ألا ~~يقوم هو بذلك. وأنا لا يليق بي أن آتي عملا لا يرضاه الأمير، ولما كنت قد أحببت ابنتكم ~~حبا شديدا، ورأيتها أهلا لي، وأحبتها والدتي كذلك، فقد رأينا أن السبيل الوحيد لتحقيق ~~أمنيتنا أن يتم الصلح بينك وبين الأمير.» # فتأوه الأمير سعيد وصمت هنيهة، ثم قال: «اسمع يا ولدي لو سبقت وخاطبتني في هذا الأمر منذ ~~يومين لهان كل صعب، فإن الاختلاف الذي بيني وبين الأمير بشير اختلاف هين ولا يصعب زواله، ~~وإنما هناك مشكل أصعب من ذلك.» # فاختلج قلب غريب وقال: «وما ذلك المشكل؟» # فقال: «إن إبراهيم باشا بعث إلي مساء أمس، وطلب بلسان وكيله حنا بك البحري أن أوافق على ~~خطبة ابنتي لأحد كبراء ضباطه المقربين منه كثيرا، فلم يسعني إلا الاستجابة لهذه الرغبة على ~~أن أشاهد الرجل، فوعدني أنه سيأتيني به في بيتي هذه الليلة، وهذا سر أرجوك كتمانه.» # فاضطرب غريب وكاد يتميز من الغيظ، وثارت في صدره ثائرة الانتقام، وكان يشعر أنه كلما ~~تعقدت مسألة زواجه بتلك الفتاة زاد حبه لها، فقال للأمير سعيد: «والآن ما السبيل لتحقيق ~~الأمنية؟» قال: «يا ولدي ليس لدي حيلة، أنا أكثر ارتباكا منك؛ إذ لا يمكنني رفض أمر ~~إبراهيم باشا، ولا أجد من يخبرني عن أصل هذا الرجل وفصله، والبنت عزيزة عندي لأنها ~~وحيدتي.» # فحار غريب في أمره وأطرق هنيهة، ثم قال للأمير سعيد: «متى سيأتي هذا الرجل إليك؟» قال: ~~«هذه الليلة بعد الغروب بقليل.» قال: «حسنا.» وخرج يحدث نفسه بما يجب أن يفعل لحل هذا ~~المشكل، وبعد التردد مدة ساعتين، صورت له الغيرة والمحبة أن يعترض طريق الرجل في تلك الليلة ~~ويحذره أن يستمر في مقصده، فلعله ms121 يخاف فيرجع، وكانت نفسه تحدثه أنه إذا رفض الرجوع عن قصده ~~فكر في أن يقتله، لكن الشهامة كانت تردعه عن قتل نفس بريئة. وخلاصة الأمر أنه كان يتنازعه ~~عاملان مختلفان، عواطفه من جهة، وعقله من جهة أخرى، ثم قر رأيه على أن يجيب داعي عواطفه، ~~ويلقى الرجل ويهدده في الطريق، ويرى ماذا يكون منه. # إزاحة اللثام # فلما كانت الساعة الأولى بعد الغروب، لبس غريب ثيابه وأراد الخروج من البيت، فسألته ~~والدته عن جهة مسيره، فقال: «إنني ذاهب لزيارة أحد أصدقائي في معسكر إبراهيم باشا.» فقالت: ~~«ولكنا رأينا يا ولدي ما حل بك أمس وأنت وحدك.» # قال: «نعم، ولكن لكل زمان دولة ورجال، ألا تعلمين أن وجود إبراهيم باشا في هذا الجوار، ~~كاف لمنع مثل هذه الحوادث؟» قالت: «سر في حراسة الله.» # فسار وقد أخفى سلاحه تحت ثيابه، ولما خرج من بيت الدين تنكر، ووقف في الطريق المؤدية إلى ~~بيت الأمير سعيد قرب البيت، ليعترض الرجل نفسه قبل دخوله خوفا من أن يخطئ فيعترض رجلا ~~غيره، فلما كانت الساعة الثانية بعد الغروب رأى شخصا مارا وحده، يريد أن يعرج على بيت ~~الأمير فتأمله فأبصر عليه لباس الضباط المصريين: السراويل المعقودة تحت الركبتين، والزنار ~~الأحمر العريض، والطربوش التونسي، فلما رآه غريب خفق قلبه وارتعدت فرائصه من شدة التأثر، ~~وتقدم إليه مسلما فرد عليه السلام. # فقال غريب، وقد تقدم نحوه: «هل تسمح بأن تشعل لي هذا الغليون؟» فقال الضابط: «مرحبا بك، ~~وأخرج زنادا وصوفانا أشعل بهما نارا، وقدمها لغريب ليشعل غليونه، فاغتنم غريب تلك الفرصة ~~وتفرس في وجه الرجل في ضوء الصوفان المشتعل، فإذا هو وجه رجل يعرفه قبل ذلك الوقت، ولكنه لم ~~يستطع أن يميزه.» # فقال غريب: «إلى أين أنت ذاهب في هذا الليل؟» # فأجاب: «ما لك ولهذا السؤال، وهل جرت العادة هنا أن تعترضوا الناس في مسيرهم؟» # فقال غريب: «سألتك ذلك لغرض لي سأطلعك عليه، بعد أن تجيبني على سؤالي.» # قال الرجل: «ولكني لا أرى مسوغا لهذا السؤال، واعلم قبل كل ms122 شيء أنك تخاطب ضابطا من ضباط ~~إبراهيم باشا.» فاشتبه غريب في صوت الرجل وكأنه يعرفه. فقال: «أنا أعلم ذلك، وإذا كنت لا ~~تريد أن تجيبني على هذا السؤال فأخبرني عن اسمك.» # قال: «اسمي سالم أغا.» # فقال غريب: «سالم أغا! سالم، أهلا وسهلا بأخي وحبيبي أأنت الذاهب في هذا الطريق؟» # قال: «نعم وهل أنت الأمير غريب؟» # قال: «نعم.» # قال: «ما الذي جاء بك إلى هنا؟ وما غرضك من التعرض لي؟» # قال غريب: «كان ذلك خطأ مني لأني أنتظر بعض الناس، وقد اشتبهت فيك، فإلى أين أنت ذاهب؟» # قال: «إلى بيت الأمير سعيد شهاب، أليس هذا بيته؟» # قال: «هذا هو، أتريد أن أوصلك إليه؟» # قال سالم: «كما تشاء.» # ولما علم غريب أن الضابط المقصود هو سالم أغا صديقه، سكن جأشه وخمدت فيه عاطفة الانتقام، ~~وصمم على أن يتنازل عن طلبه ويساعد سالما على خطبة الفتاة. # فسار الاثنان حتى وصلا إلى الباب فطرقاه، فجاء الأمير سعيد لاستقبالهما، فلما رأى الاثنين ~~معا عجب غاية العجب، وخشي أن يترتب على ذلك أمر ذو بال، ولكنه أخفى أثر تلك الأفكار، ~~وأدخلهما غرفة الاستقبال، فجلسا، فأمر لهما بالقهوة فأحضرت. وكان الاثنان مشتغلين كل ~~الوقت بالسلام والحديث فيما جرى لهما أثناء بعد أحدهما عن الآخر، كل ذلك والأمير سعيد ~~مذهول، لا يستطيع أن يفهم سبب ذلك الاجتماع. # الصداقة الحقيقية # وبعد أن تحدثوا جميعا فترة من الوقت، بادر غريب الأمير سعيدا قائلا: «يا سيدي الأمير، ~~إننا جئناك في هذه الليلة لأمر ذي بال، وأملنا أنك لا تردنا خائبين.» # قال: «تفضلا فإن أمركما على الرأس والعين.» # قال غريب: «إني قد جئت ألتمس منك أن تسمح بابنتك سعدى لأخي سالم أغا البطل الصنديد والشهم ~~الغيور، وإذا كنت لا تعرفه فإني أخبرك أنه ممن خصهم الله بالشهامة والنخوة، ولعل إبراهيم ~~باشا يكون قد أخبرك عنه بما فيه الكفاية، وما قصدنا بهذا الطلب إلا التشرف بالقرب من ~~سيادتكم، فإن ابنتكم سعدى جوهرة