######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.Ramadan17.Hindawi96940275 #META# Tags: novels #META# ID: 96940275 #META# Title: ١٧ رمضان #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - الخوارج‏ # 2 - الكوفة عاصمة الإمام علي‏ # 3 - غادة الكوفة‏ # 4 - العجوز لبابة‏ # 5 - سعيد ‏ # 6 - اللقاء ‏ # 7 - الصك ‏ # 8 - تمام الحيلة‏ # 9 - طارق مفاجئ‏ # 10 - أبو رحاب‏ # 11 - بيت أبي رحاب‏ # 12 - انقلاب غريب‏ # 13 - التهمة الباطلة‏ # 14 - علي والخلافة ‏ # 15 - معاوية وأصحابه‏ # 16 - الخوارج ‏ # 17 - خاتمة الوصية ‏ # 18 - طيف قطام‏ # 19 - المؤامرة ‏ # 20 - 17 رمضان ‏ # 21 - آخر العهد بأبي رحاب‏ # 22 - رفيق جديد‏ # 23 - اللجاجة السذاجة‏ # 24 - كشف الأمر‏ # 25 - غاية الدهاء‏ # 26 - لقاء قطام‏ # 27 - منتهى الدهاء‏ # 28 - الاجتماعات السرية في عين شمس‏ # 29 - عهد جديد‏ # 30 - الغدر الفظيع‏ # 31 - الفسطاط‏ # 32 - سعيد وعبد الله‏ # 33 - عمرو بن العاص‏ # 34 - عين شمس‏ # 35 - الاجتماع السري‏ # 36 - السجينة الأمينة‏ # 37 - الشك واليقين‏ # 38 - كشف السر‏ # 39 - عبد الرحمن بن ملجم‏ # 40 - برح الخفاء‏ # 41 - إتمام الحديث‏ # 42 - الحب يعمي ويصم‏ # 43 - البغتة‏ # 44 - الخلوة‏ # 45 - خليج أمير المؤمنين ‏ # 46 - الإغراق‏ # 47 - الندم‏ # 48 - خولة‏ # 49 - السفر العاجل‏ # 50 - تمام الحيلة‏ # 51 - عود ريحان‏ # 52 - لبابة وابن ملجم‏ # 53 - لقاء ابن ملجم‏ # 54 - خطبة جديدة‏ # 55 - مهمة ريحان‏ # 56 - ريحان وبلال‏ # 57 - انكشاف الخديعة‏ # 58 - يحاول عبثا‏ # 59 - انقشاع الغشاوة‏ # 60 - منزل الإمام علي‏ # 61 - ضمير ابن ملجم‏ # 62 - فخ جديد‏ # 63 - بلال‏ # 64 - مقتل الإمام‏ # 65 - لات ساعة مندم‏ # 66 - الوصية‏ # 67 - موت الإمام ومقتل ابن ملجم‏ # 68 - سر جديد‏ # 69 - خولة وابن ملجم‏ # 70 - قلب خولة‏ # 71 - حب جديد ‏ # 72 - خولة في الفسطاط‏ # 73 - نفوذ الحيلة‏ # 74 - خولة ووالدها ‏ # 75 - خبر جديد‏ # 76 - عبد الله حي ‏ # 77 - عريس جديد‏ # 78 - نجاة عمرو‏ # 79 - ضياع قطام‏ # 80 - نجاة معاوية‏ # 81 - عبد الله في دار الأمير‏ # 82 - عبد الله وخولة‏ # 83 - تتمة الحديث‏ # 84 - البشارة غير السارة‏ # 85 - الخطبة الجديدة‏ # 86 - الزيارة الأولى‏ # 87 - الزفاف الكاذب‏ # 88 - كشف النقاب‏ # 89 - استطلاع السر‏ # 90 - الوفاق التام‏ # 91 - قدوم بلال‏ # 92 - إبلاغ الرسالة‏ # 93 - العزم على الكوفة‏ # 94 - دعوة غريبة ms001 ‏ # 95 - غرفة عمرو‏ # 96 - الاستنطاق‏ # 97 - الجلسة الخصوصية ‏ # 98 - دعوى قطام‏ # 99 - دفاع خولة‏ # 100 - صدق اللهجة ‏ # 101 - فشل الظالمين ‏ # 102 - العفو العام‏ # 103 - كشف السر‏ # 104 - الجريمة والفرار‏ # 105 - غوطة دمشق‏ # 106 - النزول‏ # 107 - على الباغي تدور الدوائر‏ # 108 - الفاكهة الغريبة‏ # 109 - الموت عبر الأحياء ‏ # 110 - إذا سقط اللئيم لا يلقى نصيرا‏ # 111 - الوصول إلى الفسطاط‏ # 112 - المداعبة‏ # 113 - جائزة مئة دينار‏ # 114 - الطلاق والزواج‏ # مقدمة‏ # 1 - الخوارج‏ # 2 - الكوفة عاصمة الإمام علي‏ # 3 - غادة الكوفة‏ # 4 - العجوز لبابة‏ # 5 - سعيد ‏ # 6 - اللقاء ‏ # 7 - الصك ‏ # 8 - تمام الحيلة‏ # 9 - طارق مفاجئ‏ # 10 - أبو رحاب‏ # 11 - بيت أبي رحاب‏ # 12 - انقلاب غريب‏ # 13 - التهمة الباطلة‏ # 14 - علي والخلافة ‏ # 15 - معاوية وأصحابه‏ # 16 - الخوارج ‏ # 17 - خاتمة الوصية ‏ # 18 - طيف قطام‏ # 19 - المؤامرة ‏ # 20 - 17 رمضان ‏ # 21 - آخر العهد بأبي رحاب‏ # 22 - رفيق جديد‏ # 23 - اللجاجة السذاجة‏ # 24 - كشف الأمر‏ # 25 - غاية الدهاء ‏ # 26 - لقاء قطام‏ # 27 - منتهى الدهاء‏ # 28 - الاجتماعات السرية في عين شمس‏ # 29 - عهد جديد‏ # 30 - الغدر الفظيع‏ # 31 - الفسطاط‏ # 32 - سعيد وعبد الله‏ # 33 - عمرو بن العاص‏ # 34 - عين شمس‏ # 35 - الاجتماع السري‏ # 36 - السجينة الأمينة‏ # 37 - الشك واليقين‏ # 38 - كشف السر‏ # 39 - عبد الرحمن بن ملجم‏ # 40 - برح الخفاء‏ # 41 - إتمام الحديث‏ # 42 - الحب يعمي ويصم‏ # 43 - البغتة‏ # 44 - الخلوة‏ # 45 - خليج أمير المؤمنين ‏ # 46 - الإغراق‏ # 47 - الندم‏ # 48 - خولة‏ # 49 - السفر العاجل‏ # 50 - تمام الحيلة‏ # 51 - عود ريحان‏ # 52 - لبابة وابن ملجم‏ # 53 - لقاء ابن ملجم‏ # 54 - خطبة جديدة‏ # 55 - مهمة ريحان‏ # 56 - ريحان وبلال‏ # 57 - انكشاف الخديعة‏ # 58 - يحاول عبثا‏ # 59 - انقشاع الغشاوة‏ # 60 - منزل الإمام علي‏ # 61 - ضمير ابن ملجم‏ # 62 - فخ جديد‏ # 63 - بلال‏ # 64 - مقتل الإمام‏ # 65 - لات ساعة مندم‏ # 66 - الوصية‏ # 67 - موت الإمام ومقتل ابن ملجم‏ # 68 - سر جديد‏ # 69 - خولة وابن ملجم‏ # 70 - قلب خولة‏ # 71 - حب جديد ‏ # 72 - خولة في الفسطاط‏ # 73 - نفوذ الحيلة‏ # 74 - خولة ووالدها ‏ # 75 ms002 - خبر جديد‏ # 76 - عبد الله حي ‏ # 77 - عريس جديد‏ # 78 - نجاة عمرو‏ # 79 - ضياع قطام‏ # 80 - نجاة معاوية‏ # 81 - عبد الله في دار الأمير‏ # 82 - عبد الله وخولة‏ # 83 - تتمة الحديث‏ # 84 - البشارة غير السارة‏ # 85 - الخطبة الجديدة‏ # 86 - الزيارة الأولى‏ # 87 - الزفاف الكاذب‏ # 88 - كشف النقاب‏ # 89 - استطلاع السر‏ # 90 - الوفاق التام‏ # 91 - قدوم بلال‏ # 92 - إبلاغ الرسالة‏ # 93 - العزم على الكوفة‏ # 94 - دعوة غريبة ‏ # 95 - غرفة عمرو‏ # 96 - الاستنطاق‏ # 97 - الجلسة الخصوصية ‏ # 98 - دعوى قطام‏ # 99 - دفاع خولة‏ # 100 - صدق اللهجة ‏ # 101 - فشل الظالمين ‏ # 102 - العفو العام‏ # 103 - كشف السر‏ # 104 - الجريمة والفرار‏ # 105 - غوطة دمشق‏ # 106 - النزول‏ # 107 - على الباغي تدور الدوائر‏ # 108 - الفاكهة الغريبة‏ # 109 - الموت عبر الأحياء ‏ # 110 - إذا سقط اللئيم لا يلقى نصيرا‏ # 111 - الوصول إلى الفسطاط‏ # 112 - المداعبة‏ # 113 - جائزة مئة دينار‏ # 114 - الطلاق والزواج‏ # | 17 رمضان # | 17 رمضان # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة # فرغنا والحمد لله من الحلقة الرابعة لسلسة روايات الإسلام وفيها تفصيل خبر المؤامرة ~~المشهورة على قتل الثلاثة العظام الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن ~~العاص في السنة الأربعين للهجرة وتفصيل مقتل الإمام علي مع ما رافق ذلك من الحوادث التي ~~تبين حال الخوارج وانقسام العالم الإسلامي واشتداد الفتن إلى تنازل الحسن عن الخلافة ~~لمعاوية بن أبي سفيان أول خلفاء بني أمية. # وسنتبع وراية «17 رمضان» هذه برواية أخرى هي الحلقة الخامسة من السلسلة المذكورة نبسط ~~فيها مقتل الإمام الحسين وما يتقدمه ويتبعه من الفتن والحروب وسندعوها «غادة كربلاء » نسبة ~~إلى المكان الذي قتل فيه الحسين. وننشرها ملحقة بالسنة التاسعة من الهلال. ونسأل الله أن ~~يوفقنا إلى تمام هذه الخدمة وهو حسبنا ونعم الوكيل. # الفصل الأول # | الخوارج # الخوارج جماعة من رجال الإمام علي نقموا عليه لأنه قبل بالتحكيم على أثر واقعة صفين ~~(راجع عذراء قريش) وكانوا قبل ذلك في مقدمة الذين حرضوه على قبوله. لكنهم لما رأوا التحكيم ~~آل إلى الحكم بخروج الخلافة منه إلى معاوية ms003 بن أبي سفيان نقضوا بيعته ونبذوا طاعته وطمعوا ~~في السلطة لأنفسهم فبايعوا واحدا منهم اسمه عبد الله بن وهب حاربوا تحت رايته زمنا. # ولما صدر حكم الحاكمين بخلع علي وتثبيت معاوية اشتد أزر معاوية وبويع بالخلافة في الشام. ~~وكان الخوارج لا يزالون في بدء أمرهم فأخذ علي يتجهز لحرب معاوية. وفيما هو يتجهز جاءه ~~الخبر بتألب الخوارج وتمردهم فنصح لهم وجادلهم وبين لهم أنه لم يخطئ بقبول التحكيم وإنه ~~لم يقبله إلا إجابة لطلبهم فلم يرتدعوا. فرأى أن يستأصل شأفتهم قبل خروجه إلى معاوية. ~~فحاربهم في مواقع عديدة أشهرها واقعة النهروان وراء دجلة بالقرب من مكان بغداد انتصر فيها ~~عليهم نصرا مبينا وشتت شملهم تشتيتا ولكنهم مازالوا يجتمعون سرا. # وفي سنة 28ه فتح عمرو بن العاص مصر وقتل محمد بن أبي بكر عاملها وتولاها باسم معاوية ~~فأصبح معاوية خليفة في مصر والشام ومقامه دمشق. وبقي علي في العراق والجزيرة والحجاز ~~واليمن ومقامه الكوفة. # وأخذ معاوية يبعث سراياه إلى بلاد الإمام علي يلتمس افتتاحها للاستقلال بالخلافة. فأنفذ ~~جندا إلى مكة وآخر إلى اليمن وآخر إلى الجزيرة يحاربون ويناوئون ولكنهم لم يبلغوا اربا. ~~فدخلت سنة أربعين للهجرة وعلي يتأهب للخروج على معاوية وقد بايعه أربعون ألفا من ~~عسكره على الموت. وفي ما هو في ذلك فاجأه القدر فمات مقتولا كما سترى تفصيل ذلك في ما ~~يلي. # الفصل الثاني # | الكوفة عاصمة الإمام علي # هي مدينة إسلامية مصرها سعد بن أبي وقاص أحد كبار الصحابة في السنة السابعة عشرة للهجرة ~~على عهد الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن فتح العراق وقد أشار عليه عمر أن يقيم في مكان لا ~~يحول بينه وبين المدينة بحر ولا جسر حتى إذا أراد أن يقدم إليه على راحلته قدم # 1 # فبنى الكوفة في غربي الفرات على شاطئ بحيرة كانت هناك بقرب مكان الحيرة بينها ~~وبين الفرات بضعة وعشرون ميلا. # وكان بناؤها في أول أمرها بالقصب فأصابها حريق فاستأذنوا الخليفة عمر في بناءها باللبن ~~فقال «افعلوا ولا يزيدن أحدكم ms004 على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة ~~يلزمكم الدولة» ففعلوا ذلك وجعلوا طرقها نوعين المناهج والأزقة وجعلوا عرض المنهج عشرين ~~ذراعا وعرض الرقاق سبعة أذرع وما بين المناهج أماكن البناء أربعون ذراعا. والقطائع ستون ~~ذراعا. وأول شيء خطوه فيها المسجد. فوقف في وسط المدينة رجل شديد النزع رمى إلى كل جهة ~~بسهم وأمروا أن يبنوا ما وراء ذلك. وأما الساحة حول ذلك الرامي إلى مرمى سهامه فتبقى ~~المسجد. # وبنوا في مقدمة المسجد ظلة أو رواقا أقاموه على أساطين رخام من بناء الأكاسرة نقلوها من ~~أخربة الحيرة. وجعلوا على الصحن خندقا لئلا يقتحمه أحد ببنيان وبنوا لسعد بن أبي وقاص ~~قصرا بجانب المسجد نقلوا حجارته من آجر بنيان الأكاسرة وسموه قصر سعد. # 1 # ومازالت الكوفة تعمر حتى اتخذها الإمام علي مقرا له بعد واقعة الجمل سنة 26ه فازدادت ~~عمارتها بما تقاطر إليها من الناس بعد أن صارت عاصمة الخلافة وتكاثرت فيها الأبينة وعمرت ~~الأسواق وأنشئت حولها الحدائق والبساتين مما يلي بحيرتها. # الفصل الثالث # | غادة الكوفة # وكان في ضاحية الكوفة على شاطئ البحيرة حديقة من نخيل حولها سور من جذوع النخل يحيط ~~بالحديقة إلا من جهة البحيرة. وفي وسط الحديقة بيت مبني من اللبن يدل شكله على أن ~~سكانه من أهل اليسار وقد يخيل لك إذا دخلت الحديقة أنه مسكن بعض الأمراء ذوي الخدم والحشم ~~لما ترى بين نخيله من آثار المعالف والأوتاد والسلاسل والقيود. وترى جذوع بعض النخيل قد ~~تأكلت من شد الأفراس إليها على توالي الأيام أو من تعهد الأفراس تقشيرها بأسنانها وهي ~~مشدودة إليها . # وكان الوقت ليلا في أوائل السنة الأربعين للهجرة في زمن الخريف # 1 # وقد نضج الثمر على نخله وليس من يقطفه فتساقط بعضه على الأرض وليس من ~~يلتقطه. وكان القمر بدرا وقد أطل من وراء الآكام فأرسل أظلال النخيل مستطيلة متقاطعة. ~~والجو هادئ والسكوت سائد لبعد المكان عن المدينة وضوضائها فلا تسمع غير نقيق الضفادع على ~~شاطئ تلك البحيرة يتخلله صرير الصراصير وقرقرة القر. ms005 وربما هب النسيم فأسمعك حفيف سعف ~~النخل هنيهة ثم انقطع. ولقد تعجب لوحشة ذلك المكان مع ماتراه فيه من آثار الأنس ودلائل ~~الأبهة. # ولو دخلت المنزل لرأيته عبارة عن دار وثلاث غرف مستطرقة بعضها إلى بعض مفروشة أرضها بحصر ~~من سعف النخل فوقها جلود الماعز إلا غرفة في أرضها طنقسة جميلة عليها وسائد من الخز. وفي ~~بعض جوانب الغرفة مصباح ضعيف النور. وعلى إحدى تلك الوسائد فتاة في مقتبل العمر أشرق وجهها ~~بماء الشباب. وقد حلت شعرها الأسود فأرسلته على كتفيها فحجب بعض جبينها وغطى عذاريها فحجب ~~قرطيها وسالفيها ولكنه زاد عينيها كحلا وإشراقا. ترى تلك العينين الدعجاوين البراقتين قد ~~غشيهما الدمع وأخذ ينحدر على وجنتين محمرتين بينهما أنف دقيق مستقيم تحته فم صغير. فإذا ~~زاد انسكاب الدمع استلقته بأطراف جدائلها أو بأحد كميها. وكانت لابسة جلبابا أسود حدادا ~~على فقيديها. ولم يزدها ذلك الحداد إلا جمالا وفتنة. وكأن تلك الغادة استأنست بوحدتها ~~فأطلقت لنفسها عنان البكاء حيث لا رقيب ولا عدو فأخذت تلطم خديها وتندب فقيدين عزيزين قتلا ~~في يوم واحد. # تلك هي قطام بنت شحنة بن عدي # 2 # من قبيلة تيم الرقاب. تلك هي فتاة الكوفة الفتانة التي ذاع صيتها في الآفاق ~~وسمع بجمالها القاصي والداني حتى أصبحت فتنة الكوفيين ومضرب أمثالهم. وقد شخصت إليها ~~الأبصار وحامت حولها القلوب فباتت معجبة بجمالها لا تعرف هما ولم تذق غما حتى بليت بقتل ~~والدها وأخيها معا. # قتل والدها وأخوها في واقعة النهروان # 3 # وكانا من جملة الخوارج الذين نقموا على علي لقبوله بالتحكيم فانضموا إلى من ~~نقض بيعته وحاربوا في جملة من حاربه. # وكانت قطام ثابتة الجأش شديدة الانتقام ذات حيلة ودهاء ما انفكت منذ قتل والدها وأخوها ~~وهي تندبهما وتلتمس الانتقام لهما ولكنها لم تكن تستطيع المجاهرة بذلك والكوفة مقر الإمام ~~علي ومجتمع أنصاره وشيعته. فأقامت في منزلها في ضاحية الكوفة وحيدة ليس معها سوى عبد كهل ~~ربي في أهلها منذ صباه. فلما بليت بمصيبتها هجرها سائر الخدم والأعوان ms006 إلا هذا. وكانت ~~ترتاح إلى بث شكواها له وهو يخفف عنها ويعدها بنيل المرام. # وكانت قد انفذته في أصيل ذلك اليوم يستقدم لها عجوزا من مولدات الكوفة كانت قد ربيت ~~بين ذراعيها منذ نعومة أظفارها وهي تحن إليها حنين الوالدة. فطال غيابه وسدل الليل ~~بقائه ولم يعد. فانشغل خاطرها وشغلت عن أحزانها بالهواجس لانفرادها في ذلك المكان. ولكنها ~~كانت إذا سكتت هنيهة تذكرت والدها وأخاها ومن كان يقيم في تلك الدار من الخدم والعبيد فتعود ~~إلى البكاء والنحيب. # الفصل الرابع # | العجوز لبابة # وفيما هي في ذلك سمعت وقع أقدام مسرعة عرفت أنها خطوات عبدها ريحان فأجفلت ولكنها ~~استأنست به فوقفت وأسرعت لاستقباله. وكان ريحان طويل القامة شديد السواد خفيف العضل سريع ~~الحركة جاحظ العينين أفطس الأنف عظيم الوجنتين بارز الأسنان ويزيدها بروزا تدلي شفته ~~السفلى وانحسار شفته العليا وكان يستهلك في خدمة سيدته فابتدرها بالسلام. فقالت وما الذي ~~أخرك يا ريحان وإنت تعلم أني وحيدة هنا. أين هي لبابة. # قال: إنها قادمة سريعا. # قالت: وما سبب غيابك حتى الآن. # قال: كنت في انتظارها وهي تخاطب شابا وتجادله .... # قالت: وأي شاب # قال: لا أدري ... ها قد أتت وهي تقص عليك الخبر مفصلا. # وما أتم كلامه حتى دخلت العجوز تتوكأ على عكازها وقد احدودب ظهرها وأحناها الكبر ~~فزادها قصرا ولكنها ما زالت سريعة الحركة شديدة العصب وكانت عمصاء العينين غائرة الفم ~~لخلو فكيها من الأسنان مجعدة الخدين غائرتهما. فتقدمت إلى قطام وقد غطت شعرها الشائب بنقاب ~~أسود يكاد يجر ورائها لطوله وقصرها. وحالما دنت منها قبلتها وأخذت تخفف عنها وتقول لا بأس ~~عليك يا ابنتي اعذريني لإبطائي في الحضور. # فلم تزدد الفتاة إلا بكاء وهي تقول ما الذي يشغلك عني يا خالة وأنت تعلمين أن ليس لي ~~معز في أحزاني سواك. # قالت: هوني عليك يا قطام واستريحي فقد جئتك بالفرج بإذن الله. # قالت: من أين يأتيني الفرج ولا يفرج كربتي إلا الانتقام ... الانتقام. قالت ذلك وحرقت ~~بأسنانها وهي تتشاغل بجمع شعرها وإرساله ms007 إلى وراء ظهرها. ثم مسحت عينيها بكمها الطويل ~~وأرسلته إلى كتفها فبانت أساورها ودمالجها حول معصمها الممتلئ ونظرت إلى العجوز كأنها ~~تسألها الإيضاح. # فضحكت العجوز وهي تنظر إليها وكأنها تذكرت أمرا محزنا فقطعت ضحكتها بغتة فاستاءت قطام ~~من ضحكها وهي تبكي وقالت ما بالك تضحكين لعلك تهزأين بكلامي.. إني والله غير قانعة بغير ~~الانتقام. # فأمسكتها العجوز بيدها وأقعدتها على الوسادة وجلست إلى جانبها ونظرت إلى ريحان نظرة فهم ~~منها أنها تلتمس خروجه لتخلو بقطام. فخرج # فلبثت قطام صامتة تنتظر ما تقوله العجوز. فإذا هي قد تنحنحت كأنها تتهيأ لحديث طويل ثم ~~قالت وماذا تريدين الآن يا قطام؟ # قالت: أريد الانتقام لوالدي وأخي فقد قتلهما علي ظلما ولابد من الانتقام. # قالت العجوز: ما قولك إذا دبرت لك من ينتقم عنك؟ # قالت: ومن ينتقم. قولي ... # قالت: طولي بالك ولا تكوني لجوجة.. أتعرفين سعيدا. # قالت: وأي سعيد. # قالت: سعيد الأموي الشاب الجميل الذي يحبك ويهواك. # قالت: دعينا من الحب والغرام وحدثيني عن الانتقام. # قالت: سبحان الله أجيبي على سؤالي. هل تعرفين هذا الشاب فإنه مغرم بك مفتون بسواد عينيك. # قالت: نعم أعرفه وما تفيدني معرفته. بالله عليك لا تذكري الغرام الآن. إني لا أشعر ~~بعاطفة الحب ولا يهمني أحبني الناس أو أبغضوني. # فابتسمت العجوز ابتسامة الاستخفاف وقالت: ياللعجب ما أكثر لجاجتك.. قلت إنك تعرفين ~~سعيدا فهل تحبينه. # فأجابت على الفور لا لا.. لا أحبه ولا أحب سواه.. إن قلبي لا يشتغل اليوم إلا بالبغض. ~~إني أبغض بعض الناس ولا أحب أحدا. # قالت: ولكن إذا كان لابد من الانتقام فيجب أن تحبي سعيدا. # قالت : كيف أحبه وقلبي لم يبق فيه مكان لغير البغض والحقد إني حاقدة ناقمة. # قالت: أنا أعلم ذلك ولكن أحبي سعيدا ولو مؤقتا وهو ينتقم لك. # فبغتت قطام ونظرت إلى العجوز وجعلت تتفرس في سحنتها لتتحقق أنها تتكلم الجد فلما آنست ~~الجد في لهجتها قالت: وهل تقولين حقا هل يقدر هذا الرجل على ركوب هذا المركب الخشن.. # قالت: إني أجعله يركبه ms008 فإذا لم يكن أهلا له فليس أهلا لحبك.. ما رأيك؟ # فصمتت هنيهة ثم قالت. أأحبه. نعم أحبه ولو إلى أجل قريب.. ولكني لا أظنه أهلا لهذا ~~العمل بل لا أحسبه يقدم عليه. ولكن قولي لي العلك تتكلمين من عند نفسك أم أنت على يقين ~~مما تقولينه. # فاعتدلت تلك العجوز المحتالة في مجلسها ونظرت إلى قطام نظر الاهتمام وقالت: اعلمي يا ~~حبيبتي أن سعيدا هذا قد علق بك وأحبك منذ أعوام ولكنه لم يكن يجسر على مخاطبة المرحوم ~~والدك بشأنك لأن والدك كان يومئذ في جملة القائمين بنصرة علي. وسعيد كما تعلمين أموي أي ~~أنه ممن نقموا على علي وقاموا للمطالبة بدم عثمان. # فكان يعلم أنه إذا طلبك من والدك يومئذ لا ينال غير الفشل. أما بعد أن خرج والدك رحمه ~~الله من طاعة علي في جملة من خرج بعد التحكيم حدثته نفسه أن يطلبك فخاطبني في شأنك ~~مرارا. ولكن والدك كان مشغولا بمحاربة علي وشيعته فلم أتمكن من التوسط له. فلما علم ~~بمقتله ومقتل أخيك وا أسفاه عليهما (وتنهدت وهي تتظاهر بمسح دموعها) عاد إلى مخاطبتي في ~~ذلك. وقد كنت أدافعه لعلمي بحزنك الشديد وهو مع ذلك مازال يتردد علي ويستنهضني ويبذل كل ~~مرتخص وغال في سبيل التمتع بهذا الوجه الجميل. فجاءني اليوم وأعاد الكرة وبالغ في التذلل ~~والاستعطاف فلمحت له أنه إذا أصر على نيلك لابد له من الانتقام لوالدك. فآنست منه ~~ارتياحا فأطلت الكلام معه وريحان في انتظاري خارجا وهذا هو سبب تغيبي عنك فما ~~قولك؟ # فلما سمعت قطام كلامها استبشرت بنيل مرامها فقالت: «وهل تظنين أنه يعدني وعدا شافيا ~~بالانتقام.. هل يتعهد لي بقتل علي بن أبي طالب. إني لا أقبل بأقل من ذلك.» # قالت: «أظنه يقبل ومع ذلك فإني استقدمه إليك ونظرا لما أعهده من مهارتك في أساليب ~~السياسة لا أشك في أنه يتعهد لك بكل ما تريدينه وخصوصا إذا أظهرت له ميلا وقلت له إنك ~~تحبينه وتفننت في طرق الدلال والتمنع واشترطت عليه أنك لا ms009 تتزوجين إلا بعد قتل علي. ~~فإذا عاهدك صبرت حتى يقتله فإذا لم يفعل وأصاب حتفه كان دمه على رأسه والسلام ... ~~ايه؟» # فأشرق وجه قطام وأحست بارتياح إلى هذا الرأي وقالت «لا ريب عندي إني أحمله على التعهد ~~... فاستقدميه لنرى ما يكون. ولكن قولي له إني لم أقبل بعد وبالغي بتمنعي وإبائي وأنا أتمم ~~الحيلة». # فضحكت العجوز ضحكة طويلة وقالت «سامحك الله يا قطام ألا تزالين تحسبينني فتاة مثلك وهل ~~تجهلين أين قضيت هذه الشيبة.. ألا تعلمين أني قضيت عمري في مثل هذه الحوادث. فكم أزوجت من ~~الرجال وكم أقنعت من النساء في الزواج بعد أن كان قبولهن ضربا من المحال.. لا تخافي ~~علي.. ولا أنا أخاف عليك» قالت ذلك ونادت ريحان فأسرع إليها. فقالت له هل تعرف الشاب الذي ~~كان عندي الليلة. # قال: نعم أعرفه. # قالت: سر إليه إنه لايزال في المنزل حيث رأيتنا الليلة وقل له إن خالتك لبابة تدعوك ~~إليها. # قال: وإذا أبى الحضور ماذا أقول له؟ # قالت: لا أخاله إلا سابقك في الطريق اذهب وادعه إلى حالا. # قال: سمعا وطاعة وخرج. # الفصل الخامس # | سعيد # وكان سعيد شابا أمويا في حوالي الثلاثين من عمره توفى والده وهو طفل فكفله جده وقضى ~~صباه وشبابه مع جده في منزل الخليفة عثمان وكانا شديدي التعلق به.. فلما قتل عثمان كان ~~سعيد وجده في مقدمة الناقمين لعثمان والمطالبين بدمه. فلما كانت واقعة الجمل بجوار البصرة ~~كان هو في جملة رجال أم المؤمنين وظل جده مقيما في مكة لشيخوخته. ولما فشل جند أم ~~المؤمنين وعادت هي إلى مكة عاد هو معها وظل عند جده ولم يخرج لواقعة صفين. # ولكنه كان يتردد إلى الكوفة وكان يسمع بقطام هذه وجمالها وقد رآها مرارا تحت الخمار ~~فوقعت من نفسه موقعا عظيما ولكنه لم يجسر على خطبتها لأن والدها كان قبل تحكيم الحكمين ~~من شيعة الإمام علي فكيف يزوج ابنته لأموي يطالب بدم عثمان. فلما خرج الخوارج عن طاعة ~~الإمام علي بعد التحكيم استبشر بنيل مرامه على ms010 أنه لم يتمكن من السعي في طلبها إلا بعد ~~مقتل والدها وأخيها. فجاء لبابة العجوز كما تقدم فاستخدمت هذه العجوز كل دهائها في إغرائه ~~على قتل علي وتركت بقية الحيلة لقطام لعلمها أنها لا تقل عنها دهاء ومكرا. # وكان سعيد حسن الطوية قليل الاختبار وخصوصا في ما يتعلق بدهاء أولئك العجائز. وكان جميل ~~الصورة معجبا بجماله وكان الحب قد أعمى بصيرته فلم يعد يرى غير قطام ولم يحلم إلا ~~بالحصول عليها وهو لا يصدق أنها ترضى به. فلما جاء العجوز في تلك الليلة وخاطبها بشأنها ~~وأظهرت ما أظهرته من التمنع ازداد رغبة فيها وبذل كل ما في وسعه من الوعود في سبيل ~~إرضائها وبذل للعجوز كل ما يرضيها من المال والحلي فوعدته أن تسعى في ترغيبها ومضت وتركته ~~يتقلب على جمر الانتظار. # فلما جاءه العبد يستدعيه إليها خفق قلبه وهرول مسرعا وهو يتعثر بأذياله فمر في ~~أسواق الكوفة وهو لا يرى شيئا من الأسواق ولا ناسها لانشغال باله بما سيلاقيه من البغتة ~~عند اجتماعه بقطام منى قلبه وغاية مرامه فكان إذا تصور رضاءها أشرق وجهه وكاد يطير ~~فرحا. فيعترض تصوره ما آنسه من التمنع عند مخاطبته العجوز وما بدر منه من الوعد ~~بالانتقام فتنقبض نفسه ويضطرب لهول ذلك العمل. ولكن هيامه كان يهون عليه كل عسير ويصور ~~المحال ممكنا. فخيل له أن قطاما إذا رأت جماله وتحققت ما هو فيه من الوجد لا تلبث أن ~~تقع في هواه وتغضي عن أمر الانتقام. # في مثل ذلك قضى سعيد طريقه وريحان يخطوا أمامه خطواته المتباعدة لطول ساقيه ويحاول ~~الإبطاء في مسيره لئلا يسبق رفيقه فلا ينتبه إلا وقد تجاوزه فيمشي الهويناء إلى ~~موازاته وسعيد لا يفقه لشيء من ذلك. وخرجا من المدينة فآنسا سكونا لا يسمع فيه إلا ~~صوت الحصى إذا عثرا ببعض منها لأن الكوفة كثيرة الحصى والرمال. # 1 # حتى وصلا باب البستان ودخلا بين النخيل. فقال العبد أمهلني يا مولاي ريثما ~~افتقد أهل المنزل ثم أعود إليك. # فظل سعيد يتمشى ms011 بين النخيل يتشاغل برؤية أظلالها مع ما يسمعه من نقيق الضفادع على شاطئ ~~البحيرة وأخذ يهيئ نفسه لمقابلة قطام فأصلح عمامته ومشط شاربيه ولحيته ونفض جبته ~~وأصلحها ولبث في انتظار العبد فأبطأ عليه فانشغل خاطره وحدثته نفسه بالاستئذان ~~والدخول إلى الدار. وفيما هو يهم بذلك سمع حركة ومشيا وبعد هنيهة بان له نور عند الباب ~~وسمع ريحان يناديه فهرول وقلبه يخفق وركبتاه ترتعشان رعشة الحب والبغتة. فعثرت رجله بحبل ~~من ألياف النخيل كان مشدودا في جزع بعض النخيل حتى كاد يقع ولكنه تجاهل عن ذلك وتقدم إلى ~~باب الدار فاستقبلته لبابة مرحبة ومشت أمامه وريحان يتقدمها بالمصباح. فدخلت به الغرفة ~~التي كانت قطام فيها ودعته للجلوس على وسادة وجلست هي على وسادة وترك ريحان المصباح هناك ~~وخرج. # وكان سعيد يتوقع أن يرى قطاما هناك فلم يرها فانشغل باله وزاد انشغاله لسكوت لبابة عن ~~الحديث وجمودها. فقال مالي أراك ساكتة يا خالة ألم ترسلي إلى بالمجيء. # قالت: بلى. # قال: وأين قطام. # فتنهدت وقالت هي هنا في الغرفة الأخرى وسنذهب إليها بعد قليل. # قال: أراك في قلق ... مالذي جرى ... قولي. # قالت: لم يجر شيء ... وتظاهرت كأنها تكتم خبرا. # فقال: وكيف. مالي أراك كئيبة أخبريني لقد نفد صبري. # قالت: لا ينشغل خاطرك ياولدي إذ ليس هناك ما يدعو إلى القلق. غير أني مللت من استعطاف هذه ~~الفتاة وترغيبها وتشويقها فلم أر منها إلا البكاء والنحيب ولم أسمع إلا قولها ~~«الانتقام الانتقام» ومن يخاطبها بغير هذا الموضوع لا يسمع منها جوابا. # قال: ألم تذكري لها شيئا من حديثي معك. # قالت: «كيف لا وهي لو لم أذكر لها اسمك مشفوعا بوعدك بالانتقام لما أجابتني» ثم أدنت ~~فمها من أذنه وقالت: «ولكنني آنست من خلال ذلك التمنع أنها ترتاح إلى ذكر اسمك وأظنها ~~تحبك كثيرا ولكن انشغالها في الانتقام شغلها عن الحب ولذلك فقد سرت لما أخبرتها بوعدك ~~ولكنها لم تصدق قولي كأنها تحسبني أقول مزاحا أو لعلها استبعدت ذلك منك أو خافت عدولك ~~عنه لجهلها ms012 ما أنت مفطور عليه من الحمية وكرم الأخلاق» قالت العجوز لك بنغمة تدل على ~~ثقتها التامة بشرف نفس سعيد وصدق وعده. ثم شغلت نفسها بالنحنحة والسعال ومسح آماقها مما ~~يتحلب فيها من الدمع المتواصل لضعف الشيخوخة وصبرت لترى ما يبدو منه قبل إتمام الحديث. # أما هو فآثر قولها فيه وهاج ما في قلبه فقال لها: «لا ألوم قطاما لأنها لا تعرفني بعد ~~فهي معذورة إذا ساءت الظن بي.. ولكن أين هي أريني إياها فأؤكد لها وعدي فتعلم من هو سعيد ~~....» قالت هي هنا. # الفصل السادس # | اللقاء # وحملت لبابة المصباح بيدها ومشت أمام سعيد إلى غرفة أخرى ليس في أرضها إلا حصير فوقه ~~بعض جلود الماعز وقطام جالسة الأربعاء وهي تبكي وشعرها محلول. فلما رأت النور يقترب من ~~غرفتها أسرعت فضمت شعرها وأرسلته إلى ظهرها وغطت رأسها بنقاب أسود. ولم تكد تفعل ذلك حتى ~~دخلت العجوز وهي تقول: «خففي عنك يا قطام وارفقي بنفسك واشفقي على شبابك لقد كفاك بكاء ~~ونحيبا. انهضي فسلمي على سعيد الذي قلت لك أنه يحبك». # فقطعت قطام كلامها قائلة: «كم قلت لك لا تذكري الحب والغرام بل اذكري القتل والانتقام. ~~إني لا أحب إلا الانتقام ومن ينتقم لي فهو خليق بأن يحبني ولكن ...». # فتقدم سعيد وقد أصبح بعد رؤية قطام في تلك الحال لا يرى شيئا غيرها ولا يبغي إلا ~~رضاها فشق عليه قولها «ولكن» لما ينطوي عليه من الاستدراك الذي يجل نفسه هنه. فقال لها: ~~«ألا ترضين يا قطام أن أكون أنا المنتقم لك ...». # قالت وهي تتظاهر بعدم الاكتراث «لا ... لا أرضى أن تعرض نفسك لهذا الأمر من أجلي فإني أولى ~~منك بركوب هذا المركب الخشن» ثم رفعت يدها وأشارت بسبابتها إلى صدرها وقالت بصوت يتخلله ~~غصة البكاء «أنا أقتل قتلة أبي وأخي بيدي.. أنا أقتلهم.. أنا أقتل عليا وإن كنت فتاة. إن ~~حب الانتقام يقويني ويشجعني ... ولا حاجة لي إلى تعريض سواي لخطر القتل.. إنك شاب لا يهمك من ~~أمر علي شيء فكيف تتكلف ms013 قتله عبثا.. ذلك لا يكون». # فانخدع سعيد بكلامها وحسبه صادرا عن شهامة وغيرة حقيقيتين فازداد رغبة في الإقدام على ~~ذلك العمل. فقال لها: «كيف تقدمين يا مليحة على هذا الأمر وأنا بين يديك. العلك لا ترين في ~~الكفاءة. كيف تقولين أنه لا يهمني من أمر علي شيء وأنت تعلمين أن بني أمية كافة يطالبونه ~~بدم عثمان وأنا منهم وإذا قتلته فإني أرضي كل بني أمية فضلا عن إرضاء قطام.. إن بذل ~~النفس في سبيل إرضائها هين.. وإذا أذنت لي أن أدعوك حبيبتي فكل شيء يهون علي ...». # فلما تحققت قطام وقوعه في الشراك بقى عليها أن تتمكن من وعده بصك تستكتبه إياه فأمسكت ~~نقابها بيدها وتظاهرت بإصلاحه فانكشف معصمها فرأى الأساور والدمالج وبانت عيناها وقد ذبلتا ~~من البكاء فازدادتا جمالا ورمت إليه شذرا وتأملته كأنها تزن مقدرته على ما وعد به. ~~أما هو فلا تسل عن حاله بعد تلك النظرة فثارت عواطفه ونظر إلى العجوز كأنه يحرضها على ~~التوسط في الأمر. فتظاهرت لبابة بأنها تساعده في غرضه وقالت لها: «ألم يكفك ما قاله هذا ~~الشهم ألم أقل لك إن وعده صادق وفضلا عن إرضائك بقتل علي فهو يرضي عشيرته وأهله أيضا. ~~واعلمي يا قطام أنه لابد من رجل يقتل هذا الخليفة ومن يسبق إلى قتله فإنه صاحب النصيب ~~الأوفر والأجر الأعظم». # فقطعت قطام كلام العجوز قائلة: «أنا أعلم أنه مقتول لا محالة وإذا لم يبق من الرجال من ~~يفعل ذلك فعلته أنا بيدي.. انظري إلى هذه الحلي في معصمي وأذني إني لم أنزعها ليس لأني ~~لم أحزن على والدي وأخي.. آه رحمهما الله ... بل لأني واثقة من الانتقام لهما وكأني أحسب ~~ثأري حاصلا في قبضة يدي ومتى أخذت باثأر فقد أحييت القتيلين فكيف أحزن .... أما ما قاله ~~سعيد فهو فضل منه ولكن الإنسان يا خالة عرضة للتردد فلعل سعيد إذا خرج من عندنا يرى رأيا ~~آخر أو يتهيب من هذا الأمر فيعدل عن الوعد. فأنا لا أريد أن أقيده في عهد ms014 أرى في نغمة ~~كلامه ما يدل على خوفه منه ... لا أقول أنه يخاف وقتل هذا الخليفة من أهون الأمور. ~~ولكنني لا أرى أن أكلفه وعدا إذا خلا بنفسه ربما ندم عليه ...». # الفصل السابع # | الصك # فهم سعيد بالتكلم ليؤكد لها صدق وعده فأوقفته العجوز عن الكلام وتظاهرت بالدفاع عنه ~~وقالت: «اسمحي لي يا قطام بكلمة أقولها لك. أنت لا تعرفين سعيدا بعد ولكنني أعرفه وأعرف ~~صدقه وأنا أقول لك بالنيابة عنه هل تريدين أن يكتب لك صكا على نفسه أنه يفعل كل ما ~~قاله لك». # فلما سمع سعيد ذكر الصك تهيب وعظم الأمر عليه وكأنه صحا من سكرته لحظة تبين فيها ~~خطارة ذلك الأمر ثم عاد إلى سكرة الغرام وراده تثبيتا في ذلك ما سمعه من كلام العجوز ~~الدال على ثقتها به وبوعده. # أما قطام فكانت تنظر إلى كل حركة تبدو من سعيد فلم يفتها ما جال في خاطره ساعتئذ من ~~الندم وهو يحاول التظاهر بخلاف ذلك. فلكي تحمله على كتابة الصك من تلقاء نفسه قالت ~~العجوز: «أراك أقمت نفسك نائبة عنه في أمر لا تصح النيابة فيه وهو غير راض به وفي ~~سكوته أكبر دليل على ذلك. فدعينا من هذا الموضوع ولا تعرضي سعيدا لهذا الخطر وأنت تعلمين ~~ما قلته لك عنه وما له من المنزلة في قلبي وإن أكن قلما رأيته فأفضل أن أعرض نفسي ~~للخطر ولا أعرضه». # فعظم ذلك القول على سعيد وثارت الحمية في رأسه فنهض بغتة وقال لها أتحسبين سكوتي يا قطام ~~عن تردد أو خوف ... لا وحبك ما أنا ممن يضنون بالنفس في سبيل الحب وكيف تقولين أنك تفعلين ~~ذلك عني ... وربما ترددت في بادئ الرأي. وأما بعد أن علمت بما عندك نحوي فإني أكتب الصك ولا ~~أرضى إلا بكتابته.. هاتوا رق ومدادا» فنهضت العجوز حالا لاستحضار الرق والمداد والقلم ~~وكانت قد أعدت كل شيء قبل مجيئه. # فاغتنم سعيد غيابها وأزاح مقعده وأصلحه بحيث يواجه قطاما. أما هي فنظرت إليه وابتسمت ~~وقالت بصوت يتخلله نغمة ms015 الدلال «لا تعرض نفسك للقتل يا حبيبي ومالنا وللصكوك ألا يكفينا ~~القول». # فما صدق سعيد أن آنس منها هذا التقرب وسمع قولها «حبيبي» فجعل يبالغ في حبه وغرامه ~~واستهلاكه في سبيلها وطابت له تلك الخلوة القصيرة فتبادلا فيها من عواطف الحب ما لا تفي ~~بشرحه المجلدات وسعيد يحسب نفسه أسعد إنسان على وجه الأرض لحصوله على حب قطام. وهي إنما ~~همها من كل ما جرى إغراؤه على قتل علي وقد أضمرت في باطن سرها أنه إذا انتقم لها تزوجته ~~وإن تكن غير مغرمة به. وإذا فشل في مهمته فلا أسف عليه وقتل. فإذا كتب الصك لا يجسر على ~~الرجوع عن وعده وأدركت العجوز أن في إبطائها وسيلة لتبادل الإشارات واللحظات وزيادة التمكن ~~من الإغراء فأبطأت لغير داع ثم عادت وبيدها رق من جلد الماعز وقلم من القصب وقرن أيل فيه ~~مداد أسود. فلما رآها سعيد وتحقق كتابة الصك عاوده الخوف وحدثته نفسه بالرجوع عن الوعد ~~ولكن الحياء والحب منعاه. ولم يخف تردده عن قطام فتلافت ذلك بابتسامة ونظرة وهو يربو ~~إليها ويقول في نفسه «ما أسعد هذا اللقاء وما أجمل هذا الحبيب لولا ما اشترطه من العقبات» ~~ولم تترك له قطام فرصة يفكر فيها فقالت للعجوز «لمن أتيت بهذه الأدوات يا خالة». # قالت: أتيت بها إلى سعيد. # قالت: «أترجين منه أن يكتب الصك لا لا أظنه يكتبه (وابتسمت وهي ترنو إليه شذرا) ~~وكأني به ندم على ما فرط منه لا عن جبن أو خوف لا سمح الله ولكنه رأى قطاما لا تستحق ~~هذه العناية وأراه يقول في باطن سره أمن أجل امرأة مثل هذه اقتحم مثل هذا الخطر الهائل ...» ~~قالت ذلك ونظرت إليه نظر المحب العاتب. # فلما سمع سعيد كلامها ورأى فيها ذلك الدلال نسي كل خطر واستولى عليه الخجل ولم ير له ~~مخرجا من خجله إلا بالمبادرة إلى الرق فتناوله من يد لبابة وأمسك القلم وقد أخذ منه ~~الهيام مأخذا عظيما حتى توردت وجنتاه واحمرت عيناه. فوقفت العجوز إلى ms016 جانبه والمصباح في ~~يدها فكتب ويده ترتعش وهو يتجلد لئلا يبدو ذلك لقطام فتظنه خائفا وإليك نص كتابه: ~~«أنا سعيد بن ... الأموي أعاهد قطام بنت شحنة على قتل علي بن أبي طالب مهرا ~~لزواجي بها وإذا لم أفعل ذلك كنت لا أستحقها وعلي عهد الله وميثاقه». # كتبه سعيد الأموي # الفصل الثامن # | تمام الحيلة # فلما فرغ سعيد من كتابة الصك دفعه إلى قطام وقد ظهرت عليه ملامح الافتخار بأنه لم يكن ~~جبانا كما ظنته. ولكنه لم يكد يدفعه إليها حتى أحس بالخطر الذي عرض نفسه له. على ~~أنه لم يستجل ذلك الخطر جيدا لما حال بينه وبين عقله من غياهب الوجد والهيام. # أما قطام فتناولت الرق وقرأته بلا اكتراث ثم نظرت إلى سعيد باستغراب وقالت «يظهر إنك ~~كتبت الصك حقيقة. أليس عارا على قطام أن تأخذ منك صكا على عهد عاهدتها عليه في مثل هذا ~~الموقف كأنك اتخذت كلامي مأخذ الجد وقد قلت لك الآن إني لا أبالي من يقتل عليا وإذا لم ~~يقتله أحد قتلته أنا. أما وقد كتبته بخط يدك وإني أحفظه عندي تذكارا لهذه الليلة التي ~~أعدها من ليالي العمر ... وأرجو أن نجتمع قريبا وقد نلنا المرام» قالت ذلك وفي صوتها غنة ~~الدلال. # فصدق سعيد كلامها واطمأن باله من قبيل الشرط الذي اشترطه على نفسه والصك الذي كتبه بيده ~~ولكنه علم بأنه لا ينال قطاما إلا بعد قتل الإمام علي. فعاد الأمر إلى خطارته فانقبضت ~~نفسه وأحب الاختلاء فالتمس الخروج. فقالت له قطام: «امكث عندنا ... أو اذهب لعلك تهتدي إلى ~~سبيل يقرب زمن اجتماعنا الدائم» قالت ذلك وابتسمت ورنت إليه كما يرنو الحبيب إذا التمس ~~من محبه أمرا يخشى أن يكون بعيد المنال. فودعها سعيد وخرج فتبعته لبابة فرأيا ريحانا لا ~~يزال ساهرا في الحديقة يطوف حول المنزل خوفا من الرقباء والعيون. # ولما خرجت لبابة لسعيد قالت له وهي تضحك «إني أهنئك برضاء هذه الغادة فقد نلت الليلة ~~ما طالما تحسر عليه أهل الكوفة بل سائر أهل العراق. ms017 ومن الغريب أنها كانت مع فرط حزنها ~~لا تستطيع النظر إليك إلا وهي تبتسم ... فما أجمل الحب إذا كان متبادلا. وأما مسألة الصك ~~فما هي من الأهمية في شيء. وهب أنك رأيت في طريقك خطرا فهل ترضى قطام أن تعرض نفسك له». ~~فودعها ومشى وحده وهو يتعثر بأذياله. وكأنه غادر قلبه عند قطام فخلا بعقله وعادت إليه ~~هواجسه فتصور خطارة الأمر الذي عرض نفسه له. ولما لم يبق له حيلة في الرجوع عن عهده ~~بعد كتابة الصك جعل ينتحل لنفسه أعذارا تخفف قلقه وتحسن له ارتكاب ذلك المنكر. فخيل ~~له إذا قتل عليا أنه ينتقم لسائر بني أمية ويفاخرهم جميعا بما لم يستطعه أحد منهم. ~~فينال حظوة في عيني معاوية فضلا عن تمتعه بقطام. ولما تصور قربه منها اختلج قلبه في ~~صدره وهان عليه كل عسير. # فمشى وهو في مثل هذه الخيالات الكاذبة حتى دخل الكوفة ومر بجامعها القائم في وسط الساحة ~~الكبرى. وكان الجو هادئا والقمر منيرا فرأى ما يحدق بمنزل الإمام علي من الأبنية والخيام ~~بمن فيها من كبار بني هاشم وغيرهم من شيعته. وهو يعرف منهم جماعة صناديد لا يهابون الموت. ~~فما لبث أن تصور ذلك حتى خارت قواه وكبر عليه الأمر ولكنه ظل ماشيا يلتمس منزله وهو ~~يفكر في حيلة ينال بها بغيته. # الفصل التاسع # | طارق مفاجئ # وكان منزله في بعض أسواق الكوفة فوصله وهو يظن نفسه لا يزال بعيدا عنه وإنما نبهه ~~إلى ذلك جعجعة جمل رابض في فنائه فظنه في بادئ الرأي جمله وهو يعهد أنه أرسله إلى ~~مأواه قبل خروجه. فدخل الفناء فرأى هناك جمالا وأناسا كأنهم قادمون من سفر فبغت. فتقدم ~~إليه واحد منهم ولم يكد يلقى عليه السلام حتى عرف أنه من رجال جده أبي رحاب فانذهل ولم ~~يرد التحية ولكنه قال له ما وراءك يا عبد الله ما الذي جاء بكم. # قال: إننا قادمون من عند جدك مولانا أبي رحاب. # قال: وما الذي حملكم على المجيء؟ # قال: جئناك في مهمة ms018 مستعجلة. # قال: وما هي؟ # قال: إن أبا رحاب بما تعرفه من شيخوخته وضعفه قد بعثنا نستقدمك إليه سريعا. # فذهل وصاح قائلا: وما الذي أصابه ألعله مريض؟ # قال: هو مرض الشيخوخة ولكنه مشتاق لرؤيتك وقد أمرنا أن نستقدمك حالا. # قال: وأين هو؟ # قال: هو في مكة كما تعلم. # قال: أأذهب إلى مكة الآن؟ # قال: ذلك ما أمرنا به فافعل ما بدالك. # فلبث مدة صامتا يفكر ثم مشى وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله. وسار عبد الله في إثره ~~حتى دخلا المنزل وهما صامتان. ثم التفت سعيد وهو ينزع عباءته وقال لابد من أمر ذي بال ~~يدعوني جدي إليه فهل تعرفه؟ # قال لا أخاله استدعاك إلا ليراك قبل حلول أجله لأنه شاخ وضعف وأنت تعلم أنه يحبك ~~ولا رجاء له سواك. # قال لا حيلة لنا في القعود فلنبت الليلة ونصبح مسافرين. وقضى ليلته يفكر في قطام وسفره. # ولما أصبحوا ركب سعيد ناقته وركب عبد الله ورفاقه حمالهم وهموا بالمسير فرأى سعيد أن ~~يودع قطاما قبل السفر فاستمهل رفاقه ريثما يعود إليهم وسار يلتمس منزلها وهو في لباس ~~السفر. فلما أشرف على المنزل تذكر ليلته بالأمس ولكنه لم يضطرب لانشغال خاطره في جده وقد ~~خاف عليه الموت قبل وصوله إليه. ووصل المنزل فلقي ريحانا فسأله عن قطام. فقال: أنها ~~خرجت في حاجة وسوف تعود. # فقال: إلي أين ذهبت؟ # قال: إلى مكان لا أدري أين هو. # فانشغل بال سعيد لخروجها في ذلك الصباح وهو لا يرى ما يدعو فتاة مثلها إلى الخروج فدبت ~~الغيرة في قلبه فقال: وهل مضت وحدها؟ # قال: سارت مع لبابة. # قال: أتظنها تبطئ كثيرا؟ # قال: لا أدري وربما ظلت إلى المساء أو الغد إذ يخيل لي أنها التمست بعض أهلها في مكان ~~خارج الكوفة. # دار ذلك الحديث بينهما وسعيد لا يزال راكبا جمله يتردد بين أن ينتظر عودتها قبل سفره أو ~~أن يسير. وود لو يعلم أين هي ليمضي إليها فيودعها ويذهب شيئا من غيرته عليها. ولو تحقق ms019 ~~مجيئها بعد ساعة أو بضع ساعات لفضل الانتظار ولكنه خاف أن يطول غيابها أياما. فعول على ~~المسير إلى مكة فقال لريحان: أقر قطاما السلام عند رجوعها وقل لها إني شاخص إلى مكة لأمر ~~يدعو إلى الإسراع وقد جئت لوادعها فلم أجدها. على أني سأعود قريبا بإذن الله. # قال: حسنا. # فودعه وعاد فانضم إلى رفاقه وسار يلتمس مكة وقلبه في الكوفة. ولم يكد يخرج منها حتى ~~ندم على خروجه ولم ير قطاما. ولكنه التمس عذرا لنفسه بما دعاه إلى العجلة من أمر جده. # الفصل العاشر # | أبو رحاب # وكان أبو رحاب جد سعيد شيخا طاعنا في السن كما تقدم ربى سعيد في حجره بعد موت والده ~~وكان كلاهما على دعوة بني أمية في المطالبة بدم عثمان. ولم يكن غرضهما من ذلك إلا ~~الانتقام لعثمان لأنهما أقاما زمانا طويلا في منزله. وكان أبو رحاب مع شدة حبه لعثمان ~~لم يغفل عما كان فيه من الخطاء الذي دعا الناس إلى اضطهاده وكثيرا ما كان يحرضه على ~~الإصلاح ومصالحة المسلمين فلم يصغ له إلا قليلا. وعلم أبو رحاب بعد ذلك أن جماعة من ذوي ~~الأغراض كانوا يثنونه عن الإصغاء ويحرضونه على العداء. حتى إذا قتل عثمان كان أبو رحاب ~~وسعيد في جملة المطالبين بدمه. ولكنه ما لبثا أن عادا من واقعة الجمل حتى قعد أبو رحاب عن ~~المطالبة لأنه تحقق أن أصحاب تلك الواقعة إنما حاربوا عليا طمعا في الملك لا غيرة على ~~عثمان. # وأقام في مكة مدة لا تسلية له إلا سعيد وكان سعيد ينوي الانضمام إلى جند معاوية في ~~واقعة صفين فمنعه جده. وكان أبو رحاب يعلم أن سعيدا يحب قطاما حبا شديدا وأنه ساع ~~في التزوج بها. ولذلك فإنه كان يأذن له في الخروج إلى الكوفة لتلك الغاية. وطال غياب سعيد ~~هذه المرة وأحس أبو رحاب بزيادة الضعف فأراد استقدامه ليتزود من رؤيته قبل موته ~~ويوصيه وصية لها علاقة كبرى في شؤون حياته وربما غيرت مجاري أعماله وحولته عن مقاصده ~~وآماله. فبعث ms020 رجلا من خاصته اسمه عبد الله في وفد إلى الكوفة لهذه الغاية. ولبث ينتظر ~~رجوعهم وهو يتقلب على فراش الضعف والهرم كأنه يستمهل ملاك الموت ريثما يصل حفيده لئلا ~~يذهب ما في نفسه أدراج الرياح وتضيع حياة سعيد عبثا. # أما سعيد فإنه قضى مسافة الطريق بين الكوفة ومكة وهو بين شوق إلى قطام وقلق على أبي ~~رحاب. وكان من شدة فرحه بقطام إنما يود بقاء جده حيا ليبشره برضائها وقبولها لأنه ~~طالما شكى له رغبته فيها. وكان أبو رحاب يتمناها له. وكان سعيد إذا فكر في ذلك فرح ثم ~~يعترض فرحه أمر الصك وقتل الإمام فيضطرب فيعلل نفسه بما يناله من الفخر إذا قتل عليا ~~فضلا عن استرضاء جده لأنه يطفئ ما يجيش في نفسه من نار الانتقام لعثمان فيفرحه قبل ~~موته. # قضى أكثر أيام الطريق في مثل هذه الهواجس لا يبالي بمن حوله من الرفاق كأنه سائر وحده. ~~ولم يكن يشغله عن ذلك ما يلاقيه في سبيله من الجبال والأودية والصحاري ولا ما يمر به ~~من الربوع والأحياء والخيام حتى أشرف على مكة عن أكمة. فإذا هي في منبسط من الأرض تحيط بها ~~الجبال والكعبة قائمة بين أبنيتها قيام الملك بين الأعوان. وكانت الشمس قد مالت نحو الغروب ~~فأسرع في مسيره يلتمس منزل جده وقلبه يخفق خوفا عليه من بأس يصيبه قبل وصوله. # الفصل الحادي عشر # | بيت أبي رحاب # ولم يكد يدخل مكة حتى سدل الليل نقابه فساق ناقته يلتمس المنزل قبل اشتداد الظلام وترك ~~رفاقه يهتمون بشؤونهم. وكانت عادته إذا دخل مكة أن يطوف الكعبة قبل الذهاب إلى البيت ~~ولكنه سار في هذه المرة توا إلى المنزل وهو يضطرب خوفا على حياة جده. # فعرج في منعطف يؤدي إلى البيت رأى فيه أناسا عرف أنهم من الأهل والأصدقاء فحياهم ~~وسألهم عن حال أبي رحاب. فلما عرفوه طمأنوه وسبقه بعضهم ليبشر المريض بقدوم حفيده. فلما ~~اطمأن بال سعيد على حياة جده هدأ روعه وترجل عن ناقته وسلمها إلى بعض الخدم ms021 ومشى وهو لا ~~يزال بالعباءة والكوفية والسيف. فانتهى إلى باب كبير مقفل دخل من خوخته ولم ينتظر أن ~~يفتحوه له. فمر في فناء لم ير فيه أحدا وسار توا إلى الغرفة التي يقيم فيها جده ~~عادة وفيها مصباح منير دون سائر الغرف. وقبل وصوله الباب استقبله رجل خارج من عنده يمشي ~~الهوينا على رؤوس أصابعه مخافة أن يوقظ المريض من نومه العميق. فعرف سعيد أنه من بعض ~~أهله فسأله عن حال جده. # فقال له: «إنه مستغرق في الرقاد وقد مضى عليه بضعة أيام لا ينام فلما أحس بالنعاس ~~الآن أخرج الناس من غرفته ولم يبق سواي وأوصاني أن لا أوقظه إلا إذا جئت أنت». # قال: دعني أدخل وأراه وهو نائم قال ذلك ونزع حذاءه خارجا ودخل وهو يسترق الخطى. فوطئ ~~العتبة وأطل على الغرفة فإذا هي مضيئة بسراج على مسرجة قصيرة من الخشب الصلب فوق حافة ~~بارزة من الحائط بجانب فراش المريض وكانت فتيلة السراج ثخينة يتصاعد من لهيبها سناج يتطاير ~~فيترك في صعوده آثارا سوداء على الحائط بجانب السراج ولو كان لون الحائط بقي البياض لظهرت ~~آثار السناج أكثر جلاء ولكنه مدهونا بطين أسمر. # وتحول سعيد نحو الفراش وقلبه يخفق لئلا يكون رقاد جده أبديا كما يتفق الكثيرين ممن ~~يهرمون فيموتون وهم نيام. فمشى على حصير من سعف النخل يكسوا أرض الغرفة عليه غطاء من جلد ~~مصقول هو بمنزلة البساط وسار نحو الفراش. وكانوا لما اشتد به الضعف رفعوه عن الأرض إلى ~~مقعد مستطيل ظهره شبكة من نسيج الجلد وهي قدد من جلد يشدونها بين جوانب المقعد كالشبكة ~~يجلسون عليها مباشرة أو يجعلون فوقها الفرش أو نحوها. وكان أبو رحاب قد توسد فراشا رقيقا ~~والتحف ببرد من صوف أسود يغطيه إلى أعلى الصدر وقد توسد على ظهره ويداه مضمومتان تحت ~~اللحاف وعيناه مغمضتان يظللهما شعر حاجبيه فيزيدهما غورا. # وحالما اقترب سعيد من جده رمى ببصره إلى صدره ليرى تنفسه فإذا هو يتنفس تنفسا هادئا ~~فهدأ اضطرابه وسكن باله ولبث ms022 واقفا يتأمل في ظواهر الهرم. وتذكر أن جده كان من كبار ~~الهامة طولا وعرضا فرآه قد أصبح هيكلا من عظام مكسوا بالجلد. أما وجهه فلم يكن ~~ظاهرا منه إلا الأنف والجبهة وما بقي منه كان مغطى بالشعر الأبيض الناصع. وازداد ذلك ~~المنظر رهبة حينئذ لضعف النور حتى خيل لسعيد لما أشرف على فراش جده أن رأسه كتلة من القطن ~~المندوف يتخللها ثنيات مظلمة هي الأنف والوجنتان والجبهة وأما ما خلا ذلك فقد غطته اللحية ~~والشاربان والحاجبان. واستطالت لحيته وانبسطت حتى غطت عنقه وصدره ولكنها كانت قليلة ~~الشعر تشف عن عنق دقيق مستطيل بانت عضلاته وفي مقدمها القصبة قد برزت بروزا عظيما. أما ~~الرأس فقد كان حليقا أو لعله أصلع. # وكأن شيخنا الراقد قد دله قلبه المستيقظ على مجيء حفيده فتحرك وتململ ثم فتح عينيه ~~البراقتين وأجال نظره في جوانب الغرفة حتى وقع على سعيد فتبسم. فلما رآه سعيد قد استيقظ ~~جثا أمام فراشه وهم بتقبيل يديه. فرفع أبو رحاب ذراعيه وضم سعيدا إلى صدره وطفق ~~يستنشق رائحة عنقه وخديه بلهفة وسعيد يطاوعه بكل حركة يريدها. فأطال أبو رحاب عناقه ~~وسعيد صار حتى أحس بماء ساخن ينحدر على خده علم أنها دموع سخية ولكنه لم يدر دموع الحزن ~~هي أم دموع الفرح. على أنه خاف على جده فاستأذنه ونهض عن صدره فرآه يحاول الجلوس فأعانه ~~عليه بيده ونظر إليه وهو جالس فانذهل لشدة ضعفه حتى تخيله قفصا من عظام استدل على ذلك ~~مما انكشف من عنقه إلى أعلى الصدر. # أما أبو رحاب فأخذ يصلح لحيته وشاربيه ويمسح عينيه ثم تنحنح ومد يده إلى سعيد فعلم ~~هذا أنه يريد يده فدفعها إليه فأمسكها أبو رحاب بين يديه. فأحس سعيد كأنها مقبوضة ~~بأصابع من حديد ليبوسة أنامله وجفاف جلدها وبرودتها ولكنه شعر بارتعاشه ارتعاشا ~~متواصلا هو من دلائل الضعف الشديد. # الفصل الثاني عشر # | انقلاب غريب # ومازال سعيد يتخيل في جده الضعف الشديد حتى سمع صوته فإذا هو كما يعهده جهوري رنان. ~~فاستأنس به ms023 واطمأن باله لسماعه. وأول كلمة سمعها منه قوله «الحمد لله على مجيئك ~~سالما. لقد أطلت الغيبة علي يا ولدي». # قال: لقد جئتك سريعا حالما علمت برغبتك في ذلك كيف أنت الآن وبماذا تشعر يا جداه. # قال: كنت أحسبني على شفا الموت ولكنني لما رأيتك وأمسكت يدك شعرت برجوع قواي. فأنا الآن ~~كما تعرفني من عشر سنوات وكأن الله شدد عزيمتي لأتمكن من تزويدك بنصيحة هي آخر ما أتلفظ ~~به في هذه الحياة. # قال«إني أشتاق لنصائحك في كل حين ولكنني أرجو أن يمد الله في أجلك لتشهد زواجي بقطام» ~~ثم التفت يمنة ويسرة لئلا يسمعه أحد فرأى المكان خاليا من الناس فقال بصوت منخفض: ~~«وتفرح بما سيتقدم ذلك من الانتقام الذي طالما تاقت نفسك إليه». # فنظر الشيخ إليه بعينين رأي سعيد بريقهما من خلال الحاجبين وكان قوس الشيخوخة واضحا ~~حولهما ثم سمع جده يقول: «أما زواجك بقطام فقد فهمته وسرني بلوغك مرامك وأما الانتقام فلم ~~أفهم علاقته بها». # فتبسم وقال ألا تذكر يا جداه ما قمنا به منذ أعوام وقام به كل بني أمية من المطالبة ~~بدم الخليفة المقتول ظلما. وهل تجاسر أحد على الانتقام بقتل القاتل ليخلو الجو لنا. # فأقطب الشيخ أسرته كأنه غضب وقال: «من هو القاتل ومن سيقتله». # فأدنى سعيد شفتيه من أذن جده وقال: «إن القاتل علي بن أبي طالب وأنا سأقتله ولا يخفى ~~عليك ما في ذلك من الفخر والفضل فإنما بقاءك ليتم ذلك تحت جناحك..». # ولم يصبر الشيخ على سماع بقية الحديث لعظم اضطرابه وحنقه. وعرف سعيد حنقه مما رآه من ~~ارتعاش يديه واختلاج شفتيه واهتزاز لحيته. ولا تسل عن دهشة سعيد لما سمع جده يقطع عليه ~~الكلام قائلا بصوت عنيف «لا لا لا يا سعيد ... لا تقتلوا البرئ». # فانذهل وظن جده لم يفهم كلامه «فقال له تمهل يا جداه وأي برئ تعني إني سأنتقم من علي ~~بن أبي طالب فكيف تقول أنه برئ وأنت أول من دعا إلى المطالبة بدم عثمان منه. يظهر أنك ms024 ~~أخطأت مرادي». # قال: «كلا إني لم أخطئ مرادك فلا تخطئ أنت مرادي. إن عليا برئ ... إنه برئ مما اتهمناه ~~به ... إنه لم يتقل عثمان ولا مالأ على قتله ولا أراد سوءا بالمسلمين ولا ارتكب أمرا ~~يستوجب نقمة». # فوقف سعيد وهو يحسب نفسه في منام لعلمه أن جده كان من أول الناقمين على علي فكيف ~~انقلب إلى الضد من ذلك. فتبادر إلى ذهنه أن جده إنما يتكلم عن خرف. وأدرك أبو رحاب ما جال ~~في خاطره فقال له: «لا يخالجن ذهنك شك في صحة عقلي فإني إنما أقول ما أقوله عن روية ~~وطويل نظر ولم استقدمك من العراق إلا لهذه الغاية. ولا أقول ذلك جزافا بل أثبته ~~بالبرهان». # ومازال سعيد منذهلا مستغربا. لكنه صبر نفسه إلى آخر الحديث فقال: «وما الذي دعاك إلى ~~هذا التغيير العظيم. كيف يمكن أن يكون ذلك وكيف يمكن أن يكون علي بريئا من دم عثمان بل ~~كيف تعترف أنت ببراءته وقد كنت من أول القائلين باتهامه». # فأشار الشيخ بيده إلى سعيد أن يجلس ويهدئ روعه ويصبر نفسه إلى سرد البراهين ثم قال ~~«أما ما دعاني إلى ذلك فهو هاتف سمعته يقول ويكرر القول (إن عليا برئ وإنما يتهمه ~~أهل المطامع والأغراض) وكنت كيفما توجهت اسمع هذا الصوت يرن في أذني حتى أقلق راحتي. فبحثت ~~عن الأمر بنفسي وتدبرت ما أعلمه من تاريخ علي وعثمان وغيرهما من القائمين في هذه الفتنة ~~فوجدت معاوية وسائر بني أمية على ضلال بل هم أهل أغراض اتخذوا مقتل الخليفة المظلوم ذريعة ~~للحصول عليها». قال ذلك وأقطب حاجبيه وقد أبرقت عيناه من خلال قوس الأشياخ حول حدقتيه ~~وبان الجد في لهجته فظل سعيد صامتا لا يبدي حراكا لما استولى عليه من الدهشة. # الفصل الثالث عشر # | التهمة الباطلة # فمشط الشيخ لحيته بأصابعه وأصلح شعر حاجبيه وشاربيه والتفت إلى سعيد وقال: «يزعم ~~معاوية وأصحابه أنهم جردوا السيوف وسفكوا الدماء للمطالبة بدم عثمان كأنهم لم يكونوا ~~يستطيعون الذب عنة قبل قتله. ولقد يضحكني مطالبة عمرو ms025 بن العاص بدم عثمان وهو أول من أراد ~~قتله وسعى في قتله حتى لقد يفتخر أنه هو الذي قتله وإن يكن في فلسطين. فقد علمت أنه ما ~~بلغه مقتل عثمان وهو في وادي السباع قال: «انا قتله وإنا في وادي السباع» # 1 # يعني أنه سعى في قتله عن بعد. فلا يغرنك بعد ذلك مجيئه هو وابناه ماشين ~~إلى دمشق وهم يبكون ويقولون (واعثماناه ننعي الحياء والدين) إنهم إنما فعلوا ذلك حيلة ~~للانضمام إلى معاوية ...». ~~«وأما معاوية وسائر بني أمية فهل تحسبهم أشرعوا الأسنة وأيقظوا الفتنة طلبا بدم ذلك ~~الخليفة المقتول؟ فإذا كانوا فعلوا ذلك غيرة وحنانا ما بالهم لم يدافعوا عنه وهو محصور ~~يستنجدهم من المدينة إلى الشام؟ وهب أنهم تأخروا عن نجدته كرها كما يزعمون فما بالهم نسوه ~~ونسوا أولاده. وإذا كانوا يعتقدون موته مظلوما وإنهم إنما قاموا للمطالبة بدمه فلماذا لم ~~يولوا الخلافة ولدا من أولاده؟. أرأيت كيف اتخذوا اسم هذا الخليفة ودمه ذريعة إلى السلطة ~~....» ~~«هكذا فعل أيضا طلحة والزبير فقد قتل عثمان وهم في المدينة على قيد أذرع منه فلو أرادوا ~~إحياءه لم يعجزهم الدفاع فسكتوا عن قتله حتى إذا رأوا الخلافة أفضت إلى علي تظاهروا بالدفاع ~~عن عثمان وقالوا أنه قتل ظلما». # وكان الشيخ يتكلم وهو يحاول خفت صوته فلا يطاوعه التهيج فلا يشعر إلا وقد علا صوته تتخلله ~~غصات وارتجاجات. وأما سعيد فكان يسمع كلام جده وهو مطرق لا يستطيع النظر إلى وجهه تهيبا ~~واحتراما. فلما وصل أبو رحاب إلى هذا الحد سكت برهة تشاغل فيها بمسح فمه وشاربيه مما ~~لحقهما من نفثات ريقه أثناء الكلام لأن الهرم أخلى فكيه من الأسنان. فاغتنم سعيد تلك الفرصة ~~وخاطب جده قائلا: «كيف تحسب عمل هؤلاء طمعا في الخلافة ولا تحسب عمل علي أيضا مثل ~~عملهم. وقد كانوا جميعا في المدينة فكيف إذا قتل الخليفة تكون البيعة لواحد منهم والباقون ~~ينظرون. لماذا لم تحسب ذلك طمعا من علي؟». # فضحك الشيخ ضحكة اغتصابية أو هي قهقهة تشبه الضحك ms026 لعظم ما قام في نفسه وهو في آخر يوم من ~~أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة. وقبل أن يتم قهقهته حول وجهه إلى سعيد وقال: ~~«أتسألني عن خلافة علي وقد كان الأولى بي أن أسأل نفسي ما الذي أعماني عن حقوقه فيها من أول ~~الأمر صدق القائل أن الغرض يعمي ويصم ... إن الخلافة لم تكن لأحد من الصحابة قبل هذا الإمام ~~وهو ابن عم الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) وصهره على ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين. وهو أول الناس ~~إسلاما بعد خديجة # 2 # وزد على ذلك أن الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) ربي في حجر أبي طالب والد علي. وقد كفله ~~ودافع عنه عند أول الدعوة. وكانت قريش تكره دعوته حتى كثيرا ما هموا بأذيته وأبو طالب ~~يمنعهم بما له من المنزلة الرفيعة عندهم. فلما ولد علي ربي في حجر الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) وأسلم ~~وهو في العاشرة من عمره وذب عن الإسلام بقلبه ويده ولسانه ولا أنسى يوم الهجرة يوم تآمرت ~~قريش على أذية الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) في مكة فعول على الهجرة كيف أن عليا أقام مقامه في ~~منزله فتسجى ببرده وبات على فراشه وعرض نفسه لخطر القتل ونجاه الله. ناهيك عن حروبه في ~~الغزوات والسرايا فقد شهد معظم المواقع وأشهرها وبذل نفسه في الذب عن الإسلام يوم كان ~~معاوية ووالده وإخوته في مكة من ألد أعداء الإسلام ولم يسلموا إلا بعد فتح مكة أي بعد ~~قنوطهم من النصر». # 3 # الفصل الرابع عشر # | علي والخلافة # وكان أبو رحاب يتكلم والعرق يتصبب عن جبينه كأنه يعمل عملا شاقا يجهد نفسه فيه وسعيد ~~صامت مطرق لا يزال في دهشته واستغرابه حتى كاد يغيب عن صوابه. ولم يجسر على كلام. وطال سكوت ~~جده فهم باستفهامه فرآه يتحفز للكلام فسكت وأصغى فقال أبو رحاب «أراك دهشت لما سمعته ~~كأنك لم تعلمه قبلا ولا ألومك إذا علمته وتجاهلته فإني أكبر منك سنا وأعلم منك في هذه ~~الشؤون وقد أعماني الغرض. ms027 وكأنني بعد ذاك الهاتف قد فتحت عيناي وصرت انظر إلى الحقيقة كما ~~هي ....» ~~«نعم إن عليا أولى منهم جميعا بالخلافة والرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) فضله عليهم جميعا وآخاه ~~دون سواه فقال له على مسمع من الصحابة (أنت أخي في الدنيا والآخرة) وخاطبه مرة وقال: (لا ~~يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا كافر) ولقد تستغرب ما سأتلوه عليك وتعجب كيف لم يتول الخلافة ~~قبل الآن كيف لا وهو قول الرسول: (إن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي) وقوله ~~( # صلى الله عليه وسلم ~~) (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وإل من والاه وعاد من عاداه) # 1 # فمن يعلم ذلك ويعجب لخلافته بل كيف لا يعجب لتقاعده عن الخلافة إلى ~~الآن». # وكان سعيد لا يزال مطرقا وقد تغيرت سحنته وتولته الدهشة حتى ظن نفسه في منام وندم على ~~مجيئه لأنه أصبح بعد سماع ذلك الكلام حجرا بين مطرقتين لا يدري أيقوم بعهده لقطام التي ~~ملكت لبه أن يعمل بوصية جده وهو في آخر أيام الدنيا. فظل صامتا لا يبدي حراكا. وأدرك جده ~~تلبكه ولكنه تجاهل عما يجول في خاطره وعمد إلى إتمام الحديث فقال: ~~«فترى يا ولدي أن عليا أولى بالخلافة من سائر الصحابة بالنظر إلى قاربته وصهره ~~ووصية الرسول له ولكنه يمتاز عن سائر الناس بفضائل تكفي وحدها لتوليه أمور المسلمين ~~لا أرى في معاوية وأصحابه شيئا منها. إن عليا رجل منقشف زاهد في الدنيا رأيته ~~مرة أنزل سيفه للسوق فباعه فسئل لماذا فعل ذلك فقال: (لو كان عندي أربعة دراهم ثمن ~~آزار لم أبعه) ويكفي قوله في وصف المؤمنين (ومن سيماهم أن يكونوا خمص لبطون من ~~الطوى يبس الشفاه من الظمأ عمش العيون من البكا) ولو فتشت بيته اليوم ما وجدت فيه ~~لا صفراء ولا بيضاء. وقد قضى عمره في عز الإسلام وفتح الفتوحات ولم يلبس ثوبا ~~جديدا ولا اقتنى ضيعة ولا ريعا # 2 # ومن كان في مقامه قادر على حشد الأموال واقتناء العبيد والإماء والضياع ms028 ~~والماشية كما فعل غيره من الصحابة كطلحة والزبير وعثمان وصاحبنا وابن عمنا معاوية ~~...». # الفصل الخامس عشر # | معاوية وأصحابه # ولما بلغ الشيخ إلى هذا الحد تنهد تنهدا عنيفا وصوته يعلو بالرغم عنه «إن معاوية خدعنا ~~بتظاهره في نصرة الخليفة المقتول حتى كرهنا بالإمام علي وقد كنا في ظلمات من الغرض لا يرى ~~الحق وأما الآن وقد قشعت الغشاء عن عيني فإني أصبحت ناقما على معاوية وإذا فكرت في إعماله ~~وإعمال كدت أتميز غيظا ويتفطر قلبي أسفا على ما نال هذا الإمام من الأذى الذي لا يستحقه. ~~كيف لا وهو رجل عرفناه يوم انتصر علينا في موقعة الجمل كيف أنه أشفق على عدوه إشفاقه على ~~أولاده فأوصى أصحابه أن لا يلحقوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح ولا يسموا النساء ولا الأولاد ~~بسوء. وكم أوصى عماله أن يقسطوا في أحكامهم وقد أخبرني رجل سمعه يوصي أحد عماله ويقول (لا ~~تضربن رجلا سوطا في جباية درهم ولا تبيعن رزقا ولا كسوة شتاء ولا صيفا ولا دابة يعتمدون ~~عليها ولا تقيمن رجلا قائما في طلب درهم) # 1 ~~. ولو أردت أن أسرد من أمثلة ذلك لضاق بي المقام وخفت انقضاء أجلي قبل الفراغ ~~منها وإنا إنما استمهل ملاك الموت ريثما أتم وصيتي لك ... فأصغ لي يا ولدي وتأمل عدل الإمام ~~علي وحلمه وما ارتكبه معاوية وعماله من التعدي على المسلمين. وخوفا من زيادة التطويل وقد ~~تعبت من الكلام اذكر لك حادثة قريبة العهد لايزال صداها يرن في الآذان ... آه ... آه من القساة ~~أهل المطامع ... أتعرف عبيد الله ابن عباس؟» # قال: «كيف لا أعرفه وهو ابن عم الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) وابن عم علي بن أبي طالب. نعم ~~أعرفه». # قال اصغ لما أقصه عليك واعتبر. لما فرغ معاوية من واقعة صفين وتحكيم الحكمين وظفر ~~بالخلافة بحيلة عمرو بن العاص كما تعلم بايعه أهل الشام وظل علي في العراق. فلم يقنع ~~معاوية بما أوتيه من الحكم فبعث سراياه إلى الحجاز والعراق للفتح يدعون الناس إلى بيعته ~~ونقض ms029 بيعة علي. وكان رسوله إلى الحجاز واليمن بسر بن ارطاة فجاء المدينة وتولاها لأن عاملها ~~فر من وجهه. ثم جاء مكة هذه منذ شهرين ولا يزال الناس يتحدثون بفرار صاحبها أبي موسى ~~الأشعري من وجهه بلا حرب. فأكره أهلها على البيعة فبايعه أهل مكة مكرهين وقد كنت مريضا ولم ~~أر وجهه ... على أن عمله هذا لا يستوجب ملاما ولكنه سار إلى اليمن وعاملها عبيد الله بن عباس ~~الذي ذكرته لك. فخاف عبيد الله فهرب إلى الكوفة استخلف عبد الله بن عبد المدان فلم يكن من ~~بسر بعد دخوله اليمن إلا أنه أمر بعبد الله هذا فقتله وقتل ابنه صبرا ... وسمع بابنين صغيرين ~~لعبيد الله بن عباس قد ودعهما عند زجل من كنانة بالبادية فأراد قتلهما فبعث إليهما فجاء ~~الكناني ومعه الطفلان فلما علم أن بسرا يريد قتلهما ذعر وصاح قائلا: «لم تقتل هذين ولا ~~ذنب لها فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما» ولم يكن من ذلك الظالم إلا أنه قتل الطفلين ~~والكناني # 2 # وبلغني أن الكناني دافع عنهما حتى قتل. ولقد أعجبني قول امرأة من كنانة رأت ابن ~~ارطاة مارا بعد تلك الفاجعة فقالت له: «يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين والله ما ~~كانوا يقتلون الأطفال في الجاهلية ولا الإسلام. والله يا ابن ارطاة إن سلطانا لا يقوم إلا ~~بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء». # 3 # هذه يا ولدي أعمال معاوية وعماله فأين هي من أعمال الإمام علي فكيف ننقم عليه بعد ذلك ~~ونقول أنه قتل عثمان وإن يستوجب القتل؟ # الفصل السادس عشر # | الخوارج # ولم يتم الشيخ كلامه حتى خارت قواه وعجز عن الكلام ومل القعود فاستلقى على ظهره وهو يلهث ~~والعرق يتصبب عن جبينه فخاف سعيد عليه فأسرع إلى منديل مسح به عرقه وأتاه بلبن كانوا أعدوه ~~له فشربه واستلقى يلتمس الراحة وسعيد جالس إلى جانبه وقد وقع في حيرة عظمى. فتصور عهده ~~لقطام والصك الذي كتبه على نفسه ولبث صامتا وجده الشيخ يلتفت ms030 إليه خلسة يراقب عواطفه. ~~فأدرك ارتباكه وعلم أنه يفكر بقطام وأهلها فحول وجهه نحوه وهو لا يزال مستلقيا وقال: ~~«أظنك تفكر في قطام وأهلها الخوارج وقد يخيل لك أن خروجهم من طاعة علي قد يطعن بصدق ما ~~قلته لك ولكنهم لم يخرجوا إلا طمعا في الدنيا فانتحلوا سببا لا يسمعه عاقل إلا هزأ بهم ~~وأيقن تعديهم. خلعوا طاعة علي لأنه قبل بالتحكيم المشهور وما ذنبه وهم الذين أجبروه على ~~قبوله وهب أنه أخطأ فهل يخرجون عليه ويحاربونه. ولكنهم رأوا معاوية قام في الشام وكاد يفوز ~~بالخلافة فطمعوا هم بالحكومة لأنفسهم فاجتمعوا على نقض البيعة ويؤيد ذلك أنهم ولوا عليهم ~~رئيسا منهم وبايعوه ولكنهم فشلوا في حروبهم وعادت العائدة عليهم. # وليس فشلهم بالدليل على سوء نياتهم ولكنني أتلو عليك حكاية سمعتها من رجل أثنى بصدق ~~روايته قال: إن الخوارج عند أول خروجهم من طاعة علي على اثر رجوعهم من صفين نزلوا عن ~~النهروان فرأوا رجلا يسوق بامرأة على حمار فدعوه فانتهروه فأفزعوه وقالوا له من أنت. قال ~~أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ( # صلى الله عليه وسلم ~~). فقالوا له أفزعناك. قال: نعم. قالوا: لا ~~روع عليك حدثنا عن أبيك حديثا سمعه من رسول الله ( # صلى الله عليه وسلم ~~). قال: أنه تكون فتنة يموت فيها ~~قلب الرجل كما يموت فيه بدنه يمسي فيها مؤمنا ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا. فقالوا: لهذا ~~الحديث سألناك فما تقول في أبي بكر وعمر؟. فأثنى عليهما خيرا. قالوا: ما تقول في عثمان في ~~أول خلافته وفي آخرها. قال: إنه كان محقا في أولها وفي آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل ~~التحكيم وبعده. قال : إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك ~~تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا. ~~فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقير فسقطت منه ~~رطبة فأخذها أحدهم فتركها في فيه فقال آخر: أخذتها ms031 بغير حلها وبغير ثمن فألقاها ثم مر بهم ~~خنزير لأهل الذمة فضربه أحد بسيفه فقالوا هذا فساد في الأرض فلقي صاحب الخنزير فأرهباه فلما ~~رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم من بأس إني مسلم ما ~~أحدثت في الإسلام حدثا ولقد أمنتموني قلتم لا روع عليك. فأضجعوه فذبحوه فسال دمه في الماء ~~وأقبلوا إلى المرأة فقالت إني امرأة ألا تتقون الله. فبقروا بطنها. هذه أعمال أعداء علي ~~وهذا هو علي كيف ننقم عليه بل كيف نقتله أو نساعد على قتله بل كيف نسكت عن قتلته ولا ~~ندافع عنه. # الفصل السابع عشر # | خاتمة الوصية # فلما رأى سعيد نهاية حديث جده لم يعد يذكر الصك الذي كتبه على نفسه وتعهد فيه بقتل علي ~~لئلا يزيد من غضبه. فظل ساكتا يفكر في حيلة يتخلص بها من وعده بالتي هي أحسن فلم يسعفه ~~ذهنه على التأمل وقد أحس بالتعب الشديد ورأى أبا رحاب قد تعب أيضا. قال له: لقد أتعبت نفسك ~~يا جداه بوصايتي فأشكر عنايتك وإني أرى في قولك الصواب وأطلب إليه تعالى أن يقدرني على ~~العمل به فاسترح الليلة وغدا نصبح إن شاء الله وقد ارتحنا فنستأنف الكلام. قال ذلك واكب ~~على يده فقبلها فرآها قد زادت برودة وجمودا. فقال له جده: «نم هنيئا يا ولدي ولكنني أخشى ~~أن لا أصبح في الغد فلابد من كلمة أقولها وهي خاتمة وصيتي لك» قال: ذلك ومد يده فدنا سعيد ~~إليه فعانقه وبكى ثم قال: والدمع ملء عينيه وشفتاه ترتجفان وذقنه تهتز «إذا شئت يا ولدي أن ~~يفارق جدك هذه الدنيا مرتاحا مطمئنا عاهده بأنك تعمل بوصيته أي أنك لا تبغي سوءا للإمام ~~علي بل إذا رأيت سبيلا للدفاع عنه دافع بكل جهدك.. هل تعاهدني على ذلك؟ ... عاهدني عليه. ~~واجبر قلبي واذكر أني جدك ووالدك ووصيك وإني ربيتك وكفلتك وإني لا أريد بك إلا الخير. هل ~~تعاهدني على ذلك.. قل نعم واجبر قلبي إني قلق عليك ...». # فتأثر سعيد ms032 من كلام جده حتى اغرورقت عيناه بالدموع وتذكر حنوه وانعطافه فلم يسعه إلا ~~الإيجاب فعاهده على وصيته. # ولكنه لم يكد يعاهده حتى تذكر عهده لقطام في الضد من ذلك فعظم عليه الأمر على أن البغتة ~~أنسته هول ذلك التضاد. ورأى في جده ميلا إلى الرقاد فدعا الرجل الموكل بخدمته وأمره أن ~~يتولى تعهده في أثناء رقاده وخرج إلى غرفة أخرى نزع فيها ثيابه والتمس الراحة. أما الرقاد ~~فلم يكن له فيه مطمع بعدما انتابه من الهواجس والمشاغل. # على أنه لم يكن يهدأ له بال وإذا فكر في حاله ازداد الأمر خطارة لديه وهاله ما رمى به ~~نفسه من عهدين متناقضين. فكان كلما تصور عدو له عن قتل الإمام علي شعر بارتياح من الخطر ~~الذي كان يخافه على نفسه لو باشر القتل. ولكنه لا يلبث أن يفكر بعهده المكتوب وبقلبه ~~المغلول حتى ترتعد فرائصه ويرتبك في أمره فيهب من فراشه كأنه أصيب بخبل. # الفصل الثامن عشر # | طيف قطام # ومازال في مثل ذلك حتى انقضى نصف الليل وهو لم يغمض له جفن ولم يزدد إلا اضطرابا وقلقا. ~~وضاقت الدنيا لديه فنهض من فراشه وتزمل ببرده وعباءته وتعمم وخرج يلتمس الخلاء. وكان الظلام ~~مخيما وقد رقد الناس ولم يبق في شوارع مكة أحد. ففرح لذلك الهدوء وسار لا يدري إلى أين وهو ~~غارق في هواجسه ولم يسر قليلا حتى شعر بالبرد فالتف بالعباءة وظل ماشيا تارة ببطيء وطورا ~~يسرع على غير هدى فما شعر إلا هو بباب المسجد الحرام وأحس لساعته بارتياح. فقال في نفسه ~~لأدخلن المسجد أصلي ركعتين لعل الله يوحي إلي طريقة تخفف اضطرابي. وكان الباب مفتوحا وصحن ~~المسجد خاليا فتأبط نعليه ودخل حتى دنا من الكعبة فصلى وسجد فأحس لساعته براحة فطاف حول ~~الكعبة ثم التمس مكانا وراءها اتكأ فيه وعادت إليه هواجسه. فأرسل بصره يراقب النجوم ~~السابحة في الفضاء وقد اجتذب بصره جمال القبة الزرقاء وأفكاره تائهة في ما أحدق به واشتد ~~البرد عليه فأدخل رأسه في العباءة جعلها ms033 خمارا. وكأن التعب والبرد تغلبا عليه فخدر بدنه ~~واستولى عليه النعاس ولكنه لم يكد يغمض جفنيه حتى ابتدرته الأحلام فرأى قطاما بجلباب أسود ~~وقد أسفرت عن محياها فبدت عيناها المكحولتان ورآها تمشي نحوه حافية القدمين على بساط من ريش ~~النعام الأبيض. فخفق قلبه لرؤيتها وهم بالسلام عليها فرآها أعرضت إعراض العاتب وعيناها ~~تتلألآن بالدموع فتفطر قلبه لرؤيتها وساءه إعراضها فهم بالإقبال عليها فلم تسعفه رجلاه لما ~~تولاها من الرعدة فناداها يلتمس قربها فلم تجبه وظلت معرضة وقد تحولت عنه ومشت وهي تنظر ~~إليه شزرا ولسان حالها يقول: «لقد خنت عهدي فما أنت أهل لي». # وحاول سعيد اللحاق بها ليخبرها ببقائه على العزم فلم يستطع ولما ابتعدت عنه هم أن ~~يناديها فأفاق من رقاده فإذا هو وحده بجانب جدار الكعبة والظلام محدق به فمسح عينيه ليتيقن ~~حاله أفي يقظة هو أم في منام ولما تحقق أنه كان في منام حمد الله ولكنه أيقن أنه إذا لقي ~~قطاما لا يرى منها غير الإعراض. # فمكث صامتا تتقاذفه الهواجس وهو لا يهتدي إلى حل مقنع فنهض يلتمس المنزل ليرى ما تم لجده ~~بعد ذلك الحديث. واشتاق للالتحاف بالفراش بعد بضع ساعات قضاها في ذلك الخلاء والبرد قارس. ~~ولم يكد يتلو سورة الفاتحة وهو عائد حتى سمع لغطا خافتا كان أناسا يتسارون. وكان قد وصل ~~إلى مقام إبراهيم أمام الكعبة. # 1 # فوقف وأصاخ بسمعه فسمع خطوات بطيئة تقترب من الكعبة وهمسا يتكرر كأن القادمين ~~يتشاورون في أمر هام. فانزوى وراء المقام في مكان لا ينتبه إليه أحد وخصوصا في ذلك الظلام ~~ولكنه كان إذا أرسل بصره وقع على الكعبة وحواليها. # الفصل التاسع عشر # | المؤامرة # فما لبث أن رأى ثلاثة رجال لم يعرف أحدا منهم ولكنه عرف من قيافتهم أنهم غرباء على أنه ~~لم يقدر على تمييز ألوانهم ولا سحنتهم وقد لفوا رؤوسهم بالعمائم لفا كالخمار إما اتقاء ~~للبرد وإما تنكرا. # فهمه أمرهم وخفق قلبه خوفا من انكشاف مكانه وربما كانوا في مهمة إذا علموا أنه ms034 اطلع ~~عليها سعوا في قتله. فبالغ في الانزواء وخاف أن يداهمه العطاس فلا يستطيع حبسه فينفضح أمره ~~فظل متحيرا. أما هم فوصلوا باب الكعبة واقتربوا من سعيد بحيث يراهم جميعا ولو كان القمر ~~طالعا أو كان هناك مصباح لتبين سحنهم جيدا ولكنه لم يقدر على تمييز شيء منهم لاشتداد ~~الظلام. على أنه تأكد من مجمل أحوالهم وحركاتهم أنهم جاؤوا لأمر ذي بال أحدهم طويل القامة ~~وهو أكثرهم حركة فجلس رفيقاه الأربعاء وظل هو واقفا ثم جلس القرفصاء وقال: «والآن مالنا ~~ولهؤلاء إنهم جبناء تعالوا نبدأ بالأمر فيكون لنا الفخر». # قال الثاني وكان قصير القامة ممتلئ الجسم «إني أرى رأيك إذ ما نابنا من هؤلاء الأئمة إلا ~~الضرر. هم يتنازعون على الخلافة فيقتل المسلمون بعضهم بعضا في نصرتهم فإذا قتلناهم رقدت ~~الفتنة. نعمن قتلهم جميعا» قال ذلك بصوت خافت وفي نطقه لجلجة وكان يلتفت يمنة ويسرة لئلا ~~يسمعه أحد. # فقال الرفيق الثالث وكان لا يزال ساكتا «إني أفكر في واقعة النهروان وفيمن قتل فيها من ~~الأبطال والشجعان إلا ويقطر قلبي دما. إن عليا قتلهم لأنهم لم يرضوا معه ~~بالتحكيم». # فابتدره الأول الطويل وكان أكثرهم جرأة على الكلام وكان رفيقاه إذا تكلما خفضا صوتيهما ~~أما هو فكان لا يهاب شيئا فيتكلم بملء فيه فقال: «لا يكفينا التذمر والتضجر ونحن سكوت نرى ~~أبناءنا وإخوتنا يقتلون في نصرة أولئك الأئمة ولا نبدي حراكا. هلم بنا نقتلهم ونريح ~~المسلمين من شرهم». # فلما سمع سعيد حديثهم علم أنهم جاءوا للمؤامرة على قتل جماعة من الأئمة الإمام علي واحد ~~منهم ولكنه لم يعلم من هم الباقون. فجعل يرتعد لتأثره وزاد خوفه على نفسه إذا كشف مكانه . ~~وكان في بادئ الرأي قد ندم على بقائه هناك فلما توسم خطارة ما هم فيه من سر لبقائه على ~~أنه مازال خائفا من الفضيحة. فلبث منزويا وهو يحبس أنفاسه خوفا من السعال أو العطاس فإنه ~~لو تنحنح أو عطس لأجفلهم جميعا وهم على بضعة أذرع منه. ولو قام أحدهم ومشى خطوتين ms035 نحو مقام ~~إبراهيم لرأى سعيدا أمامه. أما سعيد فكان يفكر في حيلة ينقذ بها نفسه لو كشف مكانه. وكان ~~مع شدة الظلام يخيل له أنه في رابعة النهار لخوفه وقد ساعده على ذلك صحو الجو وتلألؤ ~~الكواكب لأن السماء كانت نقية لا يحجب نجومها الأسحب رقيقة متفرقة كانت تجتمع أحيانا ~~وتتلبد فتزيد الظلام كثافة وقد كان سعيد في انفراده وراء الكعبة قبل مجيء هؤلاء إنما يشاغل ~~نفسه بمراقبة حركات تلك السحب. وكان إذا تلبدت أو تكاثفت انقبضت نفسه أم الآن فأصبح لا يرى ~~غير الخطر أمامه وود تكاثف الغيوم لأنها تزيد في احتجابه وقد نسي قطاما وجده وأصبح قلقا ~~لاستطلاع سر ذلك الاجتماع. # الفصل العشرون # | 17 رمضان # وكان السكوت قد استولى على تلك الجلسة لحظة على اثر كلام ذلك الطويل الجرئ فلما رأى هذا ~~سكوت رفيقيه ابتدرها قائلا: «وإذا فعلنا ذلك ما الذي نخافه غير الموت؟ حبذا الموت في سبيل ~~انقاذ المسلمين من فتنة يقتتلون فيها. وأصل الفتنة كما تعلمون ثلاثة من كبارنا يتنازعون على ~~الخلافة أو هي السلطة الدنيوية وهم علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ~~هلم بنا نقتلهم ونريح الناس منهم». # 1 # فقال الثاني: «لقد وافقتك على رأيك من أول الأمر ولكن ما السبيل إلى قتلهم وأنت تعلم أنهم ~~محاطون بالجند والأعوان فلنفكر في طريقة تضمن لنا الفوز وتأمننا من الخطر». # فأسرع الأول قائلا: «أراك تتردد في القول كأن الأمر هالك خطره وكأني بك تخاف كبير أولئك ~~الأئمة وتخشى أن يكون من حظك قتله. تعالوا نقتسم العمل فيما بيننا. تعالوا نتعاهد على أن ~~يقتل كل منا واحدا من أولئك الثلاثة ولنعين يوما نباشر العمل فيه معا فيكون أحدنا في ~~الكوفة لقتل علي والآخر في مصر لقتل عمرو والثالث في الشام لقتل معاوية في يوم واحد ويقتل ~~كل منا صاحبه في ذلك اليوم فيصبح المسلمون وقد نجوا من أسباب الفتنة فيختارون خليفة ~~يولونه أمورهم وترجع الخلافة إلى بساطتها». # ولما سمع سعيد ذلك تهيب لعظم ms036 هذا المشروع ولم يصدق أنهم يتفقون على القيام به. ولاح له ~~لأول وهلة أن عليا إذا قتل رضيت قطام به وإن لم يكن قتله على يده ولكنه تذكر كلام جده ~~ووصيته بأن يدافع عن علي لبراءته مما ينسبونه إليه فانقبضت نفسه. وما لبث أن شغل عن تلك ~~الهواجس بما دار بين أولئك المتآمرين. فإن المتكلم الأول لما فرغ من كلامه ولم ير من رفيقيه ~~تلبية لم يصبر حتى يسمع جوابهما فقال لهما: «لا تترددا ولا يهولكما الأمر وهو أسهل ما يكون ~~على ذي مروءة. وكأني بكما تفكران في كيفية اقتسام العمل وتخافان أن يكون نصيب أحدكما أصعب ~~مراسا من نصيب الآخر فلا تخافا إني أتعهد بقتل أكبر هؤلاء الثلاثة وأشجعهم. أنا أقتل ~~عليا ابن أبي طالب فآتي الكوفة وإن يكن مقامي في الفسطاط فأقتله» قال ذلك وأقبل حتى دنا ~~من باب الكعبة وأمسك بحلقته وقال لهما: «ها إني أمسكت بحلقة الكعبة وأقسم بالله وبهذا البيت ~~الحرام أني أقتل عليا ابن أبي طالب ابذل في سبيل ذلك ما في وسعي وأشهد الله على ~~ذلك». # فلما فعل ذلك نهض رفيقاه وقد اندفعا إلى القسم فأمسك كل منهما بحلقة الباب وأقسم أحدهما ~~أنه يقتل معاوية بن أبي سفيان والآخر أنه يقتل عمرو بن العاص. # ولا تسل عن حال سعيد بعد أن تم التعهد على هذا الفعل الخطير وود لو يعرف أولئك ~~المتعاقدين ولكنه لم ير سبيلا إلى ذلك. على أنه علم من خلال حديثهم أن المتعهد بقتل الإمام ~~علي من أهل فسطاط مصر. # ثم رأى الثلاثة عادوا إلى مجالسهم فقال أحدهم وهو السمين القصير «لقد تعاهدنا على قتل ~~هؤلاء الأئمة ولكننا لم نعين اليوم الذي نفعل فيه ذلك وإن لم نعينه قتلنا جميعا». # فقال الثالث: «وهذا رأيي أنا أيضا لأننا إن لم نعين اليوم كان المجال واسعا ونخشى إذا ~~سبق أحدنا الآخر ولم ينجح أو قتل أو قبض عليه أن يخاف الباقيان ويرجعا. فنعين اليوم ~~والساعة». # فقال الأول: «إن الساعة لا يمكن تعيينها ms037 ولكننا نعين الليلة فليكن عملنا في ليلة واحدة. ~~في أي الشهور نحن الآن؟ # قالا: في جمادى. # قال: «فليكن موعدنا رمضان المبارك حتى لا نعيد الفطر إلا والمسلمون كافة في راحة وإذا ~~قتلنا لقينا ربنا وقد فعلنا ما علينا. فاختاروا ليلة من ليالي رمضان». # قال الثاني: «إني أختار الليلة السابعة عشرة من ذلك الشهر فما قولكم». # 2 # قالوا: «إنها خير ليلة». ونهضوا وسعيد يخاف أن يمروا به فيروه ولكنهم داروا حول الكعبة ~~كأنهم يطوفون بها ولبث هو ينتظر عودتهم فلم يعودوا. فلما استبطأهم علم أنهم خرجوا من باب ~~آخر أو داروا وتحولوا إلى الباب الذي دخلوا منه. فرفع رأسه ونظر حوله فلم ير أحدا ولا سمع ~~صوتا. فنهض وطاف حول الكعبة فتحقق أنهم خرجوا. فجلس هنيهة يفكر في ما مر به وهو يحسب نفسه ~~في حلم لغرابة ما رآه واتفاق حدوثه في الليلة التي أوصاه جده فيها أن لا يقتل عليا. ونظر ~~إلى الأفق فاستقبلته الزهرة تتلألأ كأنها تبشره بإقبال الفجر. وتذكر جده فقال لأعودن إلى ~~المنزل قبل أن يطلع النهار ويخرج الناس. فعاد يلتمس البيت. # الفصل الحادي والعشرون # | آخر العهد بأبي رحاب # ولما اقترب من المنزل خفق قلبه مخافة أن يكون جده قد أصاب حتفه في غيابه فدخل الدار فرأى ~~السكوت مستوليا عليها فاستبشر والتمس الحجرة التي كان جده نائما فيها فرأى المصباح لا ~~يزال مضيئا فأطل من الباب فرأى عبد الله جالسا بجانب الفراش وجده نائم. فنظر إلى عبد ~~الله كأنه يستطلعه الحال فنهض لاستقباله ووجهه باش فاطمأن باله وقبل أن يلقي التحية ~~ابتدره عبد الله قائلا: لقد شغلت بالنا بغيابك فإن جدك أفاق من نومه مرارا والتمس أن يراك ~~ونحن لا نعرف مكانك وقد ألح كثيرا في طلبك. # قال: وكيف هو الآن؟ # قال: هو في خير وقد رأيناه في راحة لم يذقها منذ أيام. # ولم يتم عبد الله كلامه حتى رأى أبا رحاب يتحرك في فراشه فتقدم سعيد نحوه فإذا هو قد فتح ~~عينيه وأشار إليه بيده فدنا ms038 منه وجثا أمامه يلتمس منه إشارة. # فقال أبو رحاب: أين كنت يا ولدي فقد التمسناك مرارا فلم نقف على مكانك. # قال خرجت في حاجة إلى الكعبة واتفق لي حادث شغلني عن المجيء حتى الآن. # فمد الشيخ يده حتى قبض على يد سعيد وضغط عليها كأنه لا يريد أن يفارقه وسعيد صامت لا يبدي ~~حراكا لشدة تأثره من منظر جده الشيخ وقد شعر أنه إنما ضغط على يده ضغطة الوداع. # فترقرقت الدموع في عينيه والتفت إلى عيني جده فرآها عارقتين بالدمع وهما شاخصتان إليه ~~فتفطر قلبه وهم أن يتكلم فابتدره جده قائلا: «أراني لا أزال في قلق على مستقبل حياتك ~~وأخشى أن لا تكون استوعبت نصيحتي فقد نصحتك وأنا في آخر أيام الدنيا نصيحة أوحى إلي أن ~~ألقيها إليك. وقد تركتني الليلة غارقا في بحار الأحلام وكأن هاتفا خوفني من غيابك. هل ~~أنت باق على عهدي يا سعيد». # قال: «لقد عاهدتك يا جداه عهدا وثيقا أني لا أنوي شرا للإمام علي ما حييت وأنا باق على ~~عهدي وأريدك علما أني لقيت في الكعبة أناسا يتآمرون على قتله وقتل صاحبيه معاوية وعمرو في ~~يوم عينوه. وتعاهدوا عليه فلم يبق تمت حاجة إلى سعيي». # فبغت الشيخ وحملق بعينيه وصاح قائلا: «ومن هم هؤلاء». # فقص سعيد خبره مختصرا وختم كلامه قائلا: «إني لم أعرفهم ولا استطعت اللحاق بهم خوفا ~~منهم لأني أعزل». # قال: «ألم تعرف الذي تعهد بقتل الإمام علي». # قال: «كلا ولكنني علمت من عرض كلامه أنه من مصر ويغلب على ظني أنه من الخوارج». # فصمت الشيخ برهة كأنه يفكر في أمر هام ولحظ سعيد من شخوص عينيه وذبول أجفانه وتغير سحنته ~~أنه تعب. وأما أبو رحاب فتجلد وقال وصوته يرتجف وقد أصبح لا يستطيع التلفظ بكل مقطع من ~~مقاطع الكلام كأن لسانه أصيب بتلعثم قال: «ياليتني كنت بينهم لأقنعهم بالكف عن ذلك ... ولو ~~استطعت استمهال أجلي لسعيت في البحث عنهم فإذا عرفت الساعي في قتل الإمام علي أرجعته عن غيه ~~بالبرهان ... إنهم ms039 والله ظالموه» ... ثم سكت هنيهة ريثما يستريح وعاد إلى الكلام وهو يتلجلج ~~ويقف عن الكلام عند كل شهيق من تنفسه. وكان تنفسه قد أسرع وظهر الاضطراب عليه فتحقق سعيد أن ~~جده في حال النزع فارتعدت فرائصه تجشع قلبه وأسف لحاله ولكنه أصغى لتتمة حديثه فإذا هو ~~يقول: «وأما أنت يا سعيد فأصغ لقولي واعمل بنصيحتي ... ولا أقبل منك السكوت عن هذا الأمر ... ~~وإنما أنت.. مكلف بالبحث عنه ... إنك مكلف بالبحث عن هذا ... الرجل في مصر ... والشام ... والعراق ~~حتى تعلم مقره .... فإما أن تقنعه.. بالعدول.. وإما أن تنبئ الإمام بأمره ... إني ... ألقى ... هذا ~~الأمر ... على عاتقك ... فاحذر ... أن تتقاعد عنه. وإلا فاتك ... قاتل عليا بيدك .... هذه وصيتي لك ~~اختفظ بها ولا تتماهل أو تتجاهل ... والله شاهد ... على ما أقول. هذه ... وصيتي الأخيرة بل ... هذه ~~... آخر كلمة أفوه بها في هذه ... الحياة الدنيا ... وكنت مستغربا استئخار أجلي ... إلى الساعة. ~~وكنت أحسبني ... ميتا منذ أيام ولكن الله ... إنما أراد بذلك ... أن أكل إليك ... بهذا الأمر ... هذه ~~آخر وصيتي لك ... ابحث ... عن هذا الرجل وارجعه ... عن غيه ... كما أرجعتك ولو أوتيت .... عمرا ~~ثانيا لقمت في بني أمية ... وفي الخوارج ... خطيبا أصرح ببراءة ... الإمام علي على رؤوس ~~الأشهاد. ولكن آه ... إن الساعة آتية لاريب ... فيها ... وها إني أستودعك ... الله وآخر ك ... لم ~~...ة.. أقو ...لها لك.. علي .... علي ... دا ....فع ... عن علي بيدك ... وقلبك ... ولسا ...نك ....» # ولم تخرج هذه الكلمات الأخيرة من فيه حتى اختنق صوته ثم شهق شهقة دوى صوتها في أطراف ~~المنزل وارتخت مفاصله فأفلتت يد سعيد من يده. ونظر سعيد إلى جده فإذا هو قد أغمض جفناه ووقف ~~تنفسه ... فجس يده فإذا هي باردة فلمس جبينه فإذا هو كالثلج وقد فتح فاه وأرسل نفسه الأخير ~~وبطلت حركة الحياة فأصبح تمثالا من تراب. فاقشعر بدن سعيد ولطم يدا بيد وصاح «جداه يا ~~جداه.. وا ويلاه كلمني زودني نصيحة أخرى ...» وما من مجيب فأيقن بوفاته وكان عبد الله قد خرج ~~فعاد ولما رأى أبا ms040 رحاب قد مات أخبر أهل المنزل فاجتمعوا وعلا النحيب والبكاء. # ولم يكن الحزن على موت أبي رحاب شديدا لتوقعهم ذلك منذ أيام. ولكن سعيدا كان حزنه ~~مضاعفا لامتزاجه بالهواجس والاضطرابات بما سمعه من جده مع ماهو مقيد به من العهود في الضد ~~من ذلك. # الفصل الثاني والعشرون # | رفيق جديد # وبعد الاحتفال بالدفن عاد سعيد إلى صحوه وفكر في حاله فرأى نفسه في مشكلة لا يدري كيف ~~يتخلص منها. وبعد التأمل الطويل رأى المسألة مع إشكالها ليس أسهل من حلها إذا استطاع إقناع ~~قطام ببراءة علي فتتنازل عن الانتقام. فلما فتح عليه بذلك توسم فيه خيرا وأحس بانفراج ~~الأزمة فأعمل فكرته في الأسلوب الذي يستولي به على عواطفها ويغير اعتقادها بالإمام علي حتى ~~تسكت عن الطلب بثأر والدها وأخيها منه. فخيل له عن بعد أن إقناعها ممكن فهدأ روعه نوعا. # وأسرع في تدبير شؤون أهله وكان في حملتهم شاب اسمه عبد الله رباه أبو رحاب كما ربى ~~سعيدا وكان يتعزى به ويحبه وهو الذي أنفذه إلى الكوفة لاستقدام سعيد فلما مات أبو رحاب ~~تقدم عبد الله إلى سعيد أن يأذن له بمصاحبته وبالغ في إلحاحه واستهلك في سبيل مرافقته. ~~فتعجب سعيد لتلك الرغبة في السفر ولم يكن يعهد عبد الله ميالا إلى ذلك. # والسبب في تلك الرغبة أن أبا رحاب كان من الدراية والفراسة بحيث لم يخف عليه ضعف سعيد ~~فأرسل أنفاسه الأخيرة وهو يخاف عليه غدر الناس وخداعهم ولكنه استدرك ذلك قبل موته فأوصى عبد ~~الله هذا أن يكون له عونا فيصحبه حيثما سار فينجده ويرشده وإن يكن هو شابا مثله ولكنه كان ~~أعرف منه بأحوال الدهر وأسوأ طنا في مجريات الأيام . # وبعد أيام ودع سعيد أهله واصطحب عبد الله وسارا يطويان الصحراء نحو الكوفة وعبد الله لا ~~يعرف شيئا من علاقة سعيد بقطام ولا ما تآمر عليه الثلاثة في المسجد الحرام. ولكنه فهم من ~~وصية أبي رحاب أن سعيدا كان عازما على قتل الإمام فأرجعه أبو رحاب عن عزمه. ms041 وسمع حديث ~~سعيد عن المؤامرة ولكنه لم يتفهمها جيدا. فلما أوغلا في الصحراء فتح عيد الله حديثا تطرقا ~~منه إلى مقتل الإمام علي واستأنس سعيد بعبد الله وهو مخلص من فطرته ففتح له قلبه وكشف له ~~عن سره وارتاح لمشورته. ولم يصلا الكوفة حتى أصبح عبد الله عارفا بكل مكنونات قلبه فشاركه ~~في شعوره من قبيل عهده مع قطام ورجوعه عنه فثبته على وصية جده وهون عليه إقناع قطام إلى أن ~~قال: «فإذا لم تقتنع ليس أهون من أن تعدل عنها والنساء كثيرات وإنا أختار لك فتاة من أجمل ~~الفتيات خلقا وخلقا وأرفعهن نسبا لا تقاس بها بقطام» وكانا يتحادثان وهما على ناقتيهما ~~يطويان الصحراء طيا. # فقطع سعيد عليه الكلام قائلا: «لا لا تقل ذلك ليس في الناس أجمل من قطام عندي ولا صبر لي ~~على إغضابها ويظهر أنك لم تعان الحب ولا عرفت سلطانه» قال: ذلك وتنهد ... وصبر هنيهة ثم قال: ~~«وهب مع ذلك أني لا أحبها ولا أنا عالق بها فإن في يدها صكا مكتوبا أخاف إذا أغضبتها أن ~~تشي بي إلى علي أو ... ولكني واثق بصدق مودتها فهى لا تريد بي سوءا بل تبغي رضاي». # فقال عبد الله: «إذا كانت تحبك كما تقول فليس أهون من إقناعها في العدول عن قتل الإمام ~~فيهون عليك البحث عن المتعهد بقتله وتردعه عن غيه فإذا لم يرتدع قتلته أو نقلت خبره إلى ~~الإمام ليرى رأيه فيه». # فارتاح سعيد لهذا الرأي. # الفصل الثالث والعشرون # | اللجاجة السذاجة # وأقبلا على الكوفة ذات يوم والشمس قد مالت إلى المغيب وكان سعيد قد قضى ذلك النهار وهو ~~يستحث ناقته لعله يدرك المدينة قبل الغروب ليتمكن من المسير إلى بيت قطام إذ لا صبر له على ~~فراقها وهو على مقربة منها. فلما دنا الغروب وهو لم يدخل الكوفة انقبضت نفسه وأدرك عبد الله ~~انقباضه مما آنسه فيه من السكوت التام فأراد أن يصرف ذهنه عن ذلك فقال: «له وهل نحن بعيدون ~~عن منزلك». # قال: «لانلبث أن ms042 ندخل المدينة حتى ندنو منه لأنه في أطرافها». # قال: «إني أكاد لا أصدق بوصولي لأستريح من وعثاء السفر وأتخلص من ركوب الجمال فقد أتعبني ~~جريها وخصوصا في هذا النهار». # قال سعيد: «إني أراني في الضد من ذلك وتحدثني نفسي أن أصلي العشاء في المسجد قبل ~~المبيت». # فأدرك عبد الله أنه إنما يريد زيارة قطام ليطلعها على وصية جده ويرى ما يبدو منها إذا ~~علمت بما عول عليه فرأى أن يثنيه عن زيارتها ريثما يفاوضه في الأمر ويهيئا الحيلة في ~~مخاطبتها لئلا يفشلا لعلمه بسلامة نية سعيد فخاف عليه السقوط في ما يخشاه. فقال له: «دعنا ~~نصلي العشاء معا في المنزل ونصبح إن شاء الله فنصلي في المسجد». # فلم يراجعه سعيد حياء وقال له: «حسنا رأيت» ولكنه عول في باطن سره على الذهاب خلسة إلى ~~منزل العجوز لبابة يتجسس الحال. # وما لبثا أن دخلا الكوفة وقد أمسى المساء فالتمسا منزل سعيد فترجلا واغتسلا وصليا ثم ~~تناولا العشاء وتظاهر سعيد بالنعاس فذهب كل إلى فراشه. # وتبرص سعيد ريثما ظن رفيقه نام فالتف بعبائته وانسل إلى بيت لبابة وقضى طريقه يفكر ~~بعبارة يبدأ بها الكلام. فوصل المنزل فرأى لبابة خارجة منه وقد تخمرت ومشت تتوكأ على عكازها ~~فبغت لرؤيتها وحياها فردت التحية وهي لا تصدق أنها تره. فلما تحققت أنه سعيد رجعت وهي تبالغ ~~في الترحاب به وتضحك ضحكتها المعهودة. فاستأنس بلهفتها ثم ما لبث أن تذكر ما جاء به من ~~الأمر الجديد حتى انكمش قلبه ولكنه تبعها حتى وقفا بباب الغرفة فأمرت عبدها أن يضيء المصباح ~~وعادت إلى مخاطبته فسألته عن ساعة وصوله. فقال: «إني وصلت الساعة ومع شدة تعبي من السفر ~~الطويل لم أصبر على مشاهدتك قبل المنام». # فقهقهت قهقهة دوى لها البيت وخيل له لفرط قلقه أن عبد الله يسمعها. فقال لها بصوت خافت:» ~~وما الذي يضحكك يا خالة». # قالت: «لقد أضحكني شوقك إلى رؤية هذا الوجه القبيح (وأشارت إلى وجهها) وأنت إنما تشتاق ~~إلى رؤية وجه أجمل منه ... أليس ms043 كذلك ...». # فقطع كلامها وهو يبالغ في خفض صوته وقال: «لا والله إني الآن في شوق إليك أكثر من شوقي ~~إلى قطام لأني وقعت في مشكل لا أرى أحدا ينجيني منه سواك فأسعفيني برأيك ودهائك. وأرجو قبل ~~كل شيء أن تعتبرى قدومي إليك الان سرا تكتمينه عن كل لسان لأن معي رفيقا صحبني من مكة ~~فلما وصلنا الكوفة ورأى في ميلا إلى الخروج أقعدني إلى الصباح فاستحييت وبقيت فلما استغرق ~~في نومه جئت خفية ...». # ولم يتم كلامه حتى جاء العبد بالمصباح فدخلا الغرفة وسعيد يقول: «لقد عودتني يا خالة أن ~~تكوني عونا لي في مصائبي وأنت التي بمهارتك ودهائك أقنعت قطاما بزواجي فألتمس منك الآن أن ~~تقنعيها بما جئت به إليك». # فعجبت العجوز لاهتمامه الشديد ولو كان قلبها حيا لخفق واضطرب ولكنها تعودت الأهوال ولاقت ~~الغرائب فلم يعد يخيفها أمر. فقالت: «قل ما بدا لك إني مستودع أسرارك ولا آلو جهدا في ~~خدمتك». # فتنهد سعيد وسكت وهي تحدق فيه بعينيها الغائرتين. وبعد هنيهة قال لها: «لقد جئتك بأمر لا ~~أدري كيف أبدأ الحديث به». # قالت: «قل لا تبال ولا تجزع فإني عركت الدهر ولقيت الأهوال حتى لم أعد استغرب أمرا.. قل ~~ما بدا لك». # الفصل الرابع والعشرون # | كشف الأمر # قال سعيد: «أنت تعلمين أني عاهدت قطاما على قتل الإمام علي. # قالت: نعم أعلم ذلك. # قال: وهل تعلمين لماذا خرجت إلى مكة. # قالت: علمت أنك شخصت إليها ولكنني لم أعلم سبب شخوصك. # قال: شخصت إليها إجابة لطلب جدي رحمه الله. # قالت: جدك أبو رحاب؟ ما الذي أصابه؟ # قال: إنه مات بعد وصولي مكة بيوم واحد وكان قد بعث إلى ليراني قبل الممات. # قالت: «مات أبو رحاب! رحمة الله عليه.. إنه كان رفيقا بك شفوقا عليك وأنا أعلم كيف ربيت ~~في حجره وقد كان أحن عليك من الوالد. ولاشك أن موته شق عليك كثيرا. وكم كنت تود أن يبقى ~~حيا ليفرح بك ويشهد زواجك بعد أن يعلم بما تعهدت به لتنقذ بني أمية ms044 من العار و ... ... ~~....». # فقطع كلامها قائلا: «آه يا خالة لقد كنت أظن ذلك قبل أن قابلته ولكني ما لبثت أن ندمت ~~على ذهابي إليه لأنه حملني قبل موته حملا لا أدري كيف أتصرف به». # قالت: وماذا عسى أن يكون ذلك. # قال: إن ما ظننته سببا لارتياحه قد رأيته داعيا لغضبه. # قالت: هل أخبرته بعزمك على قتل علي. # قال: «نعم أخبرته ولكنه أنكر علي قتله وأوصاني وهو على فراش الموت أن لا أمد يدي إلى ~~هذه الجريمة لأن هاتفا جاءه وأنبأه ببراءة الإمام علي مما يتهمونه به». # وكان سعيد يتكلم ولبابة شاخصة إليه وقد أسفت لخيبة مسعاها ولكنها لدهائها ومكرها لم تبد ~~حراكا ولا أظهرت استغرابا بل تشاغلت بإصلاح خمارها تنتظر آخر الحديث. # وأما سعيد فكان يخاطبها وهو يتوقع بغتتها أو غضبها فلما رآها صامتة مصغية تجرأ على إتمام ~~الحديث فقال: «ولما سمعت كلام جدي دافعته فرأيت منه إصرارا على رأيه وقص علي شيئا ~~كثيرا من الأدلة والشواهد المؤيدة لقوله». # قال سعيد ذلك وسكت وهو ينتظر ما تقوله العجوز فرآها لا تزال صامتة ولم يبد على وجهها شيء ~~من الاستغراب فعطف بحديثه إلى المؤامرة التي شاهدها في الكعبة ظنا منه أنها توازن ما تقدم ~~من الحديث الغريب. فلما سمعت قصة المؤامرة على قتل الإمام علي وعمرو ومعاوية رأت فيها ~~تعزية ولكنها أظهرت الاستخفاف بما تآمروا عليه وأرادت أن تتحقق ما عول هو عليه فقالت: ~~«وهل علم أبو رحاب قبل موته بتلك المؤامرة». # قال: «نعم إني أطلعته عليها قبل إرسال نفسه الأخير ببعض الساعة فلم يزدني إلا ثقلا بوصية ~~قالها وهو في آخر ساعات الدنيا ... آه من تلك الوصية». # قالت: وما هي؟ # قال: «إنه أوصاني أن لا أكتفي بالكف عن قتل الإمام علي بل يجب علي أن أدافع عنه. فلم أر ~~بدا من إجابة طلبه وأنت تعلمين مركزي في مثل هذه الحال ... ولكني لم أعاهده إلا بعد أن تفطر ~~قلبي لدموعه التي كانت تنحدر على لحيته وقد شخصت عيناه وتلعثم لسانه وتلجلج ms045 صوته حتى خيل لي ~~أن عظامه تتكلم..». # الفصل الخامس والعشرون # | غاية الدهاء # فلما تحققت لبابة عدوله عن عهده خافت إذا أظهرت له الاستياء أن يبيح بأمرها وأمر قطام إلى ~~علي وهما في الكوفة فينتقم علي منهما فأرادت أن تخادعه فتأخذ منه ولا تعطيه. فقالت: ~~«ولماذا لم تعاهده فإن كلام مثل هذا الشيخ الجليل يعتبر خارجا من أفواه الملائكة». # فلما سمع سؤالها انشرح صدره فابتسم وقال بكل بساطة «كيف لم أعاهده وهل أستطيع غير ذلك. ~~ولكنني أعترف لك أني عاهدته وخاطري منشغل بقطام وعهدها لعلمي أن ذلك العهد يحرمني منها..» ~~ثم عطف فقال: «ولكنني لما تذكرت حبك لي وغيرتك علي هان الأمر لدي وقلت أن ما يعسر على ~~مثلي يهون على خالتي لبابة.. بالله.. ألا ساعدتني على إقناع قطام بالعدول عن عزمها على قتل ~~الإمام علي إنه والله برئ مما اتهموه به.. بالله ساعديني واشفقي علي فقد وقعت في حيرة بل ~~هي مصيبة لا ينجيني منها إلا سواك..» قال ذلك وجثا أمامها وهم بيدها وقبلها وقد كادت ~~العبرات تخنقه. # فتظاهرت تلك العجوز المحتالة بالحنو وتبسمت وهي تجذب يدها من بين يديه لتمنعه من تقبيلها ~~وأجلسته في مكانه وقالت: «طب نفسا يا بني إني فاعلة ما تريد وأرجو أن يساعدني الله على ~~إقناعها ...». # فلما سمع سعيد قولها لم يتمالك عن الابتسام والدمع ملء عينيه إعجابا بحنوها وفرحا بنيل ~~بغيته التي لم يكن يتوقعها ولا بالمنام وفرح بمجيئه في تلك الليلة ومقابلة لبابة قبل ~~مقابلته قطام. # أما لبابة فنظرت إليه وهي تحك ما وراء أذنها برأس سبابتها كأنها تفكر في ما تختلقه من ~~الأسباب لإقناع قطام وهي بالحقيقة تدبر حيلة لخداع سعيد ثم قالت: «طب نفسا ولاتبال فإني ~~أؤكد لك الفوز إذا أطعتني ...» فابتدرها قائلا: «إني طوع إرادتك في كل ما تأمرين وهذا مالي ~~وكل ما أملكه بين يديك بالله اشفقي علي». # وكان سعيد يتكلم ولبابة مطرقة. فسكت هو وظلت هي مطرقة ثم استأنفت الحديث بغتة فقالت: ~~«سبحان الله.. لقد مر علي أيام ms046 وأنا مستغربة ما يبدو لي من قطام على غير المعتاد والظاهر ~~أن الكلام الذي فاه به جدك في مكة أثر في قطام هنا أو لا أدري ما هو هذا التأثير». # فاندهش سعيد بما سمعه وقال ماذا تعنين؟ # قالت: «أعني أني آنست في قطام تغيرا غريبا بعد ذهابك فإنها لم تعد تذكر الانتقام قط ~~وقضت أياما عديدة كأنها في حيرة أو كأن أمرا طرأ عليها لا تتكلم إلا قليلا فعسى أن يكون ~~ما غيرك قد غيرها. وعلى كل حال كن في راحة وسكينة وأنا أدبر الأمر فلا تذكر أنك جئت إلي ~~ولا أنك رأيتني قبل رؤيتها». # قال: «بارك الله فيك. والله إن قضيت لي هذه المهمة لا أدري كيف أكافئك ولكنني أتقدم إليك ~~أن لا تذكري زيارتي هذه أما أحد وخصوصا رفيقي عبد الله». # قالت: «سمعا وطاعة فعليك إذا أن تأتي غدا لزيارتها في منزلها وأكون أنا هناك ولا تزد ~~على السلام والكلام. واحذر أن تذكر شيئا يتعلق بهذا الأمر إلا إذا هي خاطبتك به وسنرى ماذا ~~يتم.. وهل تنوي اصطحاب رفيقك غدا». # قال: «إنه سيكون معي ولا بأس من الخوض في الموضوع بين يديه لأنه بمنزلة أخي». # قالت: «حسنا فليكن كما تريد وفقنا الله لما فيه خيرك وراحتك». # فازداد سعيد إعجابا بغيرتها وحنوها فقال لها: «اسمحي لي أن أقبل يدك فإني لما فقدت جدي ~~الذي كان بمنزلة والدي حسبت نفسي صرت يتيما ولكنني تحققت الآن من حنوك أني مازلت مرموقا ~~بعين العناية. ها إني قد ألقيت الحمل على عاتقك فدبري الأمر كما يلوح لك». قال ذلك وقبل ~~يدها مرارا ونهض ونهضت لوداعه وهي تقول له: «نم مرتاحا وموعدنا اللقاء غدا في بيت ~~قطام». # خرج سعيد من عندها وقلبه يطفح سرورا لنجاته من شر عظيم. وما دري ما نوته تلك القهرمانة ~~من أساليب الخداع. فلما توارى عنها عادت إلى غرفتها وعملت فكرتها الخبيثة في حيلة تنطلي ~~عليه بحيث يصدق عدول قطام عن عزمها. ولولا خوفها من أن يشي هو بها وبقطام ms047 إلى علي إذا ~~أنكرت عليه وصية جده لجاهرت بمقاومته ولكنها رأت من الفطنة والدهاء أن تجاريه على رأيه ~~وتحمل قطاما على مشاركتها في ذلك ثم تحتالان في بقاء المؤامرة مكتومة حتى ينفذ المؤامرون ~~عهدهم فيقتل علي. وما درت لبابة أن قطاما أشد دهاء منها وأعظم حيلة وأنها ستزيد على ذلك ~~وسيلة أخرى للفتك بسعيد على أهون سبيل. # ولم تعد لبابة تستطيع رقادا قبل مكاشفة قطام بالأمر لتدبير الحيلة قبل مجيء سعيد فنهضت ~~لساعتها وسارت إلى قطام. # الفصل السادس والعشرون # | لقاء قطام # أما سعيد فإنه شرح والفرح ملء فؤاده حتى أتى منزله فرأى رفيقه لا يزال نائما لفرط تعبه ~~فسر لذلك سرورا عظيما ومضى إلى فراشه ولكنه لم يستطع رقادا لشدة تأثره فقضى ساعات ~~يتقلب على الفراش وقد طال ليله وهو يفكر في ساعة اللقاء غدا ولا يصدق أن يلقى قطاما على ~~مثل رأيه. فلما تصور عدولها عن قتل علي كاد يطير من الفرح بما سيناله من الاقتران بها ثم ~~يعترضه كلام جده وما كلفه به من السعي في الدفاع عن علي وردع الساعي في قتله فيختلج قلبه ~~في صدره لهول ذلك الأمر. ولكنه لم يكن شيئا لديه بالنظر إلى ما يتوقعه من السعادة بالحصول ~~على قطام. # ولم تغمض أجفانه إلى الصباح ولم يكد ينام حتى أفاق مذعورا وقد رأى شعاع الشمس يسطع على ~~جدار غرفته فأسف لإبطائه في الفراش والوقت ثمين فنهض لساعته وخرج يلتمس عبد الله فإذا هو قد ~~لبس ثيابه ووقف يصلي فصلى معه وهو لا يفقه ما يقول. # فلما فرغ من الصلاة قال له عبد الله: لقد أبطأت في رقادك يا أخا أمية. # قال: إنما أبطأت لهول ما لقيناه من التعب في الطريق. # فصدقه عبد الله وجلسا على الطعام وسعيد غارق في بحار الهواجس وقد أدرك عبد الله ذلك فيه ~~ولكنه حسبه من قبيل الشوق إلى قطام فقال له ألا تنوي الذهاب إلى قطام. # قال: بلى أرى أن نسير إليها لعل الله يأخذ بيدنا ونرى منها انصياعا ms048 للحق فتعدل عن عهدها. # فأراد عبد الله أن يختبر شأنه فقال: «وهب أنها لم تقبل بذلك فماذا تفعل هل تبقى على عزمك ~~أم ترجع عن وصية جدك؟» # قال سعيد: «إننا نبذل جهدنا في إقناعها فإذا لم تقتنع ظللنا على عزمنا فإن وصية جدي ~~مقدسة». # فسر عبد الله لثباته وهو لا يعلم أن سعيدا لم يقل ذلك إلا بعد ما أملته به لبابة من ~~إقناع قطام ولولا ذلك لتردد في الجواب كثيرا وربما فضل البقاء على عهد قطام على احترام ~~وصية جده لأن غرامه بتلك الفتاة الفتانة غلب على كل جوارحه. # فلما آنس عبد الله ذلك الثبات فيه استعجله في الذهاب إلى قطام مخافة أن يطرأ عليه ما يضعف ~~عزيمته. وكان عبد الله قد عول في باطن سره إذا آنس فيه ترددا أن يثنيه عن الذهاب إليها. ~~فلما فرغا من الطعام نهضا ومشيا يلتمسان بيت قطام. # ولا حاجة بنا إلى بيان ما جال في خاطر سعيد مما سيقاسيه ساعة اللقاء من الاضطراب ولكنه ~~سار مطمئن الخاطر لما ألقته إليه لبابة من المواعيد. # ووصلا المنزل فأطلا على الحديقة فاختلج قلب سعيد في صدره لتذكره الليلة التي لقي بها ~~قطاما هناك وما وقع له معها من تبادل عبارات الغرام. فدخلا الحديقة وفيما هما يسيران بين ~~النخيل رأيا لبابة واقفة بالباب وهي تبتسم. فلما رآها سعيد استبشر وتشدد فمشى ورفيقه يسير ~~في اثره حتى دنوا منها فحياها سعيد كأنه لم يرها بعد رجوعه. فسلمت عليه فقدم لها رفيقه ~~فعرفهابه فرحبت بهما ودخلا حتى أقبلا على غرفة قطام فإذا هي واقفة إلى نافذة تطل على ~~البحيرة وقد لبست جلبابا أسود فوقه خمار أسود فلما أقبلا أرخت خمارها وتحولت نحوهما فحياها ~~سعيد وذكر اسم رفيقه لها وهو يقول: «لقد أتيت ومعي صديقي وأخي عبد الله فإنه أنيسي ~~ومساعدي». # فرحبت بهما ودعتهما للجلوس فجلسا وجلست هي وكلهم سكوت وبعد السكوت برهة تكلمت العجوز ~~قائلة: «لقد أوحشتنا يا سعيد بغيابك طول هذه المدة وقد أخبرنا ريحان أنك أتيت ms049 يوم سفرك إلى ~~هذا المنزل فلم تر قطاما فشغلت بالنا لسرعة ذهابك فعسى أن يكون خيرا». # فتنهد سعيد وقال: كلا إنه لم يكن خيرا يا خالة لأني ذهبت إلى جدي أبي رحاب في مكة إجابة ~~لدعوته على يد أخي عبد الله. # فأظهرت لبابة البغتة وقالت: وماذا عسى أن يكون سبب استدعائك. # قال: إنه دعاني لأراه قبل موته بعد أن هرم وغلب عليه الضعف والمرض ولما تحقق دنو أجله ~~أراد أن يراني قبل الممات فسرت ولم ألبث معه إلا ليلة ثم قضى نحبه رحمه الله. # فتظاهرت قطام باستغراب الخبر كأنها لم تسمعه قبلا. وقالت: «هل مات جدك؟.. رحمة الله عليه ~~وعزاك الله وأبقاك». ثم تنهدت كأنها تذكرت فقيديها وقالت: إن موت الأهل شديد الوطأة يا سعيد ~~وخصوصا إذا كان الميت لم يهرم مثل أبي رحاب. # وكان عبد الله يراقب حركات قطام وكان قد سمع بجمالها فلم يلم سعيدا على افتنانه بها ~~ولكنه خاف أن تبقى على عهدها فتخرج من نصيب سعيد فود الاستطراق إلى الموضوع ليرى ما يبدو ~~منها ثم تذكر أن وجوده هناك لأول مرة قد يكون باعثا على تجنب البحث في ذلك الموضوع فتظاهر ~~بغرض يحتاج إليه خارجا ونهض وخرج وخرجت لبابة في اثره إتماما لحيلتها. # الفصل السابع والعشرون # | منتهى الدهاء # فلما خلت قطام بسعيد قالت له: «ومن هو هذا الشاب هل أنت واثق به؟» # قال بنغمة المحب المفتون: «إنه رفيق صباي وموضع أسراري ولا أخشى بأسا من إطلاعه على كل ~~شيء. # قالت: وهل أطلعته على عهدنا؟ # قال: نعم يا حبيبتي وهل ترين ما يمنع ذلك؟ # قالت: كلا لا أرى مانعا ولكنني أود أنك لم تطلعه عليه لخاطر خطر لي بعد ذهابك إلى مكة. # فاستبشر سعيد بهذا الاستهلال فقال: «لا أرى بأسا في ذلك لأني أعرف ضميره ولي فيه ثقة ~~تامة. وما الذي خطر لك؟» # قالت: «سأقصه عليك وأرجو أن تطاوعني عليه ولا تطالبني بما سبق من العهود». # قال: قولي ما تريدين. وما تريدينه إنما هو العهد الذي نتعاهد ms050 عليه. فإني رهين ~~إشارتك. # قالت: أتذكر أنك جئت إلينا يوم سفرك ولم تجدني في البيت؟ # قال: كيف لا أذكر ذلك وقد كان له تأثير شديد علي. # قالت: أتدري أين كنت يومئذ؟ # قال: كلا. # قالت: خرجت إلى أهلي لزيارة. ولم يكن غرضي مجرد الزيارة ولكنني بعد أن عاهدتك على قتل ~~أمير المؤمنين شعرت بقلق واضطراب ولم أذق رقادا تلك الليلة. # فلما أصبحت قلت في نفسي لعل سبب هذا القلق ذنب ارتكبته بما سعيت فيه على الإمام وهو لا ~~يستحقه. فلاح لي أن أمضي بنفسي إلى أهلي وأبحث عن حقيقة الواقع فرأيت بعد البحث أن الذنب في ~~قتل والدي وأخي لم يكن ذنبه هو وتحققت أنه برئ وأنه نصح لهما مرارا قبل الواقعة أن يرجعا ~~فأبيا ولما اختدم النزال وعلم أنهما تحت خطر القتل أوصى أن لا يصيبهما أحد بسوء. ولكن بعض ~~الأغرار قتلهما بغير علمه ولما علم هو بذلك غضب على القاتل وانتقم منه. فشعرت في تلك الساعة ~~بارتكابي أمرا عظيما بما نويته وعولت على تحويلك عما تعاقدنا عليه. فقضيت مدة غيابك وأنا ~~في حيرة لا أدري كيف أبدأ بإقناعك. وحفظت ذلك في سري حتى عن خالتي لبابة. # ولم يتمالك سعيد عند سماعه ذلك عن الوقوف بغتة بغير أرادته وقبل أن يجيبها على خطابها ~~نادى عبد الله ولبابة فجاءا فالتفت سعيد إلى عبد الله وقال له تعال اسمع يا أخي ما دبره ~~الله لنا من أسباب السعادة. فإننا لم نتكلف في إقناع قطام إلى مشقة بل هي تريد إقناعنا ~~بالعدول عن العهد الذي أخبرتك عنه. # فأظهرت قطام الاستغراب وقالت: وكيف ذلك يا سعيد وما الذي جئتنا به عساه خيرا. # فتعرضت لبابة للكلام فقالت : يظهر أنك جئتها بمثل ما جاءتك هي به. # قال: «نعم يا خالة وأحمد الله على ذلك فإني جئت من مكة وقد اقتنعت ببراءة الإمام علي ~~وتقيدت بعهد عاهدت به جدي أن لا أقتل عليا وكنت خائفا أن لا توافقني قطام عليه وهي إذا ~~لم تفعل ذلك كنت من ms051 أشقى الناس. فالحمد لله على ما جرى» وجلس يقص عليهم حديث جده ووصيته ~~فظهرت لوائح البشر والسرور على الجميع. ثم استطرد إلى حديث المؤامرة فلما ذكر أن أحد ~~المؤامرين تعهد بقتل الإمام علي تظاهرت قطام بالغضب وقالت: ألم تعرف من هو الرجل؟ # قال: لم أعرفه ولكنني علمت من سياق الحديث أنه من فسطاط مصر. # قالت: أما وقد علمت بعزم هذا الرجل فأصبح السكوت عنه مشاركة له في القتل فلابد من ردعه ~~أو قتله. # فابتسم سعيد لذلك الاتفاق الغريب وقال: «وقد فاتني أن أخبرك بأن من جملة وصية جدي أن أسعى ~~في ذلك جهدي». # فقالت: «وهذا ما أراه أنا أيضا لأن السكوت عنه أصبح جريمة ولكني أرى أن يبقى أمر هذه ~~المؤامرة مكتوما بيننا فلا تطلع عليه أحدا لئلا يسبقنا أحد إلى اكتساب الفخر في رده أو أن ~~المؤامر إذا علم باشتهار أمره ونحن لم نعرفه بعد يعجل بالقتل فيذهب سعينا عبثا. ألا ترى ~~ذلك يا عبد الله؟» # فاندهش عبد الله من ذلك الاتفاق الغريب ولو علم بزيارة سعيد للبابة لانكشف له سر الحيلة ~~ولكنه أخذ الأمر على ظواهره فقال: «لقد رأيت الرأي الصواب وها إني مستعد للسعي في ردع ذلك ~~الرجل مع أخي سعيد». # قالت: وما الذي تنويان فعله؟ # قال: سعيد أرى أن نذهب إلى الفسطاط ونبحث عن الرجل لنعلم من هو أولا فإذا عرفناه هان ~~علينا ردعه». # فقالت قطام وما الفائدة من ذهابكما وإنما لا تعرفان الرجل ولا تعلمان شيئا من أمره وكيف ~~يتأتى لكما معرفة اسمه. هل ذهبتما إلى الفسطاط قبل الآن وهل تعرفان أحدا هناك؟» # قال عبد الله: إني أعرف الفسطاط ولكنني لم أقم طويلا ولا أعرف أحدا من أهلها ولكننا ~~نبحث جهدنا. # الفصل الثامن والعشرون # | الاجتماعات السرية في عين شمس # فتقدمت لبابة وهي تظهر الاهتمام وكأنه قد فتح عليها برأي سديد فقالت: «اجلسوا لأهديكم إلى ~~طريق يهون علكم كل صعب». # فجلسوا جميعا وكانوا لا يزالون واقفين. # فقالت: «لا تسخروا برائي لأني عجوز فإني أعرف من الأسرار ms052 ما لا يعلمه إلا الله. اعلموا أن ~~في مصر من مريدي الإمام علي أحزابا جمة أذعنوا لعمرو بن العاص بالرغم عنهم وهم صابرون على ~~ما أصابهم من مقتل ابن أبي بكر وهم جماعة كبيرة لا يزالون ينوون الانتفاض إذا سنحت الفرصة. ~~هل تعلمون ذلك؟ # قال عبد الله: أهذا ما تفاخريننا بمعرفته ولا يجهله أحد من المسلمين فإني عالم به وبأكثر ~~منه. # قالت: وما الذي تعلمه فوق ذلك؟ # فابتسم عبد الله ابتسام الاستخفاف وقال: «إني أعلم أمورا كثيرة تلقنتها من جدنا أبي رحاب ~~رحمه الله وقد أوصاني أن لا أطلع عليها أحدا غير أخي سعيد لأنها تنفعه في جهاده بالدفاع عن ~~أمير المؤمنين». # فتوسمت لبابة من وراء ذلك سرا لأنها لم تقل ما قالته إلا وهي ترجو الإطلاع عليه فهزت ~~كتفها والتفتت إلى قطام التفاتة ففهمت قطام مرادها فابتدرت عبد الله قائلة بنغمة الدلال: ~~«إذا كنت تلقنت ذلك سرا فاحفظه ولا تبح به لأحد من الخوارج نظيرنا ...». # فخجل عبد الله من توبيخها اللطيف ونظر إلى سعيد فرآه شاخصا إليه كأنه يتوقع تصريحه بذلك ~~السر بين يدي قطام لئلا تسيء الظن بهما. # فقال عبد الله وفي كلامه لهجة الاعتذار: «حاشا يا مولاتي. إني لا أعني كتمان السر عنك بعد ~~أن رأينا منك الموافقة على الدفاع عن أمير المؤمنين بل بعد أن كنت أنت الداعية إلى الدفاع ~~عنه. ولكنني قلت ما قلته ببساطة ولكي تتأكدي صدق نيتي آذني لي أن أبسط ذلك السر بين يديك ~~ويدي خالتي لبابة». قال ذلك والتفت يمنة ويسرة كأنه يحاذر أن يسمعه رقيب أو عدو فأصغى ~~الجميع لسماع كلامه فقال: «علمت من جدي رحمه الله أن في الفسطاط كما قالت خالتي جمهورا ~~كبيرا لا يزالون على دعوة الإمام علي وهم متحدون قلبا وقالبا في القيام بنصرته ولهم ~~اجتماعات سرية يجتمعون فيها للمفاوضة في الوسائل المؤدية إلى ذلك». ولما بلغ إلى هذا الحد ~~تلعثم لسانه كأن شيئا أوقفه عن إتمام الحديث وارتبك في كلامه فسكت. # وظهرت البغتة عليه وقد ms053 ندم على ما فرط منه وعول على الاقتصار على ما قاله فأدركت لبابة ~~المحتالة سبب توقفه فابتدرته قائلة وهي تضحك: «أنعم به من سر عميق لم يطلع عليه أحد إني لا ~~أراك زدت على قولي حرفا واحدا. فقد قلت أن دعاة علي باقون على دعوته فلم تزد على ذلك إلا ~~أنهم يجتمعون سرا. وهذا أمر مفهوم بالقرينة فكأنك ندمت على ثقتك فينا فبدأت بالحديث ثم ~~قطعته ولا ألومك على ذلك فإنك لا تعرفنا قبل هذه الساعة». # فقطعت قطام حديثها قائلة: «تقولين أنك لا تلومينه وأراك عاتبة عليه دعيه لئلا يظننا ~~راغبين في استطلاع سره لغرض لنا ونحن إنما نريد بعض ما يريده عبد الله فلا حاجة لنا في سره ~~ولكننا نوصيه أن يقوم بمؤزارة سعيد في ما أوصاه به جده وهذا يكفينا». ثم وجهت كلامها إلى ~~سعيد قائلة: «لقد سرني من رفيقك محافظته على السر حتى عن هذه الحقيرة التي بعد أن كانت أول ~~الناقمين على علي أصبحت من أكبر المدافعين عنه وهب أنه أراد إفشاء ذلك السر فما نحن سامعون ~~ما يقول إذ ربما وسوس لنا الشيطان فبحنا به إلى الأعداء ...». # فوقع كلام قطام في قلب سعيد موقع السهام وغلب عليه الحياء والتفت إلى عبد الله وقال: «لا ~~طاقة لي باحتمال هذا التأنيب يا عبد الله قل ما تعلمه سمعته قطام أم لم تسمعه وما أنا خارج ~~من هذا المكان قبل أن أسمع بقية الحديث». # فندم عبد الله على ما فرط منه وأصبح لا يدري كيف يتخلص من حيائه وارتباكه ولما رأى الحاح ~~سعيد هان عليه التصريح بما لديه وهو لا يرى في ذلك لوما عليه فقال: «أراكم تتهمونني بذنب ~~أنا براء منه فإني لم أتوقف عن إتمام الحديث ضنا به على قطام بعد أن تحققت إخلاصها في ~~الدفاع عن علي ولكنني صبرت ريثما استجمع كلام جدي بحرفه فإذا أذنت قطام تلوته عليكم ~~حالا». # قال سعيد: «قل إنها تريد وإذا سدت أذنيها عن سماعه فأنا أسمعه». # قال عبد الله: ms054 «أخبرني أبو رحاب رحمه الله أن دعاة الإمام علي يجتمعون فيه سرا في معبد ~~قديم خارج الفسطاط في مكان يعرف بعين شمس يتفاوضون فيه سرا في يوم الجمعة من كل ~~أسبوع». # فسرت قطام ولبابة بالإطلاع على ذلك السر ولكن لبابة لدهائها ومكرها تظاهرت بالاستخفاف ~~والإنكار وقالت: «أهذا هو سرك العظيم إنه باطل لا يقبله العقل». # فاغتاظ عبد الله لإنكارها وقال: وماالدليل على بطلانه يا خالة. # قالت: «تقول أن دعاة علي يجتمعون هناك كل جمعة ونحن نعلم أنهم يعدون بالألوف فكيف يسعهم ~~ذلك المعبد. وهب أنه وسعهم فكيف يجتمع الألوف منهم كل أسبوع ولا يدري بهم عمرو بن العاص ~~وعيونه مبثوثة في أطراف الفسطاط أليس ذلك باطلا». # فسر عبد الله لاستخفافها بكلامه إذ لا يكون لإفشائه تأثير وود الوقوف عند هذا الحد فلم ~~يرض سعيد بذلك بل أخذ على نفسه تفسير مقاله وهو يحسب أنه أتى أمرا جديدا فقال: «إن عبد ~~الله لا يعني باجتماع دعاة علي أنهم يجتمعون جميعا كبارا وصغارا ولكنه يريد أن رؤساء ~~العشائر وكبارهم هم الذين يجتمعون فقط» فضحكت لبابة وتظاهرت بالرد عليه فقطعت قطام كلامها ~~قائلة: «يظهر يا خالة أنك إنما تريدين المرح فقد كلفت عبد الله الإفشاء بالسر ثم جعلت ~~تجادلينه ونحن كما قلنا لا يهمنا من الأمر إلا الوصول إلى الغاية المقصودة وهذا ~~يكفي». # الفصل التاسع والعشرون # | عهد جديد # ثم وجهت قطام كلامها إلى سعيد قائلة دع لبابة وتحريفها واسع في ما أنت ساع فيه فسر إلى ~~دعاة علي حيث هم مجتمعون وهم يعينونك على البحث والتنقيب. ولا أوصيك إلا وصية واحدة ذكرتها ~~لك في بدء الحديث وهي أن تبقي هذا الأمر مكتوما بيننا عن كل إنسان حتى نعرف من هو ذلك ~~الخائن الذي يريد قتل الإمام علي فإذا عرفناه إما أن نرده عن غيه أو أن نرى رأينا فيه على ~~ما تقتضيه الحال. أما إذا أشعنا خبره الآن فإنه يبالغ في التستر وربما أسرع في إنفاذ سهمه ~~فيقتل أمير المؤمنين غيلة ويذهب سعينا ms055 عبثا. أما الآن فنحن على يقين أنه لا يقوم على ذلك ~~إلا في 17 رمضان ونحن لا نزال بعيدين عنه. وزد على ذلك أنك إذا حفظت هذا الأمر مكتوما ~~وتفردت في البحث عنه كان الجزاء لك وحدك ولا أشك أنه يكون عظيما. ولا أرى فائدة من إطالة ~~البحث. ولكي تتحقق شدة رغبتي في الإسراع أبدل عهدي إبدالا يسرك فعوضا من أن يكون اقتراننا ~~موقوفا على قتل الإمام علي فقد جعلته وقفا على إنقاذه من القتل فإذا كنت تحبني (وهذا ما ~~لا أشك فيه) بادر إلى العمل وهذان عبد الله ولبابة شاهدان على ما أقول. # وكان سعيد بعد أن تغير وجه المسألة يرجو أن يقترن بقطام قبل ذهابه في هذه المهمة. فلما ~~سمع كلامها خجل من مراجعتها لئلا يقال أنها أشد رغبة منه في الدفاع عن علي فانطلت الحيلة ~~عليه ولم يسعه إلا إجابتها فقال: «وهذا ما عولت عليه أنا أيضا لكي يتم عقد النكاح على يد ~~الإمام نفسه بحول الله». # وكان عبد الله في أثناء ذلك صامتا يسمع الحديث وقد خامره شك في كلام قطام وندم لتسرعه في ~~إفشاء السر فظل صامتا لئلا يقع في ما يزيد ندمه وشعر لساعته بما أوتيته هذه الفتاة من ~~الدهاء ولم ير خيرا من إظهار ثقته بها ويصدق لهجتها فأخذ يطري بغيرتها ويثني على صدق ~~مودتها فقال لها: «إني أعد أخي سعيدا من أسعد خلق الله لتوفقه إلى هذا النصيب فأطلب إليه ~~تعالى أن يوفقنا إلى ما نحن ساعون فيه». # ثم قال: «وقد أصبت بوجوب كتمان ذلك عن كل إنسان بارك الله فيك» والتفت إلى لبابة فقال: ~~«وأنت يا خالة نرجو أن تواصلينا بأدعيتك الصالحة وآرائك الصائبة ». # فقالت لبابة: «وأما الرأي عندي فالإسراع في الأمر فعليكما بالسفر حالا إلى مصر وأطلب إلى ~~الله أن يوفقكما ويسهل طريقكما وإذا أتيتما الفسطاط اطلبا عين شمس في يوم الجمعة ولا تعدمان ~~من أنصار أمير المؤمنين من يرشدكما إلى الباغي». # وقصوا برهة في أحاديث أخرى ثم انصرف عبد ms056 الله وسعيد وفي نفس عبد الله شكوك لم يجسر على ~~مكاشفة سعيد بها لما آنسه من إخلاصه لقطام وارتياحه إلى مواعيدها ولكنه عول على اغتنام ~~فرصة يستطيع بها التسلط على أفكاره. # الفصل الثلاثون # | الغدر الفظيع # أما قطام فحالما خرج سعيد وعبد الله من منزلها خلت بلبابة فقالت لها: لبابة «لقد تمت لنا ~~المعدات وآن الانتقام على غير يد هذا الجبان. إن عليا سيقتل لا محالة ولقد أحسنت بطمأنته ~~ومسايرته. وأحسن ما رأيته من دهائك تصبيره على الكتمان لأنه لو أطلع عليا على خبر ~~المؤامرة فشل المؤامرون ونجا علي من الموت». # فقطعت قطام كلامها قائلة: «ولكن ذلك وحده لا يضمن لنا الفوز يا خالة وأنا لم التمس منه ~~الكتمان لهذا الغرض فقط ولكنني أردت أن يبقى خبر المؤامرة مكتوما عن مل إنسان حتى عن هذين ~~الأمويين». # قالت: وكيف ذلك إني لم أفهم مرادك. # قالت: «أتكونين لبابة العجوز القهرمانة ويخفى مغزى كلامي عليك.. ما الفائدة إذا من البحث ~~عن مجتمع أنصار علي». # قالت: أني لا أزال أجهل ما تريدينه قولي ما مرادك. # قالت: «مرادي أن أبعث إلى عمرو بن العاص بخبر تلك الجمعية ويوم اجتماعها وهو لاريب يبغتها ~~ويقبض على رجالها وسيكون سعيد وعبد الله بينهم فإما أن يقتلهما أو يسجنهما فإذا قتلهما ظل ~~أمر المؤامرة مكتوما عن كل إنسان وإذا سجنهما ظلا في السجن إلى ما بعد 17 رمضان على الأقل ~~فيكون قد نفذ السهم وانتقمت لقتيلي ولا يهمني بعد ذلك أمر». # فلما سمعت لبابة كلام قطام همت بها وقبلتها وهي تقول: «بورك فيك يا بنية والله إنك أبعد ~~مني نظرا وأشد دهاء. وإذا أحياك الله إلى سني لم يعد إبليس يقوى على مكرك ...» قالت ذلك ~~وضحكت. وظلت قطام عابسة ولم تعبأ بضحكها ولكنها نادت ريحان خادمها فحضر وكان جالسا في مكان ~~بحيث يسمع ويرى ولا يراه أحد فلما وقف بين يديها قالت له: «ألم يقتل سيداك ظلما». # قال: كيف لا وإني مطالب بدمهما. # قالت: أتدري لما دعوتك. # قال: بلى إنك ms057 دعوتني لتبعثي بي إلى الفسطاط أخبر عمرا بن العاص بخبر هذين أو بخبر ~~مجتمعات العلويين.. أليس لذلك دعوتني؟ # قالت: بلى إني دعوتك لمثل ذلك بورك بسوادك هذا وقت الحاجة إليك ولكنني أطلب إليك أن تبلغ ~~عمرا ذلك بدون أن تذكر اسمي وإني واثقة بفطنتك فلا تخيب أملي. اذهب إلى مصر وأبلغ الرسالة ~~وجئني بمقتل هذين أو سجنهما وأنت حر لوجه الله. # فأقطب ريحان حاجبيه وتظاهر بالعتاب وقال: «ألا تعلمين يا مولاتي أنك تهينينني بهذا ~~الكلام. من حيث تريدين سروري. أتظنين أني أفضل الحرية على الاستعباد لك. فقد قلت قولا ~~واسمحي لي أن أقول مثله. إني ذاهب لإنفاذ مرامك فإذا أنا فزت فيه رجوت أن تعديني بأن لا ~~تذكري الحرية قط». # فضحكت قطام وأظهرت الإعجاب بشهامة ريحان وقالت سر يا أسمر إنك والله خير من ألف ~~أبيض. # الفصل الحادي والثلاثون # | الفسطاط # هي مدينة عمرو بن العاص بناها سنة 3 للهجرة بعد فتحه الإسكندرية. وسبب تسميتها الفسطاط ~~(الخيمة) أن عمرا لما فتح حصن بابل حيث هو دير مارجرجس الآن أو دير النصارى بقرب مصر ~~القديمة واستقر الصلح بينه وبين المقوقس نهض لفتح الإسكندرية وكانت خيامه منصوبة خارج ذلك ~~الدير بين النيل وجبل المقطم فأمر بتفويضها والرحيل فجاءه منبئ أن في فساط الأمير يماما ~~معششا تحته صغاره لا تستطيع الطيران فقال عمرو: «لقد تحرمت بجوارنا أقروا الفسطاط حتى يطير ~~فراخها» # 1 # فتركوا الفسطاط منصوبا حتى عادوا بعد فتح الإسكندرية فأتموا الدور حوله. ولما ~~تمت المدينة أطلق عليها اسم الفسطاط وهي أول مدينة بناها المسلمون في القطر المصري واتخذوها ~~عاصمة ملكهم حتى بنيت القاهرة في القرن الرابع للهجرة فنقلت الحكومة إليها (راجع كتابنا ~~تاريخ مصر الحديث). # وكانت الفسطاط في العام الأربعين للهجرة وهو العام الذي جاءها فيه سعيد ورفيقه عبد الله ~~قد عمرت وأقامت بها القبائل والأفخاذ في خطط وحارات بنيت لهم. وكانت الفسطاط مستطيلة الشكل ~~على ضفة النيل الشرقية طولها ميلان في ما يقرب من مصر العتيقة الآن. وأما مكان مصر العتيقة ~~فقد ms058 كان يومئذ مجرى النيل المبارك. وكان إذا جرى رست سفنه بباب دير النصارى حيث كنيسة ~~المعلقة اليوم فكل ما بين الدير والنيل من اليابس وما أقيم عليه من البناء إنما حدث بعد ~~الإسلام. # وكان جامع عمرو الباقية آثاره هناك إلى هذا اليوم مركز تلك المدينة وحوله أنشئت الخطط ~~والأزقة والحارات. وكان أقربها إلى الجامع المذكور دار عمرو أو هما داران الدار الكبرى ~~والدار الصغرى. وكان المسلمون أولا ينزلون في الخيام فلما بنى عمرو دار به اهتم الناس بناء ~~المنازل. ولم يكن قبل الفسطاط هناك إلا بعض الديور للقبط متفرقة بين النيل والمقطم. وبنوا ~~الخطط أو الشوارع على أسماء القبائل التي تألفت منها حملة ابن العاص في ذلك الحين ومن نزح ~~بعدهم وواجههن جميعا أهل الراية من قريش والأنصار وخزيمة وغيرهم فبنوا لهم خطة سموها خطة ~~أهل الراية ثم خطة مهرة وخطط لخم واللفيف والصدف من كندة وخولان فضلا عن خطط غير العرب مثل ~~خطة الفارسيين وهم من حضر الفتح من أهل فارس وأصلهم من بقايا جند باذان عامل كسرى على اليمن ~~قبل الإسلام أسلموا في الشام # 2 # ناهيك عن خطط أخرى لا تحصى فضلا عن الشوارع والأزقة والحارات. # فترى مما تقدم أن الفسطاط لم يكن يقيم فيها في أول أمرها غير المسلمين وأما المسيحيون ~~واليهود ممن كانوا قبل الفتح فمن آثر البقاء تحت رعاية المسلمين أقام في الأديرة خارج ~~الفسطاط وأكبرها دير النصارى (أو دير مارجرجس) وهو الحصن الذي حاصر فيه المقوقس ورجاله لما ~~جاءهم المسلمون وكان يسمى حصن بابل أو قصر الشمع وربما أقام بعض القبط أو اليهود في الفسطاط ~~لتجارة أو صناعة أو كتابة لأن عمرا عهد إلى القبط في بادئ الرأي كثيرا من أعمال حكومته ~~وأبقى الدواوين تكتب بالقبطية وما زالت كذلك إلى إمارة عبد الله بن عبد الملك بن مروان ~~فأبدلت بالعربية. # وكانت مدينة عين شمس (المطرية) شمالي الفسطاط خربة لم يبق من أبنيتها الشامخة ومعالمها ~~الرفيعة إلا بعض الجدران الغليظة أو الأعمدة الضخمة والمسلات من ms059 بقايا الهياكل الفرعونية ~~وهي مهجورة لا يقيم فيها أحد فإذا احتاج الناس إلى حجارة أو أعمدة يبنون بها دارا كبيرة أو ~~جامعا حملوها من أنقاضها. # الفصل الثاني والثلاثون # | سعيد وعبد الله # أما سعيد وعبد الله فإنهما تأهبا للرحيل في ذلك اليوم وأصبحا على راحلتيهما وخرجا من ~~الكوفة يلتمسان الفسطاط وهما لا يعلمان ما أعدته لهما قطام من المكائد. وسارا يجدان السير ~~يوصلان الليل بالنهار حتى أقبلا في فجر يوم جمعة على الفسطاط فأطلا عليها من سفح المقطم ~~فإذا هي ممتدة على ضفة النيل على مسافة طويلة وراءها النيل يجري وفيه السفن راسية تحمل ~~الأغلال والأحمال بعضها قادم من الصعيد والبعض الآخر صاعد من الشمال. وفي وسط المدينة جامع ~~عمرو حوله الأبينة والدور فوقفا هنيهة يبحثان في الخطة التي يجب أن يسيرا عليها في إتمام ~~مهمتهما. # فقال عبد الله ها إننا أمام الفسطاط الآن وقد طلع فجر الجمعة الذي يجتمع فيه دعاة أمير ~~المؤمنين في عين شمس على ما نعلم. فهل نظل هنا حتى نسير توا إلى عين شمس أم ننزل الفسطاط ~~ثم نخرج منها إلى عين شمس. # فقال سعيد وما الداعي لبقائنا هنا وقد يكون في بقائنا مظنة سوء ونحن لا يعرف أحد إلا أننا ~~من دعاة معاوية وزد على ذلك أننا لا ندري الساعة التي ينعقد فيها ذلك الاجتماع تماما وإنما ~~علمنا باجتماعهم في يوم الجمعة فهل هو في الصباح أو المساء أو أي متى؟ # قال عبد الله: لست على يقين من ساعة الاجتماع ولكني أظنهم يجتمعون بعد صلاة العصر إلى ~~المساء وعلى كل لا أرى بأسا من النزول إلى الفسطاط نصلي الصبح فيه ونجعل دوابنا في مأوى ~~تستريح فيه. ثم أخرج أنا للبحث عن ساعة الاجتماع ومكانه وأعود إليك فنسير معا. # قال سعيد: لقد رأيت الرأي الصواب. # ونزلا بناقتيهما حتى دخلا المدينة وهي يومئذ آهلة بالناس وقد أذن المؤذنون يدعون الناس ~~إلى صلاة الصبح فأتيا المسجد وأمامه ساحة كبرى تقف فيها الدواب تشد إلى أوتاد أو نخيل. ~~فربطا ms060 الراحلتين ودخلا المسجد للصلاة وكانت الشمس قد أضحت وتقاطر المسلمون أفواجا فدخلا في ~~جملة الداخلين. # الفصل الثالث والثلاثون # | عمرو بن العاص # ولم يكد يستقر بهما الجلوس حتى رأيا الناس في حركة وجلبة وقد فتح باب في بعض جوانب المسجد ~~دخل منه رجال في أيديهم السياط يزجرون الناس. فقال سعيد: من هم هؤلاء. فقال عبد الله إنهم ~~الشرطة يفتحون الطريق للأمير. ولم يكد عبد الله يتم كلامه حتى دخل رجل ربعة قصير القامة ~~وافر الهامة أدعج أبلج عليه ثياب موشاة كأنه العقبان تأتلق عليه حلة وعمامة وجبة عرفا أنه ~~عمرو بن العص فصعد المنبر والناس ينظرون. # فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ( # صلى الله عليه وسلم ~~) ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم وجعل يحضهم على ~~الزكاة وصلة الأرحام ويأمر بالاقتصاد وينهى عن الفضول وكثرة العيال وإخفاض الحال في ذلك إلى ~~أن قال يا معشر الناس: إياكم وخلالا أربعا فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة وإلى الضيق ~~بعد السعة وإلى الذلة بعد العزة إياكم وكثرة العيال وإخفاض الحال وتضييع المال والقيل بعد ~~القال في غير درك ولا نوال. ثم أنه لابد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه والتدبير ~~لشأنه وتخليته بين نفسه وبين شهواتها ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل ولا يضيع ~~المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه فيجوز من الخير عاطلا وعن حلال الله وحرامه غافلا. يا ~~معشر الناس إنه قد تدلت الجوزاء وذلت الشعرى وأقلعت السماء وارتفع الوباء وقل الندى وطاب ~~المرعى ووضعت الحوامل ودرجت السخائل وعلى الراعي بحسن رعيته حسن النظر فحي لكم على بركة ~~الله تعالى إلى ريفكم فنالوا من خيره ولبنه وخرافه وصيده واربعوا خيلكم واسمنوها وصونوها ~~وأكرموها فإنها جتكم من عدوكم وبها مغانمكم وأنفالكم. واستوصوا بمن جاورتموه من القسط خيرا ~~وإياكم والمومسات والمعسولات فإنهن يفسدن الدين ويقصرن الهمم. حدثني عمر أمير المؤمنين أنه ~~سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لهم ms061 ~~فيكم صهرا وذمة فكفوا أيديكم وعفوا فروجكم وغضوا أبصاركم. ولا أعلمن ما أتى رجل أسمن جسمه ~~وأهزل فرسه. واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من ~~فريضته قدر ذلك واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم وتشوف قلوبهم ~~إليكم وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية. # وحدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر ~~فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض فقال له أبو بكر رضي الله عنه ولم ~~يا رسول قال لأنهم وأزوجهم في رباط إلى يوم القيامة» فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم ~~فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم فإذا يبس العود وسخن الماء وكثر الذباب وحمض اللبن وصوح البقل ~~وانقطع الورد من الشجر فجيء إلى فسطاطكم على بركة الله ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال إلا ومعه ~~تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم # 1 # انتهى. # وكان عمر يخطب والناس يسمعون وقد تخشعوا لما قاله من الأوامر والنواهي فقال سعيد لعبد ~~الله همسا والله إنه لنعم الأمير وشلت يد تقتله والله منذره لذلك متى دنا الأجل المضروب ~~فلم يجبه سعيد مخافة أن يلحظ أحد شيئا مما هما فيه. # وبعد تمام الصلاة خرج الناس وخرج عبد الله وسعيد واجتمعوا في ساحة المسجد خارجا وتعارفوا ~~فعرف عبد الله رجلا من غفار كان له معه صداقة فدعاه وسعيدا إلى منزله ليقيما عنده فاعتذرا ~~فألح عليهما فسارا معه لئلا يوجب ابتعادهما شبهة فأنزلهما في منزل له في خطة اسمها خطة ~~خارجة بن حذاقة فأمر الغفاري عبدا له استلم الراحلتين وسار بهما إلى المربط ودخل بالضيفين ~~إلى غرفة لم يريا فيها نافذة إلا كوة في أعلاها فعجبا وهم عبد الله بالاستفهام عن ذلك ~~وأوقفه التأدب فلحظ الغفاري استغرابه فقال له لا تعجب لحال هذه الغرفة فإن كذلك سائر أبنية ~~الفسطاط. ms062 # فقال عبد الله إني والله يا أخا غفار لفي عجب عجاب مما أرى فما الذي دعا إلى هذه الأقفال. ~~فقال الغفاري اعلما أن خارجة بن حذاقة صاحب شرطة مولانا الأمير عمرو ابن العاص هو أول من ~~ابتنى غرفة في الفسطاط. فلما علم بذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يومئذ كتب إلى الأمير ~~عمرو بن العاص أن «ادخل غرفة خارجة وانصب فيها سريرا وأقم عليه رجلا ليس بالطويل ولا ~~بالقصير فإن اطلع من كواها فاهدمها» ففعل ذلك عمرو فلم يبلغ الكوى فأقرها # 2 # فلم يجسر أحد أن يبني غرفة بعد ذلك إلا على هذا الوصف وهو بالحقيقة أضمن ~~للحجاب. # الفصل الرابع والثلاثون # | عين شمس # ثم جاءهما الغفاري بالزاد فتناولاه وبعد الاستراحة التمسا الخروج لبعض المهام وهما إنما ~~يريدان الخلوة للنظر في ما جاءا من أجله فخرجا ومشيا في وسط المدينة يتظاهران بالتفرج ~~بمشاهدة ما فيها من الحوانيت والبيوت حتى خرجا منها فقال سعيد إننا في نحو الظهر وما ~~العمل؟ # فقال عبد الله دعني أسير وحدي إلى عين شمس فإنها على بعد أميال من هذا المكان حيث ترى هذه ~~الخرائب وأمامها هاتان المسلتان (وأشار إليهما بإصبعه) فابحث عن مكان الاجتماع فإذا عثرت ~~عليه جئتك على عجل. فأين الملتقى؟ # قال إني أقيم في المسجد حتى تعود إلي واحذر أن تطيل غيابك. # فسكت عبد الله ولبث برهة يفكر ثم قال وإذا أبطأت في الرجوع إليك فاطلب عين شمس وانتظرني ~~بقرب هاتين المسلتين اللتين تراهما قائمتين هناك وأنا آتيك أو ابعث من يدعوك إلينا. # قال: حسنا وافترقا وسار عبد الله يلتمس عين شمس وقد جعل وجهته إليها المسلتين وكانت ~~ظاهرتين عن بعد وعاد سعيد إلى الجامع. # أما عبد الله فسار حتى أقبل على عين شمس فإذا هي عبارة عن أخربة ليس فيها من الأبنية إلا ~~الجدران والأعمدة فطاف بين خرائبها فلم ير أحدا ولا سمع صوتا وقضى في ذلك ساعتين يتردد ~~بين تلك الجدران ثم يعود إلى حيث بدأ فلم ير أثرا للآدميين فظن نفسه ms063 أخطأ المكان أو ساء ~~فهم ما بلغه من أمر ذلك الاجتماع حتى كاد يهم بالرجوع وقد خاب ما أمله وخيل له أن دعاة ~~علي أبدلوا مجتمعهم هناك بمكان آخر. # فأسند ظهره إلى جدار ووقف يفكر في ماذا يفعله وقد مالت الشمس نحو المغيب فرأى رجلا ~~قادما من الفسطاط فشغل عبد الله نفسه بمشاهدة بعض ما هو محفور على تلك الآثار من الرسوم ~~الهيروغليفية كأنه يعجب لغريب صنعها ريثما يمر الرجل ويمضي. وكان يتظاهر بالنظر إلى تلك ~~الرسوم وهو بالحقيقة يختلس النظر إلى ذلك المار وكان الرجل يظهر تارة ويختفي تارة أخرى في ~~مروره بين الأعمدة والخرائب ثم اختفى ولم يعد يظهر. # الفصل الخامس والثلاثون # | الاجتماع السري # فعجب عبد الله لأمره وقال في نفسه لابد أن يكون هذا الرجل من جملة أهل ذلك الاجتماع ~~السري وقد نزل في نفق أو نحوه. فالتمس المكان الذي ظنه اختفى فيه فوجد هناك منحدرا يظهر ~~لأول وهلة أنه مسدود فنزل فيه وهو يخطو الهويناء حتى انتهى إلى ظلمة دامسة فوقف وأصاخ بسمعه ~~فسمع لغطا عميقا فاستبشر بالوصول إلى المكان المطلوب ولكنه لم يكن يعرف مدخل تلك المغارة ~~وخاف أن يستغشه القوم فيقتلوه. # فوقف برهة يتردد بين أن يسير متلمسا أو يرجع فيأتي بسعيد. ثم رأى أن يتحقق المجتمع قبلا ~~ثم يعود فخطا بضع خطوات وهو لا يرى شيئا أمامه فلطم رأسه بالسقف فحنا ظهره وداهمه العطاس ~~لرطوبة الهواء فعطس عطسة فدوى لها المكان وما شعر إلا وقد ظهر نور ضعيف وتقدم بضعة رجال ~~كلهم ملثمون وعليهم أردية سوداء تزيدهم وحشة فقبضوا عليه وهو لا يبدي حراكا. ونزلوا به في ~~ذلك الدهليز إلى قاعة تحت الأرض واسعة وكل جدرانها وسقفها مغطاة بنسيج أسود مما يجعل المنظر ~~رهيبا ولولا شمعات مضيئة في بعض جوانب المكان لكانت الظلمة لا تطاق لكثافتها. ونظر عبد ~~الله إلى ما حوله فرأى في وسط القاعة دكة مغطاة بملاءة سوداء لم يدر ما تحتها ولكنه لم ~~يستطع التأمل وقد أحدق به بضعة عشر ms064 رجلا التحفوا العبي تحتها السيوف وكلهم ملثمون. فخاطبه ~~واحد منهم يسأله عما يريده. # فقال: إني جئت أشارككم في ما أنتم فيه. # قال: وما أدراك ما نحن فيه؟ # قال: علمت أنكم تدعون الناس إلى نصرة الإمام علي أليس ذلك ما تدعون إليه. # قال: وما شأنك وذلك؟ # قال: شأني هو شأنكم. لا تسيئوا الظن بي إني قادم من الكوفة لهذه الغاية. # فقال له رجل آخر: كيف تكون أمويا وتدعي نصرة الإمام علي. # فاشتبه عبد الله بصوت مخاطبه أنه صوت صديقه الغفاري الذي نزل عنده في ذلك الصباح. # فقال له: ألست أنت صديقي الغفاري. اصدقني ولا نخف إني والله جئتكم بخبر هام إذا أشركتموني ~~في أمركم أطلعكم عليه وتحققتم صدق قولي. # فقال الغفاري: إذا كنت صادقا في ما تقول تعال معي. ومشى فتبعه إلى الدكة في وسط القاعة ~~ورفع الملاءة السوداء فإذا هناك مصحف فوقه سيف مسلول وقال له ضع يدك على هذا السيف وأقسم ~~بالله أنك حليف للإمام علي تنصر نصيره وتحارب عدوه. # فوضع عبد الله يده على المصحف والسيف معا فشعر ببرودة السيف فارتعشت أنامله ولكنه أقسم ~~لهم كما أرادوا. # ثم قاده بيده إلى دكة أخرى رفع غطاءها وتناول عنها قارورة فيها مسحوق أسود كأنه الكحل ~~فاشتاق عبد الله لمعرفة ما فيها فقال وما هذه. قال هذه قارورة فيها بقية من رماد ابن أبي ~~بكر الذي أحرقتموه بالنار ظلما فإذا شئت الهداية ونصرة الحق كما تدعي وجب عليك أن تكتحل ~~بهذا الرماد وتبكي ذلك القتيل المظلوم وتعاهدنا على الأخذ بثأره. فهل أنت قابل بذلك باق على ~~قسمك؟ # قال إني باق على ما تريدون وقد قلت لكم الصدق فلا تستغشوني. # فتقدم إليه صاحبه ففتح القارورة وأدخل فيها ميلا علق عليه بعض الرماد فأعطاه إلى عبد ~~الله فاكتحل به فهاجت عيناه وانسكب الدمع بالرغم عنه فشاركه الرفاق البكاء. # ثم أزاح الغفاري لثامه وقال له: نعم إني صديقك كما قلت ولكن اعلم أنك إذا كنت على غير ما ~~تقول فإني أكون عدوك أهدر دمك ms065 بحد هذا السيف. قل ما بدا لك. # فلما اطمأن عبد الله تذكر سعيدا فقال ولكن لي رفيقا أريد أن أدعوه إليكم ليشهد ما نحن ~~فيه ويشاركنا في هذا الجهاد. # فقال له الغفاري إنك غير خارج من هذا المكان إلا بعد خروجنا جميعا فقل ما تريده. # فأطاعهم وقال «لا تعجبوا أولا لأني أموي. وقد أصاب صاحبي الغفاري بأني من أنصار معاوية ~~وقد كنت مطالبا بدم عثمان ولكن طرأ علي طارئ سأقصه عليكم أما الآن أخبركم أولا أني قادم ~~من الكوفة وقد علمت أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد جمع رجاله هناك فاجتمع منهم حوله ~~أربعون ألف مقاتل # 1 # وكلهم مستعدون للنزال وبذل المال والرجال في هذا السبيل». # فقالوا إن رجالنا يعدون بالآلاف ونحن وهم وأموالنا وكل ما نملكه تهدر حلالا في نصره ~~الإمام ابن عم رسول الله. # وهم عبد الله بإتمام الحديث فاعترضه أحدهم قائلا: عرفناك أمويا من ألد أعداء الإمام ~~كما ذكرت فما الذي حملك على نصرته حتى خاطرت بنفسك وجئت هذه البلاد. # فأخذ يقص عليهم حديث أبي رحاب ولكنه لم يكد يقول كلمتين حتى سمعوا وقع حوافر الخيل فوق ~~رؤوسهم وقد ارتج المكان فوقهم بالجلبة فأنصتوا ووقع الرعب في قلوبهم وخيل لهم أنها دسيسة من ~~عبد الله فهموا بقتله ولكنهم ما لبثوا أن رأوا أنوار المشاعل ممنبعثة من مدخل الدهليز وقد ~~انهالت الشرطة عليهم فأرادوا الدفاع عن أنفسهم فلم يفلحوا فشدوا وثاقهم وساقوهم في ظلام ~~الليل إلى الفسطاط. # الفصل السادس والثلاثون # | السجينة الأمينة # ومكث سعيد في الجامع حتى دنا الغروب ولم يعد عبد الله فتردد برهة بين أن يذهب إلى عين شمس ~~أو ينتظر عود عبد الله ثم غربت الشمس فلم ير بدا من المسير إلى عين شمس كما أوعز إليه. ~~فخرج من الفسطاط وجعل المسلتين وجهته والظلام يكاد يحجبهما عنه فمشى وقد أوجس خيفة من إبطاء ~~عبد الله ولم يعد يرى المسلتين إلا إذا برزتا في الأفق. ثم اختفتا ولم يعد يراهما وخاف أن ~~يضل الطريق. ms066 وفيما هو في ذلك سمع دبيبا وقرقعة كأن جندا قادما وراءه فتنحى عن الطريق ~~فإذا بكوكبة من الفرسان مرت به مسرعة تلتمس عين شمس فاضطرب وخاف الدسيسة. والتفت إلى يمينه ~~فرأى بيتا قائما في بستان. فلاح له أن يتحول إليه يستفهم أهله عن الطريق فلما دنا منه سمع ~~صوتا رخيما خراجا من بعض جوانبه استوقف انتباهه فوقف وأصاخ بسمعه فسمع صوتا رخيما ~~يمازجه بكاء ولم ير هناك نورا ولا رأى أحدا في البستان فالتمس باب البيت فإذا هو موصد ~~وقد وضح لديه صوت الباكي فتنصت فسمع صوت امرأة تبكي وتقول: «ألا تخاف الله يا ظالم أما كفاك ~~ما واطأت عليه من قتل البرئ حتى رميت الوفا من الناس تحت خطر القتل الفظيع ... هل من ينبئ ~~هؤلاء الأبرياء بما وشوا به عليهم فينقذهم من خطر الموت». # فلما سمع تلك العبارات أقشعر بدنه ولم يعد يصبر على استطلاع سبب ذلك البكاء. فقرع الباب ~~قراعا خفيفا فانقطع الصوت بغتة فصبر هنيهة وكرر القرع ويده ترتعش من شدة التأثر فلم يسمع ~~شيئا فازداد شوقا لاستطلاع ذلك السر ولكنه خاف أن يقع في مكيدة وهو غريب هناك فلبث برهة ~~والهواجس تتقاذفه وقد حدثته نفسه أن بين ما سمعه وبين ما يسعى في البحث عنه علاقة كبرى. ~~وكان الفرسان الذين مروا به قد بعدوا عنه ولم يعد يسمع من وقع حوافر أفراسهم غير الدوي ~~البعيد. فأيقن أنهم يلتمسون عين شمس ولم يفهم سبب ذهابهم إليها في ذلك الليل. وبعد التأمل ~~بما سمعه ورآه اعتقد أن في الأمر سرا يهمه الإطلاع عليه. # فهز الباب بيده هزا شديدا كأنه يريد فتحه بالعنف فلم ينفتح لأنه موصد ولم يعد يستطيع ~~صبرا والوقت ضيق فقال بصوت خافت: «هل في المنزل أحد يفتح الباب إني غريب ضللت ~~الطرق». # فأجابه الصوت من الداخل «ليس في البيت سواي والباب مقفل لا سبيل إلى فتحه». # فازداد سعيد دهشة واستغرابا وقال: «من أنت أيها المخاطب إني أراك في ضيق فهل من سبيل إلى ~~إنقاذك». # فأجابه ms067 الصوت: «يا حبذا ذلك إذا استطعته إني حبيسة بالرغم عني. من أنت؟» # قال: «قلت لك إني غريب ضللت الطريق أريني وجهك أو أرشديني إلى وسيلة افتح بها ~~الباب». # قالت: «عالج الأقفال بالعنف لعلك تستطيع فتحها فتنقذني وربما أنقذت الوفا من الناس ~~معي». # الفصل السابع والثلاثون # | الشك واليقين # فثارت الحمية في رأسه واستل خنجره وجعل يعالج الأقفال وهي تساعده من الداخل حتى فتح الباب ~~فبرزت منه فتاة محلولة الشعر عليها رداء أهل الفسطاط ولما رأت سعيدا قالت: من أنت؟ اصدقني ~~الخبر. # قال: بل أنت اصدقيني ولا تخافي لقد سمعتك تندبين الوفا من الناس فمن هم أولئك ~~الألوف. # فتفرست فيه وتفرس فيها فلم يعرفها ولا عرفته لشدة الظلام. # فقالت له: من قال لك أني أندب الوفا. # قال: سمعتك بأذني.أفصحي ولا نخافي. # قالت: وما يهمك من أمر هؤلاء الألوف. # قال: «أخاف أن أكون أنا منهم ...». # قالت: وما الذي جاء بك إلى هذا المكان. # قال: كنت ذاهبا إلى عين شمس فتهت وجئت هذا المنزل لأسأل أهله عن الطريق فسمعت بكاءك ~~ويحدثني قلبي أن حديثك يهمني. قولي لقد نفذ صبري. # قالت: أني أخاف العيون ولا أثق بأحد بعد أن غدر بي والدي.. فكيف أثق بالغرباء. # قال: رب غريب أقرب من القريب قولي لا تخافي. # وفيما هما في ذلك سمعا وقع الحوافر وصوت الضوضاء من ناحية عين شمس فدخلت الفتاة الغرفة ~~وجرت سعيدا بثوبه ولم تفه بكلمة فدخل في اثرها وقد تولته الدهشة ولبث صامتا. ولم تمض برهة ~~حتى دنت الضوضاء منهما وسمعا من بين الأصوات قائلا يقول: «لقد وقعتم في أيدينا أيها ~~الخائنون وعرفنا دسائسكم» وسمعا لفظا كثيرا من هذا القبيل فظلا صامتين حتى مر الفرسان ~~كلهم وهم يسوقون جماعة من المشاة موثقين. # فلما تواروا عن البيت لطمت الفتاة وجهها وقالت: «لقد نالوا بغيتهم قبحهم الله وقبضوا على ~~الجماعة». # فقال: وأي جماعة؟ هل قبضوا على جماعة عين شمس؟ # قالت: نعم إنهم قبضوا عليهم وا أسفاه. # فصفق سعيد بيديه وخرج ليطل على الفرسان كأنه يريد أن ms068 يتحقق طريقهم. # فقالت له: يظهر أنك كنت سائرا إلأيهم. # قال: نعم. # قالت: لقد نجاك الله من أيديهم ولم يكن ضلالك إلا وسيلة لنجاتك. # فاضطرب سعيد واختلج قلبه في صدره وقال بالله عليك أفصحي يا أخيه فقد نفذ صبري وقد علمت ~~غرضي فأخبريني عن حقيقة أمرك. # قالت: لم يعد يمكنني البقاء هنا مخافة أن يأتي أحد فيراك معي فتكون العاقبة وخيمة علينا. # قال: وهل تريدين أن نبعد من هذا المكان. # قالت: نعم هلم بنا فإذا خلونا تحادثنا وعساك أن تتلافى أمرا لا أزال خائفة من وقوعه وهو ~~شر عظيم. قالت ذلك وخرجت من الغرفة فمشت أمامه وهو يتبعها حتى خرجا من البستان وأوغلا في ~~الحقول وهو يسير في أثرها إلى حيث لا يدري وكلاهما صامتان لا يفوه أحد بكلمة حتى دنوا من ~~بناء عالي الجدران كأنه بلا باب. فقالت له: هذا دير للقبط فلندخله بحجة الزيارة فنكون في ~~مأمن ومشت أمامه إلى باب صغير في أسفل الحائط مصفح بالحديد فقرعته فأطل عليها من نافذة في ~~أعلى الحائط راهب في يده مصباح وقال من يقرع الباب. # قالت: إننا غرباء نلتمس زيارة الدير. # ولم تمض هنيهة حتى فتح الباب وسمع لفتحه صرير فدخلاه حانيي الرأس لضيقه فأشرفا على دهليز ~~دخلا منه والراهب يسير بالمصباح أمامهما حتى انتهيا إلى الكنيسة فنظر الراهب إليهما في نور ~~المصباح فعرف الفتاة أنها من أهل الفسطاط بل هي من أعيانهم فسر من زيارتها ورحب بها ~~وأدخلهما إلى غرفة في الجانب الآخر من الكنيسة فيها مصباح فسألهما إذا كانا يحتاجان إلى شيء ~~فقالا كلا فتركهما ورجع. # الفصل الثامن والثلاثون # | كشف السر # أما سعيد فتأمل الفتاة في النور فإذا هي شابة في مقتبل العمر جميلة الطلعة وقد أحمرت ~~عيناها وتكسرت أهدابها من البكاء ولم يزدها ذلك إلا جمالا. وكانت قد ضفرت شعرها في أثناء ~~الطريق وغطت رأسها بطرف ثوبها. فجلسا على وسادة فوق حصير وسعيد يتلهف لاستطلاع حديثها وقلبه ~~يخفق لما يتوقعه من النبأ الغريب فابتدرها بالسؤال حالا عن حقيقة ms069 أمرها. # فنظرت إليه ولم تكد تتأمله حتى قالت: «ألعلك أحد الغريبين اللذين وصلا الفسطاط في صباح ~~هذا اليوم. # قال: نعم إني هو وما أدراك بذلك. # قالت: رأيتكما مع جارنا الغفاري وها أني أقص عليك خبري الغريب والتمس منك أن تشرع في ~~ملافاة الخطر العظيم الذي سيدهم المسلمين قريبا. # قال بلهفة: قولي إني لهذا الأمر أتيت الفسطاط فعسى أن أكون قد وقعت على ضالتي. # قالت: إني أطلعت على سر لا أظن أحدا عرفه قبلي ... ألست على دعوة الإمام علي. # قال: بلى إني على دعوته وقد جئت في سبيل نجدته. # وهمت بالتكلم ثم توقفت برهة وأطرقت فلحظ سعيد ترددها وأدرك أنها ساءت الظن به فقال لها: ~~لا تظني السر الذي ستبدينه لي مجهولا لدي وإذا شئت قلته لك. ولاطمئنان بالك أقول أنه يتعلق ~~بالإمام علي وفيه خطر على حياته .... # فاطمأنت ولكنها تنهدت وقالت: «اعلم يا سيدي أن والدي يصنع السلاح ويبيعه في الفسطاط وقد ~~ربيت وأنا أسمعه يتشيع للإمام علي فانغرس حب هذا الإمام في قلبي وما أنا في حاجة إلى امتداح ~~والدي له وهو ابن عم الرسول وصهره ولكنني ذكرت لك امتداحه لأذكر لك التغير العجيب الذي طرأ ~~عليه. ~~«فما زلنا ندعو لعلي بالنصر حتى كانت واقعة صفين منذ بضع سنين فرأيت في والدي فتورا من ~~هذا القبيل ولكنه لم يذكر لنا شيئا صريحا بهذا الشأن. على أني كثيرا ما كنت أراه يختلي ~~بجار لنا من بين مراد كان يعلم الناس القرآن وكنت أحسبه من أهل التقوى ... (قالت ذلك وتنهدت) ~~ولكنني وجدته واأسفاه من أهل العداء. ومازالا يتساران في أمر هذا العداء ولا يجرآن على ~~التظاهر به لأن مصر كانت لاتزال في حوزة الإمام علي وعاملها محمد بن أبي بكر . فلما جاءنا ~~ابن العاص بخيله ورجله وحارب دعاة علي فقتل ابن أبي بكر رحمه الله قتله لم يسبق لها مثيل في ~~الإسلام استقام الأمر للأمويين فجاهر والدي بمعاداة علي وكان جارنا المرادي يزيده كرها ~~له. فعلمت أنهما تشيعا للخوارج فظللت مع ms070 ذلك صابرة كاظمة إذ لا سبيل لي إلى شيء أعمله وأنا ~~فتاة ضعيفة كما ترى. وكان والدي يظنني على دعوته. ففي ذات يوم جاءنا ذلك المرادي خاطبا ~~ووافقه والدي أن أكون خطيبة له فلم أجب لا حسنا ولا قبيحا خوفا من إكراهي على الزيجة. ~~ولكنني صممت في باطن سري أني إذا تحققت عزمه على الزواج فررت وتركته ومازلت أماطل في كتابة ~~العقد إلى الآن». # الفصل التاسع والثلاثون # | عبد الرحمن بن ملجم # وكانت في أثناء كلامها عن الزوج قد أطرقت حياء فلما بلغت إلى هذا الحد رأت سعيدا مصغيا ~~إلى حديثها بكليته وهي تعلم أنه إنما يشتاق إلى آخر الحديث أكثر مما إلى أوله فخافت أن يمل ~~فقالت: «ولا أطيل عليك الحديث قبل أن أصل إلى جوهره فأقول إن ذلك كله احتملته بالصبر ثم ~~علمت أن المرادي خرج إلى مكة فظننته يلتمس الحج ووددت أن لا يعود ولكنني ما لبثت أن رأيته ~~عائدا». # قالت ذلك وتنهدت وسعيد يتطاول لسماع ما تقول وقد دهش لغرابة الحديث فقالت: «عاد ذلك ~~المرادي بمهمة جديدة يا ليتني مت قبل أن سمعت خبرها ... ولكنني إذا لم أجد من يتحمل المشقة في ~~ملافاتها تلافيتها بنفسي.. جاءنا هذا المرادي ثاني يوم وصوله الفسطاط فاختلى بوالدي الليل ~~كله يتكلمان وأنا لا أعلم ما دار عليه حديثهما. ولكنني علمت بعد ذلك أنه أوصى والدي أن يصنع ~~له سيفا ماضيا أنفق عليه ألف درهم وقضى مئة يوم وهو يشحذه فلم أفهم معنى هذا الاستعداد ~~ولا اهتممت به وبعد أن شحذه كلف والدي فسقاه السم. وقد علمت أنه اتفق على سقايته ألف درهم ~~أيضا # 1 ~~... فويل لجسم يجرحه هذا السيف لو جرحا خفيفا». # فمل سعيد ولم يعد يستطيع صبرا على التصريح باسم ذلك الرجل والإفصاح عن غرضه بسقاية ~~السيف وهو لا يشك أنه المؤامر على قتل الإمام علي. وكان قد صبر نفسه حتى يسمع ذلك من فم ~~الفتاة ولكنه مل الانتظار فسألها قائلا: «وما هو اسم هذا الرجل». # فقالت: إن اسمه عبد ms071 الرحمن بن ملجم المرادي. # فلم يذكر أنه يعرفه أما خولة فتنهدت وقالت: «فلما رأيت منه هذا الاستعداد وهو كاتم خبره ~~عني عمدت إلى الحيلة فجاءني في صباح أمس يودع والدي وقد عزم على الكوفة فقلت في نفسي سيذهب ~~الرجل ولا أدري السر فتظاهرت بإعجابي بشجاعته وإقدامه وأطريت على غيرته على الإسلام ونحو ~~ذلك وسألته أن يريني السيف لأتأمل فرنده فجاء به وأوصاني أن أتقي حده لأن جرحه يميت حالا ~~فسللته بحذر كلي فإذا هو يلمع لمعانا تقشعر منه الأبدان فارتعد جسمي ولكنني أظهرت الجلد ~~وقلت: «أراك أنفقت مالا كثيرا على صقله وما الفائدة من هذا اللمعان». # فضحك مستخفا وقال: أتظنين أني انفقت كل هذا المال على مجرد صقله. # قلت: وماذا إذا أني لا أرى فيه غير اللمعان. # فقال: إني سقيته السم. # فأظهرت الاستغراب وقلت ولماذا سممته. ومازلت أحاوله وأجادله حتى هان عليه التصريح. فقال ~~لي: «اعلمي يا خولة أني سأقتل بهذا السيف رجلا يزعمون أنه أكبر رجل في الإسلام ويقولون أنه ~~أقرب أقرباء الرسول» قال ذلك والشر باد في عينيه واصفرار الوجل يتخلل ما كان يحاوله من ~~الابتسام. أما أنا فلما سمعت قوله ارتعدت فرائصي واختلج قلبي وأظنه قرأ ذلك على وجهي. كيف ~~لا وقد ظهر لي أنه يريد الإمام عليا. ولكنني أحببت تحقق الظن فقلت: «ومن هو ذلك ~~الرجل». # فقال: «ألا تعلمين من هو ألا تعرفين سبب كل هذه الانقسامات وإذا كنت لم تفهمي بعد فأقول ~~لك إنه علي بن أبي طالب الذي يسميه أشياعه أمير المؤمنين». قال ذلك واحمرت عيناه وتجلى ~~الغدر في وجهه وقال: «احذري أن تبوحي بذلك لأحد وإلا فإنك تنالين جرحا من هذا السيف». قال ~~ذلك وهو يمزح الجد بالهزل أما أنا فتحققت أنه يقتلني ولا يبالي لأنه تجرأ على قتل أمير ~~المؤمنين فكيف لا يقتل فتاة مثلي. # فلم أستطع جوابا وخفت إذا نطقت أن يبدو أمري فصمت وقد عولت في باطن سري على السعي في ~~إبلاغ أمير المؤمنين ذلك على عجل لأن موعد القتل ms072 قريب وأظنه في 17 رمضان لأني كثيرا ما كنت ~~أسمعه يذكر هذا التاريخ ويعرض بذكر الكوفة ولم أكن أفهم مراده بذلك. وأما الآن فقد فهمت ~~جيدا أنه عازم على قتل الإمام علي في 17 رمضان ونحن في أواسط شعبان وأخاف أن ينال هذا ~~الرجل بغيته قبل أن يبلغ الخبر عليا ... آه يا ليتني طير أحمل هذا الخبر إليه. # الفصل الأربعون # | برح الخفاء # وكان سعيد لما وصلت خولة إلى ذكر اسم الرجل وتصريحه بمقتل الإمام علي قد نهض وجعل يخطر في ~~الغرفة ذهابا وإيابا والحمية ملء رأسه وندم على مجيئه قبل أن يخبر الإمام عليا ولكنه ~~تذكر أنه لم يكن يعرف اسم المؤامر ولم تكن ثمت فائدة من إعلامه أما الآن فإنه يذهب إليه ~~بالخبر الصريح. # وكان مع شدة تأثره من حديث خولة لا يغفل عما يتجلى في وجهها من ملامح الجمال وما في ~~حديثها من صدق اللهجة وقد أعجبه منها بنوع خاص غيرتها على الإمام علي فشعر بانعطاف نحوها. ~~ولكنه تذكر عهده لقطام وما يطنه من حبها له فرأى أن لا يطلق لنفسه العنان في حب سواها. على ~~أنه لم يكد ذهنه ينصرف لحظة إلى هذا الموضوع حتى عاد إلى التفكر بعبد الله ومصيره وسبب وجود ~~خولة في ذلك البيت المنفرد. فقال لها: «لا أدري يا مولاتي ما الذي ساقني إلى منزلك حتى حظيت ~~بك وسمعت هذا الحديث الذي إنما جئت الفسطاط من أجله. ولا أخفي عليك أني كنت عالما بعزم ~~بعضهم على الفتك بالإمام ولكنني لم أكن أعلم اسم العازم ولا من هو فجئت الفسطاط ومعي رفيق ~~من ذوي قرابتي كان قد سبقني في صباح هذا اليوم إلى مجتمع العلويين في عين شمس على أن يعود ~~إلي بخبر مكانهم فلما أبطأ سرت في اثره وأنا لا أعرف الطريق فضللت في الظلام حتى اهتديت بك ~~ونعم الضلال ضلالي. ولكنني في قلق على رفيقي إذ يلوح لي أن الفرسان الذين شاهدناهم الليلة ~~كانوا قادمين من عين شمس ويظهر أنهم قبضوا على ms073 أنصار علي هناك ... ألا تظنين ذلك؟» # فقالت خولة: لو صبرت علي لإتمام حديثي لكفيت نفسك مؤونة الظن ويلوح لي أنك تود الإطلاع ~~على سبب وجودي منفردة في ذلك البيت وقد أوصدت الأبواب دوني. فاعلم أني لما سمعت حديث ~~المرادي سكت وكظمت فخرج الرجل وأظنه شخص إلى الكوفة ولبثت أنا في حيرة لا أدري ماذا أعمل ~~فقضيت نهار الأمس في الهواجس والظنون وكلما تصورت عليا مقتولا بسيف هذا الغادر يقشعر ~~بدني وكان والدي يخرج إلى حانوته في كل صباح ولا يعود إلى المساء وعندنا في المنزل عبد ~~رباني منذ حداثتي وهو يحبني ويكرمني وكنت قلما أكلمه فخطر لي أن أغتنم غياب والدي وأكلم ~~العبد عساه أن يطلعني على نبأ جديد أو لعلي أفهم شيئا آخر. لأن حديث ابن ملجم أتعبني وأقلق ~~راحتي وليس لدي من أشكو إليه أمري أو أكاشفه سري فخرجت من غرفتي لأدعو العبد فلم أجده ~~فناديته باسمه فأبطأ ولم يجب فأطللت من الدار فرأيته واقفا مع عبد آخر يظهر أنه غريب وكانا ~~يتحادثان ويتساران. فلما رآني خجل وأسرع إلي فدخلت غرفتي ودخل هو في أثري وعلى وجهه أمارات ~~البغتة كأنه سمع خبرا غريبا يريد قصه علي. فقلت أين كنت وقد دعوتك فلم تجب؟ # قال: كنت واقفا مع عبد قادم من الكوفة لمهم سرية إلى الأمير عمرو. # فقلت: له وهل أطلعك على خبر تلك المهمة. # الفصل الحادي والأربعون # | إتمام الحديث # فسر عبدنا لما آنسه من ملاطفتي وأراد أن يبرهن لي ثقته بي فقال: «إنه أطلعني على سر لا ~~أظن أحدا يعرفه في كل الفسطاط سوى الأمير وبعض شرطته» ثم أخبرني أن ذلك العبد جاء إلى ~~الأمير عمرو بأن أنصار علي يجتمعون سرا في عين شمس يوم الجمعة وأن عمرا عين جندا للقبض ~~عليهم أو قتلهم في ساعة الاجتماع. فلما سمعت ذلك لم أتمالك عن البكاء لشدة الغيظ ورأيت من ~~أهم واجباتي أن أبلغ الجمعية تلك النية ليتحذروا. ولكنني لم أكن أعرف أحدا أثق به في إنفاذ ~~هذه المهمة فعولت ms074 على الذهاب بنفسي في ساعة الاجتماع. # فأصبحت في هذا اليوم وأنا أتوقع خروج والدي إلى حانوته لأتنكر وأسير إلى عين شمس فإذا هو ~~لم يخرج من البيت ورأيته في اضطراب ووجل وما علمت أن العبد أخبره بالحديث وأنه أطلعني عليه ~~فخاف والدي أن أبوح لأحد قبل القبض على المجتمعين. فلازمني في البيت إلى الظهر ثم دعاني ~~للخروج من الفسطاط للنزهة فأتينا هذا البيت وهو بيت لشريك لنا في الفلاحة ولم يكن فيه أحد ~~فلم أظهر استغرابي ولا قلت شيئا لأني كنت عالمة بأن والدي سيكون في جملة السائرين إلى عين ~~شمس فلابد من أن يتركني فإذا تركني خرجت وأنا على مقربة من المكان. وما علمت ما أضمره لي ~~فإننا لم نكد نرى الشمس تميل حتى خرج والدي وتظاهر بأمر هام يدعوه إلى سرعة الذهاب وادعى ~~أنه أقفل الباب علي خوفا من الغرباء أو أبناء السبيل سامحه الله وهو يعلم أني لا أستطيع ~~النداء واستنجاد الناس لأني إذا تظاهرت بنصرة الإمام كنت من المغضوب عليهم. فظللت هناك حتى ~~جئت أنت ورأيتني في هذه الحال. فرفيقك لاشك أنهم قبضوا عليه في جملة أولئك الأنصار. # قال سعيد: هل تظنين عليه بأسا. # قالت: لا أظنه إلا مسجونا الآن حتى يسألوه أسئلة كثيرة ثم اذا رأوا قتله قتلوه وكذلك ~~يفعلون برفاقه. ولكن لا بأس عليه بإذن الله وسنتدبر في أمره. وما العمل الآن إني أخاف إذا ~~عاد والدي ولم يرني في البيت أن تزيد نقمته علي فأرى أن أذهب إلى منزلنا في الفسطاط ~~وأتظاهر بأني خفت من بقائي في البيت ففتحت الباب بأسلوب أكيففه على شكل مقبول ولابد من ~~تجاهلي كل ما حصل لأرى ما يكون. وما أنت فاعل؟ # قال أود أن أسرع إلى الكوفة لأرى ابن ملجم فأقنعه أو أخبر الإمام عليا. # فقطعت عليه الكلام قائلة: «وكيف تقنعه وهو لا يقنع بل قد يسرع في القتل وليس أفضل من أن ~~تطلع الإمام عليا على سر الأمر وهو يدبر بما يراه». # قال: وكيف أفعل برفيقي ms075 هل أتركه في السجن؟ # قالت: «وأخاف إذا تأخرت هنا أن تفوت الفرصة والمسافة من هنا إلى الكوفة بعيدة وإني لأعجب ~~منك كيف كنت عالما بخبر هذه المؤامرة ولم تخبر عليا وأنت في الكوفة». # فتنهد وقال: «كفي الملام قد وقع ما وقع وكنت أظن الكتمان يبعد المصيبة وفاتني أن أخبرك ~~بأن المؤامرة ليست على مقتل علي فقط بل هي على مقتل عمرو ومعاوية أيضا». وقص عليها الخبر ~~مختصرا. # الفصل الثاني والأربعون # | الحب يعمي ويصم # فاستغربت خولة الخبر وقالت: «مالنا ولهذين إننا نريد الدفاع عن علي الآن ولكنني لم أفهم ~~كيف انتقل خبر قدومكم إلى هنا وأنت تقول أنه كان سرا مكتوما لم يطلع عليه أحد». # فكاد سعيد يسئ الظن بقطام ولكن الحب غشي بصيرته فانتحل سببا آخر وقال: «لا أدري» وخطر له ~~أن يقص عليها حديثه مع قطام ثم أمسك عن ذلك حفظا لعهدها وهو كما قلنا غير مرة سليم النية ~~لا يعرف الدهاء ولهذا السبب نفسه لم يطلق لعواطفه الحرية في حب خولة مع أن الأحوال تقضي ~~عليه بحبها بالنظر لما آنسه من جمالها وحميتها مع استهلاكها في نصرة الحق. # على أنه أدرك مع ذلك أن كتمان خبر المؤامرة عن علي إلى ذلك الحين خطأ ولكنه حمله على غلط ~~قطام لا على سوء قصدها ومع ذلك فقد رأى الأمر سهل الملافاة ولا يزال ثمت باب مفتوح لإنقاذ ~~علي بمجرد إعلامه. ولكن ذلك يدعو إلى السفر السريع وهو لا يعلم ما آل إليه حال عبد الله ~~فقال لها: «إني عازم على الكوفة بأقرب وقت فما الذي أفعله برفيقي وأنا لا أدري إذا كان حيا ~~أم ميتا». # قالت: «غدا نعلم الحقيقة دعني أذهب الآن إلى منزلنا بالفسطاط وامكث أنت هنا إلى ~~الصباح». # قال: «كيف أستطيع البقاء هنا وحدي ولا صبر لي على استطلاع خبر عبد الله فأرى أن أدخل ~~الفسطاط وأتردد إلى المسجد ولا يعرفني أحد هناك فأما أن أسمع خبرا ممن يفد على المسجد من ~~المصلين أو تبعثي إلى بالخبر». # قالت: ms076 لك الخيار في ذلك. ونهضت فنهض وخرجا فرافقها إلى قرب منزلها وودعها وعاد يلتمس بيت ~~الغفاري للمبيت وهو لا يدري أن الرجل في جملة المقبوض عليهم وقد أصبح بيته موضع شبهة ولا ~~كانت خولة تعلم ذلك. # وكان الجند بعد القبض على أهل ذلك الاجتماع قد ساقوهم في الأغلال إلى السجن وكان عمرو ~~ينتظرهم في داره فلم يصبر على رؤيتهم إلى الصباح فلما أخبروه بالقبض عليهم أمر باستقدامهم ~~إليه واحدا واحدا فرأى بينهم جماعة ممن لم يكن يخطر له أنهم على غير دعوة بني أمية ~~وخصوصا الغفاري. ولما وصل إلى عبد الله عرف أنه من بني أمية وتذكر قرابته من أبي رحاب ~~ولكنه تجاهل عن ذلك كله وأمر أن يسجن كل من هؤلاء في حجرة على حدة وبعث جندا يبتغون ~~منازلهم ويقبضون على من فيها من الرجال لعلهم يطلعون على شيء جديد وهو معول على إعدامهم بعد ~~ذلك. ولم يكن الجند يحتاج إلى أمر للنهب وقد أصبحت منازل أولئك العلويين وما فيها مالا ~~حلالا لهم. فما صدقوا أن أمروا بالبحث فيها حتى حملوا عليها وأوغلوا فيها سلبا ~~ونهبا. # الفصل الثالث والأربعون # | البغتة # وكان سعيد قد نزل في بيت الغفاري فسأل عن صاحبه فأخبره أهل المنزل أنه خرج من الظهر ولم ~~يعد فلم يخطر له أنه في جملة المقبوض عليهم فالتمس الحجرة التي وضع فيها ثيابه وهم بالرقاد ~~ولم يكد يلقي رأسه على الفراش حتى تراكمت عليه الهواجس فأخذ يفكر في عبد الله وماذا عسى أن ~~يفعل لإنقاذه وخاف إذا أبطأ في المسير إلى الكوفة أن ينفذ ابن ملجم بغيته فيذهب سعيهم ~~عبثا. # وفيما هو في هذه الهواجس وقد طار نومه سمع لغطا في الدار ولم تمض برهة حتى علت الضوضاء ~~وضج الناس فوقف وتنصت فإذا برجال عمرو قد دخلوا المنزل وأوغلوا في النهب ومن تعرض لهم آذوه ~~فأيقن أنهم آتون إلى حجرته وتحقق أنهم مؤذوه فتقلد حسامه والتفت يمينا وشمالا لعله يجد ~~مخرجا ينجو به بنفسه فسمع صوتا يناديه من وراء ms077 الحجرة فاستأنس بالصوت ثم عرف أنه صوت خولة ~~ولم يكن له سبيل إلى مشاهدتها غير نافذة عالية لا يشرف منها إلا إذا صعد على مرقاة فاحتال ~~في الصعود إليها وأطل وكان الظلام حالكا ولكنه رأى شيخا وسمع صوت خولة تقول له: «إن ~~الشرطة سيفتكون بكل من في المنزل وإذا رأوك آذوك فإليك هذا الخمار والجلباب فالبسهما وافتح ~~الباب واخرج فيظنوك امرأة فلا يتعرضون لك» فلم يصدق أنه سمع ذلك حتى مد يده وتناول الخمار ~~والجلباب وتنكر بهما وتخمر وهو يرقص من الرعشة مخافة أن يسبق أجله فيدخل الشرطة قبل ~~خروجه. # فلم يكن إلا كلمح البصر حتى لبس وتلثم بالخمار وفتح باب الغرفة وخرج بزي امرأة فرأى ~~الضوضاء لاتزال مرتفعة والنهب جاريا فلم يتعرض له أحد فالتمس الشارع وراء البيت حيث كانت ~~خولة واقفة وهو مع دهشته وبغتته لم يتمالك عن الإعجاب بشهامتها والإقرار بفضلها عليه. وفيما ~~هو يفكر بها رآها تمشي أمامه فاقتفى خطواتها حتى وصلا إلى منفرد فوقفت وقالت له: «الحمد لله ~~على سلامتك وسلامة الإمام علي» فلم يفهم مرادها فابتدرته قائلة: «لا تعجب لقولي فإن حياة ~~الإمام علي تتوقف على حياتك إذ ليس هنا من يعلم الخطر الذي يتهدده سواك نعم إني أعرفه أيضا ~~ولكني لا أضمن اقتداري على الذهاب ولا آمن الاعتماد فيه على أحد». # فقال: «وأنا إنما أبغي البقاء حيا لأقوم بإنقاذ هذا الإمام من القتل والفضل بالحقيقة لك ~~أنت فأخبريني كيف عرفت بالخطر المحدق بي حتى جئت بهذه الحيلة». # قالت: «علمت من والدي أن عمرا أمر بنهب منازل أولئك العلويين والقبض على من فيها من ~~الرجال والمال وأخبرني أيضا أن هذا الغفاري كان في جملة المقبوض عليهم وقد علمت أنك نازل ~~في منزله فجئت إليك بهذه الحيلة فالحمد لله على سلامتك». # فشعر سعيد بفضل خولة وأحس بانعطاف نحوها ولكن حبه قطاما مازال غالبا عليه قابضا على ~~قلبه لا يترك له سبيلا إلى سواها. # وبعد التأمل برهة قال: «وما العمل الآن إني عازم على الكوفة عاجلا ms078 ولكنني لا أدري ما ألم ~~بعبد الله ولا ما يأول إليه حاله هل علمت شيئا عنه؟» # فتشاغلت خولة عن الجواب بإصلاح ثوبها كأنها تحاول إخفاء ما تعلمه فظنها لم تسمع كلامه ~~فأعاد السؤال. فقالت: «لا يعلم المستقبل إلا الله». # فلم يعجبه جوابها فقال: أفصحي عما تعلمينه يا خولة. # قالت اعلم أن عمرا أمر بتقل أولئك العلويين في فجر هذا الصباح ولكن من يدري ~~النتيجة. # فاختلج قلب سعيد أيما اختلاج وشعر كأنك صببت عليه ماء غاليا وقال: ماذا تقولين هل ~~يقتلون عبد الله ما العمل؟ كيف يقتلونه؟ # فقالت: «دع الأمر لله واعذرني إني لا أستطيع البقاء معك طويلا لئلا ينتبه والدي لغيابي ~~فلا أنجو من القتل. وأما أنت فحياتك في أشد الخطر فيجب عليك أن تخرج من الفسطاط ~~حالا». # فقطه كلامها وقال: «كيف أخرج وعبد الله سيقتل غدا إنه صديقي وابن عمي وأعز من أخي كيف ~~العمل يا رباه». # فقالت له: لا خيرة في الواقع فإن شرا واحدا أهون من شرين ومع ذلك إن الوقت ضيق لا مجال ~~فيه للسعي أو البحث عن سبيل لإنقاذ حياة عبد الله إذا قدر الله قتله ونحن الآن في نحو منتصف ~~الليل وسينفذ القتل عند الفجر.. قالت ذلك وسكتت هنيهة. # فابتدرها سعيد قائلا يلوح لي أن أبوح لعمرو بعزم بعض الناس على قتله واحذره من الوقوع في ~~الخطر ألا تظنينه يعفو عن قتل عبد الله مكافأة لهذا الجميل. # قالت: «ربما عفا ولكنه لدهائه وشدته يظن في قولك السوء فيقبض عليك ويؤجل قتل عبد الله حتى ~~يأتي 17 رمضان فإذا لم يظهر صدق قولك قتلكما جميعا. فهل أنت ضامن أن المؤامر على قتل عمرو ~~يأتي في الوقت المعين وخصوصا إذا علم باطلاع عمرو عليه. فلا تكون النتيجة إلا أنك ألقيت ~~بيديك إلى التهلكة. ولكني أرى أن تترك هذا الأمر إلي لعلي أهتدي إلى وسيلة استغفل لها ~~والدي فأذهب بنفسي إلى الإمام وأطلعه على هذا السر فإذا رأى أن يقبض علي فليفعل والمستقبل ~~في يد الله. أما ms079 انت فسر حالا إلى الكوفة قبل فوات الفرصة إن الوقت قصير.. ووقتي الآن أقصر ~~منه. دعني أذهب إلى والدي قبل أن يعلم بغيابي فيعرقل مساعي ثم أرى ما يكون. وسر أنت إلى ~~الدير الذي كنا فيه في أول هذا الليل وسآتيك بالخبر. وقبل أن تصل الدير انزع عنك النقاب ~~والإزار وادخل بثوب الرجال ورئيس الدير يعرفك فلا يستغشك». قالت ذلك وانصرفت تلتمس منزلها ~~وهو يود لو أنها بقيت. # الفصل الرابع والأربعون # | الخلوة # فلما خلا بنفسه مشى وهو غارق في بحار الهواجس لا يدري إلى أين يسير.فما شعر إلا وقد خرج ~~من الفسطاط ووصل إلى حافة ترعة ظنها لأول وهلة النيل. ثم ما لبث أن رأى ضيقها فعلم أنها ~~خليج وكان الظلام حالكا فوقف برهة وأفكاره تائهة في عبد الله ومصيره وكلما تصور ما هو فيه ~~من الخطر هب جسمه واقشعر بدنه. # وظل واقفا وقد نسي موقفه لانشغال باله فرأى بالقرب منه نخلة فاقترب منها وجلس على حجر ~~تحتها وأسند ظهره إليها وجعل يفكر في حاله وحال عبد الله وما جره إلى تلك المدينة من ~~البواعث الهامة. فتذكر قطاما ووعودها وما مر له معها من الأحوال. وكان الجو هادئا لا ~~يكدره إلا نقيق الضفادع على شاطئ ذلك الخليج فاتخذ نقيقها شؤما على عبد الله وتصور أنه لا ~~يطلع النهار حتى يكون في عداد الأموات. فلما تخيل ذلك اقشعر بدنه فوقف بغتة وقال في نفسه» ~~أأبقى أنا هنا وعبد الله في حال الخطر الشديد ... ماذا تكون حاله مع عمرو.. هل يقتله أم ~~يستبقيه آه ... ماذا أعمل هل أمكث في الفسطاط لأنقذ عبد الله من القتل أم أسير إلى الكوفة ~~لإنقاذ الإمام علي ... ولكن ما الفائدة من بقائي هنا وابن العاص قد عول على قتل عبد الله في ~~صباح الغد ... لابد من المبادرة إلى انقاذه» قال ذلك ومشى بجانب الخليج جنوبا وهو يفكر في ~~مجرى الماء هناك ونقيق الضفادع يعترض مجرى أفكاره. ثم تأمل في ذلك الخليج فتذكر أنها خليج ~~أمير المؤمنين وقد ms080 حفره عمرو بن العاص لما فتح مصر منذ عشرين عاما لإرسال المؤونة عليه إلى ~~الحجاز تلافيا لما كانوا يخافونه من القحط هناك. وكان قد حفره بإشارة من الخليفة عمر بن ~~الخطاب # 1 # لما كان كرسي الخلافة في المدينة. فتذكر حال الإسلام في ذلك العهد وما كان فيه ~~من اجتماع الكلمة وما فتحته سيوف المسلمين من البلاد الواسعة في الشام ومصر والعراق في بضع ~~عشرة سنة. وكيف تحولت تلك السيوف الباترة بعد مقتل الخليفة عثمان إلى الفتنة فانقسم ~~المسلمون فيما بينهم وانشغلوا عن تأييد سلطانهم بالحروب الاهلية حتى أصبحوا يقتلون خلفاءهم ~~بتهم ما أنزل الله بها من سلطان.وأقبح ما آلت إليه تلك الفتنة أنهم تآمروا على قتل أمرائهم ~~وخصوصا الإمام علي وهو ابن عم الرسول وخيرة قواد المسلمين. ولا ذنب له غير السعي في تأييد ~~الكتاب. ولما تصور تلك الحال انقبضت نفسه وغلب عليه الكدر حتى كادت تخنقه العبرات وهو لا ~~يدري أيبكي عبد الله أم يبكي الجامعة الإسلامية أم يبكي الإمام عليا أم يبكي سوء بخته الذي ~~جره إلى تلك المدينة حتى وقع في تلك الحيرة. # الفصل الخامس والأربعون # | خليج أمير المؤمنين # ثم وقف بغتة والتفت إلى ذلك الخليج وجعل يخاطبه قائلا: «ألست الخليج الذي أشار أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب بحفرك؟ قل لي بمائك الذي يجري فيك هل علم ابن الخطاب لما أذن بذلك ~~أن دولة الإسلام سيقضي عليها بالانقسام حتى يحمل عامتهم على خليفتهم فيقتلوه ثم يختلفون على ~~الخلافة فيقتسمونها ثم يختصمون على اقتسامها. هل خطر لابن العاص يوم نزل وادي النيل وحاصر ~~هذا الحصن المنيع حصن بابل أنه سيجرد سيفه على المسلمين ويقتل ابن أبي بكر حرقا بالنار ثم ~~ينقم على ابن عم الرسول فيستخرج الخلافة من يده بالحيلة .. أين أنت يا عمر يا أمير المؤمنين ~~يا جامع كلمة المسلمين كانت المدينة مقر الخلافة وأنت على كرسيها فأصبحت منقسمة على نفسها ~~يدعيها غير أهلها.. آه ياربي ما هذه الحال ياليتني مت قبل ذلك ... هنيئا لك يا أبا ms081 رحاب أن ~~عظامك ساكنة في هذا التراب وروحك تنتظر لقاء ربها في يوم الحساب.. أما أنا الشقي فإني تائه ~~بعدك تتنازعني عوامل لا أدري مصدرها ولا أعلم مصيرها. أأبقى لأرى مصير أخي عبد الله أم أسرع ~~إلى الكوفة لأنبئ الإمام بما تآمروا عليه؟ ... أرشدني يا جدي ويا سندي ... ابقى هنا؟ وما ~~الفائدة من بقائي هل يعفو عمرو عن عبد الله فيبقى حيا فأراه ...؟ لا أظنه يفعل.. إذا ماذا ~~يفعل أيقتله ولا أستطيع الدفاع عنه؟؟ ~~«آه يا خولة ... يخيل لي أنك ملاك أرسلك ربك لترشديني إلى سواء السبيل ...فهل يتم لي السعد ~~على يدك فتنقذين عبد الله من القتل ...». # الفصل السادس والأربعون # | الإغراق # وفيما هو يحدث نفسه ويمشي الهويناء على تلك الضفة سمع لغطا وحركة عن بعد فأجفل وتقدم نحو ~~الصوت وهو يحدق بنظره فعلم أنه بجانب فم الخليج عند اتصاله بالنيل ورأى في النيل سفنا ~~كبيرة وسمع لغطا عميقا كأن لصوصا يهمسون فيما بينهم يحاذرون أن يسمعهم أحد. وكان هو لا ~~يزال بلباس النساء فخاف أن يراه أحد فيتحرش به فينكشف أمره فانزوى وراء جميزة كبيرة بقرب ~~الشاطئ ثم خاف أن يدنو منه أحد فيراه. فتسلق فرعا من فروعها واختبأ بين الأغصان والأوراق ~~هو يحاذر أن يحف الورق. حتى إذا استكن على غصن غليظ جعل يتفرس بما يراه فإذا هناك بضعة ~~وعشرون رجلا يحيطون ببضعة عشر آخرين كأنهم أسرى مغلولون يسوقونهم إلى قارب كبير وسمع بعضهم ~~يقول: «إلى أين أنتم ذاهبون بنا في هذا البحر ألعلكم تريدون إغراقنا» فشجبه أحدهم قائلا: ~~«وما علينا إذا أغرقناكم وأنتم عصبة شريرة تآمرتم على نصرة رجل قتل الخليفة عثمان». # فصاح آخر: «أهذه أعمال ابن العاص يقتل الرجال غيلة. أما كفاه أنه يلتمس الخلافة لصاحبه ~~بالحيلة حتى يقتل نصراء الحق غرقا. أما تخافون الله ألا تخافون يوم القيامة». # فصاح به آخر وقال: «لا تخف يا فلان إننا إنما أمرنا بنقلكم إلى جزيرة الروضة تبقون فيها ~~أياما». ثم علت الضوضاء فعلم سعيد أنهم أنصار علي الذين ms082 قبضوا عليهم تلك الليلة في عين ~~شمس فتحقق أن عمرا أشار بقتلهم غرقا في النيل فارتعدت أعضاؤه حتى كاد يقع من الجميزة ~~وحدثته نفسه أن ينزل لنصرتهم. ولكن الخوف غلب عليه لعلمه أنه أعزل وإنهم جماعة كبيرة وكلهم ~~مسلحون. فلبث برهة كأنها سنة وهو يرتجف من شدة التأثر وتنصت لعله يسمع صوت عبد الله أو يراه ~~فلم يسمع شيئا ولم يكن يطنع أن يرى أحدا لشدة الظلام ولا هو يأمن أن ينجيه من أيديهم ~~لكثرتهم وانفراده. # ولم يكن إلا بضعة دقائق حتى أصبح الكل في القارب ثم أداروا الدفة وهو ينظر إليهم ولم ~~يقلعوا حتى ندم على سكوته وود لو أنه جاهر بنفسه لعله يستطيع نجدة أولئك المظلومين أو ~~يقتل. ولكنه تذكر أن بقاءه حيا ضروري لإنقاذ الإمام علي فمكث برهة كأنه في حلم وهو يتردد ~~بين الندم والأسف ويلتمس عذرا لسكوته حتى توارت السفينة عن بصره في لجج الظلام فأيقن أن ~~عبد الله لا يلبث أن يبيت طعاما للأسماك إذا كان بين أولئك. وهو لابد أن يكون بينهم أنهم ~~عصبة واحدة نالوا جزاء واحدا. # الفصل السابع والأربعون # | الندم # فلبث هنيهة يفكر بما مر به فاشتدت به هواجسه حتى بكى ونزل من الجميزة وهو يلطم وجهه ويندب ~~عبد الله ويبكي حاله ويوبخ نفسه لضعفه وتردده. فقال «أأرى عبد الله يساق إلى القتل ولا ~~أنصره يا للجبانة ويا للخيانة ... كيف أتخلى عن رجل ذهب ضحية حبه لي ولولاي لم يأت هذه الديار ~~ولا رأى ما رآه من البلاء ... آه يا ربي ما الفائدة من حياتي ....» ثم سكت هنيهة وهو يستجمع ~~حواسه ويتأمل في موقفه فرأى أنه ارتكب خيانة عظمى. فقال «إني لا أستحق البقاء حيا ولابد من ~~أن ألقي نفسي في هذا الماء لعلي ألقى فيه حبيبي عبد الله فتذهب بقايانا معا» قال ذلك وهم ~~أن يلقي نفسه في النيل فشعر بقوة أوقفته بغتة وقد فكر في الإمام علي وما يحدق به من الخطر ~~فقال «إذا قتلت نفسي إنما أقتل عليا ms083 معي ... نعم أقتله لأني إذا لم التمس الكوفة وأنبئه بعزم ~~ابن ملجم ذهب قتيلا بذلك السيف المسموم ... آه يا خولة أين وعدك بإنقاذ عبد الله ... ولكن ما ~~ذنبك وأنت لا تعلمين أنهم سيرعون في إغراقه قبل انبلاج الصباح ... إنه دهاء ابن العاص ومكره ~~.... ولكنه سوف ينال نصيبه من أولئك المؤامرين ... يا ليتني أنبأته بالمؤامرة وجعلتها فدية لعبد ~~الله ... ولكن قضي الأمر ولا خيرة في الواقع.» # الفصل الثامن والأربعون # | خولة # ثم سكت وجعل يتأمل في ما حوله ولا يطاوعه قلبه أن ينظر إلى جهة مسير القارب فأراد أن ~~يتحول إلى المكان الذي أتى منه فرأى شبحا مسرعا نحوه فخاف وتهيأ للدفاع إذا رآه يقترب ~~منه. فلما اقترب الشبح إذا هو امرأة فعجب لقدومها وحدها في ذلك الليل ولكنه ما لبث أن تفرس ~~في قيافتها حتى علم أنها خولة فخفق قلبه في صدره وغلب الخجل عليه لما رآه من جرأتها وقدومها ~~في ذلك الليل وهي فتاة لعلمه أنه لا يحملها على القدوم إلا السعي في إنقاذ عبد الله. فحدثته ~~نفسه أن يختبئ خجلا ولكن البغتة غلبت عليه فدنا منا وناداها. فحالما عرفت صوته صاحب فيه ~~«أين عبد الله». # فأراد أن يجيبها فاختنق صوته وسبقته العبرات. # فدنت منه وهي تقول «سعيد ... هل رأيت أحدا جاء إلى هذا المكان وما الذي جاء بك إلى ~~هنا». # قال «نعم رأيتهم يحملون أولئك الأسرى في قارب». # قالت «وأين هم ... أين ذهبوا بهم ... هل رأيت عبد الله .... هل هو معهم..». # قال «لقد حملوهم في القارب ولا أدري إذا كان عبد الله معهم لأني لم أسمع صوته ولا ~~رأيته». # فصفقت بكفيها وقالت «لابد من أن يكون معهم. آه ما الحيلة الآن.. ما كنت أظن ابن العاص ~~يعجل بقتلهم على هذه الصورة .. وكيف لم تحاول الدفاع عنهم ...». # فأجابها والاعتذار والخجل يتنازعانه وقال «لم أكن أعلم أن عبد الله معهم وهبي أني علمت ~~فكيف استطيع إنقاذه وأنا فرد أعزل وهم جماعة مسلحون ....» # فصمتت خولة برهة ثم قالت «لقد فعلت حسنا فأبقيت ms084 على نفسك لإنقاذ الإمام علي لأن حياته ~~موكولة إلى سرعة رجوعك». # فقال «وأنت ما الذي جاء بك وكيف عرفت بمسيرهم». # قالت «علمت ذلك من عبدنا وكنت قد دبرت حيلة أدخل بها على عمرو لأستمهله في قتل عبد الله ~~باطلاعه على سر المؤامرة فعلمت أنه بعث بهم هذه الليلة لإغراقهم في النيل مخافة أن يترتب ~~على قتلهم جهارا فتنة وهو يعلم أن أنصارهم كثار في الفسطاط. فأسرعت لعلي استطيع إنقاذ عبد ~~الله بحيلة ... فلم يساعدني القدر ... وا أسفاه عليك يا عبد الله ... آه من أهل الظلم ... إن عمرا ~~قد غلب عليا بحيلته فأخرج الخلافة من يده لجهل أبي موسى الأشعري ولكنه لن ينجو بنفسه من ~~غائلة المؤامرين ...». # ثم دنت من سعيد وقالت «أنا أعلم أن فقدان عبد الله مصيبة علينا لأنه شهم ولكنه قضى ضحية ~~واجباته على أننا نرجو أن نعوض عن خسارته بإنقاذ الإمام علي من خطر القتل فاركب إلى الكوفة ~~على عجل وتمم المهمة التي جئت من أجلها. فها قد عرفت اسم المؤامر وإنه سار إلى الكوفة فأسرع ~~ما استطعت قبل فوات الفرصة». # وكان سعيد مع شدة تأثره مما رآه تلك الليلة من الأهوال لا يغفل عما أبدته خولة من الحمية ~~والجسارة وقد ازداد حبا لها وإعجابا بشهامتها .... # وفيما هو يفكر في ذلك ابتدرته قائلة «أعلم يا سعيد أني خرجت الليلة من بيت والدي تحت خطر ~~القتل وأنا أحسبك في الدير كما تواعدنا وكنت عازمة على الذهاب إليك لأستحثك في سرعة المسير ~~ثم أعود إلى والدي انتحل له سببا في خروجي. أما وقد التقينا هنا فإني استودعك الله وألتمس ~~منك أن تسرع في الذهاب وإني عائدة إلى بيتنا وسأرسل إليك جملا مع عبدنا وآمره أن يسير في ~~ركابك إلى الكوفة». # الفصل التاسع والأربعون # | السفر العاجل # فأعجب سعيد بتدبيرها وثبات جأشها ورأى نفسه ضعيفا بين يديها ولم يستطع مخالفتها فقال لها ~~«لا نلبث أن نتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وها إني خارج إلى جبل المقطم فهل ~~يوافيني عبدك ms085 وجملك إلى هناك؟» # قالت «إنه سيوافيك حالا سر بحراسة الله واحذر أن تفوتك الفرصة. إن ابن ملجم قد سبقك إلى ~~هناك ... هل فهمت ذلك؟» قالت ذلك ومدت يدها إليه فصافحها ويده ترتعش وقد نسي حاله لحظة ثم ~~تذكر ما هو فيه من الأمور الهامة. وربما اضطرب قلبه بين يدي خولة ولكن حبه قطاما مازال ~~غالبا عليه على أنه عول في باطن سره إذا نجح في مهمته أن لا يدع خولة تخرج من يده فيجعل ~~لها مقاما في قلبه. فقال لها «أرجو أن تذكريني وتدعي لي بالتوفيق». # قالت وقد فهمت مراده «سر إني معك وإن كنت في الفسطاط وأرجو أن يجمعني بك يوم ينجو به ~~الإمام من أيدي الظالمين وينال ما يستحقه من الاستقلال بالخلافة». # فاتخذ قولها تعنيفا له لافتكاره بالحب ونحوه وهو في مهمة أرفع منزلة من ذلك. # أما هي فأسرعت في وداعه وألحت عليه في سرعة المسير وأكدت له أن يلاقي عبدها والجمل وراء ~~المقطم ثم تحولت بسرعة إلى الفسطاط. # فلما تركته وحده حول وجهه إلى النيل حيث كان القارب. وتأوه وتحسر وقال «استودعك الله أيها ~~الصديق الحميم أستودعك الله أيها الأخ الحبيب لا غرق إذا ذهبت ضحية في سبيل نصرة أمير ~~المؤمنين إنك إذا قضيت عزيزا وأنت حي ستلقى ربك باسما مفتخرا فادع لي أن ألقاه منتصرا ~~على القوم الظالمين». # قال ذلك وتحول يلتمس جبل المقطم ولم يدركه حتى انبلج الصبح فلقي العبد وقد سبقه إلى هناك ~~ومعه الجمل وسائر معدات السفر. # الفصل الخمسون # | تمام الحيلة # فلنتركه سائرا يطوي البيداء ولنعد إلى قطام في الكوفة وما كان من دهائها ومكرها بعد ~~سفره. فقد ذكرنا إرسالها عبدها إلى الفسطاط للوشاية بسعيد وعبد الله ثم خلت بلبابة فقالت ~~لها «لقد تمت لنا الحيلة في قتل هذه المغرورين فإنهما مقتولان لا محالة. بقي علينا أن نعلم ~~من هو المؤامر على قتل علي فإذا عرفناه نشطناه على قتله وساعدناه فإن قبيلتي كلها تنصره في ~~ذلك». # فضحكت لبابة وقالت «إنه أمر سهل فإن ms086 عبدك ريحان ماهر بأساليب الدهاء مثل سيدته ولا نظنه ~~وإلا عائدا إلينا بالخبر اليقين وإما تحريض ذلك المؤامر على القتل فهو أسهل وخصوصا إذا ~~رأى هذا الوجه الجميل فإنه مفتتن به لا محالة فما عليك حينئذ إلا أن تعديه بالزواج وتجعلي ~~قتل علي مهرا حلالا لك ... كيف رأيت رأيي». # فقالت قطام بورك فيك يا خالة والله إنك معبرة عن إحساسي. أما وعده بالزواج فهو أمر سهل ~~علي ولا نظننا نحتاج في البحث عن ذلك الرجل إلى كبير مشقة فإنه إذا دنا الميعاد المضروب ~~لابد من قدومه إلى الكوفة وإذا جاءها فلابد من أن يطلع أحدا من أهلي على عزمه لعلمه أننا ~~على دعوته. فإذا عرفناه هان علي كل عسير. # صدق القائل «كل سر جاوز الاثنين شاع» فلم يدخل شهر رمضان حتى تحدث أهل الكوفة في حادث ~~فظيع يخافونه على حياة أمير المؤمنين وكان الناس يتداولون ذلك الخبر همسا وهم لا يعبأون به ~~لأنه غير مسند إلى شاهد ولا أحد عرف القائل. فضلا عن علم العقلاء منهم أن أمثال تلك ~~الإشاعات جائزة في مثل ما كان فيه الإمام علي يومئذ. ولم يفت الإمام وأهل حاشيته شيء من ~~تلك الإشاعة ولكنهم لم يعبأوا بها وحملها أهله وأصحابه على إشاعات ينشرها ذوو الأغراض. ومما ~~تحسن الإشارة إليه أنك قلما ترى حادثا فظيعا لم تتقدمه الإشاعات المنبئة بقرب وقوعه. وهو ~~سر لا مهمة ومهما يكن من الأمر فإن أهل الكوفة كانوا يتحدثون ببلاء يخافونه على أمير ~~المؤمنين ولكن أكثرهم كانوا لا يكترثون. # ومضت أيام ودخل شهر رمضان فأصبحت قطام قلقة لتعرف من هو المؤامر على قتل الإمام علي ~~لتنصره أو تحرضه. فلما اقترب نصف الشهر ولم يأت أحدا ولا سمعت بأحد ظنت المؤامرين عدلوا ~~عن عزمهم تهيبا وفرقا واستبطأت عندها ريحان وقد كانت في انتظار قدومه لعلها تسمع منه ~~شيئا عن أولئك المؤامرين ولكي تسأله عما آلت إليه حال سعيد وعبد الله. على أنها لم تكن تشك ~~في وقوعهما في الفخ. # الفصل الحادي والخمسون ms087 # | عود ريحان # وأصبحت قطام في الخامس عشر من رمضان والباب يقرع وكانت لبابة تبيت عندها بعد سفر ريحان. ~~فنهضت لبابة فسمعت جعجعة جمل عرفت أنه جمل ريحان فأسرعت إلى الباب ففتحته فاستقبلها ريحان ~~فقبل يدها وهو لا يزال بلباس السفر ودخل توا غرفة سيدته فلما رأته ابتسمت له ابتسامة عوضت ~~عليه كل شقائه. فتقدم لتقبيل يدها وهو مشرق الوجه إشارة إلى نجاح مسعاه. فقالت إني أقرأ ~~آيات البشر على وجهك وإن كان أسود اللون فاقصص علي تفصيل ما أتيته من آيات الدهاء ~~والمهارة. # فقال وهو ينفض الغبار عن لحيته ووجهه «ركبت إلى الفسطاط فوصلتها يوم الخميس قبل وصول سعيد ~~وعبد الله بيوم فسرت توا إلى الأمير عمرو بن العاص وقصصت عليه خبر القادمين وإن في الفسطاط ~~جماعة من أنصار علي يجتمعون في عين شمس كل جمعة. فأمر رئيس شرطته أن يتهيأ للوقت المعين ~~وخفت أن يهاجموا المكان قبل وصول سعيد وعبد الله ولكنهما وصلا في اليوم التالي وذهبا إلى ~~المجتمع وقبضت الشرطة عليهم جميعا ولكنني لم أر سعيد في جملة الأسرى». # فقطعت قطام كلامه قائلة وهل قبضوا على جماعة كبيرة من أولئك الأنصار. # قال قبضوا على نحو عشرين وعبد الله معهم. # قالت وسعيد؟ # قال لم أره وأظنه تأخر عن الاجتماع فلم يحضره فنجا بنفسه. # قالت وماذا فعلوا بالأسرى. # قال ساقوهم إلى النيل وأماتوهم غرقى في الليلة التي قبضوا عليهم فيها. # فأشرق وجه قطام ثم انقبض بغتة ولبابة تنظر إليها كأنها تتلذذ بالتأمل في ملامحها. فلما ~~رأتها انقبضت همت بها وقالت ما بالك؟ ما الذي كدرك؟ # قالت أن سعيدا لا يزال باقيا فأخاف أن يعرقل مساعينا. # قالت لبابة لا خوف منه لأنه كما تعلمين بسيط القلب سهل الانقياد تنطلي عليه الحيلة ~~بسهولة. وأما عبد الله رفيقه فقد رأيت فيه دهاء ومكرا فالحمد لله على نجاتنا منه. # قالت صدقت ولكن سر المؤامرة عند سعيد فأخاف إذا جاء وأنبأ عليا به أن يحتفظ علي بنفسه ~~فيذهب سعينا هباء منثورا. # فأطرقت لبابة برهة ثم ms088 التفتت إلى ريحان وقالت «هل عرفت الرجل المؤامر على قتل ~~علي؟ # قال علمت أنه من بني مراد واسمه عبد الرحمن بن ملجم. # فبغتت لبابة وصاحت أ ابن ملجم هو ...؟ لقد هان الأمر. # فقالت قطام وهل تعرفينه؟ # قالت أعرفه جيدا وهو جريء قل أن يقدم على مثل هذا العمل سواه وإذا كان عبد الرحمن بن ~~ملجم هو المؤامر فقد بلغنا المرام فإنه يحب الحسان ويستهلك في سبيل مرضاتهن ثم أدنت فمها من ~~أذن قطام وقالت ولا أشك إذا رآك ألا خاطبك ثم تحولت إلى ريحان فقالت وهل رأيته قبل ~~مجيئك؟ # قل لا ولكني سمعت أنه سافر على هنا يوم وصولي الفسطاط وكنت أظنه وصل إليكم ولا أشك أنه ~~إذا جاء قدم إليكم لأني آنست من خبر حزبنا هناك ما يدل على ذلك فهم يعتقدون فينا الكره ~~الشديد لعلي وإننا نريد قتله وخروج الأمر من يده. # ولذلك فأنا لا أظن المؤامر إذا أتى الكوفة إلا مكاشفا بعض أسيادي من أخوتك أو ~~أعمامك. # فقالت بالله ألا سرت إلى أهلي وبحت عن الرحل فإذا سمعت بخبره ائتني على عجل واحذر أن يعلم ~~بأنك مرسل من قبلي لهذه الغاية وأنت فطين عاقل فلا توقع نفسك في ما تلام عليه. # وخرج ريحان ولم يبدل ثيابه فتبعته لبابة إلى حديقة البيت فوقفت به في ظل نخلة وهمست في ~~أذنه قائلة «إذا لقيت الرجل قل له إن خالتك لبابة هنا وهي تريد أن تراك لأمر هام» وعجله ~~بالمجيء واذكر له أني مقيمة في منزل سيدتك قطام واحتل في حديثك بحيث يفهم منك ما عليه سيدتك ~~من الحسن والجمال وإني ربما ساعدته على الزواج بها. وأنت فطن عاقل لا تحتاج إلى تدريب في ~~ذلك. فقبل ريحان يدها وهو يضحك ويهزرأسه كأنه يقول «يظهر أنك لا تعتقدين فطانتي ولولا ذلك ~~لم يكن ثمت داع لهذا التصريح». # الفصل الثاني والخمسون # | لبابة وابن ملجم # وانصرف ريحان وعادت لبابة إلى قطام وملامحها تدل على إعجابها بدهاء قطام وابتسمت وهي تقول ~~لا ريب عندي ms089 أننا فزنا بما نريد وقلبي يحدثني أن عليا سيقتل ويشفى غليلنا منه على أهون ~~سبيل. # أما قطام فظلت صامتة وقد أقطبت حاجبيها كانت تفكر في أمر ذي بال. # فقالت لها لبابة ما بالك يا قطام ما الذي حدث لك فأوجب هذا الاهتمام قالت إني خائفة يا ~~خالة. # قالت ما الذي يخيفك؟ # قالت إني خائفة من سعيد فقد قال لنا ريحان أنهم لم يقبضوا عليه في الفسطاط ولا يبعد أنه ~~اطلع عل اسم المؤامر وميعاد القتل ولا أخاله إلا قادما بخبره إلى علي فإذا أخبره بأمره ~~تعرقلت مساعينا وذهبا سعينا عبثا. # فقالت لبابة وما الرأي يا بنية؟ # قالت لابد لنا من تدبير الأمر بالحكمة وتدارك الحادث قبل وقوعه. # قالت هات رأيك. # قالت أرى أولا أن نسعى في إمساكه عن الذهاب إلى علي. إذ قد يتراءى له أن يسير إليه خال ~~وصوله الكوفة. # فقالت وهذا سهل فإننا نبعث ريحان فيلاقيه في مكان خارج الكوفة لابد له من المرور فيه فإما ~~أن يؤخره عن دخول الكوفة أو أن يدعوه إلينا بحجة اشتياقك الشديد إليه!! ولا أشك أنه إذا سمع ~~بشوقك نسي كل شيء وطار إليك. ومتى جاءنا استبقيناه بأي حيلة كانت وإذا لم يبق مختارا ~~أبقيناه مجبورا. ما قولك؟ # قالت أرى مثل رأيك ولكننا الآن في الخامس عشر من رمضان ولم يبق إلا يوم واحد قبل اليوم ~~المعين فلابد من المبادرة في إرسال من يوقفه خارج الكوفة أو يستقدمه إلينا وريحان قد سار ~~إلى أهلي وربما أبطأ علينا. # قالت لبابة دعي هذا إلي إني ذاهبة في أثر ريحان فأبعثه إلى خارج الكوفة وأبحث عن ابن ~~ملجم بنفسي وذلك سهل علي لأني أعرفه شخصيا. قالت ذلك وتبرقعت وتناولت عكازها وخرجت تعدو ~~ولا عدو الشباب. # وخلت قطام بنفسها فتأملت بما هي فيه من الأمور وراجعت في مخيلتها ما دبرته من الحيل في ~~سبيل قتل الإمام فرأت أنها أحسنت بإرسال ريحان فإذا نجح في إيقاف سعيد ونجحت لبابة في ~~استقدام ابن ملجم وتم لها إغراءه وتشجيعه ms090 نالت هي بغيتها وانتقمت لأبياها وأخيها. ولما ~~تصورت وقوع ذلك انقبضت نفسها لفظاعة ذلك الأمر ولكن شوقها للانتقام هون عليها كل ~~صعب. # وكانت قطام زكية الفؤاد متوقدة الذهن ولو أنها كانت حسنة الخلق رقيقة العواطف واستخدمت ~~ذكاءها وفطنتها في سبيل الخير لأتت بأعمال يعجز عنها أعاظم الرجال ولكنها خلقت شريرة شديدة ~~الانتقام فاستخدمت تلك الجوهرة الثمينة في سبيل الأذى. وذلك كثيرا ما يحدث بين الناس اليوم ~~وغدا. فترى أناسا خصتهم العناية بذكاء ومهارة وصفاء ذهن فيصرفون تلك القوى في سبيل الشر ~~ويوجهونها إلى الإضرار بالناس طوعا لمطامعهم أو رغبة منهم في انتقام أو نحو ذلك. # فأعملت قطام فكرتها بعد ما تهيأ لها من ضروب الحيل فوجدت أنه لا يزال ينقصها احتياط واحد ~~لابد من تداركه. وذلك أن سعيدا ربما لا يلتقي بريحان لاختلاف في الطريق أو ربما التقى به ~~ولم يصغ إلى قوله والتمس الذهاب إلى الإمام علي فأطلعه على سر المؤامرة. فلما تصورت ذلك ~~خفق قلبها واضطربت حواسها ونهضت للحال وجعلت تمشي في غرفتها ذهابا وإيابا وتخرج منها إلى ~~الغرفة الأخرى وهي تود أن تعود لبابة لتتداول وإياها في هذا الأمر وندمت على إرسالها في تلك ~~المهمة قبل الافتكار في ذلك. # ولما تعاظم بلبالها خرجت إلى حديقة النخيل وكانت الشمس قد تكبدت السماء وانحسرت الأظلال ~~واتفق وقوع شهر رمضان في تلك السنة (40ه) في ابان الشتاء لأنه يبدأ في العاشر من يناير ~~(ك3) # 1 # وكان يوم خروج قطام إلى الحديقة يوما صحا جوه فحسن الخروج به إلى الخلاء في ~~ساعة الظهر للاستدفاء بأشعة الشمس. فمشت بين النخيل مبتعدة عن السور الذي يلي الطريق إلى ما ~~يلي البحيرة وهي لا تنتبه لما حولها من صرير أو تغريد أو نقيق ولم يكن همها إلا إتمام ~~مرامها . # الفصل الثالث والخمسون # | لقاء ابن ملجم # قضت في الحديقة ساعة وهي وحدها في كل تلك الدار فملت الشمس وحرارتها فعادت نحو البيت. ~~وفيما هي عائدة سمعت أناسا يتكلمون عن بعد فوقفت على أرومة نخلة كانوا ms091 قد قطعوها للوقود ~~منذ عامين والتفتت نحو الطريق فرأت شجين ولم تلبث أن عرفت أنهما لبابة ومعها رجل غريب الذي ~~علمت أنه عبد الرحمن ابن ملجم. فحولت انتباهها إلى إتمام هذه الحيلة فدخلت البيت على عجل ~~وكانت قد رأت لبابة تكلم عبد الرحمن وتشير إليها بإصبعها. ولما دخلت الغرفة عمدت إلى النقاب ~~فأرسلته على رأسها وجلست على وسادة تعودت الجلوس عليها إذا استقبلت الزائرين من الغرباء. ~~ولبثت صامتة تنتظر دخول لبابة وما عتم أن سمعت صوت ضحكتها قبل سماع خفق نعالها. وبعد قليل ~~دخلت لبابة وحدها فاستقبلتها قطام استقبال المشتاق ودعتها إلى الجلوس. # فقالت: لا أجلس قبل أن أدعو رفيقا لي صحبته لزيارتك. # فقالت: أهلا بك وبرفاقك أجمعين فليدخل. # فصاحت لبابة للحال: ادخل يا عبد الرحمن. # وما أتمت كلامها حتى وقف في الباب رجل طويل القامة نحيف البدن خفيف اللحية أشمطها براق ~~العينين بحيث يكاد الشرر يتطاير منهما وعليه العباءة والقفطان والعمامة وآثار السفر لا تزال ~~بادية على نواتي وجهه وخصوصا الأنف فقد كان شديد الاحمرار. فخلع عبد الرحمن نعاله خارج ~~الباب وحيا ودخل. فردت قطام التحية وهي تهم بالوقوف وأشارت إليه أن يجلس فجلس الأربعاء ~~وسيفه مستعرض على حضنه وظهر من كيفية جلوسه أنه شديد الحرص على ذلك السيف كأنه يخاف عليه ~~الضياع ففتحت قطام الكلام قائلة إلى من ينتسب ضيفنا؟ # قال: إلى بني مراد. # قالت: والنعم والبركة. # فقالت لبابة: وهو عبد الرحمن ابن ملجم من القراء المشهورين قرأ على معاذ بن جبل # 1 ~~. أظنك سمعت به. # قالت: أنت تعلمين حالي يا خالة بل أنت أدرى مني بما هو شاغل بالي من الأحزان والمصائب فلم ~~يبق لي عقل أذكر به شيئا غير مقتل أخي وأبي ... آه من الظلام أهل العدوان. قالت ذلك وأجهشت ~~بالبكاء وما أسهل ما تستنزل به الدموع. # الفصل الرابع والخمسون # | خطبة جديدة # وكان عبد الرحمن ينظر إليها من طرف خفي ويلاحظ ملامحها فافتتن بها أيما افتتان وكان قد ~~سمع بجمالها وود لو أنها تكون له. ولما ms092 لقيته لبابة لم تذكر له شيئا مما عرفوه عن عزمه ~~ولكنها قالت له: علمت بمجيئك الكوفة واعلم أنك تحب الحسان وأعرف واحدة منهن ليس أجمل منها ~~في العراق. فجاء ولما رآها تحقق ما سمعه فانشغف بها ومن عجيب أمر هذا الرجل أنه مع عظم ما ~~انتدب نفسه له من الأمر الهائل بقتل أمير المؤمنين وقرب اليوم المعين لم يشغله عن مغازلة ~~الحسان شاغل. فلما سمع كلام قطام ورأى إجهاشها قال: وما الذي يحزن مولاتي؟ ألا أستطيع تفريج ~~كربتها؟ # فقالت لبابة: لا يخفى عليك ما أصابها على اثر واقعة النهروان فقد قتل والدها وأخوها ~~رحمهما الله وهي لا يمضي يوم لا تذكر تلك المصيبة وتبكي ذينك الفقيدين ولكنني أريد أن ~~أشغلها عن هذه الأحزان بمن يليق بها .... # ففهم عبد الرحمن أنها تلمح إلى خطبتها له فقال: إني والله أكون أسعد حظا من الجميع إذا ~~تم لي ذلك. # فتجاهلت قطام وقالت: وما الذي تتمناه يا سيدي؟ # قال: لقد جئتك خاطبا وأنت في أحزانك عساي أن أستطيع تفريجها فاطلبي مني ما تشائين مما ~~تقر به عيناك. # فتنهدت قطام ثم قالت: إني لأعجب من تسرعك في الطلب ونحن لم نلتق قبل الآن. # فقطعت لبابة كلامها قائلة «نعم إنكما لم تلتقيا قبل ولكن لبابة تعرفكما جيدا وإذا أذنت ~~مولاتي بكلمة فأقول إنكما إنما خلفتما لتعيشا معا». # فسكتت قطام فقال ابن ملجم «ومع ذلك فاطلبي ما تشائين فيكون لك». # فظلت قطام ساكتة برهة تتظاهر بالحياء والتردد إتماما للحيلة. ثم التفتت إلى لبابة كأنها ~~تقول لها «إني استحي أن أقول» فقالت لبابة أنا أقول.. اجعل مهرها ثلاثة آلاف دينار وعبدا ~~وقينة. # و لم تتم لبابة قولها حتى صاحت قطام «لا. لا يرضيني ذلك ولا مطمع لي في المال كما تعلمين» ~~فقال عبد الله «اطلبي ما تريدين». # فتظاهرت بالتمنع وصبرت هنيهة كأنها تستخف بما اقترحه عليها من الطلب ثم قالت «إن مهري ~~إنما هو قتل علي بن أبي طالب قاتل أبي وأخي». # فابتسم عبد الرحمن ونظر إليها ويده ms093 على قبضة سيفه وقال «إن ذلك وما قالته هذه الخالة ~~سيكونان لك: ثلاثة آلاف دينار وقتل ابن أبي طالب وعبد وقينة. فإن مثلك لا يعز في سبيل نيلها ~~مهر. واعلمي أني إنما جئت الكوفة لهذه الغاية انظري إلى هذا السيف (وجرده فلمع نصاله ~~لمعانا شديدا) إني اشتريته بألف وسممته بألف لأقتل علي ابن أبي طالب به. # فابتسمت وقالت ولكنني أرجو أن يكون ذلك عاجلا لئلا تفوت الفرصة فقال إن موعدنا قريب لم ~~يبق منه إلا يوم وليلة سأقتله في صباح 17 من هذا الشهر المبارك أي بعد غد فاطمئني. # قالت وكيف عينت اليوم والساعة ألا يستحسن أن يكون ذلك غدا؟ # قال إن لذلك سببا سأذكره لك بعدئذ ولكنني أقول الآن إني مقيد في إنفاذ مهمتي في صباح ذلك ~~اليوم. # فسكتت قطام وهي تتجاهل ما علمته من أمر المؤامرة. # وكانت لبابة عالة بغياب ريحان وأن لابد من زاد يتناوله الضيف فاستدعت عبدها في أثناء ~~قدومها فجاء وأعد لهم طعاما تناولوه. # وما صدقت قطام أن خلت بلبابة لحظة فأشارت إليها أنها تحب مخاطبتها في أمر ذي بال على ~~انفراد فاحتالت هذه على عبد الرحمن حتى التمس الخروج إلى السوق في شغل له وخلت قطام بلبابة ~~للبحث عن تمام الحيلة. # الفصل الخامس والخمسون # | مهمة ريحان # أما ريحان فإن لبابة أدركته في الطريق قبل عثوره على عبد الرحمن فأمرته أن يسرع في ملاقاة ~~سعيد خارج الكوفة وألقت إليه من أساليب المكر والدهاء ما يكفل نجاح مهمته. فسارا أولا إلى ~~ساحة كبيرة في وسط الكوفة تجتمع فيها الدواب من القوافل وغيرها. ولابد للقادم إلى تلك ~~المدينة من المرور بها أو النزول فيها. # وقبل وصوله إليها سمع جعير الجمال وصهيل الخيل ولما وصل رأى الساحة غاصة بالدواب وبينها ~~الناس في هرج بين راكب ونازل ورأى الأحمال ملقاة هنا وهناك فجعل يتفرس بالوجوه لعله يرى ~~سعيدا أو أحدا من خدامه فلم ير أحدا. فجاء بيت سعيد فسأل عنه فعلم أنه لم يأت بعد. فخرج ~~يلتمس الطريق خارج ms094 الكوفة وهو ينظر إلى لأفق لعله يرى هجاما أو فارسا. فمشى ساعتين ولم ير ~~أحدا فوصل إلى شجرة كبيرة يستظل بها المسافرون للراحة قبل دخولهم المدينة ولابد لمن كان ~~قادما من الشام أو مصر من المرور بها. فجلس هناك وعيناه شائعتان إلى عرض الأفق يفكر في ~~حيلة تطلي على سعيد فيسبقيه هناك أو يسير به إلى بيت قطام. فغربت الشمس ولم يأت أحد وكان ~~القمر بدرا فلم تكد تغرب الشمس حتى طلع البد وانعكست الأظلال من الشرق نحو الغرب. فاتكأ ~~على حجر وعيناه تنظران إلى الأفق. # قضى ريحان هناك أوائل الليل وعيناه شاخصتان وقلبه يخفق وكلما رأى شبحا ظنه سعيدا فاشتد ~~به البرد وهو يكابر ويتجلد. وحدثته نفسه أن يرجع فخاف أن يأتي سعيد في أثناء غيابه فيذهب ~~سعيه هباء منثورا فالتف بثوبه. وبعد نصف الليل غلبه النعاس وهو يتجلد ولكنه لم يقو على ~~سلطان النوم فأغمضت عيناه على أنه لم ينم طويلا فاستيقظ مبغوتا فأسف لما تولاه من الرقاد ~~فنهض وهو يخاف أن يكون سعيد قد مر ولم يره. فوقف برهة يفكر في ماذا يعمل فصبر نفسه إلى ~~الصباح فلم يأت أحد فخيل له أن سعيدا مر في أثناء نومه فعاد إلى الكوفة بأسرع من لمح البصر ~~فبحث في ساحتها وسار إلى بيت سعيد فتحقق أنه لم يأت بعد فرجع إلى الشجرة وقضى معظم النهار ~~تحتها أو حولها كأنه على جمر الغضا. وهو مع ذلك صابر لا يتذمر ولا يتضجر حتى غابت الشمس ~~وطلع القمر. فقال في نفسه لم يبق إلا هذه الليلة فإذا لم يصل الرجل لم يبق ثمت حاجة إلى ~~بقائي إذ يكون قد نفذ السهم وقتل علي. فازداد اضطرابه وتمنى أن لا يأتي سعيد فيتخلص هو من ~~تدبير الحيل في أخذه إلى قطام وهو مع ذلك لا يرجو ذهابه معه لقرب ميعاد القتل. # ولم يدن العشاء حتى رأى جملين قادمين عن بعد وعليهما راكبان فاختلج قلبه واصطكت ركبتاه ~~وزاده البرد ارتعاشا. فلما اقتبربا وقف وتقدم نحوهما ms095 فإذا هما سعيد وبلال عبد خولة وكانا ~~ملثمين فعرف سعيدا من قيافته وأما بلال فلم يعرفه. # الفصل السادس والخمسون # | ريحان وبلال # وكان سعيد قد قضى مسافة الطريق في قلق على الإمام وما صدق أنه أطل على الكوفة فانفرجت ~~أزمته وعول أن يسير توا إلى منزل علي. فلما وصل إلى تلك الشجرة ترجل وترجل عبده على نية ~~الاستراحة هنيهة ثم المسير. فاستقبله ريحان وسلم عليه فلما رآه سعيد استأنس به ورد السلام ~~ثم قال له ما الذي جاء بك يا ريحان؟ # قال «إن سيدتي منشغلة الخاطر لطول غيابك» وأشار إليه أن يدنو منه ليبث إليه ما اؤتمن عليه ~~من السر. فدنا منه على انفراد وانشغل بلال بسياسة الجملين. # فقال ريحان «أن سيدتي قطاما تقرئك السلام وتقول لك لقد أطلت الغيبة عليها أنت وسيدي عبد ~~الله». # فتنهد سعيد وقال «لا تذكر عبد الله فقد تركناه في مصر» قال ذلك وهو لا يريد أن يطارح ~~العبد في مثل هذه الشؤون أنفة وترفعا فاكتفى بالسكوت فسكت ريحان عن سؤاله وهو يعلم أن عبد ~~الله أغرق في جملة من أغرقهم عمرو بن العاص في النيل ولكنه قال «وماذا أقل الآن لسيدتي هل ~~أنت قادم للمبيت عندنا الليلة فإنها قد أعدت لك كل وسائل الراحة». # فلبث سعيد برهة تتنازعه عوامل الشوق إلى قطام وبواعث العجلة إلى علي فرأى أن ميعاد القتل ~~قد آن فإذا بات تلك الليلة في منزل قطام تمتع برؤيتها ويشف سماعه بحلو حديثها أصبح في الغد ~~وقد قتل علي لأن المؤامر لا يتأخر عن فعلته إلى ما بعد صباح السابع عشر فقال «إذا ذهبت ~~إليها الليلة أراها برهة ثم أسير إلى علي» قال ذلك والتفت إلى بلال فرآه مهتما في إعداد ~~العشاء فناداه باسمه فجاء فلما سمع ريحان اسم بلال اختلج قلبه فى صدره ولما دنا منه وتفرس ~~فيه عرف أنه عبد خولة وكان قد لقيه في الفسطاط وباح له بمهمته ولم يكن يخطر بباله يومئذ أنه ~~سيأتي مع سعيد فارتبك في امره ms096 وحاول إخفاء حاله لئلا يراه بلال فيعرفه. أما بلال فلما دعاه ~~سعيد أسرع إلى ما بين يديه فقال سعيد «ألا ترى أن نسير توا إلى الكوفة». # قال بلال «الأمر لمولاي ولكنني أعددت لك طعاما ألا تتناوله ونستريح هنيهة ثم نسير إلى ~~حيث تشاء». # قال «ولكن بعض أهلي بعثوا في استقدامي للعشاء». # والتفت بلال إلى ريحان فرآه قد تقهقر إلى جزع الشجرة يتستر بظلها فلم ينتبه له وكان سعيد ~~قد أنس ببلال في أثناء الطريق وأطلعه على حديث المؤامرة فاغتنم بلال تلك الخلوة فقال لسعيد ~~«ألا ترى يا مولاي أن تتم مهمتنا التي جئنا بها من الفسطاط قبل كل شيء إني أخاف أن يكون ~~ذهابنا إلى أهلك سببا في التأخير وهم ربما لا يعلمون الغرض الذي يدعونا إلى الإسراع وربما ~~حدث لك بعد العشاء ما يؤخرك عن تلك المهمة أما إذا أنفذنا مهمتنا وأطلعنا الإمام على ما ~~خبأه له أهل البغي تمضي إلى حيث تشاء هذا ما أراه والأمر لك. على أني قد أعددت لك الطعام ~~الآن فإذا شئت أكلت ثم فعلت ما يتراءى لك». # فارتاح سعيد لهذا الرأي ولكنه أراد أن يخبر بلالا باطلاع ريحان على سر الأمر فقال له» ~~ولا أخفي عليك أن هذا الهام (وأشار إلى ريحان) من جملة الساعين في ما نحن فيه». # فقال بلال «فهو يعذرنا إذا إذا رأى أننا نفضل المسير إلى منزل الإمام علي. تفضل الآن إلى ~~المائدة وأنا أشتغل معه في تهيئة الجملين فإذا فرغت من الطعام سرنا جميعا». # الفصل السابع والخمسون # | انكشاف الخديعة # قال ذلك وتحول نحو ريحان وكان ريحان واقفا بجانب الشجرة وهو يود أن لا يخاطبه أحد. ~~وحدثته نفسه أن يرجع إلى الكوفة لئلا يراه بلال فينكشف أمره. # ولكنه ما لبث أن رأى بلالا يدنو منه ويكلمه فرد عليه بصوت منخفض وهو يتشاغل بإصلاح نعليه ~~وشملته لا يرفع نظره إليه. فاستغرب بلال ذلك فتقدم إليه وناداه وقال «تعال يا أخي نمكث ~~هنيهة ريثما يتناول مولاي طعامه ثم نسير معا». # فسكت ms097 ريحان ولم يجب ولكنه تظاهر بأنه أضاع عصاه وتحول للبحث عنها وبلال يتبعه ويعجب لما ~~يبدو منه. فلما بعد ريحان عن ظل الشجرة بانت سحنته فتذكر بلال أنه يعرفه وفطن للحال أنه هو ~~الذي أسر إليه بخبر مهمته إلى الفسطاط. فانتبه أن في الأمر خديعة وخصوصا لما رآه يحاول ~~إخفاء وجهه. فتقدم إليه وأمسكه بيده وقال «تعال يا صاحبي نمكث هنا ريثما ينهض مولانا فنسير ~~معا» فلم ير ريحان خيرا من أن يجتذب يده ويتظاهر بالغضب فتبعه بلال وهو يقول «يظهر أنك لم ~~تعرفني يا صاح ألا تذكر أننا التقينا في الفسطاط». # فصاح ريحان «وأي فسطاط.. إني لا أعرف الفسطاط ولا أعرفك قبل الآن وليتني لم أعرفك فقد ~~أضعت عصاي بسببك». # فسمع سعيد صياحه وكان قد جلس إلى الطعام فنظر إليهما عن بعد فرآهما يتحاوران فوقف ونادى ~~عبد قطام قائلا «لا تغضب يا ريحان إن بلالا على دعوتنا». # فتهيأ لريحان غير السكوت والمجيء إليه لئلا تتأكد الشبهة عليه. ولكنه أصر على نكران ذهابه ~~إلى مصر. # فلما دنا من سعيد قال له «ما بالك تخاصم بلالا». # قال «إني لا أخاصمه ولكنني أضعت عصاي وفيما أنا أبحث عنها جاءني بحديث لا أعرف له ~~أصلا». # قال سعيد «وما ذلك يا بلال وما الذي قلته له». # قال «لم أق له شيئا ولكني تذكرت أني رأيته في الفسطاط منذ بضعة عشر يوما وهو ينكر ذلك ~~كل الإنكار». # فلما سمع سعيد ذلك استغربه وقال «يحق له أن ينكر عليك ذلك لأنه لم يبرح الكوفة منذ ~~شهر». # فأعاد بلال النظر إلى ريحان وتفرس في وجهه وقال «بل أنا على يقين مما أقول وقد لقيته هناك ~~غير مرة ولكنه معذور في إنكاره لأن وجوده هناك عاد بأشر العواقب على سيدى ورفيقه». # فبغت سعيد وكانت اللقمة في فيه فلم يعد يستطيع ازدرادها وكان يغص بريقه ووقف للحال وقال ~~«ما تقول يا بلال أظنك تخلط في القول أن ريحان عبد قطام بنت شحنة وقد تركته هنا يوم سفري ~~وأنا واثق ms098 بأنه لم يبرح الكوفة ولعل الذي رأيته في الفسطاط عبد آخر يشبهه». # الفصل الثامن والخمسون # | يحاول عبثا # فلما سمع ريحان ما التمسه سعيد من العذر عنه اطمأن باله وقال بصوت هادئ «يظهر أنه غلطان ~~كما قلت لأن البشر يتشابهون ولكنه سامحه الله جاءني مغضبا وأنا أفتش عن عصاي فأغاظني حتى ~~سمع مني كلاما مؤلما فأنا أطلب إليه أن يعذرني على ما فرط مني» والتفت إلى بلال وهو يبتسم ~~إيهاما بسلامة نيته. # أما بلال فكان في أثناء ذلك ينظر إلى ريحان ولا يزداد إلا اعتقادا بأنه هو الرجل الذي ~~خاطبه في الفسطاط ونادته سيدته خولة في أثناء خطابه وقص عليها خبره كما مر. فلما آنس منه ~~ذلك اللين ظل يتفرس فيه وهو صامت فلما أتم ريحان كلامه قال له بلال «ربما كنت مخطئا في ظني ~~ولكني أسألك سؤالا أرجو أن تجيبني عليه». # قال «قل ما بدا لك». # قال «ألا تذكر أنك رأيت هذا الوجه» (وأشار إلى وجهه هو). # فتفرس فيه ريحان وهو يظنه يقول ذلك بسذاجة ثم قال «لا يا أخي لا أذكر أني رأيتك قبل ~~الآن». # فقال «يا للعجب ولكنني واثق بأني لقيتك وخاطبتك فرأيت هذا الوجه وسمعت هذا الصوت. فالظاهر ~~أنك سرت إلى الفسطاط قبل هذا العام». # قال «نعم إني سرت إليها منذ بضعة أعوام». # فضحك بلال وقال «ولكنك قلت الآن أنك لا تعرفها». # فارتبك ريحان في نفسه وعمد إلى المغالطة فقال «دعنا من هذه الأوهام ولا تشغل بالنا بما لا ~~طائل تحته». # وكان سعيد في أثناء ذلك يسمع كلامهما والإخلاص لا يزال غالبا عليه. # أما بلال فخاف أن يترتب غلى سكوته ذهاب سعيد مع ريحان فقال لريحان «إذا كان الحال على ما ~~تقول فعليك أن تساعدنا في إنفاذ المهمة التي نحن قادمون بها دعنا نذهب إلى منزل الإمام ~~الآن». # قال «إننا أكثر رغبة منك في هذا السبيل ولكن الليل طويل فإذا ذهب معي مولاي إلى سيدتي ~~قطام فتراه ثم يذهب إلى حيث شاء كان ذلك أوفق». # قال «فليذهب ms099 هو معك وأنا أمضي إلى منزل الإمام بالنيابة عنه». # فضاق ريحان ذرعا وظهرت البغتة على وجهه ولم ير له مخرجا من ذلك غير التظاهر بالغضب فقال ~~«ولماذا هذه الظنون ألعلك تسيء الظن بنا ونحن أولى منك بهذا الأمر». # فتحقق بلال حينئذ أن ظنه في محله فقال «نعم إني أظن السوء بك وبسيدتك بعد هذا». # فخاف ريحان أن يفضي الأمر إلى انكشاف أمره فتظاهر بالغضب وقال «إني لأعجب من هذا الأحمق ~~ونظهر أن مولاي صار على وقاحته فأنا ذاهب منذ الآن وافعلا ما تشاآن». # قال ذلك وتحول يعدو نحو الكوفة وظل سعيد وبلال صامتين كأن على رأسيهما الطير. # الفصل التاسع والخمسون # | انقشاع الغشاوة # مضى ريحان وهما ينظران إليه لا يفوه أحدهما بكلمة. فلما توارى قال سعيد «ما الذي أراه يا ~~بلال إني أحسب نفسي في حلم؟ ما الذي تقوله عن هذا العبد هل أنت متحقق أنك رأيته في ~~الفسطاط؟» # قال «نعم يا مولاي إني شديد الوثوق بذلك وقد زادني وثوقا تناقض أقواله وتستره بعد ما ~~اقترحته عليه». # قال «فلو كان قدم الفسطاط ما الذي يدعوه إلى التستر». # قال «يدعوه إلى التستر ما ارتكبه من الخيانة هناك. آه من هذا النذل يا ليتني قبضت عليه ~~وأهرقت دمه قبل فراره من بين يدي. إنه وشى بكما لعمرو بن العاص». # فبغت سعيد وبدأت الغشاوة تنحسر عن بصيرته وتذكر ما قصته خولة عليه من حديث عبدها مع عبد ~~آخر وشى بهما إلى ابن العاص. وإنه استغرب يومئذ أن يتصل خبرهما إلى الفسطاط وهما إنما قدما ~~إليها سرا لا يعلم بهما أحد غير قطام ولبابة وهذا العبد. فانجلت لديه الواقعة وخطر له أن ~~ريحان لا يسير إلى الفسطاط إلا بإيعاز سيدته وتذكر ما كان يؤانسه في ابن عمه عبد الله من ~~الشك في قول قطام فندم على استسلامه لها وعض على سبابته وظل واقفا لا يبدي حراكا وبلال ~~واقف بين يديه صامتا. ثم قال سعيد آه يا بلال نورك بخولة ونورك بلبن رضعته إنها والله كانت ms100 ~~ملاكا سماويا بعثه الله لكشف تلك الخديعة. ولكن يا ويلاه قد نفدت حيلة قطام على عبد الله ~~فمات غريقا .... ولكنها لن تنفد على الإمام علي فأحمد الله على انكشاف أمرها قبل انقضاء أجل ~~المؤامرة. # ثم صمت وتذكر حبه قطاما وما بذله لها من الإخلاص وما أجرته عليه من الحيل فعظم الأمر ~~لديه وأمست عواطفه تتراوح بين ما انغرس في قلبه من الحب وما انكشف له من الخديعة فلم يتمالك ~~عن البكاء. ولكنه خجل أن يذرف الدمع بين يدي بلال فأشار إليه أن يهيئ الجمال وحول وجهه إلى ~~الخلاء ومشى وقد أطلق لنفسه عنان البكاء وهاج به الأسف لما أصاب ابن عمه عبد الله من البلاء ~~بسببه فجعل يندبه ويندب سوء حظه ويقول: «تبا لك يا قطام. أصحيح أنك أنفذت عبدك للوشاية بنا ~~إلى ابن العاص ليقتلنا .... أين عهودك وأين وعودك أين ما سمعته منك من الرجوع عن قتل الإمام ~~علي ... وا أسفاه عليك يا أخي وحبيبي عبد الله إنك ذهبت ضحية جهالتي ودهاء هذه المرأة.. آه يا ~~قطام .... هل يوجد في الدنيا أناس قساة القلوب إلى هذا الحد (قتل الإنسان ما أكفره) أتسمحين ~~بقتل محب استهلك في سبيل هواك وتقتلين بريئا حملته غيرته على السعي في إنقاذ أمير المؤمنين ~~.... وتسمحين مع ذلك بقتل أمير المؤمنين وأنت تنظرين ... .... ~~«آه لا يسمح لي الوقت أن أسير إليك فانتقم منك قبل الذهاب إلى الإمام ....» # ثم وقف بغتة وانتبه لنفسه كأنه أفاق من رقاد ونظر على ما حوله فإذا هو في ليلة مقمرة صفا ~~هواؤها ورق نسيمها فجعل يراجع ما مر به من الأحوال والأهوال وتذكر حبه قطاما فغلب عليه حسن ~~الظن بها فقال في نفسه «ولعل قطاما بريئة وربما كان ريحان صادقا وبلال مخطئا» فلما تصور ~~ذلك انبسطت نفسه والمحب الغيور كثير الظنون إلا في ما يأول إلى الإضرار في حبيبه. على أنه ~~ما لبث أن تدبر القرائن والحوادث حتى رجح التهمة. # وفيما هو يناجي نفسه التفت فرأى بلالا قد أعد الجملين وهم ms101 بالقدوم إليه فمسح دموعه وتحول ~~نحوه وهو يقول في نفسه «لقد نفدت حيلتك في أخي عبد الله ولكنها لن تنفد في الإمام علي. ها ~~أنني سائر الساعة إلى بيته وسأستعين به على قتلك وقتل تلك العجوز المحتالة وذلك العبد ~~الشرير ....» # قال ذلك وركب جمله وركب بلال في أثره وسارا يلتمسان منزل الإمام علي. # الفصل الستون # | منزل الإمام علي # وكان منزل الإمام علي بجانب المسجد بينهما باب السدة يدخل منه الإمام للصلاة. وكان للمنزل ~~دار واسعة فيها المقاعد والمجالس لمن يفد عليه من العمال وأهل الأمصار. وبجوار المنزل ساحة ~~واسعة فيها مرابط للخيل ومواقف للجماعات لا تبرح غاصة بجماهير الناس من دعاة الإمام وكلهم ~~مستهلكون في نصرته معترفون بإمامته لا يرون أحدا أولى بها منه. وكان أهل العراق وغيرهم قد ~~اجمعوا في تلك السنة على نصرته فبايعه منهم أربعون ألفا على الموت. # 1 # ولعله كان ينتظر الفراغ من صيام رمضان ليحمل على معاوية بذلك الجند العظيم لا ~~يغتر بمثل ما مر به من الحيل في صفين وغيرها بعد أن رأى ما آل إليه ذلك من تأييد سلطان ~~معاوية. # وكانت إذا دخلت مجلس الإمام في تلك الأثناء رأيت رؤساء القبائل يترددون عليه ولا حديث لهم ~~إلا ما كان من اجتماع كلمتهم وما يتوقعونه من النصر وما يرجونه من إحقاق الحق وكبح جماح ~~الطامحين للخلافة من غير أهل البيت. # ذلك كان شأن الكوفة في ذلك الشهر المبارك أما علي فلم يكن يشغله عن فروض الصوم والصلاة ~~شاغل فإذا دبت الساعة وأذن المؤذنون تكاثف الناس في صحن المسجد لسماع كلامه بما فطر عليه من ~~البلاغة وشدة الغيرة على الإسلام والمسلمين. # فإذا وقف على المنبر رأيت الناس سكوتا كأن على رؤوسهم الطير إعجابا بما يسمعونه من درر ~~ألفاظه وبديع حكمه وبليغ آياته وهم يعجبون لما قام في أنفس المعارضين ممن تخلفوا عن بيعته ~~وخصوصا الخوارج الذين اختلقوا لمعاداته أسبابا ما أنزل الله بها من سلطان. # فإذا فرغ من صلاة الغروب تحول إلى داره ومعه جماعة ms102 من الأمراء يتقدمهم أولاده وسائر أهله ~~فيجلسون إلى الأسمطة للإفطار والقراء يتلون القرآن في جوانب الدار والكل يسبحون ويهللون حتى ~~يخيل لك أنهم في موقف يتوقعون فيه الحساب. # وما فيهم من يخاف عقابا لما يعتقدونه من صدق دعوتهم وقيامهم بالحق المبين. # وكان الإمام إذا فرغ الناس من الإفطار وجلسوا للأحاديث رأيته أقلهم كلاما وأقصرهم عن ~~التهديد وربما مكث ساعة أو بضع ساعات لا ينبس ببنت شفة كأنه يفكر في أمر ذي بال وربما كان ~~تفكيره في ما يخشاه من سفك الدماء إذا حمل برجاله على الشام ونفوس الناس وديعة عنده يضن بها ~~أن تذهب ضياعا ولا يضن بها أصحابها في سبيل نصرته. # الفصل الحادي والستون # | ضمير ابن ملجم # كان ذلك شأنه خصوصا في أواسط رمضان وعلى الأخص في ليلة السابع عشر منه وهي الليلة التي ~~بات فيها ابن ملجم يترقب انبلاج الصبح ليفتك بابن أبي طالب. # وفي تلك الليلة أسرع سعيد وعبده إلى منزل الإمام لينبئاه بعزم ذلك الرجل. # وما ظنك بابن ملجم تلك الليلة ... هل تظنه بات ساكن الجأش مطمئن الخاطر .... هل عرف الكرى ~~جفاه .... كلا. لا نخاله قضى ليلته إلا قلقا مضطربا لهول ما عول عليه من الأمر العظيم. وما ~~أعظم من أن يسفك دما بريئا دم رجل جمع إلى كرامة الخلافة شرف النسب وأحرز من العلم ما لم ~~يحرزه أحد من المسلمين في ذلك العهد؟ أليس هو ابن عم الرسول وخليفته وصهره. أليس هو ذلك ~~العالم التقي العادل المخلص الغيور على الإسلام والمسلمين؟ لا نظن ابن ملجم والحالة هذه قضى ~~ليلته إلا على شوك القتاد لم يغمض له جفن وقد طال ليله. وربما حدثته نفسه بالرجوع عن عزمه ~~فغلب عليه عهده لرفقائه وتعهده لخطيبته قطام بنت شحنة وخصوصا بعد أن أشركت معه في ذلك ~~الفعل ابن عم لها يقال له وردان حرضته على الأخذ بناصره. ولقي هو رجلا من أشجع يقال له ~~شبيب استحثه على ركوب ذلك المركب الخشن معه. فتواعد الثلاثة على العمل معا في فجر ms103 الغد. ~~فهل تظنه بعد تلك العهود والمواثيق يصغى لنداء ضميره إذا كان له ضمير. ولو أصغى لما ارتكب ~~ذلك المنكر. # على أنك لو سبرت غور قلبه في تلك الليلة وهو يتقلب في فراشه وسيفه المسموم على جنبه ~~لرأيته يناجي نفسه ويدفع تبكيت ضميره بحجة أنه إنما عمد إلى ذلك دفعا لفتنة كان سببها ~~تنازع علي ومعاوية وعمرو على السلطة والفتنة شر من القتل. # وكأن نفس الإمام علي حدثته نحو ذلك الزمن بخطر يتوقعه على حياته. فكان مذ دخل رمضان يتعشى ~~ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند جعفر لا يزيد على ثلاث لقم ثم يقول «أحب أن ~~يأتيني أمر الله وأنا خميص» # 1 # وأما في تلك الليلة فإنهم تعشوا جميعا في منزل الإمام وهو جالس على المائدة لا ~~يأكل إلا قليلا وأولاده بين يديه ينظرون إليه ويعجبون لحاله. # وكان حاجبه قنبر رجلا من أهل الحبشة كهلا إذا نام علي بات عند بابه وكان في تلك الليلة ~~أشد الجميع قلقا لم يتناول الإفطار ولا هدأ له بال. أكل الناس وهو جالس القرفصاء عند الباب ~~وعيناه شاخصتان إلى الفضاء كأنه يتوقع قدوم قادم وهو لا يكلم أحدا ولا انتبه أحد لحاله ولو ~~سأله بعضهم عن سبب قلقه لباح له بما اطلع عليه من الأسرار التي ظن نفسه اكتشفها وهم يبحثون ~~عنها عبثا. # وبعد صلاة العشاء انفض المجلس فذهب كل إلى منزله. وناموا جميعا إلا قنبر فإنه لبث ~~ساهرا وقد أخذ الاضطراب والقلق منه مأخذا عظيما. وما جلس للحراسة وهو يعلم أن الإمام لا ~~يلتمس حرسا يحرسه # 2 # ولكنه جلس يفكر في أمر أذهب رقاده وألقاه في حيرة. # الفصل الثاني والستون # | فخ جديد # أما سعيد وبلال فإنهما دخلا الكوفة وأسرعا يلتمسان دار الإمام علي وكان القمر بدرا (أو ~~حوالي البدر) وقد تكبد السماء فأرسل أشعته على أمسية الكوفة وقد انقشعت الغيوم عن السماء ~~على غير المعتاد في ذلك الفصل. فلما دخلا الكوفة رأياها ساكنة هادئة لانقضاء ميقات السهر. ~~قد نام الناس وهو ms104 يتوقعون آذان السحر لينهضوا للسحور. # سار سعيد وهو يستحث جمله وقلبه يرقص طربا لما يتوقعه من نجاح مهمته وقد شكر الله لإطلاعه ~~على حيلة قطام وفوات الوقت. فلما دنا من المسجد ترجل وقال لبلال خذ الجمل وسر به إلى ساحة ~~الكوفة وامكث حتى آتيك. # فلم يسع بلالا غير الطاعة فتحول نحو الساحة. ومشى سعيد على قدميه وركبتاه تصطكان من شدة ~~الاضطراب. وما صدق أنه أقبل على دار الإمام ولكنه رأى السكون سائدا عليها. فوقف هنيهة يفكر ~~في السبيل الذي يدخل به الدار وأهلها نيام فلبث برهة يتردد وهو يخاف أن يستغشه أحد لقدومه ~~في ذلك الوقت وهو لم يدخل تلك الدار من قبل ولا لقي الإمام عليا لقاء أهل الولاء. ولكنه لم ~~ير بدا من الإقدام فمشى بخطوات المتردد حتى دنا من باب الدار فرأى شيخا جالسا لم يعرفه ~~ولكنه سر به لعلمه أنه لا يخلو أن يكون من بعض رجال علي فيساعده في مهمته. على أنه لم يكد ~~يقبل عليه حتى وقف ذلك الشيخ بغتة وتقدم نحوه وهو يقول «من القادم». # فقال سعيد وهو يتلجلج بكلامه «إني رسول إلى الإمام علي. ومن أنت؟» # قال «إني قنبر حاجب الإمام علي ومن أنت». # قال «إني سعيد الأموي أريد مقابلة الإمام علي». # فصاح قنبر قائلا «أأنت سعيد عالى معي..». # فسر سعيد لسرعة الإجابة ومشى في اثر قنبر حتى دخلا باب الدار وتحولا إلى حجرة فيها مصباح ~~فدخل قنبر أولا وأيقظ اثنين كانا نائمين هناك وسعيد يتبعه بسذاجة ولم يكد يدخل الحجرة حتى ~~رأى الرجلين قد أطبقا عليه وقيدا يديه ورجليه وهو واقف لا يبدي حراكا من شدة البغتة فلما ~~رآهما يغلانه وقنبر واقف وقد تغيرت سحنته قال له «ما الذي تفعله ما هذه الوقاحة أين الإمام ~~علي». # قال «لقد كذب فألك أيها الوغد اللئيم إنك لن ترى عليا حتى ترى الموت قبله». # فبغت سعيد وهو لا يعلم سببا لذلك العمل فقال «ما بالكم تستغشونني وقد جئتكم في مهمة أنقذ ~~بها الإمام علي ms105 من القتل». # قال «اخسأ ولا تطل الكلام إنك أموي وتطلب أن ترى الإمام لقتله أتظن قتله أمرا ~~هينا». # فقال «وكيف أريد قتله وأنا إنما جئت لإنقاذه من القتل». # فأمسكه قنبر بيده ويداه ترتعدان من شدة التأثر وقال له «أتظن حيلتك تنطلي علينا؟ أما كفى ~~بني أمية ما فعلوه حتى جئتم تقتلون الإمام في منزله». # فبهت سعيد وقد جمد الدم في عروقه وقال «ما بالكم تسيئون بي الظن وأنتم لم تروا مني خيرا ~~ولا شرا ألا تسمعون قولي ثم ترون رأيكم». # فقال قنبر «وما الذي نسمعه من قولك وأنت أموي وقد تعهدت بقتل الإمام علي مهرا لفتاة ~~خطبتها من أهلها على هذا الشرط». # فانذهل سعيد وأراد أن يدافع عن نفسه فرأى قنبر يستخرج من جيبه رقا فلما استخرجه دفعه إلى ~~سعيد وجذبه بيده إلى المصباح وهو يقول له «اقرأ.. أليس هذا خطك؟» # فلما وقع نظر سعيد على الرق علم أنه الصك الذي كتبه لقطام يوم خطبها فأيقن أن قطاما هي ~~التي أرسلت هذا الرق إلى دار الإمام لتوقع به. ورآها لفرط حيلتها قد محت اسمها عنه ووقعت ~~اسم فتاة أخرى فصمت ولم يجب. # فاتخذ قنبر من سكوته حجة عليه فصاح فيه «أجب قل.. أليس هذا خطك؟» # فارتبك سعيد في أمره ولكنه مازال يرجو التخلص بما يحمله من النبأ الأكيد عن مكيدة ابن ~~ملجم فقال له «هب أنه خطي ولكنني جئتكم بخبر المكيدة التي كادها بعض الناس على الإمام ألا ~~تمهلوني ريثما أخبركم». # فلم يصبر قنبر على سماع كلامه وصاح فيه قائلا «وأي مكيدة أعظم من أن تتعهد بقتل الإمام ... ~~امكث هنا الليلة وغدا لناظره قريب». # قال ذلك وخرج وأغلق الباب عليه. # الفصل الثالث والستون # | بلال # فلما خلا سعيد في تلك الحجرة ظن نفسه في منام وجعل يفكر في أمره وفي دهاء قطام وكيف أوصلت ~~هذه الورقة إلى هذا الرجل لإتمام حيلتها ولكنه لم يكترث بما عامله به قنبر وعول على مقابلة ~~الإمام في الصباح باكرا وإطلاعه على سر الأمر. # وأما إيصال ms106 ذلك الصك إلى قنبر فإنما سعت فيه لبابة المحتالة بإشارة قطام بعد أن تداولتا ~~في إتمام الحيلة مخافة أن يطلع سعيد على مكيدتها قبل وصوله إليها أو أن يذهب إلى منزل ~~الإمام قبل المرور بها. فاستخرجت ذلك الصك وغيرت فيه ألفاظا رفعت بها الشبهة عنها وكلفت ~~لبابة فأتت منزل قنبر في صباح ذلك اليوم بدعوى أنها دلالة تبيع الأقمشة وألقت إلى قنبر ~~حديثا لفقته بحيث تثبت الشبهة على سعيد فلا يصغي أحد إلى كلامه. وكان أنصار علي قد سمعوا ~~طنينا عن عزم بعض الناس قتل الإمام. فلما رأى قنبر الصك وعلم أن صاحبه أموي ربي في بيت ~~عثمان وقام بنصرته لم يبق عنده شك بتهمته وخصوصا بعد أن رآه قادما قدوم اللص بعد منتصف ~~الليل. فلما قبض عليه حبسه في تلك الحجرة إلى صباح الغد ليرى رأي الإمام به بعد أن يعود من ~~صلاة السحر. وما علم ما خبأته الأقدار للإمام قبل إتمام تلك الصلاة. # أما بلال فإنه مكث بالجملين في ساحة الكوفة ينتظر قدوم سعيد. فلما أبطأ عليه انشغل باله ~~ولكنه لم يظن سوءا لما يعلمه من سلامة نية سعيد. وفيما هو جالس يفكر في ذلك سمع آذان السحر ~~فعلم أن عليا يخرج في تلك الساعة للصلاة فهرول نحو المسجد وهو على مقربة منه فدخله فرأى ~~فيه قبة مضروبة علم أنها قبة بعض النساء ممن يجلسن لسماع الصلاة. فوقف وعيناه شائعتان لعله ~~يرى سعيدا. فإذا برجال دخلوا وفيهم رجل ملثم وقد التف بعباءة يخفي تحتها سيفا فتفرس فيه ~~عن بعد فرأى على وجهه أثر السجود فعلم أنه ابن ملجم # 1 # فارتعدت فرائصه وحدثته نفسه أن يصيح به ولكنه خاف على نفسه وهو لا يشك مع ذلك ~~أن عليا اطلع على مكيدته ولا يلبث أن يدخل المسجد حتى يأمر بالقبض عليه ثم رأى ابن ملجم ~~مشى ومعه رجل آخر هو شبيب نحو تلك القبة فكلما من فيها وكان فيها قطام بنت شحنة. # 2 # ثم مشى ابن ملجم حتى اقترب من ms107 السدة وبلال يراقبه بنظره ويتوقع سماع الأمر ~~بالقبض عليه حالما يدخل علي. # وبعد هنيهة فتح باب السدة ودخل منها علي يمشي الهويناء وعمامته على رأسه تغطي صلعته وكان ~~ذا بطن ولحية كثيرة الشعر ضخم العضل # 3 # وفي يده درة (سوط) كان يوقظ الناس بها للصلاة كل صباح. فمشى الإمام وابن النباح ~~المؤذن بين يديه والحسن بن علي من خلفه. فلما دخل أنصت الناس وبلال ينظر إليه ولا يشك في ~~أنه سينادي من يقبض على ابن ملجم. فإذا به قد وقف ونادي «أيها الناس الصلاة الصلاة». # الفصل الرابع والستون # | مقتل الإمام # والتفت بلال إلى ابن ملجم فإذا هو لا يزال واقفا لكن رفيقه (شبيب) تقدم مسرعا وسيفه ~~بيده ضرب به الإمام عليا فأصاب عضادة الباب وسقط السيف من يده فأجفل بلال وهم أن يسرع إلى ~~علي يخبره بأمر ابن ملجم فإذا ابن ملجم قد أقبل على علي بأسرع من لمح البصر والسيف يبرق بين ~~يده وضربه على جبهته وهو يقول «الحكم لله يا علي وليس لك ولأصحابك». # فصاح علي «فزت ورب الكعبة»ثم قال «لا يفوتنكم الرجل». # فتكاثف الناس على ابن ملجم فدفعهم بسيفه ففرجوا عنه فهجم عليه المغيرة بن شعبة وتلقاه ~~بقطيفة فرماها عليه واحتمله وضرب به الأرض وقعد على صدره وانتزع السيف منه وإما شبيب فأفلت ~~في الغلس وخرج من باب كندة. # وانفرط عقد الناس ونظر بلال إلى القبة المضروبة فرأى امرأة خرجت من تحتها وإذا هي قطام ~~أسرعت وفرت في غمار الناس. فانذهل لما رآه ولكنه رجا أن لا تكون الضربة قاضية ثم تذكر أن ~~سيف ابن ملجم مسموم فيئس من حياة الإمام. # وجعل يتفرس في الناس لعله يرى سعيدا فلم يقف له على أثر فتقدم في جملة من تقدم إلى السدة ~~حيث كان علي مطروحا فإذا هو يقول «أحضروا الرجل عندي» فأحضروه فقال له علي «أي عدو الله ~~ألم أحسن إليك». # قال «بلى». # فقال «فما حملك على هذا». # قال «شحذت سيفي هذا أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل ms108 به شر خلقه». # قال علي «لا أراك إلا مقتولا به ولا أراك إلا شر خلق الله» ثم التفت إلى من حوله ~~وقال«النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي». # يا بني عبد المطلب لا ألفيتكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قد قتل أمير المؤمنين ألا لا ~~يقتلن إلا قاتلي. انظر يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثلن بالرجل ~~فإني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول «إياكم والمثلة ولو بالكلب عقور». # قال ذلك وابن ملجم مكتوف وكانت أم كلثوم ابنة علي واقفة بجانب أبيها فقالت لابن ملجم «أي ~~عدو الله لا بأس على أبي والله مخزيك». # قال «على من تبكين والله إن سيفي اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة بأهل مصر ~~ما بقي منهم أحد». # ثم تقدم جندب بن عبد الله إلى علي وقال «إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن». # قال علي «ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر». # الفصل الخامس والستون # | لات ساعة مندم # ولما علم الناس أن سيف ابن ملجم مسموم تحققوا من دنو الأجل وخافوا الفتنة في من يخلف ~~الإمام. فسأله جندب بن عبد الله ما سأله عمن يخلفه فأجابه علي بأنه لا يأمرهم ولا ينهاهم ~~كما تقدم. # ثم نقلوه إلى داره ماشيا وهو يتوكأ على ولديه الحسن والحسين والدم يغشى جبينه وكان السم ~~لم يفعل فعله بعد. # أما ابن ملجم فكان لثامه قد وقع عن وجهه وبانت سحنته وكان أسمر أبلج في جبهته أثر ~~السجود # 1 # فساقوه إلى السجن ولو لم يوص أمير المؤمنين بأن لا يقتلوه إلا إذا مات هو إثر ~~الضربة لقطعوه إربا إربا. ولكنهم اضطروا امتثالا لأمر الإمام أن يسوقوه إلى السجن ريثما ~~تظهر لهم عاقبة ذلك الجرح. # أما بلال فإنه سار في إثر الجمع إلى منزل الإمام علي وقد تولته الدهشة لهول ما رآه في تلك ~~الساعة ومما زاد أسفه وضاعف حزنه ما أصابه من الفشل بحبوط مسعاه ومسعى سيدته لأنه ms109 إنما كان ~~يود نجاة الإمام من تلك المؤامرة إكراما لمولاته خولة وخصوصا بعد أن صحب عبد الله وسمع ~~منه في أثناء الطريق ما حدثه به جده أبو رحاب من فضائل الإمام علي يتندر اجتماعها في رجل. ~~وقد وردت في كلام أبي رحاب. # على أنه كان مع ذلك في شاغل عما كان فيه الناس بالغوغاء والانهماك بأمر الإمام وجرحه ~~والتفكر بسعيد وحاله وقد عجب لفشل مهمته مع علمه أنه إنما أسرع بعد طول شقة السفر والسعي في ~~منتصف الليل لينبئ القوم بذلك الخطر. فمشى بلال وهو يتفرس في الناس واحدا واحدا لعله يرى ~~سعيد بينهم فلم يقف له على أثر. على أنه ما لبث أن رأى الجمع دخلوا المنزل وأدخلوا الإمام ~~محمولا إلى غرفته وتفرق الباقون في صحن الدار جماعات