######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.MisrCuthmaniyya.Hindawi60938635 #META# Tags: history #META# ID: 60938635 #META# Title: مصر العثمانية #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمات تمهيدية‏ # التاريخ العام‏ # مزايا التاريخ الإسلامي على سائر التواريخ‏ # موضوع هذا الكتاب‏ # تاريخ مصر العثمانية‏ # المعركة الفاصلة بين الجيشين‏ # الدور الأول من تاريخ مصر العثمانية‏ # الدور الثاني من سيادة الدولة العثمانية على مصر‏ # الدور الثالث لسيادة الدولة العثمانية على مصر أو علي بك الكبير‏ # الدور الرابع من سلطنة العثمانيين على مصر‏ # مقدمات تمهيدية‏ # التاريخ العام‏ # مزايا التاريخ الإسلامي على سائر التواريخ‏ # موضوع هذا الكتاب‏ # تاريخ مصر العثمانية‏ # المعركة الفاصلة بين الجيشين‏ # الدور الأول من تاريخ مصر العثمانية‏ # الدور الثاني من سيادة الدولة العثمانية على مصر‏ # الدور الثالث لسيادة الدولة العثمانية على مصر أو علي بك الكبير‏ # الدور الرابع من سلطنة العثمانيين على مصر‏ # | مصر العثمانية # | مصر العثمانية # تأليف ~~‏جرجي زيدان‏ # | مقدمات تمهيدية # التاريخ الإسلامي بالنظر إلى سائر التواريخ # | التاريخ العام # التاريخ العام، عبارة عن الحوادث التي رافقت الإنسان في أول وجوده إلى الآن أو ذكر ما ~~انتاب الأمم من التقدم أو التأخر والصعود أو الهبوط في السياسة والاجتماع، أو هو بيان ~~تدرج البشر في المدنية؛ ولذلك فهو مقصور على الأمم التي كان لها شأن في ترقية الهيئة ~~الاجتماعية. # وقد عبر بعضهم عن التاريخ بقوله إنه الفلسفة مشروحة بالأمثال حتى تكون حوادث ~~المتقدمين عبرة للمتأخرين. # والتاريخ العام يقتضي معرفة أخبار الناس من أول عهد الإنسان إلى الآن. وهذا غير ميسور ~~لأن ما وصل إلينا من حوادث البشر إنما هو جزء صغير جدا في تاريخهم. والإنسان لم ~~يدون تاريخه إلا بعد أن وفق لاختراع الكتابة. وهو لم يوفق إليها إلا بعد التدرج ~~في الرقي أدهارا، ظهرت في أثنائها دول وأمم انتشبت بينها الحروب، وعقدت المعاهدات، ~~وذهب العقلاء في أثنائها مذاهب في الفلسفة. فهذه كلها ذهبت أخبارها فلم يصلنا منها شيء، ~~حتى أسماء تلك الأمم، فإنها ضاعت. وإنما استدللنا على وجودها من ثمار أعمالها، أو بما ~~خلفته من الأدوات أو الأحافير أو الخرائب. # وعلماء التاريخ لا يعدون تلك المعرفة تاريخا؛ ولذلك سموا المدة التي قضاها ~~الإنسان قبل تدوين أخباره «الزمن قبل التاريخ ms001 » وهو أطول كثيرا في زمن التاريخ تقدم ~~فيها الإنسان شوطا بعيدا في سلم المدنية والارتقاء العقلي. وفيها تألفت الهيئة ~~الاجتماعية ووضعت سنن الزواج والإرث، وانتظمت العائلة. وفيها شكلت الحكومات، وأنشئت ~~الأديان. وفيها حدثت أهم الاختراعات والاكتشافات التي بنى عليها البشر رقيهم في زمن ~~التاريخ؛ لأن في تلك الفترة المظلمة، اخترعت الكتابة، واستنبط الطبخ والعجن والخبز ~~والغزل والنسيج والخياطة والبناء، واكتشفت النار والملح، وهما من أهم ~~الاكتشافات. # من لنا بمن يخبرنا عن مخترع الكتابة الصورية لنشيد له تذكارا، أو مخترع الإبرة ~~لننصب له تمثالا، بل لو عرفنا مكتشف النار؛ أي أول من ولد النار بالفرك، لحق له ~~علينا الإكرام الجزيل. إن ذلك وأمثاله من أعمال الإنسان قبل زمن التاريخ لا يدخل في علم ~~التاريخ ولا إلى معرفته سبيل إلا بالتخمين. # أما زمن التاريخ فهو الذي عرفنا أممه وقبائله ودوله وبعض حوادثه، إما من الكتب التي ~~وصلت إلينا أو من النقوش التي قرأناها في الآثار أو من أحوال أخرى. وهو لا يتجاوز في ~~مدته ستة آلاف سنة، نصفها الأول ناقص، وأكثره مبني على الحدس والتخمين، والنصف الآخر ~~محشو في أوائله بالمبالغات أو الخرافات، ولكن أكثره ثابت لرجوعه إلى النصوص التاريخية ~~بعد شيوع الكتابة. ~~(1) ما معنى لفظ تاريخ؟ # وقبل التقدم إلى ذكر أقسام التاريخ؛ نتكلم عن أصل هذا اللفظ في العربية. وقد ~~اختلفت الأقوال فيه؛ فذهب جماعة إلى أنه فارسي، وقال آخرون إنه يوناني. وتكلفوا في ~~تخريجه تكلفا نحن في غنى عنه لأن اللفظ عربي، وفي القاموس «أرخ الكتاب يأرخه ~~أرخا: وقته»؛ أي عرف وقته. ثم تفرع المعنى فصاروا يدلون بها عن علم التاريخ ~~أي ذكر الوقائع والحوادث. ولعل سبب الشك في كون هذا اللفظ عربيا أن العرب أخذوا ~~التاريخ عن الفرس. وقيل لهم إن اسمه عند الفرس «ماه روز» فعربوها «مؤرخ» ثم اشتقوا ~~منها مصدرا «تاريخ» وهو تكلف لا حاجة بنا إليه؛ فدفعا لكل شك في كون هذا ~~اللفظ عربيا نأتي بأشباهه من أخوات اللغة العربية. # فهو في العبرانية «يرخ» ومعناه: القمر ms002 ، ومثلها «يرحا» في السريانية لنفس هذا ~~المعنى ونحو ذلك في الكلدانية والأشورية. وهي أيضا تدل عندهم على الشهر؛ لأن ~~حسابهم كان قمريا. وكذلك الشهر والقمر في العربية بمعنى واحد، ولا عبرة في إبدال ~~الخاء «حاء» بين العربية وأخواتها، فإنه عادي فيها. ومن بقايا دلالة «يرح» أو «أرخ» ~~على القمر في العربية، قول العرب «راح» أي ذهب أو جاء في العشي؛ أي في نور القمر. ~~والمعنى راجع إلى العشي بدون تقييد بالذهاب أو المجيء، مثل قولهم أصبح وأمسى. ثم ~~غلبت فيها الدلالة على الذهاب في العشي ثم صارت تدل على مطلق الذهاب. وقد يكون ~~اللفظ الواحد معناه القمر في إحدى هذه اللغات، والشهر في اللغة الأخرى، فإن «سهر» ~~في السريانية معناها قمر في العربية وهو «الشهر» بإبدال السين شينا. وقد بقي في ~~معناها الأصلي في العربية «الساهور» وهو القمر أو غلافه. والخلاصة أن لفظ التاريخ ~~عربي الأصل والاشتقاق. ~~(2) أقسام التاريخ العام # اختلف المؤرخون في تقسيم زمن التاريخ وتبويبه. والأكثر يرون قسمته إلى ثلاثة ~~أقسام؛ الأول: التاريخ القديم ويبدأ بأقدم الأزمان، وينتهي عند سقوط رومية سنة 476 ~~للميلاد. والقسم الثاني: القرون الوسطى أو المظلمة، وهي تمتد من هذا التاريخ إلى ~~اكتشاف أميركا سنة 1492 مسيحية. والثالث: التاريخ الحديث، من اكتشاف أميركا ولا ~~يزال. # ذلك هو تقسيم التاريخ العام عند كتاب الإفرنج، وهو في اعتبارنا تقسيم ناقص، ~~مبني على الأحوال التي توالت في أوربا وأميركا، ولا يدخل فيها من تاريخ الشرق إلا ~~الدول القديمة في مصر وبابل وفينيقية وغيرها من التمدن القديم. ولم يراعوا فيه ~~الانقلابات السياسية العظيمة التي توالت في الشرق بعد ذهاب تلك الدول، وكان لها ~~تأثير كبير في تاريخ العمران في سائر أنحاء العالم المتمدن. # أما أقسام التاريخ العام بالنظر إلى الشرق وأممه ودوله، فإنه في نظرنا يقسم إلى ~~قسمين كبيرين، أو هما شطران؛ شرقي وغربي، نعبر عنهما بتاريخ الشرق، وتاريخ الغرب. ~~ونقصد بالشرق آسيا على الإجمال ومعها وادي النيل وما يليه من البلاد التي تمدنت ~~قديما في أفريقيا، ونعني ms003 بالغرب أوربا وأميركا وما يلحقهما. # ولكل من هذين الشطرين ثلاثة أطوار أو أعصر تتشابه في التقسيم ولكنها تختلف في ~~الزمن، لكل منها عصر قديم وعصر متوسط وعصر حديث، لكن الشرق متقدم فيها على الغرب ~~وسابق منه في عوامل المدنية. # فتاريخ الشرق القديم يمتد من أقدم الأزمنة إلى فتح الإسكندر المكدوني بلاد فارس ~~سنة 331 قبل الميلاد. # وتاريخه الأوسط أو قرونه الوسطى أو المظلمة تمتد من فتح الإسكندر إلى ظهور ~~الإسلام سنة 622 للميلاد أو السنة الأولى للهجرة. # وتاريخه الحديث يبدأ بظهور الإسلام ولا يزال. ثم إن تاريخ الإسلام ينقسم إلى عصور ~~سيأتي بيانها. # أما تاريخ الغرب القديم فيبدأ من أول تمدنه نحو القرن الخامس عشر قبل الميلاد في ~~بلاد اليونان. وقد اقتبس أصول تمدنه من أمم الشرق القديمة في مصر وفينيقية وبابل ~~وغيرها، وينتهي بسقوط رومية سنة 476م. وسبب انقضائه، هجوم البربر، بدو شمال أوربا ~~«قبائل الجرمان» على المملكة الرومانية. وفي أثنائه دخل الشرق في أجياله الوسطى ~~بسقوط دولة الفرس، كما تقدم. # وتاريخ الغرب الأوسط هو عصر الظلمة أو القرون الوسطى في أوربا. يبدأ بسقوط رومية، ~~وتسلط البربر إلى بزوغ نور التمدن الحديث بعد اكتشاف أميركا سنة 1492م. وقد أغفل ~~فيه الغربيون علوم أسلافهم اليونان. ونهض الشرق في أثنائه من عصوره المظلمة بظهور ~~الإسلام وقيام دولة العرب، فأخذوا تلك العلوم وترجموها. # فتاريخ الإسلام هو تاريخ الشرق الحديث، وبه نهض الشرق من غفلته واستعاد رونقه ~~ومجده، وامتد سلطان المسلمين على أضعاف ممالك أسلافهم الشرقيين، وخفقت أعلامهم ~~على مماليك الفراعنة والفينيقيين والآشوريين والبابليين والفرس والأرمن والهند ~~والترك والمغول والمغاربة وسائر بلاد المشرق، وقسم من أوربا؛ في إسبانيا وفرنسا ~~وإيطاليا، مما لم يسبق له مثيل. ~~(3) أقسام تاريخ الإسلام # يقسم تاريخ الإسلام إلى خمسة أعصر: ~~(1) ~~«عصر التكون والنمو»: من ظهور ~~الإسلام إلى آخر الدولة الأموية بالشام وهو عصر الفتوح في الدولتين، أو ~~العصر العربي. ~~(2) ~~«عصر البلوغ»: من أول الدولة ~~العباسية 132ه إلى تغلب الجند التركي سنة 222 للهجرة. وهو يشتمل على ~~إبان الدولة العباسية، ms004 وفيه نشأ الأدب، ونقلت علوم القدماء إلى ~~العربية . وهو عصر الإسلام الذهبي، ويعرف بالعصر الفارسي؛ لأن الدولة ~~فيه كانت بأيدي الوزراء الفرس. ~~(3) ~~«عصر التفرع والتشعب»: من تسلط ~~الأتراك إلى سقوط بغداد. وفيه تفرعت هذه الدولة إلى دول من أمم ~~مختلفة في أنحاء مختلفة. ونشأت دول جديدة كدولة الفاطميين بمصر ~~والأمويين بالأندلس والسلاجقة في الشام وغيرها. ونشأت سائر دول الأتراك ~~والأكراد والفرس وغيرهم. ~~(4) ~~«القرون الإسلامية الوسطى»: من سقوط ~~بغداد إلى أوائل القرن التاسع عشر. ~~(5) ~~«النهضة الأخيرة»: من أوائل القرن ~~الماضي، ولا تزال. وهي مقتبسة من تمدن الغرب الحديث. # ويقسم التاريخ على الإجمال أيضا إلى عام وخاص. والعام يتضمن تاريخ البشر عموما. ~~والخاص يشمل التاريخ الخاص المتعلق بموضوع واحد؛ كتاريخ أمة، أو مملكة، أو ولاية، ~~أو مدينة أو دولة أو عائلة أو شخص. والمتعلق بشخص واحد يسمى ترجمة، أو سيرة، أو ~~حادثة مأثورة؛ كتاريخ الإخلاص، ومذبحة المماليك، وحادثة عرابي، وظهور المتمهدي، ~~ونحو ذلك. # ويسمى التاريخ الخصوصي بأسماء تختلف باختلاف موضوعه؛ كتاريخ الكنيسة والتاريخ ~~السياسي والشرعي والقضائي والتجاري والأدبي والعلمي ونحو ذلك. # | مزايا التاريخ الإسلامي على سائر التواريخ # فتاريخ الإسلام من التواريخ الخاصة المتعلقة بالأمم أو الدول؛ لأن المراد بها ذكر ~~حوادث الأمة الإسلامية أو الدولة الإسلامية، ومقابلة تاريخ الرومان أو اليونان أو الفرس ~~ونحوهم، لكنه يمتاز عنها بأمور جديرة بالاعتبار، أهمها: ~~(6) # أن تاريخ الإسلام حلقة موصلة بين الشرق والغرب؛ لأنه بامتداد أصحابه إلى ~~أقصى الشرق وإلى أقصى الغرب تمكنوا من الوصل بينهما. وهو أيضا حلقة موصلة ~~بين التمدن الغربي القديم، والتمدن الغربي الحديث؛ لأنه حفظ ما توالى على ~~عوامل التمدن الغربي القديم من التغيير أو التحوير في العلوم الفلسفية ~~والطب مما اشتغل به المسلمون في أثناء تمدنهم، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا ~~بتاريخ الإسلام. ~~(7) # يمتاز تاريخ الإسلام عن سائر تواريخ الأمم والدول، بما يدخل تحته من ~~تواريخ العناصر المختلفة التي أنقها الإسلام في أواسط آسيا وغيرها، وكانت ~~في حال البداوة أو الهمجية، فساقها إلى المدنية، أو العلم حتى نبغ منها ~~العلماء ms005 والفلاسفة ورجال السياسة والإدارة. وأشهرهم الأتراك والمغول ~~والبربر والزنوج. # وهنا نقطة يحسن بنا الوقوف عندها لحظة، لنذكر شيئا عن كل من تلك ~~الأمم: ~~(1) الأتراك # كان الأتراك قبل الإسلام، أهل بادية يقيمون في أواسط آسيا بين الهند والصين ~~وسيبريا. ولم يعرفوا عن أهل الغرب من اليونان أو الرومان إلا قليلا. فكان الفرس يقتنونهم للرق والخدمة، ~~ويتهادونهم كما يتهادون المتاع. فلما جاء العرب وفتحوا بلادهم وجندوهم، نهضوا في ~~جملة الناهضين، وتولوا الإمارات. ثم أنشئوا الدول العظمى في فارس والعراق والشام ~~ومصر وآسيا الصغرى والقسطنطينية وأفغانستان وتركستان. وأشهرها الدولة الطولونية ~~والإيليكية والإخشيدية والغزنوية والسلجوقية بفروعها ودول الأتابكة التي تخلفت ~~عنها. ويزيد عدد الدول الشرعية الإسلامية على ثلاثين دولة. واتسع سلطانهم حتى وطئت ~~خيولهم أواسط أوربا، ونبغ منهم القواد والساسة والفقهاء والكتاب وشادوا القصور ~~والمساجد والمعاهد. وأنشئوا المارستانات والمدارس والتكيات. # وأكثر ما بقي من آثار الإسلام في مصر والشام والعراق من بنائهم، فهؤلاء لا سبيل ~~إلى معرفة أحوالهم إلا بتاريخ الإسلام. ~~(2) المغول # والمغول طوائف رحل، كانوا يقيمون حوالي ~~بحيرة «بيقال» في جنوبي سيبريا. ولم يظهروا للعالم إلا بعد الإسلام. وكانوا قبل ذلك ~~قبائل يعيشون بالغزو والنهب والصيد والقنص. # فلما احتكوا بالمسلمين في تركستان ورأوا دولهم وجيوشهم، عملوا على الاقتداء بهم، ~~حتى عمدوا إلى فتح مملكتهم ففتحوها ببداوتهم وخشونتهم، وأمعنوا فيها قتلا ونهبا ~~وإحراقا على يد جنكيز خان. ولكنهم ما لبثوا أن تحضروا، لمعاشرتهم المسلمين في فارس ~~والعراق. وأنشئوا دولا عظمى حكمت الشرق خمسة قرون ونصف قرن، أشهرها أربع دول كبرى ~~هي دول أقطاي وطلوي وجوجي وجغطاي. # وتفرعت منها دول أخرى امتدت سطوتها وخفقت ~~أعلامها على زنقاريا وبلاد المغول والقبجاق وتركستان. وفتحوا المملكة الإسلامية، ~~وأمعنوا في بلاد فارس والعراق والشام. # ونبغ منهم الساسة والقواد، بعد أن كانوا أهل أوثان، أسلموا وشادوا المساجد ~~والمدارس والمعاهد، وعمروا المدن في أقصى الشرق وأقاموا فيها الأبنية الباذخة، ~~والقصور الشامخة، وغرسوا الحدائق والبساتين وهذه الدول لا سبيل إلى معرفة أخبارها ~~إلا بتاريخ الإسلام. ~~(3) البربر # ويراد بهم أفريقيا الشمالية، وهم قبائل ms006 رحل، كانوا قبل الإسلام من الهمجية ~~والجهلة على جانب عظيم، وكانوا أصحاب أوثان، يعتصمون الجبال ويتقاضون إلى الكهان، ~~يكرهون المدنية وأهلها، وقد قاسى اليونان واليونان والرومان من غزوهم ونهبهم عذابا ~~شديدا، ولم يكن لهم شغل غير ذلك، ولاقى العرب أيام الفتح مشقة كبرى في إخضاعهم، ~~فلما خضعوا وأسلموا تجندوا للخلفاء والأمراء، وافتتحوا البلاد، ولاسيما في الغرب ~~فاكتسحوا الأندلس بقيادة طارق بن زياد، وكانوا عونا كبيرا في قيام دولة الأدارسة ~~والدولة الفاطمية، وأنشئوا دولة الملثمين والمرابطين والموحدين والمصامدة وآل زبري ~~وغيرهم مما لا يحصى، وقد جندوا الجنود وبنوا المعاقل وأخذوا بأسباب المدنية ولا ~~وسيلة لمعرفة أخبارهم إلا بتاريخ الإسلام. ~~(4) الزنوج # كان الزنوج، ولا يزال السواد الأعظم منهم، يحملون إلى الآفاق كما تحمل الأغنام - ~~يباعون بيع السلع - فكانوا يرضخون تحت نير المتمدنين، وكانوا يعبدون الحجارة أو ~~الشجر، وبعضهم لا يفهم معنى الدين أو العبادة. وكان المعروف في مواطنهم عند ظهور ~~الإسلام شمالي أفريقيا وبعض غربيها وشرقيها. # فلما انساج العرب في الأرض للفتح أو المهاجرة، ذهبت قبائل منهم إلى أواسط ~~أفريقيا، فضلا عن شواطئها، فاكتسب الزنوج منهم أخلاق الأمم المتمدنة، وأسلموا. ثم ~~انتظموا في الجندية، وتألفت منهم فرق حاربت تحت رايات الخلفاء في بلاط الخلفاء، ~~حتى صاروا من أهل الحل والعقد. # وتولى بعضهم الحكومة، ثم تجندوا لأنفسهم، ونهضوا كما تنهض الأمم الراقية، فألفوا ~~جيشا حاربوا به الدولة العباسية عدة سنين، حتى أقلقوا راحتها. وفتحوا المدن، ~~وكادوا يؤسسون دولة إسلامية كبرى. # على أنهم أنشائوا دولا صغرى في أواسط أفريقيا وغربيها، ونبغ منهم الحكام والقواد، ~~وأشهرهم: كافور الإخشيدي صاحب مصر. وظهر غير واحد من الشعراء ونظموا القصائد ~~الحسنة، ونبغ منهم جماعة من القراء والفقهاء، وتدخل أخبارهم في تاريخ ~~الإسلام. # وقس على ذلك أخبار أمم الشمال: كالكرج والأرمن والأكراد والخزر والصقالبة ~~وغيرهم. # ناهيك بالعرب أنفسهم وتاريخهم قبل الإسلام ~~وبعده، لولا الإسلام لذهبت أخبارهم وأخبار الأمم الإسلامية الأخرى. وأكثر ما يعرفه ~~المتمدنون في هذه الأمم، أخذوا تاريخ الإسلام. ~~(8) # أرخ المسلمون فترة من الدهر، لم يعرف تاريخها لولاهم؛ ms007 لأن حوادث ~~ظهور الإسلام وما تلاه من أخبار الفتح وما عقب ذلك من إنشاء التمدن ~~ونشر لواء العلم ونقل الفلسفة وغيرها من علوم القدماء، وما اقتضاه ذلك ~~من التغيير والتبديل، قلما عرف عنه الإفرنج شيئا لولا تاريخ ~~الإسلام. ~~(9) # إن مدة هذا التاريخ أطول من مدد سائر التواريخ؛ لأن الإسلام يشمل ~~دولا شتى إسلامية، إذا انقضت دولة قامت أخرى. ونحن في القرن الرابع ~~عشر من تاريخ الهجرة. وقد توالى في الإسلام مئات من الدول من أمم ~~مختلفة في آسيا وأفريقيا وأوربا. ولا يزال من هذه الدول كثير حتى الآن ~~في هذه القارات. منها الدول الكبرى كالدولة العثمانية والفارسية والدول ~~الصغرى في الهند وجزيرة العرب وأفريقيا. # ولا نعرف أمة طال سلطانها في الأرض مثل هذه المدة. ولا يزال عمر ~~الإسلام طويلا، بل هو في نهضة إصلاحية تساعده على طول بقائه. فهو لذلك ~~يحتوي على تاريخ أطول من سائر التواريخ. ~~(10) # يمتاز تاريخ الإسلام عن سواه أنه يشتمل على تاريخ السياسة والدين ~~والعلم والشريعة. وهذا قلما يجتمع في التواريخ الأخرى. # وتاريخ الفقه الإسلامي لا يدانيه تاريخ فقه لأمة من أمم الأرض بما ~~يدخل فيه من إعمال الفكر واستنباط العقل. وقس عليه تاريخ العلم؛ لأن ~~المسلمين أتوا في نهضتهم العلمية في العصر العباسي بما لم يأته غيرهم ~~في نهضة، فقد اشتغلوا بعلوم اليونان والفرس والهنود والسريان وغيرهم ~~ونقلوها إلى لسانهم وذكروا أخبارها وأحوالها، فضلا عما في اختلاف أجناس ~~المؤرخين من جوامع الفوائد، فإن بينهم العربي والفارسي والتركي والرومي ~~والمصري والسرياني والهندي وغيرهم. ولكل امة مزية، فاجتمعت هذه المزايا ~~في تاريخ الإسلام. ~~(11) # يشتمل تاريخ الإسلام على عبر تاريخية لا يتيسر اجتماع مثلها في ~~تاريخ أمة أخرى؛ لكثرة العناصر والأجناس الداخلة في الإسلام، ولكل ~~منها عادات وأخلاق. # وكان في كتاب المسلمين ميل إلى ذكر الحوادث والإشارة إلى العبرة ~~والوفاء فيها. على أننا لا ننكر ما في تواريخ الأمم الأخرى من المزايا ~~التي قد تمتاز بها على تاريخ الإسلام. ~~(5) تاريخ مصر بالنظر إلى سواه # إن تاريخ مصر من ms008 قبيل التواريخ الخاصة؛ لأنه يختص بمصر دون سواها من البلاد، وهو ~~تاريخ طويل؛ لأن مصر من البلاد التي تمدنت قديما، ولعلها أقدم الممالك المتمدنة ~~التي وصل إلينا خبرها. ويقسم تاريخها إلى قسمين كبيرين: قديم وحديث. # فالتاريخ القديم يشتمل على تاريخها من أول عهدها إلى الفتح الإسلامي، ويدخل فيه ~~تاريخ دول الفراعنة، وينتهي هذا بفتح الإسكندر الإسكندرية سنة 332ق.م. ودولة ~~البطالسة تبدأ بفتح الإسكندر وتنتهي بالفتح الروماني سنة 30ق.م. والدولة الرومانية ~~تبدأ بهذا الفتح وتنتهي بفتوح الإسلام سنة 640م. # وتاريخها الحديث يبدأ بفتوح الإسلام سنة 640م، ولا يزال، وهو تاريخها ~~الإسلامي. # ويقسم تاريخها الحديث الإسلامي إلى 12 دولة كلها إسلامية، يتخللها الفتح ~~الفرنساوي على يد «بونابرت» ثلاث سنوات. ونعدها دولة ثالثة عشرة، وهي: ~~(1) # دولة الخلفاء الراشدين: من سنة 18-41ه أو من 640-661م. ~~(2) # الدولة الأموية: من 41-132ه أو من 661-750م. ~~(3) # الدولة العباسية: للمرة الأولى من 132-257ه أو من 750-870م. ~~(4) # الدولة الطولونية: من 257-292ه أو من 780-905م. ~~(5) # الدولة العباسية: للمرة الثانية من 292-323ه أو من 905-934م. ~~(6) # الدولة الإخشيدية: من 323-358ه أو من 934-969م. ~~(7) # الدولة الفاطمية: من 358-567ه أو من 969-1171م. ~~(8) # الدولة الأيوبية: من 567-648ه أو من 1171-1250م. ~~(9) # دولة المماليك الأولى: من 684-784ه أو من 1250-1382م. ~~(10) # دولة المماليك الثانية: من 784-923ه أو من 1382-1517م. ~~(11) # الدولة العثمانية: من 923-1213ه أو من 1517-1798م. ~~(12) # الحملة الفرنساوية: من 1213-1216ه أو من 1798-1801م. ~~(13) # الدولة المحمدية العلوية: من 1216ه أو 1801م ولا تزال. # | موضوع هذا الكتاب # فموضوع هذا الكتاب يقتصر على الدولة الحادية عشرة من الدول الإسلامية التي دخلت مصر ~~في حوزتها؛ نعني الدولة العثمانية بعد إخراج المدة التي كانت مصر في أثنائها تحت سيطرة ~~الفرنساوي، على أثر الحملة الفرنساوية من سنة 1798-1801 فيكون موضوع هذا الكتاب، تاريخ ~~مصر العثمانية من الفتح العثماني سنة 923-1213ه أو من 1517-1798م وهو أظلم أقسام ~~التاريخ المصري الحديث؛ لأن مصر كانت في أثنائه مضطربة. وقد استبد بها المماليك وفسدت ~~حكومتها، وقل من كتب في تاريخها من المحققين. على أننا سنبذل الجهد في إيضاح ذلك ms009 ~~التاريخ. # ولا بد لنا قبل التقدم إلى الكلام فيه من أن نقدم القول بمقدمات تمهيدية لزيادة ~~الإيضاح فنقول: ~~(1) ما كانت عليه مصر عند الفتح العثماني # ويقتضي بيان ذلك أن نأتي بفذلكة تاريخ السلاطين المماليك الذين انتقلت مصر من ~~أيديهم إلى العثمانيين على يد السلطان سليم الفاتح. ~~(1-1) السلاطين المماليك # ويراد بالسلاطين المماليك؛ الدولة التي أنشأها مماليك الدولة الأيوبية بعد ~~انقضائها. # حكمت الدولة الأيوبية من سنة 567-648ه، وهي كردية؛ لأن مؤسسها السلطان صلاح ~~الدين الأيوبي، كردي. وهو من أعظم رجال الإسلام تعقلا وسياسة وبسالة ~~وتدبيرا، أنشأ دولته على أنقاض الدولة الفاطمية بمصر، وبايع فيها للخلفاء ~~العباسيين، وحارب الصليبيين وردهم عن سوريا، وأنقذ بيت المقدس من أيديهم. ~~ومآثره أشهر من أن تذكر، وارتفع شأن الأكراد في أيام دولته، وتولوا الإمارات ~~والولايات في مصر والشام وكردستان واليمن وخراسان. # ولما مات اقتسم مملكته، إخوته وأولاده وأولاد إخوته؛ ولذلك لم يطل حكمها، ~~فغلبهم على معظمها مماليكهم الأتراك، كما غلبت الأتابكة ملوكهم السلاجقة قبلهم، ~~فكان المماليك في مصر دولتان تعرفان بالسلاطين المماليك. ~~(1-2) أصل السلاطين المماليك # يدل اسم المماليك على أصلهم فقد كانوا أرقاء مملوكين، ثم صار الحكم إليهم. ~~وهم من الأتراك، كانوا في الأصل جندا مأجورا أو مبتاعا، بدأ استخدام الأتراك ~~في الجندية على هذه الصورة في أيام المعتصم العباسي في أوائل القرن الثالث ~~للهجرة. فإنه استقدم منهم جماعة من تركستان ابتاعهم أو استرضاهم أو استأجرهم ~~لتعزيز حاشيته خوفا من تغلب أحد الحزبين اللذين استفحل شأنهما يومئذ في أثناء ~~الفتنة بين أخويه الأمين والمأمون؛ إذ قام العرب مع الأمين، والفرس مع المأمون. ~~وكان الشأن الأكبر في أول الدولة العباسية للجند الخراساني (الفرس) وهم الذين ~~نقلوا الدولة الإسلامية من بني أمية إلى العباسيين. وكان العرب أقوياء لأنهم ~~قوام الدولة، ومنهم الخلفاء وهم مادة الإسلام وأصله. وكان الفرس من حزب ~~البرامكة. وكان الرشيد ذا عصبية للعرب ويخاف الفرس؛ لأنهم أنصار الشيعة العلوية ~~فنكب البرامكة خوفا. # ولما اختلف الأمين والمأمون وتنازعا على الخلافة بعد الرشيد. كان العرب مع ms010 ~~الأمين، والفرس مع المأمون، لأن أمه فارسية، والأمين أمه عربية هاشمية «زبيدة». ~~وكان الفوز للمأمون وقتل الأمين، فانحط شأن العرب، وصارت السيادة إلى ~~الفارسيين أنصار المأمون واستبدوا في الدولة. # وكانت الحضارة قد أضرت بالمسلمين وأذهبت منهم قوة التغلب والفتح. ففكر ~~المعتصم أخو المأمون في ذلك قبل أن تفضي الخلافة إليه، وكانت أمه تركية، وفيه ~~كثير من طبائع الأتراك مع الميل إليهم؛ لأنهم أخواله. كما كان يميل المأمون إلى ~~الفرس لنفس هذا السبب. # وشاهد المعتصم من جرأة الفرس وتطاولهم بعد قتل أخيه الأمين حتى أصبح يخافهم ~~على نفسه. ولم تكن له ثقة العرب وقد ذهبت عصبتهم وأخلدوا إلى الحضارة والترف ~~وانكسرت شوكتهم فرأى أن يتقوى بالأتراك وهم لا يزالون إلى ذلك العهد أهل بداوة ~~وبطش مع الجرأة على الجر والصبر على شظف العيش فجعل يتخير منهم الأشداء يبتاعهم ~~بالمال من مواليهم في العراق، أو يبعث في طلبهم من تركستان وغيرها. فاجتمع عنده ~~عدة آلاف منهم. وفيهم جمال وصحة، فألبسهم أثواب الديباج والمناطق المذهبة ~~والحلية المذهبة، وميزهم بالزي عن سائر الجنود. ~~(1-3) دولة المماليك الأولى # وصار تجنيد الأتراك من ذلك الحين قاعدة في الدول الإسلامية. ومن جملتها ~~الدولة الأيوبية بمصر، فإن الملك الصالح ابن الكامل (637-647ه) استكثر من ~~اقتنائهم حتى جعل منهم بطانته وأمراء دولته والمحيطين بدهليزه وصارت مناصب ~~الدولة إليهم، وأمنع حصون البلاد في قبضتهم قد اتخذوها مستقرا لهم حتى إذا ~~ضاقت ذرعا من الإحاطة بهم ابتنوا - بأمر الملك الصالح - قصورا عظيمة متقنة ~~البناء منيعة الجانب من جزيرة الروضة بضواحي القاهرة قرب المقياس. وقد زادها ~~مركزها الطبيعي مناعة وجمالا، لأن النيل يتفرع هناك إلى فرعين، وكان يدعى نقطة ~~تفرعه بالبحر؛ لعظم اتساعه، فسمي هؤلاء المماليك بالمماليك البحرية، ومنها اسم ~~دولتهم تمييزا لها عن دولة المماليك الشراكسة، الآتي ذكرها. # وكانت سطوة المماليك البحرية تنتشر يوما فيوما إلى أن طمعوا بخلع السلطان ~~وتولي الملك مكانه. فلما تولى الملك المعظم آخر سلاطين بني أيوب، وكان على ما ~~كان عليه من الاستبداد، أنفت نفوسهم من ms011 أعماله فسعوا فيه إلى أن قتلوه. # ولما قتل الملك المعظم اختلفت الأحزاب فيمن يبايعون بعده وكل فئة تحاول ~~استبقاء الحكم في يدها وتعاظم الخصام فتداركت الأمر شجرة الدر، وهي محظية كانت ~~لها منزلة عند الملك المعظم وسائر رجال الدولة فرأت حزب المماليك أعز جانبا من ~~الجميع. وكانت قبلا قد تواطأت مع أيبك عز الدين وهو من أعظم الأمراء المماليك ~~نفوذا وبينهما علاقات ودية من أيام الملك الصالح، فتمكنت بهذه الصداقة من ~~مبايعة الجميع لها مما لم يسبق له مثيل في الإسلام لكنها لم تستطع استبقاء ~~الحكم في قبضتها أكثر من سنة فخلعها المماليك وولوا أيبك عز الدين المذكور ~~سنة 648 وله منازعون ومناظرون. وزاد الأمر إشكالا تعدي الصليبيين على دمياط في ~~تلك الأثناء. # وما زالت السيادة تنتقل من واحد إلى آخر منهم حتى أفضت إلى الظاهر بيبرس ~~البندقداري أعظم سلاطينهم (658-676ه). # الملك الظاهر بيبرس # وكان الملك الظاهر ملكا حازما، شديد البطش كثير الغزوات، خفيف الركاب ~~يحب السفر، وكان مشهورا بالفروسية في الحرب. وله إقدام وعزم على القتال، ~~وثبات عند التقاء الجيوش حتى لقبوه بأبي الفتوح. وكان شعاره الأسد، إشارة ~~إلى شجاعته. # ومن أعماله المأثورة أنه عمر الحرم النبوي، وقبة الصخرة في بيت المقدس. ~~وزاد في أوقاف الخليل، وعمر قناطر شبرامنت بالجيزة وسور الإسكندرية ومنار ~~رشيد. وردم فم بحر دمياط ووعر طريقه، وعمر الشنواني، وعمر قلعة دمشق ~~وقلاعا عديدة في أنحاء سورية، وعمر المدرسة بين القصرين في القاهرة ~~والجامع الكبير بالحسينية وهو المعروف الآن بجامع الظاهر، وحفر خليج ~~الإسكندرية القديم وباشره بنفسه. وبنى هناك قرية سماها الظاهرية، وحفر بحر ~~أشمون طناح، وجدد الجامع الأزهر بالقاهرة وأعاد إليه الخطبة، وعمر بلد ~~السعيدية من الشرقية بمصر، وبنى القصر الأبلق في دمشق، وغير ذلك من الآثار ~~الباقية إلى اليوم. # واشتهر الملك الظاهر بحروبه مع الصليبيين، فاستولى على بلاد كثيرة من ~~سوريا وفلسطين وحلب، وفتح بلاد النوبة وبرقة. # وفي أيامه جاء العباسيون إلى مصر على أثر فرارهم من بغداد بعد سقوطها ~~بأيدي التتر وقتل الخليفة ms012 المستعصم سنة 656ه، فجاء منهم إلى مصر الإمام ~~أحمد بن الخليفة الظاهر بأمر الله. فوصل مصر سنة 659ه. فاستقبله الملك ~~الظاهر أحسن استقبال، وبايعه، وأثبت نسبه في مجلس من القضاة والعلماء، ~~وأراد أن يسترجع لهم بغداد، فأرسل جندا لاستخراجها من سلطة التتر فلم ~~يفلح، في حديث يطول شرحه، لكنه أفلح في جعل مصر مقر الخلفاء العباسيين، ~~وصاروا لا يثبت سلطان منهم على كرسي مصر إلا إذا بايعه الخليفة العباسي بما ~~له من السيادة الدينية. # بقية دولة المماليك الأولى أو البحرية # مات الملك الظاهر سنة 676ه. وخلفه على الملك ولداه بركة خان ثم سلامش، ~~ولم يكونا أهلا للرئاسة، فتغلب عليهما وحتى كان على سلامش، اسمه سيف الدين ~~قلاوون الألفي، فخلع سلامش وتسلم زمام الأحكام، فبويع ولقب بالملك ~~المنصور. # وكانت مدة حكمه بضع عشرة سنة من 678-698ه. وكان حسن الشكل، ربع القامة، ~~قليل الكلام بالعربية. وكان شجاعا بطلا مقداما في الحرب، مغرما بشراء ~~المماليك حتى قيل إنه تكامل عنده 12000 مملوك أكثرهم من الشراكسة. وحارب ~~الصليبيين وغيرهم. وخلف آثارا بنائية لا يزال بعضها قائما إلى اليوم، ~~منها المارستان المنصوري، وجامع قلاوون في شارع النحاسين بمصر. # وبلغ من عنايته بالمماليك أنه غير ملابسهم، وألبسهم المخمل الأحمر ~~والأخضر والسمور والفرو، وكان استكثاره من المماليك الشراكسة، سببا في ~~خروج السلطة من نسله كما أصاب الملك الصالح باستكثاره من المماليك الأتراك، ~~فتوالى على الملك بعده بعض أولاده وبعض مماليكه الأتراك. ولم يثبت الملك ~~طويلا إلا لابنه الناصر بن قلاوون من سنة 709-741ه، فخلف آثارا كثيرة، ~~وحارب حروبا جمة. ومن جملة آثاره مجراة الماء، والسقايات السبع على حدود ~~مصر القديمة في القاهرة. # وتكاثرت مماليك الملك الناصر المذكور في أواخر أيامه، وانتقل الحكم بعده ~~إلى أبنائه الواحد بعد الآخر، وهم ثمانية، من سنة 741-762ه. ومنهم السلطان ~~حسن صاحب الجامع المعروف باسمه في مصر. وانتقل بعدهم إلى جماعة من أهلهم ~~حكموا 22 سنة أخرى، حتى انتقل سنة 784ه إلى دولة المماليك الشراكسة أو ~~«دولة المماليك الثانية». ~~(1-4) دولة المماليك ms013 الثانية، أو الشراكسة # والمماليك الشراكسة هم مماليك السلطان قلاوون المتقدم ذكره. وهم جنس من أهل ~~آسيا يخالف الأتراك، أصلهم من جهات سيبريا ونواحي بحيرة «بيقال». وهاجروا في ~~القرن السادس للميلاد إلى غربي بحر قزوين يحملون من بلادهم للاتجار بهم في ~~أنحاء العالم، فاقتنى منهم سلطان المماليك البحرية الأخير عددا وافرا فضلا ~~عن المماليك البحرية اقتداء بأسلافه. وكانوا يستخدمونهم في صالح الدولة ~~فارتقوا فيها تبعا لما خصتهم به الطبيعة من الجمال والذكاء حتى صارت إليهم ~~حماية الحصون والقلاع فجعلوا سكناهم في الأبراج فلقبوا «بالبرجية» وما زالوا ~~يزدادون عددا وقوة ومنعة حتى تاقت نفوسهم إلى تسلق كرسي الملك يجعلونه إرثا ~~في نسلهم. # فتمكنوا من ذلك على يد مملوك منهم اسمه حازم برقوق، وهو ابن مرتد شركسي اسمه ~~أنس. تدرج في مصالح الدولة من أدناها إلى أعلاها بحزمه ودهائه حتى تمكن من تسلق ~~كرسي الملك سنة 783ه، وما زال حاكما نافذ الكلمة إلى سنة 801ه. # وفي أيامه حمل «تيمورلنك» القائد التتري على العالم الإسلامي حتى هدد حدود ~~سوريا فحمل عليه برقوق في صفد وأوقفه عند حده. ~~(1-5) أول علائق العثمانيين بمصر # وفي أثناء ذلك أفضت سلطنة آل عثمان إلى السلطان بايازيد في آسيا الصغرى، وقد ~~طمع بمصر فجاء تيمورلنك لينازعه عليها وعلى مصر، فبعث كل منهما وفدا إلى ~~القاهرة. فطلب وفد بايازيد إلى برقوق أن يعاهده على السلم، وإلى الخليفة ~~العباسي المقيم في القاهرة أن يقر بايازيد رسميا على سلطنة الأناضول، فأجابهم ~~إلى ما طلبوه. # أما وفد تيمورلنك فاتخذوا خطة أخرى لأنهم استعملوا الخشونة والفظاظة في ~~أقوالهم ومطالبهم، فطلبوا منه أن يسلم لهم قرا يوسف، وأحمد بن أويس اللذين قد ~~التجآ إليه. فطيب برقوق خاطرهم وأخذهم بالملاينة فازدادوا فجورا، فأمر ~~بقتلهم، فشق ذلك على تيمورلنك، فساق جيشه وقدم للانتقام فمر بالرها وقتل من ~~فيها، ثم جاء حلب فأنكى فيها، ثم توقف عن مسيره لغرض في نفسه يسهل عليه ~~افتتاح مصر. فلم يغفل برقوق عن ذلك، فأكثر من الجند والسلاح، وتأهب للدفاع أو ~~الهجوم ms014 لكنه لم يكد يتم هذه التأهبات حتى أدركته الوفاة. # والسلطان برقوق أعظم سلاطين دولة المماليك الشراكسة أو الثانية، وله آثار ~~منها جامع لا يزال يعرف باسمه وكان له ولع خاص باقتناء الأسلحة، ونظم الجند، ~~وعين رتبه، وجعل مناصب الدولة إلى تسعة من كبار الموظفين أكبرهم أتابك ~~العساكر، فرأس نوبة الأمراء، فأمير السلاح، فأمير المجلس، فأمير الياخور، ~~فالدوادار، فرأس النوبة الثاني ، فحاجب الحجاب، وهو أول من عقد مع العثمانيين ~~صلحا أو عهدا، كما رأيت. # وتولى الملك بعده اثنان من أولاده الواحد بعد الآخر، ثم تنازع السيادة مماليك ~~آخرون، يطول بنا ذكر عدد حكمهم، أهمهم فيما نحن فيه؛ الملك الأشرف قايتباي من ~~سنة 872-901ه. # تولى الملك والمملكة المصرية في اضطراب، وفي أيامه اقتضت الأحوال أن ~~تتداخل الدولة العثمانية بمصر، وتعاديها. وذلك أن السلطان محمد الثاني حارب ملك ~~الفرس «أوزون» وتغلب عليه. وكان بين المصريين والفرس تحالف، ثم ما لبث «قايت ~~بك» أن سمع بعزم السلطان المذكور على فتح «سوريا» سنة 885ه. ولكن لم يخرج من بر ~~الأناضول حتى داهمته المنية في مدينة «طيفور جابر»، وتخاصم ابناه «بايازيد»، ~~و«جم» أو «زيزم» على الملك، فشغلا عن الفتح، فاغتنم قايت باي تلك الفرصة وانسحب ~~بجيشه إلى مصر. # وما زال الخصام يتعاظم بين ابني محمد حتى كانت بينهم واقعة «يكي شهر» فانهزم ~~جم حتى أتى مصر، والتجأ إلى قايت بك، فأكرم وفادته، ثم علم أن ذلك الإكرام يهيج ~~حاسة الانتقام في بايازيد «الثاني» فقال في نفسه: «إذا كان لا بد من محاربة ~~العثمانيين فلنكن مهاجمين أولى من أن نكون مدافعين»، فجعل يناوئ الأتراك ويقطع ~~السبل على قوافلهم الناقلة الحجاج إلى الحرمين حتى قبض على وفد هندي مرسل في ~~مهمة سياسية إلى بايازيد. واستولى على «أدنة» و«ترسوس» وكانتا في حوزة ~~العثمانيين. # أما بايازيد فكان واقفا بالمرصاد ينتحل حجة لمهاجمة المصريين فجاءت تلك ~~الإجراءات طينة على عجينة، إلا أنه رأى أن يأتيهم من باب الحزم فأنفذ إليهم ~~رسلا في طلب التعويض عما سببوه من الخسائر والأضرار. فأرجع «قايت ms015 باي» الرسل ~~وبعث يهاجم الجيوش العثمانية، فقاومته أشد المقاومة، وأرجعت جيشه إلى ملاطية، ~~فأنجدهم «قايت باي» بخمسة آلاف رجل فعادوا إلى العثمانيين وهم في مضايق الجبال، ~~فهجموا عليهم بغتة، وذبحوا منهم عددا كبيرا، وفر الباقون وتحصنوا في «ترسوس» ~~و«أدنة»، فأنفذ جيشا كبيرا تحت قيادة صهره أحمد، وهو ابن أمير البوسنة، فلما ~~وصل إلى معسكر الأزبكي، اقتتل الجيشان فهجم أحمد هجمة قوية، لكن رجاله لم ~~يستطيعوا الثبات، ففازت الجيوش المصرية، وأسر أحمد بعد أن جاهد جهادا حسنا، ~~فعاد الأزبكي بأسيره إلى مصر ظافرا، فبنى جامعه المشهور المعروف بجامع ~~الأزبكية، وكانت في أيامه بركة يتجمع إليها الماء أيام الفيضان وهي التي صارت ~~الآن حديقة الأزبكية. # فلما بلغ بايازيد ما كان من انكسار جيوشه، استشاط غضبا، وجند جندا كبيرا ~~جعله تحت قيادة «علي باشا» لمحاربة المصريين، فسارت تلك الحملة من الآستانة ~~فعبرت البوسفور في 3 ربيع آخر سنة 893، ونزلت قرمان، فاتصل خبرها بقايت بك، ~~فأوجس خيفة فعمد إلى المصالحة، فأنفذ إلى بايزيد صهره أحمد واسطة لعقد شروط ~~الصلح، فرفض بايازيد ذلك رفضا باتا، وسار حتى التقى بالمصريين في «أدنة» ~~و«ترسوس» فحاربهم وفاز عليهم، واسترجع المدينتين الواحدة بعد الأخرى، بعد أن ~~أهدر دماء غزيرة ثم سار إلى أرمينيا وأخضعها، وحاصر عاصمتها، فافتتحها بعد أن ~~دافعت دفاعا قويا، وأسر حاكمها، وأرسله بعد ذلك إلى مصر بدلا من الأمير ~~أحمد، فبعث قايت باي الأزبكي ثانية لدفع العثمانيين فواقعهم في «ترسوس»، فغلبوه ~~أولا ثم عاد إليهم وفاز بهم وأعادهم القهقرى وعاد إلى القاهرة ظافرا، فخلع ~~عليه قايت