ثمينة لا مثيل لها، ونحن نعلم أنها تعز على كثيرين غيرنا، ms123 ~~ولكن ثقتنا في لطفكم ومراعاتكم لخاطرنا، تؤكد لنا أنكم لا تضنون بهذه المكرمة.» # فذهل سالم أغا لما قاله غريب، لعلمه أن مسألة خطبته لم يتحدث بها أحد غير إبراهيم باشا، ~~ولم يعلم بها إلا الأمير سعيد وحده، ولم يكن الأمير سعيد أقل ذهولا؛ لعلمه أن غريبا كان ~~ناقما على سالم أغا من أجل تلك الخطبة، فوقع الاثنان في حيرة. وشعر غريب بذلك فابتدرهما ~~بالكلام قائلا: «لا تعجبا من توسطي في هذا الأمر، فإن الأخ يجب أن يساعد أخاه في مثل هذه ~~المهمة. وأنا أعتبر نفسي سعيدا إذا تم هذا الأمر على يدي.» # ثم خشي غريب أن يتنازل له سالم عن الفتاة، إذا عرف الحقيقة فطلب الانفراد بالأمير سعيد، ~~فلما خلا به قال له: اعلم يا جناب الأمير أني كنت عازما على الاقتران بكريمتكم سعدى، وكنت ~~أنتظر تلك السعادة بفروغ صبر، حتى إني حينما علمت أن غيري يريدها، تملكتني الغيرة وروح ~~الانتقام، وفكرت في التخلص منه بأية وسيلة، ولكنني حينما عرفت أن المتقدم لخطبتها هو سالم ~~أغا، أخي الذي أنقذني من الموت وأظهر من الشهامة ما لا أنساه مدى العمر، وطالما كنت أتمنى ~~أن أكافئه على جميله، نعم، حين عرفت أنه هو الذي يرغب في الاقتران بكريمتكم تغلبت على ~~عواطفي، وجئت برفقته لأساعده فيما يريد وهو لا يعلم بما جرى، فهل لك أن توافقني على خطبتها ~~إليه، وإن يكن ذلك مخالفا لتقاليد الأمراء من حفظ الزواج في أسرهم لأبنائها؟ # فتعجب الأمير سعيد من هذا الحديث، وقال لغريب: «الحق أني لم أشاهد مثل هذه الشهامة قط، ~~هكذا تكون الرجال، وإني طوع أوامرك، لكنني كنت حدثت ابنتي بهذا الأمر الآن، فرأيتها تميل ~~إليك بكل عواطفها، وقد قصت علي ما جرى لها معك، يوم أحاط بك أولئك الفرسان ونجوت منهم، ~~وأتيت إلى هذا البيت فرأت منك لطفا وفضلا زادا إعجابها بك، وأخشى أنها لا توافق على غيرك ~~عن رضا.» # فقال غريب: «إني شاكر لها محبتها لي، وأؤكد لك أن عندي أضعاف ما عندها من ms124 التعلق بي، ~~ولذلك كنت قد صممت على طلبها منك، وقد صبرت على ما في قلبي مدة طويلة كما علمت، ولكن ~~الأقدار لم تشأ أن تحقق أمنيتي؛ ولذلك فأنا من هذه الساعة أعتبرها شقيقة لي، وأحبها محبة ~~الأخ لأخته، وأرجو أن تلح عليها في قبول سالم أغا، فإنه من الرجال الذين يعز مثالهم، وأؤكد ~~لك أيضا أن أختي سعدى ستسر به، وتكون سعيدة بالعيش معه، زد على ذلك أنك تقول إن إبراهيم ~~باشا طلب إليك تحقيق هذا الأمر، فبقبولك تكون قد عملت بأمره، واتقيت غائلة غضبه، فإنه رجل ~~غضوب سريع الانتقام، وألتمس منك على كل حال ألا تدع سالما يعلم بسابق قصدي.» # فتقدم الأمير سعيد إلى غريب، وقبله قائلا: «لله درك أيها الشهم، فإني لم أشاهد طوال عمري ~~مثل هذه الشهامة، وسأفعل كل ما تأمر به.» # فقال غريب: «أشكرك يا سيدي وأرجو أن تجيبني عن مسألة قد أشكلت علي، وكانت سعدى قد وعدتني ~~بالإجابة عنها، ولعلك كنت تعلم بها فتجيبني عنها، وهي أني حين أردت أن أعرف من هو الفارس ~~الذي خرج لمعاونتي على أولئك الفرسان، سألت سعدى، فقالت إنها ستجيبني على ذلك في فرصة ~~أخرى.» # فتبسم الأمير سعيد، قائلا: «لا أخفي عليك أنها هي التي نادتك وحذرتك، ولما كنت أنت في ~~تلك المعركة كانت هي تنظر إليك من إحدى النوافذ، فلما رأت ما أحدق بك من الخطر، ولما لم يكن ~~في البيت من الرجال من تبعثه لإنقاذك، تزيت هي بزي الرجال، ونزلت بنفسها لتشجيعك، ولم ترد ~~أن تقول لك ذلك حياء منها.» # فتعجب غريب لهذه الفتاة ولهذه الخصال النبيلة التي تتصف بها، وكيف أنها جمعت لطف النساء، ~~وشجاعة الرجال وشهامتهم، وحدثته نفسه بالعودة إلى عزمه الأول من الاقتران بها، ثم تذكر ~~صداقة سالم أغا وفضله عليه، فاستسهل كل صعب في سبيل مكافأته، وقال للأمير سعيد: «إنني شاكر ~~لها، وقد رأيت أنها بذلك تليق أن تكون زوجة لصديقي سالم أغا.» # وكان سالم أغا قد ارتاب في أمر استدعاء غريب للأمير سعيد، ms125 وانفراده به مدة طويلة. وفيما ~~هو مشغول الفكر بذلك دخل عليه الخادم بالقهوة فتناولها، وكان في أثناء ذلك ينظر إلى فرش تلك ~~القاعة وأثاثها، غير أن فكره ظل مشتغلا بأمر غريب والأمير، ومن جملة ما تكهن به أن ~~الأمير سعيدا من أقرباء غريب المقربين وقد اختليا يتباحثان في هذا الأمر جريا على ~~تقاليدهما، فلما أتم شرب القهوة، أعاد الفنجان إلى الخادم، وسأله قائلا: هل الأمير غريب ~~من أقارب سيادة الأمير؟ # فقال الخادم: «نعم يا سيدي فإن كليهما من أسرة بني شهاب، ولعل القرابة بعيدة ولكنها ستصير ~~قريبة.» # فارتاب سالم بهذا الجواب، وراجعه قائلا: «وماذا تعني بذلك؟» # قال الخادم: «إن ...» وتوقف عن الكلام، ونظر إلى باب الغرفة لئلا يكون أحد قادما، فلم ير ~~أحدا فقال: «إن مراده أن يخطب ابنة الأمير سعيد له.» # فتعجب سالم أغا لذلك، وكادت تغلب عليه عواطفه، ثم تجلد وأعاد السؤال قائلا: «هل أنت ~~متأكد من ذلك؟» فقال الخادم بصوت منخفض: «نعم إني سمعت والدها يكلمها في هذا الشأن اليوم ~~قبل الغروب بقليل.» # فدهش سالم أغا وداخله شك في مرافقة غريب، وما أبداه من الحديث أمامه، وقال في نفسه: «يظهر ~~أنهما اختليا للمحادثة في ذلك، فيجب علي أن أتنازل عن الابنة لغريب لأنه أحق مني بها؛ إذ هي ~~من أقاربه وأمثاله.» # وفيما هو في ذلك، دخل الأمير سعيد وغريب وكان يلوح على وجهيهما علامات السرور والابتهاج، ~~فوجدا سالما مرتبك الأفكار، فلما جلسا قال الأمير سعيد لسالم أغا: «في الحق إني مسرور جدا ~~لما سمعته عن «جنابك» من الأمير غريب، ولذلك أعد نفسي سعيدا إذا أتيح لابنتي أن تكون خادمة ~~في بيتك، فأنا من الآن أدعوك