تتحدث كل جماعة منهم بحديث ذلك الصباح ~~ومدار أبحاثهم ما أصاب الإسلام في تلك الساعة مما لم يكن في الحسبان وما فيهم إلا من يقول ~~«ليتني أشفي غليلي بضربة في عنق ذلك الباغي». # وفيما هو ينظر في وجوه الناس لعله يرى سعيدا إذا بقنبر حاجب الإمام علي قد خرج من الغرفة ~~والدمع ملء عينيه وهو يقول «اقتلوني أيها المسلمون اقتلوني إني جنيت على أمير ~~المؤمنين». # فنهض الناس والتفتوا إليه وهم لا يفهمون مراده فإذا به قد اخترق الجمع ومشى إلى الحجرة ~~التي كان سعيد مسجونا فيها وفتحها وأخرج سعيدا منها وهو لا يزال مغلولا. # الفصل السادس والستون # | الوصية # وكان سعيد لا يزال في تلك الحجرة وقد أقفلوها عليه ولم يدر ما أصاب الإمام عليا. فلما ~~أخرجه قنبر على تلك الصورة ورأى الجمع متكاثفا هناك ظنه يريد به سوءا. فقال أروني الإمام ~~عليا فأطلعه على دسيسة دبرها له أهل البغي ولا تظنوا بي سوءا. # فعلا صوت قنبر بالبكاء وقال «لقد نفذ السهم يا سعيد إنهم فتكوا بأمير المؤمنين». # فصاح سعيد «ومن فتك به». # قال «إن ابن ملجم ضربه ضربة قاتلة قتله الله». # فصاح سعيد «ويلاه واحسرتاه كيف يقتله وقد قطعت البراري والقفار ms110 سعيا في تلافي ذلك ~~المصاب.. ألم أقل لك ذلك يا قنبر». # قال «إنك لم تفصح المقال وقد نفذ السهم وجرح الإمام جرحا لا أظنه ينجو منه ولو أصغيت ~~لمقالك لنجا أمير المؤمنين ولكن وقع القضاء ولا مرد لقضاء الله». # ولم يتم قنبر كلامه حتى بكى سعيد وبكى الناس وعلا الصياح وهم مبهوتون ينظرون إلى قنبر ~~يتوقعون منه تفصيلا. # أما هو فاشتغل بحل قيود سعيد بيده وهو يقول «قاتل الله تلك العجوز المحتالة إنها أغرتي بك ~~وقد نجحت حيلتها». # فهم سعيد أن يقص عليهم حديثه على أثر ما رآه من رغبتهم في ذلك وإذا ببعض الناس يقول «إن ~~الإمام قد شعر بالراحة وهو يخاطب ابنيه الحسن والحسين». # فتحول الجمع إلى غرفته كالسيل واغتنم بلال تلك الفرصة فدنا من سعيد كأنه يستفهمه عن سبب ~~ذلك الفشل. فقص عليه الخبر باختصار ووعده بإتمام الحديث في فرصة أخرى. وسار مع الجمع إلى ~~غرفة الإمام فلم يستطع الدخول إليها لتزاحم الأقدام. فأطل من نافذة فرأى عليا متوسدا ~~فراشه وهو معصوب الرأس بمنديل يغطي الجرح وكانوا قد غسلوا الدم عن وجهه ولكن آثاره مازالت ~~ظاهرة على بعض لحيته. # فتذكر سعيد جده أبا رحاب وما أوصاه به فلم يتمالك عن البكاء على أنه ما لبث أن سمع عليا ~~يتكلم فوجه إليه انتباهه فرآه يخاطب ولديه الحسن والحسين وهما جاثيان عند رأسه وإمارات ~~الكآبة والحزن ظاهرة عليهما وهما يتجلدان تجلد الرجال وقد أصاغا بسمعهما وحولا أعينهما إلى ~~وجه والدهما الجريح والناس سكوت وكلهم آذان يسمعون ما يتلوه الإمام من الآيات البينات وهي ~~آخر خطبة ألقاها. فإذا هو يقول «أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا ~~على شيء زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع واصنعا للأخرق وكونا للظالم ~~خصيما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم». # ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال «هل حفظت ما أوصيت به أخويك». # قال «نعم». # قال «فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك ms111 العظيم حقهما عليك وتزين أمرهما ولا تقطع أمر ~~دونهما» ثم قال «أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه» وقال ~~للحسن «أوصيك أي بني بتقوى الله وإقامة الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها وحسن الوضوء ~~فإنه لا صلاة إلا بطهور وأوصيك بغفر الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه ~~في الدين والتثبت في الأمر والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~واجتناب الفواحش». # 1 # الفصل السابع والستون # | موت الإمام ومقتل ابن ملجم # وما أتم وصيته حتى تعب من الكلام وما عهدناه يتعب من أمثاله في الوعظ والخطب ساعات ~~متوالية. ثم أمر بتلك الوصية فكتبت ودفعت إلى الحسن ولم ينطق الإمام بعد ذلك إلا بقوله «لا ~~إله إلا الله» حتى مات # 1 # فعلا الضجيج وزاد العويل والبكاء. ثم غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ~~وكفن بثلاثة أثواب ودفن. # أما سعيد فلما تحقق وقوع المصاب بموت علي تذكر قطاما وخبثها وقال في نفسه والله لم يقتله ~~إلا هي ولولاها لم يقتل أمير المؤمنين. # وفيما هو يفكر في ذلك ويبكي جاء قنبر فقبض على يده وجره فسار في أثره وهو لا يدري ما يريد ~~منه. وسار بلال في أثرهما حتى دخلوا سجن ابن ملجم وكان مغلولا هناك. فلما دخلوا عليه هم ~~سعيد بالكلام فقال قنبر تمهل لنرى ما يقول هذا القاتل. # فلما رآهم ابن ملجم قادمين عليه ظل جالسا ولم يعبأ بهم ولكنه خاطب قنبر قائلا «أظنك جئت ~~تدعوني إلى القتل لأن صاحبكم مات». # قال «إلى ذلك جئت ولكني أسألك عن هذا الرجل هل تعرفه» (وأشار إلى سعيد). # فقال «كلا». # وكان قنبر قد أراد أن يتحقق براءة سعيد وقد شك في اشتراكه مع ابن ملجم في تلك المؤامرة. ~~فقال له «ألم يكن لهذا الأموي شركة معك في القتل ». # فتبسم ابن ملجم وقال «إنه أضعف من أن يقدم على ذلك. إني لا أعرفه». # فقال بلال «ولكنك ألا تعرف قطاما بنت شحنة؟» # قال «أعرفها وهي خطيبتي ms112 ودم ابن أبي طالب مهر لها». # فلم يتمالك قنبر عن أن صاح فيه «اخسأ يا لئيم إنك ستلقى حتفك قريبا قم إلى ~~الموت». # فوقف لساعته ومشى وهو لا يكترث بما يتهدده من الأجل العاجل. # أما سعيد فلما سمع قوله أن قطاما خطيبته خفق قلبه غيظا من تلك المرأة وقال في نفسه إني ~~والله سآخذ بالثأر منها بيدي. # وكان الحسن هو الذي أمر بإحضار ابن ملجم ليقتله عملا بوصية أبيه فلما حضر بين يديه نظر ~~إلى ما حوله فرأى الناس ينظرون إليه بأعين تلتهب حنقا وكل يود أن يقتله بيده فلم يعبأ ابن ~~ملجم بما يراه ولم يصبر حتى يخاطبه أحد منهم فنظر إلى الحسن وقال «هل لك في خصلة إني والله ~~قد أعطيت الله عهدا أن لا أعاهد عهدا إلا وفيت به وإني عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل ~~عليا ومعاوية أو أموت دونهما فإن شئت خليت بيني وبينه. فلك عهد الله علي إن لم أقتله ثم ~~بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك». # فقال له الحسن «لا والله حتى تعاين النار». # 2 # وكان الناس قد جاءوا بالنفط والبواري والنار وقالوا «نحرقه». # فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن علي ومحمد بن الحنفية دعونا نشتف أنفسا منه. فقطع عبد ~~الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم ثم كحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع وجعل يقول ~~«إنك لتكحل عيني عمك بمكحول محمص». وجعل يقرأ «اقرأ بسم ربك الذي خلق» حتى أتى على آخر ~~السورة وإن عينيه لتسيلان على خديه ثم أمر به فعولج على لسانه ليقطعه فجزع فقيل له «قطعنا ~~يديك ورجليك وسملنا عينيك يا عدو الله فلم تجزع فلما صرنا إلى لسانك جزعت». # فقال «ما ذاك من جزع إلا أني أكره أن أكون في الدنيا فواقا لا أذكر الله». فقطعوا لسانه ~~ثم جعلوه في قوصرة فأحرقوه بالنار. # 3 # الفصل الثامن والستون # | سر جديد # ولما اشتم سعيد رائحة القثر المتصاعد عن بقايا ابن ملجم اشتفى غليله ولكنه مازال ms113 قوله «إن ~~قطاما خطيبتي وإن قتل علي مهر لها» يرن في أذنه وازداد تعجبا من دهاء تلك المرأة واستغرب ~~أن يكون في النساء واحدة في مثل ذلك الدهاء وتذكر ما مر له معها من الوعود وما ارتكبته في ~~سبيل الانتقام لوالدها وأخيها من الجرائم وكم قتل بسببها من الرجال وعبد الله ابن عمه في ~~جملتهم. فلما تصور ذلك كاد يتقد غيظا وظل برهة وهو غارق في مثل هذه الهواجس لا ينتبه لما ~~دار حوله من الأحاديث ولا فقه لاشتغال الناس في مبايعة الحسن ولم ينتبه حتى ناداه بلال فقال ~~«ألا تخرج بنا يا مولاي من هذا المكان إن لي كلاما أقوله لك». # قال «هيا بنا» وتحولا ولم ينتبه لهما أحد لاشتغال الناس بالمبايعة. # وعاد توا إلى ساحة الكوفة حيث تركا الجملين وسارا من هناك إلى منزل سعيد وكانا في أثناء ~~الطريق يلتقيان بأهل الكوفة مسرعين زرافات ووحدانا إلى منزل الإمام علي على أثر ما سمعوه ~~من مقتله وهما لا يكلمان أحدا. # وكان سعيد لم يدخل منزله منذ ذهب إلى الفسطاط فلم يجد فيه أحدا لأن الخدم ساروا في جملة ~~من سار إلى منزل الإمام. وكان التعب قد أخذ منه مأخذا عظيما لطول ما قاساه من السهر ~~والقلق بعد سفره الطويل. فدخل الدار من باب خصوصي كان مفتاحه معه وترك بلالا يهتم ~~بالجملين. وبدل ثيابه وهو غارق في بحار الهواجس يفكر في ما رآه من الأهوال وما يتوقعه بعد ~~موت الإمام علي من اختلاف الأحوال. # فلما فرغ من تبديل ثيابه توسد وسادة يلتمس الاستراحة وهو يفكر في ما يتوقع سماعه من بلال ~~ولكن التعب تغلب عليه وغلب عليه النعاس فنام. ودخل بلال عليه فرآه نائما فتوسد مقعدا في ~~غرفة أخرى وجعل يستعد لمكاشفة سعيد بما يجول في خاطره من الشؤون حتى نام. # الفصل التاسع والستون # | خولة وابن ملجم # وظلا نائمين إلى الغروب فأفاق سعيد من صوت الخدم وهو يفتحون الباب بعد عودتهم إلى البيت ~~وقد بغتوا لما رأو سيدهم هناك على ms114 غير انتظار. # أما هو فعذرهم لغيابهم ودعا بلالا فوقف بين يديه فدعاه للجلوس فاستأذن في إغلاق الباب ~~والاختلاء فأمر بعض الخدم فأضاء له مصباحا وضعه على مسرجة وخرج فأغلق بلال باب الغرفة وجلس ~~إلى سعيد والاهتمام باد على وجهه. # فقال سعيد «تكلم يا بلال ما بدا لك». # قال «أيأذن لي سيدي أن أساله أولا ما الذي دعا إلى فشل مهمته». # فتنهد سعيد وقال «إن السبب قديم يا بلال لم أكن لأقصه عليك لو لم أؤانس منك ما آنسته من ~~الغيرة والشهامة». # قال بلال «ولم يكن من شأني أن أسألك عنه لو لم ألحظ من خلال الوقائع ما يشف عن حقيقة السر ~~ولعلي إذا اطلعت على حقيقة الحال أن آتيك بخبر جديد». # قال «لا أخفي عنك بعد ذلك أن السبب في فشلي امرأة أظنك سمعت اسمها في هذا الصباح من فم ~~ابن ملجم». # قال «أظنها قطام بنت شحنة». # قال «نعم هي قبحها الله من داهية محتالة. إنها كانت سببا في قتل ابن عمي وقتل الإمام ~~وابن ملجم. ولا يخفى عليك أن قتل الإمام لا يقتصر شره على مجرد قتل النفس ولكننا نخاف منه ~~الفتنة. ولا ريب أنها أرادت أيضا أن تقتلني بوسيلة دبرتها» وقص عليه حديثه مع قطام مختصرا ~~من أول معرفته بها إلى تلك الساعة. # فلما فرغ من كلامه غض بلال على أنامله وتحرق ثم تنهد وسكت. # فقال سعيد «ما يخطر لك يا بلال وما الذي يدعوك إلى التنهد». # قال «يدعوني إليه ندمي على ما فاتني من القبض على هذه المرأة في صباح هذا اليوم لأني ~~رأيتها في قبتها بالمسجد وقد مر بها ابن ملجم ورفيقه فكلماها قبل إقدامهما على تلك الفعلة ~~الشنعاء ولكنني كنت أظن عليا وا لهفي عليه قد علم منك بما ينويه ابن ملجم فلا يترك له فرصة ~~لارتكاب ذلك المنكر ... وقد رأيت بنت شحنة خارجة من المسجد بعد أن تحققت نيل بغيتها بقتل ~~الإمام فيا ليتني قبضت عليها ... ولكن ما قدر فقد كان. وقد قتل الإمام ms115 وقتل قاتله والأمر في ~~ذلك لله. على أنني إذا عشت فإني منتقم لك وللإسلام من هذه الفاجرة. ومن غريب الاتفاق أن ابن ~~ملجم هذا كان قد خطب سيدتي خولة من والدها ولكنها لم تكن تحبه ولا ترضى به». # ولم يكن بلال عارفا باطلاع سعيد على ذلك الخبر من خولة فلم يشأ سعيد أن يعترف له به ~~فتجاهل وظل صامتا ليسمع بقية الحديث. # فقال بلال «ولا شك أن سيدتي خولة إذا سمعت بمقتل هذا الغادر فرحت لتخلصها من ~~شراكه». # فقال سعيد «وما الذي كان يحملها على القبول به ألم يكن لها أن ترفضه». # قال «كلا يا مولاي لأن سيدي والدها هو الذي أطمعه بها ووعده بزفافها إليه أما هي فقد ~~تحققت من قرائن مختلفة أنها كانت مصممة على رفضه ولو مهما كلفها ذلك من العناء». # الفصل السبعون # | قلب خولة # فتذكر سعيد حديث خولة وتمثلت له صورتها كالملاك وتذكر ما آنسه فيها من الحمية والأنفة ~~والشهامة وما شعر به نحوها من الميل يوم لقيها في الفسطاط وهو لا يزال مخدوعا بمواعيد قطام ~~ومشغولا بأمر الإمام علي فلم يترك لقلبه يومئذ مجالا للحب فلما سمع ذكرها الآن تجددت ~~ذكراها في ذهنه فمال لسماع أخبارها فظل على تجاهله فقال «أو هل أنت متحقق أنها كانت مصممة ~~على رفضه ولو أغضبت والدها». # قال «نعم إني واثق بما أقول وقد لحظت شيئا آخر ....» وسكت وهو يبتسم. # قال «وما هو». # قال «ألم تلحظه أنت». # قال «كلا وما هو. قل». # قال «لحظت أنك وقعت من نفسها موقعا عظيما. ولحظت أيضا أنك لم تجهل ذلك.» # قال «كيف عرفت أني لم أكن أجهله». # قال «عرفته مما رأيت من خروجها إليك غير مرة بالليل التماسا لنجاتك وهي تستجهلني ولا ~~تنتبه لملاحظتي. ولكنك كنت منشغلا يومئذ بلهفتك على إنقاذ الإمام علي من مخالب الموت ~~....» # فعجب سعيد لما ظهر له من اطلاع بلال على سره وتذكر أنه شعر بشيء منه يوم كان في الفسطاط ~~وأن انشغاله بلهفته على الإمام وخوفه عليه مع تعلقه ms116 بقطام وعهودها حال بينه وبين تمكين ~~علائق المودة مع خولة. فلما سمع ما سمعه من بلال ساعتئذ أحب أن يستطلع جلية الخبر فقال له ~~«افصح عما في نفسك إني لم أفهم مرادك». # فقال بلال «إن مرادي واضح مما ذكرته لك وأقول باختصار إن سيدتي أسرت إلي يوم أمرتني أن ~~أسير في ركابك إننا إذا أتممنا مهمتنا بكشف دسيسة ابن ملجم وأنقذنا الإمام عليا أن أطلعك ~~على رغبتها في عودك إلى الفسطاط لأنها تكون قد نجت من خطبة ابن ملجم وتكون أنت قد فرغت من ~~مهمتك ولا أدري ما تنويه هي في رجوعك؟» # ففهم سعيد ما وراء ذلك فقال له «أما رجوعي إلى الفسطاط فلا يخلو من الخطر علي لأني إنما ~~جئت منها فرارا من القتل. فإذا عدت إنما أعرض نفسي لما هو شر من القتل وابن العاص لا يعفو ~~عني على أني أكره أن أرى الفسطاط بعد أن فقدت فيها ابن عمي رحمه الله ...» وسكت هنيهة وتنهد ~~ثم قال «هل أنت واثق بميلها إلي فإني والحق يقال قد آنست في خولة من الحمية وعزة النفس مع ~~الاستهلاك في نصرة الإمام ما جعل لها في نفسي مقاما رفيعا. ولا أكتمك ما خالج ضميري يومئذ ~~من الميل إليها ولكني كنت عالق القلب بقطام أخزاها الله إنها خدعتني ...». # فقطع بلال الكلام عليه قائلا «هذه الخائنة يا مولاي إني والله أكره أن أسمع ذكرها لأني ~~أشعر بقصوري وجهلي اللذين سببا نجاتها وهي والحق يقال أصل هذا الشر العظيم ... ولكنها انتقمت ~~لوالدها وأخيها فارتكبت أعظم إثم حدث في الإسلام فقتلت ابن عم الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) ولكني سوف ~~أذيقها حتفها وأسفك دمها ولو كلفني ذلك بذل النفس» قال ذلك وهو يحرق أسنانه حقا ~~وأسفا. # فقال سعيد «وما ظنك بها الآن. هل هي باقية في الكوفة؟» # قال «لا أظنها تبقى هنا بعد ما ارتكبته وقد فضح أمرها وعلم الخاص والعام أنها شريكة في ~~القتل». # قال «وإلى أين تظنها خرجت». # قال «لا أدري وسأبحث عن ذلك ms117 في صباح الغد أما الآن فلنعد إلى ما كنا فيه فإنك إذا لم ترجع ~~معي إلى الفسطاط احسبني مقصرا بالواجب علي. وخولة يا مولاي يندر مثالها بين البنات جمالا ~~وتعقلا وإنفة ولولا والدها وتشيعه لمعاوية لأتت بما لم يأته أعاظم الرجال. ولكنه كثير ~~التشيع لابن أبي سفيان كما قد علمت وهو وسيدتي خولة يحسبانني ساذجا لا أفهم الأمور ولذلك ~~فكثيرا ما كانا يختلفان أمامي ويختصمان على أمور استدل منها على ذلك». # الفصل الحادي والسبعون # | حب جديد # فأحس سعيد بتجدد عواطفه نحو خولة وتاقت نفسه إلى الحصول عليها ولكنه استثقل الذهاب إلى ~~الفسطاط مخافة الوقوع في قبضة عمرو بن العاص. ثم تذكر بغتة أن المؤامرين كانوا قد أقروا على ~~قتله وقتل معاوية في مثل ذلك اليوم فقال «ألم أخبرك أن اثنين آخرين تآمرا على قتل ابن العاص ~~ومعاوية أيضا». # قال «بلى أخبرتني ولكنني لا أخاف على ابن العاص الوقوع في تلك الشراك». # قال «وما الذي ينجيه منها وهو لا يدري بما نووه له ... فإذا كان المؤامر على قتله قد قتله ~~هان علي الدخول إلى الفسطاط ويكون ذلك أهون إذا قتل أيضا معاوية في الشام». # فقال بلال «إن البحث عن ذلك يحتاج إلى وقت ولابد لنا من التربص ريثما نسمع الأخبار وأن ~~نسير للبحث عنه بأنفسنا». # قال سعيد «لا صبر لي على التربص ولا أظنك تصبر عليه. فأرى أن تسير أنت على عجل إلى ~~الفسطاط تستطلع جلية الواقع وتعود بالخبر اليقين. وإذا جعلت طريقك بالشام جئت بالخبرين ~~معا». # قال «ذلك إليك يا سيدي. وأنت ماذا تعمل؟» # قال «إني أود البقاء هنا للبحث عن تلك الخائنة قطام لعلي أتوفق للانتقام منها وإذا لم ~~أتوفق إلى ذلك عشت منغص العيش طول عمري. آه كيف يهنأ لي عيش وهذه المرأة حية وقد فعلت ما ~~فعلته معي ... قتلت ابن عمي وأمير المؤمنين وكادت تقتلني!» # قال «بالله دع أمر الانتقام إلي فإني أريد أن أشفي غليلي منها ومن عبدها الذميم ريحان لا ~~أراحه الله ... ولكني أرى سفري ms118 إلى الفسطاط أدعى إلى العجلة ... فما العمل». # فأعجب سعيد بحماسة بلال وزاد ميلا إليه وإلى سيدته ولبث برهة يفكر في حاله وهو يزداد ~~شعورا بالانعطاف إلى خولة ويردد في ذاكرته ما آنسه فيها من الخلال الحميدة والغيرة نحوه ~~وكيف كان التقاؤه بها سببا في نجاته من القتل ليلة ذلك الاجتماع. فضلا عما رآه فيها من ~~الغيرة على أمير المؤمنين. ولكنه لم يكد ينتقل بفكره إلى عاقبة ذلك السعي وحبوط تدابيره في ~~إنقاذه حتى هب حسمه وتمرمر في داخله على أنه لم ير حيلة في ما مضى فقال «لقد قضي الأمر يا ~~بلال ولم تبق لنا حيلة في ملاقاة ما مضى فاذهب أنت إلى الفسطاط وعرج في طريقك إلى الشام ثم ~~عد إلي بالخبر اليقين عن عمرو ومعاوية. وأما أنا فإني باق هنا أبحث عن قطام وعجوزها وعبدها ~~وإذا أنت عدت من سفرك افتقدني في هذا المنزل وسنرى ما يكون». # قال «وخولة؟ ماذا أقول لها». # قال «قل لها إني لا أقدر أصف شوقي إليها وإن ما عندي أضعاف ما عندها ولها مني عهد الله إن ~~هي رضيت بي أن لا ألتفت إلى سواها والأيام بيننا». # قال «أما رضاها فأنا الضمين لك به ...» وسكت بلال وقد أبرقت أسرته سرورا بما سمعه. ثم أقطب ~~وجهه بغتة وقال «ولكن هب أن ابن العاص مازال حيا ووالدها كما تعلم شديد التشيع له فلا أظنه ~~يأذن بزفافها إليك اختيارا فما الحيلة؟» # قال «ذلك راجع إلى اختيارها ومتى عدت إلي بالخبر نتدبر الأمر في حينه أما الآن فينبغي ~~أنلا نضيع الوقت. امض إلى الفسطاط على عجل وعد إلي بالخبر اليقين وعلى الله ~~الاتكال». # فأخذ بلال يهتم بالرحيل وسعيد صامت يفكر في ما حدث له من الهواجس الجديدة. وأصبح الحصول ~~على خولة شغله الشاغل ولكن فشله في إنقاذ الإمام ثار في خاطره حب الانتقام من قطام. فصمم ~~على الفتك بها إما بيده وإما بمساعدة الحسن بعد تبوءه عرش الخلافة. # الفصل الثاني والسبعون # | خولة في الفسطاط # فلنترك سعيدا وبلالا ms119 في حالهما ولنعد إلى خولة في الفسطاط. فقد تركناها عائد في ذلك ~~الليل إلى منزلها وكان والدها كما علمت قد حبسها في ذلك البيت على طريق عين شمس. فلما ~~أخرجها سعيد منه كما رأيت وسارا إلى الدير ثم خرجت هي وحدها لم تر خيرا من أن تتظاهر ~~بالبكاء والخوف. فهرعت إلى منزل والدها باكية وكان هو لا يزال غائبا لانشغاله بمقابلة عمرو ~~بن العاص بشأن الذين قبض عليهم في ذلك الدهليز فلما فرغ من أمرهم وحرض ابن العاص على ~~إغراقهم سار إلى محبس ابنته فرأى الباب مفتوحا وليس هناك أحد. فاستغرب الأمر وعاد توا إلى ~~منزله فرأى خولة جالسة في غرفتها تبكي. فتجاهل سبب بكائها وقال لها «ما بالك يا ~~خولة». # قالت «كيف تتركني وحدي في ذلك البيت ألم تخف علي أبناء السبيل». # قال «ألم تري أني أقفلت الباب وأوصدته خوفا عليك من ذلك». # قالت «كيف تفعل بي هذا الفعل ألعلي عاصية أمرك»واستغرقت في البكاء. # فتحركت فيه عاطفة الأبوة وظنها تقول ذلك في سذاجة فقال لها «وكيف خرجت». # قالت «لما رأيت نفسي حبيسة هناك خفت على حياتي فجعلت أناديك وأستغيث بك ثم سمعت قرقعة ~~وضجيجا ووقع حوافر كثيرة فازداد خوفي فصحت واستجرت فقيض الله لي بعض الناس فتح الباب ~~بالعنف فخرجت وهرولت إلى البيت وأنا ارتعد من شدة الإضطراب». # فطيب خاطرها ولامها على خوفها ولكنه سر لظنه بانطلاء حيلته عليها. ومازال يهون عليها حتى ~~تظاهرت بالرضاء فتركها وخرج وهو يظنها عازمة على الرقاد ثم سمعت خولة لغط الناس في المدينة ~~فانتبهت إلى الجند لا يلبثون أن يبتغوا بيت الغفاري فإذا رأوا سعيدا هناك قبضوا عليه فخرجت ~~لإنقاذه كما تقدم. وقبل خروجها أوصت عبدها أن يوصد الباب وإذا سأل والدها عنها أن يقول له ~~إنها نامت وأوصدت الباب وراءها لشدة ما اعتراها من الخوف في ذلك المساء. فبات والدها تلك ~~الليلة وهو يحسبها نائمة أما هي فبعد إنقاذها سعيدا عادت إلى غرفتها وهي لا تزال مضطربة ~~فلم تستطع رقادا وجعلت تفكر ms120 في طريقة تنقذ بها عبد الله ولم تمكث قليلا حتى سمعت لغطا في ~~دار والدها وفهمت من خلال اللغط أن عمرا عول على إغراق أسراه تلك الليلة في النيل وسمعت ~~والدها يضحك سرورا بذلك القرار. فأسفت أسفا شديدا ولبثت برهة تفكر في ماذا تعمل حتى ~~حدثتها نفسها لشدة التأثر أن تخرج في أثر الخارجين لعلها تستطع إنقاذ عبد الله. فاستغفلت ~~والدها وكان قد ذهب إلى فراشه وخرجت وأوصدت الباب وراءها كالمرة الأولى وبلال نائم أمام ~~عتبته وسارت تلتمس ضفة النيل حيث ظنت أنهم ساقوهم وهي عزلاء لا سلاح معها ولكنها إنما ~~اندفعت إلى الخروج بحميتها. فالتقت هناك بسعيد ودار ما دار بينها وبينه ووعدته بإرسال عبدها ~~ليصحبه إلى الكوفة كما تقدم. ثم عادت وحدها. # فلما أشرفت على المنزل رأته هادئا وأهله نيام فانسلت إلى الدار فرأت عبدها بلالا نائما ~~فأيقظته فهب من رقاده مذعورا وكانت تعلم باستهلاكه في مرضاتها فدعته إلى غرفتها فتبعها ~~فلما خلت به قالت «أتدري لماذا دعوتك». # قال «كلا يا مولاتي ولكنني رهين أشارتك». # قالت «أتطيعني يا بلال». # قال «كيف لا وأنا عبدك ورهين إشارتك». # قالت «أعلم ذلك ولكنني أريد أن أعهد إليك أمرا خطيرا فهل أنت مستعد للقيام به حتى ~~الموت». # قال «إن الموت هين في سبيل مرضاتك. قولي يا سيدتي مري بما تشائين فقد قضيت عمري في خدمتك ~~وأنا أتوقع مهمة ترضيك ولو إلى القتل». # قالت «أسمعت ما حدث اليوم في عين شمس وما فعل ابن العاص بالمجتمعين هناك». # قال «نعم وقد ارتكب أميرنا فيه أمرا عظيما وقتل كثيرين». # قال «أما سرك ما فعله ابن العاص بأولئك العلويين». # قال «إذا كان ذلك سرك فإنه يسرني». # قالت «وما ظنك بي». # قال «لا أظنك راضية عن ذلك لعلمي أنك على غير دعوة الأمويين وإن يكن سيدي مستهلكا في ~~سبيل التشيع لهم». # قالت «وكيف عرفت ذلك». # قال «أنت تحسبينني ساذجا وقد قضيت في خدمتك أعواما طوالا واطلعت على مكنونات قلبك وأنت ~~لا تعلمين. وأما الآن وقد دفعتني إلى ms121 التصريح فأقول لك إني أعلم غرضك ولا يفتني شيء مما ~~تقاسينه في سبيل الدفاع عن الإمام علي.. وخصوصا في الأمس وأنت لا تعلمين إلا أني أحرس هذا ~~الباب الموصد وأكتم خروجك منه عن والدك». # فاستغربت خولة قوله ولكنها سرت بما سمعته منه وقالت «وما مرادك بما حدث بالأمس». # قال «أتظنين أني غافل عما قاسيته في سبيل إنقاذ ذلك الشاب الغريب الليلة وقد كان في جملة ~~من خيف عليهم الوقوع في شراك ابن العاص فأنقذته بغيرتك». # فتحققت أنه كان يراقب حركاتها وسكناتها. فتهلل قلبها سرورا فقالت «أما والحال على ما أرى ~~فأخبرك أن ذلك الشاب مسافر الآن إلى الكوفة وأريد منك أن تذهب إليه بالجملين إلى سفح المقطم ~~فإذا التقيت به هناك سر في ركابه إلى الكوفة واحذر أن يدري بك أحد أو أن تذكر ذلك ~~لأحد». # ولم تتم كلامها حتى تحول مسرعا يهم بإعداد الجملين فاسترجعته وقالت «قف يا بلال بورك فيك ~~واسمع كلمة أخرى أقولها لك». # فعاد وقال «لبيك يا مولاتي قولي ما تشائين». # قالت «إنك ذاهب مع هذا الشاب إلى الكوفة لإنقاذ الإمام علي من القتل وستعلم تفصيل ذلك ~~منه. وأما الآن فيكفيني أن أوصيك به خيرا وإذا أنتما فرغتما من تلك المهمة أرجع به إلينا ~~فإني أكره ابن ملجم الذي يريد والدي أن يجعله خطيبا لي ... هل فهمت؟» # فضحك بلال وهز رأسه ولسان حاله يقول «فهمت». # فقالت «سر بحراسة الله وكنت أود أن أزيدك بياتا ولكن الوقت ضيق فاذهب وعد سالما بإذن ~~الله واحذ أن تبوح لأحد بما سمعته أو رأيته». # فخرج وهو يلتفت إليها كأنه عاتب على ما ظهر من ضعف ثقتها بأمانته ولكنه كان يبتسم فرحا ~~بما كلفته به. فأعد الجملين وخرج إلى سفح المقطم وصحب سعيدا كما تقدم. # الفصل الثالث والسبعون # | نفوذ الحيلة # أما هي فلما خرج بلال عادت إلى غرفتها وأوصدت الباب وراءها واستلقت في فراشها وقد تعبت ~~مما قاسته في ذلك اليوم من المشاق وكان يجب أن تنام لو لم يشغل خاطرها ms122 ما شغله من الأمور ~~الهامة. ويتخلل ذلك شعور داخلي جديد لولا الحشمة واهتمامها بإنقاذ الإمام لصرحت به. ألا وهو ~~انعطافها إلى سعيد لما آنست فيه من الرغبة في إنقاذ الإمام علي واستهلاكه في سبيل ذلك مع ما ~~في قلبها من النفور الشديد من ابن ملجم حتى كرهت والدها من أجله وأجل تشيعه ~~للأمويين. # وقضت بقية تلك الليلة لم يغمض لها جفن وهي تارة تفكر في سعيد وقلبها يخفق انعطافا له ~~وخوفا من فشل مهمته. فجعلت تقدر الوقت اللازم لسفره إلى الكوفة فرأت أنه إذا أسرع لا يفوته ~~الوصول إليها قبل الأجل المسمى للقتل. وكان يعترض تسلسل أفكارها خوف مما ربما يطرأ عليه في ~~الطريق فيعيق وصوله فترتعد فرائصها فرقا من قتل الإمام. وفي قتله ضربتان كبيرتان الأولى ~~موته والثانية عود ابن ملجم إليها. ولكنها كانت تتعزى بأن ابن ملجم إذا ظفر بقتل الإمام لا ~~ينجو هو من القتل. ثم تحول ذهنها إلى والدها وخروج عبدها بالجملين وأعدت أعذارا تنتحلها في ~~سبب خروجه فلم تجد خيرا من أن تدعي فراره إلى حيث لا تعلم. # وكان والدها قد أفاق في أثناء الليل وهي غائبة فجاء غرفة ابنته ليرى حالها فرأى الباب ~~موصدا فسأل العبد عن ذلك «فقال أن سيدتي باتت مبغوتة وقد تولاها الخوف على غير المعتاد في ~~تلك الليلة فأوصدت الباب وأوصتني أن أنام خارجا». # فقال والدها في نفسه «مسكينة خولة يظهر أن رعبها من ذلك الحبس لا يزال مؤثرا عليها» وعاد ~~إلى فراشه وهو مقتنع بصدق ما قاله العبد. # وفي الصباح جاء الغرفة فرأى الباب لا يزال موصدا ولكن بلالا ليس أمامه فقرعه فنهضت خولة ~~وفتحته وهي تتظاهر بالذهول لملول استغراقها في النوم. فأمسكها والدها بيدها ووضع يده على ~~كتفها وهو يقول «ألعلك لا تزالين خائفة يا بنية». # قالت «كلا يا سيدي إني تحت جناحك في أمن وطمأنينة». # فقال «بورك فيك تعالي نتناول الطعام» ثم نادى بلالا فلم يجبه أحد فقال «أين ~~بلال». # قالت «لا أدري لعله خرج إلى السوق ms123 في غرض». # فصبر هنيهة فلم يحضر فأرسل بعض الخدم في أثره فلم يقف له على خبر. ثم علم بضياع الجملين ~~ولما انقضى معظم النهار ولم يعد بلال ولا الجملين أشكل عليه أمره فقالت خولة «يظهر أنه أخذ ~~الجملين وفر» فبعث الناس في أثره إلى ضواحي المدينة فلم ينبئه أحد بخبره فصدق فراره. # الفصل الرابع والسبعون # | خولة ووالدها # أما خولة فلما تحققت انطلاء الحيلة على والدها عادت إلى هواجسها وتذكرت المهمة التي سار ~~فيها سعيد وأخذت تفكر في أمره وهي خائفة أن يتأخر في الطريق عن الوقت المعين لقتل الإمام ~~فيذهب سعيها هباء منثورا. ولكنها كانت مع ذلك مطمئنة الخاطر بنجاتها من ابن ملجم لعلمها ~~أنه وإن فاز بقتل الإمام علي فلا ينجو من سيوف أشياعه وهم كثار في الكوفة. # على أنها باتت منشغلة الخاطر على سعيد بعد أن فرغت من تدبير الحيل في إرساله لأنها لم ~~تتحقق وقوعها من نفسه مثل وقوعه من نفسها وودت لو يسرع عبدها بلال بالرجوع لترى ما تم. ~~ولكنها حسبت الأيام الباقية ريثما يرجع فرأت الأجل لا يزال بعيدا فصبرت نفسها ولبثت تنتظر ~~ما يأتي به القدر. # وبعد مضي أيام من ذلك جاء والدها ذات مساء بعد عودته من حانوته وعلى وجهه أمارات البشر ~~فتوسمت في طلعته خبرا جديدا فمالت إلى استطلاع ما في خاطره لعلها تعلم منه شيئا يهمها. ~~فلما جلسا إلى المائدة احتالت في اجتذاب حديثه فذكرت له ما مر في تلك الأثناء من القبض على ~~أولئك العلويين وتفننت في استرضائه فابتسم واللقمة ملء فيه وكأنه يريد أن يقص عليها قصة بعد ~~أن يزدرد تلك اللقمة. فكفت هي عن الطعام ولم تستطع صبرا على سماع الحديث. # فلما ابتلع اللقمة تنحنح ومسح شاربه ولحيته والتفت إليها وقال وهو لا يزال يبتسم «لقد ~~عودتني يا خولة أن أحاذر الكلام بين يديك في ما أخشى إفشاءه» فتظاهرت بالاستغراب وقالت «إني ~~لأعجب يا أبتاه من سوء ظنك بي مع علمك إني فتاة محتجبة في هذا البيت لا ms124 أعرف من أهل الدنيا ~~أحدا سواك فكيف تقول إنك تحاذر أن تذكر بين يدي ما تخاف إفشاءه. أي سر بحت به إلي ~~فأفشيته». # قالت ذلك وكادت تجهش بالبكاء. # فتأثر والدها من منظرها ولكنه عاد فابتسم وقال لها «لم أقل إنك تبوحين بالسر ولكنني ...» ~~وسكت. # فقالت «ولكن ماذا يا أبتاه إنك والله ظالمني بظنونك ويسوءني أن لا يكون لي نصيب من الثقة ~~حتى ولا من والدي الذي لا أعرف أحدا سواه». # قال «لا أخفي عنك يا بنيتي أنني كنت ولا أزال أعتقد أنك ميالة إلى الأعداء .... و... ... ~~....» # فابتدرته وهي تتظاهر بالبغتة والاستغراب وقالت «وأي أعداء تعني .... أعوذ بالله من هذه ~~التهم ... كيف تقول ذلك ... ... وتنحت عن المائدة وتظاهرت بالإعراض». # فقال «اعترف لك إني أراك ميالة إلى حزب العلويين وأنت تعلمين أن عليا حاربنا وقتل منا ~~جماعة كبيرة في النهروان وغيرها.. ولا ألومك لانعطافك نحوه لأنني كنت أيضا مثلك وقد كنت في ~~جملة المتشيعين له. ولكنني أصبحت بعد واقعة صفين ناقما عليه لما ارتكبه في مسألة الحكمين ~~بحيث أخرج الخلافة من يده وجعل لمعاوية يدا دونه ....» # الفصل الخامس والسبعون # | خبر جديد # فأدركت أنها إذا أقرت بحقيقة ميلها ألقت نفسها في تهلكة فلم تر خيرا من المبالغة في ~~الإنكار وقالت «وما أدراك إني مازلت على القديم إذا كنت قد عدلت عنه ومن أكون أنا حتى ~~أخالفك في مثل ذلك». # قال لو لم تكوني كذلك لما كان ثمت داع لتمنعك على القبول بابن ملجم زوجا وأنت تعلمين أن ~~هذا الرجل قد عاهد نفسه على القيام بعمل لم يقدم عليه احد غيره من المسلمين في هذا العصر. ~~إنه كما تعلمين قد تعهد بقتل علي ....» # فأجفلت عند سماعها ذلك التعريض وحدثتها نفسها أن تبوح بحقيقة ميلها ولكنها خافت ضياع ~~الفرصة وهي إنما افتتحت الحديث لتستطلع ما في نفس والدها فأنكرت تهمته كل الإنكار وقالت «إن ~~ما تنسبني إليه من أمر ابن ملجم ظلم يا مولاي فإني لم أرفض هذا الرجل وهو لا يزال خطيبي متى ~~عاد ms125 من رحلته هذه. وكيف تقول إني لم أقبل به وأنا لم أفه بكلمة في هذا الموضوع». # فضحك والدها وهو يتشاغل بتقطيع فخذ من الضأن بين يديه وقال وهو ينظر إلى تلك الفخذ «نعم ~~إنك لم تفوهي بكلمة ولكنني فهمت من مجمل حالك أنك غير راضية به» وكان قد أتم تقطيع اللحم ~~فقدم لها قطعة فأبت أن تتناولها وأعرضت دلالا وحنقا. # فقال لها «خذي كلي يا خولة ولا يسوءك قولي إذا كان صحيحا». # قالت «وهو إنما ساءني لآني أراني به مظلومة وأظنك بناء على هذه الظنون قد عاملتني معاملة ~~العدو فحبستني في ذلك البيت المظلم سامحك الله». # قال «لقد أذكرتني حديث تلك الليلة وما كان فيها من الأهوال وهو الأمر الذي جئت لأقص خبره ~~عليك ولكنني لا أقول كلمة قبل أن تصدقيني الخبر هل أنت على ولاء والدك تأتمرين بأمره. أما ~~ماذا؟» # فتظاهرت بالغضب وقالت إني لا أراك بهذه الظنون إلا تريد أن تبعثني على الشكوك وتلجئني إلى ~~الانحراف وأنا لا علم لي بما وراء هذا البيت ولا أبغي من هذه الحياة غير مرضاتك». # فمد يده وهو لا يزال قابضا على قطعة اللحم وقال لها خذي إذا هذه اللقمة وأصغي لما أقوله ~~لك». # فتناولت خولة اللقمة من يده وقالت «تفضل» ووضعت اللقمة في فيها وهي لا تعرف كيف تمضغها ~~لانشغال خاطرها بما ترجو سماعه من والدها فإذا هو يقول «اعلمى خولة ولا أزيدك علما أن ~~أميرنا حفظه الله علم منذ أيام باثنين أتيا من الكوفة لمخابرة بعض كبار العلويين الذين ~~كانوا يجتمعون سرا في خرائب عين شمس فبعث جندا من شرطته فقبض عليهم وهم في مجتمعهم تحت ~~الأرض ألا تعلمين ذلك؟» # قالت «لحظت شيئا منه بعد حدوثه». # الفصل السادس والسبعون # | عبد الله حي # قال «فاعلمي أنا وجدنا في جملة المقبوض عليهم في تلك الليلة واحدا من ذلك الاثنين اسمه ~~عبد الله. وأما الثاني فإنه نجا ولا ندري من هو والظاهر أنه لم يكن في ذلك الاجتماع لأنه ~~عمره كان طويلا. أما ms126 الأول فإنه سيق في جملة من سيق تلك الليلة إلى دار الإمارة. وربما ~~بلغك أن الأمير عمرا رأى أن يقتل أولئك المقبوض عليهم وقد كنت أنا في جملة من أشار عليه ~~بذلك مخافة الفتنة إذا ظلوا أحياء. فأمر عمرو بإغراقهم في الليل وعبد الله معهم وقد عدت أنا ~~من حضرة الأمير وهم يتهيأون لإرسالهم إلى النيل وعلمت في الغد أنهم أغرقوهم». # فلم تر خولة بحديثه شيئا لم تكن تعرفه ولكنها علمت أن الحديث لم يتم فصبرت نفسها وتظاهرت ~~بخلو الذهن من هذا الموضوع وهي تبدي الاستغراب. # أما هو فقال «وما زلت أعتقد أنه أغرقهم جميعا إلى اليوم وأنا في منزل الأمير فرأيت في ~~بعض جوانبه غرفة مقفلة كنت كلما جئته في هذه الأثناء أراها مغلقة فلم أهتم بشأنها فلما كان ~~عصر هذا اليوم دخلت على الأمير وأنا عائد من عملي فذكرت له أمر ابن ملجم ومهمته وطفقنا ~~نتحدث في ما عسى أن يكون من أمره في الكوفة. فلما وصلنا إلى ذلك رأيته يبتسم وتوسمت في وجهه ~~خبرا فرغبت إليه أن يطلعني على ما حدث وأنت تعلمين ما لي من الدالة عليه. ولكنني رأيته ~~يتردد في الأمر فألححت عليه فقال لي «أتعلم من هو المقيم في هذه الغرفة». # قلت «لا يا مولاي لا أعلم وليس من شأني السؤال عما في منزل الأمير». # فضحك عمرو حتى رقصت لحيته وقال «إني حبست فيها رجلا سينقذ حياتي من القتل». # فعجبت لقوله واستغربت ما يشير إليه ولبثت انتظر الإفصاح فقال لي «اعلم يا صاحبي أني حبست ~~في هذه الغرفة عبد الله الأموي الذي كان قدومه سببا بمقتل العلويين منذ أيام». # فلما سمعت خولة ذكر عبد الله علمت أنه رفيق سعيد وخفق قلبها فرحا بنجاته من القتل ولكنها ~~استغربت سبب تلك النجاة على أنها ظلت متجاهلة وهي تتوقع سماع تتمة الحديث ووالدها يتشاغل عن ~~إتمامه بالمضغ والابتلاع وكان أكولا. # فلما خلا فمه من الطعام عاد إلى الحديث فقال «فاستغربت ما يقوله وقلت ما الذي عساه أن ms127 ~~ينجيك به من الموت» فأخبرني قائلا «إن ابن ملجم خطيب خولة الذي قلت لي أنه عازم على قتل ~~علي إنما هو مؤامر رجلا آخر على قتلي وإنهما تواعدا على قتل علي وعمرو في يوم واحد» قال ~~عمرو - «فلما قال لي عبد الله ذلك استغشيته ولم أصدق قوله لغرابته ولعلمي أن ابن ملجم من ~~رجال دعوتنا وخصوصا بعد أن خطب ابنتك فقلت في نفسي لو صح حديث هذا الأموي لما خفي ذلك ~~الحديث عنك وأنت لو علمته ما كتمته عني فلم أر خيرا من أن استبقيه وأحبسه في منزلي ريثما ~~يأتي الأجل المضروب لقتل هذه الاثنين وهو يوم 17 رمضان فإذا تحققنا قوله أفرجنا عنه وإلا ~~ضربنا عنقه». # قال والد خولة «فلما سمعت قول عمرو استغربته كل الاستغراب وخفت أن يكون عمرو قد ساء الظن ~~بي فأقسمت له الأيمان المغلظة إني لم أكن عالما بغير عزم ابن ملجم وسألت عمرا هل عرف اسم ~~المؤامر على قتله. فقال أن ذلك الأموي لم يكن يعرف الاسم. ولم أعد أعرف يا خولة كيف أؤكد له ~~صدق إخلاصي له مخافة أن يبقي على سوء ظنه بي فبالغت في إظهار الغضب من ابن ملجم وقلت له إني ~~لو عرفت خداع هذا الرجل ما رضيت به صهرا وأنا منذ الآن محرمه من خولة فلما قلت له ذلك ~~التفت إلي وقال «لا يكفيني هذا الوعد وأنا أعرف خولة وأعرف مقامها وطالما كنت أريدها لإحد ~~أولادي وأما الآن فإني أطلب إليك إذا صدق هذا الأموي بقوله أن تكون ابنتك خولة عروسا له ~~لأن الرجل أموي وكان على دعوتنا ولكن بعض الناس أغروه على التشيع لعلي». # الفصل السابع والسبعون # | عريس جديد # فلما وصل إلى ذلك الحد علمت خولة أن عبد الله لا يزال حيا واطمأن بالها عليه وعلمت أنه ~~لم يذكر خبر المؤامر الثالث على قتل معاوية مخافة أن يرسل عمرو بخبره إلى الشام فينجو ~~معاوية منه. # ولكنها لما سمعت ذكر خطبتها له أطرقت حياء وتظاهرت بالسكوت وقلبها يختلج فرحا ms128 بنجاتها ~~من ابن ملجم. ولكنها تذكرت حبها سعيدا. وما بعثت إليه مع عبدها بلال فاحتارت في أمرها. على ~~أنها لم يسعها إلا كتمان كل ذلك والتظاهر بالاستغراب فقالت وهي تهز رأسها استغرابا «أصحيح ~~أنهم تآمروا على قتل عمرو وأيضا إنها لصدفة غريبة». # قال «بالحقيقة إنها صدفة يندر مثالها ولكن ما قولك باقتراح عمرو عنك». # فسكتت ولم تجب. # فقال «ما معنى سكوتك وأنت تعلمين أننا لا نستطيع رد ذلك الاقتراح». # قالت «دع ذلك الآن فإنه ليس بالأمر المهم وما خولة إلا جارية حقيرة لا تستحق هذا الاهتمام ~~ولنصبر إلى الأجل المسمى لنرى ما يكون». # فقال «إننا صابرون ولكنني أرجو أن يكون خطيبك الجديد أهلا لك وليس مثل ابن ملجم الخائن ~~على أني أدركت من خلال حديث عمرو أن عبد الله رجل صادق وهو مع ذلك أموي ربي في منزل الخليفة ~~عثمان ولكنهم أغروه على التشيع لعلي ثم عاد إلى ما كان عليه. واذكر أني رأيته ليلة قبضوا ~~عليه فإذا هو شاب في مقتبل العمل وأظنك سترتاحين إليه». # فظلت خولة ساكتة فحسب والدها سكوتها قبولا فسكت وكانوا قد فرغوا من الطعام فنهض ونهضت ~~خولة فغسلت يديها والتمست غرفتها وهي تفكر في ما سمعته من والدها وتحسب نفسها في ~~حلم. # فلما خلت بنفسها تذكرت سعيدا وحبها له وجعلت تتقاذفها الهواجس وهي تخاف أن يحملها عمرو ~~على الاقتران بعيد الله قبل أن تعلم مصير سعيد في مهمته إلى الكوفة وقد أعجبت بدهاء عبد ~~الله لأنه باح بخبر المؤامر على قتل عمرو وكتم أمر المؤامر الثالث. وهو معذور في ما أباح به ~~إنقاذا لحياته. ولكنها خافت أن لا تتم نبوءته فلا يأتي المؤامر في الأجل المعين فيقتل عبد ~~الله. على أنها كانت إذا تصورت صدق نبوءته ونجاته من القتل يخفق قلبها لاضطرارها عن ذلك إلى ~~القبول بعبد الله زوجا وهي تحب سعيدا. فهاجت أشجانها وارتبكت في أمرها وجعلت تبحث عن ~~طريقة تنجو بها من هذا التردد فلم تر خيرا من الصبر لما يأتي به القدر. ms129 # الفصل الثامن والسبعون # | نجاة عمرو # أما عبد الله فكان قد جنح إلى هذه الحيلة أملا بالحياة وهو مع ذلك يخاف أن يتأخر المؤامر ~~عن الوقت المعين لسبب من الأسباب فيذهب سعيه عبثا. # وظل عمرو أيا لا يخرج للصلاة فلما كان فجر 17 رمضان شكا من بطنه فلم يخرج واتفق خروج ~~خارجة بن أبي حبيبة صاحب شرطته للصلاة وهو لا يعلم بخبر المؤامرة ولا أمره عمرو بالخروج ولو ~~علم بخروجه لمنعه. على أنه لم يكن يحسب المؤامر يأتي لقتله في الفجر وهو يصلي بل كان يحسب ~~أنه يراقب خروجه في أثناء النهار إلى بعض الأماكن. ولكن منية خارجة عاجلته فخرج في فجر ذلك ~~اليوم إلى الجامع ليصلي في الناس ولم يكد يبدأ بها حتى هم به رجل من الوقوف وهو يحسبه عمرا ~~فضربه بالسيف فقتله # 1 # فقبضوا عليه وساقوه إلى عمرو فلما رآه عمرو بغت وصاح به «ويلك قد قتلت صاحب ~~شرطتي قتلت خارجة بن أبي حبيبة» فأجابه الرجل بقلب لا يهاب الموت «والله إني كنت أحسبه ~~أنت». # فقال له عمرو «أردتني وأراد الله خارجة. من أنت يا غادر». # قال «إني عمرو بن بكر». # قال «وممن أنت». # قال «من تميم». # فقال اقتلوه فقتلوه وقد أسفوا لمقتل خارجة ولكن المقدر كان لا يمحى. # أما خولة فإنها باتت ليلة 17 رمضان على مثل الجمر وهي تتوقع أن تسمع خبرا جديدا في ~~اليوم التالية ولم تكن تتوقع أن يفعل المؤامر فعلته في الفجر فأصبحت وقد ضجت الفسطاط بخبر ~~خارجة وجاءها أبوها فأخبرها به ولسان حاله يقول «لقد صحت أقوال عبد الله فتأهبي للاقتران ~~به». # أما هي فإنها تحققت وقوع المحظور ولم تعد تدري ماذا تفعل وندمت لأنها لم تخرج من بيت ~~والدها سرا قبل ذلك اليوم على أنها لم تكن من الجهة الأخرى موقنة ببقاء سعيد علي عهدها أو ~~أنه رضي بها. وكانت لما لقيته في الفسطاط لم تتحقق ميله نحوها. فوقعت في حيرة ولكنها كانت ~~من الجهة الأخرى في قلق على الإمام علي ms130 لا تدري هل نجا كما نجا عمرو أم ذهب فريسة ابن ملجم ~~وودت لو أن عبدها يعود في ذلك اليوم بالخبر اليقين لتعلم كيف تتصرف. # الفصل التاسع والسبعون # | ضياع قطام # فلنعد إلى سعيد وبلال في الكوفة فقد تركا بلالا يتأهب للقدوم على الفسطاط وسعيد يفكر في ~~ماذا يفعل بعده وكان قد أمره بالذهاب إلى الفسطاط على أن يبقى هو هناك حتى يعود إليه بالخبر ~~عن عمرو. ثم رأى أن المسافة بعيدة ربما لا يصبر عليها فقال له «لقد أمرتك بالرجوع إلى ~~الكوفة ولكنني أرى الأجل بعيدا فإني شاخص إلى دمشق فإذا سرت إلى الفسطاط واطلعت على ما ~~جريات الأحوال وافني إلى دمشق فإني أكون هناك في انتظارك في المسجد بعد عشرين يوما سواء ~~تمكنت من الفتك بقطام الخائنة أم لا ولكنني أكون قد اطلعت على مصير معاوية». # فودعه بلال ومضى وصبر هو إلى الغد فخرج إلى الكوفة يلتمس بيت قطام فرآه مقفرا ليس فيه ~~أحد فوقف عند باب الحديقة وجعل يتأمل بنخلاتها وطرقاتها ويفكر في ما مر له هناك من الأهوال ~~وما طلى عليه من خيانة قطام غير مرة فشعر بضعفه وتذكر آخر مرة زار بها في ذلك المنزل ومعه ~~ابن عمه عبد الله فأسف لفقده وازداد به الميل للانتقام من قطام ففكر في أمرها وفي المكان ~~الذي عساها أن تكون قد انصرفت إليه فخطر له أن تكون قد سارت إلى أهلها في جوار الكوفة فخرج ~~للبحث عنها فلم يقف لها على خبر فمل البحث وخاف أن يقضي الأجل الذي ضربه لبلال فيعود إليه ~~في دمشق ولا يجده فخطر له أن قطاما ربما سارت إلى دمشق تلتجئ إلى معاوية بعد أن نجحت في ~~قتل مناظره علي فسار يلتمس دمشق على ناقة تسابق الرياح. # أما قطام فكانت في الليلة التي وصل بها سعيد إلى الكوفة قد علمت بقدومه من ريحان إذ عاد ~~إليها بما دار بينه وبين بلال عند خولة وحكى لها ما فضحه بلال من سره وكيف كان ذلك سببا ms131 في ~~انكشاف أمره لدى سعيد فلم يعد يصدقه ويذهب معه إلى منزلها فحنقت على بلال وعلى سيدته ومازج ~~ذلك الحنق غيرة من خولة. لأن قطاما اللعينة مع كرهها لسعيد لم تكن تصبر على من يحبه ~~وخصوصا لما علمت أن خولة كانت عونا على عرقلة مساعيها في قتل الإمام علي فأضمرت لها السوء ~~ولكنها شغلت عنها تلك الليلة بما كانت فيه من انتظار الفتك بعلي وكن ابن ملجم بائتا عندها. ~~فلما كان الفجر خرجت هي وعجوزها وعندها ضربت قبتها في المسجد كما تقدم وفي ذلك من الجرأة ~~والوقاحة ما فيه ولم تكن تخاف انكشاف حيلتها ولو تعمد سعيد أن يكشفها لما دبرته من الحيلة ~~في إيصال الصك بعد تحويره إلى قنبر حاجب الإمام علي مع لبابة المحتالة كما علمت. # الفصل الثمانون # | نجاة معاوية # فلما قتل الإمام علي على ما تقدم رأت ابن ملجم مقبوضا عليه وكانت تتوقع له ذلك من ذي ~~قبل ففرت بعبدها وعجوزها إلى مكان خارج الكوفة وقد شفت غليلها بقتل الإمام. ولكنها مازالت ~~ناقمة على سعيد وزادت نقمتها عليه بعد ما علمته من أمر خولة فعولت على اللحاق بالفسطاط لتشي ~~بها إلى عمرو بن العاص لاعتقادها أنه يقدر خدمتها له حق قدرها لأنها أنبأته بمجتمع ~~العلويين. وهي لا تشك أنها