باي، ثم رأى أن يغتنم كونه ظافرا لمصالحة العثمانيين، فبعث إلى ~~بايزيد في ذلك فأجابه وطلب إليه أن يتنازل له عن «ترسوس» و«أدنة» وأنه إذا لم ~~يفعل يدعو الناس إلى الجهاد، فيجتمع تحت لوائه كل من يدعو لآل عثمان، فيجيء مصر ~~ويفتحها فتحا مبينا. فخاف قايت بك وتنازل عن المدينتين اكتفاء بأهون الشرين ~~وكان ذلك سنة 896ه. فقايت بك أول من حارب العثمانيين. وكان عادلا محبوبا، وما ~~زال العقلاء الذين ms016 عاصروا سائر دولة المماليك يضربون المثل بأيامه، ويطلبون ~~الرجوع إلى مثلها. ~~(2) حرب أخرى مع العثمانيين: قنسو الغوري # خلف قايتباي على مصر خمسة سلاطين لم يطل حكمهم أكثر من خمس سنين لاضطراب الأحوال ~~فجاء بعدهم السلطان قنسو الغوري حكم من سنة 906-922ه وكان مخلصا في الحكم وهو صاحب ~~الجامع المعروف باسمه في القاهرة. # ويهمنا هنا أن في أيامه حدث اختلاف آخر بين العثمانيين والمصريين. وذلك أن كركود ~~أخا السلطان سليم بايازيد جاء مصر سنة 918ه، فارا من أخيه، وكانا قد تخاصما على ~~الملك كما حصل بجم وبايازيد قبلا، فرحب قنسو الغوري به ترحابا عظيما وجهزه ~~بعشرين بارجة بحرية لافتتاح القسطنطينية، فذهبت العمارة غنيمة لمراكب «أورشليم» في ~~البحر المتوسط ولم تكن النتيجة إلا إثارة غضب السلطان سليم على مصر فجهز إليها، ~~وابتدأ بفتح الحدود السورية وأرسل إلى مصر رسائل التهديد، فاتحد الغوري مع ملك ~~الفرس إسماعيل شاه على قهر العثمانيين، وكان الفرس في حرب معهم وسنعود إلى تفصيل ~~ذلك إلا أن الجيوش العثمانية لم تبال بكثرة العدد فشتتت الجيشين وأي تشتيت! فعمد ~~قنسو الغوري إلى مخابرة العثمانيين بأمر الصلح على أي وجه كان، وبعث إلى السلطان ~~سليم بذلك فسارت الرسل إلى السلطان سليم فخروا ساجدين وخاطبوه بأمر الصلح، فقال لهم ~~وقد استشاط غيظا: «لقد فات الأوان. انهضوا وارجعوا إلى سلطانكم وقولوا له، إن ~~الرجل لا تعثر بحجر واحد مرتين، وها إني ذاهب إلى القاهرة فيستعد للدفاع إن كان ~~له أهلا.» # فعادوا وأخبروا بما كان، فجمع قنسو رجاله وزحف لملاقاة الجيوش العثمانية فالتقى ~~بها في «مرج دابق» قرب حلب فانتشبت الحرب هناك وأظهر الغوري بسالة وثباتا عظيمين ~~حتى أوشكت رجاله أن تستظهر، فمنعتها مدافع العثمانيين من ذلك ولم يكن للمصريين مثل ~~ذلك السلاح فتشوش نظامهم ووقع الرعب في قلوبهم، وانحاز قائدا جناحيهم إلى ~~العثمانيين، وكان الغوري قائدا لقلب الجيش فاضطر إلى الفرار، فحول شكيمة جواده، ~~فسقط عنه لشدة الازدحام وقتل تحت أرجل الخيل سنة 922ه. ~~(2-1) آخر السلاطين المماليك # فخلفه الملك «الأشرف طومان ms017 باي» ابن أخيه، وفي أيامه فتح السلطان سليم مصر ~~وصارت عثمانية، ولم يتم طومان باي سنة في حكمه. وقبل التقدم إلى تفصيل ذلك ~~الفتح، نأتي بفذلكة عن تاريخ الدولة العثمانية إلى سنة الفتح فنقول: ~~(3) الدولة العثمانية # هي دولة تركية لكنها تختلف عن دولة المماليك التركية (الأولى) المتقدم ذكرها أن ~~أصحابها لم يكونوا من المماليك بل هم قوم أحرار أهل سيادة، جاءوا فاتحين. وقد نشأت ~~في الإسلام عدة دول تركية منها أربع دول نشأت وانقرضت في أيام العباسيين قبل سقوط ~~بغداد، وكان مؤسسوها في الغالب عمالا للعباسيين في بعض الولايات ثم استقلوا، ~~وهي: الدولة الطولونية والأيلكية والإخشيدية والغزنوية، وليس في الدول التركية دولة ~~كان أصحابها أهل سيادة في بلادهم وجاءوا المملكة الإسلامية فاتحين إلا السلاجقة ~~والعثمانيين. # أما دولة السلاجقة فمؤسسها أمير تركي كان في خدمة بعض خانات تركستان فعلم باختلال ~~المملكة العباسية، فطمع بها وعلم أنه لا يبلغ ذلك وهو على غير دين الإسلام، فأسلم ~~هو وقبيلته وسائر جنده ورجال عصبيته دفعة واحدة. ونهض بجميع هؤلاء من تركستان ~~وساروا غربا فقطعوا نهر جيحون وتدرجوا في الفتح ونشر السيادة حتى اكتسحوا المملكة ~~العباسية، وامتد سلطانهم من أفغانستان إلى البحر الأبيض وكانت لهم بعد ذلك دولة ~~عريضة تفرعت إلى خمسة فروع لا محل لذكرها هنا. ولما شاخت دولتهم، أفضت المملكة إلى ~~مماليكهم، ويسمونهم الأتابكة، واحدهم «أتابك» فتفرعت المملكة السلجوقية بهم عشر ~~ممالك، وبقي من السلاجقة فرع عرف بسلاجقة الروم في آسيا الصغرى، تفرع إلى ثماني ~~إمارات أخذها منهم العثمانيون، وأقاموا دولتهم على أنقاضها كما سيجيء. # والعثمانيون شأنهم في تأسيس دولتهم مثل شأن السلاجقة، فإنهم جاءوا من تركستان وهم ~~أهل دولة وأصلهم من التتر الذين يقطنون ما يجاور جبال التاي عند حدود الصين ~~الشمالية، ويغلب على الظن أنهم الإسكتيون المعروفون قديما بالشجاعة وشدة البأس، ~~ويقال إن جماعة منهم ينتسبون إلى جد يقال له «ترك» نزحوا غربا في القرن الأول ~~للميلاد، وأقاموا فيما هو الآن تركستان، وهي مشهورة بجودة الإقليم وخصب المرعى ~~وجمال المكان وقوة ms018 الأبدان. # وما استتب لهم المقام هناك حتى أخذوا يمدون سلطتهم وهم لا يزالون في حال ~~الجاهلية، ولم يعتنقوا الإسلام إلا في أواسط القرن الرابع للهجرة وأشهرهم طائفتان، ~~إحداهما السلاجقة المتقدم ذكرهم. وقلنا إن منهم فرعا ظل سائدا في آسيا الصغرى إلى ~~أواخر القرن السابع للهجرة، وسلطانه يومئذ علاء الدين كيقباد الثاني، تولى الملك ~~سنة 696ه / 1296م. # أما الأوغوزية فما زالوا مقيمين في تركستان حتى ظهر جنكيزخان القائد المغولي وغزا ~~قبائل تلك البلاد، فأذعنوا له إلا الأوغوزية فإنهم هاجروا بقيادة أمير يدعى سليمان ~~يطلبون مقاما ومرعى لماشيتها، وما زالوا يسيرون غربا حتى حدث وهم يعبرون الفرات ~~أن أميرهم سقط بجواده في النهر ومات، فدفنوه هناك وهو جد السلطان عثمان مؤسس هذه ~~الدولة فأصبحوا بعده جماعات متفرقة، فاتخذ ابنه أرطغرل قيادة جماعة منهم وسار بهم ~~يخترق آسيا الصغرى، وهو في بعض السهول شاهد أرطغرل عن بعد غبارا متصاعدا وحربا ~~قائمة، فتقدم على نية الانتصار لأضعف الفئتين المتحاربتين، ففعل وهو لا يدري لمن ~~ينتصر، فقيض الله النصر له، وتقهقرت الفئة الأخرى ثم علم أنه انتصر للسلجوقيين وقهر ~~المغوليين، فشكر الله على ذلك. # فنال منزلة رفيعة لدى علاء الدين السلجوقي فأقطعه بقعة كبيرة يقيم فيها برجاله ~~على حدود فريجيا وبيثينا فكانت أرضا خصيبة ذات مرعى حسن - وفي تلك البقعة نشأ ~~ابنه عثمان. # وشب وترعرع وما زال أرطغرل تحت رعاية علاء الدين حتى توفي فخلفه ابنه ~~عثمان. # ثم توفي علاء الدين فاقتسم أمراؤه مملكته، فاستقل عثمان بما لديه سنة 1300م وهو ~~أول أمراء آل عثمان. # ومن التقاليد المأثورة بين العثمانيين، أن عثمان هذا عشق وهو شاب فتاة تدعى «مال ~~خاتون» وكان والدها شيخا تقيا ورعا طاعنا في السن اسمه أدبالي، فلما شعر ~~بمحبة عثمان لابنته، خاف العاقبة وصار يحاول إبعادهما الواحد عن الآخر، وبالغ في ~~حجاب ابنته لأنه لم يكن يطمع بمصاهرة ابن حاكمه. # فجاء عثمان ذات ليلة ليبيت في منزل أدبالي وقضى معظم الليل هاجا بحبيبته حتى ~~غلب عليه النعاس، فرأى في الحلم كأن ms019 القمر خارج من صدر أدبالي، ثم رآه يتسع بسرعة ~~حتى غطى كل ما كان واقعا تحت نظره من الأرض، ثم أخذ في التقلص حتى عاد إلى حجمه ~~الأول، وارتد إلى صدر أدبالي كما كان، ثم رأى شجرة عظيمة خارجة من صلب أدبالي، وأخذ ~~ظلها يمتد حتى غطى البر والبحر وتراءى له أن أنهر دجلة والفرات والطونة والنيل ~~خارجة من أصل تلك الشجرة. وجبال قوقاس وأطلس وطوروس وهيموس تستظل بأغصانها. ورأى ~~أوراقها تستطيل وتسترق حتى صارت كالسيوف ورءوسها مصوبة إلى أشهر عواصم العالم، ~~خصوصا القسطنطينية الواقعة في ملتقى القارتين ومجمع البحرين. وخيل له أنها جوهرة ~~بين زمردتين وياقوتتين مصطنعة في فص خاتم وأنه أهم أن يجعل ذلك الخاتم في ~~إصبعه، فاستيقظ مبغوتا، فأخبر أدبالي في الصباح بما كان، فاستبشر بما سيكون من ~~مستقبل ذلك الشاب، وأنه سيمتلك القسطنطينية. # وما انفك خلفاء عثمان كلما اتسع سلطانهم يزدادون ثقة بمآل ذلك الحلم، وقد حاول ~~بعضهم فتح القسطنطينية، فرجع ولم ينل وطرا، حتى ظهر محمد الفاتح السابع من سلاطين ~~آل عثمان، وبينه وبين صاحب الحلم نحو 160 سنة، ففتحها بعد أن يئس المسلمون من ~~فتحها. # وحارب العثمانيون أعظم ملوك أوربا، وطاردوهم إلى بلاد المجر، وحاصروا فيينا عاصمة ~~النمسا، وأخذوا الجزية من الأرشيدوق فردينان، واكتسحوا البحر الأبيض إلى شواطئ ~~آسيا، ووجهوا مطامعهم من الجهة الأخرى نحو الشرق ففتحوا العراق والشام ومصر على يد ~~السلطان سليم الفاتح الذي نحن في صدده. ~~(3-1) الإنكشارية # وقد تمكن العثمانيون من هذه الفتوح العظيمة بواسطة الإنكشارية، وهم جند ~~أنشأه العثمانيون على شكل خاص لم يسبق له مثيل؛ لخلوه من عصبية تبعثه على ~~التمرد، لأنه مؤلف من الغلمان الذين كان العثمانيون يأسرونهم في الحرب وأكثرهم ~~من أصل مسيحي. فكان العثمانيون في أول دولتهم إذا فتحوا بلدا دخل في حوزتهم من ~~أهله المأسورين جماعة من غلمان النصارى الذين قتل آباؤهم وأصبحوا لا نصير لهم، ~~ولا مرجع لمآلهم، فارتأى قرة خليل وزير السلطان أورخان ثاني سلاطين آل عثمان ~~(سنة 726-761ه) أن يربي أولئك ms020 الغلمان تربية إسلامية ويدربهم على الفنون ~~الحربية، ويجعلهم جندا دائما لا يخشى منه التمرد؛ لأنه لا يعرف عصبية غير ~~الدولة، ولا عملا غير الجندية، ولا دينا غير الإسلام، فجندهم وسار بهم ~~إلى الحاج بكطاش شيخ طريقة البكطاشية بأماسيا، ليدعو لهم فدعا لهم وسماهم «يكي ~~جري»؛ أي الجند الجديد. # ولم يكن قره خليل هذا أول من فكر في تجنيد غلمان النصارى كما يظن أكثر ~~مؤرخي الأتراك، فإن الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر الذي تقدم ذكره، فعل ذلك قبل ~~تأسيس الدولة العثمانية وهو متوجه إلى دمشق سنة 665ه لملاقاة عساكره العائدة ~~من غزوة بلاد سيس، فنزل بلدا اسمه قارا بين دمشق وحمص، فأمر بنهب أهلها ~~النصارى وقتل كبارهم لأنهم كانوا يسرقون المسلمين ويبيعونهم سرا للصليبيين، ~~وأخذ صبيانهم مماليك رباهم بين الأتراك في الديار المصرية، فنشئوا على الإسلام ~~وتجندوا في الجيش التركي. # على أن قره خليل جعل للإنكشارية شروطا لم يسبق لها مثيل، فقسمهم إلى وجاقات ~~واحدها وجاق، والوجاق يقسم إلى أورط إحداها أورطة، ولكل أورطة عدد تعرف به، ~~ولبعضها أسماء خاصة. ويختلف عدد الجند في كل أورطة حسب العصر من 100 إلى 500، ~~ويختلف عدد الأورط في الوجاقات بمقتضى ذلك، وأكبر ضباط الوجاق أو قائدها الأكبر ~~يسمى «أغا» تحته سكبان باشي، تحته غيره فغيره على هذه الصورة. # الأغا: # قائد الوجاق ويقابل اللواء في ~~هذه الأيام. # سكبان باشي: # ينوب عن الأغا في ~~الآستانة ويقابل القائمقام اليوم. # قول كخيا أو كخيا بك: # نائب الأغا أو ~~السكبان باشي. # سمسونجي باشي: # قائد أورطة نمرو 71. # زغرجي باشي: # قائد الأورطة نمرو 64. # محضر أغا: # ينوب عن الإنكشارية عند ~~الصدر الأعظم. # خصكي: # ينوب عن الأغا في القيادة على ~~الحدود. # باشجاويش: # قائد الأورطة ~~الخامسة. # كخيا بري: # ينوب عن الوجاق لدى الأغا. # الأفندي: # الكاتب. # ولكل أورطة ضباط يقتسمون قيادتها وإدارة شئونها على هذه الصورة: ~~(1) ~~«الجوربجي»: رئيس الأورطة يشبه ~~الكولونيل. ~~(2) ~~«أوده باشي»: نائب الجوربجي في ~~المناورات العسكرية. ~~(3) ~~«وكيل الخرج»: يتولى أمر الطعام ~~والشراب. ~~(4) ~~«بيراقدار»: يتولى الأعلام ~~والبيارق. ~~(5) ~~«باش اسكي»: يتولى قيادة ~~القراقولات. ~~(6) ~~«اشجي»: الطاهر. ms021 # قوانين الإنكشارية # قد رأيت أن جند الإنكشارية تجند في زمن السلطان أورخان ولكن الفضل ~~الأكبر في تنظيمه وترتيبه يرجع إلى السلطان مراد الأول (تولى سنة 761ه) ~~وهذه خلاصة قوانينهم: ~~(1) # الطاعة العمياء لقوادهم وضباطهم أو من ينوب عنهم. ~~(2) # تبادل الاتحاد بين الفرق كأنها فرقة واحدة وتكون مساكنها ~~متقاربة. ~~(3) # التجافي عن كل ما لا يليق بالجندي الباسل من الإسراف أو ~~الانغماس ويكون سؤلهم على البساطة في كل شيء. ~~(4) # الإخلاص في الانتماء إلى الحاج بكطاش من حيث الطريقة مع ~~القيام بفروض الإسلام. ~~(5) # لا يقبل في سلك الإنكشارية إلا الذين يشبون من غلمان الأسر ~~على التربية الخاصة بين غلمان الأعاجم. ~~(6) # إن الحكم عليهم بالإعدام ينفذ بشكل خاص. ~~(7) # يكون الترقي في المراتب حسب الأقدمية. ~~(8) # لا يجوز أن يوبخ الإنكشارية ولا يعاقبهم غير ضباطهم. ~~(9) # إذا عجز أحدهم عن العمل يحال على المعاش. ~~(10) # لا يجوز لهم إرسال لحاهم. ~~(11) # لا يجوز لهم أن يتزوجوا. ~~(12) # لا يجوز لهم الابتعاد عن ثكناتهم. ~~(13) # لا يجوز لهم أن يتعاطوا عملا غير الجندية. ~~(14) # يقضون أوقاتهم بالرياضة البدنية والتمرين على الحركات ~~العسكرية. # فإذا تدبرت هذه القوانين هان عليك تصور الأعمال العظيمة التي أتاها هذا ~~الجند في مصلحة الدولة العثمانية من الفتوح العظام. # وقد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة ترفع الناس عن الانتظام في هذا الجند ~~لأنه مجموع من لقطاء لا يعرف لأحد منهم أب ولا أم، ولكنك تفهم من البند ~~الخامس من قوانينهم أنهم كانوا يحظرون على غير اللقيط أو المملوك الانتظام ~~في جندهم، وكان السلاطين يشددون في تعظيم هذا الأمر في عيونهم. # رواتب الإنكشارية (العلوفة) # الأصل في ترتيب العلوفة أن تدفع يوميا، لكنها لم تكن تدفع إلا مرة كل ~~ثلاثة أشهر، تخفيفا للثقلة، فكانوا يؤدونها أربع مرات في السنة، وتعرف كل ~~مرة باسم مؤلف في ثلاثة أحرف مقتطعة من أسماء أوائل شهورها، فالربع الأول ~~من السنة مؤلف من ثلاثة أشهر محرم وصفر وربيع، فالأحرف الأولى من هذه ~~الأشهر إذا جمعت من هذا الترتيب كانت «مصر» وعلى هذا النسق كانوا يسمون ~~الربع الثاني رجج، ms022 وقد يقطعون من اسم الشهر غير حرفه الأول مراعاة للفظ، ~~فالربع الثالث (رجب، شعبان، رمضان) يسمونه رشن بإقطاع النون من رمضان بدل ~~الراء، وقس على ذلك. وكانت لهم رسومهم في تفريق العلوفة لا محل لها. # أما مقدار العلوفة فقد كان في أول إنشاء هذا الجند درهما واحدا عن كل ~~إنكشاري في اليوم ثم ارتفعت إلى ثلاثة دراهم. وفي ختام سنة 1000 صارت ~~العلوفة خمسة دراهم، وكان للإنكشارية هدايا ينالونها في الأعياد، وعند ~~تولية السلاطين يسمى بخشش الجلوس، وكان هذا البخشش يعطى لسائر الجند ولكبار ~~الموظفين، وله مقادير معينة. # ملابس الإنكشارية # وكان المعول عند العثمانيين في التفريق بين الرتب وتمييز أصحابها بعضهم ~~عن بعض بأشكال القلانس (القاووق)، أو الأقبية (القفطان)، أو الأحزمة ~~(الكمر) أو ألوانها فكان لكل طائفة من رجال الدولة قلنسوة شكلها خاص بهم ~~وكذلك الأقبية والأحزمة وغيرها على اختلاف في ألوانها وأشكال أزرارها فضلا ~~عن الأعلام. واختلف المؤرخون في وصف هذه الألبسة، واختلفوا في أسمائها ~~وأشكالها باختلاف العصور، وفي الرسوم المنشورة هنا مثال منها. ~~(3-2) السلطان سليم الفاتح # ولد سنة 859ه وتولى 918ه وفتح مصر سنة 923ه وتوفي سنة 926ه. # هو السلطان التاسع من سلاطين آل [عثمان]، وهو أول خليفة منهم لأن السلاطين ~~قبله لم يكونوا خلفاء، وهو أول من بويع بالخلافة كما سيجيء، وأصبح السلاطين ~~بعده خلفاء أيضا؛ أي إن كلا منهم سلطان وخليفة أي له السلطتان السياسية ~~والدينية. وبما أنه هو فاتح مصر حق علينا أن نذكر ترجمته. # هو ابن السلطان بايزيد الثاني وقد تقدم في ترجمة قنسو الغوري أنه تخاصم مع ~~أخيه كركود وفر هذا إلى مصر واحتمى بسلطانها قنصو. وسبب هذا الخصام أنه كان ~~لبايزيد الثاني (سنة 886ه-918ه) ثمانية أولاد ذكور، توفي منهم خمسة وبقي ثلاثة، ~~وهم كركود وأحمد وسليم. وكان كركود يحب العلم ومجالس العلماء، فمقته الإنكشارية ~~لأنهم أهل حرب لا رزق لهم إلا بها، وكان أحمد محبوبا لدى أعيان الدولة ~~والأمراء، أما سليم فكان رجل حرب وبطش فأحبه الإنكشارية ونصروه. # ولحظ والدهم اختلافهم ms023 في المشارب والمناقب فخاف تنازعهم ففرق بينهم، فعين ~~كركود واليا على إحدى الولايات البعيدة، وولى أحمد على أماسيا وسليما على ~~طرابزون. وكان لسليم ولد اسمه سليمان (صار بعد ذلك سليمان القانوني) فعينه ~~جده بايازيد واليا على «كافا» من بلاد القرم، فلم يرض سليم بمنصبه في طرابزون ~~فتركه وسافر إلى كافا، وبعث إليه أبيه يطلب إليه أن يعينه على ولاية في أوربا. ~~فلم يقبل السلطان بايازيد، وأصر على بقائه في طرابزون، فجاهر سليم بالعصيان على ~~والده، وزحف بجيش جمعه من قبائل التتر إلى بلاد الروملي، فبعث والده جيشا ~~لإرهابه، فلم يتهيب، فلم ير بايازيد بدا من مراضاته حقنا للدماء، فعينه ~~واليا على مدينتي سمندرية وودين في بلاد البلغار سنة 1511. # فلما علم كركود بنجاح أخيه أحب أن يقتدي به، فانتقل إلى ولاية صاروخان، ~~وتولاها بدون أمر أبيه، ليكون قريبا من القسطنطينية عند الحاجة، وخرج سليم على ~~أدرنة وأعلن نفسه سلطانا عليها، فجرد والده عليه جندا لمحاربته، وجندا ~~لمحاربة أخيه كركود في آسيا. ففر سليم إلى بلاد القرم، وفر كركود أيضا، فأخذ ~~الإنكشارية يناصرون سليما، وألجئوا السلطان إلى العفو عنه، وإعادته إلى ولايته ~~في سمندرية، فلاقاه الإنكشارية في أثناء الطريق وحملوه إلى القسطنطينية، ~~وأدخلوه سراي السلطان باحتفال وطلبوا إلى بايازيد أن يتنازل عن الملك لابنه هذا ~~فأطاع وترك القسطنطينية ليقضي باقي حياته في ديموتيقا، فتوفي في الطريق ويظن ~~أن ابنه سليمان دس له السم خوفا منه. # تولى السلطان سليم العرش العثماني سنة 918ه بقوة الإنكشارية فوزع فيهم ~~الجوائز، وعين ابنه سليمان حاكما على القسطنطينية وخرج بجيوشه على أخويه ~~وأولاده حتى يهدأ باله ويستقر له الملك بلا منازع، فاقتفى أثر أخيه أحمد إلى ~~أنقرة، فلم يقدر عليه هناك، فذهب إلى «بورصة» فقبض فيها على خمسة من أولاد ~~إخوته، وأمر بقتلهم. ثم شخص إلى «صاروخان» مقر أخيه «كركود» ففر «كركود» إلى ~~الجبال. وما زال يطارده حتى قبض عليه وعاد إلى أحمد، فحاربه، فانهزم فطارده حتى ~~قتل سنة 919ه. # فاطمأن بال سليم من جهته الداخلية؛ إذ ms024 استقر له الملك بذهاب منازعيه، ومال ~~إلى المهادنة. فعاد إلى أدرنة وكان في انتظاره هناك سفراء البندقية والمجر ~~وموسكو ومصر. فأبرم معهم عهدا على المهادنة لمدة طويلة؛ لأن مطامعه كانت متجهة ~~إلى بلاد الفرس، لمحاربة الشيعة. وكان الفرس في عهد الدولة الصفوية، وقد أسسها ~~شاه إسماعيل سنة 907ه. وفتح شروان واستقر في تبريز، فجعلها عاصمة مملكته، ثم ~~فتح العراق وخراسان وما وراءها إلى هرات. فغلب على حكامها التيموريين التتر. ~~فامتدت سلطته من نهر الأكسوس إلى خارج فارس؛ أي من أفغانستان إلى الفرات ، فخافه ~~العثمانيون، وهاجت فتوحه مطامعهم وتنبهت الضغائن بين السنة والشيعة، ~~والعثمانيون حماة السنة كما كان الصفويون حماة الشيعة. # وكان إسماعيل شاه، لما تمرد سليم وأخوه أحمد على أبيهما، أخذ يناصر أحمد في ~~عصيانه على أبيه، ثم على أخيه سليم. وكتب من الجهة الأخرى إلى مصر يطلب ~~محالفتها على العثمانيين عند الحاجة، فبلغ ذلك إلى السلطان سليم، وهو رجل حرب ~~وبطش. فهاجت مطامعه، ولم يعد يقنع بغير الفتح والتغلب على الدولتين جميعا، ~~وأمر بالقبض على من كان في شيعته في حدود مملكته، وعددهم نحو 40000 وقتلهم، ~~وأعلن شاه إسماعيل بالحرب وخرج بجيوشه من أدرنة في 22 محرم سنة 920 (19 مارس ~~1514م) وعددهم 40000 ماش و80000 راكب. وجرت بينه وبين الشاه إسماعيل في أثناء ~~مسيره مكاتبات محشوة بالتهديد والوعيد. وجعل السلطان سليم وجهته مدينة تبريز ~~عاصمة الشاه المذكور. # وكانت الجنود الفارسية في أثناء الطريق تتقهقر أمام العثمانيين خداعا حتى ~~يتبعوهم، ثم ينقضون عليهم. حتى إذا وصلوا إلى أرباص تبريز؛ جرت واقعة انتصرت ~~فيها الجنود العثمانية بقيادة «سنان باشا»، وفر الشاه بمن بقي من جنده وخلف ~~وراءه كثيرين من قواده وأهله في الأسر، وكان من جملة الأسرى إحدى زوجاته، ~~فزوجها السلطان سليم من بعض كتابه انتقاما من الشاه. وفتحت تبريز أبوابها، ~~فدخلها الفاتح العثماني ظافرا واستولى على خزائنها وذخائرها وأرسلها إلى ~~القسطنطينية وفي جملتها عرش مرصع بالماس والياقوت ومطرز باللؤلؤ هو الآن في ~~جملة ذخائر آل عثمان في سراي طوب ms025 قبو بالآستانة، وقد شاهدته ووضعته في مجلة ~~الهلال السنة 18. # وبعد ثمانية أيام اضطر لإخلاء تبريز لقلة المئونة اللازمة لجنده وأخذ في ~~مطاردة الشاه، ففتح ديار بكر وغيرها، وأراد الإيغال في بلاد الفرس، فتوقف ~~الإنكشارية عن ذلك، وقد ملوا الحرب، وتعبوا من الأسفار فعاد إلى أماسيا ~~للاستراحة في أثناء الشتاء والاستعداد للحرب في أوائل الربيع. # فلما كان الربيع، استأنف الحملة، ففتح ~~بعض البلاد ورجع إلى القسطنطينية، وخلف بعض قواده لإتمام الفتح. وحال وصوله ~~إلى القسطنطينية؛ حاسب قواد الإنكشارية على توقفهم عن السير في حملته المشار ~~إليها، وقتل عددا كبيرا منهم ، وقتل قاضي العسكر جعفر جلبي؛ لأنه كان من أكبر ~~المسببين لذلك التمرد. وخاف تمردهم ثانية، فغير نظام تعيين الرئيس، وكانوا ~~يعينونه من أكبر قوادهم، فجعل لنفسه الحق في تعيين ذلك الرئيس. # وأما جنوده فإنها واصلت الحرب، ففتحت ماردين وأورفه والرقة والموصل، فتم بذلك ~~الفتح ولاية ديار بكر، وخضعت قبائل الأكراد له. ولما تأتى له ذلك، فكر في ~~فتح مصر انتقاما من قنسو الغوري على تحالفه مع الشاه إسماعيل وجرت معركة مرج ~~دابق، وقتل قنسو الغوري، كما تقدم، فحمل على مصر. ~~(4) كيف كانت مصر لما جاءها السلطان سليم؟ # كانت مصر في غاية الاضطراب والتضعضع، وقد فسدت النيات، واستفحل الظلم من عهد ~~الغوري؛ لأن هذا السلطان ارتكب فظائع عديدة، غير قلوب الناس عليه، وهذه شهادة مؤرخ معاصر له نفس ابن ~~إياس صاحب كتاب بدائع الزهور، فقد قال في مساوئ قنصو الغوري ما نصه: # إنه (قنسو) أحدث في أيام دولته من أنواع المظالم ما لم يحدث في سائر ~~الدول من قبله، ومنها أن معاملته في الذهب والفضة والفلوس الجدد أنحس ~~المعاملات جميعها زغل ونحاس وغش لا يحل بها بيع ولا معاملة في ملة من ~~الملل، ومنها ما قرره على الحسبة في كل شهر وهو مبلغ 2700 دينار، وكانت ~~السوقة تبيع البضائع بما يختارونه من الأثمان، ولا يقدر أحد أن يكلمهم فإن ~~كلمهم أحد يقولون علينا مال السلطان فكانت سائر البضائع في أيامه غالية ~~بسبب ms026 ذلك، وقرر على دار الضرب مالا له صورة في كل شهر فكانوا يضيفون في ~~الذهب والفضة النحاس والرصاص جهارا فكان الأشرفي الذهبي إذا صفي يظهر فيه ~~ذهب يساوي اثني عشر نصفا. وقد سلم السلطان دار الضرب إلى شخص يسمى جمال ~~الدين، فلعب بأموال المسلمين وأتلف المعاملة وسبك ذهب السلاطين المتقدمة ~~حتى صار لا يلوح لأحد من الناس منها دينار ولا درهم، فلما شنق جمال الدين ~~قرر في دار الضرب المعلم «يعقوب اليهودي» فمشى في طريقة جمال الدين، وقد ~~استباح أموال المسلمين، فكان النصف الفضة ينكشف في ليلته ويصير في جملة ~~الفلوس الحمر، فاستمر الغش في معاملته في مدد دولته إلى أن مات. # ومنها أنه كان يولي الكشاف ومشائخ العربان على بلاد المقطعين والأوقاف ~~فيأخذ منهم المثل أمثالا. فضعف أمر الجند يومئذ وتلاشى حال البلاد ~~الشامية والحلبية. وكان يفرض عليهم الأموال الجزيلة في كل سنة، فيأخذونها ~~من الرعية. وزيادة الظلم والعسف فكان كل واحد من الرعية أصحاب الإقطاع ~~والأوقاف يتمنى الرحيل من بلاده إلى غيرها، من عظم الظلم الذي يصيبهم من ~~النواب، ولا سيما ما حصل لعربان جبل نابلس بسبب المال الذي قرره عليهم لأجل ~~المشاة عند خروج التجريدة فما حصل لأهل البلاد الشامية بسبب ذلك خير، وكان ~~حسين نائب جده يأخذ العشر من تجار الهند، المثل عشرة أمثال، فامتنعت ~~التجار من دخول بندر جده، وترك أمره إلى الخراب، وعز وجود الشاشات بمصر، ~~وعز وجود الأصناف التي كانت تجلب من بلاد الإفرنج والأرز والأنطاع وخرب ~~البندر، وكذلك بندر الإسكندرية، وبندر دمياط، فامتنعت تجار الإفرنج من ~~الدخول إلى تلك البنادر من كثرة الظلم وكان كل أحد من أراذل الناس، يتقرب ~~إلى خاطر السلطان بنوع من أنواع المظالم. فقرر على بيع الغلال قدرا ~~معلوما يؤخذ على كل أردب، ثلاثة أنصاف من البائع ومن المشتري، وكذلك على ~~البطيخ والرمان حتى حرج على بيع الملح. # وجدد في أيامه عدة مكوس من هذا النمط، ولم يفته من أعيان التجار أحد لم ~~يصادره، وصادر أمير المؤمنين المستمسك ms027 بالله يعقوب، وأخذ منه مالا له ~~صورة، ودخل في جملة ديون، حتى أورد ما قرره عليه. # وأما من مات تحت عقوبته بسبب المال، فمنهم: «القاضي بدر الدين بن مزهر» ~~كاتب السر، ومنهم: «شمس الدين بن عوض»، و«معين الدين بن شمس الدين»، و«علم ~~الدين» كاتب الخزانة، وغير ذلك، جماعة كثيرة من المباشرين والعمال، ماتوا ~~في سجنه بسبب المال والصادرات. # ومن أفعاله الشنيعة، ما فعل مع أولاد الناس من خروج أقاطيعهم، ورزقهم من ~~غير سبب، وإعطاء ذلك إلى مماليكه الجلبان، ومنها قطع جوامك الضعفاء ~~والأيتام من الرجال والنساء والصغار. وحصل لهم الضرر الشامل بسبب ~~ذلك. # ومنها أنه أرسل فك الرخام الذي بقاعة ناظر الخاص يوسف، التي تسمى نصف ~~الدنيا، ووضع ذلك الرخام في قاعة البيسرية التي في القلعة. # ومنها أنه قطع معتاد الناس في الديوان المقرر من قديم الزمان، وجدد أخذ ~~الحمايات من المقطعين من قبل أن يزيد النيل وتزرع الأراضي. # ثم تزايد حرصه على جمع الدنيا حتى صار يحاسب السواقين، الذين في سواقي ~~القلعة والخولة الذين في سواقي الميدان في الجلة وروث الأبقار، وما يتحصل ~~كل يوم مما يبيعونه وقرر عليهم مبلغا يؤدونه للذخيرة الشريفة. # وكانت أرباب الوظائف من المباشرين والعمال منه في غاية الضيق، لا يغفل ~~عنهم من المصادرات يوما واحدا. وكان من حين توفي الأمير خاير بك ~~الخازندار يباشر ضبط الخزانة بنفسه، ما يدخل إليها، وما يخرج منها، وما ~~يعرضون عليه من الأمور في ذلك جميعه، من الوصولات، وما يصرف من الخزائن في ~~كل يوم. # وكانت هذه الأموال العظيمة، التي تدخل له، يصرفها في عمائر ليس بها نفع ~~للمسلمين، ويزخرف الحيطان والسقوف بالذهب، وهذا عين الإسراف لبيت مال ~~المسلمين. # وكان يهرب من المحاكمات، كما يهرب الصغير من الكتب وما كانت له محاكمة ~~تخرج على وجه مرض، بل على أمور مستقبحة، وكان يتغافل عن أمر القتلى، ~~ويدفعهم إلى الشرع، ويضيع حقوق الناس عليها. # وكان يكسل عن علامة المراسيم، فلا يعلم على المراسيم إلا قليلا، ~~فتتعطل أشغال الناس بسبب ذلك، حتى ms028 كانت تشترى العلامة العتيقة بأشرفي حتى ~~تلصق على المرسوم، لأجل قضاء الحوائج، ولو شرحنا مساوئه كلها، لطال الشرح. ~~انتهى. ~~(5) سلطنة الأشرف طومان باي # تلك حال مصر في زمن «قنسو الغوري» ثم أفضى عرشها إلى الأشرف طومان باي سنة 922ه. ~~وكانت سيادة المماليك منتشرة يومئذ على مصر، وسوريا إلى حدود العراق. # وكانت الخلافة العباسية، قد أفضت إلى المتوكل على الله محمد بن المستمسك بالله ~~يعقوب، وكانت مناصب الدولة الكبرى، التي تقدم ذكرها يشغلها الأمراء الآتية أسماؤهم: # الأتابكي سودوه العجمي: # أمير السلاح. # الأمير أركماس بن طراباي: # أمير المجلس. # المقر الناصر بن محمد: # أمير ~~ياخور. # الأمير سودون الدوادار: # رأس النوبة. # الأمير أنسباي بن مصطفى: # حاجب الحجاب. # فضلا عن بضعة عشر أميرا من القواد، وناهيك بالأمراء النواب في البلاد الشامية ~~والحلبية وهم عديدون. # وقد تقدم أن جند مصر معظمه من المماليك المبتاعين بالمال. فهم إنما يعملون طمعا ~~بالكسب الشخصي، وليس لأحد منهم عائلة أو أسرة، يغار على وطنه من أجلها إلا ~~نادرا. # فلما قتل الغوري في معركة «مرج دابق» التف أكبر رجاله حول السلطان سليم، وصاروا ~~من أتباعه، وأخذوا يتقربون إليه بذكر مساوئ مولاهم وأمرائه ويظهرون له معائبهم ~~وقبائحهم، ولم يذكروا شيئا من إحسان الغوري إليهم. وبعضهم خانه في حياته، فإن نائب ~~قلعة حلب سلم القلعة للعثمانيين من غير حرب. # أما سائر الجند والأمراء فهربوا إلى مصر، وحال وصولهم طلبوا تعيين «طومان باي» ~~سلطانا محل عمه «الغوري»، فامتنع لأنه كان لا يعجبه تصرفهم في الرعايا على نحو ما ~~تقدم عن أعمال الغوري، ولم يكن «طومان باي» ممن يرضى بذلك، فألحوا عليه أن يقبل ذلك ~~المنصب، فاصطحبهم إلى الشيخ أبي السعود، وهو من أهل الكرامة، فأحضر لهم مصحفا، ~~وحلف الأمراء الذين حضروا بصحبة طومان باي، بأنهم إذا سلطنوه، لا يخونونه، ولا ~~يغدرون به، ولا يخامرون عليه، وأنهم يرضون بقوله وفعله، فحلف للجميع على ذلك ثم إن ~~الشيخ حلفهم ألا يعودوا إلى ما كانوا عليه من ظلم الرعايا، وألا يشوشوا على ~~أحد بغير طريق شرعي، ولا ms029 يجددوا مظلمة، وأن يبطلوا جميع ما أحدثه الغوري من ~~المظالم، ويبطلوا ما كانت على الدكاكين من المشاهدة والمجامعة، وأن يجروا الأمور ~~كما كانت في أيام الأشرف قايدباي، فحلفوا وانفض المجلس. # فتولى «طومان باي» سلطنة مصر رغم إرادته وهو يرى ما كانت عليه من الفساد والخلل، ~~وما استولى على الرعايا من اليأس على أثر مظالم عمه الغوري التي ذكرناها. وكان من ~~بين ما احتج عليهم به، أن بيت المال ليس فيه درهم ولا دينار. قال: «فإذا تسلطنت من ~~أين أنفق على الجند؟» وهو يخاف ألا يطيعه الأمراء في محاربة العثمانيين ، لكنهم ما ~~زالوا عليه حتى بايعوه كما تقدم ودفعوا له بخلعة السلطنة، وهي يومئذ الجبة السوداء ~~والعمامة السوداء والسيف البداوي، ثم قدموا له فرس النوبة بغير كنبوش ولا سرج ذهب، ~~ولا وجدوا آلة في الزردخانات، لا قيمة ولا طيرا، ولا الغواشي الذهب، ولكنهم أتموا ~~الاحتفال بالبيعة؛ تلك كانت حال المصريين لما جاءهم السلطان سليم لفتح ~~بلادهم. # ولكن «طومان باي» كان حازما عاقلا، فلما حكم عليه أن يكون سلطانا لم ير بدا ~~من الثبات والصبر وأخذ في رد المظالم وإصلاح الأحوال، ولكن بعد فوات الفرصة، على ~~أنه أخذ إعداد حملة أخرى لمحاربة العثمانيين. # | تاريخ مصر العثمانية # فتح العثمانيين مصر سنة 922ه # | المعركة الفاصلة بين الجيشين # كان العثمانيون في سوريا قد توقفوا للاستراحة، فظن «طومان باي» أن الرمال المتراكمة ~~بين سوريا ومصر، تحول بين العثمانيين وما يريدون، إلا أن الأمر لم يكن كما ظن؛ لأنه لم ~~يكد يتم إعداداته حتى أتاه كتاب السلطان سليم إلى القاهرة، وهذا نصه: # من السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان سلطان البرين وخاقان البحرين ~~السلطان ... إلخ، إلى طومان باي الشركسي # الحمد لله، أما بعد؛ فقد تمت إرادتنا الشاهانية، وباد إسماعيل شاه الخارجي، ~~أما قنسو الكافر، الذي حملته القحة على مناوأة الحجاج، فقد نال جزاءه منا، ~~ولم يبق لدينا إلا أن نتخلص منك؛ فإنك جار «عدو»، والله سبحانه وتعالى يساعدنا ~~على معاقبتك، فإذا أردت اكتساب رحمتنا الشاهانية اخطب ms030 لنا، واضرب النقود ~~باسمنا. وتعال إلى أعتابنا وأقسم على طاعتنا والإخلاص لنا وإلا ... # فلما قرأ طومان باي الكتاب، وما في ذيله من التهديد المستتر، استشاط غيظا، وأصر ~~على المقاومة. وكان عالما بعجزه، لكنه فضل الموت في ساحة الحرب على التسليم، فزاد في ~~حصون دمياط وغيرها من الحدود السورية، وجمع ما أمكنه جمعه من الرجال، وسار لملاقاة ~~العثمانيين حتى أتى الصالحية فعسكر هناك. # أما السلطان سليم، فسار إلى مرج دابق وافتتح غزة والعريش والقطيعة، ثم علم مقر الجيوش ~~المصرية في الصالحية، وما هم فيه من العزم على المدافعة بشدة بأس، فعرج بجيشه تاركا ~~الصالحية عن يمينه، وسار حتى أتى الخانكاة على بضع ساعات من القاهرة. # فلما بلغ «طومان باي» تقدم العثمانيين إلى هذا القدر، عاد بجيشه لمهاجمتهم من ~~الوراء. فالتقى الجيشان في سهل قرب «بركة الحج» يوم الجمعة في 29 ذي الحجة سنة 922ه، ~~واقتتلا طويلا، والمصريون يحاربون ببسالة شديدة. لكنهم لم يكونوا يعرفون البارود ولا ~~المدافع كما قدمنا، ولا يعرفون استخدامها، فكانت الغلبة للعثمانيين. ففر المصريون إلى ~~القاهرة، وعسكر العثمانيون في الروضة. فجمع إليه «طومان باي» عددا كبيرا من العربان، ~~بعد أن أرضاهم بالمال، وهجم على معسكر السلطان هجمة اليأس فلم ينل منهم وطرا. فعاد إلى ~~القاهرة على نية مواجهة الحصار، فزاد في حصونها واستحكامها. وحصن القلعة تحصينا ~~عظيما، وأقام في كل شارع وفي كل بيت طابية للدفاع، وحمل السلاح كل من يستطيع حمله ~~للدفاع عن الوطن ولكن رغم هذه الإعدادات، وما أظهره «طومان» من البسالة والإقدام، وما ~~سعى فيه أمراؤه، لم تنج القاهرة من أيدي العثمانيين، فإنهم دخلوها عنوة وأمعنوا فيها ~~قتلا ونهبا وحرقا. # لا غرو إذا غلبت المماليك على أمرهم بعد ما علمت من اضطراب أحوالهم وتغير قلوبهم، ~~وخلو خزائنهم من المال، فالعسكر كيف يحارب بلا مال؟ فقد كانوا في الحرب يأتون إلى ~~القلعة للاستيلاء على جامكيتهم فيجيبهم ولاة الأمر «ليس في هذا اليوم جامكية لأن البلاد ~~خراب والعرب مشتتة في الطرقات.» وكان لهم ستة أشهر لم يقبضوا ms031 رواتبهم من اللحم ونحوه. ~~ومن أسباب الكسرة أن جند المغاربة الذين كانوا في مصر، توقفوا عن المحاربة، وقالوا نحن ~~لا نحارب المسلمين، لا نحارب إلا الإفرنج. # ومع ذلك فإن «طومان باي» لم يأل جهدا في ترغيب الجند في الاتحاد والدفاع عن الوطن ~~وشدد عزيمتهم وسبك مناصل، وعمل بندق الرصاص، وأكثر من الرماة. # ولكن الرعب كان سائدا على أهل القاهرة، وعلى الجند، وهؤلاء إنما خرجوا للحرب لأن ~~السلطان كان يجاهد بنفسه، حتى في بناء الاستحكامات، وكان يحمل حجارة بيده لبناء خطوط ~~النار أو حفر الخنادق. # على أن جماعة من رجاله، انحازوا سرا إلى العثمانيين وأهمهم خاير بك صاحب حلب الذي ~~تقدم أنه قامر على الغوري فكان عونا للعثمانيين، ودسيسة لهم عند المصريين. وزد على ~~ذلك أن المماليك كانوا في عصر الانحلال، والعثمانيون في أوائل دولتهم، وقد جاءوا ~~بالمدافع والبارود، ف «طومان باي» جاء متأخرا، وقد فسدت الأمور، فلم يستطع إصلاح شيء، ~~رغم ميله الشديد إلى ذلك. وشدة إخلاصه في الدفاع عن الدولة والوطن وشأنه في ذلك شأن ~~«مروان بن محمد» آخر خلفاء بني أمية فإنه كان حازما، شجاعا، حسن النية، لكنه جاء ~~متأخرا فلم يمنع سقوط دولة بني أمية ولا منع طومان باي سقوط دولة المماليك. # فلما انهزم المماليك، وقد غلبوا على أمرهم، وتعقبهم العثمانيون إلى القاهرة. أخذوا في ~~نهبها، وقد تعود أهلها ذلك في زمن المماليك إذا اختلفوا بينهم، فالعثمانيون أخذوا في ~~نهب بيوت الكبراء، ودخلوا الطواحين، وأخذوا ما فيها من البغال والأكاديش، وأخذوا جمال ~~السقايين، وصاروا ينهبون ما يلوح لهم من القماش إلى القروب وتوجهوا إلى شون القمح بمصر ~~وبولاق، ونهبوا ما فيها من الغلال، وقد قال بعض الشعراء المعاصرين في ذلك: # نبكي على مصر وسكانها # قد خربت أركانها العامرة # وأصبحت بالذل مقهورة # بعدما كانت هي القاهرة # وفي سلخ سنة 922ه، دخل الخليفة المتوكل القاهرة، ومعه وزراء السلطان سليم والجم ~~الغفير من العساكر العثمانية. # ودخل معهم الأمراء خاير بك، وقاضي القضاة الشافعية وغيره ممن كان في أسر السلطان سليم ms032 ~~في حين مات السلطان الغوري. دخل الخليفة المذكور من باب النصر وقدامه المشاعلية تنادي ~~الناس بالأمان والاطمئنان، والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وأن العساكر العثمانية لا ~~يشوشون على أحد من الرعية، وأنه قد أغلق باب الظلم وفتح باب العدل، وأن كل من عنده ~~مملوك شركسي، ولا يدل عليه، ثم ظهر عنده يشنق، وادعوا للملك المظفر سليم شاه بالنصر. ~~فضج الناس بالدعاء، ولكن لم يلتفت أحد من العثمانية لهذه المناداة، وأخذوا ينهبون بيوت ~~أولاد الناس بحجة أنهم يفتشون عن المماليك الشراكسة، فاستمر النهب في بيوت الأمراء، ~~وأهل البلدة ثلاثة أيام متوالية، لا يتركون جمالا ولا بغالا ولا قماشا. # وفي يوم الجمعة، خطب باسم السلطان سليم على منابر القاهرة، ومصر القديمة، وهذا نص ~~الخطبة: # وانصر اللهم السلطان ابن السلطان، ملك البرين والبحرين، وكاسر الجيشين، ~~وسلطان العراقيين، وخادم الحرمين الشريفين الملك المظفر سليم شاه، اللهم انصره ~~نصرا عزيزا، وافتح له فتحا مبينا، يا مالك الدنيا والآخرة، يا رب ~~العالمين. # وبالغ العثمانيون في مطاردة الشراكسة ... حتى كانوا يدورون في الحارات والأزقة ~~والأسواق. وكل من رأوه من أولاد الناس لابسا زنطا أحمر وتخفيفة، وهو لباس المماليك ~~قالوا له أنت شركسي، وقطعوا رأسه، فلبس الناس العمائم، حتى أولاد الأمراء والسلاطين، ~~وأبطلوا لبس الزنط والتخافيف في مصر. على أن ذلك لم يمنع تعديهم، فكانوا يتهمون الناس ~~أنهم من الشراكسة، ثم يقولون لهم: افتدوا أنفسكم بالمال. فيفعلون. # وفي يوم الإثنين، ثالث المحرم سنة 923ه دخل السلطان سليم القاهرة. وبين يديه الخليفة ~~المتوكل، والقضاة، وشق المدينة في موكب حافل، وقدامه الجنائب المسومة الكثيرة، وحوله ~~العساكر المتزاحمة بين مشاة وفرسان، حتى ضاقت بهم الشوارع، وما زال سائرا في المدينة ~~حتى دخل من باب زويلة، ثم عرج من تحت الربع، وتوجه من هناك إلى بولاق، ونزل في المعسكر ~~الذي نصبه تحت الرصيف، فلما شق المدينة، ارتفعت الأصوات بالدعاء في الناس قاطبة، وقد ~~وصفه أحد المعاصرين الذين شاهدوه في ذلك اليوم، فقال: إنه دري اللون، حليق الذقن وافر ~~الأنف، واسع العينين، قصير القامة، ms033 وعلى رأسه عمامة صغيرة، وفيه خفة وهرج، كثير التلفت ~~إذا ركب. # أما «طومان باي» فإنه ثبت في تلك الحروب ثبات الأبطال، لكنه اضطر أخيرا للفرار في 8 ~~محرم، فذهب إلى الصعيد، واتفق مع بعض قبائل العرب هناك على الدفاع عن الوطن، ومصادرة ما ~~يحمل العثمانيين من الغلال ونحوها. فالتف حوله جماعة كبيرة ممن خافه السلطان سليم، ثم ~~جرت المخابرة بشأن الصلح والأمان ولم يتم شيء. # وأتى «طومان باي» برجاله إلى الجيزة، فخرج إليهم السلطان سليم، فحدثت معركة كالتي ~~حدثت ببركة الحاج، وكان الفوز أولا ل «طومان باي» ورجاله. # ثم تكاثر العثمانيون وأكثروا من رمي الرصاص فانكسر المماليك وانهزم «طومان باي» فأمعن ~~السلطان سليم فتكا فيمن وقع في أيديه منهم، ذكر «ابن إياس» أن العثمانيين، قطعوا رءوس ~~المماليك الشراكسة وجماعة من العربان الذين كانوا مع «طومان باي». فلما تكامل قطع ~~الرءوس، أحضروا مراكب نصبوا فيها مداري من خشب، وعلقوا عليها تلك الرءوس وحملتها ~~النواتية على أكتافهم ولاقتهم الطبول والزمور، وزينوا القاهرة لذلك. # وبعث السلطان سليم يتعقب «طومان باي» حتى تمكن منه بالحيلة، فأتوا به مغلولا إلى ~~ما بين يدي السلطان، فنظر إليه، فإذا هو في حالة الغضب، وقد علا وجهه القنوط لما حل ~~ببلاده من الذل فتحركت عواطف السلطان سليم، فأمر أن تحل قيوده، وبأن يؤذن له بالحضور في ~~مجتمعات كان يعقدها السلطان سليم للمداولة في أمر البلاد، فكان يسأله مسائل كثيرة تتعلق ~~بأحوال البلاد الاقتصادية والسياسية والإدارية ظلوا على ذلك عشرة أيام. وفي اليوم ~~العاشر، رأى السلطان سليم أنه لم يعد في حاجة إلى مشورة «طومان باي» فأمر بشنقه في 19 ~~ربيع أول سنة 923 فعلقوه تحت رواق باب زويلة بكلاب من حديد، كان باقيا هناك إلى عهد ~~غير بعيد. # وبقتل «طومان باي» انتهت دولة المماليك الشراكسة، أو البرجية. بعد أن تسلطنوا نحو 139 ~~سنة وأصبحت مصر إيالة عثمانية. والسلطان سليم أول من خطب على منابرها من العثمانيين، ~~ولا تزال عثمانية إلى الآن. # ولكن المراد في هذا الكتاب التكلم عن ms034 تاريخ سيادتها الفعلية عليها سنة 923ه (1517م) ~~إلى الحملة الفرنساوية سنة 1212ه (1797م) وهي نحو 290 سنة، كانت الحكومة على ترتيب وضعه ~~السلطان سليم سيأتي ذكره. فأصابها في أثناء ذلك تعديل اقتضته طبيعة ذلك الحكم، بحيث ~~يمكننا أن نقسم تلك المدة إلى أربعة أدوار على هذه الصورة: # عدد السنين. # الدور الأول: # من الفتح العثماني سنة ~~923ه إلى سلطنة أحمد بن محمد 1115ه، وكانت الكفة الراجحة فيه للباشوات ~~الذين كانت ترسلهم الدولة العثمانية من الآستانة لحكومة مصر، ثم للجند وطول ~~هذه المدة 192 سنة. # الدور الثاني: # من سلطنة أحمد بن محمد ~~إلى سلطنة عبد الحميد الأول سنة 1177، وكانت الكفة الراجحة فيه للمماليك. # الدور الثالث: # وهو المدة التي استقل ~~بها علي بك الكبير بحكومة مصر، حتى قتل وعادت مصر إلى كنف الدولة سنة ~~1187. # الدور الرابع: # من رجوع مصر إلى حوزة ~~الدولة العثمانية إلى الحملة الفرنساوية سنة 1219. # فلنذكر تاريخ كل دور من هذه الأدوار فنبدأ بالتاريخ السياسي ونلحقه بفذلكة من تاريخ ~~العلم والأدب. وخلاصة تراجم العلماء في كل دور، وما خلفوه من الآثار الأدبية ~~فنقول: # | الدور الأول من تاريخ مصر العثمانية # من سنة 923-1115ه أو 1517-1703م ~~(1) سلطنة سليم الأول: من سنة 923-926ه أو 1517-1520م # أقام السلطان سليم بمصر بضعة أشهر، وهو ينظم أحوالها لكن همه كان منصرفا إلى حمل ~~ما فيها من التحف إلى الآستانة. # ذكروا أنه أمر بفك الرخام الذي كان في القلعة والعواميد السماقية التي كانت في ~~الديوان الكبير؛ لأنه أراد أن ينشئ مدرسة في الآستانة، مثل مدرسة الغوري. # قال ابن إياس «وصار يحيى بن فكار يركب ويأخذ معه جماعة من المرخمين فيهجمون على ~~قاعات الناس، ويأخذون ما فيها من الرخام السماقي والزرزوري الملون، فأخربوا عدة ~~قاعات من أوقاف المسلمين، وبيوت الأمراء. حتى القاعات التي في بولاق، وقاعات ~~الشهابي أحمد ناظر الجيش ابن ناظر الخاص التي على بركة الرطلي وغير ذلك من قاعات ~~المباشرين والتجار، وأبناء الناس والمدارس التي فيها الكتب النفيسة فنقلوها عندهم، ~~ووضعوا أيديهم عليها.» # غير ما نهبوه من ms035 الأمراء وتحفهم. وبالجملة فقد خرج السلطان سليم من مصر في شعبان ~~من تلك السنة، ومعه أحمال من التحف والهدايا، وقد نال أمرا لم يجسر عليه أحد قبله ~~من السلاطين الأتراك ولا غيرهم؛ نعني نيل الخلافة الدينية، فضلا عن السلطة ~~السياسية. ~~(1-1) الخلافة والسلطة في الإسلام # لما كانت الخلافة أهم ما اكتسبه العثمانيون في مصر، رأينا أن نأتي على تاريخ ~~هذا المنصب في التمدن الإسلامي، ونسبته إلى السلطة، يتبين للقارئ أن السلطان ~~سليما أقدم على أمر لم يقدم عليه سواه من السلاطين فنقول: لا بد للناظر في ~~أحكام التاريخ على العموم، وتاريخ الإسلام على الخصوص من أن يرى السلطة المطلقة ~~لا تتأيد بمثل الدين، فإن الصبغة الدينية تحميها من طمع الطامعين بأن تجعل ~~لملوكها مزية على سائر الناس. # وإذا أريد فصل الدين عن السياسة فلا بد من تقييد الحكومة بالشورى، وهي ~~أفضل الحكومات وأطولها عمرا، وإلا فإنها تنحل سريعا. ويكفي لانحلالها أن ~~يتولى شئونها ملك قليل التدبير ناقص الاختيار، فيغتصب ملكه بعض وزرائه أو ~~قواده. # وإذا تدبرت تاريخ الدول الإسلامية، رأيت للسلطة الدينية تأثيرا كبيرا في ~~طول بقائها واتساع نطاقها. اعتبر ذلك في الدول التي نشأت في أثناء التمدن ~~الإسلامي من الفرس، والترك، والكرد، والشركس، كالبويهيين والسلاجقة والأيوبيين، ~~وغيرهم من الدول الفخمة؛ فإن بين ملوكها جماعة من دهاة الرجال وقهارمة السياسة، ~~ولم تطل أعمارها رغم استقوائها بالخلافة العباسية. # وانظر إلى الدول العربية التي جمعت بين الخلافة والسلطة كالعباسيين ~~والفاطميين والأمويين في الأندلس مع ما طرأ عليها من أسباب السقوط، فقد صبرت ~~وطال جهادها. # وإذا نظرت إلى الدول الأعجمية رأيت أطولها عمرا وأوسعها ملكا الدولة التي ~~جمعت بين السلطتين، وهي الدولة العثمانية. وبنو أمية في الشام، لو لم يتخذوا ~~لقب الخلافة ويقبضوا على أزمة الرئاسة الدينية ما استطاعوا إلى الحكم سبيلا، ~~فإنهم إنما حكموا الناس وأيدوا سلطتهم بما في الخلافة من الصبغة الدينية، ~~ووفقوا إلى أعوان علموا أن العامة لا تحكم بمثل الدين فجعلوا همهم تعظيم ~~الخلافة حتى جعلوها فوق النبوة، وسموا ms036 الخليفة خليفة الله. وقالوا: «خليفة ~~الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته.» والعلماء ينكرون ذلك، ولا يصدقونه. ~~وأما العامة فكانوا يساقون به إلى الطاعة بالإرهاب رغم ما كان يعتور صحة خلافة ~~بني أمية من شكوك. # فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس، وهم من عائلة النبي ومن أولى الناس ~~بخلافته، كان المسلمون أطوع لهم مما لبني أمية، واعتقدوا أن خلافتهم تبقى أبد ~~الدهر حتى يأتي السيد المسيح، وغرس في أذهان الناس بتوالي الأجيال أن الخليفة ~~العباسي إذا قتل اختل نظام العالم واحتجبت الشمس وامتنع القطر وجف ~~النبات. # وكان الخلفاء لا يأنفون من ذلك التفخيم مع تعقله وانتشار العلم في عصره. فقد ~~ذكروا أنه كان يحتمل أن يمدح بما يمدح به الأنبياء ، ولا ينكر ذلك ولا يرده حتى ~~قال فيه بعض الشعراء: «فكأنه بعد الرسول رسول»! فكيف يكون حال الخلفاء في عصر ~~الانحطاط؛ إذ يقوم الوهم مقام الحقيقة، ويكثر المتزلفون والمتملقون، ويكتفي ~~أولو الأمر بالكلام دون الأعمال وتمسك أهلها بالعرض، وتركوا الجوهر فلا غرو ~~إذا سموا الخليفة في أيام المتوكل: ظل الله الممدود بينه وبين خلقه. أو قالوا ~~قول ابن هانئ للمعز الفاطمي: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # فلهذا السبب كان الأمراء الذين يستقلون عن الدولة العباسية بالإدارة والسياسة ~~لضعف الخليفة عن حربهم، لا يستطيعون الاستقلال عنه بالدين؛ إذ لا يستغنون عن ~~بيعته لتثبيت سلطانهم. فإذا أراد أحدهم الاستقلال بولاية أو فتح بلد أو إنشاء ~~إمارة لنفسه، بعث إلى الخليفة في بغداد يبايعه، ويطلب منه أن يعطيه تقليدا أو ~~عهدا بولاية ذلك البلد، أو أن يلقبه ويخلع عليه. وإذا أبى الخليفة أن يجيبه ~~غضب، وعد ذلك تحقيرا له، وقد يجرد عليه الجند ليكرهه على تثبيته. # فالإمارات أو المماليك التي استقلت عن الدولة العباسية في فارس وخراسان ~~وتركستان، وما بين النهرين والشام ومصر وبلاد المغرب وغيرها قبل قيام الدولة ~~الفاطمية كانوا أصحابها يخطبون لخليفة بغداد ويبعثون إليه بمال معين في العام ~~مع أنهم في أمن من سطوته، ms037 وإنما يريدون أن يرضى العامة عن سلطانهم. # وكذلك كان شأن الأجناد الأتراك وأمرائهم فقد كانوا مع استبدادهم بخلفاء بغداد ~~قتلا وخلعا لا يجسرون على استبقاء منصب الخلافة خاليا يوما واحدا ~~لاعتقادهم أنه بدون الخليفة لا تصطلح العامة، حتى الملوك أو السلاطين الذين ~~تسلطنوا على بغداد وقبضوا على كل شيء فيها. وأصبح الخليفة آلة في أيديهم مثل آل ~~بويه، وآل سلجوق، فقد كانوا يحاربون الخليفة ويجردون عليه الجيوش، حتى إذا ~~ظفروا به، وغلبوه، بايعوه، وأكرموه ورفعوا مقامه وتبركوا به. # فعضد الدولة البويهي ملك بغداد واستبد بها وهو شيعي على غير مذهب الخليفة، ~~وكان يغالي في التشييع ويعتقد أن العباسيين غصبوا الخلافة من مستحقيها، فلم يكن ~~ثمة باعث ديني يدعوه إلى طاعة خليفة بغداد. ومع ذلك فإنه بايعه، وعظم شأنه، ~~وأعاد من أمر الخلافة ما قد نسي، وأمر بعمارة دار الخلافة، والإكثار من ~~الآلات، وعمارة ما يتعلق بالخليفة وبطانته، وأكرمه غاية الإكرام. # وكان الخلفاء من الجهة الأخرى يعرفون ~~حاجة الأمراء المسلمين إلى رضاهم. فإذا ساءهم أحد منهم، هددوه بالخروج من ~~بغداد. فيضطر إلى استرضائهم؛ لأن خروجهم يغضب العامة، ويجرئهم على خلع الطاعة ~~لتقديسهم شخص الخليفة وتنزيهه عن الخطأ. # ولذلك فلم يكن من سبيل إلى نزع سلطته أو الاعتراض عليها إلا من وجه ديني. ~~فكان الذين يقومون على الخلفاء، يجعلون سلاحهم الدين، فيلبسون الصوف، ويدعون ~~إلى المعروف أو يعلقون في أعناقهم المصاحف أو نحو ذلك مما يحرك عواطف العامة ~~وإذا أراد أحد الخلفاء أن يصلح ما بينه وبين العامة أصلحه بالتقوى. فلما ضمن ~~«الفضل بن سهل» الخلافة للمأمون أوصاه بإظهار الورع والدين ليستميل ~~القواد. # ولما رأى «أبو مسلم الخراساني» أهل اليمن في مكة قال: «أي جند هؤلاء لو لقيهم ~~رجل ظريف اللسان، غزير الدمعة» يريد تحريك عواطفهم الدينية بالوعظ والبكاء. فلم ~~يكن للمماليك الإسلامية بد من خليفة تبايعه ليثبت ملكها. # وقد يستاء بعض الأمراء المستقلين من خليفة بغداد فيكظم ولا يخلع بيعته، إلا ~~إذا رأى خليفة آخر يبايعه. فلما قامت الدولة الفاطمية بالمغرب ms038 ومصر، خلعت كثير ~~من البلاد بيعة خليفة بغداد، وبايعت للفاطميين في القاهرة. ولما تغلب صلاح ~~الدين الأيوبي على مصر، وذهبت الدولة الفاطمية منها، فأول شيء فعله أنه خطب ~~بجامع القاهرة للخليفة العباسي في بغداد. وطلب المنشور منه والخلع عليه. # وكانت الخلافة العباسية بغاية الانحطاط والضعف وهو في غنى عن بيعتها، ولكنه ~~علم أنه إذا لم يبايع الخليفة فلا يرضى الناس. # وكذلك فعل السلاطين المماليك، الذين ملكوا مصر بعد الدولة الأيوبية، فإنهم ~~بايعوا للعباسيين، وكانت الخلع تأتيهم من بغداد إلى القاهرة بتثبيت سلطتهم، ~~فلما سطا التتر على بغداد وفتحوها سنة 656ه، وقتلوا الخليفة العباسي المستعصم ~~بالله، توقف شأن الخلافة، فاضطربت أحوال مصر، وبذل سلاطينها جهدهم في إيجاد ~~خليفة يبايعونه ولو أعوز خليفة ولم يجدوه ربما اختلقوا واحدا ليحكموا العامة ~~به، على أنهم ما زالوا يبحثون عن بقية الخلفاء العباسيين الذين كانوا في بغداد ~~حتى ظفروا بالهاربين منهم فاستقدموهم إلى القاهرة، واحتفلوا بهم احتفالا ~~عظيما، وفرضوا لهم الرواتب كما تقدم، وبالغوا في احترامهم وإكرامهم مع علمهم ~~أن أولئك الخلفاء لا يغنون عنهم شيئا. # ولكنهم خافوا اختلال دولتهم بدونهم، وظل ملوك الهند وغيرهم من ملوك الإسلام ~~بالأطراف البعيدة، يبايعون للخليفة العباسي في القاهرة، ويطلبون التقليد منه أو ~~المنشور لإثبات سلطتهم على يد السلاطين المماليك، فما الذي بعث لأولئك الملوك ~~على طلب التقليد من خليفة طريد شريد لا ينفع ولا يشفع لولا ما يتوقعونه من أثر ~~ذلك في أذهان العامة؟ # ولا ننكر أن بعضهم كان يطلب بيعة الخليفة تدينا ولكن الأكثرين كانوا ~~يطلبونها لاستصلاح العامة بها. ~~(1-2) الخلافة في غير قريش # مما يستحق النظر والاعتبار فيما نحن فيه، أن ملوك المسلمين غير العرب على ~~اختلاف مواطنهم وأجناسهم ولغاتهم ودولهم من الفرس والأتراك والأكراد والبربر ~~والشركس وغيرهم، مع ما بلغوا إليه من سعة الملك وعز السلطان ومع حاجاتهم إلى ~~السيادة الدينية لتستقيم دولتهم، وتجتمع الرعية على طاعتهم، ولم يخطر لأحد منهم ~~أن يطلب الخلافة لنفسه، قبل انتقال الإسلام إلى طوره الثاني بعد تضعضعه بفتوح ~~المغول، ms039 ولا ادعاها أحد من العرب غير قريش، وأول سلطان غير عربي بويع بالخلافة، ~~السلطان سليم الذي نحن في صدده ولا تزال الخلافة في دولته إلى الآن. # على أن الذين قويت شوكتهم في عهد ذلك التمدن من الأمراء المسلمين أو القواد ~~غير العرب، كانوا إذا طمعوا بالسيادة الدينية أو الخلافة، انتحلوا لأنفسهم ~~نسبا في قريش كما فعل «أبو مسلم الخراساني» لما رأى من نفسه القوة على إنشاء ~~الدولة. وربما طمع بالخلافة، وانتحل لنفسه نسبا في بني العباس فقال إنه ابن ~~سليط بن عبد الله بن عباس. # وأما الملوك أو السلاطين الأعاجم، فلما ضخمت دولتهم في أواخر العصر العباسي، ~~ورأوا انحطاط الخلافة وتقهقرها تمنوا الاستغناء عنها، ولكنهم لم يروا سبيلا ~~إلى ذلك، إلا أن يستبدلوها بخلافة أخرى. على أن بعضهم طمع بالنفوذ الديني عن ~~طريق الانتساب إلى الخليفة بالمصاهرة. # وأول من فعل ذلك، عضد الدولة «بن بويه» المتوفى سنة 372ه، فإنه حمل الطائع ~~بالله الخليفة العباسي في أيامه أن يتزوج بابنته، وغرضه من ذلك أن تلد له ~~ابنته ولدا ذكرا فيجعله ولي عهده؛ فتكون الخلافة في ولد لهم فيه نسب، ولم يوفق ~~إلى مراده. # ولما أفضت السلطة إلى السلاجقة، تقدموا في هذا الطريق خطوة أخرى، فعمدوا إلى ~~التقرب بالمصاهرة أيضا. ولكن على أن يتزوج السلطان «طغرلبك ~~السلجوقي» ابنة الخليفة، وهو يومئذ القائم ~~بأمر الله فخطبها إليه، ووسط قاضي الري في ذلك، فانزعج الخليفة لهذا الطلب ~~أيما انزعاج؛ إذ لم يسبق أن يتزوج بنات الخلفاء إلا أكفاءهم بالنسب، وكانت ~~يد السلطان قوية والخليفة لا شيء في يده، فأخذ الخليفة في استعطافه ليعفيه من ~~الإجابة على طلبه، فأبى السلطان إلا أن يجاب. # وحدثت أمور يطول شرحها خيف منها على الدولة فاضطر الخليفة إلى القبول، فعقد ~~له عليها سنة 454ه. وهذا ما لم يجر مثله قبله، لأن آل بويه لم يطمعوا بذلك ~~ولا تجاسروا على طلبه مع مخالفتهم للخليفة في المذهب؛ إذ يكفي الخليفة تنازلا ~~أن يتزوج بنات الملوك، لا أن يزوجهم بناته، ولم ينل ms040 هذا الشرف أحد قبل طغرلبك. ~~ومع ذلك فإنه لما دخل إلى عروسه في السنة التالية، قبل الأرض بين يديها وهي ~~جالسة على سرير ملبس بالذهب، فلم تكشف الخمار عن وجهها ولا قامت له وظل ~~أياما يحضر على هذا الصورة وينصرف. على أنه لم يوفق لإتمام ما أراده لأنه توفي ~~في تلك السنة. # أما المبايعة بالخلافة لغير العرب فلم تنلها دولة إسلامية قبل العثمانيين، ~~وذلك أن الخليفة العباسي كان عند الفتح العثماني لمصر، الإمام محمد المتوكل على ~~الله الثالث، وقد تقدم ذكره مرارا، وهو الخليفة الثامن عشر من الدولة العباسية ~~بمصر، فلما تم فتح مصر للسلطان سليم، علم أن الأمر لا يستتب له، إلا إذا أضاف ~~السلطة الدينية إلى السلطة الزمنية، فاغتنم فوزه وطلب إلى المتوكل على الله، أن ~~يبايعه فبايعه بالخلافة الإسلامية وسلمه الآثار النبوية، وهي: العلم والسيف ~~والبردة. وسلم إليه أيضا مفاتيح الحرمين، فصار خليفة وسلطانا، وتوارث ذلك ~~السلاطين بعده، ولا يزالون على ذلك إلى الآن. # أما الخليفة العباسي، فإنه نقل إلى الآستانة وخصص له راتب لنفقاته. وقبل وفاة ~~السلطان سليم عاد المتوكل إلى مصر وعاش فيها منفردا إلى أن توفاه الله سنة ~~945ه، وهو آخر الخلفاء العباسيين وفد دولتهم الدينية، نيفا وثمانية قرون. ~~(1-3) نظام الحكومة المصرية في الدولة العثمانية # قد رأيت من إجراءات العثمانيين بمصر عند الفتح أنهم لم ينظروا إليها نظرهم ~~إلى بلد سيقيمون فيه وإنما أرادوا إخضاعه وإذلاله واستغلاله. فلما رجع السلطان ~~سليم إلى عاصمته القسطنطينية، فكر في أمر مصر فارتأى أن يضع لها نظاما يأمن ~~معه تمردها عليه، لبعدها عن مركز الخلافة، وصعوبة المواصلات في ذلك ~~العصر. # وكان قد ولى عليها واليا برتبة باشا يرجع إليه الحل والعقد وأول من نال ~~هذا المنصب أمر أهله من كبار رجال قنسو الغوري اسمه خاير بك «أو خير بك» قد ~~تقدم ذكره، وحارب معه في حلب ثم خانه وسلم البلد إلى العثمانيين. فلما فتح الله ~~على هؤلاء مصر، ولاه السلطان سليم ولايتها، وسماه باشا. # على أنه تذكر ms041 أن هذا الرجل خان سلطانه من قبل فخاف أن يفعل ذلك معه، إذا بعد ~~عنه ويستقل بمصر، فأعمل فكرته فيما يكفيه مئونة هذا الخطر، فاهتدى إلى طريقة ~~تضمن له ذلك؛ وهي أن يجعل في مصر ثلاث إدارات أو قوات، كل منها تراقب أعمال ~~الآخرين فلا يخشى اتحادها وتمردها. # فالقوة الأولى ~~: «الباشا» وأهم واجباته ~~إبلاغ الأوامر السلطانية لرجال الحكومة وللشعب، ومراقبة تنفيذها. # والقوة الثانية ~~: «الواجاقات» فإنه أقام في ~~القاهرة، وفي المراكز الرئيسية في القطر ستة آلاف فارس، وستة آلاف ماش ~~بالبنادق، جعلها ستة وجاقات (فرق) تحت قيادة وأوامر خير الدين أحد قواد ~~العثمانيين العظماء وأمره أن يقيم في القلعة ولا يخرج منها لأي سبب كان. # وواجبات هذه الوجاقات حفظ النظام في القطر المصري والدفاع عنه، وجباية ~~الخراج، وقد رتبها على الوجه التالي: ~~(1) ~~«وجاق المتفرقة»: وهو مؤلف من ~~نخبة الحرس السلطاني. ~~(2) ~~«وجاق الجاويشية»: وهو مؤلف في ~~الأصل من صف ضابطان جيش السلطان سليم، فعهد إليهم جباية الخراج. ~~(3) ~~«وجاق الهجانة.» ~~(4) ~~«وجاق التفقجية»: وهم ناقلو ~~البنادق. ~~(5) ~~«وجاق الإنكشارية»: وقد تقدم ~~تاريخهم ووصفهم. ~~(6) ~~«وجاق العزب.» # وكان كل من هذه الوجاقات مؤلفا من أفراد يقال لهم وجاقلية واحدهم وجاقلي. ~~على كل وجاق ضابط يلقب بلآي يصحبه الكخيا ~~الضباط في سائر الوجاقات يتألف مجلس شورى الباشا فلا يقضي أمرا إلا ~~بمصادقتهم. # أما هم فلهم أن يوقفوه عن الإجراء أو يستأنفوا إلى ديوان الآستانة عند ~~الاقتضاء. ولهم أيضا أن يطلبوا عزله حالما يشتبهون بمقاصده. # أما القوة الثالثة ~~: فهي الأمراء المماليك، ~~وهم بقايا الدولتين السالفتين، والفائدة منهم حفظ الموازنة بين الباشا ~~والوجاقات لأنهم في الأصل أعداء لكلا الفريقين. ومن غرضهم الانتصار للفريق ~~الأضعف ليمنعوا القوي من الاستبداد. # وقد كان القطر المصري منقسما إلى 12 سنجقية (مديرية) يحكم كل منها حاكم يقال ~~له: سنجق أو بك يعينه الديوان وهو مجلس شورى الباشا من أمراء المماليك. # فلا غرو أن تقاطع المصالح على هذه الصورة واختلاطها مع تعدد الآمرين، ما يقود ~~إلى القلاقل والمتاعب. أما الدولة العثمانية فقد جبت راحة من هذا ms042 التعب لأنها ~~كانت على ثقة من استبقاء الديار المصرية في حوزتها. # ولم تطل حياة السلطان «سليم» بعد فتح مصر، فتوفي سنة 926ه/1520م، وخلفه ~~ابنه السلطان «سليمان القانوني» الشهير. ~~(2) سلطنة «سليمان القانوني» # من سنة 926-972ه أو من 1520-1566م # لهذا السلطان شأن خاص دون سائر سلاطين آل عثمان؛ لأن المملكة العثمانية بلغت في ~~أيامه أرقى ما وصلت إليه من النفوذ السياسي وسعة الفتح. # فقد فتح «بلغراد» و«رودس»، وحاصر «فيينا» حتى كاد يفتحها. وكانت له علاقات عظيمة ~~مع ملك «فرنسا». # وفي أيامه، دخل العثمانيون «تبريز» غير مرة وقد طالت سلطة هذا السلطان أكثر من ~~سائر السلاطين العثمانيين وبلغت الدولة العثمانية في أيامه أوج مجدها. # وقد عرف «بالقانوني» لأنه سن قانونا لا يزال أساسا للقوانين العثمانية إلى ~~الآن. واهتم على الخصوص بشئون مصر. وكان أبوه قبيل وفاته قد رسم الخطة التي يجب أن ~~تسير عليها مصر في حكومتها وإدارتها، ولكنه توفي قبل أن يبرزها إلى حيز الفعل. فلما ~~توفي السلطان، جعل اهتمامه إتمام مشروع أبيه. ~~(2-1) نظام الحكومة المصرية أيضا # وكان من رأي السلطان «سليم» أن ينشئ ديوانا تحت رئاسة الباشا؛ حفظا ~~للموازنة. أما السلطان «سليمان» فأتم الموازنة بإنشاء ديوانين، عرفا ب «الديوان ~~الكبير» و«الديوان الصغير» أو «الديوان» فقط. وأناط رئاستهما بالباشا وعليه أن ~~يجلس عند انعقاد الجلسة وراء ستار المنبر، وعلى الكخيا، والدفتردار استئذانه ~~قبل المفاوضة، ومتى أقر الديوان على أمر، أبلغاه ذلك القرار وليس في القلعة تحت ~~ملاحظة الأغا الذي هو قومندانها، ويجدد تعيين الباشا كل سنة. # أما واجبات الديوان الكبير فهي المفاوضة والإقرار على ما يتعلق بالأشغال ~~العمومية التي لا تتعلق إدارتها بالباب العالي نفسه. # أما أعضاء هذا الديوان، فهم أغوات الوجاقات الستة ودفترداريوها، ~~وروزنامجيوها، ونواب من جميع فرق الجيوش، وأمير الحج، وقاضي وأعيان المشايخ، ~~والأشراف، والمفتون الأربعة والأئمة الأربعة والعلماء. # أما المخاطبات التي ترد إلى هذا الديوان فتعنون باسم «الديوان الكبير»، ~~لكنها تسلم إلى الباشا، وله وحده الحق أن يعقد جلساته، ولم تكن كثيرة. # أما جلسات الديوان الأصغر، فكانت تنعقد ms043 يوميا في قصره وأعضاء هذا الديوان ~~هم: كخيا الباشا، ودفترداره وروزنامجيه، ونائب من كل الوجاقات والأغا وكبار ~~ضباط وجاق المتفرقة. # ومن واجبات هذا الديوان، النظر في الحوادث اليومية ومن اختصاصاته البحث في ~~الإدارات الثانوية. # وأنشأ السلطان «سليمان» فضلا عن الستة الواجاقات التي أنشأها أبوه، وجاقا ~~سابعا دعاه وجاق الشراكسة وهم بقية جند المماليك، ومن هذه الوجاقات السبعة ~~تتألف حكومة مصر وحاميتها. # أما نفقاتها، فمن مخصصات يتولى ضبطها وتفريقها «أفندي» من كل وجاق. وجعل لكل ~~وجاق مجلسا مؤلفا من ضباط ذلك الوجاق، وبعض صف ضابطانه لمحاسبة الأفندي، ~~والنظر في الدعاوى بخصوصية، وعرض الترقيات للباشا للمصادقة عليها ومقامهم في ~~القاهرة، ولكل منهم لباس خاص برتبته وعليه علاماته، ومجموع عدد رجال الوجاقات ~~معا عشرون ألفا وقد يزيد أو ينقص حسب الاقتضاء. وكان لوجاق الإنكشارية امتيازات على سائر ~~الوجاقات، وقائده (الأغا) مفضل على سائر القواد وله نفوذ عليهم. # وجعل السلطان «سليمان» للبكوات المماليك الذين أقامهم السلطان «سليم» ~~امتيازات خصوصية، وحقا بالارتقاء إلى رتبة الباشوية وأضاف إليهم 12 بيكا ~~آخرين لمهمات فوق العادة. وهاك أسماء الموظفين الذين ينتخبون من البكوات، وهم: ~~الكخيا أو نائب الباشا والقبابطين الثلاثة، وهم قومندانات ثغور السويس ودمياط، ~~والإسكندرية، ويسمى واحدهم قبطان بك، ودفتردار، وأمير الحج، وأمير الخزانة، ~~وحكمداريو أو مديريو المديريات الخمس الآتي ذكرها: جرجا، والبحيرة، والمنوفية، ~~والغربية، والشرقية. ولم يكن لغير الكخيا والدفتردار، وأمير الحج، الحق في دخول ~~الديوان، فالدفتردار كان عليه ضبط الحسابات، وحفظ الدفاتر والسجلات، ولا ينفذ ~~إجراء ببيع عقار إلا بعد توقيعه عليه إشارة إلى تسجيله في دفاتره، وأمير الحج ~~يحمل الهدايا والصدقات التي كان يرسلها السلطان سنويا إلى مكة أو المدينة، ~~وعليه حماية قافلة الحج ذهابا وإيابا. # وأما أمير الخزانة، فيحمل القسم المختص بالقسطنطينية من حاصلات مصر برا ~~وعليه حمايته. وينتخب من البكوات أيضا «شيخ البلد» وسنعود إليه ويكون له شأن ~~عظيم. # وكانت لمديريات القليوبية، والمنصورة، والجيزة، والفيوم في عهده كشاف لا فرق ~~بينهم وبين البكوات في النفوذ، ولا يعمل بإقرار أحدهم إلا بعد مصادقة ms044 الشوربجية ~~وغيرهم من الوجاقيين الذين يتألف منهم ديوان خاص في كل مديرية. ثم إن تعيين ~~كخيا الباشا وقباطين السويس ودمياط والإسكندرية متعلق رأسا بجلالة السلطان، ~~فيرسلونهم من الآستانة ويستدعونهم إليها في آخر كل سنة. # أما البكوات الآخرون، فيعينهم الديوان، ويوليهم الباشا، ويثبتهم الباب ~~العالي، ومراكزهم ثابتة إلا أن واجباتهم تتغير، إلا الدفتردار، وقد ينتخب ~~البكوات من وجاق المتفرقة ومتى انتخبوا لا يعودون تابعين لذلك الوجاق. # وكان هم الباب العالي الانتباه إلى السويس ودمياط والإسكندرية على الخصوص، ~~لأنها الأبواب التي يدخل منها إلى مصر، فكان يرسل حاميتها رأسا من الآستانة ~~تحت قيادة القباطين، ويجددها كل سنة. وهؤلاء القباطين لم يكونوا يحسبون من جند ~~مصر إلا باعتبار إقامتهم فيها وبما ينالونه من الإمدادات المالية لنفقاتهم. # أما ما خلا ذلك، فكانوا يحسبون أجانب في اعتبار الباشا وديوان مصر، ولم ~~يكونوا تحت أوامر حكومة البلاد في شيء، فأوامرهم كانت ترد إليهم من ديوان ~~الآستانة رأسا. ~~(2-2) حاصلات البلاد # هذا من قبيل الإدارة، أما من قبيل حاصلات البلاد، فإن السلطان «سليمان» بما ~~أنه المالك الحر لأرض مصر، فكانت له ملكا، وكان يفرقها إقطاعات على مزارعين ~~كان يدعوهم الملتزمين، على أنه لم يكن يمنع إقطاعها أو يوقفه. فلم يكن بالحقيقة ~~فرق بين هذه الإقطاعات والملك الحقيقي. والفلاحون الذين كانوا يحرثون الأرض ~~كانوا يتمتعون بنصيبهم منها ويورثونها لأعقابهم، ولكنهم مجبورون على العمل فيها ~~بدون حق التصرف بها، وعليهم خراج لا مناص من دفعه للملتزمين، ومتى توفي فلاح ~~بلا وريث، تعطى أرضه للملتزم، وهو يتعهد بحراثتها من يشاء، وإذا مات الملتزم ~~وليس له وريث تعود الأرض إلى السلطان، وكان على كل من الملتزمين والفلاحين ~~خراج يدفعونه إما نقدا أو عينا، فإذا تأخر الملتزم، تؤخذ الأرض منه. # ونظرا لاتساع أرض مصر لم يمكن حصر أملاك كل من الملتزمين، فلم يكن ممكنا ~~تعيين مقدار خراجها، فأرسل السلطان «سليمان» مساحين مسحوا الأرضين المصريين. ~~فقسموا المديريات إلى أقسام دعوها بالقراريط ومسحوا كلا منها على حدة، ~~وحددوه. ~~(2-3) ولاة مصر في زمن السلطان ms045 «سليمان» # قلنا إن السلطان «سليم» ولى حكومة مصر «خير بك» الذي كان «الغوري» ~~و«طومان باي» في تسليم حلب. فتوفي «خير بك» سنة 928ه، ودفن في جامعه المعروف ~~باسمه في شارع «درب الوزير» وبعد وفاته، لهجت الألسنة بذمه لعظم ~~استبداده. # وولى السلطان «سليمان» مكانه «مصطفى باشا» وبعد تسعة أشهر و25 يوما أبدل ~~«بأحمد باشا» وكان عدوا للصدر الأعظم «إبراهيم باشا» فدس الصدر سنة 930ه إلى ~~أمراء المماليك في القاهرة أن يقتلوه، فعلم بالدسيسة، فقبض على الكتب الواردة ~~بذلك قبل أن تصل إلى أصحابها، ثم استدعاهم وأعلنهم أنها أوامر جلالة السلطان ~~بقتلهم، ولم يطلعهم عليها، فأبوا الإذعان، إلا أن إباءهم لم يمنع قتلهم. # ولما تأكد «أحمد باشا» أنه صار في مأمن من المقاومين، صرح باستقلاله، وأمر أن ~~يخطب له، وأن تضرب النقود باسمه، وهو أول من طمع باستقلال من ولاة ~~مصر في عهد الدولة العثمانية، ولكنه بالغ ~~بالعسف، فاختلس ممتلكات البعض وحبس البعض، فثارت الأفكار عليه حتى أصبحت حياته ~~في خطر. # وبينما هو ذات يوم في الحمام، فاجأه أميران من أمرائه كان قد أمر بسجنهما ~~وهم: «جهم الحمزاوي» و«محمد بك» فكسرا باب السجن وخرجا رافعين العلم الشاهاني، ~~يستنصران الناس حتى أتيا الحمام، فعلم الباشا بذلك، ففر من السطح، والتجأ إلى ~~أحد مشائخ عربان الشرقية واسمه «ابن بقر» فتعقبه أعداؤه حتى أدركوه وقطعوا رأسه ~~على باب زويلة ثم نقل إلى الآستانة سنة 931ه. # فأرسل السلطان عوضا عنه «قاسم باشا». وفي نيته تقصير مدة هؤلاء الولاة لئلا ~~يثور في خواطرهم حب الاستقلال. فبعد تسعة أشهر و14 يوما استبدله بإبراهيم باشا ~~وكان نشيطا، محبا للإصلاح والنظام إلا أن قصر مدته لم تمكنه من إتمام ما كان ~~شارعا فيه، فعزل وأقيم بدلا منه «سليمان باشا» سنة 933، وكان السلطان ~~راضيا عن سميه هذا، فأبقاه في الولاية تسع سنوات و11 شهرا. # وفي سنة 941ه، استقدمه إلى الآستانة، ليسلمه قيادة حملة أعدها لمحاربة الفرس ~~والهند. وقد أقام في أثناء حكمه بنايات كثيرة من جملتها جامع سارية في القلعة، ~~وناب ms046 عنه في غيابه «خسرو باشا» نحو سنة وعشرة أشهر فعاد «سليمان باشا» إلى مصر، ~~وبقي عليها بعد ذلك نحو سنة وخمسة أشهر. # وفي سنة 945ه، عهدت باشوية مصر إلى «داود باشا» فبقي عليها 11 سنة و8 أشهر. ~~وكان رجلا مستقيما، كريم الخلق، محبا للعلماء، آخذا بناصرهم، كلفا ~~بالمطالعة، وعلى نوع خاص مطالعة الكتب العربية، فجمع منها عددا وافرا ~~واستنسخ كل ما ظفر به من الكتب غير المطبوعة، فجمع مكتبة جميلة جدا. # وكان الأهلون في مدة حكمه في بحبوحة السعادة والأمن، وتوفي في القاهرة سنة ~~956ه، فتولى مكانه «علي باشا» وهذا رمم وبنى عدة بنايات عمومية في «القاهرة» ~~وفي «فوة» و«رشيد» واقتدى به غيره من بكوات «مصر»، فجعلوا يشيدون الجوامع، منها ~~الجامع الذي ابتناه «عيسى بك» في «ديروط». وكان علي باشا محبوبا، مكرما عند ~~المصريين بمنزلة الأب، لكنه على ذلك لم يحكم إلا أربع سنوات وستة أشهر. # ففي سنة 961ه، تولى باشوية «مصر» «محمد باشا» وكان الناس يبغضونه، فلم يحكم ~~إلا ثلاث سنوات. ولما زاد التشكي منه، عزل واستقدم إلى الآستانة للمحاكمة فحكم ~~عليه بالقتل سنة 963ه. # وبعد «محمد باشا» تولى «إسكندر باشا» فحكم ثلاث سنوات وثلاثة أشهر ~~ونصف. # وفي سنة 968ه، تولى «علي باشا» الخادم، وبعد 17 شهرا خلفه «مصطفى باشا» ~~(الثاني) في سنة 969ه. # ثم في سنة 971ه، تولى «علي باشا» الصوفي سنتين وثلاثة أشهر، وكان «علي ~~الصوفي» قبلا حاكما في «بغداد»، مشهورا فيها باعوجاج الأحكام ~~والخيانة. # فلما تولى «مصر»، كثرت فيها السرقات والتعديات، حتى غصت القاهرة باللصوص، ~~واخترقت طائفة منهم المدينة حتى الجامع الأبيض. فاضطرت الحكومة أن تقيم سورا ~~من قنطرة الحاجب إلى هذا الجامع منعا لمثل ذلك. # وفي شوال سنة 973ه، أبدل «علي باشا ~~الصوفي» ب «محمود باشا»، وهو آخر من تولى مصر في أيام السلطان «سليمان» فجاء ~~الآستانة بموكب عظيم، فأهدي إليه في أثناء مروره من الإسكندرية إلى القاهرة، ~~هدايا عظيمة. فلما وصل القاهرة، لاقاه الأمير «محمد بن عمر» متولي الصعيد على ~~قارب فيه جميع أنواع ms047 الهدايا وخمسون ألف دينار. فأخذ الباشا الهدايا منه بخنقه ~~حال خروجه من مجلسه، وأمر أيضا بخنق القاضي «يوسف العبادي»؛ لأنه لم يأت ~~لملاقاته، ولم يهده شيئا. واستمر على هذه المظالم حتى قتل معظم أعيان القاهرة، ~~فكان لا يمر إلا ومعه الشوباصي «رئيس الجلادين» فإذا أمر بأحد، وأراد قتله، ~~أشار بيده إلى الشوباصي، فيعمد حالا إلى ذلك التعس ويقتله بأسرع من لمح ~~البصر. # وفي 3 رجب سنة 974ه، توفي الأمير ~~«إبراهيم» الدفتردار. وكان أميرا للحج، فاستولى «محمود باشا» على ما ترك من ~~المال، والمماليك، والجواري وحمله ذلك مئة ألف دينار ضمها إلى المال الذي يرسل ~~إلى الآستانة سنويا، ويعين منها هدايا ثمينة للسلطان ووزرائه، استجلابا ~~لخواطرهم. لكنه لم ينتفع من ذلك قبل أن قتل في يوم الأربعاء غاية جمادى الأولى ~~سنة 975ه وهو مار في موكبه الاعتيادي بين البساتين، ولم تقف الحكومة على ~~القاتل، فاتهمت اثنين من الفلاحين وقتلتهما ظلما لأنهما وجدا بقرب مكان ~~القتل. # وكان السلطان «سليمان» قد توفي قبل ذلك بسنة (974) وسنه 74 سنة، ومدة حكمه 48 ~~سنة فتولى بعده ابنه «سليم شاه» (الثاني). ~~(3) سلطنة «سليم بن سليمان» # في سنة 974-982ه أو في 1566-1574م # هو «سليم الثاني» ولد سنة 930. فلما تولى الملك كان في السابعة والأربعين من ~~عمره. وكانت أمه روسية (صقلبية). ولم يكن أهلا للاحتفاظ بما خلفه أبوه من الفتوح ~~ولا القيام بما أسسه من المشاريع، ولكن وزيره «محمد باشا صقللي» كان حكيما، محنكا ~~في السياسة والحرب، فمنع الدولة من الفشل - ذلك شأن الدولة الاستبدادية - إنما تقدم ~~بشخص ملكها وتكون كما تكون، فإذا كان حازما، عاقلا سعدت وأفلحت، فإذا خلفه ملك ~~ضعيف، ضعفت وتقهقرت. # وفي أيامه، عقد الصلح بين «الدولة العلية» و«النمسا» 17 فبراير سنة 1568م، ومن ~~شروطه حفظ النمسا أملاكها في المجر، وأن تدفع جزية سنوية، وتعترف بتبعية «الفلاخ» ~~و«البغدان»، و«ترانسلفانية» للدولة العثمانية. # وفي أيامه أيضا فتحت «قبرس»، وكانت تابعة «للبندقية»، ففتحها «بيالي باشا» سنة ~~1571م وجرت في أيامه واقعة ليبانت البحرية، غلب فيها العثمانيون، وكانت خسائرهم ms048 ~~فاحشة. # أما من جهة مصر، فإن السلطان «سليما» المذكور حالما بلغه موت «محمود باشا» أمر ~~بنقل «سنان باشا» من باشوية حلب إلى باشوية مصر، وبعد وصوله إليها بتسعة أشهر، أمره ~~بالزحف على اليمن فبرح مصر في 4 شوال سنة 976ه ومعه «حمزة بك» و«ماماي بك» وغيرهما ~~من أمراء مصر، واستخلف على مصر «إسكندر باشا الشركسي». ومكث «سنان باشا» في تلك ~~الحملة سنتين و4 أشهر، فتح اليمن وعاد ظافرا إلى مصر، فرأى الأحوال هادئة، والنظام ~~مستتبا بدراية «إسكندر باشا» المذكور؛ لأنه كان حكيما، محبا للرعية، فرفع ~~الضرائب عن الفقراء والعاجزين، والقسم الأعظم من طلبة العلم. وكان شديد التعلق ~~بالعلم وذويه. # فلما عاد «سنان باشا» إلى مصر (أول صفر سنة 979ه) عادت أحكامها إلى يده، فاهتم ~~بتأييد النظام، حفظ رونق البلاد، فأعاد حفر ترعة الإسكندرية، ورمم وبنى فيها ~~جامعا وشارعا وعدة حمامات، وبنى في «بولاق» «بمصر» شارعا ووكالات، وجامعا لا ~~يزال معروفا باسمه، وما زال على مصر إلى ذي الحجة سنة 980ه، فخلفه «حسين باشا» وكان على جانب من اللطف والدعة وحب العلم والأدب، ولا يعاب إلا لكثرة حلمه، الأمر ~~الذي أدى إلى