صهري.» # فأجاب سالم أغا قائلا: «إني مدين لجنابك بواجب الثناء على هذه المنة أيها الأمير الكريم، ~~وكذلك لصديقي الأمير غريب، ولكنني في غاية الخجل منك الآن لأمر تذكرته، ولم يكن في الحسبان.» ~~فقال الأمير: «خير إن شاء الله.» فقال سالم: «لا أعلم إذا كان خيرا أو شرا، وإنما خطر لي ~~الآن أني ms126 مسافر من هذه الديار في أقرب وقت إلى حرب، ولا أعلم إن كنت سأعود منها حيا أو لا ~~أعود. وأرى الأوفق أن نؤجل أمر هذا الزواج حتى أعود، إن قدر لي ذلك إن شاء الله.» # فقال غريب: «وما هذا السفر الآن؟» # فقال سالم أغا: «أنت تعلم أن الدولة لا تزال تسعى في إخراج إبراهيم باشا من هذه الديار، ~~وإن تكن في ظاهر الأمر ولته إياها فقد لا تلبث أن تبعث له جندا لإخراجه؛ لأن الدول ~~الأجنبية غير راضية عن بقائه هنا.» # فقال غريب: «هب أن ذلك صحيح، فإني أسعى بما في وسعي لإخراجك من جند إبراهيم باشا وحروبه، ~~وتبقى معنا هنا نعيش معا ونستريح من الحروب، على أني لا أظن إبراهيم باشا قد طلب زواجك ~~دون أن يكون قد صمم على إعفائك من الأسفار.» # فلما أفحم سالم أغا تحير فيما يدفع به عن نفسه، وكان قصده بتأجيل الزواج التنازل عن ~~الفتاة لغريب، فطلب الانفراد بغريب فانفردا، فقال له: «إني في غاية العجب مما ظهر لي منك ~~هذه الليلة، فلست أدري من أخبرك بعزمي على الاقتران بابنة الأمير، وقد زاد عجبي حين علمت ~~أنك طلبت الابنة لنفسك، فلماذا لم تقترن بها؟» # فقال غريب: «إن السبب أن الأمير بشير لم يرد ذلك لنفور بينه وبين والدها.» # فقال سالم أغا: «أنا أسعى في إزالة هذا النفور، وذلك أمر سهل.» # قال غريب: «ذلك النفور لا يمكن إزالته، ولم يعد ممكنا لي الاقتران بها، فهي نصيبك، ~~وأرجو ألا تراجعني في هذا الأمر؛ لأن اقتراني بها أصبح مستحيلا، فالأولى أن تأخذها أنت ~~فإنها تليق بك.» # إبراهيم باشا # رأى سالم أن لا فائدة من إقناع غريب بهذا الأمر، فوعده أنه سوف يجري الأمر كما يشاء، وإن ~~غدا لناظره قريب، وتواعدا على أن يعودا لتقديم هدايا الخطبة، وقد أضمر سالم أن يتخلى عن ~~الفتاة لغريب بطريقة لا يبقى معها مجال للجدال. # فلما كان الغد، جاء غريب إلى مكان اللقاء ليذهبا معا لتقديم الهدايا، وانتظر سالما ~~ساعات فلم يأت ms127 فانشغل باله عليه كثيرا، ولما كان المساء ذهب إلى البيت وهو في شغل شاغل ~~بأمر سالم وتغيبه. # وفي المساء التالي، إذ كان غريب في فناء السراي يفكر في أمر سالم، رآه وهو قادم يبتسم، ~~فسأله غريب عن أمره، فقال: «لم أستطع المجيء أمس لأني كنت منهمكا في حفل الزفاف.» فقال: «أي ~~حفل تعني؟» قال: «قد عقدت على إحدى الفتيات أمس فأنا الآن متزوج.» # فعجب غريب لذلك، واعترضه قائلا: «ماذا تعني، وقد ظللت في انتظارك سحابة أمس لكي نذهب ~~لتقديم هدايا الخطبة فلم تأت؟» # فقال سالم: «نقدم هدايا من يستطيع الزواج، أما أنا فقد تم أمر زواجي ولا أحب ~~الضرائر.» # فأدرك غريب أن سالم أغا تزوج حتى لا يبقى مجال للكلام في زفاف سعدى إلى غريب، فقال له: ~~«أيليق ذلك بك؟» قال: «لا يليق بي إلا هذا، وهذه سعدى عروسك، بارك الله لك فيها، وإن فرحي ~~وسروري لعظيمان باقترانك بها، وأنا أعلم أنها لو خيرت بيننا ما اختارت سواك، فلا يليق بي ~~أن أمنعها ممن تحبه، وقد قضي الأمر فهيا بنا نؤكد عقد الخطبة لك.» # فقال: «تعال نقض هذه السهرة معا الليلة لأعرفك بوالدي، ونرى ماذا يكون عليه الأمر، وإني ~~لمعجب بشهامتك ومروءتك.» فسر سالم به وقبله، وقال: «والله لا أراني إلا مقتبسا من بحرك، ~~ولم أسمع أن شابا تخلى عن حبيبته لأحد سواك.» ~~••• # كان والدا غريب في حديث ولدهما، وحكاية الخطبة وما يتعلق بها، فسمعا فجأة وقع أقدام عند ~~الباب، وإذا هما بغريب قد دخل ومعه رفيقه فنادت سلمى: «غريب؟» فقال: «نعم يا أماه.» فتقدمت ~~نحوه فرأت سالما معه، فأرادت الرجوع فناداها قائلا: «لا حاجة إلى التحجب فإن الذي ترينه ~~معي من أعز أصدقائي، بل هو أخي في عهد الله.» ثم تقدم وعرفه بها وبأبيه وقص عليهما ما كان من ~~أمره وأمر زواجه، وما في عمله هذا من الشهامة والنخوة فأعجبا به وازدادا محبة له، وفرحا في ~~سريرة نفسهما لأنهما كانا يحبان الفتاة، فحمدا الله على ذلك. ثم أخذ الجميع ms128 يسمرون وهم ~~يتنقلون في فناء البيت في تلك الليلة المقمرة الصافية الجو ، وقد طار نومهم. # فقال غريب: «يظهر أن هذه الليلة مباركة يحلو فيها السهر!» فأمر أحد الخدم فجاءهم بالوسائد ~~ليجلسوا في ضوء القمر فجلسوا، وأخذوا يتجاذبون أطراف الحديث بعد أن ملأ أمين بك غليونه، ~~وملأ غليونا لكل من سالم أغا والأمير غريب، وأمر بإحضار القهوة. # فقال سالم أغا: «كنت أظن أن الأمير بشيرا والد أخي غريب.» # فقال غريب: «نعم هو والدي بحكم تربيته لي، وأما والدي الحقيقي فهو هذا الشيخ.» # ثم استأنف الحديث قائلا لوالده: «هذا هو الرجل الذي أنقذني من سجن عكا كما أخبرتكم منذ ~~بضع سنين.» # فقال أمين بك: «يظهر لي من ملابس جنابه أنه من ضباط إبراهيم باشا، نعم الرجل هو! إننا في ~~الحق قد أصبحنا غريقي بحار معروفه، فنطلب من الله أن يمكننا من مكافأته.» ثم قال: «هل الجنود ~~المصرية ستقيم طويلا في لبنان؟» # فقال سالم أغا: «لا أظن أن ثمة فائدة من إقامتها هنا بعد أن تجمع أسلحة الدروز، وقد ~~علمت أنهم سيجمعون أسلحة النصارى أيضا توطيدا للأمن.» # فقال أمين بك: «وهل تظن أن إبراهيم باشا يخشى خروج هذه الديار من يده؟» # قال: «لا شك أنه يخشى ذلك؛ لأن الحكومة العثمانية، وإن تكن قد ولته هذه البلاد بأوامر ~~شاهانية حسب إقرار مؤتمر كوتاهية الذي عقد في 14 مايو سنة 1833م، إلا أني أرى أن ذلك الحكم ~~لن يدوم له لأسباب