بمجرد وشايتها على خولة وإنها من أنصار علي يقتلها عمرو وإذا ~~كان لا يزال حيا. وإذا كان قد قتل فتدبر حيلة أخرى. فلما خطر لها ذلك استشارت لبابة سرا ~~فاستحسنت رأيها وحرضتها على المسير إلى الفسطاط واستشارت ريحان فقال لها أني في ركابك رحلت ~~أو أقمت فأثنت على غيرته بألفاظ ملؤها التمليق والرياء وأصبحت في اليوم التالي تلتمس ~~الفسطاط على أن تمر بدمشق وتستطلع حال معاوية وما كان من أمره بعد 17 رمضان حتى إذا كان قد ~~نفذ السهم وقتل معاوية تحمل ذلك الخبر إلى عمرو وتحرضه على التماس السلطان لنفسه. # فلما وصلت دمشق سمعت أن المؤامر على قتل معاوية واسمه البرك بن عبد الله التميمي الصريمي ~~قعد ms132 لمعاوية في فجر 17 رمضان في مسجد دمشق. فلما خرج معاوية للصلاة شد عليه بالسيف فوقع ~~السيف في اليته # 1 # فسيق البرك إلى معاوية فقال لمعاوية أن عندي خبرا أسرك به فإن أخبرتك فنافعي ~~ذلك. # فقال له معاوية نعم. # قال إن أخا لي قد قتل عليا هذه الليلة. # فقال «فلعله لم يقدر على ذلك». # قال «بلى إن عليا ليس معه أحد يحرسه»فأمر به معاوية فقتل وجعل يطبب جرحه # فلما علمت قطام بنجاة معاوية لم يبق لديها إلا الشخوص على الفسطاط للإيقاع بخولة. # الفصل الحادي والثمانون # | عبد الله في دار الأمير # أما عبد الله فإنه مكث في محبسه وقلبه واجف مما قد يطرأ من تغيير خطة المؤامر. وقد خطر له ~~الاحتياط من ذلك فلما باح لعمرو بالسر اشترط عليه أن لا يطلع أحدا عليه لأنه إذا شاع وعلم ~~المؤامر به ربما غير خطته فيقدم الميعاد أو يؤخره فيظهر ذلك من عبد الله مظهر الكذب. وهذا ~~الذي دعا عمرا لكتمان أمر المؤامرة عن كل واحد حتى صاحب شرطته. وأما والد خولة فقد كان من ~~أكثر الناس تقربا من عمرو وأعظمهم غيرة عليه فكان عمرو يساره في مثل هذه الشؤون ولولا ~~رغبته في معاتبته على خيانة صهره ابن ملجم ما كشف له الأمر. # فلما كان ليل 17 رمضان أخذ القلق من عبد الله مأخذا عظيما لعلمه أنه ليلته بين الحياة ~~والموت. فأصبح ذلك اليوم وهو لا يزال محبوسا لا نافذة في محبسه يطل منها أو يسمع ما يجري ~~على أنه سمع لغطا لم يفهم منه شيئا صريحا فتربص حتى جاءه الخفير بالطعام على جاري العادة ~~فاستفهمه فطمأنه باختصار فسر ولبث إلى مساء ذلك اليوم. # وبعض العشاء جاء بعض رجال عمرو إلى محبس عبد الله فتحه ودخل عليه فحل قيوده ودعاه إلى ~~الأمير فمشى في أثره وقد انبسط وجهه لما كان من نجاته بعد أن كان في عداد الأموات. فقاده ~~الرجل إلى قاعة في صدرها عمرو بن العاص على وسادة وفي يده درة (سوط) ms133 يلاعبها بين أصابعه ~~وليس في القاعة أحد سواه. فلما أشرف عبد الله على القاعة نزع حذائه في الخارج ودخل توا إلى ~~مجلس الأمير وهم بتقبيل يده باحترام فأمسكه ابن العاص بيمينه وأجلسه إلى جانبه وهو يقول ~~بصوت منخفض «لقد كانت نجاتنا على يدك فوجبت علينا كرامتك ولكن للأسف أن صاحب شرطتنا وقع في ~~الشراك التي كانت منصوبة لنا ولو علمنا الساعة أو المكان المعينين لتلك الفعلة الشنعاء ~~لاستطعنا تدراكها أو لو اطلعت خارجة على سر الأمر فربما كان نجا بنفسه ولكني لا أظنه كان ~~يستطيع ذلك وهو لا يعلم الزمان والمكان المعنيين. # فقال عبد الله «اعلم يا مولاي أن كتمان هذا الأمر تتوقف عليه حياتي إذ لو شاع خبر اطلاعك ~~على هذا السر لغير المؤامر خطته فربما أخر موعده أسبوعا أو شهرا فكنت أنا المقتول بدلا ~~من خارجة لأنك تسيء الظن بي فتقتلني. ومع ذلك فهو القضاء يجري إلى حيث لا نعلم». # ولم يتم كلامه حتى دخل بعض الخدم يقول «إن في الباب أبا خولة». # فقال عمرو «أدخلوه». # فرجع الخادم ودخل أبو خولة وهو صاحبنا والد خولة ولم يكن هو من مصاف الأمراء ولا من ~~القواد الأنداد حتى تكون له تلك المنزلة عند عمرو ولكنه نال تلك الحظوة خصوصا بعد أن اطلع ~~عمرا على عزم ابن ملجم قتل علي. ثم مازال يتردد على دار عمرو ويبذل ما في وسعه لخدمته ~~فعده عمرو من أصحابه. # فلما دخل أبو خولة القاعة حيى وقبل أن يجلس قال له عمرو أغلق الباب ومر الخدم أننا لا ~~نريد أحدا يدخل علينا. ففعل ودخل. فدعاه عمرو إلى جانبه وعرفه بعبد الله وأعجب أبو خولة ~~بعبد الله لأنه كان شابا جميلا مع نباهة وذكاء وسر لما دبره عمرو من مصاهرته له. وأما عبد ~~الله فكان لا يزال خالي الذهن من ذلك. # فلما جلس الثلاثة التفت عمرو إلى عبد الله وقال له «لقد عرفتك بصاحبنا أبي خولة ولم أتم ~~لك المعرفة فأزيدك علما أنه من أعز أصدقائي وقد ms134 كتمت أمر المؤامرة عن كل أحد سواه ولكنني ~~اشترطت عليه شرطا أظنه يعود عليك بالمنفعة وقد فعلته مكافأة لك على خدمتك لي». # فوقف عبد الله متأدبا وقال «يأذن لي مولاي بكلمة». # قال «قال». # قال «لا أرجو أن تحسب لي فضلا بما بحت لك به فإنى والحق يقال إنما فعلته استبقاء لحياتي ~~فلا تظنني أغش نفسي». # الفصل الثاني والثمانون # | عبد الله وخولة # فأعجب عمرو بحرية ضمير عبد الله وقال له «لم تزدني بهذا التبرق إلا رغبة في مكافأتك إن ~~ابن العاص لا يجهل قدر الرجال ولا هو ساذج لا يفهم أنك لو لم تقع بين يديه وتشعر بقرب الأجل ~~ولا ترى لك مخرجا بغير هذا الإفشاء لما فعلته. ولكنني مع ذلك أشعر بجميل لك علي فأريد ~~مكافأتك عليه وخصوصا بعد أن رأيت من صدق لهجتك ما أكد لي أنك لو كنت من أنصارنا لكان لنا ~~بك نعم النصير وأنت على ما بلغني أموي فليس تشيعك للعلويين معقولا..» قال ذلك وفي صوته غنة ~~استفهام كأنه يستفهم عن سبب تشيعه فسكت عبد الله. ففهم عمرو أنه يريد الكتمان فغير الحديث ~~وقال له «ولكنك لم تسألني عن المكافأة التي أعددتها لك». # قال «قلت لك أني لا أستحق مكافأة فمهما أكرمتني به كان فوق ما استحق». # قال عمرو «هل أنت متزوج». # قال «كلا يا مولاي». # قال «أعلم يا عبد الله أن في الفسطاط فتاة يتحدث بجمالها وتعقلها أهل هذه المدينة هي ابنة ~~صاحبي هذا (وأشار إلى والد خولة) ولا أخفي عنك أنها كانت مخطوبة لعبد الرحمن بن ملجم وهو ~~أحد المؤامرين على قتل عمرو ولعي ولا ندري ما كان من أمره اليوم فإنه موعد القتل ...». # ولما قال عمرو ذلك تذكر عبد الله ما كان قادما من أجله مع سعيد وكيف فشلت مهمتهما فأحس ~~كأنك تصب ماء غاليا على ظهره ولكنه تجلد وصبر نفسه إلى آخر الحديث فأتم عمرو كلامه قائلا ~~أن خولة هذه كانت مخطوبة لابن ملجم على أن يقترن بها بعد عودته من الكوفة ms135 ولا ريب أن ذلك ~~الخائن كان عالما بتواطئ عمرو بن بكرة على قتلي فكتم ذلك في قلبه وسار ولم يطلعني على شيء ~~منه فاعتبرته شريكا في قتلي فأحرمته من خولة ولي دالة على والدها لأنها بمنزلة ابنتي وقد ~~طلبت منه أن تكون لك عروسا ومتى رأيتها تتحقق أننا قد زوجناك زهرة الفسطاط وخيرة بناتها. ~~ثم التفت عمرو إلى أبي خولة وقال «ولا تظننا فرطنا بخولة فإن هذا الشاب من سلالة الأمراء ~~ويكفي أنه أموي وبينه وبين الخليفة معاوية نسب قريب. أما ابن ملجم الخائن إذا عاد إلينا فلا ~~أبقاني الله إن أبقيته حيا. ولكنني لا أظنه إلا مقتولا في دار ابن أبي طالب فاز في مهمته ~~أو لم يفز» قال ذلك والغضب باد على وجهه. # ففرح عبد الله بما ناله من الحظوة في عيني عمرو وارتاح لما بلغه عن خولة ولكنه مازال ~~منشغل الخاطر على ابن عمه سعيد وما كان من أمره بعد أن فارقه في مسجد الفسطاط يوم اجتماع ~~عين شمس. حدثته نفسه أن يسأل عمرا عنه مخافة أن يكون قد وقع في أيدي رجاله ولكنه لبث ~~ساكنا يتردد وقد نسي اقتراح عمرو. فظنه عمرو غير راض به فقال له «ما بالك لم تجب ألعلك لم ~~ترض خولة والله إني أرضاها لأعز أبنائي». # فابتدره عبد الله قائلا «عفوك يا مولاي كيف لا أرضى بما رضيته أنت لي وما سكوتي إلا لأني ~~اعتبرت اقتراح الأمير أمرا نافذا لا خيرة لي فيه فماذا أجيب. أما إذا تعطفت في سؤالي فإني ~~راض ولكني أرجو أن تكون هي راضية بهذا الرجل الغريب». # فقال أبو خولة «إن خولة جارية بين يدي مولانا الأمير وما يرضاه لها لا مندوحة لها عنه ~~وإنا وهي طوع إرادته». # الفصل الثالث والثمانون # | تتمة الحديث # واستولى السكون على تلك الجلسة لحظة ثم التفت عمرو إلى عبد الله فقال «وقد كنت أظنكما ~~اثنين جئتما معا إلى الفسطاط ولكنني لم أر سواك». # ولم يتم عمر كلامه حتى علت البغتة على وجه عبد ms136 الله ونظر إلى عمرو قائلا «وهذا هو الأمر ~~الذي شغل بالي في أثناء حديث مولاي. إن رفيقي هو ابن عمي بل هو أخي وقد كلفت برعايته جئنا ~~معا إلى هذه المدينة ولكنني يممت عين شمس وحدي وتركته في المسجد على أن استطلع المكان ~~وأعود إليه فقبضوا علي ولم أعد أعرف شيئا عنه إلى الآن فهل عثر أحد من الشرطة عليه ~~فقتلوه». # قال عمرو «لم أسمع عنه شيئا ولا أخبرني أحد بخبره والظاهر أنه نجا بنفسه لما سمع بما وقع ~~لكم في ذلك الاجتماع». # فاطمأن بال عبد الله على سعيد ولكنه ظل مشتاقا لاستطلاع حقيقة حاله. فود لو أنه يسير ~~حالا إلى الكوفة فيستطلع كل شيء ويتحقق ما وقع للإمام علي ولكنه خجل من إبداء رأيه وهو في ~~مجلس عمرو فكيف يتظاهر برغبته في شؤون علي مع علمه بما بينهما من المنافسة. فرأى أن يجعل ~~السبب في إسراعه البحث عن ابن عمه فقال «لقد أوضحت لمولاي ما أنا فيه من انشغال البال على ~~ابن عمي هذا فهل يأذن لي الأمير بالانصراف إلى الكوفة استطلع حاله ثم أعود وأكون في خدمتك ~~إلى الممات فقد أوليتني جميلا لا أنساه لك». # قال عمرو «ويكون ذلك بعد كتابة الكتاب. فإذا عقدنا لك على خولة وصرت من أصهارنا سر إلى ~~حيث شئت». # وكان عمرو لفرط دهائه وحسن سياسته قد أدرك أن رجلا حرا صادقا مثل عبد الله لا يفرط ~~فيه. لأنه إذا أخلص الخدمة كان نفعه عظيما. فلم ير لتقييد قلبه خيرا من أن يبادئه بالجميل ~~وأن يزوجه بنت صاحبه وهو يحسب خولة على دعوته فإذا كانت هي زوجته حببت إليه الرجوع إلى حزب ~~الأمويين لاسيما وهو لا يعلم بعد هل نجح ابن ملجم بمهمته في الكوفة أم لا. فلما اقترح على ~~عبد الله كتابة الكتاب قبل السفر قبل عبد الله وأطاع فضرب عمرو أجلا لذلك أسبوعا وقال ~~«فتقيم عندنا في أثناء ذلك ضيفا كريما فإذا آن الزمن عقدنا لك على خولة ثم تنصرف للبحث عن ms137 ~~ابن عمك». # فوقف عبد الله ثم جثا بين يدي عمرو يهم بتقبيل يده وقال «لقد غمرتني بفضلك فما أنا مستطيع ~~الشكر على نعمتك» والتمس الخروج فأذن له. # وخرج أيضا أبو خولة وهو يكاد يطير فرحا لما آنس من كرامة عمرو. وسره النصيب الجديد ~~لابنته فسار توا إلى البيت وكانت خولة جالسة هناك على مثل الغضى تتقاذفها الهواجس بعد أن ~~تحققت نجاة عمرو وعلمت بما فرضه من زواجها بعبد الله وهي مع حبها له تفضل البقاء على حب ~~سعيد وهو أول من وقع في نفسها موقع الحبيب في أحوال قضت بذلك. فلما كان المساء وأبطأ والدها ~~في الرجوع إلى البيت انشغل انشغل بالها ولبثت تنتظر عودته بفارغ الصبر لعلمها أنه لابد من ~~مروره بعمرو على أثر ما كان من نجاته في ذلك اليوم. وحسبت لإبطائه ألف حساب. وأشد ما خافته ~~من ذلك الإبطاء أن يكون سببه المداولة في أمرها وأمر عبد الله وهي لا تريد ذلك. # الفصل الرابع والثمانون # | البشارة غير السارة # فلما انقضى العشاء ومضى بعده ساعتان قرع الباب وعلمت أنه قرع والدها فدق قلبها دقات ~~متسارعة وعلت وجهها صفرة الوجل فظلت مستلقية على الوسادة في غرفتها ولم تمض برهة حتى فتح ~~باب الدار. فتحول والدها توا إلى غرفتها فقرعها فنهضت لتفتح له وركبتاها تصطكان من ~~الاضطراب. فلما فتحت له الباب دخل والمصباح في يده فوضعه على مسرجة وجلس إليها وعلى محياه ~~أمارات البشر والسرور وهو يحسب نفسه جاءها ببشرى عظيمة. فرآها مضطربة الحواس قلقة الخاطر مع ~~أنها كانت تحاول التجلد ولكن القلق والاضطراب غلبا عليها فقال لها «ما بالك يا بنية ما الذي ~~يزعجك». # قالت «لا يزعجني شيء ولكنني قلقت لغيابك وأنا وحدي في هذا البيت لا أرى فيه أحدا غير ~~الخدم». # قال وهو يبتسم «لقد دنا الوقت الذي لا تكونين فيه وحدك». # فتجاهلت مراده وقالت «يظهر أنك علمت بما أقاسيه من الوحدة فعولت على أن لا تتركني ~~وحدي». # فضحك لسذاجتها وقال لها «ليس هذا قصدي يا خولة ولكني ms138 أذكرك باقتراح الأمير الذي أطلعتك ~~عليه منذ بضعة أيام فإنه قد تم اليوم بعد أن صدق قول عبد الله الأموي فجمعني عمرو به الليلة ~~في داره فرأيته شابا جميلا عليه مهابة الأمراء وقد ترين الشجاعة والأنفة تتحليان في وجهه. ~~ويكفي أن عمرا سحر به وبالغ في إطراءه أمامي. فهذا هو خطيبك ومتى كتب الكتاب طبعا لا ~~تكونين وحدك». # ولم يتم كلامه حتى صغ وجهها احمرار الخجل وظلت صامتة ثم أخذ العرق ينسكب عن جبينها ~~كاللؤلؤ المنثور وهي مطرقة لا تفوه بكلمة. # ولم يكن سبب اضطرابها مجرد الخجل كما ظن والدها ولكنها أصبحت آلة تتقاذفها الهواجس حائرة ~~بين أن تطيع عواطفها أو تطيع والدها وأميرها. ولو أنها لم تبعث إلى سعيد بخبر حبها له مع ~~بلال لكانت المعضلة أقرب إلى الحل وإذا رفضت عبد الله رفضا باتا تغضب عمرا ووالدها. وهي ~~مع ذلك لا تدري مصير سعيد ولا ما آلت إليه مهمته بعد خروجه من الفسطاط مع بلال ولم تر حلا ~~غير الاصطبار فصبرت حتى يعيد والدها السؤال فتستمهله. # أما هو فلما آنس فيها ذلك الاضطراب حمله محمل الخجل وهو عادي في الفتيات في مثل هذه ~~الحال. فوضع يده على شعرها المسدول على كتفها وقال لها «لا تخجلي يا بنية إن والدك يخاطبك ~~وليس أحد سواه وقد تم الأمر على يد الأمير وهو شرف كبير لنا كما تعلمين». # فأجابت وهي لا تزال تنظر إلى الأرض وقالت «وهل ضرب لذلك أجلا». # قال «لقد ضرب أجلا لذلك أسبوعا». # قالت «فليكن ثلاثة أسابيع على ما أرى». # قال «ما الداعي إلى هذا التأجيل فإني أخاف أن يغضب عمرو. فأطيعيني وأنا حامل تبعة ذلك. ~~فإن عبد الله يندر مثاله وأنا أفتخر بمصاهرته وليس هناك محل للاعتراض» قال ذلك وفي كلامه ~~نغمة الجفاء على عادته معها إذا أراد الإصرار على أمر فخافت إذا جادلته أن لا تحسن العقبى ~~فسكتت ثانية وأظهرت الارتياح فلما رآها كذلك قال لها «بورك فيك يا بنية وبعد أسبوع تكون ~~كتابة الكتاب وتتم ms139 معدات الزواج». # فظلت ساكتة وقد عولت على اتخاذ وسيلة أخرى للتأجيل. # الفصل الخامس والثمانون # | الخطبة الجديدة # أما عبد الله فإنه خرج من محبسه يلتمس مكانا يقيم فيه ولم يكد يخرج من دار الأمير حتى ~~أدركه بعض رجال عمرو وناداه فعاد. فقال له «وإلى أين». # قال «إني ألتمس مكانا أقيم فيه». # قال «لقد أوصانا الأمير أن نعد لك منزلا في داره فإنك ضيف عليه». # فازداد عبد الله امتنانا من عمرو وفرح بتلك الدعوة لأنه غريب لا يدري كيف يذهب وتبع ~~الرجل الذي كلمه إلى غرفة فيها فراش وغطاء وبعض الآنية وسأله هل يحتاج إلى طعام فاعتذر وسار ~~توا إلى فراشه. # ولما خلا بنفسه جعل يفكر بنجاته وصورة ابن عمه سعيد لم تبرح من مخيلته طول ذلك الليل. على ~~أنه اطمأن على حياته ولكنه مال بكليته إلى استطلاع خبر مهمته ليدري ما تم للإمام ~~علي. # وكانت ذكرى خولة تعترض هواجسه وود لو يراها ليستطلع ما يكون من حظه معها ولكنه لما تذكر ~~إطناب عمرو بها تحقق لياقتها على أنه مازال مشتاقا لرؤيتها ولما أصبح سار إلى المسجد صلى ~~الصبح وهو يتوقع أن يرى والد خولة لعله يدعوه إلى منزله فيتخذ ذلك وسيلة لرؤية خولة ولو ~~خلسة. وكان والد خولة قد مر بالجامع في ذلك الصباح عمدا لهذه الغاية فلقيه فسلم عليه ودعاه ~~للعشاء فقال له «إني في ضيافة الأمير ولا يليق بي قبول الدعوة إلا بعد استئذانه». # فقال «أنا استأذنه عنك». # قال «حسنا» وافترقا. فمشي عبد الله في شوارع الفسطاط وأسواقها فمر ببيت خولة وهو لا ~~يعرفه. وكانت خولة قد أصبحت في ذلك اليوم وهي لا تزال قلقة البال فخرجت تمشي في الدار فوقع ~~نظرها على عبد الله وهو مار ولم تكن رأته قبل ذلك الحين ولكنها استنتجت من لباسه وقيافته مع ~~مشابهته سعيدا أنه هو عبد الله خطيبها فاختلج قلبها في صدرها ونفرت لأول وهلة ولكنها أرادت ~~أن تتبين حاله فتفرست فيه وهو ماش فرأته معتدل القوام رشيق الحركة فارتاحت لرؤيته ms140 وسرت به ~~لمشابهته بسعيد ولكنها ما لبثت أن نفرت منه لما ذكرت أنه سيحرمها من حبيبها ومازالت تتبعه ~~بنظرها حتى توارى وهو لم ينتبه. # الفصل السادس والثمانون # | الزيارة الأولى # عادت خولة إلى غرفتها وهي منقبضة النفس وقضت نهارها لم تذق طعاما ولما كان الغروب آمن ~~زمن رجوع والدها من شغله وكان الخدم قد أعدوا المائدة له ولضيفه وخولة لا تدري. وما عتم أن ~~دخل الدار وتنحنح على جاري عادته كأنه ينبه أهل المنزل إلى مجيئه. فتظاهرت خولة بارتياحها ~~لقدومه ولكنها عولت على التمارض على أنها ما لبثت أن رأت مع والدها شابا عرفت أنه عبد الله ~~فخفق قلبها وغلب عليها الاضطراب وتوارت في غرفتها وقد بردت أطرافها. # وأما والدها فإنه ذهب بضيفه إلى غرفة الضيوف فتركه هناك وجاء إلى خولة فرآها مستلقية في ~~الفراش وقد امتقع لونها فتحفزت للنهوض وهي تتظاهر بالضعف. فقال «ما بالك يا خولة». # قالت «لا بأس علي غير أني أشعر بانحطاط وانحرف لا أدري سببه». # فدنا منها وهمس في أذنها قائلا «ليس ثمت داع إلى الانحطاط وقد جاءنا ضيف عزيز». # قالت وهي تتجاهل «مالي وللضيوف إني لا أستطيع النهوض ولا يطلب مني ملاقاة الضيوف». # قال «إننا لا نكلفك ملاقاتهم ولكن هذا الضيف أصبح من أقربائنا ولا بأس من ملاقاته عملا ~~بأمر الأمير عمرو بن العاص». # فقالت «ولكنني منحطة القوى. دعني أنام الآن وسألاقيه في فرصة أخرى وأنا صحيحة إن شاء ~~الله». # قال «ولكنني كنت أظنك أكثر رغبة مني في رؤيته بعد أن قصصت عليك أمر خطبته لك. أيليق بنا ~~بعد هذه الخطبة أن نظهر له هذا الجفاء». # فتحيرت خولة ولم تدر بماذا تجيبه وهي تخاف غضبه لما تعلمه من سوء خلقه وسرعة حمقه فظلت ~~صامتة. # فأمسكها بيدها وأنهضها فوقفت بالرغم عنها وسارت في أثره وهي مطرقة فلما وصلا باب الغرفة ~~وقف بها وقال لها «ضعي خمارك على رأسك وانزعي هذا الذبول واستقبلي الرجل بما يليق بأمثالك ~~لئلا يبلغ عمرا عنا ما يدل على مخالفة رأيه فنقع ms141 تحت طائلة غضبه». # فرأت خولة من الحكمة أن تتجلد وتصبر لئلا يحمق والدها فيسمعها ما يكدرها فخفت إلى خمارها ~~فوضعته على رأسها وأصلحت ثيابها بما يليق أن تقابل به الضيوف وخرجت في إثر والدها حتى دخلا ~~على عبد الله. # الفصل السابع والثمانون # | الزفاف الكاذب # وكان عبد الله قد لحظ من إبطاء أبي خولة في غرفتها أنه يستدعيها فأصبح مشتاقا إلى رؤيتها ~~وهو لا يطمع أن يرى وجهها دفعة واحدة لما كان يتوقعه من حيائها ولكنه قنع بأن يرى قامتها ~~ومجمل حالها. فلما أشرفت على الغرفة وتبين جمالها واعتدال قوامها انفتح قلبه لها وحمد الله ~~لتوفقه إلى مثلها بعد نجاته من الموت. فدخلت وحيت بما يجدر بمثلها في مثل هذا المقام وجلست ~~على وسادة بجانب والدها. وكان عبد الله يسارق اللحظ إليها فلا يزداد إلا إعجابا. ولم تمض ~~تلك الليلة حتى علق بها ووقعت من نفسه موقعا ساميا لما آنسه من جمالها مع ما بدا له من ~~ذكائها وتعقلها في أثناء الحديث مما يندر مثاله في أمثالها من ربات الخدور فخرج بعد العشاء ~~وقلبه منشغل بخولة وقد ندم لتأجيل الاقتران. # قضى عبد الله في مثل ذلك بقية الأسبوع وهو يتردد على بيت خولة ويزداد تعلقا بها. ولم ~~يصدق أن آن يوم الزفاف. فدعاه عمرو إليه وقال «أريد أن أعقد لك عليها في داري وتقيمان عندنا ~~حتى يتراءى لكما مفارقتنا» فعل عمرو ذلك التماسا لما عزم عليه من استجلاب عبد الله إلى ~~جانبه. فسر عبد الله بذلك وأثنى على الأمير ولما كان الوقت المعين زفت خولة إلى عبد الله ~~وكتب كتابها عليه على جاري العادة يومئذ وعبد الله أكثر الناس سرورا بهذا النصيب ولولا ما ~~يجول في خاطره من أمر سعيد وغيابه مع قلقه على حال الإمام علي لعد نفسه من أسعد خلق الله ~~لأنه آنس في خولة ما طالما تاقت إليه نفسه في النساء من التعقل والرزانة مع الجمال ~~والذكاء. # ولما فرغوا من العرس وانفض الاجتماع أدخلوا العروسين إلى غرفة خاصة ms142 بهما. # الفصل الثامن والثمانون # | كشف النقاب # فلما خلا عبد الله بخولة تقدم لنزع الغطاء عن وجهها فأمسك النقاب ورفعه فإذا بها قد ~~أعادته إلى ما كان عليه. فظنها تداعبه على سبيل المزاح فضحك وقال لها «يظهر أنك لا تحبين ~~عبد الله». # قالت وهي مطرقة «يعلم الله أني لا أكرهه». # فمد يده إلى النقاب ثانية وحاول رفعه فمنعته. فاشتبه في أمرها فأمسك يدها وقال لها بلهجة ~~الجد ونغمة المحب العاتب «ما بال خولة تمنعنا مما أحله لنا الشرع ودعانا إليه ~~القلب». # وكانت خولة واقفة بجانب الفراش فابتعدت عنه وأسندت ظهرها إلى الحائط وهي تبالغ في إرسال ~~النقاب وظلت مطرقة ولم تبد جوابا. # فاستغرب عبد الله سكوتها وتمنعها على هذه الصورة وظن في الأمر خديعة فأظهر الجد وتبعها ~~وهو لا يزال قابضا على يدها حتى وقف بجانبها وقال لها «ما الذي أراه يا خولة؟ ما الذي ~~تحدثك به نفسك؟ إن كنت إنما تفعلين ذلك لمجرد الحياء فهو غلو لا محل له وقد عقد كتابنا ~~بحضور أمير مصر ونخبة الأعيان والأمراء. وإن كنت رضيت بي مكرهة وأنت تحبين سواي ~~قولي». # فلما قال ذلك رفعت رأسها إليه وجذبت يدها من يده بلطف وقالت «نعم إني أحب سواك ولكنني قلت ~~لك إني لا أكرهك بل أحبك محبة الأخ لا محبة الزوج». # فبغت عبد الله وعلته الدهشة وكاد الغضب يغلب عليه لو لم يصبر نفسه ريثما ينكشف له سبب ~~تمنعها. فنظر إليها نظر الغاضب وقال «لقد رأيت منك العجب وأعجب ما أراه احتقارك إياي بما لم ~~أكن أتوقعه منك بعد أن كتب الكتاب. هلا كشفت لي عن سبب ذلك؟» # قالت وقد أمسكت النقاب وأزاحته عن وجهها «إني لا أعتبر هذا الحجاب واجبا بيني وبيك ولا ~~أنا خائفة من اطلاعك على ما في ضميري ولكني أسألك سؤالا إذا أجبتني عليه بحت لك بسر ~~الأمر». # فمال بكليته إليها وقد أعجبته جسارتها وحريتها ولم يزده كشف النقاب إلا احتراما لها فقال ~~«اسألي فإني مجيبك». # قالت «كيف رضيت بعقد قرانك ms143 وابن عمك غائب». # فقال «وأي ابن عم تعنين». # قالت «أعني ابن عمك سعيدا الذي جئت معه إلى الفسطاط ألا يهمك أن تعرف ما آلت إليه ~~حاله؟» # الفصل التاسع والثمانون # | استطلاع السر # فاستغرب ذلك منها ولم يكن يعلم اطلاعها على شيء من ذلك فقال «من أين لك أن تعرفي ابن عمي ~~وما جئت من أجله الفسطاط». # فتنهدت وقالت «عرفته بقدر من الله إني أعجب من نسيانك تلك المهمة التي جئتما من أجلها. هل ~~تظن الإمام عليا نجا من القتل؟» # فازداد عبد الله استغرابا ونسي ما كان يعد به نفسه من قربها وهاجت به أشجانه وتذكر ابن ~~عمه فقال «لقد أذهلتني يا خولة بما سمعته منك فأفصحي عما في ضميرك وأخبريني كيف عرفت ابن ~~عمي وما العلاقة بينه وبين تمنعك الليلة؟» # قالت «أتعدني بالكتمان وحفظ الذمام». # قال «نعم أعدك وعدا صادقا فأفصحي إن لم يبق لي صبر على هذه الرموز». # فتنهدت وعلت وجهها حمرة الخجل وهمت بالكلام فارتج عليها وعبد الله يتأمل ملامحها ويراقب ~~ما يبدو منها وظل صامتا فلم يسمع منها شيئا. فقال«لها بالله لا تطيلي السكوت فقد نفذ صبري ~~قولي ما بدا لك فرجي كربتي». # قالت «أقول ولا أخشى لوما أني أحببت سعيدا قبل أن أراك وهو أحبني على ما أظن وحبنا مؤسس ~~على اشتراكنا في الاستهلاك بسبيل الإمام علي. قد سار سعيد غد الليلة التي أغرق بها عمرو ~~أصحاب عين شمس وهو يظنك في جملة الغرقى ولا أظنه إذا عرف بقائك حيا إلا طائر من الفرح» ~~وقصت عليه حديثها مع سعيد من أوله إلى آخره. # ولم تكد خولة تتم حديثها حتى استولت الدهشة على عبد الله وخيل له أنه في منام ولما تحقق ~~أن خولة تحب سعيدا وقد آنس منها ذلك الثبات في حبه أحس لساعته أنه لم يبق له حق في زواجها ~~وازدادت هي رفعة في عينيه فقال لها «اعلمي يا خولة أني من هذه الساعة أعدك أختا لي وإني ~~مساعد لك على اقترابك من سعيد فإنه بمنزلة ms144 أخي. وقد أوصيت بكفالته وصية مقدسة ولقد أحسنت ~~بما بسطته لي من حقيقة حالك وعليه فإني مسافر في الغد إلى الكوفة لأبحث عنه واستطلع ما تم ~~للإمام علي مع ذلك الغادر». # الفصل التسعون # | الوفاق التام # فابتدرته خولة قائلة «لا تعجل يا عبد الله إن ذهابك ذاهب عبثا لأننا لا نلبث بعد قليل أن ~~نسمع الخبر من عبدي بلال الذي رافق سعيد إلى الكوفة فقد أوصيته بالعودة حالا وأظنه يصل ~~إلينا بعد أيام ونرى ما يكون. وأما الآن فاكتم ما دار بيننا واجعل أنك زوجي ريثما ترى ما ~~يكون. # فالتفت عبد الله إليها وقد ازداد إعجابا بحميتها وثبات جأشها وقال «إني أهنئ أخي سعيدا ~~بهذا النصيب وأرجو أن يكون قد نجا من مكائد أولاد الحرام» أراد بذلك قطاما فإنه مازال يسيء ~~الظن بها وقد أدرك أنها هي التي وشت بهما إلى عمرو بن العاص. # فقالت «إني أتوقع رجوع بلال لأسمع منه ما آلت إليه حال الإمام علي ومعاوية هل نجا أحد ~~منهما. أما عمرو فقد نجا والفضل في ذلك راجع إليك». # فقال «ولكنك تعلمين أني إنما بحت بذلك لعمرو التماسا للبقاء ولم أذكر له المؤامرة على ~~قتل معاوية لئلا يبعث إليه بمن يحذره فينجو». # قالت «إني لم ألمك قط ولكن هذه إرادة المولى فالآن لابد من التربص فامض إلى فراشك وإني ~~متوسدة هذا البساط». # قال «لا والله إنك لا تبيتين إلا على الفراش وأنا أولى بهذا البساط». # وباتوا تلكا لليلة وقد سرت خولة بنجاتها مما كانت تخافه. وأما عبد الله فإنه بات معجبا ~~بخولة كل الإعجاب وقد أسف لخروجها من قبضته بعد أن عرف فيها هذه الخصال. ولكنه لم يأسف ~~لأنها ستكون نصيب أخيه. وقضيا تلك الليلة بأمثال هذه الهواجس ولم يناما إلا قليلا. # وأصبحا في اليوم التالي والناس لا يعلمون إلا أنهما زوج وزوجة وظلا مقيمين في دار الأمير ~~حتى قدرت خولة دنو الوقت الذي كانت تتوقع رجوع بلال فيه فالتمست المضي على بيت والدها مخافة ~~أن يأتي بلال في ms145 أثناء غيابها فيطرده والدها أو يتهدده ولا يراها هناك فيعود من حيث ~~أتى. # فوافقها عبد الله واستأذنا عمرا في الذهاب إلى هناك فأذن لهما فاستقبلهما والدها ~~بالترحاب. # الفصل الحادي والتسعون # | قدوم بلال # ولم يمض يومان على مكثهما في بيت خولة حتى قدم بلال وكان وصوله الفسطاط في أثناء النهار ~~ووالد خولة في حانوته. ودخل بلال الفسطاط متنكرا فمر بحانوت سيده ونظر إليه خلسة فإذا هو ~~هناك فهرول إلى البيت ودخل توا إلى غرفة سيدته بلا استئذان فوجد عندها شابا لا يعرفه و ~~رآها بجانبه كأنها جالسة إلى شقيق أو قرين. # فبغت لذلك ولكنه اشتغل بما آنسه من ترحابها به. فقالت له «أغلق الباب وادخل». # ففعل ودنا منها وهو ينظر إلى عبد الله شذرا فأدركت خولة ما يجول في خاطره فقالت له «لا ~~تسيء الظن إن هذا أخي بعهد الله فاقصص علينا خبرك سريعا وقل لنا أول كل شيء كيف فارقت ~~الإمام عليا؟» # فسكت ولم يجب. # فألحت عليه وقد علتها البغتة. # فأجابها بصوت مختنق «أن عليا قد ذهب ضحية ذلك الخائن». # فصفقت خولة كفا بكف وصاحت «وا لهفي عليك يا أبا الحسن» وقال عبد الله مثل ذلك ثم قالت ~~«وماذا جرى لابن ملجم» قال «أنه قتل شر قتلة لعنه الله». # فقال عبد الله «وكيف فارقت سعيدا». # قال «فارقته بخير وعافية وقد سار للبحث عن تلك الخائنة اللعينة». # قال عبد الله «أوتعني قطاما؟» # قال «نعم وما أدراك أني أعنيها وكيف عرفتها يا مولاي؟» # قالت خولة «ألم تعلم من هو هذا الشهم؟» # قال «كلا». # قال «ألم يذكر سعيد أمامك أنه فقد ابن عمه هنا». # قال «بلى». # قالت «هذا هو ابن عمه عبد الله». # فبهت بلال وغلب عليه البكاء من الفرح وصاح «أن حي يا مولاي ... آه من لي بمن يحمل هذه ~~البشرى لابن عمك. والله إني حاملها إليه الساعة بعد أن أسر إلى سيدتي كلاما أوتمنت ~~عليه». # الفصل الثاني والتسعون # | إبلاغ الرسالة # فالتفت إليه وقالت «قل يا بلال ليس على عبد الله سر ms146 وهو أخي كما قلت لك قل كيف فارقت ~~سعيدا». # قال «فارقته يا مولاتي وهو مشتاق لرؤيتك ولم يأت معي مخافة أن يكون أميرنا نجا من المكيدة ~~فلا يأمن منه على حياته. وقد علمت وأنا مار في الفسطاط الساعة أنه نجا وقتل غيره خطأ ولا ~~أدري كيف حال سيدي والدك معك فلا آمن عليكما منه». # قالت «اعلم يا بلال أن عمرا نقم على ابن ملجم ورضي عني وهو يحبني حبه لأولاده أما سعيد ~~فلا هو يعرفه ولا والدي رآه فإذا جاء لم يكن عليه بأس وشأنه في الفسطاط شأن كل غريب يدخلها. ~~فاقصص علينا خبر ابن ملجم والإمام وكيف قتلا؟» # وأمرته بالجلوس فجلس متأدبا وقص عليهما الخبر بتفاصيله. فلما بلغ إلى حديث قطام وما ~~أرادته من قتل سعيد هاجت في نفسها حاسة الغيرة والانتقام وقالت «قبح الله هذه المرأة إني ~~أعرفها وأسمع بدهائها فكيف انطلت حليتها على سعيد؟» # فابتدرها عبد الله «إني والله توسمت فيها الشر منذ رأيتها» وقص عليها ما كان من أمره ~~معها. فانكشفت لهم الحقيقة وشكرا الله على نجاة سعيد ولكنهما أسفا على مقتل الإمام علي ثم ~~استدركت في حديثها فقالت «وهل سمعت شيئا عن معاوية ومقتله؟» قال «لقد مررت بدمشق في طريقي ~~فعلمت أنه نجا أيضا. وقص عليها خبره كما سمعه فعجبت لمجاري القضاء كيف سمحت بمقتل الإمام ~~علي وبقاء معاوية وعمرو؟!» # فقال عبد الله «وأين سعيد الآن؟» # قال «هو في انتظاري بدمشق فإذا أمرت مولاتي عدت إليه حالا وجئت به على عجل وأرجو أن يكون ~~قد ظفر بتلك الخائنة وانتقم منها وإذا لم يظفر هو بها لست تاركها حتى انتقم منها فقد هاجت ~~دمي بما ارتكبته من الخيانة». # قالت خولة «بورك فيك يا بلال فعليك الآن أن تستقدم سعيدا على عجل». # فقال «وهل آتي به إلى هذا البيت؟» # فاستصوبت خولة سؤاله لأن مجيئه إلى بيت والدها قد يوجب العراقيل. فنظرت إلى عبد الله ~~كأنها تستفتيه في الأمر فأشار إليها أنه يريد البحث في ذلك سرا. # فالتفتت ms147 إلى بلال وقالت له «أخرج الآن قبل أن يأتي والدي وهو ناقم عليك لاعتقاده أنك فررت ~~بالجملين من داره وانتظر عبد الله في المسجد الليلة وهو ينبئك بما تفعله». # الفصل الثالث والتسعون # | العزم على الكوفة # فخرج وبقي عبد الله وخولة على انفراد فقالت خولة «وما العمل يا عبد الله أخاف إذا جاء ~~سعيد وأردنا فسخ عقدنا أن ينفتح علينا باب للأخذ والرد ونحن نود كتمان الأمر فما ~~الرأي؟» # قال «أرى أن نلتمس من عمرو الخروج من الفسطاط والذهاب إلى الكوفة فقد كنت التمست منه ~~السفر فأخرني إلى ما بعد كتابة الكتاب. فهم لا يعرفون الآن إلا أنك امرأتي والرجل يذهب ~~بامرأته إلى حيث شاء. فإذا سرنا إلى الكوفة وأوصينا بلالا أن يوافينا بسعيد إلى هناك ~~تنازلت له عنك وعقد له عليك ولا رقيب علينا ولا واش. وإذا طاب لنا العود إلى الفسطاط عدنا ~~بعد ذلك وإلا فإننا نمكن في الكوفة إلى ما شاء الله». # فصمتت خولة برهة وهي تفكر في الأمر فرأت رأي عبد الله مصيبا فقالت «نعم الرأي رأيك ~~ولكنني تعودت الفسطاط وألفت الإقامة في وادي النيل ولي فيه الأهل والأصدقاء فإذا أتيح لي ~~البقاء فيه كان ذلك أفضل لي وأبقى». # قال «لا أنكر عليك ذلك وهو ميسور لك فيما بعد وأما الآن فلا أرى خيرا من الذهاب إلى ~~الكوفة». # قالت «وأخشى مع ذلك أن لا يأذن والدي بذهابنا إلى هناك إذ هو عالق بي وليس له سواي فلا ~~أخاله إلا ملحا عليا بالإقامة هنا». # قال «إننا نطاوله ونماطله حتى يأذن بانصرافنا ولو بعد حين ونوصي بلالا أن يخبر سعيد ~~بالتربص في الكوفة ريثما يأتيه ولو أبطأنا». # قالت «افعل ما بدا لك والله الموفق في كل حال». # قال «فلنعد الآن إلى دار الأمير ومتى كنا عنده كان خروجنا من الفسطاط سهلا لأنه هو الذي ~~وعدني بإخلاء سبيلي للبحث عن ابن عمي سعيد فأذكره بوعده ولا أظنه إلا مؤذنا بانصرافي ~~معك». # قالت «ولكننا نبيت الليلة هنا ونصبح إلى دار الأمير». ms148 # قال «حسنا» ولما كان العصر خرج إلى المسجد فوجد بلالا في انتظاره فأوصاه أن يذهب بسعيد ~~إلى الكوفة ويتربص به هناك حتى يأتيا إليهما. # فانبسط وجه بلال وابتسم ثم قال «إن هذا ما كنت أرجوه من مولاي لأنني إذا كنت في الكوفة ~~توقفت إلى الانتقام من قطام اللعينة». # فضحك عبد الله وقال «وأوصيك إذا أنت ظفرت بها أن لا تعفو عن عجوزها لبابة فإنها قهرمانة ~~شريرة». # قال «لا توص حريصا» ثم ودعه وانصرف. # الفصل الرابع والتسعون # | دعوة غريبة # أما عبد الله فلما رأى نفسه بباب المسجد والصلاة قائمة والناس يدخلون أفواجا دخل في جملة ~~الداخلين فرأى عمرا على المنبر يعظ الناس وهم صامتون فوقف حتى فرغ عمرو من خطابه وانقضت ~~الصلاة فتحول للخروج. ولم يكد يتحول من صحن المسجد حتى اعترضه بعض الشرطة قائلا «تمهل يا ~~مولاي إن الأمير يستوقفك لأمر يريد أن يخاطبك بشأنه». # قال «وأين هو الأمير؟» # قال «كان في المسجد كما رأيته وقد تحول الآن إلى داره من باب في المحراب». # قال «وهل هو يريد مقابلتي الآن؟» # قال «نعم». # فانشغل بال عبد الله لذلك الطلب وخاف أن يكون مبنيا على مخاطبته بلالا إذ ربما كان أحد ~~عارفا بمهمته أو غير ذلك. ولكنه مشى حتى أقبل على مجلس عمرو وكان إذا وصل المجلس دخل بلا ~~استئذان. فلما هم بالدخول اعترضه الحاجب قائلا «تمهل ريثما نستأذن لك» فوقف عبد الله ودخل ~~الحاجب ثم عاد فاستفهم عن الجوانب فقال «أن الأمير يريد الخلوة بك على انفراد الليلة فإذا ~~أتيت في العشاء تعال وحدك». # فاستغرب عبد الله ذلك الشرط وأشكل عليه المراد منه فاستزاد الحاجب إيضاحا هل المراد أن ~~يأتي وحده بمعنى أن لا تكون خولة معه. # قال «أظن هذا هو مراده فإنه قال ليأت وحده لكلام سألقيه إليه على انفراد». # فعظم الأمر على عبد الله وحسب لذلك ألف حساب. ولم تكن الشمس قد مالت إلى الغروب فعاد إلى ~~البيت والهواجس تتقاذفه وظهرت عليه أمارات الانقباض فلما أقبل على خولة ورأت ms149 على وجهه آيات ~~الاضطراب ابتدرته قائلة «ما بالك يا عبد الله ما الذي غير وجهك إني أراك متغيرا وأرى في ~~وجهك انقباضا قل رعاك الله ما أوجب ذلك». # قال وهو يحاول التجاهل «ليس في شيء مما تقولينه لكن يظهر أني تعبت من سماع العظة في ~~المسجد ومللت مسافة الطريق وليس ذلك من الانقباض في شيء وكيف ينقبض عشيرتك وأنت مصدر ~~السعادة وينبوع الهناء؟» # فلم تقتنع بقوله ولكنها سكتت على أن تستطلع السر بعد قليل بلباقة. وغيرت الموضوع فقالت ~~«وهل رأيت بلالا؟» # قال «نعم وقد أوصيته بما يقوله لسعيد». # قالت «وهل سافر؟» # قال «أظنه يستريح الليلة خارج الفسطاط ويقلع في الغد باكرا». # وفيما هما يتحادثان جاء والدها فدخلوا جميعا وعلى وجه والدها ظواهر الغضب وكانت خولة ~~تعرف غضبه بمجرد النظر إلى وجهه. فلما رأته كذلك زاد اضطرابها وجعلت تفكر في سبب غضب ~~الاثنين. فخطر لها أنهما تخاصما ولكنها لم تكن تجد سببا لذلك. ولم تجسر على سؤال والدها ~~ولا أرادت الإلحاح على عبد الله في الاستفهام فتركت ذلك إلى ساعة الاختلاء به. # وبعد قليل مدت المائدة فجلسوا إليها وليس فيهم من يتكلم كلمة إلا ما تدعوا إليه الحال من ~~طلب شيء أو الاستفهام عن شيء يتعلق بالطعام ونحوه. # الفصل الخامس والتسعون # | غرفة عمرو # وكان عبد الله لما جلس إلى المائدة لم يغير ثيابه كالعادة فلما نهضوا عن العشاء أخبر خولة ~~ووالدها إنه منصرف في حاجة تقتضي غيابه ساعة. وكأن طلبه هذا جاء طبق ما يرجوه أبو خولة فلم ~~يسأله عن سبب ذهابه ولا استدعى سرعة رجوعه. # فازدادت خولة حيرة وظلت ساكنة ولم يخطر لها أن لذهاب عبد الله علاقة بما بدا لها في وجهه ~~من الانقباض. ولكنها رافقته إلى باب الدار وتوسلت إليه أن لا يطيل الغياب. فأجابها أنه لا ~~يدري ساعة رجوعه لأنه لا يعلم ما يكون من دواعي تأخره ولم يشأ أن يبوح لها بسبب ذهابه ولا ~~ترك لها فرصة للاستفهام فودعها وخرج وهو يسرع في مشيته وأفكاره تائهة ms150 في ما عساه أن يكون ~~غرض عمرو من دعوته على هذه الصورة. # ولما وصل دار عمرو خفق قلبه مخافة أن يسمع من الحاجب خبرا جديدا يزيد قلقه فلم يكلمه ~~الحاجب إلا بقوله أن الأمير ينتظرك في غرفته الخصوصية. # فمشى عبد الله إلى تلك الغرفة وهو يقدم قدما ويؤخر أخرى حتى وصل إلى الباب فإذا هو مغلق ~~فقرعه ووقف ينتظر فتحه ثم سمع خطوات تسرع نحو الباب تتخللها همس لم يفهم منه شيئا. وبعد ~~هنيهة فتح الباب فإذا عمرو نفسه يفتحه بيده فبغت لما رآه أمام عينيه وعلى وجهه دلائل الغضب. ~~فحياه عبدا لله فلم يزد عمرو على قوله «وعليك السلام» وسار إلى صدر الغرفة فتبعه عبد الله ~~وهو ينظر إلى جوانب المكان لعله يرى فيها أحدا. فلم يجد فالتبس عليه الأمر لما سمعه من ~~الهمس وهو واقف خارجا. ولكنه رأى في بعض جدران الغرفة بابا عليه ستار وهو يعلم أن ذلك ~~الباب يستطرق إلى غرفة أخرى فظن بعض نسائه كانت عنده فلما علم بقدومه صرفها من الباب الآخر ~~واستقبله. # وكان عبد الله يفكر في ذلك وهو ماش في ثرا عمرو حتى جلس عمرو على مقعده فوقف عبد الله بين ~~يديه ينتظر أمره بالجلوس فأشار إليه فجلس على وسادة بالقرب منه وهو ينتظر ما يقوله وقد نفد ~~صبره. # الفصل السادس والتسعون # | الاستنطاق # فصبر عمرو لحظة وفي يده درة (سوط) يلاعبها بين يديه كأنه يتشاغل بها عن قلق يخامر ذهنه ~~ففتح عبد الله الحديث قائلا «كيف حال مولاي الأمير وما الذي يأمر به عبده فقد لبيت دعوته ~~وأنا راج أن يكلفني أمرا أقضيه له جزاء لبعض ما له علي من الفضل». # فالتفت إليه عمرو وهو يمشط لحيته بأنامله وقال «إنما دعوتك لأسألك سؤالا واحدا وأرجو أن ~~تصدقني في الجواب عليه مما أحسني أجزلته لك من الجميل وألقيت عليك بعد أن رأيت الموت رأي ~~العين». # فوقف عبد الله احتراما وقال «يعلم الله أني لا أنسى جميلا أوليتني إياه بإغضائك عن ~~جريمة اقترفتها ثم ms151 بإنعامك علي بحياتي وهي خير هبة فكيف لا أصدقك؟» # قال ذلك وقلبه يخفق خوفا من سماع ما قد يكون سبب نقمته عليه. # وأقعده عمرو قال «بلغني اليوم من مطلع على أحوالك أنك إنما جئت الفسطاط مع رفيقك سعيد ~~للفتك بي هل ذلك صحيح؟» # فنهض عبد الله ثانية وقال ولهجة الصدق بادية على وجهه «كلا يا مولاي إن ما بلغك من ذلك ~~محض افتراء». # قال «وما الذي جاء بكما إذا؟» # قال «أما وقد سألتني عن ذلك فاسمح لي أن أقول الحق وأرجو تثق بصدق قولي». # قال «قل الصدق ولا تبال فلا بأس عليك إلا إذا رأيت في كلامك عوجا فلا تلم إلا ~~نفسك». # قال «أقسم برأس الأمير إني لا أقول غير الصدق ولكن حديثي طويل فهل أبسطه كله». # قال «أجبني أولا على سؤالي مختصرا فإذا رأيت ما يدعو إلى التفصيل طلبته. سألتك عما ~~دعاكما إلى المجيء للفسطاط والاجتماع بتلك الزمرة المعادية». # قال «إنما جئت للبحث عن المؤامر على قتل الإمام علي». # قال «ولماذا؟» # قال «لكي أبذل جهدي في زجره وإنقاذ الإمام من الموت». # قال «كيف تفعل ذلك وأنت أموي على ما أعلم». # قال «لقد ألجأتني يا مولاي إلى بعض التفصيل ألا تعرف جدي أبا رحاب». # قال «بلى أعرفه وقد سمعت بوفاته قريبا». # قال «نعم إنه مات وقد كان إلى يوم مماته يكره عليا ويدعو إلى قتله ولكنه في يوم مماته ~~استحلفني واستحلف ابن عمي سعيدا أن لا نبغي شرا لعلي بل إذا رأينا سبيلا إلى الدفاع عنه ~~أن نفعل. فلما سمعنا بالمؤامرة علمنا أن المؤامر على قتل علي من أهل مصر ولكنا لم نعلم من ~~هو فجئنا للبحث عنه وردعه بالتي هي أحسن. ولم تر سبيلا لمعرفته إلا بواسطة أصحاب عين شمس ~~لأنهم على دعوة علي». # فقال «ألم تكن عالما أيضا بمؤامرة رفيق ابن ملجم على قتلي؟» # قال «بلى ولولا ذلك لم استطلع اطلاعك عليه». # قال «وكيف أنك لم تطلعني عليه حال قدومك ألا تعلم أنك تعد بذلك مؤامرا على قتلي؟» ms152 قال ~~ذلك ولحيته ترقص من شدة التأثر ولسان حاله يقول لقد حججتك وغلبتك وأكدت خيانتك. # فقال «نعم أعلم ذلك ولكن حلمك قد وسعني من قبل وعفوت عما مضى وغمرتني بإنعامك فإذا رأيت ~~أن تعود إلى مطالبتي به كان لك الأمر ولكنني لا أخال الأمير عمرو بن العاص إذا عفا عن مذنب ~~أن يرجع عن عفوه». # فلما سمع عمرو كلامه أفحم وسكت. # وشعر عبد الله عند ذلك بقوة انبثت فيه وتارت الحمية في رأسه فهم أن يستأنف الكلام فابتدره ~~عمرو قائلا «ولكن بلغني أنك عرفت خولة قبل أن أخطبها لك وأنها كانت عالمة بخبر تلك ~~المؤامرة فكيف لما ذكرتها لك ليلة الخطبة تجاهلتها». # فارتبك عبد الله في الجواب وكاد يعثر لو لم يثبت جأشه وقد عول على الصدق فقال «حاشاي ياي ~~مولاي أن أخدعك فإني ورأسك وكل غال عندي لم أكن أعرف هذه الفتاة قبل أن ذكرتها لي وأمرت بأن ~~تكون زوجتي». # فقال «وما تقول في سابق اطلاعها على خبر المؤامرة؟» # فتحير عبد الله في الجواب ولكنه فقه لباب يتخلص منه فقال «ذلك ليس لي أن أجيب عنه فإن ~~خولة جاريتك وهي تجيب عن نفسها. ادعها إلى ما بين يديك واسألها ولا أشك في أنها تقول الصدق ~~ولكنني أرغب إلى مولاي أن يخبرني عمن وشى بنا إليه لعلنا نكذبه بين يديه». # قال «سأجمعكم جميعا وأسمع احتجاجكم جهارا فإذا سمعت أقوالكم جازيت كلا بما يستحقه. ~~اذهب الآن إلى فراشك عندنا وغدا لناظره قريب» قال ذلك ونظر نحو الباب ونادى «يا غلام» فدخل ~~رجل فقال له «خذ عبد الله إلى غرفة يبيت فيها الليلة هنا واتني به غدا متى دعوته». # قال سمعا وطاعة وخرج عبد الله والحاجب يسير أمامه حتى دخل به غرفة في دار الأمير التمس ~~المبيت فيها ولكنه لم يغمض له جفن طول ذلك الليل. # الفصل السابع والتسعون # | الجلسة الخصوصية # ولما أصبح عبد الله تحير في هل يخرج إلى الأمير أم ينتظر أمره. ولبث جالسا حتى كان الضحى ~~وإذا بالحاجب قد ms153 جاء يدعوه إلى مجلس الأمير في غرفة خاصة غير مجلسه الاعتيادي فمشى وهو يفكر ~~في ماذا عسى أن يكون من أمر تلك الجلسة ومن هو الواشي وهل تستطيع خولة الدفاع عن نفسها بما ~~يضمن نجاتها؟. # ولاحت منه التفاتة إلى ساحة الدار فرأى هناك عبدا تذكر أنه رآه ولم يلبث أن عرفه فإذا هو ~~ريحان عبد قطام فاختلج قلبه في صدره وقال في نفسه إنها والله وشاية هذه الخائنة وأظنها ~~أرسلت عبدها إلى عمرو كما أرسلته في المرة الماضية لعنها الله. # ومازال ماشيا وهو يفكر في ذلك وقد تغير سحنته من عظم التأثر فرأى الحاجب دخل بابا فدخل ~~هو في أثره فإذا هو مقبل على قاعة في صدرها الأمير عمرو بن العاص كأنه جالس للقضاء وعليه ~~جبة بيضاء وعلى رأسه عمامة كبيرة وقد قعد الأربعاء على وسادة من الدمقس وفي يده الدرة ~~والسبحة معا. فتقدم عبد الله توا إليه فحياه ولم يلتفت إلى سواه. فأمره بالجلوس ببرود ظهر ~~الفرق بينه وبين مقابلاته الأولى. فجلس عبد الله في بعض جوانب الغرفة وأرسل نظرة فرأى إلى ~~جانبه عمه أبا خولة وعن يسار عمرو ثلاث نسوة قد أرسلن النقاب على رؤوسهم فلا يظهر منهن غير ~~العيون من ثقوب فيه. فعرف منهن خولة ولم يكن يجسر على التفرس بالآخريين حياء. فجلس وهو ~~يسترق اللحظ ويفكر فخطر له أن إحداهن قطام جاءت هذه المرة لقضاء حيلتها بنفسها. ثم ما لبث ~~أن عرف الأخرى فإذا هي لبابة العجوز فتحقق أنهما وشيتا به وبسعيد. وكانت قطام قد أبطلت ~~الحداد على والدها وأخيها بعد قتل الإمام علي فارتدت كساء من الحرير المزركش بالقصب صنع ~~بلاد فارس أحمر اللون ناصعه لا يستطيع لبسه الأغنياء وكان نقابها مزركش الأهداب بما يدل على ~~بذخ وترب. وتصور عبد الله جمالها وفصاحتها وحيلتها فعلم أنها غلبت على رأي عمرو أقنعته أن ~~عبد الله وخولة يستوجبان القتل أو نحوه فأخذ يتأهب للجواب. # ومضت برهة والكل صامتون وعمرو ينظر إلى الأرض والدرة في يد كأنه ينكث ms154 البساط بها ويده ~~الأخرى على لحيته يلاعب شعرات منها بين أنامله والاهتمام باد بين حاجبيه. ثم رفع بصره ونظر ~~إلى الباب ونادى غلامه فدخل فقال له «لا تستأذن لأحد بالدخول علينا ولا تدع أحدا يقترب من ~~هذا الباب». # قال سمعا وطاعة وخرج. # ثم التفت عمرو إلى أبي خولة وقال «أهذا جزاء التفاتي إليك يا أبا خولة؟» # فوقف أبو خلولة وقد بغت وقال «وما ذلك يا مولاي. إني لا أعرفني إلا مخلصا لك خادما ~~لمقاصدك». # قال «ربما كنت كذلك ولكن خولة هذه (وأشار إليها) تواطئ الناس على قتلي وتسعى في إنقاذ ابن ~~أبي طالب». # فلما سمع أبو خولة قوله مشى مسرعا حتى أمسك ابنته وقال «إني لا أعرفها إلا جارية من ~~جواري مولاي فإذا ارتكبت شيئا من ذلك فإني أذبحها بين يديك ودمها هدر لك» قال ذلك وجذبها ~~كأنه يريد إيقافها وتقدميها إلى عمرو. أما هي فظلت جالسة ولم تبال. # فقال له عمرو «عد إلى مكانك ودعها تدافع عن نفسها فإني لا أريد أن أعاقبها إلا بعد ~~المحاكمة فإذا صح ما قيل عنها كان القتل أخف قصاص لها». # فلما سمع عبد الله تلك اللهجة الشديدة اختلج قلبه في صدره وخاف عاقبة تلك الجلسة ولكنه ~~تجلد وصبر. # الفصل الثامن والتسعون # | دعوى قطام # ثم التفت عمرو إلى خولة وقال «ما تقولين يا خولة؟» # فوقفت وقالت بصوت رائق وجأش ثابت «ماذا أقول يا سيدي وأنا لا أعرف التهمة التي وشى بها ~~إليك الواشون. فإذا سمعتها ذكرت لك الحقيقة ولك الأمر بعد ذلك فإذا استوجبت القتل فما أنا ~~خير ممن قتل من رجال الإسلام في هذه الفتنة». # فعجب عمرو لتلميحها إلى أعظم ما حدث في تلك الأثناء فقال لها «مالك ولهذا الكلام يا خولة ~~قولي ما جوابك على سؤالي؟» # قالت «إذا كان الأمير حرسه الله قد جعل دمي حلالا إن ثبتت التهمة علي فليس أقل من أن ~~أسمع نص الدعوى الموجهة إلي». # قال «لقد صدقت وإني مطاوعك في جرأتك حتى تبدي كل ما لديك من ms155 أساليب الدفاع ولا أظنك ~~أخيرا إلا مقرة بجنايتك لأنها ثابتة ثبوت النور في النهار اجلسي واستريحي». # فجلست. # فقال عمرو ووجه حديثه إلى قطام «ما قولك يا قطام بخولة وما تعرفينه عنها». # وكانت قطام كما بينا في فصل سابق لما ارتاح بالها من أمر علي وقتله وعلمت مما دار بين ~~خادمها وبين بلال خادم خولة أنها تحب سعيدا وهي التي وجهت عبدها معه واستحثته في الوصول ~~إلى علي قبل انقضاء الأجل المضروب لقتله. فحملتها الغيرة وهاجها حب الانتقام وطاوعها خلق ~~السوء الذي فطرت عليه أن تأتي الفسطاط تشي بخولة وسعيد وهي لا تشك أنها تثبت الجناية عليهما ~~فتتقرب بذلك من عمرو فتنال حظوة في عينيه فتقيم عنده مكرمة أو يتزوجها أحد أبنائه وكان عمرو ~~يعرفها من ذي قبل. فأسرعت إلى الفسطاط ومعها عجوزها وعبدها فوصلت بالأمس وأسرعت إلى عمرو ~~وبشرته بمقتل الإمام علي ووشت إليه بخولة وإنها كانت مواطئة لسعيد على إنقاذ الإمام علي ~~وإنهما كان يعلمان خبر المؤامرة على عمرو وسكتا عنها وقد كان في إمكانهما لو أخلصا الخدمة ~~لعمرو أن يطلعاه عليها فأعارها عمرو أذنا مصغية وبعث إلى عبد الله كما تقدم. ثم رأى من ~~الحزم أن يجمع الجميع ويسمع جدالهم ومدافعتهم قبل إبداء الحكم. # فلما قالت خولة قولها في تلك الجلسة والتمس عمرو من قطام أن تبسط التهمة نهضت ومشت خطوتين ~~نحو الأمير وثوبها المزركش يجر وراءها تيها وبذخا. ثم وقفت وقالت بلسان طلق فصيح «أما ما ~~يسألني الأمير عنه فلا احتاج في إثباته إلى دليل. وتفصيل الأمر أن مولاي الأمير يعلم إخلاصي ~~له ورغبتي في خدمته حتى أني حالما سمعت بمجتمع العلويين في عين شمس بعثت إليه رسولا يخبره ~~خبر ذلك الاجتماع. ولو لم أجد من أبعثه في تلك المهمة لجئت بنفسي. ولم أذكر هذا الشاهد ~~الصغير إلا دليلا على إخلاصي. أما خولة واطلاعها على خبر المؤامرة فأمر لا شك فيه لأني ~~أعلم علم اليقين أن سعيدا ورفيقه هذا (وأشارت إلى عبد الله) لما قدما الفسطاط كانا ms156 عالمين ~~بخبر تلك المؤامرة وقد سمعت ذلك منهما بأذني. وهما إنما أتيا للاجتماع مع العلويين وبعثت ~~يومئذ عبدي يخبر ذلك إلى مولاي الأمير فلما عاد عبدي أخبرني أن جند الأمير قبضوا على ~~العلويين وأن عبد الله وسعيدا في جملتهم ولم يكن يعلم أن سعيدا نجا بمساعدة خولة هذه. أما ~~أنا فإني عرفت ذلك لما عاد سعيد إلى الكوفة مسرعا لاطلاع علي بن أبي طالب على خبر المؤامرة ~~غيرة منه عليه وقد ترك حياة الأمير عمرو بن العاص في خطر القتل. وكان رفيقه في عودته بلال ~~خادم خولة هذه فإنه صحبه إلى الكوفة. فالتقى بهما هناك عبدي ريحان واتضح له من خلال الحديث ~~أن بلال وخولة عالمين بسر الأمر. ولما لم ينجح مسعاهما في إنقاذ الإمام علي قنعا بان يكون ~~مولاي حرسه الله قد أصيب بما أصيب به ذاك. ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذه من مخالب الموت ~~وحرسه بعين عنايته فترى يا مولاي مما قدمته أن خولة كانت عالمة بخبر المؤامرة كما كان ~~يعرفها عبد الله وسعيد فلو كانت مخلصة لمولانا الأمير ما كتمتها عنه». # فقال عمرو «وما الذي يؤكد لنا أن سعيدا وعبد الله لما أتيا الفسطاط كانا عالمين ~~بالمؤامرة على قتلي؟» # وكانت لبابة العجوز صامتة إلى تلك الساعة فلما طرح عمرو هذا السؤال ابتدرته هي قائلة «لا ~~شك أنهما كانا عالمين بها لأنهما أخبرانا بها ليلة سفرهما إلى الفسطاط». # الفصل التاسع والتسعون # | دفاع خولة # وكانت قطام تتكلم وخولة مطرقة تفكر بماذا تجيب. أما عبد الله فإنه لعن الساعة التي أتت ~~بها تلك الخائنة وخاف على خولة أن تتلعثم أو تفحم لأن الأدلة قوية. # أما والد خولة فلم يكد يسمع حديث قطام حتى استشاط غضبا وصاح في خولة بأعلى صوته «الله ~~عليك يا خائنة لقد\ فهمت الآن تلاعبك ونفاقك» ثم التفت إلى قطام وقال «وأي متى لقي عبدك ~~عبدي مع ذلك الرجل في الكوفة». # قالت «ليلة 17 رمضان». # فأطرق برهة ثم اقترب من خولة وجذبها بيدها إلى وسط القاعة وقال ms157 لها بنغمة الانتهار «لقد ~~انكشف لي القناع وعلمت سبب فرار بلال كما تزعمين. أرسلته مع حبيبك ليساعده على إنقاذ أبي ~~تراب (علي بن أبي طالب) وقالت لي أنه فر بالجملين والظاهر أنه أخذهما معه ليركب هو ورفيقه ~~عليها» ثم التفت إلى عمرو وقال «إن ابنتي يا سيدي تستحق القتل اقتلها أو دعني أقتلها بين ~~يديك». # فوقف عبد الله للحال وقد ثارت فيه الغيرة على خولة وهو يظن سكوتها خوفا أو ارتباكا لأنه ~~لم ير ملامحها من وراء النقاب فأمسك أباها بيده وقال برزانة وسكينة يخاطب عمرا «ألتمس من ~~مولاي الأمير الذي أمر أن تكون خولة زوجة لي أن يوقف أباها عند حده فهو الآن لا يملك من ~~أمرها شيئا. أما إذا اقترفت هي ذنبا تستوجب عليه قصاصا فالأمر فيه لمولاي وليس لأحد ~~سواه». # وكان عمرو قد اقتنع بثبوت الجريمة على خولة ولكنه أحب أن يسمع دفاعها ورأى عبد الله يتكلم ~~بحق وعدل فقال لأبي خولة «دع خولة فأنت كما قال عبد الله لا تملك من أمرها شيئا». # فتنحى أبو خولة وهو يلهث ويدمدم ولحيته ترتعش في صدره. وتنحى أيضا عبد الله وخولة لا ~~تزال واقفة. أما قطام فول أزاحت خمارها لبان الابتهاج على وجهها فنجاح مهمتها. # فقال عمرو «ما بالك يا خولة لا تدافعين عن نفسك. أليس ما قالته قطام عنك صحيحا؟ هل كنت ~~عالمة بخبر المؤامرة على قتلي؟» # قالت «نعم». # قال «وهل ساعدت سعيدا على إنقاذ الإمام علي فأرسلت معه خادمك وجمليك». # قالت «نعم كل هذا صحيح». # فتعجب عمرو وسائر الحضور من صراحة إقرارها وقد كانوا يتوقعون إنكارها وتلعثمها أو على ~~الأقل سكوتها. فلما رآها تجيب بهذه الصراحة قال لها «وكيف تظهرين هذه الغيرة على صاحب ~~الكوفة (علي) مع علمك أن والدك لا يريد ذلك ثم لا يخطب ببالك أن تخبري والدك بخبر المؤامرة ~~على قتلي لكي يطلعني عليه. ألا تعلمين أن عملك هذا يعد خيانة تستوجبين عليها القتل. وها أني ~~لا زال أطيل بالي عليك لأسمع دفاعك فأخبريني ms158 أولا كيف تكونين على غير ما يريده والدك وأمير ~~بلادك؟ ثانيا: كيف تسعين لإنقاذ علي بن أبي طالب ولا تسعين في إنقاذ أمير مصر؟» # وقبل أن تهم خولة بالجواب اعترضتها قطام قائلة «أرى مولاي الأمير يتعب نفسه بما لا طائل ~~تحته. هل بعد إقرارها الصريح من باب للنجاة؟ لا دواء لهذه الخائنة إلا القتل». # فقالت خولة وهي تنظر إلى قطام شذرا «سوف يتضح لنا من هي الخائنة وقد يجدر بك التأدب في ~~حضرة الأمير فإنه أعلم منك بقواعد الأحكام». # الفصل المائة # | صدق اللهجة # ثم وجهت خولة خطابها إلى عمرو قائلة «أرجو من الأمير أن يطلق للساني الحرية لأقول كل ما ~~يجول في خاطري». # قال «قولي ما بدا لك». # قالت «أما سبب مخالفتي والدي في رأيه وتحزبي للإمام علي رحمه الله فهو لأني صادقة مخلصة ~~في فكري وقولي وهو المنحرف المتقلب. وما كنت لأصف والدي بهذا العيب لو لم يضطرني إلى ذلك # قال عمرو «وما معنى هذا؟» # قالت «يعلم مولاي الأمير أن والدي ربي في نعم الإمام علي وأنا في حجره مع اعتقادنا أنه ~~ابن عم الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) وأنه عل الحق في أعماله». # فأراد والدها أن يقطع حديثها فاعترضه عمرو وألزمه السكوت فقالت «فلما كانت واقعة صفين كان ~~والدي في جملة من خالفه في أمر التحكيم من الخوارج. فهو الذي انحرف عنه. أما أنا فظللت على ~~رأيي ولا أزال عليه إلى اليوم». # فقال عمرو وهو معجب بجسارتها «ولكن عليا شارك الجهال في قتل الخليفة عثمان فقتلوه ظلما ~~ونحن إنما قمنا نطالب بدمه». # قالت «أما مقتل الخليفة عثمان فأرجو من مولاي الأمير أن لا يلجئني إلى الخوض في شأنه لأني ~~ربما اضطررت إلى ما أتجنب ذكره». # قال «وما الذي يخيفك بعد ما أبديته من الجرأة؟» # قالت «يخيفني غضب الأمير لأمر هو داخل فيه». # قال «قولي كل ما يبدو لك ولا تخافي ». # قالت «أما مقتل الخليفة عثمان رحمه الله فلا أظن مولاي عمرا إلا من جملة الراضين ~~به». # فبغت عمرو ms159 وقال «وكيف تقولين ذلك يا خولة». # قالت «ألم يكن مولاي في جملة المحاصرين لعثمان؟ ألم يقل له قد ركبت يا عثمان أمورا ~~ركبناها معك تب يا عثمان وارجع إلى الله # 1 # فأسمعك هو كلاما جارحا. ثم لما قال لك إني تائب قلت له رأيناك تتوب ثم ~~تعود». # قال «وهل يؤخذ من ذلك أني كنت أريد قتله؟» # قالت «كلا ولكنه يدل على أنك كنت ناقما عليه». # قال «إنما كنت ناقما ليرجع عن أعماله ويبقى على خلافته». # قالت «لو كان هذا هو قصدك فقط لما فرحت بقتله؟» # فانذهل عمرو من سعة اطلاعها على خفايا الأمور ولكنه لم يستطع إلا استفهامها فقال «وكيف ~~تقولين أني فرحت وما دليلك على ذلك؟» # قالت «دليلي قريب إذا أمنني الأمير قلته». # قال «قولي». # قال «ألم تكن في فلسطين يوم قتل عثمان؟ فكنت إذا لقيت الراعي حرضته على قتله؟ ألم تحرض ~~عليا وطلحة والزبير عليه؟ فلما جاءك رجل أخبرك بمقتل عثمان ألم تقل أنا عبد الله إذا حككت ~~قرحة تكأتها؟» # 2 # فلما سمع عمرو قولها استغرب جرأتها وغضب لتصريحها بأمور كان يود كتمانها ولكنه ~~سبق فأمنها وكان داهية يحول معاني الكلام كيف شاء فقال لها «لقد أعجبني دفاعك يا خولة ~~ولكننا لسنا في معرض الدفاع عن علي أو عثمان ولا يهمنا انحرافك أو انحراف والدك وإنما نحن ~~في اطلاعك على خبر المؤامرة على قتلي ثم سكوتك إلى آخر ساعة ووالدك بين يدي كل يوم فكأنك ~~اشتركت مع المؤامر» قال ذلك وهو يحسب نفسه قد غلبها وسد عليها أبواب الدفاع. وكان أشد الناس ~~خوفا عليها عبد الله وقد خيل له أنها لم تعد تستطيع دفاعا بعد إقرارها السابق. # أما هي فهمت بالكلام فإذا قطام تقول «إني لأعجب من حلم الأمير وما الذي يرجوه من دفاعها ~~عن ذنب اعترفت به صريحا». # فلم تعبأ خولة بقول قطام ولكنها أجابت عمرا قائلة «إني لا أنكر عليك عظم هذا الذنب ~~بالنظر إلى ما كنت ترجون من قيامي بأمر الخوارج وموافقة والدي على تأييد ms160 أمركم والتصديق على ~~دعواكم ودعوى معاوية وإنكم على الحق. وقد قدمت لمولاي بأني فعلت ذلك وأنا على دعوة الإمام ~~علي فذنبي من هذا القبيل لا يعد شيئا بالنظر إلى ما تستوجبه هذه المرأة (وأشارت إلى قطام) ~~التي إنما جاءت بهذه الوشاية غيرة عليك وضنا بحياتك فاتهمتني بالخيانة لأني على زعمها كنت ~~عالمة بخبر المؤامرة ولم أخبرك بها فما الذي منعها هي عن إخبارك بذلك يوم أرسلت عبدها عبد ~~السوء للوشاية بأصحاب عين شمس. فإذا كانت هذه المرأة صادقة في دعواها ألم تكن هي أولى مني ~~بإطلاع الأمير على ذلك الأمر؟ اسألها وانتظر في جوابها». # الفصل الحادي والمائة # | فشل الظالمين # فانتبه عمرو كأنه في سكرة وصحا منها بغتة فرأى خولة مصيبة بدعواها فالتفتت إلى قطام لفتة ~~استفهام فلم يسمع منها جوابا. فقال ها «ما تقولين يا قطام لماذا لم تخبريني بخبر تلك ~~المؤامرة؟» # فارتبكت في أمرها ولكنها أجابت وهي مبغوتة وقالت «لأني لم أكن عارفة بخبرها ~~يومئذ». # فتبين عمرو التلاعب في كلامها ولكنه أراد تحقق ذلك فقال لها «ولكنك قلت الآن إنك سمعت خبر ~~المؤامرة منهما فهل سمعته قبل إرسال عبدك إلينا أو بعده». # فانخدعت قطام بسؤاله فأجابت على الفور «لم أسمعه إلا بعد سفر عبدي وكنت عازمة على إرسال ~~غيره فلم أتمكن لمشاعل خصوصية انتابتني». # فتقدم حينئذ عبد الله وهو يكاد يرقص فرحا بخذلان قطام وقال «ولكن عبدك يا مليحة لم يسافر ~~من الكوفة إلا بعد سفرنا لأنه إنما قدم الفسطاط ليخبر الأمير بخروجنا من الكوفة». # فأشار عمرو إليه فسكت وعاد هو إلى السؤال فقال «وزد على ذلك أن هذه العجوز تقول إنكما ~~سمعتما ذلك الخبر منهما ليلة سفرهما فما تقولين بذلك». # فغلب الحنق على قطام فقالت «هذه عجوز حمقاء غلب عليها الخرف فلا يعتد بقولها». # فغضبت لبابة لعقوق قطام وإهانتها إياها على هذه الصورة وهي تعتقد فضلها عليها فقالت لها ~~«وأنا لم أقل ذلك إلا بعد قولك ... تبا لك من امرأة خائنة. كيف تقولين إن الخرف غلب علي وأنت ms161 ~~إنما غلب عليك النفاق». # فاشتد حنق قطام ولم تعد تعي ما تقول لفشلها وخجلها فقالت «اخرسي يا مجنونة ولا تتكلمي بين ~~يدي». # فقالت لبابة «بل أنت مجنونة وأنت الخائنة وإذا لم تلزمي حدك أطلعت الأمير على كل سرائرك ~~وفضحت أمرك». # فقالت «وماذا عسى أن تقولي وأنت خادمة لا يعتد أحد بأقوالك». # وكانت لبابة قد تحققت وقوع قطام في شر أعمالها فأرادت أن تخلص نفسها وتنجو بحياتها فلم تر ~~ذريعة أهون عليها من إيقاع قطام بإباحة أسرارها بالإقرار. ولا غرابة في ذلك فإن من كان ~~مثلها ميت الضمير سيئ الخلق لا ذمام يزجرها ولا عقل يعقلها يسهل انقلابها من الشيء إلى ضده ~~فقالت «على الفور إن أسرارك كلها تحت قدمي هذه وإذا أذن مولاي الأمير كشفت له كل ~~شيء». # فسرت خولة وعبدالله لذلك الخصام. أما عمرو فرأى لحسن سياسته وتعقله أن خولة ممن يحرص على ~~بقائهم وأنها إذا كانت على دعوته لا يخشى انقلابها. وأما قطام فإنها إذا أخلصت له اليوم لا ~~يأمن أن تخونه في الغد فقال للعجوز «قولي يا خالة ما تعرفينه». # فأخذت لبابة تتلو حديث قطام مفصلا من أوله إلى آخره والكل مصغون صامتون ففضحت أسرارها ~~فتحقق عمرو أن إرسالها عبدها إليه لم يكن حبا به ولا نصرة لحزبه بل انتقاما من سعيد ~~وعبدالله. وتبين لديه أن هذين إنما اندفعا للدفاع عن علي بوصية جدهما أبي رحاب واتضح له ~~جليا أن قطاما خائنة لا يوثق بقولها ولا يعتمد عليها وأن بقاءها في قيد الحياة شر على ~~العالمين. ولم يكن اعتقاده بلبابة بأحسن من اعتقاده بقطام لأنه رأى خيانتها رأي العين فصمم ~~على التخلص من كليهما. # وكانت قطام في أثناء حديث لبابة واقفة وقوف الصنم وقد جمد الدم في عروقها واصطكت ركبتاها. ~~وكانت في أول حديث لبابة تهم بتكذيبها وعمرو يسكتها ثم سكتت من تلقاء نفسها. فلما فرغت ~~لبابة من حديثها نادى عمرو «يا غلام» فجاء فأمره أن يسوق قطاما وعجوزها إلى غرفة يسجنهما ~~فيها. # الفصل الثاني والمائة # | العفو ms162 العام # فلما خرجت قطام ولبابة من المكان عاد السكوت إلى الجلسة وكل في مكانه وعمرو غارق في بحار ~~التأمل فكر في خولة وشهامتها وصدق مودتها فرأى أنها إذا كانت على دعوته لا يخشى ضرها بل قد ~~تكون أكبر عون له إذ يندر مثلها بين النساء وغلب على اعتقاده أنها بعد مقتل الإمام علي لم ~~يبق لها سبيل لنصرته فتفضل أن تكتسب رضاء عمرو. وخصوصا إذا عفا عنها وعن زوجها عبد ~~الله. # وبعد السكون هنيهة خاطبها قائلا «والآن ما قولك يا خوله ما الذي نفعله بك». # قالت «لا أبالي يا مولاي بعد أن بسطت لك الحق أن تفعل بي ما تفعله. فقد صدقتك القول ~~بصراحة لا أظن أحد يتجرأ على مثلها. فإذا أمرت بقتلي فإن لا أزيد عدد الموتى ولا أقلل عدد ~~الأحياء. ولا فائدة من بقائي ولا ضرر من مماتي وقد قلت لك في أول حديثي أنه قد قتل واندرج ~~تحت التراب من لا أقاس بأنملة من أنامله. فهل أنا أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان أم أنا خير ~~من ابن عم الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) فإذا شئت اقتلني وأرحني من حياة لا عدل فيها ولا حق ... ولكنني ~~أطلب إليك إذا قتلتني أن لا تعفو عن تلك الخائنة الغادرة» قالت ذلك ودمعت عيناها. # فتأثر عمرو من صدق لهجتها وثبات جأشها فقال لها «وإذا عفوت عنك» قالت «وإذا عفوت فالعفو ~~من شيم الكرام وتكون حياتي هبة من عندك». # فتقدم عبد الله للحال وجثا بين يدي عمرو قال «أرغب إلى مولاي كما وهبني حياتي أن يهبني ~~حياة هذا الملاك الطاهر فنكون كلانا هبة من فضله». # وكان والد خولة لا يزال واقفا وقد سحر بما أبدته ابنته من الحمية والشهامة وقد خجل لأنه ~~لم يكن صادقا في إخلاصه لعلي مثلها. فلما رأى عبد الله يلتمس العفو لابنته تقدم هو أيضا ~~وقبل يدي عمرو وقال «لقد كنت يا سيدي أشد نقمة منك على خولة ولكنني أراها والله خيرا مني ~~وأراني أصغر منها فالتمس ms163 لها العفو أيضا» قال ذلك ونادى خولة فدنيت فقال لها «قبلي يد ~~الأمير واستغفريه» ففعلت وتصافح أبو خولة وعبد الله وعادوا إلى مقاعدهم وقد تذكر عبد الله ~~ابن عمه سعيدا وعلاقته بخولة فقال في نفسه إنها فرصة لا ينبغي ضياعها فخاطب عمرا قائلا ~~«أما وقد وهبتنا حياتنا جزاء لصدق لهجتنا فلا يسعني والحالة هذه إلا أن أتم الصدق بكشف سر ~~لا يزال مكتوما». # الفصل الثالث والمائة # | كشف السر # فلما قال ذلك علمت خولة أنه سيتكلم بشأن سعيد فخفق قلبها وغلب الحياء عليها فانزوت في بعض ~~جوانب الغرفة. # أما عمرو فقال لعبد الله «قل ما بدا لك». # قال «أنت تدعوني الآن زوج خولة وما أنا والله إلا أخوها». # فبغت عمرو وأبو خولة وقال عمرو «كيف لا وقد كتبت كتابك عليها». # قال «نعم إنها زوجتي بالكتاب ولكنها بكرا وقد آخيتها فهي أختي بعهد الله والرجل لا يتزوج ~~أخته». # فازداد استغراب عمرو وقال «وكيف ذلك أفصح يا عبد الله». # قال «لأن خولة أحبت ابن عمي سعيدا قبلي ولابد أنكم لحظتم ذلك من خلال حديث قطام ولكنني ~~لم أعلم ذلك إلا بعد كتابة الكتاب ونظرا لحبي الشديد لابن عمي وقد كفلته بوصاية جدي أبي ~~رحاب أمسكت نفسي عن خولة وآخيتها. واعترف لمولاي الأمير أننا تواطأنا على الخروج من الفسطاط ~~إلى الكوفة بحيلة وسعيد ينتظرنا هناك فأزف خولة إليه». # فلما سمع عمرو كلامه ازداد إعجابا بشهامته وصدق مودته ونظر إلى أبي خولة كأنه يستطلعه ~~رأيه في الامر فإذا هو لم يكن أقل إعجابا بتلك الشهامة ولكنه لم يتمالك عن أن نهض وضم عبد ~~الله إلى صدره وقبل رأسه وقال «بورك فيك من صديق صادق فإذا صارت خولة أختا لك فاقض لها ما ~~أنت قاض». # فقال «إذا أمر مولاي بعثنا سعيد وهو في الكوفة مع بلال العبد فيقدمان إلينا فيكتب الأمير ~~كتابه بأمره». # فقال عمرة «إن ذلك لك على الرحب والسعة» وأمر غلامه أن يمد عبد الله بما يريد مما يتعلق ~~باستقدام سعيد. # فجهز عبد الله ms164 رسولا وكتب إلى سعيد يستقدمه ويبسط له واقعة الحال وأوصى الرسول أن يجعل ~~طريقه بدمشق لأن سعيدا كان فيها فلعله لا يزال هناك. # واستاذن أبو خولة وابنته بالانصراف إلى بيته فأذن لهما فخرجا وخولة تفكر في قطام وكانت ~~قبل هذه الجلسة تريد الانتقام منها ولكنها لما رأت ما كان من فشلها ازدادت حمأة ~~انتقامها.على أنها تذكرت أن بلالا أقسم أن يقتلها ناهيك عن حقد سعيد عليها فعولت أن ~~تستعطفه لكي يعفو عنها ويكتفي بما أصابها من الفشل والإهانة. وأما عبد الله فاستبقاه عمرو ~~عنده بقية النهار وبات تلك الليلة ضيفا في دار الأمير قد ارتاح باله من كل قبيل. ولكنه كان ~~يفكر في قطام وما أصابها من البلاء وكيف سيقت إلى السجن مهانة وقد انكشف أمرها وافتضح سرها ~~فخفت نقمته عليها واكتفى بأن تبقى مسجونة حتى يرى ما يكون من أمرها بعد قدوم سعيد. # وفي الصباح التالي بعث عمرو إليه ليتناول الطعام معه فذهب وفي أثناء الطعام تحدثا بحديث ~~قطام وعجوزها فذكر عبد الله ما يجول في خاطره من الشفقة عليها فقال له عمرو «إنه والله حلم ~~لم يسبقك إليه معن.. وما ظنك بخولة هل تقول قولك؟» # قال «لا أظنها إلا على رأيي لا تواطؤ». # الفصل الرابع والمائة # | الجريمة والفرار # فأحب عمرو أن يجرب ذلك فبعث إلى خولة فلما جاءت سألها عن رأيها في قطام فقالت مثل قول عبد ~~الله تقريبا. # فقال لهما عمرو «إني والله لأعجب من هذا التوارد وإنه دليل صريح على طيب عنصركما وقد كنت ~~لو أردتما قتلها قتلتها لأنها شريرة تستحق الشنق. فأرى إذا أن أسجنها في سجن مظلم لتذوق ~~جزاء ما جنته يداها». # ثم نادى غلامه فحضر فأمره أن ينقل قطام إلى سجن مظلم وأن يأتي بالعجوز إليه فذهب الغلام ~~ثم عاد وعلى وجهه أمارات البغتة. # فقال له عمرو «ما وراءك هل فعلت ما قلته لك؟» # قال «كلا يا مولاي». # وقال «لماذا؟» # قال «لأني وجدت الغرفة مفتوحة وليس فيها غير جثة المرأة العجوز». # قال عمرو ms165 «وقطام؟» # قال «لم أقف لها على أثر». # فصاح عمرو «تبا لتلك اللعينة الخائنة هيا بنا لتفحص الأمر بنفسنا» قال ذلك وأسرع لساعته ~~وتبعه عبد الله وخولة حتى أتوا باب الحجرة التي كانت قطام مسجونة فيها. فإذا بتلك العجوز ~~المسكينة صرعاء هناك لا حراك لها. فأرسل عمرو إلى طبيبه ليتفحص سبب وفاتها فجاء وبعد الفحص ~~قال إنها ماتت خنقا بعنف بعد جهاد ودفاع لأنه رأى في فيها حجرا ملفوفا بمنديل كان القاتل ~~سد به فاها لئلا تستغيث فيسمعها الخفراء فينكشف أمره. # فقال عمرو «ومتى كان ذلك؟» # قال «أظنه وقع في منتصف الليل أو ونحوه». # فحول عمرو انتباهه إلى باب الحجرة وتأمل خلعه فتبين له أنه خلع من الخارج لأنه رأى آثارا ~~معالجته بادات من الخارج. فقال «يظهر أن قطام ليست وحدها القاتلة لان يدا عالجت الباب ~~وفتحته فمن فعل ذلك يا ترى؟» # وكانت خولة لما رأت لبابة مائتة وقطام قد نجت أسفت لما كانت تبغيه من العفو عنها وتضاعفت ~~نقمتها عليها ولو حضرت بين يديها في تلك الساعة لقتلتها بيدها. # وكان عبد الله يشارك عمرا بالبحث فلما رآه يبحث عمن خلع الباب انتبه لساعته وقال «لقد ~~كشفت الغامض وعرفت القاتل إنه ريحان عبد قطام فقد شاهدته في دار الأمير بالأمس قبل المحاكمة ~~ولم أسمع الأمير أمر بالقبض عليه وأنه احتال بخلع الباب وساعد سيدته على قتل العجوز انتقاما ~~لها أو خوفا من لسانها». # فصاح عمرة للحال «لقد أصبت كبد الحقيقة إنه ذلك العبد بعينه ثم أمر بالجثة فحملت ودفنت ~~وعاد الجميع آسفين لنجاة تلك الخائنة من بين أيديهم ولكنهم عزوا أنفسهم بصفاء المودة بينهم ~~وخصوصا خولة عبد الله فإنهما كانا يتوقعان قدوم سعيد ولا ينغص عيشهما إلا فرار قطام ومقتل ~~الإمام علي أن عمرا عول على البحث عنها ومعاقبتها». # الفصل الخامس والمائة # | غوطة دمشق # أما بلال فلما بعثه عبد الله ليتربص مع سعيد في الكوفة سار إلى دمشق فرأى سعيدا بانتظاره ~~هناك فحكى له ما قر القرار عليه واستنهضه للمسير إلى ms166 الكوفة فاستمهله يومين ريثما يقضي بعض ~~الحوائج. وفي أصيل اليوم الثاني حملا أحمالهما وخرجا على جمليهما على أن يبيتا تلك الليلة ~~في غوطة دمشق ويصبحا في اليوم التالي على طريق الكوفة. # وفي خروجهما من باب المدينة لقيهما رسول عبد الله القادم لاستقدامهما إلى الفسطاط وهو ~~يعرف بلالا فأوقفه ودفع الكتاب إلى سعيد فقرأه سعيد وهو لا يصدق لعظم ما هاله من الفرح ~~للقبض على قطام مع رضاء عمرو وما توسمه من شوق خولة إليه. # أما بلال فتأسف للقبض على قطام في غيابه مخافة أن يعفو عن قتلها أو أن يقتلها أحد سواه ~~وهو يود أن يقتلها بيده ليشفي منها غليله. # فقال سعيد للرسول «كنا خارجين الآن إلى الغوطة لنبيت فيها ونصبح إلى الكوفة فأرى بعد أن ~~حملنا أحمالنا أن نظل في طريقنا إلى الغوطة فنبيت هناك ونصبح في الغد نلتمس الفسطاط» فساروا ~~جميعا حتى وصلوا بعد الغروب إلى بحيرة صغيرة حولها أشجار التفاح والمشمش والسفرجل والخوخ ~~تتخللها أشجار الحور وقد علت نقنقة الضفادع يتخللها حفيف الأشجار وصفير الصراصير وهبوب ~~الريح وتغريد الطيور مما يشرح الصدر ويندر مثاله في غير تلك الغوطة. # فحطوا احمالهم واشتغل بلال ورفيقه بإعداد العشاء مما حضر ولا يحلو الطعام هناك إلا ~~بالفاكهة. # وكان بلال يعرف صاحب ذلك البستان وقد نزل عنده ليلة قدومه من الفسطاط فترك سعيدا والرسول ~~ومشى بين الأشجار تحت جنح الظلام يلتمس بيت البستاني. ولم يمش برهة حتى أخطأ الطريق لتكاثف ~~الأشجار وجعل يتلمس في مسيره وهو لا يزداد إلا ضلالا وبعدا حتي أصبح بينه وبين رفاقه ميل ~~وبعض الميل وهو لا يدري فوقف يتفرس من بين الأشجار لعله يرى نورا أو يتبين المنزل من وراء ~~الأفق. ولبث برهة يعمل فكرته ويحاول أن يعرف الجهة التي ترك فيها رفاقه لكي يعود إليهم ولو ~~بلا شيء. # وفيما هو يفكر وقد هدأ الجو وسكنت الطبيعة لا يسمع فيها غير نقنقة الضفادع عن بعد وإذا ~~بصوت أجفله وهو جعير جمل عقبه جعير جمل آخر فعلم أن ms167 القادمين ركب أمسى عليهم المساء قبل ~~الوصول إلى المدينة. فمكث ينتظر وصولهم ليخاطبهم ويستفهم منهم عن الطريق. وكان قد أسند ظهره ~~إلى شجرة فتطاول بعنقه وتنصت ليتحقق الجهة التي سمع الصوت منها فسمع لغطا وكلاما استلفت ~~انتباهه فأصاخ بسمعه فإذا بقائل يقول «دعنا ننزل هنا يا ريحان فإذا أصبحنا دخلنا دمشق لأني ~~أخاف أن يستغشونا إذا دخلناها في الظلام ... ألا تظننا في أمان هنا؟» # وسمع الجواب «نعم يا مولاتي». # فاقشعر بدن بلال عند سماعه ذلك الصوت وقد أدرك لأول وهلة أنه صوت قطام وخصوصا لما سمعها ~~تخاطب ريحان بما يمازجه خوف. وتحقق للحال أنها آتية فرارا من سجن الفسطاط. # الفصل السادس والمائة # | النزول # وكانت قطام لما أرسلت إلى سجنها قد حقدت على لبابة كما قد علمت. ونظرا لما فطرت عليه من ~~اللؤم والقساوة لم يكن أهون عليها من قتل لبابة ولم تعبأ بما كان لها في خدمتها من تعب. ~~وكان ريحان يومئذ واقفا في دار الإمارة فلما رأى سيدته ولبابة سائرتين مخفورتين علم أنهما ~~في ضيق فراعى القوم ببصره حتى عرف الحجرة التي حبسوهما فيها. وعمل فكرته لإنقاذهما. وكانوا ~~عند أول وصولهم الفسطاط قد نزلوا في دار الإمارة فاحتال في إخراج الجمال والأمتعة إلى مكان ~~خارج الفسطاط. ولما توسط الليل غافل الناس وجاء إلى سجن قطام وقد تهيأ لمعالجة الباب. فسمع ~~لغطا فإذا هو خصام احتدم بينها وبين خادمتها. فاستعجل في فتح الباب بالعنف ودخل فلما رأته ~~قطام أشارت إليه أن يساعدها على قتل لبابة فصاحت هذه «تبا لك يا ظالمة يا فاجرة إني أتوب ~~إلى الله عما ارتكبت في سبيلك من الذنوب. وأما أنت فلا نجاك الله من عواقب آثامك و....» ~~فابتدرها ريحان حالا فسد فاها وخنقها وخرج بسيدته من باب كان قد عرفه واسترضى بوابه. فلما ~~بعد عن الفسطاط تحول بها إلى مأمن كان قد أعده عند موقف الجمال. فركبا وهي تثني على شهامته. ~~فخيرها في الجهة التي تسير فيها فاختارت دمشق لأن فيها أناسا من أهلها قد ms168 هجروا الكوفة بعد ~~واقعة النهروان وفشل الخوارج وأقاموا في دمشق. # فسارا حتى أتيا الغوطة في تلك الليلة بعد وصول رسول عبدالله ببضع ساعات كما قد رأيت. وكان ~~بلال لما تأكد أنهما قطام وريحان لم يعد يعلم كيف يفرح. # وقال في نفسه لقد أجاب الله سؤالي. والله إني سأذيقهما الموت بيدي هذه. وجس منطقته فرأى ~~الخنجر فيها. فلبث مستظلا بالشجرة ليرى ما يكون منهما. فإذا هما قد سارا خطوات قليلة حتى ~~أتيا إلى قناة لانحدار مائها خرير وبجانب القناة شجرة من الصفصاف يستظل بها المارة في أثناء ~~النهار. فتحولا عن الجملين وضرب ريحان القبة كالعادة وأوقد النار ثم قال لمولاته «استريحي ~~يا سيدتي ريثما ألاقي البستاني وآتي إليك ببعض الزاد والفاكهة وأنت هنا في مأمن». # قالت «سر ولا تطل الغياب». # قال «حسنا» وانصرف. # الفصل السابع والمائة # | على الباغي تدور الدوائر # وكان بلال واقفا ينظر إليه. فلما رآه توارى نظر إلى قطام على بصيص النار فإذا هي قاعدة ~~وقد كشفت عن وجهها وعنقها وشمرت عن ساعديها ثم رآها نهضت وضفائرها مدلاة على كتفيها وظهرها ~~وفي أطراف الضفائر دنانير معلقة إذا تصادمت أثناء المشي سمع لها رنين. ومشت إلى حافة القناة ~~ودمالجها وخلاخلها تخض خشيشا. فخاف بلال إذا أبطأ أن تفوته الفرصة فوثب عليها وهي تهم ~~بالجلوس على حافة القناة وأمسك بطوقها وجذبها إليه فوقعت على قفاها فجثا على صدرها. فصاحت ~~«ريحان» وقبل أن تتم كلامها وضع بلال قبضته في فيها وقال لها «لم يبق لك في هذه الحياة إلا ~~دقائق قليلة فاعلمي قبل أن تفارقيها أني بلال خادم خولة وسعيد وإني منتقم للإمام علي» ~~فأشارت بعينها إنها تريد الكلام فاستل الخنجر وصوبه إلى عنقها وقال لها «تكلمي بهودء وإذا ~~رفعت صوتك أغمدت هذا الخنجر في عنقك». # قالت «ارحمني يا بلال وأشفق على حياتي». # قال «لا يرحمني الله إن رحمتك وأنت قد ضافرت ابن ملجم وحرضته على قتل الإمام علي. وأردت ~~قتل شابين من خيرة الشبان. ولكن حيلتك لم تبطل فيهما وأخيرا جئت ms169 الفسطاط لإغراء أميرها على ~~خولة. كيف أرحمك يا خائنة». # قالت «ذلك قد مضى يا بلال وأنا تائبة فاعف عن قتلي ولك كل ما أملكه». # قال «هل يتوب الهر!! وإما العفو عن قتلك فوالله لو عرفت قصاصا أعظم من القتل لقاصصتك به ~~لأن القتل قليل على فاجرة خائنة مثلك». # فهمت أن تجيبه فأدرك أنها تماطله ريثما يعود ريحان. # فقال لها «اعلمي يا قطام أني قاتلك انتقاما للإمام علي» قال ذلك وأغمد خنجره في عنقها ~~وأسرع فاحتز رأسها وترك الجثة ولها شخير ما زال يرن في أذنيه إلى مسافة بعيدة وكان لما رأى ~~تلك القناة قد عرف الطريق المؤدي إلى مقر سعيد فانسل بين الأشجار وقد أمسك الرأس من جدائله ~~وتركه يتدلى والدم يقطر منه. # الفصل الثامن والمائة # | الفاكهة الغريبة # فلما وصل بلال إلى سعيد والرسول الجديد كانا قد استبطآه وانشغل خاطرهما عليه. فلما سمعا ~~وقع أقدامه صاح سعيد فيه قائلا «أين الفاكهة يا بلال لقد أبطأت وغلب علينا الجوع». # فلم يجبه بلال ولكنه ظل ماشيا حتى وقف أمامه ورمى الجمجمة بين يديه وقال «هذه ~~فاكهتي». # فأجفل سعيد ونظر فإذا هو رأس قطام بأقراطه وضفائره واستغرب أمره فسأله عن تفصيل ~~الخبر. # فقال «ليس هذا وقت السؤال هلموا بنا نخرج من هذه الغوطة الآن فإذا أمننا من عيون الحكومة ~~أخبرتكم الخبر». # فنهضوا وهم إلى تلك الساعة لم يذوقوا طعاما وركبوا جمالهم واستحثوها جهد طاقتهم وهم تارة ~~يصعدون تلا أو ينزلون غورا وآونة يغوصون في الماء وطورا يدوسون الأشواك أو تتصادم ~~رؤوسهم وأكتافهم بغصون الأشجار حتى انتصف الليل فانتهوا إلى سهل قليل الأغراس وقد بعدوا عن ~~دمشق فواصلوا السير إلى الفجر فتحققوا أنهم آمنوا العيون. # فجلسوا للاستراحة على مصطبة بالقرب من عين ماء جارية وسعيد في شوق شديد إلى سماع تفصيل ~~مقتل تلك المرأة. # فقص بلال حديثه وقلبه يرقص من شدة الفرح وإتماما لأسباب سروره استخرج الجمجمة من جراب ~~كان قد خبأها فيه ووضعها على المصطبة بين يدي سعيد. # وكان شعرها قد تجبل بالدم ms170 والعينان مطبقتان والشفتان مفتوحتان عن أسنان كاللؤلؤ ومسحة ~~الجمال لا تزال في محيا تلك المرأة مع صفاء اللون واصفراره وما تلطخ به من الدماء. # الفصل التاسع والمائة # | الموت عبر الأحياء # فمد سعيد يده إلى جبين تلك الجمجمة ولمسه فإذا هو بارد كالثلج فقال «آمنت بالله كأنه ~~سبحانه وتعالى قد كتب لي أن لا ألمس هذا الجبين إلا وهو ميت مع شدة رغبتي في لمسه منذ ~~أعوام» ثم وجه خطابه إلى الجمجمة وقال «أأنت قطام بنت شحنة وقد طليت دهاءك ومكرك على مئات ~~من الرجال. أيتها العينين فتنت ابن ملجم كما فتنتني. وبهاتين الشفتين عقدت له على نفسك إذا ~~قتل الإمام كما عقدت لي. إنك ستلاقينه عاجلا وستلاقيان عليا في مكان لا تخفى فيه خافية. ~~في مكان تنال فيه كل نفس جزاء ما صنعت إن خيرا وإن شرا». # ثم التفت إلى بلال وقال «ماذا نعمل بهذا الرأس؟» # قال «نحمله إلى الفسطاط لأضعه بين قدمي خولة ذلك الملاك الطاهر». # قال «لا أظنها تسر بهذا المرأى ولا أنا سررت به. زد على ذلك أن هذه الجمجمة لا تصل ~~الفسطاط إلا بعد أن تنتن وتتصاعد عنها رائحة تنفر منها النفس». # فأطرق بلال هنيهة وهو يتأسف لعدم استطاعته حمل الرأس إلى خولة ثم قال «فأسمح لي إذا أن ~~أحمل علامة منه». # قال «وما هي تلك العلامة؟» # قال «أقطع منه الأذنين وفيهما الأقراط وأقص هذا الشعر وفيه الضفائر الذهب». # قال «لك ذلك فافعله». # فاشتغل بلال في ذلك على أن يستريحوا هناك وتناولوا الغداء ويعزموا على الفسطاط. # الفصل العاشر والمائة # | إذا سقط اللئيم لا يلقى نصيرا # أما ريحان فإنه عاد من عند البستاني بعد قليل وقد أعد كل ما ترتاح إليه سيدته من الفاكهة ~~والأطعمة وأمر البستاني أن يشوي بعض اليمام. ولما دنا من الخيمة سمع شخيرا كشخير النائم ~~وكانت قطام إذا نامت شخرت وهو يعرف فيها ذلك. فقال في نفسه يظهر أنها لم تتمالك عن النوم من ~~شدة التعب. ودنا منها فإذا هي بجانب القناة والظلام ms171 حالك والنار التي أوقدها قد خمدت فلم ~~ينتبه لحالها فقال في نفسه لأنيرن الشمع وأعد المائدة ريثما تفيق فأنار الشمعة ولاحت منه ~~التفاتة إلى سيدته فرآها تتحرك فأقبل إليها فإذا هي تختلج اختلاج النزاع وقد أصبحت جثة بلا ~~رأس ورأى دمها قد عكر القناة. فبغت ولطم وجهه ووقف لحظة يفكر في من عسى أن يكون قد فعل ذلك ~~فقال في نفسه «لا يخلو أن يكون ذلك قد حدث بإيعاز عمرو بن العاص والقاتل قد فر الآن ولا ~~سبيل إليه. فإذا أنا صحت وجمعت الناس لا أظن التهمة إلا واقعة علي». # فتحير في أمره ثم تذكر ما ارتكبته قطام من الفظائع كأنه يحاول أن يلتمس لنفسه عذرا إذا ~~تخلى عنها. فرأى أنها ارتكبت عظائم تستحق القتل على كل واحدة منها. # وتذكر ما وراءها من المال الكثير والمصاغ الثمين وإنه هو وحده يعرف مخبآتها في الكوفة. ~~فطمع في اكتساب ذلك الميراث وصمم على اغتنام الفرصة فهم بما عليها من الحلي واستخرج الأساور ~~والدمالج من يديها والعقود من عنقها وجمع ما في جيوبها وصناديقها من غالي الثمن وخفيف ~~الحمل. وتركها تخبط بدمها ولسان حاله يقول «ذلك هو جزاء القوم الظالمين» ودخل الشام في ~~الصباح التالي فاشترى أثوابا تنكر فيها وقصد الكوفة واستخرج ما خبأته قطام هناك من الأموال ~~وابتاع لنفسه ضيعة أقام فيها إلى آخر حياته. # وأما البستاني فكان قد أعد الطعام وحمله وفيه الخبز والفاكهة في سل وجاء إلى موضع الخيمة ~~وهو مسرور بتلك الضيفة لأنهاه كانت كريمة تعطي الناس بسخاء. ولكنه ما وصل الخيمة حتى رأى ~~الحال كما ذكرنا وليس هناك إلا جثة قطام وكانت قد همدت وسكن شخيرها واختلاجها. فلا تسل عن ~~رعبه لما رآها في تلك الحال فقال في نفسه «لابد من جماعة أقوياء تجرأوا على هذا العمل وقد ~~فعلوا ما فعلوا ونجوا بأنفسهم وإذا أنا أظهرت هذه الجثة جلبت لنفسي البلاء فما لي إلا أن ~~أحتفر لها حفرة أخفيها فيها» فاشتغل بالحفر وهو يحاذر أن يراه أحد أو ms172 يسمع خبط معوله. ثم ~~دفن الجثة وأخفى آثار الدماء وحمل كل ما بقي من الأمتعة إلى بيته وساق جملا باقيا هناك ~~وكتم تلك الحادثة ومازالت مكتومة إلى الآن. # الفصل الحادي عشر والمائة # | الوصول إلى الفسطاط # أما وفد الفسطاط فلما أشرفوا على المدينة من سفح المقطم ظهر لهم جامع عمرو في وسط المدينة ~~كالبدر بين الكواكب فاستعجلوا الرسول الجديد بالذهاب إلى عبد الله لينبئه برجوعهم وأوصوه أن ~~لا يذكر له خبر قطام. # أما عبد الله فكان قد خلا له الجو وصفا له قلب الأمير ولكنه مازال منشغل الخاطر في أمر ~~سعيد وكلما تذكر فرار قطام من سجنها انقبضت نفسه وكلما لقي خولة تحادثا بما مر بهما وذكرا ~~سعيدا والتمسا سرعة وصوله وعبد الله يدبر أسلوبا يخبره به عن حقيقة حاله مع خولة. # وفيما هو جالس ذات صباح في غرفته بدار الأمير إذا برسوله قد أقبل وعليه علائم السفر فصاح ~~به «ما وراءك». # قال «ورائي سيدي سعيد وبلال». # قال «وأين هما؟» # قال «تركتهما في سفح المقطم قادمين وجئت لأبشركم». # قال «أهلا بالقادمين» ونهض لساعته وخرج على فرس أسرج له ولم يكد يخرج من الفسطاط حتى ~~التقى بسعيد وبلال على جملين فترجل بلال للحال وهم بيد عبد الله فقبلها. # فقال عبد الله «بورك فيك يا أسمر وبورك بشهامتك» وهم سعيد أن يترجل فأشار إليه عبد الله ~~أن يبقى على جمله لينزلا معا في دار الإمارة. # فمشوا وسعيد يبتسم فقال له عبد الله «ما الذي يضحكك». # قال «يضحكني أننا ذاهبون إلى دار عمرو بن العاص وقد كنا بالأمس نحاذر أن يسمع بنا أو ~~يرانا». # قال «لله في خلقه شؤون» ثم قال بصوت خافت كأنه يحاذر أن يسمعه أحد «لو أراد الله نجح ~~مسعانا ونجا الإمام علي كرم الله وجهه لما همنا النزول في هذه الدار». # فقال سعيد «لا تذكرني بذلك الحادث الفظيع فقد شهدته بنفسي ورأيت ابن ملجم اللعين بأم عيني ~~يضرب الإمام بذلك السيف المسموم وقد كانا بيننا وبين إنقاذه لحظة لو أراد ms173 الله لعجلها. ولكن ~~الآجال مرهونة بأوقاتها». # قال «ولكن الله سيجزي الظالمين وأما نحن فقد صرنا الآني من حاشية ابن العاص وهو والحق ~~يقال من دهاة العرب وكرامهم وكبار قوادهم». # الفصل الثاني عشر والمائة # | المداعبة # وتحادثا في أمثال ذلك حتى اقتربا من الدار فقال عبد الله «لم أسمعك تذكر خولة.. هل ~~نسيتها؟» # فابتسم سعيد وقال «كيف أنساها وأنا إنما جئت ألتمسها». # قال «وماذا تلتمس منها». # قال «لا أدري». # قال «أظنك تدري وإلا فاعلم أن خولة الآن قرينتي زوجني بها عمرو وكتب كتابي عليها ~~بأمره». # فضحك سعيد وهو يظن ابن عمه يمازحه .... # فتظاهر عبد الله بالجد وقال «يظهر لي أنك لم تصدق قولي فأقسم بالله وتربة أبي رحاب أن ~~خولة قد زفت إلي وكتب العقد على يد الأمير. وإذا كنت لا تصدقني فاسأل كل من في هذه الدار ~~عن ذلك». # فغلبت الشهامة على سعيد ولم يسعه إلا أن قال «وما يمنع أن تكون زوجة لك بورك لك فيها. ~~ألست أخي ورفيقي وابن عمي». # قال ذلك وهو لا يزال يشك بما يسمعه لعلمه بأخلاق عبد الله. # ووصلا إلى الدار فترجلا وساروا توا إلى غرفة عبد الله وبعثا إلى عمرو بقدومهما أن يستقبل ~~سعيد في غرفة خاصة وبعث إلى خولة ووالدها فلما جاءا أقبل عمرو إلى تلك الغرفة وقد اجتمع ~~فيها الجميع وبلال واقف خارجا فلما دخل عمرو تقدم سعيد لتقبيل يده والسلام عليه فرحب به ~~ودعاه للجلوس. # فقال سعيد «إذا أذن مولاي فليأمر عبده بلالا بالدخول ليحضر هذه الجلسة». # فأمر بدخوله فانزوى في بعض جوانب الغرفة متأدبا وفي يده جراب من جلد. # وكان سعيد ينظر إلى خولة من تحت النقاب ويفكر في ما سمعه من عبد الله وهو يتردد بين الشك ~~واليقين. # فلما استتب بهم الجلوس خاطب عمرو سعيدا قائلا «أظنكم تتوقعون أن تروا قطاما ~~سجينة». # فقال سعيد «نعم يا مولاي». # قال «ولكنها فرت من السجن وزادت ذنبها عظما بقتل خادمتها. وكنا قد أردنا استبقاءها ~~مسجونة. أما الآن فإذا ظفرنا بها لا قصاص ms174 لها عندنا غير القتل». # الفصل الثالث عشر والمائة # | جائزة مئة دينار # فلم يتمالك سعيد عن الابتسام وقد ندم لأنه لم يصرح بالأمر لما سأله عنه عمرو وهم بالكلام ~~فاعترضه بلال مستأذنا. فسكت. فتقدم بلال إلى عمرو وجثا بين يديه والجراب بيده وقال «استعطف ~~مولاي أن يأذن لي بكلمة أقولها». # قال «قل». # قال «كيف ترجون القبض على قطام وأنتم لا تعرفون مقرها». # قال «نطمع الناس في البحث عنها بمال كثير». # قال «بكم تسمح نفس الأمير لمن يقبض عليها». # قال «نعطيه مئة دينار». # قال «اتشترط أن يؤتى بها حية». # قال «لا فرق جاء بها حية أو ميتة». # قال «وإذا جاء بخبر قتلها». # قال «نقبل منه بشرط أن يأتينا بما يثبت قتله إياها». # فأخذ بلال يحل الجراب وهو يقول «فليأمر مولاي الأمير بمن يدفع لي مئة دينار» وما تم قوله ~~حتى أفرغ الجراب بين يدي الأمير ففاحت الرائحة وظهر الشعر الملطخ بالدماء وبلال يبحث فيه ~~بإصبعه حتى وجد الأذنين وفيها الأقراط. # فأجفل عمرو وسائر الحضور لذلك المنظر واشمأزت نفوسهم من تلك الرائحة الكريهة وصاح فيه ~~عمرو «ويلك ما هذا؟!» # قال «هذا هو شعر قطام ملطخا بدمها. وهذه أذناها وأقراطها. وإذا احرجتموني جئتكم برأسها ~~فإن إنما تخليت عنه إجابة لأمر مولاي سعيد» قال ذلك ووقف وهو يشير برأسه إلى سعيد. # فقال سعيد «نعم يا مولاي أنا أشهد أن بلالا قتل قطام وحده واحتز رأسها وجاءني به وهو ~~ينوي حمله إليكم فأشرت عليه أن يكتفي بهذه العلامة تخلصا من نتانة تلك الرمة». # وكان الحضور قد بهتوا وهو ينظرون إلى الشعر والأذنين فأشار عمرو إلى بلال أن أحمل هذه ~~الأقذار من هنا فأعادها إلى جرابه وتنحى. # فقال له عمرو «لك علينا مئة دينار». # فحني رأسه شكرا وامتنانا وقال «إني أشكر مولاي الأمير على نعمته ولكنني أعترف له بأني ~~لم أقتل هذه الخائنة طمعا بجائزة وإنما قتلتها انتقاما للحق» وأراد أن يفصل ما أجمله ~~فانتبه أنه لا يجوز ذكر الإمام علي هناك فاكتفى بما قاله. # ونهض عبد ms175 الله فقال «بورك فيك يا بلال» فاقصص علينا الخبر إذا أمر الأمير. # فقال عمرو «اقصصه». # فقصه من أوله إلى آخره. # الفصل الرابع عشر والمائة # | الطلاق والزواج # فأثنى الجميع على شهامته وخصوصا خولة. وتذكرت أن والدها كان ناقما عليها من أجله ~~فاغتنمت تلك الفرصة لاكتساب رضاه عنهما فقال «يا بلال تقدم بإذن الأمير وقبل يدي سيدك» ~~وأشارت إلى والدها. فتقدم بلال للحال وقبل يده فأثنى عليه فعاد إلى موقفه. وكان الحديث قد ~~انقضى ولم يبق غير الانصراف. # فوقف عبد الله والتفت إلى عمرو وقال «أشهد أيها الأمير أن امرأتي هذه طالق مني ثلاثا» ~~وأشار إلى خولة. # فانتبه سعيد لما كان سمعه منه فتحقق أنه كان معقودا له عليها. فعلته البغتة. # ولحظ عمرو فيه ذلك فقال «طب نفسا يا سعيد إن خولة لا تزال بكرا وإنما طلقها عبد الله ~~صورة كما تزوجها صورة» والتفت إلى أبي خولة وقال له «إني أخطب خولة منك لسعيد». # فقال أبو خولة «هي جاريتك يا مولاي فافعل بها ما تشاء». # فخجلت خولة لتلك المفاوضة بين يديها وأطرقت. # وأمر عمرو فكتب الكتاب في الحال وهنأهما بذلك القران وأمر لبلال بالمال الذي وعده به ~~وانصرف الجميع إلى بيت خولة بعد أن ودعوا عمرا وشكروا صنيعه. # وبعد أيام استأذن عبد الله سعيدا في الذهاب إلى مكة للقيام مع أهله وتدبير تركة جده فأذن ~~له بالرغم عنه. فانصرف وودع خولة ووالدها والأمير عمرا وسار إلى مكة واقترن هناك بابنة عم ~~له وعاشوا جمعيا عيشا لا يشوبه من الغصص إلا الافتكار بمقتل الإمام علي. وزاد تنغيصهم ~~ما سمعوه بعد ذلك من تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان. فخرجت الخلافة من ~~أهل البيت وصارت إلى بني أمية. وإنما فعل الحسن ذلك حجبا للدماء ولم يتول الخلافة إلا ستة ~~أشهر فانتقل كرسيها من الكوفة إلى دمشق وما زال فيها إلى انقضاء دولة بني أمية. ms176