تكاثر اللصوص في ولايته، ولم يحكم إلا سنة وتسعة أشهر. # وفي أيامه، توفي السلطان «سليم الثاني» في 28 شعبان سنة 982ه بعد أن حكم ثماني ~~سنين وخمسة أشهر و19 يوما. ~~(4) سلطنة «مراد بن سليم» # من سنة 982-1003ه أو من 1574-1594م # هو «مراد الثالث» ولد سنة 953ه. فلما تولى الملك لم يكن سنه يتجاوز الحادية ~~والثلاثين من عمره. وكان عاقلا ورعا، وكانت الخمر قد شاع شربها في المملكة ~~العثمانية، وأفرط الجنود فيها، وخصوصا الإنكشارية، فأمر بإبطال شربها، فثاروا ~~وأجبروه أن يبيح لهم الشرب بما لا يسكرهم. وكان لهذا السلطان خمسة إخوة. فلما تولى ~~الملك، أمر بقتلهم ليأمن منازعتهم إياه على الملك. ~~(4-1) قتل الإخوة في الدولة العثمانية # وقتل الأخوة لهذا الغرض كان متبعا في الدولة العثمانية إلى ذلك الحين، وأول ~~من فعل ذلك منهم رابع سلاطينهم «بايازيد بن السلطان مراد» ms049 (تولى الملك سنة ~~1319م) كان بكر إخوته وله أخ أصغر منه معروف بالشجاعة، والنجدة وعلو الهمة، ~~فخاف منه على سلطته، فأجمع الأمراء على قتله، خوف الفتنة، وانقسام المملكة، ~~ويقال إنهم فعلوا ذلك بفتوى شرعية أفتى بها علماء ذلك العهد بناء على الآية # والفتنة أشد من القتل ~~. وأصبح قتل الإخوة قاعدة يرجع إليها العثمانيون عند ~~الحاجة. فكان السلطان حالما تفضي إليه السلطنة بعد موت أبيه، يعمد إلى قتل ~~إخوته ولو كان بعضهم رضيعا كما فعل السلطان «محمد الفاتح» وكان له أخ رضيع ~~اسمه «أحمد» فلما مات أبوهما وأفضت السلطة إلى «محمد» فأول شيء باشره نقل جثة ~~أبيه لتدفن في بورصة، ثم أمر بقتل أخيه. # ولما صارت السلطنة إلى السلطان «سليم الفاتح» عين ابنه «سليمان» حاكما على ~~القسطنطينية، وحمل بجيوشه إلى آسيا لمحاربة إخوته، حتى يتفرغ لأعماله بعد ~~قتلهم، ولا يبقى من ينازعه. # وكان من جملة أعماله في هذا السبيل، أنه عثر على خمسة من أولاد إخوته في ~~بورصة، فأمر بقتلهم ثم طارد أخاه «كركود» حتى قتله كما تقدم . وكذلك فعل السلطان ~~«مراد» بقتل خمسة إخوة حالما تولى الملك كما رأيت. # وأفظع من ذلك كله ما فعله السلطان «محمد الثالث» الآتي ذكره. فقد آلت السلطة ~~إليه سنة 1595م وله تسعة عشر أخا غير الأخوات، فأمر بخنقهم قبل دفن أبيه، ~~فخنقوهم ودفنوهم من تجاه جامع أيا صوفيا في الآستانة. # وكأن هذه المبالغة في الفتك أفضت إلى رد الفعل بإبطال هذه العادة الوحشية. ~~فلما انتقلت السلطنة بعد «محمد» المذكور إلى ابنه «أحمد الأول» سنة 1603، ولم ~~يكن سنه يتجاوز الرابعة عشرة، ولكنه كان عاقلا، وله أخ صغير اسمه «مصطفى» فلم ~~يقتله، بل اكتفى بالحجر عليه في أثناء سلطنته، فأصبح السلاطين بعده يعولون في ~~الاحتفاظ بسلامة سلطتهم على الحجر بدلا من القتل، والفضل في ذلك يرجع إلى ~~السلطان «أحمد» المذكور. # وله بدعة أخرى أدخلها في توارث الملك، لم تكن من قبل، وذلك أوصى بالملك بعده ~~لأخيه «مصطفى» المشار إليه بدلا من أن يوصي به لأحد أولاده، ms050 كما كان أسلافه ~~يفعلون. فبعد أن كان الملك ينتقل إلى الأبناء بالتسلسل في الأعقاب، صار ينتقل ~~إلى الإخوة أيضا، الأرشد فالأرشد، إلا ما قد يعترض ذلك من نفوذ الإنكشارية، أو ~~دسائس الوزراء، أو غير ذلك، فالعرش العثماني ما زال ميراثه محصورا في الأبناء ~~من السلطان عثمان الأول إلى أحمد الأول، ثم صار ينتقل إلى الإخوة أيضا ولا ~~يزال، فلنرجع إلى ترجمة السلطان «مراد». # وفي أيام السلطان «مراد» دخلت بولونيا في حماية الدولة العثمانية، وجرت حرب ~~مع دولة الفرس، ودخل العثمانيون «تبريز»، وهي المرة الرابعة لدخولهم ~~فيها. # وفي أيامه، توفي الصدر الأعظم «محمد باشا صقللي» وكان قد حافظ على سيادة ~~الدولة، وتمكن بسياسته من إبرام الصلح مع دول أوربا، وإنشاء عمارة بحرية بعد ~~واقعة ليبانت، فكوفئ على خدماته بالقتل، بسبب دسائس حاشية السلطان فكان موته ~~ضربة على الدولة، وتكاثر تبديل الصدور بعده. ~~(4-2) أحوال مصر في أيامه # أما مصر، فولي عليها بدلا من «حسين باشا» «مسيح باشا» وكان خزندارا عند ~~السلطان «سليم الثاني»، فحكم في مصر خمس سنوات وخمسة أشهر ونصف، ووجه اهتمامه خصوصا إلى إبطال السرقات ~~والتعديات، فكان يقبض على اللصوص ويقتلهم بدون شفقة حتى بلغ عدد من قتل من ~~اللصوص عشرة آلاف، فارتاحت البلاد من شرورهم، ثم عكف على إصلاح شئون الرعية، ~~وكان نزيها لا يقبل الرشوة ولا الهدية. # ومن آثاره مسجد عظيم في ضواحي القرافة لا يزال يعرف باسمه، وقد بناه على اسم ~~الشيخ «نور الدين القرافي» وجعله له ولنسله ملكا حرا، وخصص دخلا معينا ~~للنفقة عليه. وأمر «مسيح باشا» أن تستهل الأوامر والكتابات الرسمية والأحكام ~~بهذه العبارة «الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا وآله وصحبه، إن المؤمنين ~~إخوة، فاحفظوا السلام بين إخوتكم واتقوا الله.» # وفي سنة 988ه، ولي مصر «حسن باشا» الخادم خزندار السلطان «مراد الثالث» فلم ~~يكن همه إلا جمع الأموال بأية وسيلة كانت، وإعادة ما كان حظره سابقه من الرشوة ~~والهدايا. فبقي على ولاية مصر سنتين وعشرة أشهر. ولما عزل عنها سار من القاهرة ~~خفية، ms051 وطلع من باب المقابر، لئلا ينتقم منه أهلها. # وفي سنة 991ه، خلفه «إبراهيم باشا» فأخذ يستطلع ويتحرى ما أتاه سابقه من ~~الاختلاس، فجعل في جامع السلطان «فرج بن برقوق» موظفا خصوصيا لاستماع تشكيات ~~المتظلمين على الوالي السابق من 10 رجب من تلك السنة إلى غاية رمضان. فاطلع على ~~مظالم لا تحصى، من جملتها 1004 أردب قمح من الشون العمومية، باعها «حسن باشا» ~~واستولى على قيمتها، فرفع إبراهيم باشا تقريرا مدققا بشأن ذلك إلى السلطان، ~~فأمر بقتله شنقا. # ثم طاف «إبراهيم باشا» بنفسه يتفقد أحوال المديريات ويتحقق حالتها، وزار ~~أيضا آبار «أمرود» في الصحراء. # وتولى مكانه «سنان باشا الثاني» وكان دفتردارا. وبعد ستة أشهر وعشرين يوما، ~~برح مصر هاربا. وسبب ذلك أنه ساء التصرف، فاشتكاه الناس إلى الآستانة، فجاء ~~«أويس باشا» إلى مصر ليتحرى لتلك التشكيات، فحالما علم «سنان» بمجيئه، فر ~~هاربا. # فتولى «أويس» حكومة مصر سنة 994ه، وكان صارما في الأحكام، وكان في أول أمره ~~قاضيا، ثم صار دفتردارا في الروملي، ثم نقل إلى باشوية مصر. وبقي عليها خمس ~~سنوات وخمسة أشهر وعشرة أيام ، وأراد أن يدرب الجنود، فعصوه، وهجموا عليه في ~~الديوان في 28 شوال سنة 997ه، ونهبوا بيته، وفي جملة ما نهبوا منه ساعة كبيرة، تعرف منها الأيام. ~~ثم ذبحوا الأمير «عثمان» قائد وجاق الجاوشية، وأخربوا بيت قاضي العسكر، وقتلوا ~~قاضيين من قضاة مصر، ثم عمدوا إلى الحوانيت، فنهبوها، كل ذلك والأمراء لا ~~يستطيعون منعهم، والاضطراب يزداد، والثائرون يتمردون، وقد حاول الدفتردار ~~إيقافهم عند حدهم، فذهب سعيه باطلا. # ثم ظن «أويس باشا» أنه إذا جاءهم بالحسنى ربما يلينون، فبعث إلى القضاة أن لا ~~يخالفوا لهم أمرا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وفجورا حتى قبضوا على أولاد ~~الباشا رهن لما يريدون، فاضطر الباشا إلى الإذعان لما أرادوه وأعطاهم ما طلبوه، ~~واستقال من تلك الولاية بعد أن مل من خيبة مساعيه الحميدة فيها. # فتولى مكانه «حافظ أحمد باشا» سنة 999ه وكان حاكما في قبرص، وعلى جانب عظيم ~~من حب العلم ms052 وطالبيه، حاذقا، مدربا في أمور الأحكام. وكان رفيقا بالأهلين، ~~ففرق الحسنات على الحجاج الفقراء، وبنى في بولاق وكالتين وعدة بيوت، وخصص ربع ~~دخلها لعمل الخير. وبقي حاكما أربع سنوات. وفي سنة 1003، توفى السلطان ~~«مراد». ~~(5) سلطنة «محمد بن مراد» # من سنة 1003-1012ه أو من 1594-1602م # ولد هذا السلطان سنة 974ه، فتولى الملك وهو في الرابعة والأربعين من عمره. وكان ~~له 19 أخا أمر بخنقهم كما تقدم. ومما يذكر له أن السلاطين تقدموه (مراد وسليم ~~الثاني) كانوا قد تقاعدا عن قيادة الجند في ساحة الوغى، فرأى ذلك قد أضر بسطوة ~~الدولة، فعاد هو إلى تولي تلك القيادة بنفسه، وكان لذلك تأثير كبير في سياسة الجنود ~~وثباتهم، ففتح قلعة «أولو» الحصينة، وكان السلطان «سليمان» قد عجز عن فتحها. ~~(5-1) أعماله في مصر # أما مصر، فولى عليها «قورط باشا» فلم ~~يبق فيها إلا سنة وثمانية أيام، وكان الناس يحبونه للطفه ودعته وتنشيطه لطالبي ~~الأدب، ومساعدته للفقراء ولكل من يلتجئ إليه. # وفي شوال سنة 1004ه، خلفه السيد «محمد باشا» وبقي على الحكومة سنتين، اتبع في ~~أثنائهما خطة أسلافه في تنشيط العلم والأدب، فأعاد بناء الجامع الأزهر، وجعل ~~فيه وظائف يومية من العدس المطبوخ، تفرق في الطلبة الفقراء، ورمم المشهد ~~الحسيني، ومع كل ما كان يتوخاه في السعي في حفظ النظام مع الأهلين، لم يمكنه ~~إنقاذهم من ثورة عسكرية، انتشبت في غرة رجب سنة 1006ه في سائر أنحاء القطر ~~المصري. # ثم اجتمع العصاة في القاهرة، وكان السيد «محمد باشا» إذ ذاك في منزله في برية ~~الجيزة، فعاد إلى القاهرة تحف به السناجق وزمرة من الخفراء، فلم يبال العصاة ~~بذلك، بل أطلقوا عليه النار، ولم يتخلص من أيديهم إلا بعد شق الأنفس فسار إلى ~~أحد منازله، فتبعوه وحاصروه هناك ليلا ونهارا، وألحوا عليه أن يسلمهم بعضا ~~من ضباطه، وفي جملتهم «دالي محمد» أحد كبار الأمراء، والأمير الجلاد «الشوباصي» ~~والأمير «خضر» كاشف المنصورة، فطلب إليهم أن يمهلوه ثلاثة أيام. # فلما جاء رسوله، قالوا له: «سيحكم الله بيننا وبين ms053 مولاك.» وتفرقوا في ~~المدينة، فظفروا بقاضي العسكر «عبد الرءوف» فأجبروه على القيام بمطالبهم. أما ~~الباشا فاغتنم اشتغالهم بذلك الشأن، وفر إلى منزله ودخل القلعة وأقفل أبوابها ~~وراءه، والتجأ إلى «حسين باشا السكراني» قائد عموم الجيش و«بيري بك» أمير الحج، ~~فحاولا تسكين الثورة، فذهب سعيهما عبثا، علما بأن العصاة قتلوا «محمد بك» ~~و«الدالي محمد» وعلقوا رأسيهما على باب زويلة، ونهبوا بيتهما، وأثخنوا في الناس ~~قتلا ونهبا. # وفي 17 ذي الحجة سنة 1006ه، أبدل السيد «محمد باشا» «بخضر باشا» فحكم ثلاث ~~سنوات و12 يوما، وقد أغضب الأهلين منذ وصوله القاهرة؛ لأنه أمر بقطع الأعطيات ~~والجرايات التي كانت توزع على العلماء والفقراء من الحنطة، ولم يقتصر على ~~الإيقاع بهؤلاء الضعفاء، بل تجاوزهم إلى الضابطة فأحرمهم زادهم، فتجمهروا في 20 ~~رمضان سنة 1009ه، وساروا إلى قاضي العسكر، ثم اتحدوا والقاضي في مقدمتهم، ~~وتوجهوا إلى الديوان يريدون الانتقام، فقتلوا «كخيا باشا» وأمراء آخرين، فخاف ~~الباشا فسلم لهم بما كانوا يطلبونه، وأعاد الأعطيات كما شاءوا وخمدت الثورة ~~وعادت الحياة إلى مجاريها، إلا أن الباشا لم يلبث هنيهة حتى جاءه الأمر ~~بالإقالة، فاستقال. وولي مكانه الوزير «علي باشا السلحدار» وكان محبا للحرب ~~ولذلك كان يكرم الجند على الخصوص، ولكنه كان سفاكا للدماء، فتظلم الناس من ~~قسوته، ولم يكن يخرج في موكبه إلى المدينة أو ضواحيها إلا ويميت على الأقل عشرة ~~أشخاص تحت حوافر جواده، فكان الناس يرتعدون خوفا من ذكر اسمه. ورافق ذلك جوع ~~عظيم، فكثرت الوفيات وعم الخراب، فازداد الرعب حتى أمر الباشا أن تدفن الموتى ~~سرا. # أما هو، فترك القاهرة فرارا من تلك الغائلة واستخلف عليها «بيري بك». وبعد ~~يسير توفي هذا فانتخب السناجق الأمير «عثمان بك» ليقوم مقامه، وبقي هذا حتى ~~عين الباب العالي من يخلف «علي باشا» وكان ذلك التغيير بسبب وفاة السلطان «محمد ~~الثالث» في 16 رجب سنة 1012ه. ~~(6) سلطنة «أحمد بن محمد» # من سنة 1012-1026ه أو من 1603-1617م # ولد هذا السلطان في سنة 998ه، فتولى الملك وهو في الرابعة عشرة من ms054 عمره عندما ~~نفي، وقد خالف من تقدمه من السلاطين بقتل إخوتهم كما تقدم. # وولى على مصر «إبراهيم باشا» فحكم فيها مدة قصيرة، انتهت بخطب جسيم؛ وذلك أنه ~~منذ وصوله إليها، عزم على إبطال طلبات الجند. ولما أرادوا إنفاذ ما نواه، زادت ~~الجنود تمردا. # وفي ربيع آخر سنة 1013ه، علموا أن الباشا خرج من القاهرة في زمرة من رجاله، وركب ~~النيل إلى بولاق قاصدا شبرا قرب جسر أبي المنجا. فاجتمعوا في ضواحي القرافة، ~~وتعاقدوا بالأيمان المغلظة على قتله. # وفي الصباح التالي، جاءوا وعسكروا في بولاق ينتظرون عوده، ثم قاموا من هناك ~~يريدون مهاجمته في قلعة الدولاب. وكانوا قد علموا بالتجائه إليها، فلما علم هو ومن ~~معه من السناجقة بقدوم تلك العصابة تشاوروا فيما بينهم. فنصح له السناجق أن يسافر ~~بحرا قبل أن يصل إليه ضيم، فلم يصغ لهم وتشدد. # ثم جاءت الجنود الثائرة وأحاطوا بالقلعة وبعثوا من بينهم 15 رجلا ليأتوا برأس ~~الباشا. فدخل هؤلاء القلعة والسيوف مشرعة في أيديهم حتى جاءوا مجلسه، فانتهرهم ~~قائلا: «ماذا تريدون؟ ألم تستولوا على مرتباتكم والأنعام الذي يعطى اعتياديا عند ~~تولية الحكام عليكم؟ فماذا تطلبون؟» فأجابوه: «لا نطلب شيئا إلا رأسك!» قالوا هذا ~~وصفعه أحدهم على وجهه، وأدركه الباقون بالطعن مرارا. ثم عمد أحدهم إلى رأسه، ~~فقطعه، فانتهرهم «محمد بن خسرو». ووبخهم على ما جاءوا به من القحة فلم يجيبوه إلا ~~بما أجابوا ذاك، وأخذوا رأسي الاثنين، وعادوا بهما إلى رفاقهم حول القلعة. ثم ~~حملوهما، وداروا بهما شوارع المدينة إلى أن علقوهما على باب زويلة (معرض الرءوس!) ~~وكان قد تعود مثل هذا الأكاليل. # وفي ذلك اليوم، أقاموا عليهم «عثمان بك» فلم يقبل، فولوا قاضي العسكر «مصطفى ~~أفندي» فلما علم ديوان الآستانة بقتل «إبراهيم باشا»، أرسل عوضا عنه الوزير «محمد ~~باشا الكورجي» الملقب «بالخادم». وحال وصوله القلعة، وردت الأوامر الصارمة من الباب ~~العالي إلى جميع السناجق أن يستطلعوا أصل الثورة وأسبابها، ويقبضوا على زعمائها، ~~فاجتمع السناجق والقسم الأعظم من الجيش في قراميدان. # وكان الباشا في القلعة، ms055 فبعث يستقدم السناجق إليه، ليبلغهم هذه الأوامر رسميا، ~~فرفضوا المثول بين يديه، فتوسط الأمراء، ووعدوا السناجق أنهم إذا سلموا القاتلين ~~نجوا ونالوا العفو العام، فقبلوا وسلموا القاتلين إلى الباشا، فأمر بقطع أعناقهم ~~بين يديه، وأطلق السناجق، فخاف الثائرون، وضعف عزمهم، ولا سيما لما رأوا من «محمد ~~باشا» التيقظ لحفظ النظام ومعاقبة المعتدين، وقد قتل منهم نحوا من مائتي رجل في ~~مدة محكمه القصيرة التي لم تتجاوز سبعة أشهر وتسعة أيام. # فتولى بعده الوزير «حسن باشا» وهو أقل صرامة من سلفه، فكان يعامل الجند بالحسنى، ~~وكان ابنه فيهم برتبة بكلربكي، وكانت الأحوال هادئة جدا في أثناء حكمه. # ثم تولى بعده الوزير «محمد باشا» في 7 صفر سنة 1016ه، وبقي على حكومة مصر أربع ~~سنوات وأربعة أشهر و12 يوما. وكان حكيما حازما، أخذ منذ وصوله القاهرة في ~~المحافظة على السلام، فنجى الأهلين مما كان يكدر راحتهم، فاكتسب ثقتهم ومحبتهم، إلا ~~أنه لم ينج من الحساد وذوي الأغراض. # وفي أواخر شوال من السنة التالية، ثارت عليه الجيوش، واجتمعوا في برج السيد «أحمد ~~البدوي» تحالفوا ألا يوافقوه على إلغاء الضرائب غير العادلة التي كانت مضروبة على ~~القطر إلى ذلك العهد. ثم اختاروا من بينهم رئيسا ولوه عليهم سلطانا، وتقاسموا مصر ~~إلى أقسام، تولى كل واحد منهم إثارة الشغب والنهب في قسم منها. فانتشرت تعدياتهم في ~~جميع الدلتا. فلما علم «محمد باشا» بذلك جمع السناجق «الجاوشية المتفرقة»، وسار بهم ~~تحت قيادته لردع العصاة في 9 ذي الحجة سنة 1017ه، وأخذ معه ستة مدافع، وانضم إليه ~~كثير من مشائخ العرب. وفي الليلة التالية، عسكر الجميع في بركة الحج. # وفي الصباح، هاجموا العصاة في الخانقاه. فضيقوا عليهم بالنيران، فاضطر أولئك إلى ~~التسليم، فأخذ الباشا عهودا، أولها أن يسلموا إليه سلطانهم وكبار رؤسائهم، ووعدهم ~~بالتأمين على حياتهم، فقبلوا وسلموا الرؤساء وعددهم نحو 77، فأمر بقتلهم حالا. ثم ~~جرد الباقين من سلاحهم، فتفرقوا، فتعقبهم رجال الباشا، وقتلوا من ظفروا به ~~منهم. # فلما رأى قاضي العسكر «محمد أفندي» الملقب «ببختي زاده» ms056 ما كان يحصل من أمثال هذه ~~المذابح يوميا، نصح للباشا أن ينفي كل من يقبض عليه منهم إلى اليمن، ففعل، وكانت ~~النتيجة حسنة، وبطلت التعديات. # ولما ارتاح «محمد باشا» من تلك الثورات، أخذ في إصلاح الإدارة المالية، فتفحص ~~بنفسه النفقات التي كانت تدفع من الخزينة، واقتصد منها كل ما لم يكن ضروريا. ثم ~~نظر إلى الضرائب، فأبطل طريقة المماليك الشراكسة فيها، واتبع القوانين التي صدرت ~~سنة 932ه في زمن السلطان «سليمان القانوني» ثم نظم المكوس وعدلها، ولم يكن يكلف ~~نفسا إلا وسعها، فإذا رأى أرضا لا تقوى على القيام بما فرض عليها من المكوس، ~~تنازل لها عنه وساعدها في إحياء مواتها. # ولما برح مصر، نال من المكافآت والإنعامات ما لم ينله أحد من أسلافه في ~~مصر. # وتولى بعده «محمد باشا» الملقب «بالصوفي» وكان يحب العلماء ورجال الفضيلة. وكان ~~ورعا، حليما، عفيفا، لم يقبل رشوة، ولم يأت ظلما، إلا أنه كان ملوما لزيادة ~~ضعفه بما يتعلق بمحبوبه يوسف الذي كثيرا ما تعدى حده. # وفي سنة 1022ه، أرسل الصدر الأعظم عشرة آلاف جندي إلى اليمن، لإخماد ما كان ~~ثائرا من الشغب هناك، وأرسلت الفرقة المذكورة عن طريق مصر ومعها أمر سام إلى ~~الباشا بدفع النقود اللازمة لها، وتشييع الحملة إلى اليمن. # فلما وصلت الجيوش إلى مصر، وعلموا بما ورد من الأوامر بشأنهم، ادعوا أنهم جاءوا ~~ليقيموا في مصر، ولم يذعنوا لأوامر الباشا بالسفر، فاتخذوا لهم منازل في مخازن باب ~~النصر، وطردوا بعض أصحابها منها، فاجتهد الباشا أن يحملهم على التسليم بالأوامر ~~الواردة إليه بشأنهم، فذهب سعيه باطلا. وأقاموا المتاريس في أبواب الحارة، وأقفلوا ~~باب النصر، ونصبوا المدافع في برجيه. فاضطر الباشا إلى محاصرتهم بكل ما لديه من ~~الوجاقات والمدافع. فتمكن الأمير «عابدين بك» من الدخول إلى حصنهم من باب في ~~المدرسة المدعوة بالجنبلاطية، فخاف العصاة وسلموا، ففرق فيهم الباشا ثمانين كيسا ~~وسافروا. # وبعد يسير أقيل «محمد باشا» الصوفي فاعتزل في قبة العدلية، ولم يبرحها إلا بعد ~~أن علم بوصول خلفه «أحمد باشا» ms057 دفتردار مصر سابقا إلى الإسكندرية، ثم جاء القاهرة ~~ودخلها بموكب حافل وبينما هو بموكبه في المدينة، رماه بعض الناس بحجر من سطح بعض ~~البيوت، فكسر الهلال الذي كان فوق عمامته، ولم يؤذه، فأمسك الفاعل، فاعترف بذنبه، ~~فقتل في ذلك المكان. # وفي محرم سنة 1025، ورد إلى الباشا المذكور أمر من الآستانة أن يرسل ألفا من ~~جنود مصر لتنضم إلى الجيش العثماني الذاهب لمحاربة الفرس، فأرسلهم تحت قيادة «صالح ~~بك» أمير الحج، فساروا على أتم نظام، ومروا بالمديريات، ولم يشعر الأهالي بمرورهم ~~لما كان لهذا الباشا من النفوذ، وما أقامهم في مصر من النظام مع إعطائه الجيوش حقهم ~~من المرتبات. ولم يكن يتيسر قبل ذلك مرور مائة رجل بمقاطعة واحدة، ما لم ينهبوها. ~~فالتقت هذه الفرقة بالجيش العثماني في الخانقاه، وانضمت إليه، ولما ودع الباشا ~~عساكره، فرق فيهم المال، وأصاب الواحد 20 دينارا على الأقل. # وكانت مدة حكم «أحمد باشا» سنتين وعشرة أشهر واثني عشر يوما، ولم يقتل في ~~أثنائها أكثر من عشرة أشخاص ارتكبوا أمورا استوجبوا من أجلها القتل ولم يكن يحكم ~~على أحد إلا بعد البحث الدقيق واستماع تقارير الدعوى من الطرفين. ~~(7) سلطنة «مصطفى بن محمد» # من سنة 1026-1032ه أو من 1617-1623م # تولى هذا السلطان كرسي السلطنة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، قضى معظمها في ~~دار الحريم، ولم يمارس شيئا من أمور المملكة، فاستضعفه رجال الدولة، فتآمروا على ~~خلعه، فخلعوه. وولوا مكانه «عثمان الثاني بن السلطان أحمد» ثم تغير الإنكشارية على ~~السلطان، فخلعوا «عثمان» وأعادوا «مصطفى» وكان ذلك أول عهدهم في التولية والعزل، ثم ~~صار ذلك عادة جروا عليها مع سائر السلاطين؛ إذ صار الأمر لهم في التولية ~~والعزل. # أما مصر في أثناء ذلك. فاستبدل واليها «أحمد باشا» «بمصطفى لفغلي»، ولم يبق على ~~مصر بعد خلع السلطان الذي ولاه إلا بضعة أشهر؛ لأنه سهل النفوذ لذويه في الأحكام ~~فنشأت ثورة عسكرية في 7 شوال سنة 1027ه، فقتل الثائرون عددا كبيرا من الأمراء ~~الأغوات وغيرهم من الكبراء، واضطر الباقون إلى ms058 الفرار، ولم يسكن الاضطراب إلا بعزل ~~«مصطفى باشا» بأمر السلطان «عثمان». # فتولى مكانه الوزير «جعفر باشا» وهذا لم تطل حكومته أكثر من خمسة أشهر ونصف. وكان ~~محبا للعلم والعلماء، يجمع إليه رجال الأدب، ويكرم مثواهم، ولم يهتم كل تلك المدة ~~إلا بما فيه منفعة البلاد وراحة العباد. # وظهر في أيامه وباء انتشر في مصر، وفتك بأهلها فتكا، وأيضا من غاية ربيع الأول ~~سنة 1208 إلى غاية جمادى الثانية من السنة المذكورة. وقد لوحظ أن معظم الذين ماتوا ~~بهذا الوباء شبان بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين من أعمارهم، وبلغ عدد من توفي ~~بسببه 365000 نفس. # وتولى بعد «جعفر باشا» «مصطفى باشا»، فقبض على «مصطفى بك» الملقب «بالبكلجي» زعيم ~~الثورة التي نشأت في أيام «مصطفى باشا لفغلي» وحكم عليه بالإعدام. فسر الثاني بذلك ~~لأن «مصطفى» المذكور كان أصل متاعبهم. على أن سرورهم لم يلبث أن ظهر حتى أبدل ~~بالكدر؛ لأن «مصطفى باشا» حاكمهم الجديد، اضطهد تجارهم وضيق عليهم مسالك رزقهم، ~~فرفعوا تظلماتهم إلى السلطان، فنظر في دعواهم، وأنصفهم، فعزل ذلك الباشا، وولى ~~«حسين باشا». فبادر هذا إلى إبطال جميع الضرائب غير العادلة التي كان قد ضربها ~~سلفه. # وفي أيامه، ارتفع النيل ارتفاعا فوق العادة فطاف على الأرض، وأغرقها حتى يئس ~~الناس من البقاء لنهاية ذلك الطوفان، وأصابهم ضيق شديد أعقبه طاعون فتاك. # ثم عزل «حسين باشا» واستقدم إلى الآستانة، وقبل وصوله إليه خلع السلطان «عثمان ~~الثاني» وأعيد «مصطفى الأول» سنة 1031، الذي كان قبله. # أما الباشا المعزول، فوصل إلى الآستانة في أسعد الأوقات له؛ لأن إعراض السلطان ~~السابق عنه، كان داعيا لرغبة السلطان الجديد في تقريبه منه، فاتفقت الأحزاب هناك ~~على توليته الصدارة العظمى. # وكان «عثمان الثاني» قبل وفاته، قد بعث إلى مصر «محمد باشا» بدلا من «حسين ~~باشا»، لكنه لم يصل مصر إلا بعد أن أنبئ أهلها بما كان يأتيه في الروملي يوم كان ~~واليا عليها، فنفروا منه وخافوا من تصرفه. ولحسن حظهم لم يبق بينهم إلا شهرين ~~ونصف شهر. # فلما تولى ms059 «حسين باشا» الصدارة، عزله بأمر ~~السلطان «مصطفى الأول» وولى «إبراهيم باشا» وبقي هذا على مصر سنة، وقد تمكن بحسن ~~سياسته وتدبيره من اكتساب رضا الأهلين وثقتهم إلا أنه حصل في أيامه ضيق عيش، وغلت ~~أسعار المأكولات جدا. # ولما عزل «إبراهيم باشا»، سار إلى الإسكندرية بحرا خلافا للعادة الجارية فيمن ~~سبقوه على حكومة مصر، فإنهم كانوا إذا عزلوا من مناصبهم، سافروا برا. # وتولى مكانه «مصطفى باشا» واستلم زمام الأحكام من 22 رمضان سنة 1032ه، فأتاه كتبة ~~الديوان يشتكون تصرف سلفه، وقالوا إنه مدين للخزينة بمبلغ وافر، فأرسل في أثره بعض ~~الجاوشية. فالتقوا به، فهددهم بالقتل إذا لم يعودوا عنه، فخافوا وعادوا إلى ~~القاهرة. فأرسل الأمير «صالح بك» فأدركه وقد نزل البحر في الإسكندرية، فأوعز إليه ~~أن يقف، فأجاب أنه متوجه إلى الآستانة، فإذا كان عليه شيء يدفعه هناك إلى السلطان ~~نفسه، قال ذلك ونشر الشراع، فمخرت السفينة به، فأطلقوا عليه من طابية منارة ~~الإسكندرية بعض الطلقات المدفعية فلم يبال بها. ~~(8) سلطنة «مراد بن أحمد» # من سنة 1032-1049ه أو من 1633-1640م # ولد هذا السلطان سنة 1018ه، فتولى الملك وعمره دون الحادية عشرة سنة، ولاه ~~الإنكشارية ليكون طوع إرادتهم، فاستأثروا بالدولة وعاثوا فيها فسادا. فانتهز الشاه ~~«عباس» ملك الفرس اختلال أحوالهم لتوسيع أملاكه، فتمكن من فتح بغداد، وازدادت ~~الأحوال اضطرابا، وثار الإنكشارية حتى قتلوا الصدر الأعظم «حافظ باشا». # مضت عشر سنوات والدولة في تقهقر وضعف، حتى شب السلطان وقبض على مهام الحكومة، ~~فحمل على بلاد فارس بنفسه على جيشه، واسترجع بغداد وفتح الديوان. وبلغه أن أخويه ~~«بايزيد» و«سليمان» يدسان عليه، فأمر بقتلهما. ثم استرد الفرس أريوان. # أما مصر، فبعد تولية «مصطفى باشا» بثلاثة أشهر؛ أي من 15 ذي الحجة، ورد إلى ~~القاهرة أمر بعزله، وتولية «علي باشا» مكانه. فاجتمعت الأجناد وساروا إلى القائمقام ~~«عيسى بك» يطلبون الإعطاءات التي تفرق عند تولية كل وال جديد، فانتهرهم «عيسى بك» ~~قائلا: «أفي كل ثلاثة أشهر تجددون هذا الطلبات؟» فأجابوه: «وما المانع؟ ألم يغير ~~مولانا السلطان كل ms060 ثلاثة أشهر واليا علينا؟ ألا يضر ذلك بمصلحة البلاد؟ وإذا أراد ~~أن يولي كل يوم واليا، فنحن أيضا كل يوم نطلب الإعطاءات التي لنا.» فحاول ~~القائمقام إقناعهم، فلم ينجح ولم يزدهم ذلك إلا عنادا وتهديدا، وصرخوا جميعهم ~~بصوت واحد: «نحن لا نرضى حاكما غير «مصطفى باشا»، ويرجع هذا إلى حيث أتى.» ثم ~~قرءوا الفاتحة، وأقسموا أن يحافظوا على ما قالوه، وألا يحنث أحد منهم بذلك، ~~وبناء عليه أعيد «مصطفى باشا» إلى منصبه. # فلما رأى الحزب العسكري معه، كتب إلى السلطان يطلب تثبيته، وأرفق الكتاب برسائل ~~عديدة من علماء القاهرة ومشائخها وقضاتها، وجميعهم يطلبون تثبيته. ثم بلغهم وصول ~~«علي باشا» إلى الإسكندرية فبعثوا إليه وفدا يبلغونه أن الجند والأهلين متفقين على ~~رفضه، فجمع الوفد إليهم ودفع إليهم كتبا كلها مدح وإطناب للأمراء والجيوش، فعاد ~~الوفد وقرأ تلك الكتب على الجند، فلم يكن جوابهم إلا إعادة الوفد ليعيدوا مطالبهم ~~الأولى. # فلما رأى إصرارهم، استشاط غضبا، وأمر بالقبض على ذلك الوفد، وقيدوا إلى قلعة ~~الإسكندرية مغلولين، وزجوا في سجنها، فتآمروا مع جند الإسكندرية وكانوا من حزبهم، ~~فحلوا وثاقهم وهجموا جميعا على «علي باشا» وقوضوا خيمته وأجبروه على الخروج من ~~الإسكندرية حالا، فأنزلوه في قارب مخصوص، وأخرجوه من الميناء. وكانت الريح ضده، ~~فأعادته ثانية، فأطلق عليه الأمير «مصطفى» من قلعة المنارة عدة طلقات ثقبت سفينته ~~ثقوبا لم تغرقها، لكنها أخرجتها من الميناء ولقب الأمير «مصطفى» من ذلك الحين ~~«بالطبجي». # وفي يوم 20 ربيع آخر سنة 1033ه، جاء القاهرة كتاب يحمله الحمام ~~الزاجل - وهو بريد تلك الأيام - فحواه قرب وصول ~~مندوب عثماني ومعه الأوامر السلطانية. # وبعد أيام وصل ذلك المندوب ودخل القاهرة وجمع السناجق والأمراء وكبار الموظفين في ~~الديوان، وألبس «مصطفى باشا» «الخلعة» المرسلة إليه من السلطان، ثم تلا عليهم ~~الفرمان بتثبيته على مصر. # وفي السنة التالية، زاد النيل زيادة فوق العادة، فبلغ 24 ذراعا، فخاف الناس أن ~~لا ينحسر الماء عن أراضيهم في زمن يمكنهم فيه زراعتها، ولكنه أخذ في الهبوط بسرعة، ~~فانكشفت الأرض ms061 وزاد خصبها. ~~(8-1) الوباء وبيرام باشا # ولم تكد مصر تنجو من الجوع حتى داهمهما ما هو أصعب مراسا منه؛ يعني الوباء، ~~فإنه ظهر بها بأوائل ربيع أول سنة 1035ه، وأخذ ينتشر في جميع أنحائها ~~بسرعة. # وفي شعبان من تلك السنة، أخذ بالتناقص ولم ينقص إلا في أوائل رمضان، قال ~~بعضهم: إن الذين ماتوا بسبب هذا الوباء 300000 نفس، فتذرع الباشا بهذه الضربات ~~لاختلاس أموال الناس، فجعل نفسه وريثا لكل من مات بالوباء من الأغنياء ~~فاستولى على تركاتهم، فتظلم الورثاء إلى الآستانة. ولا يخفى أن الباشا لم ~~يتول مصر إلا رغم إرادة الباب العالي، فاغتنم هذه الفرصة وعزله، وولى «بيرام ~~باشا»، فجاء مصر وحاكم «مصطفى باشا» وحكم عليه بدفع الأموال التي اختلسها، فباع ~~كل ماله من المتاع والمقتنيات، ودفع ما عليه. # ولما عاد إلى الآستانة (1037ه) حكم عليه بالإعدام. ولا يخفى أن محاولة ~~الجيوش والأمراء عزل وتولية الباشوات، بمجرد إرادتهم؛ مخالف للنظام ومغاير لما ~~وضعه السلطان «سليم الفاتح» لكل فئة من فئات مصر الحاكمة من الحدود. فكانت ~~موافقة الباب العالي خرقا للحدود السابقة؛ وعليه فقد حصل بعض التعديل في ~~القواعد الأساسية التي سنها السلطان «سليم» منذ قرن. # وكان «بيرام باشا» محبا للعلم والعلماء، لكنه كان أكثر حبا لجمع المال، ~~وإقامة المشاريع المفيدة، وتنشيط التجارة على أنواعها، وأكثر من الضرائب حتى ~~على الصابون، وكان حازما، لم يترك للجند فرصة للتمرد، فهدأت مصر في أيامه. ~~(8-2) «محمد باشا» و«موسى باشا» # ثم استدعي «بيرام» إلى الآستانة، وعين وزيرا في ديوانها، وهذه هي المرة ~~الثالثة لتعيينه في ذلك المنصب. فتولى بعده الوزير «محمد باشا»، فساس الأمور ~~بحكمة ودراية، وكان محبا للعزلة، فلم يخرج بموكبه في أثناء حكمه التي هي نحو ~~السنتين، إلا ست مرات. # واتصل به ما أصاب اليمن من الشغب الناتج عن سوء السياسة مع القبائل البدوية، ~~فعرض على السلطان إخضاعها، وتعهد بإرسال فرقة من رجاله بقيادة «قنسو بك» أمير ~~الحج لهذه الغاية. فأجابه السلطان إلى ما طلب، وولى «قنسو بك» على اليمن مع ms062 ~~رتبة باشا وجعله بكلربكي (أمير الأمراء) على الجيش. فأنشأ «قنسو» جيشا من ~~ثلاثين ألف مقاتل، وقبض مبلغا كبيرا ليدفع منه نفقات الحملة. وبعد أن قبضه، ~~توقف عن السفر وترك جيشه بمصر يسلبون وينهبون ويقتلون الأهلين ويتعرضون ~~للمسافرين. # ولحسن الحظ، كان بين تلك الجيوش ألف رجل من الروملي جاءوا للاشتراك في تلك ~~الحملة تحت قيادة الأمير «جعفر أغا»، فأخمدوا تلك الثورة وألزموا «قنسو بك» أن ~~يسير بهم إلى اليمن في محرم سنة 1039ه. فسار وحارب وفاز. # وبعد سبعة أشهر من سفر تلك الحملة (في 19 شعبان)، طاف على مكة سيل من الماء، ~~أغرق القسم الأعظم من أراضيها حتى الكعبة، فهدم السلطان معظم بنائها، ولم يبق ~~من جدرانها إلا الأيمن. # فاتصل ذلك بوالي مصر، فأوصله للسلطان «مراد الرابع»، فأنفذ السلطان إلى «محمد ~~باشا» يعهد إليه ترميمها ففعل. فبلغت جميع النفقات نحو ستة ألف غرش (الغرش ~~يومئذ يساوي أربعة فرنكات تقريبا). # وفي سنة 1040ه، كان ارتفاع النيل قليلا، فجاء شهر توت ولم يبلغ 16 ذراعا، ~~ومع ذلك، فتح الخليج، وسيقت المياه قليلة إلى الأرضين، ولكن البلاد أمنت من ~~الجوع بتدبير «محمد باشا». # وفي هذه السنة، استدعي «محمد باشا» إلى الآستانة، وقلده السلطان منصب ~~الوزارة مكافأة لحسن سياسته ودرايته، وتولى مكانه في مصر «موسى باشا» وكان ~~للأهلين في بادئ الرأي ثقة به، وكانوا يحبونه ويجلون قدره، فخرجوا لملاقاته في ~~شبرا، لكنه لم يكد يمكن قدمه، حتى استسلم لهواه . فأخذ في الاختلاس والاستبداد ~~بأنفس العباد، فأمر بقتل أكبر رجال مصر بغير وجه حق، وجعل يراقب سير أغنيائها ~~ويترصد خطواتهم، لعله يجد سبيلا للاستيلاء على ثرواتهم. # وفي شعبان من تلك السنة، بعث السلطان يطلب إليه أن يعد حملة من جنده لمحاربة ~~الفرس فجمعها تحت قيادة «قيطاس بك» وضرب على البلاد ضرائب فاحشة باسم إعانة ~~حربية. # ولما وصلت تلك المبالغ إليه، زعم أن مصر لا يمكنها تجريد مثل هذه الحملة لأن ~~ماليتها لا تسمح لها بدفع النفقات اللازمة. فنصح له «قيطاس» أن يتبع الاستقامة، ~~وهي أفضل له، ms063 فذهبت أقواله عبثا. ثم أوجس «موسى باشا» خيفة من «قيطاس بك»؛ ~~لأنه اطلع على فظائعه، فاستدعاه إلى القلعة في عيد الأضحى في 9 ذي الحجة، وأمر ~~أربعين من رجاله أن يقتلوه، ففعلوا. # فلما رأى الأميران «كنعان بك» و«علي بك» ذلك دفع الخوف في قلبيهما، وأسرعا ~~إلى الجيوش، فأعلماهم بما كان من أمر «قيطاس بك» مع «موسى باشا» فاجتمعت ~~العساكر حالا في الرميلة. # وأما السناجق والأمراء والقضاة وكبار الموظفين، فاجتمعوا في جامع السلطان ~~«حسن»، وتفاوضوا في الأمر، فأقروا على عزل «موسى باشا» وتولية من يقوم مقامه ~~مؤقتا ريثما يأتي أمر الباب العالي بشأنه، فخلعوه وأقاموا «حسن بك» مكانه، ~~فكتب «موسى باشا» إلى السلطان يعلمه بخبر تلك الثورة. وكان رؤساؤها قد رفعوا ~~إلى ديوان الآستانة كتابين، الواحد بالتركية، وقع عليه السناجق والأغوان وكبار ~~ضباط العسكرية والآخر بالعربية من القضاة والمشائخ يطلبون بصوت واحد خلع موسى ~~باشا، فأجابهم السلطان إلى طلبهم، فولى عليهم خليل باشا. ~~(8-3) «خليل باشا» # وفي ربيع أول سنة 1041ه، وصل «خليل باشا» إلى مصر، استلم أزمتها، وبلغه أن ~~جماعة من اللصوص ثاروا تحت رئاسة أحد الشرفاء المدعو «نامي»، ونهبوا مكة، فجمع ~~جند القاهرة وأرسلهم بقيادة الأمير «قاسم بك» لإخماد تلك الثورة فساروا وحاربوا ~~اللصوص وقتلوا زعماءهم. # وفي صفر سنة 1042ه، عاد «قاسم بك» بجيشه إلى القاهرة ظافرا. وأقبلت غلة مصر ~~تلك السنة، وزاد خصبها، وتضاعف ريعها، ونزلت أسعار الحنطة من ثمانية غروش ~~للأردب إلى غرشين. # وفي سنة 1042ه استقال «خليل باشا» من ولاية مصر، فخرج منها، والناس يثنون ~~عليه ثناء جميلا، لأنه كان عادلا، حليما. فلم يكن يصدر أحكامه إلا بعد ~~التروي بما يقول الخصمان. # ومما يحكى عنه أنه جيء إليه يوما بثلاثة لصوص، قبض عليهم متلبسين بالجناية، ~~فأمر أن يحاكموا، فقال أحد رجال الديوان: «إن هذه الحادثة لا تحتاج إلى محاكمة ~~لثبوت الجناية، فيجب إصدار الحكم بالإعدام.» فلم يكن جواب الباشا إلا الأمر ~~بهدم بيت ذلك الناصح، فاستغرب الرجل ذلك، وسأل عن السبب الموجب له، فأجابه ~~الباشا قائلا: ms064 «كيف يحق لك الاعتراض علي إذا أمرت بهدم بيتك المبني من حطام ~~الدنيا، ولا يحق لذلك الباني العظيم معارضتنا إذا هدمنا بنايته بغير وجه شرعي.» ~~ثم أبطل الأمر بالهدم وأطلق اللصوص. قال «ابن أبي المسرور» راوي هذه الحكاية، ~~إن اللصوص قلوا بعد تلك الحادثة احتراما للباشا. # وبعد استقالة «خليل باشا» من مصر، عين على الروملي، وتولى مصر الوزير «أحمد ~~باشا» الملقب «بالكورجي» وكان قبلا أمير ياخور. # وفي صفر سنة 1043ه، وردت له الأوامر الشاهانية، أن يبعث ألفين من عساكر مصر ~~إلى سوريا؛ مددا للحملة العثمانية على دروز لبنان مع خمسة آلاف قنطار من ~~البقسماط وأربعة آلاف قنطار من البارود. ثم جاءت أوامر أخرى بطلب ألفي رجل ~~آخرين وثلاثة آلاف قنطار من البارود لمحاربة الفرس. فرأى «أحمد باشا» أن مصر لا ~~تقوم بهذه الطلبات، فاعتذر إلى السلطان، فبعث إليه 12 ألف قنطار من النحاس ~~ليسكبها نقودا على أن يبعث عوضا عنها إلى الآستانة ثلاثمائة ألف زر محبوب. ~~(8-4) أصل النقود في المصرية # للنقود في مصر تاريخ لا بأس من ذكره. كانت المعاملة بمصر عند الفتح الإسلامي ~~بالدرهم، وهو وزن درهم من الفضة والدينار، وهو مثقال من الذهب. وكان الدينار ~~يبدل بعشر دراهم. # تكاثرت الفضة فصار الدينار يساوي 12 درهما في أيام بني أمية و15 درهما من ~~أوائل بني العباس. ثم زادت قيمته إلى 20 درهما أو 25 أو 30 باختلاف ~~الأحوال. # فلما كانت الحروب الصليبية، واختلط الإفرنج بالمسلمين، دخل البلاد الإسلامية ~~كثير من النقود الإفرنجية، وحدثت نقود ذهبية جديدة كالبندقي والمجر والبنتو وزر ~~محبوب (وهو الدينار) والجنيه العثماني والإفرنجي والمصري وغيرها، وكلها من ~~الذهب. # أما النقود الفضية، فأبدلت دراهمها بالأنصاف وهي البارات، وكانت المبيعات ~~الصغرى تقدر بأنصاف والكبرى بالبندقي أو الزر محبوب أو غيرها من النقود ~~الذهبية، وسنعود إلى وصف نقود مصر في آخر العصر العثماني. ~~«فأحمد باشا» أخذ في سكب النحاس، وأعد لذلك عمالا ومعامل. ثم رأى بعد حين أن ~~جميع هذه الإجراءات ذاهبة عبثا لأن الفعلة ملوا العمل، ومات ms065 أكثرهم من الحر ~~والجهد، فجمع إليه ذوي شوراه من الأمراء والقضاة، واستشارهم. وكان من رأيه أن ~~يدفع مطاليب السلطان من ماله الخاص، ثم يجعل النحاس سبائك صغيرة تباع في بلاد ~~السودان بين تكردر وبلاد الزنج، فارتأى القضاة رأيا آخر، وهو أن يجبر الأهالي ~~على استلام هذا النحاس ودفع المبالغ المطلوبة، وأن يفرق النحاس عليهم بمقادير ~~متناسبة