كثيرة، منها أن الباب العالي لم يوافق على ذلك إلا لتحقيق إيقاف إبراهيم ~~باشا عن التقدم إلى بر الأناضول والتعدي على أملاك الدولة هناك، والذي أراه من مطامع هذا ~~البطل أعظم من ذلك كثيرا، فتراه على كثرة ما يقاسيه من القلاقل بسبب ثورات أهالي سوريا ~~المتواصلة لا ينفك ناظرا إلى ما وراء ذلك، ويخشى ألا يفوز في بر الأناضول كما فاز هنا إذ ~~ليس له هناك عضد مثل سيادة الأمير بشير.» # فقال أمين بك: «يا للعجب لهذا الرجل الباسل؛ فإني أراه أشجع من أبيه!» ms129 # قال سالم أغا: «قد سمعت الناس يتحدثون بشجاعة أبيه أيضا، وإنما الفرق بينهما على ما يظهر ~~أن والده أرق جانبا وأحسن سياسة منه، أما هو فأقرب إلى رجال الحرب من أبيه، فمحبة الناس ~~لأبيه مقرونة بالاحترام، أما محبتهم له فمقرونة بالخوف، وقد شهدته في عدة مواقع ببلاد ~~اليونان وعجبت لبسالته، ولولا الحملتان البحريتان الإنجليزية والفرنسية اللتان تغلبتا على ~~حملته في نافارين لكان فوزه هناك تاما، بالرغم مما أظهره اليونان من الهمة والنشاط والغيرة ~~الوطنية.» # نكبة الإنكشارية # فقال غريب: «ولكن ما السبب الحقيقي لثورة اليونان؟ هل تعرف عنه شيئا؟» # فقال سالم أغا: «نعم، لأني أخذت إلى تلك الديار وربيت فيها، فقد كانت بلاد اليونان ولاية ~~من ولايات الدولة العلية، غير أن الشعب اليوناني شعب تواق للحرية، وكانوا لا يكفون عن ذكر ~~دولتهم القديمة، وما كان من رفيع مجدها وعظيم سطوتها. واتفق في ذلك العهد أن ولاية الصرب ~~التي كانت من ولايات الدولة استقلت بأحكامها استقلالا محدودا، بمساعدة الدولة الروسية ~~لارتباطها معها بجامعة الدين والجنس. # فلما رأى اليونان ذلك ثارت في نفوسهم محبة الاستقلال، فأخذوا يتكاتبون في سائر أنحاء ~~العالم؛ لأن الشعب اليوناني كثير الأسفار كما تعلمون، وألفوا جمعية سرية في روسيا والنمسا ~~وبلاد اليونان وغيرها، وكانوا يضمون إليها كل الشبان اليونانيين، وأطلقوا عليها اسم «جمعية ~~الأصدقاء». # وقد كنت أنا في أثينا خادما في أحد بيوت الأعيان، وسني نحو الخامسة عشرة، فدعيت يوما مع ~~سيدي، ولا تعجبوا لقولي إني كنت خادما؛ لأن ذلك لم يكن باختياري - كما سأخبركم - فلما ~~وصلنا إلى مكان الدعوة، دخلنا قاعة منفردة قد اجتمع فيها عدد غفير من الرجال اليونانيين، ~~وفي صدرها رجل جالس، أمامه مائدة فوقها كتاب أظنه التوراة، فدعانا كل واحد بمفرده، فلما ~~دنوت منه قال لي: ضع يدك فوق هذا الكتاب، ففعلت. ثم أخذ يلقنني قسما أذكر منه ما يأتي: # أقسم بالإله الواحد قسما ثابتا، أني سأواظب على الأمانة والإخلاص لجمعية ~~الأصدقاء في كل الأمور، وأني لا أبوح بشيء من أعمالها أو أقوالها، ولا أدع ms130 أحدا من ~~أصدقائي أو أقربائي يعلم أني عالم بوجودها، وأقسم أني سأنمي الكراهية التي في قلبي ~~للمستبدين بوطني وأتباعهم وأنصارهم، وأني سأتخذ كل وسيلة لإبادتهم. وأخيرا، أقسم ~~بك يا وطني المقدس العزيز، وبما قاسيته من المشاق والعذاب، وبما سكبه أولادك من ~~الدموع السخينة خلال عدة قرون، وأقسم بما أنتظره من الحرية المستقبلة لك، أن أقف ~~نفسي لأجلك، وأن أجعلك من الآن فصاعدا محور أفكاري ومقاصدي، وأجعل اسمك نبراسي في ~~جميع أعمالي، وأكتفي بسعادتك جزاء لمتاعبي. # وأقسم هذا القسم عينه جميع من حضر، وقد علمت أن منشأ هذه الجمعية كان في أودسا تحت رئاسة ~~رجل يقال له: نقولا سكوفاس أحد تجارها، ويظهر بذلك أن الثورة كانت بدسيسة روسية. # وبقيت الأمور على ما هي عليه حتى مارس سنة 1821م، ثم ابتدأت الثورة في ولايات الدانوب، ~~بدأ بها ضابط يوناني في خدمة الجنود الروسية، حتى آل الأمر إلى نشر راية العصيان في جهات ~~الدردنيل. وكانت الآستانة إذ ذاك في اضطراب عظيم لانقسام أربابها بعضهم على بعض، حتى إن ~~بعضهم سعى في حرقها، فلما علم أهلها بما فعله اليونانيون احتدمت في قلوبهم شعلة التعصب ~~التركي، حتى بلغنا ذات يوم أن بطريرك القسطنطينية غريغوريوس ذبح عند باب الكنيسة في عيد ~~الفصح، وأن جثته أعطيت لليهود يجرونها في الأسواق، ثم علمنا بمقتل غيره من الأكليريكيين. # فاشتعل اليونانيون غيظا، وجاهروا بالعصيان والانتقام من الدولة، فلاح لجلالة السلطان ~~محمود إذ ذاك أن يتخذ جندا نظاميا يعتمد عليه في الحروب، على مثال ما فعل عزيز مصر ~~فاعترضته جنود الإنكشارية، وأنتم تعلمون أنهم الجند الذي أنشأه السلطان أورخان منذ خمسمائة ~~سنة من أولاد الأسرى النصارى المفصولين عن والديهم قبل سن الحلم، وكانوا يعلمونهم ويثقفونهم ~~بالديانة الإسلامية وعلومها. وقد باركهم حاجي بكطاش مؤسس دراويش الطريقة البكطاشية فنموا ~~وتكاثروا، وكانوا عونا كبيرا للدولة في سائر حروبها وفتوحاتها، لكنهم أصبحوا حملا ثقيلا ~~على عاتقها لفساد أمرهم وتمردهم. # فلما أراد السلطان محمود اتباع النظم الحديثة في جنده، اعترضه هؤلاء الإنكشارية، فلاح له ~~أن يسعى ms131 في التخلص من شرهم، فجمعهم مرة في ساحة الميدان، فلما اجتمعوا طلب رءوس زعمائهم ~~فاعترض جميعهم على ذلك الطلب. وكان السلطان قد صمم على اتخاذ الوسائل الفعالة، فإما أن ~~يبيدهم وإما أن يذعن لهم، فلما رأى منهم ذلك العصيان أمر بنشر السنجق الشريف؛ وهو العلم ~~النبوي، فانحاز إليه جميع المسلمين إلا العصاة، فنقل السنجق إلى جامع أحمد بقرب أتميدان ~~وبرفقته السلطان وحاشيته وقضاة العاصمة وجميع المنحازين إلى العلم، وهناك أخرج السلطان فتوى ~~بقتل الإنكشارية فقتلوا في ثلاث ساعات، وتخلصت الدولة من شرهم.» # فقال أمين بك: «قد سمعنا بمقتل الإنكشارية كما سمعنا بمقتل الأمراء المماليك بمصر منذ خمس ~~وعشرين سنة، فكأن السلطان محمودا قد فعل ذلك اقتداء بوزيره محمد علي عزيز مصر، ومثل ذلك ~~تدريبه الجند على النظام الجديد.» فلما ذكر المماليك، تأوه سالم أغا تأوها خفيفا، وقال: ~~«بقي اليونان ست سنوات يحاربون الدولة العلية بمساعدة سرية من الدول الأوروبية، وفي آخر ~~الأمر جاهرت تلك الدول بالتوسط، وهي: روسيا وإنجلترا وفرنسا، وعقدوا مؤتمرا في لندرا في 6 ~~يوليو سنة 1827م قرروا فيه أن يتحرر اليونان، وأيدوا هذا القرار بأساطيلهم لتنفيذ ذلك ~~بالقوة الجبرية. فتنحت الروسية وتقدمت الأساطيل الإنجليزية والفرنسية نحو نافارين، حيث كانت ~~الحملة العثمانية تحت قيادة إبراهيم باشا، فدارت موقعة في 21 أكتوبر سنة 1827م، انكسرت فيها ~~حملة إبراهيم باشا، وتم الاستقلال. أما أنا فقد كنت في نافارين قبل مجيء الحملتين، فنزلت ~~إلى إبراهيم باشا وسلمت له خاضعا.» # ما وراء الأكمة # قال أمين بك: «الحق أنك أفدتنا إفادة عظيمة عن استقلال المورة أو اليونان، ولكن اسمح لي ~~أن أسألك سؤالا ربما كان تطفلا مني، وإنما الأخوة التي بينك وبين ولدي غريب تجرئني عليه!» ~~قال سالم أغا: «تفضل.» # قال أمين بك: «إن تركك اليونان في حال فوزهم وانحيازك إلى إبراهيم باشا لم أره ينطبق على ~~حكم العقل، أما كان الأفضل لك البقاء هناك مستقلا؟» # عند ذلك تنفس سالم أغا الصعداء وقال: «قد تركت تلك البلاد إذ ليس لي فيها أرب، وليست ms132 هي ~~وطني، وليس لي فيها أهل، وإنما توجهت إليها بحكم الاتفاق طوعا لمطامع القرصان، وقد باعني ~~بعضهم فيها بيع الأرقاء، وكنت مدة إقامتي فيها أغتنم فرصة أتمكن بها من العودة إلى بلادي، ~~لعلي أشاهد أحدا من أهلي، فلم أستطع ذلك إلا عند مجيء إبراهيم باشا إلى اليونان كما قلت ~~لجنابكم.» # فقال غريب: «يظهر أنك خرجت من بلادك صغيرا وعدت إليها كبيرا، فهل عرفك أهلك عندما ~~شاهدوك؟» # فتنهد الرجل وتأوه وخنقته العبرات، فتعجب الجميع من حاله، ولم يفهموا سبب بلباله. # واستأنف غريب الحديث قائلا: «لقد أقلقتنا بتأوهك، فهل لك أن تخبرنا عن سبب اضطرابك، ~~لعلنا نستطيع معاونتك؟» # فقال: «إني أتأوه لأني رجعت بعد المشقة والتعب، فلم أقف لوالدتي المسكينة على أثر.» # فقالت سلمى: «وا حسرتاه على الأمهات وشقائهن! فهل تعلم والدتك الآن أنك على قيد ~~الحياة؟» # قال سالم أغا: «لا يا سيدتي لا أظنها تعلم، على أني لا أعلم إذا كانت ما تزال على قيد ~~الحياة، بعد أن غبت عنها نحوا من خمس وعشرين سنة أم أنها فارقت الدنيا؟» # قالت سلمى: «لا شك أنها لو كانت على قيد الحياة، فإنها تكون قد يئست من وجودك. ولكني ~~أراك تذكر والدتك، ولا تذكر والدك.» # فقال: «لأني تأكدت أن والدي قد مات.» # فقال غريب: «ويحك يا أخي، هل فتشت عن والدتك؟ وأين تركتها؟» # قال: «تركتها في مدينة عكا منذ خمس وعشرين سنة، وقد فتشت عنها طويلا فلم أقف لها على ~~أثر.» # فلما سمعت سلمى كلمة عكا خفق قلبها؛ لأنها تذكرت ما أصابها في تلك المدينة التي فقدت فيها ~~ولدها سليما، ونظرت إلى زوجها نظرة خفية كأنها تذكره بتلك المصيبة دون أن يفطن غريب، فرأته ~~يتنهد تنهدا عميقا، وهو ينظر إليها بطرف عينه. # فقال غريب: «هل أنتم في الأصل من أهل الشام؟» قال: «لا، وإنما نحن يا أخي من سلالة قوم ~~أفاضل من مصر، قتل والدي هناك وحملتني والدتي، وكنت في السابعة من العمر، حتى أتت بي إلى ~~عكا، وهناك نزلت في قارب وحدي للنزهة، ms133 فقذفتني الأمواج إلى البحر، فمر بي مركب يوناني ~~أخذني، وباعني قبطانه بيع الأرقاء إلى أحد التجار في نافارين، فربيت فيها حتى كبرت وتم لي ~~ما قدمت لك.» # فازداد خفقان قلب سلمى، حين تبينت الشبه الشديد بين هذه الحكاية وحكايتها، وأرادت أن ~~تتكلم فلم تستطع، فبقيت مذهولة مادة عنقها، إصغاء لنهاية الحديث، وكذلك زوجها. # فقال غريب: «يا للعجب! ونحن أيضا من بر مصر، وقد أصابنا تقريبا مثل ما أصابك، فما اسم ~~والدك لعل والدي يعرفه؟» # فقال سالم: «اسمه أمين، ووالدتي الأميرة سلمى.» # فصرخت سلمى: «ولدي سليم، حبيبي، مهجة كبدي!» ورمت نفسها عليه، وجعلت تقبله حتى أغمي ~~عليها، وكذلك زوجها. فبهت سالم لذلك، ولكن تحركت فيه العواطف، وتذكر صورتيهما بعد مضي هذه ~~المدة من الزمان، وترامى على يديهما وجعل يقبلهما، والدموع تتساقط من أعين الجميع من شدة ~~الفرح. # فبهت غريب لذلك؛ لأنه لم يكن يعلم أن له أخا يدعى سليما، ولكنه اهتم برش الماء على أبيه ~~وأمه، فلما نهضا كررا القول: «ولدي سليم، حبيبي!» فقال غريب: «ما هذا؟ من أين نبت لنا هذا ~~الأخ؟ ما بال الدهر يأتينا كل يوم بنبأ جديد؟» # ونهض غريب إلى الغرفة، حيث كان المصباح مشتعلا. وجعل يتأمل أخاه سليما، ولما علم أنه ~~أخوه حقيقة، أخذ يقبله ويعانقه. # ولا تسل عن قلب الوالدة في تلك الحال، لقد كان الجميع يحسبون أنهم في حلم. # وكان سليم أقل ذهولا من والدته؛ لأنه كان قد يئس من أن يلتقي بها، وكذلك بأبيه، فقضوا ~~تلك الليلة في الأحاديث عما جرى لهم، إذ ظل كل منهم يقص حكايته، فلم يناموا طرفة عين. ~~فلما أصبح الصباح سار أمين بك لإعلام الأمير بشير بالقصة، وطلب أن يسأل إبراهيم باشا إعفاء ~~سليم من العسكرية وإبقاءه في بيت الدين. # ثم عاد وأخبرهم بسرور الأمير البالغ باجتماع شمل تلك الأسرة المشتتة، وبعث الأمير إلى ~~سليم (سالم أغا) فهنأه بلقاء أهله، وقبل سليم يد الأمير قائلا: «إن لسيادتكم الفضل الأكبر ~~في جمع شتات هذه الأسرة فنحن غرس نعمتكم.» # ودار ms134 الحديث مدة، ثم استأذن سليم في الانصراف؛ لأن الأمير كان في انشغال بالأحوال السياسية ~~وثورات الدروز على الحكومة المصرية . # زفاف سعيد # أما ما كان من أمر سعيد، فإنه بعد انصراف غريب وسالم من عنده، اختلى بابنته