لما يدفعونه فوافق الجميع على ذلك وأخذوا في تنفيذه في 16 ذي الحجة سنة ~~1043، وتمموه في آخر شعبان من السنة التالية. # فكان ذلك ثقلا كبيرا على كاهل المصريين إذ لم ينج من هذه الضريبة غني ولا ~~فقير، فقلت النقود، وغلت الحبوب وسائر المأكولات غلاء فاحشا، وزاد في ~~الطنبور نغمة أن النيل في السنة التالية لم يكن وفاؤه حسنا، لكن الناس ~~استنبتوا الأرض غلة متوسطة. ~~(8-5) مظالم وتعديات # وبعد يسير دعي أحمد باشا إلى الآستانة فسار ولم يدفع الأموال التي جمعت ~~لخزينته، فرفع المصريون شكواهم بشأن ذلك. فلما وصل الآستانة، حكم عليه ~~بالإعدام. وتولى مكانه الوزير «حسين باشا»، فجاء مصر في عصابة من الدروز ~~التقطهم من كل ناد، وكانوا من قاطعي السبل، فساموا المصريين أنواع العذاب ~~نهبا وقتلا، فاضطربت الأحوال، وأقفلت الحوانيت، ووقفت حركة الأعمال، وهذا أصل ~~استهجان المصريين لكلمة درزي على ما يظن. # وأبطل «حسين باشا» حقوق الوراثة، فإن مات أحد الناس، استولى هو على تركته، ~~وأحرم منها ورثته الأيتام والأرامل أو الثكالى، وإذا أراد أحد الانتقام من عدو، ~~يكفيه أن يشي به إلى «حسين باشا» بأنه غني أو ابن غني، فيزجه الباشا في السجن ~~ولا يخرج منه إلا بالبذل الكثير. ولم يكن يمر يوم إلا ويطوف فيه «حسين باشا» ~~المدينة في موكبه، ولا تغيب الشمس قبل أن يقتل رجلا أو رجلين أو أكثر. # وقد حسب عدد الذين ذهبوا فريسة عتو هذا الغاشم في مدة حكمه وهي سنة و11 ~~شهرا، فبلغوا نحوا من ألف ومائتي نفس غير الذين كان يقتلهم بيده. وكان له ~~هيبة في قلوب رجاله، فأراد يوما ألا يشركوه بالقتل والنهب، فحظر ms066 عليهم ذلك، ~~فلم يعودوا يجسرون على المخالفة ولم يسمع بشيء من تعدياتهم من ذلك ~~الحين. # ثم أقيل وخلفه الوزير «محمد باشا بن أحمد باشا» وابن ابنه السلطان «سليم ~~الثاني». # وفي شوال من سنة 1047ه، وردت إليه الأوامر أن يرسل ألفا وخمسمائة مقاتل، ~~نجدة للحملة العثمانية إلى بغداد. فأرسل تلك الفرقة بقيادة أمير الحج «قنسو بك» ~~في محرم سنة 1048ه، فسارت ولم ترجع إلى مصر إلا بعد الاستيلاء على المدينة في ~~صفر سنة 1049ه. # واتبع الباشا خطوات سلفه بالاختلاس والنهب، فجمع ثروة عظيمة من تركات الأمراء ~~والعلماء، فقام عليه الورثة، وبعد الجهد، تمكنوا من تحصيل نصف الأموال. وازداد ~~ظلما وعتوا، حتى منع الصدقات التي كانت تدفع للأرامل والأيتام، وأخذها ~~لنفسه، فكثرت التظلمات وتعددت العائلات المعسرة. # وفي الخميس 16 شوال سنة 1049، توفي السلطان «مراد». ~~(9) سلطنة إبراهيم بن أحمد # من سنة 1049-1058ه أو 1640-1648م # ولد السلطان «إبراهيم» سنة 1024، فلما تولى الملك كان في الخامسة والعشرين من ~~عمره. # وفي أيامه، فتحت جزيرة كريد، وصارت تابعة للمملكة العثمانية. وفيها أيضا زاد ~~تمرد الإنكشارية فمل من تمردهم وعزم على الفتك بهم في ليلة زفاف إحدى بناته على ابن ~~الصدر الأعظم، فاطلعوا على الدسيسة، وأجبروا المفتي أن يفتي بخلعه، فخلعوه وولوا ~~ابنه «محمد الرابع» وعمره سبع سنوات، فلم يرض جند السياه بذلك، فأرادوا إرجاع ~~«إبراهيم» فخاف رؤساء العصابة الفشل، فقتلوا «إبراهيم» كما قتلوا «عثمان الثاني» ~~قبله. # وكان المصريون لما علموا بانتقال السلطنة إلى «إبراهيم» المذكور، ظنوا ذلك ~~التغيير يغير حالهم، وينجيهم مما هم فيه. وأول ما أجراه السلطان المذكور أنه استبدل ~~«محمد باشا» وأحرمه من العطية التي تعطى لحاكم مصر عند استقالته. ولكنه أمر بعد ذلك ~~بإبقائه، فعاد إلى أعماله، وازداد ظلما وصلفا، ففتك بالناس فتكا ذريعا. # ثم استبدل «محمد باشا» ب «مصطفى باشا» الملقب ب «البستانجي» وكان أبي النفس على ~~نوع ما، إلا أن كاتبه «أحمد أفندي» كان عابثا غشوما. وكانت أزمة الأمور في يده، ~~فاستبد بها، فكره المصريون الحياة من أجله. # واتفق في أيامه تقصير ms067 النيل، فازدادت الأثقال بغلاء الحبوب. ولم يكن الباشا يتعرض ~~للأحكام مطلقا. فكثرت السرقات حتى لم ينج حي من أحياء القاهرة من النهب، واضطر ~~الناس إلى مهاجرة بيوتهم. # وكان رئيس الضابطة إذا جيء إليه ببعض اللصوص، لا تغيب عليهم الشمس في السجن، ومثل ~~ذلك كان يفعل الكشاف (حكام الأقاليم)، فتواترت التشكيات إلى الباشا، فاضطر إلى عزل ~~رئيس الضابطة وتولية «كنعان بك» مكانه، فاهتم هذا بالقبض على اللصوص، فسجن عددا ~~كبيرا منهم. # وفي شوال سنة 1051، ثارت الجهادية وتمرد الجاويشيون على رئيسهم الأمير «علي»؛ ~~لأنه لا يفرق الأعطيات إلا على كتبته، فلم ير الباشا بدا من عزله وتولية «عابدين بك» في مكانه. # فلما رأى الجيش ما كان من فوز الفئة الثائرة ثاروا جميعا، وادعوا أن مخازن ~~الحبوب فارغة، وطلبوا معاشاتهم المتأخرة منذ سنة، فعين «محمد أفندي» قاضي العسكر ~~لتحري دعواهم، فتفقد مخازن الحبوب، فوجدها حقيقة فارغة، وعلم أن ما كان فيها باعه ~~وأخفى ثمنه. فاضطر الباشا مراعاة لطلب الجمهور، أن يتخلى عن كاتبه مع شدة حبه له، ~~فاستنجد الجاويشية، فأنجدوه وأعادوه إلى منصبه، فازداد تمردا، وبالغ في الانتقام. ~~ثم استقال «مصطفى باشا» وتولى الوزير «مقصود باشا». وكان واليا على ديار بكر ~~قديما. # فلما استلم مقاليد الأحكام بمصر، بحث عن تصرفات سلفه، فاطلع على أعماله، فقبض على ~~كاتبه والكخيا، وجلدهما، وأجبرهما على إرجاع مائتي كيس من النقود إلى ~~الخزينة. # أما «مصطفى باشا» فأرسل إلى الآستانة، وهناك أخذ منه مائتا كيس سلمت للخزينة ~~الشاهانية وأصبح من صحبة الوزراء السبعة العظام. ~~(9-1) الوباء # وفي أيام «مقصود باشا»، قاست مصر أمر العذاب من وباء وفد عليها. وكان أصعب ~~مراسا من الوباء الذي وفد في أيام علي باشا وجعفر باشا لأنه كان عاما لم ينج ~~من إصابته الشيوخ ولا الشبان، وقد أصاب من الشيوخ واحدا في الثمانية. # ظهر هذا الوباء أولا في بولاق أوائل شعبان سنة 1052ه، بعد شهرين ظهر في ~~القاهرة، وما زال على معظمه من أول ذي القعدة من تلك السنة إلى غاية صفر سنة ~~1053، ثم ms068 أخذ بالتناقص شيئا فشيئا ولم ينقض حتى الشهر الثاني. ولم يكن ~~يسمع إلا بالوفيات المتتابعة في كل ساعة. وكانت الجثث تنقل بالعشرات دفعة ~~واحدة، فيمر في الشارع الواحد أحيانا ثلاثون أو أربعون جنازة. # وقد روى «ابن أبي السرور» - وهو من المعاصرين - أن جملة من صلي عليهم من ~~المتوفين في الجوامع الخمسة الرئيسية في القاهرة في أثناء ثلاثة أشهر 2960، ~~وصاروا في آخر الأمر يدفنون موتاهم بلا صلاة، وعدد هؤلاء لا يقل عن عدد الذين ~~صلي عليهم. # أما خارج القاهرة، فلم يكن الوباء أقل فتكا، ويقال إن 330 قرية أصبحت خرابا ~~لإصابة سكانها جميعا بذلك الداء. ~~(9-2) «مقصود باشا» # فلما رأى «مقصود باشا» ما ألم بمصر من الدمار، سعى في إصلاح الأحوال جهده، ~~فاستعمل الرفق وألغى الضرائب التي وضعها أسلافه بغير حق وجعل الوراثة إلى ~~الأقربين الشرعيين، مع دفع شيء من التركات إلى الحكومة، وتحرى التعديات تحريا ~~شديدا وشدد في القبض على اللصوص، فقبض على كثيرين منهم، فقتل بعضا، وسجن ~~بعضا، وقاضى آخرين حسب ذنوبهم مع الغرامة، فاستكنث الناس وطابت قلوبهم. # وبينما كان هذا الباشا ساعيا فيما تقدم، ظهرت في الإسكندرية في 20 القعدة من ~~تلك السنة ثورة كدرت الحالة. وذلك أن نحوا من ستمائة من المسيحيين كانوا تحت ~~طائلة القصاص مغلولين في سجون الإسكندرية. # ففي اليوم المذكور فتحوا السجون، والمسلمون في الجوامع يصلون، وطفقوا ينهبون ~~الحوانيت والمخازن والبيوت، ولم يبقوا ولم يذروا. ولما ملئوا جعبة مطامعهم، ~~نزلوا إلى مركب كان بانتظارهم في البحر، فأقلعوا يطلبون الفرار. # ولم يكن ذلك كل ما هدد «مقصود باشا» وحال دون مشاريعه، بل هناك ما هو أدهى ~~وأمر؛ وذلك أن جماعة السناجق تآمروا على عزله في الجمعة 12 رمضان سنة 1045 ~~باجتماع عقدوه في بيت الأمير «رضوان بك» الملقب «بأبي الشوارب». # وسبب ذلك أن «مقصود باشا» كان قد طلب إليهم حينا بإيفاء رواتب الجيش عن شهر ~~رمضان أن يدفعوا الثلث الأول من المال الذي يطلب من الخزينة من الإقطاعات ~~العسكرية التي في أيديهم، فرفضوا بالإجماع وطلبوا ms069 عزل بعض الموظفين الذين ~~يعدونهم من أنصار الباشا. فسلم الباشا لهم بما أرادوا، فلم يقتنعوا بذلك. ~~فكتبوا إلى الآستانة يشكون من سوء تصرفه، ووافقهم كثيرون من الأعيان. فكتب إليه ~~الباب العالي رأسا ما مفاده: «إن الحضرة السلطانية لم تعلم أسباب الثورة ~~الجهادية التي انتشبت في «مصر» وتتعجب كيف أن الباشا لم يبلغ الباب العالي ~~خبرها.» # فأجاب الباشا أنه لم يحصل لديه ما يدعى ثورة، وإنما هناك بعض الاختلافات ~~التي يرجوا إصلاحها بالتي هي أحسن؛ ولذلك لم يكن ثمة حاجة إلى اطلاعها. # فطلب إليه الباب العالي أن يتحرى، ويعاقب المعتدين، ويصرف الأمر بما يتراءى ~~له. # ومع ذلك اضطر إلى الإذعان، لكنه أراد الفتك بالأمير «علي بك» والأمير «ماماي بك» والدفتردار «شعبان بك» لعلمه أنهم زعماء تلك الثورة، فأعد لهم كمينا ~~ليقتلوهم في الديوان. وعين لذلك الإثنين في 23 الحجة سنة 1054ه. لكن الدفتردار ~~نزل إلى الديوان وحده في ذلك اليوم، فشاور الباشا عقله بين أن يفتك به وحده أو ~~يخفي ما في ضميره ريثما يفتك بالثلاثة معا، فأقر أخيرا على إرجاء العمل إلى ~~يوم آخر. ~~(9-3) أيوب باشا وغيره # وفي اليوم التالي جاء الفرمان بعزله، وتولية الدفتردار «شعبان بك» قائمقاما ~~يتعاطى الأحكام وقتيا، فشق ذلك على الباشا، لكنه أذعن وسلم مقاليد الأحكام ~~«لشعبان بك»، فكتب السناجق إلى الباب العالي يطلعونه على حقيقة ما حصل في أيام ~~الباشا السابق، ويطلبون إليه الإسراع في إرسال من يخلفه، فأنفذ إليهم «أيوب ~~باشا». وكان قبلا من رجال القصر الشاهاني «المابين». # فلما عهدت إليه هذه الولاية تردد في قبولها لما رأى من الأخطار المحدقة بها، ~~لكنه لم ير بدا من قبولها . # وكان رجلا حازما مستقيما، استعان برجاله على إدارة الأعمال، فلم تمض ~~سنتان على حكمه حتى استتب النظام، وسادت الراحة. ثم استقال من ذلك المنصب بعد ~~أن صار وزيرا. وعكف على العبادة واعتزل السياسة، وزهد الدراويش، فتنازل عن ~~أملاكه في الآستانة للدائرة الخاصة الهمايونية وانفرد في أحد المعابد في ~~الرومللي. تولى مكانه الوزير «محمد باشا حيدر» ms070 سنتين ونصف، ولم يكن يحسن ~~الإدارة فارتبكت الأحوال. # وفي 10 رجب سنة 1057ه ثارت فرقة من الإنكشارية في مصر القديمة، فهددهم والي ~~الشرطة فازدادوا تمردا، فساروا إلى الباشا، وطلبوا قتل ذلك الوالي (المحافظ) ~~ولم يكن ذنبه إلا أنه قام بما عليه، فوافقهم الباشا على ما أرادوا. # أما الوالي فكان من وجاق الجاويشية، فلما علم هؤلاء بعزم الباشا، قاموا يشكون ~~من سوء تصرفه بصوت واحد، فخاف أن تبلغ هذه التشكيات مسامع الباب العالي، فتعود ~~العاقبة وبالا عليه، فاجتمع «بقنسو بك» واستشاره بما يفعل. وكان هذا لا يشير ~~إلا بما يعود عليه بالمنفعة الشخصية، فأشار على الباشا أن يرفع إلى الآستانة ~~تقريرا سريا يشرح فيه ما حصل من القلاقل، وينسبها جميعها إلى الأميرين ~~«رضوان بك» و«علي بك» وينسب إليهما أيضا اختلاس الخزينة المصرية، وأنهما سلباه ~~منصب أمير الحج وحكومة «جرجا»؛ كل ذلك لكي يرجع «قنسو بك» و«ماماي بك» إلى ~~منصبهما. ~~(9-4) رضوان بك وعلي بك # فباشر الباشا كتابة ذلك التقرير، وطلب إلى بعض الأعيان أن يوقعوا عليه، فبلغ ~~ذلك مسامع «رضوان بك»، فأسرع إلى كتابة تقرير مناقض لتقرير الباشا، وبعث به إلى ~~الآستانة، فوصل قبل تقرير الباشا وفيه ما فيه من التشكيات ضد «قنسو بك» و«ماماي ~~بك»، فورد الجواب من الآستانة مفوضا إلى «رضوان بك» و«علي بك» أمر النظر في ~~تلك القضية. # وفي 21 جمادى الأولى سنة 1057ه، ورد الفرمان بذلك إلى الباشا. وفي 27 منه، ~~استدعاهما الباشا إلى القلعة، فاستدعيا «قنسو بك» و«ماماي بك» وأمرا بقتلهما، ~~وقتل أمراء آخرين كانوا على دعوتهما. # ولم تكد تتخلص «مصر» من دسائس هؤلاء حتى ظهرت دسائس «مصطفى كخيا» الملقب ~~«بالششنير»، لأنه لم يسم سنجقا عوضا من «قنسو بك». # وفي 8 رمضان من تلك السنة، وردت الأوامر إلى «علي بك» أن يترك القاهرة ويتوجه ~~حالا إلى حكومته في جرجا. وبعد ثلاثة أيام استدعى الباشا «رضوان بك» إلى وليمة ~~في القلعة فخاف من دسيسته، فأبى الحضور، فغضب عليه الباشا وخلعه عن إمارة الحج، ~~فخرج «رضوان بك» من ms071 القاهرة في 200 من رجاله، وفيهم عدة من الأمراء والكشاف، ~~واتحد مع «علي بك». فبعث الباشا على أثرهما ألفين من جنوده، ونحو خمسمائة من ~~الإنكشارية، فاجتمع الجند في «الرميلة» وأقروا على إغفال أوامر الباشا. ثم وردت ~~الأوامر من الآستانة بتثبيت «رضوان بك» و«علي بك» في منصبيهما. فاضطر الباشا ~~إلى استقدام الأميرين، فقدما إلى القاهرة في 19 رمضان بما لهما من الرواتب ~~والحقوق، فسعى إلى مصلحتهما مع «مصطفى كخيا». # وفي 6 الحجة من تلك السنة، شاع في القاهرة أن الوزير «مصطفى باشا» سمي على ~~«مصر» عوضا عن «محمد باشا حيدر». وفي 26 منه، وردت الأوامر قاضية بإعادة «محمد ~~باشا» إلى منصبه. وفي تلك السنة، توفي السلطان إبراهيم. ~~(10) سلطنة محمد بن إبراهيم # من سنة 1058-1099ه، ومن 1648-1687م # تولى هذا السلطان العرش العثماني وهو طفل، فوقعت الفوضى في المملكة العثمانية، ~~وأصبحت الجنود لا ترحم كبيرا ولا صغيرا، وصارت الحالة إلى أتعس مما كانت عليه قبل ~~«مراد الرابع» حتى تزعزعت أركان الدولة وطمعت الدول الأوربية فيها وتكاثرت الثورات ~~الداخلية تارة من الإنكشارية، وآونة من السياه، وأخرى من الولاة أو الأهالي، ولكن ~~الله قيض لها وزيرا عاقلا حكيما هو «محمد باشا كوبريلي» فتولى الصدارة سنة ~~1067، ففتك بالإنكشارية وأذلهم وأخضعهم، ولهذا الرجل أياد بيضاء على الدولة. فإنه ~~حفظها من الانحلال في تلك الأزمة، وانتهت سلطنة هذا السلطان بالخلع. # أما في «مصر» لما تولى السلطان محمد المذكور، عزل «محمد باشا» واليها، وولى ~~الوزير «أحمد باشا» فاستلم زمام الأحكام مدة سنتين كلهما اضطراب وقلاقل، وأول تلك ~~القلاقل كانت سنة 1060 بسبب تقصير النيل، فإنه لم يرتفع تلك السنة أكثر من 16 ~~ذراعا، فلم يرتو من أرض الصعيد إلا الثلث. أما الوجه البحري فلم يرتو منه شيء ~~تقريبا، فغلت الأسعار حتى خيف المجاعة. # أما الباشا فلم يكن يهمه غير تكثير الضرائب مع أنه لم يكن يرسل منها إلى الآستانة ~~إلا الثلثين. وكان لسوء نيته يرسل تلك المبالغ في عهده «رضوان بك» ليحمل الباب ~~العالي على الشك بأمانته فيتغير خاطر ms072 السلطان عليه. وكان إتماما لمكيدته يكتب إلى ~~الباب العالي على التتابع يشكو من تصرف «رضوان بك» ويطلب خلعه عن إمارة الحج، ~~وتقليدها لعلي بك. وكان هذا على ما علمت من الصداقة مع «رضوان بك» لكنه لم يكن يعلم ~~بدسائس الباشا. # أما الباشا فكان في نيته أن يوقع الضغائن بين الأميرين، فيحل عرى اتحادهما، لكنه ~~لم يتم مقصده حتى أتى الأمر العالي بعزله يوم السبت 6 صفر سنة 1061ه و«رضوان بك» لم ~~يرجع إلى القاهرة بعد. ولم تكن نتيجة مساعي «أحمد باشا» إلا زيادة تآلف قلبي ذينك ~~الأميرين. وكان من كرم أخلاقهما أن كلا منهما كان يتنازل للآخر عن إمارة الحج ~~فأعجبت هذه الأريحية المصريين، فأحبوهما وبالغوا في احترامهما حتى أقاموا لهما ~~دعاء عموميا في «الرميلة»، والباشا إذ ذاك محبوس في القلعة ولم يفرج عنه حتى دفع ~~للخزينة مبالغ وافرة. # فتولى مكانه الوزير «عبد الرحمن باشا» وما زال إلى أول شوال سنة 1062ه، وقد قاسى ~~ما قاساه سلفه من السجن والإهانة لأنه سار على خطواته فاختار الباب العالي الوزير ~~«محمد باشا» ليقوم مقامه في 5 شوال من تلك السنة، ولكنه لم يدخل القاهرة إلا في 8 ~~محرم سنة 1063ه. # وما زالت الولاة تتوالى على «مصر» ولا شيء من أعمالهم وأحوالهم يستحق الذكر. وفي ~~آخر الأمر تحول النفوذ من أيديهم إلى أيدي البكوات المماليك وهم يعدون مصر وطنهم، ~~ويغارون عليها. أما الباشوات إذا أتوا «مصر» لا يكون ديدنهم إلا اكتساب الثروة بأية ~~طريقة كانت لعلم كل منهم أنه لا يلبث أن يأتيه الأمر بالعزل، وقلما عزل أحدهم ~~ولم يكن السجن مأواه. ~~(11) سلطنة ثلاثة سلاطين «سليمان بن إبراهيم» و«أحمد بن إبراهيم» و«مصطفى بن ~~محمد» # من سنة 1099-1115ه (ومن 1687-1703م) # توالى على العرش العثماني في ست عشرة سنة ثلاثة سلاطين، ويدل ذلك طبعا على ~~ارتباك أحوال الدولة. فلما خلع السلطان «محمد الرابع» أودع السجن حتى مات سنة ~~1105ه، وبويع السلطان «سليمان الثاني». وبعد 3 سنوات توفي، فبويع السلطان «أحمد بن ~~إبراهيم» وتوفي سنة 1106ه، ms073 فبويع السلطان «مصطفى الثاني بن محمد الرابع» وبعد تسع ~~سنوات أقيل سنة 1115، وتوفي سنة 1119ه. # وتوالى على «مصر» في أثناء هذه المدة نحو عشرين واليا أغضيت عن ذكرهم، لعدم ~~أهميتهم؛ ولأن النفوذ انتقل منهم إلى الأمراء المماليك، وصار هؤلاء أصحاب الحل ~~والعقد، وبهذه السلطة ينقضي الدور الأول من سيادة الدولة العثمانية على مصر، ويبدأ ~~الدور الثاني. ~~(12) العلم والأدب ومشاهير العلماء والأدباء في مصر # الدور الأول من العصر العثماني من 923-1115ه # يجدر بنا بعد الإتيان على تاريخ مصر السياسي في الدول من سيادة الدولة العثمانية، ~~أن نأتي بفذلكة عن حالة مصر العلمية والأدبية في ذلك الدور. # يعد هذا الدور في تاريخ آداب اللغة العربية من عصر الانحطاط أو التقهقر، لذهاب ~~دولة العرب واستبداد سواهم في السيادة، وانغماس القوم في الجهل. ولولا القرآن لذهبت ~~اللغة العربية برمتها. # وكانت الدول الإسلامية غير العربية قبل الدولة العثمانية كالبويهيين، والسلاجقة، ~~والطولونيين، والأتابكة، والأيوبيين يجعلون اللغة العربية لغتهم الرسمية للمخاطبات ~~والمكاتبات، فتبقى ببقاء السياسة. أما العثمانيون فأهملوا هذه اللغة، وجعلوا اللغة ~~التركية لغتهم الرسمية. # وزد على ذلك ما رافق الفتح العثماني أو حواليه من الأسباب التي بعثت على تقهقر ~~هذا القطر على الخصوص، وذلك أن أهل أوربا اكتشفوا في أثناء ذلك طرقا تجارية بحرية ~~مثل رأس الرجاء الصالح وغيره أغنت التجار عن إرسال تجارتهم مع الشرق الأقصى ذهابا ~~وإيابا عن طريق مصر وانصرفت همم العالم المتمدن في الجهة الأخرى إلى العالم الجديد ~~وغيره بعد اكتشافها، والمصريون يومئذ لا يعلمون شيئا عن تلك الاكتشافات، فكان هذا ~~كله باعثا على إهمال مصر وانحطاطها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ويتبع ذلك ~~طبعا انحطاطها العلمي والأدبي. # وناهيك بفساد الأحكام، ومطامع الولاة وتسابقهم في ظلم الرعية، وسلب أموالهم؛ مما ~~يشغل الإنسان بنفسه عن طلب العلم أو التبحر فيه. # وعليه فكان ينتظر أن تموت اللغة العربية، ونعني بموتها ضعف شأنها بالآداب ~~والعلوم، وإنما استبقاها الإسلام لاضطرار أصحابه إلى تعلم هذه اللغة واختلاط ~~الأمراء المماليك بالوطنيين وتعلم لسانهم. # وقد ساعد على إحياء آداب اللغة العربية ms074 في تلك الفترة المظلمة أن بعض ولاة ذلك ~~الدور كان فيهم ميل العلم والعلماء. أشهرهم «إسكندر باشا الشركسي» - تولى مصر سنة ~~976ه - فقد تقدم أنه كان شديد الميل كثير التعلق بالعلم وذويه، و«حسين باشا» - ~~تولاها سنة 980ه - وشيد «محمد باشا» - سنة 1004ه - فإنه كان ينشط العلم والأدب. ~~وكذلك «محمد باشا الصوفي» وأهمهم وأقدمهم «داود باشا» - تولى مصر سنة 945، وما زال ~~عليها أكثر من 11 سنة - وكان محبا للعلماء شديد الرغبة في المطالعة واقتناء ~~الكتب، ينفق في سبيل استنساخها أو ابتياعها الأموال الطائلة، فجمع مكتبة نفيسة. ~~ومنهم «جعفر باشا»، و«بيرام باشا» وقد ذكرناهم في أماكنهم في هذا الكتاب. # فبالنظر إلى ذلك، ظلت آداب اللغة العربية حية لكنها انحصرت بالأكثر في كتب الفقه، ~~والدين، أو جمع الأدب والشعر. حتى أشعارهم أكثرها في مدح النبي وأكثر المؤلفات ~~الفقهية شروح وحواش. وراج من ضروب الفقه على الخصوص الفقه الحنفي؛ لأنه مذهب ~~الدولة العثمانية، والفقه الشافعي لأنه مذهب المصريين. # وكان الأزهر في تلك المدة مبعث نور العلم، والمدرسة العامة للعلم الإسلامي، وأكثر ~~مشاهير العلماء كانوا من طلبته. وكان الطلاب يقصدونه من أقاصي العالم، وله فضل كبير ~~في استيفاء أصول العلوم التي كانت رائجة في ذلك العصر، وأكثر نوابغ مصر في الدور ~~الذي نحن في صدده من تلاميذه، وسنأتي بشذرات من تراجم مشاهير ذلك الدور، ونرتبهم ~~حسب المواضيع مع مراعاة سني الوفاة - ما بين سنة 933 و1115ه - ولذلك كان بعض هؤلاء ~~عاصر السلاطين المماليك، وإنما توفي في عهد الدولة العثمانية. # قبل التقدم إلى الكلام عن هؤلاء نذكر عالما هو إمام العلماء في القرن التاسع ~~للهجرة، نعني «جلال الدين السيوطي»، توفي قبل الفتح العثماني باثنتي عشرة سنة ~~911ه. وكان علما كثير التأليف والتعليم، ألف في كل موضوع حتى زادت كتبه على ~~بضع مئات، وتخرج عليه كثيرون ومنهم جماعة سيأتي ذكرهم في جملة نوابغ العصر ~~العباسي الذي نحن فيه. # وبما أننا سنقتصر فيما يلي على الذين اشتهروا من المصريين دون سواهم فيشق علينا ~~تحديد المراد بالمصري في هذا ms075 الباب؛ لأننا نعرف جماعة كبيرة ولدوا خارج مصر ثم ~~جاءوها فتعلموا في أزهرها، وتوطنوها وألفوا الكتب فيها، فهؤلاء نعدهم من ~~النابغين في مصر، ونذكر أخبارهم ونشير إلى أهم مؤلفاتهم، وهل طبعت؟ وأين يوجد ~~الخطية منها؟ ~~(12-1) الشعراء والأدباء ~~(1) ~~«عائشة الباعونية»: عاشت بمصر نحو سنة 929ه، لها أشعار في مدح النبي سمتها: «الفتح ~~المبين في مدح الأمين». منها نسخ خطية في مكاتب برلين والمتحف ~~البريطاني. ~~(2) ~~«قنسو بن صادق»: من تلامذة «جلال الدين السيوطي» المتقدم ذكره، نبغ في أواسط القرن العاشر، ومن مؤلفاته: ~~«السحر الحلال من إبداع الجلال» في شكل المقامات، منه نسخة خطية المكتب ~~الهندي بلندن. # وكتاب «مراتع الألباب في مرابع الآداب» شعر. منه نسخة في المتحف ~~البريطاني. ~~(3) ~~«زين الدين الحميدي»: كان طبيبا بمصر، توفي سنة 1005ه، وله ديوان في مدح النبي سماه «الدر المنظم في ~~مدح الحبيب الأعظم» طبع في بولاق سنة 1213. و«تمليح البديع لمديح ~~الشفيع» منه نسخ خطية في مكاتب أوربا. ومنظومة في الجناس، منها نسخة في ~~مكتبة برلين. ~~(4) ~~«عبد الباقي الإسحاقي المنوفي»: توفي سنة 1060ه في منوف، وله ديوان «سلاف الإنشاء في الشعر والإنشاء». منه ~~نسخة خطية في مكتبة فيينا. ~~(5) ~~«يوسف عبد الجواد الشربيني»: عاش نحو 1098ه، له كتاب «هز القحوف» طبع بمصر والإسكندرية مرارا. ~~(12-2) المؤرخون ونحوهم ~~(1) ~~«أبو البركات ابن إياس العامري الشركسي»: هو من تلامذة السيوطي، توفي سنة 930ه، من ~~مؤلفاته: ~~(أ) # كتاب «مرج الزهور في وقائع الدهور»، وهو تاريخ عام، منه ~~نسخة خطية في فيينا وباريس وغوطا. ~~(ب) # كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» وهو خاص بتاريخ مصر ~~إلى سنة 928ه مرتب على الأيام والسنين نحو كتاب «الجبرتي»، ~~وقد شهد فتح العثمانيين مصر بنفسه، ووصفه. طبع في القاهرة ~~سنة 1301 وفي بولاق سنة 1311. ~~(ج) ~~«مشق الأزهار في عجائب الأقطار» وهو يتعلق بالنجوم. منه ~~نسخة خطية في المكتبة الخديوية وفي أكثر مكاتب أوربا . ~~(د) ~~«نزهة الأمم في العجائب والحكم» منه نسخة خطية في مكتبة ~~آيا صوفيا بالآستانة. ~~(2) ~~«أبو العباس بن عبد السلام شهاب الدين المنوفي الشافعي»: ms076 توفي سنة 931، تعلم في القاهرة، وتولى القضاء ~~في بلده «منوف» وله كتاب: «الفيض المديد في أخبار النيل السديد». منه ~~نسخة خطية في مكتبة مرسيليا. وكتاب «البدر الطالع في الضوء اللامع»، ~~منه نسخة في مكتبة ليدن. ~~(3) ~~«محمد بن علي الداودي»: من تلامذة «السيوطي»، توفي سنة 945، له كتاب «طبقات المفسرين» منه نسخة خطية في ~~المكتبة الخديوية. ~~(4) ~~«أحمد بن علي بن نور الدين المحلي» المعروف «بابن زنبل الرمال»: عاش نحو سنة 960ه، له كتاب «في ~~تاريخ أخذ مصر من الشراكسة» أي فتح السلطان «سليم» مصر. منه نسخة خطية ~~في المكتبة الخديوية، وفي مكاتب فيينا وباريس وليدن ومنشن. وكتاب «تحفة ~~الملوك والرغائب لما في البر والبحر من العجائب والغرائب» هو كتاب ~~جغرافي منه نسخة خطية في مكتبة أكسفورد. وكتاب «المقالات في حل ~~المشكلات». منه نسخة في المكتبة الخديوية، وكتاب «القانون في الدنيا» ~~بالنجامة. ~~(5) ~~«بدر الدين المنهاجي»، خطيب مسجد السيدة نفيسة: توفي سنة 960ه، له كتاب «البدور السافرة في من ~~ولي القاهرة»، وهي أرجوزة تشتمل على ولاة مصر من الفتح إلى سنة 956ه، ~~منها نسخة خطية في مكتبة فيينا. وكتاب «النجوم الزاهرة» في ولاة ~~القاهرة إلى سنة 961، منه نسخة في المكتبة الخديوية وأخرى في مكتبة ~~برلين. ~~(6) ~~«عبد الواحد البرجمي»: توفي سنة 1017، له كتاب «الرياض الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة»، منه نسخة في ~~مكتبة الجزائر. ~~(7) ~~«محمد بن عبد المعطي الإسحاقي المنوفي»: كتب نحو سنة 1032ه له: ~~(أ) # كتاب «الروض الباسم في أخبار من مضى من العوالم» وهو ~~مختصر تاريخ الإسلام من ظهوره إلى دولة الأمويين، ~~فالعباسيين، فالفاطميين، فالأيوبيين، وتاريخ مصر إلى سنة ~~1032، منه نسخ خطية في مكاتب باريس والمتحف البريطاني، ~~وأحسبه طبع. ~~(ب) # كتاب «لطائف أخبار الأول في من تصرف بمصر من الدول» طبع ~~بمصر مرارا. ~~(8) ~~«عبد الكريم أفندي بن سنان»: توفي سنة 1045، كان قاضيا في حلب وجاء مصر، له كتاب «تراجم كبار العلماء ~~والوزراء»، منه نسخة خطية في مكتبة فيينا. ~~(9) ~~«سعد الدين الغمري»: كتب سنة 1050ه، له كتاب «ذخيرات الأعلام بتاريخ أمراء مصر في الإسلام»، ms077 منه نسخة خطية ~~في برلين، وغوطا، وباريس. ~~(10) ~~«شمس الدين بن أبي السرور البكري الصديقي المصري»: توفي سنة 1060ه، له: ~~(أ) # كتاب «التحفة البهية في تملك آل عثمان الديار المصرية» ~~منه نسخة خطية في فيينا وغيرها. ~~(ب) # كتاب «الروضة الزهية في ولاة مصر القاهرة المعزية» من ~~أقدم الزمان إلى سنة 1035ه، منها نسخ خطية في «غوطا» و ~~«أكسفورد». ~~(ج) # كتاب «الكواكب السائرة في أخبار مصر والقاهرة» إلى سنة ~~1053ه منه نسخ خطية في مكاتب منشن والمتحف البريطاني ~~وباريس. ~~(د) # كتاب «دور المعالي الغالية» منه نسخة خطية في مكتبة نور ~~عثمانية بالآستانة. ~~(11) ~~«إبراهيم بن أبي بكر الصالحي العوفي»: توفي سنة 1071ه، له كتاب «تراجم الصواعق في واقعات ~~السناجق» وهو تراجم سناجق مصر - أي أغواتها وأمرائها. ومنه نسخة خطية ~~في مكاتب منشن وباريس. ~~(12) ~~«عبد القادر الفيومي العوفي الحنفي»: ولد في القاهرة، وتعلم فيها وفي حلب ودمشق والآستانة. ثم تعين قاضيا ~~على القاهرة. ثم عاد إلى الآستانة وغيرها، وتوفي أخيرا في الآستانة ~~سنة 1071. له كتاب «التذكرة» و«بلوغ الأرب» و«السئول للتشوق بذكر نسب ~~الرسول»، منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية وغيرها، وله كتاب «نفائس ~~اللؤلؤ والمرجان في إعراب محلات من سورة آل عمران». ~~(12-3) اللغويون ~~(1) ~~«أبو بكر الشنواني»: تعلم في القاهرة، وتوفي في سنة 1019ه، وله كتاب «جلية أهل الكمال بأجوبة أسئلة ~~الجلال» - يعني «جلال الدين السيوطي» منه نسخة خطية في المكتبة ~~الخديوية. ~~(2) ~~«شهاب الدين الخفاجي»: توفي سنة 1069ه، ولد في سرياقوس بضواحي القاهرة، وتعلم على عمه «الشنواني» - ~~المتقدم ذكره - ثم جاء القاهرة ورحل إلى الآستانة وسلانيك، وعينه ~~السلطان «مراد» قاضيا للعسكر في مصر فجاءها، ثم نقل منها إلى «دمشق» ~~وحلب فالآستانة حتى توفي. وقد ترجم نفسه في ذيل كتابه «ريحانة الألباء» ~~- الآتي ذكره. # وأما كتبه فمنها: ~~(أ) # منظومات كثيرة متفرقة منها جانب في نسخة خطية بالمكتبة ~~الخديوية. ~~(ب) # كتاب «هدايا الزوايا فيما للرجال من البقايا» وهو تراجم ~~العلماء من معاصريه وأساتذة أبيه في الشام والحجاز ومصر ~~والمغرب وبلاد الروم، منه نسخة خطية في المكتبة ms078 الخديوية، ~~ومثلها في برلين وغوطا وفيينا وبطرسبورج والآستانة وغيرها. ~~(ج) # كتاب «ريحانة الألباء ونزهة الحياة الدنيا» وهو من كتب ~~الأدب جمع فيه أشعارا وأخبارا وانتقادات وملاحظات مفيدة ~~وقد طبع بمصر مرارا. ~~(د) # كتاب «طراز المجالس» في كتب الأدب، طبع بالقاهرة سنة ~~1284. ~~(ه) ~~«شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل»، طبع بمصر ~~سنة 1282 وغيرها. ~~(و) # شرح درة الغواص، منها نسخة في مكتبة أكسفورد. ~~(ز) # شرح كتاب الشفاء فيها. ~~(ح) # حاشية علي البيضاوي فيها أيضا. ~~(12-4) المحدثون ~~(1) ~~«شمس الدين الدمشقي الفالحي»: توفي في البرقوقية بالقاهرة سنة 942ه، له: ~~(أ) # كتاب «سبل الهدى والإرشاد في سيرة خير العباد» وتعرف ~~«بالسيرة الشامية»، وهي مشهورة، ومنها نسخة خطية في ~~المكتبة الخديوية، وأحسبه طبع. ~~(ب) # كتاب «الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا ~~والآخرة» منه نسخة خطية في مكتبة ليدن. ~~(ج) ~~«عقود الجمان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان» منه ~~نسخة خطية في المكتبة الخديوية وفي فيينا وآيا صوفيا. ~~(د) # كتاب «مطلع النور في فضل الطور وقمع المعتدي الكفور»، ~~منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية. ~~(ه) # كتاب «الفضل المبين في الصبر عند فقد البنات والبنين» ~~منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية. ~~(2) ~~«عبد الرءوف المناوي الشافعي»: توفي سنة 1031ه، ولد في القاهرة ونشأ في حجر والده، ودرس العلوم الإسلامية، ~~خصوصا التصوف، والحديث، وأخذ طريقة الخلوتية وطرقا أخرى، وتولى ~~التدريس في المدرسة الصالحية، وكثر حساده، والطاعنون عليه، واعتل وقاسى ~~آلاما شديدة حتى مات. له مؤلفات كثيرة نذكر الباقي منها: ~~(أ) ~~«كنوز الحقيقة في حديث خير الخليقة» مرتب على الأبجدية ~~وفيه نحو 10000 حديث. طبع في بولاق سنة 1286 وفي القاهرة ~~1305، وله مختصرات. ~~(ب) ~~«الجامع الأزهر من حديث النبي الأنور»، منه نسخة خطية في ~~المكتبة الخديوية. ~~(ج) ~~«الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية»، منه نسخة خطية في ~~المكتبة الخديوية. ~~(د) ~~«النزهة الزاهية في أحكام المحاكم الشرعية»، منه نسخة في ~~المكتبة الخديوية. ~~(ه) ~~«تيسير الوقوف على غوامض الحكام والوقوف»، منه نسخة في ~~المكتبة الخديوية، وله غير ذلك كتب كثيرة ms079 لا محل لذكرها ~~آثارها موجودة في المكتبة الخديوية. ~~(3) ~~«علي بن إبراهيم نور الدين الحلبي القاهري»: صاحب السيرة الحلبية. ولد في القاهرة وتوفي ~~بالصالحية سنة 1044ه، أشهر مؤلفاته: ~~(أ) # كتاب «إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون» المشهور ~~بالسيرة الحلبية، وقد طبع في ثلاثة مجلدات ضخمة. ~~(ب) ~~«النصيحة العلوية في بيان حسن طريقة السادة الأحمدية» ~~(أحمد البدوي)، منه نسخة خطية في مكتبة باريس. ~~(ج) ~~«عقد المرجان فيما يتعلق بالجان»، منه نسخة خطية في ~~المكتبة الخديوية. ~~(د) ~~«عبد السلام اللقاني» المتوفى سنة 1078ه تثقف على أبيه ~~وورثه في التدريس بالأزهر، ومن مؤلفاته «كتاب ترويح الفؤاد ~~بمولد خير العباد»، منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية. # المحدثون كثيرون في هذا الدور، يضيق المقام عن ذكرهم فنتقدم إلى ~~الفقهاء. ~~(12-5) الفقهاء # الفقه الحنفي ~~(1) ~~«زين العابدين بن نجيم المصري»: المتوفى سنة 970ه، وله من المؤلفات: ~~(أ) # كتاب الأشباه والنظائر، وهو موجود في كل المكاتب ~~بأوربا وغيرها، وطبع في الهند سنة 1241. ~~(ب) # الفتاوى الزينية في فقه الحنفية، منه نسخة في ~~المكتبة الخديوية. ~~(ج) # الفوائد الزينية في فقه الحنفية، منه نسخة في مكتبة ~~آيا صوفيا. ~~(د) # الخير الباقي في جواز الوضوء في الفساقي، منه نسخة ~~خطية في المكتبة الخديوية. وله كتب ورسائل أخرى في ~~المكتبة الخديوية وسائر المكاتب. ~~(2) ~~«شهاب الدين التمرتاشي الغزي»: درس في غزة، ثم في القاهرة حتى توفي سنة 1004ه، وله: ~~(أ) ~~«تنوير الأبصار وجامع البحار» منه نسخة خطية في ~~المكتبة الخديوية، وفي أكثر مكاتب أوربا والهند ~~والآستانة. وله شروح عديدة لا محل لذكرها. ~~(ب) ~~«عمدة الحكام» منه نسخة في برلين. ~~(ج) ~~«الوافي في الأصول» منه نسخة خطية في المكتبة ~~الخديوية. ~~(د) ~~«تحفة الأقران» أرجوزة مشروحة، منها نسخة في المكتبة ~~الخديوية. ~~(ه) ~~«عقد الجواهر النيرات في بيان خصائص الكرام العشرة ~~الثقات» منه نسخة في المكتبة الخديوية. ~~(و) ~~«الفتاوى»، فيه أيضا. ~~(3) ~~«علي بن محمد بن علي بن غانم المقدسي الخزرجي نور الدين»: ولد في القاهرة سنة 920 وتوفي ~~سنة 1004ه، وتولى التدريس في الأزهر، وله مؤلفات عديدة بقي ms080 منها ~~خمسة أكثرها في الحديث؛ موجودة في المكتبة الخديوية خطية. ~~(4) ~~«أبو الإخلاص المصري الشرنبلالي»: من أكابر أساتذة الأزهر، توفي سنة 1069، ~~وخلف مؤلفات كثيرة في الفقه الحنفي، بقي منها 16 مؤلف أكثرها خطي، ~~ومنه أمثلة في المكتبة الخديوية يطول بنا تعدادها ووصفها، فإن ذلك ~~من شأن تاريخ آداب اللغة العربية، وإنما أردنا هنا أن نأتي بأمثلة ~~في حال العلم في العصر العثماني. ~~(5) ~~«عمر الدفري بن عمر الزهري الأزهري»: وهو أيضا من أساتيذ الأزهر، توفي سنة ~~1079ه وله بضع مؤلفات، منها نسخ خطية في المكتبة الخديوية وكلها في ~~الفقه الحنفي. ~~(6) # ومثله «إبراهيم بن سليمان الأزهري»: المتوفى سنة 1100ه، وغيره. # الفقه المالكي ~~(1) ~~«ابن جبريل المنوفي المصري الشاذلي»: توفي سنة 949ه، وله كتاب «المناسك» ~~و«تحفة المصلحين» على مذهب الإمام مالك، وكلاهما في المكتبة ~~الخديوية. ~~(2) ~~«بدر الدين القرافي المصري المالكي»: توفي سنة 1008، له رسائل في المذهب ~~المالكي تزيد على ست، كلها موجودة في المكتبة الخديوية. ~~(3) ~~«أبو النور المالكي»: وهو أيضا من علماء المالكية الذين خلفوا آثارا، توفي سنة. ~~(4) ~~«برهان الدين اللقاني المالكي»: من أساتذة الأزهر، توفي سنة 1041ه، خلف مؤلفات عديدة بقي منها ستة: ~~(أ) # جوهرة التوحيد، منها نسخة خطية في المكتبة الخديوية، ~~وفي أهم مكاتب أوربا، لها شروح عديدة بعضها مطبوع في ~~القاهرة. ~~(ب) # الفصول في الفقه. ~~(ج) # نصيحة الأصول. ~~(د) # مقدمة في العشق. ~~(ه) # شرح الشمايل وكلها منها نسخ خطية في المكتبة ~~الخديوية. ~~(5) ~~«نور الدين الأجهوري»: ولد في أجهور شمالي القاهرة سنة 967، وتوفي سنة 1066ه، وكان شيخ المالكية ~~في الأزهر، وخلف عدة مؤلفات بقي منها إلى الآن خمسة عشر، أكثرها ~~موجود في المكتبة الخديوية. # ومنهم أحمد الفيومي المتوفى سنة 1084، صاحب «حسن السكوك في معرفة ~~آداب الملوك». و«عبد الباقي الزرقاني» المتوفى سنة 1099، صاحب شرح ~~مختصر الخليل. وغيره. و«برهان الدين الشبراخيتي»، توفي سنة 1106ه، ~~صاحب شرح المختصر و«شرح الأربعين»، وغيرهم. # الفقه الشافعي ~~(1) ~~«زين الدين أبو يحيى زكريا الأنصاري»: هو أشهر أئمة الشافعية في ذلك العصر. ~~ولد في سفيكة شرقي القاهرة، وتعلم وتثقف حتى صار أستاذا ms081 في ~~القاهرة. ثم صار كبير قضاة الشافعية. وتوفي سنة 926ه، وكان ثقة ~~علامة، خلف مؤلفات يزيد عددها على 35 كتابا أكثرها لا يزال ~~محفوظا خطيا في المكاتب الشهيرة في العالم المتمدن، وجانب كبير ~~منها في المكتبة الخديوية ككتاب «اللؤلؤ النظيم في روم التعلم ~~والتعليم» وكتاب «المعضد لتخلص ما في المرشد في الوقف والابتداء»، ~~و«فتح الرحمان بكشف ما يلبس القرآن» و«فتح الجليل ببيان خافي أنوار ~~التنزيل للبيضاوي» و«منهاج الطلاب في الفقه»، وغيرها كثير، وهي ~~فضلا عن وجودها في المكتبة الخديوية، توجد أيضا في أهم مكاتب ~~أوربا. ~~(2) ~~«شهاب الدين الرملي الأنصاري»: المتوفى سنة 957ه، وهو من أساتذة الأزهر، وله الفتاوى المعروفة ~~باسمه، ومنها نسخة في المكتبة الخديوية وله غيرها. ~~(3) ~~«شمس الدين الشربيني القاهرة الخطيب»: المتوفى سنة 977ه، له شرح «منهاج ~~الطالبين» منه نسخة في مكتبة برلين، و«السراج المنير في الإعانة ~~على معرفة ربنا العليم الخبير». طبع في القاهرة سنة 1311 و«مناسك ~~الحج» طبعت أيضا، وغيرها. ~~(4) ~~«عبد الله بن بهاء الدين الشنشوري»: من علماء الأزهر بالقاهرة، توفي سنة ~~999ه، له عدة مؤلفات منها: «المختصر في مصطلح أهل الأثر» له شروح، ~~منها نسخ خطية في مكتبة برلين وغوطا وباريس. و«قرة العين» ~~و«الفوائد الشنشورية» و«اللؤلؤة السنية» وكلها موجود في المكتبة ~~الخديوية. ~~(5) # ومنهم «عمر الفارسكوري» المتوفى سنة 1018ه، و«علي الشبرملي» ~~المتوفى سنة 1087ه، و«عبد اللطيف البشبيشي» المتوفى سنة 1096ه، ~~و«إبراهيم البرماوي» الأستاذ بالأزهر، توفي سنة 1106، وغيرهم ونجد ~~من مؤلفاتهم أمثلة بالمكتبة الخديوية. # الفقه الحنبلي # وظهر من الفقهاء الحنابلة بمصر في ذلك العصر: «إبراهيم الزيني الحنبلي» ~~المتوفى سنة # 1 ~~. وله كتاب: «روض المربى» في مناسك الحج - موجود في المكتبة ~~الخديوية، واعتبر ذلك في سائر علوم القرآن. ~~(12-6) التصوف # وناهيك بالتصوف، فقد نبغ فيه جماعة كبيرة بمصر، منهم: «علي الشوني» المتوفى ~~سنة 944ه، و«أبو المكارم البكري الصديقي الأشعري» توفي سنة 952ه، وله بضعة ~~وعشرون مؤلفا في التصوف، بعضها مطبوع والبعض الآخر موجود خطا في المكتبة ~~الخديوية وغيرها. # وأشهر المتصوفة في ذلك العصر ~~«أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني الأنصاري»، ms082 عاش عيشة الصوفية وتوفي سنة ~~973ه، وله مؤلفات تعد بالعشرات منها: ~~(1) ~~«الدرر المنثورة في بيان زبد العلوم المشهورة»، وهي كالموسوعة في ~~القرآن وعلومه، واللغة، والنحو، والمنطق، والتصوف، منها نسخة خطية ~~في المكتبة الخديوية وفي مكاتب غوطا وبرلين. ~~(2) ~~«اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر»، طبع في القاهرة ~~مرارا. ~~(3) ~~«فرائد القلائد في علم العقائد» وغيره. ~~(4) # أشهرها كتاب «لوامع الأنوار» المعروف بطبقات الشعراني، طبع ~~مرارا، وغير هذه الكتب كثير لا محل لذكره. # ومنهم «كريم الدين الخلوتي» المتوفى سنة 986ه و«أحمد بن عثمان الشرنوبي» توفي ~~سنة 994ه وأحمد بن محمد المتبولي المعيد في المدرسة المؤيدية بالقاهرة توفي سنة ~~1003ه. و«محمد الحجازي الجيزي» المتوفى سنة 1003. وقائد بن مبارك الإبياري سنة ~~1016، والبرلسي سنة 1097 وغيرهم. ~~(12-7) سائر العلوم # فنرى مما تقدم أن أكثر اشتغال أهل ذلك العصر بالعلوم الدينية، من شرح أو ~~تعليق، أو اختصار أو نحوها، على أنه نبغ فيهم غير واحد في العلوم الأخرى؛ فمن ~~المنجمين: «بدر الدين مسبط المارديني» توفي سنة 924. وكان مؤقتا في الأزهر، ~~وله عدة مؤلفات في التوقيت، منها نسخ خطية في المكتبة الخديوية. «وعبد القادر ~~المنوفي» المتوفى سنة 980، كان مؤقتا في مدرسة الغورية. # و«مصطفى بن شمس الدين الشركسي الدمياطي الخلوتي» المتوفى سنة 1038. # و«عبد الله المقدسي الأزهري» سنة 1070ه و«رضوان أفندي الفلكي الرزاز» سكن ~~بولاق وتوفي سنة 1122 وغيرهم. # ومن الأطباء في ذلك العصر ~~«مدين بن عبد الرحمن القوسوني» توفي سنة 1044ه له كتاب «قاموس الأطباء» ~~في المفردات، منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية. # و«شهاب الدين القليوبي» توفي سنة 1069م، له كتاب «المصابيح السنية في طب ~~البرية»، منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية، و«تذكرة في الطب» فيها أيضا، ~~وله كتب في مواضيع طبية وغيرها يزيد عددها على بضعة عشر مؤلفا. أكثرها ~~موجود في المكتبة الخديوية خطا، وبعضها مطبوع، منها كتاب «نوادر ~~القليوبي» طبع مرارا، وكذلك «تحفة الراغب» وغيره. # ومن العلماء الأعلام في كل فن وعلم ~~«مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي زين الدين المقدسي» المعروف «بالشيخ ~~مرعي». ولد في طول ms083 الكرم قرب نابلس، وتلقى العلم في القدس وفي القاهرة. ~~استقر بالقاهرة أستاذا للفقه على مذهب الحنابلة في جامع «ابن طولون» حتى ~~توفي سنة 1033ه. وله مؤلفات عديدة، بقي منها 21 كتابا بعضها طبع وانتشر، ~~والبعض الآخر لا يزال خطا في المكاتب الشهيرة. فما طبع من كتبه كتاب ~~«بديع الإنشاء والصفات في المكاتبات والمراسلات» طبع مرارا في الآستانة ~~وبولاق والقاهرة. وما لم يطبع كتاب «قلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ من ~~القرآن»، منه نسخ خطية في مكتبة برلين، وكتاب «الكلمات البينات» منه نسخة ~~خطية بالمكتبة الخديوية، وغيرها كثير لا محل له. # تلك خلاصة تراجم العلماء والأدباء والشعراء وأمثلة من مؤلفاتهم في الدور ~~الأول في العصر العثماني بمصر على قدر ما يسمح به المقام، فلنعد سياق ~~التاريخ السياسي من الدور الثاني، فما بعده. # | الدور الثاني من سيادة الدولة العثمانية على مصر # (من سنة 1115-1117ه ومن 1703-1763م) ~~(1) انتقال النفوذ إلى المماليك # استغرق هذا الدور 62 سنة تولى في أثنائها على العرش العثماني أربعة سلاطين، ~~ويمتاز عن الدور السابق أن النفوذ فيه تحول من الجند والباشا إلى البكوات المماليك، ~~وقبل التقدم إلى ذكر أخبار هذا الدور نمهد الكلام في المماليك وسيادتهم. # قد علمت من النظام الذي وضعه السلطان سليم عند فتح مصر أنه جعل للأمراء الذين ~~بقوا من دولة المماليك عميلا يكون وسيلة للموازنة بين سلطة الباشا وقوة الجند لأن ~~أولئك الأمراء كانوا أعداء لكلا الفريقين. فجعلهم حكاما على الأقاليم، وهي 12 ~~إقليما أو سنجقية (مديرية) يتولى كلا منها أمير من المماليك بلقب بك؛ ولذلك عرف ~~الأمراء المماليك أيضا بالبكوات المصرلية. ومنهم أمير يتولى حكومة القاهرة كانوا ~~يسمونه: «شيخ البلد». ومشيخة البلد منصب ضعيف في حد ذاته، لكن الأحوال جعلته أهم ~~مناصب مصر. وكان الأمراء المماليك كعادتهم في أيام سلطنتهم يتوقون بالاستكثار من ~~المماليك بالشراء. ومنهم تتألف الأحزاب وينسب الحزب صاحبه أو زعيمه، فيقولون مثلا: ~~المماليك القاسمية نسبة إلى: «قاسم بك» والرضوانية إلى رضوان بك كما سترى. # وكانوا في أول سلطنة العثمانيين قد أدهشهم الفتح ms084 وقنعوا بالبقاء في مناصب ~~الحكومة. وكانت الدولة العثمانية شديدة ولها هيبة. # فلما ذهبت هيبتها بتوالي الزمن - كما تقدم - اشتدت سواعدهم، وصاروا يحتقرون ~~ولاتها، ولا سيما بعد أن وقع الخلاف بين الباشوات والجند وتداخلوا، وجعل النفوذ ~~يتحول إليهم رويدا رويدا على مقتضى الأحوال حتى صار منصب شيخ البلد أهم المناصب ~~وصاحبه أعظم الأمراء، وإليه يرجع الحل والعقد. فلنعد إلى سياق التاريخ. ~~(2) سلطنة أحمد بن محمد # من سنة 1115-1143 أو من 1703-1730م # تولى السلطان أحمد المذكور وعمره بضع وثلاثون سنة، وكان حكيما، فأنعم على ~~الإنكشارية بالأموال وفوض إليهم قتل المفتي «فيض الله أفندي»؛ لأنه قاومهم في ~~أعمالهم. فلما استقر الأمر وثبت قدمه في الدولة، اقتص من الإنكشارية، فقتل منهم ~~جمعا كبيرا وعزل رئيسهم - الأغا - وولى عليهم ابن أخته الداماد «حسن باشا». ولكن ~~الدسائس غلبت على هذا التعيين فعزل وتولى غيره. وتكاثر عزل الصدور، وشغلت الدولة ~~بداخليتها عن خارجيتها، ولم تنتبه لما كان يجريه «بطرس الأكبر» ملك الروس في بلاده ~~ولا إلى سياسته في خارجها، وهي تقضي بإضعاف جيرانه حتى يبتلعهم. وكان قد أخذ بإخراج ~~مشروعه إلى حيز العمل، فحارب شارل الثاني ملك أسوج وغلبه. # وأفضت الوزارة إلى «محمد باشا البلطجي» فمال إلى إشهار الحرب على الروس وقاد ~~الجيوش بنفسه. وبعد وقائع عديدة حصر العثمانيون إمبراطور الروس وامرأته، ولو طال ~~الحصار لغلبوا على أمرهم وسلموا، ولكن «كاثرينا» زوجة الإمبراطور «بطرس» استمالت ~~«البلطجي» المذكور، وأغرته بالجواهر، فأعطته كل ما كان معها منها، فرفع الحصار ~~واكتفى بمعاهدة لم تغن الدولة فتيلا. # وتوالى الصدور، وهم مختلفون ميلا إلى الحرب أو السلم فكانت حال الدولة تختلف ~~لاختلاف ذلك مما ليس هو محل الكلام عليه. # وفي عهد هذا السلطان، دخلت الطباعة المملكة العثمانية، وتأسست دار الطباعة في ~~الآستانة بفتوى من شيخ الإسلام تقضي ألا يطبع القرآن بحروف الطباعة؛ خوفا من ~~وقوع التحريف فيه، وتولى على «مصر» سنة 1119 «حسن باشا» واليا. ~~(2-1) قاسم بك وذو الفقار بك أو المماليك القاسمية والفقارية # أما مصر فصار النفوذ فيها إلى الأمراء ms085 المماليك - كما تقدم - وكانوا في أيام ~~هذا السلطان حزبين كبيرين يعرفان بالمماليك «القاسمية» نسبة إلى «قاسم بك » ~~و«الفقارية» إلى «ذي الفقار بك» وكان هذان الحزبان لا ينفكان عن المنافسة، ~~يحاول كل منهما اكتساب النفوذ دون الآخر. # أما أصل هذين الحزبين ففيه أقوال، منها: أنهما ينسبان إلى أخوين هما: «قاسم بك» و«ذو الفقار بك» ولدي سودون أحد أمراء المماليك في عهد السلطان «سليم ~~الفاتح» وأن السلطان سليم هو الذي نشطهما ونشط أحزابهما. # وقد ذكر «الجبرتي» لذلك قصة طويلة لا حاجة بنا إلى ذكرها. # وبعضهم يقول إن هذين الحزبين ينسبان إلى «قاسم عيواظ بك» الدفتردار و«ذي الفقار بك الكبير» سنة 1050ه. وكان «قاسم عيواظ» رئيس الطائفة القاسمية، وذو ~~الفقار رئيس الفقارية. وكان لكل من هاتين الطائفتين مناقب خاصة بها. ~~«الفقارية»: كانت توصف بالكثرة والسخاء و«القاسمية»: بالثروة والبخل. # وشارية «الفقارية»: علم أبيض مزاريقه رمانة. # والقاسمية: علم أحمر. # وكانت هاتان الفئتان قبل تولي «حسن باشا» المتقدم ذكره. في وفاق تام. فلما ~~جاء خشي من اتحادهما فعمد إلى الدسائس، فألقى بينهما الشقاق فحصلت بين ~~الطائفتين وقائع دامت ثمانين يوما، فكانوا يخرجون من القاهرة إلى مكان يعرف ~~بقبة العزب يوميا، ويأخذون في الكفاح من شروق الشمس إلى غروبها ثم يعودون إلى ~~القاهرة، فيقضون الليل بسلام في بيوتهم بين نسائهم وأولادهم ثم يعودون في ~~الصباح إلى المحاربة. ومن الغريب أن هذه المحاربات لم تؤثر في الراحة العمومية ~~مطلقا، فظلت الأشغال جارية في مجراها والحوانيت والمخازن تفتح وتقفل كالعادة. ~~(2-2) مشيخة إسماعيل بك # وانتهت تلك الوقائع بوفاة «قاسم عيواظ بك» فأسف عليه الناس، وبكوه بكاءهم على ~~حاكم عادل أو أب حنون بار. ولم يبق صديق ولا عدو إلا بكاه؛ لأنه كان فضلا عن ~~حكمته وعدله ودعته شجاعا باسلا أبي النفس. فأقاموا ابنه «إسماعيل بك» مكانه ~~«شيخ البلد». # وقد تقدم أن مشيخة البلد منصب كان يتولاه أحد البكوات المماليك، كما يتولون ~~إدارة المديريات، ويقابل محافظ القاهرة اليوم. # ولم يكن المنصب نفسه مهما، لكن تراخي الباشوات واستفحال أمر المماليك جعل ms086 ~~لهذا المنصب أهمية كبرى حتى أفضى بتوالي الأيام إلى صاحبه، وصار إليه الأمر ~~والنهي - كما سترى. # ولما تولى السلطان «أحمد» كان على مشيخة البلد «قاسم عيواظ بك» - المتقدم ~~ذكره - فلما مات، خلفه ابنه «إسماعيل» وصادق الباشا على ذلك لظنه أن إسماعيل ~~لصغر سنه، يكون آلة في يده يديرها كيف شاء، فازداد كدر «ذي الفقار بك» واشتد ~~حنقه؛ لأنه كان ينتظر أن يئول ذلك المنصب إليه. # وكان «إسماعيل» عاقلا حكيما كوالده، عارفا وجه الربح والحق، فسعى في ~~الوفاق مع طائفة الفقارية، فاتحدت الطائفتان على الباشا. وكان إسماعيل من الجهة ~~الأخرى يظهر الطاعة والرضوخ لأحكام الباشا لأنه رئيسه، لكنه لم ينفك ساعيا ~~سرا في خلعه، فكتب عنه إلى الآستانة ففاز بعزله، فجاء غيره ثم أبدل بآخر فآخر ~~و«إسماعيل بك» في منصبه يحبونه إلى ما يشبه العبادة. # ومما يحكى عنه أن أحد تجار القاهرة في أيامه واسمه: «عثمان» باع لأحد ~~القبقجية (لقب الحرس السلطاني) ثلاثمائة قفة بن إلى أجل مسمى، وكتب عليه ~~بذلك صكا. فقبل الاستحقاق جاء الآستانة إعلان بخيانة القبقجي والحكم عليه ~~بالإعدام حالا، فجيء به إلى الباشا، فقتله، ووضع يده على تركته، وفيها البن ~~كما هو، فعلم «عثمان» التاجر بذلك، فعرض لإسماعيل ما كان من أمر البن فأجبر ~~الباشا أن يرجع البن لصاحبه قبل كل شيء، ففعل، فأصبح «عثمان» في حال من ~~الامتنان لا يعرف كيف يبينها، فلاح له أن يهديه علبة مرصعة، وبضعة قناطير من ~~السكر النقي، فرفض «إسماعيل بك» الهدية، وخاطب عثمان التاجر قائلا: «إذا كان ~~المال الذي حصلت عليه بواسطتي حقا لك، فأكون قد فعلت الواجب علي، والله ~~يكافئني، فإذا قبلت هديتك أظلم نفسي. أما إذا كان هذا المال ليس لك وإنما حصلت ~~عليه بالخيانة فقبولي هديتك يعد مشاركة لك في الخيانة، لكنني مع ذلك أقبل السكر ~~الذي حملته إلي على أن تقبض ثمنه من وكيلي لأنني سآمره أن يدفعه ~~إليك.» # ويحكى عنه أيضا أنه كان يأدب في ليالي رمضان مأدبات يجتمع إليها العلماء ~~والفقهاء ومشائخ والقراء القرآن، ms087 ولم يكن يؤذن لغير هؤلاء في الحضور فيها. فرأى ~~ذات ليلة رجلا بين الحضور عليه ملامح الكآبة، فأوصى بعض الخدم متى انفض ~~الاجتماع، أن يأتوا به إليه، ففعلوا. فلما حضر بين يديه، أعطاه مصحفا، وأمره ~~أن يتلو عليه سورة. فتوقف الرجل وجلا، ثم ترامى على قدمي البيك متضرعا ~~وقال: «يعش سيدي البك إني رجل نجار لا أعرف القراءة، وإنما أتيت إلى هذه ~~المأدبة متنكرا بثوب الفقهاء لأملأ جوفي من الطعام، فإني في حالة من الفاقة ~~شديدة.» فأنصفه. ولم يكتف بالإغضاء عن ذنبه لكنه جعله في عداد خدمته، وجعل ~~لعائلته راتبا معينا وصار هذا النجار بعد ذلك من أصدق الخدمة وأكثرهم عزة ~~وهمة. # وما زال «إسماعيل بك» شيخا للبلد 16 سنة، تقلب في أثنائها على «مصر» عدة ~~باشوات كانوا اسما بلا مسمى. # وكان لحسن سياسته قد أوقف الفقاريين عن كل حركة لتظاهره أنه على وفاق معهم، ~~فلم يترك لهم فرصة يتحدون بها عليه، على أنه ارتكب خطأ واحدا آل إلى قتله. ~~وذلك أن أحد المماليك الفقارية واسمه «ذو الفقار» أيضا كان له عقار يقوم ~~بنفقات عائلته، فاختلسه منه أحد المماليك القاسمية - من مماليك إسماعيل - فرفع ~~«ذو الفقار» دعواه إلى شيخ البلد إسماعيل، فلم يصغ لطلبه فرفع دعواه إلى زعيم ~~الفقارية، ويقال له «شركس بك». وكان خصما لإسماعيل بك بالفطرة، فسار إلى ~~الباشا وخاطبه بشأن تصرف إسماعيل. وكان في قلب الباشا حزازات من الحسد عليه، ~~فوافقه على الإيقاع به، ثم قال له: # ليس لك وسيلة أفضل من أن تبعث أحد مماليكك وتأمره بقتله وأنا أجعل له ~~جميع ما يتركه من المال والنساء مكافأة لأتعابه. # فوافقه على رأيه، وعين لتلك الفعلة أول يوم يجتمع فيه الديوان. وأمر مملوكه ~~«ذو الفقار» أن يستعد لإجرائها، فقبل اعتمادا على وعد الباشا. ففي اليوم ~~المعين، جاء «ذو الفقار» إلى الديوان وفيه «إسماعيل بك» فتقدم إليه وقبل يده ~~قائلا: أرجو أن تأمر بإرجاع عقاري إلي. فأجابه «إسماعيل بك» سننظر في طلبك ~~هذا. فألح عليه، فانتهره، فاستل خنجرا ماضيا ms088 بقر به بطنه، فتدفقت أمعاؤه، ~~ومات ساعته في وسط الديوان، فهجم رجال الباشا، وقتلوا كل من كان هناك من رجال ~~إسماعيل، ولم ينج منهم إلا سريع العدو. هكذا كانت نهاية حكم إسماعيل بك سنة ~~1136ه فنقلت جثته إلى بيته، ثم دفنت بجانب جثة أبيه بجوار باب اللوق. # فتولى مشيخة البلد «شركس بك» واستولى «ذو الفقار» على جميع ممتلكات «إسماعيل ~~بك» ونسائه حسب وعد الباشا فأصبح رجلا عظيما يشار إليه بالبنان، وفي حوزته ~~مئات من المماليك، فخافه «شركس بك» وأخذ يسعى في إذاقته ما أذاقه لإسماعيل بك. ~~فعلم «ذو الفقار» بتلك الدسائس، فجمع إليه رجاله، وفيهم عدة من رجال ~~العثمانيين، وهجم على شركس بك، فجرت واقعة لم يستطع رجال شركس الثبات فيها أكثر ~~من ربع ساعة فقتل معظمهم، وفر الباقون، وزعيمهم معهم يطلبون الصعيد وهو الملجأ ~~الوحيد للبكوات المغضوب عليهم. ~~(2-3) ذو الفقار بك # فتولى ذو الفقار مكانه مع لقب بك، بعد أن أقر الباشا على ذلك، وأصبح ذو ~~الفقار عدوا لأترابه البكوات، وعلى الخصوص لأبي دفية، وسمي بذلك لأنه كان ~~يتشح برداء كبير يقال له دفية، ثم أنبئ «ذو الفقار بك» أن أبا دفية ساع في ~~إهلاكه، وحاول ذلك مرارا ولم ينجح. # أما «شركس بك» فجمع دعاته في الصعيد، وسار بهم نحو القاهرة، فأرسل «ذو الفقار ~~بك» «عثمان كاشف» أحد كبار قواده في فرقة من المماليك لمحاربته، فتقهقر «شركس» ~~ورجاله فرارا حتى لحق ببلاد البربر. # فسكر «ذو الفقار» من خمرة النصر، وأخذ في الانتقام من البكوات الذين في ~~القاهرة، وقتل منهم من يظن فيه الانتماء إلى «شركس بك»، وهم كثيرون. فاتحد من ~~بقي حيا مع رئيس الشرطة، والأغا رئيس الإنكشارية، وبعثوا إلى شركس بك بما كان ~~من فعلة «ذي الفقار» وتعاهدوا جميعا على محاربته، وانضم إليهم «مصطفى القرد» ~~وكان من أعداء ذي الفقار ومعه جماعة من الرجال الأشداء، فقدم «شركس بك» إلى ~~القطر المصري، فعلم «ذو الفقار» بذلك، فجمع إليه العلماء والمشائخ، وشاورهم في ~~الأمر، فأجمعوا على عدم مناسبة الهجوم ms089 في تلك الحال، إلا إذا تأكد الفوز، فلم ~~يصغ لمشورتهم، فأرسل «عثمان بك» أحد قواته لمحاربة «شركس بك»، فحصل بينهما ~~واقعة، قتل فيها «مصطفى القرد» وغرق «شركس بك» في النيل وهو يحاول ~~الفرار. # فبعث «عثمان بك» برأسيهما إلى «ذي الفقار». أما هذا فلم يهنأ بذلك النصر لأنه ~~قتل بعد قتل عدوه «شركس» بيومين، بمكيدة أعدها له البكوات في القاهرة وذلك ~~أنهم ألبسوا واحدا منهم دفية، وجاءوا به إلى بين يدي «ذي الفقار» وقالوا له: ~~«هذا أبو دفية قد جعله الله في أيدينا.» وكانوا قد جعلوا تحت دفيته عيارين ~~ناريين، فلما وقف بين يديه، أطلقهما دفعة واحدة، فسقط «ذو الفقار» مضرجا ~~بدمائه في وسط ديوانه سنة 1142ه، فعلم «عثمان بك» بما أصاب رئيسه، فهرع للأخذ ~~بثأره، فدخل القاهرة، وجعل يفتك بمن يصادفه في طريقه، فخافه الجميع. # ثم إن «محمد بك» أحد البكوات الذين كان يترقبهم «عثمان بك» رأى منصب مشيخة ~~البلد خاليا فطمع فيه، فعاهد صديقه «صالح كاشف» على أن يقتلوا من بقي من ~~زملائه البكوات بمكيدة ينصبها لهم. فأدب «محمد بك» مأدبة فاخرة دعاهم إليها، ~~فلبوا دعوته. ثم علموا بمكيدته فقاوموه مقاومة شديدة وتمكنوا من قتله. فيئس ~~«صالح كاشف» من مرامه، ففر إلى القسطنطينية بعد أن شاهد رءوس البكوات ملقاة على ~~الطريق أمام جامع الحسين. # ثم عقب هذه القلاقل ضربة أشد وطأة؛ نعني الوباء الذي أصاب مصر في تلك السنة، ~~ويدعى طاعون الكي، فإنه انتشر في البلاد انتشارا سريعا، وفتك في العباد فتكا ~~ذريعا ووافق كل هذه الضربات خلع السلطان أحمد الثالث في جمادى الأولى سنة ~~1143ه. ~~(3) سلطنة محمود بن مصطفى # من سنة 1143-1168ه ومن 1730-1754م # هو محمود الأول، ولد سنة 1108ه، فكانت سنه لما تولى العرش العثماني 35 سنة، ~~وكان النفوذ عند توليه لرئيس الإنكشارية حتى نقم عليه الإنكشارية أنفسهم، فقتلوه ~~وعادت السكينة وأمن الناس. # وفي أيامه ظهر «نادر شاه» القائد الفارسي الملقب «بنابليون الشرق» لكثرة فتوحه. ~~وكانت الدولة تحارب الفرس، وكادت تذهب فيها، فعاض «نادر شاه» ووقف في ms090 ~~طريقها. # وجرت في أيام هذا السلطان حروب ومعاهدات مع دول أوربا. وقد توفي السلطان المذكور، ~~وأسفه العثمانيون لأنه كان عادلا حليما فيه ميل إلى المساواة بين الرعايا. # وفي أيامه اتسع نطاق المملكة العثمانية بآسيا وأوربا وعقد معاهدة في بلغراد مع ~~الروس محت العار السابق. # ومن آثاره أنه أسس أربع كتبخانات ألحقها بجوامع آيا صوفيا، ومحمد الفاتح، ~~والوالدة وغلطه سراي. # وكان الباشوات الذين تولوا مصر في أيامه أكثر أهلية من سابقيهم، ولكن الأحكام ~~كانت بالحقيقة قائمة بمشائخ البلد، ولهم الحل والعقد لا يستطيع الباشوات معارضتهم ~~في شيء. ~~(3-1) مشيخة عثمان بك # فبعد قتل ذي الفقار بك تولى مكانه عثمان بك، المتقدم ذكره. فرقى كثيرين من ~~مماليكه إلى رتبة البكوية ليقوموا مقام الذين هلكوا بالحوادث الأخيرة. # وكان «عثمان بك» عادلا حازما، ولكنه كان صارما لا يراعي في تنفيذ العدل ~~جانبا، فعلم أن أحد بكواته سعى في إقليمه ظلما فاستدعاه إليه، فتحقق ارتكابه، ~~فقطع رأسه. # ويحكى عن «عثمان بك» حوادث كثيرة تشير إلى حزمه واستقامته، وقسطه، لا بأس من ~~ذكر بعضها على سبيل المثال: # يحكى أن حمارا من حماري القاهرة أراد ترميم مذود حماره، وهو يفعل ذلك ~~عثر في أحد جدران البيت على وعاء مملوء ذهب، ففرح جدا، وأخذ الوعاء وسلمه ~~إلى امرأته، وأوصاها أن تكتم الأمر لئلا ينكشف للحكومة، فتأخذ المال منه لأن ~~لها وحدها الحق بالاستيلاء على مخزونات الأرض. فطلبت المرأة من زوجها أن يبتاع ~~لها حليا وثيابا فاخرة لتتمتع بتلك الهبة. فأبى زوجها إجابة طلبها لئلا يئول ~~ذلك إلى كشف الحقيقة، فاغتاظت، وأسرعت لساعتها ووشت به إلى «عثمان بك» فاستدعى ~~الحمار، وبعد أن سمع حقيقة الحال صرفه قائلا: «احفظ ما وهبك الله، وطلق ~~امرأتك، وعش بسلام.» # ولما جاء الوباء إلى مصر، كان «عثمان بك» في أول حكمه، فلما رأى الجوع الذي ~~عقب الوباء، فتح مخازنه وخزائنه، وفرق الأقوات والأموال في الناس. ومع ذلك لم ~~يستطع النجاة من مكايد ذوي المطامع، وفي مقدمتهم «إبراهيم وإسماعيل رضوان» ~~الأول كخيا الإنكشارية، والآخر كخيا ms091 العزب، وكان كلاهما من المماليك. الواحد ~~من طائفة الكزدغلية، والآخر من طائفة الجلفية، وأصل الطائفة الأولى مملوك يقال ~~له: «الكزدغلي» كان سروجيا، وأصل الطائفة الثانية «أحمد الجلفي» كان في أول ~~أمره شيالا، وأغناه الله بطريقة في غاية الغرابة، لا بأس من ذكرها وهي: # جاء بعض المماليك إلى إحدى معاصر الزيت ليبتاع مئونة بيته من الزيت مدة ~~السنة، وكان «أحمد الجلفي» في تلك المعصرة، فابتاع المملوك الزيت، واستأجر ~~«أحمد» فحمله وسار معه حتى بلغ بيته، فأنزل الحمل ووقف ينتظر أجرته، فجاءه ~~المملوك وطلب إليه أن يساعده في إخفاء مبلغ من النقود في أحد جدران البيت، وألح ~~عليه أن يكتم الأمر سرا، وأعطاه بضعة دراهم مكافأة لذلك، فساعده، وأخذ ~~الدراهم وسار في سبيله حامدا شاكرا. وبعد ثلاثين يوما اتفق له المرور بالقرب ~~من ذلك البيت، فشاهد جماهير متجمعة، ثم علم أن ذلك المملوك توفي وقد تركته ~~للمبيع، فتقدم أحمد وابتاع البيت الذي فيه المخبأة، وبعد انفضاض الجمع استخرج ~~النقود، وسار بها إلى قريته «جلف» في الصعيد وامتلك ممتلكات كثيرة. # ثم اتسعت ثروته، وما زال حتى أصبح زعيما لعصابة كبيرة نسبت إليه. # وكان «إبراهيم وإسماعيل رضوان» في بادئ الرأي على تباين كلي بالأدبيات ~~والماديات: كان إبراهيم في ضيق من المعاش مع إقدام وبسالة ومطامع كبيرة. وكان ~~«إسماعيل» غنيا بليدا لا يهمه إلا التمتع باللذات والشهوات. فكان إبراهيم في ~~احتياج إلى إسماعيل ولذلك كان يتقرب منه. ثم تزوج «إبراهيم» ابنة «محمد ~~البارودي» أحد التجار الأغنياء، وأخذ معها مالا كثيرا، فتمكن بذلك من ~~التقرب إلى بيت شيخ البلد، وإلقاء المفاسد فيه بواسطة بعض المماليك والأتراك ~~وغيرهم من ذوي الرتب، كان يستعملهم آلة لتنفيذ مآربه. # ثم تأتى له الارتقاء إلى رتبة البكوية مع صديقه «إسماعيل رضوان» فصار اسمه ~~«رضوان بك»، واتحد الاثنان على السراء والضراء، ووحدا ممتلكاتهما، واجتزآ ~~بالسواء في محصولاتها. فأوجس «عثمان بك» خيفة من سرعة نمو ثروتهما، وملافاة لما ~~كان يخشى حدوثه من طموح أنظارهما ضم إليه ثلاثة أحزاب: أحدها حزب «إبراهيم بك ~~القطامش» ms092 وفيه ثلاثة بكوات، والثاني حزب «علي بك الدمياطي» وفيه بيكان والثالث ~~حزب «علي كخيا الطويل»، وشاورهم في الأمر فأقروا على قتل «إبراهيم بك»، وكان إذ ~~ذاك كخيا الإنكشارية، و«رضوان بك»، فوافقوه على ما أراد. # وكان وكيله أحمد السكري من مماليك «إبراهيم بك» فلم يمكنه كتمان ذلك عنه، ~~فجاء إليه وأخبره بجميع ما كان من التواطؤ على قتله وقتل رفيقه، فسار الحال إلى ~~«رضوان بك» وأخبره وتشاوروا بشأن ذلك، فقررا نصب أحبولة يقتلان بها «عثمان بك»، ~~فبعث إليه رجالا يترصدونه في طريقه إلى القلعة فمر ووثبوا عليه، ففر بجواده ~~حتى دخل القلعة، ولم يظفروا به، فلاقاه وكيله وقد أضمر له الشر فسأله عما ألم ~~به، فأخبره بما كان، فكلمه بلسان الثعلب ناصحا له أن يبرح المدينة حالا؛ لأن ~~الناس قد قاموا يطلبون قتله، وما زال حتى أقنعه ففر إلى «سوريا» وسار هو معه ~~حتى إذا دنوا من غزة تنحى أحمد عن الطريق واختبأ في قرية يقال لها الأشرفية، ~~بحجة استطلاع الأحوال لحماية «عثمان بك» فتربص هناك مدة ثم عاد إلى «القاهرة» ~~بمن معه من المماليك، وسار إلى «إبراهيم بك» وأعلمه بما فعله، فكافأه على تلك ~~الخيانة برتبة البكوية، وهم الأهلون ببيت عثمان فأحرقوه، واقتسموا ~~تركته. # أما هو فوصل «سوريا» وحده، وسار منها إلى الآستانة، فولي بورصة ولبث فيها حتى ~~توفاه الله. وجميع هذه الحوادث توالت على «مصر» في أثناء سنة 1156ه. ~~(3-2) إبراهيم كخيا ورضوان بك # فلما خرج «عثمان بك» من «مصر» صفا الجو «لإبراهيم كخيا» و«رضوان بك». فعملا ~~على إبادة الأحزاب التي تآمرت عليهما فأخذ «رضوان بك» على نفسه قتل «علي كخيا ~~الطويل». فأمر أحد مماليكه أن يقتله بالرصاص في وليمة حافلة، فلبى المملوك ~~الأمر، لكنه أخطأ الرمي. وعوضا من أن يصيب «عليا» أصاب مملوكه الذي كان ~~بجانبه، فقبض عليه وقتل للحال. # أما «إبراهيم كخيا» فتكفل لإهلاك من بقي من الأحزاب، وكان على ولاية مصر إذ ~~ذاك «كيور أحمد باشا» فطلب إليه إبراهيم أن يوافقه على إبادة البكوات، فوافقه. ~~وربما ms093 فعل ذلك، خوفا منه أو لأنه يعود عليه بالنفع الشخصي، واستعانوا بالنقود، ~~فبذلوها فسهلت مشروعهم حتى قتلوا «علي بك الدمياطي» بيد وكيله «سليمان» في وسط ~~الديوان. وقد وعدهم هذا بتسليم رءوس البكوات الآخرين من أحزابه. فأمر «إبراهيم ~~كخيا» و«رضوان بك» أن تقفل جميع منافذ القلعة على من فيها من البكوات المنوي ~~قتلهم، وجعلا على بابي الإنكشارية والعزب جندا، وحافظ «سليمان» على وعده، ~~فبوشرت المذبحة وأول من قتل فيها «خليل بك» من دعاة «الدمياطي» و«محمد بك» من ~~دعاة «قطامش» وكثيرون غيرهم. # وحاول «علي بك» و«عمر بك البلاط» الفرار، فتبعهما الباشا بنفسه. ثم لاقاهما ~~«إبراهيم» و«رضوان» وقتلاهما عند باب القلعة، ولم يدفن من القتلى إلا «محمد بك» ~~و«خليل بك». # ولم يبق من مناظري «إبراهيم كخيا» و«رضوان بك» إلا «إبراهيم قطامش» و«علي ~~كخيا الطويل» فالأول مات من الحزن بعد مدة قصيرة، والثاني هاجر من تلقاء نفسه ~~تاركا الدار تنعي من بناها، فصفا الجو لإبراهيم كخيا، فتولى مشيخة البلد ~~وسمى «رضوان بك» أميرا للحج ثم جعلا يتبادلان هذين كل سنة، وعاد كل منهما ~~إلى ميله الطبيعي: «إبراهيم» إلى مطامعه، و«رضوان» إلى ملاهيه. فأخذ «إبراهيم ~~كخيا» يفسد الأحكام، ويستخدمها لاسترجاع ما بذله للحصول عليها، فلم يغادر وسيلة ~~إلا استخدمها في سبيل مطامعه من قتل وهتك. # فابتدأ بسليمان قاتل «علي بك الدمياطي»، فحجر عليه في القلعة، ولم يفرج عنه ~~حتى استرجع منه ما كان أعطاه من النقود، ثم باغت من بقي من الأغنياء في ~~القاهرة، ووضع يده على ممتلكاتهم بعد أن قتل بعضا منهم، وبقي البعض الآخر ~~فاستولى في يوم واحد على أموال ثمانين بيتا من بيوت القاهرة، ووضع يده على ~~محصولات البلاد والجمارك والقرى والمخازن حتى الحوانيت الصغيرة، فلم يبق ولم ~~يذر. # وكان «كيور أحمد باشا» قد استدعي إلى الآستانة، وولي حكومة قبرص فأقيم مقامه ~~باشا آخر سنة 1156ه فعامله «إبراهيم كخيا» بالاحتقار، فحقد عليه. ثم اتفق غياب ~~«إبراهيم» في قافلة الحج إلى مكة، فاغتنم الباشا غيابه. وتواطأ مع «حسين بك ~~الخشاب» على مكيدة يعدانها ms094 لإبراهيم. فاتفق على أن يقوم الخشاب بقتل «إبراهيم» ~~ورفيقه «رضوان» وأن يكافئه الباشا على ذلك بمشيخة البلد . # فلما رجع «إبراهيم» سعى «الخشاب» في إنجاز وعده، ففاز بالقبض على الاثنين، ~~فسجنهما في القلعة، فولاه الباشا مشيخة البلد، لكنه لم يهنأ بها لأن دعاة ~~«إبراهيم كخيا» اتحدوا وهجموا على «حسين بك» والباشا، وأخرجوا المسجونين، ففر ~~الخشاب إلى مصر العليا واختبأ من إبراهيم في بلاد النوبة. أما الباشا، فاستدعي ~~إلى الآستانة وعاقبه السلطان عقابا انتهى بالموت. ~~(3-3) نشأة علي بك الكبير # وكان في حوزة «إبراهيم كخيا» أكثر من ألفي مملوك، من جملتهم «علي» الذي ~~سيلقب بعلي بك الكبير ويكون له شأن عظيم لهذا التاريخ، وسترى في سيرته أنه من ~~أفراد الدهر حزما وبطشا وحكمة. وكان «علي» سلحدارا بين مماليك «إبراهيم ~~كخيا» وكان إبراهيم يحبه كثيرا ويجل مواهبه حتى جعله ناقل سيفه. ومما زاده ~~تعلقا به أنه اصطحبه إلى الحرمين في قافلة. وكان قد صار كاشفا فسار قائدا ~~لتلك القافلة، فلاقاهم في الطريق عصابة من اللصوص، فدفعهم «علي» بقلب لا يهاب ~~الموت، فلقبوه بالجني. ولما رجع «إبراهيم كخيا» إلى القاهرة عزم على مكافأة ~~«علي» برتبة بك، لكن صغر سنه ودسيسة الخشاب حالا دون ذلك. # ثم عقب ذلك مشاغل أكثر أهمية زاد الأمر تأخيرا وذلك أنه جاء القاهرة خبر ~~وصول باشا جديد إلى الإسكندرية بدلا من الباشا الذي أخرج منها، وكان من عادة ~~رجال الحكومة في مصر إذا علموا بمجيء باشا جديد أن يبعثوا وفدا يلاقونه في ~~الإسكندرية، وفيهم العيون والجواسيس فيحيطون به يستطلعون مقاصده ونواياه ~~ويطلعون على ما في يده من الأوامر السلطانية، فإذا رأوا تلك الأوامر سليمة ~~ومقاصده حسنة رحبوا به وفتحوا له الطريق حتى يصل بولاق، فيحتفل الأمراء بلقائه. ~~أما إذا تبينوا من أحواله غير ذلك، وبلغوا الأمراء بالقاهرة فيجتمعون ويقرون ~~إعلانه أن يقف حيث هو، ويكتبون إلى ديوان الآستانة بعدم موافقة ذلك الباشا ~~الجديد، وأن بقاءه في مصر مخل بالنظام العمومي أو ربما حمل الرعية على ~~الثورة. ثم يطلبون استبداله بآخر ms095 أكثر موافقة للبلاد منه. # فلما اتصل بهم خبر قدوم هذا الباشا واسمه «راغب محمد باشا» سار شيخ البلد ~~بنفسه لاستقباله ومعه البكوات فخلع على كل واحد منهم خلعة كالمعتاد، ثم اجتمعوا ~~جميعا بجلسة رسمية وأقسموا على الطاعة والإخلاص لأمير المؤمنين، وأحب الأمراء ~~«راغب باشا» محبة عظيمة لأنه عرف كيف يعامل شيخ البلد، فأحبته الرعية ومالوا ~~بكليتهم إليه فقضى بين ظهرانيهم سنتين كلهما سلام وطمأنينة حتى أجمع البكوات ~~على استبقائه بينهم زمنا. وهم في ذلك، ورد إلى الباشا خط شريف أن يسعى جهده في ~~قطع دابر البكوات، وفي جملتهم شيخ البلد ومن يلوذ به، فاستنتج الباشا من نص ذلك ~~الخط أن ديوان الآستانة مشتبه بتصرفه في مصر وأنه وشي إلى جلالة السلطان بأن ~~اتفاقه مع بكوات مصر ليس إلا لعزمه على استخدامه في مآربه بالاستقلال بحكومة ~~مصر وإخراجها من طاعة الدولة العلية، فوقع في حيرة وتردد بين أن ينفذ الأوامر ~~الشاهانية مع ما فيها من الخطر، أو أن يعصيها، أو يؤخرها، فيعرض حياته للخطر ~~ويؤيد التشكيات التي تقدمت بحقه. # وبعد أن نظر في المسألة من سائر وجوهها، فضل الفتك بأصدقائه البكوات، ~~فتواطأ مع عصابة من رجاله أنه متى اجتمع البكوات في مجلسه، فليكونوا على ~~استعداد للهجوم عليهم معا عند أول إشارة. # ففعلوا ما أمرهم به، لكنهم لم يفوزوا كل الفوز لأن ثلاثة من البكوات تمكنوا ~~من النجاة، وفي مقدمتهم شيخ البلد بعد أن جاهدوا الجهاد الحسن وأوسعوا الباشا ~~تعنيفا على فعلته هذه التي لم يكونوا ينتظرونها من بعد ما أظهروه نحوه من ~~اللطف والإخلاص. فبرأ ساحته باطلاعهم على الفرمان السري الوارد له بهذا الصدد. ~~فكفوا عن الانتقام منه، لكنهم عزلوه. وكتبوا إلى الآستانة يطلبون بدله، وعينوا ~~ثلاثة بكوات في مكان الثلاثة الذين قتلوا بتلك المكيدة. # واغتنم «إبراهيم كخيا» هذه الفرصة لترقية «علي» كاشفا فرقاه إلى رتبة بك، ~~فشق ذلك على أحد البكوات المدعو «إبراهيم بك» شركسي المولد يعرف «بإبراهيم بك ~~الشركسي» وكان من دعاة «إبراهيم كخيا» لكنه تظاهر عند ذلك بعداوته، ms096 ونمت بينهما ~~الضغائن ولم تنته إلا بقتل «إبراهيم كخيا» بعد ذلك بخمس سنوات بيد «إبراهيم بك ~~الشركسي» المذكور سنة 1168ه. وفي تلك السنة، توفي السلطان «محمود بن مصطفى». ~~(4) سلطنة عثمان بن مصطفى # من سنة 1168-1171ه أو من 1754-1757م # هو عثمان الثالث، ولم يحكم إلا ثلاث سنوات لم يحدث في أثنائها ما يستحق الذكر في ~~المملكة العثمانية حتى في مصر. فإن «إبراهيم الشركسي» شفى غليله بقتل «إبراهيم ~~كخيا» لكنه لم يرو مطامعه؛ لأن مشيخة البلد انتقلت إلى «رضوان بك» صديق «إبراهيم ~~كخيا». # ثم ظهر لرضوان منافس آخر من زعماء حزب إبراهيم يقال له «حسين بك» أصبح بعد قتل ~~الكخيا أكبر رجال ذلك الحزب، فادعى لنفسه الأولوية بمشيخة البلد، فلم تقبل دعواه، ~~فجمع إليه بعض دعاته المماليك، وصعد إلى قلعة القاهرة واستولى على بطارية من ~~المدافع تشرف على بركة الفيل حيث يقيم «رضوان بك» فأطلق بعض القنابل على المنازل، ~~فغرقت جدرانها، فتداعت أركانها و«رضوان بك» مشغول بحلاقة لحيته، فلما أحس بالأمر، ~~طلب جواده، ولم يعل ظهره حتى أصيب برصاصة كسرت فخذه، وتمكن من الفرار ومعه بعض ~~المماليك إلى قرية الشيخ «عثمان» وهناك توقف عن المسير لزيادة الألم، ومعه رئيس ~~الضابطة، وكان مجروحا ثم توفي الاثنان ودفنا معا. # فسمي «حسين بك» من ذلك الحين «شيخ البلد» وأخذ يتقرب من أترابه البكوات وهم لا ~~يزيدون منه إلا نفورا. ولم تمض بضعة أشهر من توليته، حتى كمنوا له في مكان مصاطب ~~النشاب في السهل الواقع بين القاهرة وأرض «إبراهيم بك» وكان مشتغلا بعرض جنوده ~~المماليك، فهموا به وذبحوه ثم قطعوه إربا إربا وصار يعرف من ذلك الحين بحسين بك ~~المقتول. وتولى مكانه «خليل بك» واشتهر بحب القتل، وكان متظاهرا بالعداوة والحسد ~~لعلي بك على الخصوص لاعتقاده أنه أشد أعدائه وطأة وأقواهم عزيمة. ~~(5) سلطنة مصطفى بن محمد # من سنة 1171-1187ه أو من 1757-1774م # وهو «مصطفى الثالث» تولى الملك وسنه 32 سنة. وكان ميالا إلى الإصلاح، ووزر له ~~«راغب باشا» وهو ذو حزم ونشاط وعمل، فأعانه فيما ms097 أراده من الإصلاحات وحفظ السلام ~~طوال حياته. فلما توفي عادت «روسيا» إلى الحرب، وكانت «كاترينة» الثانية إمبراطورة ~~الروس، قد تولت العرش الروسي بعد «بطرس». فعينت صديقها «ستسلاس يونياتسكي» ملكا ~~على «بولونيا» وكان ذلك مخالفا للمعاهدة بين «روسيا» والدولة، وإنما عمدت ~~«كاترينة» إلى خرق هذه المعاهدة عملا بوصية «بطرس الأكبر» وهي تقضي أن يبذل الروس ~~جهدهم في إزالة الحواجز الثلاثة الحائلة بينهم وبين أوربا الغربية، وهي «أسوج» ~~و«بولونيا»، و«الدولة العثمانية». وقد أزيل الحاجز الأول باستيلاء «الروس» على ~~الولايات الأسوجية الفاصلة بينها وبين «ألمانيا»، وأزيل الثاني تقريبا بتعيين أحد ~~أتباع الإمبراطورة على «بولونيا»، ولم يبق إلا إزالة الدولة العثمانية من ~~«أوربا». # فنبهت الدولة لهذا الخطر، لكن بعد فوات الفرصة؛ إذ كان ينبغي لها أن تنجد شارل ~~الثاني عشر على «الروس» ولكنها عمدت إلى استدراك ما فات، وفتحت حربا طال أمدها، ~~وتعاظم لهيبها، وبذلت كل من الدولتين جهدها في التغلب، وأرسلت «روسيا» عمارتها إلى ~~البحر الأبيض لمصادرة السفن العثمانية وضرب الثغور العثمانية فاغتنم «علي بك ~~الكبير» تلك الفرصة، واستعان «بالروس» على استقلاله بمصر في الدولة العثمانية، كما ~~سيجيء # وكان «علي بك» كثير الإخلاص «لإبراهيم كخيا» لا ينفك ساعيا في الانتقام له، ~~ولكنه كان يرى السبيل الأقرب والأسهل لبلوغ مرامه، إنما هو القوة، فأخفى ما في ~~ضميره ثماني سنوات، اشتغل في أثنائها بجمع القوة، فابتاع عددا