وأطلعها على ~~ما تم، وجعل يرغبها في خطيبها، فلم تحر جوابا: لا سلبا ولا إيجابا، ولم يلح عليها ~~بالجواب بل تركها. وفي الصباح عاد فسألها عن رأيها في ذلك فترددت برهة، ثم قالت إنها لو لم ~~تكن قد أحبت غريبا، ما عرضت نفسها للموت من أجله، ثم أردفت: «ومن يعرف ذلك الرجل وما أصله ~~وفصله؟» # فقال الأمير سعيد: «ولكن يا ابنتي ما العمل في أمر إبراهيم باشا، هل يمكننا مراجعته؟» ~~فبكت الفتاة رغم إرادتها فوقع والدها في حيرة، ولم يدر هل يجبر ابنته الوحيدة على الاقتران ~~بمن لا تعرفه ولا تميل إليه، أو يخالف أوامر إبراهيم باشا. # ولما حان وقت الغداء، لم تذق طعاما لشدة حزنها، كل ذلك ووالدها يفكر في وسيلة لإنقاذها، ~~وإنقاذ نفسه من تلك الورطة. # وفيما هو في ذلك دخل الخادم يقول: «إن فارسين بالباب.» فخرج لاستقبالهما، فإذا هما غريب ~~وسليم، فرحب بهما كثيرا لكنهما لاحظا على وجهه سورة الغضب، فلما استقر بهم المقام، قال ~~سليم: «قد جئناك بخبر سيكون في غاية الغرابة عندك، وأظنه يسرك، وقد يكون موجبا لذهاب ~~غضبك.» # فقال الأمير سعيد: «وماذا عسى أن يكون ذلك؟» قال سليم: «إن سعدى من نصيب أخي غريب، ~~ويسرني أن أخبرك أنه أخي من أمي وأبي.» ~~••• # فتعجب الأمير سعيد ولم يفهم المقصود، فقص عليه قصة والديه من أولها إلى آخرها، فعلم ~~الأمير سعيد إذ ذاك أن قرابة غريب لبني شهاب، إنما هي من قبيل الأم، وأن الاثنين أخوان. # ولا تسل عن قلب سعدى حين علمت بما تم لها من عودة حبيبها إليها. # وقضوا بقية ذلك اليوم معا إلى المساء، يتفاوضون في أمر الزواج، فقال غريب: «الأولى أن ~~يأتي والدنا، ويدبر ذلك مع سيادتكم كما هي عادة هذه البلاد.» وبعد العشاء والسهر انصرفا ms135 إلى ~~البيت معا. # وبعد مدة سار أمين بك بعد أن استأذن الأمير بشيرا، وسارت معه سلمى إلى بيت الأمير سعيد، ~~واتفقا على موعد الزفاف. # وفي أواخر سنة 1836م، تم الزفاف باحتفال عظيم دارت فيه ألعاب السيف والعصا وركوب الخيل ~~ولعب الجريد، فقد اجتمع سائر أهل القرى المجاورة بألعابهم وموسيقاهم ومشاهير رجالهم، وفيهم ~~المهرة بلعب السيف الذين يقطعون عصا الحديد الملفوفة باللباد، وفيهم من يقطع الثور الكبير ~~نصفين بضربة، وفيهم من تفنن بالسيف حتى إنه كان يرمي منديلا من الحرير الرفيع في الهواء ثم ~~يضربه بالسيف فيقطعه شطرين، إلى غير ذلك من ألعاب السيوف، وكان في جملة اللاعبين أشهر ~~الخيالة ولاعبي الجريد، وغير ذلك من الألعاب التي برع فيها اللبنانيون. ~~••• # وعلى الجملة، فإن عرس غريب كان باحتفال عظيم جدا، دام عشرة أيام كانت بيت الدين في ~~أثنائها كأنها شعلة نار لكثرة الأنوار، وأما الموائد فلم ترفع لا ليلا ولا نهارا، وكل ذلك ~~على نفقة الأمير بشير لأنه كان يجب أن يجبر قلب ابنة عمه الأميرة سلمى بزوجها وأولادها، ~~فإن فرح هؤلاء لم يكن يقدر بعد ما قاسوه من التعب والمشقة والأخطار. # سعيد # ولكن فرحهم لم يكن تاما، لأن أمين بك وزوجته وغريب، ما انفكوا يفكرون في سعيد خادمهم ~~الأمين، وما كان من أمره، وكيف ذهب ضحية شهامته ومروءته. وكان الفرح الشديد قد أثار ذكرى ~~أيام الشقاء، فانقبضت نفس أمين بك حين تذكر الساعة التي ضرب فيها سعيدا، وشعر بندم شديد ~~لأنه لم يرجع على أثر الضربة كي يبحث عن جثته لعل فيها رمقا، فكان الاحتفال قائما، ~~والناس في هرج ومرج بين ضاربي الآلات، ولاعبي الألعاب الحربية، والمغنين، وأمين بك ساكت لا ~~يكلم أحدا إلا بما يضطر إليه؛ جوابا لمهنئ أو ردا على سؤال. # وفيما هو في ذلك جاءه رئيس الدير المعهود، وعلى وجهه أمارات البشر وسلم عليه، فهم أمين ~~بك بتقبيل يده وتأمله فقال له: «أراك يا سيادة البك في ارتباك وكدر، فما هو سبب ذلك؟ ألا ~~تقول لي؟» قال: «لست ms136 في ارتباك ولا في كدر لأني بحمد الله قد ظفرت بما كنت أتمناه من جمع ~~الشمل، ولكن فرحي لم يتم .» # فقال الرئيس: «وماذا ينقصه؟» # قال أمين بك: «ينقصه ما لا سبيل إليه، وأنا الجاني فيه.» # قال الرئيس: «عسى الله أن يفتح باب الفرج فإنه على كل شيء قدير.» # قال أمين بك: «لا شك أنه قادر سبحانه وتعالى، وإلا فمن كان يظن أننا سنلتقي معا، وقد ~~تبعثر شتاتنا في أنحاء الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا؟! ولكن ما أرجوه يا جناب الرئيس ~~بعيد المنال لأن الرجل الذي أود اللقاء به أظنه قد مات، وا أسفي عليه! بل يا لشقائي لأني ~~قتلته بيدي!» قال ذلك، وتساقطت عبراته. ~~••• # فتبسم الرئيس وضم أمين بك إلى صدره، وقال: «أظنك تعني سعيدا، إنه لم يمت، بل هو حي ~~يرزق.» # فبهت أمين بك، ولكنه عاد فظن أن الرئيس يقول ذلك على سبيل المجاملة لتخفيف حزنه، فقال: ~~«لا أظنه إلا ميتا لأن الضربة كانت قاضية.» # فقال الرئيس: «بل هو حي يا ولدي، وإذا لم تصدق أريتك إياه رأي العين؟» # فظنه أمين بك يمازحه تخفيفا لكربه فقال: «بالله دعنا من إثارة الأشجان فإني لا أرجو رؤية ~~سعيد ولا في المنام، ولكن شخصه نصب عيني سحابة النهار وبعض الليل.» # فقال الرئيس: «بل أقول لك الواقع، إن سعيدا الآن في الدير عندي، وقد جئت لأبشرك بقدومه.» ~~••• # فلما سمع أمين بك كلامه خفق قلبه، وانتصب على قدميه مذعورا، وقال: «أين هو؟ أرني ~~إياه، هلم بنا إليه؟» قال: «لا حاجة إلى ذهابك فإني ذاهب.» قال ذلك وخرج، فهرول أمين بك ~~إلى سلمى وغريب وسائر أهل بيته وأنبأهم بالخبر، فكادت قلوبهم تطير من الفرح، ولم يصدقوا ~~الخبر لبعده عن المنتظر، أما أمين بك فأوعز إلى منظمي الاحتفال أن يسيروا بالموسيقى ولاعبي ~~السيف والخيالة جميعا بموكب واحد لملاقاة سعيد وهو قادم من الدير، وسارت أسرة أمين بك ~~بأكملها وراء الجميع عدا النساء، وقد أحالوا احتفال الزفاف إلى الاحتفال بملاقاة سعيد، ~~وكان «العريس» في جملة المحتفلين، وسار ms137 الموكب من بيت الدين وأصوات العازفين والضاربين ~~والخيالة تكاد تبلغ عنان السماء. ~~••• # فلما كانوا في منتصف الطريق، قيل لأمين بك : «إن الرئيس وسعيدا قد قدما.» فتقدم هو ~~وولداه حتى التقوا بسعيد، فإذا هو قد ترجل واندفع إلى ركاب أمين بك فقبله، والتفت يمنة ~~ويسرة لعله يرى غريبا فرآه ولم يعرفه؛ لأنه فارقه صبيا وقد صار شابا، فأقبل غريب بنفسه ~~وسلم عليه، فعانقه سعيد، وعيناه تذرفان دموع الفرح، وقال لأمين بك: «أشكر الله على هذه ~~المنة، فإني طالما كنت أتمنى هذا اللقاء، وها قد رأيته بعيني، فأحمد الله. ولكني أراكم قد ~~بالغتم في إكرامي، وما أنا إلا عبدكم ولست أهلا لهذا الاهتمام!» فتقدم إليه أمين بك وقبله ~~قائلا: «ما أنت والله ألا أخ وأعز من الأخ؛ لأنك سعيت سعيا لا نستطيع مكافأتك عليه، فقد ~~كنت سببا لبقائنا كلنا، ولولاك ما بقي أحد منا حيا.» # فسكت سعيد احتراما لكلام سيده، وبعد أن وقفوا هنيهة في مثل هذه الأحاديث، عادوا على ~~الأقدام، والموكب يسير بهم نحو بيت الدين، ولكن سعيدا كان في مشيه عرج وقد ظهرت على وجهه ~~ملامح الشيخوخة والكبر. فقال له أمين بك: «كم أحب أن أعرف ماذا أنقذك من الموت، وما سبب ~~تأخرك عنا إلى هذا اليوم حتى يئسنا من حياتك.» # فتنهد سعيد وقال: «سأقص عليك الخبر قريبا، أما الآن فدعوني أرتوي من مشاهدة سيدي غريب، ~~وقد علمت أنكم تحتفلون بعرسه، فما أسعد هذا الاحتفال!» ثم نظر إلى سليم وقد استغربه وقال: ~~«ولكني لم أعرف هذا الشاب؟» فقال أمين بك: «ألا تعرفه؟» قال: «نعم، لا أظنني رأيته قبل الآن ~~أو لعلي رأيته ولا أذكر.» # فقال أمين بك: «هذا هو ولدنا سليم الذي أضعتموه في عكا.» فاتجه سعيد إليه، وقبله وقال: ~~«حبيبي، هل أنت سليم؟ سبحان الخالق العظيم، ها أنا ذا قد نلت من دنياي فوق ما كنت أرجو؛ لأني ~~لم أرج قط أن أرى سليما حيا، فهذا فوق ما كنت أنتظر، الحمد لله.» ثم سأل عن سيدته، فقيل ~~له: «هي ms138 بخير تنتظر وصوله مع سائر أهل السراي في بيت الدين.» وما أتموا حديثهم حتى وصل ~~الموكب إلى السراي، وخرج من فيها لملاقاتهم، ودخل أمين بك وسعيد إلى دار الحريم، فإذا ~~السيدة سلمى في انتظارهم، فأخذ بيدها وقبلها، فسلمت عليه ورحبت به، وقالت: «إن فرحي بعودتك ~~أكثر كثيرا من فرحي بزواج ولدي غريب لأنك الصديق الغيور.» فشكر فضلها وقال: «العفو يا ~~سيدتي، بل أنا عبدك وخادمك.» ثم جلسوا جميعا وقد عاد الموكب إلى الاحتفال بحفل الزفاف ~~وتضاعف الفرح والسرور. ~~••• # أما أمين بك، فظل منشغل الخاطر بطريقة نجاة سعيد وسبب تأخره إلى ذلك الوقت، فلما استقر ~~بهم الجلوس، قال أمين بك لسعيد: «بالله ألا أنبأتنا بكيفية نجاتك، وكيف كانت نتيجة تلك ~~الضربة!» # فقال سعيد: «لم أفق يا سيدي إلا وأنا مغلول اليدين في مكان كالسجن، وحولي جماعة ~~السودانيين من أهل شندي يتمتمون، وقد فهمت من مجمل كلامهم أنهم علموا بأني لست من إخوانهم، ~~واستدلوا على ذلك من خطابي لك، وأنت شاهر السيف وقادم إلى السودان. وكنت أسمع رطانتهم وأنا ~~بين اليقظة والغيبوبة، ثم رأيتهم جاءوني بلبن ودقيق ضمدوا بهما جراحي، ولكنهم ما لبثوا أن ~~جاءهم الخبر بقدوم الجنود المصرية للانتقام منهم، فحملوني معهم مقيدا يريدون الانتقام مني ~~فتضرعت إليهم أن يتركوني وشأني أو يقتلوني، فأبوا تركي مخافة أن أخبر المصريين بمخبآتهم، ~~ولم يريدوا قتلي لأنهم كانوا يتوقعون أن يستفيدوا مني في الاطلاع على بعض الأخبار. # وكنت قد تحسنت قليلا، فلما هموا بالمسير غافلتهم ذات ليلة وفككت قيودي وفررت من معسكرهم، ~~وكنت أظنهم لم يشعروا بي، فإذا جماعة منهم قد لحقوا بي فأسرعت في العدو، وأنا لا أزال ~~ضعيفا فأدركوني، وقد أنهكني التعب والجهد، فأعادوا الأغلال إلى رجلي ويدي، فعاودني ~~المرض لشدة ما شعرت به من صغر النفس وضيق الصدر. وما زلت على هذه الحال أياما، وهم تارة ~~يقيمون، وطورا يرحلون في أواسط الصحراء بين العطش والتعب والجوع، وذات يوم تركوني في مكان ~~كنا نزلنا فيه وساروا ولكنهم فكوا أغلالي قبل مسيرهم، وأشفق ms139 علي واحد منهم، فترك عندي ~~شيئا من الذرة وقليلا من الماء. # فبقيت في تلك الصحراء ضعيفا نحيلا لا أستطيع المسير ، ولا أقوى على النهوض، فتحققت من ~~دنو الأجل فتذكرتكم جميعا، ولا سيما حبيبي غريب لأنه ربي على ذراعي، وهاجت الذكرى أشجاني ~~فأخذت في البكاء والعويل ليلا ونهارا، ولكن تعزيتي الوحيدة في تلك الأحزان كانت أني تحققت ~~من بقاء سيدي البك حيا ورجوت أن يلتقي يوما بأهل بيته، على أنني تأسفت كثيرا لأني لم ~~أستطع أن أخبره بمحل إقامتهم. ~~••• # فقضيت أياما على تلك الحال، لا آكل ولا أشرب إلا قليلا جدا، فضلا عن خوفي واضطرابي ~~مما كنت أسمعه من أصوات الذئاب والوحوش في أثناء الليل، فلما خارت قواي وتحققت من قرب ~~الوفاة، خشيت أن أموت في تلك الصحراء، وتذهب جثتي طعاما للوحوش، فدببت على رجلي ويدي إلى ~~حفرة بالقرب مني، وعولت أن أجعلها مرقدي عند موتي فتوسدتها، وقد هزل جسمي وجف دمعي من كثرة ~~البكاء.» # فلما وصل بحديثه إلى هذه العبارة، ترقرقت الدموع في عيون السامعين، ولا سيما سلمى ~~وأمين. ~~••• # ثم عاد إلى إتمام الحديث فقال: «ولكن الله نظر إلى حالي وضعفي ففتح على بابا لم أكن ~~أنتظره؛ وذلك أنني بينما كنت في تلك الحال شاهدت غبارا متصاعدا عن بعد، ولم يمض غير قليل ~~حتى رأيت أعلاما وفرسانا، فعلمت أنها شرذمة من الجنود المصرية سائرة في أثر الهاربين، ~~فأومأت إليهم فشاهدني أحدهم فهرول إلي، وتبعه آخرون