وافرا من المماليك، ~~ووطد علائقه مع البكوات الآخرين واكتسب ثقتهم بما كان يظهره من الغيرة عليهم ~~والإخلاص لهم، وما كان يكرمهم به من الهدايا. وما زال يخطو خطوة بعد أخرى حتى اقترب ~~من النقطة المطلوبة، فأوجس «خليل بك» خيفة منه، وجعل يتجسس حركاته بالأرصاد ~~والعيون، ويعد المكائد في شوارع «القاهرة». ففي ذات يوم هجم عليه «حسين كشكش» بأمر ~~«خليل بك» وبعد واقعة هائلة اضطر «علي بك» أن يفر إلى الصعيد في طائفة من أصدقائه ~~البكوات، يستعد للانتقام مضاعفا. # فصرح «خليل بك» أن «علي بك» وأتباعه البكوات مجردون من رتبهم وحقوقهم، وولى ~~مكانهم بكوات من ذويه، وقتل من ظفر ms098 به في القاهرة من أصدقاء «علي بك» أو المنتمين ~~إليه. أما «علي بك» فالتقى في الصعيد بواحد من مماليك «مصطفى أنور » يدعى «صالح بك» ~~كان منفيا هناك وفي قلبه من «خليل بك» حزازات فاتحد الاثنان ورجالهما وزحفا على ~~«القاهرة» فخرج «خليل بك» و«حسين بك كشكش»، فدارت رحى الحرب، فكان الفوز «لعلي» ~~ورفيقه، فطاردا «خليل بك» ورجاله حتى قطعوا مديرية «القليوبية» وأوصلوهم إلى المسجد ~~الأخضر على ضفاف النيل، واشتد الكفاح هناك، فالتجأ «خليل بك» ورجاله إلى «طنطا»، ~~فبعث «علي بك» كاشفه «محمد» الملقب «بأبي الذهب» ليهاجمهم، فهاجمهم، واستلم «طنطا» ~~بعد أن قتل «حسين كشكش». أما «خليل بك» فاختبأ بالمسجد وبقي فيه، وقد غلبه الجوع، ~~ثم قبض عليه، ونفي إلى «الإسكندرية» وخنق هناك، ونقلوا رءوس القتلى إلى القاهرة، ~~وطافوا بها في أسواقها. # | الدور الثالث لسيادة الدولة العثمانية على مصر أو علي بك الكبير # من سنة 1177-1185ه أو من سنة 1763-1772م # فتمكن «علي بك» بهذا الانتصار من استلام مشيخة البلد «في القاهرة» سنة 1177ه، وأول ~~أمر باشره قتل «إبراهيم الشركسي» الذي قتل سيده، فثارت عليه أحزابه يطلبون الانتقام، ~~وهم عديدون، فخاف علي بك على حياته ففر إلى «سوريا» والتجأ إلى متسلم (حاكم) بيت ~~المقدس، وكانت بينهما صداقة قديمة إلا أن هذا الملجأ لم يحمه إلا شهرين؛ لأن أعداءه ~~البكوات لما علموا بمقره شكوه للسلطان «مصطفى» وأخبروه بمقره. فأنفذ إلى متسلم القدس ~~فرمانا يأمره به أن يرسل «علي بك» مخفورا إلى الباب العالي. # فعلم «علي بك» بذلك، ففر إلى «عكا»، وهناك اكتسب صداقة الشيخ «ضاهر العمر» أمير تلك ~~المدينة الحصينة فأكرم وفادته وسعى في تبرئته أمام الباب العالي، وبمساعدة نصرائه من ~~أصدقاء «إبراهيم كخيا» اكتسب له العفو من الحضرة السلطانية، فألغيت الأوامر بالقبض ~~عليه، وأعيد إلى «القاهرة» بمنصبه الأول. # وفي سنة 1179ه - أي بعد ذلك بسنتين - هدد «علي بك» بالإقالة من ذلك المنصب؛ وذلك أن ~~«محمد راغب باشا» الذي كان على مصر وعزل منها «علي ماهر بك» كان يتذكر كرم أخلاق «علي ~~بك» منذ ms099 كان كاشفا، فبعد استقالته من مصر، ولي بر الأناطول، وبعد تسع سنوات صار صدرا ~~أعظم، وما انفك متذكرا صداقة «علي بك» لا يفتر عن معاضدته، وتسهيل مطالبه سرا ~~وجهرا. # ففي سنة 1179ه، توفي الوزير «محمد راغب باشا» المذكور، فأصبح «علي بك» في حاجة لمن ~~يعضده، فاغتنم أعداؤه هذه الفرصة، ووشوا به إلى الآستانة، فاضطر أن يفر إلى اليمن. ولم ~~تأت سنة 1180ه حتى عاد إلى القاهرة، واسترجع منصبه بمساعدة أحزابه وموت أربعة من دعاة ~~«إبراهيم الشركسي». ثم تراءى له أن صديقه «صالح بك» تحدثه نفسه بخرج حرمة الصداقة، ~~واتباع داعي المطامع الشخصية، فوكل أمر قتله إلى «إبراهيم كاشف» أحد أتباعه، فقتله ~~طعنا. وسترى أن «إبراهيم» هذا سيرتقي حتى يتولى مشيخة البلد. # ورأى «علي بك» أن قبائل العربان في مصر السفلى قد شقت عصا الطاعة، فأنفذ إليها أحد ~~مماليكه المدعو «أحمد» في فرقة من الرجال، فحارب أولئك العربان، وأمعن في قتلهم حتى ~~لقبوه بالجزار، وهو الذي تولى «عكا» بعدئذ واشتهر «بأحمد باشا الجزار». أما من بقي من ~~أعداء «علي بك» فخافوا ولزموا السكوت. وتحقق تخلصه من القلاقل والمفاسد والمقاومات، ~~ورأى من باب الاحتياط والحرص أن يرقي ثمانية عشر مملوكا من أتباعه إلى رتبة البكوية ~~لينصروه وقت الحاجة، وهي أسماؤهم: ~~(1) # رضوان (ابن أخيه): من جورجيا. ~~(2) # علي الطنطاوي: من جورجيا. ~~(3) # إسماعيل: من جورجيا. ~~(4) # خليل: من جورجيا. ~~(5) # عبد الرحمن: من جورجيا. ~~(6) # حسن: من جورجيا. ~~(7) # يوسف: من جورجيا. ~~(8) # ذو الفقار: من جورجيا. ~~(9) # عجيب: من جورجيا. ~~(10) # مصطفى: من جورجيا. ~~(11) # أحمد الجزار: من أماسيا. ~~(12) # سليم أغا: إنكشاري. ~~(13) # سليمان كخيا: إنكشاري. ~~(14) # لطيف الشركسي: شركسي. ~~(15) # عثمان: شركسي. ~~(16) # إبراهيم: شركسي. ~~(17) # مراد: شركسي. # ولهذين الأخيرين شأن في هذين التاريخ لأنهما سيتنازعان السلطة بمصر. ~~(18) # محمد. # وكان يعز محمدا أكثر من الجميع وستراه رجلا عقوقا منكرا للجميل. ولما تقلد ~~البكوية لقب بأبي الذهب، فأحب أن يجعل هذا اللقب اسما على مسمى، فتظاهر بالكرم ~~المفرط وبدلا من أن يفرق العطايا بالبارات، فرقها بالأرباع. # أما «علي بك» فكان ساهرا مصلحة البلاد سهرا تاما، وكان مخلصا ms100 في أعماله، فطهر ~~البلاد من اللصوص، وسعى جهده في إصلاح شئونها، فساد الأمن فيها بعد أن كانت معرضا ~~للقلاقل والمفاسد. ولم تقف مطامع «علي بك» عند هذا الحد، فإنه رأى من تحامل الواشين ~~بينه وبين ديوان الآستانة، وإيقاع ذوي الأغراض به وبسلطته، ما حمله على السعي في ~~الاستقلال بمصر، وتجريدها من رعاية الدولة العثمانية، لكنه كتم مقاصده، وجعل يسعى في ~~تنفيذها تحت طي الخفاء. ~~(1) مساعيه في سبيل الاستقلال # وأول خطوة خطاها نحو هذه الغاية، أنه انتحل أسبابا بنى عليها عزل مستخدمي ~~الملكية والجهادية ورؤساء الوجاقات، واستبدلهم برجال على دعوته إلا وجاق الإنكشارية ~~فإنه لم يمسه بعد أن تمكن من استبقائه تحت حمايته وسد جميع السبل التي يمكنه بها ~~التطرق إلى مقاومته. وأخر دفع مرتبات الوجاقات الأخرى عمدا، وصار يدفع رواتبهم ~~أقساطا عملة ورق بول كانت تخسر المائة منها تسعين، فكان يربح أرباحا عظيمة ~~باسترجاع الورق بالأثمان البخسة، وصرفه ثانية بثمنه الأصلي. فلما رأت رجال الوجاقات ~~أنهم لا يستولون من ماهياتهم إلا على العشر، كرهوا الاستخدام بالعسكرية، وجعلوا ~~يستقيلون منها شيئا فشيئا ويتعاطون أشغالا أخرى أكثر فائدة لهم. # ثم سعى في تقليل العساكر العثمانية واستخدام المماليك من دعاته حتى صاروا نحو ستة ~~آلاف. وحظر على سائر البكوات والكشاف الذين يخشى تغيرهم عليه أن يقتني أحدهم أكثر ~~من مملوك أو مملوكين. وكان على ولاية مصر إذ ذاك «محمد باشا» فأزعجته إجراءات «علي ~~بك» وخشي عاقبتها، فنصح له أن يقف عند حده، فلم يكترث بقوله، فأقر على مقاومته لأن ~~هذه الإجراءات مضادة لمصلحة الباب العالي. ولكنه لم يكن يستطيع المجاهرة بمقاصده ~~هذه، فأخذ يدسها سرا، واتحد مع من بقي من دعاة «إبراهيم الشركسي» وأجمعوا على ~~الانتقام من «علي بك»، ثم جعلوا يسعون فسادا بين أحزابه واستجلبوا بعضا منهم إلى ~~جانبهم بالمواعيد المبنية على الحسد والطمع. وفي جملة هؤلاء «محمد بك أبو الذهب» ~~الذي طمره «علي بك» بفضله حتى أزوجه ابنته، وكان يناديه كما ينادي أولاده. ولم ~~يكونوا يستطيعون تنفيذ مآربهم جهارا، فأغروا صهره ms101 «محمد بك» المذكور بالمال ووعده ~~أنه إذا قتل «علي بك» يتولى المشيخة مكانه، فقبل. # لكنه علم بعدئذ أنه يقصر عن مناوأة «علي بك» واستعظم الجناية، فعدل عنها إلى ~~جناية تقرب منها، وذلك أنه شكى إلى «علي بك» معاملة الباشا له، فأسرع إلى إنقاذه ~~منه، وما انفك عن الباشا حتى أخرجه من مصر، فعاد إلى الآستانة، ولم يزدد «علي بك» ~~إلا ثقة في «محمد بك أبو الذهب» وإخلاصه له، رغم ما كان ينقل إليه عنه من السعي ~~ضده. # وفي سنة 1182ه، انتشبت الحرب بين روسيا والدولة العلية، فبعثت هذه إلى مصر أن ~~تمده باثني عشر ألفا، فوصلت الأوامر لعلي بك بذلك ومشروعه لم ينضج بعد، فلم يسعه ~~إلا مباشرة ما أمر به لما ابتدأ بجمع الجنود، أما أعداؤه فاغتنموا تلك الفرصة ~~للوشاية، فضموا إليهم الباشا الجديد الذي كان قد أرسل إلى القسطنطينية بدلا من ~~الباشا الذي أخرجه «علي بك». واتفقوا جميعا على كتابة تقرير أمضاه الباشا وسائر ~~البكوات أعداء «علي» يشون به إلى الديوان الشاهاني بدعوى أنه إنما أراد بما يجمعه ~~من الجيوش معاضدة روسيا للاستقلال بمصر، فأنفذ الديوان الشاهاني إلى الباشا أمرا ~~مشددا أن يقتل «علي بك» ويرسل رأسه إلى الآستانة. # فاتصل ذلك لعلي بواسطة أصدقائه بالآستانة فبعث «علي بك طنطاوي» أحد دعاته في عشرة ~~من أتباعه المماليك، متنكرين بلباس البدو ويكمنون على مسافة قصيرة من القاهرة حيث ~~لا بد للقابجي باشي حامل ذلك الفرمان من المرور به، فمكثوا هناك ثلاثة أيام، وفي ~~اليوم الرابع بان لهم القابجي ومعه أربعة رجال، فوثبوا بهم وقتلوهم وطمروهم بالرمل، ~~وأخذوا ملابسهم والفرمان وصاروا إلى «علي» فقرأه. # ثم جمع إليه ديوان البكوات العمومي وأطلعهم عليه وأقنعهم أن ذلك ليس لقتله وحده ~~بل لقتلهم جميعا. ثم خاطبهم قائلا: # دافعوا إذن عن حياتهم وحقوقهم واعلموا أن مصر ما برحت منذ القدم يحكمها ~~دول من المماليك كانوا سلاطين أشداء تفاخر بهم الأرض السماء فأعيدوها إليهم ~~وهذه فرصة لا يضيعوها. فإنهم لن تعثروا عمركم على فرصة مثلها. هلم ms102 إذن نسعى ~~في الاستقلال، فإن فيه حياتنا وحريتنا. ~~(2) استقلال علي بك بمصر # فتأثر البكوات من فصاحة «علي» وبلاغته، وكانوا ثمانية عشر، قد أجمعوا على دعوته، ~~فعاهدوه على الدفاع عنه ما استطاعوا إلى الدفاع سبيلا. أما سائر الأمراء المماليك ~~من أعدائه فخافوا العاقبة، ولزموا السكوت، فكتب ديوان «علي بك» أمرا إلى الباشا أن ~~يبرح الديار المصرية في 48 ساعة، وإذا لم يفعل؛ يقتل وأن مصر قد أصبحت مستقلة. وبعث ~~علي إلى الشيخ «ضاهر العمر» أمير عكا يعلمه رسميا باستقلال مصر، ويدعوه للمساعدة ~~في ذلك. فأجابه الشيخ ضاهر مسرورا، وجمع إليه رجاله ورجال بنيه السبعة وصهره. ~~وانضم الجميع إلى جنود «علي» وكان قد أضاف إلى الستة الآلاف التي عنده من المماليك ~~الاثني عشر ألفا التي جمعت مددا للعثمانيين، وأضاف إلى هذه أيضا رجال أصدقائه ~~البكوات حتى رجال أعدائه لأنهم لم يعد يسعهم إلا طاعته. # فاتصل ذلك بالآستانة، فأرسل الباب العالي أمرا إلى والي دمشق أن يسير في 25 ~~ألفا لمنع جنود عكا من معاضدة «علي» فسار الوالي في ذلك العدد من الرجال، فلاقاه ~~الشيخ «ضاهر» في 6 آلاف بين لبنان وبحيرة طبرية، ورده على أعقابه سنة 1183ه. وكانت ~~هذه الواقعة آخر الوقائع لأن الباب العالي أمسك بعدها عن إرسال الجند كأنه نسي ~~علاقته مع «سوريا» و«مصر» بالكلية. # أما «علي» فاغتنم اشتغال الدولة العلية بالمحاربة مع روسيا وصرف عنايته في تنظيم ~~مملكته الجديدة، وإصلاح داخليتها من الخلل. فخفض الضرائب وجعل على المالية مدير ~~الكمرك القديم المعلم «ميخائيل فرحات القبطي» بدلا من يوسف بن لاوي الإسرائيلي، ~~وكان قد قتل جزاء خيانته. ونظم التجارة الخارجية والمواصلات، وأبعد العربان إلى ~~الصحراء، فاستولى الأمن وانتشر الإصلاح في القطر، فزادوا على ألقاب «علي» لقب بلوط ~~قبان - مبيد اللصوص. ~~(3) قبيلة الهوارة # وكان في جملة القبائل الثائرة على «مصر» قبيلة «الهوارة» وهي أشدهن بأسا وأطول ~~باعا، جاءت في الأصل من ضواحي تونس الغرب، واستقرت بين «جرجا»، «فرشوط» في بقعة ~~من الأرض لم تكن تصلح للزراعة. فاعتنوا فيها حتى أنشئوا عدة ms103 قرى. وما زالوا ينشرون ~~سطوتهم حتى احتلوا البقاع بين هوارة وكفر الشيخ سليم. # ثم اغتنم الشيخ «هامان» - شيخ الهوارة - اشتغال مصر بما تقدم، ووضع يده على ~~البلاد من «أسيوط» إلى «أصوان» وجمع إليه محصولاتها، وكان قد حارب هذه القبيلة ~~كثيرون ممن تولوا مصر قبل «علي» وفرضوا عليها ضريبة مقدارها 250 ألف أردب من الحنطة ~~توردها سنويا إلى مصر. # ففي سنة 1183ه، أرسل «علي بك» صديقه «محمد بك أبا الذهب» لمحاربة الشيخ «هامان» ~~وقبيلته فحاربهم وتغلب عليهم في أواخر تلك السنة. فاضطر أبناء الشيخ أن يبتاعوا ~~حياتهم بما لديهم من ثروة أبيهم، فربح «أبو الذهب» من ذلك مالا كثيرا ثم أسرع إلى ~~«القاهرة» لما علمه من الدسائس التي كان ساعيا بها رفيقه «أحمد بك الجزار» على ~~«علي بك» وكأنه لم يكن يريد أن يشاركه أحد بالدسائس على سيده. # وكان «أحمد الجزار» ينظر إلى أبي الذهب نظره إلى عدو يناظره في ارتكاب الدنايا، ~~فسعى في قتله، فلم ينجح. وكان لأحمد الجزار سيف مشهور بطيب فولاذه، وإتقان صنعه، ~~فاتفق يوما أنه اجتمع «بمحمد أبي الذهب». فقال له «محمد»: «أرني حسامك لأجربن ~~فرنده»، فأجابه أحمد: «لا يستل حسامي حتى يستباح قتيل»، ثم نهض للحال، وغادر ~~القاهرة قاصدا «القسطنطينية» فوصلها. ثم عهدت إليه ولاية «عكا» بعد ذلك، وما زال ~~بها حتى توفاه الله. ~~(4) فتوح علي بك ومعاهداته # أما «علي بك» فبعد أن تغلب على الصعيد، ثار في خاطره حب الافتتاح، فجرد على ~~«اليمن» جيشا تحت قيادة «محمد أبي الذهب» فسار في عشرين ألفا، فقطع برزخ السويس، ~~ومضيق العقبة، ولم يبق على أحد من القبائل التي حاولت الوقوف في طريقه، وما زال ~~حتى أتى اليمن وافتتحها. # وأمر «علي» فسار «إسماعيل بك» في ثمانية آلاف لافتتاح السواحل الشرقية للبحر ~~الأحمر و«حسن بك» لافتتاح «جدة»، ولقب الجداوي إشارة إلى انتصاره على تلك المدينة، ~~وما زال يعرف بهذا اللقب من ذلك الحين. ولم تمض ستة أشهر حتى افتتحت جزيرة العرب، ~~وفي جملتها «مكة المشرفة» ولحق بها نهب شديد وأنزل ms104 شريفها، وأقيم مقامه ابن عمه ~~الأمير «عبد الله» فوافق عليا على سلطته وسماه «سلطان مصر وخاقان البحرين»، فعل ~~ذلك بصفته الدينية تملقا لعلي. # فلما حصل «علي بك» على ذلك من شريف مكة، أخذ يتمتع بحقوق السلطنة، فأمر أن يخطب ~~باسمه في الصلوات العمومية أيام الجمعة، وضربت النقود باسمه سنة 1185 في القاهرة - ~~كما سنرى. # وسعى «علي بك» في هذه السنة في أمر سيق به إلى حتفه؛ وذلك أنه عهد إلى «محمد أبي ~~الذهب» أن يسير في ثلاثين ألفا لإخضاع بلاد الشام لأنه كان يعتبر هذه الولاية بعد ~~خروجه من طاعة الدولة العلية عدوا قريبا يخشى منه على نفسه وعلى صديقه ومحالفه ~~الشيخ «ضاهر» وكان ينظر إلى «سوريا» كأنها جزء طبيعي من مملكة مصر. وكانت في الواقع ~~قسما منها في سائر أزمنة التاريخ التي كانت فيها مصر مستقلة، في الدولة الطولونية ~~والفاطمية والأيوبية والمماليك وغيرها. # وسعى «علي بك» في التحالف مع الدول التي بينها وبين الآستانة عداوة، فاستخدم ~~تاجرا إيطاليا اسمه «روستي» عقد له معاهدة سلمية مع البندقيين على أن يكونوا ~~حلفاءه، ثم عهد إلى رجل أرمني اسمه «يعقوب» أن يستطلع من الكونت «ألكسيس أورلوف» ~~قومندان القوات الروسية في البحرين (المتوسط والأسود) عن عقد معاهدة دفاعية هجومية ~~مع قيصرة الروس «كاثرينا الثانية». فأجاب الكونت بالإيجاب وفتحت المخابرات بشأن ~~ذلك، وطال أمرها كثيرا لبعد المسافة بين الطرفين. # أما جنود «علي بك» في سوريا، فصاحبها الظفر واتحدت بجنود الشيخ «ضاهر» فاستولوا ~~على «غزة» و«الرملة» و«نابلس» و«القدس» و«يافا» و«صيدا»، وأخيرا حاصروا «دمشق» ولم ~~تلبث يسيرا حتى سلمت. ~~(5) خيانة أبي الذهب # فلما رأى «محمد أبو الذهب» تمام هذه الفتوح العظيمة على يده، حدثته نفسه أن ~~يجعلها لنفسه، ثم قادته مطامعه إلى محاربة علي، واستخراج مصر من يده، ويظن أنه لم ~~يقدم على ذلك من تلقاء نفسه، وإنما حمل عليه بأوامر جاءته من الآستانة لأن ~~المخابرات السرية كانت متواصلة بينه وبينها بواسطة الباشا الذي أخرجه علي من مصر، ~~فأمسك «محمد» عن المسير في البلاد العثمانية، وحول ms105 شكيمة مقاصده نحو الديار ~~المصرية، فجمع ما كان لديه من الجيوش، وضم إليها الحاميات التي كان قد أقامها في ~~المدن المفتتحة، وسار قاصدا مصر، لكنه لم يجسر على المسير إلى القاهرة رأسا خوفا ~~من الإنكشارية والوجاقات الأخرى لعلمه بما في قلوبهم من الضغينة عليه. فعرج نحو ~~الصحراء حتى أتى الصعيد، فحط رجاله هناك، واستولى على أسيوط في آخر يوم من سنة ~~1185ه. ثم استقدم قبائل العربان وطلب محالفتهم ومحالفة بكوات الصعيد، وجاهر بعزمه ~~على خلع «علي بك». وسار قاصدا القاهرة، فوصلها في أوائل سنة 1186ه، فنزل بجيشه ~~تجاه البساتين فوق مصر القديمة. # فلما علم «علي بك» ندم على ما وضعه من الثقة في رجل كان له أن يعتبر من سيرته ~~الماضية أنه على غير الإخلاص والاستقامة، فجند 3 آلاف رجل بقيادة «إسماعيل بك» ~~وأمرهم أن يمنعوا محمدا من عبور النيل، فسار إسماعيل، لكنه خاف سطوة عدوه، وورد ~~عليه كتب مفعمة بالمواعيد يمازجها بعض التهديد فأخذ جانبه، وضم جيشه إلى جيشه فقطع ~~«محمد بك» النيل، فاستقبله رجال إسماعيل بالترحاب، فاتصل ذلك بعلي فيئس من الفوز، ~~فانقطع إلى القلعة بأهله وأصدقائه ورجال دعوته، وقد عزم على المدافعة إلى آخر نسمة ~~من حياته. ~~(6) علي بك في عكا # وبعد ثلاثة أيام، ورد إليه كتاب من الشيخ «أحمد» أحد أبناء صديقه الشيخ «ضاهر» أن ~~يبرح القاهرة حالا ويأتي إلى أبيه في «عكا»، فخرج علي من القلعة بمن معه وسار من ~~جهة الجبل الأحمر طالبا سوريا عن طريق الصحراء. وكان خروجه قبل دخول «محمد بك» ~~القاهرة بيوم واحد؛ أي مساء 9 محرم سنة 1186ه - وهذه هي المرة الثالثة لخروجه منها ~~إلى «سوريا» وفي معيته عدد يسير من الجند لا يبلغ ستة آلاف معظمهم من الخدمة الذين ~~لا يستطيعون الدفاع، ولم يحمل معه من المال إلا ثمانمائة ألف زر محبوب يحملها 25 ~~جملا، ونقل معه المصوغات والحلي ما يساوي أضعاف ذلك. # وما زالوا في المسير ليلا ونهارا حتى وصلوا إلى خان يونس في حدود سوريا بعد ~~ثلاثة ms106 أيام. فرأوا أن خمسة من الجمال الحاملة النقود قد ذهبت فريسة بيد القبائل ~~البدوية، وأن عددا من رجاله فروا، ومعهم «يوسف الخزندار». وفي اليوم التالي دخل ~~«علي بك» غزة، ثم واصل السير حتى أتى «عكا» بعد ثمانية أيام، فرحب به أميرها وكانت ~~بينهما مودة شديدة، فاطمأن «علي بك» هناك. غير أن ما تكبده من المشاق في الأسفار مع ~~ما أثر في نفسه من الغيظ الشديد غير صحته، فلم يصل «عكا» إلا وهو في حالة الخطر ~~من شدة المرض. # وفي أثناء ذلك وصل ميناء عكا أسطول روسي، فلما علمت حاميته بما حل «بعلي بك» ~~عقدوا معه معاهدة ثانية وقدموا له كل ما يحتاج إليه من المؤن والذخائر. وكان في ~~خدمة ذلك الأسطول فرقة من الألبانيين مؤلفة من ثلاثة آلاف رجل، فأمدوه بهم. فلما ~~رأى «علي بك» ما كان من نجدة الروسيين مع ما يمكنه الحصول عليه من جنود الشيخ ~~«ضاهر» عزم على مناوأة «أبي الذهب» لكنه لم يكن يستطيع مباشرة ذلك بنفسه لانحراف ~~صحته، فعهد إلى «علي بك الطنطاوي» بعد ثلاثة أشهر أن يسيروا أولا لاسترجاع المدن ~~السورية التي دخلت في حوزة «محمد أبي الذهب» فسار واستولى على «صور» و«صيدا» وقرى ~~أخرى من سواحل سوريا كانت قد احتلتها جنود عثمانية بعد انسحاب جنود «أبي الذهب». # ثم سار «علي» بنفسه مع من بقي من الجند إلى «يافا» وافتتحها بعد محاصرة خمسة أشهر ~~استولى في أثنائها على «غزة» عنوة وعلى «الرملة» و«اللد» تسليما. فأعاد «يافا» إلى ~~حكومة الشيخ «ضاهر» وجعل على «اللد» «حسن بك» الجداوي، وعلى الرملة «سليم بك». ~~(7) محمد بك أبو الذهب # وفي 9 القعدة سنة 1186ه، كان «علي بك» في «يافا» فجاءته رسل من القاهرة بمهمة ~~سرية من وجاق الإنكشارية والوجاقات الأخرى، وسائر أعيان القاهرة: أن «محمد أبا الذهب» دخل القاهرة حالما خرج هو منها، وسمى نفسه شيخ البلد، وجعل يعيث في البلاد ~~عيثا لم يسبقه إلى مثله أحد ممن تولى مصر قبله، فجعل الضرائب ضعفين، وبعضها ثلاثة ~~أضعاف، ثم اختلق ms107 قانونا غريبا دعاه: قانون رفع المظالم، والمقصود منه بحسب الظاهر ~~إنقاذ ملتزمي الأموال الأميرية من الإجراءات الاستبدادية التي كان يسومهم إياها ~~الكشاف إلى ذلك العهد واستبدالها بما يعود بالمنفعة. والحقيقة أن الضرائب ما انفكت ~~أشد وطأة من ذي قبل، والإجراءات لم تزد إلا استبدادا فضلا عما رافق ذلك من الفتك ~~بالعباد قتلا ونهبا. # ثم قالوا إن مصر بجملتها لما رأت ما وصلت إليه من الانحطاط، وما لحق بأهلها من ~~المظالم التي ما أنزل الله بها من سلطان قد أنابتهم أن يبلغوا «علي بك» أنها بصوت ~~واحد تلتمس رجوعه ليحكم فيها لأنه هو منقذها الوحيد، وأن مدينة القاهرة مستعدة أن ~~تفتح أبوابها لاستقبال أميرها القديم وأن تدافع عنه الدفاع الممكن إذا حاول «محمد بك أبو الذهب» ما يخالف الصوت العمومي. ~~(8) خروج علي بك لمحاربة أبي الذهب # فلما علم «علي بك» بكل ذلك، شعر أن آماله عادت إليه وبرح «يافا» للحال قاصدا ~~القاهرة، وما يكن معه من الجنود إلا ألفان وخمسمائة، فاستنجد حاميات «اللد» ~~و«الرملة» وانضم إليهم جنود الشيخ «ضاهر» وجنود ابنه الشيخ «شبلي» وصهره الشيخ ~~«كريم»، و«حسن» شيخ صور. وكان قد استأجر ثلاثة آلاف وخمسمائة من المغاربة، فكان عدد ~~جنوده جملة ثمانية آلاف محارب. # ففي 11 محرم سنة 1187ه، وصل «علي بك» إلى خان يونس، وفي 16 منه اقترب من ~~«الصالحية»، وفي 18 منه التقى بمقدمة جيوش «محمد أبي الذهب» وعدتهم اثنا عشر ألف ~~مقاتل. وبعد محاربة بضع ساعات ظهر «علي بك» عليهم وقتل عددا غفيرا من رجالهم. ~~فانفتحت له أبواب «الصالحية» فدخلها وقد أصيب بجروح بليغة. # ثم علم أن اعتماده على أحزابه في القاهرة لا يورثه إلا الخيبة؛ لأن أبا الذهب كان ~~قد جمع إليه كبراء البلاد ورجال حكومتها لما علم بمظاهرتهم «لعلي» وأقنعهم أن «علي بك» قد غدر الأمة وخان الوطن وأباح دماء المسلمين بمعاهداته مع الروسيين وغيرهم من ~~الأمم النصرانية، واستخدم «أبو الذهب» في سبيل إقناعهم الدرهم الوضاح، فانحازت إليه ~~القوات العسكرية إلا وجاق الإنكشارية، فإنه ظل على ms108 ولاء «علي بك». # فلما تحقق «أبو الذهب» اجتماع الأحزاب على دعوته أمن الاضطراب الداخلي فسار بنفسه ~~لمحاربة علي. # أما «علي» فانزعج لتلك الأحوال انزعاجا كثيرا فضلا عما كابده من المشاق في ~~السفر، وقطع الصحراء، وزد على ذلك الجروح التي أصابته في واقعة «الصالحية»؛ فأصيب ~~بحمى شديدة عجز معها عن ركوب جواده وقيادة جنوده. وفي 20 محرم سنة 1187ه، علم بمجيء ~~«أبي الذهب» وهو على ما تقدم من المرض فلم يتردد في وجوب الدفاع. فأمر قواده، ~~فانتظمت رجاله على قلتها وتهيأت للدفاع. وكان على أحد جناحي الجيش «علي بك ~~الطنطاوي» ومن معه من البكوات، وعلى الجناح الآخر ابن الشيخ ضاهر وصهره، فاستظهرت ~~جنود علي بادئ الرأي حتى قاربت الفوز التام. # ثم أرسل «أبو الذهب» بعض جواسيسه إلى المغاربة في جيش علي يغريهم على خيانة ~~رئيسهم، فوافقوه، ووافقه غيرهم كثيرون من بكوات علي، وفي جملتهم «إبراهيم بك» ~~و«مراد بك» وهذا الأخير اشترط أن يأخذ مقابلا لخيانته هذه ما يخلفه «علي» من ~~المتاع والنساء، وخصوصا امرأته «نفيسة»، وكان «علي» يحبها ويحترمها لما كانت عليه ~~من الفطنة والجمال. فلما انتشبت الحرب في الصباح التالي، انحاز جميع المغاربة ~~والبكوات الذين خانوا، إلى عسكر «أبي الذهب» وكانت جنود «علي بك» قريبة من الفوز. ~~فلما رأت تلك الخيانة تضعضعت، وفر الجند يطلبون النجاة بأنفسهم بعد أن قتل «علي بك ~~الطنطاوي» و«الشيخ شبلي» ونجا «الشيخ كريم» والشيخ «حسن» و«رضوان بك» من المعركة ~~وساروا إلى فسطاط «علي بك» وأعلموه بما حصل، وطلبوا إليه أن يمتطي فرسه، ويسير ~~برفقتهم إلى غزة، حيث يلاقيهم الشيخ «ضاهر» بمن معه من الجند. ~~(9) مقتل علي بك # أما «علي بك»، فأبت نفسه الإصغاء لما أرادوا، فجلس بباب خيمته وقال لهم: «إني ~~ملازم هذا الموضع لا أبرحه حتى تبرحني نفسي؛ لأن الموت هنا أفضل عندي من الفرار، ~~أما أنتم إذا شئتم النجاة بأنفسكم، فبادروا إلى الفرار قبل أن يغشاكم ما ربما لا ~~تقوون على دفعه.» # فاضطر ابن أخيه ورجاله الباقون أن يذعنوا لما أمر، فودعوه، وحولوا ms109 الأعنة في ~~طريق خان يونس، قاصدين «غزة» فلقوا الشيخ «ضاهرا» هناك، فأعلموه بما كان، وبوفاة ~~ابنه فأسف كثيرا. # ومكث «علي بك» بعد ذهاب أصدقائه بضع ساعات ينتظر منيته، وبجانبه عشرة من مماليكه ~~وإذا بخمسين رجلا تحت قيادة الكخيا؛ نائب «محمد أبي الذهب»، قد وصلوا الخيمة ~~ودخلوها وقتلوا من كان فيها من المماليك. ثم وثبوا على «علي»، وكان المرض مشتدا ~~عليه وفيه جروح، لكنه نهض بسيفه فقتل أول قادم عليه، وجرح اثنين آخرين فخاف الباقون ~~الاقتراب منه، فأطلقوا عليه البنادق فجرحوه جروحا بليغة في زراعه اليمنى وفخذه، ~~فجعل يدافع بيسراه دفاعا شديدا إلى أن وثب عليه الكخيا بنفسه، فدافعه «علي» حتى ~~أصيب بذراعه اليسرى، وفي أماكن أخرى، فسقط على الأرض وهو لا ينفك عن الدفاع، ~~فتكاثرت عليه الرجال حتى أمسكوه حيا، وساروا به إلى «محمد أبي الذهب» وطرحوه عند ~~قدميه فأمر بحمله إلى القاهرة، فحملوه إليها، وأنزلوه في داره بدرب عبد الحق في ~~شارع البكري - وراء صندوق الدين - فلبث فيها سبعة أيام ثم توفاه الله. وقد قال ~~بعضهم إن «أبا الذهب» أدخل السم في جراحه فقتله - والله أعلم - ودفنوه بتربة أستاذه ~~«إبراهيم كخيا» بجوار الإمام الشافعي. وكان لموت هذا الرجل تأثير عظيم في قلب كل من ~~عرفه حتى إن أبا الذهب نفسه لم يسعه إلا الندم في سره، لما فرط منه، وما أتاه من ~~نكران الجميل وارتكاب مثل هذه الخيانة. ~~(10) مناقبه # ومن مناقب «علي بك» أنه كان عظيم الهيبة حتى اتفق لأناس أنهم ماتوا خوفا من ~~هيبته، وكانت تأخذ الرعدة بعضهم بمجرد المثول بين يديه، فيأخذ هو بتلطيف رعبه ~~فيقول: «هون عليك!» وكان صحيح الفراسة، شديد الحذق، يفهم ملخص الدعوى الطويلة بين ~~المتخاصمين، ولا يحتاج في التفهيم إلى ترجمان أو من يقرأ له الصكوك والوثائق، بل ~~يقرؤها هو بنفسه، ولا يختم ورقة حتى يقرأها ويفهم فحواها. ~~(10-1) مآثره # البناية العظيمة «بطنطا»، وهي المسجد والجامع والقبة على مقام السيد البدوي، ~~والمكاتب والميضاة الكبيرة، والحنفيات، والمنارتان العظيمتان، والسبيل المواجه ~~للقبة، والقيسارية العظيمة. وجدد ms110 أيضا قبة الإمام الشافعي، وبنايات ووكالات في ~~بولاق مصر، ولا يزال هذا الرجل مميزا عن المؤرخين بلقب الكبير، فيدعونه: «علي ~~بك الكبير». # وقد ضرب نقودا باسمه بمصر، وقد أضاف اسمه إلى اسم السلطان أحمد خان على ~~الطغراء اسم السلطان المذكور، واسم «علي» على الجانب الآخر. # وبموت «علي بك» انتهى الدور الثالث من سلطة العثمانيين على مصر. # | الدور الرابع من سلطنة العثمانيين على مصر # من سنة 1187-1213ه ومن 1774-1798م # لم يتوال على العرش العثماني في أثناء هذا الدور إلا سلطانان، مدة حكمهما جميعا 25 ~~سنة، والحال متضعضعة كما سترى. ~~(1) سلطنة عبد الحميد الأول # من سنة 1187-1203ه ومن 1774-1789م # هو ابن السلطان أحمد، تولى العرش العثماني وسنه خمسون سنة، وكان قد قضى مدة حكم ~~أخيه مصطفى محجورا عليه في قصره - كما جرت العادة - ولم يستطع توزيع المال على ~~الجند حسب العادة، لنضوب الخزينة في الحروب الماضية وكانت قد عادت ظافرة منها، ~~فأخذت روسيا تستعد لاسترجاع ما فقدته من الشهرة. # ففي تلك السنة، زحفت جنودها على نهر الطونة واجتازته، فاعترضهم العثمانيون ~~وهزموهم، وعادوا فتناوشوا وتحاربوا، وانتهت الحرب بمعاهدة في يوليو سنة 1774 كانت ~~روسيا فيها الرابحة، لكن العثمانيين تفرغوا لإصلاح داخليتهم والتأهب للمستقبل، ~~فرمموا الأسطول، واشتغلوا بالإصلاح، وتعدت روسيا على القرم وضمتها إلى أملاكها، ولم ~~يحرك العثمانيون ساكنا. # أما حال مصر، فبعد وفاة «علي بك» عاد وادي النيل إلى ما كان عليه قبله تابعا ~~لأملاك الدولة العلية، وعادت أحكامه إلى مشايخ البلد والكشاف الذين جعلوا تلك ~~المناصب وسيلة لاختلاس أموال الناس، وحقوق الدولة. وكان «علي بك» قد جعل لهذه ~~المظالم حدا، وأصلح الشئون حتى علقت الآمال باعتزاز مصر ورفع شأنها، فلم تبق ~~المنية عليه. # نعم إن مصر بعد وفاته عادت إلى كنف الدولة العثمانية لكنها بالحقيقة لم تفدها ~~شيئا؛ لأنها كانت في الحالة الأولى طعمة لرجل محب للإصلاح، مخلص بمقاصده، وإن كانت ~~بمعزل عن سيادة الدولة فأصبحت في الثانية طعمة لثلاثين رجلا كل منهم يسعى في ~~ابتلاعها، لا يتفقون إلا على كره الدولة ms111 التي هم تحت حمايتها. # أما السلطان عبد الحميد، فلم يكن يرسل إليها من الولاة إلا من كان اسما بلا ~~مسمى، كما كان شأنهم قبل ظهور «علي» فكان الباشا من هؤلاء آلة يديرها البكوات كيف ~~شاءوا، ولم يكن لديه من الأعمال إلا مخابرة القسطنطينية سرا بما كان يقع بين ~~هؤلاء البكوات من الخلاف، وما كانوا يتداعون إليه من الخصام، وواجباته المهمة أن ~~يستلم الجزية من الحكومة المصرية، ويرسلها إلى الآستانة إذا تمكن من قبضها. ~~(1-1) أبو طبق وعزل الباشوات # فكانت ولاية مصر منصبا يستحي العقلاء من قبوله لأنهم كانوا يعتبرونها منفى ~~استحقه الباشا أو الوزير الذي يرسل إليها. وكان يعلم قبل خروجه من الآستانة أنه ~~إذا لم يكن راضيا بما يرضاه شيخ البلد لا يلبث أن يصله منه رسالة ينقلها ناقل ~~يقال لها: الأوطة باشي، وفيها الأمر بعزله أمر لا مرد له ولا مجال للمدافعة ~~بعده. وكيفية ذلك أن شيخ البلد ورجاله إذا رأوا في تصرف الباشا ما يوجب الشك ~~اجتمعوا اجتماعا عموميا في الديوان وقرروا عزله، وكتبوا بذلك أمرا يسلمونه ~~إلى الأوطي باشي ليوصله إلى الباشا، فيحمله ويسير على حمار - لأن القانون لا ~~يسمح له بركوب الخيل أو البغال - وبين يديه فرمان العزل. فإذا مر بالأسواق ~~على هذه الصورة، علم الناس أنه ساع في أمر هام فيه عزل فيهرولون وراءه، ولا ~~يزال سائرا في عرض الطريق قائدا لتلك الجماهير نحو القلعة، ومن واجبات أي ~~جندي لقيه في تلك الحال أن يرافقه اتقاء ما يخشى حدوثه عند وصوله ~~القلعة. # فإذا وصل القلعة يدخل على الباشا، ثم يجثو أمامه باحترام ووقار، وعندما ينهض ~~يطوي السجادة التي كان جاثيا عليها وينادي بأعلى صوته: «انزل يا باشا» وعند طي ~~السجادة، والتلفظ بهذه العبارة تسقط كل حقوق الباشا، ولا يبقى له أقل سلطة على ~~الجنود التي كانت قبل بضع دقائق تحت أمره، وتصير تحت أمر الأوطة باشي. وكانوا ~~يسمونه «أبو طبق»؛ لأنه كان يلبس على رأسه قبعة مثل الطبق، والباشا يقف ممتثلا ~~يسمع تلاوة الفرمان ms112 سواء كان منطوقه بعزله أو بقتله، فلا يسعه إلا الطاعة ~~التامة، على مثل ذلك كانت معاملة باشوات مصر. # لما مات «علي بك»، اختلف أعداؤه في القاهرة على الاجتزاء من انتصاراتهم، فكان ~~كل منهم يظن لنفسه الحق بالتمتع بأثمار انتصاره كغيره أو أكثر ، فاختلفت الأحزاب ~~من بينهم. أما من بقي من رجال «علي بك» فلم يجدوا مكانا فيه راحة لهم، وكانوا ~~في «عكا» عند الشيخ ضاهر - على ما تقدم - فتقهقر «أبو الذهب» لأنه كان يحب ~~الانتقام حبا يفوق التصديق، وقد آلى على نفسه ألا يبقي على أحد من رجال ~~«علي». # أما الشيخ ضاهر - أمير عكا - فلم يعد يطيب له السكون بعد أن خسر ابنه في سبيل ~~نصرة «علي بك» فثارت في خاطره بواعث الانتقام، ولكن «أبا الذهب» لم يعد يستطع ~~صبرا على ذلك. فاسترحم من الباب العالي أن يسمح له بالمسير لإخضاع «سوريا» ولا ~~سيما «عكا»، واتهم أميرها ضاهرا بالعصيان، وأنه ساع ضد الدولة، فأجابه الباب ~~العالي بفرمان يثبته في مشيخة البلد مع لقب باشا ورتبة والي القاهرة، مكافأة ~~لما أتاه من كسر شوكة «علي» وأحزابه، وأذن له أن يتتبع ذلك الشيخ ~~العاصي. # فلما وصل الفرمان إلى «أبي الذهب» كاد يطير من شدة الفرح وأعد جيشا تحت ~~قيادته واستخلف في مصر إسماعيل بك، وعهد حكومة مدينة القاهرة إلى «إبراهيم بك»، ~~وسار في جيشه إلى «سوريا» ولم تنته سنة 1189 حتى دخل فلسطين، وكان لشدة عجبه ~~بما أوتيه من الألقاب والرتب وما وعده به الباب العالي من المساعدات لا يزيد ~~إلا كبرا حتى جعل خيمته التي يستريح فيها من أثمن ما يكون، وزينها أبدع زينة، ~~فمر «بخان يونس»، «فالرملة»، ولم يلاق مقاومة، أما «يافا» فكان عليها شيخ ~~«كريم» صهر الشيخ «ضاهر» فدافعت قليلا ثم فتحت عنوة، فدخلها رجال أبي الذهب، ~~وقتلوا القسم الأعظم من سكانها رجالا ونساء، وشيوخا وأطفالا. # فبلغت تلك الفواحش مسامع الشيخ «ضاهر» وهو في عكا، فخاف أن يصيبه ما أصابها، ~~ففر بعائلته وبمن هاجر إليه من المصريين، ولم يترك ms113 في المدينة إلا ابنه ~~«عليا». # ولما علم باقتراب جيوش أبي الذهب، أخلى القلعة وانسحب منها لاعتقاده أنه إذا ~~حاول الدفاع إنما يحاول عبثا، فوصلها «أبو الذهب» وأبوابها مفتوحة، فدخلها ولم ~~يبق عليها. ففي هذه المدينة انتهت فظائع هذا الرجل؛ لأنه بينما كان عازما على ~~العود إلى مصر، أصبح القوم فوجدوه ميتا في خيمته، ولم يعرفوا القاتل رغم ما ~~اتخذوه من الاحتياطات وما كان لديهم من القرائن الكثيرة، فقال بعضهم إنه أصيب ~~بنقطة - وهي داء السكتة - وقال آخرون إنه مات مقتولا بيد عدو فاتك - والله ~~أعلم. # وبعد موت أبي الذهب، عادت الجيوش المصرية تحت قيادة «مراد بك» إلى مصر ومعهم ~~جثة رئيسهم، فدفنوها بالقرب من مدفن «علي بك»، ومات أبو الذهب بعد موت علي بك ~~بسنتين ولقب بالخائن. ~~(1-2) مشيخة إسماعيل بك # وتولى مشيخة البلد بعده «إسماعيل بك» ولم يبق غيره من رجال «إبراهيم كخيا»، ~~وهو من الذين نالوا البكوية بواسطة علي بك، وكان لا يزال على دعوته، وإنما انضم ~~إلى «أبي الذهب» خوفا، وقلبه لم يفتر لاهجا بالمدافعة عن رئيسه، لأنه لم يأت ~~نحوه إلا ما يستدعي نصرته فضلا عن أنهما من طائفة واحدة. # فلما استلم زمام الأحكام نسج على منوال «علي بك» فبعث إلى رجال حزبه الذين ~~كانوا لا يزالون في سوريا فاستقدمهم إليه، وأقرهم في أماكنهم، وطيب خاطرهم ~~استعدادا لمقاومة «مراد بك» و«إبراهيم بك» مناظريه على مشيخة البلد. # وكانا قد اتحدا على خلع «إسماعيل بك» فطلبا أولا طرد «حسن بك الجداوي» صديق ~~«إسماعيل بك» فلم يفوزا، لكنهما تمكنا من احتلال القلعة، فاتحد «إسماعيل بك» و ~~«حسن بك» وأخرجاهما منها، ففرا إلى الصعيد، ثم جمعا حزبا كبيرا، واستعدا ~~لقتال إسماعيل، فبعث جيوشا لتخمد أنفاسهما، فعادت على أعقابها وفاز الأميران ~~فاضطر «إسماعيل بك» إلى مغادرة القطر المصري فيمم الآستانة. # أما «حسن بك» فقبض عليه ونفي إلى جدة بحرا، فاحتال في أثناء الطريق فأرضى ~~رئيس المركب الذي نقله، فأنزله في القصير على سواحل القلزم، ومن هناك قطع ~~الصحراء غربا حتى أتى ms114 الصعيد فاستكن فيه. ~~(1-3) مراد بك وإبراهيم بك # فلما خلا الجو «لمراد بك» و«إبراهيم بك» اقتسما الأحكام فتعين الأول أميرا ~~للحج، والثاني شيخا للبلد ورقيا كثيرون من مماليكهما إلى رتبة البكوية، ~~وقلداهم مصالح البلاد. # وكانت الأحكام في عهدهما كما كانت في أيام أسلافهما من الظلم والاستبداد. ~~وبلغهما بعد مدة أن «إسماعيل بك» عاد من «الآستانة» وجاء «حلوان»، فبعثا فرقة ~~من المماليك فتكت بكل من كان معه من أهله ورجاله. أما هو فتمكن من النجاة ~~باختبائه في بعض الكهوف ثلاثة أيام. ثم خرج طالبا الشلال، اجتمع هناك بصديقه ~~«حسن بك الجداوي» وسارا معا وأويا إلى الجنادل في السودان. # فاختلف «مراد بك» و«إبراهيم بك» على إرسال حملة للقبض على الهاربين. فارتأى ~~أحدهما وجوب التجنيد، وخالفه الآخر حتى آل الأمر إلى الخصام، وخروج «إبراهيم بك» مغتاظا من القاهرة إلى المنيا في الصعيد، فأرسل إليه «مراد بك» بعض ~~الاختيارية يسكنون من غضبه، فأرضوه وأعادوه إلى مركزه في القاهرة، إلا أن ~~العلاقات الودية ظلت متكدرة بين الاثنين. ولم تمض مدة حتى خرج «مراد بك» إلى ~~المنيا غيظا من زميله؛ لأنه اتحد مع خمسة من بيت عدوهما القديم وهم البكوات: ~~«عثمان الشرقاوي» و«أيوب الصغير» و«سليمان» و«إبراهيم الصغير» و«مصطفى ~~الصغير». # ولبث «مراد بك» بعيدا عن القاهرة خمسة أشهر وإبراهيم يظن أنه لا يلبث أن ~~يسكن غضبه ويعود إليه. فلما استبطأه، أرسل إليه الاختيارية كما فعل ذاك معه، ~~فأبى «مراد بك» ورد الاختيارية خائبين، ثم جند جندا من أتباعه المماليك وسار ~~على الضفة الغربية للنيل حتى أتى «الجيزة» - مقابل مصر القديمة - وعسكر هناك ~~وهم بقطع النيل، فعلم «إبراهيم بك» بذلك، فجند في الجهة المقابلة على البر ~~الشرقي ليمنعه من المرور ولبث الجانبان على تلك الحال ثمانية عشر يوما لا ~~يتحاربان إلا على سبيل المناوشة بإطلاق مدفع أو مدفعين ولم يقتل إلا رجل أو ~~فرس. فمل «مراد بك» من تلك الحال، فعاد إلى المنيا. # أما «إبراهيم بك» فكان كثير الرغبة في مصالحة زميله، فأنفذ إليه بعد خمسة ~~أشهر من ms115 خروجه وفدا ثانيا من كبار البلاد ومشائخها يطلبون إليه الرجوع إلى ~~القاهرة، فوافقهم لكن اشترط عليهم أن يسلموه الخمسة البكوات المتقدم ذكرهم حال ~~وصوله إلى القاهرة، فقبلوا بذلك الشرط، فنزل معهم. فعلم أولئك البكوات سرا من ~~«إبراهيم بك » بما اشترطه «مراد بك» فخرجوا من «القاهرة» نحو القليوبية على نية ~~الشخوص إلى الصعيد عن طريق الأهرام فاتصل ذلك «مراد بك»، فجعل عند الجسر الأسود ~~قرب الأهرام عصابة من العربان تترصد مرورهم، ولم يستطيع صبرا على ذلك، فقطع ~~النيل ببعض رجاله، فالتقى بالمنهزمين عند رأس الخليج، فتلاحموا، فجرح «مراد ~~بك»، ونجا أولئك فلاقاهم العربان عند الجسر، فأسروهم، وجاءوا بهم إلى «مراد بك» ~~فنفاهم إلى المنصورة و«فرسكور» و«دمياط» تفريقا لكلمتهم. وبعد مدة يسيرة عادوا ~~واجتمعوا في آخر سنة 1197 واتفقوا أن يفروا إلى الصعيد، ويجمعوا إليهم عصابة ~~يقاومون بها عدوهم. ولم يباشروا ذلك حتى توسط شيخ الجامع الأزهر في أمرهم وحصل ~~العفو لهم من «مراد بك» فصفح عنهم وأعادهم إلى القاهرة بكل إكرام وأعاد إليهم ~~رتبهم وامتيازاتهم. ~~(1-4) حملة عثمانية لحرب المماليك # مضى بعد ذلك ثلاث سنوات على «إبراهيم بك» و«مراد بك» وهما على وفاق وسكينة ~~يقتسمان إيراد البلاد بينهما بالسواء، لا يقدمون عنه حسابا، أو إذا قدموه كان ~~حبرا على ورق، فوشى بهما «محمد باشا» والي مصر إذ ذاك إلى السلطان وبما كان ~~فيه من الاستئثار بمالية البلاد. فأمر السلطان «عبد الحميد» - الأول - سنة ~~1199ه أن يرسل إلى مصر جيشا لإيقافهما عند حدهما فسار الجيش في عمارة بقيادة ~~«حسن باشا قبطان»، فوصلت الإسكندرية في 25 شعبان سنة 1200، فخاف البكوات خوفا ~~شديدا واجتمعوا اجتماعا عاما في الديوان، وتباحثوا فيما يجب إجراؤه، فكثر ~~اللغط، واختلفت المقاصد والآراء، فلم يقروا على شيء وأخيرا ارتأوا طلب توسط ~~«محمد باشا». ولما عرضوا عليه رأيهم رفض. # فطلبوا من الشيخ «أحمد العروسي» شيخ الجامع الأزهر، والشيخ «محمد المهدي» ~~الذي بقي في زمن الفرنساوية كاتم سر الديوان - وغيرهما - أن يسيروا إلى «رشيد» ~~ويستعطفوا القبطان باشا. # فركبوا من «بولاق» في زورق ms116 فاخر، وما زالوا حتى بلغوا رشيدا، فلاقاهم ~~القبطان باشا بما يليق من الاحترام أما هم فلعلمهم أن الأميرين «إبراهيم ومراد» ~~لا يثبتان على رأي خافوا إذا طلبوا العفو، وحصلوا عليه أن ينكثا ذلك فتكون ~~الملامة عليهم، فقال الشيخ العروسي : «يا مولانا إن رعية مصر ضعفاء، وبيوت ~~الأمراء مختلطة ببيوت الناس!» فقال الباشا: «لا تخشوا بأسا، فإن أول ما أوصاني ~~به مولانا السلطان هو قوله: «إن الرعية وديعة الله عندي وأنا أستودعك ما ~~أودعنيه الله تعالى».» فدعوا له بطول العمر ثم قال لهم: «كيف ترضون أن يملككم ~~مملوكان كافران يسومانكم سوء العذاب؟ لماذا لا تخرجونهما من دياركم؟» فأجابه ~~أحدهم بقوله: «يا سلطانم هؤلاء عصبة شديدو البأس لا نقوى على دفعهم!» # فطيب خاطرهم ووعدهم بالحماية. وبالحقيقة أن هذا الوفد تصرف بالحكمة لأنهم ~~لم يكادوا يخرجون من حضرة القبطان حتى سمعوا بقدوم «مراد بك» ومعه عشرة من ~~البكوات وبعض الكشاف والمماليك. ثم شاع أنهم نزلوا في الرحمانية عند منشأ ~~الترعة المحمودية الإسكندرانية؛ وسبب ذلك أن «مراد بك» بعدما أرسل الوفد خطر ~~الدفاع بالسيف، فجمع إليه ذوي شوراه، وفاوضهم، فأقروا على الدفاع وأن يسير ~~«مراد» لذلك ويبقى إبراهيم للمحافظة على القاهرة. # فسار «مراد بك» بمن معه، ونزلوا الرحمانية - كما قدمنا - فلاقتهم الجنود ~~العثمانية، وجرت بينهما واقعة لم تطل إلا يسيرا. فانذعرت جنود المماليك من ~~قنابل العثمانيين التي كانت تتدافع بين حوافر الخيل فتشتت شملهم وفاز ~~العثمانيون. ففر مراد بك ومن معه حتى أتوا القاهرة، فاجتمعوا «بإبراهيم بك» ~~وخرجوا جميعا إلى الصعيد، ومكثوا ينتظرون هجمات العثمانيين. # فلما رأى «محمد باشا» الوالي خلو القاهرة من المماليك جمع إليه الوجاقات ونزل ~~بهم من القلعة لاستقبال الجنود العثمانية. # وفي شوال سنة 1200، دخل «حسن باشا» القاهرة بعد أن أخربت جيوشه ما مروا به من ~~المدن والقرى ونهبوها ولولاه لم يبقوا على شيء أصلا. لكنه كان يمنعهم من ذلك ~~بالقوة، وقتل كثيرين منهم عبرة للباقين، فكفت الأيدي فسكنت الناس. فلما دخل ~~القاهرة، نزل في بيت «إبراهيم بك» عند قصر العيني ms117 على النيل، ثم عرض أمتعة ~~البكوات المنهزمين للمزاد العمومي، ومن جملتها حريمهم وأولادهم ومماليكهم، ~~فاسترحم المشائخ أن يخرج الأولاد والنساء الحوامل من معرض البيع لأن ذلك فضلا ~~عن مخالفته للعواطف الإنسانية فهو مغضب لله. # فانتهرهم القبطان باشا قائلا: «سأكتب إلى الآستانة بأنكم تعارضون في بيع ~~أمتعة أعداء جلالة السلطان!» فأجابه الشيخ السادات قائلا: «قد أرسلت إلينا ~~لمعاقبة شخصين وليس لهتك شرائعنا والطعن في عاداتنا فاكتب إلى الآستانة ما ~~شئت!» # فعند ذلك أمر الباشا باستثناء المحظيات الحوامل من البيع، وبعد أن بيعت سائر ~~الأمتعة عكف «حسن باشا» في إصلاح الإدارة، فأصلحها على ما يوافق الإرادة ~~الشاهانية. # وكان قد استقدم «إسماعيل بك» و«حسن بك الجداوي» من الصعيد، فأرسلهما في جيش ~~بقيادة «عابدين باشا» و«درويش باشا» قائدي الحملة العثمانية التي جاءت إلى مصر ~~عن طريق البر - فضلا عن العمارة المتقدم ذكرها - وسار في تلك الحملة أيضا نحو ~~ألف مقاتل من رجال الشام تحت قيادة أمير كبير من أمراء شيخي أوغلي، فاجتمعت هذه ~~الحملة، وسارت نحو الصعيد لمحاربة مراد بك ورجاله، فحصلت هناك واقعة عظيمة شفت ~~عن عدة قتلى من الجانبين، وانهزم «مراد بك» ورجاله إلى الشلالات، ورجعت الجنود ~~العثمانية ظافرة إلى القاهرة. ثم جاءت الأوامر الشاهانية بعزل «محمد باشا» ~~وتولية «عابدين باشا». # وهنا تنتهي مهمة «حسن قبطان باشا» فاستدعي إلى الآستانة بسبب الحرب مع روسيا. ~~ولكن مصر لم تنج من البكوات. وكانوا لا يزالون في مصر العليا كما رأيت، ~~والمسيحيون يشكون من معاملة «حسن باشا» بأنه أخذ متاعهم وباعه على مشهد من ~~الناس فضلا عن الإهانة التي سامهم إياها، وعلى الخصوص المعلم «إبراهيم ~~الجوهري» أمير احتساب مصر؛ فإنهم قبضوا على امرأته وأجبروها أن تخبرهم بمخابئ ~~زوجها من النقود، فأخبرتهم، فاستخرجوها، وأخذوها. # ولما برح «حسن باشا» القاهرة، أقام عليها «إسماعيل بك» شيخ البلد، فعهد هذا ~~إلى صديقه «حسن بك الجداوي» إمارة الحج واتفقا معا على اقتسام الإيراد. # في سنة 1203ه توفي السلطان «عبد الحميد الأول». ~~(2) سلطنة سليم الثالث # من سنة 1203-1213ه أو من 1789-1798م ms118 # هو ابن السلطان مصطفى الثالث، تولى السلطنة وسنه 28 سنة، ووجه السياسة بظلم ~~والدولة متضعضعة، فبذل جهده في الإصلاح، ولكن اليأس كان قد استولى على الجنود وضعف ~~عزائمهم. # وفي سنة 1205، طرأ على القاهرة وسائر القطر المصري وباء الوطأة لم تقاس قبله ~~مثله، حتى بلغ عدد الموتى نحو الألف في اليوم بالقاهرة وحدها. وتقلب على حكومتهم في ~~يوم واحد ثلاثة حكام، وسبب ذلك أن «إسماعيل بك» أصيب بالوباء، فأقيم آخر مكانه، ~~فآخر حتى فني كل من كان من بيت «إسماعيل بك» إلا واحدا يدعى «عثمان بك الطبل». ولا يزال هذا الوباء مشهورا بفتكه، المعروف بطاعون إسماعيل، فتولى «عثمان بك ~~الطبل» المذكور مشيخة البلد، ولم يكن قادرا على إدارة الأعمال التي عهدت إليه ~~فاستدعى «إبراهيم بك» و«مراد بك» فدخلا القاهرة في 21 القعدة من تلك السنة، ففر ~~«حسن الجداوي» إلى مصر العليا قانطا. # فاستلم «إبراهيم» و«مراد» أزمة الأحكام، وجعلا يعيثان فيها وكانا يتناوبان ~~مشيخة البلد وإمارة الحج سنويا بعد أن أفنيا كل من كان على غير دعوتهما. فصفا ~~الجو لهما. # أما قلباهما فكانا لا يخلوان من الضغائن المتبادلة لما طبع عليه كل منهما من ~~الحب الذاتي، وقد اختلفا في الطباع والمناقب: كان «مراد بك» شديد البطش مقداما لا ~~يهاب الموت. # وكان «إبراهيم بك» أكبر سنا، وأكثر اختبارا، ربعا ضخم القامة، حسن الطلعة، ~~حاد البصر، وكان يتربص لمراد محاذرا بطشه لئلا يطلبه للنزال، ولولا ذلك لم يرض ~~معه بالاجتزاء من الدخل على السواء. وكان لا يعارضه فيما يأتيه من الاستبداد، ووضع ~~الضرائب، وسلب أموال الناس؛ لأنه شريكه في الأرباح الناتجة عن ذلك. وكان في إبراهيم ~~رياء يظهر غير ما يضمر إذا استصرخ وعد مع العزم على الإخلاف. وكان جبانا، فإذا ~~أراد أمرا لا يتظاهر به، وإنما يسعى إليه بالدسائس والمكايد. # أما «مراد بك» فلم يكن يعرف المكر وإنما كان يسعى في أغراضه بالقوة والحزم، وكان ~~طويل القامة، عضلي البنية، شديد البأس، يقطع عنق الثور بضربة من سيفه وعلى وجهه ~~ملامح الأسود، فإذا غضب ms119 يهابه ويخاف منه كل من يراه، حتى أحب أصدقائه، وكان كريم ~~النفس، لا يبيت على غيظ، حر الضمير لا ينكر الحق، ولو كان عليه، مخلصا لأصحابه، ~~مقيما على قوله، وكان طمعه بمقدار سخائه وحبه لذاته بمقدار حرية مبادئه وصراحته، ~~وكان سريع الغضب لا يراعي في حال غضبه أمرا من الأمور وربما فتك بمصلحة ~~نفسه. # وألم بالبلاد بعد عود هذين الأميرين إلى «مصر» جوع هائل، ويقال إنه جعل من كثرة ~~ما ضبطاه من الحبوب في مصر العليا طمعا بالكسب، ثم ألقيا النظامات التي وضعها «حسن ~~باشا قبطان» وأبدلاها بما يوافق مطامعهما الشخصية. فكثرت تعديات مماليكهما، وعلى ~~الخصوص تعديات «أحمد محمد الألفى»، فثار الأهلون ثورة عامة لم يسعهما معها إلا ~~توقيف تلك الإجراءات وقتيا، فخمدت الثورة، فعادا إلى ما كانا عليه فعاد الناس إلى ~~الاضطراب. وكسدت سوق التجار لقلة الأمنية، وضربا على التجار الأجانب في الإسكندرية ~~ضرائب فاحشة، فرفعوا شكواهم إلى قناصلهم، فلم تكن النتيجة إلا زيادة ~~الاضطهاد. # كل ذلك كان يجري والسلطان «سليم الثالث» يعلم بذلك وهو من أرغب السلاطين ~~بالإصلاح، ولكنه غلب على أمره. وفي أيامه وهذه حالة مصر، حمل عليها بونابرت سنة ~~1213ه أو 1798م، واحتلها، وهو آخر المراد بسطه من تاريخ العثمانيين بمصر في هذا ~~الكتاب. ~~(3) العلم والأدب ومشاهير العلماء والأدباء بمصر: في الأدوار الثاني والثالث والرابع ~~من العصر العثماني # من سنة 1115-1213ه # إن الاضطرابات السياسية، واختلال الداخلية في الأدوار الثلاثة الأخيرة، وقفت من ~~سيل القرائح، وشغلت الناس عن العلم والأدب، ومع ذلك فقد ظهر في هذه الفترة جماعة من ~~الشعراء والأدباء والفقهاء ونحوهم. هاك أشهرهم: ~~(3-1) الشعراء ~~(1) ~~«الحسن البدري الحجازي الأزهري»: توفي سنة 1131ه، وكان شاعرا عاما تعلم في الأزهر، ومال إلى الانزواء ~~للمطالعة والنظم، وله فيه طريقة حسنة، وقد نظم أرجوزة في التصوف نحو ~~ألف وخمسمائة بيت على طريقة الصارح والباغم، ضمنهما أمثالا وحكايات ~~ونكات، وله ديوان على حروف المعجم سماه: «تنبيه الأفكار للنافع ~~والضار»، منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية وفي شعره صبغة عامية ~~وسهولة ms120 يرضاها العامة، وفيها نصائح لهم ولسائر الناس، ومن أمثلة ذلك ~~قصيدة بائية قال فيها: # أخي فطنا كن، واحذر الناس جملة # ولا تك مغرور الظنون الكواذب # فكم من فتى يرضيك ظاهر أمره # وفي باطن يرتاغ روغ الثعالب # إذا بك يلقى ظافرا كان كافرا # يذيقك نكر النكر من كل جانب # ولا سيما نوع الأقارب إنهم # عقابك في الدنيا وعقر العقارب # إذا كنت في خير تمنوا لك الردى # لإرثك ميتا أو لنهبة ناهب # وإن كنت ذا فقر فأنت لديهم # أخس خسيس من أخس الأكالب # فلا تك للطلاب للإرث تاركا # طلابا سوى خيبات طلبة طالب # ونحو ذلك ما تلقى معاينة للجمهور. ~~(2) ~~«عبد الله بن محمد بن عامر بن شرف الدين الشبراوي الأزهري»: أحد أساتذة الأزهر، توفي سنة 1132ه، ~~له: ~~(أ) ~~«ديوان منائح الألطاف في مدائح الأشراف»، منه نسخة خطية ~~في المكتبة الخديوية، وفي مكاتب برلين وغوطا وباريس وقد ~~طبع في بولاق ومصر مرارا. ~~(ب) # وكتاب الاستفهامة الشبراوية، منها نسخة في المكتبة ~~الخديوية. ~~(ج) # عروس الآداب وفرجة الباب، منه نسخة في مكتبة ليدن. ~~(د) ~~«عنوان البيان وبستان الأذهان» طبع في القاهرة مرارا. ~~(ه) ~~«نزهة الأبصار في رقائق الأشعار» في مكتبة باريس. ~~(و) ~~«حمل زجل» طبع في القاهرة. ~~(ز) ~~«أسنى المطالب لدراية الطالب»، في مكتبة برلين. ~~(ح) ~~«نظم أسماء بحور الشعر» في المكتبة الخديوية. ~~(ط) ~~«الالتحاف بحب الأشراف» في مكتبة باريس. ~~(ي) ~~«شرح الصدر بغرة البدر»، في المكتبة الخديوية، وطبع في ~~القاهرة سنة 1203ه. ~~(3) ~~«عبد الله الإدكاوي المصري»: نسبة ت إلى إدكو قرب رشيد وقد اشتهر «بالمؤذن»، توفي سنة 1184ه، تقرب من نقيب ~~الأشراف في عصره، فأكرمه وأدناه، ولما مات النقيبزوج وتغيرت حاله، ~~فلازم الشيخ الشبراوي، ومدحه، وكان يحترمه ومن مؤلفاته: ~~(أ) ~~«بضاعة الأريب في شعر الغريب»، وهو مجموعة من شعره ذيلها ~~بذيل سمكي وسيمة القصر، منها نسخة خطية في مكتبة باريس. ~~(ب) ~~«الدر المنتظم في الشعر الملتزم». ~~(ج) ~~«الفوائح الجنائية في المدائح الرضوانية». ~~(د) ~~«الدر الثمين في محاسن التضمين» في المكتبة الخديوية. ~~(ه) ~~«هداية المتوهمين ms121 في كذب المنجمين» طعن فيه على أهل ~~النجامة، ومنه نسخة خطية في مكتبة غوطا. ~~(و) ~~«المقامة القزية في المجون». وكان حسن الخط، نسخ عدة كتب ~~وله مفارقات لطيفة مع شعراء العصر الواردين على مصر. ومن ~~مليح شعره قوله يدعو إلى نبذ التقيد بالقديم: # كن للمعاصر خير ناصر # كم للأوائل من مفاخر # لا تحقرن جديدهم # كم في جديدهم جواهر # ودع التعصب للأوا # ئل يا فتى أو للأواخر # من كان منهم مبدعا # فاعقد عليه من الخناجر ~~(3-2) علماء الفقه # واشتهر من علماء الفقه في هذا العصر: ~~(1) ~~«إبراهيم بن مصطفى الحلبي المدارسي»: توفي سنة 1190م، وقد تعلم في مصر ودمشق ~~وأخذ التصوف عن «عبد الغني النابلسي» الشهير، ثم عاد إلى القاهرة، ~~وتعين معيدا لعلي الضرير، وسافر إلى «الآستانة» وتعرف هناك إلى ~~«محمد باشا» الوزير المعروف «بالراغب» فتعرف به وقرأ عليه. واجتمع ~~بشيخ الإسلام هناك «عبد الله» الشهير «بالإيراني» وكان إذ ذاك قاضي ~~العسكر، فصار عنده مفتشا ومميزا، وقرأ عليه علماء الروم، وما زال ~~يرتقي حتى توفي هناك، وأكثر علماء الأزهر في زمانه من تلامذته، ومن ~~آثاره الباقية كتاب «الحلة الضافية في علمي العروض والقافية» منها ~~نسخة في المكتبة الخديوية. و«تحفة الأخبار على الدر المختار» ~~فيها. ~~(2) ~~«السيد محمد تقي الحسيني الزبيدي»: الفقيه اللغوي النحوي الأصولي الناظم ~~الناثر صاحب «تاج العروس في شرح القاموس»، توفي سنة 1205، ولد في ~~زبيد، ونشأ هناك، ثم رحل في طلب العلم وجاء مصر سنة 1167، وحضر ~~دروس أشياخ زمانه، وما لبث أن ظهر فضله عند الخاص والعام وارتقت ~~حاله، فلبس الملابس الفاخرة، وركب الخيول المسومة، واشتغل بعلوم ~~أهملها أسلافه كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث، وألف من ~~ذلك كتبا ومنظومات، وكان مظهره مخالفا في زيه وحاله لعلماء عصره، ~~ويعرف اللغة التركية والفارسية وبعض لغة الكرج، وكان الوجهاء ~~يتسابقون إلى دعوته والإيلام له وإلى مجالسته ومحادثته. وزادت ~~منزلته على الخصوص لما فرغ من كتابه «تاج العروس» وهو أشهر ~~مؤلفاته. وفي شهرته ما يغني عن وصفه، فإنه يدخل في عشرة مجلدات، ~~طبع في «القاهرة» ms122 سنة 1306. وفي صدره مقدمة نفيسة في اللغة ومراتب ~~اللغويين، وأول من ألف في اللغة وترجمة الفيروز آبادي وغير ذلك، ~~وله كتاب «نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر والقداح» منه نسخة ~~خطية في «برلين» وله كتب أخرى. ~~(3) ~~«موسى بن أحمد البيلي العدوي المالكي»: كان شيخ رواق الصعايدة بالأزهر، توفي سنة ~~1218. وله من المؤلفات المنح المتكفلة بحل ألفاظ القصيدة العربية ~~الموسومة بمورد الظمآن في صناعات البيان وهي مشروحة ومنها نسخة ~~خطية في مكتبة «برلين» وكتاب «فائدة الورد في الكلام على أما بعد» ~~منه نسخة في المكتبة الخديوية، وفيها أيضا له «البشارة لقارئ ~~الفاتحة» ومنظومة في الصرف. ~~(3-3) المؤرخون ~~(1) ~~«إبراهيم بن أحمد أفندي الخطاط شاهزاده»: كتب نحو سنة 1133، له كتاب «مبدأ العجائب بما ~~جاء في مصر من المصائب» منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية. ~~(2) ~~«الأمير كتخده الدمرداش عزبان»: توفي سنة 1169 وله كتاب «الدرة المصانة في أخبار الكنانة» مكتوبة بلغة ~~العامة ومنه نسخة خطية في مكتبة غوطا ومنشن والمتحف البريطاني. ~~(3) ~~«عبد الرحمن بن الحسن بن عمر أبي اللطائف الأصهوري المالكي المغربي «سبط القطب الحديدي»»: تعلم ~~في «القاهرة» وتعين أستاذا في الأزهر وفي السنانية ببولاق، وتوفي سنة ~~1198، وله كتاب «مشارق الأنوار في أهل البيت الأخيار» منه نسخة خطية في ~~المكتبة الخديوية. ~~(3-4) الفقهاء ونحوهم # الفقه المالكي ~~(1) ~~«ناصر الدين النشرتي المالكي»: من أساتذة الأزهر، توفي سنة 1120ه، له كتاب «الأنوار الواضحة في ~~السلام والمصافحة» في المكتبة الخديوية. ~~(2) ~~«شمس الدين الزرقاني المالكي»: توفي سنة 1122ه، وله كتاب «وصول الأماني بأصول التهاني»، منها نسخة ~~خطية في المكتبة الخديوية، وله شرح الموطأ، وشرح المواهب اللدونية ~~للقسطلاني. ~~(3) ~~«أبو الحسن الصاعدي العدوي المالكي»: من أساتذة الفقه المالكي، توفي سنة ~~1189ه، له رسالة فيما تفعله فرقة «المطاوعة من المتصوفة» من البدع ~~في المكتبة الخديوية، وله عدة حواشي على كتب فقهية. # الفقه الشافعي ~~(1) ~~«شمس الدين البديري الدمياطي»: درس في دمياط وفي الأزهر ومكة، وتوفي سنة 1140 وله «إرشاد العمال» ~~إلى ما ينبغي في يوم عاشوراء وغيره من الأعمال، منه نسخة في ~~المكتبة ms123 الخديوية. وكذلك كتاب «بلغة المراد في التحذير من الافتتان ~~بالأموال والأولاد»، وله كتاب «تحرير الأفهام في كيفية توريث ذوي ~~الأرحام» منه نسخة في مكتبة بطرسبورج. ~~(2) ~~«أحمد بن عمر الديربي الشافعي الأزهري»: توفي سنة 1151ه. له كتاب «غاية المقصود ~~عن قيود العقود» منه نسخة في المكتبة الخديوية، وفي مكتبة برلين، ~~وطبع في بولاق سنة 1297. وكتاب «غاية المرام فيما يتعلق بانكماش ~~الأنام»، في المكتبة الخديوية، وكذلك كتاب «فتح الملك الجواد ~~لتسهيل قسمة التركات على بعض العباد»، وكتاب «المجرات» طبع في ~~القاهرة. ~~(3) ~~«الحسين بن أحمد المحلي»: توفي سنة 1170، له «كشف اللثام عن أسئلة الأنام» منه نسخة في المكتبة ~~الخديوية. ~~(4) ~~«نجم الدين محمد بن سليم الشافعي المصري الحنفي الحسيني»: في حفنه قرب بلبيس درس في ~~القاهرة، ودخل طريقة الخلوتية الرائجة في تلك الأيام وتوفي سنة ~~1181ه، وله: «الثمرة البهية في أسماء الصحابة البدرية» وذكر أسماء ~~أهل بدر. وعدة رسائل في أمثال ذلك، منه نسخة في المكتبة ~~الخديوية. # وهناك طائفة كبيرة من الفقهاء الشافعية نبغوا في ذلك العصر بمصر ~~منهم: ~~«عيسى بن أحمد الدرادي»، توفي سنة 1182. # و«أحمد الشجاعي» سنة 1190، وله مؤلفات كثيرة أكثرها ~~موجودة في المكتبة الخديوية. # و«حسن الكفراوي» من أساتذة الأزهر، توفي سنة 1202. ~~فضلا عن فقهاء الحنابلة والشيعة ومن هؤلاء. ~~«أبو السعود أحمد بن عمر بن السقاطي»، توفي سنة ~~1159ه في القاهرة، وله كتب في القراءات، منه نسخة خطية ~~في المكتبة الخديوية. # و«الحسن بن علي الأزهري المنطاوي المدابغي»، من ~~أساتذة الأزهر، توفي سنة 1170. وله كتاب «إتحاف فضلاء ~~الأمة المحمدية ببيان جمع القراءات السبع من طريق ~~التيسير» في المكتبة الخديوية. وكتاب في مولد النبي، ~~فيها أيضا. ~~(3-5) المتصوفة # وهناك طائفة من المتصوفة نبغت في مصر بذلك العصر منهم: # علي بن محمد المصري: # المتوفى ~~سنة 1127ه، وله تعاليق وشروح. # وعلي بن حجازي البيومي ~~الدمرداشي: # توفي سنة 1183ه بالقاهرة، وله كتاب في ~~الطريقة الدمرداشية منها نسخة في برلين وكتاب «الأسرار الخفية» منه ~~نسخة في المكتبة الخديوية. ورسائل عديدة، بعضها موجود في المكتبة ~~المذكورة. # ومن مشاهير الصوفية وكبارهم: ms124 # الشيخ عبد الرحمن العيدروسي ~~: أصله من بلاد اليمن، ولد في ثريم، وتنقل في بلاد اليمن وغيرها في ~~تاريخ طويل حتى استقر له المقام في القاهرة، واشتهر فيها، وقصده ~~الطلاب حتى توفي سنة 1192ه، وهو من أساتذة الشيخ «عبد الرحمن ~~الجبرتي» صاحب التاريخ المشهور، وقد ترجمه مطولا، وله مؤلفات تزيد ~~على بضعة عشر منها: ~~(1) ~~«النفحة العيدروسية في الطريقة النقشبندية» منها ~~نسخة في برلين. ~~(2) ~~«النفحة المدنية في الأذكار القلبية والروحية ~~والسرية»، منها نسخة في المكتبة الخديوية. ~~(3) ~~«لطائف الجود في مسألة وحدة الوجود»، منها نسخة في ~~برلين. ~~(4) ~~«العرف الوردي في دلائل المهدي» فيها. ~~(5) ~~«إتحاف الخليل بالمشرب الجليل الجميل»، في المكتبة ~~الخديوية، وله عدة رسائل وقصائد، منها في هذه المكتبة ~~وغيرها. # ومحمد بن حسن بن محمد السمنودي الأزهري جمال الدين ~~: تثقف في الأزهر، ودخل الطريقة ~~الخلوتية. ثم تولى قراءة القرآن بالقاهرة، وتوفي سنة 1199ه. وله ~~«تحفة السالكين ودلالات السائرين منهج المرقبين»، طبعت بمصر سنة ~~1287ه. # وأبو البركات أحمد بن محمد الدردير المالكي العدوي الأزهري الخلوتي ~~: تعلم في الأزهر، ثم صار ~~ناظر وقف الصعايدة وشيخ الرواق وتوفي سنة 1201، وله عدة كتب ~~منها: ~~«الخريدة البهية في القصائد التوحيدية»، طبع في الإسكندرية سنة ~~1181، و«تحفة الإخوان في بيان تاريخ أهل العرفان»، طبع بالقاهرة ~~سنة 1281، وكتب أخرى موجودة خطا في المكتبة الخديوية ~~وغيرها. # ومنهم «سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري الجمال» ~~: المتوفى سنة 1202ه. # ونبغ غير واحد في علم النجوم أو النجامة منهم: # حسن بن إبراهيم الزيلعي الجبرتي ~~: من أسرة ~~الجبرتي المؤرخ، كان أستاذا في القاهرة، توفي سنة 1188، وله عدة مؤلفات ورسائل ~~في هذه الفنون يمكن الاطلاع عليها من المكتبة الخديوية. # ونبغ من الأطباء المؤلفين: ~~«أحمد بن عبد المؤمن الدمنهوري» المتوفى سنة 1192، كان أستاذا في ~~الأزهر. وله مؤلفات عديدة في أكثر الفنون تجد أكثرها في المكتبة ~~الخديوية. # ولو أردنا تعداد المشاهير في ذلك العصر لضاق المقام وإنما أردنا إيراد ~~الأمثلة لحالة تلك الأيام الأدبية والعلمية وقد رأيت أنها في حالة الانحطاط، ~~لأن ما تقدم ذكره من المؤلفات العديدة ms125 قل فيه المستنبط أو الوافي، ولعل هذا ~~العصر أحط عصور التمدن الإسلامي. # ويلاحظ في لغة ذلك العصر؛ أن الإنشاء انحط إلى أقصى درجاته حتى صار أقرب إلى ~~لغة العامة وانحطاط اللغة تابع لانحطاط نفوس أهلها، ومن أشهر أمثلة إنشاء ذلك ~~العصر تاريخ «الجبرتي» وتاريخ «ابن إياس». # أما كتب الفقه، فيرجع إجماليها إلى المصطلحات الفقهية وهي قلما تتغير مع ~~الوقت. وأكثر ما كتب في تلك الفترة إنما هو من قبيل التقليد أو التلخيص أو ~~الشرح أو التعليق. # وقد رأيت أن أكثر المؤلفات في علوم الدين الإسلامي، لأن العلم انحصر يومئذ ~~في الأزهر تقريبا، فإن أكثر طلابه من الفقهاء، إلا من كان فيه ميل خصوصي لعلوم ~~أخرى، مع أن أوربا كانت قد أفاقت من غفلتها وأخذت في تأسيس العلوم الحديثة، ولم ~~يبلغ خبر ذلك إلى مصر إلا على يد الحملة الفرنساوية سنة 1798، فإنها أتت معها ~~بحملة علمية، فضلا عن الحملة العسكرية، فبهر العقلاء من أحوالهم وإن لم يأخذوا ~~عنهم شيئا. وإنما ترى ذلك الفضل للأسرة المحمدية العلوية وأول من أخذ من هذه ~~النهضة «محمد علي باشا» مؤسس هذه الأسرة العلية. ~~(4) الحالة الاجتماعية والاقتصادية # أما الهيئة الاجتماعية في ذلك العصر، فإنها تختلف عما نحن فيه الآن اختلافا ~~كبيرا، فإنهم لم يكونوا يدركون ما ندركه نحن من لفظ الوطن والاستقلال والدستور ~~والحرية الشخصية، وحقوق الفرد، وحقوق الجماعة، وإنما كانت الأمة مؤلفة من الحكام ~~أصحاب الأمر والنهي والسطوة والنفوذ، والشعب وما عليه إلا الطاعة وتحمل المصائب ~~بالصبر. فإن أحدهم كان إذا نهض من فراشه خرج من بيته وهو لا يدري ما يلقاه من أنواع ~~المظالم أو ضروب الإهانة إذا كان في يده مال لا يأمن من أن يبقى ذلك المال له إلى ~~المساء، وإذا كان له فرس أو بغل أو دابة كانت عرضة للسخرة بأمر الحاكم أو بعض ~~رجاله. # وناهيك بالضرائب المتوالية التي لا يسأل ضاربها ولا ينجو أحد من دفعها مرة أو ~~غير راضيا أو غاضبا، حتى نساؤهم وأولادهم إنهم لم يكونوا آمنين عليهم ms126 من السطو ~~والنهب. # بالأمة التي هذا حالها من الضنك والذل والظلم لا غرو إذا ظلمت فيها المرأة وصارت ~~كالأمة لأن ظلمها تابع لظلم الحكام؛ فإن الرجل يقضي نهاره مظلوما لا يستطيع ~~ردا، ولا دفاعا أو انتقاما، فإذا أتى بيته تشبه بحكامه لأنه في عائلته ~~كالأمير في بلده، يأمر وينهى فيعامل أهله كما عومل. وبذلك كانت المرأة تظلم وتنحط ~~في عهد الحكومة الاستبدادية الظالمة. ولا غرو إذا انصرف أولئك المظلمون من الرجال ~~إلى تسلية أنفسهم، وتصريف تغيظهم بالمشروبات الروحية أو تدخينها المخدرات كالحشيش ~~ونحوه؛ ولذلك كثر تناول هذا العقار في تلك الأثناء يخدر الناس أعصابهم وينسوا ~~حالهم ~~(4-1) الزراعة # وطبيعي أن يرافق ذلك الانحطاط السياسي والعلمي انحطاط اجتماعي واقتصادي، ~~فتناقص عدد السكان في أواخر ذلك العصر حتى أصبح أقل من 2000000 نفس في القطر ~~المصري أعلاه وأسفله، وتناقصت البقاع المزروعة في وادي النيل حتى نقصت عن مليون ~~فدان وبعض المليون، والأرض يومئذ ملك الحكومة وليس للناس إلا أن يتمتعوا ~~بريعها وللحكومة حصة من ذلك الريع في مقابل حمايتها أو إصلاح شئونها وهو ~~الخراج. على أن فساد الأحكام في عهد المماليك شغل الناس عن الزراعة فقلت ~~الجباية فتعسر حلها، والحكام في ذلك العهد إنما يلتمسون السلطة طمعا بالمال، ~~فعمدوا إلى طريقة «الالتزام» وهو تضمين الخراج لأناس يتولون جمعه عن الحكومة، ~~ويشاركونها في نفوذها، فلا يزيدون الأهالي إلا ضغطا وعسفا. # وذلك أن الحكومة كانت تعرض خراج البلاد بالمزايدة لمن يضمنه من أهل النفوذ، ~~فيضمن أحدهم بلدا أو بضعة بلاد فإذا وقع عليه المزاد أعطاه كبير المماليك «شيخ ~~البلد» عهدا بذلك يسمونه تقسيط ويصحبونه بأمر يسمونه «فايك» وهو عبارة عن خطاب ~~من الحكومة إلى أهالي البلد الواقع فيها التزام ذلك الملتزم، توصيهم فيه أن ~~يطيعوا الملتزم ويؤدوا له الخراج، والملتزم يدفع للخزينة في مقابل ذلك مال سنة ~~معجلا، ويقوم مقام الحكومة في السيادة والإمارة في البلاد الداخلية في ~~التزامه، وله عدا ذلك بقعة من الأرض يستغلها بنفسه، لا يدفع عنها شيئا وتسمى ~~«أوسية» «جمعها ms127 أواسي» وعلى الأهالي أن يحرثوها له ويزرعوها ويحملوا إليه ~~غلاتها بلا أجرة فضلا عن منافع أخرى. # وكان الالتزام في بادئ الرأي لمدة محدودة، ثم جعلوه لمدى العمر فلا ترجع ~~الأرض للحكومة إلا بعد وفاة الملتزم. فكان الانتفاع بغلة الأرض مقسوما بين ~~الحكومة والملتزمين، والفلاح عبد رق يعمل بقوته ويشقى بعمله. فهل يلام إذا قعد ~~به القنوط من العمل أو حمله الخوف على الفرار؟ ~~(4-2) التجارة # أما التجارة فكانت في زمن المماليك ضعيفة جدا، لأنها لا تنمو إلا في ظل ~~الأمن والعدل. فكانت قاصرة على بعض ما يحمل من محصولات هذه البلاد إلى «أوربا» ~~وأهمها الحبوب والسكر والرز، وما يمر بها من واردات السودان كالصمغ والعاج ~~والريش ونحو ذلك، وبعض ما يحمل إليها من المصنوعات الإفرنجية من «إيطاليا» ~~و«فرنسا» و«ألمانيا» وغيرها. # ذكر «فولتي» الرحالة الفرنساوي في رحلته إلى «مصر» أواخر القرن الثامن عشر أن ~~تجارة «مصر» كان معظمها في أيدي السوريين المسيحيين ثم أهل البندقية والإنكليز ~~والفرنساويين وكانت الجمارك يومئذ «بالإسكندرية» و«رشيد» و«دمياط» و«السويس» ~~و«القصير» وفي «بولاق» و«مصر القديمة». وكانت الحكومة تضمن دخل هذه الجمارك كما ~~كانت تضمن خراج الأرض. والغالب أن يضمنها بعض اليهود. فلما أفضت «مصر» إلى «علي ~~بك الكبير» المتقدم ذكره تحولت ضمانة الجمارك إلى أيدي السوريين، ولم يكن منهم ~~يومئذ في مصر إلا عائلات قليلة من أهل دمشق وكانوا يتعاطون التجارة ~~فيها. # على أن الجمارك كثيرا ما كان يتولى شئونها أمراء المماليك أنفسهم وخصوصا في ~~أواخر القرن الثامن عشر. إن «إبراهيم بك» و«مراد بك» اقتسما الانتفاع بها، ~~فاختص «إبراهيم» بجمرك السويس وعهد به إلى عمال يديرونه بالنيابة عنه، واستولى ~~«مراد» على سائر الجمارك فضمنها بعض أهل الوجاهة. وكانت إيرادات الجمارك نحو ~~مليون ريال أبو طاقية أو نحو 120000 جنيه أكثر تجمع من جمرك السويس. ~~(4-3) النقود المصرية # وقد تقدم الكلام عن حل النقود المصرية أواسط العصر العثماني وهي الأنصاف ~~والبندقي والزر محبوب. في آخر القرن الثاني عشر للهجرة كان الدينار يساوي 110 ~~أنصاف، والبندقي 225 نصفا، والبنتو ms128 400 نصف. فكانت الأنصاف تقل قيمتها بتوالي ~~الأعوام مع بقاء قيمة الذهب على حالها تقريبا، فالدينار كان يساوي سنة 193ه 11 ~~أنصافا مثلا، فصار يبدل بعد عشر سنين بنحو 150 نصفا، وهكذا، وكانت أسعار ~~الأشياء التي تفد بالأنصاف ترتفع كل سنة عما قبلها ارتفاعا تدريجيا. ولم يكن ~~ارتفاعها من توفر الثروة كما حدث لهذا العهد، وإنما كان سببه تلاعب رجال ~~الحكومة بالنقود الفضية وغشها، فإذا رخصت قلت النقود وظهرت المبيعات غالية، ~~وهاك على ذلك بأثمان أهم المأكولات في أول القرن الثالث عشر للهجرة إلى سنة ~~1219 باعتبار الأنصاف من كل رطل: # سنة # اللبن # الضأن # الصابون # المسلى # القمح بالأردب # 1204 # 36 # 7,5 # 12 # 18 # 200 # 1209 # 38 # 8 # 18 # 20 # 400 # 1216 # 50 # 8,5 # 18 # 25 # 800 # 1219 # 70 # 00 # 24 # 36 # 1600 # فيتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن الغلاء سائر على سنة طبيعية بالتدريج. ~~والواقع أن الأشياء لم ترتفع أسعارها إلا بالنظر إلى الفضة، أما بالنظر إلى ~~الذهب فظلت باقية على حالها تقريبا، وكثيرا ما كان أولو الأمر والأغنياء ~~يرجون الأموال الكثيرة في تبديل النقود. # فلما استتب الأمر ل «محمد علي» شاع استعمال القرش وهو ألماني الأصل، وكان سنة ~~1230ه يساوي 40 نصفا ثم أصاب القروش بتوالي الأعوام ما أصاب الأنصاف على ~~الكيفية المبينة في الجدول الآتي. وهي أسعار النقود الذهبية المعروفة يومئذ ~~بالقروش المصرية من سنة 1250 إلى 1286. # سنة # الجنيه الإفرنجي # الجنيه المصري # البينو # المجر # الجنيه المجري # البندقي # 1250 # 53 # 00 # 00 # 44 # 00 # 45 # 1256 # 100 # 103 # 00 # 47 # 00 # 49 # 1261 # 103 # 105 # 77 # 47 # 00 # 50 # 1270 # 114 # 117 # 90 # 54 # 105 # 56 # 1277 # 147 # 150 # 116 # 76 # 131 # 72 # 1285 # 192 # 197 # 152 # 91 # 172 # 00 # 1286 # 199 # 203 # 158 # 95 # 179 # 00 # فنرى في ذلك أن القرش نزل سعره إلى النصف. وباعتبار الجنيه الإفرنجي إلى ~~الربع في 35 سنة. وكانت الحكومة المصرية قد أخذت في تنظيم شئونها التجارية على ~~عهد «إسماعيل باشا» الخديوي غير ms129 أن اختلاف أسعار النقود على هذه الصورة لا يرجى ~~منه نجاح، فأصدرت سنة 1286ه تعريفة للنقود جعلت المعاملة فيها على المناصفة ~~فالجنيه الإفرنجي كانت قيمته 199 قرشا فجعلتها 99,5 والمصري 202 قرش جعلت ~~قيمته 101,5 قرش، وقس على ذلك. ثم تنوعت الأسعار قليلا حتى وقفت على قيمتها ~~المشهورة الآن. وهذا هو أصل المعاملة التعريفة والصاغ في مصر. ~~(4-4) التعليم بمصر في ذلك العصر # ونختم الكلام بفذلكة في حال التعليم في ذلك العصر، فإنه كان يختلف عن تعليم ~~هذه الأيام، ومعلوم أن التعليم في إبان التمدن الإسلامي كان محصورا بالمساجد ~~كما كانت مدارس النصارى محصورة في الأديرة والكنائس، وكان المسلمون يسمون ~~التلامذة المجتمعين حول أستاذ يتلقون منه العلم «حلقة» وتفرعت العلوم بتوالي ~~العلوم، واتسعت دوائرها حتى أصبح العلم الواحد عدة حلقات والغالب أن تنسب ~~الحلقة إلى أستاذها، فيقولون مثلا حلقة «أبي إسحاق الشيرازي» في جامع ~~«المنصور» أو نحو ذلك. وكانوا يجعلون في كل جامع خزانة كتب للمطالعة ~~والاستنساخ. # على أن التعليم لم يكن خاصا بالمساجد، فكثيرا ما كانوا ينشئون حلقات ~~التدريس في المارستانات أو الربط أو المنازل أو غيرها، وكان الأغنياء إذا ~~أرادوا تعليم أولادهم أحضروا المعلمين إلى منازلهم. # وكانت مصر في القرن الأول للهجرة ولاية من ولايات المملكة الإسلامية تابعة ~~للمدينة أو دمشق أو بغداد، فكان التعليم فيها ثانويا، ودخل القرن الرابع ~~للهجرة وليس في عاصمتها إلا جامعان، جامع «عمرو» وجامع «ابن طولون» تلقى فيها ~~العلوم الإسلامية على مذهب أهل السنة لأنها كانت تابعة للدولة العباسية. فلما ~~تغلب الفاطميون على مصر في أواسط القرن الرابع، وانتقلوا إليها وبنوا مدينة ~~القاهرة، وأنشئوا فيها مسجدا يعلمون فيه مذهبهم «الشيعة» وظل الأزهر مدرسة ~~شيعية طوال خلافة الفاطميين نحو 200 سنة حتى غلبهم «صلاح الدين الأيوبي» سنة ~~567ه، وكان سني المذهب، وليس له بد من متابعة خليفة يثبته في منصبه فبايع ~~الخليفة العباسي في بغداد، وخطب له في الأزهر. وكان «صلاح الدين» على مذهب ~~الإمام الشافعي فلم يضطر لتبديل كثير في طرق التعليم، وقبل ms130 الناس سلطته على ~~أهون سبيل ولكنه لم ير مندوحة عن مراعاة مذهب الخلفاء العباسيين وهو مذهب «أبي ~~حنيفة»، ورأى بحكمته وسداد رأيه أن يكتسب ولاء سائر المسلمين، فأجاز التعليم ~~فيه على المذاهب الأربعة، وكل مذهب يحضره أهله فآل ذلك إلى اتساع شهرة هذه ~~المدرسة، وتقاطر إليها الطلاب من أربعة أقطار المسكونة، ولم يبق التعليم قاصرا ~~فيها على الفقه وعلوم الدين واللغة، ولكنه تناول شيئا من الرياضيات والنجوم ~~وبعض علوم الطبيعة. # وما زال ذلك شأنها في أيام الأيوبيين ومماليكهم حتى جاء السلطان «سليم ~~العثماني»، وفتح مصر، ثم استبد الأمراء المماليك بالحكومة، فاشتغل الناس عن ~~العلم، وكان العنصر العربي قد ضعف شأنه في سائر المملكة الإسلامية إلا في مصر، ~~لأن مدرسة الأزهر فيها، وكانت أكبر وسيلة لاستبقاء اللغة العربية حية بتعليم ~~العلوم الدينية واللسانية لكنها اقتصرت يومئذ على هذه العلوم، وأهملت سواها من ~~الطبيعيات والرياضيات. # وما زال الأزهر أهم مصادر التعليم في القطر المصري إلى النهضة الحديثة بعد ~~إنشاء المدارس على النسق الجديد في أيام «محمد علي» لتعليم العلوم الحديثة، ~~كالطبيعيات والطب والهندسة وغيرها. أما قبل هذه النهضة، فكانت هذه العلوم ولا ~~سيما الطب يدرس في المارستانات أهمها في دولة الأمراء المماليك «المارستان ~~المنصوري» في شارع النحاسين، ولا تزال آثاره باقية هناك إلى الآن. ms131