فسألوني عن حالي فأشرت إليهم أني من ~~أنصارهم ولكني ضعيف، فحملوني إلى معسكرهم وعالجوني بما وصلت إليه أيديهم فأراد الله شفائي، ~~فلما أكلت واسترجعت صوابي سألوني فأنبأتهم أني كنت من رجال إسماعيل باشا، وأخذت أسيرا ~~جريحا، ونصحت لهم أن يرجعوا عن تعقب أولئك الفارين لأنهم لن ينالوا منهم وطرا، فأذعنوا ~~لمشورتي وعادوا جميعا إلى جهات شندي وأنا معهم. وكنت قد عولت على أني حالما أستطيع المسير ~~أسرع في المجيء إلى سيدتي لأرى ماذا تم من أمر سيدي، فأقمنا في شندي مدة وأنا لا أزال ~~ضعيفا ms140 لا أستطيع تحمل مشقة الأسفار، وقد لازمتني الحمى واستعصت فمضى على سنتان في مثل هذه ~~الأحوال، وأنا لا أكاشف أحدا بمقاصدي. # ثم انتقل معسكرنا إلى مدينة الخرطوم، ولزيادة شقائي سقطت، وأنا أركب النقر (نوع من ~~المراكب السودانية) فكسرت رجلي من عند الفخذ، فلبثت في الخرطوم أعواما وفخذي لا يجبر ~~كسرها، أولا لأني لست شابا، وثانيا لأني لم أستطع مداواتها كما يجب. والأدهى من ذلك ~~أنها بعد أن كادت تشفى عادت فانكسرت، وسبب كسرها أنه جاء إلى الخرطوم وال واسمه خورشيد ~~باشا من قبل محمد علي باشا عزيز مصر، وأهل السودان كما لا يخفى على سيدي يسقفون بيوتهم ~~بالجلود والقش، فلما جاء هذا الوالي أخذ يطالب أهل الخرطوم بأن يبنوها بالآجر (القرميد) ~~فصاروا يصنعون من الآجر كميات كبيرة، فكثر البناء، وشعرت يوما أن ساقي شفيت تماما، فجئت ~~أشتغل في سقف حجرتي، فسقفت جانبا منه، ولكني لم أحسن تسنيده جيدا فسقط القرميد علي ~~فانكسرت ساقي ثانية، فعدت إلى المتاعب والبلايا، وقد قطعت الأمل من الشفاء لأن الكسر إذا ~~تكرر عسر شفاؤه، ولا سيما لمن كان مثلي. ~~••• # وأراني قد أطلت الحديث عليكم، وما نحن في مقام أقاصيص مكدرة، فأقول بإيجاز إني لبثت ~~أعواما أخرى وأنا أطبب الكسر، ولا هم لي إلا أن أراكم، حتى من الله علي بالشفاء فقمت من ~~الخرطوم السنة الماضية. وما زلت بين راكب وماش أقطع الصحاري والسهول وأركب الأنهار ~~والبحار، حتى وصلت مساء أمس إلى الدير المعهود، فأنبأني رئيسه بما انشرح له صدري، وها أنا ذا ~~لقيتكم بخير، والحمد لله.» فحمدوا الله على عودته سليما، وقال أمين بك: «إن سروري الآن قد ~~تم، فلنتم الأفراح»، فأتموها وزادوها، وأنبئوا الأمير بشيرا بمجيء سعيد، فسر، ثم سار ~~سعيد لمشاهدته، فمدح الأمير همته، وأثنى على شهامته، وكان للاحتفال بقران غريب رنة في سائر ~~أنحاء لبنان وأنفقت فيه الأموال الطائلة. # انسحاب الجنود المصرية # فلما كانت سنة 1840م، اتحدت دول أوروبا مع الدولة العثمانية على إخراج إبراهيم باشا ~~والجنود المصرية من سوريا. ولما كان ms141 الأمير بشير قد جاهر بالاتحاد مع الجنود المصرية فقد ~~استولى عليه القلق والارتباك، وجرت في تلك السنة حروب هائلة انتهت على غير المرام؛ لأن ~~الجنود المصرية اضطرت بعد دفاع عدة أشهر أن تنسحب من الديار السورية. وكان الأمير بشير ~~محافظا على اتحاده مع الدولة المصرية اعتمادا على وعود دولة فرنسا بمساعدته، فلما يئس من ~~مساعدتها عزم على أن يسلم للدولة العثمانية، وعلم أن تسليمه يستلزم الابتعاد عن لبنان، ~~فجمع ما لديه من المجوهرات والنفائس في بيت الدين، وجمع أولاده وحفدته وسائر أهل داره ~~وأتباعه، وفي جملتهم المعلم بطرس كرامة، وهم بالمسير نحو صيدا. # فلما علم أمين بك وزوجته بذلك، تفاوضوا فيما يفعلون، فقر رأيهم على مرافقة الأمير إلى ~~حيث يتوجه، فرافقوه جميعا. # وفي شهر تشرين أول (أكتوبر) سنة 1840م وصل الأمير بشير وجماعته إلى صيدا، فاستقبله حاكمها ~~خالد باشا بالإكرام وأمره أن يتوجه بحرا إلى بيروت، فتوجه إليها ومعه جميع حاشيته وأولاده ~~وأسرة أمين بك. # فلما وصلت الباخرة إلى ميناء بيروت، بعث السر عسكر يسأل الأمير أن يختار له مكانا يقيم ~~فيه غير سوريا ومصر وفرنسا، فاختار مالطة، فصدرت بذلك الأوامر، فأقلعت الباخرة بهم إلى ~~مالطة. ولا تسل عن عواطف أهل تلك الباخرة عندما تحققوا من أمر إبعادهم عن ذلك الجبل الجيد ~~الهواء، فظلوا وهم في البحر يتأملون ربا لبنان الشاهقة وما يكسوها من البساتين والغياض، وما ~~عند سفحه من المباني حتى توارت عن أبصارهم. # وبقي الأمير بشير في مالطة أحد عشر شهرا، ثم سار إلى الآستانة، فلما وصل إليها نزل ~~بإكرام جزيل. وفي اليوم الثاني من دخوله دعاه الصدر الأعظم رءوف باشا للمقابلة، ونظرا لما ~~سبق له من النفور منه لاتحاده مع الجيوش المصرية، أمر أرباب مجلسه أنه إذا دخل الأمير بشير ~~لا يقفون له تحقيرا لمقامه، فقالوا: «سمعا وطاعة.» أما بشير فاستعد لمقابلة الصدر الأعظم، ~~وقد علمت ما هو عليه من الهيبة، فوق هيبة كبر السن واتساع لحيته واسترسال شعرها على صدره، ~~وتدلي حاجبيه فوق عينيه. # فلما دخل ms142 قاعة الصدارة وقف الصدر الأعظم أولا، ثم وقف سائر الوزراء، وبعد أن قضى برهة ~~يتحادث في شئون مختلفة انصرف. فقال الوزراء للصدر الأعظم: «أمرتنا ألا نقف لهذا الرجل، ~~ورأيناك أول الواقفين!» فقال: «والله لا أعلم ما الذي أوقفني بالرغم من إرادتي، حالما شاهدت ~~وجه هذا الرجل، ولم أكن أظن أن على وجه الأرض رجلا بهذه الهيبة.» # وأمرت الدولة للأمير بدار في قرية أرناءوط كوي على خليج المدينة. وأما غريب، فكان مشتغلا ~~عن كل شيء بمناظر الآستانة ومبانيها لأنه لم يكن شاهد مثل هذه العاصمة قط. وبالإجمال فإن ~~أمين بك وسلمى وسليما وغريبا عدوا أنفسهم من أسعد البشر بعد اجتماع شملهم، وقد تزوج ~~الولدان وصاروا كلهم يشكرون الله على كل حال. # وفي السنة الثانية توفي الأمير ودفن في الآستانة، ولم نعد نسمع شيئا عن عائلة أمين بك من ~~ذلك الحين. ms143